شرح نهج البلاغة ابن أبی الحدید المجلد 6

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

شرح

نهج البلاغة

لابن أبي الجديد

محمد ابراهیم

اشارة

مکتبه الجوادین العامه

مؤسسة السبية ة السيدة الذات الحسيني

الشهرستاني

سنة 1360 - 8941

صحة الكاظمية - العراق

شرح

نهج البلاغة

ابن أبي الجديد

تحقیق

محمد الملاهيم

المجلد السادس

محرر الرقمي: نرگس عباسي

12-11

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1428ه - 2007م

دار الكتاب العريق

دام الكِتاب العربي

بغداد - شارع المثني

تلفون: 4154561 - 7901419375

الطباعة وكانت شير و التى تريشية

بيروت. لسناك

خليوي : (03/946616 - 3/115425 - تلفاكس : 0776408

http://www.Dar-ALamira.com email:info@dar-alamira.com

الجزء الحادی عشر

اشارة

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

الحمد الله الواحد العدل

196 - ومن كلام له (علیه السلام)في وصف الدنيا والآخرة

الأصل: أَيُّها النَّاسُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازِ، وَالآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ،

وَلَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ، عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ، وَالخَرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ، فَفِيهَا أَخْبِرْتُمْ، وَلِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ. إِنَّ المَرْمَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ : «مَا تَرَكَ!» وَقَالَتِ المَلائِكَةُ :«مَا قَدَّمَ!» الله آباؤُكُمْ! فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ، وَلا تُخلِفُوا كُلاً فَيَكُونَ قَرْضاً عَلَيْكُمْ.

الشرح: ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبّرد في «الكامل »(1)عن الأصمعيّ، قال: خطَبنا أعرابيّ بالبادية فحمِد الله واستغفره، ووحده وصلّى على نبيه(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فأبلغ في إيجاز، ثم قال: أيّها النّاس، إنّ الدنيا دار بلاغ والآخرة دار قرار، فخذوا لمقرّكم من ،ممرّكم، ولا تهتكوا أستاركم ،عند مَنْ لا تخفى عليه أسراركم. في الدّنيا أنتم ولغيرها خلقتم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والمصلَّى عليه رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، والمدعوّ له الخليفة، والأمير جعفر بن سليمان.

وذكر غيره الزيادة الّتي في كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) ،وهي: : «إنّ المرء إذا هلك . . . »، إلى آخر الكلام. وأكثر النّاس على أنّ هذا الكلام لأمير المؤمنين(علیه السلام).

ويجوز أن يكونَ الأعرابيّ حفظه فأورده كما يورِد النّاسُ كلامَ غيرهم .

قوله (علیه السلام):« دار مجاز» ، أي يُجاز فيها إلى الآخرة، ومنه سمّيَ المجاز في الكلام مجازاً ، لأنّ المتكلّم قد عَبَر الحقيقة إلى غيرها، كما يَعبُر الإنسان من موضع إلى موضع.


1) «الكامل في اللغة »:لأبي العباس محمد بن يزيد المعروف بالبرد النحوي، المتوفى سنة (285ه)، كشف الظنون (1382/2).

ودار القرار :دار الاستقرار الذي لا آخر له .فخذوا من سركم : أي من الدنيا ،لمقركم :وهو الآخرة.

ودار القرار :دار الاستقرار الذي لا آخر له .فخذوا من ممرّكم أي من الدنيا . لمقرّكم ،وهو الآخرة.

قوله(علیه السلام): «قال الناس : ما ترك !»، يريد أنّ بني آدم مشغولون بالعاجلة، لا يفكرون في غيرها، ولا يتساءلون إلا عنها ، فإذا هلك أحدكم، فإنّما قولهم بعضهم لبعض : ما الذي ترك فلان من المال؟ ما الذي خلف من الولد؟ وأما الملائكة فإنّهم يعرفون الآخرة، ولا تستهويهم شهواتُ الدّنيا، وإنّما هم مشغولون بالذُكر والتسبيح، فإذا هلك الإنسان، قالوا: ما قدّم؟ أي أي شيء قدّم من الأعمال؟

ثم أمرهم (علیه السلام)، بأن يقدّموا من أموالهم بعضها صدقهّ، فإنّها تبقى لهم، ونهاهم أن يخلُفوا أموالَهم كلَّها بعد موتهم، فتكون وبالاّ عليهم في الآخرة.

197 - ومن كلام له(علیه السلام) كان كثيراً ما ينادي به أصحابه

الاُصل: تَجَهَّرُوا رَحِمَكُمُ اَلله ! فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ، وَأَقِلُوا الْعَرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا،

وَانْقَلِبُوا بِصَالِحٍ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةٌ كَووداً، وَمَنَازِلَ مَخُوفَةٌ

مَهُولَةٌ ، لاَ بُدَّ منَ الْوُرُود عَلَيْهَا، وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا .

وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلاحِظَ المَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَائِبَةٌ ، وَكَأَنَّكُمْ بِمخَالِبهَا وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ، وَقَدْ دَهَمَتْكُمْ مِنهَا مُفْطَعَاتُ الأمُورِ، وَمُضْلِعَاتُ المَحْذُور.

فَقَطْعُوا عَلاَئِقَ الدُّنْيَا ، وَاسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى.

وقد مضى شيءٌ من هذا الكلامِ فيما تقَدَّمَ يُخَالِف هذه الرِّوَايَةَ .

الشرح : تجهزوا لكذا، أي تَهيّؤوا له.

والعرجة (1):التعريج، وهو الإقامة، تقول: ما لي على ربعك عَرجة، أي إقامة، وعرَّج فلان على المنزل، إذا حبَس عليه مطيَّته .


1) انظر القاموس المحيط ،مادة (عرج).

والعقبة الكؤود (1): الشاقّة المصعد .ودائبة :جادة. والمخلب للسَّبُع بمنزلة الظّفر للإنسان. وأفظع الأمرُ ، فهو مفظع ، إذا جاوز المقدار شدّة.

ومضلعات (2)المحذور : الخطوب التي تُضِلع، أي تجعل الإنسان ضليعاً، أي معوجَّا، والماضي ضَلِع بالكسر يَضَلع ضَلَعاً .

ومن رواها بالظاء، أراد الخطوب التي تجعل الإنسان ظالعاً، أي يغمز في مَشْيِه لثقلها عليه، والماضي ظَلَع بالفتح ، يظلَع ظَلَعاً ، فهو ظالع .

198 - ومن كلام له (علیه السلام)كلم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة

اشارة

وقد عتبا عليه من ترك مشورتهما والاستعانة في الأمور بهما

الأصل: لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً، وَأَرْجَأْتُمَا كَثِيراً .أَلاَ تُخْبِرَانِي أَيُّ شَيْءٍ كَانَ لَكُما فِيهِ حَقٌّ

دَفَعْتُكُما عَنْها! أم أي قسم اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُما بِها أَوْ أَيُّ حَقٌّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ ، أَمْ جَهِلْتُهُ، أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ!

وَالله مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلافَةِ رَغْبَةٌ، وَلا فِي الْوِلايَةِ إِرْبَةٌ، وَلَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا ، وَحَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا ، فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ الله وَمَا وَضعَ لَنَا ، وَأَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، وَمَا اسْتَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَاقْتَدَيْتُهُ. فَلَمْ أَحْتَج إلى رَأيِكُما ، وَلاَ رَأي : غَيْرِكُمَا ، وَلَا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَكُمَا وَإِخْوَانِي مِنَ المُسْلِمِينَ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْهَبْ عَنْكُمَا وَلَا عَنْ غَيْرِكُمَا .

وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأَسْوَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأيي، وَلاَ وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي ، بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَأَنْتُما مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَدْ فُرغَ مِنْهُ، فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُما فِيمَا قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ، وَأَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمَا وَاللَّهُ عِنْدِي وَلَا لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى.

أَخَذَ الله بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ!

ثم قال (علیه السلام): رَحِمَ الله رجلاً رَأَى حَقًّا فَأَعَانَ عَلَيْهِ ، أَوْ رَأَى جَوْراً فَرعدَّهُ، وَكَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَی صَاحِبِه.


1) انظر القاموس المحيط ، مادة (كأد).

2) انظر القاموس المحيط ،(ضلع).

الشرح: نقمت عليه ، بالفتح أنقِم ،هذه اللغة الفصيحة، وجاء نقِمت بالكسر، أنقَم.

وأرجأتما : أخرتما، أي نقَمتما من أحوالي اليسير ، وتركتما الكثير الذي ليس لكما ولا لغير كما فيه مطعَن فلم تذكراه، فهلاً اغتفرتُما اليسير للكثير !

وليس هذا اعترافاً بأن ما نقَماه موضع الطعّن والعيب، ولكنّه على جهة الجدَل والاحتجاج، كما تقول لمن يطعن في بيتٍ من شعر شاعر مشهور : لقد ظلمتَه إذ تتعلّق عليه بهذا البيت، وتنسى ما له من المحاسن الكثيرة في غيره!

ثم ذكر وجوه العتاب والاسترادة ،وهي أقسام: إما أن يكون لهما حقٌّ يدفعهما عنه، أو استأثر ، عليهما في قَسم، أو ضَعُف عن السياسة، أو جَهِل حُكْماً من أحكام الشريعة، أو أخطأ بابه .

فإن قلت : أي فرق بين الأوّل والثاني؟

قلت: أما دفعهما عن حقهما، فمنعهما عنه ،سواء صار إليه أو إلى غيره، أو لم يصِر إلى أحد، بل بقيَ بحاله في بيت المال.

وأما القسم الثاني فهو أن يأخُذَ حقَّهما لنفسه، وبين القسمين فرق ظاهر، والثاني أفحش من الأوّل.

فإن قلت: فأيّ فرق بين قوله ،«أم جهلته»، أو «أخطأت بابه»!

قلت : جَهْل الحُكْم أن يكونَ الله تعالى قد حكم بحرمة شيء، فأحله الإمام أو المفتي، وكونه يخطىء بابه، هو أن يِصيب في الحكم ويخطىء في الاستدلال عليه.

ثم أقسم أنّه لم يكن له في الخلافة رغبة ولا إرْبة، بكسر الهمزة، وهي الحاجه .

وصدَق(علیه السلام)! فهكذا نَقَل أصحابُ التواريخ وأرباب عِلمِ السُير كلُّهم، وروى الطبريّ في التاريخ ورواه غيره أيضاً أنّ الناسَ غَشُوه وتكاثروا عليه يطلبون مبايعته، وَهو يأبى ذلك ويقول: دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تثبت عليه العقول، ولا تقوم له القلوب. قالوا : نَنْشُدك الله ! ألا تَرَى الفِتنة! ألا ترى إلى ما حدث في الإسلام! ألا تخاف الله !فقال : قد أجبتكم لما أرى منكم ، واعلموا أني إن أجبتُكم ركبتُ بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، بل أنا أسمُعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم إليه . فقالوا: ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك. قال: إن كان لا بدّ مِن ذلك ففي المسجد، فإن بَيعتي لا تكون خفياً، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين ،وفي ملأ وجماعة .فقام والنّاس حوله، فدخل المسجد، وانثال عليه المسلمون فبايعوه، وفيهم طلحة والزبير(1).


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 24/32 .

قلت : قوله : «إن بيعتي لا تكون خَفياً، ولا تكون إلا في المسجد بمحضَرِ من جمهور النّاس»، يشابه قوله بعد وفاة رسول الله (صلی الله علیخ و آله و سلم)للعّباس لمّا سامَه مدَيدِه للبيعة : إنّي أحبُّ أن أصحِر بها، وأكره أن أبايع من وراء رتاج (1).

ثم ذكر (علیه السلام)أنّه لما بُويع عمِل بكتَاب الله وسنة رسوله ، ولم يحتج إلى رأيهما ولا رأي غيرِهما، ولم يقع حُكم يجهله فيستشيرهما، ولو وقع ذلك لاستشارهما وغيرهما، ولم يأنَف ذلك .

ثم تكلّم في معنى التَّنْفِيل في العطاء، فقال : إني عملت بسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في ذلك.وصدق (علیه السلام)! فإنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) سوّى في العطاء بين الناس، وهو مذهب أبي بكر .

والعُتُبى : الرّضا، أي لست أرضيكما بارتكاب ما لا يحل لي في الشرع ارتكابه .

والضمير في «صاحبه» ، وهو الهاء المجرورة يرجع إلى الجؤر ، أي وكان عوناً بالعمل علىصاحب الجور.

طلحة والزبير وبعض من أخبارهما

قد تقدّم منا ذكرُ ما عتب به طلحة والزُّبير على أمير المؤمنين(علیه السلام) ، وأنهما قالا : ما نراه يستشيرنا في أمر ،ولا يفاوضنا في رأي، ويقطع الأمرَ دوننا، ويستبدّ بالحكم عنّا ! وكانا يرجوان غير ذلك، وأراد طلحةُ أن يولُيَه البصرة، وأراد الزّبير أن يولّيَه الكوفة، فلما شاهدا صلَابتَه في الدين ،وقوته في العزم، وهَجْرَه الادهان والمراقبة، ورفضه المُدَالسة والمواربة، مسالكه منهج الكتاب والسنة، وقد كانايعلمان ذلك قديماً من طبعه وسجيّته ،وكان عمر قال لهما ولغيرهما : إنّ الأجلح إن وَليهَا ليحملتّكم على المحجّة البيضاء والصراطالمستقيم، وكان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) له من قبل قال : «وإنّ تولّوها عليَّا ، تجدوه هادياً مهديا (2)»، إلاّ أنه ليس الخبرُ كالعيان ،ولا القول كالفعل، ولا الوعد كالإنجاز. وحالاً عنه وتنكرا له ،ووقعا فيه، وعاباه وغمَصاه، وتطلبا له العلل والتأويلات ،وتنقّماعليهالاستبداد وترك المشاورة، وانتَقَلا من ذلك إلى الوقيعَة فيه بمساواة النّاس في قسمة المال، وأثنيا على عمرَ، وحمِدا سيرته، وصوّبا رأيه، وقالا : إنّه كان يفضّل أهلَ السوابق ،وضلّلا عليُّا (علیه السلام)فيما رآه ،

وقالا : إنّه أخطأ، وإنّه خالف سيرة عمر، وهي السيرة المحمودة التي لم تفضحها النبّوة، مع قرب عهدنا منها، واتصالها بها .واستنجدا عليه بالرّؤساء من المسلمين، كان عمر يفضّلهم وينقِّلهم في القَسم على غيرهم - والنّاس أبناء الدّنيا، ويحبّون المال حُبًّا جماً - فتنكَّرت على أمير المؤمنين(علیه السلام) بتنكُّرهما قلوب كثيرة، ونغلِت عليه نيّاتٌ كانت من قبل سليمة، ولقد كان عمر موفّقاً حيث منع قريشاً والمهاجرين وذوي السَّوابق من الخروج من المدينة، ونهاهم عن مخالطة النّاس، ونهى الناس عن مخالطتهم، ورأى أن ذلك أسُّ الفساد في الأرض، وأنّ الفتوح والغنائم قد أبطرت المسلمين، ومتى بَعُد الرؤوس والكبراء منهم عن دار الهجرة، وانفردوا بأنفسهم، وخالَطهم النّاس في البلاد البعيدة لم يأمن أن يحسِنُوا لهم الوثوب، وطلب الإمرة ومفارقة الجماعة، وحلّ نظام الألفة، ولكنه رضيَ الله عنه نقضَ هذا الرأي السّديد بما فعله بعد طعن أبي لؤلؤة له من أمْرِ الشورى، فإنّ ذلك كان سبب كلّ فتنة وقعت، وتقع إلى أن تنقضيَ الدنيا . وقد قدّمنا ذكر ذلك، وشرحنا ما أدى إليه أمرُ الشورى من الفساد بما حصل في نفس كلّ من الستة من ترشيحه للخلافة.

وروى أبو جَعْفَرِ الطبري في تاريخه، قال : كان عمر قد حَجَر على أعلام قريش من المهاجرين الخروجَ في البلدان إلا بإذن ،وأجَلٍ، فشكوه، فبلغه ، فقام فخطب، فقال: ألا إني قد سننتُ الإسلام سنّ البعير، يبدأ فيكون جذعاً، ثم ثنيا ، ثم يكون رباعيا، ثم سَدِيساً، ثم بازلاً ألا فهل يُنتظر بالبازل إلا النقصان ! ألا وإنّ الإسلام قد صار بازلاً ، وإنّ قريشاً يريدون أن يتّخذوا مال الله معونات على ما في أنفسهم. ألا إنّ في قريش من يُضمِر الفرقة، ويروم خَلْع الربقة . أمّا وابنُ الخطاب حيّ ،فلا إنّي قائم دون شِعب الحَرّة، آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار .

وقال أبو جعفر الطبري في التاريخ (3)أيضاً : فلما ولّيَ عثمان لم يأخذهم بالذي كان عمر يأخذهم به، فخرجوا إلى البلاد، فلما نزلوها ورأوا الدُّنيا، ورآهم النَّاسِ، خَمَل مَنْ لم يكن له طول ولا قَدَمٌ في الإسلام، وتُبه أصحاب السوابق والفضل، فانقطع إليهم النّاس، وصاروا أوزاعاً معهم، وأمّلُوهم، وتقربوا إليهم، وقالوا : يملكون فيكون لنا في ملكهم حظوة، فكان ذلك أوّل وَهَن على الإسلام، وأوَّلَ فتنة كانت في العامة .

وروى أبو جعفر الطبريّ، عن الشعبيّ، قال: لم يمت عمر حتى ملّته قريش، وقد كان حَصَرهم بالمدينة، وسألوه أن يأذَنَ لهم في الخروج إلى البلاد، فامتنع عليهم، وقال: إنّ أخوَف ما أخافُ على هذه الأمة انتشاركم في البلاد، حتى أنّ الرّجُل كان يستأذنه في غزو الروم

ص: 10


1) الرتاج :الباب العظيم، وقيل: هو الباب المغلق، وقد أرتج الباب إذا أغلقه إغلاقاً وثيقاً. لسان العرب، مادة (رتج).

2) أخرجه أحمد في« مسنده» في كتاب : العشرة المبشرين بالجنة، باب : ومن مسند علي بن أبي طالب (861) ، والحاكم في «المستدرك»(4434) ، والبزار في «مسنده »(2895) ،

3) انظره (679/2).

أو الفرس، وهو ممّن حبسه بالمدينة من قُريش، ولاسيما من المهاجرين فيقول له : إنّ لك في غزوك مع رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ما يكفيك ويبلغك ويُحْسِبُك، وهو خيرٌ لك من الغزو اليوم، وإنّ خيراً لك ألا ترى الدنيا ولا تراك.

فلما مات عمر وولي عثمان خلّى عنهم فانتشروا في البلاد واضطربوا، وانقطع إليهم الناس وخالطوهم، فلذلك كان عثمان أحبّ إلى قريش من عمر .

فقد بان لك حسنُ رأي عمر في مَنْع المهاجرين وأهل السّابقة من قَريش من مخالطة النّاس والخروج من المدينة، وبان لك أنّ عثمان أرخى لهم في الطِّوَل، فخالطهم الناس، وأفسدوهم، وحبّبُوا إليهم الملك والإمرة والرئاسة، لاسيما مع الثورة العظيمة التي حصلت لهم، والتّراء مفسدة وأيّ مفسدة! وحصل لطلحة والزبير من ذلك ما لم يحصل لغيرهما ثروة ويساراً، وقدما في الإسلام، وصار لهما لفيف عظيم من المسلمين يمنّونهما الخلافة، ويحسِّنون لهما طلب الإمرة، لاسيما وقد رشّحهما عمر لها، وأقامهما مقام نفسه في تحمّلها، وأي امرىء منَّى بها قطّ نفسه ففارقها حتى يغيَّب في اللّحد! ولا سيما طلحة، قد كان يحدِّث بها نفسه وأبو بكر حي، ويروم أن يجعلها فيه ،بشبهة أنّه ابنُ عمّه، وسخط خلافة عمر .

وقال لأبي بكر : ما تقول لربّك وقد ولّيتَ علينا فظا غليظاً، وكان له في أيام عمر قوم يجلسون إليه، ويحادثونه سرًّا في معنى الخلافة، ويقولون له : لو مات عمر لبايعناك بَغْتَةً، جلب الدّهرُ علينا ما جلب! وبلغ ذلك ،عمر، فخطب النّاس بالكلام المشهور، إنّ قوماً يقولون : إنّ بيعة أبي بكر كانت قلتة (1)، وإنه لو مات عمر لفعلنا وفعلنا، أما أنّ بيعة أبي بكر كانت فَلتة، إلا إنّ الله وَقَى شرّها، وليس فيكم من تقطع إليه الرقاب كأبي بكر، فأي امرىء بايع امراً من غير مشورة من المسلمين ،فإنَّهما بغرّة أن يقتلا، فلما صارت إلى عثمان سخطِها طلحة بعد أن كان رضيها، وأظهر ما في نفسه، وألَّب عليه حتى قُتِل، ولم يشك أنّ الأمر له، فلمّا صارت إلى عليَّ(علیه السلام)، حدث منه ما حدث، وآخر الدواء الكي.

وأما الزبير فلم يكن إِلا عَلَويّ الرأي، شديد الوَلاَء جارياً من الرّجل مجرى نفسه.

ويقال : إنّه(علیه السلام) لما استنجد بالمسلمين عَقِيب يوم السقيفة وما جرى فيه، وكان يحمل فاطمة(علیه السلام) ليلاً على حمار، وابناها بين يدي الحمار، وهو(علیه السلام) يسوقه فيطرق بيوتَ الأنصار وغيرهم، ويسألهم النّضرة والمعونة، أجابه أربعون رجلاً، فبايعهم على الموت، وأمرهم أن يصبحوا بكرةً محلّقي رؤوسهم ومعهم سلاحهم، فأصبح لم يوافِهِ منهم إلا أربعة : الزبير، والمقداد، وأبو ذَرّ ،وسَلْمان. ثم أتاهم من الليل ،فناشدهم، فقالوا : نصبحك غدوة،

ص: 11


1) الفلتة: الأمر يقع من غير إحكام. اللسان، مادة (فلت).

فما جاءه منهم إلا أربعة، وكذلك في الليلة الثالثة، وكان الزبير أشدَّهم له نصرة، وأنفذهم في طاعته بصيرة، حلَق رأسه، وجاء مراراً وفي عنقه سيفه، وكذلك الثلاثة الباقون، إلا أنّ الزبير هو كان الرأس فيهم.

وقد نقل النّاس خبر الزبير لما هَجَم عليه ببيت فاطمة(سلام الله علیها) ، وكسر سيفه في صخرة ضربت به، ونقلوا اختصاصه بعلي(علیه لسلام) ، وخلواته به .ولم يزل موالياً له، متمسِّكاً بحبّه ومودّته، حتى نشأ ابنه عبد الله وشبّ، فنزع به عِرْقٌ من الأمّ، ومال إلى تلك الجهة وانحرف عن هذه، ومحبة الوالد للولد معروفة، فانحرف الزُّبير لانحرافه على أنّه قد كانت جرت بين عليّ(علیه السلام) والزبير هَناتٌ في أيام عمر كدّرت القلوب بعض التكدير، وكان سببها قصة موالي صفيّة ومنازعة عليّ للزبير في الميراث، فقضى عمر للزبير، فأذعن عليّ(علیه السلام) لقضائه بحكم سلطانه ،لا رجوعاً عمّا كان يذهب إليه من حكم الشرع في هذه المسألة وبقيت في نفس الزّبير، على أنّ شيخنا أبا جعفر الإسكافيَّ رحمه الله ذكر في كتاب «نقض العثمانية» عن الزبير كلاماً، إن صحّ، فإنّه يدلّ على انحراف شديد ورجوع عن موالاة أمير المؤمنين (علیه السلام).

قال : تفاخَر علي(علیه السلام) والزبير، فقال الزبير : أسلمتُ بالغاً، وأسلمت طفلاً ، وكنتُ أوّل مَنْ سلّ سيفاً في سبيل الله بمكّة وأنت مستخف في الشُّعب، يكفُلك الرجال، ويَمونك الأقارب من بني هاشم .وكنتُ فارساً، وكنتَ راجلاً، وفي هيئتي نزلت الملائكة، وأنا حواريّرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).

قال شيخنا أبو جعفر : وهذا الخبر مفتعل مكذُوب، ولم يجر بين عليّ والزبير شيء من هذا الكلام، ولكنّه من وضع العثمانية، ولم يسمع به في أحاديث الحشَوّية، ولا في كتب أصحاب السيرة .

ولعليّ(علیه السلام) أن يقول : طفل مسلم خير من بالغ كافر، وأمّا سلّ السيف بمكّة، فلم يكن في موضعه، وفي ذلك قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُوا أَيْدِيَكُمْ (1)الآية، وأنا على منهاج الرسول في الكفّ والإقدام، وليس كفالة الرجال والأقارب بالشَّعب عاراً عليّ، فقد كان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في الشَّعب يكفُله الرّجال والأقارب. وأما حربسك فارساً، وحربي راجلاً ، فهلاً أغنت فروسيتك يوم عمرو بن عبد وَدّ في الخندق! وهلاً أغنت فروسيتك يوم طلحة بن أبي طلحة في أحد! وهلا أغنت فروسيّتك يوم مرحب بخيبر !ما كانت فرسُك الشّتي تحارب عليها في هذه الأيّام إلا أذلّ من العَنْز الجرباء، ومَنْ سلَّمت عليه الملائكة أفضل ممّن نزلت في هيئته، وقد نزلت الملائكة في صورة دِحية الكلبي، أفيجب من ذلك أن يكون دخية أفضلَ منّي ! وأما

ص: 12


1) سورة النساء، الآية : 770

كونك حواريّ رسولِ الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فلو عددت خصائصي في مقابلة هذه اللفظة الواحدة لك، لاستغرقت الوقت، وأفنيت الزمان، وربّ صمتِ أبلغ من نطق.

ثم نرجع إلى الحديث الأوّل، فنقول : إنّ طلحة والزبير لما أيسا من جهة عليَّ(علیه السلام) ، ومن حصول الدنيا من قِبَله، قَلَبا له ظهر المجنّ، فكاشفاه وعاتباه قبل المفارقة عتاباً لاذعاً، روى شيخنا أبو عثمان قال :

أرسل طلحةُ والزبير إلى عليّ(علیه السلام) قبل خروجهما إلى مكّة مع محمد بن طلحة، وقالا : لا تقل له:«يا أمير المؤمنين»، ولكن قل له : «يا أبا الحسن»، لقد فَال فيك رأيُنا ، وخاب ظنُّنا أصلحنا لك الأمر، ووطّدنا لك الإمرة، وأجلبنا على عثمان حتى قتِل، فلمّا طلبك النّاس لأمرهم ، أسرعنا إليك، وبايعناك، وقُدْنا إليك أعناقَ العرب، ووطىء المهاجرون والأنصار أعقابنا في بَيعتك حتى إذا ملَكت عنانك استبدَدت برأيك عنّا، ورفضتنا رفض التّرِيكة (1)، وأذلتنَا إذالة الإماء، وملّكت أمرَك الأشتر وحكيم بن جبلة وغيرهما من الأعراب ونُزاع الأمصار، فكنّا فيما رجوناه منك ،وأملنا من ناحيتك، كما قال الأول :

فَكُنْتَ کُمهْريق الذي في سِقَائِهِ ***لرَقْراقِ آل فوق رابِيةٍ صَلْدِ

فلّما جاء محمّد طلحة، أبلغه ذاك ، فقال : اذهب إليهما ، فَقُلْ لهما : فما الذي بن يرضيكما ؟ فذهب ،وجاءه ، فقال : إنهما يقولان : وَلّ أحدَنا البصرة والآخر الكوفة! فقال : لاها الله ! إذَنْ يحلُم الأديم ، ويستشري الفساد ،وتنتقض عليّ البلاد من أقطارها، والله إني لا آمنهما وهما عندي بالمدينة، فكيف آمنهما وقد ولّيتهما العراقين! اذهب إليهما فقل : أيها الشيخان ،احذرا من سَطوة الله ونقمته، ولا تبغيا للمسلمين غائلة وكيداً، وقد سمعتها قول الله تعالى :تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (2). فقام محمد بن طلحة فأتاهما ، ولم يعد إليه، وتأخرا عنه أياماً ، ثم جاءاه فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة، فأذِن لهما بعد أن حلفهما ألا ينقضا بيعتَه ولا يغدِرَا به ولا يشقّا عصا المسلمين ،ولا يُوقِعَا الفرقة بينهم، وأن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة ،فحلَفا على ذلك كلّه ثم خرجا ففعلا ما فعلا .

ص: 13


1) التريكة :من النساء التي تُترك فلا تتزوج. لسان العرب ،مادة (ترك).

2) سورة القصص ، الآية : 83 .

وروى شيخنا أبو عثمان، قال :لمّا خرج طلحة والزبير إلى مكّة، وأوْهَما الناس أنهما خرجا للعمرة، قال عليّ(علیه السام) لأصحابه : والله ما يريدان العمرة، وإنّما يريدان الغَدْرةفَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ وَ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (1).

وروى الطّبري في التاريخ، قال: لمّا بايع طلحة والزبير عليَّها (علیه السلام)، سألاه أن يؤمرّهما على الكُوفة والبصرة فقال : بل تكونان عندي أتجمّل بكما، فإنني أستوحش لفراقكما .

قال الطبريّ : وقد كان قال لهما قبل بيعتهما له : إن أحببتها أن تبايعاني، وإن أحببتما بايعتكما، فقالا : لا،بل نبايعك، ثم قالا بعد ذلك : إنما بايعناه خشية على أنفسنا، وقد عرفنا أنّه لم يكن ليبايعنا . ثم ظهرا إلى مكة، وذلك بعد قتل عثمان بأربعة أشهر .

وروى الطبريّ أيضاً في التاريخ(2)قال : لمّا بايع النّاس علياً، وتمّ له الأمر، قال طلحة للزبير : ما أرى أن لنا من هذا الأمر إلا كحِسّة (3)أنف الكلب.

وروى الطبري أيضاً في التاريخ قال : لمّا بايَع النّاس علياً (علیه السلام)بعد قتل عثمان، جاء عليُّةإلى الزبير، فاستأذن عليه . قال أبو حبيبة مولى الزبير: فأعلمتُه ،به، فسلّ السيفَ، ووضعه تحت فراشه، وقال: ائذن له ،فأذنت له، فدخل فسلّم على الزبير وهو واقف. ثم خرج، فقال الزبير : لقد دخل لأمرِ ما قضاه قم، مقامه وانظر :هل ترى من السيف شيئاً ! فقمت في مقامه، فرأيت ذُباب السيف فأخبرتُه وقلت : إن ذُباب السيف ليَظهر لمن قام في هذا الموضع، فقال: ذاك أعجلَ الرجل .

وروى شيخنا أبو عثمان قال : كتب مُصعب بن الزبير إلى عبد الملك :

مِنْ مُصعب بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان: سلام عليك فإني أحمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد :

سَتَعْلَمُ يَا فَتَى الزرقاء أني ****سأهتِك عن حلائلكَ الحِجَابا

وأترك بلدة أصبحت فيها *****تهوّر من جوانبها خَرَابا

أما إن الله عليّ الوفاء بذلك، إلاّ أن تتراجع أو تتوب! ولعمري ما أنت كعبد الله بن الزبير، ولا مروان كالزبير بن العوام ،حواريّ رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وابن عمَته. فسلُم الأمر إلى أهله، فإنّ نجاتك بنفسك أعظم الغنيمتين ،والسلام.

فكتب إليه عبد الملك :

ص: 14


1) سورة الفتح، الآية : 10 .

2) انظره (699/2).

3) الحِسُّ : الصوت الخفي أو الرّنة. لسان العرب مادة (حسس).

من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، إلى الذًلول الذي أخطأ مَنْ سماء المُصْعَب، سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد:

أتُوعِدُنِي وَلَمْ أَرَ مِثْلَ يومِي ****خَشاش الطير يوعدن العُقَابا

مَتى تَلْقَ العُقاب خَشَاش طيرِ****یهتُك عن مقاتلها الحِجَابا

أتوعد بالذئاب أسود غاب ****وأسد الغاب تلتهم الذيابا!

أمّا ما ذكرت من وفائك، فلعمري لقد وفّى أبوك لتيم وعديّ بعداء قريش وزعانفها، حتى إذا صارت الأمور إلى صاحبها عثمان، الشريف النسب، الكريم الحسب، بغاه الغوائل، وأعدّ له المخاتل(1)، حتى نال منه حاجته، ثم دعا النّاس إلى علي وبايعه، فلما دانت له أمور الأمة، وأجمعت له الكلمة ، وأدركه الحسد القديم لبني عبد مناف، فنقض عهدَه، ونكث بيعَته بعد توكيدها ، ف«فَكر وقدَر ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ»، وتمزقت لحمه الضباع بوادي السباع. ولعمري إنك تعلم يا أخا بني عبد العُزّى بن قصي، أنا بنو عبد مناف لم نزل سادتكم وقادتكم في الجاهلية والإسلام، ولكن الحسد دعاك إلى ما ذكرت ولم ترث ذلك عن كلالة، بل عن أبيك، ولا أظنّ حسدك وحسد أخيك يؤول بكما إلا إلى ما آل إليه حسد أبيكما من قبل وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّنُ إِلَّا بِأَهْلِهِ(2)، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَكَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(3).

وروى أبو عثمان أيضاً، قال: دخل الحسن بنعلىّ(علیه السلام) علي معاوية، وعنده عبد الله الزبير - وكان معاوية يحبّ أن يغري بين قريش - فقال : يا أبا محمد، أيّهما كان أكبر سنًا، عليّ أم الزبير ؟ فقال الحسن : ما أقرب ما بينهما، وعليّ أسن من الزبير ! رحم الله علياً ! فقال الله الزّبير - وهناك أبو سعيد بن عقيل بن أبي طالب، فقال : يا عبد الله، وما يهيجك من أن يترحم الرجل على أبيه قال: وأنا أيضاً ترّحمت على أبي ! قال: أتظنه نِدُّا له وكفؤاً؟ قال: وما يُعدَلُ به عن ذلك! كلاهما من قريش، وكلاهما دعا إلى نفسه ولم يتمّ له . قال : دع ذاك عنك يا عبد الله، إنّ علياً من قُريش ومن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث تعلم، ولمّا دعا إلى نفسه أتبع فيه، وكان رأساً، ودعا الزّبير إلى أمر وكان الرأس فيه امرأة، ولما تراءت الفئتان نكَص على عَقِيبه، وولّى مديراً قبل أن يظهر الحقّ فيأخذه، أو يدحض الباطل فيتركه، فأدركه رجل لو قيسَ ببعض أعضائه لكان أصغَر، فضرب عنقه، وأخذ سَلَبه، وجاء برأسه، ومضى عليّ قُدُماً كعادته مع ابن عمّه رحم الله علياً ! فقال ابن الزبير : أما لو أنّ غيرك تكلّم بهذا يا أبا

سعيد، لعلم! فقال: إنّ الذي تعرِّض به يرغب عنك . وكفّه معاوية، فسكتوا .

ص: 15


1) المخاتل : الخِداع. لسان العرب، مادة (ختل).

2) سورة فاطر، الآية : 43 .

3) سورة الشعراء، الآية : 227 .

وأخبِرت عائشة بمقالتهم، ومرّ أبو سعيد بفنائها، فنادته :يا أبا سعيد أنت القائل لابن أختي كذا ؟ فالتفت أبو سعيد، فلم ير شيئاً ، فقال : إنّ الشيطان يرانا ولا نراه! فضحكت عائشة، وقالت : الله أبوك ! ما أذلق لسانك (1)!

199 - ومن كلام له(علیه السلام) وقد سمع قوماً

من أصحابه يسبّون أهل الشام أيَّام حربهم بصفين

الأصل: إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ،

كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ ، وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُم إِيَّاهُمْ :

اللَّهُمَّ أحْقِنُ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ، حَتَّى يعرف الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِي عَنِ الْغَيِّ وَالْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ!

الشرح السّب : الشتم، سبّه يشبُّه بالضمّ، والتّسابّ: التشاتم، ورجل مِسَب بكسر الميم:

كثير السِّباب، ورجل سُبَّة، أي يسبه الناس، ورجل سُببَة، أي يسب الناس، ورجل سَبّ كثير السباب وسِبُّك : الذي يسابك، قال:

لاَ بَّنَّنِي فَلَسْتَ بسِبي ***إنّ سِبِّي من الرجال الكريم

والذي كرهه(علیه السلام) منهم ، أنهم كانوا يشتمون أهلَ الشام، ولم يكن يكره منهم لعَنهم إياهم، والبذاءة منهم، لا كما يتوهمه قوم من الحشوية، فيقولون: لا يجوز لعن أحدٍ ممّن عليه اسم الإسلام وينكرون عَلَى مَنْ يلعن، ومنهم مَنْ يغالي في ذلك، فيقول: لا ألعن الكافر، ولا ألعن إبليس، وإن الله تعالى لا يقول لأحدٍ يوم القيامة : لم لم تلعن؟ وإنما يقول : لمَ لَعَنْت؟

واعلم أنّ هذا خلاف نصّ الكتاب، لأنه تعالى قال: إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا .

وقال : أُوْلَيْكَ يَلْعَمُهُمُ اللهُ وَيَلْعَهُمُ اللعنون (2).

وقال في إبليس : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعَنَى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ(3).

وقال : مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا تُقِفُواْ(4).

ص: 16


1) أخرجه الأحمدي الميانبجي في مواقف الشيعة : 245/1 .

2) سورة البقرة، الآية : 159 .

3) سورة ص ، الآية : 78 .

4) سورة الأحزاب، الآية: 61 .

وفي الكتاب العزيز من ذلك الكثير الواسع .

وكيف يجوز للمسلم أن ينكرّ التبرّؤ ممّن يجب التبرؤ منه ! ألم يسمع هؤلاء قول الله تعالى : وقَدْ كَانَتْ لَكُمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كفرنا بكم وبدا يننَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبدا (1)! وإنما يجب النظر فيمن قد اشتبهت حاله، فإن كان قد قارف كبيرة من الذنوب يستحق بِهَا اللعن والبراءة، فلا ضيَر على مَنْ يلعنه. ويبرأ منه، وإن لم يكن قد قارف كبيرة لم يَجُز لعنه ، ولا البراءة منه .

وممّا يدلّ على أنّ مَنْ عليه اسم الإسلام إذا ارتكب الكبيرة يجوز لعنُه، بل يجب في وقت، قول الله تعالى في قصة اللِّعَان: فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتِمٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ وَالْحَسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ(2).

وقال تعالى في القاذف : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْعَفِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُم عَذَابُ عَظِیمُ(3)

فهاتان الآيتان في المكلّفين من أهل القبلة، والآيات قبلهما في الكافرين والمنافقين، ولهذا قنَت أمير المؤمنين(علیه السلام) على معاوية وجماعة من أصحابه، ولعنهم في أدبار الصلوات.

فإن قلت : فما صُورة السب الذي نَهَى أمير المؤمنين(علیه السلام) عنه ؟

قلت: كانوا يشتمونهم بالآباء والأمهات، ومنهم مَنْ يطعن في نسب قوم منهم، ومنهم مَنْ يذكرهم باللؤم، ومنهم مَنْ يعيّرهم بالجبن والبخل وبأنواع الأهاجي التي يتهاجَى بها الشعراء، وأساليبها معلومة، فنهاهم(علیه السلام) عن ذلك، وقال: إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين ولكن الأصوب أن تصِفُوا لهم أعمالهم، وتذكروا حالهم أي أن تقولوا : إنّهم فسّاق، وإنهم أهل ضلال وباطل .

ثم قال: اجعلوا عِوَض سبهم أن تقولوا : اللّهمّ احقن دماءنا ودماءهم !

حقنت الدم أحقُنه بالضم: منعت أن يسْفَك، أي ألهمِهم الإنابة إلى الحق والعدول عن الباطل ، فإنّ ذلك إذا تم حقنت داء الفريقين .

فإن قلت : كيف يجوز أن يدعو الله تعالى بما لا يفعله؟أليس من أصولكم أن الله تعالى .

يضطر المكلّف إلى اعتقاد الحق، وإنما يكله إلى نظره؟!

قلت الأمر وإن كان كذلك، إلاّ أن المكلفين قد تُعبُدُوا بأن يدعوا الله تعالى بذلك، لأنّ في دعائهم إياه بذلك لطفاً لهم ومصالح في أديانهم، كالدعاء بزيادة الرزق وتأخير الأجل.

ص: 17


1) سورة الممتحنة، الآية : 4.

2) سورة النور، الآيتان: 6 7 .

3) سورة النور، الآية : 23 .

قوله :« وأصلح ذات بيننا وبينهم» يعني أحوالنا وأحوالهم. ولمّا كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها :« ذات البين»، كما أنه لما كانت الضمائر ملابسة للصدور قيل : «ذات الصدور»، وكذلك قولهم : اسقني ذا إنائك لما كان ما فيه من الشراب ملابساً له، ويقولون للمتبرّز قد وضع ذا بطنه، وللحبلى تضع : ألقت ذا بطنها .

و ارعوى عن الغيّ : رجع وكفّ ،لهج به بالكسر ، يلهَج : أغرى به وثابر عليه .

200 - ومن كلام له(علیه السلام) في بعض أيام صِفَين

وقد رأى الحسن ابنه(علیه السلام) لم يتسرّع إلى الحرب

الأصل: أَمْلِكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلاَمَ لاَ يَهُدَّنِي، فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ – يَعْنِي الْحَسَن

والحسَينَ (علیه السلام)- عَلَى المَوْتِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللَّهِ( صلى الله عليه و آله وسلم) .قَالَ الرَّضِيُّ أَبُو الحَسَن رَحِمَهُ الله : قَوْله عليه السَّلامُ : أَمْلِكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلَامَ من أَعْلَى الْكَلاَم وَأَفْصَحه .

الشرح: الألف في «أمْلِكُوا» ألف وصل، لأن الماضي ثلاثي، من ملكت الفرس والعبد

والدار، أملك بالكسر ، أي احجُروا عليه كما يحَجُر المالك على مملوكه .

وعن ،متعلّقة بمحذوف تقديره : استولوا عليه وأبعدوه عنّي. ولما كان الملك سبَب الحجر على الملوك عبّر بالسبب عن المسبّب، كما عبّر بالنكاح عن العقد، وهو في الحقيقة اسم الوطء، لما كان العَقْدُ طريقاً إلى الوطء، وسبباً له .

ووجه علوّ هذا الكلام وفصاحته أنّه لما كان في : «املكوا» معنى البعد، أعقبه بعن، وذلك أنّهم لا يملكونه دون أمير المؤمنين(علیه السلام) إلاّ وقد أبعدوه عنه، ألا ترى أنّك إذا حجرت على زيد دون عمرو، فقد باعدت زيداً عن عمرو! فلذلك قال: املكوا عنُي هذا الغلام واستفصح الشارحون قول أبي الطًيب :

إذا كان شَمُّ الرَّوْحِ أَدْنَى إليكم ****فلا برحتْنِي رَوْضَةٌ وقَبُول

قالوا : ولمًا كان في «فلا برحتني» معنى «فارقتني» عدّى اللفظة، وإن كانت لازمة، نظراً إلى المعنى .

قوله : «لا يَهدِّني» أي لئلا يهدّني، فحذف كما حذف طَرَفة في قوله :

ألا أيُهذا الزّاجري أحضرَ الوَغَى

ص: 18

أي: لأن أحضر .وأنفس: أبخل، نفست عليه بكذا ، بالكسر.

فإن قلت : أيجوز أن يقال للحسن والحسين وولدهما : أبناء رسول الله وولد رسول الله،

وذرية رسول الله، ونسل رسول الله ؟

قلت : نعم، لأن الله تعالى سمّاهم «أبناءه» في قوله تعالى : نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ(1)، وإنما عَنّى الحسن والحسين، ولو أوصى لولد فلان بمالِ دخل فيه أولاد البنات، وسمّى الله تعالى عيسى ذرية إبراهيم في قوله: وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُرَدَ وَسُلَيْمَنَ إلى أن قال: وَيَحْيَى وَعِيسَى(2)، ولم يختلف أهل اللغة في أنّ وَلَدَ البنات من نسل الرجل .

فإن قلت : فما تصنع بقوله تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ(3)؟ قلت : أسألك عن أبوّته لإبراهيم ابن مارية، فَكَما تجيب به عن ذلك، فهو جوابي عن الحسن والحسين(علیه السلام).

والجواب الشّامل للجميع أنه عَنَى زيدَ بن حارثة ، لأنّ العرب كانت تقول :«زيد بن محمد» على عادتهم في تبنّي العبيد،فأبطل الله تعالى ذلك، ونهى عن سنّة الجاهلية، وقال: إنّ محمداً ليس أباً لواحدٍ من الرجال البالغين المعروفين بينكم ليعتزى إليه بالنبوّة، وذلك لا ينفي كونه أباً لأطفال لم تطلق عليهم لفظة الرجال،كإبراهيم وحسن وحسين(علیه السلام).

فإن قلت : أتقول إنّ ابنَ البنتِ ابن على الحقيقة الأصليّة أم على سبيل المجاز؟

قلت: لذاهب أن يذهب إلى أنه حقيقة أصليّة، لأنّ أصل الإطلاق الحقيقة، وقد يكون اللفظ مشترَكاً بين مفهومين وهو في أحدهما أشهر، ولا يلزم من كونه أشهر في أحدهما ألاً يكون حقيقة في الآخر.

ولذاهب أن يذهب إلى أنه حقيقة عُرفية،وهي التي كثر استعمالها، وهي في الأكثر مجاز، حتى صارت حقيقة في العرف ،كالراوية للمزادة، والسماء للمطر .

ولذاهب أن يذهب إلى كونه مجازاً قد استعمله الشارع، فجاز إطلاقه في كلّ حال، و استعماله كسائر المجازات المستعملة .

ومما يدلّ على اختصاص ولد فاطمة دون بني هاشم كافّة بالنبي(علیه السلام) ، أنّه ما كان يحلّ(علیه السلام) أن ينكح بنات الحسن والحسين(علیه السلام) ولا بنات ذريتهما، وإن بعدن وطال الزمان ،ويحلّ له نكاح بنات غيرهم من بني هاشم من الطالبيُين وغيرهم، وهذا يدلّ على مزيد الأقربية، وهي كونهم أولاده، لأنه ليس هناك من القُرْبى غير هذا الوجه لأنهم ليسوا أولاد أخيه ولا أولاد أخته، ولا هناك وجه يقتضي حرمَتهم عليه إلا كونه والداً لهم، وكونهم أولاداً له، فإن قلت قد قال الشاعر :

ص: 19


1) سورة آل عمران، الآية: 61 .

2) سورة الأنعام، الآيتان: 84، 85.

3) سورة الأحزاب، الآية: 40 .

بَنُونَا َبنُو أبنائنا وبناتنُا ****بنوهُنَّ أبناء الرّجال الأباعد

وقال حكيم العرب أكثم بن صيفيّ في البنات يذمّهن : إنهن يلدن الأعداء، ويورّثن البُعداء.

قلت : إنما قال الشاعر ما قاله على المفهوم الأشهر، وليس في قول أكثم ما يدلّ على نفي بنوّتهم، وإنما ذكر أنهن يلدن الأعداء، وقد يكون ولد الرجل لصلبه عدواً، قال الله تعالى : وإِنً مِنْ أَزْوَجكُمْ وَأَوَلَدِكُمْ عَدُوا لَكُم(1)، ولا ينفي كونه عدوًا كونه ابناً، قيل لمحمد بن الحنفيّة(علیه السلام) : لم يغرّر بك أبوك في الحَربُ، ولِمَ لا يغرر بالحسن والحسين؟ فقال : لأنهماعيناه وأنا ،يمينه ،فهو يذبّ عن عينيه بيمينه(2).

201 - ومن كلام له(علیه السلام) قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة

لها الأصل: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ، حَتَّى نَهِكَتْكُمُ الْحَرْبُ، وَقَدْ

وَالله أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَتَرَكَتْ، وَهِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ.

لَقَدْ كُنتُ أَمْس أَمِيراً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً ، وَكُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً ، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيًّا. وَقَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ، وَلَيْسَ لي أنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ!

الشرح: نهِكتكم ،بكسر الهاء : أدنفتكم (3)وأذا بتكم، ويجوز فتح الهاء، وقد نهك الرجل أي

دنف وضَني، فهو منهوك. وعليه نَهكة ،المرض، أي أثرة الحرب، مؤنثة.

وقد أخذت منكم وتركت ،أي لم تستأصلكم، بل فيكم بعدُ بقيّة، وهي لعدِوّكم أنهك، لأنّ القتل في أهل الشام كان أشدّ استحراراً، والوَهن فيهم أظهر، ولولا فساد أهل العراق بِرفعِ المصاحف، لاستؤصل الشام، وخلص الأشتر إلى معاوية ،فأخذه بعنقه، ولم يكن قد بقي من قوّة الشام إلا كحرَكة ذَنَب الوزغة (4)عند قتلها، يضطرب يميناً وشمالاً، ولكن الأمور السماويَة لا تغَالب.

فأما قوله : «كنت أمس أميراً، فأصبحت اليوم مأموراً»، فقد قدمنا شرح حالهم من قبل ،

ص: 20


1) سورة التغابن ،الآية : 14 .

2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 99/42 .

3) أدنف : أثقل . لسان العرب، مادة (دنف).

4) الوزغة : سام أبرص، سميت بها لخفتها وسرعة حركتها .القاموس المحيط ، مادة (وزغ).

وأنّ أهل العراق لمّا رفع عمرو بن العاص ومَنْ معه المصاحف على وجه المكيدة حين أحسّ بالعطب وعلوّ كلمة أهل الحق ، ألزموا أمير المؤمنين (علیه السلام)بوضع أوزار الحرب، وكفّ الأيدي القتال، وكانوا في ذلك على أقسام:

فمنهم مَنْ دخلت عليه الشبهة برفع المصاحف، وغلب على ظنّه أنّ أهل الشام لم يفعلوا ذلك خُدعة وحيلة، بل حقاً ودعاء إلى الدين وموجب الكتاب، فرأى أنّ الاستسلام للحجّة أولى من الإصرار عَلَى الحرب.

ومنهم من كان قد ملّ الحرب، وآثر السِّلم، فلمّا رأى شبهة ما يسوعُ التعلّق بها في رفض المحاربة وحب العافية أخلد إليهم .

ومنهم مَنْ كان يُبغض عليا(علیه السلام) بباطنه، ويطيعه بظاهره، كما يطيع كثير من النّاس السلطان

في الظاهر ويبغضه بقلبه، فلمّا وجدوا طريقاً إلى خذلانه وترك نصرته ، أسرعوا نحوها، فاجتمع جمهور عسكره عليه، وطالبوه بالكفّ وترك القتال، فامتنع امتناع عالم بالمكيدة، وقال لهم : إنها حيلة وخديعة، وإنِّي أعرَفُ بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب قرآن ولا دين قد صحبتهم وعرفتهم صغيراً وكبيراً، فعرفت منهم الإعراض عن الدّين والركون إلى الدنيا، فلا تُراعُوا برفع المصاحف، وصمّموا على الحرب، وقد ملكتموهم، فلم يبق منهم إلا حشاشة ضعفة، ودماء قليل. فأبوا عليه، وألحوا وأصرُّوا على القعود والخذلان، وأمروه بالإنفاذ إلى المحاربين من أصحابه، وعليهم الأشتر أن يأمَرهم بالرجوع، وتهدّدوه إن لم يفعل بإسلامه إلى معاوية. فأرسل إلى الأشتر يأمره بالرجوع وترك الحرب، فأبى عليه فقال : كيف أرجع وقد لاحت أمارات الظفر ! فقولوا له :« ليمهلني ساعة واحدة »، ولم يكن علم صورة الحال كيف قد وقعت . فلمّا عاد إليه الرسول بذلك ، غضبوا ونفروا وشغبوا ، وقالوا : أنفذت إلى الأشتر سرًّا وباطناً، تأمره بالتصميم ،وتنهاه عن الكفّ، وإن لم تعِذهُ الساعة، وإلا قتلناك كما قتلنا عثمان، فرجعت الرّسل إلى الأشتر فقالوا له : أتحب أن تظفر بمكانك وأمير المؤمنين قد سُلَّ عليه خمسون ألف سيف ! فقال : ما الخبر ؟ قال : إنّ الجيش بأسره قد أحدق به، وهو قاعد بينهم على الأرض، تحته نِطَع، وهو مُطرِق، والبارقة تلمع على رأسه، يقولون : لئن لم تُعد الأشتر قتلناك! قال : ويحكم ! فما سبب ذلك؟ قالوا : رفع المصاحف ، قال : والله لقد ظننت حين رأيتها رُفعت أنّها ستوقع فرقةً وفتنة .

ثم كرّ راجعاً على عَقِبيه، فوجد أمير المؤمنين(علیه السلام) تحت الخطر، قد ردّده أصحابه بين أمرين : إما أن يُسلموه إلى معاوية، أو يقتلوه ،ولا ناصر له منهم إلاّ ولداه وابن عمّه ونفر قليل لا يبلغون عشرة، فلما رآهم الأشتر سبّهم وشتمهم وقال : ويحكم ! أبعد الظَّفَر والنّصر صبّ عليكم الخذلان والفرقة! يا ضعاف الأحلام !يا أشباه النساء! يا سفهاء العقول! فشتموه وسبّوه، وقهروه .

ص: 21

وقالوا : المصاحف المصاحف! والرّجوع إليها، لا نرى غير! ذلك فأجاب أميرُ المؤمنين(علیه السلام) إلى التحكيم، دفعاً للمحذور الأعظم بارتكاب المحظور الأضعف، فلذلك قال: «كنت أميراً فأصبحت مأموراً، وكنت ناهياً فصرت منهيَّا». وقد سبق من شرح حالِ التحكيم وما جرى فيه ما يغني عن إعادته .

202 - ومن كلام له (علیه السلام)بالبصرة، وقد دخل على

اشارة

العلاء بن زياد الحارثي، وهو من أصحابه يعوده، فلما رأى سعة داره قال

الأصل: مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسَعَةِ هَذِهِ الدَّارِ في الدُّنْيَا، أما أَنْتَ إِلَيْهَا فِي الآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ !

وَبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الآخِرَةَ : تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وَتُظْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا ، فَإِذا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الآخِرَةَ!

فَقَالَ لَهُ الْعَلامُ :

يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَشْكُو إِلَيْكَ أَخِي عَاصِمَ بنَ زِيَادٍ.

قال : وما له؟

قال : لَبِسَ الْعِبَاءَ، وَتَخَلّى مِنَ الدنيا .

قال: عَلَيَّ بِهِ. فلما جاءَ، قال : يَا عُدَيّ نَفْسِهِ! لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الخَبِيثُ أَمَا رَحِمْتَ أهْلَكَ وَوَلَدَكَ! أَتَرَى الله أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأخُذَهَا! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ !

قال : يا أمير المؤمنين، هَذَا أَنْتَ في خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ، وَجُشُويَةِ مَا كَلِكَ !

قَالَ: وَيْحَكَ إِنِّي لَسْتُ كأَنْتَ ، إِنَّ الله تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْحَقِّ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ يضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلاً يَتبيعَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ!

الشرح: كنت ها هنا ،زائدة مثل قوله تعالى: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيَّا(1)وقوله : «وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة »، لفظ ،فصيح كأنّه استدرك، وقال: وبلى على

ص: 22


1) سورة مريم، الآية : (29).

أنك قد تحتاج إليها في الدنيا لتجعلها وصلة إلى نيل الآخرة. بأن تَقرِيَ فيها الضيف، والضيف لفظ يقع على الواحد والجمع، وقد يجمع فيقال : ضيوف وأضياف. والرّحم: القرابة.

وتطلَع منها الحقوق مطالعها : توقعها في مظان استحقاقها .

والعَباء جمع عَباءة، وهي الكِساء وقد تُليّن كما قالوا عَظاءة وعظاية (1)، وصلاءة وصلاية .

وتقول : عليّ بفلان ،أي أحضِره، والأصل أعجل به عليّ، فحذف فعلَ الأمر، ودلّ الباقي علیه .

ويا عُدَيّ نفسه، تصغير «عدوّ»، وقد يمكن أن يراد به التّحقير المحض ها هنا، ويمكن أن یراد به الاستعظام العداوته لها ،ويمكن أن يخرج مخرج التحنّن والشّفقة، كقولك : يا بنيّ .

واستهام بك الخبيث، يعني الشيطان، أي جعلك هائماً ضالاً، والباء زائدة .

فإن قيل : ما معنى قوله(علیه السلام) : «أنت أهون على الله ذلك »؟

قلت : لأنّ في المشاهد قد يحلّ الواحد منا لصاحبه فعلاً مخصوصاً، محاباة ومراقبة له، وهو يكره أن يفعله والبشر أهونُ على الله تعالى من أن يحِلّ لهم أمراً مجاملة واستصلاحاً للحال معهم، وهو يكره منهم فعله .

وقوله :« هذا أنت!» ، أي فما بالنا نراك خشنَ الملبس! والتقدير :« فها أنت تفعل كذا فكيف تنهى عنه !» .

وطعام خَشِب، أي غليظ، وكذلك مجشوب، وقيل: إنّه الذي لا أُدمَ معه .

قوله(علیه السلام) : «أن يقدّروا أنفَسهم بضَعفة الناس»، أي يشبّهوا ويمثّلوا .

وتبيّغ الدم بصاحبه ،وتبوّغ به أي هاج به وفي الحديث:« عليكم بالحجامة لا يتبيَّغ بأحدكم الدم فيقتله» (2)، وقيل : أصل «يتبيغ »يتبغّى، فقلب، مثل جَذَب وجبَد، أي يجب على الإمام العادل أن يشبّه نفسَه في لباسه وطعامه بضعفة الناس - جمع ضعيف - لكيلا يهلِك الفُقراء من الناس، فإنّهم إذا رأوا إمامهم بتلك الهيئة وبذلك المطعم، كان أدعى لهم إلى سُلْوان (3)لذات الدنيا والصبر عن شهوات النفوس .

ص: 23

أخبار بعض العارفين والزهاد

وروي أنّ قوماً من المتصوفة دخلُوا خراسان على عليّ بن موسى الرضا(علیه السلام)، فقالوا له : إنّ أمير المؤمنين فكّر فيما ولاه الله من الأمور، فرآكم - أهل البيت - أولَى النّاس أن تؤمُّوا النّاس، ونظر فيك من أهل البيت، فرآك أولَى الناس بالناس، فرأى أن يردّ هذا الأمر إليك، والإمامة تحتاج إلى من يأكل الجشِب ،ويلبس الخشن ،ويركب الحمار، ويعود المريض . فقال لهم : إنّ يوسف كان نبيًّا، يلبس أقبية الديباج المزوّرة بالذهب، ويجلس على متّكآت آل فرعون ،ويحكم، إنّما يراد من الإمام قّسطه وعدله، إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز. إنّ الله لم يحرّم لبوساً ولا مطعماً، ثم قرأ :قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ. وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ(4)الآية .

وهذا القول مخالف للقانون الذي أشار أمير المؤمنين(علیه السلام) إليه، وللفلاسفة في هذا الباب كلام لا بأس به، وقد أشار إليه أبو عليّ بن سينا في كتاب «الإشارات» (5)وعليه يتخرّج قولا أمير المؤمنين وعلي بن موسى الرضا(علیه السلام) . قال أبو عليّ في مقامات العارفين: «العارفون قد يختلفون في الهمم بحسب ما يختلف فيهم من الخواطر، على حسب ما يختلف عندهم من دواعي العبَر فربّما استوى عند العارف القشف والترف، بل ربما آثر القَشَف، وكذلك ربما سوّى عنده التَّفْل والعِطر، بل ربما آثر التفل، وذلك عند ما يكون الهاجس بباله، استحقار ما عدا الحق وربما صغا إلى الزينة، وأحبّ من كلِّ شيء عقيلته وكره الخداج والسَّقط، وذلك يعتبر عادته من صحبته الأحوال الظاهرة، فهو يرتاد إليها في كلّ شيء، لأنه مزية خطوة من العناية الأولى، وأقرب أن يكون من قبيل ما عكف عليه بهواه، وقد يختلف هذا عارفين وقد يختلف في عارف بحسب وقتين .

واعلم أنّ الذي رويته عن الشيوخ ، ورأيته بخطّ عبد الله بن أحمد بن الخشَاب رحمه الله ،أنّ الربيع بن زياد الحارثي، أصابته نشابة في جبينه، فكانت تنتقض عليه في كل عام، فأتاه علي عائداً ، فقال : كيف تجدك أبا عبد الرحمن؟ قال: أجِدُني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه، قال : وما قيمة بصرك عندك ! قال : لو كانت لي الدنيا لفديته بها ، قال : لا جرم! لَيعطينّك الله على قدر ذلك. إنّ الله تعالى يُعطي على قدر الألم

ص: 24


1) العظاية : دويبة كسام أبرص، والعظاءة لغة فيها. لسان العرب مادة (عظي).

2) أخرجه الطبراني في «الكبير» (7306) ، بلفظ : «عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة فإنه دواء من اثنين وسبعين داء وخمسة أدواء: من الجنون والجذام، والبرص، ووجع الأضراس ».

3) السلوان: ماءً كانوا يزعمون أن العاشق إذا شربه ،سلا عن حبه، أو هو: أن يؤخذ تراب قبر ميت فيجعل في ماء فيموت حبه .القاموس المحيط، مادة (سلو)، والمعجم الوسيط ، مادة (سلو).

4) سورة الأعراف الآية : 32.

5) واسمه كتاب الإشارات والتنبيهات من المنطق والحكمة وهو صغير في حجمه لكنه كثير العلم مستصعب على الفهم منطو على كلام أولي الألباب،مبين للنكت العجيبة والفوائد الغربية التي خلت عنها أكثر المبسوطات ه. «كشف الظنون» (94/1) .

والمصيبة، وعنده تضعيف كثير . قال الربيع :يا أمير المؤمنين ،ألا أشكو إليك عاصمَ بن زياد أخي؟ قال: ما له،قال : لبس العَباء، وترك المُلاء وغمّ أهلَه،وحَزَن ولده.

فقال عليّ : ادْعُوا لي عاصماً ، فلما أتاه عبَس في وجهه ،وقال : ويحك يا عاصم ! أترى الله أباح لك اللّذات، وهو يكره ما أخذت منها ! لأنتَ أهونُ على الله من ذلك . أوَ ما سمعته يقول : ومَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (1)، ثم يقول: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (2)وقال: وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيّا وَنَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةٌ تَلْبَسُونَهَا (3)، أما والله إنّ ابتذال نعم الله بالفعال أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال ،وقد سمعتم الله يقول: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِتْ(4)، وقوله : وَمَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ(5)، إنّ الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين، فقال: یأيها الذين وَآمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ(6)، وقال :يَأْتِها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَتِ وَاعْمَلُوا صلحاّ(7)،وقال رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) لبعض نسائه : «ما لي أراكِ شَعثاء مرهاء سلتاء !» (8).

قال عاصم : فلمَ اقتصرَت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن ،وأكل الجشِب؟ قال : إن الله تعالى افترض على أئمة العدل أن يقدروا لأنفسهم بالقوام، كيلا يتبيغ بالفقير فقره (9).

فما قام عليّ(علیه السلام) حتى نزع عاصم العَباء، ولبس مُلاءة.

والرّبيع بن زياد هو الذي افتتح بعضَ خُراسان ،وفيه قال عمر : دُلّوني على رجل إذا كان القوم أميراً فكأنه ليس بأمير، وإذا كان في القوم ليس بأمير فكأنّه الأمير بعينه !وكان خيّراً متواضعاً، وهو صاحب الوقعة مع عمر لما أحضر العمال فتوحش له الربيع، وتقشّف وأكل معه الجشِب من الطعام، فأقرّه على عمله،وصرف الباقين، وقد ذكرنا هذه الحكاية فيما تقدم.

وكتب زياد بن أبيه إلى الربيع بن زياد وهو على قطعة من خراسان: إنّ أمير المؤمنين معاوية كتب إلي يأمرك ان تحرِز الصَّفْراء والبيضاء وتقسم الخُرْثِي (10)وما أشبهه على أهل الحرب. فقال له الربيع : إنّي وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، ثم نادى في الناس : أن اغدُوا على غنائمكم، فأخذ الخمس وقسّم الباقي على المسلمين، ثم دعا الله أن يميته، فما جمع حتى مات.

وهو الربيع بن زياد بن أنس بن ديان بن قطر بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن

ص: 25

کعب بن مالك بن كعب بن الحارث بن عمرو بن وَعْلة بن خالد بن مالک بن ادد. واما العلاء بن زياد الذي ذكره الرضيّ رحمه الله فلا أعرفه، لعلّ غيري يعرفه .

203 - ومن كلام له(علیه السلام) وقد ساله سائل عن أحاديث البدع

اشارة

وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر، فقال(علبه السلام)

الأصل: إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقًّا وَبَاطِلاً، وَصِدْقاً وَكَذِباً، وَنَاسِخاً وَمَنْسُوخاً، وَعَامًا

وَخَاصَّا، وَمُحْكَماً وَمُتَشَابِها ، وَحِفْظاً وَوَهَماً .

وَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم عَلَى عَهْدِهِ، حَتَّى قَامَ خَطِيباً ، فَقَالَ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (11). وَإِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ :

رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِيمَانِ، مُتَصَنِّع بالإسلام، لا يَتَأَنَّمُ وَلَا يَتَحَرَّجُ ، يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم مُتَعَمِّداً ، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا : صَاحِبُ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَلَقِف عَنْهُ، فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ الله عَنِ المُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ، وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ، فَتَقَرِّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلالَةِ، وَالدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالنُّورِ وَالْبُهْتَان، فَوَلَّوْهُمْ الْأَعْمَالَ، وَجَعَلُوهُمْ حُكاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، فَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ المُلُوكِ وَالدُّنْيَا، إلا مَنْ عَصَمَ الله. فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ .

وَرَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله شَيْئاً لَمْ يَحْفَظُهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَوَهِمَ فِيهِ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً فَهُوَ فِي يَدَيْهِ، وَيَرْوِيهِ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَيَقُولُ : أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم، فَلَوْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ، وَلَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ .

ص: 26


1) سورة الرحمن، الآية : 19 .

2) سورة الرحمن ،الآية : 22 .

3) سورة فاطر، الآية : 12 .

4) سورة الضحى، الآية : 11 .

5) سورة الأعراف ،الآية: 32 .

6) سورة البقرة، الآية: 172 .

7) سورة المؤمنون، الآية : 51.

8) لم أعثر عليه .

9) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 477/33 .

10) الخرني : أردأُ المتاع والغنائم .القاموس المحيط ، مادة (خرش) .

11) أخرجه البخاري في كتاب ا:لعلم ،باب :إثم من كذب على النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) (107)، ومسلم باب :تغليظ الكذب على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) (3)، والترمذي في كتاب :الفتن عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) باب : ما جاء في النهي عن سب الرياح (2257) ، وأبو داود في كتاب :العلم، باب : في التشديد في الكذب على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) (3651) ، وابن ماجه في كتاب: المقدمة، باب : التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) (30) ، وأحمد في كتاب: مسند العشرة المبشرين بالجن باب :ومن مسند علي بن أبي طالب (585) .

وَرَجُلٌ ثَالِتٌ ، سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم شَيْئاً ، يَأْمُرُ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، فَحَفِظَ المَنْسُوخَ وَلَمْ يَحْفَظ النَّاسِخَ ، فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، وَلَوْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ.

وَآخَرُ رَابِعٌ، لَمْ يَكْذَبْ عَلَى الله وَلا عَلَى رَسُوله، مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ الله، وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ الله صَلى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم وَلَمْ يَهِمْ، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى سَمْعِهِ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ ، فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ ، وَحَفِظَ المَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ ، وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالمُحْكَمَ وَالمُتَشَابِهَ، فَوَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ، وَقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ الله (أخرجه البخاري في كتاب ا:لعلم ،باب :إثم من كذب على النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) (107)، ومسلم باب :تغليظ الكذب على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) (3)، والترمذي في كتاب :الفتن عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) باب : ما جاء في النهي عن سب الرياح (2257) ، وأبو داود في كتاب :العلم، باب : في التشديد في الكذب على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) (3651) ، وابن ماجه في كتاب: المقدمة، باب : التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) (30) ، وأحمد في كتاب: مسند العشرة المبشرين بالجن باب :ومن مسند علي بن أبي طالب (585) . وَ الْكَلَامُ، لَهُ ،وَجْهَان ، فَكَلامٌ خَاصٌ وَكَلامٌ عَامٌ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لاَ يَعْرِفُ مَا ، عَنَى الله سُبْحَانَهُ بِهِ، وَلاَ مَا عَنَى رَسُولُ الله ، فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ، وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ، وَمَا قَصَدَ بِهِ، وَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رسول الله (صلى الله عليهو آله وسلم) مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ، وَيَسْتَفْهِمُهُ، حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابِيُّ وَالطَّارِي، فَيَسْأَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتَّى يَسْمَعُوا وَكَانَ لا يَمُرُّبِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَحَفِظْتُه .

فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي اخْتِلافِهِمْ وَعِلَلِهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ .

الشرح الكلام في تفسير الألفاظ الأصوليّة، وهي العامّ والخاص، والناسخ والمنسوخ،

والصدق والكذب .والمحكَم والمتشابه، موكول إلى فنّ أصول الفقه، وقد ذكرناه فيما أمليناه من الكتب الأصولية ،والإطالة بشرح ذلك في هذا الموضع مستَهجنة.

قوله(علیه السلام): «وحفظاً ووهَماً» الهاء مفتوحة، وهي مصدر وهمتُ، بالكسر، أوهُم، أي غلطت وسهوت، وقد روي: «وَهماً»بالتسكين، وهو مصدر وهَمت بالفتح أوهُم، إذا ذهب وهمُك إلى شيء وأنت تريد غيره، والمعنى متقارب.

وقول النبي(صلی الله علیه و آله و سلم): «فليتبوأ مقعده من النار »كلامُ صيغته الأمر، ومعناه الخبر، كقوله تعالى: قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدَّاً(1)، وتبوأت المنزلَ: نزلته، وبوّأته منزلاً : أنزلته فيه .

والتأئم: الكفّ عن موجب الإثم، والتحرّج مثله، وأصله الضُّيق، كأنه يضيق على نفسه. ولَقِفَ عنه : تناول عنه وجَنّب عنه : أخذ عنه جانباً

ص: 27


1) سورة مريم، الآية : 75.

و «إنْ» في قوله : «حتى إن كانوا لَيحبّون»مخففة من الثقيلة، ولذلك جاءت اللام في الخبر . والطارىء، بالهمز : الطِالع عليهم، طرأ أي طلع، وقد روي: «عللُهم»، بالرفع عطفاً على

«وجوه»، وروي بالجرّ عطفاً على ا«ختلافهم».

النفاق لم يمت بموت الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم)

واعلم أن هذا التقسيم صحيح، وقد كان في أيّام رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)المنافقون، وبقُوا بعده، وليس يمكن أن يقال : إنّ النّفاق مات بموته، والسبب في استتار حالهم بعدَه أنه كان لا يزال يذكرهم بما ينزل عليه من القرآن ،فإنّه مشحون بذكرهم، ألا تَرَى أنّ أكثر ما نزل بالمدينة من القرآن مملوء بذكر المنافقين، فكان السبب في انتشار ذكرهم وأحوالهم وحركاتهم هو القرآن، فلما انقطع الوحيُ بموتِه صلى الله عليه وآله لم يبقَ من ينعَي عليهم سقطاتِهم ويُوبّخهم على أعمالهم، ويأمر بالحذَر منهم، ويجاهرهم تارةً ويجاملهم تارة، وصار المتولَي للأمر بعده يحمِلُ النّاس كلًهم على كاهل المجاملة،ويعاملهم بالظاهر، وهو الواجب في حكم الشرع والسياسة الدنيّوية، بخلاف حال رسول الله(صلیه الله علیه و آله و سلم)فإنّه كان تكليفه معهم غيرَ هذا التكليف، ألا ترى أنّه قيل له : وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا(1)! فهذا يدلّ على أنّه كان يعرفهم بأعيانهم، وإلا كان النهّيُ له عن الصّلاة عليهم تكليفَ ما لا يطاق، والوالي بعده لا يعرفهم بأعينهم، فليس مخاطباً بما خُوطب به صلّى الله عليه وآله في أمرهم ،ولسكوت الخلفاء عنهم بعده خَمَل ذكرهم، فكان قُصارَى أمرِ المنافق أن يُسِرُّ ما في قلبه ،ويعاملَ المسلمين بظاهره، ويعاملونه بحسب ذلك . ثم فُتِحت عليهم البلاد، وكثرت الغنائم، فاشتغلوا بها عن الحركات الّتي كانوا يعتمدونها أيّام رَسولِ الله، وبعثَهم الخلفاءُ مع الأمراء إلى بلاد فارس والرّوم، فألهتهم الدّنيا عن الأمور الّتِي كانت تُنْقَم منهم في حياةِ رسول الله،(صلی الله علیه و آله و سلم)منهم مَن استقام اعتقاده، وخلصت نيَّته، لمّا رأوا الفتوح وإلقاءَ الدّنيا أفلاذَ كبدها من الأموال العظيمة، والكنوز الجليلة إليهم، فقالوا : لو لم يكن هذا الدّين حقا لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه . وبالجملة لما ترَكُوا تُرِكُوا ، وحيث سُكت عنهم سكتوا عن الإسلام وأهله إلا في دسيسة خفية يعملونها، نحو الكذب، الذي أشار إليه أمير المؤمنين (علیه السلام)، فإنه خالط الحديث كذب كثير ، صدر عن قوم غير صحيحي العقيدة، قصدوا به الإضلال وتخبيط القلوب والعقائد، وقصد به بعضُهم التنويه بذكر قوم كان لهم في التنويه بذكرهم غرض دنيوي. وقد قيل : إِنَّه افتُعِل في أيام معاوية خاصة حديث كثير على هذا الوجه، ولم يسكت المحدّثون الراسخون في علم الحديث عن هذا، بل ذكروا كثيراً من هذه الأحاديث الموضوعة، وبيَّنوا وضعها وأن رواتها غير موثوق بهم، إلاّ أن

ص: 28


1) سورة التوبة ، الآية : 84 .

المحدّثين إنما يطعنون فيما دون طبقة الصحابة، ولا يتجاسرون في الطعن على أحدِ من الصحابة، لأنّ عليه لفظ «الصحبة»، على أنهم قد طعنوا في قومِ لهم صُحبة كبُسر بن أرطاة وغيره .

فإن قلت مَنْ هم أئمة الضلالة، الّذين يتقرّب إليهم المنافقون الذين رأوا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)،و صحبوه للزور والبهتان؟ وهل هذا إلا تصريح بما تذكره الإمامية، وتعتقده!

قلت : ليس الأمر كما ظننت وظنّوا،وإنما يعني معاوية وعمرو بن العاص، ومَن شايعهما على الضّلال كالخبر الذي رواه مَنْ رَوَاه في حق معاوية : «اللهمّ قِهِ العذاب والحساب، وعلّمه الكتاب» ، وكرواية عمرو بن العاص تقرُّباً إلى قلب معاوية : «إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنّما وليّي الله وصالح المؤمنين »وكرواية قوم في أيّام معاوية أخباراً كثيرة من فضائل عثمان ،تقرُّباً إلى معاوية بها ، ولسنا نجحَدُ فضلَ عُثُمان وسابقته ،ولكنّا نعلم أن بعض الأخبار الواردة فيه ،موضوع كخبر عمرو بن مرّة فيه وهو مشهور ،وعمرو بن مرة ممن له صحبة ،وهو شاميّ .

وليس يجب من قولنا : إنّ بعضَ الأخبار الواردة في حقّ شخص فاضل مفتعَلة أن تكون قادحة في فضل ذلك الفاضل، فإنّا مع اعتقادنا أنّ عليَّا أفضلُ الناس ، نعتقد أنّ بعض الأخبار الواردة في فضائله مفتعل ومختلق .

وقد رُوِي أنّ أبا جعفر محمد بن عليّ الباقر(علیه السلام)، قال لبعض أصحابه :يا فلان، ما لقينا من ظلم قريش إيانا، وتظاهرهم علينا ،وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس ! إنّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلم) قُبِضَ وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس، فتمالات علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدِنه واحتجّت على الأنصار بحقِّنا وحجّتنا ثم تداولتها قريش،واحدُ بعد واحد، حتى رجعت إلينا، فنكثت بيعَتنا، ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحبُ الأمر في صعود كؤود، حتى قتِل، قبويع الحسن ابنُه وعُوهد ثم غدِر به وأسْلَم، ووثب عليه أهُل العراق حتى طعن بخنجر في جَنْبه ،ونهبت عسكره، وعولجت خلاخيل أمّهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته، وهم قليلُ حق قليل . ثم بايع الحسينَ (علیه السلام)من أهل العراق عشرون ألفاً، ثم غدروا به،وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم وقتلوه ، ثم لم نزل - أهلَ البيتِ - نُسْتَذَلّ ونُستضام، ونقصىَ ونمتهَن، ونحرَم ونقتَل، ونَخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمال السوء في كلّ بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، وروَوْا عنّا ما لم نقله وما لم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس، وكان عُظْمُ ذلك وكُبره زمنَ معاوية بعد موت الحسن(علیه الیسلام)، فقُتِلَتْ شيعتُنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظَّنّة، وكان مَنْ يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن أو نهِبَ ماله ، أو هُدِمت داره، ثم لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد، إلى زمان عبيد الله بن زیاد قاتلِ

ص: 29

الحسين(علیه السلام)، ثم جاء الحجاج فقتلَهم كلّ قِتلة، وأخذهم بكلّ ظِنّة وتهمة، حتى أنّ الرجل ليقال له : زنديق أو كافر، أحبُّ إليه من أن يقال: شيعة عليّ، وحتى صار الرّجل الذي يذكر بالخير - ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة ،من تفضيل بعض من قد سَلَف من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا قعت وهو يحسب أنها حقِّ لكثرة مَنْ قد رَوَاها ممّن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع (1).

وروَى أبو الحسن عليّ بن محمد بن أبي سيف المداينيّ في كتاب «الأحداث» قال : كتب معاوية نسخة واحدةً إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته (2)، فقامت الخطباء في كلّ كُورة، وعلى كلِّ منبر، يلعنون علياً ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته وكان أشدَّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة مَنْ بها من شيعة عليّ(علیه السلام) ، فاستعمل عليهم زیاد ابن سُميّة، وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبع الشِّيعة هو بهم عارف، لأنه كان منهم أيّام علي(علیه السلام) ، فقتلهم تحت كلّ حَجَر وَمَدَر ، وأخافهم، وقطع الأيديَ والأرجل، وسَمَل العيون، وصَلَبهم على جُذوع النّخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم. وكتب معاوية إلى عُمّاله في جميع الآفاق : ألاَ يجيزوا لأحدٍ من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم : أن انظروا مَن قبَلكم من شِيعَةِ عثمان ومحبّيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائلَه ومناقبه، فأدنُوا مجالسهم وقربُوهم وأكرمُوهم ،واكتبُوا لي بكلّ ما يروِي كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته .

ففعلوا ذلك، حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثُه إليهم معاوية من الصّلات والكِساء والحِباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من النّاس عاملاً من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفّعه. فلبثوا بذلك حيناً .

ثم كتب إلى عماله أنّ الحديث في عثمان قد كَثُر وفَشَا في كلّ مضر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعُوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاءِ الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقضِ له في الصحابة، فإن هذا أحبّ إليّ وأقر لعيني، وأدحضُ لحجة أبي تراب وشيعته، وأشدُّ إليهم من مناقب عثمان وفضله .

فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ،وألقِيَ إلى معلّمي

ص: 30


1) أخرجه الأحمد في الميانجي في مكاتيب الرسول: 649/1 .

2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار: 191/33.

الكتاتيب، فعلّموا صبيانَهم وعلمانَهم من ذلك الكثير الواسع حتى رَووه، وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمَهم وحشمَهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله .

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدَان : انظروا مَنْ قامت عليه البيّنة أنه يحبَّ علياً وأهل بيته فامحُوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفَع ذلك بنسخة أخرى : مَن اتهّمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكُلُوا به واهدِمُوا داره .فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى أن الرجلَ من شيعة علي (علیه السلام)ليأتيه مَنْ يثق به، فيدخل بيتَه ، فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتُمَنْ عليه، فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظِمَ الناس في ذلك بليّة القراء المراؤون والمستضعَفون، الذين يُظهرون الخشوع والنُّسُك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقرّبوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضيّاع والمنازل، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلُّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورَووها ، وهم يظنّون أنها حق، ولو علمُوا أنّها باطلة لما رووها ولا تديّنُوا بها .

فلم يزل الأمر كذلك حَتّى مات الحسنُ بن علي(علیه السلام) ، فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد هذا القبيل إلا وهو خائف على دَمه، أو طريد في الأرض.

ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين (علیه السلام)، ووليَ عبد الملك بن مروان، فاشتدّ على الشِّيعة، ووُلَّيَ عليهم الحجاج بن يوسف، فتقرب إليه أهل النّسُك والصلاح والدّين ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة مَنْ يدّعي من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا في الرواية في فضلِهم وسوابقهم ومناقبهم ، وأكثروا من الغضّ من عليّ(علیه السلام) وعيبه، والطعن فيه، والشنآن له، حتى أن إنساناً وقف للحجاج - ويقال إنّه جدّ الأصمعي عبد الملك بن قُريب - فصاح به : أيُّها الأمير إن أهِلي عقُّوني فسمًوني عليًا ، وإنّي فقير بائس، وأنا إلى صلَة الأمير محتاج. فتضاحك له الحجاج ،وقال : لِلُطْفِ ما توسًلت به قد ولّيتك موضع كذا .

وقد روى ابنُ عرفة المعروف بنفطويه - وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم - في تاريخه ما يناسب هذا الخبر، وقال: إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتُعلت في أيام بني أمية، تقربُّاً إليهم بما يظّنون أنهم يُرغمون به أنوف بني هاشم.

قلت : ولا يلزم من هذا أن يكون عليّ(علیه السلام)يسوءه أن يذكر الصحابة والمتقدمون عليه بالخير والفضل، إلا أن معاوية وبني أمية كانوا يبنُون الأمر من هذا على ما يظّنونه في عليُ (علیه السلام)من أنه عدوّ مَنْ تقدم عليه، ولم يكن الأمر في الحقيقة كما يظنُّونه، ولكنه كان يرى أنه أفضلُ منهم ، وأنّهم استأثروا عليه بالخلافة من غير تفسيقِ منه لهم، ولا براءة منهم.

ص: 31

فأَما قوله (علیه السلام):« ورجل سمع من رسول الله شيئاً ولم يحفظه على وجهه فوهم فيه»، فقد وقع ذلك. وقال أصحابنا في الخبر الذي رواه عبد الله بن عمر: «إن الميت ليُعذّب ببكاء أهله عليه »(1): إن ابن عباس لمّا رُوِي له هذا الخبر ، قال : ذَهَل ابن عمر، إنّما مَر رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)على قبر يهوديّ، فقال:« إن أهله ليبكون عليه، وإنه ليعذب» (2).

وقالوا أيضاً : إن عائشة أنكرت ذلك، وقالت : ذَهَل أبو عبد الرحمن، كما ذهل في خبر قَليب بدر، إنما قال(علیه السلام): «إنهم ليبكون عليه، وإنه ليعذب بجرمه » (3).

قالوا: وموضع غلطه في خبر القَلِيب أنه روي أن النبي روي أن النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم)وقف على قَلِيب بدر، فقال:« هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا»؟ ثم قال: «إنهم يسمعون ما أقول لهم»، فأَنكرت عائشة ذلك، وقالت : إنما قال:« إنهم يعلمون أن الذي كنت أقوله لهم هو الحق» (4)، واستشهد بقوله : تعالى:إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَ(5).

فأما الرَّجل الثالث، وهو الذي يسمع المنسوخ ولم يسمع الناسخ، فقد وقع كثيراً، وكتب الحديث والفقه مشحونة بذلك، كالذين أباحوا لحوم الحمرِ الأهلية لخبر رووه في ذلك، ولم يرووا الخبر الناسخ،وأما الرجل الرابع فهم العلماء الراسخون في العلم .

وأما قوله(علیه السلام):« وقد كان يكون من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)الكلام له وجهان»، فهذا داخلُ في القسم الثانی وغیر خارج عنه،ولکنّه کالنّوع من الجنس ، لانّ الوهم والغلط جنس تحته انواع .

ص: 32


1) اخرجه البخاری فی کتاب :الجنایز ، باب: قول النبی (صلی الله علیه و آله و سلم):«يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» (1288)، ومسلم في كتاب: الجنائز، باب: قول النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) :«يعذب الميت ببكاء أهله عليه» (928)، والترمذي في كتاب: الجنائز، باب :ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت» (1006)، والنسائي في كتاب: الجنائز ،باب: النياحة على الميت (1588)، وأبو داود في كتاب الجنائز، باب : في النوح (3129).

2) أخرجه النسائي في كتاب الجنائز، باب :النياحة على الميت (1855)، وأبو داود في كتاب : الجنائز، باب :في النوح (3129) ، وأحمد في كتاب: سند المكثرين من الصحابة، باب : مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب (4850) .

3) أخرجه أحمد في كتاب: باقي مسند الأنصار ، باب حديث السيدة عائشة (23871).

4) أخرجه البخاري في كتاب :المغازي باب: قتل أبي جهل (3981)، ومسلم في كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه (932) ، والنسائي في كتاب: الجنائز، باب : أرواح المؤمنين (2076)، وأحمد في كتاب: مسند المكثرين من الصحابة، باب: مسند عبد الله بن عمر (4849) .

5) سورة النمل، الآية : 80 .

واعلم أنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) كان مخصوصاً من دون الصّحابة رضوان الله عليهم بخلوات كان يخلو بها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لا يطّلع أحد من النّاس على ما يدور بينهما، وكان كثيرَ السؤال للنبيَّ(صلی الله علیه و آله و سلم) عن معاني القرآن وعن معاني كلامه صلّى الله عليه وآله، وإذا لم يسأل ابتدأه النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ، بالتعليم والتثقيف ولم يكن أحد من أصحاب النبيَّ(صلی الله علیه و آله و سلم) كذلك، بل كانوا أقساماً : فمنهم مَنْ يهابه أن يسأله، وهم الذين يحبّون أن يجيء الأعرابيّ أو الطارىء فيسأله وهم يسمعون، ومنهم مَنْ كان بليداً بعيد الفهم قليل الهمّة في النظر والبحث، ومنهم مَنْ كانَ مشغولاً عن طلب العلم وفهم المعاني، إمّا بعبادة أو دنيا، ومنهم المقلّد يرى أنّ فرضه السكوت وترك السؤال، ومنهم المبغض الشّانىء الذي ليس للّدين عنده من الموقع ما يضيّع وقته وزمانه بالسؤال عن دقائقه وغوامضه، وانضاف إلى الأمر الخاصّ بعليّ(علیه السلام) ذكاؤه وفطنته، وطهارة طينته، وإشراق نفسهِ وضوءها، وإذا كان المحلّ قابلاً متهيّئاً كان الفاعل المؤثّر موجوداً، والموانع مرتفعة، حصل الأثر على أتمّ ما ،يمكن، فلذلك كان عليُّ(علیه السلام) - كما قال الحسن البصريّ - ربّاني هذه الأمة وذا فضلها، ولذا تسميّه الفلاسفة : إمام الأئمة

وحكيم العرب .

واعلم أنّ أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشِّيعة، فإنَّهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديثَ مختلفة في صاحبهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم، نحو حديث «السطل» وحديث« الرّمانة »وحديث غزوة البئر التي كان فيها الشياطين، وتعرف كما زعموا ب-«ذات العلَم»، وحديث غَسْل سلمان الفارسي، وطيّ الأرض، وحديث الجمجمة، ونحو ذلك. فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة ،وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو «لو كنت متخذاً خليلاً»، فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو سدّ الأبواب، فإنّه كان لعلي (علیه السلام)فقلبته البكرية إلى أبي بكر، ونحو «ائتوني بدواة وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه اثنان». ثم قال: «يأبى الله تعالى والمسلمون إلا أبا بكر »، فإنهم وضعوه في مقابلة الحديث المرويّ عنه في مرضه : «ائتوني بدواةِ وبياض أكتب لكم ما لا تضلّون بعده أبداً»، فاختلفوا عنده. وقال قوم منهم : لقد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله نحو حديث : «أنا و راضِ عنكَ فهل أنت عنّي راض!»، ونحو ذلك . فلمّا رأت الشيعة ما قد وضعت البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث، فوضعوا حديث الطوق الحديد الذي زعموا أنه فتله في عُنق خالد، وحديث اللّوح الذي زعموا أنه كان في غدائر الحنفيّة أم محمد، وحديث :«الا يفعلّن خالد ما آمر به»، وحديث الصحيفة التي علّقت عام الفتح بالكعبة، وحديث الشيخ الذي صعد المنبر يوم بويع أبو بكر، فسبق النّاس إلى بيعته، وأحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم

ص: 33

من أكابر الصحابة والتابعين الأولين وكفرهم، وعليُّ أدون الطبقات فيهم، فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في عليّ وفي ولديه ونسبوه تارة إلى ضعف العقل، وتارة إلى ضعف السياسة، وتارة إلى حبّ الدنيا والحرص عليها . ولقد كان الفريقان في غُنْيَةٍ عمّا اكتسباه واجترحاه، ولقد كان في فضائل عليّ(علیه السلام) الثابتة الصحيحة، وفضائل أبي بكر المحقّقة المعلومة ما يغنِي عن تكلّف العصبيّة لهما، فإنّ العصبيّة لهما أخرجت الفريقين من ذكر الفضائل إلى ذكر الرذائل، ومن تعديد المحاسن إلى تعديد المساوىء والمقابح. ونسأل الله تعالى أن يعصمنا من الميل إلى الهوى وحب العصبيّة، وأن يجرينَا على ما عوّدنا من حب الحق أين وجد وحيث كان سخط ذلك من سخط، ورضي به من رضي، بمنّه ولطفه !

204 - ومن خطبة له(علیه السلان) في عجيب صنعة الكون الله

الأصل: وَكَانَ مِنْ اقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ ، وَبَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ ، أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ الزَّاخِرِ

المُتَرَاكِمِ المُتَقَاصِفِ، يَبَاً جَامِداً، ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً، فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَوَاتٍ بَعْدَ ارْتِنَاتِهَا، فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ، وَقَامَتْ عَلَى حَدِّهِ يَحْمِلُهَا الْأَخْضَرُ المُنْعَنْجِرُ، وَالْقَمْقَامُ المُسَخَّرُ.

قَدْ ذَلَ لِأَمْرِهِ، وَأَذْهَنَ لِهَيْبَتِهِ، وَوَقَفَ الْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ. وَجَبَلَ جَلامِيدَهَا ، وَنُشُوزَ مُتُونِهَا ، وَأَطْوَادَهَا ، فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا ، وَأَلْزَمَهَا قَرَارَتَهَا ، فَمَضَتْ رُؤوسُهَا فِي الْهَوَاء، وَرَسَتْ أُصُولُهَا فِي المَاءِ، فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا ، وَأَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُون أَقْطَارِهَا ، وَمَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا ، فَأَشْهَقَ قِلالَهَا، وَأَطَالَ أَنْشَازَهَا ، وَجَعَلَهَا لِلْأَرْضِ عِمَاداً ، وَأَرْزَهَا فِيهَا أَوْتَاداً ، فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا ، أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا ، أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا .

فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا، وَأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا ! فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً ، وَبَسَعَهَا لَهُمْ فِرَاشاً ، فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ رَاكِدٍ لا يَجْرِي، وَقَائِم لَا يَسْرِي، تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ، وَتَمْخَضُهُ الْغَمَامَ الذَّوَارِفُ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَخْشَى!

الشرح : أراد أن يقول: «وكان من اقتداره» فقال:«وكان من اقتدار جبروته»، تعظيماً

وتفخيماً، كما يقال للملك: أمرت الحضرة الشريفة بكذا.

ص: 34

والبحر الزاخر : الّذي قد امتد جدًّا وارتفع والمتراكم: المجتمع بعضُه على بعض. والمتقاصف: الشديد الصوت ،قصفَ الرّعد وغيره قصيفاً. واليبَس، بالتحريك : المكان يكون رطباً ثم ييبس، ومنه قوله تعالى : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ یَبَسَا(1، والينس بالسكون : اليابس خِلْقة، حطب يبس، هكذا يقوله أهل اللغة وفيه كلام، لأنّ الحطب ليس يابساً خلقة بل كان رطباً من قبل، فالأصوب أن يقال : لا تكون هذه اللفظة محركة إلاّ في المكان خاصّة .)و فطَر :خلق والمضارع يفطُر بالضمّ ، فَطراً .والأطباق : جمع طبَق، ، وهو أجزاء مجتمعة من جراد أو غيم أو ناس أو غير ذلك من حيوان جمع أو جماد، يقول : خلق منه أجساماً مجتمعة مرتتقة، ثم فتقها سبع سموات. وروي :« ثم فطر منه الفاظطباقاً» أي أجساماً منفصلة في الحقيقة متّصلة في الصورة بعضها فوق بعض، وهي من القرآن المجيد.والضمير في «منه» يرجع إلى ماء البحر في أظهر النّظر، وقد يمكن أن يرجع إلى اليَبس .واعلم أنه قد تكرّر في كلام أمير المؤمنين(علیه السلام ما يماثل هذا القول ويناسبه، وهو مذهب كثير من الحكماء الذين قالوا بحدوث السماء ،منهم ثاليس الملطيّ، قالوا : أصل الأجسام الماء، وخلقت الأرض من زبده ،والسماء من بخاره، وقد جاء القرآن العزيز بنحو هذا، قال سبحانه، ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) (2).

L

قال شيخنا أبو علي وأبو القاسم رحمهما الله في تفسيريهما : هذه الآية دالة على أنّ الماء والعرش كانا قبل خلق السموات والأرض، قالا : وكان الماء على الهواء، قالا : وهذا يدلّ أيضاً على أنّ الملائكة كانوا موجودين قبل خلق السموات والأرض، لأنّ الحكيم سبحانه لا يجوز أن يقدّم خلق الجماد على خلق المكلّفين، لأنه يكون عبثاً .

وقال علي بن عيسى الرمانيّ من مشايخنا : إنّه غيرُ ممتنع أن يخلق الجماد قبل الحيوان، إذا علم أنّ في إخبار المكلّفين بذلك لطفاً لهم، ولا يصحّ أن يخبرهم إلاّ وهو صادق فيما أخبر به، وإنّما يكون صادقاً إذا كان المخبر خبره على ما أخبر عنه، وفي ذلك حسن تقديم خلق الجماد على خلق الحيوان .وكلامُ أمير المؤمنين (علیه السلام)يدلّ على أنه كان يذهب إلى أنّ الأرضَ موضوعة على ماء البحر، وأنّ البحر حامل لها بقدرة الله تعالى، وهو معنى قوله : «يحملها الأخضر المثعنجِر، والقمقام المسخّر»، وأنّ البحر الحامل لها قد كان جارياً فوقف تحتها، وأنّه تعالى خلَق الجبال في الأرض، فجعل أصولها راسخة في ماء البحر الحامل للأرض وأعاليها شامخة في الهواء، وأنّه سبحانه جعَل هذه الجبال عِمَاداً للأرض، وأوتاداً تمنعها من

ص: 35


1) سورة طه ، الآية: 77 .

2) سورة هود، الآية : 7 .

الحركة والاضطراب ولولاها لماجَتْ واضطربت، وأنّ هذا البحر الحامل للأرض تصعد فيه الرياح الشديدة فتحرّكه حركة عنيفة، وتموج السحب التي تغترف الماء منه لتمطر الأرض به، وهذا كلّه مطابق لما في الكتاب العزيز، والسنّة النبوية، والنظر الحكميّ، ألا ترى إلى قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا(1)، وهذا هو صريح قوله(علیه السلام) :« ففتقها سبع سموات بعد ارتتاقها»، وإلى قوله تعالى : وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ (2)، وإلى ما ورد في الخبر من أنّ الأرض مدحوّة على الماء، وأنّ الرياح تسوق السحب إلى الماء نازلة، ثم تسوقها عنه صاعدة بعد امتلائها، ثم تمطر .

وأما النظر الحُكْمِي فمطابق لكلامه إذا تأمّله المتأمل، وحمله على المحمل العقليّ، وذلك لأنّ الأرض هي آخر طبقات العناصر، وقبلها عنصر الماء، وهو محيط بالأرض كلّها إلا ما برز ، وهو مقدار الربع من كُرَة الأرض، على ما ذكره علماء هذا الفنّ وبرهنوا عليه فهذا تفسير قوله(علیه السلام) : «يَحْمِلُها الأخضر المثعنجر».

وأما قوله :« ووقف الجاري منه لخشيته»، فلا يدلّ دلالة قاطعة على أنّه كان جارياً ووقف، ولكن ذلك كلامُ خرج مخرج التعظيم والتبجيل، ومعناه أنّ الماء طبعه الجريان والسَّيلان، فهو جار بالقوة، وإن لم يكن جارياً بالفعل، وإنما وقف ولم يجرِ بالفعل بقدرة الله تعالى، المانعة له من السيلان وليس قوله : «ورست أصولها في الماء» ممّا ينافي النظر العقليّ، لأنه لم يقل : «ورست أصولها في ماء البحر»، ولكنه قال :« في الماء»، ولا شبهة في أنّ أصول الجبال راسية في الماء المتخلخل بين أجزاء الأرض، فإنّ الأرض كلّها يتخلخل الماء بين أجزائها على طريق استحالة البخار من الصّورة الهوائية إلى الصورة المائية .

وليس ذكره للجبال وكونها مانعة للأرض من الحركة بمُنافٍ أيضاً للنظر الحكميّ لأنّ الجبال في الحقيقة قد تمنع من الزلزلة إذا وجدت أسبابها الفاعلة، فيكون ثقلها مانعاً من الهدّة والرجفة .

وليس قوله:« تكركره الرياح» منافياً للنظر الحكميّ أيضاً، لأنّ كرة الهواء محيطة بكرة، وقد تعصف الرياح في كرة الهواء للأسباب المذكورة في موضعها من هذا العلم، فيتموّج كثير من الكرة المائية لعصف الرياح .

وليس قوله (علیه السلام): «وتمخضه الغمام الدّوارف »صريحاً في أنّ السحب تنزل في البحر،

فتغترف منه، كما قد يعتقد في المشهور العامي، نحو قول الشاعر :

كالبحرِ تُمْطِرُه السحاب وَمَالَهَا*** فَضْل عليه لأنّها من مائه

ص: 36


1) سورة الأنبياء، الآية: 30 .

2) سورة الأنبياء، الآية : 31 .

بل يجوز أن تكون الغمام الذّوارف تمخضه وتحرّكه بما ترسل عليه من الأمطار السائلة منها، فقد ثبت أنّ كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) موجّه، إن شئت فسرته بما يقوله أهل الظاهر، وإنّ شئت فسّرتَه بما يعتقده الحكماء.

فإن قلت: فكيف قال الله تعالى : أَوَلَمْ بَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْتَهُمَا((1)،وهل كان الّذين كفروا رائين لذلك، حتى يقول لهمأَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا؟

قلت : هذا في قوة قوله :«اعلموا أنّ السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما»، كما يقول الإنسان لصاحبه : ألم تعلم أنّ الأمير صرف حاجبه الليلة عن بابه؟ أي اعلم ذلك إن كنت غير عالم، والرؤية هنا بمعنى العلم .

واعلم أنّه قد ذهب قوم من قدماء الحكماء - ويقال : إنه مذهب سقراط (2)- إلى تفسير القيامة وجهنّم بما يبتني على وضع الأرض على الماء، فقالوا : الأرض موضوعة على الماء، والماء على الهواء، والهواء على النار، والنار في حشو الأفلاك، ولما كان العُنصران الخفيفان - وهما الهواء والنار - يقتضيان صعودَ ما يحيطان به، والعنصران الثقيلان اللّذان في وسطهما، وهما الماء والأرض، يقتضيان النزول والهبوطف وقعت الممانعة والمدافعة، فلزم من ذلك وقوف الماء والأرض في الوسط .

،

قالوا : ثم إنّ النار لا تزال يتزايد تأثيرها في إسخان الماء، وينضاف إلى ذلك حرّ الشمس والكواكب إلى أن تبلغ البحار والعنصر المائي غايتهما في الغَليان والفوران، فيتصاعد بخارُ

عظيم إلى الأفلاك شديد السخونة،وينضاف إلى ذلك حَرّ فَلَك الأثير الملاصق للأفلاك فتذوب

الأفلاك كما يذوب الرصاص، وتتهافت وتتساقط وتصير كالمهل الشديد الحرارة .ونفوس البشر على قسمين: أحدهما ما تجوْهَر وصار مجرداً بطريق العلوم والمعارف وقطع العلائق الجسمانية حيث كان مدبّر للبدن ،والآخر ما بقي على جسمانيته بطريق خلوه من العلوم والمعارف ،وانغماسه في اللّذات والشهوات الجسمانية، فأما الأول فإنه يلتحق بالنّفس الكلّية المجردة، ويخلص من دائرة هذا العالم بالكلية. وأمّا الثاني فإنّه تنصب عليه تلك الأجسام الفلكية الذائبة، فيحترق بالكليّة، ويتعذب ويلقى آلاماً شديدة.

قالوا :هذا هو باطن ما وردت به الرّواية من العذاب عليها، وخراب العالم والأفلاك وانهدامها .

ص: 37


1) سورة الأنبياء، الآية: 30.

2) هو فيلسوف يوناني من أثينا لم يترك أثراً مكتوباً لكن سجل حياته وتعاليمه تلميذه أفلاطون من محاوراته .

تعدّته .

ثم نعود إلى شرح الألفاظ :

قوله (علیه السلام): «فاستمسکت»، أي وقفت وثبتت .

والهاء في «حدّه» تعود إلى أمره، أي قامت على حدّ ما أمرت به ،أي لم تتجاوزه ولا تعدّته .

والأخضر :البحر، ويسمّى أيضاً «خُضارة» معرفة غير مصروف، والعرب تسميه بذلك، إمّا

لأنه يصف لون السماء فيرى أخضر ،أو لأنه يرى أسود لصفائه فيطلقون عليه لفظ الأخضر، كمَا سمّوا الأخضر أسود، نحو قوله : مُدْهَامَّتَانِ (1)، ونحو تسميتهم قرى العراق سواداً الخضرتها وكثرة شجرها، ونحو قولهم للديزج (2)من الدواب أخضر .

المتعنجر :السائل، ثعجرت الدّم وغيره فالعنجر، أي صببته فانصبّ، وتصغير المثعنجر مُتَعِج ومُتَعِيج.

والقمقام ، بالفتح :من أسماء البحر، ويقال لمن وقع في أمر عظيم: وقع في قمقام من الأمر، تشبيهاً بالبحر .

قوله (علیه السلام): «وَجَبَل جلاميدها»، أي وخلق صخورها، جمع جُلمود.

والنُّشُوز : جمع نَشز، وهو المرتفع من الأرض. ويجوز فتح الشين .

ومتونها :جوانبها. وأطوادَها :جبالها:« ويروى»: «وأطوادِها» بالجر عطفاً على متونها .

فأرساها في مراسيها ،أثبتها في مواضعها، رسا الشيء يرسُو : ثبت. ورست أقدامُهم في الحرب: ثبتت، ورست السفينة ترسُو رسوُّا ورسوا، أي وقفت في البحر. وقوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ بَجْرنَهَا وَمُرْسَهَا (3)، بالضم من أجريت وأرسيت ، ومن قرأ بالفتح فهو من «رست» هی،«وجرت»هي .

وألزمها قراراتها : أمسكها حيث استقرّت .

قوله : «فأنهد جبَالها»، أي أعلاها .نهد ثديُ الجارية ينهد بالضمّ إذا أشرف وكَعَب، فهي ناهد وناهدة.

وسهولها :ما تطامن منها عن الجبال.

وأساخ ،قواعدها أي غيَّب قواعد الجبال في جوانب أقطار الأرض، ساخت قوائم الفرس الأرض تَسُوخ ،وتَسِيخ ،أي دخلت فيها وغابت، مثل ثاخت، وأسختها أنا مثل أثختها.

ص: 38


1) سورة الرحمن ،الآية : 64 .

2) الدَّيْزَج : معرب دَيْزَه : وهي لون بين لونين غير خالص. اللسان، مادة (دزج).

3) سورة هود ،الآية : 41

والأنصاب الأجسام المنصوبة، الواحد نُصُب بضم النون والصاد، ومنه سميت الأصنام نُصُباً في قوله تعالى: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ(1)، لأنها نصبت فعبِدت من دون الله ، قال الأعشى :

وذا النُّصُب المنصوب لا تنسكنّه ***لعاقبة،والله ربّك فاعبدا

أي وأساخ قواعد الجبالِ في متون أقطار الأرض، وفي المواضع الصالحة لأن تكون فيها الأنصاب المماثلة، وهي الجبال أنفسها .

قوله: «فأشهق قِلاَلها»، جمع قُلّة وهي ما علا من رأسِ الجبل، أشهقها : جعلها شاهقة، أي عالية.

وأرّزَها : أثبتها فيها ، رزت الجرادة تَرُزُّ رَزَّا، وهو أن تدخِل ذنَبها في الأرض فتلقي بيضها، وأَرَّزَها الله : أثبت ذلك منها في الأرض، ويجوز «أرزت»، لازماً غير متّعد، مثلَ رزت، وارتزً السهم في القرطاس : ثبت فيه. وروي (وآرزها) بالمد من قولهم : شجرة آرزة، أي ثابتة في الأرض، أرَزَت بالفتح ، تأرِز بالكسر ،أي ثبتت ،وآرزها - بالمد - غيرُها ، أي أثبتها .

وتميد :تتحرك. وتَسِيخ :تنزل وتهوي.

فإن قلت : ما الفرق بين الثلاثة :تميد بأهلها، أو تسيخ بحملها ، أو تزول عن مواضعها؟ :قلت لأنّها لو تحركت لكانت إمّا أن تتحرّك على مركزها أو لا على مركزها ،والأوّل هو المراد بقوله: «تميد بأهلها»، والثاني تنقسم إلى أن تنزل إلى تحت أو لا تنزل إلى تحت ،فالنزول إلى تحت هو المراد بقوله : «أو تسيحُ بحملها» والقسم الثاني هو المراد بقوله : «أو تزول عن مواضعها ».

فإن قلت :ما المراد ب«على» في قوله :«فسكنت على حركتها»؟

قلت : هي لهيئة الحال، كما تقول عفوت عنه على سوء أدبه ، ودخلت إليه على شربه ،أي سكنت ،على أن من شأنها الحركة، لأنها محمولة على سائل متموّج .

قوله «مَوَجان مياهها»، بنَاء «فَعَلان» لما فيه اضطراب وحركة كالغليان والنّزَوان والخفقان، ونحو ذلك .

وأجمدها، أي جعلها جامدة .وأكنافها :جوانبها. والمِهاد: الفراش .

فوق بحر لجيّ : كثير الماء، منسوب إلى اللّجة ، منسوب إلى اللجة، وهي معظم البحر .

قوله : «یكركره الرياح»، الكركرة :تصريف الريح السّحاب إذا جمعته بعد تفريق وأصله «يكرّر» من التكرير، فأعادوا الكاف، كركرت الفارس عنّي أي دفعته ورددته.

ص: 39


1) سورة المائدة، الآية 3 .

والرياح العواصف: الشديدة الهبوب .وتمخَضه، يجوز فتح الخاء وضمّها وكسرها والفتح أفصح ، لمكان حرف الحلق،من اللبن، إذا حركتَه لتأخذ زبده .

والغمام جمع، والواحدة غمامة، ولذلك قال: «الذّوارف»، لأنّ «فواعل»أكثر ما يكون الجمع المؤنث ذرفت عينه أي دمعت، أي السحب المواطر، والمضارع من «ذرفت» عينه «تذرِف» بالكسر ، ذَرْفاً وذَرَفاً . والمذارف: المدامع.

205 - ومن خطبة له(علیه السلام)في استنهاض أصحابه إلى الجهاد الام

الأصل: اللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَيْرَ الجَاثِرَةِ، وَالمُصْلِحَةَ فِي الدِّينِ

وَالدُّنْيَا غَيْرَ المُفْسِدَة، فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلا النُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ، وَالْإِبْطَاءَ عَنْ إِعْزَازِ دِينِكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ يا أَكْبَرَ الشَّاهِدِينَ شَهَادَةٌ، وَنَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا أَسْكَنتَهُ أَرْضَكَ وَسَمَوَاتِكَ.ثُمَّ أَنْتَ بَعْدَهُ المُغْنِي عَنْ نَصْرِهِ، وَالآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ .

الشرح :ما في «ايّما» زائدة مؤكّدة ، ومعنى الفصل وعيدُ مَن استنصره فقعد عن نصرهُ، ووضف

المقالَة بأنّها عادلة ،إما تأكيد،كما قالوا : شعر شاعر، وإما ذاتُ عَدْل، كما قالوا : رجل تامر ولابن أي ذو تَمر ولبن، ويجوز أيضاً أن يريد بالعادِلة المستقيمة التي ليست كاذبة ولا محرّفة عن جهتها، والجائرة نقيضها وهي المنحرفة، جارَ فلانٌ عن الطريق، أي انحرف وعدل.

والنكوص : التأخر .

قوله(علیه السلام):«نستشهدُك عليه»، أي نسألك أن تشهد عليه، ووصفه تعالى بأنه أكبرُ الشاهدين شهادة، لقوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللَّهُ(1)، يقول : اللّهمّ إنّا نستشهدك على خذلان من استنصرناه، واستنفرناه إلى نُصرتك، والجهاد عن دينك فأبى النُهوض، ونكث عن القيام بواجب الجهاد، ونستشهد عِبادَك، من البشر في أرضك، وعبادك من الملائكة في سمواتك عليه أيضاً، ثم أنت بعد ذلك المغني لنا عن نصرته ونهضته ،بما تتيحه لنا من النصر، وتؤّيدنا به من الإعزاز والقُوة، والآخذ له بذنبه فى القعود والتخلّف .

وهذا قريب من قوله تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْتَلَكُم(2).

ص: 40


1) سورة محمد، الآية : 38 .

2) سورة الأنعام، الآية : 19.

206 - ومن خطبة له(علیه السلام) في تمجيد الله وتعظيمه

الأصل: الْحَمْدُ للهِ الْعَلِيِّ عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقِينَ، الْغَالِبِ لمَقَالِ الْوَاصِفِينَ، الظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ

تَدْبِيرِهِ لِلنَّاظِرِينَ، وَالْبَاطِنِ بِجَلاَلِ عِزَّتِهِ عَنْ فِكْرِ المُتَوَهِّمِينَ الْعَالِمِ بِلاَ اكْتِسَابِ وَلَا أَزْدِيَادِ، وَلاَ عِلْمٍ مُسْتَفَادِ المُقدِّرِ لِجَمِيعِ الأُمُورِ بِلاَ رَوِيَّةٍ وَلَا ضَمِيرِ الَّذِي لاَ تَغْشَاهُ الظُّلَمُ، وَلا يَسْتَضِي بِالأنْوَارِ، وَلاَ يَرْهَقُهُ لَيْل وَلاَ يَجْرِي عبد الجوادي اله لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالإبْصَارِ، وَلَا عِلمُه بِالْإِخْبَارِ.

الشرح: يجوز شَبَه وشِبه والرواية ها هنا بالفتح، وتعاليه سبحانه عن شَبَه المخلوقين، كونُه

قديماً واجب الوجود ،وكلّ مخلوق محدَث ممكن الوجود.

قوله : «الغالب لمقال الواصفين »،أي إنّ كُنه جلاله وعظمته ،لا يستطيع الواصفون وصفه وإن أطنبوا وأسهبوا ، فهو كالغالب لأقوالهم لعجزها عن إيضاحه وبلوغ منتهاه، والظاهر، بأفعاله، والباطن بذاته، لأنه إنّما يعلم منه أفعاله: وأما ذاته فغير معلومة.

ثم وصف علمه تعالى فقال : إنّه غيرُ مكتسَب كما يكتسِب الواحد منّا علومَه بالاستدلال والنّظر، ولا هو علمُ يزداد إلى علومه الأولى كما تزيد علوم الواحد منّا ومعارفه، وتكثر لكثرة الطُرُق التي يتطرّق بها إليها.

ثم قال :« وَلا علم مُستفاد» أي ليس يعلم الأشياء بعلم محدث مجدّد كما يذهب إليه جَهم وأتباعه وهشام بن الحكم، ومن قال بقوله .

ثم ذكر أنه تعالى قدّر الأمور كلّها بغير رويّة، أي بغير فكر ولا ضمير، وهو ما يطو الإنسان من الرأي والاعتقاد والعزم في قلبه .

ثم وصفه تعالى بأنه لا يغشاه ظلامُ، لأنه ليس بجسم، ولا يستضيء بالأنوار، كالأجسام ذوات البصر. ولا يَرهقه ليل ،أي لا يغشاه .ولا يجري عليه نهار، لأنه ليس بزمانيّ. ولا قابل للحركة، ليس إدراكه بالإبصار ، لأنّ ذلك يستدعي المقابلة. ولا علمه بالإخبار مصدر أخبر،أي ليس علمه مقصوراً على أن تخبره الملائكة بأحوال المكلّفين، بل هو يعلم كلّ شيء، لأنّ ذاته ذات واجبٌ لها أن تعلم كلّ شيء لمجرّد ذاتها المخصوصة، من غير زيادة أمر على ذاتها .

ص: 41

الأصل: منها في ذكر النبي(صلی الله علیه . آله و سلم): أَرْسَلَهُ بِالضّياءِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الاصْطِفَاءِ، فَرَتَقَ بِهِ المَفَاتِقَ ،

وَسَاوَرَ بِهِ المُغَالِبَ، وَذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ، وَسَهَّلَ بِهِ الْحُزُونَةَ، حَتَّى سَرَّحَ الضَّلالَ، عَنْ يَمِينِ وَشِمَالٍ.

الشرح أرسله بالضياء ،أي بالحقّ، وسمّي الحق ضياء، لأنه يهتدَى به، أو أرسله بالضياء أي بالقرآن.

وقدّمه في الاصطفاء، أي قدّمه في الاصطفاء على غيره من العرب والعجم، قالت قريش : لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْوَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ(1)، أي على رجل من رجلين من القريتين عظيم، أي إمّا على الوليد بن المغيرة من مكّة، أو على عروة بن مسعود الثقفيّ من الطائف.

ثم قال تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ(2)، أي هو سبحانه العالم بالمصلحة في إرسال الرسل، وتقديم من يرى في الاصطفاء على غيره.

فرتق به المفاتق أي أصلح به المفاسد ،والرّتْق ضدّ الفتق ، والمفاتق : جمع مَفْتق، وهو مصدر ،كالمضرب والمقتل .

وساور به المغالب :ساورتُ زيداً أي واثبته، ورجل سَوار، أي وثّاب وسَوْرة الخمر: وثوبها في الرأس.

والحزونة ضدّ السهولة، والحزَنْ: ما غُلظ من الأرض والسّهل :ما لان منها، واستعير لغير الأرض كالأخلاق ونحوها .

قوله : «حتى سرح الضلال»، أي طرده وأسرع به ذهاباً .

عن يمين وشمال، من قولهم : ناقة سَرْح ومنسرحة، أي سريعة .ومنه تسريح المرأة، أي تطليقها .

207 ومن خطبة له (علیه السلام)في صفة الرسول والعلماء

اشارة

الأصل: وَأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ، وَحَكَمْ فَصَلَ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَسَيِّدُ

عِبَادِهِ، كُلَّمَا نَسَخَ الله الْخَلْقَ فِرْفَتَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِهِمَا ، لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عَاهِرٌ، وَلَاَ

ص: 42


1) سورة الزخرف، الآية : 31 .

2) سورة الزخرف، الآية : 32.

ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ. أَلاَ وَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلاً ، وَلِلْحَقِّ دَعَائِمَ ، وَلِلطَّاعَةِ عِصَماً ، وَإِنْ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ الله سُبْحَانَهُ، يَقُولُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَيُثَبِّتُ بِهِ الْأَفْئِدَةَ، فِيهِ كَفَاءً لِمُكْتَفٍ، وَشِفَاءٌ لِمُسْتَفٍ .

واعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ الله المُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ، يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَيُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ، يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلايَةِ، وَيَتَلاقَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ، وَيَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ، وَيَصْدُرُونَ بِرَيَّة. لا تَشُوبُهُمُ الرِّيبَةُ، وَلاَ تُسْرِعُ فِيهِمُ الْغِيبَةُ، عَلَى ذَلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخْلاقَهُمْ، فَعَلَيْهِ يَتَحَابُونَ، وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ، فكانوا كَتَفَاضُلِ الْبَدْرِ يُنتَقَى، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُلْقَى قَدْ مَيَّزَهُ التَّخْلِيصُ ، وَهَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ .

فَلْيَقْبَل أَمْرُلٌ كَرَامَةً بِقَبُولِهَا ، وَلْيَحْذَرْ قَارِعَةٌ قَبْلَ حُلُولِهَا ، وَلَيَنْظُرِ امْرُلٌ فِي قَصِير أَيَّامِهِ وَقَلِيلٍ مُقَامِهِ فِي مَنْزِلٍ، حَتَّى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلاً ، فَلْيَصْنَعْ لِمُتَحَولِهِ، وَمَعَارِفِ مُنتَقَلهِ.

فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ، وَتَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ، وَأَصَابَ سَبِيلَ السَّلامَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ، وَطَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ، وَبَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ، وَتُقَطَّعَ أَسْبَابُهُ وَاسْتَفْتَحَ التَّوْبَةَ، وَأَمَاطَ الْحَوْبَةَ، فَقَدْ أُقِيمَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَهُدِيَ نَهْجَ السَّبِيلِ .

الشرح الضمير في «أنّه» يرجع إلى القَضاء والقَدر المذكور في صدر هذه الخطبة، ولم يذكره

الرضي رحمه الله ، يقول : أشهد أن قضاءه تعالى عَدْل عَدلَ وحَكَم بالحق ، فإنّه حَكَم فضل بين العباد بالإنصاف ،ونسب العدل والفصل إلى القضاء على طريق المجاز، وهو بالحقيقة منسوب إلى ذي القضاء ،والقاضي به هو الله تعالى.

قوله : «وسيّد عباده»، هذا كالمجمَع عليه بين المسلمين ،وإن كان قد خالف فيه شذودٌ منهم، واحتجّ الجمهور بقوله : «أنا سيّد ولد آدم ولا فخره» (1)، وبقوله: «ادعوا لي سيّدَ العرب عليًّا»، فقالت عائشة: ألستَ سيّد العرب! فقال: «أنا سيّد البشر، وعليّ سيّد العرب»(2)وبقوله : «آدم ومَنْ دونه تحت لوائي»(3)

ص: 43


1) أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن عن رسول الله (صلی الله علیه آله و سلم) ، باب : ومن سورة بني إسرائيل (3148) ، وابن ماجه في كتاب: الزهد باب :ذكر الشفاعة (4308) ، وأحمد في كتاب: ومن مسند بني هاشم ،باب: بداية مسند عبد الله بن عباس (2542).

2) أخرجه الحاكم في «المستدرك»في كتاب: معرفة الصحابة، باب: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه (4626 ، 4627) . وذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (1513).

3) أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن عن رسول الله «صلى الله عليه و آله وسلم» ، باب : ومن سورة بني إسرائيل =(3148) وأحمد في كتاب :ومن مسند بني هاشم، باب: بداية مسند عبد الله بن عباس (2542)

واحتج ّالمخالف بقوله(علیه السلام): «لا تفضّلوني على أخي يونس بن متّى» (1).

وأجاب الأولون تارةً بالطعن في إسناد الخبر، وتارة بأنه حكاية كلام حكاه (صلی الله علیه و آله و سلم)عن عيسى ابن مريم، وتارة بأنَ النهي إنّما كان عن الغلوّ فيه كما غلت الأمم في أنبيائها، فهو كما ينهى الطبيب المريض فيقول : لا تأكل من الخبز ولا درهماً، وليس مراده تحريمَ أكل الدّرهم والدرهمين ،بل تحريم ما يستضرّ بأكله منه .

قوله(علیه السلام): «كلّما نسخَ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما»، النًسخ: النقل، ومنه نسخ الكتاب، ومنه نَسَخَت الرّيحُ آثار القوم، ونسخت الشمس الظّل، يقول: كلّما قسم الله تعالى الأب الواحد إلى ابنين جعل خيرهما وأفضلهما لولادة محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)، وسمّي ذلك نسخاً، لأنّ البطن الأول يزول، ويخلُفه البطن الثاني، ومنه مسائل المناسخات في الفرائض.

وهذا المعنى قد وردَ مرفوعاً في عدّة أحاديث، نحو قولِه(صلی الله علیه و آله و سلم): «ما افترقت فرقتان منذُ نَسل آدم ولدَه إلا كنتُ في خيرهما» (2).

ونحو قوله :« إنّ الله اصطفَى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل مُضَر، واصطفى من مُضَر، كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش هاشماً، واصطفاني من بني

هاشم ».(3)

قوله : «لم يُسهِمْ فيه عاهر، ولا ضرب فيه فاجر »، لم يسهم :لم يضرب فيه عاهر بسهم، أي بنصيب ،وجمعه سُهمان والعاهر: ذو العَهَر، بالتحريك وهو الفجور والزني، ويجوز تسكين الهاء، مثل نَهْر ونَهَر ، وهذا هو المصدر، والماضي عَهَر بالفتح ، والاسم العِهر ، بكسر العين وسكون الهاء ،والمرأة عاهرة ومعاهِرة وعيهرة، وتعيهَرَ الرّجل إذا زنى ،والفاجر كالعاهر ها هنا، وأصلُ الفجور : الميل، قال لَبِيد :

= (3148) وأحمد في كتاب :ومن مسند بني هاشم، باب: بداية مسند عبد الله بن عباس (2542)

ص: 44


1) ذكره في تأويل مختلف الحديث (116/1).

2) جاء في كنز العمال (32010)، وعزاء لابن عساكر: كنت لآدم في الجنة في صلبه، وركب بي السفينة في صلب أبي ،نوح، وقذف بي في النار في صلب أبي إبراهيم، لم يلتف أبواي على سفاح، ولم يزل الله ينقلني من الأصلاب الحسنة إلى الأرحام الطاهرة ، صفي مهدي، لا يتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما . . . . .»

3) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب نسب النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)وتسليم الحجر إليه قبل النبوة : (2276)، والترمذي في كتاب المناقب عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، باب : في فضل النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)(3605) ، وأحمد باب : حديث وائلة بن الأسقع (16538).

فإِنْ تَتَقدّمُ تَغْشَ مِنْهَا مقدّماً **** غليظاً، وإن أخَرْتَ فالكِفْلُ فاجِرُ

يقول : مقعد الرديف مائل .

كلام الجاحظ حول المطاعن عن النسب

وفي الكلام رمز إلى الجماعة من الصّحابة في أنسابهم طعن، كما يقال : إنّ آل سعد بن أبي وقّاص ليسوا من بني زُهرة بن كلاب،وإنّهم من بني عُذرة من قحطان، وكما قالوا : إن آل الزّبير بن العوام من أرض مصر من القّبط، وليسوا من بني أسد بن عبد العُزّى. قال الهيثم بن عديّ في كتاب «مثالب العرب» (1): إن خَوَيلد بن أسَد بن عبد العُزّى كان أتى مصر ثم انصرف منها بالعوام، فتبنّاه،فقال حسان بن ثابت يهجو آل العوام بن خُويلد :

بني أسدِ ما بالآل خويلدِ**** يحنّونَ شَوْقاً كل يوم إلى القِبْطِ !

مَتَى يذكروا قهْقَى يحنّوا لذكرها ****َوللرّمَت المقرون والسّمَك الرّقط

عيون كأمثال الزجاج وضيعةُ ****تخالف كعباً في لحى كَلَّةٍ تُطْ

يُرَى ذاك في الشبان والشيب منهمُ**** مبيناً وفي الأطفال والجلّة الشَّمْطِ

لَعَمْرُ أبي العوام إنّ خُوَيلداً ****غَدَاة تبنّاه ليُوثَق في الشُّرط

وكما يقال في قوم آخرين: نرفع هذا الكتاب عن ذكر ما يُطْعَنُ به في أنسابهم، كي لا يظنّ بنا أنّا نحب المقالة في النَّاس .

قال شيخنا أبو عثمان في كتاب مفاخرات قريش»: لا خيرَ في ذكر العيوب إلا من ضرورة، ولا نجد كتاب مثالب قطّ إلا لدعيّ أو شعوبيّ، ولست واجدَه لصحيح النسب، ولا لقليل الحسد، وربّما كانت حكاية الفحش أفحشَ من الفحش، ونقلُ الكذب أقبحَ من الكذب. وقال النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) :«اعف عن ذي قَبر»، وقال: «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات »(2)، وقيل في المثل:« يكفيك من شرّ سماعه». وقالوا : أسمعك مَنْ أبلغك وقالوا : من طلَب عيباً وجده ،وقال النابغة :

وَلَسْتَ بمستبي أخاً لا تَلُمُّهُ*** عَلَى شَعَيْ، أَيُّ الرِّجال المهذب !

ص: 45


1) «مثالب العرب» لمؤلفه الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن الطائي الثعالبي البحتري الكوفي (أبو عبد الرحمن) ،أديب ،أخباري نسابة ،راويه .ولد بالكوفة سنة 130ه وتوفي بفم الصلح ( 207ه) معجم المؤلفين للكحالة (156/13).

2) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، باب ما جاء في الشتم (1982)، وأحمد في كتاب: أول مسند الكوفيين باب: حديث المغيرة بن شعبة (17743).

قال أبو عثمان وبلغ عمرَ بن الخطّاب أنّ أناساً من رُواة الأشعار وحَمَلة الآثار يعيبون النّاس، ويثلبونهم في أسلافهم، فقام على المنبر ، وقال : إياكُم وذكر العيوب، والبحث عن الأصول، فلو قلت: لا يخرجُ اليوم من هذه الأبواب إلاّ مَنْ لا وَضمَة فيه لم يخرج منكم أحد. فقام رجلٌ من قريش - نكره أن نذكره - فقال : إذا كنتُ أنا وأنت يا أمير المؤمنين نخرج! فقال : کذبت بل كان يقال لك ،ياقين ابن قین، اقعد !

قلت : الرّجل الذي قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، كان عمرُ

يبغِضه لبغضه أباه خالداً، ولأن المهاجر كان عَلَوِيّ الرأي جداً، وكان أخوه عبد الرحمن بخلافه، شهد المهاجر صِفّين مع عليّ(علیه السلام) ، وشهدها عبدُ الرحمن مع معاوية، وكان المهاجر مع علي(علیه السلام) في يوم الجمل، وفقئت ذلك اليوم عينُه. ولأن الكلام الذي بلغ عمر بلغه عن المهاجر، وكان الوليد بن المغيرة مع جلالته في قريش - وكونه يسمّى ريحانة قريش ويسمّى العدل، و یسمی الوحيد - حدّاداً يصنع الدروع وغيرها بيده، ذكر ذلك عنه عبد الله بن قتيبة في كتاب «المعارف »(1).

وروى أبو الحسن المدائنيّ هذا الخبَر في كتاب «أمهّات الخلفاء» وقال : إنّه روّى عند جعفر بن محمد(علیه السلام) بالمدينة، فقال : لا تلمه يابن أخي، إنه أشفق أن يُحْدَج بقضية نُفيل بن عبد العزى وصهاك أمَة الزبير بن عبد المطلب. ثم قال : رحم الله عمر! فإنه لم يعدُ السنة، وتلا : وإنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(2)

أمّا قول ابن جرير الأمُليّ الطّبرستانيّ في كتاب «المسترشده» : إنّ عثمان والد أبي بكر الصديق كان ناكحاً أمّ الخير ابنة أخته، فليس بصحيح، ولكنّها ابنة عمّه، لأنها ابنة صخر بن عامر، وعثمان هو ابن عمرو بن عامر ،والعجَب لمن اتبّعه من فضلاء الإماميّة على هذه المقالة من غير تحقيق لها من كتب الأنساب، وكيف تتصور هذه الواقعة في قريش، ولم يكن أحد منهم

مجوسيبَّا ولا يهوديًا، ولا كان من مذهبهم حِلّ نكاح بنات الأخ ولا بنات الأخت!

ثم نعود لإتمام حكاية كلام شيخنا أبي عثمان، قال :ومتَى يقدر الناس - حفظك الله - على رجل مسلَّم من كلّ أبنة، ومبرأ من كل آفة في جميع آبائه وأمهاته وأسلافه وأصهاره، حتى تسلم له أخواله وأعمامه، وخالاته وعمّاته، وأخَواته وبناته، وأمّهات نسائه، وجميع مَنْ يناسبه من قِبَلِ جداته وأجداده، وأصهاره وأختانه! ولو كان ذلك موجوداً لما كان لنَسب

ص: 46


1) وهو في التاريخ لابن قتيبة عبد الله بن مسلم المتوفى سنة ( 267ه) . كشف الظنون (1724/2).

2) سورة النور، الآية : 19 .

رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فضيلة في النقاء والتهذيب وفي التصفية والتنقيح، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم ): «ما مسَّنِي عِرْقُ سِفَاحٍ قط، وما زلت أنْقَلُ من الأصلاب السليمة من الوُصوم، والأرحام البريئة من العيوب»، فلسنا نقضِي لأحدِ بالنّقاء من جميع الوجوه، إلاّ لنسب من صدّقه القرآن، واختاره الله على جميع الأنام، وإلا فلا بدّ من شيء يكون في نفس الرجل أو في طرفيه، أو في بعض أسلافه، أو في بعض أصهاره، ولكنّه يكون مغطًى بالصلاح، ومحجوباً بالفضائل، ومغموراً بالمناقب.

ولو تأمّلت أحوالَ النّاس، لوجدت أكثرهم عيوباً أشدَّهم تعييباً، قال الزُبرقان بن بذر : ما استَبّ رجُلان إلاّ غلب الأمُهما .وقال: خَصْلتان كثيرتان في امرىء السّوء : كثرة اللطام، وشدّة السّباب، ولو كان ما يقوله أصحابُ المثالب حقًا ، لما كان على ظهرها عربيّ، كما قال عبد الملك بن صالح الهاشميّ : إنْ كَانَ ما يقول بعضُ في بعض حقًا، فما فيهم صحيح، وإن كان ما يقولُ بعضُ المتكلّمين في بعض حقًا، فما فيهم مسلم !

قوله(علیه السلام): «ألاَ وإنّ الله قد جَعل للخير أهلاً ،وللحق دعائم، وللطاعة عَصَماً» . الدعائم : ما يدعَم بها البيت لئلا يسقُط، والعِصَم : جمع عضمَة، وهو ما يُحفظ به الشيء ويمنع، فأهل الخير هم المتّقون. ودعائم الحق: الأدِلة الموصّلة إليه المثبتة له في القلوب. وعِصَم الطًاعة :هي الإدمان على فعلها، والتمُرن على الإتيان بها، لأن المرون على الفعل يكسب الفاعل ملَكة تقتضي سهولته عليه .والعونها هنا :هو اللطف المقرّب من الطاعة، المبعِد من القبيح.

ثم قال(علیه السلام): «إنه يقولُ على الألسنة، ويثبَت الأفئدة»، وهذا من باب التوسّع والمجاز، لأنّه لما كان مسهلاً للقول أطلق عليه أنّه يقول على الألسنة، ولمّا كان الله تعالى هو الذي يثبّت الأفئدة، كما قال : يُيْتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ(1)، نسب التثبيت إلى اللّطف، لأنّه من فعل الله تعالى، كما ينسَب الإنبات إلى المطر، وإنما المنبِت للزّرع هو الله تعالى، والمطر فعله.

ثم قال(علیه السلام):« فيه كِفاء لمكتفِ، وشفاء لمشتفِ»، والوجه فيه «كفاية»، فإنّ الهمز لا وجه له ها هنا، لأنّه من باب آخر، ولكنه أتى بالهمزة للازدواج بين «كِفاء»، و«شفاء» كما قالوا :الغدايا ،والعشايا، وكما قال(علیه السلام): «مأزورات غير مأجورات »(2)، فأتى بالهمز ، والوجه الواو للازدواج.

ص: 47


1) سورة إبراهيم، الآية: 27 .

2) أخرجه ابن ماجه كتاب: ما جاء في الجنائز، باب: ما جاء في اتباع النساء الجنائز (1578).

كلام حول العارفين والأولياء

ثم ذكر العارفين، فقال: «واعلموا أنّ عباد الله المستحفظين علمه»، إلى قوله : «وهذّبه التمحيص ».

واعلم أن الكلام في العرفان لم يأخذه أهل المِلة الإسلامية إلاّ عن هذا الرّجل، ولَعمري لقد بلغ منه إلى أقصى الغايات وأبعد النّهايات. والعارفون هم القوم الّذين اصطفاهم الله تعالى، وانتخبهم لنفسه، واختصًهم بأنسه، أحبّوه فأحبّهم، وقربوا منه فقرّب منهم . قد تكلّم أرباب هذا الشأن في المعرفة والعرفان ،فكلُّ نطق بما وقع له ، وأشار إلى ما وجده في وقته .

وكان أبو علي الدّقاق يقول : من أمارات المعرفة حصولُ الهيبة من الله، فمن ازدادت معرفته ازدادت هیبته. وكان يقول : المعرفة توجب السّكينة في القلب، كما أنّ العلم يوجب السكون، فمن ازدادت معرفته ازدادت سکینته.

وسئل الشُبليّ عن علامات العارف،فقال : ليس لعارفِ علامة، ولا لمحبُ سكون، ولا لخائف قرار وسئل مرّة أخرى عن المعرفة ، فقال : أوّلُها الله، وآخرها ما لا نهاية له.

وقال أبو حفص الحدّاد :منذُ عرفت الله ما دخل قلبي حقّ ولا باطل . وقد أشكَل هذا الكلامُ على أرباب هذا الشأن، وتأوّله بعضُهم ، فقال : عند القوم أنّ المعرفة توجب غَيْبة العبد نفسه لاستيلاء ذكُر الحق عليه، فلا يشهد غير الله، ولا يرجع إلا إليه، وكما أن العاقل يرجع إلى قلبه وتفكّره وتذكره فيما يسنح له من أمر، أو يستقبله من حالِ، فالعارف رجوعه إلى ربّه، لا إلى قلبه ،وكيف يدخل المعنى قلبَ مَنْ لا قلبَ له !

وسئل أبو يزيد البِسطاميّ عن العِرفان فقال :إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةٌ (1)، وهذا معنى ما أشار إليه أبو حفص الحدّاد.

وقال أبو يزيد أيضاً : للخَلْق أحوال ، ولا حال للعارف ،لأنّه محيت رسومه وفنيَ هو، وصارت هوّيتُه هوية غيره، وغيبت آثاره في آثار غيره.

قلت : وهذا هو القول بالاتحاد الذي يبحث فيه أهل النظر .

وقال الواسطيّ : لا تصحّ المعرفة وفي العبد استغناء بالله، أو افتقار إليه. وفسّر بعضُهم هذا الكلام فقال : إنّ الافتقار والاستغناء من أمارات صَخو العبد وبقاء رسومه على ما كانت عليه، والعارف لا يصحّ ذلك عليه، لأنّه لاستهلاكه في وجوده، أو لاستغراقه في شهوده، إن لم يبلغ درجة الاستهلاك في الوجود مختطف عن إحساسه بالغنى والفقر وغيرهما من الصّفات، ولهذا

ص: 48


1) سورة النمل، الآية : 34 .

قال الواسطيّ : منْ عَرَف الله انقطع وخرس وانقمع ، قال(علیه السلام): «لا أحصي ثناء عليك أنتَ كما أثنيت على نفسك» (1).

وقال الحُسين بن منصور الحلاج : علامة العارف أن يكون فارغاً من الدّنيا والآخرة.

وقال سهل بن عبد الله التَّسْتَريّ : غاية العرفان شيئان : الدَّهَش والحيرة.

وقال ذو النون : أعرَفُ النَّاس بالله أشدُّهم تحيُّراً فيه.

وقيل لأبي يزيد : بماذا وصلت إلى المعرفة؟ ببدِن عارِ، وبطن جائع.

وقيل لأبي يعقوب السُّوسيّ : هل يتأسف العارف على شيء غير الله ؟ فقال : وهل يرى شيئاً غيره، ليتأسف عليه !

وقال أبو يزيد: العارف طيّار، والزاهد سيّار.

وقال الجُنَيد : لا يكون العارف عارفاً حتّى يكون كالأرض يَطؤُها البَرّ والفاجر، وكالسحاب يُظل كلَّ شيء، وكالمطر يسقِي ما ينبت وما لا ينبت.

وقال يحيى بن معاذ: يخرُج العارف من الدّنيا، ولا يقضي وطره من شيئين : بكائه على نفسه، وحبّه لربه .

وكان ابن عطاء يقول : أركان المعرفة ثلاثة : الهيبة ،والحياء ،والأنس.

وقال بعضهم : العارف أنسَ بالله فأَوحَشه من خلقه، وافتقر إلى الله فأغناه عن خَلْقه، وذلّ لله فأعزّه في خلقه .

وقال بعضهم : العارِف فوق ما يقول ،والعالم دون ما يقول.

وقال أبو سُليمان الدّارَاني : إنّ الله يفتح للعارف على فراشِه ،ما لا يفتح للعابد وهو قائم يصلّي. وكان رُوَيْم يقول : رياء العارفين أفضل من إخلاص العابدين.

وسئل أبو تراب النخشبيّ عن العارف، فقال : هو الّذي لا يكدره شيء، ويصفو به كلّ شي.

وقال بعضهم : المعرفة أمواج ترفع وتَحُط .

ص: 49


1) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة باب: ما يقال في الركوع والسجود (486)، والترمذي في كتاب: الدعوات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) باب :ما جاء في عقد التسبيح باليد (3493)، والنسائي في كتاب: الطهارة، باب : ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة (169) ، وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في الدعاء في الركوع والسجود (879) ، وابن ماجه في كتاب: الصلاة والسنّة فيها ،باب: ما جاء في القنوت في الوتر (1179).

وسئل يحيى بن مُعاذ عن العارف، فقال : الكائن البائن.

وقيل : ليس بعارف مَن وصف المعرفة عند أبناء الآخرة، فكيف عند أبناء الدنيا !

وقال محمد بن الفضل: المعرفة حياة القلب مع الله .

وسئل أبو سعيد الخرّاز : هل يصير العارف إلى حال يجفو عليه البكاء؟ قال: نعم، إنّما و البكاء في أوقات سيرهم إلى الله ، فإذا صاروا إلى حقائق القرب، وذاقوا طعم الوصول، زال عنهم ذلك .

واعلم أنّ إطلاق أمير المؤمنين(علیه اسلام) عليهم لفظة «الولاية»، في قوله : «يتواصلون بالولاية، ويتلاقون بالمحبّة» يستدعي الخوض في مقامين جليلين من مَقامات العارفين : المقام الأوّل الولاية، وهو مقام جليل، قال الله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ (1).

وجاء في الخبَر الصحيح عن النبي (ضلی الله علیه و آله و سلم)، يقول الله تعالى: «مَنْ أذى لي وليا فقد استحلّ محارِمي، وما تقرّب إليّ العبد بمثل أداء ما فرضتُ عليه، ولا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه ،ولا ترددت في شيء أنا فاعله كتردّدي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولا بُدّ لَهُ منه »(2).

واعلم أنّ الوليّ له معنيان :

أحدهما «فَعِيل بمعنى مفعول»، كَقِيل وجريح، وهو من يتولّى الله أمره كما قال الله تعالى: إِنَّ وَلِيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِحِينَ(3)، فلا يكله إلى نفسه لحظة عين، بل يتولىّ رعايته .

وثانيهما «فَعِيل »بمعنى« فاعل» كنذير وعَليم، وهو الَّذِي يتولّى طاعة الله وعبادته فلا يعصيه.

ومن شرط كون الولّي وليا الا يعصي مولاه وسيّده، كما أن من شرط كون النبيّ نبياً العصمة، فمن ظنّ فيه أنّه من الأولياء، ويصدر عنه ما للشرع فيه اعتراض، فليس بوليِّ عند أصحاب هذا العلم .بل هو مغرور مخادع.

ص: 50


1) سورة يونس، الآية : 62 .

2) أخرج البخاري قريباً منه في كتاب: الرقاق، باب : التواضع (6502)، وأحمد في كتاب : باقي مسند الأنصار (25661).

3) سوره الاعراف،الایه:19.

ويقال : إنّ أبا يزيدَ البسطامي قصد بعض مَنْ يوصف بالولاية، فلما وافي مسجده، قعد ينتظر خروجه ، فخرج الرجل وتنخّم في المسجد، فانصرف أبو يزيد ولم يسلَّم عليه، وقال: هذا رجلٌ غير مأمون على أدبِ من آداب الشريعة، كيف يكون أميناً على أسرار الحق!

وقال إبراهيم بن أدهم لرجل : أتحبّ أن تكون الله ولياً؟ قال: نعم، قال: لا ترغب في شي من الدّنيا ولا من الآخرة، وفرّغ نفسك الله ، وأقبل بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك .

وقال يحيى بن معاذ في صِفَة الأولياء : هم عباد تسربَلُوا بالأنس بعد المكابدة، وادْرَعُوا بالرّوح بعد المجاهدة، بوصولهم إلى مقام الولاية.

وان أبو يزيدَ يقول : أولياء الله، عرائس الله، ولا يرى العرائسَ إلاّ المحارم، فهم مخدّرون عنده في حجاب الانس، لا يراهم أحدٌ في الدنيا ولا في الآخرة.

وقال أبو بكر الصّيدلاني : كنت أصلِحُ لقبر أبي بكر الطمستاني لوحاً أنقر فيه اسمه، فيُسرق ذلك اللوح، فأنقر له لوحاً آخر وأنصبه على قبره، فيُسرق، وتكرر ذلك كثيراً دون غيره من ألواح القبور ، فكنت أتعجب منه ،فسألت أبا عليّ الدقاق عن ذلك، فقال: إن ذلك الشيخ أثر الخفاء في الدنيا، وأنت تريد أن تشهره باللّوح الذي تنصبه على قبره فالله سبحانه يأبى إلا إخفاء قبره، كما آثر هو سَتْر نفسه .

وقال بعضهم : إنّما سمي الوليّ ولياً ، لأنّه توالت أفعاله على الموافقة .

وقال يحيى بن معاذ: الولي لا يرائي ولا ينافق، وما أقلّ صديق من يكون هذا خلُقه !

المقام الثاني المحبّة قال الله سبحانه: وَمَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوم یُحِبتُهُمِ ويُحِبُّونَهُ (1)والمحبة عند أرباب هذا الشأن حالة شريفة .

قال أبو يزيدَ البسطاميّ : المحبّة استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل من حبيبك .

