ghaemiyeh.com
شِرْح نهج البلاغة ابن أبي الحديد
تحقيق محمد إبراهيم
محرر الرقمي: هاجر الصداقت
شِرْح نهج البلاغة ابن أبي الحَديد
تحقيق محمد إبراهيم
المجلّد الثّالِث 5-6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حقُوقه الطّبع محفوظَة الطبعة الاولی
1428ه- - 2007م
دَار الكِتاب العربي
بغداد - شارع المثاني
تلفون : 4154561 - 7901419375
بيروت: لبنان
خليوي : 3/946661 - 3/115425 - تلفاكس : 0776408
http://www.Dar-ALamira.com email: info@dar-alamira.com
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على خير خلقه محمد وآله أجمعين .
الأصل: مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ، وَالله لا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ .
قال الرضيّ رحمه الله : يَعْني بالنُّطْفَةِ ماء النَّهْر ، وهِي أفصَح كناية عنِ أفْصَح كناية عن الماءِ وإِنْ كَانَ كَثِيراً جَمَّا ، وَقَدْ أشرنا إلى ذلِكَ فيما تَقَدَّمَ عِنْدَ مُضِي ما أشْبَهَه .
الشرح: هذا الخبرُ من الأخبار التي تكاد تكون متواترة؛ لاشتهاره ونَقل الناس كافَّة له، وهو من معجزاته وأخباره المفصّلة عن الغيوب.
والأخبار على قسمين: أحدُهما: الأخبار المجمّلة، ولا إعجازَ فيها : نحو أن يقولُ الرجلُ لأصحابه : إنكم سَتُنْصَرون على هذه الفئة التي تلقونها غداً ، فإن نُصِر جعل ذلك حُجّةٌ له عند أصحابه وسمّاها معجزة، وإن لم يُنصَر ، قال لهم : تغيَّرتْ نِيَاتُكم وشَكَكْتُمْ في قولي ، فمنَعكم الله نصره، ونحو ذلك من القول : ولأنه قد جرت العادةُ أن الملوكَ والرؤساء يَعِدُون أصحابَهم بالظَّفر والنّصر، ويُمَتُّونهم الدُّوَل، فلا يدلُّ وقوعُ ما يقع من ذلك على إخبار عن غَيْب يتضمَّن إعجازاً .
والقسم الثاني : في الأخبار المفصّلة عن الغيوب، مثل هذا الخبر فإنه لا يحتمل التلبيس، لتقييده بالعَدد المعين في أصحابه وفي الخوارج، ووقوع الأمر بعد الحرب بموجبه من غير زيادة ولا نقصان، وذلك أمرٌ إلهيُّ عرفه من جهة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وعَرّفه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من جهة الله
سبحانه . والقُوة البشرية تقصرُ عن إدراك مثل هذا ، ولقد كان له من هذا الباب ما لم يكُن لغيره .
وبمقتضى ما شاهد الناس من معجزاته وأحواله المنافية لقُوَى البشر ، غَلا فيه مَنْ غلا ، حتى نُسِب إلى أنّ الجوهرَ الإلهي حلّ في بدنه، كما قالت النصارى في عيسى (علیه السّلام) ، وقد أخبره النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بذلك ، فقال : «يهلِك فيك رجلان: محبّ ،غالٍ ومُبغض قالٍ» (1). وقال له تارة
1) الذي ورد في مصنف ابن أبي شيبة (473/6) : «اللهم العن كل مبغض لنا قال، وكل محب لنا غال» وكذلك في السنة لابن أبي عاصم (477/2 ) .
أخرى: «والّذي نفسي بيده، لولا أنّي أشفِق أن يقول طوائفُ من أمّتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم ، لقلت اليوم فيك مقالاً، لا تمرّ بملأٍ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة » (1).
وأوّل مَنْ جَهَرَ بالخُلُوِّ في أيامه عبدُالله بن سَبأ، قام إليه وهو يخطب، فقال له : أنتَ أنتَ ! وجعل يكرِّرها ، فقال له : وَيْلَك مَنْ أنا؟ فقال: أنت الله، فأمر بأخذِه وأخذِ قومٍ كانوا معه على رأيه .
وروى أبو العباس أحمد بن عبیدالله، عن عَمّارِ الثقفيِّ، عن عليّ بن محمد بن سليمان النوفليّ، عن أبيه وعن غيره من مشيخته، أنّ عليَّا قال : يهلِك فيّ رجلان : محبُّ مُظرٍ يَضَعُنِي غير موضعي ويمدحُني بما ليس فيَّ، ومبغض مفتَرٍ يرميني بما أنا منه بريء».
وقال أبو العباس : وهذا تأويل الحديث المرويّ عن النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيه، وهو قوله : «إن فيكَ مثَلاَ من عيسى ابن مريم، أحبّته النصارى فرفعته فوق قَدره، وأبغضته اليهودُ حَتَّى بَهَتَتْ أُمَّه» (2).
قال أبو العباس : وقد كان عليّ عَثَرَ على قوم خرجوا من محبَّتِه باستحواذ الشيطان عليهم، إلى أنْ كَفَرُوا بربِّهم، وجحدوا ما جاء به نبيِّهم، واتخذوه رَبَّا ،وإلهاً، وقالوا : أنت خالِقُنا ورازقنا ، فاستتابَهُم وتَوَعَدَهم، فأقاموا على قولهم، فحفر لهم حفراً دخّن عليهم فيها طمعاً في رجوعهم، فأبَوا، فحرقهم بالنار، وقال:
ألاَ تَرَوْنَ قَدْ حَفرْتُ حَفَراً*** إني إذا رأيتُ أمراً مُنكَرًا
وقدتُ نارِي وَدَعَوْتُ قَدْبَرَا
وروي أصحابُنا في كتب المقالات أنّه لما حرّقهم صاحوا إليه: الآن ظهر لنا ظهوراً بيّناً أنك أنت الإله؟ لأنّ ابنَ عمك الذي أرسلته قال: «لا يعذِّب بالنار إلا ربُّ النار» .
وروى أبو العباس، عن محمد بن سليمان بن حبيب المِصيِصيّ عن عليّ بن محمد النوفليّ، عن أبيه ومشيخته، أنّ عليَّا مَرَّ بهم وهم يأكلون في شهر رمضان نهاراً ، فقال : أَسَفْرٌ أم مرضى؟ قالوا: ولا واحدة منهما، قال: أفمِنْ أهل الكتاب أنتم؟ قالوا: لا، قال: فما بالُ الأكل في شهر رمضان نهاراً! قالوا : أنت أنت! لم يزيدوه على ذلك، ففهِم مُرادَهم، فنزل عن فَرَسِه،
فألصق خَدّه بالتراب، ثم قال: وَيْلَكم ! إنّما أنا عبدٌ من عبيدالله، فاتقوا الله وارجعوا إلى الإسلام، فأبَوا ، فدعاهم مراراً ، فأقاموا على أمرهم، فنهض عنهم، ثم قال : شُدُّوهم وثاقاً ، وعليَّ بالفَعلة (1)والنار والحطب، ثم أمَرَ بحفر بئرين، فحفرتا، فجعل إحداهما سَرَباً (2)، والأخرى مكشوفة، وألقى الحَطَب في المكشوفة، وفَتح بينهما فَتْحاً، وألقى النار في الحطب، فدحن عليهم، وجعل يهتف بهم، ويناشدهم: ارجعوا إلى الإسلام، فأبوا ، فأمر بالحطب ،والنار وألقى عليهم، فاحترقوا فقال الشاعر:
لِتَرْمِ بيَ المَنِيَّةُ حَيْثُ شَاءَتْ*** إِذا لَمْ تَرْمِ بي في الْحُفْرَتَيْنِ
إذا ما حُشّتَا حطباً بنار*** فذاك الموتُ نَقْداً غَيْرَ دَيْنِ
قال : فلم يبرح واقفاً عليهم حتى صاروا حُمَماً (3).
قال أبو العباس : ثم إن جماعة من أصحاب عليّ، منهم عبدالله بن عباس، شَفَعوا في الله بن سَبَاً خاصَّة، وقالوا يا أميرالمؤمنين، إنه قد تابَ فاعفُ عنه، فأطلقه بعد أن اشترط عليه ألّا يقيمَ بالكوفة، فقال: أين أذهب؟ قال: المدائن، فنَفاه إلى المدائن، فلما قُتِل أميرُالمؤمنين(علیه السّلام) أظهر مقالته، وصارت له طائفة وفِرّقة يصدّقونه ويتّبعونه . وقال لما بلغه قتلُ عليّ : والله لو جئتمونا بدماغه في سبعين صُرّة، لعلمنا أنّه لم يمت، ولا يموت حتى يسوق العربَ بعصاه . فلما بلغ ابنَ عباس ذلك ، قال : لو علمنا أنه يرجع لما تزوّجنا نساءه، ولا قَسَمْنَا ميراثه .
قال أصحاب المقالات واجتمع إلى عبد الله بن سبأ بالمدائن جماعة على هذا القول، منهم عبدالله بن صَبرة الهمداني، وعبدالله بن عَمرو بن حرب الكِندي، وآخرون غيرهما، وتفاقم أمُرهم .
وشاع بين الناس قولهم، وصار لهم دعوة يدعُون إليها، وشبهة يرجعون إليها، وهي ما ظهر وشاع بين الناس من إخباره بالمغيَّبات حالاً بعد حال فقالوا : إن ذلك لا يمكن أن يكون إلّا الله تعالى، أو ممّنْ حَلَّتْ ذاتُ الإله في جَسَدِه ، ولَعَمْرِي إنه لا يقدر على ذلك إلا بإقدار الله تعالى إياه عليه، ولكن لا يلزم من إقداره إياه عليه أن يكون هوَ الإله، أو تكون ذات الإله حالّة فيه. وتعلق بعضُهم بشبهة ضعيفة، نحو قول عمر - وقد فقأ علي عينَ إنسان ألحدَ في الحرم - : ما أقول في يدِ الله، فقات عيناً في حرم الله! ونحو قول عليّ: والله ما قلعتُ بابَ خيبر بقوّة
جسدانية، بل بقوة إلهية ونحو قول رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «لا إله إلا الله وحدَه، صدق وعدَه، ونصر عبدَه وهزم الأحزَاب وحده»، والذي هزم الأحزاب هو عليّ بن أبي طالب، لأنّه قتل بارعَهم وفارسَهم عَمْراً لما اقتحموا الخندق، فأصبحوا صبيحة تلك الليلة هاربين مفلولين، من غير حربٍ سوى قتل فارسهم. وقد أوماً بعض شعراء الإمامية إلى هذه المقالة، فجعلها من فضائله، وذلك قوله :
إذا كُنتُم ممن يرومُ لحاقَهُ*** فهلا برزتمْ نَحْو عَمْرٍو وَمَرْحَبِ
وكيف فررتم يوم أخدٍ وَخَيْبَرٍ*** ويوم حُنَيْنِ مَهْرَباً بَعْدَ مَهْرَبٍ
ألم تشهدوا يوم الإخاء وبيعة*** الغدير وكلّ حُضَّرٌ غير غُيَّبِ
فكَيْفَ غدا صِنْرُ النُّفيلي وَيْحَهُ*** أميراً على صنو النبيِّ المرجبِ !
وَكَيْفَ عَلاً من لا يطاثوب أحمدٍ*** عَلَى مَنْ عَلاً مِنْ أَحمَدٍ فوق مِنْكَبِ
إمامُ هُدًى رُدّت له الشمسُ جَهْرَةً*** فصَلَّى أداءً عَصْرَهُ بَعْدَ مَغرب
وَمِنْ قَبْلِهِ أفْنَى سليمانُ خَيْلَهُ*** رَجَاءٌ فلم يبلغ بها نَيْل مَطْلَبِ
يجِلُّ عن الأَنْهَامِ كُنْهُ صفاتِهِ*** ويرجع عنها الذِّهْنُ رَجْعَةَ اخْيَبِ
فليس بيان القول عنه بكاشف*** غطاءً، ولا فصلُ الخطاب بمعْرِبِ
وحقَّ لقبرٍ ضَمَّ أعْضَاءَ حَيْدَرٍ*** وغُودِرَ مِنْهُ في صَفِيحٍ مُغَيَّبٍ
يَكُونُ شَرَاهُ سِرَّ قُدْسِ مُمَنَّعِ*** وَحَصْبَاؤُهُ مِنْ نُورِ وَحْيِ مُحَجَبِ
وتغشاه من نور الإله غمامة*** تُغَاديه من قُدْسِ الْجَلالِ بِصَيِّبِ
وتنقضُّ أسرابُ النُّجُومِ عَوَاكِفاً*** عَلَى حُجْرَتَيْهِ كَوكَبٌ بَعْدَ كَوْكَبِ
فلولاكَ لم ينجُ ابن مَتَّى ولا خَبَا*** سَعِير لإبراهيم بَعدَ تَلَهُبِ
ولا فلق البحرَ ابنُ عمران بالْعَصَا*** ولا فَرَّتِ الأحزابُ عَنْ أهْلِ يَثْرِبِ
وَلا قُبِلَتْ من عابدِ صَلَوَاتُهُ*** وَلا غَفَرَ الرَّحْمَنُ زَلَةَ مُذنِبِ
ولم يغلُ فيك المسلمون جَهَالةً*** ولكن لسرّ في عُلاكَ مُغَيَّبِ
وقالوا أيضاً : إنَّ بَكْرِيًّا وشيعيا تجادلا ، واحتكما إلى بعض أهل الذّمّة، ممن لا هوى له مع أحد الرجلين في التفضيل، فأنشدهما :
كَم بَيْنَ مَنْ شَكٍّ في عَقِيدَتِهِ*** وَبَيْنَ مَنْ قِيل إِنَّهُ الله !
فأما الإخبار عن الغيوب، فلمِعترض أن يقول : قد يقع الإخبار عن الغيوب من طريق
النُّجُوم، فإنّ المنجّمين قد اتفقوا على أن شكلاً من أشكال الطالع إذا وقع لمولود، اقتضى أن يكون صاحبُهُ متمكناً من الإخبار عن الغيوب.
وقد يقع الإخبار عن الغيوب من الكُمّان، كما يحكى عن سَطِيح، وشِقّ، وسَواد بن قارب وغيرهم .
وقد يقع الإخبار عن الغيوب لأصحاب زَجْر الطير والبهائم، كما يحكى عن بني لِهب في الجاهلية .
وقد يقع الإخبار عن الغيوب للقَافَة (1)، كما يحكى عن بني مُذلِج .
وقد يخبر أرباب النّيرنجات (2)وأرباب السّحر والطّلّسمات بالمغيبات. وقد يقع الإخبار عن الغيوب لأرباب النفسَ الناطقة القوية الصافية، التي تتصل مادتها الرُّوحانية على ما تقوله الفلاسفة. وقد يقع الإخبار عن الغيوب بطريق المنامات الصادقة، على ما رآه أكثرُ الناس، وقد وردت الشريعة نصُّا به.
وقد يقع الإخبار عن الغيوب بأمر صناعيّ يشبه الطبيعيّ، كما رأيناه عن أبي البيان وابنه .
وقد يقع الإخبار عن الغيوب بواسطة إعلام ذلك الغيب إنساناً آخرَ، لنفسه بنفس ذلك المخبر اتحاد أو كالاتحاد، وذلك كما يحكي أبو البَرَكات بن ملكا الطبيب في كتاب «المعتبره» (3)قال : والمرأة العمياء التي رأيناها ببغداد، وتكرَّرت مشاهدتُنا لها منذ مدة مديدة، قدرها ما يقارب ثلاثين سنة، وهي على ذلك إلى الآن تعرض عليها الخبايا، فتدلّ عليها بأنواعها وأشكالها ومقاديرها، وأعدادها، غريبها ومألوفها، دقيقها وجليلها، تجيب على أثر السؤال من غير توقّف ولا استعانة بشيء من الأشياء، إلا أنّها كانت تلتمس أن ترى الذي يُسأل عنه أبوها ، أو يسمعه في بعض الأوقات دون بعض وعند قوم دون قوم، ، فيتصوّر في أمرها أنّ الذي تقوله بإشارة من أبيها، وكان الذي تقولُه يبلغ من الكثرة إلى ما يزيد على عشرين کلمة، إذا قيل بصريح الكلام الذي هو الطريق الأخصر، وإنما كان أبُوها يقول إذا رأى ما يراه من أشياء كثيرة مختلفة الأنواع والأشكال في مدة واحدة كلمة واحدة، وأقصاه كلمتان، وهي التي يكرّرها في كلُ قول ومع كلّ ما يسمع ويرى: سلها وسلها تخبرك، أو قولي له، أو قولي یا صغيرة .
قال أبو البركات : ولقد عاندته يوماً وحاققته في ألّا يتكلم البتّة، وأريتُه عدّة أشياء، فقال
لفظة واحدة، فقلت له : الشَّرْط أملك فاغتاظ واحتدّ طيشُه عن أن يملِكَ نفسَه، فباح بخبيئته، قال : ومثلُك يظنّ أنّني أشرت إلى هذا كله بهذه اللفظة! فاسمع الآن، ثم التفت إليها، وأخذ يشير بإصبعه إلى شيء، وهو يقول تلك الكلمة، وهي تقول: هذا كذا وهذا كذا، على الاتصال من غير توقّف، وهو يقول تلك الكلمة، لا زيادةَ عليها، وهي لفظة واحدة، بلَخنِ واحد، وهيئة واحدة، حتى ضَجِرْنا، واشتدّ تعجّبنا ، ورأينا أنّ هذه الإشارة لو كانتْ تتضمّن هذه الأشياء لكانت أعجبَ من كل ما تقوله العمياء.
قال أبو البركات: ومن عجيب ما شاهدناه من أمرها، أن أبَاها كان يغلط في شيء يعتقده على خلاف ما هو به، فتخبرُ هي عنه على معتقَد أبيها كأن نفسَها هي نفسُه .
قال أبو البركات: ورأيناها تقول ما لا يعلمُه أبوها من خبيثة في الخبيئة التي اطّلع عليها أبوها ، فكانت تطّلع ما قَد علمه أبوها، وعلى ما لم يعلمه أبوها، وهذا أعجب وأعجب.
قال أبو البركات: وحكاياتها أكثرُ من أن تُعَدّ، وعند كلّ أحد من الناس من حديثها ما ليس عند الآخر، لأنها كانت تقول من ذلك على الاتصال لشخص شخص جواباً بحسب السؤال .
قال : وما زلت أقولُ: إنَّ من يأتي بعدنا لا يصدّق ما رأيناه منها، فإن قلت لي : أريد أن تفيدني العلّة في معرفة المغيّبات هذه؟ قلت : لك العلة التي تصلح في جواب «لِمَ» في نسبة المحمول إلى الموضوع تكون الحدّ الأوسط في القياس وهذه، فالعلّة الفاعلة الموجبة لذلك فيها هي نفسها بقوتها وخاصتها، فما الذي أقوله في هذا! وهل لي أن أجعل ما ليس بعلة عِلّة !
واعلم أنّا لا ننكر أن يكونَ في نوع البشر أشخاصُ يخبرون عن الغيوب، ولكن كلّ ذلك مستند إلى البارىء سبحانه بإقداره وتمكينه وتهيئة أسبابه، فإن كان المخير عن الغيوب ممّن يدّعي النبوة لم يَجُز أن يكون ذلك إلا بإذن الله سبحانه وتمكينه، وأن يريد به تعالی استدلالَ المكلّفين على صدق مُدّعِي النبوة، لأنه لو كان كاذباً لكان يجوز أن يمكن الله تعالى الجنّ من تعليمه ذلك إضلالاً للمكلّفين، وكذلك لا يجوز أن يمكِّن سبحانه الكاذب في ادعاء النبوّة من الإخبار عن الغيب بطريق السحر وتسخير الكواكب، والطِّلسمات ولا بالزَّجْر ولا بالقيافة ولا بغير ذلك من الطرق المذكورة، لما فيه من استفساد البشر وإغوائهم .
وأما إذا لم يكن المخبر عن الغيوب مدّعياً للنبوة، نُظر في حاله، فإن كان ذلك من الصالحين الأتقياء نُسِب ذلك إلى أنه كرامة أظهرها الله تعالى على يدهِ، إبانةً له وتمييزاً من غيره كما في حق عليِّ(علیه السّلام) ، وإن لم يكن كذلك أمكَن أن يكون ساحراً أو كاهناً، أو نحو ذلك .
وبالجملة فصاحب هذه الخاصيّة أفضلُ وأشرف ممن لا تكون فيه، من حيث اختصاصُه بها، فإن كان للإنسان العاري منها مزية أخرى يختص بها توازيها، أو تزيد عليها، فنرجع إلى التّميِيل والترجيح بينهما ، وإلا فالمختصّ بهذه الخاصيَّة أرجَحُ وأعظم من الخالي منها على جميع الأحوال.
الأصل: كَلاً وَاللَّهُ ، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاء، وكُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قطِعَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ نُصُوصاً سلايين.
الشرح: نَجَم : ظهر وطلع.
قرارات النّساء : كناية لطيفة عن الأرحام.
ومن الكنايات اللّطيفة الجارية هذا المجرى قوله تعالى : «أَو لَمَسْتُمُ النِّسَاء» (1)یعني الجماع .
وقوله تعالى : «إِنَّ هَذَا أَخى لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَعْجَةُ » (2).
وقوله : «شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم» (3)، يعني الفروج .
وقول رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) للحادي : «يا أَنْجَشَة، رِفقاً بالقوارير» (4). يعني النساء.
والكناية إبدال لفظة - يُستحَى من ذكرها ، أو يستهجن ذِكْرُها ، أو يُتطيَّر بها ، أو يقتضي الحال رَفْضَها لأمر من الأمور - بلفظة ليس فيها ذلك المانع ، ومن هذا الباب قول امرىء القيس :
سَمَوْتُ إِلَيْهَا بَعْدَما نَامِ أَهْلُها*** سُمُوَّ حَبابِ الْمَاءِ حَالاً عَلَى حَالِ
فَقَالَتْ لَكَ الْوَيْلاتُ إنّكَ فَاضِحِي*** أَلَسْتَ تَرَى السُّمَّارَ والنَّاسَ أَحْوَالِي
فَلَمّا تَنَازَعْنَا الْحَدِيثَ وَأَسْمَحَتْ*** هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَمَارِيخَ مَيَّالِ
فَصِرْنَا إلَى الْحُسْنَى وَرَقَّ كَلامُنَا*** وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةٌ أَي إِذْلالِ
قوله : «فصرنا إلى الحُسنى» كناية عن الرَّفَث ومقدّمات الجماع.
وقال ابنُ قتيبة : تمازحَ معاوية والأحنف، فما رُنيَ مازحان أوْقَرَ منهما ، قال معاوية : يا أبا بَحر، ما الشيء الملفّفُ في البِجاد (1)؟ فقال : السَّخينة (2)يا أميرالمؤمنين، وإنما كَنّي معاوية عَنْ رَمْي بني تميم بالنَّهَم وحُبِّ الأكل، بقول القائل :
إذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ نمِيمٍ*** فَسَرَّكَ أَنْ يَعيش فَجِئْ بِزَادِ
بخبز أو بتمر أو يسّمن*** أو الشيء المُلَفَّفِ فِي الْبِجَادِ
تَرَاهُ يَطُوفُ في الآفاقِ حِرصاً*** ليأكل رأسَ لُقْمَانَ بنِ عادِ
وأراد الشاعر وَطبَ اللبن، فقال الأحنف: «هو السَّخينة يا أميرالمؤمنين، لأنّ قريشاً كانت تعيَّر بأكلِ السَّخينة قبل الإسلام، لأنّ أكثرَ زمانها كان زمان قَحْطٍ، والسَّخينة ما يُسخّن بالنار ويُذَرّ عليه دقيق، وغلب ذلك على قريش حتى سميت سَخِينة، قال حسّان:
زَعَمَتْ سَخِينَةُ أنْ سَتَغْلِبُ رَبَّهَا*** وَلَيْغِلِبَن مغالب الغَلّابِ
فعبّر كل واحد من معاوية والأحنف عمّا أراده بلفظ غير مستهجَن ولا مستقبح، وعلم كُلُّ واحد منهما مرادَ صاحبه، ولم يفهم الحاضرون ما دار بينهما، وهذا من باب التعريض، وهو قريب من الكناية .
1) البِجاد: كساء مخطط من أكسية العرب، وقيل: إذا غزل الصوف بسرة ونسج بالصِّيصة فهو بجاد والملفف في البجاد: وظبُ اللبن يُلَفَّ فيه ليحمى ويدرك، وكانت تميم تُعَيَّرُ به لسان العرب مادة (بجد).
2) السَّخينة : دقيق يلقى على ماء أو لبن فيطبخ ثم يؤكل بتمر أو يحسى، وقيل: طعام يتخذ من دقيق : وسمن، وقيل دقيق وتمر أغلظ من الحساء وأرق من العصيدة، وكانت قريش تُكثر من أكلها فَعُيِّرت بها حتى سُمُّوا سخينة. لسان العرب، مادة (سَخَنَ).
ومن كنايات الكتاب العزيز أيضاً قوله تعالى: «وَأَوْرَنَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَم تَطَمُوهَا » (1)، كنى بذلك عن مناكح النساء.
ومنها قوله تعالى : «نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » (2)، كنى عن مواقع النسل بمواقع الحَرْث .
ومما ورد في الأخبار النبويّة في هذا الباب الخبر الذي فيه : إن المرأة قالت للرجل القاعد
منها مَقعد القابلة : لا يحلّ لك أن تفضُ الخاتَم إلّا بحقّه، فقام عنها وتركها (3).
وقد أخذ الصاحب بن عباد هذه اللفظة، فقال لأبي العلاء الأسدي الأصفهانيّ، وقد دخل بزوجةٍ له بكر :
قَلْبِي عَلَى الْجَمْرَةِ يَا أَبَا الْعَلاَ*** فَهَلْ فَتَحْتَ المَوْضِعَ المُقْفَلاً!
وَهَلْ فَضَضْتَ الكِيسَ عَنْ خَتْمِهِ*** وَهَلْ كَحَلْتَ النَّاظِرَ الأَحْوَلا!
وأنشد الفرزدق في سليمان بن عبد الملك شعراً قال فيه :
دَفَعْنَ إليّ لم يُطْمَثْنَ قَبْلِي*** وَهُنَّ أَصَحُ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ
فَبِثْنَ بِجانبي مُصَرعَاتٍ*** وَبتّ أفضُ أغْلاق الخِتَام
فاستنكر سليمان ذلك - وكان غيوراً جداً - وقال له : قد أقررت بالزني، فلأجْلِدَنَّك ، فقال : يا أميرالمؤمنين إني ،شاعر، وإن الله يقول في الشعراء: «وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ » (4)، وقد قلتُ ما لم أفعل، قال سليمان: نجوت بها .
ومن الأخبار النَّبوية أيضاً، قولُه(علیه السّلام) في الشهادة على الزنى، «حتى تشاهد المِيلَ في المُكْحُلة» (5).
ومنها قوله(علیه السّلام) للمرأة التي استفتته في الذي استخلت له ولم يستطع جماعها : لاَ ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَهُ ويَذُوقَ مُسَيْلَتَكِ» .
ومنها قول المرأة التي شكت إلى عائشة زوجها أنه يُطمح بصرَه إلى غيرها : إني عزمتُ على أن أقيّد الجمل»، إشارة إلى رَبطه.
ومنها قول عمر : يا رسول الله هلكت، قال: وَمَا أهْلَكك؟ قال: حوّلتُ رَحْلي، فقال(علیه السّلام) : «أقبل وأدبر واتَّق الحيضة» (1) ، ففهم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ما أراد . (1).
ورأى عبد الله بن سلام على إنسان ثوباً معصفراً ، فقال : لو أن ثوبك في تَنُّور أهلك لكان خيراً لك، فذهب الرجلُ فأحرق ثوبه في تَنُّور أهله، وظنّ أنه أراد الظاهر، ولم يرد ابن سلاَم ذلك، وإنما أراد: لو صُرِف ثمنُه في دقيق يخبزه في تنُّور أهله .
ومن ذلك قوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إياكُم وخَضْراءَ الدِّمَن» (2)والدِّمَن : جمع دِمنة، وهي المزبلة فيها البَعْر تُنبت نباتاً ،أخضر، وكنى بذلك عن المرأة الحسناء في منبت السوء.
ومن ذلك قولهم : «إياك وعَقِيلة الملح»، لأن الدرّة تكون في الماء الملح، ومرادهم النهي عن المرأة الحسناء وأهلها أهل سوء ومن ذلك قولهم : «لبس له جلد النَّمِرِ»، و«قلب له ظهرَ المِجَنّ».
وقال أبو نواس :
لا أذُودُ الطَّيْرَ عَنْ شَجَرٍ*** قَدْ بَلَوْتُ المُرَّ من ثَمَرِة
وقد فسر قومٌ قوله تعالى: «وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا »(3)فقالوا : أراد : وإذا عَبّروا عن اللفظ بما يقبح ذكرهُ كَنَوْا عنه، فسمي التعبير عن الشيء مُروراً به، وسمّي الكناية عنه كرماً .
ومن ذلك أنّ بنتَ أعرابية صرخت، وقالت: لسعتني العقرب، فقالت أمها : أين؟ فقالت : موضع لا يضع الرَّاقي فيه أنفه، كنت بذلك عن السوءة.
ومن هذا الباب قوله سبحانه : «ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَتُهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُ» (4)، قال كثير من المفسرين : هو كناية عن الغائط، لأنه يكون من الطعام، فكني عنه، إذا هو منه مسبِّب، كما كنوا عن السَّمَة بالنار فقالوا : ما نار تلك؟ أي ما سمتها؟ ومنه قول الشاعر:
قد وَسَمُوا آبَالَهُمْ بالنارِ*** والنَّارُ قَدْ تَشفي من الأوار
وهذا من أبيات المعاني ، يقول : هم أهل عزّ ومَنَعة، فسقى راعيهم إبلَهم بالسّمات التي على الإبل، وعلم المزاحمون له في الماء أنه لا طاقة لهم بمنازعتهم عليه لعزّهم، فكانت
السِّمات سبباً لسقيها. والأوار: العطش، فكنى سبحانه بقوله: « يأكُلَانِ الطَّعَامُ» عن إتيان الغائط، لما كان أكل الطعام سبباً له، كما كَنّى الشاعر بالنّار عن السِّمَة، لمّا كانت النار سبب السِّمَة.
ومن هذا الباب قوله سبحانه: « وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ » (1)كَنّى بالإفضاء عن الجماع. و من الأحاديث النّبويّة: «مَنْ كَشَف قناعَ امرأة ، وَجَبَ عليه مهرُها» (2)، كنَّى عن الدخول بها بكشف القناع، لأنه يكشف في تلك الحالة غالباً.
والعرب تقول في الكناية عن العِفّة: ما وضعت مومسة عنده قناعاً.
و من حديث عائشة: كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) یصيب من رؤوس نسائه وهو صائم(3)، كنت بذلك عن القبلة.
و من ذلك قوله تعالى: «هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ» (4)، كَنَى بذلك عن الجماع والمخالطة.
وقال النابغة الجعديّ:
إذا ما الضَّجيعُ ثَنى عِظفَها*** تثنث فَكَانَتْ عليهِ لباسا
وقد كنُت العرب عن المرأة بالريحان، وبالسَّرْحة، قال ابن الرقيات :
لا أشَمُ الرَّيْحَانَ إِلا بِعَيْنِي*** كَرَماً إِنَّمَا تَشَمُّ الْكِلابُ
أي أقنع من النساء بالنَّظَر، ولا أرتكب منهنَ محرماً .
وقال حُميد بن ثور الهلاليّ :
أبَى الله إلّا أنّ سَرْحَةَ مَالِكٍ*** عَلَى كُلِّ أَفْنَانِ الْعِضَاءِ تَرُوقُ
فيا طيبَ رَيَّاها وَبَرْدَ ظِلالِهَا*** إذا حان مِنْ حامي النَّهَارِ وَديقُ
وَ هَل أنا إن علّلت نفسي بِسَرْحَةٍ*** من السِّرح مَسْدُودٌ عَلَيَّ طريق!
1) سورة النساء، الآية : 21 .
2) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (14264) ، والدارقطني (232).
3) أخرجه البخاري في كتاب: الصوم، باب القبلة للصائم (1928)، ومسلم في كتاب الصيام :باب القبلة في الصوم ليست محرمة (1106) ، والترمذي في كتاب: الصوم، باب : القبلة للصائم (729)، وأبو داود في كتاب: الصوم، باب : القبلة للصائم (2383) .
4) سورة البقرة، الآية : 187 .
والسَّرحة : الشجرة.
وقال أعرابيّ، وكَنَى عن امرأتين :
أيا نخلتي أَوْدٍ إذا كَانَ فِيكُما*** جَنِّى فَانْظُرا مَنْ تُطْعِمَان جَنَاكُمَا !
ويا نخلتي أَوْدٍ إِذَا هَبَّتِ الصَّبا*** وأمسيتُ مقروراً ذكرتُ ذَرَاكُمَا
ومن الأخبار النبويّة قولُه(علیه السّلام) : «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقينَّ ماءه زرع غيره» (1)، أراد النّهي عن نكاح الحبائل، لأنّه إذا وطئها فقد سَقَى ماءه زرع غيره .
وقال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لخوَّات بن جُبَيرٍ : «مَا فَعَلَ جَمَلُك يَا خَوّات؟ يمازحه، فقال: قيدَه الإسلام يا رسول الله (2)، لأن خَوَّاتاً في الجاهلية كان يغشَى البيوت، ويقول : شَرَدَ جملي وأنا أطلبه، وإنّما يطلب النساء والخلوة بهنّ، وخوّات هذا هو صاحب ذات النِّحيَين .
ومن كنايات القرآن العزيز قوله تعالى: «وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ» (3)، كنَى بذلك عن الزنى، لأنّ الرجل يكون في تلك الحال بين يدي المرأة ورجليها .
ومنه في الحديث: «إذا قعد الرجُل بين شُعَبها الأربع ) (4).
وقد فسّر قوم قولَه تعالى : «وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ » (5)، عن النميمة، والعرب تقولُ لمن ينمّ ويَشي: يُوقِد بين النّاس الحَطَب الرَّطب .
وقال الشاعر يذكر امرأة:
مِنَ من البِيضِ لم تُضطد على خَيْل لامةٍ*** ولم تمشِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَطَب الرَطبِ
أي لم تؤخذ على أمر تلام عليه، ولم تُفسد بين الحيّ بالكذب والنميمة.
1) أخرجه أبو داود في كتاب: النکاح، باب: وطء السبايا (2158) ، والبيهقي في «سننه» (15366 ) ، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (36884) ، والطبراني في «الكبير» (4482) .
2) أخرجه الطبراني في «الكبير» (4146) ، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (401/9) .
3) سورة الممتحنة، الآية : 12 .
4) أخرجه البخاري في كتاب الغسل باب : إذا التقى الختانان (291)، ومسلم في كتاب الحيض باب: نسخ الماء من الماء (348) ، والنسائي في كتاب: الطهارة، باب: وجوب الغسل إذا التقى الختانان (191) ، وأبو داود في كتاب: الطهارة، باب : الإكسال (216).
5) سورة المسد، الآية : 4 .
ومما ورد نظير ممازحة معاوية والأحنف من التعريضات أنّ أبا غسّان المِسْمعي مر بأبي غِفَارِ السَّدوسيّ، فقال : يا غِفَار، ما فعل الدِّرهمان؟ فقال لحقا بالدرهم، أراد بالدرهمين قول الأخطل :
فإِنْ تَبْخَلُ سَدُوسُ بدِرْهَمَيْهَا*** فإنّ الرِّيحَ طَيِّبَةٌ قَبُولُ
وأراد الآخر قول بشّار :
وَفِي جَحْدَرٍ لوم، وفي آلِ مِسْمَع*** صَلاح ولكن دِرْهَمُ القومِ كَوْكَبُ
وكان محمد بن عِقال المجاشعي عند يزيد بن مَزيد الشيبانيّ، وعنده سيوفٌ تُعرَض عليه، فدفع سيفاً منها إلى يد محمد، فقال : كيف ترى هذا السيف؟ فقال : نحن أبصر بالتّمر منا بالسيوف، أراد يزيد قول جرير في الفرزدق:
بِسَيْفِ أَبي رَغْوَانَ سَيْفِ مُجَاشِعٍ*** ضربتُ ولم تضرب بسيف ابنِ ظَالِمِ
ضربت به عند الإمام فأُرْعِشَتْ*** يَدَاك، وقالوا : مُحْدَثٌ غيرُ صارِمِ
وأراد محمد قول مَروان بن أبي حفصة :
لقد أفسدت أسنان بكر بن وائل*** من التّمر ما لو أصلحَتْه لَمَارَهَا
وقال محمد بن عمير بن عطاء التميميّ لشريك النميريّ، وعلى يده صَفر : ليس في الجوارح أحبّ إليّ من البازي، فقال شريك : إذا كان يصيد القطا، أراد محمد قول جرير :
أنا البازي المطِلُّ عَلَى نُمَيْرٍ*** أتيحَ من السَّمَاءِ لها انْصِبَابًا
وأراد شريك قول الطِرمّاح :
تميمٌ بطرق اللؤم أهْدَى من القطا*** وَلَوْ سَلَكَتْ سُبل المكارم ضَلَّتِ
ودخل عبدالله بن ثعلبة المحاربيّ على عبدالملك بن يزيد الهلاليّ، وهو يومئذ والي أرميِنَية ، فقال له : ماذا لقينا الليلة من شيوخ محارب ! منعونا النَّوْم بضوضائهم ولَغَطهم، فقال غبدالله بن ثعلبة : إنّهم - أصلح الله الأمير - أضلّوا الليلة برُقعاً، فكانوا يطلبونه .
أراد عبدالملك قولَ الشاعر :
تکشُّ بلا شيء شيوخُ محاربٍ*** وما خلتُها كانَتْ تَرِيش ولا تَبْرِي
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت*** فدلَّ عليها صوتُها حيّةَ البحر
وأراد عبدالله قول القائل :
لِكُلِّ هلاليّ من اللوم يُرقُعٌ*** ولا بن يزيد يُرقُع وجِلاَلُ
وروى أبو بكر بن دريد في كتاب «الأمالي» (1)عن أبي حاتم ، عن العُتبيّ، عن أبيه، أنه عُرِض على معاوية فرس، وعنده عبدالرحمن بن الحكَم بن أبي العاص ، فقال : كيف ترى هذا الفرس يا أبا مطرّف؟ قال : أراه أجشَّ هزيماً ، قال معاوية : أجل، لكنه لا يَطّلع على الكنائن ، قال : يا أمير المؤمنين، ما استوجبتُ منك هذا الجواب كلّه ، قال : قد عوّضتك عنه عشرين ألفاً .
قال أبو بكر بن دريد : أراد عبدالرحمن التعريض بمعاوية بما قاله النجاشي في أيام صفّين :
وَنَجِّي ابن حربٍ سابحٌ ذُو عُلالَةٍ*** أجشُ هَزيم والرماح دواني
إذا قلت أطراف الرماح تَنُوشُهُ*** مَرَته له الشاقان والقَدَمَانِ
فلم يحتمل معاوية منه هذا المُزاح، وقال : لكنه لا يطَّلع على الكنائن، لأن عبدالرحمن کان يتَّهم بنساء إخوته .
وروی ابن دريد أيضاً في كتاب «الأمالي» عن أبي حاتم النَّخَعي، أنّ النجاشيّ دخل على معاوية، فقال له : كيف قلت : «ونجَّى ابنَ حربٍ سابحٌ» ، وقد علمت أنّ الخيل لا تجري بمثلي فراراً؟ قال: إنما عنيت عتبة أخاك - وعُتبة جالس - فلم يقل معاوية ولا عُتبة شيئاً .
وورد إلى البصرة غلام من بني فَقْعس، كان يجلس في المربد فينشد شعراً، ويجمع الناس إليه، فذُكر ذلك للفرزدق، فقال: لأسوءنّه ، فجاء إليه، فسمِع شيئاً من شعره، فحَسده عليه، فقال : ممّن أنت؟ قال: من بني فَقْعس، قال: كيف تركت القنان؟ فقال : مقابل لَصَافِ، فقال: يا ،غلام هل أنجدَتْ أمّك؟ قال : بل أنجد أبي .
قال أبو العباس المبرّد : أراد الفرزدق قول الشاعر :
ضَمِنَ القَنَانُ لِفَقْعَسٍ سَوْءاتها*** إن القَنَانَ لِفَقْعَسِ لَمُعَمَّرُ
والقَنَان جبل في بلاد فقعس، يريد أن هذا الجبل يستر سَوْءاتهم، وأراد الغلام قول أبي المهوِّش :
1) الأمالي : كتاب في اللغة لمحمد بن أبي بكر اللغوي المتوفى (321ه-)، لخصه جلال الدين السيوطي وسماه (قطف الوريد). «كشف الظنون» (162/1).
وإذا يَسُرُّك من تميم خَلَّةٌ*** فلمايَسُوءُ مِنْ تميم أكثرُ
أكلت أسيدٌ والهُجَيْمُ ودارِمٌ*** أَيْرَ الحِمار وخُصيتيه الْعَنْبَرُ
قد كنتُ أحسِبُهم أسودَ خَفِيَّةٍ*** فَإِذا لَصَافِ يبيض فيه الحُمَّرُ
ولَصَاف: جبل في بلاد بني تميم، وأراد بقوله : «هل أنجَدت أمّك»، أي إن كانت أنجَدتُ فقد أصابها أبي، فخرجت تشبهني فقال : بل أنجد أبي ، يريد بل أبي أصاب أمّك فوجدها بغيًّا.
قال عبدالله بن سوّار : كنا على مائدة إسحاق بن عيسى بن عليّ الهاشميّ، فأتينا بحريرة قد عُمِلت بالسُّكَّر والسمن والدقيق، فقال معدّ بن غَيْلان العبديّ: يا حبذا السخينة! ما أكلت- أيها الأمير - سَخينةً الذ من هذه، فقال: إلّا أنها تولّد الرياح في الجوف كثيراً، فقال: إنّ المعايب لا تذكر على الخِوان .
أراد مَعدّ ما كانت العرب تعيّر به قريشاً في الجاهلية من أكل السَّخينة، وقد قدّمنا ذكره ، وأراد إسحاق بن عيسى ما يعيّر به عبد القيس من الفَسو، قال الشاعر :
وَعَبْد الْقَيْس مُصْفَةٌ لحاها*** كانّ فساءها قِطَعُ الضّبابِ
وكان سنان بن أحمس النُّميريّ يساير الأمير عمر بن هبيرة الفزاريّ، وهو على بغلة له، فتقدمت البغلة على فرس الأمير ، فقال : اغضُض بغلتك يا سنان فقال : أيها الأمير، إنها مكتوبة، فضحك الأمير .
أراد عمر بن هبيرة قول جرير :
فَغُضَّ الطَّرْف إنّك مِنْ نُميرٍ*** فلا كَعْباً بلغتَ وَلاَ كِلابَا
وأراد سنان قولَ ابن دارة:
لا تأمَنَنْ فَزَارِيَّا خَلَوْتَ بِهِ*** عَلَى فَلُوصِكَ واكتبها بأشيَارِ
وكانت فَزارة تعيّر بإتيان الإبل، ولذلك قال الفرزدق يهجو عمر بن هبيرة ،هذا ويخاطب یزید بن عبدالملك .
أميرالمؤمنين وأنت بَرُّ*** تقيُّ لَسْتَ بالجَشِعِ الحريص
أ أطعمتَ العِرَاقَ وَرَافِدَيْه*** فزاريا أحَديد القميصِ
تَفَنَّقَ بالعراق أبو المثنّى*** وَعَلَّم قومه أكل الخَبیصِ
ولم يك قبلّها راعِي مخاضٍ*** لتأمنه على وَرِكَيْ قَلُوص (1)
الرافدان: دِجلة والفُرات وأحذ يد القيمصِ، كناية عن السرقة والخيانة وتفتّق: تنعَم وسمن، وجارية فتُق أي سمينة .
والبيت الآخر كناية عن إتيان الإبل الذي كانوا يُعيّرون به.
وروى أبو عُبيدة عن عبدالله بن عبدالأعلى قال: كنا نتغدّى مع الأمير عمر بن هبيرة.
فأحضر طباخُه جامَ خَبِيص، فكرهه للبيت المذكور السابق، إلا أن جلّده أدركه ، فقال : ضعه يا غلام، قاتل الله الفرزدق، لقد جعلني أرى الخبيص فأستحي منه ! .
قال المبرد: وقد يسير البيت في واحد، ويرى أثره عليه أبداً، كقول أبي العتاهية في عبدالله بن معن بن زائدة :
فمل اتَصْنَعُ بالسَّيْفِ*** إذا لم تَكُ قَتَّالا
فَكَسُرْ حِلية السَّيْفِ*** وصُغُهالك خلخالا
وكان عبدالله بن معن إذا تقلد السَّيفَ ورأى مَنْ يرمُقه بان أثرُه عليه، فظهر الخجل منه .
ومثل ذلك ما يحكى أنّ جريراً قال : والله لقد قلتُ في بني تَغْلِب بيتاً لو طُعِنُوا بعدَها بالرماح في أستاههم ما حَكُوها ، وهو :
والتَّغْلَبي إذا تَنَحْنَحَ لِلْقِرَى*** حَكَ اسْتَه وتمثل الأمثالا
وحكى أبو عبيدة عن يونس قال: قال عبدالملك بن مَروان يوماً، وعنده رجال: هل تعلمون أهلَ بيت قيل فيهم شعر ، وَدُّوا لو أنهم افْتَدَوْا منه بأموالهم؟ فقال أسماءُ بن خارجة الفَزارِي: نحن يا أميرالمؤمنين قال : وما هو ؟ قال: قول الحارث بن ظالم المرّيّ:
وَما قومي بثعلبة بن سعدٍ*** ولا بفَزَارِةَ الشُّعْرِ الرقابا
فوالله يا أميرَالمؤمنين، إني لألبَس العمامة الصفيقة، فيخيَّل لي أن شعر قفايّ قد بدا منها .
1) الوَرِك : ما فوق .الفخذ لسان العرب مادة (ورك) . والقلوص من الإبل : الشابة، والباقية علء السير، أو أول ما يُركب من إنائها إلى أن تثني، ثم هي ناقى، والناقة الطويلة القوائم خاص بالإناث، لسان العرب مادة (قلص).
وقال هانيء بن قبيصة النميريّ: نحن يا أميرالمؤمنين قال وما هو ؟ قال قول جرير :
فَغُضَ الطَّرْفَ إنّكَ مِنْ نُمَيْرٍ*** فَلا كَعْباً بَلَغْتَ وَلَا كِلابا
كان النميري يا أميرالمؤمنين إذا قيل له : ممّن أنت؟ قال: من نُمير، فصار يقول بعد هذا البيت: «من عامر بن صعصعة » .
ومثل ذلك ما يروى أنَّ النجاشي لما هَجَا بني العَجْلان بقوله:
إذا الله عَادَى أهل لؤمٍ وقلّةِ*** فعادى بني العَجلان رهطَ ابن مُقْبِل
قُبَيْلَةٌ لا يغدِرُون بذِمَّة*** ولا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خردل
وَلاَ يَرِدُون الماءَ إِلا عَشِيَّةٌ*** إذا صدّر الوُرَّاد عن كلِّ منهلِ
وَما سُمِّي العَجْلان إلا لقوله : خذ القَعْبَ (1)فاحلُب أيها العبد واعْجَلِ فكان الرّجُل منهم إذا سُئل عن نسبه يقول : من بني كعب وترك أن يقول: «عَجلانيّ».
وكان عبدالملك بن عمير القاضي، يقول : والله إنّ التَّنحنُح والسُّعال ليأخذني وأنا في الخلاء فأردّه حياء من قول القائل :
إذَا ذَاتُ دَلّ كلمثهُ لحاجةٍ*** فهم بأن يقضي تَنَحْنَحَ أَو سَعَلْ
ومن التعريضات اللّطيفة، ما رُوي أن المفضّل بن محمد الضبيّ بعث بأضحيةِ هزيل إلى شاعر، فلما لقيَه سأله عنها ، فقال : كانت قليلة الدم، فضحِك المفضّل، وقال : مهلاً يا أبا فلان، أراد الشاعر قول القائل :
ولو ذُبح الضُبيّ بالسَّيْفِ لم تَجِدْ*** من اللوم للضبيّ لحماً ولا دَمَا
وروى ابن الأعرابيّ في «الأمالي» قال: رأى عقال بن شبّة بن عقال المجاشعيّ على أصبغ ابن عنبس وَضَحاً، فقال: ما هذا البياض على إصبعك يا أبا الجرّاح ؟ فقال : سَلْح النعامة يابن أخي، أراد قول جرير :
فضحَ العشيرةَ يومَ يسلَح قائماً*** سَلْحُ النعامة شَبَّةُ بنُ عقالِ
وكان شبّة بن عقال قد بَرَزَ يوم الطُّوانة مع العبّاس بن الوليد بن عبدالملك إلى رجل من الروم، فحمل عليه الروميّ، فنکَص وأحدث ، فبلغ ذلك جريراً باليمامة، فقال فيه ذلك .
1) القعب : القدح الضخم الغليظ الجافي ، وقيل : قدح من خشب مقعر . لسان العرب مادة (قعب).
ولقي الفرزدق مخنثاً يحمِلُ قُماشه كأنه يتحوّل من دار إلى دار، فال: أين راحت عمتنا؟
فقال : قد نفاها الأغرّ يا أبا فراس، يريد قول جرير في الفرزدق :
نفاك الأغرّ ابنُ عبدالعزيز*** وَحَقَّك تُنْفَى من المسجدِ
وذلك أن الفرزدق وَرَد المدينة، والأمير عليها عمر بن عبدالعزيز، فأكرمه حمزة بن عبدالله بن الزبير وأعطاه، وقعد عنه عبدالله بن عمرو بن عفّان وقَصّر به فمدح الفرزدقُ بي حمزة بن عبدالله، وهجا عبدالله، فقال:
مَا أَنْتُمُ مِنْ هاشم في سِرّها*** فاذْهَبْ إِليك ولا بَنِي العَوامِ
قومٌ لهم شرفُ البطاح وأنتمُ*** وَضَرُ البلاط موطئو الأقدام
فلما تناشد الناس ذلك، بعث إليه عمر بن عبد العزيز، فأمره أن يخرج عن المدينة، وقال له : إن وجدتك فيها بعد ثلاث عاقبتُك ، فقال الفرزدق: ما أراني إلا كثمود حين قيل لهم : «تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَثَةَ أَيَّام» (1)، فقال جرير يهجوه :
نفاكَ الأغرّابنُ عبدالعزيز*** وَحَقَّكَ تنفى من المسجدِ
وَسَمَّيْت نفسَك أَشْقَى ثمودَ*** فقالوا ضللتَ ولم تهتدِ
وقد أجلُوا حين حلّ العذابُ*** ثلاث ليالٍ إلى الموعدِ
وَجَدْنا الفرزدق بالمؤ*** سِمَيْنِ خبيثَ المداخِل والمشهدِ
وحكى أبو عبيدة قال : بينا نحن على أشراف الكوفة وقُوف، إذ جاء أسماء بن خارجة الفزاريّ فوقف، وأقبل ابن مكعبر الضبيّ فوقف متنحياً عنه، فأخذ أسماء خاتماً كان في يده، فضه فيروز أزرق، فدفعه إلى غلامه، وأشار إليه أن يدفعه إلى ابن مكعبر، فأخذ ابن مكعبر شسع نعلِه، فربطه بالخاتم، وأعاده إلى أسماء، فتمازحا ولم يَفْهَمْ أحدٌ من الناس ما أرادا ، أراد أسماء بن خارجة قول الشاعر :
لقد زَرِقت عيناكَ يابنَ مكعبَر*** كذا كلّ ضَبُّيّ من اللُّوم أزرقُ
وأراد ابن مكعبر قول الشاعر :
لا تأمنَنَّ فزاريا خَلَوْتَ بِه*** عَلَى قَلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بأسيارِ
وكانت فَزارة تعير بإتيان الإبل، وعيّرت أيضاً بأكل جُزدان الحمار، لأن رجلاً منهم كان في سفر فجاع، فاستطعم قوماً فدفعوا إليه جُزدان الحمار، فشواء وأكله، فأكثرت الشعراء ذكرهم بذلك، وقال الفرزدق :
1) سورة هود الآية : 5 .
جَهز إذا كنتَ مُرْتاداً ومنتجعاً*** إلى فزارة عَبراً تحمل الكَمَرَا
إن الفزاريّ لَوْ يَعْمَى فيطعِمُهُ*** أيْرَ الحمارِ طبيب أبرأ البَصَرَا
إن الفزاريّ لا يشفيه مِنْ قَرَمِ*** أطايبُ العَيْرِ حتى يَنْهشَ الذَّكَرا
وفي كتب الأمثال أنه اصطحب ثلاثة : فزاري وتغلَبي ومُري - وكان اسم التغلَبي مرقمة - فصادوا حماراً، وغاب عنهما الفزاريّ لحاجة، فقالوا : نخباً له جُرْدَانه، نضحك منه، وأكلوا سائره، فلما جاء دفعا إليه الجردان وقالا : هذا نصيبك، فنهسَه فإذا هو صلب، فعرف أنهم عَرَّضوا له بما تُعاب به فزازة، فاستلّ سيفه، وقال : لتأكلانه، ودفعه إلى مَرقمة، فأبى أن يأكله، فضربه فقتله، فقال المرّيّ : طاح مَرقمة، قال : وأنت إن لم تلقمه ! فأكله .
وذكر أبو عبيدة أنّ إنساناً قال لمالك بن أسماء بن خارجة الفزازيّ: اقض ديني أيها الأمير، فإنّ عليّ ديناً ، قال : ما لك عندي إلا ما ضرب به الحمار بطنه، فقال له عبيد بن أبي مِحْجَن : بارك الله لكم يا بني فَزارة في أير الحمار، إن جُعْتُم أكلتموه، وإن أصابكم غُرْم قضيتموه به .
ويحكى أن بني فزارة وبني هلال بن عامر بن صعصعة تنافرُوا إلى أنس بن مدرك الخثعميّ، وتراضُوا به، فقالت بنو هلال: أكلتم يا بني فَزارة أير الحمار ، فقالت : بنو فزارة وأنتم مَدَرْتُم الحوض بسلحكم ، فقضى أنَس لبني فَزارة على بني هلال، فأخذ الفَزاريّون منهم مائة بعير كانوا تخاطروا عليها، وفي مادر يقول الشاعر :
لَقَدْ جَلّلتْ خِزياً هلال بن عامر*** بني عامر طُرَّا بسلْحَةٍ مَادِرِ
فأفٌ لكُمْ لا تذكروا الفَخْرَ بعدها*** بني عامر، أنتم شرارُ المعاشر
وذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتاب «الكامل» أن قتيبة بن مسلم لما فتح سَمَرْقَند ، أفضى إلى أثاث لم يُرَ مثله، وآلات لم يسمع مثلها ، فأراد أن يُرَيَ الناسَ عظيم ما فتح الله عليه، ويعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدارٍ ،ففُرِشت، وفي صحنها قدورٌ يُرتقى إليها بالسلاليم، فإذا بالحُضَين بن المنذر بن الحارث بن وَعْلة الرقاشيّ قد أقبل، والناس جلوسٌ على مراتبهم - والحُضَيْن شيخ كبير - فلما رآه عبدالله بن مسلم قال لأخيه قتيبة : ائذن لي في معاتبته ، قال : لا تُرِدْه فإنه خبيث الجواب، فأبى عبدالله إلّا أن يأذن له – وكان عبدالله يُضَعَّف، وكان قد تسوّر حائطاً إلى امرأة قبل ذلك - فأقبل على الحُضين، فقال: أمِنَ الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال : أجل أسنَّ عَمُّك عن تسرُّر الحيطان ، قال : أرأيتَ هذه القدور؟ قال : هي أعظم من ألا تُرى، قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها ، قال : أجل ، ولا عَيلان، ولو رآها سُمِّي شَبْعان ولم يسمّ عَيْلان، فقال عبدالله : أتعرف يا أبا ساسان الذي يقول :
عَزَلْنا وأمرنا وبَكْرُ بن وائل*** تَجُرُّ خُصاها تبتغي من تحالفُ
فقال : أعرفه، وأعرف الذي يقول :
فاذى الغُرْم مَنْ نَادى مشيراً*** ومَن كانَت له أسرَى كلابِ
وخَيْبَةُ مَنْ يخيب على غَنِيٌّ*** وباهلة بن أعصر والرِّبابِ
فقال : أفتعرف الذي يقول :
كان فِقاح الأزد حَوْلَ ابن مِسْمَع*** وقد عَرِقَت أفواهُ بكر بن وائلِ
قال : نعم وأعرف الذي يقول :
قوم قتيبة أمُّهم وأبوهُم*** لولا قتيبة أصْبَحُوا في مجههلِ
قال : أما الشعر فأرَاكَ ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيئاً، قال: نعم، أقرأ الأكثر الأطيب : «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا » (1). فأغضبه، فقال: والله لقد بلغني أنّ امرأة الحُضَيْنِ حُمِلَتْ إليه وهي حُبْلى من غيره قال : فما تحرّك الشيخ عن هيئته الأولى، بل قال على رِسلِه: وما يكون! تلد غلاماً على فِراشي، فيقال: فلان ابن الحُضَين، كما يقال :عبدالله بن مسلم، فأقبل قتيبة على عبدالله، وقال له : لا يبعِد الله غيرك .
وغرضنا من هذه الحكاية الأدبية المستحسنة قول الحُضَيْن تعريضاً بفاحشة عبدالله : «أجل، أسنّ عَمُّك عن تسوُّر الحيطان».
ويحكى أن أبا العيناء أهْدَى إلى أبي عليِّ البصير - وقد ولد له مولود - حَجَراً ، يذهب في ذلك إلى قوله(علیه السّلام) : «الولد للفراش، وللعاهر الحجَر» (2)، فاستخرج أبو عليِّ ذلك بفطنته وذكائه، ثم ولد بعد أيام لأبي العيناء مولود، فقال له: في أي وقت وُلد لك؟ قال : وقت السَّحَر، فقال: اطَّرد قياسُه وخرج في الوقت الذي يخرج فيه أمثاله - يعني السُؤال - يعرّض بأن أبا العيناء شَحَّاذ، وأن ولده خرج يشبهه.
ومن التعريضات والرموز بالفعل دون القول ما ذكره مؤرّج بن عمرو السّدوسيّ في كتاب «الأمثال» أنّ الأحوص بن جعفر الكلابيّ، أتاه آتٍ من قومه فقال: إن رجلاً لا نعرفه جاءنا،
فلما دنا منّا حيث نراه، نزل عن راحلته، فعلّق على شجرة وطباً من لبن، ووضع في بعض أغصانها حَنْظَلة، ووضع صُرّة من تراب، وحُزمة من شوك، ثم أثار راحلته، فاستوى عليها وذهب - وكان أيام حرب تميم وقيس عَيلان - فنظر الأحوص في ذلك، فعيَّ به، فقال: أرسلوا إلى قيس بن زهير، فأتوا قيساً، فجاءوا به إليه فقال له : ألم تك أخبرتَني أنّه لا یرِد عليك أمرٌ إلا عرفتَ ما فيه ما لم تر نواصيَ الخيل قال : ما خبرُك؟ فأعلمه، فقال: «قد بَيّن الصبح لذي عينين»، هذا رجل قد أُخِذَتْ عليه العهود ألا يكلّمكم، ولا يرسل إليكم، وإنه قد جاء فأنذركم. أما الحنظلة، فإنه يخبركم أنه قد أتاكم بنو حنظلة، وأما الصُّرّة من التراب، فإنه يزعُم أنّهم عدد كثير ، وأما الشوك فيخبركم أنّ لهم شَوْكة، وأما الوظب فإنّه يدلّكم على قُرْب القوم وبعدهم، فذوقوه، فإن كان حُلُواً حليباً فالقوم قريب، وإن كان قارصاً فالقوم بعيد، وإن كان الْمَسِيخ لا حلواً ولا حامضاً فالقوم لا قريب ولا بعيد. فقاموا إلى الوَطب فوجدوه حليباً، فبادروا الاستعداد وغشيَتهم الخيل فوجدتهم مستعدين .
ومن الكنايات بل الرّموز الدقيقة، ما حِكَي أنّ قتيبة بن مسلم دخل على الحجاج وبين يديه كتاب قد وَرَد إليه من عبدالملك وهو يقرؤه، ولا يعلم معناه، وهو مفكّر، فقال: ما الذي أحزن الأمير؟ قال : كتاب وَرَد من أميرالمؤمنين، لا أعلم معناه ، فقال : إن رأي الأميرُ إعلامي به! فناوله إياه، وفيه: «أما بعدُ، فإنك سالم، والسلام» .
فقال قتيبة : ما لي إن استخرجتُ لك ما أراد به؟ قال : ولاية خراسان، قال: إنه ما يسرّك أيها الأمير، ويقرُّ عينك، إنما أراد قول الشاعر :
يُدِيرُونَنِي عَنْ سَالِمٍ وأديرهُمْ*** وَجلْدَةً بَيْنَ العين والأنف سالم
أي أنت عندي مثل سالم عند هذا الشاعر، فولاه خراسان .
حكى الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين» (1)قال : خطب الوليد بن عبدالملك فقال: «أميرالمؤمنين عبدُالملك قال : إن الحجّاج جلدة ما بين عيني وأنفي، ألا وإني أقول : إن الحجّاج جلدة وجهي کله».
وعلى ذكر هذا البيت، حُكي أن رجلاً كان يسقي جلساءَه شراباً صرفاً غير ممزوج، وكان يحتاج إلى المزج لقوته ، فجعل يغنِّي لهم :
يُديرونَنِي عَنْ سالم وأديرهُم*** وجِلدة بين العَين والأنف سالم
فقال له واحد منهم : يا أبا فلان، لو نقلت «ما» من غنائك إلى شرابك، لصلح غِناؤنا ونبيذنا جميعاً .
1) البيان والتبيين : كتاب كبير في طرائف الأدب، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المعتزلي، المتوفى سنة (255ه-) ، كشف الظنون» (263/1) .
ويشبه حكاية قتيبة والحجاج كتابُ عبدالملك إلى الحجاج، جواباً عن كتاب كتبه إليه يغلظ فيه أمر الخوارج، ويذكر فيه حال قَطِريّ وغيره وشدة شوكتهم، فكتب إليه عبدالملك : «أوصيك بما أوصَى به البكريّ زيداً، والسلام».
فلم يفهم الحجاج ما أراد عبدالملك، فاستعلم ذلك من كثير من العلماء بأخبار العرب فلم يُعلموه، فقال: مَنْ جاءني بتفسيره فله عشرة آلاف درهم، وورد رجل من أهل الحجاز يتظلّم من بعض العمال، فقال له قائل : أتعلم ما أوْصَى به البكريّ زيداً؟ قال : نعم ،أعلمه فقيل له : فأت الأمير، فأخبِره ولك عشرة آلاف درهم، فدخل عليه فسأله، فقال : نعم أيها الأمير، إنه يعني قوله :
أقول لزيد لا تُتَرْتِرْ فإنَّهم***يرون المنايا دون قتلِكَ أو قتلي (1)
فإن وضعوا حرباً فَضَعْها، وإنْ أبَوْا*** فَعُرْضَةُ نار الحرب مثلك أو مثلِي
وإن رفعوا الحربَ العوَان الّتي ترى*** فشُبّ وقود النار بالحطَب الجَزل
فقال الحجاج : أصاب أميرالمؤمنين فيما أوصاني، وأصاب البكريّ فيما أوصى به زيداً، وأصبت أيها الأعرابي، ودفع إليه الدّراهم .
وكتب إلى المهلّب : إنّ أميرالمؤمنين أوصاني بما أوصى به البكريّ زيداً، وأنا أوصيك بذلك، وبما أوصى به الحارث بن كعب بنيه .
فنظر المهلب في وصية الحارث بن كعب، فإذا فيها : يا بنيّ كونوا جميعاً، ولا تكونوا شِيعاً فتفرّقوا ، وبزّوا قبل أن تُبَرُّوا. الموت في قوّة وعزّ، خير من الحياة في ذلّ وعجز.
فقال المهلّب : صدق البكريّ وأصاب ، وصدق الحارث وأصاب.
واعلم أنّ كثيراً مما ذكرناه داخلٌ في باب التعريض، وخارج عن باب الكناية، وإنما ذكرناه لمشابهة الكناية، وكونهما كالنوعين تحت جنس عام، وسنذكر كلاماً كليَّا فيهما إذا انتهينا إلى آخر الفصل إن شاء الله .
ومن الكنايات قول أبي نواس :
ونَاظِرَة إليّ من النقاب*** تلاحِظني بطَرْفِ مُسْتَرَابٍ
كَشَفْتُ قِناعها فإذا عجوزٌ*** مُمَوَّمَة المَفارِقِ بالخضاب
1) تَرْتَرَ : إذا استرخى في بدنه وكلامه، وقيل : التَارُّ المسترخي من جوع أو غيره . لسان العرب، مادة (ترر).
فما زالت تُجَشَّمُنِي طويلاً*** وتأخذ في أحاديث التّصابِي
تحاولُ أن يقومَ أبو زيادٍ*** ودون قيامه شَيْبُ الغراب
أنت بجرابها تكتال فيهِ*** فقامت وهي فارغةُ الجِرابِ
والكناية في البيت الأخير وهي ظاهرة.
ومنها قول أبي تمام:
ما لِي رأيتُ ترابَكُمْ بِئسَ الثَّرَى*** مَالِي أَرَى أَظوَادَكُم تتهدّمُ
فكني ب- «بئس الثرى» عن تنكّرِ ذات بينهم ، وب« تهدّم الأطواد» عن خِفّة حلومهم وطيش عقولهم.
ومنها قول أبي الطيب :
وَشَرُّ مَا قَنَصَتْه راحَتِي قَنَصٌ*** شُهُبُ البِزاةِ سواءً فيه والرَّحْمُ(1)
كني بذلك عن سيف الدولة، وأنه يساوي بينه وبين غيره من أراذل الشعراء وخامليهم في الصلة والقرب .
وقال الأقيشر لرجل : ما أراد الشاعر بقوله :
ولقد غدوت بِمُشْرِفِ يافوخُهُ*** مثل الهراوة ماؤه يتفصَّدُ
ارِنٌ يسيل من المراح لُعَابُهُ*** ويكاد جلد إهَابِهِ يتقدُّدُ
قال : إنه يصف فرساً ، فقال : حملك الله على مثله، وهذان البيتان من لطيف الكناية ورشيقها ، وإنما عَنَى العضو.
و قريب من هذه الكناية قول سَعِيد بن عبدالرحمن بن حسان، وهو غلام يختلف إلى عبدالصمد بن عبدالأعلى مؤدب ولد هشام بن عبدالملك، وقد جمشه عبد الصمد فأغضبه، فدخل إلى هشام، فقال له :
إنّه والله لولا أنت لم*** يَنْجُ مِنِّي سالماً عبدالصمد
فقال هشام : ولم ذلك؟ قال :
إنّهُ قَدْ رَامَ مِنِّي خُطَةً*** لم يَرُمُها قبله مِنّي أحد
1) الرَّحْمَةُ : طائر يأكل القذِرَة، وهو من الخبائب وليس من الصيد، سمي بذلك لضعفه عن الاصطياد. المصباح المنير مادة (رخم) .
قال هشام: وما هي ؟ ويحك ! قال :
رَامَ جَهْلاً بي وجهلاً بِأَبي*** يُدْخِلُ الأفعى إلى بيت الأسَد
فضحك هشام، وقال لو ضربتَه لم أنِكر عليك.
ومن هذا الباب قول أبي نواس :
إذا ما كنتَ جارَ أبي حُسَيْنٍ*** فَنَمْ وَيَدَاكَ فِي طَرَفِ السَّلاَحِ
فإنَّ له نساء سارقاتٍ*** - إذا ما بتن - أطراف الرِّمَاحِ
سرقن وقد نزلتُ عليه عضوي*** فلم أظفر به حَتَّى الصباح
فجاء وقد تَخَدَّش جانباه*** يئنُّ إليَّ من ألم الجراحِ
والكناية في قوله : «أطراف الرماح، وفي قوله : «في طرف السلاح» .
ومن الكناية الحسنة قول الفرزدق يَرثي امرأته، وقد ماتت بجُمْع:
وجفن سلاحِ قد رزنتُ فلم أنُخ*** عليه، ولم أبعث عليه البواكِيَا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة*** لو إنّ المنايا أخطأته لياليا
أخذه الرضيّ رحمه الله تعالى فقال يرثي امرأة :
إن لم تَكُنْ نصلاً فغِمْدُ نُصُولِ*** غَالَتْهُ أحْدَاتُ الزمانِ بغُولِ
أو لم تَكُنْ بأبي شُبول ضيغم*** تَدْمَى أظافره فأمّ شُبُولِ
ومن الكنايات ما يروى أن رجلاً من خواصّ كسرى أحبّ الملك امرأته، فكان يختلف إليها سرًّا وتختلف إليه، فعلم بذلك، فهجرها وترك فراشها فأخبرت كسرى، فِقال له يوماً : بلغني انّ لك عيناً عذبة، وأنك لا تشرب منها! فقال : بلغني أيّها الملك أن الأسد يَرِدُها فخفتُه، فتركتها ،له فاستحسن ذلك منه ووصله .
ومن الكنايات الحسنة قول حاتم :
وما تشتكيني جَارَتي غير أنّني*** إذا غاب عنها بَعْلُهَا لا أزورها
سيبلغها خيري ويرجع بعلُها*** إليها، ولم يُسْبَل علي ستورُها
فكَنى بإسبال الستر عن الفعل، لأنه يقع عنده غالباً .
فأما قول عمر: «مَنْ أرخى ستراً أو أغلق باباً فقد وجب عليه المهر». فيمكن أن يُكنّى بذلك
عن الجماع نفسه، ويمكن أن يُكنَى به عن الخلوة فقط، وهو مذهب أبي حنيفة، وهو الظاهر من اللفظ لأمرين: أحدهما قوله : «أغلق بابا »فإنه لو أراد الكناية لم يحسن الترديد ب-«أو» ، وثانيهما أنه قد كان مقرراً عندهم أنّ الجماع نفسه يُوجب كمال المهر ، فلم يكن به حاجة إلى ذكر ذلك .
ويشبه قولَ حاتم في الكناية المقدّم ذكرها قولُ بَشار بن بشر :
وإنّي لعَفُّ عَن زيارَةِ جارتي*** وإن لمشنُوءٌ إلي اغتيابُها
وَلَم أكُ طلاباً أحاديثَ سِرِّها*** ولا عالماً من أيّ حَوْكِ ثيابُها
إذا غابَ عنها بعلُها لم أكن لَها*** زَؤوراً ولم تنَبح عليّ كلابها
وقال الأخطل في ضدّ ذلك يهجو رجلاً ويرميه بالزني :
سَبَنْتَى يَظَلُّ الكَلْبُ بمضعُ ثَوْبَه*** لَهُ في ديار الغانياتِ طَرِيقُ
السبنتي : النَّمر، يريد أنه جرى ءٌ وقح، وأنّ الكلب لأنسه به وكثرة اختلافه إلى جاراته يعرفه، ويمضغ ثوبه، يطلب ما يطعمه، والعفيف ينكره الكلب ولا يأنس به، ثم أكّد ذلك بأنه قد صار له بكثرة تردّده إلى ديار النساء طريق معروف .
ومن جيّد الكناية عن العفّة قول عَقِيل بن عُلّفة المرّي:
وَلَسْتُ بسائل جارَاتِ بيتي*** أغيَّاب رجالُكِ أم شُهُودُ
وَلاَ مُلْقٍ لذِي الوَدَعَاتِ سَوْطِي*** الاعِبُه وريبتَه أريدُ
ومن جيّد ذلك ومختاره قولُ مسكين الدارميّ :
نَارِي وَنَارُ الْجَارِ واحِدَةٌ*** وإليه قبلِي تَنْزِلُ الْقِدْرُ
ماضرٌ جاراً لي أجاورُه*** ألا يكون لبابِهِ سِتْرُ
أعْمَى إذا ما جارتي بَرَزَتْ*** حَتَّى يُوارِي جارتي الخِدْرُ
والعرب تكنِي عن الفَرْج بالإزار ، فتقول : هو عفيف الإزار، وبالذيل، فتقول : هو طاهر الذّيل ، وإنما كَنَوا بهما ، لأنّ الذيل والإزار لا بد من رفعهما عند الفعل، وقد كَنَوْا بالإزار عن الزوجة في قول الشاعر :
ألا أبلغ ابا پشر رَسُولاً*** فِداً لك من أخِي ثِقَةٍ إزاري
يريد به زوجتي، أو كَني بالإزار ها هنا عن نفسه .
وقال زُهير :
الحافِظُونَ ذِمَامَ عَهْدِهُمُ *** والطَّيْبُونَ مَعَاقِدَ الأُزُرِ
السّتر دون الفاحشات ولا *** يلقاك دون الخيْرِ مِنْ سُتُرِ
و يقولون في الكناية عن العفيف : ما وضعت مُومسة عنده قِناعاً، ولا رفع عن مومسة ذيلاً.
و قد أحسن ابنِ طباطبا في قوله:
فَطَرِبْتُ طَربَة فاسقٍ متهنَّكِ *** وَ عَفَفْتُ عِفَّةَ نَاسِك متحرّج
الله يعلمُ كيفَ كانت عِفَّتِي *** ما بين خَلخالٍ هُنَاكَ ودُمْلُجُ(1)
و من الكناية عن العفّة قول ابن ميادة:
و ما نِلتُ مِنْهَا مَحْرَماً غَيْرَ أَنَّني *** أُقَبّلُ بَشاماً من الثُّغرِ اَفلَجَا
و الثُمُ فاها آخذاً بقُرُونها *** و أترُك حاجاتِ النُّفوس تحرُّجَا
فكني عن الفعل نفسه بحاجات النفوس، كما كنى أبو نواس عنه بذلك العمل في قوله:
مَرَ ّبنَا وَ الْعُيونُ تَرْمُقُهُ *** تَجْرَحُ مِنْهُ مواضِعَ القُبَلِ
أفرغَ في قالب الجمال فما *** يصلح إلا لذلك العَمَلِ
و كما كنى عنه ابن المعتز بقوله:
وَزَارَنِي فِي ظَلامِ اللَّيْلِ مُسْتَتِراً *** يستعجلُ الْخَطْوَ مِن خَوْفٍ ومن حَذَرٍ
ولاح ضوءُ هلال كاد يفضَحُهُ *** مثل القُلامة قد قُصَّتْ من الظُّفُرِ
فقمت أفرِش خَدّي في الطريق لَهُ *** ذُلاً وأسحبُ أذْيَالِي على الأثَرِ
فَكَانَ مَا كَانَ مِمَّا لَسْتُ أذْكُرُهُ *** فَظُنَّ خَيْراً ولا تسأل عن الخَبَرِ
ومما تطيَّرُوا من ذكره، فكَنَوْا عنه قولُهم: «مات»، فإنهم عَبّروا عنه بعبارات مختلفة داخلة في باب الكناية، نحو قولهم: «العق إصبعه » (2). و قالوا: «اصفرَّت أنامله» لأن اصفرار الأنامل من صفات الموتى، قال الشاعر:
فَقَرِّبَانِي بابِي أنْتُمَا *** مِنْ وَطَنِي قَبلَ اصفِرار البنان
وَقَبْلَ مَنْعَايَ إلى نِسْوَةٍ *** منزلها حَرّان والرّقّتان
و قال لَبِيد:
وَ كُلّ أناسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بينهم۫ *** دُوَیِ۫هيةٌ تصفرُّ منها الأنَامِلُ
يعني الموت.
ويقولون في الكناية عنه: صَك لفلانٍ على أبي يحيى، وأبو يحيى كنية الموت، كُنِيَ عنه بضده، كما كنوا عن الأسود بالأبيض، وقال الخوارزميّ:
سريعةُ موتِ العاشقين كأَنَّمَا *** يُغارُ عليهمْ مِنْ هَواهَا أبُو يحيى
وكنى رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عنه بهاذم اللذات، فقال: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» (1).
وقال أبو العتاهية :
رأيتُ المنايا قُسْمَتْ بينَ أنفُسٍ *** ونفسي سيأتِي بينهنّ نصيبُها
فيا هاذِمَ اللَّذاتِ مَا مِنْكَ مَهْرَبٌ *** تحاذِرُ نفسي مِنْكَ مَا سَيُصِيُبَها
وقالوا : حلّقت به العنقاء، وحلّقت به عنقاء مُغْرِب، قال:
فلولا دِفاعِي اليومَ عنك لحلّقَتْ *** بِشِلْوِكَ بَيْنَ الْقَوْمِ عَنْقَاءُ مُغْرِبُ
وقالوا فيه : زَلّ الشِّراكُ عن قدمه، قال:
لا يسلمون العداة جَارَهُمُ ***حتى يَزلَ الشِّرَاكُ عن قَدَمِه۫
أي حتى يموت، فيستغني عن لبس النعل . فأما قولهم: «زلَّت نعله» فيكنى به تارة عن غَلَطه وخطئه، وتارة عن سوء حاله واختلال أمره بالفقر، وهذا المعنى الأخير أراده الشاعر بقوله :
سَأشْكُرُ عَمْراً ما تراخَتْ مَنِيَّتِي ***أياديَ لَمْ تُمْنَنْ وإن هِيَ جَلَّتِ
فتًى غيرُ محجوبِ الغنى عن صديقِه*** ولا مظهرِ الشكوى إذَا النَّعَلُ زَلّتِ
رأى خَلَّتِي من حيث يخفى مكانُها*** فكانت قذى عينيه حتى تجلَّتِ
ويقولون فيه : شَالَتْ ،نعامته ، قال :
ياليتَ أُمِّيَ قَدْ شَالَتْ نَعَامَتُها *** أَيْمَا إلَى جَنَّةٍ أَيْمَا إلى نارٍ
ليست بشَبْعَي ولو أوردتُها هَجَراً ***ولا بِرَيَّا وَلَوْ حَلَّتْ بذِي قَارِ
1) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب: ما جاء في ذكر الموت (2307)، والنسائي في كتاب : الجنائز، باب: كثرة ذكر الموت (1824) ، وابن ماجه في كتاب: الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له (4258)، وأحمد في كتاب: باقي مسند المكثرين، باب: مسند أبي هريرة (7865)
أي لا يشبِعُها كثرة التمر ولو نزلت هَجَر - وهَجَر كثيرة النخل - ولا تروَى ولو نزلت ذا قَار، وهو موضع كثير الماء.
قال ابن دريد : والنعامة خطّ باطنِ القدم في هذه الكناية .
ويقال أيضاً للقوم قد تفرّقوا بجلاء عن منازلهم : شالتْ نعامتهم ، وذلك لأنّ النعامة خفيفة
الطيران عن وجه الأرض، كأنهم خَفّوا عن منزلهم .
وقال ابن السكيت : يقال لمن يغضب ثم يسكنُ : شالت نعامتُه ثم وقعت .
وقالوا أيضاً في الكناية عن الموت: مضى لسبيله، واستأثر الله به، ونقله إلى جواره، ودُعِيَ فأجاب، وقضى نَحْبَهُ ، والنَّحْب: النّذر ، كأنهم رأوا أنّ الموت لمَّا كان حتماً في الأعناق كان نذراً.
وقالوا في الدعاء عليه : اقتضاه الله بذنبه، إشارة إلى هذا، وقالوا : ضَحَا ظلّه، ومعناه صار ظله شمساً، وإذا صار الظل شمساً فقد عدم صاحبه.
ويقولون أيضاً : خلَّى فلان مكانه، وأنشد ثعلب للعتبيّ في السريّ بن عبد الله :
كأنّ الذي يأتي السريَّ لحاجةٍ *** أباحَ إليه بالَّذي جَاءَ يطلُبُ
إذا ما ابنُ عبد الله خَلَّى مكانَهُ *** فقد حلّقت بالجودِ عَنْقاء مُغْرِبُ
وقال دريد بن الصمة :
فإن يكُ عبدُ الله خلَّى مكانَهُ *** فَمَا كَانَ وَقَافاً ولا طائشَ اليدِ
وكثير ممّن لا يفهم يعتقد أنه أراد بقوله : «خلّى مكانه» فَرّ، ولو كان كذلك لكان هجاء. ويقولون : وقع في حِياض غُتَيم، وهو اسم للموت .
ويقولون : طار من ماله الثّمين يريدون الثَّمن، يقال : ثُمن ،وثمين وسُبْع وسبيع،و ذلك لأنّ الميت ترِث زوجته من ماله الثمن غالباً، قال الشاعر يذكر جودَه بماله ويخاطب امرأته :
فلا وأبيكِ لا أولي عَلَيْهَا *** لتمنع طالباً منها اليمِينُ
فإني لست منكِ ولستِ مني *** إذا ما طار من مالي الثمِين
أي إذا متُ، فأخذتِ ثُمنَك من تركتي .
وقالوا لحق باللطيف الخبير قال :
وَمِنَ النَّاس مَنْ يُحِبّك حُبا *** ظَاهِرَ الوُدِّ ليس بالتَّقْصِيرِ
فإذا ما سألتَهُ رُبعَ فَلْسٍ *** الحق الوُدَّ باللطيف الخبيرِ
وقال أبو العلاء :
لا تَسَلْ عَنْ عِداكَ أين استقرُّوا *** لَحِق القومُ باللطِيف الخبير
ويقولون : قَرَضَ رباطه، أي كاد يموت جهداً وعطشاً .
وقالوا في الدعاء عليه : لا عُدَّ مِنْ ،نفره، أي إذا عُدّ قومه، فلا عُدَّ معهم، وإنما يكون كذلك إذا مات، قال امرؤ القيس:
فَهْوَ لاَ تَنْمِي رَمِيَّتُهُ *** مَالَهُ لا عُدَّ مِنْ نَفَره
وهذا إنما يريد به وصفه، والتعجّب منه، لا أنّه يدعو عليه حقيقة، كما تقول لمن يجيد الطعن : شَلَّتْ يَدُه، ما أحذقه !
وقالوا في الكناية عن الدَّفن: أضلُّوه وأضلوا به، قال الله تعالى: «وَقَالُوا أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ» (1)، أي إذا دُفِنَّا في الأرض.
وقال المخّبل السعديّ:
أضَلَّتْ بنو قَيْس بن سعدٍ عَميدَهَا *** وَسَيِّدَها في الدَّهْر قَيْسَ بْنَ عَاصِم
ويقولون للمقتول: ركِب الأشقر، كناية عن الدم، وإليه أشار الحارث بن هشام المخزومي في شعره الذي يعتذر به عن فِراره يوم بَذر عن أخيه أبي جهل بن هشام حين قتل :
الله يَعْلُم مَا تَرَكْتُ قِتَالَهُمْ *** حَتَّى عَلَوْا فَرَسِي بِأَشْقَرَ مُزبِد
وعلمت أني إن أقاتل واحداً *** أقتل ولا يضْرُر عَدُوِّي مَشْهَدِي
فصدرت عنهم والأحبة فيهُم *** طمعاً لهم بعقاب يوم مرصدِ
أراد بدم أشقر ، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه كناية عنه، والعرب تقيم الصفة مقام الموصوف كثيراً ، كقوله تعالى: «وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ »(2)، أي على سفينة ذات ألواح، وكقول عنترة :
تَمْكُو فَريصَتُه كَشِدْقِ الأَعْلَمِ
أي كشدق الإنسان الأعلم، أو البعير الأعلم.
ويقولون : تُرك فلان بَجَعْجَاع، أي قِتل، قال أبو قيس بن الأسلت:
مَنْ يَذُقِ الحَرْب يَجِدُ طَعْمُهَا*** مُرَّا وتتركه بجَعجَاعِ
أي تتركه قتيلاً مُخَلَّى بالفضاء.
ومما كنوا عنه قولهم للمقيّد : هو محمول على الأدهم، والأدهم : القيد، قال الشاعر:
أوْعَدَني بالسِّجن والأداهِمِ*** رِجْلِي وَرِجْلِ رِجْلِي وَرِجْلِي شَفْثنَةُ المناسمِ
وقال الحجاج للغضبان بن القَبَعْثَرَى : لأحملنّك على الأدهم، فتجاهل عليه، وقال: مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب .
وقد كنوا عن القَيد أيضاً بالأسمر، أنشد ابن عرفة لبعضهم :
فما وَجُدُ صُعلوك بصنعاء موثَقٍ*** بساقيه من سُمْرِ القُيود كُبُولُ
قليلُ الموالِي مُسْلَمٌ بجريرةٍ*** له بعد نَوْمَاتِ العُيون غَلِيلُ
يقول له البوَّاب أنت معذبٌ*** غَدَاةَ غدٍ أو رائح فقتيل
بأكثر مِن وجدي بكم يوم رَاعَنِي*** فراقُ حبیب ما إليه سبيلُ
وهذا من لطيف شعر العرب وتشبيهها .
ومن كناياتهم عنه : ركبَ رَدْعَه، وأصله في السهم يُرمى به فيرتِدع نصلُه فيه، يقال: ارتدع السهم، إذا رجع النصل في السِّنْخ متجاوز (1)، فقولهم : ركبَ رَدْعه، أي وُقِصَ فدخل عنقه في صَدْره، قال الشاعر وهو من شعر الحماسة :
تَقُولُ وَصَكّتْ صَدْرَها بيمينِهَا*** أَبَعْلِيَ هَذَا بِالرَّحَا الْمُتقَاعِسُ!
فقلتُ لها لا تعجلي وتبيَّني*** بلايَ إذا التفّت عليّ الفوارسُ
الستُ أردُّ القِرْنُ يَرْكَبُ رَدْعَه*** وفيهِ سِنانٌ ذُو غِرارَيْنِ يابسُ
لعَمْرُ أبيكِ الْخَيْرِ إني لحادِمٌ*** لضيفي وإني إن ركبتُ لفارسُ
وأنشد الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين» لبعض الخوارج:
وَمُسَوَّمٍ للموتِ يَرْكَبُ رَدْعَهُ*** بَيْنَ الأسِنَةِ وَالْقَنَا الْخَطَّارِ
يَدْنُو وترفعه الرِّمَاحُ كأنهُ*** شِلو تنشب في مخالب ضاري
فَتَوَى صريعاً والرماحُ تَنُوشُهُ*** إنَّ الشَّرَاةَ قصيرة الأعمار
وقد تطيرت العرب من لفظة البَرَص، فكنوا عنه بالوَضَح، فقالوا : جذيمة الوضَّاح، يريدون الأبرص، وكُنِي عنه بالأبْرَش أيضاً، وكلّ أبيض عند العرب وَضّاح، ويسمُّون اللبن وَضَحاً، يقولون: ما أكثر الوَضَح عند بني فلان!
1) سِنْخُ النصل : الحديدة التي تدخل في رأس السهم. لسان العرب مادة (سنخ).
ومما تفاءلوا به قولهم للفلاة التي يُظنّ فيها الهلاك: مَفازة، اشتقاقاً من الفَوز وهو النجاة، وقال بعض المحدّثين :
أحبُّ الفأل حين رأى كَثِيراً*** أبوهُ عن اقتناءِ المجدِ عاجِز
فسمّاه لِقَلَّتِهِ كَثِيراً*** كتلقيب المهالك بالمفاوِرُ
فأما من قال : إن المفازة «مفعلة» من فَوّز ،الرجل أي هلك، فإنه يُخرج هذه اللفظة من باب الكنايات.
ومن هذا تسميتهم اللّديغ سليماً ، قال :
كاني من تَذَكَّر ما ألاقي*** إذا ما أظلم الليل البهيمُ
سليمٌ مَلَّ منه أقربُوه*** وأسلمه المجاور والحميمُ
وقال أبو تمام في الشيب :
شُعْلَةٌ في المفارقِ استودَعَتْنِي*** في صَمِيمِ الأحْشاءِ ثُكْلاً صَمِيمَا
تستثيرُ الهمومُ ما اكتَنّ منها*** صُعُداً وهي تستثيرُ الهمُوما
دقةٌ في الحياةِ تُدْعَى جَلالاً*** مِثْلَمَا سُمِّي اللَّدِيغُ اللَّديغُ سَلِيما
غُرَةٌ بَهْمَةٌ الا إنما كُنتُ*** أغَرًا أيام كنتُ بهيما
حَلَّمتني - زعمتمُ - وأراني*** قبل هذا التَّحْلِيم كُنْتُ حَلِيما
ومن هذا قولهم للأعور ،ممتَّع ، كأنهم أرادوا أنه قد مُتِّع ببقاء إحدى عينيه، ولم يُحْرَم ضوءهما معاً.
ومن كناياتهم على العكس قولهم للأسود: يا أبا البيضاء، وللأسود أيضاً: يا كافور ، وللأبيض: يا أبا الجون وللأقرع : يا أبا الجَعد.
وسمّوا الغراب أعور لحدّة بصرِه، قال ابن مَيّادة :
الا طرقَتْنَا أم عمرو وَدُونَها*** فَيافٍ من البَيْدَاء يَعْشى غُرَابُها
خَصّ الغراب بذلك لحدّة نظره، أي فكيف غيره!
ومما جاء في تحسين اللفظ ما رُوي أنّ المنصور كان في بستان دارِهِ والربيع بين يديه، فقال له: ما هذه الشجرة ؟ فقال : «وِفاق» يا أميرالمؤمنين، وكانت شجرة خِلاَف، فاستحسن منه ذلك.
ومثل هذا استحسان الرشيد قولَ عبدالملك بن صالح، وقد أهدى إليه باكُورَة فاكهة في أطباق خَيزُران : بعثتُ إلى أميرالمؤمنين في أطباق قُضبانٍ تحمل من جَنَايا باكورة بستانه ما راج وأينع ، فقال الرشيد لمن حضر: ما أحسن ما كَنى عن اسم أمِّنا !
ويقال : إن عبدالملك سبق بهذه الكناية، وإن الهادي قال لابن دأب، وفي يده عصا: ما جنسُ هذه؟ فقال: من أصول القنا - يعني الخيزران، والخيزران أمّ الهادي والرشيد معاً .
و شبيه بذلك ما يقال : إن الحسنَ بن سهل كان في يده ضِغْفٌ (1)من أطراف الأراك، فسأله المأمون عنه : ما هذه ؟ فقال: «محاسنك» يا أميرالمؤمنين، تجنباً لأن يقول: «مساوتك»، وهذا لطيف .
ومن الكنايات اللطيفة أنّ عبدالملك بعث الشعبيّ إلى أخيه عبدالعزيز بن مروان وهو أمير مصر يومئذ ، لِيَسْبُرَ أخلاقه وسياسته، ويعود إليه فيخبره بحاله، فلما عاد سأله فقال : وجدتُه أحوجَ الناس إلى بقائك يا أميرالمؤمنين وكان عبدالعزيز يُضَعّف .
ومن الألفاظ التي جاءت عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من باب الكنايات قوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «بُعثتُ إلى الأسود والأحمر» (2)، يريد إلى العرب والعجم، فكّنى عن العرب بالسُّود وعن العجم بالحمر، والعرب تسمي العجميّ ،أحمر، لأنّ الشقرة تغلب عليه .
قال ابن قتيبة : خطب إلى عَقِيل بن علّفة المرّي ابنتَه هشام بن إسماعيل المخزوميّ - وكان واليَ المدينة، وخال هشام بن عبدالملك - فردّه لأنه كان أبيض شديد البياض - وكان عَقيل أعرابياً جافياً غيوراً مفرط الغَيرة - وقال :
رَدَدْتُ صحيفةَ القرَشي لمّا*** أبت أعراقه إلا احمرارا
فردّه، لأنه توسّم فيه أن بعضَ أعراقه ينزع إلى العجم، لما رأى من بياضِ لونه وشُقرته .
ومنه قول جرير يذكر العجم :
يُسَمُّونَنَا الأعراب والعَرَبُ اسْمُنَا*** وأسماؤهم فِينا رقابُ المزاوِدِ
وإنّما يسمونهم رقاب المزاود، لأنها حمراء.
ومن كناياتهم تعبيرهم عن المفاخرة بالمساجلة، وأصلها من السِّجل، وهي الدّلو الملىء، كان الرجلان يستقِيان فأيّهما غلب صاحبَه كان الفوز والفخر له، قال الفضلُ بن العباس ابن عتبة بن أبي لهب بن عبدالمطلب :
وَأَنَا الأخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي*** أَخْضَرُ الْجِلْدَةِ مِنْ بَيْتِ الْعَرَبْ
مَنْ يساجلني يُساجِلُ مَاجِداً*** يملأ الدَّلْو إلى عَقْدِ الكَرَبْ
برسول الله وابْنَي عمّه ***وبعباس بن عبدالمطلب
ويقال : إن الفرزدق مرّ بالفضل وهو ينشد: «مَنْ يساجلني» (1)، فقال : أنا أساجلُك، ونزَع ثيابه، فقال الفضل: «برسول الله وابن عمه» ، فلبِس الفرزدق ثيابه، وقال: أعضَ الله مَنْ يساجلك بما نَفَتِ المواسي (2)من بَظر أمه، ورواه أبو بكر بن دريد : «بما أبقت المواسي».
وقد نزل القرآن العزيز على مخرج كلام العرب في المساجلة، فقال تبارك وتعالى : «فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَيهِمْ» (3)، الذُّنُوب : الدّلو، والمراد ما ذكرناه.
وقال المبرّد: المراد بقوله : «وأنا الأخضر» ، أي: الأسمر والأسود، والعرب كانت تفتِخر بالسمرة والسواد، وكانت تكره الحُمرة والشقرة، وتقول : إنهما من ألوان العجم .
وقال ابن دُرَيد : مرادُه أن بيتي ربيعٌ أبداً مخصِب، كثير الخير، لأنّ الخِضب مع الخضرة، وقال الشاعر :
قوم إذا اخضرت نعالهمُ*** يتناهَقُون تناهُق الحمر
أي إذا أعشبت الأرض اخضرّت نعالهم من وطئهم إياها، فأغار بعضُهم على بعض، والتناهق ها هنا : أصواتهم حين ينادَون للغارة، ويدعو بعضهم بعضاً، ونظير هذا البيت قول الآخر:
قومٌ إذا نَبَتَ الربيعُ لَهُمْ*** نبتَت عداوتُهم مع البَقل
أي إذا أخصبوا وشبعوا غزا بعضهم بعضاً. ومثله قول الآخر :
يا ابن هشام أهلكَ النَّاسَ اللَّبَنُ*** فكلُّهم يغدو بسيف وَقَرَنْ
أي تسفهوا لما رأوا من كثرة اللبن والخصب، فأفسدوا في الأرض، وأغار بعضهم على بعض. والقرَن : الجَعبة.
وقيل لبعضهم : متى يُخاف من شرّ بني فلان؟ فقال : إذا البنوا .
ومن الكنايات الداخلة في باب الإيماء قول الشاعر :
فَتّى لا يرى قَد القميص بَخصرهِ*** ولكنّما يُوهِي القميص عَواتِقُة
لمّا كان سلامة القميص من الخرق في موضع الخَضر تابعاً لدقة الخَضر، ووهَنُه في الكاهل تابعاً لعظم الكاهل ،ذكر ما دلّ على دقّة خَصْر هذا الممدوح وعظم كاهله : ومنه قول مسلم بن الوليد :
فَرْعَاهُ في فَرْعِهَا لَيْلٌ عَلَى قَمَرِ ***عَلَى قَضِيبٍ على حِقْفِ (1)النّقا (2)الدَّهِس (3)
كأنّ قلبي وشاحَاها إذا خطرتْ*** وقَلْبَها قلبها في الصَّمْت والخَرَسِ
تجري محبّتُها في قَلْب عاشقها*** مجرى السَّلامة في أعضاء منتكسٍ
فلما كان قلق الوشاح تابعاً لدقة الخَضر ذكره دالاً به عليه .
ومن هذا الباب قول القائل :
إذا غَرّد المُكَاء في غَيْر روضةٍ*** فويلٌ لأهل الشَّاءِ والحُمراتِ
أوما بذلك إلى الجذب، لأن المُكاء يألف الرياض، فإذا أجدبت الأرض سقط في غير روضة وغرّد، فالويل حينئذ لأهل الشاء والحُمُر .
ومنه قول القائل :
لعمري لنعم الحيّ حيّ بني كعبِ*** إذا جُعِل الخلخال في موضع القُلْبِ
القُلب : السِّوار ، يقول : نعم الحيّ هؤلاء إذا ربع الناس وخافوا، حتى إن المرأة لشدّة خوفها تلبس الخلخال مكانَ السِّوار، فاختصر الكلام اختصاراً شديداً .
ومنه قول الأفوه الأوديّ:
إنْ بَنِي أَوْدِ هُمُ ماهُم*** للحزب أو للجَدْبِ عَامَ الشَّمُوسِ
أشار إلى الجدب وقلّة السحب والمطر ، أي الأيام التي كلّها أيام شمس وصحو، لا غیم فيها ولا مطر.
فقد ذكرنا من الكنايات والتعريضات وما يدخل في ذلك ويجري مجراه من باب الإيماء
1) الحِقْفَ : بالكسر المعوج من الرمل، أو الرمل العظيم المستدير، وأصل الرّمل وأصل الجبل،وأصل الحائط. القاموس المحيط مادة (حقف) .
2) النَّقا من الرمل : القطعة تنقاد مُحدودية. القاموس المحيط، مادو (نقو).
3) الدُّهسة : لون كلون الرمال وألوان المعزى ، وقيل : لون يعلوه أدنى سواد يكون في الرمال والمعز. لسان العرب مادو (دهس).
والرمز قطعة صالحة، وسنذكر شيئاً آخر من ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى، إذا مررنا في شرح كلامه(علیه السّلام) بما يتقضيه ويستدعيه .
.
وقد كنّا وعدنا أن نذكر كلاماً كلياً في حقيقة الكناية والتعريض، والفرق بينهما، فنقول :
الكناية قسم من أقسام المجاز، وهو إبدال لفظة عَرَض في النطق بها مانع بلفظة لا مانعَ عن النطق بها، كقوله (علیهم السّلام): «قرارات النساء»، لمّا وجد الناس قد تواضعوا على استهجان لفظة «أرْحَام النساء».
وأما التّعريض فقد يكون بغير اللفظ كدفع أسماء بن خارجة الفَصّ الفيروز الأزرق من يده إلى ابن مكعبر الضّبي إذ كاراً له، بقول الشاعر:
كذا كلّ ضَبيّ من اللوم أزرقُ
فالتعريض إذا هو التنبيه بفعل أو لفظ على معنى اقتضت الحال العدول عن التصريح به.
وأنا أحكي ها هنا كلام نصر الله بن الأثير الجزريّ في كتابه المسمى بالمثل السائر (1)في الكناية والتعريض، وأذكر ما عندي فيه، قال:
خلط أربابُ هذه الصناعة الكناية بالتعريض، ولم يفصلوا بينها، فقال ابن سنان: إن قولَ امرىء القيس:
فصِرْنَا إلَى الحُسْنَى ورَقَ كلامُنَا*** ورُضْتُ فذلت صعبةً أي إذلال
من باب الكناية، والصحيح أنه من باب التعريض .
قال : وقد قال الغانميّ والعسكريّ وابن حمدون وغيرهم نحو ذلك، ومزجوا أحدَ القسمين بالآخر .
قال : وقد حدّ قوم الكناية، فقالوا: هي اللفظ الدال على الشيء بغير الوضع الحقيقيّ، بوصفٍ جامع بين الكناية والمكنّى عنه ، كاللمس والجماع، فإن الجماعَ اسم لموضوع حقيقيّ، واللمس كناية عنه، وبينهما وصف جامع، إذا الجماع لمسٌ وزيادة، فكان دالاً عليه بالوضع المجازيّ.
قال : وهذا الحدّ فاسد، لأنه يجوز أن يكون حدًّا للتشبيه والمشبَّه، فإنّ التشبيه هو اللفظ
1) مثل السائر : لضياء الدين نصر الله بن محمد بن صاين الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن الأثير الجزري، المتوفى سنة ( 637ه-)، جمع فيه ما استوعب، ولم يتعلق شيئاً بفن الكتابة إلا ذكره كشف الظنون (1586/2).
الدالّ على الوضع الحقيقي الجامع بين المشبّه والمشبه به في صفة من الأوصاف، ألا ترى إذا قلنا : زيد أسد، كان ذلك لفظاً دالاً على غير الوضع الحقيقي، بوصف جامع بين زيد والأسد، وذلك الوصف هو الشجاعة.
قال : وأما أصحابُ أصول الفقه، فقالوا في حدّ الكناية : إنها اللفظ المحتمل، ومعناه أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى، وعلى خلافه .
وهذا منقوض بالألفاظ المفردة المشتركة، وبكثير من الأقوال المركبة المحتملة للشيء وخلافه، وليست بكنايات.
قال : وعندي أن الكنايات لا بد أن يتجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، ومتى أفردت جاز حملها على الجانبين معاً، ألا ترى أن اللمس في قوله سبحانه: «أَو لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ »(1)يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكلُّ منهما يصح به المعنى ولا يختل! ولهذا قال الشافعيّ : إن ملامسَة المرأة تنقض الوضوء والطهارة.
وذهب غيرُه إلى أنّ المراد باللمس في الآية الجماع، وهو الكناية المجازية، فكلّ موضع يَرِدُ فيه الكناية، فسبيله هذا السبيل، وليس التشبيه بهذه الصورة ولا غيره من أقسام المجاز، لأنه لا يجوز حملُه إلا على جانب المجاز خاص، ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، الا تری أنا إذا قلنا : زيد أسد لم يصحّ أن يحمل إلا على الجهة المجازية، وهي التشبيه بالأسد في شجاعته، ولا يجوز حمله على الجهة الحقيقة، لأنّ «زيداً» لا يكون سَبُعاً ذا أنياب ومخالبَ فقد صار إذَن حدّ الكناية أنها اللفظ الدالَ على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز، بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز.
قال : والدليل على ذلك أنّ الكناية في أصل الوضع أن تتكلّم بشيء وتريد غيره، يقال: كنَيْتُ بكذا عن كذا، فهي تدلّ على ما تكلّمت به، وعلى ما أردته من غيره فلا يخلو إمّا أن يَكُونَ في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة، أو في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز، أو في لفظ لا يتجاذبه أمر وليس لنا قسم رابع .
والثاني باطل، لأن ذاك هو اللفظ المشترك، فإن أطلق اللفظ المشترك، فإن أطلق من غير قرينة مخصصة كان مبهماً غير مفهوم، وإن كان معه قرينة صار مخصّصاً لشيء بعينه، والكناية أنّ تتكلّم بشيء وتريد غيره، وذلك مخالف للفظ المشترك إذا أضيف إليه القرينة، لأنه يختصّ بشيء واحد بعينه، ولا يتعدّاه إلى غيره، والثالث باطل أيضاً، لأنّ المجاز لا بد له من حقيقة ينقل عنها لأنه فرع عليها .
وذلك اللفظ الدالَ على المجاز، إما أن يكونَ للحقيقة شركة في الدلالة عليه أو لا يكون لها
1) سورة النساء، الآية : 43 .
شركة في الدلالة عليه، كأن اللفظ الواحد قد دلّ على ثلاثة أشياء : أحدها الحقيقة، والآخران المجازان.
وهذا مخالف لأصل الوضع، لأن أصل الوضع أن تتكلَّم بشيء وأنت تريد غيره، وها هنا يكون قد تكلّمت بشيء وأنت تريد شيئين غيرين، وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفاً لأصل الوضع أيضاً، إذ أصل الوضع أن تتكلم بشيء وأنت تريدُ غيره، فيكون الذي تكلّمت به دالا على غيره، وإذا أخرجت الحقيقة عن كة فى الدلالة، لم يكن الذي تكلّمت ،به وهذا محال فثبت إذن أنّ الكناية هي آن تتکلم الحقیقة و من مکتبة الجوادین العامة موسسة السيد هبة الاذن الحسيني الشهرستاني تاسست سنة 1360ه- 8941صحن الكاظمية - العراق
قال : وهذا مما لم يسبقني إليه أحد.
ثم قال : قد يأتي من الكلام ما يجوزُ أن يكون كناية، ويجوز أن يكون استعارة، ويختلف ذلك باختلاف النظر إليه بمفرده والنظر إلى ما بعده. كقول نصر بن سيّار [ في أبياته المشهورة التي يحرض بها على بني أميّة عند خروج أبي مسلم :
أرَى خَلَلَ الرَّمَادِ وَميض جَمْرٍ*** وَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ لَه ضِرام (1)
فإنّ النارَ بالزّندينِ تُورِي*** وإنّ الحرب أولُها كلامُ
أقول من التعجّب: لَيْتَ شعري*** أأيقاظٌ أميّة أم نيام!
فالبيت الأول لو ورد بمفرده لكان كناية، لأنه لا يجوز حملُه على جانبي الحقيقة والمجاز ، فإذا نظرنا إلى الأبيات بجملتها، كان البيت الأول المذكور استعارة لا كناية .
ثم أخذ في الفرق بين الكناية والتعريض ، فقال : التّعريض هُو اللفظ الدالّ على الشيء من طريق المفهوم، لا بالوضع الحقيقيّ ولا بالمجازيّ، فإنّك إذا قلت لمن تتوقع معروفه وصِلَته بغير طلب : أنا محتاج ولا شيء في يدي، وأنا عريانُ والبرد قد آذاني، فإن هذا وأشباهَه تعريضٌ بالطلب، وليس اللفظ موضوعاً للطلب، لا حقيقة ولا مجازاً، وإنما يدلّ عليه من طريق المفهوم بخلاف قوله : «أَوْ لَمَسْمُ النِّسَاء » (2). وعلى هذا ورد تفسير التعريض في خطبة النكاح ، كقولك للمرأة: أنت جميلة، أو إنّك خليَّة وأنا عَزَب. فإن هذا وشبهه لا يدلّ على
طلب النكاح بالحقيقة ولا بالمجاز، والتعريض أخْفَى من الكناية، لأنّ دلالة الكناية وَضعية من جهة المجاز، ودلالة التعريض من جهة المفهوم المركّب، وليست وضعية، وإنما يسمى التعريض تعريضاً ، لأنّ المعنى فيه يُفهم من عُرْض اللفظ المفهوم، أي من جانبه .
قال : واعلم أنّ الكناية تشتمل على اللفظ المفرد، واللفظ المركّب، فتأتي على هذا مرّة، وعلى هذا أخرى، وأمّا التعريض فإنه يختصّ باللفظ المركب، ولا يأتي في اللفظ المفرد البتّة، لأنه لا يُفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة، ولا من جهة المجاز، بل من جهة التلويح والإشارة، وهذا أمر لا يستقلَ به اللفظ المفرد، ويحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب.
قال : فقد ظهر فيما قلنا في البيت الذي ذكره ابن سنان مثال الكناية، ومثال التعريض هو بيت امرىء القيس، لأن غَرض الشاعر منه أن يذكر الجماع، إلا أنه لم يذكره بل ذكر كلاماً آخر، ففهم الجِماع من عرضه، لأنّ المصير إلى الحسنى ورقّة الكلام لا يدلان على الجماع، لا حقيقة ولا مجازاً.
ثم ذكر أن من باب الكناية قوله سبحانه: «أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيَّاً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ أَ » الآية(1). قال : كَنَى بالماء عن العِلم، وبالأودية عن القُلوب ، وبالزبد عن
الضلال.
قال : وقد تحقق ما اخترعناه وقدرناه من هذه الآية، لأنه يجوز حملها على جانب الحقيقة، كما يجوز حملها على جانب المجاز .
قال : وقد أخطأ الفَرّاء حيث زعم أن قوله سبحانه وتعالى: «وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبَالُ » (2)كناية عن أمر النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وأنه كُنى عنه بالجبال . قال : ووجه الخطأ أنّه لا يجوز أن يتجاذَب اللفظَ ها هنا جانبا الحقيقة والمجاز، لأنّ مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال الحقيقية، فالآية إذاً من باب المجاز لا من باب الكناية .
قال : ومن الكنايات المستحسَنة قولُه(علیه السّلام) للحادي بالنساء : «يا أنجَشَة رفقاً بالقوارير» (3).
وقول امرأة لرجل قعد منها مقعد القابلة : لا يحلُّ لكَ أنْ تَفُض الخاتم إلا بحقِّه.
1) سورة الرعد الآية : 17 .
2) سورة إبراهيم، الآية : 46 .
3) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب ما يجوز من الشعر (6149)، ومسلم في كتاب : الفضائل باب رحمة النبي للنساء (2323)، وأحمد في باب: مسند أنس بن مالك (11630) : كلهم بلفظ : «يا أنجشة رويدك سوقاً بالقوارير». أما لفظ: «رفقاً بالقوارير» فقد أورده ابن عبد البر في التمهيد (140/1) .
وقول بُدَيل بن ورقاء الخُزاعي لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إنّ قريشاً قد نزلت على ماء الحُدَيبِيَة معها العُوذ المطافيل، وإنّهم صادُّوك عن البيت .
قال : فهذه كناية عن النساء والصبيان، لأنّ العُوذَ المطافيل : الإبل الحديثات النّتاج ومعها أولادها .
ومن الكناية ما ورد في شهادة الزنى، أن يُشهد عليه برؤية المِيل في المكحُلة .
ومنها قول عمر لرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : هلكتُ يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟»، قال:
حَوّلت رحلي البارحة (1). قال : أشار بذلك إلى الإتيان في غير الماتَى.
ومنها قول ابن سلَام لمن رأى عليه ثوباً معصفراً : «لو أن ثوبك في تنُّور أهلك لكان خيراً لك» .
قال : ومن الكنايات المستقبحة قول الرضي يرثي امرأة:
إن لم تكن نَصْلاً فغِمْدُ نُصُولِ
لأن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح، وإنما سرقه من قول الفرزدق في امرأته وقد ماتت بجُمْع :
وَجَفْنِ سلاح قَدْ رُزِلتُ فلم أنخ*** عَلَيْه، ولم أبعث عليه البواكيَا
وفي جوفِه من دارم ذُو حفيظة*** لَوَأنَّ المنايا أخطأته لياليا
فأخذه الرضي فأفسده ولم يحسن تصريفَه.
قال : فأمّا أمثله التعريض فكثيرة، منها قوله تعالى: «فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ » (2)، فقوله: ﴿مَا نَرَنكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا» تعريضٌ بأنّهم أحقّ بالنبوّة، وأنّ الله تعالى لو أراد أن يجعلَها في واحد من البَشَر لجعلها فيهم، فقالوا : هب أنّك واحد من الملا وموازيهم في المنزلة، فما جَعَلك أحقَّ بالنبوّة منهم ! ألا تَرَى إلى قوله : «وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِ».
هذه خلاصة ما ذكره ابن الأثير في هذا الباب.
واعلم أنّا قد تكلّمنا عليه في كثير من هذا الموضع في كتابنا الذي أفردناه للنّقض عليه، وهو الكتاب المسمّى ب-«الفلك الدائر على المثل السائر» فقلنا أولاً : إنه اختار حَدّ الكناية وشَرَع يبرهن على التّحديد، والحُدود لا يبرهَن عليها، ولا هِيَ مِنْ باب الدَّعاوى التي تحتاج إلى الأدِلّة، لأنّ مَنْ وَضَع لفظ الكناية لمفهوم مخصوص لا يحتاج إلى دليل، كمَنْ وضعَ لفظ الجدار للحائط لا يحتاج إلى دليل .
ثم يقال له : لم قلت : إنّه لا بدَّ من أن يتردَّد لفظ الكناية بين محملي حقيقةٍ ومجاز؟ ولم لا يتردَّد بين مجازَيْن؟ وما استدللتَ به على ذلك لا معنى له....
أما أولاً، فلأنّك أردت أن تقول : إمّا أن تكون للفْظَةِ الدالّة على المجازَين شركة في الدلالة على الحقيقة، أو لا يكون لها في الدلالة على الحقيقة شركة، لأنّ كلامك هكذا يقتضي، ولا ينتظم إلا إذا قلت هكذا فلم تقله، وقلت: إمّا أن يكون للحقيقة شركة في اللّفظ الدالّ على المجازين، وهذا قلب للكلام الصحيح وعكس له .
وأمّا ثانياً فلم قلتَ: إنه لا يكون للّفظة الدالّة على المجازين شَرِكة في الدلالة على الحقيقة التي هي أصل لهما ، فأما قولك هذا فيقتضي أن يكون الإنسان متكلِّماً بشيء وهو يريد شيئين غيره، وأصلُ الوَضْع أن يتكلم بشيء وهو يريد غيره، فليس معنى قولهم : الكناية أن تتكلّم بشيء وأنت تريد غيره، أنّك تريد شيئاً واحداً غيره، كلّا ليس هذا هو المقصود، بل المقصود أن تتكلّم بشيء وأنت تريد ما هو مغاير له، وإن أردت شيئاً واحداً أو شيئين أو ثلاثة أشياء أو ما زاد، فقد أردت ما هو مغاير له، لأنّ كلّ مغاير لما دلّ عليه ظاهر لفظك فليس في لفظه غير ما يقتضي الوحدة والإفراد.
و أما ثالثاً فلم لا يجوز أن يكون للّفظ الدالّ على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة أصلاً ، بل يدلّ على المجازين فقط ! فأمّا قولك إذا خرجت الحقيقة عن أن يكون لها في ذلك شركة لم يكن الذي تكلّمت به دالَّا على ما تكلّمت به وهو محال، ومرادك بهذا الكلام المقلوب أنه إذا خرجت اللفظة عن أن يكون لها شركة في الدّلالة على الحقيقة التي هي موضوعة لها في الأصل لم يكن ما تكلّم به الإنسان دالاً على ما تكلّم به وهو حقيقة، ولا دالاً أيضاً على ما تكلّم به وهو مجاز، لأنه إذا لم يدلّ على الحقيقة، وهي الأصل، لم يجز أن يدلّ على المجاز الذي هو الفرع ، لأنّ انتفاء الدلالة على الأصل، يوجب انتفاء الدلالة على الفرع، وهَكذا يجب أن يُتأول استدلاله، وإلّا لم يكن له معنى محصّل، لأن اللفظ هو الدّال على مفهوماته، وليس المفهوم دالاً على اللفظ، ولا له شركة في الدلالة عليه، ولا على مفهوم آخر يعترض اللفظ بتقدير انتقال اللفظ ، اللّهمّ إلا أن يكون دلالة عقلية، وكلامُنا في الألفاظ ودلالتها .
فإذا أصلحنا كلامَه على ما ينبغي، قلنا له في الاعتراض عليه : لم قلتَ إنه إذا خرج اللفظُ
عن أن يكون له شركة في الدلالة على الحقيقة، لم يكن ما تكلّم به الإنسان دالاً على ما تكلم به؟ ولم لا يجوزُ أن يكون للحقيقة مجازان قد كثر استعمالهما حتى نسيت تلك الحقيقة، فإذا تكلّم الإنسان بذلك اللفظ كان دالاً به على أحد ذَينِك المجازين، ولا يكون له تعرُّضُ ما بتلك الحقيقة، فلا يكون الذي تكلم به غير دالِّ على ما تكلم به، لأن حقيقة تلك اللفظة قد صارت ملغاة منسية، فلا يكون عدمُ إرادتها موجباً أن يكون اللفظ الذي يتكلم به المتكلم غير دالِّ على ما تكلم به، لأنها قد خرجت بترك الاستعمال، عن أن تكون هي ما تكلم به المتكلم .
ثم يقال : إنك منعت أن يكون قولنا : «زيد أسد». كناية، وقلت : لأنه لا يجوز أن يحمل أحد هذا اللفظ على أن «زيداً» هو السبع ذو الأنياب والمخالب ومنعت من قول الفَرّاء إن الجبال في قوله : «لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ » (1)كناية عن دعوة محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وشريعته، لأنّ أحداً لا يعتقد ولا يتصوّر أنّ مكرَ البشر يزيل الجبال الحقيقية عن أماكنها، ومنعتَ مِنْ قول مَنْ قال إن قول الشاعر :
وَلَوْ سَكَتُوا اثْنَتْ عَلَيْكَ الْحَقَائِبُ
من باب الكناية، لأن أحداً لا يتصوّر أنّ الحقائب - وهي جمادات - تُثنّي وتشكر .
وقلت: لا بدّ أن يصحّ حمل لفظ الكناية على محملي الحقيقة والمجاز، ثم قلت: إنّ قول عبدالله بن سلّام لصاحب الثوب المعصفّر : «لو أنّك جعلت ثوبَك في تَنُّور أهلك» كناية، وقول الرضيّ في امرأة ماتت :
إِنْ لَمْ تَكُنْ نَصْلاً فَغِمْدُ نُصُولِ
كناية، وإن كانت مستقبحة، وقول النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «يا أنجشة رفقاً بالقوارير»، وهو يحدو بالنساء كناية، فهل يجيزُ عاقل قطّ أو يُتصوّر في الأذهان أن تكون المرأة غِمْداً للسيف ! وهل «يحمل أحد» قطّ قوله للحادي «رفقاً بالقوارير» على أنه يمكن أن يكون نهاه عن العُنف بالزُّجاج، أو يحمل أحدٌ قطّ قول ابن سلَام على أنه أراد إحراق الثوب بالنار، أو يحمل قطّ أحدٌ قوله : «المِيل في المكحلة» على حقيقتها، أو يحمل قطّ أحد قوله : «لا يحل لَك فضّ الخاتم» على حقيقته ! وهل يشكّ عاقل قطّ في أنّ هذه الألفاظ ليست دائرة بين المحملين دَوَرَان اللمس والجماع والمصافحة، وهذه مناقضة ظاهرة، ولا جوابَ عنها إلا بإخراج هذه المواضع من باب الكناية، أو بحذف ذلك الشرط الذي اشترطته في حدّ الكناية .
1) سورة إبراهيم، الآية : 46 .
فأمّا ما ذكره حكايةً عن غيره في حَدّ الكناية بأنّها اللّفظ الدالّ على الشيء بغير الوضع الحقيقيّ، بوصف جامع بين الكناية والمكنيّ عنه، وقوله : هذا الحدّ ، وقوله : هذا الحدّ هو حدّ التشبيه، فلا يجوز أن يكونَ حدّ الكناية . فلقائل أن يقول : إذا قلنا : زيد أسد، كان ذلك لفظاً دالاً على غير الوضع الحقيقيّ، وذلك المدلول هو بعينه الوصف المشترك بين المشبّه والمشبّه به، ألا تَرَى أنّ المدلولَ هو الشجاعة، وهي المشترك بين زيد والأسد، وأصحاب الحدّ قالوا في حَدّهم : الكناية هي اللّفظ الدالّ على الشيء بغير الوضع الحقيقي، باعتبار وصف جامع بينهما، فجعلوا المدلولَ أمراً والوصف الجامع أمراً آخر باعتباره وقت الدلالة، ألا ترى أن لفظ «لَمَسمُ » (1)يدلّ على الجماع الذي لم يوضع لفظ «لَمَسْتُمُ» له ، وإنما يدلّ عليه باعتبار أمر آخر، هو كون الملامسة مقدّمة الجماع ومفضِية إليه ! فقد تغاير إذن حدّ التشبيه وحدُّ الكناية، ولم يكن أحدُهما هو الآخر .
فأما قوله : إن الكناية قد تكون بالمفردات والتعريض لا يكون بالمفردات، فدعوى، وذلك أنّ اللفظ المفرد لا ينتظِمُ منه فائدة، وإنما تفيد الجملة المركبة من مبتدأ وخبر، أو من فعل وفاعل، والكناية والتعريض في هذا الباب سواء، وأقلّ ما يمكن أن يقيّد في الكناية قولك : لامست هنداً، وكذلك أقلّ ما يمكن أن يفيد في التعريض : «أنا عزب»، كما قد ذكره هو في أمثلة التعريض. فإن قال : أردت أنه قد يقال : اللّمس يصلح أن يُكنَى به عن الجماع ،واللمس لفظ مفرد، قيل له : وقد يقال : التعزّب يصلح أن يعرّض به في طلب النكاح .
فأمّا قوله : إن بيت نصر بن سيّار، إذا نظر إليه لمفرده صَلَح أن يكون كنايةٌ، وإنّما يخرجه عن كونه كناية ضمُّ الأبيات التي بعدَه إليه، ويدخله في باب الاستعارة، فلزم عليه أن يخرج قول عمر «حوّلت رَحْلِي» عن باب الكناية بما انضمّ إليه من قوله : «هلكت»، وبما أجابه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من قوله : «أقبل وأدبِر واتّق الدُّبر والحَيْضة»، وبقرينة الحال. وكان يجب ألّا تُذكر هذه اللفظة في أمثلة الكنايات .
فأما بيت امرىء القيس فلا وجه لإسقاطه من باب الكناية وإدخاله في باب التعريض، إلا فيما اعتمد عليه من أن من شرط الكناية أن يتجَاذَبها جانبا حقيقة ومجاز .
وقد بيَّنا بطلان اشتراط ذلك، فبطل ما يتفرّع عليه .
1) سورة النساء، الآية : 43 .
وأما قول بُديل بن ورقاء : «معها العُوذُ المَطافيل» فإنه ليس بكناية عن النساء والأولاد كما زعم ، بل أراد به الإبل ونتاجها ، فإنّ كتب السِّير كلّها متّفقة على أن قُريشاً لم يخرج معها في سنة الحديبية نساؤها وأولادها، ولم يحارب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قوماً أحضروا معهم نساءهم وأولادهم، إلا هَوازن يوم حُنَين، وإذا لم يكن لهذا الوجه حقيقة ولا وجود فقد بطل حمل اللفظ عليه .
فأما ما زَرَى به على الرضيّ رحمه الله تعالى من قوله :
إن لم تكن نَصْلاً فغِمْدُ نُصُولِ
وقوله : هذا مما يسبق الوهم فيه إلى ما يستقبَح واستحسانه شعرَ الفرزدق وقوله : إن الرضيّ أخذه منه فأساء الأخذ، فالوَهم الذي يسبق إلى بيت الرضيّ يسبق مثله إلى بيت الفرزدق، لأنّه قد جعل هذه المرأة جَفْن السلاح، فإن كان الوَهْمُ يسبق هناك إلى قبيح فها هنا أيضاً يسبق إلى مثله .
وأما الآية التي مثَّل بها على التعريض، فإنه قال : إن قوله تعالى : « مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا » (1)تعريض بأنّهم أحقّ بالنبوّة منه ، ولم يبين ذلك، وإنما قال فحوى الكلام أنّهم قالوا له : هب أنّك واحد من الملأ وموازيهم في المنزلة، فما جَعَلك أحقَّ بالنبوة منهم؟ ألا ترى إلى قوله: « وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِ » (2)وهذا الكلام لا يقتضي ما ادعاه أولاً من التعريض، لأنه ادَّعى أن قوله: «مَا نَرَتكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا» تعريض بأنَّهم أحقُّ بالنبوّة منه، وما قَرّره به يقتضي مساواته لهم، ولا يقتضي كونَهُم أحقّ بالنبوة منه، فبطل دعوى الأحقيّة، التي زعم أن التعريض إنما كان بها .
فأما قوله تعالى : أ«َنزَلَ من السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدَا » (3)، وقوله : إن هذا من باب الكناية وأنه تعالى كَنَى به عن العلم والضلال وقلوب البشر، فبعيد، والحكيم سبحانه لا يجوز أن يُخاطب قوماً ،بلغتهم، فيعمي عليهم، وأن يصطلح هو نفسه على ألفاظ لا يفهمون المراد بها وإنما يعلمها هو وحده ألا ترى أنّه لا يجوز أن يحمل قوله تعالى : «وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِينِ » (4)على أنّه أراد أنا زيّنا رؤوس البشر بالحواس الباطنة والظاهرة المجعولة فيها، وجعلناها بالقوى الفِكرية والخيالية المركبة في الدِّماغ راجمة وطاردة للشُّبَه المضلة ، وإنّ مَنْ حمل كلام الحكيم سبحانه على ذلك فقد نسبه إلى الإلغاز والتعمية، وذلك يقدح في حكمته تعالى. والمراد بالآية المقدم ذكرها ظاهرُها، والمتكلف
لحملها على غيرها سخيفُ العقل، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِما يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَو مَتَعِ زَيدٌ مِثْلُمُ »(1)، أفترى الحكيمَ سبحانه يقول : إن للذهب والفضة زيداً مثل الجهل والضلال ويبين ذلك قوله : : «كذلك يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ» (2)، فضرب سبحانه الماءَ الذي يبقى في الأرض فينتفع به الناس، والزَّبَد الذي يعلو فوقَ الماء فيذهب جفاء مثلاً للحق والباطل، كما صَرَّح به سبحانه فقال : «كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَنطِلَّ» (3)، ولو كانت هذه الآية من باب الكنايات - وقد كنى سبحانه بالأودية عن القلوب، وبالماء الذي أنزله من السماء عن العلم وبالزّبد عن الضلال - لَمَا جعل تعالى هذه الألفاظ أمثالاً، فإن الكناية خارجة عن باب المثل، ولهذا لا تقول إن قوله تعالى : «أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاء» (4)من باب المثل، ولهذا أفرد هذا الرجل في كتابه باباً آخر غير باب الكناية، سمّاه باب المثل، وجعلهما قسمين متغايرين في علم البيان، والأمر في هذا الموضع واضح ولكنّ هذا الرجل كان يحبُّ هذه الترّهات ويُذهِب وقته فيها، وقد استقصينا في مناقضته والردّ عليه في كتابنا الذي أشرنا إليه .
فأما قوله (علیه السّلام): «كُلَّمَا نَجَمَ منهم قَرْنٌ قطعه»(5)، فاستعارة حسنة،يريد: كُلَّما ظهر منهم قوم استؤصلوا، فعبّر عن ذلك بلفظة «قَرْن» كما يقطع قَرْن الشَّاة إذا نجم، وقد صح إخبارُه(علیه السّلام) عنهم أنّهم لم يهلكوا بأجمعهم في وقعة النّهروان (6)، وأنّها دعوة سيدعو إليها قوم لم يخلَقوا ،بعد، وهكذا وقع وصحّ إخباره(علیه السّلام) أيضاً أنه سيكون آخرهم لصوصاً سَلاً بين، فإن دعوة الخوارج اضمحلّت، ورجالها فنِيت، حتى أفضى الأمر إلى أن صارَ خَلَفُهم قطاع طريق ، متظاهرين بالفسوق والفساد في الأرض.
فممن انتهى أمره منهم إلى ذلك الوليد بن طريف الشيبانيّ . في أيام الرّشيد بن المهديّ، فأشخص إليه يزَيد بن مزيد الشيبانيّ فقتله، وحمل رأسه إلى الرشيد، وقالت أخته ترثيه، وتذكر أنّه كان من أهل التُّقى والدين، على قاعدة شعراء الخوارج، ولم يكن الوليد كما زعمت:
1) سورة الرعد، الآية : 17 .
2) سورة الرعد، الآية : 17 .
3) سورة الرعد، الآية : 17 .
4) سورة النساء الآية : 43 .
5) أخرجه الحاكم في «المستدرك » (8497) وابن ماجه في كتاب المقدمة، باب : في ذكر الخوارج (174) ، وأحمد في كتاب المكثرين من الصحابة، باب : مسند عبدالله بن عمرو بن العاص .(27767) .
6) انظر تفاصيل الوقعة في تاريخ الطبري (133/5 ) .
أَيَا شَجَرَ الْخَابُورِ مَالَكَ مُورِقاً*** كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعُ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ
فتى لا يحبّ الزادَ إلا مِنَ التَّقَى*** ولا المال إلا مِنْ قَناً وسيوف
ولا الذّخرَ إلا كلّ جرداء شطبةٍ*** وكلّ رقيق الشَّفْرَتَيْنِ خفيف
فَقَدْنَاك فقدان الربيع وليتَنَا*** فَدَيْنَاكَ من سَادَاتِنا بألُوفِ
وقال مُسلم بن الوليد يمدح يزيد بن مزيد، ويذكر قتله الوليد :
والمارقُ ابنُ طريف قد دَلَفْتَ لَهُ*** بعارض للمنايا مُسْبِلٍ هَطِلِ
لو أن شيئاً بگی مما أطاف به*** فاز الوليد بِقِدْحِ النّاضِل الخَصِلِ
ما كان جمعُهُم لمَّا لقيتَهُمُ*** إلا كرَجُل جَرادٍ ريع مُنْجَفِلِ
فاسلم يزيدُ فما في الملك من أودٍ*** إذا سلمت، ولا في الدين من خَلَلِ
ثم خرج في أيام المتوكل ابنُ عمرو الخثعميّ بالجزيرة فقطَع الطريق، وأخاف السبيل وتسمّى بالخلافة، فحاربه أبو سعيد محمد بن يوسف الطائيّ الثغريّ الصامِتيّ، فقتل كثيراً من أصحابه، وأسرَ كثيراً منهم ونجا بنفسه هارباً ، فمدحه أبو عُبادة البحتريّ، وذكر ذلك فقال :
كُنَّا نُكَفِّرُ من أميَّةً عُصْبَةٌ*** طَلَبُوا الخِلافَة فَجْرَةً وفُسُوقا
وَنَلومُ طلحةَ والزبير كلَيْهِمَا*** وَنُعَنّفُ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقا
ونقول : تيم أقربت وعَدِيها*** أمراً بعيداً حيث كانَ سَحِيقا
وهمُ قريش الأبطحون إذا انتمَوا*** طابُوا أُصُولاً في العُلاَ وَعُرُوقا
حَتَّى غَدَتْ جُشَمُ بن بكر تبتغِي*** إرْثَ النبيّ وتَدَّعِيه حُقُوقا
جاؤوا براعيهم ليتّخذوا به*** عَمْداً إلى قطع الطريق طريقا
عَقَدُوا عِمَامَتَهُ برأس قَناتِهِ*** ورأوه بَراً فاستحال عَقُوقا
وأقامَ يُنفذ في الجزيرة حكمَهُ*** ويظنُّ وَعْدَ الكاذبين صدوقا
حتى إذا ما الحيَّةُ الذكر انكَفى*** من أرْزَنٍ حَرِیاً بمجُ حَرِيقَا
غضبان يلقى الشمس منه بهامةٍ*** يُعْشِي العيون تألقاً وبُرُوقا
أوْفَى عليه فظلَّ من دهش يظن*** البَرِّ بحراً والفَضَاءَ مَضِيقا
غدرت أمانيه به وتمزَّقَتْ*** عَنْه غیابةُ سُكْرِه تمزيقا
طلعت جيادك من رُبا الجودِيِّ قد*** حُمِّلْنَ من دفع المنون وُسُوقا
فدعَا فريقاً من سُيوفك حتفهم*** وشدَدْتَ في عِقْدِ الحديد فَريقا
ومضى ابن عَمْرِو قد أساء بعمرِه*** ظناً ينزّق مهرّه تنزيقا
فاجتاز دِجلة خائضاً وكأنها*** قَعْبٌ على باب الكُحَيل أريقا
لو خاضها عِمليق أو عوج إذاً*** ما جوَّزت عُوجاً ولا عمليقا
لولا اضطرابُ الخوف في أحشائِه*** رسب العُباب به فمات غَریقا
لونفّسته الخيلُ لفتة ناظر*** ملأ البلادَ زلازلاً وفُتُوقا
لَثنَى صُدُور الخيل تكشف كُرْبَةً*** وَلَوى رماحَ الخَطّ تفرج ضيقا
ولبكرت بَكْرٌ ورَاحت تَغْلِبُ*** في نصر دَعْوَته إليه طُرُوقا
حتى يعودَ الذئب ليثاً ضيغماً*** والغصن ساقاً والقَرارة نِيقا
هَيْهَات مارس فيلقاً متيقّظاً*** قلِقاً إذا سكن البليد رَشيقا
مستسلفاً جعل الغَبُوق صَبُوحَه*** وَمَرَى صبوح غدٍ فكَانَ غَبُوقًا
وهذه القصيدة من ناصع شعر البحتريّ ومختاره.
وقد خرج بعد هذين جماعة من الخوارج بأعمال كرمان وجماعة أخرى من أهل عُمان لا نباهة لهم وقد ذكرهم أبو إسحاق الصابي في الكتاب «التاجي »(1)وكلهم بمعزل عن طرائق سلفهم، وإنما وَكُدُهم وقصدهم إخافة السبيل، والفساد في الأرض، واكتساب الأموال من غير حِلها . ولا حاجة لنا إلى الإطالة بذكرهم. ومن المشهورين برأي الخوارج الذين تَمّ بهم صدق قول أميرالمؤمنين(علیه السّلام) : إنّهم نُطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، عِكرمة مولى ابن عباس، ومالك بن أنس الأصبحيّ الفقيه، يروى عنه أنه كان يذكر علياً(علیه السّلام) وعثمان وطلحة والزبير، فيقول : والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأغفَر .
ومنهم المنذر بن الجارود العبديّ، ومنهم يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج .
وروي أن الحجاج أتي بامرأة من الخوارج وبحضرته مولاه يزيد بن أبي مسلم، وكان يستسرّ برأي الخوارج ، فكلّم الحجاج المرأة فأعرضت عنه ، فقال لها يزيد الأمير - ويلك - يكلّمك ! فقالت : بل الويل لك أيها الفاسق الرديء! والرديء عند الخوارج هو الذي يعلم الحقّ من قولهم ويكتمه.
1) التاجي في أخبار الدولة الديلمية، لأبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي المتوفى سنة ( 384ه-) ، ألفه بأمر عضد الدولة، وسماه بالنسبة إلى لقبه تاج الملّة، وهو كتاب بليغ سهل العبارة. كشف الظنون (270/1).
ومنهم صالح بن عبد الرحمن صاحب ديوان العراق .
وممن ينسب إلى هذا الرأي من السلف جابر بن زيد وعمرو بن دينار ومجاهد.
وممن ينسب إليه بعد هذه الطبقة أبو عبيدة معمر بن المثنى التيميّ ، يقال : إنه كان يرى رأي الصُّفْريّة.
ومنهم اليمان بن رباب، وكان على رأي البيهسية(1)، وعبدالله بن يزيد ومحمد بن حرب ويحيى بن كامل، وهؤلاء إباضيّة.
وقد نسب إلى هذا المذهب أيضاً من قبل أبو هارون العبديّ، وأبو الشعثاء، وإسماعيل بن سميع وهبيرة بن يريم.
وزعم ابن قتيبة أن ابن هبيرة كان من غُلاة الشِّيعة .
ونُسِب أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد إلى رأي الخوارج لإطنابه في كتابه المعروف ب-«الكامل» في ذكرهم وظهور الميل منه إليهم .
الأصل: لاَ تُقَاتِلُوا الخَوَارِجَ بَعْدِي ، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الحَقَّ فَأَخْطَأَهُ كَمَنْ طَلبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ .
قال الرضيّ رحمه الله : يعني معاوية وأصحابه.
الشرح مرادُه أن الخوارج ضلّوا بشبهة دخلت عليهم، وكانوا يطلبون الحقّ، ولهم في الْجُملة تمسُّك بالدين ومحاماة عن عقيدة اعتقدوها ،وإن أخطؤوا فيها، وأما معاوية فلم يكن يطلبُ الحقّ، وإنما كان ذا باطل، لا يحامي عن اعتقاد قد بناه على شبهة، وأحواله كانت تدلّ على ذلك، فإنه لم يكن من أرباب الدين، ولا ظهر عنه نُسُك، ولا صلاحُ حال، وكان مترَفاً يُذهِب مالَ الفيء في مآربه، وتمهيد مُلكه، ويصانع به عن سلطانه، وكانت أحوالُه كلها مؤذنةٌ بانسلاخه عن العدالة، وإصراره على الباطل، وإذا كان كذلك لم يَجُز أن ينصُر المسلمون سلطانه، وتحارَبُ الخوارج عليه وإن كانوا أهل ضلال، لأنَّهم أحسن حالاً منه ، فإنهم كانوا ينهون عن المنكر، ويرونَ الخروج على أئمة الجور واجباً .
1) البيهسية: أصحاب أبي بيهس الهيصم بن جابر، قالوا: الإيمان هو الإقرار والعلم بالله، وبما جاء به الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ووافقوا القدرية بإسناد أفعال العباد إليهم. انظر: التعريفات للجرجاني (1/ 70).
وعند أصحابنا أنّ الخروج على أئمة الجور واجبٌ، وعند أصحابنا أيضاً أنّ الفاسق المتغلّب بغير شبهة يعتمد عليها لا يجوز أن ينصر على مَنْ يخرج عليه ممن ينتمي إلى الدين، ويأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، بل يجب أن ينصر الخارجون عليه وإن كانوا ضالين في عقيدة اعتقدوها بشبهة دينية دخلت عليهم، لأنهم أعدَلُ منه، وأقربُ إلى الحقّ، ولا ريب في تلزّم الخوارج ،بالدين، كما لا ريبَ في أنّ معاوية لم يظهر عنه مثل ذلك .
ذكر أبو العباس المبرد في الكتاب «الكامل» أن عُروة بن أديّة أحد بني ربيعة بن حنظلة- ويقال إنه أول من حَكّم - حضر حرب النَّهروان، ونجا فيها فيمن نجا، فلم يزل باقياً مدة من خلافة معاوية، ثم أخذ فأتي به زياد ومعه مولى له، فسأله عن أبي بكر وعمر، فقال خيراً، فقال له : فما تقول في عثمان وفي أبي تراب، فتولّى عثمان ست سنين من خلافته، ثم شهد عليه بالكفر، وفعلَ في أمر عليّ(علیه السّلام) مثلَ ذلك إلى أن حكّم ثم شهد عليه بالكفر. ثم سأله عن معاوية فسبّه سبّا قبيحاً ، ثم سأله عن نفسه، فقال : أوّلك لريبة، وآخرك لدِعوة، وأنتَ بعدُ عاص ربَّك. فأمر فضربت عنقه، ثم دعا مولاه، فقال : صف لي ،أمورَه ، فقال : أَأُطنِبُ أم أختصر؟ قال : بل اختصر قال : ما أتيتُه بطعام في نهار قطّ ولا فرشْتُ له فراشاً في ليل قَطّ .
قال : وحُدثت أنّ واصلَ بن عطاء أبا حُذَيفة أقبل في رُفقة، فأحسُّوا بالخوارج، فقال واصل لأهل الرُّفقة : إنَّ هذا ليس من شأنِكم فاعتزلوا، ودَعوني وإيّاهم - وقد كانوا قد أشرفُوا على العطب - فقالوا : شأنك، فخرج إليهم، فقالوا : ما أنت وأصحابك؟ فقال : قوم مُشركون مُسْتَجِيرون بكم، ليسمَعُوا كلام الله ، ويفهموا حدوده، فقالوا : قد أَجَرْنَاكم . قال : فعلمُونا، فجعلوا يعلِّمونهم أحكامهم، وواصل يقول : قد قِبلت أنا ومن معي، قالوا : فامضوا مُصاحَبين فإنكم إخواننا ، فقال : ليس ذاك إليكم، قال الله عز وجل : «وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ » (1). فأبلغونا مأمننا . فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قالوا : ذاك لكم ، فساروا معهم بجمعهم، حتى أبلغوهم المأمن.
وقال أبو العباس : أُتِيَ عبدُالملك بن مروان برجل من الخوارج، فبحثَه فرأى منه ما شَاءَ فهماً وعلماً، ثم بحثه فرأى منه ما شاء أدباً وذهناً، فَرغِب فيه، فاستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه، فرآه مستبصراً محقّقّاً، فزاده في الاستدعاء، فقال : تغنيك الأولى عن الثانية، وقد قلتَ
1) سورة التوبة، الآية : 6 .
وسمعتُ، فاسمع أقُل، قال: قل، فجعل يبسُط من قول الخوارج ويزيّن له من مذهبهم بلسان طلق، وألفاظ بيّنة، ومعان قريبة . فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته وفضله : لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة إنما خلقت لهم، وأنّي أولى العباد بالجهاد معهم، ثم رجعت إلى ما ثبَّت الله عليَّ من الحجّة، وقرّر في قلبي من الحقّ ، فقلت له الدنيا والآخرة لله ، وقد سَلّطنا الله الدنيا، ومكَّن لنا فيها، وأراك لست تجيبنا إلى ما نقول، والله لأقتلنك إن لم تطع،فأنا في ذلك، إذ دُخِل عَلي بابني مَرْوان .
قال أبو العباس : وكان مَرْوان أخا يزيد بن عبد الملك لأمه، [أمّهما] عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وكان أبيّا عزيز النفس، فدُخل به على أبيه في هذا الوقت باكياً لضرب المؤدب إياه، فشق ذلك على عبد الملك، فأقبل عليه الخارجيّ وقال : [له] دَعْه يبكِ، فإنه أرحبُ لشدقه، وأصحّ لدِماغه، وأذهَبُ لصوته، وأخرى ألا تأبى عليه عينُه إذا حضرته طاعة واستدعى عَبْرَتها .
فأعجب ذلك من قوله عبدَ الملك، وقال له متعجباً : أما يشغَلُك ما أنت فيه ويعرضك عن هذا ؟ فقال : ما ينبغي أن يشغل المؤمنَ عن قول الحقِّ شيء، فأمر بحبسه، وصفح عن قتله، وقال بَعْدُ معتذراً إليه : لولا أن تُفْسِدَ بألفاظك أكثر رعيَّتي ما حبستك ، ثم قال عبد الملك : لقد شكّكني ووهَّمني حَتَّى مالت بي عصمة الله، وغير بعيد أن يستهوِي مَنْ بَعْدي .
قال أبو العباس: وكان من المجتهدين من الخوارج البلْجَاء، وهي امرأة من بني حَرَام يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.
وكان مرداس بن حُدَير أبو بلال، أحد بني ربيعة بن حنظلة ناسكاً، تعظمه الخوارج، وكان كثيرَ الصواب في لفظه مجتهداً ، فلقيه غَيْلان بن خَرَشَةَ الضّبي، فقال: يا أبا بلال، إنّي سمعت الأمير البارحة - يعني عبيدالله بن زياد - يذكر البلجاء، وأحسبها ستؤخذ، فمضى إليها أبو بلال فقال : إن الله قد وسّع على المؤمنين في التقيَّة فاستتري، فإن هذا الْمُسرِف على نفسه الجبّار العنيد قد ذكركِ ، قال : إن يأخذني فهو أشقى به، فأمّا أنا فما أحبّ أن يعنَّت إنسان بسببي، فوجه إليها عبيد الله بن زياد، فأتيَ بها فقطع يديها ورجليها، ورمى بها في السوق، فمرَّ بها أبو بلال والناس مجتمعون فقال: ما هذا؟ قالوا : البلجاء، فعرّج إليها فنظر ثم عضّ على لحيته، وقال لنفسه : لهذه أطيبُ نفساً من بقيّة الدنيا منك يا مرداس.
قال : ثم إن عبيد الله أخذ مِرْدَاساً فحبسه ، فرأى صاحب السجن منه شدّة اجتهاده، وحلاوة منطقه، فقال له : إني أرى لك مذهباً حسناً، وإني لأحِبّ أن أوليَكَ معروفاً، أفرأيتك إن تركتُك تنصرف ليلاً إلى بيتك أتدَلَّج إلي ؟ قال : نعم، فكان يفعل ذلك به .
ولَّج عبيد الله في حَبْس الخوارج وقتلهم، وكُلّم في بعضهم فأبَى وقال : أقمعُ النفاق قبل أن ينجُم ، لكلام هؤلاء أسرعُ إلى القلوب من النّار إلى اليراع.
فلما كان ذاتَ يوم قَتَلَ رجل من الخوارج رجلاً من الشُّرطة، فقال ابن زياد: ما أدري ما أصنع بهؤلاء ! كلما أمرتُ رجلاً بقتل رجل منهم فتكوا بقاتله، لأقتلنّ مَنْ في حبسِي منهم . وأخرج السَّجان مرداساً إلى منزله كما كان يفعل، فأتى مرداساً الخبر، فلما كان في السَّحَر ، تهيّأ للرجوع إلى السجن، فقال له أهله: اتق الله في نفسِك، فإنك إذا رجعتَ قُتلت، فأبى وقال : والله ما كنتُ لألقى الله غادراً، فرجع إلى السجان، فقال : إنّي قد علمت ما عَزَم عليه صاحبُك، قال: أعلمت ثم جئت!
قال أبو العباس : ويروى أن مرداساً مَرّ بأعرابيّ يَهْنا (1)بعيراً له، فهرج (2)البعير، فسقط مرداس مغشيَّا عليه، فظنّ الأعرابيّ أنّه صُرع، فقرأ في أذنه، فلما أفاق قال له الأعرابيّ : إني قرأت في أذُنك، فقال مِرداس : ليس بي ما خفتَه عَلَيّ، ولكنّي رأيت بعيراً هَرج من القَطِران، فذکرت به قِطران جهنم، فأصابني ما رأيت فقال الأعرابي : لا جَرَم ! والله لا أفارقك أبداً .
قال أبو العباس : وكان مِرداس قد شَهِدَ مع عليّ(علیه السّلام) صفين، ثم أنكر التحكيم، وشهد النَّهْروان، ونجا فيمن نجا، ثم حبسه ابنُ زياد، كما ذكرناه، وخرج مِن حبسه، فرأى جِدَّ ابن زياد في طلب الشُّراة، فعزم على الخروج، فقال لأصحابه : إنه والله ما يسعُنا المقام مع هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامُهم، مجانِبين للعدل، مفارقين للقصد، والله إنّ الصبر على هذا لعظيم، وإنّ تجريد السيف وإخافة الناس لعظيم ، ولكنا ننتبذ عنهم، ولا نجرّد سيفاً، ولا نقاتل إلا مَنْ قاتلنا. فاجتمع إليه أصحابه زُهاء ثلاثين رَجُلاً، منهم حُرَيْث بن حَجْل وكَهْمس بن طَلْقٍ الصَّرِيمي، وأرادوا أن يولّوا أمرهم حُرَيثاً فأبى، فولّوا أمرهم مِرداساً، فلمّا مضى بأصحابه لقيه الله بن رباح الأنصاريّ - وكان له صديقاً - فقال يا أخي أين تريد؟ قال : أريد أن أهربَ بديني ودين أصحابي مِن أحكام هؤلاء الجَوَرَة ، فقال : أَعَلِمَ بكم أحد؟ قال: لا، قال: فارجع قال : أو تخاف عليّ نُكْراً؟ قال: نعم، وأن يؤتى بك. قال: لا تخف فإني لا أجَرِّد سيفاً، ولا أخيف أحداً ، ولا أقاتل إلا مَنْ قاتلني.
ثم مضى حتى نزل آسك، وهي ما بين رامهُرمز وأرجان، فمرّ به مالٌ يُحمل إلى ابن زياد، وقد قارَب أصحابه الأربعين، فحطّ ذلك المال، وأخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه، وردّ الباقي
على الرُّسل، وقال : قولوا لصاحبكم: إنا قبضنا أعطياتنا، فقال بعض أصحابه : علام نَدَع الباقي ؟ فقال : إنهم يقيمون هذا الفيء، كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم على الصلاة.
قال أبو العباس: ولأبي بلال مرداس في الخروج أشعار، اخترت منها قوله :
أبعدَ ابنِ وَهْبٍ ذِي النَّزاهة والتُّقى*** ومَنْ خَاصَ في تلك الحرُوبِ المهالِكا
أحب بقاءً أو أرجي سلامةً*** وقد قتلُوا زيدَ بن حِصْنٍ وَمَالِكا
فياربِّ سَلّم نيَّتي وبَصيرتي*** وهب لِي التُّقى حتى الاقي أولائكا
قال أبو العباس: ثم إنّ عُبيد الله بن زياد نَدَب جيشاً إلى خُراسان، فحكى بعضُ مَنْ كان في ذلك الجيش ، قال : مررنا بآسَك (1)، فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رَجُلاً، فصاح بنا أبو بلال : أقاصدون لقتالنا أنتم؟ قال: وكنت أنا وأخي قد دخلنا زَرْباً ، فوقف أخي ببابه فقال : السلام عليكم ، فقال مِرداس: وعليكم السلام، ثم قال لأخي : أجئتم لقتالنا؟ قال : لا ، إنما نريد خُراسان، قال : فأبلغوا مَنْ لقيتم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا لنروع أحداً، ولكن هرباً من الظلم. ولسنا نقاتل إلا مَنْ يقاتلنا، ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا، ثم قال: أنُدِب لنا أحد؟ قلنا : نعم، أسلم بن زُرْعة الكلابيّ، قال فمتى ترؤنَه يصل إلينا؟ قلنا : يوم كذا وكذا ، فقال أبو بلال : حَسبنا الله ونعم الوكيل !
قال أبو العباس : وجَهَّز عبيد الله بن زياد أسلم بن زُرْعة في أسرع مدّة، ووجهه إليهم في ألفين، وقد تتامُ أصحابُ مرداس أربعين رجلاً ، فلما صار أسلم إليهم صاح به أبو بلال: اتّق الله يا أسلم، فإنا لا نُريد فساداً في الأرض، ولا نحتجر فيئاً، فما الذي تريد؟ قال : أريد أن أردّكم إلى ابن زياد قال : إذن يقتلنا ، قال : وإن قتلكم قال : تشرَك في دمائنا ، قال : إني أدين بأنّه محقِّ وأنتم مبطلون، فصاح به حُريث بن حَجْل أهو محقِّ، وهو يطيع الفَجَرة، وهو أحدهم، ويقتل بالظُّنّة ويخصُّ بالفيء، ويجور في الحكم ! أما علمت أنه قتل بابن سُعاد أربعة برآء، وأنا أحد قتلته، وقد وضعتُ في بطنه دراهم كانت معه .
ثم حملوا على أسلم حملة رجل واحد فانهزم هو وأصحابه من غير قِتال، وكاد يأسره مَعبَد أحد الخوارج، فلما عاد إلى ابن زياد غَضِب عليه غضباً شديداً، وقال ويلك! أتمضي في ألفين، فتهزم بهم من حملة أربعين! فكان أسْلَمُ يقول : لأن يذمَّني ابن زياد وأنا حيُّ، أحبُّ إليَّ أن يمدحَني وأنا ميت .
1) آسَك : بلد من نواحي الأهواز ذات نخيل ومياه معجم البلدان (54/1 ) .
وكان إذا خرج إلى السوق، أو مرّ بصبيان صاحوا به : أبو بلال وراءك ! وربما صاحوا به : معبد خذه، حتى شكا إلى ابن زياد، فأمَر الشُّرَط أن يكفُّوا الناس عنه، ففي ذلك يقول عیسی بن فاتك، من بني تيم اللات بن ثعلبة أحد الخوارج :
فلما أصْبَحُوا صَلَّوْا وقامُوا*** إلى الجُرْد العتاقِ مُسَوّمِينَا
فَلَمَّا اسْتَجْمَعُوا حَملُوا عليهم*** فَظَلَّ ذوو الجَمائِل يُقْتَلُونا
بقية يومهم حتى أتاهُم*** سوادُ الليل فيهِ يُراوِغُونَا
يقولُ نَصِيرُهُمْ لَمَّا أَتَاهُمْ*** فَإِنَّ القوم ولوا هاربينَا
أألفا مؤمن فيكم زَعَمْتُمْ*** ويهزمُكُم بآسك أرْبَعُونا!
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم*** ولكنَّ الخوارجَ مؤمِنُونا
هم الفئة القليلة غَيْرَ شَكُ*** على الفِئَة الكثيرة ينصرونا
قال أبو العباس : أما قول حريث بن حَجَل : «أما علمت أنه قتل بابن سُعاد أربعة براء وأنا أحد قتلته»، فابن سعاد هو المثلَّم بن مسروح الباهليّ، وسعاد اسم أمِّه، وكان من خبره أنه ذُكر لعبيد الله بن زياد رجل من سَدوس، يقال له خالد بن عَبّاد، أو ابن عُبادة، وكان من نُسّاك الخوارج، فوجه إليه فأخذه، فأتاه رجل من آل ثور فكذّب عنه وقال: هو صهري وفي ضِمني، فخلّى عنه، فلم يزل الرجل يتفقّده حتى تغيّب فأتى ابنَ زياد فأخبره، فلم يزل يبعث إلى خالد بن عَبّاد حتى ظفر به، فأخذه فقال أين كنت في غيبتك هذه؟ قال: كنتُ عند قوم يذكرون الله ويسبّحونه، ويذكرون أئمة الجَور، فيتبرؤون منهم . قال : ادللني عليهم، قال : إذن يَسْعَدُوا وتشقى، ولم أكُنْ لأروعهم ، قال : فما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فقال : خيراً، قال: فما تقول في عثمان وفي معاوية أتتولاهما ؟ فقال : إن كانا وليَّيْنِ الله فلست معاديهما ، فأراغه مراراً ليرجع عن قوله فلم يفعل، فعزم على قتله، فأمر بإخراجه إلى رَحْبة تعرف برَحْبة الرّسّي وقتله بها ، فجعل الشُّرطة يتفادون من قتله ويروغون عنه توقّياً لأنه كان متقشِّفاً عليه أثر العبادة، حتى أتى المثلّم بن مسروح الباهليّ، وكان من الشُّرطة، فتقدم فقتله، فائتمر به الخوارج أن يقتلوه، وكان مغرماً باللقاح (1)يتبعها ، فيشتريها من مظانّها، وهم في تفقّده، فدسُّوا إليه رجلاً هيئة الفِتْيَان عليه رَدْعُ زعفران، فلقيه بِالمربد وهو يسأل عن لقحة صفِيّ، فقال له الفتى : إن كنت تبتغي فعندي ما يغنيك عن غيره، فامض معي. فمضى المثلّم معه على فرسه، يمشي الفتى
1) اللِّقَاح : الإبل ، أو الناقة الحلوب، أو التي نتجت .
أمامه حتى أتَى به بني سَعْد، فدخل داراً، وقال له : أدخل عليَّ فرسَك، فلما دخل وتوغّل في الدار أغلَق الباب، وثارت به الخوارج، فاعتوره حُريث بن حَجْل وكَهْمس بن طَلْق الصَّرِيميّ، فقتلاه، وجعلا دراهم كانت معه في بَطنه، ودفناه في ناحية الدار ، وحكًا آثار الدم وَخَلّيا فرسه في الليل، فأصيب في الغد في المربد وتجسّس عنه الباهليُّون، فلم يروا له أثراً، فاتهموا بني سَدُوس به، فاستعدَوا عليهم السّلطان، وجعل السَّدوسيّة يحلفون، فتحامل ابن زياد مع الباهليين، فأخذ من السَّدوسيّين أربع ديات، وقال: ما أدري ما أصنع بهؤلاء الخوارج! كلما أمرت بقتل رجل اغتالوا قاتله. فلم يعلم بمكان المثلّم حَتى خرج مرداس وأصحابه، فلما
واقفهم ابنُ زُرْعة الكِلابيّ صاح بهم حُريث، وقال: أها هنا من باهلة أحد؟ قالوا: نعم، قال: يا أعداء الله، أخذتم للمثلم من بني سَدُوس أربع ديات، وأنا قتلتُه، وجعلت دراهم كانت معه في بطنه، وهو في موضع كذا مدفون، فلما انهزم ابن زُرْعة وأصحابه صاروا إلى الدار، فأصابوا أشلاءه، ففي ذلك يقول أبو الأسود:
وَالَيْتُ لاَ أَغْدُو إلى ربِّ لِقْحَةٍ*** أساوِمُه حتى يؤوب المثلمُ
قال أبو العباس : فأما ما كان من مِرداس، فإنّ عبيد الله بن زياد نَدَب إليه الناس، فاختار عباد بن أخضر المازنيّ - وليس بابن أخضر، بل هو عباد بن علقمة المازنيّ وكان أخضر زوج أمه، وغلب عليه - فوجّهه إلى مرداس وأصحابه في أربعة آلاف فارس، وكانت الخوارج قد تنحَّت من موضعها، بدرا بجراد من أرض فارس، فصار إليهم عَبّاد، فكان التقاؤهم في يوم جمعة، فناداه أبو بلال : اخرج إليَّ يا عبّاد، فإني أريد أن أحاورك ، فخرج إليه، فقال: ما الذي تبغي؟ قال : أن آخذ بأقفيتكم فأردّكم إلى الأمير عبيد الله بن زياد قال : أو غير ذلك؟ أن نرجع، فإنا لا نخيفُ سبيلاً، ولا نَذْعَرُ مسلماً، ولا نحارب إلا مَنْ يحاربنا، ولا نجبي إلا ما حَمَيْنا . فقال عبّاد الأمر ما قلت لك، فقال له حُريث بن حَجْل : أتحاول أن تردّ فئة من المسلمين إلى جَبّار عنيد ضَالّ! فقال لهم : أنتم أولَى بالضلال منه وما من ذاك من بدّ.
قال : وقدم القعقاع بن عطية الباهليّ من خراسان يريد الحج، فلما رأى الجمعَين قال : ما هذا؟ قالوا : الشُّراة، فحمل عليهم ونشبَت الحرب بينهم، فأخذت الخوارج القعقاع أسيراً، فأتوا به أبا بلال، فقال له: مَنْ أنت؟ قال: ما أنا من أعدائك، إنما قدمت للحجّ، فحملت وغُرزت، فأطلقه، فرجع إلى عباد وأصلح مِن شأنه، وحمل على الخوارج ثانية، وهو يقول :
أُقَاتِلُهُمْ وَلَيْسَ عَلَيَّ بَعْتُ*** نَشَاطاً ليسَ هَذا بالنشاط
أكرُّ على الحروريين مُهْرِي*** لأحملهم على وَضَحِ الصِّراط
فحمل عليه حُرَيث بن حَجْل السدوسي وكَهْمَسُ بن طَلْق الصَّريمي، فأسراه ،وقتلاه، ولم يأتيا به أبا بلال. ولم يزل القوم يجتلِدُون حتى جاء وقت صلاة الجمعة، فناداهم أبو بلال: يا
قوم، هذا وقتُ الصلاة، فوادعونا حتى نصلّي وتصلّوا، قالوا : لك ذاك، فرمى القوم أجمعون بأسلحتهم، وعمدوا للصلاة، فأسرع عباد ومَنْ معه وقَضَوْا صلاتهم، والحروريّة مبطئون فيهم ما بين راكع وساجد، وقائم في الصلاة وقاعد، حتى مالَ عليهم عبّاد ومن معه، فقتلوهم جميعاً، وأتي برأس أبي بلال.
قال : ويرى الشّراة أنّ مرداساً أبا بلال لمّا عَقَد على أصحابه، وعزم على الخروج رفع يديه، فقال: اللهمَّ إن كان ما نحن فيه حقًّا فأرنا آية فرجف البيت .
وقال آخرون : فارتفع السقف.
ويقال : إنّ رجلاً من الخوارج ذكر ذلك لأبي العالية الرياحيّ، يعجّبه من الآية، ويرغّبه في مذهب القوم، فقال أبو العالية : كاد الخسف ينزل بهم، ثم أدركتهم نظرة من الله .
قال : فلما فرع عَباد من الجماعة أقبل بهم فصلب رؤوسهم، وفيهم داود بن شبيب، وكان ناسكاً، وفيهم حبيبة البكريّ من عَبد القيس، وكان مجتهداً، ويروى عنه أنه قال : لما عزمت على الخروج فكَّرت في بناتي، فقلت ذات ليلة : لأمسكن عن نفقتهنّ حتى أنظر ، فلما كان في جوف الليل استسقت بنيَّة لي فقالت : يا أبت اسقني، فلم أجبها ، وأعادت، فقامت أختٌ لها فسقتها ، فعلمت أنّ الله عزّ وجلّ غير مضيعهن، فأتممت عزمي.
وكان في القوم كَهمس، وكان من أبرّ الناس بأمّه، فقال لها: يا أمه، لولا مكانك لخرجتُ، فقالت : يا بنيّ، وهبتك لله.
ففي مقتلهم يقول عيسى بن فاتك الخطيّ :
ألا في الله لا في النَّاس سَالتْ*** بداوُدٍ وإخوته الجُذُوعُ
مَضَوْا قَتْلاً وتمزيقاً وَصَلْباً*** تَحُومُ عليهمُ طَيْرٌ وقُوعُ
إذا ما الليلُ أظلم كابَدُوه*** فيسفرُ عنهمُ وهمُ ركوعُ
أطار الخوفُ نومَهم فقاموا*** وأهل الأرض في الدنيا هُجُوع
وقال عمران بن حِطّان :
يا عينَ بَكي لمرداس ومصرعِه*** يا ربّ مرداس اجعلني كمرداس
تركتني هائماً أبكي لمرزئة*** في منزلِ موحش من بعد إيناس
أنكرتُ بَعْدَكَ من قد كنت أعرفه*** ما الناسُ بعدك يا مرداس بالناس
إمّا شَربت بكأسٍ دار اوّلها*** على القُرون فذاقوا جَرعَة الكاس
فكُلّ مَنْ لم يدقها شارباً عجلاً*** يُسْقَى بأنفاس وردٍ بعد أنفاس
وقال أيضاً :
لَقَدْ َزادَ الحياة إليَّ بغضاً*** وحُباللخروج أبو بلال
أحاذر أن أموت على فراشي*** وأرجُو الموت تحت ذُرا العَوالي
فمن يكُ همُّه الدنيا فإنّي*** لَهَا - والله ربِّ البيت - قالِ
وقال أبو العباس: وعمران هذا، أحدُ بني عمرو بن يسار بن ذهل بن ثعلبة بن عُكَابَة بن صَعْب بن عكّ بن بكر بن وائل، وكان رأس القَعَد من الصُّفْريّة وفقيههم وخطيبهم . وشاعرهم، وشعره هذا بخلاف شعر أبي خالد القَنانيّ وكان من قَعَد الخوارج أيضاً. وقد كان كتب قطريّ بن الفجاءة المازنيّ يلومه على القُعود:
أبا خالدٍ أيقن فلستَ بخالدٍ*** وما جَعَلَ الرحمنُ عذراً لقاعدِ
أتزعم أنّ الخارجيَّ على الهُدَى*** وأنت مقيمٌ بين لصِّ وجاحدِ!
فكتب إليه أبو خالد:
لقد زادَ الحياةَ إليَّ حُبًّا*** بناتِي إنَّهنُّ من الضِّعافِ
أحاذِرُ أن يَرَيْنَ الفقر بعدي*** وَأن يَشْرَبْنَ رَنْقاً (1)بعد صافِ
وَانْ يَعْرَيْنَ إن كُسِي الجواري*** فتنُبو العين عن كرم عِجاف
ولولا ذاك قد سوَّمْتُ مُهْرِي*** وفي الرَّحْمن للضعفاء كافِ
وقال أبو العباس : وما حدثني به العباس بن أبي الفرج الرياشيّ، عن محمد بن سلام أنّ عمران بن حِطّان لما طَرَدَهُ الحَجَّاج ، جعل يتنقّل في القبائل، وكان إذا نزل بحيّ انتسب نسباً يقرب منهم، ففي ذلك يقول :
نزلْنَا في بني سعدِ بن زيدٍ*** وفي عكَّ وعامر عَوْبَثانِ
وفي لخم وفي أدَدِ بن عمرو***وفي بكرٍ وحيّ بني الغُدَانِ
ثم خرج حتى لقي رَوْح بن زِنْبَاع الجُذَامِيّ، وكان رَوْحٍ يَقْرِي الأضياف، وكان مسايراً لعبد الملك بن مروان، أثيراً عنده. وقال ابن عبد الملك فيه : مَنْ أعطيَ مثل ما أعطِيَ أبو زُرْعة! أعطي فقه الحجاز ودهاء أهل العراق وطاعة أهل الشام .
وانتمى عمران إليه أنّه من الأزد، فكان رَوْح لا يسمعُ شعراً نادراً، ولا حديثاً غريباً . عند عبد
1) رَيْقَ الماء : بكسر النون وفتحها : كَدِرَ . القاموس المحيط مادة (رنق).
الملك، فيسأل عنه عمران إلا عرفه وزاد فيه فقال رَوْح لعبد الملك : إنّ لي ضَيْفاً ما أسمع من أمير المؤمنين خبراً ولا شِعراً إلا عرفه وزاد فيه فقال : أخبرني ببعض أخباره، فأخبره وأنشده، فقال : إنّ اللغة لغة عدنانية، ولا أحسبه إلا عِمْران بن حِطّان، حتى تذاكروا ليلةً البيتين اللذين أولهما : «يا ضربة .. . . ».
فلم يدر عبدالملك لمن هما، فرجع رَوح فسأل عمران عنهما ، فقال : هذا الشعر لعِمران بن حِطان يمدح عبدالرحمن بن ملجم. فرجع روح إليه فأخبره فقال : ضيفك عمران بن حِطّان، فاذهب فجئني به، فرجع إليه فقال : أمير المؤمنين قد أحبّ أن يراك، فقال له عمران : قد أردتُ أن أسألك ذاك فاستحييتُ منك، فاذهب فإنّي بالأثر ، فرجع روح إلى عبد الملك فخبره، فقال : أما إنّك سترجع فلا تجده، فرجع فوجد عمران قد احتمل، وخلّف رقعة فيها :
يَا رَوْحُ كَمْ مِنْ أخي مَثْوًى نزلتُ به*** قد ظَنَّ ظَنَّكَ مِنْ لَحْمِ وَغَسَّانِ
حَتى ذا خفته زایلتُ منزِلهُ*** من بعْدِ ما قيل عمران بن حطان
قد كنتُ جارك حولاً لا يروِّعُنِي*** فيه طوارقُ من إنسٍ ولا جانِ
حتى أَرَدْتَ بي العظمى فأدركَنِي*** ما أدْرَكَ النَّاسَ من خوف ابن مَرْوانِ
فاعذر أخاك ابن زنباع فإنّ له*** في الحادثاتِ هنَاتٍ ذَات ألوانِ
يوماً يمان إذا لا قيتُ ذا يمن*** وإن لقيتُ مَعَدِّيَّا فَعدناني
لوْ كُنتُ مُسْتَغْفِراً يَوْماً لِطَاعَيةٍ*** كُنتَ الْمُقَدَّمَ فِي سِرِّي وإعلاني
لكِنْ أَبَتْ ذَاكَ آيَاتٌ مُطَهَّرَةٌ*** عِنْدَ السّلاوَةِ فِي طَعَ وَعِمْرَانِ
ثم ارتحل، حتى نزل بزُفر بن الحارث أحد بني عَمْرو بن كلاب فانتسب له أوزاعيًّا، وكان عمران يطيل الصلاة، فكان غِلمان بني عامر يضحكون منه ، فأتاه رجل ممن كان عند رَوح، فسلّم عليه، فدعاه زفر فقال له : مَنْ هذا؟ فقال: رجل من الأزد، رأيته ضيفاً لروح بن زنباع، فقال له :زفر يا هذا ، أزديا مرة وأوزاعياً أخرى ! إن كنت خائفاً أمَّنَّاك، وإن كنت فقيراً جَبَرناك ، فلما أمسى خلّف في منزله رقعة، وهرب فوجدوا فيها :
إنّ التي أصْبَحَتْ يَعْيَا بِها زُفَرٌ*** أَعْيَتْ عَياءٌ على رَوْحِ بن زنْبَاعِ
ما زال يسألني حَوْلاً لأخبره*** والنَّاسُ مَا بَيْن مَحدُوعَ وخَدَاع
حتى إذا انقطعتْ مِنّي وسائلُهُ*** كفَّ السؤال ولم يُولَعْ بإهلاعِ
فاكْفُف لسانَك عن لومِي ومَسْأَلَتِي*** ماذا تريدُ إلى شَيخ بلا راع!
فاكْفُف كَما كَفَّ عنّي إنّني رجلٌ*** إما صميمُ وإما فَقْعَةُ القاع
أمّا الصَّلاة فإنّي غيرُ تاركها*** كلُّ امرىءٍ للّذي يُعْنَى بِهِ سَاع
أكْرِمْ بِرَوْحِ بن زنباع وأسرته*** قومُ دعا أوَّليهم للعُلا داع
جاورتُهُمْ سَنَةٌ مِمَّا أَسَرُّ به*** عِرْضِي صَحِيحٌ ونومِي غَيْرُ تَهْجَاعِ
فاعمل فإنَّكَ مَنْعِيُّ بواحدةٍ*** حَسْبُ اللبيب بِهذَا الشَّيْبِ مِن دَاعِ
ثم ارتحل حتى أتى عُمان، فوجدهم يعظّمون أمر أبي ،بلال، ويظهر فيهم، فأظهر أمرَه فيهم، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب فيه إلى أهل عُمان، فهرب حتى أتى قوماً من الأزد في سَواد الكوفة، فنزل بهم، فلم يزل عندهم حتى مات، وفي نزوله فيهم يقول :
نَزَلْنَا بِحَمْدِ الله فِي خَيْر منزلٍ*** نُسَرُّ بما فيه من الإِنْسِ والخَفَرُ
نَزَلْنَا بقوم يجمعُ الله شَمْلَهُمْ*** وليس لهم دَعْوَى سِوى المجدِ يُعْتَصَرْ
منَ الأزد إن الأزد أكرم أسوةٍ*** يمانية طابُوا إذا انتسبَ البَشَرُ
فأصْبَحْتُ فيهم آمناً لا كمعشر*** أتَوْنِي فقالوا: من ربيعةً أو مُضَرْ
أم الحيّ قحطانٍ فتلكم سفاهةً*** كما قال لي رَوْحٌ وصاحبُه زُفَرُ
وما منهُما إلا يسرُّ بنسبةٍ*** تقربُنِي مِنْهُ وإن كان ذَا نَفَرْ
فنحنُ عباد الله والله واحدٌ*** وأولَى عبادِ الله بالله مَنْ شَكَرْ
قال أبو العباس : ومن الخوارج مَنْ مَشى في الرمح وهو في صدره خارجاً من ظهره، حتى خالط طاعِنَه فضربه بالسيف فقتله، وهو يقول: «وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى» (1).
ومنهم الذي سأل عليَّا (علیه السّلام) يوم النَّهروان المبارزة في قوله :
أطعنهم ولا أرى عليَّا*** ولو بدا أوجرتُه الخطّيَّا
فخرج إليه عليّ فضربَه بالسيف فقتله، فلما خالطه السيف قال: «يا حبذا الرَّوْحة إلى الجنة».
ومنهم ابن ملجم، وقطع الحسن بن عليّ يديه ورجليه وهو في ذلك يذكر الله، ثم عمد إلى لسانه فقطعه فجزع، فقيل له في ذلك قال : أحببتُ ألا يزال لساني رطباً من ذكر الله.
ومنهم القوم الذين وثب رجل منهم على رُطبة سقطت من نخلة، فوضعها في فيه، فلفظها تورعاً .
منهم أبو بلال مرداس، الذي ينتحله من الفرق التقشّفه وتصرّمه وصحة عبادته، وصلابة نیّته.
أما المعتزلة فتنتحله وتقول : إنّه خرج منكِراً لجور السلطان، داعياً إلى الحق، وإنه من أهل
1) سورة طه الآية : 84 .
العَدل، ويحتجون لذلك بقوله لزياد، وقد كان قال فى خُطبته على المنبر : والله لآخذَنّ المحسن بالمسيء، والحاضِرَ بالغائب، والصحيح بالسَّقيم، فقام إليه مرداس فقال : قد سَمِعْنا ما قلت أيها الإنسان، وما هكذا قال الله تعالى لنبيه إبراهيم، إذ يقول : « وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَى«37» أَلَا تَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» (1)، ثم خرج عليه عَقِيب هذا اليوم.
وأما الشيعة فتنتحلُهُ، وتزعم أنّه كتب إلى الحسين بن عليّ : إني والله لستُ من الخوارج، ولا أرى رأيهم، وإنّي على دين أبيك إبراهيم .
ومنهم المستورد، أحد بني سعد بن زيد بن مَناة، كان ناسكاً مجتهداً، كان ناسكاً مجتهداً، وهو أحد من ترأسَ على الخوارج في أيام عليّ، وله الخطبة المشهورة التي أولها : إنَّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أتانا بالعدل تخفِق راياته، وتلمَعُ معالِمُه ، فبلَّغنا عن رَبِّه، ونصح لأمّته، حتى قبضه الله تعالى مخيّراً مختاراً .
ونجا يوم التَّخَيْلة (2)من سَيْف عليّ، فخرج بعد مدّة على المُغيرة بن شعبة – وهو والي الكوفة - فبارزه معقِل بن قيس الرّياحيّ، فاختلفا ضربَتين، فخرّ كلّ واحد منهما ميتاً .
ومن كلام المستورد : لو ملكتُ الدنيا بحذافِيرها، ثم دُعيت إلى أن أستفيدَ بها خطيئة ما فعلت.
ومن كلامه : إذا أفضيتُ بسرِّي إلى صديقي فأفشاه لم ألُمه، لأنّي كنت أولى بحفظه .
و من كلامه: كن أحرص على حفظ سرّك منك على حَقْن دمك .
وكان يقول : أوّلُ ما يدلّ على عيب عائب الناس معرفته بالعيوب، ولا يعيب إلا مَعِيب.
وكان يقول : المالُ غير باقٍ عليك، فاشتر به من الحمد والأجر ما يبقى عليك.
قال أبو العباس: وخَرج من الخوارج على معاوية بعد قَتل عليّ حَوْثرة الأسدي، وحابس الطائيّ، خرجا في جَمْعهما ، فصارا إلى مواضع أصحاب النُّخَيْلة، ومعاوية يومئذ بالكوفة قد دخلها في عام الجماعة، وقد نزل الحسنُ بن عليّ، وخرج يريد المدينة، فوجه إليه معاويةُ - وقد تجاوز في طريقه - يسأله أن يكون المتولّي لمحاربة الخوارج، فكان جواب الحسن : والله لقد كَفَفْتُ عنك لحقن دماء المسلمين، وما أحسب ذاك يَسَعُني، أفأقاتل عنك قوماً أنت والله أولَى بالقتال منهم !
قلت: هذا موافق لقول أبيه : «لا تقاتِلوا الخوارجَ بعدي، فليس مَن طلب الحقَّ فأخطأه، مثلَ مَنْ طلب الباطل فأدركه»، وهو الحقّ الذي لا يُعْدَلُ عنه وبه يقول أصحابنا، فإنّ الخوارج عندهم أغذَرُ من معاوية، وأقلُّ ضلالاً، ومعاوية أولَى بأن يحارَب منهم .
قال أبو العباس: فلما رجع الجواب إلى معاوية أرسل إلى حوثرة الأسديّ أباه، وقال له : اذهب فاكفني أمرَ ابنك، فصار إليه أبوه، فدعاه إلى الرجوع فأبى، فماراه فصمّم، فقال: يا بني، أجيتُك بابنِك، فلعلّك تراه فتحنّ إليه! فقال: يا أبت، أنا والله إلى طعنةٍ نافذة أتقلّب فيها على كُعوب الرمح، أشوقُ منّي إلى ابني !
فرجع إلى معاوية فأخبره فقال : يا أبا حوثرة، لقد عنا بحقّ هذا جدَّا. ثم وجه إليه جيشاً أكثره أهل الكوفة، فلما نظر إليهم حوثرة، قال لهم : يا أعداء الله، أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدُّوا سلطانه، وأنتم اليوم تقاتلون معه لتشدّوا سلطانه! فخرج إليه أبوه ، فدعاه إلى البراز، فقال : يا أبتِ، لك في غيري مندوحة، ولي في غيرك مذهب، ثم حمل على القوم وهو يقول :
اكْرُرْ عَلَى هذِي الجموع حَوْثَرَة*** فعن قليلٍ ما تَنَالُ المغفرة
فحمل عليه رجل من طيّىء فقتله، فلما رأى أثر السجود قد لوّح جبهته ندم على قتله.
وقال الرُّهَيْن المراديّ أحد فقهاء الخوارج ونسّاكها :
يا نفسُ قَدْ طال في الدُّنْيا مُراوغَنِي*** لا تأمَننَّ لصرف الدَّهر تنغيصا
إني لبائعُ ما يَفْنَى لباقية*** إن لم يَعُقْنِي رَجَاءُ العيش تربيضَا
وأسألُ الله بيعَ النفس محتسباً*** حتّى الاقيَ في الفِرْدَوْسِ حُرقوصا
وابن المنيح ومِرْدَاساً وإخوَته*** إذ فارقوا هذه الدنيا مخاميصا (1)
قال أبو العباس: وأكثرُهم لم يكن يبالي بالقتل، وشيمتُهم استعذَابُ الموت، والاستهانة بالمنية .
ومنهم الهازىء بالأمراء، وقد قُدّم إلى السيف، ولّى زياد شيبان بن عبدالله الأشعريّ - صاحب مقبُرة بني شيبان - باب عثمان وما يليه بالبصرة، فجدّ في طلب الخوارج، وأخافهم. فلم يَزَلْ على ذلك حتى أتاه ليلةً وهو متّكِيء بباب داره رجلان من الخوارج، فضرباه بأسيافهما و
1) المخماص: كالخميص أي ضامر البطن، لسان العرب مادة (خمص).
فقتلاه، فأتِيَ زياد بعد ذلك برجل من الخوارج، فقال : اذهبوا به فاقتلوه متّكئاً كما قتل شيبان متكناً، فصاح به الخارجيّ : يا عدلاه يهزأ به.
