الهادی الى الطریقة الوسطى فی شرح العروة الوثقى کتاب الصوم المجلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

محرر رقمي: روح اله قاسمي

دستغيب حسينى شيرازى، على‌محمد، 1313 - ، شارح.

الهادي الى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى [محمّدكاظم يزدى ]/ لمؤلّفه على‌محمّد دستغيب الحسينى. -- شيراز: فلاح، 1418 ق. = 1376 -

ج. 12000 ريال (ج. 1)؛ بهاى هر جلد متفاوت).

ISBN 964-90362-4-5 NBSI - . (ج. 1)

964-90362-7-X 00041

ريال: (ج. 1ق. 2) - ISBN

964-90362-9-6 ( ج. 2)

فهرست‌نويسى بر اساس اطّلاعات فيپا.

عربى.

كتابنامه.

مندرجات: ج. 1. كتاب الصلاة. - - ج. 2: الخمس. - - ج. 3: كتاب الصوم. - -

ج. 3. ق. 1 (چاپ اوّل: 1421 ق. = 1379).

12000 ريال: (ج. 3) ISBM 964-7208-02-2

1. يزدى، محمّدكاظم بن عبدالعظيم، 1247؟ - 1388؟ ق. العروة الوثقى - - نقد و تفسير. 2. فقه جعفرى - - قرن 14. الف. يزدى، محمّدكاظم بن عبدالعظيم، 1247؟ - 1338؟ق. العروة الوثقى. شرح. ب. عنوان. ج. عنوان: العروة الوثقى. شرح.

4024ع4ى/5/183

BP342/297

كتابخانه ملّى ايران 7943-76م.*

اشارة

الفهرس

مقدّمة ... 15

كتاب الصوم/17

فصل في النيّة/21

في التعرّض للأداء و القضاء و الوجوب و الندب ... 30

في العلم بالمفطرات على التفصيل ... 32

في قصد الصوم بدون نيّة النيابة للنائب ... 33

في آخر وقت النيّة في الواجب المعيّن ... 36

الفرع الأوّل في وقت النيّة في الصوم الواجب المعيّن رمضانا كان أو غيره ... 37

الفرع الثاني في حكم الجاهل بشهر رمضان ... 38

الفرع الثالث في حكم نيّة الصوم الواجب غير المعيّن ... 40

الفرع الرابع في صوم التطوّع ... 43

في نيّة على‌حدة لكلّ يوم في شهر رمضان ... 46

في يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان ... 47

الفرع الأوّل في عدم وجوب صوم يوم الشكّ ... 47

الفرع الثاني في كيفيّة صوم يوم الشكّ ... 48

الفرع الثالث في حكم من صام يوم الشكّ بنيّة رمضان ... 49

في وجوه تصوّر صوم يوم الشكّ ... 51

في نيّة القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعيّن ... 57

في العدول من صوم الى صوم ... 58

فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم من المفطرات/61

«الأوّل و الثاني»: الأكل و الشرب ... 61

في التخليل بعد الأكل ... 66

في بلع البصاق ... 67

في ابتلاع ما يخرج من الصدر و الرأس ... 68

في الأكل و الشرب الغير المتعارف ... 71

«الثالث»: الجماع ... 72

في الجماع نائما أو مكرها ... 82

في الدخول بالخنثى ... 83

«الرابع»: الاستمناء ... 85

في استبراء المحتلم في النهار ... 88

«الخامس»: تعمّد الكذب على اللّه تعالى أو رسوله أو الأئمّة صلوات اللّه عليهم ... 91