وقال أبو عبد الله القرشيّ : المحبّة أن تهب كلَّك لمن أحببت، فلا يبقى لك منك شيء. وأكثرهم على نفي صفة العشق، لأن العشق مجاوزة الحدّ في المحبّة، والبارىء سبحانه أجل من أن يوصف بأنه قد تجاوز أحدّ الحد في محبته .

سئل الشِّبلي عن المحبّة، فقال: أن تَغارَ على المحبوب أن يحبَّه أحد غيرك .

ص: 51


1) سورة المائدة، الآية : 54 .

وقال سمنون : ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة، لأن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «المرء مع من أحب »(1)، فهم مع الله تعالى .

وقال يحيى بن مُعاذ : حقيقة المحبّة ما لا ينقُص بالجفاء، ولا يزيد بالبرّ .

وقال : ليس بصادق من ادّعى محبّته ولم يحفظ حدوده.

وقال الجُنيد : إذا صحّت المحبة سقطت شروط الأدب.

وأنشد في معناه :

إذا صَفَت المودّة بين قوم ***وَدَامَ ودادهم سَمُجَ الثَّناءُ

وكان أبو عليّ الدقاق يقول : ألست ترى الأب الشفيق لا يبجِّل ولده في الخطاب، والناس يتكلّفون في مخاطبته، والأب يقول له : يا فلان باسمه.

وقال أبو يعقوب السُّوسِي : حقيقة المحبة أن ينسَى العبد حظَّه من الله، وينسى حوائجه إليه .

قيل للنصراباذيّ: يقولون : إنه ليس لك من المحبّة شيء. قال صدقوا، ولكن لي حسراتهم، فهو ذو احتراق فيه .

وقال النصر أباذيّ أيضاً : المحبّة مجانية السلوّ على كل حال، ثم أنشد:

وَمَنْ كَانَ في طَوْلِ الهوى ذاقَ سَلْوَةٌ ***فإني من ليلى لها غير ذائقِ

وأكثر شيء نلتُه في وصالها*** أمانيّ لم تصدق كلمحةِ بارقِ

وكان يقال : الحب أوله خبل ،وآخره قتل .

وقال أبو علي الدقاق في معنى قول النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم):«حبك الشيء يُعمي ويُصِم »(2)، قال : يعمي ويصمّ عن الغير إعراضاً وعن المحبوب هَيبة، ثم أنشد:

إذَا ما ب بدالي تعاظمتُه ***فأصدر في حال مَنْ لم يَرَه

وقال الجُنيد : سمعتُ الحارث المحاسبيّ ، يقول : المحبّة إقبالك على المحبوب بكليّتك، ثم إيشارك له على نفسك، ومالك وولدك، ثم موافقتك له في جميع الأمور سرًّا وجهراً، ثم اعتقادك بعد ذلك أنّك مقصّر في محبته .

ص: 52


1) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: علامة حب الله عز وجل (6168)، ومسلم في كتاب : البر والصلة والآداب، باب: المرء مع من أحب (2641)، والترمذي في كتاب: الزهد عن رسول الله(صلی الله علیع و آله و سلم) ، باب: ما جاء أن المرء مع من أحب (2385)، وأبو داود في كتاب : الأدب، :باب: إخبار الرجل الرجلَ بمحبته إياه (5127)، وأحمد في كتاب: المكثرين من الصحابة، باب: مسند عبد الله بن مسعود (3710).

2) أخرجه أبو داود في كتاب :الأدب، في الهوى (5130) ، وأحمد في كتاب: مسند الأنصار، باب :باقي حديث أبي الدرداء (21186).

يا أنا .

وقال الجُنيد: سمعتُ السريّ يقول : لا تصلح المحبّة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر :يا أنا .

وقال الشَّبلي : المحبّ إذا سكت هلك، والعارف إذا لم يسكت هلك.

وقيل : المحبّة نار في القلب تحرق ما سوى ودّ المحبوب.

وقيل : المحبّة بذُل الجهد، والحبيب يفعل ما يشاء .

وقال الثَّوْريّ : المحبّة هَتْك الأستار، وكشف الأسرار .

حبِس الشبلي في المارستان بين المجانين، فدخل عليه جماعة فقال : مَنْ أنتم؟ قالوا : محبُّوك

أيّها الشيخ فأقبل يرميهم بالحجارة، ففرُّوا ، فقال : إذا ادعيتم محبتي فاصبروا على بلائي .

كتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيدَ البِسطاميّ : قد سكرتُ من كثرة ما شربتُ من كأس محبته. فكتب إليه أبو يزيد: غيرُك شرب بَحور السموات والأرض وما روِيَ بعد، ولسانه خارج ،ويقول : هل من مزيد! ومن شعرهم في هذا المعنى:

عجبت لمن يقولُ ذكرتُ رَبِّي*** وهَلْ أَنسى فأذكر ما نَسِيتُ!

شربتُ الحبَّ كأساً بعد كأس*** فمانَفِدَ الشَّرَاب ولا رَوِيتُ

ويقال : إنّ الله تعالى أوْحَى إلى بعض الأنبياء: إذا اطلعت على قلب عَبْدِ فلم أجد فيه حبّ الدنيا والآخرة، ملأته من حبي .

وقال أبو عليّ الدّقاق: إنّ في بعض الكتب المنزّلة: عبدي، أنا وحقّك لك محبّ، فبحقّيعليك كن لي محبُّا .

وقال عبد الله بن المبارك: مَنْ أعِطَي قِسْطاً من المحبّة، ولم يعطَ مثله من الخشية، فهو مخدوع .

وقيل : المحبة ما تمحو أثرك، وتسلبك عن وجودك.

وقيل : المحبة سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه، ثم إنّ السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يُوصف. وأنشد :

فأسكر القومَ دَوْرُ كأس*** وكان سُكْرِي من المديرِ

وكان أبو عليّ الدقّاق ينشد كثيراً :

لي سكرتان وللندمان واحدة***شيء خصصت به من بينهم وحدي

وكان يحيى بن معاذ يقول : مثقال خردلة من الحب أحب إليّ من عبادة سبعين سنة بلا حبّ.

ص: 53

وقال بعضهم : مَنْ أراد أن يكونَ محبًّا، فليكن كما حُكِي عن بعض الهند أنه أحبّ جارية، فرحلت عن ذلك البلد، فخرج الفتَى في وداعها، فدمَعَتْ إحدى عينيه دون الأخرى، فغمض التي لم تدمع أربعاً وثمانين سنة ولم يفتَحها عقوبة لأنها لم تبكِ على فراق حبيبته .

وأنشدوا في هذا المعنى:

بكت عيني غَداة البين دمعاً*** وأُخرى بالبكا بخلت عَلَيْنَا

فعاقبتُ التي بخِلَتْ عَلَيْنَا ***بأن غمضتها يومَ التَقَيْنا

وقيل : إن الله تعالى أوحى إلى داود(علیه السلام) : إني حرمت على القلوب أن يدخلَها حتيّ وحبّ غيري .

وقيل : المحبة إيثار المحبوب على النفسّ كامرأة العزيز لما أفرط بها الحبّ، قالت:أَنَا رَوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ(1)، وفي الابتداء، قالت: مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أن يُسجَنَ (2)فورّكت الذنب في الابتداء عليه، ونادت في الانتهاء على نفسها بالخيانة.

وقال أبو سعيد الخراز : رأيتُ النبي(صلی اله علیه و آله و سلم) اول في المنام ، فقلت : يا رسول الله اعذرني، فإنّ محبّة الله شغلتني عن حبّك ، فقال : يا مبارك، مَنْ أحب الله فقد أحبّني .

ثم نعود إلى تفسير ألفاظ الفصل :

قوله (علیه السلام):«يصونون مَصُونه»، أي ايكتمون من العلم الذي استحفظوه ما يجب أن يُكتم . ويفجّرون عيونه يظهرون منه ما ينبغي إظهاره، وذلك أنّه ليس ينبغي إظهار كلّ ما استودِع العارف من الأسرار، وأهلُ هذا الفنّ يزعمون أنّ قوماً منهم عجزوا عن أن يحمَّلوا بما حُمّلوه، فباحوا به ،فهَلكوا منهم الحسين بن منصور الحلاج. ولأبي الفتوح الجَارُودي المتأخر أتباع يعتقدون فيه مثلَ ذلك .

والوَلاية، بفتح الواو : المحبّة والنُّصرة، ومعنى «يتواصَلُون بالوَلاية» يتواصلون وهم أولياء، ومثله :«ويتلاقون بالمحبّة »كما تقول: خرجت بسلاحي، أي خرجت وأنا متسلّح، فيكون موضع الجار والمجرور نصباً بالحال أو يكون المعنى أدقّ وألطف من هذا، وهو أن يتواصلوا بالوَلاية، أي بالقلوب لا بالأجسام، كما تقول: أنا أرعاك بقلبي، وأزورك بخاطري، وأواصلك بضميري.

قوله : «ويتساقَون بكأس روِيّة»، أي بكأس المعرفة، والأنس بالله، يأخذ بعضهم عن بعض العلومَ والأسرار، فكأنهم شَرْبٌ يتساقون بكأس من الخمر.

ص: 54


1) سورة يوسف، الآية : 25 .

2) سورة يوسف، الآية : 51 .

قال : «ويصدُرون بريّة» يقال : من أين رَيّتكم؟ مفتوحة الراءَ، أي من أين ترتوون الماء؟

قال: «لا تشوبهم الرَّيبة»، أي لا تخالطهم الظَّنّة والتُّهمة، ولا تسرع فيهم الغيبة، لأن أسرارهم مشغولة بالحقّ عن الخلق .

قال: «على ذلك عقَد خَلْقهم وأخلاقهم»، الضمير في «عقَد» يرجع إلى الله تعالى، أي على هذه الصفات والطبائع عَقَد الخالق تعالى ،خِلقتهم وخُلُقهم، أي هم متهيئون لما صاروا إليه، كما قال(علیه السلام) :« إذا أرادك لأمر هيأك له» .

وقال(علیه السلام) : «كلُّ میسّر لما خلِق له»(1).

قال: «فعليه يتحابون ،وبه يتواصلون»، أي ليس حبُّهم بعضهم بعضاً إلّا في الله ، وليست مواصلتهم بعضهم بعضاً إلا لله ، لا للهوى ولا لغرضِ من أغراض الدنيا، أنشد منشِد عند عمر قولَ طَرَفة :

فَلَوْلاً ثَلاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الْفَتَى*** وَجَدِّكَ لم أحفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي

فمنهنَّ سَبقى العاذلاتِ بِشَرْبةٍ*** كُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بالماء تُزيد

وَكَرِّي إذا نادَى المضاف مُحَنَّباً*** كَسِيدِ الْغَضَا نبهته المتورّدِ

وَتَقْصِيرُ يومِ الدَّجْنِ والدّجنُ معجِبْ ***بِبَهْكَنَةٍ تحتَ الطَّرَاف المعمّد

فقال عمر :وأنا لولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى، لم أحفِل متَى قام عوّدي، حُبي في وبغضي في الله وجهادي في سبيل الله .

قوله (علیه السلام ): «فكانوا كتفاضل الْبَدْرِ»، أي مَثلُهم مثل الحب الذي يُنتقى للبَذر، يستصلح بعضه، ويسقط بعضه.

قد ميّزه التخليص : قد فرّق الانتقاء بين جيده ورديئه. وهذَّبه التمحيص، قال النبي(صلی الله علیه و آله و سلم):« إن المرض ليمحَّص الخطايا كما تمحَّص النار الذهب» (2)، أي كما تخلّص النار الذه الذهب مما يشوبه .

ثم أمر (علیه السلام)المكلفين بقبول كرامة الله ونصحه ،ووعظه وتذكيره، وبالحذر مِن نزول القارعة بهم، وهي ها هنا الموت، وسميّت الداهية قارعة لأنها تقرع، أي تصيب بشدّة.

ص: 55


1) أخرجه البخاري في كتاب: تفسير القرآن ،باب :فسنيسره للعسرى (4949)، ومسلم في كتاب : القدر، باب : كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزق وأجله (2647)، والترمذي في كتاب : القدر عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، باب: ما جاء في الشقاء والسعادة (2136)، وأبو داود في كتاب : السنة ، باب : في القدر (4709) ، وابن ماجه في باب : القدر (78).

2) ذكره المناوي في فيض القدير (143/1).

قوله : «فليصنع المتحوَّي له»، أي فليعدّ ما يجب إعداده للموضع الذي يتحوّل إليه، تقول : اصنع لنفسك، أي اعمل لها .

قوله :«ومعارف منتقَلِه»معارف الدّار:ما يعرفها المتوسّم بها واحدها معَرف، مثل معاهد الدار، ومعالم الدار، ومنه معارف المرأة، وهو ما يظهر منها كالوجه واليدين .والمنتقَل. بالفتح : موضع الانتقال.

قوله«فطوبىَ»هي«فُعْلَى» من الطّيب ،قلبوا الياء واواً للضمّة ،قبلها، ويقال : طوبَى لك ، وطوباك!بالإضافة.

وقول العامة : «طوبيك» بالياء غير جائز .

قوله : «الذي قلب سلِيم»، هو من ألفاظ الكتاب العزيز، أي سليم من الغلّ والشك.

قوله : «أطاع مَنْ يهديه»، أي قبل مشورة الناصح الأمر له بالمعروف والناهي له عن المنكَر.

وتجنّب مَنْ يُرْدِيه، أي يهلكه بإغوائه وتحسين القبيح له .

والباء في قوله : «ببصرِ مَنْ بَصَره»، متعلّقة ب«أصاب» .

قوله : «قبل أن تغلق أبوابه»، أي قبل أن يحضره الموت فلا تقبل توبته .

والحوبة : الإثم. وإماطته: إزالته، ويجوز أمطتُ الأذى عنه، ومطت الأذى عنه، أي نحيته، ومنع الأصمعي منه إلا بالهمزة.

208 - ومن دعاء كان يدعو به(علیه السلام)كثيراً

الأصل: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يُصْبِحُ بِي مَيْناً وَلا سَقِيماً ، وَلا مَضْرُوباً عَلَى عُرُونِي بِسُوءٍ، وَلَا

مأخوذاً بِأَسْوَا عَمَلِي، وَلَا مَقْطُوعاً دَابِرِي، وَلَا مُرْتَدَّا عَنْ دِينِي وَلاَ مُنْكِراً لِرَبِّي، وَلاَ مُسْتَوْحِشاً مِنْ إِيمَانِي وَلا مُلْتَبِساً ،عَقْلِي، وَلا مُعَذِّباً بِعَذَاب الأمم مِنْ قَبْلِي أَصْبَحْتُ عَبْداً مَعْلُوكاً ، ظَالِماً لِنَفْسِي، لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ - وَلَا حُجَّةَ لِي - وَلَا أَسْتَطِيع أَنْ أخُذَ إِلا مَا أَعْطَيْتَنِي، وَلا أَنْقِيَ إِلا مَا وَقَيْتَنِي.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ، أَوْ أَضِلَّ فِي هُدَاكَ، أَوْ أُضَامَ فِي سُلْطَانِكَ، أَوْ أضْطَهَدَ وَالْأَمْرُ لَكَ !

ص: 56

اللهُمَّ أَجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَتَزَعُهَا مِنْ كَرَائِمِي، وَأَوَّلَ وَدِيمَةٍ تَرْتَجِمُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي!

اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ، أَوْ أَنْ نُفْتَتَنَ عَنْ دِينِكَ، أَوْ تتتابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ !

الشرح :قوله «كثيراً» منصوب بأنه صفة مصدر محذوف، أي دعاء كثيراً. وميتاً منصوب على

الحال، أي لم يفلَق الصباح عليّ ميتاً ، ولا يجوز أن تكون «يصبح» ناقصة، ويكون «ميتاً» خبرها، كما قال الراونديّ، لأنّ . (كان) وأخواتها ، يجب أن يكونَ هو الاسم، ألا ترى أّنهما مبتدأ وخبر في الأصل واسم «يصبح» ضمير «الله »تعالى، و«ميتاً» ليس هو اللَّه سبحانه.

قوله :« ولا مضروباً على عروقي بسوء»، أي ولا أَبْرَص، والعرب تكنِي عن البرص بسوء، ومن أمثالهم ما أنكرُك من سوء، أي ليس إنكاري لك عن بَرَص حَدَث بك فغيّر صورتك .

وأراد بعَووقه أعضاءه، ويجوز أن يريد :ولا مطعوناً في نسبي، والتفسير الأوّل أظهر.

« ولا مأخوذاً بأسوإ عملي»، أي ولا معاقباً بأفحش ذنوبي.

ولا مقطوعاً ،دابري أي عقبي ونسلي. والدابر في الأصل: التابع، لأنه يأتي دبُراً، ويقال للهالك : قد قطع الله ،دابره، كأنّه يراد أنه عفا أثره، ومحا اسمه، قال سبحانه: أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقطُوُعُ مُصبِحِینَ(1)

ولا مستوحشاً، أي ولا شائًا في الإيمان، لأنّ مَنْ شكّ في عقيدةِ استوحش منها .

ولا ملتبساً ،عقلي أي ولا مختلطاً عقلي، لَبَسْتُ عليهم الأمر بالفتح، أي خلطته. وعذاب الأمم من قبلُ المسخُ والزّلزلة والظلمة ونحو ذلك .

قوله : «لك الحجة عليّ، ولا حجّة لي»، لأنّ الله سبحانه قد كلّفه بعد تمكينه وإقداره وإعلامه قبحَ القبيح ووجوب الواجب وترديد دواعيه إلى الفعل وتركه، وهذه حجّة الله تعالى على عباده، ولا حجّة للعباد عليه، لأنه ما كلّفهم إلا بما يطيقونه ،ولا كان لهم لطف في أمرِ إلا وفَعَله .

قوله : «لا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتَني، ولا أتقيَ إلا ما وقَيْتَني»، أي لا أستطيع أن

ص: 57


1) سورة الحجر، الآية : 66 .

أرزق نفسي أمراً، ولكنك الرزاق، ولا أدفع عن نفسي محذوراً من المرض والموت إلا ما دفعته أنتَ عنُي .

وقال الشاعر :

لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي الْفَتَى كَيْف يتقي****نوائب هذا الدَّهر أم كيف يحذَرُ!

يرى الشيء مِمّا يُتَقَى فيخافُه****وما لا يرى مما يقي الله أكثَرُ

وقال عبد الله بن سليمان بن وهب :

كفاية الله أجدى مِنْ تَوَفَّينَا****وعادةُ الله في الأعداء تَكْفِينَا

كاد الأعادي فما أبقوا ولا تَرَكُوا****عَيْباً وطعناً وتقبيحاً وتهجينَا

ولم نزد نحنُ في سرّ وفي علَن ****عَلَى مقالينا: الله يكفينا

وكان ذاك - وردّ الله حاسدَنا****بغيظه - لم ينل مأموله فينَا

قوله(علیه السلام): «أن أفتقِر في غناك»، موضع الجار والمجرور نصب على الحال، «وفي» متعلّقة بمحذوف، والمعنى أن أفتقِر وأنت الموصوف بالغنى الفائض على الخلق .

وكذلك قوله :«أو أضِلّ في هداك»، معناه : أو أضل وأنت ذو الهداية العامّة للبشَر كافّة، وكذلك : «أو أضام في سلطانك»، كما يقول المستغيث إلى السلطان: كيف أظلم في عدلك !

وكذلك قوله : «أو أضطهد والأمرُ لك »، أي وأنت الحاكم صاحبُ الأمر، والطاء في «أضطهد» هي تاء الافتعال، وأصل الفعل ضهدت فلاناً ، فهو مضهود ،أي قهرته. وفلان ضُهَدة لكلّ أحد، أي كلّ مَنْ شاء أن يقهره فعل .

قوله : «اللهم اجعل نفسي»ّ ، هذه الدعوة مثل دَعوة رسول الله(ضلی الله علیه و آله و سلم)، وهي قوله : «اللهمّ مَتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا، واجعله الوارث منّا» (1)، أي لا تجعل موتنا متأخراً عن ذهاب حواسّنا. وكان عليّ بن الحسين يقول في دعائه: اللهمّ احفَظ عليّ سمعي وبصري، إلى انتهاء

أجلي.

وفسّرُوا قوله (علیه السلام):« واجعله الوارث مِنّا »فقالوا : الضمير في« واجعله »يرجع إلى الإمتاع .

فإن قلت: كيف يتّقي الإمتاع بالسمع والبصر، بعد خروج الرّوح؟

(1) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات عن رسول الله( صلى الله عليه و آله وسلم) ، باب: ما جاء في عقد التسبيح باليد (3502) والنسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة باب: ما يقول إذا جلس في مجلس كثر فيه لغطه (10234) .

ص: 58


1) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات عن رسول الله( صلى الله عليه و آله وسلم) ، باب: ما جاء في عقد التسبيح باليد (3502) والنسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة باب: ما يقول إذا جلس في مجلس كثر فيه لغطه (10234) .

قلت : هذا توسّع في الكلام، والمراد: لا تبلُنا بالعمَى ولا الصَّمَم، فنكون أحياء في الصورة ولسنا بأحياء في المعنى، لأن مَن فقدهما لا خَيْر له في الحياة، فحملته المبالغة على أن طلب بقاءَهما بعد ذهاب النفس، إيذاناً وإشعاراً بحبّه ألا يُبْلَى بفقدهما .

ونُفْتَتَن، على ما لم يسمّ فاعله :نصابُ بفتنة تُضِلَّنا عن الدّين، وروي: «نَفْتَتن» بفتح حرف المضارعة على «نفتعل»، افتتن الرجل أي فتن، ولا يجوز أن يكون الافتتان متعدُياً كما ذكره الراونديّ، ولكنه قرأ في «الصحاح» للجوهريّ :« والفتون: الافتتان، يتعدى ولا يتعدّى»، فظنّ أن ذلك للافتتان وليس كما ظنّ، وإنما ذلك راجع إلى الفُتون.

والتتابع : التهافت في اللّجاج والشرّ، ولا يكون إلاّ في مثل ذلك، وروي أو «تتابع» بطرح إحدى التاءات.

209 - ومن خطبة له(علیه السلام) لا خطبها بصفين

اشارة

الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ الله سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقًّا بِوِلايَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ

مِثْلُ الَّذِي لي عَلَيْكُمْ، وَالْحَقُّ أَوْسَعُ الأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التّنَافِ، لاَ يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلا جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلا جَرَى لَهُ. وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ ، لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً الله سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ، تَفَضَّلاً مِنْهُ ، وَتَوَسعاً بِمَا هُوَ مِنَ المَزِيدِ أَهْلُهُ.

الشرح: الذي له عليهم من الحق هو وجوب طاعته، والذي لهم عليه من الحقّ هو وجوب

معدلته فيهم. والحقّ أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقُها في التناصف، معناه أن كلّ أحدٍ يصف الحقّ والعدل،ويذكر حسنه ووجوبه ،ويقول: لو وُلّيت لعدلت، فهو بالوصف باللسان وسيع ،وبالفعل ضيّق ، لأن ذلك العالَم العظيم الذين كانوا يتواصفون حسنه ، ويعِدُون أنّ لوُلّوا باعتماده وفعله، لا تجدُ في الألف منهم واحداً لو وُلّي لعدل. ولكنه قول بغير عمل.

ثم عاد إلى تقرير الكلام الأول، وهو وجوب الحقّ له وعليه فقال : إنه لا يجرى لأحد إلا وجرى عليه، وكذلك لا يجري عليه إلا وجرى له أي ليس ولا واحد من الموجودين بمرتفع عن أن يجري الحق عليه، ولو كان أحد من الموجودين كذلك لكان أحقهم بذلك البارىء

ص: 59

سبحانه ، لأنَّه غايةُ الشرف، بل هو فوق الشرف وفوق الكمال والتمام، وهو مالك الكلّ، وسيّد الكلّ ، فلو كان لجواز هذه القضية وجه، ولصحتها مساغ، لكان البارى تعالى أولَى بها، وهي ألا يُستحقّ عليه، شيء، وتقدير الكلام :لكنّه يُستحق عليه أمور ، فهو في هذا الباب كالواحد منّا يستحق ويُستحق عليه، ولكنّه (علیه السلام)حذف هذا الكلام المقدّر أدباً وإجلالاً لله تعالى أن يقول : إنه يُستحق عليه شيء .

فإن قلت : فما بالُ المتكلمين لا يتأدبون بأدبه(علیه السلام) ! وكيف يطلقون عليه تعالى الوجوب والاستحقاق !

قلت: لیست وظيفة المتكلّمين وظيفة أمير المؤمنين (علیه السلام)في عباراتهم هؤلاء أرباب صناعة، وعلم يحتاج إلى ألفاظ واصطلاح لا بدَّ لهم من استعماله للإفهام والجدل بينهم، وأمير المؤمنين إمام يخطب على منبره ، يخاطب عرباً ورعيّة ليسوا من أهل النظر، ولا مخاطبتُه التعليم هذا العلم، بل لاستنفارهم إلى حزب عدوّه، فوجب عليه بمقتضى الأدب أن يتوقى كلّ لفظة توهم ما يستهجنه السامع في الأمور الإلهية وفي غيرها .

فإن قلت : فما هذه الأمور التي زعمتَ أنها تُستحقّ على البارىء سبحانه، وأن أمير المؤمنين (علیه السلام)حذفها من اللفظ ، واللفظ يقتضيها ؟

قلت :الثواب والعوض ،وقبول التوبة ،واللّطف والوفاء بالوعد والوعيد، وغير ذلك مما يذكُره أهلُ العدل.

فإن قلت : فما معنى قوله : «لكان ذلك خالصاً الله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كلّ ما جرت عليه صروف قضائه»؟ وهب أنّ تعليل عدم استحقاق شيء على الله تعالى بقدرته على عباده صحيح كيف يصح تعليل ذلك بعدله في كلّ ما جرت عليه صروف قضائه؟ ألا ترى أنه ليس بمستقيم أن تقول لا يُستحق على البارىء شيء، لأنّه عادل، وإنما المستقيم أن تقول لا يُستحق عليه شيء، لأنه مالك، ولذلك عللت الأشعرية هذا الحكم بأنَّه مالك الكلّ، والاستحقاق إنّما يكون على مَنْ دونه .

قلت : التعليل صحيح، وهو أيضاً مما عللّت به الأشعرية مذهبها، وذلك لأنه إنما يتصوّر الاستحقاق على الفاعل المختار إذا كان ممّن يتوقّع منه أو يصح منه أن يظلم، فيمكن حينئذ أن يقال : قد وجب عليه كذا واستحق عليه كذا ، فأما من لا يمكن أن يظلم ولا يتصوّر وقوع الظلم منه ولا الكذب ولا خلف الوعد والوعيد، فلا معنى لإطلاق الوجوب والاستحقاق عليه كما لا يقال: كذا الداعي الخالص يستحق عليه أن يفعل ما دعاه إليه الداعي، ويجب عليه أن يفعل ما دعاه إليه الداعي، مثل الهارب من الأسد، والشديد العطش إذا وجد الماء، ونحو ذلك .

ص: 60

فإن قلت : أليس يُشعر قوله (علیه السلام): «وجعل جزاءهم عليه مضاععة الثواب تفضّلاً منه» بمذهب البغداديين من أصحابكم، وهو قولهم : إن الثواب تفضّل من الله سبحانه، وليس بواجب!

قلت : لا ، وذلك لأنه جعل المتفضَّل به هو مضاعفة الثّواب، لا أصل الثواب، وليس ذلك بمستنكر عندنا .

فإن قلت : أيجوز عندكم أن يستحّق المكلف عشرة أجزاء من الثواب فيعطي عشرين جزءاً منه؟ أليس من مذهبكم أنّ التعظيم والتبجيل لا يجوز من البارى سبحانه أن يفعلهما في الجنة إلا على قدر الاستحقاق، والثواب عندكم هو النفع المقارن للتعظيم والتبجيل؟ فكيف قلت : إن مضاعفة الثواب عندنا جائزة!

قلت : مراده(علیه السلام) بمضاعفة الثواب هنا زيادة غير مستحقّة من النعيم واللذة الجسمانية خاصة في الجنّة ، فسمَّى تلك اللذة الجسمانية ثواباً لأنَّها جزء من الثواب، فأما اللذة العقلية فلا

يجوز مضاعفتها .

قوله (علیه السلام):« بما هو من المزيد أهله»، أي بما هو أهله من المزيد، فقدّم الجار والمجرور وموضعه نصب على الحال وفيه دلالة على أنّ حال المجرور تتقدّم عليه، كما قال الشاعر :

لَئِنْ كَانَ بَرْدُ المَاء حَرانَ صادياً*** إلي حبيباً إِنَّها لحبيبُ

الأصل: ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِن حُقُوقِهِ حُقُوقاً أَفْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا

تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا ، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً ، وَلاَ يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلا بِبَعْضٍ. وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقٌّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي، فَرِيضَةٌ فَرَضَها الله سُبْحَانَهُ لِكُلِّ عَلَى كُلِّ ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ، وَعِرًّا لِدِينِهِمْ ، فَلَيْسَتْ نَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلا بِصَلاح الْوُلاةِ، وَلا تَصْلُحُ الْوُلاَةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ، فَإِذَا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا ، عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّين، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ ، فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَيْسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ.

وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا ، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الْإدْهَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَمُطلتِ الْأَحْكَامُ، وَكَثرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ ، فَلا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٌّ عُطْلَ، وَلَا لِعَظِيم بَاطِلٍ فُعِلَ، فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ ، وَتَعِزُّ الْأَشْرَارُ ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ .

ص: 61

فَعَلَيْكُمْ بِالتّناصُح فِي ذَلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ وَإِنْ أَشْتَدَّ عَلَى رِضًا الله حِرْصُهُ، وَطَالَ فِي الْعَمَلِ أَجْتِهَادُهُ ، بِبَالِغِ حَقِيقَةً مَا الله سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ، مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ. وَلَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ الله سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ ، وَلَيْسَ أَمْرُةٌ وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ، بِفَوْق أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ مِنْ حَقِّهِ، وَلاَ أَمْرُلُ وَإِنْ صَغَرَتْهُ النُّفُوسُ ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ، بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ.

الشرح: تتكافأ في وجوهها : تتساوى وهي حقّ الوالي على الرعية، وحق الرعيّة على الوالي .

وفريضة، قد روي بالنصب وبالرفع، فمن رفع فخبر مبتدأ محذوف، ومن نصب فبإضمار فعل، أو على الحال.

وجرت على أذلالها السّنن، بفتح الهمزة، أي على مجاريها وطرقها .

وأجحف الوالي برعيّته : ظلمهم.

والإدغال في الدين : الفساد.

و محاجّ السنن: جمع محجّة، وهي جادّة الطريق.

قوله :« وكثرت عِلَل النفوس»، أي تعلّلها بالباطل. ومن كلام الحجَاج : إيّاكم وعلل النفوس، فإنّها أدْوَى لكم من علل الأجساد.

واقتحمته العُيون : احتقرته وازدرته، قال ابن دُرید :

وَمِنْهُ مَا تَقْتَحِمُ العَيْنُ فَإِنْ**** ذُقْتَ جَنَاهُ سَاغَ عَذْباً في اللّها

ومثل قوله(علیه السلام):« وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته»، قولَ زيد بن علي(علیه السلام)لهشام بن عبد الملك : إنه ليس أحدُ وإن عظمت منزلته بفوق أن يُذَكَّر بالله، ويحذّر من سطوته، وليس أحدُ وإن صغُر بدون أن يذكَّر بالله ويخوّف من نقمته .

ومثل قوله(علیه السلام):« وإذا غلبت الرعيّة واليَها» قولُ الحكماء : إذا علا صوت بعض الرعيّة على الملك فالملك مخلوع، فإن قال : نعم، فقال أحدُ من الرعيّة : لا ، فالملك مقتول .

وقد جاء في وجوب الطاعة لأولي الأمر الكثير الواسع ، قال الله سبحانه: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُر(1).

ص: 62


1) سورة النساء، الآية : 59.

وروى عبد الله بن عمر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَم) : «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره ما لم يؤمَر بمعصية، فإذا أمر بها فلا سمع ولا طاعة »(1).

وعنه(علیه السلام):« إن أمُر عليكم عبدُ أسودَ مجدع فاسمعوا له وأطيعوا »(2).

ومن كلام علي(علیه السلام): «إنّ الله جعل الطاعة غنيمة الأكياس عند تفريط الفجَرة» (3).

بعث سعد بن أبي وقاص جَرير بنَ عبد الله البَجَليّ من العراق إلى عمر بن الخطاب بالمدينة، فقال له عمر : كيف تركت الناس؟ قال : تركتهم كقِداح الجُعبة، منها الأعصل الطائش، ومنها القائم الرائش. قال: فكيف سَعْدٌ لهم؟ قال : هو ثِقافها، الذي يقيم أَوَدَها، ويغمز عَصَلها . قال : فكيف طاعتهم؟ قال : يصلّون الصلاة لأوقاتها، ويؤدون الطاعة إلى ولاتها .قال الله أكبر! إذا أقيمت الصلاة، أدُيت الزكاة، وإذا كانت الطاعة، كانت الجماعة.

ومن كلام أبَرويز الملك : أطعْ مَنْ فوقك يُطعك مَنْ دونك .

ومن كلام الحكماء: قلوب الرعيّة خزائن واليها ، فما أودعه فيها وجَده.

وكان يقال : صنفان متباغضان متنافيان :السلطان والرعيّة، وهما مع ذلك متلازمان،صَلَحَ أحدهما صلح الآخر، وإن فسد فسد الآخر .

وكان يقال : محلّ الملك من رعيّته محلّ الروح من الجسد، ومحلّل الرعيّة منه محلّ الجسد من الرّوح ، فالروح تألَم بألم كلّ عضو من أعضاء البدن، وليس كل واحدِ من الأعضاء يألم بألم غيره، وفساد الروح فساد جميع البدن، وقد يفسد بعضُ البدن وغيره من سائر البدن صحيح.

وكان يقال : ظلم الرعية استجلاب البليّة .

وكان يقال : العَجَب ممّن استفسد رعيته ،وهو يعلم أن عزّه بطاعتهم !

وكان يقال : موت الملك الجائر خِضب شامل .

ص: 63


1) أخرج البخاري قريباً منه في كتاب: الجهاد والسير باب :السمع والطاعة للإمام (2955)، ومسلم في كتاب: الإمارة باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها (1839) : : والترمذي في كتاب: الجهاد عن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم)، باب :ما جاء لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (1707) والنسائي في كتاب: البيعة ،باب: جزاء من أمر بمعصية فأطاع (4206).

2) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب:وجوب طاعة الأمراء من غير معصية (1838)، والترمذي في كتاب: الجهاد عن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) ، باب: ما جاء في طاعة الإمام (1706) ، وابن ماجه في كتاب الجهاد ،باب :طاعة الإمام (2861).

3) أخرجه مولى محمد صالح في شرح أصول الكافي : 240/8.

وكان يقال : لا قخطَ أشدّ من جور السلطان.

وكان يقال : قد تعامَل الرعية المشمئزّة بالرفق، فتزول أحقادها، ويذلّ قيادها، وقد تعامَل بالخُرْق فتكاشف بما غيبت ،وتقدم على ما عيبت، حتى يعود نفاقها شِقاقاً، ورذاذها سيلاً بُعاقاً . ثم إن غَلَبت وقهرت فهو الدّمار، وإن غُلبِت وقُهِرت لم يكن بِغلَبها افتخار، ولم يدرَك بقهرها ثار .

وكان يقال : الرعية وإن كانت ثماراً مجتناة، وذخائر مقتناة ،وسيوفاً منتضاة، وأحراساً مرتضاة، فإن لها نفاراً كنفار الوحوش، وطغياناً كطغيان السيولريا، ومتى قَدَرَتْ أن تقول قدرت على أن تصول.

وكان يقال : أيدي الرعيّة تبع ألسنتها، فلن يملك الملك ألسنتها حتى يملك جسومها ولن يملك جسومها حتى يملك قلوبَها فتحبه ،ولن تحبه حتى يعدل عليها في أحكامه عدلاً يتساوى فيه الخاصة والعامة، وحتى يخفّف عنها المؤن والكلف ،وحتى يعفيهَا من رفع أوضاعها وأراذلها عليها، وهذه الثالثة تحقد على الملك العِلْية من الرعية، وتطمع السفلة في الرتب السنية .

وكان يقال : الرعيّة ثلاثة أصناف: صِنف فضلاء مرتاضون بحكم الرياسة والسياسة، يعلمون فضيلة الملِك وعظيم غَنائه، ويرثُون له من ثقل أعبائه، فهؤلاء يحصُل الملك موادّاتهم بالبِشر عند اللقاء، ويلقَى أحاديثهم بحسن الإصغاء، وصِنف فيهم خير وشرّ ظاهران ،فصلاحهم يكتسَب من معاملتهم بالترغيب والترهيب، وصِنف من السفلة الرّعاع أتباع لكلِّ داعٍ، لا يمتحَنون في أقوالهم وأعمالهم بنقد، ولا يرجعون في الموالاة إلى عقد .

وكان يقال : ترك المعاقبة للسفلة على صغار الجرائم تدعوهم إلى ارتكاب الكبائر العظائم ، ألا ترى أول نشُور المرأة كلمة سومحت بها، وأوّل حران الدابَة حَيْدة سوِعدت عليها .

ويقال : إنّ عثمان قال يوماً لجلسائه، وهو محصور في الفتنة : ودِدت أنّ رجلاً صدوقاً أخبرني عن نفسي وعن هؤلاء! فقام إليه فتَى فقال : إني أخبرك، تطأطأتَ لهم فركبوك، وما جرّاهم على ظلمك إلا إفراط حلمك . قال : صدقت، فهل تعلم ما يُشب نيران الفتن! قال : نعم،سألتُ ذلك شيخاً من تَنُوخ كان باقعة، قد نقّب في الأرض وعلم علماً جما، فقال: الفتنة يثيرها أمران : أَثَرَة تُضْغِنُ على الملك الخاصّة، وحلم يجزىء عليه العامّة. قال: فهل سألته عمّا يخمدها؟ قال: نعم، زعم أن الذي يخمدها في ابتدائها استقالة العَثرة وتعميم الخاصة بالأثرة، فإذا استحكمت الفتنة أخمدها الصبر . قال عثمان : صدقت، وإنِّي لصابر حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. ويقال : إن يَزْدَجرد بن بهرام سأل حكيماً : ما صلاح الملك ؟ قال : الرفق بالرعيّة، وأخذ الحقّ منها بغير عنف والتودّد إليها بالعدل وأمن السبُل

ص: 64

وإنصاف المظلوم . قال : فما صلاح الملك ؟ قال : وزراؤه إذا صَلَحوا صَلَح . قال : فما الذي يثير الفتن؟ قال: ضغائن يظهرها جرأة عامّة، واستخفاف خاصة، وانبساط الألسن بضمائر القلوب، وإشفاق موسر ،وأمن مُغسر، وغفلة مرزوق، ويقظة محروم. قال: وما يسكِنها؟ قال : أخذ العدّة لما يخاف ،وإيثار الجد حين يلتذ الهزل والعمل بالحزم، وإدراع الصبر، والرضا بالقضاء.

وكان يقال : خير الملوك مَنْ أشرَب قلوب رعيته محبتَه ،كما أشعرها هيبتَه، ولن يُنال ذلك منها حتى تظفر منه بخمسة أشياء: إكرام شريفها، ورحمة ضعيفها، وإغاثة لهيفها، وكفّ عدوان عدوّها، وتأمين سبُل رواحها وغدّوّها، فمتى أعدمها شيئاً من ذلك، قد أحقَدها بقدر ما أفقدها .

وكان يقال : الأسباب التي تجرّ الهلك إلى الملك ثلاثة :

أحدها من جهة الملِك، وهو أن تتأمر شهواتُه على عقله، فتَستهويه نَشَوات الشهوات فلا تسنَح له لذة إلا اقتنصها، ولا راحة إلا افترصها.

والثاني من جهة الوزراء، وهو تحاسدهم المقتضي تعارض الآراء، فلا يسبق أحدُهم إلى حقّ إلا كُويد وعُورض وعُوند.

والثالث من جهة الجند المؤهلين لحراسة الملك والدّين، وتوهين المعاندين وهو نُكولهم عن الجلاد ،وتضجيعهم في المناصحة والجهاد ،وهم صنفان: صنف وسّع الملك عليهم فأبطرهم الإتراف، وضنّوا بنفوسهم عن التعريض للإتلاف، وصنف قَدر عليهم الأرزاق، فاضطغنوا الأحقاد واستشعروا النفاق .

أخبار في العدل والإنصاف

قوله(علیه السلام) : «أو أجحف الوالي بِرَعِيَّته»، قد جاء من نظائره الكثير جداً، وقد ذكرنا فيما تقدّم نكتاً حسنة في مدح العدل والإنصاف، وذمّ الظلم والإجحاف . وقال النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) : «زينّ الله السماء بثلاثة : الشمس، والقمر ،والكواكب. وزيّن الأرض بثلاثة : العلماء، والمطر، والسّلطان العادل» .

وكان يقال : إذا لم يعمّر الملك ملكه بإنصاف الرعيّة خرب ملكه بعصيان الرعية .

وقيل لأنوشروان: أيّ الجُنن أوقى ؟ قال : الدِّين، قيل : فأي العُدَد أقوى؟ قال : العدل .

وقع جعفر بن يحيى إلى عامل من عمّاله: كَثُر شاكوك، وقلّ حامدوك، فإمّا عدلت، وإمّا اعتزلت .

ص: 65

وُجد في خزانة بعض الأكاسرة سَفَط، ففُتح فوجد فيه حبّ الرمان، كل حبة كالنواة الكبيرة من نوى المشمش، وفي السَّفَط رُقعة فيها : هذا حبّ رمان عملنا في خراجه بالعدل.

جاء رجل من مصر إلى عمر بن الخطاب متظلماً ، فقال : يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، هذا مكان العائذ بك. قال له : عذتَ بمعاذ، ما شأنك، قال سابقتُ ولد عمرو بن العاص بمصَر فسبقتُه، فجعل يعنّفني بسوطه، ويقول: أنا ابن الأكرمين! وبلغ أباه ذلك، فحبسني خشية أن أقدُم عليك، فكتب إلى عمرو : إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وابنُك. فلمّا قدم عمرو وابنه، دفع الدّرة إلى المصري، وقال: اضربه كما ضرَبك، فجعل يضربه وعمر يقول : اضرب ابن الأمير، اضرب ابن الأمير! يردّدها ،حتى قال : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) قد استقدتُ منه ، فقال - وأشار إلى عمرو: ضعها على صَلْعَته، فقال المصريّ: يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إنما أضرب مَنْ ضربني، فقال: إنّما ضربك بقوّة أبيه وسلطانه، فاضربه إن شئت، فوالله لو فعلتَ لما منعك أحدٌ منه، حتى تكون أنت الذي تتبرع بالكفّ عنه! ثم قال: يابن العاص، متى تعبّدتم الناسَ وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً !

خطب الإسكندر جنده، فقال لهم بالروميّة كلاماً تفسيره: يا عبادَ الله، إنما إلهُكم الله الذي في السماء، الذي نصرنا بعد حين ،الذي يسقيكم الغيث عند الحاجة، وإليه مفزعكم عند الكرب. والله لا يبلغني أن الله أحب شيئاً إلا أحببتُه وعملت به إلى يوم أجلي، ولا يبلغني أنه أبغض شيئاً إلا أبغضتُه وهجرته إلى يوم أجلي. وقد أنبِئت أن الله يحبّ العدل في عباده، ويُبغض الجور، فويل للظالم من سوطي وسيفي! ومَنْ ظهر منه العدل من عمّالي فليتكيء في مجلسي كيف شاء، وليتمن عليّ ما شاء، فلن تخطئه أمنيّتُه والله المجازي كلاً بعمله .

قال رجل لسليمان بن عبد الملك وهو جالس للمظالم : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، ألم تسمع قول الله تعالى: فَاذَنَ مُؤَذِّنُ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(1)! قال : ما خطبك؟ قال: وكيلك اغتصبني ضيعتي وضمّها إلى ضيعتك الفلانية قال: فإنّ ضيعتي لك، وضيعتك مردودة إليك ثم كتب . إلى الوكيل بذلك، وبصرفه عن عمله .

ورقِيَ إلى كسرى قُباذ أن في بطانة الملك قوماً قد فسدت نياتهم، وخَبثت ضمائرهم، لأنّ أحكام الملك جَرَت على بعضهم لبعضهم، فوقّع في الجواب : أنا أملك الأجساد لا النيات، وأحكم بالعدل لا بالهوى، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر.

وتظلم أهل الكوفة إلى المأمون مِن واليهم، فقال : ما علمت في عمالي أعدلَ ولا أقومَ بأمر الرعية، ولا أغودَ عليهم بالرفق منه. فقال له منهم واحد: فلا أحد أولَى منك يا أمير المؤمنين (علیه السلام)

ص: 66


1) سورة الأعراف ،الآية : 44 .

بالعدل والإنصاف، وإذا كان بهذه الصفة فمن عدل أمير المؤمنين(علیه السلام) أن يولّيَه بلداً بلداً، حتى يلحق أهلَ كلّ بلدٍ من ،عدله مثل ما لحقنا منه ، ويأخذوا بقسطهم منه كما أخذ منه سواهم، وإذا فعل أمير المؤمنين (علیه السلام)ذلك لم يصب الكوفة منه أكثرُ من ثلاث سنين . فضحك وعزله .

كتب عديّ بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن قبَلنا قوماً لا يؤدّون الخراج إلا أن يمسَّهم نَصَبٌ من العذاب، فاكتب إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) برأيك .فكتب: أما بعد، فالعجبُ لك كلّ العجب! تكتب إليَّ تستأذنني في عذاب البشَر، كأن إذني لك جُنَّة من عذاب الله، أو كأنّ رضاي ينجيك من سَخَط الله ! فمَنْ أعطاك ما عليه عفواً فخذ منه، ومن أبى فاستحِلفه، وكِله إلى الله ، فلأن يلقَوُ الله بجرائمهم أحبُّ إليّ من أن ألقاه بعذابهم .

فَضيل بن عياض: ما ينبغي أن تتكلّم بفيك كلّه! أتدري من كان يتكلم بفيه كله! عمر بن الخطاب كان يعدل في رعيّته، ويجور على نفسه، ويطعمهم الطيب، ويأكل الغليظ، ويكسوهم اللين ويلبس الخشن، ويعطيهم الحق ويزيدهم، ويمنع ولده وأهله، أعطى رجلاً عطاءه أربعة آلاف درهم، ثم زاده ألفاً، فقيل له : ألا تزيد ابنك عبد الله كما تزيد هذا ؟ فقال : إن هذا ثبَت أبوه يوم أحد، وإن عبد الله فرّ أبوه ولم يثبت.

وكان يقال : لا يكونُ العُمْران، إلاّ حيث يعدل السلطان.

وكان يقال العدل حصن وثيق، في رأس نيق، لا يحظّمه سيل، ولا يهدمهِ منجنيق .

وقّع المأمون إلى عامل كثر التظّلم منه : أنصف مَنْ وليت أمرهم، وإلاّ أنصفهم منك مَنْ وليَ أمرَك .

بعض السلف : العدل ميزان الله ،والجور مكيال الشيطان.

210 - ومن كلام له(علیه السلام) رد على رجل أكثر الثناء عليه

الأصل: فأجابه(علیه السلام) الرجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه، ويذكر سمعه

وطاعته له ، فقال (علیه السلام): إِنَّ مِنْ حَقٌّ من عَظُمَ جَلالُ الله سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ، وَجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ - لِعِظَمِ ذَلِكَ - كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعمَةُ الله عَلَيْهِ، وَلَطْف إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ الله عَلَى أَحَدٍ إِلا أَزْدَادَ حَقٌّ الله عَلَيْهِ عِظَماً .

وَإِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالاتِ الْوُلاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، وَيُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْر . وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنْكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الْإِطْرَاءَ، وَاسْتِمَاعِ الثَّنَاءِ،

ص: 67

وَلَسْتُ بِحَمْدِ الله كَذَلِكَ، وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَال ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً لله سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاء .

وَرُبَّمَا أَسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّناءَ بَعْدَ الْبَلاءِ، فَلاَ تُتْنُوا عَلَي بِجَمِيلِ ثَنَاءِ، لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ البَقِيَّةِ فِي حُقُوقِ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا ، وَفَرائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا ، فَلاَ تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلَا تَتَحَفَظُوا بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلَا تُخَالِطُونِي بالمُصَانَعَةِ، وَلا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالاً فِي حَقٌّ قِيلَ لِي، وَلَا الْيَمَاسَ إِعْظام لِنَفْسِي ، فَإِنَّهُ مَن اسْتَثْقَلَ الْحَقِّ أَنْ يُقَالَ لَهُ ، أَو الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ.

فَلاَ تَكُفُوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقِّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ الخطىء، وَلاَ آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي، إلا أَنْ يَكْفِي اللَّه مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنّي، فَإِنّما أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِك مِنْ أَنْفُسِنَا وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحَنَا عَلَيْهِ ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلالَةِ بِالْهُدَى، وَأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى .

الشرح هذا الفصل وإن لم يكن فيه الفاظ غريبة سبيلُها أن تشرَح، ففيه معاني مختلفة سبيلها أن

تذكر وتوضح وتذكر نظائرها وما يناسبها .

فمنها قوله (علیه السلام): إنّ من حقّ مَنْ عَظُمت نعمة الله عليه أن تعظُم عليه حقوق الله تعالى، وأن يعظُم جلال الله تعالى في نفسه، ومن حق مَنْ كان كذلك، أن يصغُر عنده كلُّ ما سوى الله .

وهذا مقام جليل من مقامات العارفين ،وهو استحقار كلّ ما سوى الله تعالى وذلك أنّ مَنْ عرف الله تعالى فقد عرف ما هو أعظُم من كلّ عظيم، بل لا نسبة لشيء من الأشياء أصلاً إليه سبحانه. فلا يظهر عند العارف عظمةُ غيره البتّة، كما أنّ مَنْ شاهد الشمس المنيرة يستحقر ضوء القمر والسراج الموضوع في ضوء الشمس، حال مشاهدته جزم الشمس، بل لا تظهر له في تلك الحال صنوبرة السراج، ولا تنطبع صورتُها في بصره.

ومنها قوله(علیه السلام) : من أسخَف حالات الولاة أن يظنّ بهم حبّ الفخر ويوضع أمرهم على

الكِّبر . قال النبي (صلى الله عليه و آله وسلم ): «لا يدخل الجنَّة مَنْ كان في قلبه مثقال حبة من كبر»(1). 8

ص: 68


1) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه (91)، والترمذي في كتاب : البر والصلة عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) (1998) ، وأبو داود في كتاب: اللباس، باب :ما جاء في الكبر (4091) ، وابن ماجه في كتاب: الزهد، باب : البراءة من الكبر والتواضع (4173) .

وقال(صلی الله علیه و آله و سلم) : «لولا ثلاث مهلِكات لصلَح الناس : شحٌ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه»(1).

وكان يقال : ليس لمعجَب رأي، ولا لمتكبّر صديق .

وكان أبو مسلم صاحب الدولة يقول : ما تاه إلا وضيع، ولا فاخر إلا لقيط، ولا تعصّب إلا دخيل .

وقال عمر لبعض ولده : التمس الرفعة بالتّواضع، والشّرف بالدين، والعفو من الله بالعفو عن الناس. وإياك والخُيّلاء فتضعَ من نفسك، ولا تحِقرنّ أحداً، لأنك لا تدري لعلّ مَنْ تزدَرِيه عيناك أقرب إلى الله وسيلةً منك.

ومنها قوله(علیه السلام) : قد كرهتُ أن تظنّوا بي حبّ الإطراء واستماع الثناء .قد روي عن النبي(صلی الله عیه و آله و سلم) أنه قال: «احثوا في وجوه المداحين التراب (2). وقال عمر : المدح هو الذبح.

وكان يقال: إذا سمعتَ الرّجُل يقول فيك من الخير ما ليس فيك، فلا تأمن أن يقول فيك من الشرّ ما ليس فيك .

ويقال : إنّ في بعض الكتب المنزّلة القديمة : عَجَباً لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح

ولمن قيل فيه الشرّ وليس فيه كيف يغضب! وأعجب من ذلك مَنْ أحب نفسه على اليقين وأبغض النّاس على الظنّ .

وكان يقال : لا يغلبنّ جهلُ غيرك بك علمَك بنفسك .

وقال رجل لعبد الملك : إني أريد أن أسِرّ إليك يا أمير المؤمنين (علیه السلام)شيئاً ، فقال لمن حولَه : إذا شئتم فانهضوا !فتقدّم الرجل يريد الكلام ،فقال له عبد الملك: قِف، لا تمدحني فإنَّي أعلمُ بنفسي منك، ولا تكذبني فإنّه لا رأي لمكذوب، ولا تغتب عندي أحداً، فإنّي أكره الغيبة، قال : أفيأذن أمير المؤمنين(علیه السلام) في الانصراف ! قال : إذا شئت.

وناظر المأمون محمد بن القاسم النوشجانيّ في مسألة كلامية، فجعل النّوشجاني يخضع في الكلام ،ويستخِذي له، فقال: يا محمد، أراك تنقاد إلى ما أقوله قبل وجوب الحجّة لي عليك .

ص: 69


1) أخرجه البزار في«مسنده» (3366) ، والطبراني في «الأوسط» (5452) ، والبيهقي في «الشعب» (745) .

2) (2) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط (3002) والترمذي في كتاب: الزهد عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، باب: ما جاء في كراهية المرحة والمداحين (2393)، وأبو داود في كتاب :الأدب، باب: في كراهية التمادح (4804) ، وابن ماجه في كتاب : الأدب، باب: المدح (3742) ، وأحمد في كتاب : باقي مسند الأنصار (23312) واللفظ له . .

وقد ساءني منك ذلك، ولو شئت أن أفسّر الأمور بعزّة الخلافة، وهيبة الرياسة لصدَقت وإن كنت كاذباً، وعدُلت وإن كنت جائراً، وصوُبت وإن كنت مخطئاً، ولكنّي لا أقنع إلا بإقامة الحجّة، وإزالة الشّبهة، وإن أنقص الملوك عقلاً، وأسخفهم رأياً مَنْ رضيَ بقولهم: صدق الأمير!

وقال عبد الله بن المقفع في ا«ليتيمة» (1)إياك إذا كنت والياً أن يكون من شأنك حبّ المدحِ والتزكية، وأن يعرف الناس ذلك منك فتكون ثلمة من الثّلم يقتحمون عليك منها، وباباً يفتتحونك منه ، وغيبة يغتابونك بها ، ويسخرون منك لها. واعلم أنّ قابل المدح كمادح نفسه، وأن المرء جديرٌ أن يكون حُبُّه المدح هو الذي يحملُه على ردّه، فإنّ الرادّ له ممدوح، والقابل له مَعِيب.

وقال معاوية لرجل : مَنْ سَيِّد قومك ؟ قال : أنا ، قال : لو كنتَ كذلك لم تقله .

وقال الحسن : ذمُّ الرّجل نفسه في العلانية مدحُ لها في السرّ .

كان يقال : مَنْ أظهر عیب نفسه فقد زكّاها .

ومنها قوله(علیه السلام): لو كنت كذلك لتركته انحطاطاً الله تعالى عن تناول ما هو أحقّ به من الكبرياء .في الحديث المرفوع :« مَنْ تواضع لله رفعه الله ، ومَنْ تكبر خفضه الله »(2).

وفيه أيضاً: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمتُه (3).

ومنها قوله(علیه السلام): «فلا تكلموني بما تكلَّم به الجبابرة، ولا تتحفّظُوِا منّي بما يتحفظ به عند أهل البادرة ».

أحسن ما سمعتُه في سلطان لا تخاف الرعية بادرتَه، ولا يتلجلج المتحاكمون عنده، مع سطوته وقوته ،لإيثاره العدل. قول أبي تمام في محمد بن عبد الملك :

ص: 70


1) واسمها الدرة اليتيمة والجوهرة الثمينة وهو كتاب: لم يصنف في فنه مثله لحصه بعض المتصوفة وسماء عظة الألباب وذخيرة الاكتساب ا . ه«كشف الظنون» (745/1).

2) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء»(129/7) ، والخطيب في «تاريخ بغداده» (110/2)، والبيهقي في «شعب الإيمان »(8144).

3) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 265/16 .

وزيرُ حَقٌّ، ووالي شُرْطَةٍ ورحَا**** ديوانِ مُلْكٍ، وشيعيُّ، ومحتَسِبُ

كالأرحبيّ المذكِّي سَيْرُه المرَطَى ****والوحدُ والمَلْعُ والتَّقْرِيبُ والخَبَبُ

عَوْد تساجله أيامه فيبَا ****مِنْ مَسَه وبِه مِنْ مَسْهَا جُلَبُ

ثبت الخطاب إذا اضطحت بمظلَمةِ ****في رَحْلِه السُن الأقوام والرّكَبُ

لا المنطق اللَّغْرُ يَزْكُو في مَقَاوِمِهِ ****يوماً، ولا حجة الملهوف تُسْتَلَبُ

كأنّما هُوَ في نادي قَبِيلَتِه ****لا الْقَلْبُ يَهْفُو ولا الأَحْشَاءُ تَضْطَرِبُ

ومن هذا المعنى قول أبي الجهم العدَوِيّ، في معاوية :

نُقَلبُهُ لِنَخْبُرَ حالتيهِ ****فنخبر منهما كَرَماً وَلِينا

نميلُ على جوانبهِ كانّا**** إذا ملنا نميلُ عَلَى أبينا

ومنها (علیه السلام)بي استثقالَ رفع الحقّ إليّ، فإنه مَن استثقل الحق أن يقال له، كان العمل به عليه أثقلَ (1).

هذا معنى لطيف ،ولم أسمع فيه شيئاً منثوراً ولا منظوماً .

ومنها قوله(علیه السلام): ولا تكفّوا عن قول بحقّ أو مشورة بعدل(2).

قد ورد في المشورة شيء كثير : قال الله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (3).

وكان يقال: إذا استشرت إنساناً صار عقله لك.

وقال أعرابي : ما غُبِنت قط حتى يُغْبَن ،قومِي، قيل : وكيف ذاك؟ قال : لا أفعل شيئاًح حتی أشاورَهم.

وكان يقال: من أعطي الاستشارة لم يمنَع الصواب، ومن أعطى الاستخارة لم يمنع الخيرَة، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، ومن أغطي الشكر لم يمنَع المزيد .

وفي آداب ابن المقفّع : لا يُقذَفَنَّ في رُوعك أنك إذا استشرت الرجال ظَهر منك للناس حاجتك إلى رأي غيرك فيقطعك ذلك عن المشاورة، فإنّك لا تريد الرأي للفخر، ولكن للانتفاع

ص: 71


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 154/41 .

2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 253/27 .

3) سورة آل عمران، الآية : 159 .

به ،ولو أنّك أردته للذكر لكان أحسنَ الذكر عند العقلاء أن يقال: إنه لا ينفرد برأيه دون ذوِي الرأي من إخوانه .

ومنها أن يقال : ما معنى قوله(علیه السلام):« وربّما استحلَى النَّاسُ الثّناء بعد البلاء . . .» إلى قوله : «لا بدّ من إمضائها»؟ فنقول : إنّ معناه أن بعض مَنْ يكره الإطراء والثناء، قد يحبّ ذلك البلاء ،والاختبار، كما قال مرْدَاس بن أديّة لزياد: إنّما الثناء بعد البلاء، وإنما نثني بعد أن نبتلي، فقال: لو فرضنا أن ذلك سائغ وجائز وغير قبيح، لم يجز لكم أن تثنوا عليّ في وجهي، ولا جاز لي أن أسمعه منكم، لأنه قد بقيت عليّ بقيّة لم أفرُغ من أدائها، وفرائض لم أمْضِها بعد ،ولا بدّ لي من إمضائها، وإذا لم يتمّ البلاء الذي قد فرضنا أن الثناء يحسن بعده ّلم يحسن الثناء.

ومعنى قوله : «الإخراجي نفسي إلى الله وإليكم »أي لاعترافي بين يدي الله وبمحضر منكم أن عليّ حقوقاً في إيالتكم، ورياستي عليكم، لم أقم بها بعد، وأرجو من الله القيام بها.

ومنها أن يقال: ما معنى قوله : «فلا تخالطوني بالمصانعة»؟ فنقول : إن معناه لا تصانعوني بالمدح والإطراء عن عمل الحق، كما يصانَع به كثير من الولاة الذين يستفزّهم المدح ويستخفّهم الإطراء والثناء، فيغمضون عن اعتماد كثير من الحقّ مكافأة لما صونعوا به من التقريظ والتزكية والنفاق.

ومنها قوله(علیه السلام):« فإني لست بفوق أن أخطى»، هذا اعتراف منه(علیه السلام)بعدم العصمة، فإمّا أن يكون الكلام على ظاهره، أو يكون قاله على سبيل هضِم النفس، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ): «ولا أنا إلا أن يتداركّني الله برحمته»(1).

ومنها قوله(علیه السلام):« أخرجنا مما كنا فيه ،فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، وأعطانا البصيرة بعد العمى». ليس هذا إشارة إلى خاص نفسه(علیه السلام)، لأنه لم يكن كافراً فأسلم، ولكنه كلام يقوله

ص: 72


1) أخرجه البخاري في كتاب: المرضى، باب: تمني المريض الموت (5673) ، ومسلم في كتاب : صفة القيامة والجنة والنار، باب: لن يدخل أحدكم الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى (2816) وابن ماجه في كتاب: الزهد ،باب: التوفي على العمل ،(4201)، وأحمد في كتاب: باقي مسند المكثرين، باب: مسند أبي هريرة (7162) .

ويشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من أفناء الناس، فيأتي بصِيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسُّعاً، ويجوز أن يكون معناه : لولا ألطافُ الله تعالى يبعثه محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)الكنت أنا وغيري على أصل مذهب الأسلاف من عبادة الأصنام، كما قال تعالى لنبيه : وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى(1)ليس معناه أنه كان كافراً، بل معناه : لولا اصطفاء الله تعالى لك لكنت كواحدِ من قومك. ومعنى «ووجدك» ضالاً أي ووجدك بعُرضة للضلال، فكأنه ضالّ بالقوة لا بالفعل.

211 - ومن كلام له(علیه السلام) لا يشكو فيه أمر قريش

الأصل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَمَنْ أَعَانَهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَأَكْفَرُوا

إِنَائِي، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَنِي حَقًّا كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي، وَقَالُوا : أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَفِي الْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ ، فَاصْبِرْ مَعْمُوماً ، أَوْ مُتْ مُتَأَسفاً .

فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ، وَلاَ ذَابٌ وَلا مُسَاعِدٌ إِلا أَهْلَ بَيْنِي، فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ، فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَدَى، وَجَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى مِنَ الْعَلْقَمِ، وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَحْزِ الشِّفَارِ .

قَالَ الرَّضِي رَحِمَه الله : وَقَدْ مَضَى هذا الكلامُ في أَثْنَاءِ خُطْبَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، إِلا أَنِّي ذَكَرْتُهُ ها هنا لاختلاف الرِّوَايَتَين .

الشرح العدوى :طلبك إلى والي ليُعدِيك على مَنْ ظلمك، أي ينتقم لك منه، يقال:

استعديتُ الأميرَ على فلان فأعداني، أي به عليه فأعانني .

وقطعوا رحمي: وقطعوا قرابتي، أي أجروني مجرى الأجانب ويجوز أن يُريد أنهم عدّوني كالأجنبي من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم). ويجوز أنّهم يريد أنهم جعلوني كالأجنبيّ منهم، لا ينصرونه، ولا يقومون بأمره.

وأكفؤوا إنائي : قلبوه وكبّوه، وحذف الهمزة من أوّل الكلمة أفصح وأكثر، وقد روي كذلك، ويقال لمن قد أضيعت حقوقه : قد أكفأ إناءَهُ تشبيهاً بإضاعة اللبن من الإناء.

وقد اختلفت الرواية في قوله : «ألا إنَّ في الحق أن تأخذه»، فرواها قوم بالنون، وقوم

ص:73


1) سورة الضحى، الآية : 7 .

بالتاء. وقال الراوندي : إنها في خطِ الرضيّ بالتاء. ومعنى ذلك أنّك إن وليت أنت كانت ولا يُتك حقًا، وإن وُلي غيرك كانت ولايته حقاً، على مذهب أهل الاجتهاد.

ومن رواها بالنون، فالمعنى ظاهر.

والرافد: المعين. والذابّ :الناصر .

وضننت بهم :بخلت بهم. وأغضيت على كذا :صَبَرَت.

وجرِعت بالكسر. والشّجا : ما يعترض في الحلق .

والوخز :الطعن الخفيف، وروي «من حزّ الشفار» والحزّ : القطع .

الشُفار : جمع شفُرة، وهي حد ّالسيف والسكين.

واعلم أن هذا الكلام قد نُقل عن أمير المؤمين(علیه السلام)ما يناسبه، ويجري مجراه، ولم يؤرًخ الوقت الذي قاله فيه ،ولا الحال التي غَناها به ،وأصحابنا يحملون ذلك على أنه(علیه السلام)قاله عَقِيب الشّورى وبيعة عثمان، فإنه ليس يرتاب أحدٌ من أصحابنا عَلَى أنه تظّلم وتألّم حينئذ .

ويكره أكثر أصحابنا حملَ أمثال هذا الكلام على التألّم من يوم السقيفة .

ولقائل أن يقول لهم : أتقولون إن بيعة عثمان لم تكن صحيحة؟ فيقولون : لا ، فيقال لهم : فعلَى ماذا تحملون كلامه(علیه السلام)، مع تعظيمكم له وتصديقكم لأقواله؟ فيقولون: نحملُ ذلك على تألّمه وتظلّمه منهم إذا تركوا الأولَى والأفضل . فيقال لهم : فلا تكرهوا قول مَنْ يقولُ من الشّيعة وغيرهم : إن هذا الكلام وأمثاله صدَر عنه عقِيب السقيفة وحملوه على أنّه تألم وتظلّم من كونهم تركوا الأولى والأفضل، فإنكم لستم تنكرون أنّه كان الأفضلَ والأحق بالأمر، بل تعترفون بذلك، وتقولون: سانت إمامة غيره، وصحّت لمانع كان فيه(علیه السلام)، وهو ما غلب على ظنون العاقدين للأمر من أنّ العرب لا تطيعه، فإنه يخاف من فتنة عظيمة تحدث إن ولِيَ الخلافة لأسباب يذكرونها، ويعدُّونها، وقد روى كثير من المحدّثين أنّه عقيب يوم السّقيفة تألّم وتظلّم، واستنجد واستصرخ، حيث ساموه الحضور والبيعة، وأنّه قال وهو يشير إلى القبر : ابْنَ أُمَ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَقُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي(1)وأنّه قال : واجعفراه! ولا جعفر لي اليوم !واحمزتاه ولا حمزة لي اليوم !

وقد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدّم، وكلّ ذلك محمول عندنا على أنّه طلب الأمر من جهة الفضل والقرابة، وليس بدالُّ عندنا على وجود النصّ، لأنه لو كان هناك نصُ لكان أقلّ كلفةً وأسهلَ طريقاً، وأيسر لما يريدُّ تناولاً أن يقول : يا هؤلاء إنّ العهد لم يطل، وإنّ

ص: 74


1) سورة الأعراف ،الآية: 150 .

رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أمرَكم بطاعتي، واستخلفني عليكم بعده، ولم يقع منه(علیه السلام) بعد ما علمتموه ونصّ ينسخ ذلك، ولا يرفعه، فما الموجب لتركي، والعدول عني !

فإن قالت الإمامية : كان يخاف القتل لو ذكر ذلك، قيل لهم : فهلا يخاف القتل وهو يعتلّ ويدفع ليبايع، وهو يمتنع، ويستصرخ تارة بقبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتارة بعمّه حمزة وأخيه جعفر - وهما ميتان - وتارة بالأنصار، وتارة ببني عبد مناف، ويجمع الجموع في داره ،ويبثّ الرسل والدّعاة ليلاً ونهاراً إلى الناس ،يذكّرهم فضله وقرابته، ويقول للمهاجرين : خَصَمْتُم الأنصار بكونكم أقربَ إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأنا أخصِمكم بما خَصَمْتُم به الأنصار، لأن القرابة إن كانت هي المعتبرة، فأنا أقربُ منكم .

وهلاّ خاف من هذا الامتناع، ومن هذا الاحتجاج، ومن الخلوة في داره بأصحابه، ومِن تنفير الناس عن البيعة التي عقدت حينئذ لمن عقدت له !

وكلّ هذا إذا تأمّله المنصف علم أنّ الشيعة أصابت في أمر ، و أخطأت في أمرٍ ،أمّا الأمرُ الذي أصابت فيه فقولها : إنه امتنع وتلكاً، وأراد الأمر لنفسه، وأمّا الأمرُ الذي أخطأت فيه، فقولُها : إنه كان منصوصاً عليه نصَّا جليًّا بالخلافة، تعلمُه الصّحابة كلّها أو أكثرها ، وإنّ ذلك النّصّ خولف طلباً للرئاسة الدنيوّية، وإيثاراً للعاجلة. وإنّ حال المخالفين للنصّ لا تعدُو أحدَ أمرين : إمّا الكفر أو الفسق، فإن قرائن الأحوال وأماراتها لا تدلّ على ذلك، وإنّما تدلّ وتشهد بخلافه، وهذا يقتضي أنّ أميرَ المؤمنين(علیه السلام) كان في مبدأ الأمر يظنّ أن العقد لغيره كان عن غير نظر في المصلحة، وأنّه لم يقصَد به إلا صرفُ الأمرِ عنه، والاستثثار عليه، فظهر منه ما ظهر من الامتناع والقعود في بيته، إلى أن صح عنده ،وثبت في نفسه، أنهم أصابوا فيما فعلوه، وأنّهم لم يميلوا إلى هوى ولا أرادوا الدنيا، وإنما فعلوا الأصلح في ظُنونهم، لأنه رأى من بغض الناس له، وانحرافِهم عنه، وميلهم عليه، وثوران الأحقاد التي كانت في أنفسهم، واحتدام النيران التي كانتْ في قلوبهم، وتذكّروا التّراث التي وَتَرههم فيما قبل بها، والدماء التي سفكها منهم، وأراقها .

وتعلّل طائفة أخرى منهم للعدول عنه بصغَر سنّه، واستهجانهم تقديمَ الشّباب على الكهُول والشيوخ .

وتعلّل طائفة أخرى منهم بكراهية الجمع بين النبوّة والخلافة في بيت واحد، فيجفَخُون على الناس كما قاله من قاله. واستصعاب قوم منهم شكيمته وخوفهم تعدّيه وشدته، وعلمهم بأنّه لا يداجِي ولا يحابي ولا يراقب ولا يجامل في الدّين، وأن الخلافة تحتاج إلى مَنْ يجتهد برأيه، ويعمل بموجب استصلاحه، وانحراف قوم آخرين عنه، للحسد الذي كان عندهم له في حياة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، لشدة اختصاصه له، وتعظيمه إياه، وما قال فيه فأكثر من النصوص الدالّة على

ص: 75

رفعة شأنه وعلو مكانه، وما اختص به من مصاهرته وأخوّته ، ونحو ذلك من أحواله معه، وتنكَّرُ قوم آخرين له النسبتهم إليه العجب والتيه، كما زعموا، واحتقاره العرب، واستصغاره الناس كما عددوه عليه، وإن كانوا عندنا كاذبين، ولكنّه قول قيل، وأمر ذكر، وحال نسبت إليه، وأعانهم عليها ما كان يصدُر عنه من أقوال تُوهم مثل هذا نحو قوله : «فإنا صنائع ربنّا، والناس بعد صنائع لنا»، وما صح به عنده أن الأمر لم يكن ليستقيم له يوماً واحداً، ولا ينتظم ولا يستمرّ، وأنه لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقاً يكون فيه استئصال شأفة الإسلام وهدم أركانه، فأذعن بالبَيعة، وجنَح إلى الطاعة وأمسك عن طلب الإمرة، وإن كان على مَضَض ورَمَض.

وقد روي عنه(علیه السلام) أن فاطمة(سلام الله علیها) حَرّضته يوماً على النهوض والوثوب فسمع صوتَ لا المؤذّن : «أشهد أن محمداً رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)»، فقال لها : أيسرّك زوال هذا النداء من الأرض! قالت : لا ، قال : فإنّه ما أقول لك .

وهذا المذهب هو أقصَدُ المذاهب وأصحها، وإليه يذهب أصحابنا المتأخّرون من البغداديين، وبه نقول .

واعلم أنّ حال علی (علیه السلام)في هذا المعنى أشهرُ من أن يحتاج في الدلالة عليها إلى الإسهاب والإطناب، فقد رأيت انتقاضَ العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعد وفاة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) بخمس وعشرين سنة، وفي دون هذه المدّة تُنسى الأحقاد، وتموت التّراث، وتبرُد الأكباد الحامية، وتسلُّو القلوب الواجدة، ويعدَم قرن من الناس، ويوجد قَرن، ولا يبقى من أرباب تلك الشّحناء والبغضاء إلاّ الأقلّ، فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابنِ عمّه (علیه السلام)، من إظهار ما في النفوس، وهَيَجان ما في القلوب، حتى أنّ الأخلافَ من قريشّ والأحداث والفتيان الّذِين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم، فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصّرت عن فعله، وتقاعست عن بلوغ شأوِه، فكيف كانت تكونُ حاله لو جلس على مِنبَر الخلافة، وسيفه بعد يقطُر دماً من مُهج العرب ،لاسيما قريش الذين بهم كان ينبغي - لو دهمه خطب - أن يعتضد، وعليهم كان يجب أن يعتمد! إذن كانت تدرُس أعلام الملة وتنعفي رسومُ الشريعة، وتعود الجاهليّة الجهلاء على حالها ّويفسدُ ما أصلحه رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في ثلاث وعشرين سنة في شهر واحد فكان من عناية الله تعالى بهذا الدّين أن ألهم الصحابة ما فعلوه، والله متمّ نوره ولو كره المشركون .

وسألت النقيبَ أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي يزيد رحمه الله ، قلت له : أتقول : إنّ حمزة و جعفراً لو كانا حييّن يوم مات رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، أكانا يبايعانه بالخلافة؟ فقال: نعم، كانا

ص: 76

أسرع إلى بيعته من النّار في يَبَس العَرفج . فقلت له : أظنّ أنّ جعفراً كان يبايعه ويتابعه، وما أظنّ حمزة كذلك، وأراه جَبّاراً ،قويّ النفس، شديد الشكيمة ،ذاهباً بنفسه، شجاعاً بُهمْةً، وهو العمّ والأعلى سِنُّا، وآثاره في الجهاد معروفة، وأظنُّه كان يطلب الخلافة لنفسه !

فقال : الأمر فى أخلاقه وسجاياه كما ذكرتَ، ولكنّه كان صاحب دين متين ،وتصديق خالص الرسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، ولو عاش لرأى من أحوال عليّ مع رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ما يوجبُ أن يكسر له نخوَته، وأن يقيمَ له صَعَره، وأن يقدّمه على نفسه، وأن يتوخىّ رضا الله ورضا رسوله فيه، وإن كان بخلاف إيثاره .

ثم قال: أين خُلُق حمزة السَّبعي من خُلُق علي الروحانيّ اللطيف، الذي جمع بينه وبين خُلق حمزة، فاتّصفت بهما نفس واحدة! وأين هَيُولانيّة نفس حمزة، وخلوها من العلوم من نفس عليّ القُدْسيّة التي أدركت بالفطرة لا بالقوة التعليميّة ما لم تدركه نفوس مدقّقي الفلاسفة الإلهييّن لو أنّ حمزة حييَ حتى رأى مِنْ عليٍّ ما رآه غيره، لكان أتبَع له من ظلّه، وأطوع له من أبي ذر والمقداد!

وأما قولك : هو العمّ والأعلى سِنُّا، فقد كان العباس العمّ والأعلى سنُّا، وقد عرفت ما بذله له وندبه إليه، وكان أبو سفيان كالعمّ، وكان أعلى سنُّا، وقد عرفت ما عرضه عليه. ثم قال: ما زالت الأعمام تخدُم أبناء الإخوة، وتكون أتباعاً لهم، ألست ترى داود بن عليّ الله بن عليّ، وصالح بن عليّ، وسليمان بن عليّ ،وعيسى بن عليّ، وإسماعيل بن عليّ، وعبد وعبد الصمد بن عليّ خَدمُوا ابن أخيهم - وهو عبد الله السّفّاح بن محمد بن عليّ – وبايعوه وتابعوه وكانوا أمراءَ جيوشِه وأنصاره وأعوانه ألستَ ترى حمزة والعباس اتبعا ابن أخيهما صلوات الله عليه وأطاعاه ورضيا برياسته، وصدَّقا دعوته ! ألستَ تعلم أن أبا طالب كان رئيس بني هاشم وشيخَهم، والمطاع فيهم، وكان محمد رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) يتيمه ومكفوله ،وجارياً مجرى أحد أولاده عنده ،ثم خضع له ،واعترف بصدقه، ودان لأمره، حتى مدحه بالشعر كما يمدحُ الأدنى الأعلىَ، فقال فيه :

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بوَجْهِهِ ***ثمالُ اليتامي عصمة للأرامل

يطِيف به الهلاك من آل هاشم من آل هاشم*** فهم عنده في نعمة وفواضل

وإن سرّاً اختصَّ به محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) ، حتى أقام أبا طالب - وحاله معه حاله – مقام المادح له، لسرّ عظيم وخاصيّة شريفة، وإنّ في هذا لِمُعْتَبِرٍ عِبْرَةٌ أن يكون هذا الإنسان الفقير الذي لا أنصارَ له ولا أعوان معه، ولا يستطيع الدّفاع عن نفسه، فضلاً عن أن يقهر غيره، تعمل دعوته وَأقواله في الأنفس ما تعمله الخمر في الأبدان المعتدلةِ المزاج، حتى تطيعه أعمامُه ويعظّمه مربيّه وكافلُه ، ومَنْ هو إلى آخر عمره القيّم بنفقته، وغذاء بدنه، وكسوة جسده، حتى يمدحه بالشعر

ص: 77

كما يمدح الشُّعراء الملوك والرؤساء! وهذا في باب المعجزات عند المنصِف أعظمُ من انشقاق القمر ،وانقلاب العصا، ومن إنباء القوم بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم.

ثم قال رحمه الله : كيف قلت: أظنّ أن جعفراً كان يبايعه ويتابعه، ولا أظنّ في حمزة ذلك! إن كنت قلت ذلك لأنه أخوه، فإنّه أعلى منه سنُّا، هو أكبر من عليّ بعشر سنين، وقد كانت له خصائصُ ومناقب كثيرة، وقال فيه النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) و قولاً شريفاً اتفق عليه المحدّثون، قال له لما افتخر هو وعليّ وزيد بن حارثة، وتحاكموا إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : «أشبهتَ خَلْقِي وخُلُقي» (1)فخجل فرحاً ، ثم قال لزيد : «أنت مولانا وصاحبنا »(2)، فخجل أيضاً، ثم قال لعليّ: «أنت أخي وخالصتي» (3)، قالوا : فلم يخجل، قالوا : كأنّ ترادف التعظيم له وتكررّه عليه لم يجعل عنده للقول ذلك الموضع، وكان غيره إذا عُظْم عُظم نادراً، فيحسن موقعه عنده. واختلف الناس في أي المدحتين أعظم .

فقلت له : قد وقفتُ لأبي حيان التوحيدي في كتاب «البصائر» (4)على فصل عجيب يمازج ما نحن فيه ،قال في الجزء الخامس من هذا الكتاب : سمعت قاضيَ القضاة أبا سعد بشر بن الحسين - وما رأيت رجلاً أقوى منه في الجدل - في مناظرة جرت بينه وبين أبي عبد الله الطبري وقد جرى حديث جعفر بن أبي طالب، وحديثُ إسلامه، والتفاضل بينه وبين أخيه عليّ، فقال القاضي أبو سعد : إذا أنعِم النظر علِم أنّ إسلام جعفر كان بعد بلوغ، وإسلام البالغ لا يكون إلاّ بعد استبصار وتبيّن ومعرفة بقبح ما يخرج منه، وحسن ما يدخل فيه، وإن إسلام عليّ مختلف في حاله ، وذلك أنه قد ظنّ أنه كان عن تلقين لا تبيين إلى حين بلوغه، وأوان تعقبّه ونظره. وقد علم أيضاً أنهما قتلا، وإن قَتلة جعفر شهادة بالإجمال، وقتلة عليّ فيها أشدّ الاختلاف. ثم خصّ الله جعفراً بأن قَبضَه إلى الجنّة قبل ظهور التباين، واضطراب الحبل، وكثرة الهرج، وعلى أنه لو انعقد الإجماع، وتظاهرَ جميع الناس على أنّ القتلتين شهادة، لكانت الحال في الذي رفِع إليها جعفر أغلظ وأعظم، وذلك أنّه قتِل مقبلاً غيرَ مدبر، وأمّا عليّ فإنه اغتيل اغتيالاً، وقصِد من حيث لا يعلم، وشتَّان ما بين مَنْ فوجيء بالموت وبين مَنْ عاين

ص: 78


1) أخرجه البخاري في كتاب: الصلح، باب: كيف يكتب هذا ما صالح فلان ابن فلان (2700)، والترمذي في كتاب : المناقب عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، باب: مناقب جعفر بن أبي طالب. وأحمد في کتاب: مسند العشرة المبشرين بالجنة ،باب: ومن مسند علي بن أبي طالب (772).

2) أخرجه أحمد في مسنده : 1/ 108 ، وذكره القرطبي في تفسيره : 215/15 .

3) أخرجه الشيخ الأميني في الغدير : 118/3

4) واسمه «بصائر القدماء وبشائر الحكماء» ويقال له أيضاً «البصائر والذخائر» . ا ه «کشف الظنون» (246/1) .

مخايل الموت !وتلقاه بالنّحر والصدر، وعجل إلى الله بالإيمان والصدق! ألا تعلم أنّ جعفراً قطعت يمناه، فأمسك اللواء بيسراه، وقطعت يسراه، فضمّ اللواء إلى حشاه، ثم قاتِله ظاهر الشرك بالله وقاتِل عليّ ممن صلّى إلى القبلة وشهد الشهادة، وأقدم عليه بتأويل، وقاتِل جعفر كافر بالنصّ الذي لا خلاف فيه! أما تعلم أنّ جعفراً ذو الجناحين ،وذو الهجرتين إلى الحبشة والمدينة !

قال النقيب رحمه الله : اعلم - فِداك شيخك - أن أبا حيّان رجلُ ملحِد زنديق، يحبّ التلاعب بالدّين، ويخرجُ ما في نفسه فيعزوه إلى قوم لم يقولوه. وأقسِم بالله أنّ القاضيَ أبا سعد لم يَقُلْ مِنْ هذا الكلام لفظة واحدة، ولكنّها من موضوعات أبي حيان وأكاذيبه وترّهاته، كما يسند إلى القاضي أبي حامد المروزيّ كلّ منكَر، ويروي عنه كلّ فاقرة .

ثم قال: يا أبا حياّن! مقصودُك أن تجعلها مسألة خلاف تثير بها فتنةُ بين الطالبيّين، لتجعل بأسهم بينهم ! وكيف تقلّبت الأحوال فالفخر لهم لم يخرج عنهم !

ثم ضحك رحمُه الله حتى استلَقى ومدّ رجليه وقال: هذا كلام يُستغنى عن الإطالة في إبطاله بإجماع المسلمين، فإنّه لا خلافَ بين المسلمين في أنّ علياً أفضلُ من جعفر، وإنّما سرق أبو حيان هذا المعنى الذي أشار إليه من رسالة المنصور أبي جعفر إلى محمد بن عبد الله ، النفس الزكيّة، قال له : وكانت بنو أميّة يلعنون أباك في أدبار الصلوات المكتوبات، كما تلعن الكفرة، فعنفناهم وكفّرناهم، وبينا فضله وأشدنا بذكره، فاتخذتَ ذلك علينا حجة، وظننت أنه لما ذكرناه من فضله أنا قدَّمناه على حمزة والعباس وجعفر ،أولئك مضوا سالمين مسلمين منهم، وابتلى أبوك بالدماء !

فقلت له رحمه الله : وإذاً لا إجماع في المسألة، لأن المنصور لم يقل بتفضيله عليهم، وأنت أدّعيت الإجماع فقال : إنّ الإجماع قد سبق هذا القائل وكلّ قول قد سبقه الإجماع لايعتدّ به .

فلمّا خرجت من عند النقيب أبي جعفر بحثت في ذلك اليوم في هذا الموضوع مع أحمد بن جعفر الواسطيّ رحمه الله - وكان ذا فضل وعقل، وكان إماميّ المذهب - فقال لي : صدق النقيب فيما قال !ألست تعلم أنّ أصحابكم المعتزلة على قولين: أحدهما أنّ أكثر المسلمين ثواباً أبو بكر، والآخر أن أكثرهم ثواباً عليّ، وأصحابنا يقولون : إنّ أكثرَ المسلمين ثواباً عليّ، وكذلك الزيدية. وأما الأشعريّة والكرّامية وأهل الحديث، فيقولون: أكثر المسلمين ثواباً أبو بكر، فقد خلَص من مجموع هذه الأقوال أن ثواب حمزة وجعفر دون ثواب عليّ(علیه السلام) ، أمّا علَى قول الإماميّة والزيدية والبغداديين كافة، وكثير من البصريين من المعتزلة، فالأمر ظاهر، وأما الباقون فعندهم أن أكثرَ المسلمين ثواباً أبو بكر، ثم عمر ثم عثمان، ثم عليّ، ولم يذهب

ص: 79

ذاهب إلى أن ثواب حمزة وجعفر أكثرُ من ثواب عليّ من جميع الفِرَق. فقد ثبت الإجماع الذي ذكره النقيب، إذا فَسَرْنَا الأفضلية بالأكثرية ثواباً، وهو التفسير الذي يقع الحجاج والجدال في إثباته لأحد الرجلين. وأمّا إذا فَسَرْنَا الأفضليّة بزيادة المناقب والخصائص وكثرة النصو الدالّة على التعظيم، فمعلوم أن أحداً من الناس لا يقارب عليا(علیه السلام) في ذلك، لا جعفر، ولا حمزة ولا غيرهما .

ثم وقع بيدي بعد ذلك كتاب لشيخنا أبي جعفر الإسكافي، ذكر فيه أنّ مذهب بِشر بن المعتمِر، وأبي موسى، وجعفر بن مُبَشِّر، وسائر قدماء البغدادييّن أن أفضلَ المسلمين عليُّ بن أبي طالب، ثمّ ابنه الحسن، ثم ابنُه الحسين، ثم حمزةُ بن عبد المطلب، ثم جعفرُ بن أبي طالب، ثم أبو بكر بن أبي قسحافة، ثم عمرُ بن الخطاب، ثم عثمان بن عفّان.

قال : والمراد بالأفضل أكرمهم عند الله، وأكثرهم ثواباً ،وأرفعهم في دار الجزاء منزلة .

ثم وقفت بعد ذلك على كتاب لشيخنا أبي عبد الله البصريّ يذكر فيه هذه المقالة، وينسبها إلى البغداديين وقال : إن الشيخ أبا القاسم البلخيّ، كان يقول بها، وقبله الشيخ أبو الحسين الخياط، وهو شيخ المتأخّرين من البغداديين قالوا كلّهم بها، فأعجبني هذا المذهب، وسررت بأن ذهب الكثير من شيوخنا إليه، ونظمته في الأرجوزة التي شرحت فيها عقيدة المعتزلة، فقلت :

خیر نير خلق الله بعد المصطفَى*** أعظمهم يوم الفخار شَرَفا

السيّد المعظم الوصيّ*** بَعْلُ البتول المرتضى عليّ

وابناه ثم حمزة وجعفرُ*** ثم عتيق بعدهم لاینگرُ

المخلص الصدّيق ثم عمرُ*** فاروق دين الله ذاك القَسْوَرُ

وبعده عثمان ذوالنورينِ*** هذا هو الحق بغير مَيْن

212 - ومن كلام له(علیه السلام) في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه(علیه السلام)

الأصل: فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي وَخُزَانٍ بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدَيَّ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرٍ

كُلُّهُمْ فِي طَاعَتِي، وَعَلَى بَيْعَتِي، فَشَكُوا كَلِمَتَهُمْ، وَأَفْسَدُوا عَلَيَّ جَمَاعَتَهُمْ، وَوَثَبُوا عَلَى شِيعَتِي فَقَتَلُوا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَدْراً ، وَطَائِفَةٌ عَضُّوا عَلَى اسْيَافِهِمْ، فَضَارَبُوا بِهَا ، حَتَّى لَقُوا الله صَادِقِينَ.

ص: 80

الشرح: عَضُّوا على أسيافهم، كناية عن الصَّبر في الحرب وترك الاستسلام، وهي كناية فصيحة ،شبّه قبضَهم على السيوف بالعضّ، وقد قدمنا ذكر ما جرى، وأنّ عسكر

الجمل قتلوا طائفة من شيعة أمير المؤمنين(علیه السلام) بالبصرة بعد أن أمّنوهم غدراً، وأن بعض الشيعة

الحرب ولم يستسلم، وقاتل حتى قتل، مثل حكيم بن جبلة العبديّ وغيره. وروي:

«وطائفة عضوا على أسيافهم» بالرفع ،تقديره ومنهم طائفة .

قرأت في كتاب «غريب الحديث »لأبي محمد عبد الله بن قتيبة في حديث حُذَيفة بن اليمان، أنّه ذكر خروج عائشة ، فقال : «تقاتل معها مُضَر، مضّرها الله في النار ، وأزد عُمان سلَت الله أقدامها، وإنّ قيساً لن تنفكّ تبغي دين الله شرّاً، حتى يركبها الله بالملائكة، فلا يمنعوا ذَنّب تَلعة» (1).

قلت :هذا الحديث من أعلام نبوّة سيدنا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، لأنه إخبار عن غيب تلقّاه حُذيفة عن النبيُ(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وحُذَيفة أجمع أهل السيرة على أنه مات في الأيام التي قتل عثمان فيها أتاه نعيُه وهو مريض فمات وعليُّ(علیه السلام) لم يتكامل بيعة الناس، ولم يدرك الجمل.

وهذا الحديث يؤكّد مذهب أصحابنا في فسق أصحاب الجمل، إلا مَنْ ثبتت توبتُه منهم، وهم الثلاثة .

213 - ومن كلام له(علیه السلام) لما مرّ بطلحة بن عبيد الله

وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل

الأصل: لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهَذَا المَكَانَ غَرِيباً! أمَا وَالله لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَن تَكُونَ قُرَيْشٍ

قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ الْكَوَاكِبِ أَدْرَكْتُ وَتْرِي مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَفْلَتَني أَخبَارُ بَنِي جُمَحٍ، لَقَدْ اتْلَمُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُونُوا اهْلَهُ فَوُقِصُوا دُونَهُ

الشرح: هو عبد الرحمن بن عتُاب بن أسِيد بن أبي العِيص بن أميّة بن عبد شمس. ليس

بصحابيّ، ولكنّه من التابعين، وأبوه عتاب بن أسِيد بن أبي العيص بن أميّة بن عبد شمس، من مُسلِمة الفتح، ولما خرج رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) من مكّة إلى حُنَين، استعمله عليها ، فلم يزل أميرَها حتى قبض رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وبقي على حاله خلافة أبي بكر الصديق، ومات هو

ص: 81


1) أخرجه نعيم بن حمادة المروزي في الفتن برقم (1169).

وأبو بكر في يوم واحد ،لم يعلم أحدُهما بموت الآخر، وعبد الرحمن هذا هو الّذِي قال أمير المؤمنين(علیه السلام) فيه، وقد مرّ به قتيلاً يوم الجمل: لهفي عليك يعسوب قريش !هذا فتى الفتيان هذا اللّباب المحض من بني عبد مناف، شفيتُ نفسي، وقتلت معشري، إلى الله أشكو عُجَرِي ويُجَرِي (1)فقال له قائل : لَشدّ ما أطريتَ الفتى يا أمير المؤمنين(علیه السلام) منذ اليوم! قال : إنه قام عنّي وعنه نسوة لم يقمن عنك، وعبد الرحمن هذا هو الذي احتملت العُقاب كفّه يوم الجمل وفيها خاتَمُه، فألقتها باليمامة فعرفت بخاتمه ،وعلم أهل اليمامة بالوقعة.

ورأيت في شرح «نهج البلاغة» للقطب الرّاوندي في هذا الفصل عجائبَ وطرائف، فأحببتُ أن أورَدها ها هنا .منها أنه قال في تفسير قوله(علیه السلام) «أدركتِ وثري من بني عبد مناف»، قال: يعني طلحةَ والزُّبير، كانا من بني عبد مناف، وهذا غلط ،قبيح، لأنّ طلحة من تَيم بن مرة، والزّبير من أسد بن عبد العزى بن قصي، وليس أحد منهما من بني عبد مناف، وولد عبد مناف أربعة: هاشم ،وعبد شمس، ونوفل، وعبد المطّلب، فكلّ مَنْ لم يكن من ولد هؤلاء الأربعة، فليس من ولد عبد مناف .

ومنها أنه قال : إن مَروان بن الحكَم من بني جُمَح، ولقد كان هذا الفقيه رحمه الله بعيداً عن معرفة الأنساب! مروان من بني أميّة بن عبد شمس وبنو جُمح من بني مُصَيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب، واسم جُمَح تَيم بن عمرو بن مُصيص، وأخوه سهم بن عمرو بن مُصَيص رهط عمرو بن العاص، فأين هؤلاء، وأين مروان بن الحكم !

ومنها أنه قال:«وأفلتتني أغيار بني جُمح» بالغين المعجمة ، قال : هو جَمْع «غَيْر» الّذي بمعنى «سوى»، وهذا لم يُرْوَ، ولا مثله ممّا يتكلّم به أمير المؤمنين(علیه السلام)لركّته وبعده عن طريقته، فإنه

يكون قد عدل عن أن يقول : «لم يفتني إلا بنو جُمح »إلى مثل هذه العبارة الركيكة المتعسّفة .

واعلم أنّه(علیه السلام) أخرج هذا الكلام مخرج الذمّ لمن حضر الجمل مع عائشة زوجة النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) من بني جُمَح ، فقال : «وأفلتني أعيارُ بني جُمَح»، جمع غَير وهو الحمار، وقد كان معها منهم يوم الجمل جماعة هربوا ، ولم يقتل منهم إلاّ اثنان، فممّن هرب ونجا بنفسه : عبد الله الطويل بن صفوان بن أميّة بن خلَف بن وهب بن حُذَافة بن جُمح ، وكان شريفاً وابن شريف، وعاش حتى قُتِل مع ابن الزبير بمكة .

ص: 82


1) عجري وبجري : همومي وأحزاني، وقيل : ما أبدي وأخفي وكله على المثل . ويقال أفضيت إليه بعجري وبجري أي أطلعته من ثقتي به على معايبي. وأصل العجر :العروق المتعقدة في الجسد، والبجر : العروق المتعقدة في البطن خاصة ،لسان العرب مادة (عجر).

ومنهم يحيى بن حكيم بن صَفوان بن أميّة بن خلف، عاش حتى استعمله عمرو بن سعيد الأشدق على مكّة، لما جمع له بين مكة والمدينة، فأقام عمرو بالمدينة، ويحيى بمكة.

ومنهم عامر بن مسعود بن أميّة بن خلف، كان يسمّى دحروجة الجُعَل ، لقصره وسواده،

وعاش حتى ولاه زياد صَدَقات بكر بن وائل ،وولاّه عبد الله بن الزُّبير بن العوّام الكوفة.

ومنهم أيوب بن حبيب بن علقمة بن ربيعةَ بن الأعور بن أهَيب بن حُذافة بن جُمَع ، عاش حتى قتل بقُديد، قتلته الخوارج.

فهؤلاء الذين أعرف حضورهم الجمل مع عائشة من بني جُمَح ، وقتل من بني جُمَح مع عائشة عبد الرحمن بن وهب بن أسيد بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح ، وعبد الله بن ربيعة بن دَرّاج العنبس بن وهبان بن وهب بن حُذافة بن جُمَح، لا أعرف أنّه قتل من بني جُمح ذلك اليوم غيرهما ،

فإن صحّت الرواية : «وأفلتني أعيان بني جُمَح»، بالنون، فالمراد رؤساء هم وساداتهم.

وأتلعوا أعناقهم :رفعوها، ورجل أتلَع، بين التَلع، أي طويل العنق، وجِيدٌ تليع أي طويل ،قال الأعشى :

يوم تُبْدِي لناقتِيلَة عَنْ جِي***دتَليع تزینُة الأطواقُ

ووُقِص الرّجل، إذا اندقّت عنُقه، فهو موقوص، ووَقصتُ عنقَ الرّجل أقِصُها وقصاً ، أي کسرتها ولا يجوز وقصت العنق نفسها .

والضمير في قوله(علیه السلام) : «لقد أتلعوا »يرجع إلى قريش، أي راموا الخلافة فقتِلُوا دونها .

فإن قلت : أتقول إنّ طلحة والزبير لم يكونا من أهل الخلافة؟ إن قلت ذلك تركت مذهبَ

أصحابِك، وإن لم تقله خالفت قول أمير المؤمنين(علیه السلام) «لم يكونوا أهله»!

قلت: هما أهلُ للخلافة ما لم يطلبها أميرُ المؤمنين(علیه السلام)، فإذا طلبَها لم يكونا أهلاً لها، لا هما ولا غيرهما، ولولا طاعته لمن تقدّم وما ظهر من رضاه به لم نحكم بصحّة خلافته .

214 - ومن كلام له (علیه السلام)يصف أحوال تقي عارف بالله

الأصل: قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ، وَأَمَاتَ نَفْسَهُ، حَتَّى دَقَ جَلِيلُهُ، وَلَعَفَ خَلِيظُهُ، وَبَرَقَ لَهُ لَامِعٌ كَثِيرُ

الْبَرْقِ، فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ، وَسَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ، وَتَدَافَعَتْهُ الْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ السَّلَامَةِ، وَدَارِ الْإِقَامَةِ، وَثَبَتَتْ رِجْلاَهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الْأَمْنِ وَالرَّاحَةِ، بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ، وَأَرْضَى رَبَّهُ .

ص: 83

الشرح: يصف العارفَ ، يقول : قد أحيا قلبه بمعرفة الحقّ سبحانه، وأمات نفسه بالمجاهدة

ورياضة القوة البدنية بالجوع والعطش، والسهر، والصّبر عَلَى مشاقّ السفر،والسياحة.

حتى دقّ جليلُه، أي حتى نحَلَ بدنُه الكثيف .

ولطف غليظُه ، تلطفت أخلاقه وصفت نفسه، فإن كَدر النفس في الأكثر إنّما يكون من كَدَر الجسد والبطنة - كما قيل - تذهب الفطنة .

ويقول أرباب هذه الطريقة: مَنْ لم يكن في بدايته صاحبَ مجاهدة لم يجد من هذه الطريق شَمة .

وقال عثمان المغربي الصوفيّ : مَنْ ظَنّ أنه يُفتَحُ عليه شيء من هذه الطريقة، أو يكشف له عن سرُ من أسرارها من غير لزوم المجاهدة، فهو غالط .

وقال أبو علي الدقاق : مِنْ لم يكن في بدايته قُومَة، لم يكن في نهايته جُلسة .

ومن كلامهم : الحركة بركة .حركات الظّواهر، تُوجب بركات السرائر .

ومن كلامهم : مَنْ زيّن ظاهره بالمجاهدة حسّن الله سرائره بالمشاهدة.

وقال الحسن الفرازينيّ: هذا الأمر على ثلاثة أشياء : ألاَ تأكل إلا عند الفاقة، ولا تنام إلا عند الغَلبة، ولا تتكلّم إلاّ عند الضرورة.

وقال إبراهيم بن أدهَم: لن ينال الرّجل درجة الصالحين حتى يغلق عن نفسه باب النّعمة، ويفتحَ عليها باب الشّدّة .

و من كلامهم: من كَرُمَتْ عليه نفسه، هان عليه دينه .

وقال أبو علي الرّوذباري : إذا قال الصوفيّ بعد خمسة أيام : أنا جائع، فألزموه السوق، ومروه بالكسب .

وقال حبيب بن أوس أبو تمام، وهو يقصد غيرَ ما نحن فيه، ولكنه يصلح أن يستعمل فيما نحن فيه :

خُذِي عَبَراتِ عينكِ عن زَمَاعِي***وصُوني ما أزلت من القناع

أقلّي قد أضاقَ بُكاك ذرعي ***وما ضاقت بنازلة ذراعي

لِفَةَ النّحيب كم افتراق*** أظلّ فكان داعية اجتماع!

فليست فرحةُ الأوْبَاتِ إلاّ*** لموقوف على ترح الوداعِ

تعجب أن رأت جسمي نحيلاً ***كان المجد يُدْرَك بالصراع !

أخو النكبات مَنْ يأْوِي إذا ما ***أطفن به إلى خُلُقٍ وساع

ص: 84

يشيرُ عجاجةً في كلّ فَجٍّ ***يهيمُ به عدي بن الرّقاع

أبن مع السباع الماء حتى*** لخالته السباعُ من السباع

وقال أيضاً :

فاطلُبْ هُدُوءاً بالتقَلْقُل واستثر ***بالعيس من تحتِ الشهاد هجودا

مَا إِنْ تَرَى الأحساب بيضاً وُضحاً ***إلا بحيثُ تَرَى المنايا سودا

وجاء في الحديث أن فاطمة جاءت إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) بكِسرة خُبز، فقال: ما هذه ؟ قالت: قُرْص خبزته، فلم تطِب نفسي حتى أتيتُك منه بهذه الكِسرة، فأكلها، وقال: «أما إنّها لأوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث »(1).

وكان يقال : ينابيع الحِكمة من الجوع ، وكسر عادية النفس بالمجاهدة.

وقال يحيى بن مُعاذ : لو أنّ الجوع يُباع في السوق لما كان ينبغي لطلاّب الآخرة إذَا دخلوا السُّوق أن يشترُوا غيرَه .

وقال سهل بن عبد الله : لمّا خَلق الله الدّنيا جعل في الشَّبَع المعصية والجهل، وجعلَ في الجوع الطاعة والحكمة.

وقال يحيى بن مُعاذ: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزّهاد سياسة، وللعارفين تكرمة .

وقال أبو سليمان الّدارانيّ : مفتاح الدّنيا الشِّبَع، ومفتاح الآخرة الجوع.

وقال بعضهم : أدب الجوع ألا ينقصَ من عادتك إلا مثل أذن السِّنَّور، هكذا على التدريج، حتى تصل إلى ما تريد .

ويقال : إنّ أبا تُراب النّخشبيّ خرج من البصرة إلى مكة، فوصل إليها على أكلتين : أكلةِ بالنُّباج، وأكلة بذات عِرق .

قالوا : وكان سهل بن عبد الله التَّسْتَري إذا جاع قويَ، وإذا أكل ضعف.

وكان منهم مَنْ يأكلُ كلّ أربعين يوماً أكلة واحدة، ومنهم مَنْ يأكل كلّ ثمانين يوماً أكلة واحدة .

قالوا : واشتهَى أبو الخير العسقلانيّ السمك سنين كثيرة، ثم تهيأ له أكله من وجه حلال ،فلما مدّ يدَه ليأكل أصابت أصبعه شؤكة من شوك السمك، فقام وترك الأكل، وقال: يا ربِّ، هذا لمن مدّ يده بشهوة إلى الحلال، فكيف بمن مدّ يده بشهوة إلى الحرام !

ص: 85


1) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» باب في الزهد وقصر الأمل (10430).

وفي الكتاب العزيز :وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ أَهْوَى * فَإِنَّ الْعَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(1)، فالجملة الأولى هي التقوى ،والثانية هي المجاهدة.

وقال النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) : «أخوفُ ما أخاف على أمّتي اتِّباع الهوى وطول الأمل، أما اتّباع الهوى فيصدّ عن الحق، وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة» (2).

وسئل بعضُ الصوفية عن المجاهدة، فقال: ذَبح النّفس بسيُوف المخالفة .

وقال : من نجمَتْ طوارقُ نفسه، أفلتْ شَوارق أنسه .

وقال إبراهيم بن شيبان :ما بتّ تحت سقف ولا في موضع عليه غَلَق أربعين سنة. وكنت أشتهي في أوقات أن أتناول شُبْعَة عدس فلم يتّفق، ثم حُملَتْ إليّ وأنا بالشَّامِ غَضَارة فيها عدسية، فتناولت منها وخرجت، فرأيت قوارير معلّقة فيها شبه أنموذجات، فظننتها خَلاً، فقال بعض الناس : أتنظر إلى هذه وتظنّها خَلاا وإنّما هي خمر، وهي أنموذجات هذه الدنان - لدنان هناك - فقلت : قد لزِمَني فرضُ الإنكار ، فدخلت حانوت ذلك الخمَّار لأكسِرَ الدِّنَان والجِرار، فحمِلتُ إلى ابن طُولون فأمر بضربي مائتي خَشَبة، وطرحي في السِّجن، فبقيت مدّة، حتى دخل أبو عبد الله الوباني المغربيّ أستاذ ذلك البلد، فعلم أنّي محبوس، فشفع فيّ، فأخرِجت إليه، فلما وقع بصرُه عليّ قال: أيّ شيء فعلت؟ فقلت : شُبعة عدس ومائتي خشبة، فقال: لقد نجوتَ مجّاناً .

وقال إبراهيم الخوّاص: كنتُ في جبل، فرأيت رُمّاناً فاشتهيته، فدنوت فأخذت منه واحدة، فشققتها فوجدتها حامِضَةً، فمضيت وتركت الرمّان فرأيت رجلاً مطروحاً قد اجتمع عليه ،الزّنابير، فسلّمت عليه، فردّ عليّ باسمي، فقلت: كيف عرفتَنِي ؟ قال : مَنْ عَرَف الله لم يَحْفَ عليه شيء ، فقلت له : أرى لك حالاً مع الله ، فلو سألته أن يحميَك ويقيَك من أذى هذه الزّنابير ! فقال : وأرى لك حالاً الله ، فلو سأَلَته أن يقيَك من شهوة الرّمان، فإنّ لذع الرّمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة، ولذع الزنابير يجد الإنسان ألَمه في الدنيا، فتركته ومضيت على وجهي .

وقال يوسف بن أسباط : لا يمحو الشَّهَواتِ من القلب إلاّ خوفٌ مزعج، أو شَوْق مقلِق .

وقال الخوّاص : مَنْ ترك شهوة فلم يجد عِوَضها في قلبهِ فهو كاذب في تركها .

وقال أبو عليّ الرّباطيّ : صحبت عبد الله المروزيّ، وكان يدخل البادية قبل أن أصحبَه بلا

ص: 86


1) سورة النازعات، الآيتان: 40، 41 .

2) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان»، باب : في الزهد وقصر الأمل (10613).

زاد، فلما صحبتُه قال لي : أيُّما أحبُّ إليك؟ تكون أنتَ الأمير، أم أنا؟ قلت: بل أنت ،فقال : وعليك الطاعة؟ قلت: نعم، فأخذ مِخْلاةٌ ووضع فيها زاداً ،وحملها على ظهره، فكنت إذا قلت له : أعطني حتى أحملها، قال الأمير أنا، وعليك الطاعة، فقال : فأخذَنا المطرُ ليلة، فوقف إلى الصّباح على رأسي، وعليه كساء يمنع عنّي المطر ، فكنت أقول في نفسي : يا ليتني متّ ولم أقل له : أنت الأمير ثم قال لي : إذا صحبت إنساناً فاصحبه كما رأيتَني صحبتك .

أبو الطيب المتنبيّ :

ذريني أنلْ ما لا يُنَال من العُلا ***فصعبُ العُلا في الصَّعْبِ والسَّهل في السهل

تريدين إدراك المعالي رخيصة ***ولا بُدّ دونَ الشَّهْد من إير النَّحل

وله أيضاً :

وإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَاراً ***تعبث في مُرادِها الأجسام

و من أمثال العامة : مَنْ لم يَغْلِ دماغه في الصيّف لم تَغْلِ قِدْرُه في الشتاء .

مَنْ لم يركَب الأخطَار، لم ينل الأوطار .

إدراك السُّول وبُلوغ المأمول، بالصبرِ على الجوع، وفقدِ الهُجوع، وَسَيَلان الدموع.

واعلم أنّ تقليلَ المأكول لا ريب في أنّه نافع للنفس والأخلاق، والتَّجربة قد دلّت عليه، لأنّا نرى المكثِرَ من الأكل يغلبه النّومُ والكَسل وبلادة الحواس وتتبخّر المأكولات الكثيرة أبخرة كثيرة، فتتصاعد إلى الدِّماغ فتفسد القوَى النفسانية. وأيضاً فإنّ كثرَة المأكل تُزِيل الرّقة، وتورث القَسَاوة والسَّبعية، والقياس أيضاً يقتضي ذلك، لأنّ كثرة المزاوَلات، سببُ لحصولِ المَلكات، فالنفس إذا توفّرت على تدبير الغذاء وتصريفه، كان ذلك شغلاً شاغلاً لها، وعائقاً عظيماً عن انصبابها إلى الجهة الرُّوحانية العالية، ولكن ينبغي أن يكون تقليل الغذاء إلى حَدُّ يوجب جوعاً قليلاً، فإنّ الجوع المفرِط يورث ضعف الأعضاء الرئيسة واضطرابها، واختلال قُواها، وذلك يقتضي تشويشَ النَّفْس واضطراب الفكر ،واختلال العقل، ولذلك تعرض الأخلاط السَّوداوية لمن أفرط عليه الجوع ، فإذَن لا بدّ من إصلاح أمر الغذاء، بأن يكون قليلَ الكمية، كثير الكَيفيّة، فتؤثِّر قلة كميّته في أنه لا يشغل النفس بتدبير الهضم عن التوجه إلى الجهة العالية الروحانية، وتؤثّر كثرة كيفيته في تدارُك الخلل الحاصل له من قلة الكَمية، ويجب أن يكون الغِذاء شديدَ الإمداد للأعضاء الرئيسَة، لأنها هي المهمة من أعضاء البَدَن وما دامت باقيةً على كمال حالها لا يظهر كثير خلل من ضعف غيرها من الأعضاء.

واعلم أنّ الرّياضة والجوع هي أمرُ يحتاج إليه المريد الذي هو بعدُ في طريق السّلوك إلى الله .

وينقسم طالبُو هذا الأمر الجليل الشاق إلى أقسام أربعة :

ص: 87

أحدها : الَّذِين مارَسُوا العلوم الإلهية، وأجهدُوا أنفسَهم في طلبها والوصول إلى كنهها ، بالنّظر الدقيق، في الزمان الطويل، فهو لا يحصُلُ لهم شوق شديد ،وميلُ عظيم إلى الجهة العاليةالشريفة،فيحملهم حبُّ الكمال عَلَى الرّياضة .

وثانيها : الأنفُس الّتي هي بأَصل الفطرة والجوهر مائلة إلى الرُّوحانية من غير ممارسة عِلم ولا دربة بنظر وبحث، وقد رأينا مثلَهم كثيراً، وشاهدنا قوماً من العامّة متى سنَح لهم سانح مشوق، مثل صوت مطرب، أو إنشاد بيت يقع في النفس، أو سماع كلمةٍ توافق أمراً في بواطنهم، فإنّه يستولي عليهم الوجد، ويشتدّ الحنين، وتغشاهم غواش لطيفة روحانيّة، يغيبون بها عن المحسوسات والجسمانيات.

وثالثها : نفوس حَصَل لها الأمران معاً : الاستعدادُ الأصليُ، والاشتغال بالعلوم النظرية الإلهية.

ورابعها :النفوس التي لا استعداد لها في الأصل ولا ارتاضت بالعلوم الإلهيّة، ولكنهم قوم

سمعوا كمالَ هذه الطريقة، وأنّ السعادَة الإنسانية ليست إلا بالوصول إليها، فمالت نحوها ،وحصل لها اعتقاد فيها .

فهذه أقسام المريدين، والرياضة التي تليقُ بكلّ واحدٍ من هذه الأقسام غير الرياضة اللائقة بالقسم الآخر .

ونحتاجُ قبل الخوض في ذلك إلى تقَديم أمرين :

أحدهما : أن النفحات الإلهية دائمة مستمرة، وأنه كل مَنْ توصّل إليها وصل، قال سبحانه وتعالى : وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(1)وقال النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): «إنّ لربّكم في أيام عصركم نفحات ألا فتعرّضوا لنفحاته» (2).

وثانيهما : أنّ النفوسَ البشريَّة في الأكثر مختلفة بالنّوع، فقد تَكون بعض النفوس مستعدّة غاية الاستعداد لهذا المطلب، وربّما لم تكن البتة مستعدّة له، وبين هذين الطرفين أوساط مختلِفة بالضّعف والقوة.

وإذا تقرّر ذلك فاعلم أنّ القسمين الأوّلَيْن لَمّا اختلفا فيما ذكرناه لا جرم، اختلفا فیالكسب والمكتسب.

أمّا الكسب فإنّ صاحب العِلْم الأولَى به في الأكثر العُزلة والانقطاع عن الخلق، لأنه قد

ص: 88


1) سورة العنكبوت، الآية : 69 .

2) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (2877)، و«الكبير» (519 ) .

حصلت له الهداية والرّشاد، فلا حاجة له إلى مخالطة أحدٍ يستعين به على حصول ما هو حاصل. وأمّا صاحبُ الفِطرة الأصليّة من غير عِلم فإنَّه لا يلِيقُ به العُزلة، لأنه يحتاج إلى المعلّم والمرشِد، فإنه ليس يكفي الفطرة الأصليّة في الوصول إلى المَعَالم الإلهية والحقائق الربانية، ولا بدّ من موقف ومرشد في مبدأ الحال،هذا هو القول في الكسب بالنظر إليهما .

وأمّا المكتَسب، فإنّ صاحب العلم إذا اشتغل بالرّياضة كانت مشاهداته ومكاشفاته أكثر كَميّة، وأقل كيفية مِمّا لصاحب الفطرة المجردة، أما كثرة الكَمية ، فلأن قوّته النظريَّة تُعِينه على ذلك، وأمّا قلَّة الكيفية، فلأن القوُّة النفسانية تتوزّع على تلك الكثرة، وكلّما كانت الكثرة أكثَرَ، كان توزّع القوّة إلى أقسام أكثر، وكان كلّ واحدٍ منها أضعف ممّا لو كانت الأقسامُ أقلّ عدداً ، وإذا عرفت ذلك عرفتَ أن الأمر في جانب صاحب الفِطرة الأصليّة بالعكس من ذلك، وهو أنّ مشاهداتِه ومكاشفاته تكون أقلّ كميّة، وأكثرَ كيفية.

وأمّا الاستعداد الثّالث، وهو النفس الّتي قد جمعت الفِطرة الأصلية والعلوم الإلهية النظرية بالنظر ،فهي النفس الشريفة الجليلة الكاملة .

وهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في أنّ رياضتَها القلبية يجب أن تكون زائدة في الكَمِّ والكيف على رياضتها البدنيّة، لأن الغرض الأصليّ هو رياضةُ القلب وطهارة النفس، وإنَّما شرعت الرياضات البدنيّة ،والعبادات الجسمانية، لتكون طريقاً إلى تلك الرياضة الباطنة، فإذا حصلت كان الاشتغال بالرّياضة البدنية عبثاً ، لأنّ الوسيلة بعد حصول المتوسَّل إليه فضلةٌ مستغنَى عنها ، بل ربّما كانت عائقة عن المقصود. نعم لا بد من المحافظة على الفرائض خاصَة، لئلا تعتاد النَّفْسُ الكسل، وربما أفضى ذلك إلى خَللِ في الرياضة النفسانية، ولهذا حكي عن كثير من كُبراء القوم قلة الاشتغال بنوافل العبادات.

وأما القسم الرابع، وهو النفس التي خلت عن الوضفَين معاً ، فهذه النفّس يجب ألا تكون رياضتها في مبدأ الحال إلاّ بتهذيب الأخلاق بما هو مذكور في كُتب الحكمة الخلقية، فإذا لانت ومَرَنت واستعدت للنفّحات الإلهيَّة حصل لها ذوق ،ما ، فأوجب ذلك الذوق شوقاً، فأقبلت بكليتها على مطلوبها .

واعلم أنّ السّبب الطبيعي في كون الجوع مؤثراً في صفاء النفس، أنّ البلغم الغالبَ على مزَاج البدن يوجب بطبعه البلادة، وإبطاء الفَهم لكثرة الأرضيَّة فيه، وثقَلِ جوهره، وكثرة ما يتولّد عنه من البخارات التي تسدّ المجاري، وتمنع نفوذ الأرواح، ولا ريبَ أن الجوع يقتضي تقليل البلغم، لأنّ القوّة الهاضمة إذا لم تجد غذاء تهضمه، عمِلَتْ في الرطوبة الغريبة الكائنة في

ص: 89

الجسَد، فكلّما انقطع الغذاء استمرّ عملها في البلغم الموجود في البدن، فلا تزال تعمل فيه وتُذِيبه الحرارة الكائنة في البدن، حتى يفنى كلُّ ما في البدن من الرطوبات الغريبة، ولا يبقى إلاّ الرطوبات الأصلِية، فإن استمر ّانقطاع الغذاء أخَذَتْ الحرارة والقوّة الهاضمة في تنقيص الرطوبات الأصليّة من جوهر البدن ،فإن كان ذلك يسيراً وإلى حدّ ليس بمفرط، لم يضرّ ذلك بالبدن كلّ الإضرار، وكان ذلك هو غايةَ الرّياضة التي أشار أمير المؤمنين(علیه السلام) إليها بقوله : «حتى دق جليلهُ، ولطفُ غليظه »، وإن أفرط وقع الحيف والإجحاف على الرطوبة الأصليَّة، وعطِب البدن ووقع صاحبه في الدّقّ والذبول، وذلك منهيُّ عنه، لأنّه قتل للنفس، فهو كمن يقتل نفسَه بالسّيف أو بالسّكين .

واعلم أن قوله(علیه السلام) :« وبر له لامعُ كثير البرق»، هو حقيقة مذهب الحكماء، وحقيقة قول الصوفيّة أصحاب الطريقة والحقيقة، وقد صرّح به الرئيس أبو عليّ بن سينا في كتاب «الإشارات» فقال في ذكر السالك إلى مرتبة العرفان : ثم إنّه إذا بلغت به الإرادة والرياضة حداً ما عَنَّتْ له خُلسات من اطّلاع نور الحق إليه لذيذة كأنها بروقٌ تُومِض إليه ثم تخمَد عنه، وهي التي تسمّى عندهم أوقاتاً، وكلّ وقت يكتنفه وجدُ إليه، ووجد عليه. ثمّ إنه لتكثر عليه هذه الغواشي إذا أمعَن في الارتياض، ثمّ إنّه ليتوغّل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض فكلّما لَمح شيئاً عاج منه إلى جانب القدس، فتذكّر من أمره أمراً فغشِيَه غاش، فيكاد يرى الحق في كلّ شيء، ولعلّه إلى هذا الحدّ تستولي عليه غواشيه، ويزول هو عن سكينته، ويتنّبه جليسه لاستنفاره عن قراره، فإذا طالت عليه الريّاضة لم تستنفره غاشية، وهُدِيَ للتأنّس بما هو فيه . ثم إنّه لتبلغ به الرياضة مبلغاً ينقلب له وقته سكينة فيصير المخطوبُ مألوفاً، والوميض شِهاباً بيّناً ، ويحصل له معارف مستقرّة، كأنّها صحبة مستمرّة، ويستمتع فيها ببهجته، فإذا انقلب عنها انقلب حیران آسفاً .

فهذه ألفاظ الحكيم أبي علي بن سينا في «الإشارات»، وهي كما نراها مصرّح فيها بذكر البُرُوق اللامعة للعارف .

وقال القشيريّ في «الرّسالة» (1)لمّا ذكر الحال والأمور الواردة على العارفين، قال: هی بروق تلمع ثم تخمد، وأنوار تبدو ثم تخفى ،ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها ! ثم تمثّل بقول البحتري :

خَطَرَتْ فِي النَّوْمِ مِنْهَا خطرة*** خطرة البرق بدا ثم اضمحلّ

أي زَوْرٍ لك لو قَصْداً سَرَى ***وملم بك لوحقًا فَعَلْ !

ص: 90


1) وهو للإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الشافعي المتوفى سنة (465) . وشرح القاضي زكريا الأنصاري وغيره ا ه «كشف الظنون» (882/1).

فهو كما تراه يذكر البروق اللامعة حَسبما ذكره الحكيم، وكلاهما يتّبع ألفاظ أمير المؤمنين(علیه السلام) ، لأنّه حكيم الحكماء وعارف العارفين، ومعلّم الصوفيَّة، ولولا أخلاقه وكلامه وتعليمُه للناس هذا الفن تارةً بقوله، وتارة بفعله، لما اهتدى أحد من هذه الطائفة، ولا علم كيف يُورد، ولا كيف يصدر.

وقال القشيريّ أيضاً في «الرسالة»: المحاضرة قبل المكاشفة، فإذا حصلت المكاشفة فبعدها المشاهدة.

وقال : وهي أرفع الدرجات. قال: فالمحاضرة حضُور القلب، وقد تكون بتواتر البرهان، والإنسان بعد وراء الستر، وإن كان حاضراً باستيلاء سلطان الذكر .

وأما المكاشفة فهي حضور البيِّن غير مفتقر إلى تأمّل الدليل، وتطلّب السبيل، ثمّ المشاهدة، وهي وجود الحق من غير بقاء تهمة .

وأحسن ما ذكر في المشاهدة قول الجُنيد : هي وجود الحق مع فقدانك .

وقال عمرو بن عثمان المكيّ : المشاهدة أن تتوالى أنوار التجلِّي على القلب من غير أن

يتخلّلها ستر ولا انقطاع، كما لو قدّر اتّصال البروق في الليلة المظلمة، فكما أنها تصير من ذلك بضوء النهار، فكذلك القلب إذا دام له التجلّي مع النهار فلا ليل .

وأنشدوا شعراً :

لَيْلى بوجهك مُشرقُ*** وظلامه في الناس سارِ

فالناس في سَدَفِ الظَّلا ***م ونحن في ضوء ضوء النهار

وقال الثوريّ : لا تصحّ للعبد المشاهدة وقد بقي له عِرْق قائم .

وقالوا : إذا طلع الصباح، استغنى عن المصباح.

وأنشدوا أيضاً :

فلما استنار الصبح طوّح ضوءه ***بأنواره أنوار ضوء الكواكب

فجرعهم كأساً لو أبتليث لظى ***بتجريعه طارت كأسرع ذاهب

كأس وأيّ كأس ،تصطلمهم عنهم، وتفنيهم وتخطفهم منهم ولا تبقيهم، كأس لا تبقي ولا تَذَر، تمحو بالكليّة، ولا تبقى شظية من آثار البشرية، كما قال قائلهم :

ساروا فلم يبق لا عينُ ولا أثرُ

وقال القُشيريّ أيضاً : هي ثلاث مراتب: اللوائح، ثم اللوامع، ثم الطوالع . فاللوائح كالبروق، ما ظهرت حتى استترت ،كما قال القائل :

فافترقنا حولاً فلما التقينا ***كان تسليمه عليَّ وداعا

ص: 91

وأنشدوا :

يا ذا الّذي زار وما زارا ***كانه مقتپِسُ نارًا

مر بباب الدار مستعجلاً ***ماضَرَّه لو دخل الدارا !

ثم اللوامع، وهي أظهر من اللوائح، وليس زوالها بتلك السرعة، فقد تبقى وقتين وثلاثة، ولكن كما قيل :

العين باكية لم تُشِبع النَّظرا

أو كما قالوا :

وبلائي من مشهد ومغيبِ*** حبیب منّي بعيد قريبِ

لم تُرِدْ ماء وجهه العينُ حتَّى ***شَرِقَتْ قبل ريها برقیب

فأصحاب هذا المقام بين رَوْح وفَوْح ، لأنهم بين كشف وستر يلمع ثم يقطع ، لا يستقر لهم نور النهار، حتى تكرّ عليه عساكر الليلّ فهم كما قيل :

واللَّيْلُ يشملنا بفاضل بُرْدِه ***والصبح يلحقنا رداءً مذهبا

ثم الطوالع وهي أبقَى وقتاً ،وأقوى سلطاناً، وأدوم مكثاً، وأذهب للظلمة، وأنفى للتهمة.

أفلا ترى كلام القوم كلّه مشحون بالبروق واللمعان!

وكان مما نقم حامد بن العباس وزير المقتدر وعليّ بن عيسى الجراح وزيره أيضاً على الحلاج أنهما وجدا في كتبه لفظ «النور الشعشعانيّ»، وذلك لجهالتهما مراد القوم واصطلاحهم، ومَنْ جهل أمراً عاداه.

ثم قال(علیه السلام) : «وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة ودار الإقامة»، أي لم يزل ينتقل من مقام من مقامات القوم إلى مقام فوقه، حتّى وصل، وتلك المقامات معروفة عند أهلها ، ومَنْ له أنس بها، وسنذكرها فيما بعد.

ثم قال : «وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن والراحة بما استعمل قلبه وأرضى ربه»،

أي كانت الراحة الكلّية والسعادة الأبديّة مستثمرة من ذلك الذي تحمّله لما استعمل قلبه ،وراض جوارحه ونفسه ،حتى وصل، كما قيل:

عِنْدَ الصَّبَاح يَحْمَدُ القومُ السُّرَى ***وَتَنْجَلِي عَنَّا نَيَابَاتُ الْكَرَى

وقال الشاعر :

تقولُ سُلَيْمَى لَوْ أقْمتَ بأَرْضِنَا ***وَلَمْ تَدرِ أنّي للمقام أطوّف

وقال آخر :

ما ابيض وجه المرء في طلب العُلاَ ***حتّى يسوّد وجهه في الیدِ

ص: 92

وقال :

فاطلب هُدوءًا بالتقلقل واستثر ***بالعيس من تحت السهاد هجودا

ما إن ترى الأحساب بيضاً وُضحاً*** إلا بحيث ترى المنايا سودا

215 - ومن كلام له(علیه السلام) يحث فيه أصحابه على الجهاد

الأصل: والله مُسْتأْدِيكُمْ شُكْرَهُ، وَمُورّتُكُمْ أَمْرَهُ، وَمُنْهلُكُمْ فِي مِضْمارٍ مَمْدُودٍ لِتَنَازَعُوا .

سَبَقَهُ، فَشُدُّوا عُقد المَآزِرِ، وَاظرُوا فُضُولَ الخَوَاصِرِ، لَا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَوَلِيمَةٌ. مَا

انْقَضَ النَّوْمَ، لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ وَامْحَى الظُّلَمَ، لِتَذَاكِيرِ الْهِمَم !

الشرح: مستأديكم شكره، أي طالب منكم أداء ذلك والقيام به، استأديت ديني عند فلان، أي

طلبته .

وقوله : «ومورّثكم أمره »، أي سيرجع أمر الدولة إليكم، ويزول أمر بني أميّة. ثم شبه الآجال التي ضُرِبَتْ للمكلّفين ليقوموا فيها بالواجبات، ويتسابقوا فيها إلى الخيرات، بالمضمار الممدود لخيل تتنازع فيه السبق .

ثم قال: «فشدّوا عُقَد المآزر»، أي شمّروا عن ساق الاجتهاد .ويقال لمن يوصَي بالجد

والتشمير : اشدد عُقدة إزارك، لأنّه إذا شدّها كان أبعَد عن العثار ،وأسرع للمشي .

قوله : «واطووا فُضُول الخواصر»، نهى عن كثرة الأكل، لأنّ الكثير الأكل لا يطوي فضول خواصره لامتلائها، والقليل الأكل يأكل في بعضها ويطوي بعضها، قال الشاعر :

كلُوا في بعض بطنِكُمُ وعفوا*** فإن زمانكم زمن خميصُ

وقال أعشى باهلة :

طَاوِي الْمَصِير على العزاء مُنْصَلت ***بالقوم ليلة لا ماء ولا شَجَر

وقال الشنفرى :

وأطوِي على الخُمْص الحوايا كما انطوت*** خُيوطه ماري تغار وتفتَل

ثم أتى(علیه السلام) بثلاثة أمثال مخترعة له لم يسبق بها، وإن كان قد سبق بمعناها، وهي قوله : «لا تجتمع عزيمة ووليمة». وقوله : «ما أنقض النوم العزائم اليوم!». وقوله :«وأمْحَى الظلم التذاكير الهمم ! ».

ص: 93

فمما جاء للمحدثين من ذلك ما كتبه بعض الكتاب إلى ولده :

خِدْمَةُ السلطان والكا*** سات في أيدي الملاح

ليس يلتامان فاط فاطلب رفعه واه

ومثله قول آخر لولده :

ع هواه ن

فاختر ل-

ك هَذَا

وقال آخر :

ة أو شرب راح

سلام ملاذ

جد، وهذا التذاذ

وَلَيْسَ فَتَى الْفِتْيانِ مَنْ رَاحَ واغْتَدَى*** لشرب صَبُوحٍ أو لشربٍ غَبُوقِ

ولكن فتى الفتيان مَنْ راحَ واعتدى*** لضر عدو أو لنفع صديق

وهذا كثير جداً يناسب قوله : «لا تجتمع عزيمة ووليمة».

ومثل قوله : «ما أنقَضَ النوم العزائم اليوم »قول الشاعر :

فَتّى لا ينام على عزمه ***ومَن صَمَّمَ العزم لم يرقد

وقوله :« وأمحى الظّلم لتذاكير الهمم» ، أي الظلم التي ينام فيها، لا كلّ الظلم، ألا ترى أنه إذا لم ينم في الظلمة بل كان عنده من شدّة العزم وقوة التصميم ما لا ينام معه، فإنّ الظلمة لا تمحو تذاكير هممه. والتذاكير: جمع تَذكار.

والمثلان الأوّلان أحسن من الثالث ،وكأن الثالث من تتمة الثاني.

وقد قالت العرب في الجاهلية هذا المعنى، وجاء في القرآن العزيز : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَّسَتهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوامَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (1).

وهذا مثل قوله :«لا تجتمع عزيمة ووليمة»، أي لا يجتمع لكم دخول الجنة والدّعة، والقعود عن مشقّة الحرب.

ص: 94


1) سورة البقرة ،الآية : 214 .

216 - ومن كلام له(علیه السلام) قاله بعد تلاوته :

اشارة

الهَنكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرتُمُ الْمَقَابِرَ(1) الأصل: يا لَهُ مَرَاماً ما ابْعَدَهُ وَزَوْراً ما أَغْفَلَهُ وَخَطَراً ما أفْظَعَهُ لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ

مُدَّكِرٍ، وَتَنَا وَشُوهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ .

افَبِمَصَارِعَ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلَكَى يَتَكَاثَرُونَ !

الشرح: قد اختلف المفسرون في تأويل هاتين الآيتين فقال قوم: المعنى أنكم قطعتم أيام

عمركم في التكاثر بالأموال والأولاد، حتى أتاكم الموت، فكنى عن حلول الموت بهم بزيارة المقابر.

وقال قوم: بل كانوا يتفاخرون بأنفسهم، وتعدّى ذلك إلى أن تفاخروا بأسلافهم الأموات ،فقالوا : منّا فلان وفلان - لقوم كانوا وانقرضوا .

وهذا هو التفسير الذي يدلُّ عليه كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) ، قال: «يا له مراماً!»، منصوب على التمييز. ما أبعده !أي لا فخر في ذلك، وطلب الفخر من هذا الباب بعيد، وإنما الفخر بتقوى الله وطاعته .

وزوراً ما أغفله ! إشارة إلى القوم الذين افتخروا ،جعلهم بتذكّر الأموات السالفين كالزائرين لقبورهم. والزوّر : اسم للواحد والجمع، كالخَصْم والضَّيْف . قال : ما أغفلهم عمّا يراد منهم ! لأنهم تركوا العبادة والطاعة، وصرموا الأوقات بالمفاخرة بالموتى .

ثم قال: «وخطراً ما أفظعه!» إشارة إلى الموت أي: ما أشدّه! فَقُع الشيء بالضّم، فهو فظيع، أي شديد شنيع مجاوز للمقدار .

قوله : «لقد استخلَوا منهم أيّ مدكر»، قال الراونديّ: أي وجدوا موضع التذكّر خالياً من الفائدة، وهذا غير صحيح، وكيف يقول ذلك وقد قال :« وخطراً ما أفظعه! »وهل يكون أمر أعظم تذكيراً من الاعتبار بالموتى! والصحيح أنه أراد ب«استخلَوْا»ذكر من خلا من آبائهم، أي مَنْ مضى يقال : هذا الأمر من الأمور الخالية، وهذا القرن من القرون الخالية، أي الماضية.

واستخلى فلان في حديثهِ، أي حدّث عن أمور خالية، والمعنى أنّه استعظم ما يوجبه

ص: 95


1) سورة التكاثر ،الآيتان: 1 ، 2 .

حديثُهم عمّا خلا وعمّن خلا من أسلافهم وآثار أسلافهم من التذكير ،فقال : أيّ مذكَر وواعظ في ذلك! وروي أي مذكر بمعنى المصدر ،كالمعتقد بمعنى الاعتقاد، والمعتبر بمعنى الاعتبار.

«وتنا وشوهم من مكان بعيد »أي تناولوهم، والمراد ذكروهم وتحدثوا عنهم، فكأنهم تناولوهم، وهذه اللفظة من ألفاظ القرآن العزيز: وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى فَمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِیدِ(1)، وأنّى لهم تناولُ الإيمان حينئذ بعد فوات الأمر!)الأصل: يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ، وَحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ وَلَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً ، أَحَقُّ مِنْ أَنْيَكُونُوا مُفْتَخَراً، وَلَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ ، أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ. لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ، وَضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ .وَلَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتٍ تِلْكَ الدِّيَارِ الخَاوِيَةِ، وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ، لَقَالَتْ : ذَهَبُوا فِي الْأَرْضِ ضُلالاً، وَذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالاً ، تَطرُونَ فِي هَامِهِمْ، وَتَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ، وَتَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا ، وَتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا ، وَإِنَّمَا الْأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ بَوَادٍ وَنَوَائِحُ عَلَيْكُمْ. أُولئِكُمْ سَلَفٌ فَايَتِكُمْ، وَفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُم، الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقاوِمُ الْعِز ، وَحَلَبَاتُ الْفَخْرِ مُلُوكاً وَسُوَقاً .الشرح: « يرتجعون منهم أجساداً»، أي يذكرون آباءهم ،فكأنّهم ردّوهم إلى الدنيا، وارتجعوهم من القبور. وخَوَتْ : خلت.قال : وهؤلاء الموتى أحقُّ بأن يكونوا عبرة وعظةً من أن يكونوا فخراً وشرفاً، والمفتخرون بهم أولى بالهبوط إلى جانب الذلّة منهم بالقيام مقام العزّ .وتقول : هذا أحْجَى من فلان، أي أولى وأجدر. والجناب: الفِناء.ثم قال: «لقد نظروا إليهم بأبصار العَشْوة»، أي لم ينظروا النّظر المفضِيَ إلى الرؤية، لأن أبصارَهم ذات عَشْوة، وهو مرض في العين ينقص به الإبصار، وفي عين فلان عَشَاءٌ وعشوة بمعنّى، ومنه قيل لكلّ أمرٍ ملتبس يركبه الرّاكب على غير بيان أمر عَشْوة، ومنه أوطأتني عُشْوة ويجوز بالضّم والفَتح.

ص: 96


1) سورة سبأ، الآية : 52 .

قال: «وضربوا بهم في غَمْرة جهالة»، أي وضربوا من ذكر هؤلاء الموتى في بحر جهل . والضربها هنا: استعارة، أو يكون من الضّرب بمعنى السير ،كقوله تعالى : ﴿وَإِذَا ضَرَتكُمْ فِي الأرض(1)، أي خاضوا وسبحوا من ذكرهم في غمرة جهالة، وكلُّ هذا يرجع إلى معنى واحد ، وهو تسفيه رأي المفتخرين بالموتى، والقاطعين الوقت بالتكاثر بهم ،إعراضاً عمّا يجب إنفاقه من العمر في الطاعة والعبادة . ثم قال: «لو سألوا عنهم ديارهم التي خلت منهم »، ويمكن أن يريد بالديار والربوع القبور، «لقالت ذهبوا في الأرض ضلالاً»، أي هالكين، ومنه قوله تعالى : وَقَالُوا أَعِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أونا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (2).

وذهبتم في أعقابهم، أي بعدهم «جهالاً»، لغفلتكم وغروركم .

قوله (علیه السلام): «تَطؤون في هامهم» أخذ هذا المعنى أبو العلاء المعرّي، فقال:

خَفّف الوظء ما أظن أديم ال*** أرْضِ إلأ مِنْ هَذِهِ الأجْسَادِ

رَبِّ لحد قد صار لحداً مِرَاراً ***ضاحك من تزاحم الأضدَادِ

ودفين على بقايا دفينِ*** من عهود الآباء والأجدادِ

صَاحٍ هذي قبورنا تملأ الأرُ*** ضَ، فأين القبور من عهد عاد!

سِرْ إن استطعت في الهواء رُوَيْداً ***لا اختيالاً عَلَى رُفاتِ العبادِ

قوله :«وتستنبتون في أجسادهم»، أي تزرعون النَّبات في أجسادهم، وذلك لأن أديم الأرض الظاهر إذا كان من أبدان الموتى، فالزرع لا محالة يكون نابتاً في الأجزاء التّرابية التي هی أبدان الحيوانات. وروي «وتستثبتون»، بالثاء، أي وتنصبون الأشياء الثابتة كالعَمد والأساطين للأوطان في أجساد الموتى.

ثم قال: «وترتعون فيما لفظوا»، لفظتُ الشيء بالفتح: رميتُه من فمي ،ألفِظه بالكسر ، ويجوز أن يريد بذلك أنكم تأكلون ما خلّفوه وتركوه ويجوز أن يريد أنّكم تأكلون الفواكه التي تنبت في أجزاء ترابية خالطها الصديد الجاري من أفواههم.

ثم قال :« وتسكنون فيما خرّبوا»، أي تسكنون في المساكن التي لم يعمروها بالذكر والعبادة، فكأنهم أخربوها في المعنى، ثم سكنتم أنتم فيها بعدهم. ويجوز أن يريد أنّ كّل دار عامرة قد كانت من قبل خربة، وإنّما أخربها قوم بادوا وماتوا، فإذن لا ساكن منّا في عمارة إلا ويصدق عليه أنه ساكن فيما قد كان خراباً من قبل، والذين أخربوه الآن موتى. ويجوز أن يريد

ص: 97


1) سورة النساء، الآية : 101.

2) سورة السجدة، الآية: 10 .

بقوله :« وتسكنون فيما خربوا »، وتسكنون في دور فارقوها وأخلوها ،فأطلقَ على الخلقوّ والفراغ لفظ «الخراب» مجازاً .

قوله : «وإنّما الأيّام بينكم وبينهم بواك ونوائحُ عليكم»، يريد أن الأيام والليالي تشيّع رائحاً إلى المقابر وتبكي وتنوح على الباقين الذين سيلتحقون به عن قريب.

قوله : «أولئكم سلف غايتكم »، السلف :المتقدمون. والغاية: الحدّ الذي ينتهي إليه. إمّا حتياً أو معنوياً، والمرادها هنا الموت. والفرُّط : القوم يسبقون الحي إلى المنهل .

ومقاوم العزّ : دعائمه ،جمع مقوم، وأصلها الخشبة التي يمسكها الحرّاث. وحلبات الفخر : جمع حَلْبة ، وهي الخيل تجمع للسباق.

والسُّوَق، بفتح الواو : جمع سُوقة ، وهو مَنْ دون الملك .

الأصل: سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَحَ سَبِيلاً سُلْطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ،

وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لاَ يَنْمُونَ، وَضِمَاراً لاَ يُوجَدُونَ، لاَ يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الْأَهْوَالِ، وَلَا يَحْزُنُهُمْ تَنكُرُ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ وَلا يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ . غُيَّباً لاَ يُنتَظَرُونَ، وَشُهُوداً لا يَحْضُرُونَ، وَإِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَوا ، وَالأناً فَافْتَرَقُوا.

وَمَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ، وَلا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ، عَمِيَتْ ، أَخْبَارُهُمْ، وَصَمَّتْ دِبَارُهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّعْلِقِ خَرَساً ، وَبِالسَّمْعِ صَمَماً ، وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُونَا ، فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجَالِ الصَّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ .

جِيرَانٌ لاَ يَتَأَنَّسُونَ، وَأَحِبَّاءٌ لا يَتَزَاوَرُونَ بَلِبَتْ بَيْنَهُمْ هُرَا التَّعَارُفِ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الْإِخاءِ، فَكُلُهُمْ وَحِيدٌ وَهُمْ جَمِيعٌ ، وَبِجَانِبِ الْهَجْرِ وَهُمْ أَخِلاهُ.

لا يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً ، وَلَا لِنَهَارٍ مَسَاءً . أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً ، شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارٍ دَارِهِمْ أَنْظَعَ مِمَّا خَافُوا وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا، فَكِلَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ .

فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَمُوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا وَلَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ وَأَنْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ، وَسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ، وَتَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ ، فَقَالُوا : كَلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّوَاضِرُ، وَخَوَتِ الْأَجْسَامُ النَّوَاعِمُ، وَلَسْنَا أَهْدَامَ

ص: 98

الْبِلَى، وَتَكَاءَ دَنَا ضِيقُ المَضْجَعِ ، وَتَوَارَتْنَا الْوَحْشَةَ، وَتَهَدِّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ، فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا، وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِمَامَتُنَا ، وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً ، وَلاَ مِنْ ضِيقٍ مُتَسَعاً .

فَلَوْ مَثَلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاء لَكَ، وَقَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بالْهَوَامْ فَاسْتَكَتْ وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ، وتقطعت الْأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا ، وَهَمَدَتِ الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا ، وَعَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلَى سَمَّجَهَا، وَسَهَّلَ طُرُقَ الْآفَةِ إِلَيْهَا . مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلاَ أَيْدٍ تَدْفَعُ ، وَلَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ - لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبِ، وَأَقْذَاءَ عُيُون، لَهُمْ فِي كُلِّ فَطَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لاَ تَنْتَقِلُ، وَغَمْرَةٌ لَا تَنْجَلِي.

فَكَمْ أكَلَتِ الأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ، وَانِيقِ لَوْنٍ، كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ وَرَيبَ شَرَفٍ! يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ في سَاعَةِ حُزْنِهِ، وَيَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، ضَنَّا بِغَضَارَةِ عَيْدِهِ، وَشَحَاحَةٌ بِلَهْوِهِ وَلَعِبِهِ، فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلى الدُّنْيَا وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ، فِي ظِلَّ عَيْشٍ غَفُولٍ، إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ، وَنَقَضَتِ الأَيَّامُ قُوَاهُ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مِنْ كَشَبٍ، فَخَالَطَهُ بَثْ لا يَعْرِفُهُ ، وَنَجِيٌّ هَمَّ مَا كَانَ يَجِدُهُ، وَتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ، أَنَسَ مَا كَانَ بِصِحَتِهِ. فَفَزِعَ إِلَى كانَ عَوَّدَهُ الأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِين الحَارٌ بِالْقَارّ ، وَتَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالحَارُ، فَلَمْ يُطْفِى بِبَارِدٍ إِلا ثَوْرَ حَرَارَةٌ، وَلاَ حَرَّكَ بِحَارٌ إِلا هَيَّجَ بُرُودَةٌ، وَلاَ اعْتَدَل بِمُمَازِجٍ لِتِلْكِ الطَّبَائِعِ إِلا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ، حَتَّى فَتَرَ مُعلِّلُهُ، وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ، وَتَعَايا أهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ ، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ ، وَتَنَازَعُوا دُونَهُ شَجَى خَبَرِ يَكْتُمُونَهُ، فَقَائِلٌ: هُوَ لَمَا بِهِ، وَمُمَنٌ لَهُمْ إِيَابَ عافِيَتِهِ، وَمُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ، يُذَكِّرُهُمْ أَسَى المَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ.

فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَى جَنَاحٌ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا، وَتَرْكِ الأحِبَّةِ، إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ فُصَصِهِ، فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ، وَيَبِسَتْ رُطُوبَةٌ لِسَانِهِ.

فَكَمْ مِنْ مُهِمْ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَبِّهِ! وَدُعاءِ مُؤلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَ عَنْهُ مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَلِّمُهُ ، أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ .

وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ َأفْضَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أو تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا .

الشرح: هذا موضع المثل : «ملعاً يا ظليم وإلا فالتَّخْوِيَةُ »مَنْ أراد أن يعظَ ويخوّف، ويقرع

صَفَاةَ القلب ويعرف الناس قدر الدنيا وتصرّفها بأهلها ، فليأتِ بمثل هذه الموعظة

ص: 99

مثل هذا الكلام الفصيح وإلاّ فليميك، فإنّ السكوت أستر، والعيّ خير من منطق يفضح صاحب. وَمَنْ تأمّل هذا الفصل، علم صدق معاوية في قوله فيه : «والله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره ». وينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبةً في مجلس، وتُليَ عليهم أن يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عديّ بن الرّقاع :

قلم أصابَ من الدَّواة مِدَادها

فلما قيل لهم في ذلك، قالوا : إنا نعرف مواضع السجود في الشعر، كما تعرفون مواضع السجود في القرآن .

وإني لأطيل التعجّب من رجل يخطب في الحرّب بكلام يدلّ على أن طبعه مناسب لطباع الأسُود والنمور وأمثالها من السباع الضارية، ثم يخطب في ذلك الموقف بعينه، إذا أراد الموعظة بكلام يدلّ على أن طبعه مشاكل لطباع الرّهبان لابسي المُسوح الذين لم يأكلوا لحماً ، ولم يريقوا دماً ، فتارة يكون في صورة بِسطام بن قيس الشيبانيّ وعُتيبة بن الحارث اليربوعيّ، وعامر بن الطّفيل العامريّ، وتارة يكون في صورة سُقراط الحَبر اليونانيّ، ويوحَنّا المعَمَدان الإسرائيليّ، والمسيح ابن مريم الإلهيّ .

وأقسم بمن تُقسم الأمم كلّها به، لقد قرأتُ هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرة ،ما قرأتها قط إلا وأحدثت عندي روعة وخوفاً وعظة، وأثْرَتْ في قلبي وجيباً، وفي أعضائي رِغدة، ولا تأملتُها إلا وذكرت الموتى من أهلي وأقاربي، وأرباب ودّي، وخيّلت في نفسي أني أنا ذلك الشخص الذي وصف(علیه السلام) حالَه .

وكم قد قال الواعظون والخطباء والفصحاء في هذا المعنى! وكم وقفت على ما قالوه وتكرّر وقوفي عليه ! فلم أجد لشيء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي، فإمَّا أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله أو كانت نية القائل صالحة، ويقينه كان ثابتاً، وإخلاصه كان محضاً خالصاً، فكان تأثير قوله في النّفوس أعظم، وسريان موعظته في القلوب أبلغ .

ثم نعود إلى تفسير الفصل:

فالبرزخ : الحاجز بين الشيئين، والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث ،فيجوز أن يكون البرزخ في هذا الموضع القبر، لأنه حاجز بين الميّت وبين أهل الدنيا، كالحائط المبنيّ بين اثنين، فإنّه برزخ بينهما، ويجوز أن يريد به الوقت الذي بين حال الموت إلى حال النّشور ، والأول أقرب إلى مراده(علیه السلام) ، لأنه قال: «في بطون البرزخ» ولفظة «البطون» تدلّ التفسير الأولّ . ولفظتا «أكلت الأرض من لحومهم وشربت من دمائهم »مستعارتان.

ص: 100

والفَجَوات: جمع فَجُوة وهي الفُرجة المتسعة بين الشيئين، قال سبحانه: وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْه (1)، وقد تفاجَى الشيء، إذا صارت له فجوة.

وجماداً لا ينمون ،أي خرجوا عن صورة الحيوانية إلى صورة الجماد الذي لا ينمِي یزید .ويروى:« لا ينِمّون» بتشديد الميم ،من النميمة وهي الهمس والحركة، ومنه قولهم : أسكت الله نامّته ،في قول من شدّد ولم يهمز .

وضِماراً ، يقال لكلّ ما لا يرجى من الدّين والوعد ،وكلّ ما لا تكون منه على ثقة : ضِمَار .

ثم ذكر أنّ الأهوال الحادثة في الدنيا لا تُفزِعهم، وأنّ تنكّر الأحوال بهم وبأهل الدنيا لا يحزنهم . ويروى «تُخزنهم» على أنّ الماضي رباعيّ.

ومثله قوله : «لا يحفلُون بالرواجف» أي لا يكترثون بالزلازل.

قوله : «ولا يأذنُون للقواصف» أي لا يسمعون الأصوات الشديدة، أذنت لكذا، أي سمعته .

وجمع الغائب غُيّب وغَيّب، وكلاهما مرويُّ ها هنا، وأراد أنهم شهود في الصورة، وغير حاضرين في المعنى.

والآف ،على فعّال : جمع آلف، كالطُّرّاق جمع طارق، والسُّمّار : جمع سامر، والكُفّار جمع كافر .

ثم ذكر أنه لم تَعْمَ أخبارهم ،أي لم تستبهم أخبارهم وتنقطع عن بعد عهد بهم، ولا عن بعد

منزل لهم، وإنّما سُقوا كأسَ المنون التي أخرستهم بعد النطق، وأصَمَّتْهُمْ بعد السمع ،وأسكنتهم بعد الحركة.

وقوله :«وبالسَّمع صمماً»، أي لم يسمعوا فيها نداء المنادي، ولا نوح النائح، أو لم يسمع في قبورهم صوت منهم .

قوله: «فكأنهم في ارتجال الصّفة»، أي إذا وصفهم الواصف مرتجلاً غير متروِّ في الصفة، ولا متهيىء للقول.

قال: «كأنهم صرعى سُبات»، وهو نوم، لأنّه لا فرق في الصورة بين الميِّت حال موته والنائم المسبوت.

ص: 101


1) سورة الكهف، الآية : 17 .

ثم وصفهم بأنّهم جيران إلا أنهم لا مؤانسة بينهم كجيران الدنيا، وأنّهم أحبّاء إلا أنهم لا يتزاورون كالأحباب من أهل الدنيا .

وقوله «أحبّاء» جمع حبيب، كخليل وأخلاء، وصديق وأصدقاء.

ثم ذكر أن عُرا التعارف قد بليَت منهم وانقطعت بينهم أسباب الإخاء، وهذه كلها استعارات لطيفة مستحسنة.

ثم وصفهم بصفة أخرى، فقال: كلّ واحدٍ منهم موصوف بالوحدة، وهم مع ذلك مجتمعون بخلاف الأحياء الذين إذا انضمّ بعضهم إلى بعض انتفى عنه وصف الوحدة.

ثم قال :«وبجانب الهجر وهم أخلاء» أي وكلّ منهم في جانب الهجر وهم مع خُلّة ومودة، أي كانوا كذلك. وهذا كله من باب الصناعة المعنوية، والمجاز الرشيق .

ثم قال : إنهم لا يعرفون للنهار ليلاً ولا لليل نهاراً، وذلك لأنّ الواحد من البَشَر إذا مات نهاراً لم يعرف لذلك النهار ليلاً أبداً، وإن مات ليلاً لم يعرف لذلك الليل صباحاً أبداً. وقال الشاعر :

لابد من يوم بلاليلة ***أوليلة تأتي بلا يومِ

وليس المراد بقوله :« أيّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمداً» أنهم وهم موتى يشعرون بالوقت الذي ماتُوا فيه ولا يشعرون بما يتعقّبه من الأوقات، بل المراد أن صورةَ ذلك الوقت لو بقيت عندهم لبقيت أبداً من غير أن يزيلها وقتُ آخر يطرأ عليها. ويجوز أن يفسر على مذهب من قال ببقاء الأنفس، فيقال: إن النفس التي تفارق ليلاً تبقى الصورة الليلية والظلمة حاصلة عندها أبداً لا تزول بطرآنِ نهار عليها، لأنها قد فارقت الحواس، فلا سبيل لها إلى أن يرتسم فيها شيء من المحسوسات بعد المفارقة، وإنما حصل ما حصل من غير زيادة عليه، وكذلك الأنفس التي تفارق نهاراً .

بعض الأشعار والحكايات في وصف القبور والموتى

واعلم أنّ الناس قد قالوا في حال الموتى فأكثروا ، فمن ذلك قول الرضيّ أبي الحسن رحمه الله تعالى :

أعززُ عَلَيَّ بأن نزَلْت بمنزلِ*** متشابه الأمجاد بالأوغاد!

في عصبة جُنِبُوا إلى آجالهم*** والدهر يعجلهم عن الإرْوَادِ

ضربوا بمدرجة الفناء قبابَهُمْ*** من غير أطناب ولا أعمادِ

ركب أنا خُوا لا يُرَجَّى منهمُ*** قضدّ لاتهام ولا إنجادِ

كَرِهُوا النزول فأنزلتهم وقعة*** للدهر باركة بكل مفادٍ

ص: 102

فتهافتوا عن رحل كل مذلّلِ*** وتطاوحوا عن سرج كل جواد

بادون في صُوَرِ الجميع وإنّهم ***متفرّدون تفرد الآحاد

قوله : «بادون في صور الجميع »مأخوذ من قول أمير المؤمنين(علیه السلام) : «فكلهم وحيد وهم جمیع».

وقال أيضاً :

ولقد حفظت له فأين حفاظه ***ولقد وفيتُ له فأين وفاؤه؟

أوَعَى الدعاء فلم يجبه قطيعة*** أم ضَلَّ عنه من البعاد دعاؤهُ

هیهات أصبح سمعه وعيانه ***في الترب قد حجبتهما أقذاؤُهُ

مسي ولين مهاده حصباؤه*** فيه، ومؤنس لیله ظلماؤُهُ

قد قُلْبَ-تْ أعيانه وتنكَّرَتْ ***أعلامه، وتكشفت أضواؤه

مُغفِ وليس للذة إغفاؤه، ***مغض وليس لفكرة إغضاؤه

وجهُ كلمع البرق غاض وميضُه*** قلب كصدر العَضْب قُل مَضَاؤُهُ

حكم البلی فیه فلو تلقی به*** أعداءه لرثى له أعداؤُهُ

وقال أبو العلاء :

أستغفر الله ما عندي لكم خبرُ*** وما خطابي إلا معشراً قُيِروا

أصبحتُم في البلى غُبْراً ملابسكُم ***من الهباء، فأين البُرْدُ والقِطر

كنتم على كلّ خطب فادح صبراً*** فهل شعرتم، وقد جادتكم الصِّبَرُ!

وما درى يوم أخد بالذين ثَوَوْا ***فيه، ولا يوم بدر أنّهم نُصِرُوا

وقال أبو عارم الكلابي :

أجازعةٌ رُدَيْنَةُ أنْ أتاها ***نعيّي أم يكون لها اصطبارُ!

إذا ما أهلُ قبري ودّعوني*** وراحوا والأكف بها غُبَارُ

وغودر أعظُمِي في لحدِ قَبرِ*** تراوِحُهُ الجنائب والقِطَارُ

تهب الريح فوق محطّ قبري*** ويرعى حوله اللّهق النوار

مقیم لایکلّمهُ صديقُ*** بقبر، لا أزور ولا أزار

فذاك النأي لا الهجران حَوْلاً ***وحولاً ثم تجتمع الديار!

مرّ الإسكندر بمدينة قد ملكها سبعة أملاك من بيت واحد وبادوا ،فسأل: هل بقيَ من نسلهم أحد؟ قالوا : بقي واحد ،وهو يلزم المقابر، فدعا به فسأله: لم تلزم المقابر ؟ قال : أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم، فوجدتها سواء ،قال: هل لك أن تلزمني حتى أنيلَك

ص: 103

بغيتك؟ قال : لو علمتُ أنك تقدر على ذلك للزمتك . قال : وما بغيتك؟ قال : حياة لا موت معها، قال: لن أقدرَ على ذلك، قال: فدعني أطلبه ممن يقدر عليه .

قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):«ما رأيت منظراً إلاّ والقبر أفظع منه» (1).

وقال(صلی الله علیه و آله و سلم) : «القبر أوّلِ منزل من منازل الآخرة، فمن نجا منه فما بعده أيسر، ومن لم ينج فما بعده شرُّ له » (2).

مّر عبد الله بن عمر رضي الله عنه بمقبرةِ فصلّى فيها ركعتين، وقال : ذكرت أهل القبور وأنّه حيل بينهم وبين هذا ،فأحببت أن أتقرّب بهما إلى الله .

فإن قلت : ما معنى قوله(علیه السلام)« وبجانب الهجر»؟ وأي فائدة في لفظة «جانب» في الموضع ؟

قلت لأنهم يقولون : فلان في جانب الهجر، وفي جانب القطيعة، ولا يقولون: «في جانب الوصل»، وفي «جانب المصافاة»، وذلك أن لفظة «جنب» في الأصل موضوعة للمباعدة، ومنه قولهم :«الجار الجنُب» ، وهو جارك من قوم غرباء. يقال: جنبت الرجل، وأجنبته، وتجنّبته، وتجانبته، كلّه بمعنى، ورجل أجنبيّ، وأجنب، وجُنب، وجانب، كلّه بمعنى .

قوله (علیه السلام):«شاهدوا من أخطار دارهم »،المعنى أنه شاهد المتقون من آثار الرحمة وأماراتها، وشاهد المجرمون من آثار النقمة وأماراتها عند الموت، والحصول في القبر أعظم مما كانوا يسمعون ويظنّون أيّام كونهم في الدنيا .

ثم قال:« فكلا الغايتين مدّت لهم »،المعنى مدّت الغايتان: غاية الشقيّ منهم وغاية السعيد.

إلى مباءة، أي إلى منزل يعظم حاله عن أن يبلغه خوف خائف، أو رجاء راج، وتلك المباءة هی النّار أو الجنة. وتقول : قد استباء الرجل أي اتخذ مباءة ،وأبأت الإبل : رددتها إلى مباءتها وهي معاطنها.

ص: 104


1) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في ذكر الموت (2308) ،وابن ماجه في كتاب : الزهد باب: ذكر القبر والبلى (4267) ، وأحمد في كتاب: مسند العشرة المبشرين بالجنة ،باب:مسند عثمان بن عفان (456) .

2) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، باب: ما جاء في ذكر الموت (2308) ،وابن ماجه في كتاب :الزهد، باب: ذكر القبر والبلى (4267) ، وأحمد في كتاب: مسند العشرة المبشرين بالجنة ،باب : مسند عثمان بن عفان (456) .

ثم قال :«فلو كانوا ينطقون بها لعيُّوا »بتشديد الياء، قال الشاعر :

عَیُوا بامرِهِمْ كَمَا ***عَيَّتْ ببيضَتِها الحمامة

جَعَلَت لها عودين مِنْ ***نَشم وآخر من تمامة

وروي «لَعَيُوا» ،بالتخفيف، كما تقول : «حَيُوا »قالوا : ذهبت الياء الثانية لالتقاء الساكنين لأنّ الواو ساكنة، وضمّت الياء الأولى لأجل الواو ، قال الشاعر :

وَكُنَّا حَسبْناهِم فَوَارِسَ كَهْمِسٍ*** حَيُوا بعدما ماتوا من الدهر أعصرا

قوله :«لقد رَجَعَتْ فيهم »يقال : رجع البصر نفسُه ،ورجع زيد بصره، يتعدىّ ولا يتعدى، يقول : تكلّموا معنى لا صورة ،فأدركت حالهم بالأبصار والأسماع العقلية لا الحسيّة. وكَلَحت الوجوه كلُوحاً وكُلاحاً، وهو تكشّر في عُبوس.

والنواضِر: النواعم ،والنضرة : الحسن والرونق .

وخوت الأجساد النواعم : خلت من دمِها ورطوبتها وحشوتها. ويجوز أن يكون خوث أي سقطت. قال تعالى: فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا (1)، والأهدام: جمع هِدم، وهو الثوب : البالي، قال أوس :

وَذَاتِ هِدم عارٍ نواشرها ***تُضمِت بالماء تَوْلَباً جَذَعا

وتكاء دَنا : شقّ علينا ،ومنه : عقبة كؤود. ويجوز تكّادنا، جاءت هذه الكلمة في أخوات لها «تفعّل وتفاعَل» بمعنى ومثله تعهّد الضَّيعة، وتعاهدها .

ويقال : قوله : «وتوارثنا الوحشة» .كأنّه لمّا مات الأب فاستوحش أهله منه، ثم مات الابن فاستوحش منه أهله أيضاً، صار كانّ الابن ورث تلك الوحشة من أبيه كما تُورث الأموال، وهذا من باب الاستعارة.

قوله : «وتهدّمت علينا الربوع »، يقال : تهدم فلان على فلان غضباً، إذا اشتدّ غضبه، ويجوز

أن يكون تهدّمت أي تساقطت وروي «وتهكمت» بالكاف وهو كقولك : «تهدمت» بالتفسيرين جميعاً، ويعني بالرّبوع الصّمُوت، القبور، وجعلها صُموتاً لأنه لا نطق فيها، كما تقول : ليل قائم ونهار صائم ،أي يقام ويصام فيهما، وهذا كلّه على طريق الهزّ والتحريك وإخراج الكلام في معرِض غير المعرِض المعهود، جعلهم لو كانوا ناطقين مخبرين عن أنفسهم لأتَوا بما وصفه من أحوالهم. وورد في الحديث أنّ عمر حضر جنازة رجل ، فلما دفن قال لأصحابه : قفوا، ثم ضرب فأمعن في القبور، واستبطأه الناس جداً ثم رجع وقد أحمرّت عيناه، وانتفخت أوداجه، فقيل : أبطأت يا أمير المؤمنين(علیه السلام) فما الذي حبسك؟ قال: أتيت قبورَ الأحبّة، فسلّمتُ فلم يردّوا

ص: 105


1) سورة الحج، الآية : 45 .

عليّ السلام، فلما ذهبت أقفّي ناداني التراب، فقال: ألا تسألني يا عمر ما فعلتُ باليدين؟ :قلت ما فعلتَ بهما ؟ قال : قطعتُ الکّفين من الرُّسغين، وقطعت الرّسغين، من الذراعين، وقطعت الذراعين من المرفقين، وقطعت المرفقين من العضدين وقطعت العضدين من المنكبين ، وقطعت المنكبين من الكتفين، فلما ذهبت أقفي ناداني التراب، فقال : ألا تسألني يا عمر ما فعلتُ بالأبدان والرجلين؟ قلت ما فعلتَ؟ قال: قطعت الكتفين من الجنبين، وقطعت الجنبين من الصّلب، وقطعت الصلب من الورِكين، وقطعت الوركين من الفخذين، وقطعت الفخذين من الركبتين وقطعت الرّكبتين من الساقين، وقطعت الساقين من القدمين، فلما ذهبت أقفّي ناداني التراب ،فقال :يا عمر ،عليك بأكفان لا تبلَى؟ فقلت : وما أكفان لا تبلى، قال: تقوى الله، والعمل بطاعته. وهذا من الباب الذي نحن بصدده، نسب الأقوال المذكورة إلى التراب وهو جماد، ولم يكن ذلك ،ولكنّه اعتبر فانقدَحَتْ في نفسه هذه المواعظ الحكمية، فأفرغها في قالب الحكاية، ورتّبها على قانون المسألة والإجابة، وأضافها إلى جماد موات، لأنه أهزُّ لسامعها إلى تدبّرها، ولو قال : نظرت فاعتبرت في حال الموتى، فوجدت التراب قد قطع كذا من كذا لم تبلغ عظته المبلغ الذي بلغته حيث أودعها في الصورة التي اخترعها .

قوله (علیه السلام): «فلو مثّلتَهم بعقلك، أو كشف عنهم محجوبُ العطاء لك» إلى آخر جواب «لو». هذا الكلام أخذه ابن نُباتة بعينه فقال : فلو كشفتم عنهم أغطية الأجداث، بعد ليلتين أو ثلاث ، لوجدتم الأحداق على الخدود سائلة، والألوانَ من ضيق اللُّحود حائلة، وهوام الأرض في نواعم الأبدان جائلة، والرؤوس الموسّدة على الأيمان زائلة، ينكِرُها مَنْ كان لها عارفاً، ويفرّ عنها مَنْ لم يزل لها آلفاً .

قوله(علیه السلام) :« ارتسخت أسماعهم» ليس معناه ثبتت كما زعمه الراونديّ، لأنّها لم تثبت، وإنما ثبتت الهوامّ فيها، بل الصحيح أنه من رسخ الغدير إذا نشّ ماؤه ونضب، ويقال: قد ارتسخت الأرض بالمطر إذا ابتلعته حتى يلتقي الثَريان.

واستكّت، أي ضاقت وانسدّت ،قال النابغة :

ونُبنتُ خيرَ الناسِ أَنَّكَ لُمْتَنِي*** وتلك التي تَسْتَك منها المسامعُ

قوله :«واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت»، أي غارت وذهبت في الرأس.

وأخذ المتنبيّ قوله : «واكتحلت أبصارهم بالتراب»، فقال:

يُدَفِّنُ بعضُنَا بعضاً ويَمْشِي*** أواخرنا على هَامِ الأوالي

ص: 106

وكَمْ عين مقبلةِ النَّواحِي*** كحيل بالجنادل والرّمال!

ومغض كان لا يغضي لخطب*** وبال كان يُفَكِّرُ في الهزالِ

وذَلاقة الألسن: حدتُها ، ذَلِق اللسان والسنّان يذلَق ذَلَقاً، أي ذرِبَ، فهو ذلق، وأذلق.

وهَمَدت، بالفتح :سكنتْ وخمدت. وعاث: أفسد. وقوله : «جديد بلى»، من فنّ البديع، لأنّ الْجِدّة ضد البلى، وقد أخذ الشاعر هذه اللفظة فقال :

یا دارُ غادرني جديد بلاكِ*** رثّ الجديد فهل رثيت لذاكِ !

وسَمّجها : قبّح صورتها، وقد سَمُج الشيء بالضم فهو سَمْج، بالسكون، مثل ضَخَم فهو ضخم، ويجوز فهو سَمِج ، بالكسر ، مثل خَشُن فهو خشِن .

قوله : «وسهل طرق الآفة إليها»، وذلك أنّه إذا استولى العنصر الترابيّ على الأعضاء، قوي استعدادها، للاستحالة من صورتها الأولى إلى غيرها .

ومستسلمات، أي منقادة طائعة غير عاصية، فليس لها أيدٍ تدفع عنها، ولا لها قلوب تجزع وتحزن لما نزل بها .

والأشجان : جمع شَجَن، وهو الحزن.

والأقذاء : جمع قَذى، ،قَذَى، وهو ما يسقط في العين فيؤذيها .

قوله : «صفة حال لا تنتقل»، أي لا تنتقل إلى حسن وصلاح، وليس يريد : لا تنتقل مطلقاً، لأنها تنتقل إلى فساد واضمحلال.

ورجل عزيز، أي حدث، وعزيز الجسد، أي طريّ، وأنيق اللون: معجب اللون. وغَذِي تَرَف : قد غُذِي بالترف، وهو التنعم المطغِي .

وربيبُ شَرَف، أي قد ربِّيَ في الشرف والعز. ويقال : ربّ فلان ولدَه يَرُبّه ربا، ورباه يربِّيه تربية.

ويتعلّل بالسرور :يتلهّى به عن غيره. ويفزع إلى السّلوة :يلتجيء إليها . وضَنا، أي بخلاً . وغضارة العيش : نعيمه ولينه.

وشحاحة، أي بخلاً، شيحِحتُ بالكسر أشِخ . وشحَحْتُ أيضاً بالفتح، أشحُ وأشحُ ، بالضم والكسر ، شُعًا وشَحاحةً. ورجل شحيح وشَحَاح بالفتح. وقوم شِحاحُ وأشِحّة .

ويضحك إلى الدنيا وتضحكُ إليه، كناية عن الفرَح بالعمر والعيشة، وكذا كلّ واحدٍ منهما يضحك إلى صاحبه لشدّة الصفاء، كأن الدنيا تحبُّه وهو يحبُّها .

وعيش غَفول: قد غفل عن صاحبه، فهو مستغرق في العيش لم ينتبه له الدّهر، فيكدر عليه

وقته، قال الشاعر :

ص: 107

وكان المرة في غفلات عيشِ***كان الدَّهْرَ عَنْها في وَثاق

وقال آخر :

ألا إن أحْلى العيش مَا سَمَحَتْ به ***صروف الليالي، والحوادث نُوَّمُ

قوله : «إذ وطىَ الدهر به حَسَكه»، أي إذا أوطأه الدهر حَسَكه. والهاء في «حَسَكه» ترجع إلى الدّهر، عدّي الفعل بحرف الجرّ ، كما تقول : قام زيد بعمرو، أي أقامه .

وقُواه : جمع قوة وهي المِرّة من مرائر الحبل. وهذا الكلام استعارة.

و من كَتب :من قرب. والبث: الحزن. والبثّ أيضاً :الأمر الباطن الدخيل ونجيّ الهمّ : ما يناجيك ويسارّك. والفَتَرات : أوائل المرض.

وآنس ما كان بصحته، منصوب على الحال. وقال الراونديّ في الشرح : هذا من باب: «أخطب ما يكون الأمير قائماً». ثم ذكر أن العامل في الحال «فتَرات»، قال: تقديره: «فترات آنس ما كان». وما ذكره الراونديّ فاسد، فإنّه ليس هذا من باب: «أخطب ما يكون الأمير قائماً، لأنّ ذلك حال سدّ مسدّ خبر المبتدأ، وليس ها هنا مبتدأ .وأيضاً فليس العامل في الحال «فترات» ولا «فتر»، بل العامل: «تولّدت». والقارّ : البارد.

فإن قلت : لم قال : «تسكين الحار بالقارّ، وتحريك البارد بالحار»؟ ولأيّ معنى جعل الأول التسكين والثاني التحريك؟ قلت: لأنّ من شأن الحرارة التهييج والتثوير، فاستعمل في قهرها بالبارد لفظة «التسكين»، ومن شأن البرودة التخدير والتجميد ،فاستعمل في قهرها بالحارّ لفظة «التحريك».

قوله : «ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمدّ منها كل ذات داء»، أي ولا استعمل دواء مفرداً معتدل المزاج أو مركباً كذلك إلا وأمدّ كل طبيعة منها ذات مرض بمرض زائد على الأول.

وينبغي أن يكون قوله : «ولا اعتدل بمُمازج» ، أي ولا رام الاعتدال لممتزج، لأنه لو حصل له الاعتدال لكان قد بَرِىء من مرضه، فَسمّى محاولة الاعتدال اعتدالاً، لأنه باستدلال . المعتدلات قد تهيّاً للاعتدال فكان قد اعتدل بالقوّة.

وينبغي أيضاً أن يكون قد حذف مفعول «أمدّ»، وتقديره «بمرض» كما قدّرناه نحن، وحذف المفعولات كثير واسع.

قوله : «حَتّى فَتَر معلّله»، لأنُ معلّلي المرض في أوائل المرض يكون عندهم نشاط، لأنّهم يرجُون البُرْء، فإذا رأوا أمارات الهلاك فترت همتهم .

قوله : «وذَهَل ممرّضُه» ، ذَهَل بالفتح ، وهذا كالأوّل، لأنّ الممرّض إذا أعيا عليه المرض، وانسدّت عليه أبواب التدبير يذهَل .

ص: 108

قوله :« وتعايا أهله بصفة دائه»، أي تعاطوا العِيّ وتساكتوا إذا سُئِلوا عنه، وهذه عادة أهل المريض المُثقَل ، يجمجِمون (1)إذا سئلوا عن حاله .

قوله : «وتنازعوا دونه شَجَى خبر يكتمونه»، أي تخاصموا في خبر ذي شجي، أي خبر ذي غُصّة يتنازعونه وهم حول المريض ستراً دونه ،وهو لا يعلم بنجواهم، وبما يُفيضون فيه من أمره.

فقائل منهم :هو لمآبه، أي قد أشفى على الموت. وآخر يمنّيهم إياب عافيته، أي عَوْدَها، آب فلان إلى أهله ،أي عاد.

وآخر يقول : قد رأينا مثل هذا، ومَنْ بلغ إلى أعظمِ من هذا ثمّ عوفِيَ، فيمنّي أهلَه عَوْد عافيته .

وآخر يصبر أهله على فقده، ويذكر فضيلة الصّبر، وينهاهم عن الجزع، ويروي لهم أخبار الماضين.

وأسى أهليهم ، والأسَى : جمع أسوة، وهو ما يتأسى به الإنسان. قالت: الخنساء:

وما يبكون مثل أخي ولكن*** أُسلّي النَّفْسَ عنه بالتأسَّي

قوله : «على جناح من فراق الدنيا»، أي سَرعان ما يفارقها، لانّ مَنْ كان على جناح طائر، فأوشِك به أن يسقط ا

قوله : «إِذْ عَرَض له عارض» يعني الموت ومن غُصصه : جمع غُصّة وهو ما يعترض مَجْرى الأنفاس. ويقال: إنّ كلّ ميّتٍ من الحيوان لا يموت إلاّ خنقاً، وذلك لأنّه من النَّفَس يدخل، فلا يخرج عِوَضه، أو يخرج فلا يدخل عِوَضه، ويلزم من ذلك الاختناق، لأنّ الرّئة لا تبقى حينئذٍ مَرْوَحةً للقلب، وإذا لم تُرَوحه اختنق .

قوله :« فتحيّرت نوافذ فطنته»، أي تلك الفطنة النافذة الثاقبة تحيّرت عند الموت، وتبلّدت.

قوله :« ويبست رطوبةُ لسانِه»، ولأنّ الرطوبة اللعابية التي بها يكون الذوق تنشف حينئذٍ، ويبطل الإحساس باللسان تبعاً لسقوط القوة.

قوله : «فكم من مهمُّ من جوابه عرفه فعيّ عن ردّه ! »نحو أن يكون له مالُ مدفونُ يُسأل حال ما يكون محتضَراً، فيحاول أن يعرَّف أهلَه فلا يستطيع، ويعجز عن ردّ جَوابِهم، وقد رأينا مَنْ عَجز عن الكلام فأشار إشارة فهموا معناها، وهي الدّواة والكاغَد، فلمّا حضر ذلك أخذ القلم وكتب في الكاغد ما لم يُفْهَم، ويده تُرْعَد. ثم مات .

قوله : «ودعاء مؤلم لقلبه سمعه قتصامُ عنه»، أظهر الصمّم، لأنه لا حيلة له .

ص: 109


1) الجمجمة: أن لا يبين كلامه من غير عِيِّ. لسان العرب، مادة (جمم).

ثم وصف ذلك الدعاء فقال: «من كبير كان يعظّمه» ، نحو صُراخ الوالد على الولد والولد يسمع ولا يستطيع الكلام.« وصغير كان يرحمه »، نحو صراخ الولد على الوالد، وهو يسمع قدرة له على جوابه.

ثم ذكر غمرات الدنيا فقال : إنها أفظَع من أن تحيط الصفاتُ بها. وتستغرقها، أي تأتي على كُنْهها، وتُعبر عن حقائقها .

قوله : «أو تعتدل على عقول أهل الدنيا»، هذا كلام لطيف فصيح غامض، ومعناه أنّ غمرات الموت وأهواله عظيمة جدّاً لا تستقيم على العقول ولا تقبلها إذا شرحت لها ووصفت على الحقيقة، بل تنبو عنها، ولا تصدق بما يقال فيها، فعبّر عن عدم استقامتها على العقول بقوله : «أو يعتدل»، كأنه جعلها كالشيء المعوجّ عند العقل، فهو غير مصدّق به.

الموت وأحوال الموتى في شعر الشعراء

ومما يناسب ما ذكر، من حال الإنسان قول الشاعر :

بينا الفتى مرحُ الخُطا فرحاً بما ***يسعى إذ قيل قد مرض الفتَى

إذ قيل بات ما نَامَها*** إذقيل أصْبَح مُثْقَلاً ما يُرتجَى

إذْ قيل أمسى شاخصاً وموجهاً ***إذقيل فارقهم وحلّ به الرّدَى

وقال أبو النجم العجلي :

والمرء كالحالم في المنامِ*** يقول إنّي مدرك أمامِي

في قابل ما فاتني في العامِ*** والمرء يُدْنِيهِ إلى الحِمَامِ

مر الليالي السُّودِ والأيامِ*** إن الفتى يُصبحُ للأسقام

كالغَرضِ المنصوب للسِّهام ***اخطا رامِ، وأصاب رامِ

وقال عمران بن حِطّان :

أفي كل عام مَرْضَةً ثم نقهةٌ ***ويُنعى، ولا ينعى، مَتَى ذَا؟ إلى متى!

ولا بد من يوم يجيء يء وليلة ***لةٍ يَسُوقان حتفاً راح نحوك أو غدا

وجاء في الحديث أنَّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) مرّ بمقبرة فنادى : «يا أهلَ القبور الموحِشة، والرُّبُوع المعطّلة، ألا أخبّرُكم بما حدَث بعدكم؟ تزوّج نِساؤكم ، وتُبونت مساكنكم، وقُسِمت أموالُكم.

ص: 110

هل أنتم مخبرون بما عاينتم! ثم قال : ألا إنّهم لَوْ أذن لهم في الجوابِ لقالوا : وجدنا خيرَ الزّاد التّقوى» (1).

ونظر الحسن إلى رجل يجود بنفسه فقال : إن أمراً هذا آخرُه لجديرٌ أن يُزْهَد في أوّله، وإن أمراً هذا أوّله لجديرٌ أن يُخاف آخره.

وقال عَبَدة بن الطبيب - ويعجبني قوله على الحال التي كان عليها، فإنه كان أسود لصاً من لصوص بني سعد بن زيد مناة بن تميم -:

ولقد علمتُ بأن قصري حفرة*** غبراء يحملني إليها شرجَعُ

فيكي بناتِي شَجْوَهُنّ وزوجتي*** والأقربون إليّ، ثم تصدّعوا

وتُركتُ في غبراء يُكره وردُها ***تسفي عليّ يفي عليّ الريح ثم أودَّعُ

إن الحوادث يخترمن وإنّما*** عُمر الفتى في أهله مستودَعُ

ونظر هذه الأبيات في رَوتها وعَروضها قول متمم بن نويرة اليربوعيّ :

ولقد علمتُ ولا محالة أنّنِي***للحادثات فهل تريني أجزعُ !

أهلكن عاداً ثم آل مُحرّقٍ*** فتركتهم بَلَداً وما قد جَمْعُوا

ولهن كان الحارثان كلاهما ***ولهن كان أخو المصانع تبَّعُ

فعددت آبائي إلى عِرق الثّرَى*** فدعوتهم فعلمت أن لم يَسْمَعُوا

ذهبوا فَلَمْ أدركهم ودعتْهُمُ ***غُولٌ أتوها والطريق المهيّعُ

لا بدّ من تلف مصيب فانتظِر ***أبأرض قومك أم بأخرى تُصْرَعُ!

وليأتين عليك يوم مرةً ***يُبكى عليك مُقنّعاً لا تَسْمَعُ

لمّا فتح خالد بن الوليد عَيْن التّمر (2)، سأل عن الحُرَقَةَ بنت النّعمان بن المنذر، فدُلّ عليها ، فأتاها - وكانت عَمياءَ - فسألها عن حالها ،فقالت : لقد طلعت علينا الشمس ما شيء يدبّ تحت الخورنق (3)إلاّ تحت أيدينا ، ثم غربت وقد رحِمنا كلُّ مَنْ يدورُ به، وما بيت دخلته حَبرة، إلاّ دخلته عَبرة، ثم قالت :

ص: 111


1) ذكره ابن عبد البر في«التمهيد» (242/20).

2) بلدة في العراق قريبة من الأنبار غربي الكوفة وهي قديمة افتتحها المسلمون في أيام أبي بكر على يد خالد بن الوليد في سنة ( 12ه) وكان فتحها عنوة. معجم البلدان (369/6) .

3) الخَوَرْنَق : فارسي معرب، اسم قصر في العراق بناه النعمان الأكبر. لسان العرب، مادة (خرنق).

وَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ والأمْرُ أمرنا*** إذا نحن فيه سُوقَةٌ نتنصفُ

فافِّ لدنيا لا يدومُ نعيمُها ***تقلّب تاراتٍ بنا وتَصرّفُ!

فقال قائل ممّن كان حول :خالد قاتل الله عدي بن زيدا لكأنّه ينظر إليها حين يقول :

إنّ للدهر صَرْعةً فاحذرتها*** لا تبيتنّ قد أمِنت الدّهورا

قديبيت الفتی معافی فیردَی ***ولقد كان آمناً مسرورا

دخل عبدُ الله بن العباس على عبد الملك بن مروان يوم قرّ، وهو على فُرُش يكاد يغيب فيها ، فقال : يابنَ عباس، إنّي لأحسِب اليوم بارداً ! قال: أجل وإنّ ابن هند عاش في مثل ما تَرى ،عشرين امیرا ،وعشرين خليفة، ثم هو ذاك على قبره ثمامَةٌ تهتزُّ .

فيقال : إن عبد الملك أرسل إلى قبر معاوية فوجد عليه ثمامة نابتة .

كان محمّد بن عبد الله بن طاهر في قصره ببغداد على دِجلة، فإذا بحشيش على وجه الماء في وسطه قصبة على رأسها ،رقعة، فأمر بها فوجد هذا :

تاه الأعيرجُ واستولى به البَطرُ ***فقل له خير ما استعملته الحذَرُ

أحسنتَ ظنّك بالأيام إذ حَسُنَتْ ***ولم تخف سوء ما يأتي بِهِ القَدَرُ

وسالمتك الليالي فاغتررتَ بِها ***وعند صفو الليالي يحدُث الكدر

فلم ينتفع بنفسه أياماً .

عديّ بن زيد:

أيها الشامت المعيّر بالده*** رأأنت المبرأ الموفور !

أم لديك العهد الوثيق من الأيام*** بل أنت جاهل مغرور

مَنْ رأيت المنون خلّدْنَ أمْ مَنْ*** ذا عليه من أن يُضام خفير!

أين كسرى كسرى الملوك أنوشِر*** وان أم أين قَبْلَهُ سابورا!

ينو الأصفر الكرام ملوك ال ***روم ولم يبق منهم مذكورُ

وأخو الحضر إذ بناه وإذ دِج ***لهُ تجبَى إليه والخابور

لم يَهَبُه ريب المنون فباد ال*** ملك عنه قبابه مهجورُ

شادَهُ مرمراً وجَللَهُ كل*** سأفللطير في ذَرَاء وكور

ص: 112

وتبيّن ربّ الخورنق إذ أش ***رف يوماً وللهدى تفكيرُ

سرّه حالُه وكثرة ما يَمْلِ*** كُ والبحر معرضاً والسّدير

فارعوى قلبُه وقال: فما غب*** طَةُ حيّ إلى الممات يصيرُ!

ثم بعد الفلاح والملك والأمّةِ*** وارتهمُ هناك القبورُ

ثم أضحوا كأنهم ورق جَ*** ف فألوث به الصبا والدّبور

قد اتفق الناس على أنّ هذه الأبيات أحسن ما قيل من القريض في هذا المعنى، وأن الشعراء كلهم أخذوا منها ،احتذوا في هذا المعنى حذوها .

وقال الرضيّ أبو الحسن رضي الله عنه :

انظر إلى هذا الأنام بعبَرة*** لا يعجبنك خلقه ورُواؤهُ

فتراه كالورق النّضير تقصَّفت*** أغصانُه، وتسلبت شَجْراؤُه

أني تحاماه المنون، وإنما ***خُلِقَتْ مَرَاعِي للردى خضراؤه

أم كيف تأمل فلتة أجساده ***من ذا الزمان وحشوها أدواؤه!

لا تعجبن فما العجيب فناؤهُ*** بیدِ المنون بل العجيب بقاؤه

إنا لنعجب كيف حُمّ حِمامُه ***عَنْ صحةٍ، يغيبُ عَنّا داؤه

مَنْ طاح في سبل الرّدَى آباؤه ***فليسلكن طريقهم أبناؤه

ومؤمر نزلوا به في سُوقة ***لا شكله فيهم ولا نظراؤه

قد كان يَفرَق ظلّه أقرانُه ***ويَغُض دون جلاله أكفاؤه

ومُحجَبٍ ضُربت عليه مهابةٌ ***يَعْشِي العيون بهاؤه وضياؤه

نادته من خلف الحجاب منيَّة ***أمم فکان جوابها حوباؤُهُ

شقت إليه سيوفه ورِمَاحَه*** وأميط عنه عبيده وإماؤه

لم يُغنه مَنْ كان ودّ لو أنّه ***قَبْلَ المنون من المنون فداؤه

حَرمَ عليه الذلّ إلاّ أنَّه*** أبداً ليشهد بالجلال بِناؤه

متخشّع بعد الأنيس جنابُه*** متضائل بعد القطين فناؤهُ

عُریان تُطرد كلّ ريح تُربه ***ويطيع أول أمرها حصباؤه

ولقد مررت بِبَرْزَخ فسالتُه ***أين الألى ضَمّتهم أرجاؤه !

مثل المطيّ بواركاً أجداثهُ*** تَسفِي عَلَى جنباتها يَوْغَاؤه

ص: 113

ناديته فَخَفى عليّ جوابُه ***بالقول إلا ما زَقَتْ أصداؤه

من ناظر مطروفة ألحاظه*** أو خاطر مطلولة سوداؤه

أو واجد مكظومة زَفَراتُه ***أو حاقد منسيّةٍ شَحْناؤه

ومسنَّدين على الجنوب كأنّهم*** شَرْب تخاذل بالطلاً أعضاؤُه

تحت الصّعيد لغير إشفاق إلى ***يوم المعاد يضمهم أحشاؤه

أكلتهمُ الأرض الّتي ولدتهمُ*** أكلَ الضَّروس حَلَتْ لهُ اَکلاَوُه

وقال أيضاً :

وتفرّقُ البُعداء بعْدَ تجمُّعِ ***صَعْب، فكيف تفرّقُ القُرباء!

وخلائق الدنيا خلائق مُومسی،*** للمنع آونة، وللإعطاء

طَوْراً تبادلك الصّفاء وتارة*** تلقاك تنكرُها من الْبَغْضَاء

وتداوُل الأيام يُبليناگما ***يُبلي الرّشاءَ تطاوُحُ الأرجاء

وكأنّ طولَ العُمْر رَوْحَةُ راكبِ*** قضّى اللُّغوبَ وَجد في الإسراء

لهفِي على القَوم الأولى غادرتهم*** وعليهمُ طَبَقٌ من البَيْدَاءِ

متوسدين على الخدودِ كأَنما ***كَرَعُوا على ظَمَ من الصَّهْبَاءِ

صُورٌ ضننت على العُيُون بحلظها ***أمسيتُ أوقِرُها من الْبَوْغَاءِ

ونواظرُ كَحَل التراب جفونَها *** قد كنت أحرُسُها من الأقذاءِ

قَرُبت ضَرَائِحُهُمْ عَلَى زُوّارِها ***ونأوا عن الطلاب أي تناء

ولبئس ما يلقى بعقر ديارهم*** أذُنُ المصيخِ بها وعينُ الرّائي

217 - ومن كلام له (علیه السلام): قاله عند تلاوته :

اشارة

رِجَالُ لَّا تُلّهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ(1) الأصل: قاله عند تلاوته: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ بِجَرَةٌ بيعذِكْرِ اللَّهِ إِنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَمَلَ الذِّكْرَ جِلاء لِلْقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَة،

ص: 114


1) سورة النور، الآيتان 36 - 37 .

تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ، وَتَنْقَادُ بِهِ بعد الْمُعَانَدَةِ. وَمَا بَرِحَ الله - عَزَّتْ الاَؤُهُ، فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ، وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ - عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ، فَاسْتَصْبِحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ، يُذَكَّرُونَ بِأَيَّام الله، وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْأَدِلَّةِ فِي الفَلَوَاتِ. مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقُه وَبَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ، وَمَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَشِمَالاً ذَمُوا إِلَيْهِ الطرِيقَ، وَحَذْرُوهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَكَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَأَدِلَّة تِلْكَ الشُّبُهَاتِ.

وَإنَّ للذكر لأهلاً أخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلاً، فَلَمْ تَشْغَلهم تجارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْهُ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ للذِّكْرِ الْحَيَاةِ، وَيَهْتِفُونَ بِالزَّواجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ، وَيَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَيَأْتَمِرُونَ به، وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ، فَكَأَنَّهُمْ قَطَعُوا الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا ، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَكَأَنَّمَا اظَلَمُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَحَ فِي طُولِ الإِقَامَةِ فِيهِ، وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا ، فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِأهْلِ الدُّنْيَا ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ ، وَيَسْمَعُونَ مَا لا يَسْمَعُونَ.

فَلَوْ مَثَلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِم المَحْمُودَةِ، وَمَجَالِسِهِم المَشْهُودَةِ، وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أعْمَالِهِمْ، وَفَرَعُوا لِمُحَاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا، أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرِّطُوا فِيهَا، وَحَمَّلُوا ثِقَلَ اوْزَارِهِمْ ظُهُورَهُمْ، فَضَعُفُوا عَن الاسْتِقْلَالِ بِهَا ، فَتَشَحُوا نَشِيجاً، وَتَجَاوَبُوا نَحِيباً ، يَعِجُونَ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمِ وَاعْتِرَافٍ - لَرَأَيْتَ أَعْلَامَ هُدًى وَمَصَابِيحَ دُجى، قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ المَلائِكَةُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِم السَّكِينَةُ ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَأُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ، فِي مَقْعَدِ اطَّلَعُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ، وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ .

يَتَتَسمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ، رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ، وَأُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ، جَرَحَ طُولُ الأسَى قُلُوبَهُمْ، وَطُولُ الْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ .

لِكُلِّ بَابٍ رَغْبَةٍ إِلَى الله مِنْهُمْ يَدٌ ،قارِعَةٌ يَسألُونَ مَنْ لا تَضِيقُ لَدَيْهِ المَنَادِحُ ، وَلَا يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُونَ. فَحَاسِبْ نَفْسِكَ لِنَفْسِكَ ، فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ.

الشرح: من قرأ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَافتح الباء ارتفع «رجال» عنده بوجهين : أحدهما أنْ يُضمَر له فعل

يكون هو فاعله، تقديره «يسبحه رجال»، ودلّ على «يسبّحه» يسبّح، كما قال الشاعر :

ص: 115

لِيَبْكِ يزيدُ ضارعٌ لخصومةِ*** ومختبط مما تُطيح الطوائحُ

أي يبكيه ضارع ،ودلّ على «يبكيه» «ليَبكِ».

والثاني أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف، تقديره : «المسبّحون رجال». ومَن قرأ : «يسبِّح له فيها »بكسر الباء، فالرجال فاعل، وأوقع لفظ «التجارة» في مقابلة لفظ «البيع» إمّا لأنه أراد بالتجارة ها هنا الشراء خاصّة، أو لأنه عمم بالتجارة المشتملة على البيع والشراء، ثم خصّ البيع، لأنه أدخلُ في باب الإلهاء، لأنّ البيع يحصل ربحه بيقين، وليس كذلك الشراء، والذكر يكون تارةً باللسان، وتارةً بالقلب، فالّذي باللسان نحو التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والدعاء، والذي بالقلب، فهو التعظيم والتبجيل والاعتراف والطاعة.

وجلوت السيف والقلب جِلاء ، بالكسر ، وجلوت اليهودَ عن المدينةِ جَلاء بالفتح.

والوَقْرة : الثقل في الأذن. والعَشْوة، بالفتح : فَعْلة، العشا في العين وآلاؤه : نعمه.

فإن قلت : أيّ معنى تحت قوله : «عزت آلاؤه» وعزّت بمعنى. «قَلّت»؟ وهل يجوز مثل ذلك في تعظيم الله ؟ قلت : عَزّتها هنا ليس بمعنى «قلّت» ولكن بمعنى: «كرمت وعظمت»، تقول منه : عَزَزْتُ على فلان بالفتح، أي كرُمت عليه، وعظُمت عنده وفلان عزيز علينا، أي كريم معظم .

والبُرهة من الدهر :المدّة الطويلة، ويجوز فتح الباء.

وأزمان الفترات: ما يكون منها بين النَّوْبتين .

وناجاهم في فكرهم :ألهمهم، بخلاف مناجاة الرّسل يبعث الملائكة إليهم، وكذلك

«وكلّمهم في ذات عقولهم»، فاستصبحوا بنور يقظة : صار ذلك النور مصباحاً لهم يستضيئون به .

قوله : «مَنْ أخذ القصد حَمِدوا إليهم طريقه»، إلى ما هنا :هي التي في قولهم : أحمَد الله إليك، أي مُنهياً ذلك إليه، أو مفضياً به إليك، ونحو ذلك، وطريقة العرب في الحذف في مثل هذا معلومة، قال سبحانه: وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَيْكَةً(1)، أي لجعلنا بدلاً منكم ملائكة وقال الشاعر :

فليس لنا من ماء زمزم شربة*** مبردة بانت على طَهيّانِ

أي عِوَضاً من ماء زمزم .

قوله : «ومَن أخذ يميناً وشمالاً»، أي ضلّ عن الجادّة.

و«إلى» في قوله : «ذمّوا إليه الطريق» مثل «إلى» الأولى.

ويهتفون بالزواجر: يصوّتون بها، هتفت الحمامة تهتِف هتفاً، وهتف زيد بالغنمِ هِتافاً

ص: 116


1) سورة الزخرف، الآية : 60 .

بالكسر ، وقوس هتافة وهتفي، أي ذات صوت. والقسط: العدل .ويأتمرون به: يمتثلون الأمر.

وقوله : «فكأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة»، إلى قوله : «ويسمعون ما لا يسمعون»، هو شرح قوله عن نفسه(علیه السلام) : «لو كشِف الغطاء ما ازددت يقيناً».

والأوزار :الذنوب. والنشيج: صوت البكاء. والمقعد : موضع القعود.

وید قارعة: تطرق باب الرحمة، وهذا الكلام مجاز.

والمنادح : المواضع الواسعة .

و«على» في قَوله : «ولا يخيب عليه الراغبون» متعلقة بمحذوف مثل «إلى» المتقدّم ذكرها ، والتقدير «نادمين عليه». والحسيب: المحاسب.

واعلم أنَّ هذا الكلام في الظاهر صفة حال القصاص والمتصدُين لإنكار المنكَرات، ألا تراه يقول :« يذكرون بأيام الله»! أي بالأيام التي كانت فيها النقمة بالعصاة، ويخوّفون مقامه من قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (1)ثم قال : فمن سلك القَضد حمِدُوه، ومَنْ عدل عن الطريق ذمُّوا طريقه، وخوفوه الهلاك. ثم قال: يهتفون بالزواجر عن المحارم في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط وينهون عن المنكر. وهذا كله إيضاح لما قلناه أولاً، إنّ ظاهرَ الكلام شرحُ حال القصاّص وأرباب المواعظ في المجامع والطرقات، والمتصدّين لإنكار القبائح، وباطن الكلام شرح حال العارفين، الذين هم صَفوة الله تعالى من خلقه، وهو(علیه السلام) دائماً يكنى عنهم ، ويرمز إليهم، على أنه في هذا الموضع قد صرح بهم في قوله : «حتى كأنّهم يرون ما لا يَرى الناس ،ويسمعون ما لا يسمعون».

وقد ذكر من مقامات العارفين في هذا الفصل الذكر، ومحاسبة النفس، والبكاءَ والنحيب، والنّدم والتّوبة، والدعاء والفاقة ،والذلة والحزن، وهو الأسى الذيِ ذكر أنه جرح قلوبهم بطوله .

في مقامات العارفين

وقد كنّا وعدنا بذكر مقامات العارفين فيما تقدّم، وهذا موضعه، فنقول : إنّ أول مقام من مقامات العارفين، وأوّل منزل من منازل السالكين التوبة، قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(2).

ص: 117


1) سورة الرحمن، الآية : 46 .

2) سورة النور، الآية : 31 .

وقال النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) : «التائبُ من الذّنب كمنْ لا ذنب له»(1).

قال عليّ(صلی الله علیه و آله و سلم):« ما من شيء أحبّ إلى الله من شابِّ تائب» (2).

والتوبة في عرف أرباب هذه الطريقة النَّدَم على ما عمل من المخالفة وترك الزلة في الحال والعزم على ألا ّيعودَ إلى ارتكاب معصية، وليس النّدم وحده عند هؤلاء توبة، وإن جاء في الخبر : «الندم توبة» (3)،لأنّه على وِزان قوله(علیه السلام) : «الحجّ عرفة »(4)، ليس على معنى أنّ غيرها ليس من الأركان، بل المراد أنّه أكبر الأركان وأهمّها .ومنهم من قال : يكفي الندم وحده، لأنه يستتبع الرّكنين الآخرين لاستحالة كونه نادماً على ما هو مصرُّ على مثله، أو ما هو عازم على الإتيان بمثله .

قالوا :وللتوبة شروط وترتيبات :

فأوّل ذلك انتباه القلب من رَقْدة الغفلة، ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة، وإنَّما يصل إلى هذه الجملة بالتوفيق للإصغاء إلى ما يخطر بباله من زَواجر الحقّ سبحانه، بسمع قلبه، فإنّ في الخبر النبويّ عنه(صلی الله علیه و آله و سلم) : «واعظ كلّ حال الله في قلب كلّ امرىء مسلم»(5).

وفي الخبر: «إنّ في بدن المرء لَمُضغة إذا صلَحت صلَح جميع البدن، ألا وهي القلب، وإذا فسدت فسد جميع البدن، ألا وهي القلب» (6).

وإذا أفكر العبدُ بقلبه في سوء صنيعه، وأبصر ما هو عليه من ذميم الأفعال، سَنَحت في قلبه إرادة التوبة والإقلاع عن قبيح المعاملة، فيمدّه الحقّ سبحانه بتصحيح العزيمة، والأخذ طرق الرجوع والتأهّب لأسباب التوبة .

ص: 118


1) أخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد ،باب :ذكر التوبة (4250) ، والبيهقي في السنن الكبرى في كتاب: الشهادات (154/10) .

2) أخرجه ابن عدي في «الكامل» برقم (963) .

3) أخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: التوبة (4252) ، وأحمد في كتاب : مسند المكثرين مكن الصحابة ،باب: مسند ابن مسعود (3558).

4) أخرجه الترمذي في كتاب ؛العلل، باب :عبد الله بن أبي زياد، والنسائي في كتاب : مناسك الحج، باب: فرض الوقوف بعرفة (3016) ، وابن ماجه في كتاب: المناسك، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (3015) ، وأحمد باب: حديث عبد الرحمن بن يعمر (18297) .

5) أخرجه الحاكم في «المستدرك» في كتاب: الإيمان (245).

6) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (52)، ومسلم في كتاب : باب : أخذ الحلال وترك الشبهات (1599) ، وابن ماجه في كتاب: الفتن، باب : الوقوف عند الشبهات (3984) ، والدارمي في كتاب: البيوع، باب :في الحلال بيّن والحرام بيّن (2531).

وأوّل ذلك هجران إخوان السوء، فإنّهم الذين يحملونه على ردّ هذا القصد، وعكس هذا العزم، ويشوّشون عليه صحّة هذه الإرادة ولا يتمّ ذلك له إلا بالمواظبة على المشاهد والمجالس التي تزيده رغبة في التوبة، وتوفّر دواعيه إلى إتمام ما عَزَم عليه، ممّا يقوّي خوفَه ورجاءه، فعند ذلك تنحلُّ عن قلبه عُقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الفعال، فيقف عن تعاطي المحظورات، ويكبح نفسَه بلجام الخوف عن متابعة الشهوات، فيفارق الزلّة في الحال، ويلزم العزيمة على ألاّ يعود إلى مثلها في الاستقبال، فإنْ مَضَى على موجب قصدِه، ونفذ على مقتضی عزمِه، فهو الموفّق حقاً، وإن نقضَ التوبة مرة أو مرات، ثم حملته إرادته عَلَى تجديدها، فقد يكون مثل هذا كثيراً ، فلا ينبغي قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء، فإنّ لكلّ أجلِ كتاباً. وقد حكِيَّ عن أبي سليمان الدّارانيّ أنه قال : اختلفتُ إلى مجلس قاصّ، فأثر كلامه في قلبي، ، فلمّا قمت لم يبق في قلبي شيء، فعدت ثانياً، فسمعت كلامَه، فبقيُ من كلامه في قلبي أثر في الطريق ثم زال، ثم عدتُ ثالثاً فوَقر كلامُه في قلبي، وثبتّ حتى رجعتُ إلى منزلي وكسرت آلات المخالفة، ولزمت الطريق.

وحكيت هذه الحكاية ليحيى بن معاذ ،فقال : عصفور اصطاد كُرْكيا - يعني بالعصفور القاصّ وبالكركيّ أبا سليمان .

ويحكى أنّ أبا حفصِ الحدّاد ذكر بدايته ، فقال : تركت ذلك العمل – يعني المعصية – كذا وكذا مرّة ثم عدت إليها، ثم تركني العمل، فلم أعد إليه .

وقيل إنّ بعض المريدين تابَ، ثم وقعت له فترة، وكان يفكّر ويقول : أترى لو عدتُ إلى التوبة كيف كان يكون حكمي! فهتف به هاتف: يا فلان، أطعتَنا فشكرناك، ثم تركتنا فأمهلناك، وإن عدتَ إلينا قبلناك، فعاد الفتى إلى الإرادة .

وقال أبو علي الدقّاق: التوبة عَلَى ثلاثة أقسام. فأوّلها التوبة، وأوسطها الإنابة، وآخرها الأوبة، فجعل التوبة بداية، والأوبة نهاية، والإنابة واسطة بينهما .والمعنى أنّ مَنْ تاب خوفاً العقاب فهو صاحب التوبة، ومَنْ تاب طمعاً في الثواب فهو صاحب الإنابة، ومَن تاب مراعاة للأمر فقط، فهو صاحب الأوبة .

وقال أبو عليّ أيضاً : التوبة صفة المؤمنين، قال سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ(1). والإنابة صفة الأولياء، قال سبحانه: وَجَاءَ بِقَلْبِ تُنِيبٍ(2)، والأوبة صفة الأنبياء، قال سبحانه: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ : أَوَّابُ(3).

ص: 119


1) سورة النور، الآية : 31 .

2) سورة ص ، الآية : 30 .

3) سورة ق ، الآية : 33 .

وقال الجُنيد : دخلت عَلَى السّرِيّ يوماً، فوجدته متغيّراً، فسألته فقال : دخل عليّ شابِّ، فسألني عن التوبة ، فقلت : ألا تنسى ذنبَك ! فقال : بل التوبة ألا تذكر ذنبك . قال الجنيد : فقلتُ له : إنّ الأمر عندي ما قاله الشابّ قال: كيف؟ لأني إذا كنتُ في حال الجفاء فنقلني إلى حال الصفاء، فذكر الجَفاء في حال الصفّاء جفَاء. فسكت السرّي .

وقال ذو النّون المصريّ: الاستغفار من غير إقلاع توبةُ الكذّابين.

وسئل البوشنجيّ عن التوبة ، فقال : إذا ذكرت الذنب ثم لا تجد حلاوته عند ذكره، فذاك حقيقة التوبة .

وقال ذو النون : حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرضُ بما رَحُبت حتى لا يكون لك قرار، ثم تضيق عليك نفسك، كما أخبر الله تعالى في كتابه بقوله : حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَجُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ(1).

وقيل لأبي حفص الحدّاد لم تُبغِضُ الدّنيا ؟ فقال : لأنّي باشرتُ فيها الذّنوب، قيل: فهلاً

أَحيَيْتَها لأنّك وُفقت فيها للتوبة! فقال : أنا من الذّنب عَلَى يقين، ومن هذه التوبة عَلَى ظَنّ .

وقال رجل لرابعة العدوية : إنّي قد أكثرتُ من الذنوب والمعاصي، فهل يتوبُ عليّ إن تبتُ؟ قالت: لا بل لو تاب عليك لتبت .

قالوا : ولمّا كان الله يقول في كتابه العزيز: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ(2)دلّنا ذلك عَلَى محبّته لمن صحّت له حقيقة التوبة، ولا شبهة أنّ من قارف الزّلة فهو من خطئه عَلَى يقين، فإذا تاب فإنّه من القبول عَلى شكّ، لاسيما إذا كان مِن شرط القبول محبّة الحقّ سبحانه له، وإلى أن يبلُغ العاصي محلاً يجد في أوصافه أمارة محبّة الله تعالى إيّاه مسافة بعيدة، فالواجب إذاً عَلى العبد إذا علم أنّه ارتكب ما يجب عنه التوبة دوام الانكسار، وملازمة التنصّل والاستغفار ،كما قيل: استشعار الوَجل إلى الأجل .

وكان من سنّته(صلی الله علیه وآله و سلم) دوام الاستغفار. وقال : «إنَّه لَيُغَانُ عَلى قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» (3).

وقال يحيى بن معاذ زلّة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها .

ص: 120


1) سورة التوبة، الآية : 118 .

2) سورة البقرة، الآية : 222 .

3) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: استغفار النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) في اليوم والليلة (6307)، ومسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه (2702)، والترمذي في كتاب: تفسير القرآن عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، باب : ومن سورة محمد (3259) ، وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في الاستغفار (1515) .

ويحكى أنّ عليّ بن عيسى الوزير ركب في موكب عظيم، فجعل الغرباء يقولون : مَنْ هذا؟من هذا؟ فقالت امرأة قائمة على السطح : إلى متَى تقولون :من هذا ،من هذا !هذا عبد سقط من عين الله، فابتلاه بما ترون. فسمع عليّ بن عيسى كلامها، فرجع إلى منزله ولم يزل يتوصّل الاستعفاء من الوزارة حتى أعَفِي، وذهب إلى مكّة فجاور بها .

ومنها المجاهدة، وقد قلنا فيها ما يكفي فيما تقدّم.

ومنها العزلة والخلوة، وقد ذكرنا في جزء قبل هذا الجزء مما جاء في ذلك طرفاً صالحاً .

ومنها التّقوى، وهي الخوف من معصية الله ،ومن مظالم العباد، قال سبحانه:انَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ (1)، وقيل : إنّ رجلاً جاء إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقال : يا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : أوصني، فقال: عليك بتقوى الله، فإنه جماع كل خير وعليك بالجهاد، فإنّه رهبانية المسلم، وعليك بذكر الله ، فإنّه نور لك ) (2).

وقيل في تفسير قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ(3): أن يُطاع فلا يعصى ، يُطاع فلا يعصى، ويُذكَر فلا يُنسى ويُشكر فلا يكفّر .

وقال النّصر أباذيّ : من لزم التّقوى بادرَ إلى مفارقة الدّنيا ، لأنّ الله تعالى يقول: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ(4).

وقيل : يستدلّ على تقوى الرجل بثلاث : التوكّل فيما لم ينل، والرضا بما قد نال، وحسن الصبر على ما فات .

وكان يقال : مَنْ كان رأس ماله التقوى كلّت الألسُنُ عن وصف ربحه .

وقد حكَوْا من حكايات المتقين شيئاً كثيراً، مثل ما يحكى عن ابن سيرين ،أنّه اشترى أربعين حُبًّا سمناً، فأخرجَ غلامه فأرةً من حُبّ، فسأله : من أي حبِّ أخرجَها ؟ قال : لا أدري، فصيّها كلَّها .

ص: 121


1) سورة الحجرات، الآية : 13 .

2) أخرجه البيهقي في الزهد، مقتصراً أوله، ولم يذكر : عليك بالجهاد ... إلخ، وأخرجه الطبراني في كتابه : الدعاء كاملاً برقم (1858).

3) سورة آل عمران ،الآية: 102 .

4) سورة الأنعام، الآية : 32 .

وحكي أنّ أبا يزيد البِسطاميّ غسل ثوبَه في الصحراء ومعه مصاحب له، فقال صاحبه: نضرب هذا الوتِد في جدار هذا البُستان، ونبسط الثّوب عليه، فقال: لا يجوز ضرب الوتِد في جدار النّاس قال : فنعلقه على شجرة حتى يجفّ، قال : يكسر الأغصان، فقال: نبسطه على الإذخر قال : إنه علف الدوابّ لا يجوز أن نستره منها . فولّى ظهره قِبَل الشمس، وجعل القميص على ظهره حتى جفّ أحدُ جانبيه ، ثم قلبه حتى جفّ الجانب الآخر .

ومنها الورع، وهو اجتناب الشُّبهات، قال(صلی الله علیه وآله و سلم) لأبي هريرة: «كن ورِعاً تكن أعبد النّاس» (1).

وقال أبو بكر : كنا نَدَعُ سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب واحد من الحرام.

وكان يقال : الورع في المنطق أشدّ منه في الذهب والفضة، والزّهد في الرياسة أشدّ منه في الذهب والفِضّة، لأنك تبذلهما في طلب الرئاسة.

وقال أبو عبد الله الجلّاء :أعرِف مَنْ أقام بمكّة ثلاثين سنة لم يشرب من ماء زمزم إلاّ ما استقاه برَكُوتِه ورِشائه.

وقال بشر بن الحارث : أشدّ الأعمال ثلاثة : الجود في القلّة، والورع في الخلوة، وكلمة الحق عند من يُخاف ويرجَى .

ويقال : إنّ أخت بشر بن الحارث جاءت إلى أحمد بن حنبل، فقالت : إنَّا نغزِل على سطوحنا فتمرّ بنا مشاعل الطَّاهرية، فيقع شعاعها علينا ،أفيجوز لنا الغزل في ضوئها؟ فقال أحمد :مَنْ أنتِ يا أمَةَ الله ؟ قالت: أختُ بشر الحافي، فبكى أحمد، وقال: من بيتِكم خرج الوَرَع ، لا تغزلي في ضوء مشاعلهم.

وحكى بعضهم قال: مررت بالبَصْرة في بعض الشوارع، فإذا بمشايَخ قُعود وصبيان يلعبون، فقلت: أما تستحيون من هؤلاء المشايخ ؟ فقال غلام من بينهم : هؤلاء المشايخ قلّ ورعُهم، فقلّت هيبتهم.

ويقال : إنّ مالك بن دينار مكث بالبصرة أربعين سنة، ما صحّ له أن يأكل من تمر البصرة ولا من رُطَبها حتى مات ولم يذقه. وكان إذا انقضى أوان الرُّطَب يقول : يا أهل البصرة، هذا بطني ما نقص منه شيء، سواء عليّ أكلت من رُبَكم أو لم أكل !

ص: 122


1) أخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد ،باب: الورع والتقوى (4217)، والترمذي في كتاب: الزهد عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) باب: من اتقى المحارم فهو أعبد الناس (2305)، وأحمد في باب : مسند أبي هريرة (8034). واللفظ لابن ماجه .

وقال الحسن : مثقالُ ذَرّة من الوَرَع خيرٌ من ألف مثقال من الصَّوم والصلاة .

ودخل الحسن مكّة، فرأى غلاماً من ولَدِ عليّ بن أبي طالب، قد أسندَ ظهره إلى الكعبة وهو يعظ النّاس، فقال له الحسن: ما مِلاك الدين؟ قال : الوَرَع ، قال : فما آفته؟ قال: الطمع فجعل الحسن يتعجّب منه .

وقال سهل بن عبد الله : مَنْ لم يصحبه الورع، أكل رأس الفيل ولم يشبع .

وحُمِل إِلى عمر بن عبد العزيز مِسْكُ من الغنائم، فقبض على مشمّه، وقال: إنما ينتفَع مِنْ هذا ،بريحه وأنا أكره أن أجدَ رِيحه دون المسلمين.

وسئل أبو عثمان الحريريّ عن الورع فقال : كان أبو صالح بن حمدون عند صديق له وهو في النزع، فمات الَرجل، فنفث أبو صالح في السِّراج فأطفأه، فقيل له في ذلك، فقال: إلى الآن كان الدهن الذي في المسرجة له، فلما مات صار إلى الورثة.

ومنها الزهد، وقد تكلّموا في حقيقته، فقال سفيان الثوريّ : الزهد في الدنيا قصرُ الأمل .

وقال الخوّاص الزهد أن تتركَ الدُّنيا فلا تبالِي مَنْ أخذها .

وقال أبو سُلَيمان الدّارانيّ : الزهدُ ترك كلّ ما يشغل عن الله .

وقيل : الزهد تحت كلمتين من القرآن العزيز:لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا (1).

وكان يقال : مَنْ صدق في زهده أتته الدنيا وهي راغمة، ولهذا قيل : لو سقطت قلنسُوة من السماء لما وقعت إلاّ عَلَى رأس من لا يريدها .

وقال يحيى بن معاذ : الزهد يُسْعطُك الخلّ والخردل والعِرفان يُشمّك المسك والعنبر.

وقيل لبعضهم : ما الزّهد في الدنيا ؟ قال : تَرْك ما فيها على مَنْ فيها .

وقال رجل لذي النون المصريّ : متى تراني أزهد في الدنيا ؟ قال : إذا زهدتَ في نفسك.

وقال رجل ليحيى بن معاذ: متى تراني أدخلُ حانوت التوكّل، وألبس رداءَ الزهد، وأقعد بين الزاهدين؟ فقال : إذا صرتَ من رياضتِك لنفسك في السرّ إلى حد لو قطعَ الله عنك القوت ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك ولا في يقينك، فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فقعودك على بساط الزاهدين جهل، ثم لا أمن أن تفتضح.

ص: 123


1) سورة الحديد، الآية : 23 .

وقال أحمد بن حنبل : الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام، وهو زهد العوام، وترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواصّ، وترك كلّ ما يشغلك عن الله ، وهو زهد العارفين.

وقال يحيى بن معاذ: الدنيا كالعَرُوس، فطالبها كماشِطتها تحسِّن وجهها وتعطّر ثوبها، والزاهد فيها كضَرَّتها تُسَخُم وجهها ، وتنتف شعرها، وتحرق ثوبها .والعارف مشتغل بالله، لا يلتفت إليها ، ولا يشعر بها .

وكان النّصر أباذيّ يقول في مناجاته : يا من حقَنَ دماء الزاهدين، وسفَك دماء العارفين!

وكان يقال : إنّ الله تعالى جعل الخير كلّه في بيت، وجعل مفتاحه الزّهد، وجعل الشرّ كلّه في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا .

ومنها الصمت، وقدّمنا فيما سبق من الأجزاء نكتاً نافعة في هذا المعنى، ونذكر الآن شيئاً آخر .

قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) :« مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذيّن جاره، ومَنْ كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو فليصمت »(1).

وقال أصحاب هذا العلم الصمت من آداب الحضرة، قال الله تعالى: وَإِذَا قُرِتَ القروَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا(2).

وقال مخبراً عن الجن : فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُوا(3).

وقال الله تعالى مخبراً عن يوم القيامة : وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسا(4).

وقالوا : كم بين عبد سكت تصوّناً عن الكذب والغيبة ،وعبد سكت لاستيلاء سلطان الهيبة!

وأنشدوا :

أرتب ما أقول إذا افْتَرَقْنَا*** وأَحْكِم دائماً حُجَجَ الْمَقَالِ

فأنساها إذا نحن التقينا ***التقينا وأنطقُ حين أنطق بالمحَالِ

ص: 124


1) أخرجه البخاري في كتاب :الأدب، باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (6018) ، ومسلم في كتاب: الإيمان ،باب: الحث على إكرام الجار والضيف (47)، والترمذي في كتاب :صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)(2500)، وأبو داود في كتاب :الأدب، باب : في حق الجوار (5154) ، وأحمد (4509).

2) سورة الأعراف، الآية : 204.

3) سورة الأحقاف، الآية : 29 .

4) سورة طه، الآية: 108 .

وأنشدوا :

فياليل كم من حاجةٍ لي مهمة ***إذا جئتكم لم أدر بالليل ماهيا!

قالوا : وربما كان الصّمت والسكوت حيرة البديهية، فإنّه إذا ورد کَشف بغتة، خرست

العبارات عند ذلك، فلا بيان ولا نطُق، وطمست الشواهد فلا علم ولا حسَّ، قال الله تعالى :يومَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أَمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَمُ الْغُيُوبِ ) (1)، فأمّا إيثار أرباب المجاهدة الصمت فِلمَا علموا في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حطّ النفس وإظهار صفات المدح، والميل إلى أن يتميّز من بين أشكاله بحسن النطق، وغير ذلك من ضروب آفات الكلام. وهذا نعت أرباب الرياضة، وهو أحَدُ أركانهم في حكم مجاهدة النفس ومنازلتها وتهذيب الأخلاق .

ويقال : إن داود الطائي لما أراد أن يقعد في بيته، أعتقد أن يحضر مجلس أبي حنيفة، لأنه كان تلميذاً له ويقعد بين أضرابه من العلماء، ولا يتكلم في مسألة على سبيل رياضته نفسه، فلما قويَت نفسُه على ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة، قعد في بيته عند ذلك، وآثر العزلة.

ويقال : إنّ عمر بن عبد العزيز كان إذا كتب كتاباً فاستحسن لفظه، مزّق الكتاب وغيّره .

وقال بشر بن الحارث : إذا أعجبك الكلام فاصمُت، فإذا أعجبَك الصمتُ فتكلّم.

وقال سهل بن عبد الله : لا يصح لأحَدٍ الصّمت حتى يُلزم نفسَه الخلوة، ولا يصحّ لأحد التوبة حتى يلزم نفسه الصمت .

ومنها الخوف، قال الله تعالى : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا (2).

وقال تعالى : وَإِنَّيَ فَأَرْهَبُونِ(3).

وقال: يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ(4).

وقال أبو علي الدقاق : الخوف على مراتب :خوف، وخشية، وهيبة .

فالخوف من شروط الإيمان وقضاياه، قال الله تعالى: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُؤمِنِینَ(5).

والخشية من شروط العلم، قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوا(6).

ص: 125


1) سورة المائدة، الآية : 109 .

2) سورة السجدة، الآية: 16 .

3) سورة البقرة، الآية : 40 .

4) سورة النحل، الآية : 50 .

5) سورة آل عمران ،الآية: 175 .

6) سورة فاطر، الآية : 28 .

والهيبة من شروط المعرفة، قال سبحانه: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسه(1).

وقال أبو عمر الدمشقيّ : الخائف مَنْ يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان .

وقال بعضُهم : مَنْ خاف من شيء هرب منه ، ومَنْ خاف الله هَرَب إليه .

وقال أبو سليمان الدارانيّ : ما فارق الخوفُ قلباً إلا خرب.

ومنها الرجاء، وقد قدّمنا فيما قبل من ذكر الخوف والرجاء طرفاً صالحاً، قال سبحانه : مَن كَانَ يَرجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَاتِ(2).

والفرق بين الرجاء والتمنّي، وكون أحدهما محموداً والآخر مذموماً، أنّ التمني ألا يسلك طريق الاجتهاد والجدّ، والرجاء بخلاف ذلك، فلهذا كان التمنّي يورث صاحِبَه الكسل .

وقال أبو علي الرُّوذباري : الرجاء والخوف كجناحَي الطائر، إذ استويا استوى الطائر وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموتِ.

وقال أبو عثمان المغربيّ : من حَمَل نفسه على الرّجاء تعطل، ومَنْ حمل نفسه على الخوف قنَط ولكن مِنْ هذا مرّة ومن هذا مرة.

ومن كلام يحيى بن معاذ - ويروى عن علي بن الحسين (علیه السلام): يكاد رجائي لك مع الذنوب، يغلب رجائي لك مع الأعمال، لأني أجدُني أعتمد في الأعمال على الإخلاص ،وكيف أحرزها وأنا بالآفة معروف، وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك! وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف .

ومنها الحزن، وهو من أوصاف أهل السّلوك.

وقال أبو عليّ الدّقاق : صاحب الحزن يقطع من طريق الله في شهر ما لا يقطعه مَنْ فقد الحزن في سنتين .

وفي الخبر النبوي(صلی الله علیه وآله و سلم) :« إنّ الله يحبّ كلّ قلب حزين» (3).

ص: 126


1) سورة آل عمران، الآية: 28.

2) سورة العنكبوت، الآية : 5.

3) أخرجه الحاكم في «المستدرك» في كتاب :الرقاق برقم (7884) ، والبيهقي في «شعب الإيمان»، باب: الخوف من الله تعالى (893).

وفي بعض كتب النبوّات القديمة:« إذا أحبّ الله عبداً نصب في قلبه نائحة، وإذا أبغض عبداً جعل في قلبه مِزماراً».

وروي أن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) لو كان متواصلَ الأحزان، دائم الفكر. وقيل : إنّ القلب إذا لم يكن فيه حزن خَرِب، كما أن الدار إذا لم يكن فيها ساكن خربت . وسمعت رابعة رجلاً يقول : واحُزْناه فقالت قُلْ واقلة حُزْناه لو كنتَ محزوناً ما تهيّأ لك أن تتنفّس !

وقال سُفْيان بن عُيينة : لو أن محزوناً بكَى في أمة الرحِم الله تلك الأمّة ببكائه .

وكان بعض هؤلاء القوم إذا سافر واحدُ من أصحابه يقول : إذا رأيت محزوناً فأقرئه عنّي السلام.

وكان الحسن البصريّ لا يراه أحدٌ إلا ظن أنه حديث عهد بمصيبة .

وقال وكيع يوم مات الفُضَيل: ذهب الحزن اليوم من الأرض.

وقال بعض السَّلَف : أكثر ما يجدُه المؤمن في صحيفته من الحسنات الحزنُ والهمّ.

وقال الفُضَيْل : أدركت السلفَ يقولون : إنّ الله في كلّ شيء زكاة، وزكاة العقل طول الحزن .

ومنها الجوعُ وترك الشهوات، وقد تقدّم ذكر ذلك .

ومنها الخشوع والتواضع، قال سبحانه: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ (1).

وفي الخبر النبويّ عنه(صلی الله علیه و آله و سلم) : «لا يدخلُ الجنّة مَنْ في قلبه مثقال ذرّة من كبر، ولا يدخل النار مَنْ في قلبه مثقال ذَرّة من إيمان»، فقال رجل : يا رسولَ الله، إنّ المرءَ لَيُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً، فقال: «إنّ الله جميل يحبّ الجمال، إنَّمَا المتكبر مَنْ بطر الحق، وغمص الناس» (2).

وروى أنس بن مالك، أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)« كان يعود المريضَ، ويشيع الجنائز، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد» (3).

ص: 127


1) سورة المؤمنون، الآية : 2 .

2) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان ،باب: تحريم الكبر وبيانه (91)، والترمذي في كتاب : البر والصلة، باب: ما جاء في الكبر (1999)، وأحمد في مسند عبد الله بن مسعود (3779).

3) أخرجه الترمذي في كتاب: الجنائز ،(1017) ، وابن ماجه في كتاب: الزهد، باب : البراءة من الكبر (4178) .

وكان يوم قُرَيظة والنّضير على حمار مخطوم بحبل من ليف، عليه إكاف من ليف

ودخل مكة يوم فَتَحها راكب بعير ،برَحْل خَلَق، وإنّ ذقنه لتمسّ وسط الرَّحْل خضوعاً الله تعالى وخشوعاً، وجيشه يومئذ عشرة آلاف.

قالوا في حدّ الخشوع: هو الانقياد للحق. وفي التواضع: هو الاستسلام وترك الاعتراض على الحكم.

وقال بعضهم : الخشوع قيام القلب بين يدي الحقّ بهمّ مجموع .

وقال حُذَيفة بن اليَمان: أوّل ما تفقدون من دينكم الخشوع .

وكان يقال: من علامات الخشوع أنّ العبد إذا أغضِب أو خولف أو رُدَّ عليه استقبل ذلك بالقبول .

وقال محمد بن علي التّرمذيّ : الخاشع مَنْ خمدت نيران شهوته، وسكن دخان صدره ،وأشرق نور التعظيم في قلبه. فماتت حواسه وحَيي قلبه، وتطامنت جوارحه .

وقال الحسن : الخشوع هو الخوف الدائم اللازم للقلب .

وقال الجُنَيْد : الخشوع تذلل القلوبِ لعلام الغُيوب، قال الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (1)، أي خاشعون متواضعون.

ورأى بعضهم رجلاً منقبِض الظاهر منكسر الشاهد ،قد زوی منکبیه، فقال: یا فلان الخشوع ها هنا - وأشار إلى صدره ،لا ها هنا - وأشار إلى منكبيه .

ورُوي أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته، فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (2).

وقيل : شرط الخشوع في الصَّلاة ألا يعرف مَنْ على يمينه ولا مَنْ على شماله.

وقال بعض الصوفية : الخشوع قُشَعريرة تردُ على القَلْب بغتة عند مفاجأة كشف الحقيقة.

وكان يقال : مَنْ لم يتضِعْ عند نفسه لم يرتفع عند غيره .

وقيل : إن عمر بن عبد العزيز لم يكن يسجد إلا على التراب .

وكان عمر بن الخطاب يُسرع في المشي، ويقول : هو أنجح للحاجة، وأبعد من الزَّهْو .

كان رجاء بن حَيوة ليلةٌ عند عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فضعُف المصباح، فقام رجل

ص: 128


1) سورة الفرقان، الآية : 63 .

2) أخرجه الترمذي في «النوادر» (172/2)، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).

ليصلحه، فقال: اجلس، فليس من الكرم أن يستخدِم المرء ضيفَه، فقال: أنبِه الغلام، قال: إنّها أول نومةٍ ،نامها، ثم قام بنفسه فأصلَح السراج فقال رجاء : أتقوم إلى السراج وأنت أمير المؤمنين(علیه السلام)! قال : قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ،ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز .

وفي حديث أبي سعيد الخُدْري أن رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) «كان يعلفُ البعير ويقمُّ البيتَ» ويخصف النّعل ويرقع الثّوب، ويحلُب الشاة، ويأكل مع الخادم. ويطحن معها إذا أعيت. وكان لا يمنعه الحياة أن يحمل بضاعته من السُّوق إلى منزل أهله، وكان يصافح الغني والفقير، ويسلّم مبتدئاً، ولا يحقِرُ ما دُعيَ إليه ولو إلى حَشَف التّمر » (1).

وكان هين المؤنة، لَين الخُلق، كريم السجيّة، جميل المعاشرة ،طلق الوجه، بساماً من غير

ضحك، محزوناً من غير عُبوس، متواضعاً من غير ذلّة ،جواداً من غير سَرَف، رقيق القلب، رحيماً لكلّ مسلم ما تجشأ قطّ من شبع، ولا مدّ يدَه إلى طبَع .

وقال الفُضيل : أوحَى الله إلى الجبال أني مكلّم على واحد منكم نبياً، فتطاولتِ الجبال ،وتواضع طور سيناء، فكلم الله عليه موسى لتواضِعه .

سئل الجُنيد عن التواضع ، فقال : خَفْض الجناح، ولين الجانب.

ابن المبارك : التكبر على الأغنياء والتواضع للفقراء من التواضع .

وقيل لأبي يزيد : متى يكونُ الرّجل متواضعاً؟ قال : إذا لم يرَ لنفسه مقاماً ولا حالاً، ولا يرى أنّ في الخلق مَنْ هو شرُّ منه .

وكان يقال : التواضُع نعمة لا يحسد عليها، والتكبر محنة لا يرحَم منها، والعزّ في التواضع، فمن طلبه في الكبر لم يجده .

وكان يقال : الشرف في التواضع، والعزّ في التقوى، والحرية في القناعة.

يحيى بن معاذ : التواضع حَسَنٌ في كل أحد، لكنّه في الأغنياء أحسن، والتكبر سمِجُ في كلّ أحد، ولكنه في الفقراء أسمج.

وركب زيد بن ثابت فدنا ابنُ عباس ليأخذ بركابه ، فقال : مه يابن عَمِّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)! فقال : إِنَّا كذا أُمِرْنا أن نفعل بعلمائنا ، فقال زيد : أرني يدَك، فأخرجها فقبّلها ، فقال : هكذا أمِرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا .

وقَال عُروة بن الزبير : رأيتُ عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وعلى عاتقه قربة ماء، فقلت : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) إنّه لا ينبغي لمثلك هذا! فقال : إنه لما أتتني الوفود سامعة مهادِنة،

ص: 129


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 208/70 .

شرح نهج البلاغة (ج11)

دخلتُ نفسي ،نخوة، فأحببت أن أكسيرها. ومضى بالقربة إلى حُجرة امرأة من الأنصار، فأفرغها في إنائها .

أبو سليمان الدارانيّ : مَنْ رأى لنفسه قيمة، لم يذق حلاوة الخدمة .

يحيى بن مُعاذ : التكبّر على مَنْ تكبّر عليك تواضع.

بشر الحافي: سلّموا على أبناء الدّنيا بترك السلام عليهم .

بلغ عمرَ بن العزيز أنّ ابناً له اشترى خاتماً بألف درهم، فكتب إليه : بلغني أنّك اشتريت خاتماً وفصُّه بألف درهم، فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم، وأشبع به ألف بطن، واتّخذ خاتماً من در همين، واجعل فصّه حديداً صينياَّ، واكتب عليه : «رحم الله امراً عَرَف قدره».

قُوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطُب أيّام خلافته باثني عشر درهماً، وهي : قَباء،

وعمامة، وقميص ،وسراويل، ورداء، وخُفّان، وقلنسوة.

وقال إبراهيم بن أدهم :ما سررت قطّ سروري في أيام ثلاثة : كنت في سفينة، وفيها رجل مضحِك، كان يلعَبُ لأهل السفينة، فيقول : كنّا نأخذ العِلْج من بلاد الترك هكذا، ويأخذ بشعر رأسي فيهزّني، فسرّني ذلك، لأنه لم يكن في تلك السفينة أحقر منّي في عينه. وكنت عليلاً في مسجد، فدخل المُؤَذن وقال : اخرج فلم أطق، فأخذ برجلي وجرّني إلى خارج المسجد وكنت بالشام وعليّ فَرُو، فنظرت إليه فلم أميّز بين الشعر وبين القمل لكثرته .

عُرِض على بعض الأمراء مملوكُ بألوف من الدراهم، فاستكثر الثمن، فقال العبد : اشترني

يا مولايَ، ففيّ خصلة تساوي أكثر من هذا الثمن. قال : ما هي ؟ قال : لو قدّمتني على جميع مماليكك وخوّلتَني بكلّ مالك لم أغلظ في نفسي، بل أعلم أنّي عبدُك. فاشتراه.

تشاجر أبو ذرّ ،وبلال فعيّر أبو ذرّ بلالاً بالسواد، فشكاه إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال : يا أبا ذرّ، ما علمتُ أنه قد بَقِي في قلبك شيء من كبر الجاهليّة. فألقى أبو ذر نفسه، وحلف ألاً يحمل رأسه حتى يطأ بلال خدّه بقدمه، فما رفع رأسه حتى فَعَل بلال ذلك (1).

مرّ الحسنُ بن عليّ(علیه السلام) بصبيان يلعبون، وبين أيديهم كِسَر خبز يأكلونها ، فدعوه فنزل وأكل معهم ، ثم حملهم إلى منزله، فأطعمهم وكساهم ،وقال: الفضل لهم، لأنّهم لم يجدوا غيرما أطعموني، ونحن نجد أكثر ممّا أطعمناهم.

ص: 130


1) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية (30)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب : إطعام المملوك مما يأكل (1661) ، بنحوه.

ومنها مخالفة النّفس، وذكرنا عيوبها، وقد تقدم ذكر ذلك

ومنها القناعة، قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنفَا وَهُوَ مُنهن فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوة بَةٌ (1)، قال كثير من المفسرين : هي القناعة .

وفي الحديث النبوي - ويقال إنَّه من كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) : «القناعة كنز لا ينفد »(2). وفي الحديث النبوي أيضاً ، «كن ورِعاً تكن أعبَدَ النّاس، وكن قنوعاً تكن أشكَر الناس، وأحبّ للناس ما تحبّ لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، وأقلّ الضَّحِك، فإنّ كثرة الضحك تميتُ القلب» (3).

وكان يقال : الفقراء أمواتُ إلاّ مَنْ أحياه الله تعالى بحزّ القناعة:

وقال ابو سليمان الدارانيّ: القناعة من الرضا بمنزلة الورع من الزّهدة هذا أول المرضا . وهذا أول الزهد.

وقيل : القناعة سكون النفس وعدم انزعاجها عند عدم المألوفات.

وقيل في تفسير قوله تعالى: لَيَرْزُفَتَهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً(4): إنّه القناعة .

وقال أبو بكر المراغي : العاقل مَن دبّر أمر الدنيا بالقناعة والتسويف، وأنكر أبو عبد الله بن خفیف ،فقال : القناعة ترك التسويف بالمفقود ،والاستغناء بالموجود .

وكان يقال: خرج العزّ والغني يجولان، فلقَيا القناعة، فاستقرّا .

وكان يقال : مَنْ كانت قناعته سمينةً طابت له كلُّ مرقة .

مرّ أبو حازم الأعرج بقصّاب، فقال له : خذيا أبا حازم، فقال: ليس معي درهم، قالي أنا أنظرُك، قال: نفسي أحسن نِظرةً لي منك .

وقيل : وضع الله تعالى خمسة أشياء في خمسة مواضع: العزّ في المطاعة، والذلّ في المعصية ،والهيبة في قيام الليل، والحكمة في البطن الخالي، والغنى في القناعة .

ص: 131


1) سورة النحل، الآية : 97 .

2) أخرجه الذهبي في خيرات الاعتدال (2528)، وأورده البيهقي في الزهد الكبير (104) ، بلفظ : «القناعة كنز لا يفنى ».

3) أخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب :الورع والتقوى (4217)، والترمذي في كتاب : الزهد عن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) باب: من اتقى المحارم فهو أعبد الناس (2305)، وأحمد في باب : مسند أبي هريرة (8034).

4) سورة الحج، الآية : 58 .

وكان يقال : انتقِم من فلان بالقناعة ،كما تَنتَقِم من قاتلك بالقصاص.

ذو النون المصري : مَنْ قنع استراح من أهل زمانه، واستطال على أقرانه .

وأنشدوا :

دنو

وَأَحْسَنُ بالفتى من يوم عارٍ*** يُنَالُ به الغنى، كَرَم وجُوعُ

ورأى رجل حكيماً يأكل ما تساقط من البقل على رأس الماء، فقال له : لو خدمت السلطان لم تَحْتَج إلى أكل هذا !فقال : وأنت لو قنعتَ بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان.

وقيل : العُقَاب عزيزُ في مطاره، لا تسمو إليه مطامع الصيادين، فإذا طمع في جِيفةٍ علِقت على حبالة ،نزل من مطاره فنشب في الأحبولة .

وقيل : لما نطق موسى بذكر الطمع ، فقال : لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (1)، قال له الخضر: وَهَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَنكَ(2).

وفسّر بعضُهم قوله : وَهَبْ لِي مُلكًا لا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى(3)، فقال : مقاماً في القناعة لا يبلغه أحد .

ومنها التوكّل، قال الله تعالى: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ (4).

وقال سهل بن عبد الله : أوّلُ مقام في التوكّل أن يكونَ العبد بين يدي الله تعالى، كالميت بين يدي الغاسل يقلّبه كيف يشاء، لا يكون له حَركة، ولا تدبير .

وقال رجل لحاتم الأصَمّ : من أين تأكل؟ فقال : وَلِلَّهِ خَزَايِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُتَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ(5).

وقال أصحاب هذا الشأن: التوكّل بالقلب، وليس ينافيه الحركة بالجسد، بعد أن يتحقّق العبد أن التقدير من الله، فإن تعسّر شيء فبتقديره، وإن تسهّل فبتّيسيره.

وفي الخبر النبوي أنّه(صلی الله علیه و آله و سلم) قال للأعرابيّ الذي ترك ناقته مُهْمَلَةً فندّت، فلمّا قيل له، قال: توكّلت فتركتُها، فقال : «اعقِل وتوكّل» (6).

وقال ذُو النّون : التوكّل الانخلاع من الحول والقوّة، وترك تدبير الأسباب.

ص: 132


1) سورة الكهف، الآية : 77 .

2) سورة الكهف، الآية: 78 .

3) سورة ص ، الآية : 35 .

4) سورة الطلاق، الآية : 3 .

5) سورة المنافقون، الآية : 7 .

6) أخرجه الترمذي في كتاب : صفة القيامة والرقائق والورع ،(2517) ، وابن حبان في «صحيحه»، باب: ذكر الأخبار بأن المرء يجب عليه مع توكل القلب الاحتراز بالأعضاء ضد قول من كرهه (731).

وقال بعضُهم : التوكّل ردّ العيش إلى يوم واحدٍ بإسقاط همّ غدٍ .

وقال أبو عليّ الدقاق: التوكُّل ثلاثُ درجات: التوكّل وهو أدناها، ثم التسليم، ثم التّفويض ، فالأولى للعوامّ، والثانية للخواص، والثالثة لخواصّ الخواصّ.

جاء رجلُ إلى الشَّبْلِي يشكو إليه كثرة العيال ،فقال : ارجع إلى بيتك، فمن وجدت منهم ليس رزقه على الله فأخرجه من البيت .

وقال سهل بن عبد الله : مَنْ طَعَن في التوكّل فقد طعَن في الإيمان، ومَنْ طَعَن في الحرَكة، فقد طعن في السنة .

وكان يقال : المتوكّل كالطفل لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلاّ ثدي أمّه، كذلك المتوكل لا يهتدي إلا إلى ربه .

ورأى أبو سليمان الدارانيّ رجلاً بمكّة لا يتناول شيئاً إلا شربةً من ماء زمزم، فمضت عليه أيام ،فقال له يوماً : أرأيت لو غارت - أيّ زمزم - أي شيء كنت تشرب! فقام وقبّل رأسه، وقال : جزاك الله خيراً حيث أرشدتِني، فإنّي كنت أعبد زمزم منذ أيام. ثم تركه ومضى.

وقيل : التوكل نفي الشُّكُوك، والتفويض إلى مالك الملوك .

ودخل جماعة على الجُنيد، فقالوا : نطلب الرزق! قال : إن علمتم في أيّ موضع هو فاطلبوه، قالوا :فنسأل الله ذلك، قال: إن علمتم أنه ينساكم فذكّروه، قالوا: لندخل البيت فنتوكّل ،قال : التجربة شكّ، قالوا : فما الحيلة؟ قال : ترك الحيلة .

وقيل : التوكّل الثقة بالله واليأس عَمّا في أيدي الناس.

ومنها الشكر ،وقد تقدّم منا ذكر كثير مما قيل فيه .

ومنها اليقين وهو مقام جليل، قال الله :تعالى وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(1).

وقال عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) : لو كشف الغطاء ما ازددتُ يقيناً (2).

وقال سهل بن عبد الله : حرام عَلَى قلب أن يشم رائحة اليقين، وفيه شكوى إلى غير الله .

وذكر للنبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ما يقال عن عيسى ابن مريم(علیه السلام) أنّه مشى على الماء، فقال : لو ازداد يقيناً لمشى عَلَى الهواء.

ص: 133


1) سورة البقرة، الآية : 4 .

2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 153/40 .

وفي الخبر المرفوع عنه(صلی الله علیه و آله و سلم) ، أنه قال لعبد الله بن مسعود:« لا ترضين أحداً بسخط الله . ولا تحمَدَنّ أحداً عَلَى فضل الله ،ولا تذمن أحداً عَلَى ما لم يؤتك الله . واعلم أن الرزق لا

يسوقه حرص حريص ولا يردّه كراهة كاره، وأنّ الله جَعَلَ الرَّوْح والفرَج في الرِّضا واليقين، وجعل الهمّ والحزن في الشكّ والسخط » (1).

ومنها الصبر، قال الله تعالى : وَأَصْبَرُ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ(2).

وقال عليّ(علیه السلام) : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد(3).

وسئل الفُضَيل عن الصبر، قال: تجرّع المرارة من غير تعبيس.

وقال رويم : الصَّبر ترك الشكوى .

وقال عليّ(علیه السلام) : الصَّبر مطية لا تكبُو (4).

وقف رجل على الشَّبْليّ، فقال: أيّ صبرِ أشدّ عَلَى الصابرين؟ قال الشّبلي : الصَّبر في الله تعالى، فقال : لا ، قال : فالصبر الله، فقال : لا ، قال : فالصبر مع الله، تعالى، فقال : لا ، قال : فأي شيء؟ قال الصبر عن الله . فصرخ الشّبلي صرخة عظيمة، ووقع.

ويقال إنّ الشَّبلي حُبِس في المارستان ،فدخل عليه قوم ،فقال : مَنْ أنتم؟ قالوا : محبّوك جئناك زائرين فرماهم بالحجارة فهربوا ،فقال : لو كنتم أحبّاّئيَ لصبرتم على بلائي .

وجاء في بعض الأخبار ،عن الله تعالى : بعيني ما يتحمّل المتحمّلون من أجلي.

وقال عمر بن الخطاب: لو كان الصَّبر والشكر بعيرين لم أبال أيَهما ركبت .

وفي الحديث المرفوع: «الإيمان الصبر والسخاء »(5).

وفي الخبر : العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره ،والعقل دليله والعمل قائده، والرفق والده ،والبرّ أخوه، والصبر أمير جنوده .قالوا : فناهيك بشرف خصلة تتأمّر عَلَى هذه الخصال ! والمعنى أن الثبات عَلَى هذهِ الخصال واستدامة التخلّق بها إنما يكون بالصبر، فلذلك كان أمير الجنود.

ص: 134


1) أخرجه البيهقي في« شعب الإيمان» باب :القدر خيره وشره من الله عز وجل (207).

2) سورة النحل، الآية : 127 .

3) أخرجه السيوطي في جامعته رقم : 5136 .

4) أخرجه أبو الفتح الكراجكي في كنز الفوائد : 58 .

5) ورد عن الحسن في «الشعب الإيمان» (9709) ، وعن أبي الدرداء في صفوة الصفوة (635/1) «الإيمان الصبر ».

ومنها المراقبة، جاء في الخبر عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) : أن سائلاً سأله عن الإحسان، فقال: «أن تعبد الله كأنك تراهُ فإن لم تكن تراه فإنه يراك (1).

وهذه إشارة إلى حال المراقبة، لأن المراقبة علم العبد باطلاع الربّ عليه، فاستدامة العبد لهذا العلم مراقبة للحق، وهو أصل كل خير، ولا يكاد يصل إلى هذه الرّتبة إلا بعد فراغه عن المحاسبة، فإذا حاسب نفسَه على ما سلفه، وأصلح حالَه في الوقت، ولازم طريق الحقّ، وأحسن بينه وبين الله تعالى بمراعاة القلب، وحفظ مع الله سبحانه الأنفاس، راقبه تعالى في عموم أحواله، فيعلم أنه تعالى رقيب عليه ،يعلم أحواله، ويرى أفعالَه، ويسمع أقواله. ومَنْ تغافل عن هذه الجملة، فهو بمعزل عن بداية الوصلة، فكيف عن حقائق القربة !

ويحكى أن ملكاً كان يتحفّى جارية له، وكان لوزيره ميل باطنُ إليها، فكان يسعى في مصالحها، ويرجّح جانبها على جانب غيرها من حظايا الملك ونسائه. فاتفّق أن عرض عليها الملك حَجَرْين من الياقوت الأحمر: أحدهما أنفس من الآخر، بمحضر من وزيره، فتحيّرت أيَّهما تأخذ !فأوما الوزير بعينه إلى الحجر الأنفس، وحانت من الملك التفاتة، فشاهد عين مائلة إلى ذلك الجانب، فبقِيَ الوزير بعدها أربعين سنة لا يرأه الملك قط إلا كاسراً عينه نحو الجانب الذي كان طرفُه مائلاً إليه ذلك اليوم، أي كان ذلك خِلْقة. وهذا عزم قويُّ في المراقبة، ومثله فليكن حالُ من يريد الوصول .

ويحكى أيضاً أنّ أميراً كان له غلام يُقبل عليه أكثر من إقباله على غيره من مماليكه، ولم يكن أكثرهم قيمة، ولا أحسنهم صورة، فقيل له في ذلك، فأحبّ أن يبيِّن لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره، فكان يوماً راكباً، ومعه حشمه، وبالبعد منهم جبل عليه ثلج فنظر الأمير إلى الثلج وأطرق ، فركض الغلام فرسه، ولم يعلم الغلمان لماذا ركض ! فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء ومعه شيء من الثلج، فقال الأمير: ما أدراك أني أردت الثلج ! فقال : إنك نظرت إليه، ونظرُ السلطان إلى شيء لا يكون إلا عن قصد. فقال الأميرُ العلمانه: إنما أختصّه بإكرامي وإقبالي، لأنّ لكلُ واحد منكم شغلاً، وشغله مراعاة لَحَظَاتي، ومراقبة أحوالي .

وقال بعضهم : من راقب الله في خواطره، عصمه الله في جوارحه .

ص: 135


1) أخرجه البخاري في كتاب :الإيمان، باب : سؤال جبريل عليه السلام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)من الإيمان والإحسان (50)، ومسلم في كتاب: الإيمان ،باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (8) والترمذي في كتاب الإيمان عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، باب: ما جاء في وصف جبريل عليه السلام الإيمان والإحسان (2610) ، والنسائي في كتاب: الإيمان وشرائعه ، باب : نعت الإسلام (4990) ، وأبو داود في كتاب: السنة، باب : في القدر (4695) من حديث طويل عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

ومنها الرضا، وهو أن يرضى العبد بالشدائد والمصائب التي يقضيها الله تعالى عليه، وليس المراد بالرضا رضا العبد بالمعاصي والفواحش، أو نسبتها إلى الربّ تعالى عنها، فإنه سبحانه لا يرضاها، كما قال جلّ جلاله: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ (1).

وقال : وكُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيْتُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهَا(2).

قال رویم : الرّضا أن لو أدخلك جهنّم لما سخطت عليه .

وقيل لبعضهم : متى يكون العبد راضياً ؟ قال : إذا سرّته المصيبة، كما سرّته النعمة.

قال الشبليّ مرة - والجنيد حاضر : لا حول ولا قوة إلا بالله ،فقال الجنيد: أرى أنّ قولك هذا ضيقُ صَدْر، وضيق الصدر يجيء من ترك الرضا بالقضاء.

وقال أبو سليمان الداراني : الرضا ألاّ تسأل الله الجنة، ولا تستعيذ به من النار.

وقال تعالى فيمن سخط قسمته: وَمِنْهُم مَّن يَلْمِرُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أَعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يعطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ(3).

ثم نبّه على ما حرمُوه من فضيلة الرضا، فقال: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا وَاقَهُمُ اللَّهُ وَرَسُوله وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ دَعْبُونَ(4)، وجواب «لوه» ها هنا محذوف لفهم المخاطب وعلمه به .

وفي حذفه فائدة لطيفة وهو أن تقديره «الرضي الله عنهم »،ولمّا كان رضاه عن عباده مقاماً جليلاً جداً حذف ذكره لأنّ الذكر له لا ينبيء عن كنهه، وحقيقة فضلِه، فكان الإضراب عن ذكره أبلَغ في تعظيم مقامه .

ومن الأخبار المرفوعة لأنه (صلی الله علیه و آله و سلم)قال : «اللهمّ إني أسألك الرضا بعد القضاء»(5)، قالوا : إنَّما قال: «بعد القضاء» لأنّ الرّضا قبل القضاء لا يتصوّر، وإنما يتصوّر توطين النفس عليه ،وإنما يتحقق الرضا بالشيء بعد وقوع ذلك الشيء .

وفي الحديث أنّه قال لابن عباس يوصيه : «اعمل الله باليقين والرّضا، فإن لم يكن فأصبر، فإنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً »(6).

ص: 136


1) سورة الزمر، الآية : 7 .

2) سورة الإسراء، الآية : 38 .

3) سورة التوبة، الآية : 58 .

4) سورة التوبة، الآية : 59.

5) أخرجه النسائي في كتاب : السهو (1305) ، وأحمد في «مسنده»، كتاب: مسند الأنصار، باب: حديث زيد بن ثابت (21158).

6) أخرجه أحمد في بداية مسند عبد الله بن عباس (2800)، والحاكم في بن عباس (2800 ) ، والحاكم في «المستدرك» في كتاب: معرفة الصحابة (6303) .

وفي الحديث أنّه(صلی الله علیه و آله و سلم) رأى رجلاً من أصحابه، وقد أجهده المرض والحاجة، فقال: ما

الّذي بلغ بك ما أرى؟ قال : المرض والحاجة، قال : أولا أعلّمك كلاماً إن أنت قلته أذهب الله عنك ما بك! قال: والّذِي نفسي بيده ما يسرّني بحظّي منهما أن شهدت معك بدراً والحديبية! فقال(صلی الله علیه و آله و سلم) وهل الأهل بدرِ والحديبية ما للراضي والقانع!»

وقال أبو الدرداء : ذِروة الإيمان الصّبر والرضا.

قدم سعد بن أبي وقاص مكّة بعد ما كُفّ بصره، فانثال الناس عليه يسألونه الدعاء لهم، فقال له عبد الله بن السائب : يا عمّ إنك تدعُو للنّاس فيُستجاب لك، هلا دعوت أن يردّ عليك بصرك ! فقال : يابن أخي، قضاء الله تعالى أحبُّ إليّ من بصري.

عمر بن عبد العزيز : أصبحتُ وما لي سرور إلا في مواقع القَدَر.

وكان يقال : الرضا اطراح الاقتراح على العالم بالصلاح، وكان يقال : إذا كان القَدَر حقًا كان سخطه حمقاً.

وكان يقال : مَنْ رَضِيَ حَظِيَ. ومن اطرح الاقتراح، أفلح واستراح.

وكان يقال: كن بالرّضا عاملاً، قبل أن تكون له معمولاً ، وسر إليه عادلاً وإلا سرت نحوه معدولاً.

وقيل للحسن: من أين أتِيَ الخلق؟ قال : مِنْ قلة الرضا عن الله ، فقيل : ومِنْ أين دخلَتْ عليهم قلة الرضا عن الله ؟ قال : من قلة المعرفة بالله .

وقال صاحب «سلوان المطاع» (1)في الرّضا :

يامفزعي فيما يجي***وراحِمِی فیما مضَی

عندي لما تقضي ما***یرضیک من حُسنِ الرضا

من القطيعة أستعيذُ ***مصرّحا و معرّضا

وقال أيضاً:

كن من مدبرك الحكيم علا وجَلَّ على وَجَلْ

وارض القضاء فإنه ***حتم أجل وله أجل

وقال أيضاً:

يا من يرى حالي وأن ليس لي*** في غير قربي منه أوطَارُ

ص: 137


1) واسمه سلوان المطاع في عدوان الطباع لأبي عبد الله محمد بن محمد القرشي المعروف بابن ظفر المكي المتوفى سنة ( 568 ه ) ا ه «كشف الظنون» (3/ 998).

وليس لي ملتحَدُ دونهُ*** ولا عليه لي أنصارُ

حاشا لذاك العزّ والفضل أن ***يهلك مَنْ أنت له جارُ

وإن تشأ هُلكِي فهب لي رضاً ***بكل ما تقضي وتختارُ

عندي لأحكامك يا مالكِي*** قلب كما أنعمت صبارُ

كلّ عذاب منك مستعذَبُ*** شعذَبٌ ما لم يكن سخطك والنّارُ

ومنها العبودية، وهي أمر وراء العبادة، معناها التعبّد والتذلّل . قالوا : العبادة للعوام من المؤمنين، والعبودية للخواصّ من السالكين .

وقال أبو علي الدّقاق : العبادة لمن له علم اليقين، والعبوديّة لمن له عين اليقين.

وسئل محمد بن خفيف : متى تصحّ العبوديّة؟ فقال: إذا طرح كلّه على مولاه ، وصَبر معا على بلواه .

وقال بعضهم : العبوديّة معانقة ما أمرت به، ومفارقة ما زجرت عنه .

وقيل : العبودية أن تسِلّم إليك كُلّك، وتحمل عليه كَلّك .

وفي الحديث المرفوع : «تعس عبدُ الدّينار، وتَعِس عبدُ الخبيصة» (1)

رأى أبو يزيد البِسطاميّ رجلاً ، فقال له : ما حرفتُك؟ قال خَرْبنده، قال: أمات الله حِمارك لتكون عبداً الله ، لا عبداً للحمار.

وكان ببغداد في رِباط شيخ الشّيوخ، صوفي كبير اللِّحية جدّاً، وكان مغرّى، ومعنى بها أك زمانه، يدهنها ويسرّحها، ويجعلها ليلاً عند نومه في كيس، فقام بعض المريدين إليه في الليل وهو نائم ،فقضها من الأذن إلى الأذن، فأصبحت كالصَّرِيم. وأصبح الصوفيّ شاكياً إلى شي الرُباط، فجمع الصوفيّة وسألهم، فقال المريد: أنا قصصتُها ، قال : وكيف فعلت، ويلك ذلك قال: أيها الشيخ، إنها كانت صنمَه ، وكان يعبدها من دون الله، فأنكرت ذلك بقلبي، وأرد أن أجعلَه عبداً الله لا عبداً لِلّحية

قالوا: وليس شيءٌ أشرفَ من العبودّية، ولا اسم أتمّ للمؤمن من أسمه بالعبودّية، ولذا قال سبحانه في ذكر النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ليلة المعراج، وكان ذلك الوقت أشرفَ أوقاته في الدني

ص: 138


1) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: الحراسة والغزو في سبيل الله (2887)، وا ماجه في كتاب الزهد، باب : في المكثرين (4135) ، والبيهقي في الكبرى، كتاب : السير (109 ).

سُبْحَنَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا (1)وقال تعالى: لَأَوْسَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَرى (2)فلو كان اسم أجلّ من العبودية السمّاه به. وأنشدوا :

لا تدعُني الأبيا عَندهَا ***فإنّة أشرُف اسمائي

ومنها الإرادة، قال تعالى: وَلَا تَطْرُ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْمَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ(3).

قالوا: الإرادة هي بدء طريق السّالكين، وهي اسم الأوّل منازل القاصدين إلى الله، وإنما سُمِّيت هذه الصفة إرادة، لأنّ الإرادة مقدِّمة كلّ أمر، فما لم يرد العبد شيئاً لم يفعله، فلمّا كان هذا الشأن أوّل الأمر لمن يسلك طريق الله سمّي إرادة تشبيهاً له بالقصد إلى الأمور التي هو مقدّمتها .

قالوا : والمريد على موجب الاشتقاق : مَن له إرادة ولكن المريد في هذا الاصطلاح مَن لا إرادة له، فما لم يتجرّد عن إرادته لا يكون مريداً، كما أنّ من لا إرادة له على موجب الاشتقاق لا يكون مريدا.

وقد اختلفوا في العبارات الدالّة على ماهية الإرادة في اصطلاحهم، فقال بعضهم: الإرادة ترك ما عليه العادة، وعادة النّاس في الغالب التّعريج على أوطان الغفَلة، والركون إلى اتباع الشهوة، والإخلاد إلى ما دعت إليه المنيّة، والمريد هو المنسلخ عن هذه الجملة .

وقال بعضهم : الإرادُة نهوض القلب، في طلب الربّ، ولهذا قيل : إنّها لوعة تهوّن كلّ روعة .

وقال أبو عليّ الدقاق: الإرادة لوعةٌ في الفؤاد، ولذعة في القلب، وغرامُ في الضمير، وانزعاج في الباطن ونيران تأجج في القلوب .

وقال ممشاذ الدينوريّ: من علمت أنّ أحوالَ الفقراء جِدُّ كلّها لم أمازح فقيراً، وذلك أن فقيراً ،قدم عليّ، فقال: أيّها الشيخ ،أريد أن تتخذ لي عصيدة، فجرى على لساني «إرادة عصيدة»، فتأخر الفقير ولم أشعر، فأمرتُ باتخاذ عصيدة، وطلبته فلم أجده، فتعرّفتُ خبرَه، فقيل : إنَّه انصرف من فوره، وهو يقول« إرادة وعصيدة، إرادة وعصيدة!»، وهامَ علَى وجهِه ، حتى خرج إلى البادية وهو يكرّر هذه الكلمة، فما زال يقول ويردّدها حتى مات.

ص: 139


1) سورة الإسراء، الآية : 1.

2) سورة النجم ، الآية : 10 .

3) سورة الأنعام، الآية : 52 .

وحكى بعضُهم قال : كنتُ بالباديةِ وحدي. فضاق صدري، فصحتُ: يا إنس كلّموني، يا جنّ كلموني! فهتف هاتفُ: أي شيء ناديت؟ فقلت: الله ، فقال الهاتف : كذبتَ، لو أردته لما ناديتَ الإنس، ولا الجن.

فالمريد هو الّذي لا يشغله عن الله شيء، ولا يفتر آناء الليل وأطراف النهار، فهو في

الظّاهر بنعت المجاهدات، وفي الباطن بوصف المكابدات، فارق الفراش، ولازم الانكماش، وتحمّل المصاعب، وركب المتاعب، وعالج الأخلاق، ومارس المشاقّ، وعانق الأهوال ،وفارق الأشكال، فهو كما قيل :

ثمّ قطعتُ الليل في مَهمَةٍ*** لا أسداً أخْشَى ولا فيبا

يغلبني شوقي فأطوي السُّرَى*** ولم يزل ذو الشوق مغلوبا

وقيل : من صفات المريدين التحبّب إليه بالتوكّل، والإخلاص في نصيحة الأمة، والأنس بالخلوة، والصبر على مقاساة الأحكام، والإيثار لأمره، والحياء من نظره، وبذل المجهود في محبّته، والتعرّض لكلّ سبب يوصّل إليه، والقناعة بالخمول، وعدم الفرار من القلب، إلى أن يصلَ إلى الربّ.

وقال بعضهم : آفة المريد ثلاثة أشياء : التزويج وكتبه الحديث، والأسفار.

وقيل : من حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة أشياء :نومُه غَلبة، وأكلُه فاقة، وكلامه ضرورة.

وقال بعضهم: نهاية الإرادة أن يشيرَ إلى الله فيجده مع الإشارة، فقيل له :وأيّ شيء | يستوعِبُ الإرادة؟ فقال : أن يجد الله بلا إشارة.

وسئل الجُنيد : ما للمريدين وسماع القصص والحكايات؟ فقال: الحكايات جند من جندُ الله تعالى يقوّي بها قلوبَ المريدين. فقيل له : هل في ذلك شاهد؟ فتلا قوله تعالى: وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أَنباءِ الرُّسُلِ مَا نُشَيْتُ بِهِ، فَؤَادَكَ(1).

وقال أصحابُ الطريقة : بين المريد والمُراد فَرْق، فالمريد مَنْ سلك الرياضة طلباً للوُصول، والمراد مَن فاضت عليه العناية الإلهية ابتداء، فكان مخطوباً لا خاطباً ،والمخطوب فرق عظيم .

قالوا : كان مُوسى(علیه السلام) مريداً ، قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِى(2)وكان محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) مُراداً ، قال له : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(3)، وسئل الجنيد عن المريد والمراد، فقال: المريد سائر، والمراد طائر ومتَى يلحَقُ السائرُ الطائر !

ص: 140


1) سورة هود، الآية : 120 .

2) سورة طه ، الآية : 25 .

3) سورة طه ، الآية : 25 .

أرسل ذو النّون المصريّ رجلاً إلى أبي يزيد، وقال له : إلَى مَتى النّوُم والرّاحة !قد سارت القافلة !فقال له أبو يزيد: قل لأخي : الرّجُل مَنْ ينامُ اللّيل كله، ثم يصبح في المنزل قبل القافلة. فقال ذو النون : هنيئاً له ! هذا الكلام لا تبلغه أحوالنا .

وقد تكلّم الحكماء في هذا المقام، فقال أبو عليّ بن سينا في كتاب «الإشارات»: أوّل درجات حركات العارفين ما يسمّونه همّ الإرادة، وهو ما يعتري المستبصر باليقين البرهانيّ، أو الساكن النفس إلى العقد الإيمانيّ، من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، فيتحرّك سرّه إلى القدس، لينال من روح الاتّصال، فما دامت درجته هذه، فهو مريد.

ثم إنه ليحتاجُ إلى الرّياضة والرّياضة، موجّهة إلى ثلاثة أغراض :

الأول : تنحية ما دَون الحقِّ عن سَنَن الإيثار .

والثاني : تطويع النفّس الأمّارة للنفس المطمئنة، لتنجذب قوى التخيّل والوهم إلى التوقمات المناسبة للأمر القدسيّ، منصرفة من التوهّمات المناسبة للأمر السفليّ .

والثالث : تلطيف السرّ لنفسه .

فالأول يعين عليه الزهد الحقيقي، والثاني يعينُ عليه عِدّة أشياء : العبادة المشفوعة بالفكرة، ثم الألحان المستخدَمة لقوى النفس الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القَبول من الأوهام، ثم نفس الكلام الواعظ من قائل ذكي، بعبارة بليغة، ونغمة رخيمة، وسمتِ رشيد. والثالث يعين عليه الفكر اللطيف، والعشق العفيف، الذي تتأمر فيه شمائل المعشوق، دون سلطان الشهوة.

ومنها الاستقامة، وحقيقتها الدّوام والاستمرار على الحال، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا ربُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَمُوا (1).

وسئل بعضُهم عن تارك الاستقامة، فقال : قد ذكر الله ذلك في كتابه، فقال: وَلَا تَكُونُواْ كالقِي نَقَضَتْ عَزلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنَكَنَا (2).

وفي الحديث المرفوع : «شَيَّبَتْني هود»، فقيل له في ذلك، فقال قوله : فَاسْتَقِمْ كَمَا أمِرتَ(3)

وقال تعالى: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْفَيْنَهُم مَّاهُ غَدَقًا(4)، فلم يقل «سقيناهم »بل «أسقيناهم»، أي جعلنا لهم سُقياً دائمة، وذلك لأنّ مَنْ دام عَلَى الخدمة دامت عليه النعمة .

ص: 141


1) سورة فصلت، الآية: 30.

2) سورة النحل، الآية : 92 .

3) سورة هود، الآية : 112 .

4) سورة الجن ، الآية : 16 .

ومنها الإخلاص، وهو إفراد الحق خاصة في الطاعة بالقَضد والتقرّب إليه بذلك خاصة، من غير رياء ومن غير أن يمازجه شيء آخر من تصنّع لمخلوق، أو اكتساب مَحْمَدة بين النّاس، أو مَحبّة مدح، أو معنىّ من المعاني، ولذلك قال أربابُ هذا الفنّ : الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين.

وقال الخواصُّ من هؤلاء القوم : نقصانُ كل مخلص في إخلاصه رؤية إخلاصه، فإذا أراد الله أن يخلّص إخلاص عبد أسقط عن إخلاصه رؤيته لإخلاصه، فيكون مخلَصاً لا مخلِصاً .

وجاء في الأثر عن مكحول : «ما أخلص عبدُ الله أربعينَ صباحاً ، إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» (1).

ومنها الصدق ويطلق على معنيين : تجنّب الكذِب، وتجنّب الرياء، وقد تقدّم القول فيهما .

ما شئت (2)ومنها الحياء، وفي الحديث الصحيح: «إذا لم تستحِ فاصنَع ما شئت».

وفي الحديث أيضاً : «الحياء من الإيمان» (3)، وقال تعالى: أَلَمْ يَعلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (4)، قالوا : معناه ألم يستحي !

وفي الحديث أنه قال لأصحابه : «استحيوا من الله حقّ الحياء» قالوا: إنا لنستحيي ونحمد الله . قال:« ليس كذلك ،من استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت وطول البِلى، وليترك زينَة الحياة الدنيا، فمن فعَل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» (5).

ص: 142


1) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في باب : البعث (34343) ، وابن المبارك في الزهد (1014) .

2) أخرجه البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب : حديث النار (3484) ، وأبو داود في كتاب :الأدب، باب : في الحياء (3797) .

3) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: الحياء من الإيمان (24)، ومسلم في الإيمان، باب : عدد شعب الإيمان وأفضلها (35)، والترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في الحياء (2009)، والنسائي في كتاب :الإيمان وشرائعه ،باب الإيمان (5033).

4) سورة العلق، الآية : 14 .

5) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة والرقائق (2458) ، وأحمد في كتاب : سند المكثرين من الصحابة، باب: مسند عبد الله بن مسعود (3662) .

وقال ابنُ عطاء : العلم الأكبر الهيبة والحياء، فإذا ذهبا لم يبق خير .

وقال ذو النون : الحبّ ينطق ، والجياء يسكت، والخوف يقلق .

وقال السريّ : الحياء والأنس يطُرقان القلب، فإن وجدا فيه الزّهد والورع حطّا وإلاّ رَحَلا .

وكان يقال : تعامل القرن الأوّل من الناس فيما بينهم بالدين حتى رقّ الدين، ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء، ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى فَنِيَت المروءة، ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى قلّ الحياء، ثم صار الناس يتعاملون بالرّغبة والرهبة .

وقال الفضيل : خمسُ من علامات الشقاء : القسوة في القلب، وجمود العين، وقلّة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل.

وفسَّر بعضُهم قوله تعالى : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّمَا بُرْهَنَ رَبِّهِ) (1)إِنَّهَا كان لها صنم في زاوية البيت فمضت فألقت على وجهه ثوباً، فقال يوسف : ما هذا؟ قالت : أستحيي منه، قال: فأنا أولى أن أستحيي من الله !

وفي بعض الكتب القديمة: ما أنصفني عبدي! يدعوني فأستحيي أن أردّه، ويعصيني وأنا أراه، فلا يستحيي مني .

ومنها الحرية، وهو ألاّ يكون الإنسان بقلبه رقّ شيء من المخلوقات، لا المخلوقات، لا من أغراض الدنيا، ولا من أغراض الآخرة، فيكون فرداً لفرد لا يسترقّه عاجل دنيا، ولا أجل مُنى، ولا

حاصل هوى ولا سؤال، ولا قصد، ولا أرَب.

قال له(صلی الله علیه و آله و سلم) بعضُ أصحاب الصُّفّة : قد عزفت نفسِي يا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) عن الدّنيا، فاستوى عندي ذهبُها وحَجَرُها . قال : صرتَ حرُّا (2).

وكان بعضهم يقول : لو صحّت صلاة بغير قرآن ،لصحَت بهذا البيت:

أتمنَّى عَلَى الزَّمان مُحالاً*** أن ترى مقلنايَ طَلْعَةَ حُرِّ

وسئل الجُنيد عمّن لم يبق له من الدنيا إلا مقدار مصّ نواة! فقال : المكاتب عبد ما بَقِي عليه درهم.

ص: 143


1) سورة يوسف، الآية : 24 .

2) أخرجه الطبراني في الكبير بما معناه: 266/3 .

ومنها الذكر، قال الله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(1).

وروى أبو الدّرداء أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، قال : ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند خالقكم، وأرفعها في درجاتكم، وخير من إعطائكم الذهب والفضة في سبيل الله، ومن أن تَلقَوا عدوّكم فتضربوا أعناقَهم، ويضربوا أعناقكم؟»، قالوا :ما ذلك يا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)؟ قال : «ذكر الله»(2).

(3)وفي الحديث المرفوع :« لا تقوم السّاعة على أحدٍ يقول : الله الله». وقال أبو عليّ الدقاق : الذكر منشور الوِلاية، فمن وفّق للذكر فقد أعطيَ المنشور، ومن سلِب الذكر فقد عزل .

وقيل : ذكر الله تعالى بالقلب سيف المريدين، به يقاتلون أعداءهم، وبه يدفعون الآفات التي تقصدهم وإن البلاء إذا أظلّ العبدَ ففزع بقلبه إلى الله حاد عنه كلُّ ما يكرهه .

وفي الخبر المرفوع :« إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها»، قيل : وما رياض الجنة؟ قال : «مجالس الذكر »(4).

وفي الخبر المرفوع: «أنا جليسُ مَنْ ذكرني» (5).

وسمع الشِّبليّ وهو يُنشد:

ذكرتُك لا أنّي نسيتك لمحة ***وأيسر ما في الذكر ذكرُ لِسانِي

فكدت بلا وجدِ أموت من الهوَى ***وهامَ عليّ القلبُ بالخفَقَانِ

فلمّا أرانى الوجد أنك حاضِري ***شهدتك موجوداً بكلّ مكان

فخاطبت موجوداً بغير تكلمِ*** ولاحظتُ معلوماً بغير عِيان

ص: 144


1) سورة الأحزاب الآية: 41 .

2) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات (3377) ، وابن ماجه في كتاب: الأدب، باب :فضل الذكر | : (3790) ، وأحمد في كتاب: مسند الأنصار ، باب : باقي حديث أبي الدرداء (21195).

3) أخرجه مسلم في كتاب: الإيما،ن باب: ذهاب الإيمان آخر الزمان (148)، والترمذي في كتاب : الفتن عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) (2207)، وأحمد في باب: مسند أنس بن مالك (11632).

4) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في عقد التسبيح باليد (3509)، وأحمد في : مسند أنس بن مالك (12114).

5) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان»، باب: في محبة الله عز وجل (680) ، وابن أبي شيبة في «مصنفه» في باب : الرجل يذكر الله وهو على الخلاء (1224).

ومنها الفتوة، قال سبحانه مخبراً عن أصحاب الأصنام قَالُوا سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ الترهيم(1).

وقال تعالى في أصحاب الكهف : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدًى (2).

وقد اختلفوا في التعبير عن الفتوّة ما هي؟ فقال بعضهم : الفتوّة ألا تَرَى لنفسك فضلاً على غيرك.

وقال بعضهم : الفتوة الصفح عن عَثرات الإخوان.

وقالوا : إنّما هتف الملَك يوم أحد بقوله :

لا سيفَ إلا ذو الفَقَا*** ر، ولا فتى إلاّ عَلِیّ

لأنه كسر الأصنامَ، فسمّي بما سمِّيَ به أبوه إبراهيم الخليل حين كسرها وجعلها جُدَاداً .

قالوا : وصنَم كلّ إنسان نفسُه، فمن خالفَ هواه فقد كسر صنَمَه، فاستحق أن يطلق عليه لفظ الفتوة.

وقال الحارث المحاسبيّ : الفتوّة أن تنصف ولا تنُتصف .

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سئل أبي عن الفتوة فقال ترك ما تهوَى لما تخشى .

وقيل : الفتوة ألاّ تدخر ولا تعتذر.

سأل شقيق البلخي جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام) ، عن الفتوة، فقال: ما تقول أنت؟ قال : إن أُعطِينا شكرنا ، وإن مُنِعنا صَبَرْنا . قال : إنّ الكلابَ عندنا بالمدينة هذا شأنها، ولكن قل : إن أعطينا ،آثرنا ، وإن مُنعنا شكرنا (3).

ومنها الفراسة، قيل في تفسير قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ لِلْمُتَوَسَمِينَ(4). أي للمتفرسين. وقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «اتقوا فراسة المؤمن، فإنها لا تخطىء» (5).

قيل : الفراسة سواطع أنوار لمعت في القلوب، حتى شهدت الأشياء من حيث أشهدها الحقُّ ،إياها وكلّ مَنْ كان أقوى إيماناً كان أشد فراسة.

وكان يقال : إذا صحت الفراسة ارتقى منها صاحبها إلى المشاهدة.

ص: 145


1) سورة الأنبياء، الآية : 60 .

2) سورة الكهف، الآية: 13 .

3) أخرجه الصالحي الشامي في سبل الهدى : 474/1 .

4) سورة الحجر، الآية : 75 .

5) أخرج الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحجر (3127)، بلفظ : «فإنه ينظر : بنور الله»، والطبراني في الأوسط برقم (3254) والبخاري في التاريخ الكبير (1529)، كلهم بلفظ الترمذي.

ومنها حسن الخلق ، وهو من صفات العارفين، فقد أثنى الله تعالی به علی نبیه ،فقال : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(1).

وقيل له(صلی الله علیه و آله و سلم): أيّ المؤمنين أفضل ،إيماناً؟ فقال: «أحسنهم خُلقاً» (2)وبالخلُق تظهر جواهَر الرجال، والإنسان مستور بخلقه مشهور بخَلْقِه.

وقال بعضهم: حسن الخلُق استصغار ما مِنك، واستعظام ما إليك.

وقال النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) : إنكم لن تسعُوا النّاس بأموالكم، فسعُوهم بأخلاقكم »(3).

قيل لذي النون : مَنْ أكبر الناس همَّا ؟ قال : أسوؤهم خُلُقاً :

وكان يقال : ما تَخلّق أحد أربعين صباحاً بخُلُقٍ إلا صار ذلك طبيعة فيه.

قال الحسن في قوله تعالى : وَثِيَابَكَ فَظَفر (4)أي وخلقك فحسن

شتم رجلَ الأحنف بن قيس، وجعل يتبعه ويشتُمه ،فلما قرب الحيّ وقف، وقال: يا فتى، إن كان قد بقيَ في قلبك شيء فقله ،كي لا يسمَعك سفهاءُ الحيّ فيجيبوك.

ويقال : إن معروفاً الكرخيّ نزل دجلة ليسبَح، ووضع ثيابه ومصحَفه، فجاءت امرأة فاحتملتهما ، فتبعها وقال : أنا معروف الكرخيّ ، فلا بأَس عليك! ألك ابن يقرأ؟ قالت : لا ، قال : أفلك بعل؟ قالت: لا، قال: فهاتي المصحف، وخذي الثياب.

قيل لبعضهم: ما أدَب الخلُق؟ قال: ما أدب الله به نبيّه في قوله :وخُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهلِينَ(5).

يقال : إنّ في بعض كتب النبوّات القديمة : يا عبدي اذكرني حين تغضَب، أذكرك حين أغضب.

قالت امرأة لمالك بن دينار يا مرائي ! فقال : لقد وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة .

قال بعضهم - وقد سئل عن غلام سوء له : لِمَ يُمْسِكُه؟ قال : أتعلّم عليه الحِلْم .

وكان يقال : ثلاثة لا يعرَفُون إلا عند ثلاثة : الحليمُ عند الغضب، والشجاع عند الحرب، والصديق عند الحاجة إليه :

ص: 146


1) سورة القلم، الآية : 4 .

2) أخرجه الحاكم في «المستدرك» في كتاب : معرفة الصحابة (6628) .

3) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه »باب :ما ذكر في حسن الخلق وكرهة الفحش (25333)، وابن عدي في «الكامل»(983) ، كلاهما بلفظ : « ... ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحُسن الخلق» . بدل قوله : «فسعوهم بأخلاقكم».

4) سورة المدثر، الآية : 4 .

5) سورة الأعراف، الآية 19 ).

وقيل في تفسير قوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةٌ(1): الظاهرة تسوية الخَلْقَ ،والباطنة تصفية الخلُق .

الفُضَيل: لأن يصحبني فاجر حَسَنُ الخلق أحبُّ إليَّ مِنْ أن يصحبني عابد سيء الخلق : خرج إبراهيم بن أدهم إلى بعض البراريّ، فاستقبله جنديّ فسأله : أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة، فضرب رأسه فشجّه وأدماه، فلَمّا جاوزه قيل له : إنّ ذلك إبراهيم بن أدهم زاهدُ خراسان !فردّ إليه يعتذر. فقال إبراهيم: إنّك لما ضربتَّني سألتُ الله لك الجنة . قال : لمَ سألت ذلك؟ قال : علمتُ أنّي أُوجر على ضربك لي، فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير، ونصيبك مني الشر

وقال بعض أصحاب الجُنيد! قدِمْتُ من مكّة، فبدأت بالشيخ كي لا يتعنّى إليّ، فسلَمت عليه، ثم مضيت إلى منزلي، فلمّا صلّيت الصبح في المسجد، إذا أنا به خَلْفي في الصفّ، فقلت : إنّما جنتك أمس لئلا تتعنّى ! فقال : فضلُك، وهذا حقُّك.

كان أبو ذَرٌ عَلَى حوض يسقي إبله، فزاحمه إنسانُ فكسر الحوض، فجلس أبو ذرّ ثم اضطجع فقيل له في ذلك، فقال: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ):« إذا غضب الرجل وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه، وإلا فليضطجع »(2).

دعا إنسانُ بعض مشاهير الصوفية إلى ضيافة، فلمّا حضر باب داره ردّه واعتذر إليه . ثم فعل به مثل ذلك وثانية وثالثة، والصوفيّ لا يغضب، ولا يضجر، فمدحه ذلك الإنسان وأثنى عليه بحسن الخُلُق، فقال: إنما تمدحني على خلُقِ تجد مثلَه في الكلب، إن دعوته حضر، وإن زجرته انزجر.

مرّ بعضُهم وقت الهاجرة بسكّة، فألقِيَ عليه من سطح طست رماد، فغضب مَنْ كان في صحبته فقال : لا تغضبوا ،من استحقّ أن يُصَبّ عليه النّار فصولح على الرماد ، لم يَجُز له أن يغضب .

كان لبعض الخياطين جارٌ يدفع إليه ثياباً فيخيطها، ويدفع إليه أجرتها دراهم زُيوفاً ، فيأخذها ، فقام يوماً من حانوته، واستخلف ولَده، فجاء الجار بالدّراهم الزائفة، فدفعها إلى الولد فلم يقبلها، فأبدلها بدراهم جيّدة، فلمّا جاء أبوه دفع إليه الّدُراهم، فقال: ويَحك! هل جرى بينك وبينه أمر ؟ قال : نعم، إنه أحضَر الدّراهم زُيوفاً، فرددتها فأحضر هذه، فقال: بئس

ص: 147


1) سورة لقمان، الآية: 20.

2) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما يقال عند الغضب (4782)، وأحمد في كتاب: مسند الأنصار، باب: حديث أبي ذر (2041).

ما صنعت! إنه منذ كذا وكذا سنة يعاملني بالزائف وأصبر عليه، وألقيها في بئر، كي لا يغرّ غيري بها !

وقيل : الخلُق السييء هو أن يضيقَ قلبُ الإنسان عن أن يتّسع لغير ما تحبُّه النفس وتؤثره،

كالمكان الضيّق لا يسع غير صاحبه.

وكان يقال : من سوء الخلق أن تقف على سُوء خُلُق غيرك وتعيبه به .

قيل لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ادعُ الله علَى المشركين، فقال: «إنما بعثتُ رحمةً، ولم أبعث عذاباً »(1). دعا عليّ(علیه السلام) غلاماً له مراراً، وهو لا يجيبه، فقام إليه فقال : ألا تسمع يا غلام قال: بلى، قال : فما حملك على ترك الجواب؟ قال : أمني لعقوبتك، قال: اذهب فأنت حر .

ومنها الكِتمان قال رسول الله(صلی الله علیه . آله و سلم) : «استعينوا على أموركم بالكتمان» (2).

وقال السريّ : علامة الحب الصبر والكِتمان ومن باح بسرّنا فليس منا .

وقال الشاعر :

كتمتُ حُبّك حتى مِنْكَ تكِرَمةً*** ثم استوى فيك إسراري وإعلاني

كأنه غاض حتى فاض عن جَسَدِي*** فصار سقمي به في جسم كتماني

وهذا ضدّ ما يذهب إليه القوم من الكتمان، وهو عذر لأصحاب السرّ والإعلان.

وكان يقال : المحبة فاضحة، والدمع نَمّام.

وقال الشاعر :

لا جزى الله دمع عيني خَيْراً ***وجزى الله كل خير لساني

فاض دمعي فليس يكتم شيئاً*** ووجدتُ اللسان ذا كتمانِ

يقال : إن بعض العارفين، أوصى تلميذه بكتمان ما يطّلع عليه من الحال، فلما شاهد الأمر غلب، فكان يطلع في بئر في موضع خال، فيحدّثها بما يشاهد فنبتت في تلك البئر شجرة سمع منها صوت يحكي كلام ذلك التلميذ ،كما يحكي الصيدا كلام المتكلّم، فأسقط بذلك من ديوان الأولياء.

ص: 148


1) أخرجه مسلم في كتاب :البر والصلة والآداب، باب: النهي عن لعن الدواب وغيرها (2599)، بلفظ :« إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة». وعند الطبراني في «الأوسط» (2981)،« إنما بعثت رحمة وهداة».

2) (2) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (2455)، و«الصغيره» (1186) ، والبيهقي في «الشعب» (6655) ،كلهم بلفظ : «استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان ».

وأنشدوا :

أبدا تحن إليكم الأرواحُ*** ووصالكم ريحانُها والرَّاحُ

وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم*** وإلى لقاء جمالكم ترتاحُ

ورحمةً للعاشقين تحمّلوا ***ثقل المحبة والهوى فَضَاحُ

بالسرّ إن باحوا تباح دماؤهم ***وكذا دماء البائحين تباحُ

وقال الحسين بن منصور الحلاّج:

إني لأكتم من علمي جواهرَه ***كي لا يرى العلم ذو جهل فيفتننا

وقد تقدّمني فيه أبو حسن ***إلى الحسين وأوصى قبله الحَسَنَا

يا ربّ مكنون علم لو أبوحُ ***به لقيل لي أنتَ ممّن يعبُدُ الوثنا!

ولاستحلّ رجال صالحن دمي يرون أقبَحَ ما يأتونَهُ حسنا

منها الجود والسّخاء والإيثار، قال الله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴿ (1:)وقال النبي(صلی الله علیه و آله و سلم : «السّخيّ قريبُ من الله قريب من الناس والبخيلُ بعيدُ من الله بعيد من)النَاس. وإنّ الجاهل السخي أحبُّ إلى إلى الله من العابد البخيل»(2.)قالوا : لا فرق بين الجود والسَّخَاء في اصطلاح أهل العربية، إلاّ أنّ الباري سبحانه لا يوصَف بالسّخاء، لأنه يشعر بسماح النفس عَقِيب التردّد في ذلك، وأمّا في اصطلاح أرباب هذه الطريقة، فالسّخاء هو الرتبة الأولى، والجود بعده ، ثم الإيثار، فمن أعطَى البعض وأبقى البعض فهو صاحب السَّخاء، ومَنْ أعطى الأكثر وأبقى لنفسه شيئاً فهو صاحب ادر الذي قاسى الضّرّاء وآثر غيره بالبُلْغَة فهو صاحب الإيثار .قال أسماء بن خارجة الفزاريّ: ما أحبّ أن أرد أحداً عن حاجة طَلبها، إن كان كريماً صُنْتُ عِرْضَه عن الناس، وإن كان لئيماً صُنْتُ عنه عرضي.كان مؤرّق العجليّ يتلطّف في برّ إخوانه، يضع عندهم ألف درهم، ويقول: امسكوها حتى أعودَ إليكم ، ثم يرسِل إليهم : أنتم منها في حلّ.

ص: 149


1) سورة الحشر، الآية : 9 .

2) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (2363) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» باب: الجود والسخاء ( 10847) .

وكان يقال : الجود إجابة الخاطر الأول.وكان أبو الحسن البوشنجيّ في الخلاء، فدعا تلميذاً له فقال انزع عنّي هذا القميص وادفعه إلى فلان، فقيل له : هلاّ صبرت! فقال : لم آمن على نفسي أن تغير عَلَى ما وقع لي من التخلّق معهبالقميص .رُنِيَ عليّ(علیه السلام يوماً باكياً ، فقيل له . لم تبكي ؟ فقال : لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام ،أخاف أن يكون الله قد أهانني .)أضاف عبد الله بن عامر رجلاً فأحسن قِرَاه، فلما أراد أن يرتحل لم يعنه غلمانه. فسئل عن ذلك، فقال إنهم يعينون مَنْ نزل علينا لا من ارتحل عنا .ومنها الغَيْرة، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم : «لا أحدَ أغيرُ من الله ، إنّما حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن لغيرته »(1).)وفي حديث أبي هريرة :« إنّ الله ليغار وإنّ المؤمن ليغار» (2)قال: والغيرة هي كراهية المشاركة فيما هو حقك .وقيل : الغيرة الأنفَة والحمية.وحكى عن السريّ أنه قرىء بين يديه : ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْئُورًا(3) فقال لأصحابه : أتدرون ما هذا الحجاب؟ هذا حجاب الغَيْرة، ولا أحد أغير من الله .

قالوا : ومعنى حجاب الغَيْرة، أنّه لما أصرّ الكافرون على الجحود عاقبهم بأن لم يجعلهم أهلاً لمعرفة أسرار القرآن.

وقال أبو علي الدقاق: إنّ أصحاب الكسل عن عبادته، هم الذين ربط الحق بأقدامهم مثقلة الخذلان ، فاختار لهم البعد، وأخرهم عن محل القرب، ولذلك تأخروا .

ص: 150


1) أخاف أن يكون الله قد أهانني .

2) أخرج أبو يعلى في «مسنده» نحوه عن ابن مسعود بلفظ: «إن الله ليغار لعبده المؤمن فليغفر لنفسه »وأخرج أحمد عن أبي هريرة قريباً منه : «قيل لرسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : ألا تغار؟ قال: والله إني لأغار والله أغير مني... الحديث ».

3) سورة الإسراء، الآية : 45 .

وفي معناه أنشدوا فقالوا :

أَنَا صَبٌ بمنْ هَوَيتُ وَلكِنْ ***ما أحتيالِي فِي سُوء رأي الْمَوَالِي !

وفي معناه قالوا : سقيمٌ لا يعاد، ومريد لا يراد.

وكان أبو علي الدّقاق: إذا وقع شيء في خلال المجلس يشوّش قلوبَ الحاضِرين، يقول:

من غَيرة الحق، يريد ، يريد به ألاّ يتم ما أملناه من صفاء هذا الوقت .

وأنشدوا في معناه :

هَمْتُ بإتياننا حتى إذا نظرت*** إلى المرآة نهاها وجهها الحسنُ

وقيل لبعضهم : أتريد أن تراه؟ قال : لا ، قيل : لم؟ قال أنزّه ذلك الجمال عن نَظر مثلي .

وفي معناه أنشدوا :

إني لأخسُدُ ناظري عَلَيْكَ ***حتى أغص إذا نظرتُ إليك

وأراك تخطِر في شمائِلِك الّتِي*** هي فتنتي، فأغار منك عليكا

وسُئِل الشبلي : متى تستريح ؟ قال : إذا لم أر له ذاكراً .

وقال أبو علي الدقّاق في قول النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم)عند مبايعته فرساً من أعرابيّ وأنّه استقاله فأقاله فقال الأعرابي : عمّرك الله فمن أنت؟ قال(صلی الله علیه و آله و سلم) :« أنا امرؤ من قريش»، فقال بعضُ الصحابة من الحاضرين للأعرابيّ : كَفَّاكَ جَفَاء ألا تعرف نبيك ! فكان أبو عليّ يقول : إنما قال: «امرؤ من قريش» غَيْرةً ونوعاً من الأنفة ،وإلا فقد كان الواجب عليه أن يتعرّف لكل أحد أنه مَنْ هو ، لكن الله سبحانه أجرى على لسان ذلك الصحابيّ التعريف للأعرابيّ بقوله :«كفاك جفاء ألاّ تعرف نبيك !» .