قال : وأما عبّاد بن أخضر قاتل أبي بلال مرداس بن أُدَيّة - وقد ذكرنا قصَّتَه - فإنه لم يزل بعد قتله مرداساً محموداً في المِضر موصوفاً بما كان منه، حتى انتمر جماعة من الخوارج أن يقتلوه، فذمَر بعضُهم بعضاً على ذلك، فجلسوا له يوم جُمعة بعد أن أقبَلَ على بغلته، وابنُه رديفه، فقام إليه رجلٌ منهم فقال له : أسألك عن مسألة؟ قال: قل، قال : رأيتَ رجلاً قَتل رجلاً بغير حقّ، وللقاتل جاه وقَدر وناحية من السلطان، ولم يُعْدِ عليه السلطانَ لجوره، ألوليّ ذلك المقتول أن يقتل القاتل إن قدر عليه ؟ فقال : بل يرفعُه إلى السلطان. قال : إنّ السلطان لا يُعدِي عليه لمكانه منه، ، ولعظَم جامه عنده، قال : أخاف عليه إن فتك به [فتك به السلطان]. قال: دع ما تخافه من السلطان، أيلحقه تَبِعة فيما بينه وبين الله ؟ قال : لا ، فحكَّم هو وأصحابُه ثم خَبَطَوه بأسيافهم، ورمى عبّاد بابنه فنجاً، وتنادى الناس : قُتِل عباد، فاجتمعوا فأخذوا أفواه الطُّرق - وكان مقتل [عبّاد في سكة ] بني مازن عند مَسْجِد بني كُلَيب بن يَربوع، فجاء معبد بن أخضر، أخو عبادٍ - وهو معبد بن علقمة، وأخضر زوج أمهما - في جماعة من بني مازن، وصاحوا بالناس : دعونا وثأرَنا ، فأحجم الناس، فتقدم المازنيّون، فحاربوا الخوارج حتى قتلوهم جميعاً، لم يفلِت منهم أحد إلا عبيدة بن هلال، فإنه خَرَق خُصًا ونفذ فيه، ففي ذلك يقول
الفرزدق :
لَقَدْ أَدْرَكَ الأوتارَ غَيْرَ ذميمةٍ*** إِذَا ذُمَّ طُلاب الشّراتِ الأخاضر
هُمُ جَرَّدُوا الأسياف يَوْم ابن أخضر*** فنالُوا الَّتِي ما فَوْقَهَا نَالَ ثَائر
أقَادُوا به أشداً لَهَا في اقتحامِها ***- إِذَا بَرَزَتْ نحو الحروب - بصائرُ
ثم هجا كُليب بن يَربوع، رهط جرير بن الخَطَفَى، لأنه قُتِل بحضرة مسجدهم ولم ينصروه ، فقال في كلمته هذه :
كَفِعْلِ كُلَيْب إذ أخَلَّتْ بجارِها*** ونصرُ النَّشيم مُعيّم وهو حاضرُ
ومالكليب حين تُذكر أوّل*** ومالكُلَيْب ومالكُلَيْب حين تُذكرُ آخرُ
قال : وكان مقتل عَبّاد بن أخضر وعُبيد الله بن زياد بالكوفة، وخليفته على البصرة عُبيد الله بن أبي بكرة، فكتب إليه يأمره ألا يدع أحداً يُعرف بهذا الرأي إلا حبسه، ،، فجدّ في طلب مَن تغيّب عنه، وجعل يتبعهم ويأخذهم، فإذا شفع إليه أحد منهم كَفله، إلى أن يقدَم به على ابن زياد، حتى أتوه بِعُرُوة بن أُدَيّة ،فأطلقه وقال : أنا كفيلُك، فلما قدم ابن زياد أخِذَ مَنْ في الحبس،
فقتلهم جميعاً، وطلب الكفلاء بمن كفلوا به فكلّ مَنْ جاء بصاحبه أطلقه وقتل الخارجيّ، ومن لم يأت بمن كَفل به منهم قَتَله
ثم قال لابن أبي بَكرة : هات عُروة بن أديّة قال : لا أقدر عليه، قال: إذاً والله أقتلك، فإنك كفيله . فلم يزل يطلبُه حتى دُلّ عليه في سَرَب العلاء بن سويّة المِنقريّ، فكتب بذلك إلى بن عبيد الله بن زیاد، فقرأ عليه كتابه فقال : إنّا قد أصبناه في شرب العَلاء، فتهانف به عبیدالله وقال : صحّفت ولؤمت، إنما هو «في سَرَب العلاء»، ولوددت أنه كان ممنّ شرب النبيذ . فلما أقيم عروة بين يديه، قال : لم جهزتَ أخاك عَليّ ! يعني أبا بلال، فقال: والله لقد كنتُ به ضنيناً، وكان لي عِزّا، ولقد أردت له ما أريد لنفسي، فعزم عزماً فمضى عليه، وما أحبّ لنفسي إلا المقام وترك الخروج. فقال له : أفأنت على رأيه؟ قال كلّنا نعبد ربَّاً واحداً، قال: أما والله لأمثْلنَ بك، قال: اختر لنفسك من القِصَاص ما شئت، فأمر به فقَطعوا يديه ورجليه، ثم قال له كَيف ترى؟ قال: أفسدت عليّ دنياي، وأفسدتُ عليك ،آخرتك، فأمر به فصُلِب على باب داره.
قال أبو العباس: وكان أبو الوازع الراسبي من مجتهدي الخوارج ونُسّاكها، وكان يذمّ نفسَه ويلومها على القعود، وكان شاعراً، وكان يفعل ذلك بأصحابه، فأتى نافعَ بن الأزرق وهو في جماعة من أصحابه، يصف لهم جَوْرَ السلطان وفساد العامة، وكان نافع ذا لسان عَضب واحتجاج وصَبر على المنازعة، فأتاه أبو الوازع، فقال له: يا نافع، إنك أعْطِيتَ لساناً صارماً، وقَلْباً كليلاً، فلوَدِدْت أنّ صرامة لسانك كانت لقلبك، وكلالَ قلبك كان للسانك، أتحضّ على الحقّ وتقعد عنه ! وتقبِّح الباطل وتقيم عليه! فقال نافع : يا أبا الوازع، إنما ننتظر الفرص، إلى أن تجمع من أصحابك من تَنكِى به عدوّك، فقال أبو الوازع :
لِسانُكَ لا تَنْكِي بهِ القومَ إنما*** تنالُ بكفّيك النَّجَاةَ من الكَرْبِ
فجاهِدُ أناساً حاربوا الله واصطيرْ*** عَسَى الله أن يَجْزي غوى بني حرب
يعني معاوية. ثم قال : والله لا ألومُك ونفسي ألوم ، ولأغدُونَ غَدوة لا أنثني بعدها أبداً.
ثم مضى فاشترى سيفاً، وأتى صَيْقَلاً كان يذمّ الخوارج، ويدلّ على عَوراتِهم، فشاوره في السيف فحمِده، ثم قال : اشحذه، فشحذه حتى إذا رضيَه، خَبَط به الصَّيْقَل فقتله، وحمل على الناس فهربوا منه، حتى أتى مقبرة بني يشكر ، فدفع عليه رجل حائط ستره فشدَخه، وأمر ابن زياد بصلبه .
قال أبو العباس : ومن نُسّاكهم الذين قُتِلوا في الحرب عمران بن الحارث الراسبيّ، قُتِل يوم دُولاب، التقى هو والحجاج بن باب الحميريّ - وكان الأمير يومئذ على أهل البصرة، وصاحب رايتهم - فاختلفا ضربتين فخرّا ميتين، فقالت أمّ عمران ترثيه :
الله أيّد عِمراناً وطَهَّره*** وكان عمرانُ يَدْعُو الله في السَّحَرِ
يدعُوه سِرًّا وإعلاناً ليرزُقَه*** شهادةً بيدي مِلْحَادةٍ عُدَر
وَلّى صَحَابتهُ عَن حرّ مَلْحَمَةٍ*** وَشَدَّ عمرانُ كالضِّرغامةِ الذَّكَرِ
قال : وممّن قتل من رؤسائهم يوم دولاب نافع بن الأزرق - وكان خليفتهم - خاطبوه بإمرة المؤمنين، فقال رجل منهم يرثيه :
شمِتَ ابنُ بَدْرٍ والحوادث جمّة*** والجائرون بنافع بن الأزرق
والموتُ حَتْم لا محالة وَاقِعٌ*** مَنْ لا يصبحْه نهاراً يَطرُقِ
فلئن أمير المؤمنين أصَابَهُ*** رَيْبُ المَنُونِ فَمَنْ يُصِبْهُ يَعْلَقِ
وقال قطرِيّ بن الفُجَاءَة يذكر يوم دَولاب :
لَعَمْرُكَ إِنِّي فِي الْحَيَاةِ لَزَاهِدٌ*** وَفِي الْعَيشِ مَا لم أَلْقَ أُمَّ حَكِيم
مِنَ الْخَفِرَاتِ البيض لمْ يُرَ مِثْلُها*** شِفَاءٌ لِذي بثّ وَلا لسَقِيم
لعمركُ إنّي يَوْمَ العِم وجههَا*** عَلَى نائباتِ الدَّهْرِ جِدُّ لئيم
فلو شهدتْنَا يَوْمَ دُولاَبَ شَاهَدَتْ*** طِعَانَ فَتَّى في الحربِ غير ذَمِيمِ
غَدَاةَ طَفَتْ عَلْمَاءِ بكْرُ بن وائل*** وَعُجْنَا صُدورَ الخَيْل نحو تميمِ
وكان بعبدِ الْقَيْسِ أوّلُ جَدْنا*** وَأَخلافِها مِنْ يَحْصُبٍ وسَلِيمِ
وَظَلَّت شُيوخ الأزْدِ فِي حَوْمَة الوَغَى*** تَعُومُ فمن مستنزّل وهزیم
فَلَمْ أَرَ يَوْماً كانَ أَكْثَرَ مُقْعَصاً*** يمجُّ دماً من فائظ وكلیم
وضاربةٍ خَدًّا كَرِيماً عَلَى فتًى*** أغرّ نجيب الأمهاتِ كَرِيمِ
أصيبَ بدُولاب وَلم تَكُ مَوْطِناً*** له أرضُ دولاب وأرْضُ حَمِيم
فلو شهدتنا يوم ذاك وحيلُنا*** تُبيح من الكفار كلَّ حَريم و نعیمِ
رأت فتيةً باعوا الإله نفوسَهُم*** بجنَّات عَدن عنده
ومن رؤساء الخوارج وكبارهم عبد الله بن يحيى الكنديّ الملقّب طالب الحق، وصاحبه المختار بن عوف الأزديّ صاحب وقعة قُدَيد، ونحن نذكر ما ذكره أبو الفرج الأصفهانيّ من قصتهما في كتاب «الأغاني » (1)مختصراً محذوفاً منه ما لا حاجة بنا في هذا الموضع إليه .
قال أبو الفرج: كان عبد الله بن يحيى من حَضرَموت، وكان مجتهداً عابداً، وكان يقول قبل أن يخرج : لقيني رجلٌ فأطال النظَر إليّ وقال: ممّن أنت؟ قلت من كِندة، فقال: من أيّهم؟ فقلت : من بني شيطان، فقال : والله لتملكنّ وتبلُغَنّ وادِيَ القُرَى ، وذلك بعد أن تَذهب إحدى عينيك، وقد ذهبت وأنا أتخوّف ما قال، وأستخير الله .
فرأى باليمن جَوْراً ظاهراً، وعسفاً شديداً، وسيرة في الناس قبيحة، فقال لأصحابه : إنه لا يحلّ لنا المقام على ما نَرى، ولا الصبرَ عليه . وكتب إلى جماعة من الإباضيّة بالبصرة وغيرها، يشاورهم في الخروج، فَكتبوا إليه : إن استطعت ألّا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإنّ المبادرة بالعمل الصالح أفضلُ، ولستَ تدري متى يأتي أجلُك، ولله بقيَّة خَيْرِ من عباده، يبعثهم إذا شاء بنصر دينه، ويختصّ بالشهادة منهم مَن يشاء .
وشخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف الأزديّ وبلج بن عُقبة المسعوديّ في رجال من الإباضيّة، فقدموا عليه حضرموت فحرّضوه على الخروج، وأتَوه بكتب أصحابه يُوصونه ويُوصون أصحابه: إذا خرجتم فلا تَغُلُّوا ، ولا تَغِدرُوا ، واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا بسيرتهم ، فقد علمتم أنّ الذي أخرجهم على السلطان العيب لأعمالهم .
فدعا عبدُ الله أصحابه فبايعوه، وقصدوا دار الإمارة، وعلى حضرموت يومئذ إبراهيم بن جَبَلة بن مخرمة الكنديّ فأخذه، فحبسه يوماً ثم أطلقه، فأتى صنعاء، وأقام عبد الله بحضرموت، وكثر جمعه، وسَمَّوْه طالب الحق» .
وكتب إلى مَنْ كان من أصحابه بصنعاء : إنّي قادم عليكم، ثم استخلفَ على حَضرموت عبدَ الله بن سعيد الحضرميّ، وتوجّه إلى صنعاء - وذلك في سنة تسع وعشرين ومائة – في ألفين، والعامل على صنعاء يومئذ القاسم بن عمرو أخو يوسف بن عمرو الثَّقَفي، فجرَت بينه وبین عبدالله بن يحيى حروب ومناوشَات، كانت الدّولة فيها والنّصرة لعبد الله بن يحيى، فدخل إلى صنعاء، وجَمَع ما فيها من الخزائن والأموال فأحرزها .
1) الأغاني : لأبي الفرج علي بن الحسين الأصبهاني المتوفى (356ه-)، وهو كتاب لم يُؤلّف مثله اتفاقاً، ذكر أنه جمعه في خمسين سنة. كشف الظنون (129/1) .
فلما استولى على بلاد اليمن خَطب، فحمِد الله وأثنى عليه، وصلَّى على رسوله، وذكّر وحذّر ، ثم قال : إنا ندعوكم أيّها الناس إلى كتاب الله وسنة نبيّه، وإجابة مَن دعا إليهما . الإسلام دينُنا، ومحمد نبيُّنا، والكعبة قبلتُنا ، والقرآن إمامنا. رضينا بالحلال حلالاً لا نبتغي به بدلاً، ولا نشتري به ثمناً، وحَرّمنا الحرام، ونبذناه وراء ظُهورنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإلى الله المشتكّى، وعليه المعوّل مَنْ زنّى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شِرب الخمر فهو كافر ، ومن شكّ في أنه كافر فهو كافر . ندعوكم إلى فرائض بيّنات، وآياتٍ محكمات، وآثار نَقتِدي بها ، ونشهد أن الله صادق فيما وعد، وعَدل فيما حكم، وندعو إلى توحيد الربّ واليقين بالوعد والوعِيد، وأداء الفرائض، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله ، والعداوة لأعداء الله. أيُّها الناس، إنّ مِن رحمة الله أن جَعَل في كلِّ فَتْرة بقايا من أهل العلم، يدعُون مَنْ ضَلَّ إلى الهدى، ويصبرون على الألم في جنب الله، ويُقتلون على الحقّ في سالف الأيام، شهداء فما نسيَهم ربُّهم، وما كان ربك نسيّا . أوصيكم بتقوى الله وحُسْن القيام على ما وُكِّلتم بالقيام عليه، وقابلوا الله حُسْناً في أمره وزجره. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
قال : وأقام عبدُ الله بن يحيى بصنعاء أشهُراً، يحسِنُ السِّيرة في الناس، ويُلين جانبَه لهم، ويكفّ الأذَى عنهم، وكثر جمعُه ، وأتته الشُّراة مِنْ كلّ جانب ، فلمّا كان في وقت الحج وجَّه أبا حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عُقبة، وأبرهة بن الصّباح إلى مكة، والأمير عليهم أبو حمزة في ألفٍ، وأمره أن يقيمَ بمكّة إذا صدر الناس، ويوجِّه بَلجاً إلى الشام، فأقبل المختار إلى مكة يوم التّروِية، وعليها وعلى المدينة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك في خلافة مَرْوان بن محمد بن مروان، وأمّ عبد الواحد بنت عبد الله بن خالد بن أسيد، فكره عبد الواحد قتالهم، وفزع النّاس منهم حين رأؤهم، وقد طلعوا عليهم بعرفة، ومعهم أعلام سُود في رؤوس الرماح، وقالوا لهم : ما لكم وما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبرّي منهم فراسلهم عبد الواحد في ألا يعطّلوا على الناس حَجّهم. فقال أبو حمزة نحن بحجنا أضنّ، وعليه أشخ ، فصالحم على أنّهم جميعاً آمنون بعضهم من بعض، حتى بنفِر النّاس النَّفر الأخير، وأصبحوا من الغد، ووقفوا بحيال عبد الواحد بعرفة، ودفع عبد الواحد بالنّاس، فلما كانُوا ،بمنّى، قيل لعبد الواحد: قد أخطأت فيهم، ولو حملت عليهم الحاجّ ما كانوا إلا أكَلة رأس.
وبعث عبد الواحد إلى أبي حمزة عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبيد الله بن عمر بن حفص العُمري، وربيعة بن عبد الرحمن، ورجالاً أمثالهم، فلما قَرَبُوا من أبي حمزة أخذتهم مَسالِحه فأدخلوا على أبي حمزة، فوجدوه جالساً، وعليه إزار قَطَري قد ربطه بحورة في قفاه، فلما دنوا، تقدّم إليه عبد الله بن الحسن العلويّ ومحمد بن عبد الله العثمانيّ،
فنسبهما ، فلما انتسبا له عَبَس في وجوههما، وأظهر الكراهِيّة لهما ، ثم تقدّم إليه بعدهما البَكريّ والعمريّ فنسبهما فانتسبا له، فهشُ إليهما وتبسم في وجوههما، وقال: والله ما خرجنا إلا لنسير سیرة أبويكما، فقال له عبد الله بن حَسن: والله ما جئناك لتفاخر بين آبائنا ، ولكن الأميرَ بعثنا إليك برسالة، وهذا ربيعة يخبركها، فلما أخبره ربيعة، قال له : إنّ الأمير يخاف نَقْضَ العهد، قال : معاذ الله أن ننقض العهد، أو نخيس به! والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه، ولكن إلى أن تنقضِيَ الهدنة بيننا وبينكم.
فخرجوا من عنده، فأبلغوا عبد الواحد، فلما كان النّفر الأخير ، نَفَرَ عبد الواحد وخلّى مكة لأبي حمزة، فدخل بغير قتال، فقال بعضُ الشعراء يهجو عبد الواحد :
زار الحجيجَ عصابةٌ قد خَالَفُوا*** دينَ الإله ففرّ عبد الواحدِ
ترك الإمارة والمواسمَ هارباً*** ومضى يخبِّط كالبعير الشاردِ
فلو إنَّ والده تخير أمَّهُ*** لصفَت خلائقه بعرق الوالد
ثم مضى عبدُ الواحد حتى دخل المدينة ودعا بالديوان، فَضَرب على الناس البَعث، وزادهم في العطاء عشرة عشرة، واستعمل على الجيش عبد العزيز بن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان فخرجوا، فلقيتهم جُزُر منحورة، فتشاءم الناس بها، فلما كانوا بالعقيق عَلِق لواء عبد العزيز بَسمُرة فانكسر الرمح، فتشاء موا بذلك أيضاً.
ثم ساروا حتى نزلوا قُدَيْداً ، فنزل بها قوم معتزلون، ليسوا بأصحاب حرب، وأكثرهم تجار أغمار ، قد خرجوا في المصبّغات والثياب الناعمة واللهو، لا يظنون أن للخوارج شؤكة، ولا يشكّون في أنهم في أيديهم.
وقال رجل منهم من قريش : لو شاء أهلُ الطائف لكفؤنا أمرَ هؤلاء، ولكنهم داهنوا في دين الله ، والله لنظفرَنّ ولنسيرنّ إلى أهل الطائف فلنسبِيَنّهم، ثم قال : مَنْ يشتري مِنِّي من سَبي أهلِ الطائف؟
قال أبو الفرج: فكانَ هذا الرَّجُل أوَّلَ المنهزمين، فلما وصل المدينة، ودخل دارَه، أراد أن يقول لجاريته : أغلقي الباب، قال لها: «غاق باق» دهشاً ، فلقبه أهل المدينة بعد ذلك «غاق بَاق»، ولم تفهم الجارية قوله، حتى أومأ إليها بيده فأغلقت الباب .
قال : وكان عبد العزيز يعرض الجيش بذي الحُلَيفة، فمرّ به أمية بن عنبَسة بن سعيد بن العاص، فرحّب به وضحك إليه ، ثم مرّ به عُمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فلم يكلّمه، ولم يلتفت إليه، فقال له عمران بن عبد الله بن مطيع - وكان ابن خالته أما هما ابنتا عبد الله بن خالد بن أسيد أسيد - سبحان الله ! مرّ بك شيخ من شيوخ قريش، فلم تنظر إليه ولم تكلّمه، ومرَّ بك غلام من بني أميَّة فضحكتَ إليه ولا طفته ! أما والله لو التقَى الجمعانِ لعلمت أيَّهما أصبر !
قال : فكان أمية بن عنبسة أوَّلَ مَن انهزم وركب فرسَه ومضى، وقال لغلامه : يا مجيب، أما والله لئن أحرزت هذه الأكلب من بني الشَّراة إني لعاجز .
وأما عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فقاتل يومئذ حتى قتل، وكان يحمل ويتمثّل :
وإني إذا ضَنَّ الأمير بإذنه*** على الإِذْنِ من نفسي - إذا شئتُ - قادرُ
والشعر للأغرّ بن حماد اليشكريّ.
قال : فلما بلغ أبا حمزة إقبالُ أهل المدينة إليه، استخلف على مكة أبرهة بن الصبّاح وشخص إليهم، وعلى مقدمته بلج بن عُقبة.
فلما كان في الليلة التي وافاهم في صبيحتها، وأهل المدينة نزول بقُدَيد، قال لأصحابه : إنكم ملاقُو القوم غداً، وأميرهم فيما بلغني ابنُ عثمان، أوّل من خالف سُنّة الخلفاء وبدَّل سنة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقد وضَح الصُّبح لذي عينين، فأكثروا ذكرَ الله وتلاوةَ القرآن، ووطنُوا أنفسكم على الموت. وصبّحهم غداة الخميس لتسع خلوّن من صفر سنة ثلاثين ومائة .
قال أبو الفرج : وقال عبد العزيز لغُلامه في تلك الليلة: ابغنا عَلَفاً، قال: هو غالٍ، فقال: ويحك! البواكي علينا غداً أغلى، وأرسل أبو حمزة إليهم بلج بن عقبة ليدعوَهم، فأتاهم في ثلاثين راكباً فذكّرهم الله ، وسألهم أن يكفُّوا عنهم، وقال لهم : خلُّوا سبيلنا إلى الشام، لنسير إلى مَن ظلمكم ، وجار في الحكم عليكم، ولا تجعلُوا حدّنا بكم، فإنا لا نريد قتالكم، فشتمهم أهل المدينة، وقالوا يا أعداء الله، أنحن نخلّيكم، ونترككم تفسدون في الأرض!
فقالت الخوارج: يا أعداء الله، أنحن نفسد في الأرض ! إنّما خرجنا لنكفّ الفساد، ونقاتل مَنْ قاتلنا منكم ،واستأثر بالفيء! فانظروا لأنفسكم، واخلعوا مَنْ لم يجعل الله له طاعة، فإنه لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق، فادْخُلوا في السّلم وعاونوا أهل الحقّ.
فناداه عبد العزيز: ما تقول في عثمان؟ قال: قد برىء منه المسلمون قَبْلي، وأنا متَّبع آثارهم، ومقتدٍ بهم، قال : ارجع إلى أصحابك فليس بيننا وبينكم إلا السيف، فرجع إلى أبي حمزة فأخبره، فقال: كُفُّوا عنهم، ولا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم بالقتال، وفواقفُوهم ولم يقاتلوهم، فرمى رجلٌ مِنْ أهل المدينة بسَهُم في عسكر أبي حمزة، فجرح منهم رجلاً ، فقال أبو حمزة: شأنكم الآن فقد حلّ قتالهم، فحملوا عليهم، فثبت بعضُهم لبعض، وراية قريش مع إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، ثم انكشف أهلُ المدينة، فلم يتبعوهم، وكان على عامتهم صخر بن الجهم بن حذيفة العدويّ، فكبّر وكَبّر الناس معه، فقاتلوا قليلاً، ثم انهزموا فلم يبعدوا حتى كبّر ثانية، فثبت معه ناس وقاتلوا، ثم انهزموا هزيمة لم يَبق بعدها منهم باقية . فقال عليّ بن الحصين لأبي حمزة: اتبع آثار القوم، أو دَعْني أتبعهم، فأقتُل المدبر، وأذَفِّف على الجريح، فإن هؤلاء شرٌّ علينا من أهل الشام، ولو قد جاءك أهلُ الشام غداً لرأيتَ مِنْ هؤلاء ما
تكره، قال : لا أفعل، ولا أخالف سيرة أسلافنا . وأخذ جماعة منهم أسراً، وأراد إطلاقَهم، قمنعه عليّ بن الحصين، وقال: إن لكلِّ زمان سيرة، وهؤلاء لم يُؤسَروا وهم هراب، وإنما أسِروا وهم يقاتلون، ولو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرُم قتلهم، فهكذا الآن، قتلُهم حلال.
ودَعَا بهِم، فكان إذا رأى رجلاً من قريش ،قتله، وإذا رأى رجلاً من الأنصار أطلقه.
قال أبو الفرج: وذلك لأن قريشاً كانوا أكثرَ الجيش، وبهم كانت الشوكة. وأتى محمد بن عبد العزيز بن عمرو بن عثمان، فنسَبه، فقال: أنا رجل من الأنصار، فسأل الأنصار فأقرت ولا بذلك، فأطلقه، فلما ولّى قال : والله إني لأعلم أنّه قرشيّ، ولكن قد أطلقتُه .
قال : وقد بلغت قتلَى قُدَيد ألفين ومائتين وثلاثين رجلاً، منهم من قريش أربعمائة وخمسون رجلاً، ومن الأنصار ثمانون رجلاً، ومن الموالي وسائر الناس ألف وسبعمائة رجل .
قال : وكان في قتلَى قريش من بني أسد بن عبد العزَّى بن قصي أربعون رجلاً .
قال : وقُتِل يومئذ أميّة بن عبد الله بن عمرو بن عثمان خرج مقنّعاً ، فلم يكلِّم أحداً، وقاتل حتى قتل، ودخل بَلج المدينة بغير حرب، فدخلوا في طاعته، وكَفَّ عنهم، ورجع إلى مُلكه . وكان على شُرْطَته أبو بكر بن عبد الله بن عمر، من آل سراقة، فكان أهل المدينة، يقولون : لعن الله السُّراقي، ولعن الله بَلْجاً العراقيّ. وقالت نائحة أهل المدينة تبكيهم :
مَا للزَّمان ومالِيَهُ*** أَفْنَتْ قُدَيْدُ رجاليَة
فلأبكيَنَّ سريرةً*** ولأبكيَنَ علانيِة
ولأبكينَّ على قُدي*** -دَ بسوء ما أولانيَة
ولأغوينّ إذا خَلو*** تُ مع الكلاب العاوية
قال أبو الفرج ولما سار عبدُ الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام، وخلّف المدينة لبلج، أقبلَ أبو حمزة من مكة حتى دخلها، فرقي المنبر، فحمِد الله وقال: يا أهلَ المدينة، سألناكم عن وُلاتكم هؤلاء فأسأتم لعمري والله القول فيهم، وسألناكم : هلْ يَقتُلُون بالظنّ؟ فقلتم : نعم، وسألناكم : هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام؟ فقلتم : نعم، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم، فانشدُوا الله وحدَه أن يتَنحَّوا عنا وعنكم ليختار المسلمون لأنفسهم، فقلتم : لا نفعل، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم نلقاهم، فإن نظهر نحن وأنتم يأت مَن يقيم لنا كتاب الله وسنة نبيّه، ويعدِل في أحكامكم، ويحملكم على سنة نبيكم، فأبيتم وقاتلتمونا، فقاتلناكم وقتلناكم، فأبعدكم الله وأسحقكم يا أهلَ المدينة! مررتُ بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك، وقد أصابتكم عاهة في ثماركم، فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم، فكتب
بوضعه عن قوم من ذوي اليسار منكم، فزاد الغنيّ غنّى، والفقير فقراً. وقلتم : جزاه الله خيراً، فلا جزاه خيراً ولا جزاكم !
قال أبو الفرج : فأما خطبتا أبي حمزة المشهورتان اللتان خطب بهما في المدينة، فإن إحداهما قوله :
تعلَمُون يا أهلَ المدينة، أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشَراً ولا بَطَراً، ولا عبثاً ولا الهوّا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيلَ منّا، ولكنّا لما رأينا مصابيح الحقّ قد أطفِئَتْ، ومعالم العَدل قد عُطِّلَتْ، وعُنفَ القائم بالحقّ، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرضُ بما رحبت وسمعنا داعياً يدعو إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله ، «وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ » (1). فأقبلنا من قبائلَ شَتّى، النَّفَر منّا على البعير الواحد، وعليه زادُهم، يتعاورون لِحافاً واحداً، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيَّدنا بنصره، وأصبحنا - والله المحمود - من أهل فضله ونعمته . ثم لقيَنا رجالُكم بقُدَيْد، فدعَوْناهم إلى طاعة الرَّحْمن، وحكم القرآن فدعَوْنا إلى طاعة الشيطان، وحُكم مَرْوان، فشتّان لعمر الله - ما بين الغيّ والرشد! ثم أقبلوا يزفّون ويُهرعون، قد ضرب الشيطان فيهم بجرَانه، وصدّق عليهم إبليس ظنّه، وأقبل أنصار الله عصائبَ وكتائب، بكل مهنَّدِ ذي رَونق، فدارت رحانَا واستدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون .
وايمُ الله يا أهلَ المدينة، إن تنصروا مَرْوان وآلَ مروان فيسحِتَكم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا ، ويَشْفِ صدور قومٍ مؤمنين .
يا أهل المدينة، الناس منّا ونحن منهم، إلا مشركاً عَبّاد وثَن، أو كافراً من أهل الكتاب ، أو إماماً جائراً .
يا أهل المدينة، مَنْ يزعم أن الله تعالى كلّف نفساً فوق طاقتها، وسألها عَمَّا لم يؤتها فهو لنا حَرْب .
يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القويّ والضعيف، فجاء تاسع ليس له منها سَهم، فأخذها جميعاً لنفسه، مكابراً محارباً لربه، ما تقولون فيه، وفيمن عاونه على فعله؟
يا أهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصُون أصحابي، قلتم: هم شبابٌ أحداث، وأعراب جُفاة،
1) سورة الأحقاف، الآية: 32.
ويحكم يا أهل المدينة وهل كان أصحابُ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلا شباباً أحداثاً! نعم والله إنّ أصحابي لَشباب مكتهلون في شَبَابهم، غضِيضة عن الشرّ أعينُهم، ثقيلة عن الباطل أقدامُهم، قد باعوا أنفساً تموت غداً بأنفس لا تموت أبداً، قد خلطوا كَلاَلهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، محنيَّة أصلابهم على أجزاء القرآن، كُلَّما مروا بآية خوف شهقوا خوفاً من النار، وكلَّما مرُّوا بآية رجاء شَهِقوا شَوْقاً إلى الجنة، وإذا نظروا إلى السيوف وقد أنْتُضِيَتْ ، وإلى الرماح وقد أشرعَتْ، وإلى السِّهام وقد فُوقَت وأرعِدت الكتيبة بصواعق الموت - استخفُّوا وعيدَها عند وعيد الله، وانغمسوا فيها . فطوبى لهم وحسن مآب! فكم من عينِ في منقارِ طائر طالَما بكى بها صاحبُها من خشية الله ! وكم من يد قد أبِينت عن ساعدها، طالما اعتمد عليها صاحبها راكعاً وساجداً في طاعة الله ! أقول قولي هذا وأستغفر الله، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنیب(1).
وأما الخطبة الثانية، فقوله :
يا أهل المدينة، ما لي رأيتُ رَسم الدين فيكم عافياً، وآثاره دارسة! لا تقبلون [عليه] عظة، ولا تفقهون من أهله حُجّة، قد بليت فيكم جدتُه ، وانطمسَتْ عنكم سُنّته، ترون معروفه منكراً ، والمنكَرَ من غيره معروفاً ، فإذا انكشفت لكم العِبَر، وأوضحت لكم النُّذُر، عَمِيَتْ عنها أبصاركم، وصَمَّت عنها آذانكم، ساهين في غمرة، لاهين في غَفْلة، تنبسِط قلوبكم للباطل إذا نُشِر ، وتنقبض عن الحقِّ إذا ذُكِر ، مستوحشة من العلم، مستأنسة بالجهل، كلَّما وردت عليها موعظة زادتها عن الحقّ نفوراً، تحملون قلوباً في صدوركم كالحجارة أو أشدّ قسوة من الحجارة، فهي لا تلين بكتاب الله، الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله !
يا أهلَ المدينة، إنه لا تُغني عنكم صحَّة أبدانكم إذا سقِمت قلوبكم، قد جعل الله لكلّ شيء سبباً غالباً عليه، لينقاد إليه مطيع أمره ، فجعل القلوب غالبة على الأبدان، فإذا مالت القلوبُ مَيْلاً كانت الأبدان لها تبعاً، وإنّ القلوب لا تلينُ لأهلها إلا بصحتها، ولا يصحِّحها إلا المعرفة بالله، وقوة النية ونفاذ البصيرة، ولو استشعرت تقوى الله قلوبُكم، لاستُعمِلت في طاعة الله أبدانكم.
يا أهل المدينة، داركم دارُ الهجرة، ومثوى الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لما نَبَتْ به دارُه، وضاق به
قراره، وآذاه الأعداء وتجهَّمت له، فنقله الله إليكم، بل إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم ،
1) أخرجه الطبري في تاريخه : 59/6 ، وأخرجه ابن كثير في البداية والنهاية : 39/10
متوازرين مع الحقّ على الباطل، مختارين الآجل على العاجل، يصبرون للضّراء رجاء ثوابها فنصروا الله وجاهدوا في سبيله، وآزروا رسوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، واتبعوا النُّور الذي أنزل معه، وآثروا الله على أنفسهم، ولو كان ولو كان بهم خصاصة، فقال الله تعالى لهم ولأمثالهم، ولمن اهتدى بهديهم : «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » (1). وأنتم أبناؤهم ومَنْ بقي من خلفهم، تتركون أن تقتدوا بهم، أو تأخذوا بسنّتهم، عُمي القلوب صمّ الآذان. اتبعتم الهوى فأرداكم عن الهدَى، وأسهاكم عن مواعظ القرآن، لا تزجركم فتنزجِرُون، ولا تعظكم فتتعظون، ولا توقظكم فتستيقظون، لبئس الخلَفُ أنتم من قوم مَضَوْا قبلكم ! ما سرتُم سيرتَهم، ولا حفظتم وصيَّتهم، ولا احتذيتم مثالهم، لو شُقَّت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالُكم لعجِبُوا كيف صُرِف العذاب عنكم ! ألا ترون إلى خلافة الله وإمامة المسلمين كيف أضيعت، حتى تداولها بنو مَرْوان أهل بيت اللعنة، وطرداء رسول الله ، وقوم [من] الطُّلَقاء، ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ولا التابعين بإحسان! فأكلوا مال الله أكلاً، وتلعَّبوا بدين الله لعباً، واتَّخذوا عباد الله عبيداً ، يورّتُ الأكبر منهم ذلك الأصغر ، فيا لها أمّةً ما أضعفها وأضيعها ! ومضوا على ذلك مِنْ سيىء أعمالهم واستخفافهم بكتاب الله، قد نبذوه وراء ظهورهم، فالعنوهم لعنهم الله لعناً، كما يستحقونه .
ولقد وليّ منهم عمر بن عبد العزيز فاجتهد ولم يَكد، وعجز عن الذي أظهر، حتى مضى لسبيله. قال ولم يذكره بخير ولا بشرّ . ثم قال : ووليّ بعده يزيد بن عبد الملك ، غلام سفيةٌ ضعيف، غير مأمون على شيء من أمور المسلمين، لم يبلغ أشدَّه، ولم يؤنس ،رشده، وقد قال الله عزّ وجلّ : «فَإِنْ وَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَلَمْ » (2)وأمرُ أمة وأمر أمة محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأحكامها وفروجها ودمائها أعظمُ عند الله من مال اليتيم، وإن كان عند الله عظيماً، غلام مأبُونٌ في فَرْجه وبطنه، يأكل الحرام، ويشرب الخمر، ويلبس بُرْدَين قد حيكا من غير حِلهما، وصرفت أثمانهما في غير وجهها، بعد أن ضُربت فيهما الأبشار، وحُلِقَت فيهما الأشعار، استحلَّ ما لم يحلّه الله لعبد صالح، ولا لنبيّ مرسل، فأجلس حَبَابة عن يمينه، وسلّامة عن يساره، يغنّيانه بمزامير الشيطان، ويشرب الخمر الصُّراح، المحرّمة نصَّا بعينها، حتى إذا أخذت منه مأخذها ، وخالطت روحَهُ ولحمه ودمه، وغلبت سَؤرتها على عقله، مزَّق بُرْدَيه، ثم التفت إليهما، فقال: أتأذنان لي بأن أطير ! نعم فِطر إلى النّار ، طِرْ إلى لعنة الله ، طِر إلى حيث لا يردّك الله .
ثم ذكر بني أميّة وأعمالهم، فقال: أصابوا إمرة ضائعة وقوماً طَعاماً جهَّالاً لا يقومُون لله بحق، ولا يفرقون بين الضّلالة والهدى، ويرون أنّ بني أمية أربابُ لهم، فملكوا الأمر،
وتسلطّوا فيه تسلُّطَ ربوبية ، بطشُهم بطش الجبابرة، يحكُمون بالهوى، ويقتُلون على الغَضَب ويأخذون بالظَّنّ، ويعطَّلون الحدود بالشفاعات، ويُؤمنون الخَونَة، ويعصُون ذوي الأمانة، ويتناولون الصَّدقة من غير فرضها، ويضعونها غير موضعها ، فتلك الفِرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله ، فالعنوهم لعنهم الله .
قال : ثم ذكر شيعة آل أبي طالب، فقال: وأما إخواننا من الشّيعة - وليسوا بإخواننا في الدين، لكني سمعت الله يقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (1)- فإنها فرقة تظاهرت بكتاب الله، وآثرت الفرقة على الله ، لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن، ولا عقلِ بالغ في الفِقه، ولا تفتيش عن حقيقة الثواب، قد قلدوا أمورَهم أهواءهم، وجعلوا دينَهم العصبيّة لحزب لزموه وأطاعوه، في جميع ما يقوله لهم : غَيَّا كان أو رشداً، ضلالةً كان أو هدى، ينتظرون الدُّول في رَجعة الموتى، ويؤمنون بالبعث قبل الساعة، ويدّعون علم الغيب لمخلوقين لا يعلم واحدهم ما في بيته، بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه، أو يحويه جسمه، ينقمون المعاصي على أهلها، ويعملون بها ولا يعلمون المخرج منها، جفاة في دينهم، قليلة عقولهم، قد قَلّدوا أهل بيت من العرب دينَهم، وزعموا أنّ موالاتهم لهم تُغنيهم عن الأعمال الصالحة، وتنجِّيهم من عقاب الأعمال السيئة، قاتلهم الله أنى يؤفكون!
فايّ الفرَق يا أهل المدينة تتّبعون، أم بأيّ مذاهبهم تَقتُدون ! ولقد بلغني مقالُكم في أصحابي وما عبتموه من حداثة أسنانهم، ويحكم! وهل كان أصحاب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ألا أحداثاً !نعم إنهم لشباب مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشرّ أعينهم، ثقيلة في الباطل أرجلُهم، أنْضَاء عبادة، قد نظر الله إليهم في جَوف الليل، محنيّة أصلابهم على أجزاء القرآن كلَّما مَرّ أحدُهم بآية فيها ذكرُ الجنة بكى شوقاً، وكلّما مرّ بآية فيها ذكر النار شَهِق خَوْفاً، كان زفير جهنم بين أذنيه، قد أكلتِ الأرضُ جباههم ورُكَبَهم ، ووصلوا کَلال ليلهم بکَلال نهارهم، مصفرّة ألوانهم، ناحلة أبدانهم، من طول القيام، وكثرة الصيام، يُوفون بعهد الله، منجِزون لوعد الله، قد شرَوْا أنفسهم في طاعة الله، حتى إذا التقت الكتيبتان، وأبرقت سيوفُهما، وفوّقت سهامهما، وأشرعَتْ رماحهما لقوا شَبَا الأسنة وزجَاج السهام وظُبَى السيوف، بنحورهم، ووجوههم وصدورهم فمضى الشابُّ منهم قُدماً، ، حتى اختلفت رجلاه على عنُق ،فرسه واختضبت محاسنُ وجهه بالدماء، وعُفِّر جبينه بالتراب والثرى، وانحطّت عليه الطير من السماء، ومزّقته سباع الأرض، فكم من عينٍ في منقار طائر طالما بكّى بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله ! وكم من وجهٍ رقيق، وجبين عتيق قد فلق بعمَد الحديد.
1) سورة الحجرات، الآية : 13 .
ثم بكي فقال : آه آه! على فراق الإخوان، رحمة الله تعالى على تلك الأبدان، اللهمَّ أدخل أرواحها الجنان (1)!
قال أبو الفرج : وسار أبو حمزة، وخلّف بالمدينة المفضّل الأزديّ في جماعة من أصحابه، وبعث مروان بن محمد عبدَ الملك بن عطية السعديّ في أربعة آلاف من أهل الشام فيهم فرسان عسكره ووجّهوهم لحرب أبي حمزة وعبد الله بن يحيى طالب الحق وأمر ابن عطية بالجدّ في المسير، وأعطى كلَّ رجل من الجيش مائة دينار، وفرساً عربياً، وبغلاً لثقله، فخرج ابن عطية حتى إذا كان بالمعلَّى . فكان رجل من أهل وادي القرى، يقال له العلاء بن أفلح أبي الغيث، يقول: لقيني في ذلك اليوم وأنا غلام رجلٌ من أصحاب ابن عطية، فقال لي : ما اسمُك يا غلام؟ فقلت : العلاء ، فقال : ابْنُ مَنْ؟ قلت ابن أفلح قال: أعربيّ أم مولى؟ فقلت : مولى قال : مولى مَنْ؟ قلت: مولى أبي الغيث، قال : فأين نحن؟ قلت بالمعلّى قال فأين نحن غداً؟ قلت بغالب قال : فما كلمني حتى أردفني خَلْفه، ومضى حتى أدخلني على ابن عطية، وقال له : أيّها الأمير سل الغلام ما اسمه؟ فسأل وأنا أردّ عليه القول، فسرّ بذلك، ووهب لي دراهم .
قال أبو الفرج وقدم أبو حمزة، وأمامه بَلْج بن عقبة في ستمائة رجل، ليقاتل عبد الملك ابن عطية، فلقيَه بوادي القرى، لأيام خَلَت من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة، فتواقفوا، ودعاهم بَلْج إلى الكتاب والسنة ، وذكر بني أمية وظُلمهم، فشتمه أهلُ الشام، وقالوا: يا أعداء الله، أنتم أحقُّ بهذا ممن ذكرتم. فحمل بَلْج وأصحابه عليهم ، وانكشفت طائفة من أهل الشام ،وثبت ابنُ عطية في عُصْبة صبروا معه بروا معه فناداهم. يا أهل الشام، يا أهل الحفاظ! ناضِلوا عن دينكم وأميركم، واصبروا وقاتلوا قتالاً شديداً، فقتل بلج وأكثرُ أصحابه، وانحازت قطعة أصحابه نحو المائة إلى جبل اعتصموا به، فقاتلهم ابن عطية ثلاثة أيام، فقتل منهم سبعين رجلاً، ونجا منهم ثلاثون. فرجعوا إلى أبي حمزة وهو بالمدينة، وقد اغتمّوا وجزعوا من ذلك الخبر، وقالوا : فررنا من الزَّحف، فقال لهم أبو حمزة: لا تجزعوا فإنا لكم فئة، وإلي تحيزتم.
وخرج أبو حمزة إلى مكة، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أهل المدينة إلى قتال المفضل، خليفة أبي حمزة على المدينة، فلم يجد أحداً، لأن القتل قد كان أسرع في الناس، وخرج وجوه أهل البلد عنه، فاجتمع إلى عمر البربر والزّنوج وأهل السوق والعبيد، فقاتل بهم الشّرا ، فقتِل المفضَّل وعامة أصحابه، وهرب الباقون، فلم يبق منهم أحد، فقال في ذلك سُهيل مولى زينب بنت الحكم بن أبي العاص :
1) أخرجه العصفري في تاريخ خليفة بن خياط : 309
لیت مروان رآنا*** يوم الاثنين عشيّة
إذ غسلنا العارَ عَنّا*** وانتضينا المُشْرَفيّة
قال : فلما قدم ابن عطية أتاه عمر بن عبد الرحمن، فقال له أصلحك الله ! إني جمعت قَضّي وقَضِيضي، فقاتلتُ هؤلاء الشُّراة فلقّبه أهل المدينة : قَضي وقَضِيضي».
قال أبو الفرج، وأقام ابن عطية بالمدينة شهراً، وأبو حمزة مقيم بمكة، ثم توجّه إليه، فقال علي بن الحصين العبديّ لأبي حمزة: إنّي كنتُ أشرت عليك يوم قديد وقبله أن تقتُل الأسرى فلم تفعل، حتى قتلوا المفضّل وأصحابنا المقيمين معه بالمدينة، وأنا أشير عليك الآن أن تضع السيف في أهل مكة، فإنهم كَفَرة فَجَرة، ولو قد قدِم ابن عطية لكانوا أشدّ عليك من أهل المدينة ، فقال : لا أرى ذلك لأنهم قد دخلوا في الطاعة ، وأقرّوا بالحكم، ووجب لهم حقّ الولاية.
فقال : إنهم سيغدرون، فقال: «فَمَن نَكَتَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ » (1).
وقدم ابن عطيّة مكة فصيّر أصحابه ،فرقتين، ولقيَ الخوارج من وجهين، فكان هو بإزاء أبي حمزة في أسفل مكة، وجعل طائفة أخرى بالأبطح بإزاء أبرهة بن الصباح، فقتل أبرهة، كَمَن له ابن هبار وهو على خيل دمشق، فقتله عند بئر ميمون، والتقى ابن عطية بأبي حمزة، فخرج أهلُ مكة بأجمعهم مع ابن عطية، وتكاثر الناس على أبي حمزة، فقتل عَلَى فم الشعب، وقتلت معه امرأته وهي ترتجز :
أنا الجديعاءُ وبنتُ الأَعْلَمُ*** مَنْ سالَ عن اسْمِي فَاسْمِي مَرْيَمْ
بعتُ سِوارَيَّ بعضب مِخذَمْ
وقتلت الخوارج قَتْلاً ذريعاً، وأسِرَ منهم أربعمائة ، فقال لهم ابن عطية: وَيْلَكم ! ما دعاكم إلى الخروج مع هذا ؟ فقالوا : ضمن لنا «الكنّة»، يريدون «الجنة»، فقتلَهم كلهم، وصلب أبا حمزة وأبرهة بن الصباح على شِعب الخَيْف، ودخل عليّ بن الحصين داراً من دور قريش، فأحدق أهل الشام بها فأحرقوها، فرمى بنفسه عليهم وقاتل، فأسر وقُتِل وصلب مع أبي حمزة، فلم يزالوا مصلُوبين حتى أفضَى الأمرُ إلى بني هاشم، فأنزلوا في خلافة أبي العباس.
قال أبو الفرج : وذكر ابن الماجشون أنّ ابن عطيّة لما التَقَى بأبي حمزة، قال أبو حمزة لأصحابه : لا تقاتُلوهم حتى تختبرُوهم، فصاحوا فقالوا : يا أهل الشام، ما تقولون في القرآن؟
1) سورة الفتح، الآية : 10 .
والعمل به؟ فقال ابن عطية: نضعه في جَوْف الجوالق قالوا فما تقولون في اليتيم؟ قالوا : نأكل مَاله ونفجُر بأمّه، في أشياء بلغني أنهم سئلوا عنها، فلما سمعوا كلامَهم قاتلوهم حتى أمْسَوْا، فصاحت الشُّراة: ويحك يابن عطية! إن الله جل وعزّ قد جعل الليل سكناً فاسكن ونسكن، فأبى وقاتلهم حتى أفناهم .
قال: ولما خرج أبو حمزة من المدينة خَطَب، فقال: يا أهل المدينة، إنا خارجون لحرب مروان، فإن نظهر عليه نعدِلْ في أحكامكم ، ونحملكم على سنّة نبيكم، وإن يكُن ما تمنيتم لنا ، فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
قال : وقد كان اتّبعه على رأيه قومٌ من أهل المدينة وبايعوه، منهم بشكست النحويّ، فلما جاءهم قتله وثب الناس على أصحابه فقتلوهم، وكان ممن قتلوه بشكُست النحويّ، طلبوه فرقِيَ في درجة دارٍ فلحقوه فأنزلوه وقتلوه وهو يصيح: يا عباد الله، فيم تقتلونني ! فقيل فيه:
لقد كان بشكُست عبدُ العزيز*** منَ أهل القراءة والْمَسْجِدِ
فبعداً لبشکست عبد العزيز*** وأما القُرَانُ فَلا تَبْعَد
قال أبو الفرج وحدَّثني بعضُ أصحابنا أنه رأى رجلاً واقفاً على سَطح يرمى بالحجارة قوم أبي حمزة بمكة، فقيل له : ويلك أتدري من ترمي مع اختلاط الناس؟ فقال : والله ما أبالي مَنْ رميت، إنما يقع حَجَري في شام أو شار، والله ما أبالي أيهما قتلت .
قال أبو الفرج وخرج ابنُ عطية إلى الطائف، وأتى قتل أبي حمزة إلى عبد الله بن يحيى طالب الحق، وهو بصنعاء، فأقبل في أصحابه يريد حرب ابن عطية فشخص ابن عطية إليه، والتقَوْا، فقتل بين الفريقين جمعٌ كثير، وترجّل عبدُ الله بن يحيى في ألف رجل، فقاتلوا حتى قتِلوا كلُّهم، وقتل عبد الله بن يحيى، وبعث ابنُ عطية رأسَه إلى مروان بن محمد، وقال أبو صخر الهذليّ، يذكر ذلك :
قَتَلْنَا عُبَيْداً والَّذِي يكتني الكُنَى*** أبا حمزة القاري المصلّي اليمانيا
وأبرهة الكنديّ خاضت رماحُنا*** وبلجاً منحناه السُّيوف المَواضِيَا
وما تركت أسيافُنا منذ جُرِّدَتْ*** لمروان جَبَّاراً على الأرض عاصيَا
وقال عمرو بن الحصين العنبري، يرثي أبا حمزة وغيره من الشُّراة، وهذه القصيدة من مختار شعر العرب :
هَبْتْ قُبَيْلَ تبلج الفَجْرِ*** هِند تقولُ ودمعُها يَجْرِي
إِذْ أَبْصَرَتْ عَيْنِي وأَدْمُعُها*** تنهلُّ واكفة على النَّحْرِ:
انى اعتراكَ وَكُنْت عَهدِيَ لاَ*** سَرِب الدُّموعِ وَكُنْتَ ذَا صَبْرِ !
أقذى بعينك لا يفارقها*** أم عائر، أم مالها تَذْرِي!
أم ذكر إخوانِ فُجِعْتَ بِهِمْ*** سَلَكُوا سَبِيلَهُمُ عَلَى قَدْرِ
فأجبتُها بلْ ذِكْرُ مَصْرَعِهِمْ*** لا غيره عبراتُها تَمْرِي
ياربّ يا رب أسلِكْنِي سَبِيلَهُمُ*** - ذَا العرش - واشدُد بالتُّقى أزري
في فتية صبروانُفُوسَهُمُ*** للمشرفية والقنَا السُّمر
تالله ما في الدَّهْرِ مِثْلُهُمُ*** حَتَّى أكون رهينةَ الْقَبْرِ
أوقى بذمتهم إذا عَقَدُوا*** وأعفُ عِنْدَ الْعُسْرِ والْيُسْرِ
متأهبون لكل صالحِةٍ ***نَاهُونَ مَنْ لاقَوْا عن النُّكْرِ
صُمْت إذا حَضَرُوا مَجَالِسَهُمْ*** من غير ماعيِّ بهم يُزْرِي
إلا تجيئهُمُ فإِنَّهُمُ*** رُجُفُ القلوب بحضرة الذكر
متأوّهُونَ كَانَ جَمْرَ غَضًا*** للموتِ بين طُلُوعِهِمْ يَسْرِي
فهمُ كان بهم جَرَى مرضٌ*** أَوْ مَسَّهم طَرْف طرف من السِّحر
لاليلُهم ليل فيلبسهم*** فيه غواشي النّوم بالسكر
إلا كَرًى خَلْساً وآونة*** حذر العقاب فَهُمْ على ذُعْرِ
كُمْ مِنْ أخ لك قَدْ فُجِعْتَ بِه*** قَوَّام ليلته إلى الفَجْرِ
متأوّهاً يَتْلُو قَوَارعَ مِنْ*** آي الكتاب مُفَزَّعَ الصَّدْرِ
ظمآن وقدة كل هاجِرة*** تراك لَذَّتِه على قدْرِ
رَفَّاضَ ما تَهْوى النُّفُوسُ إذا*** رُغَبُ النفوس دَعْتْ إلى المزر
وَمُبرَّاً مِنْ كُلّ سينةٍ*** عَفّ الهوى ذَا مِرّةٍ شَزْرٍ
والمصطلى بالحرب يُوقدها*** بحسُامه في فِتْيَة زُهْرِ
يختاضها بأقلّ ذي شُطَبٍ*** عَضب المضارب ظاهر الأثر
لاشيء يَلقاه أسرَّ له*** مِنْ طَعْنَة في ثُغْرَةِ النَّحْرِ
منهارة منه تجيش بما*** كانَتْ عواصِمُ جَوْفِه تَجْرِي
لخليلك المختارُ اذُكِ به*** من مغتدٍ في الله أو مُسري!
خواضُ غَمْرَة كلّ متلفةٍ*** في الله تحت العِشْيرِ الكدر
نزال ذي النّجَواتِ مختضباً*** بنجيعهِ بالطَّعْنَةِ الشَّزْرِ
وابن الحصين وَهَلْ لَهُ شَبَةٌ*** في العُرْف أَنَّى كَان والنُّكُرِ
بشهامةٍ لم تُحْنَ أصْلُعُهُ*** لذوي أجزّته على غَدْرِ
طلق اللّسانِ بِكُلِّ مُحْكَمَة*** رآب صدع العظم ذي الكَسر
لم ينفكِك في جوفه حَزَنْ*** تَغْلِي حَرَارَتُهُ وَنَسْتَشري
ترقى وآونة يخفُضُها*** بتنفّسِ الصُّعَداء والزَّفْرِ
ومخالطي بَلْجٌ وخَالِصَنِي*** سَهم العدوّ وجابر الكَسر
نِكل الخصوم إذا هُمُ شغبوا*** وسِداد ثَلمَة عورة الثَّغر
والخائض الغَمَرات يخطرُ في*** وَسَطِ الأعادي أيما خَطر
بمشطَّب أو غير ذي شُطَبٍ*** هامَ العِدا بِذُبَابِه يَفْرِي
وأخيك أبرهة الهجان أخي ال*** حزب العوان ومُوقد الجَمْرِ
والضّارب الأخدُود لَيْسَ لها*** حَدُّيُنَهنِهُهَا عن السَّحر
ووليّ حُكمِهِمُ فُجِعْتُ به*** عمرو، فواكبدي على عَمرو!
قَوّال محكمة وذو فَهَم*** عَفّ الهوى متثبتُ الأمر
ومسيّبٍ فاذكر وصيتَه*** لاَتَنس إمّا كُنْتَ ذَا ذُكر
فكلاهما قد كان مختشِعاً*** لله ذَاتَقوَى وَذَا برِّ
في مخبتين ولم أسمِّهِمُ*** كانُوا ندَى وهمُ أولو نَصْرِي
وهمُ مساعرُ في الوغى رُجُح*** وخيارُ مَنْ يمشي على العَفْرِ
حَتَّى وَفَوْا الله حَيْثُ لَفُوا ***بعهود لا كذِب ولا َ غَدْرِ
فتخالسُوا مُهجاتِ انْفُسِهِم*** وعداتهم بقواضب بُتر
واسِنَّةٍ أُثبِتْنَ في لُدُنٍ*** خَطيةٍ باكفّهم زُهْر ِ
تحت العَجاج وفوقهم خِرَقٌ*** يخفِقْنَ من سُود ومِنْ حُمْرٍ
فتوقّدت نيران حزبِهِمُ*** ما بين أعلى البيت والحِجْرِ
وَتَصَرَّعت عَنْهُم فَوَارسُهُمْ*** لم يغمِضُوا عَيْناً على وترِ
صَرْعى فخاويةُ بيوتُهُم*** و خوامعُ بجسمهم تَفْرِي
قال أبو الفرج: وأقام ابن عطيّة بحضرموت بعد ظَفَره بالخوارج حتى أتاه كتاب مَروان يأمره بالتعجيل إلى مكة، فيحجّ بالناس، فشخص إلى مكة متعجّلاً مُخِفَّا في تسعة عشر فارساً ، وندم مَروَان على ما كتبه، وقال : قتلت ابن عطية، وسوف يخرج متعجّلاً مخِفا من اليمن ليلحق الحجّ فيقتله الخوارج، فكان كما قال، صادفه في طريقه جماعةُ متلففة، فمن كان منهم إباضياً قال: ما تنتظر أن ندرك ثأر إخواننا ، ومَنْ لم يكن منهم إباضيًا ظنّ أنه إباضيُّ منهزم من ابن عطية، فصمد له سعيد وجُمانة ابنا الأخنس الكنديّان في جماعة من قومهما، وكانوا على رأي الخوارج، فعطف ابنُ عطيّة على سعيد فضربه بالسيف، وطعنه جُمانة فصرَعه، فنزل إليه سعيد، فقعد على صدره، فقال له ابنُ عطيّة: هل لك في أن تكون أكرَم العرب أسيراً؟ فقال سعيد : يا عدوّ الله، أنظنّ الله يهمِلك! أوَ تطمع في الحياة، وقد قتلتَ طالب الحق وأبا حمزة وبَلْجاً وأبرهة! فذبحه. وقتِل أصحابُه أجمعون .
فهذا يسيرٌ مما هو معلوم من حال هذه الطائفة من خُشونتها في الدِّين، وتلزُّمها بناموسه، وإن كانت في أصل العقيدة على ضلال، وهكذا قال النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عنهم : «تُستَحقَر صلاةُ أحدِكم في جَنب صلاتهم، وصيامُ أحدكم في جنب صيامهم»، ومعلومٌ أنّ معاوية ومَنْ بعده من بني أميّة لم تكن هذه الطريقة طريقتَهم، ولا هذه السنّة سنتهم، وأنهم كانوا أهلَ دنيا وأصحابَ لعب ولهو وانغماس في اللذات، وقلة مبالاة بالدين، ومنهم مَنْ هو مرميُّ بالزندقة والإلحاد.
وقد طعَن كثير من أصحابنا في دين معاوية، ولم يقتصروا على تفسيقِه، وقالوا عنه إنه كان ملحِداً لا يعتقد النبوّة، ونقلوا عنه فلتات كلامه وسقطات ألفاظه ما يدلّ على ذلك.
وروي الزبير بن بكار في «الموفقيات » (1)- وهو غير متّهم على معاوية، ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة، لما هو معلوم من حاله من مجانَبه عليّ(علیه السّلام) ، والانحراف عنه - :
قال المطرّف بن المغيرة بن شعبة : دخلت مع أبي عَلَى معاوية، وكان أبي يأتيه، فيتحدّث معه ، ثم ينصرف إليّ فيذكر معاوية وعقلَه، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذاتَ ليلة، فأمسك عن العَشاء، ورأيته مغتمَّا فانتظرته ساعة، وظننت أنه لأمر حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتمُّا منذ الليلة؟ فقال : يا بُنيّ، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم، قلت: وما ذاك؟ قال : قلت له وقد خلوتُ به : إنّك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً فإنَّك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامَهم فوالله ما عندهم اليومَ شيء
1) الموفقيات في الحديث : للزبير بن بكار الأسدي، المتوفى سنة ( 256ه-). كشف الظنون (2/ 1910) .
تخافه، وإنّ ذلك ممّا يَبقى لك ذكره وثوابه ، فقال : هيهات هيهات! أي ذكِر أرجو بقاءه ! مَلَك أخو تَيم فعدَل، وفعل ما فعل، فما عدا أن هَلَك حتى هلك ذكرهُ، إلا أن يقول قائل : أبو بكر ، ثم ملك أخو عديّ، فاجتهد وشمَّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلَك ذكرهُ، إلا أن يقول قائل: عمر، وإن ابنَ أبي كبشةً ليُصاح به كلَّ يوم خمس مرات : «أشهد أنّ محمداً رسول الله» ، فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك ! لا والله إلا دَفناً دفناً .
وأما أفعاله المجانبة للعدالة الظاهرة من لُبسه الحرير، وشريه في آنية الذهب والفضة، حتى أنكر عليه ذلك أبو الدَّرْداء، فقال له : إني سمعت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول، «إنّ الشّارب فيهما ليُجرجر في جوفه نار جهنم»، وقال معاوية: أمّا أنا فلا أرى بذلك بأساً، فقال أبو الدرداء : مَنْ عذيري من معاوية ! أنا أخبره عن الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وهو يخبرني عن رأيه ! لا أساكنك بأرضٍ أبداً .
نقل هذا الخبر المحدّثون والفقهاء في كُتبهم في باب الاحتجاج على أنّ خبر الواحد معمول به في الشرع، وهذا الخبر يقدَح في عدالته ، كما يقدح أيضاً في عقيدته، لأنّ مَنْ قال في مقابلة خَبَرِ قد روي عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : أمّا أنا فلا أرى بأساً فيما حرمه رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ليس بصحيح العقيدة ومن المعلوم أيضاً من حالة استثثاره بمال الفيء، وضربه مَنْ لا حدّ عليه، وإسقاط الحدّ عمّن يستحقّ إقامة الحدّ عليه، وحكمه برأيه في الرّعيّة وفي دين الله، واستلحاقه زياداً، وهو يعلم قول رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «الولَد للفراش وللعاهر الحَجَر»، وقتله حُجر بن عديّ وأصحابه ولم يجب عليهم القتل، ومهانته لأبي ذرّ الغفاري وَجبههُ وشتمه وإشخاصه إلى المدينة على قَتَب وطاء لإنكاره عليه، ولعنه عليَّا وحسناً وحسيناً وعبد الله بن عباس على منابر الإسلام، وعهده بالخلافة إلى ابنه يزيد، مع ظهور فسقه وشُربِه المسكر جهاراً، ولعبه بالنَّرد، ونومه بين القيان المغنيّات، واصطباحه معهنّ، ولعبه بالطنبور بينهنّ، وتطريقه بني أمية للوثوب على مقام رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وخلافته، حتى أفضَت إلى يزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد. المفتضحَيْن الفاسقَين : صاحب حَبَابة وسلامة، والآخر رامي المصحف بالسّهام وصاحب الأشعار في الزندقة والإلحاد.
ولا ريب أن الخوارج إنما برىء أهلُ الدين والحقِّ منهم ، لأنهم فارقوا عليّا وبرثوا منه، وما عدا ذلك من عقائدهم، نحو القول بتخليد الفاسق في النار، والقول بالخروج على أمراء الجَوْر ، وغير ذلك من أقاويلهم، فإن أصحابنا يقولون بها، ويذهبون إليها، فلم يبق ما يقتضي البراءة منهم إلا براءتهم من عليّ، وقد كان معاوية يلعنُه على رؤوس الأشهاد وعلى المنابر في الجمع والأعياد، في المدينة ومكة وفي سائر مدن الإسلام، فقد شارك الخوارج في الأمر المكروه منهم، وامتازوا عليه بإظهار الدين والتلزّم بقوانين الشريعة، والاجتهاد في العبادة، وإنكار المنكَرات، وكانوا أحقَّ بأن يُنصَرُوا عليه مِن أن يُنصَر عليهم ، فوضح بذلك قولُ أمير
المؤمنين : «لا تقاتلوا الخوارج بعدي»، يعني في مُلْك معاوية .
ومما يؤكّد هذا المعنى أنّ عبد الله بن الزبير استنصَر على يزيد بن معاوية بالخوارج ، واستدعاهم إلى ملكه، فقال فيه الشاعر :
يا ابن الزبير أتهوَى فتية قَتَلوا*** ظُلمًا أباك ولمَّا تُنزع الشَّكَكُ !
ضَحَوْا بعثمان يوم النَّحْر ضاحيةً*** يا طيبَ ذاك الدم الزاكي الذي سفكوا !
فقال ابن الزبير : لو شايعني الترك والدَّيْلم على محاربة بني أمية لشايعتهُم وانتصرت بهم .
الأصل: وَإِنَّ عَلَيَّ مِنَ الله جُنَّةٌ حَصِينَةٌ، فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي انْفَرَجَتْ عَنِّي وَأَسْلَمَتْنِي، فَحِينَئِذٍ لاَ يَطِيسُ السَّهْمُ، وَلاَ يَبْرَأ الْكَلْمُ .
الشرح: الغيلة : القتل على غير علم ولا شعور. والجُنّة : الدرع وما يجنّ به، أي يستتر من تُرْس وغيره. وطاش السهم، إذا صَدَف عن الغرض. والكَلم: الجرح، ويعني بالجنّة هاهنا الأجل، وعلى هذا المعنى الشعر المنسوب إليه(علیه السّلام) :
من أيّ يوميّ مِنَ الموتِ أفرّ*** أيومَ لم يُقدّر أم يوم قُدِر
فيوم لا يقدَر لا أرهَبُهُ*** ويوم قد قُدّر لا يغني الحَذَرْ
ومنه قول صاحب الزَّنْج :
وإذا تُنازعني أقولُ لها قَرِي*** موتٌ يُريحك أو صعود المنبر
ما قد قضي سيكونُ فاصطَبري له*** ولكِ الأمان من الذي لم يُقْدَرِ
ومثله :
قَدْ علم المستأخرون في الوَهَلْ*** أن الفرار لا يزيد في الأجَل
والأصل في هذا كله قوله تعالى: «وَمَا كَانَ لِنَفْس أَن تَمُونَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَباً مُوَجَلاً » (1)وقوله تعالى: «فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ » (2).
وقوله سبحانه: «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ » (3)، وفي القرآن العزيز كثيرٌ ذلك .
واختلف الناس في الآجال، فقالت الفلاسفة والأطباء: لا أجلَ مضروب لأحدٍ من الحيوان كلِّه من البشر ولا من غيرهم. والموت عندهم على ضربين : قَسريّ وطبيعيّ.
فالقسْرِيّ الموت بعارض، إمّا من خارج الجسد كالمتردِّي والغريق والمقتول، ونحو ذلك، أو من داخل الجسدِ كما يعرض من الأمراض القاتلة، مثل السُّلَّ والاستسقاء والسِّرسام، ونحو ذلك .
والموت الطبيعيّ ما يكون بوقوف القوّة الغاذية التي تورّد على البدن عوضَ ما يتحلّل منه ، وهذه القوّة المستخدَمة للقوى الأربع : الجاذبة والدافعة، والماسكة، والهاضمة. والبدن لا يزال في التحلّل دائماً من الحركات الخارجية، ومن الأفكار والهموم وملاقاة الشمس والريح، والعوارض الطارئة، ومن الجوع والعطش. والقوة الغاذية تورَد على البدنِ عِوَض الأجزاء المتحللّة، فتصرفها في الغذاء المتناول، واستخدام القوى الأربع المذكورة.
ومنتهى بقاءِ هذه القوّة في الأعمّ الأغلب للإنسان مائة وعشرون سنة، وقد رأيت في كتب بعض الحكماء أنّها تبقى مائة وستين سنة، ولا يصدّق هؤلاء بما يروَى من بقاء المعمِّرين، فأما أهل الملل فيصدّقون بذلك.
واختلف المتكلّمون في الآجال، فقالت المعتزلة : ينبغي أوّلاً أن نحقّق مفهوم قولنا : «أجل» ليكون البحث في التصديق بعد تحقق التصور، فالأجل عندنا هو الوقت الذي يعلم الله أنّ حياة الإنسان أو الحيوان تبطل فيه، كما أنّ أجل الدِّين هو الوقت الذي يحلّ فيه، فإذا سألَنا سائل فقال : هل للنّاس أجالٌ مضروبة؟ قلنا له: ما تعني بذلك؟ أتريد : هل يعلم الله تعالى الأوقات التي تبطل فيها حياة الناس؟ أم تريد بذلك أنّه : هل يراد بطلان حياة كلّ حيّ في الوقت الذي بطلت حياتُه فيه؟
فإن قال : عَنيت الأول ، قيل له : نعم للناس آجال مضروبة بمعنى معلومة، فإنّ الله تعالى عالم بكلّ شيء.
وإن قال : عَنّيت الثاني، قيل : لا يجوز عندنا إطلاق القول بذلك، لأنه قد تبطل حياة نبيّ أو وليّ بقتل ظالم، والبارىء تعالى لا يريدُ عندنا ذلك .
فإن قيل : فهل تقولون: إن كلّ حيوان يموت وتبطل حياتُه بأجله؟ قيل : نعم، لأنّ الله قد علم الوقت الذي تبطل حياتُه فيه، فليس تبطل حياته إلا في ذلك الوقت، لا لأنّ العلم ساق إلى ذلك، بل إنما تبطل حياته بالأمر الذى اقتضى بطلانه، والبارى تعالى يعلمُ الأشياء على ما هي عليه، فإن بطلت حياته بقتل ظالم فذلك ظلم وجَور، وإن بطلت حياته من قِبَل الله تعالى فذلك حكمة وصواب. وقد يكون ذلك لطفاً لبعض المكلَّفين .
واختلف الناسُ : لو لم يقتل القاتل المقتول، هل كان يجوز أن يبقيَه الله تعالى؟ فقطع الشيخ أبو الهذيل على موته لو لم يقتله القاتل، وإليه ذهب الكرّاميّة، قال محمد بن الهيصم : مذهبُنا أنّ الله تعالى قد أجل لكلّ نفس أجلاً لن ينقضيَ عمره دون بلوغه، ولا يتأخر عنه، ومعنى الأجل هو الوقت الذي علم الله أن الإنسان يموت فيه، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وليس يجوز أن يكونَ الله تعالى قد أجل له أجَلاً ، ثم يقتل قبل بلوغه أو يخترم دونه ، ولا أن يتأخّر عما أجلَ له ليس على معنى أنّ القاتل مضطر إلى قتله، حتى لا يمكنه الامتناع منه، بل هو قادر على أن يمتنع من قَتله، ولكنه لا يمتنع منه ، إذ كان المعلوم أنّه يقتله لأجله بعينه، وكتب ذلك عليه.
ولو توهّمنا في التقدير، أنه يمتنع مِن قتله، لكان الإنسان يموتُ لأجل ذلك، لأنهما أمران مؤجّلان بأجل واحد، فأحدهما قتل القاتل إياه، والثاني تصرّم مدة عمره وحلول الموت به، فلو قدرنا امتنَاع القاتل من قتله، لكان لا يجب بذلك ألا يقع المؤجل الثاني الذي هو حلول الموت ،به، بل كان يجب أن يموت بأجله
قال : وبيان ذلك من كتاب الله توبيخه المنافقين على قولهم : «لَوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُواْ » (1)، فقال تعالى لهم : «قُلْ فَادْرَهُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» (2)، فدلّ على أنهم لو تجنّبوا مصارع القتل لم يكونوا ليدرؤوا بذلك الموت عن أنفسهم.
وقالت الأشعرية والجَهميّة والجبريّة كافّة : إنّها آجالٌ مضروبة محدودة، وإذا أجل الأجل، وكان في المعلوم أنّ بعض الناس يقتله، وجَب وقوع القتل منه لا محالة، وليس بقدر القاتل على الامتناع من قتله، وتقدير انتفاء القتل ليقال : كيف كانت تكون الحال تقدير أمرٍ محال، كتقديرِ عَدَمِ القديم وإثبات الشريك، وتقدير الأمور المستحيلة لَغو وخُلْف من القول .
وقال قومٌ من أصحابنا البَغدادييّن رحمهم الله بالقطع على حياته لو لم يقتله القاتل، وهذا عكس مذهب أبي الهُذَيْل ومن وافقه، وقالوا : لو كان المقتول يموتُ في ذلك الوقت لو لم يقتله القاتل لما كان القاتل مسيئاً إليه، إذ لم يفوّت عليه حياة لو لم يبطلها لبقيت، ولما استحقّ القَودَ ، ولكان ذابح الشاة بغير إذن مالكها قد أحسن إلى مالكها ، لأنّه لو لم يذبحها لماتَتْ ، فلم يكن ينتفع بلحمها .
قالوا : والذي احتجّ به من كونهما مؤجّلين بأجل واحد فلو قدّرنا انتفاء أحد الأمرين في ذلك الوقت لم يجب انتفاء الآخر، ليس بشيء، لأن أحدَهما علَّة الآخر، فإذا قدّرنا انتفاء العلة، وجب أن ينتفيَ في ذلك التقدير انتفاء المعلول، فالعلة قتل القاتل، والمعلول بطلان :
الحياة، وإنما كان يستمر ويصلح ما ذكروه، لو لم يكن بين الأمرين عليّة العليَّة والمعلوليّة.
قالوا: والآية التي تعلَّقوا فيها لا تدلّ على قولهم، لأنه تعالى لم ينكر ذلك القول إنكار حاكم بأنهم لو لم يقتلوا لماتوا، بل قال : كلّ حيّ ،ميت أي لا بد من الموت، إما معجّلاً وإمّا مؤجلاً .
قالوا : فإذا قال لنا قائل : إذا قلتم إنه يبقى لو لم يقتله القاتل، ألستم تكونون قد قلتم : إن القاتل قد قطع عليه أجلَه؟
قلنا له: إنما يكون قاطعاً عليه أجله لو قتله قبل الوقت الذي علم الله تعالى أن حياته تبطل فيه، وليس الأمر كذلك، لأن الوقت الذي علم الله تعالى أنّ حياته تبطل فيه هو الوقت الذي قتله فيه القاتل، ولم يقتله القاتل قبل ذلك، فيكون قد قَطَع عليه أجله .
قالوا : فإذا قال لنا : فهل تقولون إنه قطع عليه عمره؟
قلنا له : إنّ الزمان الذي كان يعيش فيه لو لم يقتله القائل لا يسمَّى عمراً إلا على طريق المجاز، باعتبار التقدير، ولسنا نطلق ذلك إلا مقيداً، لئلا يُوهم، وإنما قلنا : إنا نقطع على أنه لو لم يقتل لم يمت، ولا نُطلق غير ذلك.
وقال قدماء الشّيعة : الآجال تزيد وتنقص، ومعنى الأجل، الوقت الذي علم الله تعالى أنّ الإنسان يموت فيه إن لم يقتَل قبل ذلك، أو لم يفعل فعلاً يستحقّ به الزيادة والنقصان في عمره.
قالوا : وربما يُقتل الإنسان الذي ضُرِبَ له من الأجل خمسون سنة، وهو ابن عشرين سنة، وربما يفعل من الأفعال ما يستحقّ به الزيادة فيبلغ مائة سنة، أو يستحق به النقيصة فيموت وهو ابن ثلاثين سنة .
قالوا: فمما يقتضي الزيادة صلة الرحِم، ومما يقتضي النقيصة الزنى وعقوق الوالدين ، وتعلّقوا بقوله تعالى: «وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِةِ إِلَّا فِي كِتَبٍ » (1).
وربما قال قوم منهم : إنّ الله تعالى يضرب الأجل لزيد خمسين سنة أو ما يشاء، فيرجع عن ذلك فيما بعد، ويجعله أربعين أو ثلاثين، أو ما يشاء، وبَنوه على قولهم في البَداء.
وقال أصحابنا: هذا يوجب أن يكون الله تعالى قد أجّل الآجال على التخمين دون التحقيق، حيث أجّلَ لزيد خمسين، فقيل لعشرين، وأفسدوا أن يعلم الله تعالى الشيء بشرط، وأن يبدوَ له فيما يقضيه ويقدره، بما هو مشهور في كتبهم .
1) سورة فاطر، الآية : 11 .
وقالوا في الآية : إنّ المرادَ بها أن ينقص سبحانه بعضَ الناس عن مقدار أجل المعمّر، بأن يكون انتقص منه عمراً ، ليس أنه ينقص من عمر ينقص من عمر ذلك المعمّر .
فأما مشايخنا أبو عليّ وأبو هاشم فتوقفا في هذه المسألة، وشكا في حياة المقتول وموته، وقالا : لا يجوز أن يبقى لو لم يُقتل، ويجوز أن يموت قالا : لأن حياته وموته مقدوران الله عز وجل، وليس في العقل ما يدلّ على قبح واحد منهما ، ولا في الشَّرع ما يدل على حصول واحد منهما ، فوجب الشكّ فيهما ، إذ لا دليل يدلّ على واحد منهما .
قالوا : فأما احتجاج القاطعين على موتِه ، فقد ظهر فسادُه بما حُكي من الجواب عنه .
قالوا : ومما يدلّ على بطلانه من الكتاب العزيز قولُه تعالى: «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُوْلِي الْأَلْبَابِ » (1)، فحكم سبحانه بأنّ إثباته القصاص مما يزجر القاتل عن القتل، فتدوم حياة المقتول، فلو كان المقتول يموت لو لم يقتله القاتل ما كان في إثبات القصاص حياة.
قالوا : وأما احتجاجُ البغداديين على القَطع على حياته بما حُكي عنهم، فلا حُجَّة فيه، أمّا إلزام القاتل القَودَ والغرامة فلأنّا غير قاطعين على موت المقتول لو لم يقتل، بل يجوز أن يبقى ويغلب ذلك على ظنوننا، لأن الظاهرَ من حال الحيوان الصحيح ألا يموت في ساعته، ولا بعد ساعته وساعات، فنحن نلزم القاتل القوَد والغرامة، لأنّ الظاهر أنه أبطل ما لو لم يبطله لبقي .
وأيضاً فموت المقتول لو لم يقتله القاتل لا يخرج القاتل من كونه مسيئاً، لأنه هو الذي تولّى إبطال الحياة، ألا تَرى أن زيداً لو قتل عمراً لكان مسيئاً إليه، وإن كان المعلوم أنّه لو لم يقتله لقتله خالد في ذلك الوقت!
وأيضاً فلو لم يقتل القاتل المقتول ولم يذبح الشاة حتى ماتا ، لكان يستحقّ المقتول ومالك الشاة من الأعواض على الباريء سبحانه أكثر مما يستحقّانه على القاتل والذابح، فقد أساء القاتل والذابح حيث فوَّتا على المقتول ومالك الشاة زيادة الأعواض.
فأما شيخنا أبو الحسين فاختار الشكّ أيضاً في الأمرين إلا في صورة واحدة، فإنه قطع فيها على دوام الحياة، وهي أن الظالم قد يَقتل في الوقت الواحد الألوف الكثيرة في المكان الواحد، ولم تجر العادة بموت مثلهم في حالة واحدة في المكان الواحد، واتفاق ذلك نقضُ العادة، وذلك لا يجوز.
قال الشيخ : ليس يمتنع أن يقال في مثل هؤلاء إنه يقطع على أنّ جميعهم ما كانوا يموتون في ذلك المكان في ذلك الوقت لو لم يقتلهم القاتل، إن كان الوقت وقتاً لا يجوز انتقاض
1) سورة البقرة، الآية : 179 .
العادات فيه، ولكن يجوز أن يموت بعضُهم دون بعض، لأنه ليس في موت الواحد والاثنين في وقت واحد في مكان واحد نقض عادة، ولا يمتنع هذا الفرض من موتهم بأجمعهم في زمان نبيّ من الأنبياء.
وقد ذكرت في كتبي المبسوطة في علم الكلام في هذا الباب ما ليس هذا الشرح موضوعاً لاستقصائه .
الأصل: أَلاَ إِنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لاَ يُسْلَمُ مِنْهَا إِلا فِيهَا، وَلاَ يُنْجَى بِشَيْءٍ كَانَ لَهَا . ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةٌ فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ، وَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامُوا فِيهِ، فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ كَفَيْء الظَّلِّ، بَيْنَا تَرَاهُ سَابِغاً حَتى قَلَص، وَزَائِداً حَتى نقص .
الشرح: تقدير الكلام أنّ الدُّنيا دارٌ لا يُسلم من عقاب ذنوبها إلا فيها، وهذا حق، لأن العِقاب المستحقّ، إنما يَسْقُط بأحد أمرين : إما بثواب على طاعات تفضُل على ذلك العقاب المستَحق، أو بتوبةٍ كاملة الشروط.
وكلا الأمرين لا يصحُّ من المكلّفِين إيقاعهُ إلا في الدنيا، فإنّ الآخرة ليست دارَ تكليف، ليصحّ من الإنسان فيها عمل الطاعة والتوبة عن المعصية السالفة، فقد ثبت إذاً أن الدنيا دارٌ لا يسلم منها إلا فيها .
إن قيل : بَيِّنُوا أن الآخرة ليست بدار تكليف .
قيل : قد بين الشيوخُ ذلك بوجهين :
أحدُهما : الإجماع على المنع مِن تجويز استحقاق ثواب أو عقاب في الآخرة .
والثاني : أن الثوابَ يجب أن يكون خالصاً من المشاقّ، والتكليف يستلزم المشقّة، لأنها شرطٌ في صحته، فبطل أن يجوز استحقاق ثواب في الآخرة للمكلّفين المُتابين في الآخرة لأجل تكاليفهم في الآخرة، وأما المعاقَبون فلو كانوا مكلّفين لجاز وقوع التوبة منهم، وسقوط العقاب بها، وهذا معلوم فساده ضرورةً من دين الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
وها هنا :اعتراضان:
أحدُهما : أن يقال : فما قولكم في قوله تعالى : «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ » (1)، وهذا أمر وخطاب لأهل الجنة، والأمر تكليف؟
والثاني : أنّ الإجماع حاصل على أنّ أهل الجنة يشكرون الله تعالى، والشكر عبادة وذلك يستدعي استحقاق الثواب!
والجواب عن الأول أن قوله : «كُلُوا وَاشْرَبُوا» عند شيخنا أبي عليّ رحمه الله تعالى ليس بأمرٍ على الحقيقة، وإن كانت له صورته، كما في قوله تعالى : « كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا » (2).
وأما الشيخ أبُو هاشم فعنده أن قوله : «كُلُوا وَاشْرَبُوا» أمر ، لكنه زائد في سرور أهل الجنة، إذا علموا أن الله تعالى أرادَ منهم الأكل وأمرَهم به، ولكنه ليس بتكليف، لأنّ الأمرَ إنما يكون تكليفاً إذا انضمت إليه المشقة .
وأما الجوابُ عن الثاني، فإنّ الشكر الذي بالقلب رجوعه إلى الاعتقادات، والله تعالى يفعل في أهل الجنة المعارف كلَّها، فلا وجوب إذاً عليهم، وأما الشكر باللسان فيجوز أن يكون لهم فيه لذة، فيكون بذلك غير منافٍ للثواب الحاصل لهم .
وبهذا الوجه نجيب عن قول من يقول : أليس زبانية النار يعالجون أهلَ العذاب في جهنم، أعاذنا الله منها؟ وهل هذا محض تكليف! لأنا نقول إنه يجوز أن يكونَ للزبانية في ذلك لذّة عظيمة، فلا يثبت التكليف معها، كما لا يكون الإنسان مكلَّفاً فى الدنيا بما يخلص إليه شهوته، ولا مشقة عليه فيه .
إن قيل : هذا الجواب ينبيء على أنّ معارف أهل الآخرة ضرورية، لأنكم أجبتم عن مسألة الشكر، بأنّ الله تعالى يفعل المعارف في أهل الجنة، فدللوا على ذلك، بل يجب عليكم أن تدللوا أولاً على أنّ أهل الآخرة يعرفون الله تعالى .
قيل : أمّا الدليل على أنّهم يعرفونه تعالى، فإن المئاب لابدّ أن يعلَم وصولَ الثواب إليه على الوجه الذي استحقّه، ولا يصحُّ ذلك إلا مع المعرفة بالله تعالى، ليعلم أن ما فعله به هو الذي لمستحقه، والقول في المعاقب كالقول في المثاب.
وأيضاً فإنّ من شرط الثواب مقارنة التعظيم والتبجيل له من فاعل الثواب، لأن تعظيم غير فاعل الثواب لا يؤثّر ،والتعظيم لا يُعلم إلا مع العلم بالقَصد إلى التعظيم، ويستحيل أن يعلموا قَصْدَه تعالى، ولا يعلموه، والقول في العقاب وكون الاستحقاق والإهانة تقارنه تجري هذا المجرى .
فأمّا بيان أنّ هذه المعرفة ضرورية، فلأنّها لو كانت من فعلهم، لكانت إمّا أن تَقَع عن نظر يتحرَّون فيه ، أو يلجؤون إليه، أو عن تذكّر نظر، أو بأن يلجؤوا إلى نفس المعرفة من غير تقدم نظر، والأول باطل، لأنّ ذلك تكليف وفيه مشقّة، وقد بينا سقوط التكليف في الآخرة. ولا يجوز أن يلجؤوا إلى النظر لأنهم لو الجنوا إلى النظر لكان ألجأهم إلى المعرفة أولاً، والجاؤهم إلى المعرفة يمنع من الجائهم إلى النظر، ولا يجوز وقوعها عند تذكّر النظر، لأنّ المتذكَّر للنظر تَعرِض له الشَّبَه، ويلزمه ،دفعها، وفي ذلك عَوْد الأمر إلى التكليف، وليس معاينة الآيات بمانع عن وقوع الشبه، كما لم تمنع معاينة المعجزات والإعلام عن وقوعها، ولا يجوز أن يكونَ الإلجاء إلى المعرفة، لأن الإلجاء إلى أفعال القلوب لا يصحّ إلا من الله تعالى، فيجب أن يكونَ الملجَأ إلى المعرفة عارفاً بهذه القضية، وفي ذلك استغناؤه بتقدم هذه المعرفة على الإلجاء إليها .
إن قيل : إذا قلتم إنّهم مضطرون إلى المعارف، فهل تقولون إنهم مضطرون إلى الأفعال؟
قيل : لا ، لأنّه تعالى قال: «وَفَكَهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ» (1)، ولأنّ مَن تدبّر ترغيبات القرآن في الجنّة والثواب، علم قطعًا أنّ أهلَ الجنة غير مضطرين إلى أفعالهم، كما يضطر المرتعش إلى الرعشة .
إن قيل : فإذا كانُوا غير مضطرين، فلمَ يمنعُهم من وقوع القبيح منهم؟
قيل : لأن الله تعالى قد خلَق فيهم علماً بأنهم مَتَى حاولوا القبيح منِعوا منه، وهذا يمنع من الإقدام على القبيح بطريق الإلجاء.
ويمكن أيضاً أن يعلمهم استغناءهم بالحسن عن القبيح، مع ما في القبيح من المضرّة، فيكونون ملجئين إلى ألّا يفعلوا القبيح.
فأما قوله(علیه السّلام) : ولا يُنْجَى بشيء كَانَ لها فمعناه أن أفعال المكلّف التي يفعلها لأغراضه الدنيويّة ليست طريقاً إلى النجاة في الآخرة، كمن ينفق ماله رئاء الناس، وليست طرقُ النجاة إلا بأفعال البرّ التي يقصد فيها وجه الله تعالى لا غير، وقد أوضح(علیه السّلام) ذلك بقوله : «فما أخذوه منها لها أخرجوا منه وحوسبوا عليه، وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه وأقاموا فيه».
فمثال الأول من يكتسب الأموال ويدخّرها لملاذّه، ومثال الثاني من يكسبها لينفقها في سيبل الخيرات والمعروف.
1) سورة الواقعة الآية: 20 .
ثم قال(علیه السّلام) : «وإنّها عند ذوي العقول كفيء الظلّ ....». إلى آخر الفصل، وإنما قال: «كفيء الظلّ» لأن العرب تضيف الشيء إلى نفسه، قال تأبّط شراً :
إِذَا حَاصَ عَيْنَيْه كَرَى النوم لم يَزَلْ*** لَهُ كَالِیءٌ مِنْ قَلْبِ شِيحَانَ فَاتِكِ
ويمكن أن يقال : الظلّ أعمّ من الفيء، لأنّ الفيء لا يكون إلا بعد الزوال وكلّ في ظلّ ، وليس كلّ ظلّ فيئاً، فلما كان فيهما تغايرُ معنويُّ بهذا الاعتبار صحّت الإضافة.
والسابع : التامّ وقَلَص أي انقبض .
وقوله(علیه السّلام) : «بينا تراه»، أصل «بينا» «بين»، فأشبعت الفتحة، فصارت «بينا» على وزن «فَعْلى» ثم تقول «بينما» فتزيد «ما»، والمعنى واحد ، تقول بينا نحن نرقبه أتانا، أي بين أوقاتِ رقبتنا إياه أتانا، والجمل تضاف إليها أسماء الزمان، كقولك : أتيتك زمنَ الحجاج أمير، ثم حذفت المضاف الذي هو «أوقات» وولّى الظرف الذي هو بين الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليه، كقوله: «وَسْتَلِ الْقَرْيَةَ » (1).
وكان الأصمعيّ يخفض ب- «بينا » إذا صلح في موضعه «بين»، وينشد بيت أبي ذؤيب، بالجرّ:
بَيْنَا تعنُّقِه الكماة وروغِهِ*** يوماً أتيح له جَرِيءٌ سَلْفَعُ (2)
وغيره يرفع ما بعد «بينا» و«بينما» على الابتداء والخبر وينشد هذا البيت على الرفع .
وهذا المعنى متداول قال الشاعر :
ألا إنّما الدُّنيا كظلِّ غمامةٍ*** أظلَّتْ يسيراً ثم خَفَّت فولَّتِ
وقال آخر :
ظِلُّ الغَمام، وأحلام المنام، فما*** تدوم يوماً لمخلوقٍ على حالٍ
الأصل: فَاتَّقُوا الله عِبَادَ الله، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَتَرَحْلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ، وَكُونُوا قَوْماً صِبحَ بِهِمْ فَانتبهوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا ، فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثاً ، وَلَمْ يَتْرُكُكُمْ سُدّى، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلا الْمَوْتُ أَنْ يَنزِلَ بِهِ.
وَإِنَّ فَايَةٌ تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بقصر الْمُدَّةِ. وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ. وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بالفَوْز أو الشَّقْوَةِ لَمُسْتَحِقّ لِأَفْضَلِ العُدَّةِ.
فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تُحْرِزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً ، فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ، نَصَحَ نَفْسَهُ، وَقَدَّمَ تَوْبَتَهُ، وَغَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْئُورٌ عَنْهُ ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ، وَالشَّيْطَانُ مُوَكَّلْ بِهِ، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا ، وَيُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا ، إِذَا هَجَمَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا .
فَيَا لَهَا حَسْرَةٌ عَلَى ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمْرُهُ عَلَيهِ حُجَّةٌ ، وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى السِّفْوَةِ ! نَسْأَلُ الله سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ، وَلاَ تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ، وَلاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَلاَ كَابَةٌ .
الشرح: بادروا آجالكم بأعمالكم : أي سابقوها وعاجِلُوها. البدار: العجلة، وابتاعوا الآخرة الباقية بالدنيا الفانية الزائلة.
وقوله : «فقد جُدّ بكم» أي حُثِئتم على الرحيل ، يقال : جَدَّ الرحيل، وقد جُدّ بفلان، إذا أزعج وحثّ على الرحيل. واستعدُّوا للموت، يمكن أن يكون بمعنى «أعدُّوا»، فقد جاء «استفعل» بمعنى «أفعل» كقولهم : استجاب له أي أجابه .
ويمكن أن يكون بمعنى الطّلَب، كما تقول : استطعم، أي طلب الطعام، فيكون بالاعتبار الأول، كأنّه قال : أعدُّوا للموت عُدّة، وبمعنى الاعتبار الثاني كأنه قال : اطلبوا للموت عُدّة .
وأظلّكم : قربُ منكم، كأنّه ألقى عليهم ظلّه، وهذا من باب الاستعارة.
والعبَث : اللَّعب، أو ما لا غرض فيه، أو ما لا غرض صحيح فيه .
وقوله : «ولم يترككم سُدّى»، أي مهمَلين .
وقوله : «أن ينزل به موضعُه رفع لأنه بدلٌ من «الموت»، والغائب المشار إليه هو الموت.
ويحدوه الجديدان : يسوقه الليل والنهار ،وقيل : الغائب هنا هو الإنسان يَسُوقه الجديدان إلى الدار التي هي داره الحقيقية، وهي الآخرة، وهو في الدنيا غائب على الحقيقة عن داره التي خلق لها، والأول أظهر .
وقوله : «فتزوّدوا في الدنيا من الدنيا» كلامٌ فصيح، لأنّ الأمر الذي به يتمكّن المكلّف من إحراز نفسه في الآخرة، إنما هو يكتسبه في الدنيا منها، وهو التقوى والإخلاص والإيمان.
والفاء في قوله : «فاتَّقَى عبد ربَّه» لبيان ماهية الأمر الذي يحرِزُ الإنسان به نفسه ولتفصيل أقسامه وأنواعه، كما تقول : فعل اليوم فلان أفعالاً جميلة، فأعطى فلاناً، وصفح عن فلان، وفعل كذا. وقد روي : «اتقى عبد ربّه» بلا فاء، بتقدير «هلا»، ومعناه التحضيض.
وقد روي : «ليسوّفها» بكسر الواو وفتحها، والضمير في الرواية الأولى يرجع إلى نفسه، وقد تقدم ذكرها قبلُ بكلمات يسيرة. ويجوز أن يعني به : ليسوّف التوبة، كأنه جعلها مخاطبة يقول لها : سوف أوقعك، والتسويف أن يقول في نفسه : سوف أفعل، وأكثر ما يستعمل للوعد الذي لا نَجَاز له. ومن روى بفتح الواو جعله فعلَ ما لم يسمّ فاعله، وتقديره : ويمنّيه الشيطان التوبة، أي يجعلها في أمنيته ليكون مسوّفاً إياها، أي يعدّ من المسوِّفين المخدوعين. وقوله : «فيا لَها حسرة»، يجوزُ أن يكونَ نادى الحسرة، وفتحة اللام على أصل نداء المدعو، كقولك : يا للرجال، ويكون المعنى : هذا وقتك أيتها الحسرة فاحضري. ويجوز أن يكون المدعو غير الحسرة، كأنه قال : يا للرجال لِلْحَسْرَةِ! فتكون لامها مكسورة نحو الأصل لأنّها المدعو إليه، إلا أنّها لما كانت للضمير فتحت، أي أدعوكم أيُّها الرجال لتقضُوا العجب من هذه الحشرة .
وهذا الكلام من مواعظ أمير المؤمنين البالغة، ونحوه من كلام الحسن البصريّ ذكره شيخنا أبو عثمان في «البيان والتبيين».
ابنَ آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً، ولا تبع آخرتَك بدنياك فتخسرَهما جميعاً، وإذا رأيت النَّاس في الخير فقاسِمُهم فيه، وإذا رأيتهم في الشرّ فلا تغيِظهم عليه. البقاء ها هنا قليل، والبقاء هناك طويل، أمّتكم آخر الأمم وأنتم آخرُ أمتكم، وقد أسرع بخياركم فما تنتظرون المعاينة! فكأن قَدْ. هيهات هيهات، ذهبت الدنيا بحاليها وبقيت الأعمال قلائد في الأعناق.
فيا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة! ألا إنّه لا أمّةً بعد أمتكم، ولا نبيّ بعد نبيّكم، ولا کتاب بعد كتابكم. أنتم تسوقُون الناس والساعة تسوقكم، وإنما يُنتظَرُ بأوّلكم أن يلحق آخركم .
مَنْ رأى محمداً صلوات الله وسلامه عليه، فقد رآه غادياً رائحاً، لم يضع لَبِنَةٌ على لَبِنة، ولا قصبة على قَصَبة، رُفع له علم فسما إليه، فالوحَى الوحَى، النجاء النجاء! على ماذا تعرّجون! ذهب أماثلكم وأنتم تَرْذُلون كلّ يوم، ، فما تنتظرون!
إن الله بعث محمداً على عِلم منه، اختاره لنفسه، وبعثه برسالته، وأنزل إليه كتابه، وكان صَفوتَه من خلقه، ورسوله إلى عباده، ثم وضعه من الدنيا موضعاً ينظرُ إليه أهلُ الأرض، فآتاه فيها قوتاً وبُلغة، ثم قال : «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْرَةٌ حَسَنَةٌ » (1)، فرَكَن أقوام إلى غير عيشته، وسخطُوا ما رضيَ له ربُّه، فأبعدهم وأسحقهم .
1) سورة الأحزاب، الآية : 21 .
يا بن آدم، طإ الأرض بقدمك، فإنها عن قليل قبرُك، واعلم أنّك لم تَزَلْ في هَدم عمرك منذ سقطت من بطن أمّك، رحم الله امرأ نظر فتفكّر، وتفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر، وأبصر فأقصر، فقد أبصر أقوامٌ ولم يقصِّروا ، ثم هلكوا فلم يُدْرِكوا ما طلبُوا، ولا رجعوا إلى ما فارقوا.
یا بن آدم اذكر قوله عزّ وجلّ : ««وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا » (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا»((1)، عدَل والله عليك مَن جعلك حسيبَ نفسك. خذُوا صفوة الدنيا، ودعوا کَدَرها، ودَعُوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم، ظهر الجفاء وقلّت العلماء، وعفت السنّة، وشاعت البدعة. لقد صحبتُ أقواماً ما كانت صحبتهم إلا قرّة عين لكلِّ مسلم، وجلاَء الصدور، ولقد رأيت أقواماً كانوا من حَسناتهم أن تُردَّ عليهم، أشفقَ منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها، وكانوا مما أحلّ الله لهم من الدنيا أزهدَ منكم فيما حرّم عليكم منها .
ما لي أسمع حبيساً ولا أرى أنيساً ! ذهبَ النَّاس، وبقي النَّسْناس. لو تكاشفتُم ما تدافنتم.
تهاديتُم الأطباق، ولم تتهادَوُا النصائح. أعدّوا الجواب، فإنكم مسؤولون إنّ المؤمن من لا يأخذ دينه عن رأيه، ولكن عن ربّه . ألا إنّ الحقّ قد أجهدَ أهله، وحال بينهم وبين شهواتهم، وما يصبر عليه إلّا من عرف فضله، ورجا عاقبته ، فَمن حمد الدنيا ذمّ الآخرة، ولا يكره لقاء الله إلا مقيم على ما يسخطه. إن الإيمان ليس بالتمنّي ولا بالتشهِّي، ولكن ما وقَر في القلوب وصدَّقته الأعمال.
وهذا كلام حسن وموعظة بالغة، إلا أنّه في الجزالة والفصاحة دون كلام أمير المؤمنين(علیه السّلام) بطبقات .
ومن خطب عمر بن عبد العزيز : إن لكلّ سفَر زاداً لا محالة، فتزوَّدوا لسفَرِكم من الدّنيا إلى الآخرة، فكونوا كمن عايَن ما أعدّ الله تعالى من ثوابه وعقابه، فرغِبوا ورهبوا، ولا يطولَنّ عليكم الأمر فتَقْسُو قلوبكم، وتنقادوا لعدوّكم، فإنه والله ما بُسِط أمَلُ مَنْ لا يَدْرِي لعلّه لا بعد يصبح إمسائه، ولا يمسي بعد إصباحه، وربما كانت بين ذلك خَطَفات المنايا . فكم رأينا وأنتم مَنْ كان بالدنيا مغترًا فأصبح في حبائل خطوبها ومناياها أسيراً ! وإنما تقرُّ عين من وَيْقَ بالنَّجاة من عذاب الله، وإنما يفرح مَنْ أمِنَ من أهوال يوم القيامة، فأما مَنْ لا يبرأ من كَلم إلا أصابه جارح من ناحية أخرى فكيف يفرح! أعوذ بالله أن أخبركم بما أنهى عنه نفسي، فتخيبَ صفقتي، وتظهر عورتي، وتبدو مسكنتي في يوم يبدُو فيه الغنيّ والفقير، والموازين منصوبة، والجوارح
1) سورة الإسراء، الآيتان : 13، 14 .
ناطقة. لقد عنيتم بأمر لو عنيت به النّجوم لانكدرت، ولو عنيت به الجبال لذابت، أو الأرض لا نفطرت، أما تعلمون أنّه ليس بين الجنة والنار منزلة، وأنكم صائرون إلى أحدهما !
ومن خطب عمر بن عبد العزيز : أيها الناس : إنكم لم تخلَقوا عبثاً، ولم تتركوا سدّى، وإن لكم معاداً يبيِّن الله لكم فيه الحكّم والفصل بينكم، فخاب وخسِر مَنْ خرج من رحمة الله التي وَسِعَتْ كلَّ شيء، وحُرِم الجنَّة التي عَرْضها السماوات والأرض.
واعلموا أنّ الأمان لمن خاف الله، وباع قليلاً بكثير، وفانياً بباقٍ. ألا ترون أنّكم في أسلاب الهالكين، وسيُسْلَبها بعدكم الباقون، حتى تردَّ إلى خير الوارثين! ثم إنكم في كلِّ يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله عزّ وجلّ، قد قضى نحبَه، وبلغ أجلَه، تغيِّبونه في صَدْع من الأرض ثم تدَعونه غير ممهِّد ولا موسِّد، قد صرم الأسباب، وفارق الأحباب، وواجَه الحساب، وصار في التراب، غنيًّا عَمَّا ترك، فقيراً إلى ما قدم.
ومن خطب ابن نباتة الجيّدة في ذكر الموت: أيّها الناس، ما أسلسَ قيادَ من كان الموت جريره، وأبعد سداد من كان هواه أميرَه! وأسرع فطام من كانت الدنيا ظِئره، وأمنع جَنَاب من أضْحَت التقوى ظهره ! فاتقوا الله عباد الله حَقّ تقواه، وراقبوه مراقبة مَنْ يعلم أنه يراه، وتأهّبوا لوثبات المنون، فإنها كامنة في الحركات والسكون، بينما ترى المرء مسروراً بشبابه، مغروراً بإعجابه، مغموراً بسعة اكتسابه، مستوراً عَمّا خُلِق له لما يغرّى به، إذ أسْعَرت فيه الأسقام شهَابها، وكَدّرت له الأيام شرابَها، وحَوّمت عليه المنيّة عُقابها، وأعلقَت فيه ظُفْرها ونابَها ، فسرَتْ فيه أوجاعُه، وتنكّرت عليه طباعه، وأظلّ رحيلُه ووداعه، وقلِّ عنه منعه ودفاعه، فأصبح بصر حائر، وقلب طائر، ونَفَس غابر، في قطب هلاك دائر، قد أيقن بمفارقة أهله ووطنه، وأذعن بانتزاع رُوحه عن بدنه، حتى إذا تحقق منه اليأس، وحلّ به المحذور والبأس، أوما إلى خاصّ عوّاده، موصياً لهم بأصاغر أولاده، جَزَعاً عليهم مِنْ ظَفر أعدائه وحسّاده والنفس بالسِّياق تجذَب، والموت بالفراق يقرب، والعيون لهول مصرعه تَسْكُب، والحامة عليه تعدّد وتندب، حتى تجلّى له مَلَك الموت من حُجُبه، فقضى فيه قضاء أمر رَبّه، فعافه الجليس ، وأوحش منه الأنيس، وزُوِّد من ماله كفناً، وحصر في الأرض بعمله مرتهناً، وحيداً على كثرة الجيران، بعيداً على قُرب المكان، مقيماً بين قوم كانوا فزالوا ، وحوت عليهم الحادثات فحالوا، لا يخبرون بما إليه آلوا، ولو قدروا على المقال لقالوا، قد شربوا من الموت كأساً مُرّة، ولم يفقدوا من أعمالهم ذرّة، وآلى عليهم الدهر أليّة برّة ، ألا يجعل لهم الدنيا كرّة، كأنهم لم يكونوا للعيون قُرَّة، ولم يُعَدُّوا في الأحياء مرّة، أسكتهم الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم وسيوجِدهم كما خلقهم، ويجمعهم كما فرّقهم، يوم يُعيد الله العالمين خَلْقاً جديداً،
ويجعل الله الظالمين لنار جهنم وقوداً : «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا »(1)(2).
الأصْلُ: الْحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يَسْبِقُ لَهُ حَالَ حَالاً ، فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً ، كُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ، وَكُلُّ عَزيزِ غَيْرَهُ ذَلِيلٌ،
وكُلُّ قَوِيٌّ غَيْرَهُ ضَعِيف، وكُلُّ مَالِكِ غَيْرَهُ مَمْلُوكُ ، وكُلُّ عَالِم غَيْرَهُ مُتَعَلِّمٌ، وَكُلُّ قَادِرٍ غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَيَعْجَزُ، وَكُلُّ سَمِيعِ غَيْرَهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الأَصْوَاتِ، وَيُصِمُّهُ كَبِيرُها ، وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا ، وَكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِي الْأَلْوَانِ وَلَطِيفِ الْأَجْسَامِ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرَهُ غَيْرُ بَاطِنٍ، وَكُلُّ بَاطِن غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرِ .
لَمْ يَخْلُقُ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلا تَخَوُّفٍ منْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ، ولا اسْتِعَانَةٍ عَلَى نِدّْ مُنَاوِرٍ ، وَلا شَرِيكِ مُكَاثِرِ ، ولا ضِدٌ مُنَافِرٍ ، وَلَكِنْ خَلائِقُ مَرْبُوبُونَ، وَعِبَادٌ دَاخِرُونَ، لَمْ يَحْلُلْ في الأشْيَاءِ فَيُقَال : هُو فِيهَا كَائِنٌ، وَلَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَال : هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ.
لَمْ يَؤُدُهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ ، وَلا تذييرُ مَا ذَرَاَ ، ولا وَقَفَ بِهِ عَجْرٌ عَمَّا خَلَق ، وَلا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وَقَدَّرَ، بَلْ قَضَاءٌ مُنْقَنٌ، وَعِلْمٌ مُحْكَمْ، وَأَمْرٌ مُبرَمٌ، المَأْمُولُ مَعَ النِّقَم، المَرْهُوبُ مَعَ النّعَم .
الشرح : يَصَمَ ، بفتح الصاد، لأنّ الماضي «صَمِمت» يا زيد، والصَّمم : فساد حاسّة السمع، ويصِمه بكسرها ، يحدث الصَّمَم عنده، وأصْمَمت زيداً .
والنَّد : المِثْل والنظير. والمثاور : المواثب . والشريك المكاثر: المفتخر بالكثرة. والضدّ المنافر: المحاكم في الحسب، نافرت زيداً ،فنَفَرْته أي غلبته. ومربوبون: مملوكون.
و داخرون ذليلون خاضعون .
ولم يَنأ : لم يبعُد . ولم يؤده: لم يتعبه . وذَرَأَ : خَلَق ، وَوَلَجت عليه الشبهة، بفتح اللام، أي دخلت . والمرهوب : المَخُوف.
فأما قوله : «الذي لم يسبق له حال حالاً، فيكون أوّلاً قبل أن يكون آخراً»، فيمكن تفسيرُه على وجهين :
أحدهما : أنّ معنى كونه أولاً أنه لم يزَل موجوداً، ولا شيء من الأشياء بموجود أصلاً، ومعنى كونه آخراً أنه باقٍ لا يزال، وكلّ شيء من الأشياء يُعدَم عدَماً مخضاً حسب عدمه فيما مضى، وذاته سبحانه ذات يجب لها اجتماعُ استحقاق هذين الاعتبارين معاً في كلّ حال، فلا حال قطُّ إلا ويصدق على ذاته أنه يجب كونها مستحقّة للأولية والآخرية بالاعتبار المذكور استحقاقاً ذاتياً ضرورياً، وذلك الاستحقاق ليس على وجه وصف الترتيب، بل مع خلاف غيره من الموجودات الجسمانية، فإنّ غيره مما يبقى زمانَين فصاعداً إذا نسبناه إلى ما يبقى دون زمان بقائه لم يكن استحقاقه الأولّية والآخرية بالنسبة إليه على هذا الوصف، بل إمّا يكون استحقاقاً بالكليّة، بأن يكون استحقاقاً قريباً، فيكون إنما يصدُق عليه أحدُهما، لأنّ الآخر لم يصدق عليه، أو يكونا معاً يصدقان عليه مجتمعين غير مرتّبين، لكن ليس ذلك لذات الموصوف بالأولية والآخرية، بل إنما ذلك الاستحقاق لأمرٍ خارج عن ذاته .
الوجه الثاني : أن يريدَ بهذا الكلام أنّه تعالى لا يجوز أن يكون مورداً للصفات المتعاقبة، على ما يذهب إليه قوم من أهل التوحيد، قالوا : لأمّه واجبٌ لذاته، والواجب لذاته واجب من جميع جهاته، إذ لو فرضنا جواز اتصافه بأمرٍ جديد ثبوتيّ أو سلبيّ لقلنا : إن ذاته لا تكفي في تحقّقه، ولو قلنا ذلك لقلنا إنّ حصول ذلك الأمر، أو سلبه عنه، يتوقّف على حصول أمرٍ خارج عن ذاته، أو على عدم أمر خارج عن ذاته، فتكون ذاته لا محالَة متوقّفة على حضور ذلك الحصول أو السلب والمتوقف على المتوقّف على الغير متوقف على الغير، وكلّ متوقّف على
الغير ممكن، والواجب لا يكون ممكناً . فيكون معنَى الكلام على هذا التفسير نفيَ كونه تعالى ذا صفة، بكونه أولاً وآخراً، بل إنّما المرجع بذلك إلى إضافات لا وجودَ لها في الأعيان، ولا يكون ذلك من أحوال ذاته الراجعة إليها كالعالمية ونحوها، لأن تلك أحوال ثابتة، ونحن إنما ننفي عنه بهذه الحجة الأحوالَ المتعاقبة.
وأما قوله : «أو يكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً»، فإنّ للباطن والظاهر تفسيراً على وجهين :
أحدهما : أنه ظاهر بمعنى أنّ أدلّة وجوده وأعلام ثبوته وإلهيته جليّة واضحة، ومعنى كونه باطناً أنه غير مدرَك بالحواس الظاهرة، بل بقوة أخرى باطنة، وهي القوة العقلية.
وثانيهما : أنا نعني بالظاهر الغالب يقال : ظَهر فلانٌ على بني فلان، أي غلبَهم، ومعنى الباطن العالم ، يقال : بطنَتُ سرّ فلان، أي علِمتُه، والقول في نفيه عنه سبحانه أن يكون ظاهراً قبل كونه باطناً، كالقول فيما تقدّم من نفيه عنه سبحانه كونه أوّلاً قبل كونه آخراً .
وأما قوله : «كلّ مسمِّى بالوحدة غيره قليل» ، فلأنّ الواحد أقلّ العدد، ومعنى كونه واحداً
يُباين ذلك، لأنّ معنى كونه واحداً إما نفي الثاني في الإلهية، أو كونه يستحيل عليها الانقسام، وعلى كلا التفسيرين يُسلَب عنها مفهوم القلة .
هذا إذا فسرنا كلامه على التفسير الحقيقيّ، وإن فسرناه على قاعدة البلاغة وصناعة الخطابة، كان ظاهراً، لأن الناس يستحقرون القليل لقلّته، ويستعظمون الكثير لكثرته، قال الشاعر :
تَجَمَّعْتُمُ مِنْ كُلِّ أوب ووجْهَةِ*** عَلَى واحدٍ لازلتُمُ قِرْنَ واحد
وأما قوله : «وكلُّ عزيز غيره ذليل» فهو حقّ، لأن غيره من الملوك وإن كان عزيزاً فهو ذليل قبضة القضاء والقدر، وهذا هو تفسير قوله : «وكلّ قوي غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك» .
وأما قوله : وكلّ عالم غيره متعلم فهو حق لأنه سبحانه مفيض العلوم على النفوس، فهو
المعلم الأوّل، جلت قدرته .
وأما قوله : «وكلّ قادر غيره يقدر ويعجز» فهو حقّ، لأنه تعالى قادر لذاته، ويستحيل عليه العجز، وغيره قادر لأمر خارج عن ذاته، إما لقدرة كما قاله قوم، أو لبنية وتركيب كما قاله قوم آخرون، والعجز على مَنْ عداه غير ممتنع، وعليه مستحيل .
وأما قوله(علیه السّلام) : «وكلُّ سميع غيره يَصَمّ عن لطيف الأصوات، ويصمّه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها» فحقّ، لأن كلُّ ذي سَمْع من الأجسام يضعُف سمعه عن إدراك خَفِي الأصواب، ويتأثر من شديدها وقويِّها، لأنّه يسمع بآلة جسمانية، والآلة الجسمانية ذات قوة متناهية واقفة عند حَدّ محدود، والباري تعالى بخلاف ذلك.
واعلم أنّ أصحابنا اختلفوا في كونه تعالى مدركاً للمسموعات والمبصرات، فقال شيخنا أبو علي وأبو هاشم وأصحابهما : إنّ كونه مدركاً صفة زائدة على كونه عالماً، وقالا : إنا نصف الباري تعالى - فيما لم يزل - بأنّه سميع بصير، ولا نصفُه بأنه سامع مبصر، ومعنى كونه سامعاً مبصراً أنّه مدرك للمسموعات والمبصرات .
وقال شيخنا أبو القاسم وأبو الحسين وأصحابهما : إنّ معنى كونه تعالى مُدْرِكاً، هو أنه عالم بالمدرَكات، ولا صفة له زائدة على صفته بكونه عالماً، وهذا البحث مشروح في كتبي الكلامية لتقرير الطريقين وفي «شرح الغرر» وغيرهما .
والقول في شرح قوله : «وكلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ» الألوان، ولطيف الأجسام»، كالقول فيما تقدّم في إدراك السّمع .
وأما قوله : «وكلُّ ظاهر غيره غير باطن، وكلّ باطن غيره غير ظاهر» فحقّ، لأن كلّ ظاهر غيره على التفسير الأول فليس بباطن كالشمس والقمر وغيرهما من الألوان الظاهرة، فإنّها لیست إنّما تدرك بالقوة العقليّة، بل بالحواسّ الظاهرة، وأمّا هو سبحانه فإنّه أظهرُ وجوداً من الشمس، لكنّ ذلك الظهور لم يمكن إدراكه بالقُوى الحاسة الظاهرة، بل بأمر آخر، إمّا خفيُّ في باطن هذا الجسد، أو مفارق ليس في الجسد ولا في جهة أخرى غير جهة الجسد.
وأما على التفسير الثاني، فلأنّ كلّ مَلِكِ ظاهر على رعيّته أو على خصومه وقاهر لهم، ليس بعالم ببواطنهم، وليس مطلعاً على سرائرهم، والباری تعالی بخلاف ذلك، وإذا فهمتَ شرح القضية الأولى، فهمت شرح الثانية ، وهي قوله : «وكلّ باطن غيره غير ظاهر» .
فأما قوله : «لم يخلق ما خلقَه لتشديد سلطانه» إلى قوله : «عباد داخرون»، فاعلم أنّ الناس اختلفوا في كمية خلقه تعالى للعالم ما هي ؟ على أقوال :
القول الأول : قول الفلاسفة :
قال محمد بن زكريا الرازيّ عن أرسطاطاليس(1): إنّه زعم أن العالم كان عن البارىء تَعالى، لأنّ جوهره وذاته جوهر وذات مسخرة للمعدوم أن يكون مسخراً موجوداً .
قال : وزعم ابن قيس أنّ علة وجود العالم وجود البارىء .
قال : وعلى كلا القولين يكون العالم قديماً، أما على قول أرسطو فلأنّ جوهر ذات البارىء لما كان قديماً لم يَزَل، وجب أن يكون أثرها ومعلولها قديماً. وأمّا على قول ابن قيس فلانّ البارىء موجود لم يزل، لأن وجوده من لوازم ذاته، فوجب أن يكون فيضُه وأثرُه أيضاً لم يزل هكذا.
قال ابن زكريا: فأمّا الذي يقول أصحاب أرسطاطاليس الآن في زماننا، فهو أنّ العالم لم يجب عن الله سبحانه عن قصد ولا غرض، لأنّ كلّ مَنْ فعل فعلاً لغرض كان حصول ذلك الغرض له أوّلى من لا حصوله، فيكون كاملاً لحصول ذلك الغرض، وواجب الوجود لا يجوز أن يكون كاملاً بأمر خارج عن ذاته، لأن الكامل لا من ذاته ناقص من ذاته .
1) أرسطاطاليس: تلميذ أفلاطون، لازم خدمته مدة عشرين عاماً، وكان أفلاطون يسميه العقل، وهو خاتم حكمائهم وسيد علمائهم، وأول من استخرج المنطق، وله كتب في الفلسفة، وكان معلم الإسكندر بن فيلقوس،و بآدابه وسياسته عمل هو فظهر الخير وفاض العدل، وبه انقمع الشر في بلاد اليونانيين، ومعنى أرسطاطاليس : محب الحكمة، أو الفاضل الكامل، عاش سبعاً وستين سنة . ا . ه-. انظر: أبجد العلوم للقنوجي (104/2).
قالوا : لكن تمثُّل نظام العالم في علم واجب الوجود، يقتضي فيضَ ذلك النظام منه ، قالوا : وهذا معنى قول الحكماء الأوائل : إنّ علمه تعالى فعليّ لا انفعالي، وإن العلم على قسمين :
أحدهما : ما يكون المعلوم سبباً له، والثاني ما يكون هو سبب المعلوم، مثالُ الأول أن نشاهد صورة فنعلّمها، ومثال الثاني أن يتصوّر الصائغ أو النجار أو البنّاء كيفية العمل فيوقعه في الخارج على حسب ما تصوّره .
قالوا : وعلمه تعالى من القسم الثاني، وهذا هو المعنى المعبّر عنه بالعناية، وهو إحاطة علم الأول الحقّ سبحانه بالكلّ وبالواجب أن يكون عليه الكلّ، حتى يكون على أحسن النظام، وبأنّ ذلك واجب عن إحاطته به ، فيكون الموجود وفق المعلوم من غير انبعاث قصد وطلب عن الأوّل الحقّ سبحانه، فعلمه تعالى بكيفية الصواب في ترتيب الكلّ هو المنبع لفيضان الوجود في الكل.
القول الثاني : قول حكاه أبو القاسم البلخيّ عن قدماء الفلاسفة، وإليه كان يذهب محمد بن زكريا الرازي من المتأخرين .
وهو أنّ علة خلق البارى للعالم تنبيه النفس على أنّ ما تراه من الهيولَي وتريده غير ممكنٌ لترفُضَ محبّتها إياها وعشقها لها، وتعود إلى عالمها الأول غبر مشتاقة إلى هذا العالم.
واعلم أن هذا القول هو القول المحكيّ عن الحِرْنانية (1)أصحاب القدماء الخمسة، وحقيقة مذهبهم إثبات قدماء خمسة : اثنان منهم حَيّان فاعلان وهما البارى تعالى والنفس، ومرادهم بالنّفس ذات هي مبدأ لسائر النفوس التي في العالم كالأرواح البشرية، والقوى النباتية والنفوس الفلكيّة، ويسمون هذه الذات النفس الكلّية. وواحد من الخمسة منفعل غير حيّ، وهو الهيولَى، واثنان لا حَيّان ولا فاعلان ولا منفعلان، وهما الدّهر والقضاء. قالوا : والبارى تعالى هو مبدأ العلوم والمنفعلات، وهو قائم العلم والحكمة، كما أنّ النفس مبدأ الأرواح والنفوس، فالعلوم والمنفَعلات تفيض من البارى سبحانه فيضَ النور عن قرص الشمس، والنفوس والأرواح تفيض عن النفس الكليّة فيض النور عن القرص، إلا أنّ النفوس جاهلة لا تعرف الأشياء إلا على أحد وجهين : إمّا أن يفيض البارى تعالى عليها تعقُّلاً وإدراكاً، وإما أن تمارس غيرها وتمازجَه، فتعرف ما تعرف باعتبار الممارسة والمخالطة معرفة ناقصة، وكان البارى تعالى في
1) الحرنانية : جماعة من الصائبة من عقائدهم عدم تصور بعث إحياء الموتى، وبعث من في القبور، وزعموا أن الله جلّ وعز أجلُّ من أن يخلق الشرور والقبائح والأقذار والخنافس والحيات والعقاب، بل كلها واقعة ضرورة عن اتصالات الكواكب. ا . ه-، انظر: «الملل والنحل» للشهرستاني (54/2) .
الأزل عالماً بأنّ النفس تميل إلى التعلَّق بالهيولى وتعشقها، وتطلب اللذة الجسمانية، وتكره مفارقة الأجسام، وتنسي نفسها، ولما كان البارى سبحانه قائمَ العلم والحكمة، اقتضت حكمتُه تركّب الهيولي لما تعلَّقت النفس بها ضروباً مختلفة من التراكيب، فجعل منها أفلاكاً وعناصر وحيوانات ونباتات، فأفاضَ على النفوس تعقلاً وشعوراً جعله سبباً لتذكُّرها عالمها الأول، ومعرفتها أنّها ما دامت في هذا العالم مخالطة للهيولى لم تنفكّ عن الآلام، فيصير ذلك مقتضياً شوقها إلى عالمها الأوّل الذي لها فيه اللذات الخالية عن الآلام، ورفضها هذا العالم الذي هو سبب أذاها ومضرّتها
القول الثالث: قول المجوس : إنّ الغرَضَ من خلق العالم أن يتحصن الخالق جلّ اسمُه من العدوّ ، وأن يجعلَ العالم شبكة له ليوقع العدوّ فيه، ويجعله في ربط ووِثاق، والعدوّ عندهم هو الشيطان، وبعضُهم يعتِقد قدِمَه، وبعضهم حُدوثه .
قال قوم منهم : إن البارى تعالى استوحش ففكّر فكرةً رديئة، فتولّد منها الشيطان.
وقال آخرون : بل شكٍّ شكُّا رديناً ، فتولّد الشيطان من شَكّه .
وقال آخرون : بل تولّد من عفونة رديئة قديمة، وزعموا أنّ الشيطان حارب البارى سبحانه ، وكان في الظلم لم يزل بمعزل عن سلطان البارى سبحانه، فلم يزل يزحفُ حتى رأى النور، فوثب وثبةٌ عظيمة، فصار في سلطان الله تعالى في النور، وأدخل معه الآفات والبلايا والسرور، فبنى الله سبحانه هذه الأفلاك والأرض والعناصر شبكةً له، وهو فيها محبوس، لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه الأوّل، وصار في الظُّلمة، فهو أبداً يضطرب ويرمي الآفات على خلق الله سبحانه، فمن أحياه الله رماه الشيطان بالموت، ومن أصحّه رماه الشيطان بالسّقم، ومن سرّه رماه بالحزن والكآبة، فلا يزال كذلك، وكلّ يوم ينتقصُ سلطانه وقوته، لأن الله تعالى يحتالُ له كلّ يوم، ويضعفه إلى أن تذهب قُوته كلها، وتجمُد وتصير جماداً لا حراك به، فيضعه الله تعالى حينئذ في الجوّ، والجوّ عندهم هو الظُّلمة، ولا منتهى له، فيصير في الجوّ جماداً جامداً هوائيًّا ، ويجمع الله تعالى أهلَ الأديان فيعذّبهم بقدر ما يطهِّرهم، ويصفّيهم من طاعة الشيطان، ويغسلهم من الأدناس، ثم يدخلهم الجنّة، وهي جنة لا أكلَ فيها ولا شرب ولا تمتّع، ولكنها موضع لذة وسرور.
القول الرابع: قول المانَوِيَّة (1): وهو : أن النّور لا نهاية له من جِهَة فوق، وأمّا من جهة
1) المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن اردشير وقتله بهرام بن هرمز بن سابور. كان يقول : بنبوة عيسى(علیه السّلام) ، انظر : «الملل والنحل» للشهرستاني (1/ 245).
تحت فله نهاية، والظلمة لا نهاية لها من جهة أسفل، وأما مِن جهة فوق فلها نهاية، وكان النور والظلمة هكذا قبل خلق العالم وبينهما فُرجة، وأنّ بعض أجزاء النور اقتحم تلك الفُرجة لينظر إلى الظلمة، فأسرَته الظلمة، فأقبل عالم كثير من النور ، فحارب الظلَمة ليستخلص المأسورين من تلك الأجزاء، وطالت الحرب، واختلط كثير من أجزاء النور بكثير من أجزاء الظلمة، فاقتضت حكمةُ نور الأنوار - وهو الباريء سبحانه عندهم - أن عمِل الأرضَ من لحوم القتلى، والجبال من عظامهم، والبحار من صديدهم ودمائهم، والسماء من جُلودهم، وخلق الشمس والقمر وسيّرهما، لاستقصاء ما في هذا العالم من أجزاء النور المختلطة بأجزاء الظلمة، وجعل حول هذا العالم خندقاً خارج الفَلَك الأعلى، يطرح فيه الظلام المستقصَى، فهو لا يزال يزيد ويتضَاعف ويكثر في هذا الخَندق، وهو ظلام صِرف قد استقصى نورَه. وأما النور المستخلص فيلحق بعد الاستقصاء بعالم الأنوار من فوق، فلا تزال الأفلاكُ متحرّكة، والعالم مستمرَّا إلى أن يتمّ استقصاءُ النور الممتزج، وحينئذ يبقى من النور الممتزج شيءٌ يسير، فينعقد بالظلمة، لا تقدر النيران على استقصائه، فعند ذلك تسقط الأجسام العالية - وهي الأفلاك - على الأجسام السافلة - وهي الأرضون - وتثور نار وتضطرم في تلك الأسافل وهي المسمّاة بجهنّم، ويكون الاضطرام مقدار ألف وأبعمائة سنة، فتحلّل بتلك النار تلك الأجزاء المنعقدة من النّور، الممتزجة بأجزاء الظلمة التي عجز الشمس والقمر عن استقصائها، فيرتفع إلى عالم الأنوار، ويبطل العالم حينئذ، ويعود النور كلُّه إلى حاله الأولى قبل الامتزاج، فكذلك الظلمة .
القول الخامس : قول متكلّمي الإسلام.
وهو على وجوه :
أوّلُها قول جمهور أصحابنا : إن الله تعالى إنما خلَق العالم للإحسان إليهم والإنعام على الحيوان، لأن خلقه حيًّا نعمة عليه، لأنّ حقيقة النعمة موجودة فيه، وذلك أنّ النعمة هي المنفعة المفعولة للإحسان، ووجود الجسم حَيًّا منفعة مفعولة للإحسان، وأما بيانُ كون ذلك منفعة، فلأن المنفعة هي اللَّذة والسرور ودفع المضارُ المخوّفة، وما أدّى إلى ذلك وصحّحه، ألا ترى أنّ مَنْ أشرف على أن يهويَ من جبل، فمنعه بعضُ الناس من ذلك، فإنه يكون منعَماً عليه، ومَنْ سَرّ غيره بأمر ، وأوصل إليه لذَّة، يكون قد أنعم عليه، ومَنْ دفع إلى غيره مالاً يكونُ قد أنعم عليه، لأنه قد مكَّنه بدفعه إليه من الانتفاع، وصحّحه له، ولا ريب أن وجودَنا أحياء يصحّح لنا اللذات، ويمكّننا منها، لأنّا لو لم نكن أحياء لم يصحّ ذلك فينا . قالوا : وإنما قُلْنا إنّ هذه المنفعة مفعولة للإحسان، لأنّها إما أن تكون مفعولة لا لغرض أو لغرض، والأول باطل، لأن ما يُفعل لا لغرض عبثُ، والباريء سبحانه لا يصحّ أن تكون أفعاله عبثاً، لأنه حكيم.
وأما الثاني، فإمّا أن يكون ذلك الغرض عائداً عليه سبحانه بنفع أو دفع ضرر، أو يعود على غيره. والأوّل باطل، لأنه غنيّ لذاته، يستحيل عليه المنافع والمضارُ، ولا يجوز أن يفعله المضَرّة يوصلها إلى غيره، لأنّ القصدَ إلى الإضرار بالحيوان من غير استحقاقٍ ولا منفعة يوصَل إليها بالمضرّة قبيح، تعالى الله عنه! فثبت أنّه سبحانه إنما خلق الحيوانَ لنفعه، وأما غيرُ الحيوان فلو لم يفعله لينفعَ به الحيوان، لكان خَلْقه عبثاً، والبارى تعالى لا يجوز «عليه العَبث»، فإذاً جميعُ ما في العالم إنما خلقه لينفعَ به الحيوان .
فهذا هو الكلامُ في علّة خَلْق العالم عندهم ، وأما الكلام في وجه حُسن تكليف الإنسان فذاك مقام آخر لسنا الآن في بيانه ولا الحاجة داعية إليه .
وثانيها : قول قوَم من أصحابنا البغدادييّن : إنه خلَق الخلق، ليُظهِرَ به لأربابِ العقول صفاتِه الحميدة، وقدرتَه على كلّ ممكن، وعلمه بكلِّ معلوم، وما يستحقّه من الثناء والحمد. قالوا : وقد ورد الخبر أنه تعالى قال : «كنتُ كنزاً لا أعرف، فأحببت أن أعرَف» (1)، وهذا القول ليس بعيداً .
وثالثها : للمجبرة : إنه خلق الخلق لا لغرض أصلاً، ولا يقال : لم كان كلّ شيء لعلَّة، ولا علَّة لفعله، ومذهب الأشعريّ وأصحابه أن إرادتَه القديمة تعلّقت بإيجاد العالم في الحال التي وجد فيها لذاتها، ولا لغرض ولا لداع، وما كان يجوز ألا يوجد العالم حيث وُجد، لأن الإرادة القديمة، لا يجوز أن تتقلّب وتتغيّر حقيقتها، وكذلك القول عندهم في أجزاء العالم المجدّدة من الحركات والسكنات، والأجسام وسائر الأعراض.
ورابعها : قوله بعض المتكلّمين : إنّ البارى تعالى إنما فعل العالم لأنه ملتذٌ بأن يفعل ، وأجاز أرباب هذا القول عليه اللّذة والسرور والابتهاج قالوا: والباريء - سبحانه - وإن كان قبل أن يخلق العالم ملتذَّا بكونه قادراً على خَلْق العالم - إلا أن لذة الفعل أقوى من لذة القدرة على الفعل، كأن يلتذّ بأنه قادر على أن يكتُبَ خطَّا مستحسنا ، أو يبنيَ بيتاً محكماً ، فإنه إذا أخرج تلك الصناعةَ من القُوّة إلى الفعل، كانت لذته أتمّ وأعظم. قالوا : ولم يثبت بالدليل العقليّ استحالة اللّذة عليه، وقد ورد في الآثار النبوية أنّ الله تعالى يُسَرّ، واتفقت الفلاسفة على أنه ملتذّ بذاته وكماله .
وعندي في هذا القول نظر، ولي في اللذَّة والألم رسالة مفردة، وأما قوله : «لم يحلُل في الأشياء، فيقال : لا هو فيها كائن ولا منها مباين» فينبغي أن يحمَل على أنّه أرادَ أنّه لم يناً عن الأشياء نأياً مكانيًا فيقال : هو بائن بالمكان، هكذا ينبغِي أن يكون مراده، لأنّه لا يجوز إطلاقُ
1) قال ملا علي القاري في كتابه «المصنوع» (232) : نص الحفاظ كابن تيمية والزركشي والسخاوي على أنه لا أصل له .
القول بأنّه ليس ببائن عن الأشياء، وكيف والمجرّد بالضرورة بائن عن ذي الوضع، ولكنها بينونة بالذات لا بالجهة، والمسلمون كلُّهم متفقون على أنّه تعالى يستحيلُ أن يحُلّ في شيء إلا مَن اعتزى إلى الإسلام من الحلوليّة، كالذين قالوا بحلُوله في عليّ وولده، وكالذين قالوا بحلُوله في أشخاص يعتقدون فيها إظهاره كالحلاجيّة وغيرهم، والدليلُ على استحالةِ حلُوله سبحانه في الأجسام، أنّه لو صحَّ أن يحُلَّ فيها لم يعقل منفرداً بنفسه أبداً، كما أنّ السواد لا يعقل كونه غير حالِّ في الجسم، لأنه لو يعقل غير حال في الجسم لم يكن سواداً، ولا يجوز أن يكون الله تعالى حالاً أبداً، ولا أن يلاقيَ الجسم، إذ ذلك يستلزم قدمَ الأجسام، وقد ثبت أنها حادثة .
فأمّا قوله : «لم يؤدُهُ خَلْق ما ابتدأ» إلى قوله : «عَمّا خلَق» فهو حقّ، لأنه تعالى قادر لِذاته، والقادر لذاته لا يتعب ولا يعجَز، لأنه ليس بجسم، ولا قادر بقدرة يقف مقدورها عند حَدّ وغاية، بل إنما يقدر على شيء لأنه تعالى ذات مخصوصة، يجب لها أن تقدر على الممكِنات فيكون كلّ ممكن داخلاً تحت هذه القضيّة الكلية، والذات التي تكون هكذا لا تعجَز ولا تقف مقدوراتها عند حَدَّ وغاية أصلاً، ويستحيل عليها التعب، لأنها ليست ذات أعضاء وأجزاء.
وأما قوله : «ولا وَلَجتْ عليه شُبهة» إلى قوله : «وأمر مُبْرَم فحقّ»، لأنه تعالى عالم لذاته، أي إنما عَلِم ما علمه لا بمعنى أن يتعلّق بمعلوم، دون معلوم، بل إنما علم أيّ شيء أشرت إليه، لأنه ذات مخصوصة، ونسبة تلك الذات إلى غير ذلك الشيء المشار إليه ، كنسبتها إلى المشار إليه ، فكانت عالمة بكلِّ معلوم، واستحال دخول الشبهة عليها فيما يقضيه ويقدّره.
وأما قوله : «المأمول مع النّقم، المرهوب مع النعم»، فمعنى لطيف، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى: «أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيْنَنَا وَهُمْ نَايِمُونَ(97) أَو أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بأسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) (1)، وقوله سبحانه: «سَنَتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ » (2)، وقوله تعالى: «فَإِنَّ مَعَ : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بشرًا(5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُسرًا » (3)، وقوله سبحانه: «فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا » (4)وإليه نظر الشاعر في قوله :
مَنْ عَاسَ لاَقَى مَا يَسُو*** ءُمِن الأُمورِ وَمَا يَسُرّ
لربّ حتفٍ فوقه*** ذهبٌ وياقوتٌ ودُرّ
وقال البحتري :
يَسُرّك الشَّيء قَدْ يَسُوهُ وَكَمْ*** نَوَّهَ يَوْماً بِخَامِل لَقبُة
لا يَيأس المرءُ أن يُنَجِّيَهُ ***مَا يَحْسِبُ الناسُ أنّه عَطَبُهُ
وقال آخر :
رُبَّ غَمٌ يَدِبُّ تَحْتَ سُرُورٍ*** وَسُرُورٍ يأتِي مِنَ المَحْذُور
وقال سعيد بن حميد :
کم نعمةٍ مطويّة*** لَكَ بَيْنَ أثناء النوائب
وَمَسرَّةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ*** مِنْ حَيْثُ تُنتظرُ المصائب
وقال آخر :
أنتظرُ الرّوح وأسبَابه*** أناسَ ما كنتُ من الرَّوح
وقال آخر :
رُبَّمَا تَجْزَعُ النُّفُوسِ مِنَ الأم***- رِلَهُ فَرْجَةٌ كحلِّ العِقَال
وقال آخر :
العسرُ أكرمُه ليسر بعدَهُ*** ولأجل عَيْنِ الْفُ عَيْن تُكْرَمُ
والمرءُ يكرهُ يومَهُ ولعلِّه*** يأتيه فيهِ سَعَادَةٌ لا تُعْاً تُعْلَمُ
وقال الحّلاج :
وَلَرُبَّما هَاجَ الكبيرَ*** من الأمور لك الصغيرُ
ولرُبَّ أمر قد تضي*** قُ به الصُّدور ولا يصيرُ
وقال آخر :
يا راقدَ اللَّيل مسروراً بأوّله*** إنّ الحوادث قَد يطرُ من أسحارَا
وقال آخر :
كم مرَّةٍ حُفَّت بك المكارة*** خَارَ لَك الله وَأَنْتَ كاره
ومن شعري الذي أناجي به البارى سبحانه في خلَواتي، وهو فنّ أطويه وأكتمه عن الناس ، وإنما ذكرتُ بعضَه في هذا الموضع، لأن المعنى ساق إليه، والحديث ذو شجون :
يَامَنْ جَفَانِي فَوَجْدِي بَعْدَهُ عَدَمُ ***هَبْنِي أَسَاتُ فَأَيْنَ الْعَفْرُ وَالْكَرَمُ!
أنا المرابط دونَ النّاس فاجفُ وَصل*** واقبَلْ وَعَاقِبُ وحَاسِبْ لَسْتُ أنهزمُ
إن المحبِّ إذا صحَّت محبّتُه*** فمالوقعِ المَواضِي عِنْدَهُ أَلَمُ
وَحَقِّ فَضْلِكَ مَا اسْتَيْأَسْتُ مِنْ نِعَم*** تسرِي إليّ وإنْ حَلَّتْ بِي النِّقَمُ
ولا أمِنْتُ نَكَالاً منك أَرْهَبُةٌ*** وإن ترادفَت الآلاءُ والنَّعَمُ
حاشاكَ تُعرض عَمَّنْ في حشَاشَتِهِ*** نارُ لحبك طُولَ الدَّهْرِ تضطرمُ
ألم تقل إنّ مَنْ يدنو إليّ قَدْرَ الذّ*** راع أدنو له باعاً وابْتَسِمُ
والله والله لو عاقبتَنِي حُقُباً*** بالنَّار تأكُلُني حطماً وتلتهمُ
مَا حُلْتُ عن حبّك الباقي فليس على*** حال بمنصرم، والدهر ينصرمُ
الأصل: مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ، اسْتَشْعِرُوا الخَشْيَةَ ، وتَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ، وَعَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذ، فَإِنَّهُ أَنبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الهَامِ. وَأَكْمِلُوا اللَّامَةَ، وَقَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْل سَلْهَا . وَالْحَظُوا الخزْرَ، وَأطْعَنُوا الشَّزَرَ ، وَنَافِحُوا بِالظُّبَا، وَصِلُوا السيوف بِالخُطا .
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللهِ، وَمَعَ ابْن عَمِّ رَسُولِ الله، فَعَاوِدُوا الكَرْ، وَاسْتَحْيُوا مِنْ الفَرّ، فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الْأعْقَابِ، وَنَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفسْاً، وَامْشُوا إِلَى المَوْتِ مَشْياً سجُحاً، وَعَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَم، وَالرِّوَاقِ المُطَنَّب ، فاضْرِبُوا ثَبَجَهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ، وَقَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً، وَأَخَرَ لِلنُّكُوص رِجلاً.
فَصَمْداً صَمْداً! حَتَّى يَنْجَلِي لَكُمْ عَمُودُ الحَقِّ، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ.
الشرح قوله : «استشعروا الخشية»، أي اجعلوا الخوفَ من الله تعالى من شعاركم، والشعَار من الثياب ما يكون دون الدثار، وهو يلي الجلد وهو ألصق ثياب الجسد، وهذه استعارة حَسَنة، والمراد بذلك أمرُهم بملازمة الخشية والتقوى، كما أنّ الجلد يلازم الشِّعار .
قوله : «وتجَلبَبُوا السَّكينة» أي اجعلوا السَّكينة والحلم والوقار جِلباباً لكم، والجلباب الثوب المشتمِل على البدن .
قوله : «وعضُّوا على النواجذ» جمع ناجد، وهو أقصى الأضراس، وللإنسان أربعة نواجذ في كلّ شقّ، والنواجذ بعد الأرحاء، ويسمَّى النّاجِدَ ضِرْس الحِلْم ، لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، ويقال : إن العاضّ على نواجذه ينبُو السيف عن هامته نبوّا ما ، وهذا مما يساعد التعليلُ الطبيعي عليه، وذلك أنه إذا عضّ على نواجذه تصلّبت الأعصاب والعَضَلات المتصلة بدِماغه ، وزال عنها الاسترخاء، فكانت على مقاومة السيف أقدَر، وكان تأثيرُ السيفِ فيها أقلّ .
وقوله : «فإنّه أنبى»، الضمير راجع إلى المصدر الذي دلّ الفعل عليه تقدير : فإنّ العَضَ أنبَى ، كقولهم : مَنْ فعل خيراً كان له خيراً، أي كان فعله خيراً، وأنبى «أفعل» ، من نبا السيفُ ، إذا لم يقطع .
قال الراونديّ: هذا كلام ليس على حقيقته، بل هو كناية عن الأمر بتسكين القلب وترك اضطرابه واستيلاء الرّغدة عليه، إلى أن قال : ذلك أشدّ إبعاداً لسيف العدوّ عن هامتكم .
قوله : «وأكمِلوا اللَّامة»، اللَّامة، بالهمزة الدِّرع، والهمزة ساكنة على «فَعلة»، مثل النامة للصوت، وإكمالها أن يزاد عليها البَيضة والسواعد ونحوها ، ويجوز أن يعبّر باللَّامة عن جميع أداة الحرب، كالدّرع والرمح والسيف، يريد : أكملوا السلاحَ الذي تحاربون العدوّ به .
قوله : «وقلقلوا (1)السيوف في أغمادها قبل سَلّها»، يوم الحرب، لئلا يدومَ مكثها في الأجفان فتلحج فيها فيستصعب سلّها وقت الحاجة إليها .
وقوله : «والحظُوا الخَزر» ، الخزر أن ينظُر الإنسان بعينه، وكأنه ينظر بمؤخِرها وهي أمارة الغضب، والذي أعرفه «الخَزَر» بالتحريك ، قال الشاعر :
إذا تَخَازَرْتُ وَمَا بِي مِنْ خَزَرْ*** ثُمّ كسرتُ الْعَيْنَ وما بي مِنْ عَوَرْ
الفيتَني الوَي بعيد المستمرّ*** أحْمِلُ ما حُمَلْتُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرّ
فإن كان قد جاء مسكَّنا فنسكينه جائز للسجعة الثانية، وهي قوله : «واطعنوا الشَّزْر».
والطعن شَزْراً هو الطَّعْن عن اليمين والشمال، ولا يسمَّى الطعن تجاه الإنسان شَزْرا . وأكثر ما تستعمل لفظة «الشَّزْر» في الطعن، لما كان عن اليمين خاصة، وكذلك إدارة الرحا . وخَزرا وشزرا ، صفتان لمصدرين محذوفين، تقديره : الحظوا لحظاً خزراً، واطعنوا طَعْناً شزراً، وعينُ «اطعُنوا» مضمومة ، يقال : طعنت بالرمح أطعُن ، بالضم ، وطعنت في نسبه أطعَن، بالفتح، أي قدحت، قال:
يُطَوّف بي عَكب في مَعَدٌ*** ويطعَنُ بالصَّمِلَّةِ في قَفيًا
قوله : «نافحوا بالظبا» أي ضاربوا نَفْحة بالسيف أي ضربة، ونفحَتِ الناقة برجلها، أي ضربت. والظُّبا : : جمع ظُبَة، وهي طَرَف السيف .
قوله : «وصلوا السيوف بالخطا» مثل قول الشاعر :
إذا قَصُرَتْ أسْيَافُنَا كانَ وَصْلُهَا*** خُطانا إلى أعدائنا فَنُضارِبِ
1) أي حركوها في أغمادها قبل أن تحتاجوا إلى سَلّها ليسهل عند الحاجة إليها . لسان العرب، مادة (قلق).
قالوا : بكسر «نضارب» لأنه معطوف على موضع جزاء الشرط، الذي هو «إذا».
وقال آخر :
نَصِلُ السيوف إذا قَصُرْنَ بخطونًا*** يوماً ونلحقها إذَا لَمْ تَلْحَقِ
وأنشدني شيخنا أبو القاسم الحسين بن عبد الله العُكْبَري، ولم يسمّ قائله، ووجدته بعدُ لنابغة بني الحارث بن كعب :
إن تسألي عَنّاسُمي فإنه***يسمُو إلى قُحَم العلا أدنانا
وتبيتُ جارتُنا حَصاناً عَفَّةً*** ترضى ويأخذ حَقَّه مولانا
ونقوم إن طرقَ المنُون بسُحْرَةٍ*** لوصاة والدنا الَّذِي أوْصَانَا
الأنفرّ إذا الكتيبة أقبلت*** حَتى تدور رحاهُمُ ورَحَانا
وتَعِيشُ في أحلامِنَا أشياخُنَا*** مُرْداً وَمَا وَصَلَ الوجوه لحانا
وإذا السُّيوف قصرن طوّلهالنا*** حتّى تناول ما نريدُ خُطانا
وقال حُميد بن ثور الهلاليّ :
إلى أن نَزَلْنَا بالقضاء وَمَا لَنَا*** بِهِ مَعْقِل إلا الرماح الشَّوَاجِرُ
وَوَصْلُ الخُطا بالسَّيْف والسَّيْفِ بالخُطا*** إذا ظُنَّ أنّ المرءَ ذَا السَّيف قاصِرُ
وهذه الأبيات من قطعة لحميد جيدة، ومن جملتها :
قضَى الله في بعض المكاره لِلْفَتَى*** برشدِ وَفِي بَعْضِ الْهَوَى مَا يُحَاذِرُ
ألمْ تَعْلَمِي أَنِّي إذا الإلف قادَنِي*** إلى الجَوْر لا أنقاد، والإلف جائرُ
وقد كنتُ فِي بَعْضِ الصَّبَاوة أتقي*** أموراً وأخشى أن تَدُور الدَّوَائِرُ
وأعلَمُ أنّي إِن تَعْطَيْتُ مَرَّةً*** من الدَّهْر مكشوف غِطَائِي فَنَاظِرُ
ومن المعنى الذي نحن في ذكره، ما روي أن رجلاً من الأزد، رفع إلى المهلب سَيْفاً له فقال: يا عمّ كيف ترى سيفي هذا ؟ فقال : إنه لجيّد لولا أنه قصير، قال: أطوله يا عمّ بخطوتي، فقال: والله يا بن أخي، إن المَشي إلى الصِّين أو إلى أذَربيجَان على أنياب الأفاعي أسهل من تلك الخُطوة، ولم يقل المهلّب ذلك جبناً، بل قال ما توجبه الصورة إذ كانت تلك الخطوة قريبة للموت، قال أبو سعد المخزومي في هذا المعنى :
رُبَّ نارٍ رفعتها ودُجى اللَّيل*** على الأرض مُسْبِلُ الطيلَسان
وأمون نحرتُها لضيوف*** وألوف نقدتهُنَّ لجاني
وحروب شهدتها جامع القل*** ب فلم تنكر الكُماة مكاني
وإذا ما الحسام كان قصيراً*** طَوَّلَته إلى العدو بناني
من الناس من يرويها في ديوانه «الجاني» بالجيم، أي حملت الحمالة عنه، ومنهم من يرويها بالحاء، يعني الخمَّار .
ومن المعنى المذكور أوّلاً قولَ بعض الشعراء، يمدح صخر بن عمرو بن الشريد الأسلميّ :
إن ابنَ عمرو بن الشَّری***دِ له ف خارٌ لا يرامُ
وحِجاً إذا عُدمَ الحجا*** ونَدّى إذا بَخِلَ الغمام
يصلُ الحُسام بخطوهِ*** في الرّوع إن قصُر الحُسَامُ
ومثله قول الراجز :
يخطُو إذا ما قصّر العَصْب الذَّكَرُ*** خطواً تَرَى منه المنايا تبتدر
ومثله :
وإنا لَقَوْمُ ما نَرَى القثل سُبةً*** إذا ما رأته عَامِرٌ وسَلُولُ
يقصر ذِكرُ الموت آجالَنَا لنا*** وتَكْرَهُهُ آجَالُهُمْ فَتَعُولُ
ومنها :
وإن قَصُرَتْ أسيافنا كَانَ وَصْلُها*** خُطَانا إلى أعدائنا فتطولُ
ومثله قول ودّاك بن تميل المازني :
مقاديمُ وَصّالون في الرَّوْعَ خَطْوَهُمْ*** بكلّ رقيق الشَّفْرَتَيْنِ يَمَانِي
إذا اسْتُنْجِدُوا لم يسألوا مَنْ دَعَاهُمُ*** لايةِ حَرْب أم باي مكانِ
وقال آخر :
إذا الكُماة تنحوا أن يصيبَهُمُ حَدّ السُّيوف وَصَلْنَاها بأيدينا
وقال آخر :
وَصَلْنا الرّفاق المرهفاتِ بخطونا*** على الهَوْل حتى أمكنتنا المضارب
وقال بعض الرجاز:
الطَّاعِنُون في النُّحورِ والكُلى*** والواصِلُون للسيوف بالخُطا
قوله(علیه السّلام) : «واعلموا أنكم بعين الله» أي يراكم ويعلم أعمالكم، والباء ها هنا كالباء في قوله : «أنت بمرأى مني ومسمع» .
قوله: «فعاودوا الكرّ» أي إذا كررتم على العدوّ كرَّة فلا تقتصروا عليها ، بل كرّوا كرّة أخرى بعدها، ثم قال لهم، «واستحيوا من الفرار، فإنه عار في الأعقاب»، أي في الأولاد، فإنّ
الأبناء يعيّرون بفرار الآباء. ويجوز أن يريد بالأعقاب جمع عَقِب، وهو العاقبة وما يؤول إليه الأمر، قال سبحانه: «خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرُ عُقْباً» (1)، أي خير عاقبة، فيعني على هذا الوجه أنّ الفرار عارٌ في عاقبة أمركم، وما يتحدّث به الناس في مستقبل الزمان عنكم .
ثم قال: «ونار يوم الحساب»، لأن الفِرَار من الزحف ذنب عظيم، وهو عند أصحابنا المعتزلة من الكبائر، قال الله تعالى: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ » (2)، والجهاد بين يدي الإمام، كالجهاد بين يدي الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
قوله(علیه السّلام): «وطيبُوا عن أنفِسكم نَفْساً»، لمّا نصب «نفساً» على التمييز وحّدَه، لأن التمييز لا يكون إلا واحداً، وإن كان في معنى الجمع ، تقول : انعموا بالاً، ولا تضيقوا ذَرْعاً * وأبقى «الأنفس» على جمعها لَمّا لم يكُن به حاجة إلى توحيدها، يقول: وظّنّوا أنفَسكم على الموت ولا تكرهوه، وهوّنوه، عليكم ، تقول : طِبتُ عن مالي نَفْساً ، إذا هَوّنت ذهابه .
وقوله : «وامشوا إلى الموت مَشياً سُجُحاً»، أي سهلاً، والسجاحة: السهولة، يقال: في أخلاق فلان سَجاحة ، ومن رواه «سمحاً» أراد سهلاً أيضاً .
والسّواد الأعظم، يعني به جُمهور أهل الشام.
قوله : «والرواق المطنَّب»، يريد به مضرب معاوية ذا الأطناب، وكان معاوية في مضرب عليه قُبّة عالية، وحَوْلَه صناديد أهل الشام. وثبَجه وسطه، وثبج الإنسان : ما بين كاهله إلى ظهره.
والكِسر : جانب الخِباء. وقوله : «فإنّ الشيطان كامنَّ في كِسره» ، يحتمل وجهين، أحدُهما : أن يعنَى به الشيطان الحقيقيّ، وهو إبليس، والثاني : أن يعنيَ به معاوية. والثاني هو الأظهر للقرينة التي تؤيده، وهي قوله : «قد قَدّم للوثبة يداً ، وأخر للنكوص رجلاً»، أي إن جبنتم وثَب، وإن شجعتم نَكَص، أي تأخر وفرَّ ، ومَنْ حمله على الوجه الأوّل جعله من باب المجاز، أي أن إبليس كالإنسان الذي يعتوره دواع مختلفة بحسب المتجدّدات، فإن أنتم صدقتم عدوّكم القتال فرَّ عنكم بفرار عدوكم ، وإن تخاذلتم وتواكلتم طمع فيكم بطمعه، وأقدم عليكم بإقدامه .
وقوله(علیه السّلام) : «فصَمْداً صمداً»، أي اصمدوا صمداً، صمداً، صمدت لفلان أي قصدت له .
وقوله : «حتى ينجليَ لكم عمودُ الحق» ، أي يسطع نورُه وضوءُه، وهذا من باب الاستعارة.
والواو في قوله : «وأنتم الأعلَوْن» واو الحال.
ولن يَتِرَكم أعمالكم ، أي لن ينقصكم، وها هنا مضافٌ محذوف تقديره : جزاء أعمالكم، وهو من كلام الله تعالى وَصّع به خطبتَه ، (علیه السّلام).
وهذا الكلام خَطَب به أمير المؤمنين(علیه السّلام) في اليوم الذي كانت عشيته ليلة الهرير في كثير من الروايات .
وفي رواية نصر بن مزاحم أنّه خَطَب به في أول أيام اللقاء والحرب بصِفّين، وذلك في صفر من سنة سبع وثلاثين.
قال :نصر كان عليّ(علیه السّلام) يركب بغلةً له يستلذّها، قبل أن يلتقي الفئتان بصفيِّن، فلما : حضرت الحرب وبات تلك الليلة يعبّى الكتائب حتى أصبح قال : ائتوني بفرس، فأتِيَ بفرس له ذَنُوب أدهم ، يُقاد بشَطنّين، يبحث الأرض بيديه جميعاً ، له حَمْحَمة وصهيل، فركبه، وقال: «سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» ، لاَ حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن شمِر، عن جابر الجعفيّ، قال: كان علي(علیه السّلام) إذا سار إلى قتال، ذكر اسم الله قبل أن يركب، كان يقول : الحمدُ لله على نِعَمِه علينا وفضله : «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَمُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبَّنَا لَمُنقَلِبُونَ» (1)ثم يستقبل القبلة، ويرفع يديه إلى السماء ويقول : اللهمَّ إليك نُقِلت الأقدام، وأتعبَتِ الأبدان، وأفضَتِ القلوب، ورفعت الأيدي، وشَخَصت الأبصار : «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَحِينَ» (2)، ثم يقول : سيروا على بركة الله، ثم يقول : الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، يا الله يا أحد يا صمد، يا ربّ محمد، اكفف عنا بأس الظالمين: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) «الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)» إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاَ نَسْتَعِينُ(5) (3)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . قال : وكانت هذه الكلمات شعاره بصفِّين.
قال : وروى سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نُباتة، قال: ما كان عليّ(علیه السّلام) في قتال إلا نادى: يا كهيعص .
قال نصر : وحدّثنا قيس بن الربيع، عن عبد الواحد بن حسّان العِجْلي، عمّن حدّثه أنه سمع عليَّا(علیه السّلام) يقول يوم لقائه أهل الشَّام بصفين : اللهمِّ إليك رُفعت الأبصار، وبُسطت الأيدي،
ونقِلت الأقدام، ودعت الألسن، وأفضت القلوب، وتُحُوكم إليك في الأعمال. فاحكم بيننا وبينهم بالحقّ، وأنتَ خير الفاتحين. اللهمَّ إنا نشكو إليك غَيْبة نبينا ، وقِلَّة عددنا ، وكثرة عدوّنا، وتشتّت أهوائنا، وشدّة الزمان، وظهور الفِتن، فأعنّا على ذلك بفتح منك تعجِله، ونصر تعزّ به سلطان الحق وتظهره.
قال نصر : وحدثنا عمر بن سعد، عن سلّام بن سويد، عن عليّ(علیه السّلام) في قوله : «وألزمَهم كلمة التقوى» ، قال : هي لا إله إلا الله ، وفي قوله : «الله أكبر» قال: هي آية النصر .
قال سلّام: كانت شعارَه (علیه السّلام)يقولها في الحرب، ثم يحمِل فيورد - والله - مَن اتَّبعه ومن حَادَّه حياض الموت .
قال نصر : وحدّثنا عمر بن سعد، عن عبد الرحمن بن جُندب، عن أبيه قال : لما كان غداة الخميس لسبع خَلَوْن من صفَر من سنة سبع وثلاثين، صلى عليُّ(علیه السّلام) الغداة فعلَّس، ما رأيتُ عليّا غَلَّس بالغَدَاة أشدَّ من تغليسه يومئذ . وخرج بالناس إلى أهل الشام، فزحف نحوَهم، وكان هو يبدؤهم فيسير إليهم ، فإذا رأوه قد زَحَف استقبلوه بزحوفهم .
قال نصر : فحدثني عمر بن سعد، عن مالك بن أعين، عن زيد بن وهب، قال : لما خرجَ عليٌّ(علیه السّلام) غداة ذلك اليوم فاستقبلوه، رفع يديه إلى السماء، وقال: «اللهمَّ ربَّ هذا السقف المحفوظ المكفوف، الذي جعلته مُحيطاً بالليل والنهار، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر، ومنازل الكواكب والنجوم، وجعلت سكّانه [سبطاً] من الملائكة لا يسأمون العبادة، وربّ هذه الأرض التي جعلتها قراراً للأنام والهوامُ والأنعام، وما لا يحصى مما يُرَى ومما لا يُرَى،من خَلْقِك العظيم، وربَّ الفُلْك التي تجري في البحر المحيط بما ينفع الناسَ، وربَّ السحاب المسخّرِ بين السماء والأرض، وربَّ البحر المسجور، المحيط بالعالمين، وربَّ الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتاداً، وللخلق ،متاعاً، إن أظهرتَنا على عدّونا فجنّبنا البغي، وسدّدنا للحق. وإن أظهرتهم علينا فارزقُنا الشهادة، واعصم بقيّة أصحابي من الفتنة .
قال : فلما رأوه قد أقبل تقدّموا إليه بزحوفهم، وكان على ميمنته يومئذ عبدالله بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعي، وعلى ميسرته عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب، وقرّاء العراق مع ثلاثة نفر : عمار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عُبادة، وعبدالله بن بُدَيل، والناس على راياتهم ومراكزهم، وعليّ(علیه السّلام) في القلب في أهل المدينة، جمهُورهم الأنصار، ومعه من خُزاعة ومن كنانة عدد حسن .
قال نصر : وكان عليّ(علیه السّلام) رجلاً رَبعة، أدَعَج العينين، كأن وجهه القمر ليلة البدر حسناً، ضخم البطن، عريض المسرُبة، شَثْن الكفين، ضخم الكُسور ، كأنّ عنقه إبريقُ فِضة، أصلعُ من خلفه شعر خفيف، لمنكبه مُشاش كمشاش الأسد الضاري، إذا مشى تكفّأ ومارَ به جسدُه ،
ولظهره سنام كسنام الثَّوْر لا يبين عضده من ساعده قد أُدْمِجَت إدماجاً، لم يمسك بذِراع رجل قطّ إلا أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس، ولونه إلى سمرة ما، وهو أذلف الأنف، إذا مشى إلى الحرب هَرْوَل، قد أيّده الله تعالى في حُروبه بالنصر والظفّر .
قال نصر : ورفع معاوية قبَّة عظيمة وألقى عليها الكرابيس، وجلس تحتها .
قال نصر : وقد كان لهم قبل هذا اليوم أيام ثلاثة، وهي الرابع من صفر هذا، واليوم الخامس واليوم السادس، كانت فيها مناوشات وقتال، ليس بذلك الكثير، فأما اليوم الرابع، فإنّ محمد بن الحنفيّة(علیه السّلام) ، خرج في جَمْع من أهل العراق، فأخرج إليه معاويةُ عبيدَالله بن عمر بن الخطاب في جَمْع من الشام فاقتتلوا . ثم إن عبيد الله بن عمر أرسلَ إلى محمد بن الحنفيّة : أن اخرجُ إلي أبارزك، فقال: نعم، ثم خرج إليه، فبصُر بهما عليّ (علیه السّلام) ، فقال : مَنْ هذان المتبارزان؟ قيل: محمد بن الحنفيّة وعبيد الله بن عمر، فحرّك دابته، ثم دعا محمداً إليه، فجاءه فقال : أمسِك دابتي، فأمسكها ، فمشى راجلاً بيده سیفُه نحو عبيد الله، وقال له: أبا أنا رزُك، فهلم إليّ ، فقال عبيد الله : لا حاجةَ بي إلى مبارزتك ، قال : بلى، فهلم إليّ، قال: لا أبارزُك، ثم رجع إلى صَفّه، فرجع عليّ(علیه السّلام) ، فقال ابنُ الحنفيّة : يا أبت منعتني من مبارزته؟ فوالله لو تركتني لرجوتُ أن أقتله! قال: يا بنيّ، لو بارزته أنا لقتلتُه، ولو بارزته أنت لرجوتُ لك أن تقتله، وما كنتُ آمنُ أن يقتلك، فقال: يا أبتِ أتبرز بنفسك إلى هذا الفاسق اللئيم عدوّ الله ! والله لو أبوه يسألُك المبارزة لرغبتُ بك عنه، فقال: يا بني لا تذكر أباه، ولا تَقُل فيه إلا خيراً، رحِمَ الله أباه !
قال نصر: وأما اليوم الخامس، فإنه خرج فيه عبدُالله بن العباس، فخرج إليه الوليد بن عُقبة، فأكثر من سبّ بني عبد المطلب وقال: يا بن عباس : قطعتم أرحامَكم ، وقتلتم إمامكم، فكيف رأيتم صُنع الله بكم! لم تُعْطَوْا ما طلبتم، ولم تدركوا ما أمّلتم والله - إن شاء - مُهلكُكم، وناصرنا عليكم. فأرسل إليه عبد الله بن العباس: أن ابرُز إليّ، فأبى أن يفعل، وقاتل ابنُ عباس ذلك اليوم قتالاً شديداً ، ثم انصرفوا وكلّ غير غالب .
قال نصر : وخرج في ذلك اليوم شَمِر بن أبرهة بن الصباح الحميريّ، فلحِق بعليّ (علیه السّلام) في ناس من قراء أهل الشام، ففت ذلك في عَضُد معاوية وعمرو بن العاص، وقال عمرو: يا معاوية، إنّك تريد أن تقاتل بأهل الشام رَجُلاً له من محمد(علیه السّلام) و قرابة قريبة، ورحم ماسَّة، وقدمٌ في الإسلام لا يعتدّ أحد بمثله، وحدَّة في الحرب لم تكن لأحد من أصحاب
محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وإنه قد سار إليك بأصحاب محمد المعدودين وفرسانهم وقُرائهم وأشرافهم وقدمائهم في الإسلام، ولهم في النفوس مهابة، فبادر بأهل الشام مخاشن الأوعار، ومضايق العِياض، واحملهم على الجَهد، وانتهم من باب الطمع قبل أن ترفَّههم فيحدث عندهم طولُ المقام مللاً ، فتظهر فيهم كآبة الخذلان. ومهما نسيت فلا تنسَ أنّك على باطل، وأن عليَّا على حقّ، فبادر الأمر قبل اضطرابه عليك. فقام معاوية في أهل الشام خطيباً، فقال:
أيها الناس : أعيرونا جماجِمكم وأنفسكم، لا تقتتلوا ولا تتجادلوا، فإن اليومَ يوم خِطَارٍ، ويوم حقيقة وحفاظ، إنكم لعلى حق، وبأيديكم حُجَّة، إنما تقاتلون مَنْ نكث البيعة، وسَفَك الدم الحرام، فليس له في السماء عاذر.
قدموا أصحاب السلاح المستلئمة، وأخِّروا الحاسر، واحملوا بأجمعكم، فقد بلغ الحقُّ مقطعه، وإنما هو ظالم ومظلوم.
قال نصر: وخطب علي(علیه السّلام) أصحابه فيما حدثنا به عمر بن سعد، عن أبي يحيى، عن محمد بن طلحة، عن أبي سنان، أبي سنان، عن أبيه قال: كأنّي أنظرُ إليه متوكئاً على قوسِه، وقد جمع أصحاب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عنده، فهم يلُونه، كأنه أحبَّ أن يعلم الناس أنّ الصحابة متوافرون معه، فحمِد الله وأثنى عليه، وقال :
أما بعدُ، فإن الخيلاء من التجبُّر، وإن النَّخوة من التكبر، وإنّ الشيطان عدوّ حاضر، يعدُكم الباطل ، ألا إنّ المسلم أخو المسلم، فلا تنابذُوا ولا تخاذلوا . ألا إنّ شرائع الدين واحدة، وسبله قاصدة، مَنْ أخذ بها لَحِق، ومن فارقها مُحِق ، ومَنْ تركها مَرَق . ليس المسلم بالخائن إذا ائتمِن، ولا بالمخلِف إذا وعد، ولا بالكذاب إذا نطق . نحن أهل بيت الرحمة، وقولنا الصدق، وفعلنا القَضد، ومنا خاتم النبيين، وفينا قادة الإسلام، وفينا حملة الكتاب. ألا إنّا ندعوكم إلى الله وإلى رسوله، وإلى جهاد عدوِّه والشدة في أمره، وابتغاء مرضاته، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصِيَام شهر رمضان، وتوفير الفيء على أهله. ألا وإنّ مِن أعجب العجائب أنّ معاوية بن أبي سفيان الأمويّ وعمرو بن العاص السهميَّ ، أصبحا يحرِّضان الناس على طلب الدِّين بزعمهما ، ولقد علمتم أني لم أخالف رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قطّ، ولم أعصه في أمر، أقيه بنفسي في المواطن التي ينكص فيها الأبطال، وتُرْعَد فيها الفَرائص، بنجدة أكرمني الله سبحانه بها، وله الحمدُ. ولقد قُبِض رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وإنّ رأسه لفي حِجْري، ولقد وَليتُ غسله بيدي وحدي، تقلبه الملائكة المقربون معي. وايمُ الله ما اختلفت أمةٌ قط بعد نبيّها إلّا ظهر أهلُ باطلها على أهل حقها، إلا ما شاء الله .
قال أبو سنان الأسلميّ : فأشهد لقد سمعت عمّار بن ياسر ، يقول للناس: أما أمير المؤمنين فقد أعلَمكم أنّ الأمة لم تستقم عليه أولاً ، وأنها لن تستقيم عليه آخراً .
قال : ثم تفرّق الناس، وقد نفذت أبصارهم في قتال عدوهم، فتأهبوا واستعدّوا .
قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد، عن مالك بن أعين، عن زيد بن وهب أنّ عليّا(علیه السّلام)،قال في هذه الليلة: حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا ! ثم قام في الناس فقال : الحمدُ الله الذي لا یُبرَم ما نقض، ولا ينقض ما أبرم، ولو شاء ما اختلف اثنان من هذه الأمة ولا من خلقه، ولا تنازع البشر في شيء من أمره، ولا جَحَد المفضول ذا الفضل فضله. وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، حتى لفت بيننا في هذا الموضع، ونحن مِنْ ربَّنا بمرأى ومسمع، ولو شاء لعجَّل النقمة، ولكان منه النصر، حتى يكذّب الله الظالم، ويعلم الحقُّ أين مصيره. ولكنه جَعَل الدنيا دار الأعمال، والآخرة دار الجزاء والقرار «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَنُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا
. بِالْحُسْنَى» (1). ألا إنكم لاقو العدوِّ غداً إن شاء الله، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن.
واسألوا الله الصَّبر والنصر، والقوهم بالجِدّ والحزم، وكونوا صادقين.
قال : فوثب الناس إلى رماحهم وسيوفهم ونبالهم يصلحونها، وخرج(علیه السّلام) فعبّى الناس ليلته تلك كلّها حتى أصبح، وعقد الألوية، وأمّر الأمراء، وكَتَب الكتائب، وبعث إلى أهل الشام منادياً نادى فيهم : اغدُوا على مصافكم. فضج أهلُ الشام في معسكرهم، واجتمعوا إلى معاوية فعبّى خيله، وعقد ألويته، وأمر أمراءه، وكتب كتائبه، وأحاط به أهلُ حِمْص في راياتهم، وعليهم أبو الأعود السُّلميّ، وأهل الأردن في راياتهم، عليهم عمرو بن العاص، وأهل قِنّسرين وعليهم زُفر بن الحارث الكلابي، وأهل دمشق - وهم القلب - وعليهم الضحاك بن قيس الفهري، فأطافوا كلهم بمعاوية، وكان أهل الشام أكثر من أهل العراق بالضِّعف، وسار أبو الأعور وعمرو بن العاص ومَنْ معهما، حتى وقفا بحيال أهل العراق، فنظرا إليهم، واستقلاً جمعهم، وطمِعا فيهم، ونُصب لمعاوية منبر ، فقعد عليه في قبة ضربها، ألقى عليها الثياب والأرائك، وأحاط به أهلُ يَمنِ، وقال : لا يقربَنَّ هذا المنبر أحد لا تعرفونه إلا قتلتموه كائناً مَن كان.
قال نصر : وأرسل عمرو إلى معاوية : قد عرفت ما بيننا من العهد والعَقد، فاعصِب برأسي هذا الأمر، وأرسل إلى أبي الأعور فنحّه، عني ودعني والقوم، فأرسل معاوية إلى أبي الأعور أن لأبي عبد الله رأياً وتجربة ليست لي ولا لك، وقد ولّيته أعنّة الخيل، فسر أنت حتى تقف بخيلك على تلّ كذا ودعه والقوم.
فسار أبو الأعور ، وبقي عمرو بن العاص فيمن معه واقفاً بإزاء عسكر العراق، فنادى عمرو ابنيه : عبد الله ومحمداً ، فقال لهما : قَدَّمَا الدُّرّع ، وأخرا هؤلاء الحُسّر، وأقيما الصَّف قَصَ الشارب، فإن هؤلاء قد جاؤوا بخطة قد بلغت السماء.
1) سورة النجم، الآية : 31 .
فمشيا برايتهما، فعدّلا الصفوف، وسار بينهما عمرو فأحسن الصف ثانية، ثم حمل قيساً وكليباً وكنانة على الخيول، ورجل سائر الناس.
قال نصر: وبات كعب بن جعيل التغلّبيّ، شاعر أهل الشام تلك الليلة يرتجز وينشد:
أصبحت الأمةُ في أمرٍ عَجَبُ*** والمُلْكُك مجموع غداً لمن غَلَبْ
أقولُ قَوْلاً صادقاً غَيْرَكَذِبْ*** إِنّ غداً يهلك أعلامُ العَرَب
غداً نُلاقي ربَّنا فنحتسِبُ*** غَداً يصيرون رماداً قد ذَهَبْ
بعد الجَمالِ والحَياءِ والحَسَبُ*** يَاربّ لا تُشْمِتْ بنا ولا تُصِبْ
مَنْ خَلَع الأنداد طُرًا والصُّلب
قال نصر: وقال معاوية : مَنْ في ميسرة أهل العراق؟ فقيل: ربيعة، فلم يجد في الشام ربيعة، فجاء بحميَر، فجعلها بإزاء ربيعة على قرعة أقرعها بين حِمير وعَكَ، فقال ذو الكَلاع الحميريّ : باستك مِنْ سَهْمِ [لم تَبْغِ الضراب] كأنّه أنف عن أن تكون حمير بإزاء ربيعة، فبلغ ذلك حُجدراً الحنفيّ، فحلَف بالله إن عاينه ليقتلنّه أو ليموتَن دونه، فجاءت حمير حتى وقفت بإزاء ربيعة، وجعل السّكاسك والسِّكون بإزاء كندة، وعليهما الأشعث بن قيس، وجعل بإزاء هَمْدَان العراق الأزد، وبإزاء مذحج العراق عَكَّا .
وقال راجز من أهل الشام :
ويلٌ لامّ مَذْحِجٍ مِنْ عَكِّ*** وأمّهم قائمة تُبكي
نَصحهم بالسيف أي صَلِّكّ*** فلا رجال كرجال عَكٌ
قال : وطرحت عكّ حَجَراً بين أيديهم، وقالوا: لا نفرّ حتى يفرّ هذا الحَكَر (بالكاف) - وعَكَ تقلب الجيم كافاً - وصفُ القلب خمسة صفوف، وفعل أهل العراق أيضاً مثل ذلك، ونادى عمرو بن العاص بأعلى صوته :
يأيّها الجندُ الصليبُ الإيمان*** قُوموا قياماً واستعينوا الرّحْمنُ
إنِّي أتاني خبر ذو ألوان*** أنّ عليا قتل ابْنَ عَفَّانُ
رُدّوا علينا شيخنا كما كان
فردّ عليه أهل العراق وقالوا :
ابت سيوف مذحِج وهَمْدَان*** بأن تَرُدَّ نَعْشَلاً كَمَا كَانْ
خَلْقاً جديداً مثلَ خَلْق الرَّحْمن*** ذلك شأن قد مَضَى وذَا شَان
ثم نادى عمرو بن العاص ثانية برفع صوته :
ردوا علينا شَيْخَنَاثم بَجَلْ*** أولا تكونُوا جَزَراً من الأسل(1)
القاموس المحيط، مادة (اسل).
فردّ عليه أهل العراق :
كيف نردّ نعثلاً وقد قَحَلْ!*** نحن ضربنا رأسه حتى انجفَل
وأبدل الله به خيرَ بَدَلْ*** أعلم بالدين وأزكى بالعَمل
وقال إبراهيم بن أوس بن عبيدة من أهل الشام:
لله درّ كتائب جاءتكُمُ*** تبكي فوارسُها عَلَى عثمانِ
تسعون ألفاً ليس فهم قاسطٌ*** يتلُون كلّ مفضل ومشان
يَسَلُون حق الله لا يعدُونه***ومجيبكم للملك والسّلطان
فأتُوا ببينة عَلَى ما جئتمُ*** أولا نحسبكم من العُدْوَانِ
وأتوا بما يمحو قِصاص خليفةٍ*** لله ، لیس بسكاذب خوَّانِ
قال نصر : وبات عليُّ(علیه السّلام) ليلتَه يعنّي الناس حتى إذا أصبح زحف بهم، وخرج إليه معاوية في أهل الشام فجعل يقول : مَنْ هذه القبيلة؟ ومَنْ هذه القبيلة؟ يعني قبائل أهل الشام، فيسمَّون حتى إذا عرفهم، وعَرَف مراكزهم قال للأزد: اكفوني الأزد، وقال لخثعم : اكفوني خثعماً، وأمر كلَّ قبيلة من العراق أن تكفيَه أختها من أهل الشام، إلا قبيلة ليس منهم بالعراق إلا القليل مثل بَجيلة، فإن لَحْماً كانت بإزائها . ثم تناهضَ القوم يوم الأربعاء سادس صفر واقتتلوا إلى آخر نهارهم، وانصرفوا عند المساء، وكلّ غير غالب.
قال نصر : فأمّا اليوم السابع فكان القتال فيه شديداً، والخَطب عظيماً، وكان عبد الله بن بُديل الخُزَاعِيّ على ميمنة العراق، فزحف نحو حبيب بن مسلمة، وهو على ميسرة أهل الشام، فلم يزل يَحُوزُه ويكشف خيله حتى اضطرَّ بهم إلى قُبّة معاوية وقت الظهر.
قال نصر: فحدّثنا عمر بن سعد، قال: حدّثنا مالك بن أعين، عن زيد بن وهب، أنّ عبد الله بن بُدَيل قام في أصحابه فخطبهم فقال : ألا إنّ معاوية ادّعى ما ليس له، ونازع الأمر أهلَه ومن ليس مثله، وجادل بالباطل ليُدحِض به الحقّ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، وزيّن لهم الضَّلالة. وزرَع في قلوبهم حُبّ الفتنة، ولبّس عليهم الأمور، وزادهم رِجْساً إلى
1) الأَسَلُ : نبات والرماح، والنَّبل ، وشوك النخل، وعيدان تنبت بلا ورق يعمل منها الحصر .
رجسهم، وأنتم - والله - على نور وبرهان [مبين] قاتلوا الطغاة الجفاة، قاتلوهم ولا تخشوهم، وكيف تخشونهم، وفي أيديكم كتاب من ربكم ظاهر مبين «أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ » (1)، لقد قاتلتهم مع النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، والله ما هُم في هذه بأزكى، ولا أتقى، ولا أبرّ انهضوا إلى عدوّ الله وعَدُوّكم.
قال نصر : وحدّثنا عمر بن سعد، قال : حدّثنِي عبد الرحمن، عن أبي عمرو، عن أبيه، أنّ عليَّا (علیه السّلام)خطب في ليلة هذا اليوم، فقال: معاشرَ المسلمين، استشعِرُوا الخشية، وتَجَلْبَبُوا السكينة، وعَضُوا على النواجذ، فإنه أنبَى للسيوف عن الهام .... »، الفصل بطوله إلى آخره، وهو المذكور في الكتاب (2).
وروى نصر أيضاً بالإسناد المذكور أنّ عليَّا(علیه السّلام) خطب ذلك اليوم، وقال: أيها الناس، إنّ الله تعالى ذِكره، قد دلّكم على تجارة تُنجيكم من العذاب، وتُشفي بكم على الخير: إيمان بالله ورسوله، وجهاد في سبيله، وجعلَ ثوابه مغفرة الذنوب، ومساكن طيبة في جناتٍ عدن ورضوانُ من الله أكبر، وأخبركم بالذي يحبُّ فقال : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ، صَفًّا كَأَنَّهُم بنين مَرْصُوص » (3)، فسوّوا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدّموا الدارع، وأخّروا الحاسر، وَعَضّوا على الأضراس، فإنه أنبي للسيوف عن الهام، وأربط للجاش، وأسكن للقلوب. وأميتوا الأصوات، فإنه أطرد للفشل، وأولى بالوَقار، والتَوُوا في أطراف الرماح، فإنه أَمْوَر للأسنّة، ورايتَكم فلا تميلوها ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلّا بأيدي شجعانكم المانعي الذّمار، والصُّبُر عند نزول الحقائق، أهل الحفاظ، الذين يَحُفُّونَ برايتكم ويكتنفونها، يضربون خلفها وأمامها، ولا تضيّعوها أجزاً كلّ امرىء [وَقَذَ] قِرْنه وواسى أخاه بنفسه، ولم يَكِلْ قِرْنَه إلى أخيه، فيجمع عليه قِرنه وقرن أخيه، فيكسب بذلك من الإثم، ويأتي به دناءة، أنَّى هذا، وكيف يكون هكذا ! هذا يقاتل اثنين، وهذا ممسك يدَه، قد خلّى قِرنه إلى أخيه، هارباً منه، أو قائماً ينظر إليه ! من يفعل هذا يمقته الله ، فلا تعرَّضُوا لِمَقْت الله ، فإنما مردّكم إلى الله، قال الله تعالى لقوم عابهم : «وَلَن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلا » (4)، وايمُ
الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة، استعينوا بالصّدق والصبر، فإنه بعد الصبر ينزل النصر (1).
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن شَمِر، عن جابر، عن الشعبيّ، عن مالك بن قُدامة الأرحبيّ، قال : قام سعيد بن قيس يخطب أصحابه بقُنَاصِرين فقال : الحمد الله الذي هَدَانا لدينه، وأورثَنا كتابه، وامتنّ علينا بنبيه، فجعلَه رحمةَ للعالمين، وسيداً للمرسلين، وقائداً للمؤمنين، وخاتماً للنبيين، وحُجّة الله العظيم على الماضِين والغابرين، ثم كان فيما قضى الله وقدّره - وله الحمدُ على ما أحببنا وكرهنا - أن ضمّنا وعدوّنا بقُناصرين، فلا يجمُل بنا اليوم الحياص وليس هذا بأوانِ انصراف، ولات حين مناص، وقد خصّنا الله منه برحمة لا نستطيع أداء شكرها، ولا نقدر قدرها، إن أصحاب محمد المصطفَين الأخيار معنا، وفي حَيّز، فوالله الذي هو بالعباد بصير، أن لو كان قائدنا رجلاً مجدّعاً، إلا أنّ معنا من البدرييّن سبعين رجلاً لكان ينبغي لنا أن تحسن بصائرنا ، وتطيب أنفسنا، فكيف وإنما رئيسنا ابن عمّ نبيّنا ، بدريُّ صِدق، صلّى صغيراً، وجاهد مع نبيكم كثيراً، ومعاوية طَليق من وِثاق الإسار [وابن طليق]. ألا إنه أغوَى جفاة فأوردهم النار ، وأوردهم العار، والله محّلّ بهم الذل والصَّغار. ألا إنكم ستلقون عدوّكم غداً ، فعليكم بتقوى الله، من الجدّ والحزم، والصِّدق والصبر، فإن الله مع الصابرين. ألا إنكم تفوزون بقتلهم، ويشقَون بقتلكم، والله لا يقتلُ رجلٌ منكم رجلاً منهم إلا أدخل الله القاتل جنات عدنٍ، وأدخل المقتول ناراً تَلظّى «لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ » (2)عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه، وجعلنا وإياكم ممن أطاعه واتقاه، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمؤمنين.