في الحاق باقي الأنبياء و الأوصياء بنبيّنا صلى‌الله‌عليه‌و‌آله‌وسلم ... 96

في الكذب على الفقهاء و المجتهدين و الرواة ... 99

«السادس»: ايصال الغبار الغليظ الى الحلق ... 100

«السابع»: الارتماس في الماء ... 105

في رمس الرأس أو تمام البدن في غير الماء ... 110

في افاضة الماء على الرأس ... 112

في ذي الرأسين ... 112

في الارتماس سهوا أو قهرا ... 114

في توقّف غسل الجنب على الارتماس ... 115

في الارتماس في الماء المغصوب ... 118

«الثامن»: البقاء على الجنابة عمدا الى الفجر الصادق ... 120

الفرع الأوّل في عدم الفرق بين شهر رمضان و قضائه ... 123

الفرع الثاني في حكم الصوم اذا أصبح جنبا من غير تعمّد ... 127

الفرع الثالث في عدم الفرق بين الاحتلام و اجناب نفسه ... 129

الفرع الرابع في حكم من علم ضيق الوقت للطهارة فأجنب نفسه ... 129

الفرع الخامس في حكم البقاء على حدث الحيض و النفاس ... 131

في صوم المستحاضة ... 133

في نسيان غسل الجنابة ... 136

فيما لو تيقّظ بعد الفجر من نومه فرأى نفسه محتلما ... 139

في نوم الجنب قبل الاغتسال في ليل شهر رمضان ... 140

في أقسام نوم الجنب في ليل شهر رمضان مع احتمال الاستيقاظ أو العلم به ... 143

في حكم الجنابة المستصحبة ... 148

في الحاق الحائض و النفساء بالجنب في حكم النومات ... 149

في حكم صوم فاقد الطهورين ... 153

في حكم الصوم مع مسّ الميّت ... 153

في اجناب النفس في شهر رمضان اذا ضاق الوقت عن الاغتسال ... 154

«التاسع»: الحقنة بالمائع ... 155

فرع في أنّ الاحتقان لايفسد الصوم ... 156

في الاحتقان بما يشكّ في كونه جامدا أو مائعا ... 159

«العاشر»: تعمّد القيء ... 160

في خروج شيء بالتجشّؤ و نزوله من غير اختيار ... 163

فيما لو ابتلع في الليل ما يجب عليه قيؤه في النهار ... 164

فيما اذا دخل الذباب في حلقه ... 166

في التجشّؤ الاختياري للصائم ... 167

فصل في اعتبار العمد و الاختيار في الافطار/171

الفرع الأوّل في عدم بطلان الصوم اذا صدرت المفطرات قهرا ... 174

الفرع الثاني في حكم الافطار مع الجهل ... 174

الفرع الثالث في حكم الافطار بالاكراه ... 178

في الافطار تقيّة من ظالم ... 180

في غلبة العطش على الصائم بحيث خاف من الهلاك ... 184

فرع في حكم سائر أقسام الصوم اذا أصابه العطش ... 187

في الذهاب الى المكان الذي يعلم اضطراره فيه الى الافطار ... 188

فصل في أمور لابأس بها للصائم/191

في ابتلاع الريق اذا امتزج بدم و استهلك فيه ... 199

فصل فيما يكره للصائم/201فصل فيما يوجب الكفّارة/211

في الكفّارة في أربعة أقسام من الصوم ... 212

«الأوّل»: صوم شهر رمضان ... 212

فرع في حكم الافطار بالمحرّم ... 216

«الثاني»: صوم قضاء شهر رمضان اذا أفطر بعد الزوال ... 219

«الثالث»: صوم النذر المعيّن ... 224

«الرابع»: صوم الاعتكاف ... 228

فرع فيما لاتجب فيه الكفّارة ... 233

في الكفّارة بتكرّر الموجب ... 233

في كفّارة الجمع للافطار بالمحرّم الأصلي و العارضي ... 235

في تعذّر بعض الخصال في كفّارة الجمع ... 237

في التردّد فيما يوجب فساد الصوم ... 239

الفرع الأوّل في التردّد بين القضاء و الكفّارة ... 240

الفرع الثاني في الشكّ في عدد أيّام القضاء ... 240

الفرع الثالث في الشكّ في كفّارة الجمع ... 240

الفرع الرابع في الشكّ بين الكفّارة و عدمها ... 241

