ghaemiyeh.com
شَرحۡ نَهْج البَلٰاغَةۡ
ابۡن أبيۡ الحَٰديۡد
2-1
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1428ه- - 2007م
دار الكتاب العربة
دار الكتاب العربي
بغداد - شارع المتنبي
تلفون : 4154561 - 7901419375
الطباقة و كان تيرول الرئيسية بيروت، لبنات
خليويت : 03/946161 - 3/115425 - تلفاكس : 1/276408
http://www-Dar-ALamira.com email: info@dar-alamira.com
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1428ه- - 2007م
دار الكتاب العربة
دار الكتاب العربي
بغداد - شارع المتنبي
تلفون : 4154561 - 7901419375
الطباقة و كان تيرول الرئيسية بيروت، لبنات
خليويت : 03/946161 - 3/115425 - تلفاكس : 1/276408
http://www-Dar-ALamira.com email: info@dar-alamira.com
شَرْح نهْج البَلاغَة
ابنۡ أبيۡ الحَٰديۡد
تحقيق
محمَّد ابرۡاهيمۡ
المَجْلّد الأوّلۡ
2-1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحيمِ
الحمد للّٰه الواحد العَدْل. الحمد للّٰه الذي تفرّد بالكمال، فكلُّ كاملِ سواء منقوص، واستوعبَ
عموم المحامد والممادح ، فكلُّ ذي عمومِ عداه مخصوص، الذي وزّع مُنْفِساتِ نعمِه بين مَنْ
يشاء من خَلْقه، واقتضت حكمتُه أن نافسَ الَحاذِقَ في حِذْقه فاحتُسِب به عليه من رزقه، وزَوَى
الدنيا عن الفضلاء فلم يأخذها الشريفُ بشرفه، ولا السابق بسبْقه. وقدّم المفضولَ على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكليف، واختَصّ الأفضلَ من جلائل المآثر ونفائس المفاخر بما يعظُم عن التشبيه، ويَجِلّ عن التكييف. وصلّى اللّٰه على رسوله محمد، الذي المكنّى عنه شُعاع من شمسه، وغصن من غَرْسه، وقوة من قُوَى نفسه، ومنسوب إليه نسبةَ الغدِ إلى يومه واليوم إلى أمسه، فما هما إلاّ سابق ولاحق، وقائد وسائق، وساكت وناطق، ومُجَلِّ ومُصَلِّ، سبقا لمحةَ البارق، وأنارا سُدّفة ،الغاسق، صلّى اللّٰه عليهما ما استُخْلِبَ خَبِيرٌ، وتناوح جراء وتَبِير .
وبعد، فإنّ مراسمَ المولى الوزير الأعظم، الصاحب الصدر الكبير المعظّم العالم العادل المظفّر المنصور المجاهد، المرابط، مؤيّد الدين عضد الإسلام، سيد وزراء الشرق والغرب، أبي طالب محمد بْنُ أحمد بن محمد العلقميّ، نصير أمير المؤمنين - أسبغ اللّٰه عليه من ملابس النعم أضفاها، وأحلّه من مراقب السعادة ومراتب السيادة أشرفَها وأعلاها - لما شرّفتْ عبدَ دولته، وربيبَ نعمته بالاهتمام بشرح «نهج البلاغة» - على صاحبه أفضل الصلوات، ولذكره أطيب التحيات - بادر إلى ذلك
مبادرةَ مَنْ بعثه مِن قبلُ عزْم، ثم حَمَله أمرٌ جَزْم، وشرع فيه بادِىَ الرأي شروع مختِصر، وعلى ذكْر
الغريب والمعنى مقتِصر ، ثم تعقّب الفكر ، فرأى أنّ هذه النُّغبة (1)لا تَشفي أُواماً (2)، ولا تزيد الحائمَ (3)إلا حِياماً ، فتنكّب ذلك المسلك، ورفض ذلك المنهج، وبسط القول في شرحه بسطاً اشتمل على الغريب والمعاني وعلم البيان، وما عساه يشتبه ويُشكل من الإعراب والتصريف وأوْرَد في كلّ موضع ما يطابقه من النظائر والأشباه، نثراً ونظماً، وذكَر ما يتضمّنه من السِّيَر والوقائع والأحداث فصلاً فصلاً .
وأشار إلى ما ينطوي عليه من دقائق علم التوحيد والعدل إشارة خفيفة، ولوَّح إلى ما يستدعي الشرحُ ذكرهَ من الأنساب والأمثال والنّكت تلويحاتِ لطيفة، ورصّعه من المواعظ
الزهدية، والزواجر الدينية، والحِكَم النفسية، والآداب الخلقية، المناسبة لفِقَرِه، والمشاكلة لِدُرره،
والمنتظمة مع معانيه في سِمْط، والمتّسقة مع جواهره في لَطّ (1)
(لطط).
، بما يهزَأ بشنوف النُّضَار، ويُخجِل قطع الرّوض غِبْ القِطار. وأوضحَ ما يوميء إليه من المسائل الفقهيّة، وبرهن على أنّ كثيراً من فصوله داخل في باب المعجزات المحمدية، لاشتمالها على الأخبار الغيبية، وخروجها عن وسع الطبيعة البشرية. وَبَيِّن من مقامات العارفين، التي يَرمِز إليها في كلامه ما لا يعقله إلا العالمون، ولا يُدرِكه إلا الروحانيون المقرّبون.وكشف عن مَقاصده(علیه السلام) في لفظة يرسلها ، ومعضِلَةِ يَكْنِي عنها، وغامضة يعرّض بها، وخَفَايا يُجمجِم بذكرها، وهَناتِ تجيش في صدره فينفُثُ بها نَفْثةَ المصدور، ومُرْمِضاتِ(2)
اشتداد غليان الجوف. القاموس المحيط، مادة (رمض).
مؤلمات يشكُوها فيستريح بشكواهااستراحةَ المكروب.
فخرج هذا الكتاب كتاباً كاملاً في فَنّه، واحداً بين أبناء جنسه، مُمْتِعاً بمحاسنه، جليلةً ،فوائدُه،
شريفة مقاصدُه، عظيماً شأنه، عالية منزلته ومكانه، ولا عجب أن يُتقرّب بسيّد الكتُب إلى سيد
الملوك، وبجامع الفضائل إلى جامع المناقب، وبواحد العصر إلى أوحد الدهر، فالأشياء بأمثالها
أليق، وإلى أشكالها أقرب، وشِبْه الشيء إليه منجذِب، ونحوه دان ومقترب.
ولم يشرحْ هذا الكتاب قبلي - فيما أعلمه - إلا واحد، وهو سعيد بن هبة اللّٰه بن الحسن الفقيه
المعروف بالقُطْب الراونديّ، وكان من فقهاء الإمامية، ولم يكن من رجال هذا الكتاب، لاقتصاره
مدَّةَ عمره على الاشتغال بعلم الفقه وحده، وأنّى للفقيه أن يشرح هذه الفنون المتنوعة، ويخوضَ في هذه العلوم المتشعبة ! لا جَرمَ أن شرحه لا يخفى حالُه عن الذكيّ، وجَرَى الوادي فَطمّ على القَرِىّ. وقد تعرّضتُ في هذا الشرح لمناقضته في مواضع يسيرة اقتضت الحال ذكرها، وأعرضت عن كثير مما قاله، إذ لم أر في ذكرهِ ونقْضِه كبير فائدة.
وأنا قبل أن أشرعَ في الشرح أذكر أقوال أصحابنا رحمهم اللّٰه في الإمامة والتفضيل والبغاة والخوارج. ومُتْبعٌ ذلك بذكر نسب أمير المؤمنين(علیه السلام) ، ولمع يسيرة من فضائله، ثم أثلّث بذكر نسب الرضيّ أبي الحسن محمد بن الحسين الموسويّ رحمه اللّٰه، وبعض خصائصه ومناقبه . ثم أشرع في شرح خطبة «نهج البلاغة» التي هي من كلام الرضيّ أبي الحسن رحمه اللّٰه ، فإذا انتهيت من ذلك كلّه ابتدأت بعون اللّٰه وتوفيقه في شرح كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) شيئاً فشيئاً.
ومن اللّٰه سبحانه استمدّ المعونة واستدرّ أسباب العصمة، وأستميح غمائم الرحمة، وأمتري أخلاف
البركة (1)، وأشيمُ بارق النماء والزيادة، فما المرجوّ إلا فضلُه، ولا المأمول إلا طَوْلُه، ولا الوثوق إلا برحمته، ولا السكون إلا إلى رأفته، (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجَعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَأَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5))(2)
هو أبو الحسن علي بن أبي طالب - واسمه عبد مناف - بن عبد المطلب - واسمه شيبة - ابن
هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف بن قصيّ .الغالبُ عليه من الكنية (علیه السلام)أبو الحسن.
وكان ابنه الحسن (علیه السلام)يدعوه في حياة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)أبا الحسين، ويدعوه الحسين (علیه السلام)أبا الحسن ، ويدعوَان رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) و أباهما، فلما توفِّيَ النبيّ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)دعوَاه بأبيهما .
وكنّاه رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) أبا تراب، وَجَده نائماً في تراب، قد سقط عنه رداؤه، وأصاب التراب جَسَده، فجاء حتى جلس عند رأسه، وأيقظه، وجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول له : «اجلس، إنّما أنت أبو تراب» (3). فكانتْ من أحبّ كناه إليه صلوات اللّٰه عليه، وكان يفرح إذا دُعِيَ بها ، وكانت تُرَغّب بنو أمية خطباءها أن يسبُّوه بها على المنابر، وجعلوها نقيصةً له ووضمة عليه، فكَأَنّما كسوْه بها الحَلْيَ والحُلل، كما قال الحسن البصريّ رحمه اللّٰه .
وكان اسمه الأول الذي سمّته به أمه حَيْدَرة، باسم أبيها أسد بن هاشم - والحيْدرة: الأسد -فغيّر أبوه اسمه، وسمّاه عليا .
وقيل : إن حيدرةَ اسمٌ كانت قريش تسمِّيه به. والقول الأول أصحّ، يدلّ عليه خبرُه يوم بَرز اليه
مَرْحب، وارتجز عليه فقال :
أنا الذي سمّتْنِيَ أُمِّي مَرْحَباً
فأجابه (علیه السلام)رجزاً:
أنا الذي سمّتني أمي حَيْدَرَهُ
ورجَزُهما معاً مشهور منقول لا حاجة لنا الآن إلى ذكره .
وتزعم الشيعة أنه خوطب في حياة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ب «أمير المؤمنين»،
خاطَبه بذلك جِلّة المهاجرين والأنصار، ولم يثبتْ ذلك في أخبار المحدّثين، إلا أنهم قد روؤا ما
يُعطِي هذا المعنى، وإن لم يكن اللفظَ ،بعينه، وهو قول رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) له : «أنت يَعْسُوب الدّين والمالُ یعسوب الظَّلَمة»(1)،وفي رواية أخرى : «هذا يعسوب المؤمنين، وقائد الغرّ
المحجّلين». واليعسوب : ذَكرَ النَّحل وأميرها . روى هاتين الروايتين أبو عبد اللّٰه أحمد بن حنبل
الشيبانيُّ في «المسند»(2)في
كتابه «فضائل الصحابة»، ورواهما أبو نُعَيم الحافظ في «حلية الأولياء» (3).
ودُعِي بعد وفاة رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) بوصيّ رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و
سلم) لوصايته إليه بما أراده . وأصحابنا لا ينكرون ذلك، ولكن يقولون : إنها لم تكن وصيةً
بالخلافة، بل بكثير من المتجددات بعده، أفضى بها إليه(علیه السلام) . وسنذكر طرفاً من هذا
المعنى فيما بعد.
وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، أوّل هاشمية وَلَدَت لهاشميّ، كان عليّ
(علیه السلام)أصغرَ بنيها، وجعفر أسنّ منه بعشر سنينِ، وعقِيل أسنّ منه بعشر سنين، وطالب أسنّ
من عَقِيل بعشر سنين، وفاطمة بنت أسد أمّهم جميعاً .
وأمّ فاطمة بنت أسد فاطمة بنت هرم بن رواحة بن حُجْر بن عبد بن مَعِيص ابن عامر بن لؤيّ. و
أمها حديّة بنت وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر . وأمّها فاطمة بنت عبيد بن منقذ بن عمرو بن بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤيّ. وأمّها سلمى بنت عامر بن ربيعة بن هلال بن أُهَيْب بن ضبّة بن الحارث بن فهر . وأمها عاتكة بنت أبي هَمْهَمَة - واسمه عمرو بن عبد العزيّ - بن عامر بن عُمَيرة بن وديعة بن الحارث بن فِهْر، وأمّها تُماضر بنت عمرو بن عبد
مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي، وأمها حبيبة، وهي أمة اللّٰه بنت عبد ياليل بن سالم بن مالك بن حُطَيط بن جُشَم بن قسيّ، وهو ثقيف. وأمّها فلانة بنت مخزوم بن أسامة بن ضبع بن وائلة بن نصر بن صعصعة بن ثعلبة بن كنانة بن عمرو بن قَيْن بن فَهْم بن عمرو بن قيس بن عَيْلان بن مضر. وأمها رَيْطة بنت يسار بن مالك بن حُطَيْط بن جُن بن جُشَم بن ثقيف. وأمها كلّة بنت حصين بن سعد بن بكر بن هوازن. وأمها حُبّي بنت الحارث ابن
1) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبيره» (6184) ، والعقيلي في الضعفاء (47/2) .
2) المسند للإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ( 241ه-) يشتمل على ثلاثين ألف حديث، وهو كتاب جليل من جملة أصول الإسلام. «كشف الظنون» (2/ 1680).
3) حلية الأولياء في الحديث: للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد اللّٰه الأصبهاني المتوفى سنة (430ه-)، مجلد ضخم، وهو كتاب حسن معتبر يتضمن أسامي جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الأعلام والمحققين والمتصوفة والنساك وبعض أحاديثهم وكلامهم. «كشف الظنون» (689/1)
النابغة بن عميرة بن عوف بن نصر بن بكر بن هوازن. ذكر هذا النسب أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصفهاني في كتاب «مقاتل الطالبيين».
أسلمت فاطمة بنت أسد بعد عشرة من المسلمين، وكانت الحادية عشرة، وكان رسول اللّٰه يكرمها ويعظّمها ويدعوها : «أمي» ، وأوصت إليه حين حضرتْها الوفاة، فَقَبِل وصيتَها، وصلّى عليها ، ونَزَل في لَحدها، واضطجع معها فيه بعد أن ألبسها قميصَه، فقال له أصحابه : إنّا ما رأيناك صنعتَ يارسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) بأحد ما صنعتَ بها ، فقال : «إنّه لم يكن أحدٌ بعد أبي طالب ابرَّ بي منها ، وإنما ألبستُها قميصي لتُكسىَ من حُلَل الجنة، واضطجعتُ معها ليهونَ عليها ضغطة القبر»(1)
وفاطمة أوّل امرَأة بايعت رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)من النساء.
وأمّ أبي طالب بن عبد المطلب فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وهي أم عبد اللّٰه والد سيدنا رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وأمّ الزبير بن عبد المطلب، وسائرُ ولد عبد
المطلب بَعْدُ لأمهات شتى.
واختُلف في مولد عليِّ (علیه السلام)أين كان؟ فكثير من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة، و المحدّثون لا يعترفون بذلك (2)، ويزعمون أنّ المولود في الكعبة حكِيم بن حِزام بن خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بْنُ قصيّ .
واختلف في سنّه حين أظهر النبيّ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)و الدعوة، إذْ تكامل له صلوات اللّٰه عليه أربعون سنة، فالأشهرُ من الروايات أنه كان ابنَ عشر. وكثير من أصحابنا المتكلّمين يقولون :
إنه كان ابن ثلاث عشرة سنة، ذكر ذلك شيخنا أبو القاسم البلخيّ وغيره من شيوخنا .
والأوّلون يقولون : إنّه قتل وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهؤلاء يقولون : ابن ستّ وستين، والروايات في ذلك مختلفة. ومن الناس من يزعم أن سنّه كانت دون العشر، والأكثر الأظهر خلاف ذلك .
وذكر أحمد بن يحيى البلاذريّ وعليّ بن الحسين الأصفهاني أن قريشاً أصابتْها أزمة وقَحْط ، فقال رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)لعمّيه ،حمزة والعباس: «ألا نحمِل ثَقَلَ أبي طالب في هذا
المَحْل!»، فجاؤوا إليه وسألوه أن يدفع إليهم ولَده ليَكْفوه أمرهم ، فقال : دَعُوا لي عَقِيلاً وخذوا
مَنْ شئتم - وكان شديد الحبّ لعَقِيل - فأخذ العباس طالباً، وأخذ حمزة جعفراً، وأخذ محمد
(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)عليَّا ، وقال لهم : «قد اخترت - من اختاره اللّٰه لي عليكم - عليَّا» ، قالوا : فكان عليّ (علیه السلام)في حجر رسول اللّٰه ، منذ كان عمره ستّ سنين .
وكان ما يُسْدِي إليه صلواتُ اللّٰه عليه من إحسانه وشفقته وبِرّه وحسن تربيته، كالمكافأة والمعاوضة لصنيع أبي طالب به، حيث مات عبد المطلب وجَعَله في حِجْره. وهذا يطابق قوله (علیه السلام): لقد عبدتُ اللّٰه قبل أن يعبدَه أحد من هذه الأمة سبع سنين، وقوله: كنت أسمع الصوت وأبصر
الضوء سنين سبعاً، و رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وسلم) حينئذ صامت ما أُذِنَ له في الإنذار والتبليغ، وذلك لأنه إذا كان عمرُه يوم إظهار الدعوة ثلاث عشرة سنة، وتسليمه إلى رسول اللّٰه من أبيه وهو ابن ستّ، فقد صحّ أنه كان يعبد اللّٰه قبل الناس بأجمعهم سبع سنين، وابن ستّ تصحّ منه العبادة إذا كان ذا تمييز، على أنّ عبادةَ مثله هي التعظيم والإجلال وخشوع القلب، واستخذاء الجوارح إذا شاهد شيئاً من جلال اللّٰه سبحانه وآياته الباهرة، ومثلُ هذا موجود في الصبيان.
وقتِل(علیه السلام) ليلة الجمعة لثلاث عشرة بَقِين من شهر رمضان، سنة أربعين في رواية أبي عبد
الرحمن السُّلمِيّ - وهي الرواية المشهورة - وفي رواية أبي مِخْنف أنها كانت لإحدى عشرة ليلةً
بَقِين من شهر رمضان، وعليه الشيعةُ في زماننا . والقول الأول أثبتُ عند المحدّثين، والليلة السابعة عشرة من شهر رمضان هي ليلة بدر، وقد كانت الروايات وردت أنه يقتل في ليلة بدر،(علیه
السلام) .وقبره بالغَرِيّ.
وما يدّعيه أصحاب الحديث - من الاختلاف في قبره، وأنّه حُمِل إلى المدينة، أو أنّه دفِن في رحبة الجامع، أو عند باب قصر الإمارة، أو نَدّ البعير الذي حُمِل عليه فأخذْته الأعراب - باطل كلّه، لا حقيقة له، وأولاده أعرف بقبره، وأولاد كلّ الناس أعرف بقبور آبائهم من الأجانب، وهذا القبر
الذي زاره بنوه لما قَدِموا العراق، منهم جعفر بن محمد (علیه السلام) وغيرهُ من أكابرهم وأعيانهم .
وروي أبو الفرج في «مقاتل الطالبيين» بإسناد ذكره هناك أن الحسين(علیه السلام) لما سئل : أين دفنتم أمير المؤمنين؟ فقال: خرجنا به ليلاً من منزله بالكوفة، حتى مررنا به على مسجد الأشعث،
حتى انتهينا به إلى الظَّهْر بجنب الغَرِيّ.
وسنذكر خبر مقتله(علیه السلام) فيما بعد.
فأما فضائله(علیه السلام) ، فإنها قد بلغت من العِظَم والجلالة والانتشار والاشتهار مبلغاً يسمُجُ معه التعرّض لذكرها، والتصدِّي لتفصيلها، فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد اللّٰه بن يحيى بن
خاقان وزير المتوكل والمعتمد : رأيتُني فيما أتعاطَى من وصف فضلك، كالمخبرِ عن ضَوْء النهار الباهر، والقمرِ الزاهر، الذي لا يخفى على الناظر، فأيقنت أنِّي حيث انتهى بيَ القولُ منسوب إلى العجر، مقصر عن الغاية ، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبارَ عنك إلى علم الناس بك.
وأما أقولُ في رجل أقَرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جَحْدُ مناقبه، ولا كتمانُ فضائله، فقد علمتَ أنه استولى بنو أميةَ على سلطان الإسلام في شرق الأرضِ وغربها ، واجتهدوا بكلّ حيلة في إطفاء نوره، والتحريض عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعّدوا ،مادِحيه بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمّن له فضيلة، أو يرفع له ذكراً، حتى حظَروا أنْ يسمِّى أحد ،باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعةً وسُمُوِّا ، وكان كالمسك كلّما سُتِر انتشر عَرْفه، وكلّما كُتِم تَضوَّع نَشره، وكالشمس لا تُسْتَر بالراح، وكضوْء النهار إن حُجِبت عند عين واحدة، أدركته عيون كثيرة .
وما أقول في رجل تُغزَى إليه كلُّ فضيلة، وتنتهي إليه كل فِرْقة، وتتجاذبه كلُّ طائفة، فهو رئيس الفضائل ويَنبوعها ، وأبو عُذْرِها، وسابق مضمارها ومجلِّي حَلْبتها ، كلُّ مَنْ بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى.
وقد عرفت أنّ أشرف العلوم هو العلم الإلٰهيّ ، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم. ومن كلامه(علیه السلام) اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ، فإنّ المعتزلة - الذين هم أهلُ التوحيد والعدْل، وأرباب النظر، ومنهم تعلَّم الناس هذا الفن - تلامذتُه وأصحابه، لأنّ كَبيرَهم واصل بن عطاء تلميذُ أبي هاشم عبد اللّٰه محمد بن الحنفيَّة، وأبو هاشم تلميذ أبيه ، وأبوه تلميذه(علیه السلام) . وأما الأشعريّة فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن عليّ بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعريّ، وهو تلميذ أبي عليّ الجُبّائيّ، وأبو عليّ أحد مشايخ المعتزلة، فالأشعريّة ينتهون بآخَرَةِ إلى أستاذ المعتزلة ومعلّمهم، وهو عليّ بن أبي طالب (علیه السلام).
وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر .
ومن العلوم علم الفقه، وهو(علیه السلام) أصله وأساسه، وكلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه، ومستفيد من فقهه، أما أصحابُ أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة، وأما الشافعيّ فقرأ على محمد بن الحسن، فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة، وأما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعيّ، فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حينفة، وأبو حنيفة قرأ على
جعفر بن محمد(علیه السلام) ، وقرأ جعفر على أبيه(علیه السلام) ، وينتهى الأمر إلى عليّ (علیه السلام). وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي، وقرأ ربيعة على عِكْرمة، وقرأ عكرمة على عبد اللّٰه بن عباس، و قرأ عبد اللّٰه بن عباس على عليّ بن أبي طالب، وإن شئت فرددتَ إليه فقه الشافعيّ بقراءته على مالك كان لك ذلك، فهؤلاء الفقهاء الأربعة.
وأما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر. وأيضاً فإنّ فقهاء الصحابة كانوا : عمر بن الخطاب و عبداللّٰه بن عباس، وكلاهما أخذ عن عليّ (علیه السلام). أما ابنُ عباس فظاهر، وأما عمر عَرَف كلّ أحدٍ رجوعَه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلي غيره من الصحابة، وقولَه غير مرّة: «لولا علىٌ لهلك عمر»(1)، وقوله: «لا بقيتُ لمعضلة ليس لها أبو الحسن»(2)، وقوله : «لا يُفتِينَّ أحد في المسجد وعليّ حاضر»(3)، فقد عُرِف بهذا الوجه أيضاً انتهاء الفقه إليه .
وقد روت العامة والخاصّة قوله(علیه السلام) : «أقضاكم عليّ» (4)، والقضاء هو الفقه، فهو إذاً أفقهُهُم . وروى الكلّ أيضاً أنه(علیه السلام) قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضياً : «اللهم اهدِ قلبه وثبِّت لسانه» (5)، قال : فما شككتُ بعدها في قضاء بين اثنين، وهو(علیه السلام) الّذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر، وهو الذي أفتى في الحامل الزانية، وهو الذي قال في المنبريّة : صارثَمُنها تُسْعاً. وهذه المسألة لو فكّر الفَرَضِيّ فيها فكراً طويلاً لاستَحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب، فما ظنّك قاله بديهة، واقتضبه ارتجالاً !
ومن العلوم علم تفسير القرآن، وعنه أُخِذَ ، ومنه فُرّع . وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمتَ صحة ذلك، لأنّ أكثره عنه وعن عبد اللّٰه بن عباس، وقد علم الناس حالَ ابن عباس في ملازمته له، وانقطاعه إليه، وأنّه تلميذُه وخرّيجه . وقيل له: اين علمك من علم ابن عمّك ؟ فقال : كنِسْبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط .
ومن العلوم علمُ الطريقة والحقيقة وأحوال التصوّف، وقد عرفتَ أن أربابَ هذا الفنّ في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون، وعنده يقفون، وقد صرّح بذلك الشِّبْليّ، والْجُنَيد، وسَرِيّ،
1) ذكره ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص (162).
2) رواه الشبلنجي في نور الأبصار : 161، وسبط ابن الجوزي في التذكرة: 137 .
3) رواه العلامة المجلسي في بحار الأنوار: 141/41.
4) أخرجه البخاري موقوفاً إلى سيدنا عمر، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله : (مَا نَنسَحْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَير مِنْهَآ ) (4481) ، وأحمد في «مسنده» (20581) .
5) أخرجه أبو داود، كتاب: الأقضية، باب: كيف القضاء (3582) ، وابن ماجه، كتاب الأحكام، باب: ذكر القضاة (2310)، وأحمد في «مسنده» (884).
وأبو يزيد البِسْطاميّ ، وأبو محفوظ معروف الكرخيّ ، وغيرهم. ويكفيك دَلالة على ذلك الخِرْقة التي هي شعارهم إلى اليوم، وكونهم يُسِندونها بإسناد متّصل إليه (علیه السلام).
ومن العلوم علم النّحو والعربية، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأمْلَى على أبي الأسود الدؤلي جوامعَه وأصوله، من جملتها: الكلام كلّه ثلاثة أشياء : اسم وفعل وحرف، ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة، وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم، وهذا يكاد يُلحق بالمعجزات، لأن القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر، ولا تنهض بهذا الاستنباط .
وإن رجعت إلى الخصائص الخُلقيّة والفضائل النفسانية والدينية وجدتَه ابن جَلاها وطلاّع ثناياها.
وأما الشجاعة فإنه أنسَى الناسَ فيها ذكر مَنْ كان قبله، ومحا اسمَ من يأتي بعده، ومقاماتُه في الحرب مشهورة يُضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة، وهو الشجاع الذي ما فرّ قطّ، ولا ارتاع من كَتيبة، ولا بارز أحداً إلا قتله، ولا ضرب ضربة قطّ فاحتاجت الأولى إلى ثانية، وفي الحديث : «كَانَتْ ضَرَباته وتراً» (1). ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما ، قال له عمرو : لقد أنصفك، فقال معاوية:ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرِق! أراك طمعت في إمارة الشام بعدي! وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته، فأما قتلاه فافتخارُ رهطِهم بأنه(علیه السلام) قتَلهم أظهرُ وأكثر ، قالت أخت عمرو ابن عبد وَدّ ترثيه :
لو كان قاتل عمرِو غيرَ قَاتِلِهِ*** بكيتُه أَبَداً ما دُمْتُ في الأبدِ
لكن قاتِلَهُ مَنْ لا نظير له*** وكان يُدْعَى أبو بَيْضة الْبَلَدِ
وانتبه يوماً معاوية، فرأى عبد اللّٰه بن الزُّبير جالساً تحت رجليه على سريره فقعد، فقال له عبد اللّٰه يداعبه : يا أمير المؤمنين، لو شئت أن أفتِك بك لفعلت، فقال : لقد شَجُعت بعدنا يا أبا بكر! قال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفتُ في الصف إزاء عليّ بن أبي طالب! قال : لا جَرَم، إنّه قتلك وأباك بيسرى يديه، وبقيتِ اليمنى فارغةً، يطلب مَنْ يقتله بها .
وجملة الأمر أن كلَّ شجاع في الدنيا إليه ينتهي، وباسمه ينادي في مشارق الأرض ومغاربها .
1) انظر الصراط المستقيم للعاملي: 161/1 ، وبحار الأنوار للمجلسي: 143/41 .
وأما القوّة والأيْد فيه يُضرب المثل فيهما ، قال ابن قتيبة في «المعارف» (1): مَا صَارعَ أحداً قطّ إلا صرَعه. وهو الذي قَلع باب خَيْبَر، واجتمع عليه عُصبة من الناس ليقلِبوه فلم يقلبوه، وهو الذي اقتلع هُبَلَ من أعلى الكعبة وكان عظيماً جداً، وألقاء إلى الأرض. وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته(علیه السلام) بيده بعد عَجْز الجيش كله عنها ، وأنبط الماء من تحتها
وأمّا السخاء والجود فحاله فيه ظاهرة، وكان يصوم ويَطْوي ويُؤثر بزاده، وفيه أنزل :(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9))(2). وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرًّا وبدرهم ،علانية، فأنزل فيه : (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاليْلِ وَالنَّهَارِ سِراً وَعَلَانِيَةً ) (3)وروي عنه أنه كان يَسقِي بيده لنخْلِ قوم من يهود المدينة، حتى مَجَلَت يده، ويتصدق بالأجرة، ويشدُّ على بطنه حجَراً. وقال الشعبيّ وقد ذكره (علیه السلام): كان أسخَى الناس كان على الخُلُق الذي يحبّه اللّٰه :
السخاء والجود ما قال : «لا» لسائل قطّ .
وقال عدوّه ومُبْغضِه الذي يجتهد في وَصْمِه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمِحْفَن بن أبي محْفَن الضبيّ لما قال له : جنتك مِنْ عند أبخل الناس، فقال: ويحك! كيف تقول إنه أبخل الناس، لو مَلَك بيتاً من تِبْر وبيتاً من تبن لأنفد تِبْره قبل تِبْنِه .
وهو الذي كان يكنُس بيوت الأموال ويصلّى فيها . وهو الذي قال: يا صفراء، ويا بيضاء ، غرّي غيري، وهو الذي لم يخلِّفْ ميراثاً، وكانت الدنيا كلّها بيده إلاّ ما كان من الشام.
وأما الحلم والصفح فكان أحلمَ الناس عن ذَنْب، وأصفحَهم عن مسيء، وقد ظهر صحّة ما قلناه يومَ الجمل، حيث ظفرِ بمرْوان بن الحكم - وكان أعدَى الناس له، وأشدَّهم بغضاً - فصفح عنه وكان عبد اللّٰه بن الزبير يشتِمه على رؤوس الأشهاد، وخطب يوم البصرة فقال : قد أتاكم
الوَغْد اللئيم عليّ بن أبي طالب. وكان عليّ (علیه السلام) يقول : ما زال الزبير رجلاً منّا أهل البيت حتى شبّ عبد اللّٰه، فظفر به يوم الجمل، فأخذه أسيراً، فصفح عنه ، وقال : اذهب فلا أرَينَّك لم يزده على ذلك .
وظفِر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكّة - وكان له عدوًا - فأعرض عنه ولم يقلْ له شیئاً.
وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره، فلما ظفِر بها أكرمها، وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممَّهَنّ بالعمائم وقلّدهمّ بالسيوف، فلما كانت ببعض الطريق من ذكرتْه بما لا يجوز أن يُذكَر به، وتأفّفت وقالت : هَتَك ستري برجاله وجنده الذين وكَلَهم بي. فلما وصلت المدينةَ ألقى النساء عمائمهنّ، وقلن لها : إنما نحن نسوة.
وحاربه أهل البصرة، وضربُوا وجهه ووجوه أولاده بالسيوف، وشتموه ولعنوه، فلما ظفر رفع السيف عنهم ، ونادَى مناديه في أقطار العسكر: ألا لا يُتبع مُولٌ، ولا يُجهَزُ على جَرِيح، ولا يقُتَل مستأسر ، ومَنْ ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيّز إلى عسكر الإمام فهو آمن. ولم يأخذ أثقالَهم ، ولا سبيَ ذراريَّهم، ولا غَنِم شيئاً من أموالهم، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو، وتقيّل سنة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)يوم فتح مكة، فإنه عفا والأحقاد لم تبرد، والإساءة لم تُنْسَ.
ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء، وأحاطوا بشريعة الفرات، وقالت رؤساء الشام له : اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشاً، سألهم عليّ (علیه السلام) وأصحابه أن يشرعوا لهم شِرْبَ الماء، فقالوا : لا واللّٰه ولا قطرة حتى تموت ظماً كما مات ابن عفان، فلما رأى(علیه السلام) أنه الموتُ لا محالَة تقدّم بأصحابه، وحمل على عساكر معاوية حَمَلاتٍ كثيفة، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذَريع، سقطت منه الرؤوس والأيدي، وملكوا عليهم الماء، وصار أصحاب معاوية في الفَلاة، لا ماءَ لهم، فقال له أصحابه وشيعتُه : امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك، ولا تَسقِهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذهم قبضاً بالأيدي فلا حاجة لك إلى الحرب، فقال: لا واللّٰه لا أكافئهم بمثل فعلهم، أَفْسِحوا لهم عن بعض الشَّريعة، ففي حدّ السيف ما يغني عن ذلك. فهذه إن نَسَبتْهَا إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالاً وحسناً، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلِق بمثلها أن تصدر عن مثله (علیه السلام)!
وأما الجهاد في سبيل اللّٰه فمعلوم عند صديقه وعدوّه أنه سيّد المجاهدين، وهل الجهاد لأحد من الناس إلا له! وقد عرفت أنّ أعظم غزاة غزاها رسول اللّٰه(صلی الله علیه و آله و سلم) وأشدّها نكاية في
المشركين بدر الكبرى، قُتِل فيها سبعون من المشركين قَتَل عليّ نصفَهم، وقَتل المسلمون والملائكة النصف الآخر. وإذا رجعتَ إلى مغازي محمد بن عمر الواقديّ وتاريخ الأشراف لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذُريّ وغيرهما علمت صحة ذلك، دعْ مَن قتله في غيرها كأحُد والخندق وغيرهما، وهذا الفصل لا معنى للإطناب فيه، لأنه من المعلومات الضرورية، كالعِلم بوجود مكّة ومصر ونحوهما.
وأمّا الفصاحةُ فهو(علیه السلام) إمام الفصحاء، وسيد البلغاء، وفي كلامه قيل : دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين. ومنه تعلّم الناس الخطابة والكتابة، قال عبد الحميد بن يحيى: حفظتُ سبعين خطبة من خطب الأصلع، ففاضت ثم فاضت. وقال ابن نُباتة : حفظت من الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة ،حفظت مائة فصل من مواعظ عليّ بن أبي
طالب.
ولما قال مِحْفن بن أبي مِحْفن لمعاوية : جئتك من عند أعْيَا الناس، قال له : ويحك ! كيف يكون أعيا الناس! فواللّٰه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره. ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارَي في الفصاحة، ولا يبارَي في البلاغة. وحسبك أنه لم يدوَّنْ لأحدٍ من فصحاء الصحابة العُشْر ولا نصف العُشْر مما دُوِّن له، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب «البيان والتبيين» (1)وفي غيره من كتبه .
وأما سجاحة الأخلاق، وبِشْر الوجه، وطلاقة المحيَّا والتبسم، فهو المضروبُ به المثل فيه، حتى عابه بذلك أعداؤه، قال عمرو بن العاص لأهل الشام: إنه ذو دُعَابة شديدة. وقال عليّ (علیه السلام) في ذاك: عجباً لابن النابغة! يزعم لأهل الشام أن فيّ دعابة، وأنّي امرؤ تِلْعابة، أعافِس وأمارس. وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله له لما عزم على استخلافه : للّٰه أبوك لولا دُعابة فيك! إلا أن عمر اقتصر عليها، وعمرو زاد فيها وسمّجها .
قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه : كان فينا كأحدنا، لين جانب، وشدّة تواضع، وسهولة قياد، وكنا نها به مهابة الأسير المربوط للسيّاف الواقف على رأسه.
وقال معاوية لقيس بن سعد: رحِم اللّٰه أبا حسن، فلقد كان هشَّا بشَّا، ذا فكاهة . قال قيس:
1) «البيان والتبيين»: لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري المعتزلي، المتوفى سنة ( 255ه-) . «كشف الظنون» (263/1).
نعم، كان رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) يمزَحُ ويبتسم إلى أصحابه، وأراك تُسرّ حَسْواً في ارتِغاء، وتعيبه بذلك ! أما واللّٰه لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيَبَ من ذي لِبْدتْين قد مسّه الطَّوى، تلك هيبة التقوى، وليس كما يهابك طَغامُ أهل الشام .
وقد بقيَ هذا الخُلُق متوارَثاً متناقَلاً في محبِّيه وأوليائه إلى الآن، كما بقيَ الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر، ومَنْ له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك .
وأمّا الزهد في الدنيا فهو سيّد الزهاد، وبدَل الأبدال، وإليه تشدُّ الرحال، وعنده تُنْفَضُ الأحلاس، ما شِبعَ مِن طعام قطّ. وكان أخشنَ الناس مأكلاً وملبساً، قال عبد اللّٰه بن أبي رافع: دخلت إليه يوم عيد، فقدّم جِراباً مختوماً، فوجدنا فيه خبزَ شعير يابساً مرضوضاً، فقُدّم فأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين، فكيف تختمِه؟ قال : خفت هذين الولدين أن يُلتّاه بسمن أو زيت .
وكان ثوبه مرقوعاً بجلد تارة وليف أخرى، ونعلاه من ليف. وكان يلبَس الكِرْباسَ الغليظ، فإذا وجد كمه طويلاً قطعه بشَفرة، ولم يخِطْه، فكان لا يزال متساقطاً على ذراعيه حتى يبقى سَدَى لا لُحْمَة له. وكان يأتدم إذا ائتدم بخلّ أو بملح، فإن ترقّى عن ذلك فبعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل. ولا يأكل اللحم إلاّ قليلاً، ويقول : لا تجعلوا بطونَكم مقابر الحيوان. وكان مع ذلك أشدّ الناس قوّة وأعظمهم أیْداً، لا يُنقِض الجوع قُوّته، ولا يَخُوِّن الإقلالُ مُنّته. وهو الذي طلّق الدنيا، وكانت الأموال تُجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلا من الشام، فكان يفرّقها ويمزقها، ثم يقول :
هذا جَنَايَ وخِيارُه فيه*** إذْكُلّ جان يدُه إلى فية
وأمّا العبادة فكان أعبدَ الناس وأكثرَهم صلاة وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل، وملازمة الأوراد وقيام النافلة، وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على وِرده أن يُبْسَطُ له نِطعٌ بين الصفّين ليلة الهرِير، فيصلي عليه ورْده، والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صِماخيهِ يميناً وشمالاً ، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرُغ من وظيفته! وما ظنك برجل كانت جبهته كثَفِنَة البعير لطول سجوده!
وأنت إذا تأمّلت دعواتِه ومناجاتهِ، ووقفتَ على ما فيها من تعظيم اللّٰه سبحانه وإجلاله، وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته، والخشوع لعزّته واستخذاء له، عرفتَ ما ينطوي عليه من الإخلاص، وفهمت من أيّ قلب خرجتْ، وعلى أيّ لسان جرت؟
وقيل لعليّ بن الحسين(علیه السلام) - وكان الغايةَ في العبادة: أين عبادتك من عبادة جَدّك ؟ قال :
عبادتي عند عبادة جدّي كعبادة جدّي عند عبادة رسول اللّٰه(صلی الله علیه و آله و سلم).
وأما قراءته القرآن واشتغاله به فهو المنظور إليه في هذا الباب، اتفّق الكلّ على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وسلم) ، ولم يكن غيره يحفظه، ثم هو أوّلُ مَنْ جَمَعه ، نقلوا كلهم أنّه تأخّر عن بيعة أبي بكر، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة، بل يقولون: تشاغل بجمع القرآن، فهذا يدلّ على أنه أوّلُ مَن جمع القرآن، لأنه لو كان مجموعاً في حياة رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) لما احتاجَ إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) . وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه، كأبي عمرو بن العلاء وعاصم ابن أبي النَّجود وغيرهما، لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ القارىء، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه، وعنه أخذ القرآن، فقد صار هذا الفنّ من الفنون التي تنتهي إليه أيضاً، مثل كثير مما سبق .
وأمّا الرأي والتدبير فكان من أسَدِّ الناس رأياً، وأصحِّهم تدبيراً، وهو الذي أشار على عمر بن الخطاب لما عزم على أن يتوجّه بنفسه إلى حرب الروم والفرْس بما أشار. وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها، ولو قبلها لم يحدُث عليه ما حدث. وإنّما قال أعداؤه: لا رأيَ له، لأنه كان متقيّداً بالشريعة لا يرى خلافَها، ولا يعمل بما يقتضي الدِّينُ تحريمه. وقد قال (علیه السلام): لولا الدينُ والتّقى لكنتُ أدهى العرب. وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلِحُه ويستوقفه، سواء أكان مطابقاً للشرع أم لم يكن، ولا ريب أنّ مَنْ يعمل بما يؤدّي إليه اجتهاده ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه، تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب، ومَن كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنيوية إلى الانتثار أقرب .
وأما السياسةُ فإنه كان شديدَ السياسة، خشناً في ذات اللّٰه ، لم يراقب ابنَ عمّه في عمل كان ولاّه إياه، ولا راقب أخاه عَقِيلاً في كلام جَبَهه به. وأحرق قوماً بالنار، ونقض دار مَصْقَلة بن هُبَيرة ودار جرير ابْنُ عبد اللّٰه البَجَليّ وقطع جماعةً وصلب آخرين .
ومن جملة سياسته في حروبه أيام خلافته بالجمل وصِفّين والنهروان، وفي أقلّ القليل منها مقْنَع، فإنّ كلَّ سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشر مِمَّا فعل(علیه السلام) في هذه الحروب بيدِه وأعوانه .
فهذه هي خصائص البَشَر ومزاياهم قد أوضحنا أنه فيها الإمام المتبع فعلُه، والرئيس المقتفى أثره .
وما أقول في رجلِ تحبّه أهلُ الذّمة على تكذيبهم بالنبوّة، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملّة، وتصوِّرُ ملوك الفرنج والروم صورتَه في بَيعها وبيوت عباداتها ، حاملاً سيفَه،
مشمّراً لحربه، وتصوِّر ملوك الترك والدّيْلم صورته على أسيافها! كان على سيفِ عَضُد الدولة بن بُوَيْه وسيف أبيه ركن الدولة صورتُه، وكان على سيف إلب أرسلان وابنه مَلكشاه صورته، كأنهم يتفاءلون به النصر والظفر .
وما أقولُ في رجل أحبّ كلُّ واحدِ أن يتكثّر به، وودّ كلُّ أحدِ أن يتجمّل ويتحسّن بالانتساب إليه، حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدّها ألا تستحسنَ من نفسك ما تستقبحه من غيرك، فإنّ أربابها نسبوا أنفسهم إليه، وصنّفوا في ذلك كتباً، وجعلوا لذلك إسناداً أنهوْه إليه، وقصَروه عليه، وسَمَّوْه سيّدَ الفتيان، وعضدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المرويّ، أنه سُمِع من السماء يوم أحُد :
لا سيفَ إِلا ذو الفَقَا*** رِولا فَتىَ إلا علي
وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيّد البطْحاء، وشيخ قريش، ورئيس مكة، قالوا : قلّ أنْ يسوَّد فقير وساد أبو طالب وهو فقير لاَ مال له، وكانت قريش تسميّه الشيخ.
وفي حديث عفيف الكنديّ، لما رأى النبي (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) يصلّي في مبدأ الدعوة، ومعه غلام وامرأة، قال: فقلت للعباس: أيّ شيء هذا؟ قال: هذا ابن أخي، يزعم أنه رسولٌ من اللّٰه إلى الناس، ولم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام - وهو ابن أخي أيضاً - وهذه الامرأة، وهي زوجته -قال: فقلتُ : ما الذي تقولونه أنتم؟ قال : ننتظر ما يفعل الشيخ - يعني أبا طالب. وأبو طالب هو الذي كَفَل رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)صغيراً، وحماه وحاطه كبيراً، ومنعه من مشركي قريش، ولقِيَ لأجله عَنَتاً عظيماً، وقاسى بلاء شديداً، وصبرَ على نصره والقيام بأمره، وجاء في الخَبر أنّه لما توفّيَ أبو طالب أوحِي إليه(علیه السلام) وقيل له : اخرج منها ، فقد مات ناصرك .
وله مع شرف هذه الأبوة أن ابن عمه محمد سيدُ الأولين والآخرين وأخاه جعفر ذو الجناحين، الذي قال له رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) : «أشبَهْتَ خَلقي وخُلُقي» (1)، فمرّ يحجل فرحاً، وزوجته سيدة نساء العالمين، وابنيه سيّدا شباب أهل الجنة، فآباؤه آباء رسول اللّٰه، وأمهاته أمهات رسول اللّٰه، وهو مسوط بلحمه ودمه، لم يفارقه منذ خلق اللّٰه آدم، إلى أن مات عبد المطلب بين الأخوين عبد اللّٰه وأبي طالب وأمّهما واحدة، فكان منهما سيّدَ الناس، هذا الأول وهذا التالي، وهذا المنذر وهذا الهادي!
وما أقول في رجل سَبَق الناس إلى الهدى، وآمن باللّٰه وعبدَه . وكلّ من في الأرض يعبد
1) أخرجه البخاري، كتاب: الصلح، باب: كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان (2700)، والترمذي، كتاب: المناقب، باب: مناقب جعفر بن أبي طالب (3765)، وأحمد في «مسنده»(859).
الحجر، ويجحد الخالق، لم يسبِقْه أحد إلى التوحيد إلا السابق إلى كلّ خير محمد رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم).
ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه (علیه السلام)أوّل الناس اتباعاً لرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله وسلم) إيماناً به، ولم يخالف في ذلك إلا الأقلّون. وقد قال هو(علیه السلام) : أنا الصدّيق الأكبر، وأنا الفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام الناسِ، وصلّيت قبل صلاتهم. ومن وقف على كتب أصحاب الحديث تحققّ ذلك وعلمه واضحاً. وإليه ذهب الواقديّ وابن جرير الطبريّ، وهو القول الذي رجحه ونصره صاحب كتاب «الاستيعاب» (1).
ولأنّا إنما نذكر في مقدمة هذا الكتاب جملةً من فضائله عَنّت بالعَرض لا بالقصد، وجب أن يختصر ونقتصر ، فلو أردنا شرحَ مناقبه وخصائصه لاحتجْنا إلى كتاب مفرد يماثل حَجْم هذا بل يزيد عليه وباللّٰه التوفيق.
هو أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسی ابْنُ جعفر الصادق(علیه السلام) . مولده سنة تسع وخمسين وثلثمائة .
وكان أبوه النقيب أبو أحمد جليلَ القدر، عظيم المنزلة في دولة بني العباس ودولة بني بُوَيْه ، ولُقّب بالطاهر ذي المناقب، وخاطبه بهاء الدولة أبو نصر بن بويه بالطّاهر الأوحد، وولَى نقابة الطالبيّين خمس دفعات، ومات وهو متقلّدها بعد أن حالفته الأمراض، وذهب بصره، وتوفّيَ عن سبع وتسعين سنة، فإن مولده كان في سنة أربع وثلثمائة، وتوفّيَ سنة أربعمائة. وقد ذكر ابنه الرضيّ أبو الحسن كمية عمره في قصيدته التي رثاه بها، وأولها :
وَسَمَتْكَ حَاليةُ الربيع المُرْهِمِ*** وسقتْكَ ساقية الغَمَامِ المُرْزِمِ
سَبْعٌ وتسعون اهتبلْنَ لك العِدَا***حتى مَضَوْا وغبرتَ غيرَ مذمَّم
لم يلحقوا فِيهَا بشأوكَ بَعْدَمَا ***أمَلُوا فعاقهمُ اعتراضُ الأزْلمِ
إلا بقايا من غُبارك أصْبَحت*** غُصَصاً وأقذاءً لعينِ أو فَمِ
إن يَتبعوا عَقِبَيْكَ في طلب العلا*** فالذئب يَعْسِل في طريق الضَّيْغَمِ
1) «الاستيعاب في ذكر الأصحاب» :للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد اللّٰه المعروف بابن عبد البرالقرطبي، المتوفى سنة ( 463 ه- ) ، وهو كتاب جليل القدر. كشف الظنون (81/1) .
ودفن النقيب أبو أحمد أولاً في داره، ثم نقل منها إلى مشهد الحسين (علیه السلام). وهو الذي كان السفيرَ بين الخلفاء وبين الملوك من بني بُوَيه والأمراء من بني حَمْدان وغيرهم وكان مبارَك الغرّة ميمونَ النّقيبة، مَهِيباً نبيلاً، ما شرع في إصلاح أمر فاسد إلا وصَلَح على يديه، وانتظم بحسن سفارته، وبركة هِمّته، وحسنِ تدبيره ووساطته. ولاستعظامِ عَضد الدولة أمرَه ، وامتلاءِ صدرهِ وعينه به حين قدم العراق ما قبض عليه وحَمَله إلى القلعة بفارس، فلم يزل بها إلى أن مات عضد الدولة، فأطلقه شرفُ الدولة أبو الفوارس شيرذيل بن عضد الدولة، واستصحبه في جملته حيث قدم إلى بغداد، وملك الحضْرة. ولما توفّيَ عضد الدولة ببغداد كان عمرُ الرضيّ أبي الحسن أربع عشرة سنة، فكتب إلى أبيه وهو معتقَل بالقلعة بشِيراز :
أَبْلِغَا عَنّيَ الحسين ألُوكاً ***أنّ ذا الطود بَعْدَ عَهْدِكَ ساخاً
والشَّهابَ الذي اصطليتَ لظاه*** عَكَسَتْ ضوءَهُ الخطوبُ فَبَاخَا
والفَنِيقَ الَّذِي تَذَرّع طول الْ*** أرضِ خوّى به الردى وأناخَا
إن يَرِدْ مورِدَ القذى وهو راضِ*** فبمايكرع الزلال النُّقاخا
والعُقاب الشَّغْواءَ أهبطها الني***قُ وقد أَرْعَتِ النجوم صِمَاخا
أعجلْتها المنونُ عنّاولكن*** خلّفت في ديارنا أفراخاً
وعلى ذاك فالزمانُ بهمْ عا*** دَغُلَاماً من بعد ما كان شاخا
وأم الرضيّ أبي الحسن فاطمة بنت الحسين بن أحمد بن الحسن الناصر الأصمّ، صاحب الدَّيْلم، وهو أبو محمد الحسن بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن عمر بن عليّ ابن أبي طالب (عليهم السلام). شيخ الطالبيّين وعالمهم وزاهدهم، وأديبهم وشاعرهم، ملك بلادَ الديْلم والجَبَل، ويلقّب بالناصر للحقّ، جرتْ له حروب عظيمة مع السامانيّة، وتوفّيَ بطَبرِستان سنة أربع وثلاثمائة وسنة تسع وسبعون سنة. وانتصب في منصِبه الحسن بن القاسم بن الحسين الحسَنيّ، ويلقّب بالداعي إلى الحق.
وهي أمّ أخيه أبي القاسم عليّ المرتضى أيضاً .
وحفظ الرضيّ رحمه اللّٰه القرآن بعد أن جاوز ثلاثين سنة في مدّة يسيرة، وعَرَف من الفقه والفرائض طَرَفاً قوياً. وكان رحمه اللّٰه عالماً أديباً، وشاعراً مُفْلِقاً ، فصيح النظم، ضخم الألفاظ، قادراً على القريض، متصرّفاً في فنونه، إنْ قَصَد الرِّقة في النسيب أتى بالعجَب و العُجاب، وإن أراد الفخامة وجزالة الألفاظ في المدح وغيره أتى بما لا يُشَقُّ فيه غباره، وإن قصَّدَ في المرائي جاء سابقاً والشعراء منقطِعٌ أنفاسها على أثره. وكان مع هذا مترسِّلاً ذا كتابة قوية. وكان عفيفاً شريف النفس، عاليَ الهمّة ، ملتزماً بالدّين وقوانينه، ولم يقبل من أحدِ صلةُ
ولا جائزة، حتى إنه ردّ صِلات أبيه، وناهيك بذلك شرفَ نفسِ، وشدّة ظَلَف . فأمّا بنو بُويَه فإنهم اجتهدوا على قَبوله صِلاتهم فلم يَقْبَل .
وكان يرضى بالإكرام وصيانة الْجانب وإعزاز الأتباع والأصحاب. وكان الطائع أكثرَ ميلاً إليه من القادر، وكان هو أشد حبًا وأكثر ولاءَ للطائع منه للقادر ، وهو القائل للقادر في قصيدته التي مدحه بها ، منها :
عَطْفاً أميرَ المؤمنين فَإِنَّنَا*** فِي دَوْحَةِ الْعَلْيَاءِ لاَ نَتَفَرَّق
ما بيننا يوم الفَخارِ تفاوتٌ*** أبداً كِلانا في المعالِي مُعْرِقُ
إلا الخلافةَ شَرَّفتكَ فإنَّنِي*** أنَا عاطِلٌ منها وأنْتَ مطوَّقُ
فيقال : إنّ القادر قال له : على رغم أنفِ الشريف!
وذكر الشيخ أبو الفرج بن الجوزيّ في التاريخ في وفاة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبريّ الفقيه المالكّي ، قال : كان شيخَ الشهود المعدَّلين ببغداد ومتقدِّمَهم، و سمع الحديثَ الكثير، وكان كريماً مُفضِلاً على أهل العلم، قال: وعليه قرأ الشريف الرضيّ رحمه اللّٰه القرآن وهو شاب حَدَث السنّ، فقال له يوماً : أيها الشريف، أين مقامك؟ قال: في دار أبي بباب مُحَوَّل، فقال: مثلك لا يقُيم بدار أبيه، قد نَحلْتُك داري بالكَرْخ، المعروفة بدار البركة. فامتنع الرضيّ من قبولها وقال له : لم أقبلْ من أبي قطّ شيئاً، فقال : إن حقّي عليك أعظمُ من حقّ أبيك عليك، لأني حفّظتك كتاب اللّٰه تعالى. فقبِلها .
أحمد وكان الرضيّ لعلو همّته تنازِعُه نفسُه إلى أمورِ عظيمة يجيش بها خطاره، وينظِمُها في شعره، ولا يجد من الدهر عليها مساعدة، فيذوب كمداً، ويفنى وجداً، حتى توفّيَ ولم يبلغ غَرَضاً .
فمن ذلك قوله :
مَا أَنَا لِلْعَلْيَاء إِنْ لم يَكُنْ*** مِنْ وَلَدِي ما كانَ من وَالِدِي
ولاَ مَشَتْ بي الخيلُ إن لم أطأ*** سريرَ هذا الأصْيَدِ الماجد
ومنه قوله :
متى ترانِي مُشِيحاً في أوائِلِهِمْ*** يَطْفُو بيَ النِّقْعُ أحْياناً ويخفيني
لَتَنْظُرَنّي مُشِيحاً في أوائلها*** يغيب بِي النقع أحياناً ويُبْدِيني
لا تعرفونيَ إلا بالطّعان وقَدْ*** أضحى لِثَامِي مَعْصُوباً بِعِرْنيني
ومنه قوله يعني نفسه :
فوا عَجَبا مما يَظُنّ محمدٌ*** وللظَنُّ في بعض المواطن غَدّارُ
يؤمّل أنّ الملكَ طوعُ يمينه*** ومِنْ دون ما يرجو المقدِّرُ أقدار
لئن هو أعْفى للخلافة لِمّةَ*** لها طُررٌ فوق الجبين وإطرارُ
ورام العلا بالشِّعرِ والشَّعر دائباً ***ففي الناس شُعْرٌ خاملون وشُعَّارُ
وإني أرى زنداً تواتر قَدْحُه*** ويُوشك يوماً أن تكونَ له نارُ
ومنه قوله :
لا هَمَّ قَلْبي برُ كُوبِ العُلاَ ***يَوْماً ولا بُلَّتْ يَدِي بالسَّماحْ
إنْ لم أنلها باشتراطِ كما*** شئتُ على بيضِ الظُّبي وَاقْتِراحْ
افُوزُ مِنْها باللُّبَابِ الَّذِي*** يُعْيِي الأماني نَيْلُه والصُّرَاخْ
فَمَا الَّذِي يُقْعِدُنِي عَنْ مَدَى*** ماهو بالبَسْل ولا باللّقاحْ
يَطْمَعُ منَ لا مَجْدَ يَسْمُوبِهِ*** إِنِّي إذاَ أَعْذَرُ عند الطِّمَاحْ
أمَا فتَى نال المُنى فاشتفى*** أو بطلٌ ذاق الرّدى فاستراحْ!
وفي هذه القصيدة ما هو أَخْشَنُ مسَّا، وأعظم نكاية، ولكنّا عدلنا عنه وتخطّيناه، كراهية لذكره. وفي شعره الكثير الواسع من هذا النَّمط .
وكان أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الكاتب له صديقاً، وبينهما لَحمة الأدب ووشائِجه، ومراسلات ومكاتبات بالشعر، فكتب الصابي إلى الرضيّ فِي هذا النَّمَط :
أبا حَسَنٍ لي في الرِّجال فِرَاسةٌ*** تَعَوَّدْتُ مِنْهَا أن تقول فتصدُقَا
وَقَدْ خبّرتْنِي عَنْكَ أَنَّكَ مَاجِدٌ*** سَتَرْقَى إلى العلياء أبْعَدَ مُرْتَقَيَ
فوفَّيْتُك التعظيمَ قَبْلَ أوانه*** وقلتُ: أطال اللّٰه لِلسَّيد الْبَقَا
وأضْمَرْتُ منه لفظة لم أبُحْ بها*** إلى أن أرى إظهارها لِيَ مَطْلَقَا
فإن مِتّ أو إن عشتُ فاذكر بِشارتي*** وأوجِبْ بها حَقًّا عليك مُحَقَّقاً
وكن ليَ في الأولاد والأهلِ حافظاً*** إذا ما اطمأنَّ الجنبُ في مَضْجَعِ الْبَقَا
فكتب إليه الرضيّ جواباً عن ذلك قصيدةً، أولها :
سَنَنْتَ لهذا الرُّمح غَرْباً مُذَلَّقَا*** وَأَجْرَيْتَ في ذَا الهُنْدُوانيّ رَوْنَقَا
وَسوّمتَ ذا الطِّرفَ الجوادَ وإنّما ***شَرَعْتَ لَهُ نَهْجاً فَخَبَّ وَأَعْنَقَا
وهي قصيدة طويلة ثابتة في ديوانه، يَعِدُ فيها نفسَهف ويَعِدُ الصابیءَ أيضاً ببلوغ آماله، إن ساعد الدهرُ وتمّ المرام. وهذه الأبياتُ أنكَرها الصابي لما شاعتْ، وقال : إني عملتها في أبي الحسن عليّ بن عبد العزيز بن حاجب النعمان، كاتبُ الطائع، وما كان الأمرُ كما ادّعاه، ولكنه خاف على
نفسه
وذكر أبو الحسن الصابي وابنُه غرس النعمة محمد في تاريخهما أنّ القادِر باللّٰه عقد مجلساً أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الموسويّ وابنه أبا القاسم المرتضى وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم أبيات الرضيّ أبي الحسن التي أولها :
مَا مُقامِي عَلَى الْهَوَانِ وَعِنْدِي*** مِقْوَلٌ صَارِمٌ وأنفٌ حَمِيُّ
إياءٌ مُحَلِّقٌ بي عَنِ الضَّي*** مِ كما زَاغَ طَائِرٌ وَحْشِيُّ
أيُّ عُذْر له إلى المجد إن*** ذلّ غلامٌ في غُمْدِهِ المَشْرَفيُّ
أحْمِلُ الضّيم في بلادِ الأعادي*** وبمصرَ الخليفةُ العَلَوِيُّ
مَنْ أبوه أبي ومولاه مولا***يَ إذا ضامنِي البعيدُ القَصِيُّ
لَف عِرْقِي بِعِرْقِه سيّدا النَّا*** سِ جميعاً: محمدٌ وعَلِيٌّ
وقال القادر للنقيب أبي أحمد: قل لولدك محمد : أيُّ هوانٍ قد أقام عليه عندنا ! وأيُّ ضَیمِ لَقِيَ من جهتنا! وأيّ ذلّ أصابه في مملكتنا! وما الذي يعمل معه صاحبُ مصر لو مضى إليه؟ أكان يُصْنَعُ إليه أكثرَ من صنيعنا؟ ألم نولّه النّقابة ! ألم نولّه المظالم ! ألم نستخلفْه على الحرَمين والحجاز وجعلناه أميرَ الحَجِيج! فهل كان يحصُل له من صاحب مصر أكثرُ من هذا! ما نظنّه كان يكون - لو حصل عنده - إلا واحداً من أبناء الطالبيِّين بمصر. فقال النقيب أبو أحمد: أمّا هذا الشعر فمّما لم نسمعه منه، ولا رأيناه بخطّه، ولا يبعد أن يكونَ بعض أعدائه نَحَله إياه، وعَزَاه إليه ، فقال القادر: إن كان كذلك، فلتكتب الآن محضراً يتضمّن القَدْح في أنساب ولاة مصر، ويكتب محمد خطّه فيه. فكتَب محضراً بذلك، شَهِد فيه جميعُ مَنْ حضر المجلس، منهم النقيب أبو أحمد، وابنه المرتضَى، وحُمِل المحضر إلى الرضيّ ليكتب خطّه فيه، حَمَله أبوه وأخوه، فامتنع من سطْر خطّه، وقال: لا أكتب وأخاف دعاة صاحب مصر، وأنكر الشعر، وكَتْبَ خطّه، وأقسم فيه أنه ليس بشعره، وأنه لا يعرفه . فأجبره أبوه على أن يكتب خطّه في المحضر ، فلم يفعل، وقال : أخافُ دعاةَ المصريين وغِيلتَهم لي، فإنهم معرفونَ بذلك، فقال أبوه: يا عجباه اتخافُ مَنْ بينك وبينه ستمائة فرسخ، ولا تخاف مَنْ بينك وبينه مائة ذراع ! وحلف ألاّ يكلمه، وكذلك المرتضَى، فَعَلا ذلك تقيّةً وخوفاً من القادر، وتسكيناً له. ولما الأمر إلى القادر سكت على سوء أضمره، وبعد ذلك بأيام صَرَفه عن النّقابة، وولاها محمد بن عمر النهر سابسي .
وقرأت بخطّ محمد بن إدريس الحليّ الفقيه الإماميّ، قال: حكى أبو حامد أحمد بن الإسْفرَايينيّ الفقيه الشافعيّ ،قال : كنتُ يوماً عند فخر الملك أبي غالب محمد بنخلف وزیر من بهاء الدولة، وابنه سلطان الدولة، فدخل عليه الرضيّ أبو الحسن، فأعظمه وأجلّه ورفع من
منزلته، وخلّى ما كان بيده من الرّقاع والقصص، وأقبلَ عليه يحادثه إلى أن انصرف، ثم دخل بعد ذلك المرتضَى أبو القاسم رحمه اللّٰه، فلم يعظّمه ذلك التعظيم، ولا أكرمه ذلك الإكرام، و تشاغَل عنه برقاع يقرؤها، وتوقيعات يُوقّع بها، فجلس قليلاً، وسأله أمراً فقضاه، ثم انصرف .
قال أبو حامد: فتقدّمتُ إليه وقلت له : أصلح اللّٰه الوزير! هذا المرتضَى هو الفقيه المتكلّم صاحب الفنون، وهو الأمثل والأفضل منهما، وإنما أبو الحسن شاعر . قال: فقال لي : إذا انْصرف الناس وخلا المجلس أجبتُك عن هذه المسألة .
قال: وكنت مجمعاً على الانصراف، فجاءني أمْرٌ لم يكن في الحساب، فدعت الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوّض الناس واحداً فواحداً، فلمّا لم يبقَ إلا غلمانُه وحجّابه، دعا بالطعام، فلما أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثرُ غلمانه، ولم يبق عنده غيري قال لخادم : هات الكتابين اللذْين دفعتهما إليك منذ أيام، وأمرتُك أن تجعلَهما في السَّفَط الفلانيّ.
فأحضرَهما ، فقال : هذا كتاب الرضيّ اتصل بي أنه قد ولد له ولد، فأنفذتُ إليه ألفَ دينار، وقلت له : هذه للقابلة، فقد جرتِ العادة أن يحمِل الأصدقاء إلى أخِلاّئهم وذوي مودّتهم مثلَ هذا في مثل هذه الحال، فردّها وكتب إليّ هذا الكتاب فاقرأه. قال: فقرأته، وهو اعتذار عن الرّد، وفي جُملته : إننا أهلَ بيت لا نُطلع على أحوالنا قابلةَ غريبة، وإنما عجائزنا يتولّيْن هذا الأمرَ من نسائنا ولسن ممّن يأخذن أجرة، ولا يقبلن صِلَة ، قال : فَهذا هذا.
وأما المرتضَى فإنّنا كنا قد وزّعنا وقسّطنا على الأملاك ببادوريا تقسيطاً نصرفه في حَفْر فُوّهة النهر المعروف بنهر عيسى، فأصاب مِلْكاً للشريف المرتضَى بالناحية المعروفة بالدّاهرية من التقسيط عشرون درهماً ، ثَمَنُها دينار واحد، قد كتب إليّ منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب، فاقرأه. فقرأته، وهو أكثر من مائة سَطْر، يتضّمن من الخضوع والخشوع والاستمالة والهزّ والطلب والسؤال في إسقاط هذه الدراهم المذكورة عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه .
قال فخر الملك : فأيَّهما تَرى أوْلَى بالتعظيم والتّبْجيل؟ هذا العالم المتكلّم الفقيه الأوحد ونفسُه هذه النفس، أم ذلك الذي لم يُشْهَرْ إلا بالشعر خاصّة، ونفسُه تلك النفس! فقلت : وفق اللّٰه تعالى سيدَنا الوزير، فما زال موفّقاً، واللّٰه ما وضع سيدنا الوزير الأمرَ إلا في موضعه، ولا أحلّه إلا في محلّه. وقمت فانصرفت.
وتوفيّ الرضي رحمه اللّٰه في المحرّم من سنة أربع وأربعمائة، وحضر الوزير فخرُ الملك وجميع الأعيان والأشراف والقضاة جنازتَه والصلاة عليه، ودفن في داره بمسجد الأنباريّين بالكَرْخ، ومضى أخوه المرتضَى من جَزَعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر عليهما السلام، لأنه
لم يستطع أن ينظُرَ إلى تابوته ودفنه، وصلّى عليه فخرُ الملك أبو غالب، ومضى بنفسه آخر النهار إلى أخيه المرتضى بالمشهد الشريف الكاظمي، فالزمه بالعوْد إلى داره.
ومما رثاه أخوه المرتضى الأبيات المشهورة التي من جملتها :
يا للرّجال لِفَجْعَةٍ جدَمَتْ يدي*** ووددت لو ذهبتْ عليّ براسِي
ما زلتُ آبَى وِرْدَها حتى أَتَتْ*** فحسوْتُها في بعض ما أنا حَاسي
ومَطَلْتُهَا زمناً فَلَمَّا صمّمت*** لم يَثنها مَطْلِي وطولُ مِكاسي
للّٰه عُمْرك من قصير طاهرِ*** ولربّ عُمْرِ طال بالأدناس!
وحدثني فخار بن معدّ العلوي الموسويّ رحمه اللّٰه، قال: رأى المفيد أبو عبد اللّٰه محمد بن النعمان الفقيه الإمام في منامه كأن فاطمة بنت رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) دخلت عليه وهو في مسجده بالکَرْخ، ومعها ولداها: الحسن والحسين (عليهما السلام)، صغيرين، فسلّمتهما إليه، وقالت له: علمهما الفقه. فانتبه متعجباً من ذلك، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر، وحولها جواريها، وبين يديها ابناها : محمد الرضيّ وعليّ المرتضى صغيرين، فقام إليها وسلّم عليها، فقالت له : أيها الشيخ، هذان ولدَاي قد أحضرتُهما لتعلِّمهما الفقه، فبكى أبو عبد اللّٰه وقصّ عليها المنام، وتولّى تعليمهما الفقه، وأنعم اللّٰه عليهما ، وفتحَ لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا، وهوباقٍ ما بَقَي الدهر .
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال الرضيّ رحمه اللّٰه : بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ أما بعدَ حَمْدِ اللّٰه الَّذِي جَعَلَ الحمدَ ثمناً لنعمائِه، ومَعاذاً مِنْ بَلائِه، ووسيلاً إلى جنانه، وسَبَباً لزيادة إحسانه. والصَّلاةُ على رسُوله نبيّ الرَّحْمة، وإمام الأئمة، وسِرَاجِ الأمّة، المنتجب مِنْ طينة الكَرَمَ، وسُلالة المجْد الأَقدَمِ، ومَغْرِس الفَخار المُعْرِق، وفَرْع العلاء المُثْمر المورِق، وعلى أهلِ بيته مصابيح الظُّلَم، وعِصَم الأمَم ، ومَنَارِ الدِّينِ الْوَاضِحَة، ومثاقيلِ الفَضْلَ الرَّاجِحَة. فصلّى اللّٰه عليهم أجْمَعِينَ، صَلَاةً تكونُ إزاءً لِفَضْلِهِمْ ، ومُكافَأَةً لِعَمَلِهِمْ ، وكفاءً لِطيب أصْلِهِمْ وفَرْعِهِمْ، ما أنار فَجْرٌ ،طَالعٌ وخَوَى نَجْمٌ سَاطِعٌ.
الشرح: اعلم أني لا أتعرّض في هذا الشرح للكلام فيما قد فرغ منه أئمةُ العربية، ولا لتفسير ما هو ظاهر مكشوف، كما فعل القُطْب الرّاونديّ، فإنه شَرَع أولاً في تفسير قوله : «امّا بعد»، ثم قال: هذا هو فصل الخطاب، ثم ذكر ما معنى الفصل، وأطال فيه، وقسّمه أقساماً، يشرح ما قد فرّع له منه ، ثم شرح الشرح . وكذلك أخذ يفسّر قوله: «من بلائِه»، وقوله : «إلى جِنَانه»، وقوله : «وسبباً»، وقوله: «المجد»، وقوله : «الأقدم»، وهذا كلّه إطالة وتضييعٌ للزَّمان من غیر فائدة، ولو أخذنا بشرح مثل ذلك لوجب أن نشرح لفظة «أما» المفتوحة، وأن نذكر الفصل بينها وبين «إما» المكسورة، ونذكر: هل المكسورة من حُرُوفِ العطف أو لا ؟ ففيه خلاف، ونذكر هل المفتوحة مركبة أو مفردة؟ ومهملة أو عاملة؟ ونفسّر معنى قول الشاعر :
أَبَا خُرَاشَة أَمَّا كُنْتَ ذانفرِ*** فإن قومِيَ لَمْ تأكَلْهُمُ الضَّبُعُ
بالفتح، ونذكر «بَعْدُ» لم ضُمّت إذا قطعت عن الإضافة؟ ولم فتحت ها هنا حيث أضيفت؟
ونخرج عن المعنى الذي قصدناه من موضوع الكتاب إلى فنون أخرى قد أحكمها أربابُها . ونبتدىء الآن فنقول : قال لي إمام من أئمة اللغة في زماننا: هو الفِخار، بكسر الفاء، قال: وهذا مما يغلَط فيه الخاصّة فيفتحونها، وهو غير جائز، لأنه مصدر «فاخر»، وفاعَل يجيء مصدره على «فِعال» بالكسر لا غير، نحو: قاتلت قِتالاً ، ونازلت نزالاً، وخاصمت خِصاماً، وكافحت كِفاحاً، وصارعت صراعاً. وعندي أنه لا يبعد أن تكون الكلمة مفتوحة الفاء، وتكون مصدر «فَخَر» لا مصدر «فاخر»، فقد جاء مصدر الثلاثيّ - إذا كان عينه أو لامه حرف حلْق -
على «فَعال»، بالفتح ، نحو سَمَح سماحاً، وذهب ذَهاباً ، اللهمّ إلا أن يُنقل ذلك عن شيخ أو کتاب موثوق به نقلاً صريحا، فتزول الشبهة . والعِصَم : جمع عِصْمة، وهو ما يعتصم به. والمنار: الأعلام، واحدها مَنارة، بفتح الميم. والمثاقيل : جمع مثقال، وهو مقدار وَزْن الشيء، تقول : مثقال حبّة، ومثقال قِيراط، ومثقال دينار، وليس كما تظنه العامة أنه اسم للدينار خاصة، فقوله : «مثاقيل الفضل»، أي زِنات الفضل، وهذا من باب الاستعارة. وقوله: «تكون إزاءَ لفضلهم»، أي مقابلة له. ومكافأة بالهمز، من كافأته أي جازيته، وكفاء، بالهمز والمد، أي نظيراً. وخوى النجم، أي سقط. وطينة الكرَم، أصله. وسلالة المجد فرعه. والوَسيل: جمع وسيلة وهو ما يُتقرَّب به، ولو قال : «وسَبيلاً إلى جِنانه» لكان حسناً، وإنما قصد الإغراب، على أنا قد قرأناه كذلك في بعض النسخ. وقوله : «ومكافأة لعملهم»، إنْ أراد أن يجعله قرينة «لفضلهم» كان مستقبَحاً عند مَنْ يريد البديع، لأنّ الأولى ساكنة الأوسط، والأخرى متحرّكة الأوسط، وأمّا من لا يقصد البديع كالكلام القديم فليس بمستقبَح. وإن لم يُرِدْ أن يجعلَها قرينة بل جعلها من حشو السجعة الثانية، وجعل القرينة «وأصلهم»، فهو جائز، إلا أن السجعة الثانية تطول جدًّا. ولو قال عِوَض «لعملهم»، «لِفعْلهم» لكان حسناً .
قال الرضي رحمه اللّٰه : فإني كنتُ في عُنفوان السنّ، وغضاضة الغُصْن، ابتدأتُ تأليفَ كتابِ في خَصائِصِ الأئمة(علیهم السلام) ، يَشْتَمِل على محاسِن الخبارِهِمْ ، وجواهر كَلامِهِمْ، حَدَاني عَلَيْه غرضٌ ذكرتُه في صَدْر الكتاب، وجعلتُه أمَام الكلام. وفرغْتُ من الخصائص التي تَخُصّ أميرَ المؤمنين عليَّا، صلوات اللّٰه عليه وعاقَتْ عن إتمامِ بقيَّة الكتابِ مُحاجزاتُ الأيام، ومُمَاطَلاَتُ الزَّمان. وكنتُ قد بَوَّبْتُ ما خرج من ذلك أبواباً، وفَصّلتُه فصولاً، فجاء في آخِرِها فَصْلٌ يتضمّن محاسنَ ما نُقل عنه (علیه السلام)، من الْكَلاَم القَصِير، في المواعِظِ والحِكَمِ والأمثال والآداب، دُونَ الخُطَبِ الطَّويلة، والكُتب المبْسُوطة، فاستحسنَ جماعةٌ من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصلُ المقدّم ذكره، معْجَبين ببدائعِهِ ومتعجِّبين من نواصِعه وسألوني عِنْدَ ذلك أنْ أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مُخْتَارِ كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) في جميع فُنونه، ومتشعِّبات غُصونه، من خُطَبِ وكُتب، ومواعظَ وأدبِ، علماً أنّ ذلك يتضمّن من عَجَائب الْبَلاغةِ، وغَرَائبِ الْفَصَاحَةِ، وجواهرِ العربية، وثواقبِ الكَلِم الدينية والدُّنياوِيَّة، ما لا يوجدُ مجتمعاً في كلام، ولا جموع الأطراف في كتابِ، إذْ كانَ أمير المؤمنين(علیه السلام) مَشْرَعَ الْفَصَاحَة ومَورِدَها ، ومَنْشَأ الْبَلاغَةِ ومَوْلِدها، ومنه(علیه السلام) ظهر مَكْنُونُها ، وعنه أخِذَتْ قوانينُها، وعلى أمثلتِه حَذَا كلّ قائِل خطيبِ، وبكلامِه استعانَ كلّ واعظِ بليغ، ومع ذَلك فقد سَبَق وقصّروا ، وتَقَدْم وتأخّروا ، لأنّ كلامَه (علیه السلام)الكلامُ الذي عليه مَسْحةٌ من العلم الألهيّ، وفيه عَبقَةٌ من الكلام النبوي.
الشرح: عُنفوان السنّ : أوّلها . ومُحاجزات الأيام: ممانعاتها . ومُماطلات الزمان: مدافعاته.
وقوله : «معجَبين» ثم قال: ومتعجِّبين»، ف-«معجَبين» من قولك : أعجِب فلان برأيه وبنفسه فهو معجَب بهما ، والاسم العُجْب بالضم ، ولا يكون ذلك إِلا في المستحسَن، و«متعجِّبين» من قولك : تعجّبت من كذا ، والاسم العَجَب. وقد يكون في الشيء يُسحسن ويُستقبح ويُتَهوّل منه ويستغرب، ومراده هنا التهوُّل والاستغراب، ومن ذلك قول أبي تمام:
أَبْدَتْ أسَى إذْ رَأَتْنِي مُخْلِسَ القَصَبِ*** وآل ما كان من عُجْبِ إِلى عَجَبِ
يريد أنها كانت معجبَة به أيام الشبيبة لحسنه، فلما شاب انقلب ذلك العُجْب عَجَباً، إما استقباحاً له أو تهوّلاً منه واستغراباً. وفي بعض الروايات : «معجِّبين ببدائعه»، أي أنهم يعجِّبون غيرهم والنواصع : الخالصة . ثواقب الكلم: مضيئاتها، ومنه الشهاب الثاقب . وحذا كلّ قائل : اقتفى واتّبع وقوله : «مَسْحة» يقولون: على فلان مَسْحة من جمال، مثل قولك : شيء، وكأنه ها يريد ضوءاً وصِقالاً . وقوله : «عَبْقة»، أي رائحة، ولو قال عِوض «العلم الإلٰهي»: «الكتاب الإلٰهي» لكان أحسن .
قال الرضي رحمه اللّٰه :
فاجَبَتُهم إلى الابتداءِ بِذَلِكَ، عالماً بما فيه من عَظِيمَ النَّفْعِ، وَمَنْشُور الذِّكْرِ، وَمَدْخُورِ الأجْرِ. واعتمدتُ بِهِ أن أبيّن مِنْ عظيم قَدْر أمير المؤمين(علیه السلام) في هذِهِ الْفَضِيلَة، مُضافةً إلى المحاسن الدّثِرة، والفَضائل الجمّة، وأنّه انْفَرَدَ ببلوغ غايَتها عن جَميع السَّلَفِ الْأَوَّلِينَ، الَّذِين إنّما يُوثَرُ عَنْهُمْ مِنْهَا القليلُ النَّادِرُ ، والشَّاذّ الشارِدُ، فأمّا كلامُه (علیه السلام)فهو الْبَحْرُ الَّذِي لا يُساجَل، والجمّ الذي لا يُحَافَل، وأردتُ أن يسوغَ لِي التمثُّل في الافتخارِ بِهِ صلواتُ اللّٰه عليه بقول الفَرَزْدَق :
أولئك آبائي فجِئنِي بِمثْلِهِمْ*** إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ
الشرح: المحاسن الدَّثِرَة: الكثيرة، مالٌ دَثِر ، أي كثير ، والجمّة مثلُه. ويؤثر عنهم، أي يحكَى وينقل، قلتُه ،آثر ، أي حاكياً. ولا يساجَل، أي لا يكاثَر ، أصلُه من النزْع بالسِّجْل، وهو الدّلو المليء، قال :
مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ ماجداً***يملأ الدَّلو إلى عَقْد الكَرَبْ
ويروى «ويساحَل» بالحاء، من ساحل البحر وهو طرَفه، أي لا يشابه في بُعْد ساحِله .
ولا يحافل، أي لا يفاخَر بالكثرة، أصله من الحفْل، وهو الامتلاء، والمحافلة: المفاخرة بالامتلاء، ضرع ،حافل، أي ممتلىء.
والفرزدق همّام بن غالب بن صعصعة التميميّ. ومن هذه الأبيات:
ومنَّا الّذي اختيرَ الرجالَ سَمَاحَةً*** وجُوداً إذا هب الرياحُ الزعازعُ
ومنَّا الَّذي أحيَا الوئيدَ وغالبٌ*** وعَمْرٌو، ومنَّا حاجِبٌ والأقارعُ
ومنّا الذي قاد الجِيادَ على الوجا*** بنجْرَان حتَّى صبَّحته الترائعُ
ومنَّا الذي أعطَى الرَّسُولُ عَطيّةً*** أسارى تميمِ والعيونُ هوامعُ
الترائع : الكرام من الخيل. يعني غزاة الأقرع بن حابس قبل الإسلام بني تَغْلب بنَجْران،
وهو الذي أعطاه الرسولُ يوم حُنَين أسارى تميم .
ومنا غدَاةَ الرَّوْع فرسانُ غارةِ*** إذا مَنَعَتْ بعد الزِّجاج الأشَاجِعُ
ومنّا خطيب لا يعاب وحَامِلُ*** أغرّ إذا التفّت عليهِ المجامعُ
أي إذا مُدّت الأصابع بعد الزِّجاج إتماماً لها لأنها رماح قصيرة. وحامل، أي حاملٌ للدِّيات .
أولئكَ آبائي فجِئْنِي بمِثِلهمْ*** إِذَا جَمعتْنا يَا جَريرُ المجامعُ
بهم أعتلى ما حَمّلتنيه دارمٌ*** وَأَصْرَعُ أقراني الّذِين أصَارعُ
أَخَذْنَا بآفاقِ السَّمَاءِ عليكُمُ*** لَنَا قمرَاها والنُّجُومُ الطَّوالعُ
فَوَا عجباً حتى كُلَيْبٌ تَسبُّني ***كأنّ أباهَا نَهْشَلٌ أو مُجاشعُ!
قال الرضي رحمه اللّٰه :
ورأيت كلامه(علیه السلام) يدورُ على أقطاب ثلاثة: أوّلها الخُطَب والأوامِر، وثانِيها الكُتُب والرَّسَائلُ، وثَالِثُها الْحِكَم والمواعظ ، فأجْمَعْتُ بتوفيق اللّٰه سُبْحَانَهُ على الابْتِدَاءِ بِاخْتِيارِ مَحَاسِنِ الخُطّبِ ، ثُمَّ مَحَاسِنِ الْكُتُبِ، ثم محاسن الحِكَم والأدَبِ مُفْرِداً لكلّ صِنْفٍ من ذلك باباً ، ومفصِّلاً فيه أوراقاً، ليكون مقدّمة لاستدراكِ مَا عَسَاهُ يشذَّ عَنِّي عاجِلاً ، ويَقَعُ إلي آجلاً. وإذا جاء شيء من كلامه الخَارج في أثناء حِوارِ، أو جوابِ سؤالِ أو غرضِ آخرَ من الأغراض في غَيْر الأنحاء التي ذكرتُها ، وقرّرْتُ القاعدةَ عليها ، نَسَبْتُه إلى ألْيَق الأبوابِ بِهِ، وأشدِّها ملامحةً لغَرَضِهِ. وربما جاء فيما اختاره من ذلك فصولٌ غيرُ مُتّسقة، ومَحَاسَنُ كَلِمٍ غَيْرُ مُنتظمة، لأنّي أورِدُ النُكَت واللُّمَعَ ، ولا أقصِد التَّتالي والنَّسَقَ.
الشرح: قوله : «أجمعت على الابتداء»، أي عزمت. وقال القُطب الراونديّ : تقديره : أجمعتُ عازماً على الابتداء، قال: لأنه لا يقالُ إلا أجمعت الأمرَ ، ولا يقال : أجمعتُ على
الأمر، قال سبحانه: فَاجْمِمُوا أَمْرَكُمْ (1).)هذا الذي ذكره الرَّوانديّ خلاف نصّ أهل اللغة، قالوا : أجمعتُ الأمرَ، وعلى الأمر، كلّه جائز نصّ صاحب «الصِّحاح» على ذلك .والمحاسن : جمع حَسَن، على غير قياس، كما قالوا : الملامح والمذاكر، ومثله المقابح والحِوار، بكسر الحاء: مصدر حاورتُه، أي خاطبته، والأنحاء: الوجوه والمقاصد. وأشدّها ملامحة لغرضه، أي أشدّها إبصاراً له ونظراً إليه، من لمحت الشيءَ، وهذه استعارة. يقال: هذا الكلام يَلمح الكلامَ الفلانيّ، أي يُشابهه، كأنّ ذلك الكلام يُلْمَحُ ويُبصَر من هذا الكلام.قال الرضي رحمه اللّٰه :ومِنْ عجائبه(علیه السلام الَّتي انفرد بها، وأمِنَ المشاركةَ فيها، أنّ كلامَه الواردَ في الزّهد والمواعظ، والتَّذكير والزِّواجر ، إذا تأمَّله المتأمِّل، وفكّر فيه المُفَكِّر ، وخلَع من قلبِه أنّهُ كلامُ مثلِه، ممّن عَظُم قَدْرُه ونفذَ أمرُه، وأحاطَ بالرقاب مُلْكه ، لم يعترضْه الشكّ في أنه كلامُ مَنْ لا حظّ له في غيرِ الزَّهَادة، ولا شُغْلَ له بغيره العِبَادة، قد قَبَع في كِسْر بيتِ، أو انقطع إلى سَفْح جبل، لا يَسْمعُ إلا حسَّه ، ولا يَرى إلا نفسَه، ولا يكادُ يوقِن بأنّه كلامُ مَنْ يَنْغَمِس في الحرب، مُصْلتاً سيفَه، فيَقُطُّ الرّقابَ، ويُجْدِّلُ الأبطالَ، ويعودُ به يَنْظُفُ دماً ، ويقطُر مُهَجاً ، و هو مع تلک الحالِ زاهدُ الزّهاد، وبَدَلُ الأبْدال. وهذهِ من فضائله العجيبة، وخَصائصه اللّطيفة، التي جَمَع بها بين الأضداد، وألّف بين الأشْتَات، وكثيراً ما أذاكِرُ الإخوان بها، وأَستخرجُ عَجبُهم منها ،)وهي موضع العِبْرَة بها، والفِكْرَة فيها .الشرح: قَبَع القُنْفذ يَقْبَع قُبوعاً ، إذا أدخل رأسَه في جلده، وكذلك الرّجل إذا أدخل رأسه في قميصه، وكلّ مَن انزوى في جُحْر أو مكان ضَيّق فقد قَبَع. وكِسْر البيت : جانب الخِباء .وسفْح الجبل : أسفله، وأصلُه حيث يَسْفَحُ فيه الماء. ويقطّ الرِقاب : يقطعها عَرْضاً – لا طولاً كما - قاله الرَّاونديّ - وإنما ذاك القَد، قددته طولاً، وقططتُه عرضاً . قال ابن فارس صاحب «المجمل» : قال ابنُ عائشة : كانت ضربات عليّ (علیه السلامفي الحرب أبكاراً ، إن اعْتلى قَدْ، وإن اعترض قَطّ .)
1) سورة يونس، الآية: 71 .
ويُجدِّل الأبطال: يُلْقِيهم على الجَدالة، وهي وجهُ الأرض. وينطُف دماً : يقطر. والأبدال: قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم، إذا مات أحدهم أبدَل اللّٰه مكانه آخر ، قد وَرَدَ ذلك في كثير من كُتب الحديث .كان أمير المؤمين (علیه السلامذا أخلاق متضادّة :)فمنها ما قد ذكره الرضي رحمه اللّٰه، وهو موضع التعجب، لأنّ الغالبَ على أهل الشجاعة والإقدام والمغامرة والجرأة أنْ يكونوا ذَوِي قلوب قاسية، وفَتْكِ وتمرُّد وجَبَريَّة، والغالب على أهل الزهد ورفض الدنيا وهِجرانِ ملاذّها والاشتغالِ بمواعظ الناس وتخويفهم المعادَ وتذكيرهم الموتَ، أن يكونوا ذوِي رقّة ولين، وضَعْف قلْب، وخَوَرِ طَبْع، وهاتان حالتان متضادتان، وقداجتمعتا له (علیه السلام.)ومنها أنّ الغالبَ على ذوي الشجاعة وإراقة الدماء أن يكونوا ذوِي أخلاق سَبْعيّة، وطِباع حوشيّة وغرائز ،وحشيَّة، وكذلك الغالب على أهل الزهادة وأرباب الوعظ والتذكير ورفض الدنيا أن يكونوا ذَوِي انقباض في الأخلاق، وعُبوس في الوجوه، ونِفار من الناس واستيحاش، وأمير المؤمنين(علیه السلام كان أشجعَ الناس وأعظمَهم إراقة للدم، وأزهد الناس وأبعدَهم عن ملاذّ الدنيا، وأكثرهم وعظاً وتذكيراً بأيام اللّٰه ،ومَثُلاته، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة وآداباً لنفسه في المعاملة. وكان مع ذلك ألطفَ العالم أخلاقاً، وأسفرَهم وجهاً ، وأكثرهم بِشراً، وأوفاهم هشاشة، وأبعدَهم عن انقباض موحِش ، أو خُلُق نافر، أو تجهّم مباعِد، أو غِلْظة وفظاظة تَنفِر معهما نفس، أو يتكدّر معهما قلْب. حتى عيب بالدُّعابة، ولما لم يجدوا فيه مغمزاً ولا مطعناً تعلَّقوا بها، واعتمدوا في التنفير عنه عليها .)«وتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عنك عارُها»وهذا من عجائبه وغرائبه اللطيفة .ومنها أنّ الغالب على شرفاء الناس ومَنْ هو من أهلِ بيت السيادة والرياسة أن يكونَ ذا كِبْرِ وتيهِ وتعظّم وتغطْرُس، خصوصاً إذا أضيف إلى شَرَفَهِ من جهة النسب شرفُه من جهات أخرى، وكان أميرُ المؤمنين(علیه السلام في مُصاصِ الشرف ومعدنه ومعانيه، لا يشكّ عدوّ ولا صديق أنه أشرفُ خلق اللّٰه نسباً بعد ابن عمّه صلوات اللّٰه عليه، وقد حَصَل له من الشرف غير شرف النسب جهات كثيرة متعددة، قد ذكرنا بعضها ومع ذلك فكان أشدَّ الناس تواضعاً لصغير وكبير، وألينهم عَريكة، وأسمحَهم خُلُقاً، وأبعدَهم عن الكِبْر ، وأعرفهم بحقّ، وكانت حاله هذه في كِلاَ زمَانیْه : زمان خلافَته والزمان الذي قبله، لم تغيِّره الإمْرة، ولا أحالت خُلُقَه الرياسة، وكيف تُحيل الریاسة خُلُقَه وما زال رئيساً! وكيف تُغَيِّر الإمْرة سَجيّته وما برح أميراً لم يستفِدْ بالخلافة شرفاً، ولا اكتسب بها زينة بل هو كما قال أبو عبد اللّٰه أحمد بن حنبل، ذكر ذلك)
الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي ّ في تاريخه المعروف «بالمنتظم» (1تذاكروا عند أحمد خلافةَ أبي بكر وعليّ وقالوا فأكثروا، فرفع رأسه إليهم ، وقال : قد أكثرتُم ! إنّ عليِّا لم تزِنْه الخلافة، ولكنه زانها. وهذا الكلام دالّ بفحواه ومفْهومه على أنّ غيرَه ازدان بالخلافة وتمَّمَتْ نقصَه، وأن عليَّا (علیه السلام) لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يتممَّ بالخلافة، وكانت الخلافة ذات نقص في نفسها، فتمّ نقصها بولايته إياها .)ومنها الغالب على ذوي الشجاعة وقتل الأنفس وإراقَة الدماء أنْ يكونوا قليلي الصفح، بعيدي العفو، لأن أكبادَهم ،واغرة وقلوبَهم ملتهبة، والقوة الغضبية عندهم شديدة، وقد علمتَ حال أمير المؤمنين(علیه السلام في كثرة إراقة الدم وما عنده من الحلم والصفح، ومغالبة هوى النفس، وقد رأيتَ فعله يوم الجمل، ولقد أحسن مِهْيار في قوله :)حَتَّى إذا دَارَتْ رَحى بَغْيِهمْ*** عليهمُ وسبقَ السيفُ العذَلْعاذوا بعفو ماجدِ معوّدِ*** للعفو حَمَّالٍ لهمْ على العِلَلْفَنَجَّت البُقْيًا عليهم مَنْ نجا*** وأكلَ الحديدُ مِنْهم مَنْ أَكَلْأطّتْ بهم أرحامُهمْ فلم يُطعْ*** ثائرة الغَيْظ ولم يشفِ الغُلَلْومنها أنّا ما رأينا شجاعاً جواداً قطّ ، كان عبد اللّٰه بن الزبير شجاعاً وكان أبخَلَ الناس، وكان الزبير أبوه شجاعاً وكان شحيحاً ، قال له عمر: لو وُلِّيتَها لظلْتَ تُلاَطمُ الناس في البطْحَاء على الصّاع والمُدّ . وأراد عليّ (علیه السلامأنْ يحجُر على عبد اللّٰه بن جعفر لتبذيره المال، فاحتال لنفسه، فشارك الزُّبير في أمواله وتجاراته، فقال(علیه السلام) : أما إنَّه قد لاذ بملاذ، ولم يحجُر عليه .)وكان طلحة شجاعاً وكان شحيحاً ، أمسك عن الإنفاق حتى خَلّف من الأموال ما لا يأتي عليه الحصْر. وكان عبدُ الملك شجاعاً وكان شحيحاً، يُضرب به المثل في الشحّ، وسمي رَشْح الحجر لبخله. وقد علمت حالَ أمير المؤمنين (علیه السلامفي الشّجاعة والسخاء كيف هي، وهذا من أعاجيبه أيضاً (علیه السلام))قال الرضيّ رحمه اللّٰه :وربّما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظُ المردّد، والمعنى المكرّر، والعُذْر في ذلك أنّ روایاتِ کلامه تختلف اختلافاً شديداً، فربّما اتفق الكلامُ المختارُ في روايةٍ فَنُقِلَ على وجهه،
1) «المنتظم في تاريخ الأمم» : لأبي الفرج عبد الرحمٰن بن علي بن الجوزي البغدادي، المتوفى سنة ( 597ه- ) . «كشف الظنون» (2/ 1850).
ثم وُجِد بعد ذلك في روايةِ أخرى موضوعاً غير وضْعِه الأوّل، إمّا بزيادة مختارة، أو بلفظٍ أحسنَ ،عبارة، فتقتضي الحالُ أن يُعاد استظهاراً للاختيار، وغَيْرةً على عقائل الكلام. وربَّما بَعُدَ العهد أيضاً بما اختير أوّلاً ، فأعيد بعضُه سهواً ونِسياناً ، لا قَصْداً أو اعتماداً. ولا أدّعِي مع ذلك أنني أحِبطُ بأقطارِ جميع كلامِه (علیه السلام، حتى لا يشِذّ عنّي منه شاذّ، ولا ينِدّ نادّ، بل لا أبعِد أن يكون القاصِرُ عنّي فوق الواقع إليّ ، والحاصلُ في رِبْقتي دونَ الخارج من يديّ، وما عليّ إِلا بذلُ الجهد، وبلاغة الوسع، وعلى اللّٰه سبحانه نَهْج السبيل، وإرشاد الدليل .)ورأيتُ من بعدُ تسميةَ هذا الكتاب ب «نهج البلاغة»، إذْ كان يَفتح للناظر فيه أبوابها، ويقرّب عليه طِلابَها ، وفيه حاجةُ العالِم والمتعلّم، وبُغية البِليغ والزّاهد، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التَّوحيد والعدل، وتنزيه اللّٰه سبحانه وتعالى عن شَبَه الخلْق، ما هو بِلال كلّ غُلّة، وشِفاء كُلّ عِلَّة، وجِلاَء كلّ شبهة. ومِنَ اللّٰه استمدّ التوفيق والعِصْمة، وأتنجّزُ التّسديد والمعونة، واستعيذه من خطأ الجَنَان قبل خطأ اللّسَان، ومِنْ زَلّة الكلِم قبل زلّة القَدَمِ ، وهُوَ حَسْبِي ونعْمَ الْوَكِيلُ.الشرح: في أثناء هذا الاختيار : تضاعيفه، واحدها ثِنْي كعِذْق وأعْذاق. والغَيْرة، بالفتح والكسر خطأ. وعقائل الكلام: كرائمه ، وعَقيلة الحيّ : كريمتُه، وكذلك عقيلة الذّودْ. والأقطار: الجوانب، واحدها قُطْر. والنادّ: المنفرد، ندّ البعير يَنِدّ . الرِّبقة : عُروة الحبل يجعل فيها رأس البهيمة. وقوله : «وعلى اللّٰه نهج السبيل»، أي إبانته وإيضاحه، نهجت له نهجاً. وأما اسم الكتاب ف «نهج البلاغة»، والنهج هنا ليس بمصدر ، بل هو اسم للطريق الواضح نفسه. والطِّلاب، بكسر الطاء: الطلب. والبُغية: ما يُبتغى. وبلال كلّ غُلة بكسر الباء : ما يُبَلّ به الصدي، ومنه قوله : انضحوا الرّحم ببِلالها ، أيّ صلوها بصلتها وندّوها، قال أوس:كأنّي حَلَوْتُ الشِّعر حين مدحتُه*** صَفَا صَخْرَةٍ صَمَّاء يَبْسٍ بِلالُهاوإنما استعاذ من خطأ الجَنان قبل خطأ اللسان، لأنّ خطأ الجَنان أعظم وأفحشُ من خطأ اللسان، ألا ترى أنّ اعتقاد الكفر بالقلب أن اعتقاد الكُفْر بالقلب أعظم عقاباً من أن يكفرُ الإنسان بلسانه وهو غير معتقد للكفر بقلبه، وإنما استعاذ من زَلّة الكَلِم قبل زلّة القَدَم، لأنه أراد زلّة القدم الحقيقية، ولا ريب أنّ زلة القدم أهونُ وأسهل، لأن العاثر يستقيل من عثرته ، وذَا الزلّة تَجِدُهُ ينهض من صَرْعته، وأما الزلّة باللسان فقد لا تستقال عَثْرَتُها، ولا يَنْهض صريعُها، وطالما كانت لا شَوَى لها، قال أبو تمام:يَا زَلَةً ما وُقِيتمْ شَرَّ مَصْرَعِها*** وزَلة الرأي تُنْسِي زَلَّةَ القَدَمِ
## باب الخطب والأوامرقال الرضي رحمه اللّٰه :## باب المختار من خطب أمير المؤمنين صلوات اللّٰه عليه وأوامرهويدخل في ذلك المختار من كلامه الجاري مجرى الخطب، في المقامات المحضورة والمواقف المذكورة، والخطوب الواردة.الشرح: المقامات: جمع مَقامة، وقد تكون المقامة المجلس والنادي الذي يجتمع إليه الناس، وقد يكون اسماً للجماعة، والأول أليق هاهنا بقوله: «المحضورة»، أي التي قد حضرها الناس.ومنذ الآن نبتدىء بشرح كلام أمير المؤمنين(علیه السلام ، ونجعل ترجمة الفصل الذي نروم شرحه «الأصل» فإذا أنهيناه قلنا : «الشرح»، فذكرنا ما عندنا فيه، وباللّٰه التوفيق.)## 1 - فمن خطبة له (علیه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض وخلق آدم)### اشارةالأصل: الْحَمْدُ اللّٰه الَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، وَلَا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ، وَلَا يُؤَدِّي حَقَّه الْمُجْتَهِدُونَ، الَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلاَ يَنالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدُّ مَحدُودٌ، وَلا نَعْتُ مَوْجُودٌ، وَلاَ وَقت مَعْدُودٌ. وَلا أَجَلٌ مَمْدُودٌ ، فَطَر الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَنَشَرَ الرِّبَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ .الشرح : الّذي عليه أكثر الأدباء والمتكلّمين أنّ الحمد والمدح أخَوَان، لا فَرْق بينهما ، تقول : حَمِدَتُ زيداً على إنعامه، ومدحته على إنعامه، وحَمِدته على شجاعته، ومَدَحْته على شجاعته، فهما سواء، يدخلان فيما كان من فعل الإنسان، وفيما ليس من فعله ،كما ذكرناه من المثالين، فأمّا الشكر فأخصُ من المدح، لأنه لا يكون إلاّ على النعمة خاصَّة، ولا يكون إلا صادراً من مُنعَم عليه، فلا يجوز عندهم أن يقال : شكر زيد عمراً لنعمةٍ أنعمها عمرو على إِنسان غير زيد.إن قيل : الاستعمال خلاف ذلك، لأنهم يقولون: حضرنا عند فلان فوجدناه يشكر الأمير
على معروفه عند زيد، قيل : ذلك إنما يصحّ إذا كان إنعام الأمير على زيد أوجبَ سرور فلان، فيكون شكرُ إنعام الأمير على زيد شكراً على السرور الداخل على قلبه بالإنعام على زيد، وتكون لفظة «زيد» التي استعيرت ظاهراً لاستناد الشكر إلى مسمّاها كناية لا حقيقة، ويكون ذلك الشكر شكراً باعتبار السّرور المذكور، ومدحاً باعتبار آخر، وهو المناداة على ذلك الجميلوالثناء الواقع بجنسه.ثم إنّ هؤلاء المتكلمين الّذين حكيْنا قولَهم يزعمون أنّ الحمد والمدح والشكر لا يكون إلا باللسان مع انطواء القلب على الثناء والتعظيم، فإن استعمِل شيء من ذلك في الأفعال بالجوارح كان مجازاً. وبقيَ البحث عن اشتراطهم مطابقة القلب للسان، فإنّ الاستعمال لا يساعدهم، لأن أهلَ الاصطلاح يقولون لمن مدح غيره، أو شكره رياء وسمعة : إنه قد مدحه وشكره وإن كان منافقاً عندهم. ونظير هذا الموضع الإيمان، فإن أكثرَ المتكلّمين لا يُطلقونه على مجرد النطق اللسانيّ ، بل يشترطون فيه الاعتقاد القلبيّ ، فأما أن يقصروا به عليه كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الأشعرية والإمامية، أو تؤخذ معه أمور أخرى وهي فعل الواجب وتجنّب القبيح كما هو مذهب المعتزلة، ولا يخالف جمهور المتكلمين في هذه المسألة إلا الكرّامية فإنّ المنافق عندهم يسمى مؤمناً ، ونَظروا إلى مجرد الظاهر ، فجعلوا النطق اللسانيّ وحده إيماناً .والمِدْحة: هيئة المدح، كالرّكبة، هيئة الركوب، والجِلْسة هيئة الجلوس، والمعنى مطروق جداً، ومنه في الكتاب العزيز كثير ، كقوله تعالى : (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّٰهِ لَا تُحْصُوهَا (1)و في الأثر النبويّ : «لا أحصي ثناءَ عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (2)، وقال الكتاب من ذلك ما يطول ذكره، فمن جيّد ذلك قول بعضهم : الحمدُ للّٰه على نِعَمه التي منها إقدارُنا على الاجتهاد)في حَمْدها، وإن عجزنا عن إحصائها وعدّها. وقالت الخنساء بنت عمرو بن الشَّريد :فما بَلَغَتْ كَفُّ امرىءِ متناولِ*** بها المجدَ إلا والّذي نِلْتَ أطولُولا حَبَّر المثنُون في القول مِدْحةً ***وإن أطْنَبُوا إِلا وَمَا فِيكَ أفضلُومن مستحسَنِ ما وقفتُ عليه من تعظيم الباري عزّ جلاله بلفظ «الحمد» قول بعض الفضلاء في خطبة أرجوزة علمية :
1) سورة إبراهيم، الآية : 34
2) أخرجه مسلم، كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود (486)، والترمذي، كتاب الدعوات باب: ما جاء في عقد التسبيح باليد (3493)، والنسائي، كتاب: الطهارة، باب : ترك الوضوء مما مسَّ الرجل امرأته من غير شهوة (169) ، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: في الدعاء في الركوع والسجود (879).
الحمدُ للّٰه بِقَدْرِ اللّٰه*** لا قدرِ وُسْع العبدِ ذِي التَّنَاهيالحمد اللّٰه الّذِي برهانُهُ*** أن ليسَ شأنٌ ليس فيه شَانُهُوالحمد للّٰه الذي مَنْ يُنْكِرُهُ فإنما يُنْكِرُ مَنْ يُصَوِّرُهُوأما قوله : «الذي لا يدركه»، فيريد أنّ هَمِم النُّظار وأصحاب الفكر وإن عَلَتْ وبَعُدت فإنّها لا تدرِكه تعالى، ولا تحيط به. وهذا حقّ، لأنّ كلَّ متصوَّر فلا بُدّ أن يكون محسوساً، أو متخيَّلاً، أو موجوداً من فطرة النَّفْس، والاستقراء يَشْهد بذلك. مثال المحسوس السّوَاد والحموضة، مثال المتخيَّل إنْسان يطير، أو بحر من دمِ. مثال الموجود من فطرة النّفس تصوّر الألم واللذة. ولّما كان البارى ءسبحانه خارجاً عن هذا أجمع لم يكن متصوراً .فأما قوله : «الذي ليس لصفته حد محدود»، فإنه يعني بصفته هاهنا كُنَهة وحقيقته، يقول: ليس لكنهه حدّ فيعرف بذلك الحدّ قياساً على الأشياء المحدودة، لأنه ليس بمركب، وكلّ محدود مركب .ثم قال : «ولا نعت موجود» أي ولا يدرك بالرسم، كما تُدْرَكُ الأشياء برسومها، وهو أن تعرف بلازم من لوازمها ، وصفة من صفاتها .ثم قال: «ولا وقت معدود ولا أجل ممدود»، فيه إشارة إلى الردّ على من قال: إنّا نعلم كنَه البارىء سبحانه لا في هذه الدنيا بل في الآخرة، فإن القائلين برؤيته في الآخرة يقولون : إنّا نعرف حينئذ كُنْهَه، فهو(علیه السلام ردّ قولهم، وقال: إنه لا وقتَ أبداً على الإطلاق تُعرَف فيه حقيقته وكنهه، لا الآن ولا بعد الآن، وهو الحق ؛ لأنا لو رأيناه في الآخرة وعرفنا كنهَه لتشخّص تشخصاً يمنع من حمله على كثيرين، ولا يُتصوّر أن يتشخّص هذا التشخص إلا ما يُشار إلى جهته، ولا جهةً له سبحانه. وقد شرحت هذا الموضع في كتابي المعروف ب «زيادات النّقْضْين»، وبينت أنّ الرؤية المنزهة عن الكيفية التي يزعمها أصحاب الأشعريّ لا بدّ فيها من إثبات الجهة، وأنها لا تجري مجرى العلم، لأن العلم لا يُشخّص المعلوم، والرؤية تشخّص المرئيّ ، والتشخيص لا يمكن إلا مع كون المتشخَّص ذا جهة.)واعلم أن نفيَ الإحاطة مذكور في الكتاب العزيز في مواضع ، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحيِطُونَ بهِ علماً (1)، ومنها قوله: ﴿ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ )(2)، وقال بعض الصحابة: العجز عن دَرْك الإدراك إدراك، وقد غلا محمد بن هانىء فقال في ممدوحه المعزّ أبي تميم معد بن المنصور العلوي:)أَتْبَعْتُه فِكَرِي حتى إذا بلغت غاياتِها بين تَصْوِيبٍ وَتَصْعِيد
رَأَيْتُ موضعَ بُرْهَانٍ يَلُوحُ وَمَا*** رأيتُ مَوْضَع تَكْبِيفٍ وَتَحْدِيدِوهذا مدح يليق بالخالق تعالى، ولا يليق بالمخلوق.فأما قوله : «فطر الخلائق ...» إلى آخر الفصل، فهو تقسيم مشتقٌ من الكتاب العزيز، فقوله: «فَطَر الخلائق بقدرته» من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ (1)، وقوله : «ونَشَر الرياح برحمته» من قوله : «يُرْسِلُ الرِّيٰحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ) (2))وقوله : «ووتَّد بالصخور مَيَدان أرضه» ، من قوله : (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (3)والمَيَدان : التحرّك والتمّوج.)فأما القطب الرّاونديّ رحمه اللّٰه فإنه قال : إنه (علیه السلامأخبرَ عن نفسه بأول هذا الفصل أنه يحمَد اللّٰه، وذلك من ظاهر كلامه، ثم أمرَ غيره من فحوى كلامه أن يحمَد اللّٰه، وأخبرَ(علیه السلام) أنه ثابت على ذلك مدة حياته، وأنه يجب على المكلّفين ثبوتُهم عليه ما بَقُوا، ولو قال: «أحمد اللّٰه» ذلك لم یعلم منه جمیع ذلک. ثم قال : والحمدُ أعمّ من الشكر، واللّٰه أخصُّ من الإله . قال : فأما قوله : «الذي لا يبلغ مدحته القائلون»، فإنه أظهرَ العجز عن القيام بواجب مدائحه، فكيف)بمحامده! والمعنى أنّ الحمد كل الحمد ثابت للمعبود الذي حَقّت العبادةُ له في الأزَل، واستحقّها حين خلق الخلق، وأنعم بأصول النِّعم التي يستحق بها العبادة.ولقائل أن يقول : إنه ليس في فحوى كلامه أنه أمرَ غيرَه أن يحمد اللّٰه، وليس يُفهم من قول بعض رعيّة الملكِ لغيره منهم : العظمة والجلال لهذا الملك أنه قد أمرهم بتعظيمه وإجلاله. ولا أيضاً في الكلام ما يدلّ على أنه ثابت على ذلك مدة حياته، وأنه يجب على المكلّفين ثبوتهم عليه ما بقُوا .ولا أعلم كيف قد وقع ذلك للراونديّ! فإنْ زعم أنّ العقل يقتضي ذلك فحق، ولكن ليس مستفاداً من الكلام، وهو أنّه قال : إن ذلك موجود في الكلام.فأما قوله : لو كان قال : أحمدُ اللّٰه لم يعلم منه جميع ذلك، فإنه لا فرق في انتفاء دلالة «أحمد اللّٰه» على ذلك ودلالة «الحمد للّٰه» ، وهما سواء في أنّهما لا يدلآن على شيء من أحوال غیر القائل، فضلاً عن دلالتهما على ثبوت ذلك ودوامه في حقّ غير القائل .وأما قوله : اللّٰه أخصّ من الإلٰه، فإن أراد في أصل اللغة فلا فرق، بل اللّٰه هو الإلٰه وفُخّم
بعد حذف الهمزة، هذا قول كافة البصريين، وإن أراد أنّ أهلَ الجاهلية كانوا يُطلِقون على الأصنام لفظة «الآلهة»، ولا يسمُّونها «اللّٰه» فحقّ، وذلك عائد إلى عرفهم واصطلاحهم، لا إلى أصل اللغة والاشتقاق، ألاَ ترى أنّ الدابة في العرف لا تطلق على القملة، وإن كانت في أصل اللغة دابة !.فأما قوله : قد أظهر العجز عن القيام بواجب مدائحه فكيف بمحامده! فكلام يقتضي أن المدح غير الحمد، ونحن لا نعرف فرقاً بينهما . وأيضاً فإنّ الكلام لا يقتضي العجز عن القيام بالواجب، لا من الممادح ولا من المحامد، ولا فيه تعرّض لذكر الوجوب، وإنما نَفى أن يبلغ القائلون مدحته، لم يقل غير ذلك .وأما قوله : الذي حقت العبادة له في الأزل واستحقّها حين خلق الخلق، وأَنعم بأصول النعم، فكلام ظاهره متناقض، لأنه إذا كان إِنما استحقّها حين خلق الخلق، فكيف يقال: إنه استحقها في الأزَل! وهل يكون في الأزَل مخلوق ليستحقّ عليه العبادة!واعلم أنّ المتكلمين لا يُطلقون على البارىء سبحانه أنه معبود في الأزل أو مستحق للعبادة في الأزل إلا بالقوة لا بالفعل، لأنّه ليس في الأزل مكلّف يعبده تعالى، ولا أنعم على أحد في الأزل بنعمة يستحق بها العبادة، حتى إنهم قالوا في الأثر الوارد: «يا قديم الإحسان»: إن معناه أنّ إحسانه متقادِم العهد، لا أنّه قديم حقيقة، كما جاء في الكتاب العزيز : (حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ (1)، أي الذي قد توالت عليه الأزمنة المتطاولة .)ثم قال الراوندي : والحمد والمدح يكونان بالقول وبالفعل، والألف واللام في «القائلون» لتعريف الجنس، كمثلهما في الحمد. والبلوغ: المشارَفة، يقال: بلغتُ المكان إذا أشرفتُ عليه، وإذا لم تشرف على حمده تعالى بالقول فكيف توصل إليه بالفعل والإله : مصدر بمعنى المألُوه.ولقائل أن يقول : الذي سمعناه أنّ التعظيم يكون بالقول والفعل ويترك القول والفعل، قالوا : فمن قال لغيره : يا عالم فقد عظّمه ومَنْ قام لغيره فقد عظّمه، ومن ترك مدّ رجله بحضرة غيره فقد عظّمه ، ومَنْ كفّ غَرْب لسانه عن غيره فقد عظّمه. وكذلك الاستخفاف والإهانة تكون بالقول والفعل ويتركهما حسب ما قدمنا ذكره في التعظيم .فأما الحمدُ والمدح فلا وجه لكونهما بالفعل، وأما قوله : إنّ اللام في «القائلون» لتعريف
1) سورة يس، الآية : 39 .
الجنس، كما أنها في الحمد كذلك فعجيب، لأنها للاستغراق في «القائلون» لا شبهة في ذلك كالمؤمنين والمشركين، ولا يتمّ المعنى إلا به، لأنّه للمبالغة، بل الحقّ المحض أنه لا يبلغ مدحته كلّ القائلين بأسرهم. وجَعْل اللاّم للجنس ينقص عن هذا المعنى إن أراد بالجنس المعهود، وإن أرادَ الجنسيَّة العامة، فلا نزاع بيننا وبينه، إلا أن قوله: «كما أنها في الحمد کذلک» یمنع أن يحمل كلامه على المحمل الصحيح، لأنها ليست في الحمد للاستغراق، يبيّن ذلك أنها لو كانت للاستغراق لما جاز أن يُحمَد رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله ولا غيره من الناس، وهذا باطل.)وأيضاً فإنها لفظ واحد مفرد معرّف بلام الجنس، والأصل في مثل ذلك أن يفيد الجنسية المطلقة، ولا يفيد الاستغراق، فإن جاء منه شيء للاستغراق، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (1)، وأهلك الناسَ الدِّرهمُ والدينار، فمجاز، والحقيقة ما ذكرناه. فأما قوله : البلوغ المشارفة ، يقال : بلغتُ المكان إذا أشرفتَ عليه . فالأجود أن يقول : قالوا : بلغتُ المكان، إذا شارفته، و بین قولنا : «شارفته»، و«أشرفت عليه» فرق .)وأما قوله : «وإذا لم يشرف على حمده بالقول فكيف يوصل إليه بالفعل!»، فكلام مبنيّ على أنّ الحمد قد يكون بالفعل، وهو خلاف ما يقوله أرباب هذه الصناعة.وقوله : والإله مصدر بمعنى المألوه كلام طريف، أمّا أوّلاً ، فإنه ليس بمصدر، بل هو اسم، كوِجَارَ للضبع وسِرار للشهر، وهو اسم جنس كالرّجل والفرس، يقع على كل معبود بحقّ أو باطل، ثم غلَب على المعبود بالحقّ، كالنجم اسم لكلّ كوكب ثم غلب على الثريا، والسّنَة : اسم لكل عام ثم غلب على عام القَحْط. وأظنه رحمه اللّٰه لما رآه «فِعالا» ظن أنه مصدر كالحِصاد والجِذاذ وغيرهما . وأما ثانياً، فلأن المألوه صيغة «مفعول» وليست صيغة مصدر إلا ألفاظ نادرة، كقولهم : «ليس له معقول ولا مجلود»، ولم يسمع «مألوَه» في اللغة، لأنه قد جاء :ألِهَ الرجل إذا دهِش وتحيَّر، وهو فعل لازم لا يبنى منه «مفعول» .ثم قال الرواندي: وفي قول اللّٰه تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ (2). بلفظ الإفراد، وقول أمير المؤمنين(علیه السلام) : «لا یحصي نعماءه، العادّون» بلفظ الجمع سرُّ عجيب؛ لأنه تعالى أراد أنّ نعمةً واحدة من نِعَمه لا يمكن العباد عدّ وجوه كونها نعمة، وأراد أمير المؤمنين (علیه السلام)أن أصول نعمه لا تحصى لكثرتها ، فكيف تعدُّ وجوه فروع نعمائه! وكذلك في)
كون الآية واردة بلفظة «إن» الشرطية، وكلام أمير المؤمنين(علیه السلام على صيغة الخبر، تحته لطيفة عجيبة، لأنه سبحانه يريد أنكم إن أردتم أن تعدُّوا نِعمه لم تقدروا على حصرها، وعلي (علیه السلام) أخبر أنه قد أنعم النظر ، فعلم أن أحداً لا يمكنه حصرُ نِعَمِه تعالى .)ولقائل أن يقول : الصحيح أنّ المفهوم من قوله : (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ الجنس، كما يقول القائل : أنا لا أجحد إحسانك إليّ، وامتنانك عليّ، ولا يقصد بذلك إحساناً واحداً، بل جنس الإحسان.)وما ذكره من الفرق بين كلام البارى وكلام أمير المؤمنين غير بين، فإنه لو قال تعالى : وإن تعدوا نعم الله ، وقال : ولا يحصي نعمته العادّون لكان كل واحد منهما سادا مسدّ الآخر.أما اللطيفة الثانية فغير ظاهرة أيضاً ولا مليحة، لأنه لو انعكس الأمر، فكان القرآن بصيغة الخبر وكلام علىّ (علیه السلام بصيغة الشرط، لكان مناسباً أيضاً، حسب مناسبته، والحالُ بعكس ذلك، اللهم إلا أنْ تكون قرينة السجعة من كلام علىّ(علیه السلام) تنبو عن لفظة الشرط، وإلا فمتى حَذَفتَ القرينة السجعيّةَ عن وهمك لم تجد فرقاً)الداعي إلى ارتكاب هذه الدعاوى المنكرة.مُوسَسِة السّید هبة الدین الحُسینیالشهرستانيسنة 1360 - 1941ثم قال الراونديّ: إنه لو قال أمير المؤمنين (علیه السلام: «الذي اللحية تالفه الحاسبون» لم تحصل المبالغة التي أرادها بعبارته، لأنّ اشتقاق الحساب من الحِسبان، وهو الظن . قال : وأمّا اشتقاق العدد فمن العِدّ، وهو الماء الذي له مادّة والإحصاء: الإطاقة ،أحصيته، أي أطقته، فتقدير الكلام: لا يطيق عد نعمائه العادّون، ومعنى ذلك أن مدائحه تعالى لا يُشرِف على ذكرها الأنبياء والمرسلون، لأنها أكثر من أن تعدّها الملائكةُ المقرّبون، والكرام الكاتبون.)ولقائل أن يقول : أمّا الحساب فليس مشتقاً من الحِسبان بمعنى الظنّ كما توهّمه، بل هو أصل برأسه ألا ترى أنّ أحدَهما حَسِبت أحْسَب، والآخر حَسِبْت أحْسُبَ وأحسَب بالفتح والضم، وهو من الألفاظ الأربعة التي جاءت شاذة. وأيضاً فإن «حسَبت» بمعنى ظننت يتعدى إلى مفعولين لا يجوز الاقتصارُ على أحدهما، و «حَسِبت» من العدد يتعدى إلى مفعول واحد . ثم يقال له : وَهَبْ أَنّ «الحاسبين» لو قالها مشتقةَ من الظَّنّ لم تحصل المبالغة، بل المبالغة كادت تكون أكثر، لأن النعم التي لا يحصرها الظانّ بظنونه أكثر من النعم التي لا يعدّها العالم بعلومه .وأما قوله : العدَد مشتق من العِدِّ، وهو الماء الذي له مادّةٌ ، فليس كذلك، بل هما أصلان.
وأيضاً لو كان أحدهما مشتقاً من الآخر لوجب أنْ يكون العِدّ مشتقاً من العدد، لأن المصادر هي الأصول التي يقع الاشتقاق منها، سواء أكان المشتق فعلاً أو اسماً، ألا تراهم قالوا في كتب الاشتقاق: إنّ الضَّرْب : الرجل الخفيف، مشتق من الضَّرْب، أي السير في الأرض للابتغاء، قال اللّٰه تعالى: (لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا في الأَرْضِ (1)، فجعل الاسم منقولاً ومشتقاً من المصدر.)وأمّا الإحصاء فهو الحصر والعَدّ وليس هو الإطاقة كما ذكَر لا يقال : أحصيت الحجر ، أي أطقت حمله .وأمّا ما قال إنه معنى الكلمة فطريف، لأنه (علیه السلاملم يذكر الأنبياء ولا الملائكة، لا مطابقة ولا تضمّناً ولا التزاماً، وأي حاجة إلى هذا التقدير الطريف الذي لا يشعر الكلام به! و مراده(علیه السلام) ، وهو أنّ نعمه جلّتْ لكثرتها أن يُخصيهَا عادّ ما، هو نفيٌ لمطلق العادّين من غير تعرض لعادّ مخصوص.)قال الراونديّ: فأمّا قوله : «لا يدرِكه بُعْد الهمم»، فالإدراك هو الرؤية والنَّيل والإصابة، ومعنى الكلام : الحمد اللّٰه الذي ليس بجسم ولا عَرَض، إذ لو كان أحدَهما لرآه الراؤون إذا أصابوه، وإنما خَصّ «بُعْد الهمم» بإسناد نفي الإدراك «وغوْص الفِطَن» بإسناد نفي النّيْل لغرض صحيح، وذلك أن الثّنَويّةَ يقولون بقدم النور والظلمة، ويثبتون النور جهة العلوّ والظلمة جهة السُفْل، ويقولون : إنّ العالم ممتزج منهما، فردّ (عليه السلام علیهم بما معناه: إنّ النور والظلمة جسمان، والأجسام ،محدَثة، والبارى تعالى قديم .)ولقائل أن يقول : إنه لم يَجْرِ للرؤية ذكر في الكلام ، لأنه (علیه السلام لم يقل : الذي لا تدركه العيون ولا الحواسّ، وإنما قال: «لا يدركه بُعْدُ الهمم» ، وهذا يدلّ على أنه إنما أراد أن العقول لا تحيط بكنهه وحقيقته . وأيضاً فلو سلمنا أنه إنما نفى الرؤية، لكان لمحاجّ أن يحاجّه فيقول له : هبْ أنّ الأمر كما تزعم، ألست تريدُ بيانَ الأمر الذي لأجله خصّصّ بُعْد الهمم بنفي الإدراك، وخصص غَوْصَ الفِطن بنفي النَّيل ! وقلت : إنما قُسّمَ هذا التقسيم لغرض صحيح، وما رَأيناك أوضحت هذا الغرض، وإنما حكيت مذهب الثَّنويّة، وليس يدلُّ مذهبهم على وجوب تخصيص بُعْد الهمم بنفي الإدراك دون نفي النَّيْل، ولا يوجب تخصيص غَوْص الفطن بنفي النَّيْل دون نفي الإدراك، وأكثر ما في حكاية مذهبهم أنهم يزعمون أن إلٰهَيِ العالَم : النور والظلمة، وهما جسمان، وأمير المؤمنين (علیه السلام)يقول : لو كان صانع العالم جسماً لَرُئيَ ، وحيث لم يُرَ لم :)
1) سورة البقرة، الآية : 273 .
يكن جسماً ، أيّ شيء في هذا مما يدلّ على وجوب ذلك التقسيم والتخصيص الذي زعمتَ أنه إنما خصصّه وقسّمه لغرض صحيح!ثم قال الراونديّ ويجوز أن يقال : البعدُ والغوص مصدران هاهنا بمعنى الفاعل، كقولهم : فلان عَدْل، أي عادل، وقوله تعالى : (إن أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً (1)، أي غائراً، فيكون المعنى : لا يدركه العالم البعيد الهمم فكيف الجاهل ! ويكون المقصد بذلك الردّ على من قال : إن محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم)رأى ربَّه ليلة الإسراء، وإن يونس(علیه السلام) رأى ربَّه ليلة هبوطه إلى قعر البحر .)ولقائل أن يقول : إن المصدر الذي جاء بمعنى الفاعل الفاظ معدودة، لا يجوز القياس عليها، ولو جاز لما كان المصدر هاهنا بمعنى الفاعل، لأنه مصدر مضاف، والمصدر المضاف لا يكون بمعنى الفاعل. ولو جاز أن يكون المصدر المضاف بمعنى الفاعل لم يجز أن يُحْمَل كلامه (علیه السلامعلى الردّ على من أثبت أن البارى سبحانه ،مرئيّ ، لأنه ليس في الكلام نفي الرؤية أصلاً، وإنما غَرَضُ الكلام نفي معقوليّته سبحانه، وإن الأفكار والأنظار لا تحيط بكنهه، ولا تتعقل خصوصية ذاته، جَلَّتْ عظمته !)ثم قال الراونديّ: فأما قوله : «الذي ليس لصفته حدّ محدود ، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود»، فالوقت: تحرّك الفلك ودَوَرانه على وجهف والأجل: مدّة الشيء، ومعنى الكلام أنّ شكري للّٰه تعالى متجدّد عند تجدّد كلّ ساعة، ولهذا أبدل هذه الجملة من الجملة التي قبلها وهي الثانية،كما أبدل الثانية من الأولى.ولقائل أن يقول : الوقت عند أهل النظر مقدار حركة الفَلَك، لا نفس حركته، والأجل ليس مطلق الوقت، ألاَ تراهم يقولون: جئتك وقتَ العصر، ولا يقولون: أجَلَ العصر! والأجَل عندهم هو الوقت الذي يعلم اللّٰه تعالى أن حياة الحيوان تبطُل فيه، مأخوذ من أجَل الدَّين، وهو الوقت الذي يحلّ قضاؤه فيه .فأما قوله : ومعنى الكلام أنّ شكري متجدّد للّٰه تعالى في كلّ وقت، ففاسد، ولا ذِكْرَ في هذه الألفاظ للشكر، ولا أعلم من أين خطر هذا للراوندي! وظنّه أن هذه الجمل من باب البدل غلط، لأنها صفات، كلّ واحدة منها صفة بعد أخرى، كما تقول: مررت بزيد العالم، الظريف، الشاعر .
1) سورة الملك، الآية : 30.
قال الراوندي: فأما قوله: «الذي ليس لصفته حدّ»، فظاهره إثبات الصفة له سبحانه، وأصحابنا لا يثبتون للّٰه سبحانه صفة، كما يثبتها الأشعرية، لكنّهم يجعلونه على حال، أو يجعلونه متميزاً بذاته، فأمير المؤمنين(علیه السلام بظاهر كلامه - وإن أثبت له صفة - إلا أنّ من له أنْسٌ بكلام العرب يعلم أنه ليس بإثبات على الحقيقة. وقد سألني سائل فقال: هاهنا كلمتان، إحداهما كفر، والأخرى ليست بكفر، وهما: للّٰه تعالى شريك غير بصير . ليس شريك اللّٰه تعالى بصيراً ، فأيهما كلمة الكفر؟ فقلت له : القضية الثانية، وهي «ليس شريك اللّٰه تعالى بصيراً» كُفْر، لأنها تتضمّن إثباتَ الشريك، وأمّا الكلمة الأخرى، فيكون معناها للّٰه شريك غير بصير؟ بهمزة الاستفهام المقدّرة المحذوفة.)ثم أخذ في كلام طويل يبحث فيه عن الصفة والمعنى، ويُبطِل مذهب الأشعرية بما يقوله المتكلمون من أصحابنا، وأخذ في توحيد الصفة : لِمَ جاء وكيف يدلّ نفي الصفة الواحدة على نفي مطلق الصفات؟ وانتقل من ذلك إلى الكلام في الصفة الخامسة التي أثبتها أبو هاشم، ثم خرج إلى مذهب أبي الحسين، وأطال جداً فيما لا حاجة إليه .ولقائل أن يقول : الأمر أسهلُ مما تظنّ فإنا قد بيّنّا أنّ مراده نفي الإحاطة بكنهه، وأيضاً يمكن أن يجعل الصفة هاهنا قول الواصف، فيكون المعنى : لا ينتهي الواصف إلى حدّ إلا وهو قاصر عن النعت، لجلالته وعظمته، جلّت قدرته.فأما القضيتّان اللتان سأله السائل عنهما فالصواب غير ما أجاب به فيهما، وهو أن القضيّة الأولى كفر ، لأنها صريحة في إثبات الشريك، والثانية لا تقتضي ذلك، لأنه قد ينفي قول الشريك بصيراً على أحد وجهين، إما لأن هناك شريكاً لكنّه غير بصير، لأن الشريك غير موجود، وإذا لم يكن موجوداً لم يكن بصيراً، فإذا كان هذا الاعتبار الثاني مراداً لم يكن كفراً، وصار كالأثر المنقول : «كان مجلس رسول اللّٰه (صلی الله علیه و آله و سلم لا تؤثر هفواته»، أيَ لم يكن فيه هفوات فتؤثر وتحكى، وليس أنه كان المراد في مجلسه هفوات إلا أنها لم تؤثر .)قال الراونديّ: فإن قيل : تركيب هذه الجملة يدلّ على أنه تعالى فَطَر الخليقة قبل خَلْق السمٰوات والأرض.قلنا : قد اختُلف في ذلك فقيل : أوّل ما يحسن منه تعالى خلقه ذاتاً حيّة، يخلق فيها شهوةً ،لمدرک تدرکه فتلتذّ به، ولهذا قيل : تقديم خَلْق الجماد على خلق الحيوان عبث وقبيح. وقيل:لا مانع من تقديم خلق الجماد إذا عُلم أنّ عِلم بعض المكلّفين فيما بعد بخَلْقِهِ قَبْلَه لطف له .ولقائل أن يقول : أمّا إلى حيث انتهى به الشرح فليس في الكلام تركيب يدلّ على أنّه تعالى
فطر خَلْقه قبل خَلْق السمٰوات والأرض. وإنما قد يُوهم تأمل كلامه (علیه السلامفيما بعد شيئاً من ذلك، لما قال: «ثم أنشأ سبحانه فَتْق الأجواء»، على أنا إذا تأملنا لم نجد في كلامه(علیه السلام) ما يدلّ على تقديم خَلْق الحيوان، لأنه قبل أنْ يذكر خلق السماء لم يذكر إلا أنه فَطَر الخلائق.)وتارة قال: «أنشأ الخلق»، ودلّ كلامه أيضاً على أنه نشر الرياح، وأنه خلق الأرض وهي مضطربة فأرساها بالجبال، كلّ هذا يدلّ عليه كلامه، وهو مقدّم في كلامه على فَتْق الهواء والفضاء وخلق السماء، فأما تقديم خلق الحيوان أو تأخيره فلم يتعرض كلامه(علیه السلام له، فلا معنى لجواب الراونديّ وذِكْره ما يذكره المتكلّمون من أنه هل يحسن تقديم خلق الجماد على الحيوان أم لا !)الأصل: أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ، وكمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وكمالُ تَوحِيدِهِ اؐلْإِخْلاَصُ لَهُ، وكمالُ اؐلْإِخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غيرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ. فَمَنْ وَصَفَ اللّٰهُ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَن قَرَنَهُ فقدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فقد جزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، ومن حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ: «فِيمَ» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ: «عَلَامَ» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ .الشرح: إنما قال(علیه السلام : «أول الدين معرفته»، لأن التقليد باطل، وأوّل الواجبات الدينية المعرفة. ويمكن أن يقول قائل : الستُم تقولون في علم الكلام : أول الواجبات النظرُ في طريق معرفة اللّٰه تعالى وتارة تقولون : القصد إلى النظر ؟ فهل يمكن الجمع بين هذا و بین کلامه (علیه السلام) ؟!)وجوابه أن النّظَر والقصد إلى النظر إنما وجبا بالعَرَض لا بالذات، لأنهما وُصْلة إلى المعرفة، والمعرفة هي المقصود بالوجوب، وأميرُ المؤمنين(علیه السلام أراد : أول واجب مقصود بذاته من الدين معرفةُ البارى ء سبحانه، فلا تناقضَ بین کلامه وبين آراء المتكلمين .)وأما قوله : «وكمال معرفته التصديق به»، فلأَنّ معرفتَه قد تكون ناقصة، وقد تكون غير ناقصة، فالمعرفة الناقصة هي المعرفة بأن للعالَم صانعاً غيرَ العالم، وذلك باعتبار أن الممكنَ لا بد له من مؤثر، فمن علم هذا فقط عَلِم اللّٰه تعالى ولكنّ علماً ناقصاً، وأما المعرفة التي ليست ناقصة فإنْ تعلم أن ذلك المؤثر خارج عن سلسلة الممكنات، والخارجُ عن كلّ الممكنات ليس بممكن، وما ليس بممكن فهو واجب الوجود، فمن عَلِم أن للعالم مؤثراً واجبَ
الوجود فقد عرفه عرفاناً أكملَ من عرفان أن للعالم مؤثراً فقط، وهذا الأمر الزائد هو المكنّى عنه بالتصديق به، لأن أخصّ ما يمتاز به البارىء عن مخلوقاته هو وجوب الوجود.وأما قولُهُ(علیه السلام : «وكمال التصديق به توحيدُه»، فلان مَنْ علم أنه تعالى واجبُ الوجود مصدِّق بالبارىءسبحانه، لكن ذلك التصديق قد يكون ناقصاً، وقد يكون غير ناقص، فالتصديق الناقص أن يقتصر على أن يعلم أنه واجبُ الوجود فقط، والتصديق الذي هو أكمل من ذلک وأتمّ هو العلمُ بتوحيده سبحانه، باعتبار أن وجوب الوجود لا يمكن أن يكون لذاتين، لأن فرض واجبيَ الوجود يُفضيِ إلى عموم وجوبِ الوجود لهما وامتياز كلّ واحد منهما بأمر غير الوجوب المشترك، وذلك يُفِضي إلى تركيبهما وإخراجهما عن كونهما واجِبَي الوجود، فمن علم البارىء سبحانه واحداً ،أي لا واجب الوجود إلا هو يكون أكملَ تصديقاً ممن لم يعلم ذلك، وإنما اقتصر على أن صانع العالم واجب الوجود فقط.)وأما قوله : «وكمال توحيده الإخلاصُ له»، فالمراد بالإخلاص له هاهنا هو نَفْيُ الجسمية والعَرَضيّة ولوازمهما عنه، لأن الجسم مركب، وكل مركب ممكِن، وواجب الوجود ليس بممكن. وأيضاً فكل عَرَضِ مفتقِر ، وواجب الوجود غير مفتقر ، فواجب الوجود ليس بِعَرَض .وأيضاً فكل جِرْم محدث، وواجب الوجود ليس بمحدَث، فواجب الوجود ليس بجرم. وأيضاً فكل حاصل في الجهة، إما جِرْم أو عَرَض وواجب الوجود ليس بِجرْم ولا عرَض، فلا يكون حاصلاً في جهة، فمن عرف وحدانية البارىء ولم يعرف هذه الأمور كان توحيده ناقصاً، ومن عرف هذه الأمور بعد العلم بوحدانيته تعالى فهو المخلص في عِرْفانه جلّ اسمه ومعرفته تكون أتمّ وأكمل .وأما قوله : «وكمالُ الإخلاص له نَفْيُ الصفات عنه»، فهو تصريحٌ بالتوْحيد الذي تذهب إليه المعتزلة، وهو نفيُ المعاني القديمة التي تُثْبِتها الأشعرية وغيرهم ، قال(علیه السلام : «لشهادة كلِّ صفة أنها غيرُ الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنه غر الصفة»، وهذا هو دليل المعتزلة بعينِه، قالوا : لو كان عالماً بمعنى قديم، لكان ذلك المعنى إمّا هو أو غيره، أو ليس هو ولا غيره والأول باطل، لأنا نعقل ذاته قبل أن نعقِل أو نتصوّر له علماً، والمتصوِّر مُغايرِ لما ليس بمتصوِّر.)والثالث باطل أيضاً، لأنّ إثبات شيئين: أحدهما ليس هو الآخر ولا غيره، معلوم فسادُه ببديهة العقل، فتعيّن القسم الثاني وهو مُحال، أما أوّلاً فبإجماع أهلِ الملّة، وأما ثانياً فلما سبق من أن وجوب الوجود لا يجوز أنْ يكون لشيئين، فإذا عرفْتَ هذا فاعرف أنّ الإخلاص له تعالى قد يكون ناقصاً وقد لا يكون، فالإخلاص الناقص هو العلم بوجوب وجوده، وأنه واحد ليس بجسم ولا عَرَض، ولا يصحّ عليه ما يصحّ على الأجسام والأعراض. والإخلاص التامّ هو العلم بأنّه لا تقوم به المعاني القديمة، مضافاً إلى تلك العلوم السابقة، وحينئذ تتم المعرفة وتكمل .
ثم أكّد أميرُ المؤمنين(علیه السلام هذه الإشارات الإلٰهية بقوله : «فمَنْ وَصَف اللّٰه سبحانه فقد قَرَنه»، وهذا حق، لأنّ الموصوفَ يقارن الصفة، والصفة تقارنه .)قال: «ومن قرنه فقد ،ثَناه»، وهذا حقّ لأنه قد أثبت قديمين، وذلك محض التثنية.قال: «ومن ثناه فقد جَزّأء»، وهذا حقّ، لأنه إذا أطلق لفظة اللّٰه تعالى على الذات والعلم القديم فقد جعل مسمّى هذا اللفظ وفائدته متجزئة ،كإطلاق لفظ «الأسود» على الذات التي حلّها سواد.قال : «ومن جَزّأء فقد جهله»، وهذا حقّ، لأنّ الجهل هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به .قال : «ومن أشار إليه فقد حَدّه»، وهذا حقّ، لأنّ كلَّ مشارِ إليه فهو محدود، لأنّ المشار إليه لا بدّ أن يكون في جهة مخصوصة، وكلّ ما هو في جهة فله حدّ وحدود، أي أقطار وأطراف.قال : «ومَنْ حدّه فقد عدّه»، أي جعله من الأشياء المحدثة، وهذا حقّ، لأنّ كلّ محدود معدود في الذوات المحدَثة .قال: «ومن قال: فِيمَ؟ فقد ضمّنه»، وهذا حقّ، لأن مَنْ تصوّر أنه في شيء فقد جعله إما جسماً مستَتِراً في مكان، أو عرَضاً سارياً في محلّ، والمكان متضمّن للتّمكن، والمحلّ متضمّن للعرَض.قال: «ومن قال : علامَ؟ فقد أخْلَى منه» ، وهذا حقّ، لأن مَنْ تصوّر أنه تعالى على العرش، أو على الكرسيّ ، فقد أخلى منه غير ذلك الموضع. وأصحاب تلك المقالة يمتنِعون من ذلك، ومرادُه(علیه السلام إظهار تناقض أقوالهم، وإِلاّ فلو قالوا: هب أنّا قد أخْلَيْنا منه غير ذلك الموضع أيّ محذور يلزمنا ؟ فإذا قيل لهم : لو خلا منه موضع دون موضع لكان جسماً، ولزم حدوثه، قالوا : لزوم الحدوث والجِسْمية إنّما هو من حصوله في الجهة لا من خلوّ بعض الجهات عنه، وأنتم إنما احتججتُم علينا بمجرّد بعض الجهات منه، فظهر أنّ توجيه الكلام عليهم إنّما هو إلزام لهم، لا استدلال على فساد قولهم.)فأما القطْب الراونديّ فإنه قال في معنى قوله : «نفيُ الصفات عنه» : أي صفات المخلوقين،قال : لأنه تعالى عالم قادر، وله بذلك صفات، فكيف يجوز أن يقال : لا صفة له ! وأيضاً فإنه(علیه السلام قد أثبت للّٰه تعالى صفةَ أوّلاً، حيث قال : «الذي ليس لصفته حد محدود»، فوجب أن يُحمل كلامه على ما يتنزّه عن المناقضة.)
وأيضاً فإنه قد قال فيما بعدُ في صفة الملائكة : «إنهم لا يَصِفون اللّٰه تعالى بصفات المصنوعين»، فوجب أن يحمل قوله الآن : «وكمالُ توحيده نفي الصفات عنه» على صفات المخلوقين، حملاً للمطلق على المقيَّد .ولقائل أن يقول : لو أراد نفيَ صفات المخلوقين عنه لم يستدلّ على ذلك بدليل الغيريّة، وهو قوله : «لشهادة كل صفة أنها غيرُ الموصوف»، لأن هذا الاستدلال لا ينطبق على دَعْوَى أنه غير موصوف بصفات المخلوقين، بل كان ينبغي أن يستدلّ بأن صفات المخلوقين من لوازم الجسمية والعَرَضيّة، والبارىء ليس بجسم ولا عَرَض، ونحن قد بينا أن مراده(علیه السلام إبطال القول بالمعاني القديمة، وهي المسماة بالصفات في الاصطلاح القديم، ولهذا يسمَّى أصحاب المعاني بالصفاتية. فأما كونه قادراً وعالماً فأصحابها أصحاب الأحوال، وقد بينا أن مراده (علیه السلام)بقوله : «ليس لصفته حدّ محدود»، أي لكنهه وحقيقته، وأما كون الملائكة لا تصف البارىء بصفات المصنوعين فلا يقتضي أن يُحْمَلَ كل موضوع فيه ذكر الصفات على صفات المصنوعين، لأجل تقييد ذلك في ذكر الملائكة، وأين هذا من باب حمل المطلق على المقيّد!)لاسيما وقد ثبت أن التعليل والاستدلال يقضي ألا يكون المراد صفات المخلوقين.وقد تكلّف الراونديّ لتطبيق تعليله (علیه السلام نفيَ الصفات عنه بقوله : «لشهادة كلّ صفة أنها غيرُ الموصوف»، بكلام عجيب، وأنا أحكي الفاظَه لتعلم ، قال : معنى هذا التعليل أنّ الفعل في الشاهد لا يشابه الفاعل، والفاعل غيرُ الفعل، لأن ما يوصف به الغير إنما هو الفعل أو معنى الفعل، كالضّارب والفَهِم، فإن الفهم والضرب كلاهما فعل، والموصوف بهما فاعل، والدليل لا يختلف شاهداً وغائباً، فإذا كان تعالى قديماً وهذه الأجسام محدثة كانت معدومة ثم وجدت، يدلّ على أنها غيرُ الموصوف بأنه خالقها ومدبّرها .)انقضى كلامه . وحكايته تُغْنِي عن الرّد عليه .ثم قال: «الأوّل» على وزن «أفعل» يستوي فيه المذكر والمؤنث، إذا لم يكن فيه الألف واللام، فإذا كانا فيه قيل للمؤنث : «الأولى».وهذا غير صحيح؛ لأنه يقال: كلّمت فُضْلا هنّ، وليس فيه ألف ولام، وكان ينبغي أن يقول إذا كان منكراً مصحوباً بمن استوى المذكر والمؤنث في لفظ «أفعل، تقول: زيد أفضل من ،عمرو، وهند أحسن من دعد.الأصل: كائنٌ لا عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودٌ لا عَنْ هَدَم ، مَع كلِّ شَيءٍ لا بِمُقَارَنَةٍ، وَغَيْرُ كُلِّ شَيءٍ لا بِمُزَايَلَةٍ، فَاعِلٌ لا بمَعْنَى الحَرَكاتِ وَالآلَةِ، بَصِيرٌ، إِذْ لا مَنْظُورَ إِلَيهِ مِنْ خَلْقِهِ،
مُتَوَحّدٌ ، إِذْ لا سَكَنَ يَستَانِسُ بِهِ، وَلا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ. أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءاً ، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءاً ، بِلاَ رَوِيَّة أجَالَها، ولا تَجرِبَةٍ أَسْتَفَادَها، وَلاَ حَركة ،أحْدَثَهَا ، ولا هَمامَةِ نَفْسٍ أَضْطَرَب فيِها . أَحَالَ الْأَشْيَاءَ لِأَوْقاتها، ولاءَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتها، وَغَرَّزَ غَرَائِزَها، وَأَلزَمَها أَشْبَاحَها، عَالِماً بِهَا قبلَ اؐبْتِدَائِهَا، مُحِيطاً بحُدُودِهَا وَأَنْتِهائِهَا ، عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وأَحْنَائِهَا .الشرح : قوله (علیه السلام: «كائن»، وإن كان في الاصطلاح العرفيّ مقولاً على ما ينزَّه البارىء عنه، فمراده به المفهوم اللغويّ، وهو اسم فاعل من «كان»، بمعنى وجد، كأنّه قال : موجود غير محدَث .)فإن قيل : فقد قال بعده: «موجود لا عن عدَم» فلا يبقى بين الكلمتين فرق .قيل : بينهما فرق، ومراده بالموجود لا عن عدم هاهنا وجوب وجوده ونفيُ إمكانه؛ لأنّ مَنْ أثبت قديماً ممكناً، فإنه وإن نفي حدوثَه الزمانيّ فلم ينفِ حدوثَه الذاتي، وأمير المؤمنين(علیه السلام نفى عن البارىء تعالى في الكلمة الأولى الحدوثَ الزمانيّ ، ونفى عنه في الكلمة الثانية الذاتيّ . وقولنا في الممكن: إنّه موجود من عدم، صحيح عند التأمّل لا بمعنى أنّ عدمه سابق له زماناً ، بل سابق لوجوده ذاتاً ، لأن الممكن يستحقّ من ذاته أنّه لا يستحق الوجود من ذاته .)وأما قوله: «مع كلّ شيء لا بمقارنة»، فمراده بذلك أنّه يعلم الجزئيات والكلّيات، كما قال سبحانه: ﴿َمَا يَكُونُ مِن نَجْوَىٰ ثَلٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ (1).)وأما قوله : «وغيرُ كلِّ شيءِ لا بمزايلة» فحقّ؛ لأنّ الغَيْرين في الشاهد هما ما زايلَ أحدُهما الآخر وباينه بمكان أو زمان، والبارىء سبحانه يباين الموجودات مباينة منزّهة عن المكان والزمان، فصدَق عليه أنّه غير كل شيء لا بمزايلة .وأما قوله : «فاعلٌ لا بمعنى الحركات والآلة» ،فحقّ، لأن فعله اختراع، والحكماء يقولون : إبداع، ومعنى الكلمتين واحد، وهو أنه يفعل لا بالحركة والآلة كما يفعل الواحد منّا ، ولا يوجِد شيئاً من شيء.وأما قوله : «بصير ، إذ لا منظورَ إليه من خَلْقه»، فهو حقيقة مذهب أبي هاشم رحمه اللّٰه وأصحابه؛ لأنهم يُطلقون عليه في الأزَل أنّه سميع بصير، وليس هناك مسموع ولا مُبَصر، ومعنى ذلك كونه بحالٍ يصحّ منه إدراك المسموعات والمبصَرات إذا وجدت، وذلك يرجع إلى كونه حياً لا آفة به، ولا يُطلقون عليه أنه سامع مبصر في الأزَل ؛ لأنّ السامع المبصر هو المدركبالفعل لا بالقوة.
1) سورة المجادلة، الآية: 7 .
وأما قوله : «متوحّد ، إذْ لا سَكَنَ يَستأنس به، ويستوحش لفقده»، ف- «إذ» هاهنا ظرف، ومعنى الكلام أنَّ العادة والعرف إطلاق «متوحّد» على من قد كان له من يستأنس بقربه ويستوحش ببعده، فانفرد عنه ، والبارىء سبحانه يطلق عليه أنّه متوحِّد في الأزل ولا موجود سواه، وإذا صَدَق سَلْب الموجودات كلّها في الأزَل صدق سلبُ ما يؤنِس أو يوحِش، فتوحّدهسبحانه بخلاف توحّد غيره.وأما قوله(علیه السلام : «أنشأ الخلق إنشاءاً، وابتدأه ابتداءاً»، فكلمتان مترادفتان على طريقة الفصحاء والبلغاء، كقوله سبحانه: (لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (1). وقوله : (لِكُلٍ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَا جاً) (2)وقوله : «بلا رَوِيَّةٍ أجالها»، فالرويّة الفِكْرة وأجالها: ردّدها، ومن رواه: «أحالها» بالحاء، أراد صرفها . وقوله : «ولا تجربةِ استفادها»، أي لم يكن قد خلق من قبلُ أجساماً فحصَلت له التجربة التي أعانته على خَلْق هذه الأجسام.)وقوله : «ولا حركة أحدثها»، فيه ردّ على الكرَّامية الذين يقولون : إنّه إذا أراد أن يخلُق شيئاً مبايناً عنه أحدث في ذاته حادثاً يسمّى الإحداث، فوقع ذلك الشيء المباين عن ذلك المعنى المتجدّد المسمَّى إحداثاً.وقوله : «ولا هَمامة نفس اضطرب فيها»، فيه ردُّ على المجوس والثَّنَوِية القائلين بالهمامة، ولهم فيها خَبْط طويل يذكره أصحاب المقالات، وهذا يدل على صحة ما يقال: إنّ أمير المؤمنين (علیه السلامكان يعرف آراء المتقدّمين والمتأخرين، ويعلم العلوم كلّها، وليس ذلك ببعيد من فضائله ومناقبه (علیه السلام).)وأما قوله : «أحال الأشياء لأوقاتها»، فمن روَاها: «أحَلّ الأشياء لأوقاتها»، فمعناه: جعل محلّ كلّ شيء ووقْته كمحلّ الديْن. ومن رواها: «أحال» فهو من قولك: حال في مَتْن فرسه، أي وثب وأحاله ،غيرهُ أي: أوْثبَه على متْن الفرس ، عدّاه بالهمزة، وكأنّه لما أقرّ الأشياء في أحيانها وأوقاتها صار كمن أحال غيرَه على فرسه .وقوله «ولاءم بين مختلفاتها»، أي جعل المختلفات ملتئِمات، كما قَرَن النفس الروحانيةَ بالجسد الترابيّ ، جلّت عظمتُه !وقوله : «وغرّز غرائزها» المرويّ بالتشديد، والغريزة: الطبيعة، وجَمْعها غرائز، وقوله :«غرّزها»، أي جعلها غرائز ،كما قيل: سبحان من ضوّأ الأضواء!. ويجوز أنْ يكون من غرزتُ الإبرة بمعنى غرست. وقد رأيناه في بعض النسخ بالتخفيف .
وقوله:«وألزمها أشباحها»، الضمير المنصوب في «ألزمها» عائد إلى الغرائز، أي ألزم الغرائز أشباحَها، أي أشخاصها، جمع شَبَح ، وهذا حقّ لأن كلاً مطبوع على غريزة لازمة، فالشجاع لا يكون جباناً، والبخيل لا يكون جواداً، وكذلك كلّ الغرائز لازمة لا تنتقل .وقوله : «عالماً بها قبل ابتدائها»، إشارة إلى أنّه عالم بالأشياء فيما لم يزَل.وقوله : «محيطاً بحدودها وانتهائها» أي بأطرافها ونهاياتها .وقوله : «عارفاً بقرائنها وأحنائها»، القرائن: جمع قرونة، وهي النفس . والأحناء : الجوانب، جمع حِنْو ، يقول : إنه سبحانه عارف بنفوس هذه الغرائز التي ألزمها أشباحَها، عارف بجهاتها وسائر أحوالها المتعلّقة بها والصادرة عنها .فأمّا القطب الراونديّ فإنه قال : معنى قوله(علیه السلام : «كائن لا عن حَدث، موجود لا عن عَدَم» ، أنه لم يزل موجوداً، ولا يزال موجوداً ، فهو باقِ أبداً كما كان موجوداً أوّلاً، وهذا ليس بجيّد ؛ لأنّ اللفظ لا يدلّ على ذلك ولا فيه تعرّض بالبقاء فيما لا يزال.)وقال أيضاً : قوله (علیه السلام: «لا يستوحش»، كلام مستأنف. ولقائل أن يقول: كيف يكون كلاماً مستأنفاً، والهاء «في فقده» ترجع إلى«السكن» المذكور أولاً ! .)وقال أيضاً : يُقال: ماله في الأمر هِمَّة ولا هَمامة، أي لا يهُمّ به، والهمَامة: التردّد، كالعزم. ولقائل أن يقول : العزم هو إرادة جازمة حَصَلت بعد التردّد، فبطل قوله : إنّ الهمامة : هي نفس التردد كالعزم. وأيضاً فقد بيّنا مراده (علیه السلام بالهمامة، حكى زُرْقان في كتاب «المقالات»، وأبو عيسى الوراق، والحسن بن موسى، وذكره شيخنا أبو القاسم البلْخِيّ في كتابه في «المقالات» أيضاً عن الثنوية: أنّ النور الأعظم اضطربت عزائمه وإرادته في غزو الظُّلمة والإغارة عليها، فخرجت من ذاته قطعة - وهي الهَمامة المضطربة في نفسه - فخالطت الظلمةَ غازية لها، فاقتطعتها الظلمة عن النور الأعظم، وحالت بينها وبينه، وخرجت هَمامة الظلمة غازية للنور الأعظم، فاقتطعها النور الأعظم عن الظلمة، ومزجها بأجزائه، وامتزجت هَمامة النور بأجزاء الظلمة أيضاً، ثم ما زالت الهَمامتان تتقاربان وتتدانيان وهما ممتزجتان بأجزاء هذا وهذا ، حتى انبنى منهما هذا العالَم المحسوس. ولهم في الهَمامة كلام مشهور، وهي لفظة اصطلحوا عليها، واللغة العربية ما عرفنا فيها استعمال الهمامة بمعنى الهِمَّة، والذي عرفناه الهِمّة والهَمَّة - بالكسر والفتح - والمَهَمّة، وتقول : لا هَمامِ لي بهذا الأمر، مبنيّ على الكسر كقَطام، ولكنّها لفظة اصطلاحية مشهورة عند أهلها.)
الأصل: ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ، وَشَقَّ الْأَرْجَاءِ، وَسَكَائِكَ الْهَوَاءِ، فَأَجْرَى فِيهَا مَاءً مُتَلاطِماً تَيَّارُهُ، مُتَرَا كماً زَخَّارُهُ ، حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ العَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَعِ الْقَاصِفَةِ، فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ، وَسَلَّطَهَا عَلَى شَدّهِ، وَقَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ، الْهَوَاهُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِيقٌ، وَالمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ . ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا ، وَأَدَامَ مُرْبَّها ، وَأَعْصَف مَجْرَاهَا، وَأَبْعَدَ مَنْشَاهَا ، فَأَمَرَهَا بِتَصْفِيقِ المَاءِ الْزَّخَّارِ ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ اؐلْبِحَارِ ، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ، وَعَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ ، تَرُدُّ أَوَّلَهُ عَلَى آخِرِهِ، وَسَاجِیَهُ عَلَى مَائِرِهِ، حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ، وَرَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ ، فَرَفَعَهُ :فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ، وَجَوِّ مُنْفَهِق، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمٰوَاتٍ، جَعَلَ سُفْلَاهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً ، وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَسَمْكاً مَرْفُوعاً بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُها، وَلا دِسَارٍ يَنْتَظِمُها . ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ، وَضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ، وَأَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً ، وَقَمَراً منيراً ، فِي فَلَكٍ دَائِرٍ ، وَسَقْفٍ سَائِرٍ، وَرَقِيمِ مَائِرٍ .الشرح: لسائل ان يسأل فيقول : ظاهرُ هذا الكلام أنّه سبحانه خلق الفضاء والسمٰوات بعد خَلْق كلّ شيء، لأنه قد قال قبل : «فَطَرَ الخلائق، ونشر الرياح ، ووتّد الأرض بالجبال»، ثم عاد فقال : أنشأ الخلق إنشاءاً، وابتدأه ابتداءاً»، وهو الآن يقول: «ثم أنشأ سبحانه فَتْق الأجواء»، ولفظة «ثمّ» للتراخي! .فالجواب أن قوله : «ثم» هو تعقيب وتراخٍ، لا في مخلوقات البارىء سبحانه، بل في كلامه(علیه السلام ، كأنه يقول : ثم أقول الآن بعد قولي المتقدم : إنه تعالى أنشأ فتْق الأجواء. ويمكن أن يقال : إن لفظة «ثم» هاهنا تُعْطي معنى الجمع المطلق كالواو ، ومثل ذلك قوله تعالى : ﴿وَإِنِي لَعَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا ثُمَّ اؐهْتَدَىٰ ) (1))واعلم أنّ كلام أمير المؤمنين(علیه السلام في هذا الفصل يشتمل على مباحث :)منها : أن ظاهرَ لفظه أنّ الفضاء الّذي هو الفراغ الذي يحصل فيه الأجسام خلقَه اللّٰه تعالى ولم يكن من قبل، وهذا يقتضي كون الفضاء شيئاً، لأن المخلوق لا يكون عَدَماً محضاً. وليس ذلك ببعيد، فقد ذهب إليه قوم من أهل النظر، وجعلوه جسماً لطيفاً خارجاً عن مشابهة هذه الأجسام ومنهم من جعله مجرّداً.
1) سورة طه، الآية : 82 .
فإن قيل : هذا الكلام يُشعِر بأن خلْق الأجسام في العدم المحض قبل خلق الفضاء ليس بممكن، وهذا ينافي العقل ! .قيل: بل هذا هو محض مذهب الحكماء، فإنهم يقولون : إنه لا يمكن وجودُ جسم ولا حركةُ جسم خارجَ الفلك الأقصى، وليس ذلك إلا لاستحالة وجود الأجسام وحركتها، إلا في الفضاء.ومنها : أن البارىء - سبحانه - خلق في الفضاء الذي أوجده ماء جعله على متْن الريح، فاستقلّ عليها، وثبت وصارت مكاناً له، ثم خلق فوق ذلك الماء ريحاً أخرى سلّطها عليه، فموَّجته تمويجاً شديداً حتى ارتفع، فخلق منه السموات. وهذا أيضاً قد قاله قوم من الحكماء، ومن جملتهم تاليسَ الإسكندرانيّ ، وزعم أن الماء أصل كل العناصر، لأنه إذا انجمد صار أرضاً ، وإذا لَطُف صار هواء، والهواء يستحيل ناراً، لأنّ النار صفوة الهواء.ويقال : إن في التوراة في أول السِّفر الأول كلاماً يناسب هذا، وهو أنّ اللّٰه تعالى خالق جوهراً، فنظر إليه نظر الهيبة، فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ارتفع من ذلك الماء بخارٌ كالدخان، فخلق منه السمٰوات، وظهر على وجه ذلك الماء زَبَد، فخلق منه الأرض، ثم أرساها بالجبال .ومنها : أنّ السماء الدنيا مَوْج مكفوف، بخلاف السمٰوات الفوقانية. وهذا أيضاً قول قد ذهب إليه قوم، واستدلُّوا عليه بما نُشاهده من حركة الكواكب المتحيّرة وارتعادها في مرأى العين واضطرابها ، قالوا : لأن المتحيّرة متحركة في أفلاكها، ونحن نشاهدها بالحسّ البَصريّ، وبيننا وبينها أجرام الأفلاك الشفافة ، ونشاهدها مرتعدة حسب ارتعاد الجسم السائر في الماء، وما ذاك إلا لأنّ السماء الدنيا ماء متموّج، فارتعاد الكواكب المشاهدة حسًا إنّما هو بحسب ارتعاد أجزاء الفَلك الأدنى. قالوا : فأمّا الكواكب الثابتة فإنّا لم نشاهدها كذلك، لأنّها ليست بمتحرّكة، وأمّا القمر وإن كان في السماء الدنيا، إلا أنّ فلك تدويره من جنس الأجرام الفوقانية، وليس بماء متموِّج كالفلك الممثل التحتانيّ . وكذلك القولُ في الشمس.ومنها : أنّ الكواكب في قوله : «ثم زيّنها بزينة الكواكب» أين هي؟ فإن اللفظ محتمِل، وينبغي أن يتقدّم على ذلك بحثٌ في أصل قوله تعالى : (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6 (وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ) (7) (1))فنقول : إنّ ظاهر هذا اللفظ أنّ الكواكب في السماء الدنيا، وأنها جعلت فيها حراسة للشياطين من استراق السمع، فمن دنا منهم لذلك رُجِم بشهاب، وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر
1) سورة الصافات، الآيات : 7،6 .
اللفظ. ومذهب الحكماء أنّ السماء الدنيا ليس فيها إلا القمر وحدَه، وعندهم أن الشهبَ المنقضّة هي آثار تظهر في الفَلَك الأثيرِيّ الناريّ الذي تحت فلك القمر، والكواكبُ لا ينقضّ منها شيء، والواجبُ التصديق بما في ظاهر لفظ الكتاب العزيز، وأن يُحمل كلامُ أميرِ المؤمنين(علیه السلام على مطابقته، فيكونَ الضميرُ في قوله : «زينها» راجعاً إلى «سفلاهنّ»، التي قال: «إنها مَوْج مكفوف»، ويكون الضمير في قوله : «وَأَجْرَى فيها» راجعاً إلى جملة السموٰات، إذا وافقنا الحكماء في أنّ الشمس في السماء الرابعة .)ومنها : أنّ ظاهرَ الكلام يقتضي أنّ خلْق السموات بعد خلق الأرض، ألا تراه كيف لم يتعرّضْ فيه لكيفية خلق الأرض أصلاً .وهذا قولٌ قد ذهب إليه جماعة من أهل المِلَّةِ، واستدلّوا عليه بقوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (1)، ثم قال : (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) (2))ومنها : أن الهاء في قوله : «فرفعه في هواءٍ منفتق» والهاء في قوله : «فسوّى منه سبعَ سموات» إلى ماذا ترجع؟ فإنّ آخر المذكورات قبلها «الزَّبد». وهل يجوز أن تكون السموات مخلوقة من زَبَد الماء؟ الحقّ أن الضمائر ترجع إلى الماء الذي عبّ عبابُه، لا إلى الزّبد، فإنّ أحداً لم يذهب إلى أنّ السماء مخلوقة من زَبَد الماء، وإنما قالوا : إنّها مخلوقة من بُخاره .ومنها : أن يقال إن البارىء سبحانه قادر على خلْق الأشياء إبداعاً واختراعاً، فما الذي اقتضى أنه خلق المخلوقات على هذا الترتيب؟ وهلاً أوجدها إيجاد الماء الذي ابتدعه أوّلاً من غير شيء!فيقال في جواب ذلك على طريق أصحابنا : لعلّ إخبارَه للمكلّفين بذلك على هذا الترتيب یکون لطفاً بهم، ولا يجوز الإخبار منه تعالى إلاّ والمخبر عنه مطابق للإخبار .فهذا حظّ المباحث المعنوية من هذا الفصل.ثم نشرع في تفسير الفاظه :أمّا الأجواء فجمع جَوّ، والجوّ هنا الفضاء العالي بين السماء والأرض. والأرجاء: الجوانب، واحدها رَجا مثل عصا. والسكائك: جمع سُكاكة، وهي أعلى الفضاء، كما قالوا : ذُؤابة وذوائب. والتيّار: الموج، والمتراكم : الذي بعضُه فوق بعض. والزخّار: الذي يَزْخَر، أي يمتدّ ويرتفع. والريح الزعْزع: الشديد الهبوب، وكذلك القاصفة، كأنها تُهلِك الناس بشدّة
هبوبها ومعنى قوله : «فأمرها بردّه»، أي بمنعه عن الهبوط، لأنّ الماء ثقيل، ومن شأن الثقيل الهُوِيّ. ومعنى قوله : «وسلّطها على شدّه» أي على وثاقه، كأنه سبحانه لما سلَّط الريح على منعه من الهبوط، فكأنه قد شدّه بها وأوثقه ومنعه من الحركة. ومعنى قوله : «وقرنها إلى حَدّه»، أي جعلها مكاناً له، أي جعل حدّ الماء المذكور - وهو سطحه الأسفل - مما ساطح الريح التي تحمله وتُقِلّه. والفتيق : المفتوق المنبسط. والدفيق: المدفوق . «واعتقَم مَهَبَّهاً» ، أي : جعل هبوبَها عقيماً، والريح العقيم: التي لا تُلْقِحُ سحاباً ولا شجراً، وكذلك كانت تلك الريح : المشار إليها، لأنّه سبحانه إنما خلقها لتمويج الماء فقط. وأدام مُرَبّها ، أي ملازمتها ، أربّ بالمكان مثل ألبَّ به، أي لازمه .ومعنى قوله : «وعصفت به عَصْفَها بالفضاء»، فيه معنى لطيف، يقول: إنّ الريح إذا عصفت بالفضاء الذي لا أجسام فيه كان عصفُها شديداً لعدم المانع، وهذه الريح عصفت بذلك الماء العظيم عصفاً شديداً، كأنها تعصِفُ في فضاء لا ممانع لها فيه من الأجسام.والساجي: الساكن والمائر : الذي يذهب ويجيء. وعبّ عُبَابه : أي ارتفع أعلاه. ورُكامه: ثَبجه وهِضبُه. والجوّ المنفهق: المفتوح الواسع. والموج المكفوف : الممنوع من السَّيَلان. وعَمدٍ يَدْعَمُها : يكون لها دِعامة. والدِّسار: واحد الدُّسُر وهي المسامير. والثواقب النَّيَّرة : المشرِقة. وسراجاً مستطيراً، أي منتشر الضوء، يقال: قد استطار الفجر، أي انتشر ضوءه. ورقيم مائر، أي لوح متحرّك، سُمّي الفلك رقيماً تشبيهاً باللوح؛ لأنه مسطّح.فأمّا القطبُ الراونديّ فقال : إنّه (علیه السلامذكَر قبل هذه الكلمات أنه أنشأ حيواناً له أعضاء وأحناء، ثم ذكر هاهنا أنه فتق السماء، وميّز بعضها عن بعض، ثم ذكر أنَّ بين كلّ سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وهي سبع سمٰوات، وكذلك بين كل أرض وأرض، وهي سبع أيضاً. وروى حديث البقرة التي تحمل الملك الحامل للعرش، والصخرة التي تحمل البقرة، والحوت الذي يحمل الصخرة.)ولقائل أن يقول : إنّه (علیه السلام لم يذكر فيما تقدم أن اللّٰه تعالى خَلق حيواناً ذا أعضاء، ولا قوله الآن: «ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء»، هو معنى قوله تعالى : (أَنَّ السَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنٰهُمَا ) (1)، ألا تراه كيف صرّح(علیه السلام) بأن البارىء سبحانه خلق الهواد الذي هو الفضاء، و عبَّر عن ذلك بقوله : «ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء»، وليس فتقُ الأجواء هو فتق السماء ! .)
1) سورة الأنبياء، الآية : 30 .
فإن قلتَ : فكيف يمكن التطبيق بين کلامه (علیه السلام وبين الآية؟)قلتُ: إنه تعالى لما سلّط الريح على الماء فعصفتْ به، حتى جعلته بخاراً وزَبَداً، وخلق من أحدهما السماء ومن الآخر الأرض، كان فاتقاً لهما من شيء واحد، وهو الماء.فأما حديثُ البعد بين السمٰوات وكونه مسيرةَ خمسمائة عام بين كلّ سماء وسماء، فقد ورد وروداً لم يُوثَق به، وأكثر الناس على خلاف ذلك. وكونُ الأرض سبعاً أيضاً خلافُ ما يقوله جمهور العقلاء، وليس في القرآن العزيز ما يدلّ على تعدد الأرض إلا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ(1)، وقد أوّلوه على الأقاليم السبعة. وحديث الصخرة والحوت والبقرة من الخرافات)في غالب الظنّ ، والصحيح أنَّ اللّٰه تعالى يُمْسِك الكلّ بغير واسطة جسم آخر.ثم قال الراونديّ: السَّكائك: جمعُ سُكاكَ، وهذا غير جائز؛ لأن «فُعالا» لا يجمع على «فعائل»، وإنما هو جمع سكَاكة، ذكر ذلك الجوهريّ.ثم قال: «وسلّطها على شَدّه» الشدّ: العدْو . ولا يجوز حمل الشدّ هاهنا على العَدْو، لأنه لا معنى له ، والصحيح ما ذكرناه . وقال في تفسير قوله (علیه السلام: «جعل سُفلاهنّ موجاً مكفوفاً»، أراد تشبيهَها بالموج لصفائها واعتلائها . فيقال له : إنَّ الموجَ ليس بعالٍ ليشبَّه به الجسم العالي، وأما صفاؤه فإن كلَّ السمٰوات صافية، فلماذا خَصَّ سُفلا هنَّ بذلك !؟)ثم قال : ويمكن أن تكون السماء السُّفْلى قد كانت أوّل ما وجدت موجاً ثم عَقَدها. يقال له : والسموات الأخَر كذلك كانت ، فلماذا خص السُّفْلى بذلك؟!ثم قال : الريح الأولى غير الريح الثانية ؛ لأنَّ إحداهما معرِفة والأخرى نكرة، وهذا مثل قوله : صم اليوم، صم يوماً، فإنه يقتضي يومين.يقال له : ليست المغايرة بينهما مستفادة من مجرّد التعريف والتنكير ؛ لأنه لو كان قال (علیه السلام: «وحمله على متن ريح عاصفة وزعزع قاصفة» لكانت الريحان: الأولى والثانية منکّرتین معاً، وهما متغايرتان، وإنما علمنا تغايرَهما ؛ لأنَّ إحداهما تحت الماء والأخرى فوقه، والجسم الواحد لا يكون في جهتين .)
1) سورة الطلاق، الآية : 12 .
الأصل: ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ اؐلْعُلاَ، فَمَلاَهُنَّ أَظْوَاراً مِنْ مَلائِكَتِهِ، مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَ يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لا يَنتَصِبُونَ، وَصَافُّونَ لا يَتَزَايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لا يَسْأَمُونَ، لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ، وَلاَ سَهْوُ الْعُقُولِ، وَلَا فَتْرَةُ اؐلْأَبْدَانِ، وَلَا غَفْلَهُ النِّسْيَانِ .وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ، وَأَلْسِنَةٌ إِلَىٰ رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْرِهِ. وَمِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ، وَالسَّدَنَةُ لِأبْوَابِ جِنَانهِ. وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ فِي الْأَرَضِينَ الْسُّفْلَىٰ أَقْدَامُهُمْ، وَالْمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْیَا أَعْنَاقُهُمْ، وَالْخَارِجَةُ مِنَ اؐلْأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ، وَالْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ، مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ وَأَسْتَارُ الْقُدْرَةِ، لا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِيرِ، وَلاَ يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِينَ، وَلاَ يحُدُونَهُ بالأَمَاكِنِ، وَلاَ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ.### رأي المعتزلة في الملائكةالشرح : المَلَكُ عند المعتزلة حيوان نوريّ، فمنه شفَّاف عادم اللون كالهواء، ومنه ملوّن بلون الشمس . والملائكة عندهم قادرون عالمون أحياء بعلوم وقُدَر وحياة، كالواحد منَّا ، ومكلّفون كالواحد منا ، إلا أنهم معصومون. ولهم في كيفية تكليفهم كلام، لأنَّ التكليف مبنيّ على الشهوة.وفي كيفيّة خَلْق الشهوة فيهم نظر، وليس هذا الكتاب موضوعاً للبحث في ذلك . وقد جعلهم(علیه السلام في هذا الفصل أربعة أقسام :)القسم الأول : أرباب العبادة، فمنهم مَنْ هو ساجد أبداً لم يقم من سجوده ليركع، ومنهم من هو راكع أبداً لم ينتصِب قَطّ، ومنهم الصافّون في الصلاة بين يديْ خالقهم لا يتزايلون، ومنهم المسبّحون الذين لا يملّون التسبيح والتحميد له سبحانه . والقسم الثاني : السُّفراء بينه تعالى وبين المكلّفين من البشر بتحمّل الوحي الإلهيّ إلى الرسل، والمختلفون بقضائه وأمره إلى أهل الأرض.والقسم الثالث ضربان : أحدهما حَفَظة العباد كالكرام الكاتبين، وكالملائكة الذين يحفظون البشر من المهالك والورطات، ولولا ذلك لكان العَطَب أكثرَ من السلامة وثانيهما سَدَنة الجِنان.القسم الرابع : حَمَلة العرش.ويجب أن يكون الضمير في «دونه» - وهو الهاء - راجعاً إلى العرش لا إلى البارىء سبحانه وكذلك الهاء في قوله : «تحته». ويجب أن تكون الإشارة بقوله : «وبين مَنْ دونهم» إلى الملائكة الذين دون هؤلاء في الرتبة .