ثم قال الشعبيّ : ولقد صدَّق فعلُه ما قال في خطبته .
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن شمر ،عن جابر عن أبي جعفر وزيد بن الحسن قالا : طلب معاويةُ إلى عمرو بن العاص أن يسوِّي صفوفَ أهل الشام، فقال له عمرو : عَلَى أنْ لي حُكْمي إن قَتَل الله ابن أبي طالب، واستوثقت لك البلاد! فقال : أليس حُكمك في مصر! قال : وهل مصر تكون عِوضَاً عن الجنّة، وقتل ابن أبي طالب ثمناً لعذاب النار الذي ««لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ » ! فقال معاوية : إنّ لك حكمَك أبا عبد الله إن قتِلَ ابن أبي طالب، رويداً لا يسمع أهل الشام كلامك . فقام عمرو فقال : معاشرَ أهل الشام ، سَرُّوا صفوفكم قَصَّ الشارب، وأعيرونا جماجمكم ساعة، فقد بلغ الحقِّ مقطعه، فلم يبق إلا ظالم أو مظلوم .
قال نصر : وأقبل أبو الهيثم بن التيهان وكان من أصحاب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بدريَّا نقيباً عقبيّاً ، يسوّي صفوف أهل العراق، ويقول: يا معشرَ أهل العراق، إنه ليس بينكم وبين الفتح في العاجل، والجنة في الأجل إلّا ساعة من النهار، فأرْسُوا أقدامَكم، وسرُّوا صفوفكم، وأعيروا ربِّكم جماجمكم، استعينوا بالله إلهكم، وجاهدوا عدوَّ الله وعدوكم، واقتلُوهم قتلهم الله وأبادهم ! واصبروا فإن الأرض الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، عن جابر عن الفضل بن أدهم، عن أبيه أنّ الأشتر قام يخطب الناس بقُنَاصرين، وهو يومئذ على فَرَس أدهم ، مثل حَلَك الغراب ، فقال :
الحمد لله الذي خلق السموات العُلَي «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5) لَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرىٰ (9)(1)، أحمده على حُسن البلاء، وتظاهر النعماء حَمْداً كثيراً، بُكْرة وأصيلاً ، مَنْ هداه الله فقد اهتدى، ومن يُضلل فقد غَوَى، أرسل محمداً بالصواب والهدىٰ، فأظهره على الدِّين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وسلم . ثم قد كان مما قضى الله سبحانه وقدّر أن ساقتنا المقادير إلى أهل هذه البلدة من الأرض، فلفت بيننا وبين عدوّ الله وعدونا، فنحن بحمد الله ونعمه، ومنه وفضله قريرة أعيننا ، طيّبة أنفسنا، نرجو بقتالهم حسنَ الثواب والأمنَ من العقاب، معنا ابن عمّ نبينا، وسيفٌ من سيوف الله عليّ بن أبي طالب، صلّى مع رسول الله، لم يسبقه إلى الصلاة ذكَر حتى كان شيخاً، لم تكن له صبوة ولا نبوة ولا هفوة ولا سقطة، فقيه في دين الله تعالى، عالم بحدود الله، ذو رأي أصيل، وصبر جميل، وعَفاف قديم، فاتّقوا الله وعليكم بالحزم والجدّ، واعلموا أنكم على الحقّ، وأن القوم على الباطل، إنما تقاتلون معاوية وأنتم مع البَدريين، قريب من مائة بدريّ، سوى مَنْ حولكم من أصحاب محمد، أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله، ومع معاوية رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله، فما يشكّ في قتال هؤلاء إلا ميّت القلب، أنتم على إحدى الحسنَيين، إما الفتح وإما الشهادة، عَصَمنا الله وإياكم بما قَصَم به من أطاعه واتقاه، وألهمنا وإياكم طاعته وتقواه، وأستغفر الله لي ولكم.
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن الشعبيّ، عن صعصعة بن صُوحان، عن زامل بن عمرو الجُذاميّ ، قال : طلب معاوية إلى ذي الكَلاع أن يخطب الناس ويحرّضهم على قتال عليّ(علیه السّلام) ومَنْ معه من أهل العراق، فعقّد فرسه، وكان من أعظم أصحاب معاوية خطراً، وخطب الناس، فقال:
الحمد لله حمداً كثيراً، نامياً واضحاً منيراً، بكرة وأصيلاً، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وكفى بالله وكيلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً
1) سورة طه ، الآيتان : 5، 6 .
عبده ورسوله أرسله بالفرقان إماماً، وبالهدى ودين الحق، حين ظهرت المعاصي، ودَرَست الطاعة، وامتلأت الأرضُ جَوْراً وضلالة، واضطرمت الدنيا نيراناً وفتنة، ووَرك عدوّ الله إبليس، على أن يكون قد عبد في أكنافها، واستولى على جميع أهلها، فكان محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هو الذي أطفأ الله به نيرانَها، ونزع به أوتادها، وأوْهَن به قُوَى إبليس وآيسه مما كان قد طمع فيه من ظفره بهم، وأظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، ثم كان من قضاء الله أن ضمّ بيننا وبين أهل ديننا بصفّين، وإنا لنعلم أنّ فيهم قوماً قد كانت لهم مع رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سابقة ذات شأن وخطر عظيم، ولكني ضربت الأمر ظهراً وبطناً، فلم أر يَسَعُني أن يُهدَرَ دمُ عثمان صهر نبيّنا(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، الذي جَهّز جيش العُسْرة ، والْحَقَ في مصلى رسول الله بيتاً، وبنى سقاية، بايع له نبيّ الله بيده اليمنى عِلى اليسرى، واختصّه بكريمتيه : أم كلثوم ورقية : فإن كان قد أذنب ذنباً فقد أذنبَ مَنْ هو خير منه، قال الله سبحانه لنبيه : «لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَرَ» (1)، وقتل نفساً، ثم استغفر الله فغفر له، وقد أذنب نوح، ثم استغفر الله فغفر له، وقد أذنب أبوكم آدم، ثم استغفر الله فغفر له، ولم يعرَ أحدُكم من الذنوب، وإنا لنعلم أنه قد كانت لابن أبي طالب سابقة حَسَنة مع رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فإن لم يكن مالاً على على قتل عثمان فلقد خَذَله، وإنّه لأخُوه في دينه وابنُ عمه وسِلْفُه وابن عمّته . ثم قد أقبلوا من عراقهم حتى نزلوا شامَكُم، وبلادكم وبيضتكم، وإنّما عامّتُهم بين قاتل وخاذل، فاستعينوا بالله واصبروا . فلقد ابتليتم - أيتها الأمة - ولقد رأيت في منامي في ليلتي هذه، لكأنّا وأهل العراق اعتورْنَا مصحفاً نضربُه بسيوفنا، ونحن في ذلك جميعاً ننادي: ويحكم الله ! ومع أنّا والله لا نفارقُ العَرْصة حتى نموت، فعليكم بتقوى الله، ولتكن النيّات لله، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول : سمعت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول : «إنما يُبعث المقتتلون على النّيات» (2)، أفرغ الله علينا وعليكم الصبر، وأعزّ لنا ولكن النصر، وكان لنا ولكم في كلِّ أمر، وأستغفر الله لي ولكم.
قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، عن ابن عامر، عن صعصعة العبديّ، عن أبرهة بن الصباح، قال قام يزيد بن أسد البَجليّ في أهل الشام يخطُب الناس بصِفّين، وعليه قبَاء من خَزْ، وعمامة سَوْداء، آخذاً بقائم سيفه، واضعاً نَضل السَّيْف في الأرض، متوكئاً عليه. قال صعصعة : فذكر لي أبرهة أنّه كان يومئذ من أجمل العرب وأكرمها وأبلغها، فقال:
الحمدُ الله الواحدِ الفَرْد، ذي الطَّول والجلال، العزيز الجبّار، الحكيم الغفار، الكبير المتعال، ذي العطاء والفعال، والسخاء والنوال، والبهاء والجمال، والمنّ والإفضال، مالك اليوم الذي لا بَيع فيه ولا خِلال، أحمَدُه على حُسن البلاء، وتظاهُرِ النعماء، وفي كل حالٍ من شدة أو رخاء. أحمدُه على نِعمه التؤام، وآلائه العِظام، حَمْداً يستنير بالليل والنهار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له . كلمة النَّجاء في الحياة، وعند الوفاة، وفيها الخَلاص يوم القِصاص، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، النبيّ المصطفى، وإمامُ الهدى، صلى الله عليه وسلم . ثم كان من قضاء الله أنْ جَمَعنا وأهلَ ديننا في هذه الرُّقعة من الأرض، والله يعلم أني كنتُ كارهاً لذلك ولكنهم لم يبلعونا ريقَنا، ولم يتركونا نرتادُ لأنفسنا، وننظر لمعادنا، حتى نزلوا بين أظهرنا، وفي حَرِيمنا وبَيْضتنا . وقد علمنا أن في القوم أحلاماً وطَغَاماً، ولسنا نأمَنُ من طَغَامهم على ذرارينا ونسائنا، ولقد كنا نحبُّ ألا نقاتل أهلَ ديننا، فأخرجُونا حتى صارت الأمور إلى أن قاتلناهم غداً حمية فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد الله رب العالمين!
أما والذي بعثَ محمداً بالرسالة، لوددت أني مِتّ منذ سنة، ولكنَّ الله إذا أرادَ أمراً لم يستطع العبادُ ردَّه، فنستعين بالله العظيم، وأستغفر الله لي ولكم.
قال نصر : وحدّثنا : وحدثنا عمرو، عن أبي رَوْق الهمدانيّ أن يزيد بن قيس الأرحبيّ، حَرّض أهلَ العراق بصِفّين يومئذ، فقال : إن المسلم السليم مَنْ سَلِمَ دينه ورأيه، وإنّ هؤلاء القوم - والله - ما إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيَّعناه، ولا على إحياء حق رأؤنا أمتَناه، ولا يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا، ليكونوا فيها جبابرةً وملوكاً، ولو ظهرُوا عليكم - لا أراهم الله ظهوراً ولا سروراً - إذاً لوليَكم مثلُ سَعيد والوليد وعبد الله بن عامر السّفيه، يحدِّث أحدُهم في مجلسه بديت وذيت (1)، ويأخذُ مال الله ويقول : لا إثم عليّ فيه، كأنما أعطِي تُراثَه من أبيه، كيفَ! إنما هو مالُ الله ، أفاءه علينا بأسيافِنا ورماحنا، قاتلوا عبادَ الله القومَ الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا تأخذكم فيهم لومّة لائم، إنهم إن يظهروا عليكُم يفُسدوا عليكم دينكم ودنياكم، وهمْ مَنْ قد عرفتم وجرّبتم ،والله ما أرادوا باجتماعهم عليكم إلا شرَّا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
قال نصر: وارتجز عمرو بن العاص، وأرسل بها إلى عليّ :
1) ذیت وذيت: كناية عن الحديث، مثل: «كيت وكيت» .
لا تأمَنَنَّا بعدها أبا حَسَنُ*** إِنانُمرّ الأمر إمرارَ الرَّسَنُ (1)
خُذْهَا إليك واعلمنْ أبا حَسَنْ
ويروي:
لتصبحن مثلها أم لُبن*** طاحِنَةٌ تدقكُمْ دَقَ الحفن
قال : فأجابه شاعر من شعراء أهل العراق :
الا احذروا في حربكم أبا حَسن*** ليثاً أبا شِبْلَيْن محذُور فَطِنْ
بدقكُمْ دَقَّ المهاريس الصُّحُنُ*** لتُغْبَنَن يا جاهلاً أي غبَن
حتى تعضّ الكفّ أو تَقْرَع سِنّ
قال نصر : فحدّثنا عمرو بن شمر، عن جابر عن الشعبيّ أن أوّل فارسين التقَيا في هذا اليوم - وهو اليوم السابع من صَفَر، وكان من الأيام العظيمة في صِفّين، ذا أهوال شديدة- حُجْر الخير وحُجْر الشرّ ، أما حُجْر الخير فهو حُجر بن عديّ، صاحب أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) ، وأما حُجْر الشّرّ فابن عمّه، كلاهما من كِندة، وكان من أصحاب معاوية فاطعنا برمحيهما، وخرج رجل من بني أسد يقال له خزيمة من عسكر معاوية، فضرب ، حُجر بن عديّ ضربةً برمحه، فَحَمَل أصحاب عليّ(علیه السّلام) فقتلوا خزيمة الأسديّ، ونجا حُجر الشّرّ هارباً، فالتحق بصفّ معاوية . ثم برز حُجْر الشّرّ ثانية، فبرز إليه الحكَم بن أزهر من أهل العراق، فقتله حُجْر الشّرّ، فخرج إليه رفاعة بن ظالم الحميريّ، من صفّ العراق فقتله، وعاد إلى أصحابه يقول : الحمد الله الذي قُتل حُجر الشرّ بالحكم بن أزهر .
ثم إن عليَّا(علیه السّلام) دَعا أصحابه إلى أن يذهب واحد منهم بمصحف كان في يده إلى أهل الشام، فقال : مَنْ يذهب إليهم ، فيدعوهم إلى ما في هذا المصحف؟ فسكت الناس، وأقبل فتّى اسمه سعيد، فقال: أنا صاحبُه، فأعاد القول ثانية، فسكَت الناس، وتقدم الفتى، فقال: أنا صاحبه، فسلّمه إليه فقبضه بيده، ثم أتاهم فأنشدهم الله ، ودعاهم إلى ما فيه فقتلوه، فقال عليّ(علیه السّلام) لعبد الله بن بُدَيل ابن ورقاء الخزاعيّ : احمِل عليهم الآن. فحمل عليهم بمن معه من أهل الميمنة، وعليه يومئذ سَيْفان ودرعان، فجعل يضرب بسيفه قُدُماً ، ويقول :
لَمْ يَبْقَ غَيْرُ الصَّبْرِ والتَّوكُل*** والتُّرس والرمح وسيفٌ مِقْصَلْ
ثم التمشِّي في الرَّعيل الأوّل*** مَشْيَ الجمالِ في حياض المنهل
1) الرَّسَن : الحبل، وما كان من زمام على أنف. القاموس المحيط مادة (رسن)
فلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية، والذين بايعوه إلى الموت، فأمرهم أن يصمُدوا لعبد الله بن بُدَيل، وبعث إلى حبيب بن مسلمة الفِهريّ وهو في الميسرة، أن يحملَ عليه بجميع مَنْ معه، واختلط النَّاس، واضطرم الفَيْلقَان (1)، ميمنة أهل العراق وميسرة أهل الشام، وأقبل عبدُ الله بن بُدَيْل يضرب الناس بسيفه قُدُماً، حتى أزال معاوية عن مَوقفه وجعل ينادي : يا ثاراتِ عثمان! وإنما يعني أخاً له قد قتل، وظن معاوية وأصحابُه أنه يعني عثمان بن عفان، وتراجع معاوية عن مكانه القَهْقَرَى كثيراً وأشفق على نفسه، وأرسل إلى حبيب بن مسلمة مرة ثانية، وثالثة، يستنجده ويستصرخه، ويحمل حبيب حَملة شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق، فكشفها حتى لم يبق مع ابن بُديل إلا نحو مائة إنسان من القرّاء، فاستَند بعضُهم إلى بعض، يحمُون أنفسهم، ولجّج ابن بديل في النّاس وصمم على قتل معاوية، وجعل يطلُب موقفه، ويصمُد نحوه، حتى انتهى إليه، ومع معاوية عبد الله بن عامر واقفاً، فنادى معاوية في الناس: وَيْلَكُم الصخر والحجارة إذا عجزتم عن السلاح. فرضَحه الناس بالصَّخر والحجارة، حتى أثخنُوه فسقط، فأقبلوا عليه بسيوفهم، فقتلوه .
وجاء معاوية وعبد الله بن عامر حتى وقفا عليه، فأما عبد الله بن عامر فألقى عمامته على وجهه، وترحّم عليه، وكان له أخاً صديقاً من قبلُ، فقال معاوية : اكشف عن وجهه فقال : لا والله لا يمثّل به وفي روح ! فقال معاوية اكشف عن وجهه فإنا لا نمثّل به قد وهبناه لك .
فكَشَف ابن عامر عن وجهه، فقال معاوية : هذا كبش القوم وربّ الكعبة، اللهمَّ أظفرْني بالأشتر النخعي والأشعث الكنديّ! والله ما مثل هذا إلا كما قال الشاعر :
أخُو الحَرْب إن عَضَت به الحربُ عَضَها*** وإن شمَّرَت عن سَاقِها الحربُ شَمَّرَا
ويحمِي إذا الموتُ كان لقاؤه*** قدَى الشّبر يحمي الأنْفَ أن يتأخرا (2)
کلیثِ هِزَبْرِ كان يحمي دِمَارَهُ*** رمَتْه المنايا قَصْدَها فتقَطّرا
ثم قال : إنّ نساء خُزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلاً عن رجالها، لفعلت.
قال نصر : فحدّثنا عمرو عن أبي رَوق، قال: استعلى أهلُ الشام عند قتل ابن بُديل على أهل العراق يومئذ، وانكشف أهلُ العراق من قِبَل الميمنة، وأجْفَلوا إجفالاً شديداً، فأمر عليّ(علیه السّلام) سَهْل بن حُنَيف، فاستقدم مَنْ كان معه، ليرفد الميمنة ويُعضّدها، فاستقبلهم جموعُ أهل الشام في خَيْل عظيمة، فحملت عليهم، فألحقتهم بالميمنة، وكانت ميمنة أهلِ العراق
متصلةً بموقف عليّ(علیه السّلام) في القَلب في أهل اليمن، فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى عليّ(علیه السّلام) ، فانصرف يمشي نحو الميسرة، فانكشف مُضَر عن الميسرة أيضاً، فلم يبق مع علي(علیه السّلام)
من أهل العراق إلا ربيعة وحدها في الميسرة.
قال نصر: فحدثنا عمرو، قال : حدثنا مالك بن أعين، عن زيد بن وهب، قال : لقد مرّ عليّ(علیه السّلام) يومئذ ومعه بنوه نحو الميسرة، ومعه ربيعة وحدها ،وإنّي لأرى النّبل يمرّ بين عاتقه ومَنكبيه، وما من بنيه إلا مَنْ يقيه بنفسه، فيكره عليّ(علیه السّلام) ذلك. فيتقدّم عليه، ويحول بينه وبين أهل الشام ويأخذه بيده إذا فعل ذلك، فيلقيه من ورائه، ويبصر به أحمر مولى بني أمية، وكان شجاعاً، وقال عليّ(علیه السّلام) : وربّ الكعبة، قتلني الله إن لم أقتلك! فأقبل نحوه، فخرج إليه كَيْسان مولى عليّ(علیه السّلام) ، فاختلفا ضربتين، فقتله أحمر، وخالط عليَّا ليضربَه بالسيف، وينتهزه عليّ، فتقع يده في جَيْب دِرْعه، فجذبه عن فرسه، فحمله على عاتقه، فوالله لكأنّي أنظرُ إلى رِجلي أحمر تختلفان على عُنق عليّ، ثم ضرب به الأرض، فكسر مَنْكِبه وعَضُديه، وشدّ ابنا عليّ: حسين ومحمد فضرباه بأسيافهما حتى بَرَد، فكأني أنظر إلى عليّ قائماً، وشبلاه يضربان الرَّجُل حتى إذا أتيا عليه، أقبلا على أبيهما، والحسن قائم معه، فقال له عليّ : يا بنيّ، ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك؟ فقال : كَفَياني يا أمير المؤمنين .
قال : ثم إنّ أهل الشام دنَوْا منه يريدونه، والله ما يزيدُه قربهم منه ودونوّهم إليه سرعة في مشيته، فقال له الحسن : ما ضرّك لو أسرعت حتى تنتهيَ إلى الذين صبروا لعدوك من أصحابك؟ قال: يعني ربيعة الميسرة - فقال عليّ : يا بنيّ إنّ لأبيك يوماً لن يعدُوَه ولا يبطىء به عند السعي، ولا يقرِّبه إليه الوقوف، إن أباك لا يبالي، إن وقع على الموت أو وقع الموت عليه .
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن شِمر ،عن جابر، عن أبي إسحاق قال : خرج عليّ(علیه السّلام) يوماً من أيام صِفّين، وفي يده عَنَزة، فمرّ على سعيد بن قيس الهمدانيّ، فقال له سعد: أما تخشَى يا أمير المؤمنين أن يغتالك أحدٌ وأنت قُرْب عَدوّك ؟ فقال عليّ(علیه السّلام): إنّه ليس من أحد إلا وعليه من الله حَفَظة يحفظونه من أن يتردَّى في قَلِيب، أو يخرّ عليه حائط، أو تصيبه آفة، فإذا جاء القَدَر خَلّوا بينه وبينه .
قال نصر : وحدثنا عمرو عن فُضَيل بن خَديج، قال: لما انهزمت ميمنةُ العراق يومئذ أقبلَ عليّ(علیه السّلام) نحو الميسرة يركُض، يستثيبُ الناس ويستوقفهم، ويأمُرهم بالرجوع نحو الفَزَع، فمرّ بالأشتر، فقال يا مالك ، قال : لبيك يا أمير المؤمنين! قال : انت هؤلاء القَوم، فقل لهم : أين فِراركم من الموت الذي لن تُعجزوه، إلى الحياة التي لا تَبقى لكم فمضى الأشتر، فاستقبل
الناس منهزمين، فقال لهم الكلمات، وناداهم: إلي أيها الناس، أنا مالك بن الحارث ، يكرّرها، فلم يَلْوِ أحدٌ منهم عليه ، وظنّ أنّ «الأشتَر» أعرفُ في الناس من «مالك بن الحارث»، فجعل ينادي : ألا أيها الناس، فأنا الأشتر، فانقلبَ نحوه طائفةٌ، وذهبت عنه طائفة، فقال: عَضَضْتُم بهَنِ أبيكم! ما أقبَح والله ما فعلتم اليوم! أيّها الناس، عُضّوا الأبصار، وعَضّوا على النواجذ، واستقبلوا القوم بهامكم وشدُّوا عليهم شدّة قوم موتورين بآبائهم وأبنائهم وإخوانهم، حَنَقاً على عدوّهم. قد وظَنُّوا على الموت أنفسَهم كي لا يُسبقوا بثأر. إن هؤلاء القوم والله لن يقاتلوكم إلا عن دينكم، ليطفئوا السُّنّة، ويحيوا البِدعة، ويُدخلوكم في أمر قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة، فطِيبوا عبادَ الله نفساً بدمائكم دون دينكم، فإنّ الفِرار فيه سَلْبُ العِزّ والغَلَبة على الفيء، وذلّ المحيَا والممات وعارُ الدنيا والآخرة، وسخَط الله وأليم عقابه.
ثم قال : أيّها الناس، أخلصوا إليّ مذحِجاً، فاجتمعت إليه مذحِج فقال لهم : عَضَضْتُم بِصُمّ الجندل! والله ما أرضيتم اليوم ربَّكم، ولا نصحتم له في عَدُوّه، وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب، وأصحاب الغارات، وفتيان الصباح، وفرسان الطِّراد، وحتُوف الأقران، ومذحِج الطعان، الذين لم يكونوا سُبقوا بثأرهم، ولم تُطل دماؤهم، ولم يعرفوا في موطنٍ من المواطن بخسف ! وأنتم سادة مِضركم، وأعزّ حَيّ في قومكم، وما تفعلُوا في هذا اليوم فهو مأثورٌ بعد اليوم، فاتَّقوا مأثور الحديث في غدٍ، واصدقوا عدوّكم اللقاء، فإنّ الله مع الصابرين، والذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء - وأشارَ بيده إلى أهل الشام - رجلٌ على مثل جَنَاحَ البعوضة من دين الله، لله أنتم ! ما أحسنتم اليوم القِراع، احْبِسوا سوادَ وجهي يرجع فيه دمي، عليكم هذا السواد الأعظم، فإن الله لو قد فَضَه تَبعه من بجانبيه كما يتبَع السيل مقدّمه .
فقالوا : خذ بنا حيث أحببتَ ، فصمَد بهم نحو عُظمهم واستقبله أشباهُهم من هَمْدان،وهم نحو ثمانمائة مقاتل قد انهزموا آخر الناس، وكانوا قد صَبروا في ميمنة عليّ(علیه السّلام) ، حتى قُتِل منهم مائة وثمانون رجلاً، وأصيب منهم أحدَ عشر رئيساً ، كلما قتِل منهم رئيس أخذ الراية آخر، وهم بنو شُرَيح الهمدانيون وغيرهم من رؤساء العشيرة، فأوّل مَنْ أصيب منهم كُريب بن شریح، وشرحبيل بن شريح، ومرثد بن شريح، وهبيرة بن شريح، وهريم بن شريح، وشهر بن شريح، وشمر بن شريح، قتل هؤلاء الإخوة الستة في وقت واحد.
ثم أخذ الراية سفيان بن زيد، ثم كرب بن زيد، ثم عبد بن زيد فقُتِل هؤلاء الإخوة الثلاثة أيضاً، ثم أخذ الراية عمير بن بشر ، ثم أخوه الحارث بن بشّر ، فقتلا جميعاً ، ثم أخذ الراية أبو القلوص وهب بن كُريب فقال له رجل من قومه: انصرف يرحمك الله بهذه الراية، ترحها الله فقد قُتِل الناس حَوْلها ، فلا تقتل نَفْسَك ، ولا مَنْ بقي معك . فانصرفوا وهم يقولون : ليت لنا عديداً من العرب يحالفوننا على الموت، ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نظفر أو نقتل،
فمرّوا بالأشتر وهم يقولون هذا القول فقال لهم الأشتر : أنا أحالفكم وأعاقِدكم على ألا ترجع أبداً، حتى نظفّر أو نهلِك، فوقفوا معه على هذه النّية والعزيمة، فهذا معنى قول كَعب بن جعيل :
و همدان زُرْقٌ تبتَغِي مَنْ تحالف
قال : وزحف الأشتر نحو الميمنة، وثاب إليه أناس تراجَعُوا من أهل الصبر والوفاء والحياء، فأخذ لا يصمدُ لكتيبة إلّا كَشَفها، ولا لجمع إلا حازه وردّه، فإنه لكذلك إذا مرّ بزياد بن النضر مستلحِماً ، فقال الأشتر : هذا والله الصبر الجميل، هذا والله الفعل الكريم إليّ، وقد كان هو وأصحابه في ميمنة ،العراق، فتقدم فرفع رايته لهم، فصبروا وقاتل حتى صُرع، ثم لم يلبث الأشتر إلا يسيراً كلاً شيء حتى مرّ بهم يزيد بن قيس الأرحبيّ مستلحِماً أيضاً محمولاً ، فقال الأشتر : مَنْ هذا؟ قالوا : يزيد بن قيس، لما صُرع زياد بن النضر دَفَع رايته لأهل الميمنة، فقاتل تحتها حتى صُرع ، فقال الأشتر : هذا والله الصبر الجميل، هذا والله الفعل الكريم، ألا يستحيي الرجلُ أن ينصرف لَمْ يَقْتُل [ولم يُقْتَل ] ولم يُشف به على القتل!
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن الحارث بن الصبّاح قال : كان بيد الأشتر يومئذ صفيحة له يمانية، إذا طأطأها خِلْت فيها ماء ينصبّ، وإذا رفعها يكاد يُعْشِي (1)البصرَ شُعاعها ، ومرّ يضرب الناس بها قُدُماً ، ويقول :
الغمرات ثم يُنْجَلِينا
قال : فبصر به الحارث بن جُمْهان الجُعفيّ، والأشتر مقنّع في الحديد فلم يعرفه، فدنا منه، وقال له : جزاك الله منذ اليوم عن أمير المؤمنين وعن جماعة المسلمين خيراً. فعرفه الأشتر فقال: يا بن جُمهان، أمثلك يتخلّف اليوم عن مِثْل موطني هذا! فتأمله ابن جُمْهان فعرفه - وكان الأشترُ من أعظم الرجال ،وأطولهم، إلا أن في لحمه خِفّة قليلة - فقال له : جعلت فداك ! لا والله ما علمتُ مكانك حتى الساعة، ولا والله لا أفارقك حتى أموتَ .
قال نصر : وحدثنا عمرو، عن الحارث بن الصبّاح قال : رأى الأشترُ يومئذ مُنقذاً وحميراً ابني قَيس اليقظيان فقال منقذ لحمير: ما في العرب رجلٌ مثل هذا ، إن كان ما أرى من قتاله على نية! فقال له حِمير: وهل النّية إلا ما ترى! قال : إنّي أخاف أن يكون يحاول ملكاً .
1) العشا : سوء البصر بالليل والنهار، أو العمى القاموس المحيط مادة (عشو).
قال نصر : وحدّثنا عمرو عن فُضَيل بن خَديج، عن مولى الأشتر قال : لما اجتمع مع الأشتر عُظْمُ من كان انهزم من الميمنة، حرّضهم، فقال لهم :
عَضُّوا على النواجذ من الأضراس، واستقبلوا القوم بهامِكم، فإن الفرارَ من الزحف [فيه] ذهابُ العزّ، والغلبة على الفيء، وذلّ المحيا والممات، وعار الدنيا والآخرة.
ثم حمل على صفوف أهل الشام حتى كشَفهم، فألحقهم بمضارب معاوية، وذلك بين العصر والمغرب.
قال نصر: وحدثنا عمرو، عن مالك بن أعين، عن زيد بن وهب، أن علياً (علیه السّلام) لمّا رأى ميمنته قد عادَت إلى موقفها ومصافها، وكشفت مَنْ بإزائها حتى ضَارَبُوهم في مواقفهم ومراكزهم ، أقبل حتى انتهى إليهم، فقال:
إني قد رأيت جَولتكم وانحيازَكم من صُفوفكم، يحوزكم الجُفاة الطغاة، وأعراب أهل الشام ، وأنتم لهاميم (1)العرب ، والسَّنام الأعظم، وعُمَّار الليل بتلاوة القرآن، وأهلُ دعوة الحقّ إذ ضلّ الخاطئون فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكرّكم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجَب على المولّي يوم الزَّحف دُبُره ، وكنتم فيما أرى من الهالكين، ولقد هَوّن علي بعض وجدِي، وَشَفى بعضَ لاعج نفسي، أني رأيتكم بأخَرة، حُزتموهم كما حازوكم، وأزلتمُوهم عن مصافّهم كما أزالوكم، تحشّونهم بالسيوف، يركب أولُهم آخرَهم، كالإبل المطرودة الهيم، فالآن فاصبروا، نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله باليقين، وليعلم المنهزم أنّه يُسخط رَبّه ، ويوبق نفسَه، وفي الفرار موجدة الله عليه، والذلّ اللازم له وفساد العيش، وإن الفارّ لا يزيد الفِرارُ في عُمره، ولا يرضِي ربَّه ، فموت الرجل مَحْقاً قبل إتيان هذه الخِصال، خير من الرضا بالتلبّس بها ، والإصرار عليها.
قال نصر : وحدثنا عمرو قال: حدثنا أبو علقمة الخثعميّ، أن عبد الله بن حنش الخثعميّ، رأس خثعم الشام، أرسل إلى أبي كعب الخثعميّ رأس خثعم العراق : إن شئت تواقَفنا فلم نقتتل، فإن ظهر صاحبُكم كُنّا معكم، وإن ظهر صاحبنا كنتم معنا، ولا يقتل بعضُنا بعضاً، فأبى أبو كعب ذلك. فلما التقت خثعم وخثعم، وزحف الناس بعضهم إلى بعض، قال عبد الله بن حنش لقومه: يا معشر خَنْعم، إنا قد عرضنا على قومنا من أهل العراق الموادَعة، صِلَةٌ لأرحامها، وحفظاً لحقها، فأبوا إلا قتالنا، وقد بدأونا بالقطيعة، فكُفُّوا أيديكم عنهم حِفْظاً
1) اللَّهَامِيم : جمع لُهْمُوم وهو الجواد من الناس والخيل. لسان العرب مادة (لهم).
لحقهم أبداً ما كَفُّوا عنكم، فإن قاتِلُوكم .فقاتِلُوهم. فخرج رجل من أصحابه فقال : إنّهم قد ردّوا عليك رأيك، وأقبلوا إليك يقاتلونك، ثم برز فنادى رجل: يا أهل العراق. فغضب عبدالله حنش، قال: اللهمَّ قيّض له وهبَ بن مسعود - يعني رجلاً من خثعم الكوفة، كان شجاعاً يعرفونه في الجاهلية، لم يبارزه رجل قطّ إلا قتله - فخرج إليه وهب بن مسعود فقتله،ثم اضطربوا ساعة، واقتتلوا أشدّ قتال، فجعل أبو كعب يقول لأصحابه، يا معشرَ خثعم : خَدّموا ، أي اضربوا موضع الخَدّمة، وهي الخلخال، يعني اضربوهم في سُوقهم، فناداه عبدالله بن حنش: يا أبا كعب، الكُلُّ قومك فأنصف، قال : إي والله وأعظِم. واشتدّ قتالهم، فحمل شمر بن عبدالله الخثعميّ، من خثعم الشام، على أبي كعب، فطعَنه فقتله، ثم انصرف يبكي، ويقول : يرحمك الله أبا كعب ! لقد قتلتُك في طاعة قوم أنت أمسُّ بي رحِماً منهم، وأحبُّ إليّ منهم نفساً، ولكني والله لا أدري ما أقول، ولا أرى الشيطان إلا قد فَتَننا، ولا أرى قريشاً إلا وقد لَعِبت بنا ! قال : ووثبَ كعب بن أبي كعب إلى راية أبيه، فأخذها ففقئت عينه ،وصرع، ثم أخذها شريح بن مالك الخثعميّ، فقاتل القوم تحتها حتى صرع منهم حول رايتهم نحو ثمانين رجلاً، وأصيب من خَثعم الشام مثلُهم، ثم ردّها شريح بن مالك بعد ذلك إلى كعب بن أبي كعب.
قال نصر: وحدثنا عمرو، قال: حدثنا عبد السلام بن عبدالله بن جابر، أن رايةَ بجيلة في صِفّين مع أهل العراق كانت في أخمس مع أبي شداد، قيس بن المكشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن عوف بن عامر بن عليّ بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار . قالت له بَجيلة : خذ رايتنا، فقال : غيري خيرٌ لكم مِنّي ، قالوا : لا نريدُ غيرك، قال: فوالله لئن أعطيتُمونيها لا أنتهي بكم دونَ صاحب الترس المذهَب، قالوا : وكان على رأس معاوية رجلٌ قائم معه تُرْس مُذهَب، يستره من الشمس، فقالوا : اصنع ما شئت، فأخَذَها ثم زَحَف بها، وهم حوله يضربون الناس، حتى انتهى إلى صاحب التُّرس المذهب، وهو في خَيْلِ عظيمة من أصحاب معاوية، وكان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ،فاقتتل الناسُ هناك قتالاً شديداً، وشدّ أبو شدّاد بسيفه نحو صاحب التُّرس، فتعرّض له روميّ من دونه لمعاوية، فضرب قدم أبي شَدّاد فقطَعها، وضرب أبو شداد ذلك الروميّ فقتله، وأسرعت إليه الأسنّة، فقيل فأخذ الراية بعده عبد الله بن قَلع الأحمسيّ، وارتجز وقال:
لا یُبِعد الله أبا شدادِ*** حيث أجابَ دَعوة المنادِي
وشدّ بالسيف على الأعادي*** نِعْمَ الفتى كان لَدَى الطّرادِ
وفي طعان الخيل والجلادِ
ثم قاتل حتى قتل، فأخذها بعده أخوه عبد الرحمن بن قلع، فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عفيف بن إياس الأحمسيّ، فلم تزل بيده حتى تحاجز الناس.
قال نصر: وحدّثنا عمرو ،قال: حدّثنا عبد السلام، قال: قُتِل يومئذ من بني أحْمَس حازم بن أبي حازم، أخو قيس بن أبي حازم، ونعيم بن شهيد بن التَّغلبية ، فأتى سَمِيُّه، ابن عمه نعيم بن الحارث بن التغلبيّة معاوية - وكان من أصحابه - فقال : إن هذا القتيل ابنُ عمي، فهبه لي أدفنه، فقال: لا تدفنوهم فليسوا لذلك بأهل، والله ما قدرنا على دَفن عثمان بينهم إلا سرَّا ، قال : والله لتأذنَنّ لي في دفنه أو لألْحَقَن بهم ولأدعنّك، قال : ويحك! ترى أشياخ العرب لا نواريهم، وأنت تسألني في دَفن ابن عمك ! ادفنه إن شئت أو دعه. فأتاه فدفنه.
قال نصر : وحدثنا عَمْرو، قال: حدثنا أبو زهير العبسيّ، عن النضر بن صالح، أنّ راية غطفان العراق كانت مع عيّاش بن شريك بن حارثة بن جُندَب بن زيد بن خلف بن رواحة، فخرج رجلٌ من آل ذي الكَلاع ، فسأل المبارزة، فبرز إليه قائد بن بكير العبسيّ، فبارزه فشدّ عليه الكَلاعيّ، فأوْهَطه، فقال أبو سُلَيم عيّاش بن شريك لقومه : إني مبارزٌ هذا الرجل، فإن أصبت فرأسكم الأسود بن حبيب بن جُمانة بن قيس بن زهير، فإن أصيب فراسكم هَرِم بن شتير بن عمرو بن جُندَب، فإن أصيّب فرأسكم عبد الله بن ضرار، من بني بن حنظلة بن رواحة . ثم
نحو الكلاعي فلحقه هرم بن شتير ، فأخذ يظهره وقال : ليمسّك رحم،لا تبرُزُ إلى هذا الطُّوال، نحو
فقال : هبلتك الهَبَول! وهل هو إلا الموت! قال: وهل الفرار إلا منه! قال : وهل منه بدّ! والله لأقتلنه، أو ليُلْحِقَني بقائد بن بكير، فبرز له ومعه حَجَفة من جُلُود الإبل فدنا منه، فإذا الحديد مُفَرغ على الكلاعيّ لا يبين من نحره إلا مثل شِراك النعل من عنقه بين بَيْضته و درعه، فضربه الكَلاعيّ، فقطع جحفَتَهُ إلا نحواً من شِبر، فَضَرَبه عَيّاش على ذلك الموضع، فقطع نخاعه، فقتله، وخرج ابن الكَلاعيّ ثائراً بأبيه، فقتله بُكَير بن وائل .
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن شَمِر ، عن الصَّلت بن زُهير النهديّ أن راية بني نَهد بالعراق أخذها مسروق بن الهيثم بن سلمة فقتل، ثم أخذها صخر بن سميّ فارتُت(1)، ثم أخذها علي بن عمير، فقاتل حتى ارتت . ثم أخذها عبد الله بن كعب فقتِل، ثم أخذها سلمة بن خُذَيم بن
1) ارتُثّ: حمل من الحرب جريحاً ولم يقتَل .
جُرثومة، فارتُتَ وصرع ، ثم أخذها عبدالله بن عمرو بن كبشة، فارتُتْ ، ثم أخذها أبو مُسبِّح بن عمرو فقتل، ثم أخذها عبدالله بن النزَّال فقتل، ثم أخذها ابن أخيه عبدالرحمن بن زهير، فقتل، ثم أخذها مولاه مخارق فقتل، حتى صارت إلى عبدالرحمن بن مخنف الأزديّ .
قال نصر: فحدثنا عمرو: قال : حدثنا الصَّلت بن زهير، قال: حدثني عبد الرحمن بن مخِنف، قال: صرع يزيد بن المغفّل إلى جنبي، فقتلتُ قاتلَه وقمت على رأسه، ثم صُرع أبو زينب بن عروة، فقتلتُ قاتله، وقمت على رأسه وجاءني سفيان بن عوف، فقال: أقتلتم يزيد بن المغفل؟ فقلت : إي والله إنّه لهذا الذي تراني قائماً على رأسه، قال : ومَنْ أنت حياك الله ! قلت : أنا عبدالرحمن بن مخِنف، فقال: الشريف الكريم ! حَيّاك الله ومرحباً بك يابن عمّ ! أفلا تدفعه إليّ، فأنا عمُّه سفيان بن عوف بن المغفل ! فقلت: مرحباً بك، أما الآن فنحن أحقُّ به منك، ولسنا بدافعيه إليك، وأمّا ما عدا ذلك فَلَعَمْرِي أنت عمّه ووارائه .
قال نصر : حدثنا عمرو، قال: حدّثنا الحارث بن حُصين ، عن أشياخ الأزد، أن مخِنف بن سُلیم، خطب لما نُدِبَتْ أزْدُ العراق إلى قتال أزد الشام، فقال :
الحمد لله، والصلاة على محمد رسوله، ثم قال: إنّ من الخطب الجليل، والبلاء العظيم، أنَّا صُرِفْنا إلى قومنا، وصُرِفوا إلينا، والله ما هي إلا أيدينا نقطعُها بأيدينا، وما هي إلا أجنحتنا نحذِفُها بأسيافنا، فإن نحن لم نفعل لم تُنَاصِح صاحبَنا ، ولم نواس جماعتَنا، وإن نحن فعلنا، فعزّنا آلمنا، ونارَنا أحمدنا .
وقال جنُدَب بن زهير الأزديّ، والله لو كنا آباءَهم وَلَدْناهم، أو كانوا آباءنا وَلدُونا، ثم خرجوا عن جماعتنا، وطَعَنُوا على إمامنا، ووازروا الظالمين الحاكمين بغير الحقّ على أهل ملّتنا وديننا - ما افترقنا بعد أن اجتمعنا، حتى يرجعوا عمّا هم عليه، ويدخلوا فيما ندعوهم إليه، أو تكثر القتلى بيننا وبينهم.
فقال مخنف : [أعزّبك الله في التيه !] ، والله ما علمتك صغيراً ولا كبيراً إلا مشؤوماً، والله ما ميّلنا في الرأي بين أمرين قط أيَّهما نأتي وأيَّهما نَدع في جاهلية ولا إسلام إلا اخترتَ أعسرهما وأنكدهما اللهمَّ أن تعافينا أحبّ إليّ من أن تبتليَنا، اللهمَّ أعط كلَّ رجل منا ما سألك .
فنقدم جُندب بن زهير، فبارز أزديَّا من أزد الشام، فقتله الشاميّ .
قال نصر: وحدثنا عمرو، عن الحارث بن حُصين، عن أشياخ الحيّ، أن عتبة بن جويرة قال يوم صفّين لأهله وأصحابه : ألا إنّ مرعَى الدنيا قد أصبح هَشِيماً ، وأصبح شجرها حَصيداً، وجديدها سَمَلاً، وحلوها مُرًّا . ألا وإنّي أنبئكم نبأ امرءٍ صادق، أني قد سئمت الدنيا، وعزفت نفسي عنها ، ولقد كنت أتمنّى الشهادة، وأتعرض لها في كلِّ حين، فأبى الله إلا أن يُبلغني هذا اليوم، ألا وإنّي متعرّض ساعتي هذه لها ، وقد طمعتُ ألا أحرمَها ، فما تنتظرون عبادالله من جهاد أعداء الله ؟ أخَوفَ الموت القادم عليكم، الذاهب بنفوسكم! أو من ضَرْبة كَفِّ أو جبين بالسيف ! أتستبدلُون الدنيا بالنظر إلى وجه الله ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القرار! ما هذَا بالرأي السديد.
ثم قال: يا إخوتاه، إني قد بعتُ هذه الدار بالدار التي أمامها، وهذا وجهي إليها ، لا يبرح الله وجوهَكم، ولا يقطَّع أرحامكم .
فتبعه أخَواه عبدالله وعوف، فقالا : لا نطلب ورقَ العيش دونك، قبح الله الدنيا بعدك! اللهم إنا نحتَسِبُ أنفسنا عندك. فاستقدموا جميعاً، وقاتلوا حتى قتلوا .
قال نصر : وحدثنا عمرو قال: حدّثني رجل من آل الصَّلت بن خارجة، أن تميماً لما ذهبت لتُهزَم ذلك اليوم، ناداهم مالك بن حَرِيّ النهشليّ : ضاع الضّراب اليوم، والذي أنا لَهُ عبدٌ يا بني تميم، فقالوا : ألا تَرَى الناس قد انهزموا! فقال : ويحكم! أفراراً واعتذاراً ! ثم نادى بالأحساب، فجعل يكررها ، فقال له قوم منهم: أتنادي بنداء الجاهلية! إنّ هذا لا يحلّ، فقال: الفرار ويلكم أقبح، إن لم تقاتلوا على الدين واليقين فقاتلوا على الأحساب. ثم جعل يقاتل ويرتجز، فيقول :
إنّ تميماً الخلَفَتُ عنك ابن مُرّ*** وقد أراهم وهُمُ الحَيُّ الصُّبُرُ
فإن يفرّوا أو يخيموا لا أفرّ
فقتل مالك ذلك اليوم . وقال أخوه نهشل بن حرِّي التميمي يرثيه :
تطاول هذا اللَّيْلُ ما كَادَ يَنْجَلِي*** كَلَيْلِ التّمامِ ما يريد انصِرَاما
وبتّ بذكرى مالكٍ بكآبةٍ*** أورق من بَعْدِ العشاء نِياما
أبَى جَزعِي في مالكٍ غيرَ ذكره*** فلا تعذليني إن جَزِعْت أماما
فأبكي أخي ما دام صوتُ حمامةٍ*** يُؤَرِّق من وادي البطاح حَماما
وأبعث أنواحاً عليه بسُحرة*** وتذرفُ عينايَ الدُّموع سِجَاما
وأدعو سَرَاةٌ الحيّ تبكي لمالكٍ*** وأبعث نَوْحاً يلتدِمنَ قيَاما
يقلن: ثوَى ربُّ السماحة والحجا*** وذو عِزّة يأبَى بها أن يُضَاما
وفارسُ خيل لا تُنَازَلُ خيلُه*** إذا اضطرمت نار العدوّ ضِراما
وأحيا عن الفحشاء من ذات كِلّة*** يرى ما يهاب الصالحون حَراما
وأجراً من ليث بخَفَّانَ مُخدرٍ*** وأمضي إذا رام الرجال صداما
وقال أيضاً يرثيه :
بَكِّى الفَتَى الأبيض البُهلول سُنَّتُهُ*** عندَ النِّداء، فلا نِكساً ولا وَرَعا
بكي على مالكٍ الأضياف إذْ نَزَلُوا*** حينَ الشَّتاء وعز الرُّسُلُ فانقطعا
ولم يجِدْ لقِراهم غَيْرَ مُرْبِعَةٍ*** مِنَ البِشار تُزَجِّي تَحْتَهَا رُبَعًا
أهوَى لها السيفَ صَلْتاً وهي رَاتِعَةٌ*** فأوهن السيفُ عظمَ الساق فانجذعًا
فجاءهم بعدَ رِفْدِ الناس أطيبُها*** وأشبعت منهُمُ من نام واضطجعا
يا فارسَ الرَّوْعِ يوم الرَّوْعِ قد عَلِمُوا*** وصاحبَ العزم لانِكسا ولا طبِعا
ومدرِكَ التَّبْلِ في الأعداء يطلبُه*** وإن طلبت بتَبْل عنده مَنَعا
قالوا : أخوك أتى الناعي بمصرَعِهِ*** فانشقَّ قلبي غداة القول فانْصَدَعا
ثم ارعوَى القلبُ شيئاً بعد طَرْبَتِهِ*** والنَّفس تَعلم أن قد أثبِتَتْ وَجَعَا
قال نصر : وحدثنا عمرو ،قال: حدثني يونس بن أبي إسحاق، قال : قال لنا أدهم بن محرز الباهليّ، ونحن معه بأذرُح : هل رأى أحدٌ منكم شِمرَ بن ذي الجوشن ؟ فقال عبدالله بن كُبار النهديّ وسعيد بن حازم البَلوِيّ : نحن رأيناه، قال: فهل رأيتما ضربةً بوجهه؟ قالا : نعم، قال: أنا والله ضربته تلك الضربةَ بصِفيّن.
قال نصر: وحدثنا عمرو، قال: قد كان خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاوية إلى شَمِرْ بن ذي الجوشن في هذا اليوم، فاختلفا ضربتَين، فضربه أدهم على جبينه، فأسرع فيه السيف حتى العظم، وضربه شمر، فلم يصنع شيئاً، فرجع إلى عسكره، فشرب ماء وأخذ رُمْحاً ، ثم أقبل وهو يقول :
إنّي زعيمٌ لأخي باهِلَة*** بطعنةٍ إن لم أمت عاجلَة
وضربةٍ تحت الْوَغَى فَاصِلَهُ*** شبيهةٍ بالقتل أو قاتِلَة
ثم حمل على أدهم وهو يعرف وجهه - وأدهم ثابت له لم ينصرف – فطعنه، فوقع عن فرسه، وحال أصحابُه دونه، فانصرف شَمِر وقال : هذه بتلك :
قال نصر : وخرج سُويد بن قيس بن زيد الأرحبيّ من عسكر معاوية يسأل المبارزة، فخرج إليه من عسكر العراق أبو العمرّطة قيس بن عمرو بن عمير بن يزيد، وهو ابن عمّ سويد، وكان كلّ منهما لا يعرف صاحبَه، فلما تقاربا تعارفا، وتواقفا وتساءلا ، ودعا كلُّ واحد منهما صاحبَه إلى دينه، فقال أبو العمرّطة : أمّا أنا فوالله الذي لا إله إلا هو، لئن استطعت لأضربنَّ بسيفي هذه القبة البيضاء - يعني القبّة التي كان فيها معاوية - ثم انصرف كلّ واحد منهما إلى أصحابه.
قال نصر: ثم خرج رجل من عسكر الشام من أزد شنوءة، يسأل المبارزة، فخرج إليه رجل من أهل العراق، فقتله الأزديّ، فخرج إليه الأشتر، فما البثه أن قَتَله، فقال قائل : كان هذا ريحاً فصارت إعصاراً .
قال نصر : وقال رجل من أصحاب عليّ(علیه السّلام) : أما والله لأحملنَّ على معاوية حتى أقتله، فركب فرساً ، ثم ضربه حتى قام على سنابكه، ثم دفعه فلم ينهنهه شيء عن الوقوف على رأس معاوية، فهرب معاوية، ودخل خِباء، فنزل الرجلُ عن فرسه ودخل عليه، فخرج معاوية مِنْ جانب الخباء الآخر ، فخرج الرجلُ في أثره، فاستصرخ معاوية بالناس، فأحاطوا به وحالوا بينهما ، فقال معاوية: ويحكم ! إنّ السيوف لم يؤذَن لها في هذا ، ولولا ذلك لم يصِل إليكم ، فعليكم بالحجارة، فرضخُوه بالحجارة حتى همد. فعاد معاوية إلى مجلسه .
قال نصر: وحمل رجلٌ من أصحاب عليّ(علیه السّلام) يدعى أبا أيوب - وليس بأبي أيوب الأنصاري - على صفّ أهل الشام، ثم رجع فوافق رجلاً من أهل الشام صادراً، قد حمل على صفّ أهل العراق، ثم رجع فاختلفا ضربتين، فنفحه أبو أيوب بالسيف، فأبانَ عنقه، فثبت رأسُه على جسده كما هو، وكذَّب الناس أن يكون هو ضربه، فأرابهم ذلك، حتى إذا أدخلته فرسه في صف أهل الشام نَدَر رأسه، ووقع ميتاً ، فقال علي(علیه السّلام) : والله لأنا من ثبات رأس الرجل أشدُّ تعجباً من الضربة، وإن كان اليها ينتهي وصفُ الواصفين.
وجاء أبو أيوب فوقف بين يدي عليّ(علیه السّلام) ، فقال له : أنت والله كما قال الشاعر :
وَعَلَّمَنا الضرب آباؤنا*** ونحن نعلم أيضاً بنَينا
قال نصر : فلما انقضى هذا اليوم بما فيه، أصبحوا في اليوم الثامن من صفّين، والفيلقان متقابلان، فخرج رجلٌ من أهل الشام فسأل المبارزة، فخرج إليه رجل من أهل العراق، فاقتتلا بين الصفّين قتالاً شديداً. ثم إن العراقيّ اعتنقه فوقعا جميعاً، وغار الفرسان . ثم إن العراقيّ قهره، فجلس على صدره. وكشف المغفر عنه ، يريد ذبحه، فإذا هو أخوه لأبيه وأمّه ، فصاح به أصحاب عليّ (علیه السّلام) : ويحك أجهز عليه ! قال: إنه أخي قالوا: فاتركه، قال: لا والله حتى يأذَن أميرالمؤمنين، فأخبر عليُّ(علیه السّلام) بذلك، فأرسل إليه أن دَعْه، فتركه، فقام فعاد إلى صفّ معاوية .
قال نصر : وحدّثنا محمد بن عبيدالله، عن الجرجانيّ، قال: كان فارسَ معاوية الذي يُعِدّه لكلّ مبارز ولكلّ عظيم، حُريث مولاه، وكان يلبَس سلاح معاوية متشبِّهاً به فإذا قاتل قال الناس : ذاك معاوية. وإنّ معاوية دعاه، فقال له: يا حُريث اتّق علياً وضع رمحك حيث شئت. فأتاه عمرو بن عمرو بن العاص، فقال يا حريث، إنك والله لو كنتَ قرشياً لأحبّ لك معاوية أن تقتُلَ علياً، ولكن كَره أن يكون لك حظُّها ، فإن رأيتَ فرصة فاقتحِم . قال : وخرج عليّ (علیه السّلام) في هذا اليوم أمام الخيل، فحمل عليه حُرّيث .
قال نصر : فحدّثني عمرو بن شَمِر، عن جابر، قال: برز حُريث مولى معاوية هذا اليوم، وكان شديداً أيّداً ذا بأس لا يرام، فصاح يا عليّ، هل لك في المبارزة؟ فأقدِم أبا حسن إن شئت، فأقبل عليّ(علیه السّلام) ، وهو يقول :
أنا عليُّ وابن عبدالمطَّلِب*** نحنُ لعمرُ الله أولى بالكُتُبْ
مِنّا النبيُّ المصطفى غَيْرَ كَذِبُ*** أهلُ اللواء والمقام والحجُب
نحن نصرناه على كلّ العَرَب
ثم خالطه فما أمهله أن ضربه ضربة واحدة فقطعه نصفين .
قال نصر: فحدثنا محمد بن عبيد الله ، قال : حدثني الجرجانيّ، قال: جزع معاوية على حُريث جَزَعاً شديداً، وعاتب عمراً في إغرائه إياه بعليّ(علیه السّلام) ، وقال في ذلك شعراً :
حُرَيْتُ ألم تعلم وجهلك ضائرُ*** بأنّ عليَّا للفوارس قاهرُ
وأن عليَّا لم يبارزه فارسٌ*** من الناس إلا أقصَدَتْه الأظافِرُ
أمرتُك أمراً حازماً فعصيتَني*** فجَدُّك إذ لم تقبل النُّصْحَ عائِرُ
وَدَلاك عمرو والحوادِثُ جَمَّةٌ ***غُروراً، وما جرّت عليك المقادرُ
وظَنَّ حريت أن عمراً نصيحُه*** وقد يُهلك الإنسانَ من لا يحاذر
قال نصر : فلما قتل حُريث برز عمرو بن الحصين السَّكْسَكِي، فنادى يا أبا حسن، هَلمَّ إلى المبارزة ، فأوما(علیه السّلام) إلى سعيد بن قيس الهمدانيّ، فبارزه فضربه بالسيف فقتله .
وقال نصر : وكان لهَمْدَان بلاء عظيم في نصرة عليّ(علیه السّلام) في صِفّين، ومن الشعر الذي لا يشكّ أن قائله عليّ(علیه السّلام) لكثرة الرواة له :
دعوتُ فلبّاني من القوم عصبةٌ*** فوارِسُ من هَمْدان غيرُ لئام
فوارسُ مِنْ هَمْدَان ليسُوا بُعِزَّلٍ*** غَدَاة الوَغَى من شاكر وشِبَام
كلّ رُديني وغضب تخالُه*** إذا اختلف الأقوام شغل ضرَام
لِهَمْدان أخلاق كرام تزينهم*** وبأس إذا لا قَوْا وحَدُّ خصام
وجدُّ وصدقٌ في الحروب ونجدةٌ*** وقول إذا قالُوا بغير أثام
مَتَى تأتِهِمْ في دارِهِمْ تستضيفهم*** تَبِتُ ناعماً في خِدمةٍ وطعام
جزى الله هَمْدَان الجنانَ فإنها*** سمام العِدًا في كلّ يوم زحام
فلو كنتُ بوَّاباً على بابِ جنّة*** لقلتُ لهمْدَان ادخلوا بسلام
قال نصر : فحدثني عمرو بن شمر، قال : ثم قام عليٌّ(علیه السّلام) بين الصَّفين ونادى يا معاوية، يكررها، فقال معاوية : سَلُوه ما شأنه؟ قال: أحِبّ أن يظهر لي فأكلّمه كلمة واحدة.
فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص، فلما قارباه، لم يلتفت إلى عمرو، وقال لمعاوية : ويحك ! علام يقتتل الناس بيني وبينك، ويضرب بعضهم بعضاً ! ابرز إليّ، فأينا قتلَ صاحبه فالأمر له .
فالتفت معاوية إلى عمرو، فقال: ما ترى يا أبا عبدالله ؟ قال : قد أنصفك الرجل، واعلم أنّك إن نَكَلْت عنه لم يزل سُبَّةٌ عليك وعلى عَقِبك ما بقي على ظهر الأرض عربيّ . فقال معاوية : يابنَ العاص، ليس مثلي يُخْدَعُ عن نفسه، والله ما بارز ابنَ أبي طالب شجاع قطّ إلا وسقى الأرض من دمه، ثم انصرف معاوية راجعاً حتى انتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه، فلما رأى عليُّ(علیه السّلام) ذلك ضحِك، وعاد إلى موقفه (1).
قال نصر : وفي حديث الجرجاني أنّ معاويةَ قال لعمرو : ويحك! ما أحمقك! تدعوني إلى مبارزته، ودوني عكَ وجُذام والأشعرون!
قال نصر : قال : وحقَدها معاوية على عَمْرِو باطناً، وقال له ظاهراً : ما أظنُّك قلت ما قلتَه يا أبا عبدالله إلا مازحاً ! فلما جلس معاوية مجلسه، أقبل عمرو يمشي حتى جلس إلى جانبه، فقال معاوية :
يا عمرُو إنك قد قَشَرْتَ لِي الْعَصَا*** برضاك لي وسط العجاج برازي
يا عمرو إنّك قد أشرت بظنَّةٍ*** حَسْبُ المبارز خطفة من بازي
ولقد ظننتُك قلت مزحة مازح*** والهزل يحمِله مقالُ الهازي
فإذا الذي مَنَّتْكَ نفسُك حاكِيا*** قتلي، جَزَاك بما نويت الجازي
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار في البحار : 477/32 .
ولقد كشفتَ قناعها مذمومةً*** ولقد لبستُ بها ثياب الحازي
فقال عمرو: أيها الرجل، أتجبن عن خَصْمِك ، وتتهم نصيحك! وقال مجيباً له :
معاويَ إِنْ نَكَلْتَ عن البِرَازِ*** وخِفْتَ فإنّها أمّ المخازي
معاويَ ما اجترمتُ إليك ذنباً*** ولا أنا في الَّذِي حَدثتُ خازي
وما ذنبي بان نادي عَلِيٌّ*** وَكَبْشُ الْقَوْمِ يُدْعَى للبراز!
ولو بارزتَه بارزتَ ليثاً*** حديدَ النّاب يخطف كلَّ بازي
وَتَزْعُمُ أنّني أضمرْتُ غِشَّا*** جَزَانِي بالَّذِي أضْمَرْتُ جازي
وروى ابن قتيبة في كتابه المسمى «عيون الأخبار » (1)قال : قال أبو الأغرّ التميميّ : بينا أنا واقف بصِفّين، مَرّ بي العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، مكفّراً بالسّلاح، وعيناه تَبِصّان من تحت المِغْفر كأنهما عينَا أرقم، وبيده صفيحة يمانيِة يقلّبها، وهو على فَرَس له صَعْب، فبينا هو يمغثه (2)، ويليّن من عريكته، هتف به هاتف من أهل الشام، يعرَف بعرار بن أدهم: يا عباس، هلّم إلى البراز! قال العباس : فالنزول إذاً فإنه إياسٌ من القفول، فنزل الشاميّ، وهو يقول :
إن تركبُوا فرُكوبُ الخيل عادَتُنَا*** أو تنزلون فإنا مَعْشَرٌ نُزُلُ
وثنى العباس رجلَه، وهو يقول :
ويصد عنك مَخِيلَة الرّجُل ال-*** عريض موضحةٌ عن العظم
بحُسام سيفك أو لسانِك، وال***- كَلِمُ الأصيل كأرْغَبِ الكلم
ثم عَصَب فَضَلات دِرْعه في حُجْزَته، ودفع فرسه إلى غلام له أسود، يقال له أسلم، كأني والله أنظر إلى فلافل شعره، ثم دَلَف كلّ واحد منهما إلى صاحبه، فذكرت قول أبي ذؤيب :
فتنازَلا وتواقَفَتْ خَيْلاهُمَا*** وكِلاهما بطل اللّقاء مُخَدَّعُ
وكفت الناس أعنَّةً خيولهم ينظرون ما يكون من الرجلين، فتكافحا بسيفيهما مَلِيًّا من نهارهما، لا يصل واحدٌ منهما إلى صاحبه لكمال لأمته، إلى أن لحظ العباس وَهْناً في درع الشاميّ، فأهوى إليه بيده فهتكه إلى تُنْدُوته، ثم عاد لمحاولته، وقد أصحر له مفتَّق الدرع ،
فضربه العباس ضَرْبَةً انتظم بها جوانحَ صدره، فخرّ الشاميّ لوجهه، وكبر الناسُ تكبيرة ارتجت لها الأرض من تحتهم، وسما العباس في الناس، فإذا قائل يقول : من ورائي : «قَتِلُوهُمْ يعد بهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاءُ » (1)، فالتفت فإذا أمير المؤمنين(علیه السّلام) ، فقال لي : يا أبا الأغر، مَن المنازل لعدوّنا ؟ قلت هذا ابن أخِيكم، هذا العباس بن ربيعة، فقال: وإنه لهو ! يا عباس ألم أنهَك ، وابن عباس، أن تُخلاً بمراكز كما، وأن تباشرا حرباً ! قال : إنّ ذلك كان ، قال : فما عَدًا ما بدا قال: يا أميرالمؤمنين، أفادعَى إلى البراز فلا أجيب! قال : نعم طاعة إمامك أولى من إجابة عدوّك ، ثم تغيّظ واستَطَار حتى قلت: الساعة الساعة. ثم سكن وتطامن، ورفع يديه مبتهِلاًّ ، فقال : اللّهمَّ اشكر للعباس مَقامه، واغفر ذنبه، إني قد غفرتُ له، فاغفر له قال : ولَهِف معاوية على عرار وقال : متى ينتطح فحل لمثله أيُطَلّ دمه ! لاها الله إذاً! ألا رجلٌ يشرِي نفسه لله ، يطلب بدم عرار! فانتدَب له رجلان من لَحْم فقال لهما : اذهبا، فأيّكما قتل العباس بِرازاً فله كذا، فأتياه، فدعوَاه للبراز فقال : إن لي سيداً أريد أن أؤامره فأتى عليَّاً(علیه السّلام) ، فأخبره الخبر، فقال عليّ(علیه السّلام) ، والله لودّ معاوية أنه ما بقيَ من بني هاشم نافخ ضَرمة إلا طُعن في بطنه، إطفاء لنور الله : «وَيَأْبَى الله إلا أن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ» (2)، أما والله ليملكنّهم مِنّا رجال ورجال يسومونهم الخسفَ، حتى يحتفروا الآبار، ويتكفَّفُوا الناسَ، ويتوكَّلُوا على المساحي، ثم قال: يا عباس، ناقِلنِي سلاحَك بسلاحي، فناقله، ووثب على فَرس العباس، وقصد اللخمييّن، فما شَكّا أنه هو ، فقالا : أذن لك صاحبك، فحرج أن يقول: نعم، فقال: « و أذنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ » (3)، فبرز إليه أحدهما : فكأنما اختطفه، ثم برز له الآخر فألحقه بالأول، ثم أقبل وهو يقول : «الشَّهْرُ القَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَنتُ قِصَاصُ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ » (4)ثم قال : يا عباس، خُذْ سلاحَك وهات سلاحي، فإن عاد لك أحد فعد إليّ .
قال : فَنُمِيَ الخبرُ إلى معاوية، فقال: قَبّح الله اللَّجاج! إنه لَقعود ما ركبته قَطّ إلا خذلت.
فقال عمرو بن العاص : المخذول والله اللَّخميّان لا أنت! فقال : اسكت أيّها الرجل، وليست هذه من ساعاتك، قال : وإن لم يكن فرحم الله اللخميّين وما أراه يفعل ! قال : فإنّ ذاك والله أخسرُ الصفقتك، وأضيَق لحجزتك .
قال: قد علمت ذلك، ولولا مصر لركبتُ المنجاة منها ، قال هي أعمتك، ولولاها ألفِيت بصيراً.
قال نصر بن مزاحم : وحدثنا عمرو، قال : حدثني فضيل بن خَدِيج، قال: خرج رجلٌ من أهل الشام يدعُو إلى المبارزة، فخرج إليه عبدالرحمن بن محرز الكنديّ [ثم الطُّمَحيّ]، فَتَجَاوَلاً ساعة . ثم إنّ عبدالرحمن حَمَل على الشاميّ، فطعنه في نُقْرَةٍ نحره ،فَصَرَعه، ثم نزل إليه فسلبه دِرْعه وسلاحه، فإذا هو عبد أسود، فقال: إنا لله ! أخطرت نفسي بعبد أسود قال : وخرج رَجُلٌ من عَكَ، فسأل البراز، فخرج إليه قيس بن فهران الكنديّ، فما ألبثه أن طعنه فقتله ، وقال :
(1) لقد علمتْ عَكٌ بصِفّين أننا*** إذا ما تلاقَى الخيلُ نطعنُها شَزْرَا (1)
ونحمل راياتِ القتال بحقّها*** فنُوردها بيضاً ونُصْدِرُها حُمْرَا
قال : وحمل عبدالله بن الطفيل البكائيّ على صفوف أهل الشام، فلما انصرف حَمَل عليه رجل من بني تميم يقال له قيس بن فهد الحنظليّ اليربوعيّ ، فوضع الرمحَ بين كتفي عبدالله ، فاعترضه يزيد بن معاوية البكائيّ، ابن عم عبدالله بن الطفيل، فوضع الرمحَ بين كتفي التميميّ، وقال : والله لئن طعنته لأطعننّك، فقال: عليك عهدُ الله لئن رفعتُ السنان عن ظهر صاحبك لترفعنّه عن ظهري قال: نعم، لك العهد والميثاق بذلك . فرفع السنان عن ظَهر عبدالله ، فرفع یزید السنان عن التميميّ، فوقف التميمي، وقال ليزيد ممّن أنت؟ قال: من بني عامر، قال: جعلني الله فداكم! أينما لقيناكم كراماً. أما والله إني لآخرُ أحد عشر رجلاً من بني تميم قتلتموهم اليوم.
قال نصر : فبعد ذلك بدهرٍ عتب يزيد على عبدالله بن الطفيل، فأذكره ما صنع معه يوم صفين، فقال:
ألم ترني حاميتُ عَنْك مُناصحاً*** بصفّين إذ خَلاكَ كلُّ حميمِ
ونهنهتُ عنك الحنظلي وقد أتَى*** على سابح ذي مَيعَة وهزيم
قال نصر: وخرج ابن مقيّدة الحمار الأسديّ - وكان ذا باس وشجاعة، وهو من فُرسان الشام - فطلب البراز، فقام المقطع العامريّ، وكان شيخاً كبيراً، فقال علي (علیه السّلام) له : اقعد، فقال : يا أمير المؤمنين لا تردّني، إمّا أن يَقتُلَني فأتعجل الجنة وأستريح من الحياة الدنيا في الكِبَر والهرم، أو أقتله فأريحك منه
وقال له(علیه السّلام) : ما اسمك ؟ فقال : المقطع ، قال : ما معنى ذلك؟ قال: كنت أدعى هشيماً، فأصابتني جِراحة منكرة، فدعيت المقطَّع منها ، فقال له عليه السلام: اخرج إليه وأقدم عليه ،
1) الشَّرْز: المعاداة، ورجل مشرز: شديد التعذيب للناس، والشرزة: الشديدة من شدائد الدهر لسان العرب ، مادة (شرز) .
اللهمَّ انصر المقطع على ابن مقيدة الحمار، فحمل على ابن مقيدة الحمار، فأدهشه لشدّة الحملة، فهرب وهو يتبعه، حتى مرّ بمضرب معاوية حيث يراه والمقطع على أثره، فجاوزا معاوية بكثير، فلما رجع المقطّع ورجع ابن مقيدة الحمار، ناداه معاوية : لقد شَمَص (1)بِك العراقيّ، ، قال : أما إنه قد فعل أيها الأمير، ثم عاد المقطع، فوقف في موقفه .
قال نصر: فلما كان عامُ الجماعة، وبايع الناس معاوية، سأل عن المقطع العامريّ، حتى أدخل عليه، وهو شيخ كبير، فلما رآه قال ،آه لولا أنّك على مثل هذه الحال لما أفلتُ مني، قال : نشدتك الله إلّا قتلتَني وأرحتَني من بؤس الحياة، وأدنيتني إلى لقاء الله ، قال : إني لا أقتلك، وإنّ بي إليك لحاجة، قال: ما هي؟ قال: أحبّ أن تواخيَني، قال: إنّا وإياكم، افترقنا في الله ، فلا نجتمع حتى يحكُمَ الله بيننا في الآخرة.
قال : فزوجني ابنتك ، قال : قد منعتُك ما هو أهون عليّ من ذلك ، قال : فاقبَلْ مِنّي صلة، قال : لا حاجة لي فيما قِبَلك.
قال : فخرج من عنده ولم يقبل منه شيئاً .
قال نصر : ثم التقى الناس، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وحاربت طيّىء مع أمير المؤمنين (علیه السّلام) حرباً عظيماً، وتداعَتْ وارتجزت، فقتل منها أبطال كثيرون، وفقئت عين بشر بن العوس الطائيّ - وكان من رجال طيىء وفرسانها - فكان يذكر بعد ذلك أيام صِفّين فيقول : وددت أنّي كنت قُتِلت يومئذ، ووددت أن عيني هذه الصحيحة فقئت أيضاً، وقال :
ألا لَيْتَ عَيْني هَذِهِ مثل هذِه*** ولم أمش بَيْنَ الناس إلا بقائِد
ويا ليتَ رِجْلِي ثَمَّ طَنَّتْ بنصفِهَا*** وياليتَ كَفِّي ثُمَّ طاحت بساعِدي
وياليتني لم أبقَ بعد مطرِّفِ*** وسعد وبعد المستنير بن خالِد
فوارسُ لم تَغْذُ الحواضن مثلَهُم*** إذا هي أبدت عن خِدَام الخرائد
قال نصر : وأبلت محارب يومئذ مع أميرالمؤمنين(علیه السّلام) بلاء حسناً، وكان عنتر بن عبيد بن خالد بن المحاربيّ أشجعَ الناس يومئذ، فلما رأى أصحابَه متفرقين، ناداهم: يا معشرَ قيس، أطاعة الشيطان أبرّ عندكم من طاعة الرحمن! ألا إنّ الفرار فيه معصية الله وسخطه، وإن الصبر فيه طاعة الله ورضوانه، أفتختارون سخط الله على رضوانه، ومعصيته على طاعته ! ألا إنما الراحةُ بعد الموت لمن مات محتسباً لنفسه، ثم يرتجز فيقول :
1) شَمَصَ الدواب : طردها طرداً نشيطاً أو عنيفاً . القاموس المحيط مادة (شمص)
لا وَأَلَتْ نفسُ امرىء ولَّى الدُّبُرْ*** أنا الذي لا أنثني ولا أفرّ
وَلا يُرَى مع المعازيل الغُدُر
وقاتل حتى ارتُثّ.
قال نصر : وقاتلت النَّخَع مع عليّ(علیه السّلام) ذلك اليوم قتالاً شديداً، وقطِعت رجلُ علقمة بن قيس النَّخَعي، وقتِل أخوه أبيّ بن قيس، فكان علقمة يقول بعد: ما أحِبّ أن رجلي أصحُّ ما كانت، لما أرجو بها من حسن الثواب. وكان يقول : لقد كنتُ أحِبّ أن أبصر أخي في نومي، فرأيته، فقلت له: يا أخي، ما الذي قدِمتم عليه ؟ فقال لي : التقينا نحن وأهل الشام بين يدي الله سبحانه، فأحتججنا عنده، فحجَجْناهُم. فما سرِرت بشيء منذ عَقلت سروري بتلك الرؤيا .
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن شمر، عن سويد بن حبّة البصري، عن الحُضَين بن المنذر الرقاشيّ، قال : إن ناساً أتوا عليا(علیه السّلام) قبل الوقعة في هذا اليوم، فقالوا له : إنّا لا نرى خالد بن المعمر السَّدوسيّ إلا قد كاتب معاوية، وقد خشينا أن يلتحِق به ويبايعه، فبعث إليه عليٌ(علیه السّلام) وإلى رجال من أشراف ربيعة، فجمعهم، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا معشرَ ربيعة، أنتم أنصاري ومجيبُو دعوتي ، ومِنْ أوَثَق أحياء العرب في نفسي، وقد بلَغني أن معاويةً قد كاتب صاحبَكم هذا ، هذا، وهو خالد بن المعمّر، وقد أتيتُ به وجمعتكم لأشهِدَكم عليه، وتسمعُوا مِنّي ومنه .
ثم أقبل عليه فقال : يا خالد بن المعمّر، إن كان ما بلَغني عنك حقًّا، فإني أُشْهِدُ مَنْ حَضَرَني من المسلمين أنّك آمن، حتى تلحق بالعراق، أو بالحجاز، أو بأرض لا سلطان لمعاوية فيها، وإن كنتَ مكذوباً عليك، فأبِرّ صدورَنا بأيمانٍ نطمئن إليها، فحلف له خالد بالله ما فعلَ، وقال رجال منّا كثير : والله يا أمير المؤمنين لو نعلم أنّه فعل لَقتلناه .
وقال شقيق بن ثور السدوسيّ : ما وفق الله خالد بن المعمّر حين ينصر معاوية وأهلَ الشام على عليّ وأهل العراق وربيعة . فقال له زياد بن خَصَفة : يا أمير المؤمنين، استوئِق من ابن المعمّر بالأيمان، لا يغدِر بك فاستوثق منه . ثم انصرفوا.
فلما تصافُ الناس في هذا اليوم، وحمل بعضُهم على بعض، تضعضعت ميمنةُ أهل العراق، فجاءنا عليّ(علیه السّلام) ومعه بنُوه، حتى انتهى إلينا، فنادى بصوت عالٍ جهير: لمن هذه الرايات؟ فقلنا رايات ربيعة، فقال: بل هي راياتُ الله عَصم الله أهلها، وصبّرهم وثبّت أقدامهم، ثم قال لي وأنا حامل رايةً ربيعة يومئذ: يا فتى، ألا تُدني رايتك هذه ذراعاً ؟ فقلت : بلى، والله وعشرة أذرع، ثم ملت بها هكذا، فأدنيتُها ، فقال لي : حسبك مكانك .
قال نصر : وحدّثنا عمرو قال : حدثني يزيد بن أبي الصلت التيميّ ، قال : سمعت أشياخَ الحيّ من بني تيم بن ثعلبة يقولون : كانت راية ربيعة كلِّها : كوفيتها وبصريتِها، مع خالد بن المعمّر السدوسيّ، من ربيعة البصرة، ثم نافسه في الراية شقيق بن ثور، من بكر بن وائل من أهل الكوفة، فاصطلحا على أن يولِّيا الراية لحضَين بن المنذر الرقاشيّ، وهو من أهل البصرة أيضاً، وقالوا : هذا فتى له حَسَبٌ ، نُعطيه الراية إلى أن نرى رأينا ، وكان الحُضَين يومئذ شاباً حَدَث السنّ.
قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، قال : أقبل الحضَين بن المنذر يومئذ وهو غلام يزحف براية ربيعة، وكانت حمراء، فأعجب عليَّا(علیه السّلام) زحفه وثباته ، فقال :
لِمَنْ رايةٌ حمراء يخفِقُ ظِلُّهَا*** إذا قيلَ قَدِّمها حُضَيْنُ تقدَّما
ويدنُو بها في الصَّفُ حتى يُزيرَها*** حِمامَ المنايا تقطرُ الموت والدما
تَراهُ إذا ما كان يوم عظيمةٍ*** أبَى فيه إلا عزّةٌ وتكرُّما
جزَى الله قوماً صَابَروا في لقائِهِمْ*** لدَى الناس حرًا ما أعف وأكرما!
وأحزمَ صَبراً يوم يُدعى إلى الوغَى*** إذا كان أصواتُ الكماة تغمغُما
ربيعةَ أعنِي، إنهم أهل نجدةٍ*** وبأس إذا لاقوا خميساً يساً عَرَمْرَما (1)
وقد صبرت عكُّ ولخمٌ وحِمْيَرٌ*** لمذجَ حَتَّى لم يفارق دمٌ دما
ونادت جُذام: يال مذحِجَ ويحكم!*** جَزَى الله شرًا أينا كانَ أظلما
أما تتقون الله في حُرُمَاتِكُمْ*** وما قرّب الرحمنُ منها وعَظَّمَا!
أذقنا ابن حرَب طعنَنا وضِرَابَنا*** بأسيافنا حَتَّى تولّى وأحْجَمَا
وفرّ ينادي الزّرقَان وظالماً*** و نادی گلاعاً والكُريب وأنعَما
وعمراً وسُفياناً وجَهْماً ومالكاً*** وحَوْشَب والغاوي شُرَيحَاً وأظلمًا
وكرز بن تَيْهان وعمرو بن جَحْدَرٍ*** وصَبَّاحاً القيني يدعو وأسلما
قلت : هكذا روى نَضر بن مزاحم، وسائر الرواة رَوَوْا له عليه السلام الأبيات السنة الأولى، ورووا باقي الأبيات، من قوله : «وقد صبرت علكٌ» للحضَين بن المنذر صاحب الراية.
قال نصر: وأقبل ذو الكَلاع في حمير ومن لف لفّها ،ومعهم عبيدالله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قُرّاء أهل الشام، وذو الكَلاع في حِمير في الميمنة، وعبيدالله في القرّاء في الميسرة، فحملوا على ربيعة - وهم في مَيسرة أهل العراق، وفيهم عبيدالله بن العباس - حملة شديدة، فتضعضعت رايات ربيعة
1) العَرَمَرَم: الجيش الكثير . القاموس المحيط، مادة (عرم).
ثم إنّ أهل الشام انصرفوا فلم يمكثوا إلا قليلاً، حتى كَرّوا ثانية وعبيد الله بن عمر في أوائلهم ، يقول : يا أهل الشام، هذا الحيّ من العراق قتلة عثمان بن عفان وأنصار عليّ بن أبي طالب، ولئن هزمتم هذه القبيلة أدركتم تأركم من عثمان، وهَلَك علي وأهل العراق. فشَدُّوا على الناس شَدّةً عظيمة، فثبتت لهم ربيعة، وصبرت صبراً حسناً، إلا قليلاً من الضعفاء.
فأما أهل الرايات وذَوُو البصائر منهم والحفّاظ، فثبتوا وقاتلوا قتالاً شديداً. وأما خالد بن المعمّر، فإنّه لما رأى بعض أصحابه قد انصرفوا انصرف معهم، فلما رأى أهلَ الرايات ثابتين الوان صابرين رجع إليهم وصاح بمن انهزم ، وأمرهم بالرجوع، فكان من يتّهمه من قومه يقول : إنه فَرّ، فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا، وقال هو : لما رأيت رجالاً مِنّا قد انهزمُوا ، رأيت أن استقبلَهم ثم أردَّهم إلى الحرب، فجاء بأمر مشتبه.
قال نصر : وكان في جملة ربيعة من عَنَزة وحدها أربعة آلاف مُجَفّف.
قلت : لا ريب عند علماء السيرة أن خالد بن المعمّر كان له باطن بن المعمّر كان له باطن سوء مع معاوية، وأنه انهزم هذا اليوم ليكسر الميسرة على عليّ(علیه السّلام) ، ذكر ذلك الكلبيّ والواقديّ وغيرهما. ويدلّ على باطنه هذا أنّه لما استظهرت ربيعةُ على معاوية وعلى صفوف أهل الشام في اليوم الثاني من هذا أرسل معاوية إلى خالد بن المعمّر : أنْ كُفَّ عني ولك إمارة خراسان ما بقيت. فكف عنه ، فرجع بربيعة، وقد شارفوا أخذه من مضربه، وسيأتي ذكر ذلك.
قال نصر: فلما رجع خالد بن المعمّر واستوت صفوف ربيعة كما كانت خطبهم فقال :
يا معشرَ ربيعة : إنّ الله تعالى قد أتى بكلِّ رجل منكم من منبته ومسقط رأسه، فجمعكم في هذا المكان جَمْعاً لم تجتمعوا مثله قطّ منذ أفرشكم الله الأرض، وإنكم إن تمسكوا أيديَكم وتَنكلوا عن عدوّكم وتحولوا عن مصافَكم، لا يرضى الربّ فعلكم ولا تعدموا معيراً يقول: فضحت ربيعة الذُّمار، وخاموا عن القتال، وأتيَت من قبلهم العرب، فإياكم أن يتشاءم بكم اليوم المسلمون. وإنكم إن تمضوا مقدمين وتصبروا محتسبين، فإنّ الإقدام منكم عادة، والصبر منكم سجيّة، فاصبروا ونيّتكم صادقة تؤجروا ، فإنّ ثوابَ مَنْ نوى ما عندالله شرفُ الدنيا وكرامة الآخرة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً .
فقام إليه رجل من ربيعة، وقال : قد ضاعَ والله أمر ربيعة حين جعلت أمرَها إليك، تأمرنا ألا نحول ولا نزول، حتى نقتل أنفسنا، ونسفك دماءنا !
فقام إليه رجال من قومه فتناولوه بقسِّيهم، ولكزُوه بأيديهم، وقالوا لخالد بن المعمّر : أخرجوا هذا من بينكم، فإنّ هذا إن بَقيَ فيكم ضرّكم، وإن خرج منكم لم ينقضكُم عدداً ، هذا
الذي لا ينقص العدَد، ولا يملأ البلَد ترَّحك الله من خطيب قوم ! لقد جنّبك الخير . قبح الله ما جئت به.
قال نصر: واشتدّ القتال بين ربيعة وحمير وعبيدالله بن عمر حتى كثرت القتلى، وجعل عبيد الله يحمل ويقول : أنا الطيب ابن الطيب، فتقول له ربيعة بل أنت الخبيث ابن الطيب .
ثم خرج نحو خمسمائة فارس أو أكثر من أصحاب عليُ(علیه السّلام) على رؤوسهم البَيض، وهم
غائصون في الحديد، لا يُرَى منهم إلا الحدّق، وخرج إليهم من أهل الشام نحوهم في العدّة، فاقتتلوا بين الصَّفّين، والناس وقوف تحت راياتهم، فلم يرجع من هؤلاء ولا من هؤلاء مخبر، لا عراقيّ ولا شاميّ، قتلوا جميعاً بين الصفين.
قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن تيم، قال نادى منادي أهل الشام: ألا إن معنا الطيب ابن الطيب، عبيدالله بن عمر، فنادى منادي أهل العراق بل هو الخبيث ابن الطيب، ونادى منادي أهل العراق: ألا إن معنا الطيب ابن الطيب محمد بن أبي بكر، فنادى منادي أهل الشام: بل الخبيث ابن الطيب.
قال نصر : وكان بصفّين تَلِّ تلقى عليه جماجمُ الرِّجال، فكان يدعى تل الجماجم، فقال عُقبة بن مسلم الرُّقاشي من أهل الشام :
وَلَمْ أرَ فُرساناً أشدَّ حفيظةً*** وأمنعَ مِنَّا يومَ تَلُ الجماجم
ايومَ غداة غدا أهلُ العراق كأنهم*** نعامٌ تَلاقى في فجاجِ المخارمِ(1)
إذا قلتُ قد وَلَّوْا تشوب كتيبةٌ*** ململَمة في البيض شُمْط المقادِم
وقالوا لنا: هذا عليّ فبايعوا ***فقلنا: صهٍ بل بالسيُوف الصوارم
وقال شبَث بن ربعيّ التميميّ :
وقفنا لديهم يوم صِفِّين بالْقَنَا*** لَدُنْ غَدْوَةً حَتَّى هَوَتْ لغُروبِ
وولّي ابن حربٍ والرماح تَنُوشُه*** وقد أرضت الأسيافُ كلَ غضوبِ
نجالدهم طوراً وطوراً نشلّهم*** على كلِّ مَحْبُوكِ السّراةِ شَبُوبِ
فلم أر فرساناً أشدَّ حفيظَةً*** إذا غشِي الآفاق رَهْجُ جَنُوبِ
أكرَّ وأحمَى بالغطاريف والْقَنَا*** وكلّ حديدِ الشَّفْرَتَيْن قضوبِ
قال نصر : ثم ذهب هذا اليوم بما فيه، فأصبحوا في اليوم التاسع من صفر، وقد خطب معاوية أهل الشام وحرّضهم، فقال:
1) المَخَارِم : الطَّرُف في الغِلَظ ، وأوائل الليل .
إنّه قد نَزَل بكم من الأمر ما ترون، وحضركم ما حضركم، فإذا نَهَدْتُم إليهم إن شاء الله ، فقدِّموا الدّارع، وأخّروا الحاسر، وصُفّوا الخيل وأجنبوها ، وكونوا كقَص الشارب، وأعيرونا جماجَمكم ساعة، فإنما هو ظالم أو مظلوم، وقد بلغ الحق مقطعَه .
قال نصر: وروى الشَّعبيّ، قال: قام معاوية فخطَب الناس بصِفّين في هذا اليوم، فقال: الحمد لله الذي دَنا في عُلُوّه، وعَلا في دُنُوّه، وظهر وبَطن، وارتفع فوق كلِّ ذي منظر، هو الأوَل والآخر، والظاهر والباطن، يقضي فيفصل، ويقدِّر فيغفر، ويفعل ما يشاء، إذا أراد أمراً أمضاه، وإذا عزم عَلَى شيء قضاه، لا يؤامر أحداً فيما يملك، ولا يُسْأَلُ عَمّا يفعل وهم يُسْأَلُون، والحمدُ لله ربّ العالمين، على ما أحببنا وكرهنا . وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البُقعة من الأرض، ولفّ بيننا وبين أهل العراق، فنحن من الله بمنظَر، وقد قال الله سبحانه: «وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اَقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ » (1).
انظروا يا أهل الشام، إنكم غداً تلقون أهلَ العراق، فكونوا على إحدى ثلاث خصال: إمّا أن تكونوا قوماً طلبتم ما عند الله في قتال قوم بَغَوْا عليكم، فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا في بَيضتكم، وإمّا أن تكونوا قوماً تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيّكم، وإما أن تكونوا قوماً تذُبّون عن نسائكم وأبنائكم. فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل، أسأل الله لنا ولكن النَّصْر، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحقّ، وهو خير الفاتحين .
فقام ذو الكَلاع ، فقال :
يا معاوية، إنا نحنُ الصُّبُر الكِرام، لا تنتَنِي عِند الخصام، بنو الملوكِ العِظام، ذوِي النُّهى والأحلام، لا يقربون الآثام.
فقال معاوية : صدقت.
قال نصر : وكانت التعبية في هذا اليوم كالتعبية في الذي قَبله، وحمل عبيدُ الله بن عمر في قرّاء أهل الشام، ومعه ذو الكَلاع في حِمير على ربيعة، وهي في ميسرة عليّ(علیه السّلام) ، فقاتلوا قتالاً شديداً، فأتى زياد بن خَصَفة إلى عَبد القيس، فقال لهم : لا بَكْر بن وائل بعد اليوم! إن ذا الكَلاع وعُبيدالله أبادًا رَبيعة، فانهضوا لهم وإلا هلكوا . فركبت عبدُ القيس، وجاءت كأنها غمامة سوداء فشدَّتْ أزْرَ الميسرة، فعظم القتال، فقتل ذو الكَلاع الحميريّ، قتله رجل من بكر بن وائل ، اسمه
1) سورة البقرة، الآية : 253 .
خِندف، وتضعضعت أركان حمير، وثبتت بعد قتل ذي الكَلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر، وأرسل عبيدالله إلى الحسن بن عليِّ(علیه السّلام) : إنّ لي إليك حاجةً فالقَني، فلقيه الحسن(علیه السّلام) ، فقال له عبيد الله : إنّ أباك قد وَتَرَ قريشاً أولاً وآخراً، وقد شنِته الناسُ، فهل لك في خَلْعه، وأنّ تتولى أنت هذا الأمر! فقال : كلا والله، لا يكون ذلك . ثم قال : يابن الخطاب، والله لكأني أنظرُ إليك مقتولاً في يومك أو غدك. أما إن الشيطان قد زيّن لك وخَدَعك، حتى أخرجك مخلقاً بالخَلُوق، تَرى نساءُ أهل الشام موقفك، وسيصرَعُك الله ، ويبطحك لوجهك قتيلاً !
قال نصر : فوالله ما كانَ إلا بياضُ ذلك اليوم حتّى قُتل عبيد الله، وهو في كتيبة رَقْطاء، وكانت تدعى الخضرية، كانوا أربعة آلاف، عليهم ثياب خُضر، فمرّ الحسن(علیه السّلام) ، فإذا رجلٌ متوسد برجل قتيل، قد ركز رمحَه في عينه، وربط فرسَه برجله، فقال الحسن (علیه السّلام) لمن معه : انظُروا مَنْ هذا؟ فإذا رجلٌ من هَمْدان، وإذا القتيل عبيدالله بن عمر بن الخطاب، قد قتله الهمدانيّ في أوّل الليل، وبات عليه حتى أصبح.
قال نصر : وقد اختلف الرواة في قاتل عُبيد الله، فقالت هَمْدان: نحن قتلناه، قتله هاني ء بن الخطاب الهمدانيّ، وركز رمحه في عينه ... وذكر الحديث. وقالت حضرموت : نحن قتلناه، قتله مالك بن عمر و الحضرمي. وقالت بكر بن وائل: نحن قتلناه، قتله محرز بن الصَّحصح من بني تيم اللات بن ثعلبة، وأخذ سيفه الوشاح .
فلما كان عامُ الجماعة طلب معاوية السيف من ربيعة الكوفة، فقالوا : إنما قتله رجلٌ من ربيعة البصرة يقال له محرز بن الصّحصح ، فبعث إليه معاوية، فأخذ السيف منه .
قال نصر : وقد روى أن قاتله حُريث بن جابر الحنفيّ، وكان رئيس بني حَنيفة يوم صِفّين مع عليّ(علیه السّلام)، حمل عبيدالله بن عمر على صَفٌ بني حنيفة، وهو يقول :
أنا عُبيد الله ينميني عُمَرُ*** خَيْرُ قريش مَنْ مَضَى وَمَنْ غَبر
إلا رسول الله والشيخ الأغَر*** قد أبطأت عن نصر عثمانَ مُضر
والربَعيون فلا أسقُوا المطَر*** وسارَعَ الحيّ اليمانون الغُرز
والخير في النّاس قديماً يُبتدَرُ
فحمل عليه حُرّيث بن جابر الحنفيّ، وقال:
قَدْ سَارَعَتْ في نَصْرِهَا رَبِيعَة*** في الحقِّ والحقُّ لَهَا شَرِيعَة
فاكفُف فلستَ تارك الوقيعة*** في العُصبة السامعة المطيعَة
حتی تذوقَ كاسَهَا الْفَظِيعَة
وطعنه فصرعه.
قال نصر : فقال كعب بن جُعَيل التغلبيّ يرثي عبيد الله، وكان كعبٌ شاعر أهل الشام :
ألا إنما تبكي العيونُ لفارس*** بصِفِّين أخلَتْ خَيْلُه وهو واقفُ
تَبَدَّلَ مِن أسماء أسياف وائل*** وأيّ فتى لو أخطأتهُ المتالِفُ!
تركتم عبيد الله في القاع مُسْلَماً*** يمجّ دماء، والعرُوق نوازف
ينوهُ وتَغْشَاه شآبيب من دم*** كما لاحَ في جَيْب القميص الكفائفُ
دعاهنّ فاسْتَسْمَعْن من أين صوتُه*** فأقبلنَ شَتَّى والعيونُ ذَوارِفُ
تُحَلُلْنَ عنه زرُ دِرع حصينة*** ويُنْكَرُ منه بعد ذاك مَعارِفُ
وقرّت تمیم سعدها وربابُها*** وخالفت الخضراءُ فيمن يخالف
وقد صبرت حولَ ابن عمِّ محمد*** لدى الموت شهباءُ المناكب شَارِفُ
بمرج ترى الرايات فيه كانّها*** إذا جنحت للطَّعن طَيْرٌ عواكفُ
فما بَرِحُوا حتى رأى الله صبرهم*** وحَتَّى أسرّت بالأكفِّ المصاحفُ
جزى الله قَتْلانا بصِفّين خَيْر ما*** أثيب عباد غادرتها المواقف
قلت: هذا الشعر نظمه كعب بن جُعَيل بعد رفع المصاحف وتحكيم الحكمين يذكر فيه ما مضى لهم من الحرب على عادة شعراء العرب، والضمير في قوله :
دعاهنّ فاستسمعن من أين صوته
يرجع إلى نساء عبيد الله، وكانت تحته أسماء بنت عطارد بن حاجب بن زرارة التميميّ وبحرية بنت هاني بن قبيصة الشيباني، وكان عبيد الله قد أخرجهما معه إلى الحرب ذلك اليوم لينظرا إلى قتاله، فوقفتا راجلتين، وإلى أسماء بنت عطارد، أشار كعب بن جُعَيل بقوله :
تبدّل من أسماء أسيافَ وائل
والشعر يدلّ على أن ربيعة قتلته، لا همدان ولا حضرموت.
ويدلّ أيضاً على ذلك ما رواه إبراهيم بن ديزيل الهمداني في كتاب صفين : قال شدّت ربيعة الكوفة، وعليها زياد بن خَصَفة على عبيد الله بن عمر ذلك اليوم، وكان معاوية قد أقرَع بين الناس، فخرج سهم عبيد الله بن عمر على رَبيعة فقتلته، فلما ضُرِب فُسطاط زياد بن خَصَفة بقي طُنُب من الأطناب لم يجدوا له وتِداً، فشدّوه برجل عبيد الله بن عمر، وكان ناحية فجرّوه، حتى ربطوا الطُّنب برجله، وأقبلت امرأتاه حتى وقَفَنا عليه، فبكتا عليه وصاحتا، فخرج زياد بن خَصَفة، فقيل له : هذه بحرية ابنة هاني بن قبيصة الشيبانيّ ابنة عمك، فقال لها : ما حاجتُك يابنة أخي! قالت: تدفع زوجي إليّ، فقال : نعم خذيه، فجيء ببغل فحملته عليه، فذكروا أن يديه ورجليه خَطّتا بالأرض عَنْ ظهر البغل .
قال نصر : ومما رثى به كعبُ بن جُعيل عُبيدَ الله بن عمر قوله :
يقولُ عبيد الله لما بَدَتْ له*** سَحَابةُ موتٍ تَقْطر الْحَتْفَ والدَّما
ألا يالقومي فاصبروا إن صبركُمْ*** أعف وأحجى عِفَةً وتكرُّما
فلما تداني القوم خَرٌ مُجدلاً*** صريعاً تلاقي التُرب كفّيه والفَما
وَخَلَّف أطفالاً يتامى أذلّة*** وعِرْساً عليه تَسكُب الدمع أيِّما
حَلالاً لها الخطّاب لا يمنعنّهم*** وقد كان يحمِي غَيْرةً أن تُكلّما
وقال الصَّلَتان العبديّ يذكر مقتل عبيد الله، وأن حريث بن جابر الحنفيّ قتله :
ألا يا عُبيد الله ما زلتَ مُولعاً*** ببكر لها تُهْدِي القرى والتّهددا
وَكُنْتَ سَفيهاً قَدْ تعوَّدْتَ عَادَةً*** وكلُّ أمرى جارٍ عَلَى ما تعوّدا
فأصبحتَ مسلوباً على شرّ آلة*** صريع القنا تحت العجاجة مُفردا
تشقّ عليك جيبها ابنة هانيء*** مُسَلّبة تبدي الشجا والتلدّدا
وكانت ترى ذا الأمر قبل عِيانه*** ولكن حكم الله أهدى لك الرَّدَى
وقالت عبيدَ الله لا تأتِ وائلاً*** فَقُلت لها لا تعجلي وانظري غدا
فقد جاء ماقدمسَّها فتسلّبَت*** عليك، وأمسى الجيبُ منها مقدّدا
حباك أخو الهيجا حُريث بن جابر*** بجياشةٍ تحكي بها النهر مزيدا
كأنّ حماة الحيّ بكر بن وائل*** بذي الرّمث أسدٌ قد تبوأن غَرْقدا
قال نصر: فأما ذو الكَلاع فقد ذكرنا مقتله، وأنّ قاتله خندف البكري .
وحدّثنا عمرو بن شمر، عن جابر ، قال : لما حَمَل ذو الكَلاع ذلك اليوم بالفَيلق العظيم من حِمير على صفوف أهل العراق، ناداهم أبو شجاع الحميريّ - وكان من ذوي البصائر مع عليّ عليه السلام - فقال : يا معشر حِمير تبّت أيديكم! أترون معاوية خيراً من عليّ عليه السلام! أضلّ الله سعيَكم. ثم أنت يا ذا الكَلاع قد كنّا نرى أن لك نيّةً في الدين، فقال ذو الكَلاع: إيها يا أبا شجاع !والله إنّي لأعلم ما معاوية بأفضلَ من عليّ (علیه السّلام) ولكني أقاتلُ على دم عثمان، قال : فأصيب ذو الكَلاع حينئذ، قتله خِندف بن بكر البكريّ في المعركة .
قال نصر : فحدثنا عمرو قال : حدّثنا الحارث بن حصيرة أن ابن ذي الكَلاع*** أرسل إلى الأشعث بن قيس رسولاً يسأله أن يسلِم إليه جثّة أبيه، فقال الأشعث: إني أخاف أن يتهمني أميرُ
المؤمنين في أمره، فاطلبه من سعيد بن قيس فهو في الميمنة، فذهب إلى معاوية فاستأذنه أن يدخل إلى عسكر عليّ(علیه السّلام) ، يطلُب أباء بين القَتلى، فقال له : إنّ علياً قد منع أن يدخل أحدٌ منا إلى معسكره، يخاف أن يُفْسِد عليه جنده، فخرج ابن ذي الكَلاع ، فأرسل إلى سعيد بن قيس الهمدانيّ يستأذنه في ذلك، فقال سعيد : إنّا لا نمنعك من دخول العسكر، إنّ أمير المؤمنين لا يبالي مَنْ دخل منكم إلى معسكره، فادخل، فدخل من قبل الميمنة، فطاف فلم يجده، ثم أتى الميسرة فطاف فلم يجده، ثم وجده وقد ربطت رجله بطُنُب (1)من أطناب بعض فساطيط العسكر، فجاء فوقف على باب الفسطاط، فقال : السّلام عليكم يا أهل البيت، فقيل له : وعليك السلام، فقال: أتأذنون لنا في طُنُب من أطناب فُسْطاطِكم ؟ ومعه عبد أسودُ لم يكن معه غيره. فقالوا : قد أدنّا لكم، وقالوا له : معذرة إلى الله وإليكم، أما إنه لولا بغيُه علينا ما صنعنا به ما ترون، فنزل ابنهُ إليه، فوجده قد انتفخ - وكان من أعظم الناس خَلْقاً - فلم يطق احتماله ، فقال : هل من فتى معوان؟ فخرج إليه خِندف البكريّ، فقال : تنحّوا عنه، فقال ابنه : ومَنْ الذي يحمله إذا تنحينا عنه؟ قال: يحملُه قاتله. فاحتمله خِندف حتى رمى به على ظهر بغل، ثم شدّه بالحبال، فانطلقا به .
قال نصر : وقال معاوية لما قتِل ذو الكَلاع : لأنا أشدُّ فَرَحاً بقتل ذي الكلاع منّي بفتح مصر لو فتحتُها . قال : لأن ذا الكَلاع كان يحجُر على معاوية في أشياء كان يأمرُ بها .
قال نصر : فلما قتل ذو الكلاع اشتدّت الحرب وشدّت عكّ وَلَحْمٌ وجُذام، والأشعريون من أهل الشام على مذحِج من أهل العراق، جعلهم معاوية بإزائهم، ونادى منادي عكّ :
ويلٌ لأمّ مَدْحِجِ مِنْ عَكُ*** لَنتركنَّ أمَّهُم تُبَكي
نقتلُهم بالطَّعْنِ ثم الصَّكُ*** بكل قِرْن باسل مِصَك (2)
فلاً رجالَ كرجال عك
فنادى منادي مَذحج يا لمَذحج! خَدّموا - أي اضربوا السُّوق مواضع الخَدَمة، وهي الخلاخيل - فاعترضت مذحِج سوق القوم، فكان فيه بوار عامِّتهم، ونادى منادي جذام حين طحنت رحا القوم، وخاضت الخيل والرجال في الدماء.
الله الله في جذام، ألا تذكرون الأرْحَام ، أفنيتم لخماً الكرام ، والأشعرين وآل ذي حمام!
أين النُّهى والأحلام هذي النساء تبكي الأعلام.
ونادى منادي عكّ :
يا عكّ أين المفرّ ، اليوم تعلم ما الخبر ، لأنكم قومٌ صُبر ، كونوا كمجتمع المدَر(1)، لا تشمتن بكُم مُضَر، حتى يحولَ ذا الخبر .
و نادى منادي الأشعريين :
يا مذحِج ، مَنْ للنساء غداً إذا أفناكم الرَّدَى ، الله الله في الحرمات، أما تذكرون نساءكم والبنات، أما تذكرون فارس والروم والأتراك، لقد أذن الله فيكم بالهلاك !
قال : والقومُ ينحرُ بعضُهم بعضاً ويتكادمون بالأفواه.
قال نصر: وحدّثني عمرو بن الزبير : لقد سمعت الحُضَين بن المنذر، يقول : أعطاني عليّ(علیه السّلام) ذلك اليوم رايةً ربيعة وقال : باسم الله سِر يا حضَين، واعلم أنه لا تخفِق على رأسك رايةٌ مثلها أبداً، هذه راية رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، قال : فجاء أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهليّ إلى الحُضين، وقال هل لك أن تعطيَني الراية أحملُها لك، فيكون لك ذكرُها، ويكون لي أجرُها! فقال الحُضَين : وما غناي يا عمّ عن أجرها مع ذِكرها ! قال : إنه لا غنى بك عن ذلك ، ولكن أعِرْهَا عمّك ساعة، فما أسرع ما ترجع إليك ! قال الحُضَين : فقلت : إنه قد استَقتل، وإنه يريد أن يموت مجاهداً، فقلت له : خذها فأخذها، ثم قال لأصحابه : إن عملَ الجنة كَرْه كله وثَقيل، وإن عمل النار خِفٌ كلّه وخبيث، إنّ الجنةَ لا يدخلها إلا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله وأمره، وليس شيء مما افترض الله على العباد أشدّ من الجهاد، هو أفضلُ الأعمال ثواباً عند الله، فإذا رأيتموني قد شددتُ فشدّوا ، ويحكم! أما تشتاقون إلى الجنة! أما تحبّون أن يغفِر الله لكم ! فشدّ وشدوا معه، فقاتلوا قتالاً شديداً، فقتل أبو عرفاء رحمه الله تعالى، وشدت ربيعة بعده شَدّة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها، وقال مجزَأة بن ثور
أضربُهم ولا أرى معاوية*** الأبرجَ العين العظيمَ الحَاويه
هوت به في النّار أمٌّ هاوية*** جاوره فيها كلابٌ عاوية
أغوى طَغَاماً لا هدته هاديه
قال نصر : وكان حُريث بن جابر يومئذ نازلاً بين الصَّفّين في قبّة له حمراء، يسقي أهلَ العراق اللبن والماء والسِّويق، ويطعمهم اللَّحم والثريد، فمن شاء أكَل، ومن شاء شرب، ففي ذلك يقول شاعرهم :
1) المَدَرُ : قطع الطين اليابس، أو العِلْكُ الذي لا رمل فيه .
فلو كانَ بالدَّهْنا حُريث بن جابر*** الأصبح بحراً بالمفازة جاريا
قلت: هذا حُرّيث بن جابر، هو الذي كتب معاوية إلى زياد في أمره بعد عام الجماعة - وحريث عامل لزياد على همدان - أما بعد، فاعزل حريث بن جابر عن عَمَله، فما ذكرت مواقفه بصفين إلا كانت حزازة في صدري . فكتب إليه زياد: خَفّض عليك يا أميرالمؤمنين، فإن حريثاً قد بلغ من الشَّرف مبلغاً لا تزيده الولاية، ولا ينقصه العزل .
قال نصر : فاضطربَ النّاسُ يومئذ بالسيوف حتى تقطّعت وتكسرت، وصارت كالمناجل، وتطاعنوا بالرّماح حتى تقصّفت وتناثرت أسنتُها ، ثم جَثَوْا على الركب فتحاثُوا بالتراب، يحثُو بعضهم التراب في وجه بعض، ثم تعانقوا وتكادَموا بالأفواه، ثم ترامَوا بالصخر والحجارة. ثم تحاجزُوا ، فكان الرّجلُ من أهل العراق يمرّ على أهل الشام، فيقول : كيف آخذ إلى رايات بني فلان؟ فيقولون ها هنا لا هداك الله ، ويمرّ الرجل من أهل الشام على أهل العراق، فيقول : كيف آخذ إلى راية بني فلان؟ فيقولون: ها هنا لا حفظك الله ولا عافاك .
قال نصر : وقال معاوية لعمرو بن العاص : أما ترَى يا أبا عبد الله إلى ما قَدْ دفعنا ،كيف ترى أهل العراق غداً صانعين! إنا لبمعرض خطر عظيم. فقال له : إن أصبحت غداً ربيعة وهم متعطفون حَول عليِّ(علیه السّلام) تعطُّف الإبل حول فحلها، لقيت منهم جلاداً صادقاً، وبأساً شديداً، وكانت التي لا يُتعزَّى لها . فقال معاوية : أيجوز أنك تخوفنا يا أبا عبد الله ! قال : إنّك سألتَني فأجبتك . فلما أصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا وربيعة محدقة بعليّ(علیه السّلام) إحداقَ بياض العين بسوادها .
قال نصر : فحدّثني عمرو قال : لما أصبَح عليّ(علیه السّلام) هذا اليوم، جاء فوقف بين رايات ربيعة، فقال عتاب بن لقيط البكريّ، من بني قيس بن ثعلبة : يا معشرَ ربيعة، حامُوا عن عليّ منذ اليوم، فإن أصيبَ فيكم افتضحتُم، ألا تروْنَه قائماً تحت راياتكم! وقال لهم شقيق بن ثور : يا معشرَ ربيعة، ليس لكم عُذر عند العرب إن وُصل إلى عليّ وفيكم رجل حيّ، فامنعوه اليوم، واصدقوا عدوّكم اللقاء، فإنه حمد الحياة تكسبونه. فتعاهدت ربيعة وتحالفت بالأيمان العظيمة منها ، تبايعَ سبعة آلاف، على ألا ينظر رجلٌ منهم خلفه حتى يردوا سُرادق معاوية، فقاتلوا ذلك اليوم قتالاً شديداً لم يكن قبله مثله، وأقبلوا نحو سرادق معاوية، فلما نظر إليهم قد أقبلوا قال :
إذا قلتُ قد ولَّت ربيعة أقبلَتْ*** كتائبُ منها كالجبالِ تُجالدُ
ثم قال لعمرو : يا عمرو ما ترى! قال : أرى ألا تحنَث أخوالي اليوم، فقام معاوية وخلَّى لهم سرادقه ورحلَه وخرج فارُّا عنه، لائذاً ببعض مضارب العسكر في أخريات الناس فدخله، وانتهبت ربيعة سرادقه ورَحْله، وبعث إلى خالد بن المعمّر : إنَّكَ قد ظفرت، ولك إمرة خراسان
إن لم تُتمّ . فقطع خالد القتال ولم يتمّه، وقال لربيعة : قد برّت أيمانكم فحسبكم، فلما كان عام الجماعة، وبايع النّاسُ معاوية، أمره معاوية على خُراسان، وبعثه إليها، فمات قبل أن يبلغَها .
قال نصر في حديث عمرو بن سَعد: إنّ علياً (علیه السّلام) صلّى بهم هذا اليوم صلاةَ الغداة، ثم زحف بهم ، فلما أبصروه قد خرج استقبلُوه بزُحوفهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً ثم إنّ خيل أهلِ الشام حملت على خيل أهل العراق، فاقتطعُوا من أصحاب عليِّ(علیه السّلام) ألفَ رجل أو أكثر، فأحاطوا بهم، وحالوا بينهم وبين أصحابهم فلم يروهم، فنادى عليّ(علیه السّلام) يومئذ : ألا رجلٌ يشري نفسه لله ويبيع دنیاه بآخرته ! فأتاه رجلٌ من جُعْف يقال له عبد العزيز بن الحارث، على فَرَس أدهم، كأنه غراب مقنّع في الحديد، لا يُرى منه إلا عيناه فقال : يا أمير المؤمنين، مُرْني بأمرك، فوالله لا تأمرني بشيء إلا صنعته، فقال عليٌّ (علیه السّلام) :
سمحت بأمر لا يطاق حفيظةً*** وصدقاً وإخوانُ الوفاء قليلُ
جَزَاكَ إِلهُ النَّاسِ خيراً فإنّه*** لعمرُك فضل ما هناك جزيلُ
يا أبا الحارث، شدَّ الله ركنك، احمل على أهل الشام، حتى تأتي أصحابَك فتقول لهم : إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السَّلام، ويقول لكم : هلَّلوا وكَبّروا من ناحيتكم، ونهلّل نحن ونكبِّر من ها هنا، واحملوا من جانبكم، ونحمل نحن من جانبنا على أهل الشام فضرب الجعفيّ فرسه، حتى إذا أقامه على أطراف سَنَابكه، حمل على أهل الشام المحيطين بأصحاب عليٍّ(علیه السّلام) : فطاعَنهم ساعة، وقاتلهم. فأفرَجُوا له حتى خَلَص إلى أصحابه، فلما رأوه استبشرُوا به وفرِحُوا، وقالوا : ما فعل أمير المؤمنين؟ قال صالح، يقرئكم السلام ويقول لكم : هلّلوا وكبروا واحملوا حملة شديدة من جانبكم، ونهلّل نحن ونكبّر ونحمل من جانبنا . ففعلوا ما أمرهم به، وهلّلوا وكَبّروا، وهلّل عليّ(علیه السّلام) وكَبّر هو وأصحابه، وحَمَل على أهل الشام وحملوا هُمْ من وَسَط أهل الشام، فانفرج القومُ عنهم وخرجوا، وما أصيب منهم رجلٌ واحد، ولقد قَتِل من فُرْسان الشام يومئذ زهاء سبعمائة إنسان .
قال عليّ (علیه السّلام) : مَنْ أعظم الناس اليوم غناء ؟ فقالوا : أنتَ يا أمير المؤمنين، فقال: كلاً، ولكنّه الجُعفيّ.
قال نصر : وكان عليٌّ(علیه السّلام) لا يعدِل بربيعة أحداً من النَّاس، فشقّ ذلك على مُضَر، وأظهروا لهم القبيح، وأبدَوْا ذات أنفسهم، فقال الحُضين بن المنذر الرقاشي شعراً أغضبهم به ، من جملته :
أَرَى مُضَراً ضارتْ ربيعةُ دونَها*** شِعَارَ أمير المؤمنين، وذا الفضلُ
فأبدَوا لنا مما تجنّ صدورهم*** هو السوءُ والبغضاء والحِقد والغِلُّ
فأبلُوا بلانا أو أقرّوا بفضلِنَا*** ولن تلحقونا الدّهْرَ ما حنت الإبلُ
فقام أبو الطفيل عامر بن واثلة الكنانيّ، وعمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميميّ، وقبيصة بن جابر الأسدي، وعبد الله بن الطّفيل العامريّ، في وجوه قبائلهم، فأتوا عليَّا (علیه السّلام)، فتكلم أبو الطفَيل ، فقال : إنا والله يا أمير المؤمنين ما نحسُد قوماً خَصّهم الله منك بخير، وإن هذا الحيّ من ربيعة قد ظنّوا أنّهم أولَى بك مِنّا، فأعفهم عن القتال أياماً ، واجعل لكلِّ امرىء منّا يوماً يقاتل فيه، فإنا إذا جتمعنا اشتبه عليك بلاؤنا . فقال عليّ(علیه السّلام) : نعم أعطيكم ما طلبتم ، وأمر ربيعة أن تكفّ عن القتال، وكانت بإزاء اليمن من صُفوف أهل الشام، فغدا أبو الطفيل عامر بن واثلة في قومه من كنانة، وهم جماعةٌ عظيمة، فتقدّم أمام الخيل، ويقول : طاعِنوا وضاربوا . ثم حمل، وارتجز فقال :
قَدْ ضَارَبَتْ فِي حَرْبِهَا كِنَانَهُ*** والله يجزیهایهِ جِنانَة
من أفرغ الصَّبْرُ عليه زانَة*** أو غَلب الجُبْنُ عليه شَانَهُ
أو كفر الله فقد أهانَة*** غداً يَعضَ مَنْ عَصَى بنانَهُ
فاقتتلوا قتالاً شديداً : ثم انصرف أبو الطُّفيل إلى عليّ(علیه السّلام) ، فقال : يا أميرَ المؤمنين، إنّك أنبأتنا أنّ أشرف القتل الشهادة، وأحظى الأمر الصبر، وقد والله صبرنا حتى أصِبنا، فقتيلُنا شهيد، وحيُّنا سعيد، فليطلُب مَن بقي ثأر مَن مضى، فإنا وإن كنّا قد ذهب صَفْونا، وبقي كدّرنا، فإن لنا ديناً لا يميل به الهوى، ويقيناً لا تزحمه الشبهة. فأثنى علىّ (علیه السّلام) عليه خيراً .
ثم غَدًا في اليوم الثاني عمير بن عطارد بجماعة من بني تميم - وهو يومئذ سيّد مُضَر الكوفة – فقال يا قوم إني أتبع آثار أبي الطفيل، فاتبعوا آثار كنانة، ثم قدّم رايته وارتجز فقال :
قَدْ ضَارَبَتْ فِي حَرْبِها تَميمُ*** إن تميماً خطب خطبُها عَظِيمُ
لها حديثُ ولها قديمُ*** إنّ الكريمَ نَسْلُه کَریمُ
دین قويم وهوى سليمُ*** إن لم تردهم رايتي فلوموا
ثم طعن برايته حتى خَضَبها ، وقاتل أصحابه قتالاً شديداً حتى أمسَوا، وانصرف عمير إلى عليّ(علیه السّلام) ، وعليه سلاحه ، فقال : يا أميرَ المؤمنين، قد كان ظنّي بالناس حسناً، وقد رأيتُ منهم فوقَ ظَنّي بهم قاتلوا من كلّ جهة، وبلغوا من عَفُوهم جَهْدَ عدوّهم، وهم لهم إن شاء الله.
ثم غدا في اليوم الثالث قَبيصة بن جابر الأسَديّ في بني أسد، وقال لأصحابه : يا بني أسد، أمّا أنا فلا أقصِّر دون صاحبيّ، وأمّا أنتم فذاك إليكم، ثم تقدَّم برايته ، وقال :
قَدْ حَافَظَتْ في حربها بنو أسَد***ما مثلُها تَحْتَ العَجَاج من أَحَدٌ
أقربُ من يُمن وأنأى من نَكَد*** كانّنا ركناثَبیراو احُد
أسَدُ
لسنا بأوباشِ ولا بيض البلد*** لكنّنا المحة من ولد معد
فقاتل القوم إلى أن دخل الليل، ثم انصرفوا .
ثم غدا في اليوم الرابع عبد الله بن الطُّفيل العامريّ في جماعة هوازن، فحارب بهم حتّى الليل ثم انصرفوا .
قال نصر: فانتصف المضرية من الربعيّة، وظهر أثرها وعرف بلاؤها، وقال أبو الطُّفيل :
وحَامَتْ كِنانة في حربها*** وحامت تميم وحَامَت أسد
وَحَامَتْ هَوَازِنُ يَوْمَ اللّقا*** فَمَا خامَ مِنَّا وَمِنْهُمْ أَحَدُ
لقينا الفوارس يوم الخمي***س والعيدِ والسَّبت ثم الأحَد
لقينَا قبائل أنسابهم*** إلى حضرموت وأهل الجَنَدْ
فأمدادُهم خَلف آذَانِهم*** وليس لنا من سوانا مَدد
فلما تنادوا بآبائهِمْ*** دَعَوْنَا مَعَدَّا ونعم المعَدّ
فظلْنانُفَلّق هاماتِهِم*** ولم نَكُ فيها ببيض البَلَد
ونعْمَ الفوارسُ يومَ اللقا*** فقل في عديدٍ، وقُلْ في عَدَدْ
وقل في طعان كفَرْعَ الدّلاءِ*** وَضَرْبِ عظيم كنارِ الوَقَدْ
ولكن عَصَفْنَاب- بهم عَصْفَةً*** وفي الحرب يُمْنُ وفيها نَكَدْ
طَحَنّا الفوارسَ وَسْطَ العَجاجِ*** وَسُقْنا الزعانِفَ سَوْق النَّقَد
وقلنا عَلِيٌّ لَنَا والدٌ*** ونحنُ له طاعةً كالولَد
قال نصر : وحدّثنا عمرو عن الأشعث بن سُوَيد، عن كردوس، قال : كتب عُقبة بن مسعود عاملُ عليّ على الكوفة إلى سليمان بن صُرَد الخُزاعي، وهو مع عليِّ بصفين:
أما بعد : فإنهم «إن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا »(1)، فعليكَ بالجهاد والصَّبر مع أمير المؤمنين. والسلام.
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن سعد وعمرو بن شَمِر، عن جابر عن أبي جعفر قال: قام عليّ(علیه السّلام) فخطب الناس بصِفِّين، فقال:
الحمدُ لله عَلَى نِعَمِهِ الفاضِلة على جَمِيع مَنْ خَلَق ، من البَرّ والفاجر، وعلى حُجَجه البالغة
1) سورة الكهف، الآية : 20 .
عَلَى خَلْقِهِ مَنْ أطاعه فيهم ومَنْ عصاه، إن يَرحَمْ فبفضله وَمَنْه ، وإن عَذّب فبما كسبت أيديهم، وإن الله ليسَ بظلامُ للعبيد .
أحْمَدُه على حُسن البلاء، وتظاهر النَّعماء، وأستعينه على ما نابنا من أمر الدنيا والآخرة، وأتوكّل عليه وكفى بالله وكيلاً . ثم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ، ارتضاه لذلك، وكان أهله، واصطفاه لتبليغ رسالته، وجعلَه رحمةً منه على خَلْقِه ، فكان علمُه فيه رؤوفاً رحيماً، أكرم خلق الله حسباً، وأجملُهم منظراً، وأسخاهم نفساً، وأبرّهم لوالد، وأوصَلهم لرحِم، وأفضلهم علماً ، وأثقلهم حِلماً، وأوفاهم لعهد، وآمنهم على عَقد، لم يتعلّق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قطّ، بل كان يظلم فيغفر، ويقدِر فيصفح، حتى مضى(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مطيعاً لله ، صابراً على ما أصابه، مجاهداً في الله حقَّ جاهده، حتى أتاه اليقين(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فكان ذهابُه أعظمَ المصيبة على أهل الأرض : البرّ والفاجر، ثم ترك فيكم كتابَ الله يأمركم بطاعة الله، وينهاكم عن معصيته، وقد عهِد إليّ رسولُ الله عهداً فلستُ أحيدُ عنه ، وقد حَضَرْتُم عَدُوّكُم، وعلمتُم أن رئيسهم منافق، يدعوهم إلى النار، وابن عمّ نبيكم معكم، وبين أظهركم، يدعوكم إلى الجنّة وإلى طاعة ربّكم، والعمل بسنّة نبيكم، ولا سواءَ مَنْ صلى قبل كلِّ ذَكَر، لم يسبقني بصلاة مع رسول الله أحدٌ، وأنا من أهل بدر، ومعاوية طليق [ وابن طليق] . والله إنّا على الحقّ وإنهم على الباطل، فلا يجتمعُنّ على باطلهم وتتفرقوا عن حَقّكم حتّى يغلب باطلُهم حقّكم ، «قتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ »(1)، فإن لم تفعلوا يعذّبهم بأيدي غيركم .
فقام أصحابُه، فقالوا يا أميرَ المؤمنين انهض بنَا إلى عَدُوّنا وعدوّك إذا شئت، فوالله ما نريدُ بك بدلاً ، بل نموت مَعَك، ونحيًا معك. فقال لهم : والّذي نفسي بيده، لنَظَرَ إليَّ النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أضربُ بين يديه بسيفي هذا ، فقال : «لا سيف إلا ذُو الفقار ولا فتَى إلا عليّ»، وقال لي: «يا عليّ، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنّهُ لا نبيّ بعدي، وموتك وحياتك يا عليّ معي»، والله ما كَذَب ولا كَذَبْتُ، ولا ضلّ ولا ضللت، ولا ضلّ بي، ولا نسِيت ما عهِدَ إليّ، وإنّي علي بينة من ربِّي وعلى الطريق الواضح، القطه لَقطاً.
ثم نهض إلى القوم، فاقتتلوا مِنْ حين طلعتِ الشمس حتى غاب الشفق الأحمر، وما كانت صلاة القوم في ذلك اليوم إلا تكبيراً .
قال : وحدّثنا عمرو بن شمر، عن جابر عن الشعبيّ، عن صعصعة بن صُوحان، قال: برزَ
1) سورة التوبة، الآية : 14 .
في بعض أيام صفّين رجل من حِميَر، من آل ذِي يَزَن، اسمه كُرَيب بن الصباح، ليس في الشام يومئذ رجلٌ أشهر بالبأس والنّجدة منه، فنادَى مَنْ یبارز ؟ فخرج إليه المرتفع بن الوضّاح الزبيديّ، فقتله، ثم نادى : مَنْ يُبارز ؟ فخرج إليه الحارث بن الجلاح، فقتله، ثم نادى: مَنْ يبارز؟ فخرج إليه عابد بن مسروق الهمدانيّ فقتله، ثم رمى بأجسادهم بعضَها فوق بعض، وقام عليها بغياً واعتداء، ونادى : مَنْ يبارز؟ فخرج إليه عليّ، وناداه ويحك يا كُرَيب! إني أحذرك الله وبأسَه ونقِمته، وأدعوك إلى سنة الله وسنّة رسوله، ويحك ! لا يُدخِلَنَّك معاوية النار، فكان جوابه له أن :قال ما أكثر ما قد سمعت مِنك هذه المقالة ولا حاجة لنا فيها، أقدم إذا شئت، : مَنْ يشتري سيفي وهذا أثره؟ فال عليّ : لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم مشى إليه فلم يمهله أن ضربه ضَرْبَةً خَرّ منها قتيلاً يُشْحَط في دمه، ثم نادى : مَنْ يبرز ؟ فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميريّ، فقتله، ثم نادى : مَنْ يبرُز ؟ فبرز إليه المطاع بن مطّلب العنسيّ، فقتله، ثم نادى : مَنْ يبرز فلم يبرز إليه أحدٌ، فنادى : [يا معشر المسلمين] ، ««الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (1)، ويحك يا معاوية! هلّم إليّ فبارزني، ولا يُقتَلَنَّ الناسُ فيما بيننا . فقال عمرو بن العاص : اغتنمِه منتهزاً، قد قَتَل ثلاثة من أبطال العرب وإني أطمعُ أن يُظفِرَك الله به، فقال معاوية : والله لَن تريد إلا أن أقْتَلَ فتصيب الخلافة بعدي ،اذهب، إليك عنّي، فليس مثلي يُخْدَع .
قال نصر : وحدّثنا عمرو قال: حدّثنا خالد بن عبد الواحد الجريريّ قال : حدّثني مَنْ سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصِفّين، وهو يحرّض أهل الشام، وقد كان منحنياً على قوس، فقال:
الحمدُ الله العظيم في شأنِه، القويّ في سلطانه، العليِّ في مكانه، الواضح في بُرهانه، أحمده على حُسن البلاء، وتظاهر النعماء، في كلِّ رزيةٍ من بلاء، أو شدّةٍ أو رخاء، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، ثم إنّا نحتسِب عندَ الله ربّ العالمين ما أصبحَ في أمة محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من اشتعال نيرانها، واضطراب حَبلها، ووقوع بأسها بينها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين! أو لا تعلمون أن صلاتَنا وصلاتَهم، وصيامَنا وصيامَهم، وحجّنا وحَجّهم، وقتلنا وقَتلهم، ودينَنا ودينَهم واحد، ولكنّ الأهواء مختلفة، اللهمَّ أصلح هذه الأمة بما أصلحتَ به أوّلَها، واحفظ فيما بينها، مع أن القوم قد وَطئُوا بلادكُم، وبغَوْا عليكم، فجِدّوا في قتالِ عَدُوّكم، واستعينوا بالله ربَّكم، وحافظوا على حُرماتكم. ثم جلس .
قال نصر : وخطب عبد الله بن العباس أهلَ العراق، يومئذ فقال :
1) سورة البقرة، الآية : 194 .
الحمدُ لله ربّ العالمين، الذي دَحا تحتَنا سَبْعا ، وسَمَك فوقنا سَبْعاً، وخلَق فيما بينهنّ خَلْقاً، وأنزل لنا مِنْهُنّ رزقاً ، ثم جعل كلّ شيء قدراً يبلى وينفى غير وجهه الحيّ القيوم، الذي يحيا ويبقى. إن الله تعالى بعث أنبياء ورُسُلاً، فجعلهم حججاً على عباده، عُذْراً أَوْ نُذرا، لا يطاع إلا بعلمه وإذنه، يمنّ بالطاعة على مَنْ يشاء من عباده، ثم يُثيب عليها، ويُعْصَى بعلم منه، فيعفو ويغفر بحلمه، لا يقدَر قدرُه، ولا يَبلغ شيء مكانه ، أحصى كلّ شيء عدداً، وأحاط بكلِّ شيء علماً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، إمامُ الهدى والنبيّ المصطفى، وقد ساقنا قَدَرُ الله إلى ما ترون، حتى كان مما اضطرب من حَبْلِ هذه الأمة، وانتشر من أمرها، أن معاوية بن أبي سفيان، وَجَدَ مِنْ طعام الناس أعواناً، على عليّ ابن عم رسول الله وصهره، وأوّل ذَكَرٍ صلّى معه، بَدْرِيّ، قد شهد مع رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كلّ مشاهده الّتي فيها الفضلُ ومعاوية مشركٌ، كان يعبد الأصنام، والذي مَلك المُلك وحدَه، وبان به وكان أهله، لقد قاتل عليّ بن أبي طالب مع رسول الله، وهو يقول: صدق الله ورسوله، ومعاوية يقول : كَذب الله ورسوله، فعليكم بتقوّى الله، والجِدّ والحزم والصبر، والله إنّا لَنعلمُ إنّكم لَعَلَى حقّ، وإنّ القومَ لَعَلَى باطل، فلا يكونُنّ أولى بالجدّ على باطلهم منكم في حَقّكم، وإنا لنعلمُ أن الله سيعذِّبُهم بأيديكم أو بأيدي غيركم ، اللهمَّ أعِنّا ولا تخذُلنا، وانصرنا على عَدُوّنا، ولا تحل عَنّا، وافتح بيننا وبين قومنا بالحقّ، وأنت خير الفاتحين.
قال نصر: وحدّثنا عمرو قال : حدّثنا عبد الرحمن بن جُندب، عن جندب بن عبد الله ، قال : قام عمّار يوم صفين، انهضُوا مَعِي عباد الله، إلى قوم يزعمون أنّهم يطلبون بدم ظالمٍ، إنما قتله الصالحون المنكرون للعُدوان، الأمرون بالإحسان، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم ولو دَرّس هذا الدين، لِمَ قتلتموه؟ فقلنا : لإحداثه، فقالوا إنه لم يُحدث شيئاً ، وذلك لأنه مكَّنهم من الدنيا ، فهم يأكلونَها ويَرْعَوْنها، ولا يبالون لو انهدمت الجبال. والله ما أظنّهم يطلبُون بدم، ولكنّ القوم ذاقُوا الدنيا فاستحلّوها، واستمرؤوها، وعلِموا أن صاحبَ الحق لو وليَهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها .
إنّ القوم لم يكُن لهم سابقة في الإسلام يستحقّون بها الطاعة والولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا : قُتِل إمامُنا مظلوماً : ليكونوا بذلك جبابرةٌ وملوكاً، تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون، ولولاها ما بايعهم من النّاس رجل، اللهمَّ إن تنصرنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم.
ثم مضى، ومضى معه أصحابُه، فدنا من عمرو بن العاص، فقال: يا عمرو ،بعت دينَك بمصر، فتبَّا لك! وطالما بَغَيْت للإسلام عِوَجاً .
ثم قال : اللهمَّ إنّك تعلم أنّ لو أعلم أنّ رضاك في أن أقذِف بنفسي في هذا البحر لفعلت.
اللهمَّ إنك تعلم أنّي لو أعلمُ أنّ رضاك أن أضع ظُبَة سيفي في بطني ثم أنحني عليه حتى يخرج من ظَهْري لفعلت، اللهمَّ إنِّي أعلم مما علّمتني أني لا أعمل عملاً صالحاً هذا اليوم، هو أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك منه لفعلته .
قال نصر : وحدّثني عمرو بن سعد عن الشعبيّ ، قال : نادى عَمّار عبدالله بن عمرو بن العاص، فقال له : بعتَ دينك بالدنيا من عدوّ الله وعدوّ الإسلام معاوية، وطلبت هوَى أبيك الفاسق، فقال : لا ، ولكنّي أطلبُ بدم عثمان الشهيد المظلوم، قال : كلاً، أشهد على علمي فيك أنك أصبحتَ لا تطلبُ بشيء من فعلك وجهَ الله ، وأنك إن لم تقتل اليوم فستموت غداً ، فانظر إذا أعطى الله العباد على نيّاتهم، ما نيّتك (1)!
وروى ابن ديزيل في كتاب صِفّين، عن صيف الصّبَي، قال: سمعت الصّعب بن حكيم بن شريك بن نَملة المحاربي يروى عن أبيه عن جَدّه شريك، قال: كان النّاس من أهلِ العراق وأهل الشام يقتتلون أيام صِفّين، ويتزايلون، فلا يَستطيع الرجلُ أن يرجعَ إلى مكانه حتى يُسْفِر الغبار عنه، فاقتتلوا يوماً، وتزايلوا وأسْفَر الغبار، فإذا عليّ تحت رايتِنا - يعني بني محارب - فقال : هل من ماء؟ فأتيتُه بإداوة فخنثتُها له ليشرب، فقال : لا إنّا نُهينا أن نشربَ من أفواه الأسقية. ثم علّق سيفه وإنه لمخضّب بالدم من ظُبته إلى قائمه. فصيبت له على يديه فغسلّهما حتی أنقاهما، ثم شرب بيديه حتى إذا رَوِي رفع رأسه، ثم قال : أين مضر؟ فقلت : أنت فيهم یا أمير المؤمنين، فقال : مَنْ أنتم بارك الله فيكم؟ فقلنا : نحن بنو محارب، فعرفَ موقفَه، ثم رجع إلى موضعه.
قلت: خنثتُ الإدارة، إذا ثنيتَ فاها إلى خارج، وإنما نهى رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عن اختِناث
الأسقية (2)، لأنّ رجلاً اختنتَ سِقاء فشرب، فدخل إلى جوفه حيّة كانت في السقاء.
قال ابن ديزيل : وروى إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدّثني عبد الملك بن قُدامة بن إبراهيم بن حاطب الجُمحيّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدّه عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال لي رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : كيف بك يا عبد الله إذا بقيتَ في حُثالة من الناس، قد مَرَجت عهودهم ومواثيقهم، وكانوا هكذا؟ وخالف بين أصابعه - فقلت : تأمرني بأمرك يا رسول الله ، قال : «تأخذُ مما تعرف، وتدع ما تنكر، وتعمل بخاصّة نفسك، وتدع الناس وهوام أمرهم (3)
کتاب: مسند المكثرين من الصحابة، باب مسند عبدالله بن عمرو بن العاص (6472) .
.قال : فلما كان يوم صفين، قال له أبوه عمرو بن العاص : يا عبدالله، اخرُج فقاتل، فقال : يا أبتَاه أتأمرني أن أخرج فأقاتل، وقد سمعت ما سمعت يوم عهد إلى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ما عهد! فقال : أنشُدُك الله يا عبدالله، ألم يكن آخر ما عهد إليك رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أن أخذ بيدك، فوضعها في يدي فقال : أطع أباك! فقال اللهمّ بلى،قال: فإني أعزم عليك أن تخرُج فتقاتل، فخرج عبدالله بن عمرو فقاتل يومئذ متقلّداً سيفين . قال : وإن من شعر عبد الله بن عمرو بعد ذلك يذكر عليًّا بصفين :
فلو شهدت جُملٌ مقامِي ومشهدِي*** بصفّين يوماً شابَ منها الذوائبُ
عَشِيّة جا أهلُ العراق كأنهُم*** سحابُ ربيع رفّعته الجنائبُ
إذا قلت قد ولّت سِرَاعاً بدث لنا*** كتائب منهم وارجحنَّت كتائبُ
وجئناهمُ فرادَى كانّ صفوفنا*** من البحر مدُّ موجه متراكب
فدارتْ رَحَانا واستدارَتْ رحاهُمُ*** سَرَاة النهار ما تولّى المناكبُ
فقالوا لنا: إنّا نرى أن تُبايعوا*** فقلنا بلى إنا نرى أن تضاربوا
وروى ابن ديزيل، عن يحيى بن سليمان الجعفيّ ، قال : حدثنا مسهر بن عبدالملك بن سلع الهمدانيّ، قال: حدثني أبي عن عبد خير الهمدانيّ، قال: كنت أنا وعبدُ خير في سفَر، قلت : يا أبا عمارة، حدّثني عن بعض ما كنتم فيه بصِفّين، فقال لي: يابن أخي، وما سؤالك؟ فقلت : أحببتُ أن أسمعَ منك شيئاً، فقال : يا بن أخي، إنا كنا لنصلِّي الفجر، فنصفّ ويصفّ أهل الشام، ونُشرع الرماح إليهم ويشرعون بها نحونا، أما لو دخلتَ تحتها لأظلّتك، والله يابن أخي، إنا كنا لنقِف ويقفُون في الحرب لا نفتر ولا يفترون، حتى نصلِّيَ العشاء الآخرة، ما يعرف الرجلُ منّا طولَ ذلك اليوم مَن عن يمينه ولا مَن عن يساره، من شدّة الظلمة والنَّقْع إلا بقَرْع الحديد بعضه على بعض، فيبرزُ منه شُعاع كشعاع الشمس، فيعرف الرجلُ مَن عن يمينه ومَنْ عن يساره، حتى إذا صلينا العشاء الآخرة جَرَرنا قتلانا إلينا فتوسَّدْنَاهُمْ حتى نصبح، وجرّوا قتلاهم فتوسّدوهم حتى يُصبحوا. قال: قلت له يا أبا عمارة هذا والله الصّبر.
وروى ابن ديزيل قال : كان عمرو بن العاص إذا مرّ عليه رجل من أصحاب عليّ فسأل عنه، فأخبر به فقال : يرى عليّ ومعاوية أنهما بريئان من دم هذا
قال ابن ديزيل: وروى ابن وهب عن مالك بن أنس، قال : جلس عمرو بن العاص بصِفّين في رواق - وكان أهلُ العراق يدفنون قتلاهم، وأهل الشام يجعلون قتلاهم في العَباء والأكسية
يحملونهم فيها إلى مدافنهم - فكلّما مُرّ عليه برجل ، قال : مَنْ هذا؟ فيقال : فلان، فقال عمرو : كم مِنْ رجل أحسنَ في الله ، عظيم الحال لم ينجُ من قتله فلان وفلان! قال: يعني عليَّا ومعاوية (1).
قلت : ليت شعري! لِمَ برَّأ نفسَه، وكان رأساً في الفتنة! بل لولاه لم تكن، ولكن الله تعالى أنطقَه بهذا الكلام وأشباهه، ليظهر بذلك شكّه ، وأنه لم يكن على بصيرة من أمره.
وروى نصر بن مزاحم، قال: حدثني يحيى بن يعلى، قال : حدثني صباح المُزني عن الحارث بن حصن ، عن زيد بن أبي رجاء، عن أسماء بن حكيم الفزاريّ، قال: كنا بصِفّين مع عليّ، تحت راية عمّار بن ياسر، ارتفاع الضحى، وقد استظللنا برداء أحمر، إذ أقبل رجل الصف یستقري الصف حتى انتهى إلينا ، فقال : أيّكم عمار بن ياسر ؟ فقال عمار: أنا عَمّار، قال أبو اليقظان؟ قال : نعم ، قال : إنّ لي إليك حاجة أفأنطقُ بها سراً أو علانية؟ قال: اختر لنفسك، أيَّهما شئت، قال: لا بل علانية، قال : فانطق، قال : إنّي خرجتُ من أهلِي مستبصراً في الحقّ الذي نحن عليه، لا أشكُّ في ضلالة هؤلاء القوم، وأنّهم على الباطل، فلم أزل على ذلك مستبصراً ، حتى ليلتي هذه، فإني رأيتُ في منامي منادياً تقدّم، فأذن وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ونادى بالصّلاة، ونادى منادِيهم مثل ذلك، ثم أقيمت الصلاة، فصلّينا صلاة واحدةً، وتلؤنا كتاباً واحداً، ودعونا دعوةً واحدة ، فأدركني الشكّ في ليلتي هذه، فبت بليلة لا يعلمُها إلا الله تعالى، حتى أصبحتُ فأتيتُ أميرَ المؤمنين، فذكرت ذلك له فقال : هل لقِيت عمار بن ياسر ؟ قلت : لا ، فالقه، فانظر ماذا يقول لك عمار فاتّبعه، فجئتُك لذلك، فقال عمار: تعرف صاحبَ الراية السوداء المقابلة لي ! فإنّها راية عمرو بن العاص، قاتلتُها مع رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ثلاث مرات، وهذه الرابعة فما هي بخيرهنّ، ولا أبرَّهن، بل هي شرُمن وأفجرهُنّ. أشهدت بدراً وأحداً ويوم حُنين، أو شهدها أب لك فيخبرك عنها؟ قال: لا، قال: فإن مراكِزنا اليوم على مراكز رايات رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين، وإنّ مراكز رايات هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب، فهل ترى هذا العسكر ومَنْ فيه ! والله لوددت أن جميعَ مَنْ فيه ممن أقبل مع معاوية يريد قتالنا، مفارقاً للذي نحن عليه كانوا خَلْقاً واحداً، فقطّعته وذبحته . والله لدماؤهم جميعاً أحلُّ مِنْ دم عصفور ، أفتى دم عصفور حراماً؟ قال : لا بل حلال، قال: فإنهم حلال كذلك، أتراني بيّنت لك ؟ قال : قد بينتَ لي، قال: فاختر أيّ ذلك أحببت .
1) أخرجه ابن مزاحم في وقعة صفين : 363 ، وابن منظور في لسان العرب: 52/11 .
فانصرف الرجلُ، فدعاه عمّار ثم قال: أما إنهم سيضربونكم بأسيافهم حتى يرتابَ المبطلون منكم، فيقولوا : لو لم يكونوا على حقّ ما أظهروا علينا ،والله ما هم من الحق على ما يقذي عين ذباب، والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سَعَفَات هَجر لعلمنا أنّا على حقّ، وأنّهم على باطل.
قال نصر : وحدّثنا يحيى بن يعلَى، عن الأصبغ بن نباتة، قال: جاء رجلٌ إلى عليّ، فقال: يا أميرالمؤمنين، هؤلاء القوم الذين نقاتلهم، الدعوة واحدة، والرسول واحد، والصلاة واحدة، والحجّ واحد فماذا نسميهم؟ قال : سمّهم بما سماهم الله في كتابه، قال: ما كلّ ما في الكتاب أعلمه، قال: أما سمعت الله تعالى يقول : «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ» إلى قوله : «وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَ تَهُمُ الْبَيِّنَتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَر »(1)فلما وقع الاختلاف، كنا نحن أولى بالله وبالكتاب وبالنبيّ وبالحقّ، فنحن الذين آمنوا وهم الذين كفروا، وشاء الله قتالهم، فقاتلهم بمشيئته وإرادته (2)
هذا آخر الجزء الخامس من شرح نهج البلاغة والحمد لله وحده
بسم الله الرحمن الرحيم
الأصل: قالوا: لما انتهت إلى أميرالمؤمنين(علیه السّلام) أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، قال : ما قالت الأنصار؟ قالوا :قالت منا أمير ومنكم أمير ، قال (علیه السّلام) :
فَهَلاً احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إلى مُحْسِنِهِمْ ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ !
قَالُوا : وَما في هذَا مِنَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؟
فَقَالَ(علیه السّلام) : لَوْ كَانَت الإمامةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ. ثُم قَالَ(علیه السّلام) : فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشٍ
قَالُوا : احْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ الرَّسُولِ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
فَقَالَ(علیه السّلام) : احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ !
الشرح قد ذكرنا فيما تقدّم طرفاً من أخبار السقيفة، فأمّا هذا الخبر الوارد في الوصية بالأنصار، فهو خبر صحيح، أخرجه الشيخان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القُشَيْرِيّ في مسنديهما، عن أنس بن مالك، قال : مرّ أبو بكر والعباس رضي الله تعالى عنهما بمجلِسٍ من الأنصار في مرض رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وهم يبكون، فقالا : ما يبكيكم؟ قالوا : ذكرنا محاسنَ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) . فدخلا على النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأخبراه بذلك، وقد عَصَبَ على رأسه حاشية بُردة، فصعد المِنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فخرج فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: «أوصيكم بالأنصار ، فإنّهم كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقيَ الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم»(1).
1) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب قول النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» (3799) ، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب فضائل الأنصار (2010) والترمذي، كتاب المناقب، باب فضل الأنصار وقريش (3904).
فأما كيفية الاحتجاج على الأنصار، فقد ذكرها عليّ(علیه السّلام) ، وهي أنّه لو كان - صلواتُ الله وسلامه عليه - ممّن يجعل الإمامة فيهم، لأوصى إليهم، ولم يوصِ بهم.
وإلى هذا نَظر عمرو بن سعيد بن العاص، وهو المسمى بالأشدّق (1)، فإنّ أباه لما مات خَلّفه غلاماً، فدخل إلى معاوية فقال : إلى مَنْ أوْصى بك أبوك؟ فقال : إنّ أبي أوصَى إليّ ولم يوصِ بي، فاستحسن معاوية منه ذلك ، فقال : إنّ هذا الغلام لأشدّق، فسمِّيَ الأشْدَق.
فأما قول أمير المؤمنين : «احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة»، فكلام قد تكرّر منه (علیه السّلام) أمثالُه ، نحو قوله : «إذا احتجّ عليهم المهاجرون بالقُرب من رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كانت الحجة لنا على
: المهاجرين بذلك قائمة ، فإن فَلَجَتْ حُجّتهم كانت لَنا ،دونهم وإلّا فالأنصار على دعوتهم» .
ونحو هذا المعنى قول العباس لأبي بكر : «وأما قولك : نحن شجرة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فإنكم جيرانها ونحن أغصانها».
ونحن نذكر خبر السقيفة، روّى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ في كتاب «السقيفة» قال :
أخبرني أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أحمد بن سيّار، قال: حدّثنا سعيد بن كَثير بن عُفَير الأنصاريّ أن النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لما قُبِض، اجتمعت الأنصار في سَقِيفة بني ساعدة، فقالوا : إن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قد قبِض، فقال سعد بن عبادة لابنه قيس - أو لبعض بنيه : إنّي لا أستطيعُ أنّ أَسْمِعَ الناسَ كلامي لمرضي، ولكن تلقّ مني قولي فأسمعهم . فكان سعد يتكلّم، ويستمع ابنه ويرفع به صوته ليُسمع قومَه، فكان من قوله بعد حمد الله والثناء عليه أن قال :
إنّ لكم سابقةً إلى الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب. إن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لبِثَ في قومه بضعَ عشرةَ سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله، ولا يُعِزُّوا دينَه، ولا يدفعوا عنه عِداه، حتى أراد الله بكم خيرَ الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصّكم بدينه، ورزقكم الإيمان به وبرسوله، والإعزازَ لدينه، والجهادَ لأعدائه، فكنتم أشدَّ الناس على مَنْ تخلّف عنه منكم ، وأثقله على عَدُوِّه من غيركم، حتى استقاموا لأمر الله طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيدُ المَقَادَةَ صاغراً داخراً، ، حتى أنجز الله لنبيّكم الوعد، ودانت لأسيافِكم العربُ . ثم توفّاه الله تعالى وهو عنكم راضٍ، وبكم قريرُ عَيْن، فشُدّوا يديكم بهذا الأمر، فإنّكم أحقُّ الناس وأولاهم به .
1) الأشدق : البليغ القاموس المحيط مادة (شدق)
فأجابوا جميعاً : أنْ وُفِّقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدُوَ ما أمرت. نولِّيك هذا الأمر، فأنت لنا مقنَع، ولصالح المؤمنين رضاً .
ثم إنّهم ترادُّوا الكلام بينهم، فقالوا : إن أبتُ مُهاجرة قريش فقالوا: نحن المهاجرون، وأصحابُ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الأوّلون، ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلامَ تُنازعوننا هذا الأمر من بعده! فقالت طائفة منهم : إذاً نقول : مِنّا أمير ومنكم أمير ، لن نَرضى بدون هذا منهم أبداً ، لنا في الإيواء والنصرة ما لهم في الهجرة، ولنا في كتاب الله ما لهم، فليسوا يعدُّون شيئاً إلا ونعدَ مثله، وليس مِنْ رأينا الاستثثارُ عليهم فمنّا أمير ومنهم أمير .
فقال سعد بن عبادة : هذا أول الوَهَن !
وأتى الخبرُ عمرَ ، فأتى منزل رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فوجَد أبا بكر في الدار وعليَّا في جهاز رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) - وكان الذي أتاه بالخبر مَعْن بن عديّ - فأخذ بيد عمر، وقال: قم، فقال عمر : إنّي عنك مشغول، فقال : إنّه لا بدّ من قيام، فقام معه، فقال له : إنّ هذا الحيَّ من الأنصار قد اجتمعُوا في سَقِيفة بني ساعدة، معهم سعد بن عُبادة، يدورون حَوله، ويقولون : أنت المرجّي، ونجلك المرجّي، وثَمٌ أناسٌ من أشرافهم، وقد خُشيت الفتنة، فانظر يا عمر ماذا ترى! واذكر لإخوتك من المهاجرين، واختاروا لأنفسكم، فإني أنظر إلى باب فتنة قد فِتح الساعة إلا أن يغُلقَهُ الله . ففزع عمر أشدَّ الفزع، حتى أتى أبا بكر، فأخذ بيده، فقال: قم، فقال أبو بكر: إنّي عنك مشغول . فقال عمر : لا بدّ من قيام، وسنرجع إن شاء الله
فقام أبو بكر مع عمر، فحدّثه الحديث، ففزع أبو بكر أشدَّ الفزع، وخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة، وفيها رجالٌ من أشراف الأنصار، ومعهم سعد بن عبادة وهو مريض بين أظهرهم، فأراد عمر أن يتكلّم ويمهد لأبي بكر ، وقال : خشيتُ أن يقصّر أبو بكر عن بعض الكلام، فلما نَبَس عمر، كَفّه أبو بكر وقال : عَلَى رِسْلك، فتلق الكلامَ ثم تكلَّم بعد كلا كلامي بما بدا لك . فتشهد أبو بكر، ثم قال :
إنّ الله جل ثناؤه بعثَ محمداً بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الإسلام، فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعانا إليه، وكُنا - معاشرَ المسلمين المهاجرين - أوّلَ الناس إسلاماً، والنّاس لنا في ذلك تَبَع، ونحن عشيرة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وأوسطُ العرب أنساباً، ليس من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة، وأنتم أنصار الله، وأنتم نصرتُم رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ثم أنتم وزراء رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وإخواننا في كتاب الله وشركاؤنا في الدين، وفيما كُنّا فيه من خير، فأنتم أحبُّ الناس إلينا، وأكرمهم علينا ، وأحقّ الناس بالرضا بقضاء الله، والتسليم لما ساق الله إلى إخوانكم من المهاجرين، وأحقّ الناس ألا تحسدوهم، فأنتم المؤثرون على أنفسِهم حين
الخصاصة، وأحقُ الناس الا يكون انتقاض هذا الدين واختلاطه على أيديِكم، وأنا أدعوكم إلى أبي عبيدة وعمر، فكلاهما قد رضِيتُ لهذا الأمر، وكلاهما أراه له أهلاً .
فقال عمر وأبو عبيدة : ما ينبغي لأحدٍ من الناس أن يكونَ فوقك أنت صاحبُ الغار، ثاني اثنين، وأمرَك رسول الله بالصلاة، فأنت أحقُّ الناس بهذا الأمر.
فقال الأنصار : والله ما نحسدكُم على خيرٍ ساقه الله ، إليكم، ولا أحدَ أحبّ إلينا ولا أرضى عِندنا منكم، ولكِنّا نشفِق فيما بعد هذا اليوم، ونحذر أن يغلبَ على هذا الأمر مَنْ ليس مِنّا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم رجُلاً منكم بايعنا ورضينا - على أنّه إذا هلك اخترنا واحداً من الأنصار، فإذا هَلَك كان آخر من المهاجرين أبداً ما بقيت هذه الأمة - كان ذلك أجدر أن نَعْدِل في أمّة محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فيشفِق الأنصاريّ أن يزيغ فيقبض عليه القرشيّ، ويشفق القرشيّ أن يزيغَ فيقبض عليه الأنصاريّ.
ينازعهم
فقام أبو بكر فقال : إنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لما بُعث عظام على العرب أن يتركُوا دينَ آبائهم، فخالفوه وشاقُوه، وخصّ الله المهاجرين الأولين من قومِه بتصديقه والإيمان به والمواساة له، والصَّبر معه على شِدّة أذى قومه، ولم يستوحشوا لكثرة عَدوّهم، فهم أول مَنْ عَبد الله في الأرض، وهم أوّلُ مَنْ آمن برسول الله، أوّلُ مَنْ آمن برسول الله، وهم أولياؤه وعِترته، وأحقّ الناس بالأمر بعده، لا فيه إلا ظالم، وليس أحد بعد المهاجرين فضلاً وقَدَماً في الإسلام مثلكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا نمتاز دونَكم بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور.
فقام الحُباب بن المنذر بن الجموح ، فقال : يا معشر الأنصار، امْلِكُوا عليكم أيديكم، إنّما الناس في فينكم وظلّكم ولن يجتری ء مجترى ء على خِلافكم، ولا يصدر الناس إلّا عن أمركم ،أنتم أهل الإيواء والنُّضرة، وإليكم كانت الهجرة، وأنتم أصحاب الدّار والإيمان، والله ما عبِد الله علانيةً إلا عندكم وفي بلادكم، ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم، ولا عُرف الإيمان إلا من أسيافكم ، فامْلِكُوا عليكم أمرَكم، فإن أبى هؤلاء فمنّا أميرُ ومنهم أمير. فقال عمر: هيهات! لا يجتمع سَيْفان في غِمْد، إن العرب لا ترضى أن تؤمرَكم ونبيُّها من غيركم، وليس تمتنع العرب أن توليَ أمرَها مَنْ كانت النبوّة فيهم، وأولو الأمر منهم، لنا بذلك الحجة الظاهرة على مَنْ خالفنا ،والسلطان المبين على مَنْ نازعنا، مَنْ ذا يخاصِمُنا في سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مُدْلٍ بباطل، أو متجانفٌ لإثم، أو متورّط في هَلَكة !
فقامَ الحُباب، وقال: يا معشر الأنصار ، لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من الأمر، فإن أبَوا عليكم ما أعطيتموهم فأجلُوهم عن بلادكم، وتولَّوْا هذا الأمر عليهم، فأنتم أولى الناس بهذا الأمر، إنّه دانَ لهذا الأمر بأسيافكم مَن لم يكن يدين له. أنا جُذَيْلُها
المحكّك، وعُذَيْقُها المرجّب، إن شئتم لتعيدنّها جَذعة، والله لا يردّ أحد عليّ ما أقول إلا حطّمتُ أنفه بالسَّيْف .
قال : فلما رأى بشير بن سعد الخزرجيّ ما اجتمعت عليه الأنصار من تأمِير سعد بن عبادة - وكان حاسداً له ،وكان من سادة الخزرج - قام فقال :
أيها الأنصار، إنا وإنْ كُنّا ذوي سابقة، فإنّا لم تُرِدْ بجهادنا وإسلامنا إلا رضا رَبِّنا وطاعة نبينا، ولا ينبغي لنا أن نستطِيل بذلك على الناس، ولا نبتغِي به عِوَضاً من الدّنيا، إن محمداً(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) رجلٌ من قريش، وقومه أحقُّ بميراثِ أمره، وأيمُ الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر، فاتَّقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم.
فقام أبو بكر ، وقال : هذا عمر وأبو عُبيدة، بايعوا أيُّهما شئتم، فقالا : والله لا نتولَّى هذا الأمر عليك، وأنت أفضلُ المهاجرين، وثاني اثنين، وخليفة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) على الصّلاةُ، والصّلاة أفضلُ الدّين . ابسُطُ يَدك نبايعك .
فلما بَسط يده وذهبا يبايعانه، سبقهما بشير بن سعد فبايَعه، فناداه الحُباب بن المنذر: يا بشير، عَقّك عَقَاقِ، والله ما اضطرك إلى هذا الأمر إلّا الحسدُ لابن عَمّك .
ولما رأت الأوس أنّ رئيساً من رؤساء الخزرج قد بايع، قام أسَيد بن حُضَير – وهو رئيس الأوس - فبايعَ حسدًا لسعد أيضاً، ومنافَسة له أن يليَ الأمرَ، فبايعت الأوس كلّها لمّا بايع أسَيد، وحمِل سعد بن عبادة وهو مريض، فأدخِل إلى منزله، فامتنع من البَيعة في ذلك اليوم . وفيما بعده، وأراد عمر أن يُكره عليها ، فأشير عليه ألا يفعل، وأنه لا يبايع حتى يُقتل، وأنه لا يُقتل حتى يُقتل أهلُه، ولا يقتَل أهلُه حتى يقتَلَ الخزرج، وإن حوربت الخزرج كانت الأوس معها .
وفسد الأمر فتركوه، فكان لا يصلّي بصلاتِهم، ولا يجمَع بجماعتهم، ولا يقضِي بقضائهم، ولو وجد أعواناً لضارَبهم، فلم يزل كذلك حَتى مات أبو بكر، ثم لقِيَ عمرَ في خلافته، وهو على فرس، وعمر على بعير، فقال له عمر: هيهات يا سعد! فقال سعد : هيهات يا عمر! فقال : أنت صاحب مَنْ أنت صاحبه؟ قال : نعم أنا ذاك، ثم قال لعمر: والله ما جاوَرني أحدٌ هو أبغضُ إليّ جواراً منك، قال عمر: فإنه مَنْ كَرِه جوار رجل انتقل عنه، فقال سعد: إنّي لأرجو أن أخلِّيَها لك عاجلاً إلى جوار مَنْ هو أحبُّ إلي جواراً منك ومن أصحابك، فلم يلبث سعدٌ بعد ذلك إلا قليلاً حتى خرج إلى الشام، فمات بحوران ولم يبايع لأحدٍ، لا لأبي بكر ولا لعمر ولا لغيرهما .
قال وكثر الناسُ على أبي بكر، فبايعه معظمُ المسلمين في ذلك اليوم، واجتمعت بنو
هاشم إلى بيت عليّ بن أبي طالب، ومعهم الزبير، وكان يعدّ نفسه رجلاً من بني هاشم، كان عليّ يقول : ما زال الزُّبير مِنّا أهل البيت، حتى نشأ بنُوه، فصرفُوه عَنّا .
واجتمعت بنو أميّة إلى عثمان بن عفّان، واجتمعت بنو زُهرة إلى سعد وعبدالرحمن، فأقبل عمر إليهم وأبو عبيدة فقال : ما لي أراكم ملتائين؟ قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايع له الناس ، وبايعه الأنصار . فقام عثمان ومن معه، وقام سعد وعبدالرحمن ومَنْ معهما ، فبايعوا أبا بكر .
وذهب عمر ومعه عِصَابة إلى بيت فاطمة، منهم أسيد بن حُضير وسلمَة بن أسلم، فقال لهم : انطلقوا فبايعوا ، فأبوا عليه، وخرج إليهم الزُّبَير بسيفِه ، فقال عمر : عليكم الكلب، فوثب عليه سلمةً بن أسلم، فأخذَ السيفَ من يدِه فضرب به الجِدار، ثم انطلقوا به وبعليٍّ ومعهما بنو هاشم، وعليّ يقول : أنا عبدُ الله وأخو رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، حتى انتهوا به إلى أبي بكر، فقيل له : بايغ فقال : أنا أحقُّ بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعةِ لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحْتَجَجْتُم عليهم بالقرابة من رسول الله ، فأعطوكم المقادَة، وسلَّموا إليكم الإمارة، وأنا أحتجُّ عليكم بمثل ما احتججتُم به على الأنصار. فأنصفونا إن كنتم تخافُون الله من أنفسكم، واعرفوا لَنَا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون .
فقال عمر : إنّك لست متروكاً حتى تبايع. فقال له علي احلب يا عمر حلباً لك شطرهُ! اشدُد له اليوم أمرَه ليردّ عليك غَداً ! ألا والله لا أقبل قولَك ولا أبايعه. فقال له أبو بكر : فإن لم تبايعني لم أكرهك ، فقال له أبو عبيدة : يا أبا الحسن، إنّك حديث السنّ، وهؤلاء مَشْيَخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر إلا أقوَى على هذا الأمر منك، وأشدَّ احتمالاً له، واضطلاعاً به فسلِّم له هذا الأمر وارْضَ به، فإنك إن تعش وَيَطُلْ عمرك فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق، في فضلِك وقرابتِك، وسابقتِك وجهادِك .
فقال عليّ: يا معشر المهاجرين، الله الله ! لا تخرجوا سلطانَ محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهلَه عن مقامه في الناس وحَقّه، فوالله يا معشرَ المهاجرين، لَنَحْنُ - أهلَ البيت - أحقُّ بهذا الأمر منكم. أمَا كان منّا القارىء لكتابِ الله، الفقيه في دين الله ، العالم بالسنّة، المضطلع بأمر الرعية! والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى، فتزدادوا من الحقّ بعداً .
فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلامُ سمعتهُ منك الأنصار يا عليّ قبل بيعتهم لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان، ولكنّهم قد بايعوا .
وانصرف عليّ إلى منزله، ولم يبايع، ولزم بيتَه حتى ماتت فاطمة فبايَع (1).
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 348/28 وأخرجه القمي في كتاب الأربعين : 154 .
قلت : هذا الحديث يدلُّ على بُطلان ما يُدعَى من النصّ على أمير المؤمنين وغيره، لأنه لو كان هناك نصُّ صريح لاحتجّ به ولم لاحتج به ولم يجرِ للنصّ ذكر، وإنّما كان الاحتجاج منه ومن أبي بكر الأنصار بالسوابق والفضائل والقرب، فلو كان هناك نصّ على أمير المؤمنين أو على أبي بكر، لاحتج به أبو بكر أيضاً على الأنصار، ولاحتجّ به أميرُ المؤمنين على أبي بكر، فإنّ هذا ؟ الخبر وغيره من الأخبار المستفيضة، يدلّ على أنه قد كان كاشفهم وهَتَك القِناع بينه وبينهم، تراه كيف نسبهم إلى التعدِّي عليه وظلمه، وتمنَّع من طاعتهم، وأسمعَهم من الكلام أشدّه وأغلظه! فلو كان هناك نصُّ لذكره، أو ذكره بعض مَنْ كان من شيعته وحِزبه، لأنّه لا عِطر بعد عَرُوس .
وهذا أيضاً يدلّ على أنّ الخبرَ المرويّ في أبي بكر في صحيحَي البخاري ومسلم غيرُ صحيح، وهو ما رُوي من قوله عليه السلام لعائشة في مرضه : «ادعي لي أباك، حتى أكتب لأبي بكر كتاباً، فإني أخافُ أن يقول قائل، أو يتمنى متَمِّن، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر».
وهذا هو نص مذهب المعتزلة .
وقال أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ أيضاً : حدثنا أحمد وقال : حدثنا ابن عُفير، قال: حدّثنا أبو عوف عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي جعفر محمد بن عليّ رضي الله عنهما، أنّ عليَّا حَمَل فاطمة على حمار، وسار بها ليلاً إلى بيوت الأنصار، يسألهم النصرة، وتسألهم فاطمة الانتصار له، فكانوا يقولون : يا بنتَ رسول الله، قد مضت بيعتُنا لهذا الرجل، لو كان ابنُ عمّك سبق إلينا أبا بكر ما عَدَلْنا به، فقال عليّ : أكنت أترك رسولَ الله ميتاً في في بيته لا أجهّزه ، وأخرجُ إلى الناس أنازعهم في سلطانه !
وقالت فاطمة : ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغي له، وصنعوا هم ما الله حسبُهم عليه .
وقال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: وحدثنا أحمد، قال حدثني سعيد بن كَثِير، قال: حدثني ابن لَهِيعة، أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لما مات وأبو ذَرّ غائب، وقدم وقد ولّي أبو بكر، فقال: أصبتم قِناعه، وتركتم قرابه، لو جعلتم هذا الأمر في أهلِ بيت نبيّكم لما اختلف عليكم اثنان .
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدثنا أبو قبيصة محمد بن حرب، قال: لما توفيَ النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وجرى في السقيفة ما جرى تمثل عليّ :
وأصبح أقوام يقولونَ ما اشْتَهَوْا*** ويطغون لمّا غالَ زيداً غوائلُة
وحدثني أبو جعفر يحيى بن محمد بن زيد العلَوي نقيب البصرة ، قال : لما قدم أبو القاسم عليّ بن الحسين المغربيّ من مصر إلى بغداد، استكتبه شرفُ الدولة أبو عليّ بن بويه، وهو
يومئذ سلطان الحضرة، وأمير الأمراء بها، والقادر خليفة، ففسدت الحالُ بينه وبين القادر، واتفق لأبي القاسم المغربيّ أعداء سوء أو حشوا القادر منه، وأوهموه أنّه مع شرف الدولة في القبض عليه وخلعه من الخلافة، فأطلق لسانَه في ذكره بالقبيح. وأوصلَ القول فيه، والشكوى منه، ونسبه إلى الرفض وسبّ السلف، وإلى كفران النعمة، وأنه هرب من يد الحاكم صاحب مصر بعد إحسانه إليه .
قال النقيب أبو جعفر رحمه الله تعالى : فأما الرفض فنعم، وأما إحسان الحاكم إليه فلا .
كان الحاكم ! قتل أباه وعَمّه وأخاً من إخوته، وأفلت منه أبو القاسم بخديعة الدين، ولو ظفر به الألحقه بهم .
قال أبو جعفر : وكان أبو القاسم المغربيّ، ينسب في الأزد، ويتعصب لقَخطان على عدنان، وللأنصار على قريش، وكان غالياً في ذلك مع تشيّعه، وكان أديباً فاضلاً شاعراً مترسّلاً، وكثير الفنون عالماً، وانحدر مع شرف الدولة إلى واسط، فاتفّق أن حصل بيد القادر کتاب بخطّه شبه مجموع ، قد جمعه من خَطّه وشعره وكلامه مسود، أتحفه به بعض مَنْ كان يشنا أبا القاسم، ويريد كيده، فوجد القادر في ذلك المجموع قصيدة من شعره ،فيها تعصّب شديد للأنصار على المهاجرين، حتى خرج إلى نوع من الإلحاد والزندقة، لإفراط غُلُوّه وفيها تصريح بالرفُض مع ذلك، فوجدها القادر تَمْرَة الغراب، وأبرزها إلى ديوان الخلافة، فقرىء المجموع والقصيدة بمحضَر من أعيان الناس من الأشراف والقضاة والمعدّلين والفقهاء، ويشهد أكثرهم أنه خَطّه، وأنهم يعرفونه كما يعرفون وجهه، وأمر بمكاتبة شرف الدولة بذلك، فإلى أن وصل لكتاب إلى شرف الدولة بما جَرى، اتصل الخبر بأبي القاسم قبل وصول الكتاب إلى شرف لدولة، فهرب ليلاً، ومعه بعضُ ،غلمانه وجارية كان يهواها ويتحطّاها، ومضى إلى البَطِيحة، لم منها إلى الموصل، ثم إلى الشام ومات في طريقه، فأوصى أن تحمَلَ جثته إلى مشهد عليّ ، تحملت في تابوت ومعها خفراء العرب حتى دفن بالمشهد بالقرب منه(علیه السّلام).
وكنت برهةً أسأل النقيب أبا جعفر عن القصيدة، وهو يدافعني بها، حتى أملاها عليّ بعد حين، وقد أوردت ها هنا بعضها، لأني لم أستجِز ولم أستحلّ إيرادها على وجهها، فمن جملتها - وهو يذكر في أولها رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ويقول : إنه لولا الأنصار لم تستقم لدعوته عامة، ولا أرست له قاعدة، في أبيات فاحشة كرهنا ذكرها :
نحنُ الَّذِين بنا استجارَ فلم يَضِعْ*** فينا، وأصبَحَ في أعزّ جِوارِ
بسيوفنا أمست سخينهُ برّكاً*** في بَدْرِها كنحائِرِ الجزّار
وَلنحنُ في أُحُدٍ سَمَحْنَا دونه*** بنفوسنا للموت خوفَ العارِ
فنجابمهجتِه، فلولا ذبُّنَا*** عنه تنشّب في مخالِب ضار
وحميّة السَّعْدَيْنِ بل بحماية الس***- دُّين يوم الجحفلِ الجرَّارِ
في الخندق المشهور إذا ألقى بها*** بیدٍ، ورام دفاعها بثمار
قالا: معاذ الله إن هضيمةً*** لم نعطَها في سالف الأعصار
ما عندنا إلا السيوف، وأقبلا*** نحو الحتُوف بها بَدَارِ بَدَارِ
ولنابيوم بيوم حنينَ آثارٌ متى*** تذكر فهنّ كرائمُ الآثارِ
لما تصدع جمعُه فغدا بنا*** مستصرخاً بعقِيرَةٍ وجُؤارِ (1)
عطفت عليه كماتُنا، فتحصَّنَتْ*** مِناجموعُ هوازنِ بفرَار
وفدَته من أبناء قَيْلَة عُصْبَةٌ*** شَرْوَى النّقير وجنَّة البقَّار
أفنحنُ أولى بالخلافة بعدَهُ*** أم عبد تيم حامِلُو الأوزار!
ما الأمر إلا أمرُنا ويسعدِنا*** رُفَّتْ عَرُوسُ الملك غير نوار!
لكنما حسدُ النفوس وشحُّها*** وتذكّر الأذحال والأوتار
أفضى إلى هَرْجٍ وَمَرْجِ فانبرَتْ*** عشواء خابطةٌ بغيرنَهارِ
وتدا والتها أربعٌ لولا أبو*** حَسَنٍ لقلتُ لؤمت من إسْتارِ
من عاجز ضَرع، ومن ذي غِلْظَةٍ*** جافٍ، ومن ذي لوئة- خوّار
ثم ارتدى المحرومُ فضْلَ رِدَائها*** فغلت مراجل إِحْنَةٍ َونِفَارِ
فتأكّلت تلك الْجُذَى، وتلمظَتْ*** تلك الظُّبا، ورقا أجيج النار (2)
تالله لو ألقوا إليه زمامَها*** لمشى بهم سُجُحاً بغيرِ عِثَار
ولو أنَّها حلّت بساحةٍ مجده*** بادِي بدا سكنت بدارِ قَرَارِ
هو كالنبيِّ فضيلةً، لكنَّ ذا*** من حَظّه كاسٍ، وهذا عار
والفضلُ ليس بنافع أربابَه*** إلا بمسعدة الأقدار
ثم امتطاها عبد شمس فاغتدَتْ*** هزوًا، وَبُدِّلَ رِبْحُها بخَسَارِ
وتنقّلت في عصبةٍ أموية َأمَوِيَّة*** ليسوا بأطهارٍ، ولا أبرار
ما بين مأفونِ إلى مُتَزَنْدِقٍ*** ومُداهِنٍ ومضاعف وحِمَارِ
فهذه الأبيات، هي نظيفُ القصيدة، التقطناها وحذفنا الفاحش، وفي الملتقط المذكور أيضاً ما لا يَجُوز، وهو قوله : «نحن الذين بنا استجار»، وقوله : «ألقى بها بيدٍ»، وقوله: «فنجا
بمهجته . . . » البيت. وقوله عن أبي بكر : «عبد تيم»، وقوله : «لولا عليّ لقلت في الأربعة إنهم إستار لؤم» ، وذكره الثلاثة رضي الله عنهم بما ذكرهم ونسبهم إليه . وقوله : «إن علياً كالنبي في الفضيلة»، وقوله : «إنّ النبوة حظ أعطيّه وحرِمه عليّ(علیه السّلام)» . .
فأما قوله في بني أمية: «ما بين مأفون ...» البيت، فمأخوذ من قول عَبد الملك بن مروان، وقد خطب فذكر الخلفاء من بني أميّة ،قبله فقال : إنّي والله لستُ بالخليفة المستضعَف، ولا بالخليفة المداهِن ولا بالخليفة المأفون، عَنّى بالمستضعَف عثمان، وبالمداهن معاويةَ، وبالمأفون يزيدَ بن معاوية، فزاد هذا الشاعر فيهم اثنين: وهما المتزندِق، وهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، والحِمار وهو مروان بن محمد بن مروان.
وروى الزبير بن بكار في «الموفقيَّات » قال : لما بايع بشير بن سعد أبا بكر، وازدحم الناس على أبي بكر فبايعوه، مرّ أبو سفيان بن حرب بالبيت الذي فيه عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) ، فوقف وأنشَد :
بَنِي هاشم لا تطمِعُوا النَّاس فيكمُ*** ولاسيَّما تَيم بن مرّة أو عديّ
فما الأمرُ إلا فيكمُ وإليكمُ*** وليس لها إلّا أبو حسنٍ عليّ
أبا حَسَنٍ فاشدُدْ بها كفّ حازمٍ*** فإنّك بالأمر الذي يُرتَجى مليّ
وأيّ امرى ءٍ يرمي قصيَّا ورأيهاً*** منيعُ الحِمى والناس من غالبٍ قصي!
فقال عليّ لأبي سفيان: إنّك تريد أمراً لسنَا من أصحابه، وقد عهد إلي رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عهداً فأنا عليه، فتركه أبو سفيان وعَدل إلى العبّاس بن عبد المطلب في منزله فقال : يا أبا الفضل، أنت أحقّ بميراث ابن أخيك، امدد يدك لأبايعك، فلا يختلف عليك الناس بعد بيعتي إياك . فضحِك العباس، وقال يا أبا سفيان، يدفعها عليّ ويطلبُها العباس! فرجع أبو سفيان خائباً .
قال الزبير : وذكر محمد بن إسحاق أنّ الأوس تزعم أنّ أوّل مَنْ بايع أبا بكر بشير بن سعد، وتزعم الخزرج أن أول مَنْ بايع أسَيَد بن حُضير .
قلت : بشير بن سعد خزرجيّ وأسَيد بن حضير أوسيّ، وإنما تدافَع الفريقان الرّوايتين تفادياً عن سعد بن عبادة، وكراهية كلِّ حيِّ منهما أن يكونَ نِقْضُ أمره جاء من جهة صاحبه، فالخزرج هُمْ أهله وقرابته، لا يقرّون أن بشير بن سعد هو أول مَن بايع أبا بكر وأبطل أمرَ سعد بن عبادة، ويُحيلون بذلك على أسيد بن حضير، لأنه من الأوس أعداء الخزرج وأمّا الأوس فتكره أيضاً أن يُنسب أسيد إلى أنّه أول مَنْ نَقَضَ أمر سعد بن عبادة، كي لا يرمُوه بالحَسد للخزرج، لأن
سعد بن عُبادة خَزْرجيّ، فيحيلون بانتقاض أمره على قبيلته - وهم الخزرج - ويقولون : إن أول مَنْ بايع أبا بكر ونَقَض دعوة سَعد بن عبادة بشيرُ بن سعد . وكان بشيرٌ أغوَر.
والذي ثبت عندي أنّ أوّلَ مَنْ بايعه عمر، ثم بشير بن سعد، ثم أسَيد بن حُضَير، ثم أبو عبيدة بن الجرّاح، ثم سالم مولى أبي حُذَيفة .
قال الزبير : وقد كان مالاً أبا بكر وعمر على نقض أمر سعد وإفساد حاله رجلان من الأنصار ممّن شهد بدراً، وهما عُوَيم بن ساعدة ومعن بن عديّ.
قلت: كان هذان الرجلان ذوَي حُبّ لأبي بكر في حياة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) واتفق مع ذلك بغض وشحناء، كانت بينهما وبين سعد بن عبادة، ولها سبب مذكور في كِتَاب «القبائل» (1)لأبي عبيدة معمر بن المثنّى، فليُطلب هناك.
وعُوَيم بن ساعدة، هو القائل لما نصب الأنصار سعداً: يا معشرَ الخزرج، إن كان هذا الأمر فيكم دونَ قريش فعرّفونا ذلك وبرهِنُوا حتى نبايعَكم عليه، وإن كان لهم دونَكم، فسلّوا إليهم، فوالله ما هلك رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حتى عَرَفْنا أن أبا بكر خليفة حين أمرَه أن يصلّيَ بالناس، فشتَمه الأنصار وأخرجوه، فانطلق مسرعاً حتى التحق بأبي بكر، فشحَذَ عزمه على طلب الخلافة .
ذكر هذا بعينه الزبير بن بكار في «الموفقيات» (2).
وذكر المدائنيّ والواقديّ أنّ معن بن عديّ اتفق هو وعُوَيم بن ساعدة على تحريض أبي بكر وعمر على طلب الأمر وصَرْفه عن الأنصار قال : وكان معن بن عديّ يشخصهما إشخاصاً، ويسوقهما سَوْقاً عنيفاً إلى السقيفة، مبادرة إلى الأمر قبل فواته .
قال الزبير بن بكار : فلمّا بُويع أبو بكر، أقبَلت الجماعة التي بايعته تزفّه زنّا إلى مسجد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فلما كان آخرُ النهار، افترقوا إلى منازلهم ، فاجتمع قومٌ من الأنصار وقوم من المهاجرين، فتعاتبوا فيما بينهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا معشرَ الأنصار ، إنّكم وإن كنتم أولي فضل ونضر وسابقة، ولكن ليس فيكم مثل أبي بكر ولا عمر ولا عليّ ولا أبي عبيدة. فقال زيد بن أرقم : إنا لا ننكر فضلَ مَنْ ذَكرتَ يا عبد الرحمن، وإنّ منّا لسيّد الأنصار سعد بن عبادة، ومَنْ أمر الله رسوله أن يقرئه السلام، وأن يأخذ عنه القرآن أبيّ بن كعب، ومَنْ يجيء يوم
القيامة إمام العلماء مُعاذ بن جبل، ومن أمْضَى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) شهادته بشهادة رجلين خُزيمة بن ثابت، وإنّا لنعلم أنّ ممّن سمَّيتَ مَن قريش من لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد، علي بن أبي طالب .
قال الزّبير : فلما كان من الغد قام أبو بكر فخطب الناس وقال :
أيّها الناس، إني وليت أمرَكم ولستُ بخيركم، فإذا أحسنت فأعينوني، وإن أسات فقوّموني، إنّ لي شيطاناً يعتريني (1)، فإيّاكم وإيّاي إذا غضِبت، لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم.
الصّدق أمانة، والكذب خيانة، والضّعيف منكم قويّ حتى أردَّ إليه حقّه، والقويّ ضعيف حتى آخذ الحق منه . إنّه لا يَدع قومٌ الجهادَ إلا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشِيع في قوم الفاحشة إلا عَمّهم البلاء، أطِيعوني ما أطعتُ الله، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله .
قال ابن أبي عبرة القرشيّ :
شكراً لمن هو بالثَّنَاءِ حقيقُ*** ذهب اللَّجَاجُ وبُويع الصّديقُ
من بعد ما زَلَّت بسعدٍ نعلُه*** ورجارجاءً دونَه العَیُّوقُ (2)
حقَّت به الأنصارُ عاصبَ رأسِه*** فأتاهمُ الصِّديقُ والفاروقُ
وأبو عبيدَة والذين إليهمُ*** نفس المؤمّل للقاء تتوقُ
كنّا نقول لها عليّ والرضا*** عُمَر وأولاهم بذاك عتيق
فدعت قریش باسمه فأجابها*** إنّ المنوّه باسمه الموثوقُ
قل للألئ طلبوا الخلافة زَلَّةٌ*** لم يَخْطُ مثل خطاهُمُ مخلوقُ
إنّ الخلافة في قريش ما لكم*** فيها - وربِّ محمد - مَعْرُوقُ
وروى الزبير بن بكار، قال: روی محمد بن إسحاق أنّ أبا بكر لما بُويع افتخرت تَيم بن مرة - قال : وكان عامة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكُّون أنّ علياً هو صاحب الأمر بعد رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) - فقال الفضل بن العباس: يا معشرَ قريش، وخصوصاً يا بني تَيم، إنّكم إنما أخذتم الخلافَة بالنبوّة، ونحن أهلُها دونَكم، ولو طلبنا هذا الأمرَ الذي نحنُ أهله لكانت كراهةُ
الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسداً منهم لنا، وحِقداً علينا، وإنّا لنعلم أنّ عند صاحبنا عَهْداً هو ينتهي إليه .
وقال بعض ولد أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم شعراً :
ما كنتُ أحسِبُ أنّ الأمر منصرفٌ*** عن هاشم ثمّ مِنْهَا عن أبي حَسَنِ
أليس أوّلَ من صلّى لقبلتكم*** وأعلمَ الناس بالقرآن والسّنن
وأقربَ الناس عهداً بالنبيّ ومَنْ*** جبريلُ عَوْنٌ له في الغسل والكَفَنِ
ما فيه ما فيهمُ لا يمترونَ به*** وليس في القوم ما فيه من الحسن
ماذا الذي رَدْهُمْ عنه فنعلَمه*** ها إِنْ ذَا غَبْنُنَا من أعظم الغبَنِ!