وقال أصحاب الطريقة : مساكنة أحدٍ من الخلق للحقّ في قلبك تُوجِب الغَيرة منه تعالى .

أذّن الشِّبليّ مرة، فلما انتهى إلى الشهادتين، قال: وحقّك لولا أنك أمرتني ما ذكرتُ معك غيرك.

هذا .

وسمع رجلُ رجلاً يقول: جلّ الله ! فقال له : أحبّ أن تجلّه عن هذا .

وكان بعض العارفين يقول : لا إله إلا الله من داخل القلب، محمد رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) من قُرْط الأذن.

وقيل لأبي الفتوح السهرورديّ - وقد أخِذ بحلَب ليصلب على خشبة ما الذي أباحهم هذا منك؟ قال : إنّ هؤلاء دعوني إلى أن أجعل محمداً شريكاً الله في الربوبية، فلم أفعل، فقتلوني .

ص: 151

ومنها التفويض، قال الله تعالى: وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(1)، فاستوقَف مَنْ عقل أمره عن الاقتراح عليه وأفهمه ما يرضاه به من التفويض إليه، فالعاقل تارك للاقتراح، على العالم بالصلاح.

وقال تعالى : فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا(2)، فبعث على تأكيد الرّجاء بقوله : خَيرَا كَثِيرُا .

ولمّا فوّض مؤمن آل فرعون أمرَه إلى الله فَوقَهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِتَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ(3)كما ورد في الكتاب العزيز .

وحقيقة التفويض هي التسليم لأحكام الحقّ سبحانه، وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله تعالى: قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَسْنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(4)، فأسَ التفويض والباعث عليه هو اعتقاد العجز عن مغالبة ،القدر، وأنّه لا يكون في الخير والشر أعني الرَّخَص والصحّة وسعة الرزق والبلايا، والأمراض والعِلل وضيق الرزق، إلا ما أراد الله تعالی کونه ولا يصحّ التفويض ممن لم يعتقد ذلك ولم يعلمه علم اليقين .

وقد بالغ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) في التصريح به والنصّ عليه بقوله لعبد الله بن مسعود : «اليقل همُّك، ما قدّر أتاك وما لم يقدّر لم يأتِك، ولو جهِد الخلق أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، ولو جَهِدوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك»(5).

وفي صحيح مسلم بن الحجّاج أنه قال لأبي هريرة في كلام له: «فإن أصابك شيء فلا تقل :

لَوْ فعلت كذا لكان كذا ، فإنّ «لو »تفتح عمل الشيطان، ولكن قل : ما قدر الله وما شاء فعل» (6).

وفي صحيح مسلم أيضاً عن البَراء بن عَازب :« إذا أخذت مضجَعك فقل كذا . . . .» إلى أن قال:« وجّهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا منجى ولا ملجأ منك (7).

ص: 152


1) سورة البقرة، الآية 216 .

2) سورة النساء، الآية : 19 .

3) سورة غافر، الآية : 5 .

4) سورة التوبة، الآية : 51 .

5) لم أجده بهذا اللفظ ، وقد أخرج الترمذي عن ابن عباس قريباً منه كتاب : صفة القيامة والرقائق (2516)، وأحمد في باب :بداية مسند عبد الله بن عباس (2664) .

6) أخرجه هاب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله تعالى (2664) ، وابن ماجه في أو : القدر (79)، وأحمد في كتاب: مسند المكثرين (8573).

7) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا نام (6313) ، ومسلم في كتاب : الذكر : والدعاء والتوبة والاستغفار باب: ما يقول عند النوم (2710)، والترمذي في كتاب: الدعوات، =

وكان يقال : معارضة المريض طبيبَه، توجب تعذيبَه وكان يقال: إنّما الكيّس الماهر من أمسى في قبضة القاهر.

وكان يقال : إذا كانت مغالبة القَدَر مستحيلة، فما من أعوان تقوده إلى الحيلة .

وكان يقال: إذا التبست المصادر، ففوّض إلى القادر .

وكان يقال : من الدّلالة على أنّ الإنسان مصرَّف مغلوب ،ومدبّر مربوب، أن يتبلّد رأيُه في بعض الخطوب، ويعمى عليه الصواب المطلوب.

وإذا كان كذلك، فربّما كان تدميره في تدبيره ،واغتيالُه من احتياله، وهلكته من حَرَكته.

وفي ذلك أنشدوا :

أيا مَنْ يعوّلُ فِي الْمُشْكِلَاتِ*** عَلَى ما رآه وما دَبَّرَه

إذا أعضل الأمر فافزع به*** إلى مَنْ يرى منه مالم تَرَة

تکن بین عطف يقيل الخطوبَ*** ولطف يهوّن ما قدرَه

إذا كنت تجهل عُقْبَى الأمورِ*** ومالك حول ولا مقدرة

فلِمُ ذَا العَنَا، وعلام الأسى*** ومتم الحذار، وفيم الشرة !

وأنشدوا في هذا المعنى:

يا ربّ مغتبط ومغ*** بوط بأمر فيه هلگة

وَمُنَافِسٍ فِي مُلْكِ مَا*** يُشْقِيه في الدارين مُلكة

علم العواقب دُونَه ***متر، وليس يرامُ هَنكة

ومُعَارِضُ الأقدار بال*** آرَاءِ سَيْى الحالِ ضَنكة

فكن امراً محض اليقي***من وزيف الشبهات شبكة

تفویيضه توحيده*** بيده وعناده المِقْدَار شِرْكة

ومنها الولاية والمعرفة، وقد تقدم القول فيهما .

ومنها الدعاء والمناجاة، قال الله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَکُمّ (1).

وفي الحديث المرفوع :« الدعاء مخّ العبادة »(2).

ص: 153


1) سورة غافر، الآية : 60 .

2) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) (3371) .

وقد اختلف أربابُ هذا الشأن في الدعاء، فقال قوم: «الدعاء مفتاح الحاجة، ومستروَح أصحاب الفاقات، وملجأ المضطرّين، ومتنفَّس ذوي المآرب .

وقد ذم الله تعالى قوماً فقال : وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ(1)فسّروه وقالوا : لا يمدّونها إليه في السؤال .

وقال سهل بن عبد الله التُّستَريّ : خلق الله الخلق، وقال: تاجروا فيّ ، فإن لم تفعلوا فاسمعوا منّي، فإن لم تفعلوا فكونوا ببابي، فإن لم تفعلوا فأنزلوا حاجاتكم بي

قالوا : وقد أثنَى الله علَى نفسه، فقال: أَمَن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ(2)، قالوا : الدعاء إظهار فاقة العبوديّة .

وقال أبو حاتم الأعرج: لأن أحرَم الدّعاء أشد عليّ من أن أحرَم الإجابة.

وقال قوم: بل السكوت والخمود تحتَ جريان الحكم والرّضا بما سبق من اختيار الحكيم العالم بالمصالح أولى، ولهذا قال الواسطيّ : اختيار ما جَرَى لك في الأزَل، خير لك من معارضة الوقت.

وقال النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)إخباراً عن الله تعالى: «مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضلَ ما أعطي السائلين»(3).

وقال قوم: يجب أن يكون العبدُ صاحب دعاءِ بلسانه، وصاحب رضاً بقلبه، ليأتيّ بالأمرين جميعاً.

وقال قوم: إنّ الأوقاتَ تختلف، ففي بعض الأحوال يكون الدّعاء أفضل من السكوت ،وفي بعض الأحوال يكون بالعكس، وإنّما يعرَف هذا في الوقت ،لأنّ علم الوقت يحصل في الوقت، فإذا وجد في قلبه الإشارة إلى الدّعاء فالدعاء أولى، وإنَ وجد بقلبه الإشارة إلى السكوت فالسكوت له أتمّ وأولى.

وجاء في الخبر:«إنّ الله يُبغض العبدَ فيسرع إجابته بغضاً لسماع صوته، وإنَه يحب العبد فيؤخر إجابته حبّاً لسماع صوته» (4).

ص: 154


1) سورة التوبة، الآية : 67 .

2) سورة النمل، الآية : 62 .

3) أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل القرآن، عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، باب : كيف كانت قراءة النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) (2926) ، والدارمي في كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل كلام الله تعالى على سائر الكلام (3356)

4) ذكره في «فيض القدير »(344/1) .

ومن أدب الدعاء حضورُ القلب، فقد روي عنه(صلی الله علیه و آله و سلم):« إن الله لا يستجيب دعاء قلب لاهِ »(1).

ومن شروط الإجابة طِيب الطَّعمة وحلّ المكسب ، قال(صلی الله علیه و آله و سلم)لسعد بن أبي وقَّاص :« أطب كسبك تُسْتَجَبْ دعوتك »(2).

وينبغي أن يكون الدعاء بعد المعرفة، قيل لجعفر بن محمد الصادق(علیه السلام): ما بالُنا ندعو فلا يستجاب لنا ! قال : لأنّكم تدعون مَنْ لا تعرفونه .

كان صالح المرّيّ يقول كثيراً : ادعوا: فمن أدمن قَرع الباب يوشك أن يفتح له، فقِالت له رابعة العدوية : ماذَا تقول؟ أغُلِق هذا الباب حتى يستفتح !فقال صالح :شيخ جَهِل، وامرأة علمت.

وقيل : فائدة الدعاء إظهار الفَاقة من الخلق، وإلا فالرّب يفعل ما يشاء.

وقيل : دعاء العامة بالأقوال، ودعاء العابد بالأفعال، ودعاء العارف بالأحوال.

وقيل : خير الدعاء ما هيّجه الأحزان والوجد.

وقيل : أقربُ الدعاء إلى الإجابة دعاء الاضطرار، لقوله تعالى : أَمَن يُجِيبُ الْمُضْطَرَ اِلَا دَعَاهُ(3).

قال أصحاب هذه الطريقة : ألسنة المبتدئين أرباب الإرادة منطلقة بالدعاء، وألسنة المحققين الواصلين قد خرست عن ذلك.

وكان عبد الله بن المبارك يقول : ما دعوتُه منذُ خمسين سنة، ولا أريد أن يدعوَ لي أحد .

وقيل : الدعاء سلَّم المذنبين .

وقال من قال بنقيض هذا: الدعاء مراسلة، وما دامت المراسلة باقية فالأمر جميل بعد.

وقالوا : ألسنة المذنبين دمُوعهم .

وكان أبو علي الدّقاق يقول : إِذا بكى المذنب فقد راسل الله .

وفي معناه أنشدوا :

ص:155


1) أخرجه الترمذي في كتاب :الدعوات عن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) ، باب :ما جاء في جامع الدعوات عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)(3479).

2) أخرجه الطبراني في «الأوسط» ؟ (6495)

3) سورة النمل، الآية : 62 .

دُمُوعُ الْفَتَى عَمّا يجن تترجمُ**** وأنفاسه تبلين ما القلبُ يَكْتُمُ

وقال بعضهم لبعض العارفين: أدعُ لي، فقال : كفاك من الإجابة ألاّ تجعل بينك وبينه واسطة.

ومنها التأسي، قال سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ(1)أي في مصابه، وما نيل منه في نفسه وفي أهله يوم أهله يوم أحُد، فلا تجزعوا إن أصيب بعضكم.

وجاء في الحديث المرفوع: «لا تنظروا إلَى مَنْ فَوْقَكُمْ، وانظروا إلى مَنْ دونكم، فإنّه أجدر الا تزدروا نِعَم الله عليكم »(2).

وقالت الخنساء ترثي أخاها :

ولولاً كَثرَةُ البَاكِين حَوْلِي ****عَلَى إخوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وَمَا يَبكُونَ مَثْلَ أخِي وَلَكِنْ ****أُعَنِّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتأسّي

وحقيقة التأسيّ تهوين المصائب والنوائب على النفس بالنظر إلى ما أصاب أمثالك، ومن هو أرفَعُ محلاً منك.

وقد فسَّر العلماء قوله تعالى: وَلَن يَنفَعَكُمُ اليَوْمَ إذ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(3)قال : إنّه لا يهون على أحدٍ من أهل النار عذابه، وإن تأسّى بغيره من المعذّيين، لأنّ الله تعالى جعل لهم التأسّي نافعاً في الدنيا، ولم يجعله نافعاً لأهل النار مبالغة في تعذيبهم، ونفياً لراحة تصل إليهم .

ومنها الفقر، وهو شعار الصالحين، قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): «اللهم أحيِنِي مِسْكِيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني مع المساكين »(4).

قال لعليّ(علیه السلام):« إنّ الله قد زيَّنك بزينة لم يزيَّن العبادَ بأحسنَ منها، وهَبَ لك حبّ

ص: 156


1) سورة الأحزاب، الآية : 21 .

2) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقاق ،(2963) والترمذي في كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع (2513)، وأحمد باب : مسند أبي هريرة (7400).

3) سورة الزخرف ،الآية : 39 .

4) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم (2352) وابن ماجه في كتاب: الزهد باب: مجالسته الفقراء (4126 ) .

المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعاً، ويرضون بك إماماً» (1).

وجاء في الخبر المرفوع : الفقراء الصُّبرُ جُلساء الله يوم القيامة»(2).

وسئل يحيى بن مُعاذ عن الفقرِ فقال : ألا تستغني إلا بالله .

وقال أبو الدّرداء : لأن أقَعَ من فوق قصرِ فاتحطّم أحبّ إليّ من مجالسة الغنيّ لأني سمعتُ

رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم )يقول : «إياكم ومجالسةَ الموتى»، فقيل له : وما الموتى؟ قال: «الأغنياء»(3).

قيل للربيع بن خيثم: قَدْ غَلا السعر ، قال : نحنُ أهونُ على الله من أن يُجيعنا، إنّما يجيع أولياء.

وقيل ليحيى بن معاذ ما الفقرُ ؟ قال : خوف الفقر .

وقال الشّبليّ : أدنى علامات الفقير أن لو كانت الدنيا بأسرها لواحد فأنفقها في يوم واحد، ثم خطر بباله: «لو أمسكت منها قوت يوم آخر!»، لم يصدق في فقره .

سئل ابن الجلاء عن الفَقْر فسكت ثم ذهب قليلاً، وعاد فقال : كانت عندي أربعة دوانيق فضّة، فاستحييت من الله أن أتكلّم في الفقر وهي عندي، فذهبت فأخرجتها، ثم قعد فتكلّم في الفقر.

وقال أبو علي الدّقاق في تفسير قوله(صلی الله علیه و آله و سلم) : «مَنْ تَوَاضَع يغني ذهب ثلثا دينه، إنّ المرء بقلبه ولسانه وجوارحه ،فمن تواضع لغني بلسانه وجوارحه، ذهب ثلثا دينه، فإن تواضع له مع ذلك بقليه ذهب دينه كلّه» (4).

ومنها الأدب، قالوا في تفسير قوله تعالى : مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا كَنَى (5): حفظ أدب الحضرة . قيل إنه(علیه السلام) لم يمدّ نظره فوق المقام الَّذِي أوصل إليه ليلة شاهد السَّدرة، وهي أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه البشريّون.

وفي الحديث المرفوع : «أدبني ربّي فأحسن تأديبي»(6).

ص: 157


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 347/36 .

2) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس »(4993) ، وابن عدي في «الكامل» (1860) .

3) أخرجه أبو نعيم في«الحلية» (351/2) .

4) أخرجه البيهقي في «الشعب» (8232) ، والديلمي في «مسند الفردوس» (5449).

5) سورة النجم ،الآية : 6 .

6) ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (164).

وقيل : إنّ الجنيد لم يمدّ رجلَه في الخلوة عشرين سنة، وكان يقول : الأدب مع الله أولَى من الأدب مع الخلق.

وقال ّأبو علي الدقاق : مَنْ صاحب الملوك بغير أدبِ، أسلمه الجهلُ إلى القتل.

ومن كلامه(صلی الله علیه و آله و سلم) : ترك الأدب يوجب الطّرد، فمن أساء الأدب على البساط، ردّ إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب، ردّ إلى ساحة الدّوابُ .

وقال عبد الله بن المبارك : قد أكثر النّاس في الأدب، وعندي أنّ الأدب معرفة الإنسان بنفسه .

وقال الثوري : من لم يتأدّب للوقت، فوقته مقت.

وقال أبو علي الدّقاق في قوله تعالى، حكايةً عن أيوب: إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ إِذْ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ (1). قال : لم يقل :« فارَحْمني» لأنه حفظ آداب الخطاب، وكذلك قال في قول : عيسى: إن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ(2)، قال : لم يقل: «لم أقل» رعاية لأدب الحضرة.

ومنها المحبّة ،وهي مقام جليل، قالوا : المحبّة أن تهبَ كُلَّك لمن أحببتَ، فلا يبقَى لك منك شيء.

قيل لبعض العرب ما وجدت من حبّ فلانة؟ قال : أرى القَمَر على جدارِها أحسنَ منه على جُدران الناس.

وقال أبو عبد الرحمن السُّلَميّ : المحبة أن تغار على محبوبك أن يحبّه غيرُك .

وقال النصر أباذي : المحبّة نوعان : نوع يُوجب حَقْنَ الدّماء، ونوع يوجب سفك الدماء.

وقال يحيى بن معاذ :المحبّة الخالصة لا تنقص بالجفاء، ولا تزيد بالبرّ .

وقيل للنصر أباذي : كيف حالك في المحبّة؟ قال : عدمتُ وصال المحبّين ورزقتُ حسراتهم، فهو ذا أنا أحترق فيها .ثم قال : المحبّة مجانبة السلوّ على كلّ حال .

وأنشدوا :

وَمَنْ كان في طول الهوى ذاق سَلوة*** فإني من ليلي لها غير دائِق

وأكثر شيء نلته من وصالها ***أماني لم تصدق كلمحة بارق

وجاء في الحديث المرفوع : «المرءُ مَعَ مَنْ أحبّ »(3)، ولما سمِعَ سمنون هذا الخبر، قال: فاز المحبّون بشرف الدنيا والآخرة، لأنّهم مع الله تعالى.

ص: 158


1) سورة الأنبياء، الآية : 83.

2) سورة المائدة، الآية : 116 .

3) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: علامة حب الله (6168) ، ومسلم في كتاب: البر والصلة ،باب: المرء مع من أحب (2641)، والترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء أن المرء مع من أحب (2385)، وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: إخبار الرجل الرجل بمحبته إياه .

وفي الحديث المرفوع:« لأعطيّن الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله » (1)، وهذا يتجاوز حدّ الجلالة والشرف.

وكان يقال : الحبّ أوّله خَتْلُ، وآخره قتل .

قيل : كتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد : سكرت من كثرة ما شربت من محبّته، فكتب إليه أبو يزيد :غيرك شرِب بحور السماوات والأرض، وما روي بعد ، ولسانه خارج، وهو يقول: هل من مزيد !

وأنشد :

عَجِبْتُ لمن يقول ذكرتُ حبّي*** وهَلْ أنسَى فأذكر ما نسيتُ!

شربتُ الحبّ كأساً بعد كأسِ*** فما نَقِد الشراب، ولا رَوِيتُ

وقيل : المحبة سكر لا يصحو صاحبه إلاّ بمشاهدة محبوبه ، ثمّ السكر الذي يحصلُ عند المشاهدة لا يوصف.

وأنشدوا :

فأسكر القومَ دَوْرُ كأسِ*** وكان سكري مِن المُدیرِ

ومنها الشوق ،جاء في الخبر المرفوع : إنّ الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: علي، وسَلمان، وعَمّار.

الشوق مرتبة من مراتب القوم، ومقام من مقاماتهم. سئل ابن عَطاء: الشَّوْق أعلَى أم المحبة؟ فقال: المحبّة ،لأنّ الشوق منها يتولّد .

ومن الأدعية النبوية المأثورة الدّعاء الذي كان يدعُو به عمّار بن ياسر رضي الله عنه : «اللّهمّ بعلمك بالغيب، وقدرتك على الخلق ، أحيني ما علمت الحياةَ خيراً لي، وتوقّني ما كانت الوفاة خيراً لِي. اللهمّ إني أسألُك خشيَتك في الغيب والشَّهادة، وأسألك كَلِمَة الحق في الرّضا والغضب، وأسألك القصد في الغني والفقر، وأسألك نعيماً لا يبَيِد، وقرة عينِ لا تنقطع، وأسألك الرّضا بعد القضاء، وبَرْد العيش بعد الموت ، وأسألك النَّظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، من غير ضرّاء مضرّة. اللهمّ زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين »(2).

ص: 159


1) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل من أسلم على يديه رجل (3009) ومسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة ذي قرد (1807) ، والترمذي في كتاب : المناقب ،باب: مناقب علي (3724) ، وابن ماجه في باب: فضل علي بن أبي طالب (117).

2) أخرجه النسائي في كتاب: السهو (1305) ، وأحمد في كتاب: أول مسند الكوفيين ، باب : بقية حديث عمار (17861) .

قالوا : الشوق احتياج القلب إلى لقاء المحبوب، وعَلَى قدر المحبّة يكون الشوق، وعلامة الشوّق حب الموت.

وهذا هو السرّ في قوله تعالى: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ(1)أي أنّ مَنْ كان صاحب محبة يتمنّى لقاء ،محبوبه ، فمن لا يتمنى ذلك لا يكون صادق المحبة .

قيل لبعض الصوّفية : هل تشتاق إليه ؟ فقال : إنّما الشوق إلى غائب، وهو حاضر لا يغيب.

وقالوا في قوله تعالى: مَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَاتِ(2): إنه تطييب لقرب المشتاقين .

ويقال : إنّه مكتوب في بعض كتب النبوّات القديمة : شوّقناكم فلم تشتاقوا ، وزَمَرْنا لكم قلم ترقُصوا، وخوّفناكم فلم ترهبوا، ونُحْنَا لكم فلم تحزنوا .

وقيل : إن شعيباً بكَى حتّى عمَي، فردّ الله إليه بصره، ثم بكى حتى عمِيَ، فردّ عليه بصره، كذلك ثلاثاً، فقال الله تعالى : «إن كان هذا البكاء شوقاً إلى الجنّة فقد أبحثُها لك، وإن كان خوفاً من النار فقد أجَرْتُك منها ». فقال : وحقّك لا هذا ولا هذا ،ولكن شوقاً إليك، فقال له : «لأجل ذلك أخدمتك نبتّي وكَلِيمي عشر سنين ».

ومنها الزهد ورفض الدنيا، قال سبحانه: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَعْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا(3).

وجاء في الخبر أنّ يوسف(علیه السلام) كان يجوع في ميني الجذب، فقيل له : أتجوعُ وأنت على خزائن مصر ! فقال : أخاف أن أشَبع فأنسى الجياع.

وكذلك قال عليّ(علیه لسلام) ، وقد قيل له : أهذا لباسُك، وهذا مأكولك، وأنت أمير المؤمنين!

فقال: نعم، إن الله فرضَ عَلَى أئمة العدل أن يقدّروا لأنفسهم كضَعَفة النّاسِ، كيْلاً يتبيغ بالفقير فقره (4)

ومنع عمر بن الخطاب نفسَه عام الرّمادة الدّسم، وقال: لا آكله حتى يصيبَه المسلمون جيمعاً .

وكان عمر بن عبد العزيز من أكثر الناس تنعُّماً، قبل أن يلِيَ الخلافة، قوّمت ثيابه حينئذ بألف دينار، وقُوّمت وهو يخطب النّاس أيام خلافته بثلاثة دراهم.

ص: 160


1) سورة البقرة، الآية : 94 .

2) سورة العنكبوت الآية : 5 .

3) سورة طه، الآية : 131 .

4) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 477/33 .

واعلم أنّ بعض هذه المراتب والمقامات التي ذكرناها للقوم قد يكون متداخلاً في الظاهر، وله في الباطن عندهم فرق يعرفه مَنْ يأنس بكتبهم، وقد أتينا في تقسيم مراتبهم وتفصيل مقاماتهم في هذا الفصل بما فيه كفاية .

218 - ومن كلام له(علیه السلام) قاله عند تلاوته

يَأَيُّهَا الإنسَنُ مَا فَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ )(1).

الأصل: أَدْحَضُ مَسْرُولٍ حُجَّةٌ ، وَأَقْطَعُ مُغْتَرٌ مَعْذِرَةٌ. لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةٌ بِنَفْسِهِ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ،

مَا جَرَّاكَ عَلَى ذَنْبِكَ ، وَمَا فَرَّكَ بِرَبِّكَ، وَمَا أَمْسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ! أَمَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمِكَ يَقَظَةٌ أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَم مِنْ غَيْرِكَ! فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ، أَوْ تَرَى المُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةٌ لَهُ!

فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ، وَجَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ، وَعَزَّاكَ عَنِ البُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ، وَهِيَ أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكَ، وَكَيْفَ لا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ، وَقَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ ! فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ، وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ، وَكُنْ الله مُطِيعاً ، وَ بِذِكْرِهِ آئِساً . وَتَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ، إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ، يَدْعُوكَ إِلَى عَفُوه، وَيَتَعَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ، وَأَنْتَ مُتَوَل عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ.

فَتَعَالَى مِنْ قَوِيٌّ مَا أَكْرَمَهُ وَتَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَاكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ! وَأَنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ، وَفِي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلبٌ فَلَمْ يَمْنَعْكَ فَضْلَهُ، وَلَمْ يَهْتِكُ عَنْكَ سِتْرَهُ، بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَيْنِ، فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ، أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ، أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ .

وَايْمُ الله لَوْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ، مُتَوَازِبَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ، لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمِ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَسَاوِي الْأَعْمَالِ.

وَحَقًّا أَقُولُ مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ، وَلَكِنْ بِهَا أَغْتَرَرْتَ، وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ، وَآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ .

ص: 161


1) سورة الانفطار، الآية 6.

وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبَلاءِ بِسْمِكَ، وَالتَّقْضِ فِي قُوَّتِكَ، أَصْدَقُ وَأَوْلَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ أَوْ تَغُرَّكَ. وَلَرُبَّ نَاصِحِ لَهَا عِنْدَكَ مُتَهَمْ، وَصَادِقٍ مِنْ خَبَرَهَا مُكَذَّبٌ وَلَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الخَاوِيَةِ، وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ، لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنٍ تَذْكِيرِكَ، وَبَلاغ مَوْعِظَتِكَ، بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْكَ، وَالصَّحِيحِ بِكَ وَلَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً ، وَمَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطْنَهَا مَحَلاً! وَإِنَّ السُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ، إِذَا َرجَفَتِ الرَّاحِفَةُ ، وَحَقَّتْ بِجَلاَئِلِهَا الْقِيَامَةُ ، ولَحِقَ بِكُلِّ مَنك أهله، وَبِكُل مَعْبُودٍ عَبدَتُهُ، وَبِكُلِّ مُطاعَ أَهْلُ طَاعَتِهِ، فَلَمْ يَجْرِ فِي عَدْلِهِ وَقِسْطِهِ يَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِي الْهَوَاءِ، وَلَا هَمْسُ قَدَمَ فِي الْأَرْضِ إِلا بِحَقِّهِ. فَكَمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاخِضَةٌ، وَعَلالِقِ عُذر مُنقَطِعَةٌ!

فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِكَ مَا يَقُومُ بِهِ عُشْرُكَ، وَتَنْبُتُ بِهِ حُجَّتُكَ، وَخُذْ مَا يَبْقَى لَكَ مِمَّا لَا تَبْقَى لَهُ، وَتَبَسَّرْ لِسَفَرِكَ، وَشِمْ بَرْقَ النَّجَاةِ، وَارْحَلْ عَطَايَا التَّشْمِير.

الشرج القائل أن يقول : لو قال : لاما غرك بربك العزيز أو المنتقم، أو نحو ذلك، لكان أولى

لأن للإنسان المعاتب أن يقول: غرني كرمك الذي وصفت به نفسك !

و جواب هذا أن يقال: إنّ مجموع الصفات صار كشيء واحد، وهو الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركّيك والمعنى: ما غرّ ك يربِّ هذه صفته، وهذا شأنه، وهو قادر على أن يجعلك في أي صورة شاء! فما الذي يؤمِّنك من أن يمسحك في صورة القرَدة والخنازير ونحوها من الحيوانات العجم. ومعنى الكريم ها هنا: الفيّاض على المواد بالصور ،ومَنْ هذه صفته ينبغي أن يُخاف منه تبديل الصورة.

قال (علیه السلام):« ادحض مسؤول حُجّة »المبتدأ محذوف، والحّجة الداحضة : الباطلة.

والمعذِرة بكسر الذال : العذر .

ويقال : لقد أبرح فلان جهالةً، وأبرح لؤماً، وأبرح ،شجاعة، وأتى بالبرح من ذلك، أي بالشَّديد العظيم. ويقال: هذا الأمر أبرحُ من هذا، أي أشدّ، وقتلوه أبرَح قَتل، وجهالة منصوب على التمييز.

وقال القطب الرّاونديّ : مفعول به، قال معناه : جلب جهالة إلى نفسه، وليس بصحيح، وأبرح لا يتعدّى ها هنا وإنّما يتعدّى «أبرح» في موضعين: أحدهما أبرحه الأمر أي أعجبه والآخر أبرحَ زيد عمراً، أي أكرمه وعظّمه .

قوله : «ما جرّاك» بالهمزة، وفلان جريء القوم ،أي مقدّمهم .

ص: 162

وما أنَّسك بالتشديد، وروي : «ما آنسك» بالمدّ، وكلاهما من أصل واحد، وتأنّست بفلان واستأنستُ بمعنى، وفلان أنيسي ومؤانسي، وقد أنّسني وآنسني كلّه بمعنى، أي كيف لم تستوحش من الأمور التي تؤدي إلى هلكة نفسك .

والبُلُول : مصدر بلّ الرجل من مرضه إذا برىء، ويجوز «أبلَّ»، قال الشاعر:

إذا بل من داء به ظن أنه ***نجاوبه الداء الذي هو قاتلُة

والضَّاحي لحرّ الشمس: البارز .وهذا داء ممضّ، أي مؤلم، أمضني الجرح إمضاضاً، ويجوز «مَضْني».

وروي: «وجلّدك عَلَى مَصَائبك»، بصيغة الجمع .

وبَيَات نقمة بفتح الباء: طروقها ليلاً، وهي من ألفاظ القرآن العزيز .

وتورّط : وقع في الورطة، بتسكين الرّاء، وهي الهلاك، وأصل الورطة أرضُ مطمئنة لا طريق فيها، وقد أورَطَه وورطه توريطاً، أي أوقعه فيها

والمدارج : الطرق والمسالك ويجوز انتصاب «مدارج »ها هنا لأنها مفعول به صريح، ويجوز أن ينتصب على تقدير حرف الخفض وحذفه، أي في مدارج سطواته .

قوله : و«تَمثل» أي وتصوّر.

ويتغمّدك بفضله، أي يسترك بعفوه، وسُمِّيَ العفو والصفح فضلاً، تسمية للنوع بالجنس.

قوله : «مَطْرَف عين» بفتح الراء، أي زمان طرف العين، وطرفها : إطباق أحدِ جفنيها على الآخر، وانتصابُ« مطرف »ها هنا على الظرفية، كقولك: وردت مقدمَ الحاجّ، أي وقت قدومهم .

قوله : «متوازيين في القُدرة»، أي متساويين، وروي : «متوازنين» بالنون.

والعظات :جمع عِظَة، وهو منصوب على نزع الخافض أي كاشفتك بالعظات، وروي جمع «العظاتُ» بالرفع على أنّه فاعل. وروي: «كاشفتك الغطاء».

وآذنتك، أي أعلمتك.

وعلى سواء، أي على عَدْل وإنصاف، وهذا من الألفاظ القرآنية.

والراجفة : الصيحة الأولى، وحقت بجلائلها القيامة، أي بأمورها العظام .والمنسِك : الموضع الذي تذبح فيه النسائك، وهي ذبائح القربان ويجوز فتح السين، وقد قرىء بهما في قوله تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا (1).

ص: 163


1) سورة الحج، الآية : 67 .

فإن قلت : إذا كان يلحق بكلِّ معبود عَبَدتُه ، فالنصارى إذن تلحق بعيسى، والغلاة من المسلمين بعليّ، وكذلك الملائكة، فما القول في ذلك؟

قلت، لا ضرر في التحاق هؤلاء بمعبوديهم، ومعنى الالتحاق أن يؤمَر الأتباع في الوقف بالتحيّز إلى الجهة التي فيها الرؤساء، ثم يقال للرؤساء: أهؤلاء أتباعكم وعبدتكم؟ فحينئذ يتبرؤون منهم، فينجو الرؤساء، وتهلك الأتباع، كما قال سبحانه: أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ فَقَالُوا سُبْحَنَكَ أَنتَ وَلِتُنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ (1)، أي إنّما كانوا يطيعون الشياطين المضلّة لهم، فعبادتهم في الحقيقة للشياطين لا لنا، وإنهم ما أطاعونا، ولو أطاعونا لكانوا مهتدين وإنما أطاعوا شياطينهم.

ولا حاجة في هذا الجواب إلى أن يقال ما قيل في قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دون الله(2)من تخصيص العموم بالآية الأخرى، وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم منَا الْحُسْنَى أُوْلَيْكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (3).

فإن قلت : فما قولك في اعتراض ابن الزّبعرَى على الآية، هل هو وارد؟

قلت: لا، لأنه قال تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَو «ما» لما لا يعقل، فلا يردُ عليه الاعتراض بالمسيح والملائكة :والذي قاله المفسرون من تخصيص العموم بالآية الثانية تكلّف غير محتاج إليه .

فإن قلت : فما الفائدة في أن قَرَن القوم بأصنامهم في النّار؟ وأي معنى لذلك في زيادة التعذيب والسخط ؟

قلت : لأنّ النظر إلى وجه العدوّ باب من أبواب العذاب، وإنّما أصاب هؤلاء ما أصابهم

بسبب الأصنام التي ضلُّوا بها، فكلّما رأوها معهم زاد عمّهم وحسرتهم.

وأيضاً فإنهم قدّروا أن يستشفعوا بها في الآخرة، فإذا صادفوا الأمر على عكس ذلك لم یکن شيء أبغضَ إليهم منها .

قوله :«فلم يَجْر» قد اختلف الرّواة في هذه اللفظة، فرواها قوم «فلم يجر» وهو مضارع «جَرى يجري»، تقول: ما الذي جرى للقوم؟ فيقول مَنْ سألته : قَدِم الأمير من السفر، فيكون المعنى على هذا: فلم يكن ولم يتجدّد في ديوان حسابه ذلك اليوم صغير ولا حقير إلاّ بالحقّ والإنصاف . وهذا مثل قوله تعالى: لَا ظُلْمَ الْيَوْمُ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)، ورواه قوم «فلم

ص: 164


1) سورة سبأ، الآيتان: 40، 41 .

2) سورة الأنبياء، الآية : 98 .

3) سورة الأنبياء، الآية : 101 .

4) سورة غافر، الآية : 17 .

يجز»، مضارع «جازَ يجوز» ، أي لم يسخ ولم يرخص ذلك اليوم لأحد من المكلّفين في حركة من الحركات المحقرات المستصغرات، إلا إذا كانت قد فعلها بحق، وعلى هذا يجوز فعل مثلها . ورواها قوم «فلم يَجُرُ» من «جار» ، أي عدل عن الطريق ،أي لم يذهب عنه سبحانه، ولم يضلّ ولم يشذ عن حسابه شيء من أمر محقّرات الأمور إلاّ بحقه، أي إلا ما لا فائدة في إثباته والمحاسبة عليه نحو الحركات المباحة والعبثيّة التي لا تدخل تحت التكليف.

وقال الراونديّ: «خَرْقُ بصَرٍ» مرفوع لأنه اسم ما لم يسمّ فاعله، ولا أعرف لهذا الكلام معنى.

والهمس الصوت الخفّي .

قوله : «فتحرّ من أمرك»، تحرّيت كذا، أي توخيّته وقصدته واعتمدته.

قوله : «وتيسّر لسفرك»، أي هيىء أسباب السّفر، ولا تترك لذاك عائقاً .

والشّيم : النظر إلى البرق .

ورحلت مطيتي، إذا شددت على ظهرها الرّحل ، قال الأعشى:

رَحَلَتْ سُمَيّةُ غَدْوَةٌ أَجْمَالَهَا ***غَضْبَى عَلَيْكَ فَمَا تَقَولُ بَدَالها

والتّشمير : الجدّ والانكماش في الأمر.

ومعاني الفصل ظاهرة، وألفاظه الفصيحة تعطيها وتدلّ عليها بما لو أراد المفسّر أن يعبّر عنه بعبارة غير عبارته(علیه السلام) لكان لفظه (علیه السلام)الأولَى أن يكون تفسيراً لكلام ذلك المفسّر.

219 - ومن كلام له (علیه السلام)لا في التبرؤ من الظلم

الأصل: وَالله لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً ، أَو أَجَرَّ فِي الأَغْلالِ مُصَفَّداً ، أَحَبُّ

إِلَيَّ مِنْ الْقَى الله وَرَسُولُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَغاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الحُطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُها ، وَيَقُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا !

وَالله لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ امْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ يُرْكُمْ صاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْتَ الشُّعُور، عُبْرَ الأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ، كأنَّما سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِم، وَعاوَدَنِي مُؤكّداً ، وكَرَّرَ ها عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدّداً ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي، فَظَنَّ أَنِّي أبيعُهُ دِينِي، وَاتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا ، فَضَجَ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ المِهَا ، وكادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مَيْسَمِهَا ، فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتْكَ التَّوَاكِلُ يا عَقِيلُ أتَيْنُ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وَتَجُرُّني إلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبه ! أتَيْنُ مِنَ الأذَى وَلاَ أَئِنُّ مِنْ لَظَى!

ص: 165

وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُونَةٍ فِي وِعَائِهَا، وَمَعْجُونَةٍ شَيْئتُهَا ، كَأَنَّمَا عجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ نَيْنِهَا ، فَقُلْتُ : أَصِلَةً أَمْ زَكَاةً أَمْ صَدَقَةٌ ؟فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَقَالَ : لا ذَا وَلا ذَاكَ، وَلَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ. فَقُلْتُ: هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ ! أَعَنْ دِينِ الله أَتَيْتَنِي لِتَخْدَهَنِي !أَمُخْتَبِطُ أَمْ ذُو جِنَّةٍ أَمْ تَهْجُرُ! وَالله لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاكِهَا ، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهُ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ، وَإِنْ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَة ، تَقْضَمُهَا .

مَا لِعَلِي وَلَنَعِيمٍ يَفْنَى ، وَلَذَّةٍ لا تَبْقَى نَعُوذُ بِالله مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ، وَقُبْح الزلل، وَبِهِ نَسْتَعِينُ .

الشرح : السَّعدَان : نبتُ ذو شوك، يقال له : حَسَك السّعدان وحَسَكة السعدان، وتشبه به حلَمة

التّدي فيقال : سَعْدانة الثنْدُوَة، وهذا النبت من أفضل مراعي الإبل، وفي المثل «مَرْعَى ولا كالسَّعْدان»، ونونه زائدة، لأنه ليس في الكلام «فَعلال» غير مضاعف، إلاّ «خَزْعال» وهو ظلع يلحق الناقة، و«قهقَار»، وهو الحجر الصلب، و«قسطال» وهو الغبار.

والمسهّد : الممنوع النوم، وهو السهاد .

والأغلال القيود. والمصفّد: المقيّد والحُطَام: عروض الدنيا ومتاعها، شبّه لزواله وسرعة فنائه بما يتحطّم من العيدان ويتكسّر .

ثم قال : كيف أظلم الناس لأجل نَفْسٍ تموت سريعاً - يعني نَفْسه(علیه السلام)!

فإن قلت : أليس قوله : «عن نَفْسٍ يسرع إلى البِلى قُفولها» يشعر بمذهب من قال بقدم الأنفس، لأنّ الققُول الرجوع، ولا يقال في مذهبه للمسافرة : قافلة إلا إذا كانت راجعة .

قلت : لا حاجةَ إلى القول بقدّم الأنفس محافظة على هذه اللفظة، وذلك لأن النفس إذا كانت حادثة فقد كان أصلها العدم، فإذا مات الإنسان عدمت نفسه فرجعت إلى العدم الأصليّ، وهو المعبّر عنه بالبلى .

وأملق : افتقر ، قال تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُم مِّنْ إمْلَقٍ(1).

واستماحني : طلب منّي أن أعطيَه صاعاً من الحنطة ،والصاع أربعة أمداد، والمُد رطل وثلث، فمجموع ذلك خمسة أرطال، وثلث رطل، وجمع الصاع أصوع، وإن شئت همزت. والصُّواع لغة في الصاع ، ويقال : هو إناء يشرب فيه .

ص: 166


1) سورة الأنعام، الآية: 151.

والعظلِم ، بالكسرة في الحرفين : نَبت يصبغ به ما يراد اسوداده، ويقال: هو الوَسمة : وشعث الألوان، أي غُبر .

وأصغيت إليه : أملْتُ سمعي نحو .

وأتّبع قياده : أطيعه وأنقاد له .

وأحميت الحديدة في النار، فهي محمَاة، ولا يقال : حَمِيت الحديدة.

وذي دَنف، أي ذي سقم مؤلم.

ومن ميسمها : من أثرها في يده.

وثكلتك التّواكلُ، دَعاء عليه، وهو جمع ثاكلة، وفواعل لا يجيء إلا جمع المؤنث إلا فيما شذّ، نحو فوارس، أي ثكلتك نساؤك.

قوله : «أحماها إنسانُها»، أي صاحبها ، ولم يقل «إنسان»، لأنّه يريد أن يقابل هذه اللّفظة بقوله :«جبّارها ».

وسَجَرها، بالتخفيف أوقدها وأحماها والسَّجور ما يسجر به التنّور .

قوله :«بملفوفة في وعائها»، كان أهدى له الأشعث بن قيس نوعاً من الحَلواء تأنّق فيه، وكان(علیه السلام) يُبغض الأشعث، لأنّ الأشعث كان يُبغضه، وظنّ الأشعث أنّه يستميله بالمهاداة لغرض دنيويّ كان في نفس الأشعث، وكان أمير المؤمنين(علیه السلام) يفطِن لذلك ويعلمه، ولذلك رة هدية الأشعث، ولولا ذلك لقبلها ، لأنّ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) لال قبل الهدية، وقد قِبل عليّ(علیه السلام) هدايا جماعة من أصحابه، ودعاه بعضُ مَنْ كان يأنس إليه إلى حَلْوَاء عملها يوم نوروز فأكل وقال : لم عَمِلْتَ هذا ؟ فقال : لأنه يوم ،نوروز، فضحك. وقال : نَوْرزُوا لنا في كل يوم إن استطعتم .

وكان من (علیه السلام)لطافة الأخلاق وسجاحة الشيمَ على قاعدة عجيبة جميلة، ولكنه كان ينفر عن قوم كان يعلم من حالهم الشنآن له ، وعمّن يحاول أن يصانعه بذلك عن مال المسلمين، وهيهات حتى يلين لضرْس الماضع الحجر !

وقال :بملفوفة في وعائها، لأنّه كان طبق مغطى .

ثم قال: «ومعجونة شَنتتُها» ، أي أبغضتها ونفرت عنها. كأنها عجنت بريق الحيّة أو بقينها ، وذلك أعظم الأسباب للنّفرة من المأكول.

وقال الراونديّ: وصفها باللطافة فقال : كأنها عُجنَتْ بريق الحيّة، وهذا تفسير أبعد من الصحيح.

قوله :«أصِلَةٌ ، أم زكاة أم صدقة، فذلك محرم علينا أهل البيت!»، الصّلة: العطيّة لا يراد

ص: 167

بها الأجر، بل يراد وصلة التقرب إلى الموصول، وأكثر ما تُفْعَل للذِّكر والصّيت . والزكاة: ما تجب في النّصاب من المال.

والصدقة ها هنا صدقة التّطوّع، وقد تسمّى الزكاة الواجبة صدَقة، إلا أنها هنا هي النافلة .

فإن قلت: كيف قال :« فذلك محرّم علينا أهل البيت»، وإنما يحرم عليهم الزكاة الواجبة خاصة، ولا يحرم عليهم صدقة التطوّع، ولا قبول الصلات؟ قلت: أراد بقوله : «أهل البيت» الأشخاصَ الخمسة: محمداً، وعليًّا، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً (علیه السلام)، فهؤلاء خاصة دون غيرهم من بني هاشم، محرّم عليهم الصلة وقبول الصدقة، وأمّا غيرهم من بني هاشم فلا يحرُم عليهم إلا الزكاة الواجبة خاصّة .

فإن قلت: كيف قلت: إنّ هؤلاء الخمسة يحرُم عليهم قبول الصِّلات، وقد كان حسن وحسين (علیه السلام)يقبلان صِلَة معاوية؟

قلت :كلاً لم يقبلا صلته ومعاذ الله أن يقبلاها ! وإنما قبِلا منه ما كان يدفعه إليهما من جملة حقهما من بيت المال، فإنّ سهم ذوي القربى منصوص عليه في الكتاب العزيز، ولهما غیر سهم ذوي القربي سهم آخر للإسلام من الغنائم .

قوله : «هبلتك الهَبُول» أي ثكلتك أمّك، والهَبُول التي لها عادة بشكل الولد .

فإن قلت: ما الفرق بين مختبط، وذي جنّة، ويهجر؟

قلت : المختبط : المصروع من غَلَبة الأخلاط السوداوية أو غيرها عليه، وذو الجنّة مَنْ به مسِّ من الشيطان والذي يهجُر هو الذي يهذِي في مرض ليس بصرَع كالمحموم والمبرسَم ونحوهما .

وجُلب الشّعيرة، بضم الجيم: قشرها، والجُلب والجُلبة أيضاً جليدة تعلو الجرح عند البرء، يقال منه : جلب الجرح يجلب ويجلُب، وأجلب الجرح أيضاً، ويقال للجليدة التي تجعل على القتب جُلْبة أيضاً .

وتقضَمها بفتح الضاد والماضي قَضِم بالكسر.

وعَقِيل ،هو عَقِيل بن أبي طالب - (علیه السلام)- بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، أخو أمير المؤمنين(علیه السلام) لأمّه وأبيه ، وكان بنو أبي طالب أربعة:طالب، وهو أسنّ من عَقيل بعشر

ص: 168

سنين، وعَقِيل وهو أسنّ من جعفر بعشر سنين، وجعفر وهو أسنّ من علي بعشر سنين، وعليّ وهو أصغرهم سِنُّا، وأعظمهم قَدْراً ، بل وأعظم الناّس بعد ابن عمّه قَدْراً .

وكان أبو طالب يحبّ عقيلاً أكثر من حبّه سائرَ بنيه فلذلك قال للنبيّ(علیخ السلام) وللعباس حين

أَتَيَاه ليقتسما بنيه عامَ المخل، فيخفّفا عنه ثَقَلهم: «دَعُوا لي عَقِيلاً، وخذوا مَنْ شئتم»، فأخذ العبّاس جعفراً، وأخذ محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) عليا(علیه السلام)

وكان عَقِيل يكنَى أبا يزيد ،قال له رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : «يا أبا يزيد ،إنّي أحبّك حُبّين : حبَّا لقرابتك منّي، وحبا لما كنت أعلم من حبّ عَمّي إياك »(1).

أخرِج عَقِيلٌ إلى بدر مكرَهاً كما أخرج العبّاس، فأُسِرَ وفُدِيَ، وعاد إلى مكّة، ثم أقبل مسلماً مهاجراً قبل الحديبية، وشهد غزاة مُؤتة مع أخيه جعفر(علیه السلام) ، وتوفَّيَ في خلافة معاوية في سنة خمسين، وعمره ست وتسعون سنة .

وله دارُ بالمدينة معروفة، وخرج إلى العراق، ثم إلى الشّام، ثم عاد إلى المدينة، ولم يشهد مع أخيه أمير المؤمنين(علیه السلام) شيئاً من حروبه أيّام خلافته، وعرض نفسَه وولده عليه فأعفاه، ولم يكلّفه حضور الحرب.

وكان أنسَب قريشِ وأعلمَهم بأيامها ، وكان مبغّضاً إليهم، لأنه كان يعدّ مساوئهم .

وكانت له طِنفِسة تطرَحُ في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )، فيصلّي عليها، ويجتمع إليه الناس في علم النسب وأيّام العرب، وكان حينئذ قد ذهب بصرُه، وكان أسرع النّاس جواباً؟وأشدَّهم عارضة .

كان يقال : إنّ في قريش أربعةً يُتحاكم إليهم في علم النّسب وأيام قريش، ويرجع إلى قولهم : عَقِيل بن أبي طالب، ومَحْرَمة بن نَوفل الزّهري، وأبو الجهم بن حُذَيفة العدويّ، وحويط بن عبد العُزّى العامري .

واختلف الناس في عَقِيل ، هل التحَق بمعاوية وأمير المؤمنين(علیه السلام) حيّ؟ فقال قوم: نعم، وروَوْا أن معاوية قال يوماً وعقيل عنده : هذا أبو زيد، لولا علمه أني خيرُ له من أخيه لما أقام عندنا وتركه . فقال عَقِيل : أخي خيرٌ لي في ديني وأنت خيرٌ لي في دنياي، وقد آثرتُ دنياي، أسأل الله خاتمة خير.

وقال قوم: إنه لم يَعُدْ إلى مُعاوية إلا بعد وفاة أمير المؤمنين(علیه السلام) ، واستدلُّوا على ذلك

ص: 169


1) أخرجه الحاكم في «المستدرك»(6464) ، والطبراني في «الكبير»(510 ) .

بالكتاب الذي كتبه إليه في آخر خلافته، والجواب الذي أجابه(علیه السلام) ، وقد ذكرناه فيما تقدم، وسيأتي ذكره أيضاً في باب كتبه(علیه السلام) ، وهذا القول هو الأظهر عندي .

وروى المدائني ، قال : قال معاوية يوماً لعَقيل بن أبي طالب : هل من حاجة فأقضيها لك؟ قال : نعم جارية عُرضت عليّ وأبى أصحابُها أن يبيعوها إلاّ بأربعين ألفاً، فأحبّس معاويةُ أن يمازحَه فقال: وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفاً وأنت أعمى تجتزىء بجارية قيمتها خمسون درهماً !قال: أرجو أن أطأها فتلد لي غلاماً إذا أغضبتَه يضرب عنقك بالسيف. فضحك معاوية : وقال : ما زحناك يا أبا يزيد! وأمر فابتَيعت له الجارية التي أولد منها مُسلِماً ، فلما أنت على مسلم ثماني عشرة سنة - وقد مات عَقِيل أبوه - قال لمعاوية : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) إنّ لي أرضاً بمكان كذا من المدينة، وإني أعطيتُ بها مائة ألف، وقد أحببت أن أبيعَك إياها ، فادفع إليّ ثمنها، فأمر معاوية بقبض الأرض، ودفع الثمن إليه .

فبلغ ذلك الحسين(علیه السلام) ، فكتب إلى معاوية : أما بعدُ فإنك غررت غلاماً من بني هاشم، فابتعتَ منه أرضاً لا يملكها ، فاقبض من الغلام ما دفعتَه إليه، واردد إلينا أرضَنا .

فبعث معاوية إلى مسلم فأخبره ذلك، وأقرأه كتاب الحسين(علیه السلام) ، وقال : اردُد علينا مالنا، وخذ أرضك، فإنّك بعتَ ما لا تملك، فقال مسلم : أما دونّ أن أضربَ رأسك بالسيف فلا ،فاستلقى معاوية ضاحكاً يضرب برجليه فقال : يا بنيّ هذا والله كلام قاله لي أبوك حين ابتعتُ له أمك .

ثم كتب إلى الحسين : إني قد رددت عليكم الأرض، وسوّغُتُ مسلماً ما أخذ. فقال الحسين(علیه السلام) : أبيتم يا آل أبي سفيان إلاّ كرَماً !

وقال معاوية لعَقِيل: يا أبا يزيد، أين يكون عمّك أبو لهب اليوم؟ قال : إذا دخلت جهنم ،فاطلبه تجده مضاجعاً لعمتك أم جميل بنت حرب بن أمية .

وقالت له زوجته ابنة عتبة بن ربيعة يا بني هاشم، لا يحبّكم قلبي أبداً، أين عَمّي؟ أين أخي؟ كأن أعناقهم أباريق الفضة ترى آنافهم الماء قبل شفاههم، قال: إذا دخلت جهنم فخذِي عَلَى شمالك .

سأل معاوية عَقِيلاً عن قصة الحديدة المحمّاة المذكورة، فبكى وقال : أنا أحدّثك يا معاوية عنه، ثم أحدثّك عمّا سألت، نزل بالحسين ابنه ،ضيف فاستسلف درهماً اشتری به خبزاً ،

ص: 170

و احتاج إلى الإدام فطلب من قَنبر خادمهم، أن يفتح له زِقًا من زقاق عسل جاءتهم من اليمن، فأخذ منه رطلاً ، فلمّا طلبها (علیه السلام) ليقسِمها ، قال :يا قنبر ،أظنّ أنه حدث بهذا الزقّ حدث ! فأخبره، فغضب (علیه السلام)، وقال : عليّ بحسين! فرفع عليه الدرّة، فقال : بحقّ عمّي جعفر - وكان إذا سئل بحقّ جعفر سَكن - فقال له : ما حملك أن أخذت منه قبل القسمة؟ قال: إنّ لنا فيه حقاً، فإذا أعطيناه رددناه، قال: فداك أبوك! وإن كان لك فيه حق، فليس لك أن تنتفع بحقك

! قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم! أما لولا أنّي رأيتُ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يقبل ثنيّتك لا وجعتُك ضرباً . ثم دفع إلى قنبر درهماً كان مصروراً في ردائه، وقال: اشترِ به خیر عسلِ تقدر عليه .

قال عقيل : والله لكأني أنظر إلى يدي عليّ، وهي عَلَى فم الزّق، وقنبر يقلِب العسل فيه، ثم شدّه وجعل يبكي ويقول : اللهّم اغفِر لحسين فإنه لم يعلم !

فقال معاوية : ذكرت من لا ينكر فضله، رحم الله أبا حسن، فلقد سبق مَنْ كان قبله، وأعجز مَنْ يأتي بعده! هلم حديث الحديدة .

قال: نعم، أقويت وأصابتني مخمصَة شديدة، فسألته فلم تندَ صفاتُه، فجمعت صبياني وجئته بهم، والبؤس والضرّ ظاهران عليهم، فقال: ائتني عشية لأدفع إليك شيئاً، فجئته يقودني أحد ولدي فأمره بالتنحّي ،ثم قال : ألا فدونك، فأهويت - حريصاً قد غلبني الجشع، أظنها صرّة - فوضعتُ يدي عَلَى حديدة تلتهب ناراً ، فلمّا قبضتها نبذتها ،وخُرْت كما يخور الثور تحت يد جازره، فقال لي : ثكلتك أمّك ! هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا، فكيف بك وبي غداً إن سُلِكنا في سلاسل جهنم! ثم قرأ :إذِ الأَعْلَلُ في أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ(1).

ثم قال : ليس لك عندي فوق حقُك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى، فانصرف إلى أهلك.

فجعل معاوية يتعجّب، ويقول : هيهات هيهات !عَقِمت النساء أن يلدن مثله !

220 ومن دعاء له(علیه السلام) كان يدعو به

الأصل: اللهمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ، وَلا تَبْذُلْ جَاهِي بِالإِقْتَارِ، فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ،

وَأَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ، وَأَبْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي، وَأُفْتَنَ بِدَمٌ مَنْ مَنَعَنِي، وَأَنْتَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كلّهِ وَليُّ الإِعْطَاءِ وَالمَنْعِ، وَإِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2).

ص: 171


1) سورة غافر، الآية : 71 .

2) سورة آل عمران، الآية: 26.

الشرح: صُنْ وجهي باليسار أي استره بأن ترزقَني يَساراً وثروة، أستغني بهما عن مساله

الناس.

ولا تبذل جاهي بالإقتار، أي لا تسقط مروءتي وحزمتي بين الناس بالفقر الذي أحتاج مع إلى تكفّف الناس .

وروي أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الجواد رقّت حاله في آخر عمره، لأنّ عبد الملك جفاهُ فراح يوماً إلى الجمعة، فدعا فقال : اللهمّ إنك عَوّذتِني عادة جريتُ عليها، فإن كان ذلك قد انقضى، فاقبضني إليك . فلم يلحق الجمعة الأخرى.

وكان الحسن بن عليّ(علیه السلام) يدعو فيقول : «اللهمّ وسُعْ عليّ فإنه لا يسعني إلا الكثير».

قوله: «فأسترزق» منصوب لأنه جواب الدعاء، كقولهم: ارزقني بعيراً فأحجَّ عليه . بيّن (علیه السلام)كيفية تبذّل جاهه بالإقتار، وفسّره فقال : بأن أطلب الرزق ممّن يطلب منك الرزق .

وأستعطف الأشرار من النّاس، أي أطلب عاطفتهم وإفضالهم، ويلزم من ذلك أمران محذوران :

أحدهما أن أبتلى بحمد المعطي .

والآخر أن أفتتن بذمّ المانع .

قوله (علیه السلام): «وأنت من وراء ذلك كلّه» مثل يقال للمحيط بالأمر، القاهر له ،القادر عليه،

كما نقول للملك العظيم : هو من وراء وزرائه وكتّابه ،أي مستعدّ منهيّىء لتتبّعهم وتعقّبهم ،و اعتبار حركاتهم، لإحاطته بها وإشرافه عليها .

ووليّ، مرفوع بأنّه خبر المبتدأ، ويكون خبراً بعد خبَر ، ويجوز أن يكون «وليّ» هو الخبر، ويكون «من وراء ذلك»، جملة مركّبة من جار ومجرور منصوبة الموضع، لأنّه حال.

221 - ومن خطبة له (علیه السلام)في التنفر من الدنيا -

اشارة

الأصل: دَارٌ بِالْبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ. لا تَدُومُ أَحْوَالُهَا ، وَلَا يَسْلَمُ نُزِّالُهَا . أَحْوَالٌ

مُخْتَلِفَةٌ، وَنَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ ، وَالأمانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ، وَإِنَّمَا أَهْلُها فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدِفَةٌ، تَرْمِيهِمْ بِسهَامِهَا ، وَتُفْنيهمْ بِحِمَامِهَا .

ص: 172

وَاعْلَمُوا عِبَادَ الله أَنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ، مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً ، وَأَعْمَرَ دِيَاراً ، وَأَبْعَدَ آثَاراً ، أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةٌ، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدةً، وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةٌ، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةٌ ، وآثارُهُمْ ،عافِيَةٌ، فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ المُشَيَّدَةِ، وَالنَّمَارِقِ المُمَهَّدَةِ، الصُّحُورَ وَالأَحْجَارَ الْمُسْنَدَةَ، وَالْقُبُورَ اللاطنة المُلْحَدَةَ، الَّتي قَدْ بُنِي عَلى الخَرَابِ فِنَاؤُهَا ، وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا ، فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ، بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ، وَأَهْلِ فَرَاغِ مُتشَافِلِينَ، لاَ يَسْتَأْنِسُونَ بِالأوطان، وَلَا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصل : الْجِيرَانِ عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الجِوَارِ، وَدُنُو الدَّارِ ، وَكَيْفَ يَكُونَ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَاكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى !

وَكانَ قَدْ صِرْتُمْ إلى ما صارُوا إِلَيْهِ، وَارْتَهنكُمْ ذَلِكَ الْمَضْجَعُ، وَضَمَّكُمْ ذَلِكَ المُسْتَوْدَعُ . فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ ، وَبُعْثِرَتْ الْقُبُورُ :وَهُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ(1)

الشرح بالبلاء محفوفة : قد أحاط بها من كلِّ جانب. .

وتارات جمع تارة، وهي المرة الواحدة .ومتصرّفة : منتقلة متحوّلة .

ومستهدِفة بكسر الدال منتصبة مهيّئة للرمي، وروي : «مستهدَفة» بفتح الدال على المفعولية، كأنها قد استهدفها غيرُها، أي جعلها أهدافاً .

ورياحهم راكدة :ساكنة. وآثارهم عافية : مندرسة .

والقصور المشيّدة العالية، ومن روى:« المشِيدة »بالتخفيف وكسر الشين، فمعناه المعمولة بالشِّيد، وهو الجِصّ .

والنمارق: الوسائد.

والقبور المُلْحَدَة : ذوات اللحود .

وروي :« والأحجار المسنّدة »بالتشديد .

قوله(علیه السلام) : «قد بُنِي على الخراب فناؤها»، أي بنيت لا لتسكن الأحياء فيها كما تبنى منازل أهل الدنيا .

ص: 173


1) سورة يونس، الآية: 30 .

والكلكل الصدر، وهو ها هنا استعارة.

والجنادل الحجارة .وبعثرت القبور: أثيرت .

وتبلو كلّ نفس ما أسلفت :تخبر وتعلم جزاء أعمالها، وفيه حذف مضاف، ومن قرأ :«تتلو» بالتاء بنقطتين، أي تقرأ كلّ نفس كتابها. وضلّ عنهم ما كانوا يفترون : بطل عنهم كانوا يدّعونه ويكذبون فيه من القول بالشركاء وأنهم شفعاء .

ذم الدنيا في شعر بعض الشعراء

ومن كلام بعض البلغاء في ذم الدنيا : أمّا بعد فإن الدنيا قد عاتبت نفسها بما أبدت من تصرّفها، وأنبأت عن مساوئها بما أظهرت عن مصارع أهلها، ودلت على عوراتها بتغيّر حالاتها، ونطقت السنةُ العِبر فيها بزوالها، وشهد اختلافُ شؤونها على فنائها، ولم يبق لمرتاب فيها ريب، ولا ناظر في عواقبها شكّ، بل عَرَفها جلُّ مَنْ عرفها معرفة يقين، وكشّفوها أوضحَ تكشيف، ثم اختلجتهم الأهواء عن منافع العلم، ودلّتهم الآمال بغرور، فلجّجت بهم في غمرات العجز، فسبحوا في بحورها موقنين بالهلكة، ورتعوا في عِراصها عارفين بالخدعة، شكَّا، وعلمهم جهلاً، لا بالعلم انتفعوا ،ولا بما عاينوا اعتبروا .قلوبهم عالمة جاهلة، وأبدانهم شاهدة غائبة، حتى طرقتهم المنيّة، فأعجلتهم عن الأمنيّة، فبغتَتهم القيامة، وأورثتهم الندامة، وكذلك الهوى حلَت مذاقَتُه، وسمّت عاقبته، والأمل يُنْسَى طويلاً، ويأخذ وشيكاً، فانتفع امرؤ ،بعلمه وجاهد هواه أن يضلّه وجانب أمله أن يغرّه، وقَوِیَ يقينه على العمل، ونفى عنه الشكّ بقطع الأمل، فإنّ الهوى والأمل إذا استضعفا اليقين صَرَعاه، وإذا تعاونا على ذي غفلة خدعاه، فصريعهما لا ينهض سالماً، وخديعهما لا يزال نادماً، والقويّ مَنْ قويَ عليهما، والحازم من احترس منهما . ألبسنا الله وإياكم جُنّة السلامة، ووقانا وإياكم سوء العذاب .

كان عمر بن عبد العزيز إذا جلس للقضاء قرأ : أَفَرَوَيْتَ إِن فَتَعَنَهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يوعدون ما أغف عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(1).

قال منصور بن عمّار لأهل مجلس :ما أرى إساءة تكبُر على عفو الله فلا تيأس، وربما آخذ

الله على الصغير فلا تأمن، وقد علمت أنّك بطول عفو الله عنك عمّرت مجالس الاغترار به، ورضيت لنفسك المقام على سخطه، ولو كنت تعاقِبُ نفسَك بقدر تجاوزُه عن سيئاتك، ما استمرَّ بك لجاج فيما نُهيتَ عنه، ولا قصرت دون المبالغة فيه ،ولكنك رهين غفلتك، وأسير خَيرتك .

ص: 174


1) سورة الشعراء، الآيات : 205 - 207 .

بهم

قال إسماعيل بن زياد أبو يعقوب : قدم علينا بعبّادان راهبُ من الشام، ونزل دير ابن أبي

كَبشة، فذكروا حكمة ،كلامه فحملني ذلك على لقائه، فأتيته وهو يقول : إن الله عباداً سمَتْ هممُهم فهو وا عظيم الذخائر، فالتمسوا من فضل سيدهم توفيقاً يُبلِغهم سُمُوَّ الهمم فإن استطعتم أيُّها المرتحلون عن قريب أن تأخذوا ببعض أمرهم، فإنهم قوم قد ملكت الآخرة قلوبَهم، فلم تجد الدنيا فيها ملبساً ، فالحزن بثهم، والدمع راحتهم، والدؤوب وسيلَتُهم، وحسن الظنّ قربانهم ،يحزنون بطول المكث في الدنيا إذا فرح أهلها، فهم فيها مسجونون، وإلى الآخرة منطلقون .

فما سمِعت موعظة كانت أنفعَ لي منها .

ومن جيد شعر أبي نواس في الزهد :

يابني النَّقْصِ والغير*** وبني الضَّعْفِ والخوز

وبني البعْدِ في الطّبا*** ع على القُرْبِ في الصُّوَر

والشُكول التي تبا*** ينُ في الطول والقِصَرْ

أينَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ***مِنْ ذَوِي الْباسِ والخَطَرْ

سائلوا عنهم المدَا ***ين واستبحثوا الخَيْر

بقونا إلى الرحي*** ل وإنَّ لبالأثر

مَنْ مَضَى عِبْرَةٌ لَنَا ***وَغَدانَحْنُ مُعْتَبَرْ

إنّ للوت أخذَةٌ ***تسبق اللّمْح بالبَصْر

فكاني بكم غَداً*** في ثيياب من المدر

قدنُقِلْتُم من القُصُور*** إلى ظُلْمَةِ الحُفَر

حيث لا تضرب القبا ***ب عليكم ولا الحُجَر

حیث لا تطربون منه***لِلخَوِ ولا سَمَر

رحِم الله مسلِما***ذَکر الموت فازدَجَر!

رحم الله مومنا***خاف فاستشعر الحذر!

ومن جيّد شعر الرضيّ أبي الحسن رحمه الله في ذكر الدنيا وتقلبها بأهلها :

وهل نحن إلا مرامي السَّها ***م فزها نابلُ دائبُ

ص: 175

نُسَرُّ إذا جازنا طائشُ*** ونجزعُ إِنْ مَسَنا صائبُ

في يومِنَا قَدَرٌ لابدُ*** وعندغد قَدَرٌ واثِبُ

, طرائد تطردها النائبات*** ولا بد أن يدرِكَ الطَّالِبُ

أرى المرء يفعل فعل الحدي*** دوهو غداً حَمَاً لازبُ

عواريُّ من سَلَبِ الهالكينَ*** يمديداً نحوها السالبُ

لنا بالردى موعد صادقُ*** ونيل المُنَى موعدُ كاذبُ

حبائلُ للدهرِ مبثوثةٌ*** يُرَدّ إلى جذيها الهاربُ

وكَيْف تُجاوِز غاياتنا ***وقد بلغ المورد القاربُ

نصبح بالكأس مجدوحة ***ذُعافاً، ولا يعلم الشاربُ

وقال أيضاً، وهي من محاسن شعره:

ما أقلّ اعتبارنَا بالزَّمَانِ*** وأشدّ اغترارنا بالأماني!

وقفاتُ على غرور، وإقدا ***م على مُزَلقٍ من الحدَثَانِ

في حروب مع الردى فكأنا ال*** يومَ في هُدْنَةٍ مع الأزمانِ

وكفانا مذكراً بالمنايا ***عِلْمُنَا أننا من الحَيَوانِ

كلّ يوم رزيّة بفلانِ*** ووقوعُ من الرَّدَى بفلانِ

كم تراني أُضِلُّ نفساً والهُو*** فكاني وثقت بالوجدانِ

قل لهذي الهوامل استوقفي السي***ر أو استنشِدِي عن الأعْطَانِ

واستقيمي قد ضمَّك اللَّقَمُ النَّهْ*** ج وغنّى وراءك الحادِيان

كم مَحيداً عن الطريق وقد ضَ***رّح خَلْجُ البُرَى وجذب العِرَان

ننثني جازعين من عدوة الده*** رِ ونرتاع للمنايا الرَّوَاني

جفلة السِّرب في الظلام وقد ذُع***ذع روعاً من عدوة النُّوبَانِ

ثم نَنْسَى جرحَ الحِمَامِ وإنْ كا*** ن رغيباً يا قرب ذا النسيان!

كلّ يوم تزايل من خليطِ*** بالرّدى، أو تباعد من دانِ

وسواء مضى بنا القدر الجِ*** دّ عَجُولاً ، أو ماطل العَصرانِ

وأيضاً من هذه القصيدة :

ص: 176

قد مررنا على الديار خُشوعاً ***ورأينا البنا، فأين الباني!

وجَهِلْنَا الرُّسومَ ثم عَلِمْنَا*** فذكَرْنا الأوطار بالأوطانِ

التفاتاً إلى القُرون الخوالي*** هل ترى اليوم غير قرن فان!

أين رب السدير فالحيرة البي*** ضَاء، أم أين صاحب الإيوان!

والسيوف الحداد من آل بدرِ*** والقنا الصم من بني الرَّيَّانِ

طردتهم وقائع الدهر عن لع*** لمع طرد السَّفَاف عن نَجْرَانِ

والمواضي من آل جفنة أرْسَى*** طُنُبا ملكهم على الجولانِ

يكرعون العُقار في فلق الإب*** ریز گرْع الظُّماء في الغُدْرَانِ

من أباة اللّعْنِ الذين يُحيو*** ن بها في معاقد التیجانِ

تتراءاهم الوفود بعيداً ***ضاربين الصُّدُور بالأذْقَانِ

في رياضِ من السَّماخ حَوال ***وجبال من رِزانِ

وهم الماء لَذَّ للناهل الظّم*** آن بَرْداً والنّارُ للحيران

كُلُّ مستيقظ الجنان إذا أظلَ ***مَليلُ النَّوَّامة المبطَان

يغتدي في السِّبَاب غير شجاع*** ويُرى في النزال غير جبان

مائنت عنهم المنون يداً شو ***المنون يداً شو كاءَ أطرافها من المرَّانِ

عطف الدَّهْرُ فَرْعَهُمْ فرآه*** بعد بعد الذرا قريب المجاني

وثنتهم بعد الجماح المنايا ***في عِنانِ التسليم والإذعان

عُطلت منهم المقاري وباخث*** في حماهم مواقد النّيران

ليس يَبْقى على الزَّمانِ جريء ***في إباء، أو عاجز في هَوَانٍ

لا شبوب من الصوار ولا أع***نق يرعى منابت العِلْجَانِ

لا ولا خاضب من الرُّبديختا ***ل بريط أحم غير يمانِ

يرتمي وجهة الرئال إذا آ ***نَس لون الإظلام والإدجان

وعُقاب الملاعِ تُلحم فَرْخَيْ*** هَا بإزليقة زلول القِنَانِ

نائلاً في مطامح الجو هاتي*** ك وذا في مهابط الغيطان

وهذا شعر فصيح نادر معرق في العربية .

ومن شعره الجيد أيضاً في ذكر الدنيا ومصائبها :

ص: 177

أو ما رأيت وقائع الدَّهْرِ*** أفلا تسيء الظَّنّ بالعُمْرِ!

بينا الفتى كالطَّوْدِ تكنُفُه ***هضباته، والعضب ذي الأَثرِ

يأبى الدنية في عشيرته*** ويجاذب الأيدي على الفَخْرِ

وإذا أشارَ إلى قبائله*** حشدت عليه بأوجه غُرّ

ترادفون على الرماح فَهُمْ ***سيل يعبُّ وعارضُ يسري

إن تُهنهوا زادوا مقاربة ***فكانما يُدعَوْنَ بالزَّجْرِ

عدد النجوم إذا دُعِي بهمُ*** يتزاحمون تزاحم الشّعر

عقدوا على الجلى مآزِرَهُمْ ***سَبْطي الأنامل طيبي النَّشرِ

زل الزمانُ بوطء أخَمصِهِ ***ومواطيء الأقدام للعثر

نزع الإباء وكان شملته ***وأقر إقراراً عَلَى صُغر

صَدع الردى، أعيا تلاحمه*** من ألحم الصدفين بالقَطرِ

جر الجياد على الوجى ومَضَى*** أمماً يدق الشهل بالوغرِ

حتی التقى بالشمس مُعْمَدَةٌ ***في قَعْر منقطع من البَحْرِ

ثم انثنت كف المنون بِهِ ***الضّغث بين النّاب والظُّفر

لم متجر عنه الرماح ولا*** رد القضاء بماله الدَّثر

جَمَع الجنود جنود وراءه فكأنّما ***لاقته وهو مضيّع الظَّهرِ

وبني الحصون تمتعاً فكانما ***أمسى بمضيعة وما يدري

وبرى المعايل للعِدا فكأنما ***لحِمامِهِ كان الذي يبري

إن التوقي فرط معجزة*** فدع القضاء يَقُدْ أو يفري

وحمی المطاعم وذي ال*** آجال ملء فروجها تَجْرِي

لو كان حفظ النفس ينفعُنَا ***كان الطبيب أحق بالعُمْرِ

الموت داءٌ لا دواء له*** سيان ما يوبي وما يُمْرِي

وهذا من حر الكلام وفصيحه ونادره ،ولا عجب فهذه الورقة من تلك الشجرة، وهذا القبس من تلك النار !

ص: 178

222 ومن دعاء له(علیه السلام) يطلب فيه إلى الرشاد

اشارة

الأصل: اللهمَّ إِنَّكَ أَنَسُ الآنسِينَ لأَوْلِيَاتِكَ، وَأَحْضَرُهُمْ بِالْكِفَايَةِ لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ، تُشَاهِدُهُمْ

فِي سَرَائِرِهِمْ، وَتَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَتَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ، فَأَسْرَارُهُمْ لَكَ مَكْفُوفَةٌ، مكشوفةٌ، وَقُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلهُوفَةٌ ، إِنْ أَوْ حَشَتْهُمُ الْغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُكَ ، وَإِنْ صُبَّتْ عَلَيْهِمُ المَصَائِبُ لجاوا إِلَى الاسْتِجَارَةِ بِكَ، عِلْماً بِأَنْ أَزِمَّةَ الأمُورِ بِيَدِكَ، وَمَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِكَ.

اللهُمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسْأَلَتِي، أَوْ عَمِيتُ عَنْ طِلْبَتِي، فَدُلَّنِي عَلَى مَصَالِحِي، وَخُذْ بِقَلْبِي إلَى مَرَاشِدِي، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنُكْرٍ مِنْ هِدايَاتِكَ، وَلَا بِبِدْعِ مِنْ كِفَايَاتِكَ.

اللهمَّ أَحْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ، وَلا تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ .

الشرح: أنست: ضدّ وحشت، والإيناس : ضدّ الإيحاش، وكان القياس أن يقول : إنّك أنس

المؤنسين، لأن الماضي« أفعل» وإنما الآنسون جمع آنس، وهو الفاعل من أنست بكذا، لا من «آنست»، فالرواية الصحيحة، إذاً «بأوليائك» أي أنت أكثرهم أنساً بأوليائك وعطفاً وتحتُّنا عليهم.

وأحضرهم بالكفاية، أي أبلغهم إحضاراً لكفاية المتوكّلين عليهم، وأقومهم بذلك تشاهدهم في سرائرهم، أي تطلع على غيبهم، والبصائر : العزائم، نفذت بصيرته في كذا، أي حقّ عزمه .

وقلوبهم إليك ملهوفة، أي صارخة مستغيثة .

وفههت عن مسألتي بالكسر :عَييِت ،والفهَّة والفَهاهةُ : العيّ، رجل أفِهُ، ورجل فَه أيضاً،

وامرأة فَهِهة، قال الشاعر :

فلم تُلفني فَها ولم تُلْفِ حاجتي*** ملجلجة أبغي ملجلجة أبغي لها مَنْ يقيمها

وقد فَههتَ يا رجل فَهَها، أي عييت، ويقال سفيه فهيه، وفههه الله ، وخرجت لحاجة فافهَّني عنها فلان، أي أنسانيها .

ويروى:« أو عمهت »بالهاء والميم المكسورة، والعَمَه : التحيّر والتردّد عمه الرجل، فهو عَمِهُ وعامةُ والجمع عُمْهُ، وأرض عَنْهاء : لا أعلام بها .والنكر .العجب والبدع المبتدع، ومنه قوله تعالى :قُلْ مَا كُنتُ بِدْعَا مِنَ الرُّسُلِ (1)، أي لم آت بما لم أسبق إليه .

ص: 179


1) سورة الأحقاف، الآية 9 .

ومثل قوله(علیه السلام) : «اللهم اجِملنِي على عفوك ، ولا تحملني على عَذلك »قولُ المروانية للهاشميّة لما قُتل مروان في خبرِ قد اقتصصناه قديماً . ليسعنا عدلُكم، قالت الهاشمية. إذن لا نُبقي منكم أحداً ، لأنكم حاربتم علياً (علیه السلام)، وسممتم الحسن(علیه اسلام) ، وقتلتم الحسين وزيداً وابنه، وضربتم عليّ بن عبد الله، وخنقتم إبراهيم الإمام في جراب النورة.

قالت : قد يسعنا عفوكم، قالت. أما هذا فنعم.

أدعية أبي حيان التوحيدي

ومن الدعوات الفصيحة المستحسنَة فصولُ من كلام أبي حيان التوحيديّ نقلتها .

فمنها : اللهّم إنّي أبرأ من الثقة إلاّ بك، ومن الأمل إلاّ فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكُّل إلاّ عليك، ومن الطلب إلاّ منك ،ومن الرّضا إلاّ عنك، ومن الذلّ إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بلائك، وأسألك أن تجعلَ الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر علي نعمك شعاري ودثاري والنظر إلى ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني وشُغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللّياذَ بذكرك بَهجِتي وسروري.

اللهمّ تتابع برُۀك ، واتصل خيرُك ، وعَظُم رِفْدُك، وتناهى إحسانك، وصدق وعدك، وبَر قَسَمُك، وعمّت فواضلك، وتمت نوافلك، ولم تبق حاجةٌ إلا وقد قضيَتها، أو تكفّلت بقضائها، فاختم ذلك كله بالرضا والمغفرة، إنّك أهل ذلك والقادر عليه، والمليّ به.

ومنها : اللهمّ إني أسألك خفايا لطفك، وفواتح توفيقك، ومألوف برك، وعوائد إحسانك ،وجاه المقدَّسين من ملائكتك، ومنزلة المصطفين من رسلك، ومكاثرة الأولياء من خلقك وعاقبة المتقين من عبادك .

وأسألك القناعة برزقك، والرّضا بحكمك، والنزاهة عن محظورك، والوَرَع في شبهاتك والقيامَ بحجتك، والاعتبار بما أبديت، والتسليمَ لما أخفيت ،والإقبالَ على ما أمرت، والوقوف عمّا زجرت، حتى أتَّخذ الحق حجة عندما خَفّ وثقل، والصدق سنة فيما عَسُر خَفْ وَسُهل، وحتى أرى أن شعار الزهد أعزّ شعار، ومنظر الباطل أشوَه منظر، فأتبختَر في ملكوتك بفضفاض الرداء بالدّعاء إليك، وأبلغ الغاية القصوى بين خلقك بالثناء عليك .

ومنها : اللهمّ إليك أرفع عُجَرِي ،ويُجَرِي، وبك أستعين في عُسْرِي ويُسري، وإياك أدعو رَغَباً ورَهَباً ، فإنّك العالم بتسويل النّفس، وفتنة الشيطان، وزينة الهوى، وصرف الدهر، وتلون الصديق، وبائقة الثّقة، وقنوط القلب، وضعف المُنّة، وسوء الجَزَع .

فقِني اللّهم ذلك كلّه، واجمع من أمري ،شمله وانظم من شأني شنيته، واحرسني عند الغنى من البَطَر ، وعند الفقر من الضّجَر، وعند الكفاية من الغَفْلة، وعند الحاجة من الحسرة، وعند

ص: 180

الراحة من الفُسُولة، وعند الطّلب من الخيبة، وعند المنازلة من الطغيان، وعند البحث من الاعتراض عليك، وعند التسليم من التهمة لك .

وأسألُك أن تجعل صدري خِزانة توحيدك، ولساني مفتاح تمجيدك، وجوارحي خَدَم طاعتك، فإنه لا عزّ إلا في الذلّ لك، ولا غنَى إلا في الفقر إليك، ولا أمْنَ إلا في الخوف منك، ولا قرار إلا في القَلَق نحوك ، ولا رَوح إلا في الكزب لوجهك، ولا ثقةَ إلا في تهمة خلقك، ولا راحة إلا في الرضا بقَسمك، ولا عيش إلا في جوار المقربين عندك.

ومنها : اللهم ببرهانك الصادع، وبنور وجهك الساطع، صلّ على محمد نبيّك نبي الرحمة، وقائد الأمّة، وإمام الأئمة، واحرس عليّ إيماني بك بالتسليم لك، وخفف عنُي مؤنة الصبر على امتحانك، وواصل لي أسباب المزيد عند الشكر على نعمتك ،واجعل بقيّة عمري في غنَى عن خلقك، ورضا بالمقدّم من رزقك.

اللهم إنك إن آخذتنا بذنوبنا خَسَفْت الأرض بنا، وإن جازيتنا على ظلمنا قطعت دوابرنا ، فإنك قلت : َقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(1).

اللهم إليك نشكو قسوة قلوبنا، وغلّ صدورنا ، وفتنةَ أنفُسنا، وطموحَ أبصارنا، ورفَث السنتنا، وسخف أحلامنا، وسوء أعمالنا، وفُحش لجاجنا، وقبح دعوانا، ونَثن أشرارنا، وخُبث أخيارنا ، وتلزّق ظاهرنا، وتمزّق باطننا .

اللهم فارحمنا، وأرأف بنا، واعطف علينا ،وأحسِن إلينا ،وتجاوز عنّا، واقبل الميسورَ ،منّا، فإنّنا أهلُ عقوبة ،وأنت أهل مغفرة، وأنتَ بما وصفت به نفسَك أحقّ منّا بما وَسَمْنَا به أنفسنا، فإن في ذلك ما اقترن بكرَمِك، وأدّى إلى عفوك . ومن قبل ذلك وبعده، فأطب عيشنا

بنعمتك ، وأرخ أرواحَنا من كَدّ الأمل في خلقك، وخذ بأزمّتنا إلى بابك، والهِ قلوبنا عن هذه الدار الفانية، وازرع فيها محبّة الدار الباقية، وقلِّبنا على بساط لطفك، وحُتّنا بالإحسان إلى كنَفك، ورفّهنا عن التماس ما عند غيرك، واغضض عيونَنا عن ملاحظة ما حُجِب من غيرك ،وصِل بيننا وبين الرّضا عنك، وارفع عنا مؤنة العَرْض عليك، وخفّف علينا كلّ ما أوصلَنا إليك، وأذِقنا حَلاوة قُرِبك ،واكشف عن سرائرنا سواتر حُجبك، ووكّل بنا الحفَظة، وارزقنا اليقَظة، حتى لا نقترف سيُئة، ولا نفارق حسنة، إنّك قائم على كلّ نفسك بما كسبت، وأنت بما نخفي و ما نعلن خبیر بصیر .

ص: 181


1) سورة الأنعام، الآية: 45 .

ومنها : اللهمّ أنت الحيّ القيّوم، والأوّل الدائم، والإله القديم، والباري المصوّر ،والخالق المقدّس، والجبّار الرفيع ،والقَهّار المنيع، والملك الصَّفُوح، والوهّاب المنُوح، والرحمن الرؤوف ،والحنّان العطوف، والمنّان اللطيف مالك الذوائب والنّواصي، وحافظ الأداني والأقاصي ،ومصرّف المطيع والعاصي.

اللهمّ أنت الظّاهر الذي لا يجحدك جاحد إلا زايلته الطُّمأنينة، وأسلمه اليأس، وأوحشه القُنوط، ورحلت عنه العِضمة، وتردّد بين رجاء قد نأى عنه التّوفيق وأمل قد حقّت به الخيبة، وطمع يحوم على أرجاء التكذيب، وسرّ قد أطاف به الشقاء، وعلانية قد أناف عليها البلاء، وهون المُنّة، منسوخ العقدة ،مسلوب العدّة، تشنؤه العين، وتقليه النّفس، عَقْلُه عقلُ طائر ، ولبّه لُبُّ حائر وحكمه حكم جائر، لا يروم قراراً إلا أزعِج عنه، ولا يستفتح باباً إلا أرتِج دونه ، ولا يقتبس ضَرَماً إلا أجّج عليه، عثرتُه موصولة بالعَثرة، وحسرته مقرونة إلى حسرة، إن سمع زيّف، وإن قال حرّف، وإن قضى خرّف وإن احتجّ ،زخرف وَلَوْ فاء إلى الحقّ لوجد ظلّه ظليلاً، وأصاب تحته مثوًى ومقيلاً .

وأنت الباطن الذي لا يرومك رائم، ولا يحوم على حقيقتك حاتم، إلا غشيَه من نور إلهيتك، وعزّ سلطانك، وعجيب قدرتك، وباهر برهانك، وغرائب غيوبك، وخفِيّ شأنك، ومخوف سطوتك، ومرجوّ إحسانك، ما يردّه خاسئاً من مزحزَحه عن الغاية، خجلاً مبهوراً، ويردّه إلى عجزه، ملتحفاً بالندم، مرتدياً بالاستكانة، راجعاً إلى الصّغَار، موقوفاً مع الذلَة. فظاهرك يدعو إليك بلسان الاضطرار، وباطنك يحيّر فيك لسعة قضاء الاعتبار، وفعلك يدلّ عليك الأسماع والأبصار، وحكمتك تعجب منك الألباب والأسرار. لك السلطان والملكة، وبيدك النَّجاة والهلكة، فإليك المفرّ، ومعك المقرّ، ومنك صنوف الإحسان والبر، أسألك بأصح سرّ، وأكرم لفظ، وأفصح لغة وأتمّ إخلاص، وأشرف همّة، وأفضل نيّة، وأطهر عقيدة، وأثبت يقين ،أن تصدَّ عني كلّ ما يصدّ عنك، وتصلني بكلّ ما يصلَ بك، وتحبّب إلي كلّ ما يحبب إليك، فإنك الأول والثاني والمشار إليه في جميع المعاني، لا إله إلا أنت .

ومنها : اللهّم إني أسألك جَداً مقروناً بالتوفيق ،وعلماً بريئاً من الجهل، وعملاً عريَّا من الرياء، وقولاً موشّحاً بالصواب، وحالاً دائرة مع الحقّ، وفطنةَ عقل مضروبة في سلامة صدور، وراحة جسم راجعة إلى روح بال، وسكونَ نفس موصولاً بثبات يقين، وصحة حجّة بعيدة من مرض شبهة، حتى تكون غايتي في هذه الدنيا موصولة بالأمثل فالأمثل، وعاقبتي عندك محمودة بالأفضل فالأفضل من حياة طيبة أنت الواعد بها ، ونعيم دائم أنت المبلّغ إليه .

اللهم لا تخيّب رجاء هو منوطُ بك، ولا تُصفِرْ كفُّا هي ممدودة إليك، ولا تعذَّب عيناً فتحتها بنعمتك، ولا تذل نفساً هي عزيزة بمعرفتك، ولا تسلب عقلاً هو مستضيء بنور

ص: 182

هدايتك، ولا تُخرس لساناً عودته الثّناء عليك، فكما كنت أوّلاً بالتفضّل، فكن آخراً بالإحسان.

الناصيةُ بيدِك، والوجه عانِ لك، والخير متوقَّعُ منك، والمصير على كلّ حالِ إليك.

البِسني في هذه الحياة البائدة ثوب العِضمة، وحَلّني في تلك الدّار الباقية بزينة الأمن، وافطم نفسي عن طلب العاجلة الزائدة، وأجرِنِي على العادة الفاضلة، ولا تجعلني ممّن سها عن باطن ما لَك عليه، بظاهر ما لَك عنده، فالشقيّ مَنْ لم تأخذ بيده، ولم تؤمّنه من غده، والسعيد من آويته إلى كنَف نعمتك، ونقلته حميداً إلى منازل رحمتك، غير مناقَشِ في الحساب، ولا سائق له إلى العذاب، فإنّك على ذلك قدير .

ومنها : اللّهمّ اجعل غدوَّنا إليك مقروناً بالتوكّل عليك، ورواحَنا عنك موصو لاً بالنجاح منك، وإجابَتنا لك راجعة إلى التهالك فيك، وذكرنا إيّاك منوطاً بالسّكون معك، وثقتنا بك هادية إلى التّفويض إليك ولا تخلِنا من يد تستوعب الشُّكر، ومن شكر يمتري خلف المزيد ومن مزيد يسبق اقتراح المقترحين، وصنع يفوق ذَرْع الطالبين ،حتى نلقاك مبشَّرين بالرضا، محكّمين في المُنَى، غير مناقشين ولا مطرودين .

اللهم أعِذْنا من جَشَع الفقير وريبة المنافق، وتجليح المعاند، وطيشة العَجُول، وفَتْرة الكَسلان وحيلة المستبد وفتور العقل، وحَيْرة المخرج، وحَسْرِة المحوّج، وفلتة الذُّهول، وحُرْقة النكول، ورقة الخائف، وطمأنينة المغرور، وغفلة الغرور .

واكفنا مؤنة أخ يرصدُ مسكوناً إليه، ويمكُر موثوقاً به، يخيس معتمَداً عليه.

وصل الكفاية بالسَّلوة عن هذه الدّنيا ، واجعل التهافنا عليها حنيناً إلى دار السلام، ومحلّ القرار، وغلب إيماننا بالغيب على يقيننا بالعِيان، واحرسنا من أنفسنا، فإنّها ينابيعُ الشَّهوة، ومفاتيح البلوي .

وأرِنَا من قُدرتِك ما يحفظ علينا هيبتَك، وأوضِح لنا من حكمتك ما يقلِّبنا في ملَكوتك، وأسبغ علينا من نعمتك ما يكون لنا عوناً على طاعتك، وأشع في صدورنا من نورك ما تَتجلّى به حقائق توحيدك .

واجعل ديدَننا ذكرك، وعادتنا الشَّوق إليك، وعلّمنا النُّصح لخلقك ، واجعل غايتنا الاتصال بك، واحجبنا عن قول يبرىء من رضاك، وعَمَل يُعمي صاحبه عن هداك، وألّف بيننا وبين الحق، وقربنا من معادن الصدق، واعصمنا من بواثق الخلق، وانقلنا من مضايق الرّق، واهدنا الی فواید العِتق.

ص: 183

اللهم إنّك بدأت بالصُّنْع وأنت أهله، فعُد بالتّوفيق فإنّك أهلُه .

اللهمّ إنا نتضاءلُ لك عند مشاهدة عظمتك، وندلّ عليك عند تواتر برّك، ونذِلّ لك عند ظهور آياتك، ونلحّ عليك عند علمنا بجودك .

ونسألك من فضلك ما لا يرزؤك ولا ينكوك، ونتوسّل إليك بتوحيدِ لا ينتمي إليه خَلْق، ولا يفارقه حقّ .

ومنها : اللهمّ عليك أتوكَّل، وبك أستعين ،وفيك أوالي، وبك أنتسب، ومنك أفرَق، ومعك أستأنس، ولك أمجّد، وإياك أسأل : لساناً سَمْحاً بالصدق، وصدراً قد ملىء من الحقّ، وأمَلاً منقطعاً عن الخلق، وحالاً مكنونها يبوّىء الجنة، وظاهرها يحقق المنّة، وعاقبة تنسي ما سلف، وتتصل بما يُتمنّى ويُتوكَّف.

وأسألك اللهم كبداً رجوفاً ،خؤوفاً ، ودَمْعاً نطوفاً شوقاً إليك، ونفساً عزوفاً إذعاناً لك، وسرَّا ناقعاً ببَرد الإيمان بك، ونهاراً مشتملاً على ما كُسِب من مرضاتك، وليلاً مالئاً بما أزلف لديك .

أشكو إليك اللهمّ تلهّفي على ما يفوتني من الدّنيا، وأنّني في طاعة الهوى، جاهلاً بحقّك ،ساهياً عن واجبك ،ناسياً ما تكرره من وغظِك وإرشادك، وبيانك وتنبيهك ، حتى كأنّ حلاوة وعدِك لم تلج أذني ولم تباشر فؤادي، وحتى كأنّ مرارة عتابك ولائمتك لم تهتِك حجابي، ولم تعرض عليّ أوصابي .

اللهمّ إليك المفرّ من دارٍ منهومُها لا يشبع، وحائمها لا ينقع، وطالبها لا يربع، وواجدها لا يقنع والعيش عنك رقيق، وللأمل فيك تحقيق .

اللهمّ كما ابتليت بحكمتك الخفية التي أشكلَت على العقول، وحارت معها البصائر، فعاف برحمتك اللطيفة التي تطاولت إليها الأعناق ،وتشوّقَت نحوها السرائر، وخذ معنا بالفضل الذي إليك هو منسوب، وعنك هو مطلوب، وافطِم نفوسنا من رضاع الدّنيا، والطف بما أنت له أهل، إنك على كلّ شيء قدير .

اللهم قُدْنا بأزمة التوحيد إلى محاضر طاعتك، واخلطنا في زُمرة المخلصين لذكرك، واجعل إجابتَك من قبيل ما يتصل بكرم عفوك ، ولا تجعل خيبتنا من قبَل جهلنا بقدرك، وإضرابنا عن أمرك، فلا سائل أحوجُ منا ، ولا مسؤول أجودُ منك .

اللهم احجر بيننا وبين كلّ ما دلّ على غيرك ببيانك، ودعا إلى سواك ببرهانك، وانقلنا عن مواطن العجز مرتقياً بنا إلى شرفات العزّ، فقد استحوذ الشيطان، وخبثت النفس، وساءت العادة، وكثر الصادّون عنك، وقلّ الداعون إليك، وذهب المراعون لأمرك، وفقد الواقفون عند

184

ص: 184

حُدودك، وخلت ديار الحق من سُكّانها، وبيع دينك بَيع الخلق، واستهزىء بناشر مجدك، وأُقْصِي المتوسل بك .

اللهم فأعد نضارة دينك، وأفض بين خلقك بركاتِ إحسانك وامدد عليهم ظلّ توفيقك، واقمع ذوي الاعتراض عليك ،واخسف بالمقتحمين في دقائق غيبك، واهتِك أستار الهاتكين لستر دينك، والقارعين أبوابَ سرك، القائسين بينك وبين خلقك .

اللهمّ إني أسألك أن تخصّني بإلهام أقتبس الحق منه، وتوفيق يصحبني وأصحبه، ولطف لا يغيب عني ولا أغيب عنه، حتى أقول إذ قلت لوجهك، وأسكت إذا سكت بإذنك، وأسأل إذا سألتُ بأمرك، وأبين إذا أبنت بحجتك، وأبعُدُ إذا بعدت بإجلالك ، وأقرُبُ إذا قربت برحمتك وأعبُد إذا عبدت مخَلصاً لك وأموت إذا متّ منتقلاً إليك.

اللهمّ فلا تكلني إلى غيرك، ولا تؤيسني من خيرك .

ومنها : اللهمّ إنا بك نعزّ كما أنّا بغيرك نذلّ، وإياك نرجو كما أنّا من غيرك نيأس، وإليك نفوّض، كما أنّا من غيرك نعرض ،أذنت لنا في دعائك، وأدنيتَنا إلى فنِائك، وهيّأتنا لعطائك، وخصصَتنا بحبائك، ووسمتنا بولائك، وعممتنا بآلائك ،وغمستَنا في نعمائك، وناغيتَنا بألسُن ملكوتك عن دفائن ما في عالمك ،ولا طَفتنا بظاهر قولك وتولّيتنا بباطن فعلك، فسمَتْ نحوك أبصارُنا ، وشامت بروق جودك بصائرنا ، فلمّا استقرّ ما بيننا وبينك، أرسلت علينا سماء فضلك مدراراً، وفتحت لنا منّا أسماعاً وأبصاراً، فرأينا ما طاح معه تحصيلنا، وسمعنا ما فارقنا عنده تفضيلنا، فلمّا سِرْنا إلى خلقك من ذلك ذَرْواً ، اتخذونا من أجله لعباً وهزوا فبقدرتك على بلوانا بهم، أرِنا بك الغِنَى عنهم .

اللهم قيّض لنا فرجاً من عندك ، وأتح لنا مخلصاً إليك، فإنا قد تعبنا بخلقك، وعجزنا عن تقويمهم لك، ونحن إلى مقاربتهم في مخالفتك أقرب منا إلى منابذتهم في موافقتك، لأنّه لا طاقةَ لنا بدهمائهم، ولا صَبْرَ لنا على بلوائهم، ولا حيلَة لنا في شفائهم، فنسألك بالضَّرَاعة التامة وبالإخلاص المرفود إلا أخذت بأيدينا، وأرسلت رحمتك علينا، فما أقدرك على الإجابة، وما أجودك بكل مصون يا ذا الجلال والإكرام

ومنها : اللهمّ إنّا قربُنا بك فلا تُنتنا عنك، وظهرنا لك فلا تبطنا دونك، ووجدناك بما ألقيت إلينا من غيب ملكوتك، وعزفنا عن كلّ ما لوانا عن بابك، ووثقنا بكلّ ما وعدتنا في كتابك وتوكَّلْنا بالسرّ والعَلَن على لطيف صنعك.

ص: 185

اللهم إليك نظرت العيون فعادت خاسئةٌ عَبْرَى، وفيك تقسّمت الظنون فانقلبت يائسة حَسْرى، وفي قدرتك حارت الأبصار، وفي حكمتك طاحت البصائر، وفي آلانك غرِقت الأرواح، وعلى ما كان منك تقطّعت الأنفاس، ومن أجل إعراضك التهبت الصدور، ولذكر ما مَضى منك هملت الدموع.

اللهم تولّنا فيما ولّيتَنا حتى لا نَتولّى عنك، وأمّنَا ممّا خوفْتَنَا حتى نقرّ معك، وأوسِعنا رحمتك، حتى نطمئنّ إلى ما وعدتنا في كتابك، وفرّق بيننا وبين الغلّ حتى لا تعامل به خلقك ، وَاعْتِنا بك حتى لا نفتقر إلى عبادك، فإنّك إذا يسّرت أمراً تيسّر، ومهما بلوتنا فلا تبلُنا بهجرك ، ولا تجرّعنا مرارة سُخطك. قد اعترفنا بربوبيتك عبودّية لك، فعرّفنا حقيقتها بالعفو عنا، والإقبال علينا والرفق بنا، يا رحيم !

ومنها : اللّهم إنّ الرغبات بك منوطة ،والوسائل إليك متداركة، والحاجات ببابك مرفوعة، والثقة بك مستحصفة (أي مستحكمة)، والأخبار بجودك شائعة، والآمال نحوك نازعة، والأماني وراءك منقطعة، والثناء عليك متّصل، ووصفك بالكرم معروف، والخلائق إلى لطفك محتاجة، والرجاء فيك قوي والظنون بك جميلة والأعناق لعزّك خاضعة، والنفوس إلى مواصلتك مشتاقة، والأرواح لعظمتك مبهوتة، لأنك الإله العظيم، والربّ الرّحيم، والجواد الكريم ،والسميع العليم، تملك العالم كله، وما بعده وما قبله ولك فيه تصاريف القدرة، وخفيات الحكمة، ونوافذ الإرادة، ولك فيه ما لا ندريه ممّا تخفيه ولا تبديه، جَللت عن الإجلال، وعظمت عن التعظيم، وقد أزف ورودنا عليك، ووقوفنا بين يديك، وظنُّنا ما قد علمت ورجاؤنا ما قد عرفت فكن عند ظننا بك، وحقق رجاءنا فيك، فما خالفناك جرأة عليك، ولا عصيناك تقحماً في سخطك، ولا اتبعنا هوانا استهزاء بأمرك ونهيك، ولكن غلبت علينا جواذب الطّينة التي عجنتَنا بها، وبذور الفطرة التي أنبتنا منها ، فاسترخت قيودنا عن ضبط أنفسنا، وعزبت ألبابنا عن تحصيل حظوظنا ،ولسنا ندّعي حُجّة، ولكن نسألك رأفة، فبسترك السّابع الذّيال، وفضلك الذي يستوعب كلّ مقال، إلا تممت ما سلَف منك إلينا، وعطفتَ بجودك الفيّاض علينا ،وجذبت بأضباعنا ،وأقررت عيوننا، وحققت آمالنا، إنك أهل ذلك، وأنت على كل شيء قدير !

تم الجزء الحادي عشر من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد

ويليه الجزء الثاني عشر

ص: 186

الجزء الثانی عشر

اشارة

شرح نهج البلاغه

الجز الثانی عشر

ص: 187

ص: 188

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)»

الحمد لله الواحد العدل

223 - ومن كلام له(علیه السلام) يريد به بعض أصحابه

اشارة

الأصل: بِلادُ فلان فَلَقَدْ قومَ الأوَدَ، وَدَاوَى الْعَمَدَ ، وَأَقَامَ السُّنَّةِ، وَخَلَّفَ الفِتْنَةَ ذَهَبَ نَقِي

الثَّوْبِ، قَلِيلَ الْعَيْبِ، أَصَابَ خَيْرَهَا ، وَسَبَقَ شَرَّهَا .

أدّى إلى الله طاعته، وَاتَّقَاهُ بِحَقِّه . رَحَل وتركَهُمْ فِي طرق مُتَشَعْبَةٍ، لَا يَهْدِي بِهَا الضَّال، ولا يستيقنُ الْمُهْتَدِي .

الشرح : العرب تقول : الله بلاد فلان، والله دَر ،فُلان والله نادِي ،فُلان، ولله نائِحُ فُلان! والمراد

بالأول : لله الْبِلادُ الَّتي أنشأته وانبتته، وبالثاني : لله الشَّذي الذي ارْضَعَهُ وبالثالث : الله المُجْلِسُ الَّذِي رُبِّيَ فيهِ، وبالرابع : الله النَّائِحَةُ الَّتي تَنُوحُ عَلَيْهِ وتَنْدَبه ! ماذا تَعْهَدُ من مَحَاسِنِهِ .

ويُروى: (الله بلاء فلان) أي الله ما صنع! وفلان المكنّى عنه عمر بن الخطاب، وقد وجدتُ النّسخة الَّتي بخطّ الرضيّ أبي الحسن جامع «نهج البلاغة» وتحت «فلان» «عمر»، حدثني بذلك فخار بن معد الموسوي الأوديّ الشاعر، وسألتُ عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلَوِي، فقال لي : هو عمر ، فقلت له أيثني عليه أميرُ المؤمنين(علیه السلام) هذا الثناء؟ فقال: نعم، أمّا الإمامية فيقولون : إن ذلك من التَّقيّة واستصلاح أصحابه. وأمّا الصّالحيون من الزيدية فيقولون : إنه أثنى عليه حق الثناء ،ولم يضع المدح إلا في موضعه ونصابه. وأمّا الجاروديَّة من الزيديّة فيقولون : إنه كلام قاله في أمر عثمان أخرجه مُخرَج الذمّ له، والتنقّص لأعماله، كما يُمدَحُ الآن الأمير الميت في أيام الأمير الحي بعده، فيكون ذلك تعريضاً به.

فقلت له : إلا أنه لا يجوز التعريض والاستزادة للحاضر بمدح الماضي، إلاّ إذا كان ذلك

المدح صدقاً لا يخالطه ريبُ ولا شبهة. فإذا اعترف أميرُ المؤمنين(علیه السلام) بأنَّه أقام السنَّة، وذهب نقِي الثوب، قليلَ العيب، وأنَّه أدى إلى الله طاعتَه، واتَّقاه بحقّه، فهذا غايةُ ما يكون من المدح. وفيه إبطالُ قول مَنْ طعن على عثمان بن عفان . فلم يجيني بشيء، وقال: هو ما قلت لك!

فأما الراوندي، فإنّه قال في الشرح : إنه(علیه السلام) مدح بعض أصحابه بحسن السيرة، وأنّ الفتنة التي وقعت بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)من الاختيار والأثرة .

ص: 189

وهذا بعيد، لأنّ لفظ أمير المؤمنين يشعر إشعاراً ظاهراً بأنه يمدح والياً ذا رعيّة وسيرة، ألا تراه كيف يقول: «فلقد قوّم الأود ، وداوَى العمَد، وأقام السّنة، وخلّف الفتنة»! وكيف يقول : «أصاب خيرها وسبق شرها »!وكيف يقول : «أدّى إلى الله طاعته »!وكيف يقول : «رَحَل وتركهم في طرق متشعبة» !

وهذا الضّمير، وهو الهاء والميم في قوله(علیه السلام) : «وتركهم »هل يصحّ أن يعود إلاَّ إلى الرعايا! وهل يسوعُ أن يقال هذا الكلام لسوقة مِنْ عُرْض الناس! وكلّ من مات قبل وفاة النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ما كان سوقة لا سلطان له، فلا يصحّ أن يُحمّل هذا الكلام على إرادةِ أحدٍ من الّذين قُتِلوا أو ماتوا قبل وفاةِ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ، كعثمان بن مظعون، أو مُصعب بن عمير، أو حمزة بن عبد المطلب أو عبيدة بن الحارث وغيرهم من الناس. والتأويلاتُ البارِدة الغثَّة لا تعجبني، على أنّ أبا جعفر محمد بن جرير الطبريّ قد صرح أو كاد يصرّح بأن المعنّي بهذا الكلام عمر، قال الطبريّ: لما مات عمر بكته النّساء، فقالت إحدى نواديه : واحزَناه على عمر ! حزناً انتشر. حتى ملأ البشر. وقالت ابنة أبي حثمة: واعمراه! أقام الأوَد، وأبرأ العَمد، وأمات الفتن ،وأحيا السنن.

خرج نقيِّ الثّوب، بريئاً من العيب.

قال الطبريّ: فروى صالح بن كيسان، عن المغيرة بن شعبة ،قال : لمّا دفن عمر أتيتُ عليَا (علیه السلام)، وأنا أحبّ أن أسمعَ منه في عمر شيئاً، فخرج ينفُض رأسه ولحيته، وقد اغتسَل، وهو ملتحِفٌ بثوب لا يشكّ أنّ الأمر يصير إليه، فقال:« رحم إليه فقال رحم الله ابن الخطاب ! لقد صدقت ابنَةُ أبي حَتْمة: ذهب بخيرها، ونجا من شرها، أما والله ما قالت، ولكن قُوّلت ! » (1).

وهذا كما ترى يقوّي الظنّ، إن المراد والمعنيّ بالكلام إنّما هو عمر بن الخطاب.

قوله: «فلقد قَوْم الأود»، أي العِوَج، أوِد الشيء بالكسر يأوَد أوَداً، أي اعوجّ، وتأوّد العود، يتأوّد.

والعَمَد : انفضاخُ سنام البعير، ومنه يقال للعاشق : عميد القلب ومعموده.

قوله : «أصَاب خيرَها »أي خير الولاية، وجاء بضميرها ولم يجرِ ذكرها لعادة العرب في أمثال ذلك كقوله تعالى : حَتَّى تَوَارَتْ بِأَلْحِجَابِ (2).

ص: 190


1) أخرجه الطبري في تاريخه : 285/3 ، وأخرجه ابن كثير في البداية والنهاية : 158/7 .

2) سورة ص ، الآية : 32 .

وسبق شرّها، أي مات أو قتل قبل الأحداث والاختلاط الذي جرى بين المسلمين.

قوله : «واتّقاه بحقّه» ، أي بأداء حقه والقيام به .

فإن قلت : وأيّ معنى في قوله :« واتقاه بأداء حقّه»؟ وهل يتقي الإنسان الله بأداء الحق ! إنما قد تكون التقوى علّة في أداء الحقّ، فأما أن يتّقي بأدائه فهو غير معقول .

قلت : أراد (علیه السلام)أنّه اتقى الله، ودلّنا على أنه اتَّقى الله بأدائه حقه، فأداء الحقّ علة في علمنا بأنه قد اتّقى الله سبحانه.

ثم ذكر أنّه رَحَل وترك النّاس في طرق متشعّبة متفرّقة، فالضالّ لا يهتدي فيها، والمهتدي لا يعلم أنه على المنهج القويم ، وهذه الصفات إذا تأمّلها المنصِف، وأماط عن نفسه الهوى، علم أنّ أميرَالمؤمنين (علیه السلام) لم يَعن بها إلاّ عمر ، لو لم يكن قد روي لنا توقيفاً ونقلاً أنّ المعنيّ بهاعمر، فكيف وقد رويناه عمّن لا يتهم في هذا الباب!

سيرة عمر بن الخطاب

ونحن نذكر في هذا الموضع نُكتاً من كلام عمر وسيرته وأخلاقه .

أتِيَ عمرُ بمالٍ، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، لو حبستَ من هذا المال في بيت المال لنائبة تكون، أو أمر يحدث! فقال : كلمة ما عرَض بها إلا شيطان كفاني حُجّتها، ووقاني فتنتها . أعصِي الله العامَ مخافة قابل! أعدّ لهم تقوى الله، قال الله سبحانه: وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل له مخرجا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِم(1).

استكتب أبو موسى الأشعريّ نصرانيَّا، فكتب إليه عمر: اعزله واستعمل بدلَه حَنيفيًّا، فكتب له أبو موسى: إن من غنائه وخيره وخبرته كَيت وكَيت فكتب له عمر : ليس لنا أن نأتمِنَهم، وقد خوّنهم الله ، ولا أن نرفعهم وقد وضعهم الله، ولا أن نستنصِحَهم في الدّين وقد وتَرهم الإسلام، ولا أن نعِزَّهم وقد أمِرنا بأن يُغطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

فكتب أبو موسى : إنّ البلد لا يصلح إلاّ به. فكتب إليه عمر : مات النصرانيّ والسلام.

وكتب إلى معاوية : إيّاك والاحتجاب دون الناس ،وائذن للضعيف، وادنِه حتّى ينبَسط لسانه، ويجترى قلبه، وتعمّد الغريب، فإنه إذا طال حبسه ودام إذنه، ضعِف قلبهِ، وترك حقّه .

عزل عمر زياداً عن كتابة أبي موسى الأشعريّ في بعض قَدَماته عليه، فقال له : عن عَجْزِ أم عن خيانة؟ فقال: لا عن واحدة منهما، ولكنّي أكره أن أحمِل على العامّة فضلَ عقلك .

ص: 191


1) سورة الطلاق، الآيتان 2 ، 3 .

وقال : إنّي والله لا أدعُ حقاً الله لشكاية تظهر، ولا لضهبّ يحتمل، ولا محاباة لَبَشر. وإنّك والله ما عاقبتَ مَنْ عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه .

وكتب إلى سعد بن أبي وقّاص : يا سعد سعد بني أُهَيْب! إن الله إذا أحبّ عبداً حبّبه إلى خلقه، فاعتبر منزِلَتك من الله بمنزلتك من الناس. واعلم أن ما لَك عند الله مثل ما لله عندك .

وسأل رجلاً عن شيء، فقال: الله أعلم ، فقال : قد شقينا إن كنّا لا نعلم أن الله أعلم ! إذا سئل أحدُكم عمّا لا يعلم، فليقل: لا أدري .

وقال عبد الملك على المنبر : أنصِفونا يا معشر الرّعية، تريدون منّا سيرة أبي بكر وعمر ،ولم تسيروا في أنفسكم ولا فينا سيرة أبي بكر وعمر ! نسأل الله أن يعين كلاً على كلّ.

ودخل عمرُ على ابنه عبد الله، فوجد عنده لحماً عبيطاً معلّقاً، فقال: ما هذا اللحم؟ قال : اشتهيتُ فاشتريت، فقال : أوَكُلّما اشتهيتَ شيئاً أكلتَه !كفى بالمرء سَرَفاً أنْ أكل كلَّ ما اشتهاه .

مرّ عمر على مزبلة، فتأذى بريحها أصحابُه، فقال: هذه دنياكم الّتِي تحرِصون عليها .

ومن كلامه للأحنف :يا أحنف، مَن كثُر ضحِكُه قلّت هيبتُه ، ومَنْ مَزَح استُخفّ به ، ومَنْ أكثر من شيء عرِف به ،ومَنْ كثر كلامه كثر سقطُه ، ومَنْ كثر سقطُه قلّ حياؤه، ومن قَلّ حياؤه قل ورعُه ومَنْ قلّ ورعُه مات قلبه .

وقال لابنه عبد الله : يا بني اتق الله يقكِ، وأقرِض الله يجزِك، واشكره يَزِدْك. واعلم أنّه لا مال لمن لا رِفق له، ولا جديد لمن لا خلُق له، ولا عمل لمن لا نيّة له .

وخطب يوم استخلف فقال : أيّها الناس، إنّه ليس،فيكم أحدُ أقوى عندي من الضّعيف حتى آخذ الحقّ له ،ولا أضعف من القويّ حتّى آخذ الحقّ منه .

وقال لابن عبّاس: يا عبد الله، أنتم أهلُ رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) وبنو عمّه، فما تقول مَنع قومكم

ص: 192

منكم؟ قال : لا أدري ،علّتها ،والله ما أضمرنا لهم إلا خيراً . قال : اللّهمّ غَفْراً، إنّ قومَكم كرهوا أن يجتمع لكم النبوّة والخلافة، فتذهبوا في السماء شمخاً وبذخاً، ولعلكم تقولون : إنّ أبا بكر أوّل مَنْ أخّركم، أما إنّه لم يقصد ذلك، ولكن حضر أمرُ لم يكن بحضرته أحزم ممّا فعل، ولولا رأي أبي بكر فيّ لجعلَ لكم في الأمر نصيباً ، ولو فعل ما هناكم مع قومكم. إنّهم ينظرون إليكم نظرَ الثَّور إلى جازره.

وكان يقول : ليت شعرِي مَتى أُشْفَى من غيظي ! أحين أقدر فيقال لي : لو عفوتَ، أم حين أعجلُ فيقال : لو صبرت !

ورأى أعرابيُّا يصلّي صلاة خفيفةً، فلمّا قضاها قال: اللهمّ زوّجني الحُورَ العين. فقال له : لقد أسات النَّقد، وأعظمتَ الخِطبة !

وقيل له: كان الناس في الجاهلية يدعُون على مَن ظَلمهم فيُستجاب لهم، ولسنا نرى ذلك الآن. قال : لأنّ ذلك كان الحاجزَ بينهم وبين الظلم، وأمّا الآن فالساعة موعدُهم والساعة أدهى وأمرّ.

ومن كلامه مَنْ عرّض نفسه للتّهمة فلا يلومنْ مَنْ أساء به الظنّ، ومَنْ كتم سرّه كانت الخِيرَة بيده .

ضع أمرَ أخيك على أحْسَنِه، حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنّ بكلمة خرجت من أخيك المسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملاً .

وعليك بإخوان الصِّدق وكيس أكياسهم، فإنّهم زينة في الرخاء، وعُدّة عند البلاء، ولا تتهاوننّ بالخلق فيهينك الله، ولا تعترض بما لا يعنيك ،واعتزل عدوّك، وتحفّظ من خليلك إلا الأمين، فإنّ الأمين من الناس لا يعادله شيء، ولا تصحب الفاجرَ فيعلّمك من فجوره، ولا تُفْش إليه سرّك، واستشر في أمرك أهل التقوى، وكفى بك عيباً أن يبدُوَ لك من أخيك ما يخفى عليك من نفسك وأن تؤذي جليسك بما تأتي مثله .

وقال: ثلاث يُضفين لك الوُدّ في قلب أخيك : أن تبدأه بالسّلام إذا لقيته، وأن تدعُوَه بأحبّ أسمائه إليه، وأن توسّع له في المجلس.

وقال : أحبّ أن يكون الرجل في أهله كالصبيّ، وإذا أصِيخ إليه كان رجلاً .

ص: 193

بينا عُمر ذات يوم إذ رأى شابَّا يخطر بيديه، فيقول: أنا ابنُ بَطْحاء مكة كُدَيها وكُدّاها . فناداه عمر فجاء فقال : إن يكن لك دِينُ فلك كرم، وإن يكن لك عقل فلك مروءة، وإن يكن لك مال فلك ،شرف وإلا فأنت والحمار سواء.

وقال: يا معشَر المهاجرين، لا تكثروا الدخولَ على أهل الدنيا وأرباب الإمرة والولاية، فإنّه مسخَطَةٌ للربّ، وإياكم والبِطنة، فإنّها مَكْسلة عن الصلاة، ومَفسدة للجسد، مورّثة للسّقَم ، وإن الله يُبغض الحبَر السّمين، ولكن عليكم بالقصد في قوتكم، فإنّه أدنى من الإصلاح، وأبعد السّرف وأقوى على عبادة الله، ولن يهلِك عبد حتى يؤثر شهوتَه على دينه.

وقال : تعلّمُوا أنّ الطمع فقر، وأن اليأس غِنّى، ومن يئس من شيء استغنَى عنه، والتَّؤَدة فی كلّ شيء خير إلاّ ما كان من أمر الآخرة.

وقال : مَن اتَّقى الله لم يشفِ الله غيظه ، ومَنْ خاف الله لم يَفْعَلُ ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون .

وقال : إنّي لأعلم أجودَ الناس، وأحلم الناس، أجودُهم مَنْ أعطى مَنْ حَرَمَه، وأحلمُهم مَنْ عفا عمّن ظلمه .

وكتب إلى ساكني الأمصار: أما بعدُ، فعلّموا أولادَكم العَوْم والفروسيَّة، رؤوهم ما سار من المثل وحَسُن من الشعر .

وقال : لا تزالُ العربُ أعزّة ما نَزَعَتْ في القَوس، ونزَتْ في ظهور الخيل.

وقال وهو يذكر النساء: أكثروا لهنّ من قول : «لا» فإنّ «نعم» مفسدة تغريهن على المسألة.

وقال : ما بالُ أحدكم يثني الوسادة عند امرأة مغزبة، إنّ المرأة لحم على وَضَم إلا ما ذُبّ عنه .

وكتب إلى أبي موسى: أما بعد فإنّ للنّاس نفرةً عن سلطانهم، فأعوذُ بالله أن يدركَني وإياك عَمْياء مجهولة، وضغائن محمولة، وأهواء متبعة ،ودنيا مؤثرة. أقم الحدود، واجلس للمظالم ولو ساعة من نهار، وإذا عَرض لك أمران: أحدُهما الله ، والآخر للدنيا، فابدأ بعمل الآخرة، فإنّ الدنيا تفنى، والآخرة تبقى. وكن من مال الله عزّ وجل على حَذَرِ ، واجْفُ الفُسّاق، واجعلهم يداً ويداً، ورجلاً ورجلاً، وإذا كانت بين القبائل نائرة يا لفلان يا لفلان! فإنّما تلك نجوى الشيطان، فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا إلى أمر الله، وتكون دعواهم إلى الله، وإلى الإسلام. وقد بلغني أن ضبّة تدعو: يا لضَبة! وإني والله أعلم أنّ ضبّة ما ساق الله بها خيراً قطّ ، ولا مَنع بها من سوء قطّ. فإذا جاءك كتابي هذا فانهكهم ضرباً وعقوبة، حتى يفرَقُوا إن لم

ص: 194

يفقهوا، والصق بغيلان بن خرَشة من بينهم وَعُدْ مرضَى المسلمين، واشهد جنائزَهم، وافتح لهم بابك، وباشر أمورهم بنفسك. فإنّما أنت رجلٌ منهم، غير أنّ الله قد جعلك أثقلهم حملاً . وقد بلغني أنّه فشا لك ولأهل بيتك هيئةُ في لباسك ومطعمك ، ومركبك، ليس للمسلمين مثلُها ، فإيّاك يا عبد الله بن قيس أن تكون بمنزلة البهيمة التي مَرّت بواد خصيب، فلم يكن لها همة إلا السِّمَن ، وإنّما حظّها من السِّمن لغيرها. وأعلم أنّ للعامل مردَّا إلى الله، فإذا زاغ العامل زاغت رعيّته، وإن أشقَى الناس مَنْ شقيَتْ به نفسه ورعيّته. والسلام(1).

وخطب عمر، فقال: أما بعد ،فإنّي أوصِيكم بتقوى الله بعد، فإنّي أوصيكم بتقوى الله الذي يبقَى ويفنى ما سواه، والّذي بطاعته ينفع أولياءه، وبمعصيته يضرُّ أعداء. إنّه ليس لهالك هلك عذر في تعمّد ضلالة حسبها هدى، ولا ترك حق حسبه ضلالة. قد ثبتت الحجّة، ووضحَت الطرق، وانقطع العذر، ولا حجّة لأحدٍ على الله عزّ وجلّ. الاَ إنّ أحقّ ما تعاهد به الراعي رعيّته أن يتعاهدهم بالّذي الله تعالى عليهم في وظائف دينهم الذي هداهم به، وإنما علينا أن نأمرَكم بالّذي أمركم الله به من طاعته، ونهاكم عمّا نهاكم الله عنه من معصيته، وأن نقيم أمر الله في قريب النّاس وبعيدهم، ولا نبالي على من قال الحق، ليتعلّم الجاهل، ويتّعظ المفرط، ويقتدي المقتدي. وقد علمت أنّ أقواماً يتمَّنون في أنفسهم، ويقولون: نحن نصلّي مع المصلّين، ونجاهد المجاهدين. ألاَ إنّ الإيمان ليس بالتمنّي ولكنّه بالحقائق. ألاَ مَنْ قام على الفرائض، وسدّد نيته، واتّقى الله، فذلكم الناجي. ومَنْ زاد اجتهاداً وجد عند الله مزيداً .

وإنّما المجاهدون الذين جاهدوا أهو اءهم، والجهاد اجتناب المحارم. الاَ إنّ الأمر جدّ، وقد يقاتل أقوام لا يريدون إلاّ الذّكر، وقد يقاتل أقوام لا يريدون إلا الأجر، وإن الله يرضىَ منكم باليسير، وأثابكم على اليسير الكثيرَ .

الوظائف الوظائف !أدّوها تؤدّكم إلى الجنّة. والسنّة السنّة! الزموها تُنجكم من البدعة.

تعلّموا ولا تَعجزوا فإنّ مَنْ عجز تكلّف، وإن شرار الأمور محدَثاتها . وإن الاقتصاد في السنة خيرُ من الاجتهاد في الضلالة، فافهموا ما توعَظون به، فإنّ الحرِيبَ من حُرِب دينه، وإنّ السّعيد مَن وعظ بغيره .

وقال : وعليكم بالسّمع والطاعة، فإنّ الله قضى لهما بالعزّة، وإياكم والتفرّق والمعصية، فإنّ الله قضى لهما بالذّلة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

ص: 195


1) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال: 656/5 .

بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر قَباء كسرى وسيفَه، ومِنطقته، وسراويله، وتاجه، وقميصَه، وخُفّيه، فنظر عمر في وجوه القوم عنده، فكان أجسمَهم وأمدّهم قامة سُراقة بن مالك بن جُعْتُم المدلجيّ، . فقال : يا سراق قُمْ فالبس، قال سراقة: طمعت فيه فقمت فلبست، فقال: أدبِر فأدبرت، وقال: أقِبل، فأقبلت، فقال: بخِ بخِ ! أعرابيُّ من بني مُذلج عليه قباء کسری وسراويله وسيفه ومنطقته وتاجه وخُفّاه !ربِّ يوم يا سراقُ لو كان فيه دون هذا من متاع كسرى وآل كسرى لكان شرفاً لك ولقومك . انزع ! فنزعتُ، فقال: اللهمّ إنك منعت هذا نبيّك ورسولك، وكان أحبّ إليك منّي وأكرم ومنعتَه أبا بكر وكان أحبّ إليك منّي وأكرم ، ثم أعطيتنيه، فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكُر بي. ثم بكى حتّى رحمه من كان عنده.

وقال لعبد الرحمن بن عوف : أقسمتُ عليك لَما بعتَه ثم قسمتَه قبل أن تُمْسِي، فما أدركه المساء إلا وقد بيع وقُسِم ثَمنه على المسلمين.

جیء بتاج كِسرى إلى عمر، فاستعظم الناس قيمتَه، للجواهر التي كانت عليه ، فقال : إنّ قوماً أدوا هذا لأمناء ! فقال عليّ(علیه السلام) : إِنَّكَ عَفَقْتَ فعفُوا ، ولو رتَعْتَ لرتَعُوا (1).

كان عمر يَعُسّ ليلاً، فنزلت رفقة من التجار بالمصلّى، فقال لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن تحرسهم اللّيلة من السَّرَق؟ فباتا يحرُسانهم ويصلّيان ما كتب الله لهما ، ، فسمع عمر بكاء صبيّ، فأصغى نحوه، فطال بكاؤه، فتوجه إليه، فقال لأمّه : اتقي الله وأحْسِني إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءه، فعاد إلى أمّه، فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءه، فأتى أمّه، فقال : ويحك ! إنّي لأراك أمّ سوء! لا أرى ابنك يقرّ منذ الليلة !فقالت يا عبد الله ، لقد آذيتني منذ اللّيلة، إنّي أريغُه على الفطام فيأبى، قال : ولم؟ قالت: لأنّ عمر يفرِض الرضيع، وإنما يفرض للفَطيم قال: وكم له؟ قالت: اثنا عشر شهراً، قال: ويحك لا تعجليه !فصلّى الفجر وما يستبين النّاس قراءته من غَلَبة البكاء عليه، فلمّا سلّم قال: يا بؤسا العُمَرِكم !كم قتل من أولاد المسلمين، فطلب منادياً فنادى: ألا لا تُعجِلوا صبيانكم عن الرّضاع، ولا تفطموا قبل أوان الفطام، فإنّا نفرض لكلّ مولود في الإسلام.

وكتب بذلك إلى سائر الآفاق.

مرّ عمر بشابّ من الأنصار وهو ظمآن، فاستسقاه فخاض له عسلاً، فردّه ولم يشرب

ص: 196


1) انظره في «تاريخ الطبري»(466/2) .

وقال: إنّي سمعتُ الله سبحانه، يقول : أَذهَبْتُمْ طَبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا (1)فقال الفتى : إنّها والله ليست لك ،فاقرأ يا أمير المؤمنين(علیه السلام) ما قبلها : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذهَبْتُمْ طَيْبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا، أفنحن منهم! فشرب، وقال: كلّ النّاس أفقه من عمر !

وأوصى عمر حين طعنه أبو لؤلؤة مَنْ يستخلفه المسلمون بعده من أهل الشورى، فقال: أوصيك بتقوى الله لا شريك له، وأوصيك بالمهاجرين الأوّلين خيراً، أن تعرف لهم سابقَتَهم، وأوصيك بالأنصار خيراً اقبل من محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم. وأوصيك بأهل الأمصار خيراً، فإنهم ردء العدوّ وجُباة الفيء، لا تحمل فيتَهم إلى غيرهم إلاّ عن فضل منهم، وأوصيك بأهل البادية خيراً، فإنّهم أصلُ العرب ومادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم، فيردّ على فقرائهم، وأوصيك بأهل الذمّة خيراً، أن تقاتل مِن ورائهم ولا تكلّفهم فوق طاقتهم إذا أدّوا ما عليهم للمسلمين طوعاً أو عن يد وهم صاغرون.

وأوصيك بتقَوى الله، وشدّة الْحَذَر منه ومخافة مقته، أن يطّلع منك على ريبة. وأوصيك أن تخشَى الله في الناس، ولا تخشى النّاس في الله وأوصيك بالعدل في الرعيّة، والتفرّغ لحوائجهم وثغورهم، وألاّ تعين غنيَّهم على فقيرهم، فإنّ في ذلك بإذن الله سلامة لقلبك، وحطَّا لذنوبك، وخيراً في عاقبة أمرك . وأوصيك أن تشتدُ في أمر الله وفي حدوده، والزّجر عن معاصيه، على قريب النّاس وبعيدهم، ولا تأخذك الرأفة والرحمة في أحدٍ منهم، حتى تنتهك منه مثل جُرمه، واجعل النّاس عندك سواء ،لا تبالِ على مَنْ وجب الحقّ، لا تأخذك في الله لومةُ لائم. وإيّاك والأثرة والمحاباة فيما ولاك الله مما أفاء الله على المسلمين، فتجور وتظلم، وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه الله عليك، فإنّك في منزلة من منازل الدنيا، وأنت إلى الآخرة جدُّ قريب، فإن صدقت في دنياك عِفَةً وعدلاً فيما بسط لك، اقترفت رضواناً وإيماناً، وإن غَلبك الهوى، اقترفت فيه سخط الله ومقته .

وأوصيك ألا ترخّصَ لنفسك ولا لغيرك في ظلم أهل الذمّة .

واعلم أنّي قد أوصيتُك وخصصتُك ونصحت لك، ابتغي بذلك وجهَ الله والدار الآخرة، ودللتُك على ما كنتُ دالاً عليه نفسي، فإن عملت بالذي وعظتك، وانتهيت إلى الّذي أمرتُك أخذتَ منه نصيباً وافراً، وحظاً وافياً، وإن لم تقبل ذلك، ولم تعمل ولم تترك معاظم الأمور عند الّذي يرضى الله به سبحانه عنك يكن ذاك بك ،انتقاصاً، ويكن رأيك فيه مدخولاً ،

ص: 197


1) سورة الأحقاف ،الآية: 20 .

فالأهواء مشتركة، ورأس الخطيئة إبليس الداعي إلى كلّ هَلَكة، قد أضلّ القرون السالفة قبلك، وأوردهم النّار، ولبئس الثمن أن يكون حظُّ امرىء من دنياه موالاة عدوّ الله ، الداعي إلى معاصيه! اركب الحقّ، وخض إليه الغمراتِ، وكن واعظاً لنفسك .

وأنشدك لَمَا ترحمت إلى جماعة المسلمين، وأجلَلْتَ كبيرهم، ورحِمت صغيرهم، وقرّبت عالمهم . لا تضربهم فيذلُّوا، ولا تستأثر عليهم بالفيء فتُغضِبهم ، ولا تحرمهم عطاياهم عند محلّها فتُفقرَهم، ولا تجمّرهم في البعوث فتقطع نسلَهم، ولا تجعل الأموال دُولة بين الأغنياء منهم، ولا تغلِق بابَك دونَهم، فيأكل قويهم ضعيفَهم .

هذه وصيّتي إياك، وأشهد الله عليك. وأقرأ عليك السلام، والله على كلّ شيء شهيد.

وخطب عمر فقال : لا يَبلغني أنّ امرأةً تجاوز صداقها صداقَ زوجات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ارتجعتُ ذلك منها . فقامت إليه امرأة ،فقالت : والله ما جعل الله ذلك لك، إنه تعالى يقول :

وخطب عمر وَاتَيْتُمْ إِحْدَثَهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا (1). فقال عمر: ألا تَعجبُون من إمام أخطأ وامرأة أصابت! ناضلَتْ إمامَكم فَنَضَلَتْه (2)!

وكان يَعُسُّ ليلةٌ، فمر بدار سمع فيها صوتاً، فارتاب وتسوّر، فرأى رجلاً عند امرأة وزِقُ خمر، فقال: يا عدوّ الله أظننت أن الله يستُرك وأنت على معصيته ! فقال : لا تَعْجل يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إن كنتُ أخطأتُ في واحدة فقد أخطأت في ثلاث : قال الله تعالى: وَلَا تَجَسَّسُوا(3)وقد تجسّستَ وقال: وَأتُوا الْبُيُونَ مِنْ أَبْوَابِهَا(4)وقد تسوّرتَ، وقال: فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتا فَسَلِّمُوا(5)وما سلّمت. فقال: هل عندك من خير إن عفوتُ عنك؟ قال: نعم، والله لا أعود ،فقال : اذهب فقد عفوت عنك .

وخطب يوماً ، فقال : أيها النّاس ما الجزع ممّا لا بدّ منه! وما الطمع فيما لا يرجَى! وما الحيلة فيما سيزول! إنّما الشيء من أصله، وقد مضت قبلكم الأصول ونحن فروعها، فما بقاءُ الفَرع بعد ذهاب أصله !

ص: 198


1) سورة النساء، الآية: 20 .

2) ذكره القرطبي في «تفسيره» عند الآية 20 من سورة النساء.

3) سورة الحجرات، الآية : 12 .

4) سورة البقرة، الآية : 189 .

5) سورة النور، الآية : 61 .

إنما الناس في هذه الدّنيا أغراضُ تنتبِل فيهم المنايا نُصُب المصائب، في كلّ جرعة شَرَق، وفي كل أكلةٍ غَصَص، لا تنالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يستقبِل معمّر من عُمره يوماً إلا بدم آخر من أجله، وهم أعوان الحتُوف على أنفسهم، فأين المهرب مما هو كائن! ما أصغر المصيبة اليوم، مع عظم الفائدة غداً !وما أعظم خَيْبة الخائب، وخسران الخاسر، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)) (1)!

وأكثر النّاس روى هذا الكلام لعليِّ(علیه السلام) ، وقد ذكره صاحب «نهج البلاغة» وشرحناه فيما سبق .

حُمِل من العراق إلى عمر مالُ فخرج هو ومولى له ،فنظر إلى الإبل فاستكثرها ، فجعل يقول : الحمد لله ، يكرّرها ويردّدها، وجعل مولاه يقول : هذا من فضل الله ورحمته. ويكررها ويرددها .

فقال عمر : كذبتَ لا أمَّ لك ! أظنُّك ذهبت إلى أن هذا هو ما عناه سبحانه، بقوله : قُل بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ، وإِنما ذلك الهدى، أما تسمعه يقول: هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا یَجمَعُونَ(2)! وهذا مما يجمعون.

وروى الأحنف بن قيس ،قال : قدمنا على عمر بفتح عظیم نبشّره به، فقال: أين نزلتُم؟ قلنا : في مكان كذا ، فقام معنا حتّى انتهينا إلى مَنَاخ ركابنا، وقد أضعَفها الكَلال، وجهَدها السير، فقال: هلاً اتّقيتم الله في ركابكم هذه؟ أما علمتم أن لها عليكم حقَّا ! هلاً أرحتُمُوها؟ هلّا حللتم بها فأكلت من نبات الأرض ! فقلنا : يا أمير المؤمنين(علیه السلام) إنّا قَدِمنَا بفتح عظيم، فأحببنا التسرّع إليك وإلى المسلمين بما يسرّهم.

فانصرف راجعاً ونحن معه، فأتى رجل فقال : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) إنّ فلاناً، ظلمني، فأغدِني عليه ،فرفع في السماء درّته، وضرب بها رأسه، وقال : تدَعُون عمر وهو معرّض لكم، حتى إذا شغل في أمر المسلمين أتيتموه : أعْدِني أعْدِني ! فانصرف الرّجل يتذمّر، فقال عمر: عليّ بالرجل فجيء به فألقى إليه المخفقة، فقال: اقتصّ، قال : بل أدعه الله ولك، قال: ليس

ص: 199


1) سورة الشعراء، الآيتان: 88، 89 .

2) سورة يونس، الآية : 58 .

كذلك، بل تدَعُه إما الله وإرادة ما عنده، وإما تدَعُه لي، قال: أدعُه الله ، قال : انصرف . ثم جاء حتى دخل منزله، ونحن معه،فصلّى ركعتين خفيفتين، ثم جلس فقال : يابن الخطاب، كنتَ وضيعاً فرفعك الله ، وكنتَ ضالاً فهداك الله ، وكنت ذليلاً فأعزك الله، ثم حملك على رقاب الناس، فجاء رجلُ يستعديك على مَنْ ظلمه، فضربتَه ، ماذا تقول لربَّك غداً ! فجعل يعاتبُ نفسه معاتبةً ظننت أنه من خير أهل الأرض.

وذكر أبو عبيد القاسم بن سلّام في «غريب الحديث»أن رجلاً أتى عمر يسأله، ويشكو إليه الفقر، فقال: هلكتُ يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، فقال : أهلكتَ وأنت تَنثُ (1)نَثيث الحمِيت (2)! أعطوه . فأعطوه رُبَعة من مال الصدّقة، تَبعها ظئراها. ثم أنشأ يحدّث عن نفسه، فقال : لقد رأيتُني وأختاً لي نرعَى على أبوينا ناضحاً لنا، قد ألبستنا أمّنا نُقْبتَها ، وزوّدتنا يَمْنَتَيْهَا هَبيداً فنخرج بناضحنا ، فإذا طلعت الشمس، ألقيت النقبة إلى أختي، وخرجت أسعى عُريانَ، فترجع إلى أمّنا، وقد جعلت لنا لَفِيتة من ذلك الهِبيد، فيا خِضباه!

وروى ابنُ عباس رضي الله عنه، قال: دخلتُ على عُمَر في أوّل خلافته، وقد ألقِيَ له صاعٌ من تمر على خَصَفة، فدعاني إلى الأكل، فأكلت تمرة واحدة وأقبل يأكل حتّى أتى عليه، ثم شرب من جَرِّ كان عنده، واستلقى على مرفقةٍ له، وطفق يَحْمَدُ الله يكرر ذلك، ثم قال : من این جئتَ يا عبد الله ؟ قلتُ من المسجد، قال : كيف خلّفت ابن عمك؟ فظننته يعني عبد الله بن جعفر، قلت: خلّفتُه يلعب مع أترابه ، قال : لم أعْنِ ذلك، إنّما عنيتُ عظيمكم أهلَ البيت، قلت : خلفته يمتح بالغَرْب على نخيلات من فلان، وهو يقرأ القرآن، قال: يا عبد الله، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها ! هل بقيَ في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال :أيزعم أن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) نصّ عليه ؟ قلت : نعم، وأزيدك، سألت أبي عَمّا يدّعيه، فقال: صدَق، فقال عمر:لقد كان من رسول الله (ضی الله علیه و آله و سلم) في أمره ذَرْرٌ من قول لا يُثبتُ حُجّة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربَع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، لا وربّ هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً ! ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أنّي علمت ما في نفسه، فأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم.

ص: 200


1) نَتْ : عرق من سِمَنِه ، ونَتْ الزِّقُ : إذا رشح بما فيه من السمن. لسان العرب، مادة (نثث).

2) الحميت: وعاء السمن، وقيل : الزّق المُشْعَر الذي يجعل فيه السمن والعسل والزيت، وقيل: الزِّقُ الذي لا شعر عليه، وهو للسمن. لسان العرب، مادة (حمت).

ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه، مسند (1).

ابتنى أبو سفيان داراً بمكة فأتى أهلُها عمر، فقالوا : إنه قد ضيّق علينا الوادي، وأسالَ علينا الماء، فأتاه عمر فقال: خذ هذا الحجر فضعه هناك، وارفع هذا واخفض هذا، ففعل، فقال: الحمدُ لله الّذِي أذل أبا سفيان بأبطح مكة.

وقال عمر : والله لقد لان قلبي في الله حتى لَهُوَ ألين من الزّبد، ولقد اشتدّ قلبي لهوَ أشدّ من الحجَر.

كان عمر إذا أتاه الخصمان بَرَك على ركبتيه وقال: اللهمّ أعنّي عليهما . فإنّ كلاَّ منهما يريدني عن ديني .

وخطب عمر ،فقال: أيّها الناس، إنما كنا نعرفكم والنبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) بين أظهرِنا، إذ ينزلُ الوحي، وإذ ينبِّئنا الله من أخباركم، الاَ وإنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)قد انطلَق، والوحي قد انقطع، وإنما نعرِفكم بما يبدُو منكم . مَنْ أظهر خيراً ظننّا به خيراً، وأحببناه عليه، ومن أظهر شرَّا ظننَّا به شرَّا، وأبغضناه عليه . سرائركم بينكم وبين ربكم. ألا إنّه قد أتى عليّ حينُ، وأنا أحسب أنه لا يقرأ القرآن أحدُ إلا يريدُ به وجه الله وما عند الله ، وقد خُيّل إليَّ بأخَرة، أنّ رجالاً قد قرؤوه يريدون به ما عند الناس، فأريدُوا الله بقراءتكم، وأريدوا الله بأعمالكم .

ألا وإنّي لا أرسلُ عُمّالي إليكم أيها الناس ليضربُوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالَكم، ولكن أُرْسِلُهم إليكم ليعلّموكم دينَكم وسنّتكم ، فمن فُعِل به سوى ذلك فليرفعه إليّ لأقتصّ له، فقد رأيت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يقتصّ من نفسه .

ألا لا تضربوا المسلمين فتذلّوهم، ولا تمنعوهم حقوقَهم فتفقروهم، ولا تُنزلوهم الغِياضَ فتضّيعوهم .

وقال مرة: قد أعياني أهلُ الكوفة، إن استعملت عليهم ليّناً استضعفوه، وإن استعملتُ عليهم شديداً شكوه! ولوددت أنّي وجدتُ رجلاً قوياً أميناً أستعمله عليهم. فقال له رجل : أنا أدلّك يا أميرَالمؤمنين (علیه السلام) على الرّجل القوي الأمين، قال : مَنْ هو ؟ قال : عبد الله بن عمر، قال: قاتلك الله ! والله ما أردتَ الله بها ،لاها الله! لا أستعمله عليها ولا على غيرها، وأنت فقم فاخرج، فمذ الآن لا أسمّيك إلا المنافق . فقام الرجل وخرج.

ص: 201


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 555/30 .

وكتب إلى سعد بن أبي وقّاص أن شاور طُليحة بن خويلد وعمرو بن معد يكرب فإنّ كلّ صانع أعلم بصنعته، ولا تولّهما من أمر المسلمين شيئاً .

وغضب عمر على بعض عمّاله، فكلّم امرأة من نساء عمر في أن تسترضيَه له، فكلمته فيه ،فغضب، وقال : وفيمَ أنت من هذا يا عدوة الله؟ إنما أنتِ لعبة تلعب بك وتُفَرَّكين .

ومن كلامه : أشكو إلى الله جَلَد الخائن، وعجزَ الثقة .

قال عمر بن ميمون: لقد رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يُصاب بأيّام واقفاً على حُذيفة بن اليمان، وعثمان بن حُنيف، وهو يقول لهما : أتخافان أن تكونا حمّلتما الأرض ما لا تطيقه؟ فقالا : لا ، إنّما حمّلناها أمراً هي له مُطِيقة، فأعاد عليهما القول: انظرا أن تكونا حمّلتما الأرض ما لا تطيقه! فقالا : لا ،فقال عمر: إن عشتُ لأدعَنْ أرامل العراق لا يحتجن بعدي إلى رجل أبداً، فما أتت عليه رابعة حتى أصيب .

كان عمر إذا استعمل عاملاً كتب عليه كتاباً، وأشهد عليه رهطاً من المسلمين ألا يركب بِرذُوناً، ولا يأكل نِقياً، ولا يلبس رقيقاً، ولا يغلق بابه دون حاجات المسلمين، ثم يقول : اللهّم اشهد .

واستعمل عمر النعمانَ بن عديّ بن نضلة على مَيسان، فبلغه عنه الشعر الذي قاله، وهو :

وَمَنْ مبلغ الحسناء أن حَليلَها ***بميسانَ يُسْقَى من زُجاج وحَنْتَم (1)!

إذا شئتُ غنّتني دهاقين (2)قرية*** وصنّاجة (3)تحدُو على كلّ منسِم

فإن كنتَ نَدْماني فبالأكبر أسقِنِي*** ولا تسقني بالأصغر المتثلم

لعلّ أميرَ المؤمنين يسوءهُ***تنادُمُنا بالجَوسق (4)المتهدّم

ص: 202


1) الحنتم: جِرار خضر تَضرب إلى الحمرة. لسان العرب ،مادة (حنتم).