فأما ألفاظ الفصل فكلها غنيّة عن التفسير إلا يسيراً، كالسَّدنة جمع سادِن وهو الخادم، والمارق: الخارج وتلفّعت بالثوب، أي التحفت به.وأما القطب الراونديّ فجعل الأمناءَ على الوحي وحفظَة العباد وسدَنة الجنان قسماً واحداً، فأعاد الأقسام الأربعة إلى ثلاثة. وليسَ بجيّد ؛ لأنه قال : «ومنهم الحفظة»، فلفظة «ومنهم» تقتضي كونَ الأقسام أربعة، لأنه بها فصِّل بين الأقسام.وقال أيضاً : معنى قوله (علیه السلام: «لا يغشاهم نوم العيون» يقتضي أنَّ لهم نوماً قليلاً لا يُغفلهم عن ذكر اللّٰه سبحانه، فأما البارىء سبحانه فإنه لا تأخذه سِنَة ولا نوم أصلاً، مع أنه حيُّ ، وهذه هي المدحة العظمى.)ولقائل أن يقول : لو ناموا قليلاً لكانوا زمانَ ذلك النوم - وإن قلَّ - غافلين عن ذكر اللّٰه سبحانه، لأنَّ الجمع بين النوم وبين الذكر مستحيل .والصحيح أنَّ المَلك لا يجوز عليه النوم، كما لا يجوز عليه الأكل والشرب، لأنَّ النوم من توابع المِزاج، والمَلك لا مِزاج له. وأما مدحُ البارىء بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم فخارج عن هذا الباب؛ لأنه تعالى يستحيل عليه النوم استحالة ذاتية ، لا يجوز تبدّلها، والملك يجوز أن يخرج عن كونه مَلَكاً، بأنْ يخلق في أجزاء جسمه رُطوبة ويبوسة، وحرارة وبرودة يحصل من اجتماعها مِزاج، ويتبع ذلك المِزاج النوم. فاستحالة النوم عليه إنما هي ما دام مَلَكاً ، فهو كقولك : الماء بارد، أي ما دام ماء، لأنه يمكن أن يستحيل هواء ثم ناراً، فلا يكون بارداً ؛ لأنه ليس حينئذ ماء. والبارى جلّت عظمته يستحيل على ذاته أن يتغيّر، فاستحال عليه النوم استحالةَ مطلقة، مع أنه حيّ ، ومن هذا إنشاء التمدّح. وروى أبو هريرة عن النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم : «إن اللّٰه خلق الخلْق أربعة أصناف: الملائكة، والشياطين، والْجِنّ والإنس . ثم جِعل الأصناف الأربعة عشرة أجزاء، فتسعة منها الملائكة وجزء واحد الشياطين والجن والإنس، ثم جعل هؤلاء الثلاثةَ عشرة أجزاء، فتسعة منها الشياطين وجزء واحد الجن والإنس، ثم جعل الجنَّ والإنس عشرة أجزاء، فتسعة منها الجنّ وجزء واحد الإنس».)وفي الحديث الصحيح: إن الملائكة كانت تصافح عمران بن الحصين وتزوره، ثم افتقدها، فقال : يا رسول اللّٰه، إن رجالاً كانوا يأتونني لم أر أحسنَ وجوهاً، ولا أطيب أرواحاً منهم، ثم انقطعوا . فقال (علیه السلام: «أصابك جُرح فكنت تكتمه»؟ فقال: أجل، قال : «ثم أظهرته»؟ قال : أجل، قال: «أمّا لو أقمت على كِتْمانه لزارتك الملائكة إلى أن تموت»، وكان هذا الجُرح أصابه في سبيل اللّٰه .)وقال سعيد بن المسيّب وغيره : الملائكة ليسوا بذكور ولا إناث، ولا يتوالدون ولا يأكلون
ولا يشربون، والجنّ يتوالدون وفيهم ذكور وإناث ويموتون، والشياطين ذكور وإناث ويتوالدون، ولا يموتون حتى يموت إبليس .وقال النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم في رواية أبي ذرّ : «إنّي أرى ما لا تروْن، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء وحُقّ لها أن تنطّ فما فيها موضع شبر إلا وفيه مَلك قائم أو راكع أو ساجد واضع جبهتَه للّٰه . واللّٰه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفُرُش، ولخرجتم إلى الفلوات تجأرون إلى اللّٰه. واللّٰه لوددت أني كنت شجرة تُعْضَد»(1))قلت : ويُوشك هذه الكلمة الأخيرة أن تكون قول أبي ذرّ .واتفق أهلُ الكتب على أنّ رؤساء الملائكة وأعيانَهم أربعة: جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، وهو مَلَك الموت. وقالوا : إن إسرافيلَ صاحب الصُّور وإليه النفخة . وإن ميكائيل صاحب النبات والمطر. وإن عزرائيل على أرواح الحيوانات. وإن جبرائيل على جنود السموات والأرض كلّها، وإليه تدبير الرياح، وهو ينزل إليهم كلهم بما يؤمرون به .وروى أنسُ بن مالك أنه قيل لرسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم : ما هؤلاء الذين استثنى بهم في قوله تعالى :)(فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللّٰه (2). فقال : «جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل فيقول اللّٰه عز وجل لعزرائيل: يا ملكَ الموت، من بقي؟ - وهو سبحانه أعلم - فيقول : سبحانك ربّي ذا الجلال والإكرم! بقيَ جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، فيقول: يا ملك الموت، خذ نفس إسرافيل، فيقعُ في صورته التي خُلق عليها كأعظم ما يكون من الأطواد ، ثم يقول : - وهو أعلم - مَن بقي يا ملكَ الموت؟ فيقول: سبحانك ربّي يا ذا الجلال والإكرام ! جبرائيل وميكائيل ومَلَك الموت، فيقول: خذ نفس ميكائيل، فيقع في صورته التي خُلِق عليها ، وهي أعظم ما يكون من خَلْق إِسرافيل بأضعافِ مضاعفة. ثم يقول سبحانه : يا ملكَ الموت، مَنْ بقيَ ؟ فيقول : سبحانك ربّي ذا الجلال والإكرام: جبرائيل، ومَلَك الموت، فيقول تعالى: يا ملك الموت، مت فيموت، ويبقى جبرائيل - وهو من اللّٰه تعالی بالمكان الذي ذكر لكم - فيقول اللّٰه : يا جبرائيل، إنه لا بدّ من أن يموت أحدنا، فيقع جبرائيل ساجداً يخفِق بجناحيه، يقول: سبحانك ربّي وبحمدك! أنت الدائم القائم الذي لا يموت، وجبرائيل الهالك الميّت الفاني، فيقبض اللّٰه روحَه ، فيقع على ميكائيل وإسرافيل، وإِنّ فَضْل خلقِه على خلْقهما كفضل الطَّوْد العظيم على الظَّرِب من الظِّراب.(3))
وفي الأحاديث الصحيحة أنّ جبرائيل كان يأتي رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم على صورة دِحْية الكَلِبيّ ، وأنّه كان يوم بدر على فرس اسمه حيزوم، وإنه سُمِع ذلك اليوم صوته : أقْدِمُ حَيْزوم.)والكَروبيّون عند أهل الملّة سادة الملائكة، كجبرائيل وميكائيل. وعند الفلاسفة أنّ سادة الملائكة هم الروحانيّون - يعنون العقول الفعالة وهي المفارقة للعالم الجسماني المسلوبة التعلُّق به لا بالحوْل ولا بالتدّبير. وأما الكَرُوبِيُّون فدون الروحانيين في المرتبة وهي أنفس الأفلاك المدبّرة لها، الجارية منها مجرى نفوسنا مع أجسامنا .ثم هي على قسمين: قسم أشرف وأعلى من القسم الآخر، فالقسم الأشرف ما كان نَفْساً ناطقة غير حالّة في جِرْم الفلك، کانفسنا بالنسبة إلى أبداننا. والقسم الثاني ما كان حالاً في جِرْم الفَلَک، و یجري ذلک مجرى القُوَى التي في أبداننا، كالحسّ المُشترك والقوة الباصرة.الأصل: منها في صفة خلق آدم (علیه السلام: ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَه مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَسَهْلِهَا ، وَعَذْبِهَا وَسَبَخها ، تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالْبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ، فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ، وَوُصُولٍ وَأَعْضَاءِ، وَفُصُولٍ أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ .)ثُمَّ نَفَخ فِيهَا من رُوحِهِ فتمثّلتْ إنْسَاناً ذَا أَذْهَانِ يُجِيلُها ، وَفِكَرِ يَتَصَرّفُ بِهَا، وَجَوارحَ يَخْتَدِمُهَا، وَأَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا ، وَمَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْأَذْوَاقِ وَالْمَشَامِّ، وَالْأَلْوَانِ وَالْأَجْنَاسِ، مَعْجُوناً بِطِينَةِ الْأَلْوَانِ المُخْتَلِفَةِ، وَالْأَشْبَاءِ الْمُؤْتَلِفَةِ، وَالْأَضْدَادِالْمُتَعَادِيَةِ، وَالْأَخْلاطِ الْمُتَبَایِنَةِ، مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالْبِلَّةِ وَالْجُمودِ، وَالمَسَاءَةِ وَالسُّرُورِ .وَاسْتَأْدَى اللّٰه سُبْحانَهُ الْمَلائِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهِمْ فِي الْأَنْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَالْخُنُوع لِتَكْرِمَتِهِ ، فَقَالَ لَهُم : (اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوٓا إِلآ إِبْلِيسَ (1)وَقَبِيلَهُ ، أَعْتَرَتْهُمُ الْحَمِيَّةُ ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ، وَتَعَزّزُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَوْهَنُوا خَلْقَ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللّٰه النظرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسَّخْطَةِ، وَاسْتتْمَاماً لِلْبَلِيَّةِ، وَإِنْجَازاً لِلْعِدَةِ، فَقَالَ: (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ(80)))(إلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ(81 )(2))
الشرح : الحَزْن : ما غلُظ من الأرض. وسَبَخُها : ما ملُح منها . وسنّها بالماء، أي مَلسها ، قال :ثم خَاصَرتُها إلى القُبَّةِ الخَضْ***راءِ تَمْشِي في مَرْمَرٍ مَسْنُونِأي مملّس. ولاَطها، من قولهم : لُطتُ الحوضَ بالطين، أي ملطته وطيَّنته به. والبَلّة بفتح الباء، من البَلل. ولَزَبت، بفتح الزاي أي التصقت وثبتت. فجبَل منها، أي خلق. والأحناء: الجوانب، جمع حِنْو . وأصلَدها: جعلها صَلْداً، أي صُلْباً متيناً. وصلصلت: يبست، وهو الصلصال. ويختدمها : يجعلها في مآربه وأوطاره كالخدَم الذين تستعملهم وتستخدمهم . واستادَى الملائكة وديعته: طلب منهم أداءها. والخنوع: الخضوع. والشِّقوة، بكسر الشين، وفي الكتاب العزيز، (رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا (1). واستوهَنوا : عدّوه واهناً ضعيفاً. والنَّظِرة، بفتح النون وكسر الظاء : الإمهال والتأخير.)فأما معاني الفصل فظاهرة، وفيه مع ذلك مباحث:منها أن يقال : اللام في قوله : «لوقت معدود» بماذا تتعلق؟والجواب، أنّها تتعلق بمحذوف، تقديره: «حتى صلصلت كائنة لوقت»، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال، ويكون معنى الكلام أنّه أصْلَدها حتى يبست وجفّت معدّة لوقت معلوم، فنفخ حينئذ روحَه فيها. ويمكن أن تكون اللام متعلقة بقوله، «فجبَل» أي جَبَل وخَلَق من الأرض هذه الجثّة لوقت ، أي لأجل وقت معلوم، وهو يوم القيامة.ومنها أن يقال : لماذا قال : «مِنْ حَزن الأرض وسَهْلها، وعَذبها وسَبخها»؟ والجواب، أن المراد من ذلك أن يكون الإنسانُ مركّباً من طباع مختلفة، وفيه استعداد للخير والشرّ، والحسْن والقبح.ومنها أن يقال : لماذا أخَّر نفخَ الروح في جثة آدَم مدة طويلة، فقد قيل : إنه بقي طيناً تشاهده الملائكة أربعين سنة، ولا يعلمون ما المراد به؟والجواب، يجوز أن يكون في ذلك لطف للملائكة ؛ لأنهم تذهب ظنونهم في ذلك كلّ مذهب، فصار كإنزال المتشابهات الذي تحصل به رياضة الأذهان وتخريجها، وفي ضمن ذلك يكون اللطف. ويجوز أن يكون في إخبار ذرّية آدم بذلك فيما بعد لطف بهم، ولا يجوز إخبارهم بذلك إلا إذا كان المخَبر عنه حقّاً .ومنها أن يقال: ما المعنيّ بقوله : «ثُمّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ»؟الجوابُ، أنّ النفس لما كانت جوهراً مجرّداً، لا متحيزة ولا حالّة في المتحيّز حَسُن لذلك
1) سورة المؤمنون، الآية : 106 .
نسبتها إلى الباريء؛ لأنها أقرب إلى الانتساب إليه من الجثمانيات. ويمكن أيضاً أن تكونَ لشرفها مضافة إليه، كما يقال : بيت اللّٰه للكعبة، وأما النفخ فعبارة عن إفاضة النفس على الجسد، ولما كان نفخ الريح في الوعاء عبارة عن إدخال الريح إلى جوفه، وكان الإحياء عبارةً عن إفاضة النفس على الجسد، ويستلزم ذلك حلولَ القُوَى والأرواح في الجثة باطناً وظاهراً، سُمِّي ذلك نفخاً مجازاً .ومنها أن يقال : ما معنى قوله : «معجوناً بطينةِ الألوان المختلفة»؟الجواب، أنه(علیه السلام قد فَسّر ذلك بقوله : «من الحرّ والبرد، والبَلّة والجمود»، يعني الرطوبة واليبوسة، ومراده بذلك المزاج الذي هو كيفية واحدة حاصلة من كيفيات مختلفة، قد انكسر بعضها ببعض. وقوله : «معجوناً» صفة «إنساناً». والألوان المختلفة، يعني الضروبَ والفنون، كما تقول : في الدار ألوان من الفاكهة.)ومنها أن يقال : ما المعنّى بقوله : «واستأدى الملائكة وديعته لديهم»؟ وكيف كان هذا العهدُ والوصية بينه وبينهم ؟الجواب، أن العهد والوصيةَ هو قوله تعالى لهم : (إنّي خَٰلِقُ بَشَرًا مِّن طِينٍ(71) (فَإِذَا سَوَّیتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَٰجِدِينَ(72))(1))ومنها أن يقال : كيف كانت شُبهة إبليس وأصحابه في التعزّز بخلقة النار؟الجواب، لما كانت النار مشرِقة بالذات والأرض مظلمة، وكانت النار أشبةَ بالنور، والنور أشبه بالمجردات جعل إبليسُ ذلك حجة احتجّ بها في شَرَف عنصرِه على عُنْصر آدم(علیه السلام، ولأنّ النار أقربُ إلى الفَلَك من الأرض، وكلّ شيء كان أقربَ إلى الفلك من غيره كان أشرفَ، والباري ءتعالى لم يعتبر ذلك ، وفَعَل سبحانه ما يعلم أنه المصلحة والصواب.)ومنها أن يقال : كيف يجوز السجود لغير اللّٰه تعالى؟والجواب، أنه قيل: إنّ السجود لم يكن إلا للّٰه تعالى، وإنما كان آدم(علیه السلام قِبْلة. ويمكن أن يقالَ : إن السجود للّٰه على وجه العبادة، ولغيره على وجه التّكرمة، كما سجد أبو يوسف وإخوته له . ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات في حسن ذلك وقبحه.)
1) سورة ص ، الآيتان: 71، 72 .
ومنها أن يقال : كيف جاز على ما تعتقدونه من حِكْمة الباريء أن يسلّط إبليس على المكلّفين، أليس هذا هو الاستفساد الذي تأبوْنه وتمنعونه !والجواب، أما الشيخ أبو علي رحمه اللّٰه فيقول : حدُّ المفسدة ما وقع عند الفساد، ولولاه لم يقع مع تمكّن المكلّف من الفعل في الحاليْن، ومَنْ فسد بدعاء إبليس لم يتحقق فيه هذا الحدّ، لأن اللّٰه تعالى عَلم أن كُلّ من فسد عند دعائه، فإنه يفسد، ولو لم يَدْعُه .وأما أبو هاشم رحمه اللّٰه ، فيحدّ المفسدة بهذا الحدّ أيضاً، ويقول: إن في الإتيان بالطاعة مع دعاء إبليس إلى القبيح مشقّةً زائدة على مشقة الإتيان بها، لو لم يدع إبليس إلى القبيح، فصار الإتيان بها مع اعتبار دعاء إبليس إلى خلافها خارجاً عن الحدّ المذكور، وداخلاً في حَيّز التمكُّن الذي لو فرضنا ارتفاعَه لما صحّ من المكلّف الإتيانُ بالفعل، ونحن قلنا في الحدّ مع تمكّن المكلّف من الإتيان بالفعل في الحالْين .ومنها أن يقال : كيف جازَ للحكيم سبحانه أن يقول لإبليس : (إنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (1)إلى يوم القيامة! وهذا إغراء بالقبيح، وأنتم تمنعون أن يقول الحكيم لزيد: أنت لا تموت إلى سنة، بل إلى شَهر أو يوم واحد، لما فيه من الإغراء بالقبيح، والعزم على التوبة قبل انقضاء الأمد. والجواب، أنّ أصحابنا قالوا : إنّ الباري تعالى لم يقل لإبليس : إني مُنِظرُك إلى يوم القيامة، وإنما قال: (إلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (2)، وهو عبارة عن وقت موته واخترامه، وكل مكلّف من الإنس والجنّ مُنْظَر إلى يوم الوقت المعلوم على هذا التفسير، وإذا كان كذلك لم يكن إبليس عالماً أنه يبقى لا محالة، فلم يكن في ذلك إغراء له بالقبيح.)فإن قلت : فما معنى قوله(علیه السلام : « وإنجازاً لِلْعِدَة»؟ أليس معنى ذلك أنه قد كان وَعَده أن يُبقيه إلى يوم القيامة !)قلت : إنما وعده الإنظار، ويمكن أن يكون إلى يوم القيامة وإلى غيره من الأوقات، ولم یبین له، فهو تعالى أنجز له وعده في الإنظار المطلق، وما من وقت إلا ويجوز فيه أن يُحترم إبليس فلا يحصل الإغراء بالقبيح. وهذا الكلام عندنا ضعيف، ولنا فيه نظر مذكور في كتبنا الكلاميّة .
الأصل: ثُمَّ أَسْكَنَ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِيهَا عِيشَتَهُ، وَآمَنَ فِيهَا مَحَلَّتْهُ، وَحَذَّرَهُ إِبْلِيسَ وَعَدَاوَتَهُ، فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ، وَمُرَافَقَةِ الْأَبْرَارِ، فَبَاعَ الْیَقِينَ بِشَكِّه ، وَالْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ، وَاؐسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلاً ، وَبِالاعْتِزَازِ نَدَماً .ثُمَّ بَسَطَ اللّٰه سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ، وَلَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ وَوَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ، فَأَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ البَلِيَّةِ، وَتَنَاسُلِ الذُّرِّيَّةِ.الشرح: أما الألفاظ فظاهرة، والمعاني أظهر، وفيها ما يُسأل عنه.فمنها أن يقال: الفاء في قوله(علیه السلام : «فأهبطه»، تقتضي أن تكون التوبة على آدم قبل هبوطه من الجنة .)والجواب، أن ذلك أحد قولَي المفسرين، ويعضده قوله تعالى : ( وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّه فَغَوَیٰ(121 (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122))«قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا)(1)، فجعل الهبوط بعد قبول التوبة .)ومنها أن يقال: إذا كان تعالى قد طَرَدَ إبليس من الجنة لما أبَى السجود، فكيف توصّل إلى آدم وهو في الجنة حتى استنزله عنها بتحسين أكل الشجرة له !الجواب، أنه يجوز أن يكون إنما مُنِع من دخول الجنة على وجه التقريب والإكرام، كدخول الملائكة، ولم يمنع من دخولها على غير ذلك الوجه . وقيل : إنه دخل في جوف الحية، كما ورد في التفسير .ومنها أن يقال : كيف اشتبه على آدم الحال في الشجرة المنهيّ عنها فخالف النهي ! الجواب، أنه قيل له : لا تقربا هذه الشجرة، وأريد بذلك نوع الشجرة، فحمل آدم النهي على الشّخص، وأكل من شجرة أخرى من نوعها .ومنها أن يقال : هذا الكلام من أمير المؤمنين(علیه السلام تصريح بوقوع المعصية من آدم(علیه السلام)، وهو قوله : «فباع اليقين بشكِّه ، والعزيمة بوهْنه»، فما قولكم في ذلك؟)الجواب، أما أصحابنا فإنهم لا يمتنعون من إطلاق العصيان عليه، ويقولون : إنها كانت صغيرة، وعندهم أن الصغائر جائزة على الأنبياء(علیه السلام . وأما الإمامية فيقولون : إن النهيَ كان نهيَ تنزيه لا نهي تحريم، لأنهم لا يجيزون على الأنبياء الغلط والخطأ، لا كبيراً ولا صغيراً، وظواهرُ هذه الألفاظ تشهد بخلاف قولهم .)
1) سورة ص ، الآيات: 121 - 123 .
واعلم أن الناس اختلفوا في ابتداء خلق البشر كيف كان، فذهب أهلُ الملل من المسلمين واليهود والنصارى إلى أن مبدأ البشر هو آدم، الأبُ الأول (علیه السلام. وأكثر ما في القرآن العزيز من قصة آدم مطابق لما في التوراة.)وذهب طوائف من الناس إلى غير ذلك :أما الفلاسفة، فإنهم زعموا أنه لا أوّل لنوع البشر ولا لغيرهم من الأنواع.وأما الهند، فمنْ كان منهم على رأي الفلاسفة فقوله ما ذكرناه. ومَنْ لم يكن منهم على رأي الفلاسفة ويقول بحدوث الأجسام لا يُثبت آدم، ويقول : إنّ اللّٰه تعالى خلَق الأفلاك وخلَق فيها طباعاً محرّكة لها بذاتها، فلما تحرّكت - وحشوها أجسام لاستحالة الخلاء - كانت تلك الأجسام على طبيعة واحدة، فاختلفت طبائعها بالحركة الفلَكية، فكان القريب من الفَلك المتحرّك أسخنَ وألطف، والبعيدُ أبرد وأكثف. ثم اختلطت العناصِر، وتكوّنت منها المركّبات، ومنها تكوّن نوع البشر كما يتكوّن الدود في الفاكهة واللحم، والبقّ في البطائح والمواضع العفنة، ثم تكوّن بعضُ البشر من بعض بالتوالد، وصار ذلك قانوناً مستمراً، ونُسِيَ التخليق الأول الذي كان بالتولّد. ومن الممكن أن يكون بعضُ البشر في بعض الأراضي القاصية مخلوقاً بالتولُّد، وإنما انقطع التولّد ، لأنّ الطبيعةَ إذا وجدت للتكوّن طريقاً استغنت به عن طريق ثان.وأما المجوس فلا يعرفون آدم، ولا نوحاً، ولا ساماً، ولا حاماً، ولا يافث. وأوّلُ متكوّن عندهم من البشر البشرىّ المسمى «كَيُومَرْث»، ولقبه «كوشاه»، أي ملك الجبل ، لأن «كو » هو الجبل بالفَهْلوية، وكان هذا البشر في الجبال. ومنهم من يسميه «كلشاه» أي ملك الطين، و«كل» اسم الطّين، لأنه لم يكن حينئذ بشر ليملكهم .وقيل : تفسير «كيومرث»: حيّ ناطق ميت. قالوا : وكان قد رزق من الحسن ما لا يقع عليه بصر حيوان إلا وبهت وأُغْمِيَ عليه، ويزعمون أنَّ مبدأ تكوّنه وحدوثه أنّ يزدان – وهو الصانع الأوّل عندهم - أفكر في أمر أهرِمن - وهو الشيطان عندهم - فكرةَ أوجبت أنْ عرق جبينه، فمسح العرق ورمی به، فصار منه كُيومَرث. ولهم خَبْط طَويل في كيفية تكوّن «أهرِمن» من فكرة «يزدان» أو من إعجابه بنفسه، أو من توحّشه ، وبينهم خلاف في قِدَم «أهرمن»، وحدوثه لا يليق شرحه بهذا الموضع .ثم اختلفوا في مدة بقاء كَيُومرث في الوجود، فقال الأكثرون: ثلاثون سنة . وقال الأقلون : أربعون سنة . وقال قوم منهم : إن كَيُومرث مكث في الجنة التي في السماء ثلاثة آلاف سنة، وهي : ألف الحَمَل، وألف الثور، وألف الجوزاء. ثُم أُهبط إلى الأرض فكان بها آمناً مطمئناً ثلاثة آلاف سنة آخری، وهي: ألف السرطان، وألف الأسد، وألف السنبلة.
ثم مكث بعد ذلك ثلاثين أو أربعين سنة في حَرْب وخصام بينه وبين أهر من حتى هلك.واختلفوا في كيفية هلاكه، مع اتفاقهم على أنه هلك قتلاً، فالأكثرون قالوا : إنه قتل ابناً لأهر من يُسَمَّى خزورَة، فاستغاث أهرِ من منه إلى يزدان، فلم يجد بدّاً من أن يقاصّه به حفظاً للعهود التي بينه وبين أهرِ من، فقتله بابن أهرِ من.وقال قوم: بل قتله أهرِ من في صراع كان بينهما ، قهره فيه أهرِ من، وعلاه وأكَلَه .وذكروا في كيفية ذلك الصراع أن كُيومرث كان هو القاهر لأهر من في باديء الحال، وأنه ركبه وجعل يطوف به في العالم إلى أن سأله أهر من: أيّ الأشياء أخوف له وأهولها عنده؟ فقال له: باب جهنم، فلما بلغ به أهرِ من إليها جمح به حتى سقط من فوقه، ولم يستمسك، فعلاه وسأله عن أيّ الجهات يبتديء به في الأكل، فقال: من جهة الرِّجْل لأكون ناظراً إلى حُسْن العالم مدة ما ، فابتدأه أهرِ من فأكله من عند رأسه، فبلغ إلى موضع الخصيّ وأوعية المنيّ من الصلب، فقطر من كُيومرث قطرتا نُطْفة على الأرض، فنَبت منهما رِيباستان في جبل بإصْطَخر يعرف بجبل دام داذ، ثم ظهرت على تينك الرِّيباستين الأعضاء البشرية في أول الشهر التاسع، وتمت في آخره، فتصوّر منهما بَشَران: ذكر وأنثى، وهما «ميشي»، و«ميشانه»، وهما بمنزلة آدم وحوّاء عند الملّیّين. ويقال لهما أيضاً : «ملهى» و «ملهيانه»، ويسمّيهما مجوس خوارزم: «مرد» و«مردانه»، وزعموا أنهما مكثاً خسمين سنة مستغنيين عن الطعام والشراب، متنعمين غير متأذِّيَيْن بشيء إلى أن ظهر لهما أهر من في صورة شيخ كبير، فحملهما على التناول من فواكه الأشجار وأكل منها، وهما يبصرانه شيخاً، فعاد شاباً، فأكلا منها حينئذٍ، فوقعا في البلايا والشرور، وظهر فيهما الحِرْص حتى تزاوجا، وولد لهما ولد فأكلاه حِرصاً ، ثم ألقى اللّٰه تعالى في قلوبهما رأفةً، فولد لهما بعد ذلك ستةُ أبطن ،كل بطن ذكَر وأنثى، وأسماؤهم في كتاب ايستا - وهو الكتاب الذي جاء به زرادشت - معروفة، ثم كان في البطن السابع «سيامك» و«فرواك»، فتزاوجا، فولد لهما الملك المشهور الذي لم يعرف قبله ملك وهو «أوشَهنج»، وهو الذي خلف جدّه كيومرث، وعقد له التاج، وجلس على السرير، وبني مدينتي بابل والسوس.فهذا ما يذكره المجوس في مبدأ الخلق.وكان في المسلمين - ممّن يرمى بالزندقة - مَنْ يذهب إلى تصويب إبليس في الامتناع من السجود، ويفضلّه على آدم، وهو بشار بن برد المرعّث، ومن الشعر المنسوب إليه :النَّارُ مُشْرِقةٌ والأرضُ مظلِمَةٌ ***والنَّارُ معبودة مذ كانتِ النَّارُوكان أبو الفتوح أحمد بن محمد الغَزَّالي الواعظ، أخو أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزّالي الفقيه الشافعيّ ، قاصًا لطيفاً وواعظاً مفوّهاً، وهو من خُراسان من مدينة طُوس،
وقدم إلى بغداد، ووعظ بها، وسلك في وعظه مسلكاً منكراً، لأنه كان يتعصب لإبليس، ويقول : إنه سيد الموحدين، وقال يوماً على المنبر : من لم يتعلّم التوحيد من إبليس فهو زنديق، أُمِر أن يسجد لغير سيّده فأبى :وَلَسْتُ بضارع إلا إليكُمْ*** وأما غيرُكم حَاشَا وَكلاًوقال مرة أخرى : لما قال له موسى: «أرني» فقال: «لن» قال : هذا شغلك، تصطفي آدم ثم تسوّد وجهه، وتخرجه من الجنة، وتدعوني إلى الطّور، ثم تُشمت بي الأعداء هذا عملك بالأحباب، فكيف تصنع بالأعداء!وقال مرة أخرى وقد ذكر إبليس على المِنْبر : لم يدر ذلك المسكينُ أنّ أظافير القضاء إذا حكّت أدْمَتْ ، وأنّ قِسيّ القدَر إذا رَمَتْ أصمت. ثم قال: لسان حال آدم ينشد في قصته وقصة إبليس :وَكُنْتُ وليلى في صُعُودٍ من الْهَوَى*** فَلَمَّا تَوَافَيْنَا ثَبَتُّ وَزَلَّتِوقال مرّة أخرى : التقى موسى وإبليس عند عَقَبة الطور، فقال موسى: يا إبليس، لِمَ لم تسجد لآدمَ؟ فقال : كلاّ، ما كنت لأسجدَ لبشر ، كيف أوحّده ثم التفتُ إلى غيره! ولكنك أنت يا موسى سألتَ رؤيتَه ثم نظرت إلى الجبل، فأنا أصدق منك في التوحيد .وكان هذا النَّمَط في كلامه يَنْفق على أهل بغداد، وصار له بينهم صيت مشهور واسم كبير . وحكى عنه أبو الفرج بن الجوزيّ في «التاريخ» أنه قال على المنبر : معاشرَ الناس، إني كنتُ دائماً أدعوكم إلى اللّٰه ، وأنا اليوم أحذركم منه، واللّٰه ما شُدّت الزنانير إلا في حبّه، ولا أُدِّيت الجِزْیَة إلا في عشقه.وقال أيضاً : إن رجلاً يهودياً أدخل عليه ليُسْلم على يده، فقال له : لا تُسْلم، فقال له الناس : كيف تمنعه من الإسلام! فقال: احملوه إلى أبي حامد - يعني أخاه - ليعلمه «لا» : لا المنافقين. ثم قال : ويحكم أتظنون أن قوله : «لا إلٰه إلا اللّٰه» منشورُ ولايته ! ذا منشور عزله .وهذا نوع تعرفه الصوفية بالغلوّ والشَّطْح.ويروى عن أبي يزيد البِسْطاميّ منه كثير .ومما يتعلّق بما نحن فيه ما رووْه عنه من قوله :فمنْ آدمُ في البَیْنِ*** وَمَنْ إبليسُ لولا كا !فتنت الكلّ والكلّ*** مع الفِتْنَةِ يهْواكَاويقال : أَوّل مَنْ قاس إبليس، فأخطأ في القياس وهلك بخطئه. ويقال : إن أولَ حميّة وعصبية ظهرت عصبيةُ إبليس وحميته
فإن قيل : فما قول شيوخكم في الجنَّة والنار ؟ فإنّ المشهور عنهم أنهما لم يُخلقا وسيخلقان عند قيام الأجسام، وقد دلّ القرآن العزيز، ونطق كلام أمير المؤمنين (علیه السلامفي هذا الفصل بأنّ آدم كان في الجنة وأخرج منها .)قيل : قد اختلف شيوخنا رحمهم اللّٰه في هذه المسألة، فمن ذهب منهم إلى أنهما غير مخلوقتين الآن يقول : قد ثبتَ بدليل السمع أن سائر الأجسام تُعدَم ولا يبقى في الوجود إلا ذات اللّٰه تعالى، بدليل قوله : (كُلُّ شَيءٍهَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (1)، وقوله : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالآخِرُ ) (2)، فلما كان «أوّلا» بمعنى أنه لا جسم في الوجود أنه لا جسم في الوجود معه في الأزَل وجب أن يكون «آخراً»، بمعنى أنه لا يبقى في الوجود جسم من الأجسام معه فيما لا يزال، وبآيات كثيرة أخرى. وإذا كان لا بدّ من عدم سائر الأجسام لم يكنْ في خَلْق الجنة والنار قبل أوقات الجزاء فائدة، لأنه لا بدّ أن يفُنيهما مع الأجسام التي تَفنى يوم القيامة، فلا يبقى مع خلقهما من قبل معنى. ويَحْمِلون الآيات التي دلّت على كون آدم (علیه السلام)كان في الجنة وأخرج منها، على بستان من بساتين الدنيا. قالوا: والهبوط لا يدلّ على كونهما في السماء لجواز أن يكون في الأرض، إلا أنهما في موضع مرتفع عن سائر الأرض.)وأما غير هؤلاء من شيوخنا فقالوا : إنهما مخلوقتان الآن، واعترفوا بأن آدم كان في جنة الجزاء والثواب، وقالوا : لا يبعد أن يكون في إِخبار المكلّفين بوجود الجنة والنار لطف لهم في التكليف، وإنما يحسن الإخبار بذلك إذا كان صدقاً، وإنما يكون صدقاً إذا كان خَبَره على ما هو عليه .### آدم والملائكة أيها أفضلفإن قيل : فما الذي يقوله شيوخكم في آدم والملائكة : أيّهما أفضل؟قيل : لا خلاف بين شيوخنا رحمهم اللّٰه أن الملائكة أفضلُ مِن آدم ومن جميع الأنبياء (علیه السلام، ولو لم يدلّ على ذلك إلا قوله تعالى في هذه القصة : ﴿ إِلآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِٰدِينَ ) (3)، لكفي .)وقد احتجّ أصحابنا أيضاً بقوله تعالى : (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلّٰهِ وَلَا الْمَلَئٰكَةُ المُقَرَّبُونَ (4)، وهذا كما تقول : لا يستنكف الوزير أنْ يعظمني ويرفع من منزلتي ولا المَلك أيضاً. فإن هذا يقتضي كونَ الملك أرفع منزلة من الوزير. وكذلك قوله: ﴿وَلَا الْمَلَئٰكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) ، يقتضي كونهم أرفع منزلة من عيسى.
ومما احتجُّوا به قولُهُمْ : إنه تعالى لما ذكر جبريل ومحمداً (علیه السلام) في معرض المدح، مدح جبريل(علیه السلام) بأعظم مما مدح به محمداً (علیه السلام)، فقال : (إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(19)) (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20))(مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)) (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونِ(22)) (وَلَقَدْ رَءَاهُ بالأُفُقِ المُبِينِ(23)) (وَمَا هُوَ عَلَی الغَيبِ بِضَنِینِ(24)) (1). فالمَديح الأول لجبريل والثاني لمحمد (علیه السلام)، ولا يخفى تفاوتُ ما بین المدحین.
فإن قيل : فهل كان إبليسُ من الملائكة أم من نوع آخر ؟ قيل : قد اختُلف في ذلك فمن قال : إنه من الملائكة احتجّ بالاستثناء في قوله : (فَسَجَدَ المَلَئٰكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(20)) إِلآ إِبْلِيسَ ) (2)، وقال: إنّ الاستثناء من غير الجنس خلاف الأصل. ومن قال : إنه لم يكنْ منهم احتجّ بقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِهِ (3))وأجاب الأولون عن هذا فقالوا : إنّ الملائكة يُطلق عليهم لفظ الجنّ لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين وقالوا : قد ورد ذلك في القرآن أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً (4)، والجنة ها هنا هم الملائكة، لأنهم قالوا : إن الملائكة بناتُ اللّٰه ، بدليل قوله : (أفَأ صفٰكُمْ رَبُّكُم بِالبَنِينَ وَأَتَّخَذَ مِنَ الْمَلَكَةِ إنٰثاً) (5)، وكتُب التفسير تشتمل من هذا على ما لا نرى الإطالة بذكره .)فأما القطب الراونديّ فقال في هذين الفصلين في تفسير ألفاظهما اللغوية: العذْب من الأرض ما يُنبِت، والسّبَخ: ما لا ينبت، وهذا غير صحيح، لأن السبّخ يُنْبِت النخل، فيلزم أن يكون عَذْباً على تفسيره !وقال : فجَبَل منها صورة، أي خلق خلْقاً عظيماً. ولفظة «جَبَل» في اللغة تدلّ على «خَلق» سواء كان المخلوقُ عظيماً أو غير عظيم.وقال الوصول : جمع وُصْل، وهو العضو، وكلّ شيء اتصل بشيء فما بينهما وُصلة.والفصول : جمع فَصل وهو الشيء المنفصل، وما عرفنا في كتب اللغة أنّ الوُصل هو العضو ، ولا قيل هذا .وقوله بعد ذلك : وكلّ شيء اتصل بشيء فيما بينهما وصلة لا معنى لذكره بعد ذلك التفسير .
والصحيح أنّ مراده (علیه السلامأظهرُ من أن يُتَكَلَّف له هذا التكلُّف، ومراده(علیه السلام) أنّ تلك الصورَة ذاتُ أعضاء متصلة كعظم الساق أو عظم الساعد، وذاتُ أعضاء منفصلة في الحقيقة، وإن كانت متصلة بروابط خارجة عن ذواتها كاتصال الساعد بالمِرْفق واتصال الساق بالفَخذ.)ثم قال : يقال : استخدمته لنفسي ولغيريف اختدمته لنفسي خاصّة، وهذا مما لم أعرفه ، ولعله نقله من كتاب .ثم قال: والإذعان: الانقياد، والخنوع : الخضوع، وإنما كرّر الخنوع بعد الإذعان لأن الأول يُفيد أنهم أمِروا بالخضوع له في السجود، والثاني يفيد ثباتَهم على الخضوع لتكرمته أبداً .ولقائل أن يقول : إنّه لم يكرر لفظة «الخنوع»، وإنما ذكر أولاً الإذعان، وهو الانقياد والطاعة، ومعناه أنهم سجدوا ، ثم ذكر الخنوع الذي معناه الخضوع، وهو يعطي معنى غيرَ المعنى الأول، لأنه ليس كلُّ ساجدٍ خاضعاً بقلبه، فقد يكون ساجداً بظاهره دون باطنه. وقول الراونديّ: أفاد بالثاني ثباتَهم على الخضوع له لتكرمته أبداً تفسير لا يدلّ عليه اللفظ، ولا معنى الكلام.ثم قال: قبيلُ إبليس نسلُه، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَئٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ (1)، وكل جيل من الإنس والجنّ قبيل. والصحيح أنّ قبيلَه نوعه، كما أن البشر قبيل كل بشريّ، سواء كانوا من ولده أو لم يكونوا . وقد قيل أيضاً : كلّ جماعة قبيل وإِن اختلفوا، نحو أن يكون بعضهم رُوماً وبعضهم زَنْجاً، وبعضهم عَرَباً ، وقوله تعالى : ( إنَّهُ يَرَئٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ) لا يدلّ على أنهم نسلُه .)وقوله بعد : «وكلُّ جيل من الإنس والجن قَبيل» ينقضُ دعواه أن قبيلَه لا يكون إلا نسله .ثم تكلّم في المعاني فقال : إِن القياس الذي قاسه إبليس كان باطلاً، لأنه ادّعى أن النارَ أشرفُ من الأرض، والأمر بالعكس، لأنّ كلّ ما يدخل إلى النار ينقص، وكلّ ما يدخل التراب يزيد. وهذا عجيب! فإنّا نرى الحيواناتِ الميتة إِذا دُفنت في الأرض تنقص أجسامها، وكذلك الأشجار المدفونة في الأرض، على أنّ التحقيق أنّ المحترق بالنار والبالي بالتراب لم تعدم أجزاؤه ولا بعضُها، وإِنّما استحالت إِلى صور أخرى.ثم قال : ولما علمنا أنّ تقديم المفضول على الفاضل قبيح، علمنا أن آدم كان أفضل من الملائكة في ذلك الوقت وفيما بعده.ولقائل أن يقول : أليس قد سَجَد يعقوب ليوسفَ(علیه السلام ! أفيدلّ ذلك على أنّ يوسف أفضلُ)
1) سورة الأعراف، الآية: 27 .
من يعقوب! ولا يقال: إن قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً (1)، لا يدلّ على سجود الوالدين، فلعلّ الضميرَ يرجع إلى الإخوة خاصة، لأنَّا نقول: هذا الاحتمال مدفوع بقوله : (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَٰجِدِينَ ) (2)، وهو كناية عن الوالدين.)وأيضاً قد بينَّا أنّ السجود إنما كان للّٰه سبحانه، وأنّ آدم كان قِبلة، والقِبْلة لا تكون أفضلَ من الساجد إليها ، ألا ترى أن الكعبة ليست أفضلَ من النبيّ (علیه السلام!)الأصل: وَاصْطَفَىٰ سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَىٰ الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَىٰ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللّٰهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، وَاتَّخَذُوا الأنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَاقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ ، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبليغ ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ، مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعِ، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُفْنِيهِمْ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاتٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ .وَلَمْ يُخْلِ اللّٰه سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لاَزِمَةٍ ، أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ، رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ ، وَلا كَثْرَةُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ، مِنْ سَابِقٍ سُمِّي لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ .الشرح :اجتالتْهم الشياطين : أدارتهم ، تقول : اجتال فلان فلاناً، واجتاله عن كذا وعلى كذا، أي أداره عليه، كأنه يصرِّفه تارة هكذا وتارة هكذا ، يُحَسِّن له فعلَه، ويُغْريه به .وقال الراونديّ: اجتالتْهم : عَدَلت بهم، وليس بشيء.وقوله(علیه السلام : «واتَر إليهم أنبياءه» ، أي بعثهم وبين كل نبيِّيْن فترة، وهذا مما تغلّط فيه العامة فتظنّه كما ظنّ الراونديّ أنّ المراد به المرادفة والمتابعة والأوصاب الأمراض والغابر الباقي.)ويُسأل في هذا الفصل عن أشياء:منها، عن قوله(علیه السلام : «أخَذَ على الوَحْي ميثاقهم».)
والجواب، أنّ المراد أخَذ على أداء الوحي ميثاقَهم، وذلك أن كلَّ رسول أرسِل فمأخوذٌ عليه أداءُ الرسالة، كقوله تعالى: (يَٰأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ (1))ومنها أن يقال : ما معنى قوله (علیه السلام: «ليستأدُوهم ميثاقَ فِطْرَته»؟ هل هذا إشارة إلى ما يقوله أهل الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ لَا وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفسهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ) (2)؟ والجواب، أنه لا حاجة في تفسير هذه اللفظة إلى تصحيح ذلك الخبر، ومرادُه (علیه السلام)بهذا اللفظ أنّه لمّا كانت المعرفة به تعالى وأدلة التوحيد والعدل مركوزةً في العقول، أرسلَ سبحانه الأنبياء أو بعضهم، ليؤكدوا ذلك المركوزَ في العقول. وهذه هي الفطرةُ المشار إليها بقوله (علیه السلام): «كلّ مولود يُولَد على الفطرة»(3))و منها أن يقال : إلى ماذا يشير بقوله : (أو حُجّة لازمة »؟ هل هو إشارة إلى ما يقوله الإمامية، أنه لا بُدّ في كلّ زمان من وجود إمام معصوم؟الجواب، أنّهم يفسرون هذه اللفظة بذلك ويمكن أن يكونَ المراد بها حُجّة العقل .وأما القطب الراونديّ، فقال في قوله(علیه السلام : «واصطفى سبحانه من وَلده أنبياء»: الولَد يقال على الواحد والجمع ، لأنه مصدر في الأصل، وليس بصحيح، لأن الماضيَ «فَعَل» بالفتح، والمفتوح لا يأتي مصدرُه بالفتح ، ولكنّ «فعلاً» مصدر «فَعِل» بالكسر ، كقولك: وَلِهْتُ عليه وَلَهاً ، ووَحِمَت المرأةُ وَحَماً .)ثم قال : إن اللّٰه تعالى بعث يونس قبل نوح، وهذا خلاف إجماع المفسرين وأصحاب السِّيَر.ثم قال: وكلُّ واحد من الرسل والأئمة كان يقوم بالأمر، ولا يردعُه عن ذلك قلة عدد أوليائه، ولا كثرةُ عدد أعدائه، فيقال له : هذا خلاف قولك في الأئمة المعصومين، فإنّك تجيز عليهم التقيَّة وتركَ القيام بالأمر إذا كَثُرت أعداؤهم .وقال في تفسير قوله (علیه السلام: «مِنْ سابق سُمِّي له مَنْ بعده، أو غابرِ عَرّفه مَنْ قبله» : كان من ألطاف الأنبياء المتقدمين وأوصيائهم، أن يعرفوا الأنبياء المتأخرين وأوصياءهم، فعرّفهم اللّٰه تعالى ذلك، وكان من اللطف بالمتأخرين وأوصيائهم أن يعرفوا أحوالَ المتقدمين من الأنبياء والأوصياء، فعرّفهم اللّٰه تعالى ذلك أيضاً، فتمَّ اللطف لجميعهم .)ولقائل أن يقول : لو كان(علیه السلام قال : «أو غابر عرَف من قبله» لكان هذا التفسير مطابقاً،)
ولكنه (علیه السلاملم يقل ذلك، وإنما قال : «عرّفه مَنْ قبله» وليس هذا التفسير مطابقاً لقوله : «عرَفه».)والصحيح أنّ المراد به: من نبيّ سابق عرّف مَنْ يأتي بعده من الأنبياء، أي عرّفه اللّٰه تعالى ذلك، أو نبي نصَّ عليه مَنْ ،قبله ويشَّر به كبِشارة الأنبياء بمحمد(علیه السلام.)الأصل: عَلَى ذَلِكَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ، وَمَضَتِ الدُّهُورُ، وَسَلَفَتِ الآبَاءُ، وَخَلَفَتِ الْأَبْنَاءُ ، إِلَىٰ أَنْ بَعَثَ اللّٰه سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً صَلَّىٰ اللّٰه عَلَيْهِ لإِنْجَازِ عِدَتِهِ، وَإِتْمَامِ نُبُوتِهِ، مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّين مِيثَاقُهُ، مَشْهُورَةٌ سِمَاتُهُ، كَرِيماً مِيلاَدُهُ وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنتَشِرَةٌ ، وَطَرَائقُ مُتَشَتِّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّهِ اللّٰه بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ فِي أسْمِهِ، أَوْ مُشِيرٍ إِلَىٰ غَيْرِهِ، فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وَانْقَذَهُمْ بِمَكَانِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ .ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمِّدٍ صَلَّى اللّٰه عَلَيْهِ لِقَاءَهُ، وَرَضِي لَهُ مَا عِنْدَهُ، وَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيا ، وَرَغِبَ بِهِ عَنْ مَقام الْبَلْوَىٰ، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً ، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلْفَتِ الأنبياءُ فِي أُمَمِها - إذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً بِغَيْرِ طَرِيقٍ وَاضِح .ولا عَلَم قَائِم - كِتَابَ رَبِّكُمْ، مُبَيِّناً حَلالَهُ وَحَرَامَهُ ، وفَرَائِضَهُ وفَضَائِلَهُ، وَنَاسِخَهُ ومَنْسُوخَهُ ، وَرُخَصَهُ وعَزَائِمَهُ، وخَاصَّهُ وعَامَّهُ ، وعِبَرَهُ وأَمْثَالَهُ ، وَمُرْسَلَهُ ومَحْدُودَهُ، ومُحْكَمَهُ ومُتَشَابِهَهُ، مُفَسِّراً جُمَلَهُ، ومُبَيِّناً غَوامِضَهُ، بَيْنَ مَأْخَوذٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، وَمُوَسَّعٍ عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ، وَبَيْنَ مُثْبَتٍ فِي الْكِتَابِ فَرْضُهُ، ومَعْلُومٍ فِي السُّنَّةِ نَسْخُهُ، وَواجِبٍ فِي السُّنَّةِ أَخْذُهُ ، ومُرَخَّصٍ فِي الْكِتَابِ تَرْكُهُ، وبَيْنَ وَاجِبِ لِوَقْتِهِ، وَزَائِلٍ فِي مُسْتَقَبَلِهِ. وَمُبَايَنَ بَيْنَ مَحَارِمِهِ، مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صَغِيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ. وبَينَ مَقْبُولٍ فِي أَدْنَاهُ، ومُوَسَّع في أَقْصَاهُ.الشرح: قوله (علیه السلام: «نسلت القرون»، ولدت. والهاء في قوله : «لإنجاز عِدَته» راجعة إلى الباريء سبحانه. والهاء في قوله : «وإتمام نبوته» راجعة إلى محمد(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) . وقوله : «مأخوذ على النبيين ميثاقه»، قيل : لم يكن نبيّ قطُّ إلا وبُشِّر بمبعث محمد (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وأخِذ عليه تعظيمه، وإن كان بعدُ لم يوجد .)فأما قوله : «وأهل الأرض يومئذ مِللٌ متفرّقة»، فإن العلماء يذكرون أن النبيّ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم بُعث والناس أصناف شتى في أديانهم: يهود، ونصارى ،ومجوس، وصابئون، وعَبَدة أصنام، وفلاسفة، وزنادقة.)
### أديان العرب وفرقه في الجاهليةفأما الأمة التي بُعِثَ محمد(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم فيها فهم العرب ، وكانوا أصنافاً شتى، فمنهم معطِّلة، ومنهم غير معطلة فأما المعطلّة منهم، فبعضُهم أنكر الخالق والبعث والإعادة ، وقالوا)ما قال القرآن العزيز عنهم : (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْیَا وَمَا یُهْلِکُنآ إلَّا الدَّهْرُ (1)، فجعلوا الجامعَ لهم الطَّبْع، والمهلكِ لهم الدهر. وبعضهم اعترف بالخالق سبحانه وأنكر البعثَ، وهم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله: ﴿قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِيَ رَمِيمُ ) (2). ومنهم مَنْ أقرّ بالخالق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرّسلَ وعبدوا الأصنام، وزعموا أنها شفعاء عند اللّٰه في الآخرة، وحجّواً لها، ونحروا لها الهدْىَ، وقَرَّبوا لها القُرْبان، وحلَّلوا وحَرّموا، وهم جمهور العرب، وهم الذين قال اللّٰه تعالى عنهم : (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ) (3))فمن نطق شعره بإنكار البعث بعضُهم يرثي قتلى بدر :فَمَاذَا بِالْقَليبِ قَلِيبِ بَدْرٍ*** مِنَ الفِتْيانِ وَالْقَوْمِ الْكِرَامِ!ومَاذَا بالقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ*** مِنَ الشَّيزَى تُكَلَّلُ بالسَّنَامِأيخبرنا أبنُ كبشة أن سَنَحْيَا*** وَكَيْفَ حَياةُ أضداءِ وَهَامِ!إذَا ما الرأسُ زالَ بمنكِبَيْهِ*** فقد شَبعَ الانيسُ مِنَ الطَّعامِأيقتُلنِي إذا ما كُنْتُ حَیاً*** وَيُحْيِيني إذَ رَمَّتْ عِظَامِي!وكان من العرب مَن يعتقد التناسخ وتنقُّل الأرواح في الأجساد، ومن هؤلاء أربابُ الهامة، التي قال (علیه السلامعنهم : «لا عَدْوَى ولا هامة ولا صَفَر »(4). وقال ذو الأصبع :)يا عَمْرُو إِلاّ تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي*** أَضْرِبْكَ حَيْثُ تَقُولُ أَلْهَامَةُ أَسْقُونِيوقالوا : إنّ ليلى الأخيليّة لما سلّمت على قبر تَوْبة بن الحُميِّر خرج إليها هامة من القبر صائحة، أفزعت ناقتها، فوقصت بها فماتت، وكان ذلك تصديق قوله :وَلَوْ أنْ لَيْلَى الاخْيليَّة سَلْمَتْ*** عَلَيَّ ودُوني جَنْدَلٌ وَصَفائِحُلَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ البَشاشة أو زَقَا*** إليها صدّى مَنْ جَانِبِ القبر صائحُوكان تَوْبَةُ وليلى في أيام بني أميّة .
وكانوا في عبادة الأصنام مختلفين، فمنهم مَنْ يجعلها مشارِكة للباري تعالى، ويُطلق عليها لفظة الشَّريك، ومن ذلك قولهم في التلبية : لبَّيْك اللهمّ لبَّيْك، لا شريك لك ، إلاّ شريكاً هو لک، تملكه وما مَلَك. ومنهم من لا يطلق عليها لفظ الشريك، ويجعلها وسائل وذرائع إلى الخالق سبحانه، وهم الذين قالوا : (مَا نَعبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ (1.)وكان في العرب مشبّهة ومجسِّمة، منهم أميّة بن أبي الصّلت، وهو القائل :مِنْ فَوْقِ عَرْشٍ جَالس قَدْ حَطَّ رِجْ***لَيْه إلى كُرْسيِّه المنصوبِوكان جمهورهم عبَدَة الأصنام، فكانَ وَدّ لكَلْبِ بدُومة الجندل، وسُواع لِهُذَيْل، ونَسْر لِحِمْيرَ، ويَغُوث لهمْدَان ، والّلات لثَقِيف بالطائف، والعُزّى لكِنانة وقُريش وبعض بني سُليْم، ومناة لغَسّان والأوْس والخزرج، وكان هُبَل لقريش خاصة على ظهر الكعبة، وأساف ونائلة على الصَّفا والمرْوة. وكان في العرب مَنْ يميل إلى اليهودية، منهم جماعة من التبابعة وملوك اليمن، ومنهم نصارى كبني تَغْلِب والعِبادیّين رهط عَدّي بن زيد، ونصارى نَجْران، ومنهم مَنْ كان يميل إلى الصابئة ويقول بالنجوم والأنواء.فأمّا الذين ليسوا بمعطِّلة من العرب فالقليل منهم، وهم المتألّهون أصحابُ الورَع والتحرّج عن القبائح، كعبد اللّٰه وعبد المطلب وابنه أبي طالب، وزيد بن عمرو بن نُفيْل، وقُسّ بن ساعدة الإياديّ، وعامر بن الظّرِب العَدْوانيّ ، وجماعة غير هؤلاء.وغرضنا من هذا الفَضْل بيان قوله (علیه السلام: «بينَ مشبّه للّٰه بخلقه أو مُلْحِدٍ في اسمه» إلى. غیر ذلك، وقد ظهر بما شرحناه .)ثم ذكر(علیه السلام أن محمداً (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)خَلّف في الأمة بعده كتاب اللّٰه تعالى طريقاً واضحاً، وعَلَماً)قائماً، والعلم المنار يُهتدى به .ثم قَسّم ما بيِّنه (علیه السلامفي الكتاب أقساماً :)فمنها حلاله وحرامه، فالحلالُ كالنِّكاح، والحرام كالزنا.ومنها فضائله وفرائضه، فالفضائل النوافل، أي هي فضلة غير واجبة كركعتِي الصبح وغيرهما، والفرائض كفريضة الصبح .وقال الرّاونديّ: الفضائل ها هنا : جمع فضيلة، وهي الدرجة الرفيعة، وليس الدرجة الرفيعة، وليس بصحيح ألا تراء كيف جعل الفرائض في مقابلتها وقسيماً لها، فدلّ ذلك على أنه أراد النوافل !
1) سورة الزمر، الآية: 3.
ومنها ناسخه و منسوخه، فالناسخ كقوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (1)، والمنسوخ كقوله : (لآ إِكرَاهَ فيِ الدِّينِ ) (2).)ومنها رُخَصه وعزائمه، فالرخص كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ(3)والعزَائم كقوله : ( فَأعْلَمْ أنَّهُ لآ إلٰهَ إلَّا اللّٰهُ ) (4))ومنها خاصّه وعامه، فالخاصّ كقوله تعالى: ﴿وَاؐمْرَأةً مُّؤْمِنَةً إن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبيّ (5))والعام كالألفاظ الدالة على الأحكام العامة لسائر المكلفين كقوله : (وَأَقِيمُوا الصَّلَوٰةَ (6)ويمكن أن يراد بالخاصّ العمومات التي يُراد بها الخصوص كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَیْءٍ)(7)، وبالعام ما ليس مخصوصاً، بل هو على عمومه كقوله تعالى: ﴿وَاللّٰهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلیِمٌ)(8))ومنها عِبَرُهُ وأمثاله، فالعبر كقصة أصحاب الفيل، وكالآيات التي تتضمّن النَّكال والعذابَ النازل بأمم الأنبياء من قبل، والأمثال كقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا (9).)ومنها مرسله محدوده، وهو عبارة عن المطلق والمقيَّد، وسمِّي المقيد محدوداً وهي لفظة فصيحة جدًّا، كقوله: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ(10)، وقال في موضع آخر: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمِنَةِ)(11))ومنها محكمه ومتشابهه، فمحكَمه كقوله تعالى : (قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ (12)، والمتشابه كقوله : (إلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (13))ثم قسم (علیه السلامالكتاب قسمة ثانية، فقال : إنّ منه ما لا يسع أحداً جهله ومنه ما يسع الناس جهله، مثال الأول قوله : ( اؐللّٰهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ اؐلقَيُّومُ ) (14)، ومثال الثاني : (كهيعص ) (15)(حم(1)عسق(2))(16))ثم قال: ومنه ما حكمه مذكور في الكتاب منسوخ بالسُّنة، وما حكمه مذكور في السّنّة
1) سورة التوبة، الآية : 5.
2) سورة البقرة، الایة:256.
3) سورة المائدة، الآیة:3.
4) سورة محمد، الآیة:19.
5) سورةالأحزاب،الآیة:50.
6) سورة البقرة، الآیة: 110.
7) سورة النمل، الآیة:23.
8) سورة البقرة، الآیة:282.
9) سورة البقرة، الآیة:17.
10) سورة المجادلة، الآیة: 3.
11) سورة النساء، الآیة:92.
12) سورة الإخلاص، الآیة: 1.
13) سورة القیامة، الآیة:23.
14) سورة البقرة، الآیة: 255.
15) سورة مریم، الآیة: 1.
16) سورة الشوری، الآیتان:2،1.
منسوخ بالكتاب، مثال الأول قوله تعالى : (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ (1)، نسخ بما سنّه(علیه السلام) من رجْم الزاني المحصَن. ومثال الثاني صوم يوم عاشوراء، كان واجباً بالسّنّة ثم نسخه صوم شهر رمضان الواجب بنصّ الكتاب .)ثم قال : «وبين واجبِ بوقته، وزائل في مستقبله» يريد الواجبات المؤقتة كصلاة الجمعة، فإنها تجب في وقت مخصوص، ويسقط وجوبها في مستقبل ذلك الوقت.ثم قال(علیه السلام : «ومباين بين محارمه»، الواجب أن يكون «ومباين» بالرّفع لا بالجرّ، فإنه ليس معطوفاً على ما قبله، ألا ترى أنّ جميع ما قبله يستدعى الشيء وضدَّه، أو الشيء ونقيضه، وقوله : «ومباين بين محارمه» لا نقيض ولا ضدّ له، لأنه ليس القرآن العزيز على قسمين : أحدهما مباين بين محارمه والآخر غير مباين، فإنّ ذلك لا يجوز، فوجب رفع «مباين»، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف . ثم فسَّر ما معنى المباينة بين محارمه، فقال : إن محارمَه تنقسم إلى كبيرة وصغيرة، فالكبيرة أوعد سبحانه عليها بالعقاب، والصغيرة مغفورة، وهذا نصّ مذهب المعتزلة في الوعيد.)ثم عدل (علیه السلامعن تقسيم المحارم المتباينة، ورجع إلى تقسيم الكتاب فقال : «وبين مقبول في أدناه، وموسّع في أقصاه»، كقوله : (فَاقْرَءُوا مَا تَیَسَرَ مِنْهُ ) (2).)فإنّ القليل من القرآن مقبول، والكثير منه موسّع مرخَّص في تركه .الأصل: وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الحَرَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةَ لِلْأَنَامِ، يَرِدُونَهَ وُرُودَ الْأَنْعَامِ، وَيَوْلَهُونَ إِلَيْهِ وَلَهَ الْحَمَامِ. وَجَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلامَةٌ لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ.وَاؐخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ، وَتَشَبَّهُوا بِمَلائِكَتِهِ الْمُطِیفِین بِعَرْشَهِ، يُحْرِزُونَ الْأَرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ. جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلْإِسْلَام عَلَماً ، وَلِلْعَائِذِينَ حَرَماً ، وفَرَضَ حَقَّهُ، وَأَوْجَب حَجَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَٰلَمِينَ (3).)
الشرح : الوَله : شدة الوجْد، حتى يكاد العقل يذهب، ولَهَ الرجل يَوْلَهُ ولَها . ومن روى: «يألهون إليه ولوه الحمام» فسّره بشيء آخر، وهو: يعكُفون عليه عُكوف الحمام.واصل «اَلَه» عبَد، ومنه الإلٰه، أي المعبود. ولما كان العكوف على الشيء كالعبادة له لملازمته والانقطاع إليه قيل : اله فلان إلى كذا، أي عكف عليه كأنه يعبده. ولا يجوز أن يقال : «يألهون إليه» في هذا الموضع بمعنى «يَوْلَهون»، وأنَّ أصل الهمزة الواو كما فسره الراونديّ، لأن «فعولاً» لا يجوز أن يكون مصدراً من فَعِلت بالكسر ، ولو كان «يألهون» هو «يَوْلَهون» ، كان أصله «أله» بالكسر ، فلم يجز أن يقول : «ولوه الحمام»، وأما على ما فسّرناه نحن فلا يمتنع أن يكونَ الولوه مصدراً، لأن ««أَلَه» مفتوح، فصار كقولك : دخل دخولاً . وباقي الفصل غنيّ عن التفسير .جاء في الخبر الصحيح أنّ في السماء بيتاً يطوف به الملائكة طواف البشر بهذا البيت اسمه الضُّراح، وأنّ هذا البيت تحته على خط مستقيم، وأنّه المراد بقوله تعالى: ﴿وَالبَيْتِ الْمَعْمُورِ (1)، أقسم سبحانه به لشرفه ومنزلته عنده، وفي الحديث : إن آدم لما قضى مناسكه، وطاف بالبيت لقيتْه الملائكة، فقالت: يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفيْ عام (2).)قال مجاهد : إنّ الحاج إذا قدموا مكّة استقبلتْهم الملائكة، فسلّموا على ركبان الإبل، وصافحوا ركبان الحمير، واعتنقوا المشاة اعتناقاً.من سنة السلف أن يستقبلوا الحاج، ويقبِّلوا بين أعينهم ويسألوهم الدعاء لهم، ويبادروا ذلك قبل أن يتدنّسوا بالذنوب والآثام.وفي الحديث: «إن اللّٰه تعالى قد وَعَد هذا البيت أن يحجّه في كلّ سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا أتمّهم اللّٰه بالملائكة، وإنّ الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة، وكلّ مَنْ حجّها متعلّق بأستارها يسعوْن حولها، حتى تدخل الجنة فيدخلون معها» (3.)وفي الحديث : «إنّ من الذنوب ذنوباً لا يكفّرها إلا الوقوف بعرفة» (4. وفيه: «أعظم الناس ذنباً مَنْ وقف بعرَفة فظن أن اللّٰه لا يغفر له» .)عمر بن ذرّ الهمداني: لما قضَى مناسكه أسند ظهره إلى الكعبة وقال مودِّعاً للبيت : ما زلنا
1) سورة الطور، الآية : 4.
2) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية : 366/2 ، وأخرجه الشافعي في كتاب الأم : 154 .
3) ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (730) ، وقال : ذكره في الإحياء، قال العراقي: لم أجد له أصلاً.
4) ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (784) ، وقال : كذا في الإحياء قال مخرجه العراقي لم أجد له أصلاً.
نحلّ إليك عُرْوة، ونشدّ إليك أخرى، ونصعد لك أكمة، ونهبط أخرى، وتخفضنا أرض، وترفعنا أخرى، حتى أتيناك. فليت شعري بم يكون مُنصَرَفُنا ؟ أبذنب مغفور، فأعظِمْ بها من نعمة! أم بعملِ مردودٍ فأعظم بها من مصيبة !فيا مَنْ له خرجنا، وإليه قصدنا، وبحرَمِه أنخنا، ارحم . يا معطيَ الوفد بِفنائك، فقد أتيناك بها معرّاة ،جُلودها ذابلةً أسنمتها ، نَقِبَةً أخفافها. وإنّ أعظم الرزية أن نرجع وقد اكتنفتنا الخيبة . اللهمّ وإن للزَّائرين حقًّا فاجعل حَقّنا عليك غفرانَ ذنوبنا، فإنك جواد كريم، ماجدٌ لا ينقصك نائل، ولا يبخّلك سائل .ابن جريج: ما ظننت أنّ اللّٰه ينفع أحداً بشعر عمر بن أبي ربيعة، حتى كنتُ باليمن، فسمعتُ منشداً يُنشد قوله :بِاللّٰه قولاً لَهُ فِي غَيْرِ مُعْتَبةٍ*** مَاذَا أَرَدْتَ بِطُولِ المُكْثِ فِي الْيَمَنِ!إنْ كنتَ حاولتَ دنيا أو ظَفِرْتَ بِهَا*** فما أخَذْتَ بِتَرْكِ الحجِّ مِنْ ثَمَنِ!فحرّكني ذلك على ترك اليمن، والخروج إلى مكّة، فخرجت فحججْت .سمع أبو حازم امرأة حاجة ترفتُ في كلامها، فقال: يا أمة اللّٰه، ألست حاجة! ألا تتّقين اللّٰه! فسفرَت عن وجه صَبيح، ثم قالت له : أنا من اللواتي قال فيهنّ العرْجيّ :أماطَتْ كِسَاءَ الْخَزِّ عَنْ حُرِّ وجِههَا*** وردَّتْ على الخدَّيْنِ بُرْداً مهلهلاًمِن اللاءِ لم يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ حِسْبَةً*** وَلَكِنْ لِيقْتُلْنَ البريء المغَفَّلاَفقال أبو حازم: فأنا أسأل اللّٰه ألاَّ يعذّب هذا الوجه بالنار، فبلغ ذلك سعيد بن المسيّب، فقال: رحم اللّٰه أبا حازم! لو كان من عُبّاد العراق، لقال لها : اعزُبي يا عدوّة اللّٰه ! ولكنه ظَرْفُ نُسّاك الحجاز .واعْلم أنّ قوماً من أرباب علم البيان عابوا السَّجْع، وأدخلوا خطبَ أمير المؤمنين(علیه السلام في جملة ما عابوه، لأنه يقصِد فيها السجع ، وقالوا : إنّ الخطبَ الخاليةَ من السَّجْع والقرائن والفواصل، هي خطبُ العرب وهي المستحسَنة الخالية من التكلّف، كخطبة النبي (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) في حِجّة الوداع، وهي:)الحمد للّٰه، نحمَده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ باللّٰه من شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا . مَنْ يهدِ اللّٰه فلا مضلّ له ومَنْ يُضْلِل اللّٰه فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إلٰه إلا اللّٰه وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله .أوصِيكم عبادَ اللّٰه بتقوى اللّٰه، وأحثُّكم على العمل بطاعته، وأستفتح اللّٰه بالذي هو خير. أما بعدُ، أيّها الناس، اسمعوا منّي أبيّن لكم، فإنّي لا أدري، لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا .
أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوْا ربكم، كحرْمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هلْ بلّغت؟ اللهم اشهد.مَنْ كانتْ عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها . وإنّ ربا الجاهلية موضوع، وأوّل رِباً أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وأولُ دم أبدأ به دم آدم بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثرَ الجاهلية موضوعة غير السِّدانة والسِّقاية. والعَمْد قَوَدٌ، وشِبْه العَمْد ما قُتِل بالعصا والحجَر، فيه مائة بعير، فمن ازداد فهو من الجاهلية.أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يُعْبَد بأرضكم هذه، ولكنّه قد رضِيَ أن يُطاع فيما سوى ذلك فيما تحتقرون من أعمالكم .أيها الناس، إنما النّسِيء زيادة في الكفر، يُضَلُّ به الذين كفروا، يحلّونه عاماً، ويحرِّمونه عاماً، وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّٰه السمٰواتِ وَالأرض، وإن عِدّة الشهور عند اللّٰه اثنا عشر شهراً في كتاب اللّٰه يوم خلق السموٰات والأرض، منها أربعةٌ حُرم، ثلاثة متواليات وواحد فَرد: ذو القعدة وذو الحجّة ومحرّم ورجب، الذي بين جُمادى وشعبان، ألا هلْ بلغت!أيّها الناس، إن لنسائكم عليكم حقَّا، ولكن عليهنّ حقًّا ، فعليهنّ ألا يوطِئْن فرُشَكم غيركم، ولا يُدْخِلْن بيوتَكم أحداً تكرهونه إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فَعَلْنَ فقد أذِن لكم أن تهجروهنّ في المضاجع وتضربوهنّ، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم كسوتهنّ ورزقهنّ بالمعروف، فإنما النّساء عندكم عَوانٍ لا يملكْن لأنفسهنّ شيئاً، أخذتموهنّ بأمانة اللّٰه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّٰه، فاتقوا اللّٰه في النساء واستوصُوا بهنّ خيراً .أيّها النّاس، إنما المؤمنون إخوة، ولا يحلّ لامريء مالُ أخيه إلا على طيب نفس. ألا هل بلغت اللهم اشهد!ألا لا تَرْجعوا بعدي كفّاراً يضربُ بعضكم رقاب بعض، فإنّي قد تركتُ فيكم ما إن أخذتم به لم تضلّوا كتاب اللّٰه ربكم. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.أيها الناس، إنّ ربَّكم واحد، وإن أباكم واحد، كلّكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند اللّٰه أتقاكم، وليس لعربيِّ على عجميّ فضل إلا بالتقوى، ألا فليبلِّغ الشاهدُ الغائب.أيها الناس، إن اللّٰه قَسّم لكلّ وارث نصيبَه من الميراث، ولا تجوز وصية في أكثرَ من الثلث، والولدُ للفراش وللعاهر الحجَر. من ادّعى إلى غير أبيه، أو تولّى غيرَ مواليه فهو ملعون، لا يقبل اللّٰه منه صَرْفاً ولا عدلاً. والسلام عليكم ورحمة اللّٰه عليكم(1.)
1) أخرجه أحمد في مسنده : 186/4 .
واعلم أن السجعَ لو كان عيباً لكان كلام اللّٰه سبحانه معيباً لأنه مسجوع، كلّه ذو فواصلَ وقرائن، ويكفي هذا القدر وحده مبطلاً لمذهب هؤلاء. فأما خطبة رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم هذه فإنها وإن لم تكن ذاتَ سجع، فإنّ أكثر خطبه مسجوع، كقوله : إنّ مع العزِّ ذُلاً وإنّ مع الحياة موتاً، وإنّ مع الدنيا آخرة، وإنّ لكل شيء حساباً، ولكلّ حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً، وإنّ على كل شيء رقيباً، وأنه لا بد لك من قرين يُدفن معك هو حي وأنت ميت، فإنْ كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك ، ثم لا يحشر إلا معك، ولا تبعث إلا معه، ولا تُسأل إلا عنه، فلا تجعلْه إلا صالحاً فإنه إن صَلَح أنست به ، وإن فَسد لم تستوحش إلاّ منه، منه، وهو عملك.)فأكثر هذا الكلام مسجوع كما تراه، وكذلك خطبه الطِّوال كلها . وأما كلامه القصير، فإنه غير مسجوع، لأنه لا يحتمل السجع ، وكذلك القصير من كلام أمير المؤمنين(علیه السلام.)فأما قولهم: إنّ السجع يدلّ على التكلّف، فإنّ المذموم هو التكلّف الذي تظهر سماجته وثقله للسامعين، فأمّا التكلّف المستحسن، فأيّ عيب فيه ! ألا تَرى أنّ الشعرَ نفسَه لا بد فيه من تكلُّف إقامة الوزن، وليس لطاعن أن يطعَن فيه بذلك!واحتجّ عائبو السجع بقوله (علیه السلام لبعضهم منكِراً عليه : «أسَجْعاً كسجع الكهان!»، ولولا أنّ السجعَ منكَر لما أنكر (علیه السلام)سجعَ الكُهّان وأمثاله. فيقال لهم : إنما أنكر(علیه السلام) السجع الذي الكهّان أمثاله، لا السجعَ على الإطلاق، وصورة الواقعة أنه (علیه السلام)أمر في الجنين بغُرّة، فقال قائل : أأدِي مَنْ لا شَرِب ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ، ومثل هذا يُطلّ! فأنكر (علیه السلام) ذلك، لأنّ الكهان كانوا يحكمون في الجاهلية بألفاظ مسجوعة كقولهم: حبة بُرّ، في إحليل مُهْر. وقولهم : عبد المسيح، على جمل مُشِيح، لرؤيا الموْبذان، وارتجاس الإيوان، ونحو ذلك من كلامهم. وكان(علیه السلام) قد أبطل الكهانة والتنجيمَ والسحر، ونهى عنها، فلما سمع كلام ذلك القائل أعاد الإنكار، ومراده به تأكيدُ تحريم العمل على أقوال الكهنة. ولو كان (علیه السلام)قد أنكر السجعَ لما قاله، وقد بيّنا أنّ كثيراً من كلامه مسجوع، وذكرنا خطبته.)ومن كلامه (علیه السلامالمسجوع خبرُ ابن مسعود رحمه اللّٰه تعالى، قال رسول اللّٰه (صلی الله علیه و آله و سلم): «استحيوا من اللّٰه حق الحياء»، فقلنا : إن لنستحيي يا رسول اللّٰه من اللّٰه تعالى، فقال: «ليس ذلك ما أمرتُكم به، وإنما الاستحياء من اللّٰه أن تحفظ الرأس وما وعَى، والبطن وما حَوَى، وتذكر الموت والبِلى ومن أراد الآخرة تَرك زينة الحياة الدنيا (1).)ومن ذلك كلامه المشهور لما قدم المدينة(علیه السلام أولَ قدومه إليها : «أيُّها الناس أفشوا السلام، وأطعِموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (2))
وعَوَّذَ الحسن (علیه السلام، فقال : «أعيذك من الهامّة، والسامّة، وكل عين لامَّة»، وإنما أراد «ملمّة»، فقال: «لامّة» (1)لأجل السجع .)وكذلك قوله : «ارجعن مأزورات، غيرَ مأجورات»، وإنما هو «موزورات»، بالواو.## 2 - ومن خطبة له(علیه السلام بعد انصرافه من صفين)### اشارةصِفّين : اسم الأرض التي كانت فيها الحرب، والنون فيها أصليّة، ذكرَ ذلك صاحب «الصّحاح»، فوزنُها على هذا «فِعّيل» كفسّيق، وخمّير، وصِرِّيع، وظِلِّيم، وضلِّيل.فإن قيل : فاشتقاقه مماذا يكون؟قيل : لو كان اسماً لحيوان لأمكن أن يكونَ من صَفَنَ الفرسُ - إذا قام على ثلاث وأقام الرابعة على طرف الحافر - يَصْفِن بالكسر ، صُفوناً. أو من صَفَن القوم، إذا صفُّوا أقدامهم لا يخرج بعضها من بعض .فإن قيل : أيمكنُ أن يُشتقّ من ذلك وهو اسم أرض؟قيل : يمكن على تعسّف، وهو أن تكونَ تلك الأرض لمّا كانت مما تَصفِن فيها الخيل، أو تصطف فيها الأقدام، سميت صِفِّين.فإن قيل : أيمكن أن تكون النونُ زائدةً مع الياء، كما هما في «غِسْلين» و«عِفْرِين»؟قيل : لو جاء في الأصل «صِفّ» ، بكسر الصاد لأمكن أن تُتَوهمّ الزيادة، كالزيادة في غِسْل، وهو ما يُغتَسل به، نحو الخِطْميّ وغيره، فقيل : غِسْلين، لما يسيل من صديد أهل النار ودمائهم، وكالزيادة في عِفْر وهو الخبيث الداهي، فقيل : عِفْرِين، لمأسدة بعينها. وقيل: عفريت للداهية، هكذا ذكروه.ولقائل أن يقول لهم : أليس قد قالوا للأسد :عَفَرْنَي، بفتح العين، وأصله العِفْر ، بالكسر، فقد بان أنهم لم يراعُوا في اشتقاقهم وتصريف كلامهم الحركةَ المخصوصة، وإنما يراعون الحرف، ولا كلّ الحروف، بل الأصلي منها، فغير ممتنع على هذا عندنا أن تكون الياء والنون زائدتين في «صِفِّين».وصفّين : اسم غير منصرف للتأنيث والتعريف ، قال :إنّي أدِينُ بما دَانَ الوصيُّ بِهِ*** يوم الخُرَيْبة مِنْ قَتْل الْمُحِلّينا (2)
وبالذي دَان يومَ النَّهْرِ دِنْتُ بِهِ وشَاركَتْ کَفَّهُ کَفِّي بِصفِّينَاتلكَ الدِّماء معاً يا ربِّ في عُنُقي ثم اسقنِي مِثْلَها آمِينَ آمينَاالأصل: أَحْمَدُهُ اسْتَتمَاماً لِنِعْمَتِهِ، وَاسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ، وَاسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ . وَأَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إِلَىٰ كِفَايَتِهِ، إِنَّهُ لا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ، وَلا يَئِلُ مَنْ عَادَاهُ، وَلا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ ، فَإِنَّهُ أَرْجَحُ مَا وُزِنَ، وَأَفْضَلُ ما خُزِنَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لاَ إلٰهَ إلاّ اللّٰه وحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً مُمْتَحَنَاً إِخْلاصُها ، مُعْتَقداً مُصَاصُهَا ، نَتَمَسَّكُ بِهَا أَبَداً مَا أَبْقَانَا ، وَنَدَّخِرُها لِأَهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا ، فَإِنَّهَا عَزِيمَةُ الْإِيمَانِ، وَفَاتِحَةُ الْإِحْسَانِ، وَمَرْضَاةُ الرَّحْمَٰنِ، وَمَدْحَرَةُ الشَّيْطَانِ.الشرح:وأل، أي نجا، يئِل. والمُصاص : خالص الشيء . والفاقة: الحاجة والفقر. الأهاويل : جمع أهوال، والأهوال : جمع هَوْل، فهو جمع الجمع، كما قالوا : أنعام وأناعيم. وقيل: أهاويل أصله تهاويل، وهي ما يهولك من شيء، أي يروعك، وإن جاز هذا فهو بعيد، لأن التاء قلّ أن تبدلَ همزة. والعزيمة : النية المقطوع عليها . ومدحرة الشيطان، أي تدحَره ، أي تبعده وتطرده.وقوله(علیه السلام : «استتماماً»، و«استسلاماً»، و«استعصاماً»، من لطيف الكناية وبديعها، فسبحان مَن خصّه بالفضائل التي لا تنتهي السنةُ الفصحاء إلى وصفها، وجعله إمام كلّ ذي علم، وقدوة كلّ صاحب خِصّيصَة !)وقوله : «فإنه أرجح»، الهاء عائدة إلى ما دلّ عليه قوله : «أحمده»، يعني الحمد، والفعل يدلّ على المصدر، وترجع الضمائر إليه كقوله تعالى : (بَلْ هُوَ شَرُّ (1)وهو ضمير البخل الذي دلّ عليه قوله : ﴿يَبْخَلُونَ ) (2))### لزوم ما لا يلزم أحد أناع البديعوقوله (علیه السلام: (وُزِن وخُزِن» ، بلزوم الزاي، من الباب المسمّى لزوم ما لا يلزم، وهو أحد أنواع البديع، وذلك أن تكون الحروف التي قبل الفَاصلَة حرفاً واحداً، هذا في المنثور، وأما في المنظوم فأن تتساوى الحروف التي قبل الرويّ مع كونها ليست بواجبة التساوي، مثال ذلك قول بعض شعراء الحماسة :)
بَيْضَاءُ باكَرَها النّعِيمُ فَصَاغَهَا*** بِلبَاقَةٍ فَأَدقُها وأجَلَّهاحَجَبَتْ تحيَّتَها فقلتُ لصاحبي*** ما كَانَ أكثرَها لَنَا وأقلَّهَاوإذا وَجَدْتُ لها وَسَاوِسَ سَلْوةِ*** شَفَعَ الضّميرُ إلى الفؤادِ فَسَلَّهَاألا تراه كيف قد لَزِم اللام الأولى من اللامين اللَّذَيْن صارا حرفاً مشدّداً! فالثاني منهما هو الرويّ، واللام الأول الذي قبله التزام ما لا يلزم، فلو قال في القصيدة: وصلها، وقبلها، وفعلها، لجاز.واحترزنا نحن بقولنا : «مع كونها ليست بواجبة التساوي» عن قول الراجز، وهو من شعر الحماسة أيضاً :وَفَيْشَةٍ ليَسَتْ كهذي الْفَيْشِ*** قَدْمُلِئَتْ مِن نَزَقٍ وَطَيْشِإذا بَدَتْ قلتَ أمير الجيشِ*** مَنْ ذَاقَها يعرف طَعْمَ العَيشِفإنّ لزوم الياء قبل حرف الرويّ ليس من هذا الباب، لأنه لزوم واجب، ألا ترى أنه لو قال في هذا الرجز: البطْش والفَرْش والعَرْش لم يجز، لأن الرِّدف (1لا يجوز أن يكون حرفاً خارجاً عن حروف العلة. وقد جاء من اللزوم في الكتاب العزيز مواضع ليست بكثيرة، فمنها قوله سبحانه: ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَٰنِ وَلِيًّا لَا قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِي بِٰإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنیِ مَلِياً ) (2)، وقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلٰلِ بَعِيدٍ لَا قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ) (3)، وقوله : (أقرأ باسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنسَٰنَ مِنْ عَلَقٍ(2) )(4)، وقوله : (وَالطُّورِ (1) وَكَتَبٍ مَسْطُورٍ(2))(5)، وقوله: (بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونِ لَا أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ(20))(6)، وقوله : (وفِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ(28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ(29) (7)، وقوله : (فَإنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرُ لا وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّٰه مَولَٰكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ(40))(8)، والظاهر أن ذلك غيرمقصود قصدُه.)ومما ورد منه في كلام العرب أنّ لَقيط بن زُرارة تزوّج ابنة قيس بن خالد الشيبانيّ فأحبّته ، فلما قُتِل عنها تزوّجت غيره، فكانت تذكر لقيطاً، فسألها عن حُبِّها له، فقالت : أذكُره وقد خرج تارة في يوم دَجْن، وقد تطيّب وشرب الخمر، وطَرد بقراً ، فصرع بعضها، ثم جاءني وبه نَضْحُ دم وعبير، فضمني ضَمَّة، وشمني شمة، فليتني كنت متُّ ثمَّة .
و قد صنع أبو العلاء المعري كتاباً في اللزوم (1من نظمه، فأتى فيه بالجيد والرديء، وأكثره متكلَّف، ومن جيده قوله :)لا تَطلُبَنَّ بآلةٍ لك حَالةً*** قَلَمُ البليغ بغيرِ حظِّ مِغْزَلُسَكَنَ السَّماكانِ (2السماءَ كِلاهما*** هذاله رمح وهذا أعْزَلُ)الأصل: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ، وَالْعَلَمِ الْمَأْثُورِ، وَالْكِتَابِ .الْمَسْطُورِ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ، وَالضِّياءِالامِعِ ، وَالْأَمْرِ الصَّادِعِ، إِزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ . وَاحْتِجَاجاً بِالْبَيِّناتِ، وتَحْذيراً بِالآيَاتِ، وتَخْوِيفاً بِالْمَثُلاثِ وَالنَّاسُ فِي فِتَنِ أَنْجَذَمَ فِيهَا حَبْلُ الدِّينِ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي الْيَقِينِ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ ، وَتَشَتَّتَ الْأَمْرُ ، وضَاقَ الْمَخْرَجُ ، وعَمِيَ الْمَصْدَرُ ، فَالْهُدَى خَامِلٌ، وَالْعَمَىٰ شَامِلٌ. عُصِيَ الرَّحْمَٰنُ ، ونُصِرَ الشَّيْطَانُ، وخُذِلَ الإِيمَانُ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وتَنكَّرَتْ مَعَالِمُهُ ، ودَرَسَتْ سُبُلُهُ، وعَفَتْ شُرُكُهُ. أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ، بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ، وقَامَ لِوَاؤهُ. فِي فِتَنِ دَاسَتْهُمُ بِأَخْفَافِهَا ، وَوَطِئَتْهُمْ بِأَظْلاَفِها ، وقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا ، فَهُمْ فِيهَ تَائِهُونَ حَائِرُونَ ، جَاهُلونَ مَفْتُونُونَ، فِي خَيْرِ دَارٍ وشَرِّ جیيرانٍ، نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ ، بِأَرْضٍ عالمها مُلْجَمٌ ، وجَاهِلُهَا مُكْرَمٌ.الشرح: قوله (علیه السلام: «والعلَم المأثور» ، يجوز أن يكون عَنَى به القرآن، لأن المأثورِ المحكيّ، والعلَم ما يُهتدَى به، والمتكلّمون يسمون المعجزات أعلاماً. ويجوز أن يريد به أحد معجزاته غير القرآن، فإنها كثيرة ومأثورة، ويؤكد هذا قولُه بعد: «والكتاب المسطور»، فدلّ على تغايُرهما، ومن يذهب إلى الأول يقول : المراد بهما واحد، والثانية توكيدُ الأولى على قاعدة)الخطابة والكتابة.والصادع: الظاهر الجليّ ، قال تعالى: (فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ (3)، أي أظهره ولا تُخْفِه.)والمَثلاث، بفتح الميم وضم الثاء: العقوبات، جمع مَثُلَه، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسِّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَٰتُ (4))
وانجذم انقطع. والسَّواري : جمع سارية، وهي الدِّعامةُ يدعم بها السّقف والنَّجْر : الأصل، ومثله النِّجار. وانهارَت: تساقطت . والشُّرُك: الطرائق، جمع شِراك. والأخفاف للإبل، والأظلاف للبقر والمعِز.وقال الراونديّ في تفسير قوله : «خير دار ، وشرّ جيران»: خير دار: الكوفة . وقيل : الشام، لأنها الأرض المقدسة، وأهلها شرّ جيران يعني أصحابَ معاوية. وعلى التفسير الأول يعني أصحابه(علیه السلام.)قال : وقوله : «نومهم سهود» ، يعني أصحابَ معاوية لا ينامون طول الليل، بل يرتِّبون أمرَه. وإن كان وصفاً لأصحابه (علیه السلام بالكوفة - وهو الأقرب - فالمعنى أنهم خائفون يسهرون ويبكون لقلة موافقتهم إياه، وهذا شكاية منه (علیه السلام)لهم .)وكحلهم دموع ، أي نفاقاً، فإنه إذا تم نفاقُ المرءِ مَلك عينيه .ولقائل أن يقول : لم يجر فيما تقدم ذكر أصحابه (علیه السلامولا أصحاب معاوية، والكلام كلّه في وصف أهل الجاهلية قبل مبعث محمد (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ثم لا يخفى ما في هذا التفسير من الركاكة والفجاجة، وهو أن يريد بقوله : «نومهم سهود»، أنهم طوال الليل يرتّبون أمر معاوية، لا ينامون، وأن يريد بذلك أن أصحابه يبكون من خوف معاوية وعساكره، أو أنهم يبكون نفاقاً ، والأمر أقرب من أن يُتمحّل له مثل هذا .)ونحن نقول : إنه (علیه السلاملم يخرج من صفة أهل الجاهلية، وقوله : «في خير دار» بعني مكة، و«شرّ جيران» يعني قريشاً، وهذا لفظ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) حين حَكَى بالمدينة حالةَ كانت في مبدأ البعثة، فقال: «كنت في خير دار» و«شرّ جيران »(1). ثم حكى (علیه السلام)ما جرى له مع عُقبة بن أبي مُعَيْط والحديث مشهور.)وقوله: «نومهم سهود، وكحلهم دموع» مثل أن يقول : جودهم بخل، وأمنهم خوف، أي لو استماحهم محمد(علیه السلام النومَ لجادوا عليه بالسهود عوضاً عنه، ولو استجداهم الكُحْل لكان كحلهم الذي يصلونه به الدموع.)ثم قال: «بأرض عالمها مُلْجَم» أي من عرف صدق محمد(صلی الله علیه و آله و سلم وآمن به في تقيّة وخوف)«وجاهلها مكرَم»، أي مَنْ جحد نبوّته وكَذَّبه في عز ومنعة. وهذا ظاهر.
1) رواه البزواري في شرح الأسماء الحسنى : 32/2 .
الأصل: ومنها - ويعني آل النبي (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم:)هُمْ مَوْضعُ سِرِّهِ، وَلَجأَ امْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، ومَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجبَالُ دِينِهِ .بهِمْ أَقَامَ انْحِنَاءَ ظَهْرِهِ، وأَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرائِصِه .الشرح: اللجأ: ما تلتجيء إليه، كالوزَر ما تعتصم به. والموئل : ما ترجع إليه ، يقول : إن أمر النبی(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم - أي شأنه - ملتجِيء إليهم، وعلمه مودَع عندهم، كالثوب يودَع العْيبة (1).)وحُكمه – أي شرعه – يرجع ويؤول إليهم. وكتبه - يعني القرآن والسنة - عندهم، فهم كالكهوف له، لاحتوائهم عليه . وهم جبال دينه لا يتحلحلون عن الدين، أو أن الدين ثابت بوجودهم،كما أنّ الأرض ثابتة بالجبال، ولولا الجبال لمادتْ بأهلها .والهاء في «ظهره» ترجع إلى الدين، وكذلك الهاء في «فرائصه» والفرائص: جمع فَرِيصة، و هي اللحمة بين الجنب والكتف لا تزال تُرْعَد من الدابة .الأصل: ومنها في المنافقين : زَرَعُوا الفُجُور، وَسَقَوْهُ الغُرُورَ ، وحَصَدُوا الثُّبُورَ، لَا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّٰه عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً .)هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمَادُ الْيَقِينِ، إليهم يَفِيءُ الغَالِي، وبهِمْ يُلْحَقُ التَالِي، وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقٌّ الوِلايةِ، وَفيهمْ الوَصِيَّةُ والوِراثَةُ. الآنَ إِذْ رَجَعَ الحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَنُقِلَ إلَى مُنْتَقَلِهِ .الشرح: جعل ما فعلوه من القَبيح بمنزلة زَرْع زرعوه، ثم سقوْه، فالذي زرعوه الفجور، ثم سقوْه بالغرور، والاستعارة واقعة موقِعَها، لأن تماديَهم وما سكنت إليه نفوسهم من الإمهال، هو الذي أوجَب استمرارهم على القبائح التي واقعوها، فكان ذلك كما يُسقى الزرع، ويربّى بالماء ويستحفظ .ثم قال: «وحصدوا الثبور»، أي كانت نتيجة ذلك الزرع والسقي حصادَ ما هو الهلاك والعطب.
1) العيبة: وعاء من أدم يكون فيها المتاع. اللسان، مادة (عيب).
وإشارته هذه ليست إلى المنافقين كما ذكر الرضيّ رحمه اللّٰه ، وإنما هي إشارة إلى مَنْ تغلّب عليه، وجَحد حقه كمعاوية وغيره. ولعل الرضيّ رحمه اللّٰه تعالى عرَف ذلك وكنّى عنه.ثم عاد إلى الثناء على آل محمد(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم ، فقال : «هم أصول الدين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحَق التالي»، جعلهم كمِقْنب يسير في فلاة، فالغالي منه أي الفارط المتقدم، الذي قد غلا في سيره يرجع إلى ذلك المِقْنب(1)إذا خاف عدواً، ومن قد تخلف عن ذلك المِقْنب فصار تالياً له يلتحق به إذا أشفَق من أن يُتخطّف.)ثم ذكر خصائص حق الولاية : الإمْرة، فأما الإماميّة فيقولون : أراد نصّ النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم علیه و على أولاده. ونحن نقول: لهم خصائص حق ولاية الرسول(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) على الخلق .)ثم قال(علیه السلام : «وفيهم الوصية والوراثة»، أما الوصيَّة فلا ريبَ عندنا أنّ علياً (علیه السلام) كان وصیّ رسول الله (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وإنْ خالف في ذلك مَنْ هو منسوب عندنا إلى العناد، ولسنا نعني بالوصية النصَّ والخلافة، ولكن أموراً أخرى لعلّها - إذا لُمِحت - أشرفُ وأجلّ.)وأما الوراثة فالإمامية يحمِلونها على ميراث المال والخلافة، ونحن نحملها على وراثة العلم.ثم ذكر(علیه السلام أنّ الحق رجع الآن إِلى أهله ، وهذا يقتضي أن يكونَ فيما قبل في غير أهله، ونحن نتأوّل ذلك على غير ما تذكره الإمامية، ونقول : إنّه (علیه السلام)كان أوْلى بالأمر وأحقّ، لا على وجه النصّ، بل على وجه الأفضليّة، فإنه أفضلُ البشر بعد رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وأحقُّ بالخلافة من جميع المسلمين، لكنه ترك حقَّه لما علمه من المصلحة، وما تفرّس فيه هو والمسلمون من اضطراب الإسلام، وانتشار الكلمة، لحسد العرب له، وضغْنهم عليه. وجائز)لمن كان أولى بشيء فتركه ثم استرجعه أن يقول: «قد رجع الأمر إلى أهله».وأما قوله : وانتقل إلى منتَقَله»، ففيه مضاف محذوف، تقديره: «إلى موضع منتقله»، والمنتقَل بفتح القاف : مصدر بمعنى الانتقال، كقولك : لي في هذا الأمر مضطرَب، أي اضطراب، قال:قَدْ كَانَ لِي مُضْطَربٌ وَاسِعٌ*** فِي الْأَرْضِ ذاتِ الطُّول والعَرْضِوتقول : ما معتقدك؟ أي ما اعتقادك. قد رجع الأمر إلى نصابه ، وإلى الموضع الذي هو على الحقيقة الموضعُ الذي يجب أن يكون انتقالُه إليه .فإن قيل : ما معنى قوله(علیه السلام: لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً»؟)
1) المقنب : جماعة من الفرسان والخيل دون المائة تجتمع للغارة، ا ه- القاموس، مادة (قنب) والمعجم الوسيط (761/3 )
قيل : لا شبهةَ أن المنعِم أعلى وأشرفُ من المنعَم عليه، ولا ريب أنّ محمداً (صلی اللّٰه علیه و آله و سلموأهله الأذْنَيْن من بني هاشم - لا سيما عليَّا (علیه السلام)- أنَعموا على الخلْق كافة بنعمة لا يقدّر قدرها ، و هي الدعاء إلى الإسلام والهداية إليه، فمحمد(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) وإن كان هَدَى الخلق بالدعوة التي قام بها بلسانه ويده ونصرة اللّٰه تعالى له بملائكته وتأييده، وهو السيّد المتبوع، والمصطفى المتنجَب الواجب الطاعة، إلا أنَّ لعلّي(علیه السلام) من الهداية أيضاً - وإن كان ثانياً لأوّل، ومصلياً على إثر سابق - ما لا يُجحد، ولو لم يكن إلا جهادُه بالسيف أولاً وثانياً، وما كان بين الجهاديْن من نشر العلوم وتفسير القرآن وإرشاد العرب إلى ما لم تكن له فاهمة ولا متصوّرة، لكفى في وجوب حَقّه، وسبوغ نعمته (علیه السلام).)فإن قيل : لا ريب في أنّ كلامه هذا تعريض بمن تقدم عليه، فأيّ نعمة له عليهم؟ قيل نعمتان: الأولى منهما الجهاد عنهم وهم قاعدون، فإنّ من أنصفَ علم أنّه لولا سيف عليِّ (علیه السلام لاصطلم المشركون، من أشار إليه وغيرهم من المسلمين، وقد علمتَ آثاره في بدر، وأُحد ،والخندق، وخَيْبر، وحُنَين، وأنّ الشرك فيها فَغَرفاه، فلولا أن سدّه بسيفه لاَلْتَهم المسلمين كافة - والثانية علومه التي لولاها لحُكِمَ بغير الصواب في كثير من الأحكام، وقد اعترف عمر له بذلك، والخبر مشهور : «لولا عَلِيٌّ لهلك عمر».)ويمكن أن يخرّج كلامه على وجه آخر، وذلك أنّ العرب تفضِّل القبيلة التي منها الرئيس الأعظم على سائر القبائل، وتفضّل الأدنى منه نسباً، فالأدنى على سائر آحاد تلك القبيلة، فإنّ بني دارم يفتخرون بحاجب وإخوته، وبزُرارة أبيهم على سائر بني تميم، ويسوغ للواحد من أبناء بني دارم أن يقول : لا يقاسُ ببني دارم أحد من بني تميم، ولا يستوى بهم مَنْ جرت رياستهم عليه أبداً، ويعني بذلك أنّ واحداً من بني دارم قد رأس على بني تميم، فكذلك لما كان رسول اللّٰه(صلی الله علیه و آله و سلم رئيسَ الكلّ، والمنعِمَ على الكلّ، جاز لواحد من بني هاشم، لا سيما مثل علي(علیه السلام) أن يقول هذه الكلمات . واعلم أنّ علياً (علیه السلام)كان يدّعي التقدّمَ على الكلّ، والشرف على الكلّ، والنعمةَ على الكلّ، بابن عمه(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وبنفسه، وبأبيه أبي طالب، فإنّ من قرأ علوم السِّيَر عرف أنّ الإسلام لولا أبو طالب لم يكن شيئاً مذكوراً .)وليس لقائل أن يقول : كيف يقال هذا في دِينِ تكفّل اللّٰه تعالى بإظهاره، سواء كان أبو طالب موجوداً أو معدوماً ! لأنا نقول : فينبغي على هذا ألاّ يُمدح رسول اللّٰه (صلی الله علیه و آله و سلم. ولا يقال : إنه هدى الناس من الضلالة، وأنقذهم من الجهالة، وإنّ له حقاً على المسلمين. وإنّه لولاه لمَا عُبِد اللّٰه تعالى في الأرض، وألا يمدح أبو بكر، ولا يقال : إن له أثراً في الإسلام، وإن عبد الرحمن وسعداً وطلحة وعثمان وغيرهم من الأولين في الدين اتبعوا رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)لا تباعه له، وإنّ له)
يداً غير مجحودة في الإنفاق واشتراء المعذّبين وإعتاقهم، وإنّه لولاه لاستمرت الرِّدة بعد الوفاة، وظهرت دعوة مُسيلمة وطُليحة، وإنه لولا عمر لما كانت الفتوح، ولا جُهّزت الجيوش، ولا قَوِي أمر الدين بعد ضعفه، ولا انتشرتْ الدعوةُ بعد خمولها .فإن قلتم في كل ذلك : إنّ هؤلاء يُحمدون ويُثنَى عليهم، لأن اللّٰه تعالى أجرى هذه الأمور على أيديهم ، ووفّقهم لها، والفاعل بذلك بالحقيقة هو اللّٰه تعالى، وهؤلاء آلة مستعملة، ووسائط تجري الأفعال على أيديها، فحمدُهم والثناء عليهم، والاعتراف لهم إنما هو باعتبار ذلك.قيل : لكم في شأن أبي طالب مثله.واعلم أنّ هذه الكلمات، وهي قوله (علیه السلام: «الآن إذ رجع الحق إلى أهله ...»، إلى آخرها يبعدُ عندي أن تكون مقولة عقيِب انصرافه(علیه السلام) من صِفِّين، لأنه انصرف عنها وقتئذ مضطربَ الأمر، منتشرَ الحبل، بواقعة التحكيم، ومكيدة ابن العاص، وما تمَّ لمعاويةَ عليه من الاستظهار، وما شاهد في عسكره من الخذلان. وهذه الكلمات لا تقال في مثل هذه الحال، وأخْلق بها أن تكونَ قيلت في ابتداء بَيْعته، قبل أن يخرج من المدينة إلى البصرة، وأنّ الرضيّ رحمه اللّٰه تعالى نقل ما وجد، وحكى ما سمع، والغلط من غيره والوهم سابق له. وما ذكرناه واضح .)### أشعار وأراجيز في الوصايةومما رويناه من الشعر المقول في صدر الإسلام المتضمن كونه (علیه السلاموصيّ رسول اللّٰه قول عبد اللّٰه بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب :)ومنا عليّ ذاك صاحبُ خَيْبَرٍ*** وَصَاحِبُ بَدْرٍ يوم سالتْ كتائبُهْوَصيُّ النبيّ المصطفَى وابنُ عَمِّه*** فَمَنْ ذا يدانِيهِ وَمَنْ ذَا يُقَارِبُهْ!وقال عبد الرحمن بن جُعَيل :لعَمْرِي لَقَدْ بايعتُمُ ذا حفيظةِ (1*** على الدِّين، معروفَ العفافِ مُوفَّقَا)عليَّا وصيّ المصطفَى وابنَ عمِّه*** وأوّلَ مَنْ صَلَّى أخا الدِّينِ والتُّقَىوقال أبو الهيثم بن التّيَّهان - وكان بدريَّا :قل للزبيرِ وقلْ لطلحة إنّنا نحنُ الذين شعارنا الأنصارُنَحْنُ الذين رأتْ قريشٌ فِعْلَنَا يوم القَلِيب أولئكَ الكفارُ
1) الحَفيظة : الغضب لحرمة تنتهك . اللسان، مادة (حفظ).
كنّاشعارّ(1نبيِّنا ودثارَه*** يَفْدِيهِ منّا الرُّوح والأبصارُ)إنّ الوصيّ إمامُنا ووليُّنا*** بَرَحَ الخفاءُ وباحتِ الأسراروقال عمر بن حارثة الأنصاريّ، وكان مع محمد بن الحنفية يوم الجمل، وقد لامه أبوه(علیه السلام لما أمره بالحملة فتقاعس:)أبا حسنِ أنت فصل الأمور*** يبَين بِكَ الحِلُّ والمَحْرمُجمعتَ الرجال على رَايةٍ*** بها ابنُكَ يوم الوغى مُقْحَمُولم ينكص المرءُ من خِيفةِ*** ولكن توالت له أسهمفقال رويداً ولا تَعْجَلُوا*** فإِنِّي إذا رشقوا مُقْدِمُفأعجلته والفتي مجمعٌ*** بمايكره الوَجِل المحجِمُسميّ النبيِّ وشبه الوصيِّ ورايتُه لونها العَنْدَمُ (2)وقال رجل من الأزْد يوم الجمل :هذا عليّ وهو الوصيُّ آخاه يومَ النَّجْوَةِ النَّبيُّوقال هذا بعدِيَ الوليُّ *** وَعَاهُ واعِ ونسِيَ الشقیُّوخرج يوم الجمل غُلام من بني ضَبّة شاب مُعْلِم من عسكر عائشة، وهو يقول :نَحْنُ بَنِي ضَبّة أعداءُ عَلِي ذَاكَ الّذِي يُعْرَفُ قِدْماً بالوصِيوَفَارِس الخيل على عهد النبي*** ما أنا عن فضل عليّ بالعَمِيلكنني أنعَى ابن عفَّانَ التَّقِي*** إنّ الوليَّ طالب ثارَ الوَلِيوقال سعيد بن قيس الهمْدانيّ يوم الجمل - وكان في عسكر علي(علیه السلام :)أيَّةً حَرْبٍ أضرمَتْ نِيرَانُهَا*** وَكُسِرَتْ يَوْمَ الوَغَى مُرَّانُها (3)قُلْ لِلْوَصِي أَقْبَلَتْ قَحْطَانُها*** فَادْعُ بهَا تَكْفِيكَهَا هَمْدَانُهَاهُمُ بَنُوهَا وَهُمُ إِخْوَانُهَاوقال زياد بن لبيد الأنصاريّ يوم الجمل - وكان من أصحاب علي(علیه السلام :)كَيْفَ تَرى الأَنْصَارَ فِي يَوْمِ الْكَلَبْ*** إِنّا إناسٌ لا نُبَالِي مَنْ عَطِبْوَلا نُبالِي فِي الوَصِيِّ مَنْ غَضِبْ*** وإنّما الأنصار جدُّ لا لَعِبْ
هَذَا عَلِيٌّ وابنُ عبدالمطّلِبْ*** ننصره اليوم عَلَى مَنْ قَدْ كَذَبْمَنْ يَكْسِب البغيَ فبئسما اكْتَسَبْوقال حُجر بن عديّ الكنْديّ في ذلك اليوم أيضاً :يَا رَبَّنا سَلِّمْ لَنَاعَلِيّا*** سَلِّم لَنَا الْمُبَارَكَ الْمُضِيَّاالمؤمنَ الموحِّد التقيّا*** لا خَطِلَ الرأي ولاَ غَويّابَلْ هَادِياً موفَّقاً مَهْدِيًا*** واحْفَظهُ رَبِّي واحفظِ النَّبيَّافِيهِ فَقَدْ كَانَ لَهُ وليّا*** ثم ارتضاء بعدَهُ وَصِيّاوقال خُزيمة بن ثابت الأنصاريّ، ذو الشهادتين - وكانَ بدْريَّا - في يوم الجمل أيضاً :ليس بين الأنصار في جَحْمَةِ الحر*** ب وبين العُداة إلا الطعانُوقراع الكُماة بالقُضُبِ البي ضِ إذا ما تَحَطِّمَ المُرّانُفادعها تستجِبْ فليس من الخز رجِ والأوس يا عليّ جَبَانُيا وصيّ النبي قد أجلت الحر*** بُ الأعادي وسارَتِ الأظْعانُوَاسْتَقَامَتْ لَكَ الأمور سِوى الشّام وفي الشام يظهر الإذْعَانُحَسْبُهُمْ ما رَأَوْا وَحَسْبُكَ مِنَّا هَكَذَا نَحْنُ حَيْثُ كُنَّا وَكَانُواوقال خزيمة أيضاً في يوم الجمل :أعائشَ خَلِّي عَنْ عليّ وعَيْبِهِ*** بماليس فيه إنّما أنتِ والدَهوصيّ رسول اللّٰه مِنْ دُون أهله*** وأَنتِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ ذَاكَ شَاهِدَهْوَحَسْبُكِ مِنْه بعضُ ما تعلمينَهُ*** ويَكْفِيكِ لو لم تعلمي غيرُ واحدهُإذا قِيلَ مَاذَا عِبْتِ مِنْهُ رَمَيتِهِ*** بخذل ابن عَفَّانٍ وما تلك آبدَهْ(1)وَلَيْسَ سَمَاءُ اللّٰه قاطرةَ دماً*** لِذَاكَ وَمَا الأرْضُ الْفَضَاءُ بمائِدَهْوقال ابن بديل بن ورقاء الخُزاعيّ يوم الجمل أيضاً :يَا قَوْمُ لِلْخُصّةِ العُظْمَى الَّتي حَدَثَتْ*** حرب الوصيّ وما للحرب مِنْ آسِيالفاصلُ الحكْمَ بالتقوى إذا ضربت*** تلك القبائلُ أحْمَاساً لأسْدَاسِوقال عمرو بن أُحَيْحَة يوم الجمل في خطبة الحسن بن عليّ (علیه السلامبعد خطبة عبد اللّٰه بن)الزبير :حَسَنَ الخير يا شَبيهَ أَبِيهِ*** قُمْتَ فينا مقام خَيْر خَطِيبِ
1) الأبدة : الداهية. اللسان، مادة (أبد).
قُمْتَ بالخطبة الَّتِي صَدَعَ اللَّ***-ه بِهَا عَنْ أبِيكَ أهلَ العيوبوكشفت القناع فاتَّضح الأمْر وأصْلَحْتَ فاسداتِ القُلُوبِلَسْتَ كابنِ الزُّبَيْرِ لَجْلَجَ في القَوْ لِ وَطاطا عِنَانَ فَسْلٍ مُريبِ(1)وأبى اللّٰه أن يقوم بما قا*** مَ به ابنُ الوصِيِّ وابنُ النَّجيبِإِنْ شَخصاً بَيْنَ النَّبِيِّ - لك الخيرُ - وبين الوصيّ غَيْرُ مَشُوبِوقال زَحْر بن قيس الجعفيّ يوم الجمل أيضاً :أَضْرِبُكُمْ حَتَّى تُقِرِّوا لعلِي خَيْرِ قُرَيشِ كلِّها بَعْدَ النَّبِيمَنْ زَانَهُ اللّٰه وَسَمَّاه الوَصِي*** إن الوَليّ حافظٌ ظَهْرَ الولِيكما الغويّ تابعٌ أمْرَ الغَوِيذكر هذه الأشعار والأراجيز بأجمعها أبو مِخْنف لوط بن يحيى في كتاب وقعة الجمل. وأبو مِخْنف من المحدّثين، وممن يرى صحة الإمامة بالاختيار، وليس من الشيعة ولا معدوداً من رجالها.ومما رويناه من أشعار صِفّين التي تتضمن تسميتَه (علیه السلامبالوصيّ ما ذكره نصر بن مزاحم بن يسار المنِقريّ في كتاب صِفّين، وهو من رجال الحديث. قال نصر بن مُزَاحم : قال زَحْر بن قيْس الجعفيّ :)فَصَلَّى الإلٰهُ عَلَى أَحْمَدٍ*** رَسُولِ الْمَلِيكِ تمام النِّعمْرَسُولِ الملِيك ومِنْ بَعْدِهِ*** خليفتنا القائم المدَّعَمُعَلِيًّا عَنَيْتُ وصيَّ النبيِّ *** نُجَالِدُ عَنْهُ غُواةَ الأُمَمْقال :نصر: ومن الشعر المنسوب إلى الأشعث بن قيس:أتَانَا الرَّسُولُ رَسُولُ الإمام*** فَسُرِّ بمقدَمِهِ الْمُسْلِمُونَارَسُولُ الوصيِّ وصيِّ النبيِّ *** له السّبْقُ والفضل في المؤمِنيناومن الشعر المنسوب إلى الأشعث أيضاً :أتانا الرَّسُولُ رسول الوصيِّ*** عليّ المهذَّبُ من هَاشِمِوزيرُ النبيّ وذو صِهْرِه*** وَخَيْرُ البريَّةِ والعالَمِ
1) الفَسْل : الرّذِل النذل الذي لا مروءة له ولا جلده. اللسان، مادة (فسل).
قال نَصْر بن مُزاحم : من شعر أمير المؤمنين(علیه السلام في صِفّين :)يا عَجَبالقَدْ سَمِعْتُ مُنْكَرَا كِذْباً عَلَى اللّٰه يُشِيبُ الشَّعَرَاما كانَ يَرْضَى أَحْمَدٌ لو أخبرا أن يَقْرِنُوا وصيَّه والأبتَرَاشاني الرسول واللعينَ الأخزرا*** إني إذا الموتُ دَنا وحضراشَمَّرْتُ ثَوْبي وَدعوتْ قَنْبَرا:*** قَدِّمْ لِوائي لا تؤخِّرْ حَذَرَالا يَدْفَعُ الْحِذارُ ما قدْ قُدِّرَا*** لو أن عندِي يا ابن حَرْبٍ جَعْفَراأو حمزة القَرْمَ الهُمام الأزهرَا*** رأت قريش نَجْمَ ليلِ ظُهْراوقال جرير بن عبد اللّٰه البَجَليّ : كتب بهذا الشعر إلى شُرَحبيل بن السِّمط الكنديّ، رئيس اليمانية من أصحاب معاوية :نَصَحْتُك يا بن السِّمط لا تَتبع الهوى*** فما لك في الدّنْيَا من الدِّين مِنْ بَدلْوَلاتَكُ كالمُجْرَى إِلَى شَرّغايةٍ*** فقد خُرِق السِّرْبَالُ واسْتَنْوَق الجملْمقالُ ابن هند في عليّ عضیهةٌ (1*** وللَّهُ في صدْرِ أبن أبي طالب أجَلّ)وَمَا كَانَ إلاَّ لاَزِماً قَعْرَبيتِه*** إلى أن أتى عثْمان في بيته الأجلْوصيّ رسول اللّٰه مِنْ دُونِ أهلِه*** وفارسه الحامِي بِهِ يُضْرَبُ المثلْوقال النعمان بن عجلان الأنصاري :كيف التفرُّقُ والوصيُّ إمامُنا*** لا كيف إلاّ حَيْرَةً وتخاذُلالا تغبِنُنَّ عقولَكُم، لا خَيْر فِي*** مَنْ لم يكن عند البلابل(2عاقِلاً)وذرُوا معاويةَ الغوِيَّ وتابِعوا*** دين الوصيّ لتحمدوه آجلاًوقال عبد الرحمن بن ذُؤَيب الأسلميّ :الا أبلغْ معاويةَ بْنَ حَرْبٍ*** فَمَالَكَ لا تَهَشُّ إلى الضِّرَابِ!فإِنْ تَسْلَمَ وتَبْقَ الدَّهْرَ يوماً نَزُرْكَ بجحفلِ عَدَد التّرابيقودهُم الوصيُّ إليك حتّىٰ يردّك عن ضلالِ وارتِيابِوقال المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب :يَا عُصْبَةَ الموتِ صَبْراً لا يهولُكُمُ*** جيشُ ابْنِ حَرْبٍ فإنّ الحقِّ قَدْ ظَهَراوأيقنوا أنّ مَن أضحى يُخالفُكم*** أضْحَى شَقِيًّا وَأَمْسَى نفْسَه خَسِرا
فيكم وصيّ رسول اللّٰه قائدُكُمْ*** وصهرُه وكتابُ اللّٰه قد نُشِراوقال عبد اللّٰه بن العباس بن عبد المطلب :وصيّ رسول اللّٰه من دُونِ أَهْلِهِ*** وَفَارِسُهُ إن قيل هَلْ مِنْ مُنَازِلِ !فَدُونَكَهُ إِنْ كُنْتَ تَبْغِي مهاجراً*** أشمّ كنَصْل السَّيْفِ عَيْرَ حَلاحِلِ(1)والأشعار التي تتضمن هذه اللفَّظة كثيرة جداً، ولكنا ذكرنا منها ها هنا بعض ما قيلَ في هذين الحِزْبين ، فأما ما عداهما فإنه يجلّ عن الحصر، ويعظم عن الإحصاء والعد، ولولا خوف الملالة والإضجار، لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقاً كثيرة .## 3 - ومن خطبة له وهي المعروفة بالشقشقية### اشارةالأصل: أَمَا وَاللّٰه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا أبنُ أبي قُحَافَةَ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّى مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَا ، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلاَ يَرْقَى إِلَىَّ الطَّيْرُ . فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً ، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً ، وَطَفِقْتُ أرتئي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدِ جَذَّاءَ ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ ، يَهْرَمُ فيهَا الكَبِيرُ ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتى يَلْقَى رَبِّهِ ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذى، وفي الْحَلْقِ شَجاً . أَرَى تُرَاثي نَهْباً .الشرح: سدلت دونها ثوباً ، أي أرخيتُ ، يقول : ضربتُ بيني وبينها حجاباً ، فِعْلَ الزاهد فيها ، الراغب عنها . وطويتُ عنها كشحاً ، أي قطعتها وصرمتها ، وهو مثل، قالوا : لأن مَنْ كان إلى جانبك الأيمن ماثلاً فطويت كشحكَ الأيسر فقد مِلْتَ عنه، والكشح: ما بين الخاصرة والجنب . وعندي أنهم أرادوا غير ذلك، وهو أنّ من أجاع نفسَه فقد طوى كشحه، كما أنّ مَنْ أكل وشبع فقد ملأ كشحَه فكأنه أراد أني أجعتُ نفسي عنها ، ولم ألقمها . واليد الجذاء بالدال المهملة، وبالذال المعجمة، والحاء المهملة مع الذال المعجمة ، كلّه بمعنى المقطوعة. والطَّخْية : قطعة من الغيم والسحاب. وقوله : «عمياء»، تأكيد الظلام الحال واسودادها، يقولون: مفازة عمياء، أي یعمی فيها الدليل. ويكدح : يسعى ويكدّ مع مشقة، قال تعالى : ( إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا (2).)وهاتا، بمعنى هذه «ها» للتنبيه، و«تا» للإشارة، ومعنى «تا» ذي، وهذا أحجى من كذا أي اليق بالحجا، وهو العقل .
وفي هذا الفصل من باب البديع في علم البيان عشرة ألفاظ :أولها : قوله : «لقد تقمصها»، أي جعلها كالقميص مشتملة عليه، والضمير للخلافة، ولم يذكرْها للعلم بها، كقوله سبحانه: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (1)، وكقوله : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) (2)وكقول حاتم :)أمَا وِيَّ ما يُغْنِي الثّراءُ عَنِ الْفَتَى*** إذَا حَشْرَجَتْ يوماً وَضَاقَ بها الصَّدْرُوهذه اللفظة مأخوذة من كتاب اللّٰه تعالى في قوله سبحانه: (وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ (3)وقول النابغة :)تسَرْبَلَ سِرْبَالاً مِنَ النَّصْرِ وارْتَدى*** عَلَيْهِ بِعَضبٍ في الكَرِيهة قاصِلِ (4)الثانية : قوله : «ينحدر عني السيل»، يعني رفعة منزلته(علیه السلام ، كأنه في ذروة جبل أو يَفَاع مشرف، ينحدر السيل عنه إلى الوهاد والغيطان(5)، قال الهذليّ :)وعَيطاء يَكْثُر فيها الزليلُ*** وينحدِرُ السَّيْلُ عنها انحداراًالثالثة : قوله (علیه السلام: «ولا يَرْقَى إليّ الطير»، هذه أعظمُ في الرفعة والعلوّ من التي قبلها، لأنّ السيل ينحدر عن الرابية والهضْبة، وأما تعذّرُ رقيّ الطير فربما يكون للقِلال الشاهقة جدا، بل ما هو أعلى من قِلال الجبال، كأنه يقول: إني لعلوّ منزلتي كمن في السماء التي يستَحيل أن یَرْقَی الطير إليها ، قال أبو الطيب :)فوْقَ السَّمَاءِ وفَوْقَ ما طَلَبُوا*** فإذَا أرادوا غايَةَ نَزِلُواوقال حبيب :مَكَارِمُ لَجَّتْ في عُلُوّ كأنما*** تحاوِلُ ثاراً عِنْدَ بعضِ الكَوَاكِبِالرابعة : قوله : «سدلت دونها ثوباً»، قد ذكرناه .الخامسة : قوله «وطويت عنها كشحاً » قد ذكرناه أيضاً .السادسة : قوله : «أَصُولُ بيدِ جَذّاء»، قد ذكرناه .السابعة : قوله : «أصْبِر على طَخْية عمياء» قد ذكرناه أيضاً .الثامنة : قوله : «وفي العين قذى»، أي صبرت على مض -ض كما يصبر الأرمد.التاسعة : قوله : «وفي الحلْق شَجاً»، وهو ما يعترض في الحلْق. أي كما يصبر من غَصَّ بأمرِ فهو يكابد الخَنْق .العاشرة : قوله :« أرى تُراثي نَهْباً »، كنى عن الخلافة بالتراث ، وهو الموروث من المال.
فأما قوله (علیه السلام: إن محلّي منها محلّ القُطْب من الرحا»، فليس من هذا النَّمَط الذي نحن فيه، ولكنه تشبيه محض، خارج من باب الاستعارة والتوسع، يقول: كما أنّ الرحا لا تدور إلا على القُطْب، ودورانُها بغير قُطْب لا ثمرة له ولا فائدة فيه، كذلك نِسْبتي إلى الخلافة، فإنها لا تقوم إلا بي، ولا يدور أمرُها إلا عليّ .)هكذا فسروه. وعندي أنه أراد أمراً آخر، وهو أني من الخلافة في الصميم، وفي وَسَطها ويُحْبُوحَتِها ، كما أن القطب وسط دائرة الرحا، قال الراجز :على قِلاَصِ مثل خِيطان السَّلَمْ*** إذا قَطَعْن علماً بَدَا عَلَمْحتى أنخناها إلى باب الحَكَمْ*** خليفةِ الحجّاج غير المتّهمْفي سُرّة المجد ويُحْبُوحِ الْكَرَمْوقال أمية بن أبي الصّلت لعبد اللّٰه بن جُدْعان :فحللتَ منها بالبطا*** حِ وحَلَّ غَيْرُكَ بالظَّوَاهِرْوأما قوله : «يَهْرم فيها الكبير، ويَشيب فيها الصغير» فيمكن أنْ يكونَ من باب الحقائق، ويمكن أن يكون من باب المجازات والاستعارات، أما الأول فإنه يعني به طولَ مدة ولاية المتقدّمين عليه، فإنها مدة يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير .وأما الثاني فإنه يعني بذلك صعوبةَ تلك الأيام، حتى إنّ الكبير من الناس يكاد يَهْرَم لصعوبتها، والصغير يشيب من أهوالها ، كقولهم : هذا أمر يَشيب له الوليد، وإن لم يَشِبْ على الحقيقة .واعلم أنّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، وتقديره: ولا يرقى إليّ الطير، فطفقت أرتئي بين وكذا ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى فسدلْت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، ثم «فصبرت وفي العين قذى»، إلى آخر القصة، لأنه لا يجوز أن يسدل دونها ثوباً ويطوي عنها كشحاً، ثم يَطفِق يرتئي بين أنْ ينابذهم أو يصبر، ألا ترى أنه إذا سَدَل دونها ثوباً، وطوى عنها كشحاً فقد تركها وصرمها، ومن يتركْ ويَصرمْ لا يرتئي في المنابذة! والتقديم والتأخير طريق لاحب (1، وسبيل مَهْيع(2)في لغة العرب، قال سبحانه: (الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الكِتَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا لَا قِيَماً ) (3)، أي أنزل على عبده الكتاب قَيِّماً ، ولم يجعل له عوجاً، وهذا كثير .)وقوله (علیه السلام: «حتى يَلْقى ربّهْ» بالوقف والإسكان، كما جاءت به الرِّواية في قوله سبحانه :)( ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (4)بالوقف أيضاً .)
### التعريف بأبي بكرابن أبي قحافة المشار إليه، هو أبو بكر، واسمه القديم عبد الكعبة، فسماه رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلمعبدَ اللّٰه . واختلفوا في «عَتيق»، فقيل: كان اسمَه في الجاهلية، وقيل: بل سماه به رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم). واسم أبي واسم أبي قُحافة عثمان، وهو عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مرّة بْنُ كعب بن لُؤيّ بن غالب. وأمه ابنة عمّ أبيه، وهي أمّ الخير بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد. أسلم أبو قحافة يوم الفتح ،، جاء به ابنُه أبو بكر إلى النبيّ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وهو شيخ كبير رأسه كالثَّغامة البيضاء، فأسلم، فقال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وسلم) : «غَيّروا شَيبته» (1).)وولِي ابنُه الخلافة وهو حيّ منقطع في بيته، مكفوف عاجز عن الحركة، فسمع ضوضاءَ الناس، فقال ما الخبر؟ فقالوا : وليَ ابنُك الخلافة، فقال: رضيتْ بنو عبد مناف بذلك؟ قالوا: نعم، قال اللهمّ لا مانعَ لما أعطيت، ولا معطيَ لما منعتَ.ولم يل الخلافة مَنْ أبوه حيّ إلا أبو بكر وأبو بكر عبد الكريم الطائع للّٰه ، وَلِيَ الأمرَ وأبوه المطيع حيّ ، خلع نفَسه من الخلافة، وعهِد بها إلى ابنه. وكان المنصورُ يسمِّي عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن أبا قُحافة تهكّماً به، لأن ابنَه محمداً ادّعى الخلافة وأبوه حيّ .ومات أبو بكر وأبو قُحافة حَيّ ، فسمِع الأصوات فسأل، فقيل : مات ابنُك، فقال: رزء جليل. وتوفّي أبو قحافة في أيام عمر في سنة أربع عشرة للهجرة، وعمره سبع وتسعون سنة، و هي السنة التي توفي فيها نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم.إن قيل : بيّنوا لنا ما عندكم في هذا الكلام؟ أليس صريحهُ دالاً على تظليم القوم ونسبتهم إلى اغتصاب الأمر! فما قولُكم في ذلك؟ إن حكمتُم عليهم بذلك فقد طعنتم فيهم، وإن لم تحكموا عليهم بذلك فقد طعنتم في المتظلّم المتكلّم عليهم !قيل : أما الإماميّة من الشيعة فتُجري هذه الألفاظَ على ظواهرها، وتذهبُ إلى أنّ النبي (صلى اللّٰه عليه وسلم نصَّ على أمير المؤمنين له ، وأنه غُصِب حقّه .)وأما أصحابُنا رحمهم اللّٰه، فلهم أن يقولوا : إنه لما كان أميرُ المؤمنين(علیه السلام ، هو الأفضل والأحقّ، وعُدِل عنه إلى مَنْ لا يساويه في فضل، ولا يوازيه في جهاد وعِلْم، ولا يماثله في سُؤدد و شرف - ساغَ إطلاقُ هذه الألفاظ، وإن كان من وُسِم بالخلافة قبله عَدْلاً تقياً، وكانت)
1) ذكره الصيداوي «في معجم الشيوخ» ص (229) .
بيعتُه بيعةَ صحيحة، ألا ترى أن البلد قد يكون فيه فقيهان، أحدُهما أعلمُ من الآخر بطبقاتِ كثيرة، فيَجعل السلطان الأنقصَ عِلْماً منهما قاضياً، فيتوجَّد الأعلم ويتألّم، وينفُث أحياناً بالشَّكْوى، ولا يكون ذلك طعناً في القاضي ولا تفسيقاً له، ولا حُكْماً منه بأنه غير صالح، بل للعدول عن الأحقّ والأوْلى! وهذا أمر مركوز في طباع البشر، ومجبول في أصل الغريزة والفطرة، فأصحابُنا رحمهم اللّٰه ، لما أحسنُوا الظنّ بالصحابة - وحَمَلوا ما وقع منهم على وجه الصواب، وأنّهم نظروا إلى مصلحة الإسلام، وخافوا فتنةً لا تقتصر على ذهاب الخِلافة فقطْ، بل وتُفضي إلى ذهاب النبوّة والملّة، فعدَلوا عن الأفضل الأشرف الأحقّ، إلى فاضلِ آخر دونه ، فعقدوا له - احتاجوا إلى تأويل هذه الألفاظ الصادرة عمَّن يعتقدونه في الجلالة والرفعة قريباً من منزلة النبوة، فتأوّلوها بهذا التأويل، وحملوها على التألّم للعدول عن الأوْلى.وليس هذا بأبْعَد من تأويل الإمامية قوله تعالى: ﴿وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ (1)، وقولهم : معنى«عصى» أنّه عَدَل عن الأوْلى، لأنَّ الأمر بترك أكل الشجرة كان أمراً على سبيل الندب، فلما تركه آدم، كان تاركاً للأفضل والأوْلى، فسمي عاصياً باعتبار مخالفة الأوْلى، وحملوا «غَوَى» على «خاب» لا على الغواية بمعنى الضلال. ومعلوم أنّ تأويلَ كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) وحَمْلَه على أنه شكا من تركهم الأوْلى أحسنُ من حَمْل قوله تعالى: (وَعَصَىٰ ءَادَمُ ) على أنه تَرَك الأوْلى.)إن قيل : لا تخلو الصحابة إمّا أن تكون عدلت عن الأفضل لعلّة ومانع في الأفضل أو لا لمانع، فإنْ كان لا لمانع كان ذلك عقداً للمفضول بالهوي، فيكون باطلاً، وإن كان لمانع - وهو ما تذكرونه من خوف الفتنة، وكَوْن الناس كانوا يبغضون علياً(علیه السلام ويحسدونه - فقد كان يجب أن يَعْذِرَهم أمير المؤمنين(علیه السلام) في العدول عنه ، ويعلم أنّ العقد لغيره هو المصلحة للإسلام، فكيف حَسُن منه أن يشكوَهم بعد ذلك، ويتوجّد عليهم!)وأيضاً، فما معنى قوله : «فطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جَذَّاء»، على ما تأوّلتم به كلامه، فإنّ تارك الأوْلَى لا يُصال عليه بالحرب!قيل : يجوز أن يكون أمير المؤمنين(علیه السلام لم يغلِبْ على ظنه ما غَلب على ظنون الصحابة من الشّغْب وثَورَان الفتنة، والظنونُ تختلف باختلاف الأمارات، فربّ إنسان يغلب على ظنِّه أمر يغلب على ظن غيره خلافُه. وأما قوله : «أرتئي بين أنْ أصول»، فيجوز أن يكون لم يَعْنِ به صِيالَ الحرب، بل صيال الجدَل والمناظرة، يبيِّن ذلك أنه لو كان جادلهم وأظهر ما في نفسه لهم، فربما خَصموه بأن يقولوا له : قد غلب على ظُنوننا أنّ الفساد يعظُم ويتفاقم إن وَليت)
1) سورة طه، الآية : 121 .
الأمر، ولا يجوز مع غَلَبة ظنوننا لذلك أنْ نسلّم الأمر إليك، فهو (علیه السلامقال: طفقت أرتئي بين أن أذكر لهم فضائلي عليهم، وأحاجّهم بها، فيجيبوني بهذا الضّرب من الجواب - الذي تصير حُجّتي به جَذّاء مقطوعة، ولا قدرةَ لي على تشييدها ونصرتها - وبين أنْ أصبِر على ما مُنيت به، ودُفِعْت إليه .)إن قيل : إذا كان(علیه السلام لم يغلبْ على ظنِّه وجودُ العلة والمانع فيه، وقد استراب الصحابةَ وشكاهم لعدُولهم عن الأفضل الذي لا علّة فيه عنده فقد سلّمتُم أنه ظَلَم الصحابة، ونسبهم إلى غصب حَقِّه، فما الفرق بين ذلک و بین أن يستظلمَهم لمخالفة النص ؟ وكيف هربتم من نسبته لهم إلى الظلم لدفع النصّ، ووقعتم في نسبته لهم إلى الظلم لخلاف الأوْلى من غير علة في الأوْلى، ومعلوم أن مخافة الأوْلى من غير علة في الأوْلى كتارك النصّ، لأنّ العقد في كلا الموضعين)يكون فاسداً !قيل : الفرق بين الأمرين ظاهر، لأنه(علیه السلام لو نَسَبهم إلى مخالفة النص لوجب وجودُ النصّ، ولو كان النصُّ موجوداً لكانوا فُسّاقاً أو كفاراً لمخالفته، وأمّا إذا نَسَبهم إلى ترك الأوْلى من غيرِ علّة في الأوْلى، فقد نسبهم إلى أمر يدّعون فيه خلاف ما يدّعي(علیه السلام) ، وأحد الأمرين لازم، وهو إما أن يكون ظنهم صحيحاً أو غير صحيح، فإن كان ظنّهم هو الصحيح فلا كلام في المسألة، وإن لم يكن ظنُّهم صحيحاً كانوا كالمجتهد إذا ظن وأخطأ فإنه معذور، ومخالفةُ النصّ)أمرٌ خارج عن هذا الباب، لأن مخالِفَه غير معذور بحال، فافترق المحملان.### تأمير أسامة بن زيدلما مرض رسول اللّٰه مرضَ الموت، دعا أسامةَ بن زيد بن حارثة، فقال: سرْ إلى مقتَل أبيك، فأوطئْهم الخيل، فقد ولّيتُك على هذا الجيش، وإن أظفرَك اللّٰه بالعدوّ، فأقلل اللَّبْث، وبثّ العيون، وقَدّم الطلائع، فلم يبقَ أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا كان في ذلك الجيش، منهم أبو بكر وعُمر، فتكلّم قوم وقالوا : يستعمل هذا الغلامَ على جِلّة المهاجرين والأنصار! فغضب رسولُ اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وسلم لما سمع ذلك، وخرجَ عاصباً رأسه، فصعِد المنبر وعليه قَطيفة فقال: «أيها الناس، ما مقالة بلغتْني عن بعضكم في تأمير أسامة! لئن طعنتم في تأميري أسامة ، فقد طعنتم في تأميري أباه مِنْ قبله، وأيمُ اللّٰه إن كان لخليقا بالإمارة، وابنُه من بعده لخليق بها، وإنهما لمن أحبِّ الناس إليّ ، فاستوصوا به خيراً، فإنه من خياركم». ثم نزل ودخل بيته، وجاء المسلمون يودّعون رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، ويمضون إلى عسكر أسامة بالجُرْف .)وثَقِل رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم، واشتدّ ما يجده، فأَرسل بعضَ نسائه إلى أسامة وبعض مَنْ كان معه، يُعلمونهم ذلك، فدخل أسامة من معسكره - والنبي (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)مغمور، وهو اليوم الذي)
لدّوهُ (1فيه - فتطأطأ أسامة عليه فقبله ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسكت فهو لا يتكلّم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة ،كالداعي له، ثم أشار إليه بالرجوع إلى عسكره، والتوجّه لما بعثه فيه، فرجع أسامة إلى عسكره. ثم أرسل نساء رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) إلى أسامة يأمُرْنه بالدخول، ويقُلْن إن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)قد أصبح بارثاً، فدخل أسامة من معسكره يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول فوجَد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وسلم) مفيقاً، فأمره بالخروج وتعجيل النفوذ، وقال: «اغْدُ على بركة اللّٰه»، وجعل يقول: «أنفذوا بعث أسامة» (2)، ويكرّر ذلك، فودّع رسول الله(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وخرج ومعه أبو بكر وعمر، فلما ركب جاءه رسول أمّ أيمن، فقال: إن رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)يموت، فأقبل ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول اللّٰه صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)حين زالت الشمس من هذا اليوم، وهو يوم الاثنين، وقد مات واللِّواء مع بُرَيْدة بن الحُصَيب، فدخل باللِّواء فرکَزه عند باب رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)وهو مُغلق، وعليّ (علیه السلام)وبعض بني هاشم مشتغلون بإعداد جهازه وغَسْله، فقال العباس لعليّ - وهما في الدار: امْدُدْ يدَك أبايْعك فيقول الناس: عمّ رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) بايع ابنَ عمّ رسول اللّٰه ،فلا يختلف عليك اثنان، فقال له : أوَ يطمعُ يا عمّ فيها طامع غيري! قال: ستعلم، فلم يلبثا أنْ جاءتهما الأخبار بأنّ الأنصار أقعدتْ سعداً لتُبايَعه، وأنّ عمر جاء بأبي بكر فبايَعه، وسبق الأنصارَ البَيْعة، فندم علىّ (علیه السلام)على تفريطه في أمر البيعة وتقاعده عنها، وأنشده العباس قول دُرَيد:)أمَرْتُهُمُ أمرِي بمنعرج اللِّوىَ*** فلم يستبينُوا النُّصْحَ إلا ضُحَى الغدِ (3)وتزعُم الشيعةُ أن رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم و كان يعلَمُ موته، وأنه سيَّر أبا بكر وعمر في بعث أسامة لتخلُوَ دارُ الهجرة منهما ، فيصفُوَ الأمرُ لعليّ (علیه السلام)، ويبايعَه من تَخَلّف من المسلمين بالمدينة على سكون وطمأنينة، فإذا جاءهما الخبر بموت رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) وبيعة الناس لعليّ (علیه السلام) بعده كانا عن المنازعة والخلاف أبعدَ، لأنّ العرب كانت تلتزم بإتمام تلك البيْعة، ويُحتاجُ في نقضها إلى حروب شديدة، فلم يتمّ له ما قَدّر، وتثاقل أسامة بالجيش أياماً، مع شدّة حثّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)على نفوذه وخروجه بالجيش، حتى مات(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) وهما بالمدينة، فسبقا عليَّا إلى البيعة وجَرى ما جرى.)وهذا عندي غير منقدح، لأنه إن كان(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم يعلم موتَه، فهو أيضاً يعلم أنّ أبا بكر سيلي الخلافة، وما يعلمه لا يحترِس منه، وإنما يتمّ هذا ويصحّ إذا فرضنا أنه (علیه السلام)كان يظنّ موتَه ولا يعلمه حقيقة، ويظنّ أن أبا بكر وعمر يتمالآن على ابن عمه، ويخاف وقوع ذلك منهما ولا)
يعلمه حقيقة، فيجوز إن كانت الحال هكذا أن ينقدح هذا التوهّم، ويتطرق هذا الظنّ، كالواحد منا له ولدان، يخاف من أحدهما أن يتغلّب بعد موته على جميع ماله، ولا يوصِل أخاه إلى شيء من حقه، فإنه قد يخطر له عند مرضه الذي يتخوّف أن يموتَ فيه أن يأمر الولد المخوف جانبه بالسفر إلى بلد بعيد في تجارة يسلمها إليه ، يجعل ذلك طريقاً إلى دفع تغلّبه على الولد الآخر.الأصل: حَتَّىٰ مَضَىٰ الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَىٰ بِهَا إِلَىٰ ابْنِ الْخَطَّابِ بَعْدَهُ .شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا*** وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِفَيَا عَجَبا! بَيْنَاهُوَ يَسْتَقِيلُها فِي حَيَاتِهِ ، إِذْ عَقَدَهَا لَآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ! لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا ! فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظْ كَلْمُهَا، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا ، وَيَكْثرُ الْعِثَارُ فِيهَا ، وَالاعْتِذَارُ مِنْهَا ، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ، إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ، فَمُنِيَ النَّاسِ لَعَمْرُ اللّٰه بِخَبْطِ وَشِمَاسٍ، وَتَلَوُّنِ وَاعْتِرَاضِ، فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ .الشرح: مضى لسبيله: مات والسّبيل الطريق، وتقديره: مضى على سبيله، وتجيء اللاّم بمعنى «على» كقوله :فَخَرَّ صَرِيعاً لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِوقوله: فأدْلَى بها» من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَٰطِلِ وَتُدْلُوا بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ (1)أي تدفعوها إليهم رِشْوَة، وأصله من أدليت الدّلو في البئر ، أرسلتَها .)فإن قلت : فإن أبا بكر إنَّما دفَعها إِلى عمر حين مات، ولا معنى للرِّشوة عند الموت! قلت : لما كان(علیه السلام يَرَى أنّ العدول بها عنه إلى غيره إخراج لها إلى غير جهة الاستحقاق شبّه ذلك بإدلاء الإنسان بمالِه إلى الحاكم، فإنه إخراج للمال إلى غير وجهه، فكان ذلك من باب الاستعارة.)### أبو بكر يعهد بالخلافة إلى عمروابن الخطاب هو أبو حفص عُمَر الفاروق، وأبوه الخطّاب بن نُفَيْل بن عبد العُزّى بن رياح بن عبد اللّٰه بن قُرط بن رَزَاح بن عديّ بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب . وأم عمر حَنْتَمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد اللّٰه بن عمر بن مخزوم.
1) سورة البقرة، الآية : 188.
لما احتُضر أبو بكر، قال للكاتب اكتب: هذا ما عهد عبد اللّٰه بن عثمان، أخِرَ عهده بالدنيا وأوّلَ عهده بالآخرة، في الساعة التي يَبرّ فيها الفاجر، ويُسْلِم فيها الكافر . ثم أغمي عليه فكتب الكاتب: عمر بْنُ الخطاب، ثم أفاق أبو بكر ، فقال : اقرأ ما كتبت، فقرأ وذكر اسم عمر، فقال : أنَّى لك هذا !قال: ما كنت لتعدُوَه، فقال: أصبت، ثم قال: أتمَّ كتابك، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب: وذلك حيث أجال رأيه وأعمل فكره، فرأى أنّ هذا الأمر لا يصلح آخرهُ إلا بما يصلح به أوله ولا يحتمله إلا أفضلُ العرب مقدرة، وأملَكُهم لنفسه، وأشدّهم في حال الشدة، وأسلسهُم في حال اللين، وأعلمهم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزَن لما لم ينزل به، ولا يستحيي من التعلّم، ولا يتحيّر عند البديهة، قويّ على الأمور، لا يجوز بشيء منها حدّه عدواناً ولا تقصيراً، يرصدُ لما هو آت عَتاده من الحذر .فلما فرغ من الكتاب، دخل عليه قوم من الصحابة، منهم طلحة، فقال له: ما أنت قائل لربّك غداً ، وقد ولَّيْتَ علينا فظَّا غليظاً ، تفرَق منه النفوس، وتنفض عنه القلوب!فقال أبو بكر : أسندوني - وكان مستلقياً - فأسندوه، فقال لطلحة : أباللّٰه تخوّفني! إذا قال لي ذلك غداً قلت له : ولّيتُ عليهم خيرَ أهلك.ويقال : أصدقُ الناسِ فِراسة ثلاثة : العزيز في قوله لامرأته عن يوسف(علیه السلام : ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَئٰهُ مِن مِصْرَ لِاَمْرَأَنِهِ أَكْرِمیِ مَثْوَئهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِدَهُ وَلَدًا ) (1)، وابنة شعيب حيث قالت لأبيها في موسى: ﴿يَٰأَبَتِ اسْتَئْجِرْهُ إِنَ خَيْرَ مَنِ اسْتَئْجَرْتَ الْقَوِىُّ الأَمِينُ ) (2)، وأبو بكر في عمر.)وروَى كثير من الناس أنّ أبا بكر لما نَزَل به الموت دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: أخبِرْني عن عمر، فقال : إنه أفضلُ من رأيك [فيه] إلا أنّ فيه غلظة، فقال أبو بكر : ذاك لأنّه يراني رقيقاً، ولو قد أفضَى الأمرُ إليه لترك كثيراً مما هو عليه، وقد رمقتُه إذا أنا غضبتُ على رجل أراني الرّضا عنه، وإذا لنتُ له أراني الشدة عليه. ثم دعا عثمان بن عَفّان فقال : أخبِرْني عن عمر ، فقال: سريرتُه خير من علانيته، وليس فينا مثله. فقال لهما : لا تذكُرا مما قلتُ لكما شيئاً، ولو تركتُ عمر لما عدوتُك يا عثمان، والخيرة لك ألاّ تلِيِ من أمورهم شيئاً، ولوددت أني كنت من أموركم خِلْواً، وكنت فيمن مضى من سَلَفِكم . ودخل طلحة بن عبيد اللّٰه على أبي بكر، فقال: إنه بلغني أنَّك يا خليفةَ رسول اللّٰه استخلفتَ على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا فكيف به إذا خلا بهم، وأنت غداً لاقٍ ربك، فيسألك عن رعيتك! فقال
أبو بكر : أجلسوني، ثم قال : أباللّٰه تخوفني! إذا لقيتُ ربي فسألني، قلتُ : استخلفتُ عليهم خَيْرَ أهلك. فقال طلحة : أعمر خيرُ الناس يا خليفةَ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم! فاشتدّ غضبه، وقال: إي واللّٰه ، هو خيرهم وأنت شَرّهم. أما واللّٰه لو ولّيتُك لجعلتَ أنفك في قفَاك، ولرفعتَ نفسك فوق قدرها، حتى يكون اللّٰه هو الذي يضعها! أتيتَني وقد دَلَكت عينك، تريد أن تفتنني عن ديني، وتُزيلَني عن رأيي! قُمْ لا أقام اللّٰه رِجْلَيْك! أما واللّٰه لئن عِشتُ فُواق ناقة (1)، وبلغني أنّك غمصتَه فيها، أو ذكرته بسوء، لألحقنّك بِمحْمضات قُنّة (2)، حيث كنتم تُسْقَون ولا تَرْوَوْن، وتَرْعَوْن ولا تشبعون، وأنتم بذلك بَجِحون راضون! فقام طلحة فخرج(3))أحضر أبو بكر عثمان - وهو يجود بنفسه - فأمره أن يكتب عهداً، وقال: اكتب: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم. هذا ما عهد عبد اللّٰه بن عثمان إلى المسلمين. أمّا بعد، ثم أغمي عليه، وكتب عثمان: قد استخلفتُ عليكم عمر بن الخطاب. وأفاق أبو بكر ، فقال : اقرأ فقرأه، فكبَّر أبو بكر، وسرّ، وقال: أراك خِفْتَ أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي! قال: نعم، قال: جزاك اللّٰه خيراً عن الإسلام وأهله. ثم أتمَّ العهد وأمر أن يُقرأ على الناس فقريء عليهم. ثم أوصى عمر، فقال له : إنَّ للّٰه حقًّا بالليل لا يقبَلُه في النهار، وحقًّا في النهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبلُ نافلة ما لم تؤدَّ الفريضة، وإنما ثقلت موازين مَن اتَّبع الحق مع ثقله عليه، وإنما خفّت موازين من اتَّبع الباطل لخفّته عليه، إنما أنزِلت آية الرخاء مع آية الشدّة، لئلا يرغب المؤمن رغبة يتمنى فيها على اللّٰه ما ليس له، ولئلاّ يرهب رهبة يلقي فيها بيده، فإن حفظتَ وصيتي، فلا یكن غائبٌ أحبّ إليك من الموت ولستَ معجزَه .ثم توفي أبو بكر .دعا أبو بكر عمر يوم موته بعد عهده إليه، فقال : إني لأرجو أن أموت في يومي هذا فلا تُمْسِینَّ حتی تندب الناس مع المثنّى بن حارثة، وإن تأَخّرتُ إلى الليل فلا تصبحَنَّ حتى تندب الناس معه، ولا تَشغلنكم مصيبة عن دينكم، وقد رأيتَني متوفَّى رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلمكيف صنعت .)وتوفّيَ أبو بكر ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة.
وأما البيت الذي تمثل به(علیه السلام ، فإنه للأعشى الكبير، أعشى قيس. وهو أبو بصير ميمون بن قيس بن جَنْدل، من القصيدة التي قالها في منافرة علقمة بن عُلاثة وعامر بن الطفيل، وأولها :)عَلقَمُ ما أنتَ إلى عامرِ*** الناقضِ الأَوْتَارِ والْوَاترِيقول فيها :وَقَدْ أُسَلِّي الهمَّ إذْ يَعْتَرِي*** بجَسرَةِ دَوْسَرَةٍ عَاقرِ (1)زَيّافَةِ بالرِّحْلِ خَطّارَةِ*** تُلْوِي بِشَرْخَيْ مَيْسَةٍ فَاتِرِشرْخا الرَّحل : مقدّمه ومؤخره، والمَيْس : شجر يتخذ منه الرّحال ورحل قاتر جيّد الوقوع على ظهر البعير .شتَّانَ ما يَوْمِي عَلَى كُورِها*** وَيومُ حَيَّانَ أخي جَابِرِأرْمي بهَا الْبَيْدَاء إِذ هَجَّرتْ*** وأنت بين القَرْو والعاصِرفي مِجْدَلٍ شُيِّدَبُنْيَانُه*** يَزِلّ عنه ظُفُرُ الطَّائِرتقول : شَتّان ما هما، وشَتّان هما، ولا يجوز: شتّان ما بينهما، إلا على قول ضعيف.وشَتّان: أصله شتت، کوشْكَان ذا خروجاً، من وَشَك. وحيّان وجابر ابنا السّمَين الحنفيَّان، وكان حيَّان صاحبَ شراب ومعاقرة خمر، وكان نديم الأعشى، وكان أخوه جابر أصغر سنَّا منه، فيقال : إن حيّان قال للأعشى : نسبتِني إلى أخي، وهو أصغرُ سِنَّا منِّي ! فقال : إنّ الرويّ اضطرني إلى ذلك، فقال : واللّٰه لا نازعتُك كأساً أبداً ما عشت. يقول: شتان يومي وأنا في الهاجرة والرمضاء، أسيرُ على كور هذه الناقة ويوم حَيَّان وهو في سَكْرة الشراب، ناعم البال، مرفّه من الأكدار والمشاقّ. والقَرْو: شبه حوض، يتّخذ من جِذْع أو من شجر يُنبذ فيه، والعاصِر : الذي يعتصر العنب. والمجْدَل : الحِصْن المنيع.وشبيه بهذا المعنى قول الفضل بن الربيع في أيام فتنة الأمين يذكر حاله وحال أخيه المأمون: إنما نحن شَعب من أصل، إن قَويَ قوينا، وإن ضَعُف ضعفنا، وإنَّ هذا الرجل قد ألقي بيده إلقاء الأمة الوكعاء، يشاور النساء، ويُقدِم على الرؤيا، قد أمكن أهل الخسارة واللهو من سمعه، فهم يمنُّونه الظفر، ويَعدونه عُقَب الأيام، والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل، ينام نوم الظَّرِبان وينتبه انتباه الذئب، هَمّه بطنُه وفرْجه، لا يفكِّر في زوال نعمة، ولا يُرَوّى في إمضاء رأي ولا مكيدة قد شمّر له عبد اللّٰه عن ساقه، وفوّق إليه أسدَّ سِهامه، يرميه
1) الدوسرة: الضخمة الشديدة. اللسان، مادة (دسر).
على بعد الدار بالحتف النافذ، والموت القاصد، قد عَبَّاً له المنايا على متون الخيل، وناط له البلايا بأسنّة الرماح وشِفار السيوف، فهو كما قال الشاعر :لشتّان ما بيني وبين ابن خالد*** أميّة في الرزق الذي اللّٰه يقسِمُيقارع أتراك ابن خاقانَ ليلَهُ*** إلى أن يَرَى الإصباحَ لا يتلعثموآخذها حمراء كالمسك ريحُها*** لها أرجُ مِنْ دَنِّها يُتنسّمُفيُصْبح من طُول الطِّراد وَجِسْمُهُ*** نحيلٌ وأُضحِي في النَّعيم أُصمِّمُ(1)وأمية المذكور في هذا الشعر، هو أمية بن عبد اللّٰه بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة بن عبد شمس، كان والي خراسان ، وحارب الترك. والشعر للبَعِيث.يقول أمير المؤمنين(علیه السلام : شتّان بين يومي في الخلافة مع ما انتقض علَيّ من الأمر ومُنيِت به من انتشار الحبل واضطراب أركان الخلافة، وبين يوم عمر حيثُ وليها على قاعدة ممهّدة، وأركان ثابتة، وسكون شامل، فانتظم أمرُه، واطرد حاله، وسكنت أيامه .)قوله(علیه السلام : «فيا عجباً» أصله «فيا عجبي»، كقولك : يا غلامي، ثم قلبوا الياء ألفاً، فقالوا : يا عجباً، كقولهم : يا غلاماً ، فإن وقفت وقفت على هاء السكت، فقلت: يا عجباه !و یا غلاماه! قال : العجب منه وهو يستقيل المسلمين من الخلافة أيام حياته، فيقول : أقيلوني ثم يعقدها عند وفاته لآخر، وهذا يناقض الزهد فيها والاستقالة منها. وقال شاعر من شعراء الشِّيعة :)حَمَلُوها يومَ السَّقيفَةِ أوزا*** راً تخَفُ الجبال وَهيَ ثِقَالُثم جاؤوا من بَعْدِهَا يستقيلُو*** نَ، وهيهاتَ عثرة لا تقال!وقد اختلف الرواة في هذه اللفظة، فكثير من الناس رواها : «أقيلوني فلست بخيركم»، ومن الناس من أنكر هذه اللفظة ولم يروها ، وإنما روى قوله : «وليتكم ولست بخيركم» واحتجّ بذلك من لم يشترط الأفضليّة في الإمامة. ومن رواها أعتذر لأبي بكر فقال: إنما قال: أقيلوني، ليثَوِّر ما في نفوس الناس من بيعته، ويَخْبُر ما عندهم من ولايته، فيعلم مريدهم وكارههم، ومحبّهم ومبغضهم، فلما رأى النفوسَ إليه ساكنة، والقلوب لبيعته مذعنة، استمرّ على إمارته، وحكَم حكم الخلفاء في رعيته، ولم يكن مُنْكَراً منه أن يعهد إلى من استصلحه لخلافته .قالوا : وقد جرى مثلُ ذلك لعليِّ (علیه السلام ، فإنه قال للناس بعد قتل عثمان : دَعوني والتمسوا .)
1) الطراد: طراد الفرسان : أن يحمل بعضهم على بعض في الحرب وغيرها . اللسان مادة (طرد).
غيري، فأنا لكم وزيراً خير مني لكم أميراً. وقال لهم : اتركوني، فأنا كأحدكم، بل أنا أسْمَعُكم وأطْوَعُكُمْ لِمَنْ وليتموه أمركم (1. فأبوا عليه وبايعوه، فكرمها أوَّلاً، ثم عهد بها إلى الحسن(علیه السلام) عند موته .)قالت الإمامية: هذا غير لازم، والفرق بين الموضعين ظاهر، لأن عليًّا (علیه السلام لم يقل : إنّي لا أصلح، ولكنه كره الفتنة، وأبو بكر قال كلاماً معناه: إني لا أصلح لها، لقوله : «لست بخيركم»، ومَنْ نفى عن نفسه صلاحيتَه للإمامة، لا يجوز أن يعهد بها إلى غيره.)واعلم أنّ الكلام في هذا الموضع مبنيّ على أنّ الأفضلية هل هي شرط في الإمامة أم لا؟ وقد تكلمنا في شرح «الغرر» لشيخنا أبي الحسين رحمه اللّٰه تعالى في هذا البحث بما لا يحتمله هذاالكتاب.وقوله(علیه السلام : «لشدّ ما تشطَّرا ضرعيها» شدّ، أصله «شدد»، كقولك : حبّ في «حبَّذا» أصله حَبَب، ومعنى «شدّ» صار شديداً جدًّا، ومعنى «حبّ» صار حبيباً ، قال البحتريّ :)شَدّ ما أغرِيَتْ ظَلُومُ بهَجْرِي*** بَعْدَ وَجْدِي بها وَغُلَّةِ صَدْريوللناقة أربعة أخلاف: خِلْفان قادمانِ وخِلْفان آخران، وكلّ اثنين منهما شطر. وتَشَطَّراً ضَرْعيها اقتسما فائدتهما ونفعهما. والضمير للخلافة، وسَمّى القادميْن معاً ضَرْعاً ، وسَمَّى الآخرين معاً ضَرْعاً لمَّا كانا - لتجاورهما، ولكونهما لا يُحْلَبَان إلاّ معاً - كشيء واحد.قوله (علیه السلام: «فجعلها في حَوْزَة خشناء»، أي في جهة صعبة المرام، شديدة الشَّكيمة.)والكَلْم: الجرح.وقوله : «يغلُظ» من الناس مَنْ قال: كيف قال : «يغلظ کَلْمها»، والكَلْم لا يوصف بالغِلَظ!وهذا قلّة فَهْم بالفصاحة، ألا ترى كيف قد وصف اللّٰه سبحانه العذاب بالغِلظ ، فقال : (وَنَجَینٰهُم مِنْ عَذَابٍ غَلِيظ(2)أي متضاعف، لأن الغليظ من الأجسام هو ما كَثُف وجسم، فكان أجزاؤه وجواهره متضاعفة، فلما كان العذاب - أعاذنا اللّٰه منه - متضاعفاً، سُمِّيَ غليظاً، وكذلك الجُرح إذا أمعن وعَمُق، فكأنَّه قد تضاعف وصار جُروحاً، فسمي غليظاً .)إن قيل : قد قال (علیه السلام «في حَوْزَةٍ خَشْنَاء) فوصفها بالخشونة، فكيف أعاد ذكر الخشونة ثانية فقال : «يَخْشُنُ مَسُّها» !)قيل : الاعتبار مختلف، لأن مراده بقوله : «في حوزة خشناء» أي لا يُنال ما عندها ولا يرام، يقال: إنّ فلاناً لخشِن الجانب ووعر الجانب، ومراده بقوله : «يَخشَنُ مَسُّها»، أي تؤذي
وتضرّ وتنكي ء(1مَنْ يمسّها، يصف جفاء أخلاق الوالي المذكور ونفور طبعه وشدة بادرته .)قوله(علیه السلام : «ويكثر العِثار فيها، والاعتذار منها» يقول : ليست هذه الجهة جَدَداً مَهْيَعاً ، بل هي كطريق كثير الحجارة، لا يزال الماشي فيه عاثراً .)وأما «منها» في قوله (علیه السلام: «والاعتذار منها»، فيمكن أن تكون «مِنْ» على أصلها ، يعني أنّ عمر كان كثيراً ما يحكُم بالأمر ثم ينقضُه، ويفتي بالفُتْيا ثم يرجع عنها، ويعتذر مما أفتى به أولاً . ويمكن أن تكون «من» ها هنا للتعليل والسَّببية، أي ويكثر اعتذار الناس عن أفعالهم وحركاتهم لأجلها، قال:)أمِنْ رَسم دارٍ مَرْبَعٌ وَمَصِيفُ*** لِعَيْنَيْكَ مِنْ مَاءِ الشُّؤُونِ وَكِيفُ ! (2)أي لأجل أنْ رسم المربع والمصيف هذه الدار وكَف دمعُ عينيك !والصَّعْبة من النوق : ما لم تُرْكَبُ ولم تُرَضْ إِنْ أشنَق لها راكبها بالزمام خرم أنفها، وإن أسلس زمامها تقحّم في المهالك فألقته في مَهْواة أو ماء أو نار، أو نَدّت فلم تقف حتى تُردِيَه عنها فهلك.وأشنَقَ الرَّجلُ ناقَته، إذا كفّها بالزمام، وهو راكبها ، واللغة المشهورة شَنَق، ثلاثية. وفي الحديث : إنّ طلحةَ أنشِد قصيدةً فما زال شانقاً راحلته، حتى كتبت له. وأشْنَق البعيرُ نفسه، إذا رفع رأسه، يتعدّى ولا يتعدى، وأصله من الشِّناق، وهو خيطُ يُشَدُّ به فَمُ القِرْبة.وقال الرضيُّ أبو الحسن رحمه اللّٰه تعالى : إنما قال (علیه السلام: أشنَقَ لها، ولم يقل : «أشنقها»، لأنه جعل ذلك في مقابلة قوله : «أسلس لها» وهذا حسن، فإنّهم إذا قصدوا الازدواج في الخطابة فعلوا مثل هذا ، قالوا : الغدايا والعشايا، والأصل الغَدوات جمع غُدوة. وقال (علیه السلام):)«ارجِعْن مأزورات غير مأجورات» (3، وأصله «موزورات» بالواو، لأنه من الوِزْر.)وقال الرضيّ رحمه اللّٰه تعالى : ومما يشهد على أنّ أَشْنَقَ بمعنى «شَنَق» قولُ عديّ بن زيد العبادي:سَاءَهَا ما لها تَبَيِّنَ فِي الْأَيْدِي وإشْنَاقُها إلى الأعنَاقِ -قلت: «تبيّنَ» في هذا البيت فعل ماض تبَّين تبيّناً يتبينُ، واللام في «لها» تتعلق ب- «تَبَيِّنَ» .يقول : ظهر لها ما في أيدينا فساءها.وهذا البيت من قصيدة أولها :
لَيْسَ شَيْءٌ عَلَى الْمَنُونِ بَباقِ*** غير وَجْهِ المسبَّح الخَلاقِوقد كان زارته بنيّة له صغيرة اسمها هند، وهو في الحبس - حبس النعمان - ويداه مغلولتان إلى عنقه، فأنكرت ذلك، وقالت: ما هذا الذي في يدك وعنقك يا أبت! وبكت، فقال هذا الشعر. وقبل هذا البيت:وَلَقَدْ غَمَّنِي زَيَارَةُ ذِي قُرْ*** بَى صَغِيرِ لِقُرْبِنَا مُشْتَاقِسَاءَهَا مَا لَهَا تَبَيِّن في الأي*** دِي وإشْنَاقُها إلى الأعْنَاقِأي ساءها ما ظهر لها من ذلك. ويروى : «ساءها ما بنا تبيّن» أي ما بان وظهر، ويروى «ما بنا تبيّنُ»، بالرفع على أنّه مضارع.ويروى «إشناقُها» بالرفع عطفاً على «ما»، التي هي بمعنى الذي، وهي فاعلة . ويروى بالجرّعطفاً على «الأيدي».وقال الرضيّ رحمه اللّٰه تعالى أيضاً : ويروى أن رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم خطب الناس وهو على ناقة قد شَنَق لها وهي تَقْصَعُ بجِرّتِها(1).)قلت: الجِرّة: ما يعلو من الجوفِ وتجترّه الإبل، والدِّرة: ما يسفل . وتَقْصَعُ بها : تدفع ، وقد كان للرضيّ رحمه اللّٰه تعالى إذا كانت الرواية قد وردت هكذا أن يحتجّ بها على جواز «أشنق لها»، فإن الفعل في الخبر قد عُدّيَ باللام لا بنفسه.قوله (علیه السلام: «فمنِيَ النَّاسُ» أي بُلِيَ الناس، قال:)مُنِيتُ بِزَمَّرْدَةٍ كالعَصَاوالخَبْط: السَّیْر على غير جَادّة، والشِّماس : النِّفار. والتلوّن : التبدُّل. والاعتراض : السَّيرُ لا على خط مستقیم، كانه يسير عَرْضاً في غضون سيره طولاً، وإنما يفعلُ ذلك البعير الجامع الخابط. وبعيرٌ عُرْضِيّ : يعترض في مسيره، لأنه لم يتمّ رياضته، وفي فلان عُرْضِيّة، أي عَجْرفة وصُعوبة .### نبذة من أخبار عمر بن الخطابوكان عمر بن الخطَّاب صعباً، عظيم الهيْبة شديد السياسة، لا يُحابِي أحداً، ولا يراقب شريفاً ولا مشروفاً . وكان أكابر الصحابة يتحامَوْن ويتفادَوْن من لقائه، كان أبو سفيان بن حَرّب في مجلس عمر، وهناك زياد ابن سُمَيّة وكثير من الصحابة، فتكلّم زياد فأحسن - وهو يومئذ غلام - فقال عليّ (علیه السلام- وكان حاضراً - لأبي سفيان وهو إلى جانبه : للّٰه هذا الغلام، لو كان)
1) القصع: شدة المضغ. اللسان، مادة (قصع).
قرشيا لساق العرب بعصاها! فقال له أبو سفيان: أما واللّٰه لو عرفتَ أباه لعرفت أنه من خير أهلك، قال : ومَنْ أبوه؟ قال: أنا وضعتُه واللّٰه في رَحِم أمِّه، فقال علي (علیه السلام: فما يمنعُك من استلحاقه؟ قال : أخاف هذا العَيْر الجالس أن يخرّق عليّ إهابي! وقيل لابن عباس لما أظهر قوله في العَوْل(1)بعد موت عمر - ولم يكن قبل يظهره : هلاَّ قلت هذا وعمرُ حيّ؟ قال : هِبْته، وكان امرأ مهاباً .)واستدعَى عمر امرأة ليسألها عن أمر - وكانت حاملاً - فلِشدّة هيبته ألقت ما في بطنها ، فأجهضت به جنيناً ميتاً، فاستفتى عمر أكابر الصحابة في ذلك، فقالوا : لا شيء عليكَ، إنما أنت مؤدِّب ، فقال له عليّ (علیه السلام: إن كانوا راقَبوك فقد غَشُّوك، وإن كان هذا جُهْد رأيهم فقد أخطؤوا، عليك غُرّة - يعني عتق رقبة - فرجع عمرُ والصحابة إلى قوله (2).)وعمر هو الذي شدّ بَيْعَة أبي بكر ووقَم (3المخالفين فيها فكسر سيف الزبير لمّا جرّده، ودفع في صدر المقداد، ووطيء في السقيفة سَعْد بن عبادة، وقال : اقتلوا سعداً، قتل اللّٰه سعداً! وحطَّم أنف الحُباب بن المنذر الذي قال يوم السَّقيفة : أنا جُذَيلُها المحكَّك (4)، وعُذَيْقُها (5)المرجّب. وتوعَّد مَنْ لجأ إلى دار فاطمة(علیه السلام) من الهاشميين، وأخرجهم منها. ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمْر، ولا قامت له قائمة.)وهو الذي ساسَ العمال وأخذ أموالَهم في خلافته، وذلك من أحسن السياسات.وروى الزبيرُ بن بكار ، قال : لما قلّد عمر عمرو بن العاص مصر، بلغَه أنّه قد صار له مال عظيم من ناطق وصامت فكتب إليه، أما بعد: فقد ظهرَ لي مِنْ مالك ما لم يكن في رزقك، ولا كان لك مال قَبْل أنْ أستعمِلَك، فأنّى لك هذا فواللّٰه لو لم يهمنّي في ذات اللّٰه إلا من اختان في مال اللّٰه، لكثر همّي وانتثر أمري، ولقد كان عندي من المهاجرين الأولين مَنْ هو خير منك، ولكنّي قلَّدتك رجاء غنائك، فاكتب إلي من أين لك هذا المال، وعجِّلَ .فكتب إليه عمرو : أمّا بعد، فقد فهمت كتابَ أمير المؤمنين، فأمّا ما ظهر لي من مال، فإنا قدِمْنا بلاداً رخيصةَ الأسعار ،كثيرة الغزو، فجعلنا ما أصابنا في الفضول التي اتصل بأمير المؤمنين نبؤها، وواللّٰه لو كانت خيانتُك حلالاً ما خنتُك، وقد ائتمنتَني، فإنّ لنا أحساباً إذا
1) الميل في الحكم إلى الجور. اللسان، مادة (عول).
2) أخرجه الشيخ الأميني في الغدير : 119/6.
3) وقم: وقمه: أذله وقهره . وقيل : رده أقبح الرد. اللسان، مادة (وقم).
4) الجذيل المحكك : عود ينصب للإبل الجربى تحتك به فتشتفي. اللسان مادة (جدل).
5) عذيقها : العطق : النخلة بحملها، عُذيق : تصغير لها وهو تصغير تعظيم. اللسان، مادة (عذق).
رجعنا إليها أغنتْنا عن خيانتك. وذكرت أنّ عندك من المهاجرين الأولين مَنْ هو خير منِّي، فإذا كان ذاك فواللّٰه ما دقَقْتُ لك يا أمير المؤمنين باباً، ولا فتحت لك قُفْلاً .فكتب إليه عمر : أما بعد، فإني لستُ من تسطيرك الكتاب وتشقيقك الكلام في شيء، ولكنّكم معشرَ الأمراء قعدتم على عيون الأموال، ولن تعدِموا عُذْراً، وإنما تأكلون النّار، وتتعجّلون العار، وقد وجّهت إليك محمد بن مسلمة، فسلِّم إليه شطر مالك.فلما قدم محمد صنع له عمرو طعاماً ودعاه فلم يأكل، وقال: هذه تقدمة الشرّ، ولو جئتَني بطعام الضيف لأكلت، فنحِّ عنِّي طعامك، وأحضِرْ لي مالك، فأحضره، فأخذ شَطْرَه. فلما رأى عمرو كثرةَ ما أخذ منه قال : لعن اللّٰه زماناً صرتُ فيه عاملاً لعمر، واللّٰه لقد رأيتُ عمر وأباه على كلّ واحد منهما عباءة قَطَوانية لا تجاوز مأبِض ركبتيه، وعلى عنقه حُزْمة حَطب، والعاص بن وائل في مُزَرَّراتِ الدِّيباج. فقال محمد: إِيهاً عنك يا عمرو! فعمرُ واللّٰه خير منك، وأما أبوك وأبوه فإنهما في النار، ولولا الإسلام لألفِيت معتلقاً شاة، يسرّك غزْرها، ويسوءُك بكُوؤُها . قال: صدقت فاكتم عليّ ، قال: أفعل .قال الربيع بن زياد الحارثيّ : كنتُ عاملاً لأبي موسى الأشعري على البحْرين فكتب إليه عمر بالقدوم عليه هو وعمَّالُه، وأنْ يستخلفوا جميعاً. فلما قدِمْنا المدينةَ أتيت يَرْفاً حاجب عمر، فقلت يا يرفأ مسترشد وابنُ سبيل ! أيّ الهيآت أحبُّ إلى أمير المؤمنين أن يَرَى فيها عمّاله؟ فأوما إليّ بالخُشونة، فاتخذت خُفّيْن مُطارَقين، ولبست جُبّة صوف وَلُثْتُ عمامتي على رأسي، ثم دخلنا على عمر فصفّنا بين يديه، فصعّد بصره فينا وصوّب، فلم تأخذْ عينُه أحداً غيري، فدَعاني، فقال: مَنْ أنت؟ قلت : الربيع بن زياد الحارثيّ ، قال : وما تتولّى من أعمالنا؟ قلت: البحرين، قال كم تُرزَق؟ قلت: ألفاً، قال: كثير، فما تصنع به؟ قلت : أتقوّت منه شيئاً، وأعود بباقيه على أقاربَ لي، فما فضلَ منهم فعلى فقراء المسلمين، قال: لا بأس، ارجع إلى موضعك . فرجعت إلى موضعي مِن الصفّ، فصعّد فينا وصوّب، فلم تقع عينُه إلا عليّ فدعاني، فقال: كم سنُّك؟ قلت: خمس وأربعون، فقال: الآن حيث استحْكمت! ثم دعا بالطعام، وأصحابي حديثٌ عهدهم بلين العيش، وقد تجوّعت له، فأتي بخبز يابس وأكسار بعير، فجعل أصحابي يعافُون ذلك، وجعلت آكل فأجيد، وأنا أنظر إليه، وهو يلحظني من بينهم، ثم سبقتْ مِنّي كلمة تمنيت لها أنّى سُخْت في الأرض، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الناس يحتاجون إلى صلاحك، فلو عمدْت إلى طعام ألَينَ من هذا! فزجرني، ثم قال: كيف قلت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أن تنظُرَ إلى قوتك من الطحين فيخبز قبل إرادتِك إياه بيوم،
ويُطبخ لك اللحم كذلك، فتُؤتَى بالخبز ليناً ، وباللحم غَريضاً (1. فسكّنَ من غَرْبه(2)، وقال: أها هنا غُرْت! قلت: نعم، فقال: يا ربيع، إنا لو نشاء لملأنا هذه الرِّحاب من صَلائق وسبائك وصِنَاب(3)، ولكنّي رأيتُ اللّٰه نَعَى على قوم شهواتهم، فقال: (أَذهَبْتُمْ طَیبَٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ) (4)، ثم أمر أبا موسى بإقراري، وأن يستبدِلَ بأصحابي .)أسلم عمر بعد جماعة من الناس، وكان سبب إسلامه أنّ أخته ويعلَها أسلما سرًّا من عمر، فدخل إليهما خَبّاب بن الأرَتْ، يعلّمهما الدِّين خفية، فوشَى بهم واشِ إلى عمر، فجاء دارَ أخته، فتوارى خَبّاب منه داخلَ البيت، فقال عمر : ما هذِهِ الهينمةُ عندكم؟ قالت أخته : ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا. قال: أراكما قد صَبَوْتما ! قال خَتَنُه : أرأيت إن كان هو الحقّ! فوثب عليه عمر فوطِئه وطئاً شديداً، فجاءت أخته فدفعته عنه، فنفحها بيده، فدَميَ وجهها ، ثم ندِم ورقّ، وجلس واجماً ، فخرج إليه خَبَّاب فقال : أبشِرْ يا عمر، فإني أرجُو أن تكون دعوة رسول اللّٰه لك الليلة، فإنه لم يزل يدعُو منذ الليلة: «اللَّهم أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام» (5.)قال : فانطلق عمرُ متقلّداً سَيْفَه حتى أتى إلى الدار التي فيها رسول اللّٰه (علیه السلاميومئذ، وهي الدّار التي في أصل الصّفا، وعلى الباب حمزة وطلحة وناس من المسلمين، فوجِلَ القومُ من عمر إلا حمزة فإنه قال : قد جاءنا عمر، فإنْ يُرد اللّٰه به خيراً يَهْده، وإنْ يُرِدْ غير ذلك كان قتلُه علينا هيّناً - والنبيّ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)داخل الدار يوحَي إليه - فسمع كلامهم، فخرج حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، وقال: «ما أنت بمنتهِ يا عمر حتى يُنزِل اللّٰه بك من الخِزْي والنَّكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة. اللهمّ هذا عمر ، اللهم أعزّ الإسلام بعمر»، فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وأشهد أن محمداً رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) (6).)مرّ يوماً عمر في بعض شوارع المدينة فناداه إنسان : ما أراك إلا تستعملُ عمالك، وتعهد إليهم العهود، وترى أن ذلك قد أجزاك. كلاً واللّٰه، إِنّك المأخوذ بهم إِن لم تتعهَّدهم ، قال : ما ذاك؟ قال: عياض بن غَنْم يلبس الليّنَ، ويأكل الطيّب، ويفعل كذا وكذا . قال : أساعِ؟ قال: بل
1) الغريض: الطري من اللحم والماء واللبن والتمر . اللسان، مادة (غرض).
2) الغرب : النشاط والتمادي. اللسان، مادة (غرب).
3) الصناب: الخردل بالزبيب. اللسان، مادة (صنب).
4) سورة الأحقاف، الآية: 20 .
5) أخرجه الترمذي، كتاب: المناقب، باب: في مناقب عمر بن الخطاب (3681)، وابن ماجه، کتاب: المقدمة، باب: فضل عمر (105) ، وأحمد في «مسنده» (5663).
6) أخرجه ابن سعد في الطبقات 269/3 .
مؤدِّ ما عليه، فقال لمحمد بن مسلمة : الحقْ بعياض بن غَنْم فأتني به كما تجده، فمضى محمد بن مسلمة حتى أتى باب عياض - وهو أمير على حِمْص - وإذا عليه بوّاب، فقال له : قل لعياض: على بابك رجل يريد أن يلْقاك ، قال : ما تقول؟ قال : قل له ما أقول لك ، فقام كالمعجَب فأخبره، فعرف عياض أنه أمْرٌ حدَث، فخرج فإذا محمد بن مسلمة، فأدخله، فرأى على عياض قميصاً رقيقاً، ورداء ليّناً، فقال : إنّ أمير المؤمنين أمرني ألاّ أفارقك حتى أتيَه بك كما أجدك. فأقدمه على عمر وأخبره أنّه وجده في عيش ناعم. فأمر له بعصا وكساء، وقال: اذهب بهذه الغَنَم، فأحسن رعيَها، فقال : الموت أهْوَنُ من ذلك، فقال: كذبت، ولقد كان ترك ما كنتَ عليه أهونَ عليك من ذلك. فساق الغنم بعصاه، والكساء في عنقه، فلما بُعد ردَّه، وقال: أرأيت إن رددتُك إلى عملك أتصنع خيراً؟ قال : نعم واللّٰه يا أمير المؤمنين، لا يبلغُك منّي بعدها ما تكرَهُ. فردّه إلى عمله، فلم يبلغْه عنه بعدها ما ينقِمه عليه .كان الناس بعد وفاة رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم يأتون الشجرة التي كانت بيعةُ الرضوان تحتَها فيصلّون عندها، فقال عمر : أراكم أيّها الناس رجعتم إلى العُزّى! ألا لا أوتَى منذ اليوم بأحدٍ عاد لمثلها إلا قتلتُه بالسيف كما يُقتل المرتدّ، ثم أمر بها فقِطعت.)لما مات رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم، وشاع بين الناس موتُه، طاف عمر على الناس قائلاً: إنه لم يمتْ، ولكنه غاب عنا كما غاب موسى عن قومه، وليرجعنّ فليقطّعَنّ أيديَ رجال وأرجلَهم يزعمون أنّه مات. فجعل لا يمرّ بأحد يقول إنه مات إلا ويخبطه ويتوعّده، حتى جاء أبو بكر، فقال: أيها الناس، مَنْ كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد ربّ محمد فإنه حيّ لم يمت، ثم تلا قوله تعالى: (أَفَايْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَٰبِكُمْ) (1)، قالوا : فواللّٰه لكأنَّ الناس ما سمعوا هذه الآية حتى تلاها أبو بكر. وقال عمر : لما سمعته يتلوها هَوَيْتُ إلى الأرض، وعلمتُ أن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)قد مات .)لما قتل خالد مالك بن نويرة ونكح امرأته، كان في عسكره أبو قَتادة الأنصاريّ، فركب فرسه، والتحق بأبي بكر، وحلف ألاَّ يسيرَ في جيش تحت لواء خالد أبداً، فقصّ على أبي بكر القصّة، فقال أبو بكر : لقد فتنتِ الغنائمُ العرب، وترك خالد ما أمر به، فقال عمر: إنّ عليك أن
1) سورة آل عمران، الآية: 144 .