قال الزبير. فبعث إليه عليّ فنهاه وأمره ألّا يعود، وقال: سلامة الدّين أحبّ إلينا من غيره.
قال الزُّبير : وكان خالدٌ بن الوليد شيعةً لأبي بكر، ومن المنحرفين عن عليّ، فقام خطيباً، فقال : أيّها الناس، إنّا رُمِينا في بدء هذا الدين بأمر ثَقُل علينا - والله - محملُه، وصعُب علينا مُرتقاه، وكنّا كأنا فيه على أوتار ، ثم والله ما لبثنا أن خَفَّ علينا ثقلُه، وذلّ لنا صَعْبُه، وعجَبُنَا ممن شكّ فيه بعد عَجَبنا ممن آمن به، حتى أمرنا بما كنا نَنهىَ عنه ، ،، ونُهِينا عَمّا كنا نأمُر به، ولا والله ما سُبقنا إليه بالعقول، ولكنه التوفيق. ألا وإنّ الوحي لم ينقطع حتى أحكم ، ولم يذهب النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فنستبدل بعده نبياً، ولا بعد الوحي وحياً، ونحن اليوم أكثر مِنّا أمسِ، ونحن أمسِ خيرٌ منّا اليوم مَن دَخَلَ في هذا الدين كان ثوابه على حَسَب عمله ومَنْ تركه رددناه إليه، وإنه والله ما صاحب الأمر - يعني أبا بكر - بالمسؤول عنه، ولا المختَلَف فيه، ولا الخفيّ الشخص، ولا المغموز القَنَاة (1).
فعجب الناس من كلامه. ومدحه حزن بن أبي وهب المخزوميّ، وهو الذي سمّاه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) «سَهْلاً»، وهو جدّ سعيد بن المسيّب الفقيه، وقال :
وَقَامَتْ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ كثيرةٌ*** فلم يَكُ منهم في الرِّجَالِ كخالدِ
ترقّی فلم يزلَق به صدرُ نعله*** وكفّ فلم يعرض لتلك الأوابدِ
فجاء بها غرّاء كالبدرِ ضوءها*** فسمّيتُها في الحسن أم القلائدِ
أخالد لا تعدم لؤيُّ بن غالبٍ*** قيَامك فيها عند قَذْفِ الجلامدِ
كساك الوليدُ بن المغيرة مجدَه*** وعلّمك الأشياحُ ضَرْبَ القَمَاحِدِ (2)
تقارع في الإسلام عن صُلْبِ دينه*** وفي الشركِ عن أحْسَابِ جَدّ ووالدِ
وكنتَ لمخزوم بن يقظة جُنَّةً*** يعدّك فيها ماجداً وابنَ ماجدِ
إذا ما سمَا في حَرْبِها ألفُ فارسٍ*** عَدَلْت بألفٍ عند تلك الشدائدِ
ومن يَكُ في الحرب المثيرة واحداً*** فما أنت في الحربِ العَوَانِ بواحدِ
إذا ناب أمرٌ في قريشِ مخلَّجٌ*** تشيب له رُوسُ العذارى النواهدِ
تولَّيْتَ منه ما يُخافُ وإِن تَغِبْ*** يقولوا جميعاً : حَظّنا غیر شاهدِ
قال الزبير : وحدّثنا محمد بن موسى الأنصاريّ المعروف بابن مخَرمة، قال: حدّثني إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف الزهريّ، قال : لما بُويع أبو بكر واستقرّ أمرُهُ ، نَدِم قوم كثير من الأنصار على بيعته، ولام بعضُهم بعضاً، وذكروا عليّ بن أبي طالب، وهتفوا باسمه، وإنّه في داره لم يخرج إليهم، وجزع لذلك المهاجرون، وكثر في ذلك الكلام.
وكان أشدَّ قريش على الأنصار نفرٌ فيهم وهم سهيل بن عمرو، أحد بني عامر بن لؤيّ، والحارث بن هشام، وعِكرمة بن أبي جهل المخزوميّان، وهؤلاء أشراف قريش الذّين حاربوا النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ثم دخلوا في الإسلام ، وكلُّهم موتورٌ قد وَتَرَهُ الأنصار. أما سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدخشم يوم بَدر ، وأمّا الحارث بن هشام، فضربه عروة بن عمرو، فجرحه يوم بَدر، وهو فارٌ عن أخيه . وأمّا عِكْرِمة بن أبي جهل، فقتل أباه ابنا عَفْراء، وسلَبه دِرعه يوم بدر زيادُ بن لبيد ، وفي أنفسهم ذلك. فلما اعتزلت الأنصار تجمّع هؤلاء، فقام سهيل بن عمرو فقال : يا معشرَ قريش إنّ هؤلاء القوم قد سمّاهم الله الأنصار، وأثنى عليهم في القرآن، فلهم بذلك حَظٌّ عظيم، وشأن غالب، وقد دَعَوْا إلى أنفسهم وإلى عليّ بن أبي طالب، وعليّ في بيته لو شاء لردَّهم، فادعوهم إلى صاحبكم وإلى تجديد بيعته، فإن أجابوكم وإلا قاتلوهم، فوالله إني لأرجُو الله أن ينصرَكم عليهم كما نُصِرْتم بهم .
ثم قام الحارث بن هشام، فقال : إن تكن الأنصارُ تبوأتِ الدار والإيمان مِن قبل، ونقلوا رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلى دورهم من دورنا، فآووا وانصروا ، ثم ما رَضُوا حتى قاسمونَا الأموال، وكَفَوْنَا العمل، فإنّهم قد لَهِجُوا بأمرٍ إن ثبتوا عليه، فإنّهم قد خرجوا مما وُسِموا به، وليس بيننا وبينهم معاتبة إلا السيفٌ، وإن نزعوا عنه فقد فعلوا الأولَى بهم والمظنون معهم .
ثم قام عِكرمة بن أبي جهل، فقال : والله لولا قولُ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «الأئمة من قريش» (1)، ما أنكرنا إمرة الأنصار، ولكانوا لها أهلاً، ولكنه قولٌ لا شكّ فيه ولا خيار، وقد
1) أخرجه الحاكم في «المستدرك » (6962) ، وأحمد في «المسند» (11898)، والبيهقي في «السنن الكبرى » (3 /121) ، والنسائي في «الكبرى» (5942) .
عجِلت الأنصار علينا، والله ما قبضنا عليهم الأمر ولا أخرجناهم من الشورى، وإنّ الذي هم فيه من فلَتات الأمور ونَزغَات الشيطان، وما لا يبلغه المُنى، ولا يحملُه الأملُ . أعذِروا إلى القوم، فإنْ أبَوْا فقاتلوهم ، فوالله لو لم يبقَ من قريش كلّها إلا رجل واحد لصيّر الله هذا الأمر فيه .
قال : وحضَر أبو سفيان بن حرب، فقال:
يا معشرَ قريش، إنه ليس للأنصار أن يتفضّلوا على الناس حتى يُقرُّوا بفضلنا عليهم، فإن تفضّلوا فحَسَبنَا حيث انتهى بها ، وإلا فحَسبُهم حيث انتهى بهم. وايمُ الله لئن بَطروا المعيشة، وكَفَروا النعمة ، لنضربنّهم على الإسلام كما ضربوا عليه، فأما عليّ بن أبي طالب فأهل والله أن يُسوَّد على قريش، وتطيعه الأنصار .
فلما بلغ الأنصار قول هؤلاء الرهط قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس فقال :
يا معشرَ الأنصار، إنما يكبرُ عليكم هذا القول لو قاله أهلُ الدين من قريش، فأما إذا كان من أهل الدنيا، لاسيما من أقوام كلّهم موتور، فلا يكبُرَن عليكم، إنما الرأي والقول مع الأخيار المهاجرين، فإن تكلّمت رجال قريش، والذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء، فعند ذلك قولوا ما أحببتم وإلا فأمسكوا .
وقال حسان بن ثابت يذكر ذلك :
تَنَادَى سُهَيْلٌ وابنُ حَرْبٍ وحَارِثٌ*** وَعِكْرِمَةُ الشَّانِي لَنا ابن أبي جَهْلِ
قتلنا أباهُ وانتزعْنَا سِلاَحَهُ*** فاصْبَحَ بالبطحَا أذلَّ مِنَ النَّعْلِ
فأمّا سهيلٌ فاحتواهُ ابن دخشم*** أسيراً ذليلاً لا يُمِرُّ ولا يُخلِي
وصخر بن حرب قد قتلنا رجالَه*** غَداةَ لِوَا بَدْرٍ فَمِرْجَلُه يَغْلِي
وراكضنا تحتَ العجاجة حارثٌ*** على ظهر جَرْداءٍ كباسِقةِ النَّخْلِ
يقبّلها طَوْراً وطورا يحُثّها*** ويعدِلها بالنَّفْس والمالِ والأهْلِ
أولئك رهطٌ من قريش تَبَايَعُوا*** على خُطَّةٍ ليست من الخطط الفُصل
وأعجبُ منهم قابِلو ذاكَ منهمُ*** كأنا اشتملنا من قُرَيْشٍ على ذَحْلِ(1)
وكلّهم ثانٍ عن الحقِّ عِطفَه*** يقول اقتلوا الأنصار، يا بئس مِنْ فِعل!
نصرنا وآوينا النبيَّ ولم نخف*** صروفَ الليالي والبلاءِ عَلَى رَجُلِ
بذلنا لهم أنصاف مال أكفّنا*** كقسمة أيسارِ الجَزُور من الفَضْلِ
ومن بعد ذاك المال أنصاف دُورنا*** وكنا أناساً لا نعيّرُ بالبُخْلِ
1) الذَّحْلُ : الثأر . القاموس المحيط مادة (ذحل).
ونحمِي ذمار الحيّ فهر بن مالك*** ونوقد نارَ الحرْبِ بالحَطَب الْجَزْلِ
فكان جزاء الفضل منّا عليهمُ*** جهالتهم حمقاً وما ذاك بالعذل
فبلغ شعرُ حسان قريشاً ، فغضبوا وأمروا ابن أبي عَزّة شاعرهم أن يجيبه، فقال:
معشرَ الأنصار خافوا ربّكم*** واستجيروا الله من شَرِّ الفِتَنُ
إنني أرهب حَرْباً لاقحاً*** يَشرَق المُرضَعُ فيها باللَّبَن
جَرّها سعد وسعدٌ فِتْنَةٌ*** لیت سعدَ بن عبادٍ لم يكُن
خلف برهوتٍ خفياً شخصُه*** بين بُصرى ذي رُعينٍ وَجَدَنْ
ليس ما قدّر سعد كائناً*** ما جرى البحر وما دام حَضَنْ
ليس بالقاطع مِنّا شعرة*** كيف يُرجى خير أمرٍ لم يَحِنُ!
ليس بالمدرِك منها أبداً*** غير أضغاثٍ أماني الوسن (1)
قال الزبير : لمّا اجتمع جمهور الناس لأبي بكر أكرمت قريش معن بن عديّ وعويم بن ساعدة، وكان لهما فضلٌ قديم في الإسلام، فاجتمعت الأنصار لهما في مجلس ودعوهما، فلما أحضرا أقبلت الأنصار عليهما فعيّرُوهما بانطلاقهما إلى المهاجرين، وأكبروا فعلهما في ذلك، فتكلم معن فقال :
يا معشر الأنصار. إنّ الذي أراد الله بكم خيرٌ مما أردتم بأنفسكم، وقد كان منكم أمرٌ عظيم البلاء، وصغرته العاقبة، ، فلو كان لكم على قريش ما لقريش عليكم ، ثم أردتموهم لِمَا أرادوكم به لم آمَنْ عليهم منكم مثل ما آمن عليكم منهم، فإن تعرفوا الخطأ فقد خرجتم منه وإلا فأنتم فیه.
قلت : قوله : «وقد كان منكم أمر عظيم البلاء، وصغرته العاقبة» يعني عاقبة الكفّ والإمساك، يقول: قد كان منكم أمر عظيم وهو دعوَى الخلافة لأنفسكم، وإنما جعل البلاء معظّماً له، لأنه لو لم يتَعقّبه الإمساك، لأحدث فتنة عظيمة، وإنما صغّره سكونُهم ورجوعهم إلى بيعة المهاجرين.
وقوله : «وكان لكم على قريش ....». إلى آخر الكلام، معناه: لو كان لكم الفضل على قريش كفضل قريش عليكم، وادّعت قريش الخلافة لها، ثم أردتم منهم الرجوع عن دعواهم، وجرت بينكم وبينهم من المنازعة مثلُ هذه المنازعة التي جرت الآن بينكم لم آمن عليهم منكم
1) الوَسَن : أول النوم، وقيل النعاس. لسان العرب مادة (وسن).
أن تقتلوهم، وتُقْدِموا على سفكِ دمائهم، ولم يحصل لي من سكونِ النفسِ إلى حِلْمِكم عنهم وصبرِكم عليهم مثلُ ما أنا آمنٌ عليكم منهم؛ فإنهم صبروا وحَلُموا، ولم يُقدِموا على استباحةِ حربِكم والدخولِ في دمائِكم.
قال الزبير: ثم تكلّم عُوَيْمُ بنُ ساعِدَة، فقال: يا معشرَ الأنصار، إنَّ مِن نِعَمِ اللهِ عليكم أنَّه تعالى لم يُرِدْ بكم ما أرَدْتُم بأنفسِكم، فاحمدوا اللهَ على حُسنِ البلاء، وطولِ العافية، وصَرْفِ هذه البليّةِ عنكم، وقد نظرتُ في أوّلِ فتنتِكم وآخرِها، فوجدتُها جاءت من الأمانيِّ والحسد، فاحذروا النِّقَم، فوددتُّ أنَّ الله صَيَّرَ إليكم هذا الأمر بحقِّه، فكُنَّا نعيشُ فيه.
فوثبتْ عليهما الأنصارُ، فأغلظوا لهما وفَحَشوا عليهما، وانبرى لهما فُرْوَةُ بنُ عمرو، فقال: أَنَسِيتُما قولَكُما لقريش: «إنّا قد خلَّفنا وراءَنا قوماً قد حَلَّتْ دماؤُهم بفتنتِهم»! هذا واللهِ ما لا يُغفَرُ ولا يُنْسَى؛ قد تُصرَفُ الحيّةُ عن وجهِها، وسُمُّها في نابِها.فقال مَعْنٌ في ذلك:
وقالت ليَ الأنصارُ: إنَّك لم تُصِبْ *** فقلتُ: أَمَا لي في الكلامِ نصيبُ؟
فقالوا: بلى، قُلْ ما بدا لكَ راشداً *** فقلتُ: ومثلي بالجوابِ طبيبُ
تركتُكُمُ واللهِ لمّا رأيتُكُمُ * تُيوساً لها بالحَرَّتَيْنِ نَبِيبُ(1)
تنادونَ بالأمرِ الذي النجمُ دونَهُ * ألا، كلُّ شيءٍ ما سِواهُ قريبُ
فقلتُ لكم قولَ الشفيقِ عليكمُ * وللقلبِ من خوفِ البلاءِ وَجِيبُ
دعوا الرَّكْضَ، واثْنُوا من أَعِنَّةِ بَغْيِكُم * ودُبُّوا، فسَيْرُ القاصدينَ دبيبُ
وخَلُّوا قريشاً والأمورَ، وبايِعُوا *** لِمَنْ بايعوهُ تَرْشُدُوا وتُصيبُوا
أراكم أَخَذْتُمْ حقَّكُم بأَكُفِّكُم *** وما الناسُ إلا مُخْطِئٌ ومُصِيبُ
فلما أَبَيْتُمْ زُلْتُ عنكم إليهمُ *** وكنتُ كَيومٍ ذاكَ فيكم غريبُ
فإنْ كان هذا الأمرُ ذنبي إليكمُ *** فلي فيكمُ بعد الذنوبِ ذنوبُ
فلا تَبْعَثوا مِنِّي الكلامَ؛ فإنَّني *** إذا شِئْتُ يوماً شاعرٌ وخطيبُ
وإني لَحُلْوٌ تعتريني مَرارةٌ *** ومِلْحٌ أُجاجٌ تارةً وشَروبُ
لكلِّ امرئٍ عندي الذي هو أهلُه *** أَفانينُ شتّى، والرجالُ ضُروبُ
وقال عُوَيْمُ بنُ ساعِدَة في ذلك:
وقالت ليَ الأنصارُ أضعافَ قولِهِم** * لِمَعْنٍ، وذاكَ القولُ جَهْلٌ من الجَهْلِ
1) النَّبيب: صِياحُ التَّيسِ عندَ الهِياج.
فقلتُ: دَعُوني لا أبا لأبيكُمُ *** فإني أخوكم صاحبُ الخَطَرِ الفَصْلِ
أنا صاحبُ القولِ الذي تعرفونَه *** أُقطِّعُ أنفاسَ الرجالِ على مَهْلِ
فإن تَسكتوا أُسكِتْ، وفي الصَّمْتِ راحةٌ *** وإن تنطِقُوا أَصْمِتْ مقالتَكُمُ تَبْلِي
وما لُمتُ نفسي في الخلافِ عليكمُ *** وإن كُنتُمُ مُستجمِعِينَ على عَذْلِي
أُريدُ بذاكَ اللهَ لا شيءَ غيرَهُ *** وما عند ربِّ الناسِ مِن دَرَجِ الفضلِ
وما ليَ رِحْمٌ في قريشَ قريبةٌ *** ولا دارُها داري، ولا أصلُها أصلّي
ولكنَّهم قومٌ علينا أئمةٌ *** أدينُ لَهُم ما أنفذتْ قَدَمِي نَعْلِي
وكان أحقَّ الناسِ أن تُقنِعوا ويَحتملوا *** مَنِ جاء في قولِهِ مِثْلِي
لأني أُحِفتُ الناسَ فيما يَسُرُّكُم *** وفيما يَسُوءُ، لا أُمِرُّ ولا أُحلِي
قال فَروةُ بنُ عمرو -وكان ممّن تخلّف عن بيعة أبي بكر، وكان ممّن جاهد مع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وقاد فَرَسين في سبيل الله، وكان يتصدّقُ مِن نَخلِهِ بألفِ وَسْقٍ في كلِّ عامٍ، وكان سيّداً، وهو من أصحاب عليٍّ، وممّن شهد معه يوم الجمل.قال: فذكر مَعْناً وعُوَيْماً، وعاتبهما على قولِهِما: «خلّفنا وراءَنا قوماً قد حلّت دماؤُهُم بفتنتِهم»:
ألا لَمْعَنٍ إذا جَنَّتْهُ *** وذاكَ الذي شَيخُهُ ساعِدَة
بأنّ المقالَ الذي قُلتُما *** خفيفٌ علينا سِوى واحدَة
مقالكُما: إنَّ مَن خَلْفَنا *** مِراضٌ قلوبُهُمُ فاسدَة
حلالُ الدماءِ على فتنةٍ *** بآسامِ رَبٍّ لَنا الوالدَة!
فَلَم تأخُذا قَدْرَ أثمانِها *** ولم تستفيدا بِها فائدَة
لقد كذّب اللهُ ما قُلتُما *** وقد يَكذِبُ الرائدُ الواعِدَة
قال الزبير: ثم إنّ الأنصارَ أصلحوا بين هذين الرّجلين وبين أصحابهما، ثم اجتمعت جماعةٌ من قريشٍ يوماً، وفيهم ناسٌ من الأنصار وأخلاطٌ من المهاجرين، وذلك بعد انصرافِ الأنصار عن رأيها وسكونِ الفتنة، فاتفق ذلك عند قدومِ عمرو بنِ العاص مِن سفَرٍ كان فيه، فجاء إليهم، فأفاضُوا في ذكرِ يومِ السَّقيفة وسعدٍ ودعواهُ الأمر، فقال عمرو بنُ العاص: واللهِ لقد دفع اللهُ عنّا من الأنصار عظيمةً، ولَما دفع اللهُ عنهم أعظمَ؛ كادوا واللهِ أن يحلّوا حبلَ الإسلامِ كما قاتلوا عليه، ويُخرِجوا منه مَن أدخلوا فيه. واللهِ لئن كانوا سمعوا قولَ رسولِ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): «الأئمةُ من قريشٍ»، ثم ادّعَوْها، لقد هَلَكوا وأهلَكوا، وإن كانوا لم يسمعوها فما هم كالمهاجرين، ولا سعدٌ كأبي بكرٍ، ولا المدينةُ كمكّةَ، ولقد قاتلونا أمسِ فغلبونا على
البدء، ولو قاتلناهم اليوم لغلبناهم على العاقبة، فلم يجبه أحد، وانصرف إلى منزله وقد ظفر ، فقال :
أَلاقِلْ لأوسٍ إذا جِئْتَها *** وقُلْ كُلَّما جِئْتَ للخَزْرَجِ
تَمَنَّيْتُمُ المُلْكَ في يَثْرِبٍ *** فأنْزَلْتُ القِدر لم تنضج
وأخْدَجْتُمُ الأمْرَ قَبْلَ التَّمامِ *** وأُعْجِبَ ذَا المُعْجَلِ المُخْدَجِ(1)
تُريدونَ نِتاجَ الحِيالِ العِشارِ *** ولَمْ تُلْقِحوهُ فلم يُنْتَجِ(2)
عَجِبْتُ لِسَعْدٍ وأصحابِهِ *** ولو لم يُهَيِّجوهُ لَمْ يَهْتَجِ
رَجا الخَزْرَجِيُّ رَجاءَ السَّرابِ *** وقد يُخْلِفُ المَرْءَ ما يَرْتَجِي
فكانَ كَمَنْحٍ على كَفِّهِ *** بِكَفٍّ يَقْطَعُها أَهْوَجِ
فلما بَلَغَ الأنصارَ مقالتُه وشِعرُه، بعثوا إليه لسانَهم وشاعرَهم النعمانَ بنَ العَجْلان -وكان رجلاً أحمرَ قصيراً، تزدريه العيون، وكان سيّداً فخماً- فأتى عمراً وهو في جماعةٍ من قريشٍ، فقال: واللهِ يا عمرو، ما كَرِهْتُم من حَرْبِنا إلا ما كَرِهْنا من حَرْبِكم، وما كان اللهُ لِيُخْرِجَكُم من الإسلامِ بِمَن أدخَلَكُم فيه. إن كان النبيُّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال: «الأئمّةُ من قريشٍ»، فقد قال: «لو سَلَكَ الناسُ شِعْباً، وسَلَكَ الأنصارُ شِعْباً، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأنصارِ». واللهِ ما أخرَجْناكُم من الأمرِ إذ قُلنا: مِنّا أميرٌ ومِنكُم أميرٌ. وأمّا مَن ذَكَرْتَ، فأبو بكرٍ لَعَمْري خيرٌ من سعدٍ، لكنَّ سعداً في الأنصارِ أطوعُ من أبي بكرٍ في قريشٍ. فأمّا المهاجرون والأنصارُ فلا فَرْقَ بينَهم أبداً. ولكنَّك يا بنَ العاصِ، وَتَرْتَ بني عبدِ مَنافٍ بمسيرِك إلى الحبشةِ لِقَتْلِ جعفرٍ وأصحابِهِ، ووَتَرْتَ بني مَخزومٍ بإهلاكِ عُمارةَ بنِ الوليد. ثم انصرفَ فقال:
فَقُلْ لقريشٍ: نَحْنُ أصحابُ مَكَّةَ *** ويومِ حُنَيْنٍ والفوارسِ في بَدْرِ
وأصحابُ أُحُدٍ والنَّضيرِ وخَيْبَرٍ *** ونحنُ رَجَعْنا من قُريظَةَ بالذِّكْرِ
ويومٍ بأرضِ الشامِ أدخَلَ جعفرٌ *** وزيدٌ وعبدُاللهِ في عَلَقٍ يَجْرِي
وفي كُلِّ يومٍ يُنْكِرُ الكَلْبُ أهْلَهُ *** نُطاعِنُ فيه بالمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
ونَضْرِبُ في نَقْعِ العَجاجَةِ رُؤوساً *** بِبيضٍ كأمثالِ البُروقِ إذا تَسْرِي
نَصَرْنا وآوَيْنا النبيَّ ولم يَخَفْ *** صُروفَ الليالي والعظيمَ من الأمْرِ
وقُلنا لقومٍ هاجَروا قَبْلُ: مَرْحَباً *** وأهلاً وسَهْلاً، قَدْ أمِنْتُم من الفَقْرِ
نُقاسِمُكُم أموالَنا وبيوتَنا *** كقِسْمَةِ أَيْسارِ الجَزورِ على الشَّطْرِ
وتَكْفُونَنَا الأمرَ الذي تَكْرَهُونَهُ *** وكُنّا أناساً نُذْهِبُ العُسْرَ باليُسْرِ
وقُلْتُم: حرامٌ نَصْبُ سعدٍ، ونَصْبُكُم *** عَتِيقُ بنُ عُثمانَ- حلالٌ، أبا بكرِ
وأهلٌ، وأبو بكرٍ لها خيرُ قائمٍ ***وإنَّ عليّاً كان أخلَقَ بالأمرِ
وكان هَوَاناً في عليٍّ، وإنّه *** لأهلٌ لها يا عمروُ من حيث لا تدري
فذاكَ بعونِ الله يَدعو إلى الهُدى *** ويَنْهى عن الفحشاءِ والبَغيِ والنُّكرِ
وصيُّ النبيِّ المصطفى وابنُ عمِّهِ *** وقاتِلُ فُرسانِ الضَّلالةِ والكُفرِ
وهذا -بحمدِ الله- يَهْدي منَ العَمَى *** ويَفتحُ آذاناً ثَقُلْنَ من الوَقْرِ
نَجيُّ رسولِ الله في الغارِ وحدَهُ *** وصاحِبُه الصِّدِّيقُ في سالِفِ الدَّهرِ
فلولا اتِّقاءٌ لم تَذْهَبوا بها *** ولكنَّ هذا الخيرَ أجمَعُ للصَّبرِ
ولم نَرْضَ إلا بالرِّضا، ولَرُبَّما *** ضَرَبْنا بأيدينا إلى أسفلِ القِدْرِ
فلما انتهى شعرُ النعمانِ وكلامُه إلى قريش، غضب كثيرٌ منهم، وألْفَى ذلك قُدومَ خالدِ بنِ سعيدِ بنِ العاص من اليمن، وكان رسولُ الله استعمله عليها، وكان له ولأخيه أثرٌ قديمٌ عظيمٌ في الإسلام، وهما من أوّلِ من أسلم من قريش، ولهما عبادةٌ وفَضْل.
فغضبَ للأنصار، وشتمَ عمروَ بنَ العاص، وقال: يا معشرَ قريش، إنَّ عمراً دخلَ في الإسلام حين لم يَجِدْ بُدّاً من الدخولِ فيه، فلما لم يَسْتَطِعْ أن يَكيدَه بيده كادَه بلسانه، وإنَّ من كَيْدِه الإسلامَ تفريقَه وقطْعَه بين المهاجرين والأنصار.
واللهِ ما حاربْناهم للدِّين ولا للدنيا، لقد بذلوا دماءَهم لله تعالى فينا، وما بذلْنا دماءَنا لله فيهم، وقاسَمونا ديارَهم وأموالَهم، وما فَعَلْنا مثلَ ذلك بهم، وآثَرونا على الفقر، وحَرَمْناهم على الغِنى، ولقد وصَّى رسولُ الله بهم، وعزّاهم عن جَفْوَةِ السُّلطان، فأعوذُ بالله أن أكونَ وإيّاكم الخَلَفَ المُضَيِّع، والسُّلطانَ الجاني.
قلتُ: هذا خالدُ بنُ سعيدِ بنِ العاص، هو الذي امتنَعَ من بيعةِ أبي بكر، وقال: لا أبايعُ إلا عليّاً، وقد ذكرنا خبرَه فيما تقدَّم.
وأمّا قولُه في الأنصار: «وعزّاهم عن جَفْوَةِ السُّلطان»، فإشارةٌ إلى قولِ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): «ستلقَوْن بعدي أثَرَةً، فاصبروا حتى تَقْدَموا عليَّ الحوض». (1)
وهذا الخبرُ هو الذي يُكَفِّرُ كثيرٌ من أصحابِنا معاويةَ بالاستهزاءِ به؛ وذلك أنَّ النعمانَ بنَ بشيرٍ الأنصاريّ جاء في جماعةٍ من الأنصار إلى معاوية، فشكَوْا إليه فقرَهم، وقالوا: لقد صدقَ رسولُ الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في قولِه لنا:
1) أخرجه البخاري، كتاب الجزية، باب ما أقطَعَ النبيُّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من البحرين (3163)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلَّفةِ قلوبُهم على الإسلام (1061).
«ستلقون بعدي أثرةً»، فقد لقيناها . قال معاوية : فماذا قال لكم؟ قالوا : قال لنا «فاضيروا حتى تردوا عليّ الحوض»، قال فافعلوا ما أمركم به عساكم تلاقُونه غداً عند الحوض كما أخبركم، وحرمهم ولم يعطهم شيئاً (1)
قال الزّبير : وقال خالد بن سعيد بن العاص في ذلك :
تفوّه عمرو بالذي لا نُريدُه*** وصرّح للأنصار عن شَنْأَةِ البُغْضِ
فإن تكّن الأنصار زَلّت فإننا*** نُقِيلُ ولا نجزيهمُ بالقَرْضِ
فلا تقطعن يا عمرو ما كانَ بيننا*** ولا تَحملن يا عمرو بعضاً على بعض
اتنسى لهم يا عمرو ما كان منهمُ*** لياليَ جئناهم من النّفْل والفَرْضِ
وقسْمَتَنَا الأموال كاللحم بالمُدَى*** وقسمتَنا الأوطان كلٌّ به يقضي
ليالي كُلُّ الناس بالكفر جَهْرة*** ثقالٌ علينا، مجمعونَ على البُغْضِ
فساوَوْا واَوُوا وانتهيْنَا إلَى المُنَى*** وقَرْ قَرَارَانًا من الأمن والخفض
قال الزُّبير : ثم إنّ رجالاً من سفهاء قريش ومثيري الفِتَن منهم، اجتمعوا إلى عمرو بن العاص، فقالوا له: إنّك لسانُ قريش ورجُلها في الجاهليّة والإسلام، فلا تَدَع الأنصار وما قالت، وأكثروا عليه من ذلك، فراح إلى المسجد، وفيه ناس من قريش وغيرهم، فتكلم وقال : إنّ الأنصار تَرَى لنفسها ما ليس لها، وايمُ الله لوددت أنّ الله خلّى عنّا وعنهم، وقضى فيهم وفينا بما أحبّ ولنحنُ الذين أفسدنا على أنفسنا أحرزناهم عن كلّ مكروه، وقدمناهم إلى كلّ محبوب، حتى أمنوا المخوف، فلما جاز لهم ذلك صَغَروا حقنا، ولم يراعوا ما أعظمنا من
حقوقهم .
ثم التفت فرأى الفضل بن العباس بن عبد المطلب، وندِم على قوله، للخؤولة التي بين ولَد عبد المطلب وبين الأنصار، ولأنّ الأنصار كانت تُعظم عليًّا، وتهتِف باسمه حينئذ، فقال الفضل: يا عمرو إنّه ليس لنا أن نكتُم ما سمعنا منك، وليس لنا أن نجيبك، وأبو الحسن شاهد بالمدينة، إلا أن يأمرنا فنفعل.
ثم رجع الفضلُ إلى عليّ فحدّثه . فغضب وشتم عمراً. وقال : آذى الله ورسوله، ثم قام فأتى المسجد، فاجتمع إليه كثير من قريش وتكلّم مغضَباً، فقال:
يا معشر قريش، إن حبّ الأنصار إيمان، وبغضَهم نفاق وقد قَضَوْا ما عليهم، وبقي ما
1) أخرجه ابن معصوم في الدرجات الرفيعة : 349 .
عليكم ، واذكروا أنّ الله رغب لنبيكم عن مكّة، فنقله إلى المدينة. وكره له قريشاً، فنقله إلى الأنصار ، ثم قدِمْنَا عليهم دارَهم، فقاسمونا الأموال، وكَفَوْنَا العمل، فصرنا منهم بين بذل الغني وإيثار الفقير، ثم حاربنا الناس فوقونا بأنفسهم، وقد أنزل الله تعالى فيهم آية من القرآن، جمع لهم فيها بَين خمس نعم ، فقال : «وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »(1)، ألا وإنّ عمرو بن العاص قد قام مقاماً آذى فيه الميّت والحيّ، ساء به الواتر وسرّ به الموتور، فاستحقّ من المستمع الجواب، ومن الغائب المقُت، وإنه مَنْ أحبّ الله ورسوله أحبَّ الأنصار، فليكفُف عمرو عَنّا نفسه .
قال الزبير : فمشت قريش عند ذلك إلى عمرو بن العاص، فقالوا أيّها الرجل، أما إذا غضب عليٌّ فاكفُف .
وقال خُزيمة بن ثابت الأنصاري يخاطب قريشاً :
أيالَ قريش أصلِحُوا ذات بيننا*** وبينكُمُ قد طَالَ حَبْلُ السَّماحكِ (2)
فلا خَيْرَ فِيكُمْ بعدنا فارفقُوا بنا*** ولا خيرَ فينا بعد فِهر بن مالكِ
كلانًا على الأعداء كفٌّ طويلة*** إذا كان يومٌ فيه جَبُّ الحوَارِك
فلا تذكرُوا ما كان مِنَّا ومنكمُ*** ففي ذِكْرِ ما قد كان مَشْيُ التَّسَاوُكِ
قال الزّبير : وقال عليّ للفضل: يا فضل، انصر الأنصار بلسانك ويدك، فإنهم منك وإنك منهم، فقال الفَضل :
قلت يا عمرُو مقالاً فاحشاً*** إن تعُد يا عمرو والله فَلك
إنما الأنصار سيفٌ قاطعٌ*** مَنْ تُصِبْه ظُبَةُ السَيْفِ هَلَكْ
وسيوفٌ قاطع مَضْرَبُهَا*** سهام الله في يوم الحَلَكْ
نصرُوا الدين وآوَوْا أهلَه*** منزل رَحْبٌ ورِزْقٌ مُشْتَرَك
وإذا الحرب تلطَّتْ نارُها*** بركوافيها إذا الموت بَرَك
ودخل الفضل على عليّ فأسمعه شعره، ففرح به، وقال وَرِيَتْ بك زنادي يا فَضْل، أنت شاعر قريش وفتاها، فأظهر شعِرَك وابعث به إلى الأنصار، فلما بلغ ذلك الأنصار، قالت: لا أحد يجيبُ إلا حَسّان الحسام، فبعثوا إلى حسان بن ثابت، فعرضوا عليه شعر الفضل فقال :
كيف أصنع بجوابه ! إن لم أتحرّ قوافيه فضحني، فرويداً حتى أقفُوَ أثره في القوافي، فقال له خُزيمة بن ثابت : اذكر عليَّا وآله يكفِك عن كلّ شيء، فقال:
جزى الله عنّا والجزاء بكَفّه*** أبا حسنٍ عَنّا وَمَنْ كأبي حَسَنْ
سبقتَ قريشاً بالذي أنت أهلُه*** فصدرُك مشروح، وقلبك ممتحَن
تمنَّت رجالٌ من قريش أعِزّةٌ*** مكانَك، هيهات الهُزال من السِّمَنْ !
وأنتَ من الإسلام في كلِّ موطن*** بمنزلة الدَّلُو البَطِينِ من الرَّسَنُ
غضبتَ لنا إذ قام عمرٌو بخطبة*** أمات بها التقوى وأحيابها الإحَنُ (1)
فكنتَ المرحَى من لؤيّ بن غالب*** لما كان منهم، والَّذي كانَ لم يكُنْ
حفظت رسول الله فينَا وعهدَه*** إليك ومَنْ أولى به منك مَنْ ومَنْ !
ألستَ أخاه في الهُدى ووصيَّهُ*** وأعلمَ منهم بالكتابِ وبالسُّنَنْ
فحقّك ما دامت بنجدٍ وشيجةٌ*** عظيم علينا ثم بعد على اليمن
قال الزّبير : وبعثت الأنصار بهذا الشعر إلى عليّ بن أبي طالب، فخرج إلى المسجد، وقال لمن به من قريش وغيرهم. يا معشرَ قريش، إن الله جعل الأنصار أنصاراً، فأثنى عليهم في الكتاب، فلا خيرَ فيكم بعدهم، إنّه لا يزال سفيه من سفهاء قريش وَتَره الإسلام، ودفعه عن الحقّ، وأطفأ شرفه وفضَّل غيره عليه، يقوم مقاماً فاحشاً فيذكر الأنصار، فاتَّقوا الله وارعَوْا حقّهم، فوالله لو زالوا لزلتُ معهم، لأنّ رسول الله قال لهم : «أزولُ معكم حيثما زُلتم» ، فقال المسلمون جميعاً : رحمك الله يا أبا الحسن! قلت قولاً صادقاً .
قال الزبير : وترك عمرو بن العاص المدينة، وخرج عنها حتى رضيَ عنه عليّ والمهاجرون.
قال الزبير : ثم إنّ الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط - وكان يبغض الأنصار ، لأنهم أسرُوا أباه يوم بَدْر، وضربوا عنقه بين يدي رسول الله - قام يشتم الأنصار، وذكرهم بالهُجر، فقال: إن الأنصار لَترى لها من الحقّ علينا ما لا نراه والله لئن كانوا آووا لقد عزّوا بنا ، ولئن كانوا آسَوْا لقد مَنُوا علينا، والله ما نستطيع مودَّتهم، لأنه لا يزال قائل منهم يذكر ذلَّنا بمكة، وعزّنا بالمدينة، ولا ينفكّون يعيّرون موتانا، ويغيظون أحياءنا، فإن أجبناهم قالوا : غضبت قريش على غاربها (2)، ولكن قد هوّن عليّ ذلك منهم حرصُهم على الدين أمس، واعتذارهم من الذنب
اليوم، ثم قال :
تباذَخَتِ الأنصار فِي الناس باسْمِهَا*** ونسبتُها في الأزد عَمْرو بن عامر
وقالوا: لَنَا حق عظيم ومِنَّةٌ*** على كلِّ بادٍ من مَعَد وحاضر
فإن يكُ للأنصار فضلٌ فلم تنل*** بحرمتِه الأنصار فضلَ المهاجر
وإن تكن الأنصار آوث وقاسمَت*** معايشها مَنْ جاء قسمةً جازرِ
فقد أفسدت ما كان منها بمنِّها*** وما ذَاك فعلُ الأكرمين الأكابر
إذا قال حسانٌ وكعب قصيدةً*** بشتم قريش غُنيت في المعاشر
وسَارَ بها الرُّكْبان في كل وجهةٍ*** وأعملَ فيها كلُّ خُفٌ وحافرِ
فهذا لنا من كلِّ صاحب خطبة*** يقومُ بها منكم ومِن كلّ شاعرِ
وأهلٌ بأن يُهجَوْا بكل قصيدةٍ*** وأهل بأن يُرْمَوْا بنبل فواقرِ (1)
قال : ففشا شعره في الناس، فغضبت الأنصار، وغضب لها من قريش قومٌ، منهم ضرار بن الخطاب الفهريّ، وزيد بن الخطاب، ويزيد بن أبي سفيان، فبعثوا إلى الوليد فجاء.
فتكلّم زيد بن الخطاب فقال : يابن عُقبة بن أبي معَيط، أما والله لو كنت من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ، لأحببتَ الأنصار، ولكنّك من الجُفاة في الإسلام البطاء عنه، الذين دخلوا فيه بعد أن ظهر أمرُ الله وهم كارهون، إنا نعلم أنا أتيناهم ونحن فقراء، فاغنؤنا، ثم أصبنا الغنّى فكفُّوا عنا . ولم يرزؤونا شيئاً. فأما ذكرهم ذلّة قريش بمكة وعزها بالمدينة، فكذلك كنا، وكذلك قال الله تعالى : «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ » (2)، فنصرنا الله تعالى بهم،
وآواناً إلى مدينتهم .
وأما غضبك لقريش فإنا لا ننصر كافراً، ولا نواد مُلحِداً ولا فاسقاً، ولقد قلت وقالوا، فقطعك الخطيب، وألجمكَ الشاعر .
وأمّا ذكرك الذي كان بالأمس، فدع المهاجرين والأنصار، فإنَّك لستَ من ألسنتهم في الرّضا، ولا نحن من أيديهم في الغضب.
وتكلّم يزيد بن أبي سفيان، فقال : يابن عُقبة الأنصار أحقُّ بالغضب لقتلَى أحُد، فاكفف لسانك، فإنّ مَنْ قتله الحقّ لا يغضب له .
وتكلّم ضرار بن الخطاب فقال: أما والله لولا أن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال: «الأئمة من قريش» لقلنا : الأئمة من الأنصار، ولكن جاء أمر غلب الرأي، فاقمع شِرَّتَك أيها الرجل، ولا
تکن امرأ سَوْء، فإن الله لم يفرّق بين الأنصار والمهاجرين في الدنيا، وكذلك الله لا يفرّق بينهم في الآخرة.
وأقبل حسان بن ثابت مغضَباً من كلام الوليد بن عُقبة وشعره، فدخل المسجد وفيه قوم من قريش، فقال: يا معشرَ قريش، إن أعظم ذنبنا إليكم قتلُنا كفاركم، وحمايتنا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وإن كنتم تنقمون مِنّا مِنَّة كانت بالأمس، فقد كفى الله شَرّها، فما لنا وما لكم! والله ما يمنعنا من قتالكم الجبنُ، ولا من جوابكم العِيّ. إنا لحيّ فَعال ومقال، ولكنا قلنا: إنها حرب، أولها عار وآخرها ذلّ، فأغضيْنا عليها عيوننا، وسحبنا ذيولَنا، حتى نَرَى وتَرَوْا، فإن قلتم قلنا، وإن سكتّم سكتنا. فلم يجبه أحدٌ من قريش، ثم سكت كلٌّ من الفريقين عن صاحبه، ورضِيَ القوم أجمعون، وقطعوا الخِلاف والعصبية.
انتهى ما ذكره الزبير بن بكار في «الموفقيّات». ونعود الآن إلى ذكر ما أورده أبو بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتاب «السقيفة».
قال أبو بكر: حدّثني أبو يوسف يعقوب بن شيبة، عن بحر بن آدم عن رجاله، عن سالم بن عبيد قال: لما تُوفّيَ رَسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وقالت الأنصار: مِنا أميرٌ ومنكم أميرٌ، أخذ عمر بيد أبي بكر، وقال: سَيْفَان في غِمْد واحد! إذاً لا يصلحان؛ ثم قال: مَنْ له هذه الثلاث: «ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ»، مَنْ هُما؟ «إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنَ»، مَنْ صاحبه؟ «إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» (1)، مَعَ مَنْ؟ ثم بسط يده إلى أبي بكر فبايعه، فبايعه الناس أحْسَنَ بيعة وأجملها.
قال أبو بكر: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العُطارديّ، عن أبي بكر بن عيّاش، عن زيد بن عبدالله، قال: إنّ الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجدَ قَلب محمد عليه الصلاة والسلام خَيْرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب الأمم بعدَ قلبه، فوجد قلوبَ أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون عن دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأى المسلمون سيّئاً فهو عندالله سيّىء.
قال أبو بكر بن عياش: وقد رأى المسلمون أن يولُّوا أبا بكر بعد النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، فكانت ولايته حسنة.
قال أبو بكر: وحدثنا يعقوب بن شيبة، قال: لما قبض رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وقال الأنصار: «مِنّا أميرٌ ومنكم أميرٌ»، قال عمر: أيّها الناس، أيّكم يطيب نفساً أن يتقدم قدمين قدَّمهما رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في الصَّلاة! رضيك الله لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا!
1) سورة التوبة، الآية: 40.
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدثني زيد بن يحيى الأنماطيّ، قال: حدثنا صخر بن جُويرية، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال: أخذ أبو بكر بيد عمر ويد رَجل من المهاجرين - يرونه أبا عبيدة - حتى انطلقوا إلى الأنصار، وقد اجتمعوا عند سَعد في سقيفة بني ساعدة، فقال عمر: قلت لأبي بكر: دعني أتكلّم، وخشيت جِد أبي بكر - وكان ذَا جِدّ - فقال أبو بكر: لا، بل أنا أتكلم؛ فما هو والله إلا أن انتهينا إليهم، فما كان في نفسي شيء أريد أن أقوله إلا أتى أبو بكر عليه، فقال لهم:
يا معشرَ الأنصار، ما ينكِرُ حقّكم مسلم، إنا والله ما أصبنا خيراً قَطّ إلا شَرَكتمونا فيه، لقد آويتم ونصرتم، وآزرتم وواسيتُم، ولكن قد علمتم أن العرب لا تُقِرّ ولا تطيع إلا لامرىءٍ من قريش؛ هم رهط النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، أوسطُ العرب وشيجة (1)رحِم، وأوسط الناس داراً، وأعرَبُ الناس ألسناً، وأصبح الناس أوجهاً، وقد عرفتم بلاَء ابن الخطاب في الإسلام وقدمه، هلمُ فلنبايعه.
قال عمر: بل إياك نبايع. قال عمر: فكنتُ أوّل الناس مدّ يده إلى أبي بكر فبایعه، إلاَّ رجلاً من الأنصار أدخل يده بين يدي ويد أبي بكر فبایعه قبلي، ووطئ الناس فراش سعد، فقيل: قتلتم سعداً. فقال عمر: قتل الله سعداً! فوثب رجل من الأنصار، فقال: أنا جُذَيلُها (2)المحكّك وعذَيقُها (3)المرجَّب. فأخّذ ووطئ في بطنه ودسُّوا في فيه التراب.
قال أبو بكر: وحدّثني يعقوب، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن إسماعيل، عن مختار اليمان، عن عيسى بن زيد ،قال: لما بويع أبو بكر جاء أبو سفيان إلى عليّ، فقال: أغلبكم على هذا الأمر أذلّ بيت من قريش وأقلُّها! أما والله لئن شئت لأملأتها على أبي فَصِيل خيلاً ورجلاً، ولأسدّنّها عليه من أقطارها. فقال عليّ: يا أبا سفيان، طالما كنت تبغي الإسلام وأهلَه، فما ضرّهم شيئاً، أمسك عليك، فإنا رأينا أبا بكر لها أهلاً.
قال أبو بكر: وحدّثنا يعقوب، عن رجاله، قال: لمَّا بُويع أبو بكر تخلّف عليّ فلم يبايع؛ فقيل لأبي بكر: إنه كره إمارتك. فبعث إليه: أكرهت إمارتي؟ قال: لا، ولكن القرآن خشيت أن يُزاد فيه، فحلفتُ ألا أرتديُ رِداءً حتى أجمعه، اللهمّ إلا إلى صلاة الجمعة.
فقال أبو بكر: لقد أحسنت، قال: فكتبه عليه الصلاة والسلام كما أنزل بناسخه ومنسوخه.
قال أبو بكر: حدثنا يعقوب، عن أبي النضر، عن محمد بن راشد، عن مكحول: أنَّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) استعمل خالد بن سعيد بن العاص على عمل، فقدم بعدما قُبض رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وقد بايع الناس أبا بكر، فدعاه إلى البيعة، فأبى. فقال عمر: دَعْني وإياه، فمنعه أبو بكر حتى مضت عليه سنة؛ ثم مرّ به أبو بكر وهو جالس على بابه فناداه خالد: يا أبا بكر، هل لك في البيعة؟ قال: نعم. قال: فادْنُ. فدنا منه، فبايعه خالد وهو قاعد على بابه.
قال أبو بكر: وحدّثنا أبو يوسف يعقوب بن شيبة، عن خالد بن مخلد، عن يحيى بن عمر، قال: حدثني أبو جعفر الباقر، قال: جاء أعرابيُّ إلى أبي بكر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له: أوصني. فقال: لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين. ثم إن الأعرابيّ شخص إلى الرَّبَذَةِ ، فبلغه بعد ذلك وفاةُ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، فسأل عن أمر الناس: مَنْ وليه؟ فقيل: أبو بكر. فقدم الأعرابي إلى المدينة، فقال لأبي بكر: ألستَ أمرتني ألا أتأمّر على اثنين؟ قال: بلَى. قال: فما بالُك؟ فقال أبو بكر: لم أجد لها أحداً غيري أحقَّ منِّي. قال: ثم رفع أبو جعفر الباقرُ يديه وخَفضهما، فقال: صدق، صدق.
قال أبو بكر: وقد رُوي هذا الخبر برواية أتمَّ من هذه الرواية: حدثنا يعقوب بن شيبة، قال: حدّثنا يحيى بن حمّاد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن سليمانَ الأعمش، عن سُليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب، عن رافع بن أبي رافع الطائيّ، قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جيشاً، فأمر عليهم عمرو بن العاص، وفيهم أبو بكر وعمر، وأمرهم أن يستنفِرُوا مَنْ مرّوا به، فمرُّوا علينا فاستنفرّونا، فنفرنا معهم في غزاةِ ذات السلاسل - وهي التي يفخر بها أهل الشام، فيقولون: استعمل رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر - قال: فقلت: والله لأختارنّ في هذه الغزاة لنفسي رجلاً من أصحاب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أستهديه، فإني لستُ أستطيع إتيانَ المدينة، فاخترتُ أبا بكر ولم آلُ؛ وكان له كِساءٌ فَدَكيٌّ يُخِلُّه عليه إذا رَكِب، ويلبسه إذا نزل، وهو الذي عيّرته به هوازن بعد النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وقالوا: لا نبايع ذا الخِلال،قال: فلما قضينا غزاتنا، قلت له: يا أبا بكر، إني قد صحبتكُ وإنّ لي عليك حقاً، فعلِّمني شيئاً أنتفع به. فقال: قد كنت أريد ذلك لو لم تقل لي: تعبدُالله لا تشرك بهِ شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتحجُّ البيت، وتصوم شهرَ رمضان، ولا تتأمّر على رجلين. فقلت: أما العبادات فقد عرفتها، أرأيت نهيك لي عن الإمارة! وهل يصيب الناسَ الخير والشر إلا بالإمارة! فقال: إنك استجهدتَني فجهدت لك؛ إنّ الناس دخلوا في الإسلام طوعاً وكرهاً
فأجارهم الله من الظلم، فهم جيران الله وعوّاد الله وفي ذمة الله، فمن يظلم منهم إنما يحقِر ربه؛ والله إنّ أحدكم ليأخذ شويهة جاره أو بعيره فيظلُّ عمله بأساً بجاره، والله من وراء جاره. قال: فلم يلبث إلا قليلاً حتى أتتنا وفاة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، فسألتُ: من استخلف بعده؟ قيل: أبو بكر. قلت: أصاحبی الذي كان ينهاني عن الإمارة! فشددتُ على راحلتي، فأتيت المدينة، فجعلت أطلب خَلْوَتَه، حتى قدرت عليها، فقلت: أتعرفني؟ أنا فلان ابن فلان، أتعرف وصية وصيتَني بها؟ قال: نعم، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قُبض والناس حديثو عهد بالجاهلية، فخشيتُ أن يفتتنوا، وإن أصحابي حمّلُونيها؛ فما زال يعتذر إليّ حتى عذرته، وصار من أمري بعد أن صرت عريفاً.
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة، عن رجاله، عن الشعبيّ، قال: قام الحسن بن عليّ(علیه السّلام) إلى أبي بكر وهو يخطُب على المنبر فقال له: انزل عن منبر أبي. فقال أبو بكر: صدقت، والله إنه لمنبر أبيك لا منبر أبي. فبعث عليّ إلى أبي بكر: إنه غلام حَدَثٌ، وإنا لم نأمره. فقال أبو بكر: صدقت، إنا لم نتهمك.
قال أبو بكر: وروى أبو زيد، عن حباب بن يزيد، عن جرير، عن المغيرة: أنّ سلمان والزبير وبعضَ الأنصار كان هواهم أن يبايعوا عليَّاً بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فلما بويع أبو بكر، قال سلمان للصحابة: أصبتم الخير، ولكن أخطأتم المَعْدِن. قال: وفي رواية أخرى: أصبتم ذا السنّ منكم، ولكنكم أخطأتم أهل بيت نبيّكم؛ أما لو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان، ولأكلتموها رَغَداً (1).
قلتُ: هذا الخبر هو الذي رواه المتكلمون في باب الإمامة عن سلمان أنه قال: «كرديد ونكرديد»، تفسره الشيعة، فتقول: أراد أسلمتم وما أسلمتم؛ ويفسره أصحابنا فيقولون معناه: أخطأتم وأصبتم.
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا غسّان بن عبدالحميد، قال: لما أكثِر في تخلّف عليّ عن البيعة واشتدّ أبو بكر وعمر في ذلك، خرجت أم مِسطح بن أثاثة، فوقفت عند قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ونادته: يا رسول الله!
قَدْ كَان بَعْدَك أَنْبَاءٌ وَهَيْ-نَمَةٌ *** لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ تَكْثُرِ الخُطَبُ
إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الأَرْضِ وَابِلَهَا *** فَاخْتَلَّ قَوْمُكَ فَاشْهَدْهُمْ وَلَا تَغِبِ
قال أبو بكر أحمد بن عبدالعزيز: وسمعت أبا زيد عمر بن شبّة يحدِّث رجلاً بحديث لم أحفظ إسنادَه، قال: مرَّ المغيرة بن شعبة بأبي بكر وعمر، وهما جالسان على باب النبيّ حين
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار: 28/194.
قُبض، فقال: ما يقعدكما؟ قالا: ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه - يعنيان عليَّاً - فقال: أتريدُون أن تنظروا حُبْلَ الحَبَلَةِ من أهل هذا البيت؟ وسِّعُوها في قريش تتُسع.
قال: فقاما إلى سَقِيفة بني ساعدة، أو كلاماً هذا معناه.
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الملك الواسطيّ، عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن أنس بن مالك، قال: لما مرض رسول الله مرضه الذي مات فيه أتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال بعد مرتين: يا بلال، قد أبلغتَ؛ فمن شاء فليصلِّ بالناس، ومن شاء فليدَعْ.
قال: ورُفعت الستور عن رسول الله، فنظرنا إليه كأنّه ورقة بيضاء، وعليه خَمِيصة (1)له؛ فرجع إليه بلال، فقال: مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس. قال: فما رأيناه بعد ذلك(علیه السّلام).
وقال أبو بكر: وحدّثني أبو الحسن عليّ بن سليمان النوفليّ، قال: سمعتُ أبيُّا يقول: ذَكَر سعد بن عبادة يوماً علياً بعد يوم السقيفة، فذكر أمراً من أمره نسيَه أبو الحسن، يوجب ولايتَه، فقال له ابنه قيس بن سعد: أنت سمعت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول هذا الكلام في عليّ بن أبي طالب ثم تطلب الخلافة، ويقول أصحابُك: منّا أمير ومنكم أمير! لا كلمتك والله من رأسي بعد هذا كلمة أبداً.
قال أبو بكر: وحدّثني أبو الحسن علي بن سليمان النوفليّ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني شريك بن عبدالله، عن إسماعيل بن خالد، عن زيد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال عليّ: كنت مع الأنصار لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على السمع والطاعة له في المحبوب والمكروه؛ فلما عزّ الإسلام، وكَثُر أهله، قال: يا عليّ، زد فيها: «على أن تمنعوا رسولَ الله وأهلَ بيته مما تمنعون منه أنفسَكم وذراريكم» (2). قال: فحملها على ظهور القوم، فوفَى بها مَن وفى، وهلك مَن هلك.
قلتُ: هذا يطابق ما رواهُ أبو الفرج الأصفهانيّ في كتاب «مقاتل الطالبيين»؛ أن جعفر بن محمد(علیه السّلام) وقف مستتراً في خِفية، يشاهد المحامل التي حُمِل عليها عبدالله بن الحسن وأهلُه في القيود والحديد من المدينة إلى العراق؛ فلما مرُّوا به بكى، وقال: ما وفت الأنصار ولا أبناء الأنصار لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بايعَهم على أن يمنعوا محمداً وأبناءه وأهله وذریتَه مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم وذراريّهم، فلم يفوا. اللهمّ اشدد وطأتك على الأنصار.
قال أبو بكر: وحدَّثنا أبو سعيد عبدالرحمن بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن الحكم،
قال: حدثنا عبدالله بن وهب، عن ليث بن سعد، قال: تخلّف عليٌّ عن بيعة أبي بكر، فأُخرج مُلبَّباً يُمْضَى به رَكْضاً، وهو يقول: معاشرَ المسلمين، علامَ تُضرب عنق رجل من المسلمين، لم يتخلّف لخلاف، وإنما تخلَّف لحاجة؟ فما مرّ بمجلس من المجالس إلا يقال له: انطلق فبايع.
قال أبو بكر: وحدّثنا علي بن جرير الطائيّ، قال: حدثنا ابن فضيل، عن الأجلح، عن حبيب بن ثعلبة بن يزيد، قال: سمعت عليَّاً يقول: أما وربّ السماء والأرض، (ثلاثاً)، إنه لعهد النبيّ الأمي إليّ: «لَتَغْدِرَنَّ بك الأمّة من بعدي» (1).
قال أبو بكر: وحدّثنا أبو زيد عمر بن شبّة بإسناد رفعه إلى ابن عباس، قال: إنّی لأماشي عمر في سكّة من سكك المدينة، يده في يدی، فقال: يا بن عباس، ما أظنّ صاحبَك إلا مظلوماً. فقلت في نفسي: والله لا يسبقُني بها، فقلت: يا أميرالمؤمنين، فاردُدْ إليه ظلامته.
فانتزع يدَه من يدي، ثم مرّ يهمهم ساعة ثم وقف. فلحقته، فقال لي: يا بن عباس، ما أظنّ القوم منعهم من صاحبك إلا أنّهم استصغروه. فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأولى، فقلت: والله ما استصغره الله حين أمرَه أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر.
فَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْمُبَايَعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ بِهَذَا اللَّفْظِ الَّذِي أُورِدُهُ عَلَيْكَ وَالْإِسْنَادُ إِلَى عَائِشَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فَدَكٍ، وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يَقُولُ: «إِنَّا مَعْشَرُ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ» (2)، وَإِنِّي وَاللهِ لَا أَدَعُ أَمْراً رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يَصْنَعُهُ إِلَّا صَنَعْتُهُ.
فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ وَلَمْ تُكَلِّمْهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ، فَدَفَنَهَا عَلِيٌّ (علیه السّلام) لَيْلاً، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ. وَكَانَ لِعَلِيٍّ وَجْهٌ مِنَ النَّاسِ فِي حَيَاةِ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْ عَلِيٍّ، فَمَكَثَتْ فَاطِمَةُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ - فَقَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ - وَهُوَ الرَّاوِي لِهَذَا الْخَبَرِ عَنْ عَائِشَةَ : فَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلِيٌّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؟ قَالَ: وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى بَايَعَهُ عَلِيٌّ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ضَرَعَ إِلَى مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا، وَلَا يَأْتِ مَعَكَ أَحَدٌ - وَكَرِهَ أَنْ يَأْتِيَهُ عُمَرُ لِمَا عَرَفَ مِنْ شِدَّتِهِ - فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَأْتِهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَآتِيَنَّهُمْ وَحْدِي، وَمَا عَسَى
أَنْ يَصنعوا بِي!» فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ ، وَقَدْ جَمَعَ بَنِي هَاشِمٍ عِنْدَهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نُبَايِعَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنْكَارٌ لِفَضْلِكَ، وَلَا مُنَافَسَةٌ لِخَيْرٍ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ حَقّاً، فَاسْتَبْدَدْتُمْ بِهِ عَلَيْنَا. وَذَكَرَ قَرَابَتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وَحَقَّهُ، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ يَذْكُرُ ذَلِكَ حَتَّى بَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا صَمَتَ عَلِيٌّ تَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَهَا مِنْ قَرَابَتِي، وَإِنِّي وَاللهِ مَا آلُوكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِلَّا الْخَيْرَ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يَقُولُ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ»، وَإِنِّي وَاللهِ لَا أَتْرُكُ أَمْراً صَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إِلَّا صَنَعْتُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ. قَالَ عَلِيٌّ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ عَذَرَ عَلِيّاً بِبَعْضِ مَا اعْتَذَرَ بِهِ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ فَعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ، وَذَكَرَ فَضْلَهُ وَسَابِقَتَهُ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ. وَكَانَ عَلِيٌّ قَرِيباً إِلَى النَّاسِ حِينَ قَارَبَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ.
وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: غَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ بِغَيْرِ مَشُورَةٍ، وَغَضِبَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ، وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَ عُمَرُ فِي عِصَابَةٍ فِيهِمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ قُرِيشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ - فَاقْتَحَمَا الدَّارَ، فَصَاحَتْ فَاطِمَةُ وَنَاشَدَتْهُمَا اللهَ، فَأَخَذُوا سَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبُوا بِهِمَا الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرُوهُمَا، فَأَخْرَجَهُمَا عُمَرُ يَسُوقُهُمَا حَتَّى بَايَعَا.
ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: إِنَّ بَيْعَتِي كَانَتْ فَلْتَةً (1)وَقَى اللهُ شَرَّهَا، وَخَشِيتُ الْفِتْنَةَ، وَايْمُ اللهِ مَا حَرَصْتُ عَلَيْهَا يَوْماً قَطُّ، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ قَطُّ، وَلَقَدْ قُلِّدْتُ أَمْراً عَظِيماً مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يَدَانِ، وَلَقَدْ وَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهِ مَكَانِي.
فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ: مَا غَضِبْنَا إِلَّا فِي الْمَشُورَةِ، وَإِنَّا لَنَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا؛ إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ لَهُ سِنَّهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بِالصَّلَاةِ وَهُوَ حَيٌّ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ شَمَّاسٍ أَخَا بَنِي الْحَارِثِ مِنَ الْخَزْرَجِ ، كَانَ مَعَ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ دَخَلُوا بَيْتَ فَاطِمَةَ.
1) أي: فَجْأَةً. لسان العرب مادة (قلت).
قَالَ: وَرَوَى سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ مَعَ عُمَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَانَ مَعَهُمْ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ رِجَالِهِ، قَالَ: جَاءَ عُمَرُ إِلَى بَيْتِ فَاطِمَةَ فِي رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَنَفَرٍ قَلِيلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ أَوْ لَأُحْرِقَنَّ الْبَيْتَ عَلَيْكُمْ».
فَخَرَجَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ مُصْلِتاً بِالسَّيْفِ، فَاعْتَنَقَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَنَدَرَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَضَرَبَ بِهِ عُمَرُ الْحَجَرَ فَكَسَرَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ بِتَلَابِيبِهِمْ يُسَاقُونَ سَوْقاً عَنِيفاً حَتَّى بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَرَوَى النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حُمِلَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ لَمَّا نَدَرَ مِنْ يَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ، فَقَالَ: اضْرِبُوا بِهِ الْحَجَرَ. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمَّاسٍ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْحَجَرَ وَفِيهِ تِلْكَ الضَّرْبَةُ، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا أَثَرُ ضَرْبَةِ سَيْفِ الزُّبَيْرِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاهِلِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا عُمَرُ، أَيْنَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ؟ قَالَ: هُوَ هَذَا، فَقَالَ: انْطَلِقَا إِلَيْهِمَا - يَعْنِي عَلِيّاً وَالزُّبَيْرَ - فَأْتِيَانِي بِهِمَا. فَانْطَلَقَا، فَدَخَلَ عُمَرُ وَوَقَفَ خَالِدٌ عَلَى الْبَابِ مِنْ خَارِجٍ، فَقَالَ عُمَرُ لِلزُّبَيْرِ: مَا هَذَا السَّيْفُ؟ قَالَ: أَعْدَدْتُهُ لِأُبَايِعَ عَلِيّاً. قَالَ: وَكَانَ فِي الْبَيْتِ نَاسٌ كَثِيرٌ، مِنْهُمُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَجُمْهُورُ الْهَاشِمِيِّينَ، فَاخْتَرَطَ عُمَرُ السَّيْفَ فَضَرَبَ بِهِ صَخْرَةً فِي الْبَيْتِ فَكَسَرَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ الزُّبَيْرِ، فَأَقَامَهُ ثُمَّ دَفَعَهُ فَأَخْرَجَهُ، وَقَالَ: يَا خَالِدُ، دُونَكَ هَذَا، فَأَمْسَكَهُ خَالِدٌ - وَكَانَ خَارِجَ الْبَيْتِ مَعَ خَالِدٍ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أَرْسَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ رِدْءاً لَهُمَا - ثُمَّ دَخَلَ فَقَالَ لِعَلِيٍّ: قُمْ فَبَايِعْ، فَتَلَكَّأَ وَاحْتَبَسَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: قُمْ، فَأَبَى أَنْ يَقُومَ، فَحَمَلَهُ وَدَفَعَهُ كَمَا دَفَعَ الزُّبَيْرَ، ثُمَّ أَمْسَكَهُمَا خَالِدٌ، وَسَاقَهُمَا عُمَرُ وَمَنْ مَعَهُ سَوْقاً عَنِيفاً، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ، وَامْتَلَأَتْ شَوَارِعُ الْمَدِينَةِ بِالرِّجَالِ، وَرَأَتْ فَاطِمَةُ مَا صَنَعَ عُمَرُ، فَصَرَخَتْ وَوَلْوَلَتْ، وَاجْتَمَعَ مَعَهَا نِسَاءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْهَاشِمِيَّاتِ وَغَيْرِهِنَّ، فَخَرَجَتْ إِلَى بَابِ حُجْرَتِهَا وَنَادَتْ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَسْرَعَ مَا أَغَرْتُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ! وَاللهِ لَا أُكَلِّمُ عُمَرَ حَتَّى أَلْقَى اللهَ».
قَالَ: فَلَمَّا بَايَعَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَهَدَأَتْ تِلْكَ الْفَوْرَةُ، مَشَى إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَشَفَعَ لِعُمَرَ، وَطَلَبَ إِلَيْهَا فَرَضِيَتْ عَنْهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنِي الْمُؤَمَّلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَتَيْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مُوسَى بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(علیه السّلام) وَنَحْنُ رَاجِعُونَ مِنَ الْحَجِّ فِي جَمَاعَةٍ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ مَسَائِلَ - وَكُنْتُ أَحَدَ مَنْ سَأَلَهُ - فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: أُجِيبُكَ بِمَا أَجَابَ بِهِ جَدِّي عَبْدُاللهِ بْنُ الْحَسَنِ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْهُمَا، فَقَالَ: «كَانَتْ أُمُّنَا صِدِّيقَةً، ابْنَةَ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَمَاتَتْ وَهِيَ غَضْبَى عَلَى قَوْمٍ، فَنَحْنُ غِضَابٌ لِغَضَبِهَا».
قُلْتُ: قَدْ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى بَعْضُ شُعَرَاءِ الطَّالِبِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، أَنْشَدَنِيهِ النَّقِيبُ جَلَالُ الدِّينِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْعَلَوِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنِي هَذَا الشَّاعِرُ لِنَفْسِهِ – وَذَهَبَ عَنِّي اسْمُهُ - قَالَ:
يَا أَبَا حَفْصٍ الْهُوَيْنَى وَمَا كُنْتَ*** مَلِيّاً بِذَاكَ لَوْلَا الْحِمَامُ
أَتَمُوتُ الْبَتُولُ غَضْبَى وَنَرْضَى*** مَا كَذَا يَصْنَعُ الْبَنُونَ الْكِرَامُ
يُخَاطِبُ عُمَرَ وَيَقُولُ لَهُ: مَهْلاً وَرُوَيْداً يَا عُمَرُ، أَيِ ارْفُقْ وَالِدْ وَلَا تَعْنُفْ بِنَا. وَمَا كُنْتَ مَلِيّاً، أَيْ وَمَا كُنْتَ أَهْلاً لِأَنْ تُخَاطَبَ بِهَذَا وَتَسْتَعْطِفَ، وَلَا كُنْتَ قَادِراً عَلَى وُلُوجِ دَارِ فَاطِمَةَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي وَلَجْتَهَا عَلَيْهِ لَوْلَا أَنَّ أَبَاهَا الَّذِي كَانَ بَيْتُهَا يُحْتَرَمُ وَيُصَانُ لِأَجْلِهِ مَاتَ فَطَمِعَ فِيهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ يَطْمَعُ. ثُمَّ قَالَ: أَتَمُوتُ أُمُّنَا وَهِيَ غَضْبَى وَنَرْضَى نَحْنُ؟ إِذًا لَسْنَا بِكِرَامٍ، فَإِنَّ الْوَلَدَ الْكَرِيمَ يَرْضَى لِرِضَا أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَيَغْضَبُ لِغَضَبِهِمَا.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا مَاتَتْ وَهِيَ وَاجِدَةٌ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَنَّهَا أَوْصَتْ أَلَّا يُصَلِّيَا عَلَيْهَا، وَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنَ الْأُمُورِ الْمَغْفُورَةِ لَهُمَا، وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِمَا إِكْرَامُهَا وَاحْتِرَامُ مَنْزِلِهَا لَكِنَّهُمَا خَافَا الْفُرْقَةَ، وَأَشْفَقَا مِنَ الْفِتْنَةِ، فَفَعَلَا مَا هُوَ الْأَصْلَحُ بِحَسَبِ ظَنِّهِمَا، وَكَانَا مِنَ الدِّينِ وَقُوَّةِ الْيَقِينِ بِمَكَانٍ مَكِينٍ، لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَالْأُمُورُ الْمَاضِيَةُ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَى عِلَلِهَا وَأَسْبَابِهَا، وَلَا يَعْلَمُ حَقَائِقَهَا إِلَّا مَنْ قَدْ شَاهَدَهَا وَلَابَسَهَا، بَلْ لَعَلَّ الْحَاضِرِينَ الْمُشَاهِدِينَ لَهَا يَعْلَمُونَ بَاطِنَ الْأَمْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ حُسْنِ الِاعْتِقَادِ فِيهِمَا بِمَا جَرَى، وَاللهُ وَلِيُّ الْمَغْفِرَةِ وَالْعَفْوِ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطَأٌ لَمْ يَكُنْ كَبِيرَةً، بَلْ كَانَ مِنْ بَابِ الصَّغَائِرِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي التَّبَرُّؤَ، وَلَا تُوجِبُ زَوَالَ التَّوَلِّي.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو زَيْدٍ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، عَنْ رِجَالِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بِعَلِيٍّ، وَأَنَا مَعَهُ بِفِنَاءِ دَارِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْبَقِيعَ، قَالَ: أَفَلَا تَصِلُ صَاحِبَكَ، وَيَقُومُ مَعَكَ؟ قَالَ: بَلَى. فَقَالَ لِي عَلِيٌّ: قُمْ مَعَهُ، فَقُمْتُ فَمَشَيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي أَصَابِعِي وَمَشَيْنَا قَلِيلاً، حَتَّى إِذَا خَلَّفْنَا الْبَقِيعَ قَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَمَا وَاللهِ إِنَّ صَاحِبَكَ هَذَا لَأَوْلَى النَّاسِ بِالْأَمْرِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، إِلَّا أَنَّا خِفْنَاهُ عَلَى اثْنَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَجَاءَ بِكَلَامٍ لَمْ أَجِدْ بُدّاً مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَنْهُ، فَقُلْتُ: مَا هُمَا يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: خِفْنَاهُ عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهِ، وَحُبِّهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي سَعِيدُ بْنُ عَبَّادٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رِجَالِهِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْتَنِي لَمْ أَكْشِفْ بَيْتَ فَاطِمَةَ، وَلَوْ أَعْلَنَ عَلَيَّ الْحَرْبَ!
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عليّ بن عبدالله بن العباس عن أبيه ، قال : لما حضرت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الوفاة، وفي البيت رجالٌ فيهم عمر بن الخطاب، قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ائتوني بدواةٍ وصحيفة، أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعدي، فقال عمر كلمة معناه أنّ الوَجَع قد غلب على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ثم قال : عندنا القرآن حسبُنا كتاب الله ، فاختلف مَنْ في البيت واختصموا، فمِن قائل يقول : القول ما قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ومِنْ قائل يقول : القول ما قال عمر، فلما أكثُروا اللّغط واللغو والاختلاف، غضب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فقال : «قوموا، إنه لا ينبغي لنبيّ أن يختلف عنده هكذا»، فقاموا، فمات رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في ذلك اليوم(1)، فكان ابن عباس يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بيننا و بين كتاب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يعني الاختلاف واللغط (2).
قلت: هذا الحديث قد خَرّجه الشيخان محمد بن إسماعيل البخاريّ، ومسلم بن الحجاج القشيريّ في صحيحيهما، واتفق المحدّثون كافة على روايته.
قال أبو بكر: وحدّثنا أبو زيد عن رجاله عن جابر،عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إن تولُّولها أبا بكر تجدُوه ضعيفاً في بَدَنه، قويًّا في أمر الله، وإن تولُّوها تجدوه قوياً في بدنه قوياً في أمر الله، وإن تولُّوها عليَّا - وما أراكم فاعلين - تجدوه هادياً مهديَّا ، يحملكم على المحجّة البيضاء، والصراط المستقيم(3).
قال أبو بكر : وحدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح، عن أحمد بن سيّار، عن سعيد بن كثير الأنصاريّ، عن رجاله، عن عبدالله بن عبدالرحمن أن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في مرض موتِه أمَّر أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جِلّةُ المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وعبدالرحمن بن عوف وطلحة والزبير، وأمرَه أن يُغير على مؤتة حيث قتل أبوه زيد، وأن يغزو وادِيَ فلسطين، فتثاقل أسامةُ وتثاقل الجيش بتثاقُلِه ، وجعل رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في مرضه يثقُل ويخفّ، ويؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث، حتى قال له أسامة: بأبي أنت وأمي ! أتأذن لي أن أمكُث أياماً حتى يَشفِيَكَ الله تعالى! فقال : اخرج وسر على بركة الله ، فقال : يا رسول الله، إن أنا خرجت وأنت على هذه الحال خرجت وفي قلبي قَرحة (4)منك ، فقال:سر على النصر والعافية، فقال: يا رسول الله، إني أكره أن أسأل عنك الركبان، فقال:
1) أخرجه البخاري، كتاب العلم باب: كتابة العلم ،(114) ، ومسلم، كتاب الوصية باب ترك الوصية ليس له شيء يوصي فيه (1637).
2) أخرجه الجوهري في السقيفة وفدك : 76 .
3) أخرجه البزار في مسنده (2895)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8910) ، وقال : رواه البزار، وفيه أبو اليقضان عثمان بن عمير، وهو ضعيف.
4) أي جراحة . لسان العرب مادة (فرح) .
انفُذ لما أمرتك به، ثم أغمي على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقام أسامة فتجهّز للخروج، فلما أفاق رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سأل عن أسامة والبعث، فأخبر أنهم يتجهَّزون، فجعل يقول: «أنفذوا بعث أسامة، لعن الله مَنْ تخلّف عنه» ، وكرر ذلك، فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه، حتى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين، ومن الأنصار أُسَيْد بن حُضير ويشير بن سعد وغيرهم من الوجوه، فجاءه رسولُ أم أيمن، يقول له : ادخل فإنّ رسول الله يموت، فقام من فوره، فدخلَ المدينة واللواء معه، فجاء به حتی رکَزه بباب رسول الله، ورسول الله قد مات في تلك الساعة .
قال : فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلى أن ماتا إلا بالأمير.
الأصل: وَقَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةً مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ، وَلَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لَمَا خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ، وَلَا أَنْهَزَهُم الفُرْصَةَ ، بِلاَ ذَمَّ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً ، وَكَانَ لِي رَبِيباً .
الشرح: أمّ محمد بن أبي بكر أسماءُ بنت عُميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خَثعم، كانت تحتَ جعفر بن أبي طالب، وهاجرت معه إلى الحبشة، فولدت له هناك عبدَالله بن جعفر الجواد، ثم قتل عنها يوم مُؤتة، فخلَف عليها أبو بكر الصدِّيق، فأولدها محمداً، ثم مات عنها، فخلف عليها عليّ بن أبي طالب، وكان محمد ربيبه وخِريجَه، وجارياً عنده مَجْرَى أولاده، رضع الولاء والتشيُّع من زمن الصَّبا، فنشأ عليه، فلم يكن يعرف له أباً غير عليّ، ولا يعتقد لأحَدٍ فضيلة غيره، حتى قال عليّ(علیه السّلام) : محد ابني من صلب أبي بكر، وكان يكنى أبا القاسم في قول ابن قتيبة. وقال غيرُه : بل كان يكنَى أبا عبد الرحمن.
وكان محمد من نُسّاك قريش، وكان ممن أعان على عثمان في يوم الدَّار، واختِلف : هل باشر قتلَ عثمان أم لا! ومن ولد محمد: القاسم بن محمد بن أبي بكر فقيه الحجاز وفاضلُها ، ومن ولد القاسم : عبدالرحمن بن القاسم بن محمد، كان من فضلاء قريش ويكنّى أبا محمد،و من ولد القاسم أيضاً أم فَرْوَة، تزوجها الباقر أبو جعفر محمد بن عليّ، فأولدها الصادق أبا عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام، وإلى أم فَرُوة أشار الرضيّ أبو الحسن بقوله :
يفاخرُنا قَوْمٌ بمَنْ لم تلدهمُ*** بتيمٍ إذا عُد السوابق أو عَدِي
وَيَنْسَوْنَ مَنْ لو قَدَّمُوه لَقَدَّمُوا*** عِذارَ جوادٍ في الجيادِ مُقَلَّدِ
فَتَى هاشم بعد النبيّ وباعُها*** لمرمى عُلاً أو نيلٍ مجد وسؤدَد
ولولا عليٌّ ما عَلَوْا سَرَوَاتِها*** ولا جَعْجَعُوا (1)فيها بمرعَى وَمَوْرِدِ
اخذنا عليكم بالنبيّ وفاطمٍ*** طلاعَ المساعي مِنْ مَقَامِ وَمَقْعَدِ
وطلنَا بسبطَي أحمدٍ ووصيِّه*** رقابَ الورى مِنْ مُتهمينَ ومُنْجِدِ
وحُزْنا عتيقاً وهو غايةُ فَخْرِكُمْ*** بمولد بنت القاسم بن محمدِ
فَجَدْ نَبِيَّ ثم جَد خليفةٌ*** فأكرم بجدَّينا: عتيقٍ وأحمدِ
وَمَا افْتَخَرَتْ بعد النبيّ بغيرِه*** يدٌ صَفَقَتْ يَوْمَ البياع على يَدِ
قوله :
ولولا عليّ ما عَلَوْا سَرَوَاتها .
ينظر فيه إلى القول المأمون في أبيك يمدح فيها عليَّا ، أولها :
ألام على حُبِّي الوصيّ أبا الحسن*** وذلك عندي من أعاجيبِ ذا الزَّمَنُ
والبيت المنظور إليه منها قوله :
وَلَوْلاه ماعُدَّتْ لهاشم إمرةٌ*** وكان مدى الأيام يُعْصَى ويُمْتَهَنُ
وأمّا هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب، فعمّه سعد بن أبي وقاص، أحدُ العشرة، وأبوه عُتبة بن أبي وقّاص، الذي كسر رَبَاعيّة رسول اللهصلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يوم أحُد، وكلّم شفتيه وشجّ وجهه، فجعل يمسح الدمَ عن وجهه، ويقول: «كيف يُفلِح قوم خضبوا وجة نبيِّهم بالدم، وهو يدعوهم إلى ربهم !» (2)، فأنزل الله عزّ وجلّ : «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ )(3).
وقال حسان بن ثابت في ذلك اليوم :
إذا الله حَيَّا معشراً بفَعالِهِمْ*** ونصرهِمُ الرحمنَ ربَّ المشارق
فهدّك ربّي يا عتيب بن مالك*** ولَقّاك قبل الموت إحدَى الصواعِقِ
بَسَطتَ يميناً للنبيّ محمدٍ*** فدّميت فاه قُطِّعت بالبوارقِ
فهلا ذكرت الله والمنزل الَّذي*** تصير إليه عند إحدى الصعائقِ
فَمَنْ عاذِرِي من عبد عُذْرَةَ بعدما*** هَوَى في دَجُوجيِّ شديد المضايق!
وأورثَ عارًا في الحياة لأهلهِ*** وفي النار يوم البعث أمّ البوائق
وإنما قال، «عبد عُذْرَة» لأنّ عتبة بن أبي وقاص وإخوتَه وأقاربَه في نسبهم كلام، ذكر قوم من أهل النسب أنهم من عُذرة، وأنهم أدعياء في قريش، ولهم خبر معروف، وقصة مذكورة في كتب النسب.
وتنازَع عبدُالله بن مسعود وسعد بن أبي وقّاص في أيام عثمان في أمرٍ فاختصما، فقال سعد لعبدالله : اسكُت يا عبدَ هذيل، فقال له عبدُالله : اسكُت يا عبد عُذرة .
وهاشم بن عتبة هو المِرقال، سمي المرقال، لأنه كان يُرْقِل في الحرب إرقالاً، وهو من شِيعة عليّ، وسنفصّل مقتلَه، إذا انتهينا إلى فصل من كلامه يتضمّن ذكر صِفّين .
فأما قوله : «لما خَلّى لهم العرصة» فيعني عَرْصة مصر، وقد كان محمد رحمه الله تعالى : لما ضاق عليه الأمر ، ترك لهم مصر وظنّ أنه بالفرار ينجو بنفسه، فلم ينجُ وأخِذ وقُتِل .
وقوله : «ولا أنهزَهم الفرصَة»، أي ولا جعلهم للفرصة منتهزين. والهمزة للتعدية، يقال: أنهزت الفرصة، إذا أنهزتُها غيري.
ونحن نذكر في هذا الموضع ابتداء أمر الذين ولاهم عليّ(علیه السّلام) مصر، إلى أن ننتهي إلى كيفية ملك معاوية لها وقتل محمد بن أبي بكر، وننقل ذلك من كتاب إبراهيم بن سعد بن هلال الثقفي، وهو كتاب «الغارات».
قال إبراهيم : حدثنا محمد بن عبدالله بن عثمان الثَّقفي، قال: حدثني عليّ بن محمد بن أبي سيف، عن الكلبيّ، أنّ محمد بن أبي حُذيفة بن عُثبة بن ربيعة بن عبد شمس، هو الذي حَرّض المصريين على قتل عثمان وندبَهم إليه، وكان حينئذ بمصر، فلما ساروا إلى عثمان وحَصَرُوه ، وثَب هو بمصر علَى عامل عثمان عليها، وهو عبدالله بن سعد بن أبي سرح، أحد بني عامر بن لؤيّ، فطرده عنها، وصلّى بالناس، فخرج ابن أبي سَرْح من مصر، ونزل على تخوم أرضها مما يَلي فِلسطين، وانتظر ما يكون من أمر عثمان، فطلَع عليه راكب، فقال له : يا عبدالله، ما وراءك ؟ ما خبرُ الناس بالمدينة؟ قال : قتل المسلمون عثمان، فقال ابنُ أبي سَرْح:
إنّا لله وإنا إليه راجعون! ثم صنعوا ماذا يا عبدالله ؟ قال : بايعوا ابن عمّ رسول الله عليّ بن أبي طالب، فقال ثانية: إنا لله وإنا إليه راجعون! فقال الرجل : أرى أن ولايةَ عليّ عدلَتْ عندك قتل عثمان قال : أجل، فنظر إليه متأمّلاً له فعرفه، فقال أظنّك عبدالله بن سعد بن أبي سَرْح، أمير مصر! قال : أجل قال : إن كانت لك في الحياة حاجة فالنَّجاء النَّجاء، فإن رأي عليّ فيك وفي أصحابك، إن ظفر بكم قتلكم أو نفاكم عن بلاد المسلمين، وهذا أمير تقدّم بعدي عليكم . قال : ومَن الأمير؟ قال: قيس بن سعد بن عبادة. فقال ابنُ أبي سَرْح : أبْعَد الله ابن أبي حذيفة! فإنّه بَغَى على ابن عمّه، وسعى عليه، وقد كان كفَلَه وربّاه، وأحسن إليه، وأمِنَ جواره، فجهّز الرجال إليه حتى قُتِل، ووثب على عامله .
وخرج ابن أبي سَرْح حتى قدِم على معاوية بدمشق.
قال إبراهيم: وكان قيس بن سعد بن عبادة من شيعة عليّ ومناصحيه، فلما وليَ الخلافة، قال له : سر إلى مصر فقد ولَّيْتُكَها ، واخرج إلى ظاهر المدينة، واجْمَعُ ثقاتك ومَنْ أحبيت أن يصحبَك حتى تأتي مصر ومعك جند، فإنّ ذلك أرعب لعدوّك، وأعزّ لوليّك . فإذا أنت قدمتَها إن شاء الله، فأحسن إلى المحسِن، واشتدّ على المريب، وارفُق بالعامّة والخاصّة فالرفق يُمن.
فقال قيس : رَحمك الله يا أميرالمؤمنين! قد فهمتُ ما ذكرتَ، فأمّا الجندُ فإني أدعُه لك، فإذا احتجتَ إليهم كانوا قريباً منك، وإن أردت بعثهم إلى وجهٍ من وجوهك كان لك عُدة، ولكنيّ أسير إلى مصر بنفسي وأهل بيتي، وأمّا ما أوصيتَني به من الرفق والإحسان فالله تعالى هو المستعانُ على ذلك .
قال: فخرج قيسٌ في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر، فصعِد المنبر ، وأمر بكتاب معه يُقرأ على الناس، فيه من عبدالله عليّ أميرالمؤمنين إلى مَن بلغه كتابي هذا من المسلمين. سلام علَيكم، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو .
أما بعد، فإنّ الله بحسنِ صنعه وقدَرِه وتدبيره، اختارَ الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به أنبياءه إلى عباده، فكان ممَّا أكرم الله عزّ وجلّ به هذه الأمة وخصّهم به من الفضل أن بعث محمداً (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إليهم ، فعلّمهم الكتاب والحكمة والسّنّة والفرائض وأدّبهم لكيما يهتدوا ، وجمعهم لكيلا يتفرّقوا ، وزكّاهم لكيما يتطهَّروا ، فلما قضى من ذلك ما عليه، قبضه الله إليه، فعليه صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه. ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرين منهم صالحين، فعملا بالكتاب والسنّة وأحيَيا السِّيرة، ولم يعدُوَا السنة. ثم توفّيًا رحمهما الله، فوُلّي بعدهما وال أحدّث أحداثاً، فوجدت الأمة عليه مقالاً فقالوا، ثمّ نقموا فغيّروا ثم جاءوني فبايعوني، وأنا أستهدي الله الهدَى، وأستعينه على التقوَى. ألا وإنّ لكم علينا العملَ بكتاب الله
وسنة رسوله والقيام بحقّه، والنصح لكم بالغيب، والله المستعان على ما تصفون، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
وقد بعثتُ لكم قيسَ بن سعد الأنصاري أميراً، فوازروه وأعِينوه على الحق، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم، والشدّة على مُرِيبكم، والرّفق بعوامّكم وخواصّكم، وهو ممّنْ أرضَى هَدْيَه ، وأرجو صلاحَه ونصحه. نسأل الله لنا ولكم عملاً زاكياً، وثواباً جزيلاً ورحمة واسعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وكتبه عبدالله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين.
قال إبراهيم: فلما فرغ من قراءة الكتاب، قام قيس خطيباً فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: الحمدُ لله الذي جاء بالحقّ، وأمات الباطل، وكَبَت الظالمين. أيّها الناس، إنا بايعنا خَيْرَ من نعلم من بعد نبيّنا محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله، فإن نحن لم نعمل بكتاب الله وسنة رسوله فلا بيعة لنا عليكم .
فقام الناس فبايعوا، واستقامت مصر وأعمالها لقيس، وبعث عليها عماله، إلا أن قريةً منها قد أعظَمَ أهلُها قتل عثمان، وبها رجل من بني كنانة يقال له يزيد بن الحارث، فبعث إلى قيس : إنّا لا نأتيك فابعث عُمّالك، فالأرض أرضُك، ولكن أقرّنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس.
ووثب محمد بن مسلَمة بن مخلَّد بن صامت الأنصاريّ فنعَى عثمان، ودعا إلى الطلب بدمه، فأرسل إليه قيس : ويحك ! أعليَّ تَيْب ! والله ما أحبّ أن لي ملك الشام ومصر وأنّي قتلتك! فاحقِن دمك. فأرسل إليه مسلمَة : إني كافّ عنك ما دمتَ أنتَ والي مصر .
وكان قيس بن سعد ذا رأي وحَزْم، فبعث إلى الذين اعتزلوا : إني لا أكرهكم على البَيعة. ولكني أدَعُكُم وأكفّ عنكم . فهادنهم وهادَن مسلمة بن مخلَّد، وجبَى الخراج، وليس أحد ينازعه .
قال إبراهيم: وخرج عليّ(علیه السّلام) إلى الجمل، وقيس على مصر، ورجع من البصرة إلى الكوفة، وهو بمكانه، فكان أثقلَ خلق الله على معاوية لقرب مصر وأعمالها من الشام، ومخافةً أن يقبِلَ بأهل العراق، ويقبِلَ إليه قيس بأهل مصر، فيقع بينهما . فكتب معاوية إلى قيس، وعليّ يومئذ بالكوفة قبل أن يسيرَ إلى صِفّين :
من معاوية بن أبي سُفيان إلى قيس بن سعد. سلام عليك، فإني أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو.
أما بعد، فإنّكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أثَرَةٍ رأيتموها ، أو ضرَبة سوط ضرَبها، أو في
شتمه رجلاً، أو تعييره واحداً، أو في استعماله الفتيانَ من أهله - فإنّكم قد علمتم إن كنتم تعلمون، أنّ دمه لم يحلّ لكم بذلك، فقد ركبتم عظيماً من الأمر، وجنتم شيئاً إذّاً(1)، فتب يا قيس إلى ربّك، إن كنت من المجلبين على عثمان إن كانت التوبة قبل الموت تغني شيئاً .
وأما صاحبك فقد استيقنا أنه أغرى الناس بقتله، وحملهم على قتله حتى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عُظم قومك، فإن استطعتَ يا قيس أن تكونَ مِمّن يطلب بدم عثمان فافعل، وتابعنا على عليّ في أمرنا. هذا ولك سلطان العِراقين إن أنا ظفرتُ ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلّني عن غير هذا مما تحبّ، فإنّك لا تسألُني شيئاً إلا أتيتُه، واكتب إليّ رأيك فيما كتبتُ إليك .
فلما جاء إليه كتابُ معاوية أحبّ أن يدافعه ولا يبدي له أمرَه، ولا يعجّل له حربه، فكتب إليه :
أما بعدُ، فقد وصل إليّ كتابك، وفهمتُ الذي ذكرتَ من أمر عثمانَ، وذلك أمرٌ لم أقاربه.
وذكرتَ أنَ صاحبي هو الذي أغرَى الناسَ بعثمان ودسّهم إليه حتى قتلوه، وهذا أمرٌ لم أطَّلع عليه. وذكرت لي أن عُظم عشيرتي لم تسلَم من دم عثمان، فلعمري إنّ أولى الناس كان في أمره عشيرتي، وأمّا ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدمه، وما عرضته عليّ فقد فهمته، وهذا أمرٌ لي نظر فيه وفِكر، وليس هذا مما يُعجَل إلى مثله، وأنا كافٌّ عنك، وليس يأتيك من قبِلي شيء تكرهُه، حتى ترى ونرى، إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
قال إبراهيم: فلما قرأ معاوية كتابه لم يرهُ إلا مقارباً مباعداً، ولم يأمن أن يكونَ له في ذلك مخادعاً مكايداً، فكتب إليه :
أمّا بعد، فقد قرأتُ كتابك، فلم أرك تدنو فأَعُدَّك سِلما، ولم أرك تتباعد فأعُدَّك حرباً، أراك كحبل الجُرُور (2)، وليس مثلي يصانَع بالخداع ،ولا يخدَع بالمكايد، ومعه عدد الرجال وأعِنّة(3)الخيل، ، فإن قبلتَ الذي عرضتُ عليك فلك ما أعطيتُك، وإن أنت لم تفعل ملأتُ عليك خَيْلاً ورَجُلاً . والسلام .
فلما قرأ قيس كتابه، وعلم أنه لا يقبل منه المدافعة والمطاولة، أظهر له ما في نفسه، فكتَب إليه :
من قيس بن سعد، إلى معاوية بن أبي سفيان :
أما بعد فالعجبُ من استسقاطك رأيي، والطمع في أن تسومني - لا أبا لغيرك - الخروجَ
من طاعةِ أولى الناسِ بالأمرِ، وأقوَلهم بالحقّ، وأهداهم سبيلاً، وأقربِهم من رسول الله وسيلةً.
وتأمرُني بالدخول في طاعتك وطاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم بالزّور، وأضلَّهم سبيلاً، وأدناهم من رسول الله وسيلة، ولديك قومٌ ضالّون مضلُّون، طواغيت من طواغيت إبليس. وأمّا قولُك إنك تملأ عليّ مصراً خَيْلاً ورَجُلاً، فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى يكون منك، إنّك لذو جِدّ. والسلام.
فلما أتى معاويةَ كتابُ قيسٍ، أيسَ وثَقُل مكانُه عليه، وكان أن يكون مكانُه غيره أحبّ إليه، لما يعلم من قوته وتأبيّه ونَجدته، واشتداد أمره على معاوية، فأظهرَ للناس أنّ قيساً قد بايعكم، فادعوا الله له، وقرأ عليهم كتابه الذي لان فيه وقاربه، واختلق كتاباً نسبه إلى قيس فقرأه على أهل الشام:
«للأمير معاوية بن أبي سفيان، من قيس بن سعد:
أما بعد، إنّ قَتْلَ عثمان كان حدَثاً في الإسلام عظيماً، وقد نظرتُ لنفسي وديني، فلم أر يسعُني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلماً محرماً بَرّاً تقيّا، فنستغفر الله سبحانه لذنوبنا، ونسأله العصمةَ لديننا. ألا وإنّي قد ألقيت إليكم بالسَّلام، وأجبتُك إلى قتال قَتَلة إمام الهدى المظلوم، فاطلب مِنّي ما أحببت من الأموال والرجال أعجُله إليك إن شاء الله. والسلام على الأمير ورحمة الله وبركاته».
قال: فشاع في الشام كلِّها أنّ قيساً صالح معاوية، وأتت عيون عليّ بن أبي طالب إليه بذلك، فأعظمه وأكبره وتعجّب له، ودعا ابنيه حسناً وحسيناً، وابنيه محمداً وعبدالله بن جعفر: فأعلمهم بذلك، وقال: ما رأيكم؟ فقال عبدالله بن جعفر: يا أمير المؤمنين، دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يريبُك، اعزِل قيساً عن مصر. قال عليّ: والله إني غيرُ مصدّق بهذا على قيس. فقال عبدالله: اعزله يا أميرالمؤمنين، فإن كان ما قد قيل حقاً فلا يُعْتزل لك إن عزلتَه. قال: وإنهم لكذلك إذ جاءهم كتاب من قيس بن سعد، فيه:
«أمّا بعد، فإني أخبرُ يا أميرالمؤمنين -أكرمك الله وأعزّك- أنّ قِبَلي رجالاً معتزلين سألوني أن أكفَّ عنهم وأدَعهم على حالهم حتى يستقيمَ أمرُ الناس فنرى ويرون، وقد رأيتُ أن أكُفّ عنهم ولا أعجل بحربهم، وأن أتألفّهم فيما بين ذلك، لعلّ الله أن يقبل بقلوبهم، ويفرّقهم عن ضلالتهم إن شاء الله. والسلام.
فقال عبدالله بن جعفر: يا أميرالمؤمنين، إنك إن أطعتَه في تركهم واعتزالهم استشرى الأمرُ وتفاقمت الفتنة، وقَعدَ عن بيعتك كثير ممن تريده على الدخول فيها، ولكن مُره بقتالهم.
فكتب إليه: «أما بعد، فسِر إلى القوم الذين ذكرت، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون وإلا فناجزهم. والسلام».
قال: فلما أتى هذا الكتاب قيساً فقرأه لم يتمالك أن كتب إلى عليّ:
أما بعدُ يا أميرالمؤمنين، تأمُرني بقتال قوم كافّين عنك، ولم يمدُّوا يداً للفتنة، ولا أرصدوا لها، فأطعني يا أميرالمؤمنين، وكُفّ عنهم، فإنّ الرأيَ تركهم. والسلام.
فلمَّا أتاه هذا الكتاب، قال عبدُالله بن جعفر: يا أميرَالمؤمنين، ابعث محمد بن أبي بكر إلى مصر يكفِكَ أمرها، واعزل قيساً، فوالله لبلغني أن قيساً يقول: إنّ سلطاناً لا يتمّ إلا بقتل مسلمة بن مخلّد لسلطان سوء، والله ما أحبّ أن لي سلطان الشام مع سلطان مصر، وأنني قتلت ابنَ مخلد. وكان عبدالله بن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمه، وكان يحبّ أن يكونَ له إمُرَة وسلطان، فاستعمل عليّ(علیه السّلام) محمّد بن أبي بكر على مصر، لمحبّةٍ له ولهوى عبدالله بن جعفر أخيه فيه، وكتب معه كتاباً إلى أهل مصر، فسار حتى قَدِمها، فقال له قيس: ما بالُ أميرالمؤمنين! ما غيّره!، أدخَلَ أحدٌ بيني وبينه! قال: لا، وهذا السلطان سلطانك. وكان بينهما نسب، كان تحت قيس قُرَيبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر الصديق، فكان قيس زوجَ عمته- فقال قيس: لا والله لا أقيم معك ساعة واحدة، وغضب حين عزله عليّ عنها، وخرج منها مقبلاً إلى المدينة ولم يمض إلى عليّ بالكوفة.
قال إبراهيم: وكان قيسٌ مع شجاعته ونجدَتِه جواداً مفضالاً، فحدثني عليّ بن محمد بن أبي سيف، عن هاشم، عن عروة، عن أبيه، قال: لما خرج قيس بن سعد من مصر، فمرّ بأهلِ بيت من بَلقَين، فنزل بمائِهم، فنحرَ له صاحبُ المنزل جَزوراً وأتاه بها، فلما كان الغد نحر له أخرى، ثم حبستهم السماء اليوم الثالث، فنحر لهم ثالثة، ثم إنّ السماء أقلَعَت، فلما أراد قيسٌ أن يرتحل، وضع عشرين ثوباً من ثياب مصر، وأربعة آلاف درهم عند امرأة الرجل، وقال لها: إذا جاءَ صاحبك، فادفعي هذه إليه، ثم رحل، فما أتَت عليه إلا ساعة حتى لَحِقه الرجل صاحب المنزل على فَرس، ومعه رمح، والثياب والدراهم بين يديه، فقال: يا هؤلاء خذوا ثيابَكم ودراهمكم، فقال قيس: انصرف أيها الرجل، فإنّا لم نكن لنأخذها، قال: والله لتأخذنها، فقال قيس: لله أبوك! ألم تكرمنا وتحسن ضيافتَنا فكافأناك! فليس بهذا بأس، فقال الرجل: إنّا لا نأخذ لقِرَى الأضياف ثمناً، والله لا آخذها أبداً. فقال قيس: أمّا إذ أبى ألا يأخذَها فخذوها، فوالله ما فضلني رجل من العرب غيره.
قال إبراهيم: وقال أبو المنذر: مَرّ قيس في طريقه برجل من بَليّ، يقال له: الأسود بن فلان، فأكرمه، فلما أراد قيس أن يرتحِل وضع عند امرأته ثياباً ودراهم، فلما جاء الرجل دفعته إليه، فلحقه فقال: ما أنا بائع ضيافتي، والله لتأخُذَنّ هذا أو لأنفِذَنّ الرمحَ بين جنبيك! فقال قيس: ويحكم خذوه!
قال إبراهيم: ثم أقبلَ قيس حتى قِدم المدينة، فجاءه حَسّان بن ثابت شامتاً به - وكان
عثمانياً - فقال له : نَزَعك عليّ بن أبي طالب، وقد قتلت ،عثمان، فبقي عليك الإثم، ولم يحسن لك الشكر!فزجره قيس وقال : يا أعمَى القلب، يا أعمى البصر، والله لولا ألقى بين رهطي ورهطك حَرْباً لضربت عنقك. ثم أخرجه من عنده.
قال إبراهيم : ثم إن قيساً وسهل بن حُنيف خرجا حتى قدما علىّ علي الكوفة، فخبره قيس الخبر وما كان بمصر فصدّقه. وشهد مع عليّ صفين هو وسهل بن حنيف.
قال إبراهيم : : وكان قيس طُوالاً أطول الناس وأمدّهم قامة، وكان سِناطاً (1)أصلع شيخاً شجاعاً مجرّباً مناصحاً لعليِّ ولولده، ولم يزل على ذلك إلى أن مات .
قال إبراهيم : حدّثني أبو غسّان قال : أخبرني عليّ بن أبي سيف قال : كان قيس بن سعد مع أبي بكر وعمر في سَفَر في حياة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فكان ينِفق عليهما وعلى غيرهما ويُفضل.
فقال له أبو بكر: إن هذا لا يقوم به مال أبيك فأمسِك يدك. فلما قدموا من سفرهم قال سعد بن عبادة لأبي بكر : أردت أن تبخّل ابني! إنا لقومٌ لا نستطيع البخل .
قال : وكان قيس بن سعد يقول في دعائه: اللهم ارزقني حَمْداً ومجداً وشكراً، فإنه لا حَمْدَ إلا بفَعال، ولا مجد إلا بمال. اللهمّ وسّع عليّ فإنّ القليل لا يسعني ولا أسعه .
قال إبراهيم : وكان عهد عليّ إلى محمد بن أبي بكر الذي قرىء بمصر :
هذا ما عهد عبدالله عليّ أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر، أمرَه بتقوى الله في السرّ والعلانية، وخوف الله تعالى في المغِيب والمشهد ، وأمرَه باللِّين على المسلم، والغِلظ على الفاجر، وبالعدلِ على أهل الذمّة، وبالإنصاف للمظلوم، وبالشدّة على الظالم، وبالعفو عن الناس وبالإحسان ما استطاع، والله يجزي المحسنين، وأمره أن يدعُوَ مَنْ قِبَلَه إلى الطاعة والجماعة، فإنّ لهم في ذلك من العاقبة وعظم المثوبة ما لا يُقْدَر قدرُه ولا يعرَف كنهه .
وأمره أن يجبَى خَراج الأرض على ما كانت تُجبَى عليه من قَبْلُ، ولا ينتقص ولا يبتدع، ثم يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمونه عليه من قبل، وإن تكُن لهم حاجة يواسٍ بينهم في مجلسه ووجهه، ليكون القريب والبعيد عنده عَلَى سواء. وأمره أن يحكم بين الناس بالحقّ، وأن يقوم بالقِسط، ولا يتبع الهوى، ولا يخاف في الله لومة لائم، فإن الله مع مَنِ اتّقاه وآثر طاعته على من سواه .
وكتبه عبدالله بن أبي رافع مولَى رسول الله لغُرّة شهر رمضان سنة ست وثلاثين.
1) السنّاط : بضم السين وكسرها . الكوسج الذي ليس له لحية أصلاً. القاموس المحيط مادة (سنط).
قال إبراهيم: ثم قام محمد بن أبي بكر خطيباً، فحمدالله وأثنى عليه، وقال: أما بعدُ، فالحمدلله الذي هدانا وإياكم لما اختُلِف فيه من الحقّ، وبصَّرنا وإيّاكم كثيراً مما عَمِيَ عنه الجاهلون. ألا وإنّ أميرالمؤمنين ولّاني أمورَكم، وعَهِد إليَّ بما سمعتم، وأوصاني بكثير منه مشافهةً؛ ولن آلوَكم خيراً ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب. فإن يكن ما ترون من آثاري وأعمالي طاعةً لله وتقوى، فاحمَدوا الله على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي إليه. وإن رأيتم من ذلك عملاً بغير الحقّ، فارفعوه إليَّ، وعاتبوني عليه، فإني بذلك أسعد وأنتم بذلك جديرون. وفَّقنا الله وإياكم لصالح العمل.
قال إبراهيم: وحدّثني يحيى بن صالح، عن مالك بن خالد الأسديّ، عن الحسن بن إبراهيم، عن عبدالله بن الحسن بن الحسن، قال: كتب عليٌّ(علیه السّلام) إلى أهل مصر، لما بعث محمد بن أبي بكر إليهم كتاباً يخاطبهم به، ويخاطب محمداً أيضاً فيه:
أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله في سرّ أمركم وعلانيته، وعلى أيّ حالٍ كنتم عليها، وليعلم المرء أنّ الدنيا دارُ بلاء وفناء، والآخرة جزاء وبقاء، فمن استطاع أن يؤثِرَ ما يبقى على ما يفنى فليفعل، فإنّ الآخرة تبقى، والدنيا تفنى. رزقنا الله وإياكم بَصَراً لما بصرنا وفهما لما فهمنا، حتى لا نقصر عما أمرَنَا، ولا نتعدّى إلى ما نهانا . واعلم يا محمد أنّك وإن كنت محتاجاً إلى نصيبك من الدنيا إلّا أنك إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن عرض لك أمران : أحدُهما للآخرة والآخر للدنيا، فابدأ بأمر الآخرة، ولتعظُم رغبتُك في الخير، ولتحسُن فيه نيتك، فإنّ الله عزّ وجلّ يعطي العبد على قَدْرِ نيّته، وإذا أحبّ الخير وأهله ولم يعمله كان إن شاء الله كمن عمله، فإنّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال حين رجع من تَبَوك : إنّ بالمدينة لأقواماً ما سرتُم من مسير، ولا هبطتم من وادٍ إلا كانوا معكم، ما حبَسهم إلِا المرض(1)- يقول : كانت لهم نيّة - ثم اعلم يا محمد أني قد ولّيتُك أعظم أجنادي أهل مصر، وولّيتك ما ولّيتك من أمر الناس، فأنت محقوق أنْ تخافَ فيه على نفسك، وتحذَر فيه على دينك، ولو كان ساعة من نهارٍ. فإن استطعت ألا تُسْخِط ربّك لرضا أحدٍ من خلقه فافعل، فإنّ في الله خَلَفاً من غيره، وليس في شيء خلفٌ منه، فاشتدّ على الظالم، ولن لأهل الخير وقَربهم إليك، واجعلهم بطانتك وإخوانك والسلام.
قال إبراهيم: حدّثني يحيى بن صالح، عن مالك بن خالد، عن الحسن بن إبراهيم، عن عبدالله بن الحسن بن الحسن، قال : كتب عليّ إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر :
أما بعد، فإنّي أوصيكم بتقوى الله والعمل بما أنتم عنه مسؤولون، فأنتم به رهن، وإليه
1) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه مرض أو عذر عن الغزو (1911)، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب من حبسه العذر عن الجهاد (2765) ، وأحمد في مسنده (14265) .
صائرون، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول : «كُلُّ نَفس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ » (1). وقال: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَةُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ» (2). وقال : «فَوَرَبِّكَ لَنَسْئلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ » 3(3).
فاعلموا عبادالله أن الله سائلكم عن الصّغير من أعمالكم والكبير، فإن يعذّب فنحن الظالمون، وإن يغفر ويرحم فهو أرحم الراحمين. وعلموا أنّ أقربَ ما يكون العبد إلى الرّحمة والمغفرة حينما يعمل بطاعة الله ومناصحته في التوبة. فعليكم بتقوى الله عزّ وجلّ، فإنّها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها، ويُدْرَك بها من الخير ما لا يدرَك بغيرها خير الدنيا وخير الآخرة، يقول الله سبحانه: «وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ» (4).
واعلموا عبادَالله أن المؤمنين المتّقين قد ذهبُوا بعاجل الخير وآجلِه ، شرَكُوا أهلَ الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهلُ الدنيا في آخرتهم، يقول الله عزّ وجَلَّ: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةُ » (5)، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكِنت، وأكلوها بأفضل ما أكلِت، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، فأكلوا من أفضل ما يأكلون، وشربوا من أفضل ما يشربون ويلبسون من أفضل ما يلبسون، ويسكنون من أفضل ما يسكنون، أصابوا لذّة أهل الدنيا مع أهل الدنيا مع أنّهم غداً من جيران الله عزّ وجلّ، يتمنون عليه، لا يردّ لَهُم دعوة، ولا ينقص لهم لذة. أما في هذا ما يشتاق إليه مَنْ كان له عقل ! واعلموا - عبادالله - أنّكم إذا اتقيتُم ربّكم، وحفظتم نبيّكم في أهل بيته، فقد عبدتموه بأفضل ما عُبِد، وذكرتموه بأفضل ما ذكر، وشكرتموه بأفضل ما شُكر، وأخذتم بأفضل الصبر، وجاهدتم بأفضَل الجهاد، وإن كان غيرُكم أطول صلاة منكم ، وأكثر صياماً، إذا كنتم أتقى الله وأنصحَ لأولياء الله من آل محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأخشع . واحذَرُوا عبادَ الله الموت ونزوله، وخذولَهُ، فإنه يدخل بأمر عظيم، خيرٍ لا يكون معه شرّ أبداً ، أو شرِّ لا يكون معه خير أبداً . وليس أحد من الناس يفارق روحُه جسده، حتّى يعلم إلىّ أيّ المنزلتين يصير، إلى الجنّة أم إلى النار! أعدوّ هو الله أم وليّ له ! فإن كان ولياً فُتِحت له أبواب الجنة، وشرع له طريقها ، ونظر إلى ما أعدّ الله عزّ وجلّ لأوليائه فيها، فرغ من كلّ شغل، ووضع عنه كل ثِقل، وإن كان عدوَّا فتحت له أبوابُ النار، وسهل له طريقها ، ونظر إلى ما أعدّ الله فيها لأهلها. واستقبل كل مكروه، وفارق كلَّ سرور، قال الله تعالی الى: «الَّذِينَ تَتَوَفَّهُمُ الْمَلَيْكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَالْقُوا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ«28» فَادْخُلُوا أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ«29»(6).
واعلموا عبادَ الله أن الموت ليس منه فَوْت، فاحذروه وأعِدُّوا له عُدّته، فإنكم طرَداء للموت، إن قمتم أخذكم، وإن هربتم أدرككم، وهو ألزم لكم من ظِلّكم، معقودٌ بنواصيكم، والدُّنيا تطوَى من خَلْفِكم ، فأكثروا ذكرَ الموتِ عند ما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات، فإنه كَفَى بالموت واعظاً. قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «أكثروا ذكرَ الموت فإنه هاذم اللذات» (1).
واعلموا عبادَالله أنّ ما بعد الموت أشدّ من الموت، لمن لم يغفر الله له ويرحمه. واحذروا القَبْرَ وضمَّته وضيقه وظلمته، فإنه الذي يتكلّم كلّ يوم : أنا بيت التراب، وأنا بيت الغربة، وأنا بيت الدود. والقبر روضة من رياض الجنة. أو حفرة من حفر النار. إنّ المسلم إذا مات قالت له الأرض مرحباً وأهلاً، قد كنت ممّن أحبّ أن تمشيَ على ظهري، فإذ وليتك فستعلم كيف صنعتی بك! فيتسع له مدّ بصره. وإذا دُفِن الكافر قالت له الأرض: لا مرحباً ولا أهلاً، قد كنت أَبْغِضُ أن تمشيَ على ظهري فإذ وليتك فستعلم كيف صنعي بك ! فتنضمّ عليه حتى تلتقيّ
أضلاعه. واعلموا أن المعيشة الضّنك التي قال سبحانه: «فَإِنَّ لَمُ مَعِيشَةً ضَنكًا» (2)هي عذابُ القبر، فإنه يسلط على الكافر في قبره حياتٍ عظام تنهش لحمه حتى يبعث، لو أن تُنيناً منها نفخ الأرض ما أنبت الزرع أبدا.ً
اعلموا عبادَ الله أن أنفسكم وأجسادَكم الرقيقة الناعمة التي يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا، فإن استطعتم أن ترحموا أنفسَكم وأجسادكم ممّا لا طاقة لكم به، ولا صبرَ لكم عليه ، فتعلموا بما أحبّ الله سبحانه وتتركوا ما كَرِهَ ،فافعلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله !
واعلموا - عبادالله - أنّ ما بعد القبر أشدُّ من القبر، يومٌ يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير، وتذهَلُ كلّ مرضعة عما أرضعت. واحذروا يوماً عبوساً قمطريراً (3)، كان شرُّه مستطيراً. أما إنّ شرّ ذلك اليوم وفزعه استطار حتى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب، والسبع الشداد، والجبال الأوتاد ، والأرضون المهاد. وانشقت السماء فهي يومئذ واهية، وتغيّرت فكانت وَرْدةً كالدِّهان، وكانت الجبال سراباً ، بعد ما كانت صُمَّا صلاباً، يقول الله سبحانه: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ الله » (4). فكيف بمن يعصيه بالسّمع والبصر،واللسان واليد، والفرج والبطن، إن لم يغفر الله ويرحم !
1) أخرجه الترمذي ،كتاب: الزهد، باب: ما جاء في ذكر الموت (2307)، والنسائي، كتاب: الجنائز، باب: كثرة ذكر الموت (1824) ، وابن ماجه ،کتاب: الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له (4258) ، وأحمد في «مسنده» (7865).
2) سورة طه، الآية : 124 .
3) أي شديداً . القاموس المحيط مادة (قمطر).
4) سورة الزمر، الآية : 680
واعلموا - عبادالله - أنّ ما بعد ذلك اليوم أشدّ وأذهى، نار قعرُها بعيد، وحَرّها شديد، وعذابها جديد، ومقامِعُها حديد، وشرابها صديد لا يفتر عذابها ، ولا يموت ساكنها دارٌ ليست الله سبحانه فيها رحمة، ولا يُسْمَع فيها دعوة، ومع هذا رحمة الله التي وَسِعَتْ كلّ شي لا تعجز عن العباد، وجنَّة عَرْضها كعَرْض السماء والأرض، خير لا يكون بعده شرّ أبداً ، وشهوة لا تنفد أبداً، ولذة لا تفنى أبداً، ومجمع لا يتفرّق أبداً. قوم قد جاورُوا الرحمن، وقام بين أيديهم الغِلمان، بصحافٍ من ذهب فيها الفاكهة والريحان. وإنّ أهل الجنة يزورون الجبّار سبحانه في كلّ جمعة، فيكون أقربُهم منه على منابرَ من نور، والذين يلُونهم على منابر من ياقوت، والذين يلونهم على منابر من مِسك، فبينا هم كذلك ينظرون الله جلّ جلاله ، وينظر الله في وجوههم، إذ أقلبت سحابة تغشاهم فتمطِرُ عليهم من النعمة واللذة والسرور والبهجة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه ومع هذا ما هو أفضل منه ، رضوان الله الأكبر.
أما إنّا لو نخوّف إلا ببعض ما خوفنا به لكنا محقوقين أن يشتدَّ خوفُنا مما لا طاقة لنا به، ولا صبرَ لقوتنا عليه، وأن يشتدّ شوقنا إلى ما لا غنَى لنا عنه ولا بدَّ لنا منه، فإن استطعتم عبادالله أن يشتدّ خوفُكم من ربّكم فافعلوا، فإنّ العبد إنما تكون طاعته على قَدْرِ خوفه، وإنّ أحسنَ الناس لله طاعة، أشدُّهم له خوفاً .
وانظر يا محمد صلاتَك كيف تصلِّيها ، فإنما أنت إمامٌ ينبغي لك أن تتمّها وأن تخفِّفها وأن تصليّهَا لوقتها، فإنه ليس من إمام يصلي بقوم فيكون في صلاته وصلاتهم نقص إلا كان إثمُ ذلك عليه، ولا ينقص من صلاتهم شيئاً .
واعلم أنّ كلّ شيء من عملك يتبع صلاتَك، فمَنْ ضيّع الصلاة فهو لغيرها أشدُّ تضييعاً .
ووضوءك من تمام الصلاة، فأت به على وجهه، فالوضوء نصف الإيمان. أسأل الله الذي يَرَى ولا يُرى وهو بالمنظر الأعلى، أن يجعلنا وإيّاك من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
فإن استطعتم يا أهلَ مصر، أن تصدّق أقوالُكم أفعالَكم، وأن يتوافق سِرُّكم وعلانيتكم، ولا تخالف ألسنتُكم قلوبَكم فافعلوا. عصمنا الله وإياكم بالهدى، وسلك بنا وبكم المحجّة الوسطى. وإياكم ودعوة الكذّاب ابن هند. وتأمّلوا واعلموا أنّه لا سوى إمام الهدى وإمام الردى، ووصيّ النبيّ وعدوّ النبيّ، جعلنا الله وإياكم ممّن يحب ويرضى. ولقد سمعت رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول : «إنّي لا أخاف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً، أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأمّا المشرك فيخزيه الله بشِركه، ولكنّي أخاف عليهم كلّ منافق اللسان، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون» (1).
1) أخرجه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1871) ، والطبراني في «الأوسط»، ح: (7065) ، وأحمد قريباً منه في باب : مسند عمر بن الخطاب (144).
واعلمْ يا محمّد أنّ أفضلَ الفقهِ الورعُ في دينِ الله، والعملُ بطاعته؛ فعليك بالتقوى في سِرّ أمرك وعلانيته. أوصيك بسبعٍ هنّ جوامعُ الإسلام: اخشَ الله ولا تخشَ الناسَ في الله، وخيرُ القولِ ما صدّقه العملُ، ولا تقضِ في أمرٍ واحدٍ بقضاءين مختلفين فيتناقضَ أمرُك وتزيغَ عن الحقّ. وأحبّ لعامةِ رعيّتك ما تحبّه لنفسك، واكرهْ لهم ما تكره لنفسك. وأصلحْ أحوالَ رعيّتك، وخُضِ الغمراتِ إلى الحقّ، ولا تخفْ لَومةَ لائم. وانصحْ لمن استشارَك، واجعلْ نفسَك أسوةً لقريب المسلمين وبعيدهم. جعل الله خُلّتَنا ووُدَّنا خُلّةَ المتقين ووُدَّ المخلصين، وجمع بيننا وبينكم في دار. الرضوان إخواناً على سررٍ متقابلين، إن شاء الله.
قال إبراهيم بن سعد الثقفيّ: فحدّثني عبدالله بن محمد بن عثمان، عن عليّ بن محمد بن أبي سيف، عن أصحابه: أنّ عليّاً لمّا كتب إلى محمد بن أبي بكر هذا الكتاب، كان ينظر فيه ويتأدّب بأدبه. فلمّا ظهر عليه عمرو بن العاص وقتله، أخذ كتبه أجمع، فبعث بها إلى معاوية. فكان معاوية ينظر في هذا الكتاب ويتعجّب منه. فقال الوليد بن عُقبة، وهو عند معاوية، وقد رأى إعجابه به: مُرْ بهذه الأحاديث أن تُحرَق. فقال معاوية: مَهْ، لا رأيَ لك! فقال الوليد: أفمِنَ الرأي أن يعلم الناس أنّ أحاديثَ أبي تراب عندك تتعلّم منها؟ قال معاوية: ويحك! أتأمرني أن أحرق علماً مثل هذا؟ والله ما سمعتُ بعلمٍ هو أجمعُ منه ولا أحكَم. فقال الوليد: إن كنتَ تعجب من علمه وقضائه فعلامَ تقاتله؟ فقال: لولا أنّ أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لأخذنا عنه. ثم سكت هُنَيئة، ثم نظر إلى جلسائه فقال: إنّا لا نقول: إنّ هذه من كتب عليّ بن أبي طالب، ولكن نقول: هذه من كتب أبي بكر الصدّيق كانت عند ابنه محمد، فنحن ننظر فيها ونأخذ منها.
قال: فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أميّة، حتى وليَ عمر بن عبدالعزيز، فهو الذي أظهر أنّها من أحاديثِ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.
قلتُ: الأليق أن يكون الكتاب الذي كان معاوية ينظرُ فيه ويعجب منه، ويُفتي به ويقضي بقضاياه وأحكامه، هو عهدُ عليّ(علیه السّلام) إلى الأشتر؛ فإنّه نسيجُ وحده، ومنه تعلّم الناس الآدابَ والقضايا والأحكامَ والسياسة. وهذا العهد صار إلى معاوية لما سُمَّ الأشترَ ومات قبل وصوله إلى مصر، فكان ينظر فيه ويعجب منه، وحقيقٌ بمثله أن يُقتنى في خزائن الملوك.
قال إبراهيم: فلمّا بلغ عليّاً(علیه السّلام) أنّ ذلك الكتاب صارَ إلى معاوية اشتدّ عليه حُزناً.
وحدّثني بكر بن بكّار، عن قيس بن الربيع، عن ميسرة بن حبيب، عن عمرو بن مرّة، عن عبدالله بن سلَمة، قال: صلّى بنا عليّ(علیه السّلام)، فلمّا انصرف قال: …
«لَقَدْ عَشِرْتُ عَشْرَةً لا أَعْتَذِرُ*** سَوْفَ أُكَيِّسُ بَعْدَهَا وَأَسْتَمِرُّ
وَأَجْمَعُ الأَمْرَ الشَّتِيتَ الْمُنْتَشِرُ»
فقلنا : ما بالك يا أميرالمؤمنين؟ فقال : إني استعملتُ محمد بن أبي بكر على مصر، إليّ أنه لا علم لي بالسنّة، فكتبت إليه كتاباً فيه أدب وسنّة، فقتل وأخذ الكتاب.
قال إبراهيم: فحدّثني عبدالله بن محمد، عن ابن أبي سيف المدائنيّ ، قال : فلم يلبث محمد بن أبي بكر شهراً كاملاً حتى بعث إلى أولئك المعتزلين الذين كان قيس بن سعد موادعاً لهم، فقال: يا هؤلاء، إما أن تدخلُوا في طاعتنا، وإمّا أن تخرجوا من بلادنا . فبعثوا إليه : إنا لا نفعل، فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمرُ الناس، فلا تعجل علينا. فأبى عليهم، فامتنعوا منه وأخذوا حذرَهم. ثم كانت وقعة صِفين، وهم لمحمد هائبون، فلما أتاهم خبرُ معاوية وأهل الشام، ثم صار الأمر إلى الحكومة، وأن عليَّا وأهل العراق قد قفلوا عن معاوية وأهل الشام إلى عراقهم، اجترؤوا على محمد بن أبي بكر، وأظهروا المنابذة له. فلما رأى محمدٌ ذلك بعثَ إليهم ابن جمْهان البلويّ ومعه يزيد بن الحارث الكنانيّ فقاتلاهم، فقتلوهما . ثم بعث إليهم رجلاً من كَلب فقتلوه أيضاً. وخرج معاوية بن حُديج من السكاسك يدعو إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه القوم وناس كثير آخرون، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ عليَّا توثُبَهم عليه، فقال ما أرى لمصر إلا أحد الرجلين : صاحبنا الذي عزلنا بالأمس – يعني قيس بن عد بن عبادة - أو مالك بن الحارث الأشتر. وكان عليّ حين رجع عن صفين، ردّ الأشتر إلى عمِله بالجزيرة، وقال لقيس بن سعد: أقم أنتَ معي على شُرْطَتي حتى نفرُغ من أمر هذه الحكومة، ثم أخرج إلى أذربيجان، فكان قيس مقيماً على شُرطته، فلما أن انقضى أمر الحكومة كتب علي إلى الأشتر، وهو يومئذ بنصيبين :
أما بعد، فإنّك ممّن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمعُ به نَخْوة الأثيم، وأسُدُّ به الثَّغر المخُوف. وقد كنت ولّيتُ محمد بن أبي بكر مصرَ ، فخرجَتْ عليه خوارجُ، وهو غلام حدّث السنّ، ليس بذي تجرِبَةٍ للحروب، فاقدم عليّ لننظر فيما ينبغي واستخلِف على عملك أهلَ الثقة والنصيحة من أصحابك والسلام.
فأقبل الأشتر إلى عليّ، واستخلَف على عمله شبيب بن عامر الأزديّ - وهو جدّ الكِرمانيّ الذي كان بخُراسان صاحب نصر بن سیّار - فلما دخل الأشتر على عليّ حدثه حديث مصر وخَبّره خبَر أهلها، وقال له : ليس لها غيرُك، فاخرج إليها رحمك الله ، فإنّي لا أوصيك اكتفاء برأيك، واستعن بالله على ما أهمّك، واخلط الشدّة باللين، وارفُق ما كان الرِّفق أبلغَ ، واعتزم على الشدّة حين لا يُغني عنك إلا الشدّة.
فخرج الأشترُ من عنده، فأتى برخلِه وأتت معاويةَ عيونُه فأخبروه بولاية الأشتر مصر، فعظُم
ذلك عليه، وقد كان طمع في مصر، فعلم أنّ الأشتر إن قدم عليها كان أشدَّ عليه من محمد بن أبي بكر ، فبعث إلى رجل من أهل الخراج يثق به، وقال له إنّ الأشتر قد وليَ مصر، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيتُ وبقيتَ، فاحتل في هلاكه ما قدرتَ عليه .
فخرج الأشتر حتى انتهى إلى القُلزُم حيث تركَبُ السفن من مصر إلى الحجاز، فأقام به، فقال له ذلك الرجل، وكان ذلك المكان مكانه : أيّها الأمير، هذا منزل فيه طعام وعَلَف، وأنا رجل من أهل الخراج، فأقم واسترخ، وأتاه بالطعام حتى إذ طَعم سقاه شَرْبة عسل، قد جعل فيها سُمَّا ، فلمّا شربها مات.
قال إبراهيم : وقد كان أميرُالمؤمنين كتبَ على يد الأشتر كتاباً إلى أهل مصر، روى ذلك الشعبيّ عن صَعصعة بن صُوحان :
من عبدالله عليّ أميرالمؤمنين إلى مَنْ بمصر من المسلمين :
سلامُ الله عليكم، فإنّي أحمد الله إليكم، الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنّي قد بعثت إليكم عبداً من عباد الله، لا ينام أيام الخوف، ولا ينكِل عن الأعداء حِذارَ الدّوائر. لا ناكِل من قدَم، ولا واهٍ في عزم، من أشدّ عبادالله بأساً، وأكرمِهم حَسَباً، أضرّ على الفُجّار من حريق النار، وأبعدُ الناس من دنَسٍ أو عار، وهو مالك بن الحارث الأشتر ، حسام صارمٌ، لا نابِي الضَّريبة، ولا كليلُ الحدّ ، حليم في السِّلم ، رَزينٌ في الحرب، ذو رأي أصيل، وصبر جميل. فاسمعوا له وأطيعوا أمرَه، فإن أمركم بالنَّقْر . فانفِروا ، وإن أمرَكم أن تقيموا فأقيموا، فإنه لا يُقْدِمُ ولا يحجِمُ إلا بأمري. وقد آثرتُكُم به على نفسي، نصيحةً لكم، وشدّة شكيمة(1)على عدوّكم .
عصمكم الله بالهدى، وثبّتكم بالتقوى، ووفّقنا وإياكم لما يحبّ ويرضى. والسلام عليكم ورحمة الله .
قال إبراهيم: وروى جابر عن الشعبيّ قال: هلك الأشتر حين أتى عَقبة أفِيَق .
قال إبراهيم : وحدثنا وطبة بن العَلَاء بن المنهال الغنويّ، عن أبيه، عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، أن عليَّا لما بعث الأشتر إلى مصر والياً عليها، وبلغ معاويةً خبرُه، بعث رسولاً يتبعُ الأشتر إلى مصر، وأمره باغتياله، فحمل معه مِزْوَدين فيهما شراب، وصحب الأشتر، فاستسقى الأشترُ يوماً فسقاه من أحدهما، ثم استسقى يوماً آخر منه فسقاه من الآخر وفيه سمّ فشربه ، فمالت عنقه . وطُلب الرجل ففاتهم .
قال إبراهيم: وحدّثنا محرز بن هشام، عن جرير بن عبدالحميد، عن مغيرة الضّبي، أن معاوية دسّ للأشتر مولّى لآل عمر، فلم يزل المولى يذكر للأشتر فضلَ عليّ وبني هاشم، حتى
1) شديد الشكيمة : أي شديد النفْس أَيْفاً أبياً . لسان العرب مادة (شكم).
اطمأنّ إليه، واستأنس به، فقِدم الأشتر يوماً ثَقَله أو تقدّم ثَقَله، فاستسقى ماء، فقال له مولى آل عمر : وهل لك في شربة سَويق ؟ فسقاه شربة سويق فيها سمّ فمات. وقد كانت معاوية قال لأهل الشام لما دسّ إليه مولى آل عمر: ادعُوا على الأشتر، فَدَعَوْا عليه، فلما بلغه موتُه قال : ألا ترون كيف استجيب لكم !
قال إبراهيم : قد رُوي من بعض الوجوه أنّ الأشتر قُتِل بمصر بعد قتال شديد. والصحيح أنه سُقِي سمَّا فمات قبل أن يبلغ مِصر.
قال إبراهيم : وحدثنا محمد بن عبدالله بن عثمان، عن عليّ بن محمد بن أبي سيف المدائنيّ ، أن معاوية أقبل يقول لأهل الشام: أيّها الناس، إنّ عليا قد وجّه الأشتر إلى مصر، فادعُوا الله أن يكفِيكموه، فكانوا يدعُون عليه في دُبُر كلّ صلاة، وأقبل الذي سقاه السمّ إلى معاوية، فأخبره بهلاك الأشتر ، فقام معاوية في الناس خطيباً، فقال:
أمّا بعدُ، فإنه كان لعليّ بن أبي طالب يدان يمينان، فقُطِعَتْ إحداهما يوم صِفِّين وهو عمّار بن ياسر ، وقد قُطِعت الأخرى اليوم، وهو مالك الأشتر.
قال إبراهيم : فلما بلغ عليًّا موتُ الأشتر، قال: إنّا لله وإنا إليه راجعون! والحمد لله ربّ العالمين! اللهم إنّي أحتسبه عندك، فإنّ موتَه من مصائب الدهر. ثم قال : رحم الله مالكاً، فلقد وفّى بعهده، وقضى نحبَه، ولقِيَ ربّه، مع أنا قد وطّنا أنفسنا أن نصبِرَ على كلّ مصيبة بعد مصابنا برسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فإنها من أعظم المصيبات.
قال إبراهيم : وحدثنا محمد بن هشام المراديّ، عن جرير بن عبدالحميد، عن مغيرة الضِّبيّ ، قال : لم يزل أمرُ عليّ شديداً حتى مات الأشتر، وكان الأشتر بالكوفة أسوَدَ من الأحنف بالبصرة.
قال إبراهيم: وحدثنا محمد بن عبدالله، عن ابن أبي سيف المدائنيّ، عن جماعة من أشياخ النَّخَع، قالوا : دخلنا على أميرالمؤمنين حين بلغه موتُ ،الأشتر، فوجدناه يتلهّف ويتأسف عليه ، ثم قال : لله دَرّ مالك! وما مالك ! لو كان من جبل لكان فِنداً (1)، ولو كان من حَجَرٍ لكان صَلداً (2)، أما والله ليهدّنّ موتُك عَالَماً، وليفرحنّ عالماً ،على مثل مالكٍ فلتبكِ البواكي ! وهل موجُوِّ كمالك ! وهل موجود كمالك!
قال علقمة بن قيس النَّخَعيّ: فما زال عليّ يتلهف ويتأسفُ، حتى ظننا أنّه المصاب به دونَنا، وعُرف ذلك في وجهه أياماً .
قال إبراهيم: وحدثنا محمد بن عبدالله، عن المدائني، قال: حدثنا مولّى للأشتر، قال: لما هلك الأشتر أصيبَ في ثقله رسالةُ عليّ إلى أهل مصر:
من عبدالله أميرالمؤمنين إلى النفر من المسلمين الذين غضبوا الله إذ عُصي في الأرض، وضرَب الجورُ برواقه علي البرّ والفاجر، فلا حقّ يُستراح إليه ، ولا منكَرٌ يُتناهى عنه . سلام عليكم؛ فإنّي أحمد إليكم الذي لا إله إلا هو .
أمّا بعد، فقد وجَّهتُ إليكم عبداً من عبادالله لا ينام في الخوف، ولا ينكلُ من الأعداء حِذارَ الدوائر ، أشدّ على الكافرين من حريق النار، وهو مالك بن الحارث الأشتر أخو مَذحج، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه سيف من سيوف الله، لا نابي الضريبة، ولا كليلُ الحَدّ ، فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، وإن أمركم أن تنفِروا فانفروا ، وإن أمركم أن تُحجِمُوا فأحجموا، فإنه لا يقدِم ولا يحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي، لنصيحته وشدة شكيمته على عدوّه، عصمكم الله بالحق، وثبتكم بالتقوى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
قال إبراهيم : وحدثنا محمد بن عبدالله عن المدائنيّ، عن رجاله، أن محمد بن أبي بكر لما بلغه أن عليَّا قد وجّه الأشتر إلى مصر، شقّ عليه ، فكتب (علیه السّلام) إليه عند مَهلِك الأشتر :
أما بعد، فقد بلَغَني موجِدتُك من تسريح الأشتر إلى عملك، ولم أفعل ذلك استبطاءً لك عن الجهاد، ولا استزادة لك مني في الجدّ، ولو نزعت ما حوت يداك من سلطانك لوليتك ما هو أيسرُ مؤنة عليك، وأعجب ولاية إليك، إلا أن الرجل الذي ولّيتُه مصر، كان رجلاً لنا مناصحاً، وهو على عدوّنا شديد فرحمة الله عليه، قد استكمل أيامه، ولاقى حِمامه (1)، ونحن عنه راضون، فرضيَ الله عنه، وضاعف له الثَّواب، وأحسن له المآب. فأصحِر لعدوّك وشمِّر للحرب، وادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثر ذكرَ الله والاستعانة به، والخوفَ منه ، يكفِكَ ما أهمّك، ويُعنك على ما ولاك. أعاننا الله وإياك على ما لا ينال إلا برحمته والسلام
قال : فكتب محمد بن أبي بكر إليه جوابه :
إلى عبدالله أميرالمؤمنين من محمد بن أبي بكر : سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أمّا بعد فقد انتهى إليّ كتاب أميرالمؤمنين وفهمتُه ، وعرفتُ ما فيه، وليس أحدٌ من الناس أشدَّ على عدوّ أميرالمؤمنين، ولا أرأفَ وأرقّ لوليّه منّي . وقَد خرجتُ فعسكرت، وأمّنْتُ الناسَ ، إلاّ مَنْ نَصَبَ لنا حرباً ، وأظهر لنا خِلافاً ، وأنا أتبع أمرَ أميرالمؤمنين، وحافظ ولاجيء إليه وقائم به، والله المستعان على كلّ حالٍ، والسلام على أميرالمؤمنين ورحمة الله وبركاته .
1) الحِمَام : قضاء الموت وقدره. لسان العرب مادة (حمم) .
قال إبراهيم: فحدّث محمد بن عبدالله بن عثمان عن ابن سيف المدائنيّ ، عن أبي جَهْضم الأزدي أنّ أهلَ الشام لما انصرفوا عن صفّين، كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان، فلمّا انصرفا وتفرّقا ، وبايع أهلُ الشام معاوية بالخلافة لم يزدد معاوية إلّا قوّة، واختلف أهلُ العراق على عليّ بن أبي طالب فلم يكن هم معاوية إلا مصر ، وقد كان لأهلها هائباً لقربهم منه ، وشدّتهم على مَنْ كان على رأي عثمان، وقد كان علم أن بها قوماً قد ساءهم قتلُ عثمان، وخالفوا عليًّا. مع أنّه كان يرجو أن يكون له فيها معاونة إذا ظهر عليها على حرب عليّ، لوفور خَراجها، فدعا مَنْ كان معه من قريش، وهم عمرو بن العاص السهميّ، وحبيب بن مَسلمة الفهريّ وبُسر بن أبي أرطاة العامريّ، والضّحاك بن قَيس الفِهْريّ، وعبدالرحمن بن خالد بن الوليد المخزوميّ .
ودعا من غير قريش نحو شُرَحْبيل بن السِّمط الحميريّ، وأبي الأعور السُّلَمي، وحمزة بن مالك الهمدانيّ، فقال: أتدرون لماذا دعوتكم؟ قالوا : لا ، قال : فإنّي دعوتكم لأمر هُوَ لي مُهِمُّ، وأرجو أن يكون الله عزّ وجلّ قد أعانَ عليه، فقال له القوم - أو من قال له منهم - : إنَّ الله لم يُطلع على غيبه أحداً، ولسنا ندري ما تريد! فقال عمرو بن العاص : أرى والله أن أمرَ هذه البلاد المصرية لكثرة خراجها وعدد أهلها قد أهمّك، فدعوتَنا تسألنا عن رأينا في ذلك، فإنْ كنتَ لذلك دعوتَنا، وله جمعتَنا، فاعزم واصرم، ونعم الرأي ما رأيت! إن في افتتاحها عزّك وعزّ أصحابك، وذلّ عدوّك ، وكَبْتَ أهلِ الخلاف عليك.
-قال معاوية : أهمّك ما أهمّك يابن العاص! وذلك أن عمراً كان بايع معاوية على قتال عليّ ، وأن مصر له طُعمة ما بقي - فأقبل معاوية على أصحابه، وقال : إنّ هذا - يعني ابن العاص - قد ظنّ وحقّق ظنّه، قالوا: ولكنّا لا ندري، ولعلّ أبا عبدالله قد أصاب، فقال عمرو: وأنا أبو عبدالله ، إنّ أفضل الظّنون ما شابَه اليقين.
ثم إن معاوية حمدالله وأثنى عليه، ثم قال :
أما بعد، فقد رأيتم كيف صنَع الله لكم في حربكم هذه على عدوّكم ! ولقد جاؤوكم وهم لا يشكُّون أنّهم يستأصِلُون بيضتكم (1)ويجوزون بلادكم، ما كانوا يرون إلّا أنّكم في أيديهم، فردّهم الله بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، وكفاكم مؤنتهم. وحاكمتموهم إلى الله فحكَم لكم عليهم. ثم جَمَع كلمتَنا ،وأصلَح ذات بيِننا، وجعلَهم أعداءً متفرّقين، يشهدُ بعضهم على بعض بالكُفر، ويسفِكُ بعضُهم دَم بعض، والله إني لأرجو أن يُتمّ الله لنا هذا الأمر، ، وقد رأيت أن أحاولِ حرب مصر، فماذا ترون؟
فقال عمرو بن العاص : قد أخبرتُك عَمّا سألت، وأشرتُ عليك بما سمعت .
1) البيضة : أصل القوم ومجتمعهم . لسان العرب مادة (بيض) .
فقال معاوية : ما ترون؟ فقالوا نرى ما رأى عمرو بن العاص. فقال معاوية : إنّ عمراً قد عزم وصرم بما قال، ولم يفسّر كيف ينبغِي أن نصنع !
قال عمرو : فإني مشير عليك بما تصنع، أرى أن تبعث جيشاً كثيفاً، عليهم رجلٌ صارم، تأمنُه وتثِق به، فيأتيَ مصر فيدخلَها فإنه سيأتينا مَنْ كان على مِثْلِ رأينا من أهلها، فنظاهره على من كان من عدوّنا ، فإن اجتمع بها جندك ومَنْ كان بها من شيعتك على مَنْ بها من أهل حربك، رجوتُ الله أن يُعزُّ نصرَك، ويظهر فَلَجَك .
فقال معاوية : هل عندك شيء غير هذا نعمله فيما بيننا وبينهم قبل هذا ؟ قال : ما أعلمه.
قال معاوية : فإنّ رأيي غيرُ هذا، أرى أن نكاتب مَنْ كان بها من شيعتِنا، ومَنْ كان بها من عدوّنا : فأما شيعتنا فنأمرُهم بالثبات على أمرهم ونُمَنِّيهم قدومَنا عليهم، وأمّا مَن كان بها من عدوّنا فندعوهم إلى صلحنا، ونمنِّيهم شكرَنا ، ونخوّفهم حربنا ، فإن صلَح لنا ما قبَلهم من غير حرب ولا قتال، فذلك ما أحببنا، وإلا فحربُهم من وراء ذلك. إنّك يابنَ العاص لامْرُؤٌ بورك لك في العَجلة، وبورك لي في التؤدة.
قال عمرو : فاعمل بما أراك الله ، فوالله ما أرى أمرك وأمرهم يصيرُ إلا إلى الحرب.
قال : فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلِّد الأنصاريّ، وإلى معاوية بن حُدَيج الكِنْدي، وكانا قد خالفا عليَّا :
أما بعد، فإن الله عَزّ وجلّ قد ابتعثكما لأمرٍ عظيم، أعظمَ به أجرَكما ورفع درجتَكما ومرتبتكما في المسلمين. طلبتها بدم الخليفة المظلوم، وغضبتما لله ، إذ تُرِك حكم الكتاب، وجاهدتما أهلَ الظلم والعدوان، فأبشرا برضوان، الله وعاجلا نصرة أولياء الله، والمواساة في دار الدنيا وسلطاننا، حتى ينتهيَ ذلك إلى ما يرضيكما، ويؤدي به حقكما فالزما أمرَكما، وجاهدا عدوّكما، وادعوا المدبرين منكما إلى هداكما، فكأن الجيش قد أظلّ عليكما، فاندفع كلُّ ما تكرهان، ودام كلُّ ما تهويان، والسلام عليكما ورحمة الله .
وبعث بالكتاب مع مولّى له يقال له سُبيع، فخرج بكتابه حتى قدم به عليهما بمصر، ومحمد بن أبي بكر يومئذ أميرُها قد ناصبه هؤلاء النَّفر الحرب، وهم هائبون الإقدام عليه، فدفع الكتاب إلى مسلمة بن مخلّد، فقرأه فقال : القَ به معاوية بن حُدَيج، ثم القَني به حتى أجيبَ عنّي وعنه. فانطلق الرسول بكتاب معاوية فأقرأه إيّاه، ثم قال له إنّ مسلمة قد أمرني أن أردّ الكتاب إليه لكي يجيبَ عنك وعنه. قال : قل له فليفعل فأتى مسلمة بالكتاب. فكتب الجواب عنه وعن معاوية بن حُدَيج: أما بعدُ، فإن هذا الأمر الذي قد ندبنا له أنفسنا، وابتغينا الله به على عدوّنا، أمرٌ نرجو به ثواب ربِّنا، والنصر على مَنْ خالفنا، وتعجيل النقمة على مَنْ سعى على
إمامنا، وطأطأ الرّكض في مهادنا (1)، ونحن بهذه الأرض قد نفينا مَن كان بها من أهل البَغي، وأنهضنا مَنْ كان بها من أهل القسط والعدل وقد ذكرت موازرتك في سلطانك وذات يدك، وبالله إنه لا من أجل مالٍ نهضنا، ولا إياه أردنا ، فإن يجمَع الله لنا ما نريد ونطلب أو يرينا ما تمنّينا، فإن الدنيا والآخرة الله رب العالمين، وقد يثوبهما الله جميعاً عالماً من خَلْقه، كما قال في كتابه: «فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »(2). عجّل لنا بخيلك ورَجُلك، فإن عدوّنا قد كان علينا جريئاً، وكنّا فيهم قليلاً، وقد أصبحوا لنا هائيين، وأصبحنا لهم منابذين، فإن يأتنا مددٌ من قبَلك يفتح الله عليك، ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
قال : فجاء هذا الكتاب معاويةَ وهو يومئذ بفلسطين، فدعا النفر الذين سميّناهم من قريش وغيرهم، وأقرأهم الكتاب، وقال لهم : ماذا ترون؟ قالوا : نرى أن تبعثَ إليهم جيشاً من قِبَلِك فأنت مفتتحها إن شاء الله ، بإذن الله .
قال معاوية : فتجهَّز إليها يا أبا عبدالله - يعني عمرو بن العاص - فبعثه في ستة آلاف فخرج يسير، وخرج معه معاوية يودّعه، فقال له معاوية عند وَدَاعه إياه : أوصيك بتقوى الله يا عمرو، وبالرفق فإنّه يُمنّ، وبالتؤدة فإنّ العجلة من الشيطان، وبأن تقبّلَ من أقبل، وتعفُوَ عمّن أدبر، أنظِره فإن تاب وأناب قبلتَ منه، وإن أبى فإنّ السطوة بعد المعرفة أبلغُ في الحجة، وأحسن في العاقبة. وادع الناسَ إلى الصلح والجماعة، فإن أنت ظَفِرت فليكن انصارُك أبرّ الناس عندك ، وكلَّ الناس فأوْلِ حُسْناً .
قال: فسار عمرو في الجيش حتى دنا من مصر، فاجتمعت إليه العثمانية، فأقام وكتب إلى محمد بن أبي بكر :
.
أما بعد، فتنح عني بدمك يابنَ أبي بكر، فإنّي لا أحبُّ أن يصيبَك منِّي ظُفر، وإنّ الناسَ بهذه البلاد قد اجتمعُوا على خلافك ورفض أمرك، وندِمُوا على اتباعك، وهم مسلموك لو قد التقت حَلْقَتا البِطان، فاخرج منها فإني لك من الناصحين. والسلام.
قال : وبعث عمرو إلى محمد مع هذا الكتاب كتابَ معاوية إليه ، وهو :
أما بعد، فإن غب الظلم والبغي عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النّقمة في الدنيا والتّبِعة الموبقة في الآخرة، وما نعلم أحداً كان أعظمَ على عثمان بغياً، ولا أَسْوَا له عيباً، ولا أشدّ عليه خلافاً منك، سعيتَ عليه في الساعين، وساعدت عليه مع
المساعدين، وسفكتَ دمَه مع السافكين، ثم تظنّ أنّي نائمٌ عنك، فتأتي بلدةً فتأمن فيها، وجلُّ أهلها أنصاري؛ يرون رأيي، ويرفضون قولك، ويستصرخونني عليك. وقد بعثتُ إليك قومًا حِناقًا عليك، يسفكون دمك، ويتقرّبون إلى الله عزّ وجلّ بجهادك، وقد أعطوا الله عهدًا ليقتلُنّك. ولو لم يكن منهم إليك ما قالوا لقتلك الله بأيديهم أو بأيدي غيرهم من أوليائه. وأنا أحذّرك وأنذرك؛ فإنّ الله مقيدٌ منك، ومقتصٌّ لوليه وخليفته بظلمك له، وبغيك عليه ووقيعتك فيه، وعداوتك يوم الدّار عليه؛ تطعن بمشاقصك فيما بين أحشائه وأوداجه. ومع هذا فإني أكره قتلك، ولا أحبّ أن أتولّى ذلك منك. ولن يسلّمك الله من النقمة أين كنت أبدًا؛ فتنحَّ وانهُ بنفسك. والسلام.
قال: فطوى محمد بن أبي بكر كتابيهما، وبعث بهما إلى عليّ (عليه السلام)، وكتب إليه:
أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإن العاصيَ ابنَ العاص قد نزل أداني مصر، واجتمع إليه من أهل البلد من كان يرى رأيهم، وهو في جيشٍ جرّار. وقد رأيتُ ممن قبلي بعضَ الفشل، فإن كان لك في أرض مصر حاجةٌ فامددني بالأموال والرجال. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قال: فكتب إليه عليّ:
أما بعد، فقد أتاني رسولك بكتابك، تذكر أنّ ابن العاص قد نزل في جيشٍ جرّار، وأنّ من كان على مثل رأيه قد خرج إليه. وخروجُ من كان يرى رأيه خيرٌ لك من إقامته عندك. وذكرتَ أنك قد رأيتَ ممن قبلك فشلًا، فلا تفشلْ وإن فشلوا. حصّن قريتك، واضمم إليك شيعتك، وأذكِ الحرس في عسكرك، واندب إلى القوم كنانةَ بنَ بشرٍ، المعروف بالنصيحة والتجربة والبأس. وأنا نادبٌ إليك الناسَ على الصعب والذلول. فاصبر لعدوّك وامضِ على بصيرتك، وقاتلهم على نيّتك، وجاهدهم محتسبًا لله سبحانه. وإن كانت فئتك أقلَّ الفئتين، فإن الله تعالى يُعينُ القليل ويخذُل الكثير.
وقد قرأتُ كتابي الفاجرين المتحابّين على المعصية، والمتلائمين على الضلالة، والمرتَشِيين على الحُكومة، والمتكبّرين على أهل الدين، الذين استمتعوا بخَلاقِهم، كما استمتع الذين من قبلهم بخَلاقهم؛ فلا يضرّنّك إرعادهما وإبراقهما، وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله؛ فإنك تجد مقالًا ما شئت. والسلام.
قال : فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية جواب كتابه :
أما بعد، فقد أتاني كتابُك تذكر من أمر عثمان أمراً لا أعتذر إليك منه، وتأمرني بالتنحِّي عنك كأنك لي ناصح، وتخوفني بالحرب كأنك عليّ شفيق، وأنا أرجو أن تكونَ الدائرة عليكم، وأنْ يُهلككم الله في الوقعة، وأن ينزل بكم الذلّ، وأن تولّوا الدُّبُر، فإن يكن لكم الأمر في الدنيا فكم وكم لَعَمْرِي من ظالم قد نصرتم وكَم من مؤمن قد قتلتم ومثّلتم به! وإلى الله المصير، وإليه تردّ الأمور، وهو أرحم الراحمين، والله المستعانُ على ما تصفون .
قال : وكتب محمد بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص جوابَ كتابه :
أما بعد، فهمت كتابك، وعلمت ما ذكرت، زعمت أنّك تكره أن يصيبَني منك ظُفر، فأشهد بالله إنّك لمن المبطلين. وزعمت أنك ناصح لي، وأقسم إنّك هندي ظنِين. وقد زعمت أن أهلَ البلد قد رفضوني، وندِمُوا على اتّباعي، فأولئك حزبك وحزب الشيطان الرجيم، وحسبنا الله رب العالمين ونعم الوكيل، وتوكلت على الله العزيز الرحيم، رب العرش العظيم.
قال إبراهيم: فحدثنا محمد بن عبدالله، عن المدائنيّ، قال: فأقبل عمرو بن العاص يقصد قَصد مصر، فقام محمد بن أبي بكر في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال :
أما بعد، يا معاشرَ المؤمنين، فإنّ القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة، ويغشَون الضلالة، ويستطيلون بالجبرّية، قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود ، فمن أراد الجنّة والمغفرة فليخرُج إلى هؤلاء القوم فليجا هدهم في الله . انتدِبوا رحمكم الله مع كنانة بن بشر . ثم ندب معه ألفي رجل، وتخلف محمد في ألفين، واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدّمة محمد، فلما دنا عمرو من كنانة سرّح إليه الكتائب، كتيبة بعد كتيبة، فلم تأته من كتائب الشام كتيبة إلا شدّ عليها بمن معه فيضربها حتى يُلحقها بعمرو، ففعل ذلك مراراً . فلما رأى ذلك بعث إلى معاوية بن حُدَيج الكنديّ، فأتاه في مثل الدَّهُم (1). فلما رأى كنانة ذلك الجيش، نزل عن فرسه، ونزل معه أصحابه فضاربهم بسيفه، وهو يقول: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَباً مُؤَجَلاً » (2). فلم يزل يضاربهم بالسيف حتى استُشهد رحمه الله .
قال إبراهيم: حدثنا محمد بن عبدالله، عن المدائنيّ، عن محمد بن يوسف، أنّ ، عمرو بن العاص لما قَتَلى كنانة أقبل نحو محمد بن أبي بكر، وقد تفرّقَ عنه أصحابه، فخرج محمد متمهلاً ، فمضى في طريقه حتى انتهى إلى خَرِبة، فأوى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفُسطاط، وخرج معاوية بن حُدّيج في طلب محمد ، حتى انتهى إلى عُلُوج على قارعة الطريق، فسألهم: هل مرَّ بهم أحد ينكرونه؟ قالوا: لا، قال أحدهم: إني دخلت تلك الخَرِبة، فإذا أنا برجل جالس. قال ابن حُدَيج: هو وربّ الكعبة، فانطلقوا يركضون، حتى دخلوا على محمد، فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشاً، فأقبلوا به نحو الفُسطاط.
قال : ووثب أخُوه عبدالرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص، وكان في جُنْدِه، فقال: لا والله لا يُقتَلُ أخي صبراً ، ابعث إلى معاوية بن حُدَيج فانْهَهُ، فأرسل عمرو بن العاص : أن
ائتني بمحمد، فقال معاوية : أقتلتم كنانة بن بشر، ابن عمّي، وأخلّي عن محمد! هيهات! «أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ » (1). فقال محمد: اسقوني قطرة من الماء، فقال له معاوية بن حُدَيج : لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبداً، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائماً محرماً ، فسقاه الله من الرّحيق المختوم، والله لأقتلنّك يا بن أبي بكر وأنت ظمآن، ويسقيك الله من الحميم والغِسْلين، فقال له :محمد: يابن اليهودية النَّساجة، ليس ذلك اليوم إليك ولا إلى عثمان، إنما ذلك إلى الله يسقي أولياءه ويظمى أعداءه، وهم أنت وقرناؤك ومَنْ تولاك وتولّيته، والله لو كان سَيفي في يدي ما بلغتم مني ما بلغتم. فقال له معاوية بن حُدَيج : أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك جَوْفَ هذا الحمار الميت ثم أحرقه عليك بالنار . قال : إن فعلتم ذاك بي فطالما فعلتم ذاك بأولياء الله ، وايمُ الله إنّي لأرجُو أن يجعل الله هذه النار التي تخوّفني بها برداً وسلاماً ، كما جعلها الله على إبراهيم خليله، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك، كما جعلها على نمرود وأوليائه، وإني لأرُجو أن يُحْرِقك الله وإمامك معاوية، وهذا – وأشار إلى عمرو بن العاص - بنارٍ تلظّى، كلّما خَبَتْ زادها الله عليكم سعيراً. فقال له معاوية بن حديج :إن لا أقتلك ظلماً ، إنما أقتلك بعثمان بن عفان، قال محمد: وما أنت وعثمان! رجل عَمل بالجور، وبدّل حكم الله والقرآن، وقد قال الله عز وجل : « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ »(2)، « فَأَوَلَيْكَ هُمُ الظَّلِمُونَ » (3)« فَأَوَلَئكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ » (4)، فنقِمنا عليه أشياء عمِلها، فأردنا أن يُخْلع من الخلافة عَلَناً ، فلم يفعل، فقتله مَنْ قتله من الناس.
فغضب معاوية بن حُدَيج، فقدّمه فضرب عنقه، ثم ألقاه في جَوْف حمار وأحرقه بالنار .
فلما بلغَ ذلك عائشة جَزِعت عليه جزعاً شديداً، وقنتَتْ في دُبّر كلّ صلاة تدعو على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حُديج، وقبضت عيالَ محمد أخيها وولده إليها، فكان القاسم بن محمد من عيالها .
قال : وكان ابن حُدَيج ملعوناً خبيثاً يسب عليّ بن أبي طالب (علیه السّلام).
قال إبراهيم : وحدثني عمرو بن حماد بن طلحة القنّاد، عن عليّ بن هاشم، عن أبيه، عن داود بن أبي عوف، قال : دخلَ معاوية بن حُدَيج علَى الحسن بن عليّ في مسجد المدينة، فقال له الحسن : ويلك يا معاوية! أنت الّذِي تسب أميرَالمؤمنين علياً(علیه السّلام) ! أما والله لئن رأيتَه يوم القيامة - وما أظنك تراه - لترينَّه كاشفاً عن ساق، يضرب وجوه أمثالك عن الحوض ضَرْبَ غرائب الإبل .
قال إبراهيم : وحدثني محمد بن عبدالله بن عثمان، عن المدائنيّ عن عبدالملك بن عمير، عن عبدالله بن شدّاد، قال حلفت عائشة لا تأكل شواءً أبداً بعد قَتل محمد، فلم تأكُل شِواءً حتى لحِقت بالله وما عثرت قطّ إلا قالت : تعِسَ معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، ومعاوية بن حُديج !
قال إبراهيم : وقد روي هاشم أن أسماء بنت عُمَيْس، لما جاءَها نعيُ محمد ابنها وما صُنع به، قامت إلى مسجدها، وكظمت غيظها حتى تشخّبت دماً .
قال إبراهيم: وروى ابنُ عائشة التيميّ عن رجاله عن كثير النَّوَّاء، أن أبا بكر خَرّج في حياة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في غَزاة، فرأت أسماء بنت عُمَيس وهي تحته، كأن أبا بكر مخضِّب بالحناء رأسَه ولحيته، وعليه ثياب بيض، فجاءت إلى عائشة فأخبرتها، فقالت: إن صدقت رؤياك فقد قُتِل أبو بكر، إن خضابه الدم، وإن ثيابه أكفانه، ثم بكت ، فدخل النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و هي كذلك،
فقال : ما أبكاها ؟ فقالوا: يا رسولَ الله، ما أبكاها أحد، ولكنّ أسماء ذكرت رؤيا رأتها لأبي بكر، فأخبر النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فقال : «ليس كما عبّرت عائشة، ولكن يرجع أبو بكر صالحاً، فيلقى أسماء، فتحمل منه بغلام، فتسمّيه محمداً، يجعله الله غيظاً على الكافرين والمنافقين» (1).
قال : فكان كما أخبر (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
قال إبراهيم : حدّثنا محمد بن عبدالله، عن المدائنيّ، قال فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان عند قتل محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر : أما بعد، فإنا لقينا محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر في جموع من أهل مصر، فدعوناهم إلى الكتاب والسنّة، فعصوا الحق، فتهوّلُوا في الضلال، فجاهدناهم، واستنصرنا الله جلّ وعزّ عليهم، فضرب الله وجوهَهم وأدبارهم، ومنَحَنا أكتافهم، فقتِل محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر، والحمد لله رب العالمين.
قال إبراهيم : وحدّثني محمد بن عبدالله، عن المدائنيّ، عن الحارث بن كعب بن عبدالله بن قعين، عن حبيب بن عبدالله ، قال : والله إنّي لعند عليّ جالسٌ إذ جاءه عبدالله بن معين وكعب بن عبدالله مِنْ قِبَل محمد بن أبي بكر يستصرخانه قبل الوقعة، فقام عليُّ فنادى في الناس : الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصعِد المنبر، فحمِدالله وأثنى عليه، وذكر رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فصلّى عليه ، ثم قال : أما بعدُ، فهذا صريخُ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر، قد سار إليهم ابنُ النابغة عدوّ الله وعدوّ مَنْ والاه، ووليّ مَنْ عادى الله ، فلا يكونَنّ أهلُ الضلال إلى باطلهم، والركون إلى سبيل الطاغوت أشدّ اجتماعاً على باطلهم وضلالتهم منكم على حقّكم. فكأنكم بهم وقد بدؤوكم وإخوانكم بالغَزُو، فاعجلوا إليهم بالمواساة
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 563/33 وأخرجه الطبرسي في الاحتجاج : 270/1
والنَّضر عبادَالله، إنّ مصر أعظم من الشام وخيرٌ أهلاً، فلا تُغلَبُوا على مصر، فإنّ بقاء مصر في أيديكم عِزّ لكم، وكبتُ لعدوّكم، اخرجوا إلى الجرَعة - قال : والجرَعة بين الحيرة والكوفة - لنتوافَى هناك كلنا غداً إن شاء الله .
قال : فلما كان الغد، خرج يمشي ، فنزلها بُكرة، فأقام بها حتى انتصف النهارُ، فلم يوافِه مائة رجل، فرجع. فلمّا كان العشيّ بعث إلى الأشراف فجمعهم، فدخلوا عليه القصر، وهو كئيب حزين، فقال : الحمدُلله على ما قَضَى مِنْ أمرٍ ، وقَدَّر من فعل، وابتلاني بكم أيّها الفرقة التي لا تطيع إذا أمرتُها، ولا تجيب إذا دعوتها . لا أبا لغيركم! ماذا تنتظرون بنصركم، والجهاد على حقكم! الموت خيرٌ من الذلّ في هذه الدنيا لغير الحقّ، والله إن جاءني الموت - وليأتينّي - لتجدُنَّني لصحبتكم جِدَّ قالٍ .
ألا دين يحمعُكم! ألا حمِيَّة تغضبكم! ألا تسمعون بعدوّكم ينتقص بلادَكم، ويشنّ الغارة عليكم ! أو ليس عجباً أنّ معاوية يدعو الجُفاة الطَّغام (1)الظلمة، فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة، ويجيبونه في السنة المرة والمرتين والثلاث، إلى أيّ وجه شاء، ثم أنا أدعوكم - وأنتم أولُو النُّهى وبقيّة الناس - تختلفون وتفترقون عنَّي، وتعصونني وتخالفون عليَّ!
فقام إليه مالك بن كعب الأرحبيّ، فقال يا أميرالمؤمنين، اندُب الناس مَعِي، فإنه لا عِطْرَ بعد عَروس، وإن الأجر لا يأتي إلا بالكره. ثم التفت إلى الناس وقال : اتقّوا الله، وأجيبوا دعوة إمامكم، وانصروا دعوتَه، وقاتلوا عدوّكم، إنا نسير إليهم يا أميرالمؤمنين .
فأمر عليَّ سعداً مولاه أن ينادِيَ : ألا سيرُوا مع مالك بن كعب إلى مصر، وكان وجهاً مكروهاً، فلم يجتمعوا إليه شهراً ، فلما اجتمَع له منهم ما اجتمع خرج بهم مالك بن کعب، فعسكَر بظاهر الكوفة، وخرج معه عليّ، فنظر فإذا جميع مَنْ خرج نحو من ألفين، فقال عليّ : سيرُوا ، والله ما أنتم! ما إخالكم تدركون القوم حتى ينقضيَ أمرُهم !
فخرج مالك بهم وسار خمس ليال، وقدم الحجاج بن غُزيّة الأنصاريّ على عليّ، وقدِم عليه عبدالرحمن بن المسيّب الفزاريّ من الشام، فأمّا الفزاريّ، فكان عيناً لعليّ(علیه السّلام) ، لا ينام، وأما الأنصاريّ فكان مع محمد بن أبي بكر، فحدثه الأنصاري بما عاين وشاهد، وأخبره بهلاك محمد، وأخبره الفزاريّ أنه لم يخرج من الشام حتى قَدِمت البشرى من قِبَل عمرو بن العاص، يتبع بعضُها بعضاً بفتح مصر، وقتل محمد بن أبي بكر، وحتى أذَّن معاوية بقتله على المنبر وقال : يا أميرالمؤمنين، ما رأيتُ يوماً قطُّ سروراً مثل سروره، رأيته بالشام حين أتاهم قَتْلُ محمد بن أبي بكر، فقال عليّ : أما إنّ حزننا على قتله، على قدر سرورهم به، لا بل يزيدُ أضعافاً .
1) أرذال الناس وأوغادهم. لسان العرب مادة (طغم).
قال: فسرّح عليٌّ عبدالرحمن بن شريح إلى مالك بن كعب، فردّه من الطريق .
قال : وحزن عليّ على محمد بن أبي بكر حتى رُني ذلك فيه، وتبيِّن في وجهه، وقام في الناس خطيباً ، فحمد الله. وأثنى عليه، ثم قال : ألا وإن مصر قد افتتحها الفَجَرة أولياء الجَوْر والظلم، الذين صَدُّوا عن سبيل الله ، وبغَوا الإسلام عِوَجاً. ألا وإنّ محمد بن أبي بكر قد استُشهدَ رحمة الله عليه، وعندالله نحتسبه. أما والله لَقَدْ كان - ما علمت - ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحبُّ سَمْت المؤمن، إني والله لا ألومُ نفسي على تقصير ولا عجز، وإنّي بمقاساة الحرب لجِدُّ بَصير، إنّي لأقدِمُ على الحرب، وأعرِف وَجْه الحزم، وأقوم بالرأي المصيب، فأستصر خُكم معلنًا، وأناديكم مستغيثاً، فلا تسمعون لي قولاً، ولا تُطيعون لي أمراً، حتى تصيرَ الأمور إلى عواقب المساءة. وأنتم القومُ لا يدرك بكم الثأرُ، ولا تنقضُ بكم الأوتار، دعوتُكم إلى غياث إخوانكم منذُ بضع وخمسين ليلة، فجر جرتُمْ عليّ جَرجرة(1)، الجمل الأسرُ(2)، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقُلَ من لا نيَّة له في الجهاد، ولا رأيَ له في الاكتساب للأجر ، ثم خرج إليّ منكم جُنيد متذائب ضعيف، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . فأفٍّ لكم ! ثم نزل فدخل رَحْله .
قال إبراهيم : فحدّثنا محمد بن عبدالله ، ، عن المدائنيّ ، قال : كتب عليّ إلى عبدالله بن عباس وهو على البصرة :
من عبدالله عليّ أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، إلى عبدالله بن عباس : سلام عليك ورحمة الله وبركاته :
أما بعد، فإن مصر قد افتتحت، وقد استُشهد محمد بن أبي بكر، فعندالله عزّ وجلّ نحتسبه . وقد كنت كتبتُ إلى الناس، وتقدّمت إليهم في بدء الأمر، وأمرتُهم بإغاثته قبل الوقعة، ودعوتُهم سرًّا وجهراً، وعوّداً وبدءًا، فمنهم الآتي كارها، ومنهم المتعلّل كاذباً ، ومنها خاذلاً. أسأل الله أن يجعلَ لي منهم فَرَجاً ، وأن يرُيحني منهم عاجلاً ، فوالله لولا طمعِي عند لقاء عدوّي في الشهادة، وتوطيني نفسي عند ذلك، لأحببت ألا أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً .
عزم الله لنا ولك على تقواه وهداه، إنه على كل شيء قدير. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
قال : فكتب إليه عبدالله بن عباس :
لعبدالله عليّ أمير المؤمنين من عبدالله بن عباس. سلام على أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته :
أما بعد ، فقد بلغني كتابُكَ تذكر فيه افتتاحَ مصر وهلاكَ محمد بن أبي بكر، وأنك سألتَ الله ربك أن يجعل لك من رعيَّتك التي ابتلِيت بها فرجاً ومخرجاً، وأنا أسأل الله أن يُعْلِيَ كلمتك، وأن يغشِّيَك بالملائكة عاجلاً. واعلم أن الله صانع لك، ومعزّ دعوتك، وكابت عدوَّك.
وأخبرُك يا أميرالمؤمنينً أن الناسَ ربما تباطؤوا ثم نشطوا ، فارفق بهم يا أميرالمؤمنين ودارهم ومَنْهم، واستعن بالله عليهم، كفاك الله الهمَّ ! والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قال إبراهيم: وروي عن المدائنيّ، أن عبدالله بن عباس قَدِم من البصرة على عليّ، فعزّاه عن محمد بن أبي بكر.
وروى المدائنيّ أنَّ عليا قال: رحم الله محمداً كان غلاماً حَدَثاً، لقد كنت أردت أن أُوَلْيَ المرقال هاشم بن عتبة مصر، فإنه والله لو وليَها لما خلَّى لابن العاص وأعوانه العَرْصة، ولا قُتِل إلا وسيفه في يده، بلا ذمّ لمحمد، فلقد أجهد نفسه فقضى ما عليه .
قال المدائني : وقيل لعليّ(علیه السّلام) : لقد جزعتَ على محمد بن أبي بكر يا أميرَالمؤمنين .
فقال : وما يمنعني! إنّه كان لي ربيباً، وكان لِبَنِيَّ أخاً، وكنت له والداً، أعدَّه ولداً (1).
وروى إبراهيم، عن رجاله، عن عبدالرحمن بن جندَب، عن أبيه قال : خطب عليّ (علیه السّلام)بعد فتح مصر، وقتل محمد بن أبي بكر، فقال:
أما بَعْد، فإنّ الله بَعَثَ محمداً نذيراً للعالمين، وأميناً على التنزيل، وشهيداً عَلَى هَذِهِ الأمة، وأنتم مَعاشِرَ العرب يومئذ على شرّدين، وفي شَرِّ دَارٍ، مُنيخونَ على حجارةٍ خُشُنٍ، ، وحيات صُمّ، وشَوْكِ مَبْثُوث في البلاد، تَشْرَبُونَ الماءَ الخَبيث ، وتأكلونَ الطَّعَامَ الخبيثَ، تسفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وتقتلون أولادَكُمْ ، وتُقَطِّعُونَ أَرْحَامَكُمْ ، وتأكلُونَ أَموالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل.
سُبُلكُم خائفة، والأصنام فيكم مَنْصُوبة، ولا يؤمن أكثرُهُمُ بالله إلا وهم مُشْرِكُونَ.
فمنّ الله - عزّ وجلّ - عليكم بمحمد ، فَبَعَثَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ، فَعَلَّمَكُم الكِتابَ والْحِكمةَ ، وَالْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ ، وأمرَكُمْ بِصِلة أرحامِكُمْ وَحَقْنِ دِمَائِكُمْ وصلاح ذَاتِ الْبَيْنِ، وان تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى اهْلِهَا، وَأَنْ تُوفُوا بِالْعَهْدِ، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ، وانْ تَعَاطَفوا وتباروا وتَرَاحَمُوا . ونَهَاكُمْ عَنِ التَّنَاهُبِ والتَّظَالم وَالتَّحَاسُدِ والتَّبَاغي والتَّقَاذُفِ، وعن شُرْبِ الخمرِ وبَخْسِ المِكْيَال، وَنَقْصٍ الميزان. وتقدَّم إليكم فيما يُتْلَى عليكم : ألاً
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 566/33 .
تَزْنُوا ولا تُرْبُوا، ولا تَأْكُلُوا أمْوالَ الْيَتَامَى ظُلْماً، وأنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ، وَلاَ تَعْثَوْا في الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وكلُّ خيرٍ يُدْنِي إلى الجنّةِ، ويُبَاعِدُ عَنِ النَّارِ أَمَرَكُمْ بهِ، وَكُلُّ شَرِّ يُدْنِي إِلى النَّارِ وَيُباعِدُ عَن الْجَنَّةِ نَهَاكُمْ عنه .
فلما استكْمَلَ مُدَّته ، تَوفَّاهُ الله إِلَيْهِ سَعِيداً حَمِيداً، فيا لَها مُصِيبَةٌ خَصَّتِ الأَقْرَبِينَ ، وعَمَّتِ المُسْلِمينَ! ما أصيبوا قبلها بمثلها ، ولَنْ يُعايِنُوا بَعْدَهَا اختَها . فلما مضى لسبيله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) . تنازع المسلمون الأمْرَ بَعْدَهُ ، فوالله ما كَانَ يُلْقَى في روعي، ولا يَخْطُر عَلَى بَالي أَنَّ العَرَبَ تَعْدِلُ هذا الأمرَ بَعْدَ محمدٍ عن أَهلِ بَيْتِهِ، وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحوه عَنِّي من بعده. فما رَاعَنِي إِلَّا أنْثِيَالُ الناسِ على أبي بكرٍ ، وإجْفَالُهُمْ إليهِ لِيُبَايِعُوهُ ، فامْسَكْتُ يَدِي، ورأيتُ أنِّي أحق بمقَام محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في الناس ممّن تولّي الأمرَ من بَعْدِهِ، فلبثْتُ بذاك ما شاء الله حتى رأيتُ راجعةً من الناس رجعت عن الإسلام، يدعون إلى مَحْق دين الله وملة محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فخشيتُ - إن لم أنصر الإسلام وأهلَهُ - أن أرى فيه ثَلْماً (1)وهدماً يكونُ المصاب بهمَا عَلَيَّ أعظم من فوات ولآيةِ أُمُورِكُمْ، التي إنما هي مَتَاعُ أيام قلائل، ثم يزولُ ما كان منهَا كما يزول السرابُ، وكما يتقشَعُ السَّحَاب، فمشيتُ عند ذلك إلى أبي بكر فبايعتُهُ، ونهضتُ في تلكِ الأحداث، حتى زَاغَ الباطلُ وَزَهَقَ ، وكانتْ كلمةُ الله هيَ الْعُلْيَا، وَلَوْ كَرِهَ الكافرونَ.
فتولّى أبو بكر تلك الأمور، فيسَّرَ وسَدَّدَ، وقارَب واقْتَصَدَ، وصَحِبْتُه مُنَاصِحاً، وأطعتُهُ فيما أطاعَ الله فيه جاهداً، وما طمعْتُ - أن لوْ حَدَثَ به حادث وأنا حيٌّ أن يُرَدّ إلي الأمرُ الَّذِي نازعتُهُ فيه - طَمَعَ مُستيقنٍ ، ولا يئست مِنْهُ يَأْسَ مَنْ لا يرجوهُ، ولولا خاصّة ما كان بينَهُ وبين عمر، لظننتُ أنّه لا يَدْفَعُهَا عَنِّي، فلما احْتُضِر بَعثَ إلى عُمر فولاه فسمِعنَا وأطعنا وناصحنا .
وتولّى عُمر الأمر، فكانَ مرضي السِّيرة، ميمونَ النَّقِيبة (2)، حتى إذا احتُضِر، فقلت في نفسي : لن يَعْدِلَها عَنِّي، ليس يدافعها عنّي، فجعلَني سادسَ ستة، فما كانوا لولاية أحدٍ منهم اشدَّ كَراهة لولايتي عليهم، فكانوا يَسمعون عند وفاة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لَجاج أبي بكر، وأقول : يا معشرَ قريش، إنا - أهلَ البيت - أحقُّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن، ويعرفُ السُّنّة، ويدين بدين الحقّ. فخشِيَ القوم - إن أنا وَليتُ عليهم - ألَّا يكون لهم من الأمر نصيب ما بَقُوا، فأجمعوا إجمَاعاً واحداً، فصرَفُوا الولاية إلى عثمان،
وأخرجوني منها، رجاءَ أن ينالُوها، ويتداولُوها بينهم، إذ نسوا أنّهم لم ينالُوا بها مِن قبلي. ثم قالوا: هلمَّ فبايع وإلّا جاهدناك. فَبَايعتُ مستكرَهاً، وصبرتُ محتسباً.
فقال قائلٌ منهم: يا ابنَ أبي طالب، إنّك على هذا الأمر لَحريصٌ. فقلت: أنتُم أحرصُ منّي وأبعد. فأيُّنا أحرص؟ أنا الذي طلبتُ ميراثي وحَقّي الذي جعلني الله ورسولُه أولَى به، أم أنتم إذ تضربُون وَجهي دُونه، وتحولون بيني وبينه؟ فبهتوا، والله لا يهدي القوم الظالمين.
اللهمّ إنّي أستعديك على قُريش، فإنّهم قطعوا رَحِمي، وأضاعوا إیايّ، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعَتي حقّاً كنتُ أولَى به منهم، فَسلبونيِه، ثم قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحق أن تُمنعه، فاصبر كَمَداً، أو مت أسِفاً حَنِقاً.
فنظرتُ فإذا ليسَ معي رافدٌ ولا ذابٌّ ولا ناصِرٌ ولا ساعدٌ إلا أهلُ بيتي، فضنَنتُ بهم عن المنيّة، وأغضيتُ على القذى، وتجرّعتُ ريقي على الشَّجى(1)، وصَبَرتُ من كَظم الغيظ على أمرَّ من العلقم، وآلمَ للقلب مِن حزِّ الشِّفار، حتى إذا نقِمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتموني لتبايعوني، فأبيتُ عليكم، وأمسكتُ يدِي، فنازعتموني ودافعتموني، وبَسطتُم يدي فكففتُها، ومددتموها فقبَضتُها، وازدحمتم عليَّ حتى ظننتُ أنّ بعضَكم قاتلُ بعضِکم أو أنكم قاتليَّ.
فقلتم: بايعنا، لا نجدُ غيرَك، ولا نرضى إلا بك، بايِعنَا لا نفترق ولا تختلف كلمتُنا. فبايعتُكم، ودعوتُ الناس إلى بيعتي؛ فمن بايع طوعاً قبلتُه، ومن أبى لم أكرههُ وتركته.
فبايَعني فيمَن بايعني طلحةُ والزبير، ولو أبَيَا ما أكرهتُهما، كما لم أُكره غيرَهما. فما لبثا إلا يسيراً حتى بلغني أنهما خرجا من مَكةَ متوجِّهين إلى البصرة، في جيشٍ ما منهم رجلٌ إلا قد أعطاني الطاعة، وسمح لي بالبيعة.
فقدمَا على عاملي وخزّان بيت مالي وعلى أهل البصرة، وكلّهم على بيعتي وفي طاعتي، فشتّتوا كلمتَهم وأفسدوا جماعتَهم، ثم وثبوا على شِيعتِي من المسلمين، فقتلُوا طائفةً منهم غدراً، وطائفةً صَبراً، و منهم طائفةً غضبوا لله وَلِي، فشهروا سيوفَهم وضربوا بها، حتى لَقُوا الله عزّ وجلّ صادقين، فوالله لو لم يصيبُوا منهم إلّا رجلاً واحداً متعمِّدين لقتله لحلَّ لي به قتلُ ذلك الجيش بأسره، فدَع ما أنّهم قد قَتَلوا من المسلمين أكثرَ من العدّة التي دخلُوا بها عليهم. وقد أدالَ اللهُ منهم، فبعداً للقوم الظالمين!
1) الشَّجى : ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه. القاموس المحيط مادة (شجو).
ثم إني نظرتُ في أمر أهل الشام، فإذا أعرابٌ أحزاب وأهلٌ طمع جفاة طغاة، يجتمعُون من كلّ أوب(1)، من كان ينبغي أن يؤدَّب وأن يولَّى عليه، ويؤخذ علي يده، ليسوا من الأنْصَار ولا المهاجرين ولا التّابعين بإحسان. فسِرْتُ إليهم، فدعوتُهم إلى الطاعة والجماعة، فأبَوا إلا شقاقاً وفراقاً، ونهضوا في وجوه المسلمين ينْضَحُونهم بالنّبل، ويشجُرونهم بالرماح، فهناك نهِدت إليهم بالمسلمين فقاتلتهم، فلما عَضَّهم السلاح.
ووجَدُوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف يدعونَكم إلى ما فيها، فأنبأتكم أنّهُم ليسوا بأهل : دين ولا قرآن، وأنهم رفعوها مكيدةً وخديعةً ووهناً وضعفاً، فامضوا على حقِّكم وقتالكم فأبيتم عليّ وقلتم : اقبَل منهم، فإن أجابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحقّ ، وإنْ أبَوْا كان أعظمَ لحجّتنا عليهم فقبلتُ منهم، وكفَفْتُ عنهم، إذ ونيتم وأبيتم، فكان الصُّلح بينكم وبينهم على رجلين، يُخييان ما أحيا القرآن، ويُميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيُهما، وتفرّق حكمهما ، ونَبذا ما في القرآن، وخالفا ما في الكتاب، فجنَّبهما الله السّداد، ودَلَّاهما في الضلالة، فانحرفتْ فِرْقَةٌ منّا فتركناهم ما تركونا ، حتى إذا عثوا في الأرض يقتلون ويفسدون، أتيناهم فقلنا : ادْفَعُوا إلينا قَتَلَةَ إخواننا ، ثم كتابُ الله بيننا وبينكم. قالوا : كلُّنا قتَلهم، وكلُّنا استحلَّ دماءهم. وشدّت علينا خيلُهم ورجالُهم، فصرَعَهُم الله مصارعَ الظالمين.