2) دهاقین: جمع ،مفردها :دِهقان ومعناه : القويُّ على التصرف مع حدة، والتاجر وزعيم فلاحي العجم، ورئيس الإقليم. وهو فارسي معرب. القاموس المحيط، مادة (دهقن).

3) الصَّنْجُ : شيء يتخذ من صفر يضرب أحدهما على الآخر، وآلة بأوتار يضرب بها ، وامرأة صنّاجة : ذات صنج. لسان العرب مادة (صنج).

4) الجَوْسق: الحِصن ، وقيل : هو شبيه بالحِصن، وهو القصر أيضاً، لسان العرب ،مادة (جسق).

فكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم حم (1تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2)غَافِرٍ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطول لاَ إلَهَ إِلَّا هُوَ إلَيْهِ المَصِيرُ (3))(1)أما بعد ،فقد بلغني قولك :

لعلّ أمير المؤمنين يسوءه

وايمُ الله إنه ليسوءني، فاقدَم فقد عزلتُك .

فلما قدم عليه، قال: يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، والله ما شربتُها قطّ، وإنّما هو شعر طَفَح على لساني وإني لشاعر .

فقال عمر: أظنّ ذاك، ولكن لا تعمل لي على عمل أبداً .

استعمل عمر رجلاً من قريش على عملِ، فبلغه عنه أنّه قال :

اسقِنِي شَرْبةً تُروّي عِظَامي ***واسق بالله مثلها ابن مشامِ

فأ شخصه إليه، وفطِن القرشيّ، فضم إليه بيتاً آخر، فلما مثل بين يديه، قال له أنت القائل :

اسقِني شربةً تروّي عظامي

قال : نعم يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، فهلاّ أبلغك الواشي ما بعده؟ قال : ما الذي بعده؟ قال :

عسلاً بارداً بماء غمامِ*** إنني لا أحبُّ شُرْبَ المُدامِ

قال: الله الله ! ثم قال : ارجع إلى عملك .

قال عمر: أيّما عامل من عُمّالي ظلم أحداً ، ثم بلغتني مظلمته ،فلم أغيّرها، فأنا الذي ظلمتُه.

وقال للأحنف بن قيس، وقد قدم عليه فاحتبسه عنده حَوْلاً : يا أحنف ،إنّي قد خبرتُك وبلوتُك، فرأيت علانيتَك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثلَ علانيتك، وإن كنّا لنحدّث أنّه إنما يُهلك هذه الأمة كلّ منافق عليم.

وكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص : إن «مترس» (2)بالفارسية هو الأمان، فمن قلتم له ذلك ممن لا يفقُه لسانكم فقد أمّنتموه .

وقال لأمير من أمراء الشام: كيف سيرتُك؟ كيف تصنع في القرآن والأحكام؟ فأخبره ،

ص: 203


1) سورة غافر، الآيات : 1 ، 3 .

2) مترس : أي لا تخف، وهو ليس بعربي. لسان العرب، مادة (ترس).

فقال : أحسنتَ اذهب، فقد أقررتك على عَمَلِك. فلما ولّى رجع فقال : يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إنّي رأيت البارحَة رؤيا أقصّها عليك، رأيت الشّمس والقمر يقتتلان، ومع كلّ واحد منهما جنود من الكواكب، فقال: فمع أيّهما كنت؟ قال: مع القمر ، فقال : قد عزلتُك ، قال الله تعالى : وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَايْنَيْنِ فَحَونَا ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً(1).

كان عمر جالساً جالساً فى المسجد، فمرّ به رجل، فقال : ويل لك يا عمر من النار ! فقال : قرّبوه إليّ، فدنا منه ،فقال : لم قلت لي ما قلت؟ قال : تستعمل عمالك، وتشترط عليهم ثم لا تنظر هل وَفَّوْا لك بشروط أم لا ؟ قال : وما ذاك؟ قال : عاملك على مصر اشترطت عليه، فترك ما أمرته به ،وارتكب ما نهيتَه عنه ، ثم شرح له كثيراً من أمره. فأرسل عمر رجلين من الأنصار، فقال لهما : انتهيا إليه، فاسألا عنه، فإن كان كَذبَ عليه فأعلِماني، وإن رأيتما ما يسوء كما فلا تملّكاه من أمره شيئاً حتى تأتيا به ،فذهبا فسألا عنه فوجداه قد صدق عليه، فجاءا إلى بابه، فاستأذنا عليه، فقال حاجبه : إنه ليس عليه اليوم إذن، قالا : ليخرجَنّ إلينا أو لنحرقنّ عليه بابه . وجاء أحدُهما بشعلة من نار، فدخل الآذن، فأخبره فخرج إليهما، قالا: إنّا رسولا عمر لتأتيه، قال: إنّ لنا حاجةً، تمهلانني لأتزوّد، قالا : إنّه عزم علينا ألا نمهلك، فاحتملاه، فأتيا به عمر، فلمّا أتاه سلّم عليه فلم يعرفه ، وقال : مَنْ أنت؟ - وكان رجلاً أسمر، فلما أصاب من ريف مصر ابيضّ وسمن - فقال : أنا عاملك على مصر أنا فلان، قال : ويحك! ركبت ما نُهِيتَ عنه، وتركت ما أمِرتَ به !والله لأعاقبنّك عقوبة أبلغ إليك فيها، آتوني بكساء من صوف، وعصا وثلاثمائة شاة من غنم الصدقة، فقال : البَس هذه الدُّراعة، فقد رأيت أباك وهذه خير من دراعته، وخذ هذه العصا فهي خير من عصا أبيك، واذهب بهذه الشياه فارعها في مكان كذا -وذلك في يوم صائف - ولا تمنع السابلة من ألبانها شيئاً إلا آل عمر، فإني لا أعلم أحداً من آل أصاب من ألبان غنم الصدقة ولحومها شيئاً .

فلمّا ذهب ردّه ، وقال: أفهمت ما قلت! فضرب بنفسه الأرض، وقال يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، لا أستطيع هذا، فإن شئت فاضرب عنقي ، قال : فإن رددتُك فأيّ رجل تكون؟ قال : والله لا يبلغُك بعدها إلاّ ما تحبّ. فردّه، فكان نعم الرجل . وقال عمر : والله لا أنزعنّ فلاناً من القضاء حتى أستعمل عِوَضه رجلاً إذا رآه الفاجرُ فَرِق.

وروى عبد الله بن بريدة، قال: بينا عمر يعُسّ ذَات ليلة انتهى إلى باب متجاف، وامرأة تغنيّ نسوة :

ص: 204


1) سورة الإسراء، الآية : 12 .

هَلْ مِنْ سبيل إلى خَمْرٍ فَاشْرَبَها*** أمْ هَل سَبِيل إلى نَصْرِ بن حَجَاجٍ

فقال عمر: أمّا ما عشت فلا .

فلمّا أصبح دعا نصر بن حجاج - وهو نصر بن الحجاج بن عُلابط البهزيّ السُّلَميّ - فأبصره وهو من أحسن الناس وجهاً، وأصبحهم وأملحهم حسناً ، فأمر أن يُطمَّ شعره، فخرجت جبهته فازداد حسناً ، فقال له عمر : اذهب فاعتمّ، فاعتمّ فبدت وفرَته، فأمر بحلقها فازداد حسناً، فقال له : فتنت نساءَ المدينة يا بن حجّاج ! لا تجاوزني في بلدة أنا مقيمُ بها ، ثم سيرّه إلى البصرة .

فروى الأصمعيّ، قال : أبرَد عمر بريداً إلى عُتبة بن أبي سفيان بالبصرة، فأقام بها أيّاماً، ثمِ نادى منادي عتبة : مَنْ أراد أن يكتُب إلى أهله بالمدينة أو إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) شيئاً، فليكتب، فإنّ بريد المسلمين خارجُ.

فكتب النّاس، ودسّ نصر بن حجاج كتاباً فيه :

لعبد الله عمر أمير المؤمنين (علیه السلام)من نَضر بن حجّاج، سلام عليك، أمّا بعد، يا أمير المؤمنين(علیه السلام):

لعَمْري لئن سيرتني أو حرمتني*** لما نلت منْ عِرْضِي عليك حَرامُ

أئِنْ عَنَتِ الذُّلفاء (1)يوماً بمنية*** وبعض أماني النّساء غرَامُ

الظَّننتَ بی الظَّن الّذي ليس بعده ***بقاء فمالي في النَّدِيّ كلامُ

وأصبحتُ منفيا على غير ريبةٍ ***وقَدْ كانَ لي بالمكْتَيْنِ مُقامُ

سيمنعني ممّا تظنُّ تكرُّمي*** وآباء صدق سالفُون كرِامُ

ويمنعها مِمَّا تمنتْ صَلاتُها ***وحالٌ لها في دينها وصِيَامُ

فهاتان حالاًنا فهل أنت راجعُ ***فقد جُبِّ مِنّي كاهِلٌ وَسَنامُ

فقال عمر: أمّا ولي ولاية فلا. وأقطعه أرضاً بالبصرة وداراً .

فلما قتِل عمر ركب راحلته ولحق بالمدينة.

وذكر المبرّد محمد بن يَزِيد الثَّمالي، قال: كان عمر أصلع، فلما حلق وفرةً نصر بن حجّاج، قال نصر، وكان شاعراً :

تَضِنّ ابنَ خَطَابِ عليّ يُجمّةٍ*** إذا رُجُلَتْ تَهْتزُّ هنَّ السَّلاَسِلِ

فصَلَّع رأساً لم يصلغه ربُّهُ ***يرف رفيفاً بعد أسود جائلِ

لقد حَسَد الفُرْعَان أصلعُ لم يكن*** إذا ما مَشَى بالفرع بالمتخايِلِ

محمد بن سعيد ، قال : بينا يطوف في بعض سِكَك المدينة، إذ سمع امرأة تهتف من خِدرها :

ص: 205


1) الذلفاء: المرأة التي قصر أنفها وصفر. لسان العرب، مادة (دلف) .

هَل من سبيل إلى خمر فأشرَبها*** أمْ هَلْ سبيل إلى نضر بن حَجّاج

إلى فتى ماجد الأغراق مقتبل ***سهل المحيا كريم غير مِلجَاج

تنميه أعراقُ صدق حين تنسبه*** أخي قداح عن المكروب فرّاج

سامِي النَّواظر من بهز له قَدَمٌ ***تضيء صورته في الحالك الدّاجِي

فقال عمر: ألا لا أرى معی ألا لا أرى معي رجلاً يهتف به العوائق في خدورهّن !عليّ بنصر بن حجاج، فأتي به، فإذا هو أحسنُ الناس وجهاً وعيناً وشعراً، فأمر بشعره فجرّ، فخرجت له وَجنتان كأنه قمر، فأمره أن يعتمّ فاعتمّ، ففتن النساء بعينيه ،فقال عمر : لا والله لا تساكننّي بأرض أنا بها، قال : ولم يا أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ قال : هو ما أقول لك، فسيّره إلى البصرة.

وخافت المرأة التي سمع عمر منها ما منها ما سمع أن يبدر أن يبدر إليها منه شيء، فدست إليه أبياتاً :

قل للأمير الذي تُخْشَى بوادرُه*** ما لي وللخمْرِ أو نصر بن حَجّاج

إني بُليتُ أبا حفص بغيرهما ***شربِ الحليب وطرف فاتر ساج

لا تجعل الظنّ حقا أو تبِّيَنه*** إنّ السبيل سبيلُ الخائف الراجي

ما منْيَةٌ قلتُها عرضاً بضائرة*** والنّاس من هالك قدماً ومن ناج

إنّ الهوى رِعْيَةُ التقوى تقيّدُه*** حَتَّى أقر بإلجام وإسراجِ

فبكى عمر ،وقال: الحمدُ الله الذي قيّد الهوى بالتقوى.

وأتته يوماً أمّ نصر حين اشتدّت عليها غيبة ابنها، فتعرّضت لعمر بين الأذان والإقامة، فقعدت له على الطّريق، فلما خرج يريد الصلاة هتفت به، وقالت: يا أمير المؤمنين(علیه السلام) لأجاثينك غداً بين يديِ الله عز وجل، ولأخاصمنّك إليه، يبيتُ عاصم وعبد الله إلى جانبيك وبيني وبين ابني الفَيافي والقفار ،والمفاوز والجبال !قال : مَنْ هذه؟ قيل : أمّ نصر بن حِجّاج، فقال : يا أمّ نصر، إن عاصماً وعبد الله لم تهتِف بهما العوائق من وراء الخدور.

ویروی أنّ نصر بن الحجاج لما سيّره عمر إلى البصرة نزل بها على مُجاشع بن مسعود السُّلَميّ، وكان خليفة أبي موسى عليها، وكانت له امرأة شابة جميلة فهويت نصراً، وهويها فبينا الشيخ جالس ونصر عنده إذ كتب في الأرض شيئاً، فقرأته المرأة، فقالت: «أنا والله»، فقال مجاشع : ما قال لك؟ قالت : إنه قال : ما أصفَى لَفحتكم هذه؟ فقال مجاشع : إنّ الكلمة التي قلتِ ليست أختاً لهذا الكلام، عزمت عليك لما أخبرتني! قالت: إنه قال : ما أحسن سوار ابنتكم هذه؟ قال: ولا هذه، فإنه كتب في الأرض، فرأى الخط فدعا بإناء فوضعه عليه، ثم أحضر غلاماً غلمانه، فقال : اقرأ فقرأه وإذا هو : أنا والله أحبّك ،فقال : هذه لهذه، اعتدِّي أيتها المرأة، وتزوّجها يابن أخي إن أردت .

ص: 206

ثم غدا على أبي موسى، فأخبره، فقال أبو موسى: أقسم ما أخرجه عمر عن المدينة من خير، ثم طرده إلى فارس وعليها عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، فنزل على دهقانة(1)، فأعجبها فأرسلت إليه، فبلغ خبرها عثمان، فبعث إليه أن اخرج عن أرض فارس، فإنك لم تخرج عن المدينة والبصرة من خير، فقال : والله لئن أخرجتموني لألحقنّ ببلاد الشرك، فكتب بذلك إلى عمر ،فكتب أن جزُّوا شعرَه وشمّروا قيمصه، وألزموه المساجد .

وروي عبد الله بن بُريدة أنّ عمر خرج ليلاً يعسُّ ، فإذا نسوة يتحدثن وإذا هنّ يقلن : أيّ فتيان المدينة أصبح ؟ فقالتِ امرأة منهنّ : أبو ذؤيب والله. فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو من بني سُليم، وإذا هو ابن عمّ نصر بن حَجّاج، فأرسل إليه، فحضر ، فإذا هو أجملُ الناس وأملحُهم، فلمّا نظر إليه قال : أنتَ والله ذئبها! يكرّرها ويردّدها ،لا والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أبداً .

فقال : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) إن كنت لا بدّ مسيّري فسيّرني حيث سيّرت ابن عمّي نصر بن حجاج، فأمر بتسييره إلى البصرة، فأشخص إليها .

خطب عمر في الليلة التي دُفن فيها أبو بكر ، فقال : إن الله تعالى نهج سبيله، وكفانا برسوله ، فلم يبقَ إلاّ الدعاء والاقتداء. الحمد لله الذي ابتلاني بكم وابتلاكم بي، وأبقاني فيكم بعد صاحبي، وأعوذ بالله أن أزلّ أو أضلّع فأعادي له وليَّا ، أو أوالي له عدواً. ألا إنّي وصاحبي كنفر ثلاثة قفلُوا من طيبة، فأخذ أحدهم مهلة إلى داره وقراره فسلك أرضاً مضيئة متشابهة الأعلام، فلم يزلّ عن الطريق، ولم يحرَم السبيل، حتى أسلمه إلى أهله، ثم تلاه الآخر فسلك سبيله، واتبع أثره، فأفضى إليه ولقيَ صاحبه، ثم تلاهما الثالث، فإن سلك سبيلهما واتبع أثرهما أفضى إليهما ولا قاهما، وإن زل يميناً أو شمالاً لم يجامعهما أبداً .

ألا وإنّ العرب جَمَل أَنِفٌ قد أعطيتُ خِطامه، ألا وإني حاملُه على المحجّة ومستعين بالله عليه .

إلا وإنّي داع فأَمَّنوا ، اللهمّ إنّي شحيح فسخّني. اللهمّ إني غليظُ فليّنّي. اللهمّ إني ضعيف فقوني . اللهمّ أوجب لي بموالاتك وموالاة أوليائك ولا يتك ومعونتك، وأبرثني من الآفات بمعاداة أعدائك، وتوفّني مع الأبرار، ولا تحشرني في زمرة الأشقياء. اللهمّ لا تُكثِر لي من الدنيا فأطغَى، ولا تقلّل لي فأَشقَى، فإن ما قلّ وكفى خير مما كثُر وَألهى .

ص: 207


1) الدهقانة: التاجرة، فارسي معرب لسان العرب، مادة (دهقن).

وفد على عمر قوم من أهل العراق، منهم جرير بن عبد الله، فأتاهم بجَفنة قد صُبغت بخلّ وزيت، وقال: خذوا ، فأخذوا أخذاً ضفيفاً ، فقال : ما بالكم تقرمون قرم الشاة الكسيرة! أظنكم تريدنَ حُلواً وحامضاً، وحارُّا وبارداً، ثم قذفاً في البطون، لو شئتُ أن أدهمق لكم لفعلت، ولكنا نستبقي من دُنيَانا ما نجده في آخرتنا، ولو شئنا أن نأمر بصغار الضّأن فتسمط، ولبّات الخبز فيخبَز، ونأمر بالزبيب فينبذ لنا في الأسعان حتى إذا صار مثل عين اليعقوب أكلنا هذا وشربنا هذا لفعلت ! والله إنّي ما أعجز عن كراكر وأسنمة وصلائق وصنّاب، لكن الله تعالى قال لقوم عيرهم أمراً فعلوه أَذْهَبْتُم طَيْبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا(1). وإني نظرتُ في هذا الأمر، فجعلت إن أردتُ الدنيا أضررت بالآخرة، وإن أردتُ الآخرة أضررتُ بالدنيا ، وإذا كان الأمر هكذا ،فأضرُّوا بالفانية .

خرج عمرُ يوماً إلى المسجد، وعليه قميص في ظهره أربع رقاع، فقرأ حتى انتهى إلى قوله : وَتَكِهَةٌ وَأَبَا(2)، فقال : ما الأبُّ؟ ثم قال : إنّ هذا لهو التكلّف وما عليك يابن الخطّاب الاً تدري ما الأبّ!

وجاء قوم من الصحابة إلى حفصة فقالوا : لو كلّمتِ أباك في أن يليِّن من عيشه، لعلّه أقوى له على النَّظرِ في أمور المسلمين! فجاءته فقالت : إنّ ناساً من قومكَ كلّمُوني في أن أكلّمك في أن تليِّن من عيشك فقال : يا بنيّة ،غششتِ أباك، ونصحتِ لقومك .

وروی سالم بن عبد الله بن عمر، قال : لمّا وُلّي عمر قعد على رِزْق أبي بكر الَّذِي كان

فرضه لنفسه، فاشتدّت حاجته، فاجتمع نفرُ من المهاجرين، منهم علي وعثمان وطلحة والزبير، وقالوا : لو قلنا لعُمَر يزيد في رزقه ! فقال عثمان : إنّه عمر، فهلمّوا فلنستيِن ما عنده من وراء وراء، نأتي حفصة فنكلّمها ونستكتِمُها أسماءنا. فدخلُوا عليها، وسألوها أن تكلّمَه ولا تخيره بأسماء مَنْ أتاها إلا أن يقبل. فلقيت عمر في ذلك، فرأت الغضبَ في وجهه، وقال: مَنْ أتاكِ؟ قالت : لا سبيلَ إلى ذلك ، فقال : لو علمتُ مَنْ هم لسؤت أوجههم، أنت بيني وبينهم! نشدتكِ الله ما أفضلُ ما اقتنى رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم )في بيتِك من الملبس؟ قالت: ثوبان ،ممشّقان، كان يلبسهما للوفد ، ويخطب فيهما في الجُمَع ، قال : فأيّ طعامِ ناله عندك أرفع؟ قالت : خبَزنا مرة

ص: 208


1) سورة الأحقاف، الآية: 20 .

2) سورة عبس، الآية : 31 .

خَبزة شعير، فصببت عليها - وهي حارّة أسفلها - عُكّة (1)لنا كان فيها سَمْن وعسل، فجعلتها هشة حُلوة دسِمة، فأكل منها فاستطابها، قال: فأيّ مبسط كان يبسط عندك أوطأ؟ قالت : كساء ثخين كنا نرقعه في الصيف فنجعله ثخيناً ، فإذا كان الشتاء بطنا نصفه، وتدثرنا بنصفِه، قال: فأبلغيهِم أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)قدّر فوضع الفُضُول مواضعَها، وتبلغ ما أبَرّ، وإنّي قدرت فوالله

لأضعنَّ الفضولَ مواضعها ، ولا تبلّغن ما أبِرُّ حبّة (2).

وفد على عمر وَفدُ فيه رجال الناس من الآفاق، فوضع لهم بسطاً من عَباء، وقدّم إليهم طعاماً غليظاً، فقالت له ابنتُه حفصة أمّ المؤمنين : إنّهم وجوهُ النّاس وكرام العرب، فأحسِن كرامتهم . فقال : يا حفصة، أخبريني بألْيَنِ فراش فرشته الرسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأطيبِ طعام أكلَه عندك ؟ قالت : أصبنا كساء ملبَّداً عام خَيْبر، فكنت أفرشه له فينام عليه، وإنّي رفعته ليلة، فلمّا أصبح قال: ما كان فراشِي الليلة؟ قلت: فراشك كلّ ليلة، إلاّ أنّي الليلة رفعته لك ليكون أوطأ، فقال : أعيديه لحالته الأولى، فإن وطاءته منعتني اللّيلة من الصلاة.

وكان لنا صاع من دقيق سُلْت (3)، فنخلته يوماً وطبخته له، وكان لنا قعب من سمن فصيبتُه عليه، فبينا هو(علیه السلام) يأكلُ إذ دخل أبو الدّرداء، فقال : أرى سمنَكم قليلاً، وإنّ لنا لقَعْباً من سمن قال(علیه السلام) : فأرسِل فات به ،فجاء به قصبّه عليه فأكل، فهذا أطيبُ طعام أكله عندِیرسولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم).

فأرسل عمر عينيه بالبكاء، وقال لها : والله لا أزيدُهم على ذلك العَباء وذلك الطعام شيئاً وهذا فراش رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهذا طعامُه .

لما قدِم عُتبة بن مرثد أذرَبيجان أتيَ بالخَبِيص، فلمّا أكله وجد شيئاً حلواً طيّباً ، فقال : لو صنعتُ من هذا لأمير المؤمنين(علیه السلام)! فجعل له خبيصاً في منقلين عظيمين، وحملهما على بعيرين إلى المدينة، فقال عمر: ما هذا؟ قالوا الخَبيص (4)، فذاقه فوجده حُلُواً، فقال للرسول : ويحك ! أكلّ المسلمين عندكم يشبع من هذا؟ قال: لا، :قال فارددهما .ثم كتب إلى عُتبة : أمّا بعدُ، لا

ص: 209


1) العُكَّة: آنية السمن أصفر من القِربة والجمع عُكَك وعِكَاك . القاموس المحيط، مادة (عكك).

2) ذكره الطبري في «التاريخ الكبير» (454/2) .

3) السُّلْتُ: الشعير، أو ضرب منه، أو الحامض منه. القاموس المحيط، مادة (سلت).

4) الخَبيص : الحلواء المخبوصة من التمر والسمن. القاموس المحيط، مادة (خبص).

فإن خَبِيصَك الذي بعثته ليس من كَدّ أبيك ولا من كدّ أمّك، أشبع المسلمين مما تشبع منه في رَحْلك ولا تستأثر، فإنّ الأثرة شرّ والسلام.

وروى عُتبة بن مَرْثَد أيضاً، قال: قدمتُ على عمر بحَلواء من بلاد فارس، في سِلال عظام، فقال: ما هذه؟ قلت: طعام طيّب، أتيتك به، قال : ويحك! ولمَ خصصتَني به؟ قلت : أنت رجلُ تقضي حاجاتِ النّاس أوّلَ النهار، فأحببت إذا رجعت إلى منزلك أن ترجع إلى طعامِ طيّب، فَتصيبَ منه فتقوَى على القيام بأمرك. فكشف عن سَلّةٍ منها فذاق فاستطاب، فقال : عزمتُ عليكَ يا عُتبة إذا رجعت إلا رزقت كلّ رجل من المسلمين مثله ! قلت : والّذي يصلحك يا أمير المؤمنين (علیه السلام)لو أنفقت عليه أموال قيس كلّها لما وسع ذلك قال : فلا حاجة لي فيه إذاً . ثم دعا بقَضعةٍ من ثريد، ولحم غليظ وخبز خَشِن ، فقال : كل، ثم جعل يأكُل أكلاً شهياً عبة، وأهوي إلى البضعة من

وجعلت أهوي إلى البَضعة البيضاء أحسبها سناماً ، وإذا هي - اللحم أمضغها فلا ،أسيغها، وإذا هي من عِلْبَاء العنق، فإذا غفل عني جعلتها بين الخوان

، والقضعة، فدعا بعس من نبيذ كاد يكون خَلاً ، فقال : اشْرَب، فلم أستطعه ولم أسغه أن ،أشرب، فشرب، ثم نظر إلي وقال : ويُحك! إنه ليس بدَرْمك العراق وَوَدَكه، ولكن ما تأكله أنت وأصحابك .

ثم قال : اسمع إنّا ننحر كلّ يوم جزوراً، فأما أوراكُها وَوَدكُها وأطايبها فلمن حضرنا من المهاجرين والأنصار، وأما عُنُقها فلآل عمر، وأمّا عظامها وأضلاعها فلفقراء المدينة، نأكل هذا اللحم الغثّ، ونشرب من هذا النبيذ الخاثر، وندع ليِبن الطعام ليوم تذهَلُ كلُّ مرضعا عما أرضعت وتضع كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملها .

حضر عند عمر قومٌ من الصحابة، فأثنوا عليه ،وقالوا : والله ما رأينا يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) رجلاً أقضى منك بالقِسْط، ولا أقولَ بالحق، ولا أشدّ على المنافقين منك ! إنّك لخيرُ الناس بعد رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم).

فقال عوف بن مالك : كذبتم ،والله أبو بكر بعد رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) خيرُ أمته رأينا أبا بكر .

فقال عمر: صدق عوف والله وكذبتم ! لقد كان أبو بكر والله أطيَبَ من ريح المِسك، وأنا أضلّ من بعير أهلي.

لما أتى عمرَ الخبرُ بنزول رستَم القادسية، كان يخرج فيستخبر الركبان كلّ يوم عن أهل القادسية من حين يصبح إلى انتصاف النهار ، ثم يرجع إلى أهله، فلمّا جاء البشيرُ بالفتح، لقيَه كما يلقى الركبان من قبل، فسأله فأخبره فجعل يقول : يا عبد الله، إيه ! حدّثني ! فيقول له :

ص: 210

هزم الله العدوّ، وعمر يحثّ معه، ويسأله وهو راجل، والبشيرُ يسير على ناقته ولا يعرفه، فلمّا دخل المدينَة إذا الناس يسلّمون عليه باسمه بإمْرَة المؤمنين ويهنئونه، فنزل الرجل، وقال: هلاً أخبرتني يا أمير المؤمنين(علیه السلام) رحمك الله! وجعل عمر يقول : لا عليك يابنَ أخي، لا عليك يابن أخي!

وروى أبو العالية الشاميُّ، قال: قدم عمر الجابيَة، على جمل أورَق، تلوحُ صلعته ،ليس عليه قلنسوة، تصل رجلاه بين شعبتي رحله، بغير ركاب، وطاؤه كِساء أنبجانيّ(1)كثير الصوف، وهو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل وحقيبته نمرِة محشوة ليفاً، هي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل، وعليه قميصُ من كَرَابيس(2)قد دسم و تخرّق جيبه، فقال : ادعوا إليّ رأسَ القرية. فدعوه لِه ، فقال : اغسلوا قميصي هذا وخيّطوه، وأعيروني قميصاً ريثَما يجفّ قميصي، فأتوه بقميص كَتّان، فعجب منه، فقال ،ما هذا؟ قالوا : كَتّان .قال وما الكَتّان؟ فأخبروه فلبسه ثم غسل قميصَه، وأتِي به فنزعَ قميصهم ولبس قميصه، فقال له رأس القرية : أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا يصلح بها ركوب الإبل، فأتِيَ ببرذَون، فطرحت عليه قطيفة بغیر سرج فركبه، فهملَج، تحته، فقال للناس: احبسوا، فحبسوه، فقال : ما كنت أظنّ الناس يركبون الشيطان قبل هذا !قدّموا لي جملي. فجيء به فنزل عن البِرذَون وركبه .

قدم عمرُ الشّام، فلقيَه أمراء الأجناد وعظماء تلك الأرض، فقال: وأين أخي؟ قالوا : مَنْ هو ؟ قال : أبو عبيدة، قالوا :سيأتيك الآن، فجاء أبو عبيدة على ناقة مخطومة بحبل، فسلّم عليه، وردّ له، ثم قال للناس: انصرفوا عَنّا ،فسار معه حتى أتى منزله، فنزل عليه، فلم ير فيه إلاّ سيفاً وتِرْساً ، فقال له : لو اتخذتَ متاع البيت !قال : حسبي هذا يبلّغني المقيل .

وروى طارق بن شهاب، أنّ عمر لما قدِم الشّام لما قدم الشّام عَرَضَتْ له مخاضة، فنزل عن بعيره ،ونزع جر موقيه فأمسكهما بيده، وخاض الماء وزمام بعيره في يده الأخرى، فقال له أبو عبيدة : لقد صنعت اليومَ صنيعاً عظيماً عند أهلِ هذه الأرض ! فصكّ في صدره، وقال : لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! إنّكم كنتم أذلّ الناس ،وأحقَر الناس، وأقلّ الناس، فأعزّكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزّ بغيره يرجعكم إلى الذلّ.

وروی محمد بن سعد صاحب الواقديّ، أنّ عمر قال يوماً على المنبر : لقد رأيتُني وما لي من أكال يأكله الناس، إلاَّ أنّ لي خالات من بني مخزوم، فكنت أستعذِب لهنّ الماء، فيقبضْنَ

ص: 211


1) كساء أنبجاني : منسوب إلى منبج المدينة المعروفة، وقيل: إنها منسوبة إلى موضع اسمه أنبجان. وهو كساء يتخذ من الصوف له. خمل و لا علم له لسان العرب، مادة (نبج) .

2) الكرابیس: جمع مفرده کرباس وهو القطن. لسان العرب، مادة (كريس).

لي القبضات من الزّبيب، فلمّا نزل قيل له : ما أردتَ بهذا ؟ قال : وجدتُ في نفسي بأوا؟ فأردت أن أطأطيء منها .

ومن كلام عمر : رحم الله امراً أهدى إليّ عيوبي (1).

قدم عمرو بن العاص على عُمر، وكان والياً لمصر، فقال له : في كم سرت؟ قال: في عشرين ،قال عمر: لقد سرت سير عاشق ! فقال عمرو : إني والله ما تأبطتني الإماء، ولا حملتني في غُبرات المالي، فقال عمر : والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتُك عنه! وإنّ الدجاجة لتفحص في الرّماد فتضعُ لغير الفحل، وإنما تنسب البَيضة إلى طِرقها . فقام عمرو مربد الوجه .

قلت : المالِي : خِرَقٌ سودٌ يحملها النوائح، ويسرْنَ بها بأيديهنّ عند اللطم، وأراد خرِق الحيص ها هنا ،وشبهّها بتلك، وأنكر عمر فخره بالأمّهات، وقال: إن الفخر للأب الذي إليه النسب. وسألت النقيب أبا جعفر عن هذا الحديث في عمر، فقال: إن عمراً فَخَر على عمر، لأنّ أمّ الخطاب ،زنجية، وتعرف بباطحلي، تسمّى صُهاك، فقلت له : وأمّ عمرو النّابغة أُمَةٌ من سَبايا العرب، فقال: أمّه عربية من عَنَزة، سُبيت في بعض الغَارات، فليس يلحقها من النقص ما يلحق الإماء الزنجيات. فقلت له: أكان عمرُو يُقدِم على عمر بمثل ما قلت؟ قال: قد يكون بلغه عنه قولُ قدح في نفسه فلم يحتمله له، ونفث بما في صدره منه، وإن لم يكن جواباً مطابقاً للسؤال .

وقد كان عمر مع خشونته يحتمل نحو هذا فقد جَبَهه الزبير مرّة، وجعل يحكي كلامه يمقطه، وجبَهه سعدُ بن أبي وقاص أيضاً، فأغضى عنه . ومرّ يوماً في السوق على ناقة له فوثب غلام من بني ضَبّة، فإذا هو خلفه، فالتفت إليه، فقال: فمّمن أنت؟ قال : ضَبي، قال: جَسُورُ (2)والله ، فقال الغلام : على العدوّ ،قال عمر : وعلى الصَّدِيق أيضاً، ما حاجتك؟ فقضى حاجتَه، ثم قال : دع الآن لنا ظهر راحلتنا .

ومن كلام عمر :اخشع عند القبور إذا نظرت إليها، واستعصِ عند المعصية، وذلّ عند الطاعة، ولا تبذلَنّ كلامك إلا عند من يشتهيه ويتخِذه غُنْماً، ولا تستعن على حاجتك إلا بمن يحب نجَاحها لك، وآخِ الإخوانَ على التقوى، وشاور في أمرِك كلّه، وإذا اشترى أحدكم بعيراً فليشترِه جسيماً ، فإن أخطأته النَّجابة لم يخطئه السَّوق.

ص: 212


1) أخرجه الدارمي في «سننه» (169/1) .

2) جَسُور: شجاع. القاموس المحيط ،مادة (جسر ) .

أوفَدَ بشر بن مروان وهو على العراق رجلاً إلى عبد الملك، فسأله عن بشر، فقال: يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، هو اللَّيَن في غير ضَعْف ،الشديد في غير عُنف، فقال عبد الملك: ذاك الأحوذيّ ابن جِنتمة الذي كان يأمن عنده البريء، ويخافه السقيم، ويعاقب على الذَّنْب، ويعرف موضع العقوبة، لا بشر بن مروان !

أذن عمر يوماً للناس، فدخل شيخ كبير يعرُج، وهو يقود ناقة رجيعاً يجاذبها، حتى وقف بين ظهرانِيَ الناس، ثم قال :

وإنّك مسترعى وإنّا رَعيَّةٌ*** وإنّك مدعوّ بسيماك يا عمر

لدى يوم شرّ شره لشرارِه*** وخير لمن كانت مؤانسه الخير

فقال عمر : لا حول ولا قوّلا إلا بالله، مَنْ أنت؟ قال: عمرو بن برّاقة ، قال : ويحك! فما منعك أن تقول : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُمْسَهُ وَلِلرَّسُولِ(1). ثم قرأها إلى آخرها ،وأمر بناقته فقبضت، وحَمَله على غيرها ،وكساه وزوّده .

بينا عمر يسير في طريق مكة يوماً إذا بالشَّيخ بين يديه يرتجزُ، ويقول :

ما إن رأيتُ كفَتَى الخطّابِ ***أبرّ بالدّين وبالأحساب

بعد النبيّ صاحب الكتاب

فطعنه عمرُ بالسّوط في ظهره، فقال : ويلك! وأين الصّدّيق !قال : ما لِي بأمره علمُ يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، قال: أما إنّك لو كنت عالماً ، ثم قلت هذا لأوجعتُ ظهرك

قال زيد بن أسلم: كنت عند عمر، وقد كلّمه عمرو بن العاص في الحُطيئة، وكان محبوساً، فأخرجه من السجن، ثم أنشده :

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ***زُغْبِ (2)الحواصِلِ لا ماءً ولا شَجَرُ

ألقيت كاسبهم في قعرِ مُظلمةٍ*** فاغفِرُ عليك سلام الله يا عمرُ

أنت الإمام الذي من بعد صاحبِه*** ألقت إليه مقاليد النُّهى البشَرُ

ص: 213


1) سورة الأنفال، الآية: (41).

2) الزغب: أول ما يبدو من شعر الصبي والمهر وريش الفرخ واحدته زغبة. لسان العرب، مادة (زغب).

ما آثروك بها إذ قدّموك لها ***لكن لأنفسهم كانت بك الأثرُ

فبكى عمر لمّا قال له : «ماذا تقول لأفراخ»! فكان عمرو بن العاص بعد ذلك يقول : ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء أتقى من رجل يبكي خوفاً من حَبس الحطيئة! ثم قال عمر لغلامه يرفاً: عليّ بالكرسيّ، فجلس عليه، ثم قال : علي بالطّست، فأُتِيَ بها، ثم قال : عليّ بالمِخصف، لا بل بالسكين، فأتِيَ بها، فقال : لا بل عليّ بالموسى، فإنها أوجى، فأتِيَ بموسى، ثم قال: أشيروا عليّ في الشاعر، فإنه يقول الهُجر، وينُسب بالحُرّم، ويمدح الناس ويذّمهم بغير ما فيهم، وما أراني إلا قاطعاً لسانه! فجعل الحطيئة يزيد خوفاً، فقال من حضر : إنّه لا يعود يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، وأشاروا إليه قل : لا أعود يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، فقال: النّجاء النَّجاء ! فلمّا ولّى ناداه :يا حطيئة! فرجع مرعوباً ، فقال : كأنّي بك يا حُطَيئة عند فتى من قريش، قد بسط لك نُمرقة، وكسر لك أخرى، ثم قال : غَنّنا يا حطيئة، فطفقت تغنّيه بأعراض النّاس. قال: يا أمير المؤمنين(علیه اسلام)، لا أعود، ولا يكون ذلك.

قال زيد بن أسلم : ثمّ رأيتُ الحطيئة يوماً بعد ذلك عند عُبيد الله بن عمر، قد بسط له نُمرقة وكسر له أخرى، ثم قال: تغنّينا يا حطيئة، وهو يغنّيه، فقلت: يا حُطيئة، أمَا تذكر قول عمر لك! ففزع، وقال: رحم الله ذلك المرء! أما لو كان حيَّا ما فعلنا هذا. قال : فقلت لعُبيد الله بن عمر : سمعت أباك يذكر كذا، فكنتَ أنت ذلك الفتى (1).

كان عمر يصادرُ خونة العمّال، فصادر أبا موسى الأشَعريّ، وكان عامله على البَصرة، وقال له : بلغني أنّ لك جاريتين، وأنّك تُطعم النّاس من جَفْنتين، وأعاده بعد المصادرة إلى عمله .

وصادر أبا هريرة، وأغلظ عليه، وكان عاملَه على البحرين، فقال له: ألا تعلم أنّي استعملتُك على البحرين، وأنت حاف لا نعل في رجلك ! وقد بلَغني أنَّك بعتَ أفراساً بألف وستمائة دينار. قال أبو هريرة: كانت لنا أفراسُ فتناتجتْ فقال : قد حبستُ لك رزقك ومؤونتك، وهذا فضل . قال أبو هريرة : ليس ذلك لك، قال: بلى، والله وأوجعُ ظهرَك! ثم قام إليه بالدرّة فضرب ،ظهره حتى أدماه، ثم قال : انت بها فلمّا أحضرها، قال أبو هريرة: سوف أحتِسبُها عند الله، قال عمر: ذاك لو أخذتَها من حِلِّ، وأديتَها طائعاً، أما والله ما رَجَتْ فيك أمَيمة أن تجِبيَ أموال هَجَر واليمامة وأقصى البحرين لنفسك، لا الله ولا للمسلمين، ولم ترجُ فيك أكثر من رغيّة الحمر. وعَزَله .

ص: 214


1) أخرجه المتقي الهندي بما معناه في كنز العمال: 844/3 .

وصادر الحارث بن وهب أحدُ بني ليث بكر بن كنانة، وقال له: ما قِلاصُ وأعبُدُ بعتَها بمائة دينار؟ قال: خرجتُ بنفقةٍ لي فاتجرْتُ فيها ، قال : وإنّا والله ما بعثناك للتجارة، أدِّها، قال: أما والله لا أعمل لك بعدها . قال : أنا والله لا أستعملك بعدها. ثم صعد المنبر، فقال : يا معشرَ الأمراء، إن هذا المال لو رأينا أنّه يحلُّ لنا لأحللناه لكم، فأمّا إذ لم نره يحلّ لنا وظَلَفْنا أنفسنا عنه أنفسَكم، فإني والله ما وجدتُ لكم مثلاً إلا عطشان ورد اللُّجة، ولم ينظر الماتح ، فلما روي غرق.

وكتب عمر إلى عمرو بن العاص وهو عامله في مصر :

أمّا بعد، فقد بلغَني أنّه قد ظهر لك مالُ من إبل وغنم وخدم وغلمان، ولم يكن لك قبله مال، ولا ذلك من رزقك، فأنّى لك هذا !ولقد كان لي من السابقين الأوَّلين من هو خير منك، ولكني استعملتك لغَنائك، فإذا كان عملُك لك وعلينا ، بم نؤثرك على أنفسنا ! فاكتب إلي من اين مالك؟ وعجّل . والسلام.

فكتب إليه عمرو بن العاص : قرأت كتابَ أمير المؤمنين(علیه السلام)، ولقد صدق، فأمّا ما ذكره من مالِي، فإنَّي قدمت بلدة، الأسعار فيها رخيصة، والغزو فيها كثير، فجعلت فضولَ ما حصل لي من ذلك فيما ذكره أمير المؤمنين(علیه السلام). والله يا أميرَ المؤمنين(علیه اسلام) ، لو كانت خيانتُك لنا حلالاً ما خنّاك، حيث ائتمنتَنا، فأقصِرْ عنا عناك، فإن لنا أحساباً إذا رجعنا إليها أغنتْنا عن العمل لك، وأمّا مَنْ كان لك من السابقين الأولين، فهلا استعملتهم ! فوالله ما دققت لك باباً .

فكتب إليه عمر: أما بعد فإنّي لست من تسطيرك وتشقيقك الكلام في شيء! إنّكم معشرَ الأمراء أكلتم الأموال، وأخلدتم إلى الأعذار، فإنما تأكلون النار، وتورّثون العار، وقد وجّهت إليك محمد بن مسلمة ليشاطرَك على ما في يديك. والسلام .

فلمّا قدم إليه محمد اتخذ له طعاماً وقدّمه إليه، فأبى أن يأكل، فقال : ما لك لا تأكل طعامنا ؟ قال : إنّك عَمِلْتَ لي طعاماً هو تقدمة للشرّ، ولو كنتَ عملتَ لي طعام الضَّيْف لأكلته ، فأبعد عنّي طعامك، وأحضر لي مالك. فلمّا كان الغد وأحضر ماله ، جعل محمد يأخذ شطراً، ويعطي عمراً شطراً ، فلمّا رأى عمرو ما حاز محمد من المال، قال: يا محمّد، أقول؟ قال: قل ما تشاء، قال: لعن الله يوماً كنتُ فيه والياً لا بن الخطّاب! والله لقد رأيته ورأيت أباه، وإنّ على كلّ واحد منهما عباءة قطوانية (1)، مؤتزراً بها، ما تبلغ مأبِض ركبتيه، وعلى عنق كلّ واحد .

ص: 215


1) نسبة إلى موضع بالكوفة منه الأكسية. القاموس المحيط ،مادة (قطو).

منهما حُزمة من حطب، وإنّ العاص بن وائل لفي مزرّرات الديباج . فقال محمد: إيهاً يا عمرو! فعمر والله خير منك، وأمّا أبوك وأبوه ففي النار، ووالله لولا ما دخلتَ فيه من الإسلام لألفِيت معتلفاً شاة يسرّك غَزرها، ويسوءك بكؤها . قال: صدقت، فاكتم عليّ . قال : أفعل.

جاءت سُرِّيّة لعبيد الله بن عمر إلى عمر تشكوه، فقالت: يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، ألا تعذرني من أبي عيسى ؟ قال : ومَنْ أبو عيسى؟ قالت: ابنك عبيد الله ، قال : ويحك! وقد تكنّى بأبي عيسى!

ودعاه وقال : إيها اكتنيت بأبي عيسى !فحذر وفزع، فأخذ يده فعضّها حتى صاح، ثم ضربه وقال : ويلك هل لعيسى أب! أما تدري ما كنَى العرب؟ أبو سلمة، أبو حنظلة، أبو عرفطة، أبو مرّة.

كان عمر إذا غضب على بعض أهله لم يشتفِ حتى يعضّ يده ،وكان عبد الله بن الزبير كذلك يقال : إنه لم يل ولاية من ولد عمر والي عادل .

وقال مالك بن أنس : إنّ عمر بن الخطاب استفرغ كلّ عدل في ولده، فلم يعدل بعده أحدُ منهم في ولاية وليَها .

كان عمر ومن بعده من الولاة إذا أخذوا العُصاة نزعُوا عمائمهم، وأقاموهم للناس، حتى جاء زياد فضربهم بالسَّياط، فجاء مُصعب فحلق مع الضرب، فجاء بشر بن مروان، فكان يصلب تحت الإبطين، ويضرب الأكفّ بالمسامير. فكتب إلى بعض الجند قوم من أهله يستزيرونه، ويتشوقونه، وقد أخرجه بشر إلى الريّ فكتب إليهم :

لولا مخافةُ بشرِ أو عقوبتُه*** أو أن يرى شانی كفّي بمسمارِ

إذاً لعطلتُ تَغْرِي ثمَّ زُرتُكُمُ ***إِنّ المحِبَّ المعنَّى جِد زَوَّارِ

فلما جاء الحجاج :قال كلّ هذا لَعِبٌ، فقتل العُصاةَ بالسّيف .

زيد بن أسلم، عن أبيه ،قال: خلا عُمَرُ لبعض شأنه، وقال: أمْسِكْ عليّ الباب، فطلع الزُّبير، فكرهتُه حين رأيتُه ، فأرادَ أن يدخُلَ، فقلتُ : هُو على حَاجةٍ، فلم يلتفت إليّ، وأهْوَى ليدخُل، فوضعتُ يدي في صدرِه، فضرب أنفي فأدمَاه، ثم رجع فدخلتُ على عمر، فقال: ما بك؟ قلت : الزبير !

فأرسل إلى الزُّبير ، فَلَمَّا دخلَ جنتُ فقمتُ لأنظُر ما يقول له، فقال: ما حملك على ما

ص: 216

صنعت أدْمَيْتَني للناس. فقال الزُّبير يحكيه ويمطّط في كلامه :« أذميتَني!»، أتحتجب عنَّا يابن الخطاب! فوالله ما احتجب منّي رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم)، ولا أبُو بكر ! فقال عمر كالمعتذِر : إني كنتُ في بعض شأني !

قال أسْلَم : فلمّا سمعتُه يَعْتذر إليه، ينستُ من أنْ يأخُذَ لي بحقِّي منه .

فخرج الزُّبير، فقال عمر : إنّه الزبير وآثاره ما تعلَم ! فقلت : حقّي حقّك!

وروى الزبير بن بكّار في كتاب «الموفقيات» (1)، عن عبد الله بن عباس قال : إِنِّي لأمَاشي عمر بن الخطاب في سكّة من سِكك المدينة، إذ قال لي : يابن عباس، ما أرى صاحبَك إلا مظلوماً ، فقلت في نفسي: والله لا يسبقُني بها فقلت : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، فاردة إليه ظُلامته، فانتزعَ يدَه من يدي، ومضى يُهَمْهِم ساعة، ثمّ وقف فلحقتُه فقال : يابنَ عباس؟ ما أظنّهم منعهم عنه إلاّ أنّه استصغره قومُه! فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأولى! فقلت : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمَرَاء أن يأخذ براءة من صاحبك فأعرض عنّي وأسرَع، فرجعت عنه .

وقال ابن عباس : قلت لعمر ، لقد أكثرتَ التمنّي للموت، حتى خشيت أن يكون عليك غير سهل عند أوانه ! فماذا سنمتَ من رعيّتك أن تعين صالحاً، أو تقوم فاسداً !

قال: يابنَ عَبّاس، إنّي قائل قولاً فخذه إليك، كيف لا أحب فراقهم، وفيهم من هو فاتحُ فاه للشهوة من الدّنيا، إما لحقَّ لا ينوء بهِ، وإمّا لباطل لا ينالُه ! والله لولا أَنْ أَسْأَلَ عنكم لبرنتُ منكم فأصبحت الأرض مني بلاقع، ولم أقل : ما فعل فلان وفلان!

جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب، فقالت: يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، إنّ زوجي يصومُ النَّهار ويقوم الليل، وإنّي أكرَهُ أنْ أشكُوة وهو يعمل بطاعة الله ! فقال : نِعْمَ الزّوج زوجُك! فجعلت تكرّر عليه

القول، وهو يكرّر عليها الجواب .

فقال له كعب بن سَوْر :يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إنها تشكو زوجَها في مباعدته إياها عن فراشه ففطِن عمر حينئذ، وقال له : قد ولّيتُك الحكمَ بينهما !

ص: 217


1) الموفقيات في الحديث للزبير بن بكار المتوفى سنة ست وخمسين ومائتين ا ه. «كشف الظنون » (191/2).

فقال كعب: عليُ بزوجها ،فأتِيَ ،به فقال : إنّ زوجتك هذه تشكوك، قال: في طعام أو شراب؟ قال : لا ، قالت المرأة :

أَيُّهَا القاضي الحكِيمُ رشَدة*** ألْهَى خليلي عن فراشي مَسْجِدُهُ

زهَّدَهُ في مضجعِي تَعبُّدة*** نهاره وليله ما يرقدُة

فلستُ في أمرِ النِّسَاء أحمدُهُ

فقال زوجها :

زهدني في فَرْشِها وفي الحجَل (1)*** اني امرؤ اذْهَلَنِي ما قَدْ نَزَل

في سُورة النمل وفي السبع الطِّوَل*** وفي كتابِ الله تخويفُ جَلَلْ

وقال كعب :

إِنْ لَهَا حَقًّا عَلَيْكَ يَارَجُلْ ***تصيبها من أربع لمن عَقَلْ

فأعْطِهَا ذَاكَ ودَعْ عَنْكَ العِلَلْ

فقال لعمر : يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إنّ الله أحلُ له من النِّساء مَثْنَى وثلاث ورُبَاع، فله ثلاثة أيامٍ

ولياليهنّ، يعبد فيها ربّه، ولها يومُ وليلة .

فقال عمر : والله ما أعلم من أيّ أمريك أعجب! أمن فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما ! اذهب فقد ولَّيْتُك قضاء البصرة (2).

وروى زيد بن أسلَم، عن أبيه، قال: خرجتُ مع عمر بن الخطاب وهو يطوف بالليل، فنظر إلى نار شرقيّ حَرّة المدينة، فقال: إن هؤلاء الرّكب لم ينزلوا ها هنا إلاّ اللّيلة ثمّ أهوى لهم، فخرجت معه حتى دنونا ، فسمعنا تضاغِيَ الصّبيان وبكاءهم .

فقال : السّلام عليكم يا أصحابَ الضوء، هل ندنو منكم ! واحتبسنه قليلاً، فقالت امرأة

منهم : ادنُوَا بسلام !فأقبلنا حتى وقفنا عليها، فقال: ما يُبِكي هؤلاء الصبيان؟ قالت : الجوع، قال : فما هذا القِدِّر على النار ؟ قالت ماءٌ أعللهم به، قال :انتظريني فإني بالغك إن شاء الله ! ثم خرج يُهَرُول وأنا معه، حتى جئنا دار الدقيق - وكانت داراً يطرح فيها ما يجيء من دقيق العراق ومصر. وقد كان كتب إلى عمرو بن العاص وأبي موسى حين أمحلت السَّنَة : الغوث، الغوث! احملوا إليّ أحْمَال الدقيق ،واجعلوا فيها جمائد الشحم - فجاء إلى عِدْلٍ منها، فطأطأ

ص: 218


1) الحجل : بكسر الفاء وفتحها وسكون الجيم : الخلخال، وبفتح الحاء والجيم: طير معروف واحدة حجلة . لسان العرب، مادة (حجل) .

2) أخرجه الشيخ الأميني في الغدير : 107/2 ، وذكره القرطبي في تفسيره : 19/5.

ظهره، ثم قال : احمله على ظهري يا أسْلَم! فقلت: أنا أحمله عنك ! فنظر إليّ وقال : أنت تحمل عنّي وزْرِي يومَ القيامة؟ لا أبا لك !قلت: لا ،قال: فاحمله على ظهري إذاً، ففعلتُ، وخرج به يُذلِجُ وأنا معه، حتّى ألقاه عند المرأة.

ثم قال لي : ذُرَّ عَلَي ذَرُور الدقيق لا يتعرّد وأنا أخزر، ثم أخذ المِسواط يخزر، ثم جعل ينفخ تحت البُرمة، وأنا أنظر إلى الدّخَان يخرج من خَلَل لحيته، ويقول: لا تعجل حتى ينضج، ثم قال : القِ عليّ من الشحم ، فإن القفار يُوجع البطن .

ثم أنزل القِدْر ، وقال للمرأة: لا تَعجلي، لا تعطيهم حارًا، وأنا أسطَّح لك، فجعل يسطَّح بالمسوَاط ، ويبرّد طعامهم، حتى إذا شبِعُوا ترك عندها الفضل، ثم قال لها : انتِي أميرَ المؤمنين(علیه السلام) غداً، فإنّك عَسيت أن تجديني قريباً منه، فأشفعَ لك بخير، وهي تقول : مَنْ أَنتَ يرحمك الله ! وتدعُو له وتقول : أنت أولَى بالخلافة من أمير المؤمنين(علیه السلام)، فيقول: قولي خيراً يرحمُك الله ! لا يزُيد على هذا .

ثم انصرف حتى إذا كان قريباً جلس فاقعى، وجعل يسمَع طويلاً، حتى سمع التّضاحُك منها ومن الصبيان، وأنا أقول :يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، قد فرَغت من هذه، ولك شغل في غيرِها، ويقول : لا تكلَّمني، حتى إذا هذا حسُّهم قام فتمطَّى وقال : ويحك ! إنّي سمعتُ الجوع أسهرهم، فأحببتُ الا أبرح حتى أسمع الشَّبَع أنا مهم !

ومن كلامه الرجال ثلاثة : الكامل، ودون الكامل، ولا شيء. فالكامل ذو الرأي يستشير الناس، فيأخذ من آراء الرجال إلى رأيه ودون الكامل من يستبد به ولا يستشير. ولا شيء مَن لا رأي له ولا يستشير.

والنساء ثلاث تعين أهلَها على الدهر ولا تعين الدهر على أهلها ،وقلّما تجدها . وامرأة وعاء للولد ليس فيها غيره. والثالثة غُلَّ قَمِلٌ يجعله الله في قربة مَنْ يشاء، ويفكّه إذا شاء.

لما أخرج عُمَر الحطيئةَ من حَبْسه قال له : إيّاك والشعر! قال: لا أقدر على تركه يا أمير المؤمنين (علیه السلام)،مأكلةُ عيالي ،ونملة تدِبّ على لساني . قال : فشبّب بأهلك، وإياك وكل مدحة مُجحفة. قال: وما المجحفة؟ قال : تقول : إن بني فلان خير من بني فلان، امدح ولا تفضّل أحداً ، قال : أنت والله يا أمير المؤمنين(علیه السلام) أشعر منّي !

وروى الزّبير في «الموفقيات» عن عبد الله بن عباس، قال: خرجت أريد عمر بن الخطاب، فلقيتُه راكباً حماراً ، وقد ارتسنه (1)بحبل أسود، في رجليه نعلان مخصوفتان، وعليه إزار

ص: 219


1) الرَّسن: الحَبْل، وما كان من زمام على أنف .القاموس المحيط ،مادة (رسن).

وقميص صغير، وقد انكشفت منه رجلاه إلى ركبتيه، فمشيت إلى جانبه، وجعلت أجذب الإزارَ وأسوّيه عليه، كلّما سترتُ جانباً انكشف جانب، فيضحك ويقول : إنّه لا يطيعك، حتى جئنا العالية، فصلّينا ، ثمّ قدّم بعض القوم إلينا طعاماً من خبز ولحم، وإذا عمرُ صائم، فجعل ينيِذ إليّ طيّب اللحم، ويقول : كل لي ولك، ثمّ دخلنا حائطاً فألقى إليّ رداءَه، وقال اكفنيه، وألقى قمیصه بين يديه، وجلس يغسله، وأنا أغسل رداءه، ثمّ جفّفناهما وصلّينا العصر، فركب ومشيت إلى جانبه، ولا ثالث لنا .

فقلت : يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إني في خِطبة فأشر عليّ، قال: ومَنْ خطبت؟ قلت : فلانة ابنة فلان، قال: النَّسب كما تحبّ، وكما قد علمت، ولكن في أخلاق أهلها دِقّة لا تعدمك أن تجدَها في ولَدِك قلت : فلا حاجة لي إذاً فيها، قال: فلمَ لا تخطبُ إلى ابن عمّك - يعني علياً؟ قلت : ألم تسبقُني إليه؟ قال: فالأخرى، قلت: هي لابن أخيه. قال: يابن عباس، إنّ صاحبَكم إن ولِيَ هذا الأمر أخشى عُجبه بنفسِه أن يذهب به فليَتِني أراكم بعدي!

قلت: يا أميرَ المؤمنينَ(علیه السلام)، إن صاحبَنا ما قد علمت، إنّه ما غيّر ولا بدّل، ولا أسخط رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)أيّام صحبته له .

قال : فقطع عليّ الكلام، فقال :ولا في ابنة أبي جهل، لمَّا أراد أن يخطبها على فاطمة!

قلت : قال الله تعالى: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا(1)، وصاحبُنا لم يعزِم على سخط رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، ولكن الخواطر التي لا يقدر أحدٌ على دفعها عن نفسه، وربما كان من الفقيه في دين الله ، العالم العامل بأمر الله .

فقال : يابنَ عباس، مَنْ ظَنّ أنه يردُ بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظنّ عجزاً أستغفر الله لي ولك، خذ في غيرها .

ثم أنشأ يسألني عن شيء من أمور الفُتيا وأجيبه فيقول : أصبتَ أصابَ الله بك ! أنت والله أحقُّ أن تُتّبع !

أشرف عبدُ الملك على أصحابه ،وهم يتذاكرون سيرَة عمر، فغاظه ذلك، وقال: إيهاّ، عن ذِكْرِ سيرة عمر ! فإنها مَزراة على الولاة، مفسدة للرعيّة .

قال ابن عباس : كنت عند عمر فتنفّس نفساً ظننتُ أنّ أضلاعه قد انفرجت، فقلت: ما أخرج هذا النَّفس منك يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) إلا همُّ شديد! قال : إي والله يابنَ عباس! إني فكرتُ

ص: 220


1) سورة طه ، الآية : 115 .

فلم أذرٍ فيمَنْ أجعل هذا الأمرَ بعدي! اثم قال : لعلّك ترى صاحبَك لها أهلاً! قلت : وما يمنعه ذلك جهاده وسابقته وقرابته وعلمه! قال: صدقت، ولكنه امرؤ فيه دُعابة، قلت. فأين انت عن طلحة ! قال : ذو البأو ، بإصبعه المقطوعة! قلت : فعبد الرحمن؟ قال : رجل ضعيف لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته . قلت : فالزّبير ؟ قال : شكِسُ (1)لَقِس (2)يُلاطم في النقيع في صاع من بُرِّ! قلت فسعد بن أبي وقّاص ؟ قال صاحب سلاح ومقْنَب، قلت: فعثمان؟ قال : أَوَّه ثلاثاً، والله لئن وليَها ليحملَنَّ بني أبي مُعَيط على رقاب الناس، ثم لتنهض العرب إليه .

صفات عمر .

ثم قال : يابن عباس، إنه لا يصلُح لهذا الأمر إلا خَصِيف العقدة، قليل الغرّة، لا تأخذه في الله لومة لائم، ثم يكون شديداً من غير عنف ،ليّناً من غير ضعف، سخيًّا من غير سرف، ممسكاً من غير وكَف. قال ابن عباس : وكانت والله هي صفات عمر .

قال : ثمّ أقبل عليّ بعد أن سكت هُنَيْهَةً ، وقال : أجرؤهم والله إن وليَها أن يحملهم على كتاب ربّهم وسنّة نبيهم لَصاحبُك! أما إن وليَ أمرهم حملهم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم .

وروى عبد الله بن عمر قال : كنت عند أبي يوماً، وعنده نفر من الناس، فجرى ذكر الشعر، فقال: مَنْ أشعرُ العَرب؟ فقالوا : فلان وفلان، فطلع عبد الله بن عباس، فسلم وجلَس، فقال عمر : قد جاءكم الخبير! مَنْ أشعرُ النّاس يا عبدَ الله ؟ قال: زهير بن أبي سلمى، قال: فأنشدني مما تستجيده له . فقال : يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إنّه مدح قوماً من غطفان، يقال لهم بنو سِنان، فقال:

لو كان يقَعد فوق الشمس من كرم*** قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا

قوم أبوهم سنان حين تَنْسِبُهُمْ*** طابوا وطاب من الأولاد مَا وَلَدُوا

إنسُ إذا أمنوا، جنُّ إذا فزعوا*** مُرَزّؤون بها ليل إذا جُهدوا

محسّدون على ما كان من نعم ***لا ينزع الله منهم ما له حُسِدوا

فقال عمر : والله لقد أحسن، وما أرى هذا المدح يصلح إلاّ لهذا البيت من هاشم، لقرابتهم من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقال ابن عباس : وفقّك الله يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، فلم تزل موفّقاً، فقال : يابن عباس ،أتدري ما منع الناس منكم؟ قال : لا يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، قال: لكني أدري، قال: ما هو

ص: 221


1) الشَّكِس : الشَّيْءُ الخلق في المبايعة وغيرها . لسان العرب، مادة (شكس).

2) اللَّقِس : الشَّره النفْس الحريص على كل شيء. لسان العرب، مادة (القس).

يا أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة، فيجِخفوا جَخْفاً، فنظرت قريش لنفسها فاختارت ووفقت فأصابت .

فقال ابن عباس : أيميط أمير المؤمنين(علیه السلام) عنّي غضبه فيسمع ! قال : قل ما تشاء، قال: أمّا قول أمير المؤمنين(علیه السلام): إن قريشاً كرهت، فإن الله تعالى قال لقوم : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ (1).

وأما قولك: «إنّا كنّا نجخف»، فلو جَخَفْنا بالخلافة جَخَفْنا بالقرابة، ولكنّا قوم أخلاقنا مشتقة من خُلُق رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)الذي قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (2)، وقال له : وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(3)

وأما قولك :« فإن قريشاً اختارت»، فإنّ الله تعالى يقول: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَتَختَارُ مَا كَانَ هُمُ الخَيرَةُ(4)، وقد علمتَ يا أمير المؤمنين(علیه السلام) أن الله اختار مِنْ خلقه لذلك مَن اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفّقّت وأصابت قريش.

فقال عمر : على رِسْلِك يابنَ عباس، أبت قلوبُكم يا بني هاشم إلاّ غِشَّا في أمر قريش لا يزُول، وحقداً عليها لا يحُول، فقال ابن عباس : مَهْلاً يا أمير المؤمنين(علیه السلام) ! لا تنسُب هاشِماً إلى الغشّ، فإنّ قلوبَهم من قلب رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) الذي طهّره الله وزكّاه ،وهم أهل البيت الذين قال له تعالى لهم : إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(5)، وأما قولك : «حقداً» فكيف لا يحقد من غُصِبَ شيئه، ويراه في يده غيره!

فقال عمر: أما أنت يابن عباس، فقد بلَغني عنك كلامُ أكره أن أخبرك به، فتزولَ منزلتُك عندی، قال : وما هوَ يا أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ أخبرني به ،فإن يكُ باطلاً فمثلي أماطَ الباطلَ عن

نفسه، وإن يكُ حقَّا فإنّ منزلتي عندك لا تزولُ به .

قال : بلغني أنّك لا تزال تقول : أُخِذَ هذا الأمر منكم حسداً وظلماً. قال: أمّا قولك يا أمير المؤمنين(علیه السلام): «حسداً»، فقد حسد إبليس آدم ،فأخرجه من الجنّة، فنحن بنو آدم المحسود

وأما قولك: «ظلماً» فأمير المؤمنين(علیه السلام) يعلم صاحب الحقُ من هو !

ثم قال : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، ألم تحتجّ العرب على العَجم بحق رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، واحتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم )! فنحن أحقُّ برسول الله من سائر قريش.

ص: 222


1) سورة محمد، الآية : 9 .

2) سورة القلم، الآية : 4 .

3) سورة الشعراء :الآية 215 .

4) سورة القصص ،الآية : 68 .

5) سورة الأحزاب، الآية : 33.

فقال له عمر : قم الآن فارجع إلى منزلك. فقام، فلمّا ولى هتف به عمر: أيها المنصرف ،إنِّي على ما كان منك لراع حقك!

فالتفت ابن عباس فقال : إنّ لي عليك يا أمير المؤمنين(علیه السلام) وعلى كلّ المسلمين حقًا برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فمن حفظه فحقّ نفسه حفِظ ، ومَنْ أضاعه فحقّ نفسه أضاع. ثم مضى.

فقال عمر لجلسائه :واهاً لابن عباس! ما رأيته لأحَى (1)أحداً قطّ إلا خصَمه (2)!

لما توفّيَ عبد الله بن أبيّ، رأس المنافقين في حياة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، جاء ابنه وأهله، فسألوا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أن يصلِّيَ عليه، فقام بين يدي الصفّ يريد ذلك، فجاء عمر فجذبه من خلفه، وقال: ألم يَنْهَكَ الله أن تصلّيَ على المنافقين !فقال : إني خُيّرت فاخترت، فقيل لي : اسْتَغْفِرْ لَكُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَكُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَةٌ فَلَن يَغْفِرَ اللهُ(3)، ولو أنّي أعلم أنّي إذا زدت على السبعين غفر له لزدت. ثم صلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) علیه ومشى معه، وقام على قبره .

فعجب الناس من جراءة عمر على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فلم يلبث الناس إلا أن نزل قوله تعالى: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُم عَلَى قَبْرِهِ(4)فلم يصل قبره ) (1) فلم يصلّ(علیه السلام) بعدها على أحدٍ المنافقين.

وروى أبو هريرة، قال: كنا قعوداً حولَ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في نفر، فقام من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يقطع دوننا فُقُمنا - وكنت أولَ مَنْ فزع - فخرجت أبتغيه حتى أتيتُ حائطاً للأنصار لقوم من بني النّجار، فلم أجد له باباً إلا ربيعاً ، فدخلت في جوف الحائط - والربيع الجدول - فدخلت منه بعد أن احتفرتُه ، فإذا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقال : أبو هريرة! قلت : نعم، قال : ما شأنك؟ قلت : كنتَ بين أظهرنا، فقمت فأبطأت عنّا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا - وكنتُ أوّل من فِزع - فأتيتُ هذا الحائط فاحتفرْتُه كما يحتفرُ الثعلب، والناس من وراثي .

فقال : يا أبا هريرة، اذهب بنغليّ هاتين، فمن لقيته وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقناً بها قلبُه، فبّشره بالجنّة .فخرجت، فكان أوّلَ من لقيت عمر، فقال: ما هذان

ص: 223


1) لاحاه :نازعه . القاموس المحيط، مادة (الحي).

2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 409/28 ، أخرجه عبد الرحمن أحمد البكري في عمر بن الخطاب : 35 ح : 47 .

3) سورة التوبة، الآية : 80 .

4) سورة التوبة، الآية : 84.

النَّعلان؟ قلت : نعلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعثني بهما ، وقال : مَنْ لقيته يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبُه ، فَبَشره بالجنة.

فضرب عمر في صدري فخررت لإستي ، وقال : ارْجِعُ إلى رسولِ الله(صلی الله علیه و آله و سلم).

فأجهشت بالبكاء راجعاً، فقال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : ما بالك؟ قلت: لقيتُ عمر فأخبرته بالذي بعثَني به، فضرب صدرِي ضربةً خررت لإستي، وقال: ارجع إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) .

فخرج رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فإذا عمر، فقال : ما حَمَلك يا عمر على ما فعلت؟ فقال عمر: أنت بعثت أبا هريرة بكذا ؟ قال :نعم، قال: فلا تفعَل، فإنّي أخْشَى أن يتكل الناس عليها فيتركوا العمل، خَلّهم يعملون .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : خلّهم يعملون (1).

وروى أبو سعيد الخُدري، قال : أصابت النّاسَ مجاعةُ في غزاة تبوك، فقالوا: يا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، لو أذنتَ فذبحنا نواضِحَنا، وأكلنا شحمَها ولحمَها ! فقال: افعلوا، فجاء عمر فقال : يا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، إنهم إن فعلوا قلّ الظَّهر، ولكن ادعهم بفضَلات أزوادهم فاجمعها ، ثم ادعُ لهم عليها بالبركة، لعل الله يجعل في ذلكِ خيراً (2).

ففعل رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ذلك، فأكل الخلق الكثير من طعام قليل، ولم تُذبح النواضح.

وروی ابن عباس رضي الله عنه أن رجلاً أتى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) لا يذكر له ذنباً أذنبه، فأنزل الله تعالى في أمره: وَأَقِمِ الصَّلوةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ(3)فقال : يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، لي خاصّة، أم للناس عامّة!

فضرب عمر صدره بيده وقال : لا ، ولا نُعمى عين! بل للنّاس عامة . فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بل للناس عامة .

ص: 224


1) أخرجه الأصبهاني في المسند المستخرج على صحيح مسلم (125/1) .

2) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة (27)، وأحمد في باب : مسند أبي سعيد الخدري (10696) ، وابن حبان في«صحيحه» (6530).

3) سورة هود ،الآية: 114 .

وكان عمر يقول : وافقني رَبِّي في ثلاث: قلت: يا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى؟ فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَل(1).

وقلت : يا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، إن نساءك يدخل عليهنّ البَرّ والفاجر، فلو أمرتَهنّ أن يحتجِبن ! فنزلت آية الحجاب.

وتمالاً عليه نساؤه غيرة، فقلت له : عَسَى رَبُّه إن طَلَقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ, أَزْوَجًا خَيْرًا مِنكُن(2)فنزلت بهذا اللفظ.

وقال عبد الله بن مسعود: فَضَل عمر النّاس بأربع : برأيه في أسارى بدر، فنزل القرآن بموافقته : ومَا كَانَ لِنَي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِي الْأَرْضِ (3)، وبرأيه في حجاب نساء نبیّ(صلی الله علیه و آله و سلم)، فنزل قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَنَعًا فَتَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ (4)وبدعوة النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) : «اللهم أيّد الإسلام بأحد الرجلين» (5)، وبرأيه في أبي بكر، كان أول مَن بايعه .

وروت عائشة قالت : كنتُ أكل مع رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) حَيْساً قبل أن تنزل آية الحجاب، ومرّ عمر فدعاه فأكل، فأصابت يده إصبعي، فقال : حَسٌ لو أطاعُ فيكنّ ما رأتكنّ عين! فنزلت آية

الحجاب.

جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر، فقالا : يا خليفة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، إن عندنا أرضاً سَبخة ليس فيها كلاُّ ولا منفعة، فإن رأيت أن تُقطعناها، لعلّنا نحرثُها أو نزرَعها ! ولعلّ الله أن ينفَع بها بعد اليوم! فقال أبو بكر لمن حوله من الناس المسلمين: ما ترون؟ قالوا : لا بأس، فكتب لهما بها كتاباً، وأشهد فيه شهوداً . وعمر ما كان حاضراً، فانطلقا إليه ليشهد في الكتاب، فوجداه قائماً يهنا بعيراً، فقالا: إن خليفة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) اكتب لنا هذا الكتاب ،وجئناك لتشهد على ما فيه، أفتقرؤه أم نقرؤه عليك؟ قال: أعلى الحال التي تريان! إن شئتما فاقرآه، وإن شئتما فانتظرا حتى أفرغ .

ص: 225


1) سورة البقرة، الآية: 125 .

2) سورة التحريم، الآية : 5.

3) سورة الأنفال، الآية: 67 .

4) سورة الأحزاب، الآية 53 .

5) أخرج الحاكم في« المستدرك»(4486) نحوه ، وأحمد في «مسنده» باب: مسند عبد الله بن مسعود (4349) ، والطبراني في «الكبير» (8828) .

قالا : بل نقرؤُه عليك، فلما سمع ما فيه، أخذه منهما، ثم تفَل فيه، فمحَاه، فتذامرا وقالا مقالة سيّئة.

فقال : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتألَّفكما والإسلام يومئذ ذّليل، وإنّ الله تعالى قد أعزّ الإسلام، فاذهبا فاجهَدا جهدكما ، لا رَعى الله عليكما إن رعيتما !

فذهبا إلى أبي بكر ،وهما يتذمران ،فقالا : والله ما ندري أنت أميرُ أم عمر ؟ فقال : بل هو لو شاء كان.

وجاء عمر وهو مغضَب، حتى وقف على أبي بكر ، فقال : أخبرني عن هذه الأرض التي أقْطعتَها هذين الرّجُلين، أهي لك خاصّة، أم بين المسلمين عامّة! فقال : بین المسلمين عامّة، قال : فما حمَلك على أن تخصّ بها هذين دون جماعة المسلمين: قال : استشرتُ الذين حولي، فأشاروا بذلك ، فقال : أفكلّ المسلمين أوسعتَهم مشورة ورضاً ! فقال أبو بكر : فلقد كنتُ قلت لك: إنّك أقوى على هذا الأمر منّي، لكنّك غلبتني !

لمّا كتب النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) كتابَ الصُّلح في الحديبية بينَه وبين سُهيل بن عمرو، كان في الكتاب أنَّ من خَرَج من المسلمين إلى قريش لا يُردّ ، ومَنْ خرج من المشركين إلى النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) يُرد عليهم، فغضب عمر وقال لأبي بكر : ما هذا يا أبا بكر !أيردّ المسلمون إلى المشركين! ، ثم ، فجلس بين يديه وقال يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ألستَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حقا ! قال: بلي، قال: ونحن المسلمون حقًّا ! قال: نعم، قال: وهم الكافرون حقَّا ! قال: نعم، قال: فعلامَ نعطِي الدنية في ديننا ! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أفعل ما يأمرُني به، ولن يضيّعَنِي.

فقام عمر مغضَباً وقال : لو أجد أعواناً ما أعطيتُ الدنيّة أبداً. وجاء إلى أبي بكر فقال له : يا أبا بكر، ألم يكن وعَدنا أننا سندخل مكّة، فأين ما وعدنا به؟ فقال أبو بكر : أقال لك : إنّه العام يدخلها ؟ قال : لا ، قال: فسيدخلها، فقال : فما هذه الصحيفة التي كتبت؟ وكيف نعطِي الدنية من أنفسنا! فقال أبو بكر: يا هذا ،الزم غرزَه ، فوالله إنّه لَرَسولُ الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، وإن الله لا يضيّعهُ (1).

فلما كان يوم الفتح وأخذ رسولُ الله(صلی الله علیه و آله و سلم) مفتاح الكعبة، قال: ادعوا لِي عمر، فجاء فقال : هذا الذي كنتُ وعدتُكم به !

ص: 226


1) أخرجه البخاري في كتاب: الشروط ،باب: الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب (2734). وأحمد في كتاب: المكيين باب: حديث سهيل بن حنيف (15545).

لمّا قُتِل المشركون يوم بدر أسِرَ منهم سبعون أسيراً، فاستشار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم أبا بكر عمر، فقال أبو بكر : يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان وأرى أن تأخذ منهم الفِذية، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على المشركين، وعسى أن يهديَهم الله بعد اليوم، فيكونوا لنا عذراً. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما تقول أنت يا عمر ؟ قال : أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عَقِيل، فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنّه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين . اقتلهم يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإنّهم صناديدهم وقادتهم.َ فلم يهو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما قاله عمر .

قال عمر فجئت رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم ، فوجدته قاعداً وأبو بكر، وهما يبكيان، فقلت: ما يبكيكُما ؟ حدّثاني، فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم : أبكي لأخذ الفداء، لقد عرض علَيّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة – لشجرة قريبة منه .

قال عبد الله بن عمر: فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : كِدنا أن يصيبنا شرٌّ في مخالفة عمر(1).

وقال عُمر في خلافته : لئن عشت إن شاء الله لأسيرنّ في الرعيّة حولاً ، فإني أعلمُ أنَ للناس حوائجَ تقتطع دوني، أمّا عمّالهم فلا يرفعونها إليّ، وأما هم فلا يصلُون إليّ أسيرُ إلى الشام

فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيمُ بها شهرين، ثم أسيرُ إلى مصر فأقيمُ شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيمُ بها شهرين، ثم إلى البصرة فأقيمُ بها شهرين، والله لنعم الحول هذا !

وقال أسْلَم : بعثني عمر بإبل من إبل الصّدقة إلى الحِمَى، فوضعت جهازي على ناقةٍ منها كريمة، فلمّا أردتُ أن أصدِرها قال : اعرضها عليّ، فعرضتها عليه، فرأى متاعي على ناقة حسناء، فقال: لا أمّ لكَ! عَمَدت إلى ناقة تُغني أهلَ بيت من المسلمين! فهلا ابن لبون بوّال ، أو ناقة شَصوص !

وقيل لعمر إن ها هنا رجلاً من الأحبار نَصرانيَّا، له بصر بالديوان، لو اتّخذته كاتباً ! فقال : لقد اتخذتُ إذاً بطانة من دون المؤمنين!

ص: 227


1) أخرج نحوه ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (158/1) ، والطبري في «تفسيره»نحوه أيضاً (48/10) ، وأبو نعيم في «الحلية» (43/1 ) .

قال، وقد خطب الناس : والذي بعث محمداً بالحق لو أنّ جملاً هَلك ضَيَاعاً بشط الفرات، خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب.

قال عبدُ الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني بآل الخطاب نفسه، ما يعني غيرها.

وكتب إلى أبي موسى : إنه لم يزل للناس وجوه من الأمر، فأكرم مَنْ قبلك من وجوه النّاس، وبحسب المسلم الضعيف من بين القوم أن ينصف في الحكم وفي القَسم.

أتى أعرابيّ ،عمر فقال : إنّ ناقتي بها نَقَباً ودَبَراً، فاحملني، فقال له : والله ما ببعيرك من نَقَب ولا دَبَر ، فقال :

أقسم بالله أبو حفص عُمَرُ ***ما مَسَّهَا مِنْ نَقَبٍ وَلَا دَبَرْ

فاغفر له اللهمَّ إن كان فَجَرْ

فقال عمر : اللهم اغفر لي، ثم دعاه فحمله .

جاء رجل إلى عمر وكانت بينهما قرابة يسأله، فزَبره وأخرجه، فكلّم فيه، وقيل: يا أمير المؤمنين (علیه السلام)زبرتَه وأخرجتَه . قال : إنّه سأَلني من مال الله، فما معذرتي إذا لقيتُه ملكاً خائناً؟ فلو سألَنِي من مالي!

ثم بعث إليه ألف درهم من ماله .

وكان يقول في عمّاله : اللهّم إني لم أبعثهم ليأخذوا أموال المسلمين، ولا ليضربوا أبشارهم ،مَنْ ظَلَمه أميرُه فلا إمرة عليه دوني!

بينا عمر ذات ليلة يُعسّ ،سمع صوت امرأة من سطح وهي تنشد :

تَعَاوَلَ هذا اللَّيل وازْوَر جانِبُة*** وليس إلى جنبي خليلُ الاعِبُة

فوالله لولا الله تُخشى عواقبُة*** لَزعزعَ من هَذَا السرير جوانبُه

مخافة رَبِّي والحياء يصدُّنِي*** وأكرم بَعلي أن تُنال مراكبُة

ولكّنني أخشى رقيباً موکَّلاً ***بأنفسنا لا يفترُ الدّهر كاتِبُهُ

ص: 228

فقال عمر: لا حول ولا قوة إلا بالله! ماذا صنعت يا عمر بنساء المدينة!

ثم جاء فضرب على حَفْصة ابنتِه ، فقالت: ما جاء بك في هذه الساعة؟ قال : أخبريني كم تصبر المرأة المُغِيبة عن بعلها؟ قالت : أقصاه أربعة أشهر.

فلمّا أصبح كتب إلى أمرائه في جميع النواحي ألا تجمَّر البعوث، والاّ يغيب رجلٌ عن أكثر من أربعة أشهر (1).

وروى أسلم قال: كنتُ مع عمر، وهو يُعسُّ بالمدينة، إذ سمع امرأة تقول لبنتها : قومي يا بنيَّة إلى ذلك اللبن بعد المشرقين فامذُقيه (2)، قالت : أو ما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين(علیه السلام) . بالأمس؟ قالت : وما هو ؟ قالت: إنّه أمر منادياً ينادي ألاّ يُشاب اللبن بالماء، قالت: فإنك بموضع لا يراك أمير المؤمنين(علیه السلام) ولا منادي أمير المؤمنين(علیه السلام)! قالت: والله ما كنت لأطيعه في الملأ، وأعصيه في الخلاء - وعمر يسمع ذلك - فقال : يا أسلمُ، اعرف الباب، ثم مضى في عَسِّه، فلما أصبح، قال: يا أسلم، امض إلى الموضع، فانظر مَن القائلة ومَن المقول لها؟ وهل لهما من یَعل؟

قال أسلم: فأتيت الموضع، فنظرت فإذا الجارية أيّم، وإذا المتكلّمة بنت لها، ليس لهما رجل.

فجئت فأخبرته، فجمع عمر ولده، وقال : هل يريدُ أحدٌ أن يتزوّج فأزوجه امرأة صالحة فتاةً، ولو كان في أبيكم حركة إلى النساء لم يسبقه أحد إليها ؟ فقال عاصم ابنه : أنا ، فبعث إلى الجارية فزوّجها ابنه عاصماً، فولدت له بنتاً هي المكنّاة أم عاصم، وهي أمّ عمر بن عبد العزيز بن مروان.

حجّ عمر فلما كان بضجنان (3)قال : لا إله إلا الله العلي العظيم، المعطي ما يشاء لمن يشاء، أذكُر وأنا أرعى إبل الخطّاب بهذا الوادي في مَدرعة صوف - وكان فظَّا يُتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت - وقد أمسيت اليوم وليس بيني وبين الله أحدُ ثم تمثّل :

لا شيء مِمّا يُرَى تَبقَى بشاشتُه*** يبقى الإله، ويودِي المالُ والولَدُ

لم تُغْنِ عن هرمز يوماً خَزَائِنُه*** والخلدَ قد حاولت عادُ فما خَلُدوا

ص: 229


1) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (2463) ، وعبد الرزاق في «مصنفه» (12594).

2) المزيق : اللبن الممزوج بالماء. القاموس المحيط، مادة (مذق).

3) ضجنان: هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة. لسان العرب، مادة .(ضجن).

ولا سليمان إذ تجري الرِّياحُ له ***والإنس والجنّ فيما بينهما يردُ

أين الملُوك التي كانت منازلُها ***مِنْ كُلِّ أوبِ إليها راكب يَفِدُ

حوض هنالِكَ مورودُ بلا گذِبِ*** لابدّ من وِرْدِهِ يوماً كما وَرَدُوا

وروی محمّد بن سيرين أن عمرَ في آخر أيامه اعتراه نسيان حتى كان ينسى عددَ ركعات الصلاة، فجعل أمامه رجلاً يلقّنه، فإذا أومَى إليه أن يقوم أو يركع، فعل.

و سمع عمر منشداً ينشد قول طَرَفة :

فَلَوْلاً ثَلاثٌ هُنَّ مِنْ عشيةِ الْفَتَى*** وَجَدِّكَ لَم أحِفل مَتَى قَامَ عُوَّدِي

فمنهنَّ سَبقِي العاذلاتِ بِشَرْبةٍ*** كُمَيْتٍ مَتَى ما تُعْلَ بالماء تُزْيِدِ

وكَرّى إذا نادى المضاف محنّباً ***كسِيدِ الغَضَا نبهته المتوسِّد

وتقصيرُ يوم الدَّجْن والدَّجْنُ معجِبُ ***ببهكنَةٍ تحت الطراف الممدّدِ

فقال : وأنا لولا ثلاثُ منّ من عيشة الفتى، لم أحفِل متى قام عُوّدي، أن أجاهد في سبيل الله، وأن أضع وجهي في التراب الله، وأن أجالس قوماً يلتقطون طيّب القول كما يُلتقط طيّب التمر.

وروى عبد الله بن بُريدة، قال: كان عمر ربّما يأخذ بيد الصبيّ، فيقول : ادعُ لي، فإنَّك لم تُذنب بعد !

وكان عمر كثير المشاورة، كان يشاور في أمور المسلمين حتى المرأة .

وروى يحيى بن سعيد قال : أمر عمر الحسينَ بن علي(علیه السلام) أن يأتيه في بعض الحاجة، فلقيَ الحسين (علیه السلام)عبد الله بن عمر، فسأله من أين جاء؟ قال: استأذنت على أبي فلم يأذن لي، فرجع الحسين ولقيه عمر من الغد، فقال : ما منعك يا حسينُ أن تأتيَني؟ قال: قد أتيتُك ولكن أخبرَني ابنُك عبد الله أنه لم يؤذَن له عليك، فرجعتُ، فقال عمر : أنت عندي مثله ! وهل أنبت الشَّعر على الرأس غيرُكم (1)!

ص: 230


1) أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق : 175/14 .

قال عمر يوماً، والناس حوله : والله ما أدري أخليفة أنا أم ملِك! فإن كنتُ ملِكاً، فقد وُرّطتُ في أمر عظيم ،فقال له قائل : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) إنّ بينهما فرقاً، وإنك إن شاء الله لعلى خير، قال: كيف؟ قال : إن الخليفة لا يأخذ إلا حقاً ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والمَلِك يعيف النّاس ويأخذ مال هذا فيعطيه هذا .

فسكت عمر وقال: أرجو أن أكونه .

وروی مالك عن نافع، عن ابن عمر ،أن عمر تعلّم سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جَزُوراً .

وروى أنس ،قال: كان يُطرح لعمر كلّ يوم صاعٌ من تمر، فيأكله حتى حشَفه .

وروى يوسف بن يعقوب الماجشون ، قال : قال لي ابن شهاب ولأخ لي وابن عمَّ لنا ، ونحن صبيان أحداث : لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإنّ عمر كان إذا نَزَل به الأمر المعضل، دعا الصبيان فاستشارهم، يبتغي حِدّة عقولهم.

وروى الحسن، قال : كان رجل لا يزال يأخذ من لحية عمر شيئاً فأخذ يوماً من لحيته ،فقبض على يده فإذا فيها بشيء، فقال: إن المَلَق من الكذِب ثم عَلاه بالدَّرّة.

انقطع شِسع نعل عمر، فاسترجع وقال : كلّ ما ساءك فهو مصيبة .

وقف أعرابيّ على عمر، فقال له :

يابن خطّاب جُزيتَ الجنّة ***اكْسُ بُنَيَّاتِي وأمّهُنَّه

اقسم بالله لتفعلنّه

فقال عمر: إن لم أفعل، يكون ماذا ؟

قال :

إذا أبا حَفصِ لأمضيّنة

فقال : إذا مضيت يكون ماذا ؟

قال :

تكون عن حالي لتُسالنّه*** يوم تكون الأعطياتُ جُنَّة

والواقف المسؤولُ يُبْهَتَنَّهُ*** إما إلى نارٍ وإمّا جَنَّه

ص: 231

فيكي عمر ،ثم قال لغلامه : أعطه قميصي هذا لذلك اليوم، لا لشِعره، والله ما أملك ثوباً غيره .

وروی ابن عباس قال : قال لي عمر ليلة : أنشِدني لشاعر الشعراء، قلت : ومَنْ هو ؟ قال : زهير الذي يقول :

إذَا ابْتَدَرَتْ قيس بن عيلان غايةٌ*** من المجدِ مَنْ يسبق إليها يسوّدِ

فأنشدته حتى بَرَق الفجر، فقال: إيهاً الآن !اقرأ يا عبد الله، قلت : ما أقرأ؟ قال: سورة الواقعة.

سمع عمر صوت بكاء في بيت، فدخل وبيده الدِّرّة، فمال عليهم ضرباً حتى بلغ النائحة، فضربها حتى سقط خِمارها ،ثم قال لغلامه: اضرب النائحة، ويلك! اضربها فإنها نائحةُ لا حرمةَ لها، لأنها لا تبكي بشجوِكم إنّها تُهريق دموعَها على أخذ دراهمكم، إنها تؤذي أمواتكم فی قبورهم، وأحياءكم في دورهم، إنها تنهى عن الصبر، وقد أمر الله به، وتأمر بالجزع وقد نهى الله عنه .

کلامه : من اتجّرَ في شيء ثلاث مرات فلم يصِب فيه، فليتحوّل عنه إلى غيره.

ومن ومن كلامه : لو كنتُ تاجراً لما اخترت على العطر شيئاً، إن فاتني ربحُه لم يفتني ريحه .

ومن كلامه : تفقَّهوا قبل أن تسوَّدُوا .

ومن كلامه : تعلَّموا المهنة، فإنه يوشك أحدكم أن يحتاج إلى مهنته.

ومن كلامه: مكسبة فيها بعض الدناءة ،خير من مسألة الناس.

ومن كلامه : أعقلُ الناس أعْذَرُهم لهم .

رأى عمر ناساً يتبعون أبيّ بن كعب، فرفع عليه الدرّة، فقال : يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، اتق الله ،قال : فما هذه الجموع خلفك يا بن كعب ! أما علمتَ أنها فتنة للمتبوع، مذلّة للتابع.

جاء رجلُ إلى عمر، فقال: إنّ بنتاً لي واريتُها في الجاهليُة، فاستخرجناها قبل أن تموتَ، فأدركت معنَا الإسلام فأسلمت، ثم قارفت حدُّا من حدود الله، فأخذت الشّفرة لتذبَح نفسها، فأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويناها حتى برئت، وتابت توبةً حسنة، وقد خطبها قوم، أفأخبرهم بالذي كان من شأنها ؟ فقال عمر: أتعمِد إلى ما ستره الله فتبديَه، والله لئن أخبرتَ بشأنها أحداً لأجعلتّك نكالاً لأهل الأمصار أنكِحها نكاح العفيفة السليمة .

ص: 232

أسلم غيلان بن سلَمة الثقفي عن عشر نسوة، فقال له النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) : اختَر منهنّ أربعاً ، وطلّق ستاً، فلمَّا كان على عهد عمر طلّق نساءه الأربع، وقسّم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر، فأحضره فقال له : إنّي لأظنّ الشيطان فيما يسترق من السمع، سمع بموتك فقذفه في نفسك، ولعلك لا تمكث إلا قليلاً !وايمُ الله لتراجعنّ نساءك، ولترجعنّ في مالك، أو لأورّثنهن منك ، ولأمرنَّ بقبرك فيرجَم، كما رجِم قبر أبي رِغال (1).

وقال عمر : إن الجزف في المعيشة أخْوَف عندي عليكم من العِيال، إنّه لا يبقى مع الفساد شيء، ولا يقلّ مع الإصلاح شيء.

وكان عمر يقول : أدِّبُوا الخيل، وانتضِلوا ،واقعدوا في الشمس، ولا يجاورتّكم الخَنازير، ولا تقعدوا على مائدة يُشرب عليها الخمر، أو يرفع عليها الصليب، وإياكم وأخلاقَ العجم، ولا يحلّ لمؤمنِ أن يدخل الحمّام إلا مؤتزراً، ولا لامرأة أن تدخُلَ الحمّام إلا من سَقَم، فإذا وضعت المرأة خِمارها في غير بيت زوجها، فقد هتكت السَّتر بينها وبين الله تعالی .

وكان يكره أن يتزيا الرّجال بزِيّ النساء، وألاَّ يزال الرّجل يُرى مكتحلاً مُدَّهناً، وأن يحُفّ لحيتَه وشاربَه كما تحُفّ المرأة.

سمع عمر سائلاً يقول : مَنْ يعشّي السائل؟ فقال : عَشّوا سائلكم، ثم جاء إلى دار إبِل الصّدقة يعشّيها، فسمع صوته مرة أخرى: من يعشِّي السائل؟ فقال: ألم آمركم أن تعشوه ! فقالوا : قد عشّيناه فأرسل إليه عمر، وإذا معه جرابُ مملوء خبزاً ، فقال : إنّك لست سائلاً، إنما أنت تاجر تجمع لأهلك، فأخذ بَطرَف الجراب فنبذَه بين يَدَيِ الإبل .

وقال عمر : من مَزَح استُخِفّ به، وقال: أتدرُون لم سمّي المُزاح مزاحاً؟ لأنه أزاح الناس عن الحقّ .

ومن كلامه لن يعطَى أحدُ بعد الكفر بالله شرًا من زوجة حديدة اللسان، سيّئة الخلق، عقيم. ولن يعطَى أحدُ بعد الإيمان بالله خيراً من زوجة كريمة ودود وَلود، حَسَنة الخلق .

وكان يقول : إن شقاشق (2)الكلام من شقاشق اللسان، فأقلّوا ما استطعتم .

ص: 233


1) أخرجه الترمذي في كتاب: النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة (1128)، وأحمد في كتاب: مسند المكثرين، باب :مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب (4617) ، وابن حبان (4156).

2) الشقشقة: بالكسر شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج ومنه سمي الخطباء شقائق، شَبَّهوا المكثرا بالبعير الكثير الهدر. لسان العرب، مادة (شقق).

ونظر إلى شابّ قد نكّس رأسه خشوعاً ، فقال : يا هذا، ارفع رأسك، فإنّ الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر للخلق خشوعاً فوق ما في قلبه، فإنما أظهر نفاقاً .

ومن کلامه : إنّ أحبّكم إلينا ما لم نركم أحسنكم أسماء، فإذا رأيناكم فأحبّكم إلينا أحسنكم أخلاقاً، فإذا بلوناكم فأحبكم إلينا أعظمكم أمانة، وأصدقكم حديثاً .

وكان يقول : لا تنظروا إلى صلاة امرىء ولا صيامِه، ولكن انظروا إلى عقله وصِدقه .

و من كلامه : إنّ العبد إذا تواضع الله رفع حَكَمَتَه وقال له: انتعش نعشَك الله ! فهو في نفسه صغير، وفي أعين الناس عظيم. وإذا تكبّر وعنَا وهَضه (1)الله إلى الأرض، وقال : اخْسَاً، خَسَاك الله ! فهو في نفسه عظيم، وفي أعين الناس ،حقير، حتى يكون عندهم أحقر من الخنزير.

وقال : الإنسان لا يتعلّم العلم لثلاث، ولا يتركه لثلاث : لا يتعلّمه ليمارِيَ به، ولا ليباهيَ به، ولا ليرائيَ .به ولا يتركه حياء من طلبه ولا زهادة فيه، ولا رضا بالجهل بدلاً منه .

وقال : تعلّموا أنسابكم تَصِلوا أرحامكم.

وقال : إنّي لا أخاف عليكم أحد الرّجُلين مؤمناً قد تبيّن إيمانُه، وكافراً قد تبيّن كفره، ولكن أخاف عليكم منافقاً يتعوّذ بالإيمان ويعمل بغيره .

ومن كلامه : إن الرّجف من كثرة الزنى، وإن قحوط المطر من قضاة السوء وأئمة الجور.

وقال في النساء : استعينوا عليهنّ بالعُرْيِ ، فإن إحداهنّ إذا كثرت ثيابها، وحسنت زينتها، أعجبها الخروج.

و من كلامه : إن الجبت السّحر، وإنّ الطاغوت الشيطان وإنّ الجبن والشجاعة غرائز تكون في الرجال، يقاتل الشجاع عمّن لا يعرف، ويفرّ الجبان عن أمّه، وإن كرَم الرّجل دينه، وحسبَ الرّجُل خُلُقه، وإن كان فارسيًّا أو نبَطيُّا.

وقال تفهّموا العربيّة، فإنّها تشحذ العقل، وتزيد في المروءة.

وقال : النّساء ثلاث: امرأة هيّئة ليّنة عفيفة، وَدُود ولود، تعين بعلها على الدّهر، ولا تعينُ الدّهر على بعلها، وقلّما تجدها. وأخرى وِعاء للولد لا تزيد على ذلك شيئاً، والثالثة غلُّ قَمِلٌ (2)، يجعله الله في عُنُق مَنْ يشاء، وينزعه إذا شاء.

والرجال ثلاثة :رجل عاقلُ يُورِد الأمور ويُصدِرها، فيحسن إيراداً وإصداراً، وآخر يشاورُ الرجال، ويقف عند آرائهم، والثالث حائر بائر ، لا يأتمر رشداً، ولا يُطيع مرشداً .

ص: 234


1) وهضه ووهطه: أي كسره ،لسان العرب، والقاموس المحيط، مادة (وهط).

2) غُلْ قَمِلٌ : أصله أنهم كانوا يغلُّون الأسير وعليه الشعر فيقمل. القاموس المحيط، مادة (قمل).

وقال : ما يمنعكم إذا رأيتم السّفيه يخرق أعراضَ النساء أن تُعرَّبوا عليه، قالوا : نخاف لسانه، قال : ذاك أدْنَى ألا تكونوا شهداء .

ورأى رجلاً عظيمَ البطن، فقال :ما هذا؟ قال: بركة من الله .

وقال : إذا رُزقت مودّة من أخيك فتشبَّث بها ما استطعت .

وقال لقوم يحصدون الزرع : إن الله جعل ما أخطأت أيديكم رحمةُ لفقرائكم، فلا تعودوا فيه .

وقال : ما ظهرت قطُّ نعمة على أحدٍ إلا وجدتَ له حاسداً، ولو أنّ امرأ كان أقوم من قِدْحٍ، لوجدتَ له غامزاً .

وقال : إيّاكم والمدحَ، فإنه الذّبح.

وقال لقَبيصة بن ذؤيب : أنت رجل حديث السنّ، فصيح اللسان. وإنه يكون في الرجل تسعة أخلاق حسنة، وخلُق واحد سيّء، فيغلب الواحد التسعة، فتوق عثرات السيّئات.

وقال: بحسب امرىء من الغيّ أن يؤذيَ جليسه، أو يتكلّف ما لا يعنيه، أو يعيب الناس بما يأتي مثله، ويظهر له منهم ما يخفى عليهم من نفسه .

وقال احترسوا من النّاس بسوء الظنّ .

وقال في خطبة له : لا يعجبنّكم من الرجل طنطنته، ولكن مَنْ أتى الأمانة، وكفَّ عن أعراض الناس فهو الرّجل .

وقال الراحة في مُهاجرة خلَطاء السوء.

وقال : إنّ لؤماً بالرجل أن يرفع يديه من الطعام قبل أصحابه.

وأثنى رجل على رجل عند عمر، فقال له : أعاملتَه؟ قال : لا ، قال : أصحبتَه في السفر؟ قال : لا ، قال : فأنت إذاً القائل ما لا يعلم.

وقال : لأن أموت بين شُعبتي رَحْلي، أسعى في الأرض، أبتغي من فضل الله كَفاف وجهی ،أحبّ إليّ من أن أموت غازياً .

وكان عمر قاعداً والدّرّة معه، والناس حوله، إذ أقبل الجارود العامريّ، فقال رجل : هذا سيّد ربيعة، فسمعها عمر ومَن حوله، وسمعها الجارود، فلمّا دنا منه ،حفَقَه بالدّرّة! فقال : ما لي ولك يا أمير المؤمنين(علیه السلام) قال : ويلك! سمعتُها! قال :وسمعتُها، فمه ! قال: خشيت أن تخالط القوم ويقال : هذا أمير، فأحببتُ أن أطاطىء منك .

ص: 235

وقال : من أحبّ أن يصل أباه في قبره، فليصل إخوان أبيه من بعده.

وقال : إنّ أخوَف ما أخاف أن يكون، إعجابُ المرء برأيه، فمن قال : إنّي عالم فهو جاهل ،ومن قال : إنّي في الجنّة فهو في النار .

وخرج للحجّ فسمع غناء راكب يغنِّي وهو مُحرِم فقيل : يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، ألا تنهاه عن الغناء وهو محرم ؟ فقال : دعوه، فإنّ الغناء زادُ الراكب.

وقال : يُثير (1)الغلام لسبع ، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهي طوله لإحدى وعشرين، ويكمل عقله لثمان وعشرين ويصير رجلاً كاملاً لأربعين.

وروى سعيد بن المسيّب، أنّ لما صدَر من الحجّ في الشهر الذي قتل فيه، كوم كَوْمةً من بطحاء وألقى عليها طرف ثوبه، ثم استلقى عليها، ورفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم كبِرت سنّي، وضعفت قُوّتي، وانتشرت رعّيتي، فاقبضني إليك غيرَ مضيّع ولا مفرّط .

ثم قدم المدينة فخطب الناس، فقال:

أيّها الناس قد فرضْتُ لكم الفَرائض، وسنَنتُ لكم السُّنَن، وتركتكم على الواضحة، إلا أن تضِلّوا بالناس يميناً وشمالاً. إيّاكم أن تنتهوا عن آية الرّجم، وأن يقول قائل : لا نجد ذلك حدُّا في كتاب الله، فقد رأيت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) رجم ورجَمنا بعده، ولولا أن يقول الناس: إنّ ابن الخطاب أحدث آيةً في كتاب الله لكتبتُها، ولقد كنا نقرؤها :«والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البَتّة» (2)، فما انسلخ ذو الحجة حتى طُعِن .

دُفع إلى عمرَ صکُّ محلّه في شعبان، فقال : أيّ شعبان؟ الّذي مضى أم الذي نحن فيه؟ ثمّ جمع أصحَاب رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وقال : ضَعُوا للنّاس تاريخاً يرجعون إليه، فقال قائل منهم: اكتبوا على تاريخ الرّوم، فقيل : إنّه يطول، وإنّه مكتوبٌ من عهد ذي القرنين. وقال قائل : بل اكتبوا على تاريخ الفُرْس ، فقيل إن الفرس كلّما قام ملك طرحوا ما كان قبله . فقال عليّ(علیه السلام) :اكتبُوا تاريخكم منذ خرج رسولُ الله(صلی الله علیه وآله و سلم) من دار الشّرك إلى دار النُّصرة ، من دار الشرك إلى دار النُّصرة، وهي دار الهجرة (3)،فقال عمر نعم: ما أشرت به، فكتب للهجرة، بعد مضيّ سنتين ونصف من خلافة عمر. قال المؤرخون : إنّ عمر أوَّل مَنْ سنّ قيام رمضان في جماعة، وكتب به إلى البلدان ،وأقام الحدّ في الخمر ثمانين، وأحرق بيت رُوَيشِد الثقفي، وكانَ نباذاً ، وأقام في عمله بنفسه. وأوّل مَنْ حمل الدّرّة وأدّب بها. وقيل بعده : كانت دِرّة عمر أهيَب من سيف الحجاج.

ص: 236


1) تُغِرَ الغلام ثَغراً : سقطت أسنانه الرواضع. لسان العرب، مادة (ثغر).

2) وهي الآية التي قيل أن عمر أراد وضعها في كتاب الله المنزل.

3) أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق : 40/1 .

هو أوّل مَنْ فتح الفتوح، فتح العراق كلّه : السَّواد والجبال وأذرَبيجان، وكوّر البصرة، وكوّر الكوفة والأهواز ،وفارس، وفتح الشّام كلّه ما خلا أجنادين، فإنّها فُتِحت في خلافة أبي بكر. وفتح كُور الجزيرة والموصل ومصر والإسكندرية، وقتله أبو لؤلؤة وخيله على الرّيّ.

وهو أوّلَ مَنْ مَسَح السّواد ووضع الخراج على الأرض، والجزية على جماجم أهل الذّمة فيما فتحه من البلدان، وبلغ خراجُ السّواد في أيامه مائة ألف ألف درهم وعشرين ألف ألف درهم بالوافية، وهي وزن الدّينار من الذهب .

وهو أوّل مَنْ مصر الأمصار، وكَوّف الكوفة، وبصّر البصرة، وأنزلها العرب، وأوّل مَن استقضى القُضاة في الأمصار، وأوّل مَنْ دوّن الدواوين وكتب الناس على قبائلهم، وفرضَ لهم الأعطية .

وهو أوّل مَنْ قاسم العمّال وشاطرهم أموالهم، وكان يستعمل قوماً ويدَع أفضل منهم البصرهم بالعَمل وقال : أكره أن أدنّس هؤلاء بالعمل .

وهو الّذِي هَدَم مسجد رسول الله (ضلی الله علیه و آله و سلم)، وزاد فيه، وأدخل دار العباس فيما زاد.

وهو الّذي أخرج اليهود من الحجاز، وأخلاَهم عن جزيرة العرب إلى الشام.

وهو الّذِي فتح البيت المقدس، وحضَر الفتح بنفسه وهو الذي أخّر المقام إلى موضعه اليوم، وكان مُلْصَقاً بالبيت. وحجّ بنفسه خلافتَه كلّها إلاّ السّنَة الأولى، فإنّه استخلف على الحجّ عبد الرحمن بن عوف.

وهو الّذِي جاء بالحصى من العقيق فبسطه في مسجد المدينة، وكان النّاسُ إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديَهم .

وروى أبو هريرة، قال: قدِمْتُ على عمر من عند أبي موسى بثمانمائة ألف درهم، فقال لي: بماذا قدمت؟ قلت : بثمانمائة ألف درهم، فقال: ألم أقل لك إنّك يمان أحمق، ويحك ! إنّما قدمتَ بثمانين ألف درهم ،فقلت: يا أمير المؤمنين(علیه السلام) إنما قدِمت بثمانمائة ألف درهم، فجعل يعجب ويكرّرها ، فقال : ويحك ! وكم ثمانمائة ألف درهم؟ فعدَدْتُ مائة ألف، ومائة ألف حتى بلغت ثمانية، فاستعظم ذلك ، وقال : أطيِّبُ هو ويَحْك! قلت : نعم، فبات عمر ليلته تلك أرِقاً حتّى إذا نُودي لصلاة الصبح ،قالت له امرأته: ما نمتَ هذه الليلة، قال: وكيف أنام وقد جاء الناسَ ما لم يأتهم مثله منذ قام الإسلام، فظنت المرأة أنّها داهية، فسألته، فقال: مالٌ جَم، حمله أبو موسى ،قالت: فما بالك؟ قال: ما يؤمنُني لو متّ وهذا المال عندي لم أضعه في حقه! فخرج يصلِّي الصبح، واجتمع النّاسُ إليه، فقال لهم : قد رأيتُ في هذا المال رأياً فأشيروا عليّ، رأيت أن أكيله للناس بالمكيال ،قالوا :لا يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، قال: لا بل أبدأ

ص: 237

برسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وبأهِله ، ثم الأقرب فالأقرب، فبدأ ببني هاشم، ثم يبني المطلّب، ثم بعبد شمس ونوفل، ثمّ بسائر بطون قريش .

قسّم عمر مُروطاً بين نساء المدينة فبقي مِرْطٌ جيّد له فقال بعض من عنده : أعْط هذا يا أمير المؤمنين(علیه السلام) ابنةً رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)التي عندك - يعنون أمّ كلثوم ابنَة عليّ(علیه السلام) - فقال : أمّ سليط أحق به، فإنها مِمَّن بايع رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وكانت تزفر (1)لنا القِرب يوم أحُد (2).

وروى زيد بن أسلم عن أبيه، قال: خرجتُ مع عمر إلى السوق، فلحِقته امرأة شابة، فقالت : يا أمير المؤمنين(علیه السلام) هَلَك زوجي، وترك صِبيَة صغاراً لا يُنضِحون كُراعاً ، لا زرع لهم ولا ضَرْع ، وقد خَشِيت عليهم الضّيعة، وأنا ابنة خفاف بن أسماء الغِفَارِيّ، وقد شهد أبي الحُديبيَة. فوقف عمر مَعها ولم يمض، وقال : مرحباً بنسيب قريب! ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطاً في الدّار ، فحمل عليه غِرَارتين ملأهما طعاماً، وجعل بينهما نفقة وثياباً، ثم ناولها خِطامه وقال : اقتاديه فلن يفنَى هذا حتى يأتيَكم الله بخير. فقال له رجل: لقد أكثرتَ لها يا أمير المؤمنين (علیه السلام)!فقال : ثكلتك أمّك! والله لكأني أرى أبا هذه وأخاها ،وقد حاصرا حصناً فافتتحاه. فافترقنا، ثم أصبحنا نستقرِىء سُهْمانَنَا فيه .

وروى الأوزاعيّ أن طلحة تبع عمر ليلة، فرآه دخل بيتاً ثم خرج، فلمّا أصبح ذهب طلحة إلى ذلك البيت، فرأى امرأةٌ عمياء مقعَدة، فقال لها : ما بال رجُل أتاك الليلة؟ قالت : إنّه رجلُ يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلِحُني، فقال طلحة: ثكلتك أمّك يا طلحة! تريد تَتَبُّع عمر !

خرج عمر إلى الشام، حتى إذا كان ببعض الطريق، لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابُه، فأخبروه أنّ الوباء قد وقع بالشّام، فقال لابن عباس : ادْعُ لي المهاجرين، فدعاهم فسألهم، فاختلفوا عليه فقال بعضهم : خرجتَ لأمر ولا نرى أن ترجعَ عنه. وقال بعضهم : معك بقيّة النّاس وأصحاب رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، ولا نرى أن تقدمَهم على هذا الوباء،

ص: 238


1) أي تحمل القرب مملوءة ماء. لسان العرب، مادة (زفر).

2) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو (2881).

فقال: ارتفعوا عنّي، ثم قال لابن عباس : ادعُ لي الأنصار ، فدعاهم فاستشارهم، فاختلفوا عليه اختلاف المهاجرين، فقال لابن عباس : ادعُ لي مَنْ كان من مَشْيَخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعاهم فقالوا بأجمعهم: نرى أن تَرجِع بالنّاس ولا تقدِمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس : إني مُصْبحُ على ظَهْرٍ، فأصبحوا عليه، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قَدَرِ الله تعالى! فقال عمر : لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة ! نعم نفِرٌ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله أرأيت لو كان لك إبلُ فهبطت وادياً له عُدوتان، إحداهما خِصْبة، والأخرى جَذبة، أليس إن رعيتَ الخِصْبة رعيتَها بقدَر الله، وإن رعيت الجَدْبة رعيتها بقدر الله ! فجاء عبد الرحمن بن عَوْف - وكان متغيّباً في بعض حاجته - فقال : إنّ عندي مِنْ هذا علماً ، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : «إذا سمعتُم به بأرض فلا تُقْدِموا عليه، وإذا وقع بأرضِ وأنتم بها فلا تخرجوا قراراً منه» (1). فحمد عمرُ الله عَزّ وجلّ وانصرف إلى المدينة .

وروىَ ابن عبّاس، قال: خرجتُ مع عمر إلى الشّام في إحدى خرجاته، فانفرد يوماً يسير

على بعيره فاتبعتُه، فقال لي: يابن عباس، أشكو إليك ابنَ عَمّك، سألتُه أن يخرُج معي فلم يفعل، ولم أزل أراه واجداً، فيمَ تظنّ موجدته؟ قلت: يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إنك لَتعلم، قال: أظنه

لا يزال كتيباً لفوت الخلافة، قلت: هو ذاك، إنّه يزعُم أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أراد الأمر له، فقال: يابن

عباس، وأراد رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) هو الأمر له فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك ! إنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أراد أمراً، وأراد الله غيرَه، فنفذ مرادُ الله تعالى ولم ينفذ مرادُ رسوله، أوَ كلَّما أراد رسولُ الله(صلی الله علیه وآله و سلم) كان! إنّه أرادَ إسلامَ عمّه ولم يُرِدُه الله فلم يسلم (2)!

وقد رُوي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ، وهو قوله : إن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) أراد أن يذكره للأمر في مَرضِه، فصددتُه عنه خوفاً من الفتنة، وانتشار أمر الإسلام، فعلم رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) ما في نفسي وأمسك، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم .

وحدثني الحسين بن محمد السينيّ، قال: قرأتُ على ظهر كتاب، أن عمر نزلت به نازلة، فقام لها وقعد ،وترنّح لها وتقطّر، وقال لمن عنده: معشرَ الحاضرين، ما تقولون في هذا الأمر؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين(علیه السلام) أنت المفزع والمنزع، فغضب وقال : تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(3)، ثم قال : أما والله إني وإيّاكم لنعلم ابن بَجْدَتِها والخبيرَ بها ، قالوا : كأنّك

ص: 239


1) أخرجه البخاري في كتاب: الطب، باب :ما يذكر في الطاعون (5729)، ومسلم في كتاب: السلام، باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (2219)، وأحمد في كتاب: مسند العشرة المبشرين بالجنة، باب: حديث عبد الرحمن بن عوف الزهري (1685).

2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 29/ 639 .

3) سورة الاحزاب، الآية: 70 .

أردت ابن أبي طالب! قال: وأنّى يعدَل عنه، وهل طفحت حرّة مثله ! قالوا : فلو دعوتَ به یا أمير المؤمنين(علیه السلام)! قال: هيهات! إنّ هناك شمَخاً من هاشم، وأثَرةً من علم، ولحمة من رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) ، يُؤتَى ولا يأتِي، فامضوا بنا إليه . فانقصَفُوا نحوه وأفْضَوْا إليه، فالفَوْه في حائط له ،عليه تُبَّان، وهو يتركّل على مسحاته، ويقرأ : أَيَحْسَبُ الإنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدى(1)إلى آخر السورة، ودموعه تهمِي على خدّيه ،فأجهش النّاس لبكائه فبكوا ، ثمّ سكت وسكتوا، فسأله عمر عن تلك الواقعة فأصدرَ جوابها، فقال عمر: أما والله لقد أرادك الحقّ، ولكن أبي قومُك، فقال: يا أبا حفص، خَفّض عليك من هنا ومن هنا إنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَتا(2)، فوضع عمر إحدَى يديه على الأخرى، وأطرق إلى الأرض، وخرج كأنما ينظر في رماد.

قلت : أجدر بهذا الخبر أن يكون موضوعاً، وفيه ما يدلُّ على ذلك، من كَوْنِ عمر أتى علياً يستفتيه في المسألة، والأخبار كثيرة بأنّه ما زال يدعوه إلى منزله وإلى المسجد، وأيضاً فإنّ علياً لم يخاطب عمر منذ وَليَ الخلافة بالكُنية ، وإنما كان يخاطبه بإمرة المؤمنين، هكذا تنطق كتب الحديث وكتب السِّير والتواريخ كلّها .

وأيضاً فإنّ هذا الخبر لم يُسْنَد إلى كتاب معيّن، ولا إلى راوِ معيّن، بل ذكر ذلك أنه قرأه على ظهر كتاب، فيكون مجهولاً ، والحديث المجهول غيرُ الصحيح.

فأما ثناء عمر على أمير المؤمنين(علیه السلام) فصحيحُ غير منكَر ، وفي الروايات منه الكثير الواسع، ولكنا أنكرنا هذا الخبر بعينه خاصة، وقد روي عن ابن عباس أيضاً، قال: دخلتُ على عمرَ يوماً فقال : يابن العباس، لقد أجهدَ هذا الرّجلُ نفسَه في العبادة حتى نحلته، رياء . قلت : مَنْ هو ؟ فقال : هذا ابنُ عمّك - يعني علياً - قلت : وما يقصد بالرّياء أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ قال: يرشّح نفسَه بين الناس للخلافة قلت : وما يصنع بالتَّرشيح! قد رشّحه لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فصُرِفَتْ عنه. قال : إنّه كان شاباً حَدَثاً ، فاستصغرت العرب سنَّه ، وقد كَمل الآن، ألم تعلم أن الله تعالى لم يبعث نبيًّا إلا بعد الأربعين! قلت: يا أمير المؤمنين(علیه السلام) ،أمّا أهلُ الحجى والنّهى فإنهم ما زالوا یعدُّونه كاملاً منذ رفع الله منارَ الإسلام، ولكنّهم يعدونه محروماً مَجدوداً، فقال: أما إنه سيليها

يعدونه بعد هِياط ومياط، ثم تزّل فيها قدمه، ولا يقضي منها أرَبه، ولتكونَنّ شاهداً ذلك يا عبد الله، ثم يتبّين الصُّبح لذي عينين، وتعلم العرب صحّة رأي المهاجرين الأوّلين الّذِينَ صرفوها عنه بادىء ،بدء فليتني أراكم بعدي يا عبد الله ! إنّ الحِرْص محرَمة، وإن دُنياك كظلّك، كلّما هممت به ازداد عنك بعداً .

نقلت هذا الخبر من أمالي أبي جعفر محمد بن حبیب، رحمه الله .

ص: 240


1) سورة القيامة، الآية : 36 .

2) سورة النبأ ، الآية : 17 .

ونقلتُ منه أيضاً ما رواه عن ابن عبّاس، قال: تبرّم عمرُ بالخلافة في آخر أيامه، وخاف العجز، وضجِر من سياسة الرعيّة، فكان لا يزال يدعو الله بأن يتوفّاء. فقال لكعب الأحبار يوماً وأنا عنده : إنّي قد أحببتُ أن أعهد إلى مَنْ يقوم بهذا الأمر، وأظنّ وفاتي قد دنت، فما تقول في عليّ؟ أشر عليّ في رأيك وأذكرني ما تجدونه عندكم، فإنّكم تزعمون أن أمرَنا هذا مسطورُ في كتبكم، فقال: أما من طريق الرأي فإنّه لا يصلح ،إنه رجل متين الدّين، لا يُغضي على عَوْرة، ولا يحلُم عن زلَّة، ولا يعمل باجتهاد رأيه، وليس هذا من سياسة الرعيّة في شيء، وأما ما نجدُه في كتبنا فنجده لا يلي الأمر ولا ولدُه ، وإن وليَه كان هَرْجٌ شديد، قال: كيف ذاك؟ قال: لأنه أراق الدماء، فحرمه الله الملك . إن داود لما أراد أن يبنيَ حيطان بيت المقدس أوحَى الله إليه : إنك لا تبنيه، لأنك أرقت الدماء، وإنما يبنيه سليمان. فقال عمر : أليس بحقِّ أراقها؟ قال كعب :وداود بحقِّ أراقها يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) . قال : فإلى مَنْ يُفضي الأمر تجدونه عندكم؟ قال : نجدُه ينتقل بعد صاحب الشريعة والاثنين من أصحابه، إلى أعدائه الّذين حاربهم وحاربوه، وحاربهم علَى الدّين. فاسترجع عمر مراراً، وقال: أتستمع يابنَ عباس! أما والله لقد سمعتُ من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ما يشابه هذا، سمعته يقول :«اليصعدَنّ بنو أميّة على مِنْبَرِي، ولقد أريتهم في منامي ينزون عليه نَزْوَ القردة»(1). وفيهم أنزل : وَمَا جَعَلْنَا الرُّمَ يَا الَّتِي أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلَمُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ(2).

وقد روى الزبير بن بكار في«الموفقيّات» ما يناسب هذا عن المغيرة بن شعبة، قال : قال لي عمر يوماً : يا مغيرةُ ،هل أبصرتَ بهذه عينك العوراء منذ أصيبت؟ قلت: لا، قال: أما والله لَيُعْوِرَنّ بنو أميّة الإسلام كما أعُورَتْ عينك هذه، ثم ليُعمينه حتى لا يدري أين يذهب ولا أين يجيء؟ قلت : ثم ماذا يا أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ قال : ثم يبعث الله تعالى بعد مائة وأربعين أو بعد مائة وثلاثين وفداً كوفد الملوك، طيّبة ريحهم، يعِيدون إلى الإسلام بصَره وشتاته . قلت : مَنْ هم يا أمير المؤمنين(علیه اسلام)؟ قال : حجازيّ وعراقيّ، وقليلاً ما كان، وقليلاً ما دام (3).

وروى أبو بكر الأنباريّ في أماليه (4)أنّ عليَّا جلَس إلى عمر في المسجد، وعنده ناس،

ص: 241


1) أخرج أبو يعلى في «مسنده» نحوه (6461).

2) سورة الإسراء، الآية : 60 .

3) أخرجه عبد الرحمن البكري في عمر بن الخطاب : 244 .

4) ذكره في «كشف الظنون» (162/1).

فلمّا قام عرض واحد بذكره ،ونسبه إلى التّيه والعُجب، فقال عمر : حقّ لمثله أن يتيه! والله لولا سيفه لما قام عمود الإسلام، وهو بعدُ أقضَى الأمّة وذو سابقتها وذو شَرَفها، فقال له ذلك القائل : فما منعكم يا أميرَ المؤمنين(علیه اسلام) عنه ؟ قال : كرهناهُ على حداثة السّن وحبّه بني عبد المطلب .

قلت : سألتُ النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد - وقد قرأت عليه هذه الأخبار - فقلت له : ما أراها إلاّ تكاد تكون دالةَ على النصّ، ولكني أستبعد أن يجتمع الصحابة على دفع نصّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) على شخص بعينه، كما استبعدنا من الصحابة على رد نصّه على الكعبة وشهر رمضان وغيرهما من معالم الدّين، فقال لي رحمه الله : أبيتَ إلا ميلاً إلى المعتزلة! ثم قال : إن القوم لم يكونوا يذهبون في الخلافة إلى أنّها من معالم الدين، وأنّها جارية مجرى العبادات الشرعية ،كالصلاة والصوم، ولكنهم كانوا يُجرونها مجرى الأمور الدنيويّة، ويذهبون لهذا، مثل تأمير الأمراء وتدبير الحروب وسياسة الرعيّة، وما كانوا يبالون في أمثال هذا مخالفة نصوصه (صلی الله علیه و آله و سلم)إذا رأوا المصلحة في غيرها، ألا تراه كيف نصّ على إخراج أبي بكر وعمر في جيش أسامة، ولم يخرجا لمّا رأيا أنّ في مقامهما مصلحة للدولة وللملّة، وحفظاً للبيضة، ودفعاً للفتنة، وقد كان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يخالَف وهو حي في أمثال ذلك فلا ينكره، ولا يرى به باساً. ألستَ تعلم أنّه نزّل في غزاة بدر منزلاً على أن يحارب قريشاً فيه، فخالفته الأنصار وقالت :له ليس الرّأيُ في نزولك هذا المنزل فاتركه ،وانزل في منزل كذا ، فرجع إلى آرائهم! وهو الذي قال للأنصار عام قَدِم إلى المدينة :« لا تُؤَبُروا النخل»، فعملوا على قوله فحالت نخلهم في تلك السنة ولم تُثمِر حتى قال لهم : «أنتم أعرف بأمر دنياكم وأنا أعرف بأمر دينكم»، وهو الّذي أخذ الفِدَاء من أسارى بدر، فخالفه عمر ،فرجع إلى تصويب رأيه بعد أن فات الأمر وخلَص الأسرى ورجعوا إلى مكّة، وهو الذي أراد أن يصالح الأحزاب على ثُلث تَمر المدينة ليرجعوا عنه، فأتى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فخالفاه ،فرجع إلى قولهما، وقد كان قال لأبي هريرة: اخرُج فناد في الناس :« من قال لا إله إلا الله مخلصاً بها قلبه دخل الجنة» ، فخرج أبو هريرة فأخبر عمر بذلك فدفعه في صدره، حتى وقع على الأرض، فقال : لا تقلها ، فإنّك إن تقلها يتّكلوا عليها ، ويدَعُوا العمل، فأخبر أبو هريرة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) بذلك، فقال: «لا تقلها وخلّهم يعملون»(1)، فرجع إلى قول عمر !

وقد أطبقت الصحابة إطباقاً واحداً على ترك كثير من النّصوص لمّا رأوا المصلحة في ذلك،

ص: 242


1) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة (31) . والأصبهاني في المسند المستخرج على صحيح مسلم (141).

كإسقاطهم سهم ذوي القربى وإسقاط سهم المؤلّفة قلوبهم ، وهذان الأمران أدخلُ في باب الدّين منهما في باب الدنيا، وقد عملوا بآرائهم أموراً لم يكن لها ذكرُ في الكتاب والسنّة، كحدّ

الخمر فإنّهم عملوه اجتهاداً، ولم يحدّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) شاربي الخمر، وقد شربها الجمّ الغفير في زمانه بعد نزول آية التحريم ،ولقد كان أوصاهم في مرضه أن أخرِجوا نصارى نجران من جزيرة العرب فلم يخرجوهم، حتى مضى صدرٌ من خلافة عمر، وعملوا في أيام أبي بكر برأيهم ذلك باستصلاحهم، وهم الذين هدموا المسجد بالمدينة، وحوّلوا المقام بمكّة، وعمِلوا بمقتضى ما يغلب في ظنونهم من المصلحة، ولم يقِفُوا مع موارد النصوص، حتى اقتدى بهم الفقهاء من بعدُ، فرجّح كثير منهم القياس على النصّ، حتى استحالت الشريعة، وصار أصحاب القياس أصحابَ شريعة جديدة .

قال النقيب : وأكثر ما يعملون بآرائهم، فيما يجري مجرى الولايات والتأمير والتّدبيرتقرير قواعد الدولة وما كانوا يقفون مع نصوص نصوص الرسول الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم) وتدبيراته إذا رأوا المصلحة في خلافها، كأنّهم كانوا يقيّدون نصوصه المطلقة بقيد غير مذكور لفظاً، وكأنَّهم كانوا يفهمونه من قرائن أحواله، وتقدير ذلك القيد : «افعلوا كذا إن رأيتموه مصلحة».

قال : وأمّا مخالفتهم له فيما هو محض الشّرع والدّين، وليس بمتعلّق بأمور الدنيا وتدبيراتها، فإنه يقلُّ جدًّا، نحو أن يقول : «الوضوء شرط في الصلاة»، فيجمعوا على ردّ ذلك ويجيزوا الصلاة من غير وضوء، أو يقال : «صوم شهر رمضان واجب»، فيطبقوا على مخالفة ذلك ويجعلوا شوّالاً عَوضاً عنه، فإنه بعيد، إذ لا غرض لهم فيه، ولا يقدِرون على إظهار مصلحة عثروا عليها خَفِيتْ عنه (صلی الله علیه و آله و سلم). والقوم الذين كانوا قد غلب على ظنونهم أنّ العرب لا تطيع عليَّا(علیه السلام) ، فبعضها للحسَد، وبعضها للوِثر والثأر، وبعضها لاستحداثهم سِنَّه ، وبعضها لاستطالته عليهم ورفعه عنهم، وبعضها كراهة اجتماع النبوّة والخلافة في بيت واحد، وبعضها للخوف من شدّة وطأته وشدّته في دين الله ،وبعضها خوفاً لرجاء تداوُلِ قبائل العرب الخلافة إذا لم يقتَصر بها على بيت مخصوص عليه، فيكون رجاء كل حيّ لوصولهم إليها ثابتاً مستمراً، وبعضها ببغضه، لبغضهم من قرابته لرسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) - وهم المنافقون من النّاس، ومَنْ في قلبه زيعُ من أمر النبوّة - فأصفَق الكلّ إصفاقاً واحداً على صرْفِ الأمر عنه لغيره، وقال رؤساؤهم : إنّا خفنا الفتنة، وعلمنا أنّ العربَ لا تطيعه ولا تتركه، وتأوّلوا عند أنفسهم النصّ، ولا ينكر النصّ، وقالوا : إنه النصّ، ولكنّ الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، والغائب قد يُترك لأجل المصلحة الكلية، وأعانهم عَلَى ذلك مسارعةُ الأنصار إلى ادّعائهم الأمرَ، وإخراجهم سعد بن عُبادة من بيته وهو مريض لينصِّبوه خليفة - فيما زعموا - واختلط الناس، وكثر الخبط، وكادت الفتنة أن تشتعِل نارُها، فوثب رؤساء المهاجرين، فبايعوا أبا بكر وكانت فَلْتة - كما قال

ص: 243

قائلهم - وزعموا أنّهم أطفؤوا بها نائرة الأنصار، فمن سكت من المسلمين، وأغضى ولم يتعرّض ، فقد كفاهم أمرَ نفسه، ومن قال سرًا أو جهراً : إن فلاناً قد كان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)ذكره ،أو نص عليه أو أشار إليه، أسكتوه في الجواب، بأنّا بادرنا إلى عَقد البيعة مخافة الفتنة، واعتذروا عنده ببعض ما تقدّم إمّا أنه حديث السنّ أو تبغِضه العرب، لأنه وترها وسفك دماءها، أو لأنه صاحب زَهْوِ وتيه، أو كيف تجتمع النبوَّة والخلافة في مغرِس واحد! بل قد قالوا في العذر ما هو أقوى من هذا وأوكد ،قالوا : أبو بكر أقوَى على هذا الأمر منه، لاسيما وعمر يعضُده ويساعده، والعرب تحبّ أبا بكر ويعجبها ليُنه ورفقه، وهو شيخ مجرّب للأمور لا يحسده أحدُ، ولا يحقد عليه أحد، ولا يبغضه أحد، وليس بذي شرف في النّسب فيشمَخ على النّاس بشرفه، ولا بذي قُربى من الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) فيدِلَّ بقربه، ودع ذا كلّه، فإنه فضل مستغنّى عنه .قالوا : لو نصبنا عليَّا(علیه السلام) ، ارتد الناّس عن الإسلام وعادت الجاهليّة كما كانت، فأيما أصلح في الدين؟ الوقوف مع النص المفضِي إلى ارتداد الخلق ورجوعهم إلى الأصنام والجاهليّة أم العمل بمقتضى الأصلح واستبقاء الإسلام واستدامة العمل بالدّين، وإن كان فيه مخالفة النص !

قال رحمه الله : وسكت الناس عن الإنكار، فإنّهم كانوا متفرّقين، فمنهم من هو مبغض شاني لعليّ(علیه السلام) ، فالذي تمّ من صرف الأمر عنه هو قرّة عينه، ويرد فؤاده، ومنهم ذو الدِّين وصحّة اليقين، إلاّ أنه لمّا رأى كُبَراء الصحابة قد اتفّقوا على صرف الأمر عنه ، ظنّ أنهم إنّما فعلوا ذلك لنصُ سمعوه من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) لا ينسخ ما قد كان سمِعه من النصّ عَلَى أمير المؤمين(علیه السلام) ، لاسيّما ما رواه أبو بكر من قول النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) : «الأئمة من قريش» (1)، فإنّ كثيراً من الناس توهّموا أنّه ناسخُ للنصّ الخاصّ، وأنّ معنى الخبر أنّكم مباحون في نضب إمام من قريش من أيّ بطون قريش كان، فإنّه يكون إماماً .

وأكّد أيضاً في نفوسهم رفضَ النصّ الخاصّ ما سمعوه من قول رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما رأه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» (2)، وقوله(علیه السلام) :« سألت الله ألاّ يجمع أمّتي على ضلال فأعطانيها، فأحسنوا الظنّ بعاقدي البيعة» .

وقالوا : هؤلاء أعرف بأغراض رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) من كلّ أحد، فأَمسكوا وكفُّوا عن الإنكار، ومنهم فرقة أخرى - وهم الأكثرون - أعراب وجُفاة، وطَغام أتباعُ كلُ ناعق، يميلون مع كلّ

ص: 244


1) أخرجه أحمد في «مسنده» كتاب: باقي مسند المكثرين، باب: مسند أنس بن مالك (11898)، والنسائي في «الكبرى» (5942) ، والطبراني في «الأوسط» (3521).

2) أخرجه الطبراني في ا«لأوسط» (3602) ، والحاكم في «المستدرك »(4465)، وأحمد في المسند باب: مسند عبد الله بن مسعود (3589) .

ريح، فهؤلاء مقلّدون لا يسألون ولا ينكرون، ولا يبحثون، وهم مع أمرائهم وولاتهم، لو أسقطوا عنهم الصلاة الواجبة لتركوها ، فلذلك أمحِق النصّ، وخفي ودَرَس، وقويَت كلمة العاقدين لبيعة أبي بكر، وقوّاها زيادة على ذلك اشتغالُ عليّ وبني هاشم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )،وإغلاقُ بابهم عليهم، وتخليتهم الناسَ يعملون ما شاؤوا وأحبّوا ،من غير مشاركة لهم فيما هم فيه، لكنّهم أرادوا استدراكَ ذلك بعد ما فات، وهيهات الفائت لا رجعة له !

وأراد عليّ(علیه السلام) بعد ذلك نقضَ البيعة، فلم يتمّ له ذلك، وكانت العرب لا ترى الغَدْر، ولا تنقض البيعة صواباً كانت أو خطأ، وقد قالت له الأنصار وغيرها : أيّها الرجل، لو دعوتَنا إلى نفسك قبل البَيعة لما عدَلنا بك أحداً، ولكنّا قد بايعنا، فكيف السبيل إلى نقض البيعة بعد وقوعها !

قال النقيب : وممّا جرّا عمر على بيعة أبي بكر والعدول عن عليّ - مع ما كان يسمعه من الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) في أمره - أنّه أنكر مراراً عَلَى الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) أموراً اعتمدها فلم ينكِر عليه رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) إنكارَه ، بل رجع في كثير منها إليه، وأشار عليه بأمور كثيرة نزل القرآن فيها ،بموافقته، فأطمعه ذلك في الإقدام عَلَى اعتماد كثير من الأمور التي كان يرى فيها المصلحة، ممّا هي خلاف النصّ، وذلك نحو إنكاره عليه في الصّلاة عَلَى عبد الله بن أبيِّ المنافق، وإنكاره فداء أسارى بذر، وإنكاره عليه تبرّجَ نسائه للناس، وإنكاره قضية الحديبيَة، وإنكاره أمانَ العبّاس لأبي سفيان بن حرب، وإنكاره واقعة أبي حُذيفة بن عتبة، وإنكاره أمره بالنداء : «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة»، وإنكاره أمره بذبح النّواضح، وإنكاره على النّساء بحضرة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هيبتهنّ له دون رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)... إلى غير ذلك من أمور كثيرة تشتمِلُ عليها كتبُ الحديث، ولو لم يكن إلاّ إنكاره قول رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) في مرضه :« ائتوني بدَواة وكتف أكتب لكم ما لا تضلّون بعدي»، وقوله ما قال، وسكوت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) عنه .وأعجب

الأشياء أنّه قال ذلك اليوم: حسبنا كتاب الله، فافترق الحاضرون من المسلمين في الدّار، فبعضهم، يقول : القول ما قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وبعضهم يقول : القول ما قال عمر، فقال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وقد كثر اللّغط، وعلت الأصوات:« قوموا عنّي فما ينبغي لنبيِّ أن يكون عنده هذا التنازع »(1)! فهل بقي للنبوّة مزيّة أو فضل إذا كان الاختلاف قد وقع بين القولين، وميّل المسلمون بينهما ، فرجّح قوم هذا، وقوم هذا! فليس ذلك دالاً على أن القوم سوّوا بينه وبين عمر، وجعلوا القولين مسألة خلاف، ذهب كلّ فريق إلى نصرة واحد منهما ، كما يختلف اثنان

ص:245


1) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: كتابة العلم (114) ، ومسلم في كتاب: الوصية، باب: ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه (1637) ، وأحمد في كتاب: مسند بني هاشم ،باب: بداية مسند ابن عباس (1936) .

من عُرْض المسلمين في بعض الأحكام، فينصر قوم هذا وينصر ذاك آخرون، فمن بلغت قوّته وهمتّه إلى هذا، كيف ينكر منه أنّه يبايع أبا بكر لمصلحة رآها ، ويعدل عن النصّ !ومَن الذي كان ينكر عليه ذلك، وهو في القول الذي قاله الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)في وجهه غير خائف من من الأنصار، ولا ينكر عليه أحدُ لا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ولا غيره، وهو أشدّ من مخالفة النصّ في الخلافة وأفظع وأشنع .

قال النقيب : على أنّ الرجل ما أهمل أمر نفسه، بل أعدّ أعذاراً وأجوبة، وذلك لأنه قال لقوم عرّضوا له بحديث النص : إنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) رجع عن ذلك بإقامته أبا بكر في الصلاة مقامه، وأوهمهم أن ذلك جارٍ مجرى النصّ عليه بالخلافة، وقال يوم السقيفة : أيّكم يطيب نفساً أن يتقدّم قدَمَيْن قدّمهما رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في الصلاة! ثم أكّد ذلك بأن قال لأبي بكر، وقد عرض عليه البيعة : أنت صاحب رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في المواطن كلها ، شدّتها ورخائها ، رضيَك لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا !

ثم عاب عليًّا بخطبته بنت أبي جهل، فأوهم أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وركرهه لذلك ووجَد عليه ، وأرضاه عمرو بن العاص، فروى حديثاً افتعله واختلقه على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، قال سمعته يقول: «إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنّما ولّييَ الله وصالح المؤمنين» (1)، فجعلوا ذلك كالناسخ لقوله(علیه السلام): «من كنت مولاه فهذا مولاه» (2).

قلت للنقيب : أيصح النّسخ في مثل هذا؟ أليس هذا نسخاً للشيء قبل تقضّي وقت فعله؟ فقال: سبحان الله! من أين تعرف العرب هذا؟ وأنیّ لها أن تتصوّره فضلاً عن أن تحكم بعدم جوازه فهل يفهم حُذّاق الأصولييّن هذه المسألة، فضلاً عن حَمْقى العرب! هؤلاء قوم ينخدعون بأدنى شبهة، ويُستمالون بأضعف سبب، وتُبنى الأمور معهم على ظواهر النصوص وأوائل الأدلة وهم أصحاب جهل وتقليد ،لا أصحاب تفضيل ونظر!

قال : ثم أكّد حسنَ ظنّ الناس بهم أنّهم أطلقوا أنفسهم عن الأموال، وزهِدوا في متاع الدنيا وزخرفها، وسلكوا مسلك الرّفض لزينتها ، والرغبة عنها والقناعة بالطّفيف النَّزر منها ، وأكلوا الخشِن، ولبسوا الكَرابيس، ولمّا ألقت إليهم الدنيا أفلاذ كبدها، وفرّقوا الأموال على الناس ،

ص: 246


1) أخرج نحوه البخاري في كتاب: الأدب، باب: قبل الرحم بيلائها (5990)، ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم (215) ، وأحمد في باب : بقية حديث عمرو بن العاص (17348).

2) أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: مناقب علي بن أبي طالب (3713)، وابن ماجه في : :كتاب المقدمة، باب : فضل علي بن ابي طالب (121)، وأحمد في كتاب : العشرة المبشرين : بالجنة ،باب: ومن مسند علي بن أبي طالب (642) .

وقسّموها بينهم، ولم يتدنّسوا منها بقليل ولا كثير، فمالت إليهم القلوب، وأحبّتهم النفوس، وحسُنت فيهم الظنون، وقال من كان في نفسه شبهة منهم، أو وقفة في أمرهم : لو كان هؤلاء قد خالفوا النصّ لهوى أنفسهم لكانوا أهلَ الدنيا، ولظهر عليهم الميل إليها، والرغبة فيها، والاستئثار بها .وكيف يجمعون على أنفسهم مخالفة النصّ، وتركَ لذات الدنيا ومآربها، فيخسروا الدنيا والآخرة! وهذا لا يفعله عاقل، والقوم عقلاء ذوو ألباب وآراء صحيحة، فلم يبق عند أحدٍ شكٍّ في أمرهم ولا ارتياب لفعلهم، وثبتت العقائد على ولايتهم، وتصويب أفعالهم، ونسوا لذّة الرياسة، وإن أصحاب الهمم العالية لا يلتفتون إلى المأكل والمشرب والمنكَح ، وإنما يريدون الرياسة ونفوذ الأمر، كما قال الشاعر :

وقد رغبَتْ عن لذة المال أنفسُ*** وما رغبت عن لذّة النَّهي والأمرِ

قال رحمه الله : والفرق بين الرجلين وبين الثالث، ما أصِيب به الثالث، وقُتل تلك القتلة وخلَعه النَاس وحَصَروه وضيّقوا عليه، بعد أن توالَى إنكارهم أفعَاله، وجبّهوه في وجهه وفسّقوه، وذلك لأنّه استأثر هو وأهله بالأموال، وانغمسوا فيها واستبدُّوا بها، فكانت طريقته وطريقتهم مخالفة لطريق الأولين، فلم تصبر العرب على ذلك، ولو كان عثمان سلك طريق عمر في الزهد، وجمع الناس، وردَع الأمراء والولاة عن الأموال، وتجنّب استعمال أهل بيته، ووفّر أعراض الدّنيا وملاذّها وشهواتها على الناس ،زاهداً فيها ،تاركاً لها، معرِضاً عنها، لما ضرّه شيء قطّ، ولا أنكر عليه أحد قطّ، ولو حوّل الصلاة من الكعبة إلى بيت المقدس، بل لو أسقط عن الناس إحدى الصلوات الخمس، واقتنع منهم بأربع، وذلك لأنّ همم الناس مصروفة إلى الدنيا والأموال، فإذا وجدوها سكتوا، وإذا فقدوها هاجوا واضطربوا ،ألست تَرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كيفَ قسّم غنائم هوازن على المنافقين، وعلى أعدائه الذين يتمنّون قتله وموتَه، وزوال دولته، فلمّا أعطاهم أحبُّوه، إما كلّهم أو أكثرهم، ومن لم يحبّه منهم بقلبه جامله وداراه، وكفّ عن إظهار عداوته ،والإجلاب عليه ولو أنّ علياً صانع أصحابه بالمال، وأعطاه الوجوه والرؤساء، لكان أمره إلى الانتظام والاطّراد أقربَ، ولكنه رفض جانبَ التدبير الدنيوي، وآثر لزومَ الدّين، وتمسّك بأحكام الشريعة، والملك أمر آخر غير الدين، فاضطرب عليه أصحابه، وهرب كثير منهم إلى عدوّه .

وقد ذكرت في هذا الفصل خلاصة ما حفظته عن النقيب أبي جعفر، ولم يكن إماميَّ المذهب، ولا كان يبرأ من السلَف، ولا يرتضي قول المسرفين من الشيعة، ولكنه كلام أجراه على لسانه البحثُ والجدل بيني وبينه على أن العلويّ لو كان كرَّاميُّا ، لا بدّ أن يكون عنده نوعُ من تعصّب وميل على الصحابة وإن قلَّ.

ص: 247

ولنرجع إلى ذكر كلام عمر من خطبته وسيرته .