تُقيده بمالك، فسكت أبو بكر، وقدم خالد فدخل المسجد وعليه ثياب قد صِدئَت من الحديد، وفي عمامته ثلاثة أسهم، فلما رآه عمر قال : أرياءَ يا عدو اللّٰه ! عدوْتَ على رجل من المسلمين ونكحت امرأته، أما واللّٰه إن أمكنني اللّٰه منك لأرجمنّك ، ثم تناول الأسهم من عمامته فكسرها - وخالد ساكت لا يردّ عليه، ظناً أنّ ذلك عن أمر أبي بكر ورأيه – فلما دخل إلى أبي بكر وحدّثه، صدّقه فيما حكاه وقبِل عذره. فكان عمر يحرّض أبا بكر على خالد ويُشْير عليه أن یقتص منه بدم مالك، فقال أبو بكر: إيها يا عمر! ما هو بأوّل مَنْ أخطأَ، فارفع لسانَك عنه. ثم وَدَی(1مالكاً من بيت مال المسلمين(2).)لما صالح خالد أهل اليمامة وكتب بينه وبينهم كتاب الصلح، ، وتزوّج ابنة مُجّاعة بن مُرَارة الحنفيّ ، وصل إليه كتاب أبي بكر : لعمري يا ابن أمّ خالد إنّك لفارغ حتى تَزَوّج النساء، وحَوْل حجرتك دماء المسلمين لم تجفّ بعد ... في كلام أَغلظ له فيه، فقال خالد: هذا الكتاب ليس من عمل أبي بكر ، هذا عمل الأُعيِسر - يعني عمر .عزل عمر خالداً عن إمارة حِمْص في سنة سبع عشرة، وأقامه للناس، وعقله بعمامته، ونزع قلنسوته عن رأسه وقال: أعلمْني، من أين لك هذا المال؟ وذلك أنه أجاز الأشعث بن قيس بعشرة آلاف درهم، فقال: من الأنفال والسُّهمان، فقال: لا واللّٰه، لا تعمل لي عملاً بعد اليوم، وشاطره ماله، وكتب إلى الأمصار بعزله ، وقال : إنّ الناس فُتنوا به، فخفت أن يوكِلوا إليه، وأحببت أن يعلموا أنَّ اللّٰه هو الصانع.لما أُسِر الهُرْمزان حُمِل إلى عمر منْ تُسْتَر إلى المدينة، ومعه رجال منَ المسلمين، منهم الأحنف بْنُ قيس، وأنس بن مالك، فأَدخلوه المدينة في هيئته وتاجه وكِسْوته، فوجدوا عمر نائماً في جانب المسجد، فجلسوا عنده ينتظرون انتباهه، فقال الهُرْمزان: وأين عمر؟ قالوا : ها هو ذا ، قال : أين حرسُه؟ قالوا : لا حاجبَ له ولا حارس. قال: فينبغي أن يكون هذا نبيّاً، قالوا : إنه يعمل بعمل الأنبياء. واستيقظ عمر، فقال : الهرمزان؟ فقالوا : نعم، قال: لا أكلمه أو لا يبقى عليه من حِلْيته شيء، فرمَوْا ما عليه ، وألبسوه ثوباً صفيقاً، فلما كلمه عمر، أمر أبا طلحة أن ينتضِيَ سيفه ويقوم على رأسه، ففعل. ثم قال له: ما عذرُك في نقض الصلح ونكث
العهد؟ - وقد كان الهرمزان صالح أوّلاً، ثم نقض وغدر - فقال : أخبرك، قال : قل ، قال : وأنا شديد العَطَش ! فاسقني ثم أخبرك. فأُحضِر له ماء، فلما تناوله جَعَلَتْ يده تُرْعَد، قال: ما شأنُك؟ قال : أخاف أن أمدّ عنقي وأنا أشرب فيقتلَني سيفك. قال: لا بأس عليك حتى تشرب، فألقى الإناء عن يده ، فقال : ما بالك؟ أعيدوا عليه الماء، ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش، قال : إنّك قد أمّنْتَني، قال: كذبت! قال : لم أكذب، قال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قال: ويحك يا أنس! أنا أؤمّن قاتل مجزأة بن ثور والبَراء بن مالك! واللّٰه لتأتينّي بالمخرج أو لأعاقبنَّك ، قال : أنت يا أمير المؤمنين قلت: لا بأس عليك حتى تشرب. وقال له ناس من المسلمين مثل قول أنس، فقال للهُرمزان: ويحك ! أتخدعُني! واللّٰه لأقتلنَّك إلا أن تُسْلِم، ثم أوماً إلى أبي طلحة، فقال الهرمزان : أشهد أن لا إلٰه إلا اللّٰه وأشهد أن محمداً رسول اللّٰه(صلی الله علیه و آله و سلم. فأمّنه وأنزله المدينة.)سال عمر عمرو بن معد يكرب عن السلاح فقال له: ما تقول في الرمح ؟ قال : أخوك وربما خانك، قال فالنَّبل ؟ قال : رسل المنايا، تخطيء وتُصيب، قال فالدرع؟ قال: مَشْغلة للفارس، متعبة للراجل، وإنها مع ذلك لحِصْن حصين، قال فالتُرس؟ قال: هو المِجَنّ، وعليه تدور الدوائر، قال: فالسيف؟ قال: هناك قارعت أمُّك الهبل، قال : بل أمّك، قال: والحُمَّىأضْرَعتنِي لك .وأولُ مَنْ ضرب عمر بالدِّرة أمَّ فروة بنت أبي قُحافة ، مات أبو بكر فناح النساء عليه، وفيهنّ أخته أم فروة، فنهاهنّ عمر مراراً، وهنّ يعاوِدْن ، فأخرج أمّ فروة من بينهنّ، وعَلاَها بالدِّرة، فهربْنَ وتفرّقن .كان يقال : درّة عمر أهْيَبُ من سيف الحجّاج. وفي الصحيح: إن نسوةَ كن عند رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلمقد كثر لَغَطهُنَّ، فجاء عمر فهربْنَ هيبة له، فقال لهنّ: يا عُديّات أنفسِهن، أتَهَبْتَني ولا تهبْنَ رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ! قلن : نعم، أنت أغلظ وأفظّ (1).)وكان عمر يُفتِي كثيراً بالحُكْم ثم ينقضُه، ويفتي بضدّه وخلافه، قضى في الجَدّ مع الإخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثم خاف من الحُكْم في هذه المسألة فقال : مَنْ أراد أن يتقحّم جراثيم جهنم فليقُلْ في الجَدّ برأيه .
1) أخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده (3294)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر (2397).
وقال مرة : لا يبلغني أنّ امرأة تجاوز صداقُها صداقَ نساء النبيِّ إلا ارتجعت ذلك منها ، فقالت له امرأة: ما جعل اللّٰه لك ذلك، إنه تعالى قال : ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَئٰهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَٰنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا (1)، فقال : كلّ الناس أفقهُ من عُمر، حتى ربّات الحجال! ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت، فاضلتْ إمامكم ففَضلتْه !)ومرّ يوماً بشاب من فتيان الأنصار وهو ظمآن ،فاستسقاه، فجَدَح له ماء بعسَل فلم يشربه، وقال : إنّ اللّٰه تعالى يقول : (أَذهَبْتُمْ طَیِبٰتكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا فقال له الفتى : يا أمير المؤمنين، إنها ليست لك ولا لأحد من هذه القبيلة، اقرأ ما قبلها : ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذهَبْتُمْ طَیبٰتكُم في حياتكُمُ الدُّنْيَا ) (2)، فقال عمر : كلّ الناس أفقه من عمر !)وقيل : إن عمر كان يَعُسّ بالليل، فسمِعَ صوتَ رجل وامرأة في بيت، فارتاب فتسوَّر الحائط، فوجد امرأة ورجلاً، وعندهما زِقّ خمر، فقال: يا عدوّ اللّٰه ، أكنت ترى أن اللّٰه يستُرك وأنت على معصيته ! قال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث، قال اللّٰه تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا (3)، وقد تجسّست. وقال: ﴿وَأتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ) (4)وقد تسوّرت، وقال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا) (5)، وما سلّمت !)وقال : مُتْعتان كانَتَا على عهد رسول اللّٰه وأنا محرِّمهما ، ومعاقِب عليهما : متعة النساء ومتعة الحجّ. وهذا الكلام وإن كان ظاهرُه منكَراً فله عندنا مخرج وتأويل، وقد ذكره أصحابنا الفقهاء في كتبهم .وكان في أخلاق عمر وألفاظه جَفاء، وعُنْجُهية ظاهرة، يحسبه السامع لها أنه أراد بها ما لم يكنْ قد أراد، ويتوهَّم من تُحْكَى له أنه قصد بها ظاهراً ما لم يقصده، فمنها الكلمة التي قالها في مرض رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم. ومعاذ اللّٰه أن يقصد بها ظاهرها! ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته، ولم يتحفظ منها. وكان الأحسنُ أن يقول: «مغمور» أو «مغلوب بالمرض»، وحاشاهُ أن يعني بها غير ذلك !)ولجفاة الأعراب من هذا الفنّ كثير، سمع سليمان بن عبد الملك أعرابياً يقول في سنة قَحْط :
رَبَّ العِبَادِ مَا لَنَا وَمَالَكَا*** قَدْ كُنْتَ تَسقينا فما بدَا لكا!أنْزِل عَلَيْنَا القَطْرَ لاَ أَبا لكافقال سليمان: أشهد أنه لا أبَ له ولا صاحبة ولا ولد، فأخرجه أحسن مخرَج.وعلى نحو هذا يُحتمل كلامه في صُلْح الحديبية لما قال للنبي (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم: ألم تَقُلْ لنا : ستدخلونها! في ألفاظ نَكْرَه حكايتها، حتى شكاه النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) إلى أبي بكر، وحتى قال له أبو بكر: الزَمْ بِغَرْزه، فواللّٰه إنه لَرسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) .)وعمر هو الذي أغلَظ على جَبَلَة بن الأيهم حتى اضطره إلى مفارقة دار الهجرة، بل مفارقة دار الإسلام كلّها، وعاد مرتدَّا داخلاً في دين النصرانية، لأجل لطمة لُطِمها . وقال جَبَلة بعد ارتداده متندِّماً على ما فعل :تَنَصَّرَتِ الأشرافُ مِنْ أَجْلِ لَطْمَةِ*** وَمَا كَانَ فِيها لَوْ صَبَرْتُ لَهَا ضَرَرْ!فَيا لَيْتَ أمِّي لم تَلِدْني وَلَيْتَنِي*** رَجَعْتُ إلى القولِ الّذي قاله عُمَرْالأصل: حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ، جَعَلَهَا فِي سَتَّة زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَبَاللّٰه وَلِلشُّورَى! مَتَىٰ أعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظائر ! لكنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُوا، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا ، فَصَغا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ، ومَالَ الآخَرُ لِصِهْرهِ، مَعَ هَنِ وَهَنِ.الشرح : اللام في «یاللّٰه» مفتوحة، واللام في «وللشورى» مكسورة، لأن الأولى للمدعوّ، والثانية للمدعو إليه، قال :يا للَرِّجال لِيومِ الأربِعاء أما*** ينفكّ يُحدِث لي بَعْد النُّهي طَرَبا !اللام في «اللرجال» مفتوحة، وفي «ليوم» مكسورة . وأسفّ الرجل، إذا دخل في الأمر الدنيء، أصله من «أسف الطائر» إذا دنا من الأرض في طيرانه. والضغن : الحقد .وقوله «مع هنِ وهنِ»، أي مع أمور يكنى عنها ولا يصرّح بذكرها، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشرّ، قال :عَلَى هَنَوَاتٍ شَرُّها مُتتابعُيقول(علیه السلام : إنّ عمر لما طُعن جعل الخلافة في ستّة، هو(علیه السلام) أحدهم، ثم تعجب من ذلك، فقال: متى اعترض الشك فيّ مع أبي بكر، حتى أقرن بسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأمثالهما! لكنّي طلبت الأمر وهو موسوم بالأصاغر منهم، كما طلبته أولاً)
وهو موسوم سوم بأكابرهم، أي هو حقِّي فلا أستنكف من طلبه، إن كان المنازع فيه جليل القدر أو صغير المنزلة. وصغا الرجل بمعنى مال، الصِّغْو : الميل، بالفتح والكسر.### ما هي قصة الشورى؟وصورة هذه الواقعة أنّ عمر لما طعنه أبو لؤلؤة، وعَلم أنّه ميت استشار فيمن يولِّيه الأمربعده، فأشير عليه بابنه عبد اللّٰه ، فقال : لاها اللّٰه إذاً !لا يليِها رجلان من وَلَد الخطاب! حسب ما حُمِّل! حَسْبُ عمر ما احتقب (1، لاها اللّٰه ! لا أتحملها حياً وميتاً ! ثم قال : إن رسول اللّٰه مات وهو راض عن هذه الستة من قريش: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وقد رأيتُ أن أجعلَها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم. ثم قال : إن أسْتَخْلِف فقد استخلف مَنْ هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترُك فقد تَرَكَ من هو خير مني – يعني رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)- ثم قال : ادعُوهم لي، فدعوْهم، فدخلوا عليه وهو مُلْقَى على فراشه يجود بنفسه .)فنظر إليهم ، فقال : أكلّكُم يطمع في الخلافة بعدي ! فوَجَموا ، فقال لهم ثانية، فأجابه الزُّبير وقال: وما الذي يُبعدنا منها ! وليتَها أنتَ فقمتَ بها، ولسْنا دونَك في قريش ولا في السابقة ولا في القرابة .قال الشيخ أبو عثمان الجاحظ: واللّٰه لولا عِلْمه أنّ عمر يموت في مجلسه ذلك لم يُقدم على أن يفوه من هذا الكلام بكلمة، ولا أن يَنْبِس منه بلفظة .فقال عمر: : أفلا أخبرُكم عن أنْفُسِكم! قال : قل، فإنا لو استعفيناك لم تُعفنا، فقال: أما أنت يا زبير فَوَعِق(2لَقِس، مؤمن الرضا، كافر الغضب، يوماً إنسان، ويوماً شيطان، ولعلها لو أفضتْ إليك ظَلْتَ يومَك تُلاطم بالبطْحاء على مُدِّ من شعير! أفرأيتَ إن أفضت إليك! فليت شِعري، مَنْ يكون للناس يومَ تكون شيطاناً، ومنْ يكون يومَ تغضب ! وما كان اللّٰه ليجمع لك أمر هذه الأمة، وأنت على هذه الصفة .)ثم أقبل على طلحة - وكان له مبغِضاً منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر – فقال له : أقول أم أسكت؟ قال: قل، فإنك لا تقول من الخير شيئاً، قال: أما إِني أعرفك منذ أصيبتْ إصبعك يوم أُحُد والبَأو (3الذي حدث لك، ولقد مات رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وسلم) ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أُنْزِلت آية الحجاب.)
قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ رحمه اللّٰه تعالى : الكلمة المذكورة أنّ طلحة لما أنزلَتْ آية الحجاب قال بمحضر ممّنْ نقل عنه إلى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم : ما الذي يغنيه حجابهنّ اليوم! و سیموت غَدا فننكِحُهُنَّ . قال أبو عثمان أيضاً : لو قال لعمر قائل : أنت قلت: إن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) مات وهو راض عن الستة، فكيف تَقول الآن لطلحة إنه مات (علیه السلام)ساخطاً عليك للكلمة التي قلتَها! لكان قد رماه بمشاقصه (1)، ولكن مَن الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا، فكيف هذا !)قال : ثم أقبل على سعد بن أبي وقاص فقال : إنما أنت صاحبُ مِقْنَب (2من هذه المقانب، تقاتل به، وصاحب قَنَص وقَوْس وأسهم، وما زُهْرة والخلافة وأمور الناس!)ثم أقبل على عبد الرحمن بن عوف، فقال: وأما أنت يا عبد الرحمن، فلو وُزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانُك به، ولكن ليس يَصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك، وما زهرة وهذا الأمر!ثم أقبل على عليّ (علیه السلام، فقال :للّٰه أنت لولا دُعابة فيك! أما واللّٰه لئن وليتَهم لتحملنّهم على الحق الواضح، والمحجّة البيضاء.)ثم أقبل على عثمان، فقال : هيهاً إليك! كأني بك قد قلدتْك قريش هذا الأمر لحبِّها إياك، فحملتَ بني أمية وبني أبي مُعَيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذُؤْبان العرب، فذبحوك على فراشك ذبحاً. واللّٰه لئن فعلوا لتفعلنّ، ولئن فعلت ليفعلُنّ. ثم أخذ بناصيته، فقال : فإذا كان ذلك فاذكر قولي، فإنه كائن.ذكر هذا الخبر كلّه شيخنا أبو عثمان في كتاب «السُّفيانية»، وذكره جماعة غيره في باب فراسة عمر. وذكر أبو عثمان في هذا الكتاب عقيب رواية هذا الخبر قال : وَرَوى معمر بن سليمان التيميّ عن أبيه عن سعيد بن المسيّب عن ابن عباس، قال: سمعت عمرَ بن الخطاب يقول لأهل الشورى : إنكم إن تعاونتم وتوازرتم وتناصحتم أكلتموها وأولادكم، وإن تحاسدتم وتقاعدتم وتدابرتم وتباغضتم، غَلَبكم على هذا الأمر معاوية بن أبي سفيان. وكان معاوية حينئذأمير الشام.ثم رجع بنا الكلام إلى تمام قصة الشورى. ثم قال : ادعوا إليّ أبا طلحة الأنصاريّ، فدعَوه له فقال : انظر يا أبا طلحة، إذا عدتم من حُفْرتي، فكن في خمسين رجلاً من الأنصار حاملي سيوفَكم، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله، وأجمعهم في بيت، وقفْ بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحداً منهم، فإن اتّفق خمسة وأبَى واحد فاضرب عنقه، وإن
اتفق أربعة وأبَى اثنان فاضرب أعناقهما، وإن اتّفق ثلاثة وخالف ثلاثة، فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن، فارجع إلى ما قد اتفقتْ عليه، فإن أصرّت الثلاثة الأخرى على خِلافها فاضرب أعناقها، وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمرِ، فاضرب أعناق السّتّة، ودع المسلمين يختاروا لأنفُسِهم.فلما دُفِن عمر، جَمَعهم أبو طلحة، ووقف على باب البيت بالسيف في خمسين من الأنصار، حاملي سيوفهم، ثم تكلَّم القوم وتنازعوا ، فأوّلُ ما عمل طلحةُ أنّه أشهدَهم على نفسه أنّه قد وهب حقه من الشورى لعثمان، وذلك لعلمه أنّ الناسَ لا يعدِلون به عليَّا وعثمان، وأن الخلافة لا تخلُص له وهذان موجودان، فأراد تقوية أمر عثمان وإضعافَ جانب عليّ (علیه السلام ،بهبة أمر لا انتفاعَ له به، ولا تمكُّن له منه .)فقال الزبيرُ في معارضته : وأنا أشهدكم على نفسي أنّي قد وهبتُ حقّي من الشورى لعليّ ، وإنما فعل ذلك لأنه لما رأى عليَّا قد ضَعُف وانخزل بهبَةِ طلحة حقَّه لعثمان، دخلته حميَّة النَسَب، لأنه ابن عمة أمير المؤمنين(علیه السلام ، وهي صفيّة بنت عبد المطلب، وأبو طالب خالُه .)وإنّما مال طلحةُ إلى عثمان لانحرافه عن عليّ (علیه السلام، باعتبار أنّه تَيْميّ ، وابنُ عمّ أبي بكر الصديق، وقد كان حصلَ في نفوس بني هاشم من بني تَيْم حَنَق شديد لأجْل الخلافة، وكذلك صار في صدور تَيْم على بني هاشم، وهذا أمرُ مركوز في طبيعة البَشر، وخصوصاً طينة العرب وطباعها، والتجربة إلى الآن تحقق ذلك، فبقيَ من الستة أربعة .)فقال سعد بن أبي وقّاص، وأنا قد وهبتُ حقِّي من الشورى لابن عَمّي عبد الرحمن - وذلك لأنهما من بني زُهْرة، ولعلم سعد أنّ الأمرَ لا يتمّ له - فلما لم يبقَ إلاّ الثلاثة. قال عبد الرحمن لعليّ وعثمان: أيّكما يُخرج نفسَه من الخلافة، ويكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين؟ فلم يتكلّم منهما أحد، فقال عبد الرحمن : أشهدُكم أنّني قد أخرجتُ نفسي من الخلافة على أنْ أختار أحدَهما ، فأمسكا . فبدأ بعليّ (علیه السلام ، وقال له : أبايعك على كتاب اللّٰه وسنة رسول اللّٰه ، وسيرة الشيخين: أبي بكر وعمر. فقال: بل على كتاب اللّٰه وسنّة رسوله واجتهاد رأيي. فعدل عنه إلى عثمان، فعرض ذلك عليه ، فقال : نعم ، فعاد إلى عليّ (علیه السلام)، فأعاد قوله، فعَل ذلك عبد الرحمن ثلاثاً، فلما رأى أنّ علياً غيرُ راجع عَمّا قاله، وأنّ عثمان يُنعِم له بالإجابة، صفَق على يد عثمان وقال : السلامُ عليك يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، فيقال: إن علياً (علیه السلام)قال له : واللّٰه ما فعلتَها إلا لأنّك رجوتَ منه ما رجَا صاحبُكما من صاحبه، دقّ اللّٰه بينكما عِطْرَ مَنْشِم (1).)
1) مَنْشِم : امرأة عطارة من همدان كانوا إذا تطيبوا من ريحها اشتدت الحرب، فصارت مثلاً في الشر. اللسان، مادة (نشم).
قيل : ففسد بعد ذلك بين عثمان وعبد الرحمن، فلم يكلِّم أحدُهما صاحبَه حتی مات عبد الرحمن (1.)ثم نرجع إلى تفسير ألفاظ الفصل :أما قوله(علیه السلام : «فصغا رجل منهم لضِغْنه»، فإنه يعني طلحة. وقال القطب الراونديّ: يعني سعدَ بن أبي وقّاص، لأنّ علياً(علیه السلام) قتلَ أباه يوم بدر . وهذا خطأ فإن أباه أبو وقّاص، واسمه مالك ابْنُ أهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، مات في الجاهلية حَتْف أنفِه .)وأما قوله ، «ومال الآخرُ لِصهْره» يعني عبدَ الرحمن مال إلى عثمان، لأنّ أم كلثوم بنت عُقْبة بن أبي معيط كانت تحتَه، وأمّ كلثوم هذه هي أخت عثمان مِن أمّه أرْوَى بنت كُرَيز.و روی القُطْب الراونديّ أنّ عمر لما قال: كونوا مع الثَّلاثة التي عبد الرحمن فيها ، قال ابن عباس لعليّ (علیه السلام : ذهبَ الأمرُ مِنّا ، الرجلُ يريد أن يكون الأمر في عثمان . فقال عليّ (علیه السلام) : وأنا أعلمُ ذلك، ولكنّي أدخل معهم في الشورى، لأنّ عمر قد أَهْلَني الآن للخلافة، وكان قبل ذلك يقول : إن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) قال: «إنّ النبوّة والإمامةَ لا يجتمعان في بيت»، فأنا أدخل في ذلك لأظْهِر للناس مناقضة فعله لروايته .)الذي ذكره الروانديّ غير معروف، ولم ينقُلْ عمر هذا عن رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم ، ولكنّه قال لعبد اللّٰه بن عباس يوماً : يا عبد اللّٰه، ما تقول منع قومكم منكم؟ قال : لا أعلم يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، قال : اللهم غفراً ! إن قومكم كرهوا أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة، فتذهبون في السماء بُذّخاً وشُمَّخاً ، لعلكم تقولون: إن أبا بكر أراد الإمْرَة عليكم وهَضَمكم !كلاّ، لكنّه حضره أمر لم يكن عنده أحزمَ مما فعل، ولولا رأيُ أبي بكر فيّ بعد موته لأعاد أمرَكم إليكم، ولو فعل ما هنأكم مع قومكم، إنّهم لينظرون إِليكم نظر الثّوْر إلى جازره.)فأما الرواية التي جاءت بأنّ طلحة لم يكن حاضراً يوم الشورى، فإن صحّتْ فذُو الضّغن هو سعد ابْنُ أبي وقاص، لأن أمه حَمْنَة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، والضغينة التي عنده على عليّ(علیه السلام من قِبَل أخواله الذين قتل صناديدَهم، وتقلّد دماءهم، ولم يُعرفْ أن عليَّا (علیه السلام) قَتَل أحداً من بني زُهْرة ليُنْسَب الضِّعْن إليه .)
1) رواء المفيد في الإرشاد: 287/1 ، والمجلسي في البحار : 358/31 - 400 ، والأميني في الغدير : 88/9 .
وهذه الرواية هي التي اختارها أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ صاحب «التاريخ» قال (1: لمّا طعن عمر قيل له : لو استخلفت يا أمير المؤمنين! فقال من استخلف؟ لو كان أبو عبيدَة حَيَّا لاستخلفته وقلت لربي لو سألني : سمعتُ نبيّك يقول : «أبو عبيدة أمين هذه الأمة» (2)ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حَيًّا لاستخلفته، وقلت لربّي إن سألني : سمعتُ نبيَّك (علیه السلام)يقول : «إنّ سالماً شديدُ الحبّ للّٰه » (3)، فقال له رجل: وَلِّ عبد اللّٰه بن عمر، فقال : قاتَلك اللّٰه! واللّٰه ما اللّٰه أردتَ بهذا الأمر! [ويحك !] كيف أستخلفُ رجلاً عجز عن طلاق امرأته! لا أرَبَ لعمر في خلافتكم، ما حِمْدتُها فأرغبَ فيها لأحد من أهل بيتي، إن تك خيراً فقد أصبنا منه، وإن تَكُ شرًا يُصرفَ عنّا حسبُ آلِ عمر أن يحاسبَ منهم [ رجل] واحد، ويُسأل عن أمر أمة محمد .)فخرج الناس من عنده، ثم راحوا إليه فقالوا له : لو عهدتَ عهداً ! قال : قد كنتُ أجمعتُ بعد مقالتي [لكم] أنْ أولِّيَ أمرَكم رجلاً هو أحراكم أن يحمِلكم على الحق - وأشار إلى عليّ (علیه السلام - فرهِقَتْني غشية، فرأيت رجلاً يدخل جنّة [قد غرسها ] فجعل يقطف كلَّ غضّة ويانعة، فيضمّها إليه، ويصيرها تحته، فخفت أن أتحمّلَها حیًّا وميتاً ، وعلمت أنّ اللّٰه غالب أمره عليكم بالرهط الذي قال رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)عنهم : إنّهم من أهل الجنة، ثم ذكر خمسة : عليًّا، وعثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعداً.)قال : ولم يذكر في هذا المجلس طلحة، ولا كان طلحة يومئذ بالمدينة.ثم قال لهم : انهضُوا إلى حجرة عائشة فتشاوروا فيها، ووضع رأسَه وقد نزفه الدم ، فقال العباس لعليّ (علیه السلام : لا تدخلْ معهم، وارفع نفسَك عنهم ، قال : إنّي أكره الخلاف، قال: إذنْ ترى ما تكره، فدخلوا الحجرة فتناجوْا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال عبد اللّٰه بن عمر : إنَّ أمير المؤمنين لم يمُتْ بعد، ففيم هذا اللغّط! وانتبه عمر، وسمِع الأصوات، فقال: ليُصلِّ بالناس صُهيب، ولا يأتينَّ اليوم الرابع من يوم موتي إلا وعليكم أمير، وليحضر عبدُ اللّٰه بن عمر بن عمر مشيراً وليس له شيء من الأمر، وطلحة بن عبيد اللّٰه شريككم في الأمر، فإن قدم إلى ثلاثة أيام فأحضروه أمرَكم، وإلا فأرضُوه ، ومَنْ لي برضا طلحة ! فقال سعد: أنا لك به، ولن يخالف إن شاء اللّٰه تعالى .)
1) تاريخ الطبري : للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ( 310ه-) وهو من التواريخ المشهورة الجامعة الأخبار العالم. «كشف الظنون» (297/1).
2) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب : قصة أهل نجران (4380) ، ومسلم، کتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل أبي عبيدة الجراح (2419).
3) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (177/1) ، وأبو بكر الشيباني في «الآحاد والمثاني» (311).
ثم ذكر وصيّتَه لأبي طلحة الأنصاريّ وما خصّ به عبد الرحمن بن عوف من كَوْن الحق في الفئة التي هُوَ فيها وأمْرَه بقتل من يخالف، ثم خرج الناسُ فقال عليّ (علیه السلاملقوم معه من بني هاشم: إنْ أُطِيعَ فيكم قومُكم من قريش لم تؤمَّروا أبداً .)وقال للعباس : عُدِل بالأمر عني يا عمّ . قال : وما علمك ؟ قال : قُرن بي عثمان. وقال عمر: كونوا مع الأكثر ، فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن، فسعد لا يخالفُ ابنَ عمه ، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان، فيولِّيها أحدهما الآخر، فلو كان الآخران مَعِي لم يُغْنِيا شيئاً . فقال العباس: لم أدفْعك إلى شيء إلاّ رجعت إليّ مستأخراً بما أكره، أشرتُ عليك عِند مرض رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم أنْ تسأله عن هذا الأمر فيمن هو فأبيت، وأشرت عليك عند وفاته أنْ تعاجل البَيْعة فأبيت، وقد أشرتُ عليك حينَ سمّاك عمر في الشورى اليوم أن ترفَع نفسك عنها، ولا تدخل معهم فيها فأبيت، فاحفظ عني واحدة، كلّما عرض عليك القوم الأمر فقل : لا ، إلا أن يولّوك. واعلم أنّ هؤلاء لا يبرحون يدفعونك عن هذا الأمر حتى يقوم لك به غيرُك، وأيم اللّٰه لا تناله إلا بشرّ لا ينفع معه خير . فقال(علیه السلام) : أما إنّي أعلم أنهم سيولّون عثمان، وليحدِئنّ البدع والإحداث، ولئن بقي لأذكرنّك، وإن قتل أو مات ليتداولَنَّهَا بنو أمية بينهم، وإن كنت حيًّا لتجدنِّي حيث تكرهون، ثم تمثل :)حَلَفْتُ بِرَبِّ الرّاقِصَاتِ عَشِيّةَ*** غَدَوْنَ خِفافاً يبتدرْنَ المحصَّبَا (1)ليجْتَلبن رهطُ ابن يعمرَ غدوة*** نجيعاً بنو الشُّدَّاخ وِرْداً مُصلّباً (2)قال : ثم التفتَ فرأى أبا طلحة الأنصاريّ، فكره مكانه، فقال أبو طلحة : لا تُرَع أبا حسن .فلما مات عمر ودُفِن وخَلَوْا بأنفسهم للمشاورة في الأمر، وقام أبو طلحة يحجُبهم بباب البيت، جاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، فجلسا بالباب ، فحصَبهما سعد وأقامهما ، وقال : إنما تريدان أن تقولا حَضَرْنا وكُنّا فى أصحاب الشورى.فتنافس القومُ في الأمر وكَثُر بينهم الكلام، فقال أبو طلحة : أنا كنتُ لأنْ تدافعوها أخوفَ مني عليكم أن تنافسوها! أما والّذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي وقفت لكم، فاصنعوا ما بدا لكم!قال : ثم إنّ عبد الرحمن قال لابن عمه سعد بن أبي وقاص : إني قد كرهتُها، وسأخلع نفسي منها ، لأني رأيت الليلة رَوْضَةً خضراء كثيرة العُشْب، فدخل فحل ما رأيت أكرم منه، فمرّ كأنه سهم لم يلتفت إلى شيء منها حتى قطعها، لم يعرّج، ودخل بعير يتلوه تابع أثره، حتى
خرج منها . ثم دخل فَحْل عقبريّ يجرّ ،خِطامه، ومضى قصد الأوليْن، ثم دخل بعير رابع، فوقع في الروضة يرتَع ويخضم. ولا واللّٰه لا أكون الرابع، وإن أحداً لا يقوم مقام أبي بكر وعمر فيرضى الناس عنه.ثم ذكر خَلْعَ عبد الرحمن نفسَه من الأمر، على أن يولِّيَها أفضَلهم في نفسه، وأن عثمان أجاب إلى ذلك، وأن علياً (علیه السلامسكت، فلما روجع رضي على موثقِ أعطاه عبد الرحمن، أن يؤثر الحق، ولا يتبع الهوى، ولا يخصّ ذا رحم، ولا يأْلو الأمة نصحاً، وأن عبد الرحمن ردّد القول بين عليِّ وعثمان متلوِّماً، وأنه خلا بسعد تارة، وبالمسوَر بن مخرمة الزهريّ تارة أخرى، وأجال فِكْرَه، وأعمل نظره، ووقف موقفَ الحائر بينهما قال: قال عليُّ (علیه السلام)السعد بن أبي وقاص : يا سعد، (وَاتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَام) (1)، أسألك برحِم ابني هذا من رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) وبِرَحم عَمّي حمزة منك، ألاَّ تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيراً .)قلت : رحِمُ حمزة من سعد، هي أنّ أم حمزة هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زُهرة، وهي أيضاً أم المقَوَّم وحَجْفل - واسمه المغيرة - والغيداق أبناء عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، هؤلاء الأربعة بَنُو عبد المطلب من هالة، وهالة هذه عمة سعد بن أبي وقاص، فحمزة إِذَنْ ابن عمة سعد، وسعد ابن خال حمزة – .قال أبو جعفر : فلما أتى اليومُ الثالث جَمَعهم عبد الرحمن، واجتمع الناس كافة، فقال عبد الرحمن: أيُّها الناس، أشيروا عليّ في هذين الرجلين. فقال عمّار بن ياسر : إن أردتَ الاّ يختلف الناس، فبايعْ عليَّا (علیه السلام، فقال المقداد: صدق عمار، وإن بايعتَ عليا سمعْنا وأطعنا .)فقال عبد اللّٰه بن أبي سَرْح : إن أَردتَ ألاّ تختلف قريشُ، فبايعْ عثمان. وقال عبد اللّٰه بن أبي ربيعة المخزوميّ : صدق، إن بايعت عثمنا سمعنا وأطعنا . فشتم عَمَّارُ ابنَ أبي سَرْح، وقال له : مَتى كنت تنصح الإسلام !فتكلّم بنو هاشم وبنو أمية، وقام عمار، فقال: أيّها الناس، إن اللّٰه أكرمَكم بنبيِّه ، وأعزّكم بدينه، فإلى متى تصرفون هذا الأمرَ عن أهل بيت نبيكم ! فقال رجل من بني مخزوم : لقد عَدَوْتَ طورَك يا ابن سمَيّة، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها ! فقال سعد: يا عبدَ الرحمن، افرُغ من أمرك قبل أن يفتتِن الناس. فحينئذ عَرَض عبد الرحمن على عليّ (علیه السلامالعملَ بسيرة الشيخين، فقال : بل أجتهد برأيي. فبايع عثمان بعد أن عرض عليه فقال : نعم . فقال عليّ (علیه السلام): ليس هذا بأوّلِ يوم تَظاهرتُم فيه علينا، (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّٰهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ) (2)، واللّٰه ما ولّيتَه الأمرَ إلا ليردّه إليك، واللّٰه كلّ يوم في شأن.)
فقال عبد الرحمن : لا تجعلنَّ على نفسك سبيلاً يا عليّ - يعني أمْرَ عمر أبا طلحة أن يضرب عُنُق المخالف - فقام عليّ (علیه السلامفخرج، وقال: سيبلغ الكتابُ أجلَه، فقال عمَّار: يا عبد الرحمن، أما واللّٰه لقد تركتَه، وإنّه من الذين يقضون بالحق وبه كانوا يعدلون. فقال المقدادُ: تاللّٰه ما رأيتُ مثلَ ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم، واعجباً لقريش! لقد تركتْ رجلاً ما أقولُ ولا أعلم أن أحداً أقْضَى بالعدل ولا أعلم ولا أتقى منه ! أما واللّٰه لو أجد أعواناً ! فقال عبد الرحمن: اتَّقِ اللّٰه يا مقداد، فإني خائف عليك الفتنة.)وقال عليّ (علیه السلام: إني لأعلمُ ما في أنفسهم، إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر في صلاح شأنها، فتقول : إنْ وَليَ الأمرَ بنو هاشم لم يخرج منهم أبداً، وما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش .)قال : وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان فتلكاً ساعة، ثم بايع .وروى أبو جعفر رواية أخرى أطالها، وذكر خطب أهل الشورى وما قاله كل منهم، وذكركلاماً قاله عليّ (علیه السلامفي ذلك اليوم، وهو:)الحمدُ للّٰه الذي اختار محمداً منا نبيًّا ، وابتَعثه إلينا رسولاً ، فنحنُ أهل بيت النبوَّة ومعدن الحكمة، أمانٌ لأهل الأرض، ونجاةُ لمن طلب، إنّ لنا حقًّا إن نعطَه نأخذه، وإن نمنعه نركبْ أعجاز الإبل وإن طال السُّرَى ، لو عهد إلينا رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلمعهداً لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولاً لجالدْنا عليه حتى نموت. لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقِّ وصلة رَحِم، ولا حول ولا قوة إلا باللّٰه العلي العظيم. اسمعوا كلامي، وعُوا منطقي، عسى أن تروْا هذا الأمر بعد هذا الجمع تُنْتَضى فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى لا يكون لكم جماعة، وحتى يكون بعضُكم أئمةً لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة (1).)قلت : وقد ذكر الهروي في كتاب «الجمع بين الغريبين» قوله : «وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل»، وفسره على وجهين :أحدهما : أنّ منْ ركب عَجُز البعير يعاني مشقة، ويقاسي جهداً، فكأنّه قال : وإن نمنَعه نصبرْ على المشقة، كما يصبر عليها راكبُ عجز البعير .والوجه الثاني أنه أراد : تتبع غيرنا، كما أنّ راكبَ عجز البعير يكون رَديفاً لمن هو أمامه، فکأنه قال : وإن نمنعه نتأَخر ونتبع غيرنا كما يتأخر راكب البعير .
1) أخرجه الطبري في تاريخه 300/3 .
وقال أبو هلال العسكريّ في كتاب «الأوائل» (1: استجيبت دعوة عليّ (علیه السلام)في عثمان وعبد الرحمن، فما ماتا إلا متهاجرين متعاديين. أرسل عبد الرحمن إلى عثمان يعاتبه وقال لرسوله : قل له : لقد وليتُك ما وليتك من أمر الناس، وإن لي لأموراً ما هي لك : شهدتُ بدراً وما شهدتَها، وشهدتُ بَيْعةَ الرضوان وما شهدتَها، وفررتَ يوم أحُد وصبرتُ، فقال عثمان لرسوله : قل له : أمّا يومَ بدْر فإن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)رَدّني إلى ابنته لِما بها من المرض، وقد كنتُ خرجتُ للذي خرجتَ له، ولقيتُه عند منصرفه، فبشّرني بأجر مثل أجوركم، وأعطاني سهماً مثل سهامكم . وأما بَيْعة الرضوان فإِنّه صلى اللّٰه عليه بعثني أستأذن قريشاً في دخوله إلى مكة، فلما قيل له : إني قُتلت، بايع المسلمين على الموت لِما سمعه عني ، وقال : إن كان حيًّا فأنا أبايع عنه ، وصَفَق بإحدى يديه على الأخرى، وقال : يساري خير من يمين عثمان فيدُك أفضل أم يد رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)!، وأما صبرُك يوم أحُد وفِراري، فلقد كان ذلك، فأنزل اللّٰه تعالى العفوَ عني في)كتابه، فعيّرتَني بذنب غفره اللّٰه لي، ونسيت من ذنوبك ما لا تَدْرِي أغفر لك أم لم يغفر !لما بني عثمان قصره طَمار بالزوراء(2، وصنع طعاماً كثيراً، ودعا الناس إليه، كان فيهم عبد الرحمن، فلما نظر للبناء والطعام قال: يا ابنَ عفان لقد صدّقنا عليك ما كنا نكذّب فيك، وإني أستعيذ باللّٰه من بيعتك. فغضب عثمان، وقال : أخرجه عني يا غلام، فأخرجوه، وأمر الناس الا يجالسوه، فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس كان يأتيه فيتعلّم منه القرآن والفرائض . ومرض عبد الرحمن فعاده عثمان وكلمه فلم يكلمه حتى مات.)الأصل: إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ ، بَيْنَ نَثِيْلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللّٰه خَضْمَ الإبلِ نِبْنَةَ الرَّبِيعِ إِلَى أَنِ انْتَكَثَ فَتْلُهُ ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَنتُهُ .الشرح: نافجاً حِضنيه: رافعاً لهما، والحِضن: ما بين الإبط والكشح ، يقال للمتكبر : جاء نافجاً ،حِضْنيه، ويقال لمن امتلأ بطنه طعاماً : جاء نافجاً حِضْنيه، ومراده(علیه السلام هذا الثاني. والنثيل : الروث . والمعتَلف : موضع العلف ، يريد أنّ همّه الأكل والرجيع، وهذا من ممِضّ الذم (3)، وأشدُّ من قول الحُطيئة الذي قيل : إنه أهجى بيت للعرب :)
دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلُ لبُغْيَتِهَا*** وَأَقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الكاسِيوالخَضْم : أكل بكلِّ الفم، وضدّه القضْم، وهو الأكل بأطراف الأسنان . وقيل : الخَضْم أكلُ الشيء الرَّطْب، والقَضْمُ أكُلُ الشيء اليابس، والمراد على التفسيرين لا يختلف، وهو أنّهم على قَدَم عظيمة من النّهَم وشدّة الأكل وامتلاء الأفواه . وقال أبو ذرّ رحمه اللّٰه تعالى عن بني أمية : يخضَمون ،ونقضَم والموعد اللّٰه . والماضي «خَضِمْت»، بالكسر، ومثله قَضِمْت. والنِّبتة ، بكسر النون كالنبات، تقول : نَبتَ الرطب نباتاً ونِبْتة. وانتكث فتلُه: انتقض، وهذه استعارة. وأجهز عليه عمله : تمم قتله. يقال: أجهزتُ على الجريح، مثل ذَفَفْتُ، إذا أتممتَ قَتله وكَبَتْ به بطنته، كبا الجواد، إذا سقط لوجهه. والبطنة : الإسراف في الشِّبَع.### نبذة من أخبار عثمان بن عفانوثالث القوم هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، كُنْيته أبو عمرو، وأمه أرْوَى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس.بايعه الناس بعد انقضاء الشورى واستقرار الأمر له، وصحّتْ فيه فِراسة عمر، فإنه أوطأ بني أمية رقابَ الناس، وولاّهم الوِلايات وأقطعهم القطائع، وافتُتِحَتْ إفريقيّة في أيامه، فأخذ الخُمس كلِّه فوهبه لمروان، فقال عبد الرحمن بن حنبل الجمحيّ : أخلِفُ باللّٰه رَبِّ الأنَا*** م مَا تَرَكَ اللّٰه شَيْئاً سُدَىولكِن خلقت لنا فتنة لكي نبتلَى بك أو تبتلىفإنّ الأمِينَيْنِ قَدْبَيَّنَا مَنَارَ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ الْهُدَىفما أخذا درهماً غِيلَةٌ ولا جَعَلاً دِرْهَماً في هَوىوَأَعْطَيْتَ مَرْوَانَ خُمْس الْبِلادِ فَهَيْهَاتَ سَعْیُكَ ممَّنْ سَعَى!الأمينان: أبو بكر وعمر.وطلب منه عبد اللّٰه بن خالد بن أسِيد صِلَة، فأعطاه أربعمائة ألف درهم.وأعاد الحكَم بن أبي العاص، بعد أن كان رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلمو قد سَيَّره ثم لم يردّه أبو بكر ولا عمر، وأعطاه مائة ألف درهم.)وتصدق رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزور على المسلمين، فأقطعه عثمان الحارثَ بن الحكم أخا مروان بن الحكم.)وأقطع مروان فَدَك، وقد كانتْ فاطمةُ (علیها السلامطلبتْها بعد وفاة أبيها (صلوات اللّٰه عليه)، تارةً بالميراث وتارة بالنِّحْلة (1)فدُفِعت عنها)
1) النحِّلة : الهبة أو الدين. اللسان، مادة (نحل).
وحَمى المراعيَ حول المدينة كلَّها من مواشي المسلمين كلِّهم إلا عن بني أميَّة .وأعطى عبدَ اللّٰه بن أبي سَرْح جميع ما أفاء اللّٰه عليه من فتح إفريقيّة بالمغرب - وهي من طرابلس الغرب إلى طَنْجة - من غير أنْ يَشْرَكه فيه أحد من المسلمين.وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال، في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال، وقد كان زوّجه ابنته أم أبان، فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح، فوضعها بين يدي عثمان وبكى، فقال عثمان: أتبكي أن وَصَلْتُ رَحمِي ! قال : لا ، ولكن أبكي لأنّي أظنّك أنّك أخذتَ هذا المال عِوضاً عما كنتَ أنفقتَه في سبيل اللّٰه في حياة رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم . واللّٰه لو أعطيتَ مروان مائة درهم لكان كثيراً ، فقال : ألقِ المفاتيح يا ابن أرقم، فإِنا سنجد غيرك.)وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة، فقسَّمها كلَّها في بني أميّة. وأنكح الحارث بن الحكم ابنته عائشة، فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضاً بعد صَرْفه زيد بن أرقم عن خزنه .وانضمّ إلى هذه الأمور أمور أخرى نقمها عليه المسلمون، كتسيير أبي ذرّ رحمه اللّٰه تعالى إلى الرّبَذة ، وضَرَب عبد اللّٰه بن مسعود حتى كسر أضلاعه، وما أظهر من الحجاب والعدول عن طريقة عمر في إقامة الحدود وردّ المظالم، وكف الأيدي العادية والانتصاب لسياسة الرعيّة، وختم ذلك ما وجدوه من كتابه إلى معاوية يأمره فيه بقتل قوم من المسلمين، واجتمع عليه كثير من أهل المدينة مع القوم الذين وصلوا من مصر لتعديد أحداثه عليه فقتلوه .وقد أجاب أصحابُنا عن المطاعن في عثمانَ بأجْوبة مشهورة مذكورة في كتبهم. والذي نقول نحن : إنّها وإن كانت أحداثاً، إلا أنها لم تبلغ المبلغ الذي يستباح به دمه، وقد كان الواجب عليهم أن يخلعوه من الخلافة حيث لم يستصلحوه لها ، ولا يعجَلوا بقتله، وأمير المؤمنين (علیه السلامأبرأ النّاس من دمه، وقد صرّح بذلك في كثير من كلامه، من ذلك قوله (علیه السلام): واللّٰه ما قتلتُ عثمان ولا مالأتُ على قتله(1))وصدق صلوات الله عليه .الأصل: فَما رَاعَنِي إِلاَّ وَالنَّاسُ إِلَيَّ کَعُرْفِ الضَّبُعِ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبيضَةِ الْغَنَمِ. فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ ، وَمَرَقَتْ أُخْرَىٰ ، وفَسَق ، آخَرُونَ ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا كَلَامَ اللّٰهُ حَيْثُ يَقُولُ : (تِلْكَ الدَّارُ
1) ذكره القرطبي في تفسيره : 17 / 164 ، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير : 68/7 .
الآخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (1)، بَلَى وَاللّٰه لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَرَاقَهُمُ زِبْرِجُها .)الشرح: عُرْف الضَّبع ثخين، ويضرب به المثل في الازدحام. وينثالون: يتتابعون مزدحمين.والحَسَنان: الحسن والحسين(علیها السلام . والعِطْفان: الجانبان من المنكب إلى الورِك، ويروى «عطافي»، والعطاف: الرداء وهو أشبه بالحال، إلا أن الرواية الأولى أشهرف والمعنى خُدش جانباي لِشدّة الاصطكاك منهم والزحام.)وقال القطب الراوندِيّ : الحسنان: إبهاما الرجل، وهذا لا أعرفه .وقوله: «كربيضة الغنم» أي كالقِطْعة الرابضة من الغنم، يصف شِدّة ازدحامهم حوله وجنومَهم بين يديه .وقال القطب الراونديّ : يصف بلادَتهم ونقصان عقولهم، لأنّ الغنَم توصف بقلّة الفطنة .وهذا التفسير بعيد وغير مناسب للحال .فأما الطائفة النّاكثة، فهم أصحابُ الجمل، وأما الطائفة الفاسقة فأصحاب صِفّين.وسماهم رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم القاسِطين. وأما الطائفة المارقة فأصحاب النّهْرَوان، وأشرنا نحن بقولنا : سماهم رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)القاسطين إلى قوله (علیه السلام): «ستقاتلُ بعدي الناكثين، والقاسطين والمارقين» (2). وهذا الخبر من دلائل نبوّته صلوات اللّٰه عليه، لأنه إخبار صريح بالغيب، لا يحتمل التمويةَ والتدليس كما تحتمله الأخبار المجمَلة، وصدَّق قوله (علیه السلام): «والمارقين»، قوله أولاً في الخوارج: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة»(3)، وصدق قوله (علیه السلام)«الناكثين» كونهم نكثوا البيعة باديء بدء، وقد كان(علیه السلام) يتلُو وقت مبايعتهم له : (فَمَن نَكَتَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ )(4))
1) سورة القصص، الآية : 83.
2) أخرجه الحاكم في «المستدرك » (4674) ، والطبراني في «المعجم الكبير» (4049)، و«الأوسط» (8433) ، وأبو يعلى في «مسنده» (519).
3) أخرجه البخاري، کتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (2610)، ومسلم، كتاب : الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1063) .
4) سورة الفتح، الآية : 10 .
وأما أصحاب صفين، فإنهم عند أصحابنا رحمهم اللّٰه مخلّدون في النار لفِسْقهم، فصحّ فيهم قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (1))وقوله (علیه السلام: «حليت الدنيا في أعينهم» تقول : حلا الشيء في فمي يحلُو، وحليَ لعيني يَحْلَى . والزبرج: الزينةُ من وَشْي أو غيره، ويقال: الزبرج: الذهب.)فأما الآية فنحن نذكر بعض ما فيها، فنقول : إنه تعالى لم يعلّق الوعدَ بترك العلوّ في الأرض والفساد، ولكن بترك إرادتهما، وهو كقوله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إلى الذَّينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ (2)، علّق الوعيد بالركون إليهم والميل معهم، وهذا شديد في الوعيد.)ويروى عن أميرِ المؤمنين(علیه السلام أنه قال : إنّ الرجل ليعجِبه أن يكون شِراك نعله أحسنَ من شِراك نعل صاحبه فيدخل تحت هذه الآية. ويقال : إن عمر بن عبد العزيز كان يردّدها حتى قُبِض.)الأصل: أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ ، ومَا أَخَذَ اللّٰه عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلاّ يُقَارُوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ، وَلاَ سَغَبٍ مَظْلُومٍ، لألقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا ، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِهَا ، وَلَألْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَٰذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزِ.الشرح: فَلَقَ الحبة، من قوله تعالى : (فَالِقُ الحَبِ وَالنَّوىٰ (3). والنَّسَمة : كلّ ذي رُوح من البشر خاصة.)قوله : «لولا حضور الحاضر»، يمكن أن يريدَ به لولا حضور البيعة ، فإنها بعد عقدها تتعين المحاماة عنها، ويمكن أن يريد بالحاضر مَنْ حَضَره من الجيش الذين يستعين بهم على الحرب. والكِظّة بكسر الكاف: ما يعتري الإنسان مِن الثِّقل والكَرْب عند الامتلاء من الطعام.والسّغَب : الجوع. وقولهم : قد ألقى فلان حبل فلان على غاربه، أي تركه هَمَلاً يسرح حيث يشاء من غير وازع ولا مانع والفقهاء يذكرون هذه اللفظة في كنايات الطلاق. وعَفْطَة عنز: ما تنثره من أنفها، عفَطت تعفِط بالكسر ، وأكثر ما يستعمل ذلك في النعجة، فأمّا العنْز فالمستعمل الأشهر فيها «النفطة» بالنون، ويقولون: ماله عافظ ولا نافظ، أي نعجة ولا عنز. فإن قيل:
أيجوز أن يقال العفطة ها هنا الحبْقة؟ فإن ذلك يقال في العنز خاصة، عَفَطتْ تعفط . قيل : ذلك جائز، إلا أن الأحسن والأليق بكلام أمير المؤمنين(علیه السلام التفسير الأول، فإن جلالته وسؤدده تقتضي أن يكون ذاك أراد لا الثاني. فإن صحّ أنه لا يقال في العَطْسة عَفْطة إلا للنعجة. قلنا : إنه استعمله في العنز مجازاً.)يقول (علیه السلام: لولا وجود مَنْ ينصرني - لا كما كانت الحال عليها أوّلاً بعد وفاة رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، فإنِّي لم أكن حينئذ واجداً للناصر مع كوني مكلّفاً ألا أمكِّن الظالم من ظلمه -لتركت الخلافة، ولرفضتها الآن كما رفضتها قبل، ولوجدتم هذه الدنيا عندي أهون من عَطْسة عنز، وهذا إشارة إلى ما يقوله أصحابنا من وجوب النهي عن المنكر عند التمكن .)الأصل: قَالُوا : وَقَام إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِن خُطْبَتِهِ، فَنَا وَلَهُ كِتَاباً فَأَقْبَلَ ينظر فيه، فلمّا فرغ من قراءته قَالَ لَهُ ابْنُ عباس رضي اللّٰه عنهما : يَا أمير الْمُؤْمِنِينَ ، لَوِ اطَّردتْ مَقَالَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ! فَقَالَ : هَيْهَاتَ يا ابن عباسِ ! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ .قال ابن عباس : فَوَاللّٰه مَا أَسِفْتُ عَلَى كَلاَمِ قطُّ كَأْسَفِي عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَلا يَكونَ أَمِيرُ الْمُؤمنين بلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرَادَ .قوله (علیه السلامفِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ : «كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشَنَقَ لَهَا خَرَمَ وَإنْ اسْلَسَ لَهَا تَقَحْمَ» يُرِيدُ أَنَّهُ إِذَا شَدَّدَ عَلَيْهَ فِي جَذْبِ الزِّمامِ وَهِيَ تُنَازِعُهُ رَأْسَهَا خَرَمَ أَنْفَهَا ، وَإِنْ ارْخَى لَهَا مَعَ صُعُوبَتِهَا تَقَحَّمَتْ بِهِ فَلَمْ يَمْلِكُهَا . يُقَالُ : أَشْنَقَ النَّاقَةَ إِذَا جَذَبَ رَأْسَهَا بِالزِّمَامِ فَرَفَعَهُ، وَشَنَقَهَا أَيْضاً ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ السِّكِيتِ فِي «إِصْلاح الْمَنْطِقِ». وَإِنَّمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : «أَشْنَقَ لَهَا»، وَلَمْ يَقُلْ« أَشْنَقَهَا» لَأَنَّهُ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ :« أَسْلَسَ لَهَا»، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ رَفَعَ لَهَا رَأْسَهَا بِالزِّمَامِ یعني أَمْسَكَهُ عَلَيْهَا . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) خَطَبَ عَلَى نَاقَة وَقَدْ شَنَقَ لَهَا فَهِيَ تَقْصَعُ بِجِرَّتِهَا (1).)وَمِن الشَّاهِد عَلَى أَنَّ «أَشْنَقَ» بِمَعْنَى شَنَقَ قَوْلُ عديِّ بن زَيْدٍ الْعبَادِيّ :سَاءَهَا مَا لَهَا تَبَيَّنَ فِي الْأَيْ*** دِي وَإِشْنَاقُهَا إِلَى الْأَعْنَاقِ
1) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (298/3)، والنسائي في «السنن الكبرى» (4067) ، وأحمد في «مسنده» (15456).
الشرح: سمیَ السواد سواداً لخضرته بالزروع والأشجار والنخل، والعرب تسمى الأخضر أسود، قال سبحانه: (مُدْهَامَّتَانِ (1)يريد الخضرة . وقوله : «لو اطّردت مقالتك»، أي أتبعتَ الأوّلَ قولاً ثانياً !من قولهم اطّرد النهر ، إذا تتابع جريهُ.)وقوله : «من حيث أفضيت» أصل أفضى خرجَ إلى الفضاء، فكأنه شبّهه (علیه السلام حيث سكت عما كان يقوله، بمن خرج من خبَاء أو جدار إلى فضاء من الأرض، وذلك لأنّ النفس والقُوى والهمة عند ارتجال الخطب والأشعار تجتمع إلى القلب، فإذا قطع الإنسان وفرغ، تفرقت وخرجت عن حجر الاجتماع واستراحت. والشَّقشقة، بالكسر فيهما : شيء يُخرجه البعير من فيه إذا هاج، وإذا قالوا للخطيب: ذو شقشقة فإنما شبَّهوه بالفحل . والهدير: صوتها.)وأما قول ابن عباس: «ما أسِفْت على كلام ..» إلى آخره، فحدثني شيخي أبو الخير مصدِّق شبيب الواسطيّ في سنة ثلاث وستمائة. قال قرأتُ على الشيخ أبي محمد عبداللّٰه بن ، أحمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة، فلما انتهيتُ إلى هذا الموضع، قال لي : لو سمعتُ ابن عباس يقول هذا لقلت له : وهل بَقِيَ في نفس ابن عمك أمرٌ لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف ألا يكون بلغ من كلامه ما أراد! واللّٰه ما رجع عن الأولين ولا عن الآخرين، ولا بَقي في نفسه أحد لم يذكره إلا رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم.)قال مصدّق : وكان ابن الخشاب صاحبَ دعابة وهزل. قال : فقلت له : أتقول إنها منحولة! فقال : لا واللّٰه، وإني لأعلم أنها كلامه، كما أعلم أنك مصدّق . قال : فقلت له : إن كثيراً من الناس يقولون إنها من كلام الرضيّ رحمه اللّٰه تعالى. فقال : أنى للرضيّ ولغير الرضيّ هذا النَّفَس وهذا الأسلوب! قد وقفنا على رسائل الرضيّ، وعرفنا طريقته وفَنّه في الكلام المنثور ، وما يقع مع هذا الكلام في خَلِّ ولا خَمْر . ثم قال : واللّٰه لقد وقفتُ على هذه الخطبة في كتب صُنِّفت قبل أن يخلق الرضيّ بمائتي سنة، ولقد وجدتُها مسطورة بخطوط أعرفها، وأعرف خطوط مَنْ هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيبُ أبو أحمد والد الرضيّ .قلت : وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخيّ إمام البغداديين من المعتزلة، وكان في دولة المقتدر قبل أن يُخلق الرضي بمدة طويلة. ووجدت أيضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بنِ قِبّة أحد متكلّمي الإمامية وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب «الإنصاف». وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخيّ رحمه اللّٰه تعالى، ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضيّ رحمه اللّٰه تعالى موجوداً .
1) سورة الرحمن، الآية : 64 .
## 4 - ومن خطبة له في هداية الناس وكمال يقينهالأصل: بِنَا اهْتَدَيْتُمْ فِي الظَّلْمَاءِ، وَتَسَنَّمْتُم الْعَلْیَاء. وَبِنَا انْفَجَرْتُمْ عَنِ السِّرَار. وُقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الْوَاعِيَةَ ، وَكَيْفَ يُرَاعِي النَّبأَةَ مَنْ أَصَمَّتْه الصَّيْحَةُ! رُبِطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الْخَفَقَانُ .مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ، وَأَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُغْتَرِّينَ، سَتَرَنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ، وَبَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النَّیةِ .أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الْحَقِّ فِي جَوَادِّ الْمَضَلَّةِ، حَيْثُ تَلْتَقُونَ وَلاَ دَلِيلَ، وَتَحْتَفِرُونَ وَلاَ تُميهُونَ الْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ.عَزَبَ رَأْيُ أمْرِيءٍ تَخَلَّفَ عَنِّي، مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُه .لَمْ يُوجِسْ مُوسَى خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ وَدُوَلِ الضَّلَالِ. الْيَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ الْحَقّی وَالْبَاطِلِ. مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأْ .الشرح: هذه الكلمات والأمثال ملتقَطة من خطبة طويلة منسوبة إليه (علیه السلام، قد زاد فيها قوم أشياء حملتْهم عليها أهواؤهم، لا توافق الفاظُها طريقته(علیه السلام) في الخطب، ولا تناسب فصاحتُها فصاحتَه ولا حاجة إلى ذكرها فهي شهيرة .ونحن نشرح هذه الألفاظ، لأنهاكلامُه (علیه السلام)، لا يشكّ في ذلك مَنْ له ذوق ونقد ومعرفة بمذاهب الخطباء والفصحاء في خُطَبهم ورسائلهم ولأنّ الرواية لها كثيرة، ولأن الرضيّ رحمة اللّٰه تعالى عليه قد التقَطها ونسبَها إليه(علیه السلام) ، وصحّحها وحذف ما عداها .)وأما قوله (علیه السلام: «بنا اهتديتم في الظَّلماء»، فيعني بالظلماء الجهالة، وتَسَنَّمتم العلياء:)ركبتم سنامها، وهذه استعارة.قوله : «وبنا انفجرتم عن السِّرار» أي دخلتم في الفَجْر ، والسِّرار : الليلة والليلتان يستتر فيهما القمر في آخر الشهر فلا يظهر . وروى «أفجرتم»، وهو أفصح وأصحّ، لأن «انفعل» لا يكون إلا مطاوع «فعل»، نحو كسرته فانكسر ، وحطمته فانحطم، إلا ما شذّ من قولهم : أغلق الباب فانغلق وأزعجته فانزعج. وأيضاً فإنه لا يقع إلا حيث يكون علاج وتأثير، نحو انكسر وانحطم، ولهذا قالوا : إن قولهم: انعدم خطأ، وأما «أفعل» فيجيء لصيرورة الشيء على حال وأمر، نحو أغدَّ البعير، أي صار ذا غُدَّة، وأجرَب الرجل، إذا صار ذا إبلِ جَرْبى، وغير ذلك . فافجرتم، أي صرتم ذوي فجر .
وأما «عن» في قوله : «عن السرار» فهي للمجاوزة على حقيقة معناها الأصليّ ، أي منتقلين عن السرار ومتجاوزين له .وقوله(علیه السلام : «وقر سمع» هذا دعاء على السمع الذي لم يفقه الواعية بالثِّقل والصَّمَم، وقرِت أُذُنُ زيد، بضم الواو فهي موقورة، والوَقْر ، بالفتح : الثِّقَل في الأذن، وَقِرَتْ أذنُه - بفتح الواو وكسر القاف - تَوْقَر وَقَراً أي صَمّت والمصدر في هذا الموضع جاء بالسّكون، وهو شاذّ، وقياسه التحريك بالفتح ، نحو ورِم وَرَماً. والوَاعية: الصارخة، من الوُعاء، وهو الجَلَبة والأصواب، والمراد العبر والمواعظ .)قوله : «كيف يُرَاعِي النبأة»، هذا مثل آخر، يقول : كيف يلاحظ ويراعي العِبَر الضعيفةَ مَنْ لم ينتفع بالعِبَر الجليّة الظاهرة، بل فسد عندها، وشبّه ذلك بمن أصَمَّتْهُ الصَّيْحة القوية، فإنّه محال أن يراعي بعد ذلك الصوت الضعيف. والنبأة: هي الصوت الخفيّ .فإن قيل : هذا يخالف قولكم: إنّ الاستفساد لا يجوز على الحكيم سبحانه، فإنّ كلامه (علیه السلامصريح في أنّ بعض المكلّفين يفسد عند العبر والمواعظ.)قيل : إن لفظة «أفعل» قد تأتي لوجود الشيء على صفة، نحو أحمدته، إذا أصبته محموداً .وقالوا : أحْيَيْتُ الأرض، إذا وجدتَها حية النبات، فقوله : «أَصَمَّتْهُ الصيحة»، ليس معناه أنّ الصيحة كانت علّة لصممه ، بل معناه صادفته أصمَّ ، وبهذا تأول أصحابنا قوله تعالى : (وَأَضَلَّهُ اللّٰه عَلَىٰ عِلمٍ (1).)قوله : «رُبط جَنَان لم يفارقْه الخَفَقان»، هذا مثل آخر، وهو دعاء لقلب لا يزال خائفاً من اللّٰه يخفُق بالثبوت والاستمساك.قوله : «ما زلت أنتظر بكم»، يقول : كنت مترقباً غدرَكم متفرِّساً فيكم الغَرَر، وهوالغفلة.وقيل : إنّ هذه الخطبة خَطَبها بعد مقتل طلحة والزبير، مخاطباً بها، لهما ولغيرهما من أمثالهما، كما قال النبي (صلی اللّٰه علیه و آله و سلميوم بدر ، بعد قَتْل من قريش: «يا عُتْبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا عمرو بن هشام» (2)، وهم جِيَف منتنة قد جُرّوا إلى القَلِيب.)قوله: «سَترني عنكم»، هذا يحتمل وجوهاً، أوضحها أنّ إظهارَكم شعار الإسلام عصمكم منِّي مع علمي بنفاقكم، وإنما أبصرت نفاقكم وبواطنكم الخبيثة بصِدْقِ نِيَّتي . كما يقال : المؤمن یُبْصر بنور اللّٰه . ويحتمل أن يريد: سترني عنكم جلبابُ ديني، ومنعنِي أن أعرِّفكم نفسي وما أقدر عليه من عَسْفكم، كما تقول لمن استهان بحقّك : أنت لا تعرفُني ولو شئت لعرّفُتك نفسي .
وفسر القُطْب الراونديّ قوله(علیه السلام : «وبَصَّرنيكمْ صدقُ النية »، قال : معناه أنكم إذا صدقتم نياتكم، ونظرتم بأعين لم تطرَفْ بالحسد والغشّ وأنصفتُموني، أبصرتم عظيمَ منزلتي .)وهذا ليس بجيّد، لأنه لو كان هو المراد لقال : وبصّركم إيَّاي صدقُ النية، ولم يقل ذلك، وإنما قال: «بَصَّرنيكم»، فجعل صدقَ النيّة مبصِّراً له لا لهم. وأيضاً فإنّه حكم بأنّ صدقّ النية هوعلّة التبصير، وأعداؤه لم يكن فيهم صادق النية، وظاهر الكلام الحكْم والقطع، لا التعليق بالشرط.قوله : «أقمت لكم على سنَن الحق»، يقال : تنح عن سَنَن الطريق وسُنن الطريق بفتح السين وضمها، فالأول مفرد والثاني جمع سُنّة، وهي جادّة الطريق والواضح منها . وأرض ومَضَلّة و مَضِلّة، بفتح الضادِ وكسرها : يضلّ سالكها . وأماهَ المحتفِر يميه، أنبط الماء. يقول : فعلتُ من إرشادكم وأمرِكم بالمعروف ونهيكم عن المنكر ما يجب على مثلي، فوقفت لكم على جادّة الحق ومنهجه، حيث طرُق الضلال كثيرة مختلفة من سائر جهاتي، وأنتم تائهون فيها تلتقون، ولا دليل لكم، وتحتفرون لتجدوا ماء تنقعون به غُلّتكم فلا تظفرون بالماء، وهذه كلُّها استعارات.قوله : «اليوم أنطق»، هذا مثَلٌ آخر. والعجْماء: التي لا نطق لها، وهذا إشارة إلى الرموز التي تتضَمّنها هذه الخطبة، يقول: هي خفية غامضة، وهي مع غموضها جليّة لأولى الألباب، فكأنها تنطق كما تنطق کما ینطق ذوو الألسنة، كما قيل : ما الأمور الصامتة الناطقة؟ فقيل : الدلائل المخبرة والعبَر الواعظة. وفي الأثر: سل الأرضَ : مَنْ شقَّ أنهارك، وأخرج ثمارَك؟ فإن لمتُجبك حواراً، أجابتْك اعتباراً .قوله : «عزبَ رأيُ امريء تخلف عَنِّي» هذا كلام آخر ،عزب، أي بعد، والعازب: البعيد.ويحتمل أن يكونَ هذا الكلام إخباراً وأن يكون دعاء، كما أنّ قوله تعالى : (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (1)يحتمل الأمرين .)قوله: «ما شكَكْتُ في الحق مذ رأيته»، هذا كلام آخر، يقول: معارفي ثابتة لا يتطرّق إليها الشكّ والشبهة.قوله : «لم يوجس موسى»، هذا كلام شريف جدَّا، يقول: إن موسى لما أوجسَ الخيفة، بدلالة قوله تعالى : «فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ (2)، لم يكن ذلك الخوفُ على نفسه، وإنما خاف من الفتنة والشُّبْهة الداخلة على المكلّفين عند إلقاء السحرة عصيَّهم، فخيِّل إليه من سحرهم أنّها تسعى، وكذلك أنا لا أخافُ على نفسي من الأعداء الذين نَصَبُوا ليَ الحبائل،)
وأرصدوا ليَ المكائد، وسعّروا عليّ نيران الحرب، وإنما أخاف أن يفتَتن المكلّفون بشُبهم وتمويهاتهم، فتقوى دولةُ الضلال، وتغلب كلمة الجهال.قوله : «اليوم تواقفنا»، القاف قبل الفاء، تواقَف القوم على الطريق، أي وقفوا كلّهم عليها، يقول : اليوم اتَّضح الحق والباطل، وعرفناهما نحن وأنتم .قوله : «مَنْ وثق بماء لم يظمأ»، الظمأ الذي يكون عند عدم الثقة بالماء وليس يريد النفيَ المطلق، لأن الواثق بالماء قد يظمأ، ولكن لا يكون عطشه على حدّ العطش الكائن عند عدم الماء، وعدم الوثوق بوجوده ، وهذا كقول أبي الطيب:وما صَبابَةُ مُشتاقِ عَلَى أَمَلِ***مِنَ اللِّقاءِ كَمُشتاق بِلا أَمَلِوالصائم في شهر رمضان يُصبح جائعاً تنازعه نفسه إلى الغِذاء، وفي أيام الفِطْر لا يجد تلك المنازعة في مثل ذلك الوقت لأنّ الصائم ممنوع، والنفس تحرِصُ على طلب ما مُنعت منه ، يقول : إن وثقتم بي وسكنتم إلى قولي كنتم أبعدَ عن الضَّلال وأقربَ إلى اليقين وثَلَج النفس، كمن وثِق بأنّ الماء في إداوته، يكون عن الظمأ وخوف الهلاك من العطش أبعدَ مِمّن لم يثقْبذلك .## 5- ومن كلام له (علیه السلاملما قبض رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وخاطبه)### اشارةالعباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافةالأصل: أَيُّهَا النَّاسُ، شُقُوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ، وضَعُوا تِیجَانَ الْمُفَاخَرَةِ. أفلح مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ. مَاءٌ آجِنِّ، ولُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا اكِلُهَا . ومُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ، فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا : حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ ، وإِنْ اَسْكُتْ يَقُولُوا : جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ .هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَیَّا والَّتِي ! واللّٰه لاَبْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لأَضْطَرَبْتُمْ أَضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطِّوِيِّ الْبَعِيدَةِ.الشرح: المفاخرة: أن يذكر كلّ واحد من الرجُلين مفاخره وفضائله وقديمه، ثم يتحاكما إلى ثالث . والماء الآجن: المتغيِّر الفاسد، أجَنَ الماء، بفتح الجيم، يأجِن ويأجُن، بالكسر والضم . والإيناع: إدراكُ الثمرة. واللَّتيا : تصغير التي، كما أن اللَّذيا تصغير الذي.
واندمجت : انطويت. والطوِيّ: البئر المطويّة بالحجارة. يقول : تخلّصُوا عن الفتنة وانْجَوا منها بالمتاركة والمسالمة والعدول عن المنافرة والمفاخرة.أفلح مَنْ نهض بجناح، أي مات شبَّه الميِّت المفارقَ للدنيا بطائر نهضَ عن الأرض بجناحه. ويحتمل أن يريد بذلك : أفلح مَن اعتزل هذا العالم، وساح في الأرض منقطعاً عن تكاليف الدنيا . ويحتمل أيضاً أن يريد: أفلح مَنْ نهض في طلب الرياسة بناصر ينصره، وأعوان يجاهدون بين يديه، وعلى التقادير كلّها تنطبق اللفظةُ الثانية، وهي قوله : «أو استسلم فأراح»، أي أراح نفسه باستسلامه .ثم قال : الإمْرَة على الناس وخيمة العاقبة، ذات مشقّة في العاجلة، فهي في عاجلها كالماء الآجن يجدُ شاريه مشقّة، وفي آجلها كاللقمة التي تَحْدثُ عن أكلها الغُصَّة. ويَغَصّ مفتوح حرف المضارعة ومفتوح الغين، أصله : «غَصِصْت» بالكسر. ويحتمل أن يكون الأمران معاً للعاجلة، لأن الغَصَص في أول البلع، كما أن ألم شرب الماء الآجن يحدث في أول الشرب.ويجوز ألاّ يكون عَنَى الإمْرة المطلقة، بل هي الإمْرة المخصوصة، يعني بيعةَ السقيفة.ثم أخذ في الاعتذار عن الإمساك وترك المنازعة، فقال: مجتنِي الثمرة قبل أن تُدْرك لا ينتفع بما اجتناه، كمن زرع في غير أرضه، ولا ينتفع بذلك الزرع، يريد أنّه ليس هذا الوقت هو الوقت الذي يَسُوغ لي فيه طلب الأمر، وأنه لم يَأْن بعد.ثم قال : قد حَصَلْت بين حالين، إن قلتُ، قال الناس : حَرَص على المُلْك، وإن لم أقل، قالوا : جَزع من الموت.قال : هيهات، استبعاداً لظنّهم فيه الجزع. ثم قال: «اللَّتيا والَّتي»، أي: أبَعْد اللّتيا والتي أجزع! أبَعْدَ أن قاسيتُ الأهوال الكبار والصغار، ومُنيِت بكل داهية عظيمة وصغيرة! فاللّتيّا للصغيرة والتي للكبيرة.ذكر أنّ أنْسَه بالموت كأُنسِ الطفل بثدي أمه، وأنّه انطوى على علم هو ممتنع لموجبه من المنازعة، وأنّ ذلك العلم لا يُباح به، ولو باح به لاضطرب سامعوه کاضطراب الأرشِية - وهي الحبال - في البئر البعيدة القعر، وهذا إشارة إلى الوصيّةِ التي خُصَّ بها (علیه السلام. إنه قد كان من جملتها الأمر بترك النزاع في مبدأ الاختلاف عليه(1).
1) ولعله الجراب الثالث من العلم الذي ورثه أبو هريرة والذي اختصه به رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)ومن شاء من أصحابه الكرام وآل بيته الأطهار. ولعله جوهر العلم الذي أشار إليه سيدنا الإمام علي زين العابدين بقوله :)يارب جوهر علم لو أبوح به*** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثن
### اقسام الاستعاراتواعلم أن أحسنَ الاستعارات ما تضمّن مناسبةَ بين المستعار والمستعار منه، كهذه الاستعارات، فإنّ قوله (علیه السلام: «شُقُّوا أمواجَ الفِتَن بسفُن النجاة» من هذا النوع، وذلك لأن قد تتضاعف وتترادف، فحسُنَ تشبيهها بأمواج البحر المضطربة. ولما كانت السفن الحقيقية تنجِّي من أمواج البحر، حَسُن أن يستعار لفظُ السُّفن لما ينجِّي من الفِتن. وكذلك قوله: «وضعوا تيجان المفاخرة»، لأنّ التاج لما كان مما يعظُم به قَدْر الإنسان استعاره لما يتعظَّم به الإنسان من الافتخار وذكر القديم وكذلك استعارة النهوض بالجناح لمن اعتزل الناس، كأنه لما نفض يديه عنهم صار كالطائر الذي ينهض من الأرض بجناحيه .)وفي الاستعارات ما هو خارج عن هذا النوع، وهو مستقبح، وذلك كقول أبي نواس :بُحْ صَوْتُ المالِ مِمّا*** مِنْكَ يَبْکی وَيَنُوحُوكذلك قوله :مَا لرجْلِ المال أضحتْ*** تَشْتَكِي مِنْك الكَلاَلاًوقول أبي تمام :وكَمْ أحْرَزَتْ مِنْكُمْ على قُبْحِ قَدّها*** صرُوفُ النَّوى مِنْ مُرْهَفٍ حَسَن القَدِّوكقوله :بلَوْنَاكَ، أَمَا كَعْبُ عِرْضِك في العلا*** فَعَالِ، ولكن خدّ مالك أَسْفَلُفإنه لا مناسبة بين الرّجْل والمال، ولا بين الصوت والمال، ولا معنى لتصييره للنّوى قدّاً، ولا للعِرْض كعباً، ولا للمال خدّاً .وقريب منه أيضاً قوله :لا تَسْقِني مَاءَ الْمَلَامِ فَإِنّني*** صَبٌ قَدِ اسْتَعْذَبْتُ مَاءَ بكائيويقال : إن مَخْلَداً الموصلّي بعث إليه بقارورة يسأله أن يبعث له فيها قليلاً من ماء الملام، فقال لصاحبه: قل له يبعثْ إليّ بريشة من جَناح الذّل لأستخرج بها من القارورة ما أبعثه إليه .وهذا ظلم من أبي تمام لمخلَد، وما الأمرانِ ،سواء، لأنّ الطائر إذا أعيا وتعب ذلّ وخفض جناحيه، وكذلك الإنسان إذا استسلم ألقى بيديه ذلاَّ، ويدُه جناحه، فذاك هو الذي حَسّن قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ (1)ألا ترى أنه لو قال: واخفضْ لهما ساق الذّلّ، أو بطن الذُّلِّ لم يكن مستحسناً !)
1) سورة الإسراء، الآية: 24 .
ومن الاستعارة المستحسنة في الكلام المنثور، ما اختاره قُدامة بن جعفر في كتاب «الخراج» نحو قول أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة في جوابه لأبي الجيش خمارويْه بن أحمد بن طولون عن المعتضد باللّٰه، لما كتب بإنفاذ ابنته قَطْر الندى التي تزوّجها المعتضد، وذلك قول ابن ثوابة هذا : وأمّا الوديعةُ فهي منزلة ما انتقَل من شِمالك إلى يمينك، عنايةَ بها وحِياطة لها، ورعايةَ لمودتك فيها .وقال ابنُ ثوابة لمّا كتب هذا الكتاب لأبي القاسم عبيد اللّٰه بن سليمان بن وهب وزير المعتضد: واللّٰه إنّ تسميتي إياها بالوديعة نصفُ البلاغة.وذكر أحمدُ بن يوسف الكاتب رجلاً خلا بالمأمون، فقال: ما زال يفتِلُه في الذّرْوة والغارِب حتى لفَتَه عن رأيه .وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلّي : النبيذ قَيْد الحديث.وذكر بعضهم رجلاً فذمَّه، فقال : هو أمْلس ليسَ فيه مستقرُّ لخير ولا شر .ورضيَ بعض الرؤساء عن رجل من موجِدة ، ثم أقبل يوبّخه عليها، فقال: إنْ رأيت ألاّ تخدش وجهَ رضاك بالتوبيخ فافعل .وقال بعض الأعراب : خرجنا في ليلةِ حِنْدس (1، قد القتْ على الأرض أكارِعَها، فمحت صورة الأبدان ، فما كنّا نتعارف إلا بالآذان.)وغزت حنيفة ،نُميراً، فأتبعتْهم نُمير فأتوا عليهم، فقيل لرجل منهم : كيف صنع قومُك ؟ قال : اتّبعوهم واللّٰه ، وقد أحْقَبُوا كل جُمَالِيّة خَيْفَانة، فما زالوا يخصِفُون آثار المطيّ بحوافر الخيل حتى لحقوهم، فجعلوا المُرّان أرشيةَ الموت، فاستقوْا بها أرواحهم. ومن كلامِ لعبد اللّٰه بن المعتزّ، يصف القلم : يخدم الإرادَة، ولا يملّ الاستزادة، ويسكُت واقفاً، وينطق سائراً، على أرضِ بياضها مظلم، وسوادُها مضيء.فأمّا القطب الراونديّ فقال : قوله(علیه السلام : «شُقّوا أمواج الفتن بسفُن النجاة» معناه : كونوا مع أهل البيت لأنّهم سفن النجاة، لقوله (علیه السلام): «مثلُ أهل بيتي كسفينة نوح، مَنْ ركبها نجا ، ومَنْ تخلّف عنها غرق » (2).)
ولقائل أن يقول : لا شبهةَ أن أهلَ البيت سفُنُ النّجاة، ولكنّهم لم يُرادوا هاهنا بهذه اللفظة، لأنّه لو كان ذلك هو المراد، لكان قد أمر أبا سفيان والعباس بالكون مع أهل البيت، ومرادُه الآن ينقُض ذلك، لأنّه يأمر بالتقيَّة وإظهار اتباع الذين عُقِد لهم الأمر، ويروى أنّ الاستسلام هو المتعيّن، فالذي ظنّه الراونديّ لا يحتمله الكلامُ ولا يناسبه .وقال أيضاً : التعريجُ على الشيء : الإقامة عليه، يقال: عرَّج فلان على المنزل، إذا حبس نفسه عليه فالتقدير : عَرَّجوا على الاستقامة منصرِفين عن المنافرة.ولقائل أن يقول : التعريج يُعَدّى تارة ب- «عن» وتارة ب-«على»، فإذا عدّيته بعن أردت التجنّب والرفض، وإذا عدّيته ب-«على» أردت المقام والوقوف، وكلامه (علیه السلاممعدّى ب-«عن». قال:)«وعرّجوا عن طريق المنافرة».وقال أيضاً: «آنس بالموت» أي أسَرُّ به، وليس بتفسير صحيح، بل هو من الأنس ضدّ الوحشة.### من أحق بالخلافة بعد النبي؟لما قبض رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم ، واشتغل عليّ (علیه السلام)بغسله ودفنه، وبُويع أبو بكر، خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من المهاجرين بعبّاس وعليّ (علیه السلام) لإجالة الرأي، وتكلّموا بكلام يقتضي الاستنهاضَ والتهييج ، فقال العباس رضي اللّٰه عنه : قد سمعنا قولَكم فلا لِقِلّة نستعين بكم، ولا لظنّةٍ نترك آراءكم، فأمهلونا نراجع الفكر، فإن يَكنْ لنا من الإثم مخرج يصرّ بنا وبهم الحقّ صَرِير الجُدْجُد (1)، ونبسط إلى المجد أكفَّا لا نقبضُها أو نبلغَ المدى، وإن تكن الأخرى، فلا لِقلّة في العدد ولا لوَهَنِ في الأيْد، واللّٰه لولا أن الإسلام قَيّد الفتك، لَتَدكْدَكت جنادل صخر یسمع اصطکاكها من المحل العليّ .)فحلّ علي(علیه السلام حَبْوته (2)، وقال : الصَّبْر حلم، والتقوى دين، والحجّة محمد، والطريق الصراط. أيها الناس شُقّوا أمواج الفتن .. الخطبة . ثم نهض فدخل إلى منزله وافترق القوم.)وقال البَراء بن عازب : لم أزل لبني هاشم محبًّا، فلما قبض رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم خِفْتُ أن تتمالاً قريش على إخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العَجُول، مع ما في نفسي)
من الحُزْن لوفاة رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم ، فكنت أتردّد إلى بني هاشم وهم عند النبي صلى (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)في الحجرة، وأتفقد وجوهَ قريش، فإنّي كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر، وإذا قائل يقول : القومُ في سقيفة بني ساعدة، وإذا قائل آخر يقول : قد بُويع أبو بكر ، فلم ألبث، وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة، وهو محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرُّون بأحد إلا خبطوه، وقدّموه فمدُّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه، شاء ذلك أو أبي، فأنكرتُ عقلي، وخرجت أشتدُ حتى انتهيتُ إلى بني هاشم، والباب مغلق، فضربت عليهم الباب ضرباً عنيفاً، وقلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قُحافة. فقال العباس : تَرِبَتْ أيديكم إلى آخر الدهر، أما إنّي قد أمرتُكم فعصيْتُموني : فمكثتُ أكابِد ما في نفسي، ورأيت في الليل المِقْداد وسلمان وأبا ذَرّ وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم بن التَّيّهان وحُذَيفة وعَمّاراً، وهم يريدون أن يُعيِدوا الأمْرَ شورى بين المهاجرين.)وبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فأرسلا إلى أبي عبيدة وإلى المغيرة بن شعبة، فسألاهما عن الرأي، فقال المغيرة: الرأيُ أن تلقوا العباس فتجعلوا له ولولده في هذه الإمْرة نصيباً، ليقطعوا بذلك ناحية عليّ بن أبي طالب.فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة، حتى دَخلوا على العباس، وذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم، فحمد أبو بكر اللّٰه وأثنى عليه، وقال :)إن اللّٰه ابتعث لكم محمداً (صلی اللّٰه علیه و آله و سلمو نبيًّا، وللمؤمنين ،وليًّا، فمنّ عليهم بكونه بين ظَهْرانيهم، حتی اختار له ما عنده، فخلَّى على الناس أمورَهم ليختاروا لأنفسهم متفقين غير مختلفين، فاختاروني عليهم والياً، ولأمورهم راعياً، فتولّيت ذلك، وما أخاف بعوْنِ اللّٰه وتسديده وَهْناً ولا حَيْرة ولا جبناً، وما توفيقي إلاّ باللّٰه عليه توكّلت وإليه أنيب. وما أنفكُّ يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامّة المسلمين، يتخذكم لجأ فتكونون حصنه المنيع، وخطبه البديع، فإمّا دخلتم فيما دخل فيه الناس، أو صرفتموهم عَمّا مالوا إليه . فقد جئناك، ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً، ولمن بعدك من عقبك ، إذ كنت عمَّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وإن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)من رسول اللّٰه ، ومكان أهلِك، ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم. وعلى رِسْلِكُم بني هاشم، فإنّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)منّا ومنكم .)فاعترض كلامه عمر، وخرج إلى مذهبه في الخشونة والوعيد وإتيان الأمر من أصعب جهاته، فقال: إي واللّٰه. وأُخرى: إنا لم نأتكم حاجةَ إليكم، ولكنْ كرهنا أن يكونَ الطعنُ فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقمَ الخطب بكم وبهم. فانظروا لأنفسكم ولعامّتهم. ثم سكت.
فتكلم العباس، فحمد اللّٰه وأثنى عليه ، ثم قال : إن اللّٰه ابتعث محمداً نبيًّا كما وصفت، ووليًّا للمؤمنين، فمنّ اللّٰه به على أمته حتى اختار له ما عنده، فخلّى الناس على أمرهم ليختاروا لأنفسهم، مصيبين للحقّ، مائلين عن زَيْغ الهوى، فإن كنت برسول اللّٰه طبت فحقّنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم، ما تقدّمنا في أمركم فرَطاً ، ولا حللنا وسطاً، ولا نزحنا شَحَطاً، فإن كان هذا الأمرُ يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين. وما أبعد قولك : إنّهم طعنوا من قولك إنهم مالوا إليك! وأما ما بذلْت لنا، فإن يكنْ حَقّك أعطيتَناه فأمْسِكْه عليك، وإن يكن حقَّ المؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، وإن يكن حقَّنا لم نرض لك ببعضه دون بعض. وما أقول هذا أروم صُرفَك عمّا دخلتَ فيه، ولكن للحجّة نصيبها من البيان. وأما قولُك: إن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلممنّا ومنكم، فإنّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)من شجرة نحن أغصانها، وأنتُم جيرانها . وأما قولك يا عمر: إنّك تخاف الناس علينا، فهذا الذي قدمتموه أوَّل ذلك، وباللّٰه المستعان .)لما اجتمع المهاجرون على بَيْعة أبي بكر ، أقبل أبو سفيان وهو يقول : أما واللّٰه إني لأرَى عجاجة لا يطفئها إلا الدم، يا لَعبد مناف، فيم أبو بكر من أمركم! أين المستضعفان؟ أين الأذَلاّن؟يعني علياً والعباس. ما بالُ هذا الأمر في أقلّ حيّ من قريش . ثم قال لعلّي : ابسط يدك أبايعك، فواللّٰه إن شئت لأملأنّها على أبي فصيل - يعني أبا بكر - خَيْلاً ورَجلاً . فامتنع عليه عليّ (علیه السلام، فلما يئس منه قام عنه وهو ينشد شعر المتلمّس :)وَلا يُقِيمُ عَلَى ضَيْم يُرادُ بِهِ*** إلا الأذلاَّنِ، عَيْرُ الحيّ والْوِتدُهذا على الخَسْفِ مربوط برُمَّتِهِ*** وَذَا يُشَجُّ فلا يَرْثِي لهُ أحَدُقيل لأبي قُحافة يوم ولي الأمرَ ابنُه : قد ولي ابنك الخلافة، فقرأ : (قُلِ اللَّهُمَّ مَٰلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ (1)، ثم قال : لم ولَّوْه؟ قالوا: لسنّه قال: أنا أسنّ منه.)نازع أبو سفيان أبا بكر في أمر فأغلظ له أبو بكر ، فقال له أبو قحافة: يا بنيّ أتقول هذا لأبي سُفيان شيخِ البطحاء ! قال : إن اللّٰه تعالى رَفع بالإسلام بيوتاً، ووضع بيوتاً، فكان ممّا رفع بيتُك يا أبت، ومما وضع بيت أبي سفيان.
1) سورة آل عمران، الآية: 26 .
## 6 - ومن كلام له لما أشير عليه بألا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال### اشارةالأصل: وَاللّٰه لاَ أَكُونُ كَالضَّبُعِ تَنامُ عَلَى طُولِ اللَّذمِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا، وَيَخْتِلَها رَاصِدُهَا ، ولَكِنِّي أَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إِلَى الْحَقِّ الْمُدْبِرَ عَنْهُ، وَبِالسَّامِعِ الْمُطِيعِ العَاصِيَ الْمُرِيبَ أَبَداً ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي، فَوَاللّٰهُ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي ، مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ مُنْذُ قَبَضَ اللّٰه نَبِيَّهُ صَلَّى اللّٰه عَلَيْهِ حَتَّی يَوْمِ النَّاسِ هَذَا .الشرح : يقال : أرصد له بشرّ ، أي أعدّ له وهياه، وفي الحديث: «إلاّ أَنْ أَرصُدَه لِدَيْنِ عليّ » (1.)واللَّذم : صوت الحجر أو العصا أو غيرهما، تضرب به الأرض ضرباً ليس بشديد.ولما شرح الراونديّ هذه اللفظات، قال: وفي الحديث: «واللّٰه لا أكون مثل الضَّبُع تسمَعُ اللَّذم حتى تخرج فتُصاد» (2، وقد كان - سامحه اللّٰه - وقت تصنيفه الشّرح ينظر في «صحاح الجوهريّ» (3)وينقل مِنها، فنقل هذا الحديث ظنَّا منه أنه حديث عن رسول اللّٰه (صلی الله علیه و آله و سلم)، و لیس كما ظنّ، بل الحديث الذي أشار إليه الجوهريُّ هو حديث عليّ (علیه السلام)الذي نحن بصدد تفسيره .)ويختلها راصدها: يخدعها مترقبها، ختلتُ فلاناً : خدعتَه ورصدته: ترقبته. ومستأثَراً عليّ ، أي مستبَدَّا دوني بالأمر ، والاسم الأثرَة، وفي الحديث : إِنّه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم، قال للأنصار : «ستلقوْن بعدي أَثَرَة ، فإذا كان ذلك فاصبروا حتى تَرِدُوا عَلَيّ الحوض» (4). والعرب تقول في رموزها وأمثالها : أحمق من الضبُع، ويزعمون أنّ الصائد يدخل عليها وِجَارَها، فيقول لها : أطرقي أمّ طرّيق، خامري أمّ عامر، ويكرر ذلك عليها مراراً . معنى أطرِقي أمَّ طُرّيقْ طاطِئي رأسك، وكناها أمَّ طُرَّيْقٍ لكثرة ،إطراقها، على «فُعَّيْل» كالقُبَّيْط للناطف، والعُلَّيْق لنبْت. ومعنى)
1) أخرجه البخاري، كتاب: الاستئذان، باب: مت أجاب بلبيك وسعديك (6268) ، ومسلم، كتاب الزكاة ،تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة (991).
2) ذكره ابن منظور في لسان العرب : 539/12 .
3) «الصحاح في اللغة» : للإمام أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، المتوفى سنة ( 393ه-) . كشف الظنون (1071/2).
4) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف في شوال سنة ثمان (4330) ، ومسلم، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (1061).
«خامري» الزمي وجَارك واستتري فيه، خامر الرجلُ منزلَه إذا لزمه . قالوا : فتلجأ إلى أقصى مغارها وَتَتَقَبَّض، فيقول: أمّ عامر ليْست في وِجارها ، أم عامر نائمة، فتمدّ يديْها ورجليها وتستلقي، فيدخل عليها فيوثقها، وهو يقول لها : أبشري أمّ عامر بِكُمِّ الرجال، أبشري أم عامر بشاءٍ هزلي، وجرادٍ عَظْلي، أي يركب بعضه بعضاً، فتشدّ عراقيبَها فلا تتحرك، ولو شاءت أن تقتَله لأمكنها ، قال الكميت :فعْلَ المُقرَّة للمقا*** لةِ خَامِري يا أمَّ عامرُوقال الشَّنْفَرَى :لا تَقْبُرُونِي إن قَبْرِي مُحَرّمٌ*** عَليكمْ ولكِنْ خامري أمَّ عامرِإذا ما مضى رأسي وفي الرأس أكثري وغُودِرَ عِنْدَ الملتقى ثُمّ سائريهنالك لا أرجُو حياةً تَسرُّني سَجِيسَ الليالي مُبسَلاً بالجرائرِ(1)أوصاهم ألاّ يدفنوه إذا قُتل ، وقال : اجعلوني أُكْلاً للسباع ،كالشيء الذي يرغَّبُ به الضُبع في الخروج، وتقدير الكلام: لا تقبروني ولكن اجعلوني كالتي يقال لها : خامرِي أمّ عامر، وهي الضبُع، فإنها لا تقبَر. ويمكن أن يقالَ أيضاً : أراد لا تقبروني واجعلوني فَريسة للتي يقال لها: خامري أم عامر، لأنها تأكل الجيفَ وأشلاء القتلى والموتى .وقال أبو عبيدة : يأتي الصائد فَيضرِب بعقِبه الأرض عند باب مَغارها ضرباً خفيفاً، وذلك هو اللَّدْم ويقول : خامري أم عامر، مراراً ، بصوت ليس بشدید، فتنام على ذلك، فيدخل إليها، فيجعل الحْبل في عرقوبها ويجرّها فيخرجها . يقول : لا أقعدُ عن الحربِ والانتصار لنفسي وسلطاني، فيكون حالي مع القوم المشار إليهم حال الضَّبعُ مع صائدها، فأكون قد أسلمتُ نفسي، فعْلَ العاجز الأحمق، ولكنّي أحارب مَنْ عصاني بمن أطاعني حتى أموت ، ، ثم عقّب ذلك بقوله : إن الاستثثار عليّ والتغلّب أمر لم يتجدّد الآن، ولكنه كان منذ قبض رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم.)وطلحة هو أبو محمد طلحة بن عبيد اللّٰه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. أبوه ابن عَمّ أبي بكر، وأمه الصّعبة بنت الحضرميّ ، وكانت قبل أن تكون عند عبيد اللّٰه تحت أبي سفيان صخر بْن حرب، فطلّقها ثم تبعتْها نفسُه، فقال فيها شعراً أوله :و إنّي وصَعْبَةً فيما أرَى*** بعيدانِ والوُدُّ ودُّ قريبُفي أبيات مشهورة. وطلحة أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد أصحاب الشورى،
1) سجيس الليالي : أي أبداً. اللسان، مادة (سجس).
وكان له في الدِّفاع عن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم يوم أحُد أثر عظيم، وشَلّت بعضُ أصابعه يومئذٍ وقى رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)بيده من سيوف المشركين، وقال رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) يومئذ : «اليوم أوْجَب طلحة الجنة» (1).)والزّبير هو أبو أبو عبد اللّٰه الزُّبيْر بن العوام بن خُويلدِ بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ ، أمه صفيّة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عمة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم، وهو أحد العشرة أيضاً، وأحدُ الستّة، وممن ثبت مع رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)يوم أُحُد وأبلى بلاء حسناً، وقال النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : «الكل نبي حواريّ وحواريِّي الزبير»(2). والحواريّ: الخالصة، تقول: فلان خاصة فلان، وخُلْصانه وحواريّه، أي شديد الاختصاص به والاستخلاص له.)### طارق بن شهاب يستقبل علياً (علیه السلام)خرج طارق بن شهاب الأحمسيّ يستقبل علياً (علیه السلام، وقد صار بالرَّبذَة طالباً عائشة وأصحابها، وكان طارق من صحابة عليّ (علیه السلام) وشيعته، قال: فسألتُ عنه قبل أن ألقاه: ما أقدمه ؟ فقيل : خالفه طلحة والزبير وعائشة فأتوا البصرة، فقلت في نفسي: إنّها الحرب ! أفأقاتل أمِّ المؤمنين، وحواريّ رسول اللّٰه إنّ هذا العظيم، ثم قلت : أأدَعُ عليَّا، وهو أوّلُ المؤمنين إيماناً باللّٰه وابن عم رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ووصيه ! هذا أعظم. ثم أتيتُه فسلّمتُ عليه، ثم جلست إليه، فقصَّ عليّ قصة القوم وقصّته، ثم صلى بنا الظهر، فلما انفتل جاءه الحسن ابنُه(علیه السلام) ، فبكى بين يديه، قال : ما بالك؟ قال: أبكى لقتلك غداً بمَضِيعة ولا ناصر لك . أما إني أمرتك فعصيتَني، ثم أمرتُك فعصيتَني . فقال (علیه السلام): لا تزال تخنُّ خنين الأمَة ! ما الذي أمرتني به فعصيتُك! قال: أمرتُك حين أحاط الناس بعثمان أن تعتزل، فإنّ الناس إذا قتلوه طلبوك أينما كنت حتى يبايعوك ، فلم تفعل. ثم أمرتُك لما قُتل عثمان ألاّ توافقَهم على البيْعة حتى يجتمعَ الناس ويأتيَك وفودُ العرب فلم تفعل . ثم خالفك هؤلاء القوم، فأمرتُك ألا تخرج من المدينة، وأن تدَعَهم وشأنهم، فإن اجتمعتْ عليك الأمّة فذاك، وإلاّ رضيتَ بقضاء اللّٰه)فقال(علیه السلام : واللّٰه لا أكون كالضَّبع تنام على اللّدْم حتى يدخلَ إليها طالبها فيعلّق الحبل برجلها، ويقول لها : دَبابِ دَبابِ، حتى يُقْطع عُرقُوبها ... وذكر تمام الفصل. فكان طارق بن شهاب يبكي إذا ذكر هذا الحديث. دَبَاب : اسم الضّبع، مبني على الكسر كبرَاحِ اسم للشمس .)
## 7 - ومن خطبة له (علیه السلام في ذم أتباع الشيطان)الأصل: أتخَذُوا الشَّيْطَانَ لِأَمْرِهِمْ ملاَكاً ، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وَفَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ، وَدَبَّ وَدَرَجَ فِي حُجُورِهْم، فَنَظَرَ بأَعْيُنِهِمْ ، ونَطَقَ بأَلْسِنَتِهِمْ، فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الخَطَلَ، فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ فِي سُلْطَانِهِ، وَنَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ.الشرح: يجوز أن يكون أشْرَاكاً، جمع شريك، كشريف وأشراف. ويجوز أن يكون جمع شَرَك كَجَبَل وأجبال، والمعنى بالاعتبارين مختلف.وباض وفَرّخ في صدورهم، استعارة للوسوسة والإغواء، ومرادُه طولُ مكثه وإقامته عليهم، لأن الطائر لا يبيض ويفرّخ إلا في الأعشاش التي هي وطنه ومسكنه. ودبّ ودرج في حُجورهم، أي ربّوا الباطل كما يربّى الوالدان الولد في حجورهما . ثم ذكر أنّه لشدة اتحاده بهم وامتزاجه صار كمن ينظر بأعينهم، وينطق بألسنتِهم ، أي صار الاثنان كالواحد، قال أبو الطيّب :ما الخِلّ إِلاّ مَنْ أودّ بقلْبِه وأرَى بطَرْفِ لا يَرَى بِسَوائِهِوقال آخر :كُنّامنا من المساعدَهْ نَحْيا برُوحِ واحدهْوقال آخر :جُبِلَتْ نَفسُك في نفِسي كما*** تُجْبَلُ الخمرَة بالماء الزلالِفإذا مَسَّكَ شيء مَسّنِي*** فإذا أنْتَ أنا في كلِّ حالِوالخَطل : القول الفاسد. ويجوز: أشرَكه الشيطان في سلطانه، بالهمزة، وشركه أيضاً، وبغير الهمزة أفصح .## 8 - ومن كلام له(علیه السلام يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك)### اشارةالأصل: يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ وَلَمْ يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْبَيْعَةِ، وَادَّعَى الْوَلِيجَةَ. فَلْيَأْت عَلَيْهَا بِأَمْرِ يُعْرَفُ، وَإِلاَّ فَلْيَدْخُلْ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ .
الشرح: الوليجة: البطانة، والأمر يُسَرّ ويكتَم، قال اللّٰه سبحانه: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً (1). كان الزبير يقول : بايعتُ بيدي لا بقلبي، وكان يدّعي تارة أنّه أكرِه، ويدّعي تارة أنه ورَّى في البيعة تورية، ونَوَى دخيلة، وأتى بمعاريض لا تُحمل على ظاهرها ، فقال (علیه السلام): هذا الكلام إقرارٌ منه بالبيعة وادعاء أمر آخر لم يُقِمْ عليه دليلاً ، ولم ينصب له برهاناً، فإمّا أن يقيم دليلاً على فساد البيعة الظاهرة، وأنها غير لازمة له، وإمّا أن يعاود طاعته.)قال عليّ (علیه السلام للزّبير يوم بايعه : إنّي لخائف أن تغدِر بي وتنكث بيعتي، قال: لا تخافنّ، فإنّ ذلك لا يكون مني أبداً ، فقال (علیه السلام): فلي اللّٰه عليك بذلك راع وكفيل. قال: نعم، اللّٰه لك عليّ بذلك راع وكفيل .)### طلحة والزبير ينكثان البيعةلما بويع عليُّ (علیه السلامكتب إلى معاوية: أمّا بعدُ، فإِنّ الناس قتلوا عثمان عَنْ غير مشورة منّي، وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع، فإِذا أتاك كتابي فبايع لي، وأوفِدْ إليّ أشراف أهل الشام قِبَلك .)فلما قدم رسولُه على معاوية، وقرأ كتابه، بعث رجلاً من بني عُمَيْس، وكتب معه كتاباً إلى الزبير بْنُ العوام، وفيه :بسم اللّٰه الرحمن الرحيم. لعبد اللّٰه الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان :سلام عليك، أمّا بعد، فإني قد بايعتُ لكَ أهل الشام، فأجابوا واستوسقوا (2كما يستوسق الجَلَب، فدونك الكوفة والبَصْرة، لا يسبقك إليها ابن أبي طالب، فإنّه لا شيء بعد هذين المِصْريْن، وقد بايعتُ لطلحة بن عبيد اللّٰه من بعدك، فأظْهِرا الطلب بدم عثمان ، وادْعُوَا الناس إلى ذلك، وليَكُنْ منكما الجِدّ والتشمير، أظفركما اللّٰه، وخذل مناوِئكما !)فلما وصل هذا الكتابُ إلى الزُّبير سُرّ به، وأعلم به طلحة وأقرأه إياه، فلم يشكَّا في النُّصح لهما من قِبَل معاوية، وأجمعا عند ذلك على خِلاف عليّ (علیه السلام.)جاء الزبيرُ وطلحة إلى عليّ (علیه السلامبعد البيعة بأيام، فقالا له : يا أمير المؤمنين، قد رأيتَ ما كنّا فيه من الجَفْوة في ولاية عثمان كلّها، وعِلَمْتَ رأيَ عثمان كان في بني أمية، وقد ولاّك اللّٰه)
الخلافة مِنْ بعده فولِّنا بعضَ أعمالك، فقال لهما : أرضيا بقسْم اللّٰه لكما ، حتى أرى رأيي، واعلما أنّي لا أشرك في أمانتي إلاّ من أرضى بدينه وأمانته من أصحابي، ومن قد عرفت دخيلَته .فانصرفا عنه وقد دَخَلهما اليأس، فاستأذَنَاه في العمرة.طلب طلحة والزبير من علي (علیه السلامأن يولِّيَهما المِصْريْن : البصرة والكوفة، فقال: حتى أنظر . ثم استشار المغيرة بن شعبة، فقال له : أرى أن تولّيَهما إلى أن يستقيم لك أمر الناس.)فخلا بابن عباس، وقال : ما تَرَى؟ :قال يا أمير المؤمنين، إنّ الكوفة والبصرة عَيْن الخلافة، وبهما كنوزُ الرجال، ومكان طلحة والزبير من الإسلام ما قد علمتَ، ولستُ آمنهما إن وليتَهُما أنْ يُحْدِثا أمراً. فأخذ عليّ (علیه السلامبرأي ابن عباس. وقد كان استشار المغيرة أيضاً في أمر معاوية، فقال له : أرى إقرارَه على الشام، وأن تبعثَ إليه بعده إلى أن يسكنَ شَغْبُ الناس، ولك بعدُ رأيك. فلم يأخذ برأيه .)فقال المغيرة بعد ذلك: واللّٰه ما نصحتُه قبلها، ولا أنصحه بَعْدَها ما بقيت.دخل الزبير وطلحة على عليّ (علیه السلام، فاستأذناه في العمرة، فقال : ما العمرةَ تريدان، فحَلفا له باللّٰه أنّهما ما يريدان غيرَ العمرة، فقال لهما : ما العمرةَ تريدان، وإنما تريدان الغَدْرة ونكْث البَيْعة، فحلفا باللّٰه ما الخلافَ عليه ولا نكْث بيعةِ يريدان، وما رأيُهما غير العمرة. قال لهما : فأعِيدا البيعةَ لي ثانية، فأعاداها بأشدِّ ما يكون من الأيمان والمواثيق، فأذِن لهما، فلما خرجا من عنده، قال لمن كان حاضراً: واللّٰه لا تروْنَهما إلا في فتنة يقتتلان فيها. قالوا: يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، فمرْ بردِّهما عليك، قال: ليَقْضِي اللّٰه أمراً كان مفعولاً.)لما خرج الزبير وطلحة من المدينة إلى مكّة لم يلقيَا أحداً إلا وقالا له : ليس لعليّ في أعناقنا بَيْعة، وإنما بايعناه مكرَهين. فبلغ علياً (علیه السلامقولهما ، فقال : أبعدهما اللّٰه وأغرب دارهما ! أما واللّٰه لقد علمتُ أنّهما سيقتُلان أنفسَهما أخبث مقتل، ويأتيان مَنْ وردا عليه بأشأم يوم، واللّٰه ما العُمْرةَ يريدان، ولقد أتياني بوجهَيْ فاجريْن، ورجعا بوجْهَيْ غادرين ناكثيْن، والله لا يلقيانني بعد اليوم إلا في كتيبة خَشناء، يقتلان فيها ،أنفسهما ، فبعداً لهما وسحقاً(1)!)وذكر أبو مخنف في «كتاب الجمل» أنّ عليًّا (علیه السلامخطب لما سار الزبير وطلحة من مكة ومعهما عائشة يريدون البَصْرة، فقال: أيّها الناس إنّ عائشة سارت إلى البصرة، ومعها طلحة)
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 6/32 .
والزبير، وكلُّ منهما يرى الأمرَ له دون صاحبه، أما طلحةُ فابنُ عمِّها ، وأما الزبير فَخَتَنُها ، واللّٰه لو ظفروا بما أرادوا - ولن ينالوا ذلك أبداً - ليضربَنْ أحدُهما عنقَ صاحبه بعد تنازع منهما شديد. واللّٰه إنّ راكبةَ الجمل الأحمر ما تقطَع عقبة ولا تحلُّ عُقْدة إلا في معصية اللّٰه وسَخَطه، حتى توردَ نفسها ومَنْ معها موارد الهلكة، أي واللّٰه لَيُقَتَلَنّ ثلثهم، وليهر بنّ ثلثهم: وليتوبنّ ثلثهم، وإنها التي تنبَحُها كلاب الحوْأَب (1، وإنّهما ليعلمان أنّهما مخطئان. وربّ عالم قتله . جهلُه، ومعه علمه لا ينفعه، وحسبنا اللّٰه ونعم الوكيل ! فقد قامت الفتنة فيها الفئة الباغية، أين المحتسبون؟ أين المؤمنون؟ مالي ولقريش! أما واللّٰه لقد قتلتهم كافرين، ولأقتلنّهم مفتونين! وما لنا إلى عائشة من ذَنْب إلاّ أنا أدخلناها في حَيّزنا . واللّٰه لأبْقَرنّ الباطل، حتى يَظهر الحقُّ من خاصِرته ، فقل لقريش فتلضجّ ضجيجَها . ثم نزل .)بَرَزَ عليّ (علیه السلام يوم الجمل، ونادى بالزُّبير : يا أبا عبد اللّٰه، مراراً، فخرج الزبير، فتقاربا حتى اختلفتْ أعناقُ خيلهما ، فقال له عليّ (علیه السلام): إنّما دعوتُك لأذكِّرك حديثاً قاله لِي ولك رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، أتذكر يَوْم رآك وأنت معتنِقي، فقال لك : «أتحبه»؟ قلت : ومالي لا أحبه وهو أخي وابن خالي! فقال: «أما إنّك ستحاربه وأنت ظالم له » (2). فاسترجع الزبير، وقال: أذكرتَني ما أنسانيه الدّهر، ورجع إلى صفوفه. فقال له عبد اللّٰه ابنه : لقد رجعتَ إلينا بغير الوجه الذي فارقتنا به! فقال : أذكَرني عليّ حديثاً أنسانيه الدهر فلا أحارِبُه أبداً ، وإني لراجع وتارككم منذ اليوم. فقال له عبد اللّٰه : ما أراك إلا جبُنت عن سيوف بني عبد المطلب، إنّها لسيوف حِداد، تحملها فتية أنجاد، فقال الزبير: ويلك! أتهيجُني على حَرْبه! أما إني قد حلفت ألا أحاربَه، قال : كَفِّرْ عن يمينك، لا تتحدث نساء قريش أنك جبنت، وما كنت جباناً، فقال الزبير: غلامي مكْحولٌ حرّ كفارة عن يميني، ثم أنصلَ سنان رمحه ، وحمل على عسكر عليّ (علیه السلام) برُمْح لا سنان له، فقال علي (علیه السلام): أَفرِجوا له ، فإنه مُحْرَج، ثم عاد إلى أصحابه، ثم حمل ثانية، ثم ثالثة، ثم قال لابنه : أجبنا ويلك ترى ! فقال : لقد أعذرت.)لما أذكر عليّ (علیه السلامالزبيرَ بما أذكره به ورجع الزبير، قال:)نَادَى عَليُّ بأمر لستُ أُنكِرُه*** وَكَانَ عمر أبيك الخير مُذحِينِفَقُلْتُ حسبك منْ عَذْل أبا حَسَنٍ*** بَعْضُ الذي قلتَ مُنذ اليوم يَكْفِينِي
تَرْكُ الأمور التي تُخشَى مَغَبَّتُها*** واللّٰه أمثلُ في الدنيا وفي الدينفَاخْتَرْتُ عاراً على نار مؤجّجة*** أنى يقومُ لَهَا خَلْقٌ مِنَ الطِّين!لمّا خرج عليّ (علیه السلاملطلب الزبير خرج حاسراً، وخرج إليه الزبير دارعاً مُدَجَّجاً ، فقال للزبير : يا أبا عبدِ اللّٰه قد لَعَمْرِي أعدَدْت سلاحاً، وحبذا فهل أعددت عند اللّٰه عذراً؟ فقال الزبير : إنَّ مردَّنا إلى اللّٰه ، قل عليُّ (علیه السلام): (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّیهِمُ اللّٰهُ دِينَهُمُ الْحَقِّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ اللّٰه المُبِينُ ) (1)، ثم أذكره الخبر، فلما كَرّ الزبيرُ راجعاً إلى أصحابه نادماً واجماً ، رجع عليّ (علیه السلام) إلى أصحابه جذِلاً مسروراً، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، تبرز إلى الزبير حاسراً، وهو شاكِ في السلاح وأنت تعرف شجاعته! قال : إنّه ليس بقاتلي، إنّما يَقْتلني رجل خامل الذكر، ضئيل النسب، غيلةَ في غير مأقِطِ حرب (2)، ولا معركة رجال، وَيْلُمِّه أشقى البشر ! ليودَّنّ أنَّ أمه هبِلت به! أما إنه وأحمر ثمود لمقرونان في قَرَن.)لمّا انصرف الزبير عن حَرْب عليّ (علیه السلام مَرّ بوادي السباع، والأحنف بن قيس هناك في جمع من بني تميم قد اعتزل الفريقين، فأخبِر الأحنف بمرور الزُّبير، فقال رافعاً صوته: ما أصنع بالزبير ! لفّ غارَيْن من المسلمين، حتى أخذت السيوفُ منهما مأخذها ، انسلّ وتركهم .)أما إنَّه لخليق بالقتل، قتله اللّٰه ! فاتبعه عمرو بن جُرْموز - وكان فاتكاً - فلما قَرُب منه وقف الزبير، وقال: ما شأْنك؟ قال: جئت لأسأَلَك عن أمر الناس، قال الزبير : إني تركتُهم قياماً في الرَّکْب ، يضرب بعضُم وجهَ بعض بالسيف، فسار ابن جُرموز معه، وكلُّ واحد منهما يتّقي الآخر. فلما حضرت الصلاة، قال الزبير : يا هذا، إنا نريد أن نصلِّيَ.فقال ابن جرْمرز: وأنا أريد ذلك، فقال الزبير : فتؤمّني وأؤمّنك؟ قالَ: نعم، فثنى الزبير رجلَه، وأخذ وضوءه. فلما قام إلى الصلاة شد ابن جُرموز عليه فقتله، وأخذ رأسه وخاتمه وسيفه، وحثاً عليه تراباً يسيراً، ورجع إلى الأحنف، فأخبره ، فقال : واللّٰه ما أدري أسأت أم أحسنت؟ اذهب إلى عليّ (علیه السلام فأَخْبره ، فجاء إلى عليّ(علیه السلام) ، فقال للآذن : قل له : عمرو بن جُرْموز بالباب ومعه رأسُ الزبير وسيفُه، فأدخله. وفي كثير من الروايات أنه لم يأت بالرأس بل بالسيف، فقال له: وأنت قتلتَه؟ قال: نعم، قال: واللّٰه ما كان ابنُ صفيّة جباناً ولا لئيماً، ولكن الحيْن ومصارع السوء، ثم قال : ناولني سيفه، فناوله فهزَّه ، وقال: سيف طالما جَلَى به الكَرْبَ)
عن وجه رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم. فقال ابنُ جرموز: الجائزة يا أمير المؤمنين، فقال: أما إني سمعت رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) يقول : «بَشِّر قاتل ابن صفيّة بالنار» (1)، فخرج ابن جُرْموز خائباً، وقال:)أتيتُ عليًّا برأس الزّبيْرِ*** أَبْغي بِهِ عِنْدَهُ الزُّلْفَهْفَبَشَّر بالنَّارِ يَوْمَ الحسابِ*** فبئسَتْ بِشارةُ ذي التُّحْفَهْفقلتُ له إِنّ قتل الزّبيْر*** لولا رضاك من الكُلْفَهْفإِنْ ترض ذاك فمنك الرّضا*** وإلا فَدُوِنَكَ لي حَلْفَهْوَرَبِّ المحلِّين والمحرمينَ*** وَرَبِّ الجماعةِ والأُلفَهْلَسيّانِ عِندِيَ قتلُ الزبيرِ*** وضرطة عنزِ بذي الجُحْفَهْثم خرج ابن جُرموز على عليّ (علیه السلاممع أهل النهر ، فقتله معهم فيمن قتل .)## 9 - ومن كلام له (علیه السلامفي صفة قوم أرعدوا وفشلهم في ذلك)الأصل: وَقَدْ أَرْعَدُوا وَأَبْرَقُوا ، ومَعَ هَذَيْنَ الأَمْرَيْنِ الْفَشَلُ، وَلَسْنَا نُرْعِدُ حَتى نُوقِعَ، وَلَا نُسِيلُ حتى نُمْطِرَ .الشرح: أرعد الرجل وأبرق، إذا أوعد وتهدّد، وكان الأصمعيُّ ينكره، ويزعم أنه لا يقال إلا رعد وبرق، ولما احْتُجّ عليه ببيت الكُميت :أرْعِدْ وَأَبْرِقْ يا يزيد فما وعيدك لي بِضَائرْقال: الكميتُ قرويُّ لا يُحتجّ بقوله .وكلام أمير المؤمنين(علیه السلام حُجّة دالة على بطلان قول الأصمعيُّ . والفَشَل : الجبْن والْخَور.)وقوله: «ولا نسيلُ حتى نُمْطر»، كلمة فصيحة ، يقول : إنَّ أصحاب الجمل في وعيدهم وإجلابهم بمنزلة مَنْ يدعي أنه يحدث السيل قبل إحداث المطر، وهذا محال، لأنَّ السَّيْل إنما يكون من المطر، فكيف يسبق المطر! وأمّا نحن فإنا لا ندَّعي ذلك، وإنما نُجْرِي الأمور على حقائقها، فإنْ كان منّا مطر كان منّا سيل، وإذا أوقعنا بخصمنا أوعدْنا حينئذ بالإيقاع به غيرَه من خصومنا .
1) أخرجه ابن أبي عاصم السُّنَّة (644) ، والبيهقي في الاعتقاد ص (373)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (186/4).
وقوله (علیه السلام : «ومع هذين الأمرين الفَشَل» معنَى حسَن، لأنَّ الغالبَ من الجبناء كثرة لك الضوضاء والجلَبة يوم الحرب، كما أنَّ الغالبَ من الشجعان الصمت والسكون .)وسمع أبو طاهر الْجَنّابيّ ضوضاءَ عسكر المقتدر باللّٰه ودَبادِبَهُمْ وبُوقاتهم، وهو في ألف وخمسمائة، وعسكر المقتدر في عشرين ألفاً، مقدّمهم يوسف بن أبي الساج، فقال لبعض أصحابه: ما هذا الزَّجَل؟ قال : فَشل ، قال : أَجَل .ويقال : إنه ما رُئيَ جيش كجيش أبي طاهر، ما كان يسمع لهم صوت، حتى إنَّ الخيل لم تكن لها حَمْحَمة، فرشقَ عسكرُ ابن أبي الساج القَرَامِطةَ بالسّهام المسمُومة، فجرح منهم أكثر من خمسمائة إنْسان.وكان أبو طاهر في عمارية له، فنزل وركب فرساً وحمل بنفسه ومعه أصحابه حملة على عسكر ابن أبي الساج، فكسروه وفلّوه وخلصوا إلى يوسف فأسروه، وتقطّع عسكره بعد أن أتى بالقتل على كثير منهم، وكان ذلك في سنة خمس عشرة وثلثمائة .ومن أمثالهم : الصدقُ ينبيء عنك لا الوعيد.## 10 - ومن خطبة له لا يوعد قوماًالأصل: أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَرَجْلِهِ ، وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتي، ما لَبَسْتُ عَلَىٰ نَفْسِي، وَلا لُبَسَ عَلَيَّ . وَايْمُ اللّٰه لَأَفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ، لاَ يَصْدُرون عَنْهُ، وَلاَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ.الشرح: يمكن أن يَعْنِيَ بالشيطان الشيطانَ الحقيقيَّ ، ويمكن أن يَعْنِي به معاوية، فإن عَنىَ معاوية، فقوله: «قد جمع حزبه، واستجلب خیله ورجْله» كلام جارٍ على حقائقه، وإن عَنى به الشيطان، كان ذلك من باب الاستعارة، ومأخوذاً من قوله تعالى: «وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيلِكَ وَرِجِلِكَ (1)، والرَّجل : جمع راجل ، كالشَّرْب، جمع شارب، والرّكْب : جمع راكب.)قوله : «وإنَّ معي لَبَصيرتي»، يريد أنَّ البصيرةَ التي كانت معي في زمن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلملم تغیَّرْ.)
1) سورة الإسراء، الآية : 64 .
وقوله: «ما لبّست» تقسيم جيّد، لأنَّ كل ضالّ عن الهداية، فإمَّا أن يضلَّ من تلقاء نفسه، أو بإضلال غيره له .وقوله : «لأفْرِطَنّ» من رواها بفتح الهمزة، فأصله «فَرطَ» ثلاثيّ ، يقال : فَرطَ زيد القوم أي سبقهم، ورجل فَرَطٌ : يسبِق القوم إلى البئر فيهيّىء لهم الأرْشية والدِّلاء، ومنه قوله (علیه السلام: «أنا فرطُكم على الحوض» (1)، ويكون تقدير الكلام: وايمُ اللّٰه لأفرِطَنّ لهم إلى حوض، فلما حذف الجارّ عدّي الفعل بنفسه، فنصب ، كقوله تعالى: ﴿وَاَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ)(2)، وتكون اللام في «الهم» إمَّا لامَ التعدية، كقوله: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (3)أي ويؤمن المؤمنين، أو تكون لام التعليل، أي لأجلهم. ومن رواها «لأُفرِطَنّ» بضم الهمزة ، فهو من أفرط المزادة، أي ملأها . والماتح : المستقِي، متَح يمتَح، بالفتح، والمايح، بالياء : الذي ينزل إلى البئر فيملأ الدلو . وقيل لأبي عليّ رحمه اللّٰه : ما الفرق بين الماتح والمايح؟ فقال : هما كإعجامهما ، يعني أنَّ التاء بنقطتين من فوق، وكذلك الماتح لأنه المستقي، فهو فوق البئر، والياء بنقطتين من تحت، وكذلك المايح لأنه تحت في الماء الذي في البئر يملأ الدلاء.
ومعنى قوله : «أنا ماتحه»، أنا خبير به، كما يقول مَنْ يدّعي معرفة الدار: أنا باني هذه الدار، والكلام استعارة، يقول: لأملأنّ لهم حِياض الحرب التي هي دُرْبَتي وعادتي، أو لأسبقنهم إلى حياض حرب أنا متدرِّب بِهَا ، مجرِّب لها، إذا وردوها لا يصدُرون عنها .
يعني قتَلهم وإزهاق أنفسهم، وَمَنْ فَرَّ منهم لا يعود إليها. ومن هذا اللفظ قول الشاعر :
مَخَضْتُ بِدَلْوِه حَتَّى تَحَسَّی*** ذَنُوبَ الشرِّ مَلأى أو قُرابا
الأصل: تَزُولُ الجِبَالُ وَلا تَزُلْ، عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ، أَعِرِ اللّٰه جُمْجُمَتَكَ، تِدْ فِي الْأَرْضِ قَدَمَكَ، ارْم بِبَصَرِكَ أَقْصَى القَوْم ، وَغُضَّ بَصَرَكَ، وَأَعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللّٰه سُبْحَانَهُ.
الشرح: قوله : «تَزُولُ الجِبالُ ولا تَزُل»، خبر فيه معنى الشرط ، تقديره : إن زالتِ الجِبالُ فلا تَزُل أنتَ، والمراد المبالغة. في أخبار صِفِّين أن بَنِي عُكْلِ - وكانوا مع أهل الشّام - حملوا في يوم من أيام صِفِّين خرجوا وعقلوا أنفسَهم بعمائمهم، وتحالفوا أنَّا لاَ نفِرّ حتى يفرّ هذا «الحَكَر»، بالكاف ، قالوا : لأن عُكْلاً تبدل الجيم كافاً .
والناجِذُ : أقصى الأضراس. وتِد، أمر من وتَد قَدَمه في الأرض، أي أثبِتْها فيه كالوتِد. ولا تَنَاقُضَ بين قوله : «ارم ببصرك»وقوله : «غُضَّ بَصَرَكَ»، وذلك لأنه في الأولى أمرَه أن يفتح عينَه ويرفع طَرْفَه ، ويحدّق إلى أقاصي القوم بَبَصره، فِعْلَ الشجاعِ المِقدَام غير المكترث ولا المبالي، لأنّ الجبانَ تضعُف نفسه ويخفُق قلبُه فيقصر بصره، ولا يرتفِع طَرْفه، ولا يمتدّ عنقه، ويكونُ ناكسَ الرأس، غضيضَ الطرف. وفي الثانية أمرَه أن يَغُضَّ بصرَه عن بَريق سيوفهم ولمعانِ دروعهم، لئلا يبرُق بصرُه، ويدهش ويستشعر خوفاً. وتقديرُ الكلام «واحمل» وحذف ذلك للعلم به، فكأنه قال : إذا عزمت على الحملة وصممت، فغُضّ حينئذ بصرَك واحمل، وكن كالعَشْوَاء (1)التي تخبِط ما أمامها ولا تبالي.
وقوله : «عضّ على ناجِذك»، قالوا : إنّ العاضّ على نواجِذه ينبو السيف عن دِماغه، لأنّ عظام الرأس تشتدّ وتصلب، وقد جاء في كلامه (علیه السلام)هذا مشروحاً في موضع آخر، وهو قوله : «وعَضّوا على النواجذ، فإنه أنْبَى للصوارم عن الهام». ويحتمل أن يريد به شِدّة الحنَق، قالوا :
فلان يحرِقُ عَلَيّ الأرَّم، يريدون شدة الغيظ، والحرْق : صريف الأسنان وصوتها، والأرّم :الأضراس.
وقوله : «أعِرِ اللّٰه جُمجمتك»، معناه ابْذُلها في طاعة اللّٰه. ويمكن أن يقال: إن ذلك إشعارٌ له أنّه لا يُقتل في تلك الحرب، لأن العارية مردودة، ولو قال له : بعِ اللّٰه جُمجمتَك، لكان ذلك إشعاراً له بالشهادة فيها.
وأخذ يزيد بن المهلّب هذه اللفظة فخطب أصحابَه بواسط، فقال : إنّي قد أسمع قول الرعاع : جاء مَسْلَمة، وجاء العباس، وجاء أهل الشام، ومَنْ أهلُ الشام! واللّٰه ما هم إلا تسعة أسياف، سبعة منها معي، واثنان عليّ ، وأما مَسلمة فجرادة صفراء، وأما العباس فنسطوس بن نسطوس، أتاكم في برابرة وصقالبة وجَرامقة وجراجمة وأقباط وأنباط وأخلاط، إنما أقبل إليكم الفلاحون وأوباش كأشلاء اللحم. واللّٰه ما لقُوا قطّ كحديدكم وعديدكم، أعيروني سواعدكم ساعة تصفِقون
بها خراطيمهم، فإنما هي غَدْوة أو روْحة، حتى يحكم اللّٰه بيننا وبين القوم الظالمين.
1) الناقة العشواء: التي لا تبصر فهي تضرب بيديها كل ما مرت به وهو مثل يضرب للذي يركب رأسه ولا يهتم. اللسان، مادة (عشا).
من صفات الشجاع قولهم: فلان مغامر، وفلان غَشَمْشَم، أي لا يبصرُ ما بين يديه في الحرب، وذلك لشدة تقحّمه وركوبه المهلكة، وقلّة نظره في العاقبة، وهذا هو معنى قوله (علیه السلام)لمحمد: «غُضّ بصرك » .
وكان حمزة بن عبد المطلب مغامِراً غَشَمْشَما لا يبصِرُ أمامه، قال جُبَير بن مُطْعِم بن عديّ بن نوفل بْنُ عبد مناف لعبده وحشيّ يوم أُحُد : وَيْلَك ! إن عليَّا قتل عَمّي طُعَيمة سيّد البطحاء يوم بدر، فإن قتلتَه اليوم فأنت حُرّ، وإن قتلتَ محمداً فأنت حُرّ، وإن قتلت حمزة فأنت حرّ، فلا أحَد يَعدِل عمّي إلاّ هؤلاء. فقال : أمّا محمد فإن أصحابه دونَه ، ولن يُسلِموه، ولا أراني أصِلُ و إليه، وأما عليّ فرجُلٌ حذِر مَرِس، كثير الالتفات في الحرب لا أستطيع قتلَه، ولكن سأقتل لك حمزة، فإنه رجل لا يبصر أمامه في الحرب، فوقف لحمزة حتى إذا حاذاه زَرقه (1)بالحرْبة كما تَزْرق الحبشة بحرابها ، فقتله.
دفع أمير المؤمنين(علیه السلام) يوم الجمل رايتَهَ إلى محمد ابنه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وقد استوتِ الصفوف، وقال له: احمِل، فتوقّف قليلاً، فقال له : احمل، فقال : يا أمير المؤمنين، أما ترى السّهام كأنها شآبيبُ المطر! فدفع في صدره، فقال: أدركك عِرْق من أمّك، ثم أخذ الرّاية فهزّها، ثم قال :
اطعَنْ بها طعن أبيك تُحْمَدِ ***لا خير في الحرْبِ إذا لم تُوقَدِ
بالْمَشرفي والقَنَا المُسَدّدِ (2)
ثم حمل وحمل الناس خلْفه، فطحن عسكر البصرة.
قيل لمحمد : لِمَ يُغرِّرُ بك أبوك في الحزب ولا يغرّر بالحسن والحسين(علیه السلام) ؟ فقال : إنّهما
عيناه وأنا يمينه، فهو يدفع عن عينيْه بيمينه .
كان عليّ (علیه السلام) يقذِفُ بمحمد في مهالك الحرب، ويكُفّ حَسنا وحُسيناً عنها .
و من كلامه في يوم صِفِّين: امْلِكُوا عنّي هذين الفتَيَيْن، أخاف أن ينقطِع بهما نسلُ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)
أمّ محمد رضي اللّٰه عنه خَوْلة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بْنُ الدُّؤل بن حَنيفة بن لُجيم بن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل.
واختُلِف في أمرها، فقال قوم: إنّها سبِيّة من سبايا الرِّدة، قوتل أهلُها على يد خالد بن الوليد في أيام أبي بكر، لما منع كثيرٌمن العرب الزكاة، وارتدّتْ بنو حنيفة، وادّعَتْ نبوَّة مُسَيْلِمة، وإن أبا بكر دفعها إلى عليّ (علیه السلام)من سَهْمه في المغنم .
وقال قوم، منهم أبو الحسن علي بن محمد بن سيف المدائنيّ : هي سبيَّة في أيام رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، قالوا : بعثَ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)و عليَّا إلى اليمن، فأصاب خَوْلة في بني زُبَيْد، وقد ارتدُّوا مع عمرو بن معدي كرب، وكانت زُبَيْد سَبَتْها من بني حَنِيفة في غارة لهم عليهم، فصارت في سَهْم عليّ (علیه السلام) ، فقال له رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : إنْ ولدتْ منك غلاماً فسمِّه باسمي، وكنِّه بكنيتي، فولدتْ له بعد موت فاطمة (علیه السلام)محمداً، فكنّاه أبا القاسم .
وقال قوم، وهم المحققون، وقولهم الأظهر: إنّ بني أسدِ أغارت على بني حَنيفة في خلافة أبي بكر الصدّيق، فسبوْا خَوْلة بنت جعفر، وقدِموا بها المدينة فباعوها من عليّ (علیه السلام)، وبلغ قومَها خَبْرُها ، فقدِموا المدينة على عليّ (علیه السلام) ، فعرفوها وأخبروه بموضعها منهم، فأعتقها و مهرها وتزوّجها، فولدت له محمداً، فكنّاه أبا القاسم .
وهذا القول، هو اختيار أحمد بن يحيى البلاذُري في كتابه المعروف ب-«تاريخ الأشراف».
لما تقاعس محمد يوم الجمل عن الحمْلة، وحمل عليّ (علیه السلام)بالراية، فضعضَع أركان عسكر الجمل، دفع إليه الراية، وقال: امْحُ الأولى بالأخرى، وهذه الأنصار معك . وضمّ إليه خُزَيمة بن ثابت ذا الشهادتين، في جَمْع من الأنصار، كثير منهم من أهل بدر، فحمل حَمَلات كثيرة، أزالَ بها القومَ عن مواقفهم وأبلَى بلاء حسناً . فقال خزيمة بن ثابت لعليّ (علیه السلام): أما إنه لو كان غيرُ محمد اليوم لافتضح، ولئن كنت خِفْتَ عليه الحين وهو بينك وبين حمزة وجعفر لما خِفْناه عليه، وإنْ كنتَ أردتَ أن تعلِّمه الطعان فطالما عُلّمته الرجال.
وقالت الأنصار: يا أمير المؤمنين، لولا ما جعل اللّٰه تعالى للحسن والحسين لما قدِّمنا على محمد أحداً من العرب. فقال علي(علیه السلام) : أين النّجم من الشمس والقمر! أما إنّه قد أغنى وأبلى، وله فضله، ولا ينقص فضلَ صاحبيه عليه، وحسب صاحبكم ما انتهت به نعمة اللّٰه تعالى إليه، فقالوا : يا أمير المؤمنين، إنّا واللّٰه لا نجعله كالحسن والحسين، ولا نظلمهما له، ولا نظلمه - لفضلهما عليه - حقّه ، فقال عليّ (علیه السلام): أين يقع ابني من ابنيْ بنت رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ! فقال خُزيمة بن ثابت فيه :
محمد مَا في عُودك اليوم وَصْمَة ***ولا كُنْتَ في الحرْبِ الضَّرُوس مُعَرِّداً
أبوك الذي لم يركب الخيلَ مثلُه ***عليّ، وسمّاك النبيُّ محمداً
فلو كان حقاً من أبيك خليفةٌ ***لكنت، ولكن ذاك مالا يرى بَدَا
وأنت بحمد اللّٰه أطولُ غالبِ*** لساناً، وأنْداها بما ملكتْ يدا
وأقربُها من كلّ خَيْر تريدُه*** قُرَيْش وأوفاها بما قال مَوْعدا
وأطعنُهم صدرَ الكميّ برمحه*** واكساهُمُ للهامِ عَضْباً مُهَنَّدا
سوى أخويْكَ السيِّدين كلاهما*** إمام الورى والداعيانِ إلى الهدى
أبى اللّٰه أن يعطي عدوِّك مقعداً ***من الأرض أو فى الأوج مَرْقَى ومصعدا
الأصل: أَهَوَى أَخِيكَ مَعَنَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَقَدْ شَهِدَنَا ، وَلَقَدْ شَهِدَنَا فِي عَسْكَرِنَا هَٰذَا قَوْمٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، سَيَرْعَفْ بِهِمُ الزَّمَانُ، وَيَقْوَى بِهِمْ الْإِيمَانُ .
الشرح: يرعَف بهم الزمان: يوجِدهم ويخرجهم، كما يرعَف الإنسان بالدم الذي يخرجه من أنفه، قال الشاعر :
وما رَعَف الزمان بمثل عمرو*** ولا تَلِدُ النساء له ضريباً
والمعنى مأخوذ من قول النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) لعثمان - ولم يكن شهد بدراً، تخلّفَ على رُقيّة ابنة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله وسلم) لمّا مرضت مرضَ موتها - : «لقد كنتَ شاهداً وإن كنت غائباً، لك أجرك وسهمك».
قال الكلبيّ : قلت لأبي صالح : كيف لم يضع عليّ السيفَ في أهل البصرة يوم الجمل بعد ظفره ؟ قال : سار فيهم بالصفح والمنّ الذي سار به رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)في أهل مكة يوم الفتح، فإنه أراد أن يستعرضَهم بالسيف، ثم منّ عليهم، وكان يحب أن يهديَهم اللّٰه .
قال فِطْر بن خليفة : ما دخلتُ دار الوليد بالكوفة التي فيها القصّارُون إلا وذكرت بأصواتهم وقعَ السيوف يومَ الجمل.
حرب بن جَيهان الْجُعْفيّ : لقد رأيتُ الرماح يوم الجمل قد أشرعَها الرجال بعضهم في صدر بعض، كأنّها آجامُ القصب، لو شاءت الرجال أن تمشيَ عليها لمشتْ، ولقد صَدَقونا القتال حتى ما ظننت أن ينهزموا ، وما رأيت يوماً قطّ أشبهَ بيوم الجمل من يوم جَلُولاء الوقيعة .
الأصبغ بن نُباتة : لما انهزم أهلُ البصرة ركب علیّ (علیه السلام)بَغْلة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) الشَّهْباء،
وكانت باقية عنده، وسار في القتلى يستعرضهم، فمرّ بكعب بن سور القاضي، قاضي البصرة، وهو قتيل، فقال: أجلسوه، فأجلِس، فقال له : وَيْلُمِّكَ كعب بن سور! لقد كان لك عِلْم لو نَفَعَك! ولكنّ الشيطانَ أضلّك فأزلّك، فعجّلك إلى النار، أرسلوه. ثم مر بطلحة بن عبيد اللّٰه قتيلاً ، فقال : أجلسوه، فأجلِسَ - قال أبو مخنف في كتابه : فقال: وَيْلُمِّكَ طلحة ! لقد كان لك قَدَم لو نفعك ! ولكن الشيطان أضلك فأزلك فعجلك إلى النار .
وأما أصحابُنا فيروُون غير ذلك، يروون أنه (علیه السلام)قال له لما أجلسوه : أعزِزْ عليّ أبا محمد أن أراك معفّراً تحت نجوم السماء وفي بطن هذا الوادي! أبَعْدَ جهادك في اللّٰه، وذبّك عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ! فجاء إليه إنسان فقال : أشهد يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، لقد مررتُ عليه بعد أن أصابه السهمُ وهو صريع، فصاح بي، فقال : مِنْ أصحاب مَن أنت؟ فقلت : من أصحاب أمير المؤمنين(علیه السلام) ، فقال : امدُد يَدك لأبايع لأمير المؤمنين (علیه السلام)، فمددت إليه يدي فبايعني لك. فقال عليّ (علیه السلام): أبى اللّٰه أن يدخُلَ طلحة الجنةَ إلا وبيعتي في عنقه .
ثم مرّ بعبد اللّٰه بن خلف الخزاعي، وكان (علیه السلام)قتَله بيده مبارزة، وكان رئيس أهل البصرة، فقال : أجلسوه، فأجلِس فقال : الويل لك يا ابن خَلف ! لقد عانيت أمراً عظيماً .
وقال شيخنا أبو عثمان الجاحظ: ومرّ (علیه السلام)بعبد الرحمن بن عتّاب بن أسِيد، فقال:
أجلسوه، فأجلس، فقال : هذا يعسوبُ قريش، هذا اللّباب المحضُ من بني عبد مناف . قال: شفيتُ نفسي، وقتلتُ معشري، إلى اللّٰه أشكو عُجَرِي وبُجَرِي! قتلتُ الصناديد من بني عبد مناف ، وأفتلني الأعيارُ من بني جُمَح . فقال له قائل : لشدّ ما أطريت هذا الفتى منذ اليوم يا أمير المؤمنين(علیه السلام)! قال: إنّه قام عنّي وعنه نسوةٌ لم يقمْن عنك.
قال أبو الأسود الدؤليّ : لما ظهر عليُّ (علیه السلام)يومَ الجمل، دخل بيت المال بالبصرة في ناس من المهاجرين والأنصار وأنا معهم ، فلما رأى كثرةَ ما فيه ، قال: غُرّي غيري ... مراراً . ثم نظر إلى المال، وصعّد فيه بَصره وصَوّب، وقال: اقسموه بين أصحابي خمسمائة خمسمائة، فقسم بينهم، فلا والذي بعث محمداً بالحق ما نقصَ درهماً ولا زاد درهماً ،كأنّه كان يعرف مبلغه ومقداره، وكان ستة آلاف ألف درهم، والناس اثنا عشر ألفاً .
حَبّة العُرَنيّ ، قَسّم علیّ (علیه السلام)بيت مال البصرة على أصحابه خمسمائة خمسمائة، وأخذ خمسمائة درهم كواحد منهم، فجاءه إنسان لم يحضر الوقعة ،فقال: يا أمير المؤمنين، كنتُ شاهداً معك بقلبي، وإن غاب عنك جسمي، فأعطني من الفيء شيئاً فدفع إليه الذي أخذه لنفسه وهو خمسمائة درهم، ولم يصب من الفيء شيئاً .
اتفقت الرواة كلها على أنّه(علیه السلام) قَبض ما وجد في عسكر الجمل من سلاح ودابّة ومملوك ومتاع وعُروض، فقسّمه بين أصحابه، وأنهم قالوا له: اقسِمْ بيننا أهلَ البصرة فاجعلهم رقيقاً، فقال : لا ، فقالوا : فكيف تُحِل لنا دماءهم وتحرِّم علينا سَبْيَهم ! فقال : كيف يحلّ لكم ذرّية ضعيفة في دار هجرة وإسلام! أما ما أجْلَب به القومُ في معسكرهم عليكم فهو لكم مَغْنم، وأما ما وارت الدّور وأغْلِقَتْ عليه الأبواب فهو لأهله، ولا نصيب لكم في شيء منه، فلما أكثروا عليه قال : فأَقْرِعوا على عائشة، لأدفعها إلى مَنْ تصيبه القُرْعة! فقالوا: نستغفر اللّٰه يا أمير المؤمنين(علیه السلام)! ثم انصرفوا .
الأصل: كُنتُم جُنْدَ الْمَرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ. رَغَا فَأَجَبْتُمْ، وَعُقِرَ فَهَرَبْتُمْ. أَخْلاَقُكُمْ دِفَاقٌ، وَعَهْدُكُمْ شِقَاقٌ ، وَدِينُكُمْ نِفاقٌ، وَمَاؤُكُمْ زُعَاقٌ، وَالْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ بِذَنْبِهِ ، وَالشاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ، كَأَني بِمَسْجِدِكُم كَجُوجُو سَفِينَةٍ، قَدْ بَعَثَ اللّٰه عَلَيْهَا الْعَذَابِ مِنْ فَوْقِهَا وَمِنْ تَحْتِهَا، وَغَرِّقَ مَنْ فِي ضِمْنِها.
وفي رواية : وَايْمُ اللّٰه ، لَتُغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ، حَتَّىٰ كَأَني أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا کَجُوجُو سَفِينَةٍ، أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ.
وفي رواية : كَجُوجُو طَيْرِ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ .
وفي رواية أخرى : بِلاَدُكُمْ أَنْتَنُ بِلاَدِ اللّٰه تُرْبةً، أَقْرَبُهَا مِنَ الْمَاءِ، وأَبْعَدُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَبِهَا تَسْعَةُ أَعْشَارِ الْشَّرِّ الْمُحْتَبَسُ فِيهَا بِذَنْبِهِ، وَالْخَارِجُ بِعَفْوِ اللّٰه .
کَأَني أَنْظُرُ إِلَى قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ قَدْ طَبَقَهَا الْمَاءُ، حَتى مَا يُرَى مِنْهَا إِلاَّ شُرَفُ الْمَسْجِدِ، كَأَنَّهُ جُؤْجُو طَيْرِ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ .
الشرح: قوله: «وأتباع البهيمة»، يعني الجمل، وكان جمل عائشة راية عسكر البصرة، قُتِلوا دونه كما تُقْتَل الرجال تحت راياتها .
وقوله : «أخلاقكم دقاق»، يصفهم باللؤم، وفي الحديث أنّ رجلاً قال له : يا رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله وسلم) إني أحبُّ أن أنكح فلانة، إلا أن في أخلاق أهلها دِقة، فقال له : «إياك وخَضْراء الدِّمن، إياك والمرأة الحسناء في مَنْبت السوء» (1)
قوله : «وعهدكم شقاق» يصفهم بالغدر ، يقول : عهدكم وذمتكم لاَ يوثق بها ، بل هي وإن كانت في الصورة عهد أو ذمّة ، فإنها في المعنى خلاف وعداوة.
قوله : «وماؤكم زعاق»، أي مِلْح ، وهذا وإن لم يكن من أفعالهم إلا أنه مما تُذّم به المدينة، كما قال :
بلاد بها الحُمَّى وأسْدُ عَرِينَةٍ ***وفيها المعلّى يعتدِي ويَجُورُ
فإني لِمَنْ قَدْ حَلَّ فِيهَا لَرَاحِمٌ وإني لمن لمْ يأتِها لَنَذَيرُ
ولا ذنب لأهلها في أنّها بلاد الحميّ والسباع.
ثم وصف المقيم بين أظهرهم بأنه مرتَهَن بذنبه ، لأنه إما أن يشاركهم في الذنوب أو يراها فلا ينكِرُها ومذهب أصحابِنا أنه لا تجوز الإقامة في دار الفسق، كما لا تجوز الإقامة في دار الكفر .
والجؤجؤ : عَظْم الصدر، وجؤجؤ السفينة: صدرها .
فأما إخباره (علیه السلام)أنّ البَصْرة تغرَق عدا المسجدَ الجامع بها، فقد رأيتُ مَنْ يذكر أنّ كتب الملاحم تدلّ على أنّ البصرة تَهْلِك بالماء الأسود ينفجر من أرضها، فتغرق ويبقى مسجدها .
والصحيح أن المخبَر به قد وقع، فإنَّ البصرة غرقت مرتين، مرة في أيام القادر باللّٰه، ومرة في أيام القائم بأمر اللّٰه ، غرقت بأجمعها ولم يبق منها إلا مسجدها الجامع بارزاً بعضه كجؤجؤ الطائر، حَسَب ما أخبر به أمير المؤمنين(علیه السلام) ، جاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف الآن بجزيرة الفرس، ومن جهة الجبل المعروف بجبل السّنام، وخرِبت دورها، وغرق كلّ ما في ضِمْنها ، وهلك كثير من أهلها .
وأخبار هذين الغرقين معروفة عند أهل البصرة، يتناقلها خلَفهم عن سلفهم.
1) أخرجه الشهاب في «مسنده» (957) ، والديلمي في «مسنده الفردوس (1537)، وذكره العجلوني في «كشف الخفاء » (855) وعزاه للدارقطني في الأفراد، والرامهرمزي، والعسكري في الأمثال ،وابن عدي .
قال أبو الحسن علي بن محمد بن سيف المدائنيّ ومحمد بن عمر الواقديّ : ما حُفِظ رَجَز قطّ أكثر من رَجزَ قيل يوم الجمل، وأكثره لبَنِي ضبّة والأزْد، الذين كانوا حول الجمل يحامون عنه، ولقد كانت الرؤوس تُنْدَر عن الكواهل، والأيدي تَطِيحُ من المعاصم وأقتاب البطن تندِلق من الأجواف، وهم حول الجمل كالجراد الثابتة لا تتحلحل ولا تتزلزل، حتى لقد صرخ (علیه السلام)بأعلى صوته : ويلكم اعقِروا الجمل فإنه شيطان! ثم قال : اعقِروه وإلا فَنِيَت العرب. لا يزال السيفُ قائماً وراكعاً حتى يهوِي هذا البعيرُ إلى الأرض، فصمدوا له حتى عقروه فسقط وله رغاء شدید، فلما برك كانت الهزيمة .
ومن الأراجيز المحفوظة يوم الجمل لعسكر البصرة قول بعضهم :
نَحْنُ - بني ضَبّة - أصحابُ الجَملْ*** نُنازِلُ الموتَ إذا الْمَوْتُ نَزَلْ
نَنْعَي ابن عفان بأطراف الأسَلْ*** ردّوا علينا شيخناثُمَّ بَجَلْ
الموت أحْلَى عندنا من العَسَلْ*** لا عار في الموت إذا حانَ الأجَلْ
إنّ علياً هو من شرّ البَدَلْ*** إن تعدلوا بشيْخِنا لا يُعتدلْ
أينَ الوِهَادُ وشماريخ القُلَلْ(1)
فأجابه رجل من عسكر الكوفة من أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام):
نحن قتلنا نَعْثَلاً فيمن قُتِلْ*** أكثر من أكثرَ فيه أو أقَلْ
أنّي يُرَدُّ نَعْثَلٌ وقد قَحَلْ*** نَحْنُ ضَرَبْنَا وَسْطَه حَتَّى انْجدَلْ
لَحُكْمُهُ حُكْمُ الطواغِيت الأوَلْ*** آثرَ بالفيء وَجَافَى في العملْ
فأبدل اللّٰه بِهِ خيرَ بَدَلْ*** إني امرؤ مستقدِم غيرُ وَكِلْ
مشمِّر للحربِ مَعْروف بَطَلْ
ومن أراجيز أهل البصرة:
يأيها الجند الصليب الإيمانْ*** قوموا قياماً واستغيثوا الرحمنْ
إني أتاني خَبَرٌ ذو ألوانْ*** أنّ عليًّا قتل ابنَ عفانْ
ردّوا إلينَا شَيْخَنَا كما كانْ*** ياربّ وابعثْ ناصراً لعثمان
يَقْتُلُهم بقوَّةٍ وَسَلْطَانْ
1) الوهاد: جمع وهدة، وهي المطمئن من الأرض والمكان المنخفض كأنه حفرة. اللسان، مادة (وهد) . والقلل : جمع قلة وهي أعلى الجبل. اللسان، مادة (قلل) .
فأجابه رجل من عسكر الكوفة :
أبَتْ سُيوفُ مَذْحِجِ وَهَمْدَانْ*** بأن تَرُدَّ نَعْثَلاً كَمَا كَانْ
خلْقاً سويا بعد خلقِ الرَّحْمَنْ*** وَقَدْ قضى بالحُكْمِ حكْمِ الشَّيْطَانُ
وفارق الحق ونورَ الفُرْقَانْ*** فذَاقَ كَأْسَ المَوْت شُرْبَ الظَّمآنْ
ومن الرجز المشهور المقول يوم الجمل، قاله أهل البصرة :
يا أمّنا عائشُ لا تُراعي*** كلُّ بنيك بطل المصاع (1)
يَنْعَى ابنَ عفان إليكِ ناعِ*** كعب بن سور كاشف الْقِنَاعِ
فارضي بنَصْر السيّدِ المطاع*** والأزْدُ فيها كَرَمُ الطَّبَاعِ
ومنه قول بعضهم :
يا أمّنا يَكْفيكِ منّا دنوهْ*** لن يؤخذ الدهرَ الخِطامُ عَنْوَهْ
وحولكِ اليوم رجالُ شَنْوَهْ*** وحيَّ هَمْدانَ رِجَالُ الْهَبْوَهْ
والمالكيون القليلو الكَبْوَهْ*** والأزدُ حَيٌّ ليس فيهم نَبْوَهْ
قالوا : وخرجَ من أهل البصرة شيخ صَبيحُ الوجه، نبيل، عليه جُبّة وَشْي، يحضّ الناس على الحرب، ويقول:
يَا مَعْشَرَ الأَزْدِ عَليكُمْ أمّكُمْ*** فإنّها صلاتُكُمْ وَصَوْمُكُمْ
والحرْمَةُ العُظْمى الَّتي تَعُمُكُمْ*** فأحضروها جِدّكُمْ وَحَزْمَكُمْ
لاَ يَغْلِبَنْ سُمُّ العدوِّ سُمَّكُمْ*** إن العَدوّ إِن عَلاكُمْ زَمَّكُمْ
وَخَصّكم بجوْرِهِ وَعَمَّكُمْ*** لا تُفْضحوا اليوم فداكم قَوْمَكُمْ
قال المدائنيّ والواقدي : وهذا الرَّجَز يصدّق الرواية أن الزبير وطلْحة قاما في الناس، فقالا : إنّ عليًّا إن يظفر فهو فناؤكم يا أهل البصرة، فاحموا حقيقَتكم، فإِنه لا يُبْقى حُرْمة إلا انتهكها، ولا حريماً إلا هَتكه، ولا ذرِّية إلا قتلها، ولا ذواتِ خِدْرٍ إِلا سبَاهُنّ، فقاتلوا مقاتَلة مَنْ يحمى عن حريمه، ويختار الموت على الفضيحة يراها في أهله .
وقال أبو مِخْنَف : لم يقل أحد من رُجّاز البصرة قولاً كان أحبّ إلى أهل الجمل من قول هذا الشيخ، استقتل الناس عند قوله، وثبتوا حول الجمل، وانتدبوا، فخرج عوف بن قَطَن الضَّبيُّ ، وهو ينادي: ليس لعثمان ثأر إلا عليّ بن أبي طالب وولده، فأخذ خِطام الجمل، وقال :
1) المصاع: المقاتلة والمجالدة بالسيوف. اللسان، مادة (مصع).
يا أمُّ خَلاَ مِنِّي الوَطَنْ*** لا أبتغي القبْرَ ولا أبغى الكَفَنْ
من ها هنا محشر عوفِ بن قَطَنْ*** إن فاتنا اليوم عليّ فالْغَبَنْ
أو فاتَنَا ابناهُ حسين وحسنْ*** إذاً أُمُتْ بطول هَمِّ وَحَزَنْ
ثم تقدم، فضرب بسيفه حتى قتل .
وتناول عبد اللّٰه بن أبْزى خِطام الجمل، وكان كلّ من أراد الجدْ في الحرب وقاتل قتال مستميت يتقدّم إلى الجمل فيأخذ بخِطامه، ثم شدّ على عسكر عليّ (علیه السلام) ، وقال :
أضرِبُهُمْ وَلاَ أرَى أبا حَسَنْ*** ها إنّ هذا حَزَنٌ مِنَ الحَزَنْ
فشدّ عليه عليّ أمير المؤمنين(علیه السلام) بالرمح فطعنه فقتله، وقال: قد رأيت أبا حسن، فكيف رأيته وترك الرمح فيه. وأخذت عائشة كفَّا من حصَى، فحصَبتْ به أصحابَ عليّ (علیه السلام)، وصاحت بأعلى صوتها : شاهت الوجوه! كما صنع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) يومَ حُنَين، فقال لها قائل:
وما رميتِ إذْ رَمَيْتِ ولكنّ الشيطان رمي. وزحف علىّ (علیه السلام)نحو الجمل بنفسه في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار، وحوله بنوه: حسن وحسين ومحمد (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، ودفَع الراية إلى محمد، وقال : أقْدِم بها حتى تركُزها في عين الجمل، ولا تقفَنّ دونه . فتقدّم محمد، فرَشَقَتْه السهام، فقال لأصحابه : رويداً حتى تنفَد سهامُهم، فلم يبق لهم إلاّ رَشْقة أو رَشقتان. فأنفذا إليه عليّ (علیه السلام)يستحثّه، ويأمرُه بالمناجزة، فلما أبطأ عليه جاء بنفسه من خَلْفه، فوضع يده اليسرى على مَنْكِبه الأيمن، وقال له : أقدِمْ لا أمّ لك! فكان محمد رضي اللّٰه عنه إذا ذكر ذلك بعدُ يبكي، ويقول : لكأنّي أجد ريحَ نفَسِه في قفاي، واللّٰه لا أنسى أبداً. ثم أدركتْ عليًّا (علیه السلام)رِقّة على ولده، فتناول الرايةَ منه بيده اليسرى، وذو الفَقَار مشهور في يُمْنى يَديه، ثم حمل فغاص في عسكر الجمل، ثم رجع وقد انحنَى سيفُه، فأقامه بركبته. فقال له أصحابه وبنوه والأشتر وعمّار : نحن نكفيك يا أمير المؤمنين.
فلم يجب أحداً منهم ولا ردَّ إليهم بصرَه، وظل ينحَطُ ويزار زئيرَ الأسد، حتى فَرِق مَنْ حوله. وتبادروه، وإنّه لطامح ببصره نحو عسكر البصرة، لا يبصر مَنْ حوله، ولا يردُّ حِواراً، ثم دفع الراية إلى ابنه محمد، ثم حمل حمله ثانية وحده، فدخل وسطهم فضربهم بالسيف قُدُماً قُدُماً، والرجال تفرّ من بين يديه، وتنحاز عنه يَمْنَةَ وَيَسْرَةً ، حتى خَضَبَ الأرض بدماء القتلى، ثم رجع وقد انحنى سيفُه، فأقامه بركبته، فاعصوصَب به أصحابُه، وناشدوه اللّٰه في نفسه وفي الإسلام، وقالوا : إنّك إن تُصَبْ يذهب الدين، فأمسِك ونحن نكفيك . فقال : واللّٰه ما أريد بما ترون إلاّ وجه اللّٰه والدار الآخرة. ثم قال لمحمد ابنه : هكذا تصنع يا ابن الحنفيّة، فقال الناس : مَن الذي يستطيع ما تستطيعه يا أمير المؤمنين!
ومن كلماته الفصيحة(علیه السلام) في يوم الجمل، ما رواه الكلبيّ عن رجل من الأنصار قال: بينا
أنا واقف في أوّل الصفوف يوم الجمل، إذ جاء عليّ (علیه السلام) فانحرفتُ إليه فقال: أين مَثْرَى القوم ؟ فقلت : ها هنا - نحو عائشة .
قال الكلبيّ : يريد أينَ عددهُم؟ وأين جمهورهم وكثرتهم؟ والمال الثريّ على «فعيل» هو الكثير، ومنه رجل ثَرْوَان وامرأة ثروَى، وتصغيرها ثُرَيَّا . والصدقة مثراة للمال، أي مكثِّرة له .
قال أبو مخْنَف : وبعث عليّ (علیه السلام)إلى الأشتر : أن احْمِل على ميسرتهمْ، فحمل عليها وفيها هلال بن وكيع، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقُتل هلال، قتله الأشتر، فمالت الميسرة إلى عائشةَ فلاذوا بها، وعظْمهم بنو ضَبّة وبنو عَدِيّ، ثم عطفتْ الأزْد وضَبّة وناجية وباهلة إلى الجمل، فأحاطوا به واقتتل الناس حوله قتالاً شديداً، وقُتِل كعب بن سور قاضي البصرة، جاءه سهم غَرْب (1)فقتله وخِطام الجمل في يده، ثم قُتل عمرو بن يثرِبيّ الضّبّي، وكان فارسَ أصحَاب الجمل وشجاعَهم، بعد أن قتل كثيراً من أصحاب علي(علیه السلام)
قالوا : كان عَمْرو أخذ بخِطام الجمل، فدفعه إلى ابنه، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه عِلباء بن الهيثم السّدوسيّ، فقتله عمرو، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه هند بن عمرو الجملّي فقتله عمرو، ثم دعا إلى البراز، فقال زيد بن صُوحان العبدِيّ لعليّ (علیه السلام) : يا أميرَ المؤمنين ، إني رأيت يداً أشرفت عليّ من السماء وهي تقول: هلمّ إلينا، وأنا خارج إلى ابن يثربيّ، فإذا قتلني فادفِنّي بدمي ولا تُغسِّلنِي، فإني مخاصم عند ربّي، ثم خرج فقتله عمرو، ثم رجع إلى خِطام الجمل مرتجزاً يقول :
أردَيْتُ عِلباءَ وهِنْداً في طَلَقْ*** ثم ابنَ صُوحان خَضيباً في عَلَقْ
قَدْ سَبَقَ اليوْمَ لنا ما قدسَبَقْ*** والوِتْرُمِنّا في عديِّ ذي الفَرَقْ
والأشتر الغاري وعمرو بن الحَمِق*** والفارس المُعْلِم في الحرْبِ الحَنِقْ
ذاك الذي في الحادثات لم يُطَقْ*** أعني عليَّا ليته فِينَا مِزَقْ
قال: قوله : «والوتْر منا في عديّ» يعني عديّ بن حاتم الطائيّ ، وكان من أشدّ الناس على عثمانَ، ومن أشدّهم جهاداً مع عليّ (علیه السلام) . ثم ترك ابنُ يثربيّ الخِطام، وخرج يطلب المبارزة، فاختُلف في قاتله، فقال قوم: إن عمّار بن ياسر خرج إليه والناس يسترجعون له، لأنه كان أضعفَ مَنْ برز إليه يومئذ. أقصرُهم سيفاً، وأقصفُهم رمحاً ، وأحمشُهم ساقاً، حمالة سيفه من نِسْعة الرّحْل، وذُباب سيفه قريب من إبطه. فاختلفا ضربتين، فنشب سيف ابن يثربي في حَجَفَة (2)عمّار، فضربه عمّار على رأسه فصرعه، ثم أخذ برِجله يسحبه حتى انتهى به إلى
عليّ (علیه السلام)، فقال : يا أميرَ المؤمنين اسْتَبْقِنِي أجاهد بين يديك، وأقتل منهم مثل من قتلتُ منكم . فقال له عليّ (علیه السلام) : أبْعد زيد وهند وعلباء أستبقيك ! لاهاً اللّٰه إذاً! قال: فأدنِني منك أسارَك، قال له : أنت متمرّد وقد أخبرني رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)بالمتمرِّدين، وذكَرك فيهم . فقال : أما واللّٰه لو وصلتُ إليكَ لعضضتُ أنفك عضّةً أبَنْتُه منك .
فأمر به عليّ (علیه السلام)فضرِبَتْ عنقه .
وقال قم : إن عمراً لما قَتَل مَنْ قَتل، وأراد أن يخرج لطلب البراز، قال للأزد: يا معشر الأزد، إنكم قوم لكم حياء وبأس، وإني قد وَتَرْت القوم، وهم قاتليَّ ، وهذه أمكم نَصْرُها دَيْن، وخِذْلانها عقوق، ولست أخشى أن أقتل حتى أصرَع، فإن صرعت فاستنقذوني. فقالت له الأزْد: ما في هذا الجمع أحد نخافه عليك إلا الأشتر، قال: فإياه أخاف.
قال أبو مخنف: فقيّضه اللّٰه له ، وقد أُعْلِما جميعاً ، فارتجز الأشتر:
إنِّي إذا ما الحربُ أبدتْ نابَها*** وأغْلَقَتْ يومَ الوغَى أبوابَها
ومَزَّقَتْ من حَنَقِ اثْوَابَها*** كنّا قُدَاماها ولا أذنابَها
ليس العدوُّ دوننا أصحابَها*** مَنْ هابها اليوم فلن أهابَها
لا طعنَها أخشى ولا ضِرَابَها
ثم حمل عليه فطعنه فصرعه، وحامت عنه الأزْد فاستنقذوه، فوثب وهو وقِيذٌ (1)ثقيل، فلم يستطع أن يدفَع عن نفسه، واستعرضه عبدُ الرحمن بن طود البكريّ، فطعنه فصرعه ثانية، ووثب عليه رجل من سَدوس، فأخذه مسحوباً برجله حتى أتى به علیًّا(علیه السلام) ، فنا شده اللّٰه وقال: يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، اعفُ عَنِّي، فإنّ العرب لم تزل قائلةً عنك : إنك لم تُجْهزْعلى جريح قَطّ . فأطلقه، وقال : اذهبْ حيث شئت، فجاء إلى أصحابه وهو لما به. حضره الموت، فقالوا له : دمُك عند أيّ الناس ؟ فقال : أما الأشتر فلَقيَني وأنا كالمُهر الأَرِن، فعلاً حدُّه حَدِّي ، ولقيت رجلاً يبتغي له عشرة أمثالي . وأما البكريّ فلقيَني، وأنا لما بي، وكان يبتغي لي عشرة أمثاله، وتولّى أسرِي أضعفُ القوم، وصاحبي الأشتر.
قال أبو مِخْنف : فلما انكشفت الحرب، شكرت أبنةُ عمرو بن يثربيّ الأزْد، وعابت قومها، فقالت :
يَا ضَبُ إِنَّكِ قَدْ فُجِعْتِ بفارسِ*** حَامي الحقيقةِ قاتِل الأقْرانِ
عمرو بن يثربِ الّذي فُجعتْ به*** كلّ القبائل من بني عَدْنانِ
لم يَحْمِه وسط العَجاجَة قَومُه*** وَحَنَتْ عليهِ الأزد، أزْد عُمانِ
1) الوقيذ : الشديد المرض الذي قد أشرف على الموت. اللسان، مادة (وقذ).
فلهمْ عليّ بذاكَ حادِثُ نعمَةِ*** ولحُبِّهمْ أحببتُ كلَّ يمانِ
لَوْ كَانَ يَدْفَعُ عَنْ مَنيَّةِ هَالِكِ*** طولُ الأكُفِّ بذابِل المُرّانِ (1)
أو معشرٌ وصلوا الخُطَا بسيوفهمْ*** وَسطَ العَجَاجَة والحتوفُ دَوانِ
مانيلَ عَمْرٌ والحوادث جَمّةٌ ***حتى ينال النجم والقَمرانِ
لو غَيرُ الأَشتَرِ نَالَهُ لندبتُه ***وبكيتُه ما دامَ هَضْبُ أبانِ
لَكَّنَّه مَنْ لا يُعَابُ بِقَتْله*** أسد الأسود وفارسُ الفُرْسَانِ
قال أبو مخْنف : وبَلغنا أنّ عبد الرحمن بن طود البكريَّ قال لقومه : أنا واللّٰه قتلت عمْراً، وإنّ الأشتر كان بَعْدِي وأنا أمامه في الصعاليك، فطعنت عمراً طعنة لم أحسب أنها تُجعل للأشتر دوني، وإنما الأشْتر ذو حظِّ في الحرب، وإنّه ليعلم أنه كان خَلْفي، ولكن أبى الناس إلا أنه صاحبه، ولا أرى أن أكون خصم العامة، وإن الأشتر لأهْلٌ ألا ينازَع. فلما بلغ الأشترَ قولُه قال: أما واللّٰه لولا أني أطفات جَمْرَته عنه ما دنا منه، وما صاحبه غيري وإنّ الصَّيد لمن وَقَدْه. فقال عبد الرحمن : لا أنازع فيه ،ما القول إلا ما قاله، وأنِّى لي أن أخالف الناس!
قال : وخرج عبد اللّٰه بن خلَف الخُزاعيّ ، وهو رئيس البصرة، وأكثر أهلها مالاً وضياعاً، فطلب البِراز، وسأل ألاّ يخرج إليه إلا عليّ (علیه السلام)، وارتجز فقال :
أبا ترابٍ آدْنُ مِنّي فَتْرًا*** فإنَّني دانٍ إليك شِبْرًا
وإنّ في صَدْرِي عليك غَمْرَا
فخرج إليه عليّ (علیه السلام)، فلم يُمْهِلُه أن ضَرَبه، ففلق هامته .
قالوا : استدار الجملُ كما تدور الرّحا، وتكاثفت الرجال من حوله، واشتد رُغاؤه، واشتدّ زحام الناس عليه ونادى الحتات المجاشعيّ : أيها الناس، أمّكم أمّكم! واختلط الناس فضرب بعضُهم بعضاً، وتقصّد أهلُ الكوفَة قصْد الجمل، والرجال دونه كالجبال، كلّما خفّ قوم جاء أضعافهم، فنادى عليّ (علیه السلام): ويحكم! ارْشُقوا الجمل بالنَّبْل، اعقِروه لعنه اللّٰه! فرُشِق بالسهام، فلم يبقَ فيه موضع إلا أصابه النَّبْل ، وكان مجفّفاً (2)فتعلَّقت السهام به ، فصار
كالقنفذ، ونادت الأزْد وضَبّة : يا لثارات عثمان! فاتّخذوها شعاراً، ونادى أصحاب عليّ (علیه السلام): يا محمد! فاتخذوها شعاراً، واختلط الفريقان، ونادى عليّ (علیه السلام)بشعار رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) : يا منصور أمِتْ. وهذا في اليوم الثاني من أيام الجمل، فلما دعا بها تزلزت أقدامُ القوم، وذلك وقت العصر، بعد أن كانت الحرب من وقت الفجر .
قال الواقديّ: وقد رُوِيَ أن شعاره(علیه السلام) كان في ذلك اليوم «حمّ لا ينصرون. اللهم انصرنا على القوم الناكثين» ثم تحاجز الفريقان، والقَتْل فاشِ فيهما ، إلاّ أنّه في أهل البصرة أكثر، وأمارات النصر لائحة لعسكر الكوفة، ثم توافقوا في اليوم الثالث، فبرز أوّلَ الناس عبد اللّٰه بن الزبير، ودعا إلى المبارزة، فبرز إليه الأشتر ، فقالت عائشة : مَنْ برز إلى عبد اللّٰه؟ قالوا : الأشتر، فقالت : وَاثُكْلَ أسماء! فضربَ كلُّ منهما صاحبَه فجرحه، ثم اعتنقا، فصرع الأشتر عبدَ اللّٰه، وقعدَ على صدره، واختلط الفريقان: هؤلاء لينقذوا عبد اللّٰه، وهؤلاء ليُعينوا الأشتر.
وكان الأشتر طاوياً ثلاثة أيام لم يَطْعَم - وهذه عادته في الحرب - وكان أيضاً شيخاً عاليَ السنّ، فجعل عبد اللّٰه ينادي:
اقتلوني ومالِكاً
فلو قال: «اقتلوني والأشتر» لقتلوهما ، إلا أنّ أكثرَ من كان يمرّ بهما لا يعرفهما ، لكثرة مَنْ وقع في المعركة صَرْعى بعضُهم فوق بعض، وأفلت ابن الزبير مِنْ تحته ولم يكد، فذلك قول الأشتر:
أعَائشُ لولا أنّني كُنْتُ طَاوِياً*** ثلاثاً لألْفَيتِ ابنَ أُخْتِكِ هَالِكَا
غَداة ينادي والرِّجالُ تحوزهُ*** بأضعف صوت: أقتُلُوني ومالكاً!
فَلَمْ يعرِفُوه إذ دعاهم وغَمَّهُ*** خِدَبٌ (1)عليه في العَجَاجَة باركا
فنجّاه منّي أَكلُه وشبابه ***وأنّيَ شَيْخٌ لم أكن متماسكاً
وروى أبو مخْنف عن الأصبغ بن نُباتة، قال: دخل عمّار بن ياسر ومالك بن الحارث الأشتر على عائشة بعد انقضاء أمر الجمل، فقالت عائشة: يا عمّار، مَنْ معك؟ قال : الأشتر.
فقالت : يا مالك، أنت الذي صنعتَ بابن أختي ما صنعت؟ قال: نعم، ولولا أنّي كنت طاوياً ثلاثة أيام لأرَحْتُ أمة محمد منه، فقالت: أما علمتَ أنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) قال: «لا يحل دم
1) الخِدَبَّ: الشيخ، والعظيم. القاموس، مادة (خدب).
مسلم إلا بأحد أمور ثلاثة : كفر بعد إيمان، أو زناً بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق» (1)!
فقال الأشتر : عَلَى بعض هذه الثلاثة قاتلناه يا أم المؤمنين، وأيمُ اللّٰه ما خانني سيفي قبلها، ولقد أقسمت ألا يصحبَني بعدها .
قال أبو مخنف : ففي ذلك يقول الأشتر من جملة هذا الشعر الذي ذكرناه :
وَقَالَتْ على أيّ الخصال صرعْتَه*** بقتلِ أتى، أم رِدَّةٍ لا أَبَا لَکَا!
أم المحصَن الزّاني الذي حَلّ قتلُه*** فقلت لها لا بُدّ من بعض ذلكا
قال أبو مِخنف: وانتهى الحارث بن زهير الأزديّ من أصحاب عليّ (علیه السلام)إلى الجمل، ورجل آخذ بخِطامه ، لا يدنو منه أحد إلا قتله، فلما رآه الحارث بن زهير مشى إليه بالسيف وارتجر، فقال لعائشة :
يا أمنا أعقَّ امِّ نَعْلَمُ*** والأمب تغذُو وُلْدَهَا وَتَرْحَمُ
أما تريْن كم شجاعٍ يُکْلَمُ!*** وتُخْتلَى هَامَتهُ والمِعصمُ!
فاختلف هو والرجل ضربتين، فكلاهما أثخن صاحبه .
قال جندب بن عبد اللّٰه الأزديّ: فجئت حتى وقفت عليهما وهما يفحصان بأرجلهما حتى ماتا . قال : فأتيتُ عائشة بعد ذلك أسلّم عليها بالمدينة، فقالت : مَنْ أنت؟ قلت : رجل من أهل الكوفة ، قالت : هل شَهِدْتَنا يوم البصرة ؟ قلت: نعم، قالت: مع أيّ الفريقين؟ قلت : مع عليّ ، :قالت : هل سمعتَ مقالة الذي قال :
يا أمّنا أعقَّ أم نَعْلَمُ
قلت : نعم ،وأعرفه، قالت: ومن هو ؟ قلت : ابن عَمّ لي، قالت : وما فعل؟ قلت: قُتل عند الجمل، وقُتل قاتله، قال: فبكت حتى ظننت واللّٰه أنها لا تسكت، ثم قالت: لوددت واللّٰه أنّني كنت مِتّ قبل ذلك اليوم بعشرين سنة .
قالوا : وخرج رجل من عسكر البصرة يعرف بخبّاب بن عمرو الراسبيّ، فارتجز فقال :
أضّْرِبُهُمْ وَلوْ أرى عَليّاً*** عَمّمْتُه أبيضَ مَشْرَفِيّا
أريح منه مَعْشَراً غويّاً
1) أخرجه الترمذي، كتاب: الفتن، باب: ما جاء لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث (2158) والنسائي، كتاب: تحريم الدم، باب : منه (3968).
فصمد عليه الأشتر فقتله :
ثم تقدّم عبد الرحمن بن عتّاب بن أسِيد بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وهو من أشراف قريش – وكان اسم سيفه «ولول» - فارتجز ، فقال :
أنَا ابْنُ عَتَّابٍ وَسَيْفِي وَلْوَلْ*** والموتُ دون الْجَمَلِ المجلَّلْ
فحمل عليه الأشتر فقتله. ثم خرج عبد اللّٰه بن حكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العُزّى بن قصيّ، من أشراف قريش أيضاً، فارتجز وطلب المبارزة، فخرج إليه الأشتر فضربه على راسه فصرعه، ثم قام فنجا بنفسه.
قالوا : أخذ خِطام الجمل سبعون من قريش، قُتلوا كلّهم، ولم يكن يأخذ بخِطام الجمل أحدٌ إلا سالت نفسه، أو قطعت يده. وجاءت بنو ناجية فأخذوا بخِطام الجمل، ولم يكنْ يأخذ الخطامَ أحد إلا سألت عائشة : من هذا؟ فسألت عنهم، فقيل : بنو ناجية، فقالت عائشة : صبراً يا بني ناجية، فإني أعرف فيكم شمائل قريش. قالوا : وبنو ناجية مطعون في نسبهم إلى قريش، فقتلوا حولها جميعاً.
قال أبو مخنف: وحدثنا إسحاق بن راشد عن عبد اللّٰه بن الزبير، قال : أمسيتُ يوم الجمل و بي سبعة وثلاثون جُرحاً، من ضربة وطعنة ورَمْية، وما رأيتُ مثلَ يوم الجمل قط، ما كان الفريقان إلاّ كالجبلين لا يزولان.
قال أبو مخْنف : وقام رجل إلى علي (عليه السلام)فقال : يا أميرَ المؤمنين، أي فتنة أعظم من هذه؟
إن البَدْرِيّة ليمشي بعضها إلى بعض بالسيف، فقال عليّ (علیه السلام): ويحك! أتكون فتنة أنا أميرها وقائدها ! والَّذي بعث محمداً بالحق وكرّم وجهه، ما كَذَبْتُ ولا كُذِّبْتَ، ولا ضَلَلْتُ ولا ضُلَّ بي، ولا زَلَلْتُ ولا زُلّ بي، وإني لَعلي بيّنة من رَبّي بيّنها اللّٰه لرسوله، وبينها رسوله لي، وسأُدْعَى يوم القيامة ولا ذَنْب لي، ولو كان لي ذنب لَكَفّر عني ذنوبي ما أنا فيه من قتالهم(1). قال أبو مخنف : وحدّثنا مسلم الأعور عن حَبّة العُرَنيّ قال : فلما رأى علي (علیه السلام)أن الموتَ عند الجمل، وأنه ما دام قائماً فالحرب لاتُطفا، وضع سيفه على عاتقه، وعطف نحوه، وأمر أصحابه بذلك، ومشى نحوه والخِطام مع بني ضبّة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، واستحرَّ القَتْل في بني ضَبّة، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وخَلَص عليّ (علیه السلام)في جماعة من النَّخَعِ وهَمْدان إلى الجمل، فقال الرجل من النَّخَع اسمه بُجَير : دُونَكَ الجمل يا يُجير، فضرب عَجُز الجمل بسيفه فوقع لجنبه، وضرب بجِرانه الأرض، وعجّ عجيجاً لم يُسْمع بأشدَّ منه، فما هو إلا أنْ صُرع
1) أخرجه أحمد الرحماني في الإمام علي : 627 .
الجمل حتى فرّت الرجال كما يطير الجراد في الريح الشديدة الهبوب، واحتُملتْ عائشة بهودْجها، فحُملتْ إلى دار عبد اللّٰه بن خلَف، وأمر عليّ (علیه السلام)بالجمل أنْ يُحرَق ثم يذَرّى في الريح. وقال (علیه السلام): لعنه اللّٰه من دابّة! فما أشبَهه بعجل بني إسرائيل، ثم قرأ: (وأنظر إلىٰ إلَٰهكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَا كِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً) (1).
الأصل: أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَاءِ، بَعِيدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. خَفَّتْ عُقُولُكُمْ، وَسَفِهَتْ حُلُومُكُمْ ، فَأنْتُمْ غَرَضٌ لِنابِلٍ، وَأُكْلَةٌ لاكِلٍ، وفَرِيسَةٌ لِصَائِلٍ.
الشرح : الغَرَض : ما يُنصَب ليُرمى بالسهام. والنّابل: ذو النَّبْل. والأُكْلة، بضم الهمزة: المأكول. وفريسة الأسد: ما يفترسه.