فلما كان ذلك من شأنهم أمرتُكم أن تمضُوا من فَوْرِكم ذلك إلى عدوّكم، فقلتم : كلَّتْ سيوفُنا ، وَنَفِدَتْ نبالُنا ، ونَصَلت أسنّة رماحنا ، وعاد أكثرها قِصَداً ، فارجع بنا إلى مصرنا لنستعدّ بأحسن عُدّتنا ، فإذا رجعتَ زدت في مقاتلتنا عدَّة مَنْ هَلَك منّا وفارقنا ، فإِنّ ذلك أقوى لنا على عدوّنا. فأقبلتُ بكم، حتى إذا أطللْتُم على الكوفة أمرتُكم أن تنزلوا بالنُّخَيلة، وأن تلزَمُوا معسكركم، وأن تَضُمُّوا قَوَاصِيَكم، وأن توطنُوا على الجهاد أنفسَكم، ولا تكثِرُوا زيارة أبنائكم ونسائكم، فإن أهلَ الحرب المصابرُوها ، وأهل التشميرِ فيها الذين لا ينقادُون من سَهر ليلهم ولا ظَما نهارهم، ولا خَمْص بطونهم، ولا نصَب أبدانهم، فنزلت طائفةُ منكم منكم معي معذِرَة، ودخلت طائفة منكم المِصْرَ عاصية، فلا مَنْ بقي منكم صَبَرَ وثَبَت ، ولا مَنْ دخل المِصْرَ عاد ورَجَعَ، فنظرتُ إلى معسكري، وليس فيه خمسون رجلاً، فلما رأيتُ ما أتيتم دخلت إليكم فلم أقدِرْ على أن تخرجوا معي إلى يومنا هذا، فما تنتظرون!
1) أي من كل وجه وطريق وناحية . اللسان مادة (أوب).
أما تَرَوْن أطرافَكُم قد انْتُقِصَتْ ، وإلى مصر قد فتِحت، وإلى شيعتي بها قد قتلت، وإلى مسالحكم تَعْرَى، وإلى بلادكم تُغْزَى! وأنتم ذَوُو عدد كثير ، وشَوكة وبأس شديد، فما بالكم! لله أنتم من أين تؤتَون! وما لكم تُؤفَكُونَ! وأَنَّى تُسْحَرُون!
ولو أنكم عَزَمْتم وأجمعتم لم تراموا ، إلا أنّ القوم تَرَجَعُوا وتناشبوا وتناصحوا، وأنتم قد وَنَيْتُم وتغاشَشْتُم وافْتَرَقْتم، ما إن أنتم إن الممتُم عندي على هذا بسُعَداء، فانتهوا بأجمعكم، وأجمِعوا على حَقِكم، وتجرَّدُوا الحرب عَدُوّكم، وقد أبدتِ الرَّغُوةُ عن الصَّرِيح ، وبَيَّن الصُّبْحُ لذي عينين، إنما تقاتلون الطُّلَقاء، وأبناء الطُّلقاء وأولي الجفاء، ومَنْ أسلَم كرهاً، وكان لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنف الإسلام كلّه حرباً ، أعداء الله والسنّة والقرآن، وأهل البدَع والأحداث، ومن كان بوائقه تُتَّقَى، وكان عن الإسلام منحرفاً، أكَلَة الرّشّا، وعَبَدة الدنيا ، لقد أنهِيَ إليّ أنّ ابنَ النابغة لم يبايع معاويةَ حتى أعطاه، وشرط له أن يؤتيَه ما هي أعظم مما في يده من سلطانه. ألا صَفِرَتْ يدُ هذا البائع دينَه بالدنيا، وخزيَتْ أمانة هذا المشتري نَصْرةَ فَاسِق غادر بأموالِ المسلمين، وإنّ فيهم مَنْ قد شرِبَ فيكم الخمْرَ وجُلِد الحدّ ، يُعرف بالفساد في الدين، والفعل السيّىء، وإنّ فيهم مَنْ لم يُسلم حتى رُضِخ له رَضِيخة (1).
فهؤلاء قادة القوم ، ومَنْ تركتُ ذكر مساوئه مِنْ قادتهم مِثْلُ من ذكرت منهم، بل هو شرّ، ويودُّ هؤلاء الذين ذكرت لو وُلُّوا عليكم فأظهرُوا فيكم الكُفر والفساد والفجور والتسلُّط بجبريّة، واتبعوا الهوَى وحكَمُوا بغير الحقِّ . ولأَنْتُمْ - عَلَى مَا كَانَ فيكم مِنْ تواكُل وتَخَاذُلٍ - خيرٌ منهم وأهدى سبيلاً، فيكم العلماءُ والفقهاء، والنُّجَباء والحكماء، وحَمَلة الكتاب والمتهجِّدُون بالأسحار، وعُمّار المساجد بتلاوة القرآن، أفلا تسخَطُون وتهتمّون أن يناز عَكم الولايةَ عليكم سفهاؤكم، والأشرار الأراذل منكم !
فاسْمَعُوا قولي وأطيعوا أمري، فوالله لئِنْ أطعتُموني لا تغوون، وإن عصيتموني لا ترشُدُون، خُذُوا للحزبِ اهْبَتَها وأعِدُّوا لها عُدّتها ، فقد شَبَّتْ نارُها ، وعلا سنانها وتجرَّدَ لكم فيها الفاسقون، كي يعذّبوا عبادالله، ويطفِئُوا نور الله. ألا إنه ليس أولياء الشيطان مِن أهل الطمع والمكر والجفاء بأولَى في الجدّ في غيِّهم وضلالتهم من أهل البرّ والزهادة والإخبات في حقّهم وطاعة ربِّهم، إنّي والله لو لقيتُهم فرداً وهم ملاء الأرض، ما باليت ولا استوحشت، وإني مِنْ ضلالتهم الَّتي هم فيها ، والهُدى الذي نحن عليه، لَعلَى ثقة وبيِّنة، ويقين
1) الرَّضيخة : العطيَّة . لسان العرب مادة (رضخ) .
وبصيرة، وإني إلى لقاء ربَّي لمشتاق، ولحسنِ ثوابه لمنتظر، ولكنّ أسفاً يعتريني، وحزناً يخامِرُني، أن يليَ أمرَ هذه الأمة سفهاؤها وفجّارها، فيتخذوا مال الله دُوَلاً ، وعباده خَوَلاً ، والفاسقين حِزْباً . وايمُ الله لولا ذلك لما أكثرتُ تأنيبكم وتحريضَكم، ولتركتُكم إذ ونيتم وأبيتم حتى ألقاهم بنفسِي، متَى حُمّ لي لقاؤهم . فوالله إني لَعَلَى الحقّ، وإنّي للشهادة لمحبّ، فانفِروا خِفافاً وثِقالاً، وجاهدوا بأموالكم وأنفسِكم في سبيل الله ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. ولا تثاقَلُوا إلى الأرض فتقرُّوا بالخسف، وتبوءوا بالذلّ، ويكن نصيبُكم الخسران [إنّ] أخا الحرب اليقظان، ومَنْ ضعف أودى، ومن ترك الجهاد كان كالمغبون المهين .
اللهمَّ اجْمَعْنَا وإياهم على الهُدى، وزهدْنا وإياهم في الدنيا ، واجعل الآخرة خيراً لنا ولهم من الأولى.
قال إبراهيم : وحدثني محمد بن عبدالله بن عثمان، عن المدائنيّ، أن محمد بن أبي حُذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أصيبَ لما فتح عمرو بن العاص مصر، فبعثَ به إلى معاوية بن أبي سفيان وهو يومئذ بفلسطين، فحبسه معاوية في سجن له، فمكث فيه غير كثير، ثم هرب - وكان ابن خال معاوية - فأرى معاويةُ الناس أنّه كره انفلاته من السجن، وكان يحبّ أن ينجوَ ، فقال لأهل الشام : مَنْ يطلبه ؟ فقال رجل من خثعم - يقال له عبيدالله بن عمرو بن ظلام، وكان شجاعاً وكان عثمانياً : أنا أطلبه، فخرج في خيل فلحقه بحُوّارين، وقد دخل بغار هناك، فجاءت حُمُرٌ فدخلته ، فلما رأى الرجل في الغار فزعت ونفَرت، فقال حمّارون كانوا قريباً من الغار : إنّ لهذه الحمُر لشأناً ، ما نفّرها من م هذا الغار إلا أمر ! فذهبوا ينظرون، فإذا هم به، فخرجوا به، فوافاهم عبدالله بن عمرو بن ظلام، فسألهم ووصفَه لهم فقالوا : ها هو هذا، فجاء حتى استخرجه، وكره
أن يصيرَ به إلى معاوية فيخليَ سبيله، فضرب عنقه رحمه الله تعالى (1).
الأصل: كَمْ أَدَارِيكُمْ كَما تُدَارَى الْبِكَارُ العَمِدَةُ، وَالثَّيَابُ المُنَدَاعِيَةُ! كُلمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبِ تَهَتَكَتْ مِنْ آخَر ، كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مِنْسَرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَخْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ، وَأَنْجَحَرَ أَنْجِحَارَ الضَّبَّةِ فِي جُحْرِهَا، وَالضُّبُعِ فِي وِجَارِهَا .
1) انظر الغارات للثقفي : 328/1 .
الدَّليلُ وَالله مَنْ نَصَرْتُمُوهُ، وَمَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ .
إِنَّكُمْ وَالله لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَات، قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَات وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ، وَلَكِنِّي وَالله لاَ أَرَى إِصْلَاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي .
أَضْرَعَ اللَّهُ خُدُودَكُمْ، وَأَنْعَسَ جُدُودَكُمْ! لَا تَعْرِفُونَ الحَقِّ كَمَعْرِفَتِكُم الْبَاطِلِ، وَلَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الحَقِّ .
الشرح: البِكَار : جمع بَكْر ، وهو الفتِيُّ من الإبل والعَمِدة: التي قد انشدَخَتْ أسْنمتُها من داخل وظاهرها صحيح، وذلك لكثرة ركوبها .
والثياب المتداعية : الأسمال التي قد أخلَقت، وإنما سمّيت متداعِية، لأن بعضها يتخرّق فيدعو بعضَها إلى مثل حاله .
وحِيصت: خيطت، والحَوْص : الخياطة. وتهتّكت : تخرَّقت .
وأطلَّ عليكم ، أي أشرف ، وروي: «أظلّ» بالظاء المعجمة، والمعنى واحد.
ومِنْسَر : قطعة من الجيش تمرّ قدام الجيش الكثير ، والأفصح «مِنَسر» بكسر الميم وفتح السين، ويجوز «مَنْسِر» بفتح الميم وكسر السين .
وانجحر : استتر في بيته، أجحرتُ الضبّ، إذا ألجأتَه إلى جُحره فانجحر .
والضبّة : أنثى الضِّباب، وإنما أوقع التشبيه على الضبّة مبالغة في وصفهم بالجبن والفرار، لأن الأنثى أجبن وأذل من الذكر، والوِجار: بيت الضبع.
والسهم الأفوق : الناصل المكسور الفُوق، المنزوع النّصل ، والفُوقِ : موضع الوَتَر من السهم ، يقال نَصَل السّهم إذا خرج منه النَّضل فهو ناصل، وهذا مثل يضرب لمن استنجد بمن لا ينجده.
والباحات: جمع باحة، وهي ساحة الدار. والأوَد: العوج، أود الشيء بكسر الواو يأوَد أوداً، أي اعوج وتأوّد، أي تعوّج. وأضْرَع الله خدُودكم : أذلَّ وجوهكم. ضَرَع الرجل ذلّ وأضرعه غيره، ومنه المثل : «الحمّى أضرعته لك».
وأتعسَ جدودكم، أي أحال حظوظكم وسعودكم وأهلكها فجعلها إدباراً ونحساً. والتَّعَس: الهلاك. وأصله الكبّ، وهو ضد الانتعاش. تَعَس الرجل، بفتح العين يتعَس تَعَساً. يقول : كم أداريكم كما يداري راكب البعير بعيرَه المنفض السنام، وكما يداري لابس الثوب السَّمَل ثوبَهُ المتداعِي، الذي كلّما خيط منه جانب تمزّق جانب.
ثم ذكر خُبْتَهم وذلّهم، وقلّة انتصار مَنْ ينتصر بهم، وأنّهم كثير في الصورة، قليل في المعنى. ثم قال : إني عالم بما يصلحكم ، يقول : إنما يصلحكم في السياسة السيفُ، وَصَدَق! فإن كثيراً لا يصلُح إلا عليه. كما فعل الحجّاج بالجيش الّذي تقاعد بالمهلّب، فإنه نادى منادِيَه : مَنْ وجدناه بعد ثالثة لم يلتحق بالمهلّب فقد حلّ لنا دمه، ثم قَتَل عُمير بن ضابي وغيره، فخرج الناس يُهرَعون إلى المهلّب .
وأميرُالمؤمنين لم يكُن ليستحلَّ من دماء أصحابه ما يستحلّه مَنْ يريد الدنيا وسياسة الملك وانتظام الدولة ، قال(علیه السّلام) : «لكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي» أي بإفساد ديني عندالله تعالى .
فإن قلت : أليست نُصرة الإمام واجبةً عليهم ؟ فلم لا يقتلهم إذ أخلُّوا بهذا الواجب؟
قلت : ليس كلّ إخلال بواجب يكون عقوبته القتل، كمن أخَلّ بالحج. وأيضاً فإنّه كان يعلم أن عاقبة القتل فسادهم عليه واضطرابهم، فلو أسرع في قَتلهم لشَغَبُوا عليه شغباً يُفْضِي إلى أن يقتلوه ويقتلوا أولادَه، أو يسلموه ويسلموهم إلى معاوية، ومتى علم هذا أو غلب على ظنّه لم يَجُزْ له أن يسوسَهم بالقتل الذي يُفْضِي إلى هذه المفسدة، فلو ساسَهم بالقتل والحال هذه، لكان آثماً عندالله تعالى، ومواقعاً للقبيح، وفي ذلك إفساد دينه كما قال: «لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل . . . » إلى آخر الفصل، فكأنّه قال : لا تعتقدون الصواب والحقّ كما تعتقدون الخطأ والباطل، أي اعتقادكم الحقّ قليل، واعتقادكم الباطل كثير، فعبّر عن الاعتقاد العام بالمعرفة الخاصة، وهي نوع تحت جنسه مجازاً .
ثم قال: ولا تسرعون في نقض الباطل سرعتَكم في نقض الحقِّ وهدمه .
:
واعلم أن الهجاء بالجبن والذل والفَرَق كثير جدا، ونظير قوله : «إنكم لكثير في الباحات، قليل تحت الرايات» قول معدان الطائيّ :
فأمّا الَّذِي يُحْصيهُمُ فمكثرٌ*** وَأَمَّا الذي يُظريهُمُ فمقلِّلُ
ونحو قول فراد بن حَنَش ، وهو من شعر الحماسة :
وأنتم سماء يُعْجِبُ النّاسَ رِزُها*** بآبدةٍ تُنْحِي شَدِيدٍ وَلِيدُهَا (1)
تُقطع أطناب البيوتِ بحاصبٍ*** وأكذبُ شيء بَرْقُهَا ورُعُودُها
فَوَيْلُمّهَا خيلاً بهاءً وشارةً*** إذا لاقت الأعداء لولا صدُودُها!
1) رزّت السماء: صوتت من المطر. والآبدة الغريبة. وتنحي : تعتمد .
ومن شعر الحماسة في هذا المعنى :
لَقَدْ كَانَ فيكُم لَوْ وفيتم بجارِكُمْ*** لِحَى وَرِقَابٌ عَرْدَةٌ وَمَنَاخِرُ(1)
من الصُّهْبِ أثناء وجُذعاً كأنّها*** عذارَى عليها شارةٌ وَمَعَاجر (2)
ومن الهجاء بالجبن والفرار، قولُ بعض بني طيىء يهجو حاتماً، وهو من شعر الحماسة أیضاً:
لعمري وَمَا عَمْري عليّ بهيِّنٍ*** لَبِئْسَ الفتى المدعُوّ بالليل حاتمُ
غَدَاة أتى كالثوْرِ أُخرج فاتَّقَى*** بجبهته أقتالَه وهو قائمُ
كانّ بصحراء المُرَيْط نعامةً*** تبادِرُها جنحَ الظلام نَعَائِمُ
أعارَتُكَ رِجْلَيْهَا وهَافِيَ لُبِّهَا*** وقد جُرِّدَتْ بيضُ المتُون صوارمُ
ونظير المعنى الأول أيضاً قول بعضهم من شعر الحماسة :
کاثِر بسعدٍ إن سعداً كثيرةٌ*** ولا ترجُ من سعدٍ وفاء ولا نَصْرَا
يروعك من سعدِ بن عمرو جُسُومُها*** وتزهد فيها حين تقتلها خُبْرًا
ومنه قول عُوَيف القوافي :
وما أمُّكم تحت الخوافق والقنا*** بثكْلَى ولا زهراء من نسوة زُهْرِ
الستم أقلَّ الناس عند لوائِهِمْ*** واكْثَرَهُمْ عند الذبيحة والقِدْرِ
وممن حسّن الجبن والفرار بعضُ الشعراء في قوله :
أضحت نشجعِّنُي هندٌ وقد علمت*** أنَّ الشجاعة مقرونٌ بها العَطَب
لا والّذي حجّت الأنصارُ كعبتَهَ*** ما يشتهي الموتَ عندي من له أرَبُ
للحرب قومُ أضلّ الله سعيَهُمُ*** إذا دعتهم إلى حوماتِهَا وثَبُوا (3)
وَلَسْتُ منهم ولا أهوَى فعالهمُ*** لا القتلُ يعجبني منها ولا السَّلَبُ
م من هذا قول أيمن بن خُرَيم الأسدي :
إنّ للفتنة مَيْطاً بَيْنا*** ووريد المَيْطِ منها يَعْتَدِل
فإذا كان عطاءٌ فابتدِر*** وإذا كان قتالٌ فاعتزل
إنما يُسْعِرُه رُها جُهَّالُها*** حطب النار فدَعها تشتعل
وممن عرِف بالجبن أميّة بن عبدالله بن خالد بن أُسَيْد، عيّره عبد الملك بن مروان فقال :
إذا صَوّت العصفورُ طار فؤادُه*** وليتٌ حديد النابِ عند الثرائدِ
وقال آخر :
يطيرُ فؤادهُ مِنْ نَبْحٍ كَلْبِ*** ويكفيهِ من الزَّجر الصفيرُ
وقال آخر :
ولو أنها عصفورة لحسبتُها*** مُسَوّمَةً تدعو عبيداً وأَزْنَمَا
ومن أخبار الجبناء ما رواه ابن قتيبة في كتاب «عيون الأخبار » (1)قال : رأى عمرَ بن العاص معاوية يوماً فَضحِك وقال : ممّ تضحكُ يا أميرالمؤمنين، أضحكَ الله سنَّك ! قال : أضحك من حُضُور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن أبي طالب، والله لقد وجدتَه مَنّاناً كريماً ولو شاء أن يقتلَك لقتلك ! فقال عمرو: يا أميرَالمؤمنين، أما والله إنّي لعن يمينك حين دعاك إلى البزار فاحولتْ عيناك، وانفتح سَحْرُك ، وبدا منك ما أكره ذكرهُ لك، فمن نفسك فاضحك أو فدَعْ .
قال ابن قتيبة : وقدم الحجاج على الوليد بن عبدالملك، وعليه دِرْع وعمامة سوداء وقوسٌ عربية وكنانة، فبعثت أم البنين بنت عبدالعزيز بن مروان إلى الوليد - وهي تحته يومئذ : مَنْ هذا الأعرابيّ المستلئم في السلاح عندك على خلوة، وأنت في غُلالة؟ فأرسَلَ إليها الوليد : إنه الحجّاج، فأعادت عليه الرسول : والله لأن يخلُوَ بك مَلَكُ الموت أحبُّ إلي من أن يخلوَ بك الحجاج! فضحك وأخبر الحجاج بقولها وهو يمازحه، فقال الحجاج : يا أميرالمؤمنين، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما المرأة رَيْحانة وليست بقَهرمانة (2)، فلا تطلِعها على سرّك، ومكايدة عدوّك .
فلما انصرف الحجاج ودخل الوليد على امرأته أخبرها بمقالة الحجاج، فقالت : يا أميرَالمؤمنين، حاجتي إليك اليوم أن تأمرَه غداً أن يأتيني مستلئماً ، ففعل ذلك، وأتاها الحجاج فحجَبته ثم أدخلته، ولم تأذن له في القُعود، فلم يزل قائماً ، ثم قالت : إيه يا حجاجّ! أنت
الممتنّ على أميرالمؤمنين بقتلك ابنَ الزبير وابن الأشعث! أما والله لولا أنّ الله عَلم أنَّك شرٌّ خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام، ولا بقتل ابن ذات النِّطاقين أوّل مولود في الإسلام، وأما نهيك أميرَالمؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ لذّاته وأوطاره، فإن كنّ ينفرجن عن مثلك فما أحقّه بالقبول منك! وإن كنّ ينفرِجنَ عن مثله ، فهو غير قابل لقولك. أما والله لو نقضَ نساء أميرالمؤمنين الطيبَ من غدائرهنّ فبعنَه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيَق من القرن، قد أظلتك الرّماح، وأثخنك الكفاح، وحين كان أميرالمؤمنين أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم،فأنجاك الله من عدوّ أميرالمؤمنين بحبّهم إياه، قاتل الله القاتل حين ينظر إليك وسِنان غزالة بين كتفيك:
أسَدٌ عليّ وفي الحروب نعامةٌ*** رَيْدَاء تنفِرُ من صَفيرِ الصَّافرِ (1)
هلا برزتَ إلى غزالة في الوغى*** أم كان قلبك في جَنَاحَيْ طائر!
ثم قالت لجواريها: أخرجْنَه، فأخرج (2).
ومن طريف حكايات الجبناء ما ذكره ابن قتيبة أيضاً في الكتاب المذكور، قال كان بالبصرة شيخٌ من بني نهشل بن دارم، يقال له عروة بن مرثَّد، ويكنى أبا الأعزّ، ينزل في بني أخت له من الأزد في سكّة بني مازن، فخرج رجالهم إلى ضياعهم في شهر رمضان، وخرج النساء يصلّين في مسجدهم، ولم يبق في الدار إلا إماء، فدخل كلب يتعسّس فرأى بيتاً مفتوحاً فدخله، وانصفق الباب عليه، فسمع بعضُ الإماء الحركة، فظنوا أنه لصّ دخل الدار، فذهبت إحداهنّ إلى أبي الأعزّ ، فأخبرته فقال أبو الأعزّ : إلام يبتغي اللصّ عندنا! وأخذ عصاه، وجاء حتى وقف بباب البيت، وقال: إيه يا فلان! أما والله إنّي بك لعارف، فهل أنت من لصوص بني مازن! شربت حامضاً خَبيثاً، حتى إذا دارت في رأسكَ منتكَ نَفْسُكَ الأمانيّ، وقلت: أطرُق دور بني عمرو، والرجال خلُوف، والنساء يصلّين في مسجدهنّ، فأسرقهم. سوءةً لك! والله ما يفعل هذا ولد الأحرار! وايمُ الله لتخرجنّ أو لأهتفنّ هتفة مشؤومة يلتقي فيها الحيّان: عمرو وحنظلة، وتجيء سعد عدد الحصى، وتَسيل عليك الرجال، من هنا وهنا، ولئن فعلتُ لتكوننّ اشامَ مولود!
فلما رأى أنّه لا يجيبُه، أخذه باللين، فقال : اخرج - بأبي أنت - مستوراً، والله ما أراك
تعرفُني . ولو عرفَتني لقنعت بقولي، واطمأننت إلى ابن أختي البارّ الوصول، أنا – أبو الأعز النهشلّي! وأنا خال القوم، وجِلدة بين أعينهم، لا يعصونني، ولا تضارّ الليلة وأنت في ذمتي ، وعندي قوْصَرَتان، أهداهما إليّ ابنُ أختي البارّ الوصول، فخذ إحداهما ، فانبذها حلالاً من الله ورسوله .
وكان الكلب إذا سمع الكلام أطرق، وإذا سكت أبو الأعزّ وثب يريد المخرَج، فتهانف أبو الأعزّ ، ثم تضاحك، وقال : يا الأم الناس وأوضعهم ! ألا أراني لك منذ الليلة في وادٍ وأنت لي في واد آخر، أقبلت السوداء والبيضاء، فتصيح وتطرق ، فإذا سكت عنك وثبتَ تريد الخروج ! والله لتخرجنّ أو لألِجَنّ عليك البيت.
فلما طال وقوفُه جاءت إحدى الإماء فقالت : أعرابيُّ مجنون والله، ما أرى في البيت شيئاً، فدفعت الباب فخرج الكلب شارداً، وحاد عنه أبو الأعزّ ساقطاً على قفاه، شائلة رجلاه، وقال : تالله ما رأيت كالليلة هذه! ما أراه إلا كلباً، ولو علمت بحاله لولجت عليه .
ونظير هذه الحكاية حكاية أبي حية النميريّ، وكان جباناً، قيل : كان لأبي حيّة سيفٌ ليس بينه وبين الخشب فرق، كان يسميه لُعاب المنيّة ، فحَكَى عنه بعضُ جيرانه أنه قال : أشرفتُ عليه ليلة، وقد انتضاه وهو واقفٌ بباب بيت في داره، وقد سمع فيه حِسَّا، وهو يقول: أيها المغتر بنا، المجترىء علينا، بئس والله ما اخترتَ لنفسك ! خيرٌ قليلٌ وسيف صقيل، لعاب المنيَّة الذي سمعتَ به، مشهورة صولته، ولا تخاف نبوته . اخرج بالعفو عنك، لا أدخل بالعقوبة عليك، إني والله إن أدعُ قيساً تملأ الفضاء عليك خيلاً ورجلاً . سبحان الله! ما أكثرها وأطيبها، والله ما أنت ببعيد من تابعها، والرسوب في تيار لجَّتها !
قال : وهبَّت ريحٌ ففتحت الباب، فخرج كلب يشتدّ، فلبِط بأبي حية واربد (1)، وشغر برجليه، وتبادرت إليه نساءُ الحي، فقلن : يا أبا حيّة لتفرخ روعتُك، إنما هو كلب، فجلس وهو يقول : الحمد لله الذي مسخك كلباً، وكفاني حرباً (2)!
وخرج مغيرة بن سعيد العِجْليّ في ثلاثين رجلاً بظهر الكوفة، فعطعطوا (3)، وخالد بن عبدالله القسريّ أمير العراق، يخطب على المنبر فعرِق، واضطرب وتحيّر، وجعل يقول : اطعِمُوني ماء، فهجاه ابن نوفل فقال :
أخالدُ لا جزاك الله خیراً*** وأيري في حِرِ أُمِّكَ من أمير
تروم الفخر في أغرابِ قَسْرٍ*** كأنك من سَراة بني جَرير(1)
جرير من ذوي يمّن أصيلٌ*** كريم الأصل ذُو خَطَرٍ كبيرِ
وأمّك عِلْجَةٌ وأبوك وغدٌ*** وما الأذناب عَدلٌ للصدور!
وكنت لَدَى المغيرة عَبْدَ سَوْء*** تبولُ من المخافة للزئير
لاعلاجٍ ثمانيةٍ وشَيخٍ*** كبير السنّ ليس بذي ضَرير
صرخت من المخافة أطعمُوني*** شراباً ثمّ بُلْتَ على السَّریرِ
وقال آخر يعيره بذلك :
بَل المنابرَ من خوف ومن دَهَش*** واستطعم الماء لما جدَّ في الهرَب
ومن كلام ابن المقفع في ذمَّ الجبن : الجبن مقتلة، والحرص محرّمة، فانظر فيما رأيت وسمعت : مَنْ قُتل في الحرب مقبلاً أكثر أم مَنْ قتل مديراً ! وانظر مَنْ يطلب إليك بالإجمال والتكرّم أحقّ أن تَسخوَ نفسُك له بالعطيّة، أم من يطلب ذلك بالشَّرَةِ والحِرْص !
الأصل: مَلَكَتْني عَيْنِي وَأَنَا جَالِسٌ، فَسَنَحَ لِي رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول الله ! مَاذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْأَوَدِ وَاللَّدَهِ! فَقَالَ : ادْعُ عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ : أَبْدَلَني الله بهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرًّا لَهُمْ مِنِّي .
قال الرضي رحمه الله : يَعْنِي بالأود الاعوجاج، وباللَّدَد الخِصام، وهذا منْ أَفْصَح الكلام.
الشرح قوله : «ملكتني عيني» من فصيح الكلام، يريد غَلَبني النوم.
قوله : «فسنح لي رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )» ، يريد مرّ بي كما تسنَحُ الظِّباء والطير يمرّ بك، ويعترض لك .
وذا هاهنا بمعنى « مَاذَا تَرَى » (2)، أي ما الذي ترى، يقول: قلت
له : ما الذي لقيتُ من أمتك؟ وما هاهنا استفهامية كأيّ، ويقال ذلك فيما يستعظم أمره، كقوله سبحانه: « الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2)(1). و«شرَّا» ها هنا لا يدلُ على أنّ فيه شرَّا، كقوله : «قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ » (2)لا يدلّ على أنّ في النار خيراً .
ويجب أن نذكر في هذا الموضع مقتله(علیه السّلام) ، وأصحّ ما ورد في ذلك ما ذكره أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهانيّ في كتاب «مقاتل الطالبيين».
قال أبو الفرج عليّ بن الحسين - بعدَ أسانيد ذكَرها مختلفة متفرّقة، تجتمع على معنى واحد نحن ذاكروه: إنّ نَفَراً من الخوارج اجتمعوا بمكّة تذاكروا أمرَ المسلمين، فعابوهم وعابوا و أعمالهم عليهم، وذكروا أهل النّهروان، فترحَّموا عليهم، وقال بعضهم لبعض : لو أنّا شَرَيْنَا أنفسَنا الله عزّ وجلّ فأتيْنَا أئمةَ الضَّلال، وطلبنا غِرْتَهم، وأرحْنَا منهم العباد والبلاد، وثأرنا بإخواننا الشُّهداء بالنهروان!
فتعاقدوا عند انقضاء الحجّ، فقال عبدالرحمن بن ملجَم : أنا أكفيكُمْ عليًّا، وقال واحد : أنا أكفيكم معاوية، وقال الثالث: أنا أكفيكم عَمْرو بن العاص، فتعاقدوا وتواثقوا على الوفاء، وألّا ينكِل أحد منهم عن صاحبه الذي يتوجّه إليه ولا عن قتله، واتّعدوا لشَهر رمضان، في الليلة التي قَتَل فيها ابنُ ملجم عليَّا.
قال أبو الفرج : قال أبو مخنف : قال أبو زهير العبسيّ: الرجلان الآخران البُرَك بن عبدالله التميميّ، وهو صاحب معاوية، وعمرو بن بكر التميميّ، وهو صاحب عمرو بن العاص .
قال : فأما صاحبُ معاوية فإنّه قصده، فلما وقعت عينُه عليه ضربه، فوقعت ضربته على أليته، وأخِذ فجاء الطبيب إليه، فنظر إلى الضربة فقال : إنّ السيفَ مسموم، فاختر إمّا أن أحْمِيَ لك حديدةً فأجعلَها في الضربة فتبرأ ، وإما أن أسقيَك دواء فتبرأ وينقطع نسلُك . فقال : أمّا النار فلا أطيقُها، وأما النسل ففي يزيد وعبدالله ما تَقَرّ عيني، وحسبي بهما . فسقاه الدواء فعوفي وعالج جُرحَه حتى التام، ولم يولد له بعد ذلك.
وقال له البُرَك بن عبدالله : إِنّ لك عندي بشارةً، قال : وما هي؟ فأخبره خبرَ صاحبه، وقال له : إنّ عليَّا قُتل في هذه الليلة فاحتبسني عندك، فإن قتِل فأنت وليّ ما تراه في أمري، وإن لم يقَتل أعطيتك العهود والمواثيق أن أمضِيَ إليه فأقتله، ثم أعود إليك فأضع يدي في يدك، حتى تحكم فيّ بما ترى. فحبسه عنده، فلما أتى الخبرُ أنّ عليَّا قُتِل في تلك الليلة خلّى سبيله.
هذه رواية إسماعيل بن راشد. وقال غيره من الرواة بل قتله من وقته .
وأما صاحبُ عمرو بن العاص، فإنه وافاه في تلك الليلة، وقد وجد علّة فأخذ دواء، واستخلَف رجلاً يصلِّي بالناس، يقال له خارجة بن أبي حبيبة، أحد بني عامر بن لؤيّ، فخرج للصلاة، فشدّ عمرو بن بكر فضربه بالسيف فأثبته، وأخِذَ الرجل، فأتِيَ به عمرو بن العاص فقتله، ودخل من غد إلى خارجة وهو يجودُ بنفسه، فقال: أما والله يا أبا عبدالله ما أراد غَيرك .
قال عمرو : ولكنّ الله أراد خارجة .
وأما ابن مُلجَم فإنه قتل عليَّا تلك الليلة.
قال أبو الفرج : وحدثني محمد بن الحسن الأشناندانيّ وغيره، قال : أخبرني عليّ بن المنذر الطريقيّ، قال حدثنا ابنُ فُضيل قال: حدثنا فطر، عن أبي الطُّفَيل، قال : جمع عليّ(علیه السّلام) الناسَ للبيعة، فجاء عبدالرحمن بن ملجَم فردّه عليّ مرتين أو ثلاثاً، ثم مد يدَه فبايعه، فقال له عليّ : ما يحبس أشقاها فوالذي نفسي بيده لتَحْضِبَنّ هذه من هذه، ، ثم أنشد :
اشدُد حيازيمك للموت***فإنّ الموت لاقِيكا
ولا تجزع من الموت*** إِذَا حَلَّ بواديكا
قال أبو الفرج:
وقد روي لنا من طرق غير هذه أن عليَّا أعطى الناس، فلما بلغ ابنَ ملجم أعطاه ، وقال له :
أريدُ حيَاتهُ ويُريدُ قَتلي*** عذيرَك من خَليلك من مُرَادِ (1)
قال أبو الفرج: وحدّثني أحمد بن عيسى العِجْلي بإسناد ذكره في الكتاب إلى أبي زهير العبسيّ، قال: كان ابن ملجَم من مُراد وعدادهُ في كِندة، فأقبلَ حتى قدم الكوفة، فلقي بها أصحابه وكتمهم أمره، وطوى عنهم ما تعاقد هو وأصحابه عليه بمكة مِن قتل أمراء المسلمين مخافة أن ينتشر ، وزار رجلاً من أصحابه ذات يوم من بني تيم الرّباب، فصادف عنده قَطام بنت الأخضر، من بني تيم الرّباب - وكان عليّ قتل أخاها وأباها بالنهروان، وكانت من أجمل نساء أهل زمانها - فلما رآها شُغِف بها، واشتدّ إعجابه فخطبها ، فقالت له : ما الذي تُسَمِّي لي من الصداق ؟ فقال : احتكمِي ما بَدَا لك، فقالت : أحتكم عليك ثلاثة آلاف درهم ووصيفاً وخادماً، وأن تقتلَ عليّ بن أبي طالب. فقال لها : لك جميعُ ما سألتِ، وأما قتلُ عليّ فأنّى لي بذلك! قالت : تلتمس غِرّته، فإن أنت قتلتَه شفيتَ نفسي، وهَناك العيش معي، وإن قُتِلت فما عندالله خير لك من الدنيا، فقال لها : أما والله ما أقدمني هذا المصرَ، وقد كنت هارباً منه لأمن أهلَه، إلا ما سألتني من قتل عليّ .
1) البيت لعمر بن معديكرب ، اللآلئ 138 .
قالت له: فأنا طالبة لك بعض مَن يساعدك على هذا ويقوّيك. ثم بعثت إلى وردان بن مجالد، أحد بني تَيم الرّباب، فخبّرته الخبر، وسألته معاونة ابن مُلجَم، فتحمّل لها ذلك، وخرج ابن مُلجَم، فأتى رجلاً من أشجَع، يقال له شَبِيب بن بَجرة، فقال له: يا شبيب، هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: تساعِدُني على قتل عليّ - وكان شبيبٌ على رأي الخوارج - فقال له: هبِلتك الهَبُول (1)! لقد جئتَ شيئاً إدّاً، وكيف تقدر ويحك، على ذلك؟قال ابن ملجم: نكمن له في المسجد الأعظم؟ فإذا خرج لصلاة الفجر فَتَكنا به، وشفينا أنفسَنا منه،وأدركنا ثأرنا. فلم يزل به حتى أجابه.
فأقبل به حتى دخَلا على قَطَام، وهي معتكفة في المسجد الأعظم، قد ضُربت لها قبّة، فقالا لها: قد أجمع رأيُنا على قتل هذا الرجل. فقالت لهما: فإذا أردتما ذلك فالقَياني في هذا الموضع.
فانصرفا من عندها، فلبثا أياماً أتياها، ومعهما وردان بن مجالد، الذي كلّفَته مساعدةَ ابن مُلجَم، وذلك في ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربعين.
قال أبو الفرج: هكذا في رواية ابن مخنف، وفي رواية أبي عبدالرحمن السُّلميّ أنها كانت ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، فقال لها ابن ملجَم: هذه الليلة هي التي وعدتُ فيها صاحبيّ ووعدَاني أن يقتُلَ كلُّ واحدٍ منا صاحبَه الذي يتوجّه إليه.
قلت: إنما تواعدُوا بمكة عبدالرحمن، والبُرَك، وعَمرو على هذه الليلة، لأنهم يعتقدون أن قتل ولاة الجور قُربة إلى الله، وأخرى القُربات ما تُقرَّب به في الأوقات الشريفة المباركة.
ولما كانت ليلة الجمعة التاسعة عشرة من شهر رمضان ليلة شريفة يُرجَى أن تكون ليلة القَدر، عيّنوها لفعل ما يعتقدونه قُربة إلى الله. فليَعجَب المتعجِّب من العقائد، كيف تسري في القلوب، وتغلب على العقول، حتى يرتكب الناسُ عظائمَ الأمور، وأهوال الخطوب لأجلها!
قال أبو الفرج: فدعت لهم بحرير فعصبت به صدورهم، وتقلّدوا سيوفهم، ومضوا فجلسوا مقابل السُّدّة التي كان يخرج منها عليّ(علیه السّلام) إلى الصلاة.
قال أبو الفرج: وقد كان ابن ملجم أتى الأشعثَ بن قيس في هذه الليلة، فخلا به في بعض نواحي المسجد، ومرّ بهما حُجر بن عديّ، فسمع الأشعثَ وهو يقول لابن ملجم: النَّجَاء النَّجاء بحاجتك! فقد فضحَك الصبح!
فقال له حُجر: قتلتَه يا أعور! وخرج مبادراً إلى عليّ، وقد سبقه ابنُ ملجم فضربه. فأقبل حُجر والناس يقولون: قُتِل أمير المؤمنين.
قال أبو الفرج: وللأشعث بن قيس في انحرافه عن أميرالمؤمنين أخبارٌ يطول شرحها، منها:
1) هبلتك الهبول: أي ثكلتك أمّك.
حديثٌ حدَّثنيه محمد بن الحسين الأشناندانيّ، قال: حدثني إسماعيل بن موسى: قال : حدثنا عليّ بن مسهر، عن الأجلح، عن موسى بن أبي النعمان قال: جاء الأشعتُ إلى عليّ يستأذِن عليه، فردّه قَنبَر، فأدْمَى الأشعتُ أنفه، فخرج عليّ وهو يقول: ما لي ولك يا أشعث! أما والله لو بعبد ثقيف تمرّست لا قشعرّت شعيراتك! قيل : يا أميرالمؤمنين، ومَنْ عبد ثقيف؟ قال : غلامٌ لهم لا يبقِي أهل بيت من العرب إلا أدخلهم ذلَّا، قيل : يا أميرالمؤمنين، كم يَلي - أو كم يمكث؟ قال : عشرين إن بلغها .
قال أبو الفرج: وحدّثني محمد بن الحسين أيضاً بإسناد ذكَره، أنّ الأشعث دخل عَلَى عليّ فكلمه فأغلظ عليّ له، فعرّض له الأشعث، أنه سيفتك به، فقال له عليّ : أبالموتِ تخوَّفني أو تهدّدنني فوالله ما أبالي وقعتُ علَى الموتِ أو وقعَ الموتُ عليّ !
قال أبو الفرج: قال أبو مِخنف : فحدّثني أبي، عن عبدالله بن محمد الأزديّ، قال: إنّي لأصلي تلك الليلةَ في المسجد الأعظم مع رجال من أهل المِصر، كانوا يصلّون في ذلك الشَّهر من أول الليل إلى آخره، إذ نظرتُ إلى رجالٍ يصلّون قريباً من السُّدّة قياماً وقعوداً، وركوعاً وسجوداً، ما يسأمون، إذ خرج عليهم عليّ بن أبي طالب الفجر، فأقبل ينادي: الصلاة الصلاة! فرأيتُ بريقَ السيف، وسمعت قائلاً يقول : الحكم لله يا عليّ لا لك، ثم رأيت بريقَ سيف آخر ، وسمعت صوتَ عليّ(علیه السّلام) ، يقول : لا يفوتَنكم الرجل .
قال أبو الفرج : فأما بريقُ السيف الأول، فإنه كان شبيب بن بجرة ضربه فأخطأه، ووقعت ضربته في الطَّاق، وأما بريق السيف الثاني، فإنه ابن ملجم، ضَرَبه فأثبت الضربة في وسط رأسه، وشدّ الناس عليهما من كلّ ناحية، حتى أخذوهما .
قال أبو مخنف : فهمْدَان تذكر أنّ رجلاً منهم، يكنى أبا أدماء أخذ ابنَ ملجم. وقال غيرهم : بل أخذَهُ المغيرة بن الحارث بن عبدالمطلب، طرحَ عليه قطيفة ثم صرَعه، وأخذ السيف من يده وجاء به.
قال : وأما شبيب بن بجرة فإنه خرج هارباً ، فأخذه رجلٌ فصرَعه، وجلس على صدره، وأخذ السيف من يده ليقتله، فرأى الناسَ يقصدون نحوه ، فخشيَ أن يعجّلوا عليه، فوثب عن صدره، وخلّاه وطرح السيف عن يده، وأمّا شبيب بن بجرة ففاته، فخرج هارباً حتى دخلَ منزله، فدخل عليه ابنُ عمَّ له، فرآه يحلّ الحرير عن صدره، فقال له : ما هذا؟ لعلّك قتلت أميرالمؤمنين! فأراد أن يقول : لا ، فقال : نعم، فمضى ابنُ عمّه فاشتمل على سيفه ثم دخل عليه فضربه حتى قتله .
قال أبو مخنف: فحدثني أبي، عن عبدالله بن محمد الأزديّ ، قال : أدخِلَ ابن مُلجم على عليّ(علیه السّلام) ، ودخلتُ عليه فيمن دخَل، فسمعت عليَّا يقول : النَّفْس بالنفس، إن أنا مِت فاقتلوه
كما قَتلني، وإن سَلِمْتُ رأيت فيه رأيي، فقال ابن ملجم : ولقد اشتريتُه بألف – يعني السيف-، وسَممْتُه بألف، ، فإن خانني فأبعده الله! قال : فنادته أمّ كلثوم: يا عدوّ الله ، قَتلتَ أميرالمؤمنين ! قال إنّما قتلت أباك، قالت: يا عدوّ الله، إني لأرجُو ألا يكون عليه بأس، قال: فأراك إنما تبكين عليَّا إذا والله لقد ضربتُه ضربة لو قسِمَت بين أهل الأرض لأهلكتهم.
قال أبو الفرج: وأخرج ابن ملجم من بين يديه، وهو يقول (1):
نَحْنُ ضَرَبْنَا يابنةَ الخير إذ طَغَى*** أبا حسنِ مأمومَةً فتفطرا (2)
ونحن حَلَلْنَا ملكه من نظامِه*** بضربةِ سيف إذ علا وتَجَبَّرا
ونحن كرامٌ في الصَّباح أعزةٌ*** إذا المرء بالموتِ ارتدى وتأزرا
قال : وانصرفَ النَّاسُ من صلاة الصبح، فأحدَقُوا بابن ملجم، ينهشُون لحمَه بأسنانهم كأنّهم السباع، ويقولون : يا عدوَّ الله ماذا صنَعت! أهلكت أمةً محمد، وقتلت خيرَ الناس ! وإنه لصامت ما ينطِق .
قال أبو الفرج: وروى أبو مِخنَف، عن أبي الطُفَيل، أنّ صعصعة بن صُوحان، استأذَنَ على عليّ(علیه السّلام) ، وقد أتاه عائداً لما ضرَبه ابن ملجم - فلم يكن عليه إذنٌ - فقال صعصعة للآذن : قل له : يرحمُك الله يا أميرالمؤمنين حَيًّا وميّتاً ، فلقد كان الله في صدرك عظيماً، ولقد كنت بذات الله عليماً . فأبلغه الآذِنُ مقالتَه، فقال : قل له : وأنت يرحمك الله، فلقد كنتَ خفيف المؤونة، كثير المعونة .
قال أبو الفرج : ثم جُمع له أطّباء الكوفة، فلم يكن منهم أحدٌ أعلم بجُرحه من أثير بن عمرو بن هانىء السَّكونيّ- وكان متَطبِّباً صاحب كرسيّ يعالج الجراحات، وكان من الأربعين غلاماً الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في عين التمر فسبَاهم - فلما نظر أثير إلى جرح أميرالمؤمنين دعا برئة شاة حارّة، فاستخرج منها عِرْقاً، وأدخله في الجُرح، ثم نفخه، ثم استخرجه، وإذا عليه بياض الدِّماغ ، فقال يا أميرالمؤمين، اعهَد عهدَك، فإن عدوّ الله قد وصلت ضربتُه إلى أمّ رأسك . فدعا عليٌ(علیه السّلام) عند ذلك بدواة وصحيفة، وكتب وصيتَه : هذا ما أوصى به أميرُالمؤمنين عليّ بن أبي طالب، أوصى بأنه يشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودينِ الحق ليظهرَه على الدين كله ولو كره المشركون، صلوات الله وبركاته عليه، إن صلاتي ونُسُكِي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أوّل المسلمين .
أوصيك يا حسن وجميعَ ولدي وأهل بيتي ومَنْ بلغه كتابي هذا بتقوى الله ربّنا وربكم، ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، فإني سمعتُ رسول الله يقول : «صلاح ذات البين أفضلُ من عامة الصلاة والصيام» (1)، وإن المبيرة حالقة الدين إفساد ذات البين، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. انظروا إلى ذوي أرحامكم فصِلُوها يهوّن الله عليكم الحساب. والله الله في الأيتام فلا تُغيّرُنّ أفواههم بجفوتكم . والله الله في جيرانكم، فإنها وصية رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فما زال يُوصينا بهم حتى ظنَنّا أنه سيورّثهم(2)الله ، والله الله في القرآن فلا يسبقنّكم بالعمل به غيرُكم. والله الله في الصلاة، فإنها عماد دينكم. والله الله في صيام شهر رمضان فإنه جُنّة من النار . والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم ، والله الله في زكاة أموالكم، فإنها تطفىء غضب ربكم، والله الله في أهل بيت نبيكم فلا يظلَمُنّ بين أظهركم، والله الله في أصحاب نبيّكم فإن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أوصَى بهم. والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم .
والله الله فيما ملكت أيمانكم فإنه كانت آخر وصيّة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إذ قال: «أوصيكم بالضِّعيفين، فيما ملكت أيمانكم» (3)، ثم الصلاة الصلاةَ لا تخافوا في الله لومة لائم يكفكم مَنْ بغى عليكم، ومن أرادكم بسوء. قولُوا للناس حسناً، كما أمركم الله به، ولا تتركوا الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر فيتولّى ذلك غيرُكم، وتدعون فلا يستجابُ لكم. عليكم بالتواضُع والتباذل والتبارّ، وإياكم والتقاطُع والتفرّق والتدابر ، تعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب. حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيَّه أستودعكم الله خير مستودَع، وعليكم سلام الله ورحمته .
قلت : قوله : «والله الله في الأيتام، فلا تغيّرنّ أفواههم بجفوتكم» يحتمل تفسيرين : أحدهما لا تجيعوهم، فإن الجائع يخلف فمه، وتتغيّر نكهته. والثاني : لا تحوِجوهم إلى تكرار الطلب والسؤال، فإنّ السائل ينضبُ ريقه وتنشفُ لهواته (4)ويتغيّر ريح فمه.
وقوله حكاية عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «أوصيكم بالضعيفين فيما ملكت أيمانكم»، يعني الحيوان الناطق والحيوان الأعجم.
قال أبو الفرج: وحدثني أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ بإسناد ذكره في الكتاب، عن أبي
عبدالرحمن السلميّ، قال: قال لي الحسن بن عليّ(علیه السّلام) : خرجتُ وأبي يصلِّي في المسجد، فقال لي: يا بنيّ إن بتّ الليلة أوقظ أهِلي، لأنها ليلة الجمعة صبيحة يوم بدر لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، فملكتني عيناي، فسنَح لي رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقلت : يا رسول الله ، ماذا لقيت من أمّتك من الأوَد واللَّده (1)! فقال لي : أدُع عليهم، فقلت: اللهم أبدلني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي مَنْ هو شرُّ مني» (2).
قال الحسن(علیه السّلام) : وجاء ابنُ أبي السَّاج، فآذَنه بالصلاة، فخرج فخرجت خَلْفه، فاعتوره الرجلان، فأما أحدُهما فوقعت ضربته في الطَّاق، وأما الآخر فأثبتها في رأسه .
قال أبو الفرج : قال : حدثني أحمد بن عيسى، قال حدّثنا الحسين بن نصر، قال: حدثنا زید بن المعدّل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مُخنف، عن فُضَيل بن خديج، عن الأسود الكنديّ والأجلح، قالا ، توفّي عليّ(علیه السّلام) وهو ابن أربع وستين سنة في عام أربعين من الهجرة، ليلة الأحد لإحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان، وولّيَ غُسلَه ابنُه الحسن وعبدالله بن العباس، وكُفْنَ في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وصلّى عليه ابنُه الحسن، فكبّر عليه خمسَ تكبيرات، ودُفن بالرَّحَبة، مما يلي أبوابَ كِندة عند صلاة الصبح .
هذه رواية أبي مخنف.
قال أبو الفرج : وحدّثَنِي أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلويّ، قال: حدّثنا يعقوب بن زيد، عن ابن أبي عُمَيْر، عن الحسن بن علي الخلال، عن جَدّه، قال: قلت للحسين بن عليّ(علیه السّلام) : أين دفنتم أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ؟ قال : خرجنا به ليلاً من منزله حتى مَررنا به على منزل الأشعث بن قيس، ثم خرجنا به إلى الظهر بجنب الغَرِيّ.
قلت : وهذه الرواية هي الحقّ وعليها العمل، وقد قلنا فيما تقدّم أن أبنَاء الناسِ أعرفُ بقبور آبائهم من غيرهم من الأجانب، وهذا القبر الذي بالغريّ، هو الذي كان بنو عليّ يزورونه قديماً وحديثاً، ويقولون هذا قبر أبينا ، لا يشكّ أحد في ذلك من الشيِّعة، ولا من غيرهم، أعني بني عليّ من ظهر الحسن والحسين وغيرهما من سلالته، المتقدمين منهم والمتأخرين، ما زاروا ولا وقفوا إلّا على هذا القبر بعينه .
وقد روي أبو الفَرَج عبدالرحمن بن علي بن الجوزيّ في تاريخه المعروف «بالمنتظم» (3)وفاة أبي الغنائم محمد بن علي بن ميمون النَّرسِيّ المعروف بأبيّ، لجودة قراءته قال :
توفي أبو الغنائم هذا في سنة عشر وخمسمائة، وكان محدّثاً من أهل الكوفة ثقة حافظاً، وكان من قُوّام الليل ومن أهل السنّة، وكان يقول : ما بالكوفة مَنْ هو على مذهب أهل السنّة وأصحاب الحديث غيري، وكان يقول : مات بالكوفة ثلاثمائة صحابيّ ليس قبر أحد منهم معروفاً إلا قبر أميرالمؤمنين، وهو هذا القبر الذي يزوره الناس الآن، جاء جعفر بن محمد(علیه السّلام) وأبوه محمد بن عليّ بن الحسين عليهم السلام إليه، فزاراه، ولم يكن إذ ذاك قبراً معروفاً ظاهراً، وإنما كان به سَرح عِضاه ، حتى جاء محمد بن زيد الداعي صاحب الديلم، فأظهر القبر .
وسألت بعضَ من أثق به من عقلاء شيوخ أهل الكوفة عمّا ذكره الخطيب أبو بكر في تاريخه، أنّ قوماً يقولون : إنّ هذا القبر الذي تزورُه الشيعة إلى جانب الغريّ هو قبر المغيرة بن شعبة، فقال : غلطوا في ذلك، قبر المغيرة وقبر زياد بالثويّة من أرض الكوفة، ونحن نعرفهما وننقل ذلك عن آبائنا وأجدادنا. وأنشدني قولَ الشاعر يرثي زياداً، وقد ذكره أبو تمام في الحماسة :
صَلّى الإله على قبر وَطَهَّرَهُ*** عند الثويّة يَسفِي فوقه المورُ (1)
زَفّت إليه قريشٌ نعشَ سَيِّدها*** فالحلم والجُودُ فيه اليوم مَقْبُور
أبا المغيرة والدنيا مفجّعةٌ*** وإِنّ من غَرّتِ الدنيا لمَغْرُور
قد كان عندك للمعروف معرفةٌ*** وكان عندك للمنكُور تنكيرُ
وكنت تُغْشَى وتعطي المَال مِنْ سَعَةٍ*** فاليوم قبرُك أضحى وهو مهجُورُ
والنَّاسُ بعدّك قد خَفَّتْ حُلُومُهُمُ*** كَانَما نُفِخَتْ فيه الأعاصيرُ
وسألت قطب الدين نقيب الطالبيين أبا عبدالله الحسين بن الأقساسيّ رحمه الله تعالى عن ذلك، فقال: صَدق من أخبرك، نحن وأهلها كافّة نعرف مقابر ثَقِيف إلى التّويَّة، وهي إلى اليوم معروفة، وقبر المغيرة فيها، إلا أنها لا تعرف، وقد ابتلعها السَّبَحُ (2)وَزَبَدُ الأرض وفوراتُها ، فطِمسَت واختلط بعضها ببعض.
ثم قال : إن شئت أن تتحقّق أنّ قبر المغيرة في مقابر ثَقيف فانظر إلى كتاب الأغاني لأبي الفرج علي بن الحسين، والمَح ما قاله في ترجمة المغيرة، وأنه مدفونٌ في مقابر ثقيف، ويكفيك قولُ أبي الفرج، فإنه الناقد البصير، والطبيب الخبير، فتصفَّحْتُ ترجمةَ المغيرة في الكتاب المذكور، فوجدت الأمر كما قاله النقيب .
قال أبو الفرج: كان مصقلةُ بن هبيرة الشيباني قد لأحَى المغيرة في شيء كان بينهما منازعة، فضرعَ له المغيرة وتواضع في كلامه، حتى طمع فيه مصقلة، فاستعلى عليه وشَتمه، وقال : إنّي لأعرفُ شَبَهي في عروة ابنك، فضربه شرَيح الحدّ والى مصقلة الَّأ يقيم ببلدة فيها المغيرة، فلم يدخل الكوفة، حتى مات المغيرة،فدخلها، فتلقاه قومُه فسلّموا عليه، فما فرغ من السلام حتى سألهم عن مقابر ثَقيف، فأرشدوه إليها، فجعل قومٌ من مواليه يلتقطونَ الحجارة، فقال لهم : ما هذا ؟ فقالوا : نظنّ أنك تريد أن ترجُم قبر المغيرة، فقال: ألقوا ما في أيديكم، فانطلق حتى وقف على قبره، ثم قال : والله لقد كنتَ - ما علمت - نافعاً لصديقك، ضارًا لعدوك، وما مثلك إلا كما قال مهلهل في كليب أخيه :
إنّ تحت الأحجار حَزْماً وعَزْماً*** وَخصِيماً الَدَّ ذا مِعْلاقِ
حيّةٌ في الوجار أزبد لاين*** فعُ منه السليمَ نفثه راق(1)
قال أبو الفرج : فأما ابن ملجِم، فإن الحسن بن عليّ بعد دفنه أمير المؤمنين دَعَا به وأمر بضرب عنقه، فقال له : إن رأيت أن تأخذ عليّ العهود أن أرجعَ إليك حتى أضعَ يدي في يدك، بعد أن أمضيَ إلى الشام، فأنظر ما صنع صاحبي بمعاوية، فإن كان قتله وإلا قتلتُه ثم عدت إليك حتى تحكُم في حكمك. فقال: هيهات، والله لا تشربُ الماء البارد حتى تلحق روحك بالنار، ثم ضرب عنقه، واستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النَّخَعِيّة جثّتَه منه ، فوهبها لها، فأحرقتها بالنار (2).
وقال ابن أبي مياس الفزاريُّ، وهو من الخوارج :
فلَمح از مهراً سَاقَهُ ذُو سماحة*** كمهر قَطامِ من غَنِيٌّ ومُعْدِمِ
ثلاثة آلاف وعبدٌ وقَيْنَةٌ*** وضربُ عليِّ بالحسام المصمّم
فلا مهرَ أغلى من عليّ وإن غلا*** ولا فَتْك إلا دُونَ فَتْكِ ابن ملجم
وقال عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب (3):
وَهَزَّ عَليَّ بالعراقين لحيةً*** مصيبتُهَا جلّت عَلَى كل مُسلم
وقال سيأتِيها من الله نازلٌ*** ويخْضِبُها أشقَى البَرية بالدم
فعاجَلَهُ بالسيف شَلَّتْ يمينُه*** لشوْم قَطَام عند ذاك ابن مُلجَم
فيا ضربةً من خاسر ضَلّ سعيُه*** تَبَوا منها مقعداً في جهنم
ففاز أميرالمؤمنين بحظه*** وإن طرقت إحدى الليالي بمعظم
ألا إنما الدنيا بلاءٌ وفتنة*** حلاوتُها شيبت بصابٍ وعلقم
قال أبو الفرج: وأنشدني عمّي الحسن بن محمد قال: أنشدني محمد بن سعد،لبعض بني عبدالمطلب، يرثي عليَّا، ولم يذكر اسمه :
يا قبرَ سيدنا المجنّ سماحةً*** صلّى الإلهُ عليك يا قَبْرُ
ما ضرّ قَبْراً أنت ساكنُه*** الأيَحُلَّ بأرضه القظرُ
فليندينّ سماحُ كَفَّك بالثَّرى*** وليورقنّ بجنبك الصَّحُرُ
والله لو بك لم أجِد أحداً*** إلا قتلت، لفاتَنِي الوثرُ
الأصل: أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَقِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالمَرْأَةِ الحَامِلِ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ ومَاتَ قَيْمُهَا ، وطَالَ تأَيُّمُهَا ، ووَرِثَهَا ابْعَدُهَا .
أَمَا وَالله مَا أتَيْتُكُم اخْتِيَاراً، وَلكِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً. ولقد بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : عَلِيٌّ يَكْذِبُ، قَاتَلَكُمُ الله تَعَالَى فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ! عَلَى الله فَأَنَا أوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ! أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ؟ فَأَنَا أوّلُ مَنْ صَدَّقَ بِهِ !
كَلا والله، لكنها لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا ، ولَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا ، وَيْلُ أُمِّهِ كَيْلاً بِغَيرِ ثَمَنٍ لَوْ كَانَ لَهُ وعَاءٌ : وَلْتَعْلَمُنْ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ !
الشرح: أملصت الحامل ألقت ولدها سقاطاً. وقيّمها: بعلها. وتأيّمها : خلّوها عن الأزواج ، يقول : لما شارفتم استئصالَ أهل الشام، وظهرت أمارات الظّفر لكم، ودلائل الفتح، نكصُتم وجنحتم إلى السّلم والإجابة إلى التحكيم عند رفع المصاحف، فكنتم كالمرأةِ الحامل لما أتّمت أشهر حَمْلِها ألقت ولدها إلقاءٌ غير طبيعيّ، نحو أن تلقيَه لسقطةٍ أو ضربة أو عارض يقتضي أن تلقِيَه هالكاً.
ثم لم يكتف لهم بذلك، حتى قال : «ومات بعلُها، وطال تأيمها، وورثها أبعدها»، أي لم يكن لها ولد وهو أقربُ المخلفين إلى الميت، ولم يكن لها بَعْل فورثها الأباعد عنها، كالسافلين من بني عمّ، وكالمولاة تموت من غير ولد ولا من يجري مجراه فيرتُها مولاها ولا نَسب بينها وبينه.
ثم أقسم أنه لم يأتهم اختياراً، ولكنّ المقادير ساقته إليهم سَوْقاً، يعني اضطراراً. وصدقَ(علیه السّلام) ، لأنه لولا يوم الجمل لم يحتَج إلى الخروج من المدينة إلى العراق، وإنما استنجَد بأهل الكوفة على أهل البصرة، اضطراراً إليهم، لأنّه لم يكن جيشُه الحجازيُّ وافياً بأهل البصرة الذين أصفقوا على حَرْبه ونكث بيعته، ولم يكن خروجه عن المدينة – وهي دار الهجرة - ومفارقته لقبر رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و قبرِ فاطمة عن إيثار ومحبّة، ولكنّ الأحوال تحكم وتسوقُ الناس إلى ما لا يختارونه ابتداء.
وقد روي هذا الكلام على وجه آخر : «ما أتيتكم اختياراً، ولا جئت إليكم شوقاً» بالشين المعجمة .
ثم قال : «بلغني أنكم تقولون : يكذب»، وكان كثيراً ما يخبر عن الملاحم والكائنات ويومىء إلى أمور أخبره بها رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فيقول المنافقون من أصحابه : يكذب كما كان المنافقون الأوّلون في حياة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقولون عنه : يكذب .
وروی صاحب كتاب «الغارات» عن الأعمش، عن رجاله ، قال : خطب عليُّ(علیه السّلام) فقال :
والله لو أمرتُكم فجمعتم من خياركم مائة، ثم لو شئت لحدّثتكم من غُدوة إلى أن تَغيب الشمس ، لا أخبرتُكم إلا حقُّا ، ثم لتخرُجنَّ فلتزعُمنَّ أني أكْذَبُ الناس وأفجرُهم .
وقد روى صاحب هذا الكتاب وغيره من الرواة أنه قال :
إن أمرنا صعب مستصعَب، لا يحمله إلا ملك مقرّب، أو نبيُّ مرسل، أو عبدٌ امتحَن الله قلبَه للإيمان (1).
وهذا الكلام منه كلام عارف عالم بأنّ في الناس مَنْ لا يصدقه فيما يقول، وهذا أمر مركوز في الجبلة البشرية، وهو استبعاد الأمور الغريبة، وتكذيب الإخبار به. وإذا تأمّلت أحواله في خلافته كلّها وجدتها هي مختصرة من أحوال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في حياته، كأنها نسخة منتسَخة منها، في حربه وسِلمه، وسيرته وأخلاقه، وكثرة شكايته من المنافقين من أصحابه والمخالفين لأمره، وإذا أردت أن تعلم ذلك علماً واضحاً ، فاقرأ سورة «براءة» ففيها الجمّ الغفير من المعنىَ الذي أشرنا إليه .
1) أخرجه الصدوق في الخصال: 624 ، والراوندي في الخرائج والجرائح : 794/2 .
واعلم أن النظّام (1)
وقال: «مات في خلافة المعتصم سنة بضع وعشرين ومائتين» .
لما تكلم في كتاب «النُّكت»، وانتصر لكون الإجماع ليس بحجّة، اضطر إلى ذكر عيوب الصحابة، فذكَر لكلِّ منهم عيباً، ووجّه إلى كلّ واحد منهم طعناً، وقال في عليّ : إنه لما حارب الخوارج يوم النهروان، كان يرفعُ رأسه إلى السماء تارة ينظر إليها، ثم يُطرق إلى الأرض فينظر إليها تارة أخرى، يُوهِم أصحابه أنه يُوحَى إليه ، ثم يقول: «ما كذبت ولا كذبت»، فلما فرغ من قتالهم وأديل عليهم، ووضعت الحرب أوزارها، قال الحسن ابنه : يا أميرَالمؤمنين، أكان رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و تقدّم إليك في أمر هؤلاء بشيء؟ فقال: لا، ولكنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أمرَني بكل حقٌّ، ومن الحقّ أن أقاتلَ الناكثين والقاسطين والمارقين.قال النظام وقولُه : «ما كذبت ولا كذِبت» ورفعه رأسه أحياناً إلى السماء وإطراقه إلى الأرض ،إيهام إما لنزول الوحي عليه، أو لأنه قد أوصِيَ من قَبل في شأن الخوارج بأمرٍ . ثم هو يقول : ما أوصِيَ فيهم على خصوصيتّهم بأمر ، وإنما أوصِيَ بكلّ الحق، وقتالهم من الحق.
وهذا عجيب طريف .
فنقول : إن النظام أخطأ عندنا في تعريضه بهذا الرجل خطأ قبيحاً، وقال قولاً منكراً، نستغفر الله له من عقابه، ونسأله عفوَه عنه، وليست الرواية التي رواها عن الحسن وسؤاله لأبيه وجوابه له، بصحيحة ولا معروفة، والمشهور المعروف المنقولُ نقلاً يكاد يبلغ درجة المتواتر من الأخبار ر، ما روي عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في معنى الخوارج بأعيانهم وذكرهم بصفاتهم، وقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لعلي(علیه السّلام) : «إنَّك مقاتلهم وقاتلهم، وإن المخدّج ذا التَّديّة منهم ، وإنك ستقاتل . بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين» (2)، فجعلهم أصنافاً ثلاثة حسب ما وقعت الحال عليه .
وهذا من معجزات الرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وإخباره عن الغيوب المفصّلة. فما أعلمُ من أيّ كتاب نَقَل النظّام هذه الرواية، ولا عن أيّ مُحدّث رواها، ولقد كان رحمه الله تعالى بعيداً عن معرفة الأخبار والسِّيَر منصباً فكره مجهداً نفسه في الأمور النظرية الدقيقة. كمسألة الجزء. ومداخلة الأجسام وغيرهما، ولم يكن الحديث والسِّيَر من فنونه ولا مِن علومه، ولا ريب أنه سمِعها ممن لا يوثَق بقوله ، فنقلها كما سمعها.
فأما كونه(علیه السّلام) كان ينظر تارةً إلى السماء، وتارةً إلى الأرض. وقوله : «ما كَذبت ولا
كُذِبت» (1)، فصحيح وموثوق بنقله ، لاستقامته وشهرته وكثرة رواته، والوجه في ذلك أنه استبطأ وجود المخدّج حيث طلبه في جملة القتلى، فلما طال الزمان، وأشفق من دخول شبهة على أصحابه لما كان قدّمه إليهم من الأخبار قَلِق واهتمّ . وجعل يكرر قوله : «ما كَذبت ولا كُذبت» أي ما كذبت على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ . ولا كذّبني رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ فيما أخبرني به .
فأما رفعُه رأسَه إلى السماء تارةً. وإطراقهُ إلى الأرض أخرى، فإنّه حيث كان يرفع رأسه، كان يدعُو ويتضرّع إلى الله في تعجيل الظَّفَرِ بالمخدّج، وحيث يطرق كان يغلبُه الهمّ والفكر فيُطرق .
ثم حين يقول : «ما كَذَبت ولا كُذبت»، كيف ينتظر نزول الوحي، فإنّ من نزل عليه الوحي لا يحتاج أن يُسند الخبر إلى غيره، ويقول : ما كَذبت فيما أخبرتكم به عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) .
ومما طعن به النظام عليه أنه(علیه السّلام) قال : إذا حدَّثتكم عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فهو كما حدّثتكم، فوالله لأن أخِر من السماء أحبُّ إلي من أن أكذب على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ، وإذا سمعتموني أحدَّثكم فيما بيني وبينكم، فإنما الحرب خدعة».
قال النظام : هذا يجري مجرى التَّدليس في الحديث، ولو لم يحدّثهم عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بالمعارض، وعلى طريق الإيهام لما اعتذر من ذلك .
فنقول في الجواب : إنّ النّظام قد وَهِم وانعكس عليه مقصد أمير المؤمنين، وذلك أنه(علیه السّلام) لشدة ورعه أراد أن يفصّل للسامعين بين ما يخبر به عن نفسه، وبين ما يرويه عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ، وذلك لأنّ الضرورة ربّما تدعوه إلى استعماله المعاريض، لاسيما في الحرب المبنيّة على الخديعة والرأي، فقال لهم : كلّ ما أقول لكم قال لي رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ، فاعلموا أنه سليمٌ من المعاريض، خال من الرّمز والكناية، لأني لا أستجيز ولا أستحلّ أن أُعَمِّيَ أو الغِزَ في حديث رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وما حدثتكم به عن نفسي، فربما استعمل فيه المعارض، لأنّ الحزب خُدعة. وهذا كلام رجل قد استعمل التقوى والوَرَع في جميع أموره، وبلغ من تعظيم أمر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، وإجلال قدره واحترام حديثه ألا يرويَه إلا بألفاظه لا بمعانيه ولا بأمرٍ يقتضي فيه إلباساً وتعمِيَةٌ ، ولو كان مضطراً إلى ذلك، ترجيحاً للجانب الذي على جانب مصلحته في خاص نفسه. فأما إذا هو قال كلاماً يبتدىء به من نفسه، فإنه قد يستعملُ فيه المعاريضَ إذا اقتضتِ الحكمةُ والتدبير ذلك، فقد كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) باتّفاق الرواةِ كافّة إذا أراد أن يغزُوَ وجهاً ورَّى عنه بغيره، ولَمّا خرج(علیه السّلام) من المدينة لفتح مكة، قال
1) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج (1166)، وأحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة، باب ومن مسند علي (1183).
لأصحابه كلاماً يقتضي أنه يقصِد بني بكر بن عبد مناة من كنانة، فلم يعلَمُوا حقيقة حالِه حتى شارفَ مكة. وقال حين هاجَر وصحِبَه أبو بكر الصّديق لأعرابيّ لقيهما : من أين أنت؟وممن أنت؟ فلما انتسبَ لهما ، قال له الأعرابيّ : أما أنا فقد أطلعتُكُما طِلْعَ أمري، فممّن أنت ؟ فقال : ماء، لم يزده على ذلك، فجعل الأعرابي يفكّر، ويقول : من أيّ ماء؟ من ماء بني فلان، من ماء بني فلان؟ فتركه ولم يفسّر له ، وإنما أراد أنه مخلوقٌ من نطفة.
فأما قول النّظام : لو لم يحدّث عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالمعاريض لما اعتذرَ من ذلك ، فليس في كلامه اعتذار، ولكنه نَفَى أن يُدْخِلَ المعاريض في روايته، وأجازها فيما يبتدىء به عن نفسه، وليس يتضمّن هذا اعتذاراً وقوله : «لأنْ أخِرٌ من السماء» يدلّ على أنّه ما فعل ذلك ولا يفعله
ثم قال : «عَلَى مَنْ أكذب؟» يقول: كيف أكذب على الله وأنا أوّل المؤمنين به؟ وكيف أكذب على رسول الله وأنا أول المصدّقين به! أخرجه مخرج الاستبعاد لدعواهم وزعمهم .
فإن قلت : كيف يمكن أن يكونَ المكلّف الذي هو من أتباع الرسول كاذباً على الله إلا بواسطة إخباره عن الرسول، لأنه لا وصلةَ ولا واسطة بينه وبين الله تعالى إلا الرسول، وإذا لم يكن كَذِبُه على الله إلا بكذبه على الرسول لم يَبق لتقسيم الكذب وقوله : «أفأنا أكذب على الله أو على رسوله؟ معني .
قلت : يمكن أن يكذِب الكاذب على الله دون أن يكونَ كاذباً على الرسول، وإن كان من أتباع الرسول، نحو أن يقول : كنت مع رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ليلةً في مقبرة فأحيا الله تعالى فلاناً الميت فقام وقال كذا أو يقول : كنت معه يوم كذا، فسمعت منادياً يناديه من السماء: افعل كذا، أو نحو ذلك من الإخبار بأمور لا تستند إلى حديث الرسول.
ثم قال(علیه السّلام) : «كلا والله» ، أي لا والله . وقيل : إن «كلاّ» بمعنى «حقَّا» وإنه إثبات .
قال : «ولكنها لهجة غِبْتُم عنها» اللهجَة، بفتح الجيم، وهي آلة النطق، يقال له : هو فصيح اللهجة، وصادق اللهجة. ويمكن أن يعنى بها لهجة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فيقول : «شهدت وغبتم» . ويمكن أن يعني بها لهجتَه هو ، فيقول : إنها لهجة غبتم عن منافعها، وأعدمتم أنفسكم ثمن مناصحتها .
ثم قال : «ويلمّه» الضمير راجع إلى ما دلّ عليه معنى الكلام من العلم، لأنّه لما ذكر اللّهجة
وشهودُه إيّاها وغَيْبَتُهم عنها دلَّ ذلك على علمٍ له خصَّه به الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ). فقال: «ويلُمَّه». وهذه كلمةٌ تُقال للتعجّب والاستعظام؛ يقال: «ويلُمَّه فارسًا!». وتُكتب موصولةً هكذا، وأصلها «ويلُ أُمِّه». ومرادهم التعظيم والمدح، وإن كان اللفظ موضوعًا لضدّ ذلك؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: «فاظفر بذاتِ الدِّين، تَرِبَتْ يداك»(1). وكقولهم للرجل يصفونه ويُقَرِّظونه: «لا أبا له».
وقال الحسن البصريّ - وهو يذكر عليًّا(علیه السّلام) ويصف كونه على الحقّ في جميع أموره - حتى قال: «فلمّا شارف الظَّفَر وافق على التحكيم، وما لك والتحكيم والحقُّ في يديك، لا أبا لك!».
قال أبو العباس المبرِّد: هي كلمةٌ فيها جفاءٌ وخشونة، كانت الأعراب تستعملها فيمن يستعظمون أمرَه. قال: ولمّا أنشِدَ سليمانُ بن عبدالملك قول بعض الأعراب:
رَبَّ العبادِ ما لنا ومالِكًا *** قد كنتَ تسقِينَا فما بَدَا لكا
أنزل علينا الغيثَ لا أبا لَكا
قال: أشهدُ أنّه لا أبَ له ولا صاحبةَ ولا ولد، فأخرجها أحسنَ مخرج.
ثم قال(علیه السّلام): «كيلًا بغير ثمنٍ لو كان له وعاء». انتصب «كيلًا» لأنه مصدرٌ في موضع الحال، ويمكن أن ينتصب على التمييز، كقولهم: «لله درُّه فارسًا!». يقول: أنا أكيلُ لكم العلم والحكمة كيلًا، ولا أطلب لذلك ثمنًا لو وجدتُ وعاءً؛ أي حاملًا للعلم. وهذا مثل قوله(علیه السّلام): «ها إنّ بين جنبيَّ علمًا جمًّا لو أجد له حَمَلَةً!»(2).
ثم ختم الفصل بقوله تعالى: «وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ»(2)، وهو أحسن ما خُتمَ هذا الكلام به.
وروي المدائنيّ في كتاب «صِفّين»، قال : خطب عليّ(علیه السّلام) بعد انقضاءِ أمر النَّهروان، فذكر طَرفاً من الملاحم قال : إذا كَثرُتْ فيكم الأخلاَط، واستولَتِ الأنباطُ، دنَا خَرابُ العراق، ذاك إذا بُنيَتْ مدينة ذات أثلٍ (3)وأنهار . فإذا غلت فيها الأسعار، وشُيّد فيها البينانُ، وحكم فيها الفُسّاق واشتدَّ البَلاء، وتَفَاخَر الغوغاء، دنَا خُسوف البيْدَاء، وطاب الهَرَبُ
والجلاء. وستكونُ قبل الجلاء أمورٌ يشيبُ منها الصَّغِير، ويعطبُ الكبير، ويخرَس الفصيح وَيَبْهَتُ اللَّبيب، يعاجَلون بالسيف صَلْتا، وقد كانوا قبل ذلك في غَضَارة (1)من عَيْشهم يمرحُون .
فيا لَها مصيبة حينئذ! من البلاء العَقيم، والبُكاء الطويل، والويل والعويل، وشدَّةِ الصَّريخ، في ذلك أمرُ الله - وَهُوَ كائن، وقتاً - بريج (2). فيابنَ حُرّة الإماء، متى تَنَتظرُ! أبشِر بنصرٍ قريب مِنْ رَبِّ رحيم . أَلاَ فويلٌ للمتكبّرين، عند حصاد الحاصدين، وقتل الفاسقِينَ. عصاة ذي العرش العظيم، فبأبي وأمّي من عدة قليلة! أسماؤهم في الأرض مجهولة. قد دنا حينئذ ظهورُهم، ولو شئت لأخبرتُكم بما يأتي ويكون مِنْ حَوادث دَهْرِكُمْ ونوائب زمانكم، وبلايا أيامكم، وغَمَرَات ساعاتكم، ولكنّه أفضِيه إلى مَنْ أفضيه إليه، مخافةً عليكم ، ونظراً لكم، علماً منّي بما هو كائن وما يكون من البلاء الشامل، ذلك عند تمرّد الأشرار، وطاعة أولي الخسار. ذاك أوانُ الحَنْفِ والدمار، ذاك إدبار أمركم، وانقطاع أصلِكم وتشتَّتِ الفتكم، وإنما يكون ذلك عند ظُهور العصيان، وانتشار الفُسوق، حيثُ يكون الضربُ بالسَّيْفِ أهون على المؤمنين من اكتساب درْهَم حلال، حينَ لا تُنالُ المعيشَةُ إلا بمعصية الله في سمائه، حينَ تَسْكُرُونَ من غير شراب ، وتحلفون من غير اضطرار، وتظلِمون مِنْ غير منفعة، وتكذبون من غير إحراج. تتفكّهون بالفسوق وتبادرون بالمعصية. قولُكم البهتان، وحديثكم الزور، وأعمالكم الغرور، فعندَ ذلك لا تأمنون البَيَات، فياله من بياتٍ ما أشدّ ظلمته! ومن صائح ما أفظع صوته ! ذلك بيات لا يَنْمِي صاحِبُه ، فعند ذلك تُقتلون، وبأنواع البلاء تُضرَبُون، وبالسَّيْف تحصَدُون، وإلى النار تصيرون، وبعضّكم البلاء كما يعضَ الغاربَ (3)القَتَب. يا عجباً كلّ العجب، بين جُمادَى ورَجَب! من جمع أشتاتٍ وحصدِ نبات، ومن أصوات بعدها أصوات. ثم قال :.سبق القضاء... سبق القضاء!
قال رجل من أهل البصرة لرجل من أهل الكوفة إلى جانبه : أشهدُ أنه كاذب على الله ورسوله! قال الكوفيّ : وما يُدريك ؟ قال : فوالله ما نزل عليّ من المنبر حتى فُلِج الرجل، فحمِل إلى منزله في شِقّ محمل، فمات من ليلته .
وروي المدائنيّ أيضاً. قال: خطب عليّ(علیه السّلام) ، فقال : لو كُسرت لي الوِسادة لحكمتُ بين أهل التوراة بتوراتِهم، وبين أهلِ الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهْلِ الفرقان بفرقانهم، وما مِنْ آية في كتاب الله أنزلتُ في سهلٍ أو جبل إلا وأنا عالم مَتَى أنزلت، وفيمن أنزلت .
فقال رجل من القُعود تحت مِنبره : يالله وللدّعوى الكاذبة! وقال آخر إلى جانبه : أشهد أنك أنت الله رب العالمين!
قال المدائنيّ : فانظر إلى هذا التناقض والتباين فيه !
وروي المدائي أيضاً، قال: خطب عليّ(علیه السّلام) ، فذكر الملاحم، فقال: سلوني قبل أن تفقِدوني، أما والله لَتَشْغَرَنَّ (1)الفتنة الصمّاء برجلها، وتطأ في خِطامها .
يالها من فِتنة شُبّت نارها بالحطب الجزل، مقلبة من شرق الأرض رافعة ذيلها، داعية ويلَها، بدجلة أو حولها . ذاك إذا استدارَ الفلَك، وقلتم : مات أو هلك، بأيّ واد سلك!
فقال قوم تحت منبره : لله أبوه ! ما أفصحه كاذباً (2)!
وروي صاحب كتاب «الغارات» عن المنهال بن عمرو، عن عبدالله بن الحارث، قال : سمعت عليَّا يقول على المنبر : ما أحدٌ جَرَتْ عليه المواسي إلّا وقد أنزل الله فيه قرآناً، فقام إليه ،رجل، فقال: يا أميرِالمؤمنين، فما أنزل الله تعالى فيك؟ قال : يريد تكذيبه. فقام الناس إليه يلكزونه في صدره وجنبه، فقال : دعوه أقرأت سورة هود ؟ قال نعم قال : أقرأت قوله سبحانه: «أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَتَلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ»(3)قال : نعم ، قال : صاحب البيّنة . محمد، والتالي الشاهد أنا (4).
الأصل: اللَّهُمَّ دَاحِيَ المَدْحُوَّاتِ، ودَاعِمَ المَسْمُوكاتِ، وجَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطَرَاتِها شَقِيهَا وسَعِيدِهَا، اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ ، ونَوامِي بَرَكَاتِكَ، عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورَسُولِكَ. الخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ ، والْفَاتِحَ لِمَا انْفَلَقَ، والمُعْلِنِ الحَقِّ بِالحَقِّ، والدَّافِعِ جَيْشَاتٍ
الأباطيل، والدَّامِعَ صَوْلاتِ الأَضَالِيل. كَمَا حُمِّلَ فاضْطَلَع، قَائِماً بِأَمْرِكَ، مُسْتَوْفِزاً في مَرْضَاتِك، غَيْرَ ناكِل عنْ قُدُم ، ولا وَاءٍ فِي عَزْمِ، وَاعِياً لِوَحْيِكَ، حَافِظاً لِعَهْدِكَ. مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ، حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ، وأضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخابِط، وهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ والآثام. وأقامَ بِمُوضِحَاتِ الأَعْلامِ ونَيْرَاتِ الأحْكَامِ، فَهُوَ أمينُكَ المَأْمُونُ، وخَازِنُ عِلْمِكَ المَخْزُونِ ، وشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ ، وبَعِيتُكَ بِالحَقِّ، وَرَسُولُكَ إلى الخَلْقِ .
اللهُمَّ أَفْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلكَ، وَاجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ .
اللَّهُمَّ وَأَهْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ، وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ، وَأَجْزِهِ مِنَ ابْتِغَائِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ، مَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ، ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ، وَخُطْبَةٍ فَضلٍ.
اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ وَقَرَارِ النِّعْمَةِ، وَمُنَى الشَّهَوَاتِ، وَأَهْوَاءِ اللَّذَاتِ، وَرَخَاءِ الدَّعَةِ ، وَمُنْتَهَى الطُّمَأْنِينَةِ، وَتحَفِ الْكَرَامَةِ .
الشرح: دَحَوْتُ الرَّغيف دَحْواً : بسطَته، والمدحُوّات هنا : الأرضون.
فإن قلت : قد ثبت أنّ الأرض كُرِيّة، فكيف تكون بسيطة، والبسيط هو المسطّح، والكرِيّ لا يكون مسطحاً؟
قلت: الأرض بجملتها شكل كرة، وذلك لا يمنع أن تكون كلّ قطعة منها مبسوطة تصلح لأن تكون مستقراً ومجالاً للبشر وغيرهم من الحيوان، فإنّ المراد بانبساطها ها هنا ليس هو السطح الحقيقيّ الذي لا يوجد في الكرة، بل كون كلّ قطعة منها صالحة لأن يتصرّف عليها الحيوان لا يعني به غير ذلك.
وداحيَ المدحُوّات، يَنتصب لأنه منادى مضاف، تقديره: يا باسط الأرضين المبسوطات.
قوله : «وداعم المسموكات» ، أي حافظ السموات المرفوعات، دعمتُ الشيء إذا حفظتَه من الهُويّ بدِعامة، والمسموك : المرفوع، قال:
إنَّ الَّذي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا*** بيتا دعائمه أعز وأطولُ(1)
ويجوز أن يكون عَنَى بكونها مسموكة كونَها ثخينة. وسُمك الجسم هو البعد الذي يعبّر عنه المتكلّمون بالعمق وهو قَسِيم الطول والعرض، ولا شيء أعظم ثخناً من الأفلاك.
فإن قلتَ : كيف قال : إنه تعالَى دعمَ السموات وهي بغير عَمد؟
1) البيت مطلع قصيدة للفرزدق، ديوانه 714 .
قلت : إذا كان حافظاً لها من الهويّ بقدرته وقوته فقد صدق عليه كونُه داعماً لها، لأن قوته الحافظة تجري مجرى الدعامة .
قوله : «وجابل القلوب» أي خالقها الجَبْل الخَلْق، وجِبِلّة الإنسان : خِلْقَتُه ، وفِطراتها : بكسر الفاء وفتح الطاء: جمع فِطرة، ويجوز كسر الطاء، كما قالوا في سِدْرة: سِدّرات وسِدِرات والفطرة : الحالة التي يفطِر الله عليها الإنسان، أي يخلقه عليها خالياً من الآراء والديانات والعقائد والأهوية، وهي ما يقتضيه محض العقل، وإنما يختار الإنسان بسوء نظره ما يُفْضِي به إلى الشقوة، وهذا معنى قول النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «كلّ مولود يُولدُ على الفطرة، فإنما أبواه يهوّدانه أو ينصرانه»(1).
قوله: «شقيّها وسعيدها» بَدَل من القلوب، وتقدير الكلام: وجابل الشقيّ من القلوب والسعيد على ما فُطرت عليه.
والنوامي : الزوائد. والخاتم لما سبق، أي لما سبق من المِلَل. والفاتح لما انغلق من أمر الجاهلية. والمعلن الحقّ بالحقّ، أي المظهر للحقّ الذي هو خلاف الباطل بالحقّ، أي بالحرب والخصومة، يقال: حاقَ فلان فلاناً فحقَّه،أي خاصمه فَخصمه . ويقال: ما فيه حقّ أي خصومة .
قوله : «والدافع جَيشات الأباطيل»، جمع جَيشة، من جاشت القدر إذا ارتفع غَلَيانُها .
والأباطيل : جمع باطل على غير قياس، والمراد أنه قامع ما نجم من الباطل.
والدامغ: المهلك من دَمَغه أي شجّه حتى بلغ الدماغ، ومع ذلك يكون الهلاك.
والصولات : جمع صَوْلة وهي السَّطوة. والأضاليل : جمع ضلال على غير قياس.
قوله: «كما حُمّل» ، أي لأجل أنه يحمل ، والعرب تستعمل هذه الكاف بمعنى التعليل، قال الشاعر :
فقلتُ له أبا المِلْحاء خُذْها*** كما أوسعتَنَا بَغْياً وَعَدْوَا
أي هذه الضربة لبغِيك علينا، وتعدّيك .
وقوله : «كما حمّل» يعني حَمّل أعباء الرسالة، فاضطلع، أي نهض بها قويَّا، فرس ضَليع أي قويّ، وهي الضلاعة أي القوة.
متسوفزاً، أي غير بطيء، بل يحثُّ نفسَه ويُجهدها في رضا الله سبحانه، والوفز: العَجَلة، والمستوفز : المستعجل .
1) أخرجه البخاري ح: (1385) ، ومسلم ح: (2658)، والترمذي ح : ((2138)، وأبو داود ح: (4714).
غير ناكلٍ عن قُدُم، أي غير جبان ولا متأخر عن إقدام، والمقدام: المتقدّم، يقال مَضَى قدماً أي تقدّم وسار ولم يعرّج.
قوله : «ولا واءٍ في عزم» ، وَهَى، أي ضعف، والواهي الضعيف.
واعياً لوحيك، أي فاهما ، وَعَيْتُ الحديث، أي فهمته وَعَقَلْتَه .
ماضياً على نفاذ أمرك، في الكلام حذف تقديره : ماضياً مصرَّا على نفاذ أمرك، كقوله تعالى : « فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ » (1)، ولم يقل :«مرسَلاً» لأنّ الكلام يدلّ بعضُه على بعض.
وقوله : «حتى أوْرَى قبسَ القابس»، يقال: ورى الزَّنْدُ، يَرِي، أي خرج ناره، وأوريته أنا .
والقَبَس : شعلة من النار، والمراد بالقَبَس ها هنا نور الحق، والقابس: الذي يطلب النار يقال : قَبَسْت منه ناراً، وأقبسني ناراً، أي أعطانيها .
وقال الراونديّ: أقبست الرجل علماً وقبسته ناراً، أعطيته، فإن كنتَ طلبتها له قلت: اقبسته ناراً .
وقال الكِسائيّ : أقبسته ناراً وعلماً سواء، قال: ويجوز «قَبَسْته» بغير همزة فيهما.
قوله : «وأضاء الطريق للخابط»، أي جعل الطريق للخابط مضيئة والخابط : الذي يسيرُ ليلاً على غير جادة واضحة.
وهذه الألفاظ كلها استعارات ومجازات .
وخَوْضات الفتن جمع خَوْضَة، وهي المرة الواحدة،من خُضْتُ الماء والوحل أخوضهما، وتقدير الكلام: وهدِيت به القلوبُ إلى الأعلام الموضحة بعد أن خَاضَتْ في الفتن أطواراً. والأعلام. جمع عَلَم، وهو ما يستدلّ به على الطريق، كالمنارة ونحوها . والموضِحة: التي توضح للناس الأمور وتكشفها . [والنيّرات]: ذوات النور.
قوله : «فهو أمينك المأمون» أي أمينُك على وحيك، والمأمون من ألقاب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال كعب بن زهير:
سَقَاك أبو بكر بكأس رَويَّةٍ*** وأنهلك المأمونُ منهَا وعلَّکَا
وخازن علمِك، المخزون بالجرِّ صفة «علمِك» والعلم الإلهي المخزون : هو ما أطلّع الله تعالى عليه ورسوله من الأمور الخفيّة التي لا تتعلّق بالأحكام الشرعية كالملاحم و وأحكام الآخرة وغير ذلك، لانّ الأمور الشرعية لا يجوزُ أن تكون مخزونة عن المكلّفين.
وقوله : «وشهيدُك يوم الدّين»، أي شاهدك قال سبحانه: «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شهيدا» (2).
والبعيث : المبعوث «فعيل» بمعنى «مفعول» كقتيل وجريح وصريع. ومَفْسَحاً مصدر، أي وسِّع له مفسحاً .
وقوله : «في ظلك» يمكن أن يكون مجازاً ، كقولهم : فلان يشمَلُني بظله، أي بإحسانه وبرّه، ويمكن أن يكون حقيقة، ويعني به الظلّ الممدود الذي ذكره الله تعالى، فقال: «وَظَلَ مَمْدُورٍ (30) وَمَاوِ مَسْكُوبِ(31)(1).
وقوله : «وأعل على بناء البانين بناءه» ، أي اجعل منزلته في دار الثواب أعلى المنازل.
وأتمم له نورَه من قوله تعالى: «رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا » (2). وقد روي أنه تُطفأ سائر الأنوار إلا نور محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ثم يعطى المخلصون من أصحابه أنواراً يسيرة يبصرون بها مواطىء الأقدام، فيدعُون إلى الله تعالى بزيادة تلك الأنوار وإتمامها . ثم إن الله تعالى يتمّ نور محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيستطيلُ حتى يملأ الآفاق، فذلك هو إتمام نوره(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
قوله : «من ابتعاثك له» ، أي في الآخرة.
مقبول الشهادة، أي مصدَّقاً فيما يشهد به على أمته وعلى غيرها من الأمم .
وقوله : «ذا منطق عَدل»، أي عادل، وهو مصدر أقيم مقام اسم الفاعل، كقولك : رجل فِطر وصَوْم، أي مفطر وصائم.
وقوله : «وخطبة فصل» أي يخطب خطبة فاصلة يوم القيامة، كقوله تعالى : «إِنَّهُ لَقَولٌ فَصل(13)ٌ وَمَا هُوَ بِالْمَزَلِ(14) (3)، أي فاصل يفصل بين الحقّ والباطل، وهذا هو المقام المحمود الذي الله ذكره الله تعالى في الكتاب، فقال: «عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا محْمُودًا» (4)، وهو الذي يشار إليه في الدعوات في قولهم : «اللهم آت محمداً الوسيلة والفضيلة، والدَّرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود» (5).
قوله : «في بَرْد العيش»، تقول العرب : عيش بارد ومعيشة باردة، أي لا حَرْب فيها ولا نزاع، لأنّ البرد والسكون متلازمان كتلازم الحرّ والحركة.
وقرار النعمة، أي مستقرّها، يقال: هذا قرار السَّيْل، أي مستقرّه . ومن أمثالهم : «لكلّ سائلة قرار »..
1) سورة الواقعة، الآيتان: 30 ،31 .
2) سورة التحريم، الآية : 8.
3) سورة الطارق، الآية : 13، 14 .
4) سورة الإسراء، الآية : 79 .
5) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء عند الأذان (614) ، والترمذي، كتاب الصلاة، باب منه آخر (211)، والنسائي، كتاب الأذان، باب الدعاء عند الأذان (680) ، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الدعاء عند الأذان (529)
ومُنّى الشهوات: ما تتعلّق به الشهوات من الأماني. وأهواء اللذات : ما تهواه النفوس وتستلّذه. والرخاء، المصدر من قولك : رجل رخيّ البال فهو بيّن الرخاء، أي واسع الحال .
والدَّعة : السكون والطمأنينة، وأصلها الواو.
ومنتهى الطمأنينة غايتها التي ليس بعدها غاية .
والتَّحَف : جمع تحفة، وهي ما يكرّم به الإنسان من البِرِّ واللَّطَف، ويجوز فتح الحاء .
فإن قلت : ما معنى الصلاة على الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، التي قال الله تعالى فيها : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا » (1).
قلت: الصلاة من الله تعالى هي الإكرام والتبجيل ورفع المنزلة، والصلاة منّا على النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هي الدعاء له بذلك، فقوله سبحانه: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ » (2)أي هو الذي يرفع منازلكم في الآخرة، وقوله : «وَمَلَائِكَتَهُ» أي يدعون لكم بذلك .
وقيل : جُعِلوا لكونهم مستجابي الدعوة كأنّهم فاعلون التعظيم للمؤمن ورفع المنزلة، ونظيره قوله : «حَيّاك الله» أي أحيّاك الله وأبقاك، وحیّيتك أي دعوت لك بأن يحييك، لأنّك لاعتمادك على إجابة دعوتك ووثوقك بذلك، كأنك تحيِيه وتبقيه على الحقيقة، وهكذا القول في قوله سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ».
وقد اختلف في الصلاة على النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : هل هي واجبةٌ أم لا؟
فمن الناس من لم يَقُلْ بوجوبها، وجعل الأمر في هذه الآية للنَّذب ومنهم من قال : إنّها واجبة .
واختلفوا في حال وجوبها، فمنهم من أوجبَها كلما جرى ذكره، وفي الحديث : «مَنْ ذُكِرْتُ عندَه فلم يصلّ عليّ دخل النار وأبعده الله» (3)، ومنهم من قال : تجِبُ في كلّ مجلس مرّة واحدة، وإن تكرر ذكرهُ. ومنهم مَنْ أوجبها في العمر مرة واحدة وكذلك قال في إظهار الشهادتين .
واختِلف أيضاً في وجوبها في الصلاة المفروضة، فأبو حنيفة وأصحابه لا يوجبونها فيها.
وروي عن إبراهيم النَّخَعِي أنهم كانوا يكتفون - يعني الصحابة - عنها بالتشهّد، وهو : «السّلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته»، وأوجبها الشافعيّ وأصحابه. واختلف أصحابه في
وجوب الصلاة على آل محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فالأكثرون على أنها واجبة، وأنها شرط في صحة
الصلاة.
فإن قلت : فما تقول في الصلاة على الصّحابة والصالحين من المسلمين؟
قلت القياس جواز الصلاة على كلّ مؤمن، لقوله تعالى: «هُوَ الَّذِى يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَئكتُهُ» (1)، وقوله : «وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ » (2)، وقوله : «أَوَلَئكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ » (3)، ولكنّ العلماء قالوا : إذا ذُكِرَ أحدٌ من المسلمين تبعاً للنبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فلا كلام : في جواز ذلك، وأما إذا أفردوا أو ذُكِرَ أحد منهم، فأكثر الناس كَرِهوا الصلاة عليه، لأنّ ذلك شعارُ رسول الله فلا يشركه فيه غيره.
وأما أصحابُنا من البغداديين فلهم اصطلاح آخر، وهو أنهم يكرَهون إذا ذكروا عليَّا(علیه السّلام) أن يقولوا : «صلّى الله عليه» ولا يكرهون أن يقولوا : «صلواتُ الله عليه»، وجعلوا اللفظة الأولى مختصَّة بالرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وجعلوا اللفظة الثانية مشتركةً فيها بينهما عليهما السلام، ولم يطلقوا لفظَ الصلاة على أحدٍ من المسلمين إلا على عليّ وحده.
الأصل: قالوا : أُخِذَ مَرْوان بن الحكم أسيراً يوم الجمل فاستشفع الحسنَ والحسينَ عليهما السلام إلى أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، فكلَّماء فيه فَخَلَّى سبيله، فقالا له : يُبايعك يا أميرالمؤمنين . قال (علیه السّلام) : أَوَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثمَانَ! لاَ حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ ، إِنَّهَا كَفِّ يَهُودِيَّةٌ ، لَوْ بَايَعَنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَ بِسُيَّتِهِ. أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةٌ كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ ، وَهُوَ أَبُو الْأَكْبُشِ الْأَرْبَعَةِ، وَسَتَلْقَى الْأُمَّةُ مِنْهُ ومِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ .
الشرح: قد رُوي هذا الخبر من طرق كثيرة، ورويت فيه زيادة لم يذكرها صاحب «نهج البلاغة» ، وهي قوله(علیه السّلام) في مروان: «يَحْمِلُ رايَة ضلالة بعد ما يَشِيبُ صُدْغاه»، وإنّ له إمرة . . .» . إلى آخر الكلام.
وقوله: «فاستشفع الحسنَ والحسينَ إلى أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، هو الوجه، يقال: استشفعتُ فلاناً إلى فلان، أي سألته أن يشفَع إليه، وتشفّعت إلى فلان في فلان فشَفَّعني فيه تشفيعاً . وقول الناس : «استشفعتُ بفلان إلى فلان» بالباء ليس بذلك الجيّد.
وقول أميرالمؤمنين(علیه السّلام) : «أو لم يبايعني بعد قتل عثمان!» أي وَقَدْ غدر، وهكذا لو بايعني الآن .
ومعنى قوله : «إنّها كفٌّ يهوديّة» أي غادرة، واليهود تنسَب إلى الغدر والخبث، وقال تعالى: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ» (1).
والسَّيَّة : الاست، بفتح السين، سبّه يسبّه أي طعنه في الموضع ، ومعنى الكلام محمولٌ على وجهين :
أحدهما : أن يكون ذكر السَّبة إهانة له وغلظة عليه، والعرب تسلُك مثل ذلك في خُطبها وكلامها، قال المتوكّل لأبي العيناء: إلى مَتَى تمدحُ الناس وتذمّهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساؤوا، ثم قال : يا أميرالمؤمنين، إن الله تعالى رَضِيَ عن واحد فمدحه، وسخِط على آخر فهجاه وهجا ،أمّه ، قال : «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَابُ » (2)، وقال : «عُتُلِ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ » (3)، والزَّنيم ولد الزنى .
الوجه الثاني : أن يريدَ بالكلام حقيقة لا مجازاً، وذلك لأنّ الغادِرَ من العرب كان إذا عَزَم على الغَدْر بعد عَهْدٍ قد عاهده أو عَقْد قد عقده، حَبَق (4)استهزاء بما كان قد أظهره من اليمين والعهد، وسُخرية وتهكّماً .
والإمرة الولاية، بكسر الهمزة وقوله : «كَلَعْقَةِ الكلب أنفَه»، يريد قِصَر المدَّة، وكذلك : كانت مدّة خلافة مَرْوان، فإنّه وليّ تسعة أشهر .
والأكبش : الأربعة بنو عبدالملك: الوليد، وسليمان، ويزيد وهشام، ولم يَلِ الخلافَةَ من بين أميّة ولا من غيرهم أربعة إخوة إلا هؤلاء.
وكلّ الناس فَسَّرُوا الأكبُسُ الأربعة بمَنْ ذكرناه، وعندي أنّه يجوز أن يعني به بني مَرْوان لصُلبه، وهم : عبدالملك، وعبد العزيز، وبِشر، ومحمد، وكانوا كِباشاً أبطالاً أنجاداً، أما عبدالملك فَوَلِيَ الخلافة، وأما بشر فَوَلِيَ العراق، وأما محمد فَوَلِيَ الجزيرة، وأما عبدالعزيز فَوَليَ مصر، ولكلِّ منهم آثار مشهورة، وهذا التفسير أولى، لأن الوليد وإخوته أبناء ابنه، وهؤلاء بنوه لصلبه .
ويقال لليوم الشديد : يوم أحمر، وللسَّنَة ذاتِ الجَدْب : سنَة حَمْراء.
وكلّ ما أخبر به أميرالمؤمنين(علیه السّلام) في هذا الكلام وَقَع كما أخبره به، وكذلك قوله : «يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صُدعاه»، فإنه ولِيَ الخلافة وهو ابن خمسة وستين في أعدل الروايات .
ونحنُ ذاكرون في هذا الموضع نَسَبه ، وجُمَلاً من أمره وولايته للخلافة، ووفاته على سبيل الاختصار :
هو مَرْوان بن الحكَم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمّه آمنة بنت عَلقمة بن صفوان بن أميّة الكِنانيّ. يُكنّى أبا عبدالملك، ولِدَ على عهد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، منذ سنة اثنتين من الهجرة، وقيل عام الخندق، وقيل يوم أحُد، وقيل غير ذلك. وقال قومٌ: بل ولد بمكة، وقيل : ولد بالطائف . ذكر ذلك كلّه أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب «الاستيعاب».
قال أبو عُمَر : وممنّ قال بولادته يومَ أحد مالك بن أنس، وعلى قوله يكونُ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قد تُوفِّيَ، وعمره ثمان سنين أو نحوها .
وقيل : إنه لما نُفِي مع أبيه إلى الطائف كان طفلاً لا يعقل، وإنه لم يرَ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وكان الحَكَم أبوه قد طرده رسول الله عن المدينة، وسيّره إلى الطائف، فلم يَزَلْ بها حتى وَليَ عثمان، فردّه إلى المدينة، فقدمها هو وولده في خلافة عثمان، وتوفّيَ، فاستكتبه عثمان وضمَّه إليه، فاستولَى عليه إلى أن قتِل. والحكَم بن أبي العاص هو عمّ عثمان بن عفان، كان من مُسلمة الفتح، ومن المؤلّفة قلوبُهم، وتوفّي الحكَم في خلافة عثمان قبل قتله بشهور .
واختلف في السبب الموجِب لنفي رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقيل : إنه كان يتحيّل ويستخفي ويتسمّع ما يُسره رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلى أكابر الصحابة في مُشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين، ويُفشي ذلك عنه، حتى ظهر ذلك عنه .
وقيل كان يتجسَّس على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وهو عند نسائه، ويسترِقُ السَّمْع، ويُصغِي إلى ما يجري هناك ممّا لا يجوز الاطّلاع عليه، ثم يحدّث به المنافقين على طريق الاستهزاء.
وقيل : كان يحكِيه في بعض مِشْيَته وبعض حركاته ، فقد قيل : إن النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كان إذا مشى يتكفّأ (1)، وكان الحكَم بن أبي العاص يحكِيه، وكان شانئاً له مبغضاً حاسداً، فالتفت
1) يتكفا : يميل إلى الأمام.
رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يوماً ، فرآه يمشِي خَلْفه يحكيه في مِشيته، فقال له : كذلك فَلْتَكُنْ يا حكّم.
فكان الحكم مُختلجاً يرتعش من يومئذ، فذكر ذلك عبدالرحمن بن حسان بن ثابت، فقال لعبدالرحمن بن الحكم يهجوه :
إنّ اللّعِين أبوك فارم عِظَامهُ*** إن ترمِ ترمِ مخلَّجاً مَجْنُونَا
يمشي خَميصَ البَطْنِ مِنْ عملِ التَّقَى*** وَيَظلَّ مِنْ عَمَلِ الخبير بَطينا (1)
قال صاحب الاستيعاب : أما قول عبدالرحمن بن حسان «إن اللعين أبوك» فإنّه روي عن عائشة من طرق ذكرها ابن أبي خَيْثَمة ،وغيره أنّها قالت لمروان إذ قال في أخيها عبدالرحمن أنه أنزل فيه : «وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ » (2): أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لَعَنَ أباك وأنت في صُلبه .
وروى صاحب كتاب «الاستيعاب» بإسناد ذكَره عن عبدالله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : «يدخل عليكم رجل لَعين»، قال عبدالله : وكنتُ قد رأيتُ أبي يلبَس ثيَابه ليقبِل إلى رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فلم أزل مشفّقاً أن يكون أوّل مَنْ يدخل، فدخل الحكم بن أبي العاص .
قال صاحب «الاستيعاب» : ونظر عليّ(علیه السّلام) يوماً إلى مَروان، فقال له : «ويل لك، وويل لأمة محمد منك ومن بنيكَ إذا شاب صُدغاك !» (3). وكان مَرْوان يدعَى خَيْط باطل ، قيل : لأنه كان طويلاً مضطرباً .
وضرِب يوم الدار على قفاه فخرّ لفيه فلما بُويع له بالخلافة، قال فيه أخوه عبدُالرحمن بن الحكم - وكان ماجناً شاعراً [ مُحْسِناً]، وكان لا يَرى رأي مروان:
فو الله مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ*** حليلةَ مَضْرُوبِ القفا كَيْفَ تَصْنَعُ
لحا الله قوماً أمَّرُوا خيطَ باطل*** عَلى الناس يُعطي ما يشاء ويَمْنَعُ
وقيل : إنما قال له أخوه عبد الرحمن ذلك حين ولاه معاوية إمْرَة المدينة، وكان كثيراً يهجوه ومن شعره فيه :
وهبتُ نصيبي مِنك يا مَرْوَكُلَّهُ*** لعمرو ومروانَ الطويلِ وخالدِ
ورب ابن أمِّ زائد غير ناقصٍ*** وأنت ابنُ أمِّ ناقصٌ غير زائدِ
وقال مالك بن الرَّيب يهجو مَروان بن الحكم :
لعمْرُك مَا مَرْوَان يقضي أمورَنا*** ولكنّ ما يقضي لنا بنت جَعْفَرِ
فياليتَها كانَتْ عَلَيْنَا أميرةً*** وليتك يا مروان أمسيْتَ ذا حِرِ
ومن شعر أخيه عبدالرحمن فيه :
الاَ مَنْ يُبْلِغَنْ مَرْوَانَ عَنِّي*** رَسُولاً والرَّسُولُ من البَيَانِ
بأنك لن ترى طَرْداً لحُرّ ***كالصاقٍ به بعضَ الهَوَانِ
وهل حُدثتَ قبلِي عن كريمٍ*** معينِ في الحوادث أو مُعانِ
يقيمُ بدار مضيعةٍ إذا لم*** يكن حيران أو خَفِق الجَنان
فلاتقذف بي الرَّجَوَيْنِ إني*** أقلّ القوم مَنْ يُغْنِي مكاني (1)
سأكفيك الذي استكفيت منّي*** بأمرٍ لا تُخالجه اليدانِ
فلو أنّا بمنزلةٍ جَرَيْنا*** جَرَيْتَ وأنْتَ مُضطرب العِنَانِ
ولولا أنّ أم أبيك أمِّي*** وأن من قد هجاك فقد هَجَاني
لقد جاهرتُ بالبَغْضَاء إِنِّي*** إلى أمْرِ الجهارة والعِلانِ
ولما صار أمر الخلافة إلى معاوية، ولى مرْوانَ المدينة، ثم جمع له إلى المدينة مكّة والطائف، ثم عزله وولّى سعيدَ بن العاص، فلما مات يزيد بن معاوية، وولي ابنُه أبو ليلى معاوية بن يزيد في سنة أربع وستين، عاش في الخلافة أربعين يوماً ومات، فقالت له أمّه أم خالد بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس : اجعل الخلافةَ من بعدك لأخيك، فأبى وقال : لا يكونُ لي مُرُّها ولكم حُلوها، فوثب مروان عليها، وأنشد:
إنِّي أرى فتنةً تَغْلِي مراجِلُها*** والملك بعد أبي ليلَى لمنْ غَلَبًا
وذكر أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصفهاني في كتاب «الأغاني» : أن معاوية لما عَزل مَرْوان بن الحكم عن إمْرَة المدينة والحجاز، وولّى مكانه سعيد بن العاص، وجّه مَروان أخاه عبدالرحمن بن الحكَم أمامه إلى معاوية، وقال له: القَه قبلي فعاتبِه لي واستضلِحه.
قال أبو الفرج : وقد رُوي أنّ عبدالرحمن كان بدمشق يومئذ، فلما بلغه خبرُ عَزْلِ مَرْوَان وقدومه إلى الشام، خرج وتلقّاه وقال له : أقِمْ حَتَّى أدخلَ إلى أخيك، فإن كان عَزّلك عن مَوْجِدة (2)دخلت إليه منفرداً، وإن كان عن غير مؤجِدة دخلتَ إليه مع الناس فأقام مَروان ومضى عبدالرحمن، فلما قدم على معاوية دخل إليه هو يُعَشِّي الناس، فأنشده :
أتَتْكَ العيسُ تَنْفُخُ في بُرَاها*** تكشَّفُ عن مناكِبها القُطُوعُ (1)
بِأَبْيَضَ مِنْ أُمَيَّةَ مَضْرَحِيِّ*** كان جبينَه سَيْفٌ صنيع(2)
فقال له معاوية : أزائراً جئت أم مفاخراً مكابراً ؟ فقال : أي ذلك شئت ! فقال : ما أشاء من ذلك شيئاً، وأراد معاوية أن يقطعه عن كلامه الّذي عَنْ له، فقال له : عَلى أيّ ظهر جئتنا ؟ فقال : على فرسٍ قال : ما صفته؟ قال : أجشّ هَزيم - يعرِّض بقول النّجاشيّ في معاوية يوم صِفّين :
وَنَجَّى ابنَ حَرْبٍ سابحٌ ذو غُلالةٍ*** أجشُّ هزيمٌ والرماح دَوَانِ (3)
إذا قلت أطرافُ الرماح تنالُه*** مَرَتْهُ له الشاقان والقَدَمان (4)
فغضب معاوية، وقال: إلا أنه لا يركبُه صاحبُه في الظُّلم إلى الرَّيَب، ولا هو ممّن يتسوّر على جَاراتِه ، ولا يتوثّب بعد هَجمة الناس على كنائنه - وكان عبدالرحمن يُتّهم بذلك في امرأة أخيه - فخجل عبدُالرحمن، وقال: يا أميرَالمؤمنين، ما حَمَلك على عَزل ابن عمّك؟ الخيانةٍ أوجبَتْ ذلك، أم لرأي رأيتَه وتدبير استصلحته؟ قال: بل لتدبير استصلحته، قال : فلا بأس بذلك. فخرج من عنده فلقيَ أخاه مَرْوان، فأخبره بما دارَ بينه وبين معاوية، فاستشاط غيظاً وقال لعبدالرحمن : قَبحك الله، ما أضعفك! عَرّضت للرجل بما أغضبه، حتى إذا انتصر منك أحجمت عنه. ثم لبس حُلّته، وركِب فرسَه، وتقلّد سيفَه، ودخلَ على مُعاويةَ، فقال له حین رآه وتبيَّن الغضبَ في وجهِه : مَرْحَباً بأبي عبدالملك ! لقد زرتَنا عند اشتياق مِنّا إليك، فقال : [لا] ها الله ، ما زرتُك لذلك ولا قدِمتُ عليك فألفيتُك إلا عاقَّا قاطعاً، والله ما أنصفتَنا ولا جزيتَنا
جزاءنا، لقد كانت السابقة من بني عبد شمس لآل أبي العاص، والصِّهر عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لهم، والخلافة منهم، فوصلوكم يا بني حَرْب وشرّفوكم وولّؤكم، فما عزَلُوكم ولا آثروا عليكم ، حتى إذا وليتم وأفضى الأمرُ إليكم أبيتم إلا أثَرَة وسوء صنيعة وقبح قطيعة، فرويداً رويداً! فقد بلغ بنو الحَكم وبنو بنيه نيّفاً وعشرين، وإنما هي أيام قلائل حتى يَكمُلوا أربعين، ثم يُعلم امرُؤ ما يكون منهم حينئذ، ثم هم للجزاء بالحسنى والسوء بالمرصاد.
قال أبو الفرج : هذا رمز إلى قول رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إذا بلغ بنُو أبي العاص أربعين رجلاً،
اتخذوا مال الله دُوَلاً وعبادالله خَوَلاً» (1)، فكان بنُو أبي العاص يذكرون أنّهم سيكون أمْرَ الأمة إذا بلغوا هذه العدّة.
قال أبو الفرج: فقال له معاوية: مهلاً أبا عبدالملك، إنُّي لم أعزلك عن خيانة، وإنّما عزلتُك لثلاثةٍ لو لم يكن منهنّ إلا واحدة لا وجبْتُ عَزلَك : إحداهُنّ أني أمْرتُك على عبدالله بن عامر، وبينكما ما بينكما، فلن تستطيع أن تشتفِيَ منه ، والثانية كراهيتُك لإمرة زياد، والثالثة أنّ ابنتِي رَمْلة استعدَتك على زوجها عمرو بن عثمان، فلم تُعْدِها. فقال مروان: أما ابنُ عامر فإنّي لا أنتصر منه في سلطاني، ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موقعه، وأما كراهتي لإمرَة زياد فإنّ سائرَ بني أمية كرهوه، وجعل الله لنا في ذلك الكره خيراً كثيراً . وأما استعداء رملة على عمرو، فوالله إنه ليأتي عليّ سنة أو أكثر وعندي بنت عثمان، فما أكشف لها ثوباً - يعرّض بانّ رملة إنما تستعدي على عمرو بن عثمان طلب النكاح - فغضب معاوية ، فقال : يابن الوَزَغ(2)، لستَ هناك ! فقال مروان : هو ما قلت لك ، وإنّي الآن لأبو عشرة، وأخو عشرة ، وعمّ عشرة وقد كادَ ولد أبي أن يكملوا العِدّة - يعني أربعين، ولو قد بلغوها لعلمت أين تقع مني . فانخزَل معاوية، وقال:
فإن أكُ فِي شِرَارِكُم قَلِيلاً*** فإنّي في خياركُمُ كَثِيرُ
بغاتُ الطَّير أكثرُها فِرَاخاً*** وأمّ الصَّقْر مِقْلاتٌ نَزُور
ثم استخذَى معاوية في يد مروان وخضع وقال : [لك] العتبى، وأنا رادك إلى عملك.
فوثب ،مروان، وقال: كلاً وعيشِك لا رأيتَني عائداً! وخرج.
فقال الأحنف لمعاوية : ما رأيت قطّ لك سَقْطَةٌ مثلها ! ما هذا الخضوع لمروان! وأيّ شيء يكون منه ومن بني أبيه إذا بلغوا أربعين؟ وما الذي تخشاه منهم ؟ فقال : ادْنُ منّي أخبرّك ذلك ، فدنا الأحنف منه ، فقال :[له]: إنّ الحكَم بن أبي العاص كان أحدَ مَنْ قَدِم مع [أختي] أمّ حبيبة لما زُفّتْ إلى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وهو يتولّى نقلها إليه، فجعل رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يُحِدّ النظر إليه ، فلما خرج من عنده، قيل : يا رسول الله، لقد أحدَدْتَ النظر إلى الحكم! فقال : ابن المخزوميّة، ذاك رجل إذا بلغ بنو أبيه ثلاثين أو أربعين، ملكوا الأمر من بعدي، فوالله لقد تلقّاها مَروان من عين صافية. فقال الأحنف: رويداً يا أميرالمؤمنين، لا يسمع هذا مِنك أحد، فإنّك نَضَعُ من قَدْرِك وقَدْرِ ولدك بعدك ، وإِنْ يَقْض الله أمراً يكن. فقال معاوية : اكْتُمْها يا أبا بحر عليّ إذاً ، فقد لَعْمُر صدقتَ ونصحت .
وذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب «مفاخرة هاشم وعبد شمس» أن مَرْوان كان يُضعّف، وأنه كان ينشد يوم مزج راهط (1)والرؤوس تُندَر (2)عن كواهلها :
وما ضَرْهُم غير حَيْنِ النُّفو*** س أيّ غلامي قريش غَلَبْ
قال : وهذا حُمْق شديد، وضعف عظيم، قال: وإنما سادَ مروان وذُكِر بابنه عبدالملك، كما ساد بنوه، ولم يكن في نفسه هناك .
فأمّا خلافة مروان، فذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ في التاريخ أن عبدالله بن الزبير لما أخرَج بني أميّة عن الحجاز إلى الشام في خلافة يزيد بن معاوية، خرجوا وفيهم مَروان، وابنه عبدالملك، ولم تَطُل مدّة يزيد، فتوفّيّ، ومات ابنُه بعده بأيام يسيرة. وكان من رَأي مَرْوان أن يدخل إلى ابن الزّبير بمكة فيبايعه بالخلافة، فقدِمَ عبيدُالله بن زياد، وقد أخرجه أهلُ البصرة عنها بعد وفاة يزيد، فاجتمع هو وبنو أميَّة، وأخبروه بما قد أجمع عليه مروان، فجاء إليه، وقال : استحييت لك يا أبا عبدالملك، فما تريد! أنتَ كبير قريش وسيّدها تصنع ما تصنع، وتشخص إلى أبي خُبَيبٍ فتبايعه بالخلافة! فقال مَروان: ما فات شيء بعد، فقام مَروان، واجتمع إليه بنو أميّة ومواليهم وعُبيدالله بن زياد وكثير من أهل اليمن وكثير من كَلب، فقدم دمشق وعليها الضّحاك بن قيس الفِهْرِي، قد بايعه النّاس على أن يُصَلِّي بهم ، ويقيم لهم أمرَهم ، حتى يجتمع الناس على إمام، وكان هوى الضّحاك مع ابن الزبير إلا أنه لم يبايع له بعد، وكان زفر بن الحارث الكلابيّ بقنّسرين يخطب لابن الزبير، والنعمان بن بشير الأنصاري بحِمص يخطب لابن الزبير، وكان حسان بن مالك بن بَحْدَل الكلبيّ بفلسطين يَهْوَى هوى بني أمية، ثم من بينهم بني حرب، لأنه كان عاملاً لمعاوية، ثم ليزيد بن معاوية من بعده، وكان حسّان بن مالك مُطاعاً في قومه، عظيماً عندهم، فخرج عن فِلَسطين يريد الأردُنّ، واستخلف على فلسطين رَوح بن زنباع الجُذامي، فوثب عليه بعد شُخوص حَسّان بن مالك ونائل بن قيس الجُذامي أيضاً، فأخرجه عن فلسطين، وخطب لابن الزبير، وكان له فيه هوّى، فاستوثقت الشام كلُّها لابن الزبير، ما عدَا الأردنّ، فإنّ حسان بن مالك الكلبيّ كان يهوَى هَوَى بني أمية، ويدعو إليهم، فقام في أهل الأردن فخطبهم، وقال لهم ما شهادتُكم على ابن الزبير وقَتْلَى المدينة بالحَرّة؟ قالوا : نشهد أن ابن الزبير كان منافقاً، وأن قَتْلَى أهل المدينة بالحَرّة في النار، قال : فما شهادتكم على يزيد بن معاوية وقتلاكم بالحَرْة؟ قالوا نشهد أن يزيد بن معاوية كان
مؤمناً، وكان قتلانا بالحرّة في الجنة، قال وأنا أشهد أنه إن كان دين يزيد بن معاوية وهو حيّ حقاً، إنه اليوم لَعَلَى حقّ هو وشيعته، وإن كان ابن الزبير يومئذ هو وشيعتُه على باطل، إنه اليوم وشيعته على باطل، قالوا: صدقت، نحن نبايعك على أن نقاتلَ معك مَنْ خالفك من الناس وأطاع ابن الزبير، على أن تجنبَنا ولاية هذين الغلامين ابني يزيد بن معاوية، وهما خالد وعبدالله ، فإنهما حديثة أسنانُهما ونحن نكَرهُ أن يأتينا الناس بشيخ وتأتيهم بصبيّ !
قال : وقد كان الضّحاك بن قيس يُوالي ابنَ الزبير باطناً، ويهوى هواه، ويمنعه إظهارَ ذلك بدمشق والبيعةَ له أنّ بني أمية وكَلْباً كانوا بحضرته، وكلب أخوالُ يزيد بن معاوية وبنيه، ويطلبُون الإمْرَة لهم، فكان الضحاك يعمل في ذلك سرًّا، وبلغ حسان مالك بن بخدل ما أجمع عليه الضّحاك، فكتب إليه كتاباً يعظّم فيه حقّ بني أمية، ويذكر الطاعة والجماعة وحسن بلاء بني أمية عنده وصنيعهم إليه، ويدعوه إلى بيعتهم وطاعتهم ويذكر ابنَ الزبير ويقع فيه ويشتِمه، ويذكر أنّه منافق قد خلع خليفتين، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس، ثم دعا رجلاً من كلب يقال له ناغضة، فسرّح بالكتاب معه إلى الضحاك بن قيس، وكتب حسّانُ نسخة ذلك الكتاب، ودفعه إلى ناغضة، وقال له : إن قرأ الضحاك كتابي على الناس، وإلا فقم أنت واقرأ هذا الكتاب عليهم، وكتب حسان إلى بني أمية يأمرهم أن يحضُروا ذلك، فقدم ناغضة بالكتاب على الضّحاك ، فدفعه إليه، ودفع كتاب بني أميّة إليهم سراً .
فلما كان يوم الجمعة، وصَعِد الضحاك على المِنبر، وقدم إليه ناغضة، فقال: أصلح الله الأمير! ادعُ بكتاب حسّان فاقرأه على الناس، فقال له الضحّاك اجلس ، فجلس ثم قام ثانية فتكلّم مثل ذلك ، فقال له : اجلس، فجلس ثم قام ثالثة وكان كالثانية والأولى، فلما رآه ناغضة لا يقرأ الكتاب أخرج الكتاب الذي معه، فقرأه على الناس. فقام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فصدق حسّان، وكذّب ابن الزّبير وشَتَمه ، وقام يزيد بن أبي النمس الغسّاني، فصدّق مقالة حسان وكتابه وشتم ابن الزبير، وقام سُفيان بن أبرد الكلبيّ، فصدّق مقالة حسان
وشتم ابنَ الزبير، وقام عمر بن يزيد الحكَمِيّ، فشتَم حسان، وأثنَى على ابن الزبير، فاضطرب الناسُ، ونزل الضّحاك بن قيس، فأمر بالوليد بن عُتبة، وسفيان بن الأبرد، ويزيد بن أبي النّمس الذين كانوا صدّقوا حسان، وشتموا ابنَ الزبير. فحبسوا، وجال الناس بعضُهم في بعض، ووثبت كلب على عمر بن يزيد الحكَميّ فضربوه، وخَرّقوا ثيابه. وقد كان قام خالد بن يزيد بن معاوية فصعِد مِرْقاتَيْن من المنبر ، وهو يومئذ غلام. والضحاك بن قيس فوق المنبر، فتكلّم بكلام أوجزَ فيه، لم يُسمع بمثله، ثم نزل .
فلما دخل الضحاك بن قيس دارَه، جاءت كلب إلى السجن فأخرجوا سفيان بن أبرد الكلبيّ، وجاءت غسان، فأخرجوا يزيد بن أبي النّمس، وقال الوليد بن عُتبة : لو كنتُ من كلب
أو غسّان، لأخرجت، فجاء ابنا يزيد بن معاوية : خالد وعبدالله ، ومعهما أخوالُهما من كَلْب، فأخرجوه من السجن .
ثم إن الضّحاك بن قيس خرج إلى مسجد دمشق، فجلس فيه، وذكر يزيد بن معاوية فوقع فيه، فقام إليه سنان من كلب ومعه عصا، فضربه بها، والناس جلوس حلَقاً. متقلِّدِي السيوف.
فقام بعضُهم إلى بعض في المسجد، فاقتتلوا، فكانت قيس عَيلان قاطبةً تدعو إلى ابن الزبير ومعهما الضحاك، وكلب تدعو إلى بني أمية، ثم إلى خالد بن يزيد، فيتعصبون له، فدخل الضحاك دارَ الإمارة، وأصبح الناس، فلم يخرج الضّحاك إلى صلاة الفجر .
فلما ارتفع النهارُ بعث إلى بني أميّة، فدخلوا عليه، فاعتذر إليهم، وذكر حسنَ بلائهم عنده، وأنه ليس يهوَى شيئاً يكرهونه ، ثم قال : تكتبون إلى حسّان ونكتب، ويسير حسان من الأردن حتى ينزل الجابية ونسير نحن وأنتم حتى نوافيه بها، فيجتمع رأيُ الناس على رجل منكم ! فرضيت بذلك بنو أميّة، وكتبوا إلى حسّان وهو بالأردن وكتب إليه الضحاك يأمره بالموافاة في الجابية، وأخذ الناس في الجهاز للرحيل .
وخرج الضحاك بن قيس من دمشق، وخرج الناس وخرجت بنو أمية، وتوجهت الراياتُ يريدون الجابية، فجاء ثور بن معن يزيد بن الأخنس السُّلَميّ إلى الضحاك، فقال: دعوتَنا إلى طاعة ابن الزبير فبايعنَاك على ذلك، ثم أنت الآن تسير إلى هذا الأعرابيّ من كَلب لتستخلفَ ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية! فقال الضّحاك: فما الرأي ؟ قال: الرأيُ أن نظهر ما كنا نُسرّ، وندعو إلى طاعة ابن الزبير، ونقاتل عليها. فمال الضحاك بمَن معه من الناس، وانخزل من بني أمية ومن معهم من قبائل اليمن فنزل مَرج راهط .
قال أبو جعفر: واختلف في أي وقت كانت الوقعة بمرج راهط فقال الواقديّ : كانت في سنة خمس وستين. وقال غيره : في سنة أربع وستين .
قال أبو جعفر: وسارت بنو أميّة ولفيفها حتى وافَوْا حسان بالجابية، فصلّى بهم أربعين يوماً، والناس يتشاورون، وكتب الضحاك بن قيس من مرج راهط إلى النُّعمان بن بشير الأنصاريّ، وهو على حِمص يستنجده، وإلى زُفَر بن الحارث وهو في قِنّسرين، وإلى ناتل بن قيس وهو على فِلسطين ليستمدّهم، وكلُّهم على طاعة ابن الزبير، فأمدُّوه، فاجتمعت الأجناد إليه بمرج راهط، وأما الذين بالجابية فكانت أهواؤهم مختلفة، فأما مالك بن هبيرة السكونيّ، فكان يهوَى هوى يزيد بن معاوية، ويحب أن تكونَ الخلافةُ فى ولده، وأما حصين بن نُمير السّكونيّ، فكان يهوى هَوَى بني أميّة، ويحب أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم، فقال مالك بن هبيرة للحصين بن نمير: هلم فلنبايع لهذا الغلام الذي نحن ولدنا أباه، وهو ابن أختنا، فقد عرفت منزلتنا التي كانت من أبيه، إنك إن تبايعه يحملك غداً على رقاب العرب -
يعني خالد بن يزيد - فقال :الحصين لا لعمر الله ، لا يأتينا العرب بشيخ، ونأتيها بصبيّ ! فقال مالك : أظنّ هَوَاكَ في مَرْوان! والله إن استخلفتَ مروان ليحسدنك على سَوْطك وشِرَاك نعلك، وظلّ شجرة تستظلّ بها . إنّ مروان أبو عشرة، وأخو عشرة وعمّ عشرة، فإن بايعتموه كنتم عبيداً لهم، ولكن عليكم بابن أختكم خالد بن يزيد فقال الحصين: إنِّي رأيتُ في المنام قِنديلاً معلقاً من السماء، وإنه جاء كلّ من يمدّ عنقه إلى الخلافة ليتناوَله، فلم يصل إليه. وجاء مروان فتناوَله والله لنستخلفته .
فلما اجتمع رأيُهم على بيعته، واستمالوا حسان بن بخدل إليها، قام رَوح بن زنباع الجُذاميّ، فحمّدالله وأثنى عليه، فقال:
أيّها الناس، إنكم تذكرون لهذا الأمر عبدَالله بن عمر بن الخطاب، وتذكرون صحبتَه لرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقَدَمه في الإسلام، وهو كما تذكرون لكنّه، رجل ضعيف، وليس صاحبُ أمة محمد بالضعيف، وأما عبدالله بن الزُّبير وما يذكر الناس من أمره، وأن أباه حواريّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وأمّه أسماء بنت أبي بكر ذات النِّطَاقين، فهو لعمري كما تذكرون، ولكنه منافق قد خلع خليفتين : يزيد وأباه معاوية، وسَفَك الدماء، وشقّ عصا المسلمين، وليس صاحب أمة محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالمنافق، وأمّا مروان بن الحكم فوالله ما كان في الإسلام صَدْعٌ قطّ إلا كان مَرْوان ممّن يشعَب (1)ذلك الصَّدْع، وهو الذي قاتَل عن عثمان بن عفان يوم الدّار، والذي قاتل عليّ بن أبي طالب يوم الجمل، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير، ويستشبّوا الصغير - يعني بالكبير مروان، وبالصغير خالد بن يزيد .
فاجتمع رأيُ الناس على البيعة لمروان، ثم لخالد بن يزيد من بعده، ثم لعمرو بن سعيد بن العاص بعدهما، على أن تكونَ في أيام خلافة مروان إمرَة دمشق لعمرو بن سعيد، وإمْرَةِ حمص لخالد بن يزيد. فلما استقرّ الأمر على ذلك، دعا حسان بن بَحدل خالد بن يزيد، فقال : يابن أختي، إنّ الناس قد أبوك لحداثة سِنّك، وإني والله ما أريدُ هذا الأمر إلا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مَروان إلا نظراً لكم، فقال خالد: بل عجزت عَنّا فقال : لا والله لم أعجز عنك، ولكن الرأي لك ما رأيت.
ثم إن حسّان دعا مروان بن الحكم، فقال له: يا مروان إنّ الناس كلّهم لا يرضون بك، فما ترى؟ فقال مروان: إن يردِ الله أن يعطينيها لم يمنعنيها أحدٌ من خلقه، وإن يرد أن يمنعَنيها لا يعطينيها أحدٌ من خلقه، فقال حسان: صدقت.
ثم صعِد حسان المنبر، فقال: أيّها الناس، إني مستخلف في غدٍ أحدَكم إن شاء الله ، فاجتمع الناس بُكرة الغد ينتظرون، فصعِد حسان المنبر، وبايع لمروان، وبايع الناس، وسار
1) شَعَبَ: أفسد أصلح، من ألفاظ الأضداد، وأراد القائل هنا شعب أي أصلح .
من الجابية حتى نزل بمرج راهط، حيث الضَّحَّاك بن قيس نازل، فجعل مَرْوَانُ على ميمَنته عمرو بن سعيد بن العاص، وعلى ميسرته عبيدالله بن زياد، وجعل الضحّاكُ على ميمنته زياد بن عمرو بن معاوية العتكيّ، وعلى ميسرته ثور بن معن السُّلميّ، وكان يزيد بن أبي النّمس الغسّانيّ بدمشق، لم يشهد الجابية، وكان مريضاً ، فلما حصل الضّحاك بمزج راهط، ثار بأهل دمشق في عبيده وأهله، فغلَب عليها، وأخرج عامل الضحّاك منها، وغلب على الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان، وأمدّه من دمشق بالرّجال والمال والسلاح، فكان ذلك أولَ فتح فُتح لمروان.
ثم وقعت الحرب بين مَروان والضحاك، فاقتتلوا بمرج راهط عشرين ليلة، فهزم أصحابُ الضحاك وقتلوا، وقتل أشراف الناس من أهل الشام، وقتّلت قيسُ مقتلة لم تقتل مثلها في موطن قَطّ، وقتل ثور بن معن السُّلَميّ الذي ردّ الضحاك عن رأيه .
قال أبو جعفر : وروي أن بشير بن مروان كان صاحب الراية ذلك اليوم، وأنه كان ينشد:
إن علَى الرئيس حَقًّا حقًا *** أن يخضب الصَّعْدَة أو يندقَّا
وصُرع ذلك اليوم عبد العزيز بن مروان ثم استنقذ :
قال: ومرّ مروان برجل من محارب وهو في نفر يسير من أصحاب مروان، فقال له: لو انضممتَ إلى أصحابك رحمك الله ! فإني أراك في قِلّة فقال : إن مَعَنا يا أميرالمؤمنين من الملائكة مددًا أضعاف مَن تأمرنا بالانضمام إليهم ، قال : فضحك مروان وسُرّ بذلك، وقال للناس ممن كان حوله: ألا تستمعون!
قال أبو جعفر : وكان قاتل الضحاك رجلاً من كلب، يقال له زحنة بن عبدالله، فلما قتله وأحضِرَ الرأس إلى مروان، ظهرت عليه كآبة وقال : الآن حين كَبِرَتْ سِنِّي ، ودَق عظمي، وصرت في مثل ظِمء الحمار، أقبلتُ أضرب الكتائب بعضها ببعض !
قال أبو جعفر : وروي أن مروان أنشد لما بويع ودعا إلى نفسه :
ما رأيتُ الأمر أمراً نَهْبَا*** سَيِّرت غَسَّان لَهُمْ وكَلْبَا
والسَّكْسَكِيين رجالاً غُلُبا*** وطيّئاً تأباه إلا ضَرْبَا
والقين تمشي في الحديد نُكبا*** ومن تنوخ مُشْمَخِرًا صَعْبَا (1)
لا يملكون الملك إلا غَصبا*** وإِنْ دَنَتْ قيس فقل لا قُرْبا
قال أبو جعفر: وخرج الناس منهزمين بعد قَتل الضحاك، فانتهى أهلُ حِمْص إلى حِمْص، وعليها النّعمان بن بشير، فلما عرف الخبر خرج هارباً ومعه ثَقَلَه وولده، وتحيّر ليلته كلّها ،
1) المشمخرّ: الجبل العالي. القاموس مادة (شمخر) .
وأصبح وهو بباب مدينة حمص، فرآه أهلُ حِمْص فقتلُوه، وخرج زفر بن الحارث الكلابيّ من قنّسرين هارباً ، فلحق بقرقيسيَاء، وعليها عياض بن أسلم الجرشيّ فلم يمكّنه من دُخُولها ، فحلف له زفر بالطلاق والعتاق أنّه إذا دخل حَمّامها خرج منها ، وقال له : إنّ لي حاجةً إلى دخول الحمام، فلما دخلها لم يدخل حَمّامها وأقام بها، وأخرج عياضاً منها، وتحصّن فيها، وثابَتْ إليه قيس عَيلان، وخرج ناتل بن قيس الجذاميّ من فلسطين هارباً، فالتحق بابن الزبير بمكة، وأطبق أهل الشام على مروان واستوثقوا له، واستعمل عليهم عُمّاله، ففي ذلك يقول زفر بن الحارث :
أريني سلاحِي لا أَبَا لَك إنّني*** أرَى الحَرْبَ لاَ تَزدَادُ إلا تماديا
أتاني عَنْ مَرْوان بالغيب أنه*** مُرِيقٌ دمي، أو قاطعٌ من لسانيا
وفي العِيس منجاةٌ، وفي الأرض مَهربٌ*** إذا نحن رفّعنا لهنّ المبانيا
فقد ينبت المرعي على دِمَنِ الثّرى*** وَتَبْقى حَزَازَاتُ النُّفُوسِ كَمَا هِيا (1)
أتذهب كَلْبٌ لم تَنلها رماحُنَا*** وتترك قَتلى راهطٍ هِيَ مَاهيا
لعمري لقد أبقت وقيعةُ راهطٍ*** لحسّان صَدْعاً بَيِّنًا متنائيًا
أبعد ابن عمرو وابن معن تَنَايَعا*** ومَقْتَل هَمَّامٍ أُمَنَّي الأمانيّا (2)!
وَلَمْ تُرَ مِنّي نبوةٌ قَبْلَ هَذِهِ*** فِراري وتَرْكِي صاحِبَيَّ ورائيا
أیذهب يومٌ واحد إن أسأتُه*** بصالح أيامي وحسن بلائيا
فلا صُلْحَ حتى تَنْحِط الخيلُ بالقنا*** وتثأر من نسوانِ کَلبِ نِسَائيا
وقال زُفْر بن الحارث أيضاً، وهو من شعر الحماسة :
أفي الله أمّا بحْدَل وابن بَحْدَلٍ*** فيحيا وأما ابن الزبير فيقتَلُ!
كَذَبْتم وبيت الله لا تقتلونَهُ*** وَلَمّا يكن يوم أغر محجّلُ
ولمّا يكنُ للمشرفيّة فوقَكم*** شعاعٌ كقرن الشَّمس حينَ تَرجَلُ
وأما وفاة مروان، والسبب فيها أنه كان قد استقرّ الأمر بعده لخالد بن يزيد بن معاوية على ما قَدّمنا ذكره، فلمّا استوثق له الأمرُ ، أحبّ أن يبايع لعبد الملك وعبدالعزيز ابنيه، فاستشار في ذلك، فأشير عليه أن يتزوّج أم خالد بن يزيد، وهي ابنة أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ليصغر
شأنه فلا يرشّح للخلافة، فتزوجها . ثم قال لخالد يوماً في كلام دار بينهما والمجلس غاصُ بأهله : اسكت يابن الرطبة ، فقال خالد: أنت لعمري مؤتمن وخبير .
ثم قام باكياً من مجلسه - وكان غلاماً حينئذ - فدخل على أمّه، فأخبرها، فقالت له : لا يعرفنّ ذلك فيك، واسكت فأنا أكفيك أمرَه. فلما دخل عليها مروان، قال لها : ما قال لك خالد؟ قالت : وما عساه يقول ؟ قال : ألم يشكُني إليك؟ قالت : إنّ خالداً أشدّ إعظاماً لك من أن يشتكيَك، فصدّقها . ثم مكئت أياماً، فنام عندها وقد واعدت جواريَها، وقُمْنَ إليه، فجعلن الوسائد والبراذع عليه، وجلسنَ عليه حتى خنقنه، وذلك بدمشق في شهر رمضان، وهو ابن ثلاث وستين سنة، في قول الواقديّ.
وأما هشام بن محمد الكلبيّ، فقال: ابن إحدى وثمانين سنة، وقال: كان ابن إحدى وثمانين، عاش في الخلافة تسعة أشهر . وقيل عشرة أشهر، وكان في أيام كتابته لعثمان بن عفان أكثر حُكْماً، وأشد تلطفاً وتسلّطاً منه في أيام خلافته، وكان ذلك من أعظم الأسباب الداعية إلى خلع عثمان وقتله .
وقد قال قوم: إن الضّحاك بن قيس لما نزل مَرْج راهط لم يَدْعُ إلى ابن الزبير، وإنما دعا إلى نفسه. وبويع بالخلافة، وكان قرشيًّا. والأكثر الأشهر أنه كان يدعو إلى ابن الزبير .
الأصل: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِي، وَوَالله لَأَسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلا عَلَيَّ خَاصَّةٌ، الْتِمَاساً لِأجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ.
الشرح: نافست في الشيء مُنافسة ونفاساً، إذا رغبت فيه على وجه المباراة في الكرم ، وتنافسوا فيه أي رغبوا .
والزخرف: الذهب، ثم شبه به كل مموّه مزوّر قال تعالى: « حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا » (1)والمزخرف: المزَّين.
والزَّبرج: الزينة من وشي أو جوهر، ونحو ذلك . ويقال: الزبرج الذهب أيضاً .
1) سورة يونس، الآية : 24 .
يقول لأهل الشورى : إنكم تعلمون أنّي أحقّ بالخلافة من غيري، وتعدلون عَنّي . ثم أقسم لَيُسْلِمَنَّ وليتركَنّ المخالفة لهم، إذا كان في تسليمه ونزوله عن حَقَّه سلامة أمور المسلمين، ولم يكن الجورُ والحيفُ إلا عليه خاصة، وهذا كلام مثله(علیه السّلام) ، لأنه إذا علم أو غلَب عَلَى ظنه أنه إن نازَع وحارَب دخل على الإسلام وَهَن وَثَلم(1)لم يَخْتَر له المنازعة، وإن كان يطلب بالمنازعة ما هو حقٌّ، وإن عَلِم أو غلَب على ظنّه بالإمساك عن طلب حقه أنما يدخل الثّلم الوَهَن عليه خاصة، ويسلم الإسلامُ من الفتنة، وَجَب عليه أن يُغضيَ ويصبر على ما أتوا إليه من أخذ حقّه، وكفّ يده، حراسة للإسلام من الفتنة .
فإن قلت : فهلاً سلّم إلى معاوية وإلى أصحاب الجَمل، وأغضَى على اغتصاب حَقّه حفظاً للإسلام من الفتنة؟
قلت : إنّ الجورَ الداخل عليه من أصحاب الجمل ومن معاوية وأهل الشام، لم يكن مقصوراً عليه خاصة، بل كان يعمّ الإسلام والمسلمين جميعاً، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يصلُح لرئاسة الأمة وتحمّل أعباء الخلافة، فلم يكن الشَّرْط الذي اشترطه متحقّقاً، وهو قوله : «ولم يكن فيه جَوْر إلا عليّ خاصة».
وهذا الكلام يدلّ على أنه(علیه السّلام) لم يكن يذهب إلى أن خلافة عثمان كانت تتضمّن جَوْراً على المسلمين والإسلام، وإنما كانت تتضمن جَوْراً عليه خاصّة، وأنها وقعت على جهة مخالفة الأولى، لا على جهة الفساد الكلّيّ والبطلان الأصليّ، وهذا محضُ مذهب أصحابنا .
ونحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدتِه أصحاب الشورى، وتعديده فضائله وخصائصه التي بان بها منهم ومن غيرهم. قد رَوَى الناس ذلك فأكثروا، والذي صحَّ عندنا أنه لم يكن الأمرُ كما رُوي من تلك التعديدات الطويلة، ولكنه قال لهم بعد أن بايع عبدُالرحمن والحاضرون عثمانَ، وتلكأ هو(علیه السّلام) عن البيعة : إنّ لنا حقَّا إن نعطه نأخذه، وإن نمنَعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السُّرى، في كلام قد ذكره أهل السيرة، وقد أوردنا بعضَه فيما تقدم، ثم قال لهم : أنشدكم الله ! أفيكم أحَدٌ آخى رسولَ الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بينه وبين نفسه، حيث آخي بينَ بعض المسلمين وبعضٍ غيري؟
فقالوا : لا ، فقال : أفيكم أحدٌ ؟ قال له رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «مَنْ كنت مولاه فهذا مولاه» (2)
وأحمد في كتاب: مسند العشرة المبشرين بالجنة، باب مسند علي بن أبي طالب (642) .
غيري؟ فقالوا : لا ، فقال : أفيكم أحدٌ؟ قال له رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «أنتَ مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيّ بعدي» (1)غيري؟ قالوا : لا ، قال : أفيكُم من اؤتمن على سورة براءة، وقال له رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إنه لا يؤدي عَنِّي إلا أنا أو رجل مِنّي غيري؟ قالوا : لا، قال: ألا تعلمون أنّ أصحاب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فَرُّوا عنه في مأقِط الحرب(2)في غير موطن، وما فررت قَطّ ؟ قالوا : بلى قال : ألا تعلمون أني أوّل الناس إسلاماً؟ قالوا : بلى. قال: فأيُّنا أقرب إلى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) نسباً ؟ قالوا : أنت فقطع عليه عبدُالرحمن بن عوف كلامه، قال: يا عليّ، قد أبَى الناس إلا على عُثمان، فلا تجعَلنّ على نفسك سبيلاً، ثم قال: يا أبا طلحة، ما الذي أمرك به عمر؟ قال: أن أقْتُل مَنْ شقّ عصا الجماعة، فقال عبدالرحمن لعليّ : بايع إذن، وإلا كنت متَّبعاً غيرَ سبيل المؤمنين، وأنفذنا فيك ما أمِرنا به فقال: «لقد علمتم أني أحقُّ بها من غيري، والله لأسلِمن...»(3)الفصل إلى آخره، ثم مدّ يده فبايع .
الأصل: أَوَلَمْ يَنْهَ بَنِي امَيَّةَ عِلْمُهَا بِي عَنْ قَرْنِي! أَوَ مَا وَزَعَ الْجُهَالَ سَابِقَتِي عَنْ تُهَمَتِي ! وَلَمَا وَعَظَهُم الله بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِي.
أَنَا حَجِيجُ المَارِقِينَ، وَخَصِيمُ النَّاكِثِينَ المُرْتَابِينَ، وَعَلَى كِتَابِ اللهِ تُعْرَضُ الْأَمْثَالُ، وبما فِي الصَّدُورِ تُجَازَى الْعِبَادُ .
الشرح : القَرْف : العيب، قرفتُه بكذا أي عبته . ووزّع : كَفْت ،وَردَع، ومنه قوله : «لا بد للناس من وَزَعة»، جمع وازع، أي من رؤساء وأمراء. والتُّهَمة، بفتح الهاء، هي اللغة الفصيحة، وأصل التاء فيه واو.
والحجيج، كالخصيم : ذو الحجاج والخصومة. يقول(علیه السّلام) : أمّا كان في عِلْم بني أميّة بحالي ما ينهاها عن قَرفي بدم عثمان! وحاله التي أشار إليها، وذكر أنّ عِلْمَهم بها يقتضي ألا يقرِفوه بذلك، هي منزلته في الدِّين التي لا منزلةً أعلى منها، وما نطق به الكتاب الصادق من
طهارته وطهارة بنيه وزوجته في قوله: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا » (1). وقول النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «أنتَ مِني بمنزلة هارون من موسى»، وذلك يقتضي عصمتَه عن الدم الحرام، كما أنّ هارون معصوم عن مثل ذلك. وترادف الأقوال والأفعال من رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في أمره التي يضطرّ معها الحاضرون لها والمشاهدون إيّاها إلى أن مثله لا يجوز أن يسعى في إراقةِ دم أمير مسلم، لم يُحدِث حدثاً يستوجب به إحلالَ دمه.
وهذا الكلامُ صحيح معقول، وذاك أنا نَرَى مَن يُظهر ناموس الدين، ويواظب على نوافل العبادات، ونشاهد مِنْ وَرَعِه وتقواه ما يتقرّر معه في نفوسنا استشعارَه الدين، واعتقاده إياه، فيصرفنا ذلك عن قَرْفه بالعيوب الفاحشة، ونستبعد ذلك طَعْنَ مَنْ يطعن فيه، وتُنكِرُه وتأباه ونكذُبه ، فكيف ساغَ لأعداء أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، مع علمهم بمنزلته العالية في الدين، التي لم يصل إليها أحد من المسلمين، أن يُطلِقوا ألسنَتهم فيه، وينسبُوه إلى قَتل عثمان أو الممالأة عليه، لاسيما وقد اتّصل بهم ، وثَبَت عنده عندهم، أنّه كان من أنصاره لا من المجلبين عليه، وأنّه كان أحسنَ الجماعة فيه قولاً وفعلاً . ثم قال : «ألم تَزَعِ الجهال وتردعهم سابقتي عن تهمتي»! وهذا الكلام تأكيد للقول الأوّل.
ثم قال : إن الذي وعظهم الله تعالى به في القرآن من تحريم الغيبة والقذف وتشبيه ذلك بأكل لحم الميت أبلغ من وعظي لهم، لأنه لا عظةً أبلغُ من عظة القرآن .
ثم قال: «أنا حَجِيج المارقين، وخَصِيم المرتابين»، يعني يوم القيامة، روي عنه(علیه السّلام) أنه قال: «أنا أوّلُ من يَجُثُو للحكومة بين يدِي الله تعالى» (2)، وقد رُوِيَ عن النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مثل ذلك مرفوعاً في قوله تعالى : «هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِم » (3)وأنه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سئل عنها، فقال: «عليّ : وحمزة وعُبيدة، وعُتبة وشَيْبة والوليد» (4)، وكانت حادثتُهم أوّل حادثة وقعت فيها مبارزة أهل الإيمان لأهل الشرك، وكان المقتول الأول بالمبارزة الوليد بن عتبة، قتلَه عليّ(علیه السّلام) ، ضربه على رأسه فبدرَتْ عيناه على وجنته، فقال النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيه وفي أصحابه ما قال، وكان علي(علیه السّلام) يكثر من قوله : «أنا حجيج المارقين»، ويشير إلى هذا المعنى .
1) سورة الأحزاب، الآية : 33 .
2) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب قتل أبي جهل ،(3965)، والحاكم في «المستدرك» (3457) ، بلفظ : « للخصومة» بدل الحكومة.
3) سورة الحج، الآية : 19.
4) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب قتل أبي جهل (3966)، ومسلم في كتاب التفسير، باب قوله تعالى : «هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا» (3033) وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب المبارزة والسلب (2835) .
ثم أشار إلى ذلك بقوله : «على كتاب الله تعرض الأمثال»، يريد قوله تعالى : «هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهّم » (1).
ثم قال : «وبما في الصدور تجازى العباد» إن كنت قتلتُ عثمان أو مالات عليه، فإنّ الله تعالى سيجازيني بذلك، وإلا فسوف يجازي بالعقوبة والعذاب من اتَّهمني به، ونسبه إليّ .
وهذا الكلام يدلّ على ما يقوله أصحابنا من تبرؤ أميرالمؤمنين(علیه السّلام) من دم عثمان، وفيه ردّ وإبطال لما يزعمه الإمامية، من كونه رضيَ به وأباحه، وليس يقول أصحابنا إنه(علیه السّلام) لم يكن ساخطاً أفعال عثمان، ولكنهم يقولون : إنه وإن سخطها وكرهها وأنكرها لم يكن مُبيحاً لدمه، ولا ممالناً على قتله، ولا يلزم من إنكار أفعال الإنسان إحلال دمه، فقد لا يبلغ الفعل في القبح أن يستحلّ به الدم كما في كثير من المناهي.
الأصل: رَحِمَ اللهُ امْرَأَ سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى، وَدُعِيَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا ، وَأَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَا .
رَاقَبَ رَبَّهُ، وَخَافَ ذَنْبَهُ ، قَدَّمَ خَالِصاً ، وَعَمِلَ صَالِحاً . اكْتَسَبَ مَذْخُوراً ، وَاجْتَنَبَ مَحْذُوراً. رَمَى غَرَضاً ، وَأَحْرَزَ عِوَضاً . كَابَرَ هَوَاهُ، وَكَذَّبَ مُنَاهُ .
جعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَانِهِ، وَالتَّقْوَى عُدَّةٌ وَقَاتِهِ. رَكِبَ الطَّرِيقَة الْغَرَّاءَ. لَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ. اغتَتَمَ الْمَهَل، وَبَادَرَ الْأَجَلَ، وَتَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ .
الشرح: الحُكْم ها هنا : الحكمة، قال سبحانه: « وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » (2)، ووعى : حفظ ، وعيتُ الحديث أعيه وعياً، وأذن واعيةٌ، أي حافظة. ودنا : قَرُب. والحُجزة : معقِد الإزار، وأخذ فلان، بحجزة فلان إذا اعتصم به ولجأ إليه .
ثم حذف(علیه السّلام) الواو في اللفظات الأخر فلم يقل : «وراقب ربه»، ولا «وقدّم خالصاً»، وكذلك إلى آخر اللفظات، وهذا نوع من الفصاحة كثير في استعمالهم .
واكتسب، بمعنى كسب، يقال كسبت الشيء واكتسبته بمعنى .
والغَرَض: ما يرمى بالسهام، يقول: رحِم الله امرأ رمى غَرَضاً ، أي قصد الحَقِّ كمن يرمي غرضاً يَقصده، لا من يرمي في عمياء لا يقصد شيئاً بعينه .
والعوض المحرَزها هنا هو الثواب.
وقوله : «كابر هواه» أي غالبه . وروي «كاثر» بالثاء المنقوطة بالثلاث، أي غالب هواه بكثرة عقله، يقال: كاثرناهم فكثرناهم، أي غلبناهم بالكثرة.
وقوله : «وكَذَّب مُنَاه» أي أمنيَّته. والطريقة الغرّاء : البيضاء. والمَهَل: النّظر والتُّؤدة .
الأصل: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوِّقُونَنِي تُرَاثَ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ تَفْرِيقاً، وَالله لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ لأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللَّحَامِ الْوِذَامَ التَّرِبَةَ .
قال الرضيّ رحمه الله : وَيُرْوَى «التَّرَابَ الْوذَمَةَ»، وهو على الْقَلْب.
وقوله(علیه السّلام) : «لَيُفَرِّقُونَنِي» أي يُعْطُونني من المال قليلاً كفُواق الناقة، وهو الحلبة الواحدةُ من لبنها .
وَالْوِذَامُ التّرِبةُ : جمعُ وَذَمَةٍ، وهي الْحُزَّة من الكَرِش أو الكبد تقع في التّراب فتنفض .
الشرح: اعلم أنّ أصل هذا الخبر قد رواه أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهانيّ في كتاب «الأغاني» بإسناد رفعه إلى الحارث بن حبيش، قال : بعثني سعيد بن العاص - وهو يومئذ أمير الكوفة من قِبَل عثمان - بهدايا إلى المدينة، وبعث معي هدية إلى عليّ(علیه السّلام) وكتب إليه : إني لم أبعث إلى أحدٍ أكثر مما بعثت به إليك، إلا إلى أمير المؤمنين. فلما أتيت علياً (علیه السّلام) وقرأ كتابه، قال : «لشدَّ ما يحظر عليّ بنو أمية تراثَ محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ! أما والله لئن وليتُها لأنفضنّها نَفْضَ القَصّاب التراب الوذِمة».
قال أبو الفرج وهذا خطأ، إنما هو «الوذام التّربة».
قال : وقد حدثني بذلك أحمد بن عبدالعزيز الجوهريّ عن أبي زيد عمر بن شبّة، بإسناد ذكره في الكتاب، أنّ سعيد بن العاص حيث كان أميرَ الكوفة، بعث مع ابن أبي عائشة مولاه إلى عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) بِصلَة، فقال عليُّ(علیه السّلام) : والله لا يزال غلام من غلمان بني أمية يبعث إلينا مما أفاء الله على رسوله بمثل قوت الأرملة، والله لئن بقيت لأنفضنَّها نَفْض القَصّاب الوذَام التَّرِبة.
الأصل: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَيَّ بِالْمَغْفِرَةِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي، وَلَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِي.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَانِي، ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي . اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتِ الْأَلْحَاظِ ، وَسَقَطَاتِ الْأَلْفَاظِ وَسَهَوَاتِ الجِنَانِ، وَهَفَوَاتِ اللَّسَانِ.
الشرح: وأيتُ أي وعدت، والوأي الوعد. ورمزات الألحاظ : الإشارة بها. والألحاظ :جمع لَحظ، بفتح اللام، وهو مُؤخَر العين. وسقَطات الألفاظ لغوها، وسهوات الجنان: غَفلاته، والجَنان: القَلْبُ. وهَفَوات اللسان زلاته .
وفي هذا الموضع يقال : ما فائدة الدعاء عندكم - والقديم تعالى إنّما يغفِر الصغائر، لأنها تقع مكفّرة، فلا حاجة إلى الدعاء بغفرانها، ولا يؤثَّر الدعاء أيضاً في أفعال الباري سبحانه لأنه إنما يفعلُ بحسَب المصالح ويرزق المال والولد وغير ذلك، ويصرف المرض والجدب وغيرهما بحسب ما يعلمه من المصلحة، فلا تأثير للدعاء في شيء من ذلك؟
والجواب أنه لا يمتنع أن يحسن الدعاء بما يعلم أنّ القديم يفعله لا محالة، ويكون وجه حُسنه، صدوره عن المكلّف على سبيل الانقطاع إلى الخالق سبحانه.
ويجوز أيضاً أن يكونَ في الدعاء نفسِه مصلحة ولطف للمكَلَّف، لقد حَسُن منّا الاستغفار للمؤمنين، والصلاة على الأنبياء والملائكة.
وأيضاً فليس كلّ أفعال البارى سبحانه واجبةٌ عليه، بل معظمها ما يصدر على وجه الإحسان والتفضّل، فيجوز أن يفعله، ويجوز ألا يفعله .
فإن قلت : فهل يُسمّى الواجب الذي لابدّ للقديم - تعالى - من فعله إجابةً لدعاء المكلف؟
قلت : لا ، وإنّما يسمّى إجابة إذا فعل سبحانه ما يجوز أن يفعلَه، ويجوز ألا يفعله كالتفضّل وأيضاً فإنّ اللطف والمصلحة قد يكون لطفاً ومصلحة في كلِّ حال، وقد يكون لطفاً عند الدعاء، ولولا الدعاء لم يكن لطفاً، وليس بممتنع في القِسمِ الثاني أن يسمّى إجابة للدعاء ، لأنّ للدعاء على كلّ حال تأثيراً في فعله .
فإن قيل : أيجوز أن يدعو النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بدعاء فلا يستجاب له؟
قيل : إن مِنْ شَرْط حسن الدعاء أن يعلم الداعي حُسن ما طلبه بالدعاء، وإنما يَعلمُ حسنه،
بألا يكون فيه وجه قبح ظاهر، وما غاب عنه من وجوه القبح، نحو كونِه مفسدة يجب أن يشترطه في دعائه، ويطلب ما يطلبه بشرط ألا يكون مفسدة. وإن لم يظهر هذا الشرط في دعائه وجب أن يُضمِره في نفسه، فمتَى سأل النبيُّ ربَّه تعالى أمراً فلم يفعله لم يجز أن يقال : إنه ما أجيبت دعوتُه ، لأنه يكون قد سأل بشرط ألّا يكون مفسدة، فإذا لم يقع ما يطلبه، فلان المطلوب قد علم الله فيه من المفسدة ما لم يعلمه النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فلا يقال : إنه ما أجيب دعاؤه، لأن دعاءه كان مشروطاً، وإنما يصدُق قولنا ما أجيب دعاؤه على مَنْ طلب أمراً طلباً مطلقاً غير مشروط فلم يقع ، والنبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لا يتحقّق ذلك في حقه .
.
ونحن نذكر في هذا الموضع جملة من الأدعية المأثورة طلباً لبَركَتها ، ولينتفع قارىء الكتاب بها كان من دعاء رسول الله الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إذا أصبح أن يقول : «أصْبَحْنَا وأصبَح الملك والكِبرياء والعظمة والجلال والخَلْق والأمر والليل والنهار وما يسكُن فيهما الله عز وجلّ وحدَه لا شريك له . اللَّهمَّ اجعل أوّلَ يومِي هذا صلاحاً، وأوسطَه ،فلاحاً، وآخره نجاحاً . اللهم إنّي أسألُك خيرَ الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين. اللّهمّ اقسِم لنا من خَشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتنا ما تبلّغنا به رحمتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات الدنيا . اللّهمَّ مَتّعنا بأسماعِنا وأبصارِنا، واجعلهما الوارث مِنّا، وانصرنا على مَن ظلمنا، ولا تجعل مصيبَتَنا في ديننا، ولا تجعل الدُّنْيَا أكبر هَمِّنا ، ولا مَبْلَغَ علمنا، ولا تسلط علينا مَنْ لا يرحمُنا» (1).
ومن دعاء أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، وكان يدعُو به زينُ العابدين عليّ بن الحسين(علیه السّلام) ، وهو من أدعية الصحيفة : يا مَنْ يرحَمُ من لا يرحمهُ العباد، ويا مَن يقبل من لا تقبَلُه البلاد، ويا مَنْ يحتقر أهلَ الحاجة إليه، يا من لا يجبه بالردّ أهل الإلحاح إليه. يا مَنْ لا يخفَى عليه صغيرُ ما يتحف (2)به، ولا يضيع يسيرُ ما يعملُ له، يا مَنْ يشكر على القليل، ويجازِي بالجليل . يا مَنْ يدنو إلى مَنْ دنا منه . يا من يَدْعُو إلى نفسه مَنْ أدْبَر عنه . يا مَنْ لا يغيِّر النعمة، ولا يبادِر بالنَّقمة . يا مَنْ يَثَمِّر الحسنَة حتى ينمِّيهَا ، ويتجاوز عن السيئة حتى يعفِّيهَا ، انصرفت دون مَدَى كرمك الحاجات، وامتلأت ببعض جودك أوعيةُ الطلِبات، وتفسّخَتُ دون بلوغ نعتك الصِّفات.
فلك العلوّ الأعلى فوق كل عالٍ، والجلال الأمجد فوق كلّ جلال، كلّ جليل عندك حقير ،
وكلّ شريف في جَنب شرفك صغير، خَاب الوافدون على غيرِك ، وخَسِر المتعرّضون إلا لك، وضاع الملمُّون إلا بك، وأجدب المنتجعون (1)إلا من انتجعَ فضلك، لأنّك ذو غاية قريبة من الراغبين، وذو مجدٍ مباح للسائلين، لا يخِيبُ لديك الآملون، ولا يخفِق من عطائك المتعرّضون، ولا يشقى بنقمتك المستغفرون، رزقُك مبسوط لمَنْ عصاك، وحلمُك معرّض لمن ناواك، وعادتك الإحسان إلى المسيئين، وسنّتك الإبقاء على المعتدين، حتى لقد غرَّتْهم أناتك عن النزوع، وصدّهم إمهالك عن الرجوع، وإنما تأنيت بهم ليَفيئوا إلى أمرك، وأمهلتهم ثقةً بدوَام مُلكك ، فمن كان من أهل السعادة ختمتَ له بها ، ومَنْ كان من أهل الشّقاوة خذلته لها .
كلهم صائر إلى رحمتك، وأمورُهم آيلة إلى أمرك، لم يهُن على طول مدّتهم سلطانُك، ولم تدحَض لترك معاجلتهم حججُك، حجّتك قائمة، وسلطانك ثابت، فالويل الدائم لمن جنحَ عنك، والخيبَةُ الخاذلة لمن خاب أمله منك، والشقاء الأشقى لمن اغترّ بك. ما أكثر تقلبه في عذابك، وما أعظم تردّده في عقابك، وما أبعدَ غايته من الفرج، وما أثبطه من سهولة المخرج! عدلاً من قضائك لا تجوز فيه، وإنصافاً من حكمك لا تحيفُ عليه، قد ظاهرت الحجج، وأزلتَ الأعذار، وتقدّمت بالوعيد، وتلطّفت في الترغيب، وضربت الأمثال، وأطلتَ الإمهال، وأخَّرت وأنت تستطيع المعاجلة، وتأنّيت وأنت مليء بالمبادرة.
لم تك أناتُك عَجْزاً، ولا حِلْمك وَهْناً، ولا إمساكك لِعلّة، ولا انتظارك لمداراة، بل لتكونَ حجَّتك الأبلغ، وكرمك الأكمل، وإحسانك الأوفَى، ونعمتك الأتمّ . كلّ ذلك كان ولم يزل، وهو كائن لا يزول. نعمتُك أجلّ من أن تُوصف بكلّها، ومجدُك أرفعُ من أن يحدّ بكنهه، وإحسانُك أكبرُ من أن يشكّر على أقله، فقد أقصرتُ ساكتاً عن تحميدك، وتَهيبتُ ممسكاً عن تمجيدك، لا رغبةً يا إلهي عنك بل عجزاً، ولا زهداً فيما عندك بل تقصيراً، وها أنذا يا إلهي أؤمّل بالوفادة، وأسألك حسنَ الرِّفادة (2)، فاسمع ندائي، واستجب دعائي، ولا تختم عَمَلِي بخيبتي، ولا تجبّهني بالردّ في مسألتي، وأكرم من عندك منصرَفي، إنك غير ضائق عَمّا تريد، ولا عاجز عمّا تشاء، وأنت على كل شيء قدير (3).
اللهم يا مَنْ برحمته يستغيث المذنبون، ويا مَنْ إلى إحسانه يفزَعُ المضطرون، ويا مَنْ لخيفَتِه
ينتحب الخاطئون، يا أنسَ كلّ مستوحِشٍ غريب، يا فرج كل مكروب حريب. يا عونَ كلّ مخذول فرید، یا عاضدَ كلَّ محتاج طريد، أنت الذي وَسِعْتَ كلّ شيء رحمة وعلماً، وأنتَ الذي جعلتَ لكلِّ مخلوق في نعمتك سَهْماً، وأنت الذي عفوُه أعلَى من عقابه، وأنت الذي رحمتُه أمام غَضَبِه ، وأنت الذي إعطاؤه أكبَرُ من منعه، وأنتَ الذي وسع الخلائق كلّهم بعفوه، وأنت الّذي لا يرغبُ في غنى مَنْ أعطاه. وأنت الذي لا يفرِّط في عقاب من عصاه .
وأنا يا سيّدي عبدُك الذي أمرتَه بالدعاء فقال : لبَّيك وسعدَيك! وأنا يا سيدي عبدُكَ الذي أو قَرَتِ الخطايا ظهره، وأنا الذي أفنَت الذنوبُ عمرَه، وأنا الذي بجهله عصاك، ولم يكن أهلاً منه لذلك، فهل أنتَ يا مولاي راحمٌ من دعاك فاجتهد في الدعاء، أم أنت غافرٌ لمن بكى لك، فأسرع في البكاء، أم أنت متجاوزٌ عمّن عَفّر لك وجهَه، متذّللاً ، أم أنت مُغْنٍ من شكا إليك فقره متوكلاً !
اللَّهمَّ فلا تخيب مَنْ لا يجد معطياً غيرَك، ولا تخذُل من لا يستغني عنك بأحدٍ دونك .
اللَّهمَّ لا تُعرِضْ عَنِّي وقد أقبلت عليك، ولا تحرمني وقد رغبتُ إليك، ولا تجبَّهني بالردّ وقد انتصبتُ بين يديك . أنت الذي وصفتَ نفسَك بالرّحمة، وأنت الذي سمَّيْتَ نفسك بالعفو، فارحمِني واعفُ عَنّي ، فقد تَرَى يا سيّدي فيضَ دموعي من خيفَتِك، ووجيبَ قلبِي من خشيتك، وانتفاضَ جوارحي من هيبتك، كلُّ ذلك حياءً منك بسوء عَمَلي، وخجلاً منك لكثرة ذنوبي، قد کَلّ لساني عن مناجاتك، وخَمد صوتي عن الدعاء إليك!
يا إلهي ، فكَم من عيب سترتَه عليّ فلم تفضحني ، وكَمْ من ذنب غَطّيتَ عليه فلم تشهِّر بي ! وكَمْ من عائبةٍ أممتُ بها فلم تهتِك عنّي سترَها، ولم تقلّدني مكروه شَنَارها (1)، ولم تبد عليّ محرّمات سوءاتها. فمن يلتمسُ معايبي من جِيرتي وحَسَدَةِ نعمتك عندي، ثم لم ينهني ذلك حتی صرتُ إلى أسوا ما عهدتَ مِنّي ! فمن أجهلُ مِنّي يا سيدي برشَدِك! ومن أغفلُ مِنّي عن حظّه منك ! ومَنْ أبعدُ مِنّي من استصلاح نفسه حين أنفقت ما أجريتَ عليّ من رزقك فيما نهيتَني عنه مِن معصيتك! ومَنْ أبعد غوْراً في الباطل، وأشدّ إقداماً علَى السوء منِّي حين أقِفُ بين دعوتك ودعوة الشيطان، فاتّبع دعوته على غير عَمِّي عن المعرفة به، ولا نسيانٍ من حفظي له، وأنا حينئذ موقِنٌ أنّ منتهَى دعوتك الجنّة، ومنتهى دعوته النار !
سُبْحَانك فما أعجب ما أشهد به على نفسي، وأعدّدُه من مكنون أمري! وأعجبُ مِنْ ذلك أناتك عَنِّي، وإبطاؤك عن معاجَلتي، وليس ذلك من كرمي عليك، بل تأتِّياً منك وتفضّلاً منك عليّ، لأن ارتدعَ عن خطئِي، ولأنّ عفوك أحبُّ إليك من عقوبتي. بل أنا يا إلهي أكثرُ
1) الشَّنار : أقبح العيب، والعار.
ذنوباً، وأقبح آثاراً وأشنع أفعالاً، وأشدّ في الباطل تهوّراً، وأضعف عند طاعتك تيقظاً، وأغفل لوعيدك انتباهاً، مِنْ أنْ أحصِيَ لك عيوبي، وأقدر على تعديد ذنوبي، وإنما أوبّخ بهذا نفسي طمعاً في رأفتك التي بها إصلاح أمر المذنبين ورجاءٌ لعصمتك التي بها فَكاك رقاب الخاطئين. اللهمّ وهذه رقبتي قد أرقَّتْها الذنوب فأعتِقها بعفوك ، وقد أثقلتها الخطايا فخفّف عنها بمنّك . اللهمّ إني لو بكيت حتى تسقط أشفارُ عيني، وانتحبْتُ حتى ينقطع صوتي، وقمت لك حتى تنتشرَ قدمايَ، وركعتُ لك حتى ينجذع صُلْبي، وسجدت لك حتى تتفقّأ حَدَقَتَاي، وأكلت التراب طولَ عمري، وشربت ماء الرماد آخر دهري، وذكرتُك في خلال ذلك حتى يكلّ لساني، ثم لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياء منك، لما استوجبتُ بذلك محو سيّئة واحدة من سيّئاتي، فإن كنتَ تغفرُ لي حين أستوجب مغفرتُك، وتعفو عني حين أستحقُ عفوك، فإنّ ذلك غير واجب لي بالاستحقاق، ولا أنا أهلٌ له على الاستيجاب، إذ كان جزائي منك من أوّل ما عصيتُك النار، فإن تعذّبني فإنك غير ظالم.
إلهي فإن تغمَّدْتَني بسترك فلم تفضحني، وأمهلتَني بكرمك فلم تعاجِلني، وحلمتَ عني بتفضّلك فلم تغيّر نعمك عليّ، ولم تكدّر معروفَك عندي، فارحم طول تضرُّعي، وشدة مسكنتي، وسوء موقفي .
اللهمَّ صلّ على محمد وآل محمد، وأنقذني من المعاصي، واستعملني بالطاعة، وارزقني حسنَ الإنابة، وطهّرني بالتوبة، وأيّدني بالعصمة، واستصلِخنِي عافية، وارزقني حلاوة المغفرة، واجعلني طليقَ ،عفوك واكتب لي أماناً من سَخَطك، وبشِّرْني بذلك في العاجل دون الآجل، بشرى أعرفها، وعرّفني له علامة أتبيّنها، إن ذلك لا يضيقُ عليك في وُجدك، ولا يتكاء دك في قدرتك، وأنت على كلّ شيء قدير (1).
اللهمَّ يا ذا الملك المتأبّد بالخلود والسلطان، الممتنِع بغير جنود، والمعزّ الباقي على مَرّ الدهور عزّ سلطانك عزًا لا حدّ له ولا منتهى لآخره، واستعلَى ملكك علوَّا سقطت الأشياء دونَ بلوغ آمده، ولا يبلغ ما استأثرت به من ذلك نعوتُ أقصى نعت الناعتين ضلّت فيك الصفات، وتفسّخت دونك النعوت، وحارت في كبريائك لطائف الأوهام.
كذلك أنت الله في أوّليتك، وعلى ذلك أنت دائم لا تزول، وكذلك أنت الله في آخريتك، وكذلك أنت ثابت لا تحول .
1) انظر المزار للمشهدي : 160 ، والصحيفة السجادية : 90
وأنا العبد الضعيف عملاً ، الجسيم أملاً، خرجت من يديّ أسباب الوصلات إلى رحمتك، وتقطّعت عنّي عِصَم الآمال إلا ما أنا معتصم به من عفوك . قَلّ عندي ما أعتدّ به من طاعتك، وكثُر عندي ما أبوء به من معصيتك، ولن يفوتك عفوٌ عن عبدك وإن أساء، فاعف عنّي .
اللهمَّ قد أشرف على كلّ خطايا الأعمال علمُك، وانكشف كلّ مستور عند خُبرِك، فلا ينطوي عنك دقائق الأمور، ولا يعزُب عنك خفايا السرائر، وقد هربتُ إليك من صغائر ذنوب موبقة، وكبائر أعمال مردية، فلا شفيعَ يشفع لي إليك، ولا خفير يؤمنني منك، ولا حصن يحجبني عنك، ولا ملاذ ألجأ إليه غيرك .
هذا مقامُ العائذ بك، ومحلّ المعترف لك، فلا يضيقَنّ عنّي فضلُك، ولا يقصَرَنّ دوني عفوك، ولا أكون أخيبَ عبادك التائبين، ولا أقنَط وفودك الآملين واغفر لي إنك خير الغافرين.
اللهمّ إنك أمرتني فغَفلت، ونهيتني فَرَكبت، وهذا مقام من استحيا لنفسه منك، وسخِط عليها ورضي عنك، وتلقّاك بنفس خاشعةٍ، وعين خاضعة، وظهر مثقَل من الخطايا، واقفاً بين الرغبة إليك والرهبة منك، وأنت أولَى مَنْ رجاه، وأحقُّ مَنْ خشيَه واتقاه، فأعطني يا ربِّ ما رجوتُ، وأمنِّي ما حَذَرت ، وعد عليّ بفضلك ورحمتك، إنّك أكرمُ المسؤولين.
اللهمّ وإذْ سترتَني بعفوك، وتغمّدتَني بفضلك في دار الفناء، فأجرْني من فَضيحات دار البقاء عند مواقفِ الأشهاد، من الملائكة المقربين، والرسل المكرّمين، والشهداء الصالحين، مِنْ جارٍ كنتُ أكاتمه سيِّئاتي، ومن ذي رحِم كنت أحتشِم منه لسريراتي، لم أثق بهم في السَّتر عليّ، ووثقت بك في المغفرة لي، وأنت أولى مَنْ وُثِق به، وأعْطى مَنْ رُغِب إليه، وأرأف من استرحِم، فارحمني .
اللهمَّ إني أعوذُ بك مِنْ نار تغلّظت بها على مَنْ عصاك، وأوعدتَ بها من ضارّك وناوَاك(1)، وصدَف عن رضاك. ومن نارٍ نورها ظلمة، وهيّنُها صعب، وقريبها بعيد . ومِن نار يأكل بعضُها بعضاً، ويصول بعضها على بعض، ومن نارٍ تَذَرُ العظام ،رميماً، وتسقى أهلَها حميماً، ومن نارٍ لا تبقى على من تضرّع ولا ترحم مَن استعطفها، ولا تقدر على التخفف عمّن خشع لها ، واستبتل إليها ، تلقَى سكانَها بأحرّ ما لديها من أليم النكال، وشديد الوبال .
اللهمَّ بك أعوذ من عَقَاربها الفاغرة أفواهَها ،وحيّاتها الناهشة بأنيابها، وشرابها الذي يقطّع الأمعاء، ويذيب الأحشاء، وأستهديك لما باعد عنها، وأنقذ منها، فأجرني بفضل رحمتك، وأقِلني عثرتي بحسن إقالتك ، ولا تخذُلني يا خير المجيرين.
1) ناواه: فاخره وعاداه. القاموس المحيط مادة (نوأ).
اللهمَّ صلّ على محمد وآل محمد إذا ذُكر الأبرار، وصلَّ على محمد وآل محمد ما اختلف الليل والنهار، صلاةً لا ينقطع مددها، ولا يحصى عددُها، صلاة تشحن الهواء، وتملأ الأرض والسماء .
صلّ اللهمَّ عليه وعليهم حتى ترضى، وصلّ عليه وعليهم بعد الرّضا صلاةً لاحدَّ لها ، ولا منتهى، يا أرحم الراحمين (1)!
اللهمّ إني أعوذ بك من هَيَجان الحِرْص وسَوْرة الغضب، وغلَبة الحسد وضعف الصبر، وقلة القناعة، وشكاسة الخُلق، وإلحاح الشهوة، وملكة الحميّة، ومتابعة الهوى، ومخالفة الهدى وسِنَة الغفلة، وتعاطي الكُلفة، وإيثار الباطل على الحقّ، والإصرار على المأثم، والاستكثار من المعصية، والإقلال من الطاعة، ومباهات المكثرين، والإزراء على المقلّين، وسوء الولاية علىٰ من تحت أيدينا، وترك الشُّكر لمن اصطنع العارفة عندنا، وأن نعضِّد ظالماً، أو نخذل ملهوفاً ، أو نروم ما ليس لنا بحقّ، أو نقول بغير علم، ونعوذ بك أن تنطويَ على غِشّ لأحد، وأن نُعجَب بأموالنا وأعمالنا، وأن تُمدّ في آمالنا . ونعوذ بك من سوء السريرة، واحتقار الصغيرة، وأن يستحوذَ علينا الشيطان، أو يشتدّ لنا الزمان، أو يتهضّمنا السلطان، ونعوذ بك من حبّ الإسراف، وفقدان الكفاف، ومن شماتة الأعداء، والفقر إلى الأصدقاء، ومن عيشة شدّة، أو موت على غير عُدّة .
ونعوذ اللهمّ بك من الحَسْرَة العُظمَى، والمصيبة الكبرى، ومن سوء المآب، وحرمان الثواب، وحلول العقاب.
اللهمَّ أعذنا من كلّ ذلك برحمتك وَمَنّك وجودك ، إنك على كل شيء قدير (2).
الحمدلله بكلّ ما حمِده أدنى ملائكته إليه، وأكرم خلقِه عليه، وأرضى حامدِيه لديه، حمداً يفضّل سائرَ الحمد، كفضلِ ربّنا - جلّ جلاله - على جميع خَلْقه .
ثم له الحمد مكانَ كلّ نعمة له علينا، وعلى جميع عباده الماضين والباقين، عَدَد ما أحاط
به علمُه، ومن جميع الأشياء أضعافاً مضاعفة، أبداً سرمداً إلى يوم القيامة، وإلى ما لا نهاية له من بعد القيامة، حمداً لا غايةَ لحدّه، ولا حساب لعدّه، ولا مبلغَ لأعداده، ولا انقطاع لآماده، حمداً يكون وُصْلَةً إلى طاعته، وسبباً إلى رضوانه، وذريعةً إلى مغفرته، وطريقاً إلى جنّته، وخفيراً من نقمته، وأمناً من غَضَبِه ، وظهيراً على طاعته، وحاجزاً عن معصيته، وعوناً على تأدية حقه ووظائفه، حمداً نسعَدُ به في السعداء من أوليائه، وننتظم به في نظام الشهداء بسيوف أعدائه .