كتب عمر إلى أبي موسى، لما استعمله قاضياً، وبعثه إلى العراق:

من عبد الله أمير المؤمنين (علیه السلام)عمر إلى عبد الله بن قَيس. سلام عليك، أما بعدُ، فإنّ القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أُذلِيَ إليك، فإنه لا ينفع تكلُّم بحقِّ لا نفادَ له. آس بين الناس في وَجْهِك وعدلك ومجلِسك حتى لا يطمَع شريفٌ في حيفك، ولا ييأسَ ضعيفٌ من عَدْلك . البيّنة علَى من ادّعى واليمين على مَنْ أنكر ، والصُّلح جائز بين المسلمين، إلاَّ صُلحاً أحلّ حراماً، أو حرّم حلالاً . لا يمنّعنك قضاء قضيته اليومَ فراجعت فيه عقلَك، وهُديتَ فيه لرشدِك، أن ترجعَ إلى الحقّ، فإنّ الحقّ قديم ،ومراجعةُ الحق خيْرُ من التمادي في الباطل. الفهمَ الفهمَ فيما تلجلَج في صدرك ممّا ليس في كتاب ولا سنّة، ثم اعرف الأشباه والأمثال، وقسِ الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله عزّ وجلّ، وأشبِهها بالحقّ، واجعل لمن ادّعى حقاً غائباً أو بيئة أمداً ينتهي إليه، فإن أحضر بيّنته أخذت له بحقّه، وإلاّ استخلَلْت عليه القضيَّة، فإنه أنْفَى للشكّ وأجْلَى للعمى. المسلمون عدولُ بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حدّ أو مجرّباً عليه شهادة زور ،أو ظنيناً في ولاء أو نسب، فإنّ الله عزّ وجلّ تولّى منكم السرائر، ودَرَأ عنكم بالبيّنات والأيمان الشُّبُهات. إيّاك والغَلقَ والضَّجَرَ والتأذيَ بالخصوم، والتنكّرَ عند الخصومات فإنّ الحقُ في مواطن الحقّ يُعظِم الله به الأجر، ويحسن به الدُّخر، فمن صحّت نيّته، وأقبَلَ على نفسه كَفاه الله ما بينَهُ، وبين الناس، ومَنْ تخلّق للنّاس بما يعلم الله عز وجل منه أنّه ليس من نفسِه، شانَهُ الله ،فما ظنُّك بثواب الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته! والسلام(1).

ذكر هذه الرّسالة أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد في كتاب «الكامل» وأطراها، فقال: إنه جمع فيها جُمَل الأحكام، واختصرها بأجود الكلام، وجعل الناس بعده يتّخذونه، إماماً فلا يجد مُحقِّ عنها مَعْدِلاً، ولا ظالم عن حدودها محيصاً.

وكتب عمرُ إلى عماله يُوصيهم، فقال في جملة الكتاب: ارتدُوا ،وانتزرُوا، وانتعلوا وألقوا الخفاف والسّراويلات وألقوا الركب، وانزُوا نزواً على الخيل ،واخشوشنوا، وعليكم بالمعدية - أو قال : وتمعددوا - وارموا الأغراض، وعلّموا فتيانكم العوم والرّماية، وذَرُوا التنعم وزيّ العجم، وإيّاكم والحريرَ، فإنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) نهى عنه ، وقال : «لا تلبسوا من الحرير إلا ما كان هكذا » (2)، وأشار بأصبعه .

ص: 248


1) أخرجه ابن منظور في لسان العرب 35/14 .

2) أخرجه ابن منظور في لسان العرب 35/14 .(2) أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة ،باب: الأقل في إناء مفضض (5426) ، ومسلم في كتاب : اللباس والزينة ، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة (2067)، والنسائي في كتاب: الزينة ،=

وكتب إلى بعض عماله : إنّ أسعد الرُّعاة مَنْ سعدت به رعيّته، وإنّ أشقى الرُّعاة من شَقِيتُ به رعيّته، فإياك أن تَزِيغ فتزيغ رعيّتك، فيكون مَثَلُك عندَ الله مِثْلَ البهيمة رأت الخُضْرة في الأرض فرعتْ فيها تبغي السِّمَن، وحتْفُها في سَمِنها .

وكتب إلى أبي موسى وهو بالبَضرة : بلغني أنَّك تأذَنُ للنّاس الجمّاء الغفير، فإذا جاءك كتابي هذا فأذَن لأهل الشرف وأهل القرآن والتّقوى والدين، فإذا أخذوا مجالسهم فأذَن للعامة، ولا تؤخّر عمل اليوم لغد، فتتداك عليك الأعمال فتضيع، وإيّاك واتّباعَ الهوى، فإنّ للناس أهواء متّبعة، ودنيا مؤثرة، وضغائن محمولة. وحاسب نفسَك في الرّخاء قبل حساب الشّدّة، فإنّه مَنْ حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدّة كان مرجعه إلى الرضا والغِبطة، ومن الهته حياته، وشغلته أهواؤه، عاد أمرُه إلى الندامة والحَسْرة، إنه لا يقيم أمر الله في الناس إلا خَصِيفَ العُقدة بعيد القرارة لا يحنق على جرّة، ولا يطلع الناس منه على عورة، ولا يخاف في الحق لومة لائم . الزم أربع خصال يسلم لك دينك وتحيط بأفضل حظّك : إذا حضر الخصمان فعليك بالبينات العُدول والأيمان القاطعة ، ثم ائذن للضّعيف حتى ينسبط لسانُه، ويجترىء قلبه، وتعاهد الغَريب، فإنه إذا طال حبسُه ترك حاجته وانصرف إلى أهله، واحرص على الصُّلْح ما لم بینلك القضاء، والسلام عليك .

وكان رجلُ من الأنصار لا يزال يهدي لعمر فخِذَ جزور إلى أن جاء ذات يوم مع خَضم له، فجعل في أثناء الكلام يقول : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، افصِل القضاء بيني وبينه كما يفصل فَخِذ الجزور.

قال عمر : فما زال يردّدها حتى خفت على نفسي. فقضيت عليه، وكتبت إلى عمّالي : أمّا بعد فإيّاكم والهدايا، فإنه من الرّشا . ثم لم أقبل له هديّة فيما بعد، ولا لغيره.

وكان عمر يقول : اكتبوا عن الزاهدين في الدنيا ما يقولون، فإنّ الله عزّ وجلّ وكّل بهم ملائكة، واضعة أيديَهم على أفواههم، فلا يتكلّمون إلا بما هيّاه الله لهم .

وروى أبو جعفر الطبريّ في تاريخه، قال : كان عمر يقولُ : جرّدُوا القرآن ولا تفسِّروه، وأقلّوا الرواية عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأنا شريككم .

وقال أبو جعفر : وكان عمر إذا راد أن ينهى النّاسَ عن شيء جمع أهله، فقال: إني عسِيت

باب ذكر النهي عن لبس الدباج (5301) . وأحمد في كتاب: مسند العشرة المبشرين بالجنة، باب: أول مسند عمر بن الخطاب (303)، واللفظ له .

ص: 249

أن أنهَى الناس عن كذا، وإنّ الناس ينظرون إليكم نظر الطّير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجدُ أحداً منكم يفعل إلا أضعفت عليه العقوبة .

قال أبو جعفر وكان عمر شديداً على أهل الرّيَب، وفي حقّ الله ، صليباً حتى يستخرجه، وليّناً سهلاً فيما يلزمه حتى يؤدّيه، وبالضعيف رحيماً (1).

وروى زيد بن أسلم، عن أبيه أنّ نفراً من المسلمين كلّموا عبد الرحمن بن عوف، فقالوا : كلّم لنا عمر بن الخطاب، فقد والله أخشانا حتى لا نستطيع أن نديم إليه أبصارَنا، فذكر عبد الرحمن له ذلك ، فقال : أو قد قالوا ذلك ! والله لقد لنتُ لهم حتى تخوّفت الله في أمرهم، وقد تشدّدت عليهم حتى خفت الله في أمرهم وأنا والله أشدّ فرَقاً الله منهم لي !

وروى جابر بن عبد الله قال : قال رجلٌ لعمر: يا خليفة الله، قال : خالف الله بك، قال : جعلني الله فداك ! قال : إذن يهينك الله .

وروى أبو جعفر، قال : استشار عمر في أمر المال كيف يقسمه، فقال له علي بن أبي طالب(علیه السلام) : تقسيم كلّ سنة ما اجتمع معك من المال، ولا تمسِك منه شيئاً، وقال عثمان بن عفان: أرى مالاً كثيراً يسعُ الناس، وإن لم يُحْصَوْا حتى يعرفَ من أخذ ممّن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر. فقال الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دوّنوا ديواناً، وجنّدوا جنوداً، وفرضوا لهم أرزاقاً، فأخذ بقوله، فدعا ِعَقيل بن أبي طالب ومَخْرمة بن نَوْفل وجُبير بن مطعم - وكانوا نسّاب قريش - وقال : اكتبوا النّاس على منازلهم ، فكتبوا فبدؤوا ببني هاشم، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه، على ترتيب الخلافة، فلما نظر إليه قال : وددت أنّه كان ،هكذا، لكن أبدأ بقرابة النبي(صلی الله علیه وآله و سلم) ، الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمرَ حيث وضعه الله .

قال أبو جعفر : جاءت بنو عديّ إلى عمر، فقالوا له: يا عمر، أنت خليفهُ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم).

قال: أو خليفة أبي بكر، وأبو بكر خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وذاك ، فلو جعلت نفسَك حيث جعلك هؤلاء القوم! فقال : بخ بخ يا بني عديّ أردتم الأكْلَ على ظهري، وأن أذهِب حسناتي لكم ! لا والله ولو كتبتم آخر الناس، إنّ لي صاحبين سلكا طريقاً ، فإن أنا خالفتُهما خُولِفَ بی ،والله ما أدركنا الفضلَ في الدنيا إلا بمحمد، ولا نرجو ما نرجو من الآخرة وثوابها إلا

بمحمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، فهو شرفنا ، وقومه أشرف العرب ثم الأقرب منه فالأقرب، وما بيننا وبين نلقاه ثم لا نفارقه إلى آدم إلاّ آباء يسيرة والله لين جاءت الأعاجم بالأعمال، وجئنا بغير عمل فإنّهم أولى بمحمد الله(صلی الله علیه وآله و سلم) منا يوم القيامة. لا ينظرَنَّ رجلٌ إلى قرابته، وليعمل بما عند الله، فإنَّ مَنْ قصر به عمله لم يُسرع به نسبُه .

ص: 250


1) أخرجه الطبري في تاريخه : 276/3 .

وروى السائب بن يزيد، قال : سمعتُ عمر بن الخطاب، يقول: والله ما من أحدٍ إلا له في هذا المال حقّ أعطيه أو مُنعِه، وما أحدٌ أحق به من أحدٍ إلا عبد مملوك، وما أنا فيه إلاّ كأحدكم ، ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله (صلی الله علیه وآله و سلم)، فالرجل وبلاؤه في الإسلام ،والرجل وغناؤه، والرجل وحاجته ،والله لئن بقيتُ ليأتين الراعي بجبل صَنعاء، حظُّه من المال وهو مكانه .

وروی نافع مولى آل الزُّبير، قال : سمعتُ أبا هريرة يقول : رحم الله ابن حَنتمة، لقد رأيته عامَ الرّمادة، وإنّه ليحمِلُ على ظهره جرابين وعُكّة زيت في يده، وإنه ليعتقِب هو وأسلم، فلما رآني قال : من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريباً، فأخذت أعقِبُه، فحملناه حتى انتهينا إلى ضرار فإذا صِرم من نحو عِشرين بيتاً من محارب، فقال عمر: ما أقدمَكم؟ قالوا : الجَهْد ، وأخرجوا لنا جِلْدَ الميتة مشويَّا كانوا يأكلونه، ورمة العظام مسحوقة كانوا يستفُّونها، فرأيت عمر طرح رداءه ثم ،برز فما زال يطبخ لهم حتى شَبِعُوا، وأرسل أسلم إلى المدينة، فجاء بأبعرة فحملهم عليها ، ثم أنزلهم الجَبّانة، ثم كساهم، وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى كفى الله ذلك .

وروى راشد بن سعد أنّ عمر أتِيَ بمال، فجعل يقسِم بين الناس، فازدحموا عليه، فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس حتى خلَص إليه، فعلاه عمر بالدّرة، وقال: إنّك أقبلت، لا تهابنّ سلطان الله في الأرض، فأحببتُ بأن أعلِمك أنّ سلطانَ الله لا يهابُك.

وقالت الشّفاء ابنة عبد الله - ورأيت فتياناً من النّساك يقتصدون في المشي، ويتكلّمون رويداً : ما هؤلاء؟ فقيل : نُسّاك، فقالت كان عمر بن الخطّاب هو الناسك حقاً، وكان إذا تكلّم أسمَع ، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوْجَع.

أعان عمرُ رجلاً على حَمْلِ شيء، فدعا له الرّجل وقال : نفعك بنوك يا أمير المؤمنين(علیه السلام)! قال : بل أغناني الله عنهم.

ومن كلامه القوّة في العمل ألا يؤخر عمل اليوم لغد، والأمانة ألاّ تخالف سريرتُك علانيتك ، والتَّقْوَى بالتوقي، ومن يتق الله يقِهِ .

وقال عمر : كنا نعد المُقرِض بخيلاً، إنما كانت المواساة.

أتى رهطُ إلى عمر، فقالوا : يا أميرَ المؤمنين(علیه اسلام)، كَثُر العيال، واشتدّت المؤونة، فزدنا في أعْطَيَاتِنَا ، فقال : فعلتموها !جمعتم بين الضّرَائر، واتخذتم الخدَم من مال الله ! أما لوددت أنّي وإياكم في سفينتين في لُجّة البحر، تذهب بنا شرقاً وغرباً، فلن يعجز النّاسَ أن يولُّوا رجلاً منهم، فإن استقام اتّبعوه، وإن جَنَف (1)قتلوه . فقال طلحة :وما عليك لو قلت : وإن اعوجّ

ص: 251


1) الجنف : الميل والجور. القاموس المحيط ، مادة (جنف).

عزلوه! فقال: القتلُ أرهبُ لمن بعده، احذروا فتى قريش، فإنّه كريمها الذي لا ينام إلا على الرّضا، ويضحك عند الغضب، ويتناول ما فوقه من تحته .

وكان يقول في آخر أيامه عند تبرّمه بالأمر وضَجَره من الرعيّة: اللهمَّ ملّوني ومللتهُم، واحسستُ من نفسي وأحسّوا منِّي ! ولا أدري بأيّنا يكون اللَّؤت، وقد أعلم أنَّ لهم قتيلاً منهم فاقبضني إليك .

وذكر قومٌ من الصّحابة لعمر رجلاً، فقالوا : فاضلُ لا يعرف الشرَ، قال : ذاك أوقع له فيه (1).

وروى الطبريّ في التاريخ ، أن عمرَ استعملَ عُتبة بن أبي سفيان على عملِ فقدِم منه بمال، فقال له : ما هذا يا عتبة؟ قال: مالُ خرجت به معي وتجرِت فيه، قال: وما لك تُخرج المال معك إلى هذا الوجه ؟ فأخذ المال منه فصيّره في بيت المال، فلمّا قام عثمان قال لأبي سفيان: إنّك إن طلبت ما أخذه عمر من عُتبة رددتُه عليك، فقال له أبو سفيان: إيّاك ما هممتَ به، إنّك إن خالفت صاحبك قَبلك ساء رأيُ الناس فيك . إياك أن تردّ على مَن كان قبلك فيردّ عليك من بعدك .

وروى الطبريّ (2)أيضاً أنّ هنداً بنت عتبة بن ربيعة قامت إلى عمر، فسألته أن يُقرضها من بيت المال أربعة آلاف درهم تتّجر فيها وتضمنها . فخرجت بها إلى بلاد كلب، فباعت واشترت، وبلغها أنّ أبا سفيان قد أتى معاوية يستمِيحه ومعه ابنة عمرو بن أبي سفيان، فعدلت إليه من بلاد كلب - وكان أبو سفيان قد طلّقها - فقال معاوية : ما أقدَمك يا أمّه؟ قالت : النظر إليك يا بنيّ، إنه عمر، وإنّما يعمل الله ، وقد أتاك أبوك فخشيت أن تُخرج إليه من كلّ شيء، أهلُ ذلك هو! ولكن لا يعلم عمر من أين أعطيتَه ،فيؤنّبوك ويؤنّبك، ولا تستقبلها أبداً. فبعث معاوية إلى أبيه وأخيه مائة دينار ،وكساهما وحملهما . فسخطها عمر، فقال أبو سفيان: لا تسخطها، فإنها عطاء لم تغب عنه هند، ورجع هو وابنه إلى المدينة، فسأله عمر :بكم أجازك معاوية ؟ فقال : بمائة دينار، فسكت عمر .

وروى الأحنف، قال : أتى عبد الله بن عمير عمرَ، وهو يُقرض الناس، فقال: يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، أقِرض لي، فلم يلتفت إليه، فنخسه، فقال عمر : حَسٌ، وأقبل عليه، فقال مَنْ أنت؟ فقال : عبد الله بن عمير - وكان أبوه استُشهِدَ يوم حُنين - فقال: يا يَرْفاً، أعطه ستمائة، فأعطاه ستمائة فلم يقبلها، ورجع إلى عمر فأخبره فقال : يا يرفأ، أعطه ستمائة حُلّة، فأعطاه، فلبس الحُلّة التي كساه عمر، ورمى ما كان عليه، فقال له خذ ثيابك هذه، فلتكن في مِهنَة

أهلك، وهذه لزينتك .

ص: 252


1) انظره (276/2).

2) انظره (576/2 ) .

وروى إياس بن سلمة، عن أبيه ، قال : مرّ عمر في السُّوق، ومعه الدِّرة، فخفقني خَفْقةً، فأصاب طرف ثوبي، وقال : أمِط عن الطريق، فلمّا كان في العام المقبل لقيني ،فقال : يا سلمة، أتريد الحجّ؟ قلت : نعم، فأخذ بيدي وانطلق بي إلى منزله، فأعطاني ستمائة دِرهم، وقال : استعِن بها على حَجّك، واعلم أنّها بالخفقة التي خَفَقْتُك ، فقلت يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، ما ذكرتها ، قال وأنا ما نسيتُها .

وخطب عمرُ فقال : أيّتُها الرعيّة، إنّ لنا عليكم حقًّا، النّصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير . إنّه ليس مِن حلم أحبّ إلَى الله ولا أعمّ نفعاً من حِلْم إمام ورِفقه، وليس من جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخَرَفه، أيّتها الرعية إنّه مَنْ يأخذ بالعافية من بين ظهرانَيه فوته الله العافية من فوقه .

وروى الرّبيع بن زياد، قال : قدِمْتُ على عمر بمالٍ من البَحْرين، فصلّيت معه العشاء ثم سلّمت عليه، فقال : ما قدمت به؟ قلت خمسمائة ألف ، قال : ويحك ! إنما قدمت بخمسين ألفاً ، قلت : بل خمسمائة ألف، قال: كم يكون ذلك؟ قلت : مائة ألف ومائة ألف ومائة ألف، حتى عددت خمساً ، فقال : إنك ناعس، ارجع إلى بيتك، ثم اغدُ عليّ، فغدوت عليه . فقال : ما جئت به؟ قلت: ما قلتُه لك، قال: كم هو ؟ قلت خمسمائة ألف، قال: أطيّب هو ؟ قلت : نعم ،لا أعلم إلاّ ذلك، فاستشار الصّحابة فيه، فأشير عليه بنصب الديوان فنصبَ، وقسّم المالَ بين المسلمين، ففضَلت عنده فَضْلة، فأصبح فَجمع المهاجرين والأنصار، وفيهم عليّ بن أبي

طالب وقال للناس : ما ترون في فَضْل فَضَل عندنا من هذا المال؟ فقال الناس : يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إنّا شغلناك بولاية أمورنا عن أهلك وتجارتك وصنعتك، فهو لك. فالتفت إلى عليّ فقال : ما تقول أنت؟ قال: قد أشاروا عليك، قال: فقل أنت ،فقال له : لم تجعلُ يقينَك ظنَّا؟ فلم يفهم عمر قوله، فقال : لتخرُجَنّ ممّا قلت، قال : أجل والله ،لأخرجَنّ منه، أتذكر حين بعثَك رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ساعياً ، فأتيت العبّاس بن عبد المطلب، فمنعك صدَقَته، فكان بينكما شيء، فجئتما إليّ وقلتما : انطلق معنا إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فجئنا إليه، فوجدناه خاثراً(1)فرجعنا ، ثم غدونا عليه، فوجدناه طيِّب النفس فأخبرتَه بالذي صنع العباس، فقال لك : يا عمر، أما علِمت أنّ عمّ الرجل صِنْوُ أبيه ! فذَكرنا له ما رأينا ،من خُثوره في اليوم الأول، وطيب نفسه في اليوم الثاني، فقال : إنّكم أتيتم في اليوم الأول، وقد بقيَ عندي من مال الصّدقة ديناران ،فكان ما رأيتم خُثُوري لذلك، وأتيتم في اليوم الثاني وقد وجّهتهما، فذاك الذي رأيتم من طِيب نفسي. أشيرُ عليك ألاّ تأخذ من هذا الفضل شيئاً، وأن تفضّه على فقراء المسلمين، فقال : صدقت والله لأشكرنّ لك الأولى والأخيرة.

ص: 253


1) خائر النفس : أي ثقيلها غير طيب ولا نشيط. لسان العرب، مادة (خثر).

وروى أبو سعيد الخُدريّ قال: حَججنا مع عمر أوّل حجة حَجّجها في خلافته، فلمّا دخل المسجدَ الحرام، دنا من الحجر الأسود فقبّله واستلمه، وقال : إني لأعلم أنّك حَجَر لا تضرّ ولا تنفعُ، ولولا أني رأيتُ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) قبّلك واستلَمك ، لما قبّلتك ولا استلمتَك، فقال له عليّ : بلى يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إنه ليضرُّ وينفع، ولو علمتَ تأويل ذلك من كتاب الله لعلمتَ أنّ الذي أقول لك كما أقول قال الله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى(1). فلمّا أشهدهم وأقرُّوا له أنه الربّ عزّ وجلّ، وأنّهم العبيدُ، كتبَ ميثاقهم في رَقّ، ثم ألقمه هذا الحجر، وإن له لعينين ولساناً وشفتين، تَشهد لمن وافاه بالموافاة، فهو أمين الله عزّ وجلّ في هذا المكان. فقال عمر: لا أبقاني الله بأرض لستَ بها يا أبا الحسن.

قلت : قد وجَدْنا في الآثار والأخبار في سِيرة عمر أشياء تناسب قوله في هذا الحجر الأسود، كما أمرَ بقطع الشّجرة التي بويع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) تحتَها بيعة الرضوان في عُمْرة الحديبِيَة، لأنّ المسلمين بعد وفاة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) كانُوا يأتونها ، فيَقِيلون تحتها، فلمّا تكرّر ذلك أو عدهم عمر فيها، ثم أمر بها فقطعت.

وروى المُغيرة بن سُويد، قال : خرجنا مع عمر في حَجُّبة حجها ، فقرأ بنا في الفجر : أَلَم تَرَ كَيَفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَب الْفِيلِ(2)، ولإيلافِ قُرَيْش(3)، فلمّا فرغ رأى الناس يبادِرُون إلى مسجدِ هناك، فقال : ما بالهم؟ قالوا : مسجدُ صلّى فيه النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) والنّاس يبادرون إليه، فناداهم فقال : هكذا هَلَك أهلُ الكتاب قبلكم! اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً . مَنْ عَرَضَتْ له صلاة هذا المسجد فلْيُصَلِّ، ومَنْ لم تعرض له صلاة فلْيمضِ .

وأتى رجل من المسلمين إلى عمر ،فقال : إنّا لما فتحنا المدائن أصبنا كتاباً فيه علمُ من علوم الفرس، وكلام معجِب، فدعا بالدّرّة فجعل يضربه بها، ثم قرأ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ(4)، ويقول : ويلك ! أقصَصُ أحسنُ من كتاب الله ! إنّما هلك مَنْ كان قبلكم، لأنّهم أقبلوا على كتاب علمائهم وأساقفتهم، وتركوا التوراة والإنجيل حتى دَرَسا، وذهب ما فيهما من العلم .

وجاء رجلُ إلى عمر ، فقال : إن ضُبيعاً التميميّ لقيَنا يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، فجعل يسألُنا عن تفسير حرُوف من القرآن، فقال : اللهمّ أمنِّي منه ، فبينا عمر يوماً جالس يغدّي الناس إذ جاءه الضُّبيع، وعليه ثياب وعمامة، فتقدّم فأكل ،حتى إذا فرغ ،قال: يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، ما معنى قوله

ص: 254


1) سورة الأعراف، الآية: 172 .

2) سورة الفيل، الآية : 1 .

3) سورة قريش، الآية 1 .

4) سورة يوسف، الآية : 3 .

تعالى : وَالدَّارِبَتِ ذروا (1فَالحَمَلَتِ وِقرًا (2)) (1)؟ قال : ويحك أنت هوا فقام إليه فحسَر عن ذراعيه، فلم يزل يجلِدُه حتى سقطت عمامته، فإذا له ضفيرتان، فقال : والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسَك، ثم أمر به فجعل في بيت، ثم كان يُخرجه كلَّ يوم فيضربه مائة، فإذا برأ أخرجه فضربه مائة أخرى، ثم حمله على قَتَب وسيره إلى البصرة. وكتب إلى أبي موسى يأمره أن يحرّم على الناس مجالسته، وأن يقوم في الناس خَطيباً ، ثم يقول : إن ضُبيعاً قد ابتغى العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعاً في قومه وعند الناس حتى هلك، وقد كان من قبل سيّد قومه .

وقال عمر على المنبر: ألاَ إنّ أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، فأفتوا بآرائهم، فضلّوا وأضلّوا. ألاَ إنَّا نقتدي ولا نبتدي، ونتّبع ولا نبتدع، إنه ما ضَلَّ متمسك بالأثر .

وروی زید بن أسلم ،عن أبيه قال : سمعتُ عمر يقول في الحجّ : فيم الرِّمَلانَ الآنَ والكَشف عن المناكب ،وقد أظهر الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله! ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) .

مرّ عمرُ برجل فسلّم عليه، فردّ عليه ، فقال : ما اسمُك ؟ قال : جمرة، قال: أبو من؟ قال : أبو شهاب قال : مِمّن؟ قال: من الحُرَقة قال: وأين مسكنُك؟ قال : بحرّة النار، قال بأيّها؟ قال : بذات ،لَظَى فقال : ويحك أدرِك أهلَك فقد احترقوا .فمضى عليهم فوجدهم قد احترقوا .

وروَى اللّيثُ بنُ سعد، قال: أتِيَ عمرُ بفتَى ،أمرَد، قد وجِد قتيلاً ملقى على وجه الطريق، فسأل عن أمره واجتهد، فلم يقف له على خبر، فشقّ عليه، فكان يدعُو ويقول : اللهّم أظفِرني بقاتله، حتى إذا كان رأسُ الحول أو قريباً من ذلك، وُجِد طفلُ مولود ملقى في موضع ذلك القتيل ،فأتِيَ به عمر، فقال : ظفرت بدم القتيل، إن شاء الله تعالى! فدفع الطّفل إلى امرأة، وقال لها : قومي بشأنه، وخذي مِنّا نفقته وانظري مَنْ يأخذه منك ، فإذا وجدت امرأة تقبّله وتضمّه إلى صدرها فأعلميني مكانَها، فلمّا شبّ الصبيّ جاءت جارية، فقالت للمرأة: إنّ سيّدتي بعثثني إليك لتبعثِي إليها بهذا الصبيّ، فتراه وتردُّه إليك، قالت: نعم، اذهبي به إليها ،وأنا معك فذهبت بالصبيّ، حتى دخلت على امرأة شابة ،فأخذت الصبيّ، فجعلت تقبّله وتُفَدّيه وتضمّه إليها، وإذا هي بنت شَيْخ من الأنصار من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) ، فجاءت المرأة وأخبرت عمر، فاشتمل على سيفه وأقبل إلى منزلها، فوجد أباها متَكِئاً على الباب، فقال

ص: 255


1) سورة الذاريات، الآيتان: 1، 2 .

له : ما الّذي تعلم من حال ابنتك؟ قال: أعرَفُ النّاس بحق الله وحقِّ أبيها، مع حسن صلاتها وصِيامها والقيام بدينها ، فقال : إنّي أحبّ أن أدخل إليها وأزيدَها رغبة في الخير، فدخل الشيخ، ثم خرج فقال : ادخل يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، فدخل وأمر أن يخرُج كلُّ مَنْ في الدار إلا أباها ، ثم سألها عن الصبيّ، فلجلَجَت فقال : لتصدُقِيني، ثم انتضى السيف، فقالت : عَلَى رِسْلك يا أمير المؤمنين (علیه السلام)!فوالله لأصدقنّك ! إنّ عجوزاً كانت تدخل عليّ فاتخذتها أمَّا ، وكانت تقوم في أمري بما تقوم به الوالدة، وأنا لها بمنزلة البنت، فمكثت كذلك حيناً ، ثم قالت : إنه قد عرض لي سفر، ولي بنت أتخوّف عليها بعدي الضَّيعة، وأنا أحب أن أضمّها إليك حتى أرجعَ من سفري، ثم عمدَت إلى ابن لها أمْرد فهيّأته وزيّنته كما تزيَّن المرأة وأتتني به، ولا أشك أنّه جارية، فكان يرى منّي ما ترى المرأة من المرأة، فاغتفلني يوماً وأنا نائمة فما شعرت به حتى عَلَاني وخالطني، فممدت يدي إلى شَفْرَةٍ كانت عندي فقتلتُه، ثم أمرت به فألقِيَ حيث رأيت، فاشتملتُ منه على هذا الصبيّ، فلما وضعته ألقيته في موضع أبيه، هذا والله خبرهما على ما أعلمتُك !

فقال عمر : صدقتِ، بارك الله فيك ! ثم أوصاها ووعظها وخرج.

وكان عمر يقول : لو أدركت عُروة وعَفْراء لجمعت بينهما .

ذكر عمرو بن العاص يوماً عمر فترحّم عليه وقال ما رأيتُ أحداً أتقى منه ، ولا أعمَلَ بالحقّ منه، لا يبالي عَلَى مَنْ وقع الحق من ولد أو والد، إنّي لفي منزلِي بمصر ضحى، إذ أتاني آتٍ ،فقال : قدم عبد الله وعبد الرحمن ابنا عمر غازيين، فقلت: أين نزلا؟ قال في موضع كذا - لأقصى مصر - وقد كان عمر كتب إليّ : إياك وأن يقدُم عليك أحدُ من أهل بيتي فتجيزه أو تحُبوَه بأمر لا تصنعه بغيره، فأفعلُ بك ما أنت أهلُه. فضقتُ ذَرْعاً بقدومهما، ولا أستطيع أن أهدِيَ لهما، ولا أن آتيهما في منزلهما، خوفاً من أبيهما ، فوالله إنّي لعَلى ما أنا عليه، وإذا قائلُ يقول : هذا عبد الرحمن بن عمر بالباب وأبو سروعة يستأذنان عليك، فقلتُ : يدخلان، فدخلا وهما منكسِران، فقالا : أقم علينا حدّ الله، فإنّا أصبنا الليلة شراباً فسكِرنا ، فزبرتهما وطردتهما ،وقلت : ابن أمير المؤمنين(علیه السلام) وآخر معه من أهل بدر! فقال عبد الرحمن : إن لم تفعل أخبرتُ أبي إذا قدمت عليه أنّك لم تفعل، فعلمت أني إن لم أقِم عليهما الحدّ غضب عمر وعزلني، فنحن عَلَى ما نحن عليه، إذ دخل عبد الله بن عمر، فقمت إليه ورحبّت به، وأردت أن أجلسه في صدر مجلسي، فأبي عليّ وقال: إنّ أبي نهاني أن أدخُلَ عليك إلاّ أجدَ من الدخول بُدَّا، وإني لم أجد من الدخول عليك بُدَّا ، إن أخي لا يحلَق عَلَى رؤوس الناس أبداً، فأما الضّرب فاصنع ما بدا لك - قال : وكانوا يحلقِون مع الحدّ - فأخرجتُهما إلى صحن الدّار وضربتهما الحدّ، ودخل عبد الله بن عمر بأخيه عبد الرحمن إلى بيت من الدارِ فحلَق رأسه، وحلق أبا سروعة، والله ما كتبتُ إلى عمر بحرف ممّا كان، وإذا كتابه قد ورد :

ص: 256

من عبد الله عمر أمير المؤمنين(علیه السلام)، إلى العاصي ابن العاصي، عجبتُ لك يابن العاصي ولجراءتك عليّ ومخالفتك عهدي! أما إني خالفت فيك أصحابَ بدر ومَنْ هو خير منك، واخترتُك وأنت الخامِل (1)، وقدّمتُك وأنت المؤخّر، وأخبرَني الناس بجراءتك وخلافك. وأراك كما أخبروا ،وما أراني إلاّ عازلك فمسيء عزلكَ . ويحك! تضرب عبد الرحمن بن عمر في داخل بيتك، وتحلق رأسَه في داخل بيتك، وقد عرفتَ أنّ في هذا مخالفتي ! وإنما عبد الرحمن رجل من رعيّتك تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين ،ولكن قلت: هو ولد أمير المؤمنين(علیه السلام)، وقد عرفتَ ألا هوادة لأحد من الناس عندي في حق يجب الله عزّ وجلّ، فإذا جاءك كتابي هذا فابعث به في عباءة عَلَى قَتَب، حتى يعرف سوءَ ما صنع . قال : فبعثت به كما قال أبوه، وأقرأت أخاه عبد الله كتاب أبيهما، وكتبت إلى عمر كتاباً أعتذر فيه وأخبرته أنّي ضربته في صَحْن الدار، وحلفت بالله الذي لا يُحْلَف بأعظم منه، أنه الموضع الذي أقيم فيه الحدود على المسلم والذّميّ، وبعثت بالكتاب مع عبد الله بن عمر. فذكر أسلم مولى عمر قال :

قدم عبدُ الله بأخيه عبد الرحمن على أبيهما، فدخل عليه في عَباءة، وهو عباءة، وهو لا يقدِر على المشي من مَرْكبه، فقال يا عبد الرحمن فعلت وفعلت! السِّياط السّياط فكلّمه الرحمن بن عوف، وقال: يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، قد أقيم عليه الحدّ مرّة، فلم يلتفت إليه وزبَره فأخذته السِّياط، وجعل يصيح: أنا مريض وأنت والله قاتلي! فلم يرقّ له، حتى استوفى الحدّ وحبسه . ثم مرض شهراً ومات.

وروى الزبير بن بكار، قال: خطب عمرُ أمّ كلثوم بنت عليّ(علیه السلام) ، فقال له : إنّها صغيرة، فقال: زوّجنيها يا أبا الحسن، فإني أرصدُ من كرامتها ما لا يرصده أحد، فقال: أنا أبعثها إليك، فإن رضيتَها زوّجتكها . فبعثها إليه ببُرد، وقال لها قولي: هذا البُرد الذي ذكرتُه لك. فقالت له ذلك، فقال : قولي له : قد رضيتُه رضي الله عنك - ووضع يده على ساقها - فقالت له : أتفعل هذا !لولا أنك أميرالمؤمنين (علیه السلام) لكسرت أنفَك، ثم جاءت أباها فأخبرته الخبر، وقالت :بعثتني إلى شيخ سوء! قال : مهلاً يا بنيّة إنه زوجك، فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين في الروضة، وكان يجلس فيها المهاجرون الأولون، فقال: رفتوني (2)، رفتوني، قالوا : بماذا يا أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ قال : تزوّجت أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : «کلّ سبب ونسب وصهر ينقطعُ يوم القيامة إلا سَبَبي ونسبي وصهري »(3).

ص: 257


1) خامل: ساقط لا نباهة له. القاموس المحيط ،مادة (حمل) .

2) رفاه : دعا له قال له : بالرِّفاء والبنين. لسان العرب، مادة (رفأ).

3) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (647) ، وابن عدي في «الكامل» (111)، وابن حجر في «تلخيص الحبير» (1477) ، وأحمد في كتاب: أول مسند الكوفيين (18428).

وكتب عثمان إلى أبي موسى : إذا جاءك كتابي هذا فأعْطِ النّاس أعطيَاِتهم، واحمل ما بقي إليّ . ففعل، وجاء زيد بن ثابت بالمال فوضعه بين يدي عثمان، فجاء ابنُ لعثمان، فأخذ منه أستاندانة من فضّه، فمضى بها فبکَی زید، قال عثمان: ما يبكيك؟ قال: أتيت عمر مثل ما أتيتُك به ، فجاء ابنُ له فأخذ دِرهماً فأمر به فانتزع منه، حتى أبكى الغلام، وإنّ ابنك قد أخذ هذه فلم أرَ أحداً قال شيئاً . فقال عثمان : إنّ عمر كان يمنعُ أهلَه وقرابته ابتغاء وجه الله، وأنا أعطِي أهلِي وأقاربي ابتغاء وجه الله، ولن تلقَى مثل عمر .

وروى إسماعيل بن خالد ،قال : قيل لعثمان : ألا تكون مثل عمر ! قال : لا أستطيع أن أكون مثل لقمان الحكيم .

ذكرت عائشة عمرَ ، فقالت: كان أجودَنا نَسيج وحِده، قد أعَدَّ للأمور أقرانَها .

جاء عبد الله بن سَلاَم بعد أن صلّى النّاس على عمر ،فقال : إن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه فلا تسبقوني بالثّناء عليه، ثم قال : نعم أخو الإسلام كنتَ يا عمر ! جواداً بالحق بخيلاً بالباطل ،ترضَى حين الرّضا، وتسخَط حين السّخط، لم تكن مدّاحاً ولا مِعياباً، طيّب الطَّرَف، عفيفَ الطَّرف.

وروى جُويرِية بن قُدامة، قال: دخلتُ مع أهل العراق على عمرَ حين أصيب، فرأيتُه قد عَصَب بطنَه بعمامة سوداء، والدّم يسيل، فقال له الناس: أوصِنا ، فقال عليكم بكتاب الله ، فإنّكم لن تضلّوا ما اتبعتموه .فأعدنا القول عليه ثانية : أوْصِنَا ، قال : أوصيكم بالمهاجرين، فإنّ الناس سيكثُرون ويقلّون، وأوصيكم بالأنصار، فإنهم شِعب الإسلام الذي لجأ إليه، وأوصيكم بالأعراب فإنهم أصلكم الذي لجأتم إليه ومأواكم. وأوصيكم بأهل الذمّة، فإنّهم عهد نبيّكم ورزق عيالكم، قوموا عنّي.

فلم أحفظ من كلامه إلا هذه الكلمات.

وروى عمرو سبن میمون، قال: سمعتُ عمر وهو يقول - وقد أشار إلى السنّة، ولم يكلم أحداً منهم إلاّ عليّ بن أبي طالب وعثمان، ثم أمرهم بالخروج، فقال لمن كان عنده : إذا اجتمعوا عَلَى رجل فمن خالف فلتضربَ رقبته، ثم قال: إن يولّوها الأجلح يسلك بهم الطریق ،فقال له قائل : فما يمنعك من العهد إليه؟ قال : أكره أن أتحمّلها حيَّاً وميتاً .

خطب لعمر بن الخطاب فيها بعض الطوال

وقال الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين»: لم يكن عمر من أهل الخطب الطوال، وكان كلامه قصيراً، وإنما صاحب الخطب الطوال عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) . وقد وجدتُ أنا لعمر خطباً فيها بعض الطُّول، ذكرها أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ في التاريخ.

ص: 258

فمنها خطبة خَطب بها حين وليَ الخلافة، وهي بعد حَمْد الله والثناء عليه وعَلَى رسوله :

أيُّها الناس، إنّي ولِّيتُ عليكم، ولولا رجاءُ أن أكون خيرَكم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدّكم استضلاعاً بما ينوب من مهمّ أموركم ،ما تولَّيت ذلك منك، ولكفى عمر فيها مجزي العطاء موافقة الحساب، بأخذ حقوقكم كيف آخذها ووضعِها أين أضعها، وبالسَّير فيكم كيف أسير! فربَّي المستعان، فإنّ عُمَر لم يصبح يثق بقوة ولا حيلة، إن لم يتداركه الله برحمته وعونه .

أيّها الناس إن الله قد ولأّني أمرَكم، وقد علمت أنفع ما لكم، وأسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرسَني عنده، كما حرسني عند غيره، وأن يلهمني العدل في قَسمكم كالذي أمر به، فإني امرؤ مسلم، وعبد ضعيف إلا ما أعان الله ، ولن يغير الّذي وليت من خلافتكم من خُلُقي شيئاً إن شاء الله . إنما العظمةُ الله وليس للعباد منها شيء، فلا يقولنّ أحدكم إن عمر تغيّر منذ وَلِيَ ، وإني أعقِلُ الحقَّ من نفسي، وأتقدَّم وأبيّن لكم أمرِي، فأيّما رجلِ كان له حاجة أو ظلِم مظلمة أو عتب علينا في خلق، فليُؤذِنّي، فإنّما أنا رجلٌ منكم، فعليكم بتقوى الله في سرّكم وعلانيتكم وحُرُماتكم وأعراضكم، وأعطوا الحقَّ من أنفسكم، ولا يحمِل بعضُكم بعضاً عليّ ألا تتحاكموا إليّ، فإنه ليس بيني وبين أحد هَوادة، وأنا حبيب إليّ صلاحكم، عزيز علي عنَتُكم، وأنتم أناس عامّتكم حضَر في بلاد الله وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضَرْع إلا ما جاء الله به إليه، وإنّ الله عزّ وجلّ قد وعدكم كرامة كبيرة، وأنا مسؤول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلّع عَلَى ما يحضرني بنفسي إن شاء الله، لا أكِلُه إلى أحد، ولا أستطيع ما بَعُد منه إلاّ بالأمناء وأهل النّصح منكم للعامة ولست أحمل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله .

وخطب عمر مرة أخرى، فقال بعد حمد الله والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

أيّها النّاس، إنّ بعض الطّمع فَقْر، وإنّ بَعْض اليأس غنى، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون، وأنتم مؤجّلون في دار غرور، وقد كنت على عهد رسول الله (صلی الله علیه وآله و سلم) تؤخذون بالوحي، ومن أسرّ شيئاً أخِذ بسريرته، ومَنْ أعلن شيئاً أخِذ بعلانيته، فأظهرُوا لنا حسن أخلاقكم، والله أعلم بالسرائر، فإنّه مَنْ أظهر لنا قبيحاً، وزعم أن سريرته حسنة لم تصدّقه، ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسناً . واعلموا أنّ بعض الشحّ شُعبة من النّفاق، فأنفقوا خيراً لأنفسكم، ومَنْ يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.

أيّها الناس، أطيبوا مثواكم ،وأصلحوا أموركم، واتَّقوا الله ربّكم، ولا تُلْبِسُوا نساءكم القُباطيّ، فإنّه إن لم يشف فإنه يَصِف.

أيّها الناس، إني لوددت أن أنجوَ كَفافاً لا لي ولا عليّ إنّي لأرجو إن عُمِبرت فيكم يسيراً

ص: 259

أو كثيراً، أن أعمل فيكم بالحقّ إن شاء الله، وألاَّ يبقى أحدُ من المسلمين - وإن كان في بيته- إلا أتاه حقّه ونصبه من مال الله، وإن لم يعمِل إليه نفسَه، ولم ينصِب إليه بدَنه، فأصلِحوا أموالَكم التي رزقكم الله ، فقليلُ في رفق خير من كثير في عنف.

وإذا

واعلموا أن القتلَ حثفٌ من الحتوف يصيب البَرّ والفاجر - والشهيد من احتَسب نفسَه، وإذا أراد أحدكم بعيراً فليعمِد إلى الطّويل العظيم فليضربه بعصاه، فإن وجده حديد الفؤاد فليشترة.

وخطب عمر مرة أخرى فقال :

إنّ الله سبحانه قد استوجبَ عليكم الشكر، واتخذ عليكم الحجج فيما أتاكم من كرامة الدنيا والآخرة من غير مسألة منكم ، ولا رغبة منكم فيه إليه ، فخلقكم - تبارك وتعالى - ولم تكونوا شيئاً لنفسه وعبادته، وكان قادراً أن يجعَلكم لأهون خلقه عليه فجعلكم عامّة خلقه، ولم يجعلكم لشيء غيره، وسخّر لكم ما في السماوات والأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنة، وحملكم في البرّ والبحر ورزقكم من الطيّبات لعلّكم تشكرون. ثم جعل لكم سمعاً وبصراً. ومِنْ نعم الله عليكم نِعَمٌ عَمّ بها بني آدم ومنها نعمُ اختصّ بها أهلَ دينكم، ثم صارت تلك النعم خواصُّها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم، وليس من تلك النّعم نعمةٌ وصلت إلى امرىء خاصة إلا لو قسمتم ما وصل منها بين الناس كلّهم أتعبهم شكرُها، وفدحهم حقّها إلا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله ،فأنتم مستخلَفون في الأرض قاهرون لأهلها ،قد نصرَ الله دينَكم فلم تصبح أمّة مخالفة لدينكم، إلاّ أمتين أمّة مستعبدة للإسلام وأهلِه، يتّجرون لكم، تستصفون معايشهم وكدائحهم ، ورشح جباههم ،عليهم المؤونة، ولكن المنفعة، وأمّة تنتظر وقائع الله وسطواته في كلّ يوم وليلة، قد ملأ الله قلوبهم رُغباً، فليس لهم معقل يلجؤون إليه، ولا مهرب يتقّون به، قد دهمتهم جنودُ الله ونزلت بساحتهم، مع رفاغة العيش واستفاضة المال، وتتابع البعوث وسدّ الثغور بإذن الله ،في العافية الجليلة العامة التي لم تكن الأمة على أحسن منها منذ كان الإسلام ،والله المحمود مع الفتوح العظام في كلّ بلد، فما عسى أن يبلغ شكر الشاكرين، وذكر الذاكرين، واجتهاد المجتهدين، مع هذه النّعم التي لا يحصَى عددُها ، ولا يقدر قدُرها، ولا يستطاع أداء حقّها إلا بعون الله ورحمته ولطفه! فنسأل الله الذي أبلانا هذا أن يرزَقنا العملَ بطاعته ،والمسارعةَ إلى مرضاته . واذكروا عباد الله بلاء الله عندكم، واستتمّوا نعمة الله عليكم وفي مجالسكم مثنَى وفرادى، فإنّ الله تعالى قال لموسی : أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِن الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِرْهُم بِأَيَّمِ اللَّهِ (1)وقال لمحمد(صلی الله علیه و آله و سلم) : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ(2)فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبة من الحق

ص: 260


1) سورة إبراهيم، الآية: 5.

2) سورة الأنفال، الآية : 26 .

تؤمنون بها، وتستريحون إليها، مع المعرفة بالله وبدينه، وترجون الخير فيما بعد الموت، ولكنكم كنتم أشدَّ الناس عيشة وأعظم الناس بالله جهالة، فلو كان هذا الذي ابتلاكم به لم يكن معه حظُ في دنياكم غير أنه ثِقَةٌ لَكُمْ في آخرتكم التي إليها المعادُ والمنقلَب، وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه كنتم أحرِياء أن تشحّوا على نصيبكم منه ، وأن تظهروه على غيره فَبَله . أما إنه قد جمع لكم فضيلة الدّنيا وكرامة الآخرة، أو لمن شاء أن يجمع ذلك منكم، فأذكرِّكم الله الحائل بينكم وبين قلوبكم إلاَّ ما عرفتم حقّ الله وعملتم له، وسيّرتُم أنفسكم على طاعته، وجمعتم مع السرور بالنِّعم خوفاً لزوالها وانتقالها، ووجلاً من تحويلها، فإنه لا شيء أسلبُ للنعمة مِنْ كفرانها، وإنّ الشكر أمنُ للغيرَ، ونماءُ للنّعمة، واستجلاب للزّيادة، وهذا عليّ في أمركم ونهيكم واجب إن شاء الله .

وروى أبو عبيدَة معمر بن المثنّى في كتاب مقاتل الفرسان (1)قال : كتب عمر إلى سلمان بن ربيعة الباهليّ - أو إلى النّعمان بن مقرّن :

إن في جندك رجلين من العرب: عمرو بن معد يكرب وطُلَيحة بن خويلد، فأحضِرهما النّاس وأدّبهما وشاورِهما في الحرب، وابعثهما في الطّلائع، ولا تولّهما عملاً من أعمال المسلمين، وإذا وضعت الحرب أوزارها، فضعهما حيث وضعا أنفسهما . قال : وكان عمرُو ارتدّ، وطليحة تنباً .

وروى أبو عُبيدة أيضاً في هذا الكتاب، قال: قدِم عمرو بن معد يكرب والأجلَح بن وقّاص الفهميّ على عمر، فأتياه وبين يديه مالُ يوزَنُ، فقال: متى قدمتها؟ قالا : يومَ الخميس، قال: فما حَبَسكما عنّي ؟ قالا : شغلنا المنزل يوم قدِمْنا ، ثم كانت الجمعة، ثم غدونا عليك اليوم. فلمّا فَرَغ من وزن المال نحّاه، وأقبل عليهما ، فقال : هيه! فقال عمرو بن معد يكرب : يا أميرَالمؤمنين(علیه السلام)، هذا الأجلح بن وقّاص الشديد المِرّة، البعيد الغرّة، الوشيك الكَرّة، والله ما رأيت مثله حين الرجال صارعُ ومصروع ! والله لكأنّه لا يموت. فقال عمر للأجلح - وأقبل عليه، وقد عرف الغضب في وجهه: هِيهِ يا أجْلَح! فقال الأجلح : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، تركتُ الناس خلفي صالحين، كثيراً نسلُهم ،دارّة أرزاقهم، خضبَةً بلادهم، أجرياء على عدوّهم، فاكلاً عدوّهم عنهم، فسيمتّع الله بك، فما رأينا مثلك إلاّ مَن سبقك ، فقال : ما منعك أن تقول في صاحبك مثل ما قال فيك؟ قال : ما رأيتُ من وجهك ،قال : أصبت، أما إنّك لو قلت فيه مثل الذي قال فيك لأوجعتُكما ضرباً وعقوبة، فإذ تركتك لنفسك فسأتركه لك، والله لوددت لو سَلِمَتْ لكم حالكم، ودامت عليكم أمورُكم. أما إنَّه سيأتي عليك يوم تعضّه وينهشك، وتهّره وينبَحُك، ولستَ له يومئذ وليس لك، فإن لا يكن بِعَهْدِكُمْ، فما أقربه منكم !

ص: 261


1) هو لأبي عبيدة معمر بن المثنى النحوي المتوفى سنة (211) ، ا . ه «كشف الظنون» (1778/2) .

لما أسِرَ الهُرمُزان صاحب الأهواز وتُسْتَر وحمِل إلى عمرَ، حُمل ومعه رجال من المسلمين ،فيهم الأحنف بن قيس وأنس بن مالك، فأدخلوه في المدينة في هيئته، وعليه تاجُه الذهب وكسوته، فوجدوا عمر نائماً في جانب المسجد، فجلسوا عنده ينتظرون انتباهَه، فقال الهرمزان : أين عمر؟ فقالوا : هو فقالوا : هو ذا ،قال: وأين حُرّاسه وحُجّابه؟ قالوا : لا حارس له ولا حاجب، قال: فينبغي أن يكون هذا نبيَّا قالوا : إنّه يعمل عمل الأنبياء.

فاستيقظ عمر ،فقال: الهرمزان! قالوا : نعم، قال: لا أكلَّمه حتى لا يبقى عليه من حليته شيء، فرمَوْا بالحلية وألبسوه ثوباً ضعيفاً، فقال عمر: يا هرمزان، كيف رأيتَ وبال الغدر؟ -وقد كان صالَح المسلمين مرة ثم نكث - فقال : يا عمر، إنّا وإيّاكم في الجاهلية كنّا نغلبكم إذ لم يكن الله معكم ولا معنا، فلمّا كان الله معكم غلبتمونا ، قال : فما عذرك في انتقاضك مرة بعد مرة؟ قال : أخاف إن قلتُ أن تقتلَني، قال: لا بأس عليك! فأخبرني، فاستسقى ماء، فأخذه وجعلت يده تُرْعَد، قال: ما لك؟ قال : أخاف أن تقتلَني وأنا أشرب، قال: لا بأس عليك حتى تشرَبه، فألقاه من يده ،فقال: ما بالك ! أعيدوا عليه الماء ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش، قال: كيف تقتلني وقد أمّنتنِي ؟ قال : كذبت! قال : لم أكذب، فقال أنس: صدَق يا أمير المؤمنين(علیه السلام) قال : ويحك يا أنس! أنا أؤمّن قاتل مَجْزَاة بن ثور والبَراء بن مالك! والله لتأتيني بالمخرج أو لأعاقبتّك ! قال : إنّك قلت : «لا بأس عليك حتى تخبرَني ولا بأس عليك حتى تشرَب »وقال له ناس من المسلمين مثل قول أنس، فأقبل على الهُرمزان، فقال: تخدعُني! والله لا تخدعني إلا أن تسلِم، فأسلم، ففرَض له ألفين، وأنزله المدينة.

بعث عمرُ عميرَ بن سعيد الأنصاري عاملاً على حِمص، فمكث حولاً لا يأتيه خبره، ثم كتب إليه بعد حول: إذا أتاك كتابي هذا فأقبِل واحمل ما جبيْتَ من مال المسلمين، فأخذ عمير جرابه، وجعل فيه زاده وَقضعته وعلّق أداته، وأخذ عَنَزته، وأقبل ماشياً من حِمص حتى دخل المدينة، وقد شحَب لونُه ، واغبر وجهُه ، وطال شعره. فدخل على عمر فسلّم، فقال عمر: ما شأنك يا عمير؟ قال : ما تَرى من شأني، ألستَ تراني صحيح البدن، ظاهر الدّم، معي الدنيا أجرّها بقرنَيْها ؟ قال : وما معك - فظنّ عمر أنّه قد جاء بمال ، قال : أنه قد جاء بمال ، قال : معي جرابي أجعل فيه زادي، وقَضعتي آكل فيها وأغسل منها رأسي وثيابي، وأداتي أحمل فيها وَضوئي وشرابي ،وعَنَزتي أتوكاً عليها وأجاهد بها عدوا إن عَرَض لي.

قال عمر : أفجئت ماشياً ؟ قال : نعم، لم يكن لي دابّة، قال أفما كان في رعيّتك أحد يتبرّع لك بدابة تركبها ؟ قال: ما فعلوا ،ولا سألتُهم ذلك، قال عمر : بئس المسلمون خرجتَ من عندهم !قال عمير: اتّق الله يا عمر، ولا تَقُلْ إلاّ خيراً، قد نهاك الله عن الغِيبة، وقد رأيتُهم يصلّون!

ص: 262

قال عمر : فماذا صنعت في إمارتك ؟ قال : وما سؤالك ؟ قال : سبحان الله ! قال: أما إنّي لولا أخشى أن أعمل ما أخبرتك. أتيت البلد، فجمعت صُلَحاء أهله فولّيتهم جبايته، ووضعَه في مواضعه ولو أصابك منه شيء لأتاك، قال : أفما جنت بشيء؟ قال : لا ، فقال : جدِّدُوا لعمير عهداً ، قال : إنّ ذلك لشيء لا أعلمه بَعدُ لك، ولا لأحد بعدك ، والله ما كدت أسْلَم - بل لم أسلَم، قلت لنصرانيّ معاهَد : أخزاك الله ، فهذا ما عّرضتني له يا عمر! إن أشقى أيّامي ليوم صحبتُك ! ثم استأذنه في الانصراف، فأذن له، ومنزله بقُباء بعيداً عن المدينة، فأمهله مر أياماً ثمّ بعث رجلاً يقال له الحارث، فقال: انطلِق إلى عمير بن سعد وهذه مائة دينار، فإن وجدتَ عليه أثراً فأقبل عليّ بها، وإن رأيت حالاً شديدة فادفع إليه هذه المائة، فانطلق الحارث فوجد عُميراً جالساً يفلّي قميصاً له إلى جانب حائط، فسلم عليه ، فقال عمير : انزل رحمك الله ! فنزل فقال : مِنْ أين جئت؟ قال: من المدينة، قال: كيف تركتَ أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ قال: صالحاً، قال: كيف تركت المسلمين؟ قال صالحين، قال: أليس عمرُ يقيم الحدود؟ قال: بلَی، ضرب ابناً له على فاحشة فمات من ضَرْبه، فقال عمير: اللهم أعِنُ عمر، فإني لا أعلُمه إلاّ شديداً حبُّه لك! قال : فنزل به ثلاثة أيام، وليس لهم إلا قرصُ من شعير كانوا يخصُّونه كلّ يوم به ويطوون، حتى نالهم الجَد، فقال له عمير: إنّك قد أجعتنا، فإن رأيت أن تتحوّل عنّا فافعل، فأخرج الحارث الدنانير فدفعها إليه، وقال: بعث بها أمير المؤمنين(علیه السلام)، فاستغْنِ بها، فصاحَ وقال: ردّها ، لا حاجة لي فيها ، فقالت المرأة : خذها ثم ضعها في موضعها ،فقال: ما لي شيء أجعلها فيه ! فشقّت أسفلَ درعها فأعطته خِرْقة فشدّها فيها، ثم خرج فقسمها كلّها بين أبناء الشهداء والفقراء، فجاء الحارث إلى عمر فأخبره ، فقال : رحم الله عميراً ! ثم لم يلبث أن هَلَك، فعظم مهلكُه على عمر، وخرج مع رهط من أصحابه ماشين إلى بقيع الغَرقد، فقال لأصحابه : ليتمنّينّ كلّ واحد منا أمنيّته، فكلّ واحد تمنى شيئاً، وانتهت الأمنيّة إلى عمر، فقال: وددت أن لي رجلاً مثل عمير بن سعد أستعين به على أمور المسلمين !

ومن كلام عمر إيّاكم وهذه المجازِرَ ، فإن لها ضَراوةً كضراوة الخمر.

وقال : إيّاكم والراحةَ فإنها غفلة. وقال : السِّمَن غَفْلة. وقال : لا تُسكِنُوا نساءكم الغُرَف، ولا تعلّموهنّ الكتابة، واستعينوا عليهنّ بالعُزي، وعوّدوهنّ قول «لا»، فإنّ «نعم» تجرئهنّ على المسألة.

وقال : تبيَّن عقلَ المرء في كلّ شيء، حتى في عِلّته، فإذا رأيتَه يتوقّى على نفسه الصبر عن شهوته، ويحتمي من مطعمه ومشربه، عرفتَ ذلك في عقله، وما سألني رجلُ عن شيء قطّ إلا تبيَّن لي عقله في ذلك .

ص: 263

وقال : إنّ للناس حدوداً ومنازل، فأنزلوا كلُ رجلِ منزلته، وضعوا كلّ إنسان في حدّه، واحملوا كلَّ امرىء بفعله على قدره .

وقال : اعتبروا عزيمة الرّجُل بحميّته، وعقله بمتاع بيته. قال أبو عثمان الجاحظ : لأنه ليس من العقل أن يكون فرشه لِبداً ومرقعتُه طَبَرِيّة .

وقال : مَنْ يُئِسَ من شيء استغنى عنه، وعزُّ المؤمن استغناؤه عن النّاس.

وقال : لا يقوم بأمر الله إلا مَنْ يصانع، ولا يصارع، ولا يتبع المطامع.

وقال : لا تُضْعِفُوا هِمّتكم، فإنّي لم أر شيئاً أقعدَ برجل عن مكرُمةٍ مِنْ ضعف همّته .

ووعظ رجلاً فقال : لا تلهكَ النّاس عن نفسك، فإنّ الأمور إليك تصلُ دونهم، ولا تقطع النّهارَ سادِراً ، فإنه محفوظ عليك، فإذا أسأت فأحسِن، فإني لم أرَ شيئاً أشدّ طلباً، ولا أسرع إدراكاً من حسنة حديثة لذنب قديم .

وقال: احذَر من فَلَتاتِ السّباب، وكلّ ما أورثك النَّبز، وأعلقَك اللقب، فإنه إن يعظم بعده شأنك يشتدّ على ذلك ندمك.

وقال : كلّ عمل كرهتَ من أجله الموت فاتركه ثم لا يضرّك متى مِتّ.

وقال : أقلل من الدَّيْن تعش حرُّا ، وأقلل من الذّنوب يهَن عليك الموت، وانظر في أيّ نصاب تضع ولدك، فإنّ العِرق دسّاس .

وقال : ترك الخطيئة أسهل من معالجة التوبة .

وقال : احذروا النّعمة حذرَكم المعصيةَ، وهي أخفُّهما عليكم عندي.

وقال: احذروا عاقبة الفَراغ، فإنه أجمع لأبواب المكروه من السّكر.

وقال: أجودُ النَّاسِ مَنْ يجود عَلَى من لا يرجو ثوابه، وأحلمُهم مَنْ عفا بعد القدرة ، وأبخلهم مَنْ بخل بالسّلام، وأعجزهم من عجز في دعائه

وقال: ربَّ نظرة زرعت شهوة، ورب شهوة أورثت حزناً دائماً .

وقال : ثلاث خصالٍ مَنْ لم تكن فيه لم ينفعه الإيمان: حِلْم يردّ به جهل الجاهل، ووَرَعُ يَحجُزه عن المحارم، وخُلُق يدارِي به الناس .

عمر وعمرو بن معد يكرب

وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب مقاتل الفرسان أن سعد بن أبي وقاص أوفد عمرو بن معد يكرب بعد فتح القادسية إلى عمر، فسأله عمر عن سعد : كيف تركتَه، وكيف رضا الناس عنه ؟ فقال : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، هو لهم كالأب يجمع لهم جمع الذرّة، أعرابي في نَمرِته، أسد في تامورته ، نَبَطي في جبايته، يقسِم بالسوية، ويعدل في القضيّة، وينفِر في السرية .

ص: 264

وكان سعد كتب يُثني على عمرو، فقال عمر: لكأنما تعاوضتما الثناء !كتبَ يثُني عليك، وقدِمْتَ تثني عليه ! فقال : لم أثْنِ إلاّ بما رأيت، فقال: دَع عنك سعداً، وأخبرني عن مَدْحِج قومك .

قال : في كلُّ فضلُ وخير، قال: ما قولُك في عُلَة بن خالد؟ قال : أولئك فوارس أعراضنا ، أحتُنا طلباً، وأقلنا هرباً ، قال : فسعد العشيرة؟ قال: أعظمنا خميساً، وأكبرنا رئيساً، وأشدّنا شريساً . قال : فالحارث بن كعب؟ قال : حَكَمةٌ لا ترام ،قال : فمراد؟ قال: الأتقياء البررَة، والمساعير الفجَرة، ألزمُنا قراراً، وأبعدنا آثاراً .

قال : فأخبِرني عن الحرب، قال: مرّة المذاق، إذا قلّصَتْ عن ساق، مَنْ صبر فيها عرف ،ومن ضعف عنها تلِف، وإنّها لكما قال الشاعر :

الْحَرْبُ أوّل مَا تَكُونُ فَتِيَّةٌ ***تَسْعَى بزينتها لكلِّ جَهُولِ

حتى إذا استعرَتْ وشَب ضِرامها ***عادت عجوزاً غير ذاتِ حليلِ

شَمْطَاء جَزَّتْ رأسها وتنكّرتْ*** مَكْرُوهة للشم والتقبيل

قال : فأَخبرني عن السّلاح ،قال : سل عمّا شئت منه ، قال : الرّمح ؟ قال : أخوك وربما خانك، قال النّبل ؟ قال : منايا تخطِىُ وتصيب قال : التُّرس؟ قال : ذاك المِجنّ، وعليه تدور الدوائر ، قال : الدرع ؟ قال : مشغَلُة للراكب، متعَبةُ للراجل ، وإنها لحِضنُ حَصين . قال : السيف؟ قال : هناك قارعت أمّك الهَبَل ، قال : بل أمّك، قال: بل أمّي، والحمّى أضْرَعَتْني لك .

عرض سليمان بن ربيعة الباهليّ جنده بأرمينيّة، فكان لا يقبل من الخيل إلاّ عتيقاً، فمرّ عمرو بن معد يكرب بفرس غليظ، فردّه وقال : هذا هجين، قال عمرو :إنه ليس بهجين، ولكنه غليظ ، قال : بل هو هجين فقال عمرو : إنّ الهجين لَيَعْرِفُ الهجين. فكتب بكلمته إلى عمر، فكتب إليه : أما بعد يابن معد يكرب، فإنّك القائل لأميرك ما قلت، فإنه بلَغني أنّ عندك سيفاً تسمّيه الصَّمصامة، وأنّ عندي سيفاً أسميّه مصمّماً، وأقسم بالله لئن وضعتُه بين أذنيك لا يقلع حتى يبلغ تحفَك (1).

وكتب إلى سليمان بن ربيعة يلومُه في حلِمه عنه، فلما قرأ عمرو الكتاب، قال: مَنْ ترونه عني؟ قالوا : أنت أعلم، قال: هدّدني بعليّ والله ، وقد كان صَلِيَ بناره مَرَّةً في حياةِ رسول الله(صلی الله علیه وآۀه وسلم) ، وأفلت من يده بجُرَيْعة الذَّقَن، وذلك حين ارتدّت مذحِج وكان

ص: 265


1) القِحْف : العظم فوق الدماغ وما انفلق من الجمجمة فبان. القاموس المحيط ،مادة (قحف).

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمّر عليها فَرّوة بن مسيك المراديّ، فأساء السيرة، ونابذ عمرو بن معد يكرب ففارقه في كثير من قبائل مَذحِج ،فاستجاش فَرُوة عليه وعليهم رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فأرسل خالد بن سعيد بن العاص في سرية وخالد بن الوليد بعده في سريّة ثانية، وعليّ بن أبي طالب(علیه السلام) في سرية ثالثة، وكتب إليهم : كلّ واحد منكم أمير من معه، فإذا اجتمعتم فعليُّ أميرٌ عَلَى الكلّ، فاجتمعوا بموضع من أرض اليمن يقال له «كسر»، فاقتتلوا هناك، وصَمَد عمرو بن معد يكرب لعليّ(علیه السلام) - وكان يظنّ أن لا يثبت له أحدٌ من شجعان العرب - فثبت له فعلا عليه وعاين منه ما لم يكن يحتسبه، ففرّ من بين يديه هارباً ناجياً بحُشاشة نفسه، بعد أن كاد يقتله، وفرَّ معه رؤساء مذحِج وفرسانهم ، وغَنِم المسلمون أموالَهم، وسُبِيت ذلك اليوم ريحانة بنت معد يكرب اخت عمرو، فأدّى خالد بن سعيد بن العاص فِداءها من ماله، فأَصابه عمرو أخوها الصّمصامةَ، فلم يزل ينتقل في بني أميّة ويتداولونه واحداً بعد واحد حتى صار إلى بني العباس في أيام المهديّ محمد بن المنصور أبي جعفر .

كلمات عمر الغريبة وتفسيرها

فأما ما نقل عن عمر من الألفاظ الغريبة اللّغوية التي شرحها المفسرون، فنحن نذكر من ذلك ما يليق بهذا الكتاب.

قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ في تاريخه : روى عبد الرحمن بن أبي زيد، عن عمران بن سودة الليثيّ قال صلّيت الصبح مع عمر، فقرأ «سبحان» وسورة معها، ثم انصرف، فقمت معه، فقال : أحاجة؟ قلت: حاجة، قال: فالحق، فلحقت، فلمّا دخل أذِن، فإذا هو عَلَى رمال سرير، ليس فوقه شيء، فقلت: نصيحة! قال : مرحباً بالناصح غدوَّا وعشيَّا، قلت : عابت أمّتك - أو قال رعيّتك - عليك أربعاً ، قال : فوضع عود الدِّرة ثم ذقَن عليها - هكذا روى ابن قتيبة - وقال أبو جعفر : «فوضع رأس دِرّته في ذَقنه» ووضع أسفلها على فخذه، :وقال هات - قال : ذكروا أنّك حرّمت المُتعة في أشهر الحج - وزاد أبو جعفر «وهی حلال »- ولم يحرّمها رسول الله 0صلی الله علیه و آله و سلم)ولا أبو بكر ، فقال : أجل ! إنّكم إذا اعتمرتم في أشهر حجّكم رأيتموها مجزئة عن حجّكم ، فَقَرع حَجَّكم، وكانت قابيَة قَوْب عامَها والحجّ بهاء من بهاء الله، وقد أصبتَ . قال : وذكروا أنّك حرّمت مُتعة النساء، وقد كان رخصة من الله نستمتع بقُبضة، ونفارق عن ثلاث ،قال : إنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) له أحلّها في زمان ضرورة، ورجع النّاس إلى السعة، ثم لم أعلم أحداً من المسلمين عاد إليها، ولا عمل بها، فالآن مَنْ شاء نكح بقُبضة، وفارق عن ثلاث بطلاق وقد أصبت.

وقال : ذكروا أنّك أعتقت الأمة إذا وضعت ذا بطنها بغير عَتاقة سيّدها . قال : الحقتُ حرمة بحرمه ، وما أردت إلاّ الخير، وأستغفر الله .

ص: 266

قال : وشكَوا منك عُنف السّياق، ونَهْرَ الرعية . قال : فنَزَعَ الدّرَّة ثم مسحَها حتى أتى على سُيُورها، وقال: وأنا زميل محمد رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في غزاة قرقرة الکُذر، فوالله إني لأرتِع فَأُشبع، وأسقي فاروي، وإني لأضرب العَرُوض، وأزجر العَجُول، وأُؤدب قَدْرِي، وأسوق خطوتي، وأردّ اللَّفُوت، وأضُمّ العَنود ،وأكثر الضّجر، وأقلّ الضرب، وأشهر بالعصا، وأدفع باليد ولولا ذلك لأعذرت .

قال أبو جعفر : فكان معاويةُ إذا حدّث بهذا الحديث يقول : كان والله عالماً برعيّته .

قال ابن قتيبة : رَمَلْت السرير وأرملتُه، إذا نسجتَه بشريط من خُوصِ أو ليف.

وذقَن عليها ، أي وضع عليها ذقنه يستمع الحديث.

وقوله : فقَرع حَجُكم، أي خلَتْ أيّام الحجّ من الناس وكانوا يتعوذون مِن قَرَع الفناء، وذلك ألاّ يكون عليه غاشية وزوّار، ومِن قَرَع المراح، وذلك الاّ يكون فيه إبل.

والقابية : قشر البيضة إذا خرج منها الفرخ .

الْقُوبُ : الفَرْخ، قال الكُميت :

لهن وللمشيب ومَنْ علاه ***من الأمثال قابية وقُوبُ

أراد أنّ النساء ينفرنَ من ذي الشيب ويفارقنه كما يفارق الفرخ البيضة، فلا يعود إليها بعد خُروجه منها أبداً . وروي عن عمر : إنّكم إذا رأيتم العُمرة في أشهر الحجّ كافية من الحجّ خلت مكة من الحجّاج ،فكانت كبيضة فارقها فرخها .

قوله : «إنّي لأرتعُ فأُشيع، وأسقي فأروي» مثل مستعار من رعيت الإبل، أي إذا أرتعت الإبل، أي أرسلتها ترعى تركتها حتى تشبع، وإذا سقيتها تركتها حتى تروى .

وقوله : «أضرب العَرُوض» ، العروض : النّاقة تأخذ يميناً وشمالاً، ولا تلزم المحجّة ،يقول : أضربها حتى تعود إلى الطريق .ومثله قوله : «وأضم العنود».

والعجول : البعير يندّ عن الإبل، يركب رأسه عجلاً ويستقبلها .

قوله : «وأؤدّب قَدْرِي»، أي قدر طاقتي .

وقوله : «وأسوق خَطوتي» أي قدر خَطوتي .

واللَّفُوت : البعير يلتفِت يميناً وشمالاً ويروغ.

وقوله : «وأكثر الزَّجْر وأقلّ الضرب» أي أنه يقتصر من التأديب في السياسة على ما يكتفى به، حتى يضطر إلى ما هو أشدّ منه وأغلظ .

وقوله : «وأشهر بالعصا وأدفع باليد» يريد أنّه يرفع العصا يُرهب بها ولا يستعملها، ولكنّه يدفع بيده .

ص: 267

قوله : «ولولا ذلك لأعْذَرْت» أي لولا هذا التدبير وهذه السياسة لخلفت بعض ما أسوق، ويقال : أعْذَر الرّاعي الشاة والناقة إذا تركها، والشاة العذيرة وعذرت هي، إذا تخلّفَت عن الغنم.

قال ابن قتيبة ،وهذه أمثال ضربها، وأصلها في رِعْیَة الإبل وسوقها، وإنّما يريد بها حُسن سياسته للناس في الغَزاة التي ذكرها ، يقول : فإذا كنتُ أفعل كذا في أيام الرسول الله(صلی االه علیه و آله و سلم) مع طاعةِ الناس له، وتعظيمهم إياه، فكيف لا أفعله بعده!

وعندي أنّ ابنَ قتيبة غالطُ في هذا التأويل، وليس في كلام عمر ما يدلّ على ذلك وليس عمر في غزاة قرقرة الگُذر يسوسُ الناس ولا يأمرهم ولا ينهاهم، وكيف ورسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) حاضرُ بينهم !ولا كان في غزاة قرقرة الكدر حرب، ولا ما يُحتاج فيه إلى السيّاسة، وهل كان لعمر أو لغير عمر ورسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) حي أن يُرتع فيشبع، ويسقي فيروي! وهل تكون هذه الصّفات وما بعدها إلا للرئيس الأعظم! والذي أراده عمر ذكر حاله في خلافته رادَّا على عمران بن سوادة في قوله :« إنّ الرعيّة يشكُون منك عُنف السّياقِ وشدة النَّهر»، فقال: لَيشكون! فوالله إنّي لرفيق بهم، ومستقص في سياستهم، ولا ناهك لهم عقوبة، وإني لأقنع بالهيبة والتهويل عليهم، ولا أعْمِلُ العصا حيث يمكنني الاكتفاء باليد ،وإني أردّ الشارد منهم وأعدل المائل . . . ، إلى غير ذلك من الأمور التي عدّدها وأحسن في تعديدها .

وإنما ذكر قوله : «أنا زميل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)في غزاة قرقرة الكادر»، على عادة العرب في الافتخار وقت المنافرة وعندما تجيش النّفس ويحمى القلب، كما كان علي (علیه السلام)يقول وقت الحاجة: «أنا عبد الله وأخو رسوله»، فيذكر أشرَف أحواله والمزيّة التي اختصّ بها عن غيره ،وكان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في غَزَاة قَرْقرة الكدر أردَفَ عمر معه على بعيره، ،فكان عمر يفخَرُ به ويذكرها وقت الحاجة إليها .

وفي حديث عمر أنّه خرَج من الخلاء، فدعا بطعام فقيل له: ألا تتوضّاً؟ فقال : لولا التَّنطس ما باليت الاّ أغسل يدي.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: قال ابن عُلَيَّة : التنطس التقدُّر. وقال الأصمعيّ: هو المبالغة في التطّهر، فكلّ من أدقّ النظر في الأمور فاستقصى علمها فهو متنطّس، ومنه قيل للطبيب : النِّطاسيّ والنِّطِّيس لدقّة علمه بالطب.

وفي حديث عمر حين سأل الأسقفَّ عن الخلفاء، فحدّثه، حتى إذا انتهى إلى الرابع ،فقال : صَدْع من حديد، وقال عمر : وادفراه !

ص: 268

قا ل أبو عبيدة قال الأصمعيّ : كان حمّاد بن سلمة يقول : صدَأ من حديد، وهذا أشبه بالمعنى، لأنّ الصَّدَا له دَفَرٌ وهو النتن، والصّدع لا دَفَر له ، وقيل للدنيا أمّ دَفْرٍ، لما فيها من الدواهي والآفات فأمّا الذَّفَر بالذال المعجمة وفتح الفاء فهو الريح الذكيّة من طيب أو نَتن .

وعندي في هذا الحديث كلام ، والأظهر أن الرواية المشهورة هي الصحيحة، وهي قوله : «صدَع من حديد»، ولكن بفتح الدال، وهو ما كان من الوعول، بين العَظِيم والشَّخْت، فإن ثبتت الرواية بتسكين الّدال فغير ممتنع أيضاً ، يقال : رجل صَدْع ، إذا كان ضَرْباً من الرّجال ليس برَهْلِ ولا غليظ .

ورابع الخلفاء هو عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) ، وأراد بالأسقُفّ مدحه .

وقول عمر : «وَادَفراه ! » إشارة إلى نفسه ،كأنه استصغرَ نفسَه وعابها بالنسبة إلى ما وصفه الأسقُفّ من مدح الرابع وإطرائه .

فأمّا تأويلُ أبي عُبيدة فإنه ظنّ أنّ الرابع عثمان، وجعل رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) معدوداً من الجملة ليصحَّ كون عثمان رابعاً، وجعل الدَّفَر والنتن له، وصرف اللفظ عن الرواية المشهورة إلى غيرها، فقال:« صَدَاً حديد»، ليطابق لفظة النَّتْن على ما يليق بها، فغير خاف ما فيه من التعسّف ورفض الرواية المشهورة.

وأيضاً فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز إدخالُه في لفظ الخلفاء، لأنه ليس بخليفة، لأن الخليفة من يخلفُ غيره، ورسول الله (صلی الله علیه .آله وسلم)وهو مستخلِف الناس كلهم وليس بخليفة لأحد .

وفي حديث عمر، قال عند موته: «لو أنّ لي ما في الأرض جميعاً لافتديتُ به مِنْ هول المُطَّلَع»(1).

قال أبو عبيد : هو موضع الاطلاع من إشراف إلى انحدار، أو من انحدار إلى إشراف، وهو من الأضداد، فشبّه ما أشرف عليه من أمر الآخرة .

وفي حديث عمر ، حين بعث حذيفة وابن حنَيف إلى السّواد ففلَجا الجِزية على أهله .

قال أبو عبيدة : فلجا أي قَسّما بالفِلْج ،وأصله من الفلج، وهو المكيال الذي يقال له الفِلج لأنّ خراجهم كان طعاماً .

وفي حديث عمر حين قال له حذيفة: إنّك تستعين بالرّجُل الذي فيه - وبعضهم يرويه بالرجل الفاجر - فقال : «استعمله لأستعين بقوته، ثم أكون على قُفّانه ».

ص: 269


1) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (579)، وأبو يعلى في «المسند» (117/5).

قال أبو عبيد في الأصمعيّ : قُفّان كلّ شيء جُمّاعه واستقصاء معرفته ، يقول : أكونُ على تتبُّع أمره حتى أستقصِيَ عمله وأعرفه .

قال : أبو عُبيد: ولا أحسِب هذه الكلمة عربية، وإنما أصلها «قَبّان»، ومنه قول العامة : فلان قَبّان على فلان، فإذا كان بمنزلة الأمين عليه والرئيس الذي يتتّبع أمره ويحاسبه، وبه سمِّيَ هذا الميزان الذي يقال له القَبّان .

وفي حديث عمر حين قال لابن عباس وقد شاوره في شيء فأعجبه كلامه : نِشنشة أعرفها من أخشن، هكذا الرواية، وأما أهل العلم فيقولون: «شنشنة أعرفها من أخزم» (1).

والشّنشنة في بعض الأحوال قد تكون بمعنى المُضغة أو القطعة تُقطع من اللحم، والقول أنّ الشّنشنة مثل الطبيعة والسجيّة، فأراد عمر إني أعرف فيك مشابه من أبيك في رأيه، ويقال : إنّه لم يكن لقرشيّ مثل رأي العباس.

قال : وقد قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : يجوز «شنشنة» و «نشنشة»، وغيره ينكر «نشنشة».

وفي حديث عمر يوم السقيفة ، قال : «وقد كنت زوّرت في نفسي قالة، أقومُ بها بين يدي أبي بكر، فلم يترك أبو بكر شيئاً مما زوّرته إلا تكلّم به » (2).

قال أبو عُبيد : التزوير إصلاح الكلام وتهيئته كالتزويق .

وفي حديث عمر حين ضرب الرجل الذي أقسم على أمّ سلمة ثلاثين سوطاً كلّها تَبْضَع وتحذُر.

قال أبو عبيد : أي تشّ وتورم، حَدَر الجلد يحدُره وأحدره غيرُه .

وفي حديثه أنه قال لمؤذّن بيت المقدس :« إذا أذّنت فترسل»، وإذا أقمت فاحذم (3).

قال أبو عُبيدة : الحدم بالحاء المهملة الحدر في الإقامة، وقطع التّطويل، وأصله في المشي، وهو الإسراع فيه، وأن يكون مع هذا كأنه يهوِي بيده إلى خلفه، والجَزْم بالجيم أيضاً القطع ، وكذلك الخَدم بالخاء المعجمة .

ص: 270


1) أخرجه ابن منظور في لسان العرب : 354/6 .

2) أخرجه الطبري في تاريخه: 446/2 .

3) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (428/1)، والدارقطني في سننه (446/2).

وفي حديثه أنّه قال: «لا يقرّ رجل أنه كان يطأ جاريتَه إلا ألحقتُ به ولدها، فمن شاء فليُمسِكها ومن شاء فليُرسلها».

قال أبو عبيد : هكذا الرواية بالسّين المهملة والمعروف أنه : «الإرشال» بالشين المعجمة ،ولعله حوّل الشين إلى السين كما يقال سَمّتُ العاطش، أي شمّتَه .

وفي حديثه: «كذب عليكم الحجّ، كذب عليكم العمرة ،كذب عليكم الجهاد، ثلاثة أسفار كذبت عليكم» . قال أبو عبيد : معنى كذب عليكم الإغراء، أي عليكم به، وكان الأصل في هذا أن يكون

نصباً، ولكنه جاء عنهم بالرفع شاذاً على غير قياس ومما يحقق أنه مرفوع قول الشاعر :

كذبت عليك لا تزالُ تَقُوفنِي*** كما قاف آثار الوثيقة قائف

فقوله: «كذبت عليك»، إنّما أغراه بنفسه، أي عليك بي، فجعل «نفسه »في موضع رفع، ألا تراه قد جاء بالباء فجعلها اسمه .

وقال معقّر بن حمار البارقيّ :

وُذُبيانيّة وصت بنيها*** بأن كذب القراطفُ والقُروف

فرفع، والشعر مرفوع، ومعناه عليكم بالقراطف والقروف، والقراطف: القطف واحدها قُرْطُف. والقروف : الأوعية.

ومما يحقِّق الرفع أيضاً قول عمر «كذبت عليكم»، قال أبو عبيد : ولم أسمَع النّصب في إلاّ حرفاً، كان أبو عبيد يحكيه عن أعرابيّ نظر إلى ناقةِ نضو لرجل، فقال: كذب عليك البزرُ والنّوى لم أسمع في هذا نصباً غير هذا الحرف.

قال : والعربُ تقول للمريض : كَذبَ عليك العسلُ، بالرفع، أي عليك به.

وفي حديثه: «ما يمنعكم إذا رأيتم الرّجُلَ يخرق أعراض النّاس ألا تعرّبوا عليه»؟ قالوا : نخاف لسانه ، قال : «ذاك أدنى ألاّ تكونوا شهداء» (1)

قال أبو عبيد :« ألاّ تعرّبوا» أي ألاّ تُفْسِدوا عليه كلامه وتقبّحوه له.

وفي حديثه : أنه نهى عن الفَرس في الذبيحة .

قال أبو عُبيد : قيل في تفسيره: أن ينتهيَ بالذّبح إلى النّخاع وهو عظم في الرقبة، وربّما فسّر النّخاع بأنّه المخّ الذي في فَقَار الصُّلب متّصلاً بالقفا فنهى أن ينتهيَ بالذبح إلى ذلك

ص: 271


1) أخرجه معمر بن راشد الأزدي في كتابه «الجامع» (178/11) ، وأخرج نحوه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (3 (1120) ، وبنحوه أيضاً ابن أبي شيبة في «مصنفه» (25536).

وقيل في تفسيره أيضاً : أن يكسر رقبة الذّبيحة قبل أن تبرد ،ويؤكّد هذا التفسير قوله في تمام الحديث: «ولا تعجّلوا الأنفس حتى تَزْهَق» .

وفي حديثه حين أتاه رجلُ يسأله أيّام المحل، فقال له : هَلَكْت وأهْلَكتُ، فقال عمر:أهلَكْتَ وأنت تَنِتْ نَشِيثَ الحميت، أعطوه رُبَعة من الصدقة»، فخرجت يتبعها ظثراها .

قال أبو عبيد : قد روي: «تمُتّ»، بالميم والمحفوظ بالنون .وتنِت، أي ترشَح وتعَرق من سِمَنِك وكثرة لحمك .

والْحَمِيت : النَّحْي وفيه الرُّبّ أو السَّمن أو نحوها . والرُّبَعة ما ولد في أول النَّتاج، والذّكر رُبَع .

وفي حديثه أنَّه خرِج إلى المسجد للاستسقاء فصعِد المنبر ، فلم يزد على الاستغفار حتى نزل فقيل : إنّك لم تَسْتَسْقِ ، فقال : «لقد استسقيتُ بمجاديح السماء» (1).

قال أبو عبيد : جعل الاستغفَار استسقاء ،تأوّل فيه قوله تعالى :اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا(11))(2). والمجاديح : جمع مِجْدَح وهو النّجم الذي كانت العرب تزعم أنها تُمْطَر بِهِ، ويقال : مُجْدَح بضم الميم، وإنّما قال عمر ذلك، على أنّها كلمةٌ جارية على السِنة العرب، ليس على تحقيق الأنواء، ولا التصديق بها وهذا شبيه بقول ابن عبَّاس في رجل جعل أمرَ امرأته بيدها، فقالت له : أنتَ طالق ثلاثاً ، فقال : خطأ الله نوءَها ! ألا طلقت نفسها ثلاثاً ! ليس هذا دُعاء منه ألاّ تُمطِر، إنما ذلك على الكلام المقُول.

ومما يبيّن أن عمر أراد إبطالَ الأنواء والتّكذيب بها قوله: «لقد استسقيتُ بمجاديح السماء»، التي يستسقى بها الغيث، فجعل الاستغفار هو المجاديح لا الأنواء.

وفي حديثه، وهو يذكر حال صِباه في الجاهلية : لقد رأيتُني مرةً وأختاً لِي نرعى على أبوينا ناضحاً لنا ، قد ألبستنا أمّنا نُقْبتها ، وزوّدتنا يُمَيْنَتَيْها من الهَبيدِ، فنخرجُ بناضحنا، فإذا طلعت الشمس، ألقيت النُّقبة إلى أختي، وخرجت أسعى عُريان فنرجع إلى أمّنا، وقد جعلت لنا لفيتَةً من ذلك الهبيد، فيا خِضباه !

قال أبو عُبَيد : النَّاضِح : البعير الذي يُسْنَى عليه فيسقى به الأرض، والأنثى ناضحة، وهي السانية أيضاً، والجمع سوانِ، وقد سَنَتْ تَسْنُو، ولا يقال : ناضحُ لغير المستسقي .

ص: 272


1) أخرجه البيهقي في« السنن» (6216) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (4902) وابن أبي شيبة في ، «مصنفه» (29485) .

2) سورة نوح، الآيتان: 10 ، 11 .

والنّقْبة أن تُؤخذ القطعة من الثوب قذر السراويل فيجعل لها حُجزة مخيطة من غير نَيْفق ،

وتُشَدُّ كما تشدّ حَجْزة السراويل، فإن كا لها نَيْفَق ،وساقان فهي سراويل .

وقال : والذي وَرَدَتْ به الرّواية «زَوَّدتْنَا يُمَيْنَتَيْهَا»، والوجه في الكلام أن يكون «يُمَيِّنَتَيْهَا» بالتشديد، لأنه تصغير «يمين» بلا هاء، وإنما قال: «يمينتيها» ولم يقل : يديها ولا كفيها لأنه لم يرد أنها جمعت كفّيها ثم أعطتنا بهما ، وإنما أراد أنها أعطت كلّ واحدٍ كفَّا كفا بيمينها، فهاتان یمینان .

الهبِيد : حبّ الحنظل، زعموا أنه يعالج حتّى يمكن أكله ويطيب.

واللَّفِيتة : ضرب من الطّبيخ .كالحُساء .

وفي حديثه : «إذا مرّ أحدكم بحائط فليأكل منه، ولا يتخذ ثِباناً» (1).

قال أبو عبيد : هُو الوعاء الّذي يحمَل فيه الشيء، فإن حملتَه بين يديك فهو ثِبان، وإن جعلتَه في حُضنك فهي جُّبنة .

وفي حديثه : «لو أشاء لدعوت بصِلاَء وصِنَابِ وصلائق وكراكرة وأسنِمة وأفلاذه.

قال أبو عبيد : الصَّلاء: الشّواء. والصِّناب : الخردل بالزبيب .والصَّلائق : الخبز الرقيق، ومن رواه «سلائق» بالسين أراد ما يسلَق من البقول وغيرها. والكراكر، كراكر الإبل. والأفلاذ جَمع فِلذ وهو القطعة من الكبد.

وفي حديثه :« لو شئتُ أن يُدَهُمَق لي لفعلت» .

قال أبو عبيد : دهمقتُ الطعام، إذا ليَّنتَه ورققته وطيبته .

وفي حديثه : لئن بقيتُ لأسَوّينَ بين الناس حتى يأتيَ الرّاعي حقُّه في صُفْنه لم يعرق جبينه ».

الصُّفْن : خريطةُ للرّاعي فيها طعامُّه وما يحتاج إليه . وروي بفتح الصاد، ويقال أيضاً «في صَفِينه ».

وفي حديثه :« لئن بقيتُ إلى قابل، ليأتينّ كلَّ مسلم حقُه،حتى يأتيَ الراعي بسَرْوِ حِمْير، لم يعرَق جبينه» (2).

السّرو مثل الخيف، وهو ما انحدرَ عن الجبل وارتفع عن المسيل.

ص: 273


1) أخرجه ابن ماجه في كتاب: التجارات، باب: من مر على ماشية أو حائط هل يصيب منه (230)، والترمذي في كتاب: البيوع، باب: ما جاء في الرخصة في أكل الثمرة للمار بها (1287).

2) أخرجه معمر بن راشد في الجامع (101/11) .

وفي حديثه :« لئِنْ عشتُ إلى قابل، لألِحقنَّ آخر الناس بأوّلهم، حتى يكونوا بيّاناً واحداً» (1).

قال أبو عبيد : قال ابنَّ مهديّ : يعني شيئاً واحداً، ولا أحسب هذه الكلمَة عربيّة، ولم أسمعها في غير هذا الحديث.

وفي حديثه أنّه خطب، فقال: «ألا إِنّ الأُسَيْفِعَ - ُأسَيْفِع جُهينة - رضيَ من دينه وأمانتهِ بأن يقال : سابق الحاجّ - أو قال : سَبق الحاجّ - فادّان مُغرضاً فأصبح قدْرِينَ به ، فمن كان له عليه دَيْنٌ فليغدُ بالغداة، فلنقسم ماله بينهم بالحصص».

قوله : «فادّان مُعْرضاً »أي استدان مُغرضاً، وهو الّذِي يعترض الناس فيستدين ممّن أمكنه . وكلّ شيء أمكنك من عرضِه فهو معرِض لك، كقوله : «وَالْبَحْرِ مُعْرِضاً والسَّدِير».

ورين بالرّجل، إذا وقع فيما لا يمكنه الخروج منه .

وفي حديثه : أنّه قال لمولاه أسلم - ورآه يحمل متاعه على بعير من إبل الصدقة - فقال : فهلا ناقة شَصُوصاً وابن لبون بوّالاً ! »(2).

الشَّصُوص : التي قد ذهب لبنُها، ووصف ابن اللّبون بالبول، وإن كانت كلُّها تبولُ، إنما أرادَ : ليس عنده سوى البول، أي ليس عنده ممّا ينتفع به من ظَهرٍ ولا له ضَرْعُ فيحلب، لا يزيد على أنه بوّال فقط .

وفي حديثه حين قيل له : إنّ النساء قد اجتمعنَ يبكين على خالد بن الوليد، فقال: «وما على

نساء بني المغيرة أن يسفِكن من دموعهنّ على أبي سليمان، ما لم يكن نَقع ولا لَقلَقة!».

قيل : النقعها هنا طعام المأتم، والأشبه أن النَّقْع رفع الصوت، واللّقلقة مثله .

وفي حديثه : أنّ سلمان بن ربيعة الباهليّ شكا إليه عاملاً من عماله، فضربه بالدّرّة حتى أنهج .

قال أبو عبيد : أي أصابه النّفس والبُهّر من الإعياء.

ص: 274


1) إشارة إلى العدول عن التمييز بين الناس في العطاء حيث كان يعطي القرشي أكثر غيره والمهاجرين . أكثر من الأنصار.

2) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (10650) ، وذكره الطبري في «التاريخ» (566/2) .

وفي حديثه حين قَدِم عليه أحدُ بني ثور، فقال له: هلْ مِنْ مغرِّبة خبر؟ فقال: نعم أخذنا رجلاً من العرب، كَفَر بعد إسلامه فقدّمناه فضربنا عنقه، فقال:« فهلا أدخلتموه جَوْف بيتٍ فالقيتُم إليه كل يوم رغيفاً ثلاثة أيام، لعله يتوب أو يراجع ! اللهمّ لم أشهد ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني ».

يقال: هل من مغرّبة خبر بكسر الراء، ويروى بفتحها، وأصله البُعْد، ومنه شأوُ مُغرّب .

وفي حديثه أنه قال: الله ليضربنُ أحدكم أخَاه بمثل آكلة اللحم، ثم يرى أنه لا أقيِدُه، والله لأقيدنّه ».

قال أبو عبيد : آكلة اللحم : عصا محدّدة.

وفي حديثه : «أعضَل بي أهلُ الكوفة، ما يرضون بأمير، ولا يَرضاهم أمير» (1)هو من العُضَال، وهو الدّاء والأمر الشديد الذي لا يقوم له صاحبه .

وفي حديثه : أنه خطب فذكر الرّبا ، فقال : «إن منه أبواباً لا تخفى على أحد منها السَّلَم في السّنّ وأن تباع الثمرة وهي مغضفِة ولمّا تطب، وأن يباع الذهب بالورق نَسَاء».

قال أبو عبيد : السَّلَم في السِّنّ أن يسلف الرجل في الرّقيق والدّواب وغيرها من الحيوان، لأنه ليس له حدّ معلوم .

والمغضِفة : المتدلّية في شَجَرها، وكلّ مسترخ أغضَف، أي تكون غير مدرِكة .

وفي حديثه: أنّه خطب، فقال: ألا لا تغالُوا في صَدَاق النّساء، فإنّ الرجل يغالِي بصدَاق المرأة، حتى يكون ذلك لها في قلبه عداوة ، تَقول : جشِمت إليك عَرَق القربة .

قال : معناه تكلّفت لك حتى عرِقتَ عَرَفَ القربة، وعرقُها : سَيَلان مائها .

وفي حديثه : أنه رفع إليه غلام ابتهر جارية في شِعره، فقال: «انظروا إليه»، فلم يوجد أنبت، قدرأ عنه الحدّ .

قال أبو عبيد : ابتهرها ،أي قذَفَها بنفسه، فقال: فعلت بها .

وفي حديثه : أنه قَضَى في الأرنب بحُلاّن إذا قتلها المحرم.

قال : الحُلاّن : الجدي.

وفي حديثه : أنه قال: «حَجّةً ها هنا ، ثم احْدِج ها هنا حتى تَفْنى».

قال : يأمر بحجة الإسلام لا غير، ثم بعدها الغزو في سبيل الله .

ص: 275


1) أخرجه ابن سعد في «الطبقات»(58/5).

حتى تفنى أي حتّى تهرم.

وفي حديثه : أنه سافر في عَقِب رمضان، وقال : «إنّ الشهر قد تسعسَع، فلو صمنا بقيّته» .

قال أبو عبيد : السين مكرّرة مهملة، والعين مهملة، أي أدبر وفَنِيَ.

وفي حديثه - وقد سمع رجلاً خطب فأكثر - فقال : «إنّ كثيراً من الخطب من شَقاشِق الشيطان».

الواحدة شِقْشقة، وهو ما يخرج من شِدق الفحل عند نزوانه، شبيهة بالرئة. والشيطان لا شقشقة له ، إنّما هذا مثل لما يدخل في الخطب من الكلام المكذوب وتزوير الباطل.

وفي حديثه : أنه قدم مكّة، فأذن أبو محذورة، فرفع صوتَه فقال له : «أما خشيت يا أبا محذورة أن ينشقَّ مُرَيْطاؤك !».

قال : المُرَيطاءُ : ما بين السرّة إلى العانة، ويروى بالقصر.

وفي حديثه : أنه سئل عن المذي، فقال هو الفَطر، وفيه الوضوء.

قال: سمّاه فَطراً من قولهم : فَطرت الناقة فطراً، إذا حلبتَها بأطراف الأصابع يخرج اللّبن إلا قليلاً، وكذلك المَذي، وليس المَنِيّ كذلك، لأنه يخرج منه مقدار كثير .

وفي حديثه : أنه سئل عن حدّ الأمة الزانية، فقال: «إن الأمَة ألقت فَروة رأسها من وراء الدَّار ».

قال : الفَرْوة :جلدة الرأس، وهذا مثل، إنما أراد أنها ألقت القناع وتركت الحجاب، وخرجت إلى حيث لا يمكنها أن تمتنع من الفجور، نحو رعاية الغنم، فكأنّه يرى أن لا حدّ عليها .

وفي حديثه أنه أتِيَ بشارب، فقال لأ بعثنّك إلى رجل لا تأخذه فيك هَوادة، فبعث به إلى مطيع بن الأسود العَدَوِيّ ، فقال : إذا أصبحتَ غداً فاضربه الحدّ، فجاء عمر وهو يضرِبه ضرباً شديداً ، فقال : قتلتَ الرجل ! كم ضربته؟ قال: ستين ،قال : «أقِصَّ عنه بعشرين» .

قال : معناه اجعل شدّة هذا الضرب قِصَاصاً بالعشرين التي بقيَت من الحد فلا تضربه إياها .

وفي حديثه أنّ رجلاً أتاه فذكر له أنّ شهادة الزور قد كثُرت في أرضهم، فقال: «لا يؤسَرُ أحدُ في الإسلام بشهادة الزور، فإنّا لا نقبل إلاّ العدول» (1).

قال : لا يؤسَرُ : لا يحبس، ومنه الأسير: المسجون.

ص: 276


1) أخرجه البيهقي في «سننه الكبرى» (166/10) ، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (23040).

وفي حديثه : أنه جَدَب السّمر بعدَ عَتمة. جَدَبه ، أي عابه ووَصمه .

ومثل هذا الحديث في كراهيته السّمر حديثه الآخر، أنّه كان ينُشّ الناس بعد العشاء بالدِّرَّة، ويقول : انصرفوا إلى بيوتكم.

قال : هكذا روي بالشين المعجمة ، وقيل : إنّ الصحيح «يُنسّ» بالسين المهملة، والأظهر أنه ينُوش النّاس بالواو، من التّناوش، قال تعالى : وَأَنَّى لَهُمُ التَنَاوُشُ(1).

وفي حديثه : «هاجروا ولا تَهَجَّروا ،واتقوا الأرنب أن يحذِفها أحدُكم بالعصا، ولكن ليذكّ لكُم الأسلُ، الرماحُ والنَّبل».

قال: رواه زِرّ بن حُبيش، قال : قدمت المدينَة، فخرجت في يوم عيد، فإذا رجل متلبّب أعسرُ أيسَر ، يمشي مع الناس كأنه راكب، وهو يقول : كذا وكذا ، فإذا هو عمر، يقول: هاجِروا وأخلصوا الهِجرة ولا تَهَجَّرُوا .

ولا تشبّهوا بالمهاجرين على غير صحة منكم ، كقولك: تحلّم الرجل، وليس بحليم، وتشجّع وليس بشجاع .

والذّكاة الذبح .والأسَلُ أعمّ من الرماح، وأكثر ما يستعمل في الرّماح خاصّة.

والمتلبّب : المتحزّم بثيابه .

وفلان أعسر يَسَر : يعمل بكلتا يديه، والذي جاء في الرواية «أيسر» بالهمزة.

وفي حديثه أنه أفطر في رمضان، وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم نظر فإذا الشمس طالعة، فقال: «لا نقضيه، ما تجانفنا فيه الإثم» (2).

يقول : لم نتعمّد فيه الإثم، ولا مِلْنا إليه، والجَنَف : الميل.

وفي حديثه : أنّه قال لما مات عثمان بن مَظعون على فراشه : «هَبَنَهُ الموتُ عندي منزلة حين لم يمت شهيداً، فلما مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على فراشه وأبو بكر، علمت أنّ موت الأخيارِ على فُرُشهم . هَبَنَه ، أي طأطأه وحطّ من قدره .

وفي حديثه : أن رجلاً من الجنّ لقيه ، فقال : هل لك أن تصارِعَني، فإن صرعتَني علَّمتُك آيةً إذا قرأتَها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان. فصارعه فصرعه عمر، وقال له : إنّي أراك ضئيلاً

ص: 277


1) سورة سبأ، الآية 52 .

2) أخرجه البيهقي في« السنن الكبرى»(217/4) ، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (9052) .

شَخِيتاً، كأن ذراعيك ذراعا كلب، أفهكذا أنتم كلُّكم أيها الجنّ ، أم أنت من بينهم؟ فقال: إنّي من بينهم الضلِيع، فعاوِدني ، فصارعته فصرعه الإنسيّ ، فقال : أتقرأ آية الكرسيّ؟ فإنّه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيتَه إلاّ خرج الشيطان منه ، وله خَبَجٌ كخبَج الحمار .

قال : رواه عبدُ الله بن مسعود، وقال خرج رجلٌ من الإنس، فلقَيه رجلٌ من الجنّ ... ثم ذكر الحديث، فقيل له : هو عمر ،فقال : ومَنْ عسى أن يكون إلا عُمَر!

الشَّخِيت: النّحيف الجسم، ومثله الشَّخْت. والضّليع العظيم الخلق .

والخَيَج : الضّراط .

وفي حديثه : أنه كان يطوف بالبيت، وهو يقول: رَبَّنَا مَائِنا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (1)، ما له هِجِّيرَى غيرها .

قال : هِجّيرَى الرجل : دَابه ودَيْدَنه وشأنه .

ومثلها من قول عمر : لو أطِيقُ الأذان مع الخلِّيقَى لأذنت .

ومثلها من قول عمر بن عبد العزيز : لا رِدّيدَى في الصدقة، أي لا تردّ .

ومثلها قول العرب : كانت بينهم رمّيّا، أي مراماة، ثم حجزت بينهم حِجّيزى، أي محاجزة .

وفي حديثه حين قال للرجل الذي وُجد منبوذاً فأتاه به، فقال : عسى الغوير أبؤساً (2)!قال عريفه : يا أمير المؤمنين(علیه السلام) إنّه وإنه ... فأثنى عليه خيراً ، وقال : فهو حُرّ، ولاؤه لك .

الأبؤس : جمع بأس والمثل قديم مشهور، ومراد عمر : لعلك أنت صاحب هذا المنبوذ! كأنّه اتهمه وساء ظنّه فيه، فلمّا أثنى عليه عَرِيفه - أي كفيله - قال له : هذا المنبوذ حُرٌّ وولاؤه لك، لأنّه بإنقاذه إيّاه من الهَلكة كأنه أعتقه .

وفي حديثه : إنّ قريشاً تريد أن تكونَ مُغْوِياتٍ لمال الله .

هكذا يروى بالتّخفيف والكسر ، والمعروف «مغويّاتُ» بتشديد الياء وفتحها، واحدتها

مُغوّاة، وهي حُفرة كالرُّبية تحفر للذئب، ويجعل فيها جَديُ، فإذا نظر إليها الذئب سقَط يريده فيُصاد، ولهذا قيل : لكلِّ مَهْلَكة مُغَوّاة .

ص: 278


1) سورة البقرة ،الآية : 201 .

2) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (202/6 ) ، والطبراني في «الكبير» (6498)، وعبد الرزاق في «المصنف» (13838).

وفي حديثه :« فَرّقوا عن المنيّة واجعلوا الرأس رأسين ،ولا تُلِلُّوا بدار مَعْجَزة، وأصلحوا مثاوِيَكم، وأخيفوا الهوامّ قبل أن تخيفَكم، واخشوشنوا واخشوشبوا وتمعددوا ».

قال: «فرّقوا عن المنيّة ،واجعلوا الرأس رأسين»، أي إذا أراد أحدكم أن يشتري شَيئاً من الحيوان كمملوك أو دابّة يغاليَن به، فإنّه لا يدري ما يحدث فيه، ولكن ليجعل ثمنه في رأسين، وإن كان كلُّ واحد منهما دون الأول، فإن مات أحدهما بقي الآخر .

وقوله : «ولا تُلِثُوا بدار مَعْجَزة»، فالإلثاث الإقامة، أي لا تقيموا ببلد يعجزكم فيه الرّزق، ولكن اضطرِبُوا في البلاد للكسب .

وهذا شبيه بحديثه الآخر : إذا اتجر أحدُكم في شيء ثلاث مرّات فلم يرزَق منه فليَدَعه».

والمثاوِي : المنازل، جمع مَثْوَى.

وأخيفوا الهوامّ، أي اقتلوا ما يظهر في دورِكم من الحيّات والعقارب لتخافكم ، فلا تظهر .

واخشو شنوا : أمر بالخشونة في العَيْش، ومثله «اخشو شبوا» بالباء، أراد ابْتِذَال النّفس في العمل والاحتفاء في المشي ليغلظ الجلد، ويجسو.

وتمعددوا ، قيل إنه من الغِلَظ أيضاً، يقال للغلام إذا أنبت وغلُظ : قد تمعدد.

وقيل : أراد تشبّهوا بمعد بن عدنان، وكانوا أهل قشف وغِلَظ في المعاش، أي دعوا التنّعُّم وزيّ العجم.

وقد جاء عنه في حديث آخر مثله : «عليكم باللُّبسة المعدّيّة» .

وفي حديثه : أنّه كتب إلى خالد بن الوليد : «إنّه بلغني أنّك دخلت حَمّاماً بالشام، وأنّ مَنْ بها من الأعاجم أعدُّوا لكم دَلُوكاً عُجِن بخمر، وإنّي أظنكم آل المغيرة ذَرُوُ النار» .

الدّلُوك : ما يتدلّك به كالسَّحُور والفَطُور ونحوهما .

وذَرُو النار : خلق النار . ويروى : «ذرء النار» بالهمزة من ذرأ الله الناس، أي صوَّرَهم وأوْجَدهم .

وفي حديثه: «املكوا العجين، فإنه أحد الرَّبعين».

ملكت العجين : أجدت عَجنه .

والرّيع الزيادة، والريع الثاني ما يزيدُ عنه خَبْزه في التَّنُّور .

ص: 279

وفي حديثه حين طُعِن، فدخل عليه ابن عباس فرآه مغتَّما بمن يستخلف بعده، فذكر عثمان فقال : كَلِفٌ بأقاربه، قال : فعليّ؟ قال : فيه دُعابة، قال : فطلحة؟ قال : لولا بَأو فيه قال : فالزبير؟ قال : وَعْقة لقِس . قال : فعبد الرحمن؟ قال: أوَّه! ذكرت رجلاً صالحاً ولكنّه ضعيف ،وهذا الأمر لا يصلُح له إلاّ الليّن من غير ضَعْف، والقويّ من غير عنف، قال: فسعد؟ قال: ذاك يكون في مِقْنَب من مقانبكم.

قوله : «كلف بأقاربه» أي شديد الحبّ لهم .

والدّعابة : المزاح.

والبأو : الكبر والعظمة .

وقوله : «وغقة لقِس» ويروى «ضبيس»، ومعناه كلّه الشراسة، وشدّ الخُلق وخُبث النفس .

والمِقْنب : جماعة من الفرسان .

وفي حديثه : أنه قال عامَ الرمادة : لقد هممت أن أجعلَ مع كلّ أهل بيت من المسلمين مثلَهم، فإنّ الإنسان لا يهلك على نِصف شِبَعه، فقال له رجل: لو فعلتَ يا أمير المؤمنين(علیه السلام) ما كنتَ فيها ابن ثأداء .

قال : يريد أنّ الإنسان إذا اقتصر على نصفِ شبعه، لم يهلِك جوعاً. وابن ثأداء بفتح الهمزة: ابن الأمَة .

وفي حديثه : أنه قرأ في صلاة الفجر بالناس سورة يوسف، فلما انتهى إلى قوله تعالى :إِنَّمَا أَشْكُوا بَقِ وَحُزْنِ إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(1)، يكى حتى سُمع نشيجُه .

النّشيج : صوت البكاء، يردّده الصبي في صَدره ولا يخرجه .

وفي حديثه أنه أتي في نِساء - أو إماء - ساعياتٍ في الجاهليّة، فأمر بأولادهن أن يقوَّموا على آبائهم، فلا يُسْتَرقوا .

المساعاة: زنى الإماء خاصّة. قضى عمر في أولادهنّ في الجاهليّة أن يسموَّن على آبائهم ،بدفع الآباء قيمتهم إلى سادات الإماء، ويصير الأولاد أحراراً لاحقي النسب بآبائهم .

وفي حديثه :« ليس على عَرَبيّ مِلْك، ولسنَا بنازعين من يد رجل شيئاً أسلمَ عليهم، ولكنا نقوّمهم المِلَّة خَمْساً من الإبل».

ص: 280


1) سورة يوسف، الآية : 86 .

قال : كانت العرب تَسبي بعضُها بعضاً في الجاهلية، فيأتي الإسلام والمسبَى في يدِ الإنسان كالمملوك له، فقضى عمر في مثل هذا أن يردّ حُرًا إلى نسبه، وتكون قيمته على نفسه يؤدّيها إلى

الذي سباه، لأنه أسلم وهو في يده، وقيمته كائناً ما كان خمسُ من الإبل.

قوله : «والمِلة» أي تقوم ملّة الإنسان وشرعها .

وفي حديثه لمّا ادّعى الأشعث بن قيس رقابَ أهل نجران، لأنه كان سباهم في الجاهليّة واستعبدهم تغّلباً فصاروا كمماليكه، فلما أسلموا أبوا عليه فخاصموه عند عمر في رقابهم، فقالوا : يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إنّما كنا له عبيدَ مملَكة ، ولم نكن عبيد قِنّ. فتغيّظ عمر عليه، وقال: «أردت أن تَتَغَفَّلَنِي !».

يعني أردت غَفلتي .

وعبدِ قنّ مُلِك ومُلِك أبواه، وعبد ممَلُكة بفتح اللام وضمها: من غلب عليه واستعبِد، وكان الأصل حُرًا ، فقضى عمر فيهم أن صيّرهم أحراراً بلا عِوَض، لأنه ليس بسِباء على الحقيقة .

وفي حديثه : أنه قضى في ولد المغرور بغُرّة.

قال : هو الرجل يزوّج رجلاً آخر مملوكة لإنسان آخر على أنَّهَا حُرّة، فقضى عمر أن يغرَم الزوج لمولى الأمَة غُرّة، أي عبداً أو أمَة، ويكون ولده حُرّاً، ثم يرجع الرجل الزوج على مَنْ غرّه بما غرِم.

وفي حديثه : أنه رأى جارية متكمكمة، فسأل عنها فقالوا : أمَة آل فلان، فضرَبَها بالدّرّة ضربات، وقال: يا لكعاء! أتَشبَّهين بالحرائر !

قال : متكَمْكِمة: لابسهُ قناع ،أصله من الكُمّة ،وهي كالقلنسوة، والأصل مكممّة، فأعاد الكاف، كما قالوا : كفكف فلان عن كذا، وتصرصر الباب.

ولكعاء ولَكَاعِ بالكسر والبناء :شتمُ للأمَة، وللرجل يقال : يا لُكَع.

وفي حديثه : «وَرّع اللّص ولا تُراعه» .

يقول : ادفعه إذا رأيته في منزلك واكْفُفه بما استطعت، ولا تنتظر فيه شيئاً، وكلُّ شيء كففتَه

ص: 281

فقد ورّعته، وكلُّ ما تنتظره فأنت تراعيه، والمعنى أنّه رخّص في الإقدام على اللصِّ بالسلاح، ونهى أن يمسك عنه نائماً .

وفي حديثه: أن رجلاً أتاه ،فقال: إنَّ ابنَ عمّي شُجّ مُوضِحة ، فقال : أمن أهل القُرى أم من أهل البادية؟ قال: من أهل البادية، فقال عمر: إنا لا نتعاقل المُضَعَ بيننا .

قال : سمّاها مُضَغَاً، استصغاراً لها ولأمثالها كالسنّ والإصبع.

قال : ومثل ذلك لا تحمله العاقلة عند كثير من الفقهاء ،وكذلك كلّ ما كان دون الثُّلُث.

وفي حديثه : أنه لمَّا حَصّب المسجد، قال له فلان: لم فعلت؟ قال: هو أغفر للنُّخامة، وأليَنُ في الموطىء.

أغفر لها : أَسْتَرُ لها .

وحَصّب المسجد :فَرَشه، بالحَضباء، وهي رمل فيه حصَى صغار.

وفي حديثه (1): أنّ الحارث بن أوس سأله عن المرأة تطوف بالبيت، ثم تنفِر من غير أن تطوفَ طوَافَ الصّدَر إذا كانت حائضاً، فنهاه عمر عن ذلك، فقال الحارث : كذلك أفتاني رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقال عمر : أربَتْ يداك! أتسألني، وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كي أخالفَه !

قال : دعا عليه بقطع اليدين، من قولك : قطعت الشاة إرباً إرباً .

وفي حديثه : أنّه سمع رجلاً يتعوَّذ من الفِتَن، فقال عمر : اللهمَّ إني أعوذ بك من الضّفَاطة، أتسأل ربّك ألا يرزقك مالاً وولداً !

قال : أراد قوله تعالى : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ(2). والضَّفاطة: الحمق وضَعف العقل، رجل ضَفيط، أي أحمق .

وفي حديثه : «ما بالُ رجال لا يزال أحدُهم كاسراً وسادة عند امرأة مُغْزِية، يتحدّث إليها وتتحدّث إليه ! عليكم بالجَنبة فإنّها عَفَاف، إنّما النساء لَحْمٌ على وَضم إلا ما ذُبّ عنه» .

قال : مُغزِية، قد غزا زوجها، فهو غائب عنها، أغزَت المرأة، إذا كان بعلها غازياً، وكذلك أغابَتْ فهي مُغيبة .

ص: 282


1) أخرجه الطحاوي في«شرح معاني الآثار »(232/2) .

2) سورة التغابن الآية : 15 .

وعليكم بالْجَنبة، أي الناحية، يقول: تنحَّوا عنهنّ وكلّموهن من خارج المنزل . والوضَم : الخشبة أو البارية يُجعل عليها اللّحم .

قال : وهذا مثل حديثه الآخر: «ألاَ لا يدخلنّ رجلٌ على امَرأة وإن قيل حَمُوها ، ألا حَمُوها الموت».

قال : دعا عليها. فإذا كان هذا رأيه في أبي الزوج وهو مَحْرَمُ لها فكيف بالغَرِيب!

وفي حديثه : «إن بيعَة أبي بكر كانت فَلْته وَقَى الله شرّها، فلا بيعة إلاّ عن مشورة، وأيُّما رجل بايع رجلاً عن غير مشورة فلا يؤمَّر واحد منهما تغرّة أن يُقتلا (1).

قال : التغرّة: التغرير، غرَّرت بالقوم تَغْريراً وتغرَّة، كقولك: حَلّلت اليمين تحليلاً وتحِلّة، ومثله في المضاعف كثير، أي أنّ في ذلك تغريراً بأنفسهما وتعريضاً لهما أن يُقتلا .

وفي حديثه : «إنّ العبد إذا تواضع الله رفع الله حكَمَتَه، وقال: انتعش نَعَشك الله ، وإذا تكبّر وعَدا طوْرَه وَهَصَه الله إلى الأرض» .

قال : وهَصه أي كسره. وعدًا طورَه، أي قدره.

وفي حديثه :« حجّوا بالذرية، لا تأكلوا أرزاقَها ، وتَذَروا أرْبَاقها في أعناقها».

قال: أراد بالذُّرية هنا النساء ولم يرد الصبيان، لأنه لا حَجّ عليهم.

والأرباق: جمع رُبق، وهو الحبل.

وفي حديثه: أنّه وقف بين الحَرِّتين - وهما داران لفلان - فقال : شَوَّى أَخُوك ، حتى إذا أنضج رَمَّد» .

هذا مثل يضرَب للرجل يصنع معروفاً ثم يفسده .

وفي حديثه :« السائبة والصّدقة ليومهما».

قال : السّائبة : المعتَق .

وليومهما : ليوم القيامة الذي فعل ما فعله لأجله .

وفي حديثه : «لا تشترُوا رقيق أهلِ الذّمّة، فإنّهم أهل خراج يؤدّي بعضهم عن بعض : وأرضَهم فلا تتنازعوها ، ولا يقرَّنَّ أحدكم بالصَّغَار بعد إذ نجّاه الله» .

ص: 283


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 125/30 .

قال : كره أن يشتريَ أرضَهم المسلمون وعليها خراج، فيصير الخراج منتقلاً إلى المسلم، وإنّما منع من شراء رقيقهم، لأن جزَيتهم تكثر على حسب رقيقهم، فإذا ابتيع رقيقُهم قَلّت جزيتُهم، وإذا أقَلّت جزيتهم يقلّ بيت المال.

وفي حديثه في قنوت الفَجر :« وإليك نسعى ونحفِد، نرجو رحمتَك، ونخشى عذابك، إنّ عذابك بالكفار ملحِق.

قال : حَفَد العبد مولاه يحفِد أي خدم ، ومنه قوله تعالى : بَنِينَ وَحَفَدَةً(1)أي خدماً .

وملحِق: اسم فاعل بمعنى لاحق من الحق، وهو لغة في لَحِق، يقال: لحقت زيداً، والحقنُة بمعنى .

وفي حديثه: «لا تشتروا الذّهب بالفضّة إلا يداً بيد، هاء وهاء، إنّي أخاف عليكم الرَّمَاء» (2).

قال : الرَّمَاء : الزيادة وهو بمعنى الرّبا يقال : أرميت على الخمسين، أي زدت عليها .

وفي حديثه : «مَنْ لَبّد أو عَقص أو ضَفّر ، فعليه الحلق».

قال : التلبيد أن تجعل في رأسك شيئاً من صَمْع أو عَسل يمنع من أن يقمل.

والعَقْص والضَّفر : فَتْل الشعر ونَسْجُه .

وفي حديثه : «ما تصَّعَدتني خِطبة كما تصعدّتني خِطبة النكاح».

قال : معناه ما شقّ عليّ، وأصله من الصَّعود، وهي العقبة المنكرة، قال تعالى : سَأُرْهِتُهُ صَعُودًا(3).

وفي حديثه أنه قال لمالك بن أوس :يا مالك ، إنَّه قد دقّت علينا من قومك داقّة، وقد أمرنا لهم يرضخِ فاقسمه فيهم» .

قال : الداقّة : جماعة تسير سيراً ليس بالشديد.

وفي حديثه : أنّه سأل جيشاً ، فقال : «هل ثبت لكم العدوّ قدْرَ حلب شاة بكيئة؟»

ص: 284


1) سورة النحل، الآية: 72.

2) سورة النحل، الآية: 72. (2) انظر القاموس المحيط ،مادة .(رمي) . والحديث أخرجه أحمد في كتاب: مسند المكثرين من الصحابة (5851) ، ومالك في «الموطأ» في كتاب: البيوع (1328).

3) سورة المدثر، الآية : 17 .

قال : البَكيئة : القليلة اللّبن.

وفي حديثه أنه قال في مُتعة الحجّ : «قد علمت أن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) هل فعلها وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلّوا بهنّ مُعرّسين تحت الأراك، ثم يلبُّون بالحجّ تقطر رؤوسهم» .

قال : المعرِّس : الذي يَغْشَى امرأته ، قال : كره أن يحلّ الرجل من عُمْرته، ثم يأتي النّساء، ثم يهلّ بالحج.

وفي حديثه :« نعم المرء صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه» .

قال : المعنى أنّه لا يتركُ المعصية خوفَ العقاب، بل يتركُها لقبحها، فلو كان لا يخاف عقوبة الله لترك المعصية .

وفي حديثه : أنّه أتِيَ بسكران في شهر رمضان، فقال: للمنخرَين، أصبيانُنا صيام وأنت مفطر !

قال : معناه الدعاء عليه، كقولك : كبَّه الله للمنخرَين !وكقولهم : لليدين وللفهم !

وفي حديثه : أنه قال لما توفَّيَ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، قام أبو بكر فتلا هذه الآية في خطبته :إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (1). قال عمر: فعقِرْتُ حتى وقَعْتُ إلى الأرض.

قال : يقال للرجل : إذا بُهِتَ وبقيَ متحيِّراً دهشاً : قد عقر، ومثله بعِل وخرق.

وفي حديثه : أنّه كتَب إلى أبي عبيدة وهو بالشام حين وقع بها الطاعون :« إنّ الأردنّ أرض غَمِقة، وإنّ الجابية أرض نزِهة، فأظهِر بمن معك من المسلمين إلى الجابية »(2).

قال : الغَمِقة : الكثيرة الأنداء والوباء، والنَّزِهة : البعيدة من ذلك .

وفي حديثه :أنه قال لبعضهم في كلام كلّمه به : «بل تحُوسُك فتنة»

قال : معناه تخالطك وتحبُّك على ركوبها . قال وتحُوس مثل تجوس، بالجيم، قال تعالى: فَجَاسُواْ خِلَالَ الدِيَارِ(3).

وفي حديثه حين ذكر الجراد ، فقال : «وددت أن عندنا منه قَفْعة أو قَفْعَتين» .

ص: 285


1) سورة الزمر، الآية : 30.

2) أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثارة» (305/4) .

3) سورة الإسراء، الآية : 5 .

قال : القفعة: شيء شبيه بالزّنبيل، ليس بالكبير، يعمل من خوصِ ليس له غُرى، وهو الذي يسمّى القُفّة.

وفي حديثه : إن أذينة العبديّ أتاه يسأله، فقال : إنّي حَجَجْت من رأس هزا وخازِك، أو بعض هذه المزالف، فمن أين أعتمر؟ فقال: انت علياً ،فاسأله ،فسألته، فقال: من حيث ابتدأت .

قال :رأس هزا وخازِك موضعان من ساحل فارس، والمزالف: كلّ قرية تكون بين البرّ وبلاد الريف وهي المزارع أيضاً، كالأنبار وعين التّمر والحيرة.

وفي حديثه : إنّه نَهى عن المكايلة.

قال : معناه مكافأة الفعل القبيح بمثله !

وفي حديثه:« ليس الفقير الذي لا مال له، إنما الفقير الأخلق الكسب» .

قال : أراد الرجل الذي لا يُرزاً في ماله ،ولا يصاب بالمصائب، وأصله أن يقال للجبل المصمَت الذي لا يؤثر فيه شيء : أخلَق. وصخرة خلقاء، إذا كانت كذلك، فأراد عمر أن الفقر الأكبر إنّما هو فَقْر الآخرة، لمن لم يقدّم من ماله لنفسه شيئاً يثاب عليه هناك. وهذا نحو قول النبی (صلی الله علیه و آله وسلم) : «ليس الرّقوب الذي لا يبقى له ولد، إنما الرَّقوب الذي لم يقدم من ولده أحداً »(1).

فهذا ما لخصته من غريب كلام عمر من كتاب أبي عبيد .

فأمّا ما ذكره ابن قتيبة من غريب حديثه في كتابه، فأنا الخّص منه ما أنا ذاكره.

قال ابنُ قُتيبة : فمن غريب حديث عمر أنّه خطب، فقال: إنّ أخوَف ما أخاف عليكم أن يؤخذ الرّجل المسلم البريء عند الله فيُدْسَر كَمَا يأسر الجَزور، ويشاط لحمه كما يُشاط لحم الجَزور، يقال: عاص وليس بعاص. فقال عليُّ(علیه السلام) : فكيف ذاك ولمّا تشتدّ البليّة، وتظهر الحميّة، وتسبى الذرّية، وتدقّهم الفتن دقّ الرحى بثفالها (2)!

ص: 286


1) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب (2608) ، وأحمد في كتاب: مسند المكثرين من الصحابة ،باب: مسند عبد الله بن مسعود (27935) .

2) أخرجه ابن قتيبة في غريب الحديث : 261/1 .

قال ابن قتيبة : يُدْسَر أي يُدفع، ومنه حديث ابن عباس : ليس في العنبر زكاة، إنما هو شيء يذسُره البحر .

ويُشاط لحمه، أي يقطع ويُبْضَع، والأصل في الإشاطة الإحراق، فاستعير، وفي الحديث: «إنّ زيد بن حارثة قاتل يوم مؤتة حتى شاط في رماح القوم» (1).

والثَّفَال : جلْدةٌ تبسط تحت الرّحى فيقع عليها الدقيق.

وفي حديث عمر :«القَسامة تُوجِب العَقْل، ولا تُشِيط الدم».

قال ابن قتيبة : العَقْل : الدية ، يقول : إذا حلفت فإنما تجب الدّية لا القَوَد، وقد روي عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز أنّهما أقادا بالقَسَامة.

وفي حديثه :«لا تَفطروا حتى تروا الليل يغسق على الظّراب».

قال : يغسِق،أي يظلم .

والطَّرَاب : جمع ظرِب، وهو ما كان دون الجبل، وإنما خَصّ الظراب بالذُكر لقصرها، أراد أنّ ظلمة الليل تقربُ من الأرض.

وفي حديثه : إنّ رجلاً كُسِرَ منه عظم فأتى عمر يطلب القَوَد، فأبى أن يقتصّ له، فقال الرجل : فكاسِرُ عظمي إذن كالأرقم ، إن يقتل يَنْقَم، وإن يترك يَلْقم ، فقال عمر : «هو كالأرقم».

قال : كانت الجاهلية تزعم أنّ الجن يتَصوّر بعضهم في صُورة الحيَّات، وأن من قتل حية منها طلبت الحيّة بالثأر، فربّما مات أو أصابه خبَل ، فهذا معنى قوله : إن يقتل ينقم». ومعنى يلقم) يقول : إن تركته أكلك وهذا مثل يضرب للرجل يجتمع عليه أمران من الشر لا يدري كيف يصنع فيهما، ونحوه قولهم : هو كالأشقر إن تقدم عقر وإن تأخر نحر .

قال : وإنما لم يقده لأنه يخاف من القصاص في العظم الموت، ولكن فيه الدِّيَة وفي حديثه : إنه أتى مسجد قباء فرأى فيه شيئاً من غُبار وعنكبوت، فقال لرجل: «ائتني بجريدَةٍ واتَّق العوَاهِن»، قال: فجئته یها، فربط كمّيه بوذمة، ثم أخذ الجريدة، فجعل يتتبع بها الغبار.

قال: الجريدة: السعفة وجمعها جريد.

والعواهن: السعَفات التي يلِينَ الْقِلَبة، والقِلَبة جمع قُلب ،وأهل نجد يسمّون العواهن الْحَوانِي، وإنما نهاه عنها إشفاقاً على القلب أن يضر به قطعُها .

ص: 287


1) أخرجه الحاكم في المسند المستدرك على الصحيحين (237/3)، والطبراني في «الكبير»(4656) .

والوَذَمة : سيرُ من سيور الدلو يكون بين آذان الدلو والعَراقي.

وفي حديثه:« ألا لا تضربوا المسلمين فتذلّوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفّروهم، ولا تجمِّروهم فتفتنوهم .

قال : التّجمير: ترك الجيش في مغازيهم لا يقفُلون.

وفي حديثه : إنه أتِيَ بمُرُوط، فقسمّها بين نساء المسلمين، ورفع مِرْطاً بقي إلى أمّ سَليط الأنصاريّة ، وقال : إنها كانت تَزْفِر القِرَب يوم أحد تسقي المسلمين».

قال : تَزْفِرُها : تحملها، ومنه زُفَر ،اسم رجل كان يحمل الأثقال.

وفي حديثه أنه قال : «أعطُوا من الصَّدَقة مَنْ أبقت له السَّنَة غنماً، ولا تعطوا مَنْ أبقت له السّنة غنمين ».

قال : السنة: ها هنا الأزمنة، ومنه قوله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنَا وَالَ فِرْعَوْنَ بِاليَسنِينَ(1).

قال : وكان عمر لا يجيز نكاحاً في عام سنة ، يقول :« لعلّ الضَّيِّعة تحمِلُهم على أن ينكحوا غيرَ الأكفاء».

وكان أيضاً لا يقطع سارقاً في عام سنة .

وقوله : «غنماً» أي قطعة من الغنم ، يقال لفلان: غَنَمان، أي قطعتان من الغنم، وأراد عمر أنّ مَنْ له قطعتان غَنِيّ لا يعطَى من الصدقة شيئاً، لأنها لم تكن قطعتين إلا لكثرتها .

وفي حديثه إنه انكفأ لونُه في عام الرَّمادة حين قال : «لا آكل سمناً ولا سميناً، وأنّه اتخذ أيام كان يطعِم النَّاس قِدْحاً فيه فرض، فكان يطوف على القِصَاع فيغمز القِدح، فإن لم تبلغ الثريدة الفَرْض قال : فانظر ماذا يفعل بصاحب الطعام.

قال : انكفأ : تغيّر عن حاله، وأصله الانقلاب، من كفأتُ الإناء .

وسمِّيَ عام الرّمادة من قولهم : أرمَد الناس، إذا جُهدوا، والرمد : الهلاك.

والقِدْح : السّهم. والفَرْض : الحزّ، جعل عمر هذا الحرّ ،علام هذا الحزّ علامة لِعُمق الثّريد في الصّحفة .

وفي حديثه : إنّ عطاء بن يسار ،قال : قلت للوليد بن عبد الملك : رُويِ لي أنّ عمر بن الخطاب قال : ودِدْتُ أنّي سلمت من الخلافة كَفافاً لا عليّ ولا لي، فقال: كذبت! الخليفة يقول هذا ! فقلت : أو كُذِبتُ؟ َفأَفَلَتُ منه يُجرَيعة الذَّقَن .

ص: 288


1) (1) سورة الأعراف، الآية : 130 .

قال : يقال : خلص من خصمه كَفافاً، أي كف كلّ واحد منهما عن صاحبه، فلم ينل أحدهما من الآخر شيئاً .

وأفلتَ فلان بجُرَيعة ذَقَن، أي أنّ نفسه قد صارت في فيه . وجُرَيْعة : تصغير جُرْعة .

قلت : وإنما استعظم الوليد ذلك، لأن بني أميّة كانوا يرون أنّ مَنْ وليَ الخلافة فقد وجبت له الجنّة، ولهذا خطب هشام يوم ولِيَ فقال : الحمد لله الذي أنقذني من النَّار بهذا المقام .

وفي حديثه : إنّ سِمَاك بن حَرب، قال: رأيت عمر، فرأيت رجلاً أروَح كأنّه راكبُ ،والنّاس يمشون كأنه من رجال بني سَدُوس.

قال : الأرْوَح الذي تتدانى عقِباه، وتتباعد صدورُ قدميه، يقال: أروح: بيّن الرَّوح ،والأفحج: الذي تتدانى صدور قدميه ،وتتباعد عَقِباه وتتفجّج ساقاه، والأوكع : الذي يميل إبهام رجله على أصابعه حتى يزول، فيرى شخص أصلها خارجاً ، وهو الوکَع، ومنه أمةٌ وكعاء.

وبنو سَدُوس : فخِذ من بني شيبان، والطُّول أغلب عليهم.

وفي حديثه عن ابن عبّاس ،قال : دعاني فإذا حصير بين يديه ،عليه الذهب منثور نثر الْحَثا ، فأمرني بقسمه .

قال : الحَثا : التّبن مقصور، قال الراجز يهجو رجلاً :

ويأكل التمر ولا يلقي النَّوَى*** ولا يواري فَرْجَه إذا اصطلَى

کانّه غرارةُ ملأى حَثا

وفي حديثه أنه قال : «النّساء ثلاث، فهينّة ليّنة عفيفة مسلمة، تعين أهلها على العيش، ولا تعينُ العيشَ على أهلها، وأخرى وعاءُ للولَد، وأخرى غُلٍّ فَمِل يضعُه الله في عنق من يشاء، ويفكّه عمّن يشاء. والرجال ثلاثة: رجل ذو رأي وعقل، ورجل إِذا حَزَبهُ أمر أتى ذَا رأي فاستشاره، ورجل حائر بائر، لا يأتمر رَشَداً، ولا يطيع مرشداً».

قال : البائر : الهالك، قال تعالى: وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا(1). والأصل في قوله : «غُلّ قمِل» ، أنهم كانوا يغلّون بالقدّ وعليه الشعر، فيقمُل على الرّجال .

ولا يأتمر رشداً، أي لا يأتي برشد من ذات نفسه، يقال لمن فعل الشيء من غير مشاورة : قد ائتمر، وبئس ما ائتمرت لنفسك، قال النمر بن تَؤلب :

ص: 289


1) سورة الفتح، الآية : 12 .

واعلمن أنّ كلّ مؤتمرِ*** مخطىء في الرأي أحيانا

وفي حديثه : إنه خرج ليلةً في شهر رمضان، والنَّاس أوزاع، فقال : «إني لأظنّ لو جمعناهم على قارىء واحد كان أفضلَ»، فأمر أبي بن كعب فأمّهم، ثم خرج ليلة وهم يصلّون بصلاته، فقال : «نعم البدعة هذه !والتي ينامون عنها أفضلُ من التي يقومون» .

قال : الأوزاع: الفرَق، يريد أنهم كانوا يصلّون فرادى، يقال: وزعتُ المال بينهم، أي فرّقته .

وقوله : «والتي ينامون عنها أفضل»، يريد صلاة آخر الليل، فإنها خير من صلاة أوّله .

وفي حديثه أنّ أصحابَ محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) تذاكروا الوِثر ، فقال أبو بكر : أمّا أنا فأبدأ بالوِثر، وقال عمر : لكنّي أوتر حين ينام الضَّفْطَى.

قال : هو جمع ضَفِيط، وهو الرّجُل الجاهل الضعيف الرأي.

ومنه ما روِي عن ابن عباس، أنّه قال : لو لم يطلب النّاس بدِم عثمان لرُمُوا بالحجارة من السماء، فقيل : أتقول هذا وأنت عامل لفلان؟ فقال: إن فيّ ضَفَطات، وهذه إحدى ضَفَطاتي .

وفي حديثه : إنه قال في وصيته : «إن تُوُفِّيت وفي يدي صرمة ابن الأكوع، فسنَّتُها سنَّة ثَمَعَ».

قال : الصِّرمة ها هنا :قطعة من النخل، ويقال للقطعة الخفيفة من الإبل : صِرمة، ويقال لصاحبها ،مُصْرِم ولعله قيل للمقلّ، مُصْرِم من هذا .

وثَمَعْ : مال كان العمر، ووقفه .

وفي حديثه : إنه لما قدم الشام تفخّل له أمراء الشام .

قال : أي اخشوشنوا له في الزّي واللباس والمطعم تشبّهاً به، وأصله من الفحل، لأنّ التصنّع في اللباس والقيام على نفسه، إنما هو عندهم للإناث لا للفحول .

وفي حديثه : إنه قدم مكّة، فسأل من يعلم موضع المقام - وكان السَّيْل احتمله مكانه -فقال المطّلب بن أبي وداعة السهميّ : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) قد كنت قدّرته وذرعته بِمِقاطِ عندي .

قال: المقاط : الحبل ، وجمعه مقط.

وفي حديثه : إنه قال للذي قتل الظبي وهو محرِم: «خذ شاةٌ من الغَنَمِ فتصدق بلحمها ،واسق إهابها» .

قال : الإهاب: الجلد.

وأسقه، أي اجعله سِقَاء لغيرك، كما تقول : اسقِني عسلاً، أي اجعله لي سِقاء وأقِذ بیخيلاً، أي أعطني خيلاً أقودها، وأسقني إبلاً : أعطني إبلاً أسوقها .

ص: 290

وقالت بنو تميم للحجّاج : أقبرنا صالحاً ، يعنون صالح بن عبد الرحمن، وكان قتله وصلبه ،فسألوه أن يمكنّهم من دفنه.

وفي حديثه :إنَّه ذُكِر عنده التّمر والزبيب: أيّهما أفضل؟ ويروى أنه قال لرجل من أهل الطائف : الحَبْلة أفضل أم النخلة؟ فأرسل إلى أبي حَتْمة الأنصاريّ، فقال: إن هؤلاء اختلفوا . في التمر والزبيب أيّهما أفضل.

وفي رواية أخرى: وجاء أبو عمرة عبد الرحمن بن محصن الأنصاريّ، فقال أبو حَثمة : ليس الصَّفر في رؤوس الرَّقْل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، تعلَّة الصبيّ، وقِرَى الضيف، وبه يُحترَش الضبّ في الأرض الصلعاء، كزبيب إن أكلته ضرست، وإن تركته غرثت.

وفي الرواية الأخرى : فقال أبو عَمْرة : الزّبيب إن أكله أضرَس، وإن أتركه أغرث، ليس كالصقر في رؤوس الرّقل، الراسخات في الوحل، والمطعمات في المحل، خُرفة الصائم، وتحفة الكبير، وصُمْتة الصغير، وخُرْسة مريم، ويُختَرش به الضباب من الصَّلعاء.

قال : الحبلة، بفتح الحاء وتسكين الباء : الأصل من الكَرم، وفي الحديث : إنّ نوحاً لمّا خرج من السفينة غَرَسَ الحَبْلة، وكانت لأنس بن مالك حَبْلة تحمل كذا، وكان يسمّيها أمّ العيال، فأما الحُبلة بالضم فثمر العضاه، ومنه الحديث : كنا نغزو مع رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) وما لنا طعام إلا الحُبلة، وورق السَّمُر. والحُبلة بالضم أيضاً : ضرب من الحَلي يجعل في القلائد، شبه بورق العضاه، لأنه يصاغ على صورته .

وأغرث : أجوع ،والغرث: الجوع.

والصَّقْر : عسل الرُّطَب . والرَّقْل : جمع رَقلة، وهي النخلة الطويلة.

وقوله: «خرفة الصائم» اسم لما يختَرف، أي يجتنَى، ونسبها إلى الصائم، لأنهم كانوا يحبُّون أن يفطروا على التمر .

قوله :« وصُمْتة الصغير»، لأنّ الصغير كان إذا بكى عندهم سكّتُوه به. وتعلّة الصبيّ نحوه، من التّعليل.

وخُرْسة مريم، الخُرْسة ما تطعَمه النُّفَساء عند ولادتها ، أشار إلى قوله تعالى: وَهُزَى إِلَيْكِ مجذوع النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيَّا(1)، فأما الخُرْس بغيرها فهو الطعام الذي يصنع لأجل الولادة، كالإعذار للخِتان، والنَّقِيعة للقادم، والوكِيرة للبناء.

ص: 291


1) سورة مريم، الآية : 25 .

ويُحترَش به الضَّب أي يصطاد، يقال : إن الضبّ يعجب بالتمر، والحارش : صائد الضباب. والصَّلْعاء: الصحراء التي لا نبات بها كرأس الأصلع.

وفي حديثه : إنه قال للسائب : «وَرّع عني بالدرهم والدرهمين».

قال : أي كف الخصوم عنّي في قدر الدرهم والدرهمين بأن تنظر في ذلك، وتقضي فيه

بينهم، وتنوب عنّي . وكلّ مَنْ كففتَه فقد ورّعته، ومنه الوَرَع في الدين، إنّما هو الكفّ عن المعاصي. ومنه حديث عمر : لا تنظروا إلى صلاة الرَّجُل وصيامه، ولكن من إذا حَدّث صدق، وإذا اتمن أذّى، وإذا أشفى ورّع أي إذا أشرف على المعصية كَفّ عنها .

وفي حديثه : إنّه خطب الناس، فقال: «أيها النّاس، لينكح الرّجل منكم لُمَته من النّساء، ولتنكح المرأة لُمَتها من الرجال» .

قال : لُمَة الرجل من النساء مثله في السنّ، ومنه ما رويَ أنّ فاطمة(علیها السلام) خرجت في لُمَة من نسائها تتوطّأ ذيلها، حتى دخلت على أبي بكر .

وأراد عمر بن الخطاب: لا تنكح الشابّة الشيخ الكبير، ولا ينكح الشابّ العجوزَ، وكان سبب هذه الخطبة أنّ شابة زوّجَها أهلُها شيخاً فقتلته

وفي حديثه : إنّ رجلاً أتاه يشكو إليه النَّقْرِس (1)، فقال : كذبتك الظهائر .

قال : الظهائر : جمع ظَهِيرة، وهي الهاجرة، ووقت زوال الشمس.

وكذبتك، أي عليك بها ،وهي كلمة معناها الإغراء، يقولون : كذبك كذا، أي عليك به .

ومنه الحديث المرفوع:« الحجامة على الريق فيها شفاء وبركة، فمن احتجم في يوم الخميس ويوم الأحد، كذباك »(2).

أي عليك بهما ، وإنما أمر عمر صاحب النّقرس أن يبرز للحرّ في الهاجرة ويمشي حافياً، ويبتذل نفسه، لأن ذلك يُذهب النِّقرس.

وفي حديثه أنه قال : «مَنْ يدلّني على نسيج وحده؟»، فقال أبو موسى: ما نعلمه غيرك، فقال : ما هي إلا إبل مُوَكَّعٌ ظهورها .

قال : معنى قولهم : «نسيج وحده» أي لا عيب فيه ولا نظير له. أصله من الثوب النَّفِيس لا ينسج على منواله غيره .

ص: 292


1) النَّقْرِس : ورم ووجع في مفاصل الكعبين وأصابع الرجلين. القاموس المحيط، مادة (نقرس).

2) أخرجه ابن ماجه في كتاب: الطب، باب: في أي الأيام يحتجم (3487)، والحاكم في «المستدرك» (7481) ، وابن عدي في «الكامل» (447) .

والبعير الموقّع الذي يكثر آثار الدَّبَر بظهره، لكثرة ما يركب وأراد عمر أنّا كلّنا مثل ذلك فیالعيب.

وفي حديثه : إن الطبيب الأنصاريّ سقاه لبناً حين طُعِن، فخرج من الطعنة أبيضَ يصلِد.

قال : أي يبرق ولم يتغيّر لونه .

وفي حديثه : إنّ نادية عمر ،قالت :واعمراه! أقام الأوَد ، وشَفَى العمَد. فقال عليّ(علیه السلام) : أما والله ما قالته ولكن قُولَتَهُ .

والعمَد : ورم ودَبَر يكون في ظَهر البعير ، وأراد عليُّ(علیه السلام) أنه كأنما ألقي هذا الكلام على لسانها لصحّته وصدقه .

وفي حديثه : إنَّه استعمل رجلاً على اليمن، فوفد إليه، وعليه حلّة مُشَهَّرة، وهو مرجَّل ذهِين، فقال: أهكذا بعثناك! ثم أمر بالحُلَّة فنزِعت عنه ، عنه، وألبِس وألبس جُبّة صوف، ثم سأل عن ولايته فلم يذكر إلا خيراً فردّه على عمله، ثم وفد إليه بعد ذلك، فإذا أشعث مغبّر عليه اطلاس، فقال: ولا كلّ هذا إن عاملنا ليس بالشّعث ولا العافي، كلوا واشربوا وادّهنوا، إنّكم لتعلمون الذي أكره من أمركم !

قال : ثياب أطلاس، أي وسخة ،ومنه قيل للذئب :أطلس .

والعافي: الطويل الشَّعر ، يقال : عَفَى وبرُ البعير، إذا طال، ومنه الحديث المرفوع: «أمر أن تُعْفَى اللَّحَى وتُخفَى الشّوارب» (1).

وفي حديثه : إنه قال للرجل : أما تراني لو شئت أمرت بشاة فتيّة سمينة [أو قنيّة] فألقي عنها صوفها، ثم أمرت بدقيق فنخِل في خرقة، فجعل منه خبز مرقّق، وأمرت بصاع من زبيب فجعل في سُعُن حتى يكون كدم الغزال.

قال : السُّعُن: قربة أو إدارة ينتبَذ فيها وتعلّق بجِذع.

وفي حديثه : إنه رأى رجلاً يأنِح ببطنه، فقال: ما هذا؟ قال : بركة من الله ، قال : بل هو عذاب من الله يعذّبك به .