وسِفَه فلان، بالكسر ، أي صار سفيها ، وسَفُه بالضم أيضاً. فإذا قلت : سَفِه فلان رأيَه أو حلمَه أو نفسَه، لم تَقل إلا بالكسر ، لأنّ «فَعُل» بالضم لا يتعدّى . وقولهم : سَفِه فلان نفسّه، وغَبِن رأيَهُ، وبَطِر عيشَه، وألِمَ بطنَه، ورفِق حالَه، ورَشِد أمرَه، كان الأصل فيه كله : سَفِهَتْ نفس زيد فلما حوّل الفعل إلى الرجل انتصب ما بعده بالمفعولّية. هذا مذهب البصريين والكسائيّ من الكوفيين.
وقال الفرّاء : لما حُوّل الفعل إلى الرجل خرج ما بعده مفسّراً ليدلّ على أن السفاهة فيه، وكان حكمه أن يكون: سَفِه زيدٌ نفساً ، لأنّ المفسّر لا يكون إلاّ نكرة، ولكنه ترك على إضافته، ونُصِب كنصب النكرة، تشبيهاً بها .
ويجوز عند البصريين والكِسائيّ تقديمُ المنصوب، كما يجوز: ضرب غلامَه زيدٌ، وعند الفرّاء لا يجوز تقديمه، لأن المفسّر لا يتقدّم.
فأمّا قوله : «أرضُكم قريبة من الماء، بعيدة من السماء» فقد قدّمنا معنى قوله «قريبة من الماء» وذكرنا غَرَقها من بحر فارس دَفْعتين، ومراده (علیه السلام)بقوله : «قريبة من الماء»، أي قريبة من الغَرَق بالماء. وأما «بعيدة من السماء»، فإنّ أربابَ علم الهيئة وصناعة التنّجيم يذكرون أنّ أبعد موضع في الأرض عن السماء الأبُلّةُ، وذلك موافق لقوله (علیه السلام).
1) سورة طه، الآية : 97 .
ومعنى البعد عن السماء ها هنا هو بعد تلك الأرض المخصوصة عن دائرة معدلّ النهار والبقاع، والبلاد تختلف في ذلك. وقد دلّت الأرصاد والآلات النّجُومية على أن أبعد موضع في المعمورة عن دائرة معدّل النهار هو الأُبُلّة، والأبلّة هي قصبة البصرة.
وهذا الموضع من خصائص أمير المؤمنين(علیه السلام) ، لأنه أخبر عن أمر لا تعرفه العرب، ولا تهتدي إليه، وهو مخصوص بالمدقّقين من الحكماء. وهذا من أسراره وغرائبه البديعة .
الأصل: وَاللّٰه لَوْ وَجَدْتُه قدْ تُزُوِّجَ بِهِ النساءُ ، وَمُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ، لَرَدَدْتُه ، فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً .
وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عليهِ أَضْیَقُ .
الشرح: القطائع : ما يُقِطعه الإمام بعضَ الرعيّة من أرض بيت المال ذاتِ الخراج، ويُسقِط عنه خراجَه، ويجعلُ عليه ضريبة يسيرة عوضاً عن الخراج. وقد كان عثمان أقطع كثيراً من بني أميّة وغيرهم من أوليائه وأصحابه قطائع من أرض الخراج على هذه الصورة، وقد كان عمرُ أقطع قطائع، ولكن لأربابه الغَناء في الحرب والآثار المشهورة في الجهاد، فَعَلَ ذلك ثَمَناً عمّا بذلوه من مُهجِهم في طاعة اللّٰه سبحانه، وعثمان أقطع القطائع صلةً لرَحمِه ، وميلاً إلى أصحابه، عن غير عناء في الحرب ولا أثر . وهذه الخطبة ذَكرَها الكلبيّ مرويّةً مرفوعةً إلى أبي صالح، عن ابن عباس رضي اللّٰه عنهما :
أنّ علياً (علیه السلام)خَطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة، فقال:
ألا إنّ كل قطيعَةٍ أقطعها عُثْمان، وكلِّ مال أعْطَاهُ من مال اللّٰه ، فهو مَرْدُود في بيت المال، فإنّ الحقَّ القديم لا يُبطله شيء، ولو وجدتُه وقد تُزوِّج به النساء، وفُرّق في البلدان، لرددته إلى حاله، فإنَّ فى العدل سعة، ومَنْ ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق .
وتفسيرُ هذا الكلام أنّ الوالِيَ إذا ضاقت عليه تدبيرات أموره في العدل، فهي في الجوْر أضيق عليه، لأنّ الجائر في مَظِنّة أن يُمْنع ويُصَدّ عن جوره.
قال الكلبيّ : ثم أمر(علیه السلام) بكلّ سلاح وُجِد لعثمان في داره مما تقوّى به على المسلمين فقبض، وأمر بقبْضِ نجائب كانت في داره من إبل الصدقة ،فقبضت، وأمر بقبض سيفه ودرعه،
وأمَر ألاّ يعرض لسلاح وُجد له لم يقاتل به المسلمون، وبالكفّ عن جميع أمواله التي وجدت في داره وفي غير داره، وأمر أن تُرْتجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث أُصيبت أو أصيب أصحابها.
فبلغ ذلك عَمْرو بن العاص، وكان بأيْلة من أرض الشام، أتاها حيث وثب الناس على عثمان، فنزلها فكتب إلى معاوية :ما كنت صانعاً فاصنع، إذ قَشَرَك ابن أبي طالب من كلِّ مال تملكه كما تُقْشَر عن العصا لِحاها .
وقال الوليد بن عُقبة - وهو أخو عثمان من أمه - يذكر قبضَ عليِّ (علیه السلام)نجائبَ عثمان و سيفَه وسلاحه:
بَنِي هاشِمِ رُدُّوا سلاح ابنِ أُخْتِكُمْ*** وَلا تُنْهِبُوه لا تَحِلُّ مَنَاهِبُهْ
بني هاشمٍ كيف الهوادةُ بينَنا*** وعِنْدَ عليِّ دِرْعُهُ وَنَجَانِبُهُ!
بني هاشم كيف التَّودّدُ مِنْكُمُ*** وَبَزُّ ابنِ أرْوَى فيكُمُ وحَرَائبُهْ!
بني هاشم إلاّ تردُّوا فإنّنا*** سواء علينا قاتلاه وسالبُه
بني هاشم إنّا وما كان مِنْكُمُ*** كصَدْع الصَّفا لا يشعَب الصَّدْعَ شاعِبُهْ
قَتَلْتُمْ أخِي كَيْما تَكُونُوا مَكانَهُ*** كما غَدرتْ يوماً بكِسْرَى مَرَازِبُهْ (1)
فأجابه عبد اللّٰه بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب بأبياتِ طويلة من جملتها :
فَلا تَسْأَلُونا سَيْفَكُمْ إِنَّ سَيْفكُمْ*** أُضِيع والقْاهُ لدَى الرَّوْعِ صاحِبُهْ
وَشَبَّهْتَه كِسرَى وقد كان مثله*** شبيهاً بكِسْرى هَدْيُه وَضَرَائِبُهْ
أي كان كافراً كما كان كسرى كافراً .
وكان المنصور رحمه اللّٰه تعالى إذا أنشد هذا الشعر يقول : لعن اللّٰه الوليد! هو الذي فَرّق بين بني عبد مناف بهذا الشعر !
الأصل: ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ إِنَّ مَنْ صَرّحَتْ لَهُ الْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ المَثُلاَتِ ، حَجَزَتْهُ التَّقْوَى عَنْ تَقَحُمِ الشُّبُهَاتِ. أَلاَ وَإِنْ بَلِيتَّکُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئتِهَا يَوْمَ
1) المرازبة: واحدة مَرْزُبان، وهو الفارس الشجاع المقدم على القوم دون الملك ، فارسي معرب . اللسان، مادة (رزب).
بَعَثَ اللّٰه نَبِيَّهُ . وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً ، ولَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً ، ولَتُسَاطُنَّ سَوْطَ القِدْرِ ، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاَكُمْ ،و أَعْلاَكُمْ أَسْفَلَكُمْ وَلَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا، وَلَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا . واللّٰه ما كَتَمْتُ وَشْمَةً، وَلا كَذَبَتُ كَذْبَةٌ، وَلَقَدْ نُبئتُ بِهَذَا المَقَامِ وَهَذَا الْيَوْمِ.
أَلاَ وَإِنَّ الخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا ، وَخُلِعَتْ لُجُمُهَا ، فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ .
أَلاَ وَإِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ ، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا ، وَأُعْطُوا أَزِمَّتَهَا ، فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ .
حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَلِكُلِّ أَهْلٌ، فَلَئِنْ أَمِرَ البَاطِلُ لَقَدِيماً فَعلَ ، وَلَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ لَرُبّمَا وَلَعَلَّ، وَلَقَلَّما أَدْبَرَ شَيءٌ فَأَقْبَلَ.
قال الرضيّ : وأقول : إنَّ في هذا الكلام الْأَدْنَى من مَواقِع الإِحْسَان مَا لا تَبْلُغُهُ مَواقعُ الاسْتِحْسَانِ. وَإِنَّ حَظّ العَجَبِ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ حَظِّ العُجْبِ بِهِ، وَفِيهِ مَعَ الحَالِ الَّتِي وَصَفْنَا زَوَائِدُ مِنَ الفَصَاحَةِ لاَ يَقُومُ بِهَا لِسَانٌ، وَلا يَطْلُعُ فَجَّها إِنْسَان، وَلَا يَعْرِفُ مَا أَقُولُ إِلاَّ مَنْ ضَرَبَ فِي هٰذِهِ الصِّنَاعَةِ بِحَقِّ، وَجَرَى فِيهَا عَلَى عَرْقٍ، (وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا العَٰلِمُونَ) (1).
ومن هذه الخطبة : شُغِلَ مَنِ الجِنَّةُ وَالنَّارُ أَمَامَهُ. سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا ، وَطَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا ،وَمُقَصِّرٌ فِي النَّارِ هَوَى.
الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ، عَلَيْهَا بَاقِي الْكِتَابِ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ، وَمِنْهَا مَنْقَذُ السُّنَّةِ، وَإِلْيَهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ .
هَلَكَ مَنِ ادَّعَى، وَخَابَ مَنِ افْتَرى .
مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ عِنْدَ جَهَلَةِ النَّاسِ. وَكَفَىٰ بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلا يَعْرِفَ قَدْرَهُ.
لا يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ، وَلَا يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْمٍ، فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنَكُمْ ، والتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ، وَلا يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلاَّ رَبَّهُ، وَلا لاَئمٌ إلا نَفْسَهُ .
الشرح: الذّمّة : العقْد والعهد، يقول: هذا الدَّيْن في ذمّتي ، كقولك: في عنقي، وهما كناية عن الالتزام والضمان والتقلّد . والزّعيم الكفِيل، ومخرج الكلام لهم فخرج الترغيب في
1) سورة العنكبوت، الآية : 43 .
سماع ما يقوله ، كما يقول المتهمّ المهْتَمّ بإيضاح أمر لقوم لهم : أنا المَدْرِكُ المتقلّد بصدْق ما أقوله لكم. وصرّحت : كشَفَتْ. والعِبَر : جمع عِبْرَة، وهي الموعظة. والمَثُلاث: العقوبات. وحَجَزه: منعه.
وقوله : «لَتُبَلْبَلُنَّ» أي لَتُخْلَطُنَّ، تبلبلت الألسن، أي اختلطت. «ولَتُغَرْبَلُنَّ»، يجوز أن يكون من الغِرْبال الذي يُغَرْبَلُ به الدّقيق، ويجوز أن يكون من غَرْبَلْتُ اللحم، أي قطعته. فإنْ كان الأول كان له معنيان: أحدهما الاختلاط كالتَّبَلبُل ، لأن غربلة الدقيق تخلط بعضَه ببعض .
والثاني أن يريدَ بذلك أنه يسْتَخْلِصُ الصالح منكم من الفاسد، ويَتَمَيَّز كما يُتَمَيَّز الدقيق عند الغَرْبلة من نُخالته .
وتقول : ما عصيت فلاناً وَشْمة ، أي كلمة. وحِصان شَموس : يمنع ظهره شَمَس الفرسُ، بالفتح، و به شِماس . وأمِرَ الباطل : كَثُرَ .
وقوله : «لقديماً ،فعل»، أي لقديماً فعل الباطل ذلك، ونَسَب الفعل إالى الباطل مجازاً .
ويجوز أن يكون «فعل» بمعنى انفعل كقوله :
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلٰهُ فَجَبَرْ
أي فانّجَبر. والسِّنْخ: الأصل، وقوله: «سِنْخ أصل» كقوله :
إِذا حَاصَ عَيْنَيْهِ كَرَى النَّوْمِ
وفي بعض الروايات: «من أبدى صفحته للحق هلك عند جهلة الناس»، والتأويل مختلف، فمراده على الرواية الأولى - وهي الصحيحة - مَنْ كاشف الحقّ مخاصماً له هَلَك، و هي كلمة جارية مَجْرَى المثل . ومراده على الرواية : الثانية : مَنْ أبدى صفحته لنُصْرَة الحق غَلبَه أهلُ الجهل - لأنّهم العامّة، وفيهم الكثرة - فهلك .
وهذه الخطبة من جلائل خطبه(علیه السلام) ومن مشهوراتها ، قد رواها الناس كلّهم، وفيها زيادات حذفها الرضيّ ، إمّا اختصاراً أو خوفاً من إيحاش السامعين، وقد ذكرها شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين» على وجهها ، ورواها عن أبي عُبيدة مَعْمَر بن المُثنّى .
قال : أوّل خطبة خطبها أمير المؤمنين عليّ (علیه السلام) بالمدينة في خلافته حمِد اللّٰه وأثنى عليه،وصلى على النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، ثم قال :
« ألا لا يُرْعِيَنَّ مُرْعِ إلاّ على نفسه. شُغِل مَن الجنّة والنارُ أمامه. ساعٍ مجتهد [يَنجو] ، و طالب يرجو ومقصِّر في النار، ثلاثة واثنان: مَلَكٌ طار بجنَاحَيْه، ونبي أخذ اللّٰه بیده ، لا سادس. هَلَكَ من ادَّعَى، ورَدِيَ من اقتحم. اليمين والشمال مَضَلّة، والوسْطَى الجادّة، منهج عليه باقي الكتاب والسُّنّة وآثار النبوة. إن اللّٰه داوَى هذه الأمة بدواءيْن: السوْط والسّيْف، لا
هَوَادة عند الإمام فيهما . اسْتَتِرُوا في بيُوتكم، وأصْلِحُوا ذات بينكم، والتَّوْبَةُ منْ وَرَائكم . من أبْدَى صفحته للحقِّ هلك. قد كانتْ [لكم] أمور [مِلْتُمْ فيها عليّ مَيْلَة] لم تكونوا عندي فيها محمودين [ولا مُصيبن]. أما إنّي لو أشاء لقلتُ، عفا اللّٰه عمّا سلف. سبق الرَّجلان وقام الثالث كالغرابه هِمَّتَهُ بَطنه. ويحَهُ لو قُصَّ جَناحاه، وقُطع رأسه لكان خيراً له!
انظروا فإن أنكَرْتم فأنكرِوا ، وإنْ عرفتم فآزروا . حَقٌّ وباطل، ولكلِّ أهل .
ولئن أمِرَ الباطلُ لقديماً فَعَل، ولئن قلّ الحق لَرُبّما ولَعَلّ، وقلَّما أدبر شيء فأقبل . ولئن رَجَعَتْ إليكم أمورُكم إنكم لسُعداء، وإني لأخشَى أن تكونوا في فَتْرةِ، وما علينا إلاّ الاجتهاد».
قال شيخنا أبو عثمان رحمه اللّٰه تعالى : وقال أبو عبيدة: وزاد فيها في رواية جعفر بن محمد (علیه السلام)عن آبائه(علیه السلام):
«ألا إنّ أبرار عِتْرَتي، وأطايبَ أرُومَتي، أحلم الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً. الاَ وإنَّا أهل بيت مِنْ علم اللّٰه علمْنا، وبحُكْم اللّٰه حَكَمْنَا، ومِنْ قولِ صادق سَمِعْنا، فإن تَتَّبِعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا ، وإنْ لم تفعلوا یِهْلِكْكُم اللّٰه بأيدينا . ومعنا رايةُ الحق، مَنْ تبعها لَحِق، ومَنْ تأخّر عنها غَرِق. ألا وبنا يُدْرَكُ تِرَةُ كل مؤمن، وبنا تخلع رِبقْة الذلّ عن أعناقكم وبنا فُتِح لا بكم، ومنا يُخْتَمُ لا بِكُمْ» (1).
قوله: «لا يُرْعِيَنَّ» أي لا يبقينّ، أرعيتُ عليه، أي أبقيت، يقول : مَنْ أبقى على الناس فإِنما أبقى على نفسه. والهوادة: الرفق والصلح، وأصله اللينُ. والتهويد: المشي رويداً، وفي الحديث: «أسرعوا المشيَ في الجنازة ولا تهوَّدوا كما تهوّد أهل الكتاب» (2). وآزرتُ زيداً : أَعَنْتُه. التِّرة : والوتْر. والرِّبقة: الحبل يُجعل في عنق الشاة. وَردِيَ : هلك، من الرَّدَى، كقولك : عَمِيَ من العَمَى، وشجِيَ من الشَّجَى .
وقولُه : «شُغِلَ مَنِ الجنة والنار أمامه»، يريد به أنّ مَنْ كانت هاتان الداران أمامه لَفِي شُغل عن أمور الدنيا إن كان رشيداً . وقوله : «ساعٍ مجتهد» إلى قوله: «لا سادس» كلام تقديره : المكلِّفون على خمسة أقسام :
ساع مجتهد، وطالب راج، ومقصّر هالك. ثم قال : ثلاثة، أي فهؤلاء ثلاثة أقسام، وهذا ينظر إلى قوله سبحانه : «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَٰبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُم سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ )(1)، ثم ذكر القسمين : الرابع والخامس، فقال: هما مَلَك طار بجناحيه، ونبيّ أخذ اللّٰه بيده، يريد عِصْمَة هذين النوعين من القبيح، ثم قال: «لا سادس» أي لم يبق في المكلّفين قسم سادس. وهذا يقتضي أنّ العِصْمة ليست إلاّ للأنبياء والملائكة، ولو كان الإمام يجب أن يكون معصوماً لكان قسماً سادساً، فإِذن قد شهد هذا الكلام بصحة ما تقوله المعتزلةُ في نفي اشتراط العصمة في الإمامة، اللهم إلاَّ أن يُجعل الإمام المعصوم داخلاً في القسم الأول، وهو الساعي المجتهد. وفيه بُعْد وَضعْف .
وقوله : «هلك مَنِ ادَّعى، وَرَدِيَ مَنِ اقتَحَم»، يريد هلَك منِ ادّعى وكذب، لا بدّ من تقدير ذلك، لأنّ الدعوى تعمُّ الصِّدق والكذب، وكأنّه يقول : هلَكَ منِ ادّعى الإمامة، وَرَدِي مَن اقتحمها وَوَلَجَهَا عن غير استحقاق، لأن كلامه (علیه السلام)في هذه الخطبة، كلُّه كنايات عن الإمامة لا عن غيرها .
وقوله : «اليمين والشمال»، مثال لأنّ السالك الطريق الْمَنْهَجَ اللاحب ناجٍ، والعادل عنها يميناً وشمالاً مُعرَّض للخطر.
ونحو هذا الكلام ما رُوِي عن عمر، أنّه لما صدر عن مِنَى في السنة التي قتل فيها ، كَوَّم كَوْمةً من البَطْحَاء فقام عليها، فخطب الناس، فقال: أيّها الناس، قد سُنّت لكم السّنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركْتُم على الواضحة، إلاَّ أن تميلوا بالناس يميناً وشمالاً ، ثم قرأ: (ألَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ(8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9) وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَينِ(10)) (2)، ثم قال: ألا إنّهما نَجْدا الخير والشرّ، فما جعل نجدَ الشرّ أحبَّ إليكم من نَجْد الخير .
وقوله : «إن اللّٰه دَاوَى هذه الأمّة بدواءيْن» كلام شريف، وعلى منواله نسج الحجّاج وزياد كلامَهما المذكور فيه السوط والسيف. فمن ذلك قول الحجّاج :
مَنْ أعياه داؤه فعليَّ دواؤه، ومن استبطأ أجلَه فعليَّ أن أعجّله، ومن استثقلَ رأسَه وضعت عنه ثِقْلَهُ، ومَن استطال ماضيَ عمره قصّرتُ عليه باقيه . إنّ للشيطان طَيْفاً، وإن للسلطان سيفاً، فمن سَقِمت سريرتُه، صحّتْ عقوبته ، ومَنْ وَضَعه ذنُبه، رفعه صَلْبُه، ومَنْ لم تسعه العافية، لم تَضِقْ عنه الهلَكة، ومَنْ سبقته بادرةُ فمِه، سَبَق بدنَه سفكُ دمه. إِني لأُنذِر ثم لا أُنْظِر، وأحذّر ثم لا أعذِر، وأتوعَّد ثم لا أغفر، إنما أفسدكم ترقيقُ وُلاتكم. ومن استرخى لَبَبُهُ(3)، ساء أدبُه. إن
الحزْمَ والعزْم سَلَباني سوطي، وجعلا سوطي سيفي، فقائمهُ في يَدِي، ونِجَادُه في عُنقي، وذُبَابه قِلادةٌ لِمَنْ عَصَاني. واللّٰه لا آمرُ أحداً أن يخرُج من باب من أبواب المَسجد فيخرجَ من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه .
ومن ذلك قولُ زياد :
إنما هو زَجْر بالقول، ثم ضَرْب بالسّوط، ثم الثالثة التي لا شَوَى(1)لها . فلا يكونَنّ لسانُ أحدِكم شَفْرَةً تجري على أوْداجه، وليعلمْ إذا خلا بنفسه أنِّي قد حملتُ سيفي بيده، فإن شَهَرَه لم أغمِدْه، وإن أغمده لم أشهره.
وقوله (علیه السلام): «كالغراب» يعني الحرصَ والجشع، والغراب يقع على الجيفة، ويقع على التمرة، ويقع على الحبّة، وفي الأمثال : «أجشع من غراب»، و«أحرص من غراب».
وقوله : «ويحَه لو قُصّ»، يريد لو كان قُتِل أو مات قبل أن يتلبّس بالخلافة لكان خيراً له من أن يعيش ويدخل فيها. ثم قال لهم : أفكروا فيما قد قلت، فإن كان منكَراً فأنكرِوه، وإن كان حقَّا فأعينوا عليه .
وقوله : «استتروا في بيوتكم» نهيٌ لهم عن العصبيّة والاجتماع والتحزّب، فقد كان قوم بعد قتل عثمان تكلّموا في قتله بني أمية بالمدينة.
وأما قوله : «قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين»، فمراده أمرُ عثمان وتقديمه في الخلافة عليه. ومن الناس مَنْ يَحمِلُ ذلك على خلافة الشيخين أيضاً. ويبعدُ عندِي أن يكونَ أراده، لأنّ المدة قد كانت طالتْ، ولم يَبْقَ مَنْ يعاتبه ليقول : قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين، فإنّ هذا الكلام يُشعر بمعاتبة قوم على أمر كان أنكره منهم. وأمّا بيعة عثمان، ثم ما جرى بينه وبين عثمان من منازعاتٍ طويلة، وغضب تارة، وصُلْحِ أخرى، ومراسلات خشنة ولطيفة، وكون الناس بالمدينة كانوا حزبْين وفئتين : إحداهما معه (علیه السلام)، والأخرى مع عثمان، فإنّ صَرْف الكلام إلى ما قلناه بهذا الاعتبار أليق .
ولسنا نمنع من أن يكون في كلامه(علیه السلام) الكثير من التوجّد والتألّم لصرْف الخلافة بعد وفاة الرسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)عنه ، وإنما كلامنا الآن في هذه اللفظات التي في هذه الخطبة، على أنّ قوله(علیه السلام) : «سبق الرجُلان» والاقتصار على ذلك فيه كفاية في انحرافه عنهما .
وأما قوله : «حق وباطل ...» إلى آخر الفصل، فمعناه كلّ أمر فهو إمّا حقّ وإمّا باطل، ولكلّ واحدٍ من هذيْن أهلٌ، وما زال أهل الباطل أكثرَ من أهل الحق، ولئن كان الحق قليلاً لربّما كَثُر، ولعله ينتصر أهلُه.
1) الشَّوَى : الشيء الهين اليسير. اللسان، مادة (شوي).
ثم قال على سبيل التضجر بنفسه : «وقلّما أدبَر شيء فأقبل»، استبعد(علیه السلام) أن تعود دولة قوم بعد زوالها عنهم، وإلى هذا المعنى ذهب الشاعر في قوله :
وَقَالُوا يَعُودُ الماء في النّهرِ بعد ما*** ذَوَى نبت جَنْبَيْهِ وَجَفَّ المَشارِعُ
فقلتُ إلى أن يرجع النهرُ جارياً*** ويُعشب جَنْبَاهُ تَموتُ الضفادِعُ
ثم قال : «ولئن رجعت عليكم أموركم» أي إن ساعدني الوقت، وتمكنت من أن أحكم فيكم بحكم اللّٰه تعالى ورسوله، وعادت إليكم أيام شبيهة بأيام رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وسيرةٌ مماثلة لسيرته في أصحابه، إنكم لَسُعداء.
ثم قال: «وإني لأخشى أن تكونوا في فترة»، الفترةُ هي الأزمنة التي بين الأنبياء إذا انقطعت الرسل فيها، كالفَتْرة التي بين عيسى(علیه السلام) ومحمد (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)،لأنه لم يكن بينهما نبيّ، بخلاف المدة التي كانت بين موسى وعيسى (علیه السلام)، لأنه بُعِث فيها أنبياء كثيرون، فيقول(علیه السلام) : إنّي لَأَخشى ألاّ أتمكن من الحكم بكتاب اللّٰه تعالى فيكم، فتكونوا كالأمم الذين في أزمنة الفَتْرة لا يرجعون إلى نبيِّ يشافههم بالشرائع والأحكام، وكأنه (علیه السلام)قد كان يعلم أنّ الأمر سيضطرب عليه .
ثم قال: «وما علينا إلا الاجتهاد»، يقول : أنا أعمل ما يجب عليّ من الاجتهاد في القيام بالشريعة وعزل ولاة السوء وأمراء الفساد عن المسلمين، فإنْ تمّ ما أريده فذاك، وإلا كنت قد أعْذَرْتُ .
وأما التتِمّة المروية عن جعفر بن محمد(علیه السلام) فواضحة الألفاظ، وقوله في آخرها : «وبنا تُختم لا بِكُم» إشارة إلى المهديّ الذي يظهر في آخر الزمان. وأكثر المحدّثين على أنه من وَلَد فاطمة (علیه السلام) . وأصحابنا المعتزلة لا ينكرونه، وقد صرّحوا بذكره في كتبهم ، واعترف به شيوخهم، إلا أنه عندنا لم يُخْلَقْ بعد، وسيخلق .
وإلى هذا المذهب يذهب أصحاب الحديث أيضاً .
وروى قاضي القضاة رحمه اللّٰه تعالى عن كافِي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عَبّاد رحمه اللّٰه بإسناد متصل بعليّ (علیه السلام) أنّه ذكر المهديّ، وقال: إنه من ولد الحسين (علیه السلام)، وذكر حِليتَه ، فقال رجل، أجْلَى الجبين، أقنى الأنف، ضخم البطن، أزيل الفَخِذين، أبلج الثنايا، بفخذه اليمني شامة . .
وذكر هذا الحديث بعينه عبد اللّٰه بن قتيبة في كتاب «غريب الحديث» (1).
1) «غريب الحديث» : لأبي محمد عبد اللّٰه بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفي سنة ( 266ه-). «كشف الظنون» (1204/2).
الأصل: إِنَّ أَبْغَضَ الْخَلَائِقِ إِلَى اللّٰه تعالى رَجُلاَنِ : رَجُلٌ وَكلَهُ اللّٰه إِلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، مَشْغُوفٌ بِكَلامِ بِدْعَةٍ ، وَدُعَاءِ ضَلَالَةٍ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ، ضَالٌّ عَنْ هُدَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، مُضِلُّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ . حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ، رَهْنٌ بخَطيئتِه . وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً ، مُوضِعٌ فِي جُهَّالِ الْأُمَّةِ، عَادٍ فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ، عَم بِمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً ، وَلَيْسَ بِهِ .بكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ، مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ، حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ آجِنِ، وَاكْتَنَزَ مِنْ غَيرِ طائلِ. جلَسَ بَينَ النَّاسِ قَاضِياً ، ضَامِناً لِتَخْلِيصِ ما الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ، هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثُّا مِنْ رَأْيِهِ، ثمَّ قَطَعَ بِهِ. فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ، لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ ، فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأ، وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ. جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالَاتِ، عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتِ، لَمْ يَعَضَّ عَلَى العِلْمِ بِضِرْسِ قاسِع . يُذْرِي الرِّوَايَاتِ إِذْرَاء الرِّيحِ الهَشِيم، لا مَلِيءٌ واللّٰه بإصْدَار مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ أَهْلٌ لِمَا فُوِّض إِلَيْهِ. لا يَحْسِبُ العِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ، ولا يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لغَيْرِهِ، وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَم بِهِ، لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ ، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وَتَعجُ مِنْهُ الْمَوَارِيتُ إِلَى اللّٰه مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالاً، ويَمُوتُونَ ضُلاَّلاً، لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ، ولا سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً ، ولا أغْلَى ثَمَناً مِنَ الكِتابِ إِذَا حُرفَ عَنْ مَوَاضِعِه، ولا عِنْدَهُمْ أنْكَرُ مِنَ المَعْرُوفِ، ولا أعْرَفُ مِنَ المُنْكَرِ .
الشرح: وكله إلى نفسه : تركه ونفسَه، وكلْتُه وكُلا ووُكولاً. والجائر : الضّال العادل عن الطريق. وقَمَش جهلاً: جمعه .ومُوضِع: مسرع، أوضع البعيرُ : أسرع، وأوضعه راكبُه، فهو مُوضِعٌ به أي أسرَع به.
وأغْباش الفتنة:ظُلمها، الواحدة غَبَش، وأغباش الليل: بقايا ظُلمته، ومنه الحديث في صلاة الصبح : «والنّساء ملتفّعات بمُرُوطِهِنّ ما يُعْرَفْن من الغَبَش» (1)والماء الآجن : الفاسد.
1) أخرجه البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، وقت الفجر (578)، ومسلم، كتاب: المساجد مواضع الصلاة، باب: استحباب والتبكير بالصبح (645) .
وأكثر ، كقولك : «استكثر»، ويروى : «اكتنز»، أي اتخذ العلم كنزاً .
والتخليص: التبيين، وهو والتلخيص متقاربان، ولعلّهما شيء واحد من المقلوب .
والمبهمات: المشكلات، وإنّما قيل لها مُبْهَمة، لأنّها أُنهِمَت عن البيان، كأنها أصمِئَتْ فلم يُجْعَلْ عليها دليل ولا إليها سبيل، أو جُعِل عليها دليل وإليها سبيل، إلا أنّه متعسّر مستَصعَب ولهذا قيل لما لا ينطق من الحيوان:بَهيمة، وقيل للمصمَت اللّون الذي لا شِيَةَ (1)فيه : بَهيم.
وقوله : «حشواً رثًّا» كلام مخرجه الذمّ، والرثّ : الخَلِق، ضدّ الجديد.
وقوله : «حشواً»، يعني كثيراً لا فائدة فيه. وعاش : خابطُ في ظلام وقوله : «لم يَعضّ» يريد أنه لم يُتقِنْ ولم يُحكم الأمور، فيكون بمنزلة من يَعضُّ بالنّاجذ، وهو آخر الأضراس وإنما يطلع إذا استحكمت شبيبةُ الإنسان واشتدّتْ مِرّته، ولذلك يدعوه العوامّ ضِرْس الحِلْم، كأنّ الحِلْم يأتي مع طلوعه، ويَذْهب نَزَق الصِّبا، ويقولون: رجلٌ مُنجَّذ، أي مجرّب مُحْكَم، كأنه قد عضّ على ناجذه وكَمَل عقلُه(2).
وقوله : «يُذْرِي الرّوايات» هكذا أكثر النسخ ، وأكثر الروايات «يُذْرِي» من «أَذْرَى» رباعياً، وقد أوضحه قوله : «إِذْرَاء الريح»، يقال: طعنه فأذْراء، أي ألقاه ، وأذريتُ الحَبّ للزرع، أي القيته، فكأنّه يقول : يُلْقِي الروايات كما يُلْقِي الإنسان الشيء على الأرض، والأجود الأصحّ الرواية الأخرى : «يَذْرُو الرِّواياتِ ذَرْوَ الريح الهشيم»، وهكذا ذكر ابن قتيبة في «غريب الحديث» لمّا ذكر هذه الخطبة عن أمير المؤمنين(علیه السلام) ، قال تعالى : (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تذَرُوهُ الرِّیَٰحُ) (3)، والهشيم : ما يبس من النَّبْت وتفتّت.
قوله : «لا مليء»، أي لا قيّم به، وفلان غنيّ مليء، أي ثقة بيّن الملأ والملاء ، بالمد. وفي کتاب ابن قتيبة تتمة هذا الكلام: «ولا أهل لما قُرّظ به»، قال: أي ليس بمستحِقِّ للمدح الذي مُدح به. والذي رواه ابن قتيبة من تمام كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) و هو الصحيح الجيّد، لأنّه يُستقبَح في العربية أن تقول : لا زيدَ قائم، حتى تقول : ولا عمرو، أو تقول: ولا قاعد، فقوله (علیه السلام): «لا مليء» أي لا هُوَ مليء، وهذا يستدعي « لا » ثانية، ولا يحسن الاقتصار على الأولى.
وقوله (علیه السلام): «اكتتم به» أي كتمه وستره. وقوله : «تصرخُ منه وتَعجّ». العجّ: رفع الصوت، وهذا من بابَ الاستعارة.
وفي كثير من النسخ: «إلى اللّٰه أشكو» ، فمن روى ذلك وقف على «المواريث، ومن روى الرواية الأولى وَقَف على قوله : «إلى اللّٰه» ويكون قوله : «من معشر» من تمام صفات ذلك الحاكم، أي هو من معشرِ صفتهم كذا .
وأبْوَرَ «أفعل» من البْور: الفاسد، بارَ الشيءُ، أي فسد، وبارت السلعة، أي كسدت ولم تنفُق، وهو المراد ها هنا، وأصله الفساد أيضاً .
إن قيل : بيِّنوا الفرْق بين الرَّجُلين اللذيْن أحدهما وكَلَه اللّٰه إلى نفسه، والآخر رجل قمش جهلاً، فإنّهما في الظاهر واحد.
قيل : أمّا الرجل الأوّل، فهو الضالّ في أصول العقائد، كالمشبِّه والمجبِر ونحوهما ، ألا تراه كيف قال: «مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلالة»، وهذا يُشعر بما قلناه، من أنّ مرادَه به المتكلّم في أصول الدين، وهو ضالّ عنِ الحقّ، ولهذا قال : إنّه فتنة لمن افتتن به ضالّ عن هُدَى مَنْ قبله ، مضلّ لمن يجيء بعده. وأما الرجل الثاني فهو المتفقّه في فروع الشَّرْعيات، وليس بأهل لذلك، كفقهاء السوء، ألا تراه كيف يقول : جلس بين الناس قاضياً .
وقال أيضاً : «تصرُخ من جور قضائه الدماء، وتَعجّ منه المواريث».
فإن قيل : ما معنى قوله في الرَّجُل الأول: «رَهْن بخطيئته»؟ قيل : لأنه إن كان ضالاً في دعوته مُضلاً لمن اتّبعه، فقد حمل خطاياه وخطايا غيره، فهو رَهْن بالخطيئتين معاً، وهذا مثل قوله تعالى: (وَلَیَحْمِلُنَّ أَثقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ) (1).
إن قيل : ما معنى قوله «عمِ بما في عقد الهدنة»؟ قيل : الهدنة أصلُها في اللغة السّكون، يقال : هَدَنَ إذا سكن، ومعنى الكلام أنَّه لا يعرف ما في الفتنة من الشَّرّ، ولا ما في السكون والمصالحة من الخير .
ویروی: «بما في غَيْب الهدنة»، أي في طيِّها وفي ضمنها . ويروى : «غارّ في أغباش الفتنة»، أي غافل ذو غِرّة.
وروي: «من جمع» بالتنوين فتكون «ما» على هذا اسماً موصولاً، وهي وصلتها في موضع جِرِّ لأنها صفة «جمع» ، ومن لم يرو التنوين في «جمع» حذف الموصوف، تقديره : مِنْ جمع شيء ما قلّ منه خيرٌ مما كَثُر، فتكون «ما» مصدرية، وتقدير الكلام: قلّتُه خيرٌ من كثرته، ويكون موضع ذلك جراً أيضاً بالصفة.
1) سورة العنكبوت، الآية : 13 .
الأصل: تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ القَضِيَّةُ فِي حُكْمِ مِنَ الْأَحْكامِ، فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ، ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ القَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ، فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلاَف قوله، ثُمَّ يَجْتَمِعُ القُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الإمَامِ الَّذِي اسْتَقْضَاهُمْ، فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً وَإِلٰهُهُمْ وَاحِدٌ، وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ، وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ . أَفَأَمَرَهُمُ اللّٰه تَعَالَى بالاخْتِلَافِ فَأَطَاعُوهُ! أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ! أَمْ أَنْزَلَ اللّٰهُ سُبْحَانَهُ دِيناً ناقصاً فاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ! أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى! أَمْ أَنْزَلَ اللّٰه سُبْحَانَهُ دِيناً تامَّا فَقَصَّرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللّٰه عَلَيْهِ عَنْ تَبْلِيغِهِ وَأَدائِهِ، وَاللّٰه سُبْحانَهُ يَقُولُ : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) (1)، وَفِيهِ تِبْيان كُلِّ شَيْءٍ. وَذَكَرَ أَنَّ الكِتابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً ، وَأَنَّهُ لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ، فَقالَ سُبْحَانَهُ: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰفًا كَثِيرًا) (2).
وَإِنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لا تَفْنَى عَجَائِبُهْ، وَلا تَنْقَضِي غَرَائبِهُ وَلَا تُكْشَفُ الظُّلُماتُ إِلاَّ بِهِ.
الشرح: الأنيق: المعجِب، وآنقني الشيء، أي أعجبني ، يقول : لا ينبغي أن يُحمَل جميعُ ما في الكتاب العزيز على ظاهره، فكم من ظاهرٍ فيه غيرُ مرادٍ، بل المراد به أمر آخر باطن، والمراد الردّ على أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وإفسادُ قول من قال : كلّ مجتهد مصيب، وتلخيص الاحتجاج من خمسة أوجه:
الأول : أنَّه لَمّا كان الإلٰه سبحانه واحداً، والرسول (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) واحداً والكتاب واحداً، وجب أن يكونَ الحُكْم في الواقعة واحداً، كالمَلِك الذي يُرسِل إلى رعيّتِه رسولاً بكتاب يأمرهم فيه بأوامرَ يقتضيها مُلْكه ،وإمْرَتُه ، فإنه لا يجوز أن تتناقض أوامره، ولو تناقضتْ لنُسِبَ إلى السَّفَه والجهل.
الثاني : لا يخلو الاختلافُ الَّذِي ذهب إليه المجتهدون، إمّا أن يكونَ مأموراً به أو منهيَّا عنه، والأوَّل باطل، لأنه ليس في الكتاب والسنّة ما يمكِّن الخصم أن يتعلّق به في كَوْن الاختلاف مأموراً به والثاني حَقّ، ويلزم منه تحريم الاختلاف.
الثالث : إمّا أن يكونَ دينُ الإسلام ناقصاً أو تامَّا، فإن كان الأول كان اللّٰه سبحانه قد
استعان بالمكلَّفين على إتمام شريعةٍ ناقصة أرسَل بها رسوله، إمّا استعانةَ على سبيل النيابة عنه، أو على سبيل المشاركة له، وكلاهما كفر. وإن كان الثاني، فإمّا أن يكون اللّٰه تعالى أنزلَ الشرع تامًّا فقصَّر الرسولُ عن ،تبليغه أو يكونَ الرسولُ قد أبلغه على تمامه وكماله، فإنْ كان الأوّل فهو كُفر أيضاً، وإنْ كان الثاني فقد بَطَل الاجتهاد، لأنّ الاجتهاد إنما يكون فيما لم يتبين، فأمّا ما قد بُيِّن فلا مجال للاجتهاد فيه .
الرابع: الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَٰبِ مِن شَىۡءٍ) (1)، وقوله، (تبِيَٰناً لِكُلِ شیۡءٍ)(2)
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ )(3)، فهذه الآيات دالَّة على اشتمال الكتاب العزيز على جميع الأحكام، فكلّ ما ليس في الكتاب وجب ألاَّ يكون في الشرع.
الخامس : قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰفًا كَثِيرًا) (4)، فجُعل الاختلافُ دليلاً على أنّه ليس من عند اللّٰه، لكنه من عند اللّٰه سبحانه بالأدلّة القاطعة الدَّالة على صحة النبوّة، فوجب ألا يكون فيه اختلاف.
واعْلم أنّ هذه الوجوه هي الَّتِي يتعلق بها الإماميّة ونُفاةُ القياس والاجتهاد في الشرعيّات وقد تكلّم عليها أصحابنا في كُتُبِهم ، وقالوا : إنّ أميرَ المؤمنين (علیه السلام)و كان يجتهد ويَقيس، وادَّعَوْا إِجْمَاعَ الصحابة على صحة الاجتهاد والقياس، ودفعوا صحّةَ هذا الكلام المنسوب في هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) ، وقالوا : إنّه من رواية الإماميّة، وهو معارَض بما ترويه الزَّيْدية عنه وعن أبنائه(علیه السلام) في صحة القياس والاجتهاد، ومخالطة الزيدية لأئمة أهل البيت(علیهم السلام) کمخالطة الإمامية لهم، ومعرفتهم بأقوالهم وأحوالهم ومذاهبهم كمعرفة الإماميّة، لا فرق بين الفئتين في ذلك. والزيدية قاطِبَةً جاروديّتها وصالِحيّتها تقول بالقياس والاجتهاد، وينقلون في ذلك نصوصاً عن أهل البيت(علیهم السلام) . وإذا تعارضت الروايتان تساقطتا، وعدْنَا إلى الأدلة المذكورة في هذه المسألة. وقد تكلّمتُ في «اعتبار الذريعة» للمرتضي على احتجاجه في
إبطال القياس والاجتهاد بما ليس هذا موضع ذكره.
الأصل: وَمَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّالِي! عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللّٰه وَلَعْنَةُ الَّلاعِنِينَ، حَائِكٌ ابْنُ حَائِكٍ ، مُنَافِقٌ ابْنُ كَافِرٍ. وَاللّٰه لَقَدْ أَسَرَكَ الْكُفْرُ مَرَّةً وَالْإِسْلامُ أُخْرَى، فَمَا فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَلاَ حَسَبُكَ. وَإِنَّ أمْراً دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ وَسَاقَ إِلَيْهِم الْحَتْفَ، لَحَرِيٌّ أَنْ يَمْقُتَهُ الأقْرَبُ، وَلا يَأمَنَهُ الْأَبْعَدُ.
قال الرضي رحمه اللّٰه : يريدُ عليهِ السَّلامُ أَنَّهُ أُسِرَ فِي الْكُفْرِ مرَّةٌ وفِي الْإِسْلامِ مرَّة .
وأَمَّا قَوْلُهُ عليه السَّلام: «دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ»، فَأَرَاد به حَدِيثاً كَانَ لِلأَشْعَثِ مع خالد بن الوليد باليمامةِ، غرَّ فِيهِ قومَهُ، ومكر بِهِمْ، حَتّى أَوْقَعَ بهم خالدٌ، وكان قَوْمُهُ بَعْدَ ذلك يُسَمُّونَهُ عُرْف النَّارِ ، وَهُوَ اسْمٌ للْغَادر عندهم.
الشرح: خفَض إليه بصره : طأطأه . وقوله : «فما فداك»، لا يريد به الفِداء الحقيقي، فإنّ الأشعث فُدي في الجاهلية بغداء يضرب به المثل، فقال: «أغلى فداء من الأشعث»، وسنذكره، وإنما يريد: ما دفع عنك الأسر مالك ولا حسَبَك . ويمقته : يبغضه، والمقت : البُغْض.
اسم الأشعث معدِي كرب، وأبوه قيس الأشجّ - سمي الأشَجّ، لأنه شُجّ في بعض حروبهم - ابن معدِي كرب بن معاوية بن معدِي كرب بن معاوية بن جَبَلة بن عبد العُزَّى بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثَوْر بن مُرتِّع بن معاوية بن كِنْدَة بن عُفَيْر بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أُدَد .
وأمّ الأشعث كبشة بنت يزيد بن شُرَحْبيل بن يزيد بن امريء القيس بن عمرو المقصور(1)الملك .
كان الأشعث أبداً أشعثَ الرأس، فسمِّيَ الأشعث، وغلب عليه حتى نُسِي اسمه، ولعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث يقول أعشى هَمْدان:
1) لعلها المغصوب الملك ؟!!...
يا ابن الأشَجِّ قريعِ كِنْ***دَةَ لا أُبَالي فِيكَ عَتْبَا
أنتَ الرئيسُ ابنُ الرئي***سِ وأنت أعْلَى النَّاسِ كَعْبَا
وتزوج رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)قُتَيْلَة أخت الأشعث، فتوفِّيَ قبل أنْ تصل إليه .
فأما الأسر الذي أشار أمير المؤمنين (علیه السلام)إليه في الجاهلية فقد ذكره ابن الكلبيّ في «جمهرة النسب»، فقال: إنّ مُراداً لما قتلتْ قيساً الأشجَّ، خرج الأشعث طالباً بثأره، فخرجت كندة مُتساندين على ثلاثة ألوية: على أحد الألوية كَبْس بن هانيء بن شُرَحْبيل بن الحارث بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الأكرمين - ويعرف هانيء بالمطّلِع، لأنّه كان يغزو فيقول : اطّلَعْتُ بني فلان، فسمِّي المُطّلِع . وعلى أحدها القَشْعَم أبو جَبْر بن يزيد الأرقم. وعلى أحدها الأشعث، فأخطؤوا مُراداً ، ولم يَقَعوا عليهم، ووقعوا على بني الحارث بن كعب، فقتِل كَبْس والقَشْعم أبو جَبْر، وأسِر الأشعث، ففُدِي بثلاثة آلاف بعير، لم يُفْدَ بها عربيّ بعده ولا قبله، فقال في ذلك عمرو بن معدي كربَ الزُّبَيدِيّ :
فَكَانَ فِداؤُهُ أَلْفَيْ بَعيرٍ ***وَأَلْفاً من طريفاتٍ وَتُلْدِ
وأما الأسر الثاني في الإسلام، فإنّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) لما قَدِمَتْ كنْدة حُجّاجاً قبل الهجرة، عرض رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)نفسَه عليهم، كما كان يعرِضُ نفسَه على أحياء العرب، فدفعه بنو وَليعَةَ من بني عمرو بن معاوية ولم يقبلوه، فلما هاجر (علیه السلام)وتمهدت دعوتُه، وجاءته وفود العرب، جاءه وفد كِنْدة، فيهم الأشعث وبنو وَليعة، فأسلموا، فأطعم رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله وسلم) بني وَليعة طُعْمة من صدقات حَضْرَمَوْت، وكان قد استعمل على حَضْرَموت زياد بن لَبيد البياضيّ الأنصاريّ، فدفعها زياد إليهم، فأبَوْا أخذها، وقالوا : لا ظَهْر لنا، فابعث بها إلى بلادنا على ظَهْرِ من عندك، فأبى زياد، وحَدَث بينهم وبين زياد شرّ كاد يكون حرباً، فرجع منهم قول إلى رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وكتب زياد إليه(علیه السلام) يشكوهم.
وفي هذه الوَقعة كان الخبر المشهور عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ، قال لبني وَليعةَ : «لَتَنْتَهُنّ يا بني وليعة، أو لأبعثَنّ عليكم رجلاً عَدِيل نفسي، يقتُل مُقاتِلَتكم، ويَسْبي ذراريكم» (1). قال عمر بن الخطاب: فما تمنيت الإمارة إلا يومئذ وجعلت أنصِب له صدري رجاء أن يقول: هو هذا، فأخذ بيد علي (علیه السلام)، وقال : «هو هذا».
ثم كتب لهم رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)إلى زياد، فوصلوا إليه بالكتاب وقد تُوفِّي رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) وطار الخبر بموته إلى قبائل العرب، فارتدّتْ بنو وليعة، وغَنّتْ بَغاياهم، وخَضْبنَ له أيديَهُنَّ .
وقال محمد بن حبيب: كان إسلام بني وَليعة ضعيفاً، وكان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) يعلَم ذلك
1) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (369/6) .
منهم. ولما حج رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) حِجَّة الوداع، وانتهى إلى فَمِ الشِّعب دخل أسامة بْنُ زيد لیبول، فانتظره رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و اله و سلم)- وكان أسامةُ أسْوَد أفْطَس - فَقال بنو وَليِعةَ : هذا الحبشيّ حَبْسنا ! فكانت الرّدة في أنفسهم.
قال أبو جعفر محمد بن جريرک فأمَّر أبو بكر زياداً على حَضْرَموت، وأمره بأخذ البيعة على أهلها واستيفاء صدقاتهم، فبايعوه إلا بني وليعة، فلما خرج ليقْبِض الصّدقات من بني عمرو بن معاوية، أخذ ناقةً لغلام منهم يعرف بشيْطان بن حُجْر - وكانت صَفّية نفيسة، اسمها شذرة - فمنعه الغلام عنها. وقال: خذ غيرَها فأبى زياد ذلك ولجّ، فاستغاث شَيْطان بأخيه العَدّاء بن حُجْر، فقال لزياد: دَعْها وخذ غيرها، فأبى زياد ذلك، وَلَجّ الغلامان في أخذها، ولجّ زياد وقال لهما : لا تكونن شذرة عليكما كالبَسُوس، فهتف الغلامان: يا لَعمرو! انُضام ونُضطهد ! إنّ الذليل مَنْ أُكِلَ في داره. وهتفا بمسروق بن معدي كرب، فقال مسروق لزياد: أطلقها، فأبى، فقال مسروق :
يُطْلِقُها شَيْخٌ بِخَدِّيْه الشَّيْبْ*** مُلَمّعٌ فيه كَتَلْمِيع الثَّوْبْ
ماضٍ على الرَّيْبِ إذا كان الرَّيْب
ثم قام فأطلقها ، فاجتمع إلى زياد بن لَبِيد أصحابُه، واجتمع بنو وليعة، وأظهروا أمرَهم، فبَيّتَهم زياد وهم غارّون ، فقتل منهم جمعاً كثيراً، ونهب وسبَى، ولحقَ فَلُّهم بالأشعث بن قيس، فاستنصروه فقال : لا أنصركم حتى تملِّكُوني عَليكم . فملّكوه وتوّجوه كما يتوَّجُ الملك من قحطان. فخرج إلى زياد في جَمْعِ كثيف، وكتب أبو بكر إلى المهاجر بن أبي أمية وهو على صنعاء أن يسيرَ بمَنْ معه إلى زياد، فاستخلَف على صنعاء، وسار إلى زياد، فلقوا الأشعث، فهزموه وقُتِل مسروق، ولجأ الأشعث والباقون إلى الحصن المعروف بالنُّجَيْر. فحاصرهم المسلمون حصاراً شديداً حتى ضَعُفوا ، ونزل الأشعث ليلاً إلى المهاجر وزياد، فسألهما الأمانَ على نفسه حتى يقدَما به على أبي بكر فيرى فيه رأيَه، على أن يفتح لهم الحِصْن ويُسْلم إليهم مَنْ فيه .
وقيل: بل كان في الأمان عشرة من أهل الأشعث .
فأمّناه وأمضيا شَرْطَه، ففتح لهم الحصن، فدخلوه واستنزلوا كلَّ مَنْ فيه، وأخذوا أسلحتهم، وقالوا للأشعث: اعزل العَشَرَة، فعزلهم، فتركوهم وقتلوا الباقين - وكانوا ثمانمائة وقطعوا أيدي النِّساء اللواتي شَمِتْن برسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وحملوا الأشعثَ إلى أبي بكر مُوثَقاً في الحديد هو والعشرة، فعفا عنه وعنهم، وزوّجه أختَه أمّ فروة بنت أبي قُحافة - وكانت عمياء - فولدت للأشعث محمداً وإسماعيل وإسحاق.
وخرج الأشعث يوم البناء عليها إلى سوق المدينة، فما مَرّ بذات أربع إلا عَقَرها، وقال للناس:
هذه وليمة البِناء، وثمن كلّ عَقِيرة في مالي. فدفع أثمانَها إلى أربابها .
قال أبو جعفر محمد بن جرير في التاريخ: وكان المسلمون يلْعنون الأشعث ويلعنه الكافرون أيضاً وسبايا قومه، وسمّاه نساءُ قومه عُرْفَ النار، وهو اسم للغادر عندهم.
وهذا عندي هو الوجه، وهو أصحّ مما ذكره الرضيَ رحمه اللّٰه تعالى من قوله في تفسير قول أمير المؤمنين(علیه السلام) : «وإن امرأ دلَّ على قومه السيف»: إنه أراد به حديثاً كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غَرّ فيه قومه، ومكر بهم حتى قتلهم، فإنّا لم نعرف في التواريخ أن الأشعث جَرَى له بالیمامة مع خالد هذا ولا شبهه ، وأين كِندة واليمامة! كِنْدة باليمن، واليمامة لبني حنيفة، ولا أعلم من أين نَقَل الرضيّ رحمه اللّٰه تعالى هذا !
فأما الكلام الذي كان أمير المؤمنين(علیه السلام) قاله على مِنْبر الكوفة فاعترضه فيه الأشعث، فإنّ عليَّا (علیه السلام)قام إليه – وهو يخطُب، ويذكر أمرَ الحكَمَيْن - رجل من أصحابه، بعد أن انقضى أمرُ الخوارج، فقال له : نهيتَنا عن الحكومة ثم أمرتَنا بها، فما ندري أيّ الأمرين أرْشَد! فصفق (علیه السلام)بإحدى يديه على الأخرى، وقال : هذا جزاء من تَرَك العُقْدة. وكان مرادُه(علیه السلام) : هذا جزاؤكم إذْ تركتُم الرأْيَ والحزم، وأضرَرْتم على إجابة القوم إلى التحكيم، فظنّ الأشعث أنه أراد: هذا جزائي حيثُ تركت الرأي والحزم وحكمت، لأنّ هذه اللفظة محتملة، ألا ترى أن الرئيس إذا شَغَب عليه جُنده وطلبوا منه اعتماد أمرٍ ليس بصواب، فوافقهم تسكيناً لشَغَبهم لا استصلاحاً لرأيهم، ثم ندِموا بعد ذلك، قد يقول : هذا جزاء مَنْ ترك الرأي، وخالف وجْه الحزم ، ويعني بذلك أصحابَه، وقد يقوله يعني به نفسَه حيث وافقهم أمير المؤمنين(علیه السلام) ، إنما عَنَى ما ذكرناه دون ما خَطر للأشعث، فلما قال له : هذه عليك لا لك، قال له : وما يدريك ما عليّ مما لي عليك لعنة اللّٰه ولعنة اللاعنين!
وكان الأشعثُ من المنافقين في خلافة عليّ (علیه السلام)، وهو في أصحاب أمير المؤمنين(علیه السلام) ، كما كان عبد اللّٰه بن أبي بن سَلُول في أصحاب رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)كلّ واحد منهما رأسُ النفاق في زمانه .
وأما قوله(علیه السلام) للأشعث: «حائك ابن حائك»، فإن أهل اليمن يعيَّرون بالحياكة، وليس هذا مما يَخُصُّ الأشعث.
ومن كلام خالد بن صفوان : ما أقول في قوم ليس فيهم إلا حائك بُرْد، أو دابغ جِلْد، أو سائس قرْد، ملكتهم امرأة، وأغرقتهم فأرة، ودلّ عليهم هُدْهُد !
الأصل: فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَتْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ، لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ، وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ ، وَلَكِن مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ .
وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَأُسَمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنْ اهْتَدَيْتُمْ، وَبِحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ:
لَقَدْ جَاهَرَتْكُمْ الْعِبَر ، وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَر، وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللّٰه بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إِلاَّ البَشَر .
الشرح: الوهَل : الخوف، وهِلَ الرجل يَوْهَل.
و«ما» في قوله : «ما يُطْرَحُ» مصدرية، تقديره : «وقريب طَرْح الحجاب»، يعني رفعَه بالموت .
وهذا الكلامُ يدلّ على صِحّة القول بعذاب القبر، وأصحابنا كلُّهم يذهبون إليه، وإن شنّع عليهم أعداؤهم من الأشعريّة وغيرهم بجحده.
وذكر قاضي القضاء رحمه اللّٰه تعالى : أنه لم يعرف معتزليًّا نفَى عذابَ القبر، لا من متقدِّميهم ولا من متأخِّريهم، قال: وإنّما نفاه ضِرار بن عمرة، لمخالطته لأصحابنا وأخذه عن شيوخنا ، ما نُسِب قوله إليهم (1).
ويمكن أن يقول قائل : هذا الكلام لا يدلّ على صحّة القول بعذاب القبر، لجواز أن يعني بمعاينة من قد مات، ما يشهده المحتضَر من الحالة الدالّة على السعادة أو الشقاوة، فقد جاء في الخبر : «لا يموت امرُؤ حتى يعلَم مصيره ، هل هو إلى الجنّة أم إلى النار» (2). ويمكن أن يعني به ما يعانيه المحتضَر من ملك الموت وهَوْل قدومه. ويمكن أن يعني به ما كان (علیه السلام)يقوله عن نفسه : إنه لا يموت ميّت حتى يشاهدَه (علیه السلام)حاضراً عنده. والشيعة تذهب إلى هذا القول
وتعتقدُه، وتروى عنه(علیه السلام) شعراً قاله للحارث الأعور الْهمْداني :
يا حارِ هَمْدانَ مَنْ يَمُتْ يَرَنِي*** من مؤمنٍ أو منافق قُبُلاً
يَعْرفنِي طرفهُ وأعرِفهُ ***بِعَيْنِه واسمِه وَمَا فَعَلاَ
أقول لِلنّار وهي توقد لل*** عَرْضِ ذَرِيهِ لا تَقْرَبِي الرَّجُلا
ذَرِيهِ لا تقربيه إنَّ لَهُ*** حَبْلاً بحَبْلِ الوصيّ مُتَّصِلاً
وَأَنْتَ يا حار إن تمتْ ترنِي*** فلاتَخْفْ عثرةَ ولا زللا
أسقيكَ مِنْ باردٍ على ظمإِ*** تخاله في الحلاوةِ العَسَلا
وليس هذا بمنكَر، إن صحّ أنّه (علیه السلام)قاله عن نفسه، ففي الكتابِ العزيز ما يدلّ على أنّ أهل الكتاب لا يموت منهم ميّت حتى يصدّق بعيسى بن مريم(علیه السلام) ، وذلك قوله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكِتٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ. قَبلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا )(1)، قال كثيرٌ من المفسرين : معنى ذلك أنّ كلَّ ميت من اليهود وغيرهم من أهل الكتب السالفة إذا احتُضِر رأى المسيح عيسى عنده، فيصدّق به مَنْ لم يكن في أوقاتِ التكليف مصدِّقاً به(2).
و شبيه بقول(علیه السلام) : «لو عاينتم ما عاينَ مَنْ مات قبلكم» قولُ أبي حازم لسليمان بن عبد الملك في كلام يعظه به : إنّ آباءك ابتزُّوا هذا الأمر من غير مشورة، ثم ماتوا، فلو علمت ما قالوا وما قيل لهم! فقيل : إنه بكَى حتى سَقَط .
الأصل: فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ ، وَإِنَّ وَرَاءَكُم السّاعَةَ تَحْدُوكُمْ.
تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا ، فَإِنَّمَا بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ.
قال الرضي رحمه اللّٰه : أَقول : إِنَّ هذا الكَلاَمَ لَوْ وُزن بَعْدَ كلام اللّٰه سُبْحَانَه، وَبَعْد كَلامِ رَسُولِ اللّٰه (صَلَّى اللّٰه عَلَيْهِ وَآلِهِ و سلم) بِكُلِّ كَلاَمِ لَمَالَ بِهِ رَاجِحاً ، وَبَرَّزَ عَلَيْهِ سَابِقاً.
فَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلام : «تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا»، فَمَا سُمِعَ كَلاَمٌ أَقَلُّ مِنْه مَسْمُوعاً وَلاَ أَكْثَرُ مَحْصولاً، وَمَا أَبْعَدَ غَوْرَهَا مِنْ كَلِمَةٍ !وَأَنْقَعَ نُطْقَتَهَا مِنْ حِكْمَةٍ !وَقَدْ نَبَّهنا في كتاب «الخَصَائِص» عَلَى عِظَم قَدْرِهَا ، وَشَرَف جَوْهَرِهَا .
الشرح: غاية المكلّفين هي الثواب أو العقاب، فيحتمل أن يكونَ أراد ذلك، ويحتمل أن يكون أراد بالغاية الموت، وإنما جعل ذلك أمامنا ، لأنّ الإنسان كالسائر إلى الموت أو کالسائر إلى الجزاء، فهما أمامه، أي بين يديه.
ثم قال : «وإن وراءكم الساعةَ تحدوكم» أي تسوقكم، وإنّما جعلها وراءنا، لأنها إذا وُجدت ساقت الناس إلى موقف الجزاءِ كما يسوقُ الراعي الإبل، فلما كانت سائقةً لنا، كانت كالشيء يحفِزُ الإنسان من خَلْفه، ويحرّكه من ورائه، إلى جهة ما بين يديه .
ولا يجوز أن يقال : إنّما سماها «وراءنا»، لأنها تكون بعد موتنا وخروجنا من الدنيا، وذلك أن الثواب والعقاب هذا شأنُهما ، وقد جعلهما أمامنا.
وأما القطب الراونديّ، فإنه قال : معنى قوله : «فإنّ الغاية أمامكم»، يعني أنّ الجنة والنار خَلْفكم. ومعنى قوله : «وراءكم الساعة» أي قدّامكم .
ولقائل أن يقول : أما الوراء بمعنى القدّام فقد ورَد ، ولكن ما ورد «أمام» بمعنى«خلف»، ولا سمعنا ذلك.
وأما قوله : «تخففوا تلحَقوا» فأصله: الرجل يسعى وهو غير مُثْقَل بما يحمله، يكون أجْدَر أن يلحَق الذين سبقوه، ومثله قوله : «نجا المخفّفون».
وقوله(علیه السلام) : «فإِنما ينتَظر بأوّلكم آخركم»، يريد: إنّما يُنتظر ببعث الذين ماتوا في أوّل الدهر مجيءُ مَنْ يخلقون ويموتون في آخره، كأمير يريد إعطاءَ جنده إذا تكامل عرضُهم، إنما يعطِي الأول منهم إذا انتهى عَرْض الأخير. وهذا كلام فصيح جداً. والغَوْر : العمق . والنّطفة: ما صفا من الماء، وما أنفع هذا الماء! أي ما أرواء للعطش !
الأصل: أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَرَ حِزْبَه، وَاسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ ، لِيَعُودَ الْجَوْرُ إِلَى أَوْطَانِهِ، وَيَرْجِعَ الْبَاطِلُ إِلَى نِصَابِهِ.
وَاللّٰه مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلا جعلوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصَفاً ، وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقًّا هم تَركُوه، وَدَماً هُمْ سَفَكُوه، فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإِن كَانُوا وَلُوهُ دونِي، فَمَا التَّبِعَةُ إِلاَّ عِنْدَهُمْ. وَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ ، يَرْتَضِعُونَ أَمَّا قد فَطَمَتْ، وَيُحْيُونَ بِدْعَةٌ قَدْ أُمِيتَتْ.
يَا خَيْبَةَ الدَّاعِي ! مَنْ دَعا ! وَإِلاَمَ أُجِيب! وَإِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللّٰه عَلَيْهِمْ، وَعِلْمِهِ فِيهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْف، وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ، وَنَاصِراً لِلْحَقِّ !
وَمِنَ الْعَجَبِ بَعْثَتُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ، وَأَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلاَدِ . هَبِلَتْهُمْ الْهَبُول ! لَقَدْ كُنتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلاَ أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ، وَإِنِّي لَعَلَى يَقِينِ مِنْ رَبِّي، وَغَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي.
الشرح: یروی «ذَمَر» بالتخفيف، و«ذمّر» بالتشديد، وأصله الحضّ والحثّ، والتشديد دليل على التكثير .
واستجلب جَلَبه، الجَلب بفتح اللام: ما يُجلب، كما يقال : جَمَع جَمْعَه. ويروى: «جُلْبَه» و «جِلْبَه»، وهما بمعنَى، وهو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه. أي جمع قوماً كالجَهام (1)الذي لا نفع فيه. وروي : «ليعودَ الْجَوْرِ إلى قِطابه»، والقِطاب : مِزاج الخمر بالماء، أي ليعود الجوْر ممتزِجاً بالعدل كما كان. ويجوز أن يعنِيَ بالقطاب قِطاب الجيْب، وهو مدخل الرأس فيه أي ليعودَ الجوْر إلى لباسه وثوبه .
وقال الراونديْ :قِطابه: أصله، وليس ذلك بمعروف في اللّغة .
ورُوِيَ «الباطلَ»، بِالنصب، على أن يكون «يرجع» متعدياً ، تقول : رجعت زيداً إلى كذا ، والمعنى : ويردّ الجورُ الباطل إلى أوطانه.
وقال الراونديّ : «يعود» أيضاً مثل «يرجع»، يكون لازماً ومتعدياً، وأجاز نصب «الجوْر» به، وهذا غير صحيح، لأن «عاد» لم يأت متعدياً، وإنما يعدّى بالهمزة.
والنَّصَف : الذي يُنصف .
وقال الراونديّ: النَّصَف: النَّصَفة، والمعنى لا يحتمله، لأنه لا معنى لقوله : ولا جعَلوا بيني وبينهم إنصافاً، بل المعنى : لم يجعلوا ذا إنصاف بيني وبينهم.
يرتضعون أمَّا قد فَطَمت يقول : يطلبون الشيء بعد فواته، لأنّ الأم إذا فَطَمت ولدها فقد انقضى إرضاعها .
وقوله : «يا خيبة الداعي»، ها هنا كالنداء في قوله تعالى : (يَٰحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) (2)، وقوله : (يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا )(3)أي يا خيبة احضري فهذا أوانك!
وكلامُه في هذه الخطبة مع أصحاب الجمل، والداعي هو أحدُ الثلاثة : الرجلان والمرأة.
ثم قال على سبيل الاستصغار لهم، والاستحقار : «مَنْ دَعَا! وإلى ماذا أجيب!» أي أحقِرْ بقومٍ دعاهم هذا الداعي! وأقْبحْ بالأمر الذي أجابوه إليه، فما أفحشه وأرذله !
وقال الراونديّ: يا خيبة الداعي، تقديره: يا هؤلاء، فحذف المنادَى، ثم قال : خَيْبة الداعي، أيْ خاب الداعي خيبةً. وهذا ارتكاب ضرورة لا حاجةَ إليها، وإنما يُحذف المنادَى في المواضع التي دَلّ الدّليلُ فيها على الحذف، كقوله :
يا فَانْظُرَا أَيْمَنَ الْوَادِي على إضَمِ
وأيضاً ، فإنّ المصدر الذي لا عامَل فيه غير جائزِ حذفُ عامله، وتقدير حذفه تقديرُ ما لا دليلَ عليه . وهَبِلته أمه ، بكسر الباء : ثَكِلته.
وقوله : «لقد كنتُ وما أُهدَّد بالحرب»، معناه : ما زلتُ لا أهَدَّد بالحرب، والواو زائدة.
وهذه كلمة فصيحة كثيراً ما تستعملها العرب. وقد ورد في القرآن العزيز «كان» بمعنى «ما زال» في قوله : (وَكَانَ اللّٰهُ عَلِيمًا حَكِيماً ) (1)ونحو ذلك من الآي، معنى ذلك : لم يزل اللّٰه عليماً حكيماً. والذي تأوّله المرتضى رحمه اللّٰه تعالى في «تكملة الغرر والدرر» كلام متكلّف، والوجه الصحيح ما ذكرناه .
وهذه الخطبة ليست من خُطَب صِفّين كما ذكره الراونديُّ، بل من خُطَب الجمل، وقد ذكَر كثيراً منها أبو مِخْنف رحمه اللّٰه تعالى، قال: حدّثنا مسافِر بن عفيف بن أبي الأخنس قال : لما رجعتْ رُسُل عليّ (علیه السلام)من عند طلحة والزّبير وعائشة يُؤذِنُونه بالحرْب، قام فحمِد اللّٰه وأثنى عليه، وصلّى على رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، ثم قال:
أيُّها النّاس، إنّي قد راقبتُ هؤلاء القوم كي يرعَوْوا أو يرجعوا، ووبّختُهم بنكْثهم، وعَرّفتهم بَغْيَهُم فلم يستحيُوا ، وقد بعثوا إليّ أن أبرُز للطعان، واصبر للجِلاد، وإنما تُمنِّيك نفسك أماني الباطل، وتَعِدُك الغرور . ألا هَبِلَتْهم الهَبول، لقد كنت وما أهَدّدُ بالحرب، ولا أُرَهَّبُ بالضرب ! ولقد أنصفَ القارةَ مَنْ راماها ، فليُرعِدُوا وليُبْرِقوا ، فقد رأوْني قديماً، وعرفُوا نِكايتي، فكيف رأوْني! أنا أبو الحسن، الذي فلَلْتُ حدَّ المشركين، وفرّقْتُ جماعتهم، وبذلك القلب ألقَى عدوّي اليوم، وإنِّي لعلى ما وعدني ربِّي من النصر والتأييد، وعلى يقينٍ من أمري، وفي غير شُبهة من ديني .
أيها الناس، إن الموت لا يفوتُه المقيم، ولا يُعْجِزه الهارب، ليس عَن الموت مَحيد ولا محيص، مَنْ لم يُقْتَلْ مات.
إنّ أفضلَ الموت القتل، والذي نفس عليّ بيده لألْفُ ضربة بالسيف أهونُ من موتةٍ واحدة على الفراش. اللّهمّ إنّ طلحة نكث بَيْعتي، وألّبَ عَلَى عثمان حتى قتله، ثم عَضَني به ورماني .
اللهم فلا تمهلْه. اللهم إنّ الزبير قطع رَحمِي، ونكث بَيْعتي، وظاهَر عَلَيّ عدوّي، فاكفِنِيه اليوم بما شئت (2). ثم نزل .
واعلم أنّ كلامَ أمير المؤمنين (علیه السلام)و كلام أصحابه وعمّاله في واقعة الجمل، كلّه يدورُ على هذه المعاني التي اشتملت عليها ألفاظُ هذا الفصل، فمن ذلك الخطبةُ التي رواها أبو الحسن عليّ بن محمد المدائنيّ ، عن عبد اللّٰه بن جُنَادة، قال: قدِمْتُ من الحجاز أريد العِراق، في أوّلِ إمارة عليّ (علیه السلام)، فمررت بمكة، فاعْتمرت ثم قدِمْتُ المدينة، فدخلت مسجد رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، إذ نودي : الصّلاة جامعة، فاجتمع الناس، وخرج عليّ (علیه السلام) متقَلّداً سيفَه، فشخَصت الأبصارُ نحوه فحمِد اللّٰه وصلى على رسوله (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، ثم قال :
أما بعد، فإنّه لما قبض اللّٰه نبيّه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، قلنا : نحن أهلُه وورثته وعِترته، وأولياؤه دون الناس، لا ينازِعُنا سلطانَه أحد، ولا يطمع في حقّنا طامع، إِذ انبرى لنا قومُنا فغصبونا سلطان نبيّنا ، فصارتِ الإمْرة لغيرنا. وصرنا سوقة، يطمع فينا الضعيف، ويتعزّز علينا الذليل، فَبَكتِ الأعينِ مِنّا لذلك، وخَشِنَتِ الصدور، وجزِعت النفوس وايمُ اللّٰه لولا مخافة الفُرْقة بين المسلمين، وأن يعودَ الكفر، ويبورَ الدين، لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه ، فولي الأمْرَ ولاة لم يألُو (1)الناسَ خيراً، ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي، فبايعتموني على شَيْنٍ مِنِّي لأمركم، وفِراسة تَصْدُقنِي ما في قلوب كثير منكم، وبايعني هَذان الرجلان في أوّل مَنْ بايع، تعلمون ذلك، وقد نكثا وغَدَرا، ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرّقا جماعتكُم ، ويُلقِيا بأسَكم بينكم . اللهم فخذْهما بما عمِلا أخذةً ،رابية ولا تنعَش لهما صَرْعة، ولا تُقِلْ لِهما عَثْرة، ولا تمهِلْهما فُواقاً (2)، فإنّهما يطلبان حقاً تركاه ، ودماً سفكاه. اللهم إنّي أقتضيك وعَدَكَ ، فإنك قلت وقولُك الحقّ: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللّٰه ) (3)اللهمّ فانْجِزْ لي موعدَك، ولا تكِلْني إلى نفسي، إنّك على كلّ شيء قدير. ثم نزل .
وروى الكلبيّ قال : لما أراد عليّ (علیه السلام)المسيرَ إلى البصرة، قام فخطب النّاس، فقال بعد أنْ حَمِد اللّٰه وصلى على رسوله (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم):
إنّ اللّٰه لما قبض نبيّه، استأثرتْ علينا قريش بالأمر، ودفعتْنَا عَنْ حَقٌّ نحن أحقُّ به من الناس كافّة، فرأيت أنّ الصّبر على ذلك أفضلُ من تفريق كلمة المسلمين، وسَفْكِ دمائهم. والنّاس
حديثو عهد بالإسلام، والدين يُمْخَضُ مَخْضَ الوطْب (1)، يُفِسدُه أدْنى وَهَن، ويعكسه أقلّ خُلف. فوِلَي الأمرَ قوم لم يألوا في أمرهم اجتهاداً ، ثم انتقلوا إلى دار الجزاء، واللّٰه وليّ تمحيص سيِّئاتهم، والعفْو عن هفواتهم. فما بالُ طلحة والزبير، وليسا من هذا الأمر بسبيل ! لم يصبِرا عليّ حولاً ولا شَهْراً حتى وَثَبا ومَرَقا، ونازعاني أمراً لم يجعل اللّٰه لهما إليه سبيلاً، بعد أن بايعا طائعين غيرَ مكرهين، ويرتضِعَانِ أُمّا قد فَطَمت ويُحِييان بِدْعةً قد أميتت. أدمَ عثمان زعما! واللّٰه ما التَّبِعةُ إلا عندهم وفيهم، وإنّ أعظم حُجَّتهم لعلَى أنفِسهم، وأنا راضٍ بحجّة اللّٰه عليهم وعمله فيهم، فإنْ فاءا وأنا با فحظَّهما أحرزا، وأنفسَهما غَنِما، وأعظِمْ بها غنيمة! وإنْ أَبَيًا أعطيتُهما حدّ السيف وكفى به ،ناصراً لحقّ، وشافياً لباطل. ثم نزل.
وروى أبو مِخْنف عن زيد بن صُوحان، قال»: شَهِدتُ علياً (علیه السلام)بذي قار، وهو معتمّ بعمامة سَوْداء، ملتفّ بساج يخطب، فقال في خطبة :
الحمد اللّٰه على كلّ أمر وحال، في الغدوّ والآصال، وأشهد أن لا إله إلا اللّٰه ،وأنّ محمداً عبدُه ورسولُه، ابتعثه رحمةً للعباد، وحياة للبلاد، حين امتلأت الأرض فتنة، واضطرب حبلُها، وعُبِد الشيطان في أكنافها، واشتمل عدوّ اللّٰه إبليسُ على عقائد أهلها، فكان محمد بن عبد اللّٰه عبد المطلب، الذي أطفأ اللّٰه به نِيرانَها، وأخمدَ به شرارها، ونزع به أوتادَها، وأقام به مَيْلَها، إمام الهُدى، والنبيّ المصطفَى (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم). فلقدْ صَدَعَ بما أمِرَ به، وبلَّغ رسالات ربّه، فأصلَح اللّٰه به ذاتَ البيْن، وآمَن به السُّبُلَ، وحقَنَ به الدماء، وألّف به بين ذَوِي الضّغائن الواغِرة في الصدور، حتى أتاه اليقين، ثم قَبَضه اللّٰه إليه حَمِيداً. ثم استخلف الناسُ أبا بكر، فلم يألُ جُهْدَه ، ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يألُ جُهدَه، ثم استخلف الناس عثمان، فنال منكم ونِلْتُمْ منه، حتى إذا كان من أمره ما كان أتيتُموني لتبايِعُوني، لا حاجةَ لي في ذلك، ودخلتُ منزلي، فاستخرجْتُموني فقبَضْتُ يدِي فبسطتموها، وتداكَكْتم عليّ ، حتى ظننتُ أنكم قاتليَّ ، وأن بعضَكم قاتلُ بعض، فبايعتموني وأنا غيرُ مسرور بذلك ولا جَذِل.
وقد علم اللّٰه سبحانه أني كنتُ كارهاً للحكومة بين أمة محمد (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، ولقد سمعتُه يقول : «ما من والٍ يَلِي شيئاً من أمْرِ أمّتي إلا أتِيَ به يوم القيامة مغلولةً يداه إلى عنقه على رؤوسِ الخلائق ، ثم يُنشَركتابه، فإن كان عادلاً نجا، وإِن كان جائراً هَوَى» (2)، حتى اجتمع عليَّ
مَلؤُكم، وبايعني طلحة والزبير، وأنا أعرفُ الغَدْرَ في أوجههما ، والنَّكْث في أعينهما، ثم استأذنا في العُمْرة، فأعلمتُهما أن ليس العمرةَ يريدان، فسارا إلى مكَّة واستخفّا عائشة وخدعاها، وشخص معهما أبناءُ الطُّلَقاء، فقدِموا البصرة، فقتَلوا بها المسلمين، وفعلوا المنكر. ويا عجَبا لاستقامِتهما لأبي بكر وعمر وبَغيهما عليّ !وهما يعلمان أنّي لست دون أحَدِهما، ولو شئت أن أقول لقلت، ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتاباً يخدَعهُما فيه، فكتَماه عَنّي، وخرجا يُوهمان الطَّغَام أنهما يطلبان بدم عثمان، واللّٰه ما أنكرا عليّ منكَراً، ولا جعلاً بيني وبينهم نصفاً ، وإنّ دم عثمان لمعصوبُ بهما، ومطلوب منهما . يا خَيْبة الدّاعي! إلاَم دَعا وبماذا أجيبَ؟ واللّٰه إنّهما لعلَى ضلالَةٍ صمّاء، وجهالة عمياء، وإنّ الشيطان قد ذَمَر (1)لهما حِزْبه، واستجلب منهما خَيْله ورَجْله، ليعيدَ الجوْرَ إلى أوطانه، ويرُدّ الباطل إلى نصابه .
ثم رفع يديه، فقال: اللهم إنّ طلحة والزّبيْر قطعاني، وظلماني، وألّبا عليّ ، ونكثا بيعتي، فاحلُلْ ما عقدا ، وانكُثْ ما أبرما ، ولا تغفر لهما أبداً، وأرهما المساءَة فيما عمِلا وأمّلا (2)!
قال أبو مِخْنف : فقام إليه الأشتر فقال:
الحمد اللّٰه الذي منّ علينا فأفضَل، وأحسن إلينا فأجَمل، قد سَمِعْنا كلامَك يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، ولقد أصبت ووفِّقت، وأنت ابن عمِّ نبينا وصهره ووصيّه، وأوّل مصدِّق به، ومصلّ معه، شهدتَ مشاهده كلَّها ، فكان لك الفضلُ فيها على جميع الأمة، فمن اتبّعك أصاب حَظّه واستبشرَ بفَلَجِه ، ومَنْ عصاك، ورغِب عنك، فإلى أمّه الهاوية! لعمري يا أمير المؤمنين(علیه السلام) ما أمرُ طلحة والزبير وعائشة علينا بمُخيل، ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه، وفارقا على غير حَدَث أحدثْت، ولا جوْر صنعت، فإن زعما أنّهما يطلبان بدم عثمان فليُقِيدا من أنفسهما فإنهما أولُ من ألّبَ عليه وأغرَى الناسَ بدمه، وأشْهِدُ اللّٰه ، لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لَنُلْحِقَنَّهُما بعثمان، فإنّ سيوفَنا في عواتقنا، وقلوبَنا في صدورنا ، ونحن اليوم كما كنّا أمس. ثم قعد.
الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ كَقَطْرِ الْمَطَرِ إلى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ، فَإِن رَأَى أَحَدُكُمْ لِأَخِيهِ غَفِيرَةً فِي أَهْلِ أَوْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ، فَلاَ
تكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً، فَإِنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ وَيُغْرَى بِهَا لِئَامُ النَّاسِ، كَانَ كَالْفَالِجِ الْبَاسِرِ الَّذِي يَنتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوْجِبُ لَهُ الْمَغْنَم، وَيُرْفَعُ عَنْهُ بِهَا الْمَغْرَمُ . وَكَذَلِكَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ الْبَرِيء مِنْ الْخِيَانَةِ يَنتَظِرُ مِنْ اللّٰه إِحْدَى الْحُسَنَيیْنِ، إِمَّا دَاعِيَ اللّٰه فَمَا عِنْدَ اللّٰه خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللّٰه ، فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ وَمَالٍ، وَمَعَهُ دِينُهُ وَحَسَبُهُ . إِنّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ حَرْتُ الدُّنْيَا، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْتُ الْآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللّٰه تعالى لِأقْوَامٍ فَاحْذَرُوا مِنَ اللّٰه مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَالحَشَوْهُ خَشْيَةً لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ، وَاعْمَلُوا في غَيْرِ رِيَاءِ وَلاَ سُمْعَةٍ، فَإِنَّهُ مِنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللّٰه يَكِلْهُ اللّٰه إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ. نَسْأَلُ اللّٰه مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ ، وَمُعَايَشَةَ السُّعَدَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الْأَنْبِيَاءِ .
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَنْ عَشِيرَتِهِ وَدِفَاعِهم عنهُ بِأَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ، وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةٌ مِنْ وَرَائِهِ، وَأَلَمُهُمْ لِشَعَثِهِ، وَأَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِن نَزَلَتْ بِهِ، وَلِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللّٰه لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُوَرِّثُهُ غَيْرَهُ.
ومنها : أَلاَ لاَ يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ الْقَرَابَةِ يَرَى بِهَا الْخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لَا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ، وَلَا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ. وَمَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أيْدٍ كَثِيرَةٌ .
وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّةَ .
قال الرضي رحمه اللّٰه :
اقُولُ: الغَفِيرَةُ ها هنا الزِّيَادَةُ وَالْكثرَةُ، مِنْ قَوْلِهِمْ للجمع الكثيرِ : الْجَمُّ الغفير ، والجمّاءُ الغَفِيرِ، وَيُرْوى: «عَفْوَةً مِنْ أهلٍ أوْ مالٍ» وَالعَفْوَةُ: الْخِيار من الشيْءِ ، يقال: أكلْتُ عَفْوةَ الطعام، أي خِيَارَه.
وَما أحْسنَ المعنى الذِي أرَادهُ (علیه السلام)بِقولِهِ : «من يَقْبِضْ يدهُ عَنْ عَشِيرتِه ...» إلى تمام الكلام، فإنَّ الْمُمْسِك خَيْرَهُ عَن عَشِيرَتِهِ، إنما يُمْسِكُ نَفْعَ يَدٍ واحدةٍ، فإذا احْتَاجَ إِلَى نُصْرَتِهِمْ وَاضْطَرَّ إلى مرافَدَتِهِمْ، قعَدُوا عن نصرِهِ، وَتَثَاقَلُوا عن صَوْته، فَمُنِع تَرَافُدَ الأيدي الكثيرةِ وَتَنَاهُضَ الأقدامِ الْجَمّةِ .
الشرح: الفالج : الظافر الفائز، فَلَج يَفْلُج ، بالضم ، وفي المثل : «مَنْ يأت الحكَم وحده يَفْلُج» .
والياسر: الذي يلعب بالقداح، واليَسَر مثله، والجمع أيسار. وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره : كالياسر الفالج، أي كاللاعب بالقِداح المحظوظ منها، وهو من باب تقديم الصفة على الموصوف، كقوله تعالى : (وَغَرَابِيبُ سُودٌ ) (1)، وحَسّن ذلك ها هنا أنّ اللفظتين صفتان، وإن كانت إحداهما مرتبةً على الأخرى.
وقوله : «ليست بتعذير»، أي لَيست بذات تعذير، أي تقصير ،فحذف المضاف، كقوله تعالى : (قُتِلَ أَصْحَٰبُ الأخْدُودِ(4) النَّارَ) (2)أي ذي النَّار .
وقوله : «هم أعظم الناس حَيْطة» كَبَيْعَة، أي رعاية وكلاءة، ويروى، «حِيطة»، كغِيبة، وهي مصدر حاط أي تحنّناً وتعطفاً.
والخصاصة : الفقر، يقول: القضاءُ والقَدر ينزلانِ من السماء إلى الأرض كقطْر المطر، أي مبثوث في جميع أقطار الأرض إلى كلّ نفس بما قُسِم لها من زيادة أو نقصان، في المال والعمر والجاه والولد وغير ذلك. فإذا رَأى أحدُكم لأخيه زيادة في رزق أو عمر أو ولد وغير ذلك، فلا يكونَنّ ذلك له فِتْنَةَ تُفْضِي به إلى الحسد، فإنّ الإنسان المسلم إذا كان غيرَ مُواقعٍ لدناءة وقبيح يَسْتحيي من ذكره بين الناس، ويخشع إذا قرِّع به، ويغري لئام الناس بهَتْك ستره به ، كاللاعب بالقِداح، المحظوظ منها ، ينتظر أول فَوْزَة وغلبَة من قِدَاحه، تجْلب له نفعاً، وتدفع عنه ضرّاً ، كذلك مَنْ وصفنا حاله يصبِر وينتظر إحدى الحسنيين، إمّا أن يدعُوَه الله فيقبضَه إليه، ويستأثِرَ به فالذي عند اللّٰه خير له. وإما أن يُنْسَأ في أجَله، فيرزقه اللّٰه أهلاً ومالاً، فيصبحَ وقد اجتمع له
ذلك مع حسَبَه ودينه ومروءته المحفوظة عليه .
ثم قال: «المال والبنون حرث الدنيا»، وهو من قوله سبحانه: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوة الدُّنْیَا)(3)، ومن قوله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُريدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الأْخِرَةٍ مِن نَّصِيبٍ ) (4)
قال : وقد يجمعهما اللّٰه لأقْوام، فإنّه تعالى قد يرزقُ الرجل الصالح مالاً وبنين، فتجتمعُ له الدنيا والآخرة.
ثم قال : «فاحذروا من اللّٰه ما حذّركم من نفسه»، وذلك لأنه تعالى قال : (فَاتَّقُونِ) (5)، وقال : (فَأرْهَبونِ)(6)، وقال : (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنَ ) (7)، وغير ذلك من آيات التحذير .
ثم قال : ولتكن التّقْوى منكم أقصى نهايات جهدكم، لا ذات تقصيركم، فإنّ العمل القاصر قاصر الثواب، قاصر المنزلة .
واعلم أن مصدرَ هذا الكلام النهي عن الحسد، وهو من أقبح الأخلاق المذمومة. وروى ابن مسعود عن النبيّ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم): «ألا لا تعادُوا نَعم اللّٰه» ، قيل : يا رسول اللّٰه، ومن الذي يعادي نعم اللّٰه ؟ قال : «الذين يحسدون الناس» (1)
وكان ابن عمر يقول : تعوّذوا باللّٰه من قَدَرٍ وافق إرادةَ حسود.
قيل لأرسطو : ما بالُ الحسود أشدّ غمّا من المكروب؟ قال: لأنه يأخذ نصيبَه من غموم الدنيا، ويضاف إلى ذلك غمُّه بسرور الناس.
وقال رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم): «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» (2)
وقال منصور الفقيه :
مُنَافَسَةُ الْفَتَى فِيمَايَزُولُ ***عَلَى نُقْصَانِ هِمَّتِهِ دَلِيلُ
وَمُخْتَارُ الْقَليلِ أقلُّ مِنْه*** وَكُلُّ فوائِدِ الدُّنْيَا قَلِيلُ
ومن الكلام المرويّ عن أمير المؤمنين(علیه السلام) : للّٰه درّ الحسد! ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتَله. ومن كلام عثمان بن عفان: يكفيك من انتقامك من الحاسد أنّه يغتمّ وقتَ سرورك .
وقال مالك بن دينار: شهادة القرَّاء مقبولة في كلّ شيء إلا شهادة بعضهم على بعض، فإنّهم أشدُّ تحاسداً من السُّوس في الوبَر .
وقال أبو تمّام:
وَإِذَا أَرَادَ اللّٰه نَشْرَفَضِيلَةٍ*** طُوبَتْ، أَتَاحَ لَهُ لِسَانَ حَسُودِ
لولا أَشْتِعَالُ النَّارِ فيما جَاوَرَتْ*** مَا كَان يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ الْعُودِ
لَوْلاً مُحَاذرَةُ العَوَاقِب لمْ تَزَلْ*** للحاسِدِ النُّعْمَى عَلَى الْمَحْسُودِ
وتذاكَر قوم من ظرفاء البَصْرة الحسَد، فقال رجل منهم : إنّ النّاس ربّما حسدوا على
الصَّلب، فأنكروا ذلك، ثم جاءهم بعد ذلك بأيام، فقال : إنّ الخليفة قد أمر بصلْب الأحنف بن قيس، ومالك بن مِسْمَع ، وحَمْدان الحجّام، فقالوا : هذا الخبيثُ يُصْلَب مع هذين الرئيسين ! فقال : ألم أقُلْ لكم إنّ الناس يحسُدون على الصَّلب! وروَى أنس بن مالك مرفوعاً : «إنّ الحسَد يأكل الحسناتِ كما تأكل النارُ الحطب» (1). وفي الكتب القديمة : يقول اللّٰه عز وجل : الحاسِد عدوّ نعمتي، متسخط لفعلي، غير راض بقسمتي . وقال الأصمعيّ : رأيتُ أعرابيَّا قد بلغ مائة وعشرين سنة، فقلت له : ما أطولَ عمرَك! فقال : تركتُ الحسَد فبقيِت.
وقال بعضهم : ما رأيتُ ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد
قال الشاعر :
تراه كأنَّ اللّٰه يجدَعُ أنفَه*** وأذنيه إنْ مولاه ثابَ إلى وَفْرِ
وقال آخر :
قُل للحسُود إذَا تَنَفَّس ضِغْتُهُ*** يا ظالِماً وَكأنَّهُ مَظْلُومُ!
ومن كلام الحكماء : إيّاك والحسَد، فإنّه يَبِينُ فيك ولا يَبين في المحسود.
ومن كلامهم : من دناءة الْحَاسِدِ أنّه يبدأ بالأقرب فالأقرب .
وقيل لبعضهم: لزمتَ الباديةَ، وتركت قومَكَ وبلدك ! قال: وهل بقيَ إلا حاسدُ نِعْمة، أو شامتُ بمصيبة !
بينا عبد الملك بن صالحٍ يسيرُ مع الرّشيد في موكبه، إذ هتف هاتف : يا أمير المؤمنين، طأطيء من إشرافه، وقصر من عِنَانه، واشْدُدْ من شِكاله - وكان عبدُ الملك متهَّماً عند الرشيد بالطَّمَع في الخلافة - فقال الرّشيد: ما يقول هذا؟ فقال عبدُ الملك : مقالُ حاسد ودسيسُ حاقدٍ يا أمير المؤمنين(علیه السلام). قال: قد صدقت، نقصَ القومُ وفضلتَهم، وتخلّفوا وسبقتَهم، حتى برز شأؤك ، وقَصّر عنك غيرك، ففي صدورهم جمراتُ التخلُّف وحزازاتُ التبلّد. قال عبد الملك : فأضْرِمْها يا أمير المؤمنين(علیهم السلام) عليهم بالمزيد.
وقال الشاعر :
یا طَالِبَ العَيْش في أَمْنِ وَفي دَعَةٍ*** مَحْضاً بِلاَ كَدَرٍ، صَفْواً بِلا رَنَقِ
خَلِّصْ فُؤَادك مِنْ غِلِّ وَمِنْ حَسَدٍ*** فالغِلّ في الْقَلْبِ مثلُ الغُلِّ في الْعُنُقِ
1) أخرجه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: في الحسد (4902) ، وابن ماجه، کتاب: الزهد، باب:الحسد(4210).
ومن كلام عبد اللّٰه بن المعتز : إذا زال المحسودُ عليه، علمتَ أنّ الحاسد كان يحسدُ على غير شيء.
ومن کلامه: الحاسدُ مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملِكه .
ومن كلامه : لا راحةَ لحاسد ولا حَياةَ لحريص.
و من کلامه : الميت يقلّ الحسدُ له، ويكثر الكذِبُ عليه.
ومن كلامه : ماذلّ قوم حتى ضَعفُوا، وما ضَعفُوا حتى تفرّقوا، وما تفرّقوا حتى اختلفوا، وما اختلفوا حتى تباغضوا وما تباغضوا حتى تحاسدوا، وما تحاسدوا حتى استأثر بعضهم على بعض .
وقال الشاعر :
إنْ يَحْسُدُوني فَإِنِّي غَيْرُ لأَئمِهِمْ*** قَبْلِي مِنَ النَّاسِ أهْلِ الْفَضْلِ قَدْ حُسِدوا
فَدَامَ لي وَلَهُمْ مَا بِي وَمَا بِهِمُ*** وَماتَ أكْثَرُنَا غَيظاً بِمَا يَجِدُ
ومن كلامهم : ما خلا جَسَدٌ عن حسد .
وحدُّ الحَسد هو أن تغتاظُ مما رُزِقَه غيرُك، وتودّ أنه زال عنه وصار إليك. والغبطة : ألاّ تغتاظ ولا تودّ زوالَه عنه، وإنما تودّ أن تُرْزَقَ مِثْله، وليست الغبطة بمذمومة.
وقال الشاعر :
حَسَدُوا الفَتَى إِذْ لَمْ يَنَالُوا سَعْيَهُ*** فَالْكُلُّ أعْداءٌ لَهُ وَخُصُومُ
كَضَرَائِرِ الْحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا*** حَسَداً وَبَعْياً - إنَّه لَدَمِيمُ
واعلم أنه(علیه السلام) بعد أن نهى عن الحَسَد أمر بالصبر وانتظار الفرَج مَن اللّٰه، إما بموتِ مريح، أو بظفرِ بالمطلوب. والصبرُ من المقامات الشريفة، وقد وَرَدت فيه آثارٌ كثيرة، روى عبد اللّٰه بن مسعود عن النبيّ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم): «إنّ الصبر نصفُ الإيمان، واليقين الإيمان كلّه» (1).
وقالت عائشة: لو كان الصبر رجلاً لكان كريماً .
وقال عليّ (علیه السلام): الصَّبر إمّا صبر على المصيبة، أو على الطاعة، أو عن المعصية (2)، وهذا القسم الثالث أعْلَى درجةً من القسميْن الأوّلَين.
وعنه (علیه السلام): الحياء زينة، والتقوى كرم، وخير المراكب مركب الصبر (1).
وعنه(علیه السلام) : القناعة سيفٌ لا ينبُو، والصبر مَطِيَّةٌ لا تكبو، وأفضل العدّة الصبرُ على الشدّة (2).
قال الحسن(علیه السلام) : جَرّبْنا وجَرّب المجرِّبون، فلم نرَ شيئاً أنفعَ وِجداناً، ولا أضرّ فقداناً من الصبر، تُدَاوَى به الأمور، ولا يداوى هُوَ بغيره.
وقال سعيد بن حُمَيد الكاتب :
لا تَعْتِبَنَّ عَلَى النَّوَائِبْ*** فَالدَّهْرُ يُرْغِمُ كلَّ عَاتِبْ
وَاصْبِرْ عَلَى حَدَثَانِهِ*** إِنّ الأمورَ لها عَوَاقِبْ
كمْ نِعْمَةٍ مَطْوِيَّةٍ ***لَكَ بَيْنَ أثناءِ النَّوَائِبْ
وَمَسَرَّةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ*** مِنْ حَيْثُ تَنْتَظِرُ الْمَصَائِبْ
ومن كلامهم : الصّبر مُرّ، لا يتجَرّعه إلا حُرّ .
قال أعرابيّ : كُنْ حُلْوَ الصَّبْر عنْدَ مرارة النَّازلة .
وقال كسرى لِبُزْرْجُمِهر : ما علامةُ الظفر بالأمور المطلوبة المستصعبةَ؟ قال: ملازمة الطّلب، والمحافظة على الصبْر، وكتمان السر.
وقال الأحنف بن قيس: لست حليماً ، إنَّما أنا صبور، فأفادني الصبر صِفَتي بالحلْم.
وسئل عليّ (علیه السلام): أيّ شيء أقربُ إلى الكفر؟ قال : ذو فاقة لا له (3).
ومن كلامه(علیه السلام) : الصبّر يُناضِل الحدَثان (4)، والجوع من أعوان الزمان (5).
وقال أعشى هَمَدَان :
إنْ نِلْتُ لم أفْرَحْ بشيءٍ نِلْتُهُ*** وإذا سُبِقتُ به فَلا أتلهّف
وَمَتَى تُصِبْك من الحوادثِ نكْبَةٌ ***فاصبِرْ فكلّ غَيَابَةٍ تَتَكَشَّفُ
والأمر يذكر بالأمر، وهذا البيت هو الذي قاله له الحجّاج يوم قَتله، ذكر ذلك أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباريّ في «الأمالي» قال: لمّا أُتِي الحجاجُ بأعشى هَمْدان أسيراً ،
وقد كان خرج مع ابن الأشعث، قال له: يا ابن اللخْناء! أنت القائل لعِدوّ الرحمن - يعني عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث:
يا ابنَ الأشَجَّ قريع كِنْ*** دَةَ لا أبالي فيك عتباً
أنت الرئيس ابنُ الرئي*** سِ، وأنتَ أعلى النّاسِ كَعْبَا
نبِّئت حجاج بن يوس***فَ خَرّ مِنْ زَلَقٍ فَتَبَا
فَانْهَضْ هُدِيت لَعَلَّهُ*** يَجْلُو بك الرَّحْمَٰنُ كَرُبا
وابعث عطيةَ في الحرُو*** ب يكبّهنّ عليه كبّاً
ثم قال : عبد الرحِم خَرّ من زَلَقٍ فتَبّ، وخِسر ،وانكبّ، وما لقيَ ما أحبّ. ورفع بها صوته ،واهتز مَنكِباه، ودرّ وَدَجاه (1)، واحمرّت عيناه، ولم يبق في المجلس إلا من هابه، فقال: أيها الأمير، وأنا القائل:
أبى اللّٰه إلاّ أن يُتَمِّمَ نُورَهُ ***وَيُطْفِيءَ نَارَ الْكَافِرِينَ فتخمُدا
ويُنْزِلَ ذُلاً بالعراق وأهله*** كما نقضوا العهدَ الوثيقَ المؤكَّدا
وما لَبِثَ الحجّاج أنْ سَلّ سيفَه*** علينا، فَوَلّى جَمْعُنَا وتبدَّدا
فالتفت الحجّاج إلى مَنْ حضر، فقال: ما تقولون؟ قالوا : لقد أحسن أيها الأمير، ومَحَا بآخر قوله أولَهُ، فليَسعُه حِلْمُك . فقال : لاها اللّٰه ! إنه لم يُرِدْ ما ظننتم، وإنما أراد تحريضَ أصحابه، ثم قال له : ويلك ! ألست القائل :
إنْ نِلْتُ لَمْ أَفَرَحْ بشيءِ نِلْتُهُ*** وإذا سُبْقتُ بهِ فَلاَ أَتَلَهّفُ
وَمَتَى تُصِبْكَ مِنَ الحَوادِثِ نَكْبَةٌ ***فَاصْبِرْ، فَكُلُّ غَيَابَةٍ تَتَكَشَّفُ
أما واللّٰه لَتُظْلِمَنَّ عليك غَيَابَةٌ لا تنكشِف أبداً ، ألست القائل في عبد الرحمن :
وإذا سألتَ المجدَ أين مَحَلّهُ*** فالمجدُ بَيْنَ محمدٍ وسَعِيدِ
بَيْنَ الأشَجِّ وَبَيْنَ قَيْسٍ نَازِلٌ*** بَخْ بَخْ لِوالِدهِ وللمولودِ
واللّٰه لا يُبَخْبخُ بعدها أبداً : يا حرسيّ اضرب عُنُقَه .
ومما جاء في الصبر قيل للأحنف: إنّك شيخٌ ضعيف، وإنّ الصيام يَهُدّك . فقال : إني أعدّه لشرِّيوم طويل، وإنّ الصبرَ على طاعة اللّٰه أهونُ من الصبر على عذاب اللّٰه.
1) الودجان: عرقان متصلان من الرأس إلى السحر .اللسان، مادة (ودج).
ومن كلامه : مَنْ لم يَصْبِرْ على كلمةٍ سَمعَ كلمات. ربّ غيظِ قد تجرّعتُه مخافة ما هو أشدّ منه.
يونس بن عبيد : لو أُمِرنا بالجَزَع لصبرنا .
ابن السّماك: المصيبة واحدة ، فإن جزع صاحبُها منها صارت اثنتين . يعني : فقد المصاب وفقد الثواب .
الحارث بن أسد المحاسبيّ : لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر.
جابر بن عبد اللّٰه : سئل رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) عن الإيمان، فقال: «الصبر والسماحة» (1).
وقال العتابيّ :
اصْبِرْ إِذَا بَدَهَتْكَ نَائِبَةٌ*** مَا عَالَ مُنْقَطِعٌ إلى الصَّبْرِ
الصَّبْرُ أَوْلَى مَا اعْتَصَمْتَ بِهِ*** وَلَنِعْمَ حَشْوُ جَوانِح الصَّدْرِ
ومن كلام عليّ (علیه السلام): الصَّبر مفتاح الظَّفر ، والتوكل على اللّٰه رسول الفَرَج (2).
ومن كلامه (علیه السلام): انتظارُ الفَرَج بالصَّبْرِ عبادة (3).
أكْثَم بن صَيْفيّ : الصبرُ على جُرَعِ الحِمَام (4)أعذب من جَنَا النَّدَم .
ومن كلام بعض الزهّاد: واصْبر عَلَى عملٍ لا غَناء بك عن ثوابه، واصبْر عن عملٍ لا صَبْر على عقابكَ به .
وكتب ابنُ العميد : أقرَأ في الصَّبْرِ سُوَراً، ولا أقرأ في الجزع أية. وأحفَظُ في التماسك والتجَلُّد قصائد، ولا أحفَظُ فى التهافُت قافية .
وقال الشاعر :
وَيَوْمِ كَيَوْمِ الْبَعْثِ مَا فِيهِ حَاكِمٌ*** وَلَا عَاصِمٌ الاَّ قناً وَدُرُوعُ
حَبَسْتُ بِهِ نَفْسِي عَلَى مَوْقِفِ الرَّدَى*** حِفاظاً وَأَطْرَافُ الرّمَاحِ شُرُوعُ
وَمَا يَسْتَوِي عِنْدَ الْمُلِمّاتِ إِنْ عَرَتْ*** صَبُورٌ عَلَى مَكْرُوهِهَا وَجَزُوعُ
أبو حية النميري :
إنِّي رَأَيْتُ وَفِي الْأَيَّام تَجْربةٌ*** لِلصَّبْرِ عَاقِبَةً محمودة الأثر وَقَلَّ مَنْ جَدْ فِي أَمْرِ يُحَاوِلُهُ وَاسْتَصْحَبُ الصَّبْرَ إلا فاز بالظُّفَرِ ووصف الحسن البصري عليا ، فقال : كان لا يَجْهَلُ ، وإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ حَلُم . وَلَا يَظْلِمُ، وَإِنْ ظلِم غَفَر . ولا يَبْخَلُ ، وإِنْ بَخِلَتِ الدّنيا عليه صَبّر .
عبد العزيز بن زُرارَةَ الكلابي :
قَدْ عِشْتُ فِي الدَّهْرِ أَطوَاراً عَلَى طُرُقٍ*** شَتَّى فَقَاسَيْتُ مِنْهُ الحُلْوَ وَالْبَشِعا
كُلاً بَلَوْتُ فَلاَ النَّعْمَاءُ تُبْطِرُنِي*** وَلا تَخشَّعْتُ مِن لأوائها جَزَعا (1)
لاَ يَمْلأُ الْأَمْرُ صَدْرِي قَبْلَ مَوْقِعِهِ*** وَلَا يَضِيقُ بِهِ صَدْرِي إِذا وَقعَا
ومن كلام بعضهم : مَن تَبَصّر تَصَبّر . الصّبْر يفسحُ الفُرَج، ويفتح المرتَتج(2). المحْنة إذا تُلُقِّيت بالرّضا والصّبْر كانت نعمةً دائمة، والنّعمة إذا خلت من الشكر كانت مِحْنَةً لازمة .
قيل لأبي مسلم صاحب الدولة. بِمَ أصَبْتَ ما أَصَبْتَ؟ قال : ارْتَدَيْتُ بالصبّر، واتزّرت بالكِتْمان وحالفتُ الحزم، وخالفْتُ الهوى، ولم أجعل العدوّ صديقاً، ولا الصديقَ عدوّاً.
منصور النّمَريّ في الرشيد.
وَلَيْسَ لأَعْباءِ الْأُمُورِ إِذَا عَرَتْ*** بمكتَرِثِ لكِنْ لَهُنَّ صَبُورُ
يُرَى ساكنَ الأطْرافِ باسِطُ وَجْهِهِ*** يُرِيكَ الهُوَيْنَى والأمور تَطِيرُ
من كلام أمير المؤمنين (علیه السلام) : أوصِيكم بخمس لو ضربْتُم إليهنَّ آباطَ الإبل كانت لذلك أهلاً :لا يرجُوَنّ أحدُكُمُ إلاّ ربّه، ولا يخافَنَّ إلا ذَنْبَه ، ولا يَسْتَحِيْنَ إذا سئل عَمّالاً يَعلم أنْ يقولَ لا أعلم، ولا يستحيي إذا جهل أمراً أن يتعلّمه، وعليْكم بالصّبر، فإنْ الصبرَ من الإيمان بمنزلة الرأس من الجَسد، فكما لا خَيْرَ في جَسَدٍ لا رأس له ، لا خيرَ في إيمانٍ لا صَبْر معه.
وعنه (علیه السلام) : لا يعدَم الصبَّور الظَّفَر، وإن طال به الزمان (3).
نهشل بن حَرِّيّ:
ويوم كأنَّ المصطلينَ بحرّهِ*** وإنْ لم يكنْ جَمْراً قيامٌ على جَمْرِ
صَبَرْنا لَهُ حَتَّى تجلّى وإنّما*** تُفَرَّجُ أيامُ الكَرِيمَة بِالصَّبْرِ
عليّ (علیه السلام): اطرَحْ عنك وارداتِ الهموم بعزائم الصَّبْر وحسن اليقين (1).
وعنه(علیه السلام) : وإن كنت جازعاً على ما تَفّلتَ من يديْك، فاجزَعْ عَلَى كلّ ما لم يصل إليك(2)!
وفي كتابه(علیه السلام) الذي كتبه إلى عَقِيل أخيه: ولا تحسبَنّ ابن أمّك - ولو أسلمه الناس -متضرّعاً متخشعاً ، ولا مقرّاً للضيم واهناً، ولا سَلِسَ الزمام للقائد، ولا وطىء الظّهر للراكب، ولكنه كما قال أخو بني سُلَيْم :
فإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أنْتَ فإنّنِي*** صَبُورٌ على رَيْبِ الزّمانِ صَليبُ
يَعِزّ عليَّ أن تُرَى بِي كآبةٌ*** فَيَشْمَتَ عَادٍ أَو يُساءَ حَبيبُ
واعلم أنه (علیه السلام)، بعد أنْ أمَرنا بالصَّبر، نهى عن الريّاء في العمل، والرّياءُ في العمل منهيُّ عنه، بل العملُ ذو الرِّياء ليس بعملٍ على الحقيقة، لأنّه يُقصَدْ به وجه اللّٰه تعالى. وأصحابُنا المتكلّمون يقولون : ينبغي أن يعلم المكلّف الواجبَ لأنه واجب، ويجتنبَ القبيح لأنه قبيح، ولا يفعل الطاعة ويترك المعصية رغبةً في الثواب، وخوفاً من العقابِ، فإنّ ذلك يُخْرج عَمَلَه أن يكون طريقاً إلى الثواب، وشبّهوه بالاعتذار في الشيء، فإنّ مَنْ يعتذِرُ إليك من ذنبِ خوفاً أن تعاقِبَه على ذلك الذنب، ولا نَدَماً على القبيح الذي سبق منه، لا يكون عُذْرُه مقبولاً، ولا ذنبُه عندك مغفوراً. وهذا مقامٌ جليل لا يصِلُ إليه إلا الأفراد من ألوف الألوف. وقد جاء في الآثار من النّهي عن الرياء والسمعة كثيرٌ ، روي عن النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) أنه قال : «يُؤْتَى في يوم القيامة بالرّجل قد عَمل أعمال الخير كجبال - أو قال: كجبال تِهامة - وله خطيئة واحدة، فيقال: إنما عَمِلْتَهَا لِيُقال عنك، فقد قيل، وذاك ثوابُك وهذه خطيئتك، أدخِلوه بها إلى جهنم» (3).
وقال(علیه السلام) : «ليست الصلاة قيامَك وقعودَك، إنّما الصلاة إخلاصُك، وأنْ تُريدَ بها اللّٰه وحده» (4)
وقال حبيب الفارسيّ : لو أن اللّٰه تعالى أقامني يوم القيامة وقال: هل تعدّ سجدةً سَجدتَ ليس للشيطان فيها نصيب لم أقدِرْ على ذلك .
توصل عبدُ اللّٰه بن الزُّبير إلى امرأة عبد اللّٰه بن عمر - وهي أخت المختار بن أبي عُبيد
الثَّقفيّ - في أنْ تُكلّم بعلَها عبد اللّٰه بن عمر أن يبايعَه. فكلّمته في ذلك، وذكرتْ صلاتَه وقيامه وصيامه، فقال لها : أما رأيتِ البغَلات الشُّهْب التي كُنّا نراها تحت معاوية بالحِجْر إذا قدم مكة؟ قالت: بلى، قال : فإياها يطلب ابنُ الزَبير بصومه وصلاته! وفي الخبر المرفوع: «إنّ أخوف ما أخاف على أمّتي الرياء في العمل، ألا وإنّ الرياء في العمل هو الشرْكُ الخفِيّ» (1):
صَلَّى وَصَامَ لأمْرِ كان يَطْلُبُهُ ***حَتَّى حَوَاهُ فَلَا صَلَّى وَلَا صَامَا
ثم إنه (علیه السلام)بعد نهيه عن الرياء وطلب السمعة، أمر بالاعتضاد بالعشيرة والتكثّر بالقبيلة، فإنّ الإنسان لا يَستغني عنهم وإن كان ذا مال، وقد قالت الشعراء في هذا المعنى كثيراً، فمن ذلك قول بعض شعراء الحماسة :
إذَا المَرْءُ لم يَغْضَبْ لَهُ حين يَغْضَبُ*** فَوَارِسُ إن قيل ارْكَبُوا الموتَ يَرْكَبُوا
ولم يَحْبُه بالنّصْرِ قَوْمٌ أعزّةٌ*** مَقَاحِيمُ فِي الأمْرِ الَّذِي يُتَهَيَّبُ
تَهَضْمَهُ أدْنَى الْعُدَاةِ فَلَمْ يَزَلْ*** وإن كان عِضّا بالظَّلامَةِ يُضْرَبُ
فَآخِ لحال السّلم مَنْ شِئتَ وَاعْلَمَنْ بِأنّ سِوَى مَوْلاكَ في الحَرْب أَجْنَبُ
وَمَوْلاَكَ مَوْلاَكَ الَّذِي إِنْ دَعَوْتَه*** أَجَابَكَ طَوْعاً والدِّمَاء تَصَبَّبُ
فَلا تَخْذُلِ المَوْلَى وإن كان ظَالِماً*** فإنَّ بِه تُثْأَى الأُمُورُ وتُرابُ (2)
ومن شعر الحماسة أيضاً :
افِيقُوا بَنِي حَزْنٍ وأَهْوَاؤُنَا مَعاً*** وَأَرْحَامُنَا مَوْصُولَةٌ لَمْ تُقَضَّب (3)
لعَمْرِي لرهطُ المَرْءِ خَيْرُ بَقِيَّةٍ ***عَلَيْهِ وإِنْ عَالَوْا بِهِ كُلَّ مَرْكَبِ
إذا كُنْتَ في قوم وأمّك منْهُمُ*** لَتُعْزَى إليهم في خَبِيثٍ وَطَيِّبِ
وإن حَدّثتكَ النَّفْسُ أَنّكَ قَادِرٌ ***على مَا حَوَتْ أَيْدِي الرِّجالِ فَكَذِّبِ
ومن شعر الحماسة أيضاً :
لَعمرُكَ ما أَنْصَفْتَنِي حين سُمْتَنِي*** هَوَاكَ مَعَ المَؤلَى وأَنْ لا هَوَى لِيَا
إذا ظُلِمَ المولى فَزِعْتُ لِظُلْمِهِ*** فحرِّق أحشائِي وَهَرْتُ كِلاَبِيَا (4)
ومن شعر الحماسة أيضاً :
وَمَا كُنْتُ أَبْغِي العمَّ يَمْشِي على شفَاً ***وإِنْ بَلَغَتْنِي مِنْ أَذَاهُ الْجَنَادِعُ (1)
ولكن أوَاسِيهِ وأنسَى ذُنُوبَهُ*** لِتَرْجِعَهُ يوماً إليّ الرّوَاجِعُ
وَحَسْبُكَ مِنْ ذُلِّ وسُوءِ صَنِيعَةٍ*** مُناواةُ ذِي القُرْبى وأنْ قِيلَ قاطِعُ
ومن شعر الحماسة أيضاً :
الاَ هَلْ أَتَى الأَنْصَارَ أنّ ابنَ بَحْدَلٍ*** حُميْداً شَفَىَ كَلْباً فَقَرَّتْ عيُونُهَا
فإنّا وَكَلْياً كاليَدَيْنِ مَتى تَقَعْ*** شِمَالُكَ في الهيْجَا تُعِنْها يَمِينُها
ومن شعر الحماسة أيضاً :
أخوكَ أخُوكَ مَنْ يَنأَى وَتَدْنُو*** مَوَدَّتُهُ وإنْ دُعِيَ اسْتَجابا
إذا حارَبَتْ حارَبَ مَنْ تُعادِي*** وَزَادَ عَناؤه مِنْكَ اقْتِرَابا
يُواسِي فِي كريهتِه وَيَدْنُو*** إذَا ما مُضلِعُ الْحَدَتَانِ نَابَا
ثم إنه (علیه السلام)ذكَر أنّ لسانَ الصدق يجعله اللّٰه للمرء في الناس خير له من المال يورِّثه غيرَه .
ولسانُ الصّدق هو أن يُذكَرَ الإنسانُ بالخير ويُثْنَى عليه به، قال سبحانه: (وَاَجْعَل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأخِرینَ)(2)
وقد ورد في هذا المعنى من النثر والنظم الكثير الواسع، فمن ذلك قولُ عمر لابنة هَرِم : ما الذي أعطى أبوك زهيراً ؟ أعطاه مالاً يَفْنى وثياباً تَبْلى. قال، لكن ما أعطاكم زُهير لا يُبْليه الدّهر، ولا يُفْنيه الزمان.
ومن شعر الحماسة أيضاً :
إذا أنْتَ أُعْطِيتَ الغنى ثُمّ لم تَجُدْ*** بِفَضْلِ الْغِنَى أُلْقِيتَ مَالَكَ حامدُ
وقلّ غَناءً عنك مالٌ جمعتَه*** إذا كان ميراثاً وواراك لأحِدُ
وقال يزيد بن المهلّب: المال والحياة أحبُّ شيء إلى الإنسان، والثناءُ الحسَنُ أحبّ إليّ منهما ، ولو أني أعطِيتُ ما لم يُعْطَهُ أحدٌ لا حببتُ أن يَكون لي أذُنْ أسمع بها ما يقال فيّ غداً وقد مِتُّ كريماً .
وحكي أبو عثمان الجاحظ عن إبراهيم السنديّ، قال: قلت في أيام ولايتِي الكوفة لرجل من وجوهها - كان لا يجفّ لِبْده ولا يستريح قَلمُه، ولا تسْكُن حركته في طلب حوائج الناس، وإدخال السرور على قلوبهم، والرِّفقِ على ضعفائهم، وكان عفيفَ الطُّعمة. خبِّرني عَمّا هَوّن عليك النَّصَبَ، وقَوّاكَ على التّعب؟ فقال : قد واللّٰه سمعتُ غِناء الأطيار بالأسحار، على أغْصانِ الأشجار، وسمعتُ خَفْقَ الأوتارِ، وتجاوُبَ العُودِ والمِزْمار، فما طربتُ من صوتِ قطّ طَرَبي من ثناء حَسَن على رجل محسن، فقلت:للّٰه أبوك ! فلقد مُلْئت كَرَما .
وقال حاتم :
أمَاوِيّ إِنْ يُصْبِحْ صَدَايَ بِقَفْرَةٍ*** مِنَ الأرْضِ لا ماءٌ لديّ ولا خَمْرُ
تَرَيْ أنّ ما أنفقتُ لم يكُ ضَرَّنِي*** وأنّ يدي مما بخلتُ به صِفْرُ
أماوِيّ مَا يُغْنِي الثُّرَاءُ عَنِ الْفَتَى*** إِذا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضَاقَ بِها الصَّدْرُ
بعض المحدثين :
مَنْ اشْتَرَىَ بمالِهِ*** حُسْنَ الثّناء غُبِنَا أفَقَرَهُ سماحه وذلك الفقر الغنى
ومن أمثال الفرس : كلّ ما يُؤكل ينتن، وكلّ ما يُوهَب يَأْرَج(1).
وقال أبو الطيّب :
ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُه الثَّاني وحاجَتُهُ*** ما قاتَهُ وَفُضُولُ العَيْشِ أشْغَالُ
ثم إنه (علیه السلام)بعد أن قَرّظ الثناءَ والذِّكْر الجميل، وفضّله على المال، أمرِ بمواساة الأهل، وصلة الرحم، وإنْ قَلّ ما يواسي به، فقال: «ألا لا يعدِلَنّ أحدُكم عن القرابة ... » ، إلى آخر الفصل، وقد قال الناس في هذا المعنى فأكثروا .
فمن ذلك قول زهير :
وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيُبْخَلْ بِفَضْلِهِ*** عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ
وقال عثمان : إنّ عمر كان يمنع أقرباءه ابتغاء وجه اللّٰه ، وأنا أعطيتُهم ابتغاء وجه اللّٰه، ولن تروْا مثل عمر.
1) الأرج: والأريج: توهج ريح الطيب. القاموس، مادة (أرج).
أبو هريرة مرفوعاً : «الرحم مشتقّة من الرحمٰن، والرحمٰن اسم من أسماء اللّٰه العظمى، قال اللّٰه لها: من وصلك وصلتُه، وَمَنْ قطعك قطعته» (1).
وفي الحديث المشهور : «صلة الرحم تزيد في العمر» (2).
وقال طَرَفة يهجو إنساناً بأنّه يصل الأباعد ويقَطع الأقارب :
وأنْتَ على الأدنى شَمال عَرِيةٌ*** شاميةٌ تزْوِي الوجوه بليلُ (3)
وأنتَ على الأقصى صَباً غَيْرُ قَرَةٍ*** تَذَاءَب مِنْهَا مَزْرَعٌ وَمَسِيلُ (4)
ومن شعر الحماسة :
لَهُمْ جُلُّ مالي إِنْ تَتابَعَ لي غِنَى*** وَإِنْ قَلَّ مَالي لا أُكَلّفُهُمْ رِفْدَا
وَلا َأحْمِلُ الحِقْدَ القَدِيمَ عَلَيْهِمُ*** وَلَيْسَ رَئِيسُ القومِ مَنْ يَحْمِلُ الحِقْدا
الأصل: وَلَعَمْرِي ما عَلَيّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقِّ، وَخَابَطَ الْغَيَّ ، مِنْ إِدْهَانِ وَلَا إِيهَان. فَاتَّقُوا اللّٰه عِبَادَ اللّٰه، وَفِرُّوا إِلَى اللّٰه مِنَ اللّٰه وَأمْضُوا في الذِي نَهَجَهُ لَكُم، وقُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ، فَعَليَّ ضَامِنٌ لِفَلجِكُمْ آجِلاً إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلاً .
الشرح: الأدْهان: المصانعة والمنافقة، قال سبحانه: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) .
والإيهان: مصدر أو هنتُه، أي أضعفته، ويجوز وهنته، بحذف الهمزة. ونَهَجه : أوضَحه وجعلَه نَهْجاً، أي طريقاً بيّنا . وعَصَبه بكم : ناطه بكم وجعله كالعِصابة التي تشدّ بها الرأس. والفلْج : الفوز والظفر .
1) أخرجه البخاري، كتاب: الأدب، باب من وصل وصله اللّٰه (5988)، ومسلم، كتاب: البر والصلة، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (2554).
2) اخرج بنحوه البخاري، كتاب: الأدب، باب: من بسط في الرزق بصلة الرحم(5985 )والترمذي، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في تعليم النسب (1979)، وأحمد في «مسنده»(8651) .
3) الشمال : الريح التي تهب من ناحية القطب . اللسان، مادة (شمل).
4) الصبا: ريح ومهبها المستوي أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وهي قابل الدبور. اللسان، مادة (صبو).
وقوله : «وخابط الغيّ » كأنّه جعله والغيّ متخابِطَيْن، يخبِط أحدهما في الآخر، وذلك أشدّ مبالغة من أن تقول : خَبَط في الغَيّ ، لأنّ من يَخْبِط ويَخْبِطه غيره يكون أشدّ اضطراباً ممن يخبِط ولا يخبطه غَيْرُه . وقوله : «وفِرّوا إلى اللّٰه من اللّٰه»، أي اهربوا إلى رحمة اللّٰه من عذابه. وقد نظر الفرزدق إلى هذا فقال :
إِلَيْكَ فَرَرْتُ مِنْكَ وَمِنْ زِيَادِ*** وَلَمْ أَحْسِبْ دَمِي لَكُمُ حَلالاً
الأصل: مَا هِيَ إِلاَّ الْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وَأَبْسُطُهَا ، إِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاّ أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقَبَّحَكِ اللّٰه !
وتمثل بقول الشاعر :
لَعَمْرُ أَبيكَ الْخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّنِي*** عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا الْإِنَاءِ قَلِيلِ
ثم قال(علیه السلام) : أُنْبِثْتُ بُسْراً قَدِ أطْلَعَ اليَمَنَ، وَإني والله لأظنَّ أَن مَؤلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ .
منْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ، وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ، وَبِأَدَائِهم الأمَانَةَ إِلى صَاحِبِهِمْ وَخِيَانَتِكُمْ، وَبِصَلَاحِهِمْ في بِلاَدِهِمْ وَفَسَادِكُمْ، فَلَوِ ائتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاقَتِهِ .
اللَّهُم إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَمَلُّوني ، وسَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي، فَأَبْدِلْني بِهِمْ خَيْرًا مِنْهَمْ وَأَبْدِلْهُمْ بي، شَرًا مِنّي! اللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كما يُمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ. أَمَا وَاللّٰه لَوَدَدْتُ أَنْ لي بِكُمْ أَلْفَ فارِسِ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بنِ غَنْمٍ :
هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَنَاكَ مِنْهُمْ*** فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الحَمِيمِ
ثم نزل(علیه السلام) من المنبر : قال الرضي رحمه اللّٰه :
أقُولُ: الأَرْمِيَةُ جمع رَمِيِّ ، وهو السحابُ والحميمُ ها هنا : وقتُ الصَّيفِ، وإنما خصَّ الشاعر سحابَ الصيفِ بالذِّكر لأنه أشدُّ جفُولاً، وأسرعُ خُفُوقاً ، لأنه لا ماءَ فيه، وإنما يكون
السحابُ ثَقِيلَ السَّيْرِ لامْتِلائِهِ بالماء، وذلك لا يكون في الأكثر إلا زمانَ الشّتاءِ، وإنما أراد الشاعر وصفَهُمْ بالسُّرْعةِ إذا دُعُوا ، والإغاثة إذا أَسْتَغِيثُوا، والدليل على ذلك قوله :
هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَنَاكَ مِنْهُمْ
الشرح: تواترت عليه الأخبار، مثل ترادفَتْ وتواصلت. ومن الناس من يطعَن في هذا ، ويقول : التواتر لا يكونُ إلا مع فترات بين أوقات الإتيان، ومنه قوله سبحانه : (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرا)(1)، ليس المراد أنهم مترادفون، بل بين كلّ نبييّن فترة ، قالوا : وأصل «تترى» من الواو، واشتقاقها من «الوِتر»، وهو الفرد: وعدّوا هذا الموضع مما تغلَط فيه الخاصة .
ومعاوية هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صَخْر بن حَرْب بن أميّة بن عَبْد شمس بن عبد مناف بن قُصَيّ .
وامُّه هِنْد بنت عُتْبة بن رَبِيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ . وهي أم أخيه عُتْبة بن أبي سفيان. فأما يَزيد بن أبي سفيان، ومحمد بن أبي سفيان، وَعَنْبسة بن أبي سُفْيان، وحَنْظلة بن أبي سفيان، وعمرو بن أبي سُفْيان، فمن أمّهات شتى.
وأبو سفيان هو الذي قاد قريشاً في حُرُوبها إلى النّبي(علیه السلام) ، وهو رئيس بني عبد شمس بعد قَتْل عُتْبة بن ربيعة بِبَدْر ، ذاك صاحب العِير ، وهذا صاحب النّفير، وبهما يضرب المثل، فيقال للخامل: «لا في العير ولا في النفير».
وروى الزُّبَيْر بن بَكّار أن عبد اللّٰه بن يزيد بن معاوية جاء إلى أخيه خالد بن يزيد في أيّام عبد الملك، فقال : لقد هممتُ اليوم يا أخي أن أفتِكَ بالوليد بن عبد الملك، قال: بئسما هَمَمْتَ به في ابن أمير المؤمنين، ووليّ عهد المسلمين ! فما ذاك؟ قال: إنّ خيلي مرّت به فعبِثَ بها وأصغرني، فقال خالد: أنا أكفيك، فدخل على عبد الملك والوليد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الوليد مرّت به خیل ابن عَمّه عبد اللّٰه ، فعبث بها وأصغره - وكان عبدُ الملك مطرِقاً -، فرفع رأسه ، وقال : (إنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفَسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يفْعَلُونَ ) (2)، فقال خالد: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنهَا تَدْمِيراً )(3)، فقال عبد الملك : أني عبدِ اللّٰه تكلّمني ! واللّٰه لقد دخل أمس عليّ فما أقام لسانَه
لحناً ! قال خالد: أفعَلَى الْوليد تعوّل يا أمير المؤمنين (علیه السلام)! قال عبد الملك : إن كانَ الوليدُ يلحن فإنّ أخاه سليمان لا . فقال خالد: وإن كان عبدُ اللّٰه يلحَن، فإنّ أخاه خالداً لا، فالتفت الوليدُ إلى خالد وقال له : اسكتْ ويحَكَ! فواللّٰه ما تُعَدّ في العير ولا في النَّفِير، فقال: اسمع يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، ثم التفت إلى الوليد ، فقال له : وَيْحكَ! فمن صاحبُ العِير والنّفير غيرُ جدّيَّ أبي سفیان صَاحبِ العير، وجدِّي عُتْبَةَ صاحب النفير! ولكن لو قلت : غُنَيْمات وحُبَيْلات والطائف، ورحم اللّٰه عثمان»، لقلنا : صَدَقْت.
وهذا مِنَ الكلام المستَحْسَن، والألفاظ الفصيحة، والجوابات المسكتة، وإنما كان أبو سُفْيان صاحبَ العِير، لأنّه هو الذي قدِم بالعيرِ التي رام رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)وأصحابه أن يعترضوها، وكانت قادمةً من الشام إلى مكة تحمل العِطْر والبُرّ، فنذِر بهم أبو سفيان، فضرب وجُوه العِير إلى البحر، فساحَل بها حتى أنقذها منهم، وكانتْ وقعة بدر العظمى لأجلها، لأن قريشاً أتاهم النذير بحالها، وبخروج النبي (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم)بأصحابه من المدينة في طلبها، لينفروا، وكان رئيسُ الجيش النافر لحمايتها عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس جدّ معاوية لأمه.
وأما «غُنيمات وحُبَيْلات ...» إلى آخر الكلام، فإنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) لما طرد الحكَم ابْنُ أبي العاص إلى الطائف لأمور نَقَمَها عليه، أقام بالطّائف في حُبْلة ابتاعها - وهي الكَرْمة - وكان يرعى غُنَيْمات اتخذها ، يشرب من لبنها . فلما وَلِيَ أبو بكر، شفَع إليه عثمان في أنْ يَرُدَّه، فلم يفعل، فلما وليَ عمر شفَع إليه أيضاً فلم يَفْعل، فلما وَليَ هو الأمر ردّه . والحكَم جدُّ عبد الملك، فعيّرهم خالد بن يزيد به.
وبنو أمية صِنْفان: الأعياص والعنابس فالأعياص: العاص، وأبو العاص، والعيِص، وأبو العِيص، والعَنَابس: حرب، وأبو حرب، وسفيان ،وأبو سفيان. فبنو مروانَ وعثمان من الأعْياص، ومعاوية وابنه من العَنابسَ، ولكلّ واحد من الصِّنفين المذكورين وشيعتهم كلام طويل، واختلاف شديد في تفضيل بعضهم على بعض .
وكانت هند تذكر في مكة بفجور وعُهْر(1)
1) أورد المفسرون في كلامهم عن تفسير آية بيعة النساء من سورة الممتحنة عند قوله: ﴿وَلَا يَزْنينَ) قولها متعجبة سبحان اللّٰه وهل تزني الحرة ؟! فلا يذهبن الخلاف السياسي بنا إلى حد قبول روايات واهية لأنها توافق هو أنا في ذم خصومنا فهذا يبعدنا عن الموضوعية .
وقال الزمخشري في كتاب «ربيع الأبرار» (1): كان معاوية يُعْزى إلى أربعة : إلى مسافر بن أبي عمرو، وإلى عُمارة بن الوليد بن المغيرة، وإلى العباس بن عبد المطلب، وإلى الصبّاح مُغنّ كان لعُمارة بن الوليد. قال : وقد كان أبو سفيان دَمِيماً قصيراً، وكان الصبّاح عَسِيفاً (2)لأبي سفيان، شاباً وسيماً ، فدعتْه هند إلى نفسها فغشِيهَا .
وقالوا : إنّ عُتْبة بن أبي سفيان من الصبّاح أيضاً، وقالوا : إنها كرهت أن تضَعه في منزلها، فخرجت إلى أجْيَاد، فوضعته هناك. وفي هذا المعنى يقول حسان أيام المهاجاة بين المسلمين والمشركين في حياة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)قبل عام الفتح :
لِمَنِ الصَّبِيَّ بجانب البَطْحا*** في التُرْبِ مُلْقَى غَيْرَ ذِي مَهْدِ
نَجَلَتْ بِهِ بَيْضَاهُ آنِسَةٌ ***مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ صَلْتَةُ الْخَدِّ
والذين نزّهوا هنداً هذا القذف رووا غير هذا . فروى أبو عُبيدة معمر بن المثنَّى أن هنداً كانت تحت الفاكه بن المغيرة المخزوميّ ، وكان لهُ بيتُ ضيافة يَغْشاه النّاس، فيدخلونه من غير إذْن، فخلا ذلك البيتُ يوماً، فاضطجع فيه الفاكه وهند، ثم قام الفاكه وترك هنداً في البيت لأمر عرض له، ثم عاد إلى البيت، فإذا رجل قد خرج من البيت، فأقبل إلى هند فَرَكَلَها برجله، وقال : مَنِ الّذي كان عندكِ ؟ فقالت: لم يكن عندي ،أحد، وإنما كنت نائمة. فقال : الحقِي بأهلك، فقامت من فورها إلى أهلها، فتكلّم الناس في ذلك، فقال لها عُتْبة أبوها : يا بنيّة، إنّ الناس قد أكثروا في أمرك، فأخبريني بقصتك على الصحة، فإن كان لكِ ذنب دسستُ إلى الفاكه مَنْ يقتله، فتنقطع عنك القالة. فحلفتْ أنها لا تعرف لنفسها جُرْما، وإنه لكاذب عليها . فقال : عتبة للفاكه : إنك قد رميتَ ابنتي بأمر عظيم، فهل لك أن تحاكِمَني إلى بعض الكهنة؟ فخرج الفاكِه في جماعة من بني مخزوم، وخرج عُتْبة في جماعة من بني عبد مناف، وأخرج معه هنداً ونسوة معها، فلما شارفوا بلادَ الكاهن تغيَّرت حالُ هند، وتنكّر أمرها، واختطف لونُها . فرأى ذلك أبوها ، فقال لها : إني أرى ما بكِ وما ذاك إلا لمكروه عندك ! فهلاً كان هذا قبل أن يشتهر عند الناس مسيرُنا ! قالت: يا أبتِ إنّ الذي رأيتَ مني ليس لمكروه عندي، ولكني أعلم أنكم تأتون بَشراً يخطيء ويصيب، ولا آمن أن يَسِمِني مِيَسماً يكون علي عاراً عند نساء مكة . قال لها : فإني سأمتحنه قبل المسألة بأمر . ثم صَفَر بفَرس له فأدلى، ثم أخذ حَبّة بُرِّ فَأَدخلها في إحليله، وشدّه بسير وتركه حتى إذا وردوا على الكاهن أكرمَهم ونحر لهم، فقال عتبة : إنا قد جئناك لأمر، وقد خبأتُ لك خبيئاً أختبِرُك به، فانظر ما هو ؟ فقال : ثمرة في كَمَرة، فقال: أبْيَنُ
من هذا، قال: حَبّة بُرّ، في إحليل مهر، قال: صدقت، انظر الآن في أمر هؤلاء النسوة. فجعل يدنُو من واحدة واحدة منهنّ، ويقول: انهضي، حتى صار إلى هند، فضرب على كَتفها ، وقال : انهضي غيرَ رَقْحاء ولا زانية، ولتلدِنّ مَلِكاً يقال له معاوية. فوثب إليها الفاكِه، فأخذها بيده وقال : قومي إلى بيتك، فَجذبت يدَها من يده، وقالت: إليكَ عنّي، فواللّٰه لا كان منك، ولا
كان إلا من غيرك! فتزوجها أبو سفيان بن حرب.
الرقحاء : البغيّ التي تكتسِب بالفجور، والرَّقاحة: التجارة.
ووليَ معاوية اثنتين وأربعين سنة منها اثنتان وعشرون سنة وليَ فيها إمارَة الشام منذ مات أخوه يزيد بْنُ أبي سفيان، بعد خمس سنين من خلافة عمر، إلى أن قتل أمير المؤمنين علي(علیه السلام) في سنة أربعين .ومنها عشرون سنة خليفة إلى أن مات في سنة ستین.
ومرّ به إنسان وهو غلام يلعب مع الغلمان، فقال: إني أظنّ هذا الغلام سيسودُ قومَه، فقالت هند: ثَكلْتُه إن كان لا يسود إلا قومَه ! ولم يزل معاويةُ ذا همّة عالية، يطلب معالَي الأمور، ويرشِّح نفسَه للرياسة، وكان أحدَ كتّاب رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم). واختُلف في كتابته له كيف كانَتْ ، فالذي عليه المحقّقون من أهل السيرة أنّ الوحيَ كان يكتبه عليّ (علیه السلام)وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم ، وأن حنظلة بن الربيع التيميّ ومعاوية بْنُ أبي سفيان كانا يكتبان له إلى الملوك وإلى رؤساء القبائل، ويكتبان حوائجه بين يديه، ويكتبان ما يُجْبَى من أموال الصدقات وما يُقْسَم في أربابها .
وكان معاوية على أسّ(1)الدهر مُبغِضاً لعليّ (علیه السلام)، شديد الانحراف عنه، وكيف لا يُبغضه وقد قتل أخاه حَنْظلة يوم بدر، وخالَه الوليد بن عتبة، وشرِك عمّه في جده وهو عُتْبة – أو في عمه، وهو شيبة ،على اختلاف الرواية - وقتل من بني عمه عبد شمس نفراً كثيراً من أعيانهم وأماثلهم، ثم جَاءت الطامّة الكبرى واقعة عثمان، فنسبها كلّها إليه بشبهة إمساكه عنه، وانضواء كثير من قتلته إليه (علییه السلام)، فتأكّدت البِغْضة، وثارت الأحقاد، وتذكرت تلك التِّرات (2)الأولى، حتى أفضى الأمرُ إلى ما أفْضى إليه .
وقد كان معاوية، مع عِظَم قَدْرِ عليّ (علیه السلام)في النفوس، واعترافِ العرب بشجاعته، وأنّه
البطل الذي لا يُقامُ له يتهدده - وعثمان بعدُ حيّ - بالحرب والمنابذة، ويراسله من الشام رسائلَ خشنة، حتى قال له في وجهه ما رواه أبو هلال العسكري في كتاب «الأوائل» (1)، قال : قدم معاوية المدينة قدمة أيام عُثْمان في أواخر خلافته، فجلس عثمان يوماً للناس، فاعتذر من أمور نُقِمَتْ عليه ، فقال : إن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)قَبِل توبة الكافر، وإني رددتُ الحَكَم عَمّي لأنه تاب، فقبِلت توبتَه، ولو كان بينه وبين أبي بكر وعمر من الرَّحم ما بيني وبينه لأوياه. فأمّا ما نقمتم عليَّ أنّي أعطيتُ من مال اللّٰه، فإنّ الأمر إليّ ، أحكُم في هذا المال بما أراه صلاحاً للأمة، وإلا فلماذا كنت خليفة ! فقطع عليه الكلامَ معاوية وقال للمسلمين الحاضرين عنده : أيّها المهاجِرون، قد علمتم أنّه ليس منكم رجل إلاّ وقد كان قبل الإسلام مغموراً في قومه، تُقطعُ الأمور من دونه، حتى بعث اللّٰه رسوله فسبقتم إليه، وأبطأ عنه أهلُ الشرف والرياسة، فسُدْتُم بالسّبق لا بغيره، حتى إنه ليقال اليوم: رهط فلان، وآل فلان، ولم يكونوا قبلُ شيئاً مذكوراً ، وسيدوم لكم هذا الأمر ما استقمتم ، فإنْ تركتم شيخنا هذا يموت على فِراشه وإلا خرج منكم، ولا ينفعكم سبقُكم وهجرتكم.
فقال له عليّ (علیه السلام): ما أنت وهذا يا ابن اللَّخْناء! فقال معاوية : مهلاً يا أبا الحسن عن ذكر أمّي ، فما كانت بأخسِّ نسائكم، ولقد صافحها رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)يوم أسلَمَتْ ولم يصافح امرأةً غيرَها (2)، أما لو قالها غيرُك ! فنهض عليّ (علیه السلام) ليخرج مُغْضَباً ، فقال عثمان : اجلس، فقال له : لا أجلس، فقال: عزمت عليكَ لتجلسنّ، فأبى وولى، فأخذ عُثمان طرف ردائه فَترك الرداء في يده وخرج، فأتبعه عثمان بصرَه، فقال : واللّٰه لا تصلُ إليك ولا إلى أحد من ولدك.
قال أسامة بن زيد : كُنْتُ حاضراً هذا المجلس، فعجبْتُ في نفسي من تألّي عثمان، فذكرته لسعد بْنُ أبي وقّاص، فقال : لا تعجب، فإنّي سمعت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) يقول: «لا ينالُها عليّ ولا ولده» (3).
قال أسامة : فإنّي في الغد لَفِي المسجد، وعليّ وطلحة والزبير وجماعة من المهاجرين جُلوس، إذ جاء معاوية، فتآمروا بينهم الاّ يوسِّعوا له، فجاء حتى جلس بين أيديهم، فقال:
أتدرون لماذا جئت؟ قالوا : لا ، قال : إني أقسِم باللّٰه إن لم تتركوا شيخَكم يموت على فراشه لا أعطيكم إلا هذا السيف ثم قام فخرج.
فقال عليّ (علیه السلام) : لقد كنت أحسِب أنّ عند هذا شيئاً، فقال له طلحة : وأيّ شيء يكون عنده أعظم مما قال! قاتله اللّٰه ! لقد رَمَى الْغَرَض فأصاب، واللّٰه ما سمعتَ يا أبا الحسن كلمةً هي
أملأ لصدرك منها.
ومعاوية مطعون في دينه عند شيوخنا رحمهم اللّٰه ، يُرْمى بالزندقة .
وقد ذكرنا في نقض «السفيانية» على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابه في كتبهم
الكلامية عنه من الإِلحاد والتعرض لرسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وما تظاهر به من
الجبر والإرجاء، ولو لم يكن شيء من ذلك، لكان في محاربِته الإمام ما يكفي في فساد حاله، لاسيما على قواعد أصحابنا، وكونهم بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير إلى النار والخلود فيها
إن لم تكفرها التوبة.
بسر بن ارطاة ونسبه
وأمّا بُسر بن أرطاة ، فهو بُسر بن أرطاة - وقيل ابن أبي أرطاة - بن عويمر بن عمران بن الحُلَيس بن سيّار بن نزار بن معِيص بن عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة .
بعثَه معاوية إلى اليمن في جيش كثيف، وأمره أن يقتل كلَّ مَنْ كان في طاعة عليّ (علیه السلام)،
فقتل خلْقاً كثيراً، وقتل فيمن قتل ابنيْ عبيد اللّٰه بن العباس بن عبد المطلب، وكانا غلامين
صغيريْن فقالت أمهما ترثيهما .
يا مَنْ أَحَسّ بُنَيَّيّ اللَّذَيْن هُمَا*** كالدرتين تَشَظَّى عَنْهُمَا الصَّدَفُ
في أبيات مشهورة.
وكان عبيد اللّٰه عاملَ عليّ (علیه السلام) على اليمن، وهو عبيد اللّٰه بن العبّاس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ . أمه وأم إخوته عبد اللّٰه وقُثَم ومعبد وعبد الرحمن، لبابة بنت
الحارث بن حَزْن، من بني عامر بن صعصعة. ومات عبيد اللّٰه بالمدينة، وكان جواداً، وأعقب، ومن أولاده : قُثَم بن العباس بن عبيد اللّٰه بن العباس ولاّه أبو جعفر المنصور المدينة، وكان جواداً
ممدوحاً، وله يقول ابن الموْلَى :
أُعْفِيتِ مِنْ كُورٍ وَمِنْ رِحْلَةٍ ***يا ناقُ إنْ أدْنَيْتِنِي مِنْ قُثَمْ
في وَجْهِهِ نورٌ وفي باعِهِ ***طُولُ وفي العِرْنِينِ مِنْهُ شَمَمْ
ويقال : ما رئي قبور إخوة أكثر تباعُداً من قبور بني العباس (رحمه اللّٰه تعالى) : قبر عبد اللّٰه
بالطائف، وقبر عبيد اللّٰه بالمدينة، وقبر قُثَم بسمَرْقَنْد، وقبر عبد الرحمن بالشام، وقبر مَعْبد
بإفريقيَة.
ثم نعود إلى شرح الخطبة :
الأعاصير: جمع إعصار، وهي الريح المستديرة على نفسها، قال اللّٰه تعالى: ﴿فَأَصَابَهَآ إعْصَارٌ فِيهِ نَار) (1)
والوضَرُ : بقيّة الدَّسَم في الإناء. وقد اطّلع اليمن، أي غشِيَهَا وغزاها وأغار عليها .
وقوله : سَيُدالون منكم»، أي يَغْلُبونكم وتكون لهم الدولة عليكم. وماث زيد الملح في
الماء : أذابه .
وبنو فِراس بن غَنْم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة، حيُّ مشهور بالشجاعة، منهم علقمة بن فِراس ، و
هو جِذْل الطِّعان. ومنهم رَبيعة بن مكدَّم بن حُرْثان بن جَذِيمة بن علقمة بن فِراس، الشجاع
المشهور حامي الظُّعُن حيَّا وميتاً ، ولم يحم الحريم وهو ميت أحدٌ غيره، عرضَ له فُرْسان من بني سُلَيم، ومعه ظعائن من أهله يحميهم وَحْدَه، فطاعنهم ، فرماء نُبَيْشَة بن حبيب بسَهْم أصاب قَلْبه، فنصب رمحه في الأرض. واعتمد عليه وهو ثابت في سَرْجه لم يَزُلْ ولم يمل. وأشار إلى الظعائن بالرّواح، فسِرْن حتى بَلَغْنَ بيوت الحيّ ، وبنو سُليم قِيام إزاءَه لا يُقدِمون عليه، ويظنونه حَيًّا ، حتى قال قائل منهم : إني لا أراه إلاّ ميتاً ولو كان حيَّا لتحرك، إنّه واللّٰه لماثل راتب علي هيئة واحدة، لا يرفع يَده ولا يحرك رأسه. فلم يقدِم أحد منهم علی الدنوّ منه، حتى رموْا فرسَه بسهم، فشبّ من تحته، فوقع وهو ميت، وفاتتهم الظعائن.
وقال الشاعر:
لا يَبْعَدَنَّ رَبِيعَةُ بنُ مُكَدَّمٍ*** وَسَقى الْغَوَادِي قبْرَةُ بِذَنُوبِ (2)
نَفَرَتْ قَلُوصِي مِنْ حِجَارَةِ حَرَّةٍ*** بُنِيَتْ عَلَى طَلْقِ الْيَدَيْنِ وَهُوبِ
لا تَنْفِري يَانَاقُ مِنْهُ فَإِنَّهُ*** شِرِّيبُ خَمْرٍ مِسْعَرٌ لِحُروبِ
لَوْلاَ السِّفَارُ وَبُعْدُ خَرْقٍ مَهْمَهٍ*** لتركتُهَا تَجْثُو عَلَى الْعُرْقُوبِ
نِعْمَ الْفَتَى أَدَّى نُبَيْشَةُ بِزَّهُ*** يَوْمَ اللقاء نُبيشةُ بن حَبيبِ
وقوله(علیه السلام) : «ما هيَ إلا الكوفة»، أي ما مَلْكَتِي إلا الكوفة. أقبضها وأبسطها، أي
أتصرّف فيها كما يتصرّف الإنسان في ثوبه، يقبضه ويبسطه كما يريد.
ثم قال على طريق صرف الخِطاب : «فإن لم تكوني إلا أنت»، خرج من الغيْبة إلى خطاب
الحاضر، كقوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3) مٰلِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) (1)يقول : إن لم يكنْ لي من الدنيا ملك إلا مُلْك إلا مُلْک الكوفةِ ذاتِ
الفِتن والآراءِ المختلفة، فأبعدها اللّٰه !
وشبّه ما كان يحدُث من أهلها من الاختلاف والشِّقاق بالأعاصير، لإثَارتها التراب وإفسادها
الأرض. ثم ذكر عِلّة إدالة أهل الشام من أهل العراق، وهي اجتماعُ كلمتهم وطاعتهم لصاحبهم، وأداؤهم الأمانة وإصلاحهم بلادهم .
وقال أبو عثمان الجاحظ : العِلّة في عِصْيانِ أهلِ العراق على الأمراء وطاعة أهل الشام أنّ أهلَ
العراق أهلُ نظرِ وذوو فِطَن ثاقبة، ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبَحْث يكون الطعن والقَدْح والترجيحُ بين الرجال والتمييزُ بين الرؤساء، وإظهارُ عيوب الأمراء. وأهلُ
الشام ذَوُو بلادة وتقليدٍ وجمود على رأي واحد، لا يروْن النظر، ولا يسألون عن مغيَّب الأحوال.
وما زال العراق موصوفاً أهلُه بقلّة الطاعة، وبالشقاق على أولي الرئاسة.
ومن كلام الحجّاج :
يا أهلَ العراق ،يا أهل الشقاق والنفاق، ومساويء الأخلاق! أمَا واللّٰه لَأَلحُونَّكُمْ لَحْوَ العصا، و
لأَعْصِبَنّكُمْ عَصْبَ السَّلَم، ولأضرِبَنّكُمْ ضَرْب غرائب الإبل، إنّي أسمع لكم تكبيراً ليس بالتكبير
الذي يُراد به الترغيب، ولكنّه تكبير التَّرْهيب. ألاَ إنّها عجاجة تَحْتَها قَصْفٌ، يا بني اللَّكِيعة، وعبيدَ العصا، وأبناء الإماء! إنّما مَثَلِي وَمَثُلكم كما قال ابنُ بَرّاقَة :
وَكُنْتُ إِذَا قَوْمٌ غَزَوْنِي غَزَوْتُهُمْ*** فَهَلْ أَنَا فِي ذَا يَالَهَمْدَانَ ظَالِمُ !
مَتَى تَجْمَعِ الْقَلْبَ الذَّكيَّ وَصَارِماً ***وَأَنْفاً حَمِيَّا تَجنَنَبكَ الْمَظَالمُ
واللّٰه لا تَقْرَع قصاً عَصاً إلا جعلتها كأمْسِ الذّاهب.
وكانت هذه الخطبة عقيب سماعه تكبيراً مُنكَراً في شوارع الكوفة، فأشفق من الفتنة
1) سورة الفاتحة ، الآيات : 2 - 5 .
ومما خطب به في ذم أهل العراق بعد وقعة دير الجماجم (1):
يا أهلَ العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، إنّ الشيطان اسْتَبْطَنَكُم، فخالط اللّحم والدم . والعَصَب،
والمسامع والأطراف والأعضاء والشّغاف، ثم أفضى إلى الأمخاخ والأصْماخ، ثم ارتفع فعشّش، ثم باض ففرّخ، فحشاكُمْ نِفاقاً وشقاقاً، وملأكُمْ غَدْراً وخلافاً، اتخذتموه دليلاً تَتَّبِعُونه، وقائداً تُطيعونه، ومؤامَراً تستشيرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو تعظُكم وَاقعة، أو يحجزكم إسلام ، أو يعصمكم
ميثاق! أَلَسْتُم أصحابي بالأهواز ، حيث رُمْتُم المكْر، وسعيتم بالغدر، وظننتم أنَّ اللّٰه يخذُل دينه و
خلافته، وأنا أرميكم بطرْفي، وأنتم تتسلّلون لِواذاً (2)، وتنهزمون سراعاً! ثم يوم الزاوية، وما يوم
الزاوية! بها كان فشَلُكم وكَسَلُكم وتخاذُلُكم وتنازُعكم، وبراءةُ اللّٰه منكم ، ونكُولُ وليِّكم عنكم ، إِذْ وَلَّيْتُم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النّوازع إلى أعْطانها (3)، لا يسأل المرءُ عن أخيه، ولا يَلْوِي الأبُ على بنيه لمّا عضّكم السِّلاح ، وقَصَمَتْكُمُ الرماح. ثم يوم دَيْر الجماجم ، وما يوم دَيْر
الجماجم! بها كانت المعارك والملاحم، بِضَرْبٍ يزيل الهامَ (4)عَنْ مقيله، ويُذْهِلُ الخليلَ عن
خليله .
يا أهلَ العِراق، يا أهلَ الشِّقاق والنِّفاق! الكَفَرات بعد الفَجَرات، والغَدَرات بعد الخَتَرَات (5)، و النَّزوة بعد
النَّزَوَات ! إن بعثتكم إلى ثغوركم غَلَلْتُم وخُنْتُم، وإن أَمِنْتُم أَرْجَفْتُم، وإِن خِفْتُم نافقتم. لا تذكُرون حَسَنة، ولا تَشْكُرون نعمة.
هل اسْتَخَفَكُم ناكث، أو اسْتَغْوَاكُم غاو ، أو استفزّكم عاص، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم خالع إلا اتّبعتموه وآويتموه، ونصرتموه وزكّيتموه!
يا أهلَ العِراق، هل شغبَ شاغب، أو نعبَ ناعب، أو زَفَر كاذب، إلاّ كُنْتُم أشياعه وأتباعه، وحماتَه وأنصاره!
يا أهل العراق، ألم تزجرْكم المواعظ! ألم تُنَبِّهْكم الوقائع! ألم تردعْكم الحوادث! ثم التفت إلى
أهل الشام وهم حول المنبر فقال :
1) وقعة دير الجماجم، بين الحجاج وابن الأشعث، ودير الجماجم بظاهر الكونة على سبعة فراسخ منها على طرف البر للسالك إلى البصرة، وإنما سميت بهذا الاسم لأن بني تميم وذبيان لما واقعت بني عامر وانتصرت بنو عامر وكثر القتلى في بني تميم بنوا بجماجمهم هذا الدير شكلاً على ظفرهم «معجم البلدان» (504/2) .
2) تتسللون لواذاً : أي يلوذ بعضكم ببعض ويستتر. اللسان، مادة (لوذ).
3) الأعطان: جمع عطن، وهو مبرك الإبل حول الحوض. اللسان، مادة (عطن).
4) الهام : جمع هامة وهي الرأس. اللسان، مادة (هوم).
5) الختر: شبيه بالخديعة والغدر، وقيل : هو أسوأ الغدر وأقبحه. اللسان، مادة (ختر).
يا أهلَ الشام: إنما أنا لكم كالظَّليم الرامح عن فِراخه، ينفي عنها القَذَر ويباعد عنها الحجَر، و
يُكِنّها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرُسها من الذئاب!
يا أهل الشام، أنتم الجُنَّةُ والرداء، وأنتم العُدّة والحذاء.
ثم نزل.
ومن خطبة له في هذا المعنى وقد أراد الحجّ:
يا أهل الكوفة، إني أريد الحجَّ وقد استخلفتُ عليكم ابني محمداً، وأوصيته بخلاف وصية رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)في الأنصار ، فإنه أمر أن يقبلَ من محسنهم، ويتجاوز عن
مسيئهم، وإني قد أوصيتُه إلا يقبلَ من مُحْسِنكم، ولا يتجاوزَ عن مُسيئكمْ. ألا وإنّكُمْ ستقولون
بعدي : لا أَحْسَن اللّٰه لَهُ الصَّحَابة! ألا وإنّي مُعَجِّلٌ لَكُم الجواب : لا أَحْسَنَ اللّٰه لكُم الْخِلافَةَ!
ومن خطبة له في هذا المعنى :
يا أهل الكوفة، إن الفتنة تُلْقَحُ بالنَّجوى، وتُنتج بالشكْوى، وتُحْصَدُ بِالسّيفِ، أما واللّٰه إن أبغضتموني لا تضرُّوني، وإن أحببتموني لا تنفعوني! وما أنا بالمستوحِش لعداوتكم، ولا المستريح إلى
مودتكم زعمتم أني ساحر وقد قال اللّٰه تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ ) (1)، وقد أفلحتُ. وَزَعَمتم أني أعلمُ الاسم الأكبر، فلمَ تقاتلون مَنْ يعلم ما لا تعلمون!
ثم التفت إلى أهل الشام فقال :
لأزواجُكُمْ أطيبُ من المِسْك، ولأبناؤكُم آنسُ بالقلب من الولد، وما أنتم إلا كما قال أخو
ذُبْيَان :
إذا حَاوَلتَ في أسَد فجوراً ***فإنّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنّي
همُ دِرْعِي التي استلامْتُ فيهَا*** إلى يومِ النِّسَارِ وَهُمْ مِجنِّي
ثم قال :
بل أنتم يا أهل الشام، كما قال اللّٰه سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ(171) إِنَّهُمْ لَهُمُ
المَنصُورُونَ(172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَٰلِبُونَ(173))(2).
وخطب مرة بعد موت أخيه وابنه قال :
بلغني أنَّكُمْ تَقُولُون : يموتُ الحجاج، ومات الحجاج! فَمَهْ! وما كان ماذا ! واللّٰه ما أرجو الخيرَ كلّه إلا بعد الموت! وما رضِيَ اللّٰه البقاءَ إلاّ لأهونِ المخلوقينَ عليه إبليس، (قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ یَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ(15 ) (1). ثم قال : يا أهل العراق، أتيتُكُمْ وأَنَا ذو لِمَّةٍ وافرة أَرْقُلُ فيها، فما زال بي شِقَاقُكُمْ وعصيانُكُمْ حتى حَصّ شعري. ثم كشف رأسه وهو أصلع
وقال :
مَنْ يَكُ ذالِمَّةٍ يُكشِّفُهَا*** فَإنّنِي غَيْرُ ضَائِرِي زَعَرِي(2)
لا يمنع المرءَ أن يسودَ وأنْ*** يضرب بالسّيف - قِلّةُ الشَّعَرِ
فأمّا قوله(عیه السلام) : «اللّهمّ أبدِلني بهمْ خيراً منهم، وأبْدِلهم بي شرًا مِنّي»، ولا خيْرَ فيهم ولا شرَّ فيه(علیه السلام) ، فإن «أفعل» ها هنا بمنزلته في قوله تعالى : (أَفَمَن يُلقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَن يَأْتِي ءَامِناً یَوْمَ القِيٰمَةِ ) (3)، وبمنزلته في قوله : (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) (4)ويحتمل أن يكون الذي تمنّاه (علیه السلام)من إبداله بهم خيراً منهم قوماً صالحين ينصرونه و يوفّقون لطاعته.
ويحتمل أن يريد بذلك ما بعد الموت من مرافقة النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم).
وقال القطبُ الراونديّ : بنو فراس بن غَنم هم الروم . وليس بجيّد، والصحيح ما ذكرناه .
والبيت المتمثّل به أخيراً لأبي جُنْدَب الهذلي، وأول الأبيات:
الا يا أمّ زِنْبَاعٍ أ قِیمِی***صُدُورَ الْعِيسِ نَحْو بني تَمِيم
وهذه الخطبة، خطب بها أمير المؤمنين(علیه السلام) بعد فراغه من صفين، وانقضاء أمر الحكمين والخوارج، وهي من أواخر خطبه(علیه السلام)
تم الجزء الأول من شرح نهج البلاغة بحمد اللّٰه ومنِّه ، و الحمد للّٰه وحده العزيز، وصلى اللّٰه على محمد وآله الطيبين الطاهرين
شرح نهج البلاغه
الجزء الثاني
بِسۡمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ
فأمّا خبرُ بُسْرِ بن أرطاة العامريّ، من بني عامر بن لؤي بن غالب، وبَعْثُ معاوية له ليُغيرَ على أعمال أمير المؤمنين(علیه السلام) ، وما عَمِله من سَفْك الدماء وأخد الأموال، فقد ذكر أرباب : السّير أنّ الذي هاج معاوية على تسريح بُسْر بن أرطاة - ويقال ابن أبي أرْطاة - إلى الحجاز و الیمن،أنّ قوماً بصنعاء كانوا من شيعة عثمان، يُعْظمون قتله، لم يكن لهم نظام ولا رأس فبايعوا لعلّي(علیه السلام) على ما في أنفسهم، وعاملُ عليّ (علیه السلام) على صنعاء يومئذ عُبيد اللّٰه بن عباس
وعامله على الجند سعيد بن نِمْران.
فلمّا اختلف الناسُ على عليّ (علیه السلام) بالعِراق وقُتِل محمد بن أبي بكْر بمصر، وكَثُرتْ غاراتُ أهلِ الشام، تكلّموا ودعوْا إلى الطلّب بدم عثمان، فبلغ ذلك عُبيدَ اللّٰه بن عبّاس، فأرسل إلى ناسِ من وجوههم، فقال: ما هذا الذي بلغني عنكم؟ قالوا : إنّا لم نَزَلْ نُنْكر قتل عثمان، ونرى مُجاهدة من سَعَى عليه . فحبسهم، فكتبوا إلى مَن بالجَنَد من أصحابهم، فثاروا بسعيد بن نِمْران، فأخرجوه من الجَنَد ، وأظهروا أمرَهم، وخرج إليهم مَنْ كان بصَنْعاء، وانضمّ إليهم كلّ مَنْ كان على رأيهم، ولحق بهم قوم لم يكونوا على رأيهم، إرادةَ أن يمنعوا الصدّقة، والتقى عُبيد اللّٰه بن عباس وسعيد بن نِمْرَّن، ومعهما شيعة عليّ (علیه السلام) ، فقال ابنُ عباس لابن نِمْران : واللّٰه لقد اجتمع هؤلاء، وإنهم لنا لمقاربون، وإن قاتلناهم لا نعلم على مَنْ تكون الدائرة، فَهلُمَّ لنكتبَ إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) بخبرهم وقَدْحهم، وبمنزلهم الذي هُم به
فكتبا إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) :
أما بعدُ فإنّا نخبر أمير المؤمنين (علیه السلام)، أنّ شيعةَ عثمان وثبوا بنا ،وأظهروا أنّ معاوية قد شَيَّد أمرَه، واتسق له أكثرُ الناس، وأنّا سِرْنا إليهم بشيعة أمير المؤمنين ومَنْ كان على طاعته، وأنّ ذلك أحْمَشَهم والّبَهم، فعبّؤُوا لنا، وتداعَوْا علينا من كلّ أوْب، ونصرَهم علينا مَنْ لم يكن له رأي فيهم ، إرادة أن يمنع حقَّ اللّٰه المفروضَ عليه، وليس يمنعُنا من مُناجزتهم إلا انتظارُ أمرِ أمير المؤمنين (علیه السلام)، أدام اللّٰه عزّه وأيّده، وقضى له بالأقدار الصالحة في جميع أموره. والسّلام.
فلما وصل كتابهما ، ساء عليَّا (علیه السلام)وأغضبه، وكتب إليهما :
من عليّ أمير المؤمنين(علیه السلام) إلى عبيد اللّٰه بن العباس وسعيد بن نِمْران: سلامٌ اللّٰه عليكما، فإني أحمَدُ إليكما اللّٰه الذي لا إله إلا هو، أمّا بعد، فإنّه أتاني كتابُكما تذكُران فيه خروجَ هذه
الخارجة، وتعّظمان مِن شأنها صغيراً، وتُكَثِّران من عددها قليلاً، وقد علمتُ أنّ نَخْبَ أفئدتكما ، وصِغرَ أنفسكما ، وشَتات رأيكما، وسوءَ تدبيركما، هو الذي أفسد عليكما مَن لم يكن عليكما فاسداً ، وقَرَّأ عليكمَا من كان عن لقائكما جَباناً ، فإذا قدم رسولي عليكما، فامْضِيا إلى القوم حتى تقرآ عليهم كتابي إليهم، وتدعوَاهم إلى حظهم وتقوى رَبِّهم، فإن أجابوا حَمِدنا اللّٰه وقَبِلناهم، وإن حارَبوا استعنا باللّٰه عليهم، ونابذناهم على سواء، إن اللّٰه لا يحبّ الخائنين قالوا : وقال عليّ (علیه السلام) ليزيد بن قيس الأرحبيّ : ألاَ ترى إلى ما صَنَع قومُك ! فقال : إنّ ظني يا أمير المؤمنين (علیه السلام)بقومي لَحَسَنٌ في طاعتك، فإن شئت خرجتُ إليهم فكُفِيتَهم، وإن شئتَ كتبتَ إليهم فتنظر ما يجيبونك . فكتب عليّ (علیه السلام) إلَيْهِم :
من عبد اللّٰه عليّ أمير المؤمنين (علیه السلام)، إلى من شاقّ وغَدَر من أهل الجَنَد وصنعاء. أما بعد، فإنّي أحَمدُ اللّٰه الذي لا إله إلا هو، الذي لا يُعقَّب له حكْم، ولا يُرَدّ له قضاء، ولا يردّ بأسُه عن القوم المجرِمين.
وقد بلَغني تجرُّؤكم وشِقاقُكم وإعراضُكم عن دينكم، بعد الطاعة وإعطاء البيْعة، فسألتُ أهلَ الدّين الخالص، والورَع الصادق واللّبّ الراجح، عن بَدْء مَحْركِكم، وما نويتم به، وما أحْمَشكم له، فحُدّثت عن ذلك بما لم أرَ لكم في شيء منه عُذْراً مبيناً، ولا مقالاً جميلاً، ولا حُجّة ظاهرة، فإذا أتاكم رسولي فتفرقوا وانصرِفوا إلى رحالكم أعفُ عنكم ، وأصفحْ عن جالهكم، وأحفظْ قاصيَكم، وأعملْ فيكم بحكم الكتاب، فإن لم تفعلوا، فاستعدّوا لقدوم جيشٍ جَمِّ الفرسان، عظيم الأركان، يقصد لمن طَغَى وعَصَى، فتُطحَنوا كطحن الرّحا، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربّك بظلام للعبيد.
ووجه الكتاب مع رجل من هَمْدان، فقدِم عليهم بالكتاب فلم يجيبوه إلى خَيْر، فقال لهم : إنّي تركت أميرَ المؤمنين (علیه السلام)يريد أن يوجِّه إليكم يزيدَ بن قيس الأرْحبيَّ في جيش كثيف، فلم يمنْعه إلا انتظارُ جوابكم. فقالوا : نحن سامعون مطيعون، إن عَزَل عنّا هذين المرجلين : عُبيدَ اللّٰه وسعيداً .
فرجع الهمْدانيّ من عندهم إلى عليّ (علیه السلا) فأخبره خبر القوم .
قالوا : وكتبتْ تلك العصابة حين جاءها كتاب عليّ (علیه السلام) معاوية يخبرونه، وكتبوا في كتابهم:
مُعَاوِيَ إلاّ تُسرعِ السيرَ نَحْوَنَا*** نبايعْ عليَّا أو يزيدَ اليمانِيَا
فلما قدِم كتابهم، دعا بُسْرَ بن أبي أرطاة - وكان قاسيَ القلب فَظّاً سفَّاكاً للدماء، لا رأفةَ عنده ولا رحمة - فأمرَه أن يأخذَ طريقَ الحجاز والمدينة ومكّة حتى ينتهيَ إلى اليمن، وقال له : لا تنزِلْ على بلدٍ أهلُه على طاعةِ عليّ (علیه السلام)، إلا بسطتَ عليهم لسانَك ، حتى يَرَوْا أنهم لا نجاءَ لَهم،
وأنّك محيط بهم . ثم اكفُفْ عنهم ، وادعُهم إلى البيْعة لي، فمنْ أبى فاقتْله،، واقتلْ شِيعةَ عليّ (علیه السلام) حيث كانوا (1)
وروى إبراهيم بن هلال الثقفيْ في كتاب «الغارات» عن يزيد بن جابر الأزديّ، قال:
سمعت عبد الرحمن بن مَسعدة الفزاريّ يحدّث في خلافة عبد الملك ، قال : لما دخلتْ سنة أربعين، تحدّث الناس بالشام أنّ عليَّا (علیه السلام)يستنِفرُ النّاس بالعراق فلا ينفرون معه، وتذاكروا أنْ قَدْ اختلفتْ أهواؤهم، ووقعت الفُرقة بينهم، قال : فقمت في نَفَرٍ من أهل الشام إلى الوليد بن عُقْبة، فقلنا له: إنّ الناس لا يشكّون في اختلاف الناس على عليّ (علیه السلام) بالعراق، فادخلْ إلى صاحبك فمرْه فليسِرْ بنا إليهم قبل أن يجتمعوا بعد تفرّقهم، أو يصلُحَ لصاحِبهم ما قد فسد عليه من أمره. فقال : بلَى، لقد قاولته في ذلك وراجعته عاتبته، حتى لقد برِم بي، واستثقل طَلْعتي .
وايمُ اللّٰه على ذلك ما أدع أنْ أبّلغه ما مشيْتم إليّ فيه .
فدخل عليه فخَبره بمجيئنا إليه، ومقالتنا له ، فأذن لنا، فدخلْنا عليه، فقال: ما هذا الخبرُ الذي جاءني به عنكم الوليد؟ فقلنا : هذا خبرٌ في الناس سائر ، فشمِّرْ للحرب، وناهِض الأعداء، واهتبِل الفرصة (2)، واغتنم الغِرّة، فإنك لا تدري متى تقدرُ على عدوّك على مثل حالِهم التي هم عليها، وأن تسير إلى عدوِّك أعزُّ لك من أن يسيرُوا إليك. واعلم واللّٰه أنَّه لولا تفرّق الناس عن صاحبك لقد نهض إليك. فقال لنا : ما أستغنِي عن رأيكم ومشورتكم، ومتى احْتَجْ إلى ذلك منكم أدْعُكم. إنّ هؤلاء الذين تذكُرون تفرّقَهم على صاحبهم، واختلافَ أهوائهم، لم يبلغ ذلك عندي بهم أن أكونَ أطمعُ في استئصالِهم واجتياحهم، وأنْ أسيرَ إليهم مخاطراً ،بجنْدي، لا أدري عليّ تكونُ الدائرة أم لي! فإيّاكم واستبطائي، فإني آخذُ بهم في بهم في وجهِ هو أرفقُ بكم، وأبلغُ في هَلَكَتِهم. قد شَنَنْتُ عليهم الغارات من كلّ جانب، فخَيلي مرةً بالجزيرة، ومرة بالحجاز، وقد فتح اللّٰه بين ذلك مصر ، فأعزّ بفتحها وليّنا، وأذلّ به عدوَّنا، فأشرافُ أهل العراق لما يرون من حُسْن صنيع اللّٰه لنا، يأتوننا على قَلائِصهم في كلّ الأيام .
وهذا مما يزيدكم اللّٰه به وينَقصهم، ويقوِّيكم ويُضعفهم ، ويُعِزُّكم ويذلُّهم، فاصبروا ولا تعجلوا ، فإنّي لو رأيت فرصتي لا هتبلْتُها .
فخرجنا من عنده ونحن نعرف الفَصْل فيما ذكر، فجلسنا ناحيةً، وبعث معاوية عند خروجنا من عنده إلى بُسر بن أبي أرطاة، فبعثه في ثلاثة آلاف، وقال: سرْ حتى تمرّ بالمدينة، فاطرد
الناس، وأخِفْ مَنْ مررت به وانهبْ أموال كلِّ مَنْ أصبت له مالاً ، ممّن لم يكن دخل في طاعتنا ، فإذا دخلتَ المدينة، فأرِهم أنّك تريد أنفسَهم، وأخبرْهم أنه لا براءةَ لهم عندك ولا عذر، حتى إذا ظنّوا أنّك موقعٌ بهم فاكففْ عنهم، ثم سِرْ حتى تدخل مكة، ولا تعرِضْ فيها لأحد، وأرْهِب الناسَ عنك فيما بين المدينة ومكة، واجعلها شُرُداً ، حتى تأتي صنعاء والجنَد، فإنّ لنا بهما شيعة، وقد جاءني كتابهم.
فخرج بُسْر في ذلك البعْث، حتى أتى دير مروان ، فعرضهم فسقط فسقط منهم أربعمائة، فمضى في ألفيْن وستمائة، فقال الوليد بن عُقْبة : أشرْنا على معاوية برأينا أن يسيرَ إلى الكوفة، فبعث الجيشَ إلى المدينة، فمثلنا ومثَلُه، كما قال الأول: أُرِيهَا السُّها وتُرِيني القمَرْ.
فبلغ ذلك معاوية، فغضب وقال : واللّٰه لقد هممتُ بمساءة هذا الأحمق الذي لا يُحِسن التدبير، ولا يدرِي سياسة الأمور. ثم كفّ عنه .
قلت: الوليد كان لشِدّة بغضه عليَّا (علیه لسلام)القديم التالد، لا يرى الأناة في حَرْبه، ولا يستصلح الغارات على أطراف بلاده، ولا يشفِي غيظَه ولا يُبرِد حزازاتِ قلبه، إلا باستئصاله نفسِه بالجيوش، وتسييرها إلى دار ،مُلْكه، و سریر خلافته، وهي الكوفة، وأن يكون معاوية بنفسه هو والذي يسير بالجيوش إليه، ليكونَ ذلك أبلغَ في هلاك عليّ (علیه السلام)، واجتثاث أصل سلطانه. ومعاوية كان يرى غيرَ هذا الرأي، ويعلم أن السيرَ بالجيش للقاء عليّ (علیه السلام)خَطَر عظيمٌ، فاقتضت المصلحةُ عنده وما يغلِبُ على ظَنّه من حُسْن التدبير، أن يثبُت بمركزه بالشام في جمهور جَيْشه، ويسرِّب الغارات على أعمال عليّ (علیه السلام) وبلاده، فتجوس خلال الديار وتضعفها، فإذا أضعفتْها أضعفتْ بيْضة ملك عليّ (علیه السلام) ، لأن ضعف الأطراف يُوجب ضعف البَيْضة، وإذا أضعِفت البيضةُ كان على بلوغ إرادته، والمسير حينئذ – إن استصوب المسير-أقدرَ.
ولا يلام الوليد على ما في نفسه، فإنَّ عليَّا (علیه السلام) قتل أباه عُقْبة بن أبي مُعيط صَبْراً (1)یوم بدر، وسُمّي الفاسقَ بعد ذلك في القرآن، لنزاع وقع بينه وبينه ،ثم جلده الحدّ في خلافة عثمان، وعزله عن الكوفة، وكان عاملها . وببعض هذا عند العرب أربابِ الدّين والتّقى تُسْتَحَلُ المحارم، وتُستباح الدماء، ولا تبقى مراقبة في شفاء الغيظ لدين ولا لعقاب ولا لثواب، فكيف الوليد المشتمل على الفسوق والفجور، مجاهراً بذلك! وكان من المؤلفة قلوبهم، مطعوناً في نسبه مرميّاً بالإلحاد والزندقة .
1) الصبر : نصب الإنسان للقتل. اللسان، مادة ( صبر ) چ واصطبر : أي اقتص .
قال إبراهيم بن هلال: روى عَوانة عن الكلبيِّ ولوط بن يحيى أن بُسراً لما أسْقَط مَن أسقط من جيشه سار بمن تخلّف معه، وكانوا إذا وردوا ماء أخذوا إبلَ أهلِ ذلك الماء فركبوها ، وقادوا خيولهم حتى يرِدُوا الماء لآخر، فيردّون تلك الأبل، ويركبون إبل هؤلاء، فلم يزل يصنع ذلك حتى قرب إلى المدينة .
قال : وقد روي أنّ قُضاعة استقبلتهم، ينحَرُون لهم الجُزُر ، حتى دخلوا المدينة. قال:
فدخلوها، وعامل عليّ (علیه السلام)عليها أبو أيوب الأنصاريُّ، صاحب منزل رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، فخرج عنها هارباً، ودخل بُسْر المدينة، فخطب الناس وشتمهم وتهدّدهم يومئذ وتوعدهم، وقال: شاهت الوجوه! إنَّ اللّٰه تعالى يقول: ﴿ وَضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا ) (1)، وقد أوقع اللّٰه تعالى ذلك المثلَ بكم وجعلكم أهله، كان بلدُكم مهاجرَ النبي (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) و مُنْزَله، وفيه قبره ومنازل الخلفاءِ من بعده، فلم تشكروا نعمةَ ربّكم، ولم ترعَوْا حَقَّ نبيكم، وقُتِل خليفة اللّٰه بين أظهركم فكنتم بين قاتل وخاذِل ،ومتربّص وشامت، إن كانت للمؤمنين، قلتم : ألم نكن معكم ! وإن كان للكافرين نصيب، قلتم : ألم نستحوذْ عليكم ونمنعكم من المؤمنين! ثم شتم الأنصار ، فقال : يا معشرَ اليهود وأبناء العبيد : بني زُرَيق، وبني النجار، وبني سَلِمة، وبني عبد الأشهل، أما واللّٰه لأوقعنّ بكم وقعة تَشفي غليل صدور المؤمنين وآل عثمان، أما واللّٰه لأدعنَّكم أحاديثَ كالأمم السالفة.