والحمد لله الذي منّ علينا بنبيّه محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) دون الأمم الماضية، والقرون السالفة، لقدرته التي لا تعجزُ عن شيء وإن عَظُم، ولا يفوتها شيء وإن لَطُف .
اللّهم فصلّ على محمد أمينك على وحيِك، ونجيّك من خَلْقك، وصفيّك من عبادك. إمام الرحمة وقائد الخير ،ومفتاح البرَكة، كما نصب لأمرك نفسه، وعرض فيك للمكروه بدَنه، وكاشف في الدعاء إليك حاسّته، وحارب في رضاك أسرته، وقطع في نُصرة دينك رَحِمَهُ ، وأقصى الأدَنين على عنودهم عنك، وقرّب الأقصّين على استجابتهم لك، ووالَى فيك الأبعدين، وعاند فيك الأقربين، وأدأب نفسه في تبليغ رسالتك، وأتعبها في الدعاء إلى ملّتك، وشغَلها بالنصح لأهل دعوتك، وهاجر إلى بلاد الغربة ومحلّ النأي عن موطن رحله، وموضع رجله، ومسقط رأسه، ومأنَس نفسه، إرادة منه لإعزاز دينك، واستنصاراً على أهل الكفر بك، حتى استتبّ له ما حاول في أعدائك، واستتمُ له ما دبّر في أوليائك، فنهد إلى المشركين بك، مستفتحاً بعونك، ومتقوياً على ضعفه بنصرك، فغزاهم في عُقْر ديارهم، وهجم عليهم في بُحبوحة قرارهم، حتى ظهر أمرُك ، وعَلَتْ كلمتك، وقد كره المشركون .
اللهمَّ فارفعه - بما كَدَح فيك - إلى الدرجة العليا من جنّتك، حتى لا يساوى في منزلة، ولا يُكافا في مرتبة، ولا يوازيه لديك ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، وعَرّفه في أمته من حسن الشفاعة أجلّ ما وعدته، يا نافذ العِدة يا وافيَ القول، يا مبدّل السيئات بأضعافها من الحسنات، إنك ذو الفضل العظيم (1).
اللهمَّ أنت إله مَنْ في السماء، وإلٰه من في الأرض، لا إلٰه فيهما غيرك، وأنت حكيم مَنْ في السماء، وحكيم من في الأرض، لا حكيم فيهما غيرك، وأنت مَلِك من في السماء، وملك من
1) أخرجه الإمام زين العابدين في الصحيفة السجادية : 32.
في الأرض، لا ملك فيهما غيرك، قدرتك في السماء كقدرتك في الأرض، وسلطانك في السماء كسلطانك في الأرض، أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، وملكِك القديم أن تفعل بي كذا وكذا (1).
وكان بعض الصالحين يدعو فيقول :
اللهمَّ لا تدخلنا النارَ بعد أن أسكنت قلوبَنا توحيدك، وإني لأرجو ألا تفعل، وإن فعلت لتجمعنّ بيننا وبين قوم عادينَاهم فيك .
ومن دعاء بعضهم :
اللهمّ إنك لم تشرِك في خلقنا غيرَك، فلا تشرك في الإحسان إلينا غيرَك، اللهمّ لا ربّ لنا غيرك، فلا تجعل حاجتَنا عند غيرك. اللهمَّ إنا لا نعبُد غيرك، فلا تسلّط علينا غيرَك.
بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! قلت فقبلنا، وتلوتَ فوعَيْنا ، ثم ظلمنا أنفسنا، وقرأنا فيما أتيتنا به عن ربنا : «وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا» (2). اللهمَّ إنا قد جئنا رسولك ونحن نستغفرك ونسأل رسولك أن يستغفر لنا خطايانا ، فاغفر لنا وتُب علينا.
فيقال : إن إنساناً حضر ذلك الدعاء، فرأى تلك الليلة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في منامه يقول له : أبلغ الأعرابيّ أنّ الله قد غفر له .
اللهمَّ إني لم آتِكَ بعمل صالح قدّمتُه، ولا شفاعة مخلوق رجوتُه ، أتيتُك مقرَّا بالظلم والإساءة على نفسي، أتيتك بلا حجّة، أتيتك أرجو عظيمَ عفوك الذي عدتَ به على الخاطئين، ثم لم يمنعك عكوفُهم على عظيم الجُرم أن جُدت لهم بالمغفرة، فيا صاحب العفو العظيم اغفِر الذنب العظيم، برحمتك يا أرحم الراحمين .
وروي أنّ عليَّا(علیه السّلام) اعتَمر، فرأى رجلاً متعلقاً بأستار الكعبة، وهو يقول : يا مَنْ لا يشغَلُه
سمع عن سمع يا من لا تقلقه المسائل ولا يبرمه (1)إلحاح الملحّين، أذقني بَرْدَ عفوك ، وحلاوة مغفرتك وعذوبة عافيتك، والفوز بالجنّة، والنجاة من النار .
فقال عليُّ(علیه السّلام) : والذي نفسِي بيده إن قالها وعليه مثل السموات والأرض من الذنوب قولاً مخلصاً ليغفرنّ له (2).
اللّهمّ إن لك عليَّ حقوقاً فتصدّق بها عليّ، وإنّ للناس قبَلي تَبِعاتٍ فتحَّملها عني، وقد أو جَبتَ لكلّ ضيفٍ قرّى وأنا ضيفُك الليلة، فاجعل قِرايَ الجنة .
ودعا بعض الأعراب أيضاً، وقد خرج حاجًا، فقال: اللّهمَّ إليك خَرَجْتُ، وما عندك طلبت، فلا تحرمني خيرَ ما عندك، لشرّ ما عندي، اللَّهمَّ إن كنتَ لم ترحم تعبي ونصَبي، فإنّها المصيبة أصببْتُ بها ، فلا تحرمني أجرَ المصاب على المصيبة .
ودعا بعضهم فقال : اللّهمّ إنك سترتَ علينا في الدنيا ذنوباً كثيرة، ونحن إلى سترها في الآخرة أحوَج، فاغفر لنا .
ومن دعاء بعضهم : اللّهمّ اجعل الموتَ خيرَ غائب ننتظره، واجعل القبرَ خير بيت نعمره، واجعل ما بعدَه خيراً لنا منه . اللهمّ إليك عجّت الأصوات بصنوف اللغات تسألكُ الحاجات، وحاجتي إليك أن تذكرني عند طول البِلَى، إذا نسيني أهل الدنيا .
وقال بعضهم : كنتُ أدعو الله بعد وفاة مالك بن دينار أن أراه في منامي، فرأيتُه بعد سنة، فقلت: يا أبا يحيى، علمني كيف أدعو ؟ فقال : اللهم يسّر الجواز، وسهل المجاز.
وقال الشعبيّ : حسدتُ عبد الملك بن مروان على دعاء كان يدعُو به على المنبر، يقول: اللهمّ إن ذنوبي كثيرة جلّت أن توصف وهي صغيرة في جَنْب عفوك، فاعفُ عني.
ومن دعاء بعض الزهاد: اللهمّ إني أعوذ بك من أهل يُلهيني، ومن هوّى يخزيني، ومن عمل يُخْزِيني ومن صاحب يُغويني، ومن جارٍ يؤذيني، ومن غِنّى يُطغيني، ومن فقر ينسيني .
اللهمَّ اجعلنا نستحييك ونتقيك، ونخافك ونخشاك، ونرجوك ونطيعك في السرّ والعلانية . اللهمّ استرنا بالمعافاة والغنى، أستعين الله على أموري، وأستغفر الله لذنُوبي، وأعوذ بك من شرّ نفسي .
ويروى أنّ رجلاً أعمى جاء إلى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) له :
قل : يا سبّوح يا قدّوس يا نور الأنوار، يا نورَ السموات والأرض، يا أوّل الأولين، ويا آخر الآخرين ويا أرحم الراحمين، أسألُك أن تغفرَ لي الذنوب التي تغيّر النعم، والذنوب التي تنزل النقم، والذنوب التي تهتك العِصَم، والذنوب التي توجب البلاء، والذنوب التي تقطع الرجاء، والذنوب التي تحبس الدعاء، والذنوب التي تكشف الغِطاء، والذنوب التي تعجّل الفناء، والذنوب التي تظلم الهواء، وأسألك باسمك العظيم ، ووجهك الكريم، أن تردّ عليّ بصري
(1). فدعا بذلك فردّ عليه بصره».
ومن الآثار المنقولة، أن الله تعالى غضب على أمة فأنزل عليهم العذاب، وكان فيهم ثلاثة صالحون، فخرجوا وابتهلوا إلى الله سبحانه، فقام أحدهم فقال : اللهمّ إنك أمرتنا أن نعتق أرقاءنا ونحن أرقّاؤك، فاعتِقنا ، ثم جلس. وقام الثاني فقال : اللّهمّ إنك أمرتنا أن نعفُوَ عمّن ظلمنا ، وقد ظَلمنا أنفسنا فاعفُ عَنّا، ثم جلس. وقام الثالث فقال : اللهمّ إنا على ثقة أنّك لم تخلق خلقاً أوسعَ من مغفرتك، فاجعل لنا في سعتها نصيباً، فرفع عنهم العذاب.
قيل لسفيان بن عُيينة : ما حديث روبته عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «أفضل دعاء أعطِيته أنا
النبيون قبلي : أشهد أن لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير » (2)، كأنهم لم يروهُ دعاء! فقال : ما تنكرون من هذا ثم روى لهم قول رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «مَنْ تشاغل بالثناء على الله، أعطاه الله فوق رغبة السائلين» . ثم قال: هذا أمية بن أبي الصَّلت يقول لابن جُدعان :
أذكرُ حاجتي أم قد كفاني*** حَيَاؤك؟ إنّ شيمتَك الحياءُ
إذا أثنى عليك المرء يوماً*** كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
وقال : هذا مخلوق يقول لمخلوق، فما ظنكم برب العالمين !
ومن دعائه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «اللهمّ إنّي أعوذُ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذلّ إلا لك» (3). ومن دعائه(علیه السّلام) : «اللهمّ ارزقني عينين هطَّالتين تسقيان القلوبَ مذروفَ الدموع، قَبل أن يكون الدمع دماً ، وقرع الضِّرْس نَدَماً» (4).
1) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه : 82/7 .
2) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة (3585) ، ومالك في «الموطأ» في كتاب : النداء للصلاة : (498).
3) أخرج بنحوه النسائي في كتاب: الاستعاذة باب: الاستعاذة من الذلة (5460)، وأحمد في «مسنده»: (7992).
4) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (1908) ، وابن المبارك في الزهد (480) .
ومن دعائه(علیه السّلام): اللهمّ طهّر لساني من الكذب، وقلبي من النّفاق، وعملي من الرياء، وبصري من الخيانة، فإنك تعلم خائنَة الأعين وما تخفي الصدور» (1).
ومما رواه أنَس بن مالك. «لا تعجزُوا عن الدعاء فإنّه لن يهلِك مع الدعاء أحد» (2).
ومن رواية جابر بن عبدالله : «لقد بارك الله للرجل في الحاجة بكثرة الدعاء فيها ، أُعْطِيَها أو مُنِعَها» (3).
أبو هريرة يرفعه : «اللهمّ أصلِح لي في ديني الذي هو عِصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشِي، وأصلِح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كلّ خير، والموت راحة لي مِن كلّ شرّ » (4). قيل لأعرابيّ : أتحسِنُ أن تدعو ربَّك؟ فقال: نعم، ثم دعا فقال : اللهمّ إنّك منَنْتَ علينَا بالإسلام من غير أن نسألَك فلا تحرمنَا الجنّة ونحن نسألك .
سُمِعَتْ أعرابية تقولُ في دعائها : يا عريضَ الجَفنة، يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه ، فزجرها رجل، فقالت : دعونِي أصف ربي ربي بما يستحقّه .
وكان موسى بن جعفر(علیه السّلام) يقول في سجوده آخر الليل: إلهي عَظم الذّنبُ من عبدك، فليحسُن العفوُ من عندك .
ذُكِرَ عند بعض الصالحين رجُلُ قد أصابه بلاءٌ عظيم، وهو يدعو فتبطىء عنه الإجابة، فقال: بَلَغَني أنّ الله تعالى يقول : كيف أرحم المبتَلَى من شيء أرحمه به !
قال طاوس : إني لفي الحِجر ليلةً إذ دخل عليّ بن الحسين(علیه السّلام) ، فقلت : رجل صالح من أهل بيتٍ صالح، لأسمعن دعاءه ! فسمعتُه يقول في أثناء دعائه: عَبْدُك بفنائك، سائلك بفِنائك. مسكينك بفنائك. فما دعوت بهنّ في كَرْب إلا وفرّج عني .
عمر بن ذَرّ : اللهمَّ إن كنا عصيناك فقد تركنا من معاصيك أبغضَها إليك، وهو الإشراك، وإن كنا قصّرنا عن بعض طاعتك، فقد تمسكنا منها بأحبّها إليك، وهو شهادة أن لا إله إلا أنت، وأنّ رسلك جاءت بالحقّ من عندك (5).
1) ذكره الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (227/2).
2) أخرجه الحاكم في «المستدرك» ح : ((1818) ، وابن حبان في «صحيحه» ح: (871) ، وابن عدي في «الكامل» ح: (1188).
3) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» ح: (1135) .
4) أخرجه مسلم في كتاب : الذكر والدعاء ح: (2720) ، والطبراني في «المعجم الصغير»، ح: (901).
5) أخرجه العلامة المجلسي في البحار رقم : 13/99/7 .
أعرابيّ : اللهمّ إنا نبات نعمتِك، فلا تجعلنا حصائدَ نقمتك.
بعضهم : اللهمّ إن كنتَ بلّغت أحداً من عبادك الصالحين درجة ببلاء، فبلغنيها بالعافية.
حجّ أعرابيّ ، فكان لا يستغفر إذا صلّى كما يستغفر الناس، فقيل له، فقال : كما أن تركي الاستغفار مع ما أعلم من عَفْوِ الله ورحمته ضعف، فكذلك استغفاري مع ما أعلم من إصراري لوم.
لما صافَ قتيبة بن مسلم الترك وهاله أمرُهم، سأل عن محمد بن واسع، فقيل : هو في أقصى الميمنة جانحاً على سِيّة قوسه (1)، مبصبصاً بإصبَعه نحو السماء، فقال قتيبة : لتلك الأصبع القارورة، أحبّ إليّ من مائة ألف سيف شهير، ورمح طَرِير(2).
سمع مطرِّف بن الشّخّير صيحة الناس بالدعاء، فقال : لقد هممتُ أن أحلف أن الله غفر لهم، ثم ذكرت أني فيهم فكففت .
كان المأمون إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول : الحمد لله الذي جعل أرزاقنا أكثر من أقواتنا .
الحسن البصريّ : مَنْ دخل المقبرة فقال : اللهمّ ربّ الأرواح العالية، والأجساد البالية، والعظام النَّخِرة التي خرجت من الدنيا وهي مؤمنة بك، أدخِل عليهم رَوْحاً منك وسلاماً منّي، كتب الله له بعدد مَنْ ولد - منذ زمن آدم إلى أن تقومَ الساعة - حسنات .
عليّ(علیه السّلام) : الدّعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض(3).
قيل : إنّ فيما أنزله الله تعالى من الكتب القديمة : إن الله يبتلي العبد وهو يحبّه، ليسمعَ دعاءه وتضرَّعه .
أبو هريرة : اطلبُوا الخيرَ دهركم كلَّه، وتعرّضوا لنفَحَاتٍ مِنْ رحمة الله تعالى، فإنّ الله تعالى نفحاتٍ من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوا الله أن يسترَ عوراتِكم، ويؤمّن روعاتكم .
صلّى رجل إلى جَنب عبدالله بن المبارك، فلما سلّم الإمام سلّم وقام عجلاً، فجذب عبدُالله بثوبه، وقال: أما لك إلى ربِّك حاجة !
قيل لعمر بن عبدالعزيز: جزاك الله عن الإسلام خيراً ! فقال : لا ، بل جزى الله الإسلام عنّي خيراً .
عليّ(علیه السّلام) : الداعِي بغير عمل كالرامي بغير وَتَر .
كان الزهريّ إذا فرغ من الحديث تلاه، فدعا : اللهمّ إني أسألُك خيرَ ما أحاط به علمُك في الدنيا والآخرة، وأعوذ بك من شرّ ما أحاط به علمُك في الدنيا والآخرة.
كان زبيد النّامِيّ يستتبع الصبيان إلى المسجد، وفي كُمّه الجوز، ويقول : مَن يتبعني منكم فأعطيه خمس جوزات؟ فإذا دخلوا المسجد، قال ارفعوا أيديَكم وقولوا : اللهمّ اغفر لزبيد فإذا دَعَوْا قال : اللهم استجِب لهم، فإنهم لم يذنبوا .
عليّ (علیه السّلام) : جعلَ في يديك مفاتيح خزائنه بما أذِنَ لك فيه من مسألته، فمتى شئتَ استفتحتَ بالدعاء أبوابَ نعمته، واستمطرت شآبيبَ رحمته، فلا يُقنِطنك إبطاءُ إجابته، فإن العطيّةَ على قدر النيّة، وربما أخّرت عنك الإجابة، ليكون ذلك أعظم لأجر السائل، وأجزلَ لعطاء الأمل، وربما سألت الشيء فلا تُؤتاه، وأُوتيتَ خيراً منه، أو صُرِف عنك بما هو لك خير. واعلم أنه رُبّ أمر قد طلبتَ، فيه هلاك دينك لو أوتيتَه (1).
ومن الدعاء المرفوع : اللهمّ مَنْ أراد بنا سوءاً فأحط به ذلك السوء كإحاطة القلائد بترائب الولائد، وأرسخه على هامته كرسوخ السِّجِّيل على قمِمَ أصحاب الفيل .
سمع عمر رجلاً يقول في دعائه: اللهمَّ اجعلني من الأقلِّين! فقال : ما أردتَ بهذا ؟ قال : قول الله عز وجل : «وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» (2)، وقوله تعالى : «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ » (3)، فقال : عليكم من الدعاء بما عُرف .
قال سعيد بن المسيِّب: مرّبي صِلَة بن أشيم، فقلت له : ادع لي، فقال: رغّبك الله فيما يبقَى ،وزهَّدك فيما يفنَى، ووهب لك اليقين الذي لا تسكُنُ النفوس إلا إليه، ولا تعوّل إلا عليه .
كان عليّ بن عيسى بن ماهان صاحبَ خراسان، وفي أيامه عصام بن يوسف الزاهد فلقيَه في الطريق، وسلّم عليه عليّ، فأعرض عنه ولم يردّ عليه، فوقف عليّ، ورفع يديه وأسبل عينيه، وقال : اللهمّ إنّ هذا الرجل يتقرّب إليك ببغضِي، وأنا أتقرّب إليك بحبّه ، فإن كنت غفرتَ له ببغضي، فاغفر لي بحبّه، يا كريم ثم سار .
قال الأصمعيّ : سمعتُ أعرابياً يدعو ويقول : اللّهمّ إن كان رزقي في السماء فأنزله ،وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقرّبه، وإن كان قريباً فيسِّره، وإن كان قليلا فكثِّره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه .
من دعاء عمرو بن عُبَيْد ، اللهمّ أغنِنِي بالافتقار إليك، ولا تُفْقِرْني بالاستغناء عنك ، اللهمَّ أعنِّي عَلَى الدنيا بالقَناعة، وعلى الدين بالعصمة .
شكا رجل إلى الحسن رحمه الله تعالى رجلاً يظلمه فقال له : إذا صلَّيت الركعتين بعد المغرب، فاسجد وقل: يا شديدَ القوى، يا شديد المِحَال يا عزيز، أذللت لعزّك جميعَ مَنْ خلقت، فصلّ على محمد وآل محمد، واكفِني مؤنة فلان بما شئت فدعا بها فلم يرعهُ إلا الواعية بالليل ،فسأل فقيل : مات فلان فجأة.
قال موسى(علیه السّلام) : يا ربّ إنك لتعطيِني أكثر من أمِلي، قال لأنّك تكثِر من قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله .
كان بعض الصالحين يقول قبل الصلاة: يا محسن، قد جاءك المسيء، وقد أمرت المحسن أن يتجاوزَ عن المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندِي بجميل ما عندك. اللهمّ ارزقني عَمَل الخائفين وخوف العاملين، حتى أنعم بترك التنعّم طمَعاً فيما وعدت، وخوفاً مما أوعدت .
ومن الأدعية الجامعة: اللهمّ أغنِنِي بالعلم، وزيّنِّي بالحلم، وجَمّلني بالعافية، وكَرِّمني بالتقوى.
أحمد بن يوسف كاتب المأمون، إذا دخل عليه حيّاه بتحيّة أبرويز الملك : عشتَ الدهر ، ونِلت المنى، وجُنّبت طاعة النساء .
ومن الدعاء المرويّ عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «اللهمّ اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلّها . اللهمَّ أنعِشني وأجِزْنِي وانصرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، إنه لا يهدي لصالحها، ولا يصرف عن سيئها إلا أنت» (1). «اللهمّ إنّي أسألك الثباتَ في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكرَ نعمتك وحسنَ عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب» (2).
قالوا: ومن آداب الدعاء أن ترصد له الأوقات الشريفة، كما بين الأذان والإقامة، وكوقت السجود ووقت السَّحر، ويستحبّ أن يدعُوَ مستقبل القبلَة رافعاً يديه، لما روى سلمان عن النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إنّ ربّكم كريم يستحيي من عَبْدِه إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صِفْراً» ((3)، ويستحبّ أن يمسح بهما وجهه بعد الدعاء، فإنّ ذلك قد روي عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
ويكره أن يرفَع بصرَه إلى السماء، لقوله(علیه السّلام) : «لَينتهينْ أقوامٌ عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء، أو لتُخطفَنّ أبصارهم» (1)، وقد رُخّص في ذلك للصديقين والأئمة العادلين ويستحب أن يخفض صوته، لقوله تعالى : «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً » (2). وقد روي أن عمر سمِع رجلا يجهر بالدعاء ، فقال : لكن زكريا نادى ربه نداء خفيّا .
ويكره أن يتكلّف الكلام المسجوع، ويستحبّ الإتيان بالمطبوع منه ، لقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إيّاكم والسجع في الدعاء، بحسب أحدكم أن يقول : اللهمّ إني أسألك الجنّة وما قَرَّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النّار وما قرب إليها من قول أو عمل» (3).
وقيل في الوصية الصالحة : ادعُ ربَّك بلسان الذّلة والاحتقار، لا بلسان الفصاحة والتشدّق .
وقال سفيان بن عُيينة : لا يمنعنّ أحدَكم من الدعاء ما يعلَمُه من نفسه، فإنّ الله تعالى أجابَ دعاء شرّ خلقه إبليس حيث قال «أنظِرّنِي»(4).
النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إذا سأل أحدُكم ربه مسألة [فتعرّف الإجابة]، فليقل: الحمد لله الذي بنعته تتمّ الصالحات. ومَنْ أبطأ عنه شيء من ذاك فليقل : الحمد لله على كل حال»(5).
ومن الآداب أن يَفتتح بالذِّكر والّا يبتدىء بالمسألة، كان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قبل أن يدعو
يقول: «سبحان ربّيَ العليّ الوهاب» (6).
أبو سليمان الدارانيّ : مَنْ أراد أن يسأل الله تعالى حاجتَه فليبدأ بالصلاة على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ثم يسألُ حاجتَه، ثم يختم بالصّلاة على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فإن الله تعالى يقبَلُ الصلاتين، وهو أكرم من أن يَدع ما بينهما .
ومن دعاء عليّ(علیه السّلام) : «اللّهمّ صن وجهي باليسار، ولا تبذل جاهي بالإقتار، فأسترزقَ طالبي رزقك، وأستعطِفَ شرار خلقك، وأبتلى بحمد مَنْ أعطاني، وأفتتنَ بذمّ مَن منعني، وأنت من وراء ذلك كلّه وليّ الإعطاء والمنع ، إنك على كل شيء قدير».
1) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان (750)، ومسلم في كتاب: الصلاة (428) ، والنسائي في كتاب: السهو ،(1193) ، وأبو داود في كتاب: الصلاة (913) .
2) سورة الأعراف الآية : (55).
3) أخرجه ابن ماجه في كتاب: الدعاء (3846) ، وأحمد في كتاب : مسند العشرة المبشرين بالجنة (1486) .
4) سورة الأعراف الآية : 14 .
5) أخرج ابن ماجه نحوه في كتاب : الأدب (3803)، والحاكم في «المستدرك » (1840) .
6) أخرجه أحمد في كتاب: مسند المدنيين (16113) ، والحاكم في «المستدرك» (1835).
ومن دعاء الحسن رحمه الله تعالى : «اللهمّ إني أعوذُ بك من قَلب يعرِف، ولسان يصِف، وأعمال تخالف».
ومن دعاء أهل البيتِ(علیه السّلام) ، وفيه رائحة من كلام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) الذي نحن في شرحه : اللّهم إني أستغفرُك لما تبتُ منه إليك ثم عدت فيه، وأستغفرك لما وعدتك من نفسي ثم أخلفتك، وأستغفرك للنّعم التي أنعمتَ بها عليّ، فتقوّيتُ على معصيتك، وأستغفرك من كلّ ذنب تمكَّنتُ منه بعافيتك، ونالته يدي بفضل نعمتك، وانبسطتُ إليه بسعة رزقك، واحتجبتُ فيه عن الناس بسترك، واتّكلت فيه على أكرم عفوك . اللهمّ إني أعوذ بك أن أقولَ حقًّا ليس فيه رضاك، ألتمس به أحداً سواك، وأعوذ بِك أن أتزيَّن للناس بشيء يَشينني عندَك، وأعوذ بك أن أكونَ عِبرة لأحد من خلقك، وأن يكون أحدٌ من خلقك أسعدَ بما علَّمتني مني، وأعوذ بك أن أستعينَ بمعصية لك على ضُرّ يصيبني(1).
كان أبو مسلم الخولاني إذا أهمّه أمر قال : يا مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » .
ومن دعاء عليّ(علیه السّلام) : اللهمَّ إن تِهْتُ عن مسألتي وأُعمِيتُ عن طلبتي، فدلّني على مصالحي، وخُذْ بقلبي إلى مَراشدي . اللهم احمِلْني على عفوك، ولا تحمِلني على عدلك (2).
الأصل: أَتَزْعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ، وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ! فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الاسْتِعَانَةِ بِالله فِي نَيْلِ المَحْبُوبِ وَدَفَع المَكْرُوهِ. وَتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ، لِأَنَّكَ - بِزَعْمِكَ - أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ، وَأَمِنَ الضُّرَّ.
ثم أقبل (علیه السّلام) الناس فقال :
أَيُّها النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلَّمَ النُّجُومِ إِلا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَر أَوْ بَحْرٍ، فَإِنهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ، المُنَجِّمُ كَالكَاهِنِ، وَالْكاهِنُ كالسَّاحِرِ، وَالسَّاحِرُ كَالْكافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ، سِيرُوا عَلَى أسْمِ الله .
الشرح: حاق به الضرّ ،أي أحاط به قال تعالى: «وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ » (1)ويوليك الحمد ، مضارع «أولاك»، وأولاك معدَّى بالهمزة من «وَليَ»، يقال: وليّ الشيء ولايةً وأوليته ذلك، أي جعلته والياً له ومتسلّطاً عليه. والكاهن : واحد الكُهّان وهم الذين كانوا يخبرون عن الشياطين بكثير من الغائبات.
واعلم أنّ الناس قد اختلفوا في أحكام النجوم ، فأنكرها جمهورُ المسلمين والمحقّقون من الحكماء، ونحن نتكلم ها هنا في ذلك ونبحث فيه بحثين : بحثاً كلاميا ، وبحثاً حُكْمِيًّا .
أمّا البحث الكلاميّ، هو أن يقال : إمّا أن يذهب المنجمون إلى أنّ النجوم مؤثرة، أو أمَارات .
والوجه الأول ينقسم قسمين: أحدهما أن يقال: إنها تفعل بالاختيار، والثاني أن تفعلَ بالإيجاب .
والقول بأنّها تفعل بالاختيار باطل، لأنّ المختار لا بد أن يكونَ قادراً حيَّا، والإجماع من المسلمين حاصلٌ على أنّ الكواكب ليست حيّة ولا قادرة، والإجماع حجّة، وقد بَيّن المتكلِّمون أيضاً أن مِن شرط الحياة الرطوبة، وأن تكون الحرارة على قَدر مخصوص، متى أفرط امتنع حلول الحياة في ذلك الجسم، فإنّ النار على صرافتها يستحيل أن تكون حَيّة، وأن تحلّها الحياة لعدم الرطوبة وإفراط الحرارة فيها واليبس، والشَّمسُ أشدُّ حرارةً من النار، لأنّها على بُعْدِها تؤثّر ما تؤثره النّار على قُربِها ، وذلك دليل على أنّ حرارتَها أضعافُ حرارة النار، وبينوا أيضاً أنّها لو كانت حيّة قادرة لم يَجز أن تفعلَ في غيرها ابتداء، لأنّ القادر لا يصح منه الاختراع، وإنما يفعل في غيره على سبيل التوليد، ولا بدّ من وصلة بين الفاعل والمفعول فيه، والكواكب غير مماسّة لنا، فلا وُصلة بينها وبيننا ،فيستحيل أن تكون فاعلة فينا .
فإن ادعى مدَّعِ أنّ الوصلة هي الهواء، فعن ذلك أجوبة :
1) سورة فاطر، الآية : 43 .
أحدُها: أنّ الهواء لا يجوزُ أن يكون وصلة وآلةً في الحركات الشديدة وحمل الأثقال، لا سيما إذا لم يتموّج . والثاني : أنّه كان يجب أن نحسُ بذلك، ونعلم أنّ الهواء يحرّكنا ويصرّفنا، كما نعلم في الجسم إذا حرّكنا وصرّفنا بآلة موضع تحريكه لنا بتلك الآلة.
والثالث: أنّ في الأفعال الحادثة فينَا ما لا يجوز أن يفعل بآلة، ولا يتولّد عن سبب، كالإرادات والاعتقادات ونحوها .
وقد دلّل أصحابنا أيضاً على إبطال كون الكواكب فاعلةً للأفعال فينا، بأنّ ذلك يقتضي سقوط الأمر والنهي، والمدح والذم، ويلزمهم ما يلزم المجبِرة، وهذا الوجهُ يبطل كونَ الكواكب فاعلة فينا بالإيجاب كما يبطل كونَها فاعلة بالاختيار.
وأما القول بأنها أمارات على ما يحدُث ويتجدّد، فيمكن أن يُنصر بأن يقال : لم لا يجوزُ أن يكون الله تعال أجرَى العادة، بأن يفعل أفعالاً مخصوصة عند طلوع كوكب أو غروبه أو اتصاله بكوكب آخر .
والكلام على ذلك بأن يقالَ : هذا غير ممتنع لو ثبت سمع مقطوع به يقتضي ذلك، فإنّ هذا مما لا يعلم بالعقل .
فإن قالوا : نعلم بالتجربة.
قيل لهم : التجربة إنما تكون حُجَّةً إذا استمرّت واطّردت، وأنتم خطؤكم فيما تحكمون به أكثرُ من صوابكم، فهلا نسبتُم الصّواب الذي يقع منكم إلى الاتفاق والتخمِين! فقد رأينا من أصحاب الزّرَق (1)والتخمين مَنْ يصيب أكثرَ مما يصيب المنجّم، وهو من غير أصل أصل صحيح ولا قاعدة معتمدة ومتى قلتم : إنما أخطأ المنجّم لغَلطه في تسيير الكواكب، قيل لِكم: ولم لا يكون سبب الإصابة اتفاقاً! وإنما يصحّ لكم هذا التأويل والتخريج لو كان على صحة أحكام النجوم دليل قاطع، هو غير إصابة المنجّم .
فأما إذا كان دليل صحّة الأحكام الإصابة، فهلاً كان دليلُ فسادها الخطأ، فما أحدُهما إلا في مقابلة صاحبه !
ومما قيل على أصحاب الأحكام، إن قيل لهم في شيء بعينه : خذوا الطَّالع واحكموا، أيؤخذ أم يترك؟ فإن حكموا بأحدهما خولفوا، وفُعِل خلاف ما أخبروا به، وهذه المسألة قد أعضل عليهم جوابها .
1) الزَّرَق : التفرُّس .
وقال بعض المتكلّمين لبعض المنجِّمين : أخبِرني ، لو فرضنا جادّة مسلُوكة، وطريقاً يمشِي فيها الناس نهاراً وليلاً، وفي تلك المحجّة آبار متقاربة، وبين بعضها وبعض طريق يحتاجُ سالكه إلى تأمّل وتوقّف، حتى يتخلّص من السقوط في بعض تلك الآبار، هل يجوز أن تكون سلامة مَنْ يمشي بهذا الطريق من العميان كسلامة من يمشي فيه من البُصَراء والمفروض أنّ الطريق لا يخلو طَرْفةً عين من مشاة فيها عميان ومبصرون؟ وهل يجوز أن يكون عَطَبُ البُصَرَاءِ مقارباً لعَطَب العميان؟
فقال المنجّم : هذا مما لا يجوزُ ، بل الواجب أن تكون سلامةُ البصراء أكثرَ من سلامة العميان .
فقال المتكلّم : فقد بطل قولكم، لأن مسألتنا نظير هذه الصورة، فإن مثال البُصَراء هُم الذين يعرفون أحكامَ النجوم، ويميِّزون مساعدها من مَناحسها، ويتوقَّون بهذه المعرفة مضارّ الوقت والحركات ويتخطَّوْنَها ويعتمدون منافعَها ويقصدونها، ومثال العميان كلّ من لا يحسِنُ علم النجوم، ولا يقولون به من أهل العلم والعامة، وهم أضعاف أضعاف عدد المنجمين .
ومثال الطريق الذي فيه الآبار، الزمان الذي مضى ومَرَّ على الخلق أجمعين، ومثال آباره مصائبه ومِحَنُه .
وقد كان يجب - لو صح أحكام النجوم - أن سلامة المنجِّمين أكثرُ، ومصائبهم أقلّ، لأنهم يتوقَّون المحن ويتخطونها لعلمهم بها قبل كونها، وأن تكون مِحنُ المعرضين عن علم أحكام النجوم على كثرتهم أوفَر وأظهر، حتى تكون سلامة كلّ واحد منهم هي الطريقة الغريبة، والمعلومُ خلاف ذلك، فإنّ السلامة والمحن في الجميع متقاربة متناسبة غير متفاوته .
وأما البحث الحُكمي في هذا الموضع، فهو أنّ الحادث في عالم العناصر عند حلول الكوكب المخصوص في البرج المخصوص، إمّا أن يكون المقتَضِي له مجرّد ذلك الكوكب أو مجرد ذلك البرج، أو حلول ذلك الكوكب في ذلك البرج. فالأولان باطلان، وإلا لوَجب أن يحدث ذلك الأمر قبل أن يحدث، والثالث باطل أيضاً، لأنه إمّا أن يكون ذلك البرج مساوياً لغيره من البروج في الماهيّة، أو مخالفاً. والأول يقتضي حدوثَ ذلك الحادث حالَ ما كان ذلك الكوكب حالاً في غيره من البروج، لأنّ حكم الشيء حكم مثله، والثاني يقتضي كونَ كُرة البروج متخالفة الأجزاء في أنفسها، ويلزم في ذلك كونها مركّبة، وقد قامت الدلالة على أنه لا شيءَ من الأفلاك بمركّب.
وقد اعتُرض على هذا الدليل بوجهين :
أحدهما أنّه لِمَ لا يجوز أن تختلف أفعالُ الكواكب المتحيّرة عند حلولها في البُروج، لا : لاختلاف البروج في نفسها، بل لاختلاف ما في تلك البروج من الكواكب الثابتة المختلفة الطبائع !
الوجه الثاني : لم لا يجوزَ أن يقال : الفَلَك التاسع مكوكَب بكواكب صغار لا نراها لغاية بعدِها عنا، فإذا تحرّكت في كرات تداويرها سامتَتْ مواضعَ مخصوصة من كُرة الكواكب الثابتة، وهي فلك البروج، فاختلفت آثار الكواكب المتحيّرة عند حلولها في البروج، باعتبار اختلاف تلك الكواكب الصغيرة؟ ولم لا يجوز إثبات كرة بين الكرة الثامنة،
وبين الفلك الأطلس المدبّر لجميع الأفلاك من المشرق إلى المغرب، وتكون تلك الكرّة المتوسّطة بينهما بطيئة الحركة بحيث لا تفِي أعمارنَا بالوقوف على حركتها، وهي مكوكبة بتلك الكواكب الصغار المختلفة الطبائع؟ وأجيب عن الأول، بأنّه لو كان الأمر كما ذُكر، لوجب أن تختلف بيوتُ الكواكب وإشرافها وحدودها عند حركة الثوابت بحركة فَلَكها ، حتى إنها تتقدّم على مواضعها في كلّ مائة سنة على رأي المتقدمين، أو في كلّ ست وستين سنة على رأي المتأخرين درجة واحدة، لكن ليس الأمرُ كذلك، فإنّ شرف القمر، كما أنه في زماننا في درجة الثالثة من الثور، فكذلك كان عند الذين كانوا قبلنا بألف سنة وبألفي سنة .
وأما الوجه الثاني فلا جواب عنه .
واعلم أنّ الفلاسفة قد عَوَّلَتْ في إبطال القول بأحكام النجوم على وجه واحد، وهو أن مبنَى هذا العلم على التجربة، ولم توجد التجربة فيما يدّعيه أربابُ علم النجوم، فإنّ ها هنا أموراً لا تتكرر إلا في الأعمار المتطاولة مثل الأدوار والألوف الّتي زعم أبو معشرٍ أنها هي الأصل في هذا العلم، ومثل مماسة جُرم زُحَل للكرة المكوكبة، ومثل انطباق معدّل النهار على دائرة فَلَك البروج، فإنهم يزعمون أنّ ذلك يقتضي حدوثَ طوفان الماء وإحاطَته بالأرض من جميع الجوانب، مع أن هذه الأمور لا توجد إلّا في ألوف الألوف من السنين، فكيف تصحّ أمثالُ هذه الأمور بالتجربة !
وأيضاً ، فإنّا إذا رأينا حادِثاً حَدَث عند حلول كوكب مخصوص في برج مخصوص فكيف نعلم استنادَ حدوثه إلى ذلك الحلول! فإنّ في الفلك كواكبَ لا تحصى، فما الذي خصّص حدوثَ ذلك الحدوث بحلول ذلك الكوكب في ذلك البرج لا غيره! وبتقدير أن يكون لحلوله تأثير في ذلك، فلا يمكن الجزم قبل حلوله بأنه إذا حلّ في البرج المذكور لا بدّ أن يحدث ذلك
الحادث، لجواز أن يوجد ما يبطل تأثيره، نحو أن يحلّ كوكب آخر في برج آخر، فيدفع تأثيرَه، ويبطل عمله، أو لعلّ المادة الأرضية لا تكون مستعدّة لقبول تلك الصورة، وحدوث الحادث، كما يتوقّف على حصول الفاعل يتوقف على حصول القابل، وإذا وقع الشكّ في هذه الأمور بطل القولُ بالجزم بعلم أحكام النجوم، وهذه الحجّة جيّدة إن كان المنجّمون يطلبون القطع في علمهم . فأما إن كانوا يطلبون الظنّ فإن هذه الحجة لا تفسد قولهم.
فأما أبو البركات بن مَلْكا البغدادي صاحب كتاب «المعتبر » (1)فإنه أبطلَ أحكام النجوم من وجهٍ وأثبته من وجه ..
قال : أما مَنْ يريد تطبيق علم أحكام النجوم على قاعدة العلم الطبيعي فإنّه لا سبيلَ له إلى ذلك، فإنّا لا نتعلّق من أقوالهم إلا بأحكام يحكمُون بها من غير دليل، نحو القول بحرّ الكواكب وبردها أو رطوبتها، ويبوستها واعتدالها، كقولهم: إنّ زُحَل بارد يابس، والمشتري معتدل، والاعتدال خير والإفراط شرُّ، وينتجون من ذلك أنّ الخيرَ يوجب سعادة، والشرّ يوجب مَنْحَسَة، وما جانَس ذلك مما لم يقل به علماء الطبيعيين ولم تنتجه مقدّماتهم في أنظارهم، وإنما الذي أنتجته هو أنّ الأجرام السماوية فَعّالة فيما تحويه وتشتمل عليه وتتحرّك حوله فعلاً على الإطلاق غير محدود بوقت، ولا مقدّر بتقدير، والقائلون بالأحكام ادْعَوْا حصولَ علمهم
بذلك، من توقيف وتجربة لا يطابق نظر الطبيعيّ .
وإذا قلت بقول الطبيعي بحسب أنظاره أن المشتري سَعْد، والمرّيخ نحس، أو أنّ زحل بارد يابس والمريخ حارّ يابس، والحارّ والبارد من الملموسات، وما دلّ على هذا المسّ وما استدل عليه بلمس كَتأثيره فيما يلمسه، فإنّ ذلك لم يظهر للحسّ في غير الشمس، حيث تسخّن الأرض بشعاعها، ولو كان في السمائيات شيء من طبائع الأضداد، لكان الأولى أن تكون كلّها حارّة، لأنّ كواكبها كلَّها منيرة.
ومتى يقول الطبيعي بتقطيع الفلك وتقسيمه إلى أجزاء، كما قسِّمه المنجمون قسمة وهمية إلى بروج ودَرَج ودقائق، وذلك جائز للمتوهّم، کجواز غیره، وليس بواجب في الوجود ولا حاصل، فنقلوا ذلك التوهم الجائز إلى الوجود الواجب في أحكامهم، وكان الأصلُ فيه على زعمهم حركةً الشمس والأيام والشهور، فحصَلوا منها قسمة وهمية، وجعلوها كالحاصلة الوجودية المثمرة بحدود وخطوط، كأنّ الشمس بحركتها من وقت إلى مثله خطّت في السماء
1) المعتبر في المنطق والحكمة : لأبي البركات هبة الله بن ملكا البغدادي المتوفى سنة ( 547ه-) ، «كشف الظنون» (1731/2).
خطوطاً، وأقامت فيها جُدراً أو حدوداً ، أو غيرت في أجزائها طباعاً تغييراً يبقى، فيتقي به القسمة إلى تلك الدَّرَج والدقائق، مع جواز الشمس عنها، وليس في جوهر الفلك اختلاف يتميز به موضع عن موضع سوى الكواكب، والكواكب تتحرك عن أمكنتها ، فبقيت الأمكنة على التشابه، فبماذا تتميز بروجه و درَجه، ويبقى اختلافها بعد حركة المتحرك في سَمْتها ؟ وكيف يقيس الطبيعيّ على هذه الأصول، وينتج منها نتائج ويحكم بحسبها أحكاماً؟ وكيف له أن يقول بالحدود ويجعل خمسَ درجات من بُرج الكوكب وستَّا لآخر، وأربعاً لآخر، ويختلف فيها البابليون والمصريون، وجعلوا أربابَ البيوت كأنّها ملّاك، والبيوت كأنها أملاك تثبت لأربابها بصكوك وأحكام الأسد للشمس والسرطان للقمر !
وإذا نظر الناظر وجد الأسد أسداً من جهة كواكب شَكّلوها بشكل الأسد، ثم انقلبت عن مواضعها وبقي الموضع أسداً وجعلوا الأسد للشمس. وقد ذهبت منه الكواكبُ التي كأنّ بها أسداً كأن ذلك الملك بيت للشمس، مع انتقال الساكن وكذلك السَّرَطان للقمر .
ومن الدقائق في العلم النجوميّ الدرجات المدَارة والغربيّة والمظلمة والنيّرة والزائدة في السعادة ودرجات الآثار من جهة أنها أجزاء الفَلَك، إن قطعوها وما انقطعت، ومع انتقال ما ينتقل من الكواكب إليها وعنها ، ثم انتَجوا من ذلك نتائج أنظارهم، من أعداد الدرّج وأقسام الفلك، فقالوا : إنّ الكوكب ينظر إلى الكواكب من ستين درجة نظر تسديس لأنه سُدس من الفلك، ولا ينظر إليه من خمسين ولا من سبعين، وقد كان قبل الستين بعشر دَرَج، وهو أقرب من ستين، وبعدها بعشر دَرَج، وهو أبعد من ستين لا ينظر .
فليت شعري ما هذا النظر أترى الكواكب تظهر للكوكب ثم تحتجِب عنه، ثم شعاعه يختلط بشعاعه عند حدّ لا يختلط به قبله ولا بعده!
وكذلك التربيع، من الرُّبع الذي هو تسعون درجة، والتثليث، من الثلث الذي هو مائة وعشرون درجة، فلم لا يكون التخميس والتسبيع والتعشير على هذا القياس ثم يقولون: الحمَل حارّ يابس ناريّ، والثور بارد يابس أرضِيّ ، والجوزاء حارّ رطب هوائيّ، والسرطان بارد رطب مائيّ! ما قال الطبيعي هذا قطّ، ولا يقول به.
وإذا احتجُّوا وقاسوا كانت مبادىء قياساتهم الحمل بُرج ينقلب، لأن الشمس إذا نزلت فيه ينقلب الزمان من الشتاء إلى الربيع، والثور برج ثابت، لأنّ الشمس إذا نزلت فيه ثبت الربيع على ربيعيّته .
والحقّ أنه لا ينقلب الحمل ولا يثبت الثور، بل هما على حالهما في كلّ وقت. ثم كيف
يبقَى دهرَه منقلباً مع خروج الشمس منه وحلولها فيه! أتراها تخلّف فيه أثراً أو تحيل منه طباعاً ، وتبقى تلك الاستحالة إلى أن تعود فتجدّدَها ! ولم لا يقول قائل : إن السَّرطان حارّ يابس، لأن الشمس إذا نزلت فيه يشتدّ حر الزمان، وما يجانس هذا مما لا يلزم، لا هو ولا ضدّه، فليس في الفَلَك اختلاف يعرفه الطبيعيّ، إلا بما فيه من الكواكب، وهو في نفسه واحد متشابه الجوهر والطبع ، ولكنها أقوالٌ قال بها قاتل فقبِلها قائل، ونقلها ناقل، فحسُن فيها ظنّ السامع، واغترّ بها مَنْ لا خِبرة له ولا قدرة له على النظر .
ثم حَكَم بها الحاكمون بجيد وردى، وسلب وإيجاب، وبتّ وتجوز، فصادف بعضُه موافقة الوجود فصدّق، فيعتبر به المعتبرون، ولم يلتفتوا إلى ما كذب منه فيكذّبوه، بل عذروا وقالوا : إنما هو منجِّم، وليس بنبيّ حتى يصدق في كلّ ما يقول، واعتذرُوا له بأنّ العلم أوسعُ من أن ي يحيط به أحد، ولو أحاط به أحدٌ لصدق في كلّ شيء! ولعمر الله إنه لو أحاط به علماً صادقاً لصدّق، والشأن في أن يحيطَ به على الحقيقة، لا أن يفرَض فرضاً، ويتوهم وهماً، فينقله إلى الوجود وينسب إليه، ويقيس عليه .
قال : والذي يصحّ من هذا العلم ويلتفِتُ إليه العقلاء، هي أشياء غير هذه الخرافات التي لا أصل لها ، فما حصل توقيف أو تجربة حقيقة كالقرانات والمقابلة، فإنها أيضاً من جملة الاتصالات، كالمقارنة من جهة أنّ تلك غاية القُرْب، وهذه غاية البعد، ونحو ممرّ كوكب من المتحيرة، تحت كوكب من الثابتة، ونحوه ما يعرض للمتحيّرة من رجوع واستقامة وارتفاع في شمال، وانخفاض في جنوب، وأمثال ذلك .
فهذا كلام ابن ملكا كما تراه يبطلُ هذا الفنّ من وجه، ويقول به من وجه .
وقد وقفت لأبي جعفر محمد بن الحسين الصنعانيّ المعروف بالخازن، صاحب کتاب «زیج الصفائح» على كلامٍ في هذا الباب مختصر له سماه «كتاب العالمين» (1)أنا ذاكرهُ في هذا الموضع على وجهه . لأنه كلامٌ لا بأس به، قال إنّ بعضَ المصدّقين بأحكام النجوم وكلّ المكذّبين بها، قد زاغوا عن طريق الحقّ والصواب فيها فإنّ الكثيرين المصدقين بها قد أدخلوا فيها ما ليس منها، وادَّعَوْا ما لم يمكن إدراكه حتى كَثُر فيها خطوهم، وظهر كذبهم، وصار ذلك سبباً لتكذيب أكثر الناس بهذا العلم.
فأما المكذِّبون به فقد بلغوا من إنكار صحيحه وردّ ظاهره إلى أن قالوا : إنه لا يصحّ منه شيء أصلاً، ونسبوا أهلَه إلى الرزق والاحتيال والخداع والتمويه، فلذلك رأينا أن نبتدىء بتبيين :
1) سر العالمين في الهيئة : لأبي جعفر الخازن. «كشف الظنون» (988/2).
صحّة هذه الصناعة، ليظهر فسادُ قول المكذِّبين لها بأسرها، ثم نبيّن ما يمكن إدراكه بها ليبطل دعوى المدّعين فيها ما يمتنع وجو وجودُه بها .
أما الوجوه التي بها تصحّ صناعة الأحكام فهي كثيرة، منها ما يظهر لجميع الناس من قِبَل الشمس، فإنّ حدوث الصيف والشتاء وما يعرض فيهما من الحرّ والبرد والأمطار والرياح ونبات الأرض، وخروج وقت الأشجار وحملها الثمار، وحركة الحيوان إلى النسل والتوالد وغير ذلك، مما يشاكله من الأحوال، إنما يكون أكثر ذلك بحسب دنوّ الشمس من سَمت الرؤوس في ناحية الشمال، وتباعدها منه إلى ناحية الجنوب، وبفضل قوَّة الشمس على قوة القمر، وقُوَى سائر الكواكب ظهر ما قلنا لجميع الناس.
وقد ظهر لهم أيضاً من قبل الشمس في تغيير الهواء كلّ يوم عند طلوعها، وعند توسّطها السماء، وعند غروبها ما لا خفاء به من الآثار.
ومن هذه الوجوه ما يظهر للفلّاحين والملاحين بأدنى تفقّد للأشياء التي تحدث. فإنّهم يعلمون أشياء كثيرة من الآثار التي يؤثّرها القمر وأنوار الكواكب الثاتبة، كالمدّ والجزر، وحركات الرياح والأمطار وأوقاتها عند الحدوث، وما يوافق من أوقات الزراعات وما لا يوافق، وأوقات اللّقاح والنتاج. وقد يظهر من آثار القمر في الحيوان الذي يتوالد في الماء والرّطوبات ما هو مشهور لا ينكر .
ومنها جهات أخرى يعرفها المنجّمون فقط على حَسَب فضل علمهم، ودقّة نظرهم في هذا العِلْم. وإذ قد وصفنا على سبيل الإجمال ما يوجب حقيقة هذا العلم، فإنَّا نصف ما يمكن إدراكه به أو لا يمكن، فنقول : لما كانت تغيّرات الهواء، إنّما تحدث بحسَب أحوال الشمس والقمر والكواكب المتحيرة والثابتة، صارت معرفة هذه التغيّرات قد تدرك من النجوم مع سائر ما يتبعُها من الرياح والسحاب والأمطار والثلج والبرد والرعد والبرق، لأنّ الأشياء التي تَلي الأرض وتصل إليها هذه الآثار من الهواء المحيط بها، كانت الأعراض العامية التي تعرض في هذه الأشياء تابعةً لتلك الآثار، مثل كثرة مياه الأنهار وقلتها، وكثرة الثمار وقلتها وكثرة خِضب الحيوان وقلّته ، والجُدوبة والقَحْط والوباء والأمراض التي تحدث في الأجناس والأنواع، أو في جنس دون جنس، أو في نوع دون نوع، وسائر ما يشاكل ذلك من الأحداث.
ولما كانت أخلاقُ النفس تابعة لمزاج البدن، وكانت الأحداث التي ذكرناها مغيّرة لمزاج البَدَن، صارت أيضاً مغيِّرة للأخلاق، ولأن المزاج الأول الأصليّ هو الغالب على الإنسان في الأمر الأكثر، وكان المزاج الأصليّ هو الذي طُبع عليه الإنسان في وقت كونه في الرَّحِم، وفي : وقت مولده وخروجه إلى جَوّ العالم - صار وقت الكون ووقت المولد أدلّ الأشياء على مِزاج الإنسان، وعلى أحواله التابعة للمزاج، مثل خِلْقة البدن، وخَلْق النفس والمرض والصحّة،
وسائر ما يتبع ذلك، فهذه الأشياء وما يشبِهُها من الأمور التي لا تشارك شيئاً من الأفعال الإرادية فيه مما يمكن معرفتُه بالنجوم، وأما الأشياء التي تشارك الأمور الإرادية بعضَ المشاركة، فقد يمكن أن يصدق فيها هذا العلم على الأمر الأكثر ، وإذا لم يستعمل فيه الإرادة جَرَى على ما تقود إليه الطبيعة .
على أنه قد يعرض الخطأ والغلط لأصحاب هذه الصناعة من أسباب كثيرة، بعضها يختصّ بهذه الصناعة دون غيرها، وبعضها يعمُّها وغيرها من الصنائع .
فأمّا ما يعمّ فهو من قصور طبيعة الناس في معرفة الصنائع أيَّا كانت عن بلوغ الغاية فيها، حتى لا يبقَى وراءها غاية أخرى، فكثرة الخطأ وقلّته على حَسَب تقصير واحد من الناس.
وأما ما يخصُّ هذه الصناعة فهو كثير ما يحتاج صاحبها إلى معرفته، مما لا يمكنه أن يعلم كثيراً منه إلا بالحَدْس والتخمين، فضلاً عن لُطف الاستنباط وحسن القياس، ومما يحتاج إلى معرفة علم أحوال الفَلَك، ومما يحدث في كل واحد من تلك الأحوال، فإنّ كل واحد منها له فعل خاص، ثم يؤلف تلك الأحوال بعضَها مع بعض على كثرة فنونها واختلافاتها، ليحصلَ من جميع ذلك قوّة واحدة، وفعلٌ واحد يكون عنه الحادث في هذا العالم، وذلك أمر عسير ، فمتى أغفل من ذلك شيء كان الخطأ الواقع بحسبِ الشيء الذي سها عنه وترك استعماله .
ثم من بعد تحصيل ما وصفناه ينبغي أن يعلم الحال التي عليها يُوافي في تلك القوة الواحدة الأشياء التي تعرض فيها تلك الأحداث، كأنه مثلاً إذا دل ما في الفلك على حدوث حَرّ، وكانت الأشياء التي يعرض فيها ما يعرض قد مَرّ بها قبل ذلك حَرّ، فحميت وسخنت أثّر ذلك فيها أثراً قوياً فإن كان قد مرّ بها بَرد قبل ذلك، بها بَرْد قبل ذلك، أثر ذلك فيها أثراً ضعيفاً، وهذا شيء يحتاج إليه في جميع الأحداث التي تعمل في غيرها مما يناسب هذه المعرفة .
وأما الأحداث التي تخصّ ناحيةً ناحية، أو قوماً قوماً، أو جنساً جنساً، أو مولوداً واحداً من النّاس، فيحتاج مع معرفتها إلى أن يعلم أيضاً أحوال البلاد والعادات، والأغذية والأوباء وسائر ما يشبه ذلك، مما له فيه أثر وشركة، مثل ما يفعل الطبيب في المعالجة، وفي تقدمة المعرفة، ثم من بعد تحصيل هذه الأشياء كلِّها ينبغي أن ينظر في الأمر الذي قد استدلّ على حدوثه، هل هو مما يمكن أن يرد أو يتلافى بما يبطله أو بغيره من جهة الطبّ والحيل أم لا؟ كأنه مثلاً استدلّ على أنه يصيب هذا الإنسان حرارة يحمّ منها، فينبغي أن يحكم بأنه يحمّ إن لم يتلاف تلك الحرارة بالتبريد، فإنه إذا فعل ذلك أنزل الأمور منازلَها، وأجراها مجاريها .
ثم إن كان الحادث قويّاً لا يمكن دفعه ببعض ما ذكرنا ، فليس يلزم الحاجةَ إلى ما قلنا ، فإنّ الأمر يحدث لا محالة، وما قوي وشمل الناس فإنّه لا يمكن دفعه ولا فسخه، وإن أمكَنَ فإنما يمكنُ في بعض الناس دون بعض .
وأما أكثرهم فإنه يجري أمره على ما قد شمل وعمّ، فقد يعمّ الناسَ حَرّ الصيف، وإن كان بعضُهم يحتال في صرفه بالأشياء التي تبرد وتنفي الحرّ.
فهذه جملة ما ينبغي أن يعلم ويعمل عليه أمور هذه الصناعة.
قلت : هذا اعتراف بأن جميع الأحداث المتعلقة باختيار الإنسان وغيره من الحيوان لا مدخل لعلم أحكام النجوم فيه، فعلى هذا لا يصحّ قولٌ من يقول منهم لزيد مثلاً : إنك تتزوج أو تشتري فرساً، أو تقتل عدوَّا أو تسافر إلى بلد ونحو ذلك، وهو أكثر ما يقولونه ويحكمون به .
وأما الأمور الكليّة الحادثة لا بإرادة الحيوان واختياره، فقد يكون لكلامهم فيه وجهٌ من الطريق التي ذكرها، وهي تعلّق كثير من الأحداث بحركة الشمس والقمر، إلا أن المعلومَ ضرورة من دين رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )إبطال حكم النجوم وتحريم الاعتقاد بها والنهي والزجر عن تصديق المنجّمين، وهذا معنى قول أميرالمؤمنين في هذا الفصل: «فمن صدقك بهذا فقد كذّب القرآن، واستغنى عن الاستعانة بالله». ثم أردف ذلك وأكّده قوله : كان يجب أن يحمَد المنجم دون الباري تعالى، لأن المنجم هو الذي هدى الإنسان إلى الساعة التي ينجح فيها، وصدَّه عن الساعة التي يخفق ويُكْدِي فيها فهو المحسن إليه إذاً ، والمحسن يستحقّ الحمد والشكر، وليس للبارىء سبحانه إلى الإنسان في هذا الإحسان المخصوص، فوجب ألَّا يستحقّ الحمد على ظَفَر الإنسان بطلبه، لكنّ القول بذلك والتزامه كفر مخصٌ.
الأصل: مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الإِيمَانِ، نَوَاقِصُ الحُفوظ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ.
فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاَةِ وَالصَّيَامِ فِي أَيَّامٍ حَيْضِهِنَّ، وَأَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ أَمْرَأَتَيْنِ مِنْهُنَّ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيتُهُنَّ عَلَى الأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ. فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ، وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ، وَلاَ تُطِيعُوهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ حَتَّى لا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَرِ.
الشرح: جَعَل (علیه السّلام) نقصانَ الصّلاة نقصاناً في الإيمان، وهذا هو قول أصحابنا : إنّ الأعمال من الإيمان، وإنّ المقرّ بالتوحيد والنبوة، وهو تارك للعمل ليس بمؤمن.
وقوله(علیه السّلام) : «ولا تطيعوهنّ في المعروف» ، ليس بنهي عن فعل المعروف، وإنما هو نهي
عن طاعتهنّ، أي لا تفعلوه لأجل أمرهنّ لكم بهِ، بل افعلوه لأنه معروف، والكلام ينحو نحو المثل المشهور : «لا تعط العبد كُراعاً فيأخذ ذراعاً».
وهذا الفصل كلّه رمز إلى عائشة، ولا يختلفُ أصحابنا في أنها أخطأت فيما فعلت ثم تابت وماتت تائبة، وأنّها من أهل الجنة .
قال كلّ من صنف ، في السير والأخبار : إن عائشة كانت من أشدّ الناس على عثمان، حتى إنها أخرجت ثوباً من ثياب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فنصبته في منزلها ، وكانت تقول للداخلين إليها : هذا ثوب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لم يَبْلَ، وعثمان قد أبلى سنَّته (1).
قالوا : أولُ مَنْ سِمى عثمان نعثلاً عائشة، والنّعثل : الكثير شعر اللحية والجسد، وكانت تقول : اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً !
وروي المدائنيّ في كتاب «الجمل»، قال : لما قتِل عثمان، كانت عائشة بمكّة، وبلغ قتلُه إليها وهي بشَراف، فلم تشكّ في أنّ طلحة هو صاحب الأمر، وقالت : بُعْداً لنعثل وسحقا ! إيهِ ذا الإصبع ! إيه أبا شِبل ! إيه يابن عمّ، لكأني أنظرُ إلى إصبعه وهو يبايَع له: حثُّوا الإبل ودعدعوها (2).
قال : وقد كان طلحةُ حين قتل عثمان أخذ مفاتيحَ بيت المال، وأخذ نجائبَ كانت لعثمان في داره، ثم فسد أمرُه، فدفعها إلى عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام).
وقال أبو مخنف لوط بن يحيى الأزديّ في كتابه: إنّ عائشة لما بَلغها قتلُ عثمان وهي بمكة، أقبلت مسرعة، وهي تقول : إيه ذا الإصبع ! لله أبوك ! أما إنهم وجدوا طلحة لها كَفوّا . فلما انتهت إلى شَراف استقبلها عبيد بن أبي سلمة الليثيّ، فقالت له : ما عندك؟ قال : قُتِل عثمان، قالت ثم ماذا؟ قال : ثم حارث بهم الأمور إلى خير مَحَارِ، بايعوا علياً، فقالت : لودِدْتُ أنّ السماء انطبقت على الأرض إن تمّ هذا، ويُحك انظر ما تقول! قال : هو ما قلت لك يا أمّ المؤمنين، فولولت، فقال لها : ما شأنُك يا أمّ المؤمنين! والله ما أعرف بين لابتيها (3)أحداً أولى بها منه ولا أحقّ، ولا أرَى له نظيراً في جميع حالاته، فلماذا تكرهين ولايته؟ قال: فما ردّت عليه جواباً .
قال : وقد رُوي من طرق مختلفة أنّ عائشة لما بَلغها قتلُ عثمان وهي بمكة، قالت: أبعده الله ! ذلك بما قدّمت يداه، وما الله بظلام للعبيد (1).
قال : وقد رَوَى قيس بن أبي حازم أنّه حج في العام الذي قُتِل فيه عثمان وكان مع عائشة لما بلغها قتله، فتحمّل إلى المدينة، قال: فسمعها تقول في بعض الطريق : إيه ذا الإصبع ! وإذا ذكرت عثمان قالت : أبعده الله! حتى أتاها خبرُ بيعة عليّ، فقالت: لودِدْتُ أنّ هذه وقعت على هذه، ثم أمرت بردّ ركائبها إلى مكّة فردّت معها، ورأيتها في سيرها إلى مكّة تخاطب نفسها، كأنها تخاطبُ أحداً: قتلوا ابن عفان مظلوماً ، فقلت لها : يا أمّ المؤمنين، ألم أسمعك آنفاً تقولين : أبعده الله ، وقد رأيتك قبلُ أشدّ الناس عليه وأقبحهم فيه قولاً ! فقالت : لقد كان ذلك، ولكني نظرت في أمره، فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفِضّة البيضاء أتوه صائماً محرماً في شهر حرام فقتلوه .
قال: وروي من طرق أخرى أنّها قالت لما بلغها قتله : أبعده الله ! قتله ذنبُه، وأقاده الله بعمله! يا معشرَ قريش لا يسومنّكم قتلَ عثمان، كما سامَ أحمرُ ثمود قومَه، إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر ذو الإصبع، فلما جاءت الأخبار ببيعة عليّ(علیه السّلام) ، قالت : تعِسُوا تعِسُوا ! لا يردُّون الأمر في تَيم أبداً .
كتب طلحة والزبير إلى عائشة وهي بمكة كتاباً : أن خَذْلِي النّاس عن بيعة عليّ، وأظهري الطلب بدم عثمان، وحمّلا الكتاب مع ابن أختها عبدالله بن الزبير، فلما قرأت الكتاب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان، وكانت أمّ سلمَة رضي الله عنها بمكة في ذلك العام، فلما رأت صنع عائشة، قابلتها بنقيض ذلك، وأظهرت موالاةَ عليّ(علیه السّلام) ونصرته على مقتضى العداوة المركزة في طباع الضَّرتين .
قال أبو مخنف : جاءت عائشةُ إلى أمّ سلمة تخادِعُها على الخروج للطّلب بدم عثمان، فقالت لها : يا بنتَ أبي أمية، أنتِ أوّل مهاجرة من أزواج رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأنتِ كبيرة أمّهات المؤمنين، وكان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يَقسم لنا من بيتِك، وكان جبريل أكثرَ ما يكون في منزلك، فقالت أم سلمَة : لأمر ما قلت هذه المقالة، فقالت عائشة : إنّ عبدالله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان، فلما تاب قتلوه صائماً في شهر حرام، وقد عزمتُ على الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحةُ، فاخرجي معنا، لعلّ الله أن يصلِح هذا الأمر على أيدينا وبنا، فقالت أمّ سلمة : إنّك كنت بالأمس تحرّضين على عثمان، وتقولين فيه أخبثَ القول، وما كان اسمه عندك إلا نَعْثَلاً ، وإنّك لتعرفين منزلة عليّ بن أبي طالب عند رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، أفا ذكّرك ؟ قالت : نعم، قالت:
1) أخرجه الشيخ الأميني في الغدير : 351/9 .
أتذكرين يومَ أقبل(علیه السّلام) ونحن معه، حتى إذا هبط من قُدَيد ذات الشمال، خلا بعليّ يناجيه ،فأطال، فأردت أن تهجمي عليهما، فنهيتُك فعصيتني، فهجمتِ عليهما، فما لبثتِ أن رجعتِ باكية فقلت : ما شأنك؟ فقلتِ : إني هجمتُ عليهما وهما يتناجيان فقلت لعليّ : ليس لي من رسول الله إلا يومٌ من تسعة أيام، أفما تدَعني يا بن أبي طالب ويومي ! فأقبل رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عليّ، وهو غضبان محمرّ الوجه، فقال: ارجعي وراءك والله، لا يبغضُه أحدٌ من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان، فرجعتِ نادمةً ساقطة! قالت عائشة : نعم أذكر ذلك (1).
قالت : وأذكرك أيضاً، كنتُ أنا وأنتِ مع رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وأنت تغسلين رأسَه، وأنا أحِيسُ (2)له حيساً، وكان الحيس يعجبه، فرفع رأسه، وقال: «يا ليت شعري، أيتَكنّ صاحبه الجمل الأذنب، تنبحُها كلاب الحوأب (3)، فتكون ناكبةٌ عن الصرّاط! فرفعت يدي من الحيس، فقلت: أعوذُ بالله وبرسوله من ذلك، ثم ضربَ على ظهرك، وقال: «إياك أن تكونيها» ثم قال : يا بنت أبي أميّة، إياك أن تكونيها يا حُمَيراء، أما أنا فقد أنذرتك»، قالت عائشة : نعم أذكر هذا .
قالت : وأذكرك أيضاً كنتُ أنا وأنت مع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في سَفر له، وكان عليّ يتعاهد نَعْلَيْ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيخصِفها، ويتعاهد أثوابه فيغسلها ، فنَقِبت له نعلٌ، فأخذها يومئذ يخصِفها، وقعد في ظلٍّ سَمُرة، وجاء أبوك ومعه عمر، فاستأذنا عليه، فقمنا إلى الحجاب، ودخلا يحادثانه فيما أراد، ثم قالا : يا رسول الله إنا لا ندرِي قدر ما تصحبنا ، فلو أعلمتنا مَنْ يستخلف علينا، ليكون لنا بعدك مفزعاً ؟ فقال لهما : أما إني قد أرى مكانه، ولو فعلت لتفرّقتم عنه. كما تفرّقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران، فسكتا ثم خرجا، فلما خرجنا إلى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، قلتِ له، وكنتِ أجرأ عليه مِنّا : مَنْ كنتَ يا رسول الله، مستخلفاً عليهم؟
فقال : خاصف النّعل ، فنظرنا فلم نر أحد إلا عليَّا ، فقلت : يا رسول الله، ما أرى إلّا عليا فقال: «هو ذاك»، فقالت عائشة : نعم أذكر ذلك فقالت: فأيّ خروج تخرجين بعد هذا؟ قالت : إنما أخرج للإصلاح بين الناس وأرجو فيه الأجر إن شاء الله، فقالت: أنت ورأيك، فانصرفت عائشة عنها ، وكتبت أمّ سلمة بما قالت وقيل لها إلى عليّ (علیه السّلام)(4).
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 169/32 ، وأخرجه الأحمدي في مواقف الشيعة : 99/2.
2) الحَيْس : الطعام يخلط من التمر والأقط والسمن. لسان العرب مادة (حيس).
3) الحوأب الوادي الوسيع. وهو اسم مكان موضع في طريق البصرة .
4) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 32 170 ح 130 ، وأخرجه الأحمدي في مواقف الشيعة .
فإن قلت : فهذا نصُّ صريح في إمامة عليّ(علیه السّلام) ، فما تصنعُ أنت وأصحابك المعتزلة به؟
قلت : كلاً إنه ليس بنصُ كما ظننت ، لأنه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لم يقل : قد استخلفته، وإنما قال: «لو قد استخلفتُ أحداً لاستخلفته» (1)، وذلك لا يقتضي حصول الاستخلاف، ويجوز أن تكونَ مصلحة المكلَّفين متعلقة بالنصّ عليه لو كان النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مأموراً بأن ينصٌ على إمام بعينه من بعده، وأن يكون من مصلحتهم أن يختارُوا لأنفسهم من شاؤوا إذا تركهم النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وآراءهم ولم يعين أحداً .
وروی هشام بن محمد الكلبي في كتاب «الجمل» أن أمّ سلمة كتبت إلى عليٌّ(علیه السّلام) من مكة : أما بعد، فإنّ طلحة والزبير وأشياعَهم أشياع الضلالة، يريدون أن يخرجُوا بعائشة إلى البصرة ومعهم عبدالله بن عامر بن كُريز، ويذكرون أنّ عثمان قُتل مظلوماً، وأنهم يطلبون بدمه، والله كافيهم بحوله وقوته، ولولا ما نهانا الله عنه من الخروج، وأمرّنا به من لزوم البيت لم أدَع الخروجُ إليك، والنُّصرة لك، ولكنّي باعثة نحوك ابني، عَدل نفسي عمر بن أبي سلمة، فاستوص به يا أميرالمؤمنين خيراً .
قال: فلما قدم عمر على عليّ(علیه السّلام) أكرمه، ولم يزل مقيماً معه حتى شهد مشاهده كلّها ، ووجَّهه أميراً على البحرين. وقال لابن عمَّ له : بلغني أن عمر يقول الشعر، فابعث إليّ من شعره، فبعث إليه بأبيات له أولها :
جزتك أميرَالمؤمنین قرابةً*** رفعت بها ذکری جزاء موفَّرا
فعجب عليّ(علیه السّلام) من شعره واستحسنه .
ومن الكلام المشهور الذي قيل : إن أمّ سلَمة رحمها الله ، كتبت به إلى عائشة : إنك جُنّة بين رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبين أمتّه، وإن الحجابَ دونك لمضروب على حُرمته، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تَنْدَحِيه (2)، وسكّن عُقَيْراك (3)فلا تُضحريها، لو أذكرتُكِ قولةً مِنْ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تعرفينَها لنهشت بها نَهْش الرّقشاء المطرقة ما كنت قائلة لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لو لقيك ناضة قلُوص قعودك من مَنْهَل إلى منهل قد تركت عُهَيداه، وهتكت ستره ، إنّ عمود الدين لا يقومُ بالنساء، وصَدعه لا يُرأب بهنّ، حُماديات النساء خفض الأصوات وخفر الأعراض، اجعلي قاعدة البيت قبرك حتى تلقينه، وأنت على ذلك.
فقالت عائشة : ما أعرفَني بنصحك ، وأقبلني لوغظك! وليس الأمر حيث تذهبين، ما أنا بعميّة عن رأيك، فإن أُقِمْ ففي غير حرج، وإن أخرج ففي إصلاح بين فئتين من المسلمين.
وقد ذكر هذا الحديث أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة في كتابه المصنف في «غريب الحديث» (1)في باب أم سلمة، على ما أورده عليك، قال:
لما أرادت عائشة الخروج إلى البصرة، أتتها أمّ سلمة فقالت لها : إنّك سُدّة بين محمد رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبين أمتّه، وحجابك مضروب على حُرمته، قد جَمَع القرآن ذيلك فلا تَنْدَحيه ، وسكّن عُقيراك فلا تُضحرِيها، الله من وراء هذه الأمة، لو أراد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أن يعهد إليك
عَهْداً عُلْت عُلت، بل قد نهاك عن الفَرطة في البلاد، إنّ عمود الإسلام لا يُئابُ بالنساء إن مال، ولا يُرابُ بهنّ إن صُدع، حُمادَيات النساء غَضّ الأطراف وخَفَر الأعراض وقِصَر الوهَازة، ما كنت قائلة لو أنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )عرضَك ا بعد الفلوات ، ناصَّة قَلوصاً من منهل إلى آخر، إنّ بعين الله مَهْواك، وعلى رسوله تَردين، وقد وَجَهتِ سَدَافته - ويروى سَجافته - وتركت عُهَيْدَاه .
لو سرتُ مسيرك هذا ثم قيل لي : ادخلي الفردوس لاستحييت أن ألقي محمداً (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هاتكة حجاباً ، وقد ضرَبه عليَّ، اجعلِي حِضنَك بيتك، ووقاعةَ الستر قبرك، حتّى تلقينه، وأنت على تلك أطوع ما تكونين لله بالرقبة، وأنصَر ما تكونين للدين ما حلت عنه . لو ذكّرتك قولاً تعرفينه لنهشت به نَهْشَ الرَّقشاء المطرقة .
فقالت عائشة : ما أقبلَني لو عظك! وليس الأمر كما تظنّين، ولنعمَ المسيرُ مسير فزعت فيه إليّ فئتان متناجزتان - أو قالت متناحرتان - إن أقعد ففي غير حرج، وإن أخرج فإلى ما لا بدّ لي من الازدياد منه (2).
السُّدّة: الباب، ومنه حديث رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه ذكر أول مَن يردُ عليه الحوض، فقال: الشُّعْث رؤوساً، الدُّنس ثياباً ، الذين لا تفتح لهم السُّدد، ولا ينكحون المتنعمات، وأرادت أمّ سلمَة أنّك بابٌ بين النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبين الناس، متى أصيب ذلك الباب بشيءٍ فقد دُخل على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في حرَمه وحوزته، واستبيح ما حماه، تقول فلا تكوني أنت سببَ ذلك بالخروج الذي لا يجب عليك، فتحوجي الناس إلى أن يفعلوا ذلك. وهذا مثلُ قول نعمان بن
مُقَرن للمسلمين في غزاة نَهَاوَند : ألا وإنكم باب بين المسلمين والمشركين، إن كُسِر ذلك الباب دُخل عليهم منه .
وقولها : «قد جمع القرآن ذيلك فلا تَنْدَحيه»، أي لا تفتحيه ولا توسعيه بالحركة والخروج، يقال : ندحتُ الشيء إذا وسَّعتَه، ومنه يقال : فلان في مَندوحة عن كذا، أي في سعة تريد قول الله تعالى : «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُن » (1). ومن روي «تبدحيه» بالباء فإنه من البَدَاح وهو المتسع من الأرض، وهو معنى الأول.
وسكن عُقَيْرَاك، من عُقْر الدار وهو أصلها، أهل الحجاز يضمُّون العَين، وأهل نجد يفتحونها، وعُقَيرُ اسم مبنيٌّ من ذلك على صيغة التصغير، ومثله ممّا جاء مصغراً «الثريّا» و«الحُمَيا» وهو سؤرة الشراب. قال ابن قتيبة : ولم أسمع ب-«بُعقيرا» إلا في هذا الحديث.
: قولها «فلا تُضحريها»، أي لا تُبرزيها وتجعليها بالصحراء ، يقال : أصْحَر، كما يقال : أنجد وأسَهَل وأحزن .
وقولها : «الله من وراء هذه الأمة»، أي محيط بهم وحافظ لهم وعالم بأحوالهم، كقوله تعالى: «وَاللَّهُ مِن وَرَآهم مُحيط » (2).
قولها : «لو أراد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )» الجواب محذوف، أي لفعل ولعَهد، وهذا كقوله تعالى : «وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانَا سُيَرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ » (3)، أي لكان هذا القرآن.
قولها : «عُلت عُلت»، أي جزت في هذا الخروج، وعدلت عن الجواب، والعول: الميل ،والجور، قال تعالى: «ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا » ((4)، ومن الناس من يرويه «عِلْت عِلت» بكسر العين، أي ذهبت في البلاد وأبعدت السير، يقال: عال فلان في البلاد، أي ذهب وأبعد، ومنه قيل للذئب : عيال.
قولها : «عن الفَرْطة في البلاد»، أي عن السفر والشّخوص ، من الفَرْط وهو السَّبق والتقدّم، ورجل فارط: أتى الماء، أي سابق.
قولها: «لا يُتاب بالنساء»، أي يردّ بهن إن مال إلى استوائه، من قولك: ثاب فلان إلى كذا أي عاد إليه .
قولها : «ولا يرأب بهنّ إن صَدع» أي لا يسدّ بهنّ، ولا يجمع ، والصَّدْعُ : الشقّ، ويروى : «إن صَدَع» بفتح الصاد والدال أجروه مجرى قولهم : جبرت العظم فجبر .
قولها: «حماديات النساء» يقال : حمُادَاك أن تفعل كذا مثل كذا «قُصاراك أن تفعل كذا» أي جهدك وغايتك .
وغض الأطراف، جمعها، وخَفَرَ الأعراض، الخفّر: الحياء، والأعراض، جمع عِرْض وهو الجسد، يقال : فلان طيّب العِرْض، أي طيب ريح البدن، ومن رواه «الإعراض» بكسر الهمزة جعلَه مصدراً، من أعرض عن كذا .
قولها : و«قصر الوهازة» قال ابن قتيبة : سألت عَنْ هذا فقال لي مَنْ سألته : سألت عنه أعرابيَّا فصيحاً فقال : الوِهَازة: الخطوة، يقال للرجل : إنه لمتوهّز ومتوهّر، إذا وطيء وطناً ثقيلاً .
قولها: «ناصّة قلوصاً»، أي رافعة لها في السير، والنصّ : الرفع، ومنه يقال : حديث منصوص، والقَلُوص، أي مرفوع، والقَلُوص من النوق: الشابّة وهي بمنزلة الفتاة من النساء.
والمنهل : الماء ترده الإبل .
قولها : «إنّ بعين الله مَهْواك»، أي إن الله يرى سيرَك وحركتك، والْهُويّ: الانحدار في السير من النَّجد إلى الغَوْر .
قولها : «وعلى رسوله تَردين»، أي تقدمين في القيامة.
قولها : «وقد وجهت سِدَافته»، السِّدافة: الحجاب والستر، هي من أسدَف الليل إذا ستر بظلمته، كأنه أرخى ستوراً من الظلام، ويروى بفتح السين، وكذلك القول في سَجافته، إنه يروى بكسر السين وفتحها، والسّدافة والسَّجافة بمعنى .
ووجَّهت، أي نظمتها بالخرز، والوجيهة: خرزة معروفة، وعادة العرب أن تنظِم على المحمَل خرزات إذا كان للنساء.
قولها : «وتركت عُهيداه»، لفظة مصغّرة مأخوذة من العَهْد، مشابهة لما سلف من قولها : «عُقيراك» و «حماديات النساء».
قولها: «ووِقاعة السّتر» أي موقِعَه على الأرض إذا أرسلته، وهي الموقعة أيضاً، وموقعة الطائر.
قولها : «حتى تلقينه وأنت على تلك»، أي على تلك الحال، فحذف.
قولها : «أطوع ما تكونين لله إذا لزمته» ، أطوع: مبتدأ، وإذا لزمته: خبر المبتدأ، والضمير في لزمته راجع إلى العهد والأمر الذي أمرَتْ به .
قولها : «لنَهَشَتْ به نَهْش الرقشاء المطرقة»، أي لعضّك ونهشك ما أذكّره لك وأذكّرك به كما تنهشك أفعى رقشاء، والرّقش في ظهرها، هو النقط ، والجرادَة أيضاً رقشاء، قال النابغة :
فيتّ كأنيِّ ساورتنِي ضئيلةٌ*** من الرُّقش في أنيابها السُّمُّ ناقع
والأفعى يوصف بالإطراق، وكذلك الأسد والنمر والرجل الشجاع، وكان معاوية يقول في عليِّ(علیه السّلام) : الشجاع المطرق، وقال الشاعر وذكر أفعى :
أصمّ أعمى ما يجيب الرُّقى*** من طول إطراق وإسبَاتِ
قولها: «فئتان متناجزتان» أي تسرع كلّ واحدة منهما إلى نفوس الأخرى، ومن رواه «متناحرتان» أراد الحربَ وطَعْن النّحور بالأسنة، ورشقها بالسهام .
وفزعت إلى فلان في كذا، أي لذتُ به والتجأت إليه .
وقولها : «إن أقعد ففي غير حَرَج» أي في غير إثم، وقولها : «فإن أخرج فإلى ما لا بدّ لي من الازدياد منه»، كلام مَن يعتقد الفضيلة في الخروج، أو يعرف موقع الخطا ويصرّ عليه .
لما عزمت عائشة على الخروج إلى البصرة طلبوا لها بعيراً أيّداً يحمل هَوْدَجها، فجاءهم يعلَى بن أمية ببحيره المسمى عَسكراً، وكان عظيم الخلق شديداً، فلما رأتهَ أعجبها ، وأنشأ الجمَّال يحدّثها بقوته وشدته، ويقول : في أثناء كلامه: «عسكر»، فلما سمعت هذه اللفظة، استرجعت، وقالت: ردّوه لا حاجة لي فيه، وذكرت حيث سألت أن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ذكر لها هذا الاسم، ونهاها عن ركوبه، وأمرَتْ أن يطَلب لها غيرُه فلم يوجد لها ما يشبهه، فغيِّر لها بجِلال غير جِلاله ، وقيل لها : قد أصبنا لك أعظم منه خَلْقاً، وأشدّ قوة، وأتيَتْ به فرضيت (1).
قال أبو مخنف: وأرسلت إلى حَفصة تسألها الخورجَ والمسير معها، فبلغ ذلك عبدالله بن عمر، فأتى أختَه فعزم عليها ، فأقامت وحطَّتِ الرّحال بعد ما همّت .
كتب الأشتر من المدينة إلى عائشة وهي بمكة، أما بعد : فإنّك ظعينة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقد أمرك أن تَقَرِّي في بيتك، فإن فعلتِ فهو خيرٌ لك، فإن أبيتِ إلا أن تأخذي مِنسأتك، وتُلقى جلبابك، وتبدي للناس شعيراتك، قاتلتُك حتى أردّك إلى بيتك، والموضع الذي يرضاه لك ربّك .
فكتبت إليه في الجواب : أما بعد، فإنّك أول العرب شَبّ الفتنة، ودعا إلى الفرقة وخالف الأئمة، وسعى في قتل الخليفة، وقد علمتَ أنك لن تُعجزَ الله حتى يصيبك منه بنقِمة ينتصر بها منك للخليفة المظلوم، وقد جاءني كتابُك ، وفهمت ما فيه، وسيكفينيك الله، وكلّ من أصبح مماثلاً لك في ضلالك وغَيّك، إن شاء الله .
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 138/32 .
وقال أبو مِخنف : لما انتهت عائشةُ في مسيرها إلى الحوأب، وهو ماء لبني عامر بن صعصعة، نبحثها الكلاب، حتى نفرت صِعَاب إبلها ، فقال قائل من أصحابها: ألا ترون، ما أكثر كلاب الحوأب ، وما أشدّ نُباحها! فأمسكت زمام بعيرها، وقالت : وإنها لكلاب الحوأب ! ردّوني ردّوني، فإني سمعت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول ... وذكرت الخبر، فقال لها قائل: مهلاً يرحمك الله ! فقد جُزنا ماء الحوأب، فقالت: فهل من شاهد؟ فلفّقوا لها خمسين أعرابياً، جعلوا لهم جُعْلاً، فحلفوا لها : إن هذا ليس بماء الحوأب ، فسارت لوجهها .
لما انتهت عائشة وطلحة والزبير إلى حَفْر أبي موسى قريباً من البصرة، أرسل عثمان بن حَنِيف - وهو يومئذٍ عامل عليّ(علیه السّلام) على البَصْرة - إلى القوم أبا الأسود الدؤلي يعلَم له علمهم، فجاء حتّى دخلَ على عائشة ، فسألها عن مسيرها، فقالت: أطلب بدم عثمان، قال: إنه ليسَ بالبَصْرة مِنْ قتَلة عثمان أحدٌ، قالت: صدقت، ولكنّهم مع عليّ بن أبي طالب بالمدينة، وجئت أستنهضُ أهلَ البصرة لقتاله. أنغضب لكم من سَوْط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم! فقال لها : ما أنت مِن السَّوْط والسيف! وإنما أنت حَبِيس رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، أمرَك أن تَقَرِّي في بيتك، وتتلِي كتاب ربك، وليس على النساء قتال، ولا لهنّ الطلب بالدماء، وإن عليَّا لأولى بعثمان منك، وأمسُّ رحماً ، فإنهما ابنَا عبد مناف، فقالت: لست بمنصرفةٍ حتى أمضِيَ لما قدمتُ لَهُ ، أفتظنّ يا أبا الأسود أنّ أحداً يقدمُ على قتالي! قال: أما والله لتقاتِلنّ قتالاً أهونه
الشديد .
ثم قام فأتى الزبير، فقال : يا أبا عبدالله ، عهد الناس بك، وأنت يوم بويع أبو بكر آخذٌ بقائم سيفك ، تقول : لا أحدَ أولى بهذا الأمر من ابن أبي طالب، وأين هذا المقام من ذاك ! فذكر له دمَ عثمان، قال أنت وصاحبك وليِتماه فيما بلغنا ! قال : فانطلق إلى طلحة فاسمع ما يقول، فذهب إلى طلحة، فوجده سادِراً في غَيْه، مصِرًا على الحرب والفتنة، فرجع إلى عثمان بن حُنيف، فقال : إنها الحرب، فتأهَّب لها !
لما نزل عليّ(علیه السّلام) بالبَصْرة، كتبت عائشة إلى زيد بن صُوحان العبديّ :
من عائشة بنت أبي بكر الصديق زَوج النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلى ابنها الخالص زيد بن صُوحان، أما بعدُ فاقِم في بيتك، وخذَّل الناسَ عن عليّ، وليبلغني عنك ما أحبّ، فإنك أوثق أهلي عندي، والسلام.
فكتب إليها : من زيد بن صُوحان إلى عائشة بنت أبي بكر، أمّا بعد فإن الله أَمَرَكِ بأمرٍ وأمرنا بأمْرِ، أمرَك أن تَقَرِّي في بيتك، وأمرَنا أن نجاهدَ، وقد أتاني كتابُك ، فأمرتنِي أن أصنَع خِلاف ما أمرَني الله ، فأكون قد صنعتُ ما أمرَك الله به، وصنعتِ ما أمرني الله به، فأمرك عندي غير مطاع، وكتابك غير مجاب، والسلام.
روى هذين الكتابين شيخنا أبو عثمان عمرو بن بحر ، عن شيخنا أبي سعيد الحسن البصريّ .
وركبت عائشة يوم الحرب الجملَ المسمّی عسكراً في هَوْدج، قد ألبس الرّفرف، ثم ألبِس جلود النّمِر ، ثم ألبِس فوق ذلك دروع الحديد.
الشعبيّ، عن مسلم بن أبي بَكرة، عن أبيه أبي بَكرة قال : لما قدم طلحة والزبير البصرة،تقلدتُ سيفي، وأنا أريد نصرَهما، فدخلت على عائشة، وإذا هي تأمر وتنهى، وإذا الأمر أمرُها ، فذكرت حديثاً كنت سمعته عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «لن يفلح قومٌ تدبِّر أمرَهم امرأة» (1)، فانصرفت واعتزلتهم .
وقد رُوِيَ هذا الخبر على صورة أخرى : «إنّ قوماً يخرجُون بعدي في فئة، رأسها امرأة، لا يفلحون أبداً » (2).
كان الجمل لواء عسكر البصرة لم يكن لواء غيره .
خطبت عائشة والناس قد أخذوا مصافّهم للحرب، فقالت :
أما بعد فإنا كنا نقَمْنَا على عثمان ضربَ السوط، وإمرة الفتيان، ومرتَع السحابة المحميّة، ألا وإنكم استعتبتموه فأعتبَكم، فلما مُصْتُموه كما يُمَاص الثوب الرّحِيض، عَدَوْتم عليه، فارتكبتم منه دمَاً حراماً، وايمُ الله إن كان لأحصنّكم فَرْجاً، وأتقاكم الله .
خطب على(علیه السّلام) لما تواقف الجمعان، فقال :
لا تقاتلوا القومَ حتى يبدؤوكم، فإنكم بحمدالله على حُجّة، وكفكُم عنهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى، وإذا قاتلتموهم فلا تُجهزوا على جريح، وإذا هزمتموهم فلا تتبعُوا مدبراً، ولا تكشِفوا عورة، ولا تمثِّلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سِتْراً، ولا تدخلوا داراً، ولا تأخذوا من أموالهم شيئاً، ولا تَهيجوا امرأة بأذى، وإن شتمنَ أعراضكم وسبَين
أمراءكم وصلحاءكم، فإنّهن ضعاف القوى، والأنفس والعقول، لقد كنّا نؤمر بالكَفِّ عنهنّ وإنهنّ لمشركات، وإن كان الرجل ليتناولُ المرأة بالهراوة والجريدة، فيعيّر بها وعقبه من بعده.
قُتِل بنو ضَبّة حول الجمل فلم يبقَ إلا مَنْ لا نفع عنده، وأخذَت الأزد بخِطامه، فقالت عائشة : مَنْ أنتم؟ قالوا : الأزد، قالت صبراً، فإما يصبر الأحرار، ما زلت أرى النَّصر مع بني ضَبّة، فلما فقدتُهم أنكرتُه . فحرّضت الأزد بذلك، فقاتلوا قتالاً شديداً، ورمي الجملُ بالنَّبْل حتى صارت القبة عليه كهيئة القنفذ .
قال عليّ (علیه السّلام) : لما فنِيَ الناس على خِطام الجمل، وقطعت الأيدي، وسالت النفوس: ادعُوا لي الأشتر وعَمّاراً، فجاءا ، فقال : اذهبَا فاعقِرا هذا الجمل، فإن الحرَب لا يبوخ ضِرامها ما دام حَيًّا ، إنهم قد اتخذوه قبلة، فذهبا ومعهما فتَيانِ من مُراد، يعرُف أحدهما بعمر بن عبدالله، فما زالا يضربان الناسَ حتى خَلَصا إليه، فضربه المُراديّ عَلَى عرقوبيْه، فأقعى وله رُغاء، ثم وقع لجنبه، وفرّ الناس من حوله، فنادى عليّ(علیه السّلام) : اقطعوا أنْسَاع الهودج، ثم قال لمحمد بن أبي بكر: اكفني أختَك، فحملها محمد حتى أنزلَها دار عبدالله بن خلف الخُزاعيّ .
بعث عليٌّ عبدالله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالرحيل إلى المدينة، قال: فأتيتُها ، فدخلت عليها ، فلم يوضع لي شيء أجلِس عليه، فتناولت وسادة كانت في رَحْلها، فقعدت عليها، فقالت يابن عباس، أخطأت السنّة قعدت على وسادتنا في بيتنا بغير إذننا ! فقلت : ليسَ هذا بيتُكِ الذي أمَرك الله أن تَقَرِّي فيه، ولو كان بيتَك ما قعدتُ على وِسادتك إلا بإذنك، ثم قلت : إن أميرالمؤمنين أرسلَني إليك يأمُرك بالرحيل إلى المدينة، فقالت: وأين أميرالمؤمنين! ذاك عمر، فقلت: عمر وعليّ، قالت أبيت! قلت: أما والله ما كان أبوك إلا قصيرَ المدّة، عظيم المشقة، قليل المنفعة، ظاهر الشؤم بيّن النّكد، وما عسى أن يكون أبوك ! والله ما كان أمرُك إلا كحَلب شاة حتى صرت لا تأمرين ولا تنهين، ولا تأخذين ولا تعطين، وما كنت إلا كما قال أخو بني أسد:
ما زال إهداء الصغائر بيننا*** نثَّ الحديث وكثرَة الألقاب
حتى نزلت كان صوتَك بينهم*** في كلّ نائبة طنينُ ذبابِ
قال فبكت حتى سُمع نحيبُها من وراء الحجاب، ثم قالت إني معجّلة الرحيل إلى بلادي
إن شاء الله تعالى، والله ما من بلد أبغضَ إلي من بلد أنتم فيه ، قلت : ولم ذاك! فوالله لقد جعلناكِ للمؤمنين أمَّا ، وجعلنا أباك صِديقاً، قالت يابن عباس، أتمنّ علي برسول الله؟ قلت : ما لي لا أمنّ عليك بمَنْ لو كان منك لمننتِ به عليّ !
أتيت عليَّا(علیه السّلام) فأخبرته بقولها وقولي، فسرّ بذلك، وقال لي : «ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ واللهُ سَميعٌ عَلِيمٌ» (1)، وفي رواية : أنا كنت أعلم بك حيث بعثُك (2).
الأصل: أَيُّهَا النَّاسُ، الزَّمَّادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ، وَالشَّكْرُ عِنْدَ النَّعَمِ، وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ المَحَارِمِ، فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ، وَلا تَنَسَوْا عِنْدَ النَّعَمِ شُكْرَكُمْ، فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةِ، وَكُتُبِ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةٍ.
الشرح: فسّر (علیه السّلام) لفظ الزّهّادة، وهي الزّهد، بثلاثة أمور وهي قصَر الأمل، وشكر النعمة، والورَع عن المحارم، فقال: لا يسمّى الزاهد زاهداً حتى يستكمِل هذه الأمور الثلاثة، ثم قال : «فإن عزب ذلك عنكم»، أي بَعُدَ، فأمران من الثلاثة لا بدّ منهما، وهما الورع وشكر النعم، جعلهما أكد وأهمّ من قصر الأمل.
واعلم أنّ الزهد في العُرْف المشهور هو الإعراض عن متاع الدنيا وطيباتها، لكنه لما كانت الأمور الثلاثة طريقاً موطئة إلى ذلك أطلَق(علیه السّلام) لفظ الزهد عليها على وجه المجاز.
وقوله : «فقد أعذر الله إليكم» أي بالغ، يقال : أعذَر فلان في الأمر أي بالغ فيه، ويقال: ضُرب فلان فأعذر، أي أشرف على الهلاك، وأصل اللفظة من العذر ، يريد أنه قد أوضحَ لكم بالحجج النيّرة المشرقة ما يجب اجتنابُه، وما يجب فعله، فإن خالفتم استوجبتُم العقوبة، فكان له في تعذيبكم العذر .
والآثارة الواردة في الزهد كثيرة :
قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «أفلح الزاهد في الدنيا ، حَظِي بعزّ العاجلة وبثواب الآخرة»(1).
وقال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «من أصبَحت الدنيا همّه وسَدَمه، نزع الله الغني من قلبه وصيّر الفقر بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِب له، ومن أصبحت الآخرة همّه وسَدَمه، نزع الله الفقر عن قلبه وصيّر الغني بين عينيه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (2).
وقال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) للضحّاك بن سفيان: ما طعامُك؟ قال : اللحم واللبن ، قال : ثم يصير إلى ماذا ؟
قال : إلى ما علمت، قال : فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا .
وكان الفُضَيْل بن عِياض يقول لأصحابه إذا فرغ من حديثه : انطلقوا حتى أريَكم الدنيا، فيجيء بهم إلى المزبلة، فيقول : انظروا إلى عنَبهم وسَمْنهم ودجاجهم وبطَّهم! صار إلى ما ترون.
ومن الكلام المنسوب إلى المسيح(علیه السّلام) : الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها .
سئل رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عن قوله سبحانه: «فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ) (3)فقال : إذا دخل النّور القلبَ انفسخ، فذلك شرح الصدر، فقيل : أفلذلك علامة يعرف بها؟ قال: نعم الإنابة إلى دار الخلود، والتجافِي عن دار الغُرور، والاستعداد للموت قبل نزوله (4).
قالوا : أوحى الله تعالى إلى نبيّ من الأنبياء: اتخذِ الدّنيا ظِئراً، واتخذ الآخرة أمَّا .
الشعبيّ : ما أعلم لنا وللدنيا مثلاً إلا قول كُثَيّر :
أسيئِي بنَا أو أحسِنى لا ملومةٌ*** لَدَيْنَا ولا مقليّة إن تَقَلَّتِ
بعض الصالحين: المستغنى عن الدّنيا بالدّنيا، كالمطفىء النارَ بالتبن .
وفي بعض الكتب القديمة الإلهية : قال الله للدنيا : مَنْ خدَمني فاخدميه، ومن خدَمكِ فاستخدِميه.
1) أخرجه محمد الريشهري في ميزان الحكمة : 1174/2.
2) أخرج الدارمي نحوه كتاب: المقدمة، في باب فضل العلم والعالم (331)، والطراني في «الأوسط» (5990) ، وابن عدي في «الكامل» (1003) ، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 247).
3) سورة الأنعام، الآية: (125).
4) أخرجه البيهقي في «الزهد » (974) ، وأبو نعيم في «الحلية» (246/9).
دخل محمد بن واسع على قُتيبة بن مسلم، وعليه مدرعة من صُوف، فقال: ما هذه؟ فسکت، فأعاد عليه السؤال، فقال : أكره أن أقولَ زهداً أزكّيَ نفسي، أو فقراً فأَشكوَ ربيّ .
قيل في صفة الدنيا والآخرة: هما كضَرتين إن أرضيتَ إحداهما أسخطتَ الأخرى.
قيل لمحمد بن واسع : إنك لترضَى بالدُّون، قال إنّما رضيَ بالدُّون مَنْ رضيَ بالدنيا .
خطب أعرابيٌّ كان عاملاً لجعفر بن سليمان على ضَريّة يوم جُمعة خطبةً لم يُسمع أو جَز منها ولا أفصح ، فقال : إنّ الدنيا دارُ بلاغ، وإنّ الآخرة دار قرار، فخذُوا من ممرّكم لمستقَرِّكم، ولا تهتِكوا أستارَكم عند مَنْ لا تخفى عليه أسراركم، وأخْرِجُوا من الدنيا قلوبَكم قبل أن تخرُج منها أبدانُكم، ففيها جئتم، ولغيرها خُلقتم، إنّ المرء إذا هلك قال الناس : ما ترك؟ وقالت الملائكة : ما قدَّم؟ فلِلّه آثاركم! قدّموا بعضاً يكن لكم، ولا تؤخّروا كُلا فيكون عليكم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله، والمدعوُّ له الخليفة، ثم الأمير جعفر. ونزل.
أبو حازم الأعرج: الدُّنيا كلُّها عموم، فما كان فيها سروراً فهو ربح.
محمد بن الحنفيّة : مَنْ عزّت عليه نفسُه هانت عليه الدنيا .
قيل لعلي بن الحسين(علیه السّلام) : مَنْ أعظمُ الناس خَطَراً ؟ قال : مَنْ لم يَر الدنيا لنفسه خطراً (1).
قال المسيح(علیه السّلام) الأصحابه : حبُّ الدنيا رأسُ كلّ خطيئة، واقتناء المال فيها داء عظيم، قالوا له : كيف ذلك؟ قال : لا يسلم صاحبه من البغي والكبر، قيل : فإن سَلم منهما ، قال : يشغلُه إصلاحه عن ذكر الله.
أشرف أبو الدرداء على أهل دمشق، فقال : يا أهلَ دمشق، تبنونُ ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتأمُلُون ما لا تدركون! أينَ مَنْ كان قبلكم؟ بنؤا شديداً، وأمَّلوا بعيداً، وجمعوا كثيراً ، فأصبحت مساكنهم قُبوراً ، وجمعُهم بُوراً، وأملُهم غروراً .
قال المأمون : لو سئلت الدُّنيا عن نفَسها لم تسطِع أن تصفَ نفسها بأحسنَ من قول الشاعر :
إذا امتحنَ الدُّنيا لبيبٌ تكشَفَتْ*** لَهُ عن عَدُوٌّ في ثيابِ صديقِ
وقال رجل : يا رسولَ الله ، كيف لي أن أعلم أمري؟ قال : «إذا أردتَ شيئاً من أمور الدنيا فعسُر عليك، فاعلم أنّك بخير، وإذا أردتع شيئاً من أمر الدنيا فيسُر لك، فاعلم أنه شرٌّ لك» (2).
قال رجل ليونس بن عبيد : إنّ فلاناً يعمل بعمل الحسن البصريّ، فقال: والله ما أعرف
أحداً يقول بقوله، فكيفَ يعمل بعمله؟ قيل : فصفه لنا ، قال : كان إذا أقبَلَ فكأنّه أقبَل مِنْ دفنِ حبيب، وإذا جلس فكأنّه أسير أجلِس لضرب عنقه، وإذا ذكرتِ النار فكأنّها لم تخلق إلّا له .
وقال بعض الصالحين لرجل: يا فلان، هل أنت على حالٍ أنتَ فيها مستعدٌّ للموت ؟ قال : لا، قال: فهل أنت عالم بأنّك تنتقل إلى حال ترضى به؟ قال : لا ، قال : أفتعلم بعد الموت داراً فيها مستعتَب؟ قال : لا ، قال : أفتأمن الموت أن يأتيَك صباحاً أو مساءً؟ قال : لا ، قال : أفيرضى بهذه الحال عاقل !
وقال أبو الدّرداء : أضحكتني ثلاثٌ، وأبكتني ثلاث: أضحكني مؤمّل الدنيا والموت يطلبه، وغافلٌ وليس بمغفولٍ عنه، وضاحكٌ ملءَ فيه لا يدري أراض عنه الله أم ساخط ! وأبكاني فراقُ محمد وحزبه، وأبكاني هولُ الموت، وأبكاني هولُ الموقف، يومَ تبدُو السرائر حين لا أدري أيؤخذ بي إلى جنّة أم إلى نار !
وكان عبدالله بن صغير يقول : أتضحكُ ولعلّ أكفانَك قد خرجت من عند القَصّار! وكان يقال : مَنْ أتى الذنبَ ضاحكاً، دخل النار باكياً .
وكان ملك بن دينار يقول : وددت أنّ رزقي في حصاة أمصّها حتى أبول، فلقد اختلفت إلى الخلاء حتى استحييتُ من ربي .
وقال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «لا يبلغ العبدُ أن يكونَ من المتقين حتى يدَعَ ما ليس به بأس حذراً عَمّا به البأس » (1).
وقال المسيح(علیه السّلام) : بحقّ أقول لكم ، إنّ مَنْ طلب الفِرْدَوس، فخبز الشعير، والنّوم على المزابل مع الكلاب، له كثير .
وأوصى ابن محرز رجلاً فقال : إن استطعتَ أن تعرف ولا تعرَف، وتسأل ولا تُسأل، وتمشي ولا يمشَي إليك، فافعل.
وقال عليّ(علیه السّلام) : طوبّى لمن عَرَف الناس ولم يعرفوه، تعجَّلَتْ له منيَّتُه، وقلّ تراثه، وفقد باكياته .
وكان يقال : في الجوع ثلاث خصالٍ : حياةٌ للقلب، ومذلّة للنفس، ويورث العقل الدقيق من المعاني .
وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: أريدُ أن تقبل مني دراهم، قال: إن كنت غنيَّا قبلتُها منك،
1) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة والرقائق، باب منه (2451) ، وابن ماجه، في كتاب: الزهد، باب الورع والتقوى (4215).
وإن كنتَ فقيراً لم أقبلها، قال: فإني غنّي، قال : كم تملك؟ قال ألفي درهم، قال : أفيسرُّك أن تكون أربعة آلاف؟ قال: نعم، قال: لست بغنيّ ودراهمك لا أقبلها .
وكان أبو حازم الأعرج إذا نظَر إلى الفاكهة في السوق، قال: موعدكِ الجنة إن شاء الله تعالى .
ومرّ أبو حازم بالقصابين، فقال له رجل منهم : يا أبا حازم، هذا سَمِين فاشتر منه، قال: ليس عندي دراهم، قال: أنا أنظِرُك ، قال : فأفكّر ساعة، ثم قال: أنا أنظِرُ نفسي.
نزل الحجّاج في يوم حارّ على بعض المياه، ودعا بالغَدَاء وقال لحاجبه : انظر مَنْ يتغدّى معي، واجهَد ألّا يكون من أهل الدنيا، فرأى الحاجبُ أعرابيَّا نائماً، عليه شملة من شَعر، - فضربه برجله، وقال : أجب الأمير، فأتاه، فدعاه الحجّاج إلى الأكل، فقال : دعاني مَنْ هو خيرٌ من الأمير فأجبته، قال : مَنْ هو ؟ قال الله دعاني إلى الصوم فصمت، قال : أفي هذا اليوم الحارّ؟ قال : نار جهّنم أشدُّ حرًا ، قال : أفِطر وتصومُ غداً ، قال : إن ضمنتَ لي البقاء إلى غد، قال: ليس ذلك إليّ، قال: فكيف أدَعُ عاجلاً لأجل لا تقدر عليه! قال : إنه طعام طيِّب، قال : إنك لم تطيّبه ولا الخبّاز، ولكنّ العافية طيّبته لك.
وقال شبيب : كنَّا سنة في طريق مكّة، فجاء أعرابيّ في يوم صائفٍ شديد الحرّ، ومعه جارية سوداء، وصحيفة، فقال : أفيكم كاتب؟ قلنا : نعم، وحضر غداؤنا ، فقلنا له : لو دخلت فأصبت من طعامنا! قال : إنّي صائم، قلنا: الحرّ وشدته، وجفاء البادية، فقال : إنّ الدنيا كانت ولم أكن فيها، وستكون ولا أكونُ فيها ، وما أحبّ أن أغين أمامي، ثم نبذ إلينا الصحيفة، فقال للكاتب : اكتُب ولا تَزد على ما أمليه عليك: هذا ما أعتَق عبدالله بن عقيل الكلبيّ، أعتق جاريةٌ له سوداء اسمها لؤلؤة، ابتغاء وجهِ الله وجواز العقبة، وإنه لا سبيلَ له عليها إلا سبيل الولاء، والمنّة الله علينا وعليها واحدة.
قال الأصمعيّ : فحدِّث بذلك الرشيد، فأمر أن يعتَق عنه ألف نسمة، ويكتب لهم هذا الكتاب.
وقال خالد بن صفوان: بتُ ليلتي هذه أتمنّى، فكبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر، فإذا الّذي يلقاني من ذلك رغيفان وكوزان وطِمران (1).
ورأى رجلٌ رجلاً من ولد معاوية يعمل على بعيرٍ له، فقال : هذا بعد ما كنتم فيه من الدنيا ! قال : رحمك الله يابن أخي، ما فقدنا إلا الفُضول.
1) الطُّمر : الكساء البالي، والثوب الخلق ، القاموس، مادة (طمر) .
وقال الحسن : يابن آدم إنما أنت أيام مجموعة، كلما ذهب يوم ذهب بعضُك.
قال يونس الكاتب : لو قيل بيت دريد في زاهدٍ كان به جديراً :
قليلُ النَّشكّي للمصيبات ذاكرٌ*** من اليوم أعقابَ الأحاديث في غد
وقال الحسن: ما أطال عبد الأملَ إلا أساء العمل .
وقال رجل للفُضَيل بن عياض: ما أعجب الأشياء؟ قال : قلبٌ عرف الله ثم عصاه .
قال وكيع : ما أحسنتُ قطّ إلى أحد، ولا أسات إليه، قيل : كيف؟ قال: لأن الله تعالى قال : «إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا » (1).
وقال الحسن لرجل : إن استطعتَ ألا تسيء إلى أحدٍ ممن تحبّه فافعل، قال الرجل: يا أبا سعيد، أوَ يسيء المرء إلى مَنْ يحبّه؟ قال : نعم نفسُك أحبُّ النفوس إليك، فإذا عصيتَ الله فقد أسأتَ إليها .
وكان مالك بن دينار إذا مَنَع نفسَه شيئاً من الشهوات، قال : اصبري، فوالله ما منعُك إلا الكرامتك عليّ .
قام رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الليل ، حتى تورّمت قدماه، فقيل له: يا رسول الله، أتفعل هذا، وقد غفرَ الله ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكونُ عبداً شكوراً ! » (2).
وقال عبدالله بن مسعود : لا يكونَنّ أحدكم جيفة ليله، قُطرُب (3)نهاره.
وكان يقال . مَنْ كثُرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار .
وكان مالك بن دينار يقول في قَصصه : ما أشدّ فطام الكبر! وينشدُ:
أتروضُ عِرْسك بعد ما هرمَتْ!*** ومن العناء رياضةُ الهَرِمِ
وقال آخر :
إن كنت تؤمن بالقيا*** مَة واجترأتَ على الخطيَّة
فلقد هلكتَ وإن*** جَحَدْتَ فذاك أعظمُ للبليَّة
1) سورة الإسراء، الآية : 7.
2) أخرجه البخاري في كتاب: والجمعة باب قيام النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حتى ترم قدماه. (1130) ، ومسلم في كتاب: صفة القيامة، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة (2819)، والترمذي، في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الاجتهاد في الصلاة (412) ، والنسائي في كتاب قيام الليل ،باب: الاختلاف على عائشة في إحياء الليل (1644).
3) القطرب : الذي لا يستريح نهاره سعياً في حوائج دنياه. اللسان، مادة: (قطرب).
الأصل: مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ ، أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ! في حَلالِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِها عِقَابٌ، مَنْ أَسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنْ أَفْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَانَتْهُ ، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ .
قال الرضيّ رحمه الله :
أقول : وإذا تأمَّلَ المُتَامّل قوله(علیه السّلام) : «ومَن أبصرَ بها بصَّرَتْه» ، وَجد تحته من المعنى العجيب، والغرض البعيد، ما لا يبلَغ غايتُه ولا يدرك غَوره، لا سِيَّما إذا قرن إليه قوله : «وَمَنْ أبْصَرَ إليها أعمتْهُ» ، فَإنه يجد الفرق بين «أبصرَ بها» و«أبصَرَ إليها» وَاضِحاً نَيْراً ، وعجيباً باهراً .
الشرح: العناء: التعب. وساعاها : جاراها سعياً. وواتته : طاوعته .
ونظر الرضيّ إلى قوله. «أولها عناء وآخرها فناء»، فقال.
وأوّلُنا العناءُ إذا طَلَعْنَا*** إلى الدنيا وآخُرنا الذهابُ
ونظر إلى قوله(علیه السّلام) : «في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب» بعضُ الشعراء، فقال:
الدهر يومان فيومٌ مضَى*** عنك بما فيه ويومٌ جديد
حلالُ يوميك حسابٌ وفي*** حرام يَوْمَيْكَ عذابٌ شديد
تجمعُ ما يأكلُه وارثٌ*** وأنت في القبر وحيدٌ فريد
إني لغيري واعظٌ تاركٌ*** نفسي وقولي من فعالي بعيد
حلاوةُ الدنيا ولَذّاتُها*** تكلّف العاقلَ ما لا يريد
ومن المعنى أيضاً قول بعضهم :
حَلالُهَا حَسْرَةٌ تُفضي إلى نَدَمِ*** وَفي المحارمِ مِنْهَا الغنم مَنْزُورُ (1)
ونظر الحسن البصريّ إلى قوله(علیه السّلام) : «من استغنى فيها فُتِن، ومن افتقَرَ فيها حزن»، فقال،
وقد جاءه إنسان يبشّره بمولود له ذكَر : ليهنك الفارس يا أبا سعيد، فقال : بل الراجِل! ثم قال :
1) منزور: محتقر وقليل . القاموس، مادة (نزر).
لا مرحباً بمن إنْ كان غَنيًّا فتَنني، وإن كان فقيراً أحزنني، وإن عاش كَذَّني، وإن مات هَدَني، ثم لا أرضى بسعيي له سعياً، ولا بكدحِي له كدحاً، حتى اهتمّ بما يصيبه بعد موتي، وأنا في حالٍ لا ينالُني بمساءته حُزن، ولا بسروره جَذَل.
ونظر ابن المعتزّ إلى قوله(علیه السّلام) : «مَنْ ساعاها فاتته، ومن قعد عنها واتته» فقال : الدنيا كظلّك، كلّما طلبته زاد منك بعداً .
ونظرتُ إلى قوله(علیه السّلام) : «ومَنْ أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته» ، فقلت :
دُنْيَاكَ مثلُ الشَّمْسِ تُدني إلي***ك الضوءَ لكن دعوة المُهْلِك
إن أنت أبصرتَ إلى نورها*** تَعْش وإن تبصر به تدرك
فإن قلت : المَسموع : أبصرت زيداً، ولم يسمع أبصرت إلى زيد، قلت: يجوز أن يكون قوله(علیه السّلام) : «ومن أبصر إليها»، أي ومن أبصر متوجهاً إليها ، كقوله : « فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ » (1)ولم يقل «مرسلاً»، ويجوز أن يكون أقام ذلك مقام قوله «نظر إليها» لما كان مثله، كما قالوا في «دخلت البيت»، «ودخلت إلى البيت» أجروه مجرَى «ولجت إلى البيت» لَمّا كان نظيره .
الأصل: الْحَمْدُ لله الَّذِي عَلَا بِحَوْلِهِ، وَدَنَا بِطَوْلِهِ، مَانِحِ كُلِّ غَنِيمَةٍ وَفَضْلٍ، وَكَاشِفِ كُلِّ عَظِميَةٍ وَأَزْلٍ. أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ، وَسَوَابِعْ نِعَمِهِ، وَأُومِنْ بِهِ أَوْلاً بَادِياً ، وَأَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً ، وَاسْتَعِينُهُ قَاهِراً قَادِراً، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً ، وَاشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ، وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ، وَتَقْدِيم نُذرِهِ.
الشرح: الحول : القوّة . والطول: الإفضال، والمانح: المعطي. والأزل، بفتح الهمزة: الضيق والحبس. والعواطف: جمع عاطفة وهي ما يعطفك على الغير، ويدنيه مِن معروفك، والسوابغ : التوامّ الكوامل، سبَغَ الظَّلُ، إذا عَمّ وشمل .
و«أولا» ها هنا منصوب على الظرفية، كأنه قال : قبل كلّ شيء. والأوّل نقيض الآخر أصله «أوْءَل» على «أفعل» مهموز الوسط، قلبت الهمزة واواً وأدغم، يدلّ على ذلك قولهم : «هذا أوَّلُ منك» والإتيان بحرف الجرّ دليل على أنه «أفعل»، كقولهم : هذا أفضل منك، وجمعه على
1) سورة النمل ، الآية : 12 .
أوائل وأوالٍ أيضاً على القلب. وقال قوم: أصله «ووّل» على «فَوْعل» فقلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على «ووالٍ) لاستثقالهم اجتماع الواوين وبينهما ألف الجمع. «وإذا جعلت «الأول» صفة لم تصرِفه، تقول : لقيته عاماً أوّل، لاجتماع وزن الفعل، وتقول: ما رأيته مذ عامُ أوّلَ، كلاهما بغير تنوينٍ، فمن رفع جعله صفة لعام، كأنه قال«، أوّل من عامنا، ومَنْ نصب جعله كالظرف، كأنه قال : مذ عام قبل عامنا .فإن قلت : «ابدأ بهذا أوّلُ»، ضممتَه على الغاية .
والإنهاء الإبلاغ، أنهيتُ إليه الخبرَ فانتهى، أي بلغ، والمعنى أنّ الله تعالى أعذر إلى خلقه وأنذرهم، فإعذارُه إليهم أن عرفهم بالحجج العقلية والسمعية أنّهم إن عصوه استحقوا العقاب، فأوضح عذره لهم في عقوبته إيّاهم على عصيانه وإنذاره لهم تخويفه إياهم من عقابه. وقد نظر البحتري إلى معنى قوله : علا ،بحوله ودنا بطوله»، فقال:
دَنَوْتَ تَوَاضُعاً وَعَلَوْتَ قَدْراً*** فَشَأْنَاكَ انخُفَاضٌ وارتِفَاع
كَذَاكَ الشمس تبعُدُ أَنْ تُسَامَى*** وَيَدْنُو النُّورُ مِنْها والشُّعَاعُ
وفي هذا الفصل ضروب من البديع، فمنها أنّ «دنا» في مقابلة «علا» لفظاً ومعنى، وكذلك «حوله» و«طوله».
فإن قلت: لا ريبَ في تقابل «دنا» و «علا» من حيث المعنى واللفظ ، وأما «حوله» و«طوله» فإنهما يتناسبان لفظاً، وليسا متقابلين مغنى، لأنهما ليسا ضدّين، كما في العلوّ والدنوّ .
قلت : بل فيهما معنى التضادّ، لأنّ الحولِ هو القوّة وهي مشعرة بالسَّطوة والقهر ، ومنه منشأ الانتقام، والطَّوْل: الإفضال والتكرّم، وهو نقيض الانتقام والبطش.
فإن قلت : أنت وأصحابُك لا تقولون إنّ الله تعالى قادرٌ بقدرة، وهو عندكم قادر لذاتِه، فكيف تتأوّلون قوله(علیه السّلام) : «الذي علا بِحوله»؟ أليس في هذا إثبات قدرة له زائدة على ذاته، وهذا يخالف مذهبكم!
قلت : إن أصحابنا لا يمتنعون من إطلاق قولهم : إنّ الله قوة وقدرة وحولاً، وحاش لله أن يذهب ذاهبٌ منهم إلى منع ذلك ! ولكنّهم يطلقونه ويعنُون به حقيقتَه العرفيّة، وهي كون الله تعالى قوياً قادراً ، كما نقول نحن والمخالف : إن الله وجوداً وبقاءً وقِدماً، ولا نعني بذلك أنّ وجوده أو بقاءه أو قدمه معانٍ زائدة على نفسه، لكنا نعني كلّنا بإطلاق هذه الألفاظ عليه كونه موجوداً أو باقياً أو قديماً، وهذا هو العُرف المستعمَل في قول الناس: «لا قوة لي على ذلك» «لا قدرة لي على فلان» لا يعنون نفيَ المعنى، بل يعنون كونَ الإنسان قادراً قوياً على ذلك.
ومنها أن «مانحاً» في وزن «كاشف» و«غنيمة» بإزاء «عظيمة» في اللفظ، وضدها في لمعنى، وكذلك «فضل» و«أزل».
ومنها أن «عواطف» بإزاء سوابغ» و«نعمه» بإزاء «كرمه».
ومنها - وهو ألطف ما يَستعمله أرباب هذه الصناعة : أنَّه جعل «قريباً هادياً»، مع قوله : «أستهديه»، لأن الدليل القريب منك أجدرُ بأن يهديَك من البعيد النازح، ولم يجعله مع قوله : «وأستعينه»، وجعل مع الاستعانة «قاهراً قادراً» لأن القادر القاهر يليقُ أن يستعَان ويستنجدَ به، ولم يجعله قادراً قاهراً مع التوكّل عليه، وجعل مع التوكل «كافياً ناصراً»، لأنّ الكافيَ الناصر أهلٌ لأنّ يتوكَّل عليه .
وهذه اللطائف والدقائق من معجزاته(علیه السّلام) التي فات بها البلغاء، وأخرس الفصحاء .
الأصل: أُوصِيكُمْ عِبَادَالله بِتَقْوَى الله الَّذِي ضَرَبَ لكم الْأَمْثَالَ، وَوَفَّتَ لَكُمُ الآجَالَ، وَالْبَسَكُمُ الرِّيَاسَ، وَأَرْفَعَ لَكُمْ الْمَعَاشَ، وَأَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءَ، وَأَرْصَدَ لَكُمْ الجَزَاءَ، وَآثَرَكُمْ بِالنَّعَمِ السَّوَابِغِ، وَالرِّفَدِ الرَّوَافِعِ ، وَأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِعِ، فَأَحْصَاكُمْ عدداً ، وَوَفَّفَ لَكُمْ مُدَداً ، فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ، وَدَارِ عِبْرَةٍ، أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا ، وَمُحاسَبُونَ عَلَيْهَا .
الشرح: وقّت وأقّت بمعنى، أي جعل الآجال لوقتِ مقدّر.
والرياش والريش واحد، وهو اللباس، قال تعالى: « يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا » (1). وقرىء «ورياشاً»، ويقال : الرياش : الخِضب والغنى، ومنه ارتاش فلان، حَسُنت حاله ، ويكون لفظ «البسكم» مجازاً إن فُسِّر بذلك .
وأرفعَ لكم المعاش، أي جعله رفيغاً، أي واسعاً مخصِباً ، يقال : رفُع - بالضمّ - عيشُه رَفاعة، اتسع، فهو رافع ورفيغ وترفّع الرجل، وهو في رفاغَية من العيش، مخففاً، مثل «رَفَاهِيَة» و«ثمانية» .
وقوله : «وأحاط بكم الإحصاء»، يمكن أن ينصَب الإحصاء على أنّه مصدر فيه اللام، والعامل فيه غير لفظه ، كقوله : «يعجّبه السَّخون»، ثم قال: «حُبَّا»، وليس دخول اللام بمانع من ذلك، تقول : ضربتُه الضربة، كما تقول : ضربته ضرباً . ويجوز أن يصب بأنّه مفعول به، ويكون ذلك على وجهين :
أحدهما : أن يكون من «حَاط» ثلاثياً ، تقول : حاط فلان كرمَه، أي جعل عليه حائطاً، فكأنه جعل الإحصاء والعدّ كالحائط المدار عليهم، لأنّهم لا يبعدون منه ولا يخرجون عنه .
1) سورة الأعراف الآية: 26 .
والثاني : أن يكونَ من حاط الحمارُ عانَته يحُوطها، بالواو أي جمعها، فأدخل الهمزة، كأنه جعل الإحصاء يحوطهم ويجمعهم ، تقول : ضربتُ زيداً وأضربته أي جعلته ذا ضَرْب، فلذلك كأنه جعل(علیه السّلام) الإحصاء ذا تحويط عليهم بالاعتبار الأول، أو جعله ذا جمع لهم بالاعتبار الثاني.
ويمكن فيه وجه آخر، وهو أن يكون الإحصاء مفعولاً له ويكون في الكلام محذوف تقديره :
وأحاط بكم حفظته وملائكته للإحصاء ودخول اللام في المفعول له كثير، كقوله :
والْهَوْل مِنْ تهوّلِ الْهبُورِ (1)
قوله : «وأرصد» يعني أعدّ ، وفي الحديث: «إلّا أن أرصُدَه لدين عليّ» (2).
وآثرَكم ، من الإيثار، وأصله أن تقدّم غيرَك على نفسك في منفعة أنت قادرٌ على الاختصاص بها وهو في هذا الموضع مجاز مستحسَن.
والرِّفَد : جمع رِفْدَة، مثل كسرة وكِسَر، وفِذرةٍ وفِدَر والرّفدة والرِّفد واحد، وهي العطيّة والصِّلَة ورفدت فلاناً رَفداً بالفتح، والمضارع أرفِده بكسر الفاء، ويجوز «أرفدته» بالهمزة.
والروافع : الواسعة. والحجج البوالغ: الظاهرة المبينة، قال سبحانه: «فَلِلَّهِ الْحُجَةُ الْبَالِغَةُ » (3).
ووظَّف لكم مدداً، أي قدّر، ومنه وظيفة الطعام.
وقرار خِبرة بكسر الخاء، أي دار بلاءٍ واختبار، تقول : خبرت زيداً أخبُره خُبرة ، بالضم فيهما، وخِبرة بالكسر إذا بلوته واختبرتَه ، ومنه قولهم : صغّر الخُبرُ الخبرَ .
ودار عِبرة أي دار اعتبار واتّعاظ والضمير في «فيها» و «عليها» ليس واحداً، فإنّه في «فيها» يرجع إلى الدار، وفي «عليها» يرجع إلى النعم والرِّفَدِ، ويجوز أن يكون الضمير في «عليها» عائداً إلى الدار على حذف المضاف، أي على سكانها .
الأصل: فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا ، رَدِعٌ مَشْرَعُهَا ، يُونِقُ مَنْظَرُهَا، وَيُوبِقُ مَخْبَرُها، غُرُورٌ حائِلٌ، وَضَوْءٌ آفَلٌ، وَظِلٍّ زَائِلٌ، وَسِنَادٌ مَائِلٌ، حَتَّى إِذَا أَيْس نَافِرُها ، وَاطْمَأَنَّ
نَاكِرُهَا ، قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا وقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا ، وَأَقْصَدَتْ بِاسْهُمهَا ، وَأَعْلَقَت الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنيَّةِ ، قَائِدَةً لَهُ إِلَى ضَنْكِ الْمَضْجَعِ ، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِع ، وَمُعَايَنَةِ الْمَحَلّ وَثَوَابِ الْعَمَلِ .
وَكَذَلِكَ الخَلَفُ بعَقْبِ السَّلَفِ، لا تَقْلِعُ الْمَنِيَّةٌ اخْتِرَاماً ، وَلاَ يَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً ، يَحْتَدُونَ مِثَالاً ، وَيَمْضُونَ أَرْسَالَاً ، إِلَى غَايَةِ الانْتِهَاءِ، وَصَبُّورِ الْفَنَاءِ.
الشرح: يقال : عيش رنِق ، بكسر النون، أي كَدِر، وماءٌ رئق بالتسكين، أي كَدر والرَّئَق بفتح النون مصدر قولك : «رنق الماء» بالكسر ورنقَّته أنا ترنيقاً، أي كَدّرته، والرواية المشهورة في هذا الفصل «رنِق مشربُها» بالكسر أقامه مقام قولهم : «عيش رَنِق»، ومن رواه «رَنق مشربها» بالسكون - وهم الأقلون - أجرى اللفظ على حقيقته
ويقال : مشرع رَدِغ: ذو طين ووحَل، روى «الرَّدَغَة بالتحريك، ويجوز تسكين الدال ، والجمع رِداغ وردغ .
ويونِق منظرُها : يعجب الناظر، أنقَنِي الشيء أعجبني. ويُوبق مخبرها : يُهلك، وَبَق الرجلُ يبق وبوقاً، هلك، والمؤبق «مفعِل» منه كالموعد «مَفْعل»، من وعَد يعِد، ومنه قوله سبحانه : « وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا » (1). وقد جاء وَبِق يبِق، بالكسر فيهما ، وهو نادر، كورثَ يرث، وجاء أيضاً وبق يوبق وبَقاً.
والغُرور، بضم الغين: ما يغترّ به من متاع الدنيا، والغَرور، بالفتح : الشيطان.
والحائل: الزائل، والآفل : الغائب، أفل غاب بأفُلُ ويأفِل أفولاً .
والسّناد : دِعامة يُسنَد بها السقف وناكرها: فاعل، من نكرت كذا، أي أنكرته وقمِصت بأرجلها، قَمصَ الفرسُ وغيره يقمِص ويقمُص قَمْصا وقماصاً، أي استنّ، وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معاً، ويعجن برجليه، وفي المثل المضروب لمن ذلّ بعد عزة : ما لِعَير من قِماص».
وجمع فقال: «بأرجلها» وإنما للدابة رجلان، إمّا لأنّ المثنى قد يطلق عليه صيغة الجمع، كما في قولهم : امرأة ذات أوراك ومآكم، وهما وَركان، وإمّا لأنه أجرى اليدين والرجلين مجرى واحد، فسماها كلّها أرجلاً. ومن رواه «بالحاء» فهو جمع رَحْل الناقة .
وأقصدت : قتلت مكانها من غير تأخير.
والأوهاق : جمع وَهَق بالتحريك، وهو الحبل، وقد يسكن مثل نَهر ونهَر . وأعلقت المرء الأوْهَاق : جعلتَ الأوهاق عالقة به. والضنك: الضيق.
1) سورة الكهف، الآية : 52 .
والمضجع: المصدر أو المكان، والفعل ضَجَع الرجل جنبه بالأرض، بالفتح، يضجَع ضجوعاً وضجعاً ، فهو ضاجع، ومثله أضجع.
والمرجع : مصدر رَجَع، ومنه قوله تعالى :« ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ » (1)، وهو شاذ، لأن المصادر من فَعَل يفعل بكسر العين، إنما يكون بالفتح.
قوله : «ومعاينة المحلّ» ، أي الموضع يحُلُّ به المكلَّف بعد الموت، ولا بدّ لكلّ مكلف أن يعلم عَقِيب الموت مصيره، إما إلى جنة وإما إلى نار .
وقوله : «ثواب العمل» يريد جزاء العمل، ومراده الجزاء الأعمُّ الشامل للسعادة والشقاوة، لا الجزاء الأخصّ الذي هو جزاء الطاعة، وسمي الأعمّ ثواباً على أصل الحقيقة اللغوية، لأنّ الثواب في اللغة الجزاء، يقال: قد أثابَ فلان الشاعرَ لقصيدة كذا، أي جازاه.
وقوله : «وكذلك الخلف بِعقبِ السلف» الخلَف المتأخرون، والسلَف المتقدمون، وعقب ها هنا بالتسكين، وهو بمعنى بَعد، جئت بعقب فلان أي بعده، وأصله جَرى الفرس بعد جَرْيه ، يقال : لهذا الفرس عَقب حسن . وقال ابن السكيت : يقال جئت في عُقب شهر كذا ، بالضم ، إذا جئت بعد ما يمضي كلّه ،و جئت في عَقِب ، بكسر القاف إذا جئت وقد بقيت منه بقية. وقد روي: «يَعقُب السلف»، أي يتبع .
وقوله : «لا تُقلع المنية»، أي لا تكفّ، والاخترام: إذهاب الأنفس واستئصالها .
وارعوى : كفّ عن الأمر وأمسك، وأصل فعله الماضي رَعَى يرعو، أي كفّ عن الأمر، وفلان حسن الرّعوة والرَّعوة والرُّعْوَة والرّعوى والارعواء. والاجترام، افتعال من الجرم، وهو الذنب، ومثله الجريمة ، يقال : جَرَم وأجْرَم بمعنى .
قوله : «يحتذون مثالاً» أي يقتدون، وأصله من «حذوت النعل بالنعل حَذْواً»، إذا قدّرت كلّ واحدة على صاحبها .
قوله : «ويمضون أرسالاً» ، بفتح الهمزة، جمع رَسَل، بفتح السين، وهو القطيع من الإبل أو الغنم ، يقال : جاءت الخيل أرسالاً، أي قطيعاً قطيعاً .
وصَيّور الأمر : آخره وما يؤول إليه .
الأصل: حَتى إِذَا تَصَرّمَتِ الْأُمُورُ، وَتَقَضَتِ الدُّهُورُ ، وَازِفَ النُّشُورُ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ صَرَائِح القبور، وَأَوْكارِ الطبُورِ، وَأَوُجِرَةِ السّباع، وَمَطَارحِ الْمَهالِكِ، سراعاً إِلَى أَمْرِهِ
1) سورة الأنعام، الآية: 164 .
مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ رَعِيلاً صُمُوتاً، قياماً صُفُوفاً، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاسْتِكَانَةِ، وَضَرَعُ الاسْتِسْلَام وَالذُّلَّةِ. قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ، وَانْقَطَعَ الْأَمَلُ، وَهَوَتِ الْأَفْئِدَةُ كَاظِمَةً، وَخَشَعَتِ الْاصْوَاتُ مُهَيْنِمةٌ، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ، وَعَظُمَ الشَّفَقُ، وَأُرْعِدَتِ الْأَسَمَاعُ ، لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ وَمُقَايَضَةِ الْجَزاء ، وَنَكالِ الْعِقَابِ، وَنَوَالِ الثّوابِ.
الشرح: تصرّمت الأمور: تقطّعت، ومثله «تقضّت الدهور». وأزف : قَرُب ودَنا ، يأزف أزفاً ، ومنه قوله تعالى : «أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ» (1)أي القيامة، الفاعل «آزف» .
والضرائح: جَمع ضريح وهو الشّقّ في وسَط القبر. واللَّحد: ما كان في جانب القبر ، وضرحت ضَرْحاً، إذا حفرت الضريح .
والأوكار : جمع وَكْر يفتح الواو، وهو عشّ الطائر، وجمع الكثرة وُكور ، وكَر الطائر يكِرُ وَكْراً ، أي دخل وَكُره ، والوَكْن بالفتح مثل الوكر، أي العُشّ.
وأوجِرَة السباع : جمع وجار بكسر الواو، ويجوز فتحها، وهو بيت السَّبُع والضبُع ونحوهما .
مهطعين: مسرعين. والرَّعيل : القطعة من الخيل .
قوله(علیه السّلام) : «ينفذهم البَصَر ويُسمعهم الداعي»، أي هم مع كثرتهم لا يخفى منهم أحد عن
إدراك البارىء سبحانه، وهم مع هذه الكثرة أيضاً لا يبقى منهم أحد إلّا إذا دعا داعي الموت سمع
دعاءه ونداءه .
واللَّبوس ، بفتح اللام: ما يلبس، قال:
البَسْ لِكُلِّ حالة لَبُوسَها*** إما نعيمَها وإما بوسَها
ومنه قوله تعالى: ««وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ » (2)يعني الدروع .
والاستكانة: الخضوع. والضَّرع : الخشوع والضعف، ضَرَع الرجل يضرَع، وأضرعه غيره .
وكاظمتُه : ساكته، كَظَم يَكظم كُظوماً أي سكتَ، وقوم كُظَّم، أي ساكتون.
ومهينمة: ذات هَيْئَمة، وهي الصوت الخفيّ. وألجم العرقُ: صار لجاماً، وفي الحديث: «إنَّ العرق لَيَجْري منهم حتى إنّ منهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ صَدْره، ومنهم من يبلغ عنقه، ومنهم من يُلْجمه، وهم أعظمهم مشقّة (3)»
وقال لي قائل: ما أرى لقوله(علیه السّلام) : «المؤذنون أطولُ الناس أعناقاً يوم القيامة»، كثير فائدة، لأنّ طولَ العنق جداً ليس مما يرغب في مثله، فذكرت له الخبر الوارد في العرق وقلتُ : إذا كان الإنسان شديد طول العنق كان عن الجام العرق أبعَد، فظهرت فائدة الخبر. ويروى «وأنجم العرق»، أي كثر ودام.
والشَّفق والشفقة، بمعنى، وهو الاسم من الإشفاق، وهو الخوف والحذر، قال الشاعر :
تَهْوَى حَياتِي وَأهْوَى مَوْتَهَا شَفَقاً*** والموتُ أكرم نَزَّال على الحُرَمِ
وأرعدت الأسماع : عرتها الرّعدة. وزَبرة الداعي : صدته ولا يقال الصوت زَبرة إلا إذا خالطه زجر وانتهار زيرتُه أزْبُره، بالضم .
وقوله : «إلى فصل الخطاب»، إلى ما هنا يتعلّق بالدّاعي، وفصل الخطاب : بتّ الحكومة التي بين الله وبين عباده في الموقف، رزقنا الله المسامحة فيها بمنه! وإنما خص الأسماع بالرعدة، لأنها تحدُث من صوت الملك الذي يدعو النّاس إلى محاسبته .
والمقايضة: المعاوضة، قايضت زيداً بالمتاع، وهما قيِّضان، كما قالوا : بيِّعان.
فإن قلت: كيف يصحّ ما ذكره المسلمون من حَشر الأجساد! وكيف يمكن ما أشارَ إليه(علیه السّلام) من جَمْع الأجزاء البدنية من أوكار الطيور وأوجرة السباع، ومعلوم أنه قد يأكلُ الإنسانَ سَبع، ويأكل ذلك السبُعَ إنسان آخر، ويأكل هذا الإنسانَ طائر، ثم يأكل الطائرَ إنسان آخر، والماكول يصير أجزاء من أجزاء بدن الآكل، فإذا حشرت الحيوانات كلُّها على ما تزعم المعتزلة، فتلك الأجزاء المفروضة، إما أن تحشر أجزاء من بنية الإنسان، أو بنية السبع، أو ج منهما معاً ، فإن كان الأول وجب الّا يحشر السبع، وإن كان الثاني وجبَ ألا يحشر الإنسان،
والثالث محال عقلاً، لأنّ الجزء الواحد لا يكون في موضعين .
قلت: إن في بدن كلِّ إنسان وكلّ حيوان أجزاء أصلية وأجزاء زائدة، فالأجزاء الزائدة يمكن أن تصير أجزاء بدن حيوان إذا اغتذى بها، والأجزاء الأصلية لا يمكن ذلك فيها، بل يحرسها الله تعالى من الاستحالة والتغيير، وإذا كان كذلك، أمكن الحشر بأن تعادَ الأجزاء الأصلية إلى موضعها الأول، ولا فساد في استحالة الأجزاء الزائدة، لأنه لا يجب حشرُها، لأنّها ليست أصل بنية المكلّف، فاندفع الإشكال. وأما من يقول بالنفس الناطقة من أهل الملّة، فلا يلزمه الجواب عن السؤال، لأنه يقول : إنّ الأنفس إذا أزف يوم القيامة، خلقت لها أبدان غير الأبدان الأولى، لأن المكلف المطيع والعاصي المستحق للثواب والعقاب عندهم، هو النفس، وأما البدن فآلة لها نستعمله استعمال الكاتب للقلم، والنجار للفأس.
الأصل: عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً، وَمَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً ، وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً، وَمُضَمِّنُونَ أَجْدَاثاً، وَكَائِنُونَ رُفَاتاً ، وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً ، وَمَدِينُونَ جَزَاءٌ، وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً . قَدْ أمْهِلُوا فِي طَلَبِ الْمَخْرَج، وَهُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَج، وَعُمْرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتَبِ، وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفَ الرِّبَبِ، وَخُلُّوا لِمَضْمَارِ الْجِبَادِ، وَرَوِيَّةُ الارْتِبَادِ، وَأَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ المُرْتَادِ، فِي مُدَّةٍ الأجَلِ، وَمُضْطَرَبِ المَهَلِ.
الشرح: مربوبون: مملوكون. والاقتسار: الغَلَبة والقهر .
والاحتضار : حضور الملائكة عند الميت، وهو حينئذٍ محتضَر، وكانت العرب تقول : لبن محتضَر: أي فاسد ذو آفة، يعنون أنّ الجنّ حضرته، يقال: اللبن محتَضَر فغطّ إناءك .
والأجداث : جمع جَدَث، وهو القبر، واجتدث الرجل، اتخذ جَدَثاً، ويقال: «جَدَف» بالفاء.
والرُّفات : الحُطام، تقول منه رَفَتَ الشيء فهو مرفوت .
ومدينون، أي مجزيّون. والدِّين: الجزاء، ومنه «ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ »(1).
ومميَّزون حساباً، من قوله تعالى: «وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ » (2)2 ، ومن قوله تعالى : «وَكُنتُم أَزْوَجًا ثَلَثَةَ »(3)، كما أن قوله : «ومبعوثون أفراداً» مأخوذ من قوله تعالى : «وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى »(4)وأصل التمييز على الفصل والتبيين.
قوله : «قد أمهلوا في طلب المخرج»، أي أنظِروا لِيفيئوا إلى الطاعة ويخلِصوا التوبة، لأنّ إخلاصَ التوبة هو المخرج الذي مَنْ سلكه خرج من رِبقَة المعصية، ومثله قولُه : «وهُدُوا سبيل المنهج»، والمنهج : الطريق الواضح.
والمستعتَب المسترضَى، استعتبت زيداً إذا استرضيته عَنّي فأنا مستعتِب له، وهو مستعتَب. وأعتبني، أي أرضاني، وإنما ضرب المثل بمهل المستعتَب، لأن مَنْ يُطلب رضاه في مجرى العادة لا يُرهَق بالتماس الرضا منه، وإنا يمهل ليرضى بقلبه لا بلسانه .
والسُّدَف : جمع سُدّفة،هي القطعة من الليل المظلم، هذا في لغة أهل نجد، وأما غيرهم فيجعل السلفة الضوء، وهذا اللفظ من الأضداد، وكذلك السَّدَف، بفتح السين والدال. وقد قيل : السُّدفة: اختلاط الضوء والظلمة كوقت ما بين طلوع الفجر إلى الإسفار والسّدَف:
الصبح وإقباله، وأسدف الليل، أظلم، وأسدف الصبح أضاء ، يقال : أسدِف الباب، أي افتخه حتى يضيء البيت، وفي لغة هوازن «أسدفوا»، أي أسرجوا، من السراج والرِّيَب : الشبهة، جمع ريبة .
والمضمار : الموضع الذي تضمَّر فيه الخيل، والمِضمار أيضاً المدة التي تضمّر فيها .
والتضمير: أن تعلِفَ الفرس حتى يسمَن، ثم تردّه إلى قوته الأولى، وذلك في أربعين يوماً، وقد يطلَق التَضمير على نقيض ذلك، وهو التجويع حتى يهزل ويخفّ لحمُه ، ضَمَر الفرسُ بالفتح ، يضمُر بالضم ، ضُموراً، وجاء «ضَمُر الفرس» بالضم، وأضمرته أنا، وضمَّرته فاضطمر هو ولؤلؤ مضطمر : في وسطه بعض الانضمام. رجل لطيف الجسم، ضمير البطن، وناقة ضامر وضامرة أيضاً. يقول : مكَّنَهم الحكيم سبحانه وخلَّاهم وأعمالهم، كما تمكّن الخيل التي تستبق في المِضمار ليعلم أيُّها أسبق.
والرويّة : الفكرة، والارتياد: الطلب، ارتاد فلان الكلاً يرتاده ارتياداً: طلبه، ومثله راد الكلأ يروده رَوْداً ورياداً، وفي الحديث : «إذا بال أحدُكم فليرتذ لبوله» (1)، أي فليطلب مكاناً ليّناً أو منحدراً، والرائد: الذي يرسله القوم في طلب الكلأ، وفي المثل : «الرائد لا يكذب أهله» (2)، والأناءة : التؤدة والانتظار، مثل القناة.
وتأنى في الأمر: ترفّق، واستأني فلان بفلان،أي انتظر به، وجاء الأناء، بالفتح والمدّ، على «فَعَال» قال الحطيئة: وَأَكْرَيْتُ العَشَاء إلى سُهَيْلِ*** أو الشِّعري فطال بيَ الإناءُ (3)
والمقتبس: متعلّم العلم ها هنا، ولا بدّ له من أناة ومَهَل ليبلغُ حاجتَه، فضرب مثلاً ، وجاء في بعض الروايات : «ومقبوضون اختضاراً» بالخاء المعجمة، وهو موت الشاب غَضًا أخضر، أي مات شاباً، وكان فتيان يقولون الشيخ: أجززت يا أبا فلان، فيقول : أي بنيّ، وتختَضرون! أجزَ الحشيش: أن أنْ يُجزَّ، ومنه قيل للشيخ كاد يموت: قد أجَزَّ، والرواية الأولى أحسن، لأنها أعمۀ.
وفي رواية «المضمار الخيار»، أي للمضمار الذي يستبِق فيه الأبرار الأتقياء إلى رضوان الله سبحانه .
الأصل: فَيَالَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةٌ، وَمَوَاعِظَ شَافِيةٌ ، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةٌ ، وَآرَاءً عَازِمَةً، وَأَلْبَاباً حَازِمَةً!
فَاتَّقُوا الله تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ ، وَاقْتَرَفَ، وَوَجِلَ فَعَمِلَ، وَحاذَرَ فَبَادَرَ ، وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وَعُبِّرَ فَاعْتَبَرَ، وَحُذْرَ فَحَذِرَ، وَزُجِرَ فَازْدَجَرَ، وَأَجَابَ فَأَنَابَ، وَرَاجَعَ فَتَابَ، وَاقْتَدَى فَاحْتَذَى، وَارِيَ فَرَأى، فَأَسْرَعَ طَالِباً ، وَنَجَا هَارِباً ، فَأَقَادَ ذَخِيرَةٌ، وأطابَ سَرِيرَةٌ، وعمَّرَ معاداً ، واسْتَظْهَرَ زَاداً ، لِيَوْمِ رَحِيلِهِ، وَوَجْهِ سَبِيلِهِ، وَحالِ حاجَتِهِ، وَمَوْطِن فَاقَتِهِ، وَقَدَّمَ أمَامَهُ لِدَارٍ مُقَامِهِ.
فَاتَّقُوا الله عِبَادَالله جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ، وَأَحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاسْتَحِقُوا مِنْهُ ما أعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجْزِ لِصِدْقِ مِيعَادَهِ، والحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعادِهِ.
الشرح: صائبة : غير عادلة عن الصواب، صاب السهم يصوبُ صَوْبَةٌ ، أي قصد ولم يَجُرْ ، وصاب السهمُ القرْطاسَ يَصِيبه صَيْباً لغة في «أصابه»، وفي المثل : مع الخواطىء سهم صائب .
وشافية: تبرىء من مرض الجهل والهوى. والقلوب الزاكية: الطاهرة والأسماع الواعية : الحافظة. والآراء العازمة: ذات العزم. والألباب: العقول والحازمة : ذات الحزم، والحَزم: ضبط الرجُل أمرَه .
وخشع الرجل، أي خضع. واقترف: اكتسب، ومثله قرف يقرف بالكسر ، يقال : هو يقرفُ لعياله، أي يكسب.
ووجِل الرجل خاف، وَجَلاً ، بفتح الجيم، ومستقبله يَوْجَل وياجَل وييجَو وييجَل، بكسر الياء المضارعة .
وبادر .سارع. وعُبّر : أي أرِيَ العِبَر مراراً كثيرة، لأنّ التشديد ها هنا دليل التكثير .فاعتبر، أي فاتّعظ. والزَّجْر : النهي والمنع ، زُجِر أي منع، وازدجر مطاوع ازدجر، اللفظ فيهما واحد، تقول : از دجرت زيداً عن كذا فازدجر هو، وهذا غريب، وإنما جاء مطاوع ازدجر في «زجر» لأنّهما كالشي الواحد، وفي بعض الروايات «ازدجر فازدجر»، فلا يحتاج مع هذه الرواية إلى تأويل.
وأناب الرجل إلى الله، أي أقبل وتاب. واقتدى بزيد فعل مثله فعله، واحتذى مثله .
قوله(علیه السّلام) : «فأفاد ذخيرة»، أي فاستفاد، وهو من الأضداد، أفدت المال زيداً أعطيته إياه، وأفدت أنا مالاً ، أي استفدته واكتسبته .
قوله(علیه السّلام) : «فاتقوا الله عباد الله جهة ما خلقكم له» نصب «جهة» بفعل مقدر، تقديره: «واقصدوا جهة ما خلقكم له» يعني العبادة، لأنه تعالى قال: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا ليعبدون» (1). فحذف الفعل، واستغنى عنه بقوله : «فاتقوا الله» لأن التقوى ملازمة لقصد المكلّف العبادة، فدلّت عليه واستغنى بها عن إظهاره .
والكُنة : الغاية والنهاية، تقول: أعرفه كُنه المعرفة، أي نهايتها .
ثم قال(علیه السّلام) : «واستحقّوا منه ما أعدّ لكم» أي اجعلوا أنفسكم مستحقين لثوابه الذي أعدّه لكم إن أطعتم .
والباء في «بالتنجّز» متعلق ب-«استحقوا» ويقال: فلان يتنجّز الحاجة، أي يستنجحها ويطلب تعجّلها، والناجز: العاجل، يقال: «ناجزاً بناجز»، كقولك : «يداً بيد» أي تعجيلاً بتعجيل، والتنجّز من المكلّفين بصدق ميعاد القديم سبحانه، وهو مواظبتهم على فعل الواجب، وتجنُّب القبيح. و«والحذر» مجرور بالعطف على «التنجّز»، لا على «الصدق»، لأنه لا معنى له .
الأصل: ومنها : جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِي ما عَنَاهَا، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُو عَنْ عَشاها، وَأَشْلَاَءٌ جَامِعَةً لِأَعْضَائِهَا، مُلاَئِمَةٌ لِأحْنَانِهَا، فِي تَرْكِيبٍ صُوَرِهَا، وَمُدَدِ عُمُرِهَا، بِأَبْدَانِ قائِمَةٍ بِأَرْفَاتِهَا ، وَقُلُوبٍ رَائِدَةِ لِأَرْزَاقِهَا، في مُجَلِّلاتِ نِعَمِهِ، وَمُوجِبَاتِ مِنَيْهِ، وَحَوَاجِرْ عَافِيَتِهِ.
وَقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ، وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنَ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلَائِهِمْ، وَمُسْتَفْسَحٍ خَنَاقِهِمْ. أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الْآمَالِ، وَشَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الآجَالِ، لَم يَمْهَدُوا فِي سَلامَةِ الأَبْدَانِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا في أنفٍ الأوان.
الشرح: قوله: «لتعي ما عناها»، أي لتحفظ وتفهم ما أهمّها ، ومنه الأثر المرفوع : «مِن حُسْنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (2).
ولتجلو، أي لتكشف .
وعن ها هنا زائدة، ويجوز أن تكون بمعنى «بَعد» كما قال :
لَقِحَتْ حَرْبُ وائِلِ عَنْ حِيَال (1)
أي بعد حيال، فيكون قد حذف المفعول، وحذفه جائز، لأنه فضلة، ويكون التقدير : لتجلوَ الأذى بعد عشاها، والعشا، مقصور : مصدر عَشِي، بكسر الشين، يَغْشَى، فهو عَشِ، إذا أبصر نهاراً ولم يبصر ليلاً.
والأشلاء : جمع شِلو، وهو العضو.
فإن قلت: فأيّ معنى في قوله : أعضاء تجمع أعضاء تجمع أعضاءها؟ وكيف يجمع الشيء نفسه؟ قلت : أراد(علیه السّلام) بالأشلاء ها هنا الأعضاء الظاهرة، وبالأعضاء الجوارح الباطنة، ولا ريب أنّ الأعضاء الظاهرة تجمع الأعضاء الباطنة وتضمها . والملائمة: الموافِقة. والأحناء: الجوانب والجهات. ووجه الموافقة والملاءمة أنّ كون اليد في الجانب أولَى من كونها في الرأس أو في أسفل القدم، لأنّها إذا كانت في الجانب كان البطش وتناول ما يراد ودَفع ما يؤذي أسهل، وكذلك القول في جعل العين في الموضع الذي جعلت به ، لأنّها كدَيْدَبَان(2)السفينة البحرية، ولو جعلت في أم الرأس لم ينتفع بها هذا الحدّ من الانتفاع الآن، وإذا تأملت سائر أدواتِ الجسد وأعضائه وجدتها كذلك.
ثم قال : «في تركيب صورها» كأنّه قال: مركبة أو مصورة، فأتى بلفظة «في» كما تقول : ركب بسلاحه وفي سِلاحه، أي متسلّحاً .
وقوله : «بأرفاقها»، أي بمنافعها جمع رفق، بكسر الراء، مثل حِمل وأحمال، وأرفقت فلاناً، أي نفعته، والمِرفق من الأمر: ما ارتفقت به وانتفعت، ویروی: «بأرماقها»، والرّمَق : بقية الروح.
ورائدة: طالبة. ومجلِّلات النعم، تجلّل الناسَ، أي تعمّهم، من قولهم : «سحاب مجلِّل» : أي يطبّق الأرض، وهذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، كقولك : أنا في سابغ ظلّك وعميم فضلك، كأنه قال : في نعمه المجلِّلَة، وكذلك القول في موجبات مِننه، أي في مننه التي توجب الشُّكر .
وفي ها هنا متعلقة بمحذوف، والموضع نصب على الحال.
ثم قال : «وحواجز عافيته، الحواجز: الموانع، أي في عافية تحجز وتمنع عنكم المضارّ. ويروى «وحواجز بَلِيَّتِه»، وقد فسر قوله : «حواجز عافيته»، على أن يراد به ما يحجز العافية ويمنعها عن الزوال والعدم.
قوله(علیه السّلام) : «من مستمتَع خَلاقهم» الخلاق: النصيب : قال تعالى: «وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ» (1)، وقال تعالى : «فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ اللَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَقِهِمْ » (2)وتقدير الكلام : خلّف لكم عِبَراً من القرون السالفة، منها تمتّعهم بنصيبهم من الدنيا ثمّ فناؤهم، ومنها فسحة خناقهم وطول إمهالهم، ثم كانت عاقبتهم الهلكة .
وأرهقتهم المنايا : أدركتهم مسرعة .
والمرهَق : الذي أدرِك ليقتل. وشدّبهم عنها: قطعهم وفرقهم، من تشذيب الشجرة، وهو تقشيرها .
وتخرّمت زيداً المنية : استأصلته واقتطعته.
ثم قال : «لم يمهدوا في سلامة الأبدان»، أي لم يمهدوا لأنفسهم، من تمهيد الأمور وهو تسويتها وإصلاحها .
وأنف الأوان: أوله ، يقال : روضةً أنف لم تُزعَ ،قبل، وكأس أنف : لم يُشْرَب بها قَبْلُ.
الأصل: فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضاضةِ الشَّبَابِ إِلا حَوَانِيَ الْهَرَم، وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصَّحَةِ إِلا نَوَازِلَ السَّقَمِ، وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ، مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ، وَأُزُوفِ الانْتِقَالِ، وَعَلَزِ الْفَلَقِ، وَأَلَم الْمَضَضِ، وَغُصَصِ الجَرَضِ، وَتَلَفَّتِ الاسْتِغَاثةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَالْأَقْرِبَاء، وَالْأَعِزَّةِ وَالْقُرَنَاءِ، فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ، وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الأَمْوَاتِ رَهِيناً، وَفي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً ، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُ جِلْدَتَهُ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ، وَمَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ، وَصَارَتِ الأَجْسَادُ شَحِبَةٌ بَعْدَ بَضَتِهَا ، وَالْعِظَامُ نَخَرِةٌ بَعْدَ قُوَّتِهَا ، وَالأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةٌ بِثِقَلِ أَعْبَائِها، مُوقِنَةٌ بِغَيْبِ أَنْبَاتِهَا لَا تُسْتَرَادُ مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهَا ، وَلَا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيْءٍ زَلَلِها
الشرح: البَضَاضة: مصدر، من بضضت يا رجُل، بضضت، بالفتح والكسر بضاضةً وبضُوضة، ورجل بَضّ، أي ممتلىء البدن رقيق الجلد، وامرأة بَضّة.
وحواني :الحرم جمع حانية، وهي العلّة التي تَحْنِي شِطَاط الجسد، وتميله عن الاستقامة .
والهرَم: الكبَر. والغضارة: طيب العيش، ومنه المثل : أباد الله غضراءهم، أي خيرهم وخضبهم .
وآونة الفناء جمع أوَانٍ، وهو الحَيْن، كزمان وأزمنة، وفلان يصنع ذلك الأمر آونة كقولك : تارات، أي يصنعه مراراً ويَدَعه مراراً .
والزِّيال : مصدر زايله مزايلة وزِيالاً ، أي فارقه .
والأزوف: مصدر أزف، أي دنا .
والعَلَز : قلق وخِفّة وهلع يصيبُ الإنسان، وقد عَلِز بالكسر ، وبات عَلِزاً، أي وجعاً قلقاً .
والغُضض : الوجع، أمضَّنِي الجرح ومَضَّني، لغتان، وقد مَضِضت يا رجل، بالكسر.
والغُصَص: جمع غُصَّة وهي الشجا، والغَصَص بالفتح : مصدر قولك غَصِصت يا رجل تَغصّ بالطعام، فأنت غاصٌ وغصَّان، وأغصصتُه أنا .
والجرِيض : الرّيق يغصَ به، جَرَض بريقه بالفتح ، يَجْرِض بالكسر، مثل كَسَر يكسِر، وهو أن يبلع ريقه على همَّ وحزن بالجهد. والجريض: الغُصّة، وفي المثل : «حال الجريض دون القريض»، وفلان يجرَض بنفسه إذا كان يموت، وأجرضه الله بريقه أغصّه .
والحَفدة : الأعوان والخدم ، وقيل : ولد الولد، واحدهم حافد، والباء في «بنُصرة الحَفدة» متعلّق بالاستعانة ، يقول : إن الميّت عند نزول الأمر به يتلفّت مستغيثاً بنصرة أهله ،وولده أي يستنصُر يستصرخ بهم.
والنّواحب: جمع ناحبة، وهي الرافعة صوتها بالبكاء، ويروى : «النوادب».
والهوامّ: جمع هامّة، وهي ما يخاف ضرره من الأحناش، كالعقارب والعناكب ونحوها والنواهك : جمع ناهكة وهي ما ينهَك البدن، أي يبليه .
وعَفَتْ : دَرَست، ويروى بالتشديد. وشَحِبة: هالكة، والشَّحَب الهلاك، شحِب الرجل بالكسر ، يَشْحَب، وجاء شَحَب ، بالفتح يشحُبُ بالضم، أي هلك، وشَحَبه الله يشحُبه، يتعدّى ولا يتعدى.
ونَخِرَة: بالية. والأعباء: الأثقال، واحدها عِبء.
وقال: «موقنة بغيب أنبائها»، لأنّ الميت يعلم بعد موته ما يصير إليه حاله من جنّة أو نار .
ثم قال : إنها لا تكلف بعد ذلك زيادة في العمل الصالح، ولا يطلب منها التوبة من العمل القبيح، لأن التكليف قد بطل .
الأصل: أَوَ لَسْتُمْ أَبْنَاءِ الْقَوْم وَالْآبَاءَ، وَإِخْوَنَهُمْ وَالأقْرِبَاءَ، تَحْتَذُونَ أَمْيْلَتَهُمْ، وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَتَطَئُونَ جَادَّتَهُمْ، فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظْهَا ، لأهِيَّةٌ عَنْ رُشْدِهَا ، سالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا ، كَأَنَّ المَعْنِي سِوَاهَا ، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا .
الشرح: القِدّة، بالدال المهملة وبكسر القاف: الطريقة، ويقال لكل فِرقة من الناس إذا كانت ذات هَوًى على حدة: قِدّة، ومنه قوله تعالى : «كُنَّا طَرابقَ قِدَدًا» (1)، ومن رواه : «ويركبون قُذّتهم» بالذال المعجمة وضم القاف أراد الواحدة من قُذذ السهم، وهي ريشة، يقال: حذوَ القُذّة بالقُذّة، ويكون معنى : «وتركبون قُذّتهم»، تقتفون آثارهم وتُشابهون بهم في أفعالهم .
ثم قال: وتطئون جادَتهم، وهذه لفظة فصيحة جداً.
ثم ذكر قساوة القلوب وضلالها عن رشدها، وقال: «كأن المعنى سواها»، هذا مثل قول النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «كأنّ الموت فيها على غيرنا كُتب، وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب (2).
الأصل: وَأَعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَمَزالِقِ دَحْضِهِ، وَأَهَاوِيلِ زَلَلِهِ، وَتَارَاتِ أَهْوَالِهِ، فَاتَّقُوا الله عِبَادَالله، تَقِيَّةَ ذِي لُبِّ شَغَلَ التَّفَكُرُ قَلْبَهُ، وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ ، وَأَسْهَرَ التَهَجُدُ غِرَارَ نَوْمِهِ، وَأَظْمَا الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ، وَظَلَفَ الرُّهْدُ شَهَوَاتِهِ، وَأَوْجَفَ الذِّكُرُ بِلِسَانِهِ، وَقَدَّمَ الْخَوْف لِأَمَانِهِ، وَتَنَكَّبَ المَخَالِجَ عَنْ وَضَحَ السَّبِيلِ، وَسَلَكَ أَقْصَدَ المَسَالِكِ إِلَى النهج المَظْلُوبِ، وَلَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلاتُ الْغُرُورِ، وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَهَاتُ الْأُمُورِ، ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى، وَرَاحَةِ النُّعْمَى، فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ وَآمَنِ يَوْمِهِ .
قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً ، وَقَدَّمَ زَادَ الْآجِلَةِ سَعِيداً، وَبَادَرَ عَنْ وَجَلٍ، وَأَكْمَشَ فِي مَهَلٍ ، وَرَغِبَ فِي طَلَبِ، وَذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ، وَرَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ، وَرُبَّمَا نَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ.
فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَنَوَالاً ، وَكَفَى بِالنَّارِ عِقاباً وَوَبَالاً! وَكَفَى بِالله مُنتَقِماً وَنَصِيراً! وَكَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً وَخَصِيماً !
الشرح: وقال أصحابنا رحمهم الله تعالى : الصراط الوارد ذكرهُ في الكتاب العزيز، هو الطريق لأهل الجنة إلى الجنة، ولأهل النار إلى النار بعد المحاسبة، قالوا : لأنّ أهلَ الجنة ممرّهم على باب النار، فمن كان من أهل النار عُدِل به إليها، وقذف فيها ، ومَنْ كان من أهل الجنّة مَرّ بالنار مروراً نجا منها إلى الجنة، وهو معنى قوله تعالى: «وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا»(3)، لأنّ
ورودها هو القرب منها، والدنوّ إليها ، وقد دلّ القرآن على سُور مضروب بين مكان النار وبين الموضع الذي يجتازون منه إلى الجنة في قوله: «فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَهُمُ بَاب بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قبلِهِ الْعَذَابُ » (1).
قالوا : ولا يصحّ ما روي في بعض الأخبار أن الصراط أدقّ من الشّعر وأحدّ من السيف، وأنّ المؤمن يقطعه كمرور البرق الخاطف، والكافر يمشي عليه حَبواً، وأنّه ينتفض بالذين عليه تتزايل مفاصلُهم. قالوا : لأنّ مثل ذلك لا يكون طريقاً للماشي، ولا يتمكَّنُ من المشي عليه، ولو أمكن لم يصحّ التكليف في الآخرة، ليؤمر العُقلاء بالمرور عليه على وجه التعبّد .
ثم سأل أصحابنا أنفسهم، فقالوا: أي فائدة في عمل هذا السّور؟ وأيّ فائدة في كون الطريق الذي هو الصراط منتهياً إلى باب النار منفرجاً منها إلى الجنة؟ ألستم تعللون أفعال البارى تعالى بالمصالح، والآخرة ليست دارَ تكليف ليفعل فيها هذه الأفعال للمصالح!
وأجابوا بأنّ شعور المكلّفين في الدنيا بهذه الأشياء مصالح لهم، وألطاف في الواجبات العقليّة، فإذا أعلِم المكلفون بها وجب إيقاعُها على حسب ما وعدوا وأخبِروا به، لأنّ الله صادق لا خُلْف في أخباره.
عندي أنه لا يمتنع أن يكونَ الصراط على ما وردت به الأخبار، ولا مانع من ذلك قولهم : لا يكون طريقاً للماشي، ولا يتمكن من المشي عليه مسلم ، ولكن لم لا يجوزُ أن يكونَ في جعله على هذا الوجه والإخبار عن كيفيته هذه مصلحة للمكلّفين في الدنيا؟ وليس عدم تمكُّن الإنسان من المشي عليه بمانع من إيقاعه على هذا الوجه، لأن المراد من هذا وأمثاله هو التخويف والزجر .
وأما قولهم : الآخرة ليست دار تكليف، فلقائل أن يقول لهم : لم قلتم : إنّه تكليف؟ ولم لا يجوز أن يكون المكلَّفون مضطرين إلى سلوكه اضطراراً؟ فالمؤمن يخلق الله فيه الثبات والسكينة، والحركة السريعة فينجُو ويسلم، والكافر يخلق فيه ضدّ ذلك فيهوى ويعطب ولا مانع من ذلك.
يقال : مكان دَحْض ودَحَض، بالتحريك، أي زلَق، وأدحضتُه أنا أزلقْتُه فدحَض هو .
والأهاويل : الأمور المفزعة. وتارات أهواله ، كقوله : دفَعات أهواله، وإنما جعل أهواله تاراتٍ، لأنّ الأمور الهائلة إذا استمرّت لم تكن في الإزعاج والترويع، كما تكون إذا طرأت تارة وسكنت تارة.
وأنصب الخوف بدنه : أتعب، والنّصّب: التعب. والتهجّد هنا : صلاة الليل، وأصلُه : السهر، وقد جاء التهجّد بمعنى النوم أيضاً، وهو من الأضداد
1) سورة الحديد، الآية : 13 .
الغِرار: قلّة النوم، وأصله قلّة لبن الناقة، ويقال : غارت الناقة تغار غِرارَ قل لَبَنُها .
فإن قلت : كيف توصف قِلّة النوم بالسهر ، وإنما يوصف بالسَّهَر الإنسان نفسه؟
قلت: هذا من مجازات كلامهم، كقولهم ليل ساهر، وليل نائم .
والهواجر : جمع هَاجِرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحرّ، يقال : هَجْر النهار، وأتينا أهلنا مُهَجِّرِينَ، أي سائرين في الهاجِرة.
وظلف : منع، وظلِفت نفسُ فلان، بالكسر عن كذا، أي كفّتُ.
وأوْجَف : أسرع، كأنّه جعل الذِّكر لشدّة تحريكه اللسان مُوجفاً به، كما توجِف الناقة براكبها، والوجِيف : ضرْب من السَّيْر .
ثم قال: «وقدم الخوف لأمانه»، اللام ها هنا لام التعليل، أي قدّم خوفه ليأمن.
والمخالج: الأمور المختلجة، أي الجاذبة، خَلَجه واختلجه، أي جذَبه .
وأقصد المسالك : أقومها . وطريق قاصد، أي مستقيم. وقتله عن كذا، أي ردّه وصرفه ، وهو قلب «لفت». ويروى : «قد عَبر مَعْبر العاجلة حِميداً ، وقدم زاد الآجلة سعيداً».
وأكمش : أسرع، ومثله انكمش ورجل كمِش أي سريع، وقد كمُش بالضم كماشةً فهو كَمِش وكميش، وكمَشته تكميشاً : أعجلته .
قوله : «ورغب في طلب، وذهب عن هرب»، أي ورغب فيما يطلب مثله، وفَرّ عما يهرب مثله، فأقام المصدر مقام ذي المصدر.
ونظر قُدماً أمامه، أي ونظر ما بين يديه مقدماً لم يَنْثَنِ ولم يعرِّج، والدال مضمومة ها هنا .
قال الشاعر يذمّ امرأة :
تمضي إذا تُجِرَتْ عَنْ سواةٍ قُدماً*** كانها هَدَمُ في الجفر منقاض (1)
ومن رواه بالتسكين، جاز أن يعني به هذا ويكون قد خفف، كما قالوا : حُلْم وحُلُم. وجاز أن يجعله مصدراً، من قدم الرجل بالفتح ، يقدَم قَدماً ، أي تقدم قال الله تعالى: «يَقدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » (2)، أي يتقدّمهم إلى ورودها، كأنه قال: «ونظرَ بين يديه متقدماً لغيره وسابقاً إياه إلى ذلك» . والباء في «بالجنة» و«بالنار» و «بالله» و «بالكتاب» ،زائدة والتقدير : كفى الله وكفى الكتاب .
الأصل: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ ، وَأَحْنَجٌ بِمَا نَهَجَ، وَحَذَرَكُمْ عَدُوًّا نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيًّا، وَنَفَثَ فِي الآذَانِ نَجِيَّا، فَأَضَلَّ وَأَرْدَى، وَوَعَدَ فَمَنِّي، وَزَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ ،وَ هَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِمِ، حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ، وَاسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ، أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ، وَاسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ، وَحَذَرَ مَا أَمَنَ .
الشرح: «أغذر بما أنذر»، ما ها هنا مصدرية، أي أعذر بإنذاره. ويجوز أن تكونَ بمعنى «الذي» .
والعدوّ المذكور : الشيطان.
وقوله : «نَفَذ في الصدور» و«نفث في الآذان» كلام صحيح بديع. وفي قوله : «نفذ في الصدور»، مناسبة لقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم»(1)، والنجيّ: الذي يسارّهُ، والجمع الأنجية، قال .
إنّي إذا ما القومُ كانُوا أَنجِيَة
وقد يكون النجيّ جماعة مثل الصديق، قال الله تعالى: «خَلَصُوا نَجِيًّا » (2)، أي متناجين .
القرينة ها هنا: الإنسان الذي قارنه الشيطان، ولفظه لفظ التأنيث، وهو مذكّر، أراد القرين، قال تعالى: «فَبِئْسَ الْقَرِينُ » (3)، ويجوز أن يكون أراد بالقرينة النفس، ويكون الضمير عائداً إلى غير مذكور لفظاً لما دلّ المعنى عليه، لأن قوله : «فاضل وأردى، ووعد فمنّى» معناه أضلّ الإنسان وأردى، ووعده فمنّى، فالمفعول محذوف لفظاً، وإليه رجع الضمير على هذا الوجه، ويقال : غَلِق الرّهن إذا لم يفتكّه الراهن في الوقت المشروط، فاستحقّه المرتهن .
وهذا الكلام مأخوذ من قوله تعالى: «وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ » (4).
1) أخرجه البخاري، في كتاب: الاعتكاف، باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه (2038) ، ومسلم في كتاب؛ السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رئي مع امرأة وكانت زوجته (2174)، والترمذي في كتاب: الرضاع (1172) ، وأبو داود، في كتاب الصوم، باب المعتكف يدخل البيت لحاجته 2470 .
2) سورة يوسف، الآية: 80.
3) سورة الزخرف، الآية : 38 .
4) سورة إبراهيم، الآية : 22.
الأصل: ومنها في صفة خلق الإنسان : أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ، وَشُغُفِ الأسْتَارِ ، نُطْفَةً دِهَاقاً، وَعَلَقَةً دِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً وَيَافِعاً، ثُمَّ مَنَحَهُ قلباً حَافِظاً، وَلِسَاناً لأفظاً، وَبَصَراً لأحظاً، لَيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً، حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثَالُهُ ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، وَخَبَطَ سَادِراً ، مَاتِحاً فِي غَرْبٍ هَوَاهُ، كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ، فِي لَذَّتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ أَرَبِهِ، ثُمَّ لَا يَحْتَسِبُ رَزِيَّةٌ، وَلَا يَخْشَعُ تَقِيَّةٌ، فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً، وَعَاشَ فِي هَفْوَتِهِ يَسِيراً ، لَمْ يُفِدْ عِوَضاً، وَلَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً
دَهَمَتْهُ فَجَعَاتُ المَنِيَّةِ فِي غُبَرِ جِمَاحِهِ، وَسَنَنِ مِرَاحِهِ، فَظَلَّ سَادِراً، وَبَاتَ سَاهِراً، فِي غَمَرَاتِ الآلامِ، وَطَوَارِقِ الأَوْجَاعِ وَالأَسْقَامِ، بَيْنَ أَحْ شَقِيقٍ، وَوَالٍ شَفِيقٍ، وَدَاعِيَةِ بِالْوَيْلِ جَزَعاً، وَلا دِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً، وَالمَرْهُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِئةٍ، وَغَمْرَةٍ كَارِثَةٍ، وَأَنَّةٍ مُوْجِعَةٍ، وَجَذْبَةٍ مُكْرِبَةٍ، وَسَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ .
ثُمَّ أُدْرج فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً، وَجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً ، ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الْأَعْوادِ، رَجِيعَ وَصَبٍ، وَنِضْوَ سَقَم، تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوَلْدَانِ، وَحَشَدَةُ الْإِخْوَانِ، إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ، وَمُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ، وَمُفْرَدِ وَحْشُتِهِ، حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ المُشَيِّعُ ، وَرَجَعَ المُتَفَجِّعُ ، أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيَّا لِبَهْتَةِ السُّوَالِ، وَعَثْرَةِ الامتحان.
وَأَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِيَّةٌ نُزُلُ الْحَمِيم، وَتَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ، وَفَوْرَاتُ السَّعِيرِ، وَسَوْرَاتُ الزَّفِيرِ ، لا فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ، وَلَا دَعَةٌ مُزِيحَةٌ، وَلاَ قُوَّةً حَاجِزَةٌ، وَلاَ مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ، وَلَا سِنَةٌ مُسْلِية، بَيْنَ أَطْوَارِ المَوْتَاتِ، وَعَذَابِ السَّاعَاتِ، إِنَّا بِالله عَائِذُونَا!
الشرح: أم هنا إما استفهامية على حقيقتها، كأن قال : أعِظُكُم وأذكركم بحال الشيطان وإغوائه، أم بحال الإنسان منذ ابتدأ وجوده إلى حين مماته، وإما أن تكون منقطعة بمعنى «بل» كأنه قال : عادلاً وتاركاً لما وعظهم به، بل أتلو عليكم نبأ هذا الإنسان الذي حاله كذا.
الشُّغُف بالغين المعجمة : جمع شغاف ، بفتح الشين، وأصله غلاف القلب، يقال : شغفه الحبّ، أي بلغ شغافه، وقرىء : «قَدْ شَغَفَهَا حُبّا »(1).
والدّهاق : المملوءة، ويروى «دفاقاً» من دَفقَت الماء أي صببته.
1) سورة يوسف، الآية: 30
قال : «وعلَقة محاقاً»، المحاق: ثلاث ليالٍ من آخر الشهر، وسميت محاقاً لأنّ القمر يمتحق فيهنّ ، أي يخفى وتبطل صورته، وإنما جعل العلَقة محاقاً ها هنا، لأنها لم تحصل لها الصورة الإنسانية بعد ، فكانت ممحوّة ممحوقة .
واليافع: الغلام المرتفع، أيْفَع وهو يافع، وهذا من النوادر. وغلام يَفَع ويَفَعة وغلمان أيفاع ويفعة أيضاً.
قوله : «وَخَبَط سادراً» ، خَبَط البعير إذا ضرب بيديه إلى الأرض، ومشى لا يتوقى شيئاً .
والسادر: المتحيّر، والسادر أيضاً: الذي لا يهتمّ ولا يبالي ما صنع والموضع يحتمل كلا التفسيرين .
والماتح : الذي يستقي الماء من البئر وهو على رأسها . والمائح : الذي نزل البئر إذا قلّ ماؤها، فيملأ الدلاءَ. وسُئِل بعض أئمة اللغة عن الفرق بين المانح والمائح ، فقال : اعْتَبر نقطَتي الإعجام، فالأعلى للأعلى، والأدنى للأدنى.
والغَرْب : الدلو العظيمة. والكذح: شدّة السعي والحركة، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا »(1).
قوله : «وبَدَوات»، أي ما يخطر له من آرائه التي تختلف فيها دواعيه، فتقدم وتحجم، ومات غريراً ، أي شاباً، ويمكن أن يُراد به أنه غيرُ مجرّب للأمور.
والهفوة: الزُّلة هفا يهفو . لم يُفِدْ عوضاً، أي لم يكتسب.
وغُيّر جماحة : بقاياه، قال أبو كبير الهذليّ :
وَمُبِرًا مِنْ كُلِّ عُبَّر حَيْضَةٍ*** وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغْبِل (2)
والجماح الشّرّة وارتكاب الهوى. وسَنَن مِرَاحه السَّنَن : الطريقة، والمراح: شدَّة الفرح والنشاط .
قوله : «فظلَّ سادراً»، السادرها هنا غير السادر الأول، لأنه ها هنا المغمى عليه كأنه سكران، وأصله من سدر البعير من شدة الحرّ وكثرة الطَّلاء بالقَطِران، فيكون كالنائم لا يحسّ، ومراده(علیه السّلام) ها هنا بَدَأ بهِ المرض. ولادِمة للصدر: ضاربة له، والتِدام النساء: ضربهنَّ الصدور عند النياحة. سكرة مُلهِئة : تجعل الإنسان لاهثاً لشدّتها لهثَ يَلْهَتُ لهتَاناً ولهائاً ، ويروى «ملهية» بالياء ، أي تُلهي الإنسان وتشغله .
والكارثة «فاعلة » من كرثه الغمّ يكرُثه بالضمّ، أي اشتدّ عليه وبلغ منه غاية المشقة .
الجذبة: جذب الملك الرُّوح من الجسد أو جذب الإنسان إذا احتضر ليُسَجَّى . والسَّوْقة : من سياق الرُّوح عند الموت المبِلس : الذي يَيئس من رحمة الله، ومنه سمِّيَ إبليس. والإبلاس أيضاً : الانكسار والحزن. والسَّلِس : السَّهْل المقادة. والأعواد خشب الجنازة، ورَجِيع وَصِب : الرَّجِيع المعنّي الكال: والوصَّب : الوجع ، وصِب الرجل يَوْصَب، فهو واصب، وأوصبه الله فهو مُوصب. والموصَّب بالتشديد: الكثير الأوجاع. والنِّضو: الهزيل، وحشدة الإخوان: جمع حاشد، وهو المتأهّب المستعدّ، ودار غربته: قبره. وكذلك منقطَع زورته، لأنّ الزيارة تنقطع عنده .
ومفرد وَحشته نحو ذلك ، لانفراده بعمله، واستيحاش الناس منه، حتى إذا انصرف المشيِّع وهو الخارج مع جنازته، أقعِد في حفرته. هذا تصريحٌ بعذاب القبر، وسنذكر ما يصلح ذكره في هذا الموضع .
والنجي: المناجي. ونُزُل الحميم وتَصلية الجَحِيم، من الألفاظ الشريفة القرآنية. ثم نفى(علیه السّلام) أن يكون في العذاب فتور يجد الإنسان معه راحة، أو سكون يزيح عنه الألم أي يزيله، أو أنّ الإنسان يجد في نفسه قوة تحجز بينه وبين الألم، أي تمنع ويموت موتاً ناجزاً معجّلاً، فيستريح، أو ينام فيسلوا وقتَ نومه عَمّا أصابه من الألم في اليقظة كما في دار الدنيا .
ثم قال : «بين أطوار الموتات»، وهذا في ظاهره متناقض، لأنه نفي الموتَ مطلقاً، قال: «بين أطوار الموتات»، والجواب أنّه أراد بالموتات الآلام العظيم، فسَّماها موتات، لأنّ العرب تسمِّي المشقة العظيمة موتاً، كما قال :
إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيْتُ الأَحْيَاء
ويقولون : الفقر الموت الأحمر، واستعمالهم مثل ذلك كثير جداً .
ثم قال: «إنا بالله عائدون»، عُذت بفلان واستعذت به ، أي التجأت إليه .
واعلم أنّ لقاضي القضاة في كتاب «طبقات المعتزلة» في باب «القبر وسؤال منكر ونكير» ، كلاماً أنا أوردها هنا بعضه، قال رحمه الله تعالى :
إنّ عذابَ القبر إنما أنكره ضرار بن عمرو، ولما كان ضرارٌ من أصحاب واصل بن عطاء، ظنّ كثيرٌ من الناس أنّ ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان:
أحدهما : يجوز عَذَاب القبر، ولا يقطع به، وهم الأقلون، والآخر يقطع على ذلك، وهم أكثر أصحابنا لظهور الأخبار الواردة فيه، وإنما تنكر المعتزلة قول طائفة من الجهلة إنّهم يعذبون وهم موتى، لأنّ العقل يمنعُ من ذلك، وإذا كان الإنسان مع قُرب العهد بموته، ولمّا يدفن
يعلمون أنّه لا يسمع ولا يبصر ولا يدرك ، ولا يألم ولا يلتذّ، فكيف يجوز عليه ذلك وهو ميت في قبره وما رُوي من أنّ الموتى يسمعون لا يصحّ إلا أن يُراد به أنَّ الله تعالى أحياهم، وقوَّى حاسة سمعهم، فسمعوا وهم أحياء.