قال : يأنح يصوّت، وهو ما يعتري الإنسان السمين من البُهر إذا مشى، أنَح يانِح أنوحاً .

ص: 293


1) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب : خصال الفطرة ،(259)، والترمذي في كتاب : الأدب عن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) ، باب: ما جاء في إعفاء اللحية (2764) ، وأبو داود في كتاب :الترجل، باب :أخذ الشارب (4199)، واللفظ له.

وفي حديثه : إنّه لما دنا من الشام ولَقِيّه الناس، جعلوا يتراطنون، فأشكعَهُ ذلك وقال لأسلم مولاه : إنّهم لم يروا على صاحبك بزّة قوم غضب الله عليهم .

قال : أشكَعه: أغضبه، قال أراد أنّهم لم يتحاموا عنه اللغط ،والكلام بالفارسية والنَّبطية بحضرته، لأنهم لم يَروه بعين الإمارة والسلطان، كما يرون أمراءهم، لأنهم لم يروا عليه بزّة الأمراء وزيّهم.

وفي حديثه : إنّ عاملاً على الطائف كتب إليه : إن رجالاً منهم كلَّموني في خلايا لهم،أسلموا عليها، وسألوني أن أحميَها لهم. فكتب إليه عمر: «إنها ذُبَاب غَيْثَ، فَإِنْ أَدَّوْا زكاته فاحِمه لهم .

قال : الخلايا موضع النَّحل التي تعسل، الواحدة خليّة، وأراد بقوله : «إنّها ذُباب غيث» أنها تعيش بالمطر، لأنَّها تأكل ما ينبت عنه، فإذا لم يكن غيث فقدت ما تأكل، فشبّهها بالسَّائم من النّعم لا مؤنة على صاحبها منها، وأوجب فيها الزكاة.

وفي حديثه : أنّ سعد بن الأخْرَم، قال: كان بين الحيّ وبين عديّ بن حاتم تشاجُرُ فأرسلوني إلى عمر فأتيته وهو يطعم الناس من كسور إبل، وهو قائم متوكيء على عصا، مؤتزر إلى أنصاف ساقيه، خِدَبّ من الرجال كأنه راعي غنم، وعلي حلة ابتعتُها بخمسمائة درهم، فسلّمت عليه فنظر إليّ بذنَب عينه، وقال لي : أما لك مِغوز؟ قلت: بلى، قال: فألقها، فألقيتُها وأخذت مِغوزاً، ثم لقيته فسلّمت، فردّ عليّ السلام.

قال : كُسور الإبل : أعضاؤها .

والخِدَبْ : العظيم الجافي وكأنّه راعي غنم ،يريد في الجفاء والبذاذة وخشونة الهيئة واللّبسة .

والمِعوز :الثوب الخلَق، والميم مكسورة، وإنّما ترك ردّ السلام عليه أولاً، لأنه أشهر الحُلّة، فأذبه بترك ردّ السلام ،فلما خلعها ولبس المِغوز ردّه عليه .

وفي حديثه : إنه ذكر فِتيان قريش وسَرَفهم في الإنفاق، فقال: لَحِرْفة أحدهم أشدّ عَلَيّ من عَيلته .

قال : الحرفة ها هنا، أن يكون الرّجل لا يتجر ولا يلتمس الرّزق، فيكون محدوداً لا يرزق إذا طلب، ومنه قيل : فلان محارّف. والعَيْلة : الفقر .

ص: 294

وفي حديثه : إنّه قال الرجل : ما مالُك؟ قال: أقرُنّ لي وآدمِة في المَنيئة، قال: قومها وزكّها .

قال: الأقرن: جمع قزن، وهي جعبة من جُلُود تكون للصيّادين يشقّ منها جانب ليدخلها الريح فلا يفسد الريش .

وآدمة: جمع أدِيم ،كجرِيب وأجرِبة .

والمَنيئة : الدّباغ، وإنما أمره بتزكيتها، لأنها كانت للتجارة .

وفي حديثه : إنّ أبا وجزة السعديّ، قال : شهدته يستقي، فجعل يستغفر، فأقول : ألا يأخذ فيما خرج له! ولا أشعر أنّ الاستسقاء هو الاستغفار، فقلَدتنا السماء قِلداً كلّ خمس عشرة ليلة، حتى رأيت الأرنبة يأكلها صغار الإبل من وراء حِقاق العُرْفط .

قال : فقلِدتنا : مطرتنا لوقت معيّن، ومنه قِلد الحمَّى، وقلد الزرع، سقيه لوقت وهو وقت الحاجة .

وقال: رأيت الأرنب يحتملها السيّل حتى تتعلق بالعُرفط، وهو شجر ذو شوك وزاد في الأرنب هاء، كما قالوا : عقرب وعقربة، وحِقَاق العُرفط: صغارها ، وقيل : الأرنب ضرب من النبت، لا يكاد يطول، فأراد أنه طال بهذا المطر حتى أكلته صغار الإبل من وراء شجر العُرْفط .

وفي حديثه : إنه قال : ما وَليَ أحد إلا حامَى على قَرابته ، وقَرَى في عيبته، ولن يليَ الناس قرشِيُّ عضّ على ناجذه .

قال : حامىَ عليهم : عطف عليهم، وقَرَى في عيبته، أي اختان، وأصل قَرَى: جمع.

وفي حديثه : لن تخور قوى ما كان صاحبها ينزع وينزو .

يخور يضعف. والنّزع في القوس، والنَّزو على الخيل .

وروي أن عمر كان يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى، ثم يجمع جراميزه ويثِب، فكأنما خلِق على ظهر فرسه .

وفي حديثه :« تعلَّموا السنّة والفرائض واللَّحن، كما تتعلمون القرآن» .

قال : اللّحن ها هنا : اللغة والنحو .

وفي حديثه : إنه مرّ على راعٍ، فقال: يا راعي، عليك بالظَّلِف من الأرض لا ترمِّض، فإنّك راع وكلّ راع مسؤول.

ص: 295

قال : الظّلف: المواضع الصلبة، أمره أن يرعى غنمه فيها، ونهاه أن يرمّض، وهو أن يرعى غنمه في الرّمضاء وهي تشتدّ جداً في الدّهاس (1)والرمل، وتخفّ في الأرض الصلبة.

وفي حديثه : إنّ رجلاً قرأ عليه حرفاً، فأنكره، فقال: مَنْ أقرأك هذا؟ قال: أبو موسى ،فقال:انّا با موسی لم يكن من أهل البَهش.

قال : البَهْش المُقْل الرطب، فإذا يبس فهو الخَشل، وأراد أنَّ أبا موسى: ليس من أهل الحجاز، لأنّ المُقْل بالحجاز نبت، والقرآن نزل بلغة الحجاز .

وفي حديثه : إن عقبة بن أبي مُعَيط لمّا قال للنبي(صلی الله علیه وآله و سلم) : أأقتل مَن بين قريش؟ فقال عمر : حَنّ قِدْح ليس منها (2).

قال : هذا مثل يضرب للرجل يُدخل نفسه في القوم وليس منهم، والقِدح: أحد قِداح الميسر، وكانوا يستعيرون القِدْح يدخلونه في قِدَاحهم يتيمّنون به ويثقون بفوزه .

وفي حديثه : إنّ أهل الكوفة لمّا أوفدوا العِلْباء بن الهيثم السّدوسيّ إليه، فرأى عمر هيئته رنّة، وأعجبه كلامه وعمله ،قال: لكلّ أناس في حمِيلهم خير .

قال: هذا مثل، والمراد أنهم سوّدوه على معرفة منهم بما فيه من الخلال المحمودة، والمعنى أن خُبره فوق منظره .

وفي حديثه : إنّه أخذ من القِطنيّة الزكاة (3).

قال : الحبوب كالعدس والحِمّص، وفي أخذ الزكاة منها خلاف بين الفقهاء.

وفي حديثه : أنه كان يقول للخارص:« إذا وجدت قوماً قد خَرَفوا في حائطهم، فانظر قدر ما ترى أنّهم يأكلونه، فلا تخرصه .

قال: خَرفُوا فيه ،أي نزلوا فيه أيام اختراف الثمّرة .

وفي حديثه : «إذا أجريت الماء على الماء جَزى عنك».

قال : يريد صبّ الماء على البؤل في الأرض، فإنه يطهّر المكان، ولا حاجة إلى غسله. وجَزى قضى وأغنى، من قوله تعالى: وَلا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا (4)، فإن أدخلت الألف قلت : «أجزاك» وهمزت، ومعناه كفاك .

ص: 296


1) الدهاس : المكان السهل ليس برمل ولا تراب. القاموس المحيط ،مادة (دهس).

2) أخرجه ابن منظور في لسان العرب : 130/13 .

3) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (7191)، ومالك في المدونة الكبرى (349/2) .

4) سورة البقرة، الآية : 123 .

وفي حديثه : إنه قال :« لا يعطى من المغانم شيء حتى تقسّم إلا لراع والدليل غيرُ مُوليه» .

قال الراعي ها هنا الطليعة لأنه يرعَى القوم ،أي يحفظهم .

وقوله : «غير مُوليه» ، أي غير مُعْطِيه شيئاً لا يستحقه .

وفي حديثه :« إنّ من الناس مَنْ يقاتل رياءً وسمعة ،ومنهم مَنْ يقاتل وهو ينوي الدّنيا ، ومنهم مَنْ ألجمه القتال فلم يجد بدَّا، ومنهم مَنْ يقاتل صابراً محتسباً، أولئك هم الشهداء».

قال : ألجمه القتال، أي رهقه وغشِيه، فلم يجد مخلصاً.

وفي حديثه : إنه أرسل إلى أبي عبيدة رسولاً فقال له حين رجع : فكيف رأيتَ أبا عبيدة؟ قال: رأيتُ بللاً من عيش فقصّرَ من رزقه، ثم أرسل إليه، وقال للرسول حين قدم: كيف رأيتَه؟ قال : رأيته حَفُوفاً، قال: رحم الله أبا عبيدة ،بسطنا له ،فبسَط ،وقبضنا له فقبض .

قال : الحَفُوف والحَفَف واحد، وهو ضِيق العيش وشدّته، يقال: ما عليهم حَفَفٌ ولا ضَفَ ،أي ما عليهم أثر عَوَز ، والشَّظف : مثل الحَفَف .

وفي حديثه إنه رئي في المنام، فسئل عن حاله، فقال: «ثُلَّ عَرْشي لولا أني صادفت ربّي رحيماً».

قال : ثُلّ عرشُه، أي هدم.

وفي حديثه: إنه قال لأبي مريم الحنفيّ: «لأنا أشدُّ بغضاً لك من الأرض للدم»، قالوا : عليه غليظاً، كان قاتِلَ زيد بن الخطاب أخيه، فقال: أينقُصُنِي ذلك من حقِّي شيئاً؟كان عمر قال : لا ، قال : فلا ضَيْر .

قال : هذا مثل، لأن الأرض لا يغوص فيها الدم كما يغوص الماء، فهذا بعض الأرض له، ويقال : إنّ دم البعير تنشِفه الأرض وحده .

وفي حديثه: «إنّ اللبن يشبّه عليه .

قال : معناه أنّ الطّفل ربما نزع به الشَّبَه إلى الظثر من أجل لبنها، فلا تسترضعوا . إلاّ مَنْ ترضون أخلاقها .

وفي حديثه : «اغزوا ، والغَزْو حلو خضِر، قبل أن يكون ثُماماً، ثم يكون رُماماً ، ثم يكون حُطاماً».

قال : هذا مثل، والثُّمام: نبت ضعيف.

والرُّمام ، بالضم والرميم واحد، مثل طُوال وطويل.

ص: 297

والحُطام :يبس النبت إذا تكسَّر، ومعنى الكلام أنّه أمرهم بالغزو حين عزائمهم قويّة، وبواعثهم إليه شديدة، فإنّ مع ذلك يكون الظفر قبل أن يَهِي ويضعُف، فيكون كالثُّمام الضعيف، ثم كالرميم، ثم يكون حُطَاماً فيذهب .

وفي حديثه :« إذا انتاطت المغازي، واشتدّت العزائم، ومنعت الغنائم أنفسها، فخير غزوكم الرّباط».

قال :انتاطت بعدت، والنّطيء: البعيد.

واشتدّت العزائم : صعبت ومنعت أنفسَها ، فخير غزوكم الرّباط في سبيل الله .

وفي حديثه : إنه وضع يده في كُشية ضبّ، وقال : إنّ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) لم يحرّمه، ولكن قذَّره .

قال : كُشية الضّب : شحم بطنه .

وقوله : «وضع »أي أكل منه .

وفي حديثه : «لا أوتَى بأحدٍ انتقص من سبل المسلمين إلى مثاباته شيئاً إلا فعلت به كذا ».

قال : المثاباتها ها هنا : المنازل يثوب أهلها إليها ، أي يرجعون، والمرادُ مَنْ اقتطعَ شيئاً من طريق المسلمين وأدخله في داره.

وفي حديثه : إنه كره النِّير .

قال : هو عَلَم الثوب، وأظنه كرهه إذا كان حريراً .

وفي حديثه : إنه انكسرت قَلُوص من إبل الصدقة فجَفَنها .

قال : اتخذ منها جَفْنة من طعام، وأجمع عليه .

وفي حديثه : «عجبت لتاجر هَجَر، وراكب البحر »!

قال : عجب كيف يختلف إلى هَجَر مع شدّة ،وبائها، وكيف يركب البحَر مع الخطار بالنفس ! وفي حديثه :إنه قال ليلة لابن عباس في مسير له : أنشِدنا لشاعر الشعراء، قال : ومَنْ هو ؟ قال : الذي لم يعاظِل بين القول، ولم يتّبع حُوشِيّ الكلام، قال: ومَنْ هو ؟ قال زهير ،فجعل يُنشِد إلى أن بَرَق الصبح .

قال : هو مأخوذُ من تعاظُل الجراد، إذا ركب بعضُه بعضاً .

وحُوشِيّ الكلام: وحشيُّه .

وفي حديثه : إنّ نائلاً مولى عثمان، قال: سافرتُ مع مولايَ وعمر في حَجّ أو عُمرة، فكان عمر وعثمان وابن عمر لِفُّا، وكنت أنا وابنُ الزَّبير في شَبَبة معنا لِفًا، فكنّا نتمازَح ونترامَى بالحنظل، فما يزيدنا عمر على أن يقول لنا : كذاك لا تَذْعَرُوا علينا، فقلنا لرَياح بن العترف : لو

ص: 298

نصَبت لنا نضب العرب ! فقال : أقول مع عمر فقلنا : افعل وإن نهاك فانتهِ، ففعل ولم يقل عمر شيئاً، حتى إذا كان في وجه السَّحر :ناداه يا رَياح، إيها ، اكفُف فإنها ساعة ذكر!

قال: لِفَّا، أي حزباً وفِرْقَة .

وشَيِّبَة : جمع شابّ مثل كاتب وكَتَبة، وكاذب وكَذَبة، وكافر وكَفَرة .

وقوله : «كذاك» أي حَسْبُكم.

وقوله : «لا تذْعَرُوا علينا»، أي لا تنفروا إبلنا .

ونضب العرب : غناء لهم يشبه الحُداء، إلاّ أنه أرقّ منه

وفي حديثه : إنه كتب في الصدقة إلى بعض عمّاله كتاباً فيه:« ولا تحبِس الناس أوّلهم على آخرهم، فإن الرَّجن للماشية عليها شديد، ولها مُهْلِك، وإذا وقف الرّجل عليكَ غَنَمه فلا تَعْتَمُ من غنِمه، ولا تأخذ من أدناها وخذ الصدقة من أوسطها، وإذا وجَبَ على الرّجل سنُّ لم تجدها في إبله فلا تأخذ إلا تلك السنّ من شَرْوى إبله أو قيمة عدل، وانظر ذوات الدَّرّ والماخِض، فتنكّب عنها، فإنها ثمال حاضِرِيهم ».

قال : الرَّجْن: الحبس ،رجَن بالمكان: أقام به، ومثله دَجَن ،بالدّال.

ولا تعثم :لا تختر، اعتام اعتياماً، أي اختار .

و شَروى إبله، أي من مِثْلها.

وذوات الدّرّ : ذوات اللَّبن .

والماخِض: الحامل .

وثمال حاضريهم : عصمتهم وغياثهم، وحاضريهم : مَنْ يسكن الحضَر.

وفي حديثه : إنه كان يلقط النّوَى من الطريق والنُكث ، فإذا مرّ بدار قوم ألقاها فيها، وقال: «ليأكل هذا داجنتكم وانتفعوا بباقيه».

قال : الداجنة ما يعلفه الناس في منازلهم، من الشّاة والدّجاج والطيّر .

والنِّكث : الخيوط الخلَق من صوف أو شعر أو وَبر.

وفي حديثه : «ثلاثُ من الفَواقر : جار مُقامة، إن رأى حسنةٌ دَفنها، وإن رأى سيّئة أذاعها ، وامرأة إن دخلتَ عليها لَسَنَتْك، وإن غِبت عنها لم تأمنها، وإمام إن أحسنتَ لم يرضَ عنك، وإن أسأت قتلك».

قال: الفواقر :الدواهِي، واحدتها فاقرة لأنها تكسر فقار الظّهر.

ولسنتك : أخذتك بلسانها .

وفي حديثه في خطبة له :« مَنْ أتى هذا البيت لا ينهره إليه غيره، رجع وقد غفر له».

ص: 299

قال :ينهره: يدفعه، يريد من حَجّ لا ينوي بالحجّ إلا الطاعة غفر له.

وفي حديثه: «اللبن لا يموت».

قال : قيل في معناه : إن اللبن إذا أخذ من ميتة لم يحرم، وكلّ شيء أخذ من الحيّ فلم فإنه إن أخذ من الميت لم يحرم.

وقيل في معناه : إِنْ رَضَع الطفل من امرأة ميّتة حَرُم عليه من أولادها وقرابتها مَنْ يحرم عليها منها لو كانتْ حَيّة .

وقيل : معناه : إنّ اللبن إذا انفصل من الضّرع فأوجو به الصبيّ أو أدم به أو دِيف له في دواء وسُقِيَه، فإنه وإن لم يسمّ في اللغة رضاعاً، إلا أنّه يحرم به ما يحرم بالرضاع، فقال: اللبن لا يموت، أي لا يبطل عمله بمفارقة الثدي.

وفي حديثه:« من حظّ المرء نفاق أيّمه وموضع خُفّه».

قال : الأيّم الّتي لا بعل لها، والحُفٌ : الإبل، كما تُسمّى الحمر والبغال حافراً، والبقر

والغنم ظِلفاً، يريد من حظ الإنسان أن يخطب إليه ويتزَّوج بناتُه وأخواته وأشباهُهنّ، فلا يَبُرْن، حظه أيضاً أن ينفق إبله، حتى ينتابه التّجار وغيرهم فيبتاعوها في مواضعها، يستطرقونه لا يحتاج أن يعرضها عليهم.

وفي حديثه : إنّ العباس بن عبد المطلب سأله عن الشعراء، فقال: امرؤ القيس سابقهم، خسف لهم عَيْن الشعر، فافتقر عن معانٍ عُورٍ أَصَحْ بَصَرٍ .

قال: خسف لهم، من الخسِيف، وهي البئر تحفر في حجارة، فيخرج منها ماء كثير ،وجمعها خُسُف.

وقوله : «افتقر» أي فتح، وهو من الفقير، والفقير :فم القناة.

وقوله : «عن معان عور» يريد أنّ امرأ القيس من اليمن، واليمن ليست لهم فصاحة تزار ،فجعل معانيهم عُوراً، وفتح امرؤ القيس عنها أصحّ بصر .

احادیث واردة في فضل عمر

فأما الحديث الوارد في فضل عمر، فمنه ما هو مذكور في الصّحاح ، ومنه ما هو غير مذكور فيها . فممّا ذكر في المسانيد الصحيحة من ذلك، ما روت عائشة أن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم )قال :

«كان في الأمَم محدَّثون ، فإن يكن في أمّتي فعمر » (1). أخرجاه في الصحيحين .

ص: 300


1) أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب : حديث الغار (3469)، ومسلم في كتاب : فضائل الصحابة باب: من فضائل عمر (2398).

وروی سعد بن وقَّاص، قال: استأذن عُمر على رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) ، وعنده نساء من قريش يكلِّمْنه، عاليةُ أصواتهنّ، فلمّا استأذن قُمْنَ يبتدِرن الحجاب، فدخل ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يضحَك، قال : أضحَك الله سِنَّكَ يا رسول الله (صلی الله علیه و آله وسلم) ! قال: عجبتُ مِنْ هؤلاء اللّواتِي كنّ عندي فلمَّا سَمِعْنَ صوتَك ابتدرْنَ الحِجاب . فقال عمر : أنت أحقّ أن يهبْنَ، ثم قال : أي عَدُوّاتِ أنفسهنّ، أتهبْنَني ولا تهبْنَ رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) ؟ قلن : نعم، أنت أغلظ وأفظّ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ): «والّذِي نفسي بيده، ما لقيَكَ الشّيطان قطّ سالكاً فَجًا إلا سلك فَجَّا غير فَجَك» (1)، أخرجاه في الصحيحين .

وقد روي في فضله من غير الصحاح أحاديث:

منها: «إن السكينة لتنطِق على لسان عمر»(2).

ومنها : «إن الله تعالى ضرب بالحقّ على لسان عمر وقلبه »(3).

ومنها : «إنّ بين عيني عمر مَلَكاً يسدّده ويوفقّه »(4).

ومنها : «لو لم أبْعَثُ فيكم لبعِث عمر»(5).

منها : «لو كان بعدي نبيّ لكان عمر» (6).

ومنها :« لو نزل إلى الأرض عذابُ لما نجا منه إلاّ عمر »(7).

ومنها: «ما أبطأ عنّي جبريل إلاّ ظَننت أنه بعِث إلى عمر »(8).

ومنها : «سراج أهل الجنّة عمر»(9).

ص: 301


1) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق باب: صفة إبليس وجنوده (3294)، ومسلم في كتاب : فضائل الصحابة باب من فضائل عمر(2397) .

2) أخرجه الطبراني في الأوسط (5549) ، وأحمد في المسند» (834) ، وأبو نعيم في الحلية (42/1).

3) أخرجه أحمد في المسند باب: حديث أبي ذر الغفاري (20778)، والطبراني في «الأوسط» (247).

4) أخرجه الطبراني في «الكبير» (8831 - 8832) ، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (31983).

5) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس »(5127) ، وابن عدي في «الكامل» (669).

6) أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب عن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) ، باب : في مناقب عمر بن (3686) ، وأحمد في باب: حديث عقبة بن عامر (16952).

7) أخرجه ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (158/1) ، والطبري في تفسيره (48/10) .

8) لم أعثر عليه .

9) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (74/9) ، وأبو نعيم في «الحلية» (333/6)، وابن عدي في«الكامل» (1003 ) .

ومنها : إن شاعراً أنشد النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) شعراً، فدخل عمر فأشار النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الشاعر أن اسكُتُ، فلمّا خرج عمر، قال له :عُد فعاد، فدخل عمر فأشار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالسكوت مرّة ثانية، سأل الشاعرُ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن الرّجل ، فقال :« هذا عمر بن الخطاب، وهو فلما خرج عمر رجل لا يحبّ الباطل» (1).

ومنها : إنّ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) قال :« وُزِنتُ بأمّتي فرجَحت، ووزن أبو بكر بها فرجح، ووزن عمر بها فرجح ، ثم رجح ، ثم رجح»(2).

وقد روؤا في فضله حديثاً كثيراً غير هذا ، ولكنّا ذكرنا الأشهر. وقد طعن أعداؤه ومبغضوه في هذه الأحاديث، فقالوا : لو كان محدَّثاً وملهماً لما اختار معاوية الفاسقَ لولاية الشام، ولكان الله تعالى قد ألهمه وحدّثه بما يُواقِع من القبائح والمنكرات والبَغي والتغلّب على الخلافة، والاستئثار بمال الفيء، وغير ذلك من المعاصي الظاهرة.

قالوا : وكيف لا يزال الشّيطانُ يسلك فجاً غير فجّه، وقد فرّ مراراً من الزحف في أحُدٍ وحُنَين وخَيْبر، والفرار من الزَّحْف من عمل الشيطان وإحدى الكبائر الموبقة!

قالوا : وكيف يُدعى له أنّ السكينة تنطِق على لسانه! أترى كانت السّكينةُ تَلاحِيَ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم الحُديبية،، حتى أغضبه

قالوا : ولو كان ينطق على لسانه ملَكٌ أو بين عينيه مَلَكٌ يسدّده ويوفّقه، أو ضرب الله بالحقّ على لسانه وقلبه، لكان نظيراً لرسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، بل كان أفضَلَ منه، لأنه(صلی الله علیه و آله و سلم) كان يؤدّي الرسالة إلى الأمّة عَنْ مَلك من الملائكة ،وعمر قد كان ينطق على لسانه مَلَك، وزيدَ ملَكاً آخر بين عينيه يسدّده ويوفقه، فهذا الملك الثاني ممَّا قد فضّل به على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد كان حكم في أشياء فيخطىء فيها حتى يُفهمه إياها عليُّ بن أبي طالب(علیه السلام)، ومُعاذ بن جبل وغيرهما، قال : لولاً علي لهلكَ عمر، ولولا معاذ لهلك عمر. وكان يُشِكل عليه الحكم، فيقول لابن عباس: غُصْ يا غوّاص ،فيفرَج عنه، فأين كان المَلَك الثاني المسدّد له! وأين الحق الذي ضُرب به علی لسان عمر؟ ومعلوم أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)كان ينتظر في الوقائع نزولَ الوحي . وعمر على مقتضَى هذه الأخبار لا حاجة به إلى نزولِ ملَك عليه، لأنّ الملّكين معه في كلّ وقت

ص: 302


1) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد»(118/8) ، وأبو نعيم في «الحلية» (46/1) ، وأحمد في «فضائل الصحابة» (335) .

2) أخرجه الطبراني في «الكبير» (7864) ، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (137/3)، والهيثمي في مسند الحارث (962).

وكلّ حال، ملَك ينطق على لسانه وملك آخر بين عينيه يسددّه ويوفقه. وقد عزّزا بثالث وهي السكينة، فهو إذاً أفضلُ من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) !

وقالوا والحديث الذي مضمونه: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر، فيلزم أن يكون رسول الله( صلى الله عليه و آله وسلم) عذاباً على عمر، وأذى شديداً له، لأنه لو لم يبعث لبعث عمر نبياً ورسولاً ، ولم تعلم رتبةٌ أجلّ من رتبة الرسالة، فالمزيل لعمر عن هذه الرّتبة التي ليس وراءها رتبة، ينبغي ألاّ يكون في الأرض أحدُ أبغض إليه منه !

قالوا : وأمّا كونه سراج أهل الجنّة، فيقتضي أنّه لو لم يكن تجلّى عمر لكانت الجنّة مظلمة لا سراجَ لها .

قالوا : وكيف يجوز أن يقال : لو نزل العذابُ لم ينجُ منه إلا عمر، والله تعالى يقول: وَمَا كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمُّ (1.)قالوا : وكيف يجوز أن يقال : إنّ النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم كان يسمع الباطل ويحبّه ويشهده، وعمر لا يسمع الباطل ولا يشهده ولا يحبّه! أليس هذا تنزيهاً لعمر عمّا لم ينزّه عنه رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) !)قالوا : ومن العَجَب أن يكون النبي(صلی الله علیه و آله و سلم أرجحَ من الأمة يسيراً، وكذلك أبو بكر، ويكون أرجح منهما كثيراً ! فإن هذا يقتضي أن يكون فضلُه أبينَ وأظهرَ من فضل أبي بكر ومن فَضل)رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم !)والجواب أنه ليس يجب فيمن كان محدّثاً ملهماً أن يكون محدَّثاً ملهَماً في كلّ شيء بل الاعتبار بأكثر أفعاله وظنونه وآرائه، ولقد كان عمر كثيرَ التوفيق، مصيبَ الرأي في جمهور أمرِه، ومَنْ تأمّل سيرته علم صحّة ذلك، ولا يقدَح في ذلك أن يختلف ظنُّه في القليل من الأمور.وأما الفرار من الزَّحف، فإنه لم يفرّ إلا متحيزاً إلى فئة، وقد استثنى الله تعالى ذلك فخرج به عن الإثم.وأمّا باقي الأخبار فالمراد بالملَك فيها الإخبار عن صحة ظنّه، وصدق فراسته، وهو كلام يجري مجرى المثل، فلا يَقدح فيه ما ذكروه.وأما قوله(صلی الله علیه و آله و سلم : «لو نزل إلى الأرض عذابُ لما نجا منه إلا عمر»، فهو كلام قاله عَقِيب أخذ الفدية من أسارى بذر، فإنّ عمر لم يُشِر عليه ،ونهاه عنه ، فأنزل الله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(2). وإذا كان القرآن قد نطق بذلك وشهد، لم يُلتفت إلى طعن مَنْ طعن في الخبر .

ص: 303


1) سورة الأنفال، الآية : 33 .

2) سورة الأنفال، الآية : 68 .

شعره

وأما قوله(صلی الله علیه و آله و سلم) : «سراج أهل الجنّة عمر»، فمعناه سراج القوم الذين يستحقّون الجنّة من أهل الدنيا أيّام كونهم في الدنيا مع عمر، أي يستضيئون بعلمه، كما يستضاء بالسراج.

وأما حديث مَنع الشّاعر، فإن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و خاف أن يذكر في شعره ما يقتضي الإنكار فیعنف به عمر وكان شديد الغلظة، فأراد النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) أن ينكر هو على الشّاعر إن قال في ما يقتضي ذلك على وجه اللّطف والرِّفق، وكان(صلی الله علیه و آله و سلم) رؤوفاً رحيماً، كما قال الله تعالى.

وأما حديث الرجحان، فالمراد به الفتوح ومُلك البلاد، وتأويله أنّه (صلی الله علیه و آله و سلم) أُرِیَ في منامه ما يدلّ على أنه يفتح الله عليه بلاداً وعلى أبي بكر مثله، ويفتح على عمر أضعاف ذلك، وهكذا وقع .

واعلم أن مَنْ تصدّى للعيب وجَده، ومن قصر همّته على الطَّعن على الناس انفتحت له أبواب كثيرة، والسعيد مَنْ أنصف من نفسه، ورفض الهوى، وتزوّد التقوى، وبالله التوفيق!

في إسلام عمر

وأمّا إسلام عمر، فإنه أسلم، فكان تمام أربعين إنساناً في أظهر الروايات، وذلك في السنة السادسة من النبوة، وسنّه إذ ذاك ست وعشرون سنة، وكان عمر ابنه عبد الله يومئذ ستّ سنين .

وأصحّ ما رويَ في إسلامه رواية أنس بن مالك عنه، قال: خرجتُ متقلّداً سيفِي، فلقيت رجلاً من بني زُهرة، فقال: أين تعمد؟ قلت : أقتل محمداً ، قال : وكيف تأمنُ في بني هاشم وبني زهرة؟ فقلت : ما أراك إلا صَبَوْت ! قال : أفلا ُّعلى العَجَبِ! إنّ أختك وزوجها قد صَبَوَا. فمشى عمر فدخل عليهما ذامراً، وعندهما رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )، يقال له: خباب بن الأرتّ، فلما سمع خَبّاب حِس عمر توارَی، فقال عمر: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ وكانوا يقرؤون «طه» على خَبّاب، فقال : ما عندنا شيء، إنّما هو حديثُ كنّا نتحدّثه بيننا، قال: فلعّلكما قد صَبوتما فقال له خَتَنُه : أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك! فوثب عمر على ختنه فوطِئه وطاً شديداً، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها، فنفحها بيده، فأدمى وجهها، فجاهرته ،فقالت: إنّ الحقّ في غير دينك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فاصنع ما بدا لك! فلما ينس قال : أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه - وكان عمر يقرأ الخطّ - فقالت له أخته: إنك رجس، وإنّ هذا الكتاب لا يمسُّه إلاّ المطهرون، فقم فتوضّأ ، فقام فأصاب ماء، ثم أخذ الكتاب، فقرأ وله طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْوَانَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشَى(1)إلى قوله : إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِى ، فقال عمرُ : دُلّونِي على محمَّد، فلما سمع خَبّابٌ قول عمر، ورأى منه الرّقة، خرج

ص: 304


1) سورة طه ، الآيات : 1 ، 14 .

من البيت، فقال : أبِشر يا عمر، فإنّي لأرجو أن تكون دعوة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم ) ليلَة الخميس لك، سمعته يقول: «اللهمّ أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمر بن هشام» (1). - قال : ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )في الدّار التي في أصلِ الصَّفَا - فانطلق عمر حتى أتى الدّار، وعلى الباب حمزة بن عبد المطلب وطلحة بن عبيد الله وناس من أهل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )، فلمّا رأى النّاس عمرَ قد أقبلَ ،كأنهم وجِدوا ،وقالوا: قد جاء عمر، فقال حمزة: قد جاء عمر، فإن يرد الله

خيْراً يُسْلِم، وإن يرد غير ذلك كان قتلُه علينَا هيِّناً ، قال : والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم ) مِنْ داخل البيت يُوحَى إليه، فسمع رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) كلامَ القوم، فخرج مسرعاً كلامَ القوم، فخرج مسرعاً حتى انتهى إلى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، وقال: ما أنت منتهياً يا عمر حتى ينزل الله بك - يعني من الخزي والنكال - أنزل بالوليد بن المغيرة. ثم قال: اللّهم هذا عمر ، اللّهم أعزّ الإسلام بعمر! فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ). فكبّر أهل الدار، ومن كان على الباب، تكبيرةُ سمعها مَنْ كان في المسجد من المشركين (2)2) .

وقد روي أن عمر كان موعوداً ومبشّراً بما وصل إليه من قبل أن يظهر أمر الإسلام .قرأت في كتاب من تصانيف أبي أحمد العسكري رحمه الله، أن عمر خرج عَسِيفاً مع الوليد بن المغيرة إلى الشام في تجارة للوليد، وعمر يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، فكان يرعى للوليد إبِلَهُ، ويرفع أحماله، ويحفظ مَتَاعه، فلمّا كان بالبَلقاء لقيَه رجلٌ من علماء الرّوم، فجعل ينظر إليه، ويِطيل النظر لعمر ، ثم قال: أظنّ اسمك يا غلام«عامراً» أو «عمران» أو نحو ذلك؟ قال: اسمي «عمر» قال: اكشف عن فَخِذيك، فكشف فإذا عَلَى أحدهما شامة سوداء في قَدر راحة الكفّ، ، فسأله أن يكشف عن رأسه، فكشف فإذا هو أضلَع، فسأله أن يعتمل بيده، فاعتمل فإذا أعسر أيْسَر ، فقال له : أنت ملك العرب، وحقّ مريم البتول ! قال : فضحك عمر مستهزئاً، قال: أو تضحك ! وحقّ مريم البتول إنك ملك العرب، وملك الروم، وملك الفرس! فتركه عمر وانصرف مستهيناً بكلامه، وكان عمر يحدّث بعد ذلك، ويقول : تبعني ذلك الروميّ وهو راكب حماراً، فلم يزل معي حتى باع الوليد متاعه، وابتاع بثمنه عِطراً وثياباً ، وقَفل إلى الحجاز، والروميّ يتبعني، لا يسألني حاجة، ويقبّل يدي كلّ يوم إذا أصبحت كما تُقبّل يد الملك، حتى خرجنا من حدود الشام، ودخلنا في أرض الحجاز راجعين إلى مكة، فودّعني ورجع. وكان الوليد يسأَلني عنه فلا أخبره، ولا أراه إلا هلَك ولو كان حيَّا لشخص إلينا (3).

ص: 305


1) أخرجه الترمذي في المناقب، باب في مناقب عمر بن الخطاب (3683).

2) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (268/3)، دون قوله : «فكبر أهل الدار... إلخ».

3) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 110/31 بما معناه .

ما ورد في تاريخ موت عمر

فأما تاريخ موته، فإنّ أبا لؤلؤة طعنه يوم الأربعاء، لأربع بقين من ذي الحجّة من سنة ثلاث وعشرين، ودُفِن يوم الأحد صباح هلال المحرّم سنة أربع وعشرين، وكانت ولايته عشر سنين وستّة أشهر، وهو ابن ثلاث وستين في أظهر الأقوال، وقد كان قال على المِنبر يوم جُمعة، وقد ذكر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم ) وأبا بكر : إنّي قد رأيتُ رؤيا، أظنّها لحضور أجلي، رأيت كأنّ ديكاً نقرني نَفرتين، فقصصتُها على أسماء بنت عُمَيس، فقالت : يقتلك رجلٌ من العَجَم، وإني فكرتُ فيمن استخلف، ثم رأيتُ أنّ الله لم يكن ليضيّع دينَه وخلافته التي بعث بها رسوله (1).

وروى ابن شهاب قال: كان عمر لا يأذن لصبيِّ قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة، وهو على الكوفة، يذكر له غلاماً صَنَعاً عنده ويستأذنه في دخول المدينة، ويقول : إنّ عنده أعمالاً كثيرة فيها منافع للناس، إنّه حدّاد نقاش نجّار. فأذِن له أن يرسل به إلى المدينة، وضربَ عليه المغيرة مائة دِرْهم في كلّ شهر، فجاء إلى عمر يوماً يشتكي إليه الخراج، فقال له عمر ماذا تحسنُ من الأعمال؟ فعدّ له الأعمال التي يحسن، فقال له : ليس خراجُك بكثير في كُنه عملك .

هذا هو الذي رواه أكثر الناس من قوله له، ومن الناس مَنْ يقول : إنّه جَهَر بكلام غليظ، واتفقوا كلُّهم على أنَّ العبد انصرف ساخطاً يتذمّر، فلبث أياماً ثم مرّ بعمر فدعاه، فقال : قد حُدّثت أنّك تقول : لو أشاء لصنعتُ رحاً تطحَنُ بالريح، فالتفت العبد عابساً ساخطاً إلى عمر ،ومع عمر رهط من الناس، فقال: لأصنعنّ لك رحاً يتحدّث الناس بها، فلمّا ولّى أقبل عمر على الرَّهط، فقال : ألا تسمعون إلى العبد! ما أظنّه إلا أوعدني آنفاً ! فلبث ليالِ، ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خِنْجَرٍ ذي رأسين، نصابُه في وسَطه، فكمَن في زاوية من زوايا المسجد في غلَس السّحر، فلم يزل هنالك حتى جاء عمر يوقظ الناس لصلاة الفجر، كما كان يفعل، فلمّا دنا منه وثبَ عليه فطعنه ثلاثَ طعنات: إحداهنّ تحت السّرّة، قد خرقت الصّفاق - وهي التي قتلته -ثم انحاز إلى أهل المسجد، فطعن فيهم مَنْ يليه حتى طعن أحدَ عشر رجلاً سوى عمر، ثم انتحر بخِنجره، فقال عمر حين أدركه النّزف : قولوا لعبد الرحمن بن عوف، فليصلّ بالناس، ثم غلبه النّزف فأغمي عليه، فاحتُمل حتى أدخل بيته، ثم صلّى عبد الرحمن بالنّاس، قال ابن :عباس فلم أزل عند عمر وهو مغمَى عليه لم يزل في غَشْيةٍ واحدة، حتى أسفر، فلمّا أسفر أفاق، فنظر في وجوه مَنْ حوله، وقال: أصلّى الناس؟ فقيل : نعم فقال : لا إسلام لمن تَرَك الصلاة، ثم دعا بوضوء فتوضّأ وصلّى، ثم قال : اخرج يابنَ عباس، فاسأل مَنْ قتلني؟ فجئت

ص: 306


1) أخرجه أحمد في مسنده 15/5 ، وأخرجه المتقي الهندي في كنز العمال: 715/5 .

فتحت باب الدار فإذا النّاس مجتمعون ، فقلت : مَنْ طعن أمير المؤمنين(علیه السلام) ؟ قالوا : طعنه أبو حتى لؤلؤة غلام المغيرة، قال ابن عباس : فدخلتُ فإذا عمر ينظر إلى الباب يستأني خبرَ ما بعثني له، فقلت: يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، زعم الناس أنه عدوّ الله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وأنّه طعن رهطاً ثم قتل نفسه، فقال : الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجّني عند الله بسجدة سجدها له قطّ ، ما كانت العرب لتقتُلَني، ثم قال : أرسلوا إلى طبيب ينظر جَرْحي، فأرسلوا إلى طبيب من العرب، فسقاه نبيذاً فخرج من الجرح، فاشتبه عليهم الدم بالنبيذ، ثم دَعَوْا طبيباً آخر فسقاه لبناً ، فخرج اللبن من الطعنة صَلْداً أبيض، فقال الطّبيب : اعْهَد يا أمير المؤمنين(علیه السلام) عهدَك ، فقال : لقد صدقني، ولو قال غير ذلك لكذب، فبكى عليه القوم حتى أسمعوا مَنْ خارج الدار ، فقال : لا تبكوا علينا ألا ومَنْ كان باكياً فليخرج، فإن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «إن الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه» (1).

وروي عن عبد الله بن عمر،أنه قال : سمعت أبي يقول : لقد طعنني أبو لؤلؤة طعنتين، وما أظنّه إلا كلباً حتى طعنني الثالثة.

ان عبد الرحمن بن عوف طرح على أبي لؤلؤة بعد أن طعن الناس خَمِيصة كانت عليه، فلما حصل فيها نحر نفسه، فاحتز عبد الرحمن رأسه واجتمع البدريّون وأعيان المهاجرين والأنصار بالباب، فقال عمر لابن عباس : اخرج إليهم، فاسألهم أعن ملا منكم كان هذا الذي أصابني ؟ فخرج يسألهم، فقال القوم : لا والله، ولوددنا أن الله زاد في عمره من أعمارنا !

وروی عبدالله بن عمر، قال: كان أبي يكتبُ إلى أمراء الجيوش: لا تجلِبُوا إلينا من العلُوج أحداً جرَتْ عليه المواسي، فلمّا طعنه أبو لؤلؤة، قال: من بي؟ قالوا : غلام المغيرة ،قال: ألم أقل لكم :لا تجلبوا إلينا من العُلوج أحداً ، فغلبتموني (2)!

وروي محمد بن إسماعيل البخاريّ في صحيحه عن عمرو بن ميمون، قال: إنّي لقائم ما بيني وبين عمر إلا عبدُ الله بن عباس غداةَ أصيب، وكان إذا مرَّ بين الصَّفّين، قال: استوُوا، حتى إذا لم ير بيننا خلَلاً تقدم فكبَّر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل في الرَّكعة الأولى أو نحو ذلك في الركعة الثانية حتى يجمع الناس، فما هو إلاّ أن كبّر، فسمعته يقول : قتلني - أو أكلني الكلب، وذلك حين طعنه العِلْجُ بسكَّين ذات طرفين، لا يمرُّ على أحد يميناً ولا شمالاً إلا

ص: 307


1) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز ،باب: قول النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) لا يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه (1288)، ومسلم في كتاب: الجنائز، باب: يعذب الميت ببكاء أهله (927)، والترمذي في کتاب: الجنائز، باب: ما جاء في كراهية البكاء على الميت (1002) والنسائي في كتاب : الجنائز، باب : النهي عن البكاء على الميت (1848).

2) أخرجه ابن شبة النمري في تاريخ المدينة : 893/3 .

طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً، مات منهم سنّة، فلمّا رأى ذلك رجلُ من المسلمين طرح عليه بُرْنساً ، فلما ظنّ العِلْج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر بيده عبد الرحمن بن عوف، فقدّمه، فمن يلي عمر، فقد رأى الذي رأى، وأمّا نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم فقدوا صوت عمر، فهم يقولون : سبحان الله ! فصلَّى عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلمّا انصرفوا

قال : يابن عباس، انُظر مَن قتلني؟ فجال ساعةً، ثم جاء فقال : غلام المغيرة، قال : الصَّنَع !قال : نعم، قال: قاتله الله ، لقد أمرتُ به معروفاً ، الحمد لله الّذي لم يجعل منيّتي بيد رجل يدّعي الإسلام، وقد كنت أنت وأبوك تحبّان أن يكثر العُلوج - وكان العباس أكثرهم رقيقاً - فقال : إن شئت فعلنا، أي قتلناهم ،قال : كذبت بعد أن تكلّموا بلسانكم وصلّوا قبلتكم وحجّوا حكم! فاحتُمِل إلى بيته، وانطلقنا معه، وكأنّ الناس لم تضبهم مصيبة قبلَ يومئذ، فقائل. يقول : لا بأس عليه، وقائل يقول : أخاف عليه ،فأتِيَ بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أُتيَ بلَبَن فشربه فخرج من جَوْفه، فعلموا أنه ميّت، فدخل الناس يثنون عليه، وجاء [رجل] شابُّ فقال : أبشر يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) ببشرى الله ، لك صحبة برسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وقدمُ في الإسلام ما قد علمت، ثم ولُّيت فعدلت، ثم الشهادة. فقال عمر : وددت أنّ ذلك كله كان كفافاً، لا عليّ ولا لي، فلما أدبر إذا رداؤه يمس الأرض، فقال: ردُّوا عليّ الغلام، فردوه، فقال : يابن أخي، ارفع ثوبك ، فإنه أبقى لثوبك، وأتقَى لربك، يا عبد الله بن عمر، انظر ما عليّ من دَيْن، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه ، فقال : إن وَفَى به مال آل عمر فأدِّه من أموالهم، وإلاّ فَسَلْ في بني عديّ بن كعب، فإن لم تَفِ به أموالهم، فسل في قريش ولا تعدُهم إلى غيرهم، وأدِّ عنّي هذا المال، انطلق إلى عائشة ،فقل لها: يقرأ عليك السّلام عمر - ولا تقل «أمير المؤمنين»(علیه السلام)، فإني اليومَ لستُ للمؤمنين أميراً - وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفَن مع صاحبيه، فمضى وسلّم واستأذنَ ودخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر السّلام ويستأذن أن يدفَن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي - يعني الموضع - ولا وثرنّته اليوم على نفسي . فلمّا أقبل قيل : هذا عبد الله قد جاء ، قال : ارفعوني، فأسندوه إلى رجل منهم ، قال : يا عبد الله ما لديك؟ قال : الذي تحبّ يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) قد أذنتُ ،قال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إليّ ذلك، إذا أنا قبضت فاحملني، ثم سلّم عليها ، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنَتْ لي فأدخلوني، وإن ردّتني فردُّوني إلى مقابر المسلمين، وادفنوني بين المسلمين.

وجاءت ابنتُه حفصة، والنّساء معها ، قال : فلما رأيناها قُمْنا، فولجت عليه فبكت عنده ساعة واستأذن الرجال فولجت بيتاً داخلاً لهم، فسمعنا بكاءها من البيت الدّاخل فقال : أوص يا أمير المؤمنين (علیه السلام)واستخلِف ، فقال : ما أجدُ أحقَّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر - أو قال : الرهط- الّذين توفِّيَ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)وهو عنهم راض، فسمَّى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً و عبد

ص: 308

الرحمن، وقال: يَشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء - كهيئة التعزية له - فإن أصابت الإمارة سعداً ، فهو أهلُ لذلك، وإلاّ فليستعِنْ به أيّكم أمِّر ، فإني لم أعزِله عن عَجْز ولا عن خيانة، ثم قال: أوصِي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقّهم، ويحفظ لهم حُرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً، الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبَل من محسنهم وأن يعفوَ عن مسيئهم، وأوصيه بأهْلِ الأمصار خيراً، فإنّهم رِدْء الإسلام وجباة الأموال، وغَيْظ العدو، ألاّ يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيراً ،فإنّهم أصل العرب، ومادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويردّ على فقرائهم، وأوصيه بذمّة الله وذمّة رسوله أن يوفي لهم بعدهم، وأن يقاتل مَن وراءهم، وألا يكلفوا إلا طاقتهم.

قال: فلما قبِض خرجنا به فانطلقنا نمشي، فسلّم عبد الله بن عمر، وقال: يستأذن عمر بن الخطاب، فقالت : أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه .

وقال ابنُ عباس: أنا أوّل مَنْ أتى عمر حين طُعِن، فقال : احفظ عنّي ثلاثاً، فإنّي أخاف ألاً يدركَني الناس، أمّا أنا فلم أقض في الكلالة، ولم أستخلف على الناس، وكلّ مملوك لي عتيق، فقلت له : أبشر بالجنة صاحبتَ رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) فأطلت صحبتَه، ووليت أمر المسلمين فقويت عليه، وأدّيت الأمانة .

قال: أما تبشيرك لي بالجنّة، فوالله الذي لا إله إلا هو ،لو أن لي الدنيا بما فيها لافتديت به من هَوّل ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر، وأما ما ذكرت من أمر المسلمين فلودِدِت أنّ ذلك كان كَفافاً لا عليّ ولا لي، وأما ما ذكرت من صحبة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فهو ذلك.

وروی معمر، عن الزهريّ، عن سالم عن عبد الله ، قال : دخلتُ على أبي، فقلت: سمعتُ الناس يقولون مقالة - وآليت أن أقولها لك - زعموا أنك غير مستخلف، وأنه لو كان لك راعي إبل أو غنم ثم جاءك وتركها رأيت أنه قد ضيّع فرعاية الناس أشدّ، فوضع رأسه ثم رفعه، فقال : إن الله تعالى يحفظ دينَه، إن لم أستخلِف فإن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) لم يستخلف، وإن استخلفتُ فإن أبا بكر قد استخلف. فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن يعدِل برسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) أحداً، وأنه غير مستخِلف .

وروي أنه قال : وقد أذِنَتْ له عائشة في أن يدفن في بيتها : إذا متّ فاستأذنوها مرّةً ثانية، فإن أذنت، وإلا فاتركوها فإنّي أخشى أن تكونَ أذنت لسلطاني، فاستأذنوها بعد موته فأذنت .

وروی عمر بن میمون، قال: لما طعِن عمر، دخل عليه كعب الأحبار ، فقال : الْحَقُّ مِن

ص: 309

رَبَّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(1)، قد أنباتك أنّك شهيد ،فقال: من أين لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب ! وروى ابنُ عبّاس، قال : لما طُعِن عمر وجئته بخبر أبي لؤلؤة أتيته والبيت ملآن، فكرهت أن أتخطَّى رقابهم – وكنت حديث السنّ - فجلست وهو مسجَّى، وجاء كعب الأحبار، وقال: لئن دعا أمير المؤمنين(علیه السلام) ليبقيَه الله لهذه الأمّة حتى يفعل فيها كذا وكذا !حتى ذكر المنافقين فيمن ذكر، فقلت: أبلغه ما تقول : قال : ما قلت إلا وأنا أريد أن تبلغه، فتشجّعت وقمت، فتخطّيت رقابَهم، حتى جلست عند رأسه ،وقلت : إنّك أرسلتني بكذا ، إنّ عبد المغيرة قتلك وأصاب معك ثلاثة عشر إنساناً ، وإن كعباً ها هنا وهو يحلف بكذا ، فقال : أدعو إليّ كعباً، فدُعِيَ فقال : ما تقول؟ قال : أقول كذا قال : لا والله لا أدعو، ولكن شَقَي عمر إن لم يغفر الله له .

وروى المِسوَر بن مخرمة، أن عمر لما طعِن أغمِيَ عليه طويلاً ، فقيل إنكم لم توقظوه بشيء

مثل الصّلاة إن كانت به حياة !فقالوا :الصلاة يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، الصلاة قد صُلّيت! فانتبه ،فقال : الصّلاة، لاها الله لا أتركها ،لاحظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة! فصلّى، وإن جرحه لينتعب (2)دماً .

وروى المِسور بن مخرمة أيضاً، قال: لما طُعِن عمر جعل يألم ويجزَع، فقال ابن عباس: ولا وكلّ ذلك يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، لقد صحبت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضِ، وصحبت أبا بكر وأحسنت صحبتَه، وفارقك وهو عنك راضِ، ثم صحبت المسلمين فأحسنت إليهم وفارقتهم وهم عنك راضون .

قال: أمّا ما ذكرتَ من صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر فذلك، ممّا مَنَّ الله به عليّ، وأما ما تَرى من جزعي فوالله لو أنّ لي بما في الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه. وفي رواية لافتديت به من هو المطلع. وفي رواية : المغرور مَن غررتموه ! لو أنّ لي ما على ظهرها من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع. وفي رواية :في الإمارة عليّ تثني يابن عباس! قلتُ : وفي غيرها، قال: والذي نفسي بيده لوددت أنّي خرجت منها كما دخلت فيها ، حَرَج ولا وزر. وفي رواية : لو كان لي ما طلعت عليه الشمس لا فتديتُ به من گرْب ساعة - یعنی الموت - كيف ولم أرد النّاس بعدا وفي رواية : لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هَوْل ما أمامي، قبل أن أعلم ما الخبر .

قال ابن عباس: فسمعنا صوت أمّ كلثوم: واعمراه وكان معها نسوة يبكِين، فارتجّ البيت

ص: 310


1) سورة البقرة، الآية : 147 .

2) َعَب الماء والدم ونحوهما يثعبه ثعباً فَجَرَه، فانتعب كما ينثعب الدم من الأنف، لسان العرب، مادة (ثعب).

بكاء، فقال عمر : ويلمّ عمر، إن الله لم يغفر له ! فقلت : والله إني لأرجو ألاّ تراها إلا مقدار ما له! قال الله تعالى: وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا(1)، إن كنتَ - ما علمنا - لأميرَ المؤمنين(علیه السلام)، وسيّد المسلمين، تقضِي بالكتاب، وتقسم بالسوية.

فاعجبه قولي، فاستوى جالساً فقال : أتشهد لي بهذا يابن عباس ؟ فكَعَعت - أي جبنت- فضرب عليّ(علیه السلام) بين كتفي، وقال : اشهد. وفي رواية لِمَ تجزع يا أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ فوالله لقد كان إسلامك عزَّا وإمارتك فتحاً، ولقد ملأت الأرض عدلاً فقال: أتشهد لي بذلك يابن عباس؟ قال: فكأنه كَرِه الشهادة، فتوقّف فقال له عليّ(علیه السلام) :قل : نعم ، وأنا معك، فقال: نعم.

وفي رواية أنه قال: مسست جلده وهو ملقَى، فقلت: جلد لا تمسُّه النّار أبداً ، فنظر إليّ نظرة جعلت أرثِي منها ، قال : وما علمك بذلك؟ قلت : صحبت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فأحسنتَ صحبتَه ... الحديث ، فقال : لو أنّ لي ما في الأرض لافتديت به من عذاب الله قبل أن ألقاء أو أراه .

وفي رواية ،قال: فأنكرنا الصّوت، وإذا عبد الرحمن بن عوف، وقيل: طُعِن أمير المؤمنين(علیه السلام). فانصرف الناس وهو في دمه مسجَّى، لم يصلّ الفجر بعد، فقيل: يا أمير المؤمنين(علیه السلام) : الصّلاة فرفع رأسَه، وقال: لاها الله إذن، لا حظّ لامرىء في الإسلام ضيَّع صلاته. ثم وثب ليقوم فانثَعب جرحُه دماً ، فقال : هاتوا لي عمامة: فعصب بها جُرحه، ثم صلَّى وذكر، ثم التفت إلى ابنه عبد الله ، وقال : ضع خدّي إلى الأرض يا عبد الله، قال عبد الله : فلم أعُج بها ، وظننت أنّها اختلاس من عقله، فقالها مرة أخرى : ضع خَدّي إلى الأرض يا بنيّ فلم أفعل، فقال الثالثة : ضَعْ خدّي إلى الأرض، لا أمّ لك! فعرفت أنه مجتمع العقل، ولم يمنعه أن يضعه هو إلاّ ما به من الغلبة، فوضعت خدَّه إلى الأرض، حتى نظرت إلى أطراف شعر لحيته خارجةً من أضعاف التراب، وبكى حتى نظرت إلى الطّين قد لصق بعينه، فأصغيت أذني لأسمع ما يقول، فسمعته يقول : يا ويلَ عمر! وويل أمّ ،عمر، إن لم يتجاوز الله عنه !

وقد جاء في رواية، أنّ علياً(علیه السلام) جاء حتى وقف عليه، فقال: ما أحدُ أحبَّ إليّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجَّى!

ورُوي عن حفصة أم المؤمنين، قالت: سمعت أبي يقول في دعائه: اللهمَّ قتلاً في سبيلك ،ووفاة في بلد نبيّك ! قلت : وأنَّى يكون هذا؟ قال : يأتي به الله إذا شاء .

ويروَى أن كعباً كان يقول له : نجدك في كتبنا تموت شهيداً، فيقول: كيف لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب!

وروى المِقدام بن مَعْدِيكرب ، قال : لما أصيب عمر دخلت عليه حفصة ابنُته، فنادث: يا

ص: 311


1) سورة مريم ،الآية : 71.

صاحبَ الله، ويا صهرَ رسول الله(ضلی الله علیه و آله و سلم)، ويا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)! فقال لابنه عبد الله : أجلِسني، فلا صبرَ لي على ما أسمع، فأسنده إلى صدره، فقال لها : إنَّي أحرّج عليك بما لي عليكِ من الحقّ أن تندبيني بعد مجلسك هذا ،فأما عينك فلن أملكَها، إنه ليس من ميّت يُندب عليه بما ليس فيه، إلا الملائكة تمقته !

وروى الأحنف، قال: سمعت عمر يقول : إن قريشاً رؤوس الناس، ليس أحد منهم يدخل

من باب إلا دخل معه طائفة من الناس، فلما أصيب من الناس، فلما أصيب عمر أمر صُهيباً أن يصلِّيِ بالناس ثلاثة أيام ويُطعمهم، حتى يجتمعوا على رجلِ، فلما وُضِعت الموائد كفَّ الناس عن الطعام، فقال العباس بن عبد المطلب : أيّها الناس، إنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) مات فأكلنا بعده، ومات أبو بكر بعده، وإنه لا بدّ للناس من الأكل، ثم مدَّ يده فأكل من الطعام، فعرفت قول عمر .

ويروي كثير من الناس الشّعر المذكور في الحماسة، ويزعم أن هاتفاً من الجنّ هتف به وهو :

جُزِيتَ عن الإسلام خيراً وباركت ***يد الله في ذاك الأديم الممزّقِ

فمن يَسْعَ أو يركب جناحَيْ نعامة*** ليدرك ما قدمت بالأم يُسْبَقِ

قضيت أموراً ثم غادرت بعدَهَا ***بوائق في أكمامها لم تُفَتَّقُ

أبعد قتيل بالمدينة أظلمت*** له الأرض تهتز العضاء بأسوق!

وما كنتُ أخشى أن تكون وفاتُه*** بكَفِّيْ سَبَنْتَى أزرق العين مُظرِق

تظلّ الحصان البكر يُلْقِي جنينَها ***نَتَا خبر فوق المطيّ مُعلّقِ

والأكثرون يروونها لمزرّد أخي الشّماخ، ومنهم من يرويها للشماخ نفسه.

عشرة طعون في عمر والرد عليها

ونذكر في هذا الموضع ما طعن به على عمر في المُغني من المطاعن، وما اعترض به الشريف المرتضى على قاضي القضاة، وما أجاب به قاضي القضاة، في كتابه المعروف بالشافي، ونذكر ما عندنا في البعض من ذلك .

الطعن الأول : قال قاضي القضاة: أول ما طعِن به عليه قول من قال : إنّه بلغ من قلّة علمه أنه لم يعلم أنّ الموت يجوز على النبي الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأنه أسورة الأنبياء في ذلك، حتى قال: والله ما مات محمد، ولا يمُوت حتى تُقطع أيدي رجال وأرجلهم، فلما تلا عليه أبو بكر قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّسْتُونَ(1)،وقوله: وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَايْن مَاتَ أَوْ

ص: 312


1) سورة المؤمنين، الآية: 15 .

قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ (1)الآية ، قال : أيقنت بوفاته، وكأنّي لم أسمع هذه الآية، فلو كان يحفظ القرآن أو يفكّر فيه لما قال ذلك، وهذا يدلّ على بعده من حفظ القرآن وتلاوته ، ومَنْ هذا حاله لا يجوز أن يكون إماماً .)قال قاضي القضاة وهذا لا يصحّ لأنّه قد روي عنه أنه قال : كيف يموت، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ(2)وقال : وَلَيُبَدِّلَهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا(3)، ولذلك نفَى موتَه(علیه السلام)، لأنَّه حمَل الآية على أنها خير عنه في حال حياته حتى قال له أبو بكر : إنّ الله بذلك وسيفعله ،وتلا عليه ما تلا، فأيقن عند ذلك بموته، وإنما ظنّ أن موته يتأخّرُ عن الوقت، لا أنَّه منعُ من موته . ثم سأل قاضي القضاة نفسَه، فقال: فإن قيل : فلم قال لأبي بكر عند قراءة الآية : كأنّي لم أسمعها، ووصف نفسه بأنه أيقن بالوفاة!

وأجاب بأن قال: لمّا كان الوجه في ظنّه ما أزال أبو بكر الشَّبهة فيه، جاز أن يتيقّن .

ثم سأل نفسه عن سبب يقينه فيما لا يُعلم إلا بالمشاهدة.

وأجاب بأنّ قرينة الحال عند سماع الخبر أفادته اليقين، ولو لم يكن في ذلك إلاّ خبر بكر وادّعاؤه لذلك، والناس مجتمعون الحصل اليقين.

وقوله : كأنّي لم أقرأ هذه الآية أو لم أسمعها، تنبيه على ذهوله عن الاستدلال بها، لا أنّه على الحقيقة لم يقرأها ولم يسمعها، ولا يجب فيمن ذهب عن بعض أحكام الكتاب ألا يعرف القرآن، لأن ذلك لو دلّ، لوجب ألا يحفظ القرآن إلا من يعرف جميع أحكامه. ثم ذكر أنّ حفظ القرآن كله غير واجب ولا يقدح الإخلال به في الفضل .

وحكي عن الشيخ أبي علي أن أميرَ المؤمنين(علیه السلام) لم يُحط علمُه بجميع الأحكام، ولم من فضله، واستدلّ بما روي من قوله : كنت إذا سمعت من رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حديثاً نفعني ما شاء أن ينفعني، وإذا حدُثني غيره أحلفته، فإن حلف لي صدّقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر. وذكر أنه لم يعرف أيّ موضع يدفن فيه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، حتى رجع إلى ما رواه أبو بكر، وذكر قصة الزبير في موالي صفيّة، وأنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) أراد أن يأخذ براثَهم، كما أن عليه أن يحمل عقلَهم حتى أخبره عمر بخلاف ذلك من أنّ الميراث للأب والعقل على العصبة

ص: 313


1) سورة آل عمران، الآية : 144 .

2) سورة التوبة، الآية : 33.

3) سورة النور، الآية : 55 .

ثم سأل نفسه فقال : كيف يجوز ما ذكرتم على أمير المؤمنين (علیه السلام)، مع قوله : «سَلُوني قبل أن تفقدوني» ، وقوله : «إن ها هنا علماً جمَّا»، يومىء إلى قلبه، وقوله : «لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزَّبور بزبورهم وبين أهل القرآن بقرآنهم». وقوله : «كنت إذا سئلت أجبت وإذا سكت ابتديت» .

وأجاب عن ذلك بأنّ هذا إنّما يدلُّ على عظم المحلّ في العلم من غير أن يدلّ على الإحاطة بالجميع.

وحكي عن أبي عليّ استبعاده ما روي من قوله : «لو ثنيت الوسادة»، قال: لأنه لا يجوز أن يصف نفسَه بأنّه يحكم بما لا يجوز، ومعلوم أنه(علیه السلام) لا يحكم بين الجميع إلا بالقرآن، ثنيت له الوسادة أو لم تُثن، وهذا يدلّ على أن الخبر موضوع.

فاعترض الشريف المرتضَى، فقال : ليس يخلُو خلاف عمر في وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْ أن يكون على سبيل الإنكار لموته على كلّ حال، والاعتقاد بأنّ الموت لا يجوز عليه على كلّ وجه، أو يكون منكراً لموته في تلك الحال، من حيث لم يُظهر دينَه على الدّين كله، وما أشبه ذلك مما قال صاحب الكتاب : إنّها كانت شبهة في تأخّر موته عن تلك الحال .

فإن كان الوجه الأوّل، فهو ممّا لا يجوز خلاف العقلاء في مثله، والعلم بجواز الموت على سائر البشر لا يشكّ فيه عاقل، والعلم من دينه(علیه السلام) بأنّه سيموت كما مات مَن قبله ضروريّ، وليس يحتاج في مثل هذا إلى الآيات التي تلاها أبو بكر ، من قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّتُونَ(1)، وما أشبهها .

وإن كان خلافه على الوجه الثاني تأوّل ما فيه أنّ هذا الخلاف لا يليق بما احتجّ به أبو بكر من قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّتُونَ ، لأنه لم ينكر على هذا جواز الموت، وإنما خالف في تقدّمه، وقد كان يجب أن يقول :له وأي حُجّة في هذه الآيات عَلَى مَنْ جوّز عليه(علیه السلام) الموت في المستقبل، وأنكره في هذه الحال!

وبعد، فكيف دخلت الشبهة البعيدة على عمر من بين سائر الخلق! ومن أين زعم أنه لا يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم! وكيف حمل معنى قوله تعالى : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ(2)وقوله : وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمَنَّا(3)على أنّ ذلك لا يكون في المستقبل بعد

ص: 314


1) سورة المؤمنين، الآية : 15.

2) سورة النور، الآية : 55 .

3) سورة التوبة، الآية : 33 .

الوفاة! وكيف لم يخطر هذا إلاّ لعمر وحده، ومعلوم أنّ ضعف الشبهة إنما يكون من ضعف الفكرة، وقلّة التأمل والبصيرة !وكيف لم يوقن بموته لمّا رأى ما عليه أهل الإسلام من اعتقاد موته، وما ركبهم من الحزن والكآبة لفقده! وهلاّ دفع بهذا اليقين ذلك التأويل البعيد، فلم يحتج إلى مُوقف ومعرِّف ! وقد كان يجب - إن كانت هذه شبهة - أن يقول في حال مرض رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وقد رأى جزع أهله وأصحابه وخوفهم عليه من الوفاة، حتى يقول أسامة بن زيد معتذراً من تباطئه عن الخروج في الجيش الذي كان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يكرّر ويردّد الأمر حينئذ بتنفيذه : لم أكن لأسأل عنكَ الرّكب : ما هذا الجزع والهلع ، وقد أمنكم الله من موته بكذا في وجه كذا، وليس هذا من أحكام الكتاب التي يعذر من لا يعرفها على ما ظنّه صاحب الكتاب.

قلت: الذي قرأناه وَرَويناه من كتب التواريخ، يدلّ على أن عمر أنكر موت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) من الوجهين المذكورين، أنكر أوّلاً أن يموت إلى يوم القيامة، واعتقد عمر أنه يعمّر كما يعتقد كثير من الناس في الخِضر، فلمّا حاجه أبو بكر بقوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (1)وبقوله : أَفَائِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ(2). رجع عن ذلك الاعتقاد.

وليس يَرِدُ على هذا ما اعترض به ،المرتضَى، لأن عمر ما كان يعتقد استحالة الموت عليه كاستحالة الموت على البارى تعالى - أعني الاستحالة الذاتية - بل اعتقد استمرار حياته إلى يوم القيامة، مع كون الموت جائزاً في العقل عليه، ولا تناقض في ذلك، فإنّ إبليس يبقى حيَّا إلى يوم القيامة، مع كونِ موته جائزاً في العقل، وما أورده أبو بكر عليه لازم على أن يكون نفيه للموت على هذا أوجه .

وأما الوجه الثاني ،فهو أنّه لمّا دفعه أبو بكر عن ذلك الاعتقاد وقف مع شبهة أخرى، اقتضت عنده أنّ موته يتأخّر، وإن لم يكن إلى يوم القيامة، وذلك أنّه تأوّل قوله تعالى: هُوَ الَّذِى اَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ(3)، فجعل الضمير عائداً على الرسول لا على الدين، وقال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم لم يظهر بعدُ على سائر الأديان، فوجب أن تستمرّ حياته إلى أن يظهر على الأديان بمقتضى الوعد الذي لا يجوز عليه الخلف والكذب، فحاجّه أبو بكر من هذا المقام ،فقال له : إنّما أراد :ليظهر دينَه وسيظهِره فيما بعد، ولم يقل: «ليظهره الآن»، فمن ثَمّ قال له : ولو أراد ليظهر الرسولَ(صلی الله علیه و آله و سلم) على الدين كلّه لكان الجواب واحداً، لأنّه إذا ظهر دينه فقد أظهره هو .

ص: 315


1) سورة الزمر، الآية : 30 .

2) سورة آل عمران، الآية: 144 .

3) سورة ص ، الآية 33 .

فأمّا قولُ المرتضَى رحمه الله : «وكيف دخلت هذه الشُّبهة على عمر من بين الخلق؟»، فهكذا تكون الخواطر والشُّبَه! والاعتقادات تسبق إلى ذهن واحد دون غيره، وكيف دخلت الشُّبهة على جماعة منعوا الزكاة، واحتجوا بقوله تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْنَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (1)دون غيرهم من قبائل العرب! وكيف دخلت الشبهة على أصحاب الجمل وصِفِّين دون غيرهم! وكيف دخلت الشبهة عَلَى خوارج النّهروان دون غيرهم! وهذا باب واسع.

فأمّا قوله : «ومِنْ أين زعم أنه لا يموت حتى تُقطع أيدي رجال وأرجلهم»، فإنّ الذي ذكره المؤرخون أنه قال ما مات رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) ، وإنّما غاب عنّا كما غاب موسى عن قومه ،وسيعود فتُقطع أيدِي رجال وأرجلهم ممّن أرجف بموته، وهذه الرواية تخالف ما ذكره المرتضَى.

فأما قوله : وكيف حمل معنى قوله : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ(2)، وقوله : وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا(3)على أنّ ذلك لا يكون في المستقبل ! فقد بينّا الشّبهة الداخلة عليه في ذلك، وكونه ظنّ أن ذلك، يكون معجّلاً على الفور، وكذلك قوله : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ هُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارتَضَى هَمْ وليبدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا(4)، فإنه ظنّ أن هذا العموم يدخل فيه رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) ، لأنه سيّد المؤمنين، وسيّد الصالحين، أو أنّه لفظُ عام، والمراد به رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وحده، كما ورد في كثير من آيات القرآن مثل ذلك، فظنّ أنّ هذا الاستخلاف في جميع الأرض، وتبديل الخوف بالأمن إنّما هو على الفوز لا على التراخي، وليست هذه الشبهة بضعيفة جدَّا كما ظنّ المرتضى بل ، موضع نظر .

فأما قوله : «كيف لم يؤمن بموته لما رأى من كآبة النَّاس وحزنهم!» فلأنّ النَّاس يبنون الأمر على الظَّاهر، وعمر نظر في أمر باطن دقيق، فاعتقد أن الرسول لم يمُث، وإنما ألقى شبهَه على غيره، كما ألقي شبَه عيسى على غيره فصلِبَ، وعيسى قد رفع ولم يصلب.

واعلم أنّ أوّل مَنْ سنّ لأهل الغيبة من الشيعة القول بأنّ الإمام لم يمُت ولم يقتل ، وإن كان الظاهر وفي مرأى العين قد قتل أو مات، إنّما هو عمر، ولقد كان يجب على المرتضَى وطائفته أن يشكروه على ما أسّس لهم من هذا الاعتقاد.

فأمّا قوله: فهلاً قال في مرض رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)لمّا رأى جزعهم لموته :« قد أمّنكم الله من موته«! فغير لازم ،لأنّ الشبهة لا تجب أن تخطر بالبال في كلّ الأوقات، فلعلّه قد كان في ذلك

ص: 316


1) سورة التوبة، الآية : 103 .

2) سورة ص ، الآية : 33 .

3) سورة النور الآية 55 .

4) سورة النور، الآية : 55 .

الوقت غافلاً عنها مشغول الذهن بغيرها، ولو صحّ للمرتضى هذا لوجب أن يدفع ويبطل كلّ ما يتجدّد ويطرأ على الناس من الشبهة في المذاهب والآراء، فنقول : كيف طرأت عليهم هذه الشبهات الآن، ولم تطرأ عليهم من قبل؟ وهذا من اعتراضات المرتضَى الضعيفة، على أنا قد ذكرنا نحن في الجزء الأول من هذا الكتاب ما قصده عمر بقوله : «إنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) لم يمُت» ، وقلنا فيه قولاً شافياً لم نسبَق إليه، فليعاوَد .

ثم قال المرتضَى : فأَما ما رُوِيَ عن أمير المؤمنين(علیه السلام) من خَبر الاستخلاف في الأخبار، فلا يدلّ على عدم عِلم أمير المؤمنين(علیه السلام) بالحكم، لأنه يجوز أن يكون استخلافه ليرهب المخيِر ويخوّفه من الكذب على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، لأنّ العلم بصحّة الحكم الذي يتضمّنه الخبر لا يقتضي صدق المخبر، وأيضاً فلا تاريخ لهذا الحديث، ويمكن أن يكون استحلافه (علیه السلام) للرّواة إنما كان في حياة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وفي تلك الحال لم يكن محيطاً بجميع الأحكام.

فأمّا حديث الدّفن وإدخاله في باب أحكام الدين التي يجب معرفتها فطريف، وقد يجوز أن يكون أميرُ المؤمنين(علیه السلام) سمِع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في باب الدّفن مثل ما سمعه أبو بكر، وكان عازماً على العمل به ،حتى روى أبو بكر ما رواه فعمل بما كان يعلمه لا من طريق أبي بكر، وظنّ الناس أنّ العمل لأجله. ويجوز أن يكون رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) خيرّ وصيّه (علیه السلام)في موضع دفنه، ولم يعيّن موضعاً بعينه، فلمّا روى أبو بكر ما رواه رأى موافقته، فليس في هذا دلالة على أنّه(علیه السلم) استفاد حكماً لم يكن عنده .

وأمّا موالي صفيّة فحكم الله فيهم ما أفتى به أمير المؤمنين(علیه السلام)،وليس سكوته حيث سكت عند عمر رجوعاً عمّا أفتى به ،ولكنه كسكوته عن كثير من الحقِّ تقيَّة ومداراة للقوم .

وأما قوله(علیه السلام) : «سلُونِي قبل أن تفقدوني»، وقوله: «إنّها هنا لعِلْماً جَمَّا»، إلى غير ذلك، فإنه لا يدلّ على عِظَم المحلّ في العلم فقط، على ما ظنّه صاحب الكتاب، بل هو قول واثق بنفسه، آمن من أن يُسأل عمّا لا يعلمه، وكيف يجوز أن يقول مثله على رؤوس الأشهاد وظهور المنابز : «سلوني قبل أن تفقدوني»، وهو يعلم أنّ كثيراً من أحكام الدين يعزب عنه ! وأين كان أعداؤه والمنتهزون لفرصته وزلّته عن سؤاله عن مشكل المسائل، وغوامض الأحكام! والأمر في هذا ظاهر .

فأمّا استبعاد أبي عليّ لما روي عنه(علیه السلام) من قوله : «الو ثُنيت لي الوسادة» للوجه الذي ظنّه فهو البعيد، فإنه لم يفطن لغرضه(علیه السلام) ، وإنما أراد: أنّي كنت أقاضيهم إلى كتبهم الدالة على البشارة بنبيّنا (علیه السلام)وصحّة شرعه ، وصحة شرعه ، فأكون حاكماً حينئذ عليهم بما فأكون حاكماً حينئذ عليهم بما تقتضيه كتبهم من هذه الشريعة وأحكام هذا القرآن، وهذا من جليل الأغراض وعظيمها .

ص: 317

الطعن الثاني : أنه أمَرَ برجم حامل حتّى نبّهه معاذ ، وقال : إن يكن لك عليها سبيلُ فلا سبيلَ لك على ما في بطنها ،فرجع عن حكمه، وقال : لولا مُعاذ لهلك عمر. ومَنْ يجهل هذا القدر لا يجوز أن يكون إماماً، لأنه يجري مجرى أصول الشرع، بل العقل يدلّ عليه، لأنّ الرّجم عقوبة، ولا يجوز أن يعاقب من لا يستحقّ .

اعتذر قاضي القضاة عن هذا، فقال: إنّه ليس في الخبَر أنه أمر برجمها، مع علمه بأنّها حامل، لأنه ليس ممّن يخفى عليه هذا القدر، وهو أنّ الحامل لا تُرْجَم حتى تضع، وإنما ثبت عنده زناها، فأمر برجمها على الظاهر، وإنما قال ما قال في معاذ لأنه نبّهه على أنها حامل .

ثم سأل نفسه فقال : فإن قيل : إذا لم تكن منه معصية، فكيف يهلك لولا مُعاذ! وأجاب بأنه لم يرد :لهلك من جهة العذاب، وإنّما أراد: أنه كان يجري بقوله قتل من لا يستحقّ القتل. ويجوز أن يريد بذلك تقصيره في تعرّف حالها، لأنّ ذلك لا يمتنع أن يكون بخطيئة وإن صغرت .

اعترض المرتضَى على هذا الاعتذار ، فقال : لو كان الأمر على ما ظننته لم يكن تنبيه معاذ له على هذا الوجه، بل كان يجب أن ينبّهه بأن يقول له : هي حامل، ولا يقول له : إن كان لك سبيلُ عليها فلا سبيل لك على ما في بطنها ، لأنّ هذا قول من عنده أنه أمر برجمها مع العلم بحملها، وأقلّ ما يجب لو كان الأمر كما ظنّه صاحب الكتاب أن يقول لمعاذ : ما ذهب عليّ أن الحامل لا تُرجم، وإنما أَمَرت برجمها لفقد علمي بحملها، فكان ينفي بهذا القول عن الشبهة! وفي إمساكه عنه مع شدّة الحاجة إليه دليل على صحّة قولنا . وقد كان يجب أيضاً أن يسأل الحمل، لأنه أحد الموانع من الرَّجم، فإذا علم انتفاءه وارتفاعه أمَرَ بالرجم، وصاحب الكتاب قد اعترف بأن ترك المسألة عن ذلك تقصير وخطيئة، وادعى أنها صغيرة، ومن أين له ذلك ولا دليل يدلّ عنده في غير الأنبياء(صلی الله علیه وآله و سلم) لأن معصية بعينها صغيرة.

فأمّا إقراره بالهلاك لولا تنبيه مُعاذ، فإنه يقتضي التعظيم والتفخيم لشأن الفعل، ولا يليق

ذلك إلا بالتقصير الواقع، إمّا في الأمر برجمها مع العلم بأنّها حامل، أو ترك البحث عن والمسألة عنه، وأيّ لوم عليه في أن يجري بقوله قتل من لا يستحق القتل إذا لم يكن ذلك تفريط منه ولا تقصير !

قلت : أمّا ظاهر لفظ مُعاذ فيشعر بما قاله المرتضَى، ولم يمتنع أن يكون عمر لم يعلَم أنّها حامل وأنّ معاذاً قد كان من الأدب أن يقول له: حامل يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، فعدَل عن هذا اللفظ بمقتضى أخلاق العرب وخشونتهم، فقال له : إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك عَلَى ما في بطنها، فنّبهه على العلة والحكم معاً، وكان الأدب أن ينبّهه على العلّة فقط .

ص: 318

وأمّا عدول عمر عن أن يقول : أنا أعلم أنّ الحامل لا تُرْجَم، وإنما أمرت برجمها، لأني لم أعلم أنها حامل، فلأنه إنما يجب أن يقول مثل هذا مَنْ يخاف من اضطراب حاله، أو نقصان ناموسه وقاعدته إن لم يقله، وعمر كان أثبتَ قدماً في ولايته، وأشد تمكّناً من أن يحتاج إلى الاعتذار بمثل هذا .

وأما قول المرتضَى : كان يجب أن يَسأل عن الحمل، لأنه أحدُ الموانع من الرَّجم، فكلام صحيح لازم، ولا ريب أنّ ترك السؤال عن ذلك نوع من الخطأ، ولكن المرتضى قد ظلم قاضي القضاة، لأنه زعم أنه ادّعى أنّ ذلك صغيرة، ثم أنكر عليه ذلك، ومن أين له ذلك! وأيّ دليل دلّ على أنّ هذه المعصية صغيرة، وقاضي القضاة ما ادّعى أنّ ذلك صغيرة! بل قال: لا يمتنع أن يكون ذلك خطيئة وإن صَغُرت. والعجب أنّه حکَى لفظ قاضي القضاة بهذه الصورة، ثم قال : إنّه ادّعى أنّها صغيرة وبين قول القائل :« لا يمتنع أن يكون صغيرة»، وقوله : «هي صغيرة» لا محالة فرق عظيم .

وأما قول عمر : لولا مُعاذ لهلَك عمر، فإنّ ظاهر اللفظ يُشعِر بما يريده المرتضَى، وينحو إليه، ولا يمتنع أن يكون المقصود به ما ذكره قاضي القضاة وإن كان مرجوحاً، فإن القائل خطأ قد يقول : هلكت، ليس يعني به العقاب يوم القيامة، بل لوم النّاس وتعنيفهم إيّاه على ترك الاحتراس وإهمال التثبّت .

الطعن الثالث: خبر المجنونة التي أمر برجمها، فنبّهه أمير المؤمنين(علیه السلام) ، وقال : إنّ القلم مرفوعُ عن المجنون حتى يُفِيق. فقال: لولا عليّ لهلكَ عمر ! وهذا يدلّ على أنّه لم يكن يعرف الظَّاهِرَ من الشريعة .

أجاب قاضي القضاة فقال : ليس في الخَبر أنه عرف جنونها، فيجوز أن يكون الذي نبّه عليه هو جنونها دون الحكم، لأنه كان يعلم أنّ الحدّ لا يقام في حال الجنون، وإنما قال: لولا عليّ لهلك عمر، لا من جهة المعصية والإثم، لكن لأنّ حكمه لو نفذ لعظُم عمُّه، ويقال في شدّة الغمّ : إنه هلاك، كما يقال في الفقر وغيره، وذلك مبالغة منه لما كان يلحقه من الغمّ الذي زال بهذا التنبيه . على أن هذا الوجه ممّا لا يمتنع في الشرع أن يكون صحيحاً، وأن يقال: إذا كانت مستحقّة للحدّ، فإقامته عليها تصح، وإن لم يكن لها عقل، لأنّه لا يخرج الحدّ من أن يكون واقعاً موقعه، ويكون قوله(علیه السلام) : «رفع القلم عن ثلاث (1)، يراد به زوالُ التكليف عنهم دون

ص: 319


1) أخرجه الترمذي في كتاب: الحدود، باب: ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد (1423)، والنسائي في كتاب: الطلاق، باب: من لا يقع طلاقه من الأزواج (3432) ، وأبو داود في كتاب: الحدود، =

زوال إجراء الحكم عليهم، ومن هذه حالُه لا يمتنع أن يكونَ مشتبهاً، فرجع فيه إلى غيره، ولا يكون الخطأ فيه ممَّا يعظم فيمنع من صحّة الإمامة .

اعترض الشريف المرتضى هذا فقال : لو كان أمر برجم المجنونة من غير علم بجنونها لمّا قال له أمير المؤمنين(علیه السلام) : أما علمت أنّ القلم مرفوعُ عن المجنون حتى يفيق ! بل كانَ يقول له بدلاً

ذلك : من هي مجنونة، وكان ينبغي أن يقول عمر متبرّئاً من الشبهة: ما علمت بجنونها، ولست ممن يذهب عليه أن المجنون لا يرجم، فلمّا رأيناه استعظم ما أمر به، وقال: لولا عليُّ لهَلك عمر ،دلّنا على أنه كان تأثم وتحرّج بوقوع الأمر بالرجم، وأنّه مما لا يجوز ولا يحلّ، وإلاّ فلا معنى لهذا الكلام. وأمّا ذكر الغمّ، فأي غمّ كان يلحقه إذا فعل ما له أن يفعله! ولم يكن منه تفريط ولا تقصير ، لأنه إذا كان جنونها لم يعلم به ، فكانت المسألة عن حالها والبحث لا يجبان عليه، فأيّ وجه لتألمه وتوجّعه واستعظامِه لما فعله! وهل هذا إلا كرجمِ المشهود عليه بالّزنى في أنّه : لو ظهر للإمام بعد ذلك براءة ساحته لم يجب أن يندَم على فعله ويستعظمه، لأنه وقع صواباً مستحقاً .

وأما قوله : إنّه كان لا يمتنع في الشرع أن يقام الحدّ عَلَى المجنون، وتأوّله الخبر المرويّ على أنه يقتضي زوال التكليف دون الأحكام، فإن أراد أنّه لا يمتنع في العقل أن يقام على المجنون ما هو من جنس الحدّ بغير استخفاف ولا إهانة، فذلك صحیح ، كما يقام على التائب وأمّا الحدّ في الحقيقة، وهو الذي يتضمّنه الاستخفاف والإهانة فلا يجوز إلاّ على المكلّفين ومستحقَّي العقاب، وبالجنون قد أزيلَالتكليف، فزال استحقاقُ العقاب الذي تبعه الحدّ .

وقوله : لا يمتنع أن يرجع فيما هذه حاله من المشتَبه إلى غيره، فليس هذا من المشتَبه الغامض، بل يجبُ أن يعرفَه العوّام فضلاً عن العلماء، عَلَى أنّا قد بيّنا أنه لا يجوز أن يرجع الإمام في جَليٍّ ولا مشتَبه من أحكام الدين إلى غيره.

وقوله : إنّ الخطأ في ذلك لا يعظم فيمنع من صحّة الإمامة، اقتراح بغير حُجّة لأنه إذا اعترف بالخطأ فلا سبيلَ للقطع على أنه صغير .

قلت لو كان قد نُقل أنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) قال له :« أما علمت»، لكان قول المرتضى قويَّا ظاهراً، إلا أنه لم ينقل هذه الصيغة بعينها، والمعروف المنقول : أنه قال له: قال

= باب: في المجنون يسرق أو يصيب حداً (4398) ، وابن ماجه في كتاب: الطلاق، باب: طلاق المعتوه والصغير والنائم (2041).

ص: 320

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «رُفِع القلم عن «ثلاث»، فرجع عن رَجمها، ويجوز أن يكون أشعَره بالعلّة والحُكْم معاً ، لأنّ هذا الموضع أكثر اشتباهاً من حديث رَجُم الحامل، فغلب على ظنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) أنه لو اقتصر على قوله : إنها مجنونة لم يكن ذلك دافعاً لرجمها، فأكّده برواية الحديث. واعتذار قاضي القضاة بالغمّ جيّد، وقول المرتضى : أيّ غمِّ كان يلحقه إذا فعل ما له أن يفعله! ليس بإنصاف، ولا مثل هذا يقال فيه إنه فعل ما له أن يفعله، ولا يقال في العرف لمن قتل إنساناً خطأ : إنه فعل ما له أن يفعله، والمرجوم في الزنى إذا ظهر للإمام بعد قتله براءة ساحته يغتّم بقتله غمَّا كثيراً بالطبع البشريّ، ويتألم وإن لم يكن آثماً، وليس من توابع الإثم ولوازمه.

وقول المرتضى : لم يجب أن يندم على ما فعلَهُ كلامُ خارج عمّا هو بصدده، لأنّه لم یجرِذكر للنّدم، وإنما الكلام في الغمّ ولا يلزم أن يكون كلّ مغتمِّ نادماً

وأمّا اعتراضُه على قاضي القضاة في قوله : لا يمتنع في الشرع أن ترجم المجنونة، فلما اشتبه على عمر الأمر سأل الأمر سأل غيره عنه بقوله : «إن أردت الحدّ الحقيقي فمعلوم، وإن أردت ما هو جنسُ الحد فمسلَّم» فليس بجيّد، لأن هذا إنّما يكون طعناً على عمر بتقدير ثلاثة أمور : أحدها أن يكون النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) قد قال: أقيموا الحد على الزاني بهذا اللفظ، أعني أن يكون في لفظ ،النصّ ذكر الحدّ ، وثانيها أن يكون الحدّ في اللغة العربية أو في عرف الشرع الذي يتفاهمه الصحابة هو العقوبة المخصوصة التي يقارنها الاستخفاف والإهانة. وثالثها ألا يصحّ إهانة المجنون والاستخفاف به، وأن يعلم عمر ذلك، فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة ثم أمر بأن يقام الحدّ على المجنونة فقد توجّه الطعن، ومعلوم أنه لم تجتمع هذه الأمور الثلاثة، فإنه ليس في القرآن ولا في السنّة ذكر الحدّ بهذا اللفظ ، ولا الحد في اللغة العربية هو العقوبة التي يقارنها الاستخفاف والإهانة ولا عُرف الشرع ومواضعة الصّحابة يشتمل على ذلك، وإنما هذا شيء استنبطه المتكلّمون المتأخرون بأذهانهم وأفكارهم، ثم بتقدير تسليم هذين المقامين لم قال : إن المجنون لا يصحّ عليه الاستخفاف والإهانة؟ فمن الجائز أن يصحّ ذلك عليه وإن لم يتألم بالاستخفاف والإهانة كما يتألم بالعقوبة، وإذا صحّ عليه أن يتألم بالعقوبة صح عليه أن يتألم بالاستخفاف والإهانة، لأنّ الجنون لا يبلغ - وإن عظم - مبلغاً يبطل تصوّر الإنسان لإهانته ولاستخفافه، وبتقدير ألا يصح على المجنون الاستخفاف والإهانة، من أين لنا أن علم أن ذلك لا يصحّ عليه ! فمن الممكن أن يكون ظنّ أن ذلك يصحّ عليه، لأن هذا مقام اشتباه والتباس.

فأمّا قوله : «قد بيّنا أنه لا يجوز أن يرجع الإمام أصلاً إلى غيره»، فهو مبنيُّ على مذهبهم وقواعدهم. وقوله معترضاً على كلام قاضي القضاة: إن الخطأ في ذلك قد لا يعظُم ليمنع من

ص: 321

صحّة الإمامة إنّ هذا اقتراح بغير حجة، لأنه إذا اعترف بالخطأ فلا سبيل إلى القطع على أنّه لا صغير غير لازم، لأن قاضي القضاة لم يقطع بأنه صغير، بل قال : لا يمتنع، وإذا جاز أن يكون صغيراً لم نكن قاطعين على فساد الإمامة به.

فإن قال المرتضى : كما أنّكم لا تقطعون على أنه صغير، فتكون الإمامة مشكوكاً فيها، قيل له : الأصل عدم الكبير، فإذا حصل الشكّ في أمر هل هو صغير أم كبير؟ تساقط التعارضُ، ورجعنا إلى الأصل، وهو عدم كون ذلك الخطأ كبيراً، فلا ذلك يمنع من صحّة الإمامة.

الطعن الرابع : حديث أبي العجفاء، وأنّ عمر منع من المغالاة في صدُقات النّساء، اقتداء بما كانَ من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)في صَدَاقٍ فاطمة، حتى قامت المرأة ونبهته بقوله تعالى: وَهَاتَيْتُمْ إحْدَتهُنَّ قِنطَارًا(1)، على جواز ذلك، فقال: كلّ النساء أفقه من عمر! وبما روِيَ أنه تسوّر على قوم، ووجدهم على منكَر، فقالوا له : إنّك أخطأت من جهات: تجسّست، وقال الله تعالى: وَلَا تَجَسَّسُوا (2)، ودخلت بغير إذن، ولم تسلِّم .

أجاب قاضي القضاة، فقال: علمنا بتقدّم عمر في العلم وفضله فيه ضروريّ، فلا يجوز أن يقدَح فيه بأخبار أحاديث غير مشهورة، وإنما أراد في المشهور أنّ المستحبّ الاقتداء

برسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأنّ المغالاة فيها ليس بمكرُمة، ثم عند التنبيه، علِم أنّ ذلك مبنيُّ على طيب النفس، فقال ما قاله على جهة التّواضع، لأنّ مَنْ أظهر الاستفادة من غيره - وإن قلّ علمُه - فقد تعاطَى الخضوع، ونبَّه على أن طريقتَه أخذ الفائدة أينما وجدها، وصيّر نفسَه قدوة في ذلك وأسوة ، وذلك حَسَن من الفضلاء. وأما حديث التجسّس فإن كان فعله فقد كان له ذلك، لأنّ للإمام أن يجتهد في إزالة المنكَر بهذا الجنس من الفعل، وإنّما لحقه – على ما يروى في الخبر الخجل، لأنه لم يصادف الأمر على ما ألقِيَ إليه في إقدامهم على المنكر .

اعترض المرتضَى على هذا الجواب، فقال له : أمّا تعويلُك على العلم الضروريّ بكونه من أهل العلم والاجتهاد، فذلك إذا صحّ لم ينفعك، لأنّه قد يذهب على مَنْ هو بهذه الصفة كثيرُ من الأحكام حتى ينبّه عليها ويجتهد فيها ، وليس العلم الضروريُّ ثابتاً بأنّه عالم بجميع أحكام الدّين، فيكون قاضياً على هذه الأخبار. فأما تأوّله الحديث وحمله على الاستحباب فهو دفع للعيان، لأن المرويّ أنه مَنَع من ذلك وحَظره حتى قالت المرأة ما قالت، ولو كان غيرَ حاظرِ

ص: 322


1) سورة النساء، الآية: 20 .

2) سورة الحجرات، الآية : 12 .

للمغالاة لما كان في الآية حُجّة، ولا كان لكلام المرأة موقع ، ولا كان يعترف لها بأنَّهَا أفقَهُ منه ،بل كان الواجب أن يردَّ عليها ويوبّخها ويعرفها أنه ما حظر لذلك، وإنما تكون الآية حُجّةً عليه لو كان حاظر مانعاً ، فأمّا التواضع فلا يقتضي إظهارَ القبيح وتصويب الخطأ. ولو كان الأمر على ما توهّمه صاحبُ الكتاب لكان هو المصيب والمرأة مخطئة، فكيف يتواضع بكلام يُوهِم أنه المخطىء وهي المصيبة !فأمّا التجسّس فهو محظور بالقرآن والسّنّة، وليس للإمام أن يجتهد فيما يؤدّي إلى مخالفة الكتاب والسنّة، وقد كان يجب إن كان هذا عذراً صحيحاً يعتذر به إلى من خَطّأه في وجهه وقال له : إنك أخطأت السنّة من وجوه، فإنه بمعاذير نفسه أعلم من صاحب الكتاب، وتلك الحال حال تدعو إلى الاحتجاج وإقامة العُذر .

قلت : قُصارى هذا الطعن أنّ عمر اجتهد في حُكْم أو أحكام فأخطأ ، فلمَا نُبِّه عليها رجع، وهذا عند المعتزلة وأكثر المسلمين غير منكَر، وإنّما ينكَر أمثال هذا من يبطِلُ الاجتهاد، ويوجِب عصمة الإمام، فإذن هذا البحث ساقط على أصول المعتزلة ،والجواب عنه غير لازم علينا .

الطعن الخامس : أنه كان يعطِي من بيت المال ما لا يجوز، حتّى أنه كان يعطي عائشة وحفصة عشرة آلاف درهم في كلّ سنة، ومنَع أهل البيت خمسَهم الذي يجري مجرى الواصل إليهم من قِبَل رسول الله (صلی الله علیه وآله و سلم). وأنّه كان عليه ثمانون ألف درهم من بيت المال على سبيل القَرْض.

أجاب قاضي القضاة بأنّ دفعه إلى الأزواج جائز من حيث إنّ لهنّ حقِّا في بيت المال، وللإمام أن يدفع ذلك على قَدر ما يراه، وهذا الفعل قد فعلَه من قبله ومن بعده ولو كان منكراً لما استمرّ عليه أمير المؤمنين(علیه السلام) ، وقد ثبت استمرارُه عليه ولو كان ذلك طعناً لوجب - إذ كان يدفع إلى الحسن والحسين وإلى عبد الله بن جعفر وغيرهم من بيت المال شيئاً - أن يكونَ في حكم الخائن، وكلّ ذلك يبطِل ما قالوه، لأنّ بيت المال إنما يُراد لوضع الأموال في حُقوقها ثَمُ الاجتهاد إلى المتولّي للأمر في الكثرة والقلّة.

فأما أمر الخمس فمن باب الاجتهاد، وقد اختلف النّاس فيه، فمنهم مَنْ جعله حقَّا لذوي القربى وسهماً مفرداً لهم على ما يقتضيه ظاهر الآية، ومنهم مَنْ جعله حقًّا لهم من جهة الفقر ، وأجراهم مجرَى غيرهم، وإن كانوا قد خُصُوا بالذكر، كما أجرى الأيتام - وإن خُصّوا بالذكر مجرى غيرهم في أنهم يستحقّون بالفقر. والكلام في ذلك يطول، فلم يخرج عمر بما حَكَم به عن طريقة الاجتهاد، ومَنْ قَدَح في ذلك فإنّما يقدح في الاجتهاد الذي هو طريقة الصحابة .

ص: 323

فأمّا اقتراضُه من بيت المال، فإن صحّ فهو غير محظور ، بل ربّما كان أحوَط، إذا كان على ثقة من ردّه بمعرفة الوجه الذي يمكنه منه الردّ، وقد ذكر الفقهاء ذلك، وقال أكثرهم : إنّ الاحتياط في مال الأيتام وغيرهم أن يجعَل في ذمّة الغنيّ المأمون لبعده عن الخطر، ولا فرق بين أن يقرض الغير أو يقترضه لنفسه. ومَنْ بلغ في أمره أن يطعن على عمر بمثل هذه الأخبار - ما يعلم من سريرته وتشدّده في ذات الله واحتياطه فيما يتّصل بملك الله، وتنزّهه عنه، حتى مع ماي فعل بالصبيّ الذي أكل من تمر الصدقة واحدة ما فعل، وحتى كان يرفع نفسه عن الأمر الحقير ويتشدّد على كلّ أحد ،حتى على ولده - فقد أبعدَ في القول .

اعترض المرتَضَى، فقال: أمّا تفضيلُ الأزواج، فإنه لا يجوز، لأنه لا سبب فيهنّ يقتضي ذلك، وإنما يفضّل الإمام العَطاء ذوي الأسباب المقتضية لذلك، مثل الجهاد وغيره من الأمور العامّ نفعها للمسلمين.

وقوله : إنّ لهنّ حقًّا في بيت المال صحیح، لا أنه لا يقتضي تفضيلَهنّ على غيرهنّ، عِيبَ بدفع حقهنّ إليهنّ ، وإنما عِيب بالزيادة عليه، وما يُعلم أنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) استمر على ذلك - وإن كان صحيحاً كما ادّعى - فالسّبب الداعي إلى الاستمرار عليه، هو السبب الداعي إلى الاستمرار على جميع الأحكام، فأمّا تعلّقه بدفع أمير المؤمنين (علیه السلام)إلى الحسن والحسين وغيرهما شيئاً من بيت المال فعَجَب! لأنه لم يفضّل هؤلاء من العطيَّة فيشبه ما ذكرناه في الأزواج، وإنما أعطاهم حقوقَهم، وسوّى بينهم وبين غيرهم.

فأما الخُمس، فهو للرّسول ولأقربائه، على ما نطق به القرآن، وإنما عنى تعالى بقوله وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ(1)من كَانَ مِنْ آلِ الرسول خاصّة، لأدلّة كثير لا حاجةَ بنا إلى ذكرها ها هنا .وقد رَوَى سُليم بن قيس الهلاليّ، قال: سمعت أم المؤمنين(علیه السلام) يقول : نحن والله الذي عَنَى الله بذي القربى، قَرنَهم الله بنفسه ونبيّه(صلی الله علیه و آله و سلم) فقال : مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ السَّبِيلِ7(2)، كلّ هؤلاء منّا خاصّة، ولم يجعل لنا سهماً في الصدقة، أكرم الله تعالى وأكرمنا أن يطعمنا أوساخَ ما في أيدي الناس. وروى يزيد بن هرم، قال: كتب نجدة إلى عباس، يسأله عن الخمس لمن هُو ؟ فكتب إليه : كتبت تسألِني عن الخمس لمن هُو ؟ وإنّا نزعم أنّه لنا ، فأبى قومُنا علينا ذلك، فصبرنا عليه .

ص: 324


1) سورة الأنفال، الآية: 41 .

2) سورة الحشر، الآية : 7.

قال : وأمّا الاجتهاد الذي عوّل عليه، فليس عذراً في إخراج الخمس عن أهله فقد أبطلناه. وأما الاقتراض من بيت المال فهو ممّا يدعو إلى الريبة، ومَنْ كانَ من التشدّد والتحفّظ والتقشّف على الحدّ الذي ذكره، كيف تطيب نفسه بالاقتراض من بيت المال، وفيه حقوق وربّما مسّت الحاجة إلى الإخراج منها، وأيّ حاجة لمن كان جَشِب المأكل، خشنَ الملبس يتبلّغ بالقوت إلى اقتراض الأموال!

فأمّا حكايته عن الفقهاء ،أن الاحتياط أن يحفَظ مال الأيتَام في ذمّة الغَنّي المأمون، فذلك إذا صحّ لم يكن نافعاً له، لأن عمرَ لم يكن غنيًّا، ولو كان غنياً لما اقترض، فقد خرج اقتراضهُ أن يكون من باب الاحتياط، وإنما اشترط الفقهاء مع الأمانة الغنِىَ، لئلا تمسّ الحاجة إليه ، فلا يمكن ارتجاعه، ولهذا قلنا : إنّ اقتراضَه لحاجته إلى المال لم يكن صواباً وحسنَ نظر المسلمين.

قلت: أما قوله : لا يجوز للإمام أن يفضّل في العطاء إلا لسبب يقتضي ذلك كالجهاد ،فليست أسبابُ التفضيل مقصورةً على الجهاد وحدّه، فقد يستحقّ الإنسان التفضيل في على غيره لكثرة عبادته، أو لكثرة علمه أو انتفاع النّاس ،به فلم لا يجوز أن يكونَ عمر فضَّل الزوجات لذلك !

وأيضاً : فإن الله تعالى فرضَ لذوِي القربى مِن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) له نصيباً في الفيء والغنيمة، ليس إلا لأنهم ذوو قرابته فقط، فما المانع من أن يقيس عمر عَلَى ذلك ما فعله العطاء،

في فيفضّل ذوِي قرابة رسول في ذلك عَلَى غيرهم، ليس إلاّ لأنهم ذوُو قرابته، والزوجاتُ وإن لم يكن لهنّ قُربى النّسب فلهنّ قُربى الزوجية وكيف يقول المرتضَى: ما جاز أن يفضّل أحداً إلا بالجهاد! وقد فضّل الحسن والحسين على كثير من أكابر المهاجرين والأنصار وهما صبيّان، ما جاهدا ولا بلغا الحُلم بعد، وأبوهما أمير المؤمنين(علیه السلام) موافق على ذلك، راض به، غير منكِر له ! وهل فعل عمرُ ذلك إلا لقُربهما من رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) !

ونحن نذكر ما فعله عمر في هذا الباب مختصَراً نقلناه من كتاب أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي المحدّث في أخبار عمر وسيرته .

روى أبو الفَرج، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال : استشار عمر الصحابة بمن يبدأ في القَسم والفريضة، فقالوا : ابدأ بنفسك فقال : بل أبدأ بال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وذَوِي قرابته ، فبدأ بالعباس .

قال ابن الجَوزيّ: وقد وقع الاتّفاق على أنّه لم يفرِض لأحد أكثر مما فَرَض له .

ص: 325

وروي أنه فرَض له اثني عشر ألفاً، وهو الأصحّ ، ثم فرض لزوجات رسول الله(صلی الله علیهوآله و سلم) لكل واحدة عشرة آلاف، وفضّل عائشة عليهن بألفين فأبت، فقال: ذلك بفضل منزلتك عند رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) ، فإذا أخذتِ فشأنك، واستثنى من الزوجات جُويرَية وصفيّة وميمونة، ففرض لكلّ واحدةٍ منهنّ ستة آلاف، فقالت عائشة : إنّ رسول الله( صلى الله عليه و آله وسلم )كان يعدِل بيننا ، فَعدَل بينهنّ، وألحق هؤلاء الثلاث بسائرهنّ، ثم فرض للمهاجرين الَّذين شهدوا بدراً لكلّ واحد خمسة آلاف، ولمن شهدها من الأنصار لكلّ واحد أربعة آلاف.

وقد روي

عمر

أنه فرض لكلّ واحدٍ ممّن شهد بدراً من المهاجرين أو من الأنصار أو من غيرهم من القبائل خمسة آلاف، ثم فرض لمن شهد أحُداً وما بعدها إلى الحديبية أربعة آلاف، ثم فرض لكلِّ مَنْ شهد المشاهد بعد الحديبية ثلاثة آلاف ثم فرضَ لكلِّ مَنْ شهد المشاهد بعد وفاة رسول الله الفين وخمسمائة ، وألفين، وألفاً وخمسمائة، وألفاً واحداً إلى مائتين، وهم أهل هَجَر، ومات عمر على ذلك .

قال ابن الجوزيّ وأدخل عمر في أهل بدر ممّن لم يحضر بدراً أربعة ،وهم الحسن ،والحسين، وأبو ذَرّ، وسلمان، ففرض لكلّ واحد منهم خمسة آلاف.

قال ابن الجوزيّ: وروى السّديّ أن عمرَ كسا أصحابَ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ، فلم يرتضِ في الكُسوة ما يستصلحه للحسن والحسين(علیه السلام) ، فبعث إلى اليمن، فأتيَ لهما بكسوة فاخرة، فلما كساهما قال : الآن طابت نفسي .

قال ابن الجوزي: فأمّا ما اعتمده في النّساء فإنه جعل نساء أهل بدر على خمسمائة، ونساء مَنْ بعد بدر إلى الحديبية على أربعمائة، ونساء من بعد ذلك على ثلاثمائة، وجعل نساء أهل القادسّية على مائتين مائتين ثم سوّى بين النساء بعد ذلك .

ولو لم يدلّ على تصويب عمر فيما فعلَه إلا إجماع الصحابة واتفاقهم عليه وترك الإنكار لذلك كان كافياً .

فأما الخمس والخلاف فيه فإنها مسألة اجتهادية، والذي يظهر لنا فيه ويغلب عندنا من أمرها، أنّ الخمس حقٌّ صحيح ثابت، وأنّه باقي إلى الآن على ما يذهب إليه الشافعيّ، وأنّه لم يسقط بموت رسول(صلی الله علیه و آله و سلم) ، ولكّنا لا نرى ما يعتقده المرتضَى مِنْ أن الخمس لآل الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأن الأيتام أيتامهم ، والمساكين مساكينهم وابن السبيل منهم، لأنه على خلاف ما يقتضيه ظاهر الآية والعطف، ويمكن أن يحتجّ على ذلك بأنّ قوله تعالى في سورة الحشر :لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ (1)يبطل هذا القول، لأن هذه اللام لا بدّ أن تتعلق بشيء، وليس قبلها ما

ص: 326


1) سورة الحشر، الآية : 8.

تتعلّق به أصلاً، إلا أن تجعل بدلاً من اللام التي قبلها في قوله :مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ(1). وليس يجوز أن تكون بدلاً اللام في «الله» ولا من اللام في قوله : «وللرسول» فبقيَ أن تكون بدلاً من اللام في قوله «ولذي القربى»، أما الأول فتعظيماً له سبحانه، وأما الثاني فلأنه تعالى قد أخرج رسولَه من الفقراء بقوله: وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ(2)، ولأنه يجب أن يرفع رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) عن التّسمية بالفقير . وأمّا الثالث، فإما أن يفسّر هذا البدَل وما عطف عليه المبدل منه، أو يفسّر هذا البدل وحده دون ما عُطِف عليه المبدل منه، والأوّل لا يصحّ لأنّ المعطوف على هذا البدل ليس من أهل القرى وهم الأنصار، ألا ترى كيف قال سبحانه: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ أَ الآية، ثم قال سبحانه: وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ(3)وهم الأنصار. وإن كان الثاني صار تقدير الآية أن الخمس الله وللرسول ولذي القربي الذينَ وصفهم الله ونَعتَهم بأنَّهم هاجروا وأخرِجوا من ديارهم، وللأنصار، فيكون هذا مبطِلاً لما يذهب إليه المرتضَى في قَصْر الخُمُس عَلَى ذوي القربى.

ويمكن أن يعتَرضَ هذا الاحتجاج، فيقال : لِمَ لا يجوز أن يكون قوله : وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ، ليس بعطف، ولكنّه كلام مبتدأ، وموضع «الَّذِينَ» رفع بالابتداء وخبره «يحبون»؟

وأيضاً فإنّ هذه الحجّة لا يمكن التمسّك بها في آية الأنفال، وهو قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَيْمِّتُم مِّن شَيْ(4).

فأما رواية سُليم بن قيس الهلاليّ، فليست بشيء، وسُليم معروف المذهب، ويكفي في ردّ روايته كتابه المعروف بينهم المسمى كتاب سُلَيم.

على أنَّي قد سمعت من بعضِهم مَنْ يذكر أنّ هذا الاسم على غير مسمّى، وأنه لم يكن في الدنيا أحدُ يعرَف بسليم بن قيس الهلاليّ، وأن الكتاب المنسوب إليه منحول موضوع لا أصل له، وإن كان بعضُهم يذكره في اسم الرجال، والرواية المذكورة عن ابن عباس في كتابه إلى نَجدة الحَروريّ صحيحة ثابتة، وليس فيها ما يدلّ على مذهب المرتضى من أن الخمس كلّه لذوي القربي، لأنّ نجدة إنما سأله عن خمس الخمس لا عن الخمس كله .

وينبغي أن يذكر في هذا الموضع اختلاف الفقهاء في الخُمُس :

أمّا أبو حنيفة فعنده أنّ قسمة الخُمس كانت في عهد رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) على خمسة أسهم : سهم الرسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وسهم لذوِي قرباء من بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس

ص: 327


1) سورة الحشر، الآية : 7 .

2) سورة الحشر، الآية : 8.

3) سورة الحشر، الآية : 9 .

4) سورة الأنفال، الآية: 41 .

ونوفل، استحقُوه حينئذ بالنّصرة والمظاهرة، لما روي عن عثمان بن عفّان وجُبَير بن مطعِم أنّهما قالا لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): هؤلاء إخوتُك من بني هاشم لا ننكر فضلهم، لمكانك الّذِي جعلك الله

منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا! وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة (1).فقال(صلی الله علیه و آله و سلم) : : «إنّهم لم يفارقونا في جاليّة ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» وشبَّك بين أصابعه. وثلاثة أسهم ليتامى المسلمين ومساكينهم وأبناء السبيل منهم، وأمّا بعد رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فسهمه ساقط بموته، وكذلك سَهم ذوي القربى، وإنما يُعطَون لفقرهم، فهم أسوة سائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم، فيقسَّم الخمس إذن على ثلاثة أسهم: اليتامى، والمساكين وابن السبيل.

وأما الشافعيّ فيقسّم الخمس عنده بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) على خَمْسَةٍ أسهم : سهم

الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)يُصرف إلى ما كان يصرفه إليه رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أيّام حياته من مصالح المسلمين، كعُدّة الغزاة من الكُراع والسلاح ونحو ذلك، وسهمُ لذوي القُرْبَى من أغنيائهم وفقرائهم، يقسّم بينهم للذّكَر مثل حظّ الأنثيين من بني هاشم وبني المطلب، والباقي للفرق الثلاث.

وأمّا مالك بن أنس، فعنده أنّ الأمر في هذه المسألة مفوّض إلى اجتهاد الإمام، إن رأى قَسَمه بين هؤلاء، وإن رأى أعطاه بعضَهم دون بعض، وإن رأى الإمام غيرَهم أولى وأهمّ، فغيرهم.

وبقي الآن البحث عن معنى قوله سبحانه وتعالى :فَلِلَّهِ وَالرَّسُول(2)، وما المراد بسهم سبحانه؟ وكيف يقول الفقهاء: الخمس مقسوم خمسة أقسام، وظاهر الآية يدلّ على ستّة أقسام؟

فنقول :

يحتمل أن يكون معنى قوله سبحانه: وَالرَّسُول(3)لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، كقوله : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ(4)، أي ورسول الله (صلی الله علیه و آله وسلم)أحق ومذهب أبي حنيفة والشافعيّ يجيء على هذا الاحتمال.

ويحتمل أن يريد بذكره إيجاب سهم سادس يصرَف إلى وجه من وجوه القُرَب، ومذهب أبي العالية يجيء على هذا الاحتمال، لأنّه يذهب إلى أنّ الخمس يقسّم ستة أقسام : أحدها سهمه تعالى يُصْرَف إلى رتاج الكعبة، وقد روي أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه قَبضة فيجعلها للكعبة، ويقول: «سهم الله تعالى، ثم يقسم ما بقي على خمسة أقسام».

وقال قوم: سهم الله لبيتِ الله .

ص: 328


1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (12507) ، والمتقي الهندي في «كنز العمال» (34044) .

2) سورة الحشر ،الآية: 7 .

3) سورة الأنفال، الآية : 24 .

4) سورة التوبة، الآية : 13 .

ويحتمل احتمالاً ثالثاً، وهو أن يراد بقوله: فَانَ لِلَّهِ مُسَهُ (1)أنّ من حقّ الخمس أن يكون متقرَّباً به إليه سبحانه لا غير ،ثم خصّ من وجوه القُرَب هذه الخمسة، تفضيلاً لها على غيرها، كقوله: وَجِبْرِيلَ وَمِيكَنلَ(2). ومذهب مالك يجيء على هذا الاحتمال.

وقد رُوِيَ عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه كان على سنّة : الله وللرّسول(صلی الله علیه و آله و سلم) سهمان، وسهم لأقاربه، وثلاثة أسهم للثّلاثة، حتى قبض(علیه السلام) ، فأسقط أبو بكر ثلاثة أسهم، وقسّم الخمس كله على ثلاثة أسهم، وكذلك فعل عمر .

ورُوِيَ أنّ أبا بكر مَنَع بني هاشم الخمس، وقال: إنّما لكم أن نعطيَ فقيرَكم ،ونزوّج أيْمَكم، ونخدُم من لا خادم له منكم، وأمّا الغنيُّ منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غنيّ، لا يعطى شيئاً ، ولا يتيم مُوسر .

وقد روي عن زيد بن عليّ(علیه السلام) مثل ذلك، قال: ليس لنا أن نبني منه القصور، ولا أن نركب منه البراذين فأمَّا مذهب الإماميّة، فإنّ الخمس كلَّه للقرابة.

ويروون عن أمير المؤمنين (علیه السلام)، أنه قال : أيتامنا ومساكيننا! إن صحّ عنه ذلك، فقوله عندنا أولَى بالاتّباع، وإنما الكلام في صحته.

فأما اقتراض عمر من بيت المال ثمانين ألفاً، فليس بمعروف، والمعروف المشهور أنه كان يُظلِف نفسه عن الدّرهم الواحد منه .

وقد روى ابن سعد في كتاب «الطبقات» (3)أن عمر خطب، فقال: إنّ قوماً يقولون : إنّ هذا المال حلال لعمر، وليس كما قالوا ،لاها الله إذن! أنا أخبركم بما أستحلّ منه، يحل لي منه حُلْتان : حُلّة في الشتاء، وحُلّة في القَيظ وما أحجّ عليه وأعتمر من الظَّهر، وقوتي وقوتُ أهلي كقوتِ رجل من قريش، ليس بأغناهم ولا أفقرهم، ثم أنا بعدُ رجلُ من المسلمين يُصِيبُني ما أصابهم .

وروى ابنُ سعد أيضاً أن عمر كان إذا احتاج أتى إلى صاحب بيت المال فاستقرضه، فربما عسر عليه القضاءُ، فيأتيه صاحب بيت المال فيتقاضاه، فيحتال له، وربما خرج عطاؤه فقضاه، ولقد اشتكَى مرّةً فوصف له الطبيبُ العسَل، فخرج حتّى صعد المنبر، وفي بيت المال عُكّة فقال : إن أذنتم لي فيها أخذتُها، وإلا فهي عليّ حرام ،فأذنوا له فيها ، ثم قال : إنّ مَثَلِي وَمَثَلكم كقوم سافروا، فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم لينفق عليهم، فهل يحلّ له أن يستأثر منها بشيء!

ص: 329


1) سورة الأنفال، الآية : 41 .

2) سورة البقرة، الآية: 98 .

3) سورة البقرة، الآية: 98 .

وروى ابن سعد أيضاً ، قال : مكث عمر زماناً لا يأكل من مال المسلمين شيئاً ، حتى أصابته

خَصاصة، فأرسل إلى أصحاب رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فاستشارهم فقال لهم : قد شَعَلْتُ نفسِي بأمركم، فما الذي يصلح أن أصيبه من مالكم ؟ فقال عثمان : كل واطعم، وكذلك قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فتركهما وأقبل على عليِّ(علیه السلام) ، فقال : ما تقول أنت؟ قال : غداء ،وعشاء قال : أصبت وأخذ بقوله .

وروى أبو الفرج بن الجوزي في كتاب سيرة عمر عن نائلة عن ابن عمر ، قال: قال : جمع النّاس لما انتهى إليه فتح القادسيّة ودمشق، فقال: إنِّي كنتُ امرأ تاجراً يغني الله عيالي بتجارتي، وقد شغلتموني عن التجارة بأمركم، فما ترون أنه يحلّ لي من هذا المال؟ فقال القوم فأكثروا ، وعليُّ(علیه السلام) ساكت، فقال عمر: ما تقول أنت يا أبا الحسن؟ قال : ما أصلحَك وأصلح عيالك بالمعروف، وليس لك من هذا المال غيره فقال: القول ما قاله أبو الحسن ،وأخذ به .

وروى عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر مَرا بأبي موسى، وهو على العراق وهما مقبلان من أرض فارس، فقال: مرحباً بابنَي أخي، لو كان عندي شيء، وبلى قد اجتمع هذا المال عندي : فخذاه واشتريا به متاعاً، فإذا قدِمْتُما فبيعاه ولكما ربحُه، وأديا إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) رأس المال، ففعلا، فلمّا قدما على عمر بالمدينة أخبراه ، فقال: أكلّ أولاد المهاجرين يصنَع بهم أبو موسى مثل ذلك! فقالا : لا ، قال : فإنّ عمر يأبَى أن ذلك وجعل قرضاً .

وروِيَ عن قتادة، قال : كان معيقيب على بيت المال لعمر، فكَسَح عمر بيت المال يوماً ، وأخرجه إلى المسلمين، فوجدَ معيقيب فيه دِرْهماً ، فدفعه إلى ابن عمر، قال معيقيب: ثم انصرفت إلى بيتي، فإذا رسول عمر قد جاء يدعوني، فجئت فإذا الدّرهم في يده، فقال : ويحك يا معيقيب !أو جَدْتَ عليّ في نفسك شيئاً ! قلت : وما ذاك؟ قال : أردت أن تخاصِمَني أمّة محمد هذا الدرهم يوم القيامة .

وروى عمر بن شبَّة، عن عبد الله بن الأرقم - وكان خازن عمر - فقال : إن عندنا حِلْيَةً مِن حلية جلولاء وآنية من فضة، فانظر ما تأمر فيها؟ قال: إذا رأيتَني فارغاً فآذِنّي، فجاءه يوماً فقال : إني أراك اليوم فارغاً، فما تأمر بتلك الحلية؟ قال : ابسط لي نِطَعاً، فبسطه ثم أتى بذلك المال، فصبّ عليه ،فرفع يديه وقال :اللهمّ إنك ذكرت هذا المال، فقلت : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْقِضَةِ(1)ثم قلت: لِكَيْلَا

ص: 330


1) سورة آل عمران، الآية: 14 .

تأسوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا وَاتَكُمْ(1)اللهمّ إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنت لنا . اللهمّ إني أسألك أن تضعه في حقه، وأعوذ بك من شرّه، ثم ابتدأ فقسّمه بين الناس، فجاءه ابن بنت له ، فقال : يا أبتاه! هب لي منه خاتماً ، فقال : اذهب إلى أمّك تَسْقِكَ سَوِيقاً ، فلم يعطه شيئاً . وروى الطبريّ في تاريخه أنّ عمرَ خطبَ أمّ كلثوم بنت أبي بكر، فأرسل فيها إلى عائشة، فقالت الأمر إليها، فقالت أمّ كلثوم : لا حاجة لي ،فيه قالت لها عائشة : ويلك أترغبين عن أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ قالت: نعم، إنّه يغلِق بابه، ويمنع خيره ،ويدخل عابساً، ويخرج عابساً، فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص، فأخبرته، فقال: أنا أكفيك، فأتى عمر، فقال: يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، بلغني خبرُ أعيذك بالله منه ! قال: ما هو ؟ قال : خطبتَ أمّ كلثوم بنت أبي بكر؟ قال: نعم، أفترغب بي عنها أم ترغبُ بها عنّي؟ قال : لا ،واحدة ولكنها حَدَثة، نشأت تحت كنَف أم المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة ونحن نهابُك، ولا نستطيع أن نردّك عن خُلُقٍ من أخلاقك ، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها ! كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحقّ عليك، قال: فكيف لي بعائشة وقد كلّمتها فيها ؟ قال : أنا لك بها، وأدَلُك على خير منها ، أم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب(علیه السلام)، تعلّق منها بسببِ من رسول الله(علیه السلام). فصرَفه عنها إلى أم كلثوم بنت فاطمة .

وروى عاصم بن عمر ،قال :بعث إليّ عمر عند الهاجرة - أو قال عند صلاة الصبح فأتيتُه، فوجدته جالساً في المسجد فقال : يا بني إنيّ، لم أكن أرى شيئاً شين من هذا المال يحلّ لي قبل أن ألِيَ إلاّ بحقه، وما كان أحرم عليّ منه حين وليته، فعاد أمانتي، وإني كنت أنفقت عليك من مال الله شهراً، ولست بزائدك عليه، وقد أعطيتك تمري بالعالية، فبعه وخذ ثمنه، ثم انت رجلاً من تجّار ،قومك، فكن إلى جانبه ، فإذا ابتاع شيئاً فاستشركه وأنفق ما تربحه عليك وعلى أهلك . قال : فذهبت ففعلت .

وروى الحسن البصريّ أنّ عمر كان يمشي يوماً في سكّة من سِكك المدينة، إذ صبيّة تَطِيش على وجه الأرض، تقعد مرّة، وتقوم أخرى من الضّعف والجهد، فقال عمر : ما بال هذه؟ قال عبد الله ابنه : أما تعرف هذه؟ قال : لا ، قال إنّها إحدى بناتك، فأنكر عمر ذلك، فقال : هذه ابنتي من فلانة قال ويحك ما صيّرها إلى ما أرى ؟ قال : منعك ما عندك ، قال : أنا منعتُك ما عندی ،فما الذي منعك أن تطلب لبناتك ما يكسب الأقوام لبناتهم ! والله ما لكَ عندي غيرُ سهمك في المسلمين، وسعَك أو عجز عنك، وكتاب الله بيني وبينك .

ص: 331


1) سورة الحديد، الآية : 23 .

وروى سعيد بن المسيّب، قال: كتب عمر لما قسّم العطاء وفضل مَنْ فضّل للمهاجرين الذين شهِدُوا بدراً خمسة آلاف، وكتب لمن لم يشهد بدراً أربعة آلاف، فكان منهم عمر بن أبي سلمة المخزوميّ، وأسامة بن زيد بن حارثة، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن عمر بن الخطاب. فقال عبد الرحمن بن عوف - وهو الذي كان يكتبُ - : يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، إن عَبد الله بن عمر، ليس من هؤلاء، إنّه وإنه ... يُطرِيه ويُثني عليه، فقال له عمر : ليس له عندي إلا مثل واحد منهم ، فتكلّم عبد الله وطلب الزيادة، وعمر ساكت، فلمّا قضى كلامَه، قال عمر لعبد الرحمن: اكتبه على خمسة آلاف، واكتبني على أربعة آلاف، فقال عبد الله : لا أريد هذا، فقال عمر : والله لا أجتمع أنا وأنت على خمسة آلاف ،قم إلى منزلك، فقام عبد الله كثيباً .

وقال أبو وائل : استعملِني ابنُ زياد على بيت المال بالكوفة، فأتاني رجلُ بصكّ يقول فيه : أعطِ صاحب المطبخ ثمانمائة درهم، فقلت له : مكانكَ. ودخلتُ على ابن زياد، فقلت له : إنّ عمر استعمل عبد الله بن مسعود بالكوفة على القضاء وبيت المال، واستعمل عثمان بن حُنَيف على سِقي الفرات، واستعمل عمّار بن ياسر على الصلاة والجند، فرزقهم كلّ يوم شاة واحدة، فجعل نصفها وسقطها وأكارعها لعمّار، لأنه كان على الصلاة والجند، وجعل لابن مسعود رُبعها، ولا بنُ حُنيف ربعها، ثم قال: إنّ مالاً يؤخذ منه كلّ يوم شاة، إنّ ذلك فيه لسريع، فقال ابن زياد: ضع المفتاح فاذهب حيث شئت .

وروى أبو جعفر الطبري في التاريخ، أنّ عمر بعث سلَمة بن قيس الأشجعيّ إلى طائفة من الأكراد، كانوا على الشِّرْك، فخرج إليهم في جيش سَرّحه معه من المدينة، فلمّا انتهى إليهم، دعاهم إلى الإسلام أو إلى أداء الجزية، فأبوا ، فقَاتلهم، فنصره الله عليهم، فقتل المقاتلة وسَبَى الذريّة، وجمع الرّثة، ووجد حلية وفصوصاً وجواهر ، فقال لأصحابه : أتطيب أنفسكم أن نبعث بهذا إلى أمير المؤمنين(علیه السلم)؟ فإنه غير صالح لكم ، وإنّ عَلَى أمير المؤمنين(علیه السلام) لمؤونة وأثقالاً ! قالوا : نعم، قد طابت أنفسنا ، فجعل تلك الجواهر في سَفَط، وبعث به مع واحد من أصَحابه، وقال له : سِر، فإذا أتيتَ البصرة، فاشترِ راحلتين فأوقِرهما زاداً لك ولغلامك، وسر إلى أمير المؤمنين(علیه السلام).

قال: ففعلت، فأتيت عمر وهو يغدّي الناس، قائماً متكئاً على عصا كما يصنع الراعي، وهو يدور على القِصاع، فيقول: يا يَرْفاً زِدْ هؤلاء لحماً، زد هؤلاء خبزاً، زد هؤلاء مَرَقة فجلست في أدنى الناس فإذا طعام فيه خشونة، طعامي الذي معي أطيَب منه، فلمّا فرغ أدبر فاتّبعته، فدخل داراً فاستأذنت، ولم أعلِم حاجبه مَنْ أنا ، فأذن لي، فوجدته في صُفّة جالساً على مِسح، متّكناً على وسادتين من أدَم محشوّتين ليفاً، وفي الصُّفة عليه سِتر من صوف، فنبذ إليّ إحدى الوسادتين، فجلست عليها، فقال : يا أمّ كلثوم ،ألا تغدّوننا ! فأخرج إليه خُبزة بزيت في عرضها ملح لم يدقّ، فقال : يا أمَّ كلثوم، ألا تخرُجين إلينا تأكلين معنا؟ فقالت : إنّي أسمع

ص: 332

عندك حِسّ رجل، قال: نعم، ولا أراه من أهل هذا البلد - قال : فذاك حين عرفت أنّه لم يعرفني - فقالت: لو أردت أن أخرج إلى الرّجال لكسوتَني كما كسا الزُّبير امرأته ،وكَمَا كسا طلحة امرأته .

قال : أو ما يكفيك أنّك أمّ كلثوم ابنة عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) وزوجة أمير المؤمنين(علیه السلام) عمر بن الخطاب! قالت: إنّ ذاك عَنّي لقليل الغَناء، قال : كل، فلو كانت راضية لأطعمتك أطيبَ من هذا، فأكلتُ قليلاً، وطعامي الذي معي أطيب منه، وأكل، فَما رأيت أحداً أحسنَ أكلاً منه، ما يتلبَّس طعامه بيده ولا فمه.

ثم قال : اسقونا، فجاؤوا بعُسٌ من سُلْت، فقال : أعط الرّجُل، فشربت قليلاً، وإنّ سَويقي الذي معي لأطيبُ منه، ثم أخذه فشربه حتى قَرَعَ القَدَحُ جبهته، ثم قال : الحمد الله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا، إنّك يا هذا لضعيف الأكل، ضعيف الشرب، فقلت: يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، إنّ لي حاجة، قال: ما حاجتُك؟ قلت: أنا رسول سلمة بن قيس، فقال: مرحباً بسلَمة ورسوله ! فكأنما خرجتَ من صُلبه، حَدَّثني عن المهاجرين كيف هم؟ قلت: كما تحبُّ يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) من السلامة والظَّفر والنَّصر على عدوّهم، قال: كيف أسعارهم؟ قلت: أرخص أسعار، قال: كيف اللّحم فيهم، فإنه شجرة العرب، ولا تصلح العرب إلاّ على شَجَرتها؟ قلت: البقرة فيهم بكذا، والشاة فيهم بكذا، ثم سِرْنا يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) حتى لقِينا عدوَّنا من المشركين، فدعوناهم إلى الّذي أمَرت به من الإسلام فأبوا ، فدعوناهم إلى الخراج فأبَوا، فقاتلناهم فنصرَنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلِة، وسبينا الذرّيّة وجمعنا الرّثَة، فرأى سلمة في الرَثة حلية، فقال للناس : إنّ هذا لا يبلغُ فيكم شيئاً، أفتطيب أنفسكم أن أبعثَ به إلى أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ :قالوا نعم، ثم استخرجت سَفَطِي ففتحته .

فلما نظر إلى تلك الفُصوص، من بين أحمر وأخضر وأصفر، وثب وجعل يده في خاصرته يصيح صياحاً عالياً، ويقول : لا أشبع الله إذن بطن عمر! يكرّرها، فظنّ النّساء أني جئت لأغتالَه،فجئن إلى السِّتر فكشفنه، فسمعته يقول : لفّ ما جئت به يا يرفاً جَا عنقه، قال: فأنا أصْلِحُ سفَطِي، ويرفاً يَجأ عنقي، ثم قال : النّجاء النّجاء !قلت: يا أمير المؤمنين(علیه السلام) انزع بي فاحملني، فقال: يا يرفأ، أعطه راحلتين من إبل الصدقة، فإذا لقيت أفقر إليهما منك فادفعهما إليه، وقال: أظنّك ستبطىء، أما والله لئن تفرّق المسلمون في مشاتيهم قبل أن يُقسِم هذا فيهم، لأفعلنّ بك وبصاحبك الفاقرة .

قال: فارتحلت حتى أتيتُ إلى سلَمة بن قيس، فقلت: ما بارك الله فيما اختصَصْتَني به، اقْسِمُ هذا في الناس قبل أن تصيبني وإياك فاقرة، فقسمه فيهم. فإنّ الفصّ ليباع بخمسة دراهم وبستّة، وهو خير من عشرين ألفاً .

ص: 333

وجملة الأمر أنّ عمر لا يجوز أن يُطعَن فيه بمثل هذا، ولا ينسب إلى شَرَه وحبِّ للمال، فإنّ طريقته في التعفّف والتقشّف وخشونة العيش والزهد أظهرُ من كلّ ظاهر، وأوضح من كلّ واضح، وحاله في ذلك معلومة، وعلى كلّ تقدير، سواء كان يفعل ذلك ديناً أو ورعاً - كما هو حاله - أو كان يفعل ذلك ناموساً وصناعة ورياءً وحيلة، - كما تزعم الشِّيعة - فإنه عظيم، لأنه إمّا أن يكون على غاية الدين والتُّقى، أو يكون أقوَى النّاس نفساً، وأشدَّهم عزماً ، وكلا الأمرين فضيلة .

والّذي ذكره المحدّثون وأرباب السِّير أنّ عمر لما طُعِن واحتُمل في دمِه إلى بيته، وأوصَى بما أوصَى، قال لابنه عبد الله : انظروا ما عليّ من دَيْن، فحسبوه فوجدوه ستمائة وثمانين ألف درهم، هكذا ورد في الأخبار أنها كانت ديوناً للمسلمين، ولم تكن من بيتِ المال. فقال عمر : انظر يا عبدَ الله، فإن وفّى به مالُ آل عمر، فادّهِ من أموالهم، وإلاّ فسَل في بني عديّ بن كعب، فإنِ لم تفِ به أموالُهم، فسل في قريش، ولا تعدُهم إلى غيرهم. فهكذا وردت الرواية، فلذلك قال قاضي القضاة: فإنّ صحّ فالعذر كذا وكذا ، لأنه لم يثبت عنده صحّة اقتراضه هذا المقدار من بيت المال.

وقد رُوِيَ أنّ عمر كان له نَخْل بالحجاز غَلّته كلّ سنة أربعون ألفاً، يُخرجها في النّوائب والحقوق، ويصرِفها إلى بني عديّ بن كعب إلى فقرائهم وأراملهم وأيتامهم، روى ذلك ابن جرير الطبري في التاريخ.

فأما قول المرتضَى : أي حاجة بخشن العيش وجَشِب المأكل إلى اقتراض الأموال؟

فجوابه أنّ المتزهّد المتقشّف قد يضيّق على نفسه ويوسّع على غيره، إمّا من باب التكرّم والإحسان، أو من باب الصدقة وابتغاء الثواب، وقد يصل رحمه وإن قَتّرَ على نفسه .

وقد روى الطبريّ أنّ عمر دفع إلى أمّ كلثُوم بنت أمير المؤمنين(علیه السلام) صداقها صداقها يوم تزوّجها أربعين ألف درهم، فلعلّ هذا الاقتراض من الناس كان لهذا الوجه ولغيره من الوجوه التي قلّ أن يخلوَ أحد منها .

الطعن السادس : إنه عطَّل حدّ الله في المغيرة بن شعبة، لما شُهِد عليه بالزّنى، ولقّنَ الشاهد الرابع الامتناع عن الشهادة، اتباعاً لهواه، فلما فعل ذلك عاد إلى الشهود فحدّهم وضربهم، فتجنّب أن يفضح المغيرة، وهو واحد، وفضح الثلاثة مع تعطيله لحكم الله، ووضعه في غير موضعه .

أجاب قاضي القضاة، فقال: إنه لم يعطّل الحدّ إلا من حيثُ لم تكمل الشهادة وبإرادة الرابع، لئلا يشهد لا تكمل البيّئة، وإنما تكمل بالشهادة.

ص: 334

وقال : إن قوله : «أرى وجهَ رجل لا يفضحُ الله به رجلاً من المسلمين»، يجري في أنه سائغ صحیح مجرَى ما روِيَ عن النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) من أنّه أتي بسارق، فقال: «لا تُقِر». وقال (علیه السلام)لصفوان بن أميّة لما أتاه بالسارق، وأمر بقطعه، فقال : هو له - يعني ما سرق: هلاً قبل أن تأتيني به (1)! فلا يمتنع من عمر الاً يحبّ أن تكمل الشهادة وينبه الشاهد على ألاّ يشهد، وقال: إنه جلد الثلاثة من حيث صارُوا قَذَفة، وإنه ليس حالهم - وقد شهدُوا - كحالِ مَنْ لم تتكامل الشهادة عليه، لأنّ الحيلة في إزالة الحدّ عنه - ولمّا تتكامل الشهادة عليه - ممكِنة بتلقين وتنبيه غيره، ولا حيلة فيما قد وقع من الشهادة ، فلذلك حدّهم .

قال : وليس في إقامة الحدّ عليهم من الفضيحة ما في تكامل الشّهادة على المغيرة، لأنه يتصوّر بأنه زان ،ويحكم بذلك، وليس كذلك حال الشهود، لأنهم لا يتصوّرون بذلك، وإن وجبَ في الحُكْم أن يُجعَلُوا في حُكْم القَذَفة.

وحكي عن أبي عليّ أن الثلاثة، كان القذف قد تقدّم منهم للمغيرة بالبصرة، لأنهم صاحوا به من نواحي المسجد: بأنّا نشهد أنك زانٍ، فلو لم يعيدوا الشهادة لكان يحدّهم لا محالة، فلم يكن في إزالة الحدّ عنهم ما أمكن في المغيرة.

وحكي عن أبي عليّ في جواب اعتراضه عن نفسه بما روي عن عُمر أنه كان إذا رآه يقول : لقد خفتُ أن يرمَيني الله عزّ وجلّ بحجارة من السماء، أنّ هذا الخبر غير صحيح، ولو كان حقَّا لكان تأويله التخويف، وإظهار قوة الظّن، لصدق القوم الذين شهدوا عليه، ليكون ردعاً له. وذكر أنّه غير ممتنع أن يحبّ ألاّ يفتضح لما كان متولياً للبصرة من قِبَله .

ثم أجاب عن سؤال مَنْ سأله عن امتناع زياد من الشهادة، وهل يقتضي الفسق أم لا؟ فإن قال : لا نعلم أنّه كان يتمّم الشهادة، ولو علمنا ذلك لكان حيث ثبت في الشرع أنّ له السكوت لا يكون طعناً، ولو كان ذلك طعناً ، وقد ظهر أمرُه الأمير المؤمنين(علیه السلام) لمَّا ولاه فارس، ولمّا ائتمنه على أموال الناس ودمائهم .

اعترض المرتضَى فقال : إنّما نسِب إلى تعطيل الحدّ من حيث كان في حكم الثابت، وإنما بتلقينه لم تكمُل الشهادة، لأن زياداً ما حضر إلا ليشهد بما شهد به أصحابه، وقد صرّح بذلك كما صرّحوا قبل حضورهم، ولو لم يكن هذا لما شهد القوم قبلَه وهم لا يعلمون :هل حاله في ذلك الحكم كحالهم ، لكنّه أحجم في الشَّهادة لمّا رأى كراهَية متولّي الأمر لكمالها ، وتصريح بأنّه لا يريد أن يعمل بموجبها .

ص: 335


1) حديث صفوان أخرجه النسائي في قطع السارق (4879) . وابن ماجه في الحدود (2595).

ومن العجائب أن يطلبَ الحيلة في دفع الحدّ عن واحدٍ، وهو لا يندفع إلاّ بانصرافه إلى ثلاثة، فإن كانَ درء الحدّ والاحتيال في دفعه من السُّنن المتّبعة فدرؤُه عن ثلاثة أولَى من دريِه عن واحد!

وقوله : إنّ دفع الحد عن المغيرة ممكِنُ ودفعه عن ثلاثة - وقد شهدوا - غيرُ ممكن، طَريف، لأنّه لو لم يلقّن الشاهد الرابع الامتناع عن الشهادة لا ندفع الحدّ عن الثلاثة، وكيف لا تكون الحيلة ممكنة فيما ذكره !

وقوله : إن المغيرة يُتصوّر بصورة زان لو تكاملت الشهادة ،وفي هذا من الفضيحة ما ليس في حدّ الثلاثة غيرُ صحيح، لأنّ الحكم في الأمرين واحدُ، لأنّ الثلاثة إذا حُدُّوا يُظَنّ بهم الكذب، وإن جُوّز أن يكونوا صادقين ،والمغيرة لو تكاملت الشهادة عليه بالزنى لظُنّ به ذلك مع التجويز لأن يكون الشُّهود كَذَبة، وليس في أحدٍ إلاّ ما في الآخر .

وما روي عنه(علیه السلام) من أنّه أتِيَ بسارق، فقال له : «لا تُقرّ» إن كان صحيحاً لا يشبه ما نحن لا فيه ،لأنه ليس في دفع الحدّ عن السارق إيقاع غيره في المكروه.

وقصّة المغيرة تخالف هذا لما ذكرناه .

فأما قوله(علیه السلام) : «هلاً قبل أن تأتيني به!» فلا يشبه كلّ ما نحن فيه، لأنّه بيّن أن ذلك القول يُسقط الحد لو تقدّم، وليس فيه تلقين يوجب إسقاطَ الحدّ .

فأمّا ما حكاه عن أبي عليّ من أنّ القذف من الثلاثة كان قد تقدّم، وأنّهم لو لم يُعيدوا الشهادة لكان يحدّهم لا محالة، فغير معروف، والظاهر المرويّ خلافُه، وهو أنه حدّهم عند نُكُول زياد عن الشهادة، وأنّ ذلك كان السّبب في إيقاع الحدّ بهم. وتأوله عليه : لقد خفتُ أن يرميَني الله بحجارة من السماء، لا يليق بظاهر الكلام، لأنّه يقتضي التندّم والتأسف على تفريطِ وقع، ولِمَ يخافُ أن يرمَى بالحجارة وهو لم يذرأ الحدّ عن مستحق له! ولو أراد الرّدع والتخويف للمغيرة لأتي بكلام يليق بذلك، ولا يقتضي إضافة التّفريط إلى نفسه. وكونه والياً من قبَله لا يقتضي أن يدرأ عنه الحدّ، ويعدِل به إلى غيره.

وأما قوله : إنّا ما كنّا نعلم أنّ زياداً يتمم الشهادة، فقد بيّنا أنّ ذلك كان معلوماً بالظاهر، ومَنْ قرأ ما روِي في هذه القصّة علم بلا شكِّ أن حال زياد كحال الثلاثة، في أنّه إنّما حضر للشهادة، وإنما عدل عنها لكلام عمر.

وقوله : إنّ الشَّرع يبيح السكوت، ليس بصحيح، لأنّ الشّرع قد حظَر كتمان الشهادة.

فأمّا استدلالُه على أن زياداً لم يفسَّق بالإمساك عن الشهادة بتولية أمير المؤمنين(علیه السلم) له

ص: 336

فارسَ، فليس بشيء يُعتمَد، لأنه لا يمتنع أن يكون قد تاب بعد ذلك، وأظهر توبتَه لأمير المؤمنين(علیه السلام) ، فجاز أن يولِّيَه . وقد كان بعضُ أصحابنا يقول في قصّة المغيرة شيئاً طيّباً، وإن

كان معتملاً في باب الحجّة كان يقول: إنّ زياداً إنّما امتنع من التصريح بالشهادة المطلوبة في الزنى، وقد شهد بأنه شاهدَه بين شُعَبها الأربع، وسمع نَفَساً عالياً، فقد صحّ على المغيرة بشهادة الأربع جلوسهُ منها مجلس الفاحشة، إلى غير ذلك من مقدّمات الزنى وأسبابه. فهلاً ضمّ عمر إلى جلد الثلاثة تعزيرَ هذا الذي قد صحّ عنده بِشهادة الأربعة ما صحّ من الفاحشة، مثل تعريك أذنه، أو ما يجري مجراه من خفيفِ التّعزير ويسيره! وهل في العدول عن ذلك -حتّى عن لومه وتوبيخه والاستخفاف - به إلاّ ما ذكرُ من السّبب الذي يشهد الحال به !

قلت : أمّا المغيرة فلا شكَّ عندي أنه زنَى بالمرأة، ولكني لست أخطِّىء عمر في دَرْء الحدّ عند وإنّما أذكر أولاً قصتّه من كتابي أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وأبي الفرج علي بن الحسن الأصفهانيّ، ليعلم أنّ الرجل زَنَى بها لا محالة، ثم أعتذر لعمر في درء الحدّ عنه .