فتهددهم حتى خاف الناسُ أن يوقِع بهم، ففزعوا إلى حُويْطِب بن عبد العُزّى - ويقال إنه زوْج أمّه - فصعِد إليه المنبر، فناشده وقال : عِترتك وأنصار رسول اللّٰه ، ولَيْسُوا بقتَلة عثمان، فلم يزل به حتى سكن، ودعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه. ونزل فأحرقَ دوراً كثيرة، منها دار زُرارة بن حَرون، أحد بني عمرو بن عوف، ودار رفاعة بن رافع الزُّرَقِيّ ، ودار أبي أيوب الأنصاريّ. وتفقد جابر بن عبد اللّٰه ، فقال : ما لي لا أرى جابراً يا بني سلمة! لا أمان لكم عندي، أو تأتوني بجابر، فعاذ جابر بأم سلمة رضي اللّٰه عنها، فأرسلت إلى بُسر بن أرطاة، فقال : لا أؤمّنه حتى يبايع، فقالت له أم سَلمة : اذهب فبايع، وقالت لابنها عمر : اذهب فبايع، فذهبا فبايعاه.
قال إبراهيم: وروى الوليد بن كثير عن وهب بن كَيْسان قال: سمعت جابر بن عبد اللّٰه الأنصاريّ يقول : لمّا خِفْتُ بُسْراً وتواريت عنه ، قال لقوم : لا أمانَ لكم عندي حتى يحضر جابر، فأتوني وقالوا : نَنْشُدك اللّٰه لما انطلقْت معنا فبايعتَ فحقنتَ دمك ودماء قومك، فإنك إن لم تفعلْ قتلتَ مُقاتلينا ، وسبيْت ذرارينا. فاستنظرتُهم الليل، فلما أمسيت دخلت على أمّ
1) سورة النحل، الآية : 112 .
سلمة فأخبرْتها الخبر، فقالت يا بنيّ ، انطلق فبايع، احقِنْ دَمك ودماء قومك، فإني قد أمرت ابنَ أخي أن يذهبَ فيبايع، وإني لأعلم أَنها بيعة ضلالة.
قال إبراهيم : فأقام بُسْر بالمدينة أياماً ثم قال لهم : إني قد عَفَوْت عنكم، وإن لم تكونوا لذلك بأهل، ما قومٌ قتِلَ إمامُهم بين ظَهْرانِيهِم بأهلِ أن يُكَفَّ عنهم العذاب، ولئن نالكم العفو مني في الدنيا، إني لأرجو ألا تنالكم رحمة اللّٰه (عز وجل) في الآخرة، وقد استخلفتُ عليكم أبا هريرة، فإياكم وخلافه . ثم خرج إلى مكة.
قال إبراهيم: روى الوليد بن هشام قال : أقبل بُسْر، فدخل المدينة، فصعد مِنْبَر الرسول(صلی اللّٰه علیه و له و سلم) ، ثم قال : يا أهل المدينة، خَضَبتم لِحَاكم، وقتلتم عثمان مخضوباً، واللّٰه لا أدَعُ في المسجد مخضوباً إلا قتلتُه، ثم قال لأصحابه : خذُوا بأبواب المسجد - وهو يريد أن یستعرِضهم - فقام إليه عبد اللّٰه بن الزُّبير وأبو قيس أحد بني عامر بن لؤيّ، فطلبا إليه حتى کفّ عنهم. وخرج إلى مكة، فلما قرب منها هرب قُتَمُ بن العباس - وكان عاملَ عليّ (علیه السلام)- ودخلَها بُسْر، فشتم أهلَ مكة وأنّبهم. ثم خرج عنها، واستعمل عليها شَيْبة بن عثمان .
قال إبراهيم: وقد روى عَوانة عن الكلبي أن بُسْراً لما خرج من المدينة إلى مكة قتل في طريقه رجالاً، وأخذ أموالاً ، وبلغ أهلَ مكة خبرُه ، فتنحّى عنها عامّةُ أهلها، وتراضَى الناس بشيبة بن عثمان أميراً لما خرج قُثم بن العباس عنها، وخرج إلى بُسر قوم من قريش فتلقَّوْه، فشتمهم، ثم قال: أمَا واللّٰه لو تُرِكت ورأيي فيكم لتركتُكم وما فيكم روح تمشي على الأرض.
فقالوا : نَنْشُدُك اللّٰه في أهلك وعِتْرتك! فسكت ثم دخل وطاف بالبيت، وصلى ركعتين، ثم خطبهم، فقال:
الحمد للّٰه الذي أعزّ دعوتنا، وجَمع الفتنا، وأذَلَّ عَدُوَّنا بالقتل والتشريَد، هذا ابنُ أبي طالب بناحية العراق في ضَنْك وضِيق، قد ابتلاه اللّٰه بخطيئته، وأسلمه بجَريرته (1)، فتفرّق عنه أصحابُه ناقمين عليه، وولَى الأمرَ معاويةُ الطالبُ بدم عثمان، فبايعوا ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً. فبايَعوا .
وتفقّدَ سعيدَ بن العاص فطَلبه فلم يجده، وأقام أياماً ثم خطبهم فقال :
يا أهل مكة، إني قد صفحت عنكم، فإياكم والخلاف، فواللّٰه إنْ فعلتم لأقصِدَنّ منكم إلى التي تُبير الأصل، وتحرُب المال، وتخرِّب الديار .
1) الجريرة : الذنب والجناية يجنيها الرجل. اللسان، مادة (جور).
ثم خرج إلى الطائف، فكتب إليه المغيرة بن شعبة حين خرج من مكة إليها :
أما بعد، فقد بلَغنِي مسيرُك إلى الحجاز، ونزولُك مكة، وشِدّتُك على المريب، وعفوُك عن المسيء، وإكرامُك لأولي النّهَىٰ ، فحَمدتُ رأيَك في ذلك، فدُمْ على صالح ما كنتَ عليه، فإنّ اللّٰه (عزّ وجلّ لن يزيد بالخير أهلَه إلاّ خيراً، جعلنا اللّٰه وإيّاك من الأمرين بالمعروف والقاصِدين إلى الحقّ، والذاكرين اللّٰه كثيراً .
قال: ووجّه رجلاً من قريش إلى تَبالة، وبها قوم من شيعة عليّ (علیه السلام)، وأمره بقتلهم .
فأخذهم، وكُلّم فيهم وقيل له : هؤلاء قومُك، فكفَّ عنهم حتى نأتيَك بكتابِ من بُسْر بأمانهم، فحبسهم. وخرج منيع الباهليّ من عندهم إلى بُسر وهو بالطائف يستشفع إليه فيهم، فتحمّل عليه بقوم من الطائف، فكِلّموه فيهم، وسألوه الكتاب بإطلاقهم، فوعدهم ومَطَلهم بالكتاب حتى ظن أنه قد قتلهم القرشيّ المبعوث لقتلهم، وأن كتابه لا يصل إليهم حتى يُقتلوا . ثم كتب لهم، فأتى مَنِيع منزله، وكان قد نزل على امرأة بالطائف ورَحْله عندها ، فلم يجدها في منزلها، فوطِيء على ناقته بردائه، وركب فسار يومَ الجمعة وليلة السبت لم ينزل عن راحلته قطّ، فأتاهم ضحوة، وقد أخرج القومُ ليقتلوا، واستبطيء كتاب بُسر فيهم، فقدِّم رجل منهم فضربه رجلٌ من أهل الشام، فانقطع سيفه، فقال الشاميّون بعضهم لبعض : شَمِّسوا سيوفكم حتى تلين فهزُّوها . وتبصَّر منيع الباهلي بريقَ السيوف، فألمع بثوبه، فقال القوم : هذا راكب عنده خير، فكفُّوا، وقام به بعيره فنزل عنه، وجاء على رجليه يشتّد فدفع الكتاب إليهم فأطلِقوا. وكان الرجل المقدّم - الذي ضرِب بالسيف فانكسر السيف - أخاه .
قال إبراهيم: وروي عليّ بن مجاهد، عن ابن إسحاق أنّ أهلَ مكة لما بلغهم ما صنع بُسر، خافوه وهربوا ،فخرج ابنا عبيد اللّٰه بن العباس، وهما سليمان وداود، وأمهما جُوَيْرِيةَ بنة خالد بن قَرَظ الكنانية، وتُكْنَى أمّ حكيم ، وهم حلفاء بني زُهرة - وهما غلامان - مع أهل مكة، فأضلوهما عند بئر ميمون بن الحضْرميّ - وميمون هذا هو أخو العَلاء بن الحْضرمي - وهجم عليهما بسر، فأخذهما وذبحهما ، فقالت :أمهما
هَا منْ أحس بابنيّ اللَّذَيْن هما*** كالدّرتيْن تَشَظّى عنهما الصَّدَف (1)
هَا منْ أحس بابني اللَّذَين هما***سمعِي وقلبي، فقْلبي اليومَ مُخْتَطفُ
هَا منْ أحس بابنيّ اللَّذين هما ***مُخّ العِظامِ، فمخّي اليومَ مزدهَفُ
نُبِّئتُ بسراً وما صدّقتُ ما زعموا ***من قَوْلِهِمْ ومن الإفْكِ الذي اقْتَرَفُوا
أنْحَى عَلى وَدَجَيْ ابنيَّ مُرهَفةً ***مشحوذةً، وكذاكَ الإثمُ يُقْتَرَفُ
1) الصدف : المحار وفيه يكون اللؤلؤ، وصدف الدرة غشاؤها. اللسان، مادة (صدف).
من دَلَّ والهة حَرّى مُسَلَّبةً ***على صبيّينِ ضلاً إذ مضى السلف
وقد روي أن اسَمهما قُدَّم وعبد الرحمن. ورُوِي أنّهما ضلاً في أخوالهما من بني كنانة.
وروي أن بُسْراً إنّما قتلهما باليمن، وأنهما ذبحا على دَرَج صنعاء.
وروى عبد الملك بن نوفل بن مُساحق عن أبيه، أنّ بُسْراً لما دخل الطائف، وقد كلَّمه لمغيرة، قال له:لقد صدقتَني ونصحتَني، فبات بها وخرج منها،، وشيّعه المغيرة ساعة، ثم ودّعه وانصرف عنه ، فخرَج حتى مَرَّ ببني كنانة، وفيهم ابنا عبيد اللّٰه بن العباس وأمّهما . فلما انتهى بُسْر إليهم ،طلبهما ، فدخل رجل من بني كنانة - وكان أبوهما أوصاه بهما - فأخذ السيف من بيته وخرج، فقال له بُسْر : ثكلتْكَ أمّك ! واللّٰه ما كنا أردنا قَتْلك، فلمَ عرّضت نَفسك للقتل ! قال : أقتل دون جارِي أعذَرُ لِي عند اللّٰه والناس. ثم شدّ على أصحاب بُسر بالسيف حاسراً ، وهو يرتجز :
آلیتُ لا يمنع حافاتِ الدّارْ*** ولا يموت مصلِتاً دُونَ الجارْ
إلاّ فتَى أرْوَعُ غير غَدّارْ
فضارب بسيفه حتى قُتل ، ثم قُدِّم الغلامان فقتلا. فخرج نسوة من بني كنانة، فقالت امرأة منهنّ : هذه الرجال يقتلها، فما بال الولدان! واللّٰه ما كانوا يقتَلون في جاهلية ولا إسلام، واللّٰه إنّ سلطاناً لا يشتدّ إلا بقتل الضّرَع الضعيف، والشيخ الكبير، ورفع الرحمة، وقطع الأرحام لَسُلطان سوء، فقال بُسْر : واللّٰه لَهممتُ أن أضعَ فيكنّ السيف، قالت: واللّٰه إنه لا حَبُّ إليّ إن فعلت !
قال إبراهيم: وخرج بُسر من الطائف، فأتَى نَجْران، فقتل عبد اللّٰه بن عبد المدان وابنه مالكاً - وكان عبد اللّٰه هذا صهراً لعبيد اللّٰه بن العباس - ثم جمعهم وقام فيهم، وقال: يا أهلَ نجران، یا معشرَ النصارى وإخوان القرود : أما واللّٰه إنْ بلغني عنكم ما أكرَه لأعودَنّ عليكم بالتي تقطع النَّسْل، وتُهلِكُ الحرث، وتخرّب الديار !
وتهددّهم طويلاً، ثم سار حتى بلغ أرْحَب، فَقَتل أبا كرِب - وكان يتشيّع - ويقال: إنه سيّد مَنْ كان بالبادية من هَمْدان، فقدمه فقتله (1).
وأتى صنعاء وقد خرج عنها عبيد اللّٰه بن العباس وسعيد بن نِمْران، وقد استخلف عبيدُ اللّٰه عليها عَمْرو بن أراكة الثقفيّ ، فمنع بُسْراً من دخولها وقاتله، فقتله بُسْر، ودخل صنعاء، فقتل
1) انظر الغارات: 617/2 .
منها قوماً، وأتاه وفدُ مأرِب فقتلهم، فلم ينجُ منهم إلا رجل واحد، ورجع إلى قومه، فقال لهم: «أنعى قتلاَنا، شيوخاً وشُبّاناً». قال إبراهيم: وهذه الأبيات المشهورة لعبد اللّٰه بن أَراكة الثقفي، يرثى بها ابنه عمراً :
لَعَمْرِي لقد أرْدَى ابنُ أرْطَاةَ فَارِساً*** بصنعاء كاللّيْث الهِزَبْر أبي الأَجْرِ
تَعَزَّ فإن كان البكا ردّ هالكاً ***على أحد فاجهَد بُكَاك على عمرو
ولا تَبْكِ مَيْتاً بعد مَيْتٍ أجنّه*** عليّ وعباسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ
قال : وروى نُمَيْر بن وَعْلَة، عن أبي وَدّاك، قال كُنتُ عندَ عليّ (علی السلام)لمّا قدم عليه سعيد بن نِمْران الكوفة، فعتب عليه وعلى عبيد اللّٰه الاّ يكونا قاتلا بُسراً، فقال سعيد : قد واللّٰه قاتلت، ولكنّ ابن عباس خَذَلني وأبى أن يقاتل، ولَقَدْ خلوتُ به حين دنا منّا بُسْر، فقلت: إنّ ابنَ عمك يرضى منّي ومنك بدون الجِدّ في قتالهم، قال : لا واللّٰه ما لنا بهم طاقة ولا يَدَان، فقمت
الناس، فحمدت اللّٰه ثم قلت: يا أهل اليمن، مَنْ كان في طاعتنا وعلى بيعة أمير المؤمنين(علیه السلام) فإليّ إليّ فأجابني منهم عِصابة، فاستقدمت بهم، فقاتلت قتالاً ضعيفاً، وتفرّق الناس عنّي وانصرفت .
قال : ثم خرج بُسر من صنعاء، فأتى أهل جَيْشَان - وهم شيعة لعليّ (علیه السلام)- فقاتلهم وقاتلوه، فهزمهم وقتلهم قتلاً ذريعاً ، ثم رجع إلى صنعاء، فقتل بها مائة شيخ من أبناء فارس،لأنّ ابني عبيد اللّٰه بن العباس كانا مستتريْن في بيت امرأة من أبنائهم، تعرف بابنة بُزُرْج.
وقال الكلبيّ وأبو مِخْنف : فندب عليّ (عیه السلام)أصحابَه لبعث سرّية في إثر بُسْر، فتثاقلوا ، وأجابه جارية بن قُدامة السعديّ، فبعثه في ألفين، فشخَص إلى البصرة، ثم أخذ طريق الحجاز حتى قدِم اليمن، وسأل عن بُسْر فقيل : أخذ في بلاد بني تميم، فقال : أخذ في ديار قوم يمنعون أنفسهم. وبلغ بُسراً مسيرُ جارية، فانحدر إلى اليمامة، وأغذّ جارية بن قدامة السير، ما يلتِفت إلى مدينة مر بها ولا أهل حصن، ولا يعرِّج على شيء إلاّ أن يُرْمِل (1)بعضُ أصحابه من الزاد فيأمر أصحابه بمواساته، أو يسقط بعير رجل أو تَحْفَى دابته، فيأمر أصحابه بأن يُعْقِبوه، حتى انتهوْا إلى أرض اليمن، فهربت شيعة عثمان حتى لحقوا بالجبال، واتّبعهم شيعة عليّ (علیه السلام)، وتداعَتْ عليهم من كلّ جانب، وأصابوا منهم، وصَمَد (2)نحو بُسْر ، وبسْر بين يديه يفرّ من جهة إلى جهة أخرى، حتى أخرجه من أعمال عليّ (علیه السلام)كلّها .
فلما فعل به ذلك، أقام جارية بحرْس نحواً من شهر، حتى استراح وأراحَ أصحابه، ووثب الناس ببُسْر في طريقه لما انصرف من بين يدي جارية، لسوء سيرته وفظاظته وظلمه وغَشْمه وأصاب بنو تميمِ ثِقْلاً من ثقله في بلاده وصحبه إلى معاوية ليبايعه على الطاعة ابنُ مَجّاعة رئيس اليمامة ، فلما وصل بُسر إلى معاوية قال : يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) ،هذا ابن مجّاعة قد أتيتُك به فاقتله، فقال معاوية: تركتَه لم تقتله، ثم جئتني به فقلت اقتله! لا لعمري لا أقتله. ثم بايعه ووصله، وأعاده إلى قومه .
وقال بُسر : أحمدَ اللّٰه يا أمير المؤمنين(علیه السلام) أني سرت في هذا الجيش أقتل عدوّك ذاهباً جائياً لم يُنْكَب رجل منهم نكبة، فقال معاوية : اللّٰه قد فعل ذلك لا أنت .
وكان الذي قتلَ بسرٌ في وجهه ذلك ثلاثين ألفاً، وحرّق قوماً بالنار، فقال يزيد بن مفرِّغ :
تَعَلَّقَ مِنْ أَسْمَاء مَا قَدْ تَعَلَّقَا ***ومثلُ الذي لاقى من الشوق أرَّقَا
سقي هَزِمُ الأرصاد منبعِج الكُلَى*** منازلَها من مَسْرُقَانَ فَسُرَّقَا
إلى الشرف الأعلى إلى رَامَهُرْمُز*** إلى قَرَيَاتِ الشَّيْخِ من نهر أرْبَقَا
إلى دشْتِ بارِين إلى الشَّطِّ كُلِّه*** إلى مجمع السُّلاَّن من بطن دَوْرَقا
إلى حيث يُرْفا من دُجَيْلِ سفينُهُ*** إلى مجمع النهْرين حيثُ تفرّقا
إلى حيث سار المرء بُسرٌ بجيشِه ***فقتَّل بُسْرٌ ما استطاع وحَرّقا
وروى أبو الحسن المدائنيّ ، قال : اجتمع عُبيد اللّٰه بن العباس وبُسر بن أرطاة يوماً عند معاوية بعد صلح الحَسن(علیه السلام) ، فقال له ابن عباس : أنت أمرتَ اللعين السيّيء الفَدْمَ أن يقتل ابنيّ ؟ فقال: ما أمرتُه بذلك، ولودِدت أنه لم يكن قَتَلهما ، فغضب بُسْر ونزع سيفه فألقاه وقال لمعاوية : اقبِض سيفَك، قلّدتَنِيه وأمرتَني أن أخبط به الناس ففعلت، حتى إذا بلغتُ ما أردتَ قلت : لم أهْوَ ولم آمُر! فقال: خذْ سيفَك إليك، فَلَعَمْرِي إنك ضعيف مائق (1)حين تُلقِي السيفَ بين يديّ رجلٍ من بني عبد مناف، قد قتلتَ أمسِ ابنيْه .
فقال له عبيد اللّٰه : أتحسبني يا معاويةُ قاتلاً بُسراً بأحد ابنيّ ! هو أحقر والأم من ذلك، ولكنّي واللّٰه لا أرى لي مَقْنَعاً ، ولا أدرِك ثأُراً إلا أن أصيب بهما يزيدَ وعبد اللّٰه .
فتبسّم معاوية وقال : وما ذنبُ معاوية وابنْي معاوية !واللّٰه ما علمتُ ولا أمرتُ، ولا رضِيت لا هَوِيت. واحتمَلها منه لشرفه وسؤدده.
1) المائق : الهالك حمقاً وغباوة. اللسان، مادة (موق).
قال : ودعا عليّ (علیه السلام) علَى بُسْر فقال : اللهم إنّ بُسْراً باع دينَه بالدنيا، وانتهك محارمَك، وكانت طاعةُ مخلوقِ فاجرِ آثرَ عنده مِمّا عندك . اللهمّ فلا تُمِتْه حتى تَسْلُبَه عقلَه، ولا توجب له رحمتك ولا ساعة من نهار . اللهمّ العن بُسْراً وعمراً ومعاوية، وليحُلّ عليهم غضبُك، ولتنزل بهم نِقْمَتُك ، وليصِبْهم بأسُك ورِجْزُك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين.
فلم يلبثْ بُسْرٌ بعد ذلك إلا يسيراً حتى وسوس وذهب عقلُه . فكان يهذِي بالسّيف، ويقول : أعطُوني سيفاً أقتلْ به، لا يزال يردد ذلك حتى اتُّخِذ له سيف من خشب، وكانوا يدنون منه المِرْفقة (1)، فلا يزال بضرِبُها حتى يُغشى عليه، فلبث كذلك إلى أن مات.
قلت: كان مُسلم بن عُقْبة ليزيد وما عمِل بالمدينة في وقعة الحرّة كما كان بُسر لمعاوية وما عمل في الحجاز وَاليمن، ومن أشبه أباه فما ظلم.
نَبْنِي کَمَا كَانَتْ أَوائِلُنَا*** تَبْنِي وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا
الأصل: إِنَّ اللّٰه تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ و آله) نَذِيراً لِلْعَالَمِين ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنتُم مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينِ، وَفِي شَرِّ دَار ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمِّ ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ. الْأَصْنَامُ فِيكُمْ منْصُوبَةٌ، وَالْآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ.
الشرح: يجوز أن يعني بقوله : «بين حجَارة خُشْن، وحَيّات صُمِّ» الحقيقةَ لا المجاز، وذلك أنّ الباديةَ بالحجاز ونجْد وتِهامة وغيرها من أرض العرب ذاتُ حيّاتٍ وحجارة خُشْن ، وقد يعني بالحجارة الخُشْن الجبال أيضاً أو الأصنام، فيكونُ داخلاً في قِسْم الحقيقة إذا فرضناه مُراداً ، ويكون المعنيّ بذلك وصفَ ما كانوا عليه من البؤس وشَظَف العيشة وسوء الاختيار في العبادة، فأبدلهم اللّٰه تعالى بذلك الرِّيف ولين المهاد وعبادةَ من يستحقّ العبادة.
ويجوز أن يعني به المجاز، وهو الأحسن، يقال للأعداء حَيّات. والحيّة الصماء أدْهَى من التي ليست بصمّاء، لأنّها لا تنزجر بالصوت. ويقال للعدوّ أيضاً : إنه لحجر خَشِن المسّ، إذا کان ألدّ الخصام .
1) المرفقة : المتكأ والمخدة. اللسان، مادة (رفق).
والجَشِب من الطعام : الغليظُ الخَشِن .
وقال أبو البَخترِيّ وهب بن وهب القاضي : كنتُ عند الرشيد يوماً، واستدعى ماءً مبرّداً بالثلج، فلم يوجد في الخزانة ثلج، فاعتذِر إليه بذلك، وأحضِر إليه ماءٌ غير مثلوج، فضرب وجةَ الغلام بالكُوز، واستشاط غضباً ، فقلت له : أقول يا أمير المؤمنين (علیه السلام)وأنا آمِن؟ فقال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، قد رأيت ما كان من الغِيَر بالأمس - يعني زوال دَوْلة بني أميّة - والدنيا غير دائمة ولا موثوق بها ، والحزْم ألاّ تعوّد نفسَك الترفّه والنعمة، بل تأكل اللّيّن والجَشِب، وتلبس الناعم والخشِن وتشرب الحارّ والقارّ، فنفحني بيده، وقال: لا واللّٰه ،لا أذهب إلى ما تذهب إليه، بل ألبسُ النعمة ما لبِستَنْي، فإذا نابتْ نَوْبة الدّهر عدت إلى نِصَاب غير خَوّار(1).
وقوله : «والآثام بكم معصوبة»، استعارة، كأنها مشدودة إليهم.
وعنى بقوله : «تسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم» ما كانوا عليه في الجاهلية من الغارات والحروب.
الأصل: ومنها : فَنَظَرْتُ فَإذا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلاَّ أَهْلَ بَيْتِي، فَضَبْنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْت، وَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى، وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَى، وَصَبَرْتُ عَلَى أَلْحَذِ الْكَظَم، وَعَلَى أَمَرٌ مِنْ طَعْمِ الْمَلْقَم.
الشرح : الكَظم ، بفتح الظاء: مخرَج النَّفَس، والجمع اکْظام وضنِنْت، بالكسر : بخلت.
وأغضيت على كذا: غض-ضت طرفي ، : و الشَّجَی:ما يعترض في الحلق.
اختلفت الروايات في قِصّة السَّقِيفة، فالذي تقوله الشيعة - وقد قال قوم من المحدِّثين بعضَه ورووا كثيراً منه – أن علياً (علیه السلام)امتنع من البَيْعة حتى أخرِج كُرْهاً ، وأنّ الزّبيرَ بن العوام امتنع من البَيْعة وقال : لا أبايع إلا عليَّا (علیه السلام)، وكذلك أبو سفيان بن حرب، وخالد بن سعيد بن العاص بن أميّة بْنُ عبد شمس، والعبّاس بن عبد المطلب وبنوه، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وجميعُ بني هاشم. وقالوا : إنّ الزُّبَير شَهَر سيفَه، فلما جاء عمر ومعه جماعة من الأنصار وغيرهم، قال في جملة ما قال : خُذُوا سيفَ هذا فاضربوا به الحَجر. ويقال: إنّه أخذ
1) الخوار: الضعيف الذي لا بقاء له على الشدة. اللسان، مادة (خور).
السيّف من يد الزبير فضرب به حَجراً فكسره، وساقهم كلَّهم بين يديه إلى أبي بكر، فحملَهم على بيعتِه ولم يتخلف إلا عليّ (علیه السلام)وحدَه، فإنّه اعتصم ببيت فاطمة(علیه السلام) ، فتحامَوْا إخراجه منه قَسْراً، وقامت فاطمة (علیه السلام)إلى باب البيت فأسَمعت مَنْ جاء يطلبُه، فتفرقوا وعلموا أنّه بمفرده لا يضرّ شيئاً، فتركوه وقيل : إنهم أخرجوه فيمن أخرج وحمل إلى أبي بكر فبايعه. وقد روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري كثيراً من هذا .
فأمّا حديث التّحريق وما جرى مجراه من الأمور الفظيعة، وقول مَنْ قال إنّهم أخذوا عليَّا (علیه السلام)يُقادُ بعمامته والناس حوله، فأمْرٌ بعيدٌ، والشِّيعة تنفرد به، على أن جماعة من أهل الحديث قد رووْا نحوه، وسنذكر ذلك.
وقال أبو جعفر : إنّ الأنصار لَمّا فاتّها ما طلبت من الخلافة، قالت - أو قال بعضها : لا نبايع إلا علياً. وذكر نحو هذا عليّ بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير الموصلّي. في تاريخه .
فأما قولُه : «لم يكن لي معين إلا أهل بيتي فضنِنْتُ بهم عن الموت» فقولٌ ما زال عليّ (علیه السلام) یقوله، ولقد قاله عَقِيبَ وفاة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، قال : لَوْ وَجدْتُ أربعين ذوي عزم !
ذكر ذلك نصر بن مُزاحم في كتاب «صفين»، وذكره كثير من أرباب السيرة.
وأما الذي يقوله جمهور المحدّثين وأعيانهم، فإنّه (علیه السلام)امتنع من البيعة ستة أشهر، ولزم بيتَه، فلم يبايع حتى ماتت فاطمة (علیه السلام)، فلما ماتت بايع طوْعاً .
وفي صحيحيْ مسلم والبخاريّ: كانت وجوه الناس إليه وفاطمة باقية بعدُ، فلما ماتت فاطمة (علیه السلام) انصرفت وجوه الناس عنه، وخرَج من بيته فبايع أبا بكر، وكانت مدةُ بقائها بعد أبيها عليه الصلاة والسلام ستة أشهر(1).
وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ، عن ابن عباس رضي اللّٰه عنه، قال : .
قال لي عبد الرحمن بن عوف، وقد حَجَجْنا مع عمر: شهدت اليومَ أمير المؤمنين(علیه السلام) بِمنَى، وقال له رجلٌ : إنّي سمعتُ فلاناً يقول : لو قدمات عمر لبايعت فلاناً، فقال عمر: إني لقائم العشية في الناس أحذرهم هؤلاء الرهْطَ الّذين يريدون أن يغتصبوا الناسَ أمرَهم. قال عبد الرحمن : فقلت: يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، إن الموسمَ يجمع رَعاع الناس وغَوْغاءهم، وهم الذين يقربون من مجلسك ويغلبون عليه، وأخاف أن تقولَ مقالة لا يَعونها، ولا يحفظونها فيطيروا
1) صحيح البخاري : 55/3 ، وصحيح مسلم : 138/3 .
بها، ولكن أمهلْ حتى تقدَم المدينة وتخلص بأصحاب رسول اللّٰه، فتقول ما قلت متمكّناً، فيسمعوا مقالتك. فقال: واللّٰه لأقومَنّ بها أولَ مقامٍ أقومُه بالمدينة (1).
قال ابن عباس: فلما قدمناها، هجَّرتُ يوم الجمعة لحديث عبد الرحمن، فلما جلس عمر على المنبر حمد اللّٰه وأثنى عليه ثم قال بعد أن ذكر الرَّجْم وحدّ الزنا : إنه بلَغني أنّ قائلاً منكم يقول : لو مات أميرُ المؤمنين(علیه السلام) بايعت فلاناً ، فلا يغرّنّ امرأ أن يقول : إنّ بيعةَ أبي بكر كانت فَلْتَةً، فلقد كانت كذلك، ولكن اللّٰه وقى شرّها ، وليس فيكم مَنْ تُقَطَّع إليه الأعناقُ كأبي بكر، وإنّه كان من خبرَنا حين توفي رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) . أن عليَّا والزبير تخلّفاً عنا في بيت فاطمة ومَنْ معهما، وتخلّفت عَنّا الأنصار، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت له : انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار. فانطلقنا نحوهم، فلقِيَنا رجُلان صالحان من الأنصار قد شهدا بدراً : أحدهما عويم بن ساعدة، والثاني مَعْن بن عديّ فقالا لنا: ارجعوا فاقضوا أمرَكم بينكم، فأتينا الأنصار، وهم مجتمعون في سَقيفة بني ساعدة وبين أظهرهم رجل مُزّمّل، فقلت: من هذا؟ قالوا : سعد بن عبادة وجِع. فقام رجل منهم، فحمد اللّٰه وأثنى عليه، فقال: أما بعدُ فنحن الأنصار، وكتيِبة الإسلام وأنتم يا معشر قريش رَهْطُ نبيّنا، قد دفّت إلينا دافّة (2)من قومكم، فإذا أنتم تريدون أن تغصبونا الأمر.
فلما سكت، وكنت قد زوّرت في نفسي مقالة أقولها بين يدي أبي بكر، فلما ذهبت أتكلم قال أبو بكر : عَلَي رِسْلك! فقام فحمِد اللّٰه وأثنى عليه، فما ترك شيئاً كنت زَوّرت في نفسي إلا جاء به أو بأحسنَ منه ، وقال : يا معشرَ الأنصار، إنكم لا تَذْكرون فضلاً إلاّ وأنتم له أهل، وإنّ العربَ لا تعرِف هذا الأمر إلا لقريشِ، أوسط العرب داراً ونسباً، وقد رَضِيتُ لكم أحدَ هذيْن الرجلين – وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح - واللّٰه ما كرِهْتُ من كلامه غيرَها ، إنْ كنتُ لأُقَدَّم فتضربُ عُنقي فيما لا يقرّبني إلى إثم، أحبّ إليّ من أن أؤمَّر على قوم فيِهم أبو بكر .
فلما قضى أبو بكر كلامه، قامَ رجل من الأنصار، فقال: أنا جُذَيْلُها المحكّك (3)، وعُذَيْقُها (4)المرجّب، منا أمير ومنكم أمير .
وارتفعت الأصوات واللّغط، فلما خِفْتُ الاختلاف، قلتُ لأبي بكر : ابْسُط يدك أبايْعك، فبَسط يده فبايعتُه وبايعه الناس، ثم نزوْنا على سعد بن عبادة، فقال قائلهم : قتلتم سعداً! فقلت :
اقتلوه قتله اللّٰه وإنا واللّٰه ما وجدنا أمراً هو أقوَى من بيعة أبي بكر، خشِيت إنْ فارقت القوم ولم تكن بيعة أن يحدِثوا بعدنا بيعة، فإما أنْ نبايِعَهم على ما لا نرضى، أو نخالفَهم فيكون فساد.
هذا حديث مُتّفَق عليه من أهل السيِّرة، وقد وردت الروايات فيه بزيادات، روى المدائنيّ قال : لما أخذ أبو بكر بيدِ عمر وأبي عبيدة وقال للناس : قد رضيت لكم أحدَ هذين الرجلين، قال أبو عبيدة لعمر : امْدُدْ يدَك نبايْعك، فقال عمر : مالك في الإسلام فَهَّةٌ (1)غيرها . أتقول هذا وأبو بكر حاضر ! ثم قال للناس : أيّكم يَطِيب نفساً أنْ يتقدمَ قدميْن قدّمهما رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)للصلاة؟ رضيك رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لديننا ، أفلا نرضاك لدنيانا ! ثم مدّ يدَه إلى أبي بكر فبايعه .
وهذه الرواية هي التي ذكرها قاضي القضاة رحمه اللّٰه تعالى في كتاب «المغني».
وقال الواقديّ في روايته في حكاية كلام عمر : واللّٰه لأنْ أقدّم فأُنحَرَ كما يُنْحَر البعير، أحبُّ اليّ من أن أتقدّم على أبي بكر . وقال شيخُنا أبو القاسم البلخيّ : قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ : إنَّ الرجل الذي قال : لو قدمات عمرُ لبايعت فلاناً ،عمارُ بن ياسر، قال : لو قدمات عمر لبايعت عليَّا (علیه السلام). فهذا القولُ هو الذي هاج عمرَ انْ خطب بما خطب به .
وقال غيره من أهل الحديث : إنّما كان المعزوم على بيعته لو مات عمر، طلحة بن عبيد اللّٰه .
فأما حديث الفَلْتة، فقد كان سبق مِنْ عمر أن قال: إنّ بيعةَ أبي بكر كانت فَلْتة وقى اللّٰه شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه.
وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف فيه حديث الفَلْتة، ولكنه منسُوق على ما قاله أولاً ، ألا تراه يقول : فلا يغرّنّ امْرَأَ أن يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فَلْتة ، فلقد كانت كذلك، فهذا يُشعر بأنه قد كان قال مِنْ قبل : إنّ بيعة أبي بكر كانت فَلْتة .
وقد أكثر الناس في حديث الفَلْتة، وذكرها شيوخنا المتكلِّمون، فقال شيخنا أبو عليّ رحمه اللّٰه تعالى : الفلتة ليست الزلّةَ والخطيئة، بل هي البَغْتة، وما وقع فجأة من غير رويَّة ولا مشاورة، واستشهد بقول الشاعر :
مَنْ يَأْمَنِ الحَدَثان بَعْدَ صُبَيْرَةَ القرشيِّ ماتا*** سَبَقَتْ مَنِيَّتُهُ الْمَشِيبَ وكانَ مِيتَتُه افْتِلاَتَا يعني بغتة .
وقال شيخنا أبو عليّ (رحمه اللّٰه تعالى) : ذكر الرّياشيّ أن العرب تسمِّي آخر يوم من شوّال فَلْتَةٌ، من حيث إنّ كلّ مَنْ لم يُدرك ثأره فيه فاتَه، لأنهم كانوا إذا دخلوا في الأشهر الحُرُم لا
1) الفهة : مثل السقطة والجهلة ونحوها . اللسان، مادة (فهه).
يطلبون الثأر، وذو القعدة من الأشهر الحرم، قسمَّوْا ذلك اليوم فَلْتة، لأنهم إذا أدركوا فيه ثأرهم، فقد أدركوا ما كان يفوتهم. فأراد عمرُ أنّ بيعة أبي بكر تَدَارَكها بعد أن كادت تفوت .
وقوله : «وقى اللّٰه شرّها» دليل على تصويب البَيْعة، لأن المراد بذلك أنّ اللّٰه تعالى دفع شرّ الاختلاف فيها .
فأمّا قوله: فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه» ، فالمراد مَنْ عاد إلى أن يُبَايع من غير مُشاورة ولا عدد يُثبت صحة البيعة به، ولا ضرورة داعية إلى البَيْعة، ثم بسط يده على المسلمين يدخلهم في البيعة قهراً، فاقتلوه .
قال قاضي القضاة (رحمه اللّٰه تعالى) : وهل يشكّ أحدٌ في تعظيم عمرَ لأبي بكر وطاعته إياه ! ومعلوم ضرورةً من حالِ عمر إعظامُه له، والقول بإمامته والرّضا بالبيعة والثناء عليه، فكيف يجوز أن يترك ما يُعلم ضرورة لقولِ محتَمل ذي وجوه وتأويلات! وكيف يجوز أن تحمَل هذه اللفظة من عمر على الذمّ والتَّخِطئة وسوء القول!
واعلم أنّ هذه اللفظة من عمر مناسِبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جَبَله اللّٰه تعالى عليه من غِلَظ الطينة وجفاء الطبيعة، ولا حيلَة له فيها، لأنه مجبُولٌ عليها لا يستطيع تغييرَها، ولا ريب عندنا أنه كان يتعاطَى أنْ يتلطّف، وأن يُخرجَ ألفاظه مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطبع الجاسي، والغريزة الغليظة، إلى أمثال هذه اللفظات، ولا يقصد بها سوءاً، ولا يريد بها ذمّاً ولا تخطئة، كما قدّمنا من قبلُ في اللفظةِ التي قالها في مرض رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وكاللفظات التي قالها عام الحديبية وغير ذلك، واللّٰه تعالى لا يجازي المكلّف إلا بما نَواه، ولقد كانت نيتُه من أطهرِ النيّات وأخلصها للّٰه سبحانه وللمسلمين ومَن أنصف عَلم أنّ هذا الكلام حقّ، وأنّه يُغني عن تأويل شيخنا أبي عليّ .
ونحنُ من بعد نذكر ما قاله المرتضى (رحمه اللّٰه تعالى) في كتاب «الشافي» لما تكلم في هذا الموضع، قال : أمّا ما ادعِي من العلم الضروري برضا عمر ببيعة أبي بكر وإمامته، فالمعلوم ضرورةً بلا شبهة أنّه كان راضياً بإمامته، وليس كلّ مَنْ رَضِيَ شيئاً كان متديّناً به، معتقداً لصوابه، فإنَّ كثيراً من الناس يرضوْن بأشياء من حيث كانت دافعةً لما هو أضرُّ منها ، وإن كانوا لا يروْنَها صواباً ، ولو ملكوا الاختيار لاختاروا غيرَها، وقد علمنا أنّ معاوية كان راضياً ببيعة یزيد وولاية العهد له من بعده، ولم يكن متديِّناً بذلك ومعتقداً صحته، وإنما رضي عمر ببیعة أبی بكر، من حيث كانت حاجزةً عن بيعة أمير المؤمنين(علیه السلام) ، ولو ملك الاختيارَ لكان مصير الأمرِ إليه أسرّ في نفسه، وأقرَّ لعينه وإن ادّعى أن المعلوم ضرورةً تديّنُ عمر بإمامة أبي بكر، وأنّه أوْلى بالإمامة منه، فهذا مدفوع أشدّ دفْع ، مع أنه قد كان يبدر من عمر في وقتٍ بعد آخر ما يدلُّ على ما أوردناه. روى الهيثم بن عدي عن عبد اللّٰه بن عياش الهمْدانيّ عن سعيد بن جُبير، قال :
ذُكر أبو بكر وعمر عند عبد اللّٰه بن عمر، فقال رجل : كانا واللّٰه شمسيْ هذه الأمة ونورَيْها ، فقال ابن عمر : ما يُدْرِيكَ؟ قال الرجل : أو ليسَ قد ائتلفا ! قال ابن عمر: بل اختلفا لو كنتم تعلمون! أشهدُ أنّي كنتُ عند أبي يوماً ،وقد أمرني أن أحبس الناس عنه، فاستأذن عليه عبدُ الرحمن بن أبي بكر فقال عمر : دويبّة سوء، ولهو خيرٌ من أبيه، فأوحشني ذلك منه، فقلت: يا أبت، عبد الرحمن خير من أبيه ! فقال : ومَنْ ليس بخير من أبيه لا أم لك! ائذن لعبد الرحمن، فدخل عليه فکلّمه في الحُطيئة الشاعر أنْ يرضى عنه - وقد كان عمر حبسه في شعر قاله – فقال عمر : إنَّ في الحطيئة أوَداً فدعني أقوِّمه بطول حبسه، فالحّ عليه عبد الرحمن وأبَي عمر، فخرج عبد الرحمن، فأقبلَ عليّ أبي وقال : أفي غفلة أنت إلى يومك هذا عَمّا كان من تقدّم أحيمِق بني تَيْم عليّ وظلمه لي! فقلت : لا علم لي بما كان من ذلك، قال: يابُنّي فما عسيت أن تعلم؟ فقلت : واللّٰه لَهُوَ أحبُّ إلى الناس من ضياء أبصارهم، قال: إنَّ ذلك لكذلك على رغم أبيك وسُخْطه، قلت : يا أبت، أفلا تجلّي عن فعله بموقفٍ في الناس تُبيِّن ذلك لهم؟ قال : وكيف لي بذلك مع ما ذكرتَ أنه أحبُّ إلى الناس من ضياء أبصارهم! إذن يُرْضَخ رأس أبيك بالجندل(1). قال ابنُ عمر: ثم تجاسر واللّٰه فجَسر، فما دارت الجمعة حتى قام خطيباً في الناس، فقال: أيّها الناس ، إنّ بيعةَ أبي بكر كانت فَلْتة وقى اللّٰه شرِّها ، فَمنْ دعاكم إلى مثلها فاقتلوه(2)
وروي الهيثم بن عديّ، عن مجالد بن سعيد، قال : غَدَوْتُ يوماً إلى الشعبيّ وأنا أريد أن أسأله عن شيء بلغَني عن ابن مسعود أنه كان يقوله، فأتيتُه وهو في مسجد حَيِّه وفي المسجد قوم ينتظرونه، فخرج فتعرّفت إليه، وقلت : أصلحك اللّٰه ! كان ابن مسعود يقول : ما كنت محدّثاً قوماً حديثاً لا تبلُغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، قال: نعم، كان ابن مسعود يقول ذلك، وكان ابن عباس يقوله أيضاً - وكان عند ابن عباس دفائنُ علم يعطيها أهلَها، ويصرِفها عن غيرهم - فبينا نحن كذلك إذا أقبل رجل من الأزْد، فجلس إلينا ، فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر، فضحك الشعبيّ وقال : لقد كان في صدر عمر ضِبّ (3)على أبي بكر، فقال الأزديّ : واللّٰه ما رأينا ولا سمعنا برجل قطّ كان أسلسَ قياداً لرجل، ولا أقْوَلَ فيه بالجميل من عمر في أبي بكر، فأقبل عليّ الشعبيّ وقال : هذا مما سألتَ عنه ، ثم أقبل على الرّجل وقال : هذا مما سألتَ عنه ، ثم أقبل على الرّجل وقال : يا أخا الأزْد، فكيف تصنع بالفَلْتَة التي وقى اللّٰه شرها ! أترى عدوَّا يقول في عدوِّ يريد أن يهدم ما بني لنفسه في الناس أكثر من قول عمر في أبي بكرا فقال الرجل: 89 سبحان اللّٰه ! أنت تقول ذلك يا أبا عمرو! فقال الشعبيّ : أنا أقوله، قاله عمر بن الخطاب
على رؤوس الأشهاد، فلُمْه أو دَعْ. فنهض الرجل مُغضَباً وهو يُهمْهِم في الكلام بشيء لم أفهمه. قال مجالد : فقلت للشعبيّ : ما أحسِب هذا الرجل إلا سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس ويَبُثّه فيهم! قال : إِذَنْ واللّٰه لا أحفِلُ به، وشيء لم يحفِلْ به عمر حين قام على رؤوس الأشهاد من المهاجرين والأنصار أحفل به أنا! أذيعوه أنتم عنّي أيضاً ما بدا لَكُمْ .
وروى شريك بن عبد اللّٰه النّخعيّ ، عن محمد بن عمرو بن مُرّة عن أبيه، عن عبد اللّٰه سلمة، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: حججتُ مع عمر، فلما نزلْنا وعُظْم الناس خرجت من رَحْلي أريده، فلقيَني المغيرة بن شعبة ،فرافقني، ثم قال: أين تريد؟ فقلت: أميرَ المؤمنين (علیه السلام)، فهل لك؟ قال: نعم، فانطلقنا نريد رَحْل ،عمر، فإنّا لَفِي طريقنا إذ ذكرْنا تولّيَ عمر وقيامَه بما هو فيه، وحياطتَه على الإسلام، ونهوضَه بما قِبَله من ذلك، ثم خرجنا إلى ذكر أبي بكر، فقلت للمغيرة: يا لك الخير! لقد كان أبو بكر مسدَّداً في عمر، لكأنه ينظر إلى قيامه من بعد، وجِدّه واجتهاده وغَنائه في الإسلام، فقال المغيرة: لقد كان ذلك، وإن كان قوم كرهوا ولاية عمر ليزووها عنه، وما كان لهم في ذلك من حظّ ، فقلت له : لا أبالك! ومَنِ القوم الذين كرهوا ذلك العمر؟ فقال المغيرة : للّٰه أنت ! كأنك لا تعرف هذا الحيّ من قريش وما خُصّوا به من الحسد! فواللّٰه لو كان هذا الحسدُ يُدرَك بحسابِ لكان لقريش تسعة أعشاره وللناس كلِّهم عشر، فقلت: مه يا مغيرة! فإن قريشاً بانتْ بفضلها على الناس. فلم نزل في مثل ذلك حتى انتهينا إلى رَحْل عمر فلم نجده، فسألنا عنه فقيل : قد خرج آنفاً، فمضيْنا نقفو أثره حتى دخلْنا المسجد، فإذا عمر يطوف بالبيت، فطفْنا معه، فلما فرغ دخل بيني وبين المغيرة، فتوكأ على المغيرة وقال: مِنْ أين جئتما؟ فقلنا : خرجنا نريدك يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام)، فأتينا رَحْلك فقيل لنا : خرج إلى المسجد، فاتّبعناك. فقال: أتّبَعكما الخير، ثم نظر المغيرةُ إليّ وتبسم، فرمقَه عمر، فقال: مم تبسَّمْتَ أيها العبد! فقال: مِنْ حديث كنت أنا وأبو موسى فيه آنفاً في طريقنا إليك، قال : وما ذاك الحديث؟ فقصَصْنا عليه الخبر حتى بلغْنا ذِكْر حَسَد قريش، وذكر مَنْ أراد صرف أبي بكر عن استخلاف عمر، فتنفس الصُّعَداء ثم قال : ثكلْتك أمّك يا مغيرة! وما تسعة أعشار الحسد! بل وتسعة أعشار العشر، وفي النّاس كُلِّهم عشر العشر ، بل وقريش شركاؤهم أيضاً فيه! وسكت مليَّا وهو يتهادى بيننا ، ثم قال: ألا أخبركُما بأحْسَد قريش كلها ؟ قلنا : بلى يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، قال : وعليكما ثيابكما؟ قلنا : نعم، قال: وكيف بذلك وأنتما ملبَسان ثيابكما! قلنا يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، وما بالُ الثياب ! قال : خوف الإذاعة منها، قلنا له: أتخاف الإذاعة من الثياب أنت، وأنت من ملبِس الثياب أخوف! وما الثياب أردت! قال: هو ذاك، ثم انطلق وانطلقنا معه حتى انتهينا إلى رَحْله، فخلّى أيديَنا من يده، ثم قال : لا تَرِيما (1)، ودخل، فقلت للمغيرة: لا أبالك!
1) لا تريما: لا تبرحا . اللسان، مادة (ريم).
لقد عثرنا بكلامنا معه، وما كنّا فيه، وما نراه حبَسنا إلا ليذاكرنا إياها ، قال : فإنّا لكذلك إذ أخرج إذْنَه إلينا ، فقال : ادخلا ، فدخلنا فوجدناه مستلقياً على بَرْذَعة بِرَحْل، فلما رآنا تمثّل بقول كعب بن زهير :
لاَ تُفْش سِرَّك إِلاَّ عِنْدَ ذِي ثِقَةٍ*** أُوْلَى وأفضل ما اسْتَوْدَعْتَ أَسْرَاراً
صدراً رحيباً وقَلْباً واسعاً قَمِناً ***ألاّتخافَ متى أودعْت إظهاراً
فعلمنا أنّه يريد أن نضمن له كتمانَ حديثه ، فقلت أنا له : يا أميرَ المؤمنين (علیه السلام)، الزمْنَا وخُصَّنا وصِلْنا ، قال : بماذا يا أخا الأشعرين؟ فقلت : بإفشاء سرّك وأن تَشْرَكنا في همّتك فنعم المستشار نحنُ لك! قال : إنّكما كذلك، فاسألا عَمّا بدا لكما ، ثم قام إلى الباب ليُغلقه، فإذا الآذن الذي أذن لنا عليه في الحجرة، فقال: امض عنّا لا أمّ لك! فخرج وأغلق الباب خَلْفه، ثم أقبل علينا ، فجلس معنا ،وقال : سَلاَ تُخَبرا، قلنا : نريد أن يخبرنا أمير المؤمنين بأحْسَد قريش، الذي لم يأمن ثيابنا على ذكره لنا، فقال: سألتُما عن مُعْضِلة، وسأخبركما فلْيكن عندكما في ذِمّةٍ منيعة وحرزٍ ما بقيت فإذا مِتّ فشأنَكما وما شئتما من إظهار أو كتمان. قلنا : فإنّ لك عندنا ذلك.
قال أبو موسى : وأنا أقول في نفسي: ما يريد إلا الذين كرهوا استخلاف أبي بكر له كطلحة وغيره، فإنهم قالوا لأبي بكر :أتستخلف علينا فظَّا غليظاً ! وإذا هو يذهبُ إلى غير ما في نفسي، فعاد إلى التنفّس، ثم قال : مَنْ تَرَيانه؟ قلنا : واللّٰه ما ندري إلا ظنَّا ! قال : ومَنْ تَظُنَّان؟ قلنا : عساك تريد القوم الذين أرادوا أبا بكر على صَرْفه هذا الأمر عنك، قال: كلاّ واللّٰه ! بل كان أبو بكر أعقَّ، وهو الذي سألتما عنه، كان واللّٰه أحْسَد قريشِ كلّها. ثم أطرق طويلاً، فنظر المغيرة إليّ ونظرتُ إليه، وأطرقْنَا مليَّا لإطراقه، وطال السكوت منَّا ،ومنه حتى ظننا أنه قد ندِم على ما بدا منه . ثم قال : والهفاه على ضئيل بني تيم بن مرة! لقد تقدَّمني ظالماً، وخرج إليّ منها آثماً ، فقال المغيرة: أمّا تقدمُّه عليك يا أميرَ المؤمنين(علیه السلام) ظالماً فقد عرفناه، كيف خرج إليك منها آثماً؟ قال : ذاك لأنه لم يخرج إليّ منها إلا بعد يأس منها ، أما واللّٰه لو كنت أطعتُ يزيد بن الخطاب وأصحابَه لم يتلَمّظ (1)من حلاوتها بشيء أبداً، ولكني قدّمت وأخّرت، وصعّدت وصوّبت، ونقَضْت وأبرمت، فلم أجد إلا الإغضاء على ما نشب به منا، والتلهفّ على نفسي، وأمّلت إنابته ورجوعَه، فواللّٰه ما فعل حتى نَغَر (2)بها بَشَماً .
قال المغيرة: فما منعك منها يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، وقد عرّضك لها يوم السقيفة بدعائك إليها ! ثم أنت الآن تنِقم وتتأسّف . قال : ثكِلَتْك أمّك يا مغيرة! إني كنت لَأعدُّك من دهاة العرب،
كأنّك كنت غائباً عَمّا هناك ! إن الرجل ماكَرني فماكرتُه ، وألْفاني أحْذَرَ من قطاة (1)، إنه لما رأى شَغَف الناس به، وإقبالَهم بوجوههم عليه، أيقن أنهم لا يريدون به بدلاً، فأحبّ لَمّا رأى من حرص الناس عليه، وميلهم إليه أن يعلم ما عندي، وهل تنازعني نفسي إليها؟ وأحبّ أن يبلوَني بإطماعي فيها، والتعريض لي بها، وقد علم وعلمتُ لو قبلتُ ما عرضه عليّ ، لم يجب الناس إلى ذلك، فألفَاني قائماً على إخَمصي مستوفزاً حذِراً، ولو أجبتُه إلى قبولها لم يسلّم الناس إليّ ذلك، واختبأها ضِعنا علي في قَلْبِه، ولم آمن غائلته ولو بعد حين، مع ما بدا لي من كراهة الناس لي، أما سمعت نداءهم من كلّ ناحية عند عَرْضها عليّ : لا نريد سواك يا أبا بكر، أنت لها! فرددتُها إليه عند ذلك، فلقد رأيته التمع وجهُه لذلك سروراً. ولقد عاتبني مَرّة على كلام بلغَه عنّي، وذلك لما قُدِم عليه بالأشعث أسيراً، فمن عليه وأطلقه وزوّجه أخته أم فَرْوة، فقلت للأشعث وهو قاعد بين يديه يا عدوّ اللّٰه أكفرت بعد إسلامك، وارتددت ناكصاً على عِقَبيك! فنظر إليّ نظراً علمت أنه يريد أن يكلِّمني بكلام في نفسه، ثم لقينَي بعد ذلك في سِكَك المدينة، فقال لي : أنت صاحبُ الكلام يا ابن الخطاب؟ فقلت : نعم يا عدوّ اللّٰه ، ولك عندي شرّ من ذلك، فقال : بئس الجزاء هذا لي منك! قلت وعلام تريد منّي حُسْن الجزاء؟ قال : لأنَفتي لك
من اتّباع هذا الرجل، واللّٰه ما جرَّأني على الخلاف عليه إلا تقدّمه عليك، وتخلّفك عنها. ولو كنتَ صاحبَها لما رأيتَ مني خلافاً عليك . قلت : لقد كان ذلك، فما تأمر الآن؟ قال: إنه ليس بوقت أمر بل وقت صبر، ومضى ومضيت. ولقي الأشعث الزِّبْرقان بن بدر فذكر له ما جرى بيني وبينه، فنقل ذلك إلى أبي بكر، فأرسل إليّ بعتاب مؤلم، فأرسلت إليه : أما واللّٰه لَتَكُفّنّ أو لأقولنّ كلمة بالغة بي وبك في الناس، تحملها الركبان حيث ساروا ، وإن شئتَ استدمنا ما نحن فيه عفواً، فقال : بل نستديمه، وإنها لصائرة إليك بعد أيام، فظننت أنه لا يأتي عليه جمعة حتى يردّها عليّ ، فتغافل، واللّٰه ما ذاكرني بعد ذلك حرفاً حتى هلك .
ولقد مَدّ في أمَدها عاضًا على نواجذه حتى حضره الموت، وأيِسَ منها فكان منه ما رأيتما ، فاكتما ما قلت لكما عن الناس كافة وعن بني هاشم خاصة، ولْيَكُن منكما بحيث أمرتكما . قوما إذا شئتما على بركة اللّٰه . فقمنا ونحن نعجب من قوله ، فواللّٰه ما أفشينا سرَّه حتى هلك.
قال المرتضى : وليس في طَعْن عمرَ على أبي بكر ما يؤدِّي إلى فساد خلافتِه، إذْ له أن يُثْبِت إمامةَ نفسه بالإجماع، لا بنصّ أبي بكر عليه. وأما الفلْتة فإنها وإن كانت محتمِلةٌ للبغْته كما قاله أبو عليّ (رحمه اللّٰه تعالى)، إلا أن قوله : «وقى اللّٰه شرّها» يخصصها بأنّ مخَرَجَها مخرج الذمّ.
وكذلك قوله : «فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه» وقوله : المراد وقى اللّٰه شرّ الاختلاف فيها ،عدولٌ
1) القطاة : طائر معروف، وهو شديد الحذرْ. اللسان، مادة (قطا) .
عن الظاهر، لأنّ الشرَّ في الكلام مضاف إليها دون غيرها. وأبعدُ من هذا التأويل قوله : إن المراد مَنْ عاد إلى مثلها من غير ضرورة وأكْرَهَ المسلمين عليها فاقتلوه، لأن ما جرى هذا المجرى لا يكون مِثْلاً لبيعة أبي بكر عندهم، لأنّ كلّ ذلك ما جرى فيها على مذاهبهم، وقد كان يجب على هذا أن يقول : فمن عاد إلى خلافها فاقتلوه .
وليس له أن يقول : إنما أراد بالمِثْل وَجْهاً واحداً ،وهو وقوعها من غير مشاورة، لأن ذلك إنما تمّ في أبي بكر خاصة بظهور أمره واشتهار فضله. ولأنهم بادروا إلى العَقْد خوفاً من الفتنة ما اتفق لأبي بكر، فلا يستحقّ قتلاً ولا ذمَّا، على أنّ قوله : «مثْلها» يقتضي وقوعَا على الوجه الذي وقعت عليه، فكيف يكون ما وقع من غير مشاورة لضرورة داعية وأسباب موجبة مِثْلاً لما وقع بلا مشاورة، ومن غير ضرورة ولا أسباب! والذي رواه عن أهل اللغة من أنّ آخر يوم من شوال يسمَّى فَلْتة من حيث إنّ من لم يدرك فيه الثأر فإنه قول لا نعرفه، والذي نعرفه أنّهم يسمون الليلة التي ينقضي بها آخرُ الْحُرُم ويتم فلتة، و وهي آخر ليلة من ليالي الشهر، لأنه ربما رأى الهلالَ قوم لتسع وعشرين ولم يبصره الباقون، فيغير هؤلاء على أولئك وهم غارّون، فلهذا سُمِّيت تلك الليلة فَلْتة، على أنا قد بيّنا أنّ مجموعَ الكلام يقتضي ما ذكرناه من المعنى، لو سُلِّم له ما رواه عن أهل اللغة في احتمال هذه اللفظة.
قال : وقد ذكر صاحب كتاب «العين» أنّ الفلْتة الأمرُ الذي يقع على غير إحْكام، فقد صحّ أنّها موضوعة في اللغة لهذا، وإن جاز ألا تختصّ به، بل تكون لفظة مشتركة .
وبعد، فلو كان عمر لم يُرِدْ بقوله توهينَ بيعة أبي بكر، بل أراد ما ظنه المخالفون، لكان ذلك عائداً عليه بالنقص، لأنه وضع كلامه في غير موضعه، وأراد شيئاً فعبّر عن خلافه، فليس يَخْرج هذا الخبر من أن يكن طعناً على أبي بكر ، إلاّ بأن يكون طعناً على عمر .
واعلم أنّه لا يبعد أن يقال: إنّ الرضا والسخط، والحبّ والبغْض، وما شاكل ذلك، من الأخلاق النفسانية وإن كانت أموراً باطنة، فإنها قد تُعْلَم ويضطر الحاضرون إلى تحصليها بقرائنِ أحوال تفيدهم العلم الضروريّ، كما يُعْلَم خوف الخائف وسرور المبتهج. وقد يكون الإنسان عاشقاً لآخر فيعلم المخالطون لهما ضرورةَ- أنه يَعْشَقُه، لما يشاهدونه من قرائن الأحوال، وكذلك يُعلم من قرائن أحوال العابد المجتهد في العبادة، وصوم الهواجر وملازمة الأوراد وسهر الليل، أنه يتدين بذلك. فغيرُ منكر أن يقول قاضي القضاة (رحمه اللّٰه تعالى) : إنّ المعلوم ضرورةً من حالِ عمر تعظيم أبي بكر ورضاه بخلافته وتديّنه بذلك، فالذي اعترضه (رحمه اللّٰه تعالی) به غیرُ وارد عليه .
وأما الأخبار التي رواها عن عمر فأخبار غريبة، ما رأيناها في الكتب المدوّنة، وما وقفنا عليها إلا من كتاب المرتضى، وكتاب آخر يعرف بكتاب «المسترشد» لمحمد بن جرير الطبريّ -
وليس هو محمد ابن جرير صاحب «التاريخ» ، بل هو من رجال الشيعة - وأظنّ أنّ أمه من بني جرير من مدينة آمُل طَبَرِستان، وبنو جرير الآمليّون شيعة مستهترون بالتشيّع، فنسِب إلى أخواله ، ويدلّ على ذلك شعر مرويُّ له وهو :
بآمُلَ مولِدِي وبنو جَريرٍ*** فأخوالي، ويَحْكي المرءُ خالَهْ
فَمَنْ يَكُ رافضيَّا عن أبيهِ*** فإني رافضيّ عن كلاَلَهْ
وأنت تعلم حال الأخبار الغريبة التي لا توجد في الكتب المدونة كيف هي؟ فأما إنكارُه ما ذكره شيخنا أبو عليّ (رحمه اللّٰه تعالى) من أنّ الفلْتة آخر يوم من شوال، وقوله : إنّا لا نعرفه، فليس الأمر كذلك بل هو تفسير صحيح، ذكره الجوهريّ في كتاب «الصحاح» قال: الفلتة آخر ليلة من كل شهر، ويقال : هي آخر يوم من الشهر الذي بعده الشهر الحرام. وهذا يدلّ على أن آخر يوم من شوال يسمى فَلْتة، وكذلك آخر يوم من جمادى الآخرة، وإنّما التفسيرُ الذي ذكره المرتضى غيرُ معروف عند أهل اللغة .
وأما ما ذكره من إفساد حَمْلِ الفلتة في الخبرِ على هذه الوجوه المتأوّلة فجيّد، إلا أنّ الإنصاف أنَّ عمرَ لم يخرج الكلام مخرج الذمّ لأمر أبي بكر ، وإنما أراد باللفظة محض حقيقتها في اللغة، ذكر صاحب «الصحاح» أن الفلتةَ الأمر الذي يُعمل فجأة من غير تردد ولا تدبّر وهكذا كانت بيعة أبي بكر، لأنّ الأمر لم يكن فيها شورى بين المسلمين، وإنما وقعت بغتة لم تمحَّصْ فيها الآراء، ولم يتَناظر فيها الرجال، وكانت كالشيء المستلَب المنتَهب، وكان عمر يخاف أن يموت عن غير وصيّة ،أو يُقتل قتلاً فيبايَع أحد من المسلمين بغتة كبيعة أبي بكر ، فخطب بما خطب به، وقال معتذراً : ألاَ إنه ليس فيكم مَنْ تُقطع إليه الأعناق كأبي بكر!
وأيضاً قول المرتضى : قد يتّفق من ظهورِ فضل غير أبي بكر وخوف الفتنة مثل ما اتفق لأبي بكر، فلا يستحق القتل، فإنّ لقائل أن يقول : إنّ عمر لم يخاطب بهذا إلا أهلَ عصره، وكان هو (رحمه اللّٰه) يذهبُ إلى أنه ليس فيهم كأبي بكر، ولا من يُحتمل له أن يبايع فَلْتة كما احتمِل ذلك لأبي بكر، فإن اتفق أن يكون في عصر آخر بعد عصره مَنْ يظهر فضله، ويكون في زمانه كأبي بكر في زمانه فهو غيرُ داخل في نهي عمر وتحريمه.
واعلم أن الشيعة لم تسلِّم لعمر أن بيعة أبي بكر كانت فَلْتة، قال محمد بن هانيء المغربيّ :
وَلَكِن أمراً كان أُبِرمَ بينهمْ*** وإن قال قوم فَلْتَةٌ غَيْرُ مُبْرَمِ
وقال آخر :
زعموها فَلْتَةً فاجِئةً*** لا وَرَبِّ البيت والرُّكْن المشيدِ
إنما كانتْ أموراً نُسِجَتْ*** بينهم أسبابُها نَسْجَ الْبُرود
وروى أبو جعفر أيضاً في التاريخ أنّ رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) و لما قبِض اجتمعت الأنصار في سَقِيفة بني ساعدة، وأخرجوا سعد بن عبادة، ليولّوه الخلافة، وكان مريضاً، فخطبهم ودعاهم إلى إعطائه الرياسة والخلافة فأجابوه ، ثم ترادّوا الكلام فقالوا : فإنْ أبَى المهاجرون، وقالوا : نحن أولياؤه وعِتْرته؟ فقال قوم من الأنصار: نقولُ : مِنّا أمير ومنكم أمير، فقال سعد: فهذا أول الوَهَن! وسمِع عمر الخبر فأتى منزل رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وفيه أبو بكر، فأرسل إليه أن اخرج إليّ ، فأرسل : إني مشغول، فأرسل إليه عمر أن اخرج، فقد حدث أمر لا بدَّ أن تحْضُرَه، فخرج فأعلمه الخبر، فمضيا مسرعيْن نحوهم، ومعهما أبو عُبيدة، فتكلّم أبو بكر، فذكر قُرْبَ المهاجرين من رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)وأنّهم أولياؤه وعِتْرته، ثم قال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا نفتاتُ عليكم بمشورةِ، ولا نقضِي دونكم الأمور.
فقام الحُباب بن المنذر بن الجموح فقال :
يا معشرَ الأنصار املِكوا عليكم أمرَكم، فإنّ الناس في ظلِّكم ، ولن يجترىء مجترىء على خلا فكم، ولا يَصدُرُ أحد إلا عن رأيكم. أنتم أهل العِزّة والمَنعة، وأولو العَدَد والكثرة، وذوو البأس والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختِلفوا فتفسد عليكم أمورُكم، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم ، فمنا أمير ومنهم أمير (1)
فقال عمر: هيهات! لا يجتمع سَيْفانِ في غِمْد، واللّٰه لا ترضى العرب أن تؤمِّرَكم ونبيُّها من غيركم، ولا تمتنع العربُ أن توليّ أمرَها مَنْ كانت النبوة منهم مَنْ ينازعنا سلطان محمد، ونحن أولياؤه وعشيرته !
فقال الحُبَاب بن المنذر :
يا معشرَ الأنصار، املِكوا أيديَكم، ولا تسمعوا مقالَة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم فأجلُوهم من هذه البلاد فأنتم أحقُّ بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدّين، أنا جُذَيْلُها المحكَّك ، وعُذَيْقُها المرجّب، أنا أبو شِبْل في عرِّيسَة الأسد، واللّٰه إن شئتم لَنُعِيدَنَّها جَذَعة.
فقال عمر : إذن يقتلَك اللّٰه ، قال : بل إياك يقتل .
فقال أبو عبيدة: يا معشرَ الأنصار، إنّكم أولُ مَنْ نصر وآزر، فلا تكونوا أوّل من بدّل و غیّرَ.
فقام بشير بن سعد، والد النعمان بن بشير فقال : يا معشرَ الأنصار، ألا إن محمداً من قريش، وقومُه أوْلى به وايمُ اللّٰه لا يراني اللّٰه أنا زعهم هذا الأمر.
1) أنظر البحار : 325/28 .
فقال أبو بكر : هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيَّهما شئتم، فقالا : واللّٰه لا نتولّى هذا الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين، وخليفة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)- وهي أفضلُ الدين - ابسط يَدَكَ.
فلمّا بسط یدَه ليبايعاه سبَقَهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحُباب بن المنذر : يا بَشير، عَقِقْتَ عقاقِ (1)! أنَفِسْت على ابن عَمّك الإمارة!
فقال أسيد بن حُضَيْر رئيس الأوس لأصحابه : واللّٰه لئنْ لم تبايعوا ليكوننَّ للخزرج عليكم الفَضيلةُ أبداً. فقاموا فبايعوا أبا بكر .
فانكسر على سعد بن عبادة والخزرج ما اجتمعوا عليه، وأقبل الناس يبايعون أبا بكر مِنْ كلِّ جانب، ثم حُمِل سعد بن عبادة إلى داره، فبقي أياماً، وأرسل إليه أبو بكر ليبايع، فقال : لا واللّٰه حتى أرمِيَكم بما في كنانتي، وأخضّب سِنان رمحي، وأضربَ بسيفي ما أطاعني، وأقاتَلكم بأهل بيتي ومن تبعَني، ولو اجتمع معكم الجنّ والإنسُ ما بايعتكم حتى أُعرَض على ربّي .
فقال عمر : لا تدعْه حتى يبايع، فقال بشير بن سعد : إنه قد لجّ، وليس بمبايع لكم حتی يُقتل، وليس بمقتول حتى يُقتلَ معه أهله وطائفة من عشيرته، ولا يضرّكم تركه، إنما هو رجل واحد، فتركوه
وجاءت أسلم فبايعت، فقوِيَ بهم جانب أبي بكر، وبايعه الناس.
وفي كتب غريب الحديث في تتمة كلام عمر : فأيّما رجل بايع رجلاً بغير مشورة من الناس فلا يؤمر واحد منهما تغرّةً أن يقتلا .
قالوا : غرّر تغريراً وتَغِرّة. كما قالوا : حلّل تحليلاً وتَحِلّة، وعلّل تعليلاً وتعِلّة، وانتصب «تغرَّةً» ها هنا لأنه مفعول له، ومعنى الكلام أنه إذا بايع واحد لآخر بغتةً عن غير شورى، فلا يؤمَّر واحد منهما، لأنهما قد غررا بأنفسهما تَغِرّةً، وعرّضاهما لأن تُقتلا .
وروى جميع أصحاب السيرة أن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)لما توفّيَ كان أبو بكر في منزله بالسُّنْح (2)، فقام عمر بن الخطاب فقال : ما مات رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ، ولا يموت حتى يظهر دينُه على الدِّين كله، ولَيَرْجعنّ، فَليُقطّعنَّ أيديَ رجال وأرجلهمِ مِمّن أرْجَف(3)بموته، لا أسمع
رجلاً يقول : مات رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) إلا ضربته بسيفي. فجاء أبو بكر وكشَف عن وجه رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)وقال : بأبي وأمي ! طِبْتَ حَيًّا وَمَيتاً ، واللّٰه لا يذيقك اللّٰه الموتَتَيْن أبداً، ثم خرج والناس حول عمر، وهو يقول لهم: إنه لم يمت، ويحلف، فقال له: أيّها الحالف ،على رِسْلك! ثم قال : مَنْ كان يعبد محمّداً فإن محمّداً قد مات ومَنْ كان يعبد اللّٰه فإن اللّٰه حيُّ لا يموت، قال اللّٰه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَیّتُونَ (1)، وقال : (أَفَايْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَٰبكُمْ ) (2)، قال عمر: فواللّٰه ما ملكتُ نفسي حيث سمعتُها أن سقطتُ إلى الأرض، وعلمتُ أنّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)قدمات .
وقد تكلّمت الشيِّعة في هذا الموضع ، وقالوا : إنه بلغ من قلّة عِلْمه أنّه لم يعلم أن الموتَ یجوز على رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وأنه أسوة الأنبياء في ذلك، وقال: لما تلا أبو بكر الآيات، أيقنْتُ الآن بوفاته. كأنّي لم أسمع هذه الآية، فلو كان يحفظ القرآن أو يتفكر فيه، ما قال ذلك، ومَنْ هذه حاله لا يجوز أن يكون إماماً .
وأجاب قاضي القضاة (رحمه اللّٰه تعالى) في «المغني» عن هذا فقال : إنّ عمر لم يمنع من جواز موته(علیه السلام) ، ولا نَفَى كونه ممكناً، ولكنه تأوّل في ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ ) (3)، وقال : كيف يموت ولم يظهَر صلوات اللّٰه عليه على الدين كُلِّه ! فقال أبو بكر : إذا ظهر دينُه فقد ظهر هو، وسيظر دينُه بعد وفاته .
فحمل عمر قوله تعالى : (أَفَايْن مَاتَ) على تأخّر الموت، لا على نفيه بالكلية، قال: ولا يجب فيمن ذَهل عن بعض أحكام القرآن ألاّ يحفظَ القرآن، لأن الأمر لو كان كذلك لوجب الاّ يحفظ القرآن إلا من عرف جميع أحكامه، على أنّ حفظَ جميع القرآن غير واجب، ولا يقدح الإخلال به في الفضل
واعترض المرتضى (رحمه اللّٰه تعالى) في كتاب «الشافي» هذا الكلام، فقال: لا يخلُو خلاف عمر في وفاة رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) مِنْ أن يكون على سبيل الإنكار لموته على كل حال والاعتقاد أنْ الموت لا يجوز عليه على كلّ وجه، أو يكون منكِراً لموته في تلك الحال من حيث لم يظهر على الدين كلِّه، فإن كان الأوَّل فهو مما لا يجوز خلاف عاقل فيه، والعلم بجواز الموت على جميع البشر ضروريّ. وليس يحتاج في حصول هذا العلم إلى تلاوة الآيات التي تلاها أبوبكر. وإنْ كان الثاني، فأوّل ما فيه أنّ هذا الاختلاف لا يليق بما احتجّ به أبو بكر عليه من قوله : (إِنَّكَ مَیتُ ) (4)، لأن عمر لم ينكِر على هذا الوجه جوازَ الموت عليه وصحتَه، وإنما
خالف في وقته. فكان يجب أن يقول لأبي بكر: وأيّ حجة في هذه الآيات عليّ! فإني لم أمنع جوازَ موته، وإنما منعتُ وقوع موته الآن، وجوزته في المستقبل، والآيات إنما تدل على جواز الموت فَقَطْ ، لا على تخصيصه بحال معينة .
وبعد، فكيف دخلت هذه الشبهة البعيدة على عُمر من بين سائر الخلْق! ومن أين زعم أنه سيعود فيقطع أيديَ رجال وأرجلَهم! وكيف لم يحصل له من اليقين لمّا رأى من الواعية (1)وكآبة الخلْق وإغلاق الباب وصُراخ النساء ما يدفع به ذلك الوهْم والشبهة البعيدة، فلم يحتج إلى موقِّف!
وبعد، فيجب إن كانت هذه شبهته أن يقول في مرض النبي (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)- وقد رَأى جَزَع أهلِه وخوفهم عليه الموت، وقولَ أسامة صاحب الجيش - : لم أكنْ لأرحلَ وأنت هكذا وأسأل عنك الرَّكْب يا هؤلاء لا تخافوا ولا تجزعوا، ولا تخفْ أنت يا أسامة ، فإنّ رسول اللّٰه (صلی الله علیه و آله و سلم)لا يموت الآن لأنّه لم يَظْهر على الدين كلِّه .
وبعد، فليس هذا من أحكام الكتاب التي يُعْذَر من لا يعرفها على ما ظنّ المعتذِر له .
ونحن نقول: إنّ عمر كان أجلَّ قدراً من أن يعتقد ما ظهر عنه في هذه الواقعة، ولكنه لما علم أنَّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) قد مات، خاف من وقوع فتنة في الإمامة، وتقَلّب أقوام عليها، إمّا من الأنصار أو غيرهم، وخاف أيضاً من حدوث رِدّة، ورجوع عن الإسلام، فإنّه كان ضعيفاً بعد لم يتمكّن، وخاف من تِراتٍ تُشَنّ، ودماء تراق، فإنّ أكثرَ العرب كان موتوراً في حياة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) لِقْتل مَنْ قَتَل أصحابُه منهم، وفي مثل ذلك الحال تنتهز الفرصة، وتُهْتَبَلُ الغِرّة (2)، فاقتضت المصلحة عنده تسكينَ الناس بأنْ أظهر ما أظهره من كون رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) لم يمت، وأوقَع تلك الشبهةَ في قلوبهم، فكسر بها شِرَّةَ كثير منهم، وظنوها حقَّا، فثناهم بذلك عن حادث يُحدثونه، تخيّلاً منهم أنّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)ما مات، وإنما غاب كما غاب موسى عن قومه، وهكذا كان عمر يقول لهم: إنّه قد غاب عنكم كما غاب موسى عن قومه، وليعودَنّ فليقطِّعنّ أيديَ قوم أرجفوا بموته .
ومثلُ هذا الكلام يقع في الوهْم فيصدّ عن كثير من العزم ، ألا ترى أنّ المِلك إذا مات في مدينة وقع فيها في أكثر الأمر نهب وفساد وتحريق، وكلّ مَنْ في نفسه حِقْد على آخر بلَغ منه
غرضه، إمّا بقتلِ أو جرح أو نهْب مال، إلى أن تتمهَّد قاعدةُ الملِك الذي يَلِي بعده، فإذا كان في المدينة وزير حازم الرأي، كتم موت الملك، وسجن قوماً ممن أرجف نداء بموته، وأقام فيهم السياسة، وأشاع أن المِلك حيّ ، وأنّ أوامره وكتبه نافذة، ولا يزال يلزم ذلك الناموس إلى أن يمهِّد قاعدة الملك للوالي بعده، وكذلك عمر أظهر ما أظهر حِراسة للدين والدولة، إلى أن جاء أبو بكر - وكان غائباً بالسُّنْح ، وهو منزل بعيد عن المدينة - فلما اجتمع بأبي بكر قوِيَ به جأشُه ، واشتدّ به ازره، وعَظُم طاعة الناس له وميلهم إليه، فسكت حينئذٍ عن تلك الدعوى التي كان ادّعاها، لأنه قد أمِنَ بحضور أبي بكر من خَطْبِ يحدث، أو فساد يتجدّد، وكان أبو بكر محبّباً إلى الناس، لا سيما المهاجرين. ويجوز عند الشيعة وعند أصحابنا أيضاً أن يقول الإنسان كلاماً ظاهر الكذب على جهة المعاريض، فلا وَصْمَةً على عمر إذا كان حَلَف أن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)و لم يُمتْ، ولا وَصْمَةَ عليه في قوله بعد حضور أبي بكر وتلاوة ما تلا :كأني لم أسمعها، أو قد تيقنت الآن وفاته (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)،لأنه أراد بهذا القول الأخير تشييدَ القول الأول، وكان هو الصواب، وكان من سيِّ ء الرأي وقبيحه أن يقولَ : إنّما قلتهُ تسكيناً لكم، ولم أقله عن اعتقاد، فالذي بَدَأ به حَسن وصواب، والذي ختم به أحسن وأصوَب .
وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب «السقِيفة» عن عمر بن شبّة، عن محمد بن منصور، عن جعفر بن سليمان ،عن مالك بن دينار، قال : كان النبي (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) قد بعثَ أبا سفيان ساعياً، فرجع من سِعايته وقد مات رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ، فلقيَه قوم – فسألهم، فقالوا : مات رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، فقال : مَنْ وليَ بعده؟ قيل : أبو بكر ، قال : أبو فَصِيل! قالوا: نعم، قال : فما فعل المستضعفان: عليّ والعباس! أما والّذي نفسي بيده لأرفعنّ لهما من أعضادهما .
قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: وذكر الراوي - وهو جعفر بن سليمان - أنّ أبا سفيانَ قال شيئاً آخر لم تحفظه الرواة، فلما قدم المدينة قال : إني لأرى عَجاجة لا يطفئها إلا الدم! قال : فكلّم عمرُ أبا بكر ، فقال : إنّ أبا سُفيان قد قَدِم، وإنا لا نأمن شَرّه، فدَعْ له ما في يده، فتركه فرضيَ .
وروى أحمد بن عبد العزيز أن أبا سفيان قال لما بويع عثمان : كان هذا الأمر في تَيْم، وأنّى لتَيْم هذا الأمر! ثم صار إلى عديّ فأبعد وأبعد، ثم رجعت إلى منازلها، واستقرّ الأمر قراره فتلقفوها تلقفَ الكرة .
قال أحمد بن عبد العزيز : وحدّثني المغيرة بن محمد المهلَّبي قال : ذاكرت إسماعيل بن
إسحاق القاضي بهذا الحديث، وأنّ أبا سفيان قال لعثمان: بأبي أنت! أنفق ولا تكنْ كأبي حجر، وتداولوها يا بني أمية تداول الولدانِ الكُرة، فواللّٰه ما من جَنّة ولا نار - وكان الزّبير حاضراً، فقال عثمان لأبي سفيان :اعْزُب، فقال : يا بنيّ أها هنا أحد! قال الزبير : نعم واللّٰه لا كتمتُها عليك - قال : فقال إسماعيل : هذا باطل . قلت : وكيف ذلك؟ قال: ما أنكِر هذا من أبي سفيان، ولكن أنكِر أن يكون سَمِعه عثمان، ولم يضرب عنقه .
وروى أحمد بن عبد العزيز قال: جاء أبو سفيان إلى علیّ (عليه السلام) ، فقال : ولّيتم على هذا الأمر أذلّ بيت في قريش، أما واللّٰه لئن شئت لأملأنّها على أبي فصِيل خيلاً ورجلاً، فقال عليّ (علیه السلام): طالما غششتَ الإسلام وأهلَه فما ضررتَهُم شيئاً ! لا حاجة لنا إلى خيلك ورجلك، لولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلاً، لما تركناه.
وروى أحمد بن عبد العزيز قال: لما بويع لأبي بكر كان الزبير والمقداد يختلفان في جماعة من الناس إلى عليّ وهو في بيت فاطمة، فيتشاورون ويتراجعون أمورهم، فخرج عمر حتى دخل على فاطمة(علیه السلام) ، وقال : يا ابنة رسول اللّٰه ، ما من أحد من الخلْق أحبّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحبّ منك بعد أبيك، وايمُ اللّٰه ماذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النَّفَر عندك أنْ آمرَ بتحريق البيت عليهم . فلما خرج عمر جاؤوها، فقالت: تعلَمون أنّ عمر جاءني، وحلف لي باللّٰه إن عُدتم لَيحرقَنّ عليكم البيت، وايمُ اللّٰه ليمضينّ لما حَلَفَ له، فانصرفوا عنا راشدين.
فلم يرجعوا إلى بيتها، وذهبوا فبايعوا لأبي بكر .
وروى أحمد - وروى المبرد في «الكامل» صدر هذا الخبر - عن عبد الرحمن بن عوف، قال: دخلتُ على أبي بكر أعودُه في مرضه الذي مات فيه، فسلّمت، وسألته : كيف به؟ فاستوی جالساً، فقلت: لقد أصبحت بحمد اللّٰه بارئاً ، فقال : أما إنّي على ما تَرى لوَجِع، وجعلتم لي معشر المهاجرين شغلاً مع وجَعِي، وجعلت لكم عهداً مني من بعدي، واخترت لكم خيرَكم في نفسي، فكلّكم وَرِم لذلك أنفُه رجاء أن يكون الأمر له، ورأَيتم الدنيا قد أقبلت، واللّٰه لتتَّخِذُنّ ستورَ الحرير ونضائد الديباج (1)، وتألمون ضجائع الصوف الأذربيّ ، كأنّ أحدَكم على حَسَك السَّعْدَان. واللّٰه لأنْ يقدَّم أحدكم فتضربَ عنقه في غير حَدّ خَيْرٌ له من أن يَسْبَح في غمرة الدنيا ، وإنكم غداً لأوّل ضال بالناس يجورون عن الطريق يميناً وشمالاً، يا هاديَ الطريق جُرْتَ ، إنما هو البَجْر أو الفَجْر . فقال له عبد الرحمن: لا تُكْثر على ما بك فَيهيضَك، واللّٰه ما أردتَ إلا خيراً، وإن صاحبَك لذو خير، وما الناس إلا رجلان: رجل رأى ما رأيت، فلا خلاف عليك
1) الديباج: ضرب من الثياب سداه ولحمته حرير. المعجم الوسيط ، مادة (دبج) .
منه، ورجل رأى غيرَ ذلك، وإنما يشير عليك برأيه . فسكنَ وسكتَ هُنَيهةً ، فقال عبدُ الرحمن : ما أرى بك بأساً والحمد للّٰه، فلا تأسَ على الدنيا، فواللّٰه إن علمْنَاك إلا صالحاً مصلحاً . فقال : أما إني لا آسَى إلا على ثلاث فعلتُهنَّ، ودِدت أنّي لم أفعلْنّ، وثلاث لم أفعلهنّ ودِدْت أني فعلتهُنّ، وثلاث ودِدت أني سألت رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)عنهنّ :
فأما الثلاث التي فعلتُها ووددت أَنّي لم أكن فعلتُها: فودِدْت أني لم أكنْ كشفتُ عن بيت فاطمة وتركتُه ولو أغْلِق على حَرْب، وودِدْت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمْرَ في عُنق أحد الرجلين: عمر أو أبي عبيدة، فكان أميراً وكنت وزيراً ، وودِدت أني إذ أتيت بالفُجَاءة لم أكن أحرقته ،وكنت قتلته بالحديد أو أطلقته.
وأما الثلاث التي تركتها ووَدِدْت أني فعلتها : فوددت أنّي يوم أتيت بالأشعث كنت ضربت عنقه، فإنه يخيل إِليّ أنه لا يرى شرًا إلا أَعان عليه، ووددت أَنّي حيث وجّهت خالداً إلى أهل الردّة أقمت بذي القصّة، فإن ظَفِر المسلمون وإلا كنتُ رِدْءًا لَهُم ، وودِدت حيث وجهت خالداً إلى الشام كنت وجهت عمر إلى العراق، فأكون قد بسطْتُ كلتا يديّ: اليمين والشمال في سبيل اللّٰه .
وأما الثلاث اللواتي ودِدت أنّي كنت سألت رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)عنهنّ : فوددت أنّي سألته فيمن هذا الأمر، فكنا لا ننازعه أهلَه، ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ وودت أنّي سألته عن ميراث العمّة وابنة الأخت، فإنّ في نفسي منهما حاجة (1).
ومن كتاب معاوية المشهور إلى عليّ (علیه السلام):
وأعهدك أمس تحملُ قعيدةَ بيتِك ليلاً على حمار ويَدَاك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر الصديق، فلم تَدَع أحداً من أهل بَدْر والسوابقِ إلا دعوتَهم إلى نفسك، ومشيت إليهم بامرأَتك ، وأدلَيْت إليهم بابنيك، واستنصرتهم على صاحب رسول اللّٰه ، فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة، ولعَمْري لو كنت محقاً لأجابوك، ولكنك ادّعيتَ باطلاً، وقلت ما لا تعرف، ورُمْتَ ما لا يُدرَك، ومهما نسيتُ فلا أنسى قولك لأبي سفيان، لمّا حرّكك وهَيّجك : لو وجدتُ أربعين ذوِي عزم منهم لنا هضتُ القوم، فما يوم المسلمين منك بواحد، ولاَ بغْيُك على الخلفاء بطريف ولا مستبدَع.
وسنذكر تمام هذا الكتاب وأوله عند انتهائنا إلى كتب عليّ (علیه السلام).
وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ عن أبي المنذر وهشام بن محمد بن السّائب عن أبيه، عن أبي صالح ،عن ابن عباس، قال: كان بين العباس وعليّ مباعدة، فلقيَ ابنُ عباس
1) رواه الذهبي في التاريخ : 117/3 - 118 ، والمتقي الهندي في الكنز رقم 14113 ، والهيثمي في المجمع:367/5 ، والمسعودي في المروج : 301/2 .
عليَّا، فقال: إن كان لك في النَّظَر إلى عمك حاجة فَأْته، وما أراك تَلْقاه بعدها . فوجَمَ لها وقال. تقدمْني واستأذن، فتقدمته واستأذنت له ، فأذِن فدخلَ، فاعتنق كلّ واحد منهما صَاحبَه، وأقبل علي علىّ (علیه السلام) علی يده ورجله يقبِّلهما، ويقول: يا عمّ ارضَ عني رضيَ اللّٰه عنك، قال: قد رضيتُ عنك .
ثم قال : يا ابنَ أخي، قد أشرتُ عليك بأشياء ثلاثة فلم تقبل، ورأيت في عاقبتها ما کرهت، وهأنذا أشير عليك برأي رابع، فإن قبلتَه، وإلاّ نالك ما نالك مما كان قبله. قال: وما ذاك يا عم؟ قال : أشرتُ عليك في مرض رسول اللّٰه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن تسأله، فإن كان الأمر فينا أعطاناه، وإن كان غيرنا أوصى بنا . فقلت: أخشى إن منعناه لا يعطيناه أحد بعده، فمضت تلك . فلما قُبض رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، أتانا أبو سفيان بن حرب تلك الساعة، فدعوْناك إلى أَن نبايعَكَ، وقلت لك : ابسُط يدك أبايعك، ويبايعك هذا الشيخ، فإنا إن بَايعناك لم يختلف عليك أحد من بني عبد مناف، وإذا بايعك بنو عبد مناف لم يختلف عليك أحد من قريش، وإذا بايعتْك قريش لم يختلف عليك أحد من العرب، فقلتَ: لنا بجهاز رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) شُغْل، وهذا الأمر فليس نخشى عليه، فلم نَلْبَتْ أن سمعنا التكبيرَ من سقيفة بني ساعدة، فقلت: ما هذا؟ قلتُ : ما دعوناك إليه فأبيت قلت: سبحان اللّٰه ! أو يكون هذا قلتُ : نعم . قلتَ : أفلا يرّد؟ قلتُ لك : وهل رُدّ مثلُ هذا قَطّ ! ثم أشرتُ عليك حين طُعِن عمر فقلت : لا تُدْخِلْ نفسَك في الشورى، فإنك إن اعتزلتهم قدّموك، وإن ساويتَهم تقدّموك، فدخلتَ معهم فكان ما رأيت .
ثم أنا الآن أشير عليك برأي رابع، فإن قبلتَه وإلاّ نالك ما نالك ممّا كان قبله، إني أرى أنّ هذا الرجل - يعني عثمان - قد أخذ في أمور ، واللّٰه لكأنّي بالعرب قد سارت إليه حتى يُنْحَر في بیته كما يُنْحَرُ الجمل. واللّٰه إن كان ذلك وأنت بالمدينة الزمك الناس به، وإذا كان ذلك لم تنلْ من الأمر شيئاً إلا من بعد شرِّ لا خير معه .
قال عبد اللّٰه بن عباس: فلما كان يوم الجمل عَرَضْت له - وقد قُتل طلحة، وقد أكثر أهل الكوفة في سَبِّه وغَمْصِه - فقال عليّ (علیه السلام): أما واللّٰه لئن قالوا ذلك، لقد كان كما قال أخو جُعفیّ:
فَتّى كَانَ يُدْنِيهِ الْغِنى مِنْ صَدِيقِهِ*** إِذَا مَا هُوَ اسْتَغْنَى ويُبْعِدُهُ الْفَقْرُ
ثم قال : واللّٰه لكأنّ عَمّي كان ينظر من وراء سِترِ رَقيق، واللّٰه ما نلتُ من هذا الأمر شيئاً إلا بعد شرِّ لا خيرَ معه .
وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز، عن حُباب بن يزيد، عن جرير بن المغيرة أنّ سَلْمَان والزّبير والأنصار كان هواهم أن يُبايعوا عليَّا(علیه السلام) بعد النبيّ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم). فلما بُويع أبو بكر، قال سلمان: أصبتم الخِبْرَة وأخطأتم المَعْدِن
26 - ومن خطبة له : في ذم من بايعه بشروط
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبَّة، قال : حدثنا عليّ بن أبي هاشم، قال: حدّثنا عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، قال : قال سلمان يومئذ : أصبتم ذا السنِّ منكم، وأخطأتم أهلَ بيت نبيكم، لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم اثنان، ولأكلتموها رغَداً .
قال أبو بكر: وأخبرنا عمر بن شَبّة، قال : حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدثنا غَسّان بن عبد الحميد، قال : لمّا أكثر الناس في تخلُّف عليّ (علیه السلام) عن بيعة أبي بكر، واشتدّ أبو بكر وعمر عليه في ذلك، خرجتْ أم مِسْطح بن أُثاثة، فوقفتْ عند القبر، وقالت:
كانتْ أمورٌ وأبناءٌ وَهَنْبَثَةٌ ***لو كنتَ شاهدَها لم تَكثُرِ الخُطَبُ
إنَّا فَقَدْناك فَقْدَ الأرْضِ وَابِلَها*** واختلّ قومُك فاشْهَدْهُمْ وَلا تَغِبِ
قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، قال: غضب رجالٌ من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة، وغضب عليّ والزبير، فدخَلا بيت فاطمة(علیه السلام) ، معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، منهم أُسَيْد بن حُضَير وسلَمة بن سَلاَمة بن وَقش - وهما من بني عبد الأشهل - فصاحت فاطمة (علیه السلام)، وناشدتْهم اللّٰه .فأخذوا سيفيْ عليّ والزبير، فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما ، ثم أخرجهما عمر يَسُوقهما حتى بايعا، ثم قام أبو بكر فخطب الناس، واعتذر إليهم، وقال : إن بيعتي كانت فَلْتَة وقى اللّٰه شرّها، وخشيتُ الفتنة، وايمُ اللّٰه ما حرَصت عليها يوماً قطّ ، ولقد قُلّدت أمراً عظيماً مالي به طاقة ولا يدان ،ولوَدِدْتُ أنّ أقوى الناس عليه مكاني. وجعل يعتذر إليهم، فقبل المهاجرون عذرَه. وقال عليّ والزبير : ما غَضِبْنا إلا في المشورة، وإنا لَنَرَى أبا بكر أحقّ الناس بها ، إنه لصاحبُ الغار، وإنا لنعرف له سِنّه ، ولقد أمّره رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)بالصلاة بالناس وهو حيّ .
قال أبو بكر - وقد روي بإسناد آخر ذكره، أنّ ثابت بن قيس بن شَمّاس كان مع الجماعة الذين حَضَرْوا مع عمر في بيت فاطمة (علیه السلام)، وثابت هذا أخو بني الحارث بن الخزرج .
وروي أيضاً أن محمد بن مسلَمة كان معهم ، وأن محمداً هو الذي كسر سيف الزبير .
قال أبو بكر: وحدثني يعقوب بن شَيْبة، عن أحمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق ، عن الزّهريّ، عن عبد اللّٰه بن عباس، قال: خرج عليّ (علیه السلام)على الناس من عند رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)في مرضِه، فقال له الناس: كيف أصبح رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)يا أبا حسن؟ قال :
أصْبَح بحمد اللّٰه بارئاً ، قال : فأخذ العباس بيد عليّ ، ثم قال: يا عليّ ، أنت عبد العصا بعد ثلاث، أحِلف لقد رأيتُ الموتَ في وجهه - وإني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب - فانطلِقْ إلى رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)فاذكر له هذا الأمر، إن كان فينا أعْلَمنا، وإن كان في غيرنا أوصَى
بنا . فقال : لا أفعل، واللّٰه إن منعَناه اليوم لا يؤتيناه الناسُ بعده، قال: فتُوفّيَ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)ذلك اليوم.
وقال أبو بكر : حدّثني المغيرة بن محمد المهلبيّ من حفظه وعمر بن شَبّة من كتابه، بإسنادِ رفعه إلى أبي سعيد الخُدْريّ، قال: سمعت البَرَاء بن عازب يقول : لم أزلْ لبني هاشم محبَّا ، فلما قبض رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) تخوّفتُ أن تَتمالاً قريْشُ على إخراج هذا الأمر عن بني هاشم، فأخذني ما يأخذ الوَالهَ العَجُول.
ثم ذكر ما قد ذكرناه نحن في أول هذا الكتاب في شرح قوله (علیه السلام): «أما واللّٰه لقد تَقَمّصها فلان» وزاد فيه في هذه الرواية: فمكثتُ أكابد ما في نفسي، فلما كان بليل، خرجت إلى المسجد، فلما صرت فيه تذكّرت أنّي كنت أسمعُ هَمْهَمة رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و له و سلم) بالقرآن، فامتنعتُ من مكاني، فخرجت إلى الفضاء، فضاء بني بَيَاضة، وأجد نفراً يتناجوْن، فلما دنوتُ منهم سَكَتُوا، فانصرفت عنهم، فعرفوني وما أعرفهم، فدعوْني إليهم فأتيتُهم، فأجد المقدادَ بن الأسود وعبادة بن الصامت، وسلْمان الفارسيّ ، وأبا ذرّ، وحُذيفة، وأبا الهَيْثم بن التيّهان، وإذا حُذَيفة يقول لهم : واللّٰه ليكونَنّ ما أخبرتُكم به، واللّٰه ما كَذَبت ولا كُذبت، وإذا القوم يريدون أن يُعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين.
ثم قال : ائتوا أبيَّ بن كعب، فقد علم كما علمت. قال : فانطلقنا إلى أبيّ ، فضربنا عليه بابه، حتى صار خلف الباب، فقال: من أنتم؟ فكلّمه المقداد، فقال: ما حاجتكم؟ فقال له : افتح عليك بَابَك، فإنّ الأمر أعظم من أن يُجْرَى من وراء حجاب، قال: ما أنا بفاتح بابي، وقد عرفتُ ما جئتم له، كأنكم أردتم النظر في هذا العقد. فقلنا : نعم ،فقال : أفيكم حُذيفَة؟ فقلنا :
نعم ، قال : فالقول ما قال، وباللّٰه ما أفْتَح عني بابي حتى يُجْرى على ما هي جارية، ولَما يكون بعدها شَرٌّ منها ، وإلى اللّٰه المشتكَى !
قال : وبلغ الخبرُ أبا بكر وعمر، فأرسلا إلى أبي عُبيدة والمغيرة بن شُعْبة، فسألاهما عن الرأي، فقال المغيرة: أن تَلْقَوُا العباس فتجعلوا له في هذا الأمر نصيباً فيكون له ولِعقبه، فتقطعوا به من ناحية عليِّ ، ويكون لكم حُجّةٌ عند الناس على عليّ ، إذا مال معكم العباس.
فانطلقوا حتى دخلوا على العبّاس في الليلة الثانية من وفاة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم). ثم ذكر خطبة أبي بكر وكلام عمر وما أجابهما العباس به، وقد ذكرناه فيما تقدم من هذا الكتاب في الجزء الأول.
وروى أبو بكر، قال: أخبرنا أحمد بن إسحاق بن صالح ، قال: حدثنا عبد اللّٰه بن عمر ،عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، قال: لما تُوَفِّيَ النبي (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عُبادة، فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبُيدة، فقال الحُباب بن
المنذر : منّا أمير ومنكم أمير، إنّا واللّٰه مَا نْنِفس هذا الأمر عليكم أيّها الرهْط، ولكنا نخاف أن يَلَيَه بعدكم مَنْ قتلْنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم، فقال عمر بن الخطاب : إذا كان ذلك قمت إن استطعت. فتكلّم أبو بكر فقال: نحن الأمراء وأنتم الوزراءُ، والأمر بيننا نصفان كشِقّ الأبْلُمة (1). فبويع، وكان أول من بايعه بشير بن سعد والد النعمان بن بشير .
فلما اجتمع الناس على أبي بكر قَسّم قَسْماً بين نساءِ المهاجرين والأنصار، فبعث إلى امرأة من بني عديّ بن النجار قسَمْهَا مع زيد بن ثابت، فقالت: ما هذا؟ قال : قَسْمٌ قَسَمه أبو بكر للنساء، قالت: أتراشونِني عن ديني! واللّٰه لا أقبل منه شيئاً . فردّته عليه .
قلت: قرأت هذا الخبر على أبي جعفر يحيى بن محمد العلويّ الحسيني المعروف بابن أبي زيد نقيب البصرة (رحمه اللّٰه تعالى) في سنة عشر وستمائة من كتاب السَّقِيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ ، قال : لقد صدقتْ فِراسة الحُباب، فإنّ الذي خافه وقع يوم الحَرّة وأُخِذ من الأنصار ثار المشركين يوم بدر. ثم قال لي (رحمه اللّٰه تعالى) : ومن هذا خاف أيضاً رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)على دُريتّه وأهله، فإنه كان (علیه السلام)قد وَتَر الناس، وعلم أنّه إن مات وترك ابنتَه وولدها سُوقة ورعيّة تحت أيدي الولاة، كانوا بعرَض خطر عظيم، فما زال يقرّر لابن عمه قاعدة الأمر بعده، حفظاً لدمه ودماء أهل بيته، فإنّهم إذا كانوا ولاة الأمر كانت دماؤهم أقربَ إلى الصِّيانة والعصمة مما إذا كانوا سوقة تحتَ يد وَالٍ من غيرهم، فلم يساعده القضاء والقَدَر، وكان من الأمر ما كان . ثم أفضى أمر ذرّيته فيما بعد إلى ما قد علمت.
قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: حدّثني يعقوب بن شيبة بإسناد رفعه إلى طلحة بن مصرِّف، قال: قلت لهذيل بن شُرَحبيل : إن الناس يقولون : إنّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)أوصى إلى عليّ (علیه السلام)، فقال : أبو بكر يتأمّر على وصيّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)! ودُّ أبو بكر أنه وجد من رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)عهداً فخزم أنفه بخزامه .
قلت: هذا الحديث قد خَرّجه الشيخان: محمد بن إسماعيل البخاريّ ومسلم بن الحجاج القُشَيريّ في صحيحيهما عن طلحة بن مصرّف، قال: سألت عبد اللّٰه بن أبي أوفى : أوصى رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)؟ قال : لا ، قلت : فكيف كُتِب على المسلمين الوصيّة أو كيف أمِر بالوصية ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب اللّٰه. قال طلحة: ثم قال ابن أوفى: ما كان أبو بكر يتأمّر على وصيّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)ودّ أبو بكر أنه وَجد مِنْ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) عهداً ، فخزم أنفه بخزامه»(2).
1) الأبلمة: خوصة المقل، والخوصة الورقة .اللسان، مادة (بلم).
2) أخرجه البخاري في كتاب: الوصايا، باب: الوصايا (2740) ، ومسلم في كتاب: الوصية بأن ترك لوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه ( 1634) ، والترمذي في كتاب : الوصايا عن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)باب ما جاء أن النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) لم يوص (2119)، والنسائي في كتاب: الوصايا، باب هل أوصى النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) (3620) ، وابن ماجه في كتاب الوصايا، باب: هب أوصى رسول اللّٰه (صلی الله علیه و آله و سلم)(2696) وأحمد في كتاب: أول مسند الكوفيين، باب: بقية حديث عبد اللّٰه بن أبي أوفى عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)(18644)
وروى الشيخان في الصحيحين عن عائشة أنه ذُكِر عندها أن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله وسلم) أوصى، قالت : ومتى أوصى؟ ومن يقول ذلك! قيل : إنهم يقولون، قالت : مَنْ يقوله؟ لقد دعا بِطسْت ليبول، وإنه بين سَحْري ونَحْري فانحنث، في صدري فمات وما شَعَرت (1).
وفي الصحيحين أيضاً ،خرّجاه معاً عن ابن عباس، أنّه كان يقول : يوم الخميس، وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بلّ دمعه الحصى، فقلنا يا ابْنَ عباس ،وما يوم الخميس؟ قال: اشتدّ برسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) وَجَعُه ، فقال : ائتوني بكتاب أكتبُه لكم لا تضلّوا بعدي أبداً. فتنازعوا ، فقال : إنه لا ينبغي عندي تنازُع فقال قائل : ما شأنه؟ أهَجَر ؟ استفهموه. فذهبوا يعيدون عليه، فقال: دعوني، والذي أنا فيه خير من الذي أنتم فيه ،ثم أمَر بثلاثة أشياء، فقال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنتُ وسئل ابن عباس عن الثالثة، فقال: إمّا ألاّ يكون تكلّم بها ، وإمّا أن يكون قالها فنسِيت (2)
وفي الصحيحين أيضاً خرّجاه معاً عن ابن عباس (رحمه اللّٰه تعالى)، قال: لما احتُضِر رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وفي البيت رجالٌ منهم عمر بن الخطاب، قال النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : هلمّ أكتبْ لكم كتاباً لا تضِلّونَ بعده ، فقال عمر: إن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)قد غلب عليه الوجَع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّٰه . فاختلف القوم واختصموا، فمنهم من يقول : قَرِّبُوا إليه يكتبْ لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده،ومنهم من يقول : القول ما قاله ابن عباس يقول : إن الرزيّة كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)وبين أن يكتب لكم ذلك الكتاب.
قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ : وحدثني أحمد بن إسحاق بن صالح، قال : حدثني عبد اللّٰه بن عمر بن معاذ عن ابن عون، قال :حدثني رجل من زُرَيق أنّ عمر كان يومئذ
1) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي ،باب: مرض النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ووفاته (4459) ، والنسائي في كتاب الظهارة باب: البول في الطست (33)، ومسلم في كتاب : الوصية باب : ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه وابن ماجه في كتاب ما جاء في الجنائز باب: ما جاء في ذكر مرض رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)(1626).
2) أخرج البخاري نحوه في كتاب العلم، باب: كتابة العلم ، (114) ومسلم في كتاب : الوصية ،باب: لمن ليس له شيء يوصي به (1637) ، وأحمد في كتاب ومن مسند بني هاشم، باب : بداية مسند عبد الله بن العباس (1936).
أمّا بعد، فإنّي وليتُكم ولست بخيركم، ولكنه نزل القرآن وسُنّت السنن، وعلمنا فتعلمنا أنّ أكيس الكَيْس التقي، وأحمق الحمْق الفجور. وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بالحقّ، وأضعفَكم عندي القويّ حتى آخذ منه الحق. أيها النّاس إنّما أنا متبّع ولست بمبتدع، إذا أحسنتُ فأعينوني، وإذا زُغْت فقوِّموني .
قال أبو بكر: وحدّثني أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدّثني النضْر بن شُمَيل، قالِ: حدثنا محمد بن عمرو،عن سلمة بن عبد الرحمن ، قال : لما جلس أبوبكر على المِنْبر كان عليّ (علیه السلام)والزبير وناسٌ من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر الیهم، فقال : والَّذِي نفسي بيده لَتَخْرُجُنّ إلى البَيْعة أو لأحْرِقَنّ البيت عليكم! فخرج الزبير مُصْلتاً سیفه، فاعتنقه رجل من الأنصار وزياد بن لَبِيد. فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر : اضرِبْ به الحجر، فدق به. قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجَر فيه تلك الضربة، ويقال : هذه ضربةُ سَيف الزبير . ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي اللّٰه بهم، قال : فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه.
قال أبو بكر : وقد رُوِي في رواية أخرى أنّ سعد بن أبي وقّاص، كان معهم في بيت فاطمة(علیه السلام) والمقداد بن الأسود أيضاً، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليَّا (علیه السلام)، فأتاهم عمر ليَحرِق عليهم البيت، فخرج إليه الزُّبَير بالسيف، وخرجت فاطمة (علیه السلام) تبكي وتصيح، فنُهنهتْ من الناس، وقالوا : ليس عندنا معصية، ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنؤلّف القرآن في مصحف واحد. ثم بايعوا أبا بكر، فاستمرّ الأمرُ واطمأنّ الناس.
قال أبو بكر : حدَّثنا أبو زيد عمر بن شَبّة، قال : أخبرنا أبو بكر الباهليّ ، قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبيّ، قال: سأل أبو بكر فقال : أين الزبير ؟ فقيل : عند عليّ وقد تقلّد سيفه، فقال : قم يا عمر، قم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما ، فانطلقا ، فدخل عمر، وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليَّا، فاخترطه عمر فضرب به حجراً فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونَکَه فأمسكه، ثم قال لعليّ : قم فبايع لأبي بكر، فتلكّا واحتبس، فأخذ بيده، وقال: قم، فأبى أن يقومَ، فحمله ودفعه كما دفع الزبير فأخرجه، ورأت فاطمةُ ما صنِع بهما ، فقامت على باب الحجرة وقالت : يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرْتُم على أهل بيت رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ! واللّٰه لا أكلّم عمر حتى ألقى اللّٰه . قال : فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفَع لعمر، وطلب إليها فرضيت عنه
قال أبو بكر: وحدثنا أبو زيد، قال: حدثنا محمد بن حاتم، قال: حدثنا الحراميّ ، قال: حدثنا الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: مرّ عمر بعليّ وعنده ابنُ عباس بفِناء داره ،فسلّم فسألاه: أين تريد؟ فقال: مالي بيَنُبع، قال: عليّ : أفلا نصل جناحَك ونقوم معك ؟ فقال : بلى، فقال لابن عباس : قم معه، قال: فشبّك أصابعه في أصابعي، ومضى حتى إذا خَلّفنا البقيع، قال: يا ابن عباس، أما واللّٰه إن كان صاحبُك هذا أوْلى الناس بالأمر بعد وفاة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)إلاّ أنّا خفناه على اثنتين. قال ابن عباس: فجاء بمنطق لم أجد بُدَّا معه من مسألته عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هما؟ قال: خشيناه على حداثة سِنِّه وحبِّه بني عبد المطلب .
قال أبو بكر: وحدّثني أبو زيد، قال: حدثنا هارون بن عمر، بإسناد رفعه إلى ابن عباس (رحمه اللّٰه تعالى)، قال : تفرّق الناس ليلة الجابية عن عمر ، فسار كلّ واحد مع الفه، ثم صادفت تلك الليلة في مسيرنا، فحادثتُه ، فشكا إليّ تخلُّف عليّ عنه. فقلت : ألم يعتذر إليك؟ قال : بلی، فقلت: هو ما أعتذر به ،قال: يا ابن عباس، إن أولَ من رَیثَّكم عن هذا الأمر أبو بكر، إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوّة، قلت: لم ذاك يا أمير المؤمنين؟ ألم نُنِلْهُمْ خيراً؟ قال بلى، ولكنهم لو فعلوا لكنتم عليهم جَحْفاً جَعْفاً .
قال أبو بكر :وأخبرنا أبو زيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن الخطاب، قال: حدثنا عليّ بن هشام، مرفوعاً إلى عاصم بن عمرو بن قتادة، قال: لقِيَ عليّ (علیه السلام)عمر، فقال له عليّ (علیه السلام) : أنشُدك اللّٰه ، هل استخلفك رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)؟ قال : لا ، قال : فكيف تصنع أنت و صاحبک ؟ قال: أما صاحبي فقد مضى لسبيله، وأما أنا فسأخلعها من عنقي إلى عُنُقك ، فقال : جَدَع اللّٰه أنف مَنْ يُنِقذك منها ! لا ولكن جلعني اللّٰه علَماً ، فإذا قمتُ فمن خالفني ضَلّ.
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد، عن هارون بن عمر ،عن محمد بنِ سعيد بن الفضل عن أبيه، عن الحارث بن كعب عن عبد اللّٰه بن أبي أوفَى الخُزاعيّ ، قال : كان خالد بن سعيد بن العاص مِنْ عُمّال رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)على اليَمن، فلما قبض رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)جاء المدينة، وقد بايع الناس أبا بكر، فاحتبس عن أبي بكر فلم يبايعه أياماً ، وقد بايع الناس، وأتى بني هاشم، فقال : أنتم الظهر والبطن، والشعار دون الدثار، والعصا دون اللِّحا، فإذا رضيتم رضينا ، وإذا سخطتم سخطنا . حدّثوني إن كنتم قد بايعتمْ هذا الرجل؟ قالوا نعم، قال: على برد ورِضاً من جماعتكم؟ قالوا: نعم، قال فأنا أرضى وأبايع إذا بايعتم. أما واللّٰه يا بني هاشم، إنك الطّوال الشجر الطيبو الثمر . ثم إنه بايع أبا بكر، وبلغت أبا بكر فلم يحفل بها، وضغنها عليه عمر ،فلما ولاه أبو بكر الجند الذي استنفر إلى الشام، قال له عمر : أتولِّي خالداً وقد حَبسَ عليك بيعته، وقال لبني هاشم ما قال، وقد جاء بوَرِق من اليمن وعبيد وحُبْشان ودُروع ورماح! ما أرى
أن تولّيَه ، وما آمن خلافه. فانصرف عنه أبو بكر، وولّى أبا عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان وشُرَحْبيل بن حَسَنَة .
واعلم أن الآثار والأخبار في هذا الباب كثيرة جدًّا، ومَنْ تأملها وأنصف علم أنه لم يكن هناك نصّ صريح ومقطوع به لا تختلِجه الشكوك، ولا تَتطرّق إليه الاحتمالات كما تزعم الإمامية، فإنهم يقولون : إن الرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) نصّ على أمير المؤمنين (علیه السلام) نصَّا صريحاً جلياً ليس بنصّ يوم الغدير، ولا خبر المنزِلة، ولا ما شابههما من الأخبار الواردة من طرق العامة وغيرها، بل نصّ عليه بالخلافة وبإمرة المؤمنين، وأمر المسلمين أن يسلّموا عليه بذلك، فسلّموا عليه بها، وصَرح لهم في كثير من المقامات بأنه خليفة عليهم من بعده، وأمرهم بالسمع والطاعة له. ولا ريب أنّ المنصف إذا سمع ما جرى لهم بعد وفاة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)يعلم قطعاً أنّه لم يكن هذا النص، ولكن قد سبق إلى النفوس والعقول أنّه قد كان هناك تعريض وتلويح، وكناية وقول غير صريح، وحكم غير مبتوت، ولعله(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) كان يصدّه عن التصريح بذلك أمرٌ يعلمه، ومصلحة يراعيها، أو وقوف مع إذن اللّٰه تعالى في ذلك.
فأما امتناع عليّ (علیه السلام)من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه، فقد ذكره المحدّثون ورواه أهل السير وقد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب، وهو من رجال الحديث و من الثقات المأمونين، وقد ذكر غيرُه من هذا النحو ما لا يحصى كثرة .
فأما الأمور الشنيعة السمتهجَنة التي تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة(علیه السلام) وأنه ضربها بالسوط فصار في عَضُدها كالدُّملج (1)ويقي أثره إلى أن ماتت، وأن عمر أضغطها بين الباب والجدار، فصاحت: يا أبتاه يا رسول اللّٰه(صلی الله علیه و آله و سلم) ! وألقت جنيناً ميتاً، وجُعل في عنق عليّ (علیه السلام) حَبلٌ يقاد به وهو يُعتَل، وفاطمة خلفه تصرخ وتنادي بالويل والثبور، وابناء حسن وحسين معهما يبكيان، وأنّ عليّاً لما أحضِر سألوه البيعة فامتنع ، فتُهدِّد بالقتل، فقال: إذن تقتلون عبد اللّٰه وأخا رسول اللّٰه ! فقالوا : أما عبدُ اللّٰه فنعم، وأما أخو رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)فلا ، وأنه طعن فيهم في أوجههم بالنِّفاق، وسطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها، وبأنهم أرادوا أن ينفِّروا ناقة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)ليلة العقبة، فكلّه لا أصل له عند أصحابنا، ولا يُثبته أحد منهم، ولا رواه أهل الحديث ولا يعرفونه ،وإنما هو شيء تنفرد الشیعة بنقله.
1) الدملج: سوار يحيط بالعضد. المعجم الوسيط، مادة (دملج) .
الأصل: ومنها : وَلَمْ يُبَايِعُ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُوتِيَهُ عَلَى الْبَيْعَةِ ثَمَناً . فَلاَ ظَفِرَتْ يَدُ البَائِعِ ، وَخَزِيَتْ أمانةُ المُبْتَاعَ! فَخُذُوا لِلحَرْبِ أُهبْتَهَ، وَاعِدُوا لَها عُدَّتَها، فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا ، وَعَلاَ سَنَاهَا . وَاسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ ، فإِنَّهُ أَدْعَى إِلى النَّصْر .
الشرح: هذا فصل من كلام يذكر فيه (علیه السلام)عمرو بن العاص . وقوله : «فلا ظفِرتْ يد البائع» يعني معاوية. وقوله : «وخزِيَتْ أمانة المبتاع» يعني عمراً، وخزيت، أي خسرت وهانت. وفي أكثر النسخ: «فلا ظفرت يد المبايع»، بميم المفاعلة، والظاهر ما رويناه.
وفي بعض النسخ «فإنه أحزم للنصر»، من حَزَمْتُ الشيء إذا شددتَه، كأنه يشدّ النصر ويوثِّقه، والرواية التي ذكرناها أحسن.
والأهبة: العدّة. وضبّ لظاها استعارة، وأصله صعود طرف النار الأعلى . والسنا بالقصر :الضوء. واستشعروا الصبر : اتخذوه شعاراً، والشِّعار: ما يلي الجسد من الثياب، وهو الزم الثياب للجسد، يقول: لازموا الصبر كما يلزم الإنسان ثوبَه الذي يلي جِلْدَه لا بدّ له منه، وقد يستغني عن غيره من الثياب .
لما نزل عليّ (علیه السلام)الكوفة بعد فراغه من أمر البَصْرة، كتب إلى معاوية كتاباً يدعوه إلى البَيْعة، أرسل فيه جرير بن عبد اللّٰه البَجَليّ . فقدِم عليه به الشام. فقرأه واغتمّ بما فيه، وذهبت به أفكاره كلّ مذهب، وطاول جريراً بالجواب عن الكتاب، حتّى كلّم قوماً من أهل الشام في الطلب بدم عثمان، فأجابوه ووثَّقوا له، وأحبّ الزيادة في الاستظهار، فاستشار أخاه عتبة بن أبي سفيان، فقال له : استعِنْ بعمرو بن العاص، فإنّه من قد علمتَ في دهائه ورأيه، وقد اعتزل عثمان في حياته، وهو لأمْرِك أشدّ اعتزالاً، إلا أن يثمَّن له دينُه فسيبيعك، فإنه صاحب دنيا .
فكتب إليه معاوية :
أما بعد، فإنه كان من أمر عليّ وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مَرْوان بن الحكم في نَفَر من أهل البصرة، وقدم علينا جرير بن عبد اللّٰه في بيعة عليّ ، وقد حبستُ نفسي عليك، فأقِبلْ أذاكرك أموراً لا تعدَم صلاح مَغَبّتها، إن شاء اللّٰه فلما قدم الكتاب على عمرو استشار ابنيه : عبداللّٰه بن عمرو ومحمد بن عمرو،فقال لهما: ما تريان؟ فقال عبد اللّٰه : أرى أنّ رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) قُبِض وهو عنك راض، والخليفتان من بعده،و قُتِل عثمان وأنت عنه غائب، فقَرّ في منزلك، فلست مجعولاً خليفة، ولا تزيد على أن تكون حاشية لمعاوية، على دنيا قليلة
أوشكتما أن تهلِكا، فتَسْتَويا في عقابها. وقال محمد : أرى أنّك شيخ قريش، وصاحبُ أمرِها، وإن تصرّم هذا الأمر وأنت فيه غافل تصاغَرَ أمرُك، فالحق بجماعة أهل الشام، وكن يداً من أيديها، طالباً بدم عثمان، فإنه سيقوم بذلك بنو أميّة.
فقال عمرو : أما أنت يا عبد اللّٰه، فأمرتني بما هو خير لي في ديني، وأنت يا محمد فأمرتَني بما هو خير لي في دنياي وأنا ناظر، فلما جَنة الليل رفع صوته وأهله يسمعون، فقال:
تَطَاوَلَ لَيْلِ بِالْهُمُومِ الطَّوَارِقِ*** وَخَوْفِ التي تجلُو وجوهَ العوائِق
وإنّ ابنَ هند سالني أن أزورَه*** وتلك الّتي فِيهَا بناتُ البوائِقِ
أتاه جَريرٌ من عليّ بخُطّةٍ*** أمَرَّتْ عليه العيش ذاتِ مضائِق
فإنْ نَال منِّي ما يؤمّلُ رَدّه*** وإن لم ينلْه ذلّ ذل المطابِق
فواللّٰه ما أدْرِي وَمَا كُنْتُ هَكَذَا*** أكونُ وَمَهمَا قادَنِي فهو سَابقِي
أخادِعُه إنّ الخداعَ دنيْةٌ*** أم أعطِيه من نَفْسِي نصيحةَ وامِق
أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحةٌ*** لشيخ يخاف الموتَ في كلِّ شَارِقِ
وقد قال عبدُ اللّٰه قولاً تعلّقت*** بهِ النفس إن لم تقتِطْعنِي عَوَائِقي
وَخَالَفَهُ فيهِ أخوهُ محمدٌ*** وإني لصُلْبُ العود عِنْدَ الحقائِق
فقال عبد اللّٰه رحل الشيخ. ودعا عمرو غلامه وَرْدان - وكان داهياً مارداً - فقال: ارحَلْ يا وَرْدان، ثم قال: احْطُطْ يا وردان، ثم قال: ارحَلْ يا وردان، احْطُط يا وردان. فقال له وردان: خلطت أبا عبد اللّٰه ! أما إِنك إن شئت أنبأتُك بما في قلبك، قال: هات ويحك ! قال: اعتركت الدّنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : عليّ معه الآخرة في غير دنيا وفي الآخرة عوض من الدنيا، ومعاوية معه الدّنيا بغير آخرة، وليس في الدّنيا عِوَضٌ من الآخرة، وأنت واقف بينهما ، قال : قاتلك اللّٰه ! ما أخطأتَ ما في قلبي، فما ترى يا وردان؟ قال: أرى أن تقيم في بيتِك، فإن ظهر أهلُ الدين عشت في عَفْو دينهم، وإن ظهر أهلُ الدنيا لم يستغنُوا عنك . قال : الآن لما أشهرت العرب سيري إلى معاوية !فارتحل وهو يقول :
يَا قَاتَلَ اللّٰه وَرْدانا وَقَدْحَتَهُ ***أبْدَى لَعَمْرُكَ مَا فِي النَّفْسِ وَردانُ
لَمّا تَعرَّضَت الدُّنْيَا عَرَضْتُ لَهَا*** بحرصِ نَفْسي وفي الأطباع إدْهَانُ
نَفْسٌ تَعِفُّ وأخْرَى الْحِرْصُ يَغْلِبُهَا*** والمره يأكل تِبْناً وَهُوَ غَرْثَانُ (1)
أمّا عليُّ فدِينٌ ليسَ يَشْرَكُهُ*** دُنْيَا، وذاك له دنيا وسُلْطَانُ
1) غرثان: جائع. القاموس، مادة (غرث).
فاخْتَرْتُ مِنْ طَمَعِي دُنْيَا عَلَى بَصَرٍ*** وَمَا مَعِي بِالَّذِي اخْتَارُ بُرْهَانُ
إني لأعرِف ما فيها وأبْصِرهُ*** وفيّ أيضاً لما أهواء ألوانُ
لكنّ نفسِي تحبُّ العيش في شَرَفِ*** وليس يرضى بذلِّ العيشِ إنْسَانُ
فسار حتى قدم على معاوية، وعرَف حاجة معاوية إليه، فباعده من نفسه، وكايد كلّ واحد منهما صاحبه .
فقال له معاوية يوم دخل عليه : أبا عبد اللّٰه ، طرقْتنا في ليلتنا ثلاثة أخبار ليس فيها وِرْد ولا صَدَر، قال: وما ذاك؟ قال: منها أنّ محمد بن أبي حُذَيفة كَسَر سِجْن مصر فخرج هو وأصحابه، وهو من آفات هذا الدين. ومنها أنّ قيصر زَحَف بجماعة الرّوم ليغِلبَ على الشام .
ومنها أن علياً نزل الكوفة، وتهيّأ للمسير إلينا .
فقال عمرو : ليس كلّ ما ذكرتَ عظيماً، أما ابنُ أبي حُذيفة، فما يتعاظمُك من رجل خرج في أشباهه أن تبعثَ إليه رجلاً يقتله أو يأتيك به، وإنْ قاتل لم يضرّك! وأما قيصر فأهدِ له الوصائفَ وآنية الذهب والفضة، وسلْه الموادعة فإنّه إليها سريع. وأمّا عليّ فلا واللّٰه يا معاوية ما يسوّي العرب بينك وبينه في شيء من الأشياء، وإنّ له في الحرب لحظَّ ما هو لأحد من قريش، وإنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه. هكذا في رواية نصر بن مزاحم عن محمد بن عبيد اللّٰه .
وروى نصر أيضاً عن عمر بن سعد قال: قال معاوية لعمرو : يا أبا عبد اللّٰه، إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى اللّٰه وشقّ عصا المسلمين، وقتل الخليفة وأظهر الفتنة، وفَرَّق الجماعة وقطَع الرّحمِ، فقال عمرو : مَنْ هو ؟ قال : عليّ ،قال : واللّٰه يا معاوية ما أنت وعليّ بحملْي بعير ،ليس لك هِجْرتُه ولا سابقته، ولا صحبته ولا جهاده، ولا فقهه ولا علمه. وواللّٰه إنّ له مع ذلك لحَظا في الحرب ليس لأحد غيره، ولكنّي قد تعوّدت من اللّٰه تعالى إحساناً وبلاء جميلاً، فما تجعل لي إنْ شايعتُك على حربه، وأنت تعلم ما فيه من الغَرر (1)والخطر؟ قال : حُكْمَك ، قال : مصر طُعْمة، فتلكأ عليه معاوية .
قال نصر : وفي حديث غير عمر بن سعد : فقال له معاوية : يا أبا عبدِ اللّٰه، إني أكره لك أن تتحدّث العرب عنك أنّك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا ، فقال عمرو : دَعْني عنك، فقال معاوية : إني لو شئت أن أمنِّيَك وأخدعَك لفعلت، قال عمرو : لا ، لَعَمْرُ اللّٰه ما مثلي يُخْدع، لأنا أكْيَسُ من ذلك، قال معاوية : ادْنُ مني أسارّك، فدنا منه عمرو ليسارّه، فعضّ معاوية أذنه، وقال: هذه خدعة! هل ترى في البيت أحداً؟ ليس غيري وغيرك.
1) غرر بنفسه وماله :عرضهما للهَلَكَة من غير أن يعرف اللسان، مادة (غرر).
قلت : قال شيخنا أبو القاسم البلخيّ (رحمه اللّٰه تعالى): قول عمرو له : «دعْني عنك» كناية عن الإلحاد، بل تصريح به، أي دَعْ هذا الكلام، لا أصل له، فإنّ اعتقاد الآخرة، وأنّها لاتباع بعرَض الدنيا من الخرافات.
وقال (رحمه اللّٰه تعالى) : وما زال عمرو بن العاص مُلْحداً، وما تردّد قطُّ في الإلحاد والزندقة، وكان معاوية مثله، ويكفي من تلاعبهما بالإسلام حديث السِّرار المرويّ، وأن معاوية عضّ أذن عمرو، أين هذا من سيرة عمر؟ وأين هذا من أخلاق عليّ (علیه السلام) وشدته في ذات اللّٰه ، وهما مع ذلك يعيبانه بالدّعابة!
قال نصر : فأنشأ عمرو يقول :
مُعَاوِيَ لا أُعْطِيكَ دِينِي وَلم أَنَلْ*** بِهِ مِنْكَ دُنْيَا فَانْظُرْنْ كَيْفَ تَصْنَعُ
فَإِنْ تُعْطِنِي مِصْراً فأرْبِحْ بصفْقَةِ*** أخذتَ بها شيخاً يَضُرُّ وَيَنْفَعُ
وَما الدِّينُ والدنيا سواء وإنّني*** لأخذما تعطي وَرَأْسِي مُقَنَّعُ
وَلَكِنَّنِي أُغْضِي الجُفُون وإنّني*** لَأخدعُ نفسي، والمخادِعُ يُخْدَعُ
وأُعْطِيك أمْراً فِيهِ لِلْمُلكِ قُوّةٌ*** وَأُلْفَى بهِ إن زلّتِ النعل أُصْرَعُ
وتمنعُنِي مِصْراً وليست بِرَغْبَةٍ ***وإني بِذَا الممنوع قِدْماً لمُولَعُ
قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ: كانت مصر في نفس عمرو بن العاص، لأنه هو الذي فتحها في سنة تسعَ عشرةَ من الهجرة في خلافة عمر، فكان لعظمها في نفسه وجلالتها في صدره، وما قد عرفه من أموالها وسعة الدنيا، لا يستعظم أن يجعلها ثمناً من دينه، وهذا معنى قوله :
وإنّي بذا الممنوع قِدْماً لمُولَعُ
قال نصر : فقال له معاوية : يا أبا عبد اللّٰه، أما تعلم أن مصر مثل العراق! قال: بلى، ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك، وإنما تكون لك إذا غلبت عليَّا على العراق.
قال : وقد كان أهل مصر بعثوا بطاعتهم إلى عليّ (علیه السلام)
فلما حضر عُتْبة بن أبي سفيان قال لمعاوية : أما ترضَى أن تشتريَ عَمْراً بمصر إن هي صفت لك ! ليتك لا تُغَلب على الشام . فقال معاوية : يا عتْبة، بِتْ عندنا الليلة، فلما جنّ الليل على عتبة رفع صوته ليسمع معاوية، وقال:
أيها المانِعُ سَيْفاً لم يُهَزّ*** إِنَّمَا مِلْتَ عَلَى خَزَّ وَقَزّ
إنما أنت خروف ماثلٌ*** بين ضَرْعَيْنِ وَصُوفٍ لم يُجزّ
أعطِ عَمْراً إِن عَمْراً تارك*** دينَه اليوم لدنيا لم تُحَزْ
يا لك الخيرُ فخذْ مِنْ دَرِّهِ ***شَخْبَهُ الأوّلَ وابْعِدْ ما غَرَزْ
واسْحَبِ الذَّيلَ وَبادِرْ فُوقَهَا ***وانتهزْها إنّ عمراً يُنْتَهزْ
أعطه مصْراً وزده مثلَها*** إنما مصر لمن عزَّفبزّ
وَاتْرُكِ الْحِرْصَ عَلَيْها ضَلَّةَ*** وَاشْبُبِ النَّارَ لمقرورِ يَكِزّ
إنّ مصراً لعلي أَوْلَنَا*** يُغْلَبُ اليوم عليها مَنْ عَجَزْ
قال : فلما سمع معاويةُ قولَ عُتْبَة، أرسل إلى عمرو، فأعطاه مصر، فقال عمرو: لي اللّٰه عليك بذلك شاهد؟ قال: نعم، لك اللّٰه عليّ بذلك إن فتح اللّٰه علينا الكوفة، فقال عمرو : (وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (1).
فخرج عمرو من عنده، فقال له :ابناه ما صنعتَ ؟ قال : أعطانا مصر طعمة، قالا : وما في مُلْك العرب! قال: لا أشبع اللّٰه بطونكما إن لم تُشبعكما [مصر].
قال : وكتب معاوية له بمصر كتابه ،وكتب: «على ألاّ ينقُضَ شرط طاعةً»، فكتب عمرو :
«على ألاّ تنقض طاعةٌ شرطاً». فكايد كلّ واحد منهما صاحبه .
قلت : قد ذكر هذا اللفظ أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد في كتابه «الكامل» ولم يفسره، وتفسيره أنّ معاوية قال للكتاب : «اكتب على ألاّ ينقضَ شرط طاعةً»، يريد أخْذَ إقرار عمرو له أنه قد بايعه على الطاعة بيعة مطلقة غير مشروطة بشيء، وهذه مكايدة له، لأنه لو كتب ذلك لكان لمعاوية أن يرجع في إعطائه مصر، ولم يكن لعمرو أن يرجع عن طاعته، ويحتجّ عليه برجوعه عن إعطائه مصر، لأنّ مقتضى المشارطة المذكورة، أنّ طاعة معاوية واجبة عليه مطلقاً ، سواء أكانت مصر مسلمّة إليه أم لا .
فلما انتبه عمرو إلى هذه المكيدة منع الكاتب من أن يكتب ذلك، وقال: بل اكتب «على ألا تنقض طاعةٌ شرطاً»، يريد أخذَ إقرار معاوية له بأنّه إذا كان أطاعه لا تنقض طاعته إياه ما شارطه عليه من تسليم مصر إليه. وهذا أيضاً مكايدة من عمرو لمعاوية، ومنع له من أن يغدر بما أعطاه من مصر.
قال نصر : وكان لعمرو بن العاص عمّ (2)من بني سَهْم، أريبٌ (3)، فلما جاء عمرو بالكتاب
مسروراً عَجِب الفتى، وقال: ألا تخبرني يا عمرو، بأيّ رأي تعيش في قريش! أَعْطَيْتَ دِينَك وتمنّيت دنيا غيرك! أترى أهلَ مصر - وهم قتلة عثمان - يدفعونها إلى معاوية وعليّ حيّ ! وأتراها إن صارت لمعاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدّمه في الكتاب؟ فقال عمرو: یا بن أخي، إن الأمر اللّٰه دون عليّ ومعاوية، فقال الفتى :
الا يا هندُ أختَ بني زيادِ*** رُمِي عمرو بداهية البلادِ
رُمِي عمرو بأغورَ عبشميِّ ***بعيد القَعْر مخشيّ الكِيَادِ
لَهُ خُدَعٌ يَحار العقْل منْها*** مزخرفةٌ صوائدُ للفُوْادِ
فشرّطَ في الكِتَاب عَلَيْهِ حَرْفاً ***يناديه بخُدْعَتِه المنادِي
وأثبتَ مثلَه عمرو عليهِ*** كِلاَ المرأين حَيّةُ بطن وادِ
الا يا عَمْرُو ما أحرزتَ مِصْراً*** ولا ملتَ الغَداة إلى الرّشادِ
أبِعْتَ الديّن بالدنيا خَساراً*** فأنت بذاك من شَرّ العِبادِ
فلو كنتَ الغداة أخذْتَ مصراً*** ولكن دونها خَرْطُ القتَادِ
وفَدتَ إلى معاوية بن حرب ***فكنتَ بها كوافدِ قَوْمِ عادِ
وأعطيتَ الذي أعطيت منها*** بِطِرْسِ فيه نَضْحٌ من مدادِ
ألم تعرف أبا حسنِ عليَّا ***ومانالت يداه من الأعادي
عدلتَ به معاوية بن حرب*** فيا بُعْدَ البياضِ من السَّوادِ!
ويا بُعْدَ الأصابع من سُهَيْل*** ويا بُعْد الصلاح من الفسادِ!
أتأمن أن تدَال على خِدَبِّ*** يحثُّ الخيل بالأسَل الحِداد (1)
ينادي بالنِّزَال وأنت منه ***قريبٌ فانظرَنْ مَنْ ذا تعادي
فقال عمرو : يا بن أخي، لو كنتُ عند عليّ لوسعني ، ولكني الآن عند معاوية. قال الفتى: إنك لو لم تُرِدْ معاوية لم يرِدْك، ولكنّك تريد دنياه، وهو يريد دينَك. وبلغ معاويةَ قولُ الفتى فطلبه، فهرب فلحق بعليّ (علیه السلام) ، فحدثه أمره فسُرَّ به وقَرّبه .
قال : وغضب مروان وقال : ما بالي لا أُشترَى [كما اشترِىَ عمرو ]! فقال معاوية : إنما يُشترى الرجال لك. فلما بلغ علياً (علیه السلام)ما صنع معاوية قال :
ياعجباً لقد سمعت مُنْكراً ***كِذْباً على اللّٰه يُشِيبُ الشَّعَرا
يسترِقُ السَّمعَ ويُعشِي البصرا*** ما كان يَرضى أحمدٌ لو أخبِرا
1) الخِدَب: العظيم الجافي. اللسان مادة (خدب).
أن يقرِنوا وَصِيَّه والأبترا ***شانِي الرسول واللعينَ الأخزرا
كِلاهُمَا فِي جُنْدِهِ قَدْ عَسْكَرًا*** قد باع هذا دِينَه فأفجرا
مَنْ ذا بدُنْيا بيعَهُ قد خسِرا*** شَمَّرْتُ ثوبِي ودعوت قَنْبرَا
قَدِّمْ لوائِي لا تؤخّرْ حَذَرَا ***لا يدفع الجذَارُ ما قَدْ قُدْرا
لَمّا رأيتُ الموتَ مَوْتاً أَحْمَرا*** عَبّاتُ هَمْدان وَعَبُوا حِمْيَرا
حيُّ يَمانِ يُعْظِمُونَ الخطرا ***قِرْنٌ إذا ناطَحَ قِرْنا كَسَرَا
قل لابن حرب لا تدبَّ الْخَمَرَا*** أرْوِدْ قَلِيلاً أُبْدِ مِنْكَ الضَّجَرَا(1)
لا تحسبنِّي يا بْنَ هِنْدغَمَرَا*** وَسَلْ بِنَا بَدْراً مَعاً وَخَيْبَرَا
يَوْمَ جَعَلْنَاكُمْ ببدْرٍ جَزَرَاً*** لو أنّ عِنْدي يا بنَ هند جَعْفراً
أو حمزةَ القَرْمَ الهمام الأزْهَرا*** رأت قريش نجم لَيْلٍ ظُهُرا
قال نصر : فلما كتب الكتاب، قال معاوية لعمرو : ما ترى الآن؟ قال: أمضِ الرأي الأول.
فبعث مالك بن هبيرة الكنديّ في طلب محمد بن أبي حُذيفة، فأدركه فقتله، وبعث إلى قيصر بالهدايا فوادعه، ثم قال: ما ترى في عليّ؟ قال : [أرى فيه خيراً]، إنه قد أتاك في طلب البَيْعة خيرُ أهل العراق، ومن عند خير الناس في أنفس الناس، ودعواك أهلَ الشام إلى رد هذه البيعة خطر شديد ،ورأس أهل الشام شُرَحْبِيل بن السِّمط الكِنديّ، وهو عدوّ لجرير المرسَل إليك، فا بعث إليه ووطّن له ثقاتك، فَلْيُفْشُو في الناس أنّ علياً قتل عثمان، وليكونوا أهل رضا عند شُرَحْبِيل، فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحبّ، وإن تعلقَتْ بقلب شُرَحبيل لم تخرج منه بشيء أبداً .
فكتب إلى شُرحبيل : إن جرير بن عبد اللّٰه قَدِم علينا من عند عليّ بن أبيَ طالب بأمر مفظِع،فاقْدَم .
ودعا معاوية يزيدَ بن أسد، وبُسر بن أرطاة، وعمرو بن سفيان، ومخارق بن الحارث الزّبيديّ، وحمزة بن مالك، وحابس بن سعد الطائي - وهؤلاء رؤوس قحطان واليمن، وكانوا ثقاتِ معاويةَ وخاصته وبني عمّ شُرَحْبيل بن السِّمط - فأمرهم أن يلقوْه ويُخبروه أنّ علياً قتل عثمان. فلما قدم كتابُ معاوية على شُرَحْبيل وهو بحمِصْ، استشار أهلَ اليمن فاختلفوا عليه، فقام إليه عبد الرحمن بن غَنْم الأزديّ - وهو صاحبُ معاذ بن جبل وخَتَنُه ، وكان أفقهَ أهل الشام - فقال يا شُرَحْبيل بن السِّمط، إن اللّٰه لم يَزَلْ يزيدُك خيراً منْذ هاجرت إلى اليوم، وإنه
1) الخَمَر: ما واراك من الشجر والجبال ونحوه. اللشان مادة (خمر).
لا ينقطع المزيد من اللّٰه حتى ينقطع الشكر من الناس، وإن اللّٰه لا يغيِّر ما بقوم حتى يُغَيِّرُوا ما بأنفسهم. إنه قد ألقِيَ إلى معاوية أن علياً قتل عثمان، ولهذا يريدك، فإن كان قتله فقد بايعه المهاجرون والأنصار، وهم الحكّام على الناس، وإن لم يكن قتله، فعلامَ تصدّق معاوية عليه! لا تُهلِكَنّ نفسك وقومك، فإن كرهت أن يذهب بحظّها جرير، فسِرْ إلى عليّ، فبايعه عن وقومك فأبى شُرَحْبيل إلا أن يسير إلى معاوية، فكتب إليه عياض الثّمالي - وكان ناسكاً :
يا شرْحُ يا بن السِّمط إنك بالغٌ*** بودِّ عليِّ ما تريدُ من الأمْرِ
وَيَا شُرْحُ إن الشام شامُك ما بها ***سواكَ فَدَعْ عنك المضلّل من فِهْر
فإنّ ابنَ هند ناصبٌ لك خُذعَةً*** تكونُ علينا مثل راغيةِ الْبَكْرِ (1)
فإن نال ما يَرجُو بنا كان مُلْكنا*** هنيئاً له، والحربُ قاصمة الظهرِ
فلا تَبْغِيَنْ حَرْبَ العراق فإنّها*** تحرِّم أطهارَ النِّساء من الذُّعْرِ
وإنّ عليَّا خيرُ مَنْ وطيء الثرى*** من الهاشميين المدارِيك للوِتْرِ
له في رِقابِ النَّاسِ عهدٌ وذِمّةٌ*** كعهدِ أبي حفصِ وعهد أبي بكرِ
قبايع ولا ترجع على العَقْبِ كافراً ***أعيذك باللّٰه العزيز من الكفر!
ولا تسمَعَنْ قول الطّغاة فإنهمْ*** يريدون أن يُلقوك في لجّة البَحْرِ
وَماذَا عَلَيْهِمْ أن تُطَاعِنَ دونهمْ*** عليَّا بأطْرَافِ المثقَّفَةِ السَّمْرِ
فإن غَلَبُوا كانوا علينا أئمّةً*** وكنا بحمْدِ اللّٰه مِنْ وَلَد الطُّهْرِ
وإِنْ غُلِبُوا لَمْ يَصْلَ بالخَطْبِ غَيْرُنا*** وكان عليَّ حَوْبَنَا آخِرَ الدّهْرِ
يهونُ عَلَى عُلْيَا لؤيِّ بن غالب*** دماء بني قحطان في ملكهم تَجْرِي
فدعْ عنك عثمان بن عفان إنّما -*** لك الخير - لا تدري بأنك لا تدري
على أيّ حال كان مصرعُ جنبه*** فلا تَسْمَعَنْ قولَ الأَعَیْورِ أو عمرو
قال: فلما قدم شُرَحبيل على معاوية، أمر الناس أن يتلقّوه ويعظِّموه، فلما دخل على معاوية، تكلّم معاوية فحمد اللّٰه وأثنى عليه، ثم قال: يا شُرَحبيل، إن جريرَ بن عبد اللّٰه قدِم علينا يدعونا إلى بَيْعة عليّ ، وعليّ خير الناس، لولا أنه قتل عثمان بن عفان، وقد حبسْتُ نفسي عليك، وإنما أنا رجل من أهل الشام، أرضى ما رضُوا وأكره ما كرهوا .
فقال شُرَحبيل: أخرجُ فأنظر .فلقيه هؤلاء النفر الموطّئون له، فكلّهم أخبره أنّ علياً قتل عثمان، فرجع مغضباً إلى معاوية فقال: يا معاوية، أبي الناس إلا أن علياً قتل عثمان، واللّٰه إن
1) الراغية : الناقة، والرغاء صوتها . اللسان، مادة (رغو).
بايعتَ له لنخرجنّك من شامِنا أو لنقتلنّك. فقال معاوية : ما كنتُ لأخالِف عليكم، ما أنا إلا رجل من أهل الشام . قال : فَرَدَّ هذا الرجل إلى صاحبه إذن. فعرف معاوية أن شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق، وأن الشام كله مع شرحبيل، وكتب إلى عليّ (علیه السلام) ما سنُورده فيما بعد، إن شاء اللّٰه تعالى .
الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللّٰهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَٰى، وَدِرْعُ اللّٰه الْحَصِينَةُ، وَجُتُهُ الْوَثِیقَةُ. فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةٌ عَنْهُ الْبَسَهُ اللّٰهُ ثَوْبَ الذُّلّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاءُ ، وَحُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَة، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَاب، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْييِعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ.
أَلاَ وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتالِ هَؤلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً وَنَهَارَّ، وَسِرًّا وَإِعْلانَاً، وَقُلْتُ لَكُمْ : أهْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللّٰه ما غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا، فَتَواكَلْتُمْ وَتَخَاذَلْتُمْ ، حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطَانُ .
فهٰذَا أَخُو غَامِدٍ، قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الْأَنْبَارَ ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنْ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلُبَهَا، وَقَلائِدَهَا وَرُعُثَهَا ، مَا تَمْتَنِع مِنْهُ إِلا بِالاسْتِرْجَاع وَالاسْتِرْحَامِ . ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ ،مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ، وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ أَمْرَاً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً ، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً !
فَيَا عَجَبًا عَجَباً، واللّٰه يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرْحاً ، حِينَ صِرْتُمْ فَرَضاً يُرْمَى، يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلا تَغْزُونَ، وَيُعْصَى اللّٰهِ وَتَرْضَوْنَ!
فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ في أَيَّامِ الحَرِّ قُلْتُمْ : هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ ، أَمْهِلْنَا يُسَبِّحُ عَنَّا الحَرُّ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ هَٰذِهِ صَبَارَةُ الْقُرِّ، أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ، كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الحرِّ وَالْقُرِّ، فَإِذَا كُنتُمْ مِنَ الحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ، فَأَنْتُمْ وَاللّٰهُ مِن السَّيْفِ أَفَرُّا
يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلاَ رِجَالَ! حَلُومُ الأطْفَال، وَعُقُولُ رَبَّاتِ الحِجَالِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ
اَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُم مَعْرِفَةٌ - وَاللّٰه - جَرَّتْ نَدَماً وَأَعْقَبَتْ سَدَماً . قَاتَلَكُمُ اللّٰه ! لَقَدْ مَلَاتُمْ قَلْبِي قَيْحاً ، وَشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً ، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً ، وَأَنْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ وَالْخِذْلان ، حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ : إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبِ رَجُلٌ شُجَاعٌ وَلَكِنْ لا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ للّٰه أَبُوهُمْ! وَهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً وَأَقْدَمُ فِيهَا مُقَاماً مِنِّي! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ، وَهٰانَذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ! وَلَكِنْ لاَ رَأيَ لِمَنْ لاَ يُطَاعُ !
الشرح: هذه الخطبة من مشاهير خطبه (علیه السلام)، قد ذكرها كثير من الناس، ورواها أبو العباس المبرّد في أول «الكامل»، وأسقط من هذه الرواية ألفاظاً وزاد فيها ألفاظاً، وقال في أولها:
«إنه انتهى إلى عليّ (علیه السلام)أنّ خيلاً وردت الأنبار لمعاوية، فقتلوا عاملاً له يقال له :
حَسّان بن حسان، فخرج مغضَباً يُجُرّ رداءه ،حتى أتى النُّخَيلة، واتّبعه الناسُ، فرقي رُبَاوَة (1)من الأرض، فحمد اللّٰه وأثنى عليه، وصلى على نبيه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، ثم قال: أما بعد فإنّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه، البسه اللّٰه الذل وسيما الخَسْفِ».
وقال في شرح ذلك : قوله : «وسيما الخسفِ»، هكذا حدّثونا به، وأظنّه «سِيمَ الخسفَ»، من قوله تعالى : ( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ )(2). وقال فإن نَصرَنا ما سمعناه، «فسيما الخسف»، تأويله علامة الخسف، قال اللّٰه تعالى: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم )(3)، وقال : (يُعرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِیمٰهُمْ)(4)، وسيما مقصور، وفي معناه «سيمياء» ممدود، قال الشاعر :
غُلامٌ رَمَاهُ اللّٰه بالحُسْنِ يافعاً*** لَهُ سِيمياءٌ لا تَشُقّ عَلَى الْبَصَرْ
ونحن نقول : إنّ السماع الذي حكاه أبو العباس مرضيّ، والصحيح ما تضمّنه «نهج البلاغة» وهو «سيم الخسفَ» فعل ما لم يسمّ فاعله و«الخسفَ» منصوب، لأنه مفعول، وتأويله : أولِيَ الخسفَ وكلّف إياه والخسف: الذلّ والمشقة.
وأيضاً فإن في «نهج البلاغة» لا يمكن أنْ يكون إلا كما اخترناه، لأنه بين أفعال متعددة بُنيت للمفعول به، وهي: «دُيِّث» و«ضُرِبَ» و«أديل» و«مُنِع»، ولا يمكن أن يكون ما بين هذه الأفعال معطوفاً عليها إلا مثلُها، ولا يجوز أن يكون اسماً .
وأما قوله(علیه السلام) : «وهو لباس التقوى»، فهو لفظة مأخوذة من الكتاب العزيز، قال اللّٰه سبحانه : (قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَرى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ )(5)
والجُنّة : ما يُجْتَنّ به، أي يستتر، كالدرع والحَجَفة.
وتركه رغبة عنه ،أي زهداً فيه، رغبت عن كذا، ضدّ رغبت في كذا .
ودُيِّث بالصغار، أي ذُلّل، بعير ،مُدَيّث أي مُذَلّل، ومنه الدَّيُّوث : الذي لا غيْرة له، كأنّه قد
ذُلّل حتى صار كذلك.
والصَّغَار : الذل والضيم .
والقَماء، بالمد : مصدر قُمؤ الرجل قَماء وقَماءة، أي صار قميئاً، وهو الصغير الذليل، فأمَّا
قَمَا ، بفتح الميم فمعناه سَمن، ومصدره القُمُوء والقموءة.
وروى الراونديّ: «وديِّث بالصغار والقما» بالقصر، وهو غير معروف.
وقوله (علیه السلام) : «وضُرِب على قلبه بالإسهاب»، فالإسهاب ها هنا هو ذهاب العقل، ويمكن
أن يكون من الإسهاب الذي هو كثرة الكلام، كأنه عوقب بأن يكثر كلامه فيما لا فائدة تحته. قوله : «وأديل الحق منه بتضييع الجهاد»، قد يظنّ ظان أنه يريد(علیه السلام) : وأدِيلَ الحق منه بأن أضِيعَ جهادُه، كالباءات المتقدمة، وهي قوله : «ودُيّت بالصغار»، و«ضُرِب على قلبه بالإسهاب» وليس كما ظنّ، بل المراد: وأديل الحقّ منه لأجل تضييعه الجهاد، فالباء ها هنا للسببية، كقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ جَزَيْنٰهُم بِبَغيهِم)(1)
والنّصَف: الإنصاف وعُقْر دارهم، بالضم: أصل دارهم، والعُقْر : الأصل، ومنه العَقَال للنخل، كأنه أصل المال. وتواكلتم، من وَكَلْتُ الأمرَ إليك ووكلتَه إليّ ، أي لم يتولّه أحد منّا ، ولكن أحال به كلّ واحد على الآخر، ومنه رجل وَكِل، أي عاجز يكلُ أمرَه إلى غيره، وكذلك وُكَلَة .
وتخاذلتم، من الخِذْلان.
وَشُنّت عليكم الغارات : فُرِّقت، وما كان من ذلك متفرّقاً نحو إِرسال الماء على الوَجْه دَفْعة بعد دفعة ،فهو بالشين المعجمة، وما كان أرسالاً غيرَ متفرِّق، فهو بالسين المهملة، ويجوز شَنّ الغارة وأشنّها .
والمسالح: جمع مَسْلحة، وهي كالثغر والمرقَب، وفي الحديث : «كان أدنى مسالح فارس إلى العرب العُذيب» (2). والمعاهِدة: ذات العَهْد، وهي الذمّيّة. والْحِجْل : الخَلْخال، و من هذا قيل للفرس محجّل، وسمِّي القيد حِجْلاً ، لأنّه يكون مكان الخلخال. ورُعُثها : ومن هذا قيل
للفرس محجّل، وسمّي القيد حِجْلاً ، لأنّه يكون مكان الخلخال. ورُعُثها : شُنُوفها، جمع رِعاث بكسر الراء، ورِعاث : جمع رَعْثة، فالأول مثلُ خِمار وخُمُر، والثاني مثل جَفْنة وجِفَان.
والقُلُب : جمعُ قُلْب، وهو السوار المصمَت. والاسترجاع قوله : (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) (1)والاسترحام: أن تناشدَه الرحم. وانصرفوا وافرين، أي تامّين، وفُر الشيء نفسُه أي تَمّ فهو وافر، ووفرْتُ الشيء، متعدّ، أي أتممته.
وفي رواية المبرّد «موفورين»، قال: من الوفْر، أي لم يُنَلْ أحد منهم بأن يُرْزَاً في بدن أو مال.
وفي رواية المبرد أيضاً : «فتواكلْتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولي، واتخذتموه وراءكم ظِهرياً»، قال: أي رميتُم به وراء ظهوركم، أي لم تلتفتوا إليه، يقال في المثل : لا تجعَلْ حاجتي منك بظهر، أي لا تطرحها غيرَ ناظر إليها، قال الفرزدق :
تَمِيمُ بنَ مُرِّ لا تكونَنَّ حَاجَتِي*** بِظَهْرِ ولا يعْيَا عَلَيْكَ جَوابُها
والكلْم: الجراح. وفي رواية المبرد أيضاً : «مات من دون هذا أسفاً»، والأسف: التحسر.
وفي رواية المبرد أيضاً : «من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم»، أي من تعاونهم وتظاهرهم.
وفي رواية المبرد أيضاً : «وَفَشلكم عن حقكم» الفشل : الجبن والنُّكولُ عن الشيء. فقبحاً لكم وَتَرْحاً، دعاء بأن ينحِّيَهم اللّٰه عن الخير، وأن يخزيهم ويسوءهم .
والغَرَض: الهدف. وحَمَارّة القيظ ، بتشديد الراء : شدّةُ حَرّه. وَيُسَبَّخ عَنّا الحرّ، أي يخفّ،
وفي الحديث أنّ عائشة أكثرت من الدعاء على سارق سرق منها شيئاً، فقال لها النبي (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)«لا تُسَبِّخي عنه بدعائك» (2).
وصبارّة الشتاء، بتشديد الراء : شدّة برده، ولم يرو المبرّد هذه اللفظة، وروي : «إذا قلتُ لكم اغزُوهم في الشتاء قلتم هذا أوان قَرّ وصِرٌ ، وإن قلتُ لكم اغزُوهم في الصيف قلتم هذه حَمَارة القيظ أنظِرْنا ينصرمْ عَنّا الحر». الصِّر: شدّة البرد قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرُّ)(3)
ولم يروِ المبرّد : «حلوم الأطفال»، وروي عِوَضها : «يا طَغَام الأحلام»، وقال: الطّغام:من لا معرفة عنده، ومنه قولهم: «طغام أهل الشام» .
وربّات الحجال: النساء [والحِجال] جمع حَجَلة، وهي بيت يزيَّن بالستور واثیاب
والأسرّة والسّدَم : الحزن والغيظ. والقَيْح ما يكون في القُرْحة من صديدها. وشحنتم: ملأتم. والنُّغَب : جمع نَغْبة وهي الجَرْعة. والتَّهمام، بفتح التاء: الهمّ، وكذلك كلّ «تَفْعال»،کالترداد ،والتَّكرار، والتَّجوال، إلا التِّبيان والتِّلقاء، فإنهما بالكسر.
وأنفاساً ، أي جَرْعة بعد جَرْعة، يقال: اكرع في الإناء نَفَسين أو ثلاثة .
وذَرّفت على الستين، أي زدت. ورواها المبرد: «نَیّفت».
وروى المبرّد في آخرها : فقام إليه رجل ومعه أخوه فقال : يا أمير المؤمنين، إني وأخي هذا، كما قال اللّٰه تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) (1)، فمرنا بأمرك، فواللّٰه لننتهيَنّ إليه ولو حال بيننا وبينه جَمْر الغضا وشوك القتاد(2). فدعا لهما بخير وقال: وأين تقعان مما أريد! ثم نزل
واعلم أنّ التحريضَ على الجهاد والحضّ عليه قد قال فيه الناس فأكثروا، وكلهم أخذوا من كلام أمير المؤمين(علیه السلام) ، فمن جَيّد ذلك ما قاله ابن نُباتة الخطيب :
أيّها الناس، إلى كم تَسْمعون الذِّكر فلا تَعُون، وإلى كم تُقرعون بالزَّجْر فلا تُقْلِعون! كأنّ أسماعَكم تمجُّ ودائع الوعظ، وكأن قلوبكم استكبارُ عن الحِفْظ، وعدوّكم يعمل في دِياركم عَملَه، ويبلغ بتخلُّفكم عن جهاده أمله، وصرخ بهم الشيطان إلى باطله فأجابوه، وندبَكم الرّحمن إلى حقّه فخالفتموه، وهذه البهائمُ تناضلُ عن ذِمَارها (3)
اللسان، مادة (ذمر ).
، وهذه الطير تموت حَميّة دون أوكارها، بلا كتاب أنزل عليها، ولا رسول أرْسِل إليها . وأنتم أهلُ العقول والأفهام، وأهلُ الشرائع والأحكام، تَنِدّون من عدوّكم نَدِيد الأبل، وتدّرِعون له مدارع العجز والفَشَل، وأنتم واللّٰه أوْلى بالغزو إليهم، وأحرى بالمُغار عليهم، لأنكم أمناء اللّٰه على كتابه، والمصدّقون بعقابه وثوابه خصّكم اللّٰه بالنجدة والباس، وجعلكم خيرَ أمّة أخرِجَتْ للناس، فأين حِمَيّة الإيمان؟ وأين بصيرةُ الإيقان؟ وأين الإشفاق من لهب النيران؟ وأين الثقة بضمان الرحمن؟ فقد قال اللّٰه عز وجل في القرآن: (بَلَٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ) (4)، فاشترط عليكم التقوى والصبر، وضَمِن لكم المعونةَ والنصر، أفتتّهِمُونه في ضَمانه ! أم تشكُّون في عدله وإحسانه! فسابقوا رحمكم اللّٰه إلىالجهاد بقلوب نَقيّة، ونفوس أبيّة ،وأعمال رضيّة، ووجوه مُضِية، وخذوا بعزائم التّشمير، واكشفوا عن رؤوسكم عارَ التقصير وهِبوا نفوسَكم لمن هو أمْلَكُ بها منكم، ولاَ تركنوا إلى الجزَع فإنه لا يدفع الموت عنكم، (لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزَّى لَوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ) (1). فالجهادَ الجهادَ أيها الموقِنُون، والظفرَ الظفرَ أيها الصابرون! والجنة الجنة أيها الراغبون! والنّارَ النارَ أيها الراهبون! فإن الجهاد أثبتُ قواعدِ الأيمان، وأوسعُ أبواب الرضوان، وأرفع درجات الجِنان وإنْ مَنْ ناصح اللّٰه لَبَيْنَ منزلتيْن مرغوبٍ فيهما، مجمَع على تفضيلهما : إما السعادة بالظفَّرَ في العاجل، وإما الفوز بالشهادة في الأجل، وأكرهُ المنزلتين إليكم أعظمُهما نعمةً عليكم، فانصروا اللّٰه فإِنَّ نَصرَه حِرْزُ من الهلكات حريز، ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز)(2)
هذا آخر خطبة ابن نُباتة، فانظر إليها وإلى خطبته (علیه السلام)بعين الإنصاف، تجدها بالنسبة إليها كمخنّث بالنّسبة إلى فحل، أو كسيْفِ من رصَاص بالإضافة إلى سيف من حديد. وانظُر ما عليها من أثر التّوليد وشَيْن التكلّف وفجَاجَة كثير من الألفاظِ، ألا ترى إلى فجاجة قوله : «كأن أسماعكم تمجّ ودائع الوعظ، وكأنّ قلوبكم بها استكبار عن الحفظ»! وكذلك ليس يخفى نزول قوله : «تنِدُّون من عدوّكم نديد الإبل، وتدَّرعون له مدارع العجز والفشل ».
وفيها كثير من هذا الجنس، إذا تأمله الخبِيرعرفه ،ومع هذا فهي مسروقة من كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) ، ألا ترى أن قوله(علیه السلام)، «أما بعد، فإن الجهادَ باب من أبواب الجنة»، قد سرقه ابن نُباتة . فقال : «فإنّ الجهاد أثبتُ قواعد الإيمان، وأوسع أبواب الرضوان، وأرفع درجات الجنان»! وقوله (علیه السلام): «مِن اجتماع هؤلاء على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم»، سرقه أيضاً، فقال: «صرخ بهم الشيطان إلى باطله فأجابوه ونَدَبكم الرحمن إلى حقه فخالفتموه». وقوله(علیه السلام) «قد دعوتُكم إلى قتال هؤلاء القوم ...» إلى آخره، سرقه أيضاً فقال: «كم تسمعون الذِّكْر فلا تعُون! وتقَرَّعون فلا تقلِعون» وقوله (علیه السلام)حتى شُنَّتْ عليكُم الغارات، وملكت عليكم الأوطان»، سرقه أيضاً وقال : «وعدوّكم يعمل في دياركم عمله، ويبلغ بتخلّفكم عن جهاده أمله». وأما باقي خطبة ابن نُباتة فمسروق من خُطَب لأمير المؤمنين(علیه السلام) أُخَرَ، سياتي ذكرها .
واعلم أني أضرِب لك مثلاً تتّخذه دستوراً في كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) ، وكلام الكتّاب والخطباء بعده كابن نُباتة والصابي وغيرهما، انظر نسبةَ شعر أبي تمام والبحتريّ وأبي نواس و مسلم، إلى شعر امريء القيس والنابغة وزهير والأعشى، هل إذا تأمّلت أشعار هؤلاء وأشعار
هؤلاء، تجد نفسك حاكمةً بتساوي القبيلين أو بتفضيل أبي نواس وأصحابه عليهم؟ ما أظنّ أنّ ذلك مما تقوله أنت ولا قاله غيرك، ولا يقوله إلا مَنْ لا يعرف علم البيان، وماهية الفصاحة، وكُنَه البلاغة، وفضيلة المطبوع على المصنوع، ومزيّة المتقدم على المتأخر، فإذا أقررت من نفسك بالفرْق والفضل، وعرفت فضل الفاضل ونقص الناقص، فاعلم أنّ نسبة كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) إلى هؤلاء هذه النسبة، بل أظهر، لأنك تجدُ في شعر امريء القيس وأصحابه من التعجرُف والكلام الحُوشِيّ ، واللفظ الغريب المستكرَه شيئاً كثيراً، ولا تجد من ذلك كلام أمير المؤمنين (علیه السلام)شيئاً، وأكثرُ فساد الكلام ونزوله إنما هو باستعمال ذلك.
فإن شئت أن تزدادَ استبصاراً، فانظر القرآن العزيز - واعلم أنّ الناسَ قد اتفقوا على أنه في أعلى طبقات الفصاحة - وتأمَّلْه تأملاً شافياً، وانظر إلى ما خُصَّ به من مزية الفصاحة والبعد عن التقعير والتقعيب والكلام الوحشيّ الغريب، وانظر كلامَ أمير المؤمنين(علیه السلام) ، فإنّك تجدُه مشتقَّا من ألفاظه ، ومقتَضَباً (1)من معانيه ومذاهبه، ومحذوَّا به حذْوَه، ومسلوكاً به في منهاجه، فهو وإن لم يكن نظيراً ولا ندّاً ،يصلُح أن يقال إنه ليس بعده كلامٌ أفصح منه ولا أجزل، ولا أعلى ولا أفخم ولا أنبل، إلا أن يكونَ كلام ابن عمه(علیه السلام) ، وهذا أمر لا يعلمه إلا مَنْ ثبتت له قدم راسخة في علم هذه الصناعة ، وليس كل الناس يصلح لانتقاد الجوهر، بل ولا لانتقاد الذهب، ولكل صناعة أهل، ولكل عمل رجال
ومن خطب ابن نُباتة التي يحرّض فيها على الجهاد
«ألا وإنّ الجهاد كنز وفّر اللّٰه منه أقْسَامكم ، وحِرْزٌ طَهّر اللّٰه به أجسامكم، وعزّ أظهرَ اللّٰه به إسلامَكم، فإن تنصروا اللّٰه ينصركم ويثبت أقدامكم، فانفروا رحمكم اللّٰه جميعاً و ثُبَاتِ(2)، وشُنّوا على أعدائكم الغارات، وتمسكوا بعِصَم الإقدام ومعاقل الثّبات، وَأخلصوا في جهاد عدوكم حقائق النّبات، فإنه واللّٰه ما غُزِي قوم في عُقر دارهم إلا ذَلّوا، ولا قعدوا عن صون ديارهم إلا اضمحلُّوا. واعلموا أنّه لا يصلح الجهادُ بغير اجتهاد، كما لا يصلح السفر بغير زاد، فقدّموا مجاهدةَ القلوب قبل مشاهدةِ الحروب، ومغالبة الأهواء قبل محاربة الأعداء، وبادروا بإصلاح السرائر، فإنها من أنفس العدد والذخائر، واعتاضوا من حياة لابدّ من فنائها ، بالحياة التي لا ريب في بقائها، وكونوا ممن أطاع اللّٰه وشمّر في مرضاته، وسابِقوا بالجهاد إلى تملك جَنّاته، فإن للجنة باباً حدوده تطهير الأعمال، وتشييده إنفاق الأموال، وساحتُه زحف
الرجال، وطريقه غمغمة الأبطال، ومفتاحه الثبات في معترك القتال، ومدخله من مشرعةِ الصوارم والنبال».
فلينظر الناظر في هذا الكلام، فإنه وإن كانَ قد أخذ من صناعة البديع بنصيب، إلا أنّه في حضيض الأرض وكلام أمير المؤمنين (علیه السلام)في أوْج السماء، فإنه لا ينكَر لزومُه فيه لما لا يلزمه اقتداراً وقوة وكتابة، نحو قوله : «كنز » فإنّه بإزاء «حرز» و«عز»، وقوله: «مشاهدة» بإزاء قوله : «مجاهدة» ، «ومغالبة» بإزاء «محاربة»، وحدوده» بإزاء «تشييده»، لكن مثله بالقياس إلى كلام أمير المؤمنين (علیه السلام)كدار مبنّية من اللبِن والطين، مموّهة الجدران بالنقوش والتصاوير، مزخرفة بالذهب من فوق الجصّ والإسفيداج، بالقياس إلى دار مبنيّة بالصخر الأصمّ الصّلْد، المسبوك بینه عمد الرصاص والنحاس المذاب، وهي مكشوفة غير مموَّهة ولا مزخرفة .فإن بين هاتين الدارين بَوْناً بعيداً، وفرقاً عظيماً، وانظر قوله : «ما غُزِيَ قوم في عُقْر دارهم إلا ذلّوا»، كيف تَصِيحُ من بين الخطبة صياحاً، وتنادي على نفسها نداء فصيحاً، وتُعْلِم سامعَها أنها ليست من المعدن الذي خرج باقي الكلام منه ، ولا من الخاطر الذي صدر ذلك السجع عنه، ولعمر اللّٰه لقَد جَمّلت الخطبةَ وحسَّنَتْها وزانتها، وما مثلُها فيها إلا كآية من الكتاب العزيزُ يتمثّل بها في رسالة أو خطبة، فإنها تكون كاللؤلؤة المضيئة تُزهِر وتنير ، وتقوم بنفسها وتكتسي الرسالة بها ،رونقاً، وتكتسب بها ديباجة.
وإذا أردت تحقيق ذلك فانظر إلى السجعة الثانية التي تكلَّفها ليوازنها بها، وهي قوله: «ولا قعدوا عن صون ديارهم إلا اضمحلُّوا»، فإنك إذا نظرت إليها وجدت عليها من التكلّف والغثاثة ما يقوّي عندك صدق ما قلتُه لك.
على أنّ في كلام ابن نُباتة في هذا الفصل ما ليس بجيّد، وهو قوله : وحرز طهَّر اللّٰه به أجسامكم » فإنه لا يقال في الحرز: إنه يُطهِّر الأجسام، ولو قال عوض «طَهَّر»: حَصّن اللّٰه به أجسامكم، لكان أليق، لكنه أراد أن يقول: «طَهّر» ليكون بإزاء «وفّر» وبإزاء «أظهر»، فأدّاء حبُّ التقابلُ إلى ما ليس بجيّد .
فأما أخو غامد الذي وردتْ خيله الأنبار، فهو سفيان بن عوف بن المغفل الغامديّ، وغامد قبيلة من اليمن، وهي من الأزد أزد شنوءة. واسم غامد عمر بن عبد اللّٰه بن كعب بن الحارث بن عبد اللّٰه بْنُ مالك بن نصر بن الأزد. وسُمِّي غامداً لأنه كان بين قومه شرّ فأصلحه وتغمّدهم بذلك .
روى إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب «الغارات» عن أبي الكنود،
قال: حدثني سفيان بن عوف الغامديّ، قال: دعاني معاوية، فقال: إني باعثُك في جيش كثيفِ، ذي أداةٍ وجَلادة، فالزم لي جانب الفُرات، حتى تمرّ بهِيت (1)فتقطعَها، فإن وجدت بها جنداً فأغِرْ عليهم، وإلا فامضِ حتى تغير على الأنبار، فإِن لم تجد بها جنداً فامضِ حتى تُوغل في المدائن، ثم أقبل إليّ واتق أن تقرُب الكوفة. واعلم أنّك إن أغرتَ على أهل الأنبار وأهل المدائن فكأنك أغَرْت على الكوفة، إنّ هذه الغارات يا سُفيان على أهل العراق تُرَعِّبُ قلوبَهم، وتُفْرِح كلَّ مَنْ له فينا هوًى منهم، وتدعو إلينا كلَّ من خاف الدوائر، فاقتل مَنْ لقيتَه ممن ليس هو على مثل رأيك، وأخرب كلَّ ما مررت به من القرى، واحرَب الأموال، فإنّ حَرَبَ الأموال شبيه بالقتل، وهو أوجع للقلب .
قال: فخرجتُ من عنده فعسكرت، وقام معاوية في الناس فخطَبهم، فقال: أيّها الناسُ، انتدِبوا مع سفيان بن عوف فإنّه وجه عظيم فيه أجر ، سريعة فيه أوْبتكم إن شاء اللّٰه . ثم نزل.
قال : فوالّذي لا إلٰه غيره ما مرَّتْ ثالثة حتى خرجت في ستة آلاف، ثم لزمت شاطيء الفرات، فأغذَذْتُ السير حتى أمُرَّ بهِيت، فبلغهم أنّي قد غشيتهم فقطعوا الفرات، فمررت بها وما بها عَرِيب (2)، كأنّها لم تُحْلَلْ قطّ، فوطئتُها حتى أمرَّ بصندوداء، ففرّوا فلم ألق بها أحداً، فأمِضي حتى أفتتحَ الأنبار ، وقد نَذِرُوا بي فخرجَ صاحب المسْلَحة إليّ ، فوقف لي فلم أقدم أخذت غلماناً من أهل القرية، فقلت لهم : أخبروني، كم بالأنبار من أصحاب علي(علیه السلام) ؟ قالوا : عدّة رجال المسلَحة خمسمائة، ولكنهم قد تبدّدُوا ورجعوا إلى الكوفة، ولا ندري الذي يكون فيها، قد يكون مائتي رجل، فنزلت فكتّبتُ أصحابي كتائب، ثم أخذتُ أبعثهم إليه كتيبةً بعد كتيبة فيقاتلهم واللّٰه ويصبر لهم، ويطاردهم ويطاردونه في الأزقّة، فلما رأيتُ ذلك أنزلتُ إليهم نحواً من مائتين، وأتبعتُهم الخيل، فلما حملت عليهم الخيل وأمامها الرجال تمشي، لم يكن شيء حتى تفرّقوا ، وقُتِل صاحبهم في نحوٍ من ثلاثين رجلاً، وحملنا ما كان في الأنبار من الأموال، ثم انصرفت فواللّٰه ما غزوتُ غزاةً كانت أسلَم ولا أقرّ للعيون، ولا أسرّ للنفوس منها. وبلَغَني واللّٰه أنها أرعبتِ الناس، فلما عدت إلى معاوية، حدثته الحديث على وجهه، فقال: كنتَ عند ظنّي بك، لا تنزل في بلد من بُلدانِي إلا قضيتَ فيه مثل ما يقضِي فيه أميرُه ، وإن أحببت توليتَه ولّيتُك، وليس لأحد من خلْق اللّٰه عليك أمر دوني.
قال : فواللّٰه ما لبثنا إلا يسيراً، حتى رأيت رجالَ أهلِ العراق يأتونَنَا على الإبل هُرَّاباً من عسكر عليّ (علیه السلام).
قال إبرهيم : كان اسم عامل عليّ (علیه السلام)على مسلحة الأنبار أشرس بن حَسّان البكري .
وروى إبراهيم عن عبد اللّٰه بن قيس، عن حبيب بن عفيف، قال: كنتُ مع أشرس بن حَسّان
البكريّ بالأنبار على مسلحتها، إذ صَبّحنا سُفيان بن عَوْف في كتائب تلمعُ الأبصارُ منها ، فهالُونا واللّٰه ، وعلمْنا إذْ رأيناهم أنّه ليس لنا طاقة بهم ولا يَد، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرّقْنا فلم يلقهْم نصفُنا ، وايمُ اللّٰه لقد قاتلناهم فأحسنّا قتالهم، حتى كرهونا، ثم نزل صاحبنا، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) (1). ثم قال لنا : مَنْ كان لا یرید لقاء اللّٰه ، ولا يطيب نفساً بالموت، فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتِلهم، فإنّ قتالَنا إياهُمْ شاغل لهم عن طلب هارب، ومن أراد ما عند اللّٰه فما عند اللّٰه خير للأبرار، ثم نزل في ثلاثين رجُلاً، فهممت بالنزول معه، ثم أبتْ نفسي، واستقدم هو وأصحابه، فقاتلوا حتى قتلوا رحمهم اللّٰه، وانصرفنا نحن منهزمين .
قال إبراهيم: وقَدِم عِلْج من أهل الأنبار على عليّ (علیه السلام)، فأخبره الخبر، فصعِد المنبر فخطب الناس، وقال:
إن أخاكم البكريّ قد أصيب بالأنبار، وهو معتَزّ لا يخاف ما كان، واختار ما عند اللّٰه على الدنيا، فانتدبوا إليهم حتى تلاقُوهم، فإن أصبتم منهم طرفاً أنْكَلْتُموهم (2)عن العراق أبداً ما بقُوا .
ثم سكت عنهم رَجَاء أن يجيبوه أو يتكلم منهم متكلم، فلم ينبِس أحدٌ منهم بكلمة، فلما رأى صَمْتَهم نزل، وخرج يمشي راجلاً حتى أتى النُّخَيْلة، والناس يمشون خَلْفَه حتى أحاط به قوم من أشرافهم، فقالوا : ارجع يا أميرَ المؤمنين ونحن نكفيك ، فقال : ما تَكْفونني ولا تكْفُون أنفسكم! فلم يزالوا به حتى صرفوه إلى منزله، فرجع وهو واجم كتيب، ودعا سعيد بن قيس الهمْداني، فبعثه من النُّخَيلة في ثمانية آلاف، وذلك أنه أخبر أن القوم جاؤوا في جمع كثيف.
فخرج سعيد بن قيس على شاطيء الفُرات في طلب سفيان بن عوف، حتى إذا بلغ عانات سرّح أمامه هاني ءبن الخطاب الهمْدانيّ، فاتّبع آثارهم حتى دخل أدانِيَ أرض قِنّسرين وقد فاتوه، فانصرف .