قال رحمه الله تعالى : وأنكر أيضاً مشايخنا أن يكونَ عذابُ القبر دائماً في كلِّ حال، لأن الأخبار إنما وردت بذلك في الجملة، فالذي يقال به هو قدر ما تقتضيه الأخبار دون ما زاد عليه مما لا دليلَ عليه، ولذلك لسنا نوقّت في التعذيب وقتاً، وإن كان الأقرب في الأخبار أنّها الأوقات المقارنة للدفن، وإن كان لا نعيّنها بأعيانها .
هكذا قال قاضي القضاة، والذي أعرفه أنا من مذهب كثير من شُيوخنا قَبل قاضي القضاة أنّ الأغلب أن يكونَ عذاب القبر بين النَّفْخَتَيْن.
ثم إن قاضيَ القضاة سأل نفسه، فقال : إذا كانت الآخرة هي وقت المجازاة ، فكيف يعذّب في القبر في أيام الدنيا؟
وأجاب بأن القليل من العقاب المستحَق قد يجوز أن يجعلَه الله في الدنيا لبعض المصالح، كما فعل في تعجيل إقامة الحدود على من يستحقّها ، فلا يمنع منه تعالى أن يفعل ذلك بالإنسان إذا كان من أهل النار .
ثم سأل نفسه، فقال : إذا كان بالموت قد زال عنه التكليف، فكيف يقولون يكون ذلك من مصالحه
وأجاب بأنا لم نقل : إنَّ ذلك من مصالحه وهو ميّت، وإنما نقول إنه مصلحة أن نعلم في الدنيا ذلك من حال الموتى، لأنه إذا تصوّر أنه مات عُوجل بضرب من العقاب في القبر، كان أقرب إلى أن ينصرف عن كثير من المعاصي . وقد يجز أن يكون ذلك لطفاً للملائكة الذين يتولّون هذا التعذيب .
فأمّا القول في منكَر ونكير، فإنه سأل نفسَه رحمه الله تعالى، وقال : كيف يجوز أن يسمَّوْا بأسماء الذمّ، وعندكم أن الملائكة أفضلُ من الأنبياء؟
وأجاب، فقال : إنّ التسمية إذا كانت لقباً لم يقع بها ذمّ، لأنّ الذمّ إنما يقع لفائدة الاسم، والألقاب كالإشارات لا فائدة تحتها، ولذا يلقّب الرجل المسلم بظالم وكلب ونحو ذلك، فيجوز أن يكون هذان الاسمان من باب الألقاب، ويجوز أن يسمّيا بذلك من حيث يهجُمان على الإنسان عند إكمال الله تعالى عقله على وجه ينكره ويرتاع منه، فسمِّيا منكراً ونكيراً .
قال : وقد روي في المسألة في القبر أخبار كثيرة وكلّ ذلك مما لا قبحَ فيه، بل يجوز أن يكون من مصالح المكلّفين فلا يصحّ المنع عنه .
وجملة الأمر أنّ كلّ ما ثبت من ذلك بالتواتر والإجماع، وليس بمستحيل في القدرة، ولا قبيح في الحكمة يجب القول به، وما عداه مما وردت به آثار وأخبار آحاد يجب أن يجوّز، ويقال : إنه مظنون ليس بمعلوم، إذا لم يمنع منه الدليل .
الأصل: عِبَادَ الله، أَيْنَ الذين عُمْرُوا فَنَعِمُوا، وَعُلّمُوا فَفَهمُوا، وَأَنْظِرُوا فَلَهَوْا، وَسُلِّمُوا فَنَسُوا أُمْهِلُوا طَوِيلاً، وَمُنِحُوا جَمِيلاً ، وَحُذْرُوا أَلِيماً ، وَوُعِدُوا جَسِيماً .
أحْذَرُوا الذُّنُوبَ المُوَرّطَةَ، وَالْعُيُوبَ المُسْخِطَةَ. اَولِي الْأَبْصَارِ وَالْأَسْمَاعِ، وَالْعَافِيَةِ وَالمَتَاعِ ، هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلاَصِ، أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلاذ ، أَوْ فِرَارٍ أَو مَحَارٍ! فَأَنَّي تُؤْفَكُونَ، أَمْ أيْنَ تُصْرَفُونَ، أَمْ بِمَاذَا تَغْتَرُّونَ!
وَإِنَّمَا حَظِّ أَحَدِكُمْ مِنَ الأَرْضِ ، ذَاتِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، قِيدُ قَدِّهِ، منعفِراً عَلَى خَدِّهِ.
الآنَ عِبَادَالله، وَالْخِنَاقُ مُهْمَلٌ، وَالرُّوحُ مُرْسَلٌ فِي قَبْنَةِ الْإِرْشَادِ، وَرَاحَةِ الْأَجْسَادِ ،وَبَاحَةِ الاحْتِشَادِ، وَمَهَلِ الْبَقِيَّةِ ، وأَنْفِ المَشِيَّةِ ، وَإِنْظَارِ التَّوْبَةِ، وَأَنْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ، قَبْلَ الضَّنْكِ وَالمَضِيقِ، وَالرَّوْعِ وَالزُّهُوقِ، وَقَبْلَ قُدُومِ الْغَالِبِ المُنتظَر، وَأَحْدَةِ الْعَزِيزِ المُقْتَدِرِ .
قال الرضي رحمه الله: وفي الخبرِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمَّا خطب بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ اقْشَعَرَّتَ لَهَا الجُلُودُ، وبَكَتِ الْعُيُونُ، وَرَجَفَتِ الْقُلُوبُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُسَمِّي هَذِهِ الْخُطْبَةَ الْغَرَّاءَ .
الشرح: نَعِم الرجل يَنْعَم ضِدّ قولك: «بَنس»، وجاء شاذاً نَعِم ينعِم بالكسر. وأنظروا : أمهلوا. والذنوب المورّطة: التي تُلقي أصحابَها في الورطة، وهي الهلاك، قال رؤبة :
فأصْبَحُوا في ورطة الأوراط
وأصله أرض مطمئنّة لا طريق فيها، وقد أورطت زيداً وورّطته توريطاً فتورّط. ثمّ قال(علیه السّلام) : «أولى الأبصار والأسماع»، ناداهم نداءً ثانياً بعد النداء الذي في أول الفصل، وهو قوله: «عباد الله»، فقال: يا مَنْ منحهم الله أبصاراً وأسماعاً، وأعطاهم عافية، ومتّعهم متاعاً هل من مناص، وهو الملجأ والمفرّ، يقالُ : ناصَ عن قِرنه مناصاً، أي فَرّ وراوغ، قال سبحانه : « وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ » (1)
1) سورة ص ، الآية : 3.
والمحار المرجع ، من حَارَ يحور أي رجع قال تعالى: «إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ» (1).
ويؤفَكون: يقلبون، أفكّه يأفِكه عن كذا، قلبه عنه إلى غيره، ومثله «يُصْرَفون». وقيد قدّه : مقدار قدّه، يقال : قرب منه قِيدَ رُمح، وقَادَ رُمْح، والمرادها هنا هو القبر، لأنه بمقدار قامة الإنسان.
والمُنْعفِرُ : الذي قد لامس العَفَر ، وهو التراب.
ثم قال(علیه السّلام) : «الآن والخناق مُهْمَل»، تقديره : اعملوا الآن وأنتم مخلَّوْنَ متمكّنون لم يعقد الحبل في أعناقكم، ولم تقبَض أرواحكم .
والرُّوح يُذكّر ويؤنث. والفَينة الوقت، ويروى «وفَيْنة الارتياده»، وهو الطَّلب. وأنفُ المشيّة : أول أوقاتَ الإرادة والاختيار.
قوله : «وانفساح الحَوْبة»، أي سعة وقت الحاجة، والحوبَة : الحاجة والأرَب، قال الفرزدق :
فَهَبْ لِي خُنيساً واتَّخِذْ فِيه مِنْةٌ*** لحوبَةَ أمْ ما يَسُوعُ شَرَابُهَا
والغائب المنتظر ، هو الموت. قال شيخنا أبو عثمان رحمه الله تعالى : حَدَّثني ثُمَامة ، قال : سمعتُ جعفر بن يحيى - وكان من أبلَغ الناس وأفصحهم - يقول : الكتابة ضمّ اللفظة إلى أختها، ألم تسمعوا قول شاعر لشاعر، وقد تفاخرا : أنا أشعرُ منك لأنّي أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابنَ عمّه ! ثم قال : وناهيك حسناً بقول عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) : «هَلْ من مناص أو خلاص، أو معاذ أو ملاذ، أو فرار أو محار!».
قال أبو عثمان: وكانَ جعفر يُعجب أيضاً بقول عليّ(علیه السّلام) : أين من جدَّ واجتهد، وجَمَع واحتشد، وبنّي فشيَّد، وفرش فمهَّد، وزخرف فنجَّد ،قال: ألا ترى أن كلّ لفظة منها آخذةٌ بعُنِق قرينتها، جاذبة إياها إلى نفسها، دالَّةٌ عليها بذاتها !
قال أبو عثمان: فكان جعفر يسمّيه فصيح قريش.
واعلم أننا لا يتخالجنا الشكّ في أنه(علیه السّلام) أفصحُ من كلّ ناطق بلغة العرب من الأولين والآخرين، إلّا من كلام الله سبحانه، وكلام رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وذلك لأنّ فضيلَة الخطيب والكاتب في خطابته وكتابته تعتمِد على أمرين، هما مفردات الألفاظ ومركَّباتها .
أما المفردات فأن تكون سهلةٌ سلِسة غير وحشيّة ولا معقدة، وألفاظه(علیه السّلام) كلها كذلك، فأما المركّبات فَحُسْنُ المعنى وسرعة وصوله إلى الأفهام، واشتماله على الصفات التي باعتبارها فُضّل بعضُ الكلام على بعض، وتلك الصفات هي الصناعة التي سَمّاها المتأخرون
1) سورة الإنشقاق، الآية : 14
البديع، من المقابلة والمطابقة، وحسن التقسيم، وردّ آخر الكلام على صَدره، والتّرصيع والتسهيم، والتوشيح والمماثلة، والاستعارة، ولطافة استعمال المجاز، والموازنة، والتكافؤ، والتسميط والمشاكلة.
ولا شبهةَ أن هذه الصفات كلَّها موجودة في خُطبه وكتبه، مبثوثة متفرقة في فُرُش كلامه(علیه السّلام) ، وليس يوجد هذان الأمران في كلام أحد غيرهِ فإن كان قد تعمَّلها وأفكّر فيها، وأعمَل رويته في رَضفها ونثرها، فلقد أتى بالعجب العُجاب، ووجبَ أن يكون إمام الناس كلَّهم . في ذلك، لأنّه ابتكره ولم يعرف من قبله وإن كان اقتضبها ابتداءً، وفاضت على لسانه مرتجلة، وجاش بها طبعه بديهةً من غير رويَّةٍ ولا اعتمال فأعجب وأعجب!
وعلى كلا الأمرين فلقد جاء مجلِّياً والفصحاء تنقطع أنفاسهم على أثره. وبحقِّ ما قال معاوية لمحقن الضّبيّ، لمّا قال له : جئتك من عند أعيا الناس : يابن اللخناء، العليِّ تقول هذا؟ وهل سنّ الفصاحة لقريش غيره!
واعلم أن تكلّف الاستدلال على أن الشمس مضيئة يتعب، وصاحبه منسوب إلى السَّفَه ، وليس جاحد الأمور المعلومة علماً ضروريًا باشدّ سفهاً ممّن رام الاستدلال بالأدلة النظرية عليها .
الأصل: عَجَباً لابْنِ النَّابِغَةِ! يَزْعُمُ لِأَهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِي دُعَابَةً، وَأَنِّي أَمْرُو تِلْعَابَةٌ، أَعَانِسُ وَأُمَارِسُ! لَقَدْ َقالَ بَاطِلاً ، وَنَطَقَ آثماً . أَمَا - وشَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ - إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ، وَيَسْأَلُ فَيُلْحِفُ، وَيَخُونُ الْعَهْدَ، وَيَقْطَعُ الْإِلَّ، فَإِذَا كانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ وَآمِرٍ هُوَ! مَا لَمْ تَأَخُذِ السُّيوفُ مَآخِذَهَا ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَوْمَ سَبْتَهُ.
أما والله إنِّي لَيَمْنَعُنى مِنْ اللَّعِب ذِكْرُ الْمَوْتِ، وَإِنَّهُ لَيَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الآخِرَةِ .
وَإِنَّهُ لَمْ يُبَابِعْ مُعَاوِيَةَ حَتَّى شَرط لَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ آتِيَّةٌ ، وَيَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةٌ .
الشرح: الدّعابة : المُزاح، دَعَب الرجل، بالفتح. ورجل تِلْعابة، بكسر التاء : كثير اللعب، والتَّلْعاب، بالفتح: مصدر «لعب».
والمعافسة، المعالجة والمصارعة، ومنه الحديث : «عَافَسْنَا النساء». والممارسة نحوه.
يقول(علیه السّلام) : إن عَمْراً يقدح فيِّ عند أهل الشام بالدُّعابة واللعب، وأني كثير الممازحة، حتى أني ألاعب النساء وأغازلهنّ، فعلَ المترَف الفارغ القلب، الذي تتقّضى أوقاته بملاذ نفسه.
ويُلحِف يلحُ في السؤال، قال تعالى : « لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا » (1)، ومنه المثل : «ليس للملحِف مِثل الرّدّ».
والإلّ: العهد، ولمّا اختلف اللفظان حَسُن التقسيم بهما ، وإن كان المعنى واحداً. ومعنى قوله : «ما لم تأخذ السيوف مآخذها»، أي ما لم تبلغ الحرب إلى أن تخالط الرؤوس، أي ملىء بالتَّحريض والإغراء قبل أن تلتحِم الحرب، فإذا التحمت واشتدّت فلا يمكث، وفعل فَعلته التي فعل .
والسَّبَة : الإست، وسبّه يَسُبُّهُ : طعنه في السَّبَة .
ويجوز رفع «أكبر» ونصبه ، فإن رفعت فهو الاسم ، وإن نصبتَ فهو الخبر. والأتيّة العطية، والإيتاء: الإعطاء. ورضخ له رضخاً : أعطاه عطاءً بالكثير، وهي الرّضيخة، لما يعطَى.
ونحن نذكر طرفاً من نسب عمرو بن العاص وأخباره إلى حين وفاته إن شاء الله.هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سَهم بن عمرو بن هُصَيْص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهر بن مالك بن النّضر. يكنى أبا عبدالله ، ويقال : أبو محمد .
أبوه العاص بن وائل، أحد المستهزئين برسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، والمكاشفين له بالعداوة
والأذى، وفيه وفي أصحابه أنزل قوله تعالى: «إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ » (2).
ويلقّب العاصُ بن وائل في الإسلام بالأبتَر، لأنه قال لقريش: سيموتُ هذا الأبتر غداً، : فينقطع ذكره، يعني رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لأنه لم يكن له(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ولدٌ ذَكَر يُعْقِبُ منه ، منه، فأنزل الله سبحانه: «إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ » (3).
وكان عمرو أحد من يؤذي رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بمكّة، ويشتِمه ويضع في طريقه الحجارة، لأنّه كان(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يخرج من منزله ليلاً فيطوف بالكعبة، وكان عمرو يجعل له الحجارة، في مسلكه ليعثُرَ بها . وهو أحدُ القوم الذين خرجوا إلى زينب ابنة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و لمّا خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة، فروّعُوها وقَرَعوا هَوْدَجها بكعُوب الرماح، حتى أجهَضت جنيناً ميِّتاً من أبي
العاص بن الربيع بعلها، فلما بلغ ذلك رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، نال منه وشقّ عليه مشقّة شديدة ولعنهم. روى ذلك الواقديّ .
وروي الواقديّ أيضاً وغيره من أهل الحديث، أن عمرو بن العاص هجا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هِجاء كثيراً، كان يعلِّمه صبيان مكة، فيُنشدونه ويَصيحون برسول الله إذا مرَّ بهم، رافِعين أصواتهم بذلك الهجاء، فقال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وهو يصلّي بالحِجر : «اللهمّ إنّ عمرو بن العاص هَجَاني، ولستُ بشاعر، فالعنه بعدَد ما هجاني»(1).
وروى أهل الحديث أنّ النَّضر بن الحارث وعُقبة بن أبي مُعَيْط وعمرو بن العاص، عهدوا إلى سَلَى جَمل فرفعوه بينهم ووضعُوه على رأس رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وهو ساجد بفناء الكعبة، فسال عليه، فصبَر ولم يرفَع رأسه، وبكَى في سجوده ودعا عليهم، فجاءت ابنتُه فاطمة عليها السلام وهي باكية، فاحتضنت ذلك السَّلا فرفعته عنه فألقته وقامت على رأسه تبكي، فرفع رأسه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقال : «اللهمّ عليك بقريش» (2)، قالها ثلاثاً ، ثم قال رافعاً صوته : «إنّي مظلوم فانتِصر»، قالها ثلاثاً، ثم قام فدخل منزله : وذلك بعد وفاة عَمّه أبي طالب بشهرين .
ولشدّة عداوة عمرو بن العاص لرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، أرسله أهلُ مكّة إلى النّجاشيّ ليزهِّدَه في الدّين، وليطرد عن بلاده مهاجِرَة الحبشة، وليقتل جعفر بن أبي طالب عنده، إن أمكنه قتلُه، فكان منه في أمر جعفر هناك ما هو مذكور مشهور في السِّيَر، وسنذكر بعضه .
فأمّا النابغة فقد ذكر الزمخشريّ في «كتاب ربيع الأبرار» (3)قال: كانت النابغة أم عمرو بن العاص أمةً لرجل من عنزة، فسُبِيت، فاشتراها عبدالله بن جُدعان التيميّ بمكة، فكانت بَغِيًّا، ثم أعتقَها ، فوقع عليها أبو لهب بن عبد المطلب، وأميّة بن خلف الجُمحي، وهشام بن المغيرة المخزوميّ، وأبو سفيان بن حَرب، والعاص بن وائل السَّهميّ، في ظُهرٍ واحد، فولدت عَمْراً، فادّعاه كلُّهم، فحكِّمت أمُّه فيه، فقالت: هو من العاص بن وائل، وذاك لأن العاص بن وائل كان يُنفق عليها كثيراً، قالوا وكان أشبه بأبي سفيان، وفي ذلك يقول أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب في عمرو بن العاص :
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 299/33 ح : 515.
2) أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب إذا أُلقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته (240) ، ومسلم في كتاب: الجهاد والسير باب ما لقي النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من أذى المشركين ، والمنافقين (1794).
3) «ربيع الأبرار ونصوص الأخبار في المحاضرات»: لأبي القاسم محمود بن عمر جار الله العلامة الزمخشري ، المتوفى سنة ( 538ه-) ، «كشف الظنون» (832/1).
أبوك أبو سفيانَ لا شك قد بَدَتْ*** لَنَافيك منه بيناتُ الشَّمائل
وقال أبو أبو عمر بن عبدالبر صاحب كتاب «الاستيعاب»: كان اسمها سلمى - وتلقّبت بالنابغة - بنت حَرْملة من بني جلَّان بن عَنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، أصابها سِباء، فصارت إلى العاص بن وائل بعد جماعة من قريش، فأولدها عمراً .
قال أبو عمر: يقال إنه جُعِل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمراً وهو على المنبر : مَنْ أمّه؟ فسأله، فقال : أمي سلمى بنت حرملة، تُلَقَّب بالنابغة، من بني عنزة ثم أحد بني جِلّان وأصابتها راح العرب فبيعت بعُكاظ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة، ثم اشتراها منه عبدالله بن جُدعان، ثم صارت إلى العاص بن وائل، فولدت فأنجبت، فإن كان جُعِل لك شيء فخذ .
وقال المبرّد في كتاب «الكامل » (1): اسمُها ليلى. وذكر هذا الخبر وقال : إنّها لم تكن في موضع مَرْضِيّ ، قال المبرّد: وقال المنذر بن الجارود مرة لعمرو بن العاص : أيّ رجل أنت لولا أن أمّك أمّك ! فقال : إني أحمَد الله إليك، لقد فكَرْت البارحة فيها فأقبلت أنقُلُها في قبائل العرب ممن أحبُّ أن تكون منها، فما خطرت لي عَبدالقيس على بال!
وقال المبرّد: ودخل عمرو بن العاص مكة، فرأى قوماً من قريش قد جلسوا حَلْقة، فلما رأوه رَمَقُوه بأبصارهم، فعدل إليهم فقال: أحسِبكم كنتم في شيء من ذكرى! قالوا : أجل، كنا نمثّل بينك وبين أخيك هشام بن العاص، أيّكما أفضل؟ فقال عمرو : إن لهشام عليَّ أربعة : أمه بنت هشام بن المغيرة، وأمّي مَن قد عرفتم، وكان أحبّ إلى أبيه مني، وقد علمتم معرفة الوالد بولده، وأسْلَمَ قَبْلِي، واستشهد وبقِيت.
وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب «الأنساب» أن عَمْراً اختصم فيه يوم ولادته رجلان: أبو سفيان بن حرب، والعاص بن وائل، فقيل : لِتَحْكم أمُّه، فقالت أمّه: إنه من العاص بن وائل، فقال أبو سفيان: أما إني لا أشك أني وضعته في رَحِم أمه، فأبت إلا العاص.
فقيل لها : أبو سفيان أشرف نسباً، فقالت : إن العاص بن وائل كثير النفقة عليّ وأبو سفيان شَحِيح .
1) «الكامل في اللغة»: لأبي العباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد النحوي، المتوفى سنة (285ه-) . «كشف الظنون» (1382/2).
ففي ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص حيث هجاه مكافئاً له عن هجاء رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) :
أبوك أبو سفيان لا شكّ قد بَدَتْ*** لنافيك من بيِّنَاتُ الدلائل
فَفَاخِرْ به إمّا فَخَرْتَ ولا تكن*** تفاخرُ بالعاص الهجين بن وائل
وإن التي في ذاك يا عمرو حُكِّمَتْ*** فقالت رجاءً عند ذاك لنائل
مِنَ العاص عمرٌو وتخبر الناس كلَّما*** تجمَّعَتِ الأقوام عند المحافِلِ
وروى الزبير بن بكار في كتاب «المفاخرات» ، قال : اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْط، وعُتبة بن أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن عليّ(علیه السّلام) قوارصُ، وبلغه عنهم مثل ذلك ، فقالوا : يا أميرالمؤمنين، إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصُدّق، وأمر فأطيع ، وخَفَقَتْ له النعال، وإنّ ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغُنا عنه ما يسوؤنا .
قال معاوية : فما تريدون؟ قالوا : ابعث عليه فليحضُر لنَسُبَّه ونَسُبَّ أباه، ونعيِّره ونوبخه ، ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرّره بذلك، ولا يستطيع أن يغيِّر علينا شيئاً، من ذلك .
قال معاوية : إني لا أرى ذلك ولا أفعله، قالوا: عزمنا عليك يا أميرالمؤمنين لتفعلَنّ، فقال : ويحكم لا تفعلوا ! فوالله ما رأيته قطّ جالساً عندي إلا خفت مقامه وعيبَه لي، قالوا : ابعث إليه على كلِّ حال قال: إن بعثت إليه لأنصفنَّه منكم .
فقال عمرو بن العاص : أتخشى أن يأتي باطلُه على حقنا، أو يُرْبَى قَولُه على قولنا ! قال معاوية : أما إني إن بعثت إليه لأمرنّه أن يتكلّم بلسانه كلَّه ، قالوا : مُره بذلك
قال: أما إذ عصيتموني، وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تُمرِضوا له في القول، واعلموا أنهم أهل بيتٍ لا يعيبهم العائب، ولا يُلْصَق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجَره، تقولون له : إن أباك قتل عثمان وكره خلافة الخلفاء مِن قبله.
فبعث إليه معاوية، فجاءه رسوله، فقال : إن أمير المؤمنين يدعوك .
قال : مَنْ عنده؟ فسماهم له، فقال الحسن(علیه السّلام) : ما لهم خرَّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون. ثم قال : يا جار، ابغيني ثيابي، اللهم إني أعوذُ بك من شرورهم ، وأدْرَا (1)بك في نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفِنيهم كيف شئتَ وأنّي شنت، بحوْلٍ منك وقوة يا أرحم الراحمين!
1) من درأ بمعنى دفع. القاموس، مادة (درا).
ثم قام، فلما دخل على معاوية، أعظمه وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وقد ارتاد القوم، وخطروا (1)خَطَران الفحول، بغياً في أنفسهم وعُلُوًّا، ثم قال: يا أبا محمد، إن هؤلاء بعثوا إليك وعَصَوْني.
فقال الحسن(علیه السّلام) : سبحان الله ! الدار دارُك، والإذنُ فيها إليك، والله إن كنتَ أجبتَهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم إني لأستحيي لك من الفُحْش، وإن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحيي لك من الضعف، فأيهما تُقَرِّر ، وأيهما تنكر؟ أما إني لو علمتُ بمكانهم جئتُ معي بمثلهم من بني عبدالمطلب، وما لي أن أكون مستوحشاً منك ولا منهم ! إن وليّيَ الله ، وهو يتولّى الصالحين.
فقال معاوية: يا هذا، إنّي كرهتُ أن أدعوَك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له ، وإن لك منهم النَّصف ومنِّي ، وإنما دَعَوْناك لنقرِّرَك أن عثمان قتل مظلوماً، وأن أباك قتله، فاستمِع منهم ثم أجِبهم ، ولا تمنعكَ وَحدتك واجتماعُهم أن تتكلم بكلّ لسانك .
فتكلم عمرو بن العاص، فحمدالله وصلى على رسوله، ثم ذكر عليَّا(علیه السّلام) ، فلم يترك شيئاً يعيبه به إلا قاله، وقال: إنّه شتم أبا بكر وكره خلافته، وامتنع مِن بيعته، ثم بايعه مكرَهاً، وشَرَك في دم عمر، وقتلَ عثمان ظلماً ، وادّعى من الخلافة ما ليس له .
ثم ذكر الفتنة يعيِّره بها، وأضاف إليه مساوىء، وقال: إنكم يا بني عبدالمطلب لم يكن الله ليعطيَكم الملك على قتلكم الخلفاء، واستحلالكم ما حرّم الله من الدماء، وحِرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحلّ. ثم إنك يا حسن، تحدّث نفسك أن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقلُ ذلك ولا لبَّه ، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلَك، وتركك أحمقَ قريش، يُسخر منك ويُهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك! وإنما دعوناك لنسبّك وأباك، فأما أبوك فقد تفرّد الله به وكفانا أمره، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله ، ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن تردّ علينا وتكذِّبنا ؟ فإن كنت ترى أنّا كذبنا في شيء فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنّك وأباك ظالمان.
ثم تكلم الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط ، فقال : يا بني هاشم، إنّكم كنتم أخوال عثمان، فنِعم الولد كان لكم ، فَعرف حقكم، وكنتم أصهاره فنعم الصِّهر كان لكم ، يكرمكم فكنتم أول من حَسده، فقتله أبوك ظلماً ، لا عذرَ له ولا حجة، فكيف ترؤن الله طلب بدمه، وأنزلكم منزلَتكم ! والله إن بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية، وإن معاوية خيرٌ لك من نفسك.
ثم تكلم عُتبة بن أبي سفيان، فقال يا حسن، كان أبوك شرّ قريش لقريش، أسَفَكَها
1) خطر في مشيته : رفع يديه ووضعهما. القاموس، مادة (خطر).
لدمائها، وأقطعها لأرحامها ، طَويلَ السيف واللسان، يقتل الحيّ ويعيِب الميت، وإنك مِمّن قتل عثمان، ونحن قاتلوك به، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زَنْدِها قادحاً، ولا في ميزانها راجحاً، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، وإن في الحق أن نقتلك وأخاك به، فأما أبوك فقد كفانا الله أمرَه وأقادَ منه ، وأما أنت فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان.
ثم تكلم المغيرة بن شعبة، فشتم عليّاً، وقال: والله ما أعيبه في قضية يخون، ولا في حکم يميل، ولكنه قتل عثمان . ثم سكتوا .
فتكلم الحسن بن عليّ(علیه السّلام) ، فحمِدالله وأثنى عليه، وصلى على رسوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ثم قال : أما بعد يا معاوية، فما هؤلاء شتموني ولكنك شتَمتَني، فحشاً أَلِفْتَه، وسوءَ رأي عُرفتَ به، وخُلُقاً سيئاً ثبتَّ عليه، وبغياً علينا، عداوةٌ منك لمحمد وأهله، ولكن اسمع يا معاوية، واسمعوا فلأقولنّ فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم.
أنشُدُكم الله أيها الرّهط، أتعلمون أن الذي شتمتُموه منذ اليوم، صلّى القبلتين كلتيهما وأنت يا معاوية بهما كافر، تراها ضلالة، وتعبد اللات والعزى غواية !
وأنشدُكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كلتيهما : بيعة الفتح وبيعة الرضوان، وأنت يا معاوية بإحداهما كافر، وبالأخرى ناكث!
وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أولُ الناس إيماناً، وأنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم تُسِرُّون الكفر، وتظهرون الإسلام، وتُستمالون بالأموال!
وأنشدُكم الله، ألستم تعلمون أنّه كان صاحب راية رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يوم بَدْر، وأن رايةَ المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه ، ثم لقيكم يوم أحُد ويوم الأحزاب، ومعه راية رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ومعَك ومع أبيك رايةُ الشِّرك، وفي كلّ ذلك يفتح الله له ويُفِلج حُجْتَه، وينصر دعوتَه، ويصدّق حديثه، ورسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في تلك المواطن كلِّها عنه في تلك المواطن كلّها عنه راضٍ، وعليك وعلى أبيك ساخط! وأنشدك الله يا معاوية، أتذكُر يوماً جاء أبوك على جمل أحمر، وأنت تسوقُه، وأخوك عتبة هذا يقوده، فرآكم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، فقال: «اللهمّ العن الراكب والقائد والسائق ! » (1).
أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما همّ أن يُسلم، تنهاه عن ذلك :
يا صخر لا تُسْلِمنْ يوماً فتفضَحَنا*** بعد الذين بِبَدْرٍ أَصبَحُوا فِرَقا
خالي وعَمّي وعمّ الأمّ ثالثهم*** وحنظلُ الخير قد أهدى لنا الأرَقا
1) أخرجه القاضي النعمان في شرح الأخبار : 147/2 .
لا تَرْكَنَنَّ إلى أمر تكلّفنا*** والرّاقصات به في مكة الخُرُقَا (1)
فالموتُ أهون من قول العِداة: لقد*** حادا بنُ حربٍ عن العُزَّى إذاً فَرَقَا
والله لَمَا أخفيتُ من أمرك أكبرُ مما أبديتُ .
وأنشدكم الله أيُّها الرهط، أتعلمون أن عليًّا حَرَّم الشهواتِ على نفسه أصحاب بین رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فأنزل فيه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ » (2)، وأَنَّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و بعث أكابرَ أصحابه إلى بني قُريظَة فنزلوا من حِضنهم فهُزموا، فبعث عليًّا بالراية ، فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله، وفعل في خَيْبر مثلها !
ثم قال : يا معاوية أظنُّك لا تعلم أنّي أعلم ما دعا به عليك رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لما أراد أن يكتبَ كتاباً إلى بني خُزيمة، فبعث إليك [ابن عباس فوجدك تأكل ، ثم بعثه إليك مرة أخرى فوجدك تأكل، فدعا عليك الرسول بجوعك] ونهمِك إلى أن تموت.
وأنتم أيها الرّهط: نشدتُكم الله ، ألا تعلمون أن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردّها :
أولها : يوم لَقِي رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) خارجاً من مكّة إلى الطائف، يدعو ثَقيفاً إلى الدِّين، فوقع به وسبّه وسفَهَهُ وشتمه وكذّبه وتوعده، وهم أن يَبطش به فلعنه الله ورسوله وصُرف عنه .
والثانية : يوم العِير، إذ عرض لها رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وهي جائيةٌ من الشام، فطردها أبو سفيان، وساحَل بها، فلم يظفر المسلمون بها ، ولعنه رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ودعا عليه، فكانت وقعة بدر لأجلها .
والثالثة : يوم أحد، حيث وقف تحت الجبل، ورسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في أعلاه، وهو ينادي: اعْلُ هُبَل مراراً ، فلعنه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عشر مرات، ولعنه المسلمون .
والرابعة : يوم جاء بالأحزاب وغَطفَان واليهود، فلعنه رسول الله وابتهل.
والخامسة : يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدُّوا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عن المسجد الحرام« والهدىَ» معكوفاً أن يبلغ مَحلّه» ذلك يوم الحديبية، فلعن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أبا سفيان، ولعن القادة والأتباع، وقال ملعونون كلُّهم، وليس فيهم من يؤمن»، فقيل : يا رسول الله، أفما يُرْجَى الإسلام لأحد منهم فكيف باللعنة ؟ فقال : «لا تصيب اللعنة أحداً من الأتباع، وأما القادة . فلا يفلح منهم أحد» (3).
والسادسة : يوم الجمل الأحمر.
والسابعة : يومَ وقفوا لرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في العَقَبة ليستنفروا ناقته، وكانوا اثني عشر رجلاً ، منهم أبو سفيان .
فهذا لك يا معاوية، وأما أنت يا بنَ العاص، فإنّ أمرَك مشترَك، وضعتك أمك مجهولاً ، من عُهْر وسِفاح، فيك أربعة من قريش، فغلب عليك جَزَارُها ، الأمهُمْ حَسباً ، وأخبثُهم منِصباً ، ثم قام أبوك فقال : أنا شاني محمدٍ الأبتر، فأنزل الله فيه ما أنزل .
وقاتلت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في جميع المشاهد، وهجؤته وآذيته بمكّة وكِدته كيدَك كلَّه، وكنتَ من أشدّ النّاس له تكذيباً وعداوةً.
ثم خرجتَ تريد النّجاشي مع أصحاب السفينة، لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة، فلما أخطأك ما رجَوْتَ ورجَعك الله خائباً، وأكذَبَك واشِياً، جعلت حدَّك على صاحبك عُمارة بن الوليد، فوشيت به إلى النجاشيّ، حسداً لما ارتكبَ مع حليلتك، ففضحك الله وفضحَ صاحبك.
فأنت عدوّ بني هاشم في الجاهلية والإسلام. ثم إنك تعلم وكلّ هؤلاء الرَّهْط يعلَمُون أنّك هجوتَ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بسبعين بيتاً من الشِّعر ، فقال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «اللّهمّ إني لا أقول الشِّعر ولا ينبغي لي، اللّهمّ العنه بكل حرفٍ ألف لعنة» (1)، فعليك إذا من الله ما لا يحصَى من اللعن .
وأما ما ذكرت من أمر عثمان، فأنت سطّرت عليه الدنيا ناراً، ثم لحقت بفلسطين، فلمّا أتاك قتلُه ، قلت : أنا أبو عبدالله إذا نكأتُ (2)قرحة أدميتُها . ثم حبستَ نفسك إلى معاوية، وبعتَ دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بُغض، ولا نعاتبك على ودّ، وبالله ما نصرت عثمان حيَّا ولا غضِبت له مقتولاً، ويحك يابن العاص ! الستَ القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشيّ :
تقول ابنتي أين هذا الرحيل*** وما السَّيْرُ مِنِّي بمستنکَر
فقلت: ذريني فإني امرؤ ***أريد النجاشيَّ في جعفَرِ
لأكُويهُ عنده كيَّة*** أُقِيمُ بها نخوةً الأصْعَرِ
وشانيءُ أحمد من بينهم*** وأقولُهم فيه بالمنكَر
وأجرى إلى عتبةٍ جاهداً***ولو كان كالذَّهَبِ الأحمر
ولا أنثني عن بَنِي هاشم*** وما اسطعتُ في الغَيْبِ والمَحْضَرِ
فإن قَبل العتب منِّي لَهُ*** وإلا لَوَيْتُ له مِشفَري(1)
فهذا جوابك، هل سمعته!
وأما أنت يا وليد، فوالله ما ألومك على بغض عليِّ، وقد جلَدك ثمانين في الخمر، وقتل أباك بين يدي رسول الله صبراً، وأنت الذي سمّاه الله الفاسق، وسمّي عليَّا المؤمن، حيث تفاخرتما فقلتَ له : اسكت يا عليّ، فأنا أشجع منك جَناناً، وأطول منك لساناً ، فقال لك عليّ : اسكُتْ يا وليد فأنا مؤمن وأنت فاسق، فأنزل الله تعالى في موافقة قوله : «أَفَمَن كَانَ مؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَا لَا يَستَونَ » (2)، ثم أنزل فيك عَلَى موافقة قوله أيضاً : « إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا »(3).
ويحك يا وليد! مَهمَا نسيتَ، فلا تنسَ قول الشاعر فيك وفيه :
أنزل الله والكتاب عزيزٌ*** في عليّ وفي الوليد قرانَا
فتبوّا الوليد إذ ذاك فسقاً*** وعليُّ مبراً إيمانَا
ليس من كان مؤمناً - عَمْرَك الله -*** كَمَنْ كان فاسقاً خَوَّانَا
سوف يُدعى الوليد بعد قليل*** وعليٌّ إلى الحساب عِيَانَا
فعليّ يُجزي بذاك جِناناً*** ووليدٌ يُجزي بذاك هَوانَا
رُبَّ جَدِّ لِعُقْبَة بن أبانٍ*** لابس في بلادنا تُبّانَا (4)
وما أنت وقريش ؟ إنما أنت عِلْج من أهل صَفّورية، وأقسم بالله لأنت أكبر في الميلاد ، وأسنّ ممّن تدعى إليه . وأما أنت يا عتبة، فوالله ما أنت بحصيف فأجيبَك، ولا عاقل فأحاورَك وأعاتَبك، وما عندك خير يُرْجَى، ولا شرّ يتقي، وما عقلك وعقل أمَتِك إلا سواء، وما يضرّ عليَّا لو سَببتَه على رؤوس الأشهاد !
وأما وعيدك إيّاي بالقتل، فهلا قتلت اللّحيانيّ إذ وجدته على فراشك! أما تستحي من قول نصر بن حجاج فيك :
يا للرجال وحادثِ الأزمان*** ولَسُبّةٍ تُخزي أبا سفيان
نُبِّئتُ عتبة خانه في عِرسِه*** جنسٌ لئيمُ الأصل من لِحْيانِ (1)
وبعد هذا، ما أرباً بنفسي عن ذكره لفحشه ، فكيف يخاف أحدٌ سيفَك، ولم تقتل فاضحَك ! وكيف ألومك عليِّ بغض عليٍّ، وقد قتلَ خالك الوليد مبارزةً يوم بذر، وشَرَك حمزة في قتل جدّك عتبة، وأوحَدك من أخيك حنظلة في مقامٍ واحد!
وأما أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليقٍ أن تقع في هذا وشِبهه، وإنما مَثَلك مثَلُ البعوضة إذ قالت للنخلة : استمسكي، فإني طائرة عنك، فقالت النخلة: وهل علمتُ بكِ واقعة عليّ فأعلم بكِ طائرةً عني !
والله ما نشعرُ بعداوتك إيانا، ولا اعتممنا إذ علمنا بها، ولا يشقّ علينا كلامُك، وإن حدَّ الله في الزّنى لثابت عليك، ولقد درأ عمرُ عنك حقاً، الله سائله عنه (2)!
ولقد سألت رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها؟ فقال: «لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنى»(3)، لعلمه بأنكَ زانٍ.
وأما فخركم علينا بالإمارة: فإن الله تعالى يقول: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةٌ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرا » (4).
ثم قام الحسن فنفضَ ثوبه، وانصرف، فتعلّق عمرو بن العاص بثوبه، وقال: يا أميرالمؤمنين، قد شهدتَ قوله فيِّ وقذفه أمِّي بالزنى، وأنا مطالب له بحدِّ القذف.
فقال معاوية : خلّ عنه لا جزاك الله خيراً . فتركه .
فقال معاوية : قد أنبأتكم أنه ممّن لا تطاق عارضتُه، ونهيتكم أن تسبّوه فعصيتموني، والله ما قام حتى أظلم عليَّ البيت قواموا عنّي ، فلقد فضحكم الله وأخزاكم بتركِكُم الحزم ، وعُدولِكم عن رأي النّاصح المشفِق، والله المستعان(5).
وروى الشَّعبيّ، قال: دخل عمرو بن العاص على معاوية يسأله حاجة، وقد كان بلغ معاويةَ عنه ما كَرِهَهُ، فكره قضاءها وتشاغل، فقال عمرو : يا معاوية، إنّ السخاء فطِنة، واللؤمَ تغافل، والجفاء ليس من أخلاق المؤمنين. فقال معاوية: يا عمرو، بماذا تستحقّ منّا قضاء الحوائج
العظام؟ فغضب عمرو وقال : بأعظم حق وأوْجَبه، إذ كنتَ في بحر عَجاج، فلولا عمرو لغرقتَ في أقلّ مائه وأرقِّه، ولكنّي دفعتُك فيه دفعة فصرتَ في وسطه، ثم دفعتك فيه أخرى فصرت في أعلى المواضع منه ، فمضى حكمُك، ونفذ أمرُك، وانطلق لسانُك بعد تلجلجِه، وأضاء وجهك بعد ظلمتِه، وطمستُ لك الشمسَ بالعِهن المنفوش، وأظلمت لك القمر بالليلة المدلهمّة (1).
فتناوم معاوية، وأطبق جفنيه مليَّا ، فخرج عمرو، فاستوى معاوية جالساً وقال لجلسائه : أرأيتم ما خرج من فم ذلك الرجل؟ ما عليه لو عرَّض، في التعريض ما يكفي! ولكنه جَبهني بكلامه، ورماني بسمومٍ سهامه.
فقال بعض جلسائه : يا أميرالمؤمنين، إن الحوائج لتُقَضى على ثلاث خصال: إمّا أن يكون السائلُ لقضاء الحاجَة مستحقَّا فتُقْضَى له بحقِّه، وإمَّا أن يكون السائل لثيماً فيصونَ الشريف نفسَه عن لسانه فيقِضَي حاجته، وإمّا أن يكون المسؤول كريماً فيقتضيَها لكرمه، صغُرت أو كبرت .
فقال معاوية : لله أبوك! ما أحسن ما نطقت! وبعث إلى عمرو فأخبره، وقضى حاجته ووصله بصِلَة جليلة، فلما أخذها ولى منصرفاً. فقال معاوية : «فإن أَعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ »(2)فسمعَها عمرو، فالتفت إليه مغضَباً وقال : والله يا معاوية، لا أزال آخذ منك قهراً، ولا أطيع لك أمراً، وأحفِر لك بئراً عميقاً، إذا وقعت فيه لم تدرَك إلا رميماً .
فضحك معاوية، فقال : ما أريدك يا أبا عبدالله بالكلمة، وإنما كانت آية تلوتها من كتاب الله عرَضَتْ بقلبي، فاصنع ما شئت .
وروى المدائني قال : بينا معاوية يوماً جالساً عنده عمرو بن العاص، إذ قال الآذان : قد جاء عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، فقال عمرو : والله لأسوءنّه اليوم، فقال معاوية : لا تفعل يا أبا عبدالله ، فإنك لا تنصَف منه، ولعلّك أن تُظهِرَ لنا من منقبته ما هو خفيّ عنّا، وما لا نحبُّ أن نعلمَه منه .
وغشيهم عبدالله بن جعفر، فأدناه معاوية وقرَّبه ، فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية، فنال من عليِّ (علیه السّلام) جِهاراً غير ساتر له، وثَلبه ثلباً قبيحاً (3).
فالتمع لونُ عبدالله بن جعفر واعتراه أفكّل حتى ارعِدت خصائله، ثم نزل عن السرير كالفَنيق، فقال عمرو: مَه يا أبا جعفر ! قال له عبدالله : مه لا أمّ لك ! ثم قال :
أظنّ الحلَم دلّ عليَّ قومي*** وقد يُسْتَجْهَلُ الرجلُ الحليمُ
ثم حَسَر عن ذراعيه، وقال: يا معاوية، حتّامَ نتجرّع غيظَك؟ وإلى كم الصبرُ على مكروه قولك، وسيّىء أدبك، وذميم أخلاقك! هَبِلتُك الهَبُول! أما يزجرك ذِمام المجالَسة عن القَذع لجليسك إذا لم تكن لك حُرمة من دينك تنهاك عما لا يجوز لك ! أما والله لو عَطَفَتَك أواصرُ الأرحام، أو حاميتَ على سهمك من الإسلام، ما أرعَيْت بني الإماء المُتْك (1)، والعَبيد الصُّك (2)أعراض قومك .
وما يجهل موضعَ الصَّفوة إلا أهل الجفوة، وإنك لتعرف وشائظ قريش وصَبوة غرائزها ، فلا يدعونك تصويبُ ما فَرط من خطئك في سفك دماء المسلمين، ومحاربة أميرالمؤمنين، إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه، فاقصِد لمنهج الحقّ ، فقد طال عَمَهُك عن سبيل الرُّشد، وخبطُك في بحور ظلمة الغيّ.
فإن أبيت ألا تتابعنا في قبح اختيارك لنفسك، فأعفِنا من سوء القالة فينا إذا ضمّنا وإياك الندىّ، وشأنّك وما تريد إذا خلوت، والله حسيبك، فوالله لولا ما جعل الله لنا في يديك لما أتيناك .
ثم قال : إنك إن كلفتني ما لم أطِقْ ساءك ما سَرّك منّي من خُلُق .
فقال معاوية: يا أبا جعفر، أقسمت عليك لتجلسنّ ، لعن الله مَنْ أخرج ضَبَ صَدْرك من وجاره، محمولٌ لك ما قلت، ولك عندنا ما أمّلت، فلو لم يكن مَحمدك ومنصبك لكان خُلُقك وخَلْقك شافعين لك إلينا، وأنت ابن ذي الجناحين وسيّد بني هاشم.
فقال عبدالله : كلاً، بل سيّد بني هاشم حسن وحسين، لا ينازعهما في ذلك أحد. فقال: أبا جعفر، أقسمت عليك لمّا ذكرت حاجة لك إلا قضيتُها كائنة ما كانت، ولو ذهبت بجميع ما أملِك ، فقال : أما في هذا المجلس فلا، ثم انصرف .
فأتبعه معاوية بصرَه، وقال : والله لكأنه رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مشيُه وخُلُقه وخَلْقه، وإنه لمن مِشْكاتِه، ولوددت أنه أخي بنفيس ما أملِك.
ثم التفت إلى عمرو فقال : أبا عبدالله، ما تراه منعه من الكلام معك ؟ قال : ما لا خفاء به عنك قال : أظنّك تقول : إنه هابَ جوابك، لا والله، ولكنّه ازدَراك واسْتَخقرك، ولم يرك للكلام أهلاً، أما رأيتَ إقباله عليّ دونك ذاهباً بنفسه عنك !
فقال عمرو : فهل لك أن تسمع ما أعددتُه لجوابه ؟ قال معاوية : اذهب إليك أبا عبدالله ، فلات حين جوابٍ سائر اليوم. ونهض معاوية وتفرّق الناس (3).
وروى المدائني أيضاً قال : وَفَد عبدالله بن عباس على معاوية مرّة، فقال معاوية لابنه يزيد، ولزياد بن سُمية، وعتبة بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن أمّ الحكم: إنه قد طال العهد بعبدالله بن عباس. وما كان شَجَر بيننا وبينه وبين ابن عمِّه، ولقد كان نَصَبه للتحكيم فدُفع عنه ، فحرِّكوه على الكلام لنبلُغَ حقيقة صفته، ونقِفَ على كنه معرفته، ونعرف ما صُرف عنا من شَبَا حَدّه، وزُويَ عَنَّا وزُويَ عَنَّا من دهاء رأيه، فربما وُصِف المرء بغير ما هو فيه، وأعْطِي من النعت والاسم ما لا يستحقه
ثم أرسل إلى عبدالله بن عباس، فلما دخل واستقرّ به المجلس، ابتدأه ابن أبي سفيان فقال : يابن عباس، ما منع عليَّا أن يوجِّه بك حكماً؟ فقال: أما والله لو فعل لقرن عمْراً بصَعْبة من الإبل، يوجع کفّه مراسُها، ولأذهلتُ عقله، وأجرضته (1)بريقه، وقدحت في سويداء قلبه، ، فلم يبرم أمراً ، ولم ينفض تراباً ، إلا كنت منه بمرأى ومسمع، فإن أنكَأه أدميت قواه، وإن أُذمِهِ فصَمت عراه، بغَرْب مِقْوَل لا يُفلّ حدُّه، وأصالة رأي كمتاح الأجل لا وَزَر منه، أصدع به أديمَه، وأفلُّ به شَبا حَدّه ، وأَسْحَذُ به عزائم المتقين، وأزيح به شُبَه الشاكين.
فقال عمرو بن العاص : هذا والله يا أميرالمؤمنين نجومُ أوّل الشرّ، وأقولُ آخر الخير، وفي حَسْمِه قطع مادته، فبادره بالحملة، وانتهز منه الفرصة، واردَع بالتنكيل به غيرَه، وشرِّد به مَنْ خَلْفه.
فقال ابن عباس : يا بنَ النابغة ضلَّ والله عقلُك، وسَفُه حِلمك، ونطق الشيطانُ على لسانك، هلّا توليتَ ذلك بنفسك يوم صِفّين حين دُعيت نَزالِ، وتكافح الأبطال، وكثرت الجراح، وتقصفتِ الرّماح، وبرزتَ إلى أميرالمؤمنين مصاولاً ، فانكفأ نحوك بالسيف حاملاً، فلما رأيت الكواشَرَ من الموت، أعددت حيلَة السلامة قبل لقائه، والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه، فمنحته - رجاء النجاة - عورتك، وكشفتَ له - خوف بأسه - سواتك، حذَراً أن يصطلمك بِسَطوَته، ويلتهمَك بحملته، ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته، وحسَّنت له التعرُّض لمكافحته، رجاء أن تكتفي مؤنته، وتعدم صورته، فعلم غِلَّ صدرك، وما انحنت عليه من النفاق أضلعُك، وعرَف مَقرَّ سهمِك في غَرَضك .
فاكفف غَرْب لسانك ، واقْمَع عوراء لفظك، فإنك لمن أسدٍ خادِرٍ، وبحر زاخر، إن تبرّزت للأسد افترسَك، وإن عُمت في البحر قمسك .
1) أجرضه بريقه : أغصَّه . «القاموس المحيط» . مادة ((رض).
فقال مروان بن الحكم: يابن عباس إنّك لتصرف أنيابك، وتُورى نارك، كأنك ترجو الغلَبة وتؤمل العافية، ولولا حلم أميرالمؤمنين عنكم لتناولكم بأقصر أنامله، فأوردكم منهلاً بعيداً صدَرُه ، ولعمري لئن سَطَا بِكُمْ ليأخذَنّ بعض حقّه منكم، ولئن عَفَا عن جرائركم فقديماً ما نُسب إلى ذلك .
فقال ابن عباس : وإنك لتقول ذلك يا عدوّ الله، وطريد رسول الله، والمباح دمه، الداخل بين عثمان ورعيّته، بما حملهم على قطع أوداجه، وركوب أثباجه (1)! أما والله لو طلب معاوية ثاره لأخذك به، ولو نظر في أمر عثمان لوجدك أوله وآخره .
وأما قولك لي : «إنك لتصرف أنيابك، وتورى نارك»، فسَل معاوية وعمراً يخبراك ليلة الهرير ، كيف ثباتنا للمَثُلات، واستخفافنا بالمعضلات، وصدقُ جلادنا عند المصاوَلة، وصبرُنا على اللّأواء والمطاولة، ومصافحتنا بجباهنا السيوف المرهَفة، ومباشرتُنا بنحورنا حَدّ الأسِنّة، هل خِمنا عن كرائم تلك المواقف، أم لم نبذل مُهَجنا للمتالف؟ وليس لك إذ ذاك فيها مقامٌ محمود، ولا يومٌ مشهودُ ، ولا أثر معدود، وإنهما شهدا ما لو شهدتَ لأقلقك، فاربَع على ظَلْعِك، ولا تتعرّض لما ليس لك، فإنك كالمغرور في صَفَدٍ، لا يهبط برجل، ولا يَرْقى بيد.
فقال زیاد یابن عباس، إني لأعلم ما منع حسَنا وحسيناً من الوفود معك على أميرالمؤمنين إلا ما سوّلت لهما أنفسهما ، وغَرّهما به مَنْ هو عند البأساء سلّمهما، وايم الله لو وليتُهما لأذابا في الرحلة إلى أميرالمؤمنين أنفسَهما، ولقلّ بمكانهما لبثَهما .
فقال ابن عباس : إذن والله يقصرُ دونهما باعُك، ويضيق بهما ذراعك، ولو رُمتَ ذلك لوجدت من دونهما فئة صُدْقاً، صُبُراً على البلاء، لا يخِيمون عن اللقاء، فلَعَركوك بكلاكلهم، ووَطِئوك بمناسمهم، وأوجروك مُشقَ (2)رماحهم، وشفار سيوفهم ووخز أسنتهم، حتى تشهد بسوء ما أتيت، وتتبيَّن ضياع الحزم فيما جنيت. فحذار حذار من سوء النية فتكافأ برد الأمنيّة، وتكون سبباً لفساد هذين الحيَّين بعد صلاحهما، وسعياً في اختلافهما بعد ائتلافهما، حيث لا يضرّهما إبساسُك، ولا يغني عنهما إيناسك.
فقال عبدالرحمن بن أم الحكم: لله دَرُّ ابن ملجم ! فقد بلغ الأمل، وأمن الوجل، وأحدَّ الشّفرة وألان المُهْرَة، وأدرك الثار، ونفَى العار، وفاز بالمنزلة العليا، ورقي الدرجة القصوى.
فقال ابن عباس : أما والله : لقد كَرع كأسَ حتفه بيده، وعجَّل الله إلى النار بروحه، ولو
أبدَى لأميرالمؤمنين صفحته لخالطه الفحل القَطِم (1)والسيف الخَذِم (2)، ولألعقه صاباً، وسقاه سمَّا، وألحقه بالوليد وعُتبة وحنظلة، فكلّهم كان أشدّ منه شكيمة، وأمضى عزيمة، ففرَى بالسيف هامَهم، ورمَّلهم ،بدمائهم، وقَرى الذئاب أشلاءهم ، وفَرَّق بينهم وبين أحبائهم : « حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ » (3)، « هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا » (4)، ولا غَرُو إن ختِل، ولا وصمةَ إن قُتل، فإنّا لكما قال دُرَيد بن الصّمَة :
فإنا للحْمُ السيف غير مكرَّهٍ*** ونلحِمه طوراً وليس بذِي نُكرِ
يُغار علينا واترين فيُشتفَى*** بنا إن أصبنا، أو تُغير على وِتْرِ
فقال المغيرة بن شُعبة: أما والله لقد أشرت على عليّ بالنصيحة فآثر رأيه، ومضى على غُلَوائه، فكانت العاقبة عليه لا له، وإني لأحُسِب أن خلَقه يقتدون بمنهجه .
فقال ابن عباس : كان والله أميرُالمؤمنين(علیه السّلام) أعلمَ بوجوه الرأي، ومعاقد الحزم، وتصريف الأمور، من أن يقبل مشورتَك فيما نهى الله عنه، وعَنّف عليه قال سبحانه: «لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللهَ وَرَسُولَهُ » (5)، ولقد وقفك على ذِكر مبين، وآية متلّوة قوله تعالى : «وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلَّينَ عَضُدا» (6)، وهل كان يسوغ له أن يحكَّم في دماء المسلمين وفَيْءِ المؤمنين، من ليس بمأمون عنده، ولا موثوق به في نفسه؟ هيهات هيهات! هو أعلم بفرض الله وسنة رسوله أن يُبطِن خلاف ما يظهر إلا للتقيّة، ولات حين تَقيّة! مع وضوح الحق، وثبوت الجنان، وكثرة الأنصار، يمضي كالسيف المصلَت في أمر الله، مؤثراً لطاعة ربّه، والتقوى على آراء أهل الدنيا .
فقال يزيد بن معاوية : يابن عباس، إنك لتنطق بلسان طَلْقٍ يُنبيء عن مكنون قلب حُرق، فاطو ما أنتَ عليه كَشْحاً ، فقد محا ضوء حقنا ظلمةَ باطلكم.
فقال ابن عباس: مهلاً يزيد، فو الله ما صفَتِ القلوبُ لكم منذ تكدّرت بالعداوة عليكم، ولا دَنَتْ بالمحبة إليكم مذ نأت بالبغضاء عَنْكم، لا رضيت اليوم منكم ما سخطت بالأمس من أفعالكم، وإن تدُل الأيام نستقض ما سُدّ عنا، ونسترجع ما ابتُزَّ منا، كيلاً بكيل، ووزناً بوزن، وإن تكن الأخرى فكفى بالله وليَّا لنا، ووكيلاً على المعتدين علينا . فقال معاوية : إن في نفسي منكم لحزازات يا بني هاشم، وإني لخليقٌ أن أدرك فيكم الثار، وأنفي العار، فإن دماءنا قِبَلكم، وظلامتنا فيكم.
فقال ابن عباس : والله إن رُمْتَ ذلك يا معاوية لتثيرن عليك أسداً مُخِدرة، وأفاعيَ مطرقة، يفئؤها كثرة السلاح ولا يعَضُّها نكاية الجراح، يضعون أسيافهم على عواتقهم، يضربون قدُماً... دماً من نأواهم، يهون عليهم نُباح الكلاب وعُواء الذئاب، لا يُفاتون بوتر، ولا يُسبَقون إلى ...يم ذِكر، قد وَطَنُوا على الموت أنفسهم، وسَمَتْ بهم إلى العلياء هِمَمُهم، كما قالت الأزدية :
قومٌ إذا شهدوا الهياج فَلا*** ضربٌ يُنهنههم ولا زَجْرُ
وكأنّهم آسادغِينَة قَدْ*** غَرِثَتْ وبل متونَها القطرُ
فلتكونَنَّ منهم بحيث أعددتَ ليلة الهرير للهرب فرسَك وكان أكبر همك سلامة حُشاشةِ ...سك، ولولا طغامٌ من أهل الشام وقوك بأنفسهم، وبذلوا دونك مُهَجَهم، حتى إذا ذاقوا وَخْز ...فار، وأيقنوا بحلول الدّمار، رفعوا المصاحف مستجيرين بها، وعائذين بعِصْمَتها - لكنتَ ...واً مطروحاً بالعراء، تَسفِى عليك رياحُها ، ويعتوركُ ذُبابها .
وما أقول هذا أريد صرفَك عن عَزيمتك، ولا إزالتك عن معقود نيّتك، لكنّ الرَّحِم التي ...طف عليك، والأوامر التي توجب صرفَ النّصيحة إليك .
فقال معاوية : لله درك يابن عباس ! ما تكشف الأيام منك إلا عن سيف صقيل، ورأى أصيل! ..لله لو لم يلد هاشمٌ غيرَك لما نقص عددُهم، ولو لم يكن لأهلك سواك لكان الله قد كثّرهم .
ثم نهض، فقام ابن عباس وانصرف(1).
وروى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في أماليه، أن عمرو بن العاص قال العُتبة بن أبي... يوم الحكمين: أما ترى ابنَ عباس قد فتح عينيه، ونشَر أذنيه، ولو قدر أن يتكلّم بهما ، وإن غَفْلة أصحابه لمجبورة بفطنته، وهي ساعتنا الطُّولى فاكفنيه. قال عتبة: بجهدي .
قال : فقمت فقعدت إلى جانبه ، فلما أخذ القومُ في الكلام أقبلت عليه بالحدَيث، فقَرَع ...ن وقال: لیست ساعة حديث، قال: فأظهرتُ غضباً، وقلت: يابن عباس، إن ثقتَك ...للامنا أسرعت بك إلى أعراضنا، وقد والله تقدّم من قَبْلُ العذر، وكثُر مِنّا الصبر، فجئت ...بت من عمرو بن العاص، فرماني بمؤخر عينيه وقال : ما صنعت؟ فقلت : كفيتك التّقوالة. ...حم كما يُحمحِم الفرس للشعير. قال : وفات ابن عباس أوّل الكلام، فكره أن يتكلّم في ...وقد ذكرنا نحن هذا الخبر فيما تقدم في أخبار صِفّين على وجه آخر غير هذا الوجه.
فأما خبر عُمارة بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، أخي خالد بن الوليد مع عمرو بن العاص
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار: 17242، وأخرجه الأحمدي في مواقف الشيعة 1 / 167.
فقد ذكره ابن إسحاق في كتاب «المغازي» قال : كان عُمارة بن الوليد بن المغيرة وعمرو بن العاص بن وائل، بعد مَبْعَث رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، خرجا إلى أرض الحبشة على شِركهما ، وكلاهما كان شاعراً عارِماً فاتِكاً. وكان عُمارة بن الوليد رجلاً جميلاً وسيماً تهواه النساء، صاحب محادثة لهنّ، فركبا البحر ومع عمرو بن العاص امرأته، حتى إذا صاروا في البحر لياليَ، أصابا من خَمْرٍ معهما، فلما انتشى عُمارة قال لامرأة عمرو بن العاص : قبَليني، فقال لها عمرو: قَبلي ابن عمك ، فقبلته فَهَوِيها عُمارة، وجعل يراودها عن نفسها، فامتنعت منه . .. ثم إن عمراً جلس على مِنجاف السفينة يبول، فدفعه عُمارة في البحر فلما وقع عمرو سبّح، حتى أخذ بمنِجاف السفينة، فقال له عُمارة: أما والله لو علمتُ سابحٌ ما طرحتُك، ولكنّني كنتُ أظنّ أنك لا تحسِنُ السباحة، فضعِن عمرو عليه في نفسه، وعلم أنّه كان أراد قلته، ومضيا على وجههما ذلك، حتى قدِما أرضَ الحبشة، فلما نزلاها كتب عمرو إلى أبيه العاص بن وائل ، أن اخلعني وتبرّأ من جريرتي إلى بني المغيرة وسائر بني مخزوم ، وخَشِي على أبيه أن يُتبع بجريرته.
فلما قِدم الكتابُ على العاص بن وائل، مشى إلى رجال بني المغيرة وبني مخزوم، فقال : إن هذين الرّجُلين قد خرجا حيث علمتم، وكلاهما فاتك صاحبُ شرِّ، غيرُ مامونين على أنفسهما ، ولا أدري ما يكون منهما! وإنّي أبرأ إليكم من عمرو وجريرته، فقد خلعتُه، فقال عند ذلك بنو المغيرة وبنو مخزوم: وأنتَ تخاف عمراً على عُمارة! ونحن فقد خلعنا عُمارة وتبرأنا إليك من جريرته، فخلِّ بين الرجلين . قال : قد فعلتُ، فخلعوهما وبرىء كلّ قوم من صاحبهم وما يجري منه .
قال: فلما اطمأنا بأرض الحبشة، لم يلبث عُمارة بن الوليد أن دَبّ لامرأة النجاشيّ - وكان جميلاً صبيحاً وسيماً - فأدخلته فاختلف إليها، وجعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمراً بما کان من أمره، فيقول عمرو : لا أصدقك أنّك قدرت على هذا، إن شأن هذه المرأة أرفع من ذلك، فلما أكثر عليه عُمارة بما كان يخبره - وكان عمرو قد علم صدقّه، وعرف أنه دخل عليها، ورأى من حاله وهيئته وما تصنع المرأة به إذا كان معها، وبيتوتته عندها، حتى يأتي إليه مع السَّحَر ما عرف به ذلك، وكانا في منزلٍ واحد، ولكنّه كان يريد أن يأتيَه بشيء لا يستطاع دفعه، إن هو رفع شأنه إلى النجاشيّ - فقال له في بعض ما يتذاكران من أمرها : إن كنتَ صادقاً فقل لها : فلتدهنك بدهن النجاشيّ الذي لا يدّهن به غيره، فإني أعرفه، وائتني بشيء منه حتى أصدّقك ، قال : أفعل .
فجاء في بعض ما يدخل إليها، فسألها ذلك، فدَهنته منه، وأعطته شيئاً في قارورة، فلما شمّه عمر و عَرفه فقال : أشهد أنك قد صدَقت ! لقد أصبتَ شيئاً ما أصابَ أحد من العرب مثلَه قطّ، ونلت من امرأة الملك شيئاً ما سمعنا بمثل هذا. وكانوا أهلَ جاهلية وشباناً، وذلك في أنفسهم فَضْل لمن أصابه وقَدَر عليه .
ثم سكت عنه حتى اطمأن، ودخل على النجاشيّ، فقال: أيّها الملك، إن معي سفيهاً من سفهاء قريش، وقد خشيتُ أن يعرّني عندك أمرُه، وأردت أن أعلمَك بشأنه، وألا أرفع ذلك إليك حتى أستثبت أنه قد دخل على بعض نسائك فأكثَر. وهذا دُهنك قد أعطته وادّهن به .
فلما شمّ النجاشيّ الدُّهن قال: صدقت، هذا دُهني الذي لا يكون إلا عند نسائي، فلما أثبتت أمرَه، دعا بعُمارة، ودعا نسوة أَخَرَ ، فجردُوه من ثيابه، ثم أمرهن أن ينفخُن في إحليله، ثم خلى سبيله
فخرج هارباً في الوحش، فلم يزل في أرض الحبشة، حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب، فخرج إليه رجالٌ من بني المغيرة، منهم عبدالله بن أبي ربيعة بن المغيرة - وكان اسم عبدالله قبل أن يُسلم بجيراً، فلما أسلم، سمّاه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عبدالله - فرصدوه على ماءٍ بأرض الحبشة، كان يردُه مع الوحش، فزعموا أنه أقبل في حمُر الوحش ليرد معها، فلما وجد ريح الإنس، هرب منه، حتى إذا أجهده العطش، ورد فشرب حتى تملّأ ، وخرجُوا في طلبه.
قال عبد الله بن أبي ربيعة: فسبقتُ إليه فالتزمته، فجعل يقول: أرسلني، إني أموت إن امسكتَني. قال عبدالله : فضبطتُه فمات في يدي مكانه، فواروه ثم انصرفوا .
وكان شَعْرُه - فيما يزعمون - قد غطى كُلّ شيء منه ، فقال عمرو بن العاص، يذكر ما كان - صنع به وما أراد من امرأته :
تعلَّمْ عُمَار أن من شرّ سُنَّة*** على المرء أن يُدْعَى ابن عمِّ له أبنَما
أ أن كنتَ ذا بَرَدَيْن أخوَى مُرجّلاً*** فلستَ براع لابن عمك محرَمَا
إذا المرءُ لم يترك طعاماً يحبُّه*** ولم ينهَ قلباً غاوياً حيثُ يمِما
قضى وطَراً منهُ يَسيراً وأصبحت*** إذا ذكرت أمثالُها تملأ الفَمّا
وأما خبر عمرو بن العاص في شخوصه إلى الحبشة، ليكيد جعفر بن أبي طالب والمهاجرين من المؤمنين عند النجاشيّ، فقد رواه كلّ من صنف في السيرة، قال محمد بن إسحاق في كتاب «المغازي» قال :
حدّثني محمد بن مسلم بن عبدالله بن شهاب الزهريّ، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ، عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، زوجة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، قالت :
لما نزلنا بأرض الحبشة جاوزنا بها خيرَ جارٍ ، النجاشيّ، أمّنَّا على ديننا، وعَبدنا الله لا نُؤذَى كما كنا نُؤذَى بمكة، ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا
إلى النجاشي في أمرنا رجلين منهم جَلْدين، وأن يُهدوا للنّجاشيّ هدايا ممّا يُستطرف من متاع مكّة، وكان من أعجب ما يأتيه منه الأدَم، فجمعوا أدَماً كثيراً ، ولم يتركوا من بَطَارقته بِطريقاً إلا أهدوا إليه هديّة. ثم بعثوا ذلك مع عبدالله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزوميّ وعمرو بن العاص بن وائل السهميّ، وأمروهما أمرَهم، وقالوا لهما : ادفعا إلى كلِّ بِطريق هديته، قبل أن تُكلما النجاشيّ فيهم .
ثم قَدِما إلى النجاشي، ونحن عنده في خير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريقٌ إلا دفعا إليه هديته، قبلَ أن يكلّما النجاشيّ، ثم قالا للبطارقة:
إنه قد فَرّ إلى بلد الملك منَّا غلمانٌ سفهاء، فارقوا دينَ قومهم، ولم يدخلوا في دينكم ، وجاؤوا بدين مبتدَع لا نعرفه نحنُ ولا أنتم، وقد بعثَنَا إلى الملك أشرافُ قومهم لنردّهم إليهم، فإذا كلّمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يُسْلِمَهم إلينا ولا يكلّمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم . فقالوا لهما : نعم .
ثم إنهما قرَّبا هدايا الملك إليه فقَبِلها منهم، ثم كلّماه، فقالا له :
أيّها الملك، قد فرّ إلى بلادك منّا غِلمان سفهاء،فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، جاؤوا بدينٍ ابتدعُوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا فيهم إليك أشرافُ قومِنا من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردّهم عليهم، فهم أعلى بهم عَيْناً، واعلم بما عابوا عليهم وعاينوه منهم .
قالت أم سلمة: ولم يكن شيء أبغض إلى عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، من أن يسمع النجاشيّ كلامهم .
فقالت بطارقة الملك وخواصّه حوله : صدقاً أيها الملك، قومُهم أعلَى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم فليسلِمهم الملك إليهما، ليردّاهم إلى بلادهم وقومهم.
فغضب الملك وقال : لا ها الله ! إذاً لا أسلمُهم إليهما، ولا أخفر قوماً جاوروني ونزلوا بلادي، واختاروني على سواي، حتى أدعوهم وأسألهم عَمّا يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتُهم منهم ، وأحسنتُ جوارَهم ما جاوروني.
قالت : ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا : نقول والله ما علِمناه وما أمرَنا به نبينا(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كائناً [ في ذلك] ما هو كائن، فلّما جاؤوه، وقد دعا النجاشيُّ أساقِفتَه، فنشروا مصاحفَهم حوله، سألهم فقال لهم : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ قالت أم سلمة : وكان الذي كلّمه جعفر بن أبي طالب فقال له :
أيها الملك إنا كنَّا قوماً في جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل المِيتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منّا الضعيف. فكنَّا على ذلك حتى بعث الله عزّ وجلّ علينا رسولاً منا ، نعرف نسبَه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبده، ونخلع ما كنا عليه نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمَرَنَا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرّحم، وحسن التجاور ، والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن سائر الفواحش، وقَوْل الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصَنة، وأمَرَنا أن نعبدالله لا نشرك به شيئاً، وبالصلاة وبالزكاة والصيام.
قالت : فعدّد عليه أمورَ الإسلام كلها، فصدّقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله ، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حَرَّم علينا، وأحْلَلْنا ما أَحَلّ لنا، فعدًا علينا قومنا فعذَّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأصنام والأوثان عن عبادة الله، وأن نستحلّ ما كنا نستحلّ من الخبائث، فلمّا قهورنا وظلمونا وضيَّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على مَنْ سواك، ورغِبنا في جوارك، ورجونا ألّا نظلم عندك أيها الملك .
فقال النجاشيّ : فهل معك مما جاء به صاحبكم عن الله شيء؟ فقال جعفر: نعم. فقال اقرأ عليّ، فقرأ عليه صدراً من «كهيعص» (1)، فبكي حتى اخضّلت لحيتُه، وبكت أساقفته حتی أخضلوا لحاهم. ثم قال النجاشيّ: والله إن هذا والذي جاء به عيسى لَيخرج من مشكاةٍ واحدة، والله لا أسلمكم إليهم.
قالت أمّ سلمة : فلمّا خرج القوم مِن عنده، قال عمرو بن العاص : والله لأعيبُهم غداً عنده بما يستأصل به خَضْراءهم، فقال له عبدالله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرَّجُلين : لا تفعل، فإنّ لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفوا، قال: والله لأخبرته غداً أنهم يقولون في عيسى ابن مريم إنه عبدٌ. ثم غَدا عليه من الغد، فقال: أيّها الملك، إنّ هؤلاء يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأرسِل إليهم فسلهم عمّا يقولون فيه، فأرسل إليهم.
قالت أم سلمة : فما نزل بنا مثلُها . واجتمع المسلمون، وقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ فقال جعفر بن أبي طالب : نقول فيه والله ما قال عزّ وجلّ، وما جاء به نبينا(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، كائناً في ذلك ما هو كائن .
فلمّا دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مریم؟ فقال جعفر : نقول إنه عبدالله ورسوله وروحُه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول .
1) سورة مريم، الآية: 1.
قالت: فضرب النجاشيّ يديه على الأرض، وأخذ منها عوداً، وقال: ما عدا عيسى ابن مريم ما ما قال هذا العود.
قالت : فقد كانت بطارقته تناخرت حوله، حين قال جعفر ما قال، فقال لهم النجاشيّ : وإن تناخرتم !
ثم قال للمسلمين : اذهبوا فأنتُم «سيومٌ» بأرضي، أي آمنون، مَنْ سبّكم غَرِم، ثم مَنْ سَبِّكم غرم، ثم مَنْ سَبِّكم غرم، ما أحِب أن لي دَبْراً ذهباً وأنّي اذيت رجلاً منكم - والدّبر بلسان الحبشة : الجبل - ردُّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي فيها ، فوالله ما أخذ الله مني الرِّشوة حتى ردّني إلى مُلكي. فآخذ الرّشوة فيه، وما أطاع الناسَ في أفأطيعهم فيه !
قالت : فخرج الرجلان من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده في خير دار مع خير جار، فوالله إنّا لعلى ذلك، إذ نزل به رجلٌ من الحبشة ينازعه في ملكه .
قالت أمّ سلمة : فوالله ما أصابنا خوفٌ وحزن قَطّ كان أشدَّ من خوف وحزنٍ نزل بنا أن يظهرَ ذلك الرجل على النجاشيّ، فيأتي رَجل لا يعرفُ من حَقّنا ما كان يعرف منه .
قالت: وسار إليه النجاشيُّ وبينهما عرض النِّيل، فقال أصحاب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : مَنْ رجلٌ يخرج حتى يحضر وَقعة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟ فقال الزّبير بن العوام: أنا - وكان من أحدَث المسلمين سِنِّا - فنفخوا له قربة فجعلناها تحت صدره، ثم سَبَح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها يلتقي القوم، ثم انطلق حتى حضرهم. قالت : ودعونا الله للنجاشيّ بالظهور على عدوّه والتمكين له في بلاده، فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير يسعى ويلوّح بثوبه ويقول: ألا أبشِرُوا ، فقد ظهر النجاشيّ وأهلك الله عدوّه .
قالت : فوالله ما أعلَمُنا فرحْنَا فرحة مثلها قطّ، ورجع النجاشيّ، وقد أهلك الله عدوَّه وتمكّن ومكّن له في بلاده، واستوثق له أمر الحبشة، فكنّا عنده في خير منزلٍ ودار إلى أن رجعنا إلى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بمكة (1).
وروي عن عبدالله بن جعفر بن محمد(علیه السّلام) أنه قال : لقد كاد عمرو بن العاص عمَّنا جعفراً بأرض الحبشة عند النجاشيّ، وعند كثير من رعيّته بأنواع الكيد ردّها الله تعالى عنه بلطفه، رماه بالقتل والسَّرَق والزِّنى فلم يلصَق به شيء من تلك العُيوب، لما شاهدَه القوم من طهارته وعبادته، ونُسكِه وسيما النبوّة عليه، فلما نبا مِعْوَلُه عن صفاته، هيّأ له سُمَّا قذفه إليه في طعام،
1) أخرجه المحب الطبري في ذخائر العقبى: 211، وابن هشام في سيرته : 226/1 .
فأرسل الله هِرًا كفأ تلك الصِّحفة، وقد مدّ يده نحوه ثم مات لوقته، وقد أكل منها . فتبين لجعفر كيدُه وغائلته فلم يأكل بعدها عنده، وما زال ابن الجزّار عدُوَّا لنا أهل البيت .
وأمّا خبر عمرو في صِفّين واتقائه حملة عليّ(علیه السّلام) ، بطرحه نفسه على الأرض وإبداء سَوْأته : فقد ذكره كلّ من صنف في السيرَ كتاباً، وخصوصاً الكتب الموضوعة لصِفّين .
قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين قال :
حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبدالله بن أبي عمرو، وعن عبدالرحمن بن حاطب، قال: كان عمرو بن العاص عدواً للحارث بن نضر الخثعمي، وكان من أصحاب عليّ(علیه السّلام) ، وكان عليّ(علیه السّلام) قد تهيبته فرسان الشام، وملأ قلوبَهم بشجاعته، وامتنع كلُّ منهم من الإقدام عليه .
وكان عمرو قلّما جلس مجلساً إلا ذكر فيه الحارث بن نضر الخثعميّ وعابه، فقال الحارث :
ليس عمرو بتارك ذكرَه الحا***رث بالسوء أو يلاقي عليّا
واضعُ السيف فوق منكِبه الأي*** من لا يحسب الفوارس شيّا
ليتَ عمراً يلقاه في حَومة النَّق*** مع وقد أمست السيف عِصِيَّا
حيث يدعو للحرب حامية القَو*** مِ إذا كان بالبِزار مَليّا
فالقه إن أردت مكرُمة الدّه*** و أو الموت كلّ ذاك عليّا
فشاعت هذه الأبيات حتى بلغت عمراً، فأقسم بالله ليلقين عليَّا ولو مات ألف موتة. فلما اختلطت الصفوف لقيَه فحمل عليه برمحه، فتقدم علىُّ(علیه السّلام) وهو مخترط سيفاً معتقلٌ رمحاً ، فلما رهقه همز فرسَه ليعلُوَا عليه، فألقى عمرو نفسه عن فرسه إلى الأرض شاغِراً برجليه، كاشفاً عورته، فانصرف عنه لافتاً وجهه مستدبِراً له، فعدَّ الناس ذلك من مكارمه وسؤددُه، وضرِب بها المثل .
قال نصر(1): وحدثني محمد بن إسحاق، قال : اجتمع عند معاوية في بعض ليالي صِفِّين عمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عُقبة، ومروان بن الحكم، وعبدالله بن عامر، وابن طلحة الطَّلحات الخُزاعيّ ، فقال عتبة : إن أمْرَنا وأمرَ عليّ بن أبي طالب لَعجَب ! ما فينا إلا موتور مُجتاح.
1) أخرجه الشيخ الأميني في الغدير : 158/2 .
أمّا أنا فقتل جَدّي عُتبة بن ربيعة، وأخي حنظلة، وشرَك في دم عمّي شيبة يوم بدر. وأما أنتَ يا وليد فقتلَ أباك صَبراً، وأما أنت يا بن عامر ، فصرع أباك وسلب عمك . وأما أنت يا بن طلحة، فقتل أباك يوم الجمل، وأيتَم إخوتك. وأما أنت يا مروان فكما قال الشاعر :
وأفلتهنّ عِلْبَاءٌ جَريضاً*** وَلَوَ أَدْرَكْنَهُ صَفِرَ الوِطَابُ (1)
فقال: معاوية هذا الإقرار فأين الْغُيُر؟ قال :مَرْوان وأيّ غُير تريد ؟ قال : أريد أن تشجُروه بالرماح. قال : والله يا معاوية ما أراك إلا هاذياً أو هازئاً، وما أرانا إلا ثَقّلنا عليك، فقال ابن عُقبة :
يقول لنا معاويةُ بن حَرْب*** أما فيكمْ لِوَاتركم طُلُوبُ
يَشُدُّ على أبي حسن عليّ*** بأَسْمَر لا تُهَجِّنه الكعوبُ
يهتِكَ مَجمع اللَّبَاتِ مِنْهُ*** ونقعُ الحرب مطَّردٌ يؤوبُ
فقلت له: أتلعب يابن هندٍ*** كأنك بيننَا رجلٌ غريبُ!
اتُغْرِينا بنابحيَّةِ بطنِ وادٍ*** إذا نهشَت، فليس لها طبيبُ
و ما ضَبع يدِبّ ببطن وادٍ*** اتيح له به أَسَدٌ مَهِيبُ
بأضعف حيلةٌ مِنَّا إذا ما*** لقِيناه ولُقياهُ عجيبُ
سوی عمرو وَقَتْه خُضيتاهُ*** وكان لقلبه مِنْهُ وَجِيبُ
كأنّ القومَ لما عايَنوه*** خِلال النّفع، ليس لهم قلوبُ
لعمر أبي معاويةَ بن حربٍ*** وماظنِّي ستلحقُه العُيوبُ
لقد ناداه في الهيجا عليّ*** فأسمعَه ولكن لا يُجِيبُ
فغضب عمرو، وقال: إن كان الوليد صادقاً فليِلق عليَّا ، أو فليِقِف حيث يسمع صوته .
وقال عمرو :
يذكّرني الوليد دُعا عليِّ*** ونُطقُ المرء يملؤُه الوعيدُ
متی تذکر مشاهدَه قریش*** يَطِر من خوفه القلب الشّديدُ
فأما في اللقاء فأين منهُ*** معاويةُ بن حرب والوليدُ!
وعيّرَني الوليد لقاءَ ليث*** إذا ما شدَّهابته الأسودُ
لقيتُ ولست أجهلُه عليَّا*** وقد بُلتْ من العَلَقِ (2)اللُّبودُ (3)
فاطعُنه ويطعُنني خِلاساً*** وماذا بعد طعنته أريدُ!
فرُمها منه يا بن أبي مُعَيْط*** وأنت الفارس البطل النَّجِيدُ
وأُقْسِمُ لو سمعتَ ندا عليّ ***لطار القلب وانتفخَ الوريدُ
ولو لافيتَه شُقَّت جيُوبٌ*** ولُظمت فيك الخدودُ
وذكر أبو عمر بن عبدالبر في كتاب «الاستيعاب» في باب بُسر بن أرطاة قال :
كان يُسْر من الأبطال الطغاة، وكان مع معاوية بصفّين، فأمره أن يلقي عليَّا(علیه السّلام) في القتال، وقال له : إني سمعتك تتمنّى لقاءه، فلو أظفرك الله به وصرعتَه حصُلتَ على الدنيا والآخرة، ولم يزل يشجِّعه ويمنّيه حتى رأى عليَّا في الحرب، فقصده، والتقيا فصرعه عليّ(علیه السّلام) ، وعرض له معه مثل ما عرض له مع عمرو بن العاص في كشف السوأة.
قال أبو عمر: وذكر ابن الكلبيّ في كتابه في أخبار صِفّين، أن بُسر بن أرطاة بارزَ عليًّا یوم صِفّين، فطعنه عليِّ (علیه السّلام) فصرَعه، فانكشف له، فكفّ عنه، كما عرض له مثل ذلك مع عمرو بن العاص .
قال : وللشعراء فيهما أشعار مذكورة في موضعها من ذلك الكتاب، منها فيما ذكر ابن الكلبي والمدائنيّ قول الحارث بن نضر الخثعمي - وكان عدوَّا لعمر بن العاص وبُسر بن أرطاة :
أفي كلّ يوم فارسٌ لك ينتهي*** وعورته وسطَ العجاحَةِ باديَة
يكفُّ لها عنه عليُّ سِنانه*** ويَضحك منها في الخلاء معاويَة
بدَتْ أمسِ من عمرو فقنّع رأسه*** وعورة بُسر مثلها حَذو حاذيّة
فقولا لعمرو ثم بُسْرٍ: أَلا انظُرَا*** لنفسِكما : لا تَلْقَيا الليثَ ثانية
ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما*** هما كانتا والله للنفس واقية
ولولاهما لم تنجُوَا من سنانِه*** وتلك بما فيها إلى العَوْد ناهية
متى تلقيا الخيل المغيرة صُبحَةً*** وفيها عليُّ فاترُكا الخيلَ ناحية
وكُونا بعيداً حيث لا يبلغ القنا*** نُحورَكما ، إن التجاربَ كافية
وروى الواقديّ قال : قال معاوية يوماً بعد استقرار الخلافة له لعمرو بن العاص : يا أبا عبدالله ، لا أراك إلا ويغلِبُني الضحك، قال بماذا ؟ قال : أذكر يوم حَمل عليك أبو تراب في
صِفّين، فأزريت نفسك فَرَقاً من شَبَا سنانه، وكشفت سوأتك له، فقال عمرو : أنا منك أشدّ ضحكاً ، إني لأذكرُ يومَ دعاك إلى البِراز فانتفخ سَحْرُك (1)، وربَا لسانُك في فمك، وغَصِصْتَ بريقك، وارتعدت فرائصُك، وبدا منك ما أكره ذِكْرَه لك، فقال معاوية : لم يكن هذا كلّه، وكيف يكون ودوني عَكَ والأشعريون! قال : إنك لتعلم أن الذي وصفتُ دون ما أصابك، وقد نزل ذلك بك ودونك عكّ والأشعريون، فكيف كانت حالك لو جمعكما ماقِطُ (2)الحرب ! فقال : يا أبا عبدالله ، خُضْ بنا الهزل إلى الجِدّ، إن الجبن والفرار من عليّ لا عَار عليّ أحدٍ فيهما (3).
فأما القول في إسلام عمرو بن العاص، فقد ذكره محمد بن إسحاق في كتاب «المغازي» قال:
حدثني زيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثّقفِيّ، عن حبيب بن أبي أوس، قال: حدثني عمرو بن العاص من فِيه، قال:
لما انصَرفنا [مع الأحزاب) من الخندق، جمعتُ رجالاً من قُريش كانوا يرون رأيي، ويسمعون مِنّي، فقلت لهم : والله إني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علوَّا مُنكَراً، وإنّي قد رأيت رأياً، فما ترون فيه؟ فقالوا : ما رأيت؟ فقلت: أرى أن تُلْحَق بالنجاشيّ، فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومه أقمنا عند النجاشيّ، فأن نكون تحت يديه أحبُّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، فإن ظهر قومُنا فنحن مَن قد عرفوا ، [فلن يأتنا منهم إلا خير] قالوا : إنّ هذا الرأيّ، فقلت : فاجمعوا ما نُهدِي له - وكان أحبَّ ما يأتيه من أرضنا الأدَم - فجمعنا له أدَماً كثيراً، ثم خرجنا حتى قدِمنا عليه، فوالله إنا لعندَه، إذ قدم عمرو بن أمية الضمْرِيّ ، وكان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه .
قال : فدخل عليه ،ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي : هذا عمرو بن أمية، لو قد دخلتُ على النجاشيّ فسألته إياه فأعطانيه، فضربت عنقه، فإذا فعلتُ ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد ،قال: فدخلتُ عليه فسجدت له فقال: مرحباً بصديقي أهديتَ إليّ من بلادك شيئاً؟ قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدَماً كثيراً، ثم قرّبته إليه، فأعجبه
واشتهاه، ثم قلت له : أيّها الملك إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك، وهو رسول رجل عدوِّ لنا فأعطنيه لأقتلَه، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا .
فغضب الملكُ ثم مدّ يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كَسره، فلو انشقّت لي الأرض لدخلتُ فيها فرَقاً منه، ثم قلت: أيها الملك ، والله لو ظننتُ أنّك تكره هذا ما سألتُكَه، فقال: أتسألني أن أعطيك رسولَ رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟ فقلت : أيّها الملك، أكذلك هو ؟ فقال : إي والله ! أطعني ويحك واتبعه، فإنه والله لعلّى حقّ، وليظهرَنّ على من خالفه كما ظهر موسی علی فرعون وجنوده، قلت فبايعني له على الإسلام، فبَسط يده، فبايعتُه على الإسلام، وخرجتُ عامداً لرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فلما قدمت المدينة جئت إلى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقد أسلم خالد بن الوليد، وقد كان صحِبَني في الطريق إليه، فقلت: يا رسول الله ، أبايعك على أن تغفرَ لي ما تقدم من ذَنبي، ولم أذكر ما تأخر، فقال: «بايع يا ،عمرو، فإن الإسلام يجبّ ما قبله، وإن الهجرة تجبّ ما قبلها» (1)، فبايعته وأسلمت .
وذكر أبو عمر في «الاستيعاب» : أنّ إسلامه كان سنة ثمانٍ، وأنه قدِم وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة المدينة، فلما رآهم رسولُ الله ، قال : رمتكم مكّة بأفلاذ كَبِدها .
قال : وقد قيل إنه أسلم بين الحديبية وخيبر، والقول الأول أصحّ.
قال أبو عمر : وبعث رسولُ الله عمراً إلى ذات السَّلاسل من بلاد قُضاعة في ثلاثمائة، وكانت أمّ العاص بن وائل من بَليِّ، فبعث رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عمراً إلى أرض بليّ وعُذرة، يتألّفهم بذلك ويدعوهم إلى الإسلام، فسارَ حتى إذا كان على ماء أرض جُذام، يقال له : السلاسل - وقد سمّيت تلك الغزاة ذات السَّلاَسل - خاف، فكتب إلى رسول الله - (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يستنجِدُ، فأمدّه بجيشٍ فيه مائتا فارس، فيه أهلُ الشرِف والسوابق من المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر ،عمر، وأمَر عليهم أبا عبيدة بن الجراح فلما قَدِموا على عمرو، قال عمرو : أنا أميرُكم وإنما أنتم مدَدي، فقال أبو عبيدة : بل أنا أمير مَنْ معي بل أنا أمير من معي وأنت أمير من وأنت أمير من معك، فأبى عمر و ذلك، فقال عمرو أبو عبيدة : إن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عهد إليّ فقال : إذا قدمت إلى عمرو فتطاوعا ولا تختلفا، فإن خالفتني أطعتك، قال عمرو : فإني أخالفك، فسلّم إليه أبو عبيدة، وصلى خلفه في الجيش كله، وكان أميراً عليهم، وكانوا خمسمائة
1) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (123/9)، وأحمد في «مسنده» (17109)، والديلمي في «مسنده» (400).
قال أبو عمر: ثم ولاه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عُمان، فلم يزل عليها حتى قُبض رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )وعمل لعمر وعثمان ومعاوية، وكان عمر بن الخطاب ولّاه بعد موت يزيد بن أبي سفيان فِلَسْطين والأردن، وولّى معاوية دمشق وبعلبك والبلقاء، وولى سعيدَ بن عامر بن خذيم حِمص.
ثم جمع الشام كلّها لمعاوية، وكتب إلى عمرو بن العاص أن يسيرَ إلى مصر، فسار إليها فافتتحها، فلم يزل عليها والياً حتى مات عمر فأمّره عثمان عليها أربع سنين ونحوها ، ثم عزله عنها وولاها عبدالله بن سعد العامريّ .
قال أبو عمر : ثم إن عمرو بن العاص ادّعى على أهل الإسكندرية أنهم قد نقضوا العهد الذي كان عاهدهم ،فعمد إليها، فحارب أهلها وافتتحها، وقتل المقاتلة وسبّى الذرّية، فنقم ذلك عليه عثمان، ولم يصح عنده نقضُهم العهد، فأمر بردّ السبي الذي سُبوا من القُرى إلى مواضعهم، وعزل عمراً عن مصر، وولى عبدالله بن سعد بن أبي سَرح العامريّ مصر بدَله، فكان ذلك بدرُّ الشر بين عمرو بن العاص وعثمان بن عفّان، فلمّا بدا بينهما من الشرّ ما بدَا ، اعتزل عمرو في ناحية فِلسطين بأهله، وكان يأتي المدينة أحياناً، فلما استقرّ الأمر لمعاوية بالشام، بعثه إلى مصر بعد تحكيم الحكّمين فافتتحها، فلم يزل بها إلى أن مات أميراً عليها ، في سنة ثلاث وأربعين، وقيل سنة اثنتين وأربعين، وقيل سنة ثمان وأربعين، وقيل سنة إحدى و خمسين .
قال أبو عمر: والصحيح أنه مات في سنة ثلاث وأربعين، ومات يوم عيد الفِطر من هذه السنة وعمره تسعون سنة، ودفن بالمقطّم من ناحية السَّفح، وصلى عليه ابنه عبدالله ، ثم رجع فصلّى بالناس صلاةَ العيد، فولاه معاوية مكانه ، ثم عزله وولى مكانه أخاه عُتبة بن أبي سفيان .
قال أبو عمر : وكان عمرو بن العاص من فُرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، مذكوراً فيهم بذلك، وكان شاعراً حسن الشعر، وأحد الدّهاة المتقدمين في الرأي والذكاء، وكان عمر بن الخطاب إذا استضعف رجلاً في رأيه وعقله، قال: أشهد أنّ خالقك وخالق عمرو واحد، يريد خالق الأضداد .
ونقلت أنا من كتب متفرَّقة كلمات حِكمية تُنسب إلى عمرو بن العاص، استحسنتُها وأوردتها ، لأنى لا أجحد لفاضل فضلَه، وإن كان دينُه عندي غيرَ مرضيّ .
فمن كلامه : ثلاث لا أملهنّ: جليسي ما فَهِم عني، وثوبي ما سترني، ودابتي ما حَملت رَخلي.
وقال لعبدالله بن عباس بصِفّين : إن هذا الأمرَ الذي نحن وأنتم فيه، ليس بأوّل أمر قاده البلاء، وقد بلغ الأمر مِنّا ومنكم ما ترى، وما أبقت لنا هذه الحرب حياة ولا صبراً، ولسنا نقول : ليت الحرب عادت، ولكنا نقول : ليتها لم تكن كانت! فافعل فيما بقيَ بغير ما مضى، فإنّك رأس هذا الأمر بعد عليّ، وإنما هو آمر مطاع، ومأمور مطيع، ومبارز مأمون، وأنت هو .
ولمّا نصب معاوية قميصَ عثمان على المنبر، وبكى أهل الشام حوله ، قال : قد هممتُ أن أدعَه على المنبر ،فقال له عمرو : إنه ليس بقميص يوسف، إنه إن طال نظرهم إليه، وبحثوا عن السبب وقفوا على ما لا تحبّ أن يقفوا عليه، ولكن لذِّعهم بالنظر إليه في الأوقات.
وقال : ما وضعت سرّي عند أحدٍ فأفشاه فلُمْتُه، لأني أحقّ باللوم منه إذ كنتُ أضَيقُ به صدراً منه .
وقال : ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشرّ ، لكن العاقل من يعرف خير الشرّين.
وقال عمر بن الخطاب لجلسائه يوماً وعمرو فيهم: ما أحسنُ الأشياء؟ فقال كلُّ منهم ما عنده؟ فقال: ما تقول أنت يا عمرو ؟ فقال :
الغمراتُ ثم ينجَلينا
وقال لعائشة : لوددت أنك قتلت يوم الجمل، قالت: ولم لا أبالك؟! قال : كنت تموتين بأجلِك، وتدخلين الجنة، ونجعلك أكبرَ التشنيع على عليّ بن أبي طالب (علیه السّلام).
وقال لبنيه، يا بَنّي، اطلبوا العلم، فإن استغنيتم كان جَمَالاً، وإن افتقرتم كان مالاً .
ومن كلامه : أميرٌ عادل خيرٌ من مطر وَابل، وأسدٌ حَطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم، وزلة الرّجل عَظمُ يجبَر، وزلّة اللسان لا تُبقِي ولا تَذَر. واسترح مَنْ لا عقل له .
وكتب إليه عمر يسأله عن البحر، فكتب إليه : خَلْق عظيم يركبه خَلْق ضعيف. دُود على عود، بين غرق ونَزَق.
وقال لعثمان وهو يخطب على المنبر: يا عثمان، إنّك قد ركبتَ بهذه الأمة نهاية من الأمر، وزغت فزاغوا، فاعتدِل أو اعتزِل.
ومن كلامه: استوحِش من الكريم الجائع، ومن اللثيم الشبعان، فإنّ الكريم يصول إذا جاع، واللئيم يصول إذا شبع.
وقال جُمِع العجز إلى التواني فنتج بينهما الندامة، وجُمع الجبن إلى الكسل فنتَجَ بينهما الحرمان.
وروى عبدالله بن عباس، قال: دخلتُ على عمرو بن العاص وقد احتُضِر ، فقلت : يا أبا عبدالله ، كنت تقول : أشتهي أنّي أرى عاقلاً يموت حتى أسأله كيف تجد، فماذا تجد؟ قال: أجد السماء كأنها مطبِقة على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنما أتنفّس من خرق إبرة، ثم قال :
اللّهم خُذْ منّي حتى تَرْضَى، ثم رفع يده، فقال: اللّهم أمرَ فعصينا، ونهيت فركبنَا، فلا بريءٌ فأعتذر ولا قويّ فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله، فجعل يرددها حتى فاض.
وقد روى أبو عمر بن عبد البرّ هذا الخبر في كتاب «الاستيعاب»، قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة، قال: اللهم أمرتَني فلم أئتمر ، وزجرتَني فلم أنزجر. ووضع يده في موضع الغلّ، ثم قال: اللهمّ لا قَوِيٌّ فأنتصر، ولا بريءٌ فأعتذر، ولا مستكبرٌ بل مستغفر ، لا إله إلا أنت، فلم يزل يرددها حتى مات.
قال أبو عمر : حدثني خلف بن قاسم، قال : حدثني الحسن بن رشيق، قال: حدثنا الطحاويّ، قال: حدثنا المُزِنيّ، قال: سمعت الشافعيّ يقول : دخل ابنُ عباس على عمرو بن العاص في مرضه، فسلّم عليه، فقال: كيف أصبحت يا أبا عبدالله ؟ قال : أصبحتُ وقد أصلحت من دنياي قليلاً، وأفسدتُ من ديني كثيراً، فلو كان الذي أصلحتُ هو الذي أفسدت، والذي أفسدت هو الذي أصلحت، لَفُزت. ولو كان ينفعني أن أطلبَ طلبتُ، ولو كان ینجیني أن أهرُب، هربت ربت فقد صرت كالمنخنق بين السماء والأرض، لا أرقى بيدين، ولا أهبط برجلين، فعظني بعظةٍ أنتفع بها يابن أخي، فقال ابن عباس : هيهات أبا عبدالله، صار ابنُ أخيك أخاك، ولا تشاء أن تَبَلى إلا بَليت، كيف يؤمر برحيل من هو مقيم! فقال عمرو على حينها : من حين ابن بضع وثمانين تقُنِطني من رحمة ربي ! اللهمّ إنّ ابن عباس يُقنطني من رحمتك، فخذ منّي حتى ترضى، فقال ابن عباس : هيهات أبا عبدالله ! أخذتَ جديداً وتُعطي خَلَقاً، قال عمرو : مالي ولك يابن عباس ! ما أرسل كلمة إلا أرسلتَ نقيضها .
وروى أبو عمر في كتاب «الاستيعاب» أيضاً عن رجال قد ذكرهم وعدّدهم أن عَمْراً لمّا حضرته الوفاة، قال له ابنة عبدالله وقد رآه يبكي، لِمَ تبكي؟ أجزَعاً من الموت؟ قال: لا والله، ولكن لما بعده. فقال له : لقد كنت على خيرٍ فجعل يُذكِّرُهُ صحبةَ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وفتوحه بالشام، فقال له عمرو : تركتَ أفضل من ذلك شهادةَ أن لا إله إلا الله، إني كنت على ثلاثة أطباق، ليس منها طبَق إلا عرفتُ نفسي فيه، كنت أولَ أمري كافراً ، فكنت أشدَّ الناس على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فلومِت حينئذٍ وجبت لي النار، فلما بايعت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، كنت أشدّ الناس حياءً منه، فما ملأتُ منه عيني قطّ، فلو متّ يومئذٍ قال الناس : هنيئاً لعمرو! أسلم وكان
على خير، ومات على خير أحواله، فسرّحوا له بالجنة ، ثم تلبثْتُ بعد ذلك بالسلطان وبأشياء، فلا أدري أعليّ أم لي؟ فإذا مت فلا تبكينَّ عليّ باكية، ولا يتبعني نائح، ولا تقرّبوا من قبري ناراً، وشُدّوا عليّ إزاري، فإني مخاصَم، وشنوا (1)عليّ التراب شنَّا ، فإنّ جنبي الأيمن ليس بأحقّ من جبني الأيسر، ولا تجعلوا في قبري خشبة ولا حجراً ، وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قَدر نحر جزور وتقطيعِها، أستأنس بكم .
فإن قلت : فما الذي يقوله أصحابك المعتزلة في عمرو بن العاص؟ قلت: إنهم يحكُمون على كلّ من شهد صِفّين، بما يحكّم به على الباغي الخارج على الإمام العادل، ومذهبهم في صاحب الكبيرة إذا لم يتب معلوم .
فإن قلت : أليس في هذه الأخبار ما يدل على توبته، نحو قوله : «ولا مستكبر بل مستغفر» وقوله : «اللهمّ خذ مني حتى ترضى»، وقوله : «أمرتَ فعصيت، ونهيت فركبت» وهذا اعتراف ونَدَم، وهو معنى التوبة؟ قلت : إن قوله تعالى : «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ » (2)يمنع من كون هذا توبة، وشروط التوبة وأركانها معلومة، وليس هذا الاعتراف والتأسّف منها في شيء.
وقال شيخُنا أبو عبدالله : أوّلُ مَنْ قال بالإرجاء المخض معاوية وعمرو بن العاص، كانا يزعُمان أنه لا يضرُّ مع الإيمان معصية، ولذلك قال معاوية لمن قال له : حاربتَ من تعلَم، وارتكبت ما تعلم، فقال: وثقتُ بقوله تعالى: «إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا » (3). وإلى هذا المعنى أشار عمرو بقوله لابنه : تركت أفضلَ من ذلك، شهادةَ أن لا إله إلا الله .
فأما ما كان يقوله عمرو بن العاص في عليّ(علیه السّلام) لأهل الشام : «إن فيه دُعابة»، يروم أن يعيبه بذلك عندهم، فأصل ذلك كلمة قالها عمر فتلقّفها، حتى جعلها أعداؤه عيباً له وطعناً عليه .
قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في كتاب «الأمالي» : كان عبدالله بن عباس عند عمر، فتنفّس عمر نَفساً عالياً ، قال ابن عباس : حتى ظننت أن أضلاعه قد انفرجَتْ ، فقلت له : ما أخرجَ هذا النّفَس منك يا أميرالمؤمنين إلا همُّ شديدٌ. قال : إي والله يابن عباس، إنّي فكّرت
فلم أدرِ فيمن أجعل هذا الأمر بعدي. ثم قال : لعلك ترى صاحبك لها أهلاً؟ قلت : وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقَرابته وعلمه ! قال: صدقتَ، ولكنه امرؤ فيه دُعابة، قلت : : فأين أنت من طلحة؟ قال : هو ذو البأو بإصبعه المقطوعة . قلت : فعبد الرحمن؟ قال: رجل ضعيف لو صار الأمر إليه لوضع خاتَمه في يد امرأته .قلت: فالزبير؟ قال شَكِس لَقِس، يلاطم في البقيع في صاع من بُرّ . قلت : فسعد بن أبي وقاص؟ قال : صاحب مِقنبٍ وسلاح، قلت: فعثمان، قال : أوه أوه، مراراً . ثم قال : والله لِئَنْ ولِيها ليحملّن بني أبي مُعَيط على رقاب الناس ، ثم لتنهضنّ إليه العرب فتقتله. ثم قال : يابن عباس، إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا حصيف (1)العُقدة، قليل الغرّة، لا تأخذه في الله لومة لائم، يكون شديداً من غير عُنف، ليّناً من غير ضعف، جواداً من غيرِ سَرَف، ممِسكاً من غير وكَف. قال ابن عباس : وكانت هذه صفات عمر ، ثم أقبل عليّ فقال : إنّ أخرَاهم أن يحملَهم على كتاب ربهم وسنّة نبيهم لصَاحبك، والله لئن وليَها ليحملنّهم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم .
واعلم أن الرجل ذا الخلق المخصُوص لا يرى الفضيلَة إلا في ذلك الخُلق، ألا تَرَى أنّ الرجل يبخلُ فيعتقد أنّ الفضيلة في الإمساك والبخيل يعيب أهلَ السَّماح والجود، وينسبهم إلى التبذير وإضاعة الحزم، وكذلك الرجل الجواد يعيب البخلاء وينسبُهم إلى ضيق النَّفس وسوء الظنّ وحب المال، والجبان يعتقد أن الفضيلة في الجبن ويعيب الشجاعة ويعتقد كونها خَرَقاً وتغريراً بالنفس، كما قال المتبني :
يرى الجبناءُ أن الجبنَ حزمٌ
والشجاع يعيب الجبانَ ويُنسُبه إلى الضعف، ويعتقد أنّ الجبن ذلّ ومهانة! وهكذا القول في جميع الأخلاق والسجايا المقتسمة بين نوع الإنسان. ولمّا كان عمر شديد الغِلْظَة وَغر الجانب، خشِن الملمس دائم العبوس، كان يعتقد أنّ ذلك هو الفضيلة وأن خِلافه نقص، ولو كان سهلاً طلقاً مطبوعاً على البشاشة وسماحة الخُلق، لكان يعتقد أنّ ذاك هو الفضيلة وأن خلافه نقص، حتى لو قدّرنا أن خُلقه حاصل لعليّ(علیه السّلام) ، وخُلقَ عليّ حاصل له، لقال في عليّ : «لولا شراسة فيه».
فهو غير ملوم عندي فيما قاله، ولا منسوب إلى أنه أراد الغضّ من عليّ، والقدح فيه، ولكنّه أخبر عن خُلقه، ظانًا أن الخلافة لا تصلح إلا لشديد الشكيمة، العظيم الوعورة. وبمقتضى ما كان يظنّه من هذا المعنى، تمّم خلافة أبي بكر بمشاركته إياه في جميع تدبيراته وسياسته وسائر
1) الحصيف: الرجل المحكم العقل. اللسان، مادة (حصف).
أحواله، لرفق وسهولة كانت في أخلاق أبي بكر، وبمقتضى هذا الخلُق المتمكّن عنده، كان يشير على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في مقامات كثيرة، وخطوب متعددة، يقتل قوم كان يرى قتلَهم، وكان النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يرى استبقاءهم واستصلاحَهم، فلم يقبل(علیه السّلام) مشورتَه على هذا الخلُق.
وأما إشارته عليه يوم بدر بقتل الأسرى حيث أشار أبو بكر بالفِداء، فكان الصواب مع عمر ونزل القرآن بموافقته، فلما كان في اليوم الثاني وهو يوم الحديبيّة أشار بالحرب، وكره الصلح، فنزل القرآنُ بضدّ ذلك، فليس كلّ وقت يصلح تجريد السيف، ولا كلّ وقت يصلح إغماده، والسياسة لا تجري على منهاج واحدٍ ولا تلزم نظاماً واحداً .
وجملة الأمر أنه رضي الله عنه لم يقصِد عيبَ عليّ(علیه السّلام) ، ولا كان عنده معيباً، ولا منقوصاً، ألا تَرَى أنه قال في آخر الخبر: «إنّ أَحرَاهم إن وَليَها أن يحملهم على كتاب الله وسنّة رسوله لصاحبُك»، ثم أكّد ذلك بأن قال : «إن وَليّهم ليحملنّهم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم »، فلو كان أطلَق تلك اللفظة، وعنَى بها ما حملها عليهِ الخصوم، لم يقل في خاتمة كلامه ما قاله .
وأنت إذا تأمّلت حالَ عليّ(علیه السّلام) في أيام رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وجدتَه بعيداً عن أن يُنسبَ إلى الدُّعابة والمُزاح، لأنه لم ينقَل عنه شيء من ذلك أصلاً، لا في كتب الشيعة ولا في كتب المحدّثين، وكذلك إذا تأمّلت حاله في أيام الخليفتين أبي بكر وعمر، لم تجد في كتب السيرة حديثاً واحداً يمكن أن يتعلّق به متعلق في دُعابته ومُزاحه، فكيف يُظنّ بعمر أنه نَسَبه إلى أمر لم ينقله عنه ناقل، ولا ندّد به صديق ولا عدوّ، وإنما أراد سهولة خُلُقِه لا غَيْر، وظنّ أن ذلك مما يُقضي به إلى ضعف إن وليّ أمر الأمّة ،لاعتقاده أنّ قِوام هذا الأمر إنما هو بالوعورة، بناءً علي ما قد ألفته نفسه، وطبعت عليه سجّيتُه والحال في أيام عثمان، وأيّام ولايته(علیه السّلام) الأمرَ كالحال فيما تقدم، في أنه لم يظهر منه دُعابة، ولا مُزاح يسمّى الإنسان لأجله ذا دُعابة ولعب.
ومن تأمّل كتب السَّيَر عرف صِدق هذا القول، وعرف أن عمرو بن العاص أخذ كلمة عمر إذ لم يقصِد بها العيب فجعلها عيباً ، وزاد عليها أنه كثيرُ اللعب، يعافس النساء ويمارسهنّ، وأنه صاحب هَزْل.
ولعمر الله لقد كان أبعدَ الناس من ذلك، وأيّ وقت كان يتّسع لعليّ(علیه السّلام) حتى يكون فيه على هذه الصفات ؟ فإن أزمانه كلّها في العبادة والصلاة، والذكر والفتاوى والعلم، واختلاف الناس إليه في الأحكام وتفسير القرآن، ونهاره كلّه أو معظمه مشغول بالصوم، وليله كله أو معظمه مشغول بالصلاة. هذا في أيام سِلمه، فأما أيام حربه فبالسيف الشهير، والسِّنان الطوير (1)، وركوب الخيل، وقود الجيش، ومباشرة الحروب.
1) الطرير: يقال سنان طرير ومطرور: محدد. اللسان، مادة (طرر).
ولقد صدق(علیه السّلام) في قوله : «إنني ليمنعني من اللعب ذكرُ الموت، ولكنّ الرجل الشريف النبيل، الذي لا يستطيع أعداؤه أن يذكروا له عيباً أو يَعُدّوا عليه وَصمة، لا بدّ أن يحتالوا ويبذلوا جهدهم في تحصيل أمرٍ ما وإن ضعف يجعلونه عذراً لأنفسهم في ذمّه، ويتوسّلون به إلى أتباعهم في تحسينهم لهم مفارقته، والانحراف عنه، وما زال المشركون والمنافقون يصنَعون لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الموضوعات، ينسبون إليه ما قد برّأه الله عنه من العيوب والمطاعن، في حياته وبعد وفاته إلى زماننا هذا، وما يزيدُه الله سبحانه إلا رفعة وعلوَّا، فغيرُ منكَر أن يعيب عليَّا(علیه السّلام) عمرو بن العاص وأمثاله من أعدائه، بما إذا تأمله المتأمل، علم أنهم باعتمادهم عليه وتعلُّقهم به ، قد اجتهدوا في مدحه والثناء عليه، لأنهم لو وجدوا عيباً غير ذلك لذكروه، ولو بالغ أميرالمؤمنين وبذل جهده في أن يُثنَى أعداؤه وشانِتُوه عليه من حيث لا يعلمون، لم يستطع إلى أن يجد إلى ذلك طريقاً ألطفَ من هذه الطريق التي أسلكهم الله تعالى فيها، وهداهم إلى منهاجها ، فظنُّوا أنهم يغضون منه ، وإنما أعلوا شأنه، ويضعون من قدره، وإنما رفعوا منزلته ومكانه .
ونحن نذكر من بعد، ما جاء في الأحاديث الصحاح والآثار المستفيضة، المتّفَق على نقلها مزاحَ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ومزاح الأشراف والأفاضل والأكابر من أصحابه والتابعين له، ليُعلم أن المزاح إذا لم يخرج عن القاعدة الشَّرعية لم يكن قبيحاً .
فأوّل ذلك ما رواه الناس قاطبة أن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال: «إني أمزح، ولا أقول إلا حقَّا» (1).
وقيل لسفيان الثوريّ : المزاح هُجنة؟ فقال : بل هو سنة، لقول رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إني أمزح ولا أقول إلا الحق».
وجاء في الخبر أنّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال لامرأة من الأنصار : «الحقي زوجك فإنّ في عينه بياضاً» (2)، فسعت نحوه مرعوبة، فقال لها : ما دهاك؟ فأخبرته ، فقال : نعم إنّ في عيني بياضاً لا لسوء، فخفّضي عليك. فهذا من مُزاح رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
وأتت عجوز من الأنصار إليه(علیه السّلام) ، فسألته أن يدعوا الله تعالى لها بالجنة ، فقال : «إن الجنة لا تدخلها العجُز» (3)فصاحت، فتبسم(علیه السّلام) ، فقال : «إنَّا أَنشَأْتَهُنَّ إِنشَاءُ«35» فَجَعَلْتَهُنَّ أَبْكَارًا » (4)
وفي الخبر أيضاً: أن امرأة استحملته ، فقال : «إنا حاملوك إن شاء الله تعالى على ولد الناقة»، فجعلت تقول : يا رسول الله : وما أصنع بولد الناقة؟ وهل يستطيع أن يحملَني ! وهو يبتسم ويقول : «لا أحملك إلا عليه»، حتى قال لها أخيراً : «وهل يلد الإبل إلا النوق»!
وفي الخبر أنّه(علیه السّلام) مَرّ ببلال وهو نائم فضربه برجله، وقال : أنائمة أمّ عمرو ؟ فقام بلال مرعوباً ، فضرب بيده إلى مذاكيره، فقال له: ما بالك ؟ قال : ظننت أني تحوّلت امرأة. قيل : فلم يمزح رسول الله بعد هذه.
وفي الخبر أيضاً أن نُغَراً كان لصبيِّ من صبيان الأنصار، فطار من يده، فبكى الغلام، فكان رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يمرّ به فيقول: «يا أبا عمير ،ما فعل النُّغَير»؟ والغلام يبكي .
وكان يمازح ابني بنته مُزاحاً مشهوراً، وكان يأخذ الحسين(علیه السّلام) ، فيجعله على بطنه ،وهو (علیه السّلام) نائم على ظهره ويقول له : حُزُيَّة حُزقَة (1)تَرَقّ عين بقة» .
وفي الحديث الصحيح المتفق عليه : أنه مرّ على أصحاب الدّرْكلة وهم يلعبون ويرقصون ، فقال : جِدّوا يا بني أَرْفَدَة، حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فُسحِة(2).
قال أهل اللغة: الدّركِلة، بكَسر الدال والكاف: لعبة للحبش فيها ترقص. وبنو أَرْفَدَة : جنس من الحبش يرقصون .
وجاء في الخبر أنه سابق عائشة فسبقته، ثم سابقها فسبقها فقال: «هذه بتلك» (3).
وفي الخبر أيضاً أن أصحاب الزفافة وهم الراقصون، كانوا يقمَعون باب حجرة عائشة، فتخرج إليهم مستمعة ومبصرة، فيخرج هو(علیه السّلام) من ورائها مستتراً بها (4).
وكان نعيمان، وهو من أهل بدر، أولَع الناس بالمُزاح عند رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وكان يكثر
الضحك، فقال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «يدخل الجنة وهو يضحك».
وخرج نُعيمان هو وسويبط بن عبد العزّي وأبو بكر الصديق، في تجارة قبل وفاة
1) رجل حزقة : نجيل اللسان، مادة (حزق).
2) أخرجه الحميدي في «مسنده» (254) والذهبي في «ميزان الاعتدال» (259/4 )، وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (293/1) .
3) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد باب: في السبق على الرجل (2578).
4) هذه من الإسرائيليات فرسول البشرية أجلّ من أن يفعل كذلك، ولو قيل لنا في هذه الأيام أن شيخاً يفعل ذلك لما صلينا خلفه وتسقط من أعيننا فكيف تريدون أن نصدقه على نبي الرحمة الذي لا ينطق عن الهوى.
رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بعامين، وكان سُويبط على الزاد، فكان نُعيْمان يستطعمه فيقول : حتى يجيء أبو بكر، فمر بركب من نَجران، فباعه نُعَيمان منهم على أنه عبدٌ له بعشر قلائص، وقال لهم : إنه ذو لسان ولهجة، وعساه يقول لكم : أنا حرّ، فقالوا : لا عليك. وجاؤوا إليه فوضعوا عمامته في عنقه، وذهبوا به، فلما جاء أبو بكر أخبر بذلك، فرده وأعاد القلائص إليهم. فضحك رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأصحابه من ذلك سنَةَ .
وروي أن أعرابيَّا باع نُعَيمان عكّة عسل، فاشتراها منه فجاء بها إلى بيت عائشة في يومها وقال: خذوها، فظنّ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنه أهداها إليه، ومضى نُعيمان، فنزل الأعرابيّ على الباب، فلما طال قعوده نادى: يا هؤلاء، إما أن تعطونا ثمن العسل أو تردّوه علينا، فعلم رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالقصّة، وأعطى الأعرابيّ الثمن، وقال لنُعَيمان: ما حملك على ما فعلت؟ قال : رأيتُك يا رسولَ الله ، تحبّ العسل، ورأيت العُكّة مع الأعرابيّ(1). فضحك رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ولم ينكِر عليه .
وسئل النَّخَعي : هل كان أصحاب رسول الله يضحكون ويمزحون؟ فقال: نعم والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي.
وجاء في الخبر أن يحيى(علیه السّلام) لقي عيسى(علیه السّلام) ، وعيسى متبسّم، فقال يحيى (علیه السّلام) : ما لي أراك لاهياً كأنك آمن ! فقال(علیه السّلام) : ما لي أراك عابساً كأنك آيس؟ فقالا : لا نبرح حتى ينزل علينا الوحي، فأوحى الله إليهما : أحبَّكما إلي الطلقُ البسّام، أحسنُكما ظنَّا بي.
وروي عن كبراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يتمازحون ويتناشدون الأشعار ، فإذا خاضوا في الدين، انقلبت حماليقهم، وصاروا في صور أخرى.
وروي أن عبدالله بن عمر قال لجارِيَته : خلقَنِي خالق الخير، وخلقك خالق الشر. فبكت ، فقال : لا عليك، فإن الله تعالى هو خالق الخير وهو خالق الشر.
قلت : يعني بالشرّ المرض والغلاء ونحوهما .
وكان ابن سیرین بنشد:
نُبِّئتُ أن فتاة كنتُ أخطبُها*** عُرقوبها مثلُ شهر الصوم في الطولِ
ثم يضحك حتى يسيل لعابه .
وجاء عبدالرحمن بن عوف إلى باب عمر بن الخطاب، فوجده مستلقياً على مِرفقةٍ له ، رافعاً إحدى رجليه على الأخرى، منشداً بصوت عال:
1) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (176).
وكيف ثَوائِي بالمدينة بعدما*** قضَى وطراً منها جميل بن معمر!
فلما دخل عبدالرحمن وجلس، قال: يا أبا محمد، إنّا إذا خلونا قلنَا كما يقول الناس .
وكان سعيد بن المسيّب ينشد:
لقد أصبحت عِرْس الفرزدق جامحاً*** ولو رضيت رمح استه لاستقرّت
ويضحك حتى يستغرق .
وكان يقال : لا بأس بقليل المُزاح يخرج منه الرجل عن حَدّ العبوس .
ومن كلام بعض الأدباء ونحن نحمدالله إليك، فإن عُقدة الإسلام في قلوبنا صحيحة، وأواخيه عندنا ثابتة، وقد اجتهد قوم أن يدخلوا قلوبنا من مرض قلوبهم، وأن يَشُوبوا يقينَنا بشكّهم، فَعصِم الله منهم، وحال توفيقه دونهم، ولنا بعدُ مذهب في الدُّعابة جميل، لا يشوبه أذى ولا قذَى، يخرج بنا إلى الأنس من العبُوس، وإلى الاسترسال من القُطوب، ويلحقنا بأحرار الناس الذين ارتفعوا عن لُبسة الرياء، وأنفِوا من التشوّف بالتصنّع.
وقال ابن جُرَيح : سألت عطاءً عن القراءة على ألحان الغناء والحُداء، فقال لي: لا بأس بذلك، حدثني عبيدالله
بن عمر الليثيّ، أنه كان لداود النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مِعْزَفَةَ ، قد يضرب بها إذا قرأ الزبور، فتجمّع إليه الطير والوحش، فيبكي ويُبكي مَنْ حوله .
وقال جابر بن عبدالله الجُعفي : رأيت الشعبيَّ يقول لخياط يمازحه : عندنا حُبِّ مكسور وأحب أن تخيطه، فقال الخياط: أحضر لي خيوطاً من ريح لأخيطه لك .
وسئل الشعبيّ : هل يجوز أن يؤكل الجِنِّي لو ظُفر به؟ فقال : ليتنا نخرج منه كَفافاً لا لنا ولا علينا .
وسأل إنسان محمد بن سيرين عن هشام بن حسان، فقال: توفي البارحة، أما شعَرت؟ فخرج يسترجع ، فلما رأى ابن سيرين جزعَه، قرأ : «اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا » (1).
وكان زيد بن ثابت من أفكهِ الناس في بيته وأرفتهم، وقد أباح الله تعالى الرَّفَث إلى النساء، فقال: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ القِيَامِ الرَّفَتُ إِلَى نِسَائُکُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ » (2). وقال أهلُ اللغة : الرَّفَث : القول الفاحش تخاطَب به المرأة حال الجماع .
ومرّ بالشعبيّ حمّال على ظهره دَنْ خَلّ، فوضع الدَّنّ وقال له : ما كان اسم امرأة إبليس ؟ فقال الشعبيّ : ذلك نكاح ما شهدناه.
وقال عِكرمة : خَتن ابنُ عباس بِنيه فأرسلني، فدعوت اللعَّابين فلعِبوا، فأعطاهم أربعة دراهم.
وتقدّم رجلان إلى شُريح في خُصومة، فأقرّ أحدهما بما ادُّعِيَ عليه وهو لا يدري، فقضَى شُريح عليه ، فقال : أصلحك الله ! أتقضي عليّ بغَيْر بينة ؟ قال : بلى، شهد عندي ثقة . قال : ومَنْ هو ؟ قال : ابنُ أخت خالتك .
وجاء في الخبر أن النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مرّ بصُهيب وهو أرمد يأكل تمراً ، فنهاه، فقال : إنما أكله عن جانب العين الصحيحة يا رسول الله، فضحك منه ولم ينكِر عليه .
وفي الخبر أنّه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مَرّ بحسان بن ثابت، وقد رشّ أطماره، وعنده جارية تغنيه :
هل عليّ يحكما*** إن لغوتُ من حَرَجٍ
فقال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «لا حَرج إن شاء الله» .
وقيل : إن عبدالله بن جعفر قال لحسِان بن ثابت في أيام معاوية : لو غنّتك فلانة جاريتي صوت كذا لم تدرِك ركابك، فقال يا أبا جعفر «فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَابِسَ الْفَقِيرَ » (1).
وقال أسلم مولى عمر بن الخطاب: مرّ بي عمر وأنا وعاصم نغنّي غناء النَّصْب، فوقف وقال : أعيدا ،عليّ، فأعدنا عليه، وقلنا : أينا أحسن صنعة يا أميرالمؤمنين؟ فقال : مَثَلُكما كحماري العِبادِيّ، قيل له : أيّ حماريك شرّ؟ فقال: هذا ثمّ هذا . فقلت: يا أميرالمؤمنين، أنا الأول من الحمارين، فقال : أنت الثاني منهما .
ومرّ نعيمان وهو بَدْرِيّ بمخرمة بن نوفل في خلافة عثمان، وقد كُفّ بصره، فقال: ألا يقودني رجل حتّى أبول ؟ فأخذ نعيمان بيده حتى صار به إلى مؤخر المسجد، وقال: ها هنا فبُل، فبال فصاح به النّاس فقال : مَنْ قادني؟ قيل: نعيمان، قال: لله عليّ أن أضِربَه بعصاي هذه. فبلغ نعيمان فأتاه، فقال : بلغني أنك أقسمت لتضربنّ نعيمان فهل لك فيه ! قال : نعم .
قال : قم، فقام معه حتى وافّی به عثمان بن عفان وهو يصلي، فقال : دونك الرجل، فجمع محرّمة يديه في العصا وضربه بها، فصاح الناس: ويلك، أميرالمؤمنين ! قال: من قادني! قالوا : نعيمان، قال: ومالي ولنعيمان! لا أعرض له أبداً !
وكان طُويس يتغنّى في عُرَس، فدخل النعمان بن بشير الأنصاري العرس وطويس يغنيهم :
أجَدَّ بعَمْرة هجرانُها*** وتسخط أم شأننا شأنُها
فأشاروا إليه بالسكوت، فقال النعمان: دعوه إنه لم يقل بأساً، إنما قال:
وعمْرةُ مِنْ سوراتِ النّسا*** ء تنفحُ بالمسك أرْدَانُها
وعَمْرة هذه أمّ النعمان، وفيها قيل هذا النسيب .
1) سورة الحج، الآية : 27 .
وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين اللعب بالنّرد والشّطرَنج، ومنهم من روى عنهم شربَ النبيذ وسماع الغناء المطرب .
فأما أمير المؤمنين عليّ(علیه السّلام) ، فإذا نظرت إلى كتب الحديث والسِّيرَ ، لم تجد أحداً من خَلْقِ الله عدوَّا ولا صديقاً، ، روي عنه شيئاً من هذا الفنّ، لا قولاً ولا فعلاً، ولم يكن جِدّ أعظم من جِدّه، ولا وقار أتمّ من وقاره، وما هَزَل قط ولا لعِب، ولا فارق الحقّ والناموس الدينيّ سرِّا ولا جهراً، وكيف يكون هازلاً ومن كلامه المشهور عنه : «ما مزح امرؤ مزحة إلا ومجّ معها عقله مجّة ! ولكنّه خُلِق على سَجِيّة لطيفة، وأخلاق سهلة، ووجه طلْقٍ، وقول حَسَن، وبشّر ظاهر، وذلك من فضائله(علیه السّلام)، وخصائصه التي منحه الله بشرفها، واختصه بمزيتها، وإنما كانت غلظته وفظاظته فعلاً لا قولاً، وضرباً بالسيف لا جَبْهاً بالقول، وطَعْناً بالسنان لا عَضُهاً باللسان، كما قال الشاعر:
وتسفّه أيدينا ويحلُم رأيُنا*** ونشتمُ بالأفعال، لا بالتكلّم
فأمّا سوء الخلق فلم يكن من سجاياه، فقد قال النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «خصلتان لا يجتمعان في مؤمن : البُخْلُ وسوء الخلق» (1). وقال الله تعالى لنبيه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ»(2)وقال أيضاً : «وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » (3).
وقيل لرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ما الشوم! فقال: «سوء الخلق» (4).
وصحب جابر رجلاً في طريق مكة، فآذاه سوء خُلُقه، فقال جابر : إني لأرحمه، نحن نفارقه ويبقى معه سوء خُلقه !
وقيل لعبدالله بن جعفر : كيف تجاورُ بني زُهرة وفي أخلاقهم زَعَارة؟ قال : لا يكون لي قِبَلهم شيء إلا تركتُه، ولا يطلبون مني شيئاً إلا أعطيتهم .
وفي الحديث المرفوع أنه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : «ألا أنبئكم بشرّ الناس؟ قالوا : بلى يا رسول الله، قال: «مَنْ نزل وحده، ومنع رِفده، وضرب عبده»، ثم قال: «ألا أنبئكم بشرّ من ذلك»؟ قالوا : بلى، قال: «مَنْ لم يُقِل عثرة، ولا يقبل معذرة» (5).
وقال إبراهيم بن عباس الصوليّ : لو وزنت كلمة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بمحاسن الخلق كلّها
1) أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة: باب ما جاء في البخيل (1962)، والبيهقي في «الشعب» (10830).
2) سورة القلم، الآية : 4.
3) سورة آل عمران الآية : 159 .
4) أخرجه أبو داود، كتب الأدب، باب في حق المملوك (5162) ، وأحمد في كتاب: مسند الأنصار باب: حديث السيدة عائشة (24026).
5) أخرج الحاكم نحوه في «المستدرك » (7707) ، والطبراني في «المعجم اللبيب» (10775).
لرجحت، قوله : «إنكم لن تسَعُوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم »(1).
وفي الخبر المرفوع : «حُسن الخلق زمام من رحمة الله في أنف صاحبه، والزّمام بيد المَلَك، والملك يجرُّه إلى الخير، والخير يجرّه إلى الجنة، وسوء الخلق زمام من عذاب الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الشيطان ،والشيطان يجرّه إلى الشرّ، والشرّ يجرّه إلى النار» .
وروى الحسن بن عليّ(علیه السّلام) عن النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إن الرّجُل يدرك بحسن خلُقه دَرَجة الصائم القائم، وإنه ليُكتب جباراً ولا يملك إلا أهلَه» (2).
وروى أبو موسى الأشعريّ، قال: بينا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يمشي وامرأةٌ بين يديه، فقلت: الطريقَ لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ! فقالت : «الطريق معرّض، إن شاء أخذ يميناً وإن شاء أخذ شمالاً .
فقال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «دعوها فإنها جبّارة» (3).
وقال بعض السلف : الحسَن الخلق ذو قرابة عند الأجانب، والسّيّىء الخلق أجنبيّ عند أهله.
ومن كلام الأحنف: ألا أخبركم بالمحمّدة بلا مذّمة؟ الخلق السَّجِيح، والكفّ عن القبيح.
ألا أخبركم بأدوا الداء! الخلق الدنيء واللسان البذيء» .
وفي الحديث المرفوع: «أول ما يوضع في الميزان الخلُق الحسن» .
وجاء مرفوعاً أيضاً : «المؤمن هيّن ليّن كالجمل الأنِف، إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ» (4).
وجاء مرفوعاً أيضاً : «ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم : أخلاقاً ، الموَطَّئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤُلفون. ألا أخبركم بأبغضِكم إليّ وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة : الثرثارون المتفيهقون» (5).
أبو رجاء العُطارديّ: من سرّه أن يكون مؤمناً حقاً، فليكن أذلّ من قَعُود، كلّ من مرّ به ادّعاه.
1) أخرج نحوه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (212/5)، وأبو يعلى في «مسنده» (6550) ، وابن عدي في «الكامل» (163/4).
2) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب حسن الخلق (4798) ، وأحمد في كتاب: باقي مسند الأنصار (24492).
3) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (8160) ، وأبو يعلى في «مسنده» (3276).
4) أخرجه ابن المبارك في «الزهد » (387) ، والديلمي في مسند الفردوس (6583).
5) أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب : معالي الأخلاق (2018)، وأحمد في «مسنده» باب: حديث أبي ثعلبة (17278).
فُضَيل بن عياض : لأن يصحَبني فاجر حَسَنُ الخلُق، أحب إليّ من أن يصحبَني عابد سَيِّىء الخلق، لأنّ الفاسق إذا حَسُن خلقه خفَّ على الناس وأحبوّه، والعابد إذا ساء خلقُه، ثَقُل على الناس ومَقَتُوه .
دخل فَرْقد ومحمد بن واسع على رجل يعودانه، فجرى ذكر العنف والرِّفق، فروى فَرْقد عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنه قيل له : عَلَى من حُرّمت النار يا رسول الله؟ قال : «على الهيّن الليّن السّهل القريب» (1)، فلم يجد محمد بن واسع بياضاً يكتب ذلك فيه، فكتبه على ساقه .
عبدالله بن الدارانيّ : ما ضُرِب عبدٌ بعقوبة أعظمَ من قَسوة القلب .
عائشة : قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم باب رفق» (2).
وعنها ، عنه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «من أعُطِيَ حظَّه من الرّفق أعْطِيَ حظَّه من خير الدنيا والآخرة» (3).
جرير بن عبد الله البَجَلِي رفعه «إنّ الله ليعُطي على الرفق ما لا يعطي على الخُرْق، فإذا أحبّ الله عبداً أعطاه الرفق » (4). وكان يقال : «ما دخل الرّفق في شيء إلا زانه» .
أبو عَوْن الأنصاريّ : ما تكلّم الإنسان بكلمةٍ عنيفة إلا وإلى جانبها كلمة أليَن منها تجري مجراها .
سئلت عائشة عن خُلق رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقالت : كان خلقه القرآن : «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»(5).
وسئل ابنُ المبارك عن حُسن الخلق، فقال: بسط الوجه، وكفّ الأذى، وبذلُ الندى .
ابن عباس : إنّ الخُلُقَ الحسَن يُذيب الخطايا كما تُذِيب الشمس الجَليد، وإنّ الخلق السَّيِّيءَ يفسِد العمل، كما يفسد الخلّ العسل .
عليّ(علیه السّلام) : ما من شيء في الميزان أثقل من خُلُق حَسَن .
وعنه(علیه السّلام) : عنوان صحيفة المؤمن حُسْنُ خلقه.
وعنه(علیه السّلام) مرفوعاً : عليكم بحسنِ الخلُق، فإنه في الجنّة، وإياكم وسوء الخلق فإنّه في النار.
قال المنصور لأخيه أبي العباس في بني حسن لما أزمَعُوا الخروج عليه : آنسهم يا أميرَالمؤمنين بالإحسان، فإن استوحشوا فالشَّرُّ يصلح ما يعجز عنه الخير، ولا تَدَعْ محمداً يمرَحُ في أعنّة العقوق. فقال أبو العباس : يا أبا جعفر؟ إنه من شدّد نفّر، ومن لان ألّف، والتغافل من سجايا الكرام.
ونحن نذكر بعدُ كلاماً كليَّا في سبب الغلطة والفظاظة، وهو الخلق المنافي للخلق الذي كان عليه أميرالمؤمنين، فنقول: إنه قد يكون لأمر عائد إلى المزاج الجسماني، وقد يكون لأمرٍ راجع إلى النفس :
فأمّا الأول، فإنما يكون من غَلَبة الأخلاط السوداوية ،وترمّدها، وعدم صفاء الدّم وكثرة كدرته وعكره ، فإذا غلظ الدم وثَخُن غلظ الرُّوح النفسانيّ وثخن أيضاً، لأنه متولدّ من الدم ،فيحدث منه نوع مما يحدث لأصحاب الفِطرة ،من الاستيحاش والنّبوة عن الناس وعدم الاستئناس والبشاشة، وصار صاحبُه ذا جفاء وأخلاق غليظة، ويشبه أن يكون هذا سبباً ماديَّا .
فإنّ الذي يقوى في نفسي أن النفوس إن صحّت وثبتت مختلفةٌ بالذات.
وأما الراجع إلى النفس فأن يجتمع عندها أسقاط وأنصباء من قوى مختلفة مذمومة، نحو أن تكون القوة الغضبية عندها متوافرة، وينضاف إليها تصوُّر الكمال في ذاتها وتوهم النقصان في غيرها، فيعتقد أنّ حركات غيره واقعة على غير الصّواب، وأن الصواب ما توهمه. وينضاف إلى ذلك قلّة أدب النفس وعدم الضبط لها واستحقارها للغير، ويقلّ التوقير له، وينضاف إلى ذلك لجاجٌ، وضيق في النفس، وحدّةٌ واستشاطة وقلة صبر عليه، فيتولّد من مجموع هذه الأمور خُلُق دنيّ، وهو الغلظة والفظاظة، والوعورة والبادرة والكروهة، وعدم حبّه الناس، ولقاؤهم بالأذى، وقلّة المراقبة لهم، واستعمال القَهر في جميع الأمور، وتناول الأمر من السماء، وهو قادر على أن يتناوله من الأرض.
وهذا الخلق خارجٌ عن الاعتدال، وداخل في حَيّز الجوز، ولا ينبغي أن يسمّى بأسماء المدح، وأعني بذلك أن قوماً يسمُّون هذا النوع من العنف والخلق الوعر رجوليّة، وشدّة وشكيمة، ويذهبون به مذهبَ قوة النفس وشجاعتها، الذي هو بالحقيقة مدح. وشتّان بين الخُلُقين، فإنّ صاحب هذا الخلق ذممناه تصدُر عنه أفعال كثيرة يجور فيها على نفسه ثم على إخوانه، على الأقرب فالأقرب من معامليه، حتى ينتهيَ إلى عبيده وحرمه، فيكون عليهم سوط عذاب، لا يقيُلهم عثرة، ولا يرحم لهم عَبرة، وإن كانوا براء الذنوب، غير مجرمين ولا مكتسبِي سوء، بل يتجرّم عليهم، ويهيج من أدنى سبب يجد به طريقاً إليهم، حتى يبسُط يده ولسانه، وهم لا يمتنعون منه، ولا يتجاسرون على ردّه عن أنفسهم، بل يُذِعنُون له ويقرُّون
بذنوب لهم يقترفوها ، استكفافاً لعاديتّه وتسكيناً لغَضِبه، وهو في ذلك يستمرُّ على طريقته لا يكفّ يداً ولا لساناً .
وأصل هذا الخلق الذي ذكرناه أنه مركّب من قوى مختلفة من شدة القوة الغضبية، فهي الحاملة لصاحب هذا الحق على ما يصدُر عنه من البادرة المكروهة والجبه والقِحة، وقد رأينا وشاهدنا من تشتدّ القوة الغضبية فيه، فيتجاوز الغضب على نوع الإنسان إلى البهائم التي لا تعقل، وإلى الأواني التي لا تحسّ، وربما قام إلى الحِمار وإلى البرذَون فضربهما ولكَمهما ، وربّما كسر الآنية لشدة غَضبه، وربما عَضَ القُفل إذا تعسّر عليه، وربما كسر القلم إذا تعلقت به شعرة من الدواة واجتهد في إزالتها فلم تزل .
ويحكَى عن بعض ملوك اليونان المتقدّمين، أنه كان يغضب على البحر إذا هاج واضطرب، وتأخّرت سفنه عن النفوذ فيه، فيسم بمعبودِه ليطمنه وليطرحنّ الجبال فيه حتى يصيرَ أرضاً، ويقف بنفسه على البحر، ويهدده بذلك، ويزجُره زجراً عنيفاً، حتى تدرّ أوداجُه ويشتدّ احمرار وجه، ومنهم من لا يسكن غضبُه حتى يصَبّ عليه ماء بارد أو حتى يبول، ولهذا ورد في الشريعة، الأمر لمن اشتد غضبه أن يتوضأ للصلاة ويصلِّيَ.
وكان عمر بن الخطاب إذا غضب على واحد من أهله لا يسكُن غضبُه، حتى يعضّ يده عضَّا شديداً حتى يُدميها .
وذكر الزبير بن بكار في «الموفقيات» أن سرّية جاءت لعبد الرحمن أو لعبيدالله بن عمر بن الخطاب إليه تشكوه فقالت : يا أميرَالمؤمنين، ألا تعذُرني من أبي عيسى، قال : ومَنْ أبو عيسى؟ قالت : ابنك عبيدالله ، قال : ويحك ! وقد تكَنّى بأبي عيسى! ثم دعاه فقال : إيهاً اكتنيت بأبي عيسى! فحذر وفزع وأخذ يده فعضّها، ثم ضربه، وقال : ويلك! وهل لعيسى أب؟ أتدري ما كُنَى العرب! أبو سلمة، أبو حنظلة، أبو عرفطة أبو مرّة.
قال الزبير : وكان عمر إذا غضِب على بعض أهله لم يسكن غضبُه حتى يعضّ يده عضًا شديداً. وكان عبدالله بن الزبير كذلك، ولقوة هذا الخلُق عنده أضمر عبدالله بن عباس في خلافته إبطال القول بالعول وأظهره بعده، فقيل له : هلا قلت هذا في أيام عمر! فقال: هبته، وكان أميراً مهيباً .
ولذلك قال أيضاً أبو سفيان في استلحاق زياد: أخاف من هذا العَير الجالس أن يخرق عليّ إهابيّ، فإذا ها به أبو سفيان، وهو من بني عبد مناف في المنزلة التي تعلم، وحوله بنو عبد شمس، وهم جمرة قريش، فما ظنك بمن هو دونه !
وقد علمتَ حال جبلة بن الأيهم وارتدادَه عن الإسلام لتهدّده له ووعيده إياه أن يضربه بالدّرّة، وفساد الحال بينه وبين خالد بن الوليد بعد أن كان وليَّا مصافياً، ومنحرفاً عن غيره قالياً، والشأن الذي كان بينه وبين طلحة حتى همّ أن يوقِع به، وحتّى همّ طلحة أن يجاهرَه، ، وطلحة هو الذي قال لأبي بكر عند موته : ماذا تقول لربك وقد ولَّيْتَ فينا فظا غليظاً! وهو القائل له : يا خليفةَ رسول الله، إنا كنّا لا نحتمل شراسته وأنت حيّ تأخذ على يديه، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميت وهو الخليفة !
واعلم أنا لا نريد بهذا القول ذمّه رضي الله عنه، وكيف نذمّه وهو أولى الناس بالمدح والتعظيم، ليُمن نقيبته وبركة خلافته، وكثرة الفتوح في أيامه، وانتظام أمور الإسلام على يده! ولكنّا أردنا أن نشرح حال العنف والرفق، وحال سعة الخلق وضيقه، وحال البشاشة والعبوس، وحال الطلاقة والوعورة، فنذكر كل واحد منها ذكراً كليَّا، لا نخصّ به إنساناً بعينه. فأما عمر فإنه وإن كان وعراً شديداً خشناً، فقد رزق من التوفيق والعناية الإلهية ونُجح المساعي، وطاعة الرعية ونفوذ الحكم ، وقوة الدين وحسن النية وصحة الرأي، ما يُربي محاسنه ومحامده على ما في ذلك الخلق من نقص، وليس الكامل المطلق إلا الله تعال وحده .
فأما حديث الرَّضِيخة وما جعل معاوية لعمرو بن العاص من جعالة على مبايعته ونصرته ، فقد تقدم ذكره في أخبار صفين المشروحة في هذا الكتاب من قبل.
الأصل: وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، الأوَّلُ لاَ شَيْءَ قَبْلَهُ، وَالْآخِرُ لاَ غَايَةَ لَهُ، لاَ تَقَعُ الْأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ، وَلاَ تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ، وَلَا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ وَالتَّبْعِيضُ، وَلاَ تُحِيطُ بِهِ الْأَبْصَارُ وَالْقُلُوبُ .
الشرح: في هذا الفصل على قصره ثماني مسائل من مسائل التوحيد :
الأولى : أنّه لا ثانيّ له سبحانه في الإلهية.
والثانية : أنه قديم لا أوّل له. فإن قلت : ليس يدلُّ كلامه على القدم، لأنه قال: «الأوّل لا شيء قبله» فيوهِم كونه غير قديم بأن يكون محدّثاً وليس قبله شيء، لأنه محدّث عن عدم والعدم ليس بشيء ! قلت : إذا كان محدثاً كان له محدِث، فكان ذلك المحدث قبله، فثبت أنه متى صدق أنه ليس شيء قبله صدق كونه قديماً .
والثالثة : أنه أبدِيُّ لا انتهاء ولا انقضاء لذاته.
والرابعة : نفي الصفات عنه - الصفات عنه - أعني المعاني
والخامسة : نفي كونه مكيفاً، لأن كيف إنما يُسأل بها عن ذوي الهيئات والأشكال وهو منزّه عنها .
والسادسة : أنه غير متبعض لأنه ليس بجسمٍ ولا عَرض.
والسابعة : أنه لا يُرى ولا يدرَك .
والثامنة : أن ماهيّته غير معلومة، وهو مذهب الحكماء وكثير من المتكلِّمين من أصحابنا وغيرهم.
وأدلّةُ هذه المسائل مشروحة في كتبنا الكلامية.
واعلم أنَّ التوحيد والعدل والمباحث الشريفة الإلهيّة، ما عرفت إلا من كلام هذا الرجل، وأنّ كلام غيره من أكابر الصحابة لم يتضمّن شيئاً من ذلك أصلاً، ولا كانوا يتصورونه، ولو تصوّروه لذكروه . وهذه الفضيلة عندي أعظم فضائله (علیه السّلام).
الأصل: ومنها : فَاتَّعِظُوا عِبَادَ الله بِالْعِبَرِ النَّوَافِعِ، وَاعْتَبِرُوا بِالأَي السَّوَاطِعِ، وَأَزْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ الْبَوَالِغ ، وَانْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَالْمَوَاعِظ ، فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَيَّةِ، وَانْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلائِقُ الْأَمْنِيَّةِ ، وَدَهَمَتْكُمْ مُفْظعَاتُ الْأُمُورِ، وَالسَّيَائَةُ إِلَى الْوِرْدِ الْمَوْرُودِ، فَكُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، سَائِقٌ يَسُوتُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا .
الشرح العِبَر : جمع عِبرة، وهي ما يعتبر به أيّ يتعظ. والآي : جمع آية، ويجوز أن يريدَ بها آي القرآن، ويجوز أن يريدَ بها آيات الله في خلقه، وفي غرائب الحوادث في العالم.
والسواطع: المشرقة المنيرة .
والنُّذر : جمع نذير، وهو المخوِّف، والأحسن أن يكون النُّذر ها هنا هي الإنذارات نفسها ، لأنه قد وصف ذلك بالبوالغ، وفواعل لا تكون في الأكثر إلا صفة المؤنث.
ومُفظِعات الأمور: شدائدها الشنيعة، أفظع الأمرُ فهو مُفظِع ، ويجوز فظُع الأمر بالضم فظاعة فهو فظيع ،وأفظِع الرجل على ما لم يسمّ فاعله، أي نزل به ذلك.
وقوله : «والسياقة إلى الورد المورود»، يعني الموت. وقوله : «سَائِقٌ وَشَهِيدٌ»، وقد
فسّر(علیه السّلام) ذلك وقال : «سائق يسوقها إلى محشَرها، وشاهد يشهد عليها بعملها»، وقد قال
غلاة بعض المفسرين : إن الآية لا تقتضي كونهما اثنين، بل من الجائز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين، كأنه قال : «وجاءت كل نفس معها ملك يسوقها ويشهد عليها». وكلام أميرالمؤمنين يحتمل ذلك أيضاً، لأنه لم يقل أحدهما ، لكن الأظهر في الأخبار والآثار أنهما ملَكان.
فإن قلت : إذا كان تعالى عالماً بكلّ شيء فأي حاجة إلى الملائكة التي تكتب الأعمال، كما قال سبحانه: «أَمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ » (1)، وإذا كان تعالى أعدل العادلين فأيّ حاجة إلى ملك يشهد على المكلّف يوم القيامة؟ وإذا كان قادراً لِذاته، فأي حاجة إلى ملَك يسوق المكلف إلى المحشر؟ قلت: يجوز أن يكون في تقرير مثل ذلك في أنفس المكلّفين في الدنيا الطافٌ ومصالح لهم في أديانهم، فيخاطبهم الله تعالى به لوجوب اللّطف في حكمته، وإذا خاطبهم به وجب فعله في الآخرة، لأن خبره سبحانه لا يجوز الخلف عليه .
الأصل: ومنها في صفة الجنة : دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاَتٌ، وَمَنَازِلُ مُتَفَاوِنَاتٌ ، لاَ يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا ، وَلاَ يَظْعَنُ مُقِيمُهَا ، وَلاَ يَهْرَمُ خَالِدُهَا ، وَلاَ يَبْاَسُ سَاكِنُهَا .
الشرح: الدرجات : جمع درجة، وهي الطّبقات والمراتب، ويقال لها : درجات في الجنة ودَرَكات في النار ، وإنما تفاضَلَتْ وتفاوتت بحسب الأعمال، ولا يجوز أن يقع ذلك تفضلاً، لأن التفضّل بالثَّواب قبيح.
فإن قلت : فما قولك في الحُور والولدان والأطفال والمجانين؟ قلت : يكون الواصل إليهم نعيماً ولذة لا شبهة في ذلك، ولكن لا ثواب لهم ولا ينالونه، والثواب أمرٌ أخصُّ من المنافع والنعيم، لأنه منافع يقترن بها التعظيم والتبجيل، وهذا الأمرُ الأخصّ لا يحسن إيصاله إلّا إلى أرباب العمل .
وقوله : «لا ينقطع نعيمها ولا يظعن مقيمها» قولٌ متفق عليه بين أهل الملّة، إلا ما يحكى عن أبي الهذيل، أنّ حركات أهل الجنة تنتهي إلى سكون دائم. وقد نَزّهه قوم من أصحابنا عن هذا القول وأكذبوا رواته، ومَنْ أثبته منهم عنه زعم أنه لم يقل بانقطاع النعيم، لكن بانقطاع الحركة مع دوام النعيم، وإنما حمله على ذلك أنه لما استدلّ على أن الحركة الماضية يستحيل
1) سورة الزخرف، الآية : 80 .
ألّا يكون لها أوّل، عورض بالحركات المستقبلة لأهل الجنة والنار، فالتزم أنها متناهية، وإنما استُبعد هذا عنه، لأنه كان أجلَّ قدراً من أن يذهب عليه الفرق بين الصورتين.
ويبأس : مضارع بَيْسَ ، وجاء فيه «يَبنس» بالكسر ، وهو شاذّ كشذوذ «يحسِب» وينعِم، ومعنى «يبأس»: يصيبه البؤس وهو الشقاء.
الأصل: قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ ، وَخَبَرَ الضَّمَائِرَ ، لَهُ الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ وَالْقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامٍ مَهَلِهِ، قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ، وَفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغْلِهِ ، وَفِي مُتَنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِعَظَمِهِ، وَلْيُمَهَّدْ لِنَفْسِهِ وَقَدَمِهِ، وَلْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ.
فَالله الله أيُّها النَّاسُ فِيمَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، وَاسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثاً ، وَلَمْ يَتْرُكُكُمْ سُدًى، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ وَلَا عَمي، قَدْ سَمَّى أَثَارَكُمْ ، وَعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ، وَكَتَبَ آجَالَكُمْ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّه أَزْمَاناً ، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْهَى إِلَيْكُمْ عَلَى لِسَانِهِ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ ، وَنَوَاهِيَهُ وَأَوَامِرَهُ، وَأَلْقَى إِلَيْكُم الْمَعْذِرَةَ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُم الْحُجَّةَ، وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ، وَأَنْذَرَكُمْ بَيْيَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ .
الشرح: السرائر : جمع سَرِيرة، وهو ما يكتم من السِّرّ.
وخير الضمائر، بفتح الباء امتحنها وابتلاها، ومن رواه بكسر الباء أراد «علم» ، والاسم الخُبْر ، بضم الخاء وهو العلم. والضمائر : جمع ضمير، وهو ما تضمره وتكنّه في نفسك .
وفي قوله : «له الإحاطة بكلّ شيء»، وقد بينها ثلاث مسائل في التوحيد :
إحداهنّ : أنه تعالى عالم بكلِّ المعلومات.
والثانية : أنه لا شريك له، وإذا ثبت كونه عالماً بكلّ شيء كان في ضمن ذلك نفي الشريك، لأن الشريك لا يكون مغلوباً .
والثالثة : أنه قادر على كلّ ما يصحّ تعلق قادریته تعالى به .
وأدلة هذه المسائل مذكورة في الكتب الكلاميّة.
وقوله : «فليعمل العامل منكم إلى قوله» : «وليتزوّد من دار ظعنه لدار إقامته» مأخوذٌ من قول رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في خطبته المشهورة وهي : «أيّها الناس، إنّ لكم معالَم فانتهُوا إلى معالمكم وإن لكم غاية فانتهوا إلى غايتكم. إن المؤمن بين مخافتين : بين أجل قد مَضى لا يدري ما الله صانعٌ به، وأجل قد بقيَ لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبدُ من نفسه لنفسه، ومِنْ دنياه لآخرته، ومن الشَّبيبة قبل الهَرَم، ومن الحياة قبل الموت، فوالذي نفس محمد بيده، ما بعدَ الموت من مستعتَب، وما بعدَ الدنيا من دار إلا الجنة أو النار» (1).
والمهَل : المهلة والتؤدة، والإرهاق: مصدر أرهق، تقول : أرهقه قِرنه في الحرب إرهاقاً إذا غشيَه ليقتله، وزيَد مرهَق، قال الشاعر:
تَنْدَى أكفّهم وفي أبياتهم*** ثِقَةُ المجاور والمضافِ المرهَقِ
وفي متنفّسه، أي في سَعة وقته، يقال : أنت في نفَس من أمرك، أي في سَعة . والكَظَم ، بفتحهما : مخرج النَّفَس ، والجمع أكظَام. ويجوز طعنه وظعَنه، بتحريك العين وتسكينها ، وقرىء بهما : «يَوْمَ ظَعَنِكُمْ » (2)«وظعَنكم » .
ونصب «الله الله» على الإغراء، وهو أن تقدّر فعلاً ينصب المفعول به، أي اتقوا الله، وجعلِ تكرير اللفظ نائباً عن الفعل المقدّر ودليلاً عليه .
استحفظكم من كتابه : جعلكم حَفَظة له، جمع حافظ .
السُّدَى : المهمل، ويجوز سَدى بالفتح، أسديت الإبل : أهملتها. وقوله: «قد سمّي آثاركم» يفسِّر بتفسيرين: أحدهما: قد بيّن لكم أعمالكم خيرها وشرها ، كقوله تعالى: «وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ » (3)، والثاني : قد أعلى مآثركم، أي رفع منازلكم إن أطعتم، ويكون سميّ بمعنى أسْمَى، كما كان في الوجه الأول بمنى أبان وأوضح .
والتَّبيان، بكسر التاء : مصدر، وهو شاذّ، لأن المصادر إنما تجيء على «التَّفعال» بفتحها مثل التَّذكار والتَّكرار، ولم يأت بالكسر إلا حرفان وهما : التَّبيان والتِّلْقَاء .
وقوله : «حتى أكمل له ولكم دينه» من قوله تعالى : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي »(4).
وقوله : «الذي رضي لنفسه» من قوله تعالى: «وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ » (5)، لأنه
إذا ارتضى لهم فقد ارتضاه لنفسه، أي ارتضى أن ينسَب إليه، فيقال : هذا دين الحق. «وأنهَى إليكم» عرّفكم وأعلمكم.
ومحابّه : جمع محبة ، ومكارهه: جمع مَكرهة، وهي ما تكره، وفي هذا دلالة أن الله تعالى يحب الطاعة ويكره المعصية، وهو خلاف قول المجبِرة .
والأوامر : جمع آمِر، وأنكره قوم وقالوا : ها هنا جمع «أمر»، كالأحاوِص جمع أخوص ، والأحامِر جمع أحمر أحمر. يعني الكلام الأمر لهم بالطاعات وهو القرآن.
والنَّواهي : جمع ناهية، كالسّواري جمع سارية، والغوادي جمع غادية، يعني الآيات الناهية لهم عن المعاصي، ويضعَف أن يكون الأوامر والنواهي جمع أمر ونهي، لأن «فعلاً» لا يجمع على أفاعل وفواعل ، وإن كان قال ذلك بعض الشواذّ من أهل الأدب.
وقوله : «وألقى إليكم المعذِرة» كلام فصيح، وهو من قوله تعالى: « أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ»(1).
وقدّم إليكم بالوعيد، وأنذركم بين يدي عذاب شديد، أي أمامه وقبله، مأخوذ أيضاً من القرآن. ومعنى قوله : «بين يدي عذاب شديد» أي أمامه وقبله، لأن ما بين يديك متقدم لك.
الأصل: فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ، وَاصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الغَفلَةُ، وَالتَّشَاغُلُ عَنِ المَوْعِظَةِ ، وَلَا تُرَخُصُوا لِأَنْفُسِكُمْ، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظُّلَمَةِ، وَلا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمْ الْإدْمَانُ عَلَى المَعْصِيَةِ.
عِبَادَ الله : إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ، وَإِنْ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ، وَالمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ، وَالمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ، وَالسَّعَيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقْيِ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ بَسِيرَ الرِّيَاء شِرْكٌ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلإِيمَانِ، وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ. جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ. الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ وَكَرَامَةٍ، وَالْكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاةٍ وَمَهَانَةٍ .
وَلاَ تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، وَلَا نَبَاغَضُوا فَإِنَّها الحَالِقَةُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ، وَيُنْسِي الذِّكْرَ. فَأَكْذِبُوا الْأَمَلَ، فَإِنَّهُ غَرُورٌ، وَصَاحِبُهُ مَغْرُورٌ .
1) سورة النساء، الآية : 94.
الشرح قوله : «فاستدركوا بقيّة أيامكم»، يقال: «استدركت ما فات وتداركت ما فات»، بمعنى «واصبروا لها أنفسكم» مأخوذ من قوله تعالى: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِي» (1)، يقال : «صبر فلان نفسه على كذا»، أي حبَسها عليه. يتعدىّ فينصب، قال عنترة :
فصبرتُ عارفةً لذلك حُرَّةً*** ترسو إذا نفس الجبان تَطَلَّعُ
أي حبست نفساً عارفة. وفي الحديث النبويّ في رجل أمسَك رجلاً وقتله الآخر، فقال(علیه السّلام) : «اقتلوا القاتل واصبروا الصابر »(2)، أي احبسوا الذي أمسكه حتى يموت.
والضمير في «فإنها قليل» عائد إلى الأيام التي أمرهم باستدراكها . يقول : إن هذه الأيام التي قد بقيَت من أعماركم قليلة، بالنسبة والإضافة إلى الأيام التي تغفلون فيها عن الموعظة .
وقوله : «فإنها قليل» فأخبر عن المؤنث بصيغة المذكر، إنما معناه فإنها شيء قليلٌ بحذف الموصوف، كقوله : « وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا » (3)أي قَبِيلاً رفيقاً .
ثم قال : «ولا تُرَخصوا» ، نَهَى عن الأخذ برُخَص المذاهب، وذلك لأنه لا يجوز للواحد من العامة أن يقلد كلاًّ من أئمة الاجتهاد فيما خفَّ وسَهلُ من الأحكام الشرعية. أو لا تُساهلوا أنفسكم في ترك تشديد المعصية، ولا تسامحوها وترخّصوا إليها في ارتكاب الصغائر والمحقّرات من الذنوب، فتهجُم بكم على الكبائر ، «لأنّ من مَرَن على أمر تدرّج من صغيره إلى كبيره.
والمداهنة : النفاق والمصانعة. والإدمان مثله ، قال تعالى : « وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ »(4).
قوله : «إن أنصحَ الناس لنفسه أطوعُهم لربه»، لأنه قد صانها عن العقاب، وأوجب لها الثواب، وذلك غاية ما يمكن من نصيحتها ونفعها .
قوله : «وإن أغشّ الناس لنفسه أعصاهم لربه، لأنه ألقاها في الهلاك الدائم، وذلك أقصى ما يمكن من غِشّها والإضرار بها.
ثم قال : «والمغبونُ من غبَن نفسه»، أي أحقّ الناس أن يسمَّى مغبوناً مَنْ غَبَن نفسه، يقال: غبنتُه في البيع غبناً، بالتسكين، أي خدعتُه، وقد عُين فهو مغبون، وغين الرجل رأيه بالكسر غَبَناً بالتحريك فهو غَبين، أي ضعيف الرأي، وفيه غَبَانة. ولفظ الغَبْن يدلّ على أنه من باب غَبْن البيع والشراء، لأنه قال : «والمغبون» ولم يقل : والغبين».
والمغبوط : الذي يُتمنّى مثلُ حاله، والذي يتمنى زوالَ حاله وانتقالها هو الحاسد، والحسد مذموم، والغبطة غير مذمومة ، يقال : غَبَطته بما نَال، أغبطه غبطاً وغِبطة فاغتبط هو، كقولك منعته فامتنع، وحبسته فاحتبس، قال الشاعر:
وبينما المرء في الأحياء مغتبِطٌ*** إذا صار في الرَّمْس تعفُوه الأعاصير
هكذا أنشدوه بكسر الباء، وقالوا فيه : مغتبَط، أي مغبوط .
قوله : «والسعيد من وُعظ بغيره» مثَل من الأمثال النبوية.
وقد ذكرنا فيما تقدم، ما جاء في ذم الرياء وتفسير كونه شُركاً .
وقوله(علیه السّلام) : «مَنْسَاة للإيمان»، أي داعية إلى نسيان الإيمان وإهماله، والإيمان الاعتقاد والعمل .
ومحضرة للشيطان: موضع حضوره ، كقولك : مَسْبَعة، أي موضع السباع. ومَفْعَاة، أي موضع الأفاعي.
ثم نهى عن الكذب وقال : إ«نه مجانب للإيمان» وكذا ورد في الخبر المرفوع. وشَفا منجاة، أي حَرْف نجاة وخَلاَص، وشفا الشيء حرفه، قال تعالى: «وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ»(1)، وأشفى على الشيء وأشرف عليه بمعنى وأكثر ما يقال ذلك في المكروه، يقال: أشفى المريض على الموت، وقد استعمله ها هنا في غير المكروه.
والشّرَف: المكان العالي، بفتح الشين، وأشرفت عليه، أي اطّلعت من فوق .
والمَهْواة : موضع السقوط. والمهانة: الحقارة.
ثم نهى عن الحسَد وقال : «إنه يأكلُ الإيمان كما تأكل النار الحطب»(2). وقد ورد هذا الكلام في الأخبار المرفوعة، وقد تقدّم منا كلام في الحسد، وذكرنا كثيراً مما جاء فيه.
ثم نهى عن المباغضة وقال : «إنها الحالقة»، أي المستأصِلة التي تأتي على القوم، كالحلق للشعر.
ثم نهى عن الأمل وطُوله وقال : «إنه يورث العقل سهواً، وينسي الذكر». ثم أمر بإكذاب الأمل، ونهى عن الاعتماد عليه، والسكون إليه، فإنه من باب الغرور .
وقد ذكرنا في الأمل وطوله نكتاً نافعة فيما تقدم، ويجب أن نذكر ما جاء في النهي عن الكذب.
جاء في الخبر عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إذا كذب العبد كذبة تباعد الملَك منه مَسِيرة ميل، من نتن ما جاء به» (1).
وعنه(علیه السّلام) : «إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرّى الكذب، فيُكتب عندالله كاذباً، وعليكم بالصدق، فإن الصِّدق يَهدي إلى البرّ، وإن البرّ ليهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدُق ويتحرّى الصدق، فيُكتب عندالله صادقاً (2).
وروي أنّ رجلاً قال للنبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : أنا يا رسول الله أستِسرّ بخلال أربع: الزنى، وشرب
الخمر، والسرَق، والكذب، فأيتهنّ شئتَ تركتُها لك ، قال : «دع الكذب»، فلما وَلّى هم بالزنى، فقال : يسألني فإن جحدت نقضت ما جعلت له ، وإن أقررت حُدِدت ، ثم همّ بالسّرق، ثم بِشُرْب الخمر، ففكّر في مثل ذلك ، فرجع إليه فقال : قد أخذَت علي السبيل كلّه، فقد تركتهنّ أجمع(3).
قال العباس بن عبدالمطلب لابنه عبدالله: يا بنيّ أنت أفقهُ مني، وأنا أعقل منك، وإن هذا الرجل يُذنيك - يعني عمر بن الخطاب - فاحفظ عنّي ثلاثاً: لا تُفشِيَنّ له سرًّا، ولا تغتابَنّ عنده أحداً، ولا يطّلِعَنّ منك على كذبةٍ. قال عبدالله : فكانت هذه الثلاث أحبّ إلي من ثلاث بَدَرات ياقوتاً .
قال الواثق لأحمد بن أبي دُوَاد رحمه الله تعالى : كان ابنُ الزّيات عندي، فذكَرَك بكلّ قبیح، قال : الحمد لله الذي أحوجَه إلى الكذب عليّ، ونزّهني عن الصدق في أمره.
وكان يقال : أمران لا يكاد أحدُهما ينفكَ من الكذب: كثرةُ المواعيد وشدة الاعتذار.
ومن الحِكم القديمة : إنّما فَضْل الناطق على الأخرس بالنطق، وزين المنطق الصدق، فالكاذب شرّ من الأخرس.
قال الرشيد للفضل بن الربيع في كلام جرى بينهما: كذبتَ، فقال: يا أميرالمؤمنين، وَجه الكذوب لا يقابلك، ولسانه لا يحاورك.
قيل في تفسير قوله تعالى: « وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ»(1)هي في الكذابين، فالويل لكلّ كاذب إلى يوم القيامة .
ومن كلام بعض الصالحين : لو لم أترك الكذب تأثَّماً لتركتُه تكرُّماً .
أبو حيان: الكذب شعارٌ خَلَق، ومورد رَنَق، وأدب سيّىء، وعادة فاحشة، وقَلّ مَن استرسل معه إلا ألفَه، وقلّ من ألفه إلا أتلفه، والصدق ملبس بهيّ، ومنهل غذيّ، وشُعاع منبثّ، وقلّ مَن اعتاده ومرنَ عليه إلا صحبته السكينة، وأيّده التوفيق، وخدمته القلوب بالمحبّة، ولحظته العيون بالمهابَة.
ابن السّماك: لا أذري أوجَر على ترك الكذب أم لا ! لأني أتركه أَنَفَةٌ .
يحيى بن خالد: رأيتُ شِرِّيب خمرٍ نَزَع، ولصَّا أقلع، وصاحبَ فواحش ارتدع، ولم أر كاذباً رَجَعَ .
قالوا في تفسير هذا : إن المولع بالكذب لا يكاد يصبر عنه، فقد عوتب إنسان عليه، فقال لمعاتبه : يابن أخي لو تغرغَرت به لما صبرت عنه .
وقيل لكاذب معروف بالكذب : أصدقت قطّ ؟ قال : لولا أني أخاف أن أصدُق لقلت : لا !
وجاء في بعض الأخبار المرفوعة : قيل له : يا رسول الله، أيكون المؤمن جَباناً؟ قال: نعم، قيل : أفيكون بخيلاً؟ قال: نعم، قيل أفيكون كاذباً ؟ قال : لا .
وقال ابنُ عباس : الحَدَث حَدَثان : حدث مِن فِيك، وحدث من فَرْجك.
وقال بعضهم : من أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون، أخذه شاعر فقال :
وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إلى ذَمِّهِ*** ذَمُّوه بالحقِّ وبالباطل
وكان يقال: خذوا عن أهل الشرف، فإنهم قَلّما يكذبون .
وقال بعض الصالحين : لو صحِبَني رجل، فقال لي: اشترط عليّ خَصْلَةً واحدة لا تزيد عليها ، لقلت : لا تكذب .
وكان يقال : خَصْلتان لا يجتمعان: الكذب والمروءة .
كان يقال : مِنْ شرف الصدق أن صاحبَه يُصدَّق على عدوّه، ومن دناءة الكذب أنّ صاحبَه يكذَّب وإن كان صادقاً .
ومثل هذا قولهم : منْ عُرِف بالصدق جاز كِذبُه، ومن عُرف بالكذب لم يَجُز صدقه .
1) سورة الأنبياء، الآية : 18 .
وجاء في الخبر المرفوع : «إن في المعاريض لمندوحَةً عن الكذب (1).
وقال ابن سِيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريفٌ .
وقالوا في قوله تعالى: «لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ » (2)، لم ينسَ، ولكنّه من معاريض الكلام ، وكذلك قالوا في قول إبراهيم: «إنّي سَقِيمٌ» (3).
وقال العُتْبِيّ : إني لأصدق في صغارِ ما يضرّني، فكيف لا أصدق في كبار ما ينفعني! وقال بعض الشعراء :
لا يكذِبُ المرءُ إلا من مهانَيِه*** أو عادةِ السُّوء أو من قلّة الأدبِ
لَعَضُّ جيفَةِ كَلْبِ خير رائحةِ*** من كذبة المرء في جِدّ وفي لعبِ
شهد أعرابيّ عند معاوية بشهادة، فقال له : كذبت، فقال : الكاذب والله المتزمّل في ثيابك ، فقال معاوية : هذا جزاء من عَجِل .
وقال معاوية يوماً للأحنف - وحدّثه حديثاً ، أتكذب؟ فقال له الأحنف: والله ما كذبت منذ علمتُ أنّ الكذب يشين أهله .
ودخل عبدُالله بن الزُّبير يوماً على معاوية فقال له : اسمع أبياتاً قلتُها - وكان واجداً على معاوية - فقال هات، فأنشده :
إذا أنت لم تُنصف أخاكَ وجَدْتَه*** عَلَى طَرَفِ الهجران إن كان يعقلُ
ويركب حدّ السيف من أن تَضيمه*** إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحَلُ
فقال معاوية : لقد شعرتَ بعدنا يا أبا بكر، ثم لم يلبث معاوية أن دخل عليه مَعْنٌ بن أوس المزنيّ، فقال: أقلت بعدنا شيئاً؟ قال نعم، وأنشده:
لعَمْرُك لا أدري وإِنِّي لأوْجَلُ*** عَلَى أَینَا تَعْدُو المنيَّةُ أَوّلُ
حتى صار إلى الأبيات التي أنشدها ابن الزبير، فقال معاوية : يا أبا بكر، أما ذكرت آنفاً أن هذا الشعر لك؟ فقال: أنا أصلحتُ المعاني وهو ألّف الشعر. وبعدُ، فهو ظِئري وما قال من شيء فهُوَ لي. وكان عبدالله بن الزبير مُسْتَرضَعاً في مُزَيَّنة .
وروى أبو العباس المبرِّد في «الكامل» أن عمرَ بن عبدالعزيز كَتَب في إشخاص إياس بن معاوية المزنيّ، وعديّ بن أرطاة الفَزاري أمير البصرة وقاضيها إليه، فصار عديٌّ إلى إياس،
وقدر أنّه يمزّنه عند عمر بن عبد العزيز ويُثني عليه، فقال له : يا أبا وائلة، إن لنا حقُّا ورحماً، فقال إياس : أعَلَى الكذب تريدني ! والله ما يسرنيّ أن كذبتُ كذبة؟ يغفرهَا الله لي، ولا يطلع عليها هذا - وأومأ إلى ابنه - ولي ما طلعت عليه الشمس !
وروى أبو العباس أيضاً : أن عمرو بن معد يكرب الزُّبيدي كان معروفاً بالكذب. وقيل لخلف الأحمر - وكان مولّى لهم وشديد التعصب لليمن: أكان عمرو بن معد يكرب يكذب؟ قال : يكذب في المقال ويصدق في الفعال.
قال أبو العباس: فروي لنا أن أهل الكوفة الأشراف، كانوا يظهرون بالكُنّاسة، فيركبون على دوابهم حتى تطرُدَهم الشمس، فوقف عمرو بن معد يكرب الزُّبيديّ، وخالد بن الصقعب النَّهديّ - وعمرو لا يعرفه، إنما يسمع باسمه - فأقبل عمر و يحدثه ، فقال : أغرنا مرّة على بني نَهْد، فخرجوا مسترعِفين بخالد بن الصقعب، فحملتُ عليه، فطعنته فأذريتُه ثم مِلت عليه بالصَّمْصَامة، فأخذت رأسه، فقال خالد بن الصقعب: حِلاً أبا ثور، إن قتيلك هو المحدَّث فقال عمرو : يا هذا إذا حُدّثت فاستمِع، فإما نتحدّث بمثل ما تستمِع لنُرهِب به هذه المعدّيّةَ .
قوله: «مستر عفِين» أي مقدمين له. وقوله: «حِلًّا أبا «ثور» أي استثن، يقال: حلف ولم يتحلّل، أي لم يستثن والمعدّية : مضرُ وربيعة وإياد ، بنو معدّ بن عدنان، وهم أعداء اليمن في المفاخرة والتكاثُر.
الأصل: عِبَادَالله ، إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِاللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ الله عَلَى نَفْسِهِ، فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ، وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ ، وَأَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بهِ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ ، وَهَوَّنَ الشَّدِيدَ.
نَظَرَ فَأَبْصَرَ ، وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ ، وَارْتَوَى مِنْ عَذَبٍ فُرَاتٍ، سُهْلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهَلاً، وَسَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً .
قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ، وَتَخَلَّى عَنِ الْهُمُوم، إِلا هَمَّا وَاحِداً أَنْفَرَدَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى، وَمُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى، وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى، وَمَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى .
قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُ ، وَعَرَفَ مَنَارَهُ ، وَقَطَعَ غِمَارَهُ، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَا بِأَوْثَقِهَا ، وَمِنَ الْجِبَالِ بِأَمْتَنِها ، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لله سُبْحَانَهُ فِي أَرْفَعِ الْأُمُورِ، مِنْ إِصْدَارٍ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ، وَتَصْبِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ.
مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ، كَشَافُ عَشَوَاتٍ، مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ، دَنَّاعُ مُعْضِلاَتٍ، دَلِيلُ فَلَوَاتٍ، يَقُولُ فَيُفْهِمْ، وَيَسْكُتُ فَيَسْلَمُ .
قَدْ أَخْلَصَ الله فَاسْتَخْلَصَهُ، فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ، وَأَوْتَادِ أَرْضِهِ، قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ، فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ .
يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ، لاَ يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةٌ إلا أَمَهَا ، وَلا مَظَنَّةٌ إِلَّا قَصَدَهَا ، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ، فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثقَلُهُ، وَيَنزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنزله.
الشرح: استشعر الحزن : جعله كالشعار، وهو ما يلي الجسد من الثياب. وتجلبب الخوف : جعله جلباباً، أي ثوباً .
زهر مصباح الهدى: أضاء. وأعدّ القِرَى ليومه، أي أعدّ ما قدمه من الطاعات قِرّى لضيف الموتِ النازل به. والفُرات: العذب.
وقوله : «فشرب نَهَلاً، يجوز أن يكون أراد بقوله : «نَهَلاً» المصدرَ ، من نَهَلَ يَنْهَلُ نَهَلاً، أي شرب حتى رَوِيَ، ويجوز أن يريد بالنَّهَل الشرب الأول خاصة، ويريد أنه اكتفى بما شربه أولاً ، فلم يحتج إلى العَلل .
وطريق جَدَدٌ : لا عثار فيه لقوة أرضه. وقطع غماره ، يقال : بحر غَمْر، أي كثير الماء، وبحار غِمار. واستمسك من العرا بأوثقها، أي من العقود الوثيقة، قال تعالى: «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى » (1). ونصب نفسه الله ، أي أقامها .
کشاف عَشَوات : جمع عُشْوة وعَشْوة وعِشوة، بالحرَكات الثلاث، وهي الأمر الملتبس ، يقال : أوطأني عَشْوةً.
والمعضِلات: جمع معضلة معضلة وهي الشدائد والأمور التي لا يهتدي لوجهها.
دليل فلوات، أي يُهتدى به كما يَهتدى الركب في الفلاة بدليلهم .
أمّها: قصدها . ومظنّة الشيء : حيث يُظنّ وجوده. والثَّقَل. متاع المسافر وحَشَمه.
واعلم : أنّ هذا الكلام منه أخذ أصحاب علم الطريقة والحقيقة علمَهم، وهو تصريح بحال العارف ومكانته من الله تعالى.
1) سورة البقرة، الآية : 256.
والعِرفان درجة حالٍ رفيعة شريفة جدًّا، مناسبة للنبوّة، ويختصّ الله تعالى بها مَنْ يقربه إليه من خلقه.
والأولياء على طبقات ثلاث :
الطبقة الأولى: حالُ العابد، وهو صاحبُ الصلاة الكثيرة، والصوم الدائم، والحجّ والصدقة .
والطبقة الثانية: حال الزاهد، وهو المعرِضُ عن ملاذّ الدنيا وطيّباتها، تقنِعه الكِسره وتستُره الخِرقة ، لا مالَ ولا زوجة ولا ولد.
والطبقة الثالثة : حال العارف، وهو الواصل إلى الله سبحانه بنفسه لا ببدِنه، والبارىء سبحانه متمثِّلٌ في نفسه تمثُّلَ المعشوق في ذات العاشق، وهو أرفع الطبقات، وبعده الزاهد.
وأما العابد فهو أذونُها، وذلك لأن العابد مُعامل كالتّاجر، يعبدُ ليثاب، ويُتعب نفسه ليرتاح، فهو يعطي من نفسه شيئاً ويطلب ثمنه وعِوَضه، وقد يكون العابد غنيًّا موسراً، كثير المال والولد فليست حاله من أحوال الكمال.
وأما الزاهد، فإنه احتقَر الدنيا وعروضها وقَيْناتها، فخلصت نفسه من دناءة المطامع وصار عزيزاً مَلِكاً، لا سلطان عليه لنفسه ولا لغيره، فاستراح من الذلّ والهوان، ولم يبق لنفسه شيء تشتاق إليه بعد الموت، فكان أقرب إلى السلامة والنجاة من العابد الغنيّ الموسر .
وأمّا العارف فإنّه بالحال التي وصفناها، ويستلزم مع وجودها أن يكون زاهداً، لأنه لا يتصوّر العِرفان مع تعلّق النفس بملاذّ الدنيا وشهواتها . نعم قد يحصلُ بعضُ العرفان لبعض العلماء الفضلاء، مع تعلّقهم بشهوات الدنيا، ولكنّهم لا يكونون كاملين في أحوالهم، وإنما تحصُل الحالة الكاملة لمن رَفَضَ الدنيا وتخلّى عنها، وتستلزم الحالة المذكورة أيضاً أن يكونَ عابداً عبادةً ما، وليس يشترط في حصول حال العرفان أن يكون على قدم عظيمة من العبادة، بل الإكثارُ من العبادة حجاب كما قيل، ولكن لا بدّ من القيام بالفرائض وشيء يسير من النوافل .
واعلم: أن العارف هو العارف بالله تعالى وصفاته وملائكته ورسله وكتبه، وبالحكمة المودعة في نظام العالم، لا سيما الأفلاك والكواكب، وتركيب طبقات العناصر، والأحكام وفي تركيب الأبدان الإنسانية.
فمن حصل له ذلك، فهو العارف، وإن لم يحصل له ذلك، فهو ناقص العرفان، وإن انضمّ إلى ذلك استشعارُه جلال الله تعالى وعظمته، ورياضة النفس والمجاهدة، والصبر والرضا والتوكل، فقد ارتفع طبقة أخرى، فإن حصل له بعد ذلك الحبّ والوجد، فقد ارتفع طبقة
أخرى، فإن حَصَل له بعد ذلك الإعراضُ عن كلّ شيء سوى الله، وأن يصيرَ مسلوباً عن الموجودات كلها، فلا يشعر إلا بنفسه وبالله تعالى، فقد ارتفع طبقة أخرى، وهي أرفع الطبقات .
وهناك طبقة أخرى يذكرونها، وهي أن يسلب عن نفسه أيضاً، فلا يكون له شعور بها أصلاً، وإنما يكون شاعراً بالقيّوم الأوّل سبحانَه لا غير، وهذه درجةُ الاتحاد، بأن تصير الذَّاتان ذاتاً واحدة.
وهذا قول قوم من الأوائل ومن المتأخّرين أيضاً، وهو مقام صعب، لا تثبت العقول لتصوَّره واكتناهه .