قال الطّبري في تاريخه : وفي هذه السّنة - يعني سنة سبع عشرة - ولّى عمر أبا موسى البصرة، وأمره أن يُشخص إليه المغيرة بن شعبة، وذلك لأمر بلغه عنه. قال الطبريّ: حدّثني محمد بن يعقوب بن عتبة، قال: حدثني أبي قال : كان المغيرة يخالف إلى أمّ جميل، امرأة من بني هلال بن عامر، وكان لها زوج من ثقيف هلك قبل ذلك، يقال له الحجاج بن عبيد، وكان المغيرة - وكان أميرَ البصرة - يختلف إليها سرًّا، فبلغ ذلكَ أهَل البصرة، فأعظموه، فخرج المغيرة يوماً من الأيام إلى المرأة، فدخل عليها وقد وضعوا عليهما الرَّصَد، فانطلق القوم الذين شهدوا عند عمر فكشفوا السِّتر، فرأوه قد واقعها ،فكتبوا بذلك إلى عمر، وأوفدوا إليه بالكتاب أبا بَكرة. فانتهى أبو بكرة إلى المدينة، وجاء إلى باب عمر فسمع صوتَه وبينه وبينه حجاب، فقال: أبو بكرة! فقال : نعم، قال : لقد جئت لشَرِّ ! قال : إنما جاء به المغيرة، ثم قصّ عليه القصة، وعرض عليه الكتاب، فبعث أبا موسى عاملاً، وأمره أن يبعث إليه المغيرة، فلمّا دخل أبو موسى البصرة، وقعد في الإمارة، أهدى إليه المغيرة عقيلَة، وقال: إنّني قد رضيتها لك، فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر.

قال الطبريّ : وروى الواقديّ، قال حدّثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن أبيه، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: قدم المغيرة على عُمر، فتزوّج في طريقه امرأةً من بني مُرّة فقال له عمر: إنّك لفارغ القلب ،شديد الشَّبَق، طويل الغُرمول، ثم سألالمرأة فقيل له - يقال لها الرقطاء : كان زوجها من ثَقيف وهي من بني هلال.

ص: 337

قال الطبريّ (1): وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، أنّ المغيرة كان يُبغِض أبا بَكرة وكان أبو بكرة يُبغضه ،وينَاغي كلّ واحد منهما صاحبَه وينافره عند كلّ ما يكون منه، وكانا متجاورين بالبصرة ،بينهما طريق، وهما في مشرَبتين متقابلتين، فهما في داريهما في كلّ واحدة منهما كُوّة مقابلة الأخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة نَفَرُ يتحدّثون في مَشْربته، فهبّت ريح ففتحت باب الكُوّة، فقام أبو بكرة ليُضفقه، فبصر بالمغيرة وقد فتحت الرّيح باب الكُوّة التي في مَشْرَبته، وهو بين رِجْلِيَ ،امرأة، فقال للنّفر : قوموا فانظروا ، فقاموا فنظروا ، ثم قال : اشهدوا ،قالوا : ومَنْ هذه؟ قال: أمّ جميل، إحدى نساء بني عامر بن صعصعة، فقالوا : إنما رأينا أعجازاً ولا ندري الوجوه !فلمّا قامت صَمّموا ، وخرج المغيرة إلى الصلاة، فحال أبو بكرة بينه وبين الصلاة، وقال: لا تصلّ بنا . وكتبوا إلى عمر بذلك، وكتب المغيرة إليه أيضاً، فأرسل عمر إلى أبي موسى، فقال: يا أبا موسى، إني مستعمِلك، وإني باعثُك إلى الأرض التي قد باضَ بها الشيطان وفرّخ ، فالزم ما تعرِف ولا تستبدل فيستبدل الله بك. فقال: يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، أعنيّ بعدّة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) من المهاجرين والأنصار، فإنّي وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إِلاّ به. قال عمر: فاستعِن بمن أحببتَ، فاستعان بتسعة وعشرين رجلاً ،منهم أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وهشام بن عامر. وخرج أبو موسى بهم . حتى أناخ بالبصرة في المِربد ، وبلغ المغيرةَ أن أبا موسى قد أناخ بالمِزيد، فقال : والله ما جاء أبو موسى زائراً، ولا تاجراً، ولكنه جاء أميراً . فإنّهم لَفِي ذلك إذ جاء أبو موسى، حتى دخَل عليهم، فدفع إلى المغيرة كتاباً من عمر، إنه لأوجز كتاب كتب به أحدَّ من الناس، أربع كَلِم، عزل فيها وعاتب ،واستحتّ وأمّر :« أما بعدُ، فإنه بلَغني نبأ عظيم، فبعثتُ أبا موسى، فسلّم ما في يديك إليه، والعَجَل».

وكتب إلى أهل البَضرة: «أمّا بعد، فإنّي قد بعثتُ أبا موسى أميراً عليكم، ليأخذ لضعيفكم من قويّكم، وليقاتل بكم عدوَّكم وليدفع عن ذِمّتِكم، وليجبِي لكم فينَكم، وليقسم فيكم، وليحميَ لكم طُرقكم» .

فأهدى إليه المغيرة وليدة من مولّدات الطائف تدعى عَقيلة، وقال : إني قد رضيتُها لك -وكانت فارهة - وارتحل المغيرة، وأبو بكرة، ونافع بن كَلَدَة، وزياد، وشِبل بن معبَد البَجَلِي، حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة ، فقال المغيرة: يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، سَلْ هؤلاء الأعبد: كيف رأؤني؟ مستقبلَهم أم مستدبرهم! وكيف رأوا المرأة وعرفوها فإن كانوا مستقبليّ فكيف لم أستتر!وإن كانوا مستدبريّ فبأيّ شيء استحلّوا النَّظر إليّ في منزلي على امرأتي! والله ما أتيتُ إلا امرأتي، فبدأ بأبي بَكرة فشهد عليه أنّه رآه بين رجلي أمّ جميل، وهو يدخِله

ص: 338


1) انظر «تاريخ الطبري »(493/2) .

ويخرجه ،قال عمر :كيف رأيتَهما ؟ قال مستدبرَهما ،قال: كيف استثبتَّ رأسها ؟ قال : تجافيتُ. فدعا بِشِبل بن معبد، فشهد مثل ذلك، وقال، استقبلتُهما واستدبرتُهما . وشهد نافع

بمثل شهادة أبي بَكرة، ولم يشهد زياد بمثل شَهادتهم قال: رأيته جالساً بين رجلِي امرأة ورأيت قدمين مرفوعتين تَخفقان، واسْتَين مكشوفتين، وسمعت حَفَزاً شديداً، قال عمر : فهل رأيته فيها كالمِيل في المكحِلة؟ قال : لا ، قال : فهل تعرف المرأة؟ قال : لا ، ولكن أشبّهها ،فأمر عمر بالثلاثة فجُلدوا الحدّ، وقرأ : فَإِذ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَتَهَكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الكَذِبُونَ (1).

فقال المغيرة: الحمد الله الذي أخزاكم ! فصاح به عمر: اسكت أسكت الله نأمَتَك ! أما والله لو تمّت الشهادة لرجمتك بأحجارك. فهذا ما ذكره الطبري .

وأمّا أبو الفرج عِلي بن الحسين الأصفهانيّ، فإنه ذكر في كتاب الأغاني أنّ أحمد بن عبد العزيز الجوهري، حدّثه عن عمر بن شبّة، عن عليّ بن محمد، عن قتادة، قال : كان المغيرةُ بن شُعبة - وهو أمير البصرة - يختلف سرًّا إلى امرأة من ثقَيف، يقال لها الرقطاء، فلقيَه أبو بَكرة يوماً، فقال له أين تريد؟ قال: أزور آل فلان، فأخذ بتلابيبه، وقال: إن الأمير يُزار ولا يزور .

قال أبو الفرج : وحدّثني بحديثه جماعة - ذكر أسماءهم بأسانيد مختلفة، لا نرى الإطالة بذكرها - أنّ المغيرة كان يخرج من دار الإمارة وَسَط النهار، فكان أبو بَكرة يلقاه، فيقول له : أين يذهب الأمير؟ فيقول له : إلى حاجة، فيقول : حاجة ماذا؟ إنّ الأمير يُزار ولا يزور !

قالوا : وكانت المرأة التي يأتيها جارةً لأبي بَكرة، فقال : فبينا أبو بكرة في غُرفة له مع أخويه : نافع وزياد ورجل آخر يقال له شِبل بن معبد - وكانت غرفة جارته تلك محاذية غرفة أبي بكرة - فضربت الريح باب غرفة المرأة، ففتحته ، فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة يَنكحها ، فقال أبو بكرة : هذه بليّة قد ابتليتم بها، فانظروا ، فنظروا حتى أثبتُوا ، فنزل أبو بكرة، فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة، فقال له أبو بَكْرة : إنه قد كان من أمركما ما قد علمت، فاعتزلنا. فذهب المغيرة وجاء ليصلّي بالناس الظهر، فمنعه أبو بَكرة وقال: لا والله لا تصلِّي بنا ، وقد فعلت ما فعلت ! فقال الناس : دعوه فليصلِّ، إنه الأمير !واكتبوا إلى عمر، فكتبوا إليه، فورد كتابه أن يقدَموا عليه جميعاً، المغيرة والشهود.

قال أبو الفرج: وقال المدائنيّ في حديثه : فبعث عمر بأبي موسى، وعزم عليه ألاّ يضع كتابه من يده حتى يرحّل المغيرة.

قال أبو الفرج : وقال علي بن هاشم في حديثه : إنّ أبا موسى قال لعمر لما أمره أن يرحّل المغيرة من وقته : أوَ خَيْرٌ من ذلك يا أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ نتركه فيتجهزّ ثلاثاً ثم يخرج.

ص: 339


1) سورة النور، الآية : 13 .

قالوا :فخرج أبو موسى حتى صلّى صلاة الغداة بظهر المِريد، وأقبل إنسان فدخل على المغيرة ، فقال : إنّي رأيتُ أبا موسى قد دخل المسجد الغداة، وعليه بُرنس، وها هو في جانب المسجد، فقال المغيرة: إنه لم يأت زائراً ولا تاجراً .

قالوا: وجاء أبو موسى، حتى دخل على المغيرة ومعه صَحيفة ملء يده، فلما رآه قال : أمير! فأعطاه أبو موسى الكتاب، فلمّا ذهب يتحرّك عن سريره قال له : مكانك ! تجهّز ثلاثاً .

قال أبو الفرج: وقال آخرون: إنّ أبا موسى أمره أن يرحَل من وقته، فقال المغيرة: قد علمت ما وجُهت له فالاً تقدمت وصلّيت ! فقال : ما أنا وأنت في هذا الأمر إلاّ سواء، فقال المغيرة : إنّي أحبّ أن أقيم ثلاثاً لأتجهّز ، فقال أبو موسى: قد عزم عليّ أمير المؤمنين(علیه السلام) ألاّ أضع عهدي في يدي ،إذا قرأته حتى أرحلك إليه . قال : إن شئت شفّعتني، وأبررت قَسَم أمير المؤمنين(علیه السلام) بأن تؤجّلني إلى الظّهر، وتمسِك الكتاب في يدك .

قالوا : فلقد رئيَ أبو موسى مقبلاً ومدبراً، وإنّ الكتاب في يده معلّق بخيط، فتجَّهز المغيرة، وبعث إلى أبي موسى بعَقيلة ،جارية عربية من سَبي اليمامة ،من بني حنيفة، ويقال : إنها مولّدة الطائف، ومعها خادم، وسار المغيرة حين صلّى الظهر، حتى قدم على عمر.

قال أبو الفرج : فقال محمد بن عبد الله بن حزم في حديثه : إنّ عمر قال له لما قدم عليه: لقد شُهِد عليك بأمر ، إن كان حقًا لأن تكون متَّ قبل ذلك كان خيراً لك!

قال أبو الفرج : قال أبو زيد عُمر بن شبّة: فجلس له عمر، ودعا به وبالشهود، فتقدّم أبو بَكرة، فقال: أرأيتَه بين فخِذيها؟ قال: نعم والله، لكأنّي أنظر إلى تَشريم جدريّ بفخذيها، قال المغيرة: لقد ألطفت النَّظر . قال أبو بَكرة : لم آلُ أن أثبت ما يخزيك الله به ! فقال عمر : لا والله حتى تشهد : لقد رأيتَه يلجُ فيها كما يلج المِرود في المكحلة، قال: نعم أشهد على ذلك، فقال عمر : اذهب عنك مغيرة ذهب رُبعك.

قال أبو الفرج : ويقال إن عليَّا(علیه السلام) و هو قائل هذا القول. ثم دعا نافعاً فقال: علام تشهد؟ قال : على مثل شهادة أبي بكرة، فقال عمر : لا حتّى تشهد أنك رأيتَه يلج فيها ولوجَ المِرود في المكحلة، قال: نعم، حتى بلغ قُذَذه فقال : اذهب عنك مغيرة، ذهب نصفُك، ثم دعا الثالث وهو شِبل بن معبد، فقال: علام تشهد ؟ قال : عَلَى مثل شهادة صاحبيّ، فقال: اذهب عنك ،مغيرة ذهب ثلاثةُ أرباعك . قال : فجعل المغيرة يبكي إلى المهاجرين، وبكي إلى أمّهات المؤمنين حتى بكين معه ، قال : ولم يكن زيادُ حضر ذلك المجلس، فأمر عمر أن ينحَّى الشهود الثلاثة، وألا يجالسهم أحدُ من أهل المدينة، وانتظر قدومَ زياد، فلما قدم جلس في المسجد، واجتمع رؤوس المهاجرين والأنصار. قال المغيرة: وكنت قد أعددت كلمة أقولها، فلمّا رأى عمرزياداً مقبلاً ، قال : إنّي لأرَى رجلاً لن يخزيَ الله على لسانه رجلاً من المهاجرين .

ص: 340

قال أبو الفرج: وفي حديث أبي زيد بن عمر بن شبّة، عن السريّ، عن عبد الكريم بن رشيد، عن أبي عثمان النّهديّ، أنه لما شهد الشاهد الأول عند عمر، تغيّر لذلك لونُ عمر، ثم جاء الثاني فشهِد، فانكسر لذلك انكساراً شديداً ، ثم جاء الثالث فشِهد، فكأنّ الرَّماد نُثر على وجه عمر، فلمّا جاء زياد، جاء شابُّ يخطِر بيديه، فرفع عمر رأسه إليه وقال : ما عندك أنت يا سَلْح العُقاب - وصاح أبو عثمان النهديّ صيحة تحكِي صيحة عمر - قال عبد الكريم بن رشيد : لقد كدتُ أن يُغْشَى عليّ لصيحته .

قال أبو الفرج: فكان المغيرة يحدّث ، قال : فقمتُ إلى زياد، فقلت: لا مخبَأ لعِطر بعد عَرُوس يا زياد ،أذكّرك الله وأذكّرك موقف القيامة وكتابه ورسوله، أن تتجاوز إلى ما لم ترَ! ثم صحت: يا أمير المؤمنين(علیه السلام) إنّ هؤلاء قد احتقروا دمي فالله الله في دمي ! قال: فترنفَّت(1)عينا زياد واحمرّ وجهه، وقال : يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، أما إنّ أحقّ ما حقّ القوم، فليس عندي، ولكني رأيت مجلساً قبيحاً، وسمعت نَفساً حثيثاً، وانتهاراً، ورأيته متبطّنها، فقال عمر: أرأيته يدخِل ويخرج كالميل في المكحلة؟ قال : لا !

قال أبو الفرج وروى كثير من الرواة أنه قال : رأيته رافعاً برجليها، ورأيت خُصيتيه متردّدتين بين فخذيَها ،وسمعت حَفْراً شديداً، وسمعت نفَساً عالياً، فقال عمر: أرأيتَه يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟ قال: لا، فقال عمر : الله أكبر! قم يا مغيرة إليهم فاضربهم، فجاء المغيرة إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب الباقين .

وروى قومُ أن الضارب لهم الحدّ لم يكن المغيرة، وأعجب عمر قولُ زيادِ ودرأ الحدّ عن المغيرة ، فقال أبو بكرة بعد أن ضُرب : أشهد أنّ المغيرة فَعَل كذا وكذا فهمّ عمر بضربه، فقال له عليّ(علیه السلام) : إن ضربته رجمت صاحبَك ! ونهاه عن ذلك .

قال أبو الفرج : يعني إن ضربه تصير شهادته شهادتين، فيوجب بذلك الرّجمَ على المغيرة .

قال : فاستتاب عمر أبا بكرة، فقال: إنّما تستتيبني لتقبل شهادتي ،قال: أجل ! قال: فإنّي لا أشهد بين اثنين ما بقيتُ في الدنيا ! قال: فلمّا ضُرِبوا الحدّ قال المغيرة: الله أكبر، الحمد الله الذي أخزاكم ! فقال عمر : اسكت أخزى الله مكاناً رأوك فيه (2)!

قال : وأقام أبو بكرة على قوله وكان يقول : والله ما أنسى قط فخِذيها، وتاب الاثنان، فقبل شهادتهما، وكان أبو بَكرة بعد ذلك إذا طُلب إلى شهادة قال : اطلبوا غيري ،فإنّ زياداً أفسد عليّ شهادتي .

ص: 341


1) التَّرنيق : إدامة النظر. لسان العرب مادة (رنق).

2) أخرجه الجوهري في السقيفة وفدك : 95 .

وقال أبو الفرج: وروى إبراهيم بن سعيد، عن أبيه، عن جده ، قال : لما ضُرِب أبو بكرة أمرت أمّه بشاة فذبحت وجعل جِلْدَها على ظهره، قال إبراهيم :فكان أبي يقول : ما ذاك إلاّ من ضربِ شدید .

قال أبو الفرج : فحدّثنا الجوهريّ، عن عمر بن شبّة عن عليّ بن محمد عن يحيى بن زكريا، عن مجالد، عن الشعبيّ قال: كانت الرقطاء التي رُمِي بها المغيرة تختلف إليه في أيّام إمارته الكوفة، في خلافة معاوية في حوائجها، فيقضيها لها .

قال أبو الفرج : وحجّ عمر بعد ذلك مَرّةً، فوافق الرقطاء بالموسم، فرآها، وكان المغيرة يومئذ هناك، فقال عمر للمغيرة: ويحك! أتتجاهل عليّ! والله ما أظنّ أبا بكرة كَذَب عليك، وما رأيتَك إلاّ خفت أن أرمى بحجارة من السماء .

قال : وكان عليُّ(علیه السلام) بعد ذلك يقول : إن ظفرتُ بالمغيرة لأتبعتُه الحجارة (1).

قال أبو الفرج فقال حَسّان بن ثابت يهجو المغيرة ويذكر هذه القصّة :

لو أنّ اللوْمَ ينسَبُ كان عبداً ***قبيحَ الوجه أعورَ من ثقيفِ

تركتَ الدين والإسلام لَمّا ***بدت لك غُدوة ذاتُ النّصِيف

وراجعت الصِّبا وذكرت لهواً ***مع القَينات في العُمْرِ اللّطيف

قال أبو الفرج: وروى المدائنيّ أن المغيرة لما شخص إلى عمر في هذه الوقعة، رأى في طريقه جاريةٌ فأعجبته ، فخطبها إلى أبيها، فقال له : وأنت على هذه الحال! قال: وما عليك! إن أبْقَ فهو الذي تريد، وإن أقتل تَرِثْني . فزوّجه.

وقال أبو الفرج : قال الواقديّ: كانت امرأة من بني مُرّة تزوّجها بالرَّقم، فلما قدِم بها على عُمر ، قال : إنك لفارغ القلب، طويل الشَّبَق .

فهذه الأخبار كما تراها تدلّ متأمّلها على أنّ الرجل زَنَى بالمرأة لا محالة، وكلّ كتب التواريخ والسِّيَر تشهد بذلك، وإنما اقتصرنا نحنُ منها على ما في هذين الكتابين .

وقد روى المدائنيّ أنّ المغيرة كان أزنى الناس في الجاهليّة، فلمّا دخل في الإسلام قيّده الإسلام، وبقيت عنده منه بقية ظهرت في أيام ولايته البصرة .

وروى أبو الفرج في كتاب الأغاني عن الجاحظ أبي عثمان عمرو بن بحر، قال: كان المغيرة بن شعبة والأشعث بن قيس وجَرير بن عبد الله البجَليّ يوماً متوافِقين بالكُناسة في نفر، وطلع عليهم أعرابيّ ، فقال لهم المغيرة: دعوني أحرّكه، قالوا : لا تفعل، فإنّ للأعراب جواباً يُؤثر قال : لا بد ،قالوا :فأنت أعلم، فقال له :يا أعرابيّ أتعرف المغيرة بن شعبة؟ قال :

ص: 342


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 648/30.

نعم أعرفه ، أعورَ زانياً، فوجَم ثمّ تجلّد، فقال: أتعرف الأشعث بن قيس؟ قال : نعم ذاك رجل لا يغرَى قومه، قال: وكيف ذاك؟ قال : لأنّهم حاكَة . قال : فهل تعرف جرير بن عبد الله ؟ قال : كيف لا أعرف رجلاً لولاه ما عرفت عشيرته! فقالوا : قَبَحك الله، فإنك شرّ جليس، هل تحب أن يُوفّر لك بعيرُك هذا مالاً وتموت أكرم العرب موتة؟ قال: فمن يبلّغه إذن أهلي؟ فانصرفوا عنه فتركوه .

الله

الشفتان

قال أبو الفرج :وروى عليّ بن سليمان الأخفش، قال: خرج المغيرة بن شعبة وهو يومئذ على الكُوفة، ومعه الهيثم بن التَّيّهان النَّخَعِيّ غبّ مطر يسير، في ظهر الكوفة والنَّجَف، فلقي ،ثعلبة، وهو لا يعرف المغيرة ولا يعرفه المغيرة، فقال ابن لسان الحمّرة، أحد بني تيم الله بن ثعلبة، وهو لا يعرف المغيرة ولا يعرفه المغيرة، فقال له: من أينَ أقبلت يا أعرابيّ؟ فقال: من السَّماوة؟ قال: كيف تركتَ الأرض خلفك؟ قال : عريضة أريضة، قال : فكيف كان المطر؟ قال : عَفّى الأثر، وملأ الحُفَر ، قال : فمن أنتَ؟ قال : من بكر بن وائل ، قال : كيف علمُك بهم؟ قال : إن جهلتُهم لم أعرف غيرَهم، قال: فما تقول في بني شيبان؟ قال: سادتنا وسادة غيرنا، قال: فما تقول في بني ذُهل؟ قال : سادة نَوْكى قال : فقيس بن ثعلبة؟ قال : إن جاورتهم سرقوك، وإن ائتمنتهم خانوك ، قال : فبنو تَيم الله بن ثعلبة؟ قال: رعاء النَّقَد وعراقيب الكلاب، قال فبني يَشْكُر ؟ قال : صريح تحسبهُ مولى .

قال هشام بن الكلبي : لأنّ في ألوانهم حُمرة . قال : فعِجُل؟ قال: أحلاس الخيل، قال:

فعبد القيس؟ قال : يطعمون الطعام ويضربون الهام، قال: فَعَنزة؟ قال: لا تلتقي بهم لوْماً ، فضُبَيعة أضجَم؟ قال : جَدْعاً وعَقْراً ! قال: فأخبرني عن النّساء، قال: النساء أربع: ربيع مُربع، وجميع مجمع، وشيطان سَمَعْمع، وغل لا يخلَع، قال: فَسِّر، قال: وغلّ لا يخلَع قال : فَسِّر ، قال : أما الربيع المربع ، فالتّي إذا نظرت إليها سرّتك ، وإذا أقسمت عليها برّتك، وأما التي هي جَميع مجمع، فالمرأة تتزوّجها ولها نسب فيجتمع نسبُها إلى نسبك، وأما الشيطان السَّمعمع فالكالحة في وجهك إذا دخلت، المولولة في أثرك إذا خرجت، وأما الغُلّ الذي لا يُخلع، فبنت عَمّك السوداء القصيرة، الفؤهاء الدّميمة، التي قد نثرت لك بطنَها ، إن طلقتَها ضاع ولدُك، وإِن أمسكتها فعَلى جَدْع أنفك . قال المغيرة :بل أنفُك . قال : فما تقول في أميرك المغيرة بن شعبة؟ قال : أعور زانِ فقال الهيثم بن الأسود: فضّ الله فاك! ويلك إنه الأمير المغيرة! قال: إنها كلمة تقال . فانطلق به المغيرة إلى منزله، وعنده يومئذ أربع نسوة وستون - أو سبعون – أمة، وقال: ويحك! هل يزني الحرّ وعنده مثل هؤلاء! ثم قال لهنّ: ارمين إليه بحليكنّ، ففعلن، فخرج بملء كسائه ذهباً وفضة.

وإنما أوردنا هذين الخبرين ليعلم السامع أن الخبر بزناه كان شائعاً مشهوراً مستفيضاً بين الناس، ولأنهما يتضمنان أدباً، وكتابنا هذا موضوع للأدب.

ص: 343

وإنما قلنا : إن عمر لم يخطىء في دَرْء الحدّ عنه، لأن الإمام يستَحبُّ له ذلك، وإن غلب على ظَنّه أنه قد وجب الحدّ عليه، روى المدائنيّ أن أمير المؤمنين علياً (علیه السلام)أِتَي برجل قد وجب عليه الحدّ، فقال: أها هنا شهود؟ قالوا: نعم، قال: فأتوني بهم إذا أمسيتم، ولا تأتوني إلا معتِمين، فلمّا اعتموا جاؤوه، فقال لهم : نشدت الله رجلاً ما لي عنده مثل هذا الحدّ إلا انصرف! قال : فما بَقِي منهم أحدٌ. فدرأ عنه الحدّ. ذكر هذا الخبر أبو حيُان في كتاب البصائر في الجزء السادس منه .

والخبر المشهور الّذي كاد يكون متواتراً أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )قال: «ادرؤوا الحدود بالشبُهات »(1). ومَنْ تأمّل المسائل الفقهيّة في باب الحدود، علم أنها بنيت على الإسقاط عند أدنى سبب وأضعفه، ألا ترى أنه لو أقرّ بالزنى ثم رجع عن إقراره قبل إقامة الحدّ، أو في وسطه قُبِل رجوعه وخلّي سبيله !

وقال أبو حنيفة وأصحابه : يستحبّ للإمام أن يلقّن المقرّ الرجوع، ويقول له : تأمّل ما تقول، لعلك مَسَسْتَها، أو قبَّلتها. ويجب على الإمام أن يسأل الشهود: ما الزنى؟ وكيف هو ؟ وأين زني؟ وبمن زنى؟ ومتى زنى؟ وهل رأوه وطئها في فَرْجها كالمِيل في المكْحُلة؟ فإذا ثبت كلّ ذلك سأل عنهم، فلا يقيم الحدّ حتى يعدّلهم القاضي في السرّ والعلانية، ولا يقام الحدّ بإقرار الإنسان على نفسه، حتى يقرّ أربعَ مرات في أربعة مجالس، كلما أقرّ ردّه القاضي، وإذا تمّ إقراره سأله القاضي عن الزّني؟ ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنى؟ وبمن زنى؟ ومتى زنى؟

قال الفقهاء : ويجب أن يبتدىء الشهود برجمه إذا تكاملت الشهادة، فإن امتنعوا من الابتداء برجمه سقط الحدّ .

قالوا : ولا حدّ على مَنْ وطِى جارية ولده أو ولد ولده، وإن قال : علمت أنّها عَلَيّ حرام، وإن وطىء جارية أبيه أو أمّه أو أخته ،وقال : ظننت أنها تحلّ لي فلا حدّ عليه، ومَنْ أقرّ أربعَ مرات في مجالسَ مختلفة بالزّنى بفلانة، فقالت هي : بل تزوّجني، فلا حدّ عليه، وكذلك إن أقرت المرأة بأنّه زنى بها فلانُ، فقال الرجل : بل تزوّجتها، فلا حدّ عليها ، قالوا : وإذا شَهِد الشهود بحدّ متقادم من الزنى لم يمنعهم عن إقامته بعدُهم عن الإمام، لم تقبل شهادتهم إذا كان حدّ الزنى، وإن شهدوا أنه زنى بامرأة ولا يعرفونها لم يحدّ، وإن شهد اثنان أنّه زنى بامرأة بالكوفة، وآخران أنه زنى بالبصرة درِىء الحدُّ عنهما جميعاً، وإن شهد أربعة على رجل أنه زني بامرأة بالنُّخَيلة عند طلوع الشمس من يوم كذا وكذا، وأربعة شهدُوا بهذه المرأة عند طلوع

ص: 344


1) ذكره السيوطي في «الجامع الصغير»(314) ، والعجلوني في «كشف الخفاء» (166) ، والمتقي الهندي، في «كنز العمال».

الشمس ذلك اليوم بدير هند دُرِىء الحدّ عنه وعنها وعنهم جميعاً، وإن شهد أربعة على شهادة أربعة بالزنى لم يحدُّ المشهود عليه .

وهذه المسائل كلُّها مذهب أبي حنيفة، ويوافقه الشافعيّ في كثير منها ، ومَنْ تأملها علم أنَّ مبنى الحدود على الإسقاط بالشبهات، وإن ضعفت .

فإن قلت : كلّ هذا لا يلزم المرتضى، لأن مذهبه في فروع الفقه مخالف لمذهب الفقهاء. قلت: ذكر محمد بن النعمان - وهو شيخ المرتضَى، الذي قرأ عليه فقه الإمامية - في كتاب المقنعة أن الشهود الأربعة إن تفرقوا في الشهادة بالزنى ولم يأتوا بها مجتمعين في وقت في مكان واحد، سقط الحدّ عن المشهود عليه، ووجب عليهم حدّ القذف.

قال : وإذا أقرّ الإنسان على نفسه بالزنى أربعَ مرات على اختيار منه للإقرار وجب عليه الحدّ، وإن أقرّ مرّة أو مرّتين أو ثلاثاً لم يجب عليه الحدّ بهذا الإقرار، وللإمام أن يؤدّبه بإقراره على نفسه حسب ما يراه فإن كان أقرّ على امرأة بعينها جُلد حدّ القذف.

قال : وإن جعل في الحفرة ليرجَم وهو مقرُّ على نفسه بالزنى ففرّ منها، ترك ولم يردّ، لأن فِراره رجوعُ عن الإقرار، وهو أعلم بنفسه.

قال : ولا يجب الرّجم على المحصَن الذي يعدّه الفقهاء محصناً، وهو من وطىء امرأة في نكاحِ صحيح، وإنما الإحصان عندنا مَنْ له زوجة أو ملك يمين يستغني بها عن غيرها، ويتمكّن من وطئها، فإن كانت مريضَة لا يصل إليها بنكاح، أو صغيرة لا يوطأ مثلها، أو غائبة عنه أو حبوسة لم يكن محصَناً بها، ولا يجب عليه الرّجم .

قال : ونكاح المتعة لا يحصن عندنا، وإذا كان هذا مذهب الإماميّة، فقد اتفّق قولهم وأقوال الفقهاء في سقوط الرّجم بأدنى سبب، والذي رواه أبو الفرج الأصفهاني : إن زياداً لم يحضر في المجلس الأول، وأنه حضر في مجلس ثانٍ فلعلُ إسقاط الحدّ كان لهذا .

ثم نعود إلى تصفّح ما اعترض به المرتضى كلام قاضي القضاة

أما قوله : كان الحدّ في حكم الثابت، فإن الله تعالى لم يوجب الحدّ إلا إذا كان ثابتاً ، ولم يوجبه إذا كان في حكم الثابت، ويسأل عن معنى قوله : «في حكم الثابت» : هل المراد بذلك أنه قريب من الثبوت، وإن لم يثبت حقيقة، أم المراد أنه قد ثبت وتحقق ؟ فإن أراد الثاني، قيل له : : لا تُسلّم أنه ثبت، لأن الشهادة لم تتمّ، وقد اعترف المرتضى بذلك، وأقرّ بأن الشهادة لم تكمُل، ولكنه نسب ذلك إلى تلقين عمر، وإن أراد الأوّل قيل له : ليس يكفي في وجوب الحدّ أن يكون قريباً إلى الثبوت، لأنه لو كفى ذلك لحدّ الإنسانُ بشهادة ثلاثة من الشهود.

وأما قوله : إنّ عمر لقّنه وكره أن يشهد ،فلا ريب أنّ الأمر وقع كذلك، وقد قلنا : إنّ هذا

ص: 345

جائز بل مندوب إليه، وروينا عن أمير المؤمنين(علیه السلام) ما رويناه، وذكرنا قول الفقهاء في ذلك وأنهم استحبُّوا أن يقول القاضي للمقرّ بالزنى : تأمّل ما تقوله، لعلك مسستَها أو قبّلتها !

فأما قول المرتضى : إنه درأ الحدّ عن واحد، وكَان درؤه عن ثلاثة أولى، فقد أجاب قاضي القضاة عنه بأنَّه ما كَان يمكن دفعه عنهم .

فأما قول المرتضى : بل قد كَان يمكن دفعه عنهم، بالاً يلقّن الرّابع الامتناع من الشهادة فقد أجاب قاضي القضاة عنه : بأنّ الزّنى ووسم الإنسان به أعظم وأشنعُ وأفحشُ من أن يوسَم بالكذب والافتراء وعقوبة الزاني أعظم من عقوبة الكاذب القاذف عند الله تعالى في دار التكليف، يبيّن ذلك أنّ الله تعالى أوجبَ جلد ثلاثة من المسلمين، لتخليص واحد شهد الثلاثة عليه بالزّنى، فلو لم يكن هذا المعنى ملحوظاً في نظر الشّارع لما أوجبه، فكيف يقول المرتَضى : ليس لأحدِ الأمرين إلا ما في الآخر!

وأما خبرُ السارق الذي رَواه قاضي القضاة، وقول المرتضَى في الاعتراض عليه : ليس في الحدّ عن السارق إيقاع غيره في المكروه، وقصّة المغيرة تخالف هذا، فليس بجيّد لأنّ دفع الحدّ عن السارق إضاعة مال المسلم الذي سرق السارق في زمانه. وفيه أيضاً إغراء أهل الفساد بالسَّرِقة، لأنّهم إذا لم يقم الحدّ عليهم لمكان الجحود أقدموا على سرِقة الأموال، فلو لم يكن عناية الشارع بالدماء أكثر من عنايته بغيره من الأموال والأبشار لما قال للمكلّف : لا تقرّ بالسرقة ولا بالزنى، ولما رجّح واحداً على ثلاثة وهان في نظره أن تضرَب أبشارهم بالسياط، وهم ثلاثة حفظاً لدم واحد.

وأمّا حديثُ صَفوان وقول المرتضَى فلا يشبه كلّ ما نحن فيه، لأنّ الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) بيّن أن ذلك القول يسقط الحدّ لو تقدم، وليس فيه تلقين يوجب إسقاط الحدّ.

فجوابه أنّ قاضي القضاة لم يقصد بإيراد هذا الخبر إلاّ تشييدَ قول عمر : أرى وجهَ رجل لا يفضح الله به رجلاً من المسلمين، لأن عمر كرِه فضيحة المغيرة كما كره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

فضيحة السارق الذي قال صفوان : «هو له»، وقال(علیه السلام) : «هلا قبل أن تأتيني به ! »(1)أي هلاّ قلتَ ذلك قبل أن تحضره، فلم يفتضح بين الناس ! فإنّ قولك: «هو له»، وإن درأ الحدّ إلا أنّه لا يدرأ الفضيحة!

فأمّا ما حكاه قاضي القُضاة عن أبي علي من أن القذف قد كان تقدّم منهم وهم بالبصرة ،

ص: 346


1) أخرجه أبو داود في الحدود (4394) ، وابن ماجه في الحدود (2595)، والنسائي في قطع السارق، باب الرجل يتجاوز للسارق عن سرقته (4879) .

فقد ذكرنا في الخبر ما يدلّ على ذلك، فبطل قول المرتضى : إن ذلك غير معروف، وإنّ الظاهر المرويّ خلافه .

وأما قول عمر للمغيرة : ما رأيُتكَ إلا خفت أن يرميَني الله بحجارة من السماء (1)، فالظاهر أن مراده ما ذكره قاضي القضاة من التخويف وإظهار قوة الظنّ بصدق الشهود، ليكونَ ردعاً له، ولذلك وَرَد في الخبر : ما أظنّ أبا بَكرة كذب عليك، تقديره : أظنّه لم يكذب، ولو كان كما قال المرتضى ندماً وتأسّفاً على تفريط وقع، لأقام الحدّ عليه، ولو بعد حين، ومَن الّذي كان يمنعه من ذلك لو أراده !

وقوله : لِمَ يخافُ أن يرمَى بالحجارة وهو لم يدرأ الحدّ عن مستحق له؟ جوابه أنّ هذا القول يجري مجرى التّهويلَ والتخويف للمغيرة كيلا يقدم على أن يعرّض نفسه لشبهة فيما بعد.

فأما قول قاضي القضاة : إنّه غيرُ ممتنع أن يحبّ الاّ يفتضح لما كان متولياً للبصرة من قَبَله، وقول المرتضى معترضاً عليه : إن كونه والياً من قبله لا يقتضي أن يدرأ عنه الحدّ، فغير لازم، لأنّ قاضي القضاة ما جعل كونه والياً من قبَله مقتضياً أن يدَرأ عنه الحدّ، وإنما قاله في جواب مَنْ أنكر على عمر محبّته لدرء الحدّ عنه، فقال : إنه غير قبيح، ولا يحرم محبّة درء الحدّ عنه لأنه وال من قبَله! فجعل الولاية للبصرة مسوّغة لمحبّة عمر لدفع الحدّ عنه، لا مسوّعة لدفع الحدّ عنه، وبين الأمرين فرق واضح.

وأما قول المرتَصى : إنّ الشرع حَظَر كتمان الشهادة، فصحيح فيما عدا الحدود، فأما في الحدود فلا ، وقد ورد في الخبر الصحيح : «مَنْ رأى على أخيه شيئاً من هذه القاذورات وستره الله يوم يفتضح المجرمون» (2).

فأما قول المرتضَى : هب أنّ الحدّ سقط، أمَا اقتضت الحال تأديبَ المغيرة بنوع من أنواع التعزير وإن خفّ! فكلام لازم لا جواب عنه، ولو فعله عمر لبرىء من التهمة براءة الذئب من دم يوسف، وما أدري كيف فاته ذلك مع تشدّده في الدين وصلابته في السياسة !ولعله كان له مانع اعتماد ذلك لا نعلمه !

الطعن السابع : أنه كان يتلوّن في الأحكام، حتى رُوِي أنّه قضَى في الجَدّ بسبعين قضيّة -

ص: 347


1) أخرجه العلامة المجلسي بما معناه في البحار : 649/30 .

2) أخرجه مالك في «الموطأ»، كتاب: الحدود، باب: ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزني (1562) .

ورُوي مائة قضيّة - وأنّه كان يفضِّل في القسمة والعطاء وقد سوّى الله تعالى بين الجميع، وأنه قال في الأحكام من جهة الرأي والحَدس والظنّ.

أجاب قاضي القضاة عن ذلك ، فقال : مسائل الاجتهاد يسوغ فيها الاختلاف والرجوع عن رأي إلى رأي بحسَب الأمارات وغالب الظنّ، وقد ذكر أنّ ذلك طريقة أمير المؤمنين(علیه السلام) في أمّهات الأولاد، ومقاسمة الجدّ مع الإخوة، ومسألة الحرام.

قال : وإنما الكلام في أصل القياس والاجتهاد، فإذا ثَبت ذلك خرج من أن يكون طعناً، وقد ثبت أنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) كَان يولِّي من يرَى خلاف رأيه، گابن عباس وشُريح، ولا يمنع زيداً وابن مسعود من الفُتيا مع الاختلاف بينه وبينهما .

فأما ما رُوي من السبعين قضيّة، فالمراد به في مسائل من الجدّ، لأنّ مسألة واحدة لا يوجَد فيها سبعون قضيّة مختلفة، وليس في ذلك عيب، بل يدلّ على سعَة علمه .

وقال : قد صحّ في زمان الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) مثلُ ذلك، لأنه لمّا شاور في أمر الأسرى أبا بكر أشار ألاّ يقتلهم، وأشار عمر بقتلهم، فمدحهما جميعاً، فما الذي يمنع من كون القولين صواباً من المجتهدين، ومن الواحد في حالين؟

وبعد، فقد ثبت أن اجتهاد الحسن(علیه السلام) في طلب الإمامة كَان بخلاف اجتهاد الحسين(علیه السلام) ، لأنّه سلّم الأمر وتمكنه أكثر من تمكّن الحسين(علیه السلام) ، ولم يمنع ذلك من كونهما(علیه السلام) مُصيبين .

اعترض المرتضَى هذا الجواب، فقال: لا شكّ أن التلوّن في الأحكام والرجوع من قضاء إلى قضاء، إنما يكون عَيْباً وطعناً إذا أبطِل الاجتهاد الذي يذهبون إليه فأمّا لو ثبت لم يكن ذلك عيباً، فأما الدعوى على أمير المؤمنين(علیه السلام) أنّه تنقل في الأحكام ورجع مِنْ مذهب إلى آخر ، فإنها غيرُ صحيحة، ولا نسلّمه، ونحن ننازعه فيها، وهو لا ينازعنا في تلوّن صاحبه وتنقّله، فلم يشتبه الأمران.

وأظهرُ ما رُوِيِ في ذلك خَبَر أمّهات الأولاد، وقد بينا فيما سلف من الكتاب ما فيه، وقلنا : إنّ مذهبه في بيعهنّ كان واحداً غير مختلف، وإن كان قد وافق عمر في بعض الأحوال لضرب من الرّأي، فأمّا توليتُه لمن يرى خلاف رأيه، فليس ذلك لتسويغه الاجتهاد الذي يذهبون إليه، بل لما بينّاه من قبل ،أنّه(علیه السلام) كان غير متمكّن من اختياره ،وأنّه يجري أكثر الأمور مجراها المتقدّم للسياسة والتدبير، وهذا السّبب في أنّه لم يمنع مَنْ خالفه في الفُتيا .

فأما قوله : إِنّ السّبعين قضيّة لم تكن في مسألة واحدة ،وإنّما كانت في مسائل من الجدّ، فكلا الأمرين واحد فيما قصدناه، لأنّ حكم الله تعالى لا يختلِف في المسألة الواحدة

ص: 348

والمسائل، فأمّا أمرُ الأسارَى فإن صحّ فإنّه لا يشبه أحكام الدين المبنية على العلم واليقين، لأنّه لا سبيلَ لأبي بكر وعمر إلى المشورة في أمر الأسارى إلاّ من طريق الظنّ والحُسبان، وأحكامُ الدين معلومة وإلى العلم بها سبيل .

وما ادّعاه من اجتهاد الحَسن بخلاف اجتهاد الحُسين ليس على ما ظنّه، لأنّ ذلك لم يكن عن اجتهاد وظنّ، بل كَان عن علم ،ويقين، فمن أين له أنهما عملا على الظّن! فما نراه اعتمد على حُجّة !ومن أين له أنّ تمكَّنَ الْحسَن كان أكثر من تمكن الحسين ! عَلَى أنّ هذا لو كان عَلَى ما قاله لم يحسن من هذا التّسليم ومن ذاك القتال، لأنّ المقاتل قد يكون مغرِّراً مُلْقِياً بيديه إلى التهلُكة، والمسالم مضيّعاً للأمر مفرّطاً ، وإذا كان عند صاحب الكتاب التّسليم والقتال إنّما كانا عن ظنّ وأمارات فليس يجوز أن يغلِب على الظنّ بأنّ الرأي في القتال مع ارتفاع أمارات التمكن ، ولا أن يغلب في الظنّ المسالمة مع قوة أمارات التمكن .

قلت : أمّا القولُ في صحّة الاجتهاد وبطلانه، فله مواضع غير هذا الموضع، وكذلك القول في تقيّة الإمام واستصلاحه وفعله ما لا يسوغ لضرب من السيّاسة والتدبير .

وأمّا مسائل الجدّ فلم يعترض المرتضى قولَ قاضي القضاة فيها، وأمّا قاضي القُضاة فقد استبعد، بل أحال أن تكون مسألة واحدة بعينها تحتمل سبعين حُكْماً مختلفة، فحمل الحديث على أنّ عُمر أفتى في باب ميراث الأجداد والجدّات بسبعين فتيا في سبعين مسألة مختلفة الصّور، وذلك دليل على علمه وفقهه، وتمكّنه من البحث في تفاريع المسائل الشرعية .

هذا هو جواب قاضي القضاة، فكيف يعترض بقوله : كلا الأمرين واحد فيما قصدناه، لأن حكم الله لا يختلف في المسألة الواحدة والمسائل المتعددة، أليس هذا اعتراض مَنْ ظَنّ أنّ قاضي القضاة قد اعترض بتناقض أحكامه، ولكن لا في مسألة بعينها، بل في مسائل من باب ميراث الجدّ! ولم يقصد قاضي القضاة ما ظنّه، والوجه أن يعترض قاضي القضاة فيقال: إن الرّواة كلّهم اتفقوا على أنّ عمر تلوّن تلوناً شديداً في الجدّ مع الإخوة كيف يقاسمهم؟ وهي مسألة واحدة ،فقضى فيها بسبعين قضيّة، فأخرجوا الرواية مخرج التعجّب من تناقض فتاويه، ولم يخرج أحدٌ من المحدّثين الرواية مخرج المدح له بسعة تفريعه في الفقه والمسائل، فلا يجوز صرفُ الرّواية عن الوضع الذي وردت عليه .

وقول قاضي القضاة كيف تحتمل مسألة واحدة سبعين وجهاً ! جوابه أنّه لم يقع الأمر بموجب ما توهّمه، بل المراد أنّ قوماً تحاكموا إليه في هذه المسألة مثلاً اليوم، فأفتى فيها بفُتيا ، نحو أن يقول فيجدّ وبنت وأخت : للبنت النّصف والباقي بين الجدّ والأخت، للذّكرِ

ص: 349

مثل حظ الأنثيين، وهو قول زيد بن ثابت، ثم يتحاكم إليه بعد أيام في هذه المسألة بعينها، قد وقعت لقوم آخرين، فيقول : للبنت النصف وللجدّ السدس، والباقي للأخت، وهو المذهب المحكيّ عن عليِّ(علیه السلام) ، وذلك بأن يتغلّب على ظنّه ترجيحُ هذه الفُتيا على ما كان أفتى به من قبل، ثم تقع هذه المسألة بعينها بعد شهر آخر، فيفتي فيها بفتيا أخرى، فيقول : للبنت النصف والباقي بين الجدّ والأخت نصفين، وهو مذهب ابن مسعود، ثم تقع المسألة بعينها بعد شهر آخر، فيقضي فيها بالفُتيا الأولى، وهي مذهب زيد ،بأن يعود ظنُّه مترجحاً متغلّباً لمذهب زيد، ثم تقع المسألة بعينها بعد وقت آخر، فيفتي فيها بقول عليَّ(علیه السلام) ، وهكذا لا تزال المسألة بعينها تقع، وأقواله فيها تختلف، وهي ثلاثة لا مزيد عليها، إلا أنه لا يزال يفتي فيها فتاوَى مختلفة، إلى أن توفِّيَ فأحصيت، فكانت سبعين فتيا.

فأمّا احتجاجُ قاضي القضاة بقصّة أسرى بدر فجيّد وأما ما اعترض به المرتضى فليس بجيّد، لأن المسألة من باب الشّرع، وهو قتل الأسرى أو تخليتُهم بالفداء، والقَتل وإراقة الدم من أهم المسائل الشرعية، وقد علم من الشارع شدة العناية بأمر الدنيا، فإن كانت أحكام الشرع لا يجوز أن تتلقَّى، وأن يفتى فيها إلا بطريق معلومة، وأن الظن والاجتهاد لا مدخلَ له في الشّرع - كما يذهب إليه المرتضَى - فكيف جَازَ من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أن يشاورَ في أحكام شرعيّة مَنْ لا طريق له إلى العلم، وإنّما قصارَى أمره الظنّ والاجتهاد والحسبان !وكيف مدحهما جميعاً، وقد اختلفا، ولا بد أن يكون أحدهما مخطئاً !

وأما قول المرتضَى: مِنْ أينَ لقاضي القُضاة أنّ ما اعتمده الحسنُ والحسين من الكفّ والإقدام كان عن الاجتهاد! فجيّد، وجواب صحيح على أصول الإمامية، لأنه ليس بمستحيل أن يعتمدا ذلك بوصيّة سابقة من أبيهما (علیه السلام).

وأما قوله لقاضي القضاة :كلامُك مضطرب، لأنّك أسندت ما اعتمداه إلى الاجتهاد، ثم قلت : وقد كان تمكُّن الحسن أكثر من تمكن الحسين(علیه السلام) ، وهذا يؤدِّي إلى أن أحدهما غرّر بنفسه والآخر فرّط في تسليم حَقّه، فليس بجيّد. والذي أراده قاضي القضاة الدلالة على جواز الاجتهاد، وأنه طريقة المسلمين كلهم، وأهل البيت(علیه السلام) ، وأومَاً إلى ما اعتمده الحسن من تسليم الأمر إلى معاوية، وما اعتمده الحسين من مُنازعة يزيد الخلافة، فعمِلا فيها بموجب اجتهادهما، وما غلَب على ظنونهما من المصلحة، وقد كان تمكن الحسن (علیه السلام)في الحال الحاضرة أكثَر من تمكن الحسين(علیه السلام) في حاله الحاضرة، لأن جند الحسن كان حوله ومُطيفاً به - وهم كما روي كما روي مائة ألف سيف - ولم يكن مع الحسين(علیه السلام) ممّن يحيط به ويسير بمسيره

لم إلى العراق إلا دون مائة فارس، ولكن ظنهما في عاقبة الأمر ومستقبل الحال كان مختلفاً، فكان الحسن يظنّ خذلان أصحابه عند اللقاء والحرب، وكان الحسين(علیه السلام) يظنّ نُصرة

ص: 350

أصحابه عند اللقاء والحرب، فلذلك أحجم أحدهما وأقدم الآخر، فقد بان أنّ قول قاضي القضاة غيرُ مضطرب ولا متناقض .

الطعن الثامن: ما روي عن عمر من قوله : «مُتعتان كانتا على عهد رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما» (1)، وهذا اللفظ قبيح لو صحّ المعنى، فكيف إذ افَسَد! لأنه ليس ممّن يشرّع فيقول هذا القول، ولأنّه يُوهم مساواة الرسول(صلی الله علیه وآله و سلم) في الأمر والنّهي، وأن اتباعه أولى من اتباع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).

أجاب قاضي القضِاة، فقال: إنه إنما عَنَى بقوله : «وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما »كراهتَه لذلك، وتشدّده فيه، من حيث نهى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)عنهما بعد أن كانتا في أيامه، منبِّهاً بذلك على حصول النَّسخ فيهما وتغيُّر الحكم، لأنّا نعلم أنه كان متبعاً للرّسول، متديّناً بالإسلام، فلا يجوز أن نحمل قوله على خلاف ما تواتر من حاله .وحكي عن أبي عليّ أن ذلك بمنزلة أن يقول : إني أعاقب مَنْ صَلَّى إلى بيت المقدس، وإن كان صُلِّيَ إلى بيت المقدس في حياة رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) . واعتمد في تصويبه على كف الصحابة عن النّكير عنه. وادّعى أن أميرَ

المؤمنين(علیه السلام) أنكَر على ابن عباس إحلال المُتعة، وروي عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)تحريمهما، فأَمّا مُتعة الحج فإنما أراد ما كانوا يفعلون من فَسخ الحجّ، لأنه كان يحصل لهم عنده التمتع، ولم يرد بذلك التمتع الّذِي يجري مجرى تقدّم العمرة وإضافة الحجّ إليها بعد ذلك، لأنّه جائز لم يقع فيه قبح .

اعترض المرتضى هذا الكلام فقال : ظاهر الخبر المرويّ عن عمر في المتعتّين يبطل هذا التأويل، لأنه قال: «مُنعتان كانتا على عهد رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما»، فأضاف النّهي إلى نفسه، ولو كان الرسول نَهَى عنهما لأضاف النّهي إليه ، فكان آكد وأولَى ،كان يقول : فنهى عنهما أو نسخهما وأنا من بعده أنهى عنهما وأعاقب عليهما .

وليس يشبه ما ذكره من الصّلاة إلى بيت المقدس، لأنّ نسخ الصلاة إلى بيت المقدس معلومُ ضرورة من دينه (صلی الله علیه وآله و سلم)،وليس كذلك المتعة، على أنّه لو قال : إنَّ الصلاة إلى بيت المقدس كانت في أيام النبي (صلی الله علیه وآله و سلم) جائزة وأنا الآن أنهى عنها لكان قبيحاً شنيعاً، مثل ما استقبحنا من القول الأوّل، وليس هذا القول منه ردًّا على الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) ، لأنه لا يمتنع أن يكون استحسن

ص: 351


1) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (206/7 ) ، وأحمد في «مسنده» (52/1).

حَظرها في أيّامه لوجه لم يكن فيما تقدم، واعتقد أنَّ الإباحة في أيام رسول الله (صلی الله علیه وآله و سلم)كان لها شرط لم يوجَد في أيامه، وقد روي عنه أنّه صرّح بهذا المعنى، فقال : إنما أحلَّ الله المتعةَ للنّاس على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والنساء يومئذ قليلة، ولذلك روي عنه في مُتعة الحجَّ أنَّه قال : قد علمت أنَّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فعلَها وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلُّوا بها معرسين تحت الأراك، ثم يرجعوا بالحجّ تقطر رؤوسهم .

وأمّا اعتمادُه على الكفّ عن النكير، فقد تقدّم أنه ليس بحجّة إلا على شرائط شرحناها، عَلَى أنه قد رُوِي أنّ عمر قال بعد نهيه عن المتعة: لا أوتَى بأحدٍ تزوّج متعة إلا عذّبته بالحجارة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت. وما وجدنا أحداً أنكر عليه هذا القول، لأنّ المتمتّع عندهم لا يستحقّ الرّجم ولم يدل ترك النكير على صوابه.

فأما ادّعاؤه على أمير المؤمنين(علیه السلام) أنّه أنكر على ابن عباس إحلالها، فالأمر بخلافه وعكسه، فقد روي عنه(علیه السلم) من طرق كثيرة أنَّه كان يفتي بها، وينكر على محرَّمها والناهي عنها، وروى عمر بن سعد الهمدانيّ، عن حُبيش بن المعتمر قال سمعتُ عليَّا (علیه السلام)يقول : لولا ما سبق من ابن الخطاب في المُتعة ما زنى إلا شقيّ. وروى أبو بصير، قال : سمعتُ أبا جعفر محمد بن عليّ الباقر(علیه السلام) يروي عن جدّه أميرَ المؤمنين(علیه السلام) : لولا ما سبقني به ابن الخطاب ما زنى إلا شقي. وقد أفتى بالمتعة جماعة من الصحابة والتّابعين كعبد الله بن عباس، بن مسعود، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وسلَمة بن الأكوع، وأبي سعيد الخُدريّ،

وسعيد بن جُبَير، ومجاهد، وغير ما ذكرناه ممّن يطول ذكره، فأما سادُة أهلِ البيت(علیه السلام) وعلماؤهم فأمرُهم واضح في الفُتْيا بها ،كعليّ بن الحسين زين العابدين(علیه السلام)، وأبي جعفر الباقر(علیه السلام) ، وأبي عبد الله الصادق(علیه السلام) ، وأبي الحسن موسى الكاظم(علیه السلام)، وعليّ بن موسى الرضا(علیه السلام) . وما ذكرنا من فُتيا مَنْ أشرنا إليه من الصحابة بها يدلّ على أوضح بطلان ما ذكره صاحب الكتاب من ارتفاع النَّكير لتحريمها، لأنّ مقامهم على الفُتيا بها نكير .

فأما مُتعة الحجّ فقد فعلها النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) والنَّاس أجمع من بعده، والفقهاء في أعصارنا هذه لا يرونها خطأ بل صواباً .

فأمّا قول صاحب الكتاب : إنَّ عمر إنما أنكر فسخ الحجّ فباطل ، لأن ذلك أوّلاً لا يسمى

مُتعة، ولأن ذلك ما فعِل في أيام النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ، ولا فعله أحدٌ ولا فعله أحدٌ من المسلمين بعده، وإنما هو من سُنَن الجاهلية، فكيف يقول عمر: متعتان كانتا على عهد رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وكيف يغلظ ويشدد فيما لم يفعل، ولا فعل!

ص: 352

قلت: لا شبهة أنّ الظاهر من كلام عمر إضافة النّهي إلى نِفسه، لكنا يجب علينا أن نتركَ ظاهر اللفظ إذا علمنا من قائله ما يوجب صرف يوجب صرف اللفظ عن الظاهر كما يعتمده كلُّ أحد في القرائن المقترنة بالألفاظ ،والمعلوم من حال عمر أنه لم يكن يدَّعي أنه ناسخ الشريعة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأنّه كان متديّناً بالإسلام وتابعاً للرسول الذي جاء به، فوجب أن يحمَل كلامُه على أنَّه أراد أنهما كانتا ثم حُرِّمتا ، ثم أنا الآن أعاقب مَنْ فعلهما ، لأنه قد كان بلَغه عن قوم من المسلمين بعد علمهم بالتّحريم. وقول المرتضى: لعلّه كان اعتقدَ أنَّ الإباحة أيَّام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت مشروطة بشرط لم يُوجد في أيامه، قولُ يبطل طعنه في عمر، ويمهّد له عذراً ويصير المسألة اجتهاديَّة .

وأمّا طعنُه في الاحتجاج على تصويب عمر بترك الإنكار عليه وقوله : فهلاً أنكروا عليه قوله : لا أرى أحداً يستمتع إلا رجمته، فليس بطعن مستقيم، وإنما يكون طعناً صحيحاً لو كان أتِيَ بمتمتّع فأمر برجمه، فأمّا أن ينكروا عليه وعيدَه وتهديده ،لا لإنسان معيّن، بل كلاماً مطلقاً، وقولاً كليا يقصد به حَسْم المادة في المتعة وتخويف فاعلها، فإنه ليس بمحل للإنكار عليه، وما زالت الأئمة والصالحون يتوعدون بأمر ليس في نفوسهم فعله على طريق التأديب والتهذيب، على أن قوماً من الفقهاء قد أوجبوا إقامة الحدّ على المتمتّع، فلا يمتنع أن يكون ذاهباً إلى هذا المذهب.

فأما ما رواه عن أمير المؤمنين(علیه السلام)وعن الطّاهرين من أولاده ،من تحليل المتعة، فلسنا في هذا المقام نناكره في ذلك وننازعه فيها، والمسألة فقهيّة من فروع الشريعة، وليس كتابنا موضوعاً لذكره، ولا الموضع الذي نحن فيه يقتضي الحجاج فيها، والبحث في تحليلها وتحريمها، وإنّما الموضع موضع الكلام في حال عمر، وما نقل عنه من الكلمة، هل يقتضي ذلك الطعن في دينه أم لا؟

فأمّا متعة الحجّ فقد اعتذر لنفسه، وقال ما قدّمنا ذكره ،من أن الحجّ بهاء من بهاء الله، وأن التمتّع يكسفه ويذهب نوره ورونقه، وأنهم يظلون معرِسين تحت الأراك، ثم يُهلون بالحجّ ورؤوسهم تقطر، وإذا كان قد اعتذر لنفسه فقد كفانا مؤونة الاعتذار . الطعن التاسع :ما روي عنه من قصّة الشورى، وكونه خرج بها عن الاختيار والنصّ جميعاً، وأنه ذمّ كلّ واحد، بأن ذكر فيه طعناً ثم أهَّله للخلافة بعد أن طَعن فيه، وأنه جعل الأمر إلى سنّة، ثم إلى أربعة، ثم إلى واحد،قد وصفَه بالضعف والقصور، وقال: إن اجتمع عليّ وعثمان فالقول ما قالاه ،وإن صاروا ثلاثة فالقولُ للذين فيهم عبد الرحمن، وذلك لعلمه بأن

ص: 353

علياً وعثمان لا يجتمعان ،وأن عبد الرحمن لا يكاد يعدل بالأمر عَنْ خَتَنه وابن عمه، وأنه أمر يضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة فوق ثلاثة أيام ،وأنه أمر بقتل مَن يخالف الأربعة منهم أو الذين فيهم عبد الرحمن.

أجاب قاضي القضاة عن ذلك، فقال: الأمور الظاهرة لا يجوز أن يعترَض عليها بأخبارِ غيرِ صحيحة، والأمر في الشورى ظاهرُ، وإنّ الجماعة دخلت فيها بالرّضا، ولا فرق بين من قال في أحدهم: إنّه دخل فيها لا بالرضا وبين من قال ذلك في جميعهم، ولذلك جعلنا دخولَ أمير المؤمنين(علیه اسلام)في الشّورى أحد ما يعتمد عليه في أن لا نص يدل عليه،أنه المختصّ بالإمامة لأنه قد كان يجب عليه أن يصرّح بالنصّ على نفسه، بل يحتاج إلى ذكر فضائله ومناقبه، لأن الحال حالُ مناظرة، ولم يكن الأمر مستقرَّا لواحد، فلا يمكن أن يتعلّق بالتقية، والمتعالَم من حاله أنه لو امتنع من هذا الأمر في الشورى أصلاً لم يلحقه الخوف فضلاً عن غيره، ومعلوم أن دلالة الفعل أحسنُ من دلالة القول من حيث كان الاحتمال فيه أقل والمروي أن عبد الرحمن أخذ الميثاق على الجماعة بالرضا بمن يختاره ولا يجب القدح في الأفعال بالظنون، بل يجب حملها على ظاهر الصحة دون الاحتمال، كما يجب مثله في غيرها، ويجب إذا تقدمت للفاعل حالة تقتضي حسن الظن به أن يُحمل فعله على ما يطابقها، وقد علمنا أن حال عمر وما كان عليه من النصيحة للمسلمين، منع من صرف أمره في الشورى إلى الأغراض التي يظنّها أعداؤه فلا يصح لهم أن يقولوا : كان مراده في الشورى بأن يجعل الأمر إلى الفرقة التي فيها عبد الرحمن عند الخلاف أن يتم الأمر لعثمان، لأنه لو كان هذا مراده لم يكن هنا ما يمنعه من النصّ على عثمان، كما لم يمنع ذلك أبا بكر، لأن أمره إن لم يكن أقوى من أمر أبي بكر لم ينقص عنه، وليس ذلك بدعة، لأنه إذا جاز في غير الإمام إذا اختار أن يفعل ذلك، بأن ينظر أماثل القوم فيعلم أنهم عشرة، ثم ينظر في العشرة، فيعلم أن أمثلهم خمسة، ثم ينظر في واحد الخمسة، فما الذي يمنع من مثله في الإمام، وهو في هذا الباَب أقوى اختياراً، لأنّ له أن يختار واحداً بعينه !

ثم ذكر أنّه إنما حصره في الجماعة الذين انتهى إليهم الفضل، وجعله شورى بينهم ّثم بيّن أن الانتقال من السّتة إلى الأربعة، ومن الأربعة إلى الثلاثة، لا يكون متناقضاً، لأنّ الأقوال مختلفة، وليست واحدة ولو كانت أيضاً واحدة لكان كالرجوع، وللإمام أن يرجع في مثل ذلك، لأنّه في حكم الوصيَّة .

قال: وقولهم : إنّه كان يعلم أنّ عثمان وعلياً لا يجتمعان وأنّ عبد الرحمن يميل إلى عثمان، قلّهُ دين لأنّ الأمور المستقبلة، لا تُعلَم وإنما يحصل فيها أمارة.قال : والأمارات توجب أنه لم يكن فيهم حرص شديد على الإمامة بل الغالب من حالهم طلب الاتفاق

ص: 354

الائتلاف والاسترواح إلى قيام الغير بذلك. وإنما جعل عمر الأمر إلى عبد الرحمن عند لاختلاف، لعلمه بزهده في الأمر، وأنّه لأجل ذلك أقرب أن يتثبَت لأنَّ الراغب عن الشيء يحصل له من التثبُّت ما لا يحصل للراغب فيه، ومَنْ كانت هذه حاله كَان القوم إلى الرضا به أقرب .

وحكي عن أبي عليّ أنَّ المخادعة إنما تظنّ بمن قضده في الأمور طريق الفساد، وعُمر بريء من ذلك.قال :والضعف الذي وُصِف به عبد الرحمن، إنما أراد به الضّعف عن القيام بالإمامة، لا ضعف الرأي، ولذلك ردّ الاختيار والرأي إليه. وحكي عن أبي عليّ ضَعْف ما روي من أمره بضرب أعناق القوم إذا تأخَّروا عن البيعة، وأنَّ ذلك لو صحّ لأنكره القوم، ولم يدخلوا في الشورى بهذا الشرط ، ثم تأوّله إذا سلم صحتّه، على أنَّهم إن تأخروا عن البَيعة على سبيل شقّ العصا وطلب الأمر من غير وجهه .وقال : ولا يمتنع أن يقول ذلك على طريق التَّهديد، وإن بَعدُ عنده أن يقدموا عليه،كما قال تعالى: لَينْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (1).

اعترض المرتضى هذا الكلام فقال : إنّ الذي رتّبه عمر في قصة الشورى، من ترتيب العدد واتفاقه واختلافه، يدلَ أوّلاً على بُطلان مذهب أصحاب الاختيار في عدد العاقدين للإمامة، وأنه يتمّ بعقد واحد لغيره برضا أربعة، وأنه لا يتمّ بدون ذلك، فإنَّ قصّة الشُّورى تصرّح بخلاف هذا الاعتبار ،فهذا أحد وجوه المطاعن فيها . ومن جملتها أنه وصف كلّ واحد منهم بوصفِ زعم أنه يمنع من الإمامة، ثم جعل الأمر فيمن له تلك الأوصاف، وقد روى محمد بن سعد عن الواقديّ، عن محمد بن عبد الله ، عن ابن عباس قال: قال عمر : لا أدري ما أصنع الله الزهريُ، عن عبيد الله بن عبد بن بأمة محمد ؟ وذلك قبل أن يُطعن، فقلت : ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم؟ قال : أصاحبكم ؟ يعني عليا قلت نعم هو لها أهل، في قرابتٍه من رسول الله (ضلب الله علیه وآله و سلم)،وصهره وسابقته ،وبلائه، قال: إنَّ فيه بطالة وفكاهة، فقلت: فأين أنت من طلحة؟ قال: فأين الزهو والنخوة قلت : عبد الرحمن؟ قال: هو رجل صالح على ضَعْفٍ فيه، قلت: فسعد، قال: ذاك صاحب مِقْنَب وقتال لا يقوم بقرية لو حمل ،أمرها قلت :فالزبير، قال : وعُقَة لَقِس مؤمن الرّضا، كافر الغضب شحيح، وإنّ هذا الأمر لا يصلح إلاَّ لقويّ في غير عنف، رفيق في غير ضعف، وجواد في غير ،سرَف قلت: فأين أنت عن عثمان؟ قال : لو وليَها لحمل بني أبي مُعَيط على رقاب الناس، ولو فعلها لقتلوه.

ص: 355


1) سورة الزمر، الآية : 65 .

وقد يُروَى من غير هذا الطَّريق أنَّ عمر قال لأصحاب الشورَى: رُوحوا إليَّ، فلمَّا نظر إليهم قال : قد جاءني كلُّ واحدٍ منهم يهزّ عِفْرِيتَه ، يرجو أن يكون خليفة، أما أنت يا طلحة، أفلست القائل : إن قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنكح أزواجَه من بعده؟ فما جعل الله محمداً أحقَّ ببنات أعمامنا منّا، فأنزل الله تعالى فيك : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبدأ(1). وأمَّا أنت يا زُبير، فوالله ما لأَنَ قلبُك يوماً ولا ليلة. وما زلت جِلفاً جافياً، وأمَّا أنت يا عثمان فوالله لَرَوثَةٌ خير منك، وأمَّا أنت يا عبد الرحمن، فإنَّك رجل عاجز تحبُّ قومك جميعاً، وأما أنت يا سعد، فصاحب عصبيّة وفتنة، وأمَّا أنت يا عليّ فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجَحهم، فقام عليُّ مولُياً يخرج، فقال عمر : والله إنِّي لَأعلم مكان رجلِ لو وليتموه أمَركم لحملكم على المحجَّة البيضاء، قالوا : مَنْ هو ؟ قال : هذا المولي من بينكم، قالوا : فما يمنعك من ذلك؟ قال : ليس إلى ذلك سبيل .

وفي خبر آخر ، رواه البلاذريّ في تاريخه، أنَّ عمر لمّا خرج أهل الشورى من عنده، قال: إنْ ولَّوْها الأجلحَ سلك بهم الطريق، فقال عبد الله بن عمر فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين؟ قال : أكره أن أتحمّلها حياً وميتاً .

فوصف كما ترى كل واحد من القوم بوصف قبيح يمنع من الإمامة، ثم جعلها في جملتهم، حتی كأنَّ تلك الأوصاف تزول في حال الاجتماع، ونحن نعلم أنَّ الذي ذكره إن كان مانعاً الإمامة في كلِّ واحد على الانفراد، فهو مانع من الاجتماع ،مع أنَّه وصف علياً(علیه السلام)لا بوصفِ لا يليق به، ولا ادّعاه عدُوُّ قطّ، بل هو معروف بضدُه، من الرّكانة والبعد عن المُزاح والدُّعابة، وهذا معلوم ضرورة لمن سمع أخباره (علیه السلام)، وكيف يُظنّ به ذلك، وقد رُوي عن ابن عبَّاس أنه قال : كان أمير المؤمنين علىُّ (علیه السلام)إذا أتى هِبْنا أن نبتدئه بالكلام، وهذا لا يكون إلا من شدَّه التزمُت والتوقُّر، وما يخالف الدُّعابة والفكاهة.

ومما تضمَّنته قصة الشورى من المطاعن أنه قال : لا أتحمّلها حياً وميتاً، وهذا إن كان علّة عدوله عن النصُ إلى واحدٍ بعينه، فهو قول متلمس متخلّص، لا يفتات على الناس في آرائهم، ثم نقض هذا بأن نصَّ على ستَّة من بين العالم كلُه ، ثم ربَّب العدد ترتيباً مخصوصاً، يؤول إلى أنَّ اختيار عبد الرحمن هو المتقدَّم، وأي شيء يكون من التحمُّل أكثر من هذا ! وأيّ فرق بين أن يتحمّلها، بأنْ ينصّ على واحدٍ بعينه ،وبين أن يفعل ما فعله من الحصر والترتيب !

ومن جملة المطاعن أنَّه أمر بضرب الأعناق إن تأخَّروا عن البيعة أكثر من ثلاثة أيام، ومعلوم أنهم بذلك لا يستحقُّون القتل، لأنهم إذا كانوا إنما كُلِّفُوا أن يجتهدوا آراءهم في اختيار

ص: 356


1) سورة الأحزاب، الآية : 53.

الإمام، فربما طال زمان الاجتهاد، وربما قصر بحسب ما يعرض فيه من العوارض، فأيّ معنى للأمر بالقتل إذا تجاوزوا الأيَّام الثلاثة! ثم إنه أمر بقتل مَنْ يخالف الأربعة، ومَنْ يخالف العدد الذي فيه عبد الرحمن وكلُّ ذلك مما لا يستحقّ به القتل .

فأَما تضعيف أبي عليُّ لذكر القَتل فليس بحجة، مع أنَّ جميع مَنْ روى قصة الشورى روى ذلك، وقد روى الطبري ذلك في تاريخه وغيره.

فأمّا تأوّله الأمر بالقتل على أنّ المراد به إذا تأخَّروا على طريق شقّ العصا، وطلب الأمر من غير وجهه، فبعيد من الصواب ،لأنه ليس في ظاهر الخبر ذلك، ولأنهم إذا شقُّوا العصا، وطلبوا الأمر من غير وجهه من أوّل يوم وجب أن يُمنَعوا ويقاتلوا فأيّ معنى لضرب الأيام الثلاثة أجلاً !

فأما تعلُّقه بالتهديد، فكيف يجوز أن يتهدّد الإنسان على فعل بما لا يستحقّه، وإن علم أنه لا يعزم عليه !

فأما قوله تعالى:لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَ عَمَلكَ(1)، فيخالف ما ذكر، لأنّ الشرك يستحقّ به إحباط الأعمال، وليس يستحقّ بالتأخير عن البيعة القتل .

فأمّا ادّعاء صاحب الكتاب أنّ الجماعة دخلوا في الشّورى على سبيل الرضا، وأنّ عبد الرحمن أخذ عليهم العهد أن يرضوا بما يفعله، فمن قرأ قصّة الشورى على وجهها ، وعَدَل عمَّا تُسَوِّله النفس من بناء الأخبار على المذاهب، علم أنّ الأمر بخلاف ما ذكر. وقد روى الطبريّ في تاريخه عن أشياخه من طرق مختلفة، أن أمير المؤمنين(علیه السلام)قال حين خرج من عند عمر بعد خطابه للجماعة بما تقدّم ذكره لقوم كانوا معه من بني هاشم : إن طمع فيكم قومكم لم تؤمَرُوا أبداً. وتلقاه العبّاس بن عبد المطلب ، فقال : يا عمّ عُدِلت عنّا ! قال : وما علمك ؟ قال : قُرِن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر ، وإن رضي رجلان رجلاً ، ورجلان رجلاً ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن، فسعد لا يخالف ابنَ عمُه عبد الرحمن وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان، فيوليها عبدُ الرحمن عثمان، أو يوليها عثمانُ عبد الرحمن، فلو كانَ الآخران معي لم ينفعاني بَلْ إني لا أرجو إلا أحدهما .فقال له العباس: لم أدفعك عن شيء إلاّ رجعتَ إليّ مستأخراً ! أشرتُ عليك عند وفاة رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم)أن تسأله فيمن هذا الأمر؟ فأبيت، وأشرت عليك عند وفاته أن تعاجِل الأمر فأبيت ،وأشرت عليك حين سمّاك عمر في الشورى ألاَّ تدخل فأبيت! فاحفظ عليّ واحدة كلّما عَرَض عليك القوم فقل : لا ، إلا أن يولّوك واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر، حتى يقوم لنا به غيرنا وغيرهم، وايمُ

ص: 357


1) سورة الزمر، الآية : 65 .

الله لا تناله إلا بشرَ لا ينفع معه خير . فقال عليّ(علیه السلام): أما والله لئن بقيَ عمر لأذكُرنه ما أتى إلينا ، ولئن مات ليتداولُنّها بينهم، ولئن فعلوا ليجدُنَّنِي حيث يكرهون، ثم تمثَل :

حلفتُ بربّ الرَّاقصات عَشيّةٌ ****غَدَوْنَ خِفافاً فابتدرن المحصّبا

ليَحتلبن رهط ابن يعمرَ مارثاً ****نَجيعاً، بنو الشُّدَّاخ ورداً مصلّبا

فالتفت فرأى أبا طلحة الأنصاري فكره مكانه ، فقال أبو طلحة : لا تُرَع أبا حسَن.

قال المرتضى : فإن قال قائل : أي معنى لقول العبّاس: إني دعوتُك إلى أن تسأل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فيمن هذا الأمر من قبل وفاته؟ أليس هذا مبطلاً لما تدعونه من النص!

قلنا : غير مُمتنع أن يريد العباس سؤاله عمن يصير الأمر إليه، وينتقل إلى يديه، لأنه قد يستحقه من لا يصل إليه، وقد يصل إليه مَنْ لا يستحقه، وليس يمتنع أن يريد:إنما كنّا نسأله(صلی الله علیه وآله و سلم)هو إعادة النّصّ قبل الموت، ليتجدّد ويتأكّد، ويكونَ لقرب العهد إليه بعيداً من أن يُطرح.

فإن قيل : أليس قد أنكرتُم على صاحب الكتاب من التأوِيل بعينه فيما استعمله من الرّوایه عن أبي بكر من قوله : ليتني كنت سألتُ رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم)هل للأنصار في هذا الأمر حق؟

قلنا : إنما أنكرناه في ذلك الخبر، لأنه لا يليق به من حيث قال فكنّا لا ننازعه أهلَه، وهذا قول مَنْ لا علم له بأنه ليس للأنصار حقٌّ في الإمامة، ومن كان يرجع في أن لهم حقًّا في الأمر أو لا حقّ لهم فيه، إلى ما يسمعه مستأنفاً، وليس هذا في الخبر الذي ذكرناه .

وروى العباس بن هشام الكلبيّ، عن أبيه، عن جدّه ،في إسناده، أن أمير المؤمنين(علیه السلام)شكا إلى العباس ما سمع من قول عمر:كونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، وقال : والله لقد ذهب الأمر منّا ، قال : وكيف قلت ذلك يابن أخي ! قال: إنّ سعداً لا يخالف ابن عمّه عبد الرحمن ،وعبد الرحمن نظير عثمان وصهره، فأَحدهما يختار لصاحبه لا محالة، وإن كان الزُّبير وطلحة معي، فلن أنتفع بذلك إذا كان ابن عوف في الثلاثة الآخرين.

قال ابن الكلبي : عبد الرحمن زوج أمّ كلثوم بنت عُقبة بن أبي معيط، وأمّها أرْوَى بنت كريز، وأرْوَى أمّ عثمان، فلذلك قال صهره.

وفي رواية الطبريّ (1)أن عبد الرحمن دعا علياً (علیه السلام)، فقال : عليك عهدُ الله وميثاقه لتعملنَّبكتاب الله وسنّة رسوله، وسيرة الخليفتين؟ فقال : أرجو أن أفعلَ وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي.وفي خبر آخر عن أبي الطفّيل ،أن عبد الرحمن قال لعليُ(علیه السلام): هلمَ يدَك خذها بما فيها،

ص: 358


1) انظر «تاريخ الطبري» (583/2) .

على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، فقال :آخذها بما فيها ،عَلَى أن أسيرَ فيكم بكتاب الله وسنة نبيّه جهدي .فترك يده، وقال : هلّم يدَك يا عثمان، أتأخذها بما فيها على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر؟ قال: نعم، قال: هي لك يا عثمان (1).

وفي رواية الطبريّ أنه قال لعثمان مثل قوله لعليّ، فقال: نعم، فبايعه، فقال عليّ(علیه السلام): خُتونة حنّت دهراً (2).

وفي خبر آخر: نفعت الختونة يابن عوف ! ليس هذا أوّل يوم تظاهرتُم فيه علينا! نَصَرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(3)، والله ما ولَّيتَ عثمان إلا ليردّ الأمر إليك، والله كلَّ يوم هو في في شأن .

وفي غير رواية الطبريّ (4)أنّ عبد الرحمن قال (علیه السلام): لقد قلتَ ذلك لعمر ، فقال : أوَلَمْ يكُن ذلك كما قلت !

وروى الطبريّ أن عبد الرحمن قال : لا تجعلنّ يا عليّ عَلَى نفسك سبيلاً، فإنّي نظرتُ وشاورت النّاس، فإذا هم لا يعدلون بعثمان، فقام عليُّ(علیه السلام) لا يعدِلون بعثمان، فقام عليُّ(علیه السلام)، وهو يقول : سيبلغ الكتاب أجَله .

وفي رواية الطبري أنّ الناس لمّا بايعوا عثمان تلكّأ عليُّ(علیه السلام) ، فقال عثمان : فَمَن نَكَتَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(5). فرجع عليّ(علیه السلام) الله حتى بايعه، وهو يقول خُدعة وأي خدعة!

وروى البلاذريّ في كتابه، عن ابن الكلبيّ، عن أبيه، عن أبي مِخنف، في إسناد له، أن علياً (علیه السلام)لما بايع عبدُ الرحمن عثمان كان قائماً، فقال له عبد الرحمن: بايع وإلاّ ضربتُ عنقك، ولم يكن يومئذ مع أحد سيف غيره، فخرج عليّ مغضباً، فلحقه أصحاب الشورى، فقالوا له : بايع وإلاّ جاهدناك، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان .

قال المرتضَى : فأيّ رضاً ها هنا وأيّ إجماع ! وكيف يكون مختاراً من تهدّد بالقتل وبالجهاد !وهذا المعنى وهو حديث ضرب العنق لو روته الشيّعة لتضاحك المخالفون منه وتغامزوا، وقالوا: هذا من جملة ما تدّعونه من المحال، وتروونه من الأحاديث، وقد أنطق الله به رواتهم، وأجراه على أفواه ثقاتهم، ولقد تكلّم المِقداد في ذلك اليوم بكلام طويل، يفنّد فيه

ص: 359


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 369/31 رقم : 20 .

2) أخرجه الطبري في تاريخه بما معناه: 297/3 .

3) سورة يوسف، الآية: 18 .

4) انظر «تاريخ الطبري »(583/2) .

5) سورة الفتح، الآية : 10 .

ما فعلوه من بَيعة عثمان، وعدولهم بالأمر عن أمير المؤمنين(علیه السلام) إلى أن قال له عبد الرحمن : يا مقداد، اتّق الله ،فإنّي خائف عليك الفتنة. ثم إن المقداد قام فأتى عليُّا ، فقال : أتقاتل فنقاتل

معك ؟ فقال عليّ :فيمن أقاتل! وتكلّم أيضاً عمّار - فيما رواه أبو مخنف - فقال : يا معشرَ ،قریش این تصرفون هذا الأمر عن بيت نبيّكم؟ تحوّلونه ها هنا مرة وها هنا مرة! أما والله ما أنا بأمن أن ينزعه الله منكم فيضعَه في غيركم كما انتزعتموه من أهله، ووضعتموه في غير أهله .فقال له هشام بن الوليد: يابن سميّة، لقد عدوت طورَك، وما عرفت قدرَك، وما أنت وما رأته قريش لأنفسها إنّك لست في شيء من أمرها وإمارتها، فتتح عنها .وتكلّمت قريش بأجمعها، وصاحت بعمّار وانتهرته فقال : الحمد لله ما زال أعوانُ الحق قليلاً .

روى أبو مخنف أيضاً أن عمّاراً قال هذا البيت ذلك اليوم :

يا ناعيَ الإسلام قُمْ فَانْعَهُ*** قَدْمات عُرف وأتى منكَرُ!

أما والله لو أن لي أعواناً لقاتلتهم، وقال أمير المؤمنين(علیه السلام) : لئن قاتلتَهم بواحد لأكوننّ ثانياً، فقال: والله ما أجدُ عليهم أعواناً، ولا أحب أن أعرّضكم لما لا تطيقون .

وروى أبو مخنف، عن عبد الرحمن بن جُندَب عن أبيه قال: دخلت على عليِّ(علیه السلام)،وكنت حاضراً بالمدينة يوم بويع عثمان، فإذا هو واجم كتيب، فقلت : ما أصاب قوم صَرَفوا هذا الأمر عنكم ! ، فقال صَبْرٌ جَمِيلٌ! فقلت : سبحان الله ! إنك لصبور! قال: فأصنع ماذا؟ قلت : تقوم في النّاس خطيباً فتدعوهم إلى نفسك، وتخبرُهم أنك أولى بالنبيّ(صلی الله علیه وآله و سلم) بالعمل والسابقة، وتسأَلهم النَّصر على هؤلاء المتظاهرين عليك، فإن أجابَك عشرة من مائة شددت بالعشرة على المائة، فإن دانُوا لك كان ما أحببت، وإن أبوا قاتلتهم، فإن ظهرت عليهم فهو سلطان الله آتاه نبيّه(صلی الله علیه وآله و سلم) ، وكنتَ أولَى به منهم إذْ ذَهَبُوا بذلك، فردّه الله إليك، وإن قتِلتَ في طلبه فقتلتَ شهيداً، وكنت أولى بالعذر عند الله تعالى في الدنيا والآخرة. فقال (علیه السلام): أوَ تراه كان تابعي من كلّ مائة عشرة قلت : لأرجو ذلك، قال : لكنّي لا أرجو ولا والله من اثنين، وسأخبرك من أين ذلك! إنّ الناس إنّما ينظرون إلى قريش، فيقولون: هم قوم محمد(صلی الله علیه وآله و سلم) وقبيلته ، وإنّ قريشاً تنظر إلينا فتقول : إنّ لهم بالنبوة فضلاً عَلَى سائر قريش، وإنّهم أولياء هذا الأمر دون قريش والناس، وإنّهم إن ولّوه لم يخرج هذا السلطان منهم إلى أحد أبداً، ومتى كان في غيرهم تداولتُموه بينكم، فلا والله لا تدفع قريش إلينا هذا السلطان طائعة أبداً .قلت : أفلا أرجع إلى المِصر فأخبر الناس بمقالتك هذه، وأدعو النّاس إليك! فقال : يا جندب : ليس هذا زمان ذلك، فرجعت فكلَّما ذكرت للناس شيئاً من فضل عليَّ زبرُوني ونهروني، حتى رفع ذلك من أمري للوليد بن عُقبة، فبعث إليّ فحبسني .

قال : وهذه الجملة التي أوردناها قليل من كثير ، في أن الخلاف كان واقماً، والرضا كان

ص: 360

مرتفعاً، والأمر إنّما تمّ بالحيلة والمكر والخداع، وأوّلُ شيء مكَر به عبد الرحمن أنّه ابتدأ فأخرَج نفسه من الأمر، ليتمكّن من صَرْفه إلى من يريد ،وليقال : إنّه لولا إيثاره الحق، وزهده في الولاية لما أخرج نفسه منها ، ثم عرض على أمير المؤمنين(علیه السلام) و ما يعلم أنه لا يجيب إليه، ولا تلزمه الإجابة إليه، من السير فيهم بسيرة الرجلين، وعلم أنه(علیه السلام) لا يتمكّن من أن يقول : إنّ سيرتهما

لا تلزمني ، لئلا ينسَب إلى الطعن عليهما . وكيف يلزم سيرتهما ، وكلّ واحد منهما لم يسِر بسيرة الآخره! بل اختلفا وتباينا في كثير من الأحكام ،هذا بعد أن قال لأهل الشورى: وثقّوا إليّ من أنفسكم بأنكُم ترضون باختياري إذا أخرجت نفسي ، فأجابوه - على ما رواه أبو مخنف بإسناده - إلى ما عرض عليهم ، إلاّ أمير المؤمنين(علیه السلام) ، فإنه قال : أنظر ، لعلمه بما يجرّ هذا المكر، حتى أتاهم أبو طلحة، فأخبره عبد الرحمن بما عرض وما جاء به القوم إياه إلا عليا، فأقبل أبو طلحة على عليِّ (علیه السلام)، فقال : يا أبا الحسن، إن أبا محمد ثقة لك وللمسلمين، فما بالك تخافه وقد عَدَل بالأمر عن نفسه، فلن يتحمّل المأثم لغيره ! فأحلَف عليُّ(علیه السلام) عبدَ الرحمن بما عرض الاً يميل إلى الهوى وأن يؤثر الحقّ ويجتهد للأمة، ولا يحابي ذا قَرابة، فحلَف له، وهذا غاية ما يتمكّن منه أمير المؤمنين(علیه السلام) في الحال، لأنّ عبد الرحمن لمَّا أخرج نفسه من الأمر، وظنّت به الجماعة الخير، وفوّضت إليه الاختيار لم يقدر أمير المؤمنين(علیه السلام) على أن يخالفَهم وينقض ما اجتمعوا عليه، فكان أكثر ما تمكّن منه أن أحلفه، وصرّح بما يخافه من جهته، من الميل إلى الهوى، وإيثار القرابة، غير أن ذلك كلّه لم يُغْنِ شيئاً !

قال : وأما قولُ صاحب الكتاب : إنَّ دخوله في الشُّورى دلالة على أنَّه لا نص عليه بالإمامة، ولو كان عليه نصُّ لَصرّح به في تلك الحال كان ذِكرُه أوْلَى من ذكر الفضائل والمناقب، فإنّ المانع من ذكر النصّ كونه يقتِضي تضليل مَنْ تقدّم عليه وتفسيقهم، وليس كذلك تعديد المناقب والفضائل .

مقاماته

وأما دخوله(علیه السلام) في الشُّورى، فلو لم يدخل فيها إلا ليحتجّ بما احتجّ به من مقاماته وفضائله، ودرايته ووسائله إلى الإمامة وبالأخبار الدالة عندنا عليها على النصّ والإشارة بالإمامة إليه، لكان غرضاً صحيحاً، وداعياً قويَّاً. وكيف لا يدخل في الشُّورى وعندَهم أن واضعها قد أحسن النَّظر للمسلمين، وفعل ما لم يسبَق إليه من التحرز للدِّين !

فأوّلُ ما كان يقال له لو امتنعَ منها : إنّك مصرّح بالطعن على واضعها وعلى جماعة المسلمين بالرّضا بها، وليس طعنُك إلا لأنّك ترى أن الأمر لك، وأنك أحقُّ به! فيعود الأمر إلى ما كان(علیه السلام) يخافُه ،من تفرّق الكلمة ووقوع الفتنة .

قال : وفي أصحابنا القائلين بالنصّ مَنْ يقول : إنه(علیه السلام) إنما دخل في الشورى لتجويزه أن ينال الأمر منها ، وعليه أن يتوصّل إلى ما يلزمه القيامُ به من كلّ وجه يظن أن يوصّله إليه .

ص: 361

قال : وقولُ صاحب الكتاب إنّ التقيّة لا يمكن أن يتعلّق بها، لأنّ الأمر لم يكن استقرّ لواحد طَريف، لأنّ الأمر وإن لم يكن في تلك الحال مستقرًا لأحد، فمعلوم أن الإظهار بما يطعن في المتقدمين من ولاة الأمر لا يمكن منه، ولا يرضى به، وكذلك الخروجُ مما يتّفق أكثرهم عليه، ويرضَى جمهورهم به ،ولا يُقرون أحداً عليه، بل يعدّونه شذوذاً عن الجماعة، وخلافاً على الأمة .

فأمَّا قوله : إنّ الأفعال لا يقدَح فيها بالظنون، بل يجب أن تحمل على ظاهر الصحّة، وإنّ الفاعل إذا تقدّمت له حالة تقتضي حسنَ الظنّ ،به يجب أن تحمَل أفعاله على ما يطابقها، فإنّا متَى سلّمنا له بهذه المقدّمة لم يتمّ قصدُه فيها، لأنّ الفعل إذا كان له ظاهر وجب أن يحمَل على ظاهره، إلا بدليل يعدل بنا عن ظاهره، كما يجب مثلُه في الألفاظ، وقد بيّنا أن ظاهر الشُّورى وما جَرى فيها ،يقتضي ما ذكرناه للأمارات اللائحة، والوجوه الظاهرة، فما عدلنا إلى محتمَل، بل المخالف هو الذي يسومُنا أن نعدل عن الظاهر، فأما الفاعل وما تقدّم له من الأحوال، فمتى تقدّم للفاعل حالة تقتضي أن يُظنّ به الخير من غير علم ولا يقين، فلا بدّ أن يؤثّر فيها، ويقدح أن يرى له حالة أخرى تقتضي ظنّ القبيح به لدلالة ظاهرها على ذلك. وليس لنا أن نقضِيَ بالأولى على الثانية، وهما جميعاً مظنونتان، لأنّ ذلك بمنزلة أن يقول قائل : اقضوا بالثانية على الأولى، وليس كذلك إذا تقدّمت للفاعل حالة تقتضي بالخير منه، ثم تليها حالة تقتضي ظنَّ القبيح ،به لأنا حينئذ نقتضي بالعلم على الظن، ونبطل حكمه لمكان العلم، وإذا صحّت هذه الجملة فما تقدّمت لمن ذكر حالة تقتضي العلم بالخير، وإنما تقدم ما يقتضي : حسن الظنَّ فليس لنا ألاّ نسيء الظنَّ به عند ظهور أمارات سوء الظنِّ، لأنّ كلّ ذلك مظنون

غير معلوم .

وقوله : لو أراد ذلك ما منَعه من أن ينصّ على عثمان مانع، كما لمِ يمنع ذلك أبا بكر من النصّ عليه، فليس بشيء، لأنّه قد فعل ما يقوم مقام النصّ على مَنْ أراد إيصاله إليه، وصرفه عمّن أراد أن يصرفه عنه، من غير شناعة التصريح، وحتى لا يقال فيه ما قيل في أبي بكر، ويُرَاجَع في قصّته كما رُوجع أبو بكر ، ولَم يتعسّف أبعد الطريقين وغرضه يتمّ من أقربهما !

قال : فأمَّا بيانُ صاحب الكتاب أن الانتقال من الستة إلى الأربعة في الشورى، ومن الأربعة إلى الثلاثة، لا يكون تناقضاً ، فهر ردُّ على مَنْ زعم أن ذلك تناقض، وليس من هذا الوجه طعنًا، بل قد بينَّا وجوه المطاعن وفصّلناها .

وأمَّا قوله : إنّ الأمور المستقبلة لا تعلم، وإنما يحصُل فيها أمارة ردِّا على من قال : إنّ عمر كان يعلم أن عليَّا(علیه السلام) وعثمان لا يجتمعان، وأنّ عبد الرحمن يميل إلى عثمان، فكلام في غير موضعه، لأنّ المراد بذلك الظنُّ لا العلم، وإنّ عُبّر عن الظنِّ بالعلم على طريقةِ في الاستعمال

ص: 362

معروفة، لا يتناكرها المتكلمون. ولعلَّ صاحب الكتاب قد استعمل العلم في موضع الظنِّ فيما يحصى كثرة من كتابه هذا ،وغيره وقد بينا فيما ذكرناه من رواية الكلبيّ عن أبي مخنف، أنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) أوّل مَنْ سبق إلى هذا المعنى في قوله للعباسِ شاكياً إليه : ذهبَ والله الأمرمنّا، لأن سعداً لا يخالف ابنَ عمّه عبد الرحمن وعبد الرحمن صهر عثمان، فأحدهما مختار لصاحبه لا محالة، وإن كان الزُّبير وطلحة معي، فلن أنتفع بذلك إذا كان ابنُ عوف في الثلاثة الآخرين .

فأما قوله : إن عبد الرحمن كان زاهداً في الأمر، والزاهد أقربُ إلى التثبّت، فقد بينّا وجه إظهاره الزهد فيه، وأنّهُ جعله الذريعة إلى مراده.

فأما قولُ صاحب الكتاب : إنّ الضعف الَّذِي وصفه به إنّما أراد به الضَّعف عن القيام بالإمامة لا ضعف الرأي، فهب أنّ الأمر كذلك، أليس قد جعله أحد مَنْ يجوِّز أن يُختار للإمامة، ويفوّض إليه مع ضعفه عنها ! وهذا بمنزلة أن يصِفَه بالفسق، ثم يدخله في جملة القوم ،لأنّ الضعف عن الإمامة مانع منها ، كما أنّ الفِسق كذلك.

قلت : الكلامُ في الشُّورى والمطاعن فيها طويل جدَّا، وقد ذكرت من ذلك في كتبي الكلامية وتعليقاتي ما قاله النَّاسُ وما لم أسبَق إليه، ولا يحتمل هذا الكتاب الإطالة باستقصاء ذلك، لأنه ليس بكتاب حِجَاج ونظر، ولكني أذكر منه نُكتاً يسيرة، فأقول :

إن كانت أفعالُ عمر وأقواله قد تناقضت في واقعة الشورى - كما زعم المرتضى رحمه الله - فكذلك أفعال أمير المؤمنين(علیه السلم) - إن كان منصوصاً عليه كما تقولُه الإمامية - قد تناقضت أيضاً. أمَّا أوَّلاً فإن كان منصوصاً عليه، فكيف أدخل نفسه في الشورى المبنية على صحة الاختيار وعدم النّص ! أليس هذا إيهاماً ظاهراً لأكثر المسلمين، خصوصاً الضَّعَفة منهم، ومَنْ لا نظر له في دقائق الأمور عنده أنه غير منصوص عليه! فكيف يجوز له إضلال المكلّفين وأن يوقع في نفوسهم عدم النصِّ مع كون النصِّ كان حاصلاً!

وأمَّا عذر المرتضَى عن هذا، بأنَّه دخل في الشورى، ليتمكّن من الاحتجاج على أهل الشورى بمقاماته وفضائله، فيقال له : قد كان الدَّهرَ الأطول مخالطاً لأهل الشورى وغيرهم، مجتمعاً معهم فی المسجد وغيره من مواطن كلّ يوم بل كلّ ساعة، فلا يجوز أن يقال: دخل ليضمّه وإيَّاهم أو يظلّهم سقف، فيتمكّن بذلك من ذكر مقاماته وفضائله بينهم، لأنَّ العاقل لا يجوز أن يرتكبَ أمراً يُوهم القبيح، ليفعل فعلاً قد كان من قبله بثلاث عشرة سنة متمكّناً من أن يفعله من غير ان يرتكب ذلك الأمر الموهم للقبيح، وليت شعري مَن الَّذِي كان يمنعه أيَّام أبي

ص: 363

بكر وعمر من أن يذكر مقاماته وفضائله ويفتخر بها ! وَلمَ انفك(علیه السلام) من ذكر فضائله والفخر بمناقبه في تلك المدة الطويلة وقد كان عمر وهو المعروف المشهور بالغلظة والفظاظة يذكر ويعترف بها !فلست أرى لعذر المرتضى أصلاً بهذا الوجه أو معنى! فأما عذره الثاني عن دخوله في الشورى بقوله : لو لم يدخل فيها لقيل له : إنك قد طعنت على واضع الشورى، وليس ذلك إلا لأنَّك ترى الأمر لك، فليس بعذر جيّد، لأنه لو امتنعَ من الدخول فيها على وجه الزُّهد وقلّة الالتفات إلى الولاية والإعراض عن السلطان والإمرة لما نسبَه أحدٌ إلى ما ذكره المرتَضى أصلاً، ولقال الناس : رجلٌ زاهد لا يريد الدنيا، ولا يرغب في الريّاسة، ثم ما المانع أن يقول لعمر وهو حيُّ : نشدتُك الله لا تدخِلني فيها، فإنّي لا أريدها ولا أوثرها ! أتراه كان في جواب هذا الكلام يأمر بقتله، ويقول له : إنما امتناعك لأنَّك تدّعي أنَّ رسول الله (صلس الله علیه وآله و سلم)نصَّ عليك، فلا ترى أخذ الأمر من جهتي وتوليه من طريقي، وإنَّما تريده بمحض النصّ الأول لا غير !ما أظنُّ أن عاقلاً يخطر له أنَّ ذلك كان يكون، فهذا العذر بارد لا معنى له كالعذر الأول.

فأما عذرُه الثالث، وهو قوله : إنَّه كان يجب عليه أن يتوصَّل إلى القيام بالأمر بكلِّ طريق، لأنه يلزمه القيام به فعذرُ جيّد لا بأس به.

وأما ثانياً فيقال للمرتَضى : هب أنَّا نزلنا عن الدخول في الشورى، هلاّ عرض للجماعة وهم مجتمعون، وهو يعدُّ لهم مناقبَه وفضائله بذكر النصِّ، وذلك بأن يكنِّي عنه كنايةٌ لطيفة، فيقول لهم : قد كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالأمس في حقِّي ما تعلمون! أتراهم كانوا في جواب هذه الكلمة يقتلونه !ما أظنُّ أنهم كانوا يجتمعون على ذلك. ولا بدّ لو عرّض بشيء من ذلك كان من كلام يدور بينهم في المعنى، نحو أن يقولوا : إنَّ ذلك النصَّ رجع عنه رسول الله (صلی الله علیه وآله و سلم)،أو يقولوا : رأى المسلمون تركه للمصلحة، أو يجري بينه وبينهم جِدال ونزاع، ولم يكن هناك خليفة يخاف جانبَه ، وإنما كان مجلس مناظرة ،وبحث ولم يستقّر الأمر لأحد.

وقول المرتضى إنه وإن كان كذلك إلا أنّهم كانوا لا يرضون أن يطعن في المتقدِّمين منهم، ويكرهون منه ذلك، ولا يُقرّونه عليه، ويعدّونه شذوذاً له عن الجماعة، وخلافاً للأمة قول صحيح، إذا كان القائل يقوله على وجه شقّ العصا والمنابذة، وكشف القناع، وإذا قاله على وجه الاستعطاف لهم، والادكار بما عسَاهم نسُوه وحسن التلطّف والرفق بهم، والاستمالة لهم، وتذكيرِهم حقوق رسول الله (صلی الله علیه وآله و سلم)، وميثاقه الذي واثقهم به، فإنه لا يقع منهم في مقابلة ذلك قتله، ولا قطع عضو من أعضائه، ولا إقامة الحدّ عليه. وأقصى ما في الباب أنّهم كانوا يردّون ذلك عليه بكلام مثل كلامه، ويجيبونه بجواب يناسب جوابَه، ويدفعونه عمّا يرومُه بوجه من وجوه الدفع، إن كانوا مقيمين على الإصرار على غصب الحق منه .

وأما ثالثاً، فإن كان(علیه السلام) - كما تقوله الإمامية - منصوصاً عليه فما الذي منَعه لمّا قال له

ص: 364

عبد الرحمن : أبايعك على أن تسيرَ فينا بسيرة الشيخين، أن يقول: نعم! فإنه لو قال: نعم، لبايعه عبدُ الرحمن، ووصل إلى الأمر الّذي يلزمه القيام به، وإلى الحال التي كان يتوصّل بكلّ طريق إلى الوصول إليها .

وقول المرتضي : إن سيرتَهما كانت مختلفة، لأنّ أحدهما حكَم بكثير مما حكم الآخر بضدّه ليس بجيّد، لأنّ السيرة التي كان عبد الرحمن يطلبها ذلك اليوم، هو الأمر الكليّ في إيالة الرعيّة وسياستهم، وجباية الفيء، وظَلَف الوالي نفسَه وأهلَه عنه وصرفه إلى المسلمين، ورمِّ الأمور، وجمع العمال، وقهر الظلَمة وإنصاف المظلومين، وحماية البَيضة، وتسريب الجيوش إلى بلاد الشّرك، هذه هي السيرة التي كان عبد الرحمن يشترطها، وهي التي طلبها الناس بعد ذلك، فقالوا لمعاوية في آخر أيامه، ولعبد الملك ولغيرهما وصاحوا بهم تحت المنابر: نطلب سيرة العُمَرين، ولم يريدوا في الأحكام والفتاوَى الشرعية ،نحو القول في الجَدّ مع الإخوة، والقول في الكَلالة، والقول في أمّهات الأولاد ،فما أعلم الذي منَع أمير المؤمنين(علیه السلام) من أن يقول لعبد الرحمن : نعم، فيأخذها! ثم كان إذا أخذها أقدر الناس على هذه السِّيرة، وأقواهم عليها . فواعجبا ! بينا هو يطلب الخلافة أشدّ الطلب، فإذا هو ناكص عنها، وقد عرضت عليه على أمرِ هو قيّم به! ولهذا كان الرأي عندي أن يدخل فيها حينئذ، ومَن الذي كان يناظره بعد ذلك ويجادله، فيقول : قد أخللتَ بشيء من سيرة أبي بكر وعمر ! كلاً إن السَّيْف لِضاربه ،والأمر لمالكه ،والرعيّة أتباع ، والحُكْم لصاحب السلطان منهم !

ومن العجَب أن يقول المرتضَى : إنه لأجل التقيَّة وافق عَلَى الرّضا بالشّورى! فهلاً اتقى القوم، وقد ذكروا له سيرة الشيخين فأباها وكرهها! ومَنْ كان يخاف على نفسه أن لو أظهر الزّهد في الخلافة والرغبة عن الدخول في أمر الشورى !كيف لم يخف على نفسه، وقد ذكرت له سيرة الشيخين فتركها ،ولم يوافق عليها، وقال: لا بل عَلَى أن أجتهد رأيي !

وأما قول المرتضى : إنه وصف القوم بصفاتِ تمنع من الإمامة، ثم عيّنهم للإمامة، فنقول فی جوابه: إنّ تلك الصفات لا تمنع من الإمارة بالكليَّة، بل هي صفات تنقص في الجملة، أي لو لم تكن هذه الصفات فيهم، لكانوا أكمل، ألاَ ترى أنه قال في عبد الرحمن : رجل صالح عَلَى ضعف فيه ! فذَكر أنّ فيه ضعفاً يسيراً، لأنه لو كان يرى ضعفه مانعاً من الإمامة لقال : ضعيف عنها جدَّا، أو لا يصلح لها لضعفه. وكذلك قوله في أمير المؤمنين(علیه السلام) : فيه فُكاهة، لأن ذلك لا يمنع من الإمامة، ولا زهو طلحة ونخوته ،ولا ما وصف به الزبيرُ من أنه شديد السّخط وقت غضبه، وأنه بخيل، ولا تولِّيه الأقارب عَلَى رقاب الناس إذا لم يكونوا فسّاقاً. وأقوى عيب ذكره ما عاب به سعداً في قوله: صاحب مِقنب وقتال، لا يقوم بقرية لو حَمَل أمرها. ويجوز أن يكون قال ذلك عَلى سبيل المبالغة في استصلاحه، لأن يكون صاحب جيش يقاتل به

ص: 365

بين يدي الإمام، وأنه ليس له دُربة ونظر في تدبير البلاد والأطراف، وجباية ،أموالها ،ألا تراه كيف قال : لا يقوم بقريةٍ! ويجوز أن يليَ الخلافة مَنْ هذه حاله، ويستعين في أمر العباد والبلاد وجباية الأموال بالكُفاة الأمناء.

فأما الرواية الأخرى التي قال فيها لعثمان :لَروثة خير منك! فهي من روايات الشّيعة، ولسنا نعرفها من كتب غيرهم.

فأما قوله : كيف قال : لا أتحمّلها حيَّاً وميّتاً، فحصر الخلافة في العدد المخصوص، ثم رتّبها ذلك الترتيب، إلى أن آلت إلى اختيار عبد الرحمن وحده !فنقول في جوابه : إنه كان يحبّ ألاّ يستقلّ وحده بأمر الخلافة، وأن يشاركه في ذلك غیرُه من صلحاء المهاجرين، ليكون أعذرَ عند الله تعالى وعند الناس، وإذا كان قد وضع الشورى عَلَى ذلك الوضع المخصوص، فلم يتحمَّلها استقلالاً ، بل شَرَكه فيها غيره، فهو أقلّ، لتحمله أمرها لو كان عيّن على واحد بعينه .

وأما حديث القتل، فليس مراده إلاّ شقّ العصا ،ومخالفة الجماعة، والتوتُّب على الأ مغالبة .

وقول المرتضَى : لو كان ذلك من أوّل يوم لوجب أن يمنع فاعله ويقاتل، فأيّ معنى لضرب الأيام الثلاثة أجلاً! فإنه يقال له : إنّ الأجل المذكور لم يضرَب لقتل من يشقّ العصا، وإنما ضُرب لإبرامهم الأمر وفصله قبل أن تتطاول الأيام بهم، ويتسامع مَنْ بَعْدَ عن دار الهجرة أن الخليفة قد قتل، وأنهم مضطربون إلى الآن، لم يقيموا لأنفسهم خليفَة بعده، فيطمع أهل الفساد والدَّعارة، ولا يؤمَن وقوع الفتن ،ولا يؤمَن أيضاً أن يستردّ الروم وفارس بلاداً قد كان الإسلام استولَى عليها ، لأنّ عدم الرئيس مطمِعُ للعدو في ملكه ورعيّته .

فأمّا الأخبار والآثار التي ذكرها المرتضى في مبايعة عليّ(علیه السلام) العثمان، وأنَّه كان مكرَهاً عليها أو كالمكرَه، وأنّ الرّضا كان مرتفعاً، والخلاف كان واقعاً، فكلام في غير موضعه، لأنّ قاضي القضاة لم ينحُ بكلامه هذا النّحو، ولا قصد هذا القصد ،ليناقضه بما رواه وأسنده من الأخبار والآثار، ولا هذا الموضع من كتاب المغني موضع الكلام في بيعة عثمان ووقوع الرّضا بها، فيطعن المرتضى في ذلك بما رواه من الأخبار والآثار الدّالة على تهضّم القوم لأمير المؤمنين (علیه السلام)وأصحابه وشيعته وتهدّدهم، وإنما الرضا الذي أشار إليه قاضي القضاة، فهو رضا أمير المؤمنين(علیه السلام) بأن يكون في جملة أهل الشورى، لأن هذا الباب من كتاب المغني هو باب نفي المطاعن عن عمر، وقد تقدّم ذكر كثير منها .

وصحتها

ثم انتهى إلى هذا الطّعن، وهو حديث الشورى، فذكر قاضي القضاة أنّ الشورى مِمّا طُعِن بها عليه، وادّعي أنها كانت خطأ من أفعاله، لأنها لا نصّ ولا اختيار، ألا تراه كيف قال في أوّل الطعن: فخرج بها عن النصّ والاختيار ! فنقول في الجواب :

ص: 366

لو كانت خطاً لما دخَل عليُّ(علیه السلام) فيها ، ولا رَضِيَ بها، فدخوله فيها ورضاه بها دليل عَلَى أنها لم تكن خطأ، وأين هذا من بيَعة عثمان حتى يخلط أحد البابين بالآخر !

فأمّا دعواه أنّ عمر عمل هذا الفعل حيلة، ليصرف الأمر عن عليّ(علیه السلام) من حيث علم أنّ عبد الرحمن صهرُ عثمان وأنّ سعداً ابن عم عبد الرحمن فلا يخالفه، فجعل الصواب في الثلاثة الذين يكون فيهم عبد الرحمن، فنقول في جوابه :

إنّ عمر لو فعل ذلك وقَصَده لكان أحمق النّاس وأجهلَهم، لأنه من الجائز ألاّ يوافق سعدُ ابنَ عمّه لعداوة تكون بينهما، خصوصاً من بني العمّ، ويمكن أن يستميل عليُّ(علیه السلام) سعداً إلى نفسه بطريق آمنة بنت وهب، وبطريق حمزة بن عبد المطلب، وبطريق الدّين والإسلام، وعهد الرسول (صلی الله علیه وآله و سلم)، ومن الجائز أن يعطف عبدُ الرحمن عَلَى عليُّ(علیه السلام) الوجه من الوجوه، ويعرض عن عثمان، أو يبدوَ من عثمان في الأيام الثلاثة أمرُ يكرهه عبد الرحمن، فيتركه ويميل إلى عليِّ(علیه السلام) . ومن الجائز أن يموتَ عبد الرحمن في تلك الأيام، أو يموت سعد، أو يموت عثمان، أو يقتل واحد منهم فيخلص الأمر لعليّ(علیه السلام) ، ومن الجائز أن يخالف أبو طلحة أمرَه له أن يعتمِد عَلَى الفِرْقة التي فيها عبد الرحمن، ولا يعمل بقوله، ويميل إلى جهة عليِّ(علیه السلام)، فتبطل حيلتُه وتدبيره !

ثم هب أنّ هذا كله قد أسقطناه ، من الذي أجبر عمر وأكرهَه وقَسرَهُ عَلَى إدخال عليّ(علیه السلام) في أهل الشورى؟ وإن كان مراده - كما زعم المرتضى - صرفَ الأمر بالحيلة، فقد كان يمكنه أن يجعل الشورى في خمسة، ولا يذكر علياً (علیه السلام)فيهم، أتراه كان يخاف أحداً لو فعل ذلك ومَنِ الذي كان يجسر أن يراجعه في هذا أو غيره! وحيث أدخله مَنِ الذي أجبره عَلَى أن يقول: إن وليَها ذلك لحمَلهم على المحجّة البيضاء، وحملَهم عَلَى الصراط المستقيم، ونحو ذلك من المدح! قد كان قادراً الا يقول ذلك، والكلام الغثّ البارد لا أحبّه .

فأما قوله : إنّ عبد الرحمن فَعل ما فَعل من إخراج نفسه من الإمامة حيلة ليسلّم الأمر إلى عثمان، ويصرفه عن عليِّ(علیه السلام) : فكلام بعضُه صحيح وبعضه غير صحيح. أما الصحيح منه فميلُ عبد الرحمن إلى جهة عثمان، وانحرافُه عن عليِّ(علیه السلام) قليلاً، وليس هذا بمخصوص بعبد الرحمن ،بل قريش قاطبة كانت منحرفةً عنه.

وأمّا الذي هو غير صحيح، فقوله : إنه أخرج نفسَه منها لذلك، فإنّ هذا عندي غيرُ صحيح.

لأنه قد كان يمكنه ألاّ يخرج نفسه منها ، ويبلغ ،غرضه بأن يتجاوز هو وابن عمّه إلى عثمان ويَدَع علياً وطلحة والزبير طائفة أخرى، فيولّي المسلمون الأمر الطائفة التي فيها عبد الرحمن، بمقتضى نصّ عمر عَلَى ذلك، ثم يعتمد عبد الرحمن بعد ذلك ما يشاء، إن شاء وليَها هو أو

ص: 367

أحد الرجلين ، فأي حاجةٍ كانت به إلى أن يخرج نفسه منها ليبلغ غرضاً قد كان يمكنه الوصول إليه بدون ذلك !

وأيضاً فإن كان غرضه ذلك، فإنه من رجال الدنيا قد كان لا محالة، ولم يكن من رجال الآخرة، ومَنْ هو من رجال الدنيا ومحبِّيها كيف تسمح نفسه بترك الخلافة ليعطيها غيره! وهلاً واطأ سعداً ابن عمّه وطلحة صديقه، على أن يولّياه الخلافة، وقد قال عمر: كونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن، لاسيما وطلحة منحرفُ عن عليّ(علیه السلام) وعثمان، لأنهما ابنَا عبد ،مناف وكذلك سعد وعبد الرحمن منحرفان عنهما لذلك أيضاً، ولما اختصّا به من صِهر رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) . والصحيح أن عبد الرحمن أخرج نفسَه منها ، لأنه استضعف نفسه عن تحمّل أثقالها وكُلّفها، وكرِه أن يدخل فيها، فيقصّر عن عمر، ويراه الناس بعين النقص، ولا يستطيع أن يقوم بما كان عمر يقوم به، وكان عبد الرحمن غنيًّا موسراً كثير المال، وشيخاً قد ذهب عنه ترفُ الشّباب، فنفض عنها يده، استغناء عنها، وكراهيَة لخلل يدخل عليه إن وليَها .

وأما ميلُه عن عليِّ(علیه السلام) ، فقد كان منه بعضُ ذلك، والطباع لا تملَك، والحسد مستقرِّ في نفوس البشر، لاسيما إذا انضاف إليه ما يقتصي الازدياد في الأمور.

فأما تنزيه المرتضَى لعليِّ(علیه السلام) عن الفُكاهة والدّعابة فحقّ، ولقد كان(علیه السلام) على قَدَم عظيمة من الوقار والجدّ والسّمت (1)العظيم، والهدى الرّصين (2)، ولكنّه كان طَلق الوجهِ، سمْحَ الأخلاق، وعمر كان يريد مثلَه من ذوي الفظاظة والخشونة، لأنّ كلّ واحد يستحسن طبعَ نفسِه، ولا يستحسن طبع مَنْ يباينه في الخُلق والطبع. وأنا أعجب من لفظة عمر - إن كان قالها : «إنّ فيه بَطالة» ، وحاش الله أن يوصفَ عليُّ(علیه السلام) بذلك ! وإنّما يوصَف به أهل الدُّعابة واللهو، وما أظنّ عمر - إن شاء الله - قالها وأظنّها زيدت في كلامه، وإنّ الكلمة ها هنا لدالَّةُ على انحراف شدید.

فأما قول أمير المؤمنين(علیه السلام) للعبّاس ولغيره ذهب الأمر منّا، إنّ عبد الرحمن لا يخالِف : ابن عمّه فليس معناه أن عمر قصد ذلك، وإنما معناه أن قصد ذلك، وإنما معناه أنّ من سوء الاتفاق أن وقع الأمر هكذا، ويوشك ألاَّ يصل إلينا حيث قد اتفّق فيه هذه النكتة

فأما قول قاضي القضاة :إذا تقدّمت للفاعل على حالة تقتضي حسنَ الظَّنِّ، وجب أن يحمَل فعله على ما يطابقها ،واعتراض المرتضَى عليه بقوله : إن ذلك إنما يجب إذا كان الخير معلوماً منه فيما تقدّم لا مظنوناً، ومتَى كان مظنوناً ثم وجدنا له فعلاً يظنّ به القبيح لم يكن لنا أن نقضِيَ

ص: 368


1) السَّمت :الطريق، وهيئة أهل الخير، القاموس المحيط ،مادة (سمت).

2) أرصن الشيء: أثبته وأحكمه. لسان العرب، مادة (رصن).

بالسابق على اللاحق، فنقول في جوابه: إنّ الإنسان إذا كان مشهوراً بالصّلاح والخير، وتكرّر منه فعل ذلك مدّة طويلة، ثم رأيناه قد وقعت منه حركة تنافِي ذلك فيما بعد، فإنه يجب علينا أن نحمِلها على ما يطابق أحواله الأولى ما وجدنا لها محمَلاً ، لأن أحواله الأولى كثيرة، وهذه حالة مفردة شادّة، وإلحاق القليل بالكثير وحمله عليه أولى من نقض الكثير بالقليل، وقد كانت احوال عمر مدّة عشرين سنة منتظمة في إصلاح الرعيّة ومناصحة الدّين، وهذا معلوم منه ضرورة - أعني ظاهَر أحواله - فإذا وقعت عنه حالةُ واحدة، وهي قصة الشُّورى فيها شبهةُ ما، وجب أن نتأوّلها ما وجدنا لها في الخير محملاً ، ونلحقها بتلك الأحوال الكثيرة التي تكرّرت منه في الأزمان الطويلة، ولا يجوز أن نضع اليدَ عليها ونقول: هذه لا غيرها، ونقبّحها، ونهجّنها ونسدّ أبواب هذه التأويلات عنها، ثم نحمل أفعاله الكثيرة المتقدمة كلَّها عليها في التقبيح والتهجين، فهذا خلاف الواجب، فقد بان صحّة ما ذكره قاضي القضاة، لأنه لا حاجة بنَا في القضاء بالسّابق على اللاحق، إلا أن يكون خيرُه معلوماً، وعلِم علماً يقيناً، فإنّ الظنّ الغالب كافٍ في هذا المقام على الوجه الذي ذكرناه .

وأما قوله عن عمر : إنّه بلغ ما في نفسه من إيصال الأمر إلى مَنْ أراد، وصرفه عمّن أراد، من غير شناعة بالصريح، وحتى لا يقال فيه ما قيل في أبي بكر، أو يراجع في نصّه كما روجع أبو بكر، ولأي حالٍ يتعسّف أبعد الطريقين وغرضه يتمّ من أقربهما، فقد قلنا في جوابه ما كفى، وبيّنا أنّ عمر لو أراد ما ذُكر لصرَف الأمر عمّن يريد صرفَه عنه، ونصّ على مَنْ يريد إيصال الأمر إليه، ولم يبال بأحدٍ، فقد عرف النّاس كلُّهم كيف كانت هيبته وسطوته وطاعة الرعيّة له، حتی أنّ المسلمين أطاعوه أعظَم من طاعتهم رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) في حياته، ونفوذ أمره فيهم أعظم من نفوذ أمره (علیه السلام)، فمن الذي كان يجسُر أو يقدر أن يراجعَه في نصّه، أو يرادّه، أو يلفظ عنده أو غائباً عنه بكلمة تنافي مراده! وأيّ شيء ضَرّ أبا بكر من مراجعة طلحة له حيث نصّ، ليقول المرتضى : خاف عمر من أن يراجَع كما روجع أبو بكر ، وقد سمع الناس ما قال أبو بكر لطلحة لما راجعه، فإنّه أخزاه وجبّهه ، حتى دخل في الأرض، وقام مِن عنده وهو مِنْ لا يهتدي إلى الطريق! وأين كانت هيبةُ الناس لأبي بكر من هيبتهم لعمر! فلقد كان أبو بكر وهو خليفة يهابُه وهو رعيَّة وسُوقة بين يديه ،وكلُّ أفاضل الصحابة كان يهابه، وهو بعدُ لم يل الخلافة، حتى أن الشّيعة تقول : إنَّ النبيَّ (صلی الله علیه وآله و سلم) يهابه ، فَمن كانت هذه حاله وهو را رعيَّة وسُوقة، فكيف يكونُ وهو خليفة، قد ملك مشارق الأرض ومغاربها ، وخُطب له على مائة ألف منبر ! ولو أراد عمر أن يخطُب بالخلافة لأبي هريرة لما خالفه أحدٌ من الناس أبداً ! فيكف يقول المرتضى : لماذا يتعسّف عمر أبعدَ الطريقين، وغرضه يتمّ من أقربهما !

والعجَب منه كيف يقول : خاف شناعةَ التصريح فمن لم يخَف عندهم شناعة المخالفة

ص: 369

الرسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) وهو يعلم أن المسلمين يعلمون أنه مخالف الله تعالى ولرسوله قائم في مقام لم يجعله الله تعالى له، كيف يخاف شناعة التصريح باسم عثمان لو كانيريد استخلافه! إن هذا لأعجب من العَجَب !

الطعن العاشر : قولهم : إنه أبدع في الدين ما لا يجوز كالتّراويح، وما عمله في الخراج الذي وضعه على السّواد، وفي ترتيب الجِزية، وكلُّ ذلك مخالف للقرآن والسّنّة، لأنه تعالى جَعَل الغنيمة للغانمين، والخمس منها لأهل الخُمُس، فخالف القرآن، وكذلك السنّة تنطق في الجزية أنّ على كل حالم ديناراً، فخالف في ذلك السنة، وأن الجماعة لا تكون إلا في المكتوبات فخالف السنة .

أجاب قاضي القضاة عن ذلك، بأنّ قيام شهر رمضان قد رُوِي عن النبي(صلی الله علیه وآله و سلم) أنه عمله ثم تركه، وإذا علم أن الترك ليس بنسخ ، صار سنَّة يجوز أن يعمل بها، وإذا كان ما لأجله ترَكه من التنبيه بذلك على أنه ليس بفرض، ومن تخفيف التعبدّ ليس بقائم في فعل عمر لم يمتنع أن يدوم عليه، وإذا كان فيه الدعاء إلى الصلاة والتشدد في حفظ القرآن، فما الذي يمنع أن يعمل به !

فأمّا أمر الخراج، فأصله السنّة، لأنّ النبي(صلی الله علیه وآله و سلم) لا بيَّن أنّ لمن يتولى الأمر ضرباً من الاختيار في الغنيمة، ولذلك فصَّل بين الرجال والأموال، فجعل الاختيار في الرجال إلى الإمام في القتل والاسترقاق والمفاداة، وفصل بينه وبين المال، وإن كان الجمع غنيمة .

ثم ذكر أنّ الغنيمة لم تُضَف إلى الغانمين إضافة الملك، وإنما المراد أنّ لهم في ذلك من الاختصاص والحقّ ما ليس لغيرهم، فإذا عرض ما يقتضي تقديم أمرِ آخر ،جاز للإمام ا يفعله، ورأى عمر في أمر السّواد الاحتياط للإسلام بأن يقرّ في أيديهم على الخراج الذي وضَعه، وإن كان في النَّاس مَنْ يقول : فعل ذلك برضا الغانمين، وبأن عوّض. ويدلّ على صحّة فعله إجماع الأمة ورضاهم به ،ولمَّا أفضى الأمرُ إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) تركه على جملته، ولم يغيّره .

ثم ذكر في الجزية أن طريقها الاجتهاد فإن الخبر المرويّ في هذا الباب ليس بمقطوع به ، ولا معناه معلوم .

اعترض المرتضَى هذا الجواب ،فقال : أمَّا التراويح فلا شبهة أنها بدعة، وقد رُوي عن النبي(صلی الله علیه وآله و سلم) أنه قال : «أيها الناس، إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة جماعة بدعة وصلاة الضحى بدعة ،ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان في النافلة، ولا تصلّوا صلاة

ص: 370

الضحى فإنّ قليلاً من سنّة خير من كثير في بدعة، ألا وإنّ كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها في النار» (1).

وقد روي : أنّ عمرَ خرج في شهر رمضان ليلاً، فرأى المصابيح في المسجد، فقال: ما

هذا ؟ فقيل له : إن الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوّع ،فقال : بِدعة، فنعمت البِدعة! فاعترف كما ترَى بأنّها بدعة، وقد شهد الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) أنّ كل بدعة ضلالة.

وقد رُوي أنّ أمير المؤمنين(علی السلام) لمّا اجتمعوا إليه بالكوفة، فسألوه أن ينصب لهم إماماً يصلِّي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرّفهم أنّ ذلك خلاف السنة، فتركوه واجتمعوا لأنفسهم، وقدموا بعضهم، فبعث إليهم ابنه الحسن(علیه السلام) ، فدخل عليهم المسجد، ومعه الدّرّة، فلمّا رأوه تبادروا الأبواب، وصاحوا :واعمراه !

قال : فأَما ادّعاؤه أنّ قيام شهر رمضان كان في أيَّام الرسول(صلی الله علیه وآله و سلم) ، ثم تركه فمغالطة منه، لأنَّا لا ننكر قيام شهر رمضان بالنّوافل على سبيل الانفراد وإنَّما أنكرنا الاجتماع على ذلك، فإن ادَّعى أنّ الرسول (صلی الله علیه وآله و سلم)صلاّها جماعة في أيامه، فإنّها مكابَرة ما أقدم عليها أحدُ، ولو كان كذلك ما قال عمر : إنَّها بدعة، وإن أراد غير ذلك فهو ممَّا لا ينفعه، لأنّ الذي أنكرناه غيره. قال : والذي ذكره من أنّ فيه التشدّد في حفظ القرآن، والمحافظة على الصَّلاة، ليس بشيء، لأنّ الله تعالى ورسوله بذلك أعلم، ولو كان كما قاله لكانا يسنّان هذه الصلاة، ويأمران بها، وليس لنا أن نبدع في الدِّين بما نظنّ أنّ فيه مصلحة لأنه لا خلاف في أّنّ ذلك لا يسوغ ولا يحلُّ .

وأمَّا أمر الخراج فهو خلاف لنصِّ القرآن، لأن الله تعالى جعل الغنيمة في وجوهِ ،مخصوصة، فمن خالفها فقد أبدع ،وليس للإمام ولا لغيره أن يجتهد فيخالف النصّ، فبطل قوله : إنه رأى من الاحتياط للإسلام أن يقرّ في أيديهم على الخراج، لأنّ خلاف النصّ لا يكون من الاحتياط ورسوله أعلم بالاحتياط منه ، ولو كان لرضا الغانمين عن ذلك أو عِوَضهم منه على ما ادّعاه صاحب الكتاب لوجب أن يظهر ذلك ويُعْلَم، وما عرفنا في ذلك شيئاً، ولا نقله الناقلون .

وأما ما ادّعاه من الإجماع، فمعوَّله فيه على ترك النكير، وقد تقدم الكلام عليه وتكرّر ، وكذلك قد تقدّم الكلام في وجه إقرار أمير المؤمنين(علیه السلام) ما أقره من أحكام القوم، وما ادّعاه أنَّ خبر الجزية غير معلوم و لا مقطوع به، فهبْ أنَّ ذلك مسلّم على ما فيه، أليس من مذهبه أنَّ أخبار الآحاد في الشريعة يعمل بها، وإن لم تكن معلومة! فهلاً عمل عمرُ بالخبر المرويّ في هذا الباب، وعدل عن اجتهاده الذي أدّاه إلى مخالفة الله تعالى !

ص: 371


1) لم اعثر علیه .

أما كونُ صلاة التَّراويح بدعة وإطلاق عمر عليها هذا اللفظ، فإنَّ لفظة البدعة يطلق على مفهومين :

أحدهما ما خولف به الكتاب والسُّنَّة، مثل صوم يوم النحر وأيام التشريق، فإنه وإن كان صوماً إلاّ أنه منهيُّ عنه .

والثاني لم يرد فيه نصُّ، بل سُكِت عنه، ففعله المسلمون بعد وفاة رسول الله (صلی الله علیه وآله و سلم). فإن أريد بكون صلاة التراويح بدعة المفهوم الأوّل، فلا نسلّم أنَّها بدعة بهذا التفسير، والخبر الذي رواه المرتضى غير معروف، ولا يمكنه أن يسنده إلى كتاب من كتب المحدثين، ولو قَدَر على ذلك لأسنده، ولعلّه من أخبار أصحابه من محدِّثي الإمامية والإخباريين منهم، والألفاظ التي في آخر الحديث، هي: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة، في النار »مروية مشهورة، ولكن على البدعة بالمفهوم الأول. وقول عمر :« إنها لَبِدعة» خير مرويُّ مشهور، ولكن أراد به البدعة بالتفسير الثاني، والخبر الذي رواهُ أمير المؤمنين(علیه السلام) ينفرد هو وطائفته بنقله، والمحدّثون لا يعرفون ذلك ولا يثبتونه .

فأمّا إنكاره أن تكون نافلة شهر رمضان صلّاها رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم) في جماعة، فإنكارُ لست أرتضيه لمثله، فإنّ كتب المحدّثين مشحونة برواية ذلك، وقد ذكره أحمد بن حنبل في مسنده غير مرّة بعدة طرق، ورواه الفقهاء، ذكره الطّحاوي في كتاب اختلاف الفقهاء (1)، وذكره أبو الطيب الطبريّ الشافعيّ في شرحه كتاب المزنيّ، وقد ذكره المتأخرون أيضاً.

ذكره الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين وقال : إنّ رسول الله (صلى الله علیه وآله و سلم) صلی التراويح في شهر رمضان في جماعة ليلتين أو ثلاثاً، ثم ترك، وقال : أخاف أن يوجب عليكم .

وأجاز لي الشيخُ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزيّ، بروايته عن شيخه محمد بن ناصر، عن شيوخه ورجاله أنَّ رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) صلَّى نافلة شهر رمضان في جماعة يأتمّون به لیالی ثم لم يخرج وقام في بيته، وصلَّى الناس فرادَى بقيّة أيامه وأيام أبي بكر وصَدْراً من خلافة عمر، فخرج عمر ليلة ،فرأى الناس أوزاعاً يصلّون في المسجد، فقال : لو جمعتهم على إمام! فأمر أبي بن كعب أن يصلِّي كعب فصلِّي بهم تلك الليلة ثم خرج، فرآهم مجتمعين إلى أبيّ بن کعب یصلَّی بهم ،فقال : بدعة ونعمت البدعة! أما إنها لفضلُ، والتي ينامون عنها أفضل .

قال : يعني قيام آخر الليل، فإنه أفضل من قيام أوله .

وأما قول قاضي القضاة إنّ في التراويح فائدة وهي التشدّد في حفظ القرآن والدعاء إلى

ص: 372


1) ذكره في «كشف الظنون» (321) باسم اختلاف العلماء وهو للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي المتوفى سنة ثلاثمائة وإحدى وعشرين.

الصلاة، واعتراض المرتضى إياه بقوله : الله أعلم بالمصلحة ، وليس لنا أن نسنّ ما لم يسنّه الله ورسوله، فإنه يقال له : أليس يجوز للإنسان أن يخترع من النَّوافل صلواتِ مخصوصة بكيفيَّات مخصوصة، وأعدادِ ركعات مخصوصة، ولا يكون ذلك مكروهاً ولا حراماً، نحو أن يصلّي ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة ،ويقرأ في كلّ ركعة منها سورةً من قصار المفصّل! أفيقول أحدُ : إنّ هذا بدعة، لأنه لم يرد فيه نصّ ولا سبق إليه المسلمون من قبل! فإن قال : هذا يسوغ، فإنه داخل تحت عموم ما ورد فضل صلاة النافلة، قيل له: والتراويح جائزة ومسنونة لأنها داخلة تحت عموم ما ورَد في فضل صلاة الجماعة.

فإن قال : كيف تكون نافلة ،وهي جماعة! قيل له قد رأينا كثيراً من النَّوافل تصلّى جماعة، نحو صلاة العيد، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الجنازة، إذا لم يتعيّن للمصلّي بأن يقوم غيره مقامة فيها .

فأمّا ما أشار إليه قاضي القضاة من التشدّد في حفظ القرآن، فهو أنّه روي أنّ ان عمر أُتِيَ

بسارق، فأمر بقطعه ، فقال : لم أعلم أنّ الله أوجب القطع في السَّرِقة، ولو علمت لم أسرق، فأحلفه على ذلك. وسنّ التراويح ليتكرّر سماع القرآن على أسماع المسلمين.

وقد اختلف الفقهاء أيّما أفضل في نافلة شهر رمضان؟ الاجتماع عليها أم صلاتها فرادى؟ فقال قوم: الجماعة أفضل لأنّ الاجتماع بركة وله فضيلة، ولولا فضيلته لم يسنّ في المكتوبة، ولأنه ربّما يكسل في الانفراد، وينشط عند مشاهدة الجمع .

وقال قوم: الانفراد أفضل، لأنّها سنّة ليست من الشعائر كالعيدين فإلحاقها بتحيّة المسجد أولَى، وقد جرت العادة بأن يدخل المسجد جمع معاً ، ثم لم يصلّوا التحية بالجماعة.

وروى القائلون بهذا القول عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) لو أنه قال : «فضل صلاة المتطوّع في بيته على صلاة المتطوّع في المسجد، كفضل صلاة المكتوبة في المسجد على صلاته في البيت» (1).

وقد روي عنه(علیه السلام) : إنّ أفضل النوافل ركعتان يصلّيهما المسلم في زاوية بيته لا يعلمهما إلا الله وحده .

قالوا : ولأنها إذا صلّيت فرادَى كانت الصلاة أبعَد من الرّياء والتصنّع. وبالجملة الاختلاف في أيّهما أفضل، فأما تحريم الصلاة ولزوم الإثم بفعلها، فممّا لم يذهب إليه إلا الإمامية، وقد روى الرواة أن عليَّا(علیه السلام) خرج ليلاً في شهر رمضان في خلافة عثمان عفان، فرأی المصابيح في المساجد ،والمسلمون يصلّون التراويح، فقال: نور الله قبر عمر قبر عمر كما نوّر مساجدنا ! والشِّيعة يروون هذا الخبر، ولكن بحمل اللفظ على معنى آخر .

ص: 373


1) ذكره الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء في كتاب : أسرار الصلاة، باب: السابع.

فأما حديث الخراج فقد ذكره أربابُ علم الخراج والكتّاب، وذكره الفقهاء أيضاً في كتبهم، وذكره أرباب السيرة وأصحاب التاريخ. قال قدامة بن جعفر في كتاب الخراج: اختلف الفقهاء في أرض العَنْوة، فقال بعضهم: تخمّس، ثم تقسّم أربعة أخماس على الّذين افتتحُوها، وقال بعضهم : ذلك إلى الإمام، إن رأى أن يجعلَها غنيمة ليخمّسها ويقسم الباقي كما فعل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) بخيبر فذلك إليه، وإن رأى أن يجعلَها فيئاً فلا يخمّسها ولا يقسمها، بل تكون موقوفةً على سائر المسلمين، كما فعل عمر بأرض السّوَاد وأرض مصر وغيرهما، ممّا افتتحه عَنْوة، فعلى الوجهين جميعاً، فيهما قدوة ومتّبع ، لأن النبيّ(صلی الله علیه وآله و سلم) قسّم خيبر وصيّرها غنيمة، وأشار الزُّبير بن العوام على عُمر في مصر وبلاد الشام بمثل ذلك ، وهو مذهب مالك بن أنس، وجعل عمر السواد وغيره فيئاً موقوفاً على المسلمين، مَنْ كان منهم حاضراً في وقته، ومَنْ أتى بعده ولم يقسمه، وهو رأي رآه علي بن أبي طالب(علیه السلام) ومعاذ بن جبل، وأشارا عليه، وبه كان يأخذ سُفيان بن سعيد، وذلك رأي مَن جعل الخيار إلى الإمام في تصيير أرض العَنوة غنيمة أو فيئاً راجعاً للمسلمين في كل سنة .

قال قدامة رحمه الله : فأما ما فعله رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) من تصييره خَيْبر غنيمة، فإنّه(علیه السلام) اتّبع فيه آيةً محكمة، وهي قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُمسَهُ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ(1)فهذه آية الغنيمة وهي لأهلها دون الناس، وبها عمل رسول الله(صلی الله علیه وآله و سلم) ، وأمّا الآية التي عمل بها عمر وذهب إليها علي(علیه السلام) ومعاذ بن جبل فيما أشارا عليه ،به فهي قوله تعالى: مَا فَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى والْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِإلى قوله : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِين وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ و الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ بهِ وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ (2). انتهت الفاظ قدامة

وروى محمد بن جرير الطبري في تاريخه، أنّ عمر هَمّ أن يقسّم أرضَ السَّواد بين الغانمين، كما يقسم الغنائم ، ثم قال : فكيف بالآجام ومناقع المياه والغياض والهضب المرتفع والغائط المنخفض؟ وكيف يصنع هؤلاء بالماء وقسمته بينهم؟ أخاف أن يضرب بعضهم وجوهَ بعض! ثم جمع الغانمين فقال لهم ذلك، فرضُوا أن تقرّ الأرض حبيساً لهم يولونها مَنْ تراضوا عليه، ثم يقتسمون غلّتها كلّ عام، فقال عمر: اللهمّ إنّي قد اجتهدت، وقد قضيت ما عليّ، اللهم إني أشهدُك عليهم فاشهد.

فأما قول قاضي القضاة: إنّ النبي(صلی الله علیه وآله و سلم) جعل لمتوليّ أمر الأمة ضرباً من الاختيار في الغنيمة، وما ذكره من الفرق بين الرّجال والأموال وما ذكره من أن الغانمين ليسوا مالكِي

ص: 374


1) سورة الأنفال، الآية: 41 .

2) سورة الحشر، الآيات 7 ، 10 .

الغنيمة ملكاً صريحاً، وإنما هو ضرب من الاختصاص، فكلّه جيّد لا كلام عليه، ولم يعترضه المرتضى بشيء ولا تعرّض له.

وأما قول قاضي القضاة : إنه رُوِيَ أنّ عمر فعل ما فعل برضا الغانمين، وبأن عوّضهم عنه ، وإنكار المرتضى وقوعَ ذلك، وقوله : إنه لم ينقل ، فقد بيَّنا أن الطبريّ ذكر في تاريخه أنّ عمر فعل ذلك برضا الغانمين ،وبعد أن جمعهم وقال لهم ما استصلحه، وما أدّى إليه اجتهاده، فرضُوا به، وأشهدوا الله عليهم والحاضرين.

وقد ذكر كثير من الفقهاء أن عمر عوّض الغانمين عن أرض السّواد، ووقفه على مصالح المسلمين، وهذا ما رواه الشافعيّ، وذكر حديث التعويض أبو الحسن عليّ بن حبيب الماورديّ في كتاب الحاوي في اِلفقه، وذكره أيضاً أبو الطّيب طاهر بن عبد الله الطبري في شرح المزني .

وأما تعلّق قاضي القضاة بإجماع المسلمين، فتعلَقّ صحيح، وطعن المرتضى فيه بالتقيّة وموافقة الإمام المعصوم عَلَى الباطل طعنُ يسمُج التعلّق به، وللبحث فيه سبح طويل .

وأمّا أمر الجزية، فطريقه الاجتهاد ، وللإمام أن يرى فيه رأيه بمشاورة الصلحاء والفقهاء، وقد قال قاضي القضاة: إنّ الخبر الذي ذكره المرتضى، وذكر أنه مرفوع ، وهو «عَلَى كلّ حالم دینار»(1)خبر مظنون غير معلوم، واعتراض المرتضى عليه بقوله :هب أنّ الأمر كذلك،الستم تزعمون أن خبر الواحد معمول عليه في الفروع ! فهلاً عملِ عمر بهذا الخبر، وإن كان واحد - اعتراض ليس بلازم، لأنه إذا كان خبر واحد عندنا لم يلزم أن يكون أيضاً خبر عند عمر، بل من الجائز أن يكون مفتعلاً بعد وفاة عمر، ولو كان قد ثبت أن عمر سمع الخبر من واحد أو اثنين من الصحابة، ثم لم يعمل به، كان الاعتراض لازماً ، ولكنّ ذلك ممّا لم يثبت .

تم الجزء الثاني عشر من شرح نهج البلاغة

ويليه الجزء الثالث عشر

ص: 375


1) أخرج نحوه الترمذي في كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة البقر (623)، والنسائي في كتاب : الزكاة، باب: زكاة البقر (2450)، وأبو داود في كتاب: الزكاة، باب: في زكاة السائمة (1576) .

ص: 376

الفهرس

الموضوع / الصفحه

الجزء الحادي عشر

196 - ومن كلام له(علیه السلام) في وصف الدنيا والآخرة ...5

197 - ومن كلام له (علیه السلام)كان كثيراً ما ينادي به أصحابه ...6

198 - ومن كلام له(علیه السلام) كلم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة، وقد عتبا عليه من ترك مشورتهما والاستعانة في الأمور بهما ...7

طلحة والزبير وبعض من أخبارهما ...9

199 - ومن كلام له (علیه السلام)وقد سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام أيَّام حربهم بصفين ...16

200 - ومن كلام له(علیه السلام) في بعض أيام صِفِّين وقد رأى الحسن ابنه يتسرّع إلى الحرب ...18

201 - ومن كلام له(علیه السلام) قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة ...20

202 - ومن كلام له (علیه السلام)بالبصرة، وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي، وهو من أصحابه يعوده، فلما رأى سعة داره قال ...22

أخبار بعض العارفين والزهاد ...24

203 - ومن كلام له(علیه السلام) وقد سأله سائل عن أحاديث البدع، وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر، فقال (علیه السلام)...26

النفاق لم يمت بموت الرسول (علیه السلام)...28

204 - ومن خطبة له(علیه السلام) في عجيب صنعة الكون ...34

205 - ومن خطبة له(علیه السلام) في استنهاض أصحابه إلى الجهاد ...40

206 - ومن خطبة له(علیه السلام) في تمجيد الله وتعظيمه ...41

207 ومن خطبة له(علیه السلام) في صفة الرسول والعلماء ...42

كلام الجاحظ حول المطاعن عن النسب ...45

كلام حول العارفين والأولياء ...48

208 - ومن دعاء كان يدعو به(علیه السلام) كثيراً ...56

209 - ومن خطبة له(علیه السلام) الي خطبها بصفين ...59

أخبار في العدل والإنصاف ...65

ص: 377

210 - ومن كلام له(علیه السلام) رد على رجل أكثر الثناء عليه ...67

211 - ومن كلام له(علیه اسلام)يشكو فيه أمر قريش ...73

212 - ومن كلام له(علیه السلام) في ذكر السائرين إلى البصرة الحربه(علیه السلام)...80

213 - ومن كلام له لما مر بطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل...81

214 - ومن كلام له(علیه السلام) يصف أحوال تقي عارف بالله ...83

215 - ومن كلام (علیه السلام) يحث فيه أصحابه على الجهاد...93

216 - ومن كلام له(علیه السلام) قاله بعد تلاوته : الهَنكُمُ التَكَاثُرُ * حَتَّى زُرتُمُ الْمَقَابِرَ ) ...95

بعض الأشعار والحكايات في وصف القبور والموتى...102

الموت وأحوال الموتى في شعر الشعراء...110

217 - ومن كلام له(علیه السلام) : قاله عند تلاوته : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ) ...114

في مقامات العارفين ...117

218 - ومن كلام له(علیه السلام) قاله عند تلاوته : ياتها الإنسَنُ مَا غَركَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ...161

219 - ومن كلام له(علیه السلام) في التبرؤ من الظلم ...165

220 ومن دعاء له(علیه السلام) كان يدعو به ...171

221 - ومن خطبة له(علیه السلام) في التنفر من الدنيا ...172

ذم الدنيا في شعر بعض الشعراء ...174

222 - ومن دعاء له(علیه السلام) يطلب فيه إلى الرشاد ...179

أدعية أبي حيان التوحيدي ...180

الجزء الثاني عشر

223 - ومن كلام له(علیه السلام) يريد به بعض أصحابه ...189

سيرة عمر بن الخطاب ...191

خطب لعمر بن الخطاب فيها بعض الطوال ...258

عمر وعمرو بن معديكرب ...264

كلمات عمر الغريبة وتفسيرها ...266

أحاديث واردة في فضل عمر ...300

في إسلام عمر ...304

ما ورد في تاريخ موت عمر ...306

عشرة طعون في عمر والرد عليها ...312

ص: 378