قال : ولبث عليّ (علیه السلام)، تُرى فيه الكآبة والحزن، حتى قدم عليه سعيد بن قيس، وكان تلك
الأيام عليلاً ، فلم يَقْوَ على القيام في الناس بما يريده من القول، فجلس بباب السّدَّة التي تصل إلى المسجد، ومعه ابناء حسن وحسين(علیه السلام) ، وعبد اللّٰه بن جعفر، ودعا سعداً مولاه، فدفع إليه الكتاب، وأمره أن يقرأه على الناس، فقام سعد بحيث يستمع عليّ (علیه السلام)صوتَه، ويسمع ما يردّ الناس عليه ، ثم قرأ هذه الخطبة التي نحن في شرحها .
وذكر أنّ القائم إليه ، العارض نفسَه عليه جندَب بن عفيف الأزديّ، هو وابن أخ له يقال له : عبد الرحمن بن عبد اللّٰه بن عفيف .
قال : ثم أمر الحارث الأعور الهمدانيّ، فنادى في الناس: أين مَنْ يَشْتري نفسَه لربه ويبيع دنياه بآخرته؟ أصبحوا غداً بالرُّحبة إن شاء اللّٰه، ولا يحضُر إلا صادق النِّيّة في السير معنا، والجهاد لعدوّنا فأصبح وليس بالرّحبة إلا دُون ثلاثمائة، فلما ،عرضهم، قال : لو كانوا ألفاً كان لي فيهم رأي. وأتاه قوم يعتذرون، فقال: ﴿وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ) (1)، وتخلّف المكذّبون، ومكث أياماً بادياً حزنه شديد الكآبة ، ثم جمع الناس فخطبهم فقال: أما بعد، أيّها الناس، فواللّٰه لأهلُ مصركم في الأمصار أكثرُ من الأنصار في العرب، وما كانوا يوم أعْطَوا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله وسلم) أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين حتى يبلِّغ رسالات ربّه إلا قبيلتين، قريباً مولدهما، ما هما بأقدَمِ العرب ميلاداً ، ولا بأكثرهم عدداً . فلما أووا النبي (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)وأصحابه، ونصروا اللّٰه ودينه، رمتْهم العرب عن قوس واحدة، فتحالفت عليهم اليهود، وغزتهم القبائل قبيلةً بعد قبيلة، فتجرّدُوا لنصرة دين اللّٰه ، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل، وما بينهم وبين اليهود من الحِلْف، ونصبوا لأهل نجد وتِهامة وأهل مكة واليمامة، وأهل الحَزْن والسهل، وأقاموا قَناة الدين، وصبروا تحت حَماس الجلاد، حتى دانت العرب لرسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، ورأى منهم قرة العين قبل أن يقبضه اللّٰه عزّ وجل إليه، وأنتم اليوم في الناس أكثر من أولئك ذلك الزمان في العرب.
فقام إليه رجُل آدمُ طُوال، فقال : ما أنت بمحمد، ولا نحن بأولئك الذين ذكرتَ، فقال(علیه السلام): أحسِن سَمْعاً تُحسِنْ إجابة! ثكلْتكم الثَّواكل! ما تزيدونني إلا غَمَّا ! هل أخبرتُكم أني محمد، وأنكم الأنصار! إنما ضربت لكم مثلاً ، وإنما أرجو أن تَتَأسَّوْا بهم .
ثم قام رجل آخر ، فقال : ما أحوجَ أمير المؤمنين اليوم وأصحابه إلى أصحاب النَّهْرَوَان. ثم تكلم الناس من كل ناحية ولغطوا، وقام رجل منهم فقال بأعلى صوته : استبان فَقْدُ الأشتر على أهل العراق ! أشهد لو كان حَيَّا لقلّ اللَّغَط، ولعلم كلّ امريء ما يقول.
1) سورة التوبة، الآية : 90 .
فقال عليّ (علیه السلام): هبِلتكم الهوابل! أنا أوْجَبُ عليكم حقاً من الأشتر، وهل للأشتر عليكم
من الحق إلا حق المسلم على المسلم !
فقام حُجْر بن عديّ الكنديّ وسعيد بن قيس الهَمْدَانيّ ، فقالا : لا يُسْؤك اللّٰه يا أمير المؤمنين، مُرْنَا بأمرك نتبعه فو اللّٰه ما نُعِظم جَزَعاً على أموالنا إن نفدت، ولا على عشائرنا إن قُتِلتْ فى طاعتك، فقال : تجهَّزوا للمسير إلى عدوّنا .
فلما دخل منزله ودخل عليه وجوه أصحابه، قال لهم : أشيروا عليّ برجل صَلِيب ناصح، يحشر الناس من السّواد. فقال له سعيد بن قيس: يا أمير المؤمنين، أشير عليك بالناصح الأريب الشجاع الصليب، معقِل بن قيس التميمي، قال: نعم.
ثم دعاه فوجهه ، فسار فلم يقدم حتى أصيب أمير المؤمنين (علیه السلام).
الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوَدَاع ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَقَتْ باطِّلاع ، أَلاَ وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارِ ، وَغَداً السِّبَاقِ، وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ وَالْغَايَةُ النَّارِ .
أَفَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ! أَلَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ!
ألاَ وَإِنَّکُمْ فِي أَيَّامٍ أَمَل مِنْ وَرَائِهِ أَجَل فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِه قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضْرَرْهُ أَجَلُه . وَمَنْ قَصّرَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُه ، وَضَرَّهُ أَجَلُه .
أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ، كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ .
أَلاَ وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا ، وَلَا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا .
ألاَ وَإِنَّهُ مَنْ لاَ يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْبَاطِل، وَمَنْ لا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى، يَجُرُّ بِهِ الضَّلالُ إِلَى الرَّدَى .
أَلاَ وَإِنَّکُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْن، ودُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ، وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ اتَّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَل، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تُحْرِزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً .
قال الرضي رحمه اللّٰه : وَأَقُولُ : إِنَّهُ لَو كَانَ كلامٌ يَأْخُذ بِالأعْنَاقِ إِلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ، وَيَضْطَرُّ إِلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ لَكَانَ هَذَا الْكَلاَمَ. وَكَفَى بِهِ قَاطِعاً لِمَلائِقِ الآمال، وَقَادِحاً زِنَادَ الاتِّعَاظِ والازْدِجار. ومن أَعْجَبِهِ قولُه عَليهِ السَّلام: «أَلاَ وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وَغَداً السِّبَاقَ،
وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ وَالْغَايَةُ النَّارِ»، فَإِنَّ فِيهِ مَعَ نَخَامَةِ اللَّفْظِ ، وَعِظَمِ قَدْرِ الْمَعْنَى ، وَصَادِقِ التَّمْثِيلِ، وَوَاقِعِ التَّشْبِيهِ، سِرَّا عَجيباً ، وَمَعْنِّى لَطيفاً ، وَهُوَ قَوْلُه عَلَيْهِ السَّلاَمُ «وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ وَالْغَايَةُ النَّارِ» ، فَخَالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لاخْتِلافِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ «السَّبَقَةُ النَّارُ» كَمَا قَالَ: «السَّبَقَةُ الْجَنَّةُ» لِأَنَّ الْاسْتِبَاقَ إِنَّمَا يَكُونُ إِلَى أَمْرٍ مَحْبُوبٍ وَعْرَضٍ مَطْلُوبٍ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْجَنَّةِ، وَلَيْسَ هذا المعْنَى موجُوداً في النَّارِ ، نَعُوذُ باللّٰه مِنْهَا ! فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ : «والسَّبَقَةُ النَّارُ» بلْ قال : «وَالْغَايَةُ النَّار»، لأنَّ الغايَةَ قَدْ يَنْتَهِي إِليهَا مَنْ لاَ يَسُرُّهُ الانْتِهَاءُ إِليَها ، وَمَنْ يُسُرُّهُ ذَلِكَ فَصَلَحَ أَنْ يُعَبَّرَ بِهَا عَنِ الْأَمْرَيْنِ مَعاً ، فَهِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَالْمَصِيرِ وَالْمَالِ، قَالَ اللّٰه تَعَالَى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) (1)، وَلا يَجُوزُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يُقَال: فَإِنَّ «سَبَقَتَكُمْ إلى النَّارِ». فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَبَاطِنُهُ عَجِيبٍ، وَغَوْرُهُ بَعِيدٌ لَطِيفٌ، وَكَذٰلِكَ أَكْثَرُ كَلامِهِ عَلِيهِ السَّلاَم.
وَفي بَعْضِ النُّسَخِ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «وَالسُّبْقَةُ الْجَنَّةُ»، بضمّ السّين، والسُّبْقَةُ عِنْدَهُمْ: أَسْمٌ لِمَا يُجْعَلُ لِلسَّابِقِ، إِذَا سَبَقَ مِنْ مال أَوْ عَرَضِ وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ جَزَاءً عَلَى فِعْلِ الْأَمْرِ الْمَحْمُود.
الشرح: آذنت: أعلمت. والمضْمار ،منصوب، لأنه اسم «إنّ» . واليوم ظرف، وموضعه رفع، لأنه خبر «إن»، وظرف الزمان يجوز أن يكون خبراً عن الحدَث والمضمار: وهو الزمان الذي تضمّر فيه الخيل للسباق، والضّمْر: الهزال وخفة اللّحم. وإعراب قوله : «وغداً السباق» على هذا الوجه أيضاً .
ويجوز الرفع في الموضعين على أن تجعلهما خبر «إنّ» بأنفسهما .
وقوله(علیه السلام) : «ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه» أخذه ابن نسباتة مصالتةً، فقال في بعض
خطبه : «ألا عاملٌ لنفسه قبل حلول رَمْسِه».
قوله : «ألا فاعملوا في الرغبة» ، يقول : لا ريب أنّ أحدكم إذا مسّه الضُّر من مرض شديد، أو خوف مُقْلِق، من عدوّ قاهر، فإنه يكون شديد الإخلاص والعبادة، وهذه حال من يخاف الغرق في سفينة تتلاعب بها الأمواج، فهو(علیه السلام) أمر بأن يكون المكلّف عاملاً أيام عدم الخوف، مثل عمله وإخلاصه وانقطاعه إلى اللّٰه أيام هذه العوارض .
1) سورة إبراهيم، الآية: 30 .
قوله : «لم أر كالجنة نام طالبها»، يقول: إنّ مِن أعجب العجائب من يؤمن بالجنة كيف يطلبها وينام !ومن أعجب العجائب من يوقن بالنار، كيف لا يهرب منها وينام! أي لا ينبغي أن ينام طالب هذه ولا الهارب من هذه.
وقد فسر الرضيّ (رحمه اللّٰه تعالى) معنى قوله : «والسبَقة الجنة»
ونحن نورد في هذا الفصل نكتاً من مواعظ الصالحين يرحمهم اللّٰه ، تناسب هذا المأخذ. فمما يؤثر عن أبي حازم الأعرج - كان في أيام بني أمية - قوله لعمر بن عبد العزيز، وقد قال :له يا أبا حازم، إنّي أخافُ اللّٰه مما دخلتُ فيه، فقال: لست أخاف عليك أن تخاف، وإنما أخاف عليك ألا تخاف.
وقيل له : كيف يكون الناسُ يوم القيامة؟ قال: أما العاصي فآبقٌ قُدِم به على مولاه، وأما المطيع فغائب قَدِم على أهله.
ومن كلامه : إنما بيني وبين الملوك يوم واحد، أما أمسِ فلا يجدون لذته، ولا أجد شدّتَه، وأما غداً فإني وإياهم منه على خطر، وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون!
ومن كلامه : إذا تتابعتْ عليك نِعَمُ ربك وأنت تعصيه فاحْذَره .
وقال له سليمان بن عبد الملك: عِظْني ، فقال : عَظم ربَّك أن يراك حيث نَهَاك، أو يفقِدك حيث أمرك . وقيل له : ما مالك ؟ قال : شيئان لا عُدْم (1)بي معهما : الرضا عن اللّٰه ، والغنى عن الناس.
و من کلامه : عجباً لقوم يعملون لدارِ يَرْحلون عنها كلّ يوم مرحلة، ويتركون أن يعملوا لدار يرحلون إليها كلّ يوم مرحلة !
ومن كلامه : إن عوفينا من شرّ ما أعطانا، لم يضرّنا فَقْدُ ما زُويَ عنا.
ومن کلامه : نحن لا نريد أن نموتَ حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت.
ولما ثُقِلَ عبدُ الملك رأى غسالاً يلوِي بيده ثوباً ، فقال : وددت أني كنت غسالاً مثل هذا، أعيش بما أكتسب يوماً فيوماً، فذكِرَ ذلك لأبي حازم، فقال الحمد اللّٰه الذي جعلهم عند الموت يتمنَّوْن ما نحن فيه، ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه .
1) العُدْم : أَعْدَمَ عُدْماً : افتقر وصار ذا عدم .
ومن كلام غيره من الصالحين: دخل سالم بن عبد اللّٰه بن عمر على هشام بن عبد الملك في الكعبة، فکلمه هشام، ثم قال له: سَلْ حاجَتك، قال: معاذ اللّٰه أن أسأل في بيت اللّٰه غيرَ اللّٰه . وقيل لرابعة القَيْسِيّة : لو كلّمت أهلَكِ أن يشترُوا لك خادماً يكفيك مؤنة بيتك! قالت : إنّي لأستحيي أن أسأل الدنيا مَنْ يملكها، فكيف مَنْ لا يملِكها !
وقال بكر بن عبد اللّٰه : أطفئوا نارَ الغضب بذكْر نار جهنم عامر بن عبد القيس : الدنيا والدة للموت، ناقضة للمبْرم ،مرتجعة للعطية، وكلّ مَنْ فيها يجري إلى ما لا يدري، وكلّ مستقرّ فيها غير راضٍ بها، وذلك شهيد على أنّها ليست بدار قرار .
باع عتبة بن عبد اللّٰه بن مسعود أرضاً له بثمانين ألفاً، فتصدّق بها، فقيل له : لو جعلتَ هذا المال أو بعضه ذُخراً لولدك ! قال : بل أجعل هذا المال ذُخْراً لي، وأجعل اللّٰه تعالى ذُخْراً لولدي.
رأى إياس بن قتادة شيبةً في لحيته ،فقال : أرى الموت يطلُبني، وأراني لا أفوته. فلزم بيتَه وترك الاكتساب. فقال له أهله: تموت هُزالاً! قال: لَأن أموتَ مؤمناً مهزولاً أحبُّ إليّ من أعيش منافقاً سميناً .
بكر بن عبد اللّٰه المزنيّ : ما الدّنيا ليت شعري! أمّا ما مَضَى منها فحُلْم، وأما ما بقي فأمانيّ !
مُوَرّق العجليّ : خَيْرٌ من العُجبِ بالطاعة ألا تأتيَ بالطاعة.
و من کلامه: ضاحِكٌ معترف بذنبه ، خير من باك مُدِلِّ على ربه .
ومن کلامه: أوحى اللّٰه إلى الدنيا : مَنْ خَدَمني فاخدُميه، ومن خَدَمك فاستخدميه . قيل لرابعة : هل عَمِلْتِ عملاً ترين أنّه يُقبل منك؟ قالت : إن كان فخوفي أنْ يُرَدَّ عليّ .
نظر حبيب إلى مالك بن دينار، وهو يقسّم صدقته علانية ،فقال : يا أخي، إنّ الكنوز لتُسْتَر ،فما بال هذا يجْهَرُ به !
قال عمرو بن عُبيد للمنصور : إن اللّٰه أعطاك الدنيا بأسْرِها، فاشتر نفسك منه ببعضها، وإن هذا الذي أصبح اليوم في يدك لو كان مما يبقى على الناس لبقي في يد مَنْ كان قبلك، ولم يصر إليك، فاحذَرْ ليلة تمخّض بيوم لا ترى بعده إلا يوم القيامة. فبكى المنصور، وقال: يا أبا عثمان سلْ حاجة، قال :حاجتي ألا تعطيَني حتى أسأَلك، ولا تدْعني حتى أجيئك ، قال : إذن لا نلتقي أبداً، قال : فذاك أريد.
كان يقال : الدّنيا جاهلة، ومِنْ جَهْلها، أنّها لا تعطي أحداً ما يستحقّه، إما أن تزيدَه، وإما أن تَنْقُصه .
قيل لخالد بن صفوان : مَنْ أبلغُ الناس؟ قال : الحسنَ ، لقوله : فضح الموتُ الدنيا.
قيل لبعض الزهاد: كيف سُخْط نفسك على الدنيا؟ قال: أيقنت أني خارج منها كرهاً، فأحببت أن أخرُج منها طوعاً .
مرّ إبراهيم بن أدهم بباب أبي جعفر المنصور، فنظر السلاح والحرس، فقال: المريب خائف.
قيل لزاهد : ما أصبرَك على الوحدة !قال، كلاّ أنا أجالسُ ربِّي، إذا شئت أن يناجيَني قرأت كتابَه، وإذا شئت أن أناجيَه صلّيت .
كان يقال : خف اللّٰه لقدرته عليك، واستحِ منه لقربه منك.
قال الرشيد للفُضَيل بن عياض : ما أزهدك قال أنت يا هارون أزهَدُ مني، لأنّي زَهِدتُ في دنيا فانية، وزهدتَ في آخرةِ باقية.
وقال الفُضَيل: يا ربِّي، إني لأستحيي أن أقول : توكّلت عليك، لو توكلت عليك ما خفتُ إلا منك، ولا رجوتُ إلا إيّاك .
عوتب بعض الزهاد عَلَى كثرة التصدق بماله ، فقال : لو أراد رجل أن ينتقل من دارٍ إلى دار ، ما أظنّه كان يترك في الدار الأولى شيئاً !
قال بعض الملوك لبعض الزهّاد: ما لك لا تغشى بابي وأنت عَبْدي ! قال : لو علمتَ أيها الملك، لعلمت أنّك عبدُ عبدي، لأنّي أملِك الهوى والهوى يملِكك .
دخل متظلّم على سليمان بن عبد الملك، فقال : يا أميرَ المؤمنين، اذكر يوم الأذان، قال: وما يومُ الأذان؟ قال : اليوم الذي قال تعالى فيه : ﴿فَاذَنَ مُؤَذَنُ بينَهُم أَن لَّعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الظَّٰلِمِينَ ) (1)فبكى سليمان وأزال ظلامته .
سئل الفُضَيل بن عياض عن الزّهد، فقال : يجمعه حرفان في كتاب اللّٰه : (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ ما فاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَآ وَاتَئٰكُمْ ) (2)
كتب يحيى بن خالد من الحبس إلى الرشيد : ما يمرُّ يومٌ من نعيمك إلا ويمرُّ يوم من بؤسي، وكلاهما إلى نفادِ .
قيل لحاتم الأصمّ : علام بنيتَ أمرَك ؟ قال : على أربع خصال: علمتُ أنّ رزقي لا يأكله غيري فلم أهتمّ به، وعلمت أنّ عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أنّي بعين اللّٰه في كلّ حال فاستحييت منه .
نظر بعضُ الصالحين إلى رجل يفحُش في قوله ،فقال : يا هذا إنما تُمْلي على حافِظيك كتاباً إلى ربك، فانظر ما تودعه .
كان يقال : مثلُ الدنيا والآخرة مثل ضَرّتين لبعلِ واحد، إن أرضى هذه أسخط الأخرى.
قيل لبعضهم : ما مَثَلُ الدنيا ؟ قال، هي أقلّ من أن يكون لها مَثَل .
دخل لصّ على بعض الزهاد الصالحين، فلم يَر في داره شيئاً، فقال له: يا هذا ، أين متاعك ؟ قال : حوّلته إلى الدار الأخرى.
قيل للربيع بن خيثم: يا ربيعُ، ما نراك تذُمّ أحداً ! فقال : ما أنا عن نفسي براض، فأتحوّل من ذمّي إلى ذَمّ الناس، إنّ الناس خافوا اللّٰه على ذنوب العباد وأمِنوه على ذنوبهم .
قال عيسى بن موسى لأبي شيبة القاضي: لم لا تأتينا؟ قال: إن قربتني فتَنْتَني، وإن أقصيتَني أحزنْتَني، وليس عندي ما أخافك عليه، ولا عندك ما أرجوك له .
من كلام بعض الزهاد: تأمل ذا الغنى، ما أشدّ نَصَبَه، وأقل راحتَه، وأخسّ من ماله حظَّه، وأشدّ من الأيام حذره! هو بين سلطانٍ يتهضّمه (1)، وعدوِّ يبغي عليه، وحقوق تلزمه، وأكفاءِ يحسدونه، وولد يودّ فراقَه، قد بعث عليه غناه من سلطانه العَنت، ومن أكفائه الحسَد، ومن أعدائه البغْي، ومن ذوي الحقوق الذمّ، ومن الولد الملالة.
ومن كلام سُفْيانَ الثوري : يا ابن آدم، جوارحك سلاح اللّٰه عليك، بأيّها شاء قَتَلك.
میمون بن مهران في قوله تعالى: ﴿وَلا تحسبن اللّٰهَ غَفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) (2)، قال : إنها لتعزية للمظلوم، ووعيد للظالم.
دخل عبد الوارث بن سعيد على مريض يعوده، فقال له: ما نمتُ منذ أربعين ليلة، فقال : يا هذا، أحصيت ليالي البلاء، فهل أحصيت ليالي الرخاء!
بعضُهم: واعجباه لمن يفرح بالدنيا ، فإنما هي عقوبة ذنب!
ابن السّماك: خَفِ اللّٰه حَتّى كأنّك لم تُطِعْه قطّ، وارْجُه حتى كأنك لم تعصه قَطّ . بعضهم : العلماء أطبّاء هذا الخلْق، والدنيا داء هذا الخلق، فإذا كان الطبيب يطلب الداء فمتى يبريء غیره!
قيل لمحمد بن واسع :فلان زاهد، قال : وما قدر الدنيا حتى يُحْمَدَ مَنْ يزهد فيها؟ رُئيَ عبداللّٰه بن المبارك واقفاً بين مقبرة ومَزْبلة، فقيل له : ما أوقفك؟ قال: أنا بين كنزيْن من كنوز الدنيا فيهما عِبْرة : هذا كنز الأموال، وهذا كنز الرجال.
قيل لبعضهم : أتعبتَ نفسك ،فقال : راحتَها أطلب.
دخل الأسكندرُ مدينة فتحها، فسأل عمّن بقي من أولاد الملوك بها، فقيل : رجل يسكن المقابر، فدعا به، فقال : ما دعاك إلى لزوم هذه المقابر ؟ فقال : أحببت أن أميّز بين عظام الملوك، وعظام عبيدهم ، فوجدتها سواء. فقال: هل لك أن تتّبعني فأحييَ شرفك وشرف آبائك، إن كانت لك همة !قال: همّتي عظيمة، قال : وما همتُك؟ قال : حياةٌ لا موت معها، وشباب لا هرم معه، وغنى لا فقر معه، وسرور لا مكروه معه، فقال : ليس هذا عندي، قال : فدعْنِي التمسه ممن هو عنده .
مات ابنُ لعمر بن ذرّ ، فقال : لقد شغلني الحزنُ لك يا بنيّ عن الحزن عليك .
كان يقال : مِنْ هَوَان الدنيا على اللّٰه ألا يُعْصَى إلا فيها ،ولا يُنال ما عنده إلا بتركها .
ومن كلام عبد اللّٰه بن شداد: أرى دواعي الموت لا تُقلع، وأرى مَنْ مَضَى لا يرجع، فلا تزهدنّ في معروف، فإن الدّهر ذو صروف . كم من راغب قد كان مرغوباً إليه! والزمانُ ذُو ألوان، من يصحب الزمان يَرَ الهوان، وإن غُلِبتَ يوماً على المال فلا تُغْلَبَنَّ على الحيلة على كلّ حال، وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالاً، أقلَّ ما تكون في الباطن مَالاً .
كان يقال : إن مما يعجّل اللّٰه تعالى عقوبتَه: الأمانة تُخان، والإحسان يُكْفَر، والرّحم تقطع، والبغي على الناس.
الربيع بن خيثم: لو كانت الذنوب تفوح روائحُها لم يجلس أحد إلى أحد .
قيل لبعضهم : كيف أصبحت؟ قال: آسفاً على أمسِي، كارهاً ليومي، متَّهِماً لغدي.
وقيل لآخر: لم تركت الدنيا ؟ قال : أنِفْتُ مِنْ قليلها، وأنِفَ مني كثيرُها . وهذا كما قال بعضهم، وقد قيل له : لم لا تقول الشعر ، قال. ياباني جَيِّده، وآبي رديئه.
بعض الصالحين : لو أنزل اللّٰه تعالى كِتَاباً : «إني معذِّب رجلاً واحداً»، خِفْتُ أن أكونه، أو إنه راحم رجلاً واحداً، لرجوت أن أكونه.
مطرّف بن الشِّخّير: خير الأمور أوساطها، وشر السير الحَقْحَقة. وهذا الكلام قد روي مرفوعاً (1).
يحيى بن معاذ: إن للّٰه عليك نعمتين : في السراء التذكّر، وفي الضّراء التصبّر، فكن في السرّاء عبداً شكوراً، وفي الضّراء حرّاً صبوراً.
دخل ابن السّماك على الرّشيد، فقال له: عِظْني، ثم دعا بماء ليشربه ، فقال له ناشدتُك اللّٰه ،
1) ذكره العجلوني في «كشف الخفاء»، (1247) ، وقال : قال ابن الغرس ضعيف .
لو منَعك اللّٰه من شربه ما كنت فاعلاً؟ قال : كنت أفتديه بنصف ملكي. قال: فاشربه، فلما شرب، قال ناشدتك اللّٰه ! لو منعك اللّٰه من خروجه ما كنت فاعلاً؟ قال : كنت أفتدِيه بنصف ملكي، قال: إنّ مُلْكاً يُفْتدى به شربة ماء، لخَليق الاّ ينافَس عليه .
قال المنصور لعمرو بن عُبيد (رحمه اللّٰه تعالى): عِظْني، قال: بما رأيتُ أم بما سمعتُ؟ قال: بما رأيتَ قال: رأيتُ عمر بن عبد العزيز، وقد مات، فخّلف أحد عشر ابناً ، وبلغتْ تركتُه سبعة عشر ديناراً ، كُفّن منها بخمسة دنانير، واشتريَ موضع قبره بديناريْن، وأصاب كلّ واحد من ولده دونَ الدينار. ثم رأيتُ هشام بن عبد الملك، وقد مات وخلَّف عشرة ذكور، فأصاب كلّ واحد من ولده ألف ألف دينار. ورأيت رجلاً من ولد عمر بن عبد العزيز، قد حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل اللّٰه، ورأيت رجلاً من ولد هشام، يسأل الناس ليتصدقوا عليه .
حسان بن أبي سنان: ما شيء أهونُ من وَرَعٍ، إذا رابك شيء فدَعْه .
مورِّق العِجْليّ : لقد سألت اللّٰه حاجة أربعين سنة، ما قضاها ولا يئست منها، قيل : وما هي؟ قال : تَرْك ما لا يعنيني .
قَتادة : إنّ اللّٰه ليُعطِي العبد على نِيّة الآخرة ما يسأله من الدنيا، ولا يعطيه على نية الدنيا إلا الدنيا .
من كلام محمد بن واسع : ليس في النار عذابٌ أشدّ على أهلها من علمهم بأنه ليس لكربهم تنفيس، ولا لضيقتهم ترفيه، ولا لعذابهم غاية، وليس في الجنّة نعيم أبلغُ من علم أهلها بأن ذلك الملك لا يزول عنهم .
قال بعض الملوك لبعض الزّهاد: اذْمُم لي الدنيا، قال: أيّها الملك، هي الآخذة لما تُعطي، المورّثة بعد ذلك الندم، السّالبة ما تكسو، المورّثة بعد ذلك الفضوح، تسدّ بالأراذل مكان الأفاضل، وبالعجزة مكان الحَزَمة، تجد في كلِّ من كلِّ خَلَفا، وترضَى بكلِّ من كلِّ بدلاً، تُسْكِن دارَ كل قَرْنٍ قرناً ، وتُطعِم سُؤر كلِّ قوم قوماً .
الآخذة لما
ومن كلام الحجاج - وكان مع غَشْمِه وإلحاده واعظاً بليغاً مفوَّهاً - خطب فقال: اللهمّ أرني الغيّ غيا فأتجنّبَه، وأرني الهدى هدًى فأتّبعَه ولا تكلْني إلى نفسي فاضلَّ ضلالاً بعيداً ، واللّٰه ما أحبّ أن ما مضى من الدنيا بعمامتي هذه ولَمَا بقيَ منها أشبه بما مضى من الماء بالماء .
وقال مالك بن دينار : غَدَوْتُ إلى الجمعة، فجلست قريباً من المنِبْر ، فصعَدِ الحجّاج، فَسمعته يقول : امرؤ زَوَّرَ عمله، امرؤ حاسب نفسه، امرؤ فكَّر فيما يقرؤه في صحيفته، ويراه في ميزانه، أمرؤ كان عند قلبه زاجر، وعند هَمِّه آمر، امرُؤ أخذ بعنان قلبه، كما يأخذ الرجل بخِطَام
جمله، فإن قاده إلى طاعة اللّٰه تَبِعه ،وإن قاده إلى معصية اللّٰه كَفّه، إننا واللّٰه ما خلقِنا للفناء، وإنّما خلقنا للبقاء، وإنما ننتقل من دار إلى دار .
وخطب يوماً ، فقال : إن اللّٰه أمرَنا بطلب الآخرة، وكفانا مؤونة الدنيا، فليتَه كفانا مؤونة الآخرة، وأمرنا بطلب الدنيا . فقال الحَسَنُ : ضالّة المؤمن خرجتْ من قلب المنافق .
ومن الكلام المنسوب إليه - وأكثرُ الناس يروونه عن أمير المؤمنين(علیه السلام) : أيّها الناس، اقدعوا (1)هذه الأنفس، فإنها أسأل شيء إذا أعطِيَت، وأبخل لشيء إذا سُئِلَتْ، فرَحِم اللّٰه امرأ جعل لنفسه خِطاماً وزماماً، فقادها بخِطامها إلى طاعة اللّٰه، وعَطَفها بزمامها عن معصية اللّٰه ، فإني رأيت الصبر عن محارم اللّٰه أيسرَ من الصبر على عذاب اللّٰه .
ومن كلامه : إن امراً أتَتْ عليه ساعة من عمره لم يذكر فيها ربَّه، ويستغفر من ذنبه، ويفكِّر في معاده، لجدير أن يطول حُزْنه، ويتضاعف أسفُه. إن اللّٰه كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا بقاء لما كتب عليه الفناء ،ولا فناء لما كتب عليه البقاء، فلا يغرّنّكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، واقْهَرُوا طولَ الأمل بقصَر الأجل.
ونقلت من «أمالي» أبي أحمدَ العسكريّ (رحمه اللّٰه تعالى) ، قال: خطب الحجاج يوماً، فقال : أيها الناس، قد أصبحتُم في أجلٍ منقوص، وعمل محفوظ . ربّ دائب مُضِيعٌ وساعٍ لغيره .والموت في أعقابكم، والنار بين أيديكم، والجنة أمامكم ،خذوا من أنفسكم لأنفسكم، ومن غنَاكم الفقركم، ومّما في أيديكم لما بين أيديكم فكأن ما قد مضَى من الدّنيا لم يكن، وكأن الأموات لم يكونوا أحياءً، وكلّ ما ترَوْنه فإنّه ذاهب. هذه شمس عاد وثمود وقرون كثيرة بین ذلك، هذه الشمس التي طلعت على التبابعة والأكاسرة وخزائنهم السائرة بين أيديهم وقصورهم المشيدة، ثم طلعت على قبورهم! أين الملوك الأولون! أين الجبابرةُ المتكبّرون! المحاسبُ اللّٰه، والصِّراط منصوب، وجهنم تَزْفِرُ وتتوقَّد، وأهل الجنة يَنْعَمُون، هم في روضة یُحْبَروُن(2)، جعلنا اللّٰه وإيّاكم من الذين، (إذا ذُكِّرُوا بِئَايَٰتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَاناً )(3)
قال : فكان الحسن (رحمه اللّٰه تعالى) يقول : ألا تعجبون من هذا الفاجر! يَرْقَى عَتَبات المِنْبر فيتكلّم بكلام الأنبياء، وينزل فيفتِك فتكَ الجبّارين، يوافق اللّٰه في قوله، ويخالفه في فعله!
وأما ما ذكره الرضيّ (رحمه اللّٰه تعالى) من المقابلة بين السَّبَقَة والغاية، فنكتة جيّدة من علم البيان، ونحن نذكر فيها أبحاثاً نافعة، فنقول :
إمّا أنّ يُقابلَ الشيءُ ضدَّه أو ما ليس بضدّه.
فالأول كالسواد والبياض، وهو قسمان:
أحدهما : مقابِلُه في اللفظ والمعنى.
أما الأول، فكقوله تعالى : (فلیَضَحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبكُوا كَثِيرًا) (1)، فالضَّحِك ضدّ البكاء، والقليل ضدّ الكثير . وكذلك قوله تعالى : (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَئٰكُمْ ) (2). ومن كلام النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : «خير المالِ عينٌ ساهرة لعين نائمة» (3). ومن كلام أيد المؤمنين(علیه السلام) لعثمان: إن الحقّ ثقيلٌ مريء، وإن الباطل خفف وبيء، وأنت رجل إن صُدقْتَ سَخِطت، وإن كُذبت رَضِيت .
وكذلك قوله (علیه السلام) لما قالت الخوارج : لا حكمَ إلا اللّٰه : «كلمة حق أريد بها باطل».
وقال الحجاج السعيد بن جُبَير لما أراد قتله : ما اسمُك؟ فقال : سعيد بنُ جُبَير، فقال: بل شَقِيّ بن كُسَير.
وقال ابن الأثير في كتابه المسمى ب- «المثل السائر»: إن هذا النوع من المقابلة غيرُ مختصِّ بلغة العرب، فإنه لما مات قُباذ أحد ملوك الفرس، قال وزيره حرّكَنا بسكونه.
وفي أول كتاب الفصول لبقراط في الطبّ: العمر قصير والصناعة طويلة، وهذا الكتاب على لغة اليونان.
قلت : أيّ حاجة به إلى هذا التكلّف! وهل هذه الدعوى من الأمور التي جوز أن يعترِيَ الشك والشبهة فيها، ليأتيَ بحكاية مواضع من غير كلام العرب يحتجّ بها ! أليس كلّ قبيلة وكلّ أمّة لها لغة تختص بها! أليس الألفاظ دلالاتِ على ما في الأنفس من المعاني ! فإذا خطر في النفّس كلام يتضمّن أمريْن ضدّين فلا بد لصاحب ذلك الخاطر - سواء أكان عربياً أم فارسيَّا أم زِنْجِيَّا أم حبشيَّا - أن ينطق بلفظ يدل على تلك المعاني المتضادة، وهذا أمر يعمّ العقلاء كلّهم،
على أنَّ تلك اللفظة التي قالها، ما قيلت في موت قُباذ ، وإنما قيلت في موت الإسكندر، لما تكلّمت الحكماء وهم حول تابوته بما تكلّموا به من الحِكَم.
ومما جاء من هذا القسم من المقابلة في الكتاب العزيز قوله تعالى في صفة الواقعة :
(خَافِضَةٌ رَافِعَةُ) (1)، لأنها تخفض العاصين، وترفع المطيعين.
وقوله تعالى : (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) (2)وقوله : (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَفِرِينَ )(3)
ومن هذا الباب قول النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) للأنصار : «إنّكم لتَكثُرون عند الفَزع وتَقِلّون عند
الطَّمع»(4)
ومما جاء من ذلك في الشعر قول الفرزدق يهجو قبيلة جرير :
يَسْتَيْقِظُون إلى نَهِيقِ حَمِيرِهْم*** وَنَنَامُ أَعْيُنُهُمْ عَن الْأَوْتَارِ
وقال آخر :
فَلاَ الْجُودُ يُغْنِي المالَ وَالجدُّ مُقبلٌ*** وَلا الْبُخْلُ يُبقي المَالَ والجَدّ مُدْبِرُ
وقال أبو تمام
ما إِنْ تَرَى الأَحْسَابَ بيضاً وُضّعاً ***إلاّ بحيثُ تَرَى المنايا سُودَا
وكذلك قال من هذه القصيدة أيضاً :
شَرَفٌ عَلَى أُولَي الزَّمَانِ وإِنَّمَا*** خَلَقُ المَنَاسِب ما يكونُ جَدِيدَا
وأما القسم الثاني من القسم الأول، وهو مقابلةُ الشيء بضدِّه بالمعنى لا باللفظ ، فكقول المقنّع الكنْدِيّ: لَهُمْ جُلُّ مَا لِي إِنْ تَتَابَعَ لِي غَنَى*** وإِنْ قَلَّ مَالِي لا أُكلِّفُهُمْ رِفْدًا
فقوله : «إن تتابع لي غنَى» في قوّة قوله: «إن كَثُر مالي» والكثرة ضدّ القلة، فهو إذنْ مقابل بالمعنى لا باللفظ بعينه.
ومن هذا الباب قول البحتري :
تَقیّضُ لي مِنْ حَيْثُ لا أعلمُ النَّوَى*** وَيَسْرِي إلي الشوقُ مِنْ حَيْثُ أَعْلُم
فقوله : «لا أعلم» ليس ضدَّا لقوله : «أعلم» ، لكنّه نقيضٌ له، وفي قوَّة قوله : «أجهل»، والجهل ضدّ العلم .
ومن لطيف ما وقعت المقابلة به من هذا النوع قولُ أبي تمام :
مَهَا الوحْشِ إلاَّ أنَّ هَاتاً أوانِسٌ*** قَنا الخَطِّ (1) إلا أنْ تِلْكَ ذَوَابلُ (1)
فقابل بین«ھاتا»وبين «تلك»، وهي مقابلةٌ معنوية لا لفظية لأنّ «هاتا» للحاضرة، و«تلك»
للغائبة، والحضور ضدّ الغيبة.
وأما مقابلة الشيء لما بضدّه، فإمّا أن يكون مِثْلاً أو مخالفاً .
والأوّل على ضربيْن: مقابلة المفرد بالمفرد، ومقابلة الجملة بالجملة.
مثال مقابلة المفرد بالمفرد قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللّٰهَ فَأَنسَٰهُمْ أَنفُسَهُمْ )(2)، وقوله : (وَمَكَرُوا مكراً ومكرْنَا مَكْرًا) (3)، هكذا قال نصر اللّٰه بن الأثير.
قال : وهذا مراعى في القرآن الكريم إذَا كان جواباً كما تقدم من الآيتين، وكقوله (وَجَزَاؤُاً
سَیئةٍ سَیئةٌ مِثْلُها ) (4)وقوله : (مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ)(5)
قال : وقد كان يجوز أن يقول : «من كفر فعليه ذنبُه» ، لكنّ الأحسن هو إعادة اللفظ، فأما إذا كان غير جواب لم تَلزم فيه هذه المراعاة اللفظّية، بل قد تقابَل اللفظةُ بلفظة تفيد معناها ، وإن لم تكن هي بعينها، نحو قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ) (6)فقال: «يفعلون» ولم يقل «يعملون» .
وكذلك قوله تعالى: (فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ) (7)، ولم يقل : «قالوا لا تفزع»
وكذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّٰهِ وَءَايٰتِهِ، وَرَسُولِهِ. كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ) (8)، ولم يقل «كنتم تخوضون وتلعبون».
قال : ونحو ذلك من الأبيات الشّعرية قولُ أبي تمام:
بَسَطَ الرَّجَاء لَنَا بِرَغم نوائبِ*** كَثُرَتْ بِهِنَّ مَصَارعُ الآمالِ
فقال : «الآمال» عوّض «الرجاء»، قال أبو الطيب :
إنِّي لأعْلَمُ واللَّبِيبُ خَبيرُ ***أنّ الحياةَ - وإن حَرَصْتَ - غُرُورُ
فقال: «خبير» ولم يقل: «عليم».
قال : وإنما حَسُن ذلك، لأنه لَيس بجواب، وإنما هو كلام مبتدأ .
قلت : الصحيح أنّ هذه الآيات، وهي قوله تعالى : (نَسُوا اللّٰهَ فَانسَٰهُمْ أَنفُسَهُمْ (1)وما شابهها ليست من باب المقابلة التي نحن في ذكرها، وأنّها نوع آخر، ولو سُمَّيْت: المماثلة أو المكافأة لكنا أولى، والدليل على ذلك أنّ هذا الرجل حَدّ المقابلة أوّل الباب الذي فُكِر هذا البحث فيه، فقال : إنّها ضدُّ التجنيس، لأن التجنيس أن يكونَ اللفظُ واحداً مختلف المعنى، وهذه لابد أن تتضمّن معنيين ضدين، وإن كان التضادّ مأخذواً في حدّها، فقد خرجت هذه الآيات من باب المقابلة، وكانت نوعاً آخر.
وأيضاً فإنّ قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا ) (2)ليس من سِلْك الآيات الأخرى، لأنه بالواو والآيات الأخرى، بالفاء، والفاء جواب، والواو ليست بجواب.
وأيضاً، فإنّا إذا تأملنا القرآن العزيز لم نجد ما ذكره هذا الرجل مطّرداً، قال تعالى : (أَمَّا مَنِ استغنىٰ(5) فَأَنتَ لَمْ تَصَدَّىٰ(6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَىٰ(7) وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ(8) وَهُوَ یخشَىٰ(9) فَأَتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ(10))(3)، فلم يقل في الثانية: «وأما من جاءك يسعى وهو فقير» .
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَىٰ(5) وَصَدَّقَ بِالحُسْنیٰ(6 )فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)) (4)، فقابل بين «أعطى» و «بخل» ولم يقابِلْ بين «اتقى» و «استغنى»، ومثل هذا في القرآن العزيز كثير، وأكثر من الكثير .
وقد بانَ الآن أنّ التقسيمَ الأوّل فاسد، وأنه لا مقابلة إلا بين الأضداد وما يجري مجراها .
وأمّا مقابلةُ الجملة بالجملة في تقابل المتماثليْن، فإنه إذا كانتْ إحداهما في معنى الأخرى وقعت المقابلة، والأغلب أن تُقابَل الجملةُ الماضية بالماضية، والمستقبَلةُ بالمستقبَلة .
وقد تُقابَل الجملة الماضية بالمستقبلة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبمَا يُوحِى إِلَىَّ ربّی) (5)، فإنّ هذا تقابل من جهة المعنى، لأنّه لو كان لأنه لو كان من جهة
اللفظ لقال : «وإن اهتديت فإنّما أهتدي لها».
ووجه التقابُل المعنويّ، هو أن كلّ ما على النفس فهو بها ، أعني كلّ ما هو عليها وبالٌ وضرر
فهو منها وبسببها، لأنها الأمّارة بالسوء ، وكلّ ما لها مما ينفعها فهو بهداية ربِّها وتوفيقه لها .
و من ذلك قوله تعالى : (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً) (1)، فإنه لم يراع التقابُلَ اللفظيّ ، ولو راعاه لقال: والنهار ليبصروا فيه، وإنّما المراعاة لجانب المعنى، لأنّ معنى «مبصراً» ليبصروا فيه طرق التقلّب في الحاجات.
وأما مقابلةُ المخالف، فهو على وجهين :
أحدهما: أن يكون بين المقابل والمقابَل نوع مناسبة وتقابُل ، كقول القائل :
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أهل الظُّلْمِ مَغْفِرَةً*** ومِنْ إساءة أهْل السُّوء إحْسَانَا
فقابل الظلم بالمغفرة، وهي مخالفة له، لَيست مثله ولا ضدّه، وإنما الظلم ضدّ العدل، إلا أنّه لما كانت المغفرة قريبة من العدل حَسُنت المقابلة بينها وبين الظلم، ونحو هذا قوله تعالى :
و أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (2)، فإنّ الرحمةَ ليستْ ضِدِّ للشدّة، وإنما ضدّ الشدة اللين، إلا
أنّه لما كانت الرحمة سبباً للّين حَسُنت المقابلة بينها وبين الشدّة.
وكذلك قوله تعالى : (إن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا ) (3)، فإنّ المصيبة أخصُّ من السّيئة، فالتقابل ها هنا من جهة العموم والخصوص.
الوجه الثاني : ما كان بين المقابِل والمقابَل بُعْد، وذلك مما لا يحسُن استعماله، كقول امرأة من العرب لابنها، وقد تزوج بامرأة غير محمودة :
تَرَبَّصُ بها الْأَيَّامَ عَلَّ صُرُوفَهَا*** سَتَرْمِي بِهَا فِي جَاحِمٍ مُتَسَعِّرِ
فَكَمْ مِنْ كَرِيم قَدْ مَنَاهُ إِلٰهُهُ*** بِمَذْمُومَةِ الأخْلاَقِ واسعةِ الحِر
ف- «مذمومة» ليست في مقابلة «واسعة»، ولو كانت قالت : «بضيّقة الأخلاق»، كانت المقابلة
صحيحة، والشعر مستقيماً. وكذلك قول المتنبي :
لِمَنْ تَطْلُبُ الدُّنْيَا إذا لم تُرِدْ بِهَا*** سُرورَ مُحبِّ أو مَسَاءَ مُجْرِم !
فالمقابلة الصحيحة بين المحبّ والمبغض، لا بین المحبّ والمجرم.
قلت : إنّ لقائل أن يقول : هلاً قلت في هذا ما قلت في السيئة والمصيبة ! ألستَ القائل: إن التقابُلَ حَسَنٌ بين المصيبة والسيئة، لكنه تقابُل العموم والخصوص! وهذا الموضع مثله أيضاً، لأنّ كل مبغض لك مجرم إليك، لأنّ مجرد البغضة جُرْم، ففيهما عموم وخصوص.
بل لقائل أن يقول : كلّ مُجْرِمِ مُبْغِض، وكلّ مُبْغِض مُجْرم، وهذا صحيح مطّرد .
29- ومن خطبة له(علیه السلام) في ذم المتخاذلين
الأصل: أَيُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُم، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، كَلامُكُمْ يُوحِي اَلصُّمَّ الصِّلابَ، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الْأَعْدَاءَ.
تَقُولُونَ فِي الْمَجَالِسِ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ : حِيدِي حَيَادِ!مَا عَزِّتْ دَعْوَةُ مَنْ عَاكُمْ، وَلَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ. أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ، دِفَاعُ ذِي الدَّيْنِ المَطُول .
لاَ يَمْنَعُ الضَّيْمَ الذَّلِيلُ، وَلاَ يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلا بِالْجِدِّ .
أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ! وَمَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ! الْمَغْرُورُ وَاللّٰه مَنْ غَرَرْتمُوهُ، وَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ وَاللّٰهُ بِالسِّهْمِ الْأَخْيَب، وَمَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ .
أَصْبَحْتُ وَاللّٰه لا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَلَا أَطْمَعُ في نَصْرِكُمْ، وَلَا أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ.
مَا بَالُكُمْ؟ مَا دَوَالُكُمْ؟ مَا طِبّكُمْ؟ الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ .
أَقَوْلاً بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَغَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ، وَطَمَعاً فِي غَيْرِ حَقِّ!
الشرح: حِيدي حَيَادِ، كلمة يقولها الهارب الفارّ، وهي نظيرة قولهم: «فيحي فَياحِ»، أي اتّسعي، وصَمّي صَمامِ، للداهية. وأصلُه من حاد عن الشيء، أي انحرفَ، وحَيَادِ، مبنیّة على الكسر ، وكذلك ما كان من بابها ، نحو قولهم : بَدَارِ ، أي ليأخذْ كلّ واحدٍ قِرْنه . وقولهم : خراج في لعبة للصبيان، أي اخرجوا. والباء في قوله : «بأضاليل» متعلقة ب-«أعاليل» نفسها، أي يتعلّلون بالأضاليل التي لا جَدْوى لها .
والسَّهم الأفْوَق : المكسور الفُوق، وهو مَدْخَل الوتر. والناصل : الذي لا نَصْل فيه، يخاطبهم فيقول لهم : أبدانكم مجتمعة وأهواؤكم ،مختلفة، متكلّمون بما هو في الشدّة والقوة يُوهِي الجبال الصّمّ الصلْبة، وعند الحرب يظهر أنّ ذلك الكلام لم يكن له ثمرة .
تقولون في المجالس كَيْتَ وكَيْت، أي سنفعل وسنفعل، وكَيْت وكَيْت كناية عن الحديث، كما كُنِيَ بفلان عن العلَم ،ولا تستعمل إلا مكرّرة، وهما مخفّفان من «كَيّة» وقد استعملتْ على
الأصل، وهي مبنية على الفتح. وقد رَوَى أئمة العربية فيها الضّمّ والكَسر أيضاً .
فإذا جاء القتال فررتم وقلتم : الفِرارَ الفِرارَ .
ثم أخذ في الشكوى، فقال: مَنْ دعاكم لم تعزّ دعوتُه ، ومَنْ قاساكم لم يسترِحْ قلبُهُ . دأبُكم التعلّل بالأمور الباطلة، والأمانيّ الكاذبة. وسألتموني الإرْجاءَ وتأخُّر الحرب كمن يمطُل بديْن لازمِ له .والضَّيْم لا يدفعه الذليل، ولا يدرَك الحقّ إلا بالجِدّ فيه والاجتهاد وعدم الانكماش.
وباقي الفصل ظاهر المعنى .
وقوله : «القوم رجال أمثالكم» مثل قول الشاعر :
قَاتِلوا القومَ يا خُزَاعَ وَلاَ*** يَدْخُلْكُمْ من قتالِهِمْ فَشَلُ
القومُ أمثالُكُمْ لَهُمْ شَعَرٌ ***في الرأْسِ لا يُنْشَرون إن قُتِلوا
وهذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين علیه السلام في غارة الضحاك بن قيس، ونحن نقصُّها هنا :
روى إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفيّ في كتاب «الغارات» قال : كانت غارة الضّحاك بن قيس بعد الحكَمَيْن، وقبل قتال النّهْرَوَان، وذلك أن معاويةَ لَمّا بلغه أنّ عليَّا علیه السلام بعد واقعة الحكمين تحمّل إليه مُقبلاً، هاله ذلك، فخرج من دِمَشْق معسكراً، وبعث إلى كُور الشام، فصاح بها : إنّ عليَّا قد سار إليكم. وكتب إليهم نسخة واحدة، فقرِئَتْ على الناس : أمّا بعد، فإنّا كنا كتبْنا كتاباً بيننا وبين عليّ ، وشرطْنَا فيه شروطاً، وحكَّمْنا رجُلين يحْكُمان علينا وعليه بحُكْم الكتاب لا يعدُوَانه، وجعلْنا عهدَ اللّٰه وميثاقَه على مَنْ نكث العهد ولم يُمْضِ الحُكْم، وإنّ حَكَمِي الذّي كنت حكَمْتُه أثبتني، وإنّ حكَمه خَلعه ، وقد أقبل إليكم ظالماً، (فَمَن نكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ) (1)، تجهّزوا للحرب بأحسن الجِهاز، وأعدّوا آلة القتال، وأقبِلوا خِفافاً وثقالاً يَسِّرنا اللّٰه وإياكم لصالح الأعمال! فاجتمع إليه الناس من كلّ كُورة وأرادوا المسيرَ إلى صِفّين، فاستشارهم وقال: إنَّ عليَّا قد خرج من الكوفة، وعَهْد العاهد به أنّه فارق النُّخَيْلة.
فقال حبيب بن مسلمة : فإنِّي أرى أن نخرج حتى ننزل منزلنا الذي كنّا فيه، فإنّه منزل مبارك، وقد متّعنا اللّٰه به وأعطانا من عدوِّنا فيه النَّصَف .
1) سورة الفتح، الآية: 10 .
وقال عمرو بن العاص : إني أرى لك أن تسيرَ بالجنود حتى تُوغِلَها في سلطانهم من أرض الجزيرة، فإنّ ذلك أقوى لجندك ، وأذلُّ لأهْلِ حَرْبك. فقال معاوية : واللّٰه إني لأعرف أنّ الذي تقول كما تقول، ولكن الناس لا يطيقُون ذلك . قال عمرو : إنها أرضٌ رفيقة، فقال معاوية : إنَّ جهدَ الناس أن يَبْلُغوا منزلهم الذي كانوا به - يعني صِفّين.
فمكثوا يجيلون الرأيَ يومين أو ثلاثة، حتى قدِمت عليهم عيونُهم أن عليَّا اختلف عليه أصحابُه ففارقْته منهم فرقة أنكرت أمرَ الحُكومة، وأنه قد رجع عنكم إليهم. فكَبّر الناس سُروراً لانصرافه عنهم، وما ألقى اللّٰه عز وجل من الخلاف بينهم .فلم يَزَلْ معاوية مُعَسْكِراً في مكانه، منتظراً لما يكون من عليِّ وأصحابه، وهل يُقبل بالناس أم لا؟ فما برح حتى جاء الخبر أن عليَّا قد قَتَل أولئك الخوارج، وأنّه أراد بعد قتلهم أن يُقبل بالناس، وأنهم استنظروه ودافعوه. فسرّ بذلك هو ومَن قِبَله من الناس.
قال ورَوى ابنُ أبي سيف، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن عبد الرحمن بن مسعدة الفزاريّ، قال : جاءنا كتاب عُمارة بن عُقبة بن أبي مُعَيْط، وكان بالكوفة مقيماً، ونحن معسكرون مع معاوية، نتخوف أن يفرُغ عليّ من الخوارج ثم يُقبل إلينا، ونحن نقول : إن أقبَلَ إلينا كان أفضلُ المكانِ الذي نستقبله به المكانَ الذي لقيناه فيه العام الماضي. فكان في كتاب عُمارة بن عُقْبة :
أما بعد، فإنَّ عليًّا فإنّ عليا خرج عليه قرّاء أصحابه ونُسّاكهم، فخرج إليهم فقتلهم، وقد فسد عليه جندُه وأهلُ مصره، ووقعت بينهم العداوة، وتفرّقوا أشدّ الفرقة، وأحببت إعلامَك لتحمَد اللّٰه ، والسلام.
قال عبد الرحمن بن مَسْعدة: فقرأه معاوية على وجه أخيه عُتْبة، وعلى الوليد بن عُقْبة، وعلى أبي الأعور السُّلَمِيّ، ثم نظر إلى أخيه عُتبة وإلى الوليد بن عُقبة، وقال للوليد : لقد رَضِيَ أخوك أن يكون لنا عيناً . فضحِك الوليد وقال : إنّ في ذلك أيضاً لَنَفْعاً .
وروى أبو جعفر الطبريّ، قال كان عُمَارة مُقِيماً بالكوفة بعد قَتْل عثمان، لم يهجْه عليّ علیه السلام ولم يَذْعَرُه ، وكان يكتب إلى معاوية بالأخبار سرَّا .
ومن شعر الوليد لأخيه عُمارة يحرّضُه :
إنْ يَكُ ظَني في عُمَارَةَ صَادِقاً*** يَنَمْ ثُمّ لا يطلُبْ بذَحْل ولا وِتْرٍ
يَبِيتُ وأوتارُ ابن عَفَّانَ عِنْدَهُ*** مُخَيّمَةٌ بين الخَوَرْنَقِ فالقَصْرِ
تَمَشَّ رَخيّ البال مُسْتَشْزِرَ القُوَى (1)*** كانّكَ لَمْ تَسْمَعْ بقتل أبي عَمْرِو
ألاَ إِنَّ خيرَ النَّاسِ بعد ثَلاثَةِ ***قتيلُ التُّجِيبيّ الّذي جَاءَ مِنْ مِصْرِ
1) الشزر : الشدة. اللسان، مادة (شزر).
قال : فأجابه الفضل بن العباس بن عتبة :
أتطْلُبُ ثاراً لستَ منه وَلاَ لَهُ*** وما لابْنِ ذَكْوَانَ الصَّفُوريَ والوِتْرِ
كما افْتَخَرَتْ بنتُ الحِمار بأمّها*** وتنسى أباها إذا تَسامى أولو الفَخْرِ
ألا إنَّ خيرَ النَّاس بعد نبيهمْ*** وصيُّ النبي المصطفى عند ذِي الذِّكْرِ
وأوّل مَنْ صَلَّى وصِنْوُ نبيِّه ***وأولُ مَنْ أردَى الغُواة لدى بَدْرِ
أما لابن معنى قوله : وما لا بن ذكوان الصَّفُورِيّ»، فإنّ الوليد، هو ابن عُقبة بن أبي مُعَيْط بن أبي ،عمرو، واسمه ذكوان بن أمية بن عبد شمس. وقد ذكر جماعة من النسابين أن ذكوان كان مولّى لأمية بن عبد شمس فتبناه وكنّاه أبا عمرو، فبنوه موال وليسوا من بني أمية لصلبه. والصَّفوري : منسوب إلى صَفُورِيّة، قرية من قرى الروم.
قال إبراهيم بن هلال الثقفي : فعند ذلك دعا معاوية الضّحّاك بن قيس الفِهْريّ، وقال له : سرْ حتى تمرَّ بناحية الكوفة وترتفعَ عنها ما استطعت، فمَنْ وجدْتَه من الأعراب في طاعة عليّ فَاغِرْ عليه، وإن وَجَدْتَ له مَسْلَحَةً أو خيلاً فأغِرْ عليها ، وإذا أصبحتَ في بلدة فأمْس في أخرى، ولا تُقيمنّ لخيل بلغك أنّها قد سُرِّحت إليك لتْلقاها فتقاتلها. فسرّحه فيما بين آلاف إلى أربعة آلاف.
فأقَبَل الضّحاك ، فنهب الأموال وقتل مَنْ لَقِي من الأعراب، حتى مر بالثّعْلَبيّة (1)فأغار على الحاجّ، فأخذ أمتعتهم، ثم أقبل فلقَي عمرو بن عُمَيس بن مسعود الهُذَليّ ، وهو ابن أخي عبداللّٰه بن مسعود، صاحب رسول اللّٰه صلی اللّٰه علیه و آله و سلم، فقتله في طريق الحاجّ عند القُطْقُطَانة (2). وقتلَ معه ناساً من أصحابه .
قال: فروى إبراهيم بن مبارك البجَلِي عن أبيه، عن بكر بن عيسى، عن أبي رَوْق، قال:
حدّثني أبي ، قال : سمعت عليَّا علیه السلام، وقد خرج إلى الناس، وهو يقول على المِنْبر :
يا أَهْلَ الكوفة، أخرُجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس، وإلى جيوش لكم قد أصيب منهم طَرَف، أخرجوا فقاتلوا عدوّكم، وامنعوا حريمَكم إن كنتم فاعلين.
فردّوا عليه رداً ضعيفاً، ورأى منهم عَجْزاً وفَشَلاً ، فقال : واللّٰه لودِدت أنّ لي بكلِّ ثمانية منكم رجلاً منهم! ويحكم اخرجوا معي، ثم فرّوا عَنّي ما بدا لكم ،فواللّٰه ما أكره لقاء رَبِّي على نيّتي وبصيرتي، وفي ذلك رَوْح لي عظيم، وفرَج من مناجاتكم ومقاساتكم . ثم نزل.
29 - ومن خطبة له علیه السلام في ذم المتخاذلين
فخرج يمشي حتى بلغ الغَرِيَّيْنِ ، ثم دعا حُجْر بن عديّ الكِنْديّ، فعقَد له على أربعة آلاف.
وروى محمد بن يعقوب الكُلَيْني، قال: استصرخ أمير المؤمنين عليه السلام الناسَ عَقِيبَ غارة الضحاك بن قيس الفهريّ على أطراف أعماله، فتقاعدُوا عنه، فخطبهم فقال : ما عزَّتْ دعوةُ مَنْ ،دعاكم ولا استراح قلبُ مَنْ قاساكم ... الفصل إلى آخره .
قال إبراهيم الثقفيّ : فخرج حُجْر بن عديّ حتى مَرَّ بالسّماوة - وهي أرض كلْب - فلقيَ بها امرأ القيس بن عديّ بن أوْس بن جابر بن كعب بن عُلَيم الكلْبيّ - وهم أصهارُ الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام- فكانوا أدِلاّءه في الطريق وعلى المياه، فلم يزل مُغِذِّا(1)في أثر الضحّاك، حتى لقيَه بناحية تَدْمُر ، فواقعه فاقتتلوا ساعة ،فقتِل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلاً، وقُتِل من أصحاب حُجر رجلان، وحجز الليل بينهم. فمضى الضّحاك، فلما أصبحوا لم يجدوا له ولأصحابه أثراً. وكان الضّحاك يقول بعد : أنا ابنُ قيس، أنا أبو أنيس! أنا قاتل عمرو بن عُمَيْس.
قال : وكتب في أثر هذه الوقعة عَقِيل بن أبي طالب إلى أخيه أمير المؤمنين علیه السلام، حين بلغه
خِذْلان أهل الكوفة، وتقاعدهم به :
لعبد اللّٰه عليّ أمير المؤمنين علیه السلام من عَقيل بن أبي طالب. سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللّٰه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنّ اللّٰه حارِسُك من كلّ سوء، وعاصمُك من كلِّ مكروه، وعلى كلّ حال، إنّي قد خرجت إلى مكة معتمراً، فلقيت عبد اللّٰه بن سعد بن أبي سَرْح في نحو من أربعين شابَّا من أبناء الطُّلقَاء، فعرفتُ المنكرَ في وجوههم، فقلت: إلى أين يا أبناءَ الشانئين! أبمعاوية تلحقون! عداوة واللّٰه منكم قديماً غيرُ مستنكَرة، تريدُون بها إطفاءَ نور اللّٰه ، وتبديل أمره. فأسمَعني القومُ وأسمعْتُهم، فلما قدِمْتُ مكة، سمعت أهلَها يتحدثون أنّ الضحاك بن قيس أغار على الحيرة، فاحتمل من أموالها ما شاء، ثم انكفأ راجعاً سالماً. فأفِّ لحياةِ في دهر جَرّاً عليك الضّحاك! وما الضحاك! فَقْعٌ بقَرْقر (2)
(فقعَ).
! وقد توهّمت حيث بلغني ذلك أنّ شيعتَك وأنصارك خذلوك فاكتب إليّ يا ابن أميّ برأيك، فإن كنتَ الموتَ تريد، تحمّلت إليك ببني أخيك، وولد أبيك، فعِشْنَا معك ما عشت، ومِتْنَا معك إذا متَّ فواللّٰه ما أحِبّ أن أبقى في الدنيا بعدك فُوَاقاً .وأقسم بالأعزّ الأجَلَّ، إنّ عيشاً نعيشُه بعدك في الحياة لغيرُ هنيء ولا مريء ولا نجيع ، والسلام عليك ورحمة اللّٰه وبركاته.
فكتب إليه علیه السلام : من عبد اللّٰه عليّ أمير المؤمنين: إلى عَقيل بن أبي طالب. سلام اللّٰه عليك، فإنّي أحمَدُ إليك اللّٰه الذي لا إلٰه إلا هو، أما بعد: كلانا اللّٰه وإياك كلاءة مَنْ يخشاه بالغيب، إنه حميد مجيد. قد وصل إليّ كتابُك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزديّ، تذكر فيه أنّك لقيت عبد اللّٰه بن سَعْد بن أبي سَرْح مقبلاً من قُدَيْد (1)في نحو من أربعين فارساً من أبناء الطُّلقاء، متوجِّهين إلى جهةِ الغرب. وإنّ ابن أبي سَرْح طالما كاد اللّٰه ورسوله وكتابه، وصدِّ عن سبيله وبغاها عِوَجاً، فدع ابنَ أبي سرح، ودعْ عَنْكَ قريشاً، وخلِّهم وتَرْكاضَهم في الضلال وتجوالهم في الشقاق ألا وإنّ العرب قد أجمعتْ على حربِ أخيك اليوم إجماعَها على حرب رسول اللّٰه صلی اللّٰه علیه و آله و سلم قبل اليوم، فأصبحوا قد جهلوا حقّه، وجحدوا فضله، وبادروه العداوة، ونصبوا له الحرب، وجهِدوا عليه كلّ الجهد، وجرُّوا إليه جيش الأحزاب. اللهمّ فاجز قريشاً عنّي الجوازي! فقد قَطَعَتْ رَحِمي، وتظاهرَتْ عليّ ، ودفعتني عن حَقّي، وسلبتني سلطانَ ابن أمّي، وسلّمت ذلك إلى مَنْ ليس مثلي في قرابتي من الرسول، وسابقتي في الإسلام! إلاّ أنْ يَدّعي مدّعٍ ما لا أعرفه، ولا أظنّ اللّٰه يعرفه، والحمد للّٰه على كل حال.
فأما ما ذكرتَه من غارة الضّحاك على أهل الحيرة ، فهو أقلَّ وأزلّ (2)من أن يلّم بها أو يدنُو منها، ولكنّه قد كان أقبَل في جريدة خيل، فأخذ على السمَّاوة، حتى مرّ بواقِصة وشَرَاف والقُطقُطَانة، مما والَى ذلك الصُّقْع، فوجهت إليه جنداً كَثيفاً من المسلمين، فلما بلغه ذلك فَرّ هارباً، فاتَّبعوه فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن، وكان ذلك حين طَفَلت الشمس للإياب، فتنا وشوا القتال قليلاً كلاً ولا (3)، فلم يصبر لوقع المشرفيّة، وولّى هارباً، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلاً ، ونجا جَرِيضاً بعد ما أخذ منه بالمخنّق، فلاياً بلاي ما نجا . فأمّا ما سألتني أنْ أكتبَ لك برأيي فيما أنا فيه، فإنّ رأيي جهادُ المحِلّين حتى ألقى اللّٰه ، لا يزيدني كثرةُ الناس معي عِزّة، ولا تفرُّقُهم عنّي وَحشة، لأنني محقّ واللّٰه مع المحقّ، وواللّٰه ما أكره الموت على الحقّ وما الخيرُ كلُّه إلا بعد الموت لمن كان محقَّا .
وأما ما عرضت به من مَسِيرك إليّ ببنيك وبني أبيك فلا حاجة لي في ذلك، فأقمْ راشداً محموداً ، فواللّٰه ما أحبّ أن تهلِكوا معي إن هلكت ولا تحسَبَنّ ابنَ أمك - ولو أسلمه الناس- متخشّعاً ولا متضّرعاً، إنه لكما قال أخو بني سُلَيْم :
فإن تسأليني كَيْفَ أَنْتَ فإنّني*** صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزمان صَليبُ
يَعزّ عَلَيّ أن تُرَىَ بي كآبةٌ*** فيشمتَ عادٍ أو يُساء حَبِيبُ
قال إبراهيم بن هلال الثقفيّ : وذكر محمد بن مخنف أنّه سمع الضّحّاك بن قيس بعد ذلك بزمان
يخطُب على مِنْبر الكوفة، وقد كان بلَغه أنّ قوماً من أهلها يَشْتِمون عثمان ويبرؤون منه، قال: فسمعتُه يقول : بلغني أنّ رجالاً منكم ضُلاّلاً يشتِمون أئمة الهدى، ويعيبون أسلافَنا الصالحين، أما والّذي ليس له نِدُّ ولا شريك لئن لم تنتهوا عَمّا يبلُغني عنكم، لأضَعَنّ فيكم سيف زياد، ثم لا تجدونني ضعيف السَّوْرة، ولا كليلَ الشَّفْرة. أما إني لصاحبُكم الّذي أغرتُ على بلادكم، فكنتُ أوّلَ مَنْ غزاها في الإسلام، وشرب من ماء الثَّعْلَبيِّة ومن شاطيء الفرات، أعاقِبُ مَنْ شِئت، وأعفو عمن شئت، لقد ذعَرتُ المخدَّرَاتِ في خُدورِهِنَّ، وإن كانت المرأة ليبكي ابنُها فلا تُرْهِبُه ولا تسكّته إلا بذكر اسمي فاتَّقوا اللّٰه يا
أهلَ العراق، أنا الضَّحاك بن قيس، أنا أبو أنَيس، أنا قاتل عمرو بن عُميس !
فقام إليه عبد الرحمن بن عبيد، فقال: صدقَ الأمير وأحسن القول، ما أعرَفَنا واللّٰه بما ذكرت ! ولقد لَقِيناك بغربيِّ تَدْمُر ، فوجدناك شجاعاً مجرّباً صبوراً. ثم جلس وقال : أيفخر علينا بما صنع ببلادنا أوّل ما قَدِم ! وايمُ اللّٰه لا ذكِّرنّه أبغضَ مواطنه إليه . قال : فسكتَ الضحاك قليلاً، وكأنّه خَزِيَ واستحيا ، ثم قال : نعم كان ذلك اليوم! فآخذه بكلام ثقيل، ثم نزل.
قال محمد بن مِخْنف : فقلت لعبد الرحمن بن عبيد - أو قيل له : لقد اجتراتَ حين تُذَكَّره هذا اليوم، وتُخبره أنك كنت فيمن لقيَه ! فقال : لَنْ يُصِيبنَا إلاّ ما كتبَ اللّٰه لنا .
قال : وسأل الضّحاك عبدَ الرحمن بن عبيد حين قدم الكوفة ، فقال : لقد رأيتُ منكم بغربي تَدْمُر رجلاً ما كنت أرى أنّ في الناس مثلَه، حمل علينا، فما كذب حتى ضرب الكتيبة التي أنا فيها ، فلما ذهب ليولِّي حملت عليه، فطعنتُه، فوقع ثم قام فلم يضرّه شيئاً ، ثم لم يلبث أنْ حَمَل علينا في الكتيبة التي أنا فيها، فصرع رجلاً ثم ذهب لينصرف، فحملتُ عليه فضربته على رأسه بالسيف، فخيِّل إليّ أنّ سيفي قد ثبت في عَظْم رأسه فضربني ، فواللّٰه ما صنع سيفُه شيئاً ، ثم ذهب فظننت أنّه لن يعود ،فواللّٰه ما راعني إلا وقد عصب رأسه بعمامة، ثم أقبل نحونا فقلت : ثكِلْتك أمُّك ! أما نهتك الأولَيان عن الإقدام علينا ! قال إنهما لم تَنْهَيَاني، إنما أحتسب هذا في سبيل اللّٰه . ثم حمل ليطعنَني، فطعنتُه وحمل أصحابُه علينا، فانفصلنا، وحال الليل بيننا، فقال
له عبد الرحمن : هذا يوم شَهده هذا - يعني ربيعة بن ماجد - وهو فارس الحيّ ، وما أظنه يخفَى أمرُ هذا الرجل. فقال له : أتعرفُه ؟ قال : نعم، قال: مَنْ هو ؟ قال : أنا ،قال: فأرني الضربةَ التي برأسك، فأراه فإذا هي ضَرْبَةٌ قَدْ بَرَتِ العظم(1)مُنكَرة ، فقال له : فما رأيُك اليوم؟ أهو كرأيك يومئذ! قال: رأيي اليوم رأيُ الجماعة، قال: فما عليكم من بأس، أنتم آمنون ما لم تُظهِرُوا خلافاً، ولكن العَجَب كيف نجوَت من زياد لم يقتلك فيمن قتل، أو يُسيّرك فيمن سيَّر! فقال : أما التسيير فقد سَيّرني، وأما القتل فقد عافانا اللّٰه منه (2)!
قال إبراهيم الثَّقفَي : وأصاب الضّحاكَ في هَرَبه من حُجْر عطش شديد، وذلك لأنّ الجمل الذي كان عليه ماؤه ضلّ فعطش، وخَفَق برأسه خَفْقتين لنُعاسِ أصابه، فترك الطريق وانتبه، وليس معه إلا نفر يسير من أصحابه، وليس منهم أحد معه ماء، فبعث رجالاً منهم في جانب يلتمسون الماء ولا أنيس، فكان الضحاك بعد ذلك يحكي، قال: فرأيت جادّة فلزمتها ، فسمعت قائلاً يقول :
دَعَانِي الْهَوَى فَازْدَدْتُ شوقاً وربَّما*** دَعاني الهوَى مِنْ سَاعَةٍ فأجيبُ
وَارْقَنِي بَعْدَ المنامِ وَرُبَّما*** أرِقْتُ لسارِي الهمّ حين يؤوب
فإن أك قَدْ أَحْبَبْتُكُمْ ورأيتُكُمْ*** فإني بدَارَيْ عَامِرٍ لَغَرِيبُ
قال : وأشرف عليّ ،رجل، فقلت: يا عبد اللّٰه، اسقني ماء، فقال: لا واللّٰه حتى تعطيَني ثمنه، قلت: وما ثمنهُ! قال: ديتُك، قلت: أما تَرَى عليك من الحق أن تقْرِيَ الضيف، فتطعمهَ وتسقيه! قال: ربّما فعلنا وربما بخلنا، قال: فقلت : واللّٰه ما أراك فعلت خيراً قطّ ، اسقني، قال : ما أطيق، قلت: فإنّي أحسِنُ إليك وأكسوك ، قال : لا واللّٰه لا أنقص شَرْبةٌ من مائة دينار، فقلت له : وَيْحَك اسقِني! فقال: وَيْحَك! أعطني، قلت: لا واللّٰه ما هي معي، ولكنّك تسقيني، ثم تنطلق معي أعطيكَها، قال: لا واللّٰه ، قلت: اسقني وأرهَنُك فرسي حتى أوفِّيَكَها، قال: نعم، ثم خرج بين يدي واتبعته ،فأشرفنا على أخْبِية وناس على ماء فقال لي : مكانَك حتى آتيكَ. فقلت : بل أجيء معك ، قال : وساءه حيث رأيت الناس والماء، فذهب يشتدّ حتى دخل بيتاً ، ثم جاء بماء في إناء، فقال: اشرَبْ، فقلت: لا حاجةَ لي فيه. ثم دنوت من القوم، فقلت : اسقوني ماء، فقال شيخ لابنته: اسقيه، فقامت ابنتُه فجاءت بماء ولين، فقال ذلك الرجل : نَجَيتك من العطش، وتذهب بحقي ! واللّٰه لا أفارقك حتى أستوفِيَ منك حَقَّي، فقلت:
29 - ومن خطبة له (علیه السلام) في ذم المتخاذلين
اجلس حتى أوفِّيَك . فجلس : فنزلت فأخذت الماء واللبن من يد الفتاة، فشربت واجتمع إليّ أهلُ الماء، فقلت لهم: هذا الأم الناس! فعل بي كذا وكذا! وهذا الشيخ خيرٌ منه وأسدى، استسقيتُه فلم يكلّمني وأمر ابنته فسقتْني، وهو الآن يُلزمني بمائة دينار فشتمه أهل الحيّ ، ووقعوا به، ولم يكن بأسرع من أن لحِقني قوم من أصحابي، فسلّموا عليّ بالإمْرة، فارتاب الرجل وجزع، وذهب يريد أن يقوم، فقلت : واللّٰه لا تبرح حتى أوفِّيَك المائة، فجلس ما يدري ما الذي أريد به! فلما كثُر جندِي عندي سرّحت إلى ثَقَلي (1)، فأتيِت به، ثم أمرت بالرجل فجلِد مائة جلدة، ودعوتُ الشيخ وابنته فأمرتُ لهما بمائة دينار وكسوتهما، وكسوت أهلَ الماء ثوباً ثوباً، وحرمتُه . فقال أهل الماء : كان أيها الأمير أهلاً لذلك. وكنتَ لما أتيت من خير أهلاً .
فلما رجعتُ إلى معاوية، وحدّثته عَجِب، وقال : لقد رأيت في سفرك هذا عجباً . ويَذكُر أهلُ النَّسب أن قيساً أبا الضحاك بن قيس كان يبيع عَسَب الفحول(2)في الجاهلية .
ورووا أن عَقِيلاً (رحمه اللّٰه تعالى)، قدِم على أمير المؤمنين، فوجده جالساً في صحن المسجد بالكوفة ، فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين و(رحمة اللّٰه وبركاته) - وكان عَقِيل قد كُفّ بصره - فقال : وعليك السلام يا أبا يزيد، ثم التفت إلى ابنه الحسن (علیه السلام)، فقال : قم فأنْزل عَمّك، فقام فأنزله، ثم عاد فقال : اذهب فاشترِ لعمّك قميصاً جديداً، ورداء جديداً وإزاراً جديداً ونعلاً جديداً، فذهب فاشتري له، فغدا عَقِيل على عليّ (علیه السلام)في الثّياب ، فقال : السلام عليك يا أميرَ المؤمنين، قال: وعليك السلام يا أبا يزيد :قال يا أمير المؤمنين، ما أراك أَصَبْتَ من الدنيا شيئاً، وإني لا ترضى نفسي من خلافتك بما رضيتَ به لنفسك، فقال: يا أبا يزيد، يخرج عطائي فأدفعه إليك .
فلما ارتحل عن أمير المؤمنين(علیه السلام) أتى معاويةَ فنُصبت له كراسيُّه، وأجلَس جلساءه حوله، فلما وَردَ عليه أمر له بمائة ألف فقبَضها، ثم غدا عليه يوماً بعد ذلك، وبعد وفاة أمير المؤمنين (علیه السلام)، وبيعة الحسن لمعاوية، وجلساء معاوية حوله، فقال يا أبا يزيد، أخبرْني عن عسكري وعسكر أخيك، فقد وردتَ عليهما قال : أخْبِرك، مررت واللّٰه بعسكر أخي، فإذا ليلٌ کلیل رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، ونهار كنهار رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، إلا أن رسول اللّٰه ليس في القوم، ما رأيتُ إلا مصلياً، ولا سمِعت إلا قارئاً، ومررت بعسكرك، فاستقبلني قومٌ من المنافقين مِمن نفر برسول اللّٰه ليلة العقبة ثم قال : مَنْ هذا عن يمينك يا معاوية؟ قال : هذا عمرو بن العاص،
قال : هذا الذي اختصم فيه ستة نفر، فغلب عليه جَزّار قريش ! فمن الآخر؟ قال: الضحاك بن قيس الفِهْري :قال: أما واللّٰه لقد كان أبوه جيد الأخذ لعسب التيوس؟ فمن هذا الآخر؟ قال : أبو موسى الأشعري، قال : هذا ابنُ السَّرَّاقة، فلما رأى معاوية أنه قد أغضب جلساءه، علم أنه إن استخبره عن نفسه، قال فيه سوءاً، فأحب أن يسأله ليقول فيه ما يعلمه من السوء، فيذهب بذلك غضبُ جلسائه، قال: يا أبا يزيد، فما تقول فيّ؟ قال : دعني من هذا! قال: لتقولَنّ، قال: أتعرف حمامة؟ قال : ومَنْ حمامة يا أبا يزيد ؟ قال : قد أخبرتُك، ثم قام فمضى، فأرسل معاوية إلى النسابة، فدعاه فقال : مَنْ حمامة؟ قال : ولي الأمان؟ قال : نعم، قال: حمامةُ جدتك أم أبي سفيان، كانت بَغِيًّا في الجاهلية صاحبة راية، فقال معاوية لجلسائه : قد ساويتُكم وزدت عليكم فلا تغضبوا (1).
الأصل: لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلاً ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنتُ نَاصِراً ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ
يَقُول : خَذَلَه مَنْ أنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَمَنْ خَذَلَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي: وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَه، اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَة، وَجَزِعْتُمْ فَأَسَأْتَمُ الجَزَع ، وَلله حُكْمٌ وَاقِعٌ فِي الْمُسْتَأْثِرِ وَالْجَازع .
الشرح: هذا الكلام بظاهره يقتِضي أنّه ما أمر بقتله، ولا نهى عنه، فيكون دمُه عنده في حكم الأمور المباحة التي لا يؤمر بها ، ولا ينهى عنها. غير أنه لا يجوز أنْ يحمل الكلام على ظاهره، لما ثبت من عِصْمة دم عثمان. وأيضاً فقد ثبت في السِّير والأخبار أنه كان (علیه السلام)ينهَى الناس عن قَتْله، فإذن يجب أن يُحمَل لفظ النهي على المنع كما يقال : الأمير ينهى عن نهب أموال الرعيّة، أي يمنع، وحينئذ يستقيم الكلام، لأنه (علیه السلام) ما أمر بقتِله ولا منع عن قتله، وإنما كان ينهى عنه باللسان ولا يمنع عنه باليد.
فإن قيل : فالنّهيُ عن المنكَر واجب فهلاً منعَ مِنْ قتله باليد؟
قيل : إنما يجب المنع باليد عن المنكر إذا كان حسناً، وإنما يكون الإنكار حسناً إذا لم يغلب على ظنّ الناهي عن المنكَر أن نهيَه لا يؤثر، فإن غَلب على ظنِّه أن نهيَه لا يؤثر قَبُح إنكار
1) أنظر الغارات للثقفي : 65/1 ، والبحار للمجلسي : 33/ 200.
و ایثاره اليومَ أهْلَ الذنوب*** وَرَفْعِ القِصَاصِ عَنِ القَائِلِينا
إذا سِيلَ عَنْهُ حذا شبهةً*** وَعَمّى الجوابَ عَلَى السّائلينا
فليس براضِ وَلاَ ساخِطِ*** ولا في النُّهاةِ وَلا الآمرينا
وَلاَ هُوَ سَاءَ وَلاَ سَرَّهُ*** وَلا بُدَّ مِنْ بَعْضِ ذَا أَنْ يَكُونا
وهذا شعر خبيث مُنْكَر، ومقصد عميق، وما قال هذا الشعر إلا بعد أن نُقِل إلى أهل الشام كلامٌ كثيرٌ لأمير المؤمنين (علیه السلام)في عثمان يجري هذا المجرى، نحو :قوله ما سرّني وَلاَ ساءني. وقيل له : أرضِيتَ بقتله ؟ فقال : لم أرضَ، فقيل له : أسخِطْتَ قتلَه ؟ فقال : لم أسخط . وقوله تارة : اللّٰه قتله وأنا معه، وقوله تارة أخرى: ما قتلت عثمان ولا مالاتُ في قتله. و قوله تارة أخرى : كنتُ رجلاً من المسلمين أوردتُ إذ أوْرَدُوا، وأصدرت إذْ أصدروا .
(1) المآصر : واحدها مأصِر. وهو محبس يمد على طريق أو نهر يؤصر به السفن والسابلة أي يحبس
لتؤخذ منهم العشور . اللسان، مادة (أصر). (2) المكس : الجباية أو الضريبة يأخذها المكاس ممن يدخل البلد من التجار. المعجم الوسيط مادة (مكس).
(3) القتاد : نبات صلب له شوك كالإبر من الفصيلة القرنية . المعجم الوسيط مادة (قتد).
ولكل شيء من كلامه إذا صحّ عنه تأويل يعرفه أولو الألباب.
فأمّا قوله : «غير أنّ مَنْ نصره»، فكلام معناه أنّ خاذِليه كانوا خيراً من ناصريه، لأنّ الذين نصروه كان أكثرُهم ،فُسّاقاً ، كمرْوان بن الحكم وأضرابه، وخذله المهاجرون والأنصار.
فأما قوله : «وأنا جامع لكم أمره ...» إلى آخر الفصل، فمعناه أنه فَعَل ما لا يجوز، وفعلتم ما لا يجوز، أما هو فاستأثر فأساء الأثرة، أي استبدّ بالأمور فأساء في الاستبداد، وأما أنتم فجزِعتم مما فعل أي حزنتم فأسأتم الجزع، لأنكم قتلتموه، وقد كان الواجب عليه أن يرجع عن استثثاره، وكان الواجب عليكم الاَّتجعلوا جزاءه عمّا أذنب القتل، بل الخلع والحبس وترتيب غيره في الإمامة .
ثم قال : وللّٰه حُكْم سيحكم به فيه وفيكم .
ويجب أن نذكُر في هذا الموضع ابتداءَ اضطراب الأمر على عثمان إلى أن قُتِل .
وأصحّ ما ذكر في ذلك ما أورده أبو جعفر محمد بن جرير الطّبري في «التاريخ»(1)
التواريخ المشهورة الجامعة الأخبار العالم. «كشف الظنون» (297/1).
.وخلاصة ذلك أن عثمان أحدث أحداثاً مشهورة نَقِمَها النّاس عليه، من تأمير بني أمية، ولا سيّما الفساقُ منهم وأربابُ السَّفَه وقلّة الدّين، وإخراج مال الفيء إليهم، وما جرى في أمر عَمّار وأبي ذرّ وعبد اللّٰه بن مسعود، وغير ذلك من الأمور التي جرتْ في أواخر خلافته . ثم اتفق أنّ الوليد بن عُقْبة لمّا كان عاملَه على الكوفة وشُهد عليه بشرْب الخمر، صرفه وولّى سعيد بن العاص مكانه، فقدم سعيد الكوفة، واستخلَص من أهلها قوماً يسمرُون عنده، فقال سعيد يوماً : إنّ السواد بستان لقُرَيْش وبني أمية . فقال الأشتر النَّخعيّ : وتزعمُ أنّ السوادَ الذي أفاء اللّٰه على المسلمين بأسيافنا بستان لك ولقومك! فقال صاحب شُرطته : أتردّ على الأمير مقالته! وأغلظ له، فقال الأشتر لمن كان حوله من النَّخَع وغيرهم من أشراف الكوفة : ألا تسمعون! فوثبوا عليه بحضْرَة سعيد فوطِئُوه وطاً عنيفاً ، وجَرُّوا برجْله، فغلُظ ذلك على سعيد، وأبعد سُمّارَه فلم يأذن بعدُ لهم، فجعلوا يشتِمون سعيداً في مجالسهم، ثم تعدّوا ذلك إلى شتم عثمان، واجتمع إليهم ناس کثیر، حتی غلُظ ،أمرُهم، فكتبَ سعيد إلى عثمان في أمرهم، فكتب إليه أن يسيّرَهم إلى الشام، لئلا يُفْسِدوا أهلَ الكوفة، وكتب إلى معاوية وهو والي الشام: إنّ نفراً من أهل الكوفة قد هَمُّوا بإثارة الفتنة، وقد سيرتُهم إليك، فانههَم، فإن آنستَ منهم رُشْداً فأحسن إليهم، واردُدْهم إلى بلادهم .
1) تاريخ الطبري : للإمام أب جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ( 310ه-)، وهو من
فلما قدموا على معاوية - وكانوا : الأشتر، ومالك بن كعب الأرْحَبّي، والأسود بن يزيد النَّخَعيّ ، وعلقمة بن قيس النخعيّ، وصعصعة بن صُوحان العبديّ، وغيرهم - جمعَهم يوماً، وقال لهم : إنّكم قوم من العَرب، ذوو أسنان وألسِنة، وقد أدركتم بالإسلام شَرَفاً، وغلبتم الأمم، وحويتم مواريثهم، وقد بلغني أنّكم ذممتم قريشاً، ونقِمتم على الولاة فيها، ولولا قريشٌ لكنتُمْ أذِلّة، إنّ أئمتكُم لكُم جُنَّة، فلا تفَرَّقُوا عن جُنّتكم، إنّ أئمتكم لَيَصبرُون لكم على الجوْر، ويحتملون منكم العِتاب، واللّٰه لتنتهُنّ أو ليبتلينَّكُم اللّٰه بمن يسومُكم الخسف، ولا يحمَدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء هم جررتم على الرعية حياتكُم، وبعد وفاتكم .
فقال له صعصعة بن صُوحان: أمّا قريش فإنها لم تكن أكثرَ العرب ولا أمنَعها في الجاهلية،
وإنّ غيرَها من العرب لأكثرُ منها كان وأمنع .
فقال معاوية : إنك لخطيب القوم ، ولا أرى لك عقلاً ، وقد عرفتُكم الآن، وعلمتُ أنّ الذي أغراكم قلةُ العقول أُعَظِّمُ عليكم أمر الإسلام فتُذكَّرني الجاهلية ! أخزى اللّٰه قوماً عظّموا أمرَكُمْ ! افقهوا عَنِّي ولا أظنكم تفقهون، إنّ قريشاً لم تعِزّ في جاهلية ولا إسلام إلا باللّٰه وحده، لم تكن بأكثرِ العرب ولا أشدِّها ، ولكنّهم كانوا أكرمَهم أحساباً ، وأمحضَهم أنساباً ، وأكمَلهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية - والناس يأكل بعضُهم بعضاً - إلا باللّٰه، فبوّاهم حَرَماً آمناً يُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حوله هل تعرفون عرباً أو عجماً، أو سوداً أو حمراً إلا وقد أصابهم الدهر في بلدهم وحرمهم، إلاّ ما كان من قريش، فإنه لم يُرِدْهم أحدٌ من الناس بكيد إلا جعل اللّٰه خدّه الأسفل، حتى أراد اللّٰه تعالى أن يستنقِذ مَنْ أكرمه باتباع دينه من هوان الدنيا، وسوء مردّ الآخرة، فارتضى لذلك خَيْرَ خلقه، ثم ارتضى له أصحاباً، وكان خيارُهم قريشاً . ثم بنى هذا الملك عليهم، وجعلَ هذه الخلافة فيهم، فلا يصلُح الأمرُ إلا بهم، وقد كان اللّٰه يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه! أفِّ لك ولأصحابك ! أما أنتَ يا صعصعة، فإنّ قريتَك شرُّ القرى، أنتَنُها نَبْتاً وأعمقُها وادياً، وألأمها جيراناً، وأعرفها بالشّر، لم يسكنها شريف قطّ ولا وضيع إلا سُبّ بها، نُزِّاع الأمم وعبيد فارس. وأنت شرّ قومك. أحين أبرزك الإسلام وخَلَطك بالناس، أقبلت تبغِي دينَ اللّٰه عوجاً، وتنزع إلى الغواية! إنه لن يضرّ ذلك قريشاً ولا يضعهم، ولا يمنعهم من تأدية ما عليهم، إنّ الشيطانَ عنكم لَغير غافل، قد عرَفكم بالشرّ، فأغراكم بالناس، وهو صارعكم، وإنّكم لا تُدْرِكون بالشرّ أمراً إلا فُتِح عليكم شرّ منه وأخزى. قد أذنتُ لكم فاذهبوا حيث شئتم، لا ينفع اللّٰه بكم أحداً أبداً ولا يضرّه، ولستم برجال منفعة ولا مضرّة، فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتَكُم ولا تُبِطرَنّكم النعمة، فإن البَطَر لا يجرّ خيراً. اذهبوا حيث شئتم، فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم.
وكَتَبَ إلى عثمان: إنه قَدم عليّ قوم ليست لهم عقول ولا أديان، أضجرهم العدل، لا
يريدون اللّٰه بشيء، ولا يتكلمون بحجة، إنما همهم الفتنة ،واللّٰه مبتليهم ثم فاضحهم، وليسوا بالذين تخاف نكايتَهم، وليسوا بأكثرَ ممن له شَغَب ونكير. ثم أخرجهم من الشام.
وروى أبو الحسن المدائنيّ أنه كان لهم مع معاوية بالشام مجالس طالت فيها المحاورات والمخاطبات بينهم، وأنّ معاوية قال لهم في جملة ما قاله : إنّ قريشاً قد عرفتْ أنّ أبا سفيان كان أكرمَها وابنَ أكرمِها ، إلاّ ما جعل اللّٰه لنبيه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، فإنّه انتجبه (1)وأكرمه، ولو أنّ أبا سفيان ولد الناس كلَّهم لكانوا حلماء.
فقال له صعصعة بن صُوحان: كذبت! قد ولدهم خيرٌ من أبي سفيان! مَن خَلَقه اللّٰه بيده، ونَفَخ فيه من روحه، وأمرَ الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البرّ والفاجر، والكيّس والأحمق .
قال : ومن المجالس التي دارت بينهم أن معاوية قال لهم : أيّها القومُ ردُّوا خيراً أو اسكتوا، وتفكّروا وانظروا فيما ينفعكم والمسلمين، فاطلبوه وأطيعوني.
فقال له صعصعة : لستَ بأهل ذلك، ولا كرامةَ لك أن تُطاع في معصية اللّٰه .
فقال : إنّ أوّلَ كلام ابتدأتُ به أن أمرتكم بتقوى اللّٰه وطاعة رسوله، وأن تعتصِموا بحبل اللّٰه جميعاً ولا تَفرّقوا .
فقالوا : بل أمرتَ بالفُرْقة وخلاف ما جاء به النبي (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم).
فقال : إن كنتُ فعلتُ فإني الآن أتوب، وآمرُكم بتقوى اللّٰه وطاعته، ولزوم الجماعة، وأنْ توفّروا أئمتَكم وتُطيعوهم.
فقال صعصعة : إن كنت تبتَ فإنا نأمرُك أن تعتزِل عملك فإنّ في المسلمين مَنْ هو أحقُّ به منك، ممّن كان أبوه أحسنَ أثراً في الإسلام من أبيك، وهو أحسنُ قَدَماً في الإسلام منك .
فقال معاوية : إنّ لِي في الإسلام لَقَدَماً، وإن كان غيري أحسنَ قَدَماً منيّ، لكنّه ليس في زماني أحد أقْوَى على ما أنا فيه منّي، ولقد رأى عمر بن الخطاب ذلك، فلو كان غيري أقْوى منّي لم يكن عند عمر هَوادة لي ولا لغيري، ولم أحدِث ما ينبغي له أنْ أعتزِل عملِي، فلو رأى ذلك أميرُ المؤمنين لكتب إليّ [بخطّ يده] فاعتزلت عمله ،فمهلاً فإنّ في دون ما أنتم فيه ما يأمرُ فيه الشيطان وينهَى. ولَعْمري لو كانت الأمور تُقْضَى على رأيكم وأهوائكم ما استقام الأمر
1) النجيب من الرجال الكريم الحسيب. اللسان، مادة (نجب).
لأهل الإسلام يوماً ولا ليلة، فعاودوا الخيرَ وقولوه، فإنّ اللّٰه ذو سَطَوات، وإني خائف عليكم أن تَتَتابعوا إلى مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن. فيُحِلَّكم ذلك دار الهون في العاجل والأجل.
فوثبوا على معاوية فأخذوا برأسه ولحيته فقال : مه ! إنّ هذه ليست بأرض الكوفة، واللّٰه لو رأى أهلُ الشام ما صنعتم بي [ وأنا إمامهم] ما ملكتُ أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم ، فَلعَمْرِي إن صنيعَكم يُشبِه بعضُه بعضاً .
ثم قام من عندهم، وكتب إلى عثمان في أمرهم، فكتب إليه أنْ رُدّهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة ،فردّهم، فأطلقوا ألسنتهم في ذمّه وذمّ عثمان وعيبهما . فكتب إليه عثمان أن يسيِّرَهم إلى حِمْص، إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فسيّرهم إليها .
وروي الواقديّ، قال: لما سِيرَ بالنفّر الذين طردهم عثمان عن الكوفة إلى حِمْص - وهم : الأشتر، وثابت بن قيس الهمْدانيّ ، وكُمَيل بن زياد النَّخَعيّ ، وزيد بن صُوحان، وأخوه صعصعة، وجندَب بن زهير الغامديّ، وجندب بن كعب الأزْدِيّ وعروة بن الجَعْد، وعمرو بن الحمِق الخزاعيّ ، وابن الكَوّاء - جمعهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، بعد أن أنزلهم أياماً ، وفرض لهم طعاماً، ثم قال لهم يا بني الشَّيْطان، لا مرحباً بكم ولا أهلاً، قد رجع الشيطان محسوراً. وأنتم بَعْدُ في بساط ضلالكم وغَيْكم! جزى اللّٰه عبد الرحمن إنْ لم يؤذِكم! ما معشر مَنْ لا أدرِي أعرب هم أم عجم! أتراكم تقولون لي ما قلتم لمعاوية! أنا ابن خالد بن الوليد! أنا ابن مَنْ عَجَمَتْه العاجمات، أنا ابن فاقي عين الرِّدّة، واللّٰه يا ابن صُوحان لأطيرنّ بك طَيْرَة بعيدة المهوَى إن بلَغني أنّ أحداً ممّن معي دق أنفك فأقنعت رأسك.
قال : فأقاموا عنده شهراً، كلّما ركب أمشاهم معه، ويقول لصعصعة : يا بن الخطيئة، إنّ مَنْ لم يُصلحْه الخيرُ أصلَحه الشرّ، ما لك لا تقول كما كنتَ تقول لسعيد ومعاوية! فيقولون: سنتوب إلى اللّٰه، أقِلْنَا أقالك اللّٰه ! فما زال ذاك دأبه ودأبهم، حتى قال : تاب اللّٰه عليكم. فكتب إلى عثمان يسترضيه عنهم، ويسأله فيهم، فردّهم إلى الكوفة .
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ (رحمه اللّٰه تعالى) : ثم إنّ سعيد بن العاص قَدِم على عثمان سنة إحدى عشرة من خلافته. فلمّا دخل المدينة أجتمع قومٌ من الصحابة، فذكروا سعيداً وأعماله، وذكروا قَرابات عثمان وما سوّغهم من مال المسلمين، وعابوا أفعالَ عثمان، فأرسلوا إليه عامرَ بن عبد القيس - وكان متألّهاً ، واسم أبيه عبد اللّٰه، وهو من تميم، ثم من بني العَنْبَر-
فدخلَ على عثمان، فقال له: إنّ ناساً من الصحابة اجتمعوا ونظروا في أعمالك، فوجدوك قد رَكِبْتَ أموراً عظاماً، فاتَّقِ اللّٰه وتبْ إليه . فقال عثمان : انظروا إلى هذا ، تزعم الناس أنّه قاريء ،ثم هو يجيء إليّ فيكلّمني فيما لا يعلمه !واللّٰه ما تدرِي أين اللّٰه ! فقال عامر : بلَى واللّٰه إني لأدْري أن اللّٰه لَبِالْمِرصاد. فأخرجه عثمان وأرسل إلى عبد اللّٰه بن سعْد بن سَرْح(1)وإلى معاوية وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص وعبد اللّٰه بن عامر – وكان قد استقدم الأمراء من أعمالهم - فشاورهم، وقال : إنّ لكلِّ أمير وزراء ونصحاء، وإنكم وزرائي ونُصَحائي وأهلُ ثقتي، وقد صنع الناسُ ما قد رأيتم، وطلبوا إليّ أنْ أعزِلَ عُمّالي وأن أرجعَ عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون،فاجتهدُوا رأيَكم.
فقال عبد اللّٰه بن عامر : أَرَى لَكَ يا أمير المؤمنين أن تَشْغَلَهم عنك بالجهاد حتى يَذِلُّوا لك، ولا تكون همّةُ أحدِهم إلاّ في نفسه، وما هو فيه من دَبَر دابته وقَمَل فَرْوته .
وقال سعيد بن العاص : احْسِم عنك الداء واقطَعْ عنك الذي تخاف، إنّ لكلّ قوم قادة مَتى يَهْلِكوا يتفرَّقوا ولا يجتمعْ لهم أمرٌ .
فقال عثمان : إنّ هذا لهو الرأيُ لولا ما فيه .
وقال معاوية : أشيرُ عليك أن تأمُرَ أمراء الأجْناد، فيكفِيَكَ كلّ رجل منهم ما قِبَله، فأنا أكفيك أهلَ الشام. وقال عبد اللّٰه بن سعد: إنّ الناسَ أهلُ طَمَع ، فأعِطهمْ مِنْ هذا المال تعطِفْ عليك قلوبهم.
فقال عمرو بن العاص: يا أميرَ المؤمنين، إنك قد ركِبْتَ الناس ببني أمية، فقلت وقالوا ، وزغت وزاغوا ، فاعتدِلْ أو اعتزِل، فإن أبيتَ فاعزِمْ عزماً، وامض قُدُماً .
فقال له عثمان: ما لكَ قَمِلَ فَرْوُك! أهذا بجدِّ منك !
فسكت عمرو حتى تفرّقوا ، ثم قال: واللّٰه يا أميرَ المؤمنين، لأنْتَ أكرمُ عليّ من ذلک، ولكنّي علمت أن بالباب مَنْ يبلّغ الناس قول كلِّ رجل مِنّا فأردت أن يبلُغَهم قولي، فيثقوا بي، فأقود إليك خيراً، وأدفع عنك شرَّا .
فردّ عثمان عُمّاله إلى أعمالهم، وأمرهم بتجهيز النّاس في البُعوث، وعَزَم على أن يحرِمَهم أعطياتهم ليُطيعوه، ورَدّ سعيدَ بن العاص إلى الكوفة، فتلقاه أهلها بالجرَعَة (2)- وكانوا قد
كرِهوا إمارته، وذمّوا سيرتَه - فقالوا له : ارجع إلى صاحبك، فلا حاجة لنا فيك. فهمّ بأن يَمضِيَ لوجْهه ولا يرجع، فكثُر الناس عليه، فقال له قائل: ما هذا ! أتردّ السيلَ عن أدراجه ! واللّٰه لا يُسَكِّن الغوغاء إلا المَشْرفيَّة، ويوشِكُ أن تُنتَضى (1)بعد اليوم، ثمّ يتمنّوْن ما هم اليوم فيه فلا يردّ عليهم. فارجع إلى المدينة، فإنّ الكوفة ليست لك بدار .
فرجع إلى عثمان، فأخبره بما فعلوا . فأنفذَ أبا موسى الأشعريّ أميراً على الكوفة، وكتب إليهم : أما بعد، فقد أرسلتُ إليكم أبا موسى الأشعريّ أميراً، وأعفيتُكم من سعيد، وواللّٰه لأفوِّضنكم عِرْضي، ولأبذلَنّ لكم صَبْرِي، ولأستصلِحَنّكم جَهْدي، فلا تَدَعوا شيئاً أحببتموه لا يُعصَى اللّٰه فيه إلا سألتموه ولا شيئاً كرهتموه لا يُعصى اللّٰه فيه إلا استعفيتم منه، لأكونَ فيه عندما أحبيتُم وكرهتم ، حتى لا يكونَ لكم على اللّٰه حجة، واللّٰه لَنصبرَنّ كما أمِرْنا ، الصابرين.
قال أبو جعفر : فلمّا دخلت سنةُ خمسٍ وثلاثين، تكاتَب أعداءُ عثمان وبني أمية في البلاد، وحَرّض بعضُهم بعضاً عَلَى خَلع عثمان عن الخلافة، وعَزّل عمّاله عن الأمصار واتصل ذلك بعثمان، فكتب إلى أهل الأمصار:
أمّا بعد، فإنه رُفِع إليّ أنّ أقواماً منكم يَشْتِمهم عمّالي ويضربونهم، فمنْ أصابه شيء من ذلك فلْيوافِ الموسمَ بمكة، فليأخذ بحقّه منّي أو من عمّالي فإني قد استقدمتُهم، أو تصدقّوا فإن اللّٰه يجزي المتصدقين.
ثم كاتب عمّاله واستقدَمهم، فلما قَدِموا عليه جَمَعهم، وقال: ما شِكايةُ الناس منكم؟ إنِّي لخائف أن تكونوا مصدوقاً عليكم، وما يُعْصَبُ هذا الأمرُ إلا بي. فقالوا له : واللّٰه ما صدَق مَنْ رفَعَ إليك ولا برّ، ولا نعلم لِهذا الأمر أصلاً. فقال عثمان : فأشيروا عليّ، فقال سعيد بن العاص : هذه أمورٌ مصنوعة تُلقَى في السرّ فيَتَحدّث بها الناس، ودواءُ ذلك السيف.
وقال عبدُ اللّٰه بن سعد : خُذْ من النّاس الذي عليهم إذا أعطيتَهم الذي لهم .
وقال معاوية : الرأيُ حسنُ الأدب.
وقال عمرو بن العاص : أرى لك أن تَلْزَم طريق صاحبيْك، فتلينَ [في] موضع اللين، وتشتدّ
[في] موضع الشدة.
فقال عثمان: قد سمعتُ ما قلتم، إنّ الأمرَ الذي يُخاف على هذه الأمة كائن لا بُدّ منه، و إنّ
1) النفيضة : المطر الخفيف الضعيف. اللسان، مادة (نضض).
بابه الذي يُغلَق عليه لَيُفْتَحَنّ، فكفكفوهم باللين والمدارة إلا في حدود اللّٰه ، فقد عَلِم اللّٰه أنّي لم آلُ الناسَ خيراً، وإن رَحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحرِّكْها! سكِّنوا النّاسَ وهبوا لهم حقوقَهم، فإذا تُعوطيت حقوقُ اللّٰه فلا تدهنوا فيها .
ثم نفرَ فقدِم المدينة، فدعا عليَّا وطلحةَ والزبير، فحضروا وعنده معاوية، فسكت عثمان ولم يتكلّم، وتكلّم معاوية، فحمِد اللّٰه، وقال:
أنتم أصحاب رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله وسلم) وخِيرتُه من خَلْقه، وولاةُ أمرِ هذه الأمة، لا يطمع فيه أحدٌ غيرُكم، اخترتم صاحبَكم عن غير غَلَبة ولا طمع ، وقد كَبِر وولّى عمرُه، فلو انتظرتُم به الهرَم كان قريباً، مع أني أرجو أن يكونَ أكرم على اللّٰه أن يبلِّغه ذلك ، وقد فَشَتْ مقالةٌ خِفْتُها عليكم، فما عِبْتم فيه من شيء فهذه يَدي لكم به رَهْناً، فلا تُطمِعوا النّاسَ في أمركم، فواللّٰه إن أطمَعْتُوهم لا رأيتُم أبداً منها إلا إدباراً .
فقال عليّ (علیه السلام): وما لَك وذاك لا أمّ لك! فقال : دعْ أمِّي فإنَّها ليست بشر أمّهاتكم، قد أسلمت وبايعت النبيّ (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ، وأجِبْني عَمّا أقول لك .
فقال عثمان: صدق ابنُ أخي، أنا أخبركم عَنّي وعَمّا وَلِيت إن صاحبيّ اللَّذيْن كانا قلبي ظَلَما أنفَسهما ومَنْ كان منهما بسبيل احتساباً . وإن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) كان يعطي قرَابته، وأنا في رهطِ أهل عَيْلة وقلّة معاش، فبسطتُ يدي في شيء من ذلك لما أقومُ به فيه، فإن رأيتُم ذلك خطأ فرُدّوه، فأمري لأمركم تَبَع .
قالوا : أصبتَ وأحسنتَ، إنّك أعطيت عبدَ اللّٰه بن خالد بن أُسَيد خمسين ألفاً، وأعطيتَ مَرْوانَ خمسة عشر ألفَا، فاستعدْها منهما. فاستعادها، فخرجوا راضين.
قال أبو جعفر : وقال معاويةُ لعثمان : اخرُج معي إلى الشّام، فإنّهم على الطاعة قبل أن يهجُم عليك ما لا قِبَل لك به، فقال : لا أبيعُ جوارَ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) بشيء، وإن كان فيه [قطع ] خيط عنقي . قال : فأبعثُ إليك جنُداً من الشام يُقيم معك لنائبة إن نابت [المدينة أو إياك]. فقال : لا أضيّقُ على جيران رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ، فقال : واللّٰه لَتُعْتَالَن ، فقال : حسبي اللّٰه ونعم الوكيل .
قال أبو جعفر: وخرج معاوية من عند عثمان، فمرّ على نَفر من المهاجرين، فيهم عليّ (علیه السلام) وطلحة والزبير، وعَلَى معاويةَ ثيابُ سفره ، وهو خارج إلى الشام، فقام عليهم، فقال : إنكم تعلَمون أن هذا الأمرَ كان الناس يتغالَبون عليه، حتى بعث اللّٰه نبيَّه، فتفاضلوا
بالسَّابقة والقُدْمة والجهاد، فإن أخذوا بذلك فالأمر أمرهم، والنّاسُ لهم تَبَع، وإن طلبوا الدّنيا بالتغالُب سُلِبوا ذلك، وردّه اللّٰه إلى غيرهم، وإن اللّٰه على البَدَل لقادر. وإني قد خلّفت فيكم شيخنا فاستوصوا به خيراً وكانفوه(1)، تكونوا أسعد منه بذلك . ثم ودّعهم ومضى. فقال عليّ (علیه السلام) : كنت أرى في هذا خيراً. فقال الزبير : واللّٰه ما كان أعظَم قطّ في صدرك وصدورنا منه اليوم.
قلت : مِنْ هذا اليوم أنشبَ معاوية أظفارَه في الخلافة، لأنه غلب على ظَنّه قتلُ عثمان، ورأى أنّ الشام بيده، وأن أهلَها يطيعونه، وأنَّ له حجّة يحتج بها عليهم، ويجعلُها ذريعة إلى غرضه، وهي قتلُ عثمان إذا قُتِل، وأنّه ليس في أمراء عثمان أقوى منه ولا أقدر على تدبير الجيوش، واستمالة العرب، فبنَى أمرشه من هذا اليوم على الطَّمع في الخلافة. ألا ترى إلى قوله لصعصعة من قبل : إنّه ليس أحد أقوَى منّي على الإمارة، وإن عمر استعملَني ورضيَ سيرتي! أوَ لا ترى إلى قوله للمهاجرين الأولين : إن شرعتم في أخْذِها بالتغالُب، وملتم على هذا الشيخ ، أخرجها اللّٰه منكم إلى غيركم وهو على الاستبدالِ قادر، وإنما كان يعني نفسَه، وهو يَكْنِي عنها ، ولهذا
تربّض (2)بنصرة عثمان لما استنصره ولم يبعث إليه أحداً (3)
وروی محمد بن عمر الواقديّ (رحمه اللّٰه تعالى)، قال: لما أجلَب الناسُ عَلَى عثمان، وكَثُرت القالة فيه، خرج ناس من مِصْر، منهم عبد الرحمن بن عُدَيْس البلويّ، وكنانة بن بِشْر اللّيثي، وسُودان بن حُمْران السَّكُونيّ ، وقتيرة بن وهب السَّكْسَكِيّ ، وعليهم جميعاً أبو حرب الغافقيّ ، وكانوا في ألفين. وخرج ناس من الكوفة، منهم زيد بن صُوحان العبدي، ومالك الأشتر النَّخعيّ ، وزياد بن النضْر الحارثي، وعبد اللّٰه بن الأصم الغامدِيّ، في ألفين وخرج ناسٌ من أهل البصرة، منهم حُكَيم بن جَبَلة العبْدِيّ، وجماعة من أمرائهم، وعليهم حُرقُوص بن زهير السّعديّ، وذلك في شوال من سنة خمس وثلاثين، وأظهروا أنّهم يُريدون الحج. فلما كانوا من المدينة عَلَى ثلاث تقدّم أهلُ البصرة، فنزلوا ذا خُشُب - وكان هواهم في طلحة - وتقدم أهلُ الكوفة، فنزلوا الأعوَص - وكان هواهم في الزبير - وجاء أهلُ مصر فنزلوا المَرْوَة -
1) كنفه: حفظه وأعانه، وأحاط به. اللسان، مادة (كنف).
2) ربضَ : ريضت الشاة إذا بركت. اللسان، مادة (ربض).
3) لا أدري كيف يطرح المؤلف هذا الرأي علماً بأنه نقل من سطور قليلة عرض معاوية نصره عثمان بشتى الوسائل الممكنة من ترك جند يحرسونه، أو نقله إلى الشام حيث الأنصار المحبون وعثمان لأمر أراده اللّٰه رفض كل ذلك .
وكان هواهم في عليّ (علیه السلام)- ودخل ناسٌ منهم إلى المدينة يَخْبُرون ما في قلوب الناس لعثمان، فلَقُوا جماعةً من المهاجرين والأنصار، ولقوا أزواج النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وقالوا : إنما نريد الحجّ، ونستعفِي من عمالنا .
ثم لقيَ جماعة من المصريين عليَّا(علیه السلام) ، وهو متقلّد سيفَه عند أحجار الزَّيْت، فسلموا عليه، وعَرَضوا عليه أمرَهم، فصاح بهم وطردهم ، وقال : لقد عَلِم الصالحون أن جَيْش المرْوَة وذي خُشُب والأعوص مَلْعونون على لسانِ محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) . فانصرفوا عنه .
وأتى البصريون طلحةَ، فقال لهم مثلَ ذلك، وأتى الكوفيون الزبيرَ، فقال لهم مثلَ ذلك .
فتفرّقوا وخرجوا عن المدينة إلى أصحابهم.
فلما أمِنَ أهلُ المدينة منهم واطمأنُّوا إلى رُجُوعهم لم يشعروا إلاّ والتكبيرُ في نواحي المدينة، وقد نزلوها وأحاطوا بعثمان، ونادى منادِيهم : يا أهلَ المدينة، مَنْ كَفَّ يده عن الحرب فهو آمن. فحصَرُوه في منزله، إلاّ أنّهم لم يمنعوا الناسَ من كلامه ولقائِه، فجاءهم جماعة من رؤساء المهاجرين، وسألوهم: ما شأنُهم؟ فقالوا : لا حاجةَ لنا في هذا الرجل، لِيَعْتَزِلْنا لنُولّيَ غيرهَ، لم يزيدوهم على ذلك.
فكتب عثمان إلى أهل الأمصار ،يستنجدُهم ويأمرُهم بتعجيل الشُّخوص إليه للمنع عنه ، ويعرِّفُهم ما النّاس فيه. فخرج أهل الأمصار على الصَّعْب والذَّلول، فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهريّ، وبعث عبد اللّٰه بن سعد بن أبي سَرْح معاوية بن حُدَيج، وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو، بعثه أبو موسى.
وقام بالكوفة نفر يحرّضون الناسَ على نَصْر عثمان وإعانة أهل المدينة، منهم عُقبة بن عمر، وعبد اللّٰه بن أبي أوْفى، وحنظلةُ الكاتب وكلّ هؤلاء من الصحابة، ومن التابعين مَسْروق، والأسود، وشُرَيح، وغيرهم.
وقام بالبصرة عِمران بن الحُصين وأنس بن مالك، وغيرهما من الصحابة. ومن التابعين كعب بن سُور، وهَرِم بن حَيّان وغيرهما .
وقام بالشام ومصر جماعة من الصحابة والتابعين.
وخَرج عثمان يوم الجمعة، فصلى بالناس، وقام على المنبر، فقال : يا هؤلاء ،اللّٰه اللّٰه فواللّٰه إن أهلَ المدينة يَعْلمون أنكم ملعونون على لسان محمد(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، فامحوا الخطأ بالصواب. فقام محمد بن مَسْلَمة الأنصاريّ، فقال : نعم أنا أعلم ذلك، فأقعده حُكَيْم بن جَبَلة . وقام زيد بن ثابت فأقعده قُتيرة بن وهب. وثار القوم فحصَبُوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صُرع عن المنبر مغشياً عليه، فأدخِل دارَه، واستقتل نفر من أهل المدينة
مع عثمان، منهم سعد بن أبي وَقّاص، والحسن بن عليّ (علیه السلام) ، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، فأرسل إليهم عثمان : عزمت عليكم أن تنصرفوا، فانصرفوا .
وأقبلَ علي وطلحة والزّبير، فدخلوا على عثمان يعودونه من صَرْعَتِه، ويشكون إليه ما يجدُون لأجله، وعند عثمان نفر من بني أميّة، منهم مَرْوان بن الحكم، فقالوا لعليّ (علیه السلام) :
أهلکتَنا وصنعت هذا الذي صنعت! واللّٰه إن بلغتَ هذا الأمر الذي تريده لنُمِرَّنّ عليك الدنيا ، فقام مغضَباً، وخرج الجماعة الذين حضروا معه إلى منازلهم.
وروي الواقديّ، قال: صلى عثمان بعدما وثبوا به في المسجد شهراً كاملاً ، ثم منعوه الصلاة، وصلّى بالناس أميرهم الغافقيّ .
وروى المدائنيّ ، قال : كان عثمان محصوراً محاطاً به، وهو يصلّي بالناس في المسجد، وأهلُ مصر والكوفة والبصرة الحاضرون له يصلون خَلْفه، وهم أدقّ في عينه من التراب .
قال أبو جعفر في التاريخ: ثم إنّ أهل المدينة تفرّقوا عنه، ولزِموا بيوتَهم، لا يخرج أحد منهم إلا بسيفِه يمتنع به، فكان حصاره أربعين يوماً .
وروى الكلبيّ والواقديّ والمدائنيّ أنّ محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حُذيفة كانا بمصر يحرّضان الناس على عثمان، فسار محمد بن أبي بكر مع مَنْ سار إلى عثمان، وأقام محمد بن أبي حذيفة بمصر، ثم غلَب عليها لما سار عبد اللّٰه بن سعد بن أبي سَرْح عامل عثمان عنها إلى المدينة في أثر المصريين، بإذن عثمان له فلما كان بأيْلة، بلغه أنّ المصريين قد أحاطوا بعثمان وأنه مقتول، وأنّ محمد بن أبي حذيفة قد غلب على مصر، فعاد عبد اللّٰه إلى مصر، فمُنع عنها ، فأتى فلسطين، فأقام بها حتى قُتِل عثمان.
وروى الكلبيّ، قال: بعث عبد اللّٰه بن سعد بن أبي سَرْح رسولاً من مصر إلى عثمان يخبره ينهوض مَنْ نَهَضَ من مصر إليه، وأنهم قد أظهروا العُمْرة، وقصدُهم خَلْعُه أو قتله، فخطب عثمان الناس، وأعلمهم حالهم ، وقال : إنهم قد أسرعوا إلى الفتنة واستطالوا عُمْري، واللّٰه إن فارقتُهم ليتمنَّنَينّ كلُّ منهم أنّ عمري كان طال عليهم مكان كلِّ يوم سَنَة، مما يرون من الدماء المسفوكة والإحَن والأثَرة الظاهرة، والأحكام المغيرة.
وروى أبو جعفر، قال : كان عمرو بن العاص ممن يحرّض على عثمان ويُغري به، ولقد
خطب عثمان يوماً في أواخر خلافته، فصاح به عمرو بن العاص : اتق اللّٰه يا عثمان، فإنك قد ركبت أموراً وركبناها معك، فتب إلى اللّٰه نَتُبْ . فناداه عثمان: وإنك ها هنا يا ابن النابغة! قَمِلَتْ واللّٰه جُبْتُك منذ نزعتُك عن العمل. فنودي من ناحية أخرى: تب إلى اللّٰه . ونودي من أخرى مثل ذلك ، فرفع يديْه إلى السماء، وقال: اللهمّ إني أول التائبين . ثم نزل .
وروى أبو جعفر، قال : كان عمرو بن العاص شديدَ التحريض والتأليب على عثمان، وكان يقول : واللّٰه إن كنتُ لألْقَى الراعي فأحرّضه على عثمان، فضلاً عن الرؤساء والوجوه. فلما سُعِّرَ الشرّ بالمدينة، خرج إلى منزله بفلسطين، فبينا هو بقصره ومعه ابناه: عبد اللّٰه ومحمد، وعندهم سَلاَمة بن روح الجُذاميّ ، إذ مرّ بهم راكب من المدينة فسألوه عن عثمان، فقال: محصور، فقال عمرو : أنا أبو عبد اللّٰه! أ قد يضرِط العَيْر والمكواة في النار . ثمّ مرّ بهم راكب آخر ،فسألوه، فقال: قُتِل عثمان فقال عمرو : أنا أبو عبد اللّٰه ، إذا نكاتُ قَرْحَةً أدميتُها . فقال سلامة بن روْح: يا معشرَ قريش، إنما كان بينكم وبين العرب باب فكسرتموه، فقال: نعم أردنا أن يخرُجَ الحقّ من خَاصِرَةِ الباطل، ليكون الناس في الأمر شَرَعاً سواء.
وروى أبو جعفر، قال : لما نزل القوم ذا خُشُب يريدون قتلَ عثمان إن لم ينزعْ عمّا يكرهون، وعلم عثمان ذلك، جاء إلى منزل عليّ (علیه السلام) ، فدخل وقال : يا ابنَ عَمّ، إنّ قرابتي قَريبة ، ولي عليك حَقّ، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مُصَبِّحِيّ ، ولك عند الناس قَدْر، وهمْ يسمعون منك ، وأحبُّ أنْ تركب إليهم فتردّهم عنّي، فإنّ في دخولهم عليّ وهْناً لأمري، وجُرْأَةٌ عليّ . فقال(علیه السلام) : عَلَى أي شيء أردّهم؟ قال : على أنْ أصيرَ إلى ما أشرتَ به، ورأيتَه لي . فقال عليّ (علیه السلام): إني قد كلّمتك مَرة بعد أخْرَى، فكل ذلك تخرج وتقول، وتَعِد ثم ترجع ! وهذا من فعل مَرْوان ومعاوية وابن عامر وعبد اللّٰه بن سعد، فإنك أطعتَهم وعصيتَني! قال عثمان : فإني أعصيهم وأطيعُك .
فأمر عليّ (علیه السلام) الناسَ أن يركبوا معه، فركب ثلاثون رجلاً من المهاجرين والأنصار، منهم سعید بن زید بن عمرو بن نُفيل، وأبو جَهْم العدويّ، وجُبَير بن مُطعِم، وحَكِيم بن حِزام، ومَرْوان بن الحكم ،وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن عتّاب بن أسِيد .
ومن الأنصار أبو أسَيْد الساعديّ، وزيد بن ثابت، و حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وغيرهم .
فأتوا المصرييّن فكلموهم، فكان الذي يكلّمهم عليّ ومحمد بن مَسْلمة، فسمعوا منهما، ورجعوا بأصحابهم يطلبون مصر، ورجع عليّ (علیه السلام)حتى دخل على عثمان، فأشار عليه أن
يتكلم بكلام يسمعه الناسُ منه، ليسكنوا إلى ما يعدهم به من النزوع. وقال له : إنّ البلاد قد تمخضَت عليك، ولا آمن أن يجيء رَكْب من جهة أخرى، فتقول لي: يا عليّ اركب إليهم،فإن لم أفعل رأيتَني قد قطعتُ رحمك، واستخففت بحقك.
فخرج عثمان، فخطب الخطبة التي نزَع فيها، وأعطى الناس من نفسه التوبة، وقال لهم : أنا أُولُ مَن اتعظ وأستغفر اللّٰه عما فعلت وأتوب إليه، فمثْلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليْأتني أشرافُكم فليروْا رأيهم، وليذكر كلّ واحد ،ظُلامته، لأكشفها، وحاجته لأقضيَها، فواللّٰه لئن ردني الحقُّ عبداً لأستنّ بسنة العبيد، ولأذلَّنْ ذُلّ العبيد، وما عن اللّٰه مذهب إلا إليه، واللّٰه لأعُطِينكم الرضا، ولأنحِّيَنٌ مَرْوَانَ وذويه، ولا أحتجب عنكم .
فرَقَّ الناسُ له وبَكَوْا حتى خَضّلُوا لحاهم، وبكى هو أيضاً، فلما نزل وجد مَرْوان وسعيداً ونفراً من بني أمية في منزله قعوداً لم يكونوا شهدوا خطبته، ولكنها بلغتْهم، فلما جلس، قال مَرْوان: يا أمير المؤمنين، أأتكلم أم أسكتُ؟ فقالت نائلة بنةُ الفَرافصة امرأة عثمان : لا بل تسكت، فأنتم واللّٰه قاتلوه وميتمو أطفاله، إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها . فقال لها مَرْوان : وما أنت وذاك ! واللّٰه لقد مات أبوك وما يحسن أن يتوضّأ ! فقالت : مهلاً يا مَرْوان عن ذكر أبي إلا بخير واللّٰه لولا أنّ أباك عمّ عثمان، وأنه يناله غَمّه وعيبه ، لأخبرتُك مِنْ أمره بما لا أكذب فيه عليه .
فأعرض عنه عثمان، ثم عاد فقال : يا أميرَ المؤمنين أأتكلَّم أم أسكت؟ فقال : تكلم فقال : بأبي أنت وأمّي ! واللّٰه لَوَدِدْتُ أنّ مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع ، فكنتُ أوّلَ مَنْ رَضِيَ بها وأعان عليها، ولكنّك قلت ما قلت، وقد بلغ الحزَامُ الطُّبَيين (1)، وجاوز السّيلُ الزُّبَى ، وحين أعطى الخُطةَ الذليلة الذليل، واللّٰه لإقامةٌ على خَطِيئة تستغفر اللّٰه منها ، أجملُ من توبة تُخوّف عليها ما زدتَ على أن جَرَّات عليك الناس.
فقال عثمان: قد كان من قَوْلي ما كان ،وإنّ الفائِت لا يُرَدّ، ولم آلُ خيراً .
فقال مروان: إنّ الناس قد اجتمعوا ببابك أمثالَ الجبال، قال: ما شأنهم؟ قال : أنتَ دعوتهم إلى نفسك، فهذا يذكر مظلمة، وهذا يطلب مالاً ، وهذا يسأل نزع عامل من عُمّالک عنه، وهذا ما جَنَيْت عَلَى خلافتك، ولو استمسكتَ وصبرت كانَ خيراً لك. قال: فاخرُجْ أنت إلى الناس فكلّمهم فإنّي أستحيي أنْ أكلِّمهم وأردَّهم.
فخرج مَرْوانُ إلى الناس، وقد رَكِبَ بعضُهم بعضاً ، فقال : ما شأنُكم؟ قد اجتمعتُم كأنّكم
1) الطبي: حلمات الضرع التي فيها اللبن ، وقولهم بلغ الحزام الطبيين كناية عن المبالغة في تجاوز حد الشر والأذى، لأن الحزام إذا انتهى إلى الطبيين فقد انتهى إلى أبعد غاياته. اللسان، مادة (طبي).
جئتم لنهْب، شاهت الوجوه! أتريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ! اعزُبوا عَنّا، واللّٰه إن رُمْتُمونا لَنُمِرْنَ عليكم ما حَلا، ولنُحِلَّن بكم ما لا يسركم، ولا تحمدوا فيه غِبّ رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم، فإنا واللّٰه غيرُ مغلوبين على ما في أيدينا .
فرجع الناس خائبين يشتِمون عثمان ومَرْوان، وأتى بعضُهم عليَّا (علیه السلام) فأخبره الخبر، فأقبل عليّ (علیه السلام)عَلَى عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزّهريّ، فقال : أحَضرتَ خطبة عثمان؟ قال: نعم، قال: أحَضرتَ مقالة مروان للناس؟ قال: نعم، فقال: أي عباد اللّٰه، ياللّٰه للمسلمين ! إنّي قعدتُ في بيتي، قال لي : تركتَني وخذلتني ! وإن تكلّمت فبلّغت له ما يريد، جاء مَرْوان فتلعّب به حتى قد صار سِيَقةً له، يسوقه حيث يشاء، بعد كِبَر السنّ وصحبته الرسول(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) . وقام مغضباً من فَوْرِه حتى دخل عَلَى عثمان، فقال له : أما يرضي مَرْوان منك إلاّ أن يحرفك عن دينك وعَقْلك فأنتَ معه كجمل الظَّعينة يُقاد حيث يُسارُ به، واللّٰه ما مرْوان بذي رأيِ في دينه ولا عقله، وإني لأراه يُورِدك ثم لا يُصْدِرك، وما أنا عائدٌ بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أفسدتَ شرفَك، وغلبت عَلَى رأيك . ثم نَهَض .
فدخلت نائلة بنت الفَرافصة، فقالت : قد سمعتُ قول عليّ لك، وإنه ليس براجع إليك ولا معاود لَك، وقد أطعتَ مَرْوان يقودُك حيث يشاء . قال : فما أصنعُ ؟ قالت : تَتقِي اللّٰه وتتّبع سنة صاحبيك، فإنّك متى أطعتَ مَرْوان قَتَلَك، وليس لمرْوان عند الناس قَدْر ولا هيْبة ولا محبّة وإنما تركك الناس لمكانه، وإنما رجع عنك أهلُ مصر لقول عليّ ، فأرسِلْ إليه فاستصلِحْه، فإنّ له عند الناس قَدَماً، وإنّه لا يُعصى.
فأرسل إلى عليّ فلم يأته وقال : قد أعلمتُه أنّي غير عائد .
قال أبو جعفر : فجاء عثمانُ إلى عليّ بمنزله ليلاً ،فاعتذرَ إليه، ووعد من نفسه الجميل، وقال : إني فاعل، وإني غير فاعل، فقال له عليّ (علیه السلام): أبعْدَ ما تكلّمت على منبر رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وأعطيتَ من نفسك، ثم دخلتَ بيتك، وخرج مَرْوان إلى النّاس يشتِمهم على بابك! فخرج عثمان من عنده، وهو يقول: خذلتَني يا أبا الحسن! وجَرّأت الناس عَلَيَّ ! فقال عليّ (علیه السلام): واللّٰه إني لأكثرُ الناس ذَبَّا عنك، ولكنّي كلّما جئتُ بشيء أظنه لك رضاً، جاء مَرْوان بغيره فسمعت قوله، وتركتَ قولي.
ولم يغُدُ عليّ إلى نَصْر عثمان إلى أن مُنِع الماء لمّا اشتد الحِصار عليه، فغضب عليّ من ذلك غضباً شديداً، وقال لطلحة : أدخِلوا عليه الرَّوايا، فكره طلحة ذلك وساءه، فلم يزل عليّ (علیه السلام) حتى أدخل الماء إليه .
30 - ومن خطبة له(علیه السلام) في معنى قتل عثمان
وروى أبو جعفر أيضاً أن عليَّا (علیه السلام)كان في ماله بخيْبر لَمّا حُصِر عثمان، فقدم المدينة والناس مجتمعون عَلَى طلحة، وكان لطلحةَ في حصار عثمان أثر ، فلما قَدِم عليّ (علیه السلام)أتاه عثمان، وقال له : أما بَعْد فإن لي حقَّ الإسلام وحقّ الإخاء والقرابة والصِّهر، ولو لم يَكُن من ذلك شيء وكنّا في جاهلية، لكن عاراً عَلَى بني عبد مناف أن يبتزَّ بنو تَيْم أمرَهم - يعني طلحة - فقال له عليّ : أنا أكفيك، فاذهب أنت .
ثم خرج إلى المسجد فرأى أسامة بن زيد، فتوكاً على يده حتى دخل دار طَلحة دخل دار طلحة وهي مملوءة من الناس، فقال له: يا طلحة، ما هذا الأمر الذي صنعتَ بعثمان؟ فقال: يا أبا حسن، أبعد أن مَسّ الحزام الطُّبْيَيْن! فانصرف عليّ (علیه السلام)حتى أتى بيتَ المال، فقال: افتحوه، فلم يجدوا المفاتيح، فكسَر الباب، وفرّق ما فيه على النّاس، فانصرف الناس من عند طلحة حتى بَقِيَ وحده، وسُرّ عثمان بذلك، وجاء طلحة فدخل على عثمان، فقال : يا أميرَ المؤمنين، إني أردت أمراً فحال اللّٰه بيني وبينه، وقد جئتك تائباً ، فقال : واللّٰه ما جئتَ تائباً ولكن جئت مغلوباً، اللّٰه حسيبُك يا طلحة !
قال أبو جعفر : كان عثمان مستضعَفاً، طمع فيه الناس، وأعان على نفسه بأفعاله وباستيلاء بني أمية عليه، وكان ابتداء الجرأة عليه أنّ إبلاً من إبل الصَّدَقة قُدِم بها عليه ،فوهبها لبعض ولد الحَكَم بن أبي العاص، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عَوْف، فأخذها وقسّمها بين الناس وعثمان في داره ، فكان ذلك أوّل وَهَن دخل على خلافة عثمان.
وقيل : بل كان أول وَهَنِ دخل عليه ، أن عثمان مَرّ بجبلة بن عمرو الساعديّ، وهو في نادي قومه، وفي يده جامعة (1)، فسلّم، فردّ القوم عليه، فقال جَبَلة : لِمَ تردُّون على رَجُل فعل كذا وفعل كذا؟ ثم قال لعثمان : واللّٰه لأطرحَنّ هذه الجامعة في عُنُقك أو لتتركنّ بِطانَتك هذه الخبيثة، مروان وابن عامر وابن أبي سَرْح، فمنهم مَنْ نَزَل القرآن بذمّه، ومنهم من أباح رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) دمَه.
وقيل : إنه خَطَب يوماً وبيده عصا كان رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)وأبو بكر وعمر يخطبون عليها، فأخذها جَهْجَاه الغِفاريّ من يده ،وكسرها على ركْبته، فلما تكاثرتْ أحداثه، وتكاثر طمعُ الناس فيه، كتب جَمْعٌ من أهل المدينة من الصّحابة وغيرهم إلى مَنْ بالآفاق : إن كنتم تُريدون الجهاد، فهلُمّوا إلينا فإن دين محمد قد أفسده خليفتكم فاخلعوه، فاختلفت عليه القلوب، وجاء المصريون وغيرهم إلى المدينة حتى حدث ما حدث.
1) الجامعة: الغِل ؛ لأنها تجمع اليدين إلى العنق. اللسان، مادة (جمع).
وروي الواقديّ والمدائنيّ وابن الكلبيّ وغيرهم، وذكره أبو جعفر في التاريخ، وذكره غيرهُ من جمیع المؤرخين : أن علياً (علیه السلام) لما ردّ المصريّين، رَجعوا بعد ثلاثة أيام، فأخرجوا صحيفة في أنبوبة رَصاص، وقالوا : وجدنا غلام عثمان بالموضع المعروف بالبُويْب على بعير من إبل الصدقة، ففتشنا متاعه، لأنا استربْنا أمره، فوجدنا فيه هذه الصحيفة، مضمونها أمْرُ عبد اللّٰه بن سعد بن أبي سَرْح بجلْد عبد الرحمن بن عُدَيس وعمرو بن الحمِق، وحَلْق رؤوسهما ولحاهما وحبْسهما، وصلب قوم آخرين من أهل مصر .
وقيل : إنّ الذي أُخِذَتْ منه الصحيفة أبو الأعور السلميّ ، وإنهم لما رأوه وسألوه عن مسيره، وهل معه كتاب؟ فقال : لا ، فسألوه : في أي شيء هو ؟ فتغير كلامه، فأخذوه وفتشوه وأخذوا الكتاب منه، وعادوا إلى المدينة. وجاء الناس إلى عليّ (علیه السلام)، وسألوه أن يدخل إلى عثمان فيسأله عن هذه الحال، فقام فجاء إليه فسأله، فأقسم باللّٰه ما كتبتُه ولا علمتُه، ولا أمرت به، فقال محمد بن مسلمة: صدق، هذا من عَمَلِ مَرْوان، فقال : لا أدري - وكان أهل مصر حضوراً- فقالوا : أفيجتَرأ عليك ويبعَثُ غلامُك على جمل من إبل الصدقة، وينقش على خاتمك، ويبعث إلى عاملك بهذه الأمور العظيمة، وأنت لا تَدري! قال: نعم، قالوا : إنّك إمّا صادق أو كاذب، فإن كنت كاذباً فقد استحقَقْتَ الخلع، لما أمرتَ به من قتلنا وعقوبتنا بغير حقّ، وإن كنتَ صادقاً فقد استحقَقْت الخلع، لضعفك عن هذا الأمر وغفلتك، وخبث بِطانتك، ولا ينبغي لنا أن نتركَ هذا الأمر بيد من تقطع الأمور دونه لضعفه وغفلته، فاخلع نفسك منه . فقال : لا أنزع قميصاً البسنيه اللّه ،ولكِنّي أتوب وأنزع، قالوا : لو كان هذا أوّل ذنب تبت منه لقبلنا، ولكنّا رأيناك تتوب ثم تعود، ولسنَا بمنصرفينَ حتى نخلعَك أو نقتلك أو تلحق أرواحُنا باللّٰه ، وإن منعك أصحابُك وأهلك قاتلناهم حتى نخلص إليك . فقال : أَمَّا أنْ أبرأ من خلافة اللّٰه فالقتلُ أحبُّ إليّ من ذلك !وأما قتالُكم مَنْ يمنعُ عَنّي، فإني لا أمر أحداً بقتالكم، فمن قاتَلكم فبغير أمري قاتَل، ولو أردتُ قتالكم لكتبت إلى الأجناد فقدموا عليّ أو لحقتُ ببعض الأطراف. وكثرت الأصوات واللغط، فقام عليّ فأخرج أهل مصر معه، وخرج إلى منزله.
قال أبو جعفر : وكتب عُثمان إلى معاويةَ وابنِ عامر وأمراء الأجناد يستنجدهم، ويأمر بالعَجَل والبِدار وإرسال الجنود إليه، فتربّص به معاوية ،فقام في أهل الشام يزيد بن أسد القَسْري جدّ خالد بن عبد اللّٰه بن يزيد أمير العراق، فتبِعه خَلْقٌ كثير ، فسار بهم إلى عثمان، فلما كانوا بوادي القُرَى بلَغهم قتلُ عثمان، فرجعوا .
وقيل : بل أشخص معاويةُ من الشّام حبيبَ بن مسلمة الفِهريّ، وسار من البصرة مجاشع بن مسعود السُّلَميّ، فلما وصلو الرَّبدة، ونزلت مقدمتهم الموضع المسمى صِراراً بناحية المدينة،
أتاهم قتلُ عثمان، فرجعوا . وكان عثمان قد استشار نُصَحاءه في أمره، فأشاروا أن يرسل إلى علیّ (علیه السلام)، يطلب إليه أن يردّ الناس ويعطيَهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى تأتيه الأمداد، فقال:
إنّهم لا يقبلون التعليل، وقد كان منّي في المرأة الأولى ما كان، فقال مَرْوان : أعطهم ما سألوك وطاولهم ما طاولوك، فإنهم قوم قد بغوْا عليك، ولا عهد لهم.
فدعا علياً (علیه السلام)، وقال له : قد تَرى ما كان من الناس، ولستُ آمنهُم على دمي، فارددْهم
عَنّي، فإني أُعْطِيهم ما يُريدون من الحق من نفسي ومن غيري.
فقال عليّ : إن الناسَ إلى عَدْلِك أحوجُ منهم إلى قتلك، وإنهم لا يرضوْن إلا بالرضا، وقد كنتَ أعطيتَهم مِنْ قبلُ عهداً فلم تف به، فلا تغرّر في هذه المرة، فإني معطيهم عنك الحقّ، قال : أعطِهِم فواللّٰه لأفيَنَ لهم .
فخرج عليّ (علیه السلام)إلى الناس، فقال : إنّكم إنما تطلبون الحقّ وقد أُعطِيتموه، وإنه منصِفكم من نفسه، فسأله الناس أن يستوثقَ لهم، وقالوا : إنا لا نرضى بقول دون فعل، فدخل عليه فأعلمه ،فقال: اضرب بيني وبين الناس أجلاً، فإني لا أقدر على تبديل ما كرهوا في يوم واحد ، فقال عليّ (علیه السلام) : أما ما كان بالمدينة فلا أجلَ فيه، وأما ما غاب فأجلُه وصولُ أمرِك، قال: نعم، فأجّلْني فيما بالمدينة ثلاثة أيام. فأجابه إلى ذلك، وكتب بينه وبين الناس كتاباً على ردّ كلّ مظلمة، وعزل كلّ عامل كرهوه. فكفَّ الناس عنه، وجعل يتأهّب سراً للقتال، ويستعدّ بالسلاح، واتّخذ جُنداً، فلما مضت الأيام الثلاثة ولم يغيّر شيئاً ثار به الناسُ، وخرج قوم إلى مَنْ بذي خُشُب من المصريين، فأعلموهم الحال، فقدموا المدينة، وتكاثر الناس عليه، وطلبوا منه عَزْل عماله وردّ مظالمهم، فكان جوابُه لهم : إني إن كنت أستعمِل مَنْ تريدون لا مَنْ أريد، فلست إذن في شيء من الخلافة، والأمر أمرُكم فقالوا : واللّٰه لتفعلَنّ أو لتُخلعنّ أو لنقتلنّك. فأبى عليهم وقال : لا أنزع سِرْبالاً سربلنيه اللّٰه . فحصروه وضيّقوا الحصار عليه .
وروى أبو جعفر: لما اشتدّ على عثمان الحِصار، أشرفَ على الناس، فقال: يأهل المدينة، أستودِعكم اللّٰه وأسأله أن يُحْسِن عليكم الخلافة من بعدي، ثم قال : أنشُدكم اللّٰه ،هل تعلمون أنكم دعوتُم اللّٰه عند مصاب عُمَر أنْ يختار لكم ويَجمعكم على خيركم! أفتقولون : إن اللّٰه لم يستجِبْ لكم، وهُنْتم عليه، وأنتم أهلُ حَقَّه وأنصار نبيّه أم تقولون: هان على اللّٰه دينُه فلمْ يبالِ من وَلّى، والدين لم يتفرّق أهله بعد! أم تقولون : لم يكنْ أخذ عن مشورة، إنما كان مكابرة، فوكل اللّٰه الأمة - إذ عَصَتْه ولم يتشاوروا في الإمامة - إلى أنفسها ! أم تقولون : إن اللّٰه لم يَعْلَمْ عاقبة أمري! فمهلاً مهلاً! لا تقتلوني، وإنه لا يحلّ إلا قتل ثلاثة : زان بعد إحصان، أو كافر
بعد إيمان، أو قاتل نفس بغير حق. أمّا إنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابِكم ثم لا يرفعه اللّٰه عنكم أبداً. فقالوا : أما ما ذكرت من استخارَة الناس بعد عمر، فإن كلّ ما يصنعه اللّٰه الخِيرة، ولكنّ اللّٰه جعلَك بليّة ابتشلى بها عبادَه، ولقد كانت لك قَدم وسابقة، وكنتَ أهلاً للولاية، ولكن أحدثتَ ما تعلُمه، ولا نترك اليوم إقامَة الحق عليك مخافة الفتنة عاماً قابلاً.
وأما قولك: لا يحلّ إلا بإحدى ثلاث: فإنّا نجد في كتاب اللّٰه إباحة دم غير الثلاثة: دم مَنْ سَعَى في الأرض بالفساد، ودَمِ مَنْ بغى ثم قاتل على بغيه، ودَم مَنْ حال دون شيء من الحقّ ومنعه وقاتل دونه، وقد بغيتَ ومَنَعْت الحقّ، وحُلْتَ دونه، وكابرت عليه، ولم تُقِد من نفسك مَنْ ،ظلمته ولا مِنْ عُمّالك، وقد تمسّكت بالإمارة علينا. والذين يقومون دونك ويمنعونك، إنما يمنعونك ويقاتلوننا لتسميتك بالإمارة، فلو خلعت نفسَك لانصرفوا عن القتالِ معك .
فسكت عثمانُ ولزم الدّار ، وأمر أهلَ المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم فرجعوا ،إلا الحسن بن عليّ ومحمد بن طلحة، وعبد اللّٰه بن الزُّبَير وأشباهاً لهم، وكانت مدة الحصار أربعين يوماً .
قال أبو جعفر : ثم إنّ محاصرِي عثمان أشفقوا مِنْ وصول أجْنَاد من الشام والبصرة تمنعه، فحالُوا بَيْن عثمان وبين الناس، ومنعوه كلَّ شيء حتى الماء، فأرسل عثمان سِرَّا إلى علي(علیه السلام) ، وإلى أزواج النبيّ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)أنهم قد مَنعونا الماء، فإنْ قدرتُم أن تُرسلوا إلينا ماء فافعلوا. فجاء عليّ (علیه السلام)في الغَلَس وأمُّ حبيبة بنتُ أبي سفيان، فوقف عليّ (علیه السلام)على الناس فوعظهم ،وقال: أيها الناس، إنّ الذي تفعلون لا يشبه أمرَ المؤمنين ولا أمرَ الكافرين، إنّ فارس والروم لتَأسِر فتُطْعِم وتَسْقِي فاللّٰه اللّٰه ! لا تقطُعوا الماء عن الرجل، فأغلظوا له وقالوا : لا نَعَم ولا نعْمَة عين. فلما رأى منهم الجِدّ نزعَ عمامته عن رأسه، ورمي بها إلى دار عثمان ، يُعلِمه أنّه قد نهض وعاد .
وأما أمّ حبيبة - وكانت مشتملة على إداوة - فَضربوا وجه بَغْلَتها، فقالت : إنّ وصايا أيتام بني أمية عند هذا الرجل، فأحببتُ أن أسأله عنها لئلا تَهْلِك أموالُ اليتامى، فشتموها، وقالوا : أنت كاذبة وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فَنَفَرْت وكادت تسقط عنها، فتلقاها الناس فحملوها إلی منزلها.
وروى أبو جعفر، قال: أشرف عثمان عليهم يوماً، فقال: أنشُدُكم اللّٰه، هل تعلمون أنّي اشتريتُ بئر رُومة بمالي، أستعذب بها، وجعلت رِشائي فيها كرجل من المسلمين! قالوا: نعم،
قال : فَلِم تمنعونني أنْ أشرَب منها حتى أفْطِرَ على ماء البحر! ثم قال : أنشُدُكم اللّٰه ، هل تَعْلَمُون أنّي اشتريتُ أرضَ كذا، فزدتُها في المسجد؟ قالوا: نعم، قال: فهل علمتُم أنّ أحداً مُنِع أن يُصَلِّي فيه قبلي !
وروى أبو جعفر عن عبد اللّٰه بن عَيّاش بن أبي رَبيعة المخزوميّ، قال: دخلتُ على عثمان، فأخذ بيدي فأسمعني كلامَ مَنْ على بابه من الناس، فمنهم مَنْ يقول : ما تنتظرون به؟ ومنهم مَنْ يقول : لا تَعجلوا، فعساه ينزع ويراجع، فبينا نحن إذ مر طلحة، فقام إليه ابنُ عُدَيْس البلَوِيّ، فناجاه، ثم رجع ابنُ عُدَيس، فقال لأصحابه : لا تتركوا أحداً يدخل إلى عثمان، ولا يخرج من عنده، قال لي عثمان :هذا ما أمر به طلحة، اللهمّ اكفِنِي طَلْحة، فإنه حَمَل هؤلاء القوم وأَلْبَهُم عليّ، واللّٰه إني لأرجو أن يكونَ مِنْها صِفْراً، وأن يُسفَكَ دمه! قال : فأردت أن أخرج، فمنعوني حتى أمرهم محمد بن أبي بكر، فتركوني أخرج.
قال أبو جعفر : فلما طال الأمرُ وعلم المصريون أنّهم قد أجرموا إليه جرماً كجُرم القتل، وأنّه لا فرقَ بَيْن قتله وبين ما أتوْا إليه، وخافوا على نفوسهم مِنْ تَركه حَيًّا ، راموا الدخولَ عليه من باب داره، فأغلقوا الباب، ومانَعهم الحسنُ بن عليّ وعبد اللّٰه بن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومَرْوان، وسعيد بن العاص، وجماعة معهم من أبناء الأنصار، فزجَرَهم عثمان، وقال: أنتم في حِلّ من نُصْرتي، فأبْوا ولم يرجعوا .
وقام رجل من أسْلَم يقال له نِيَار بن عياض - وكان من الصَّحابة - فنادى عثمان، وأمره أن يخلَعَ نفسه، فبينا هو يُناشِده ويسومُه خَلْع نفسه، رماه كَثِير بن الصَّلْت الكِنْدِيّ - وكان من أصحاب عثمان من أهل الدار - بسهْم فقتله، فصاح المصريون وغيرهم عند ذلك : ادفعوا إلينا قاتلَ ابن عياض لنقتله به، فقال عثمان : لم أكن لأدفعَ إليكم رجلاً نَصَرني وأنتم تريدون قتلي ! فثاروا إلى الباب ،فأغلِق دونهم، فجاءوا بنار فأحرقوه وأحرقوا السَّقِيفة التي عليه ، فقال لمن عنده من أنصاره : إن رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) و عَهد إليّ عَهْداً فأنا صابر عليهِ، فأحَرّح على رجل يقاتل دوني! ثم قال للحسن : إنّ أباك الآن لَفِي أمر عظيم مِنْ أجلك، فاخرج إليه، أقسمت عليك لَما خرجت إليه !فلم يفْعل، ووقف محامياً عنه.
وخرج مروان بسيفه يجالد الناس، فضَرَبه رَجل من بني لَيْث على رقبته، فأثبته وقطع إحدى عِلْبَاويه (1)، فعاش مَرْوان بعد ذلك أوْقَص(2)، وقام إليه عُبيْد بن رفاعة الزُّرَقيّ ليُذَفِّف عليه ،
فقامت دونه فاطمة أمّ إبراهيم بن عديّ - وكانت أرضعت مروان وأرضعت له - فقالت له : إن كنت تُريد قتلَه فقد قُتِل، وإن كنت إنّما تريد أن تتلعَّب بلحمه فأقبح بذلك! فتركه، فخَلّصتْه وأدخلتْه بيتها ، فعرف لها بنوه ذلك بعد، واستعملوا ابنها إبراهيم، وكان له خاصة .
وقُتِلَ المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق، وهو يحامي عن عثمان بالسيف، واقتحَم القوم الدّار ، ودخل كثير منهم الدُّور المجاورة لها، وتسوّروا من دار عمرو بن حزم إليها حتى ملؤوها ، وغلب النّاس على عثمان وندَبوا رجلاً لقتله، فدخل إليه البيت ،فقال له : اخلعها ونَدَعك، فقال : ويحك ! واللّٰه ما كشفتُ عن امرأةِ في جاهلية ولا إسلام، ولا تعيّنت ولا تمنّيت، ولا وضعت يميني على عَوْرتي مذ باعيت رسول اللّٰه، ولست بخالع قميصاً كسانيه اللّٰه ، حتى يكرم أهل السعادة، ويهين أهل الشقاوة.
فخرجَ عنه فقالوا له: ما صنعت؟ قال : إنّي لم أستحلّ قتله، فأدخلوا إليه رجلاً من الصحابة، فقال له: لستَ بصاحبي، إن النبي (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم)دَعَا لك أن يحفَظك يوم كذا، ولن تضيع، فرجع عنه
فأدخلوا إليه رجلاً من قريش، فقال له : إن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)استغفر لك يوم كذا، فلن تُقارِف دماً حراماً، فرجع عنه .
فدخل عليه محمد بن أبي بكر، فال له عثمان: ويحك! أعلى اللّٰه تغضب! هل لي إليك جُرْم إلا أني أخذت حق اللّٰه منك؟ فأخذ محمد بلحيته، وقال : أخزاك اللّٰه يا نعثل! قال : لست بنعثل، ولكني عثمان وأمير المؤمنين، فقال : ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان! فقال عثمان : يا ابن أخي، دَعْها من يدك، فما كان أبوك ليقبِض عليها ،فقال : لو عملتَ ما عملت في حياة أبي لقبض عليها، والذي أريد بك أشدُّ من قبضي عليها ، فقال : استنصر اللّٰه عليك وأستعين به، فتركه وخرج.
وقيل : بل طَعن جبينه بِمشْقَصِ كان في يده، فثار سُودان بن حُمران، وأبو حرب الغافقيّ وقُتيرة بن وهب السَّكْسَكِيّ ، فضربه الغافقيّ بعمود كان في يده، وضرب المصحف برجله - وكان في حجره - فنزل بين يديه وسال عليه الدمُ. وجاء سُودان ليضربه بالسيف، فأكبّتْ عليه امرأته نائله بنت الفَرافصة الكلْبية، واتّقت السيف بيدها وهي تَصْرخُ، فنفح أصابعها فأطنّها ، فولّت، فغمز بعضهم أوراكها ، وقال : إنّها لكبيرة العجُز ، وضرب سُودان عثمان فقتله.
وقيل: بل قتَلَه كنانة بن بشر التُّجِيبيّ وقيل : بل قتيرة بن وهب. ودخل غلمان عثمان ومواليه ، فضرَب أحدُهم عنقَ سودان فقتله، فوثب قُتَيرة بن وهب على ذلك الغلام فقتله، فوثب غلام آخر على قتيرة فقتله، ونهِبت دار عثمان، وأخذ ما على نسائه وما كان في بيت المال، وكان فيه غرارتان دراهم. ووثب عمرو بن الحمِق على صَدْر عثمان و به رَمق فطعنه تِسْع
طعنات، وقال: أما ثلاثٌ منها فإني طعنتهنَّ للّٰه تعالى، وأما سِتّ منها فلِمَا كان في صدري عليه. وأرادُوا قَطْعَ رأسه، فوقعت عليه زوجتاه: نائلة بنت الفَرافصة وأمّ البنين، ابنة عُيينة بن حِصْن الفَزاريّ، فصِحْن وضربن الوجوه، فقال ابن عُدَيس: اتركُوه، وأقبل عمير بن ضابيء البُرْجُميّ فوثب عليه، فكسر ضِلعين من أضلاعه ، وقال له : سجنت أبي حتى مات في السجن! و کان قتله يوم الثامن عَشَر من ذي الحِجّة من سنة خمس وثلاثين. وقيل: بل في أيام التشريق، و كان عمره ستاً وثمانين سنة .
قال أبو جعفر : وبقيَ عثمان ثلاثة أيام لا يدفَن. ثم إنّ حَكِيم بن حزام وجُبَير بن مُطْعِم كلما علياً (علیه السلام)في أن يأذن في دفنِه ففعل، فلما سمع الناس بذلك قَعَد له قوم في الطريق بالحجارة، و خرج به ناس يسير من أهله، ومعهم الحسن بن عليّ وابن الزُّبَير، وأبو جَهم بن حُذيفة بين المغرب والعشاء، فأتوا به حائطاً من حيطان المدينة، يعرف بَحشّ كوكب وهو خارج البَقِيع، فصلّوا عليه. وجاء ناس من الأنصار ليمنعوا من الصلاة عليه، فأرسل عليّ (علیه السلام)، فمَنَعَ مَنْ رجم سريره وكفَّ الذين راموا مَنْع الصلاة عليه، ودفن في حَشّ كوكب، فلما ظهر مُعاوية على الأمر، أمر بذلك الحائط فهُدِم، وأدخِل في البَقِيع ، وأمر الناس أن يدفِنُوا موتاهم حول قبره، حتّى اتصل بمقابر المسلمين بالبقيع.
وقيل : إن عثمان لم يغسَّل، وإنه كُفِّن في ثيابه التي قتل فيها .
قال أبو جعفر : وروِيَ عن عامر الشعبيّ أنّه قال : ما قُتِل عمر بن الخطاب حتى ملّته قريش واستطالت خلافته، وقد كان يعلم فتنتَهم، فحصرهم في المدينة وقال لهم : إنّ أخوَف ما أخاف على هذه الأمّة انتشارُكم في البلاد. وإن كان الرجل ليستأذنه في الغزو، فيقول: إنّ لك في غزوك مع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ما يكفيك، وهو خير لك من غَزْوك اليوم، وخيرُ لك من الغَزْو ألا ترى الدنيا ولا تراك . فكان يفعل هذا بالمهاجرين من قريش، ولم يكن يفعله بغيرهم من أهل مكّة، فلما وليَ عثمان الخلافة خلّى عنهم فانتشروا في البلاد، وخالطهم الناس، وأفضى الأمر إلى ما أفضى إليه، وكان عثمان أحبَّ إلى الرعيّة من عمر .
قال أبو جعفر : وكان أوّلَ منكَر ظهر بالمدينة في خلافة عثمان حين فاضت الدنيا على العرب والمسلمين طيرانُ الحمام والمسابقة بها، والرمي عن الجُلاهقات (1)- وهي قسيّ البندق - فاستعمل عثمان عليها رجلاً من بني ليث في سنة ثمانٍ من خلافته، فقصّ الطيور وكسر . الجُلاَهقات.
1) الجلاهقة: الطين المدور المدملق. اللسان، مادة (جلهق).
وروى أبو جعفر، قال: سأل رجل سعيدَ بن المسيّب عن محمد بن أبي حُذيفة : ما دعاه إلى الخروج على عثمان؟ فقال: كان يتيماً في حجْر عثمان، وكان واليَ أيتام أهل بيته ومحتمِل ،كَلِّهم، فسأل عثمانَ العمل، فقال: يا بنّي لو كنت رِضاً لاستعملتُك، قال: فَأَذَنْ لي فأخرج فأطلب الرزق، قال : اذهب حيث شئت، وجهّزه من عنده، وحمله وأعطاه، فلما وقع إلى مصر كان فيمن أعان عليه ،لأنّه منعه الإمارة. فقيل له : فعمّار بن ياسر ؟ قال : كان بينه وبين العباس بن عُتْبة بن أبي لهب كلام فضربَهما عثمان، فأورث ذلك تعادياً بين عَمّار وعثمان. وقد كان تَقَاذفا قبْلَ ذلك .
قال أبو جعفر : وسئل سالم بن عبد اللّٰه عن محمد بن أبي بكر : ما دعاه إلى ركوب عثمان؟ فقال : لزمَه حَقٌّ، فأخذ عثمان من ظهره، فغضب، وغرَّه أقوام فطمِع، لأنه كان من الإسلام بمكان، وكانت له دالّة، فصار مذمّماً بعد أنْ كان محمَّداً ، وكان كعب بن ذي الحَبكة النهديّ يلعب بالنِّير نجات بالكوفة، فكتب عثمان إلى الوليد أن يوجعه ضرباً ، فضربه وسيّره إلى دُنْباونْد.
وكان ممّن خرج إليه وسار إليه، وحُبس ضابيء بن الحارث البُرْجُمِيّ، لأنه هجا قوماً فنسبهم إلى أنَّ كَلْبَهُمْ يأتي أمّهم، فقال لهم :
فأمَّكُمُ لاَ تَتْرُكُوها وَكَلْبَكُمْ*** فَإِنَّ عُقوقَ الوالدین کَبِیرُ
فاستعدَوْا عليه عثمان، فحبسه فمات في السجن، فلذلك حَقَد ابنه عَمَير عليه وكسر أضلاعه بعد قتله .
قال أبو جعفر : وكان لعثمان عَلَى طلْحة بن عُبيد اللّٰه خمسون ألفاً ، فقال طلحة له يوماً : قد تهيأ مالُك فاقبضه فقال : هو لك معونة على مروءتك، فلما حُصِر عثمان، قال عليّ (علیه السلام) لطلحة : أنْشُدك اللّٰه إلا كففْتَ عن عثمان! فقال: لا واللّٰه حتى تُعْطِيَ بنو أمية الحقِّ من أنفسها .
فكان عليّ (علیه السلام) يقول : لحا اللّٰه ابن الصّعبة أعطاه عثمان ما أعطاه وفعل به ما فعل!
الأصل: لا تَلْقَیَنَّ طَلْحَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّورِعَافِصاً قَرْنَه، يَرْكَبُ الصَعْبَ وَيَقُولُ: هُوَ الذلُول، وَلَكِن الْقَ الزُّبَيْرَ ، فَإِنَّهُ الْیَنُ عَرِيكَةً ، فَقُلْ لَهُ : يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ : عَرَفْتَنِي بِالحِجَازِ، وَأَنْكَرْتَنِي بِالعِرَاقِ، فَمَا هَدَا مِمَّا بَدَا !
قال الرضي (رحمه اللّٰه) : وهو(علیه السلام) أَوَّلُ مَنْ سُمِعت منه هذه الكلمة - أَعْني: «فَمَا عَدَا
مِمَّا بَدَا» .
الشرح: ليستفيئه إلى طاعته، أي يسترجعه ،فاء، أي رجع، ومنه سُمِّيَ الفيء للظلّ بعد الزوال.
وجاء في رواية: «فإنك إن تَلْقَه تُلْفِه» أي تجده، ألفيتُه على كذا، أي وجدتَه.
وعاقصاً قَرْنه، أي قد عَطَفه، تَيْس أعقص، أي قد التوى قرناء على أذنيْه، والفعل فيه عَقَص الثور قرنه ، بالفتح. وقال القطب الراونديّ: عَقِص، بالكسر ، وليس بصحيح، وإنّما يقال : عَقِص الرجلُ ، بالكسر ، إذا شحّ وساء خلقه، فهو عقِص.
وقوله: «يركب الصَّعْب»، أي يستهين بالمستصعَب من الأمور، يصفه بشَراسة الخُلُق والبَأو (1)، وكذلك كان طلحة، وقد وصَفَه عمر بذلك . ويقال : إنّ طلحة أحدَثَ يومُ أحُدٍ عنده كِبْراً شديداً لم يكن، وذاك لأنه أغْنَى في ذلك اليوم، وأبلى بلاءَ حسناً .
والعريكة ها هنا: الطبيعة، يقال: فلان لَيّن العرِيكة، إذا كان سَلِساً .
وقال الراونديّ: العريكة : بقية السَّنَام، ولقد صدق ،ولكن ليس هذا موضع ذاك.
وقوله (علیه السلام)لابن عباس : «قل له يقول لك ابن خالك» لطيف جداً، وهو من باب الاستمالة والإذكار بالنَّسب والرحِم ألا تَرَى أنّ له في القلْب من الموقع الدّاعي إلى الانقياد ما ليس لقوله : «يقول لك أمير المؤمنين»! ومن هذا الباب قوله تعالى في ذكر موسى وهارون: (وَالْقَى الألواحَ وَأَخَذَ بِرَأسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَقُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بي الأَعْدَاءَ ) (2)، لما رأى هارون غضب موسى واحتدامه، شرع معه في الاستمالة والملاطفة ،فقال له : (ابْنَ أُمّ)، وأذكرَه حقَّ الأخُوّة، وذلك أدعَى إلى عَطْفِه عليه من أن يقول له : «يا موسى»، أو «يأيها النبي».
فأما قوله : (فما عَدَا مما بدا»، فعدَا بمعنى صَرَف، قال الشاعر:
وإنّي عَدَاني أن ازُورَك مُحكَمٌ*** مَتَى مَا أُحَرِّك فيه سَاقَيْ يَصخَبِ
ومن ها هنا بمعنى «عن»، وقد جاءت في كثير من كلامهم كذلك، قال ابنُ قتيبة في «أدب الكاتب» قالوا : حدّثني فلان من فلان، أي عن فلان، ولهيْت من كذا، أي عنه، ويصير ترتيبُ الكلام وتقديره : فما صرَفك عَمّا بدا منك ! أي ظَهَر، والمعنى: ما الّذي صدَّك عن طاعتي بعد
إظهارك لها! وَحَذْفُ الضميرِ المفعول المنصوب كثير جداً، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ ) (1)، أي أرسلناه، ولا بدّ من تقديره ،كي لا يبقى الموصولُ بلا عائد.
وقال القطب الراونديّ: قوله : «فما عَدَا مِمّا بَدَا» له معنَيان، أحدهما : ما الَّذي منعك ممّا كان قد بَدَا منك من البَيْعة قبل هذه الحالة؟ والثاني : ما الّذِي عاقك؟ ويكون المفعول الثاني ل «عدا» محذوفاً، يدلّ عليه الكلام، أي ما عداك! يريد ما شغلك وما منعك ممّا كان بَدَا لك مِنْ نُصْرَتي ! من البَدا الذي يبدُو للإنسان. ولقائل أن يقول : ليس في الوجه الثاني زيادة على الوجه الأول إلا زيادة فاسدة، أما إنه ليس فيه زيادة ، فلأنه فَسِّر في الوجه الأول «عدا» بمعنى منع، ثم فسّره في الوجه الثاني بمعنى عاقَ، وفسر عاق بمنع وشغل ، فصار «عدا» في الوجه الثاني مِثْلَ «عدا» في الوجه الأول.
وقوله : «ممّا كان بدا منك» ، فَسّره في الأول والثاني بتفسير واحد، فلم يبق بين الوجهين تفاوت . وأما الزيادة الفاسدة فظنّه أنّ «عدا» يتعدى إلى مفعولين، وأنّه قد حذف الثاني، وهذا غیر صحیح لأنّ «عدا» ليس من الأفعال التي تتعدّى إلى مفعولين بإجماع النحاة، ومن العجَب تفسيره المفعول الثاني المحذوف على زعْمه بقوله : أي ما عَداك، وهذا المفعول المحذوف ها هنا هو مفعول «عدا» الذي لا مفعول لها غيره، فلا يجوز أن يقال إنه أول ولا ثان.
ثم حكى القطب الراونديّ حكاية معناها أن صفية بنت عبد المطلب أعتقت عبيداً ، ثم ماتت، ثم مات العبيد ولم يخلِّفوا وارثاً إلا مواليَهم وطلب عليّ (علیه السلام) ميراثَ العبيد بحقّ التعصيب، وطلَبه الزبير بحق الإرْثِ من أمه. وتحاكما إلى عمر، فقضى عمر بالميراث للزبير .
قال القطب الراونديّ (رحمه اللّٰه تعالى)، حكاية عن أمير المؤمنين(علیه السلام) أنه قال : هذا خلافُ
الشَّرْع، لأنّ وَلَاء مَعْتَق المرأة - إذا كانت ميّتة - يكونُ لعَصَبَتِها ، وهم العاقلة، لا لأولادها.
قلت : هذه المسألة مختلَف فيها بين الإمامية، فأبو عبد اللّٰه بن النعمان المعروف بالمُفيد، يقول : إنّ الولاء لولدها، ولا يُصحِّح هذا الخبرَ، ويطعَن في راوِيه، وغيرهُ من فقهاء الإمامية كأبي جعفر الطوسيّ ومن قال بقوله يذهبون إلى أنّ الولاء لعَصبتها لا لولدها، ويصحِّحون الخبر، ويزعمون أنّ أميرَ المؤمنين (علیه السلام)سكَت ولم ينازع، على قاعدته في التّقيّة، واستعمال المجامَلة مع القوم .
فأما مذاهبُ الفقهاء غير الإماميّة فإنها متفقة على أنّ الولاءَ للولَد لا للعَصَبة، كما هو قولُ المفيد (رحمه اللّٰه تعالى) .
1) سورة الزخرف، الآية: 45 .
وروى جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه عن جَدّه،(علیه السلام) ، قال : سألتُ ابنَ عباس (رضي اللّٰه عنه) عن ذلك، فقال: إنّي قد أتيت الزُّبيرَ، فقلتُ له، فقال : قل له : إني أريد ما تريد -كأنه يقول : الملك - لم يَزِدْنِي على ذلك. فرجعت إلى عليّ (علیه السلام) فأخبرته .
وروى محمد بن إسحاق والكلبيّ، عن ابن عباس (رضي اللّٰه عنه) قال : قلت الكلمة للزُّبير فلم يزدني على أن قال : قُلْ له :
إنَّا مع الخوْفِ الشديد لَنطمَعُ
قال : وسئل ابنُ عباس عَمّا يَعْنِي بقوله هذا، فقال : يقول : إنّا على الخوف لنطمع أن نَلِيَ من الأمر ما وليتم . وقد فسره قومَ تفسيراً آخر، وقالوا : أراد: إنّا مع الخوف من اللّٰه لنَطمع أن يُغفر لنا هذا الذنب.
قلت : وعلى كلا التفسيرينْ لم يحصل جواب المسألة.
كان عبدُ اللّٰه بن الزبير هو الذي يصلّي بالنّاس في أيام الجمل، لأنّ طلحة والزبير تَدافعا الصلاة، فأمرت عائشة عبد اللّٰه أن يصلِّيَ قطعاً لمنازعتهما ، فإن ظهروا كان الأمر إلى عائشة ، تستخلف مَنْ شاءت .
وكان عبدُ اللّٰه بن الزُّبير يَدّعي أنه أحقُّ بالخلافة من أبيه ومن طلحة، ويزعم أنّ عثمان يوم الدار أوصى بها إليه .
واختلفت الرواية في كيفية السَّلام على الزبير وطلحة، فرُويَ أنه كان يسلَّم على الزبير وحدَه بالإمْرة، فيقال: السّلام عليك أيّها الأمير، لأن عائشةَ ولَّتْه أمْرَ الحرب.
ورُوِي أنه كان يسلَّم على كلِّ واحدٍ منهما بذلك.
لما نزل عليّ (علیه السلام)بالبصرة ووقف جيشُه بإزاء جيش عائشة قال الزبير : واللّٰه ما كان أمرٌ قَطّ إلا عرفتُ أين أضعُ قَدَميّ فيه إلا هذا الأمرَ، فإني لا أدري: أمقبِلٌ أنا فيه أم مُدْبِر!فقال له ابنُه عبدُ اللّٰه : كلاَّ ولكنَّك فَرِقْتَ سيوفَ ابن أبي طالب، وعرفتَ أنّ الموت الناقع تحت راياته . فقال الزبير : ما لك أخْزَاك اللّٰه من ولد! ما أشأمك !
كان أمير المؤمنين(علیه السلام) ، يقول : ما زال الزُّبَيْر مِنّا أهلَ البيت حتى شبّ ابنه عبدُ اللّٰه .
برزَ عليّ (علیه السلام)بينَ الصفين حاسراً، وقال: لِيَبْرُزْ إليّ الزبير، فبرز إليه مُدَجَّجاً، فقيل لعائشة : قد بَرَز الزُّبير إلى عليّ (علیه السلام)، فصاحَتْ: واز بيراه! فقيل لها : لا بأسَ عليه منه، إنه
حاسر والزبير دارع - فقال له: ما حملك يا أبا عبد اللّٰه على ما صنعت؟ قال: أطلب بدم عثمان، قال : أنت وطلحة وليتُماه، وإنّما نَوْبَتُك من ذلك أن تُقِيدَ به نَفْسَكَ وتُسَلِّمها إلى وَرَثته، ثم قال : نَشَدْتُك اللّٰه ! أتذكُر يومَ مررتَ بي ورسول اللّٰه (علیه السلام)متكيء على يدِك، وهو جاء من بني عَمرو بن عَوْف، فَسَلَّم عَلَيّ وضحِك في وجهي، فضحكتُ إليه، لم أزِدْهُ على ذلك، فقلتَ : لا يتركُ ابنُ أبي طالب يا رسول اللّٰه زَهْوَه! فقال لك: «مَهْ إنّه ليس بذي زَهْو، أمَا إنّك ستقاتله وأنت له ظالم» (1)! فاسترجَع الزبير وقال : لقد كان ذلك، ولكنّ الدهْرَ أنسانيه، ولأنْصَرِفَنّ عنك، فرجع، فأعْتَقَ عبدَه سرجِس تَحَلُّلاً من يمين لزمْته في القتال، ثم أتى عائشة، فقال لها : إني ما وقفت موقفاً قَطّ، ولا شهدتُ حَرْباً إلا ولي فيه رأيٌ وبصيرة إلا هذه الحرب، وإني لَعَلَى شَكِّ من أمري، وما أكاد أبِصر موضع قدمي. فقالت له : يا أبا عبد اللّٰه، أظنك فَرِقتَ سيوفَ ابن أبي طالب، إنّها واللّٰه سيوف حِداد مُعَدَّة للجلاد، تحملها فئة أنجاد، ولئن فَرِقْتَها لقد فرِقَها الرجال قَبْلَك ، قال : كلاً ، ولكنّه ما قلتُ لكِ . ثم انصرف .
وروی فَرْوة بن الحارث التميميّ، قال: كنتُ فيمن اعتزل عن الحرب بوادي السِّباع مع الأحنف بن قيس، وخرج ابنُ عمِّ لي يقال له الجَوْن، مع عسكر البصرة، فنهيتُه، فقال : لا أرغبُ بنفسِي عَنْ نُصْرَة أمّ المؤمنين وحواريّ رسول اللّٰه. فخرج معهم، وإنّي لجالس مع الأحنف، يستنبيیءُ الأخبار، إذا بالْجون بن قَتادة، ابن عميّ مُقْبِلاً ، فقمتُ إليه واعتنقتُه، وسألتُه عن الخبر، فقال : أخبرُك العَجَب، خرجت وأنا لا أريد أن أبرحَ الحرب حتى يحكم اللّٰه بين الفريقين، فبينا أنا واقف مع الزُّبَير، إذا جاءه رجل فقال : أبْشِرْ أيّها الأمير، فإنّ عليَّا لَمّا رأى ما أعدّ اللّٰه له من هذا الجَمْع ، نكَصَ على عَقِبيْه، وتفرَّق عنه أصحابه. وأتاه آخر، فقال له مثل ذلك ، فقال الزُّبَير : ويحكُم! أبو حسن يرجع ! واللّٰه لو لم يجدْ إلاّ العَرْفج لدبّ إلينا (2)فيه . ثم أقبل رجل آخر ، فقال : أيّها الأمير، إنّ نفراً من أصحاب عليّ فارقوه ليدخلوا معنا، منهم عَمّار ابن ياسر ، فقال الزبير : كلا وربِّ الكعبة، إنّ عمَّاراً لا يفارقه أبداً ، فقال الرجل : بَلَى واللّٰه ، مراراً .
فلمّا رأى الزُّبير أنَّ الرجلَ ليس براجع عن قوله، بعث معه رجلاً آخر، وقال: اذْهَبا فانظرا، فعادا وقالا : إنَّ عَمَّاراً قد أتاك رسولاً من عند صاحبه ،قال جوْن: فسمعتُ واللّٰه الزبير يقول : وانْقِطاع ظهراه! واجَدْع أنفاه! واسواد وجهاه! ويكرّر ذلك مِراراً، ثم أخذته رِعدة شديدة، فقلت : واللّٰه إنّ الزبير ليس بَجبَان، وإنّه لمِنْ فُرْسان قريش المذكورين، وإنّ لهذا الكلام لشأناً،
ولا أريد أن أشهدَا مشهدَ يقول أميرهُ هذه المقالة، فرجعتُ إليكم، فلم يكن إلا قليلٌ حتى مرّ الزبير بنا مُتارِكاً للقوم، فأتبعه عمير بن جُرْموز فقتله.
أكثرُ الروايات على أنَّ ابن جُرْموز قُتِل مع أصحاب النهر، وجاء في بعضها أنّه عاش إلى أيّام ولاية مُصْعَبِ بن الزبير العراق، وأنه لما قدم مصعب البصرة خافه ابن جَرْموز فهرب، فقال مصعب: لِيَظْهر سالماً، وليأخُذْ عطَاء موفوراً، أيَظُن أني أقتله بأبي عبد اللّٰه وأجعله فداء له ! فكان هذا من الكِبْر المستحسَن .
كان ابن جُرْموز يدعو لدنياه، فقيل له : هلا دعوتَ لآخرتك! فقال: أيِسْتُ من الجنّة .
الزبير أوّلُ مَنْ شهر سيفَه في سبيل اللّٰه ، قيل له في أول الدعوة: قد قُتِل رسول اللّٰه ، فخرج وهو غلام يسعى بسيفه مشهوراً.
وروى الزّبير بن بكار في «الموفقيّات» قال : لما سارَ عليّ (علیه السلام)إلى البصرة، بعثَ ابن عباس فقال : ائت الزّبير، فاقرأ (علیه السلام)، وقل له : يا أبا عبد اللّٰه كيف عرفتَنا بالمدينة وأنكرتنَا بالبصرة! فقال ابنُ عباس : أفلا آتي طلحة؟ قال : لا ، إذاً تجِده عاقصاً قَرْنه في حَزِن(1)، يقول : هذا سهل.
قال : فأتيتُ الزبير، فوجدته في بيت يتروّح في يوم حارِّ وعبد اللّٰه ابنه عنده، فقال: مرحباً بك يا ابن لُبابة! أجئت زائراً أم سفيراً ؟ قلت: كلاً ، إنّ ابن خالِك يقرأ عليك السلام، ويقول لك : يا أبا عبد اللّٰه ،كيف عرفتنا بالمدينة، وأنكرتنا بالبصرة! فقال :
عَلِقَهُمْ أني خُلِقْتُ عُصْبَهْ*** قَتادةَ تعلقت بنُشْبَهْ
لنْ أدَعَهم حتى أؤلّف بينهم! قال : فأردت مِنْه جواباً غيرَ ذلك، فقال لي ابنُه عبد اللّٰه : قل له : بيننا وبينك دَمُ خليفة ووصيّة خليفة، واجتماع اثنين، وانفرادُ واحد، وأمّ مبرورة، ومشاورة العشيرة. قال: فعلمتُ أنه ليس وراء هذا الكلام إلا الحرب، فرجعت إلى عليّ(علیه السلام) فأخبرته .
قال الزبير بنُ بكار : هذا الحديث كان يرويه عمّي مصعب، ثم تركه، وقال: إني رأيت جَدّي أبا عبد اللّٰه الزُّبير بن العوَّام في المنام، وهو يعتذر من يوم الجَمل، فقلت له : كيف تعتذِرُ منه وأنت القائل :
عَلِقْتهمُ أني خُلِقْتُ عُصْبَهْ*** قتادةً تعلّقتْ بِنُشبهْ
لن أدعَهم حتى أؤلف بينهم ! فقال : لم أقله .
1) الرجل العقِص الألولى الصعب الأخلاق. اللسان، مادة (عقص).