واعلم أن هذه الصفات والشروط والنعوت التي ذكرها في شرح حال العارف، إنما يعني بها نفسَه(علیه السّلام) ، وهو من الكلام الذي له ظاهر وباطن، فظاهره أن يشرح حال العارف المطلق، وباطنه أن يشرح حال عارف معيّن، وهو نفسه(علیه السّلام) . وسيأتي في آخر الخطبة ما يدلّ على ذلك .
ونحن نذكر الصفات التي أشار(علیه السّلام) إليها واحدة واحدة :
فأوّلُها : أن يكون عبداً أعانه الله على نفسه، ومعنى ذلك أن يخصّه بألطاف، يختار عندها الحسن ويتجنّب القبيح، فكأنه أقام النفس في مقام العدوِّ، وأقام الألطاف مقام المعونة التي يمدّه الله سبحانه بها، فيكسِر عادية العدوّ المذكور، وبهذا الاعتبار سمي قومٌ من المتكلمين اللطف عَوْناً .
وثانيها : أن يستشعر الحزن أي يحزن على الأيام الماضية، إن لم يكن اكتسب فيها من
موجبات الاختصاص أضعاف ما اكتسبه .
وثالثها: أن يتجلببَ الخوف أي يخاف من الإعراض عنه، بأن يصدر عنه ما يمحوه من جريدة المخلِصين .
ورابعها : أن يُعِدّ القِرَى لضيف المنيّة، وذلك بإقامة وظائف العبادة .
وخامسها : أن يقرّب على نفسه البعيد، وذلك بأن يمثّل الموت بين عينيه صباحاً ومساءً، وألا يطيل الأمل .
وسادسها : أن يهوّن عليه الشدائد، وذلك باحتمال كُلَف المجاهدة ورياضة النفس على عمل المشاقَ .
وسابعها: أن يكون قد نظر فأبصر، وذلك بترتيب المقدّمات المطابقة لمتعلّقاتها ترتيباً صحيحاً، لتنتج العلم اليقينيّ .
وثامنها : أن يذكر الله تعالى فيستكثرَ من ذكره، لأنّ ذكره سبحانه والإكثار منه، يقتضي سكونَ النفس وطُمأنينتها، كما قال تعالى: «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » (1).
وتاسعها : أن يرتويَ من حبّ الله تعالى، وهو العذب الفرات، الذي سهل موارده على من انتخبه الله، وجعله أهلاً للوصول إليه، فشرب منه ونَهَل، وسلك طريقاً لا عَثار فيه ولا وَعْث.
وعاشرها : أن يخلَعَ سرابيل الشهوات، لأن الشهوات تصدِىء مرآة العقل، فلا تنطبع المعقولات فيها كما ينبغي، وكذلك الغَضب.
وحادي عشرها : أن يتخلّى من الهموم كلّها، لأنها تزيّدات وقواطع عن المطلوب، إلا همَّا واحداً وهو همّه مولاه، الذي لذّته وسروره الاهتمام به، والتفرد بمناجاته ومطالعة أنوار عِزّته، فحينئذٍ يخرج عن صفة أهل العَمى، ومن مشاركة أهل الهوى، لأنه قد امتاز عنهم بهذه المرتبة والخاصيّة التي حصلت له فصار مفتاحاً لباب الهدى، ومِغلاقاً لباب الضلال والردى، قد أبصر طريق الهدى، وسلك سبيله، وعرف مناره، وقطع غماره.
وثاني عشرها : أن ينصِبَ نفسَه لله في أرفع الأمور، وهو الخلوة به، ومقابلة أنوار جلاله بمرآة فكره، حتى تتكيّف نفسه بتلك الكيفية العظيمة الإشراق، فهذا أرفع الأمور وأجلّها وأعظمها ، وقد رَمَز في هذا الفصل، ومزجه بكلام خرج به إلى أمر آخر، وهو فقه النفس في الدين، والأمور الشرعية النافعة للناس في دنياهم وأخراهم، أمّا في دنياهم فلردع المفسِد وكفّ الظالم، وأما في أخراهم فللفوز بالسعادة باعتبار امتثال الأوامر الإلهية. فقال: «في إصدار كلّ وارد عليه» أي في فتيا كلّ مستفتٍ له، وهداية كلّ مسترشِد له في الدين، ثم قال : «وتصيير كلّ فرع إلى أصله». ويمكن أن يحتجّ بهذا من قال بالقياس، ويمكن أن يقال : إنه لم يُرد ذلك، بل أراد تخريج الفروع العقلية، وردّها إلى أصولها، كما يتكلف أصحابنا القول في بيان حكمة القديم تعالى، في الآلام وذبح الحيوانات، ردًّا له إلى أصل العدل، وهو كونه تعالى لا يفعل القبيح.
وثالث عشرها : أن يكون مصباحاً لظلمات الضلال، كشافاً لعشَوات الشُّبَه ، مفتاحاً المبهَمات الشُّكوك المستغلقة، دفاعاً لمعضلات الاحتجاجات العقلية الدقيقة الغامضة، دليلاً في فلوات الأنظار الصعبة المشتبهة، ولم يكن في أصحاب محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أحد بهذه الصفة إلا هو
1) سورة الرعد، الآية : 28 .
ورابع عشرها : أن يقول مخاطباً لغيره فيُفهمه ما خاطبه به، وأن يسكت فيَسلم، وذلك لأنه ليس كل قائل مُفهماً، ولا كل ساكت سالماً .
وخامس عشرها : أن يكون قد أخلصَ الله فاستخلَصه الله ، والإخلاص الله مقام عظيم جدًّا ، وهو ينزّه الأفعال عن الرّياء، وألّا يمازج العبادة أمر لا يكون الله سبحانه، ولهذا كان بعض الصالحين يُصبح من طول العبادة نَصِباً قشفاً، فيكتحلُ ويدّهن، ليُذهِبَ بذلك أثر العبادة عنه .
وقوله : «فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه»، معادن دينه : الذين يُقتبس الدين منهم، كمعادن الذهب والفضة، وهي الأرضون التي يلتقط ذلك منها، وأوتاد أرضه: هم الذين لولاهم لمادَت الأرض وارتجّت بأهلها ،وهذا من باب الاستعارة الفصيحة، وأهل هذا العلم يقولون : أوتاد الأرض جماعة من الصالحين، ولهم في الأوتاد والأبدال والأقطاب كلامٌ مشهور في كتبهم .
وسادس عشرها : أن يكون قد ألزَم نفسه العدل، والعدالة: مَلَكه تصدُر بها عن النفس الأفعال الفاضلة خلقاً لا تخلّقاً .
وأقسام العدالة ثلاثة، هي الأصول وما عدَاها من الفضائل فروع عليها :
الأولى: الشجاعة، ويدخل فيها السخاء لأنه شجاعة وتهوين للمال، كما أنّ الشجاعة الأصلية تهوين للنفس، فالشجاع في الحرب جواد بنفسه، والجواد بالمال شجاع في إنفاقه، ولهذا قال الطائيّ :
أيقنت أنَّ من السَّمَاح شجاعةً*** تُدمي، وأنّ من الشجاعة جودًا
والثانية : الفقه، ويدخل فيها القناعة والزهد والعزلة.
والثالثة : الحكمة، وهي أشرفها .
ولم تحصل العدالة الكاملة لأحدٍ من البشر بعد رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلا لهذا الرجل، ومن
أنصف عَلِم صحة ذلك، فإن شجاعته وجوده وعفتَّه وقناعته وزهده، يُضرب بها الأمثال.
وأما الحكمة والبحث في الأمور الإلهيّة، فلم يكن من فنّ أحد من العرب، ولا نقل في جهادِ أكابرهم وأصاغرهم شيء من ذلك أصلاً، وهذا فنّ كانت اليونان وأوائل الحكماء وأساطين الحكمة ينفردون به، وأوّل من خاض فيه من العرب عليّ(علیه السّلام) ، ولهذا تجدُ المباحث الدقيقة في التوحيد والعدل مبثوثةً عنه في فرش كلامه وخطبه، ولا تجد في كلام أحد من الصحابة والتابعين كلمةً واحدةً من ذلك، ولا يتصوّرونه، ولو فُهموه لم يفهموه، وأنّي للعرب ذلك!
ولهذا انتسب المتكلّمون الذين لرّجوا في بحار المعقولات إليه خاصة دون غيره، وسمَّوه أستاذَهم ورئيسهم، واجتذبته كلُّ فرقة من الفرَق إلى نفسها، ألا تَرَى أن أصحابنا ينتمُون إلى واصل بن عطاء، وواصل تلميذ أبي هاشم بن محمد بن الحنفيّة، وأبو هاشم تلميذ أبيه محمد ومحمد، تلميذ أبيه عليّ (علیه السّلام) !
فأما الشيعة من الإمامية والزّيديّة والكيسانية، فانتماؤهم إليه ظاهر .
وأما الأشعرية فإنهم بأخَرَةٍ ينتمون إليه أيضاً، لأنّ أبا الحسن الأشعريّ تلميذ شيخنا أبي عليّ رحمه الله تعالى، وأبو عليّ تلميذ أبي يعقوب الشَّحّام ، وأبو يعقوب تلميذ أبي الهذَيل، وأبو الهُذَيل تلميذ أبي عثمان الطويل، وأبو عثمان الطَويل تلميذ واصل بن عطاء، فعاد الأمر إلى انتهاء الأشعرية إلى عليّ (علیه السّلام).
وأما الكرَّامية فإن ابن الهيصم ذكر في كتاب «المقالات» أنّ أصل مقالتهم وعقيدتهم تنتهي إلى عليَّ(علیه السّلام) من طريقين :
أحدهما : بأنهم يُسندون اعتقادهم عن شيخ بعد شيخ، إلى أن ينتهي إلى سُفيان الثَّوريّ ، ثم : قال : وسفيان الثوريّ من الزيديّة، ثم سأل نفسه فقال : إذا كان شيخكم الأكبر الذي تنتمون إليه كان زيديًّا، فما بالكم لا تكونون زيدّية؟ وأجاب بأن سُفيان الثوريّ رحمه الله تعالى، وإن اشتهر عنه الزَّيْدية، إلا أن تزيّده إنما كان عبارة عن موالاة أهل البيت، وإنكار ما كان بنو أميّة عليه من الظلم، وإجلال زيد بن عليّ وتعظيمه، وتصوينه في أحكامه وأحواله، ولم ينقل عن سفيان الثوريّ أنّه طعن في أحد من الصحابة .
الطريق الثاني : أنه عدّ مشايخهم واحداً واحداً، حتى انتهى إلى علماء الكوفة من أصحاب عليّ، كسلمة بن كُهَيل، وحُبّة العُرَني، وسالم بن الجعد، والفضل بن دُكين، وشعبة، والأعمش، وعلقمة وهُبيرة ابن مريم، وأبي إسحاق الشَّعبيّ، وغيرهم، ثم قال : وهؤلاء أخذوا العلم من عليِّ بن أبي طالب(علیه السّلام) ، فهو رئيس الجماعة - يعني أصحابه – وأقوالهم منقولة عنه ومأخوذة منه .
وأما الخوارج فانتماؤهم إليه ظاهر أيضاً، مع طعنهم فيه، لأنهم كانوا أصحابه، وعنه مَرَقوا ، بعد أن تعلّموا عنه واقتبسوا منه، وهم شيعته وأنصاره بالجمل وصِفّين، ولكنّ الشيطان رانَ على قلوبهم، وأعمى بصائرهم.
ثم إنه(علیه السّلام) ذكر حال هذا العارف العادل فقال : «أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه» ، وذلك لأنّ من يأمر ولا يأتمر، وينهى ولا ينتهي، لا تؤثر عظته، ولا ينفع إرشاده. ثم شرح ذلك فقال : «يصف الحق ويعمل به». ثم قال: «لا يدع للخير غاية إلا أمّها ، ولا مَظِنّةٌ إلا قصدها»، وذلك لأن الخير لذته وسروره وراحته، فمتى وجد إليه طريقاً سلكها، ثم قال: «قد أمكن الكتاب - يعني القرآن - من زمامه» أي قد أطاع الأوامر الإلهية، فالقرآن قائده وإمامه، يحلّ حیث حلّ، وينزل حيث نزل .
الأصل: وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالِ، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضَلالٍ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلٍ غُرُورٍ وَقَوْلِ زُورٍ ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقِّ عَلَى أَهْوَائِهِ، يؤمِّنُ النّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِم، يَقُولُ : أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ - وَفِيهَا وَقَعَ - وَيَقُولُ : أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ - وَبَيْنَهَا أَضْطَجَعَ - فَالصَّورَة صُورَةُ إِنْسَانِ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَان، لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهَدَى فَیَتَّبِعَهُ ، وَلا بَاب الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ، وَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ .
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ! وَأَنِّي تُؤْفَكُونَ، وَالْأَعْلامُ قَائِمَةٌ، وَالآيَاتُ وَاضِحَةٌ ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ! فَأَيْنَ يُنَاهُ بِكُمْ! وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ، وَهُمْ أَزِمَّةُ الحَقِّ، وَأَعْلامُ الدِّينِ، وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ! فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ.
أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوهَا عَنْ خَاتِمِ النَّبِيِّينَ صَلى الله عَلَيْهِ، إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَلَيْسَ بِمَيْت وَيَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَلَيْسَ بِبَالٍ، فَلاَ تَقُولُوا بِمَا لا تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ، وَأَعْذِرُوا مَنْ لاَ حُجَّة لَكُمْ عَلَيْهِ - وَهُوَ أَنَا . أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الْأَكْبَرِ ، وَأَتْرُكْ فيكُمُ الثَّقلَ الْأَصْغَرَا قَدْ رَكَرْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الْإِيمَانِ، وَوَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلالِ وَالْحَرام، وَالْبَسْتُكُمْ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي، وَفَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي، وَأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الْأَخْلاقِ مِنْ نَفْسِي، فَلاَ تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لاَ يُدْرِكُ فَعْرَهُ الْبَصَرُ، وَلا تَتعلملُ إِلَيْهِ الفكر.
الشرح: الجهائل : جمع جهالة، كما قوال : عَلاقة وعلائق. والأضاليل: الضلّال، جمعُ لا واحد له من لفظه .
وقوله : «وقد حمل الكتاب على آرائه»، يعني قد فسَّر الكتاب وتأوّلّه على مُقتضى هواه وقد أوضح ذلك بقوله : «وعطف الحقَّ على أهوائه».
وقوله : «يؤمِن الناس من العظائم»، فيه تأكيد لمذهب أصحابنا في الوعيد، وتضعيف لمذهب المرجئِة الذين يؤمنون الناس من عظائم الذنوب، ويُمنُّونهم العفوَ، مع الإصرار وترك التَّوْبة. وجاء في الخبر المرفوع المشهور : «الكيَّس مَنْ دانَ نفسه، وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبَع نفسه هواها، وتمنَّى على الله» (1).
1) أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة ، باب منه (2459) ، وابن ماجه ، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له (4260) ، وأحمد في «مسنده» (5859) .
وقوله : «يقول أقف عند الشبهات»، يعني أنّ هذا المدّعِي للعلم يقول لنفسه وللناس: أنا واقف عند أدْنَى شبهة تحرُّجاً وتورُّعاً ، كما قال(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «دَعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك».
ثم قال : «وفي الشبهات وَقَع» ، أي بجهله، لأنّ مَنْ لا يعلم الشبهة ما هي، كيف يقفُ عندها، ويتحرّج من الورطة فيها، وهو لا يأمن من كونها غير شبهة على الحقيقة !
وقوله : «اعتزل البِدَع، وبينها اضطجع» ، إشارة إلى تضعيف مذاهب العامة والحَشويّة الذين رفضوا النَّظر العقليّ، وقالوا: نعتزل البدع.
وقوله : «فالصورة صورة إنسان . . .» وما بعده، فمراده بالحيوانها هنا الحيوان الأخرس كالحمار والثور، وليس يريد العموم، لأنّ الإنسان داخل في الحيوان، وهذا مثل قوله تعالى : « إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا »(1).
وقال الشاعر :
وَكَائِنُ تَرَى مِنْ صَامِت لَكَ مُعْجَبٍ*** زِيَادَتُه أَوْ نَقْصُه في التكَلُّم
لسانُ الفتى نِصْفُ ونِصفٌ فؤادُه*** فلم يبقَ إلّا صُورة اللَّحْمِ والدمِ
قوله : «وذلك مَيّت الأحياء» كلمة فصيحة، وقد أخذها شاعر فقال :
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتِ*** إِنَّمَا المَيْتُ مَيْتُ الْأَحْيَاءِ
إلا أن أميرالمؤمنين(علیه السّلام) أراد لجهله، والشاعر أراد لبؤسه .
وتُؤفَكُون : تقلبون وتصرَفُون .
والأعلام: المعجزات ها هنا، جمع عَلَم، وأصله الجبل أو الراية والمنارة، تنصَب في الفَلاة ليهتدَي بها .
وقوله : «فأيْنَ يُناه بكم!» أي أين يذهب بكم في التيه! ويقال : أرضُ تَيْهاء يتحيّر سالكها .
وتَعَمهُون: تتحيّرون وتَضِلُّون.
وعِتْرَة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : أهله الأدنَون ونسله، وليس بصحيح قول مَنْ قال : إنّهم رهطُه وإن بعدوا، وإنما قال أبو بكر يوم السقِيفة أو بعده : «نحن عِترة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبيضته التي فقِيت عنه» ، على طريق المجاز، لأنهم بالنسبة إلى الأمصار عِتْرَة له لا في الحقيقة، ألا تَرَى أنّ العدنانيّ يفاخر القحطاني، فيقول له : أنا ابن عمّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ليس يعنِي أنّه ابنُ عَمّه على الحقيقة، بل هو بالإضافة إلى القحطانيّ كأنه ابن عمه، وإنما استعمل ذلك ونطق به مجازاً. فإن قَدّر مقدِّر أنه على طريق حذفِ المضافات، أي ابن ابن عمّ أب الأب، إلى عدد كثير في البنين
1) سورة الفرقان، الآية: 44 .
والآباء، فكذلك أراد أبو بكر أنّهم عثرة أجداده ، على طريق حذف المضاف. وقد بيّن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عترتَه مَنْ هي، ، لما قال : «إني تارك فيكم الثَّقَلَيْن»، فقال: «عِترتي أهل بيتي» (1)، وبيّن في مقام آخر من أهلُ بيته حيث طرح عليهم كساء. وقال حين نزلت :« إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ » (2): «اللهم هؤلاء أهلُ بيتي فأذهب الرجس عنهم»(3).
فإن قلت : فمَنْ هي العِثرة التي عناها أميرالمؤمنين (علیه السّلام) بهذا الكلام؟
قلت: نفسه وولداه، والأصلُ في الحقيقة نفسه، لأنّ ولديه تابعان له، ونسبتهما إليه مع وجوده كنسبة الكواكب المضيئة مع طلوع الشمس المشرقة، وقد نبه النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) على ذلك بقوله :« وأبوكما خير منكما » (4).
وقوله : «وهم أزمّة الحقّ»: جمع زمام، كأنه جعل الحقّ دائراً معهم حيثما داروا، وذاهباً معهم حيثما ذهبوا، كما أن الناقة طَوْع زمامها، وقد نبَّه الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) على صِدق هذه القضية بقوله : وأدِر الحق معه حيث داره» (5).
وقوله : «وألسنة الصّدق» من الألفاظ الشريفة القرآنية، قال الله تعالى : «وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ» (6)، لما كان لا يصدُر عنهم حكم ولا قول إلا وهو موافق للحقّ، والصواب جعلَهم كأنّهم السِنَةُ صِدْقٍ لا يصدر عنها قول كاذب أصلاً، بل هي كالمطبوعة على الصدق .
وقوله : «فأنزلوهُم منازل القرآن» تحته سرّ عظيم، وذلك أنّه أمر المكلَّفين بأن يُجروا العِترة في إجلالها وإعظامها والانقياد لها والطاعة لأوامرها مَجْرَى القرآن .
فإن قلت : فهذا القول منه يُشعِرُ بأنّ العِترة معصومة، فما قول أصحابكم في ذلك؟
قلت : نصّ أبو محمد بن متّويه رحمه الله تعالى في كتاب «الكفاية» على أنّ عليَّا(علیه السّلام)معصوم، وإن لم يكُن واجبَ العصمة، ولا العصمة شرط في الإمامة، لكن أدلّة النصو قد دلَّتْ على عِصْمَتِه، والقطع على باطنه ومغيبه، وأن ذلك أمرٌ اختصّ هو به دون غيره من الصحابة، والفرق ظاهر بين قولنا : «زيد معصوم، وبين قولنا: «زيد واجب العصمة»، لأنّه
1) أخرجه الحاكم في «المستدرك » (4576) ، والطبراني في «المعجم الكبير» (4971).
2) سورة الأحزاب، الآية : 33.
3) ذكره ابن كثير في تفسيره : 123/4.
4) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 286/43 .
5) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب علي (3714)، والحاكم في «المستدرك» (4629).
6) سورة الشعراء، الآية : 84 .
إمام، ومِن شرط الإمام أن يكون معصوماً، فاعتبار الأول مذهبنا، والاعتبار الثاني مذهب الإمامية .
ثم قال : «وردوهم ورد الهِيم العطاش»، أي كونوا ذوي حِرْص وانكماش على أخذ العلم والدين منهم، كحِرص الهِيم الظماء على وُرود الماء.
ثم قال: «أيُّها الناس خذوها عن خاتم النبيين» إلى قوله : «وليس ببالٍ» هذا الموضع يحتاج إلى تلطّف في الشرح، لأنّ لقائلِ أن يقول : ظاهر هذا الكلام متنافض، لأنه قال : «يموت مَن مات منا وليس بميت» وهذا كما تقول : يتحرّك المتحرّك وليس بمتحرّك، وكذلك قوله : ويبلى مَنْ بليَ منا، وليس ببال»، ألا ترى أنّه سلب وإيجاب لشيءٍ واحد! فإن قلتم : أراد بقاءَ النفس بعد موت الجسد، كما قاله الأوائل وقوم من المتكلمين، قيل لكم: فلا اختصاص للنبيّ ولا لعليّ بذلك، بل هذه قضيّة عامة في جميع البشر، والكلام خَرَجَ مخرج التمدّح والفخر .
فنقول في الجواب :
إنّ هذا يُمكن أن يحمَل على وجهين :
أحدُهما : أن يكونَ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وعليُّ ومَنْ يتلوهُما من أطايب العِترة أحياء بأبدانهم التي كانت في الدنيا بأعيانها ، قَدْ رَفعهم الله تعالى إلى ملكوت سماواته، وعلى هذا لو قدرنا أن محتفِراً احتفر تلك الأحداث الطاهرة عقب دَفنهم لم يجد الأبدان في الأرض، وقد روي في الخبر النبويّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مثل ذلك، وهو قوله: «إنّ الأرض لم تُسَلَّط عليّ، وأنها لا تأكل لي لحماً ولا تشرب لي دماً» نعم يبقى الإشكال في قوله : «ويبلي مَنْ بَلِي منا وليس ببالٍ»، فإنه إنْ صَحْ هذا التفسير في الكلام الأول ، وهو قوله : «يموت من مات منّا وليس بميت»، فليس يصحّ في القضية الثانية، وهي حديث البلاء، لأنّها تقتضي أنّ الأبدانَ تَبلى وذاك الإنسان لم يبلَ، فأحوَج هذا الإشكال إلى تقدير فاعل محذوف، فيكون تقدير الكلام: يموت مَنْ مات حال موته وليس بميتٍ فيما بعد ذلك من الأحوال والأوقات، وَيبلَى كفن مَنْ بَلِيَ منا وليس هو ببال، فحذف المضاف كقوله: «وَإِلَى مَدْيَنَ» (1)، أي وإلى أهل مدين، ولما كان الكَفَنُ كالجزء من الميت لاشتماله عليه عَبّر بأحدهما عن الآخر للمجاورة والاشتمال، كما عبَّروا عن المطَر بالسماء، وعن الخارج المخصوص بالغائط، وعن الخمر بالكأس. ويجوز أن يحذف الفاعل كقوله تعالى: «حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ» (2)، و «فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ» (3). وقول حاتم : «إذا حَشْرَجَتْ» وحذف الفاعل كثير .
والوجه الثاني أنّ أكثر المتكلِّمين ذهبوا إلى أن للإنسان الحيّ الفعّال أجزاء أصلية في هذه البنية المشاهدة، وهي أقلّ ما يمكن أن تأتلف منه البنية التي معها يصحّ كون الحيّ حيَّا ، وجعلوا الخطاب متوجّهاً نحوها، والتكليف وارداً عليها، وما عداها من الأجزاء، فهي فاضلة ليست داخلة في حقيقة الإنسان، وإذا صحّ ذلك جاز أن ينتزع الله تلك الأجزاء الأصلية من أبدان الأنبياء والأوصياء، فيرفعها إليه بعد أن يخلق لها من الأجزاء الفاضلة عنها نظير ما كان لها في الدار الأولى، كما قاله مَنْ ذهب إلى قيامة الأنفس والأبدان معاً، فتنعم عنده وتلتذّ بضروب اللذات الجسمانية، ويكون هذا مخصوصاً بهذه الشجرة المباركة دون غيرها، ولا عجب فقد ورد في حقّ الشهداء نحو ذلك في قوله تعالى: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ »(1).
وعلى الوجه الأول لو أنّ محتِفراً احتفر أجداثهم لوجدَ الأبدان فيها ، وإن لم يعلم أنّ أصول تلك البُنَى قد انتزعت منها ونقلت إلى الرفيقِ الأعلى، وهذا الوجه لا يحتاج إلى تقدير ما قدّرناه أولاً من الحذف، لأنّ الجسد يَبْلَى في القبر إلا قَدر ما انتزع منه ونِقل إلى مَحَلّ القُدْس ، وكذلك أيضاً يصدُق على الجسد أنّه ميت، وإن كان أصل بنيته لم يمُتْ، وقد ورد في الخبر الصحيح: «أنّ أرواح الشهداء من المؤمنين في حواصل طيور خُضر تدور في أفناء الجنان، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظلِّ العرش»، فإذا جاء هذا في الشهداء فما ظنُّك بموالي الشُّهداء وساداتهم (2)!
فإن قلت : فهل يجوز أن يتأوّل كلامُه، فيقال: لعلّه أراد بقاء الذكر والصيت؟
قلت إنه لبعيدٌ، لأنّ غيرهم يَشْرَكُهم في ذلك، ولأنّه أخرج الكلام مخرَج المستغرب المستعظم له .
فإن قلت : فهل يمكن أن يقال: إن الضَمير يعود إلى النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لأنه قد ذكره في قوله : «خاتم النبيين» فيكون التقدير : أنه يموت مَن مات منا والنبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و ليس بميت، ويبلى مَنْ بَلى منا والنبي ليس ببال.
قلت : هذا أبعدُ من الأول، لأنه لو أراد ذلك لقال : إن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لا تبليه الأرض، وإنه الآن حيّ، ولم يأت بهذا الكلام الموهم، ولأنه في سياق تعظيم العِترة وتبجيل أمرها، وفخره بنفسه وتمدّحه بخصائصه ومزاياه، فلا يجوز أن يدخل في غضون ذلك ما ليس منه .
فإن قلت: فهل هذا الكلام منه أم قاله مرفوعاً؟ قلت بل ذكره مرفوعاً، ألا تراه قال : «خذوها عن خاتم النبيين» . ثم نعود إلى التفسير فنقول : إنّه لما قال لهم ذلك علم أنه قال قولاً
عجيباً، وذكر أمراً غريباً ، وعلم أنهم ينكِرون ذلك ويعجبون منه ، فقال لهم : فلا تقولوا ما لا تعرفون، أي لا تكذّبوا أخباري، ولا تكذِّبوا أخبار رسول الله لكم بهذا فتقولون ما لا تعلمون صِحَّته، ثم قال : فإن أكثر الحق في الأمور العجيبة التي تنكرُونها كإحياء الموتى في القيامة، وكالصراط والميزان والنار والجنة وسائر أحوال الآخرة، هذا إن كان خَاطَب مَنْ لا يعتقد الإسلام، فإن كان الخطاب لمن يعتقد الإسلام فإنه يعني بذلك أنّ أكثرهم كانوا مرجئة ومشبّهة ومُخبرة، ومن يعتقد أفضليةً غيره عليه، ومن يعتقد أنه شَرَك في دم عثمان، ومن يعتقد أنّ معاوية صاحب حُجّة في حربه ، أو شبهة يمكن أن يتعلّق بها متعلق، ومن يعتقد أنّه أخطأ في التحكيم، إلى غير ذلك من ضروب الخطأ التي كان أكثرهم عليها .
ثم قال : «واعذروا مَنْ لا حجة لكم عليه وهو أنا» ، يقول : قد عَدَلْتُ فيكم، وأحسنت السيرة وأقمتكم على المحجّة البيضاء، حتى لم يبق لأحد منكم حُجَّةٌ يحتجّ بها عليّ، ثم شرح ذلك، فقال : «عملت فيكم بالثّقل الأكبر»، يعني الكتاب و«خلَّفت فيكم الأصغر» يعني ولديه، لأنهما بقيّة الثَّقَل الأصغر، فجاز أن يطلق عليهما بعد ذهاب مَن ذهب منه أنهما الثقل الأصغر، وإنما سمي النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الكتاب ، والعِترة الثقلين لأن الثَّقَل في اللغة متاع المسافر وَحَشمه، فكأنه صلى عليه وآله لمّا شارف الانتقال إلى جوار ربه تعالى جعل نفسه كالمسافر الذي ينتقل من مَنْزِلٍ إلى منزل، وجعل الكتاب والعِترة كمتاعه وحَشَمه، لأنهما أخصّ الأشياء به.
قوله : «وركزت فيكم راية الإيمان»، أي غرزتها وأثبتها، وهذا من باب الاستعارة.
وكذلك قوله : « ووقفتكم على حدود الحلال والحرام» من باب الاستعارة أيضاً، مأخوذ من حُدود الدار وهي الجهات الفاصلة بينها وبين غيرها .
قوله : «وألبستكم العافية من عَدْلِي» استعارة فصيحة، وأفصح منها قوله: وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي»، أي جعلته لكم فراشاً ، وفَرَش ها هنا : متعدِّ إلى مفعولين، يقال: فرشته كذا، أي أوسعته إياه.
ثم نهاهم أن يستعملوا الرأي فيما ذكره لهم من خصائص العِترة وعجائب ما منحها الله تعالى، فقال: إنّ أمرنا أمر صعب لا تهتدي إليه العقول، ولا تدرك الأبصار قعرَهُ، ولا تتغلغل الأفكار إليه، والتغلغل: الدخول من تغلغل الماء بين الشجر ، إذا تخللها ودخل بين أصولها .
الأصل: ومنها : حَتَّى يَظُنَّ الظَّا أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ ، تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا ، وَتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا، وَلا يُرْفَعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا وَلا سَيْفُهَا . وَكَذَبَ الظَّانُ لِذَلِكَ، بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَمُونَهَا بُرْهَةٌ، ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةٌ .
الشرح: معقولة : محبوسة بعقال كما تعقَل الناقة. وتمنحهم: تعطيهم، والمنح: العطاء، منحَ يمنَح بالفتح ، والاسم المِنْحَة بالكسر ، واستمنحت زيداً : طلبت مِنحَته .
والدَّرّ في الأصل : اللَّبَن ، جعل الدنيا كنافة معقولة عليهم تمنحهم لبنها ، ثم استعمل الدَّرّ في كل خير ونفع، فقيل : لا دَرّ درّه أي لا كثُر خيره ويقال في المدح: لله درّه ! أي عمله .
ومجّة من لذيد العيش ، مصدر مَجّ الشراب مِنْ فِيه، أي رمى به وقَذَفه، ويقال: انمجّت نقطة من القلم، من أي ترشَّشت وشيخ ماجّ، أي كبير يمجّ الريق، ولا يستطيع حبسه لكبره.
ويتطعَمُونها، أي يذوقونها ،وبُرهة، أي مدة من الزمان فيها طول. ولفظت الشيء من فمي، ألفظه لفظاً : رميتُه، وذلك الشيء اللُّفاظ واللُّفاظة، أي يلفظونها كلَّها لا يبقى منها شيء معهم .
وهذه الخطبة طويلة، وقد حذف الرضيّ رحمه الله تعالى منها كثيراً، ومن جملتها :
أما والذي فَلَق الحبَّة، وبرأ النَّسمة، لا يرون الَّذي ينتظرون حتى يهلِك المتمنُّون.
ويَضْمَحِلّ المحلُّون، ويتثبت المؤمنون، وقليل ما يكون، والله والله لا تَرَوْن الذي تنتظرون حتى لا تَدْعُون الله إلا إشارةً بأيدِيكُمْ وإيماضاً بحواجبكم، وحتى لا تملِكُون من الأرض إلّا مواضعَ أقدامكم، وحتى يكونَ موضعُ سلاحكم على ظهوركم، فيومئذٍ لا ينصرني إلا الله بملائكتِه، ومَن كَتَبَ عَلَى قَلْبِه الإيمان، والَّذِي نَفْسُ عَليَّ بيدِه لا تقوم عصابَةٌ تطلب لِي أو لغيري حَقًّا، أو تدفع عنا ضَيْماً إلا صَرَعتهم البليَّة، حتى تقوم عصابةٌ شهدت مع محمد صلى الله عليه وآله بَدْراً، لا يؤدَى قتيلُهم، ولا يداوَى جريحُهم، ولا ينعَشُ صريعُهم. قال المفسريون: هم الملائكة .
ومنها : لقد دعوتُكُم إلى الحقِّ وتولَّيْتُمْ ، وضربتُكم بالدّرَّةِ فَما استقمتم، وسَتَلِيكُم بَعْدِي وُلاة يعذِّبُونكم بالسِّيَاط والحديد، وسيأتيكُم غُلاماً ثَقيفٍ : أخْفَش وجُغبوب، يقتلان ويُظلَمان، وقليل ما يمكِّنان .
قلت: الأخفش : الضعيف البصر خِلْقة، والجُعبوب : القصير الذميم، وهما الحجاج ويُوسف بن عمر. وفي كتاب عبدالملك إلى الحجّاج : قاتلك الله أخيفشَ العينين، أصكَّ الجاعِرَنَيْن !
ومن كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى يذكر فيه الحجاج : أتانا أُعَيْمش أَخَيْمش يمدّ بيدٍ قصيرة البنان، ما عرقَ فيها عنان في سبيل الله .
وكان المثل يُضْرَبُ بقِصَر يوسف بن عمر، وكان يغضب إذا قيل له قصير، فَصَّل له الخيَّاطُ
ثوباً، فأبقى منه فضلة كثيرة، فقال له ما هذه ؟ قال : فضلت مِن قميص الأمير، فضربه مائة سوط، فكان الخيّاطون بعد ذلك يفصِّلُون له اليَسير من الثوب، ويأخذون الباقي لأنفسهم.
الأصل: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلا بَعْدَ تَمْهِيلٍ وَرَخَاءِ، وَلَمْ يُجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلا بَعْدَ أَزْلٍ وَبَلاء، وَفِي دُون مَا أَسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عشبٍ وَمَا اسْتَدْبَرْتُم مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ. وَمَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَيبٍ، وَلَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيع، وَلَا كُلُّ ذِي نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ .
فَيَا عَجَباً! وَمَا لِيَ لاَ أَعْجَبُ مِنْ خَطَا هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا ، لا يَقْتَصُونَ أَثَرَ نَبِي، وَلاَ يَقْتَدُونَ بِعَمَل وَصِيَّ، وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ، وَلا يَعِفُونَ عَنْ عَيْبٍ، يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ، المَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا، وَالمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا ، مَفْزَعُهُمْ فِي المُعْضِلاَتِ إِلى أَنْفُسِهِمْ ، وَتَعْوِيلُهُمْ فِي المُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ، كَأَنَّ كُلَّ أمْرِى مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُراً ثِقَاتٍ، وَأَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ .
الشرح: القَضم، بالقاف والصاد المهملة : الكسر ، قصمتُه فانقصم ، وقصّمته فتقصّم ، ورجل أقسم الثنّية، أي مكسورها، بيّن القَصَم، بفتح الصاد.
والتمهيل : التأخير، ويروى «رجاء» وهو التأخير أيضاً، والرواية المشهورة «ورخاء»، أي بعد إعطائهم من سعة العيش وخِصب الحال ما اقتضته المصلحة.
والأزل ، بفتح الهمزة الضيق. ويقتصُّون يتبعون قال سبحانه وتعالى: «وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ »(1).
كذا، أعِتُ عَفا وعِفَّةٌ وعَفافة، أي كففت فأنا عت
ويعفّو، بكسر العين، عَفَفْتُ عن کذا، أعفُّ عَفَّا عَفّة عَفافة،أي کففت،فأنا عفّ وعفيفة، وامرأة عَفّة و عفیفة، وقد أعفَّه الله، واستعف عن المسألة أي عفّ. وتعفّف الرجل، أي تكلّف العِفّة، ويروى : «ولا يَعْفُون عن عَيب»، أي لا يصفحون.
ومفزعهم : ملجؤهم. وفيما يُرى، أي فيما يظنّ، ويرى بفتح الياء، أي فيما يراه هو .
وروي: «بعراً وثيقات».
1) سورة القصص، الآية : 11 .
يقول إنّ عادة الله تعالى ألّا يقصِم الجبابرة إلا بعد الإمهال والاستدراج، بإفاضة النعم عليهم، وألا يجير أولياءه وينصرهم إلا بعد بؤس وبلاء يمتحنهم به، ثم قال لإصحابه : إنّ في دون ما استقبلتم من عَتب لمعتبر، أي من مشقّة، يعني بما استقبلوه ما لا قَوْه في مستقبل زمامهم من الشيب، وولاة السوء، وتنكّر الوقت، وسمّي المشفّةَ عتْباً، لأن العَتب مصدر عَتَب عليه أي وَجَد عليه، فجعل الزمانَ كالواجد عليهم، القائم في إنزال مشاقّه بهم مقامَ الإنسان ذي الموجدَة يعتِب على صاحبه. وروي «من عَتَب»، بفتح التاء جمع عتَبة ، يقال : لقد حُمِل فلان علي عتَبة ، أي أمر كريه من البلاء، وفي المثل : «ما في هذا الأمر رتَب ولا عتَب»، أي شدة. وروي أيضاً «من عَنَتٍ» وهو الأمر الشاقّ. وما استدبروه من خَطب، يعني به ما تصرّم عنهم من الحروب والوقائع التي قَضَوْها ونضوها واستدبروها . ويروى: «واستدبرتم من خِضب» ، وهو رخاء العيش، وهذا يقتضي المعنى الأول، أي وما خَلَّفْتُم وراءكم من الشباب والصحّة وصفو العيشة .
ثم قال: «وما كل ذي قلب بلبيب . . . » الكلام إلى آخره، وهو مأخوذ من قول الله تعالى : « لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا »(1).
ثم تعجّب من اختلاف حجج الفرق في الدّين وخطئهم وكونهم لا يتبعون أقوالَ الأنبياء، ولا أقوال الأوصياء، ثم نَعَى عليهم أحوالهم القبيحة ، فقال : إنهم لا يؤمنون بالغيب، أي لا يصدقون بما لم يشاهدوه، ولا يكفُّون عن الأمور القبيحة، لكنهم يعملون في الشبهات، أي يعملون أعمالاً داخلة في الشبهات متوسطة لها. ويسيرون في الشهوات، جعل الشهوات كالطريق التي يسير فيه الإنسان.
ثم قال : المعروف فيهم ما عرفوه، أي ليس المعروف عندهم مَا دلّ الدليل على كونه معروفاً وصواباً وحَقًّا، بل المعروف عندهم ما أنكروه كما شرحناه في المعروف.
ثم قال : إنهم لا يستشيرون بعالم، ولا يستفتون فقيهاً فاضلاً، بل مفزعهم في الأمور المشكلة إلى أنفسهم وآرائهم ، ولقد صدق(علیه السّلام) ، فإن هذه صفات مَن يدّعي العلم والفضل في زماننا وقبله بدهر طويل، وذلك أنهم يأنفون من التعلّم والاسترشاد، فالبادىء منهم يعتقد في نفسه أنه أفضلُ من البارع المنتهي، ومتى ظفر الواحد منهم بمبادىء علم وحَمله، شرع في التَدريس والتصنيف، فمنعه التزامه بذلك من التردد إلى أبواب العلماء، وأنف من سؤالهم عن الأمور المشكلة، فدام جهله إلى أن يموت.
ثم قال : «كأنّ كلّ واحد منهم إمام نفسه»، ويروى بحذف «كأنّ» وإسقاطها، وهو أحسن.
1) سورة الأعراف، الآية .179
الأصل: أَرْسَلَهُ عَلَى حِينٍ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَاعْتِرَامِ مِنَ الْفِتَنِ، وَانْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَتَلَظٌ مِنَ الْحُرُوبِ، وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَى حِينِ أَصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا ، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا ، وَإعْوَارٍ مِنْ مَائِهَا . قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلامُ الرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهُمَةٌ لِأَهْلِهَا ، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طالبِهَا ، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا :: الْجِيفَةُ، وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ، وَدِنَارُهَا السَّيْفُ .
فَاعْتَبِرُوا عِبَادَالله، وَاذْكُرُوا تِيكَ الَّتِي آبَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ، وَعَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ. وَلَعَمْرِي مَا نَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلاَ بِهِمْ الْعُهُودُ، وَلاَ خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الْأَحْقَابُ وَالْقُرُونُ، وَمَا أَنتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْم كُنتُمْ فِي أَصْلَابِهِمْ بِعِيد.
وَالله مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ شَيْئاً إِلا وَمَا أَنَا ذَا الْيَوْمَ مُسْمِعُكُمُوهُ، وَمَا أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالْأَمْسِ، وَلاَ شُقَّتْ لَهُمُ الْإِبْصَارُ ، وَلاَ جُعِلَتْ لَهُمُ الْأَفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، إِلا وَقَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَوَالله مَا يُصَرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ ، وَلَا أَصْفِيتُمْ بِهِ وَحُرِمُوهُ، وَلَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمْ الْبَلِيَّةُ جَائِلاً خِطَامُهَا ، رِخْواً بِطَانُهَا ، فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ، فَإِنَّمَا هُوَ ظِلٍّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَل مَعْدُودٍ .
الشرح: الفَترة بين الرسل : انقطاعُ الرّسالة والوحي، وكذلك كان إرسال محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لأنَّ بین محمد وبين عهد المسيح(علیه السّلام) عهداً طويلاً ، أكثر الناس على أنّه ستمائة سنة، ولم يرسَل في تلك المدّة رسول، اللهمّ إلا ما يقال عن خالد بن سنان العبسيّ، ولم يكن نبيًّا ولا مشهوراً.
والهجعة، النَّوْمة ليلاً، والهجوع مثله، وكذلك التَّهجاع ، بفتح التاء، فأما الهِجعة بكسر الهاء، فهي الهيئة كالجِلسة من الجلوس.
قوله : «واعتزام من الفتن»، كأنه جعل الفِتَن معتزمة، أي مريدة مصممّة للشغّب والهرج .
ويروى : «واعتراض» ویروی: «و اعترام» بالراء المهملة من العُرام، وهي الشّرّة والتلظّي : التلهّب .
وكاسفة النور : قد ذهب ضوءها، كما تكسف الشمس . ثم وصفها بالتغير وذبول الحال، فجعلها كالشجرة التي اصفرَّ ورَقها ويبِس ثمرها . وأعور ملؤها، والإعوار: ذهاب الماء، فلاة
عَوْراء لا ماء بها. ومَنْ رواه: «وإغوارٍ من مائها، بالغين المعجمة، جعله من غار الماء، أي ذهب، ومنه قوله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا »(1).
ومتجهّمة لأهلها: كالحة في وجوههم.
ثم قال: «ثمرها الفتنة» أي نتيجتها وما يتولّد عنها. وطعامها الجيفة، يعني أكل الجاهلية الميتة، أو يكون على وجه الاستعارة، أي أكلها خبيث . ويروى «الخِيفة» أي الخوف، ثم جعل الخوف والسيف شعارها و دثارها، فالشعار ما بلي الجسد، والدِّثار فوق الشعار، وهذا من بديع الكلام ومن جيِّد الصناعة، لأنّه لما كان الخوفُ يتقدَّم السيف والسيف يتلُوه، جعلع الخوف شِعاراً لأمّه الأقرب إلى الجسد، وجعل الدّثار تالياً له .
ثم قال : «واذكروا تيك» كلمة إشارة إلى المؤنثة الغائبة، فيمكن أن يعني بها الدنيا التي تقدّم ذكرها، وقد جعل آباءهم وإخوانهم مرتهنَين بها ومحاسبين عليها، والارتهان: الاحتباس ويمكن أن يعني بها الأمانة التي عرضت على الإنسان فحملها، والمراد بالأمانة الطاعة والعبارة وفعل الواجب وتجنّب القبيح . وقال : «تيك» ولم يجر ذكرها، كما قال تعالى : «الم (1) «ذَلِكَ الْكِتَابُ» (2)ولم يجرِ ذكره، لأنّ الإشارة إلى مثل هذا أعظم وأهيب وأشدّ روعة في صدر المخاطَب من التصريح .
قوله : «ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاف»، أي لم يطل العهد، والأحقاب: المدد المتطاولة، والقرون الأمم من الناس.
وقوله : «من يوم كنتم» ، يروى بفتح الميم من «يوم» على أنه مبنّي، إذ هو مضاف إليه الفعل المبني، ويروى بجرّها بالإضافة، على اختلاف القولين في علم العربية .
ثم اختلفت الرواية في قوله : «والله ما أسمعكم» فروي بالكاف وروي «أسمعهم»، وكذلك اختلفت الرواية في قوله : «وما أسماعُكم اليومَ بدون أسماعكم بالأمس»، فروي هكذا، وروي «بدون أسماعهم» ، فمن رواه بهاء الغيبة في الموضعين فالكلام منتظم، لا يحتاج إلى تأويل ، ومن رواه بكاف الخطاب قال : إنه خاطب به من صحب النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وشاهده وسمع خطابه ، لأن أصحاب عليّ(علیه السّلام) كانوا فريقين : صحابة وتابعين، ويعضّد الرواية الأولى سياق الكلام.
وقوله : «ولا شُقّت لهم الأبصار ... إلا وقد أعطيتم مثلها».
وأصفيتم به: منحتُموه، من الصفيّ وهو ما يصطفيه الرئيس من المغنم لنفسه قبل القسمة، يقال : صفيّ وصفيّة .
وخلاصة هذا الكلام أن جميع ما كان رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قاله لأصحابه قد قلتُ مثله لكم، فأطاع أولئك وعصيتم أنتم ، وحالكم مساوية لحالهم .
قلت: لو أن مجيباً منهم يجيبُه لأمكن أن يقول له : المخاطبون وإن كانوا نوعاً واحداً متساوياً، إلا أنّ المخاطَب مختلف الحال، وذلك لأمّك وإن كنت ابن عمه في النَّسب وأخاه ولحمه ودمه، وفضائلك مشتقة من فضائله، وأنت قبَس من نوره وثانيه على الحقيقة، ولا ثالث لكما ، إلا أنك لم تُرْزَق القبول الذي رزقه، ولا انفعلت نفوس الناس لك حسب انفعالها له، وتلك خاصيّة النبوة التي امتاز بها عنك، فإنه كان لا يسمع أحدٌ كلامه إلا أحبّه ومال إليه، ولذلك كانت قريش تسمي المسلمين قبل الهجرة الصباة ويقولون: نخاف أن يَصْبُو الوليد بن المغيرة إلى دين محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ولئن صبا الوليد وهو ريحانة قريش لتصبوَنّ قريش بأجمعها . وقالوا فيه، ما كلامه إلا السّحر، وإنه ليفعل بالألباب فوق ما تفعل الخمر. ونهوا صبيانَهم عن الجلوس إليه لئلا يستميلهم بكلامه وشمائله، وكان إذا صلى في الحِجر وجهر يجعلون أصابَعهم في آذانهم خوفاً أن يسحرهم ويستميلهم بقراءته وبوعظه وتذكيره، هذا هو معنى قوله تعالى: «جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ » (1).
ومعنى قوله: « وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا » (2)لأنهم كانوا يهربون إذا سمعوه يتلو القرآن، خوفاً أن يغير عقائدهم في أصنامهم، ولهذا أسلم أكثر الناس بمجرد سماع كلامه ورؤيته ومشاهدة رُوائه ومنظره، وما ذاقوه من حلاوة لفظه وسَرِيّ كلامه في آذانهم، ومَلَك قلوبهم وعقولهم، حتى بذلوا المُهَج في نصرته، وهذا من أعظم معجزاته(علیه السّلام) ، وهو القبول الذي منحه الله تعالى، والطاعة التي جعلها في قلوب الناس له، وذلك على الحقيقة سِرّ النبوّة، الذي تفرّد به صلوات الله عليه، فيكف يروم أميرالمؤمنين من الناس أن يكونوا معه كما كان آباؤهم وإخوانهم مع النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، مع اختلاف حال الرئيسين وتساوي الأثرين كما يعتبر في تحققه تساوي حال المحلين، يعتبر في حقيقته أيضاً تساوي حال العلّتين .
ثم نعود إلى التفسير ، قال : «ولقد نزلت بكم البليّة»، أي المحنَة العظيمة، يعني فتنة معاوية وبني أمية .
وقال : «جائلاً خطامها»، لأن الناقة إذا اضطرب زمامها استصعبت على راكبها، ويسمى الزمام خِطاماً لكونه في مقدّم الأنف، والخطم من كلّ دابة: مقدّم أنفها وفمها، وإنما جعلها رخواً بطانها، لتكون أصعب على راكبها، لأنّه إذا استرخى البطان كان الراكب في معرض السقوط عنها ، وبطان القَتَب هو الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير .
ثم نهاهم عن الاغترار بالدنيا ومتاعها، وقال : إنها ظلٌّ ممدود إلى أجل معدود، وإنما جعلها كالظلّ لأنه ساكن في رأى العين، وهو متحرك في الحقيقة، لا يزال يتقلّص، كما قال تعالى : «ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا » (1)وهو أشبه شيء بأحوال الدنيا .
وقال بعض الحكماء: أهل الدنيا كركبٍ سير بهم وهم نيام.
الأصل: الْحَمْدُ لله الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَالْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً ، إِذْ لاَ سَمَاءً ذَاتُ أَبْرَاجِ، وَلاَ حُجُبُ ذَاتُ إِرْتَاجِ ، وَلاَ لَيْلٌ دَاجٍ ، وَلاَ بَحْرٌ سَاجٍ ، وَلاَ جَبَل ذُو فِجَاجٍ ، وَلا فَجٌ ذُو أَعْوِجَاجِ ، وَلا أَرْضَ ذَاتُ مِهَادٍ، وَلاَ خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ، وَذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ وَوَارِثُةٌ، وَإِلْهُ الْخَلْقِ وَرَازِقُهُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ دَائِبَانِ فِي مَرْضَاتِهِ، يُبْلِيانِ كُلَّ جَدِيدٍ، وَيُقَرِّبَانِ كُلِّ بَعِيدٍ .
الشرح: الروّية : الفكرة وأصلها الهمز ، روّاتُ في الأمر، وقد جاء مثلها كلمات يسيرة شاذّة، نحو البريّة، من برأ، أي خلق، والذريّة من ذَرَاً أي خلق أيضاً، والدَّرية وهي ما يستِتر به الصائد، أصله من درأت أي دفعت، وفلان بريّ أصله بريء، وصف الله تعالى بأنّه يعرف من غير أن تتعلّق الأبصار بذاته، ويخلق من غير تفكر وتروِّ فيما يخلقه . لم يزل قائماً، القائم والقيّوم بمعنّى، وهو الثابت الذي لا يزولُ، ويعبر عنه في الاصطلاح النظريّ بالواجب الوجود، وقد يفسر القائم على معنى قولهم : فلان قائم بأمر كذا، أي والٍ و ممسك له أن يضطرب.
ثم قال : هو موصوف بأنه قائم دائم من قبل أن يخلق العالم، وهذا يؤكّد التفسير الأول، لأنه إذا لم يكن العالم مخلوقاً بعد لم يصدق عليه أنّه قائم بأمره إلا بالقوّة لا بالفعل، كما يصدق عليه أنّه سميع بصير في الأزَل، أي إذا وجدت المسموعات والمبصرات سمعها وأبصرها، ولو سمي قبل خلق الكلام متكلماً على هذا التفسير لم أستبعده ، وإن كان أصحابنا يأبونَهُ .
والأبراج : الأركان في اللغة العربية.
فإن قلت : فهل يطابق هذا التفسير ما يعتقده أصحابُ الهيئة وكثير من الحكماء والمتكلّمين أن السماء كُرة لا زاوية فيها ولا ضِلَع ؟
1) سورة الفرقان، الآية: 46 .
قلتُ : نعم لا منافاة بين القولين، لأن الفلك وإن كان كُرة لكن فيه من المتمّمات ما يجري مجرى أركان الحصن أو السور، فصحّ إطلاق لفظة الأبراج عليه، والمتمّمات أجسام في حشو الفلك تخفّ في موضع ، والناس كلهم أثبتوها .
فإن قلت : فهل يجوز أن يحمل لفظ الأبراج على ما يعتقده المنجّمون وأهل الهيئة، وكثير من الحكماء والمتكلمين من كون الفلك مقسوماً باثني عشر قسماً ، كلّ قسم منها يسمى برجاً؟
قلت : لا مانع من ذلك، لأنّ هذا المسمى كان معلوماً متصوّر قبل نزول القرآن، وكان أهل الاصطلاح قد وضعوا هذا اللّفظ بإزائه، فجاز أن ينزل القرآن بموجبه ، قال تعالى : «وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ » (1)، وأخذها عليّ(علیه السّلام) منه ، فقال : «إذ لا سماءٌ ذات أبراج»، وارتفع «سماء» لأنّه مبتدأ وخبره محذوف، وتقديره «في الوجود».
ثم قال: «ولا حُجُب ذات إرتاج» والإرتاج مصدر أرتج أي أغلق، أي ذات إغلاق، ومن رواه «ذات رتاج» على «فِعال» ، فالرتاج الباب المغلق، ويُبعِد رواية مَن رواه «ذات أرتاج» لأن «فعالاً» قلّ أن يجمع على «أفعال»، ويعني بالحُجُب ذات الإرتاج حجب النور المضروبة بين عرشه العظيم وبين ملائكته. ويجوز أن يريد بالحجب السموات أنفسها ، لأنها حجبت الشياطين عن أن تعلم ما الملائكة فيه.
والليل الداجي : المظلم، والبحر الساجي: الساكن والفِجاج : جمع فَجّ، وهو الطريق الواسع بين جبلين والمهاد الفراش .
قوله : «ولا خلق ذو اعتماد»، أي ولا مخلوق يسعى برجلين فيعتمد عليهما، أو يطير بجناحيه فيعتمد عليهما، ويجوز أن يريد بالاعتماد هنا : البطش والتصرّف. مبتدع الخلق : مخرجه من العدم المحض، كقوله تعالى : « «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ » (2). ودائبان : تثنية دائب ، وهو الجادّ المجتهد المتعب، دأب في عمله أي جدّ وتعب دأباً ودؤوباً فهو دئيب، ودأبته أنا .
وسمّي الشمس والقمر دائبين لتعاقبهما على حال واحدة دائماً لا يفتران ولا يسكنان، وروي «دائبين» بالنصب على الحال ويكون خبر المبتدأ «يبليان» وهذه من الألفاظ القرآنية .
الأصل: قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ، وَأَحْصَى آثَارَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ وَعَدَدَ أَنْفُسِهِمْ وَخَائِنَةٌ أَعْيُنِهِمْ، وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ، وَمُسْتَقَرَّهُمْ وَمُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الْأَرْحَامِ وَالظُّهُورِ، إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ.
الشرح: آثارهم، يمكن أن يُعْنَى به آثار وطنهم في الأرض إيذاناً بأنه تعالى عالم بكلّ معلوم كما آذن قوله سبحانه: « وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا » (1)بذلك . ويمكن أن يعني به حركاتهم وتصرّفاتهم.
وروي : «وعدد أنفاسهم» على الإضافة.
وخائنة الأعين : ما يومي به مسارقة وخفية. ومستقرّهم أي في الأرحام. ومستودعهم، أي في الأصلاب، وقد فسر ذلك فتكون «من» متعلّقة بمستودعهم ومستقرهم على إرادة تكرّرها ، ويمكن أن يقال : أراد مستقرّهم ومأواهم على ظهر الأرض ومستودعهم في بطنها بعد الموت، وتكون «من» ها هنا بمعنى «مذ» أي مذ زمان كونهم في الأرحام والظهور إلى أن تتناهى بهم الغايات، أي إلى أن يحشروا في القيامة. وعلى التأويل الأول يكون تناهي الغايات بهم عبارة عن كونهم أحياء في الدنيا .
الأصل: هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ ، وَاتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ. قَاهُرُ مَنْ عَازَّهُ، وَمُدَمِّرُ مَنْ شَاقَهُ، وَمُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ، وَغَالِبُ مَنْ عَادَاهُ، مَنْ تَوَكَّل عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ، وَمَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ، وَمَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ.
عِبَادَالله ، زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا، وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَنفَسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ، وَانْقَادُ واقَبْلَ عُنْفِ السَّيَاقِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظُ وَزَاجِرٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لا زَاجِرٌ وَلاَ وَاعِظٌ .
الشرح: يجوزَ نقمة نقمة مثل كَلِمة وكلِمة ولبنة ولَبِنة، ومعنى الكلام أنّه مع كونه واسع الرحمة في نفس الأمر، وأنه أرحم الراحمين، فإنه شديد النقمة على أعدائه، كونه عظيم النقمة في نفس الأمر وكونه شديد العقاب فإنه واسع الرحمة لأوليائه. وعازّه، أي غالبه ، وعَزَّه أي غلبه ، ومنه «وَعَزَنِي فِي الْخِطَابِ» (2)، وفي المثل «مَنْ عَزَّ بَزَ» ، أَي مَنْ غَلَب سَلَب .
والمدمّر : المهلك دَمّره ودَمّر عليه بمعنَى، أي أهلَكه. وشاقّه: عاداه، قيل إن أصلَه من الشِّق و هو النِّصف، لأن المعادي يأخذ في شِقّ والمعادي في شِقّ يقابله . وناواه، أي عاداه، واللفظة ،مهموزة، وإنما ليَّنها لأجل القرينة السِّجعية، وأصلها ناوأتُ الرجل مناوأة ونِواء، ويقال في المثل : «إذا ناوات الرجل فاصبر ».
قوله: «زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا» من الكلام الفصيح النادر اللطيف، يقول: اعتبروا أعمالكم وأنتم مختارون قادرون على استدراك الفارط، قبل أن يكون هذا الاعتبار فعلَ غيركم وأنتم لا تقتدرون على استدراك الفارط، ومثله قوله : «وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا» .
ثم قال: «وتنفّسوا قبل ضيق الخناق» أي انتهزوا الفرصة، واعملوا قبل أن يفوتَكم الأمر، ويَجدّ بكم الرحيل ويقع الندم، قال الشاعر :
اختِمُ وطينُكَ رَطْبٌ إن قدرتَ فَكَمْ*** قد أمكن الختُم أقواماً فما ختموا
ثم قال: «وانقادوا قبل عُنف السياق»، هو العُنف بالضم ، وهو ضدّ الرفق، يقال عنُف عليه وعنُف به أيضاً، والعَنيف: الذي لا رفق له بركوب الخيل، والجمع عُنف. واعتنفتُ الأمرَ، أي أخذته بعنف ، يقول : انقادوا أنتم من أنفسكم قبل أن تقادوا وتساقوا بغير اختياركم سوقاً عنيفاً .
ثم قال «مَنْ لم يُعِنْه الله على نفسه حتى يجعل له منها واعظاً وزاجراً لم ينفعه الزجر والوعظ من غيرها» أخذ هذا المعنى شاعر فقال :
وأقصرت عَمّا تعهدين وزاجرٌ*** من النفس خَيْرٌ مِن عِتَابِ الْعَواذِلِ
فإن قلت : أليس في هذا الكلام إشعارٌ ما بالجبر؟
قلت : إنه لا خلاف بين أصحابِنا في أنّ الله تعالى ألطافاً يفعلها بعباده، فيقرّبهم من الواجب، ويبعدهم من القبيح، ومن يعلم الله تعالى من حاله أنه لا لطف له لأنّ كلّ ما يعرض لطفاً له فإنه لا يؤثر في حاله ولا يزداد به إلا إصراراً على القبيح والباطل، فهو الذي عَنَاه أميرُالمؤمنين بقوله : «من لم يعِن على نفسه»، لأنه ما قبل المعونة ولا انقاد إلى مقتضاها، وقد روي : «واعلموا أنّه مَنْ لم يعِن على نفسه» بكسر العين أي من لم يعِن الواعظين له والمنذرين على نفسه، ولم يكن معهم إلباً عليها وقاهراً لها، لم ينتفع بالوعظ والزجرغ لأن هوى نفسه يغلب وعظّ كلّ واعظ وزجر كل زاجر .
الأصل: روي مَسعَدةُ بنُ صَدَقَةَ عن الصادق جعفر بن محمدٍ عليهما السلام، أنه قال : خطب أميرُالمؤمنين بهذه الخطبةِ على منبر الكوفةِ، وذلك أن رجلاً أتاه ، فقال : يا أميرالمؤمنين، صِف لنا ربَّنا مثل ما نراه عَياناً،لنزداد له حبَّا، و به معرفة، فغضِبَ ونادَى : الصلاة جامِعَةً، فاجتمع إليه الناسُ حتى غَصّ المسجد بأهلهِ، فصعِدَ المنبرَ وهو مغضَبٌ متغيرُ اللوْنِ، فحمِدَ الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ثم قال :
الْحَمْدُ لله الّذِي لاَ يَفِرُهُ المَنْعُ وَالْجُمُودُ، وَلا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاء وَالْجُودُ ، إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنتَقَص سِوَاهُ، وَكُلُّ مَانِعِ مَذْمُومٌ مَا خَلَاَهُ ، وَهُوَ المَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ، وَعَوَائِدِ المَزِيدِ وَالْقِسَمِ، عِبَالُهُ الْخَلائِقُ ، ضَمِنٌ أَرْزَاقَهُمْ ، وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ، وَنَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينِ إِلَيْهِ، وَالظَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ، وَلَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلُ، الأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَالْآخِرُ الَّذِي لم يكن لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ ، والرَّادِعُ انَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ ، مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الحالُ، وَلاَ كَانَ في مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانتِقَالُ .
الشرح: الأشباح الأشخاص، والمراد بهم ها هنا الملائكة، لأن الخطبة تتضمّن ذِكْرَ الملائكة.
وقوله : «الصلاة جامعةً» منصوب بفعل مقدر، أي احضروا الصلاة، وأقيموا الصلاة، و«جامعةً» منصوب على الحال من الصلاة.
وغَصَّ المسجد، بفتح الغين، أي امتلأ، والمسجد غاصٌّ بأهله. ويقال : رجل مغضَب بفتح الضاد، أي قد أغضِب، أي فعل به ما يوجب غَضَبه .
ويَفرُه المنع : يزيد في ماله ، والموفور التامّ، وفرتُ الشيء وفرا وَوَفَر الشيءُ نفسُهُ وفُوراً، يتعدّى ولا يتعدى. وفي أمثالهم : «يوفر ويحمد» هو من قولك وفرته عرضَه ووفرته ماله .
وقوله : «ولا يكديه الإعطاء»، أي لا يفقِرُه ولا ينفد خزائنه ، يقال : «كَدَتِ الأرضُ» تَكِدُ وفهي كادية، إذا أبطأ نباتُها، وقلّ خيرها ، فهذا لازم، فإذا عدّيته أتيتَ بالهمزة فقلتَ : أكديت الأرضُ، أي جعلتها كادية، وتقول: أكدّى الرجلُ إذا قلّ خيره، وقوله تعالى: «وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى » (1)، أي قطع القليل ، يقول : إنّه سبحانه قادر على المقدورات، وليس كالملوك من البشر الذين إذا أعطوا نقصَت خزائنهم وإن منعوا زادت، وقد شرح ذلك وقال : «إذ كلّ معطٍ منتقَص» أي منقَوص، ويجيء «انتقص» لازماً ومتعدياً، تقول: انتقص الشيءُ نفسُه، وانتقصتُ الشَيء، أي نقصتُه وكذلك «نقص» يجيء لازماً ومتعدياً .
ثم قال : «وكلّ مانع مذموم غيره»، وذلك لأنّه تعالى إنما يمنع مَنْ تقتضي الحكمةُ والمصلحةُ منعه، وليس كما يمنع البشر. وسأل رجل عليّ بن موسى الرِّضا عن الجواد، فقال: إنّ لكلامك وجهين، فإن كنتَ تسأل عن المخلوق، فإنّ الجواد هو الذي يؤدِّي ما افترض الله عليه، والبخيل هو الذي يبخلُ بما افترض الله عليه، وإن كنت تعني الخالق، فهو الجواد إن أعطى، وهو الجواد إن مَنَع، لأنه إن أعطى عبداً أعطاه ما ليس له، وإن منعه منعه ما ليس له .
1) سورة النجم، الآية : 34 .
قوله : «وليس بما سُئِل بأجود منه بما لم يُسأل» فيه معنى لطيف، وذاك لأنّ هذا المعنى مما يختصّ بالبشر، لأنهم يتحركون بالسؤال وتهزّهم الطلبات، فيكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم يسألهم إياه، وأما البارى سبحانه فإن جوده ليس على هذا المنهاج لأنّ جوده عامٌ في جميع الأحوال.
ثم ذكر أن وجودَه تعالى ليس بزمانيّ، فلا يطلق عليه البعدية والقبلية، كما يطلق على الزمانيات، وإنما لم يكن وجوده زمانياً لأنه لا يقبل الحركة، والزمان من لواحق الحركة، وإنما لم تطلق عليه البَعْدِيّة والقَبْليّة إذ لم يكن زمانياً، لأنّ قولنا في الشيء : إنه بعد الشيء الفلانيّ، أي الموجود في زمان حضر بعد تَقَضّي زمان ذلك الشيء الفلاني، وقولنا في الشيء : إنه قبل الشيء الفلاني، أي إنه موجود في زمان حضر ولم يحضر زمان ذلك الشيء الفلانيّ بعد، فما ليس في الزمان ليس يصدق عليه القَبْل والبعد الزمانيان، فيكون تقدير الكلام على هذا: الأوّل الذي لا يصدق عليه القبلية الزمّانية، ليمكن أن يكون شيءٌ ما قبله والآخِر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية، ليمكن أن يكون شيء ما بعده.
وقد يحمل الكلامُ على وجه آخر أقربَ مُتَنَاوَلاً من هذا الوجه، وهو أن يكون أراد: الذي لم يكن محدثاً ، أي موجوداً قد سبقه عدم، فيقال إنه مسبوق بشيء من الأشياء إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه، وأنه ليس بذات يمكن فناؤها وعدمها فيما لا يزال، فيقال: إنه ينقضي وينصرم، ويكون بعده شيء من الأشياء، إمّا الزمان أو غيره، والوجه الأوّلُ أدق وألطف، ويؤكد كونه مراداً قوله عقيبه : «ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال»، وذلك لأنّ واجب الوجود أعلى من الدهر والزمان، فنسبة ذاته إلى الدهر والزمان بجملته وتفصيل أجزائه نسبة متحدة .
فإن قلت : إذا لم يكن قبل الأشياء بالزمان ولا بعدها بالزمان، فهو معها بالزمان، لأنه لا يبقى بعد نفي القَبلية والبعدية إلا المعيّة!
قلت : إنما يلزم ذلك فيما وجوده زمانيّ، وأمّا ما ليس زمانياً لا يلزم من نفي القبليّة والبعديّة إثبات المعيّة،
كما أنه ما لم يكن وجوده مكانياً لم يلزم من نفي كونه فوق العالم أو تحت العالم بالمكان، أن يكون العالم بالمكان.
ثم قال : «الرادع أناسيّ الأبصار عن أن تنالَه أو تدركه» الأناسيّ: جمع إنسان، وهو المثال الذي يُرى في السواد، وهذا اللفظ بظاهره يشعر بمذهب الأشعرية، وهو قولهم : إنّ الله تعالى خَلقَ في الأبصار مانعاً عن إدراكه ، إلا أنّ الأدلّة العقلية من جانبنا اقتضت تأويل هذا اللفظ، كما تأوّل شيوخنا قوله تعالى : ««وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)» (1)، فقالوا : إلى جنّةِ ربها ، فنقول : تقديرُه الرادعُ أناسيِّ الأبصار أن تنال أنوار جِلالته .
1) سورة القيامة، الآيتان : 22 و 23.
فإن قلت : أتثبتون له تعالى أنواراً يمكن أن تدركها الأبصار، وهل هذا إلا قولٌ بالتجسيم !
قلت : كلاًّ لا تجسيمَ في ذلك، فكما أن له عرشاً وكرسيًّا وليس بجسم، فكذلك أنوار عظيمة فوق العرش، وليس بجسم، فكيف تنكر الأنوار، وقد نطق الكتاب العزيز بها في غير موضع، كقوله: « وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا » (1)، وكقوله : «مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ » (2).
الأصل: وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ، مِنْ فِلِزِّ اللجَيْن وَالْمِقْيَانِ، وَنَتَارَةِ الدُّرِّ وَحَصِيدِ المَرْجَانِ، مَا أَثَرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ، وَلَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ، وَلَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ، مَا لاَ تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ، لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لاَ يَغِيضُهُ سُوَالُ السَّائِلِينَ، وَلَا يُبَخْلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحينَ.
الشرح: هذا الكلام من تتمة الكلام الأوّل، وهو قوله: «لا يفرُه المنع، ولا يكدِيه الإعطاء والجود». وتنفسّت عنه المعادن: استعارة، كأنّها لما أخرجته وولدته كانت كالحيوان يتنفّس فيخرج من صدره ورثته الهواء.
وضحكت عنه الأصداف أي تفتّحت عنه وانشقّت، يقال للطَّلع حين ينشقّ : الضّحك، بفتح الضاد، وإنما سمي الضاحك ضاحكاً، لأنه يفتح فاه. والفلزّ : اسم الأجسام الذائبة كالذهب والفضة والرصاص ونحوها . واللُّجَين : اسم الفضة جاء مُصغّراً، كالكُمَيت والثرّيا . والعِقْيان : الذهب الخالص، ويقال : هو ما ينبت نباتاً وليس مما يحصل من الحجارة. وتُثارة الدّر: ما تناثر منه كالسُّقاطة والنُّخَالة، وتأتي «فَعَالة» تارةً للجيِّد المختار، وتارة للساقط المتروك، فالأول نحو الخلاصة، والثاني نحو القُلامة .
وحصيد المَرْجان: كأنه أراد المتبدّد منه كما يتبدّد الحبّ المحصود، ويجوز أن يعني به الصلب المحكم ، من قولهم، ، «شيء مستحصَد»، أي مستحصف مستحكم، يعني أنّه ليس برخو ولا هشّ، ويروى : «وحَصْباء المرجان»، والحصباء: الحصى. وأرض حَصِبة ومحصَبة، بالفتح: ذات حَصباء. والمرجان : صغار اللؤلؤ، وقد قيل إنه هذا الحجر، واستعمله بعض المتأخرين فقال :
أَدْمَى لها المرجانُ صَفْحَةَ خَدِّه*** وبكي عليها اللؤلؤ، المكنونُ
وتُنفده: تفنيه، نفد الشيء أي ،فَنِيَ، وأنفدته أنا . ومطالب الأنام: جمع مطلب، وهو
المصدر، من طلبت الشيء طلباً ومطلباً.
ويَغيضه، بفتح حرف المضارعة: ينقصه، ويقال : غاضَ الماء، فهذا لازم، وغاض الله الماء، فهذا متعدِّ، وجاء : أغاض الله الماء.
والإلحاح : مصدر ألحّ على الأمر ، أي أقام عليه دائماً، من ألحّ السحاب، إذا دام مطره، والح البعيرُ : حَرَن، كما تقول : خَلاَتِ الناقة ، وروي «ولا يُبخِله» بالتخفيف، تقول : أبخلت زيداً، أي صادفته بخيلاً، وأجبنته : وجدته جباناً. .
وفي هذا الفصل من حسن الاستعارة وبديع الصنعة ما لا خفاء به.
الأصل: فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَانْتَمَّ بِهِ، وَأَسْتَضِيءُ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَمَا کَلْفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ، مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ، وَلَا فِي سُنَّة النَّبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وَأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقٌّ اللَّه عَلَيْكَ .
وَأعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْم هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَن افْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُويَةِ دُونَ الغُيُوبِ الْإقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ، فَمَدَحَ اللَّهُ أَعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً ، وَسَمَّي تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْتَ عَن كُنْهِهِ رُسُوخاً، فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ الله سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ .
الشرح تقول : ائتمُ فلان بفلان، أي جعله إماماً واقتدى به. فكِل علمه، من وكلّه إلى كذا وكَلاً ووُكولاً ، وهذا الأمر موكول إلى رأيك. والاقتحام: الهُجُوم والدخول مغالبة .
والسُّدد المضروبة : جمع سُدّة، وهي الرِّتاج .
واعلم أنّ هذا الفصل يمكن أن تتعلق به الحشوية المانعون من تأويل الآيات الواردة في الصفات، القائلين بالجمود على الظواهر، ويمكن أيضاً أن يتعلّق به مَنْ نفي النظر وحرمه أصلاً، ونحن قبل أن نحققّه ونتكلّم فيه نبدأ بتفسير قوله تعالى: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » (1)، فتقول :
1) سورة آل عمران، الآية: 7 .
إن مِنَ النّاس من وقف على قوله : «إلَّا اللهَ» ، ومنهم من لم يقف على ذلك، وهذا القول أقوى من الأوّل، لأنه إذا كان لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله لم يكن في إنزاله ومخاطبة المكلّفين به فائدة، بل يكون كخطاب العربيّ بالزنجية، ومعلوم أن ذلك عيب قبيح.
فإن قلت: فما الذي يكون موضع «يَقُولُونَ » من الإعراب؟
قلت : يمكن أن يكون نصباً على أنه حال من الراسخين، ويمكن أن يكون كلاماً مستأنفاً، أي هؤلاء العالمون بالتأويل، يقولون: آمنّا به .
وقد روي عن ابن عباس أنه تأوّل آية، فقال قائل من الصحابة: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللهُ»، فقال ابن عباس : «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» ، وأنا من جملة الراسخين .
ثم نعود إلى تفسير كلام المؤمنين(علیه السّلام) فنقول :
إنه غضِب وتغّير وجهه لقول السائل : صِف لنا ربَّنا مثل ما تراه عياناً، وإذا هذا المعنى ينصرف وصيّة له بما أوصاه به من اتباع ما جاء في القرآن والسنّة ، وذلك لأنّ العلم الحاصل من رؤية الشيء عياناً ، عِلم لا يمكن أن يتعلّق مثله بالله سبحانه، لأن ذاته تعالى لا يمكن أن تُعْلَم من حيث هي هي، ، كما تعلم المحسوسات، ألا ترى أنّا إذا علمنا أنه صانع العالم، وأنه قادر عالم حيّ سميع بصير مريد، وأنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عَرَض، وعلمنا جميعَ الأمور السلبية والإيجابية المتعلّقة به، فإنما علمنا سُلوباً وإضافات، ولا شك أنّ ماهية الموصوف مغايرة لماهية الصفات، والذوات المحسوسة بخلاف ذلك، لأنّا إذا رأينا السّوَاد، فقد علمنا نفس حقيقة السواد لا صفة من صفات السواد، وأيضاً فإنّا لو قدرنا أنّ العلم بوجوده وصفاته السلبية والإيجابية، يستلزم العلم بذاته، من حيث هي هي لم يكن عالماً بذاته علماً جزئياً، لأنّه يمكن أن يصدُق هذا العلم على كثيرين، على سبيل البدل، وإذا ثبت أنه يستحيلُ أن يصدُق على كثيرين على سبيل البدل، ثبتَ أنّه يستحيلُ أن يصدُق على كثيرين على سبيل الجمع، والعلم بالمحسوس يستحيلُ أن يصدق على كثيرين لا على سبيل الجمع، ولا على سبيل البدل، فقد بانّ أنه يستحيل أن يعلم الله تعالى كما يعلم الشيء المرئيّ عياناً ، فأميرالمؤمنين(علیه السّلام) أنكر هذا السؤال كما أنكره الله تعالى على بني إسرائيل لما طلبوا الرؤية قال تعالى: «وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ » (1).
ثم قال للسائل بعد غضبه واستحالة لونه وظهور أثر الإنكار عليه : ما دلّك القرآنُ عليه من صفته فخُذْ به، فإن لم تجده في الكتاب فاطلبه من السنّة و من مذاهب أئمة الحق، فإن لم تجد ذلك، فاعلم أنّ الشيطان حينئذٍ قد كلّفك عَلمَ ما لم يكلفك الله علمه، وهذا حقّ، لأن الكتاب
1) سورة البقرة، الآية: 55 .
والسنّة قد نطقا بصفات الله من كونه عالماً قادراً حيًّا مريداً سميعاً بصيراً، ونطقاً أيضاً بتنزيهه عن سِمات الحُدوث كالجسيمة والحلول والجهة، وما استلزم لجهة كالرؤية فلا إنكارَ على مَنْ طلب في مدارك العقول وجوهاً تعضُدُ ما جاء به القرآن والسنَّة، وتوفِّق بَين بعض الآيات وبعض، وتحمل أحدَ اللفظين على الآخرة إذا تناقضا في الظاهر ، صيانةً لكلام الحكيم عن التهافت والتعارض. وأما ما لم يأتِ الكتاب والسنة فيه بشيء فهو الذي حُرّم وحُظِر على المكلّفين الفكر فيه، كالكلام في الماهيّة التي يذهب ضرار المتكلم إليها، وكإثبات صفات زائدة على الصفات المعقولة لذات البارى سبحانه، وهي على قسمين :
أحدُهما : ما لم يَرِدْ فيه نَصَّ، كإثبات طائفة تعرف بالماتريدية صفةً سمَّوها التكوين زائدة على القدرة والإرادة.
والثاني : ما ورد فيه لفظ فأخطأ بعضُ أهل النظر، فأثبت لأجل ذلك اللفظة صفة غير معقولة للباري سبحانه، نحو قول الأشعريِّين : إنّ اليدين صفة من صفات الله، والاستواء على العرش صفة من صفات الله، وإنّ وجه الله صفة من صفاته أيضاً، ثم قال: إن الراسخين في العلم الذين غنوا بالإقرار بما عرفوه عن الولوج والتفحّم فيما لم يعرفوه ، وهؤلاء هم أصحابنا المعتزلة لا شبهة في ذلك، ألا ترى أنّهم يعللون أفعال الله بالحكم والمصالح، فإذا ضاق عليهم الأمر في تفصيل بعض المصالح في بعض المواضع، قالوا: نعلم على الجملة أن لهذا وجهَ حكمة و مصلحة، وإن كنا لا نعرف تفصيل تلك المصلحة، كما يقولون في تكليف مَنْ يعلم الله تعالى منه أنه يكفر، وكما يقولون في اختصاص الحال التي حدث فيها العالم بحدوثه دون ما قبلها وما بعدها .
وقد تأول القطب الراونديّ كلامَ أميرالمؤمنين في هذا الفصل، فقال : إنما أنكَر على من يقول : لم تعبَّد الله المكلَّفين بإقامة خمس صلوات، وهلا كانت ستَّا أو أربعاً، ولم جعل الظهر أربع ركعات، والصبح ركعتين؟ وهلاً عكس الحال! وهذا التأويل غيرُ صحيح، لأنّه (علیه السّلام) إنما أخرج هذا الكلام مخرج المنكر عَلَى مَنْ سأله أن يصف له البارىء سبحانه، ولم يكن السائل قد سأل عن العِلّة في أعداد الصَّلاة وكمية أجزاء العبادات .
ثم إنه(علیه السّلام) قد صرّح في غُضون الكلام بذلك ، فقال : فانظر أيّها السائل، فما دَلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به، وما لم يدلك عليه فليس عليك أن تخوض فيه، وهذا الكلام تصريحٌ بأنّ البحث إنما هو في النظر العقليّ في فَنّ الكلام، فلا يجوز أن يحمل على ما هو بمعزل عنه .
واعلم أننا نتساهل في ألفاظ المتكلمين ،فنوردها بعباراتهم، كقولهم في «المحسوسات» والصواب «المحسَّات»، لأنه لفظ المفعول من «أحسّ» الرباعي، لكنا لما رأينا العدول عن ألفاظهم إذا خضنا في مباحثهم مستهجَناً عَبّرنا بعبارتهم على علم مِنَّا أنّ العربية لا تسوغُها .
الأصل: هُوَ الْقَادِرُ الذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ، حَاوَلَ الْفِكْرُ المُبَرَّأُ مِنْ خَطر الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ، وَتَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ، لِتَجْرِي فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ، وَغَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لا تَبْلُغُهُ الصَّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلم ذَاتِهِ - رَدَعَهَا وهي تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ، مُتَخَلِّصَةٌ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتَ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لا يُنَالُ بِجَوْرِ الاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ،وَلَا تَخْطُرُ بِبَالِ أَولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرٍ
جَلالِ عِزَّتِهِ .
الشرح: ارتمت الأوهام، أي ترامَت، يقال: ارتمى القوم بالنَّبل، أي تراموا، فشبّه جَوَلان الأوهام والأفكار وتعارضها بالترامي.
وخَظر الوساوس، بتسكين الطاء ، مصدر خَطَر له خاطر، أي عرض في قلبه، وروي «من خطَرات الوساوس» .
وتولّهت القلوب إليه : اشتدّ عِشقها حتى أصابها الولَه وهو الحيرة.
وقوله : «لتجري في كيفية صفاته»، أي لتصادف مجرّى ومسلكاً في ذلك، وغمضت مداخلُ العقول، أي غَمض دخولها ، ودق في الأنطار العميقة التي لا تبلغ الصفات كنَهها لدقِّتِها وغموضها طالبة أن تنال معرفته تعالى .
ولفظة «ذات» لفظة قد طال فيها كلام كثير من أهل العربية، فأنكر قومٌ إطلاقها على الله تعالى وإضافتها إليه، أمّا إطلاقها فلأنّها لفظة تأنيث، والبارى سبحانه منزّه عن الأسماء والصفات المؤنثة، وأما إضافتها فلأنّها عين الشيء، والشيء لا يضاف إلى نفسه. وأجاز آخرون إطلاقَها في البارى تعالى وإضافتها إليه، أما استعمالها فلوجهين :
أحدهما : أنها قد جاءت في الشعر القديم، قال خُيبب الصحابيّ عند صَلبه :
وذلك في ذاتِ الإله وإن يشأ*** يُبارك على أوصال شلو موزّعِ
ويروى «ممزّع»، وقال النابغة :
محلّتُهم ذاتُ الإله ودينُهم*** قديمٌ فما يخشَون غير العواقب
والوجه الثاني : أنها لفظة اصطلاحية، فجازَ استعمالها لا على أنها مؤنث «ذو» بل تستعمل ارتجالاً في مسماها الذي عَبّر عنه بها أرباب النظر الإلهيّ، كما استعملوا لفظ الجوهر والعرَض وغيرهما في غير ما كان أهل العربية واللغة يستعملونها فيه .
وأما منعهم إضافتها إليه تعالى، وأنه لا يقال : «ذاته»، لأنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه فباطل بقولهم : أخذتُه نفسه وأخذتُه عينه، فإنه بالاتفاق جائز، وفيه إضافة الشيء إلى نفسه .
ثم نعود إلى التفسير :
قوله(علیه السّلام) : «ردعها»، أي كفّها. وتجوب، أي تقطع. والمهاوي: المهالك، الواحدة مَهْوَاة بالفتح ، وهي ما بين جبلين أو حائطين ونحو ذلك . والسُّدف : جمع سُدفة،وهي القطعة من الليل المظلم. وجُبهت أي رُدّت، وأصله مِنْ جَبْهتُه ، أي صَكَكْتُ جبهتَه. والجَوْر : العدول عن الطريق. والاعتساف : قَطع المسافة على غير جادّة معلومة.
وخُلاَصة هذا الفصل أنّ العقول إذا حاولت أن تدرك متى ينقطع اقتداره على المقدّرات نكصت عن ذلك، لأنه قادر أبداً دائماً على ما لا يتناهى، وإذا حاول الفِكر الذي قد صفا وخلا عن الوساوس والعوائِق أن يدرك مغيّبات عِلمِه تعالى كلّ وحَسَر ورجع ناقصاً أيضاً، وإذا اشتّد عشق النفوس له، وتولّهت نحوه لتسلك مسلكاً تقِف منه على كيفية صفاته عجزت عن ذلك، وإذا تغلغلت العقول، وغَمَضت مداخلُها في دقائق العلوم النظرية الإلهية التي لا توصف لدقّتها طالبة أن تعلم حقيقة ذاته تعالي، انقطعت وأعيت، وردّها سبحانه وتعالى وهي تجول وتقطع ظلماتِ الغيب لتخلُص إليه، فارتدّت حيث جَبهها وردعها ، مُقرّة معتَرفة بأن إدراكه ومعرفته لا تُنالُ باعتساف المسافات التي بينها وبينه ، وإن أرباب الأفكار والروايات يتعذّر عليهم أن يخطِر لهم خاطر يطابق ما في الخارج من تقدير جلال عزته، ولابدّ من أخذ هذا القيد في الكلام، لأن أرباب الأنظار لابدّ أن تخطِر لهم الخواطر في تقدير جلال عزّته، ولكن تلك الخواطر لا تكون مطابقة لها في الخارج، لأنها خواطر مستندُها الوهم لا العقل الصريح، وذلك لأنّ الوهم قد ألف الحِسّيات والمحسوسات، فهو يعقل خواطر بحسب ما ألفه من ذلك، وجلالُ واجبِ الوجود أعلى وأعظم من أن يتطرّق الوهمُ نحوه، لأنه بريء من المحسوسات سبحانه، وأما العقل الصريح فلا يدرك خصوصية ذاته لما تقدّم.
وأعلم أن قوله تعالى : « فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ » (1)فيه إشارة إلى هذا المعنى، وكذلك قوله : « يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ » (2).
الأصل: الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ أَمْتَثَلَهُ، وَلاَ مِقْدَارٍ أَحْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ، وَعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ، وَاعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنْ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ، مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، فَظَهَرَتْ فِي الْبَدَائِعِ الَّتي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ، وَأَعْلَامُ حِكْمَتِهِ، فَصَارَ كُلٌّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ، وَدَلِيلاً عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً ، فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ .
الشرح : المِساك، بكسر الميم : ما يمسَك ويعصَم به .
وقوله : «ابتدع الخلق على غير مثال امتثله» يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يريد ب- «امتثله» مثله كما تقول : صنعت واصطنعت بمعنى، فيكون التقدير أنّه لم يمثِّل لنفسِه مثالاً قبل شروعه في خلق العالم، ثم احتذى ذلك المثال، وركّب العالم على حسب ترتيبه، كالصانع الذي يصوغ حلقة من رصاص مثالاً ، ثم يصوغ حلقة من ذهب عليها، وكالبنَّاء يقدر ويفرض رسوماً وتقديراتٍ في الأرض وخطوطاً، ثم يبني بحسبها .
والوجه الثاني : أنّه يريد بامتثَله احتذاء وتقبّله واتبعه، والأصل فيه امتثال الأمر في القول، فنقل إلى احتذاء الترتيب العقليّ، فيكون التقدير أنّه لم يمثِّل له فاعل آخر قبله مثالاً اتبعه واحتذاه وفعل نظيره، كما يفعل التلميذ في الصباغة والنجارة شيئاً قد مثّل له أستاذه صورتَه وهيئته .
واعلم أنّ هذا أحدُ الأسئلة التي يذكرها أصحابنا في باب كونه عالماً، لأنهم لما استدلُّوا على كونه تعالى عالماً بطريق إحكام العلم وإتقانه، سألوا أنفسَهم فقالوا : لم لا يجوز أن يكونَ القديم سبحانه أحدَثَ العالم محتذياً لمثال مثله، وهيئة اقتضاها، والمحتذِي لا يجب كونه عالماً بما يفعله، ألا ترى أنّ من لا يحسِن الكتابة قد يحتذى خطاً مخصوصاً، فيكتب قريباً منه، وكذلك من يطبع الشَّمع بالخاتم ثم يطبع فيه مثال الخاتم، فهو فعل الطابع، ولا يجب كونه عالماً .
وأجاب أصحابنا عن ذلك فقالوا : إنّ أول فعل محكم وقع منه ، ثم احتذى عليه، يكفي في ثبوت كونه عالماً، وأيضاً فإنّ المتحذي ليست العالمية بمسلوبة عنه، بل موصوف بها، ألا ترى أنّه متصوّر صورة ما يحتذيه، ثم يوقع الفعل مشابهاً له، فالمتحذي عالم في الجملة، ولكنَّ علمه يحدث شَيئاً فشيئاً .
فأما معنى الفصل فظاهر ، يقول(علیه السّلام) : إنه ابتدع الخلق على غير مثال قدمه لنفسه ولا قدم له غيره ليحتذى عليه، وأرانا من عجائب صنعته ومن اعتراف الموجودات كلِّها، بأنها فقيرة محتاجة إلى أن يمسكها بقوته، ما دلّنا على معرفته ضرورة، وفي هذا إشارة إلى أنّ كلّ ممكن مفتقر إلى المؤثر، ولما كانت الموجودات كلِّها غيره سبحانه ممكنة لم تكن غَنيّة عنه سبحانه ، بل كانت فقيرة إليه، لأنها لولاه ما بقيت، فهو سبحانه غنيّ عن كلّ شيء، ولا شيء من الأشياء مطلقاً بغنيّ عنه سبحانه، وهذه من خصوصية الإلهية، وأجلّ ما تدركه العقول من الأنظار المتعلقة بها .
فإن قلت : في هذا الكلام إشعار بمذهب شيخكم أبي عثمان، في أن معرفتَه تعالى ضرورية .
قلت : يكاد أن يكون الكلام مشعِراً بذلك، إلا أنه غير دالّ عليه، لأنه لم يقل ما دلنا على معرفته باضطرار، ولكن قال ما دلّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته، فالاضطرار راجعٌ إلى قيام الحجة، لا إلى المعرفة .
ثم قال(علیه السّلام) : وظهرت آثار صنعته، ودلائل حكمته في مخلوقاته فكانت وهي صامتة في الصورة ناطقة في المعنى بوجوده وربوبيته سبحانه، وإلى هذا المعنى نظر الشاعر فقال :
فَوَعَجَباً كَيْفَ يُعْصَى الإلهُ*** أم كيف يجحدُه الجاحِدُ!
وَفِي كُلِّ شيء له آيةٌ ***تَدُلُّ علی أنّهُ وَاحِدُ
وقال في تفسير قوله تعالى: « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » (1):إنه عبارة عن هذا المعنى.
الأصل: فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ، وَتَلاحُم حقاقِ مَفَاصِلهِمُ المُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ، لَمْ يَعِقَدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ، وَلَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لاَ نِدَّلَكَ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّةَ التَّابِعِينَ عَنِ الْمَتْبُوعِينَ، إِذْ يَقُولُونَ: «تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98)»(2)كَذَبَ الْعادِلُونَ بِكَ، إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ، وَنَحَلُوكَ حِلْيَةَ الله المَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ، وَجَزَؤُكَ تَجْزِنَةَ المُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ، وَقَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ المُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، وَالْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَماتُ آيَاتِكَ، وَنطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجٍ بَيِّنَاتِكَ، وَأَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاءَ فِي الْعُقُولِ، فَتَكُونَ فِي مَهَبٌ فِكْرِهَا مُكَيْفاً، وَلا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا مَحْدُوداً مُصَرَّفاً .
الشرح: حقاق المفاصل جمع حقّة، وجاء في جمعها حِقاق وحقق وحقّ، ولما قال : «بتباين أعضاء خلقك، وتلاحم حقاق مفاصلهم»، فأوقع التلاحُم في مقابلة التباين صناعة وبديعاً، وروي «المحتجّة»، فمن قال: «المحتجّة»، أراد أنّها بما فيها من لطيف الصنعة كالمحتجة المستدلة على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه، ومن قال: «المحتجبة» أراد المستترة ، لأنَّ تركيبها الباطن خفيّ محجوب.
والنِدّ : المثل. والعادلون بك: الذين جعلوا لك عَدِيلاً ونظيراً. ونحلُوك : أعطوك، وهي النِّحلة ، وروي : «لم يُعْقَد» على ما لم يسمّ فاعله .
وغَيْب ضميره، بالرفع. والقرائح: جمع قَرِيحة، وهي القوة التي تستنبط بها المعقولات وأصلُه من قريحة البئر، وهو أوّل مائها .
ومعنى هذا الفصل أنه(علیه السّلام) شَهِد بأنّ المجسم كافر، وأنّه لا يعرف الله، وأن من شبه الله بالمخلوقين ذوي الأعضاء المتباينة، والمفاصل المتلاحمة، لم يعرفه ولم يباشر قلبه اليقين ، فإنّه لا ندّ له ولا مِثل، ثم أكدّ ذلك بآيات من كتاب الله تعالى، وهي قوله تعالى: «فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94)»«وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95)»«تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97)»«إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98)» (1). حكى سبحانه حكاية قول الكُفار في النار، وهم التّابعون للذين الله أغووهم من الشياطين وهم المتبوعون. لقد كنّا ضالين إذ سويناكم بالله تعالى، وجعلناكم مثله، ووجه الحُجّة أنه تعالى حكى ذلك حكاية منكِرٍ على مَنْ زعم أن شيئاً من الأشياء يجوز تسويته بالباري سبحانه، فلو كان الباري سبحانه جسماً مصوّراً، لكان مشابهاً لسائر الأجسام المصوّرة، فلم يكن لإنكاره على من سواه بالمخلوقات معنى.
ثم زاد(علیه السّلام) في تأكيد هذا المعنى، فقال : كذب العادلون بك، المثبتون لك نظيراً وشبيهاً، يعني المشبِّهة المجسّمة، إذ قالوا : إنّك على صورة ردم، فشّبهوك بالأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها. وأعطوك حلية المخلوقين لما اقتضت أوهامهم ذلك، من حيث لم يألفوا أن يكون القادر الفاعل العالم إلّا جسماً، وجعلوك مركّباً ومتجزئاً ، كم تتجزّأ الأجسام، وقدروك على هذه الخلقة، يعني خلقة البشر المختلفة القُوى، لأنها مركبة من عناصر مختلفة الطبائع. ثم كرّر الشهادة فقال : أشهد أنّ مَنْ ساواك بغيرك، وأثبت أنك جوهرٌ أو جسم فهو عادل بك كافر .
وقالت تلك الخارجية للحجاج : «أشهدُ أنك قاسط عادل»، فلم يفهم أهلُ الشام حوله ما قالت، حتى فَسَّره لهم ، قال(علیه السّلام) فمن يذهب إلى هذا المذهب فهو كافر بالكتاب، وبما دَلّت عليه حجج العقول . ثم قال: وإنك أنت الله، أي وأشهد أنّك أنت الله الذي لم تحِط العقولُ بك، كإحاطتها بالأشياء المتناهية، فتكون ذا كيفية.
وقوله : «في مهب فكرها» استعارة حسنة، ثم قال : «ولا في رَوِيَّات خواطرها»، أي في أفكارها محدوداً ، ذا حدّ مُصَرّفاً، أي قابلاً للحركة والتغير .
وقد استدلَّ بعضُ المتكلّمين على نفي كون الباري - سبحانه - جسماً بما هو مأخوذ مِن هذا الكلام فقال : لو جاز أن يكون البارىء جسماً، لجاز أن يكونَ القمر هو إله العالم، لكن
1) سورة الشعراء ، الآيات : 94-98 .
لا يجوز أن يكون القمر إله العالم، فلا يجوز أن يكون الباري جِسماً، بيان الملازمة أنّه لو جاز أن يكون البارى سبحانه جسماً ، لما كان بين الإلهية وبين الجسمية منافاة عقلية، وإذا لم يكن بينهما منافاة عقلية أمكن اجتماعُهما ، وإذا أمكن اجتماعهما جاز أن يكون القمر هُو إله العالم، لأنه لا مانع من كونه إله العالم إلا كونه جسماً يجوز عليه الحركة، والأفول، ونقصان ضوئه تارة، وامتلاؤه أخرى، فإذا لم يكن ذلك منافياً للإلهية، جاز أن يكون القمر إله العالم، وبيان الثاني إجماعُ المسلمين على كفر من أجاز كون القمر إله العالم، وإذا ثبتت الملازمة وثبتت المقدّمة الثانية فقد تمت الدلالة.
الأصل: ومنها : قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ ، وَدَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ، وَوَجْهُهُ لِوِجْهَنِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ، وَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَصعِبُ إِذْ أَمَرَ بِالْمُضِي عَلَى إِرَادَتِهِ ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِئتهِ! الْمُنْشِيءُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلاَ رَوِيَّةِ فِكْرِ آلَ إِلَيْهَا ، وَلَا قَرِيحَةٍ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا ، وَلاَ تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ، وَلاَ شَرِيكَ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعَ عَجَائِبِ الْأُمُورِ ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ وأَذْهَنَ لِطَاعَتِهِ، وَأَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ، لَمْ يَعْتَرِضُ دُونَهُ رَيْتُ الْمُبْطِيءِ ، وَلا أَنَاةُ المُتَلَكِّيءِ، فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا ، وَنَهَجَ حُدُودَهَا ، وَلَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادّهَا ، وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرائِتِهَا ، وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً، مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَالْأَقْدَارِ، وَالْغَرَائِزِ وَالْهَيْنَاتِ ، بَدَايَا خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا ، وَفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَابْتَدَعَهَا .
الشرح الوِجهة ، بالكسر : الجهة التي يتوجّه نحوها ، قال تعالى : «وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ف» (1).
والرَّيْث : البطء والمتلكّىء : المتأخّر . والأود: الاعوجاج. ولاءم بين كذا وكذا، أي جمع، والقرائن هنا : الأنفس، واحدتها قَرونة وقَرينة، يقال: سمحت قَرينته وقَرونته، أي أطاعته نفسُه وذَلّت، وتابعته على الأمر. وبدايا. ها هنا: جمع بديّة، وهي الحالة العَجيبة، أبدأ الرجل إذا جاء بالأمر البدىء، أي المعجب، والبديّة أيضاً: الحالة المبتدأة المبتكرة، ومنه قولهم : فَعَلَه بادئ ذي بَدِي على وزن «فعيل»، أي أوّل كلّ شيء . ويمكن أن يحمَلَ كلامُه أيضاً على هذا الوجه .
وأما خلائق، فيجوز أن يكون أضاف «بداياً» إليها ، ويجوز الَّا يكون أضافه إليها، بل
1) سورة البقرة، الآية : 148 .
جعلها بدلاً من «أجناساً». ويروى «برايا» جمع بريّة. يقول(علیه السّلام) : إنّه تعالى قَدّر الأشياء التي خلقها ، فخلقها محكمة على حَسَب ما قدّر. وألطف تدبيرها ،أي جعله لطيفاً، وأمضى الأمور إلى غاياتها وحدودها المقدّرة لها، فهيأ الصَّقْرة للاصطياد، والخيل للركوب والطّراد، والسيف للقَطع، والقلم للكتابة، والفَلَك للدوران ونحو ذلك، وفي هذا إشارة إلى قول النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «كلُّ ميسَّرٌ لما خلق له»، فلم تتعدّ هذه المخلوقات حدود منزلتها التي جعلت غايتها، ولا قصّرت دون الانتهاء إليها ، يقول : لم تقف على الغاية ولا تجاوزتها. ثم قال : ولا استصعبت وامتنعت إذا أمرها بالمضيّ إلى تلك الغاية بمقتضى الإرادة الإلهية، وهذا كلّه من باب المجاز، كقوله تعالى : « فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ » (1).
وخلاصة ذلك، الإبانة عن نفوذ إرادته ومشيئته .
ثم علّل نفي الاستصعاب فقال : وكيف يَستصعب، وإنما صدرت عن مشيئته! يقول : إذا كانت مسيئتُه هي المقتضيّة لوجود هذه المخلوقات، فكيف يُسْتَصْعَب عليه بلوغها إلى غاياتها التي جعلت لأجلها، وأصلُ وجودها إنما هو مشيئته، فإذا كان أصل وجودها بمشيئته، فكيف يستصعب عليه توجيهها لوجهتها، وهو فرع من فروع وجودها وتابع له!
ثم أعاد معانيَ القول الأول، فقال: إنه أنشأ الأشياء بغير رويّة ولا فكرة ولا غريزة أضمر عليها خَلْق ما خَلق عليها. ولا تجربة أفادها، أي استفادها من حوادث مرّت عليه من قبلُ، كما تكسب التجارب علوماً لم تكن، ولا بمساعدة شريك أعانه عليها . فتمّ خلقُه بأمره إشارة إلى قوله : «ولم يَستصعب إذ أمر بالمضيِّ»، فلما أثبت هناك كونها أُمِرت أعاد لفظ الأمر ها هنا، والكلّ مجاز، ومعناه نفوذ إرادته، وأنه إذا شاء أمراً استحال ألّا يقع، وهذا المجاز هو المجازُ المستعمَل في قوله تعالى : «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » (2)، تعبيراً بهذا اللفظ عن سرعة مواتاة الأمور له وانقيادها تحت قدرته .
ثم قال : ليس كالواحد منا يعترض دون مراده رَيث وبطء، وتأخير والتِوَاء. ثم قال : وأقام العوج وأوضح الطريق، وجمع بين الأمور المتضادّة، ألا ترى أنه جَمَع في بَدَن الحيوانات والنبات بين الكيفيات المتباينة المتنافرة، من الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، ووصلَ أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها، لأن اعتدال المزاج أو القرب من الاعتدال سببُ بقاء الروح، وفَرّقها أجناساً مختلفات الحدود والأقدار، والخلق والأخلاق والأشكال. أمورٌ عجيبة بديعة مبتكرة الصنعة، غير محتذٍ بها حَذْوَ صانع سابق، بل مخلوقة على غير مثال، قد أحكم سبحانه صنعها، وخَلَقها على موجب ما أراد، وأخرجها من العدم المحض إلى الوجود، وهو معنى
الابتداع ، فإنّ الخلق في الاصطلاح النظريّ على قسمين: أحدهما: صورة تخلق في مادة، والثاني : ما لا مادّة له، بل يكون وجودُ الثاني من الأول فقط ،من غير توسّط المادة، فالأول يسمّى التكوين، والثاني يسمى الإبداع ،ومرتبة الإبداع أعلى من مرتبة التكوين.
الأصل: ومنها في صفة السماء : وَنَظَمَ بِلاَ تَعْلِيقِ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا، وَلاَحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا، وَوَشَجَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَزْوَاجِهَا، وَذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ، وَالصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُرُونَةَ مِعْرَاجِهَا ، وَنَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ، فَالْتَحَمَتْ عُرَا أَشْرَاجِهَا، وَفَتَقَ بَعدَ الاِرْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا ، وَأَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ التَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا ، وَأَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ فِي خَرْقِ الهَوَاءِ بِأَيْدِهِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَقِف مُسْتَسْلِمَةٌ لِأَمْرِهِ، وَجَعَلَ شَمْسَهَا آيَةٌ مُبْصِرَةٌ لِنَهَارِهَا ، وَقَمَرَها آيةٌ مَمْحُوَّةٌ مِنْ لَيْلِهَا ، وَأَجْرَاهُما فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا ، وَقَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدارج دَرَجِهِما ، لِيُمَيَّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بِهِمَا ، وَلِيُعْلَمَ عَدَهُ السِّنِينَ وَالْحَسَابِ بِمَقَادِيرِهِمَا ، ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوْهَا فَلَكَهَا ، وَنَاطَ بِهَا زِينَتَهَا، مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيْهَا ، وَمَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا ، وَرَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبٍ شُهُبِهَا ، وَأَجْرَاهَا عَلَى أَزْلاَلِ تَسْخِيرِهَا، مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتَهَا ، وَمَسِيرِ سَائِرِهَا ، وَهُبُوطِهَا وَصُعُودِهَا ، وَنُحُوسِهَا وَسُعُودِهَا .
الشرح: الرَّهَوات: جمع رَهْوة، وهي المكان المرتفع والمنخفض أيضاً، يجتمعُ فيه ماءُ المطر، وهو من الأضداد. والفُرَج : جمع فُرْجة وهي المكان الخالي. ولاحم: ألصق. والصَّدْع : الشَّقّ . ووَشّجَ، بالتشديد، أي شبك. ووشجّت العروقُ والأغصان، بالتخفيف: اشتبكت، وبيننا رحم واشِجة، أي مشتبكة .
وأزواجها: أقرانها وأشباهها ، قال تعالى: «وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً » (1)، أي أصنافاً ثلاثة .
والحُزونة: ضدّ السهولة. وأشراجُها : جمع شَرْج ، وهو عُرَا العَيْبة، وأشرجتُ العيبة، أي أقفلت أشراجَها، وتسمى مجرّة السماء شَرْجاً ، تشبيهاً بشَرْج العيبة، وأشراج الوادي: ما انفسح منه واتسع .
والارتتاق: الارتتاج. والنقاب : جمع نَقب، وهو الطريق في الجبل. وتمُور: تتحرّك وتذهب وتجيء، قال تعالى: «يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا » (2)والأيدُ : القوة. ونَاط بها: عَلّق.
والدّراريّ: الكواكب المضيئة، نسبت إلى الدُّرّ لبياضها، واحدها دُرِّيّ، ويجوز كسر الدال، مثل بحر لُجي ولِجيّ .
والثواقب: المضيئات. وتقول : افعل ما أمرتُك على أذلاله، أي على وجهه، ودَعْه في أذلاله، أي على حاله، وأمور الله جاريةٌ على أذلالها، أي على مجاريها وطرقها .
يقول(علیه السّلام) : كانت السماء أوّل ما خلقت غير منتظمة الأجزاء، بل بعضُهَا أرفعُ وبعضها أخفّض ، فنظمها سبحانه، فجعلها بسيطاً واحداً، نظماً اقتضته القدرة الإلهية، من غير تعليق ، أي لا كما ينظم الإنسانُ ثوباً مع ثوب، أو عِقْداً مع عِقد، بالتعليق والخياطة، وألصق تلك الفروجَ والشُّقُوق، فجعلها جسماً متصلاً، وسطحاً أملس لا نتوَات فيه ولا فُرج ولا صُدوع، بل جعلَ كل جزء منها ملتصقاً بمثله، وذلل للملائكة الهابطين بأمره ، والصاعدين بأعمال خلقه . لأنهم الكَتَبة الحافظون لها - حُزُونة العُروج إليها، وهو الصعود.
ثم قال: «وناداها بعد إذ هي» روي بإضافة «بعد» إلى «إذ» وروي بضمّ «بعد»، أي وناداها بعد ذلك إذ هي دخان، والأول أحسن وأصوب، لأنها على الضمّ تكون دُخاناً بعد نظمه رَهَوات فروجِها وملاحمة صدوعها، والحال تقتضي أن دخانها قبل ذلك لا بعده.
فإن قلت ما هذا النداء؟ قلت: هو قوله : «أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْها» (1)، فهو أمر في اللفظ ونداء في المعنى، وهو على الحقيقة كناية عن سرعة الإبداع. ثم قال : وفَتَق بعد الارتتاق صوامتَ أبوابها ، هذا صريح في أنّ للسماء أبواباً ، وكذلك قوله : «على نقابها»، وهو مطابق لقوله سبحانه وتعالى : «لَا نُفَتَّحُ لَمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ » (2)والقرآن العظيم وكلام هذا الإمام المعظّم أولى بالاتباع من كلام الفلاسفة، الذين أحالوا الخرق على الفلك. وأما إقامة الرصد من الشُّهب الثواقب، فهو نص القرآن العزيز «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8)وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9)» (3): والقول بإحراق الشهب للشياطين اتباعاً لنص الكتاب أولى من قول الفلاسفة الذين أحالوا الانقضاض على الكواكب.
ثم قال : وأمسَكها على الحركة بقوته، وأمرها بالوقوف فاستمسكت ووقفت. ثم ذكره الشمس والقمر تذكرةً مأخوذ من قول الله تعالى: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً» (4).
ثم ذكر الحكم في جَرَيان الشمس والقمر في مجراهما تذكرةً مأخوذ من قوله تعالى :
«وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا » (1)، وقوله : «وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ » (2)، وقوله : « وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ »(3).
ثم قال: «ثم علّق في جَوّها فَلَكها»، وهذا يقتضي أنّ الفلك غير السماء، وهو خلاف قول الجمهور، وقد قال به قائلون، ويمكن أن نفسر ذلك إذا أردنا موافقة قول الجمهور بأنّه أراد بالفلَك دائرة معدّل النهار، فإنّها الدائرة العظمى في الفَلَك الأعظم، وهي في الاصطلاح النظريّ تسمى فَلَكاً .
ثم ذكر أنّه زين السماء الدنيا بالكواكب، وأنّها رجوم لمسترقي السمع، وهو مأخوذ من قوله تعالى: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7)لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9)»(4).
ثم شرح حال الدنيا فقال : «من ثبات ثابتها»، يعني الكواكب التي في كُرة البروج و«مسير سائرها»، يعني الخمسة والنيّرين لأنّها سائرة دائماً.
ثم قال : «وصعودها وهبوطها»، وذلك أنّ للكواكب السيارة صعوداً في الأوج، وهبوطاً في الحضيض، فالأوّل هو البعد الأبعد عن المركز ، والثاني البعد الأقرب.
فإن قلت : ما باله(علیه السّلام) قال : «ونحوسها وسعودها»، وهو القائل لمن أشار عليه ألّا يحارب في يوم مخصوص : «المنجّم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر، كالكافر، والكافر في النار»؟
قلت : إنه(علیه السّلام) إنما أنكر في ذلك القول عَلَى مَنْ يزعم أن النجوم مؤثّرة في الأمور الجزئية، كالذين يحكمون لأرباب المواليد وعليهم، وكمن يحكم في حَرْب أو سلم، أو سفر أو مقام، بأنه للسعد أو النحس، وأنه لم ينكر على من قال : إنّ النجوم تؤثّر سعوداً ونحوساً في الأمور الكلية، نحو أن تقتضي حَرًّا أو برداً، أو تدلّ على مرض عامّ أو قحط عام، أو مطر دائم، ونحو ذلك من الأمور التي لا تخصّ إنساناً بعينه، وقد قدمنا في ذلك الفصل ما يدل على تصويب هذا الرأي، وإفساد ما عداه .
الأصل: ومنها في صفة الملائكة : ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَوَاتِهِ، وَعِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ، خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ، وَمَلأ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا، وَحَشَى
بهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا ،وَبَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ المُسَبِّحِينَ مِنْهُمُ فِي حَطَائِرِ الْقُدْسِ، وَسُتَرَاتِ الْحُجُبِ وَسُرَادِقَاتِ المَجْدِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيحِ الَّذِي تَسْتَكُ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ سُبْحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا فَتَقِفُ حَاسِنَةٌ عَلَى حُدُودِهَا .
وَأَنْشَأَهُمْ عَلَى صُورٍ مُحْتَلِفَاتٍ، وَأَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ، أَولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلالَ عِزَّتِهِ، لاَ يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ ، وَلاَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئًا مَعَهُ مِمَّا أَنْفَرَدَ بِهِ، « بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26)لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)» (1)جَعَلَهُمُ اللهُ فِيمَا الله هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ، وَحَمَّلَهُمْ إِلَى المُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَعَصَمَهِمْ مِنْ رَيْبٍ الشُّبُهَاتِ، فَمَا مِنْهُمْ زَائِعٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ .
وَأَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ المَعُونَةِ، وَأَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ، وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً إلَى تَمَاجِيدِهِ، وَنَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةٌ عَلَى أَعْلامِ تَوْحِيدِهِ، لَمْ تُنْقِلُهُمْ مُؤْصِرَاتُ الآثَام، وَلَمْ تَرْتَحِلْهِمْ عُقَبُ اللَّيالي وَالْأَيَّام، وَلَمْ تَزم الشُّكُولُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ، وَلَمْ تَعْتِرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَمَائِدِ بَقِينِهِمْ، وَلا فَذَحَت نَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَا سَلَبَتْهُمُ الْخَيْرَةُ مَا لاَقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ، وَمَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَهَيْبَةِ جَلالِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ، وَلَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرعَ بِرَيْنِها عَلَى فِكْرِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلْحِ، وَفِي عِظَمِ الْجِبالِ الشُّمَخِ، وَفِي قَتْرَةِ الظَّلامِ الْأَبْهَم. وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضِ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ، وَتَحْتَها رِيحٌ مَفَائَةٌ تَحْبِسُها عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ، قَدْ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْعَالُ عِبادَتِهِ، وَوَصَّلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، وَقَطَعَهُمُ الْإِيمَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ، وَلَمح تُجاوِزْ رَغَباتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ.
قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ، وَشَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ، وَتَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْداواتِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ، فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ، وَلَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ، وَلَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزَّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ، وَلَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنهُمْ، وَلا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلاَلِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ. وَلَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فيهِمْ عَلَى طُولِ دُووبِهِمْ، وَلَمْ تَغِضُ رَغَباتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ، وَلَمْ تَجِفَّ لِطُولِ
1) سورة الأنبياء، الآيتان: 26-27 .
الْمُناجَاةِ أَسَلاَتُ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْعَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُوَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ، وَلَمْ تَخْتَلِف فِي مَقاوِم الطَّاعَةِ مَناكِبُهُمْ، وَلَمْ يَثنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ .
وَلاَ تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدّهِمْ بَلادَةُ الْغَفَلاَتِ، وَلَا تَنتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ.
قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةٌ لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ، وَيَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى المَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ، لاَ يَقْطَعُونَ أَمَدَ غايَةِ عِبَادَنِهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِمْ الاِسْتِهْتارُ بِلزُومِ طَاعَتِهِ، إِلا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَمَخَافَتِهِ، لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ، وَلَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْماعُ فَيُؤثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى أَجْتِهادِهِمْ. لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، وَلَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءَ مِنْهُمْ شَفَقات وَجَلِهِمْ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ.
وَلَمْ يُفَرِّقُهُمْ سُوءُ التَّقاطع، وَلَا تَوَلاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ، وَلا تَشَعَبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرَّيْبِ، وَلاَ اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيافُ الْهِمَمِ، فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَلَا عُدُولٌ، وَلَا وَنِّى وَلَا فتُورٌ، وَلَيْسَ فِي أَطْباقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلا وَعَلَيْهِ مَلَكَ سَاجِدٌ، أَوْسَاعِ حَافِدٌ، يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً ، وَتَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً .
الشرح: هذا موضع المثل : «إذا جاء نهرُ الله بطل نهر مَعْقِل» ! إذا جاء هذا الكلام الرّبانيّ، واللفظ القدسيّ ، بطلَتْ فصاحة العرب، وكانت نسبة الفصيح من كلامها إليه، نسبةً التراب إلى التَّضَار الخالص، ولو فرضنا أنّ العرب تقدِرُ على الألفاظ الفصيحة المناسبة، أو المقاربة لهذه الألفاظ، من أين لهم المادّة التي عبَّرت هذه الألفاظ عنها؟ ومن أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرُون لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هذه المعاني الغامضة السمائيّة، ليتهيّأ لها التعبير عنها ! أما الجاهليّة فإنهم إنما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش، أو ثور فلاة، أو صفة جبال أو فلوات ونحو ذلك . وأما الصحابة فالمذكورون منهم بفصاحةٍ إنما كان منتهَى فصاحة أحدهم كلمات لا تتجاوز السطرين أو الثلاثة، إما في موعظة تتضمّن ذكر الموت أو ذمّ الدنيا، أو ما يتعلق بحرب وقتال، من ترغيب أو ترهيب، فأمّا الكلامُ في الملائكة وصفاتها، وصُورها وعباداتها، وتسبيحِها ومعرفتها بخالقها وحبّها له ، وَوَلهها إليه، وما جرى مجرى ذلك مما تضمّنه هذا الفصل على طوله، فإنّه لم يكن معروفاً عندهم على هذا التفصيل، نعم ربما علموه جملة غير مقسّمة هذا التقسيم، ولا مرتّبة هذا الترتيب، بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم، وأما مَنْ عنده علم من هذه المادة، كعبدالله بن سلّام
وأميّة بن أبي الصَّلْب وغيرهم، فلم تكن لهم هذه العبارة، ولا قَدَرُوا على هذه الفصاحة، فثبت أنّ هذه الأمور الدقيقة في مثل هذه العبارة الفصيحة، لم تحصل إلا لعليّ وحده، وأقسم أنّ هذا الكلام إذا تأمّله اللبيب اقشعرّ جلده، ورجَفَ قلبُه، واستشعر عظمةُ الله العظيم في رَوْعه وخَلده، وهام نحوه وغلب الوجد عليه، وكاد أن يخرج من مُسكه شوقاً، وأن يفارق هيكله صَبابة ووجداً .
ثم نعود إلى التفسير فنقول :
الصّفيح الأعلى : سطح الفَلَك الأعظم، ويقال لوجه كلّ شيء عريض : صفيح وصَفْحَة.
والفُروج : الأماكن الخالية والفِجاج : جمع فَجّ، والفَجّ: الطريق الواسع بين جبلين أو حائطين وأجوائها : جمع جَوّ، وهو ما اتّسع من الأودية، ويقال لما بین السماء والأرض جَوّ، ويروى : «أجوابها»، جمع جَوْبة، وهي الفُرجة في السحاب وغيره ويروى : «أجَوازها» جمع جَوز، وهو وَسَط الشيء. والفجوات : جمع فَجوة، وهي الفُرجة بين الشيئين، تقول منه : تفاجَى الشيء، إذا صار له فَجوة، ومنه الفُجاء، وهو تباعُد ما بين عُرْقوبي البعير .
والزَّجَل : الصوت. وحظائر القدس: لفظة وردت في كلام رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وأصل «الحظِيرة» ما يعمل شبه البيت للإبل من الشجر ليقيها البرد فسمَّى(علیه السّلام) لم تلك المواطن الشريفة
المقدّسة العالية التي فوق الفلك حَظَائر القدس، والقُدْسُ بتسكين الدال وضمها: الطّهر، والتقديس: التطهير، وتقدّس : تطهّر. والأرض المقدّسة المطهّرة، وبيت المقدس أيضاً، والنسبة إليه قُدسيّ ومقدسيّ . والسُّتُرات: جمع سُتْرة. والرجيج : الزلزلة والاضطراب، ومنه ارتج البحر. وتستَكَ الأسماع : تنسدّ، قال النابغة :
وَنُبنْتُ خَيرَ النّاس أنّكَ لمُتَنِي*** وتِلْكَ الَّتِي تَسْتَك منها المسامعُ
سُبحات النور ، بضم السين والباء : عبارة عن جلالة الله تعالى وعظمته. وتَرْدَع الأبصار تكفّها. وخاسئة، أي سادرة، ومنه : « يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ »(1)، وخَسَأ بصرُه ، خَسْاً وخُسوءاً، أي سَدِر .
وقوله : «على حدودها» أي تقف حيث تنتهي قوّتها، لأنّ قوتها متناهية، فإذا بلغت حدّها وقفت . وقوله : «أُولي أَجْنِحَةٍ» من الألفاظ القرآنية.
وقوله : «لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه» ، أي لا يدّعون الإلهية لأنفسهم وإن كان قوم من البشر يدّعونها لهم. وقوله : «لا يدّعون أنهم يخلقُون شيئاً معه مما انفرد به» فيه إشارة إلى مذهب أصحابنا في أنّ أفعال العباد مخلوقة لهم، لأنّ فائدة هذا القَيد، وهو قوله : «انفرد به» إنّما تظهر بذلك .
1) سورة الملك ، الآية : 4 .
وأما الآيات المقدسة، فالرواية المشهورة «مُكْرَمون» وقرى : «مُكَرَّمُون» بالتشديد، وقرىء «لا يسبقونه» بالضم، والمشهور القراءة بالكسر ، والمعنى أنّهم يتبعون قوله، ولا يقولون شيئاً حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قولَه، وأراد أن يقول : «لا يسبقونه بقولهم»، فحذف الضمير المصاف إليه، وأناب اللّام منابه . ثم قال : «وهم بأمره يعملون»، أي كما أنّ قولهم تابع لقوله، فعملهم أيضاً كذلك فَرْعٌ على أمره، لا يعملون عملاً ما لم يؤمروا به، وجاء في الخبر المرفوع عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «أنّه رأى جبرائيل ليلة المعراج ساقطاً كالحِلْس من خَشْية الله » (1). والحِلْس : الكساء الخفيف.
والزائغ : العادل عن الطريق، والإخبات: التذلّل والاستكانة. وأبواباً ذُلُلاً، أي سهلة وطيئة، ومنه : دَابَّةٌ ذَلُول، وتماجيده : الثناء عليه بالمجد. والمؤصِرات: المثقِلات والإضر: الثقل.
وتقول : «ارتحلتُ» البعير، أي ركبته ، والعَقَبة: النوبة، والجمع عُقَب. ومعنى قوله : «ولم ترتحلهم عُقَب الليالي والأيام» أي لم تؤثّر فيهم نوبات الليالي والأيام وكرورها، كما يؤثر ارتحال الإنسان البعير في ظهره. ونوازعها: شهواتها النازعة المحرّكة، وروي: «نوازغها» بالغين المعجمة ، من نَزَع بينهم أي أفسد.
ولم تعترك الظنون، أي لم تزدحم الظنون على يقينهم الذي عقدوه.
والإحَن: جمع إحْنَة، وهي الحقد، يقول : لم تقطح قوادح الحِقد في ضمائرهم.
وما لاق، أي ما التصق، وأثناء صدورهم : جمع ثِني وهي التضاعيف. والرّين: الدنَس والغلبة، قال تعالى: «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ»(2).
وتقترع، من الاقتراع بالسهام، بأن يتناوب كلٌّ من الوساوس عليها. ويروى : «فيفترع» بالفاء، أي تعلو برينها ، فَرَعه، أي علاه.
والغمام: جمع غمامة، وهي السحابة . والدُّلّح: الثّقال، جاء يدلح بجمَلِه ، أي جاء مثَقلاً به . والجبال الشُّمّخ : العالية الشاهقة
وقوله : «في قَترة الظلام» أي سواده. والأيهم : لا يهتدَى فيه، ومنه فلاةً يهماء. والتَّخُوم،بضم التاء : جمع تَخم وهو منتهى الأرض أو القرية، مثل فَلس وفلوس، ويروى : «تَخُوم» بفتح التاء على أنّها واحد، والجمع تُخُم مثل صَبُور وصُبُر .
و ریح هَفَّافة، أي ساكنةَ طيبة، يقول: كأنّ أقدامهم التي خرقتِ الهواء إلى حضيض الأرض رايات بيض تحتها ريح ساكنة ليست مضطربة، فتموج تلك الرايات، بل هي ساكنة تحبسها حيث انتهت، وجاء في الخبر أنّ الإسرافيل جناحين أحدهما في أقصى المشرق والآخر في أقصى المغرب، وأنّ العرش على كاهِله، وإنه ليتضاءل أحياناً لعظمة الله، حتى يعود مثل الوضع وهو العصفور.
ثم قال: «قد استفرغتهم أشغال عبادته تعالى» أي جعلَتهم فارغين إلا منها. ويروى : «ووسلت حقائق الإيمان» بالسين المشددة، يقال : وسَل فلان إلى رَبِّه وسيلة، والوسيلة ما يتقرب به، والجمع وسيل ووسائل، ويقال : وسلتُ إليه وتوسلت إليه بمعنّى .
وسويداوات القلوب: جمع سويداء، وهي حَبّة القلب. والوشيجة في الأصل: عرق الشَّجرة، وهي هنا استعارة. وَحَنْيتُ ضلعي، أي عوجتها. والرِّبَق : جمع ربقة، وهي الحبل.
قوله : «ولم يتولَّهم الإعجاب»، أي لم يستؤل عليهم. والدؤوب: الجدّ والاجتهاد.
والأسلات: جمع أسَلة وهي طرف اللسان ومستدقّه، والجُؤار : الصَّوْت المرتفع، والهَمْس : الصوت الخفيّ ، يقول : ليست لهم أشغال خارجة عن العبادة، فيكون لأجلها أصواتُهم المرتفعة، خافية ساكنة. لا تعدُو، من عَدَا عليه، إذا قهره وظلمه، وهو ها هنا استعارة.
ولا تنتضل الخدائع في هممهم ، استعارة أيضاً من النّضال، وهو المراماة بالسهام. وذو العرش : هو الله تعالى، وهذه لفظة قرآنية، قال سبحانه: « إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا »(1).یعني لابتغوا إلى الله تعالى سبيلاً. وقال تعالى : «ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ »(2)، والاستهتار : مصدر استهتر فلان بكذا، أي لازمه وأولع به .
وقوله : «فَيُنوا» أي فيضعفوا، وني: يني. والجِدّ : الاجتهاد والانكماش.
ثم قال : إنهم لا يستعظمون عبادتهم، ولو أنّ أحداً منهم استعظم عبادَته لأذهب خوفُه رجاءه الذي يتولّد من استعظام تلك العِبادة، يصفهم بعظم التقوى.
والاستحواذ: الغَلبة، والغلّ : الحِقْد وتشعَبتهم : تقسّمتهم وفَرقتهم، ومنة قيل للمنية شَعوب، أي مفرّقة. وأخياف الهمم، أي الهمم المختلفة، وأصله من الخَيْف، وهو كَحل إحدَى العينين دون الأخرى، ومنه المثل : الناس أخْيَاف، أي مختلفون، والإهاب : الجِلْد . والحافد: المسرع ، ومنه الدعاء : اللهمّ إليك نَسعى ونحفِد . واعلم أنّه(علیه السّلام) إنما كَرّر وأكد صفاتهم بما وصفهم به، ليكون ذلك مثالاً يحتذِي عليه أهل العرفان من البشر، فإنّ أعلى درجات البشر أن يتشبه بالملك، وخُلاصة ذلك أمور :
منها العبادة القائمة.
ومنها ألا يدعى أحدٌ لنفسه الحؤل والقوة، بل لا حولَ ولا قوّة .
ومنها أن يكون متواضعاً ذا سكينة ووقار .
ومنها أن يكون ذا يقين لا تقدَحُ فيه الشكوك والشبهات.
ومنها ألّا يكون في صدره إحنة على أحد من الناس.
ومنها شدّة التعظيم والهيبة لخالق الخلق، تبارك اسمه
ومنها أن تستفرغه أشغال العبادة له عن غيرها من الأشغال .
ومنها أنّه لا تتجاوز رغباتُه ممّا عندالله تعالى إلى ما عند غيره سبحانه.
ومنها أن يعقد ضميرَه وقلبه على محبة الله تعالى، ويشرب بالكأس الرويّة من حبِّه .
ومنها عِظَم التقوى بحيث يأمن كلّ شيء عدا الله ، ولا يهاب أحداً إلا الله.
ومنها الخشوع والخضوع والإخبت والذلّ لجلال عزته سبحانه .
ومنها ألّا يستكثر الطاعة والعمل، وإنْ جَلّ وعَظُم.
ومنها عِظَمُ الرجاء الواقع في مقابلة عظم الخوف، فإنّ الله تعالى يحب أن يُرْجَى، كما يحب أن يخاف.
واعلم أنه يجب أن تُعلم أبحاث متعدّدة بالملائكة ويقصد فيها قصد حكاية المذهب خاصة، ونكلُ الاحتجاج والنظر إلى ما هو مذكور في كتبنا الكلاميّة .
البحث الأول : في وجود الملائكة، قال قوم من الباطنية : السبيل إلىَ إثبات الملائكة هو الحسّ والمشاهدة، وذلك أن الملائكة عندهم أهلُ الباطن .
وقالت الفلاسفة: هي العقول المفارقة، وهي جواهر مجرّدة عن المادة لا تعلّق لها بالأجسام تدبيراً، واحترزوا بذلك عن النُّفوس، لأنها جواهر مفارقة إلا أنها تدبر الأبدان، وزعموا أنهم أثبتوها نظراً .
وقال أصحابنا المتكلمون : الطريق إلى إثبات الملائكة الخبرُ الصادق المدلول على صدقه، وفي المتكلّمين مَن زعم أنه أثبت الملائكة بطريق نظريّ، وهو أنّه لما وجد خلقاً من طين وجب في العقل أن يكون في المخلوقات خَلْق من الهواء وخلق من النار فالمخلوق من الهواء هو الملك، والمخلوق من النار الشيطان.
البحث الثاني: في بنية الملائكة، وهيئة تركيبهم ، قال أصحابنا المتكلّمون : إنّ الملائكة أجسامٌ لطاف، وليسوا من لحم ودم وعظام، كما خلق البَشَر من هذه الأشياء. وقال أبو حفص المعوّد القرينسيّ من أصحابنا : إنّ الملائكة من أجسام من لحم وعظم : إنه لا فَرق بينهم وبين البشر وإنما لم يُرَوْا لبعد المسافة بينا وبينهم.
وقد تبعه على هذا القول جماعة من معتزلة ما وراء النهر، وهي مقالة ضعيفة لأنّ القرآن يشهد بخلافه في قوله: « وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ » (1)، وقوله : «إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ » (2)، فلو كانوا أجساماً كثيفة كأجسامنا لرأيناهم .
البحث الثالث: في تكليف الملائكة، حكي عن قوم من الحَشَويّة أنّهم يقولون : إنّ الملائكة مضطرون الله جميع أفعالهم، وليسوا مكلّفين.
وقال جمهور أهل النظر : إنهم مكلّفون .
وحكي عن أبي إسحاق النظام، أنه قال : إنّ قوماً من المعتزلة قالوا : إنّهم جبِلوا على الطاعة لمخالفة خَلْقهم حلقة المكلفين، وأنهم قالوا: لو كانوا مكلّفين لم يؤمن أن يعصوا فيما أمروا به، وقد قال تعالى : «لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ » (3).
وقال قوم: إنّ أكثر الملائكة مكلّفون، وأن فيهم من ليس بمكلّف بل هو مسخر للملائكة المكلفين، كما أنّ في الحيوانات ما هو غير مكلّف، بل هو مسخّر للبشر ومخلوق لمصالحهم
قالوا : ولا ننكر أن يكونَ الملائكة الذين ذكر منهم أنهم غُلُظ الأجسام وعُظُم الخلق والتركيب بحيث تبلغ أقدامهم إلى قرار الأرض، قد جُعِلوا عُمُداً للسَّمَوات والأرض، فهم يحملونها بمنزلة الأساطين التي تحمل السقوف العالية ولم يرشحوا لأمر من الأمور سوی ذلك .
البحث الرابع: فيما يجوز من الملائكة وما لا يجوز، قال شيخنا أبو القاسم: حكى أبو الحسن الخيّاط عن قدماء المعتزلة، أنه لا يجوز أن يَعْصِيَ أحد من الملائكة، ولم يذكر عنهم علّة في ذلك .
وقال قوم: إنهم لا يعصون، ولا يجوز أن يعصُوا لأنهم غير مطيقين الشهوة والغضب فلا داعي لهم إلى المعصية، والفاعل لا يفعل إلا بداعٍ إلى الفعل .
وقال قوم: إنهم لا يعصُون، لأنهم يشاهدون من عجائب صنع الله وآثار هيبته ما يبهرُهم فعل المعصية والقصد إليها ، وكذلك قال تعالى: « وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ » (4).
وقال قوم: إنما لم يَجُزُ أن يعصوا لأن الله تعالى أخبر عنهم أنّهم لا يعصون، ولا ينكَر مع ذلك أن يكون منهم من يتغيّر حاله ويتبدل بها حالة أخرى ويعصي، على ما ورد من خَبَر الملكين ببابل، وخبر إبليس، وإنما يسلب عنهم المعصية ما داموا على حالهم التي هي عليها .
وقال شيوخنا أصحاب أبي هاشم رحمه الله تعالى : إنّ المعصية تجوز عليهم، كما تجوز علينا، إلا أن الله تعالى علم أن لهم ألطافاً يمتنعون معها من القبيح لفعلها، فامتنعوا من فعل القبيح اختياراً ، فكانت حالهم كحال الأنبياء من البشر يقدرون على المعصية ولا يفعلونها، اختياراً من أنفسهم باعتبار الألطاف المفعولة لهم، ولو كان لإبليس أو فرعون أو نمرود الطاف يعلم الله تعالى إذا فعلها فعلوا الواجب، وامتنعوا من فعل القبيح لفعلها بهم، ولكانوا معصومين كالأنبياء والملائكة، لكنّه تعالى علم أنّهم لا يؤمنون ولو فعل مهما فعل، فلا لطف في المعلوم ، وهذا عندهم حكم عام لجميع المكلفين من الإنس والجنّ والملائكة.
البحث الخامس: في أنّ أيّ القبيلين أفضلُ : الملائكة أو الأنبياء؟ قال أصحابنا : نوع الملائكة أفضل من نوع البشر، والملائكة المقرّبون أفضل من نوع الأنبياء، وليس كلّ ملَكٍ عند الإطلاق أفضلَ من محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، بل بعضُ المقربين أفضل منه، وهو (علیه السّلام) أفضل من ملائكة أخرى غير الأولين، والمراد بالأفضل الأكثر ثواباً، وكذلك القول في موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء .والذي يحكيه قومٌ من أرباب المقالات أنّ المعتزلة، قالوا : إنّ أدنى مَلَك في السماء أفضل من محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ليس بصحيح عنهم .
وقال أهل الحديث والأشعرية : إنّ الأنبياء أفضلُ من الملائكة .
وقال الشيعة: الأنبياء أفضل من الملائكة، والأئمة أفضل من الملائكة
وقال قوم منهم ومن الحشَويّة: إنّ المؤمنين أفضلُ من الملائكة.
البحث السادس: في قِدّم الملائكة وحدوثهم، أمّا الفلاسفة القائلون بأنّهم العقول المفارقة، فإنّهم يذهبون إلى قِدم الملائكة .
وقال غيرهم من أهل الملل : إنّهم محدّثون .
وقال قوم من متأخّري الحكماء : إن نفوس البشر إذا فارقت الأبدان بالموت بقيت قائم... بأنفسها غير مدبّرة لشيء من الأبدان، فإن كانت خَيّرة صالحة فهي الملائكة، وإن كانت شِرير رديئة الجؤهر فهي الشياطين، فالملائكة عند هؤلاء محدثون، وعندهم أن هذه النفوس تساء... نفوساً أخرى متعلقة بتدبير الأبدان، إمّا على الخير أو على الشرّ، فما ينسب في الكتب الإلهي... إلى إغواء الشياطين للناس وإضلالهم، فالمراد به تلك النفوس الشرّيرة، وما ينسب فيها إلى إعانة الملائكة لهم على الخير والصلاح، فالمراد به تلك النفوس الخيّرة .
البحث السابع في إبليس: أهو من الملائكة أو ليس منها ؟ قال شيخنا أبو عثمان وجماعة ... أصحابنا : إنه من الملائكة، ولذلك استثناه الله تعالى، فقال: «فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)إِلَّا إِبْلِيسَ »(1).
وقال قوم: إنّه كان من الملائكة بدلالة هذه الآية، لكن الله مَسَخه حيث خالف الأمر، فهو ... المسخ خارج عن الملائكة، وقد كان قبل ذلك مَلَكاً، قالوا: ومعنى قوله : « كَانَ مِنَ الْجِنِّ»(2)أي من خزّان الجنة، وروي ذلك عن ابن عباس، قالوا : ويحمل على معناه أنّه صار ... الجن، فيكون «كان» بمعنى «صار» كقوله تعالى : «كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا » (3)... مَنْ صار ، لأنها لو كانت «كان» على حقيقتها ، لوجب ألا يكلِّم بعضُهم بعضاً، لأنهم كانوا ...بياناً في المُهود.
قالوا: ومعنى صيرورته من الجنّ صيروته ضالاً، كما أنّ الجِنّ ضالّون، لأنّ الكفار بعضهم من بعض، كما قال تعالى : «الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ » (4).
وقال معظم أصحابنا : إنّ إبليس ليس من الملائكة، ولا كان منها، وإنما استثناه الله تعالى ...هم، لأنه كان مأموراً بالسجود معهم، فهو مستثنى من عموم المأمورين بالسجود، لا من ...صوص الملائكة.
البحث الثامن في هاروت وماروت، هل هما من الملائكة أم لا ؟ قال جمهور أصحابنا : ...هما من الملائكة، وإن القرآن العظيم قد صرّح بذلك في قوله:«وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ» (5)، وإنّ الذي أنزل عليهما هو علم السِّحر، ابتلاء من الله تعالى للناس، فمن ...علَّمه منهم وعمل به كان كافراً، ومن تجنبه أو تعلّمه لا ليعمل به ولكن ليتوّقاه كان مؤمناً :... الوا: وما كان هذان الملَكان يعلمان أحداً حتى ينبّهاه وينهياه ،وينصحاه، ويقولا له : « إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ» ، أي ابتلاء واختبار من « فَلَا تَكْفُرْ » ، ولا تتعلّمه معتقداً أنه حقّ . وحكي عن الحسن البصريّ أنّ هاروت وماروت عِلْجان أقلفان من أهل بابل، كانا يعلمان ...لناس السحر، وقرأ الحسن : «عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ » ، بكَسر اللام .
وقال قوم: كانا من الملائكة، فعصيا الله تعالى بالحيف في الحكومة، وقد كان استقضاهما... الأرض، وركَّب فيهما الشهوة والغضب، على نحو ما ركّب في البشر، امتحاناً لهما ، لأنهما قد كانا عيّرا البشر بالمعصية، فلما عصيا حبسهما الله تعالى وعاقبهما بعذاب معجّل ...ألهمهما كلاماً إذا تكلما به سكن بعض ما بهما من الألم، وإنّ السحرة يستمعون ذلك الكلام
فيحفظونه، ويفرقون به بين المرء وزوجه، فإنهما يتقدّمان إلى من يحضرهما عندما يتكلّمان بالزجر عن العمل بذلك الكلام، ويقولان : «إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ »، وهما لم يكفرا، ولا دَعَوا إلى السحر، وإن عذابهما سيقطع وقد جاء في الأخبار ما يوافق هذا .
وقال قوم من الحشويّة : إنّهما شربا الخمر وقتلا النّفس، وزنَيا بامرأة اسمها «باهيد» فمسخت، وهي الزهرة التي في السماء .
الأصل: ومنها في صفة الأرض ودحوها على الماء :
كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجِ مُسْتَفْحِلَةٍ، وَلَجُجِ بِحارٍ زَاجِرَةٍ، تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْواجِها ، ونَصْطَفِقُ مُتَقاذفاتُ أَثباجِها ، وَتَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِياجها ، فَخَضَعَ جِمَاحُ المَاءِ المُتَلاَطِمِ لِيْقَلِ حَمْلِها ، وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِها ، وَذَلَ مُسْتَخْذِياً إِذْ تَمَمَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا ، فَأَصْبَحَ بَعْدَ أصْطخاب أَمْوَاجِهِ ساجِياً مَقْهُوراً، وَفِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقاداً أَسِيراً، وَسَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةٌ فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ، وَرَدَّتْ مِنْ نَحْوَةِ بَارِهِ وَاعْتِلَاتِهِ، وَشُمُوحَ أَنْفِهِ وَسُمُو غُلَوائِهِ، وَكَعَمَتْهُ عَلَى كِفَّةِ جَرْيَتِهِ ، فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ، وَلَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ .
فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الماءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا، وَحَمَلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الشُّمَّحَ الْبُنَّ عَلَى أَكْتَافِهَا ، فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا ، وَفَرَّقَهَا فِي سُهُوبٍ بِيدِهَا وَأَخَادِيدِهَا ، وَعَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا ، وَذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشَّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا ، فَسَكَنَتْ مِنَ المَيَدَانِ لِرَسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَع أَدِيمِهَا ، وَتَغَلْغُلِهَا مُنَسَرِّبَةٌ فِي جَوْبَاتِ خَبَاشِيمِهَا ، وَرُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَجَرَاثِيمَهَا ، وَفَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَبَيْنَهَا ، وَأَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِها ، وَأَخْرَجَ إِلَيْهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا .
ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُبُونِ عَنْ رَوَابِيهَا ، وَلَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا ، حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَانَهَا، وَتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَها، أَلَّفَ غَمامَها بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ، وَتَبايُنِ قَزَعِهِ، حَتَّى إِذَا تَمَخَضَتْ لُجَّةُ المُزْنِ فِيهِ، وَالْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ، وَلَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ في كَنَهُورِ رَبابِهِ، وَمُتَرَاكِمِ سَحابِهِ، أَرْسَلَهُ سَحًا مُتَدَارِكاً ، قَدْ أَسَفَ هَيْدَبُهُ، يَمْرِي الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَا ضِيبِهِ، وَدُفَعَ شَابِيبِهِ .
فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحابُ بَرْكَ بِوَانَيْها، وَبَعَاعَ ما اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْءِ المَحْمُولِ عَلَيْها ،أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الأَرْضِ النَّباتَ، وَمِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الأعْشابَ، فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِياضِها ،
وَتَزْدهِي بِما أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطٍ أَزَاهِيرِها ، وَحِلْيَةِ ما سُمِطَتْ بِهِ مِنْ ناضِرِ أَنْوَارِها ، وَجَعَلَ ذَلِكَ بَلاغاً لِلأنامِ، وَرِزْقاً لِلأَنْعامِ، وَخَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفاتِها ، وَأَقامَ المَنارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادٌ طُرُقِها.
الشرح : كَبَس الأرض، أي أدخلها في الماء بقوة واعتماد شديد، ويقال لضرب من التمر : الكَبيس، لأنه يكبَس حتى يتراصّ. والمؤر: مصدر «مار» أي ذهب وجاء.
ومستفحلة : هائجة هَيَجان الفحول. واستفحل الأمر : تفاقم واشتدّ. وزاخرة، زخر الماء أي امتدّ جدَّا وارتفع. والأواذيّ: جمع اذيّ، وهو الموج وتصطفق : يضرب بعضها بعضاً. والأثباج ها هنا : أعالي الأمواج، وأصل الثَّبَج: ما بين الكاهل إلى الظهر، فنقل إلى هذا الموضع استعارة وترغو: تصوّت صوت البعير، والرغاء: صوت ذات الخُفّ، وفي المثل : «كفي برغائها منادياً» (1)، أي أنّ رُغاء بعير المضيف يقوم مقام ندائه للضيافة والقِرَى . وزَبَدا على هذا منصوب بفعل مقدّر، تقديره : وترغو قاذفةً زبداً ، والزَّبَد: ما يظهر فوق السَّيْل ، يقال : قد أزبد البحر والسّيل، وبحر مُزيد ، أي مالح يقذف بالزبد. والفحول عند هياجها، فحول الإبل إذا هاجت للضّرَاب.
وجماح الماء : صعودُه وغَلَيانه، وأصله من جِماح الفَرَس، وهو أن يعزّ فارسَه ويغلبه.
والجَموح من الرجال: الذي يركَبُ هواه فلا يمكن ردّه. وَخَضَع ذلّ . وهَيْج الماء : اضطرابه، هاج هَيْجاً وهياجاً وهياجاناً، واهتاج، وتهيّج كلّه بمعنّى، أي ثار، وهاجَه غيرُه، يتعدّى ولا يتعدّى . وهيج ارتمائه، يعني تقاذفه وتلاطمه، يقال ارتمى القومُ بالسهام وبالحجارة ارتماء.
و کَلکَلها: صدرها، وجاء کَلکل وكَلكال، وربما جاء في ضرورة الشعر مشدّداً، قال:
كَانَ مَهْوَاهَا عَلَى الْكَلْكُل*** موضعُ كَفَّيْ راهب مُصلّى
والمستخذ: الخاضع، وقد يهمز . وقيل لأعرابيّ في مجلس أبي زيد: كيف تقول: استخذاتُ؟ ليتعّرف منه الهمزة. فقال : العرب لا تستخذىء، وهمزه، وأكثر ما يستعمل مليّناً، وأصله من خَذَا الشيء يحذُو خَذْواً، أي استرخى، ويجوز خَذِيَ، بكسر الذال، وأذُنٌ خَذُواء : بيِّنه الخذاء، أي مسترخية .
وتمعّكت ،تمرغت، مستعار من تَمَعُك الدابة في الأرض، وقالوا معكتُ الأديم أي ما دلكته. وكواهلها: جمع كاهل، وهو بین الكتِفين، ويسمى الحارِك.
1) انظر «مجمع الأمثال» للميداني (22/3 ، برقم (3033) .
واصطحاب أمواجه : افتعال من الصَّخَب، وهو الصياح والجَلَبة ، يقال : صخِب الرجلُ فهو صَخبَان، واصطخب، افعتل منه ، قال :
إن الضَّفادع في الغُدران تَصْطَحِبُ
والساجي: الساكن: والحَكَمة: ما أحاط من اللجام بحنَك الدابة، وكانت العرب تتخذها من القِدّ والأبَق، لأن الزينة لم تكن قصدهم، قال زهير :
القائد الخيْلَ منكوباً دوابُرها*** قد أحكمت حَكمَات القِدّ والأبَقا
واستعار الحَكَمة ها هنا ، فجعل للذلّ حَكَمة ينقاد الماء بها ويذلّ إليها .
ومدحوة: مبسوطة، قال تعالى : «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا » (1). ويجوز أن تكون «مدحوة» ها هنا بمعنى مقذوفة مرميّة ، يقال : دحوتُ الحصاة أي قذفتُها، ويقال للاعب الجوز : ادحُ وأبعد المدى. والتيّار: أعظم الموج. ولجّته: أعمقه والبأو: الكِبر والفخر ، تقول : بأوتُ على القوم أبأي بأوا، قال حاتم :
فَمَا زَادَنَا بأواً على ذِي قَرَابةٍ*** غِنَانا ولا أزْرَى بأحسابنا الفَقْرُ
وهذا الكلام ،استعارة، يقال: كَسَرتِ الأرضُ سورة الماء الجامح كما تُكسر سَوْرة بأو الرجل المتكبر المفتخر والاعتلاء: التِّيه والتكبّر. والشُّموخ: العلوّ، مصدر شَمَخ بأنفه أي تكبَّر، والجبال الشوامخ : الشاهقة والسموّ: العلو، وسمو غلوائه أي غلوّة وتجاوزه الحدّ .
وكَعَمْتُه، أي شدّدت فمه لما هاج، من الكِعَام وهو شيء يجعل في فَم البعير، وبعير مَكْعوم.
والكِظّة : الجهد والثِّقل الذي يعتري الإنسان عند الامتلاء من الطعام، يقول: كعمت الأرض الماء حال كونه محظوظاً لشدة امتلائه وكثرته وازدحام أمواجه. فهمَد أي سكن، همدت النار تهمُد ، بالضمّ هموداً ، أي طفِئت وذهبت البنّةَ. والخمود دون الهمود. والنّزَقات : الخفّة والطيش ، نَزِق الرجل بالكسر ، ينزَق نَزَقاً. والنَّزقات : الدفعات من ذلك .
ولبَد الشيء بالأرض يلبُد ، بالضم لبوداً، أي لصق بها ساكناً . والزَّيفَان: التبختر في المشي، زاف البعيرُ يزيف، والزيّافة من النُّوق المختالة، ويروى : «ولَبَد بعد زَفَيان وثباته»، والزّفيَان: شدة هبوب الريح ، يقال زَفَتْه الريحُ زَفَيَانا، أي طردته، وناقة زَفَيان: سريعة، وقوس زَفَيان: سريعة الإرسال للسهم. وأكنافها: جوانبها، وكتفا الطائر جناحاه، ويقال صِلَاء مُكنَّف، أي أحيط به من جوانبه وتكنفّه القوم واكتنفوه أحاطوا به.
1) سورة النازعات، الآية : 30 .
والجبال الشواهق: العالية، ومثله البذَّخ. والعِرْنين أوّل الأنف تحت مجتمع الحاجبين.
والينابيع : جمع يُنبوع ، وهو ما انفجر من الأرض عن الماء. والشُّهوب : جمع سَهْب، وهو الفَلاة. والبِيد: جمع بَيداء، وهي الفلاة أيضاً .
والأخاديد : جمع أخدود، وهو الشّقّ في الأرض، قال تعالى: «قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ » (1).
والراسيات : الثّقال. والشناخيب: رؤوس الجبال. والشُّمّ: العالية، والجلاميد: الصخور، واحدها جُلمود. والصَّياخيد : جمع صَيْخود، وهي الصخرة الصلبة. والمَيدان : التحرّك والاضطراب، وماد الرجل يميد أي تبختر .ورسوب الجبال: نزولُها رسب الشيء في الماء، أي سَفُل فيه، وسيف رَسُوب : ينزل في العظام.
وقوله : «في قِطَع أديمها» جمع قِطعة، يريد في أجزائها وأبعاضها. ويروى في «قُطَع أديمها» ، بضم القاف وفتح الطاء، الطاء، جمع قُطعة وهي القُطعة مفروزة من الأرض، وحكيَ أن أعرابياً قال ورثتُ من أبي قُطعة. ويروى : «في قطع أديمها» ، بسكون الطاء، والقطع : طِنفِسة الرَّحْل، فنقل ذلك إلى هذا الموضع استعارة، كأنه جعل الأرض ناقة، وجعل لها قطعاً، وجعل الجبال ثابتة في ذلك القطع .
وأديم الأرض: وجهها وظاهرها. وتغلغُل الماء في الشجر : دخوله وتخلّله في أصوله .
وعروقه متسرّبة، أي داخلة، تسرّب الثعلب أي دخل السَّرَب، وجوبات: جمع جَوْبة وهي الفُرجة في جبل أو غيره. وخَياشيمها : جمع خَيْشُوم وهو أقصى الأنف، وتقول: خشمت الرجل خَشماً ، أي كسرت خيشومه. وجراثيمها: جمع جُرثومة، وهي أصل الشجر. وفَسَح: أوسع. ومتنسَّماً ، يعني موضع النّسيم. والأرض الجُرُز التي لا نبات فيها لانقطاع المطر عنها ، وهذه من الألفاظ القرآنية. والروابي : التِّلاع وما علا من الأرض. والجداول: الأنهار الصَّغار جمع جدول . والذّريعة : الوُصلة .
وناشئة سحاب: ما يبتدىء ظهوره. والمَوات، بفتح الميم : القَفْر من الأرض، واللّمع: جمع لُمعة، وهي القطعة من السحاب أو غيره. وتباين قَزَعَه، القَزَع : قطع من السحاب رقيقة واحدها قَزَعة، قال الشاعر :
كان رِعَالَهُ فَرْعُ الجَهَام
وفي الحديث «كأنهم قَزَع «الخريف». وتباينها: افتراقها. وتمخّضت : تحركت بقوة، يقال: تمخّض اللبن إذا تحرّك في الممخضة، وتمخّض الولد: تحرك في بطن الحامل، والهاء في «فيه» ترجع إلى المُزْن، أي تحركّت لجة المُزن في المُزْن نفسه، أي تحرّك من السحاب وسَطُه
1) سورة البروج، الآية : 4 .
وثَبجُه . والتَمع البرقُ ولمع أي أضاء، وكُفَفُه : جمع كُفّه . والكُفّة كالدَّارة تكون في السحاب .
وكان الأصمعيّ يقول : كلّ ما استطال فهو كُفّة بالضم، نحو كُفّة الثوب، وهي حاشيته وكُفّة الرمل، والجمع كِفاف، وكلّ ما استدار فهو كِفّة بالكسر ، نحو كِفّة الميزان، وكِفّة الصائد وهي حُبالته ، والجمع كِفف. ويقال أيضاً كَفَّة الميزان بالفَتح. والوميض: الضياء واللّمعان.
وقوله : «لم ينم» أي لم يفتر ولم ينقطع، فاستعار له لفظة النوم. والكَنَهور : العظيم من السحاب والرّباب الغمام الأبيض، ويقال : إنه السحاب الذي تراه كأنّه دون السحاب، وقد يكون أبيض، وقد يكون أسود، وهو جمع، والواحدَة ربابة، وبه سميت المرأة الرَّباب.
والمتراكم : الذي قد رِكَب بعضُه بعضاً، والميم بدل من الباء. وسَحًا : صبَّا، وسحابةَ سَحُوح، وتَسَحْسَحَ الماءُ : سال، ومطر سَحْسَاح، أي يسحّ شديداً. ومتداركاً : يلحق بعضه بعضاً من غير انقطاع. وأسفّ: دنا من الأرض. وهَيْدَبه : ما تهدّب منه، أي تدلّي كما يتدلّى هَدبُ العين على أشفارها ويَمْري الجَنُوب، وهو بمعنى يحلب ويستدرّ، ويروى «تمريه الجَنُوب»، على أن يعدَّى الفعل إلى المفعولين، كما تقول حلبت الناقة لبناً. ويروى : «تمتري الجَنُوب» وهو بمعنى تَمْرِي، من مريت الفرس وامتريته، إذا استخرجتَ بالسوط ما عنده من الجري. وإنما خَصّ الجنوب بذلك لأنّها الريح التي يكون عليها المطر. والدرر : جمع دِرّة، وهي كثرة اللبن وسيلانه وصبُّه . والأهاضيب: جمع هِضاب، والهِضَاب : جمع هَضْب، وهي خلبات القَطر بعد القطر. والدُّفَع : جمع دُفعة، بالضم وهي كالدُّفقة من المطر بالضم أيضاً والشآبيب : جمع شؤبوب وهي رَشّة قوية من المطر، تنزل دفعة بشدة، والبرك : الصدر وبِوانيها، تثنية بوان على «فعال» بكسر الفاء وهو عمود الخيمة، والجمع بُون بالضم، قال الشاعر :
أَصْبَر مِنْ ذِي ضَاغِطٍ عَركْركِ*** أَلْقَى بِوَانَي زَوْره للمبركِ
ومن روى: «بَوَانِيها» أراد لواصقها، من قولك : قوس بانية إذا التصقت بالوَترَ. والرواية الأولى أصحّ. وبَعاع السحاب: ثقله بالمطر، قال امرؤ القيس :
وألقى بصَحراء الغَبيط بَعاعَهُ*** نُزُولَ الْيَمَانِي بِالْعِيابِ الْمُتَقَلِ
والعبء : الثّقل واستقلت : ارتفعت ونَهضت، وهو أمد الأرض، هي الأرضون التي لا نبات بها . وزُغر الجبال : جمع أزعر، والمراد به قلة العشب والخَلَي : وأصله من الزَّعَر ، وهو قلة الشعر في الرأس ، قال :
مَنْ يَكُ المَّةٍ يُرَجُلُهَا*** فَإِنَّنِي غَيْرُ ضَائِرِي زَعَرِي
وقد زَعَر الرجلُ يَزْعَر : قَلّ شعره. وتبهج تُسرّ وتفرح، تقول : بَهَجَنِي أمرُ كذا بالفتح ، وأبهجني معاً ، أي سَرّني. ومن رواه بضم الهاء أراد يَحْسُنُ ويُملح ، من البهجة، وهي الحُسن، ، يقال بَهج الرجلُ بالضم، بَهَاجَةً، فهو بهيج، أي حسن، قال الله تعالى : « مِنْ كُلِّ زَوْجٍ
بَهِيجٍ » (1)، وتقول : قد أبهجت الأرض بالهمزة، أي بهج نباتُها وحَسُن . وتزدَهِي، أي تتكبّر،وهي اللغة التي حكاها ابن دريد، قال : تقول : زها الرجلُ يَزْهُو زَهْواً، أي تكبّر وعلى هذه اللغة تقول : ازدهى الرجلُ يزدهِي، كما تقول من «علا» اعتلى يعتِلي ، ومن «رمي» ارتمى يرتمِي، وأما مَنْ رواها «وتُزْدَهَي بما ألبِسَته» على ما لم يسمّ فاعله، فهي اللغة المشهورة.
تقول : زُهِي فلان علينا، وللعرب أحرف تتكلّم بها على سبيل المفعول به، وإن كانت بمعنى الفاعل، كقولهم : عُني بالأمر، ونُتِجَت الناقة، فتقول على هذه اللغة : فلان يُرْدَهى بكذا .
والرَّيْط جمع رَيْطة، وهي المُلاءة غير ذاتِ لفْقَين. والأزاهير : النّوْر ذو الألوان. وسمِطَتْ به : علّق عليها السَّموط ،جمع سِمط وهو العقد، ومن رواه «شَمَطت» بالشين المعجمة ، أراد ما خالط سواد الرياض من النّور الأبيض كالأقحوان ونحوه، فصارت الرياض كالشعر الأشمط.
والنّاضر ذو النِّضارة، وهي الحسن والطَّرَاوة .
وبلاغاً للأنام أي كفاية. والآفاق: النواحي والمنار: الأعلام .
وينبغي أن نتكلّم في هذا الموضع في فصول:
ظاهر كلام أمير المؤمنين(علیه السّلام) أن الماء خُلِق قبل الأرض، وقد ذكرنا فيما تقدّم أنّه قولٌ لبعض الحكماء، وأنه موافق لما في التوراة إلا أنَّ في كلامه(علیه السّلام) في هذا الموضع إشكالاً ، وذلك أنّ لقائل أن يقول : كلامُه يشعر بأن هَيَجان الماء وغَلَيانه ومؤجه سَكَن بوضع الأرض عليه، وهذا خلاف ما يشاهد، وخلاف ما يقتضيه العقل، لأنّ الماء الساكن إذا جُعِل فيه جسم ثقيل اضطرب وتموّج، وصعد علوّا، فكيف الماء المتموّج يسكن بطرح الجسم الثقيل فيه ؟
والجواب أنّ الماء إذا كان تموّجه من قِبَل ريح هائجه، جاز أن يسكن هيجانُه بجسم يحول بينه وبين تلك الريح، ولذلك إذا جعلنا في الإناء ماء وروَّحناه بمروحة تموّجه، فإنه يتحرك، فإن جعلنا على سطح الماء جسماً يملأ حافات الإناء وروحناه بالمروحة فإن الماء لا يتحرك، لأن ذلك الجسم قد حال بين الهواء المجتلَب بالمروحة وبين سطح الماء، فمن الجائز أن يكون الماء الأول هائجاً لأجل ريح محرِّكة له، فإذا وضعت الأرض عليه حال بين سطح الماء وبين تلك الريح، وقد مَرّ في كلام أميرالمؤمنين في الخطبة الأولى ذكرُ هذه الريح، فقال: «ريح اعتقمَ مهبّها وأدام مُرَبَّها وأعصف مجراها، وأبعد منشأها ، فأمرها بتصفيق الماء الزخار، وإثارة موج البحار ،فمخضت مَحْض السقاء، وعصفت به عصفها بالفضاء».
1) سورة ق :الآية: 7 .
«فلما سكن هَيْج الماء من تحت أكنافها، وحمَل شواهق الجبال البُذّخ على أكتافها، فجّر ينابيع العيون فيها، وعدّل حركاتها بالراسيات من جلاميدها».
وذلك لأنّ العامل في «لمّا » يجب أن يكون أمراً مبايناً لما أضيفت إليه، مثاله : لما قام زيد قام عمرو، فقام الثانية هي العاملة في «لَمّا»، فيجوز أن تكون أمراً مبايناً لما أضيف «لَمّا» إليه، وهو قيام زيد، وها هنا قد قال(علیه السّلام) : لمَّا حمل الله تعالى شواهق الجبال على الأرض عَدّل حركات الأرض بالجبال، ومعلوم أن أحد الأمرين هو الآخر .
والجواب أنّه ليس أحد الأمرين هو الآخر بعينه، بل الثاني معلول الأول، وموجب عنه لأنّ الأول هو حَمْل الجبال عليها، والثاني تعديل حركاتها بالجبال المحمول عليها، فكأنه قال : حمل عليها الجبال، فاقتضى ذلك الحمل تعديلَ حركاتِها، ومعلومٌ أن هذا الكلام منتظم.
فنقول : إن هذا القول يخالِف قولَ الحكماء، لأن سكون الأرض عند الحكماء لم يكن لذلك، بل لأنها تطلب المركز، وهي حاصلة في حَيّزها الطبيعي، لكنا وإن كان مخالفا لقول الحكماء، فإنّا نعتقده ديناً ومذهباً، ونعدل عن قول الحكماء، لأنّ اتباع قوله(علیه السّلام) أولى من اتباع أقوالهم (1).
فمن ذلك ما رواه عبد الرحمن، ابن أخي الأصمعيّ، عن عمّه قال : سئل أعرابيّ عن مَطر ، فقال :
استقلَّ سَدُّ مع انتشار الطفل، فشصَا واحْزَال، ثم اكفهَرّت أرجاؤه، واحمومَتْ أرحاؤه، وانز عرت فوارقه، و تضاحكَت بوارقه، واستطار وادقه، وأرسعت جُوَبُه، وارتعن هَيْدَبُه ، وحَسَكت أخلافه، واستقلتْ أردافه، وانتشرت أكنافه، فالرعد يرتجس، والبرق يختلِس، والماء ينبجِس، فأترع الغُدُر، وأنبت الوُجُر ، وخلط الأوعال بالآجال، وقرن الصِّيران بالرئال،
1) لقد أثبت العلم الحديث بأن للجبال أثر عظيم جداً في تثبيت الأرض واستقرار القشرة الأرضية التي تعوم فوق طبقات الأرض السائلة المنصهرة فالجبال بمثابة الأوتاد في تثبيت القشرة الأرضية بما لها من وزن وعمق يمتد إلى ضعفي ارتفاع الجبل .
فللأودية هدير وللسّراج خرير، وللتلاَع زَفير، وحطّ النَّبع والعنَم من القُلل الشمّ إلى القيعان الصُّحْم، فلم يبق في القُلَل إلا مَعْصِم مُجْرَجِمْ، أو داحض مُحَرجم، وذلك من فضل رب العالمين، على عباده المذنبين.
قلت : السَّدّ : السحاب الذي يَسُدّ الأفق، وأصل الجبل . والطَّفَل : اختلاط الظلام وانتشارُه حال غروب الشمس. وشصا: ارتفع وعلا. واحَزَالّ: انتصب. واكفهرّت أرجاؤه : غَلُظَتْ نواحيه وجوانبه وتراكمت. واحمومَت: اسودّت مع مخالطة حمرة. وأرجاؤه: أوساطه. وانز عرت : تفرّقت. والفوارق : قِطَعٌ من السحاب تتفرّق عنه مثل فِرَق الأبل، وهي النوق إذا أرادت الولادة فارقت الإبل وبَعدت عنها حيث لا تُرَى. وتضاحكت بوارقُه : لمعت. واستطار : انتشر . والوادِق: ذو الوَدْق، وهو مطر كبار. وأرسعت جُوَبه أي تلاءمت فَرَجُه والتحمت . وارتعن: استرخى . وهَيْدَبُه : ما تدلّى منه . وحَسَكت أخلاقه : امتلأت ضُروعه. وأردافه: مآخره. وأكنافه نواحيه، ويرتجس: يصوّت، والرّجس: الصوت. ويختلس : يستلِبُ البصر. وينبجس ينصب . فأترع الغُدُرَ : مَلأها ، جمع غَدِير. وأنبت الوُجُر : حفرها: جمع وجَار، وهو بيت الضبع. والآجال : جمع إجل، وهو قطيع البقر: والصِّيران مثله، جمع صُوار. والرّئال : جمع رَأْل، وهو فرخ النعام. والهدير: الصوت. والشّراج : جمع شَرْج، وهو مسيل الماء إلى الحَرّة. وخرير الماء. وصوته وزفير التِّلاع: أن تزفر بالماء لفرط امتلائها. والنَّبع : شجر، والعنَم : شجر آخر، وكلاهما لا ينبت إلّا في رؤوس الجبال. والشمّ : العالية. والصُّحْم : السود التي تضرب إلى الصفرة، والمُعْصِم : المعتَصِم الملتجِىء . والمجرجم: المتقبض. والداحض: الزالق الواقع. والمحرجم: المصروع.
ومن ذلك ما رواه أبو حاتم، عن الأصمعي، قال: سألت أعرابيَّا من بني عامر بن صعصعة، عن مطر أصاب بلادَهم، فقال:
نشأ عارضاً، فطلع ناهضاً ، ثم ابتسم وامضاً، فاعتَنّ في الأقطار فأشجاها، وامتدّ في الآفاق فغطّاها، ثم ارتجس فهمهَم، ثم دَوّي فأظلم، فاركّ ودَتْ، وبَغَشَ وطَشّ، ثم قَطقَط فأفرط ، ثم ديَّم فأغمط ، ثم ركد فأثجم ، ثم وَبلَ فسجَم، وجاء فأنعم، فَقَمَس الرُّبا ، وأفرط الزُّبَى سَيْعاً تباعاً، يريد انقشاعاً، حتى إذا ارتوت الحزُون، وتضحضحت المتون، ساقه ربِّكَ إلى حيث يشاء، كما جلبه من حيث شاء.
قلت: العارض: سحاب يعترض في الأفق. واعتنّ: اعترض وأشجاها: ملأها فكان كالشَّجي في حَلْقها . وارتجس: صَوّت والهمهمة : صَوْت الرعد. ودَوّى : أحدث دَوِيًّا . فأظلم: أعدم الضوء من الأرض بتكاثفه . فأرك، أي مطر رکًّا، والركَ: المطر الضعيف،وكذلك الدتُ والبَغْش والطَشّ، وفوق ذلك القَطقَط . ودَيم : صار دِيمةً وهي المطر أياماً لا
يُقلع. وأغمط، أي دام. وأثجَم: أقام. ووَبَل : جاء بالوابل، وهو المطر العظيم: وسَجَم: صَبّ . وأنعم : بالغ وقمسَ : غَوّص في الماء. وأفرط الرُّبى: ملأها ، جمع زُبية، وهي حفيرة تحفر للوحوش في مكان مرتفع. الحُزون : جمع حَزْن، وهو ما غَلُظ من الأرض والمُتون : جمع متن، وهو الصلب من الأرض. وتضحضحت: صار فوقها ضحضاح من
الماء، وهو الرقیق.
ومن ذلك ما رواه أبو حاتم أيضاً، عن الأصمعي، قال: سألت أعرابيَّا عن مَطَر أصابهم بعد جذب، فقال:
ارتاح لنا ربُّك بعد ما استولى اليأس على الظُّنون، وخامر القلوبَ القُنوط، فأنشأ بنوء الجبهة قزَعةً كالقُرْص من قِبَل العَيْن، فاحزالّت عند ترجّل النهار لأدهم السِّرار، حتى إذا نهضت في الأفق طالعة، أمر مسخّرها الجَنوب فتبسّمت لها، فانتثرت أحضانُها ، واحمومَت أركانها ، وبَسَق عَنانها، واكفهرّت رَحاها، وانبعجت كُلاَها، وذمرت أخراها أولاها، ثم استطارت عقائُقها، وارتعجت بوارقها، وتعققت صواعقها، ثم ارتعبت جوانبها، وتداعَتْ سواكبُها ، ودَرّتْ حوالبُها ، فكانت للأرض طَبَقاً شجّ فَهَضَب ، وعَمّ فأحسب، فَعلَ القيعان، وضَحْضَح الغيطان، وصَوَّح الأضواج، وأترع الشّراج، فالحمد لله الذي جعل كفاء إساءتنا إحساناً، وجزاء ظلمنا غفراناً.
قلت: نوء الجبهة محمود عندهم للمطر، والقزعة: القطعة الصغيرة من السحاب. والقُرْص: الترس. والعين ما عن يمينِ قِبلة العراق. وترجّل النهار : انبساط الشمس. والأدهم : أحد ليالي السِّرار، والأحضان: النواحي. واحمومت: اسودّت. وبسَقَ: علا. والعَنَان: ما يعترض من السحاب في الأفق. وانبعجت : انفتقت وذمرت : حضّت والعقائق : البروق. وارتعجت: اهتزّت وارتعدت. وطبقاً ، أي غَطّت الأرض وهَضَب : جاء بالمطر دفعة
فدفعة وأحسب : كفى وعلّ القيعان: سقاها مرّة بعد أخرى، والغِيطان:جمع غائط وهو ما سَفل من الأرض. وصوّح الأضواج: هدم الأجواف. وأترع الشّراج: ملأ المسيلات .
ومن ذلك ما رواه ابن دريد، عن عبدالرحمن، عن عمه الأصمعيّ، قال: سمعت أعرابياً من بني عامر يصف مطراً، قال : نشأ عند القضر ينوء الغَفْر حَياً عارضاً ضاحكاً وامضاً، فكلا ولا ما كان حتى شَجِيَتْ به أقطارُ الهواء، واحتجبت به السماء ثم أطرَق فاكفَهرَ ، وتراكم فادلهمّ، وبَسَق فاز لأمّ، ثم حدت به الريح فخرّ، والبرق مرتعج، والرعد مُنتَوج، والحدج مبتعج، فأنجم ثلاثاً، متحيّراً هثهاثاً، أخلافه حاشكة، ودُفَعه متواشكة، وسَوامه متعاركة. ثم ودّع مُنْجِماً ، وأقلع مُتهماً ، محمود البلاء، مترع النّهاء، مشكور النعماء، بطول ذي الكبرياء.
قلت : القَصْر : العشيّ . والغَفْر من نجوم الأسد. والحيَا : الدّاني من الأرض.
وقوله : «كلا ولا» أي في زمان قصير جداً. وشجيت به الأقطار: صار كالشَّجَي لها . وازلامّ: انتصب والمرتعج : المتدارك والمبتوج: العالي الصوت. والحدَج : السّحاب أوّل ما ينشأ . ويتبعّج : يشقق. وأثجَم : دام متحيّراً ، أي كأنه قد تحيّر لا وجه له يقصده. والهثهات : المداخل . وأخلافه حاشِكة، أي ضروعة ممتلئة. ودُفَعه متواشكة، أي مسرعة. وسَوامه متعاركة، شبَّه قطع السحاب بسَوام الأبل. ومُنجماً : مقلعاً. ومُتهِماً : يسير نحو تهامة .
وذلك لأن هذا الفن لا يوجد منه في كلام غيره ممن تقدّمه إلا ألفاظ يسيرة غير مقصودة، ولكنها واقعة بالاتفاق كما وقع التجنيس في القرآن العزيز اتفاقاً غيرَ مقصود، وذلك نحو قوله : « يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ » (1)، وكما وقعت المقابلة أيضاً غير مقصودة في قوله : «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ » (2)على أنها ليست مقابلة في المعنى، بل من اللفظ خاصة. ولما تأمل العلماء شعر امرىء القيس ووجدوا فيه من الاستعارة بيتاً أو بيتين نحو قوله يصف الليل :
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمطَى بِصُلْبِهِ*** وَأَرْدَفَ أعْجازاً وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
وقوله :
وإن يَكُ قد ساءتكِ مِنّي خليقةٌ*** فَسُلِّي ثيابي مِنْ ثيابِكِ تَنْسُلِ
ولم يُنشَدوا مثل ذلك في أشعار الجاهليّة، حكموا له بأنه إمام الشعراء ورئيسهم. وهذا الفصل من كلام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) قد اشتمل من الاستعارة العجيبة وغيرها من أبواب البديع على ما لو كان موجوداً في ديوان شاعر مكثِر ، أو مترسِّل مكثر لكان مستحقّ التقديم بذلك، ألا تراه كيف وصف الأمواج بأنها مستفحلة، وأنها ترغو رُغاء فحول الأبل. ثم جعل الماءَ جَمّاحاً، ثم وصفه بالخضوع، وجعل للأرض كَلْكَلاً، وجعلها واطئة للماء به، ووصف الماء بالذلّ والاستخذاء لمّا جعل الأرض متمعِّكة عليه كما يتمعّك الحمار أو الفرس، وجعل لها كواهل، وجعل للذل حَكَمة، وجعل الماء في حَكَمه الذلَّ منقاداً أسيراً، وساجياً مقهوراً. وجعل الماء قد كان ذا نخوة وبأو واعتلاء، فردّته الأرض خاضعاً مسكيناً، وطأطأت من شُموخ أنفه، وسُموّ غلوائه، وجعلها كاعمة له، وجعل الماء ذا كِظّة بامتلائه، كما تعتري الكظّة المستكثر من الأكل. ثم جعله ها مداً بعد أن كانت له نزقات، ولا بداً بعد أن كانت له وثبات ،
ثم جعل للأرض أكتافاً وعرانين، وأنوفاً وخياشيم، ثم نفي النوم عن وميض البرق، وجعل الجنوب مارية دِرَرَ السحاب، ثم جعل للسحاب صدراً وبوَاناً ، ثم جعل الأرض مبتهجة مسرورة مزدهاة، وجعل لها ريطاً من لباس الزهور وسُموطاً تحلّى بها . في الله وللعجب من قوم زعموا أن الكلام إنما يفضُل بعضه بعضاً لاشتماله على أمثال هذه الصنعة، فإذا وجدوا في مائة ورقة كلمتين أو ثلاثاً منها، أقاموا القيامة، ونفخوا في الصور، وملأوا الصحف بالاستحسان لذلك والاستظراف ، ثم يمرّون على هذا الكلام المشحون كله بهذه الصنعة على ألطف وجه، وأرصع وجه، وأرشق عبارة، وأدقّ معنى، وأحسن مقصد ، ثم يحملهم الهوى والعصبية على السّكُوت عن تفضيله إذا أجملوا وأحسنوا، ولم يتعصبوا لتفضيل غيره عليه! على أنه لا عجب، فإنه كلام علي(علیه السّلام) ، وحظّ الكلام حظّ المتكلم، وأشبه امراً بعضُ بَزُو!
وهذا آخر الجزء السادس من الأجزاء العشرين من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزليّ على ما جزاء
الموضوع الصفحة
الجزء الثالث
58 - وقال (علیه السّلام) لما عزم على حرب الخوارج وقيل له : إنّ القوم قد عبروا جسر النَّهروان...5
ظهور الغلاة...6
59 - وقال لما قتل الخوارج وقيل له: يا أميرالمؤمنين، هلك القوم بأجمعهم...11
الفرق بين الكناية والتعريض...39
الوليد بن طريف الخارجي (وقتله ورثاء أخته له)...48
خروج ابن عمرو الخثعمي بالجزيرة...49
ذكر طائفة من جماعة الخوارج...50
60 - وقال(علیه السّلام) في الخوارج ...51
في ذكر الخوارج ورجالهم وحروبهم...52
مرداس بن حُدير الناسك...53
عمران بن حطّان...59
الناسك المجتهد المستورد السعدي...62
حوثرة الأسدي ...62
الرُّهين المرادي...63
عباد بن أخضر المازني...64
عمران بن الحارث الراسبي...66
عبدالله بن يحيى طالب الحقّ...67
61 - ومن كلام له(علیه السّلام) لما خوف من الغيلة ...83
الآجال واختلاف الناس فيها...84
62 - ومن خطبة له (علیه السّلام) يحذر من فتنة الدنيا ...88
63 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الاستعداد للموت ...91
64 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في تنزيه الله وتقديسه...96
اختلاف الأقوال في خلق العالم...99
65 - ومن كلام له(علیه السّلام) كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين...106
وقعة صفين...111
الجزء السادس
66 - ومن كلام له(علیه السّلام) في معنى الأنصار ...165
خبر السقيفة ...166
المهاجرون والأنصار بعد بيعة أبي بكر...174
ذكر أمر فاطمة مع أبي بكر وعمر ...194
67 - ومن كلام له(علیه السّلام) لما قلد محمد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل...199
نسب هاشم بن عتبة بن أبي وقاص...200
ولاية قيس بن سعد على مصر...201
ولاية محمد بن أبي بكر ...207
خطبة للإمام(علیه السّلام) عليّ بعد فتح مصر ...266
68 - ومن كلام له(علیه السّلام) في ذم أصحابه ...231
ذمّ الجبن في شعر الشعراء...233
أخبار الجبناء ونوادرهم ...235
69 - وقال(علیه السّلام) في سحرة اليوم الذي ضرب فيه...238
مقتل الإمام علي (علیه السّلام)...239
70 - ومن كلام له(علیه السّلام) في ذم أهل العراق...248
خطبة الإمام علي(علیه السّلام) بعد انقضاء أمر النهروان...253
بعض مما قاله الإمام علي (علیه السّلام) ...254
71 - ومن خطبة له(علیه السّلام) علّم فيها الناس الصلاة على النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )...255
معنى الصلاة على الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )...260
72 - ومن كلام له(علیه السّلام) قاله لمروان بن الحكم بالبصرة ...261
نسب مروان بن الحكم وبعض أخباره ...263
73 - ومن كلام له(علیه السّلام) لمّا عزموا على بيعة عثمان ...274
الإمام علي(علیه السّلام) قبل المبايعة لعثمان...275
74 - ومن كلام له(علیه السّلام) لما بلغه اتهام بني أمية له بالمشاركة في دم عثمان ...276
75 - ومن خطبة له (علیه السّلام)...278
76 - ومن كلام له(علیه السّلام) في بني أمية ...279
77 - ومن كلمات كان (علیه السّلام) يدعو بها ...280
من أدعية رسول الله المأثورة ...281
من أدعية الصحيفة السجادية ...281
آداب الدعاء ...294
78 - ومن كلام له(علیه السّلام) من حرب الجمل في ذم النساء ومن كلام له(علیه السّلام) قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج، وقد قال له : إن سرت يا أميرالمؤمنين في هذا الوقت خشيت ألا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم، فقال (علیه السّلام) : ...296
79 - ومن كلام له(علیه السّلام) بعد فراغه من حرب الجمل في ذمّ النساء ...306
تفسير غريب هذا الخبر ...311
80 - ومن كلام له(علیه السّلام) في الزهد ...318
81 - ومن كلام له(علیه السّلام) في صفة الدنيا ...324
82 - ومن خطبة له (علیه السّلام) وتسمى بالغراء وهي من الخطب العجيبة...325
القبر وسؤال منكَر ونكير ...346
83 - ومن كلام له(علیه السّلام) في ذكر عمرو بن العاص ...350
نسب عمرو بن العاص وأخباره ...351
عبدالله بن العباس ورجالات قريش في مجلس معاوية...363
بعث رسول الله عمراً إلى ذات السلاسل...376
ولايات عمرو بن العاص ونُبذ من كلامه...377
الإمام علي (علیه السّلام) الرجل العبادة لا رجل الدعابة ...380
المزاح وما قيل فيه ...383
84 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في تعظيم الله وتمجيده...393
85 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الوعظ ...396
ذمّ الكذب والكذابين ...401
86 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في صفات من يحبه الله تعالى...404
العباد والزهاد والعارفون ...405
87 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في وصف ما عليه الناس من الخطأ ...418
88 - ومن خطبة له(علیه السّلام) يذكر حال الناس قبل البعثة...420
89 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في عدّ بعض صفات الله تعالى...423
90 - ومن خطبة له(علیه السّلام) تعرف بخطبة الأشباح وهي من جلائل خطبه (علیه السّلام)...426