واعلم أن في علم البيان باباً يسمى باب الخداع والاستدراج، يناسب ما يذكره فيه علماء البيان قولَ أمير المؤمنين (علیه السلام): «يقول لك ابنُ خالك : عرفْتَني بالحجاز وأنكرتني بالعراق»!
قالوا: ومن ذلك قولُ اللّٰه تعالى حكايةً عن مؤمن آل فرعون : ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ )(1)فإنّه أخذ معهم في الاحتجاج بطريق التقسيم ، فقال : هذا الرجلُ إما أن يكون كاذباً فكَذِبُه يعودُ عليه ولا يتعدَّاه وإمّا أن يكون صادقاً فيصيبَكُم بعضُ ما يعِدُكم به، ولم يقل : «كلّ ما يَعِدُكم به» مخادعةً لهم وتلطفاً، واستمالةً لقلوبهم كي لا ينفِروا منه لو أغلظ في القول، وأظهرَ لهم أنه يهضمه بعضَ حقّه .
وكذلك تقديمُ قِسْم الكذب على قسم الصدق، كأنه رَشَاهم ذلك، وجعله برْطيلاً لهم، ليطمئنّوا إلى نصحه.
و من ذلك قول إبراهيم على ما حكاه تعالى عنه في قوله : إذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا(42) يَابَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْلِكَ صِرَاطًا سَوِیاً(43) يٰأبت لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيا(44)يَأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَٰنِ وَلِيًا (45) (2)، فطلب منه في مبدأ الأمر السَّببَ في عبادته الصّنم والعلَّة لذلك، ونبّهه على أنّ عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئاً قبيحة، ثم لم يقل له : إنّي قد تبحّرت في العلوم، بل قال له : قد حَصَل عندي نوعٌ من العلم لم يحصل عندك. وهذا من باب الأدب في الخطاب، ثم نَبّههَ على أنّ الشيطان عاصِ للّٰه ، فلا يجوز اتّباعه، ثم خَوّفه من عذاب اللّٰه إن اتّبع الشيطان، وخاطَبه في جميع ذلك بقوله : (يٰأَبَتِ)، استعطَافاً واستدراجاً، كقول عليّ (علیه السلام): يقول لك ابنُ خالك»، فلم يُجِبْه أبوه إلى ما أراد، ولا قال له : «يا بني» بل قال : (أَراغِبُ أَنتَ عَنْ ءَالهَتیِ يٰاِبْرَاهِيمُ (3)، فخاطبه بالاسم ، وأتاه بهمزة الاستفهام المتضمّنة للإنكار، ثم توعّده فقال : (لَئن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيَّا ) (4)
قالوا: ومن هذا الباب ما رُوي أنّ الحسين بن عليّ (علیه السلام)كلّم معاوية في أمر ابنه يَزيد، ونهاه، عَنْ أن يَعْهَد إليه، فأبى عليه معاوية حتى أغضَب كلُّ واحد منهما صاحبَه، فقال الحسين(علیه السلام) في غضون كلامه : أبي خيرٌ من أبيه وأمّي خيرٌ من أمّه، فقال معاوية: يا ابن
أخي، أمّا أمُّك فخيرٌ من أمّه، وكيف تُقَاس امرأةٌ من كَلْب بابنةِ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ! وأما أبوه فحاكَم أباك إلى اللّٰه تعالى، فحكَم لأبيه على أبيك.
قالوا : وهذا من باب الاستدراج اللطيف، لأن معاويةَ علم أنّه إن أجابه بجواب يتضمّن الدعْوى لكونه خيراً من عليّ (علیه السلام)لم يلتفِتْ أحدٌ إليه، ولم يكن له كلام يتعلّق به ، لأن آثارَ عليّ (علیه السلام)في الإسلام، وشرفَه وفضيلته تَجِلّ أن يُقاس بها أحدٌ، فعدَلَ عن ذكر ذلك إلى التعلّق بما تعلّق به ،فكان الفَلج له .
ذكر هذا الخبر نصرُ اللّٰه بن الأثير في كتابة المسمى ب- «المثل السائر» (1)في باب الاستدراج. وعندي أن هذا خارج عن باب الاستدراج، وأنّه من باب الجوابات الإقناعيّة التي تسمِّيها الحكماء الجَدَليّات والخَطابيات، وهي أجوبة إذا بحث عنها لم يكن وراءها تحقيق، وكانت ببادىء النظر مُسْكِتةً للخَصْم ، صالحة لمصادمته في مقام المجادلة.
ومثل ذلك قولُ معاوية لأهل الشام حيث التحق به عَقيل بنُ أبي طالب : يأهلَ الشام، ما ظنُّكم برجل لم يصلح لأخيه !
وقوله لأهل الشام : إنّ أبا لهب المذموم في القرآن باسمه عمّ علي بن أبي طالب. فارتاع أهل الشام لذلك، وشتموا عليا ولَعنوه .
ومن ذلك قول عمر يوم السَّقيفة : أيّكُم يَطيبُ نَفْساً أن يتقدّم قَدَمَيْن قدّمهما رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)! و من ذلك قول عليّ (علیه السلام)مجيباً لمن سأله : كم بينَ السماء والأرض؟ فقال: دَعْوة
مستجابة .
وجوابه أيضاً لمن قال له : كم بين المشرق والمغرب؟ فقال: مسيرة يوم للشمس.
ومن ذلك قول أبي بكر - وقد قال له عمر : أقِدْ خالداً بمالك بن نُوَيْرة - : سيف اللّٰه فلا أغمِده.
وكقوله - وقد أشير عليه أيضاً بأن يُقيد من بعض أمرائه - : أنا أقيد من وَزَعَةِ (2)اللّٰه ! ذكر
ذلك صاحب «الصحاح» (3)في باب «وزع».
والجوابات الإقناعية كثيرة، ولعلِّها جمهورُ ما يتداوله النّاس، ويُسْكِتُ به بعضهم بعضاً .
1) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر : لضياء الدين نصر اللّٰه بن محمد صاين الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن الأثير الجزري، المتوفى سنة ( 637ه-). «كشف الظنون» (1586/2).
2) الوزعة: الأعوان، يكفون الناس عن التعدي والشر والفساد. اللسان، مادة (وزع).
3) الصحاح في اللغة»: للإمام أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، المتوفى سنة ( 392 ه-) . «كشف الظنون» (1071/1).
الأصل: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُود، وَزَمَنِ شَدِيدٍ، يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسِيئاً، وَيَزْدَادُ الظَّالِمُ فيه عُتُوَّا ، لا ننَتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا ، وَلاَ نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا ، وَلَا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحُلَّ بِنَا . وَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ :
مِنْهُمْ مَنْ لاَ يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَهَانَةُ نَفْسِهِ وَكَلالَةٌ حَدِّهِ، وَنَضِيضُ وَفْرِه.
وَمِنْهُمْ الْمُصْلِتُ بِسَيْفِهِ، وَالْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ، وَالْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ، قَدْ أَشْرَط نَفْسَهُ، وَأَوْبَقَ دِينَهُ، لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ، أَوْ مِقْتَبٍ يَقُودُه أَوْ مِنْبَرِ يَفْرَعُه وَلَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً ، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللّٰه عِوَضاً !
وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَلَا يَطْلُبُ الآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا، قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ، وَقَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ، وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ، وَزَحْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ، وَاتَّخَذَ سِتْرَ اللّٰه ذَرِيعَةً إِلَىٰ الْمَعْصِيَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئُولَةٌ نَفْسِهِ ، وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ، فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ، وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَلَا مَغْدًى.
وَبَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَر ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادِّ، وَخَائِفِ مَقْمُوعِ، وَسَاكِتٍ مَكْمُومٍ ، وَدَاعٍ مُخْلِصِ، وَتَكْلانَ مُوجَعٍ ، قَدْ أخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّة، وَشَمَلَتْهُمُ الذِّلَّةُ، فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ ، أَهْوَاهُهُمْ ضَامِزَة، وَقُلُوبُهُمْ قَرِحَة، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُوا، وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُوا، وَقُتِلُوا حَتَّى فَلُوا .
فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا فِي اعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ القَرَظِ، وَقُرَاضَةِ الْجَلَم . وَاتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظُ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَارْفُضُوهَا ذَمِيمةً، فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا منكُم.
قال الرضي (رحمه اللّٰه) : وهذه الخُطْبَةُ رُبَّمَا نسبها من لا عِلْمَ له إلى معاوية، وَهِيَ من كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) الَّذِي لاَ يُشكُّ فِيه وأين الذَّهبُ من الرَّغام! وأين العذْبُ منَ
الأُجَاجُ! وَقد دَلَّ على ذلك الدَّليلُ الخِرّبت (1)، ونقدهُ النَّاقِدُ البَصِيرُ، عَمْرُو بن بحرٍ الجاحِظ، فإنُه ذكر هذه الخطبة في كتاب «البيان والتبيين» وذكرَ من نَسَبَهَا إلى مُعَاوية . ثمَّ تكلّم من بعدها بكلام في معناها، جملته أنه قال : وهذا الكلام بكلام علىّ (علیه السلام) أشبهُ وَبمذهبهِ في تصنيف النَّاسِ وفي الإخبَارِ عَمَّا هُمْ عليهِ من القَهْر والإذْلالِ، ومن التقيَّةِ والخوْفِ أَلْيقُ. قَالَ: ومتى وجدنا معاويةَ في حال من الأحوال يسلُكُ في كلامه مسلك الزَّهَّاد ، ومذاهبَ العُبَّاد!
الشرح: دهر عَنِود: جائر، عَنَد عن الطريق، يعنُد بالضم، أي عَدَل وجار. ويمكن أن يكون من عَنَدَ يَعْنِد بالكسر ، أي خالف وردّ الحق وهو يعرفه، إلاّ أنّ اسم الفاعل المشهور في ذلك عاند وعَنيد، وأما عَنُود فهو اسم الفاعل، من عند يعندُ بالضم.
قوله : «وزمن شديد» أي بخيل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخيرِ لَشَدِيدُ ) (2)، أي وإنّه لبخيل لأجل حُبّ الخير، والخير: المال. وقد روي : «وزمن كنود» وهو الكفور، قال تعالى : (إنَّ الإنسٰن لِرَبِّهِ لكَنُودٌ ) (3). والقارعة : الخطْب الذي يَقْرَع، أي يصيب.
قوله : «ونضيض وفره»، أي قلّة ماله ، وكان الأصل «ونضاضة وفره» ليكون المصدرُ في مقابلة المصدر الأول ، وهو «كلالة حَدّه» ، لكنه أخرجَه على باب إضافة الصّفة إلى الموصوف، كقولهم : عليه سَحْقُ عمامة ، وجَرْد قَطِيفة، وأخلاق ثياب .
قوله : والمجلب بخيله ورجلِه»، المجلِب : اسم فاعل من أجلَب عليهم، أي أعان عليهم . والرَّجْل : جمع راجل، كالرَّكْب جمع راكب، والشَّرْب جمع شارب، وهذا من ألفاظ الكتاب العزيز : (وَأَجلِبْ عَلَيْهِم بِخَیْلِکَ وَرَجلِكَ ) (4)
وأشرط نفسه، أي هَيّأها وأعدّها للفساد في الأرض.
وأوبق دينه: أهلَكه. والحُطام: المال، وأصله ما تكَسّرَ من اليَبيس ينتهزه : يختلسه .
والمِقْنَب: خيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين.
ويَفْرَعُه : يعلوه، وطامَن من شخصه، أي خَفَض. وقارب مِنْ خَطْوه:لم يسرع ومشى رويداً .
وشمّر من ثوبه :قَصّره. وزخرف من نفسه : حَسَّن ونمّق وزين، والزّخرف: الذهب في الأصل.
وضُؤولة نفسه : حقارتها. والنادّ: المنفرد. والمكْعوم، من كعمت البعير، إذا شددتَ فمه.
والأجاجُ: الملح.
وأفواههم ضامزة، بالزاي، أي ساكنة، قال بشر بن أبي خازم:
لَقَدْ ضَمَزَتْ بِجرَّتها سُلَيْمٌ*** مَخَافَتَنَا كما ضَمَزَ الْحِمَارُ
والقرظ: ورَق السَّلَم، يُدْبَغ به ، وحُثالتُه : ما يسقط منه .
والجلَم : المقصّ تُجَزّ به أوبارُ الإبل. وقراضته : ما يقع من قَرْضه وقطعه .
فإن قيل : بَيّنوا لنا تفصيل هذه الأقسام الأربعة.
قيل : القسم الأول مَنْ يقعدُ به عن طلب الإمْرة قلة ماله وحقارتُه في نفسه.
والقسم الثاني : مَنْ يُشَمِّر ويطلب الإمارة ويُفسد في الأرض ويكاشف .
والقسم الثالث : مَنْ يُظهر ناموس الدين ويطلب به الدنيا.
والقسم الرابع : مَنْ لا مال له أصلاً، ولا يكاشف، وبطلب المُلْك ولا يطلب الدنّيا بالرياء والناموس، بل تنقطِع أسبابُه كلُّها فيخلُد إلى القناعة، ويتحلّى بحلْية الزَّهادة في اللّذات الدنيوية، لا طلباً للدنيا بل عَجْزاً عن الحركة فيها، وليس بزاهد على الحقيقة.
فإن قيل : فها هنا قسم خامس، قد ذكره (علیه السلام)، وهم الأبرار الأتقياء الّذين أراقَ دموعَهم خوفُ الآخرة .
قيل : إنه (علیه السلام)إنما قال: «إنّ الناس على أربعة أصناف» ، وعَنَى بهم مَنْ عَدَا المتقين،لا ولهذا قال لما انقضى التقسيم : «وبقي رجال غضِّ أبصارَهم ذِكْرُ المرجع»، فأبان بذلك عن أنّ هؤلاء خارجون عن الأقسام الأربعة.
واعلم أنّ هذه الخطبة تتضمّن الذمّ لكثير لمن يَدَّعِي الآخرة من أهل زماننا، وهم أهلُ الرّياءوالنّفاق، ولابُسو الصوف والثّياب المرقوعة لغير وجه اللّٰه .
وقد وردَ في ذمّ الرياء شيء كثير، وقد ذكرنا بعضَ ذلك فيما تقدّم.
ومن الآيات الواردة في ذلك قوله تعالى : (يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّٰهَ إِلَّا قَلِيلًا) (1)
1) سورة النساء، الآية : 142 .
ومنها قوله تعالى : (فَمَن كَانَ يَرْحُوا لِقآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَٰلِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَ ) (1)
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّٰهِ لَا نُريدُ منكُمْ جَزآءً وَلَا شُكُوراً) (2)
و منها قوله تعالى : ( الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5) الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُون(6)وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7))(3)
ومن الأخبار النبويّة قوله(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وقد سأله رجل: يا رسولَ اللّٰه، فيم النجاة؟ فقال: «الاً تعمَل بطاعة اللّٰه وتريد بها الناس» .
وفي الحديث : «مَنْ رَاءَى اللّٰه به ، ومَنْ سمّع سمَّع اللّٰه به» (4)
وفي الحديث: «إن اللّٰه تعالى يقول للملائكة: إنّ هذا العمل لم يردْ صاحبهُ به وجْهِي، فاجعلوه في سجّينِ» (5).
وقال(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : «إنّ أخوف ما أخافُ عليكم الشِّرْكُ الأصغر»، قالوا: وما الشركُ الأصغر يا رسول اللّٰه؟ قال : الرياءُ، يقول اللّٰه تعالى إذا جازى العبَادَ بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم في الدنيا، فاطلبوا جزاءكم منهم» (6).
وفي حديث شَدَّاد بن أوس: رأيتُ النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) يبكي، فقلت: يا رسول اللّٰه، ما يبكيك؟ فقال : «إنّي تخوّفت على أمتي الشرك، أمَا إنّهم لا يعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً، ولكنهم يراؤون بأعمالهم»(7)
ورأى عمرُ رجلاً يتخشّع، ويُطَأطي، رقَبَته في مِشْيته، فقال له : يا صاحبَ الرَّقبة، ارفع رقَبَتَك، ليس الخشوع في الرقاب .
ورأى أبو أمامة رجلاً في المسجد يبكي في سجوده، فقال له : أنت أنت لو كان هذا في بيتك !
وقال علي(علیه السلام) : للمرائي أربع علامات : يكسلُ إذا كان وحدَه، وينْشَطَ إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أُثْنيَ عليه، وينَقُص منه إذا لم يُثْنَ عليه .
1) سورة الكهف، الآية : 110 .
2) سورة الإنسان، الآية: 9 .
3) سورة الماعون، الآيات : 5 - 7 .
4) أخرجه مسلم نحوه في كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير اللّٰه (2986)، وأخرج الدارمي نحوه أيضاً، كتاب الرقائق، باب : من راءى اللّٰه به (2748).
5) ذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (7508) ونسبه لابن المبارك.
6) أخرجه أحمد في كتاب باقي مسند الأنصار، باب: حديث محمود بن لبید، (23119)
7) أخرجه أحمد، في كتاب: مسند الشاميين، باب: حديث شداد بن أوس (16671).
وقال رجل لعبادة بن الصّامت : أقاتِل بسيفي في سبيل اللّٰه أريد به وجهَه ومَحْمَدة الناس، قال : لا شيء لك، فسأله ثلاث مرات، كل ذلك يقول : لا شيء لك! ثم قال في الثالثة : يقول اللّٰه تعالى : أنا أغني الأغنياء عن الشرك (1). . . الحديث.
وضرب عُمر رجلاً بالدِّرِّة ، ثم ظهر له أنّه لم يأتِ جُرْماً ، فقال له : اقتصّ مني، فقال: بل أدَعُها للّٰه ولك قال ما صنعتَ شيئاً ، إما أن تدَعها لى فأعرف ذلك لك، أو تَدَعها للّٰه وحده.
وقال الحسن، لقد صحبتُ أقواماً، إن كان أحدُهم لَتَعْرِضُ له الكلمة لو نطق بها لنفعتْه ونفعت أصحابه، ما يمنعه منها إلا مخافةُ الشهرة، وإنْ كان أحدُهم ليمرّ فيرَى الأذى على الطريق فما يمنعه أن ينحِّيَه إلا مخافة الشهرة.
وقال الفُضَيْل : كانوا يراؤون بما يعملون، وصاروا اليوم يراؤون بما لا يعملون.
وقال عِكْرمة : إن اللّٰه تعالى يُعطِي العبد على نِيّته ما لا يُعطيه على عمله، لأنّ النية لا رياء فيها.
وقال الحسن : المرائي يريد أن يَغْلِبَ قَدَرَ اللّٰه تعالى، هو رجل سَوْء، يريد أن يقول الناس:
هذا صالح، وكيف يقولون وقد حلَّ من ربه محلّ الأردئاء، فلا بدَّ لقلوب المؤمنين أن تعرفَه . وقال قَتَادة : إذا راءى العبدُ، قال اللّٰه تعالى لملائكته : انظروا إلى عبدي يستهزيء بي .
وقال الفُضَيْل : مَنْ أراد أن ينظر مُرائياً فلينظر إليّ .
وقال محمد بن المبارك الصُّوريّ: أظْهِر السمْت بالليل فإنه أشرفُ من سمْتِك بالنهار، فإنّ سَمْت النهار للمخلوقين، وسَمْت الليل لربّ العالمين.
وقال إبراهيمُ بن أدْهَم: ما صدق اللّٰه مَنْ أحبّ أن يَشتهر .
ومن الكلام المعزوّ إلى عيسى بن مريم (علیه السلام): إذا كان يوم صوم أحدكم فَلْيَدْهُنْ رأسَه ولحيته، وليمسَحْ شفتيه، لئلا يعلم الناس أنه صائم. وإذا أعطَى بيمينه، فليُخْفِ عن شماله، وإذا صلّى فلْيُرْخِ سِتْر بابه، فإنّ اللّٰه يَقْسِم الثناء كما يَقْسِم الرزق .
ومن كلام بعض الصالحين : آخرُ ما يخرج من رُؤوس الصدِّيقين حبُّ الرياسة.
وروى أنس بن مالك عن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)أنّه قال : «بحسْب المرء من الشَّرّ- إلاّ مَنْ عَصمه
1) أخرج مسلم نحوه في كتاب: الزهد والرقائق، باب : من أشرك في عمله غير اللّٰه (2985)، وابن ماجه في كتاب: الزهد باب: الرياء والسمعة (4202).
اللّٰه من السوء - أن يُشِيرَ الناسُ إِليه بالأصابع في دينه ودنياه، إن اللّٰه لا ينظر إلى صُوَركم، ولكن ینظر إلى قلوبكم وأعمالكم»(1).
وقال عليّ (علیه السلام) : تَبَذّلْ لا تشتهْر ، ولا ترفَعْ شخْصَك لتُذكَر بعلم، واسكُتْ واصمت تَسْلم،
تَسُرّ الأبرار، وتَغِظْ الفجار.
وكان خالد بن مَعْدان إذا كثُرَت حَلْقتُه قام مخافة الشهرة.
ورأى طلحة بن مصرِّف قوماً يَمْشون معه نحو عشرة، فقال: فَرَاش نار، وذِبّان طمع.
وقال سليمان بن حَنْظلة : بينا نحنُ حواليْ أُبيّ بن كعب نمشي، إذ رآه عُمر فعلاَه بالدِّرة، وقال له : انظُرْ مَنْ حولك ! إنّ الذي أنت فيه ذِلّة للتابع، فتنة للمتبوع.
و خرج عبداللّٰه بن مسعود من منزله، فاتبعه قوم، فالتفت إليهم وقال : عَلاَم تتبعونني؟ فواللّٰه لو تعلمون مِنِّي ما أُغْلِقُ عليه بابي لما تَبِعني منكم اثنان .
وقال الحسن : خفْقُ النّعال حولَ الرّجال مما يُثَبّت عليهم قلوبَ الحمْقَى .
وروي أنّ رجلاً صَحِبَ الحسن في طَريق، فلما فارقه قال: أوصني رَحِمك اللّٰه ! قال : إن استطعتَ أن
تَعرِفَ ولا تُعْرَف، وتَمشِيَ ولا يُمْشَيَ إليك، وتَسْأل ولا تُسْأل، فافعل.
وخرج أيوب السِّخْتِيَاني في سَفَر ، فشيّعه قوم، فقال : لولا أنِّي أعلمُ أن اللّٰه يعلم مِنْ قلبي أنّي لهذا ،كاره لَخَشيتُ المقْتَ من اللّٰه .
وعوتب أيّوب على تطويلِ قَمِيصه، فقال : إنّ الشهرة كانت فيما مضَى في طوله، وهي اليومَ في قِصَره. وقال بعضهم : كنت مع أبي قُلابة، إذْ دخل رجل عليه كِساء، فقال: إياكم وهذا الحمار النّاهق - يشير به إلى طالب شهرة .
وقال رجل لبِشْر بن الحارث : أوصِني، فقال: أَخْمِل ذِكْرَكَ، وَطيِّب مَطْعمك.
وكان حَوْشب يبكي ويقول : بلَغ اسمِي المسجد الجامع.
وقال بشر : ما أعرِف رجلاً أحبّ أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتضح .
وقال أيضاً: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحبّ أن يعرفه الناس.
1) اخرج مسلم نحوه في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وماله ، (2564) ، وأخرج ابن ماجه نحو شطره الثاني أيضاً (إن اللّٰه لا ...) في كتاب الزهد، باب: القناعة (4143) .
فهذه الآثار قليل مما ورد عن الصالحين رحمهم اللّٰه في ذم الرياء وكون الشهرة طريقاً إلى الفنة.
وقد صرح أميرُ المؤمنين(علیه السلام) في مَدْح الأبرار - وهم القسم الخامس - بمدح الخمول، فقال : «قد أخملتْهم التَّقية» - يعني الخوف.
وقد ورد في الأخبار والآثار شيء كثير في مَدْح الخمول.
قال رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم): «ربّ أشْعَثَ أغَبَر ذي طِمْرَيْن لا يؤُبَهُ له ، لو أقْسَم على اللّٰه لأبَّر قَسَمه»(1). وفي رواية ابن مسعود : «ربّ ذِي طِمْرَين لا يُؤبَه له ، ولو سأل الجنَّة لأعْطيها» . وفي الحديث أيضاً عنه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : «ألا أدلّكم على أهل الجنة؟ كلُّ ضعيف مستضعَف لو
أقْسَم على اللّٰه لأبرّه، ألا أدُلُّكُم على أهل النار؟ كل متكبر جَوّاظ» (2).
و عنه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)وسلم : إنّ أهلَ الجنّة الشَّعْثُ الغُبْر ، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذَنْ لهم، وإذا خَطَبوا لم يُنْكَحوا ، وإذا قالوا لم يُنْصَتْ لهم، حوائج أحدهم تَتَلَجْلَجُ في صدره، لو قُسِمَ نورهم يوم القيامة على الناس لوسعهم» (3).
وروي أنّ عمر دخل المسجد، فإذا بمعاذ بن جَبل يَبْكي عند قبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ، فقال : ما يبكِيك؟ قال: سمعتُ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) يقول : «إنّ اليَسيرَ من الرياء لِشرْكٌ، وإنّ اللّٰه يحبّ الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يُفْتَقَدُوا ، وإذا حَضَروا لم يُعْرَفوا ، قلوبُهُم مصابيح الهدَى، يَنْجُون من كلِّ غبراءَ مُظْلِمة » (4).
وقال ابن مسعود:كونوا ينابيعَ العلم، مصابيح الهُدَى ، أحْلاسَ البيوت . سُرُجَ الليل، جُدُدَ القلوب، خُلْقَانَ الثِّياب، تُعرَفون عند أهل السماء، وتَخْفَوْن عند أهل الأرض.
1) أخرج الترمذي نحوه، كتاب المناقب عن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، باب : مناقب البراء بن مالك (3854) ، وابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: من لا يؤبه له (4115) ، وأحمد كتاب باقي مسند الأنصار، باب حديث حذيفة بن اليمان عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) (22947).
2) أخرج بنحوه البخاري في كتاب: تفسير القرآن، باب: عتك بعد ذلك زنيم (4918)، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، باب: النار يدخلها، الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (2853)، والترمذي في كتاب: صفة جهنم عن رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، باب: ما جاء أن أكثر أهل الناء النساء (2605).
3) رواه الريشهري في ميزان الحكمة رقم 562 .
4) أخرج ابن ماجه نحوه في كتاب: الفتن باب :من ترجى له السلامة من الفتن (3989).
وفي حديث أبي أُمامة ،يرفعه: «قال اللّٰه تعالى : إنّ أغْبَط أوليائي لَعبدٌ مؤمن، خفيف الحاذِ، ذو حظِّ من صلاة، وقد أحسنَ عبادة ربِّه، وأطاعه في السرّ، وكان غامضاً في الناس، لا يُشار إليه بالأصابع»(1)
وفي الحديث : «السعيد من خَمَلَ صيتُه ، وقلّ تُراثه، وسَهُلت منيَّتُه، وقَلّت بواكيه»(2)وقال الفُضَيل : رُوي لي أن اللّٰه تعالى يقول في بعض ما يمنّ به على عبده : ألم أنعم عليك!
ألم أسترك ! ألم أخْمِل ذكرك ؟
وكان الخليل بن أحمد يقول في دعائه: اللّهم اجْعلْنِي عندك من أرْفَع خَلْقك ، واجعلني عِنْد نفسي في أوْضَع خَلْقك ، واجْعَلْني عِنْدَ الناس من أَوْسَطِ خلقك.
وقال إبراهيم بن أدْهم: ما قرّت عيني ليلة قَطّ في الدنيا إلا مرّة، بتُّ ليلة في بعض مساجد قُرَى الشام، وكان بي علّة البطن، فجرّني المؤذن بِرِجْلي حتى أخرجني من المسجد.
وقال الفُضَيْل : إن قَدَرْتَ على ألا تُعرف، فافْعل، وما عليك ألا تعرف! وما عليك ألا يُثْنَى عليك! وما عليك أن تكونَ مذموماً عند الناس، إذا كنت محموداً عند اللّٰه تعالى!
فإن قيل : فما قولُك في شهرة الأنبياء والأئمة(علیه السلام) ، وأكابر الفقهاء المجتهدين؟ قيل: إنّ المذمومَ طلبُ الشهرة، فأمّا وجودها من اللّٰه تعالى من غير تكلف من العبد ولا طلب فليس بمذموم، بل لا بُدّ من وجود إنسان يَشتهر أمره، فإنّ بطريقه يَنْصِلح العالم، ومثال ذلك الغرقَى الذين بينهم غريقٌ ضعيف، الأوْلى به ألاّ يعرفه أحد منهم، لئلا يتعلق به فيهلك ويهلِكوا معه، فإن كان بينهم سابح قويّ مشهور بالقوّة، فالأولى ألاّ يكون مجهولاً، بل ينبغي أن يُعرف ليتعلّقوا به، فينجُو هو ويتخلّصوا من الغرق بطريقه .
الأصل: قال عبد اللّٰه بنُ العباس : دخلت على أمير المؤمنين بذي قَار وهو يخصِف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل ؟ فقلت: لا قيمةَ لها، فقال: واللّٰه لَهِيَ أحبُّ إليَّ من إِمْرَتكم، لا أن أقيم حقَّا ، أو أدفعَ باطلاً ، ثم خرج فخطب الناس فقال :
إِنَّ اللّٰه سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّى اللّٰه عَلَيْهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتاباً وَلَا يَدَّعِي نُبُوَّةً، فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّاهُمْ مَحَلَّتَهُمْ ، وَبَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ، وَأَطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ.
أما واللّٰه إنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا، حَتَّى وَلَّتْ بِحَذَا فِيرِها ، مَا ضعفْت وَلَا جَبُنْتُ، وَإِنَّ مَسِيرِي هَذَا لِمِثْلِهَا ، فَلأَنْقُبَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقّ مِنْ جَنْبِهِ .
مَا لِي وَلِقُرَيْش! وَاللّٰه لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِين وَلَأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ، وَإِنِّي لَصَاحِبُهُمْ بِالْأَمْسِ كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمْ الْيَوْمَ. وَاللّٰه مَا تَنْقِمُ مِنَّا قُرَيْشٌ إِلاَّ أَنَّ اللّٰه اَخْتَارَنَا عَلَيْهِمْ، فَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي حْيِّزِنَا ، فَكَانُوا كَمَا قَالَ الْأَوَّل:
أَدَمْتَ لَعَمْرِي شُرْبَك الْمَحْضَ صَابِحاً*** وَأَكْلَكَ بالزّبْدِ المُقَشَّرَةَ الْبُجْرًا
وَنَحْنُ وَهَبْنَاكَ الْعَلاَءَ وَلَمْ تَكُنْ*** عَلِيًّا، وَحُطْنَا حَوْلَكَ الْجُرْدَ وَالْسُّمْرَا
الشرح: ذوقَار : موضع قريبٌ من البَصْرة، وهو المكان الذي كانت فيه الحربُ بين العرب و الفرس، ونُصِرت العرب على الفرس قبل الإسلام.
ويخصِف نعله، أي يَخْرزها .
وبوّأهم محلّتهم: أسكنهم مَنْزَلهم، أي ضرب النّاس بسيفه على الإسلام حتى أوصلهم إليه ، ومثله «وبلَّغهم منجاتهم»، إلا أن في هذه الفاصلة ذَكر النّجاة مصرّحاً به.
فاستقامتْ قناتُهم : استقاموا على الإسلام، أي كانت قناتهم معوجّة فاستقامت.
واطمأنت صَفاتُهم، كانت متقلقلة متزلزلة، فاطمأنّت واستقرّت .
وهذه كلّها استعارات.
ثم أقسم أنّه كان في ساقتها حتى تولَّتْ بحذافيرها، الأصل في «ساقتها» أن يكون جمع سائق كحائِض وحاضة، وحائك وحاكة، ثم استعلمت لفظة «الساقة» للأخير، لأن السائق إنما يكون في آخر الرّكب أو الجيش.
وشبّه (علیه السلام)أمرَ الجاهلية، إمّا بعَجاجة ثائرة، أو بكتِيبة مُقْبلة للحرب، فقال: إنّي طردتُها فولّت بين يديّ، ولم أزل في ساقتها أنا أطرُدها وهي تنطرد أمامي، حتى تولّت بأسْرِها ولم يبق منها شيء، ما عجزْت عنها، ولا جَبُنْت منها .
ثم قال : وإنّ مسيري هذا لِمِثْلِها، فَلَأَنقُبَنّ الباطل ، كأنه جعل الباطل كشيء قد اشتمل على
الحق، واحتوَى عليه، وصار الحقُّ في طَيّه، كالشيء الكامن المستتِر فيه، فأقسم لينقبنّ ذلك الباطل إلى أن يخرُج الحقُّ من جنبه .
وهذا من باب الاستعارة أيضاً .
ثم قال: «لقد قاتلتُ قريشاً كافرين، وَلَأقاتلنَّهُم مفتونين»، لأن الباغيَ على الإمام مفتون فاسق.
وهذا الكلام يؤكد قول أصحابنا : إنّ أصحاب صِفِّين والجمل ليسوا بكفار، خلافاً للإمامية، فإنهم يزعمون أنهم كفار.
روى أبو مِخْنف عن الكلبيّ ، عن أبي صالح ، عن زيد بن عليّ، عن ابن عباس، قال: لما نزلنا مع عليّ (علیه السلام) ذا قار، قلتُ: يا أميرَ المؤمنين، ما أقلّ مَنْ يأتيك من أهل الكوفة فيما أظنّ فقال : واللّٰه لَيأتينِّي منهم ستة آلاف وخمسمائةٍ وستون رجلاً، لا يزيدون ولا ينقصون.
قال ابن عباس: فدخلَني واللّٰه من ذلك شكُّ شديد في قوله، وقلت في نفسي: واللّٰه إن قدِمُوا لأعُدَّنّهم.
قال أبو مِخْنف: فحدث ابن إسحاق، عن عمه عبد الرحمن بن يسار، قال: نفّر إلى عليّ (علیه السلام) إلى ذِي قار من الكوفة في البحر والبرّ ستةُ آلاف وخمسمائة وستون رجلاً ، أقام عليّ بذي قار خمسة عشر يوماً، حتى سمع صهيل الخيل وشحيج البغال حوله .
قال : فلما سار بهم منقلة(1)، قال ابنُ عباس: واللّٰه لأعدّنّهم، فإن كانوا كما قال، وإلا أتممتُهم من غيرهم، فإنّ الناس قد كانوا سمعوا قوله. قال فعرضتُهم فواللّٰه ما وجدتُهم يزيدون رجلاً ، ولا ينقصون رجلاً ، فقلت: اللّٰه أكبر ! صدق اللّٰه ورسوله ! ثم سرنا .
قال أبو مِخْنف : ولما بلغ حُذَيفةَ بن اليمَان أنّ علياً قد قَدِم ذا قار، واستنفَرَ الناس، دعا أصحابه فوعظهم وذكّرهم اللّٰه وزهدهم في الدنيا، ورغّبهم في الآخرة، وقال لهم : الحقُوا بأمير المؤمنين ووصيِّ سيد المرسلين، فإنّ من الحقّ أنْ تنصروه، وهذا الحسن ابنُه وعمّار قد قدما الكوفة يستنفران الناس، فانفِروا.
قال : فنفر أصحابُ حذيفة إلى أمير المؤمنين، ومكث حُذَيفة بعد ذلك خمس عشرة ليلة، وتوفي رحمه اللّٰه تعالى :
1) المنقلة : المرحلة من مراحل السفر. اللسان، مادة (نقل).
قال أبو مُخْنف : وقال هاشم بن عُتْبة المِرْقال، يذكُر نفورهم إلى عليّ (علیه السلام) :
وَسِرْنَا إلى خَيْرِ الْبَرِيَّة كُلِّهَا*** عَلَى عِلْمنَا أَنَا إلَى اللّٰه نَرْجِعُ
نُوَقِّرهُ في فَضلِهِ ونُجِلهُ*** وفي اللّٰه ما نَرْجُو وما نتوقّعُ
وَنَخْصِفُ أَخْفَافَ المطِيّ عَلَى الوجا(1)***وَفِي اللّٰه ما نُزْجِي وَفي اللّٰه نُوضِعُ
دَلَفْنَا بِجَمْعِ آثرُوا الحقِّ والهُدَى*** إلى ذِي تُقَى في نَصْرِه نَتَسَرَّعُ
نكافح عنه والسُّيُوفُ شهيرةٌ*** تصافح أعناقَ الرِّجال فتقطعُ
قال أبو مخنف : فلما قدم أهلُ الكوفة على عليّ (علیه السلام) ، سلّموا عليه، وقالوا الحمدُ للّٰه يا أمير المؤمنين الَّذي اختصَّنا بموازرتك، وأكرمنا بنُصرتك، قد أجبناك طائعين غيرَ مكرهين، فمرْنا بأمرك .
قال : فقام فحمد اللّٰه وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال :
مرحباً بأهل الكوفة، بيوتاتِ العرب ووجُوهها، وأهل الفضل وفرسانها، وأشدِّ العرب مودّة الرسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ولأهل بيته، ولذلك بعثتُ إليكم واستصرخْتُكم عند نَقْضِ طلحة والزبير بَيْعتي، عن غَيْر جَوْرِ مني ولا حَدَثٍ، ولَعمري لو لم تنصرُوني يا أهل الكوفة، لرجوت أن يكفِيَني اللّٰه غوغاء الناس ، وطَغَام أهل البصرة، مع أنّ عامَّة مَنْ بها ووجوهها وأهل الفضل والدين قد اعتزلوها، ورغبوا عنها.
فقام رؤوس القبائل فخطبوا وبذلوا له النصر، فأمرهم بالرحيل إلى البصرة.
الأصل: أُفٍّ لَكُمْ! لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ. أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ عِوَضاً، وَبِالذلِّ مِنَ العِزَّ خَلَفاً! إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ، كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِي غَمْرَةٍ، وَمِنَ الذُّهُولِ فِي سَكْرَةٍ.
يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حِوَارِي فَتَعْمَهُونَ ، فَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ، فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ.
ما أَنْتَمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ اللَّيَالِي، وَمَا أَنْتُمْ بِرُكْنٍ يُمَالُ بِكُمْ، وَلَا زَوَافِرَ مِنْ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ مَا أَنتُمْ إِلاَّ كَإِبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا ، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ .
1) الوجا: الحفا، أو أشد منه . القاموس، مادة (وجي).
لَبِئْسَ لَعَمْرُ اللّٰه سَعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ! تُكَادُونَ وَلا تَكِيدُونَ، وَتُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلاَ تَمْتَعِضُونَ ، لا يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ سَاهُون. غُلِبَ وَاللّٰه المُتَخَاذِلُونَ !
وَايْمُ اللّٰه، إِنِّي لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى، وَاسْتَحَرَّ المَوْتُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طالب أنْفِرَاجَ الرَّاس
وَاللّٰه إنَّ أمْرَاً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ ، يَعْرُقُ لَحْمَه ، وَيَهْشِمُ عَظْمَه، وَيُفْرِي جِلْدَهُ، لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ، ضَعِيفُ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِه .
أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَوَاللّٰه دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِك ضَرْبٌ بِالمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ راشُ الْهَام ، وَتَطِيحُ السَّوَاعِدُ وَالْأَقْدَام، وَيَفْعَلُ اللّٰه بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ .
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لي عَلَيْكُمْ حَقًّا، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ ، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُم، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلاَ تَجْهَلُوا ، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا . وَأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ فِي المَشْهَدِ وَالمَغِيبِ، وَالْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمرُکُمْ.
الشرح: اُفِّ لكم: كلمة استقذار ومَهانة، وفيها لغات. ويرتج : يغلَق. والحِوار : المحاورة والمخاطبة. وتَعْمَهون، من العَمَه وهو التحيّر والتردد، الماضي عَمِه بالكسر .
وقوله : «دارت أعينكم» من قوله تعالى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ )(1)
ومن قوله : (تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوتِ ) (2)
وقلوبكم مألوسة، من الألْس، بسكون اللام، وهو الجنون واختلاط العقل.
قوله : «مَا أَنْتُمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ الليالي» كلمة تقال للأبد، تقول: لا أفعله سَجِيسَ اللَّيالي، وسَجيسَ عُجَيْس، وسَجِيسَ الأَوْجَسِ ، معنى ذلك كله الدهر، والزمان، وأبداً.
قوله : «ما أنتم بركنِ يُمَالُ بكم»، أي لستم بركن يُستَند إليكم، ويُمال على العدوّ بعزّكم وقوّتِكم .
قوله: «ولا زوافر عزّ» جمع زافرة، وزافرة الرجل : أنصاره وعشيرته، ويجوز أن يكون زَوافِر عِزّ ، أي حوامل عِزّ زفرتُ الجملَ أزفره زفراً، أي حمّلته .
قوله: «سُعْر نار الحرب» جمع ساعر ، كقولك : قوم كُظْمٌ الغيظ، جمع كاظم، وتمتعضون: تأنفون وتَغْضَبُون. وحَمِس الوَغَى اشتدّ وأصلُ الوغَى الصوت والجَلَبة، ثم سُميِّت الحربُ نفسها وَغى، لما فيها من الأصوات والجَلَبة. واستحرّ الموت، أي اشتدّ .
وقوله : «انفرجتم انفراج الرأس»، أي كما ينفلق الرأس فيذهب نصفه يَمْنَةً ونصفه شَامَة .
والمشرفيَّة: السيوف المنسوبة إلى مَشارف، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، ولا يقال : مشارفيّ ، كما لا يقال: جعافريّ لمن ينسب إلى جعافر .
وفراش الهام : العظام الخفيفة تلي القَحْف.
وقال الراونديّ في تفسير قوله «انفراج الرأس» أراد به انفرجْتُمْ عَنّي رأساً، أي قطعاً، وعرّفه بالألف واللام، وهذا غير صحيح لأنّ «رأساً »لا يعرّف . قال : وله تفسير آخر، أن يكون المعنى انفراج رأس من أدْنى رأسه إلى غيره، ثم حرّف رأسه عنه.
وهذا أيضاً غيرُ صحيح، لأنّه لا خُصوصيّة للرأس في ذلك، فإنّ اليدَ والرِّجْل إذا أدنيتَهما من شخص، ثم حرّفتهما عنه فقد انفرج ما بين ذلك العضو وبينه، فأي معنى لتخصيص الرأس بالذِّكْر !
فأما قوله : «أنت فكن ذاك» فإنه إنّما خاطب مَنْ يمكِّن عدوَّه من نفسه كائناً مَنْ كان، غيرمعيَّن ولا مخصَّص، ولكن الرواية وردت بأنه خاطب بذلك الأشعث بن قيس، فإنه روي أنه قال له(علیه السلام) وهو يخطب ويلوم الناس على تثبيطهم وتقاعدهم : هلأ فَعَلْتَ فِعْل ابن عفان! فقال له : «إنّ فعل ابن عفان لمخزاة على مَن لا دين له ولا وثيقَة معه، إنّ امراً أمكن عدوّه من نفسه يهشِمُ عظمه، ويفرِي جلده ، لضعيفٌ رأيه مَأفُونٌ عقله . أنت فكن ذاك إن أحببتَ، فأما أنا فدُون أن أعطِيَ ذاك ضَرْبٌ بالمشرفيّة . . . .» الفصل .
ويمكن أن تكون الرواية صحيحة، والخطاب عام لكلِّ من أمكن من نفسه، فلا منافاة بينهما .
وقد نظمتُ أنا هذه الألفاظ في أبيات كتبتها إلى صاحب لي في ضمن مكتوب اقتضاها، و هي:
إنَّ امْرَأَ أَمْكَنَ مِن نَفْسِهِ*** عَدُوّه يَجْدَعُ آرَابَه
لاَ يَدْفَعُ الضَّيْمَ ولا ينكر الذّ*** لَّ ولا يُخصِنُ جِلْبَابَهُ
لفائلُ(1)الرأي ضَعِيفُ القُوَى*** قَدْ صرم الخِذْلانُ أَسْبَابَهُ
أنت فكن ذاكَ فإني امرؤ*** لاَ يَرْهَبُ الخطبَ إذا نَابهُ
1) فَال رأيه : أخطأ وضعف . فيل.
إن قال دَهْرٌ لم يُطِعْ أو شَحا ***له فَمٌ ادْرَدَ أَنْيَابَهُ
أوْ سَامَه الْخَسْفَ أبَى وَانْتَضَى*** دُونَ مَرام الخسْف قِرْضَابَهُ (1)
أخْزَرُ عضْبَانُ شَدِيد السّطَا*** يَقْدِرُ أنْ يَتْرُك مَا رَابَهُ
خَطَب أميرُ المؤمنين(علیه السلام) بهذه الخطبة، بعد فَراغِه من أمْرِ الخوارج، وقد كان قام بالنَّهروان، فحمِدَ اللّٰه وأثنى عليه وقال:
أمّا بعد، فإنّ اللّٰه قد أحسنَ نصرَكم، فتوجَّهوا من فَوْركم هذا إلى عَدُوّكم من أهل الشام.
فقاموا إليه، فقالوا : يا أميرَ المؤمنين، نَفِدت نِبالُنا ، وكَلّت سيوفُنا، وانصلتَتْ أسِنّةُ رماحنا ، وعاد أكثرها قِصَداً . ارجع بنا إلى مِصْرنا ،نستعدّ بأحسن عُدّتنا، ولعلّ أميرَ المؤمنين يزيد في عَددِنا مثل مَنْ هَلَكَ مَنّا، فإنّه أقوى لنا على عدونا .
فكان جوابه (علیه السلام): (يَقَومِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَاتَرْتَدُوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ
فَتَنقَلِبُوا خَٰسِرِينَ ) (2)
فتلكّنوا عليه، وقالوا إن البردَ شديد.
فقال : إنّهم يَجدون البَرْد كما تجدُون. فتلكؤوا وأبَوْا ، فقال : أفِّ لكم ! إنها سُنّة جرت، ثم تلا قوله تعالى: (قَالُوا يَمُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فإنا داخِلُونَ) (3)
فقام منهم ناس فقالوا : يا أميرَ المؤمنين الجِراحُ فاشية في النّاس - وكانَ أهلُ النَّهْرَوان قد أكثروا الجِراح في عسكر أمير المؤمنين (علیه السلام)- فارجع إلى الكوفة، فأقم بها أياماً ثم أخرج، خار اللّٰه لك! فرجَع إلى الكُوفة عَنْ غير رضا .
وروی نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن نُمير بن وَعْلة، عن أبي وَدّاك، قال: لما كره القومُ المسيرَ إلى الشام عَقيب واقعة النهروان، أقبل بهم أمير المؤمنين، فأنزلهم النُّخيلة، وأمرَ الناس أن يَلْزَموا معسكرهم، ويوطّنوا على الجهاد أنفسهم، وأن يقُلُّوا زيارةَ النساء وأبنائهم، حتى يسيرَ بهم إلى عَدُوّهم، وكان ذلك هو الرأي لو فعلوه، لكنهم لم يفعلوا، وأقبلوا يتسللون ويدخلُون الكوفة. فتركوه(علیه السلام) وما معه من النَّاس إلا رجالٌ من وجوههم قليل، وبَقِيَ المعسكر خالياً ، فلا مَنْ دخل الكوفة خرج إليه، ولا مَنْ أقام معه صَبَر . فلما رأى ذلك دخل الكوفة .
قال نصر بن مزاحم فخطب النّاس بالكوفة، وهي أولُ خطبة خطبها بعد قدومه من حرب الخوارج،
فقال:
أيّها الناس استعدُّوا لقتال عدوّ فِي جهادهم القربةُ إلى اللّٰه عزّ وجَلّ، ودَرْكُ الوسيلة عنده، قوم حيارَى عن الحقّ لا يُبِصرونه، مُوزَعِين (1)بالجوْر والظلم لا يعدلون به، جفاة عن الكتاب، نُكْبٌ عن الدِّين، يَعْمَهُون في الطغيان، ويتسكّعون في غمرة الضلال، فأعِدّوا لهمْ ما استطعتُم من قُوّة ومن رباط الخيل، وتوكَّلوا على اللّٰه، وكفى باللّٰه وكيلاً .
قال : فلم ينفِرُوا ولم يُنْشَروا ، فتركهم أياماً ، ثم خطبهم فقال : أفِّ لكم ! لقد سنمتُ عتابَكم. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً ... الفصل الذي شرحناه آنفاً إلى آخره. وزاد (2) فيه: «أنتم أسودُ الشّرى في الدَّعة (2)، وثعالبُ رَوّاغة حين البأس. إنَّ أخا الحرْب اليقظان، ألاَ إنّ المغلوبَ مقهور ومسلوب» .
وروى الأعمش عن الحَكم بن عتيبة، عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعتُ عليَّا (علیه السلام)على مِنْبَر الكوفة، وهو يقول :
يا أبناء المهاجرين، انفروا إلى أئمة الكُفْر، وبقية الأحزاب، وأولياء الشيطان. انفِرُوا إلى مَنْ يقاتل على دم حَمّال الخطايا، فواللّٰه الّذي فَلق الحبّة، وبرأ النَّسَمة، إنّه ليَحْمِل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئاً .
قلت: هذا قيس بن أبي حازم، وهو الذي روى حديث : «إنّكم لترون رَبِّكُم يوم القيامة، كما تروْن القمرَ ليلة البَدْر لا تُضامون في رؤيته» (3)
الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (183).
. وقد طعن مشايخنا المتكلّمون فيه، وقالوا : إنه فاسق ولا تُقبَلُ روايته، لأنه قال: إنّي سمعت علياً يخطُب على منبر الكوفة، ويقول: انفِروا إلى بقية الأحزاب، فأبغضتُه ، ودخل بُغْضُه في قلبي، ومن يُبْغِضُ علياً (علیه السلام) لا تُقْبَلْ روايته .فإن قيل : فما يَقُول مشايخكم في قوله(علیه السلام) : «انفروا إلى مَنْ يُقاتل على دَمِ حَمّال الخطايا»؟ أليس هذا طَعْناً منه (علیه السلام)في عُثمان!
قيل : الأشهرُ الأكثرُ في الرواية صَدْر الحديث، وأما عَجُز الحديث فليس بمشهور تلك الشهرة، وإن صحَّ حملْناه على أنه أراد به معاوية، وسمّى ناصریه مقاتلين على دمه، لأنهم يُحامون عن دمه، ومَنْ حَامَى عن دَمه إنسان فقد قاتل عليه .
وروى أبو نُعَيْم الحافظ، قال: حدّثنا أبو عاصم الثقفّي، قال. جاءت امرأة من بني عَبْس إلى عليّ (علیه السلام)، وهو يخطب بهذه الخُطْبة على مِنْبَر الكوفة، فقالت: يا أميرَ المؤمنين ثلاثٌ بَلْبَلْنَ القلوبَ عليك، قال: وما هُنّ ويحك ! قالت رِضاكَ بالقَضِيّة، وأخْذُك بالدنِيّة، وجَزَعُك عِنْد البَلِيّة. فقال: إنّما أنتِ امرأة، فاذْهَبي فاجلسي على ذَيْلك، فقالت : لا واللّٰه ما من جلوس إلا تحت ظلال السيوف.
وروی عمرو بن شمر الجُعْفيّ ، عن جابر ،عن رُفَيْع بن فرقد البَجَليّ ، قال : سمعتُ علياً (علیه السلام)، يقول :
يأهلَ الكوفة ، لقد ضرَبْتُكُم بالدِّرَّة التي أعِظُ بها السفهاء فما أراكم تنتهون! ولقد ضَرَبْتُكُمْ بالسّيَاط التي أقيم بها الحدودَ، فما أراكم تَرْعَوُون! فلم يبق إلا أنْ أضْرِبَكم بسيفي، وإنّي لأعلمُ ما يُقَوِّمُكُمْ ، ولكنِّي لا أحبُّ أنْ ألِيَ ذلك منكم . واعجباً لَكُم ولأهل الشام! أميرُهم يَعْصِي اللّٰه وهم يطيعونه، وأميرُكُم يطيع اللّٰه وأنتم تَعْصُونه ! واللّٰه لو ضربتُ خَيْشُومَ المؤمِن بسيفي هذا على أن يُبْغِضَنِي ما أبغضني، ولو سُقْتُ الدّنيا بحذافيرها إلى الكافر لما أحبَّني، وذلك أنه قضى ما قضى على لسان النبيِّ الأميِّ أنّه لا يُبْغِضُني مؤمن، ولا يُحبني كافر، وقد خاب مَنْ حَمَل ظُلْماً .
واللّٰه لَتَصْبِرُنّ يأهل الكوفةِ على قتال عدوِّكم أو لَيُسَلِّطَنَّ اللّٰه عليكم قوماً أنتم أولى بالحق منهم فليعذبُنكم! أفمِنْ قتلة بالسيف تحيدون إلى مَوْتَةٍ على الفراش! واللّٰه لَمَوْتَةٌ على الفِرَاش أشدُّ من ضَرْبة ألْفِ سيف.
قلت : ما أحسن قول أبي العيناء، وقد قال له المتوكل: إلى متى تمدح الناس وتهجوهم !
فقال: ما أحسنوا وأساءوا. وهذا أميرُ المؤمنين(علیه السلام) ، وهو سَيّدُ البشر بعد رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ،یمدح الكوفة وأهلها عقيبَ الانتصار على أصحاب الجمل، بما قد ذكرنا بعضَه وسنذكر باقَيه، مَدْحاً ليس باليسير ولا بالمستصغر، ويقول للكوفة عند نظره إليها : أهلاً بك وبأهلِك ! ما أرادَك جَبَارٌ بكيْدٍ إلا قَصَمَه اللّٰه . ويُثنِي عليها وعلى أهلها حَسَبَ ذمّه للبَصْرة وعيبه لها ودعائِه عليها وعلى أهلها ، فلما خَذَله أهلُ الكوفة يومَ التحكيم، وتقاعدوا عن نَصْرِه على أهل الشام، وخرجَ منهم الخوارج، ومَرَق منهم المُرّاق، ثم استنفرَهم بَعْدُ فلم ينِفروا، واستصْرَخهم فلم يُصرخوا ، ورأى منهم دلائل الوَهَن وأمارات الفشل، انقلبَ ذلك المدح ذَمَّا ، وذلك الثناء استزادةً وتقريعاً وتهجيناً. وهذا أمرٌ مركوز في طبيعة البشر، وقد كان رسولُ اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)كذلك، والقرآن العزيز أيضاً كذلك، أثنى على الأنصار لمّا نَهَضُوا وذَمّهم لما قعدوا في غزاة تبوك، فقال: ﴿فَرِحَ
الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَٰهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) (1)الآيات، إلى أن رضي اللّٰه عنهم، فقال: (وَعَلَی الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا) أي عن رسول اللّٰه حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ) (2)الآية .
روى علي بن محمد بن أبي سيف المدائنيّ (3)عن فُضَيل بن الجَعْد، قال: أكدُ الأسباب في تقاعد العرب عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أمْر المال ، فإنه لم يكُنْ يُفَضِّلُ شريفاً على مشروف، ولا عربيَّا على عَجَميّ ، ولا يُصانع الرؤساء وأمراء القبائل كما يصنع الملوك، ولا يستميلُ أحداً إلى نفسه. وكان معاوية بخلاف ذلك، فترك الناس علياً والتحقوا بمعاوية، فشكا عليّ (علیه السلام)إلى الأشتر تخاذُلَ أصحابه، وفرار بعضهم إلى معاوية، فقال :الأشتر يا أميرَ المؤمنين، إنّا قاتلنا أهل البَصْرة بأهلِ البصرة وأهل الكوفة، ورأيُ الناس واحد، وقد اختلفوا بعد، وتعادَوْا وضعفتَ النّية، وقلّ العدد ، وأنت تأخُذُهم بالعدل، وتعمل فيهم بالحق وتُنْصِف الوضيع من الشريف، فليس للشريف عندك فَضْلُ منْزِلَةٍ على الوضيع، فضجّت طائفة ممّن معك من الحقّ إذ عُمُّوا به، واغتمُّوا من العدل إذ صاروا فيه، ورأوا صنائعَ معاوية عند أهل الغَناء والشرف، فتاقَتْ أنفُس النّاس إلى الدنيا، وقلّ مَنْ ليس للدنيا بصاحب، وأكثرهم يَجْتوي (4)الحقّ ويشتري الباطل، ويؤثر الدنيا، فإن تَبْذُلِ المال يا أميرَ المؤمنين تَمِلْ إليك أعناقُ الرجال، وتَصْف نصيحتُهم لك، وتَسْتَخْلِصْ وُدّهم، صنع اللّٰه لك يا أمير المؤمنين! وكبَت أعداءك، وفضّ جمعهم، وأوهن كيدَهم ، وشَتّت أمورَهم، إنه بما يعلمون خبير.
فقال عليّ (علیه السلام) : أمّا ما ذكرت من عَمَلنا وسِيرتنا بالعَدْل، فإنّ اللّٰه عزّ وجلّ يقول : (مَّنْ عمل عَمِلَ صٰلِحاً ،فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍٰ لِلْعَبِيدِ ) (5)، وأنا من أن أكون مُقَصِّراً فيما ذكرتَ أخْوَفُ .
وأما ما ذكرت من أنّ الحق ثَقُل عليهم ففارقونا لذلك، فقد علم اللّٰه أنّهم لم يُفارقونا من
1) سورة التوبة، الآية : 81 .
2) سورة التوبة، الآية : 118 .
3) هذا أمر لا يوافق عليه ابن أبي الحديد على اطلاقه فلا يصح نسبه ما هو مركوز في طبيعة البسر- حسب تعبيره - إلى الرسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)أو إلى القرآن العزيز فيما ظاهره رجوع عن أمر أو رد فعل عاطفي فهذا يتنزه عنه القرآن العزيز والرسول الموحى إليه وما جاء ظاهره موهماً فليحرر على هذا الأصل.
4) يجتوي الحق: يكرهه . القاموس مادة (جوي).
5) سورة فصلت، الآية : 46 .
جَوْر، ولا لجؤوا إذ فارقونا إلى عَدْل، ولم يتلمسوا إلا دنيا زائلة عنهم كان قد فارقوها ، لَيُسْأَلُنَّ يوم القيامة : أللدينا أرادوا أم اللّٰه عملوا ؟ وأمّا مَا ذكرْتَ من بَذْل الأموال واصطناع الرجال، فإنّه لا يَسَعُنا أن نؤتيَ امرأَ من الفيء أكثر مَن حقه، وقد قال اللّٰه سبحانه وتعالى وقوله الحق : (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصٰبرِيِنَ ) (1)وقد بعث اللّٰه محمداً (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)وحْدَه، فكثّره بعد القلة، وأعَزَّ فئته بعد الذِّلَّة، وإنْ يُرِدِ اللّٰه أنْ يولِيَنا هذا الأمر يَذلّل لنا صَعْبَه، ويُسَهِّل لنا حَزْنه، وأنا قابل من رأيك ما كان للّٰه عز وجل رضاً، وأنت من آمنِ الناسِ عندي، وأنصحِهم لي، وأوْثقِهم في نفسي إنْ شاء اللّٰه .
وذكر الشّعبيّ ، قالِ: دخلت الرُّحبة بالكوفة - وأنا غلام - في غلمان، فإذا أنا بعليّ (علیه السلام) قائماً على صُبرتين من ذهب وفضة، ومعه مِخْفَقَةً، وهو يطرد الناس بمِخْفَقته ثم يرجع إلى المال فيقسّمه بين الناس، حتى لم يبق منه شيء، ثم انصرف ولم يحمل إلى بيته قليلاً ولا كثيراً .
فرجعت إلى أبي فقلت له : لقد رأيتُ اليوم خَيْرَ النّاس أو أحْمَق النّاس ، قال : مَنْ هُوَ يا بُنَيّ ، قلت : عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، رأيتُه يصنع كذا ،فقصصت عليه، فبکَی، وقال: يا بنيّ ، بل رأيتَ خيرَ الناس.
وروی محمد بن فُضَيْل عن هارون بن عنترة، عن زاذان، قال : انطلقتُ مع قَنْبَر غلام عليّ (علیه السلام) ، فإذا هو يقول : قم يا أمير المؤمنين، فقد خَبَات لك خبيئاً، قال: وما هو ويحك! قال : قُمْ معي ، فانطلق به إلى بيته وإذا بغرَارة مملوءة من جَامَاتٍ ذهباً وفضة ،فقال يا أمير المؤمنين، رأيتُك لا تتركُ شيئاً إلا قَسَمْتَه ، فادّخرتُ لك هذا من بيت المال، فقال عليّ (علیه السلام) : ويحك يا قَنْبر! لقد أحببتَ أن تُدْخِل بَيتي ناراً عظيمة. ثم سلّ سيفَه وضربه ضَرَبات كثيرة، فانتثرتْ من بين إناء مقطوع نصفه، وآخر ثلثه، ونحو ذلك، ثم دعا بالناس، فقال : اقسِموه بالحصَص، ثم قام إلى بيت المال فقسّم ما وَجَدَ فيه، ثم رأى في البيت إبَراً وَمَسالّ، فقال: وَلْتَقْسِموا هذا، فقالوا : لا حاجة لنا فيه - وقد كان عليّ (علیه السلام) يأخُذُ من كلّ عامل مما يَعْمَل - فضحك، وقال : لَيُؤْخَذَنَ شَرُّه مع خيره.
وروى عبدُ الرّحمن بن عَجْلان، قال: كانَ عليّ (علیه السلام) يَقْسم بين النّاس الأبزارَ والحُرْف (2)
والكمُّون، وكذا وكذا .
وروى مجمع التيميّ، قال: كان عليّ (علیه السلام) يكنس بيتَ المال كلّ جُمْعة، ويصلّي فيه ركعتين ويقول : ليشْهَدْ لي يوم القيامة .
وروی بكر بن عيسى عن عاصم بن كُليب الجَرْميّ ، عن أبيه ، قال : شهدتُ عليَّا(علیه السلام) وقَدَ جاءه مال من الجَبَل ، فقام وقمنا معه، وجاء الناس يزدحمون، فأخذ حِبالاً فوصلها بيده، وعقَد بعضَها إلى بعض، ثم أدارَها حول المال، وقال: لا أحِلّ لأحَدٍ أن يجاوز هذا الحبْل، قال: فقعد الناسُ كلُّهم من وراء الحبل، ودخل هو، فقال: أين رؤوسُ الأسْبَاع؟ وكانت الكوفة يومئذ أسباعاً - فجعلوا يحمِلون هذه الجُوالق إلى هذه الجُوالق ، وهذا إلى هذا، حتى استوت القِسْمة سبعة أجزاء، ووُجد مع المتاع رغيف، فقال : اكسروه سَبْعَ كِسَر، وضعوا على كل جزءِ كِسْرة، ثم قال :
هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيهِ*** إِذْ كُلّ جَانٍ يَدُه إِلَى فِيهِ
ثم أقرع عليها ودفعها إلى رؤوس الأسباع، فجعل كلّ رجل منهم يدعو قومَه فيحملون الجَواليق.
وروى مُجَمِّع ، عن أبي رَجَاء، قال: أخرج عليّ (علیه السلام) سيفاً إلى السُّوق، فقال: مَنْ يشتري مِنِّی هذا؟ فوالذي نفسُ عليّ ،بيده لو كان عندي ثمن إزار ما بعتُه، فقلت له : أنا أبِيعُك إزاراً وأُنسئُك ثمنَه إلى عطائك، فدفعتُ إليه إزاراً إلى عطائه، فلما قبض عطاءه دفع إليّ ثمن الإزار .
وروی هارون بن سعيد، قال: قال عبدُ اللّٰه بن جَعفر بن أبي طالب لعليّ (علیه السلام) : يا أميرَ المؤمنين، لو أمرتَ لي بمعونةٍ أو نفقة! فواللّٰه ما لي نفقة إلاّ أن أبيعَ دابَّتي، فقال: لا واللّٰه ما أجدُ لك شيئاً إلا أن تأمُرَ عمّك أن يسرقَ فيعطيَك .
وروى بكر بن عيسى، قال : كانَ عليّ (علیه السلام) يقول : يا أهلَ الكوفة، إذا أنا خرجتُ من عندكم بغير راحلتي ورحلي وغلامي فلان، فأنا خائن فكانتْ نفقتُه تأتيه من غَلّتِه بالمدينة بينبع، وكان يُطعم الناسَ منها الخبز واللحم، ويأكل هو الثَّريد بالزيت .
وروى أبو إسحاق الهمْداني أنّ امرأتين أتَتَا عليَّا(علیه السلام) : إحداهما من العرب والأخرى من الموالي ، فسألتاه، فدفع إليهما دراهَم وطعاماً بالسَّواء، فقالت إحداهما : إنّي امرأة من العرب، وهذه من العجم، فقال: إني واللّٰه لا أجدُ لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق .
وروى معاوية بن عَمّار عن جعفر بن محمد(علیه السلام) ، قال : ما اعتَلَج على علیّ (علیه السلام) أمران
في ذات اللّٰه ، إلا أخذ بأشدّهما ، ولقد علمتم أنّه كان يأكل - يا أهل الكوفة - عندكم من ماله بالمدينة، وأنْ كان ليأخذُ السَّويق فيجعلُه في جراب، ويختم عليه مخافة أن يُزاد عليه من غيره، وَمَنْ كان أزهد في الدنيا من عليّ (علیه السلام)!
وروى النضر بن منصور عن عُقبة بن علقمة، قال: دخلتُ على عليّ (علیه السلام) ، فإذا بين يديه لبن حامض، آذتْنِي ،حُموضته، وكِسَرٌ يابسة، فقلت يا أمير المؤمنين، أتأكلُ مثل هذا ! فقال لي : يا أبا الجَنُوب، كان رسول اللّٰه يأكل أيْبَس من هذا، ويلبَسُ أخشن من هذا - وأشار إلى ثيابه - فإنْ أنا لم آخذ بما أخذ به خفت ألا ألحق به.
وروی عمران بن مسلمة، عن سُوَيْد بن عَلْقمة قال دخلت على عليّ (علیه السلام) بالكوفة ، فإذا
بين يديه قَعْب لبن أجدُ ريحه من شدة حموضته، وفي يده رغيف، ترى قُشار الشَّعير على وجهه وهو يكسره، ويستعين أحياناً برُكْبته، وإذا جاريتُه فِضّة قائمة عَلَى رأسه، فقلت: يا فضّة، أما تتّقون اللّٰه في هذا الشيخ ألا نخْلتم دقيقه؟ فقالت : إنّا نكره أن نؤجَر وَيَأْثمَ، نحن قد أخذ علينا الاّ ننخلَ له دقيقاً ما صَحِبْناه - قال : وعليّ (علیه السلام)لا يسمع ما تقول - فالتفت إليها فقال : ما تقولين؟ قالت : سَلْه ، فقال لي: ما قلتَ لها ؟ قال : فقلت إني قلت لها : لو نَخْلتم دقيقه! فبكى، ثم قال : بأبي وأمّي مَنْ لم يشبع ثلاثاً متوالية [من] خبز برّ حتى فارق الدنيا ، ولم يَنْخُل دقيقه ! قال : يعني رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)
وروى يُوسف بن يعقوب، عن صالح بيّاع الأكسية، أنَّ جَدَّته لقيتْ عليَّا (علیه السلام)بالكوفة، ومعه تمْرٌ يحمِله فسّمت عليه ،وقالت له: اعطِني يا أمير المؤمنين هذا التمر أحمِلْه عنك إلى بيتك، فقال : أبو العيال أحقُّ بحمْله ، قالت ثم قال لي : ألا تأكلين منه؟ فقلت: لا أريد، قالت : فانطلَق به إلى منزله ثم رجع مُرْتَدياً بتلك الشَّملة، وفيها قشور التمر، فصلّى بالناس فيها الجمعة .
وروى محمد بن فُضَيْل بن غَزْوَان ، قال : قيل لعليّ (علیه السلام): كم تتصدَّق ! كم تُخْرِجُ مالك ! ألا تُمْسِك ! قال : إني واللّٰه لو أعلم أنّ اللّٰه تعالى قَبِلَ مِنّي فرضاً واحداً لأمسكت، ولكني واللّٰه ما أدري، أقبل مِنِّي سبحانه شيئاً أم لا !
روى عَنْبَسة العابد، عن عبد اللّٰه بن الحسين بن الحسن، قال : أعتق عليّ (علیه السلام) في حياة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)ألفَ مملوك مما مَجَلت (1)يداه، وعرق جبينه، ولقد وَليَ الخلافةَ، وأتته الأموال، فما كان حَلْواه إلا التمر ولا ثيابه إلا الكرابيس.(2)
وروى العوام بن حَوْشب ، عن أبي صادق، قال : تزوّج علي(علیه السلام) ليلَىٰ بنت مسعود النهشليّة، فضربت له في داره حَجَلة، فجاء فهتكها، وقال حَسْبُ أهل عليّ ما هم فيه !
وروى حاتم بن إسماعيل المدنيّ ، عن جعفر بن محمد (علیه السلام)، قال : ابتاعَ علي(علیه السلام) في خلافته قميصاً سَمِلاً بأربعة دراهم، ثم دعا الخيّاط، فمدَّ كُمّ القميص، وأمره بقطع ما جاوز الأصابع.
وإنما ذكرنا هذه الأخبار والروايات - وإن كانت خارجة عن مقصد الفصل - لأن الحال اقتضى ذكرها، من حيث أردنا أن نبيِّن أن أمير المؤمنين (علیه السلام)لم يكنْ يذهب في خلافته مذهَب الملوك الذين يُصانعون بالأموال ويصرّفونها في مصالح ملكهم وملاذّ أنفسهم، وأنه لم يكنْ من أهل الدنيا، وإنما كان رجلاً متألّهاً صاحب حَقّ، لا يريد باللّٰه ورسوله بدلاً .
وروى عليّ بن محمد بن أبي يوسف المدائنيُّ أنّ طائفة من أصحاب عليّ (علیه السلام) مَشَوْا إليه، فقالوا يا أمير المؤمنين، أعْطِ هذه الأموال وفضِّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، واستمل مَنْ تخاف خلافَه من الناس وفِراره، وإنما قالوا له ذلك لِمَا كان معاوية يَصْنَع في المال، فقال لهم : أتأمُرونَنِي أن أطلبَ النَّصْر بالجوْر!لا واللّٰه لا أفعلُ ما طلعتْ شمس، وما لاح في السماء نجْم، واللّٰه لو كان المالُ لي لواسيتُ بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم! ثم سكت طويلاً واجماً ، ثم قال: الأمرُ أسرعُ من ذلك، قالها ثلاثاً .
الأصل: الحَمْدُ للّٰهِ وَإِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ، وَالْحَدَثِ الْجَلِيلِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِلٰهٌ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللّٰه عَلَيْهِ .
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَعْصِيةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ المُجَرِّبِ، تُورِثُ الْحَسْرَةَ، وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ، وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي، وَنَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأيي، لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرًا فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ، وَالمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ، حَتَّى أَرْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ، فَكُنْتُ أَنَا وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ :
أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرَج اللِّوَى*** فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلا ضُحَى الغَدِ
الشرح: الخطب الفادح : الثقيل . ونخَلْت لكم، أي أخلصْتُه، من نَخَلْتُ الدقيق بالمُنخُل .
وقوله : «الحمد للّٰه وإن أتى الدهر»، أي أحمده على كلِّ حال من السَّرّاء والضراء. وقوله : «لو كان يطاع لقصير أمر»، فهو قصير صاحب جَذِيمة، وحديثه مع جَذِيمة ومع الزّباء مشهور، فضرب المثل لكلّ ناصح يُعصي بقصير .
وقوله: «حتى ارتاب الناصح بنصحه، وضنّ الزند بقَدْحه»، يشير إلى نفسه، يقول: خالفتموني حتى ظننت أن النصح الذي نصحتكم به غيرُ نصح، لإطباقكم وإجماعكم على خلافي، وهذا حقّ، لأن ذا الرأي الصواب إذا كثر مخالفوه يَشُكّ في نفسه.
وأما ضَنّ الزَّند بقَدْحه، فمعناه أنّه لم يقدح لي بعد ذلك رأي صالح، لشدّة ما لقيت منكم من الإباء والخلاف والعصيان، وهذا أيضاً حق، لأنّ المشير الناصح إذا اتُّهم واستُغِشُ عَمِيَ قلبُه وفسد رأيُه .
وأخو هوازن صاحب الشعر هو دُرَيْد بن الصِّمة، والأبيات مذكورة في الحماسة، وأولها :
نَصَحْتُ لِعَارِضِ وَأَصْحَابِ عَارِضِ*** وَرَهْطِ بَنِي السَّوْدَاءِ والقومُ شُهِّدي
فقلت لهم ظُنّوا بألْفيْ مُدَجَّجِ*** سَراتُهُم في الفارسيّ المَسرّدِ(1)
أمَرْتُهُمْ أمْرِي بمنعَرَجِ اللِّوى*** فلم يَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إلاَّ ضُحَى الغَدِ
وَمَا أَنَا إِلاّ مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ*** غَوَيتُ وإِنْ تَرْشُدْ غَزِيّة أَرْشُدِ
وهذه الألفاظ من خطبة خطب بها(علیه السلام) بعد خديعة ابن العاص لأبي موسى وافتراقهما، وقَبْلَ وقْعة النَّهْرَوان .
ويَجِبُ أن نذكُر في هذا الفصل أمْرَ التحكيم، كيف كان وما الذي دعا إليه! فنقول : إنّ الذي دَعا إليه طَلبُ أهل الشام له ، واعتصامُهم به من سيوفِ أهلِ العراق، فقد كانت أماراتُ القهر والغلَبة لاحتْ ودلائل النّصر والظفَر وضحت، فعدلَ أهلُ الشام عن القِراع إلى الخِداع، وكان ذلك برأي عمرو بن العاص .
وهذه الحالُ وقعتْ عَقِيب ليلة الهَرِير، وهي الليلةُ العظيمة التي يُضْرب بها المثل.
ونحن نذكر ما أورده نصر بن مُزَاحِمْ في كتاب صِفّين (2)في هذا المعنى، فهو ثِقَة ثَبْت، صحيح النقل، غير منسوب إلى هوًى ولا إدْغال، وهو من رجال أصحاب الحديث.
قال نصر : حدّثنا عمرو بن شَمِر، قال: حدثني أبو ضِرار، قال: حدّثني عمّار بن ربيعة، قال: غَلَّس عليّ (علیه السلام)الناس صَلاة الغداة يوم الثلاثاء، عاشرَ شهر ربيع الأول، سنة سبع وثلاثين - وقيل : عاشر شهر صفر - ثم زحف إلى أهلِ الشام بعسكر العراق، والناسُ على راياتهم وأعلامهم، وزَحَف إليهم أهلُ الشام، وقد كانت الحرب أكَلت الفريقين، ولكنَّها في أهل الشام أشدُّ نِكاية، وأعظم وَقْعاً، فقد ملُّوا الحربَ، وكرهوا القتال، وتضعضعت أركانهم .
قال : فخرج رجلٌ من أهلِ العراق، على فرس كُمُيْت ذَنوبٍ، عليه السّلاحُ لا يُرى منه إلا عيناه، وبيده الرُّمْح . فجعل يضرب رؤوسَ أهلِ العراق بالقناة ، ويقول : سوُّوا صفوفَكم رحمكم اللّٰه ! حتّى إذا عدّلَ الصّفوف والرايات، استقبلهم بوجهه، وولّى أهلَ الشام ظهره، ثم حمِد اللّٰه وأثنى عليه، وقال:
الحمدُ للّٰه الّذي جعل فينا ابنَ عَمِّ نبيّه أقدمَهم هجرة، وأوّلَهم إسلاماً، سيفٌ من سيوف اللّٰه على أعدائه، فانظروا إذا حَمِي الوطِيس، وثار القَتام وتكَسَّر المُرّان، وجالت الخيلُ بالأبطال، فلا أسمعُ إلاّ غمغمة أو همهمة، فاتّبعوني وكونوا في أثري.
ثم حمل على أهل الشام فكَسر فيهم رمحه، ثم رجع فإذا هو الأشتر.
قال : وخرج رجلٌ من أهل الشام، فنادَى بين الصَّفَّيْن : يا أبا الحسن، يا عليّ، ابرُز إليّ. فخرج إليه عليّ (علیه السلام) ، حتى اختلفتْ أعناقُ دابتيْهما بين الصّفّين ، فقال : إنّ لك يا عليّ لَقَدماً في الإسلام والهجرة، فهل لكَ في أمر أعرِضُه عليك، يكون فيه حَقْنُ هذه الدماء، وتأخَّر هذه الحروب، حتى ترى رأيك؟ قال: وما هو ؟ قال : ترجع إلى عِرَاقِك، فنخلِّيَ بينك وبين العراق، ونرجع نحنُ إلى شامنا فتُخلّيَ بيننا وبين الشام.
فقال علي(علیه السلام) : قد عرفتُ ما عرضت، إن هذه لنصيحةٌ وشفقة، ولقد أهَمَّني هذا الأمر وأسهرني ، وضربتُ أنفَه وعينه فلم أجِدْ إلا القتال أو الكفرَ بما أنزل اللّٰه على محمد. إن اللّٰه تعالى ذِكْرُه لم يرضَ من أوليائه أن يُعْصَى في الأرض وهم سكوت مُذعنون، لا يأمرون بمعروف، ولا ينهوْن عن منكر، فوجدتُ القتالَ أهونَ عليّ من معالجة في الأغلال في جهنم .
قال: فرجع الرّجلُ وهو يسترجع ، وزحف النّاس بعضُهم إلى بعض فاتِموا بالنَّبْل والحجارة حتى فَنِيتْ ، ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسّرت واندقّت. ثم مشى القومُ بعضُهم إلى بعض بالسيوف وعُمُد الحديد، فلم يسمع السامعون إلا وقع الحديد بعضه على بعض،لَهو أشدُّ هولاً في صدور الرجال من الصَّواعق ومن جبال تِهامَة يدكّ بعضُها بعضاً، وانكسفت الشمس بالنَّقْع ، وثار القَتام والقَسْطل (1)، وضلَّت الألوية والرّايات، وأخذ الأشتر يسير فيما بين الميمنة
1) القسطل : الغبار في الموقعة، المعجم الوسيط، مادة (قسطل).
والميسرة، فيأمر كلَّ قبيلة أو كَتيبة من القرّاء بالإفدام على التي تليها، فاجتلَدُوا بالسيوف وعُمُد الحديد، من صلاة الغَداة صلاة الغداة من اليوم المذكور إلى نصف الليل، لم يصلّوا اللّٰه صلاةً. فلم يزل الأشتر يفعلُ ذلك حتى أصبح والمعركة خَلْف ظهره، وافترقوا عن سبعين ألف قتيل في ذلك اليوم، وتلك الليلة وهي ليلة الهرير المشهورة. وكان الأشترُ في ميمَنة الناس وابنُ عباس في الميسَرة ، و عليّ (علیه السلام) في القَلْب، والناس يقتتلون.
ثم استمرّ القتالُ من نصف اللّيل الثاني إلى ارتفاع الضُّحى، والأشتر يقول لأصحابه : وهويزحَفُ بهم نحو أهل الشام: ازحَفُوا قِيدَ رمحي هذا، ويُلْقي رمَحه، فإذا فعلوا ذلك، قال: ازحفوا قَابَ هذا القوس، فإذا فعلوا ذلك سألهم مثل ذلك، حتى ملّ أكثرُ الناس من الإقدام، فلمّا رأى ذلك قال : أعيذكم باللّٰه أن تَرْضعُوا
الغنم سائر اليوم. ثم دعا بفرسه، وركَز رايته -وكانت مع حيّان بن هوذة النَّخَعِيّ - وسار بين الكتائب، وهو
يقول: ألا مَنْ يشتري نفسه اللّٰه ويقاتل مع الأشتر، حتى يظهر أو يَلْحَق باللّٰه ! فلا يزال الرجلُ من الناس يخرج إليه فيقاتل معه.
قال نصر : وحدّثني عمرو قال: حدثني أبو ضرار، قال: حدّثني عمّار بن ربيعة، قال: مرّ بي الأشتر، فأقبلتُ معه حتى رجع إلى المكان الذي كان به، فقام في أصحابه، فقال شُدُّوا - فِداً لكم عَميّ وخالي - شدّة تُرضُون بها اللّٰه ، وتعزّونَ بها الدين إذا أنا حملت فاحملوا ثم نَزل، وضرَب وَجْهَ دابتّه وقال لصاحب رايته : أقْدم فتقدّم بها، ثم شدّ على القوم، وشدَّ معه أصحابُه، فضرب أهلَ الشام حتى انتهى بهم إلى معسكَرهم، فقاتلوا عند المعسكَر قتالاً شديداً، وقُتِل صاحب رايتهم، وأخذ علي - لما رأى الظفر قد جاء من قِبَلِهِ - يَمدُّه بالرجال.
ورَوَى نصر عن رجاله ،قال : لَمّا بلغ القومُ إلى ما بلغوا إليه، قام عليّ (علیه السلام)خطيباً ، فحمِد
اللّٰه وأثنى عليه، وقال:
أيها الناس قد بلغ بكم الأمر وبعدوِّكم ما قد رأيتم، ولم يبق منهم إلا آخر نَفس، وإن الأمورَ إذا أقبلت اعْتُبِر آخرُها بأوّلها ، وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغْنَا منهم ما بلغْنَا، وأنا غادٍ عليهم بالغَداة أحاكمهم إلى اللّٰه .
قال : فبلغ ذلك معاوية، فدعا عمرو بن العاص، وقال: يا عمرو، إنما هي الليلة، حتى يغدُوَ عليّ علينا بالفَيْصَل، فما ترى؟
قال : إنّ رجالك لا يقومون لرجاله، ولستَ مِثلَه، هو يقاتُلك على أمر وأنت تقاتِلُه على غَيْره، أنت تريد البقاء، وهو يريد الفناء، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، وأهلُ الشام لا يخافون عليَّا إن ظفر بهم، ولكن ألْقِ إلى القوم أمراً إنْ قَبِلوا اختلفُوا، وإن ردّوه
اختلفوا ،ادعُهم إلى كتاب اللّٰه حَكَماً فيما بينك وبينهم، فإنك بالغ به حاجتك في القوم، وإني لم أزل أؤخّر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه . فعرف معاوية ذلك وقال له : صدقت.
قال نصر: وحدّثنا عمرو بن شَمر عن جابر بن عمير الأنصاريّ قال : واللّٰه لكأنِّي أسمع عليَّا يوم الهَرِير، وذلك بعدما طحنت رَحا مَذْحِج، فيما بينها وبين عَكّ ولَخْم وجُذام والأشعريّين بأمر عظيم تشيبُ منه النواصي ، حتى استقلّتِ الشمس، وقام قائم الظهر، وعلي (عله السلام)يقول لأصحابه : حَتى متى نُخَلّي بين هذين الحيَّيْن ! قد فَنِيَا وأنتم وقوف تنظرون! أما تخافُونَ مَقْتَ اللّٰه! ثم انفتل إلى القِبْلة، ورفع يديه إلى اللّٰه عزّ وجل، ونادى: يا اللّٰه ،يا رحْمَن، يا رحيم، يا واحد، يا أحد، يا صمد! يا اللّٰه يا إلٰه محمد، اللهم إليْك نُقِلت الأقدام، وأفضت القلوب، ورُفِعت الأيدي، ومُدّت الأعناق، وشَخَصت الأبصار، وطُلِبت الحوائج! الّلهم إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا ، وكثرةَ عدوِّنا، وتشتّت أهوائنا ، (رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَٰتحِينَ) (1)سيروا على بركة اللّٰه .
ثم نادى : لا إلٰه إلا اللّٰه واللّٰه أكبر، كلمة التقوى.
قال : فلا والّذي بعث محمدَّا بالحقّ نبيَّا، ما سمعنا رئيس قوم منذُ خلق اللّٰه السموات والأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب إنه قتل - فيما ذكر العادّون - زيادة على خمسمائة من أعلام العرب، يخرج بسيفه منحنياً ، فيقول : معذرة إلى اللّٰه وإليكم من هذا . لقد هممت أن أفلقه، ولكن يحجزني عنه أنّي سمعت
رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)وإله، يقول: «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا عليّ » (2). وأنا
أقاتل به دونه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم).
قال : فكنا نأخذه فنقومه، ثم يتناوله من أيدينا فيقتحم به في عرض الصّف، فلا واللّٰه ما لَيْتٌ باشَدّ نكاية
منه في عدوّه، (علیه السلام).
قال نصر: فحدثنا عمرو بن شَمرِ، عن جابر، قال: سمعت تميم بن حُذَيْم، يقول: لما أصبحنا من ليلة الهرير، نظرنا فإذا أشباهُ الرايات، أمام أهل الشام في وسط الفَيْلق، حيال موقف علي ومعاوية، فلما أسفرْنا إذا هي المصاحف قد رُبِطت في أطراف الرّماح، وهي عظام
مصاحف العَسْكر ، وقد شَدُّوا ثلاثة أرماح جميعاً، ورَبطوا عليها مصحف المسجد الأعظم، يمسكه عشرة
رهط .
قال نصر : وقال أبو جعفر وأبو الطفيل : استقبَلوا علياً بمائة مصحف، ووضعوا مُجنِّبة مائتي مصحف، فكان جميعها خمسمائة مصحف .
قال أبو جعفر : ثم قام الطفيل بن أدْهم حيال عليّ (علیه السلام)،وقام أبو شريح الجذامِيّ حيال الميمنة وقام ورقاء بن المعمّر حِيال الميسرة، ثم نادوا يا معشَر العرب اللّٰه اللّٰه في النساء والبنات والأبناء من الروم والأتراك وأهل فارس غداً إذا فنيتم! اللّٰه اللّٰه في دينكم! هذا كتابُ اللّٰه بيننا وبينكم.
فقال عليّ (علیه السلام) : اللهم إنّك تعلم أنهم ما الكتابَ يريدون ، فاحْكُمْ بيننا وبينهم إنك أنت
الحكَم الحق المبين .
فاختلف أصحاب عليّ (علیه السلام) في الرأي، فطائفة قالت القتال، وطائفة قالت المحاكمة إلى الكتاب، ولا يحل لنا الحرب، وقد دُعينا إلى حُكْم الكتاب، فعند ذلك بَطَلَت الحرب ووضعت أوزارها .
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن شَمِر، عن جابر، قال: حدِّثنا أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين، قال: لما
كانَ اليوم الأعظم، قال أصحاب معاوية : واللّٰه لا نَبْرَحُ اليوم العَرْصَة (1)حَتَّى نموتَ أو يُفتح لنا، وقال
أصحاب عليّ (علیه السلام) : لا نبرَحُ اليوم العَرْصة حتى نموتَ أو يُفْتَح لنا، فبادروا القتال غُدْوَةً في يوم
من أيام الشِّعْرى طويل، شديد الحرّ فترامَوْا حتى فَنِيت النِّبال، وتطاعَنُوا حتّى تقصَّفَتِ الرماح، ثم نزل القومُ عن خُيُولهم، ومشى بعضُهم إلى بعض بالسيوفِ حتّى كُسِّرتْ جفونُها، وقام الفُرْسَان في الرُّكَب ، ثم
اضطربوا بالسُّيوف وبعَمَد الحديد، فلم يَسمع السامعون إلا تغمْقُم القوم، وصليلَ الحديد في الهام، وتكادُمَ الأفْواه وكُسِفتِ الشمس، وثار القَتَام، وضَلَّتِ الألْوِية والرايات، ومرّتْ مواقيت أربعِ صلوات، ما يُسْجَد
فيهنَّ للّٰه إلا تكبيراً، ونادتِ المشيَخةُ في تلك الغَمَرات: يا معشرَ العرب، اللّٰه اللّٰه في الحُرُماتِ من النّساء
والبنات!
قال جابر: فبكى أبو جعفر وهو يحدِّثنا بهذا الحديث .
قال نصر : وأقبل الأشتَرُ عَلَى فَرَسٍ كُمَيْتٍ مَحْذُوف، وقد وَضع مِغْفَرَه على قَرَبُوس السِّرْج،
1) العرصة :كل موضع واسع لا بناء فيه. اللسان، مادة (عرص).
وهو ينادي: اصبِروا يا معشرَ المؤمنين فقد حَمِي الوطِيسُ، ورجعتِ الشمسُ من الكسوف، واشتدّ القتال، وأخذتِ السباعُ بعضُها بعضاً، فهم كما قال الشاعر :
مَضَتْ واسْتَاخَرَ القُرَعَاءُ عَنْهَا*** وَخُلِّيَ بَيْنَهُمْ إِلاّ الوَرِيعُ
قال : يقول واحدٌ لصاحبه في تلك الحال: أيّ رجل هذا لو كانت له نية! فيقول له صاحبه : وأيّ نية أعظمُ من هذه ثَكِلَتْك أمّك وهبِلتك ! إنّ رجُلاً كما تَرَى قد سَبَح في الدّم، وما أضجرتْه الحرب، وقد
غَلَتْهامُ الكُماة من الحرّ، وبلغت القلوبُ الحناجر ، وهو كما تراه جَزَعاً يقول هذه المقالة! اللهم لا تُبْقِنا بعد هذا !
قلت : للّٰه أمّ قامت عن الأشتر! لو أنّ إنساناً يُقسِم أنّ اللّٰه تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم أشجعَ
منه إلا أستاذه (علیه السلام) لَمَا خشِيتُ عليه الإثم! واللّٰه درّ القائل، وقد سُئِل عن الأشتر :
ما أقول في رجُل هَزَمَتْ حياتهُ أهلَ الشام ، وهَزَم موتهُ أهلَ العراق!
وبحقِّ ما قال فيه أمير المؤمنين(علیه السلام) : كان الأشترُ لي كما كنتُ لرسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم).
قال نصر : ورَوَى الشَّعبيّ عن صَعْصعة ، قال : وقد كانَ الأشعثُ بن قيس بَدَر منه قَوْلٌ ليلة الهرير، نقله
الناقلون إلى معاوية، فاغتنمَه وبَنَى عليه تدبيرَه، وذلك أنّ الأشعث خطب أصحابه كندة تلك الليلة،
فقال:
الحمدُ للّٰه، أحمَدُه وأستعينه، وأومِنُ به وأتوكّل عليه، وأستنصره واستغفره، وأستجِيرُه وأستهديه، و
أستشيره وأستشهد به، فإنّ مَنْ هداه اللّٰه فلا مضلّ له، ومن يُضلِل اللّٰه فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلٰه إلا اللّٰه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنّ محمداً عبدُه ورسوله (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم).
ثم قال : قد رأيتم يا معشرَ المسلمين ما قد كانَ في يومكم هذا الماضي، وما قد فَنِيَ فيه من العرب، فواللّٰه لقد بَلَغْتُ من السِّنّ ما شاء اللّٰه أن أبلُغَ فما رأيت مثلَ هذا اليوم قطّ. ألا فليبَلّغ الشاهدُ الغائب، إنا نحن إن
تواقَفْنا غداً، إنه لفناء العرب وضَيْعة الحُرُمات! أما واللّٰه ما أقولُ هذه المقالَة جَزَعاً من الحرب، ولكنّي رجلٌ مُسِنٌ أخاف على النساء والذراريّ غداً إذا فَنِينا ، اللهم إنّك تعلم أني قد نظرتُ لقومي ولأهل ديني فلم ،
آلُ، وما توفيقي إلا باللّٰه عليه توكلت وإليه أنيب، والرأيُ يُخْطِيء ويُصيب، وإذا قَضَى اللّٰه أمراً أمْضَاه عَلَى
ما أحبّ العباد أو كرهوا ، أقولُ قولي هذا وأستغفر اللّٰه العظيمَ لي ولكم !
قال الشعبيّ : قال صَعْصة : فانطلقت عيونُ معاوية إليه بخطبة الأشعث، فقال: أصابَ وربِّ الكعبة ! لَئنْ
نحن التقينا غداً لتَميلنّ (1)على ذَرَارِي أهل الشام و
نسائهم، ولتميلَنّ فارسُ على
1) فراغ في الأصل والسياق يقتضي كلمة «الروم».
ذراري أهل العراق ونسائهم! إنّما يبصر هذا ذَوُو الأحلام والنُّهى، ثم قال لأصحابه : اربطوا المصاحفَ عَلَى أطراف القَنَا .
فثار أهل الشام في سَوَاد الليل ينادون عن قول معاوية وأمْرِه : يا أهلَ العِراق مَنْ لذرارِينا إن قتلتمونا ! ومَنْ
لذراريكم إذا قَتلناكم ! اللّٰه اللّٰه في البقية! وأصبَحُوا وقد رفعوا المصاحف على رؤوس الرّماح، وقد قلّدوها
الخيل [والناس على الرايات قد اشتهوْا ما دُعوا إليه]، ومصحفُ دمشق الأعظم يحملُه عشرة رجال عَلَى
رؤوس الرّماح، وهم ينادون: كتاب اللّٰه بيننا وبينكم .
وأقبل أبو الأعور السُّلمِيّ على بِرْذَونِ أبيض ، وقد وَضَع المصحفَ عَلَى رأسه، ينادي : يا أهلَ العِراق، كتاب اللّٰه بيننا وبينكم.
قال: فجاء عديّ بن حاتم الطائيّ ، فقال يا أميرَ المؤمنين، إنه لم يُصَبْ مِنَّا عُصْبة إلا وقَدْ أصيبَ منهم
مثلها ، وكلُّ مقروح ، ولكنّا أمثلُ بقيةَ منهم ، وقد جَزع القومُ، وليس بعد الجَزَع إلا ما نحبّ فناجِزْهم (1).
وقام الأشتر، فقال : يا أميرَ المؤمنين، إنّ معاوية لا خَلف له من رجاله، ولكنْ بحمدِ اللّٰه لك الخَلَف، ولو كان له مثلُ رجالك لم يكن له مثلُ صَبْرك ولا نصرك، فاقْرَعِ الحديدَ بالحديد، واستعِنْ باللّٰه الحميد.
ثم قام عمرو بن الحمِق، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا واللّٰه ما أجَبْنَاك ولا نصرناك عَلَى الباطل، ولا أجَبْنا
إلا
اللّٰه، وَلا طَلَبْنا إلا الحقّ، ولو دعانا غيرُك إلى ما دعوتَنا إليه لاسْتَشْرَى فيه الّلجاج، وطالت فيه النَّجْوى، وقد بلغ الحقُّ مقطَعه، وليس لنا مَعك رأيُّ.
فقام الأشعث بن قيس مُغْضَباً، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّا لك اليوم عَلَى ما كنّا عليه أمس، وليس آخرُ أمرِنا كأوّله، وما من القوم أحدٌ أحْنَى عَلَى أهل العراق ولا أوتَر لأهلِ الشام مِنّي ! فاجب القوم إلى كتاب اللّٰه
عزّ وجلّ، فإنّك أحقُّ به منهم، وقد أحبَّ الناسُ البقاء، وكرهوا القتال.
قال عليّ (علیه السلام): هذا أمر يُنظر فيه .
فتنادى الناسُ من كلِّ جانب : الموادعة.
فقال عليّ (علیه السلام): أيّها الناسُ، إنّي أحقُّ مَنْ أجاب إلى كتاب اللّٰه، ولكنَّ مُعاوية وعَمْرو بن العاص وابن أبي مُعِيط وابن أبي سَرْح وابن مَسْلَمة ليسوا بأصحابِ دين ولا قرآن، إنّي أعرَفُ بهم منكم ، صحبتُهم صغاراً ورجالاً، فكانوا شرَّ صِغار، وشَرّ رجال . وَيْحَكم إنّها كلمة حَقِّ
1) المناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة. اللسان، مادة (نجز) .
يُراد بها باطل ! إنّهم ما رفعوها، أنّهم يعرفونَها ويعملون بها، ولكنّها الخديعة والوَهن والمكيدة! أعيروني سواعدَكُم وجَمَا جمكم ساعة واحدة، فقد بَلغ الحقُّ مقطَعه ، ولم يبق إلا أن يُقْطَع دابرُ الذین ظلموا .
فجاءه من أصحابه زُهاء عشرين ألْفاً مُقَنَّعِين في الحديد، شاكي السلاح، سُيُوفُهم عَلَى عواتقهم، و قد
اسودّت جباههم من السُّجود، يتقدمهم مِسْعَر بن فَدَكيّ وزيد بن حُصين وعِصابة من القُرّاء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوْه باسمه لا بإمْرَة المؤمنين: يا عليّ أجبِ القوم إلى كتاب اللّٰه إذْ دُعيت إليه وإلاّ
قتلناك كما قَتلنا ابْنَ عفان فواللّٰه لنفعلَنّها إن لم تُجبهم !
فقال لهم : وَيْحَكم! أنا أوّلُ مَنْ دعا إلى كتاب اللّٰه ، وأوّلُ مَنْ أجاب إليه، وليس يحلّ لي، ولا يَسُعَني في ديني أن أُدْعَى إلى كتاب اللّٰه فلا أقْبَلُه، إني إنما قاتلتُهم لِیَدِينوا بحكم القرآن، فإنّهم قد عصوا اللّٰه فيما
أمرَهم، ونقضُوا عهدَه، ونبذوا كِتابه، ولكّني قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم، وأنهم ليس العملَ بالقرآن
يريدون. قالوا : فابَعث إلى الأشتر ليأتينّك، وقد كان الأشتر صبيحةَ ليلة الهرير أشرف على عَسْكر
معاوية ليدخله .
قال نصر : فحدثني فُضَيل بن خَدِيج [ عن رجل من النّخَع] قال: سأل مصعب إبراهيم بن الأشتر عن الحال كيف كانت؟ فقال: كنت عند عليّ (علیه السلام)حين بعث إلى الأشتر ليأتيَه، وقد كان الأشتر
أشرَف على مُعَسْكَر معاوية ليدخله، فأرسل إليه عليّ (علیه السلام) يزيدَ بن هانيء: أن ائتني ، فأتاه
فأبلغه، فقال الأشتر : ائته فقل له : ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تُزِيَلني عن موقفي، إنّي قد
رجوت الفتح فلا تُعْجِلْني. فرجع يزيد بن هانيء إلى عليّ (علیه السلام) فأخبره، فما هو إلا أن انتهى
إلينا حتى ارتفع الرّهج(1)، وعَلت الأصوات من قِبَل الأشتر، وظهرت دلائلُ الفتح والنصر لأهل العراق، و
دلائل الخِذْلان والإدبار على أهل الشام، فقال القوم لعليّ : واللّٰه ما نراك أمرتَه إلا بالقتال! قال: أرأيتموني ساررت رسولي إليه ! أليس إنما كلمته عَلى رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون! قالوا : فابْعَثْ إليه فليأتك، وإلا فواللّٰه اعتزلناك! فقال : وَيحك يا يزيد! قل له : أقبِلْ إليّ ، فإن الفتنة قد وقعت. فأتاه فأخبره، فقال
الأشتر : أبرفْعِ هذه المصاحف؟ قال: نعم، قال: أما واللّٰه لقد ظننتُ أنّها حينَ رُفِعَتْ ستُوقع خلافاً وفرقة، إنها مشورة ابن النّابغة! ثم قال ليزيد بن هانيء: وَيحَك ! ألا ترى إلى الفتح! ألا ترى إلى الفتح ! ألا تَرَى إلى الذي يَصْنَعُ اللّٰه لنا؟ أينبغي أن نَدَعَ هذا وننصرف عنه! فقال له يزيد: أتحبّ أنك ظَفِرتَ ها هنا وأنّ
أميرَ المؤمنين بمكانه الذي هو فيه يُفْرَجُ عنه، ويُسْلَم إلى عدوّه! قال : سُبحان اللّٰه ! لا واللّٰه
1) الرهج: الشعب. اللسان، مادة (رهج).
أحبُّ ذلك ، قال : فإنّهم قد قالوا له، وحَلَفوا عليه، لَتُرْسِلَنْ إلى الأشتر فَليَأْتِيَنك، أو لنقتُلَنَّك بأسيافنا كما قَتَلْنا ،عثمان أو لَنُسْلِمَنّك إلى عدوّك.
فأقبل الأشتَرُ حتى انتهى إليهم، فصاحَ : يا أهل الذلّ والوهن أحِينَ عَلَوتم القوم، وظنّوا أنكم لهم
قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى مافيها! وقد واللّٰه تركوا ما أمر اللّٰه به فيها، وتركوا سُنّةَ مَنْ أنزلت عليه ،فلا تجيبوهم! أمهلوني فُوَاقاً فإني قد أحسستُ بالفتح، قالوا لا نمهِلك، قال: فأمهلوني عَدْوةَ
الفَرس، فإني قد طمعْتُ في النصر، قالوا : إذَنْ ندخُلَ معك في خطيئتك .
قال : فحدِّثوني عنكم، وقد قُتِل أماثِلُكم، وبقيَ أراذِلُكم ، متى كنتم مُحِقّين! أحين كنتم تَقْتُلون أهلَ
الشام فأنتم الآن حين أمسكْتم عن قتالهم مبطلون! أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقّون!
فقتلاْكم إذَن لا تُنكرون فضلهم، وإنّهم خيرٌ منكم في النّار، قالوا : دَعْنَا منك يا أشتر، قاتلناهم في اللّٰه ونَدَعُ قتالهم في اللّٰه ،إنّا لسنا نطيعُك فاجتَنِبْنا، فقال: خُدِعتم واللّٰه فانخدعتم، ودُعيتم إلى وضع الحرب
فأجبتم، يا أصحاب الجِباه السود، كنّا نظنّ صلاتَكم زَهادةً في الدنيا وشوقاً إلى لقاء اللّٰه! فلا أرى
فرارَكم إلا إلى الدنيا من الموت، ألا فقبحاً يا أشباه النِّيب الجلاّلة (1)، ما أنتم برائين بعدها عِزًا أبداً ، فابْعَدُوا كما بعِدَ القومُ الظالمون .
فسَبُوه وسبَّهم، وضربُوا بِسیاطِهم وجهَ دابتّه وضرب بسوطِه وجوه دوابِّهم، وصاح بهم عليّ (علیه السلام) ، فكَفّوا. وقال الأشتر: يا أمير المؤمنين، احمِل الصفَّ على الصفّ تَصْرَع القوم.
فتصايحوا : إنّ أمير المؤمنين قد قَبِلَ الحكومة، ورَضِي بحكم القرآن. فقال الأشتر : إنْ كان أمير
المؤمنين قد قَبِل ورضيَ، فقد رضيت بما رضي به أمير المؤمنين، فأقبل الناس يقولون : قد رضي أميرُ
المؤمنين قد قَبِل أميرُ المؤمنين، وهو ساكت لا يَبِضّ بكلمة، مُطْرِقٌ إلى الأرض. ثم قام فسكت
النّاس كلهم، فقال: أيّها الناس إنّ أمري لم يزَلْ معكم على ما أحبّ إلى أن أخذَتْ منكم الحرب، وقد واللّٰه أخذَتْ منكم وتركَتْ، وأخَذَت من عدوكم فلم تترك، وإنها فيهم أنكى وأنْهَك ، ألاَ إني كنتُ
أمسِ أميرَ المؤمنين فأصبحت اليوم مأموراً، وكنت ناهياً فأصبحت منهيَّا ، وقد أحببتم البقاء، وليس لي
أن أحملَكم على ما تَكْرَهون. ثم قعد.
قال نصر: ثم تكلّم رؤساء القبائل، فكلُّ قال ما يراه ويهواه، إمّا من الحرْب أو مِن السِّلم، فقام کُردوس بن هانيء البكريّ فقال: أيّها الناس، إنّا واللّٰه ما تولَّيْنَا معاويةَ منذ تبرّأنا مته، ولا تبرأنا من عليّ منذ توليناه، وإنّ قتلانا لشهداء، وإن أحياءنا الأبرار، وإنّ علياً لعلي بينة من ربه،
1) النيب: الناقة المسنة .اللسان، مادة (نيب) . الجلالة : الناقة الضخمة وقيل : المسنّة. اللسان، مادة (جلل).
وما أحدث إلا الإنصاف، فمن سلّم له نَجَا، ومن خالفه هلك. ثم قام شقيق بن ثور البكريّ، فقال: أيّها الناس، إنا دعونا أهلَ الشام إلى كتاب اللّٰه، فردوه علينا، فقاتلناهم عليه، وإنهم قد دعونا اليوم إليه، فإن
رَدَدْناه عليهم حلّ لهم منّا ما حلّ لنا منهم ولسنا نخاف أن يَحيفَ اللّٰه علينا ورسوله، ألا إنّ عليَّا ليس
بالراجع الناكس، ولا الشاكّ الواقف، وهو اليوم على ما كان عليه أمس، وقد أكلْتنَا هذه الحرب، ولا
نرى البقاء إلاّ في الموادعة .
قال نصر : ثم إنّ أهل الشام لما أبطأ عنهم عِلْمُ حالِ أهل العراق: هل أجابوا إلى الموادعة أم لا؟ جَزِعوا فقالوا: يا معاوية ،ما نرى أهلَ العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه، فأعِدْها جَذَعة (1)، فإنّك قد غَمَرْت بدعائك القوم، وأطمعتَهم فيك.
فدعا معاوية عبد اللّٰه بن عَمْرو بن العاص، فأمَره أنْ يكلّم أهلَ العراق، ويستَعْلِم له، ما عندهم، فأقبل
حتى إذا كان بين الصَّفّين نادى : يا أهلَ العراق أنا عبدُ اللّٰه بن عمرو بن العاص، إنه قد كانت بيننا و
بينكم أمورٌ للدين أو الدنيا فإن تكن للدِّين فقد واللّٰه أعْذَرْنا وأعذرتم، وإن تكنْ للدنيا فقد واللّٰه أسْرَفْنا وأسرفتم، وقد دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا إليه لأجبناكم، فإن يجمعنا وإياكم الرضا فذاك من اللّٰه .
فاغتنموا هذه الفُرْصة، عسى أن يعيش فيها المحترِف ويُنْسَى فيها القتيل، فإن بقاء المهلِك بعد الهالك قليل .
فأجابه سعد بن قيس الهمْدَانيّ ، فقال: أمّا بعدُ يا أهل الشام، إنه قد كانت بيننا وبينكم أمور حامَيْنا فيها على الدين والدنيا، وسمّيتُموها غَدْراً وسَرَفاً، وقد دعوتُمونا اليوم إلى ما قاتلناكم عليه أمس، ولم يكن
ليرجعَ أهلُ العراق إلى عراقهم، وأهلُ الشام إلى شامهم، بأمْرِ أجمل من أن يحكم فيه بما أنزل اللّٰه
سبحانه، [فالأمر في أيدينا دونكم، وإلا فنحن نحن وأنتم أنتم ] (2).
فقام النّاس إلى علي (علیه السلام)، فقالوا له : أجِبِ القوم إلى المحاكمة، قال: ونادى إنسان من
أهل الشام في جوف الليل بشِعر سمعه الناسُ، وهو :
رؤوسَ العِرَاقِ أجِيبُوا الدُّعَاءَ ***فَقَدْ بَلغَتْ غَاية الشِّدَّة
وقَدْ أوْدَتِ الحربُ بالعَالَمِينَ*** وأهلِ الحفاتظِ والنَّجدَهْ
فَلَسْنَا وَلَسْتُم مِنَ المُشْرِكِينَ ***وَلا المُجْمِعِينَ عَلَى الرِّدَّهْ
وَلَكِنْ أُناسٌ لَقُوا مِثْلَهُمْ*** لَنا عِدَّةٌ وَلَكُمْ عِدَّهْ
[فَقاتَلَ كُلُّ عَلَى وَجْهِهِ*** يُقَحْمُهُ الجِدُّ والجِدَهْ
فَإِنْ تَقْبَلُوهَ فَفِيها الْبَقَاءُ*** وَامْنُ الْفَرِيقَيْنِ وَالْبَلْدَهْ
وَإِنْ تَدْفَعُوهَ فَفِيها الْفَنَاءُ*** وَكُلُّ بَلاء إلى مُدَّهْ
فحتَّى مَتَى مَخْضُ هَذَا السِّقاء*** وَلا بُدَّ أنْ تَخْرُجَ الزُّبْدهْ
ثلاثةُ رَهْطٍ هُمُ أَهْلُها*** وَإِنْ يَسْكُنُوا تَخْمُدِ الْوَقْدَهْ
سَعِيدُ بن قَيْسٍ وَكَبْشُ الْعِرَاقِ*** وذاك الْمُسَوَّدُ مِنْ کِنْدَهْ
قال : فأمّا المسوِّد من كِنْدَة، وهو الأشعث، فإنه لم يرضَ بالسكوت، بل كان من أعظم الناس قولاً في إطفاء الحرب والركون إلى الموادعة. وأما كبش العِراق، وهو الأشتر، فلم يكن يَرَى إلاّ الحرب، ولكنه سكت على مَضَ-ضٍ. وأما سعيد بن قيس فكان تارة هكذا وتارة هكذا .
وذكر ابن ديزيل الهمْداني في كتاب «صفّين» قال :
خرج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ومعه لواء معاوية، فارتجز فخرج إليه جارية بن قدامة
السعديّ، فارتجز أيضاً مجيباً له ثم اطّعَنَا فلم يصنعا شيئاً، وانصرف كلُّ واحد منهما عن صاحبه، فقال عمرو بن لعاص لعبد الرحمن : اقْحُم يا ابن سيفِ اللّٰه، فتقدم عبدُ الرحمن بلوائه، وتقدّم أصحابه، فأقبل عليّ علیه السلام)عَلَى الأشتر، فقال له : قد بلغَ لواءُ معاوية حيث ترى، فدونّك القوم . فأخذ الأشتر لواء عليّ (علیه السلام)، وقال :
إنّي أنا الأشْتَرُ معروف الشَّتَرْ*** إنّي أنا الأفعى العِراقيُّ الذّكَرْ
لستُ رَبِيعِيًا ولَسْتُ مِنْ مُضَرْ*** لكِنَّنِي مِنْ مَذْحِجَ الشُّمِّ الغُرَرْ
فضارب القومَ حتّى ردّهم، فانتدَب له همام بن قَبِيصة الطائيّ - وكان مع معاوية - فشدَّ عليه في مَذْحِج ، فانتصر عديُّ بن حاتم الطائيّ للأشتر، فحمل عليه في طيِّيء، فاشتدّ القتال جدَّا، فدعا عليّ ببغلة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)فركبها ، ثم تعصب بعمامة رسول اللّٰه، ونادى : أيّها الناس، مَنْ يَشري نفسه للّٰه ! إنّ هذا يومٌ له ما بعده، فانتدبَ معه ما بين عشرة آلاف إلى اثني عشر ألفاً، فتقدّمهم عليّ (علیه السلام) ، وقال :
دُبُّوا دبيبَ النَّمْلِ لاتفوتُوا ***وأصْبِحوا أمرَكُمُ أوْ بيتُوا
حَتّى تَنَالُوا النَّارَ أو تَمُوتوا
وحمل الناسُ كلهم حَمْلةً واحدة، فلم يبق لأهل الشام صَفٌ إلا أزالوه، حتى أفضَوْا إلى معاوية، فدعا معاوية بفرسه ليفرَّ عليه .
وكان معاوية بعد ذلك يحدّث فيقول : لَمّا وضعتُ رجلي في الرّكاب، ذكرت قول عَمرِو بن
الإطنابة :
أبَتْ لي عِفْتِي وَأَبَى بَلائي*** وَأَخْذِي الْحَمْدَ بالثمن الرَّبيحِ
وإقْدَامي عَلَى المكروهِ نفْسي*** وَضَرْبي هَامَةَ البَطْلِ المُشِيحِ
وَقَوْلي كُلّمَا جَشَاتْ وَجاشَتْ (1)
اللسان، مادة (جيش).
: ***مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحيفأخرجتُ رِجلي من الرّكاب وأقمت، ونظرت إلى عمرو فقلت له : اليومَ صَبْر وغداً فَخْر،
فقال: صدقت.
قال إبراهيم بن ديزيل : روى عبد اللّٰه بن أبي بكر، عن عبد الرحمن بن حاطب، عن معاوية،
قال: أخذتُ بمعْرَفَةِ فَرَسي، ووضعت رِجْلِي في الركاب للهَرَب، حتى ذكرت شعرَ ابن الإطْنابة، فعدت إلى مقعدي، فأصبتُ خير الدُّنيا، وإني لَرَاجِ أن أصيب خير الآخرة.
قال إبراهيم بن ديزيل : فكان ذلك يومَ الهرير، ثم رفعت المصاحف بعده.
وروى إبراهيم، عن ابن لهيعة ،عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لَقيط، قال: شَهِدْنا صِفّين، فمطرت السّماء علينا دماً عبيطاً (2).
وقال: وفي حديث اللَّيث بن سعد أنْ كانوا لَيأخذونه بالصِّحاف والآنية. وفي حديث ابن لهيعة: حتى إنّ الصِّحاف والآنية لتمتليء ونُهَرِيقُها .
قال إبراهيم: وروى عبدُ الرحمن بن زياد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عمن حدثه ممن حضر صِفِّين أنهم مطروا دماً عبيطاً، فتلقّاه الناس بالقِصاع والآنية، وذلك في يوم
الهرير، وفَزع أهلُ الشام وهمُّوا أن يتفرّقوا ، فقام عمرو بن العاص فيهم فقال : أيّها الناس، إنما
هذه آيةٌ من آيات اللّٰه ،فأصلح امرؤ ما بينه وبين اللّٰه ، ثم لا عليه أن ينتطح هذان الجبلان،
فأخذوا في القتال.
قال إبراهيم: وروى أبو عبد اللّٰه المكيّ، قال: حدثنا سُفيان بن عاصم بن كلَيب الحارثيّ عن أبيه ، قال : أخبرني ابن عباس قال : لقد حدّثني معاوية أنّه كان يومئذ قد قرّب إليه فرساً أنثى، بعيدة البطن من الأرض، ليهرُب عليها، حتى أتاه آتٍ من أهل العراق، فقال له : إنِّي تركتُ أصحاب عليِّ في مثل ليلة الصَّدَر من مِنَى، فأقمت، قال: فقلنا له : فأَخْبِرْنا مَنْ هو ذلك الرجل؟ فأبى
وقال : لا أخبركم مَنْ هو .
قال نصر وإبراهيم أيضاً : وكتب معاويةُ إلى عليّ (علیه السلام) :
أما بعد، فإنّ هذا الأمْرَ قد طال بيننا وبينك، وكلُّ واحدِ منّا يرى أنه على الحق فيما يطلبُ من صاحبه، ولن يُعْطِيَ واحدٌ منّا الطاعة للآخر، وقد قُتِلَ فيما بيننا بشرٌ كثير، وأنا أتخوّف أن يكون
ما بقِيَ أشدّ مما مضى، وإنا سوف نُسْألُ عن ذلك الموطن، ولا يحاسَبُ [به] غيري وغيرُك، وقد دعوتُك إلى أمر لنا ولك فيه حياة وعُذْر، وبَراءة وصلاح للأمة، وحَقْن للدماء، وأُلْفة للدِّين، و
ذهاب للضغائن والفِتن، أن نحكّم بيني وبينكم حكَمَيْن مَرضيّيْن، أحدُهما من أصحابي،
والآخر من أصحابك، فيحكمان بيننا بما أنزل اللّٰه، فهو خيرٌ لي ولك ، وأقْطَع لهذه الفِتَن، فاتق
اللّٰه فيما دُعِيت إليه ،وارض بحُكْم القرآن إن كنت من أهله، والسلام.
فكتب إليه عليّ (علیه السلام):
من عبد اللّٰه عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد، فإنّ أفضل ما شَغَل به المرءُ نفسه اتّباع ما حَسَّن به فعلَه، واستوجب فضلَه، وسَلم من عيبه، وإنّ البغيَ والزورَ يُزرِيان بالمرء في دينه ودنياه، فاحذر الدنيا، فإنّه لا فرح في شيء وصلت إليه منها ، ولقد علمتَ أنّك غيرُ
مدرك ما قضى فواته، وقد رام قومٌ أمراً بغير الحقّ، وتأوّلوه على اللّٰه جَلّ وعَزّ ، فأكذبَهم و
متّعهم قليلاً، ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ، فاحذَرْ يوماً يَغْتَبِط فيه مَنْ حَمِد عاقبة عَمَله، ويندَم فيه مَنْ أمكن الشيطانَ من قياده ولم يحادّه، وغَرَّتْه الدنيا واطمأنّ إليها . ثم إنَّك قد دَعَوْتَني إلى حكم القرآن، ولقد علمتَ أنك لستَ من أهلِ القرآن ولا حكمَه تريد، واللّٰه المستعان، فقد أجبنا القرآن إلى حكمه ، ولسْنَا إياك أجَبْنَا ، ومَنْ لم يرضَ بحُكْم القرآن فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً .
فكتب معاوية إلى عليّ (علیه السلام):
أما بعدُ، عافانا اللّٰه وإيّاك، فقد آنَ لك أن تُجِيب إلى ما فيه صلاحُنا وألفة بيننا، وقد فعلتُ الذي فعلتُ وأنا أعرفُ حَقّي، ولكني اشتريتُ بالعفو صلاحَ الأمة، ولم أكثِر فرحاً بشيء جاء ولا
ذهب وإنّما أدخَلَني في هذا الأمر القيام بالحقّ فيما بين الباغي والمبغي عليه، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنْكَر، فدعوْت إلى كتاب اللّٰه فيما بيننا وبينك، فإنّه لا يجمعُنا وإياك إلا هو ،
نحيي ما أحيا القرآن، ونُميت ما أمات القرآن، والسلام.
قال نصر: فكتَب عليّ(علیه السلام) إلى عمرو بن العاص، يعظه ويُرشده.
أما بعد، فإنّ الدنيا مَشْغَلة عَنْ غَيرِها ، ولن يصيبَ صاحبُها منها شيئاً إلا فَتَحَتْ له حِرْصاً يزيدُه فيها رغبة، ولن يستغنَي صاحبُها بما نَالَ عَمّا لم يبلُغ، ومِنْ وراء ذلك فراقُ ما جَمَع ، والسعيدُ من وُعظ بغيره، فلا تُخبط أبا عبد اللّٰه أجْرَك ، ولا تُجَار معاوية في باطله، والسلام.
فكتب إليه عمرو الجواب :
أما بعد أقول، فالذي فيه صلاحنا وألفتُنا الإنابةُ إلى الحق، وقد جعلْنا القرآن بيننا حكماً، وأجَبْنا
إليه ، فصبرَ الرّجلُ منّا نفسَه على ما حكم عليه القرآن، وعَذَره النَّاسُ بعد المحاجزة، والسلام.
فكتب إليه عليّ (علیه السلام) :
أما بعدُ، فإنّ الذي أعجبَك من الدنيا مما نازعتْك إليه نفسُك، ووثقت به منها لمُنْقِلب عنك، و
مفارقٌ لك، فلا تطمئنّ إلى الدنيا فإنّها غَرّارة، ولو اعتبرتَ بما مضى لحفِظْتَ ما بقي، وانتفعتَ منها بما وعظت. به والسلام.
فأجابه عمرو:
أما بعد، فقد أنصفَ مَنْ جعل القرآن إماماً، ودعا الناس إلى أحكامه، فاصبِرْ أبا حسن، فإنّا غير
مُنيليك إلا ما أنالك القرآن، والسلام.
قال نصر : وجاء الأشعث إلى عليّ (علیه السلام) ، فقال : يا أمير المؤمنين، ما أرى النَّاس إلا قد رَضُوا، وسرَّهم أن يجيبوا القوم إلى ما دَعَوْهم إليه من حكم القرآن، فإنْ شِئْتَ أتيتُ معاوية فسألته ما يريد، ونظرت ما الذي يسأل، قال: فأتِه إن شئت ،فأتاه، فسأله : يا معاوية : لأيّ شيء
رفعتم هذه المصاحف؟ قال : لَنْرجِع نحنُ وأنتم إلى ما أمر اللّٰه به فيها، فابعثوا رجلاً منكم
تَرْضَوْن به، ونبعث منّا رجلاً، ونأخذ عليهما أن يَعْمَلا بما في كتاب اللّٰه ولا يَعْدُوانه ، ثم نتَّبع ما
اتفقا عليه . فقال الأشعث: هذا هو الحق.
وانصرف إلى عليّ (علیه السلام) ، فأخبره، فبعث عليّ (علیه السلام)قُرّاءَ من أهل العراق، و
بعث معاوية قُرّاء من أهل الشام، فاجتمعوا بين الصَّفَّين، ومعهم المصحف، فنظروا فيه وتدارسوا واجتمعوا على أن يُحْيُوا ما أحيا القرآن، ويُميتوا ما أمات القرآن، ورجع كلُّ فريق إلى صاحبه، فقال أهلُ الشام إنّا قد رضينا واخترنا عمرو بن العاص، وقال الأشعث والقراء الذين صاروا
خوارج فيما بعد : قد رَضِينا نحن واخترنا أبا موسى الأشعريّ، فقال لهم عليّ (علیه السلام) :
فإنّي لا أرضى يأبي موسى ولا أرى أن أولِّيَه ، فقال الأشعث وزيد بن حصين ومشعر بن فَدَكِيّ في عصابة من القراء: إنّا لا نرضى إلا به، فإنه قد كان حذَّرَنا ما وقعنا فيه. فقال عليّ
(علیه السلام) : فإنه ليس لي برضاً، وقد فارقني وخَذّل الناس عنّي، وهرب مني حتى أمنته بعد
أشهر، ولكن هذا ابن عباس أولِّيه ذلك. قالوا : واللّٰه ما نُبالي، أكنت أنت أو ابن عباس! ولا نُريد إلا رجلاً هو منك ومن معاوية سواءٌ، ليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر. قال عليّ
(علیه السلام) : فإني أجعلُ الأشتر،
فقال الأشعث: وهل سَعّر الأرض علينا إلا الأشتر !وهل نحن إلا في حُكْم الأشتر! قال عليّ
(علیه السلام) : وما حكمه؟ قال: حكمُه أن يضرب بعضُنا بعضاً بالسيف حتَّى يكون ما أردتَ وما أراد .
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن شَمِر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن عليّ ،قال : لما أرادَ
الناس عليَّا أن يَضَع الحَكَمَيْن، قال لهم: إنّ معاويةَ لم يكْنِ لِيَضَعَ لهذا الأمر أحداً هو أوثقُ برأيه ونظره من عمرو بن العاص، وإنه لا يصلح للقرشيّ إلا مثله، فعليكم بعبد اللّٰه بن العباس فارمُوه به ، فإن عَمْراً لا يَعْقِدُ عُقْدَةً إلا حلّها عبد اللّٰه، ولا يحُلّ عُقدةً إلا عقدها ، ولا يُبرمُ أمراً إلا
نقضه ولا يَنقُضُ أمراً إلا أبرمه، فقال الأشعث: لا واللّٰه لا يحكُم فينا مُضَرِيَّان حتَّى تقومَ الساعة، ولكن اجعل رجلاً من أهل اليمن إذ جَعَلُوا رجلاً من مُضَر، فقال عليّ (علیه السلام): إِنِّي
أخافُ أن يُخدَعَ يمنيُّكم ، فإنَّ عَمْراً ليس من اللّٰه في شيء إذا كانَ له في أمرٍ هوى. فقال
الأشعث: واللّٰه لأنْ يحكما ببعض ما نكره، وأحدُهما من أهل اليَمن، أحبُّ إلينا من أن يكون
بعض ما نحبّ في حكْمهما وهما مُضَريَّان .
قال : وذكر الشعبيّ أيضاً مثل ذلك.
قال نصر : فقال علیّ (علیه السلام): قد أبيْتُم إلاّ أبا موسى! قالوا: نعم، قال: فاصنَعوا ما شئتم،
فبعثوا إلى أبي موسى - وهو بأرضٍ من أرض الشام يقال لها عُرْض قد اعتزل القتال - فأتاه
مولى له، فقال : إنّ الناس قد اصطلحوا، فقال : الحمد اللّٰه ربّ العالمين، قال : وقد جعلوك
حكماً، فقال : إنا للّٰه وإنا إليه راجعون!
فجاء أبو موسى حتّى دخل عسكر عليّ (علیه السلام)، وجاء الأشتر علياً، فقال: يا
أميرَ المؤمنين الِزَّني (1)بعمرو بن العاص، فوالذي لا إله غيره، لئن ملأتُ عيني منه لأقتلنَّه . وجاء الأحنفُ بن قيس علياً، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّك قد رُمِيت بحجَر الأرض ، ومَنْ حارَبَ اللّٰه ورسولَه أنفَ الإسلام، وإني قد عجمتُ (2)هذا الرجل - يعني أبا موسى - وحلبْتُ أشطره، فوجدته كليلَ الشَّفْرة قريب القَعْر، وإنه لا يصلُح لهؤلاء القوم إلا رجلٌ يدنُو منهم حتَّى يكونَ في أكفِّهم، ويتباعدُ منهم حتى يكونَ يمنزلة النَّجْم منهم ، فإن شِئْت أن تجعلَني حَكَماً فاجعلني ، و
إنْ شئت أن تجعلَني ثانياً أو ثالثاً، فإنّ عمراً لا يعقد عقدة إلا حللتُها، ولا يُحلّ عقدة إلا عقدتُ لك أشدَّ منها .
فعَرَض عليّ (علیه السلام) ذلك على الناس فأبوْه، وقالوا : لا يكونُ إلا أبا موسى.
قال نصر : مال الأحنف إلى علي(علیه السلام) ، فقال : يا أمير المؤمنين، إني خَيرتُك يومَ
الجمل أن آتيَك فيمنْ أطاعني، أو أكفّ عنك بني سعد، فقلت: كفّ قومك، فكَفى بكفّك
نصيراً، فاقمتُ بأمرك، وإنّ عبد اللّٰه بن قيس رجل قد حلبتُ أشطره، فوجدتُه قريبَ القعر، كليلَ المُدْية، وهو رجلٌ يمانِ وقومه مع معاوية، وقد رُمِيتَ بحجَر الأرض، وبمَنْ حارب اللّٰه ورسوله، وإنّ صاحب القوم مَنْ ينأى حتى يكونَ مع النجم، ويدنُو حتى يكون في أكُفِّهم، فابعثني ،
فواللّٰه لا يحلُّ عنك عقدةً إلا عقدتُ لك أشدّ منها، فإن قلت : إنّي لست من أصحاب رسول
اللّٰه، فابعثْ رجلاً من أصحاب رسول اللّٰه، وابعثني معه .
فقال عليّ (علیه السلام): إنّ القومَ أتوْني بعبد اللّٰه بن قيس مُبَرِّنساً(1)، فقالوا : ابعث هذا
رَضِينا به واللّٰه بالغ أمره.
قال نصر : وروي أنّ ابن الكوّاء، قام إلى عليّ (علیه السلام) ، فقال : هذا عبد اللّٰه بن قيْس
وافد أهل اليمن إلى رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)وصاحب مَقاسم أبي بكر وعامل
عمر، وقد رضي به القوم، وعرضْنا عليهم ابنَ عباس، فزعموا أنه قريب القرابة منك ، ظَنُّون في
أمرك .
فبلغ ذلك أهلَ الشام، فبعث أيمن بن خُزَيم الأسديّ، وكان معتزلاً لمعاوية بهذه الأبيات،
وكان هواه أن يكون الأمر لأهل العراق:
لَوْ كَانَ لِلْقَوْم رَأيٌ يُعْصَمُونَ بِهِ*** من الضَّلاَلِ رَمَوْكُمْ بِابْنِ عَبَّاسِ
للّٰه دَرُّ ابيهِ الیُّما رَجُلٍ*** مَا مِثْلُهُ لِفصَالِ الْخَطْبِ فِي النَّاسِ !
لَكِنْ رَمَوْكُمْ بِشَيْخِ مِن ذَوِي يَمَنٍ*** لا يَهْتَدِي ضَرْبَ اخْمَاسٍ لأسداسِ
إنْ يَخْلُ عمرو بِهِ يَقْذِفُهُ في لُجَجِ*** يَهْوِي به النَّجْمُ تَيْساً بين أتياسِ
أبْلِغ لديْكَ عليَّا غير عاتِبهِ*** قولَ امريءِ لا يرى بالحقِّ من بَاسِ
ما الأشْعَرِيُّ بمأمونِ أبا حَسَنٍ*** فاعْلم هُدِيتَ وليس العَجْزُ كالرَّاسِ
فاصْدِمْ بصاحِبك الأدنى زعيمَهُمُ*** إن ابن عَمِّكَ عباس هو الآسى
فلما بلغَ الناسَ هذا الشعر، طارت أهواء قومِ من أولياء عليّ (علیه السلام) وشيعته إلى ابن
عباس، وأبتِ القُرّاء إلا أبا موسى.
قال نصر: وكان أيمن بن خُزَيْم رجلاً عابداً مجتهداً، وقد كان معاوية جعل له فِلسطين،
على أن يُتابعه ويشايعه على قتال عليّ (علیه السلام) ، فقال أيمن، وبعث بها إليه :
1) البرنس : كل ثوب رأسه منه ملتزق به. أو هو قلنسوة طويلة المعجم الوسيط، مادة (تبرنس).
وَلَسْتُ مُقَاتِلاً رجلاً يُصَلِّي*** على سلطانٍ آخَر منْ قُرْيشِ
له سلطانهُ وَعَلَى إِثْمِي*** معاذَ اللّٰه من سفهِ وَطَيْشِ
أأَقْتُلُ مُسْلِماً فِي غَيْرِ جُرْمٍ*** فَلَيْسَ بِنافِعِي مَا عِشْتُ عَيْشِي!
قال نصر : فلما رضِيَ أهلُ الشام بعمرو، وأهل العراق بأبي موسى، أخذوا في سَطْرِ كتاب
الموادعة، وكانت صورته :
«هذا ما تقاضى عليه عليّ أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان» فقال معاوية : بئسَ الرجلُ
أنا إن أقررتُ أنّه أمير المؤمنين ثمّ قاتلته! وقال عمرو: بل نكتب اسمه واسم أبيه ؟ إنما هو
أميرُكم، فأما أميرنا فلا . فلما أعِيد إليه الكتابُ أمر بمحْوِه، فقال الأحنف: لا تمحُ اسمَ
أمير المؤمنين عنك، فإنَي أتخوّفُ إن محوتَها ألاَّ ترجع إليك أبداً ، فلا تمحُها . فقال عليّ
(علیه السلام) : إنّ هذا اليوم كيوم الْحُدَيْبِيةِ حين كتب الكتَّاب عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سُهَيْل بن عمرو ، فقال سُهَيْل : لو أعلم
أنّك رسول اللّٰه لم أقاتِلْك، ولم أخالِفْك، إني إذاً لظالم لك إن منعتُك أن تطوفَ ببيت اللّٰه الحرام وأنت رسوله، ولكن اكتب: «من محمد بن عبد الله»، فقال لي رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : «يا علي إني لرسول اللّٰه، وأنا محمد بن عبد اللّٰه، ولن يمحوَ عنّي الرسالة كتابي لهم
من محمد بن عبد اللّٰه، فاكتبها وامحُ ما أراد محوه، أما إنّ لك مثلها ستعطيها وأنت مضطهَد» (1).
قال نصر : وقد رُوي أنّ عمرو بن العاص عاد بالكتاب إلى عليّ (علیه السلام) ، فطلب منه أن يمحوَ اسمَه من إمْرَة المؤمنين فقصّ عليه وعلى مَنْ حضر قِصَّةً صلح الحديبية، قال: إنّ ذلك
الكتاب أنا كتبتُه بيننا وبين المشركين، واليوم أكتُبه إلى أبنائهم، كما كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) كتبه إلى آبائهم شِبْهاً ومِثْلاً، فقال عمرو : سبحان اللّٰه ! أتشبِّهنا بالكفار، ونحن مسلمون! فقال عليّ (علیه السلام) : يا ابن النابغة، ومتى لم تكنْ للكافرين وليَّا وللمسلمين
عدوَّا! فقام عمرو، وقال: واللّٰه لا يجمع بيني وبينك مجلسٌ بعد اليوم. فقال عليّ: أمَا واللّٰه إني لأرجو أن يُظهر اللّٰه عليك وعلى أصحابك .
وجاءت عِصابة قد وضعتْ سيوفها على عواتقها، فقالوا : يا أميرَ المؤمنين مُرْنا بما شئتَ،
فقال لهم سهل بن حُنَيف: أيها الناس، اتَّهموا رأيكم، فلقد شَهِدْنا صَلْحَ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه
علیه و آله و سلم)یوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا.
وزاد إبراهيم بن ديزيل : لقَد رأيتُني يومَ أبي جَنْدَل - يعني الحديبية - ولو أستطيع أن أردّ أمر
رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)و لرددته، ثم لم نَرَ في ذلك الصلح إلا خيراً .
1) أنظر المسترشد للطبري : 391 ، ووقعة صفين للمنقري : 509 .
قال نصر : وقد روى أبو إسحاق الشيبانيّ ، قال: قرأتُ كتاب الصلح عند سعيد بن أبي بُردة
في صحيفة صفراء، عليها خاتمان: خاتم من أسفلها وخاتم من أعلاها ،على خاتم عليّ (علیه
السلام): «محمد رسول اللّٰه»، وعلى خاتم معاوية «محمد رسول اللّٰه». وقيل لعليّ (علیه
السلام) . حين أراد أن يكتب الكتابُ بينه وبين معاوية وأهل الشام: أتُقِرّ أنهم مؤمنون مسلمون! فقال عليّ (علیه السلام) : ما أقرّ لمعاوية ولا لأصحابه أنهم مؤمنون ولا مسلمون، ولكن يكتب معاوية ما شاء بما شاء، ويقرّ بما شاء لنفسه ولأصحابه، ويسمِّي نفسَه بما شاء وأصحابه، فكتبوا : هذا ما تقاضَي عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضي عليّ بن أبي طالب على
أهل العراق ومَنْ كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين، وقاضى معاوية بن أبي سفيان
على أهل الشام ومَنْ كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين، إننا ننزل عند حُكْم اللّٰه
تعالى وكتابه، ولا يجمع بيننا إلا إياه. وإن كتاب اللّٰه سبحانه وتعالى بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيَا القرآن، ونميت ما أمات القرآن، فإن وَجَد الحكَمان ذلك في كتاب اللّٰه اتبعاه، و
إن لم يجداه أَخَذا بالسنَّة العادلة غير المفرقة. والحكَمان : عَبدُ اللّٰه بن قيس وعمرو بن العاص. وقد أخذ الحَكَمانِ مِنْ عليّ ومعاوية ومن الجنديْن أنّهما آمنانِ على أنفسهما وأموالهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار، وعلى الذي يقضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين عَهْدُ
اللّٰه أن يعملوا بما يقضيان عليه ، مما وافق الكتاب والسُّنّة، وإن الأمْن والموادعة ووضع السلاح متفّق عليه بين الطائفتين، إلى أن يقَع الحكم، وعلى كلِّ واحد من الحَكَمين عَهْدُ اللّٰه ،
ليحكُمَنَّ بين الأمة بالحق، لا بالهوى. وأجَلُ الموادعة سنة كاملة، فإن أحبّ الحكَمان أن
يُعجِّلا الحُكْم عجَّلاه ، وإن تُوفِّيَ أحدُهما فلأمير شيعته أن يختار مكانه رجلاً، لا يألو الحقّ
والعدل، وإن تُوفّيَ أحدُ الأميرين كان نَصْبُ غيره إلى أصحابه ممن يرضَوْن أمره، ويحمدُون
طريقته . اللهم إنّا نستنصرُك على مَنْ ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيها إلحاداً وظلماً .
قال نصر: هذه رواية محمد بن عليّ بن الحسين والشعبيّ، وروى جابر عن زيد بن الحسن بن
الحسن زيادات على هذه النسخة :
هذا ما تقاضَى عليه ابن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتُهما فيما تراضيا به من الحُكْم بكتاب اللّٰه وسنة رسوله، قضيّة عليّ على أهل العراق ومَنْ كان مِنْ شيعته مِنْ شاهد أو غائب، وقضيّة معاوية على أهل الشام ومَنْ كان من شيعته مِنْ شاهد أو غائب، إنّنا رضينا أن ننزل عند
حُكم القرآن فيما حكَم، وأن نَقِفَ عند أمره فيما أمَر ، فإنه لا يجمع بيننا إلا ذلك، وإنا جعلْنا
كتاب اللّٰه سبحانه حَكَماً بيننا فيما اختلفنا فيه، من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا القرآن، و
نميت ما أماته، على ذلك تقاضينا، وبه تراضينا .وإن علياً وشيعته رضُوا أن يبعثوا عبد اللّٰه بن
قيس ناظراً ومُحاكماً، ورضِيَ معاويةُ وشيعته أن يبعثوا عمرو بن العاص ناظراً
ومحاكماً، على أنّهم أخذُوا عليهما عهد اللّٰه وميثاقه، وأعظم ما أخذ اللّٰه على أحد مِنْ خَلْقه
لَيَتَّخِذان الكتاب إماماً فيما بعثا إليه، لا يعدُوَانه إلى غيره ما وجداه فيه مسطوراً، وما لم يجداه
مسمِّى في الكتاب ردَّاه إلى سنة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)الجامعة، لا يتعمدان
لها خلافاً، ولا يتّبعان هوى، ولا يدخلان في شبهة، وقد أخذ عبدُ اللّٰه بن قيس وعمرو بن
العاص على عليّ ومعاوية عهدَ اللّٰه وميثاقه بالرِّضا بما حكَما به من كتاب اللّٰه وسنّة نبيه، وليس
لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره، وأنهما آمنان في حُكْمهما على دمائهما وأموالهما و
أهلهما، ما لم يعدُوَا الحق، رضي بذلك راضٍ أو أنكره مُنْكِر. وإنّ الأمة أنصارٌ لهما على ما
قَضَيَا به من العَدْل، فإن تُوفّي أحدُ الحكمين قبل انقضاء الحكومة فأمير شيعته وأصحابه
يختارون مكانَه رجلاً، لا يألون عن أهل المَعْدلة والإقساط على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق والحكم بكتاب اللّٰه وسنة رسوله، وله مِثلُ شرط صاحبه، وإن مات أحد الأميريْن قبل
القضاء، فلشيعته أن يولُّوا مكانه رجلاً يرضون عَدْله. وقد وقعت هذه القضيّة، ومعها الأمن و
التفاوض، ووضع السلاح والسلام والموادعة، وعلى الحَكَمَيْن عهد اللّٰه وميثاقُه ألاّ يألوَا اجتهاداً ، ولا يتعمَّدا جَوْراً، ولا يدخلا في شبهة، ولا يعدوَا حُكْم الكتاب، فإن لم يقبلا برئت الأمة من حُكْمهما، ولا عهد لهما ولا ذمة، وقد وجبت القضيّة على ماقد سُمِّيَ في هذا الكتاب، من
مَواقع الشروط على الحَكَميْن والأميرين والفريقين، واللّٰه أقرب شهيداً، وأدنى حفيظاً. والناس
آمنُون على أنفسهم وأهلهم وأموالهم إلى انقضاء مدّة الأجل، والسلاحُ موضوع والسُّبل مخّلاة، والشاهد والغائب من الفريقين سواء في الأمن، وللحكمَين أن ينزلا منزلاً عَدْلاً بين أهل العراق والشام، لا يحضرهما فيه إلا مَنْ أحبَّا عن ملا منهما وتراضٍ وإنّ المسلمين قد أجّلوا هذين
القاضيين إلى انسلاخ شهر رمضان، فإن رأيا تعجيل الحكومة فيما وُجِّها له عَجّلاها ، وإن
أرادا تأخيرها بعد شهر رمضان إلى انقضاء الموسم فذلك إليهما ، وإن هما لم يحكُما بكتاب
اللّٰه وسنة نبيه إلى انقضاء الموسم فالمسلمون على أمرهم الأول في الحرب، ولا شرط بين
الفريقين، وعلى الأمة عهد اللّٰه وميثاقه على التمام والوفاء بما في هذا الكتاب، وهُمْ يَدٌ على
مَنْ أراد فيه إلحاداً وظُلْماً ، أو حاول له نَقْضاً. وشهد فيه من أصحاب عليّ عشرة، ومن أصحاب معاوية عشرة، وتاريخ كتابته لليلة بَقِيَتْ من صفر سنة سبع وثلاثين.
قال نصر: وحدثنا عَمْرو بن سعيد، قال: حدثُني أبو جَناب، عن ربيعة الجَرْميّ ، قال : لما كتبت الصحيفة دُعِيَ لها الأشتر ، ليشهدَ مع الشهود عليه، فقال : لا صحبتْني يميني ولا نفعني .
بعدَها الشّمال إن كُتِب لي في هذه الصحيفة اسم على صُلْح أو موادعة، أوَلَسْتُ على بينة من
أمري ويقين من ضلالة عَدُوّي! أولستُمْ قد رأيتم الظَّفر إن لم تُجْمعِوا على الخَور! فقال له رجل
[من الناس]: واللّٰه ما رأيتُ ظَفَراً ولا خَوَراً، هلم فأشْهِدْ على نفِسك، وأقرِرْ بما كُتِب في هذه
الصحيفة، فإنّه لا رغبة لك عن الناس . فقال : بلى واللّٰه ، إنّ لي لرغبةً عنك في الدنيا للدنيا، وفي الآخرة للآخرة، ولقد سفك اللّٰه بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي بخير منهم، ولا أحرمَ دماً .
قال نصر بن مزاحم: الرجلُ هو الأشعث بن قيس، قال: فكانما قُصِع على أنه الحميم ثم قال : ولكنّي قد رضيتُ بما يرضى به أمير المؤمنين، ودخلتُ فيما دخلَ فيه، وخرجتُ مما خرجَ منه، فإنه لا يدخلُ إلا في الهدى والصواب.
قال نصر : فحدّثنا عمر بن سعد عن أبي جناب الكلبيّ عن إسماعيل بن شفيع عن سفيان بن سلمة، قال: فلما تمّ الكتاب وشهدتْ فيه الشهود، وتراضَى الناسُ خرج الأشعث، ومعه ناسٌ
بنسخة الكتاب يقرؤها على الناس، ويعرِضُها عليهم، فمرّ به على صفوف من أهل الشام، وهم على راياتهم، فأسمعهم إياه، فرضُوا به، ثم مرّ به على صفوف من أهل العراق، وهُمْ على راياتهم، فأسمعهم إياه، فرضُوا به، حتى مرّ برايات عَنَزة، وكان مع عليّ (علیه السلام) من عَنَزة بصفِّين أربعة آلاف مجفَّف (1)، فلما مرّبهم الأشعث يقرؤه عليهم، قال فَتَيان منهم : لا حكم إلا للّٰه ، ثم حملا على أهل الشام بسيوفهما ، فقاتلا حتى قُتلا على باب رِواق معاوية - فهما أُولُ مَنْ
حكّم. واسماهما جَعْد ومَعْدان - ثم مرَّ بهما على مُراد، فقال صالح بن شقيق، وكان من
رؤوسهم.
ما لعليِّ في الدِّمَاء قَدْ حَكَمْ*** لوقاتل الأحزابَ يَوْماً ما ظَلَمْ
لا حكم إلا للّٰه ، ولو كره المشركون. ثم مرّ على رايات بني راسب، فقرأها عليهم، فقال
رجل منهم : لا حُكْم إلا للّٰه ، لا نرضى ولا نحكّم الرجال في دين اللّٰه . ثم مر على رايات ،
تمیم فقرأها عليهم، فقال رجل منهم : لا حُكْم إلا للّٰه ، يقضي بالحق وهو خير الفاصلين. فقال رجل لآخر: أمَّا هذا فقد طعن طعنةٌ نافذة. وخرج عروة بن أُدَيّة، أخو مرداس بن أدّية التميميّ ، فقال : أتحكِّمُون الرجال في أمر اللّٰه لا حُكْم إلا للّٰه ! فأين قتلانا يا أشعث! ثم شدّ بسيفه
ليضرِب به الأشعث، فأخطأه، وضرب عَجُز دابته ضربة خفيفةً، فصاح به الناس: أن املك يدك، فكفّ و رجع الأشعث إلى قومه، فمشى الأحنف إليه ومَعْقل بن قيس ومسْعَر بن فَدَكِيّ ، و
رجال من بني تميم، فتنصّلوا واعتذروا، فقبل منهم ذلك وانطلق إلى عليّ (علیه السلام) ، فقال : يا أمير المؤمنين، إنّي عرضت الحكومة على صفوف أهل الشام، وأهل العراق، فقالوا جميعاً : رضينا ، حتى مَرَرْتُ برايات بني راسب، ونَبْذِ من الناس سواهم، فقالوا : لا نرضَى، لا حُكْم إلا للّٰه فَمِلْ بأهل العراق وأهل الشام عليهم حَتى نقتَلهم . فقال عليّ (علیه السلام) : هل هي غير
رايةٍ أو رايتَين ونَبْذِ من الناس؟ قال : لا ، قال : فدعْهم.
1) المجفف: ما جلل به الغرس من آلة أو سلاح يقيه الجراح، وقد يلبسه الإنسان أيضاً. اللسان،مادة (جفف).
قال نصر : فظَنَّ علي(علیه السلام) أنّهم قليلون لا يُعبأ بهم، فما راعهُ إلا نداءُ الناس من كلِّ
جهة ومن كلِّ ناحية : لا حُكم إلا للّٰه ! الحكم للّٰه يا عليّ لا لك! لا نَرْضَى بأنْ يُحَكَّم الرجالُ في دين اللّٰه . إن اللّٰه قد أمضى حُكْمَه في معاوية وأصحابه أن يقُتلوُا أو يدخلوا تحت حُكْمنا
عليهم، وقد كنّا زَلَلْنا وأخطأنا حين رضينا بالحكَمين، وقد بان لنا زلَلُنا وخَطَؤنا فرجعنا إلى اللّه وتُبْنا، فارجع أنت يا عليّ كما رجعنا، وتب إلى اللّٰه كما تُبْنا، وإلا بَرِئْنا منك. فقال عليّ (علیه
السلام) : ويْحَكُم أبعدَ الرِّضا والميثاق والعهد نرجع! أليس اللّٰه تعالى قد قال: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)! وقال : (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الأَيْمَٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا )(2)! فأبى عليُّ أن يرجع ، وأبت
الخوارجُ إلا تضليل التحكيم والطعن فيه، فبرئت من عليّ (علیه السلام) وبَرِيء عليّ (علیه
السلام) منهم .
قال نصر: وقام إلى عليّ (علیه السلام) محمد بن جريش فقال : يا أمير المؤمنين، أمَا إلى
الرجوع عن هذا الكتاب سبيل! فواللّٰه إني لأخاف أن يُورثَ ذلاً ، فقال عليّ (علیه السلام) :
أبعد أن كتبناه ننقضُه ! إن هذا لا يَحِلّ.
قال نصر، وحدّثني عمر بن نمير بن وعْلة، عن أبي الودّاك، قال: لما تداعَى النّاس إلى
المصاحف، وكُتِبَتْ صحيفةُ الصلح والتحكيم، قال عليّ (علیه السلام) : إنّما فعلتُ ما فعلتُ
لِمَا بدَا فيكم من الخَوَر والفَشَل عن الحرب، فجاءت إليه هَمْدان كأنها ركن حَصِير فيهم سعيد بن قيس وابنُه عبد الرحمن، غلام له ذؤابة فقال سعيد : هأنذا وقومي، لا نردّ أمرَك فقل ما شئتَ نعمله، فقال: أمَا لو كان هذا قبل سَطْر الصحيفة لأزلتُهم عن عسكرهم، أو تنفردَ سالِفَتي (3)
قبل ذلك ، ولكن انصرفوا راشدين، فلعمري ما كنت لأعرّض قبيلة واحدة للناس.
قال نصر : وروى الشعبيّ أن عليَّا (علیه السلام)، قال يوم صِفِّين حين أقرّ الناس بالصلح : إنّ
هؤلاء القوم لم يكونوا ليُنيبوا إلى الحقّ، ولا ليُجِيبوا إلى كلمة سواء حتّى يُرْمَوا بالمناسر (4)تتبعها العساكر،
وحتى يُرْجَمُوا بالكتائب تَقْفُوها الجلائب، وحتى يجرّ ببلادهم الخميسُ يَتْلوه الخميس، حتى يدعوا الخيول في نواحي أرضهم، وبأحناء مسَاربهم ومسارحهم، حتى تشنّ
عليهم الغارات من كلِّ فج وحتى يَلْقاهم قومٌ صُدُقُ صُبُرٌ ، لا يزيدُهم هَلاکُ مَنْ هَلَك مِن
قتلاهم وموتاهم في سبيل اللّٰه إلا جدّاً في طاعة اللّه، وحرْصاً على لقاء اللّٰه ، ولقد كنَّا مع
رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ، نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأخوالنا وأعمامنا، لا
يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً، ومُضِيَّا على أمَضِّ الألم، وجِدَّا على جهاد العدوّ، والاستقلال
بمبارزة الأقران، ولقد كَانَ الرَّجُل مِنّا والآخر من عدوّنا يتصاولان تَصَاول الفَحْلين، يتخالسان
أنفسهما أيُّهما يسقِي صاحبَه كأس المنون، فمرة لنا من عدوّنا، ومرة لعدوّنا مِنّا، فلما رآنا اللّٰه
صُدُقاً صُبراً أنزل بعدوّنا الكَبْت، وأنزل علينا النّصر، ولعمري لو كنّا نأتِي مثل الّذي أتيتم ما قام
الدّين ولا عزّ الإسلام، [واسمُ اللّٰه لتحلبُنَّها دماً ، فاحفظوا ما أقول لكم] (1).
وروى نصر عن عمرو بن شَمِر، عن فضيل بن خَديج، قال : قيل لعليّ (علیه السلام) لَمَّا
كُتِبت الصحيفة: إنّ الأشتر لم يرضَ بما في الصحيفة، ولا يرى إلا قتالَ القوم، فقال عليّ (علیه السلام) : بَلَى إِنَّ الأشتر لَيْرضَى إذا رضيتُ، وقد رضيتُ ورضيتم، ولا يصلحُ الرجوع بعد الرضا، ولا التبديلُ بعد الإقرار، إلا أن يُعصَى اللّٰه أو يتعدّى ما في كتابه. وأمّا الذي ذكرتم من تركه
أمري وما أنا عليه، فليس من أولئك ولا أعرفه على ذلك، وليت فيكم مثلَه اثنين، بل ليت فيكم مثلَه واحداً، يرى في عدوّي مثل رأيه، إذاً لَخَفَّتْ مؤنتكم عليّ ، ورجوت أن يستقيم لي بعض
أوَدِكم (2).
قال نصر : وروى أبو عبد اللّٰه زيد الأوْدِيّ أن رجلاً منهم يقال له عمرو بن أوّس، قاتل مع علي (علیه السلام)يوم صفّين، فأسَرَه معاويةُ في أسْرَى كثيرة، فقال له عمرو بن العاص : اقتُلْهم،
فقال له عمرو بن أوس: لا تقتلني يا معاوية، فإنك خالي، فقامت إليه بنو أوْد فاستوهبوه، فقال: دَعُوه، فلعمري إن كان صادقاً فيما ادّعاه من خؤولتي إيّاه ليستغِنَينّ عن شفاعتكم، وإلا
فشفاعتكم من ورائه، ثم استدناه، فقال: من أينَ أنا خالُك؟ فواللّٰه ما بين بني عبد شمس وبين
أود من مصاهرة ! قال : فإن أخبرتُك فعرفتَ فهو أمانٌ عندك ؟ قال : نعم، قال: أليستْ أمّ حبيبة أختك أم المؤمنين؟ فأنا ابنها وأنت أخوها ، فأنت إذاً خالي. فقال معاوية : للّٰه أبوه ! أمَا كان في هؤلاء الأسْرَى مَنْ يَفْطُن إلى هذا غيره ! ثم خلّى سبيله .
وروى إبراهيم بن الحسين بن عليّ الكسائيّ المعروف بابن ديزيل الهمْدانيّ ،في «كتاب
صفين»، قال : حدّثنا عبد اللّٰه بن عمر، قال: حدّثنا عمرو بن محمد، قال : دعا معاويةُ بن أبي سُفيان عمرو بن العاص، ليبعثَه حكَماً ، فجاء وهو متحزّم، عليه ثيابه وسيفه، وحوله أخوه وناس من قريش، فقال له معاوية : يا عمرو، إنّ أهلَ الكوفة أكرهُوا عليَّا على أبي موسى وهو لا
يريده، ونحن بك راضون، وقد ضُمّ إليك رجل طويل اللسان، كلِيل المُدْية، وله بعدُ حَظّ من
دِين، فإذا قال فدَعْه يقلْ، ثم قلْ فأوجز، واقطع المفْصِل، ولا تَلْقه بكلّ رأيك، واعلم أنّ خب ءَلرأي زيادة في العقل، فإنْ خَوَّفك بأهلِ العراق فخوِّفه بأهل الشام، وإن خَوّفك بعليّ فخوفه
بمعاوية، وإن خَوّفك بمصر فخوّفه باليمن، وإن أتاكَ بالتفصيلِ فأتِه بالجُمل. فقال له عمرو يا
معاوية، أنت وعليّ رجُلا قريش، ولم تنلْ في حربك ما رجوت، ولم تأمن ما خفت ، ذكرت أنّ لعبد الله دِيناً ، وصاحبُ الدين منصور، وايمُ اللّٰه لَأُفنيَنّ [عليه] عِلَله، ولأستخرِجنَّ خَبْأه، ولكن
إذا جاءني بالإيمان والهجرة ومناقب عليّ ما عسِيتُ أن أقول! قال : قل ما ترى، فقال عمرو و
هل تَدَعُني وما أرى! وخرج مُغضَباً كأنه كره أن يُوصَى ثقةً بنفسه، وقال لأصحابه حين خرج :
إنما أراد معاوية أن يصغِّر أمرَ أبي موسى، لأنّه علم أني خادعه غداً، فأحبّ أن يقول : إن عَمْراً
لم يخدَعْ أريباً ، فقد كدتُه بالخلاف عليه. وقال في ذلك :
یُشَجِّعني معاويةُ بن حَرْبٍ*** كانّي للحوادثِ مستكينُ
وإنّي عَنْ معاويةِ غنيّ ***بحمْد اللّٰه واللّٰه المعينُ
وهَوّن أمرَ عبد اللّٰه عَمْداً ***وقال له على ما كان دينُ
فقلتُ له ولم أردُدْ عَلَيْه*** مقالتَهُ وللشَّاكِي أنينُ
ترى أهلَ العراق يَذُبّ عنهمْ*** وَعَنْ جيرانِهِمْ رَجُلٌ مَهِينُ!
فَلَوْجهِلُوه لم يجهَل عليُّ ***وغثّ القول يحمِلُه السَّمِينُ
ولكن خطبه فيهم عظيمٌ*** وفَضْلُ المرء فيهمْ مُسْتَبِينُ
فإنْ أظْفَرْ فلم أظْفَرْ بِوَغْدٍ*** وإِنْ يَظْفَرْ فقد قُطِعَ الْوَتِينُ (1)
فلما بلغ معاوية شعره، غضب من ذلك وقال : لولا مسيره لكان لي فيه رأي ! فقال له عبد
الرحمن بن أمّ الحكم : أما واللّٰه إنّ أمثاله في قريش لكثير ، ولكنّك ألزمت نفسك الحاجة إليه، فألزمها الغَناء، فقال له معاوية : فأجبه عن شعره، فقال عبد الرحمن يعيِّره بفراره من عليّ يوم صفّين :
ألاَيا عمرو عمرو قَبِيل سَهْمِ*** أمِنْ طِبّ أصابَكَ ذا الجُنون!
1) الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. اللسان، مادة (وتن).
دع البغيَ الذي أصبحَتْ فِيه*** فإنّ البَغْيَ صَاحِبُه لَعِينُ
ألم تَهْرُبُ بنَفْسِك من عليّ ***بصفِّين وأنت بِهَا ضَنِينُ
حِذَاراً أنْ تلاقِيَكَ المنايا*** وكلّ فتَى سيُدرِكه المُنونُ
وَلَسْنَا عَائبين عليك إلاّ*** لقولك إنّني لا أستَكِينُ
قال نصر : ثم إنّ الناس أقبلوا على قَتْلاهم فدفنوهم، قال: وقد كان عمر بن الخطاب دعا في
خلافته حابس بن سعد الطائيّ ، فقال له : إنّي أريدُ أن أولِّيَك قضاء حِمْص، فكيف أنت صانع؟ قال : أجتهدُ رأيي وأستشير جلسائي، قال: فانطلِقْ إليها. فلم يمش إلا يسيراً حتى رجع، فقال : يا أميرَ المؤمنين، إنّي رأيتُ رؤيا أحببتُ أن أقصِّها عليك، قال: هاتِها، قال: رأيتُ كأنّ الشمس أقبلتْ من المشرق ومعها جَمْع عظيم، وكأنّ القمر قد أقبل من المغرب ومعه جَمْع عظيم، فقال له عمر: مع أيِّهما كنت؟ قال: كنتُ مع القمر، قال: كنتَ مع الآية الممحوة، اذهب فلا واللّٰه لا تلِي لي عملاً ، ورَدّه. فشهِد مع معاوية صِفّين، وكانت رايةُ طیِّيء معه، فقتِل يومئذ، فمرّ به
عديّ بن حاتم ومعه ابنه زيد، فرآه قتيلاً، فقال له : يا أبتِ هذا واللّٰه خالي، قال: نعم، لعنَ اللّٰه
خالك! فبئس واللّٰه المَصْرع مصرعه! فوقف زيدٌ وقال : مَنْ قتل هذا الرجل؟ مراراً ، فخرج إليه
رجل من بكر بن وائل، طُوالٌ يخضِب، فقال: أنا قتلتُه، فقال له : كيف صنعتَ به؟ فجعل
يخبره، فطعنه زيد بالرمح فقتله، وذلك بعد أن وضعت الحربُ أوزارها، فحمل عليه عديّ أبوه يسبُّه ويشتم أمّه، ويقول: يا ابن المائقة، لستُ على دين محمد إن لم أدْفعك إليهم ، فضرب
زيد فرسَه فلحِق بمعاوية، فأكرمه وحمله وأدنى مجلسَه، فرفع عديُّ يديه فدعا عليه، وقال:
اللهمّ إنّ زيداً قد فارق المسلمين، ولحِق بالملحدين، اللهم فارمِه بسهم من سهامك لا يُشوي - أو قال لا يخطىء - فإنّ رَمْيَتَك لا تُنْمِي (1)، واللّٰه لا أكلّمه من رأسي كلمة أبداً، ولا يُظلّني و
إياه سقف أبداً. وقال زيد في قتل البكري:
مَنْ مبلغٌ أبناءَ طَيِّ بِأنني*** ثارتُ بخالي ثُمّ لم أتأثمِ
تركتُ أخا بكر ينوء بصدْرِهِ*** بصِفِّينَ مخضوبَ الجبين من الدّم
وَذَكَّرَني ثارِي غَدَاةَ رأيتُه*** فاوْجَرْتُه رُمحِي فَخَرّ على الفَمِ
لقد غادرَتْ أرماحُ بكر بن وائلِ*** قتيلاً عن الأهوال ليس بمُحْجِمِ
قتيلاً يظلّ الحيُّ يُثنون بعدَهُ*** عليه بايدِ منْ نداه وأنْعُمِ
لَقَدْ فُجِعَتْ طيُّ بحِلْم ونائلِ*** وصاحبِ غاراتٍ ونَهْب مُقَسَّمِ
لقدْ كانَ خالِي ليسَ خال كمثِله*** دِفاعاً لِضَيْمٍ واحتمالاً لمغْرَمِ
1) أنمَيتَ الصيد : إذا رميته ثم غاب عنك فيموت ولا تراه فتجده ميتاً . اللسان، مادة (نمي).
قال نصر: وروَى الشَّعبيّ ، عن زياد بن النَّضر أنّ عليَّا (علیه السلام)بعث أربعمائة، عليهم شُرَيح بن هاني الحارثيّ ، ومعه عبد اللّٰه بن عباس يصلّي بهم [وَيلي أمورَهم]، ومعهم أبو موسی
الأشعريّ، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة ، ثم إنهم خلَّوْا بين الحكَمْين، فكان رأيُ عبد اللّٰه بن قيس [أبو موسى] في عبد اللّٰه بن عمر بن الخطاب، وكان يقول: واللّٰه إن استطعت لأحْیِيَنَّ سنة عمر .
قال نصر : وفي حديث محمد بن عبيد اللّٰه، عن الجرجانيّ قال : لما أراد أبو موسى المسيرَ قام إليه شُرَيْح بن هانيء، فأخذ بيده، وقال: يا أبا مُوسى، إنّك قد نُصِبْتَ لأمرِ عظيم لا يُجْبَرُ
صَدْعُه، ولا تُستقالُ فتنتُه، ومهما تَقُلْ من شيء عليك أو لَكَ، يَثْبتْ حقه وتُرَ صحّتُه وإنْ كان
باطلاً ، وإنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكَهم معاوية، ولا بأس على أهل الشامِ إن ملكَهم عليّ ، وقد كانت منك تَثْبِيطة أيامَ الكوفة والجمل، فإن تشفعْها بمثلها يكن الظنُّ بك يقيناً، والرجاء
منك يأساً ، ثم قال له شُريح في ذلك :
أبا مُوسَى رُميتَ بِشَرِّ خَصْمٍ*** فلا تُضِعِ العِراقَ فدتْك نَفْسِي
وأعطِ الحقِّ شَامَهُمُ وخُذْهُ*** فإنّ اليوم في مَهَلِ کأمْسِ
وإنّ غداً يجيء بِمَا عَلَيْهِ ***كذاك الدهر من سَعْدٍ وَنَحْسِ
ولا يخدعْك عمرٌو إنّ عمراً ***عدُوّ اللّٰه مَطْلَعَ كلّ شمسِ
لَهُ خُدَع يَحَارُ العقل مِنْهَا*** مُمَوْهَةٌ مُزخرَفَةٌ بلَبْسِ
فلا تَجْعلْ مُعاويةَ بن حَرْبٍ*** كشَيْخ في الحوادثِ غير نِكْسِ
هداه اللّٰه للإسلام فَرْداً ***سوى عِرسِ النَّبي، وأيّ عِرْس!
فقال أبو موسى: ما ينبغي لقوم اتهموني أن يرسلوني لأدفع عنهم باطلاً ، أو أجرّ إليهم حقاً.
وروى المدائنيّ في «كتاب صِفِّين» قال : لما أجمعَ أهلُ العراق على طلب أبي موسى، و
أحضروه للتّحكيم على كُرْهِ من عليّ (علیه السلام) ، أتاه عبدُ اللّٰه بن العباس، وعنده وجوهُ
الناس وأشرافهم، فقال له: يا أبا موسى، إنّ الناس لم يرضَوْا بك، ولم يجتمعوا عليك لفضلِ لا
تشارَك فيه، وما أكثرَ أشباهَك من المهاجرين والأنصار والمتقدمين قبلك، ولكن أهلَ العراق
أبوْا إلاّ أن يكون الحكَم يمانياً، ورأوْا أنَّ معظمَ أهلِ الشام يمانٍ، وايمُ اللّٰه، إني لأظنّ ذلك شرًا
لك ولنا ، فإنه قد ضُمّ إليك داهية العرب، وليس في معاوية خَلّة يستحِقّ بها الخِلافة، فإن تقذفْ بحقّك على باطله تدركْ حاجتَك منه ، وإن يطمع باطلُه في حقّك يدرِكْ حاجتَه منك واعلم يا
أبا موسى أنّ معاويةَ طليقُ الإسلام، وأنّ أباه رأسُ الأحزاب، وأنّه يدّعي الخلافةَ من غير مشورة ولا بَيْعة، فإنْ زعم لك أنّ عمر وعثمان استعملاه فلقد صدقَ، استعمله عمر وهو الوالي
عليه، بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي، ويُوجرُه (1)ما يكره، ثم استعلمه عثمان برأي عمر، وما أكثرَ من استعملا ممّن لم يدّعِ الخلافة. واعلم أنّ لعمرِو مع كلِّ شيء يسرُّك خبيئاً يسوءك، ومهما
نسيتَ فلا تنسَ أن علياً بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وأنها بَيْعة هدى، وأنّه لم يقاتِلْ إلا العاصين والناكثين.
فقال أبو موسى: رحمك اللّٰه واللّٰه ما لي إمامٌ غير عليّ ، وإني لواقف عندما رأَى، وإنّ حق اللّٰه
أحبُّ إليّ من رضا معاوية وأهل الشام، وما أنت وأنا إلا باللّٰه.
وروى البلاذُريّ في كتاب «أنساب الأشراف» (2)، قال : قيل لعبد اللّٰه بن عباس : ما منع عليَّا أن يبعثكَ مع عَمْرو يومَ التحكيم ؟ فقال : منعه حاجِزُ القَدر، ومِحْنة الابتلاء، وقِصَر المدة، أما واللّٰه
لو كنت، لقعدت على مَدارج أنْفَاسه، ناقضاً ما أبرم، ومبرماً ما نَقَض، أطير إذا أسَفَّ، وأُسِفُّ إذا طار ، ولكن قد سَبَقَ قَدَر ، وَبقِيَ أسف، ومع اليوم غد ، والآخرة خير لأمير المؤمنين .
وذكر البلاذُريّ أيضاً ، قال : قام عمرو بن العاص بالموسم، فأطْرَى معاوية وبني أمية، وتناول بني
هاشم، وذكر مشاهِده بصِفّين ويوم أبي موسى، فقام إليه ابن عباس، فقال: يا عمرو، إنك بعتَ
دينكَ من معاوية فأعطيتَه ما في يدك، ومنّاك ما في يد غيره، فكان الذي أخذه منك فوق الذي
أعطاك، وكان الّذي أخذتَ منه دون ما أعطيتَ وكلٌّ راضِ بما أخذ وأعطى، فلما صارت مصر في يدك، تتبّعك بالنّقض عليك والتعقّب لأمرك، ثم بالعزل لك، حتى لو أنّ نفسَك في يدك لأرسلتها . وذكرت يومك مع أبي موسى، فلا أراك فَخَرْت إلا بالغدر، ولا مُنِيت إلاّ بالفجور والغِشّ. وذكرت مشاهدك بصِفّين، فواللّٰه ما ثقلتْ علينا وطأتك، ولا نكأتْ فينا جرأتك، ولقد كنت فيها طويلَ
اللسان قصير البنان، آخرَ الحرب إذا أقبلت، وأولها إذا أدبرت لك يدانِ : يد لا تقبضها عن شرّ، ويد لا تبسطها إلى خير ووجهان: وجه مؤنِس، ووجه مُوحِش، ولَعمري إنّ مَنْ باع دينه بدنيا غيره
لحرِيّ حزنه على ما باع واشترى . أما إنّ لك بياناً ولكنْ فيكَ خطل، وإن لك لرأياً ولكن فيك ،
فَشَل، وإنّ أصغرَ عيبِ فيك لأعظمُ عيبِ في غيرك .
قال نصر: وكان النجاشيّ الشاعر صديقاً لأبي موسى، فكتب إليه يحذِّره من عمرو بن العاص :
يوْمّلُ أهلُ الشام عَمْراً وإِنَّنِي*** لآملُ عبد اللّٰه عندَ الحقائِق
وإنّ أبا موسى سيُدرِك حَقّنا*** إذا ما رمى عَمْرا بإحدى البَوائِقِ
فاللّٰه ما يُرْمَى العِراقُ وأهلُه*** به منه إن لم يَرْمِهِ بالصَّواعِقِ
فكتب إليه أبو موسى: إني لأرجو أن يَنْجَلِيَ هذا الأمرُ، وأنا فيه على رضا اللّٰه سبحانه .
قال نصر : ثم إن شريح بن هانيء جَهّز أبا موسى جهازاً حسناً، وعَظّم أمرَه في الناس ليشرُف في
قومه، فقال الأعور الشَّنِّيُّ في ذلك يخاطب شُرَيحاً :
زفَفْتَ ابْنَ قَيْسِ زِفَافَ العروسِ*** شُرَيْحُ إلى دُومة الجَنْدَلِ
وفي زفِّك الأشعريّ البلاءُ*** وَمَا يُقْضَ مِنْ حَادِثِ يَنْزِلِ
ما الأشعري بذي إرْبَةِ*** ولا صاحب الحُطّة الفَيْصَلِ
وَلا آخِذاً حظّ أهل العراقِ*** ولو قيل ها خُذْهُ لم يفعلِ
يحاولُ عَمْراً وعمرٌوله*** خَدَائِعُ يأتي بها من عَلِي
فإن يحكُما بالهُدَى يُتْبَعا*** وإن يحكما بالهوى الأمْيَلِ
يكُونَا كَتَيْسَيْنِ فِي قَفْرةِ*** أكيلَيْ نقيفِ من الحنظل(1)
الحنظل ينقفها بظفر أي يضربها فإن صوتت علم أنه مدركة فاجتناها . اللسان، مادة (نقف).
فقال شريح : واللّٰه لقد تَعَجَّلَتْ رجالٌ مَساءتنا في أبي موسى، وطعنوا عليه بأسوأ الطّعن،وظنّوا فيه
ما اللّٰه عَصَمه منه ، إن شاء اللّٰه .
قال : وسار مع عمرو بن العاص شُرْحبيل بن السِّمط في خَيْل عظيمة، حتى إذا أمِن عليه خيل أهل العراق ودَّعَه، ثم قال له: يا عمرو، إنّك رجلُ قريش، وإنّ معاوية لم يبعثْك إلا لعلمه أنّك لا تؤتَى
مِن عجز ولا مكيدة، وقد عرفت أني وطأتُ هذا الأمرَ لك ولصاحبك، فكنْ عند ظنّي بك. ثم
انصرف وانصرف شُرَيح بن هانيء حين أمِنَ خيل أهلِ الشام على أبي موسى، وودّعه .
وكان آخر مَنْ ودَّعَ أبا موسى الأحنفُ بن قيس، أخذ بيده، ثم قال له : يا أبا موسى، اعرف خَطْبَ هذا الأمر، واعلم أنّ له ما بعده، وأنك إن أضعت العراق فلا عِراق، اتّق اللّٰه فإنها
1) حنظل نقيف : أي منقوف، وهو أن جاني
تجمع لك دنياك وآخرتك، وإذا لقيت غداً عمْراً فلا تبدأه بالسلام، فإنها وإن كانت سُنّة إلا أنّه
ليس من أهلها ولا تعطِه يدَك فإنه أمانة، وإيّاك أن يُقعِدك على صَدْر الفراش فإنها خُدعة، ولا تَلْقَهُ
إلاّ وحده. واحذَرْ أن يكلِّمك في بيت فيه مخدع تُخبأ لك فيه الرجال والشهود. ثم أراد أن يُثَوِّرَ ما في نفسه لعليّ ، فقال له : فإن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعليّ ، فليختر أهلُ العراق
من قريش الشام من شاؤوا ، أو فليَخْتَر أهلُ الشام من قريش العراق من شاؤوا .
فقال أبو موسى : قد سمعتُ ما قلتَ، ولم ينكر ما قاله من زوال الأمر عن عليّ .
فرجع الأحنف إلى عليّ (علیه السلام) ، فقال له : أخرَج أبو موسى واللّٰه زُبْدَةَ سِقائه في أول
مخَضه، لا أرانا إلا بعثنا رجلاً لا ينكِر خَلْعك. فقال عليّ : اللّٰه غالب على أمره .
قال نصر : وشاع وفشا أمرُ الأحنف وأبي موسى في الناس، فبعث الصَّلَتانُ العبديّ وهو
بالكوفة إلى دُومة الجندل بهذه الأبيات:
لَعَمْرُك لا أُلْفي مَدَى الدَّهِر خالعاً*** عليَّا بقول الأشعريّ ولا عمرِو
فإن يحكما بالحقّ نقبلْه منهما*** وإلاّ أثرناها كراغيةِ البَكْرِ
ولسنا نقولُ الدّهرَ ذاك إليهما*** وفي ذاك لو قلناهُ قاصِمَةُ الظهرِ
ولكن نقول: الأمرُ والنهيُ كله*** إليه، وفي كَفَّيْه عاقبةُ الأمرِ
وما اليوم إلا مثل أمسِ وإنّنا*** لفي وشَلِ الضَّحْضاح(1)أو لجّة البَحْرِ
قال : فلما سمع النّاس قول الصَّلتَان شحَذَهم ذلك على أبي موسى، واستبطأه القومُ وظَنُّوا به الظَّنون، ومكَث الرَّجُلان بدومة الجَنْدل لا يقولان شيئاً. وكان سعد بن أبي وقّاص قد اعتزَل عليَّا ومعاوية، ونزل على ماء لبني سُلَيْم بأرض البادية، يتشوّف الأخبار - وكان رجلاً له بأس ورأي ومكان في قُريش، ولم يكنْ له هوَى في عليّ ولا في معاوية - فأقبل راكبٌ يُوضِع من بعيد(2)، فإذا هو ابنه
عمر، فقال له أبوه: مهيَم (3)
(مهيم).
؟ فقال : التقَى النّاس بصِفّين، فكان بينهم ما قد بلغَك حتى تفانَوْا . ثم حكّموا عبد اللّٰه بن قيس وعمرو بن العاص، وقد حضر ناسٌ من قريش عندهما، وأنت من أصحاب رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)و من أهل الشورى، ومن قال له النبيّ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : «اتَّقُوا دَعْوَته»، ولم تدخل في شيء مما تكره الأمة، فاحضُر دُومَةَ الجنْدَل،
فإنّك صاحبها غداً. فقال: مهلاً يا عمر، إني سمعت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) يقول : «تكون بعدي فِتْنة، خيرُ
الناس فيها التقيّ الخَفِيّ » (1)، وهذا أمر لم أشهد أولَه ، فلا أشهدُ آخرَه، ولو كنتُ غامساً يدي في هذا الأمر لغمستُها مع عليّ بن أبي طالب، وقد رأيتَ أباك كيف وهب حقّه من الشورى، وكَرِه الدّخول في الأمر. فارتحل عمر، وقد استبان له أمرُ أبيه .
قال نصر : وقد كان الأجنادُ أبطأتْ عَلَى معاوية، فبعث إلى رجال من قريش كانوا كرهوا أن يُعينوه في حَرْبه : إنّ الحرب قد وضعت أوزارَها، والتقى هذان الرجلان في دُومةِ الجندل، فاقدَموا عليّ .
فأتاه عبدُ اللّٰه بن الزبير وعبدُ اللّٰه بن عمر بن الخطاب وأبو الجَهْم بن حُذيفة العَدَوِيّ، وعبد
الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزُّهريّ، وعبد اللّٰه بن صفوان الجُمْحِيُّ . وأتاه المغيرة بن شعبة - وكان مقيماً بالطائف لم يشهد الحرب - فقال له : يا مغيرة، ما ترى؟ قال : يا معاوية، لو وسعني
أن أنصرَك لنصرتُك، ولكنْ عَلَيّ أن آتِيَك بأمر الرّجلْين. فرحل حتى أتى دُومةَ الجندل، فدخل
عَلَى أبي موسى كالزائر له، فقال: يا أبا موسى، ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمرَ وكره الدماء؟ قال :
أولئك خيرُ النّاس، خَفّت ظهورُهم من دمائهم، وخَمَصت بطونهم من أموالهم. ثم أتى عمْراً، فقال: يا أبا عبد اللّٰه، ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر، وكَره الدماء؟ قال : أولئك شِرار الناس، لم يعرفوا حَقًّا، ولم يُنكِروا باطلاً. فرجع المغيرةُ إلى معاوية، فقال له : قد ذُقْتُ الرّجُليْن، أمّا عبد اللّٰه بن قيس
فخالعٌ صاحبَه، وجاعُلها لرجل لم يشهد هذا الأمر، وهَوَاه [في] عبد اللّٰه بن عمر، وأما عمرو بن
العاص فهو صاحبك الذي تَعرف، وقد ظَنّ الناس أنه يرومها لنفسه، وأنه لا يرى أنك أحقُّ بهذا
الأمر منه.
قال نصر في حديث عمرو بن شَمِر قال : أقبل أبو موسى على عمرو، فقال: يا عَمْرو، هل لك في أمرِ هو للأمة صلاح، ولصلحاء الناس رضاً؟ نولّي هذا الأمرَ عبد اللّٰه بن عمر بن الخطاب، الذي
لم يدخل في شيء من هذه الفتنة ،ولا هذه الفرقة. قال: و کان عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص و
عبدُاللّٰه بن الزبير قريبْين يسمعان هذا الكلام، فقال عمرو : فأين أنت يا أبا موسى عن معاوية فأبى عليه أبو موسى، [قال : وشهدهم عبد اللّٰه بن هشام، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وأبو
الجهم بن حذيفة العدويّ والمغيرة بن شعبة]، فقال عمرو: الستَ تعلم أنّ عثمان قُتِل مظلوماً ؟ قال: بلى، قال : اشهدوا، ثم قال: فما يمنعُك من معاوية وهو ولي عثمان، وقد قال اللّٰه تعالى: ﴿وَمَن
قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ، سُلْطَٰنَا )(2)؟ ثم إنّ بيتَ معاوية من قريش ما قد علمتَ، فإنْ خَشِيتَ أن يقول الناس : ولِّى معاوية وليستْ له سابقة، فإنّ
لك حجّة، أن تقول : وجدته ولَيَّ عثمان الخليفة المظلوم، والطالبَ بدمه، الحسن السياسة، الحسَنَ التدبير، وهو أخو أم حَبيبة أم المؤمنين، وزوْج النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وقد صحبه، و
هو أحد الصحابة. ثم عرّض له بالسلطان، فقال له : إن هو وَليَ الأمر أكرَمك كرامة لم يكرِمْك
أحدٌ قطّ مثلها، فقال أبو موسى: اتَّقِ اللّٰه يا عمرو ! أمّا ما ذكرت من شرف معاوية، فإنّ هذا الأمر
ليس على الشرف يُوَلاَّه أهله ، لو كان عَلَى الشرف كان أحقَّ الناس بهذا الأمر أبرهة بن الصبّاح،
إنما هو لأهل الدين والفضل، مع أنّي لو كنت أعطيه أفضلَ قريش شرفاً لأعطيتُه عليَّ بن أبي
طالب. وأمّا قولُك: إنّ معاوية وليّ عثمان فولّه هذا الأمر، فإني لم أكن أولّيه إياه لنسبتِه من عثمان، وأدَع المهاجرين الأولين، وأمّا تعريضُك لي بالإمْرة ،والسلطان، فواللّٰه لو خرج لي من سلطانه ما
وليتُه ، وما كنت أرْتَشِي في اللّٰه ، ولكنّك إن شئَت أحيينا سُنّة عمر بن الخطاب.
قال نصر: وحدّثني عمر بن سعد عن أبي جناب أنّ أبا موسى قال غير مَرّة: واللّٰه إن استطعتُ
لأحْيِيَنّ اسم عمر بن الخطاب، قال : فقال عمرو بن العاص : إن كنت إنما تريد أن تبايع ابن عمر لدينه فما يمنعُك من ابني عبد اللّٰه، وأنت تعرفُ فضلَه وصلاحه ! فقال : إنّ ابنَك لَرجُلُ صدق،
ولكنّك قد غمستَه في هذه الفتنة .
قال نصر: وحدّثنا عمر بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، قال: قال أبو موسی لعمرو: يا
عمرو إن شئت ولّيْنا هذا الأمر الطّيب بن الطّيب عبدَ اللّٰه بن عمر، فقال له :عمرو يا أبا موسى، إن هذا الأمرَ لا يصلح له إلا رجل له ضِرْسٌ يأكل ويُطْعِم، وإنّ عبد اللّٰه ليس هناك .
قال نصر : وقد كان في أبي موسى غفلة، فقال ابنُ الزبير لابن عمر : اذْهب إلى عمرو بن العاص ،فارشُه ، فقال ابن عمر: لا واللّٰه لا أرشُو عليها بشيء أبداً ما عشت، ولكنّه قال له : إنّ العربَ قد
أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعتْ بالسيوف، وتطاعَنت بالرماح، فلا تردّهم في فتنة، واتق اللّٰه.
قال نصر: وحدّثنا عمر بن سعد، عن أزهر العبسيّ عن النّضر بن صالح، قال: كنت مع شريح بن
هانيء في غزوة سِجِسْتان، فحدثني أن عليَّا (علیه السلام) أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص، وقال له : قُلْ لعمرو إذا لقيتَه : إنَّ عليَّا يقول لك : إنَّ أفضلَ الخلق عند اللّٰه مَنْ كان العملُ بالحق
أحبّ إليه وإن نقَصه، وإنَّ أبعد الخلق من اللّٰه من كان العملُ بالباطل أحبَّ إليه وإن زاده، واللّٰه يا
عمرو إنّك لتعلم أين موضعُ الحقّ، فلِمَ تتجاهل؟ أبأَنْ أوتيت طمعاً يسيراً صرت للّٰه ولأليائه عدوَّا ! فكانْ واللّٰه ما قد أوتيت قد زال عنك، فلا تكن للخائنين خصيماً ، ولا للظالمين ظهيراً. أما إنّي
أعلم أنَّ يومَك الذي أنت فيه نادم هو يومُ وفاتك، وسوف تتمنّى أنك لم تُظْهِر لي عداوة، ولم
تأخذ على حكم اللّٰه رِشْوة. قال شريح: فأبلغتُه ذلك يوم لقيتُه ، فتمعّر وجهه وقال : متى كنتُ قابلاً مشورة عليّ أو منيباً إلى رأيه، أو معتدَّا بأمره ! فقلت : وما يمنعُك
يا ابنَ النابغة أن تقبلَ من مولاك وسيد المسلمين بعد نبِّيهم مشورتَه ! لقد كان مَنْ هو خير منك
أبو بكر وعمر يستشيرانه ويعملان برأيه : فقال : إن مِثْلِي لا يكلِّم مثلك، فقلت: بأيّ أبويك
ترغَبُ عن كلامي! بأبيك الوَشِيظ(1)أم بأمّك النابغة! فقام من مكانه وقمت .
قال نصر : وروى أبو جناب الكلبيّ أن عمراً وأبا موسى لَمّا التقيا بدُومة الجَنْدل ، أخذ عمرو يقدِّم أبا موسى في الكلام، ويقول : إنك صحِبْتَ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)قبلي، وأنت
أكبر منِّي سِنَّا ، فتكلمْ أنت، ثم أتكلم أنا ، فجعل ذلك سُنّة وعادة بينهما وإنما كان مكراً وخديعة واغترار له أن يقدِّمه، فيبدأ بخلع عليّ ثم يرى رأيه.
وقال ابن ديزيل في «كتاب صفّين»: أعطاه عمرو صَدْر المجلس، وكان لا يتكلم قبله، وأعطاء
التقدّم في الصلاة وفي الطعام، لا يأكل حتى يأكل، وإذا خاطبه فإنّما يخاطبه بأجَلّ الأسماء، و
يقول له: يا صاحبَ رسول اللّٰه، حتى اطمانّ إليه، وظَنّ أنه لا يغشّه .
قال نصر : فلما انمخضَتِ الزُّبدة بينهما ، قال له عَمْرو: أخبرني ما رأيك يا أبا موسى؟ قال : أرى
أن نخلع هذين الرجُليْن، ونجعل الأمر شوری بین المسلمين، يختارون من شاؤوا فقال عمرو:
الرأي واللّٰه ما رأيت. فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فتكلّم أبو موسى، فحمِد اللّٰه وأثنى عليه ، ثم قال : إن رأيي ورأي عمرو قد اتفّق على أمرٍ نرجو أن يُصلح اللّٰه به شأنَ هذه الأمة، فقال عمرو : صدق، ثم قال له : تقدّم يا أبا موسى، فتكلّم، فقام ليتكلّم، فدعاه ابن عباس، فقال له : ويحك !
واللّٰه إنّي لأظنّه خَدَعك ، إن كنتُما قد اتفّقتُما على أمرِ فقدّمه قبلَك ليتكلّم به ثم تكلّمْ أنت بعده ، فإنّه رجل غَدّار ، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرِّضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت به في النّاس
خالفك - وكان أبو موسى رجلاً مُغَفَّلاً - فقال : إيهاً عنك إنا قد اتفقنا !
فتقدم أبو موسى، فحمِد اللّٰه وأثْنى عليه، ثم قال : أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمرِ هذه الأمة، فلم نر شيئاً هو أصلحُ لأمرِها ولا ألمّ لَشَعثها (2)من ألا تتبايَنَ أمورُها، وقد أجمع رأيي ورأيُ صاحبي على خَلْع عليّ ومعاوية، وأن يُستقبلَ هذا الأمر، فيكونَ شورى بينَ المسلمين، يولّون أمورَهم مَنْ أَحبّوا، وإني قد خلعتُ علياً ومعاوية، فاستقبِلوا أموركم، وولُّوا مَنْ رأيتموه لهذا الأمر أهلا . ثم تنحى.
فقام عمرو بن العاص في مقامه : فحمد اللّٰه وأثنى عليه، ثم قال: إنّ هذا قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبَه، وأنا أخلع صاحبَه كما خلعه ،وأثبِتُ صاحبي معاوية في الخلافة، فإنه وليّ ،عثمان والطالب بدمِه، وأحق الناس بمقامه .
فقال له أبو موسى: ما لك لا وفقك اللّٰه قد غدرت وفجرت! إنّما مثلُك (كَمَثَلِ الكَلْبِ إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث)(1). فقال له عمرو : إنما مثلك (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَاراً ) (2)
وحمل شُريح بن هانيء على عمرو فقنّعه بالسوط، وحمل ابن عمرو على شُريح فقنَّعه بالسوط، و
قام الناس فحجزوا بينهما، فكان شُريح يقول بعد ذلك : ما ندمتُ على شيء ندامتي ألا أكون
ضربتُ عمراً بالسيف بدلَ السوط، أتى الدهر بما أتى به !
والتمس أصحابُ عليّ (علیه السلام) أبا موسى فركِب ناقته، ولحِق بمكة. وكان ابن عباس يقول : قَبح اللّٰه أبا موسى! لقد حذّرته وهديتُه إلى الرأي فما عَقَل. وكان أبو موسى يقول : لقد حَذّرني ابنُ عباس غَدْرَة الفاسق، ولكني أطمأننت إليه، وظننت أنّه لا يؤثر شيئاً على نصيحة الأمة.
قال نصر : ورجع عمرٌو إلى منزله من دُومة الجنْدَل، فكتب إلى معاوية :
أَتَتْكَ الخلافةُ مَرْفُوفَةً*** هَنيئاً مريئاً تُقِرّ العُيُونا
تُزَفُّ إليكَ زِفَافَ العروس*** بأهْوَنَ مِنْ طَعْنِكَ الدَّارِعِينَا
وَمَا الأشْعَرِيُّ بِصَلْدِ الزِّنَادِ (3)***ولا خامِل الذِّكْرِ في الأشْعَرِينا
وَلَكِنْ اتیحَتْ لهُ حَيَّةٌ*** يَظَلّ الشُّجَاعُ لَهَا مُسْتَكِيناً
فَقَالُوا وقلتُ وَكُنْتُ أَمْراً*** أُجَهْجِهُ بِالْخَصْمِ حَتَّى يَلينا
فَخُذْهَا ابنَ هِنْدِ عَلَى بُعْدِها ***فَقَدْ دَافَع اللّٰه ما تحذرُونا
وَقَدْ صَرف اللّٰه عَنْ شَامِكُمْ *** عَدُوَّا مبيناً وَحَرْباً زَبُونا (4)
قال نصر: فقام سعد بن قيس الهمْدانيّ ، وقال: واللّٰه لو اجتمعتُما على الهُدَى ما زدتمانا على ما
نحن الآن عليه، وما ضلالُكما بلازم لنا، وما رجعتما إلا بما بَدَأْتما به، وإنّا اليوم لَعلى ما كنا عليه
أمس.
وقام کُردوس بن هانيء مغضباً، فقال:
ألاَ ليت مَنْ يَرْضَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهمْ*** بعمرِو وعبد اللّٰه في لُجَّةِ الْبَحْرِ
رَضِينَا بِحُكْمِ اللّٰه لاَ حُكْمَ غَيْرُهُ*** وباللّٰه رَبا والنبيّ وبالذِّكْرِ
وبالأصْلَعِ الهَادِي عَلِيٌّ إمامِنا*** رَضِينَا بِذَاكَ الشَّيْخ في الْعُسر والْيُسْرِ
رَضِينا بِهِ حَيَّا وَمَيْتاً، وإِنَّهُ*** إمامُ هُدًى في الحكْمِ والنَّهْي والْأَمْرِ
فَمَنْ قَالَ لاَ قُلْنَا بَلَى إن أمرَهُ*** لأفضَلُ ما نُعْطَاهُ في ليلةِ القَدْرِ
وَما لابْنِ هِنْدِ بَيْعَةٌ في رِقابِنَا*** وما بَيْنَنَا غَيْرُ الْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
وضرْبٍ يُزيلُ الهامَ عَنْ مُسْتَقَرِّه*** وَهَيْهَات هَيْهَات الرِّضا آخِر الدَّهْرِ!
ابت لِيَ أشياخُ الأراقم سُبَّة (1)*** السَبُّ بِها حَتَّى أَغَيَّبَ فِي القَبْرِ
وتكلّم يزيد بن أسَدِ القسريّ - وهو مِن قوّاد معاوية - فقال : يأهل العراق، اتقوا اللّٰه، فإنّ أهونَ
ما تردُّنَا وإياكم إليه الحرب ما كنّا عليه بالأمس، وهو الفناء، وقد شَخصتِ الأبصارُ إلى الصّلح، وأشرفَتِ الأنفسُ على الفَناء، وأصبح كلّ امريء يبكي عَلَى قَتيل، ما لكم رضيتم بأوّلِ أمرِ
صاحبكم وكرهتم آخره! إنّه ليس لكم وحدَكم الرّضا .
قال : وقال بعض الأشعریّين لأبي موسى:
أبا مُوسَى خُدِعْتَ وَكُنْتَ شَيْخاً*** قَرِيبَ الْقَعْرِ مَدْهُوشَ الجَنَانِ
رَمَى عمرٌو صَفَاتَكَ يا بنَ قَيْس*** بأمْرِ لا تَنُوءُ به اليَدَانِ
وَقَدْ كُنّا نُجَمْجِمُ عَنْ ظُنونِ (2)
يقين العيان فلا يقال فيه إلا تدبر .اللسان، مادة .(ظنن).
*** فَصَرَّحَتِ الظُّنُون عن العِيانِفَعَضَّ الكفَّ مِنْ نَدَمٍ وَمَاذَا*** يردّ عليك عَضُّكَ بالبَنَانِ!
قال : وَشَمِتَ أهلُ الشام بأهْلِ العراق. وقال كَعْبُ بن جُعَيل شاعرُ معاوية :
كانّ أبا موسى عَشِيَّةَ أَذْرُحٍ*** يطوُف بلقمانَ الحكِيم يُوارِبُهْ
وَلَمّا تلاقَوْا في تُرَاثِ محمَّدٍ ***نَمَتْ بابن هِنْدِ فِي قُرَيْشٍ مَنَاسِبُهْ
سَعَى بابن عَفَّانٍ ليُدْرِكَ ثَأَرَهُ*** وَأَوْلَى عِبادِ اللّٰه بالثَّارِ طَالِبُهْ
وَقَدْ غَشِيْتْنَا فِي الزُّبَيْرِ غَضَاضَةٌ ***وَطَلْحَةُ إِذْ قَامَتْ عَلَيْهِ نَوادِبُهْ
فَرَدَّ ابنُ هِنْدِ مُلْكَهُ فِي نِصَابِهِ*** وَمَنْ غَالَبَ الأَقْدَارَ فاللّٰه غَالِبُهْ
وَمَا لابنِ هِنْدِ من لؤيِّ بن غالبِ*** نظيرٌ وإنْ جَاشَتْ عَلَيْهِ أَقَارِبُهْ
فَهَذَاكَ مُلْكُ الشَّامِ وافٍ سَنَامُهُ*** وَهَذَاكَ مُلْكُ القَوْمِ قَدْ جُبَّ غَارِبُهْ (1)
يُحَاوِلُ عَبْدُ اللّٰه عَمْراً وإنَّهُ*** لَيَضْرِبُ في بَحْرٍ عَرِيضِ مَذَاهِبُهْ
دَحَا دَحْوَةٌ في صَدْرِهِ فَهَوَتْ بِهِ ***إلى أسْفَلِ الجبّ الظنون كَواذِبُهْ
قال نصر : وكان عليّ (علیه السلام) لما خدع عمرو أبا موسى بالكوفة، كان قد دَخَلَها منتظراً ما يحكمُ به الحكَمان، فلما تَمّ على أبي موسى ما تَمّ من الحيلة، غَمّ ذلك عليَّاً وساءه، ووَجَم له، وخطب الناس فقال :
«الحمدُللّٰه إن أتَى الدَّهر بالخَطْب الفَادِح، والحدث الجليل . . . » الخطبة التي ذكرها الرضي
(رحمه اللّٰه تعالى)، وهي التي نحن في شرحها، وزاد في آخرها بعد الاستشهاد ببيت دُريد : «ألا إنّ هذين الرَّجُلين اللَّذَيْن اخترتموهما قد نَبَذا حُكم الكتاب، وأحیَيَا ما أمات، واتَّبَع كلّ واحدٍ
منهما هواه، وحَكم بغير حُجّة ولا بينِّة ولا سُنَّة ماضية، واختلفا فيما حكما، فكلاهما لم يُرْشِد اللّٰه. فاستعدوا للجهاد تأهبوا للمسير، وأصبحوا في معسكركم يوم كذا» .
قال نصر: فكان عليّ (علیه السلام) بعد الحكومة إذا صلى الغَدَاة والمغرب، وفرغ من الصّلاة وسلّم قال: اللهمّ العن معاوية، وعمراً، وأبا موسى، وحبيب بن مسلمة، وعبدَ الرحمن بن خالد،
والضحاكَ بن قيس، والوليد بن عُقْبة، فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا صلّى لعن عليًّا ،وحسناً، وحسيناً، وابنَ عباس، وقيس بن سعد بن عبادة، والأشتر.
وزاد ابن ديزيل في أصحاب معاوية أبا الأعور السُّلَميّ .
وروى ابن ديزيل أيضاً أن أبا مُوسى كتب من مكّة إلى عليّ (علیه السلام) : أمّا بعدْ، فإنّي قد
بلغني أنك تلعنُني في الصَّلاة ويؤمِّن خَلْفَك الجاهلون، وإنّي أقول كما قال موسى(علیه السلام) : (رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ) (2)
وروى ابن ديزيل، عن وَكِيع، عن فضل بن مرزوق، عن عطية ، عن عبد الرحمن بن حَبيب، عن عليّ (علیه السلام) ، أنه قال : «يؤتَى بِي وبمعاوية يوم القيامة، فنجيء ونختصم عند ذي العَرْش، فأينا فَلَج فَلَج أصحابُه».
وروى أيضاً عن عبد الرحمن بن نافع القاريء، عن أبيه، قال : سئِل عليّ (علیه السلام) عن قَتْلى
صفين، فقال: إنّما الحساب عليّ وعلَى معاوية .
وروي أيضاً عن الأعمش، عن موسى بن طريق، عن عَبَاية، قال : سمعت عليَّا (علیه السلام)، وه
يقول : أنا قسِيمُ النار، هذا لي وهذا لك .
وروي أيضاً عن أبي سعيد الخُدْريّ، قال: قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) : «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، دَعْوتهما واحدة، فبينما هم كذلك مَرقَتْ منهم مارقة، يقتلهم
أوْلى الطائفتين بالحقّ »(1).
قال إبراهيم بن ديزيل : وحدّثنا سعيد بن كَثير ،عن عُفَيْر، قال حدثنا ابن لَهِيعة، عن ابن هُبَيرة،
عن حَنَش الصَّنْعاني، قال: جئت إلى أبي سعيد الخُدْريّ، وقد عَمِي، فقلت: أخبرني عن هذه
الخوارج، فقال: تأتوننا فنخبركم، ثم ترفعون ذلك إلى معاوية، فيبعث إلينا بالكلام الشديد! قال:
قلت: أنا حنش، فقال : مرحباً بك يا حنش المصريّ، سمعت رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، يقول: «يخرج ناس يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقِيَهم، يمرُقُون من الدِّين كما يمرُق السهم من الرميّة، ينظر أحدكم في نصله، فلا يرى شيئاً، فينظر في قُذَذه فلا يرى شيئاً، سبق الفرثَ ،و
الدم ، يَصْلَي بقتالهم أوْلى الطائفتين باللّٰه» ، فقال حنش : فإن عليَّا صَلِيَ بقتالهم، فقال أبو سعيد: وما يمنع عليَّا أن يكون أولى الطائفتين باللّٰه ! (2)
وذكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباريّ في أماليه، قال : قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: حضرتُ الحُكُومة ، فلمّا كان يوم الفَصْل جاء عبد اللّٰه بن عباس، فقعد إلى جانب أبي موسى وقد نشر أُذُنَيْه، حتى كاد أن ينطق بهما، فعلمتُ أن الأمر لا يتمّ لنا ما دام هناك، وأنه سيفسد على عمرو حيلته، فأعملت المكِيدة في أمره، فجئت حتى قعدت عنده، وقد شرع عمرو و أبو موسى في الكلام، فكلّمت ابَن عباس كلمة استطعمتُه جوابها فلم يجب، فكلّمته أخرى فلم يُجب،
فكلمته ثالثة، فقال : إني لفي شغل عن حِوارك الآن، فجبهته، وقلت: يا بَني هاشم، لا تتركون
بأوكم (3)وكِبْركم أبداً! أما واللّٰه لولا مكانُ النبوّة لكان لي ولك شأن. قال: فحمي وغضب، واضطرب فِكْرَه ورأيُه، وأسمعني كلاماً يسوء سماعه، فأعرضْتُ عنه، وقمت
فقعدتُ إلى جانب عَمْرو بن العاص، فقلت : قد كفيتك التِّقوالة، إني قد شغلت باله بما دار بيني وبينه ، فأحْكم أنت أمرك . قال : فذُهِل واللّٰه ابن عباس عن الكلام الدائر بين الرَّجُلين، حتى قام أبو موسى، فخلع عليَّا .
وروى الزبير بن بكار في «الموفقيّات» (1)، ورواه جميع الناس ممن عُنِي بنقل
الآثار والسِّيَر، عن الحسن البصريّ [قال]: أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه إلا واحدة منهنْ لكانت مُوبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسّفهاء حتى ابتزّها أمرَها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنَه يزيد، سِكِّيراً خِمِّيراً، يلبس الحرير ويَضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : «الولد للفِراش، وللعاهر الحَجَر»(2)
باب: الولد للفراش وتوقي الشبهات (1457).
وقتله حُجْر بن عديّ ،وأصحابه، فياويله من حُجْر وأصحاب حُجْر!
وروى في «الموفقيات» أيضاً الخبر الذي رواه المدائني، وقد ذكرناه آنفاً من كلام ابن عباس
لأبي موسى، وقوله : إن الناس لم يرتضوك لفضل عندك لم تشارَك فيه... وذكر في آخره:
فقال بعض شعراء قريش:
وَاللّٰه مَا كَلّم الأقوامَ مِنْ بَشَرٍ*** بَعْدَ الْوَصِيَّ علي كابنِ عَبَّاسِ
أوْصَى ابنَ قَيْسٍ بأمْرِ فيه عصمتُه*** لو كان فيها أبو موسى مِنَ النَّاسِ
إني أخاف عليه مكرَ صاحِبِه*** أَرْجُو رَجَاء مَخُوفِ شِيبَ بِالْيَاسِ
وذكر الزّبير أيضاً في «الموفِّقيات» أن يزيد بن حُجَيّة التيميّ ، شهد الجمل وصِفّين ونَهْروان مع عليّ (علیه السلام)، ثم ولاَّه الرَّيَّ ودَسْتَبَى، فسرَق من أموالهما، ولَحِق بمعاوية، وهجا عليَّا و
أصحابَه، ومدح معاوية وأصحابه، فدعا عليه عليّ (علیه السلام)، ورفع أصحابُه أيديَهم فأمَّنوا،
وكتب إليه رجل من بني عمه كتاباً يقبّح إليه ما صنع، وكان الكِتَاب شعراً، فكتب يزيد بن حُجَيّة
إليه : لو كنتُ أقول شعراً لأجبتُك، ولكن قد كان منكم خلال ثلاث، لا تروْن معهنّ شيئاً مما
تحبّون، أما الأولى فإنّكم سرتم إلى أهل الشام، حتى إذا دخلتم بلادهم، وطعنتموهم بالرماح،
وأذقتموهم ألم الجِراح، رفَعوا المصاحفَ فسخِرُوا منكم، وردّوكم عنهم، فواللّٰه وواللّٰه لا دخلتُموها بمثل تلك الشوكة والشّدة أبداً. والثانية أنّ القوم بعثوا حَكَماً، وبعثتم حكماً ، فأمّا حكمُهم ،
فأثبتَهم ، وأما حكمُكم فخلعكم، ورجع صاحبُهم يُدْعَى أميرَ المؤمنين، ورجعتم متضاغنين. و
الثالثة أن قرّاءكم وفقهاءكم وفُرسانكم خالفوكم، فعدوْتم عليهم، فقتلتموهم. ثم كتب في آخر
الكتاب بيتين لعفّان بن شُرَحبيل التميميّ :
أحببتُ أهلَ الشام مِنْ بَيْنَ المَلاَ*** وبكيتُ مِنْ أسفٍ عَلَى عُثمانِ
أرضاً مُقدّسة وقوماً منهمُ*** أهل اليقين وتابعوا الفُرْقَانِ
وذكر أبو أحمد العسكريّ في كتاب «الأمالي» أن سعدَ بن أبي وقّاص دخل على معاوية عام
الجماعة، فلم يسلِّم عليه بإمْرَةِ المؤمنين، فقال له معاوية : لو شئت أن تقولَ في سلامك غير هذا لقلت، فقال سعد: نحن المؤمنين ولم نؤمِّرك، كأنك قد بهجْت بما أنت فيه يا معاوية! واللّٰه ما
يسرّني ما أنت فيه وأنّي هَرَقْت المِحْجمة دم. قال : ولكنّي وابن عمّك علياً يا أبا إسحاق قد هَرَقْنا أكثر من محجمة ،ومحجمتين، هلمّ فاجلس مَعِي على السرير، فجلس معه، فذكر له معاوية
اعتزالَه الحرب، يعاتبه، فقال سعد: إنّما كان مثلي ومثلُ الناس كقوم أصابتهم ظُلْمة، فقال واحد
منهم لبعيره إخْ، فأناخ حتى أضاء له الطريق فقال معاوية : واللّٰه يا أبا إسحاق، ما في کتاب اللّٰه
«إخْ» وإنما فيه : ﴿وَإِن طَائفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَئٰهُمَا عَلَى
الأُخْرَىٰ فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلا أَمْرِ اللّٰه)(1)فواللّٰه ما قاتلتَ الباغية ولا المبغيّ عليها .
فأفحمه. وزاد ابن ديزيل في هذا الخبر زيادة ذكرها في «كتاب صفين»، قال: سعد: أتأمرني أنْ
أقاتِل رجلاً قال له رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى
إلا أنه لا نبيّ بعدي» (2)فقال معاوية :
مَنْ سمع هذا معك ؟ قال : فلان وفلان وأمّ سلمة، فقال معاوية : لو كنتُ سمعتُ هذا لما قاتلته .
الأصل: فَأَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْنَاءِ هَذَا النَّهْرِ ، وَبِامْضَامِ هَذَا الْغَائِطِ، عَلَى غَيْرِ بينة
مِنْ رَبِّكُمْ، وَلاَ سُلْطَانٍ مُبِينٍ مَعَكُمْ ، قَدْ طَوَّحتْ بِكُمُ الدَّارُ ، وَأحْتَبَلَكُمُ المِقْدَارُ .
وَقَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْحُكُومَةِ، فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إباءَ المُخَالِفِينَ المُنابِذِينَ، حَتَّى صَرَفْتُ
رَأْيِي إلى هَوَاكُمْ. وَأَنْتمْ مَعاشِرُ أَخِفَّارُ الهامِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، وَلَمْ آتِ - لا أَبَا لَكُمْ - يُجْراً، وَلاَ
أَرَدْتُ بِكمْ ضُرًا.
الشرح: الأهضام: جمع هَضم، وهو المطمئنّ من الوادي. والغائط : ما سَفَل من الأرض.
واحْتَبَلَكم المقدار : أوقعكم في الحِبَالة.
والبُجْر: الداهية والأمر العظيم. ويروى : «هُجْراً»، وهو المستقبَح من القول. ويروى «عُرَّا»،
والعُرّ : قروح في مشافر الإبل، ويستعار للداهية.
قد تظافرت الأخبار حتى بلغت حدّ التواتر بما وعد اللّٰه تعالى قاتِلِي الخوارج من الثوابِ،على
لسان رسوله (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم). وفي الصِّحاح المتّفق عليها أنّ رسول اللّٰه(صلی اللّٰه
علیه و آله و سلم) بينا هو يَقْسِم قَسْماً جاء رجل من بني تميم، يُدْعَى ذا الخُوَيْصِرة، فقال: اعدِلْ يا محمد، فقال (علیه السلام): «قد عَدَلْتُ»، فقال له ثانية : اعدل يا محمد، فإنك لم تعدِل، فقال (علیه السلام). «وَيْلَك! ومَنْ يَعْدِل إِذا لم أعدل!»، فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسولَ اللّٰه ،
ائذن لي أضربْ عُنُقَه، فقال: «دَعْه ، فسيخرج من ضِئْضيءِ (1)هذا قوم يَمْرُقُون من الدّين كما يَمْرُق السهم من الرمِيّة، ينظر أحدُكُم إلى نَصْلِه فلا يجدُ شيئاً، فينظر إلى نَضِيّه فلا يجد شيئاً، ثم ينظر إلى القُذَذ فكذلك، سَبَقَ الفَرْثَ والدم، يخرجون على حين فُرْقة من النّاس، تُحْتَقَرُ صلاتُكُم في جَنْب صلاتهم، وصومُكم عند صومهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقِيَهم آيتهم رجلٌ أسود - أو قال : أدْعَج (2)- مُخْدَج الید (3)،
إحدى يديه كأنه ثديُ امرأة، أو بَضْعَةٌ (4)تَدَرْدر(5)
وفي بعض الصِّحاح أن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)قال لأبي بَكْر، وقد غاب الرجُل
عن عَيْنِه : قم إلى هذا فاقتلْه، فقام ثم عاد وقال : وجدتُه يصلِّي، فقال لعمر مثلَ ذلك، فعاد وقال : وجدتُه يصلّي، فقال لعليّ (علیه السلام) مثل ذلك، فعاد فقال : لم أجده، فقال رسول اللّٰه(صلی
اللّٰه علیه و آله و سلم) : «لو قُتِل هذا لكان أوّلَ فتنة وآخرها ، أما إنه سيخرج من ضِئْضيء هذا
قوم . . . » الحديث (6)
وفي بعض الصِّحاح : «يقتلهم أولى الفريقين بالحق»(1)وفي مسند أحمد بن حنبل، عن مسروق، قال : قالت لي عائشة : إنّك من ولدي ومنْ أحبِّهم إليَّ ، فهل عندك علم من المخدَج؟ فقلت: نعم ،قتله عليّ بن أبي طالب على نَهْر يقال لأعلاه تامَرّاً ولأسفله النّهروان، بين لخَاقيق وطَرْفاء، قالت: ابغِنِي على ذلك بيّنة، فأقمت رجالاً شهدوا عندها بذلك، قال: فقلت لها:سألتُك بصاحب القبْر، ما الذي سمعتِ من رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و
آله و سلم)فيهم؟ فقالت : نعم سَمِعْتُه ، يقول : «إنّهم شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خیر الخلْق و
الخليقة، وأقربُهم عند اللّٰه وسيلة» (2)
وفي «كتاب صفّين» للواقديّ عن عليّ (علیه السلام) : لولا أن تبطَرُوا فتدَعُوا العمل، لحدّثتُكم
بما سبقَ على لسان رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)لمن قتل هؤلاء .
وفيه : قال عليّ (علیه السلام) : إذا حدثتكم عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) فَلَآن
أخر من السماء أحبُّ إليّ من أن أكذِب على رسول اللّٰه (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإذا
حدّثتُكم فيما بيننا عن نفسي، فإنّ الحرب خُدْعة، وإنما أنا رجل محارب، سمعت رسول اللّٰه
(صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) يقول : «يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، قولُهم من خير أقوال أهل البرية، صلاتُهم أكثر من صلاتكم، وقراءتهم أكثر من قراءتكم، لا
يجاوز إيمانُهم تراقيَهم - أو قال : حناجرهم - يمرُقون من الدين كما يمرُق السهمُ من الرمِيّة،
فاقتلوهم، فإنّ قتلَهم أجر لمن قتلَهم يوم القيامة» (3).
وفي «كتاب صفين» أيضاً للمدائنيّ عن مسروق، أنّ عائشة قالت له لما عرفت أنّ علياً (علیه
السلام) قتل ذا الثُّدَيّة: لعن اللّٰه عمرو بن العاص! فإنه كتب إليّ يخبرني أنه قتله بالإسكندرية، ألا
إنه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، يقول : يقتله خير أمتي من بعدي» (4).
وذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في «التاريخ» أن عليَّا (علیه السلام) لما دخل الكوفة
دخلها معه كثيرٌ من الخوارج، وتخلّف منهم بالنُّخَيْلة وغيرها خَلْق كثير لم يدخلوها، فدخل
حَرْقوص بن زُهَيْر السَّعْدي، وزُرْعة بن البُرْج الطائيّ - وهما من رؤوس الخوارج - على عليّ
(علیه السلام)، فقال له حُرْقوص : تُبْ من خطيئتك ، واخْرُج بنا إلى معاوية نجاهده، فقال له عليّ(علیه السلام) : إني كنت نهيتكم عن الحكومة فأبيتم، ثم الآن تجعلونها ذَنْباً ! أما إنّها ليست
بمعصية، ولكنّها عَجْز جز من الرأي، وضَعف في التدبير، وقد نهيتُكم عنه ، فقال زُرْعة : أما واللّٰه لئِن لم تَتُبْ من تحكيمك الرجال لأقتلنّك أطلُبُ بذلك وجه اللّٰه ورضوانه، فقال عليّ (علیه السلام) : بؤساً لك ما أشقاك ! كأنّي بك قتيلاً تَسْفِي عليك الرياح ! قال زُرْعة : وَدِدْت أنه كان ذلك .
قال : وخرج عليّ (علیه السلام) يخطُب النّاسَ فصاحوا به من جَوانب المسجد : لا حُكْم إلا
اللّٰه ، وصاح به رَجُلٌ [منهم واضع إصبعه في أذنيه، فقال]: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إليكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكَ لَئنْ أشركت لَيَحْبطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَٰسِرِينَ) (1)، فقال له عليّ (علیه السلام) ،
فقال له عليّ (علیه السلام) : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَحْفَتَكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ)(2)(3)
وروى ابن ديزيل في كتاب «صفين» قال : كانت الخوارج في أوّل ما انصرفت عن رايات
عليّ (علیه السلام) تُهدِّد الناس قتلاً ، قال فأتت طائفةٌ منهم على النّهر إلى جانب قَرية، فخرج
منها رجل مذعوراً آخذاً بثيابه، فأدركوه فقالوا له : رَعَبْنَاك؟ قال : أجل، فقالوا له : قد عرَفْناك، أنت عبد اللّٰه بن خَبّاب، صاحب رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، قال: نعم، قالوا فما سمعت
من أبيك يحدّث عن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)؟
قال ابن ديزيل: فحدّثهم أنّ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) قال : «إنّ فتنةً جائية، القاعدُ فيها خير من القائم . . .» (4)الحديث.
وقال غيره : بل حدّثهم: «إنّ طائفة تمرُق من الدين كما يمرُق السِّهْم من الرمِيّة، يقرؤون القرآن، صلاتهم أكثر من صلاتكم ...» (5)الحديث فضربوا رأسَه، فسال دمُه في النهر، ما امذقر، (أي ما اختلط بالماء) ، كأنّه شِرَاك، ثم دَعَوْا بجارية له حُبْلى فبَقرُوا عمّا في بطنها .
وروى ابن ديزيل، قال : عَزَم عليّ (علیه السلام)على الخروج من الكُوفة إلى الحَرْورية، وكان في أصحابه منجِّم فقال له: يا أمير المؤمنين، لا تَسِر في هذه الساعة، وسِرْ على ثلاث ساعات مضيْن من النهار، فإنّك إنْ سرت في هذه الساعة أصابك وأصحابَك أذّى وضُرُّ شديد، وإن
سِرْتَ في الساعة التي أمرتُك بها ظَفِرت وظهرت، وأصبْت ما طلبْتَ. فقال له عليّ (علیه السلام) : أتدرِي ما في بَطْن فَرسي هذه، أذكر هو أم أثنى؟ قال : إن حسَبتُ عَلِمْت، فقال عليّ (علیه
السلام) : مَنْ صدّقك بهذا فقد كذّب بالقرآن، قال اللّٰه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ
الْغَيْثَ و يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ أَ) (1)، ثم قال (علیه السلام):
إن محمداً (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ما كان يدّعي علم ما ادّعيت علمه، أتزعُم أنك تَهْدِي
إلى الساعة التي يصيب النفعَ مَنْ سار فيها، وتصرِفُ عن الساعة التي يَحيق السوء بمن سار فيها ! فَمَنْ صدّقك بهذا فقد استغنَى عن الاستعانة باللّٰه جَلّ ذكره في صَرْف المكروه عنه . وينبغي
للموقِن بأمْرِك أن يوليَك الحمد دونَ اللّٰه جلّ جلاله، لأنّك بزعمك هَدَيْته إلى الساعة التي يُصِيب
النفعَ مَنْ سار فيها، وصرفتَه عن الساعة التي يَحِيق السوء بمَنْ سار فيها، فمن آمن بك في هذا لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون اللّٰه ضِدَّا ونِدّا . اللهم لا طيرَ إلا طيرُك، ولا ضُرّ إلا ضُرّك، ولا إلٰه غيرك. ثم قال : نخالف ونسيرُ في الساعة التي نهيتَنا عنها ، ثم أقبل على الناس، فقال:
أيها النَّاسُ، إياكم والتعلّم للنّجوم إلا ما يُهْتَدى به في ظُلُمات البر والبحر، إنما المنجّم كالكاهن، والكاهن كالكافر، والكافر في النار. أما واللّٰه لئن بَلَغني أنّك تعمل بالنّجوم لأخلدنّك السجنَ أبداً ما بقيِتُ، ولأحرِمنّك العطاءَ ما كان لي من سلطان.
ثم سار في الساعة التي نهاهُ عنها المنجِّم، فظفِرَ بأهل النّهر وظهر عليهم، ثم قال : لو سرنا في
الساعة التي أمرَنا بها المنجّم لقال الناس : سار في الساعة التي أمرَ بها المنجّم فظفِر وظهر، أما إنه ما كان لمحمد (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) منجّم، ولا لنا من بعده، حتى فتح اللّٰه علينا بلاد
كِسْرَى وقَيْصر .
أيها الناس، توكَّلوا على اللّٰه وثِقُوا به، فإنه يكفي ممّن سواه.
قال : فروی مسلم الضّبي عن حَبّة العُرَنِيّ ، قال: لما انتهينا إليهم رمَوْنا ، فقلنا لعليّ (علیه السلام) : يا أمير المؤمنين قد رمَوْنا ، فقال لنا: كُفّوا ، ثم رمْونا ، فقال لنا (علیه السلام): كُفّوا، ثم الثالثة، فقال: الآن طابَ القتالُ، احملوا عليهم.
وروي أيضاً عن قَيْس بن سعد بن عبادة أنّ علياً (علیه السلام)لما انتهى إليهم، قال لهم : أقيدونا
بدم عبد اللّٰه بن خَبّاب، فقالوا : كُلُّنا قتله، فقال: احملوا عليهم.
وذكر أبو هلال العسكريّ في كتابُ الأوائل» أنّ أول من قال: «لا حكم إلا للّٰه»، عُرْوة بن حُدَير، قالها بصِفّين، وقيل: زيد بن عاصم المحارِبيّ . قال : وكان أميرُهم أوّلَ ما اعتزلوا ابنَ الكَوّاء، ثم
بايعوا لعبد اللّٰه بن وهب الراسبيّ - وكان أحد الخطباء - فقال لهم عند بيعتهم إياه :
1) سورة لقمان، الآية: 34 .
إيّاكم والرأيَ الفَطير (1)، والكلام
القَضِيب (2)، دعوا الرأي يَغِبُّ ، فإن غُبُوبه يكشف للمرء عن قُضَته (3)، وازدحام الجواب مَضِلَّة للصواب، وليس الرأي بالارتجال، ولا الحزم بالاقتضاب، فلا تدعونكم السلامة من خطأ موبِق، وغنيمة نلتموها من غير صواب إلى معاودته والتماس الربح من جهته. إنّ الرأي ليس بنهْنِهيّ (4)، ولا هو ما أعطتك البديهة، وإنّ خَمِيرَ الرأي خيرٌ من فطيره،
ورب شيء غابُّه خيرٌ من طَرِيئه، وتأخيرُه خير من تقديمه .
وذكر المدائنيّ في كتاب «الخوارج» قال : لما خرج عليُّ (علیه السلام) إلى أهل النهر أقبلَ رجل من أصحابِه ممن كان على مقدّمته يركُض، حتى انتهى إلى عليّ (علیه السلام) ، فقال : البشرى يا أميرَ المؤمنين! قال : ما بُشراك؟ قال: إنّ القوم عَبروا النهر لَمّا بلغهم وصولُك، فأبْشِر، فقد
منحك اللّٰه أكتافَهم، فقال له : اللّٰه أنت رأيتَهم قد عبروا ! قال: نعم، فأحلفه ثلاث مرات، في كلّها يقول : نعم، فقال علي(علیه السلام) : واللّٰه ما عَبَرَوه ولن يعبرُوه، وإن مصارعهم لَدُون النطفة، و
الذي فَلَق الحبّة، وبرأ النسمة، أقبل فارس آخر يركُض، فقال كقول الأول، فلم يكترث عليّ (علیه
السلام) بقوله، وجاءت الفرسان تركض، كلّها تقول مثل ذلك، فقام عليّ (علیه السلام) فجالَ في متن فَرَسه .
قال : فيقول شابّ من الناس : واللّٰه لأكونَن قريباً منه، فإن كانوا عبروا النهر لأجعلنّ سنانَ هذا
الرمح في عينه، أيدّعي علم الغيب فلما انتهى(علیه السلام) إلى النهر وجد القوم قد كَسَروا جفونَ سيوفهم، وعرقَبُوا خيلهم، وجَثَوْا على رُكَبهم، وحكّموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له زَجل فنزل ذلك الشابّ فقال : يا أمير المؤمنين، إني كنت شككك فيك آنفاً ، وإن تائب إلى اللّٰه وإليك،
فاغفر لي، فقال عليّ (علیه السلام) : إني اللّٰه هو الذي يغفر الذنوب، فاستغفره .
وذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في «الكامل»(5)قال : لما واقفهم عليّ (علیه السلام) بالنّهروان، قال: لا تبدؤوهم بقتال حتى يبدؤوكم، فحمل منهم رجل على صفّ عليّ (علیه السلام) ، فقتل منهم ثلاثة، ثم قال :
أقْتُلْهُمُ وَلاَ أرَى عَلِيّا*** ولو بدا أو جرتُه الخَطِّيَّا
1) الفطير: كل ما أعجل عن إدراكه. القاموس مادة (فطر).
2) اقتضاب الكلام: ارتجاله. اللسان، مادة (قضب).
3) عن قُضَته : عن عيبه . القاموس مادة (قضض).
4) النهنهة : الكف ، تقول : نهنهت فلاناً إذا زَجَرته فتنهنه أي كففته فكف، اللسان، مادة (نهنه).
5) «الكامل في اللغة» لأبي العباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد النحوي، لمتوفى سنة ( 285ه-). «كشف الظنون» (1382/2).
فخرج إليه عليّ (علیه السلام) فضربه، فقتله، فلما خالطه سیفُه ،قال يا حَبَذّا الرَّوْحة إلى الجنة !
فقال عبد اللّٰه بن وهب: واللّٰه ما أدري إلى الجنة أم إلى النار! فقال رجل منهم من بني سَعْد: إنما حضرتُ اغتراراً بهذا الرجل - يعني عبد اللّٰه - وأراه قد شكّ واعتزل عن الحرب بجماعة من
الناس، ومال ألفٌ منهم إلى جهة أبي أيوّب الأنصاري، وكان على ميمنة عليّ (علیه السلام) ،
فقال عليّ (علیه السلام)لأصحابه : احمِلوا عليهم، فواللّٰه لا يُقتل منكم عشرة، ولا يسلم منهم
عشرة. فحمل عليهم فطحنهم طحْناً ، قُتِل من أصحابه(علیه السلام) تسعة ،وأفلت من الخوارج
ثمانية .
وذكر أبو العبّاس - وذكر غيره أيضاً - أن أميرَ المؤمنين(علیه السلام)لما وجّه إليهم عبد اللّٰه بن
عباس ليناظرَهم قال لهم : ما الذي نَقَمتم على أميرِ المؤمنين ؟ قالوا له : قد كان للمؤمنين أميراً،
فلما حكّم في دين اللّٰه خَرَج من الإيمان، فليتُبْ بعد إقراره بالكفر نَعُد إليه، قال ابن عباس: ما
ينبغي لمؤمن لم يشُبْ إيمانَه بشكٍّ أنْ يُقِرَّ على نفسه بالكفر، قالوا : إنّه حكم، قال: إنّ اللّٰه أمر ؟
بالتّحكيم في قتل صَيْد ، فقال : (يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (1)، فكيف في إمامةِ قد أشكلتْ على المسلمين! فقالوا : إنّه حُكِم عليه فلم يَرضَ، فقال إنّ الحكومة كالإمام، ومتى فَسق الإمام
وَجَبت معصيتُه، وكذلك الحَكَمان لَمّا خالفا نُبذتْ أقاويلهما ، قال بعضهم لبعض: اجعلوا
احتجاج قريش حُجّة عليهم، فإنّ هذا من الذين قال اللّٰه فيهم : (بَلْ هُرْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) (2)، وقال جلّ ثناؤه: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّداً )(3).
قال أبو العباس : ويقالُ : إنّ أولَ مَنْ حكم عروة بن أُدَية - واديّة جدة له جاهلية - وهو عروة بن حُدَيْر، أحد بني ربيعة بن حنظلة. وقال قوم: أولُ من حكّم رجل من بني محارب بن خَصَفَة بن قَيْس بن عَيْلان، يقال له سعيد. ولم يختلفوا في اجتماعهم على عبد اللّٰه بن وهب الراسبيّ ، وأنه
امتنع عليهم، وأوما إلى غيره فلم يقنعوا إلاّ به، فكان إمام القوم، وكان يُوصف برأي . فأما أولُ
سيف سُلّ من سيوف الخوارج فسيف عُروة بن أُدَيّة، وذاك أنه أقبل على الأشعث، فقال له: ما
هذه الدنيّة يا أشعث ؟ وما هذا التحكيم؟ أشرطُ أوثقُ من شَرط اللّٰه عزّوجلّ! ثم شَهَر عليه السيفَ، والأشعتُ مولِّ، فضرب به عَجُز بغلته .
قال أبو العباس : وعروة بن حُدَيْر هذا من النفر الذين نَجَوْا من حرب النَّهْروان، فلم يزل باقياً مدةً من أيام معاوية ، ثم أُتِيَ به زياد ومعه مولى له ،فسأله عن أبي بكر وعمر فقال: خيراً، فقال له : فما تقولُ في أمير المؤمنين عثمان وفي أبي تراب؟ فتولْى عثمانَ ست سنين من خلافته
ثم شهد عليه بالكفر ، وفعل في أمر عليّ (علیه السلام) مثلَ ذلك إلى أن حكّم ثم شهد عليه
بالكُفر ، ثم عن معاوية فسبّه سبّاً قبيحاً ، ثم سأله عن نفسه، فقال له : أوّلك لِزِنْية وآخِرَكَ لِدَعوة، و
أنت بعدُ عاصٍ لربّک. فأمر به فضُربت عنقه، ثم دعا مولاه فقال له : صف لي أمورَه، قال:
ا أطنِب أم أختصر؟ قال : بل اختصر،قال: ما أتيتُه بطعام بنهار قطّ ولا فرشت له فراشاً بليل قطّ !
قال أبو العباس: وسبب تسميتهم الحَرورية أنّ علياً (علیه السلام)لما ناظرَهم بعد مناظرة ابن عباس إياهم، كان فيما قال لهم: ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفَعُوا المصاحف قلت لكم : إنّ هذه
مكيدةٌ ووَهْن، وأنهم لو قصدوا إلى حُكْم المصاحف لأتوني، وسألوني التحكيم ! أفتعلمون أنّ
أحداً كان أكرهَ للتحكيم مني ؟ قالوا : صدقت ، قال : فهل تعلمون أنّكُم استكرهتموني على
ذلك حتى أجبتكم إليه، فاشترطت أنّ حُكْمَهما نافذ ما حكَما بحكم اللّٰه، فمتى خالفاه، فأنا وأنتم من ذلك برآء، وأنتم تعلمون أنّ حُكْم اللّٰه لا يعدُوني؟ قالوا : اللهم نعم ، قال : وكان معهم في
ذلك الوقت ابن الكَوّاء، قال : وهذا من قَبْل أن يذبحوا عَبْد اللّٰه بن خَبّاب، وإنما ذبحوه في الفُرْقة الثانية بكسْكر (1)، فقالوا له : حكمت في دين اللّٰه برأينا ونحن مقرون بأنا كنا كَفَرْنا، ولكنا الآن
تائبون فأقِرَّ بمثل ما أقررنا به، وتُبْ ننهضْ معك إلى الشام، فقال : أما تعلمون أن اللّٰه تعالى قد أمر بالتحكيم في شِقاق بين الرجل وامرأته، فقال سبحانه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أهْلِهآ)(2)، وفي صيد أصيب كأرنب يساوي نصف درهم فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ ) (3)! فقالوا له : فإنّ عَمْراً لما أبى عليك أن تقول من كتابك: «هذا ما كتبه عبد اللّٰه عليّ أميرالمؤمنين» محوت اسمَك من الخلافة، وكتبت: «عليّ بن أبي طالب»، فقد خلْعت نفسك، فقال : لي في رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)أسوةٌ حين أبَى عليه سُهَيل بن عمرو أن يكتب : «هذا كتاب كتبه محمد رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و
آله و سلم) وسُهيل بن عمرو»، وقال له : لو أقررتُ بأنّك رسولُ اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ما خالفتُك، ولكّني أقدّمك لفضلك، فاكتب «محمد بن عبد اللّٰه»، فقال لي: يا عليّ ، امحُ «رسول اللّٰه»، فقلت: يا رسول اللّٰه ، لا تشجّعُني نفسي على محو اسمك من النبوة، قال: فقضى عليه، فمحاه بيده، ثم قال: «اكتب محمد بن عبد اللّٰه»، ثم تبسم إليّ وقال: يا عليّ، أما إنّك ستسام مثلها فتعطي (4)، فرجع معه منهم ألفان من حَرُوراء وقد كانوا تجمّعوا بها، فقال لهم عليّ : ما نسمّيكم؟ ثم قال : أنتم الحَرُورية، لاجتماعكم بَحرُوراء .
وروى جميعُ أهل السِّير كافة أنّ علياً (علیه السلام) لما طَحن القوم طلب ذا الثَّدَيةَ طلباً شديداً ،
وقلَب القتلَى ظَهْراً لبطن، فلم يقدر عليه ، فساءه ذلك، وجعل يقول : واللّٰه ما كَذَبت ولا كُذِبْت
اطلبوا الرجل، وإنه لفي القوم، فلم يزل يتطلّبه حتى وجده، وهو رجل مُخْدَجُ اليد، كأنها ثديٌ في صدره.
وروى إبراهيم بن ديزيل في كتاب «صفين» عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: لما شَجَرهم عليّ (علیه السلام) بالرّماح، قال : اطلبوا ذا الثُّدَيّة، وطلبوه طلباً شديداً، حتى وجدوه في وَهْدَةِ (1)من الأرض تحت ناس من القتلى، فأتِيَ به، وإذا رَجَلٌ على ثَدْيه مثل سَبَلات السّنّور (2)، فكبّر عليّ (علیه السلام) ، وكَبّر الناس معه سروراً بذلك.
وروى أيضاً عن مسلم الضّبيّ عن حَبّة العُرَنيّ ، قال: كان رجلاً أسود مُنْتِن الريح، له ثدي كثدْي
المرأة، إذا مُدّت كانتْ بطول اليد الأخرى، وإذا تركت اجتمعت وتقلّصَتْ، وصارت كثدي
المرأة، عليه شعرات مثل شواربِ الهرّة، فلما وجدوه قطعوا يده، ونصبوها على رفح. ثم جعل
عليّ (علیه السلام) يُنادِي : صدق اللّٰه وبلّغ رسوله، لم يزل يقول ذلك هو وأصحابه بعد العصر إلى أن غَرَبت الشمس أو كادت
وروی ابن دِيزيل أيضاً ، قال : لما عِيلَ (3)صبر عليّ (علیه السلام) في طلب المخدَج، قال :
ائتوني ببغلة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ، فركبها واتبعه الناس، فرأى القتلَى ويقول :
اقلِبوا، فيَقلِبون قتيلاً عن قتيل، حتى استخرجوه ، فسجد عليّ (علیه السلام).
وروى كثير من الناس أنّه لما دعا بالبغلة ليركَبها، قال: ائتوني بها فإنها هادية، فوقفتْ به على
المخدَج، فأخرجه من تحت قتلى كثيرين.
وروى العوّام بن حَوْشب عن أبيه، عن جدّه يزيد بن رُوَيم، قال : قال عليّ (علیه السلام) : يُقتَلُ
اليوم أربعة آلاف من الخوارج، أحدهم ذو الثُّديّة، فلما طُحِن القومُ ورام استخراج ذي الثُّدَيّة
فأتبعه، أمرني أن أقطع له أربعة آلاف قَصَبة، وركب بغلة رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وقال : اطرح على كلّ قتيل منهم قَصَبة، فلم أزل كذلك وأنا بين يديْه، وهو راكب خَلفي، والناس يتبعونه حتى بَقِيَت في يدي واحدة، فنظرت إليه وإذا وجهه أربَد ، وإذا هو يقول : واللّٰه ما كَذَبت ولا كُذِبت، فإذا خريرُ ماء عند موضع دالية، فقال : فَتّش هذا ففتشته، فإذا قتيل قد صار في الماء، وإذا
رجلُه في يدي، فجذبتها، وقلت: هذه رِجْلُ إنسان، فنزل عن البغلة مسرعاً، فجذب الرِّجْلَ
الأخرى، وجررناه حتى صار عَلَى التراب، فإذا هو المخدَج، فكبّر عليّ (علیه السلام) بأعلى
صوته، ثم سجد، فكبّر الناس كلهم.
وقد روى كثير من المحدّثين أن النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) قال لأصحابه يوماً : «إنَّ
منكم مَنْ يقاتل عَلَى تأويل القرآن، كما قاتلت عَلَى تنزيله»، فقال أبو بكر : أنا يا رسول اللّٰه؟ فقال: «لا»، فقال :عمر: أنا يا رسول اللّٰه ؟ فقال : «لا ، بل خاصف النعل » (1)، وأشار إلى عليّ (علیه السلام) وقال أبو العباس في «الكامل» : يقال : إن أوّلَ مَنْ لَفظ بالحكُومة ولم يُشِدْ
بها رجل من بني سعد بن زيد مناة بن تميم بن مُرّ، من بني صَرِيم ، يقال له الحجاج بن عبد اللّٰه، ويعرف بالبُرَك، وهو الذي ضرب آخراً معاوية عَلَى ألْيَتِه ، يقال : إنّه لما سمع بذكر الحكَمين، قال: أيحكّم أميرُ المؤمنين الرجالَ في دين اللّٰه! لا حُكْم إلا للّٰه ، فسمعه سامع، فقال : طَعَن واللّٰه
فأنفذ.
قال أبو العباس: وأول من حكم بين الصّفين رجلٌ من بني يَشْكُر بن بكر بن وائل، كان من
أصحاب عليّ (علیه السلام)، فحمل عَلَى رجل منهم فقتله غِيلة، ثم مرق بين الصَّفّين يُحكم، و
حمل عَلَى أصحاب معاوية، فكثروه، فرجع إلى ناحية عليّ(علیه السلام) ، فخرج إليه رجل من
هَمْدان فقتله، فقال شاعر هَمْدان :
وَمَا كانَ أغْنَى اليَشْكُريَّ عن الَّتِي*** تَصَلَّى بها جَمْراً من النَّارِ حَامِيَا
غداة ينادي والرماحُ تَنُوشُهُ*** خلعتُ عليَّا ومعاوياً
قال أبو العباس : وقد روى المحدّثون أن رجلاً تلا بحضرة عليّ (علیه السلام) : (قُلْ هَل نُنَبئکُم
بِالأَخَسرِينَ أَعْمَلًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْیُهُمْ فِي الحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا (104)(2)فقال عليّ (علیه السلام) : أهلُ حَرُوراء منهم .
قال أبو العباس: ومن شعر أمير المؤمنين(علیه السلام) الذي لا اختلافَ فيه أنه قاله: - وكان
يردّده - أنهم لما ساموه أنه يُقِرّ بالكفر، ويتوب حتى يسيروا معه إلى الشام، فقال : أبعدَ صحبة
رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)والتفقّه في الدين أرجع كافراً! ثم قال :
يا شاهدَ اللّٰه عَلَيَّ فَاشْهَدِ*** أَنِّي عَلَى دِين النبيّ أَحْمَدِ
مَنْ شَكّ في اللّٰه فإنّي مُهْتَدِ
وذكر أبو العباس أيضاً في «الكامل» أن عليَّا (علیه السلام)في أولِ خُروج القوم عليه، دعا
صعصعة بن صُوحان العبديّ - وقد كان وجّهه إليهْم - وزياد بن النّضر الحارثي، مع عبد اللّٰه بن عباس، فقال لصعصعة بأيّ القوم رأيتَهم أشدّ إطافة؟ قال : بيزيد بن قيس الأرحبيّ ، فركِب علي (علیه السلام) إلى حَرُوراء، فجعل يتخلّلهم حتى صار إلى مَضْرِب يزيد بن قيس، فصلّى فيه
ركعتين، ثم خرج فاتكَأ على قوسه، وأقبل عَلَى الناس، فقال : هذا مَقَامٌ مَنْ فَلَج فيه فَلَجَ (1)يوم القيامة . ثم كلّمهم وناشدهم فقالوا : إنّا أذنبْنا ذنباً عظيماً بالتّحكيم، وقد تُبْنا، فتب إلى اللّٰه كما تُبْنا نَعُدْ لك . فقال علیّ (علیه السلام) : أنا أستغفر اللّٰه من كلّ ذنب، فرجعوا معه وهم ستة آلاف،
فلما استقرّوا بالكوفة أشاعوا أنّ عليَّا(علیه السلام) رجع عن التحكيم، ورآه ضلالاً، وقالوا : إنّما
ينتظر أميرُ المؤمنين أن يسمَن الكُراع وتُجْبَى الأموال، ثم ينهضُ بنا إلى الشام . فأتى الأشعثُ عليَّا (علیه السلام)، فقال : يا أميرَ المؤمنين، إنّ الناس قد تحدّثوا أنّك رأيتَ الحكومة ضلالاً والإقامة عليها كفراً ، فقام عليّ (علیه السلام) يخطب، فقال : مَنْ زعم أني رجعت عن الحُكومة فقد
كَذَب، ومَنْ رآها ضَلالاً فقد ضلّ ، فخرجت حينئذ الخوارج من المسجد فحكّمت .
قلت : كلّ فساد كانَ في خلافة عليّ (علیه السلام) ، وكلّ اضطراب حَدَث فأصلُه الأشعث،
ولولا محاقتّه (2)
مادة (حقق).
أمير المؤمنين(علیه السلام) في معنى الحكومة في هذه المرّة لم تكن حَرْبُالنّهرَوان، ولكان أميرُ المؤمنين(علیه السلام) ينهضُ بهم إلى معاوية، ويملك الشام، فإنه صلوات
اللّٰه عليه حَاول أن یَسلُك التَّعرِيض والمواربة، وفي المَثل النبويّ صلوات اللّٰه على قائله : «الحرب خُدعة» (3)، وذاك أنّهم قالوا له : تُبْ إلى اللّٰه مما فعلت، كما تبنا ننهض معك إلى حرب أهل
الشام، فقال لهم كلمة مجملة مُرْسلة يقولها الأنبياء والمعصومون، وهي قوله : «أستغفر اللّٰه من
كلّ ذنب»، فرضُوا بها وعدّوها إجابةً لهم إلى سؤلهم ، وصفَتْ له(علیه السلام) نيّاتُهم، و
استخلصَ بها ضمائرَهم، من غير أن تتضمن تلك الكلمة اعترافاً بكفْر أو ذنب، فلم يتركْه الأشعثُ، وجاء إليه مستفسراً وكاشفاً عن الحال، وهاتكاً سِتْر التورية والكناية، ومُخرجاً لها من ظلمة
الإجمال وستر الحيلة إلى تفسيرها بما يفسِد التدبير، ويُوغِر الصدور، ويعيد الفتنة، ولم يستفسرْه
(علیه السلام)عنها إلا بحضور مَنْ لا يمكنه أن يجعلها معه هدنة على دَخَن، ولا ترقيقاً عن
صَبُوح، وألجأه بتضييق الخناق عليه إلى أن يكشف ما فيه نفسه، ولا يترك الكلمة عَلَى احتمالها، ولا يطويها عَلَى غرّها، فخطب بما صَدَع به عن صورة ما عنده مجاهرة، فانتقض ما دبّره، وعادت الخوارج إلى شُبْهتها الأولى، وراجعوا التحكيم والمُروق، وهكذا الدول التي تظهر فيها
امارات الانقضاء والزوال، يُتاحُ لها أمثال الأشعث من أولي الفساد في الأرض، (سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) (1).
قال أبو العباس : ثم مضى القومُ إلى النّهروان، وقد كانوا أرادوا المضيّ إلى المدائن، فمن طريف أخبارهم أنهم أصابوا في طريقهم مُسلماً ونصرانيَّا، فقتلوا المسلَم لأنّه عندهم كافر : إذ كان على خلاف معتقدهم، واستوصَوْا بالنصرانيّ ، وقالوا : احفظوا ذمّة نبيكم .
قال أبو العباس: ونحو ذلك أنّ واصل بن عطاء (رحمه اللّٰه تعالى) أقبل في رُفْقةٍ فأحسوا بالخوارج، فقال واصل لأهل الرُّفقة: إنّ هذا ليس من شأنِكم، فاعتزلوا ودَعُوني وإياهم، وكانوا قد أشرفوا
على العَطَب، فقالوا : شأنَك، فخرج إليهم، فقالوا : ما أنت وأصحابُك؟
فقال : قومٌ مشركون مستجيرون بكم، ليسمعوا كلام اللّٰه ، ويفهموا حدوده، قالوا : قد أجَرْناكم
قال: فعلّمُونا، فجعلوا يعلّمُونهم أحكامهم، ويقول واصل: قد قبلت أنا ومن معي، قالوا : فامْضُوا ،
مصاحَبِين، فقد صرتم إخواننا ، فقال : بل تُبْلغُوننا مأمننا، لأن اللّٰه تعالى يقول: ﴿وَإن أحدٌ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (2)، قال: فينظر بعضُهُم إلى
بعض، ثم قالوا : ذاك لكم، فساروا معهم بجمعهم حتى أبلغوهم المأمن.
قال أبو العباس: ولقِيَهم عبد اللّٰه بن خَبّاب في عنقه مصحف، على حِمار، ومعه امرأته وهي
حامل، فقالو له : إنّ هذا الذي في عُنُقك ليَأمرُنا بقتلك، فقال لهم: ما أحياه القرآن ،فأحیُوه، وما
أماته فأميتوه، فوثب رجل منهم على رُطَبة سقطت من نَخْلة فوضعها في فيه، فصاحوا به ، فلفظها تورُّعاً. وعرض لرجل منهم خِنْزِيرٌ فضربه فقتله، فقالوا: هذا فساد في الأرض، وأنكَروُا قتل الخِنزير، ثم قالوا لابن خَبَّاب : حَدّثنا عن أبيك، فقال : إني سمعتُ أبي يقول : سمعت رسول اللّٰه(صلی
اللّٰه علیه و آله و سلم) يقول : «ستكون بعدي فتنة يموت فيها قلبُ الرجل كما يموت بَدَنُه،
يمسِي مؤمناً ويصبح كافراً، فكنْ عبد اللّٰه المقتول، ولا تكن القاتل» (3)، قالوا : فما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فأثنى خيراً ، قالوا: فما تقولُ في عليّ قبل التحكيم، وفي عثمان في السنين الستّ الأخيرة؟ فأثنى خيراً ، قالوا: فما تقولُ في عليّ بعد التحكيم والحُكومة؟ قال: إنّ علياً أعلم باللّٰه وأشدُّ توقِّياً على دينه، وأنفذُ بصيرة، فقالوا : إنّك لست تتّبع الهدى، إنما تتبعُ الرجال على أسمائهم، ثم قرّبوه إلى شاطيء النهر، فأضجعوه فذبحوه.
قال أبو العباس : وساوَمُوا رجلاً نصرانيَّا بنخْلة له ، فقال : هي لكم، فقالوا : ما كنا لنأخذها
إلا بثمن، فقال: واعجباه! أتقتلون مثل عبد اللّٰه بن خَبّاب، ولا تقبلون جَنَا نخلة إلا بثمن!
وروى أبو عبيدة معمر بن المثنَّى، قال : طُعن واحدٌ من الخوارج يوم النّهروان، فمشى في
الرمح، وهو شاهر سيفه، إلى أن وصل إلى طاعنه فضربه فقتله، وهو يقرأ : (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ
لِتَرْضىٰ) (1)
وروى أبو عبيدةَ أيضاً، قال: استنطقهم عليّ (علیه السلام) بقتل عبد اللّٰه بن خَبّاب، فأقرّوا به،
فقال: انفردوا كتائبَ لأسمع قولَكم كَتِيبة كَتيِبة، فتكتّبوا كَتائبَ، وأقرّت كلُّ كتيبة بمثل ما أقرّتْ به الأخرى، من قتل ابن خَبّاب، وقالوا : ولنقتلنّك كما قتلناه ، فقال عليّ : واللّٰه لو أقرَّ أهلُ الدنيا كلّهم بقتله هكذا وأنا أقدر على قتلِهم به لقتلتهم، ثم التفت إلى أصحابه، فقال لهم : شدُّوا
عليهم، فأنا أولُ من يشدّ عليهم . وحَمَل بذي الفقار حملةً منكرةً ثلاث مرات، كلّ حملةٍ
يضرب به حتى يعوجَّ متْنُه ، ثم يخرج فيسوِّيه بركبتيْه، ثم يحمل به حتى أفناهم.
وروى محمد بن حبيب، قال : خَطَب عليّ (علیه السلام) الخوارج يوم النّهر ، فقال لهم : نحن
أهلُ بيت النبوّة، وموضع الرسالة، ومختلَف الملائكة، وعنصر الرحمة، ومعدِن العلم والحكمة، نحن أفق الحجاز، بنا يلحَق البطيء، وإلينا يرجع التائب، أيها القومُ، إني نذيرٌ لكم أن تُصبِحُوا صَرْعى بأهْضام (2)هذا الوادي ... إلى آخر الفصل .
الأصل: فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا ، وَتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا ، وَنَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا ، وَمَضَيْتُ بِنُورِ
اللّٰه حِينَ وَقَفُوا. وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً ، وَأَعْلاهُمْ فَوْتاً ، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا ، وَاسْتَبْدَدْتُ برِهَانِهَا .
كَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّکُهُ الْقَوَاصِف، وَلَا تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ، لَمْ يَكُنْ لَأحَدٍ فِي مَهْمَزٌ ، وَلا لِقَائِل فِيَّ مَغْمَزٌ، الذّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقِّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقِّ مِنْه.
رَضِينَا عَنِ اللّٰهُ قَضَاءَهُ، وَسَلَّمْنَاهُ للّٰهُ أَمْرَهُ. أَتُرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللّٰهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَآله و سَلَّم)! وَاللّٰه لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَه، فَلا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ .
فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي، فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَت بَيْعَتِي، وَإِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي.
الشرح: هذه فصول أربعة لا يمتزج بعضُها ببعض، وكلّ كلام منها ينحُو به أمير المؤمنين (علیه السلام) نحواً غير ما ينحوه بالآخر، وإنما الرضيّ ( رحمه اللّٰه تعالى) التقطها من کلامِ لأمير
المؤمنين(علیه السلام) طويل منتشر، قاله بعد وقعة النَّهروان، ذكَر فيه حاله منذ توفيَ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ، وإلى آخر وقت، فجعل الرضيّ (رحمه اللّٰه تعالى) ما التقطه منه سَرْداً ، وصار عند السامع كأنه يقصد به مقصداً واحداً .
فالفصل الأول وهو من أول الكلام إلى قوله : «واستبددت برهانها»، يذكُر فيه مقاماتِه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيامَ أحداث عثمان، وكَوْن المهاجرين كلّهم لم ينكِروا ولم
يُواجهوا عثمان بما كان يواجِههُ به وينهاه عنه، فهذا هو معنى قوله : «فقمت بالأمر حين فَشِلوا»،
أي قمت بإنكار المنكر حين فشل أصحاب محمد(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) عنه . والفَشَل: الخَورَ والجُبْن .
قال: «ونطقتُ حين تعتعوا»، يقال: تعتع فلان، إذا تردّد في كلامه من عِيّ أو حَصَر. قوله :
«وتطلّعتُ حين تقبّعوا»، امرأةٌ طُلَعة قُبَعَة، تَطلع ثم تقبَع رأسها ، أي تدخله كما يقبَعُ القنفذُ،
يدخلُ برأسه في جلده، وقد تقبّع الرجُل، أي اختبا، وضدّه تطلع.
قوله : «وكنت أخفضَهم صوتاً، وأعلاهم فَوْتاً» يقول : علوتُهم وفتّهم وشاوتُهم سَبْقاً ، وأنا مع
ذلك خافِض الصوت يشير إلى التواضع ونفي التكبّر .
وقوله : «فطرت بعنانها واستبددت برهانها» يقول: سبقتهم، وهذا الكلامُ استعارة من مُسابقة
خَيْل الحلْبة. واستبددت بالرهان، أي انفردت بالخَطَر الذي وقع التراهُنُ عليه .
الفصل الثاني فيه ذكر حاله (علیه السلام)في الخِلافة بعد عثمان، يقول : كنتُ لمّا وَليتُ الأمر
كالجبل لا تحرّكُه القواصِف، يعني الرياح الشديدة، ومثله العواصف.
والمهمز: موضع الهمز ، وهو العيب، وكذاك المغمز.
ثم قال : «الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقويّ عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه»، هذا آخر الفصل الثاني، يقول: الذليل المظلوم أقُوم بإعْزازه ونَصْره، وأقوي يدَه إلى أن آخذ
الحقّ له، ثم يعود بعد ذلك إلى الحالة التي كان عليها قبل أن أقومَ بإعزازه ونصره، والقويّ الظالم أستضعِفه وأقهَرُه وأذلّه إلى أن آخذ الحقَّ منه، ثم يعود إلى الحالة التي كان عليها قَبْل أن اهتضِمَه، لاستيفاء الحق.
الفصل الثالث من قوله : «رضينا عن اللّٰه قضاءَه»، إلى قوله : «فَلا أكونُ أوّلَ مَنْ كذَب عليه»، هذا كلامٌ قاله (علیه السلام)لمّا تفرّس في قوم من عَسْكره أنّهم يتّهمونه فيما يخبرهم به عن
النبيّ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) من أخبار الملاَحِم والغائبات، وقد كان شكّ منهم جماعة في أقواله، ومنهم مَنْ واجهه بالشكّ والتهمة.
روی ابن هلال الثقفيّ في كتاب «الغارات» عن زكريا بن يحيى العطّار، عن فُضَيْل، عن محمد بن عليّ ، لما قال علي(علیه السلام) : سَلُوني قَبْل أن تفِقدوني، فواللّٰه لا تسألونني عن فئة تُضِلَّ مائة، وتَهدِي مائةً إلا أنبأتكم بناعِقتها وسائقتها قام إليه رجل فقال : أخبِرْني بما في رأسي و
لحْيتي من طاقة شَعْر ، فقال له عليّ (علیه السلام) : واللّٰه لقد حَدّثني خليلي أنّ على كلّ طاقة شَعْرٍ من رأسك مَلَكاً يلعنُك، وأنّ على كلِّ طاقة شعر مِنْ لحيتك شيطاناً يُغويك، وأنّ في بيتك سَخْلاً يقتلُ ابنَ رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)- وكان ابنُه قاتل الحسين(علیه السلام) يومئذ طفلاً يحبو يحبو - وهو سنان بن أنس النَّخَعِيّ .
وروى الحسن بن محبوب عن ثابت الثماليّ ، عن سويد بن غفلة أنّ علياً (علیه السلام)، خطب ذات يوم، فقام رجل من تحت مِنْبره، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّي مررتُ بوادي القُرى، فوجدتُ خالد بن عُرْفطة قد مات ، فاستغفر له، فقال (علیه السلام): واللّٰه ما مات ولا يموت حتى يقود
جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن حِمار . فقام رجل آخر من تحت المِنْبر، فقال : يا أميرَ
المؤمنين، أنا حبيب بن حِمار، وإني لك شيعة ومحبّ ،فقال : أنت حبيب بن حمار ؟ قال : نعم، فقال له ثانية : واللّٰه إنّك لحبيب بن حمار ؟ فقال : إي واللّٰه !قال: أما واللّٰه إنّك لحامِلُها و
لتحمِلنّها، ولتدخُلَنْ بها من هذا الباب - وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة.
قال ثابت : فواللّٰه ما مِتّ حتى رأيتُ ابنَ زياد وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن عليِّ (علیه السلام) ، وجعل خالد بن عُرْفطة على مقدّمته وحبيب بن حمار صاحبَ رايته، فدخل بها من
باب الفيل .
وروى محمد بن إسماعيل بن عمرو البَجَليّ ، قال : أخبرنا عمرو بن موسى الوجيهيّ ، عن
المنهال بن عمرو، عن عبد اللّٰه بن الحارث ، قال : قال علی(علیه السلام) على المنبر : مَا أحدٌ جرت عليه المواسي إلا وقد أنزل اللّٰه فيه قرآناً ، فقام إليه رجل من مبغضيه فقال له : فما أنزل اللّٰه تعالى فيك؟ فقام الناس إليه يضربونه ، فقال : دعوه، أتقرأ سورة هود؟ قال: نعم، فقرأ(علیه السلام) : (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ) (1)ثم قال : الذي كان على بينة من ربه محمد(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) والشاهد الذي يتلوه أنا.
1) سورة هود، الآية : 17 .
وروى عثمان بن سعيد، عن عبد اللّٰه بن بكير، عن حكيم بن جُبير ، قال : خطب عليّ (علیه
السلام) فقال في أثناء خطبته : «أنا عبدُ اللّٰه، وأخو رسوله، لا يقولها أحدٌ قبلي ولا بعدي إلا
كذب، ورِثْتُ نبيِّ الرحمة، ونكَحْتُ سيدة نساء هذه الأمة، وأنا ختم الوصيين»(1)
فقال رجل من عَبْس : [و] مَنْ لا يحسِنُ أن يقول مثل هذا! فلم يرجع إلى أهله حتى جُنّ
وصُرع، فسألوهم : هل رأيتم به عَرَضاً قبل هذا؟ قالوا: ما رأينا به قبل هذا عَرَضاً .
وروی محمد بن جبلة الخيّاط، عن عِكْرمة، عن يزيد الأحمسِيّ أن علياً (علیه السلام)كان
جالساً في مسجد الكوفة، وبين يديه قوم منهم عمرو بن حُرَيث، إذ أقبلت امرأة مختمرة لا
تُعرف، فوقفت فقالت لعليّ (علیه السلام) : يا مَنْ قتل الرجال، وسفك الدماء وأيتمَ الصبيان، و
أرمل النساء! فقال (علیه السلام): وإنّها لهي هذه السَّلَقْلَقة الجلِعة المَجِعَةُ، وإنها لهي هذه،
شبيهة الرجال والنساء، الّتي ما رأتْ دماً قطّ ، قال : فولّت هاربة منكِّسة رأسَها ، فتبعها عمرو بن حريث، فلمّا صارت بالرَّحبة، قال لها : واللّٰه لقد سررتُ بما كان منك اليوم إلى هذا الرجل،
فادخِلي منزلي حتى أهبَ لك وأكسوَك، فلما دخلتْ منزلَه أمر جواريَه بتفتيشها وكشْفها ونَزْع
ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها، فبكتْ وسألتْه ألاّ يكشِفها وقالت: أنا واللّٰه كما قال، لي رَكَب
النساء، وأنْثيانِ كأنثي الرجال، وما رأيت دماً قَطّ. فتركها وأخرجها . ثم جاء إلى عليّ (علیه
السلام) فأخبره، فقال : إنّ خَليلي رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) أخبرني بالمتمردين
عليّ من الرجال والمتمرّدات من النساء إلى أن تقومَ الساعة .
قلت : السَّلْقلقَة: السَّليطة، وأصله من السِّلْق وهو الذئب، والسِّلْقة : الذئبة والجَلِعة المَجِعة :
البذيئة اللسان. والركب : مَنبِت العانة.
وروی عثمان بن سعيد، عن شريك بن عبد اللّٰه ، قال : لما بلغ عليَّا(علیه السلام) أن الناسَ
يتَهمونه فيما يذكره من تقديم النبيّ وتفضيله [إياه] على النّاس، قال: أنشدُ اللّٰه مَنْ بَقِيَ ممّن لقي رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) وسمع مقاله في يوم غَدِير خُمّ إلا قام فشهِد بما سمع،
فقام ستة ممن عن يمينه، من أصحاب رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وستة ممن على شماله من الصحابة أيضاً، فشهدوا أنهم سمعوا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وسلم) يقول ذلك اليوم، وهو رافع بيديْ علي(علیه السلام) : «مَنْ كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهم والِ مَنْ والاه، و
عاد من عاداه، انصُر مَنْ نصره، واخذُلَ مَنْ خذله، وأحبّ مَنْ أحبّه، وأبْغِضْ مَنْ أبغضه» (2)
وروى عُثمان بن سعيد عن يحيى التَّيْميّ ، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، قال: قام
أعْشَى همْدان - وهو غلام يومئذٍ حَدَث - إلى عليّ (علیه السلام) ، وهو يخطب ويذكُر
الملاحم، فقال : يا أمير المؤمنين، ما أشبه هذا الحديث بحديث خُرافة! فقال علي(علیه السلام) : إنْ كنتَ آثماً فيما قلتَ يا غلام، فرماك اللّٰه بغلام ثَقِيف، ثم سكت، فقام رجال فقالوا : ومَنْ
غلامُ ثَقِيف يا أمير المؤمنين؟ قال: غلام يملِك بلدتَكُم هذه لا يتركُ للّٰه حرمةَ إلا انتهَكها،
يضرب عُنُق هذا الغلام بسيفه، فقالوا : كم يملكُ يا أمير المؤمنين؟ قال : عشرين إن بلغها ، قالوا : فيُقتَلُ قتلاً أم يموت موتاً ؟ قال : بل يموتُ حَتْف أنفه بداء البَطْن، يثقب سريره لكثرة ما
يخرج من جوفه . قال إسماعيل بن رجاء: فواللّٰه لقد رأيتُ بعيني أعْشَى باهلة، وقد أحضِر في
جملة الأسرى الذين أسِروا من جيش عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بين يدي الحجاج،
فقرّعه ووبّخه، واستنشده شِعْرَه الذي يحرِّض فيه عبدَ الرحمن على الحرب، ثم ضرب عنقه في ذلك المجلس.
وروى محمد بن علي الصوّاف، عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن شَمير بن سَدِير الأزديّ،
قال: قال عليّ (علیه السلام) العمرو بن الحمِق الخُزاعيّ : أين نزلت يا عمرو؟ قال: في قومي،
قال: لا تنزلنّ فيهم، قال : فأنزل في بني كِنانة جيراننا؟ قال: لا، قال: فأنزل في ثَقِيف؟ قال: فما تصنع بالمَعرّة والمجرة؟ قال : وما هما؟ قال: عُنُقان من نار، يخرجان من ظهر الكوفة، يأتي
أحدهما على تميم وبكر بن وائل ، فقلّما يُفِلت منه أحدٌ، ويأتي العنق الآخر، فيأخذ على
الجانب الآخر من الكوفة، فقلَّ من يصيبُ منهم، إنما يدخل الدارَ فيحرِق البيتَ والبيتين. قال: فأين أنزِل؟ قال: انزِل في بني عمرو بن عامر، من الأزد - قال: فقال قوم حضروا هذا الكلام: ما نراه إلاّ كاهناً يتحدّث بحديث الكَهَنَة - فقال : يا عمرو، إنك المقتول بعدي، وإن رأسَك
لمنقول، وهو أولُ رأس ينقَل في الإسلام، والويل لقاتِلك! أما إنّك لا تنزِل بقوم إلا أسلموك
برُمّتك، إلا هذا الحيّ من بني عمرو بن عامر من الأزْد، فإنّهم لن يُسلموك ولن يَخْذُلوك ، قال : فواللّٰه ما مضت إلا أيام حتى تنقل عمرو بن الحمِق في خلافة معاوية في بعض أحياء العرب،
خائفاً مذعوراً، حتى نزل في قومه من بني خُزاعة، فأسلموه، فقتل وحُمِل رأسه من العراق إلى
معاوية بالشام، وهو أوّلُ رأس حُمِل في الإسلام من بلد إلى بلد .
وروى إبراهيم بن ميمون الأزديّ عن حَبّة العرنيّ ، قال : كان جويرية بن مِسهر العبديّ صالحاً، وكان لعلي بن أبي طالب صديقاً، وكان عليّ يحبُّه، ونظر يوماً إليه وهو يسير، فناداه : يا جويرية،
الحَقْ بي، فإني إذا رأيتُك هَوِيتُك، قال إسماعيل بن أبان : فحدّثني الصبّاح، عن مسلم عن حَبّة
العُرنيّ ، قال: سرنا مع علي (علیه السلام)يوماً فالتفت فإذا جُويرية خَلْفه بعيداً ، فناداه :
يا جُويرية، الحَقْ بي لا أبالك! ألا تعلم أنّي أهواك وأحِبّك! قال : فركَض نحوه، فقال له : إني
محدِّثك بأمور فاحفظها ، ثم اشتركا في الحديث سرّاً ، فقال له جُويرية: يا أمير المؤمنين، إني
رجلٌ نسِي، فقال له : إني أعيدُ عليك الحديثَ لتحفظه، ثم قال له في آخر ما حدّثه إياه : يا
جويرية، أحبِب حبيبنَا ما أحبَّنا ، فإذا أبغضنا فأبغِضْه، وأبْغِض بغيضَنا ما أبغضَنا، فإذا أحبّنا فأحبّه .
قال : فكان ناسٌ ممن يشكّ في أمر علي (علیه السلام)يقولون : أتراه جعل جُويَرية وصيه كما
يدّعي هو من وصية رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)؟ قال : يقولون ذلك لشدّة اختصاصه له، حتى دخل على عليّ(علیه السلام) يوماً، وهو مضطجع، وعنده قوم من أصحابه، فناداه
جويرية : أيّها النائم، استيقظ، فلْتُضْرَبنّ على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك، قال: فتبّسم أميرُ
المؤمنين (علیه السلام)، قال : وأحدّثك يا جويرية بأمرِك، أما والَّذي نَفْسِي بيده لتُعتَلَنَّ إلى العَتُلّ الزنيم (1)
العيهرة. اللسان، مادة (زنم).
، فليقطعنّ يدَك ورِجْلَك وليصلبنّك تحت جذع كافر، قال: فواللّٰه ما مضت إلا أيّام على ذلك حتى أخذ زياد جويرية، فقطع يدَه ورِجْلَه وصَلَبه إلى جانب جذع ابن مكعبر، وكان جِذْعاً طويلاً، فصلَبه على جِذْع قصير إلى جانبه .وروى إبراهيم في كتاب «الغارات» عن أحمد بن الحسن المِيثميّ ، قال : كان ميثم التمّار مولى عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) عبداً لامرأة من بني أسد، فاشتراه عليّ (علیه السلام) منها وأعتقه، وقال له : ما اسمك ؟ فقال : سالم، فقال: إن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)أخبرني أن
اسمَك الّذي سماك به أبوك في العجم«مِيثَم»، فقال: صدَق اللّٰه ورسوله، وصدقتَ يا أمير المؤمنين، فهو واللّٰه اسمي، قال : فارجع إلى اسمك، ودَعْ سالماً، فنحن نكنيك به، فكناه أبا سالم . قال : وقد كان قد أطلعه عليّ (علیه السلام) على علم كثير، وأسرار خفية من أسرار الوصية، فكان ميثم يحدّث ببعض ذلك، فيشكّ فيه قوم من أهل الكوفة، وينسُبون علياً (علیه السلام)في ذلك إلى
المخرقة والإيهام والتدليس، حتى قال له يوماً بمحضَرِ من خَلْق كثير من أصحابه، وفيهم الشاكّ
والمخلِص : يا ميثم ، إنك تُؤخَذ بعدي وتُصْلب، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر مُنْخُراك وفمك دماً ، حتى تُخضَب لحيتُك، فإذا كان اليومُ الثالث طعِنْت بحربة يُقضى عليك، فانتظِر ذلك . والموضع
الذي تُصْلَب فيه على باب دار عمرو بن حريث، إنّك لَعاشِر عشرة أنت أقصرُهم خشبة، وأقربهم من المطهّرة - يعني الأرض - ولأرِينك النَّخْلة التي تُصْلَب على جِذْعها، ثم أراه إياها بعد ذلك بیومین وكان ميْثم يأتيها ، فيصلِّي عندها، ويقول : بوركت مِنْ نخلة لكِ خُلِقتُ، ولي نبتِّ، فلم
يزل يتعاهدها بعد قتل عليّ (علیه السلام) ، حتى قُطِعت، فكان يَرْصُد جذعها، ويتعاهده ويتردّد
إليه، ويبصره، وكان يَلْقَى عمرو بن حريث، فيقول له : إنّي مجاورُك فأحسِنْ جواري، فلا يعلم
عمرو ما يريد، فيقول له : أتريد أن تشتريَ دار ابن مسعود، أم دار ابن حكيم!
1) العتل : الجافي الغليظ. اللسان مادة (عتل). زنيم: قيل موسوم بالشر، والزنيم ولد
قال:وحجّ في السّنَة التي قتل فيها، فدخل على أمّ سلمة رضي اللّٰه عنه، فقالت له : مَنْ أنت! قال:عِراقيّ، فاستنسبَتْه فذكر لها أنه مولى عليّ بن أبي طالب، فقالت : أنت يثم ، قال : بل أنا مِيثم،
فقالت: سبحان اللّٰه ! واللّٰه لربّما سمعت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) يوصي بك عليَّا في جوف الليل، فسألها عن الحسين بن عليّ فقالت: هو في حائط له، قال : أخبريه أنّي قد أحببتُ
السّلام عليه، ونحن ملتقُون عند ربّ العالمين، إن شاء اللّٰه، ولا أقدر اليوم على لقائه، وأريد
الرجوع، فدعتْ بطيب فطيَّبت لحيته، فقال لها : أما إنها ستخضب بدم، فقالت : مَن أنباك هذا؟
قال : أنبأني سيدي، فبكت أمُّ سلمة، وقالت له : إنه ليس بسيّدك وحدَك، هو سيّدي وسيد
المسلمين، ثم ودّعته.
فقدم الكوفة، فأخِذ وأدخِلَ على عُبيد اللّٰه بن زياد. وقيل له : هذا كان من آثرِ النّاس عند أبي
تراب، قال: وَيَحْكم! هذا الأعجميّ! قالوا: نعم، فقال له عبيد اللّٰه : أين ربُّك؟ قال: بالمرصاد، قال : قد بلغني اختصاص أبي تراب لك ، قال : قد كان بعضُ ذلك، فما تريد ؟ قال : وإنه ليقال إنّه
قد أخبرك بما سَيَلْقاك، قال: نعم، إنّه أخبرني، قال: ما الذي أخبرك أني صانع بك؟ قال : أخبرني
أنّك تصلُبني عاشر عشرة وأنا أقصرُهم خشبة ، وأقربهم من المطهرة، قال: لأخالفنّه قال : ويحك ! كيف تخالفُه، إنما أخبر عن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وأخبر رسول اللّٰه عن جبرائيل، وأخبر جبرائيل عن اللّٰه، فكيف تخالف هؤلاء! أما واللّٰه لقد عرفتُ الموضع الذي أُصْلَب فيه أين هو من الكوفة؟ وإنّي لأوّل خَلق اللّٰه الجِم في الإسلام بلجام كما يُلْجَم الخيل . فحبسه وحبس
معه المختار بن أبي عبيدة الثقفي، فقال مِيثَم للمختار - وهما في حبس ابن زياد: إنّك تُفْلِت و
تخرج ثائراً بدم الحسين(علیه السلام) ، فتقتل هذا الجبّار الذي نحن في سجنه، وتطأ بقدمك هذه على جَبْهته وخَدَّيه . فلما دعا عبيد اللّٰه بن زياد بالمختار ليقتلَه طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد اللّٰه بن زياد، يأمره بتخلية سبيله، وذاك أن أخته كانت، تحت عبد اللّٰه بن عمر بن
الخطاب، فسألتْ بعلَها أن يشفع فيه إلى يزيد فشفع، فأمضى شفاعته، وكتب بتخلية سبيل المختار على البريد، فوافي البريد، وقد أخرج ليضرب عنقه، فأطلق. وأما مِيثم فأخرج بعده لِيُصْلَب، وقال عبيد اللّٰه : لأمْضِيَنَّ حكْم أبي تراب فيه، فلقيَه رجل، فقال له: ما كان أغناک عن هذا يا ميثم؟
فتبسم، وقال لها خلقتُ، ولي غُذِيتْ، فلما رُفِع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث، فقال عمرو : لقد كان يقول لي : إني مجاورك، فكان يأمر جاريته كلَّ عشية أن تكنُس تحت خشبته وترشّه، وتجمّر بالمجمر تحته، فجعل ميثم يحدّث بفضائل بني هاشم ومخازي بني
أميّة، وهو مصلوب على الخشبة، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد. فقال: ألجموه ،فالجِم، فكان أول خَلق اللّٰه ألجِم في الإسلام. فلما كان في اليوم الثاني فاضت مُنخراه وفمه دماً ، فلما
كان في اليوم الثالث طُعِن بحربة فمات.
وكان قَتْلُ ميثم قبل قدوم الحسين(علیه السلام) العراق بعشرة أيام.
قال إبراهيم: وحدّثني إبراهيم بن العباس النَّهْدِيّ ، حدثني مبارك البَجَلّي، عن أبي بكر بن عياش، قال: حدثني المجالد، عن الشّعبي، عن زياد بن النضر الحارثيّ ، قال: كنتُ عند زياد، وقد أتي
برشيد الهجَريّ - وكان من خَواصّ أصحاب عليّ (علیه السلام) - فقال له زياد: ما قال خليلُك
لك إنّا فاعلون بك؟ قال : تَقْطعُون يديّ ورِجْليّ ، وتصلُبونني، فقال زياد : أما واللّٰه كَذَّبنّ حديثه، خلّوا سبيلَه، فلما أراد أن يخرُج قال: ردُّوه، لا نجد شيئاً أصلحَ مما قال لك صاحبُك، إنّك لا تزال تبغي لنا سوءاً إن بقيت اقطعوا يديْه ورجْليْه، فقطَعوا يديه ورجلْيه، وهو يتكلّم، فقال: اصلُبوه خَنْقاً في عُنُقه، فقال رشيد : قد بقي لِي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه، فقال زياد: اقطعوا لسانَه، فلما
أخرجوا لسانه ليُقطع قال : نَفِّسُوا عَني أتكلم كلمة واحدة، فنفّسوا عنه فقال : هذا واللّٰه تصديق
خبر أمير المؤمنين، أخبرَني بقطع لساني. فقطعوا لسانه وصلبوه .
وروى أبو داود الطَّيَالسيّ ، عن سليمان بن رُزيق، عن عبد العزيز بن صُهيب، قال: حدثني أبو
العالية، قال: حدّثني مزرع صاحبُ عليّ بن أبي طالب (علیه السلام)أنه قال : لَيُقبِلَنّ جيشٌ حتى
إذا كانوا بالبيداء، خُسِف بهم. قال أبو العالية : فقلت له : إنّك لتُحدِّثُني بالغيب ! فقال : احفَظْ ما أقوله لك، فإنما حدِّثني به الثّقة عليّ بن أبي طالب. وحدثني أيضاً شيئاً آخر : لَيُؤْخَذَنَّ رجل
فليقتلنَّ ولَيُصْلَبَنَّ بين شُرْفتيْن من شُرَف المسجد، فقلت له : إنّكَ لَتُحَدِّثُنِي بالغيب! فقال : احفَظْ ما أقول لك، قال أبو العالية: فواللّٰه ما أتَتْ علينا جُمعة حتى أُخذ مزرع، فقتل وصُلِب بين شرفتين
من شُرَف المسْجِد.
قلت : حديث الخَسْف بالجيش قد خرّجه البخاري ومسلم في الصحيحين، عن أم سلمة رضي
اللّٰه عنها، قالت: سمعت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) يقول : «يَعُوذ قومٌ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خُسِف بهم»، فقلت: يا رسولَ اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، لعلَّ فيهم المكرَه أو الكاره، فقال: «يُخْسَف بهم، ولكن يحشرون» - أو قال : يُبْعَثون على نياتهم يوم القيامة» (1)
الساعة، باب: الخسف بالجيش الذي يؤم البيت (2884).
قال : فسئِل أبو جعفر محمد بن علي : أهي بيداء من الأرض؟ فقال: كَلاّ واللّٰه إنها بيداء المدينة . أخرج البخاري بعضه وأخرج مسلم الباقي .
ورو محمد بن موسى العَنَزَيّ، قال : كان مالك بن ضَمْرة الرؤاسيّ من أصحاب عليّ (علیه السلام) ، وممن استبطن من جهته علماً كثيراً، وكان أيضاً قد صَحِب أبا ذَرّ، فأخذ من
1) أخرجه البخاري، كتاب: البيوع، باب: ما ذكر في أسواق (2118)، ومسلم، كتاب: الفتن وأشراط
علمه، وكان يقول في أيام بني أمية: اللّهم لا تجعلني أشْقَى الثلاثة، فيقال له : وما الثلاثة؟ فيقول : رجلٌ يرمي من فوق طَمارِ (1)، ورجل تُقطعُ يداه ورجلاه ولسانه ويصلب، ورجل يموت على فراشه. فكان من الناس مَن يهزأ به، ويقول : هذا من أكاذيب أبي تراب.
قال : وكان الذي رُمِي به من طَمارِ هاني بن عُرْوة، والذي قُطِع وصلب رشيد الهجريّ، ومَات
مالك على فراشه .
الفصل الرابع وهو من قوله : «فنظرت في أمري ...» إلى آخر الكلام، هذه كلمات مقطوعة من كلام يذكر فيه حاله بعد وفاة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)، وأنه كان معهوداً إليه ألا
ينازعَ في الأمر، ولا يثيرَ فتنة بل يطلبه بالرفق، فإن حَصَل له وإلا أمسك .
هكذا كان يقول (علیه السلام)، وقوله الحق، وتأويل هذه الكلمات: فنظرت فإذا طاعتِي لرسول
اللّهٰ (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، أي وجوب طاعتي، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه
مقامه . قد سَبَقَت بيعتي للقوم، أي وجوب طاعة رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)عليّ، ووجوب امتثالي أمرَه سابقٌ على بَيْعتَي للقوم، فلا سبيل لي إلى الامتناع من البَيْعة، لأنه (صلی اللّٰه
علیه و آله و سلم)أمرَني بها .
وإذا الميثاق في عُنُقي لغيري، أي رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)أخذ علي الميثاق بترك
الشِّقاق والمنازعة، فلم يحلّ لي أن أتعدّى أمرَه، أو أخالف نهيَه .
فإن قيل : فهذا تصريح بمذهب الإمامية.
قيل : ليس الأمر كذلك، بل هذا تصريح بمذهب أصحابنا من البغداديين، لأنّهم يزعمون أنه
الأفضل والأحقّ بالإمامة، وأنّه لولا ما يعلمه اللّٰه ورسوله من أنّ الأصلح للمكلّفين من تقديم
المفضول عليه، لكان مَنْ تقدّم عليه هالكاً، فرسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) و أخبره أن
الإمامة حقّه، وأنه أولى بها من الناس أجمعين، وأعلمه أن في تقديم غيره وصَبْره على التأخّر عنها مصلحةَ للدين راجعة إلى المكلّفين، وأنّه يجب عليه أن يُمسك عن طلبها، ويُغضي (2)عنها لمن هو دون مَرْتبته، فامتثل ما أمره به رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، ولم يخرجه تقدّم مَنْ تقدم عليه من كونه الأفضل والأولى والأحق. وقد صرّح شيخنا أبو القاسم البلخيّ (رحمه اللّٰه تعالى) بهذا، وصرّح به تلامذتُه، وقالوا : لو نازع عَقِيب وفاة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ، وسلّ سيفه لحكمْنا بهلاك كلّ من خالفه وتقدّم عليه كما حكما بهلاك مَنْ نازعه حين أظهر نفسه، ولكنّه مالك الأمر، وصاحب الخلافة،
إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق مَنْ ينازعه فيها ، وإذا أمسك عنها وجب علينا القولُ بعدالة مَنْ أغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) ، لأنه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنه قال: «عليّ مع الحق، والحق مع عليِّ يدور حيثما دار» (1)، وقال له غير مرة : «حربُك حربي وسِلْمك سِلْمي» (2). وهذا المذهب هو أعدل المذاهب عندي، وبه أقول .
الأصل: وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةٌ لأَنَّهَا تُشْبِهُ الحَقَّ ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللّٰه فَضِيَا ؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ، وَدَليلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى. وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللّٰه فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلَالُ، وَدَلِيلُهُمْ الْعَمَى.
فَمَا يَنْجُو مِنَ المَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّه .
الشرح: هذان فصلان، أحدهما غير ملتئم مع الآخر، بل مبتور عنه، وإنما الرضيّ (رحمه اللّٰه تعالى) كان يلتقط الكلام التقاطاً، ومراده أن يأتيَ بفصيح كلامه(علیه السلام) ، وما يجرِي مجرَى
الخطابة والكتابة، فلهذا يقعُ في الفصل الواحد الكلامُ الذي لا يناسِبُ بعضُه بعضاً ، وقد قال
الرضيّ ذلك في خطبة الكتاب.
أما الفصل الأول فهو الكلام في الشُّبْهة، ولماذا سمِّيت شبهة، قال (علیه السلام): «لأنها تُشْبِه
الحقّ»، وهذا هو محضُ ما يقوله المتكلّمون، ولهذا يسمّون ما يحتجّ به أهلُ الحقّ دليلاً ويسمون ما يحتجّ به أهل الباطل شُبهة .
قال: «فأمّا أولياءُ اللّٰه فضياؤُهم في حلّ الشبهة اليقين، ودليلهم سَمْتُ الهُدى»، وهذا حق لأنَّ من
اعتبر مقدّمات الشُّبْهَة، وراعى الأمور اليقينيّة، وطلَب المقدِّمات المعلومة قطعاً، انحلّت الشُّبْهة، وظهر له فسادها مِنْ أين هو ؟ ثم قال: «وأما أعداءُ اللّٰه فدعاؤهم الضّلال، ودليلهم العَمَى، وهذا
حقّ، لأن المبطِل ينظر في الشُّبْهة، لا نظر مَنْ راعى الأمور اليقينية، ويحلّل المقدمات إلى القضايا المعلومة، بل يَغْلِبُ عليه حبّ المذهب، وعصبية أسلافه، وإيثار نصره مَنْ قد ألزم بنصرته، فذاك
هو العمى والضلال، اللّذان أشار أمير المؤمنين إليهما، فلا
تنحلّ الشبهة له، وتزداد عقيدته فساداً، وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية الكلامَ في توليد النظر للعلم، وأنه لا يولِّد الجهل.
الفصل الثاني : قوله : «فما ينجُو من الموت مَنْ خافه، ولا يعطَى البقاءَ مَنْ أحبّه»، هذا كلام
أجنبيّ عَمّا تقدم، وهو مأخوذ من قوله تعالى : (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ
القتل إلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ) (1)، وقوله : (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ) (2)، وقوله : (فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ) (3).
الأصل: مُنِيتُ بِمَنْ لا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ، وَلاَ يُجِيبُ إذَا دَعَوْتُ ، لَا أَبَا لَكُمْ! مَا تَنتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ
رَبِّكُمْ أَمَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ، وَلا حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُمْ! أَقُومُ فِيكُمْ مَسْتَصْرِخاً ، وَأُنادِيكُمْ متَغَوِّثاً ، فَلا
تَسْمَعُونَ لِي قَوْلاً ، وَلا تُطِيعُونَ فِي أَمْراً ، حَتَّىٰ تكشِفَ الْأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ المَسَاءَةِ، فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ ، وَلاَ يُبْلَعُ بِكُم مَرَام. دَعَوْتُكُمْ إِلَىٰ نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْ جَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الأسَرِّ ، وَتَثَاقَلْتُمْ
تَثَاقُل النّضُوِ الْأَدْبَرِ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ منْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ، كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَىٰ . الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ.
قال الرضي (رحمه اللّٰه) : قوله عَليه السَّلام : «مُتَذَائِبٌ» أي مُضْطَرِب، مِن قولهم : تَذَاءَبَتِ
الرِّيحُ، أي أضْطَرَبَ هُبُوبهَا ، وَمِنه سُمِّيَ الذَّئب ذِنْباً لاضْطِرابِ مشْيَته.
الشرح: مُنیتُ، أي بُليتُ وتُحْمِشُكم: تُغْضِبُكم، أحمشه أي أغضبه. والمستصرِخ: المستنصر.
والمتغوّث : القائل : واغوثاه !
والَجرْجرة صوت يردِّده البعير في حَنْجَرته، وأكثرُ ما يكون ذلك عند الإعياء والتعب. والجمل
الأسَرّ : الذي بِكِرْكِرَتِهِ دَبَرة. والنِّضو : البعير المهزول والأدْبَر : الذي به دَبَر، وهو المعقور من
القَتَب وغيره.
هذا الكلام خَطب به أميرُ المؤمنين(علیه السلام) في غارة النّعمان بن بشير الأنصاريّ على عَيْن
التَّمْر.
ذكر صاحبُ «الغارات» أنّ النعمانَ بن بشير قَدِم هو وأبو هريرةَ على عليّ (علیه السلام) من عند معاوية، بعد أبي مسلم الخَوْلاني، يسألانه أن يدفع قَتلةَ عثمان إلى معاوية ليُقيدَهم بعثمان، لعلّ
الحرب أن تُطَفأ، ويصطلح الناس، وإنما أراد معاوية أن يرجعُ مثلُ النّعمان وأبي هريرة من عند
عليّ (علیه السلام) إلى الناس، وهمْ لمعاويةَ عاذرون ولعليّ ،لائمون، وقد علم معاوية أنَّ عليَّا لا يدفع قَتلةَ عثمان إليه، فأراد أن يكون هٰذان يشهدان له عند أهل الشام بذلك، وأن يظهر عذره،
فقال لهما : اثنيا عليَّا فانشُداه اللّٰه ، وسَلاه باللّٰه لَمَا دفعَ إلينا قتلةَ عثمان، فإنّه قد آواهم ومنعهم، ثم لا حربَ بيننا وبينه فإن أبى فكونوا شهداء اللّٰه عليه .
وأقبلا عَلَى الناس فأعلماهم ذلك، فأتيا إلى عليّ (علیه السلام) ، فدخلا عليه، فقال له أبو هريرة:
يا أبا حَسَن، إنّ اللّٰه قد جعل لك في الإسلام فضلاً وشرفاً، أنتَ ابنُ عمّ محمد رسول اللّٰه (صلی
اللّٰه علیه و آله و سلم)وقد بعثَنا إليك ابنُ عَمّك معاوية، يسألك أمراً تسكُن به هذه الحرب، ويُصلح اللّٰه تعالى ذاتَ البين، أن تدفع إليه قتلةَ عثمان ابن عمه، فيقتلَهم به ، ويجمع اللّٰه تعالى أمرَك وأمره، ويصلح بينكم ، وتَسْلم هذه الأمة من الفتنة والفرقة . ثم تكلّم النعمانُ بنحوِ من ذلك .
فقال لهما : دَعَا الكلام في هذا ، حدِّثْني عنك يا نعمان، أنت أهدى قومك سبيلاً؟ يعني الأنصار، قال: لا، قال: فكل قومِك قد اتّبَعني إلاّ شُذَّاذاً، منهم ثلاثة أو أربعة، أفتكون أنت من الشُذاذ!
فقال النعمان: أصلَحك اللّٰه ، إنّما جئتُ لأكونَ معك وألزمَك، وقد كان معاويةُ من سألني أن أؤدِّيَ هذا الكلام، ورجوتُ أن يكونَ لي موقف أجتمِع فيه معك، وطمعتُ أن يُجْرِيَ اللّٰه تعالى بينكما صلحاً ، فإذا كان غير ذلك رأيُك، فأنا مُلازمك وكائن معك.
فأما أبو هريرة فلحِق بالشام، وأقام النعمانُ عند عليّ (علیه السلام)، فأخبرَ أبو هريرة معاويةَ بالخبر، فأمره أن يُعلِم الناس، ففعل، وأقام النعمان بعدَه شهراً، ثم خرج فارّاً من عليّ (علیه السلام) حتى إذا مَرّ بعين التَّمْر أخذه مالك بن كعب الأرحبي - وكان عامل عليّ (علیه السلام) عليها - فأرادَ حبسه، وقال له : ما مرّبك بيننا ؟ قال : إنّما أنا رسولٌ بلّغتُ رسالةَ صاحبي، ثم انصرفت، فحبسه و
قال : كما أنْتَ حتى أكتبَ إلى عليّ فيك. فناشده، وعَظُم عليه أن يكتبَ إلى عليّ فيه فأرسل
النعمانُ إلى قُرَظة بن كعب الأنصاريّ - وهو كاتب عين التَّمْر يجبِي خراجَها لعلّي (علیه السلام)- فجاءه مسرِعاً، فقال لمالك بن كعب: خلِّ سبيلَ ابن عمي، يرحمك اللّٰه ! فقال :
يا قَرَظَة، اتّق اللّٰه ولا تتكلّم في هذا، فإنه لو كان من عُبّاد الأنصار ونُسّاكهم لم يهرُب من أمير
المؤمنين إلى أمير المنافقين .
فلم يزلْ به يقسِم عليه حتى خلّى سبيلَه وقال له: يا هذا، لك الأمان اليوم والليلة. وغداً،
واللّٰه إنْ أدركتُك بعدَها لأضربنّ عنقك، فخرج مسرعاً لا يلوي على شيء، وذهبتْ به راحلتُه، فلم يدرِ أين يتسكّعُ من الأرض ثلاثة أيام، لا يعلم أين هو! فكان النعمان يحدِّث بعد ذلك، يقول :
واللّٰه ما علمتُ أين أنا ، حتّى سمعت قول قائلة تقول وهي تطحَن :
شَرِبْتُ مع الجوزاءِ كاساً رَوِيَّةً*** وَأُخْرَى مع الشِّعرى إذا ما اسْتَقَلتِ
مُعَتَقَةً كانت قريشٌ تَصُونُها*** فلمّا استحلُّوا قتلَ عثمانَ حلّتِ
فعلمتُ أني عند حيّ من أصحاب معاوية، وإذا الماء لبني القَيْن، فعلمت أني قد انتهيتُ إلى الماء.
ثم قدِم على معاوية فخبَّره بما لَقِيَ ، ولم يزل معه مصاحباً، لم يجاهِدْ علياً، ويتتبَّع قتلة عثمان ،
حتى غَزَا الضِّحاكُ بنُ قيس أرضَ العراق، ثم انصرف إلى معاوية، وقد كان معاوية قال قبل ذلك بشهرين أو ثلاثة: أمَا من رجل أبعثُ به بجريدة خيل(1)، حتى يُغِيرَ على شاطيء الفرات، فإنّ اللّٰه يُرعِبُ بها أهلَ العراق ! فقال له النعمان: فابْعثنِي، فإنّ لي في قتالهم نيّة وهوَى - وكان النعمان
عثمانياً - قال : فانتدب على اسم اللّٰه ، فانتدَبَ ونَدَب معه ألفْي رجل، وأوصاه أن يتجنّب المدن والجماعات، وألاّ يُغير إلا على مَسْلَحة، وأن يعجّل الرجوع .
فأقبلَ النعمانُ بن بشير، حتى دنا من عين التَّمْر ،، وبها مالك بن كعب الأرحبيّ الذي جرى
له معه ما جَرى، ومع مالك ألفُ رجل، وقد أذِن لهم، فرجعوا إلى الكوفة، فلم يبق معه إلا مائة
أو نحوها، فكتب مالك إلى عليّ (علیه السلام) : أما بعد، فإنّ النعمان بن بشير، قد نَزَل بي في جمع كثيف، فَرَ رأيَك، سدّدك اللّٰه تعالى وثبتك . والسلام.
فوصل الكتابُ إلى عليّ (علیه السلام) ، فصعد المنبر فحمد اللّٰه وأثنى عليه، ثم قال: اخرجُوا
هداكم اللّٰه إلى مالك بن كعب أخِيكم، فإنّ النعمان بن بشير قد نَزَل به في جمع من أهل الشام، ليس بالكثير ، فانهضوا إلى إخوانكم، لعل اللّٰه يقطعُ بكم من الكافرين طَرَفاً. ثم نزل.
فلم يخرجوا فأرسل إلى وُجُوههم وكُبَرائهم، فأمرَهم أن ينهضُوا ويحثّوا الناسَ على
المسير، فلم يصنعوا شيئاً، واجتمع منهم نفر يسير نحو ثلثمائة فارس أوْ دونها ، فقام(علیه السلام) ، فقال: ألا إني مُنيت بمنْ لا يطيع ... الفصل الذي شرحناه إلى آخره، ثم نزل .
فدخل منزله، فقام عديّ بن حاتم، فقال: هذا واللّٰه الخِذلان، على هذا بايعْنا أميرَ المؤمنين! ثم
دخلَ إليه فقال : يا أمير المؤمنين، إنّ معي من طبّيء ألفَ رجل لا يعصونني، فإن شئتَ أن أسير بهم سرت.. قال: ما كنت لأعرض قبيلة واحدة من قبائل العرب للناس ولكن
1) جريدة الخيل : الخيل التي لم ينهض معها راجل ، وقيل الجريدة: الجماعة من الخيل. و قيل: جريدة: أي خيار إشداداً. اللسان، مادة (جرد).
اخرج إلى النُّخَيلة فعكسر بهم .وفرض عليّ (علیه السلام) لكلّ رجل سبعمائة، فاجتمع إليه ألفُ فارس، عدا طَيّئاً أصحاب عديّ بن حاتم .
وورد عَلَى عليّ (علیه السلام) الخبرُ بهزيمة النّعمان بن بشير ونُصْرة مالك بن كعب، فقرأ
الكتاب على أهل الكوفة، وحمِد اللّٰه وأثنى عليه، ثم نظر إليهم وقال : هذا بحمْدِ اللّٰه وذمّ أكثركم
فأما خبرُ مالك بن كعب مع النعمان بن بشير، قال عبد اللّٰه بن حوزة الأزديّ : قال : كنتُ مع
مالک بن كعب حين نزل بنا النعمان بن بشير، وهو في ألفين، وما نحن إلا مائة فقال لنا :
قاتُلوهم في القرية، واجعلوا الجُدُر في ظهوركم ولا تلقُوا بأيديكم إلى التهلكة، واعلموا أن اللّٰه تعالى ينصُر العشرة على المائة، والمائة على الألف، والقليل على الكثير. ثم قال: إنّ أقرب مَنْ
ها هنا إلينا من شيعة أمير المؤمنين وأنصاره وعماله قَرَظة بن كعب ومِخْنَف بن سُلَيم، فاركض
إليهما ، فأعلمْهما حالنا ،وقل لهما: فلينصُرانا ما استطاعا، فأقبلتُ أركض، وقد تركتُه وأصحابَه
يرمون أصحابَ ابن بشير بالنَّبْل، فمررت بقَرَظة فاستصرختُه، فقال: أنا صاحبُ خراج، وليس
عندي من أعِينه به. فمضيت إلى مِخْنَف بن سليم، فأخبرته الخَبر، فسرّح معي عبد الرحمن بن
مخنف في خمسين رجلاً ، وقاتل مالكُ بن كعب النعمانَ وأصحابه إلى العصر، فأتيناه وقد كسَر هو وأصحابُه جفونَ سيوفهم، واستقبلوا الموت، فلو أبطأنا عنهم هلكوا ، فما هو إلا أن رآنا أهلُ
الشام، وقد أقبلْنا عليهم، فأخذوا ينكُصون عنهم ويرتفعون، ورآنا مالكٌ وأصحابه، فشدّوا عليهم حتى دفعوهم عن القَرْية، فاستعرضناهم، فصرعنا منهم رجالاً ثلاثة، وارتفع القومُ عنا، وظنُّوا أنّ وراءنا مدداً، ولو ظنّوا أنه ليس غيرنا لأقبلوا علينا ولأهلكونا ، وحال الليل بيننا وبينهم، فانصرفوا إلى
أرضهم. وكتب مالك بن كعب إلى عليّ (علیه السلام) :
أما بعدُ، فإنّه نزل بنا النعمان بن بشير في جَمْع من أهل الشام، كالظاهر علينا، وكان عُظْم أصحابي متفرّقين، وكنّا للذي كان منهم آمنين، فخرجنا إليهم رجالاً مصلتين(1)، فقاتلناهم حتى المساء، واستصرخْنا مِخْنف بن سُليم، فبعث إلينا رجالاً من شيعة أمير المؤمنين وولده، فنعم الفتى ونعم
الأنصار كانوا، فحملنا على عدوّنا وشددنا عليهم، فأنزل اللّٰه علينا نصرَه، وهزم عدوّه، وأعزّ جنده. والحمد للّٰه رب العالمين، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّٰه وبركاته.
وروی محمد بن فرات الجَرْمِيِّ ، عن زيد بن علي(علیه السلام) ، قال : قال عليّ (علیه السلام) في هذه
1) الصلت: الرجل الصلب الماضي في أموره ،خفيف الثياب اللسان، مادة (صلت).
الية : أيها الناس، إني دعوتكم إلى الحقّ فتوليتم عني ، وضربتكم بالدِّرّة فأعييتموني، أما إنه يكم بعدي ولاةٌ لا يرضوْن عنكم بذلك حتى يعذّبوكم بالسياط وبالحديد، فأمّا أنا فلا يكم بهما، إنه
من عذّب الناس في الدنيا عذّبه اللّٰه في الآخرة، وآية ذلك أن يأتيَكم صاحبُ بن، حتى يحلّ بين أظهركم فيأخذ العمال وعمال العمال، رجل يقال له يوسف بن عمرو، وم عند ذلك رجل منّا أهلَ البيت، فانصروه فإنه داع إلى الحق.
قال : وكان الناس يتحدثون أن ذلك الرجل هو زيد (علیه السلام).
الأصل: كَلِمَةُ حَقِّ يُرَادُ بِهَا باطل، نَعَمْ إِنَّهُ لاَ حُكْمَ إلا للّٰه ، وَلَكِنَّ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ : لاَ إِمْرَةَ . وَإِنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرِ بَرِّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِن، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرِ، يُبَلِّغُ اللّٰه فِيهَا
الأَجَل، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ ، وَيُقَاتِلُ بِهِ الْعَدُوُّ ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلِ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ بنَ الْقَوِيِّ،
حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرّ ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ .
وفي رواية أخرى أنه (علیه السلام)لما سمع تحكيمهم قال :
حُكْمَ اللّٰه أَنتظرُ فِيكُمْ.
وقال : أَمَّا الْإمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا التَّقِيُّ ، وَأَمَّا الْإِمْرَةُ الْفَاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ ، إِلَى
أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُه ، وَتُدْرِكَهُ مَنيَّتُه .
الشرح: هذا نصٌ صريح منه(علیه السلام) ، بأنّ الإمامةَ واجبة، وقد اختلف الناس في هذه
المسألة فقال المتكلّمون كافّة : الإمامة واجبة، إلاّ ما يحكَى عن أبي بكر الأصَمّ من قدماء
أصحابنا أنها غيرُ واجبة، إذا تناصفت الأمة، ولم تتظالم.
وقال المتأخّرون من أصحابنا : إنّ هذا القول منه غيرُ مخالف لما عليه الأمة، لأنه إذا كان لا
يجوز في العادة أن تستقيم أمورُ الناس من دون رئيس يحكم بينهم، فقد قال بوجوب الرياسة
على كلّ حال، اللّهم إلا أن يقول : إنه يجوز أن تستَقيم أمورُ الناس من دون رئيس، وهذا بعيد أن يقوله، فأما طريق وجوب الإمامة ما هي؟ فإن مشايخَنا البصريّين رحمهم اللّٰه يقولون : طريق
وجوبها الشرع، وليس في العقل ما يدل على وجوبها .
وقال البغداديون وأبو عثمان الجاحظ من البصريين وشيخنا أبو الحسين (رحمه اللّٰه تعالى) :
إنّ العقلَ يدلّ على وجوب الرياسة، وهو قول الإمامية، إلا أنّ الوجه الذي منه يوجب أصحابنا
الرياسة غير الوجه الذي توجب الإمامية منه الریاسة، وذاك أنّ أصحابنا يوجبون الرياسة عَلَى
المكلّفين، ، من حيث كان في الرياسة مصالح دنيوية، ودفع مضارّ دنيوية. والإمامية يُوجبون
الریاسة عَلَى اللّه تعالى، من حيث كان في الرياسة لُطْف وبعدٌ للمكلّفين عن مواقعة القبائح
العقلية .
والظاهر من كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) يطابِق ما يقوله أصحابنا، ألاَ تراه كيف علّل قوله : «لا بدَّ للناس من أمير» ، فقال في تعليله: «يُجمَع به الفيء، ويقاتَل به العدوّ وتُؤَمّن به السُّبل،
ويؤخذ للضعيف من القويّ» ! وهذه كلّها من مصالح الدنيا .
فإنْ قيل : ذكرتم أن الناس كافّة قالوا بوجوب الإمام ، فكيفَ يقول أمير المؤمنين (علیه السلام) عن الخوارج إنّهم يقولون: «لا إمرة»!
قيل : إنهم كانوا في بدء أمرهم يقولون ذلك، ويذهبون إلى أنّه لا حاجةَ إلى الإمام، ثم رجعوا
عن ذلك القول لما أمّروا عليهم عبدَ اللّٰه بن وهب الرّاسبيّ .
فإن قيل : فسّروا لنا ألفاظ أمير المؤمنين (علیه السلام).
قيل : إنّ الألفاظ كَلَّها ترجع إلى إمرة الفاجر .
قال : يعمل فيها المؤمن، أي ليست بمانعة للمؤمن من العمَل، لأنه يمكنه أن يصلّيَ ويصوم
ويتصدّق، وإن كان الأمير فاجراً في نفسه .
ثم قال : «ويستمتع فيها الكافر» أي يتمتّع بمدته، كما قال سبحانه للكافرين : ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ
مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) (1)
ويبلّغ اللّٰه فيها الأجل، لأنّ إمارة الفاجر كإمارة البَرّ، في أنّ المدة المضروبة فيها تنتهي إلى
الأجل المؤقت للإنسان.
ثم قال : «ويُجمَع به الفيء، ويُقاتَل به العدو، وتأمن به السبل، ويُؤخذ به للضّعيف من القويّ»، وهذا كلُّه يمكن حصوله في إمارة الفاجر القويّ في نفسه، وقد قال رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و
آله و سلم):إنّ اللّٰه ليؤيِّد هذا الدِّينَ بالرجُل الفاجر» (2)، وقد اتّفقت المعتزلة عَلَى أن أمراء بني أميّة كانوا فُجّاراً عدا عثمان وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن الوليد. وكان الفيء يُجْمَع بهم، و
البلاد تُفْتَح
في أيامهم، والثغورُ الإسلامية محصنة مَحُوطة، والسُّبُل آمنة ،والضعيف منصور على القويّ
الظالم، وما ضرّ فجورُهم شيئاً في هذه الأمور. ثم قال (علیه السلام): فتكون هذه الأمور حاصلة إلى أن يستريحَ برّ بموته، أو يُسترَاح من فاجر بموته أو عزله .
فأما الرواية الثانية، فإنّه قد جعل التقيّ يعمل فيها للإمرة البَرَّة خاصة .
وباقي الكلام غنيّ عن الشرح.
وروى إبراهيم بن الحسن بن ديزيل المحدّث في كتاب «صِفّين»، عن عبد الرحمن بن زياد،
عن خالد بن حميد المصريّ، عن عمر مولى غَفْرة ، قال : لما رجع عليّ (علیه السلام) من
صِفّين إلى الكوفة، أقام الخوارج حتى جَمُّوا (1)، ثم خرجوا إلى صحراء بالكوفة تسمى حَرُورَاء، فنادُوْا : لا حكْمَ إلا للّٰه ولو كره المشركون، ألا إنّ عليَّا ومعاوية أشركا في حُكْم اللّٰه.
فأرسل عليّ (علیه السلام)إليهم عبدَ اللّٰه بن عباس، فنظر في أمرِهم وكلّمهم، ثم رجع إلى عليّ (علیه السلام) ، فقال له : ما رأيت؟ فقال ابنُ عباس: واللّٰه ما أدرِي ما هم ! فقال له عليّ (علیه
السلام) : رأيتَهم منافقين؟ قال: واللّٰه ما سيماهُم بسِيما المنافقين، إنّ بينَ أعينهم لأثرَ السجود، وهم يتأوّلون القرآن. فقال عليّ (علیه السلام) : دَعُوهم ما لم يسفِكوا دماً ، أو يغصِبوا مالاً، وأرسل إليهم : ما هذا الذي أحدثتم؟ وما تريدون؟ قالوا : نريد أن نخرُجَ نحن وأنت ومَنْ كان مَعَنَا
بِصِفّين ثلاث ليال، ونتُوب إلى اللّٰه من أمْرِ الحَكَمين، ثم نسير إلى معاوية، فنقاتله حتى يحكم
اللّٰه بيننا وبينه. فقال علي عليّ (علیه السلام) : فهلا قلتم هذا حين بعثْنا الحَكَمين، وأخذنا منهم
العهد وأعطيناهُموه! ألا قلتم هذا حينئذ! قالوا: كنا قد طالت الحرب علينا، واشتدّ البأس، وكَثُر
الجراح، وخلا الكُراع والسلاح، فقال لهم : أفحِين اشتدّ البأس عليكم ،عاهدتم ، فلما وجدتُم
الجَمام قلتم : ننقضُ العهد! إنّ رسول اللّٰه كان يفي للمشركين، أفتأمرُونني بنقضِه !
فمكثوا مكانَهم لا يزالُ الواحد منهم يرجع إلى عليّ (علیه السلام) ، ولا يزال الآخر يخرج من
عند عليّ (علیه السلام) ، فدخل واحد منهم عَلَى عليّ (علیه السلام) بالمسجد، والناس حوله، فصاح : لا حكم إلا للّٰه ولو كره المشركون، فتلفّت الناس، فنادَى : لا حكم إلاللّٰه ولو كره
المتلفّتون، فرفع عليّ (علیه السلام)رأسَه إليه ، فقال : لا حكم إلا للّٰه ولو كره أبو حسن. فقال
عليّ (علیه السلام) : إن أبا الحَسَن لا يكره أن يكون الحكم للّٰه ، ثم قال : حكم اللّٰه أنتظر فيكم، فقال له الناس : هلا مِلْتَ يا أمير المؤمنين عَلَى هؤلاء فأفنيتَهم ! فقال: إنهم لا يفنون إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة.
1) جموا أي كثروا . اللسان، مادة (جمم).
ورى أنَس بن عياض المدنيّ ، قال : حدثني جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام) ، عن أبيه
عن جَدّه، أنّ عليَّا (علیه السلام)كان يوماً يؤمّ الناس، وهو يجهَر بالقراءة، فجهر ابنُ الكوّاء من
خلْفه: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
الخَٰسِرِينَ) (1)، فلما جهرابنُ الكوّاء وهو خلفه بها سكت عليّ ، فلما أنهاها ابنُ الكواء عاد عليّ (علیه السلام) ، فأتم قراءته ، فلما شرع عليّ (علیه السلام) في القراءة أعاد ابن الكَوّاء الجهر
بتلك الآية، فسكت عليّ ، فلم يزالا كذلك يسكت هذا، ويقرأ ذاك مراراً، حتى قرأ عليّ (علیه
السلام) : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ) (2)، فسكت ابن الكَوّاء،
وعاد(علیه السلام) إلى قراءته .
الأصل: إِنَّ الْوَفَاء تَوْءَمُ الْصِّدْقِ، وَلا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَىٰ مِنْهُ، وَما يَغْدِر مَنْ عَلِمَ كَيْفَ المَرْجِعُ . وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الغَدْرَ كَيْساً ، وَنَسَبَهم أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَىٰ حُسْنِ الْحِيلَةِ .
مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللّٰه ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللّٰه وَنَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأيَ عَيْنِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَ، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ.
الشرح: يقال : هذا توءم هذا ، وهذه توءمته، وهما توءمان، وإنما جُعل الوفاء توءم الصدق، لأنّ الوفاء صدقٌ في الحقيقة، الاَ تَرى أنّه قد عاهد عَلَى أمر وصدق فيه ولم يُخْلِف، وكأنهما أعمّ و
أخصّ ، وكل وفاءٍ صدق وليس كلّ صدقٍ وفاء، فإن امتنع من حيث الاصطلاح تسميةُ الوفاء صدقاً فلأمرِ آخر، وهو أن الوفاء قد يكون بالفعل دون القول، ولا يكون الصدق إلاّ في
القول، لأنّه نوع من أنواع الخبر، والخبر قول.
ثم قال : «ولا أعلم جُنّة» أي درعاً. أوقَى منه، أي أشدّ وقاية وحفظاً، لأن الوفيّ محفوظ من
اللّٰه ، مشكور بين الناس.
ثم قال: «وما يغدر مَنْ عَلِمَ كيف المرجع»، أي مَنْ علم الآخرة وطوَى عليها عقيدته، منعه
ذلك أن يغدِر، لأن الغدر يُحْبطِ الإيمان .
ثم ذكر أنّ الناس في هذا الزمانِ ينسبون أصحاب الغدر إلى الكَيْس، وهو الفِطْنة والذكاء،
فيقولون لمن يخدَع ويغدِر، ولأرباب الجريرة والمكْر: هؤلاء أذكياء أكياس، كما كانوا يقولون في عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وينسبون أرباب ذلك إلى حسن الحيلة وصحة التدبير .
ثم قال: «ما لهم قاتلَهم اللّٰه» ! دعاء عليهم .
ثم قال : قد يَرى الحوّل القلّبُ وجهَ الحيلة، ويمنعه عنها نهيُ اللّٰه تعالى عنها، وتحريمه بعد أن
قَدَر عليها ، وأمكنه . والحوّل القلّب: الذي قد تحوِّل وتقلّب في الأمور وجَرّب، وحنّكَته
الخطوب والحوادث.
ثم قال : «وينتهز فُرْصتها ، أي يبادر إلى افتراصها ويغتنمها . مَنْ لا حريجة له في الدين، أي
ليس بذي حَرَج، والتحرّج: التأثم والحريجة :التقوى، وهذه كانت سجيته (علیه السلام)وشيمته،
مَلَک أهلُ الشام الماء عليه، والشريعة بصفّين، وأرادوا قتْلَه وقتلَ أهل العراق عطشاً، فضارَبهم
على الشريعة حتى مَلَكها عليهم، وطردَهم عنها، فقال له أهل العراق: اقْتُلْهُم بسيوف العطش،
وامنعهم الماء، وخذهم قَبْضاً بالأيدي، فقال: إنّ في حد السيف لغنَى عن ذلك، وإني لا أستحلّ منعَهم الماء. فأفرَجَ لهم عن الماء فوردوه، ثم قاسمهم الشريعة شَطَرَيْن بينهم وبينه . وكان الأشتر يستأذنه أن يبيِّت (1)معاوية، فيقول : إنّ رسول اللّٰه(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) نهى أن يُبَيَّتَ
المشركون، وتوارث بنوه هذا الخُلق الأبيّ .
أراد المضاءُ أن يُبَيِّت عيسى بن موسى فمنعه إبراهيم بن عبد اللّٰه .
وأرسل لما ظهر بالبصرة إلى محمد بن قحطبة مولى باهلة وكان قد وُلِّيَ لأبي جعفر المنصور
بعضَ أعمالِ بفارس، فقال له : هل عندك مال ! قال : لا ، قال : آللّٰه؟ قال: آللّٰه . قال : خلُّوا
سبيله فخرج ابن قَحْطبة، وهو يقول بالفارسية: ليس هذا من رجال أبي جعفر. وقال لعبد الحميد بن لاحق: بلغني أن عندك مالاً للظلمة، يعني آل أبي أيوب الموريانيّ كاتب المنصور، فقال : ما لهم عندي مال، قال : تُقسِم باللّٰه ! قال : نعم، فقال : إن ظهرَ لهم عندك مال لأعدّنك كذاباً .
وأرسل إلى طلحة الغدريّ - وكان للمنصور عنده مال - بلغنا ، أنّ عندك مالاً فأتِنا به، فقال: أجل، إنّ عندي مالاً ، فإن أخذتَه مني أغرمَنيه أبو جعفر، فأضرب عنه.
وكان لغير إبراهيم(علیه السلام) من آل أبي طالب من هذا النوع أخبار كثيرة، وكان القوم أصحابَ دين ليسوا من الدنيا بسبيل، وإما يطلبونها ليقيمُوا عمود الدين بالإمرة فيها، فلم يستقم لهم، والدنيا إلى أهلها أميل .
1) بيت: تبييت العدو: هو أن يقصد في الليل من غير أن يعلم، فيؤخذ بغتة .اللسان، مادة (بيت).
ومن الأخبار النبوية المرفوعة في ذم الغَدْر : «ذمة المسلمين واحدة، فإن جارت عليهم أمة
منهم، فلا تَخْفِروا جوارها، فإنّ لكل غادر لواء يعرَف به يوم القيامة» (1).
وروى أبو هريرة، قال: مرّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم) برجل يبيع طعاماً فسأله : كيف تبيع؟ فأخبره، فأمر أبا هريرة أن يدخِل فيه يدَه، فأدخلها فإذا هو مبلول، فقال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله و سلم): «ليس منّا من غشّ »(2).
قال بعضُ الملوك لرسول وردَ إليه من ملك آخر : أطلعْنِي على سِرّ صاحبك ، فقال : أيها الملك، إنا لا نستحسن الغدر، وإنه حُوِّل ثواب الوفاء إليه لما كان فيه عوض من قُبْحه، ولكان
سماجة اسمه وبشاعة ذكره ناهيَيْن عنه.
مالك بن دينار، كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة .
وقع جعفر بن يحيى على ظهر كتابِ كتبه عليّ بن عيسى بن ماهان إلى الرشيد، يسعى فيه
بالبرامكة، فدفعه الرشيدُ إلى جعفر، یمنّ به عليه، وقال: أجِبْه عنه، فكتب في ظاهره : حَبّب اللّٰه
إليك الوفاء يا أخي فقد أبغضتَه، وبغّض إليك الغدَر فقد أحببتَه، إنّي نظرت إلى الأشياء حتى أجدَ لك فيها مشبهاً فلم أجد ، فرجعت إليك، فشبهّتك بك، ولقد بَلَغَ من حسن ظنّك بالأيام أنْ أمّلْت
السلامة مع البغي، وليس هذا من عاداتها. والسلام.
كان العهد في عيسى بن موسى بن محمد بعد المنصور بكتاب كَتَبه السفّاح، ، فلما طالت
أيامُ المنصور، سامه أن يخَلع نفسَه من العهد، ويقدّم محمداً المهديّ عليه، فكتب إليه عيسى : بَدَتْ لِي أماراتٌ من الغَدْرِ شِمْتُها*** أرى ما بدا منها سَيُمطرِكُمْ دَمَا
وَمَا يعلَمُ العالِي مَتَى هبطاتُه*** وإن سار في ريح الغُرورِ مُسَلَّماً
1) أخرج بنحو الشطر الأول منه البخاري، كتاب: الحج، باب: حرم المدينة (1870)، ومسلم، کتاب: الحج، باب : فضل المدينة (1370)، وأخرج الشطر الثاني منه البخاري). كتاب: الجزية، باب: تحريم القدر (1735).
2) أخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، باب: قول النبي(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : «من غشنا فليس منا» (102)، والترمذي، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كراهية الغش في البيوع (1315)، وأبو داود، كتاب: البيوع، باب: النهي عن الغش (3452) ، وابن ماجه، كتاب: التجارات، باب: النهي عن الغش .(2224).
أبو هريرة يرفعه : «اللهمّ إني أعوذ بك من الجُوع فبئسَ الضّجيع، وأعوذ بك من الخيانة فبئست
البطانة !» (1).
وعنه مرفوعاً: «المكر والخديعة والخيانة في النار» (2).
قال مروان بن محمد لعبد الحميد الكاتب، عند زوال أمره: أرى أن تصير إلى هؤلاء، فلعلّك أن تنفَعني في مخلفي ، فقال : وكيف لِي بعلْم الناس جميعاً أنّ هذا عن رأيك! إنّهم لَيقولون كلّهم : إني غَدَرْتُ بك، ثم أنشد:
وغَدْرِي ظاهرٌ لا شكّ فيه*** لمبصره وعذرِي بالمَغِيبِ
فلما ظفر به عبد اللّٰه بن عليّ ،قَطَع يديه ورجْليه، ثم ضرب عُنقه .
كان يقال : لا يغدِر غادر إلاّ لصغر همّته عن الوفاء، واتّضاع قَدْره عن احتمال المكاره في جَنْب نَيْل المكارم.
من كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) : الوفاء لأهل الغدر غَدْر ، والغدرُ بأهل الغدر وفاء عند اللّٰه تعالى .
قلت: هذا إنّما يريد به إذا كان بينهما عَهْد ومُشارطة، فغدَر أحد الفريقين وخاس(3)بشرْطه، فإنّ
للآخر أن يغدر بشرطه أيضاً ولا يفي به.
ومن شعر الحماسة، واسم الشاعر العارق الطائيّ :
مَنْ مبلغٌ عَمْرَو بن هِنْدِ رسالةً ***إذ استحقَبتْها العيسُ جَاءَتْ من البُعْدِ
أيوعدُني والرّمْلُ بيني وبينَه*** تبيَّنْ رُويداً ما أَمامَةُ من هِنْدِ
ومِنْ أجَا حَوْلي رِعانٌ كانّها*** قنابِل خَيْلٍ من كُمَيْتِ ومِنْ وَرْدِ
غدرتَ بأمرِ كنتَ أنت اجْتَرَرْتَنَا*** إليه وبئس الشيمةُ الغدر بالعهْدِ
1) أخرجه النسائي، كتاب: الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الجوع (5468)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: في الاستعاذة (1547) ، وابن ماجه، كتاب: الأطعمة، باب : التعوذ من الجوع (3354).
2) أخرجه أبو داود في «المراسيل » (165) ، وذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (7820) وعزاء لأبي داود في المراسيل، وكذلك ذكره السيوطي في «الجامع الصغير» (9233)، وعزاه لأبي داود في المراسيل.
3) خاس : خاس عهده إذا نقضه وخانه. اللسان، مادة (خيس).
قال أبو بكر الصديق: ثلاثٌ مَنْ كُنّ فيه كنّ عليه : البغي والنّكْث والمكر، قال سبحانه: (یٰا ايُّها
النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم) (1)، وقال: ﴿فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ) (2)، وقال :
(ولا يحيقُ الْمَكْرُ السَّيّیُ إلَّا بِأَهْلِهِ )(3)
الأصل: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم اثنتان: اتَّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الأَمَل ، فَأَمَّا اتَّبَاعُ
الْهَوَى فَيَصُدُّ عَن الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَة.
ألاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ، أَصْطَبَهَا صَابُّهَا . الاَ وَإِنَّ
الآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ ، وَلِكُلِّ مِنْهُمَا بَنُون فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ كُلَّ
وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأُمِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَداً حِسَابٌ وَلاَ عَمَل .
قال الرضي رحمه اللّٰه : أَقول : الحَذَّاءُ : السَّرِيعة، ومن النَّاس من يَرْويه : «جَذَّاءَ» بالجيم والذَال ، أي انْقَطَع دَرُّها وَخَيْرُها .
الشرح: الصُّبابة : بقية الماء في الإناء. واصطبتها صابُّها، مثل قولك : أبقاها مُبقيها أو تركها تاركها، ونحو ذلك، يقول: أخوَف ما أخافه عليكم اتّباع الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فيصدّ عن
الحق، وهذا صحيح لا ريب فيه، لأنّ الهوى يُعمي البصيرة، وقد قيل : حُبّك الشيء يُعمي ويُصِمّ، ولهذا قال بعض الصالحين : رحِم اللّٰه امرأ أهدى إليّ عيوبي، وذاك لأنّ الإنسان يحبُّ نفسَه، ومن أحبّ شيئاً عَمِيَ عن عيوبه، فلا يكاد الإنسانُ يلمح عيبَ نفسه، وقد قيل :
أَرَى كلّ إِنْسَانٍ يَرَى عَيْبَ غَيْرِه*** وَيَعْمَى عن الْعَيْبِ الَّذِي هُوَ فِيهِ
فلهذا استعان الصالحون عَلَى معرفة عيوبهم بأقوال غيرهم، علماً منهم أنّ هوى النفس لذاتِها
يُعميها عن أن تُدْرِك عيبَها، وما زال الهوى مُرْدياً ،قَتّالاً، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ
الهَوىٰ) (4)، وقال(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) : «ثلاثٌ مُهلكَات: شُحُّ مُطاعٌ ، وهوَى متبَّع، وإعجاب المرء بنفسه» (5).
وأنت إذا تأملت هلاك مَنْ هلك من المتكلمين كالمجبرة والمرجِئة، مع ذكائهم وفِطنتهم و
اشتغالهم بالعلوم، عرفت أنه لا سبب لهلاكهم إلا هوى الأنفس، وحبِّهم الانتصار للمذهب
الذي قد ألفوه، وقد رأسوا بطريقه، وصارت لهم الأتباع والتلامذة، وأقبلت الدنيا عليهم،
وعدّهم السلاطين علماء ورؤساء ،فيكرهون نقض ذلك كلّه وإبطاله، ويحبون الانتصار لتلك
المذاهب والآراء التي نشؤوا عليها، وعرفوا بها، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه بطريقها، ويخافون عار
الانتقال عن المذهب، وأن يشتفيَ بهم الخصوم ويقرّعهم الأعداء، ومن أنصفَ علِم أنّ الذي
ذكرناه حقّ. وأما طولُ الأمل فينِسي الآخرة، وهذا حقّ، لأن الذهن إذا انصرف إلى الأمل، ومدّ
الإنسان في مداه، فإنه لا يذكر الآخرة، بل يصير مستغرق الوقت بأحوال الدنيا، وما يرجو حصوله منها في مستقبل الزمان.
ومن كلام مِسْعر بن كِدام: كم مِن مُسْتَقبِل يوماً ليس يستكمِلُه، ومنتظرِ غداً ليس من أَجَلِه !
ولو رأيتم الأجل ومسيرة أبغضتم الأملَ وغروره.
وكان يقال : تسويف الأمل غِرار، وتسويل المحال ضِرار.
ومن الشعر المنسوب إلى عليّ (علیه السلام) :
غَرْجَهولاً أملهْ*** يموتُ مَنْ جَا أجلُهْ
وَمَنْ دَنَا مِنْ حَتْفِهِ*** لَمْ تُغْنِ عَنْهُ حِيَلُهْ
ومابقاءُ آخِرِ*** قَدْ غَابَ عَنْهُ اوّلُهْ
والمرءُ لا يصحَبُه ***في القَبْرِ إلا عَمَلُهْ
وقال أبو العتاهية :
لا تأمَنِ الموتَ في لحظِ وَلا نَفَسِ*** ولو تمَنّعْتَ بالحُجَّابِ والحَرَس
واعْلَمْ بأنّ سِهَامَ الموتِ قَاصِدَةٌ*** لِكُلِّ مدّرع مِنّا ومُتَّرِسِ
ما بالُ دينك تَرْضَى أَن تُدَنِّسَهُ ***وَثَوْبُ لُبْسِكَ مَغْسُولٌ مِنَ الدَّنَسِ !
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا*** إِنَّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ
ومن الحديث المرفوع: «أيّها النّاس إنّ الأعمالَ تُطوَى، والأعمار تَفْنى، والأبدانَ تَبْلَى في الثري، وإن الليل والنهار يتراكَضَان تراكُضَ الفرقدين (1)، يقرّبان كلَ بعيد، ويُخْلِقان كل جديد، وفي
ذلك ما ألْهَى عن الأمل، وأذكرك بحُلول الأجل» (2)
وقال بعض الصالحين: بقاؤك إلى فناء، ومناؤك إلى بقاء، فخذ من فنائك الذي لا يبقى،لبقائك
الذي لا يفنى.
وقال بعضهم : اغتنم تنفُس الأجل، وإمكان العمل، واقطع ذِكْرَ المعاذير والعلَل، ودع تسويف
الأماني والأمل، فإنك في نفسِ معدود، وعمْر محدود ليس بممدود.
وقال بعضهم : اعمل عَمل المرتحل، فإنّ حاديَ الموت يحدُوك ليوم لا يعدوك.
ثم قال(علیه السلام) : «ألا إن الدنيا قد أدبرت حذّاء» بالحاء والذال المعجمة، وهي السریعة و
قطاة حذّاء: خفّ ريشُ ذَنَبها ، وَرَجُل أحذَّ، أي خفيف اليد، وقد رُوي، «قد أدبرت جذّاء»
بالجيم، أي قد انقطع خَيْرُها ودَرّها .
ثم قال : إن كل ولد سيلْحَق بأمّه يوم القيامة، فكونوا من أبناء الآخرة لتلحقوا بها وتفوزوا، ولا
تكونوا من أبناء الدنيا فتلحقوا بها وتخسروا .
ثم قال : «اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل»، وهذا من باب المقابلة في علم
البيان.
الأصل: إِنَّ اسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَجَرِيرٌ عِنْدَهُمْ إِغْلاَقٌ لِلشَّامِ، وَصَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَيْرٍ إِنْ
أَرَادُوهُ، وَلَكِنْ قَدْ وَقَّتُّ لِجَرِيرٍ وَقْتاً لا يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلا مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِياً ، وَالرَّأيُ معَ الْأَنَاةِ فَأَروِدُوا، وَلَا أَكْرَهُ لَكُمُ الْإِعْدَادَ .
وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الْأمْرِ وَعَيْنَهُ، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطْنَهُ، فَلَمْ أَرَ فِيهِ إِلا الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ به
مُحَمَّدٌ صَلَّى اللّٰه عَلَيْهِ .
إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى الْأُمِّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً ، وَأَوْجَدَ النَّاسِ مَقَالاً فَقَالُوا ، ثم نَقَمُوا فَغَيَّرُوا .
الشرح: أرودوا، أي ارْفُقوا في السّير إِرواداً ، أي سار برِفْق، والأناة: التثبّت والتأنّي ونهيه لهم عن
الاستعداد، وقوله بعد: «ولا أكره لكم الإعداد» غيرُ متناقض، لأنه كَره منهم إظهار الاستعداد و
الجَهر به، ولم يكره الإعداد في السرّ، وعلى وجه الخفاء والكتمان، ويمكن أن يقال إنّه كرِه
استعداد نفسه، ولم يكره إعداد أصحابه، وهذان متغايران. وهذا الوجهُ اختاره القطب الراونديّ.
ولقائل أن يقول : التعليلُ الذي علّل به (علیه السلام)يقتضي كراهيَة الأمْرين معاً، وهو أن يتّصل
بأهل الشام الاستعداد فيرجعوا عن السّلم إلى الحرب، بل ينبغي أن تكونَ كراهته لإعداد جيشه و
عسكره خيولَهم وآلات حربهم أوْلَى، لأنّ شياع ذلك أعظمُ من شياع استعداده وحده، لأنه وحدَه يمكن أن يكتم استعداده، وأما استعداد العساكر العظيمة، فلا يمكن أن يُكْتَم، فيكون اتصالُه و
انتقاله إلى أهل الشام أسرَع، فيكون إغلاق الشام عن باب خيرِ إن أرادوه أقرب، والوجه في الجمع بين اللفظتين ما قدمناه
وأما قوله (علیه السلام): «ضربت أنف هذا الأمر وعينَه»، فمثل تقوله العرب إذا أرادت الاستقصاء في البحث والتأمّل والفِكْر، وإنما خَصّ الأنف والعين لأنهما صورة الوجه، والذي يتأمّل من
الإنسان إنما هو وجهه.
وأما قوله : «ليس إلاّ القِتَالُ أو الكفر» فلانّ النهيَ عن المنكَر واجبٌ على الإمام، ولا يجوز
له الإقرار عليه، فإن تركَه فَسَق، ووجبَ عزلهُ عن الإمامة .
وقوله : «أو الكفر» من باب المبالغة، وإنما هو القتال أو الفِسْق، فسمّى الفِسْق كفراً تغليظاً و
تشديداً في الزجر عنه.
وقوله(علیه السلام) : «أوجد النّاس مقالاً» ، أي جعلَهم واجدين له .
وقال الراونديّ: أوجد هاهنا بمعنى «أغضب». وهذا غير صحيح، لأنه لا شيء ينصب به «مقالاً» إذا كان بمعنى «أغضب». والوالي المشار إليه عثمان.
يجب أن نذكرها هنا أحداثه، وما يقوله أصحابُنا في تأويلاتها، وما تكلَّمَ به المرتضى في كتاب
«الشافي» في هذا المعنى، فنقول :
إنّ قاضي القضاة (رحمه اللّٰه تعالى)، قال في «المغني» قبل الكلام في تفصيل هذه الأحداث
كلاماً مجملاً، معناه أنّ كل مَنْ تثبت عدالته ووجب تولّيه إمّا على القطع وإمّا على الظاهر فغير
جائزِ أن يُعدَل فيه عن هذه الطريقة إلا بأمرِ متيقَّن يقتضي العدولَ عنها، يبيّن ذلك أنّ مَنْ شاهدناه على ما يوجب الظاهر تولِّيه وتعظيمه يجب أن يبقَى فيه على هذه الطريقة، وإن غاب عَنّا. وقد
عرفنا أنّهُ مع الغيبة يجوز أن يكون مستمرًا على حالته، ويجوز أن يكون منتقلاً ، ولم يقدح هذا
التجويز في وجوب ما ذكرناه .
ثم قال : فالحدث الذي يُوجِب الانتقال عن التعظيم والتولّي إذا كان من باب محتمَل لم يجز
الانتقال لأجله. والأحوال المتقرّرة في النفوس بالعادات والأحوال المعروفة فيمن نتولاّه أقوى في باب الإمارة من الأمور المتجدّدة، فإنّ مثلَ فرقد السَّبَخيّ ، ومالك بن دينار لو شوهدا
في دارِ فيها منكَر لَقَوِيَ في الظَّنّ حضورهما للتغيير والإنكار، أو على وجه الإكراه أو الغلط، ولو كان الحاضر هناك مَنْ عُلِم من حاله الاختلاط بالمنكر لجوّز حضوره للفساد، بل كان ذلك
هو الظاهر من حاله .
ثم قال : واعلم أن الكلامَ فيما يُدَّعى من الحدَث والتغيّر فيمن ثبت توليه، قد يكونُ من وجهين :
أحدهما : هل علم بذلك أم لا ؟
والثاني : أنه مع يقين حصوله : هل هو حَدَثٌ يؤثِّر في العدالة أم لا؟
ولا فرق بَيْن تجويز ألا يكون حدث أصلاً، وبين أن يعلم حدوثه ويجوز ألا يكون حدثاً . ثم قال : كلّ محتمل لو أخبر الفاعل أنّه فعله على أحد الوجهين، وكان يغلِبُ على الظّن صدقه لوجب تصديقه، فإذا عرف من حاله المتقررة في النّفوس ما يطابق ذلك جَرَى مجرى الإقرار، بل ربما
كان أقوى ومتى لم نسلك هذه الطريقة في الأمور المشتبهة لم يصحّ في أكثر من نتولاه ونعظّمه
أن تسلم حاله عندنا، فإنّا لو رأينا من يُظنّ به الخير يكلم امرأة حسناء في الطريق لكان ذلك من
باب المحتمل، فإذا كَانَ لو أخبر أنّها أخته أو امرأته لوجب ألا نحول عن توليه، فكذلك إذا كان قد تقدّم في النفّوس سترُه وصلاحه، فالواجب أن نحمِلَه على هذا الوجه .
ثم قال : وقول الإمام له مزّية في هذا الباب، لأنه أكد من غيره، وأمّا ما ينقل عن رسول اللّٰه (صلی اللّٰه علیه و آله و سلم)فإنه وإن لم يكن مقطوعاً به يؤثّر في هذا الباب، ويكون أقْوَى مما تقدّم. ثم قال : وقد طعن الطاعنون فيه بأمور متنوعة مختلفة، ونحن نقدّم على تلك المطاعن كلاماً مجملاً ، يبين بطلانها على الجملة، ثم نتكلم عن تفصيلها .
قال : وذلك أنّ شيخنا أبا عليّ (رحمه اللّٰه تعالى) قد قال : لو كانت هذه الأحداث مما تُوجِب
طعناً على الحقيقة، لوجب من الوقت الذي ظهر ذلك من حاله أن يطلب المسلمون رجلاً يُنصَب للإمامة، وأن يكون ظهور ذلك عن عثمان كموته، فإنه لا خلاف أنّه متى ظهر من الإمام ما
يوجب خلعه، أنّ الواجب على المسلمين إقامة إمام سواه، فلما علمنا أنّ طلبَهم لإقامة إمام إنّما
كان بعد قتله، ولم يكن من قبلُ والتمكن قائم، علمنا بطلان ما أضيف إليه من الأحداث. قال :
وليس لأحدِ أن يقول : إنّهم لم يتمكّنوا من ذلك، لأنّ المتعالَم من حالهم أنّهم حصروه ومنعوه من التمكّن من نفسه، ومن التصرّف في سلطانه، خصوصاً والخصوم يدّعون أنّ الجميعَ كانوا على
قول واحد في خَلْعه والبراءة منه .
قال : ومعلوم من حال هذه الأحداث أنّها لم تحصل أجمع في الأيام التي حوصر فيها
وقتِل، بل كانت تحصل من قَبْل حالاً بعد حال، فلو كان ذلك يُوجِب الخلع والبراءة لما تأخّر من المسلمين الإنكارُ عليه، ولكان كبار الصحابة المقيمون بالمدينة أوْلَى بذلك من الواردين من البلاد، لأن أهل العلم والفضل بإنكار ذلك أحق من غيرهم.
قال : فقد كان يجبُ على طريقتهم أن تحصُل البراءَة والخَلعُ من أول الوقت الذي حَصَل منه ما
أوجب ذلك، وألاّ ينتظر حصول غيره من الأحداث، لأنه لو وجب انتظار ذلك لم ينته إلى حدّ إلا وينتظر غيره.
ثم ذكر أنّ إمساكهم عن ذلك إذا تيقّنوا الأحداث منه يُوجب نسبةَ الجميع إلى الخطأ والضلال. ولا يمكنهم أن يقولوا : إنّ علمهم بذلك إنما حصل في الوقت الذي حُصِر ومُنِعَ لأنّ من جملة الأحداث التي يذكرونها ما تقدم عن هذه الحال، بل كلها أو جلّها تقدم هذا الوقت، وإنما يمكنهم
أن يتعلّقوا فيما حدث في هذا الوقت بما يذكرونه من حديث الكتاب النافذ إلى ابن أبي سَرْح
بالقتل، وما أوجب كون ذلك حدثاً يوجِبُ كونَ غيره حدثاً، فكان يجب أن يفعلوا ذلك من قبل، واحتمالُ المُتقدم للتأويل كاحتمال المتأخّر .
ثم قال : وبعد، فليس يخلُو مِنْ أن يَدّعوا أن طلب الخلع وقع من كلّ الأمة أو من بعضهم، فإن
ادّعَوْا ذلك في بعض الأمة، فقد علمنا أنّ الإمامة إذا ثبتت بالإجماع لم يجز إبطالُها بلا خلاف،
لأنّ الخطأ جائز على بعض الأمة، وإن ادعَوْا في ذلك الإجماع لم يصح، لأن من جملة أهل
الإجماع عثمان ومَنْ كان ينصره، ولا يمكن إخراجه من الإجماع، بأن يقال: إنه كان على باطل، لأن بالإجماع يتوصّل إلى ذلك، ولم يثبت.
ثم قال : على أنّ الظاهر من حال الصحابة أنّها كانت بين فريقين، أمّا مَنْ نصره، فقد رُوِي
عن زيد بن ثابت أنه قال لعثمان ومن معه من الأنصار: ائذن لنا بنصرك. وروي مثل ذلک عن ابن عمر وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة، والباقون ممتنعون انتظاراً لزوال العارض، إلا أنه لو ضُيّق عليهم الأمر في الدفع ما قعدوا، بل المتعالَم من حالهم ذلك .
ثم ذكر ما رُوِي من إنفاذ أمير المؤمنين(علیه السلام) الحسن والحسين (علیه السلام)إليه، وأنه لما قُتِل لا مَهما (علیه السلام)على وصول القوم إليه، ظناً منه أنهما قَصّرا .
وذكر أنّ أصحاب الحديث يروون عن النبيّ(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) أنه قال : «ستكونُ فتنة واختلاف، وإنّ عثمان وأصحابَه يومئذ على الهدى» (1). وما رُوِيَ عن عائشة من قولها : «قُتِل واللّٰه مظلوماً» (2)
قال : ولا يمتنع أن يتعلق بأخبار الأحاديث في ذلك، لأنه ليس هناك أمر ظاهر يدفعه، نحو
دعواهم أن جميعَ الصحابة كانوا عليه، لأن ذلك دعوى منهم، وإن كان فيه رواية من جهة الآحاد، وإذا تعارضت الروايات سقطت، ووجب الرجوع إلى ما ثبت من أحواله السليمة، ووجوب توليه .
قال : ولا يجوز أن يعدَل عن تعظيمه وصحّة إمامته بأمور محتمَلة، فلا شيء مما ذكروه إلا و
يحتمل الوجه الصحيح.
ثم ذكر أنّ للإمام أن يجتهدَ برأيه في الأمور المنُوطة به، ويعمل فيها على غالب ظنه، وقد
يكون مصيباً، وإن أفضتْ إلى عاقبة مذمومة .
فهذه جملة ما ذكره قاضي القضاة (رحمه اللّٰه تعالى) في «المغني» من الكلام إجمالاً في دفع
ما يُتعلق به على عثمان من الأحداث.
واعترض المرتضى ( رحمه اللّٰه تعالى) في «الشافي» فقال :
أما قوله : «مَنْ تثبت عدالته ووجب توليه إمّا قطعاً أو على الظاهر، فغير جائز أن يُعَدل فيه عن هذه الطريقة إلا بأمر متيقن» ، فغير مسلّم لأن مَنْ نتولاّه على الظاهر، وثبتت عدالتُه عندنا من جهة
غالب الظَّنّ، يجب أن نرجع عن ولايته بما يقتضي غالبَ الظنّ دون اليقين، ولهذا يؤثّر في جَرْح
الشهود وسقوط عدالتهم أقوالُ الجارحين، وإن كانت مظنونة غير معلومة. وما يظهر من أنفسهم
من الأفعال التي لها ظاهر يُظَنّ معه القبيح بهم حتى نرجعَ عما كنا عليه من القول بعد التهم، وإن لم يكن كلُّ ذلك متيقنَّا، وإنما يصحّ ما ذكره فيمنْ ثبتتْ عدالته على القَطْع ووجب توليه على
الباطن، فلا يجوز أن يؤثِّر في حاله ما يقتضي الظَّنّ، لأنّ الظنّ لا يقابل العلم، والدلالة لا تقابل
الأمارة. فإن قال : لم أرِدْ بقولي إلاّ بأمرِ متيقَّن أن كونه حدَثاً متيقّن، وإنما أردت تيقُّنَ وقوع
الفعل فسِه .
قلنا : الأمرَانِ سواء في تأثير غَلبَة الظنّ فيهما ، ولهذا يؤثِّر في عدالة مَنْ تقدمتْ عدالته عندنا على سبيل الظنّ أقوالُ من يخبرنا عنه بارتكاب القبائح إذا كانوا عدولاً ، وإن كانت أقوالهم لا تقتضِي
اليقينَ، بل يحصل عندها غالبُ الظنّ. وكيف لا نرجع عن ولاية مَنْ توليناه على الظّاهر بوقوع
أفعالِ منه يقتضي ظاهرُها خلافَ الولاية، ونحن إنما قلنا بعدالته في الأصل على سبيل الظاهر! ومع التجويز لأن يكون ما وقع منه في الباطن قبيحاً لا يستحقّ به التولّي والتعظيم، ألا ترى أنّ مَنْ
شاهدْناه يلزمُ مجالسَ العلم، ويكرّر تلاوة القرآن، ويُدْمِنُ الصلاة والصيام والحج، يجب أن نتولاّه ونعظّمه على الظاهر ! وإن جوّزنا أن يكون جميعُ ما وقع منه مع خبث باطنه، وأن غرضه في فعله
القبيح فلم نتولّه إلا على الظاهر. ومع التجويز ،فكيف لا نرجع عن ولايته
بما يقابل هذه الطريقة! فأما مَنْ غاب عَنّا وتقدمت له أحوال تقتضي الولاية، فيجب أن نستمرّ على ولايته، وإن جوزْنا على الغيبة أن يكون منتقِلاً عن الأحوال الجميلة التي عهدناها منه، إلا أنّ هذا تجويز مَحْض لا ظاهر معه يقابل ما تقدّم من الظاهر الجميل، وهو بخلاف ما ذكرناه من مقابلة
الظاهر للظاهر، وإن كان في كلّ واحد من الأمرين تجويز .
قال : وقد أصاب في قوله : «إنّ ما يحتمل لا ينتقل له عن التعظيم والتوليّ» إن أراد بالاحتمال ما لا ظاهر له ،وأمّا ما له ظاهر ومع ذلك يجوز أن يكون الأمر فيه بخلاف ظاهره ،فإنه لا يسمىّ
محتملاً. وقد يكون مؤثراً فيما ثبت من التولي على الظاهر على ما ذكرناه .
قال : فأما قوله : «إنّ الأحوال المتقررة في النفوس بالعادات فيمن نتولاه تؤثر ما لا يؤثر غيرها، وتقتضي حَمْلَ أفعاله الصحة والتأوّل له، فلا شك أن ما ذكره مؤثر وطريق قوي إلى غلبة الظن إلا أنه ليس يقتضي ما يتقرّر في نفوسنا لبعض من نتولاه على الظاهر أن نتأوّل كل ما يشاهد منه من الأفعال التي لها ظاهر قبيح، ونحمل الجميع على أجمل الوجوه، وإن كان بخلاف الظاهر، بل
ربما تبين الأمر فيما يقع منه من الأفعال التي ظاهرها القبيح إلى أن تؤثر في أحواله المقرّرة ونرجع بها عن ولايته، ولهذا نجد كثيراً من أهل العدالة المتقرّرة لهم في النفوس، ينسلخون منها حتى يلحقوا بمن لا تثبت له في وقت من الأوقات عدالة، وإنما يكون ذلك بما يتوالى منهم ويتكرر من الأفعال القبيحة الظاهرة.
قال : فأما ما استشهد به من أنّ مثل مالك بن دينار لو شاهدناه في دارٍ فيها منكر لقوي في الظنّ حضوره لأجل التغيير والإنكار، أو على وجه الإكراه والغلط وأن غيره يخالفه في هذا الباب، فصحيح لا يخالف ما ذكرناه لأنّ مثل مالك بن دينار ممّن تناصرت أمارات عدالته وشواهد نزاهته حالاً بعد حال، لا يجوز أن يقدح فيه فعل له ظاهر قبيح، بل يجب لما تقدّم مِنْ حاله أن نتأوّل فعله، ونخرجه عن ظاهره إلى أجمل وجوهه. وإنما وجب ذلك لأن الظنون المتقدمة أقوى وأولى بالترجيح والغلبة، فنجعلها قاضية على الفعل والفعلين، ولهذا متى توالت منه الأفعال القبيحة الظاهرة وتكرّرت قدحت في حاله، وأثرت في ولايته، كيف لا يكون كذلك وطريق ولايته في الأصل هو الظنّ والظاهر، ولا بد من قدح الظاهر في الظاهر، وتأثير الظن في الظن على بعض الوجوه .
قال : فأما قوله : «فإنّ كلّ محتمل لو أخبرنا عنه وهو مما يغلب على الظنّ صدقه أنه فعله على
أحد الوجهين، وجب تصديقُه، فمتى عرف من حاله المتقرّرة في النفوس ما يطابق ذلك، جَرَى
مجرى الإخبار»، فأوَّل ما فيه أنّ «المحتمَل» هو ما لا ظاهر له من الأفعال، والذي يكون جواز
كونه قبيحاً كجواز كونه حسناً، ومثل هذا الفعل لا يقتضي ولاية ولا عداوة، وإنّما يقتضي الولاية ما له من الأفعال ظاهر جميل، ويقتضي العداوة ماله ظاهر قبيح.
فإن قال : أردتُ بالمحتمَل ماله ظاهر، لكنه يجوز أن يكونَ الأمر بخلاف ظاهره.
قيل له : ما ذكرتَه لا يسمى محتمَلاً ، فإنْ كنت عنيتَه فقد وضعت العبارة في غير موضعها، ولا شكّ في أنّه إذا كان ممّن لو أخبرنا بأنه فعل الفعل على حد الوجهين لوجب تصديقُه، وحمل
الفعل على خلاف ظاهره، فإنّ الواجب لما تقرّر له في النفوس أن يُتأوّل له ويعدل بفعله عن الوجه القبيح إلى الوجه الجميل، إلا أنه متى توالتْ منه الأفعال التي لها ظواهر قبيحة، فلا بدّ أن تكون
مؤثرة في تصديقه، مَتى خُبّرنا بأن غرضَه في الفعل خلاف ظاهره، كما تكون مانعة من الابتداء بالتأوّل.
وضربه المثل بأنّ من نراه يكلِّم امرأة حسناء في الطريق إذا أخبر أنها أختُه أو امرأته في أنّ تصديقه واجب، ولو لم يخبر بذلك لحملنا كلامَه لها على أجمل الوجوه، لما تقدم له في النفوس -
صحيح، إلا أنه لا بد من مراعاة ما تقدم ذكره، من أنه قد يقوَى الأمر لقوّة الأمارات والظواهر إلى حد لا يجوز معه تصديقه ولا التأول له، ولولا أنّ الأمر قد ينتهي إلى ذلك لما صحّ أن يخرج أحد عندنا من الولاية إلى العداوة، ولا من العدالة إلى خلافها، لأنّه لا شيء مما يفعله الفسّاق
المتهتكون إلا ويجوز أن يكونَ له باطن بخلاف الظاهر، ومع ذلك فلا يلتفت الی هذا التجويز، يبين صحة ما ذكرناه أنّا لو رأينا من يُظنّ به الخير يكلّم امرأة حسناء في الطريق ويداعبها و
يضاحِكها لظنّنا به الجميل مرة ومرات، ثم ينتهي الأمر إلى ألا نظنه . وكذلك لو شاهدناه و
بحضْرته المنكَر، لحملْنا حضوره على الغلط أو الإكراه أو غير ذلك من الوجوه الجميلة . ثم
لابدّ من انتهاء الأمر إلى أن نظنّ به القبيح ولا نصدقه في كلامه.
قال : ثم نقول له أخبرنا عَمّن شاهدناه من بُعْد وهو مفترِش امرأة نعلم أنها ليست له بمحرَم، وأنّ
لها في الحال زوجاً غيره، وهو ممن تقررت له في النفوس عدالةٌ متقدّمة، ماذا يجب أن نظنّ به؟ وهل نرجع بهذا الفعل عن ولايته، أم نحمله على أنه غالط ومتوهِّم أنّ المرأة زوجته، أو على أنه
مكرَه على الفعل، أو غير ذلك من الوجوه الجميلة!
فإن قال : نرجع عن الولاية، اعترف بخلاف ما قصده في الكلام، وقيل له : أيّ فَرْق بين هذا
الفعل وبين جميع ما عددناه من الأفعال وادَّعيت أنّ الواجب أن نَعدل عن ظاهرها؟ وما
جواز الجميل في ذلك إلا كجواز الجميل في هذا الفعل.
وإن قال : لا أرجع بهذا الفعل عن ولايته، بل نؤوله على بعض الوجوه الجميلة.
قيل له : أرأيت لو تكرّر هذا الفعل وتَوَالى هو وأمثاله حتى نشاهدَه حاضراً في دور القمار
ومجالس اللهو واللعب ونراه يشرب الخمر بعينها، وكلّ هذا مما يجوز أن يكون عليه مكرَهاً وفي
أنه القبيح بعينه غالطاً، أكان يجب علينا الاستمرار على ولايته أم العدول عنها؟ فإن قال : نستمرّ ونتأوّل، ارتكب ما لا شبهة في فسادِهِ، وألزم ما قد قدّمنا ذكره من أنه لا طريق إلى
الرجوع عن ولاية أحد، ولو شاهدنا منه أعظمَ المناكير. ووقف أيضاً على أن طريق الولاية
المتقدمة إذا كان الظنّ دون القطع، فكيف لا نرجع عنها لمثل هذا الطريق، فلا بدّ إذنْ من
الرجوع إلى ما بيناء وفصلناه في هذا الباب.
قال : فأما قوله : «إن قول الإمام له مزية، لأنه أكد من غيره» فلا معنى له، لأن قول الإمام على
مذهبنا يجب أن يكون له مزية، من حيث كان معصوماً مأمون الباطن، وعلى مذهبه إنما تثبت
ولايته بالظاهر كما تثبت ولاية غيره من سائر المؤمنين، فأيّ مزية له في هذا الباب!
وقوله : «إن ما ينقل عن الرسول وإن لم يكن مقطوعاً عليه يؤثر في هذا الباب، ويكون أقوى مما تقدم» غير صحيح على إطلاقه، لأن تأثيرَ ما ينقل إذا كان يقتضي غلبة الظنّ لا شبهة فيه، فأما
تقويتُه على غيره فلا وجه له، وقد كان يجب أن يبين من أي الوجوه يكون أقوى.
فهذه جملة ما اعترض به المرتضى على الفصل الأول من كلام قاضي القضاة (رحمه اللّٰه
تعالى)
تم الجزء الثاني من شرح نهج البلاغة
الموضوع الصفحة
الجزء الأول
القول في نسب أمير المؤمنين عليّ (علیه السلام) وذكر لُمَع يَسيرة من فضائله...7
القول في نسب الرضي أبي الحسن رحمه اللّٰه وذكر طُرَف من خصائصه ومناقبه ...20
القول في شرح خطبة نهج البلاغة...27
باب الخطب والأوامر...35
باب المختار من خطب أمير المؤمنين صلوات اللّٰه عليه وأوامره...35
1 - فمن خطبة له(علیه السلام) يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض وخلق آدم...35
رأي المعتزلة في الملائكة...57
آدم والملائكة أيها أفضل...68
أديان العرب وفرقه في الجاهلية ...74
2 - ومن خطبة له (علیه السلام) بعد انصرافه من صفين...82
لزوم ما لا يلزم أحد أناع البديع...83
أشعار وأراجيز في الوصاية...90
3- ومن خطبة له وهي المعروفة بالشقشقية ...95
التعريف بأبي بكر ...98
تأمير أسامة بن زيد...100
أبو بكر يعهد بالخلافة إلى عمر...102
نبذة من أخبار عمر بن الخطاب...109
ما هي قصة الشورى؟ ...118
نبذة من أخبار عثمان بن عفان... 127
4 - ومن خطبة له (علیه السلام)في هداية الناس وكمال يقينه...133
5 - ومن كلام له(علیه السلام) لما قبض رسول الله(صلی اللّٰه علیه و آله و سلم) ، وخاطبه
العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة ...136
أقسام الاستعارات ...138
من أحق بالخلافة بعد النبي؟...140
6 - ومن كلام له لما أشير عليه بألا يتبع طلحة والزبير ولا يُرْصد لهما القتال...143
طارق بن شهاب يستقبل علياً (علیه السلام)...145
7 - ومن خطبة له (علیه السلام)في ذم أتباع الشيطان...146
8 - ومن كلام له(علیه السلام) يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك...146
طلحة والزبير ينكثان البيعة...147
9 - ومن كلام له(علیه السلام) في صفة قوم أرعدوا وفشلهم في ذلك...151
10 - ومن خطبة له(علیه السلام) يوعد قوماً ...152
11 - ومن كلام له (علیه السلام)لابنه محمد بن الحنفيّة لما أعطاء الراية يوم الجمل...153
وحشي يقتل حمزة...155
12 - ومن كلام له(علیه السلام) لما أظفره الله بأصحاب الجمل، وقد قال له بعض أصحابه:
وددت أن أخي فلاناً كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك، فقال علي(علیه السلام)...157
علي ويوم الجمل...157
13 - ومن كلام له(علیه السلام) في ذم أهل البصرة...159
أشعار وأراجيز في يوم الجمل ...161
14 - ومن كلام له(علیه السلام) في ذم أهل البصرة أيضاً...170
15 - ومن كلام له(علیه السلام) فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان رضی الله عنه...171
16 - ومن خطبة له(علیه السلام) لما بويع بالمدينة ...172
17 - ومن كلام له (علیه السلام)في صفة من يتصدّى للحكم بين الأمّة وليس لذلك بأهل...179
18- ومن كلام له(علیه السلام) في ذم اختلاف العلماء في الفُتيا...182
19 - ومن كلام له(علیه السلام) ، قاله للأشعث بن قيس، وهو على منبر الكوفة يخطب،
فمضى في بعض كلامه شيء اعترضه الأشعث فيه، فقال : يا أمير المؤمنين، هذه عليك لا لك،
فخَفَض إليه بصره(علیه السلام) ، ثم قال...184
من أخبار الأشعث بن قيس...184
20 - ومن خطبة له (علیه السلام)في تهويل ما بعد الموت وتعظيمه...188
21 - ومن خطبة له(علیه السلام) في موعظة الناس...189
22 - ومن خطبة له(علیه السلام) بعدما اتهموه بقتل عثمان...190
خطبة علي (علیه السلام) في المدينة ...193
خطبته(علیه السلام) عند مسيره إلى البصرة ...193
خطبته (علیه السلام)بذي قار...194
23 - ومن خطبة له(علیه السلام) في قسمة الأرزاق بين الناس...195
النهي عن الحسد...198
الأمر بالصبر وانتظار الفرج ...200
النهي عن الرياء والكذب...205
أهمية العشيرة والقبيلة والتقوى بهما...206
في الصدق والأريحية ...207
في صلة الرحم...208
24 - ومن خطبة له (علیه السلام)في الحث على قتال الخوارج...209
25 - ومن خطبة له (علیه السلام)وقد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد، وقدم عليه عاملاء على اليمن وهما عبيد الله بن عباس وسعيد بن نِمْران، لمّا غلب عليهما بسر بن ارطاة، فقام (علیه السلام)على المنبر ضجراً بِتَثاقُل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له
في الرأي، فقال: ...210
من أخبار معاوية بن أبي سفيان...211
بسر بن أرطاة ونسبه ...216
أخبار عبيد الله بن العباس...216
عصيان أهل العراق على الأمراء...218
الجزء الثانی
تسريح بسر بن أرطاة إلى الحجاز...225
26 - ومن خطبة له(علیه السلام) : في ذم من بايعه بشروط...235
اختلاف الروايات في قصة السقيفة ...236
كتاب علي إلى معاوية وعمرو بن العاص ...262
27 - ومن خطبة له (علیه السلام)في الحث على الجهاد وذم القاعدين...270
كلام لابن نباتة نسج فيه على منوال كلام علي (علیه السلام)في الجهاد...274
كتائب سفيان الغامدي في الأنبار...277
28 - ومن خطبة له (علیه السلام)في الحث على التزود للآخرة...281
من مواعظ الصالحين...283
في الكلام على المقابلة...290
29 - ومن خطبة له (علیه السلام)في ذم المتخاذلين ...295
من أخبار الضحاك بن ...296
30 - ومن خطَبة له (علیه السلام)في معنى قتل عثمان...304
المؤرخون يروون أخبار مقتل عثمان...306
31 - من كلام له(علیه السلام) لما أنفذ عبد الله بن عباس إلى الزبير قبل وقوع الحرب يوم الجمل
ليستفيئه إلى طاعته...326
من أخبار عبد الله بن الزبير وأبيه...329
في الكلام على الاستدراج...332
32 - ومن خطبة له(علیه السلام) في جور الزمان...334
في ذم الرياء والشهرة...336
33 -ومن خطبة له (علیه السلام)عند خروجه لقتال أهل البصرة...341
حذيفة بن اليمان وخبر يوم ذي قار...343
34 - ومن خطبة له(علیه السلام) في استنفار الناس إلى أهل الشام...344
أول خطبة لعلي(علیه السلام) بالكوفة بعد قدومه من حرب الخوارج...347
نبذ من فضائل الإمام علي (علیه السلام)...350
35 - ومن خطبة له (علیه السلام)بعد التحكيم...354
التحكيم وظهور الخوارج...355
36 - ومن خطبة له (علیه السلام)في تخويف أهل النّهروان...391
الثواب لقاتلي الخوارج...392
37 - ومن كلام له(علیه السلام) يجري مجرى الخطبة...403
38 - ومن خطبة له (علیه السلام)في معنى الشبهة...412
39 - ومن خطبة له (علیه السلام)في ذم المتقاعدين من القتال...413
40 - ومن كلام له (علیه السلام)للخوارج لما سمع قولهم : «لا حكم إلا لله» قال...417
الخوارج : عودٌ على بدء ...419
41 - ومن خطبة له(علیه السلام) : في الوفاء والصدق...420
مدح الوفاء وذم الغدر...422
42 - ومن خطبة له(علیه السلام) : في اتباع الهوى وطول الأمل...424
43 - ومن كلام له(علیه السلام) ، وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد لحرب أهل الشام بعد إرساله
إلى معاوية بجرير بن عبد الله البجليّ ...426
ماذا قال قاضي القضاة...427
رد المرتضى على قاضي القضاة...430