الفرع الخامس في الشكّ في نوع الكفّارة ... 241

فيما اذا أفطر متعمّدا ثمّ سافر ... 242

فيما لو أفطر يوم الشكّ في آخر الشهر ثمّ تبيّن أنّه من شوّال ... 244

في الجماع مع الزوجة مكرها لها ... 245

فرع في حكم مقاربته لزوجته الصائمة النائمة ... 249

فيمن عجز عن الخصال الثلاث ... 250

فرع في حكم من تمكّن بعد العجز ... 252

في التبرّع بالكفّارة عن الميّت ... 253

الفرع الأوّل في التبرّع عن الميّت ... 253

الفرع الثاني في حكم الكفّارة عن الحيّ ... 254

الفرع الثالث في حكم التوكيل في المعاملات و العبادات ... 254

الفرع الرابع في حكم تبرّع الكفّارة عن الحيّ ... 255

فيما اذا أفطر الصائم بعد المغرب على حرام ... 257

في مصرف كفّارة الاطعام ... 257

الفرع الأوّل في مصرف كفّارة الاطعام ... 258

الفرع الثاني في عدم الفرق في الاطعام بين الاشباع و التسليم ... 258

الفرع الثالث في مقدار اعطاء الطعام ... 259

الفرع الرابع في معنى الطعام و مصداقه ... 262

الفرع الخامس في عدم كفاية اشباع شخص مرّات في الاطعام ... 264

الفرع السادس في حكم اطعام الصغار ... 266

في السفر في شهر رمضان لا لعذر و حاجة ... 267

في مقدار المدّ ... 271

فصل في موارد وجوب القضاء دون الكفّارة/273

«الأوّل و الثاني و الثالث و الرابع» ... 273

«الخامس»: الأكل تعويلاً على من أخبر ببقاء الليل ... 280

«السادس»: الأكل اذا أخبره مخبر بطلوع الفجر ... 282

«السابع»: الافطار تقليدا لمن أخبر بدخول الليل ... 283

«الثامن»: الافطار لظلمة ... 285

«التاسع»: ادخال الماء في الفم للتبرّد ... 291

فرع في حكم ادخال غير الماء في الفم ... 293

فيما لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء ... 293

«العاشر»: سبق المنيّ بالملاعبة أو الملامسة ... 296

فصل في الزمان الذي يصحّ فيه الصوم/297

الفرع الأوّل في الزمان الذي يصحّ فيه الصوم ... 297

الفرع الثاني في مبدأ الصوم و منتهاه ... 298

الفرع الثالث في حكم الامساك في جزء من الليل من باب المقدّمة ... 299

الفرع الرابع في استحباب تأخير الافطار ... 300

مقدّمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه

محمّد و آله الطيّبين الطاهرين

أمّا بعد، فاعلم أنّ علم الفقه بعد علم التوحيد و علم الأخلاق من أشرف العلوم و أفضلها و تعلّمه و تعليمه يكون واجبا كفائيّا؛ لئلاّتندرس آثار دين خاتم الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و أوصيائه عليهم‌السلام الذين هم مفسّروا الشريعة و مبيّنوها.

و أنت اذا تأمّلت في الروايات الواردة عنهم عليهم‌السلام في تعيين تكليف الأمّة زمن الغيبة تجد ارجاعهم ايّانا الى روات أحاديثهم في الحوادث الواقعة و ترى أنّهم حجّة المعصوم و المعصوم حجّة اللّه؛ الاّ أنّه يجب أن‌تكون للفقيه ملكة العدالة و التقوى بحيث يقال له فقيه صائن لنفسه، حافظ لدينه، مخالف على هواه، مطيع لأمر مولاه؛ و هذا أقوى دليل على رفعة الفقه و محبوبيّته و بهذا أيضا يظهر ما للفقهاء و المجتهدين من الفضل و الكرامة عند اللّه تعالى مضافا الى أنّهم أمناء الرسل و أولياء أيتام آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و هم مراجع الخلق كما هو المشاهد من المجتهد و المجدّد آية اللّه العظمى الامام الخميني قدس‌سره

المحيي للاسلام في عصرنا هذا فحريّ للمؤمنين المحبّين لآل محمّد عليهم‌السلام أن‌يصرفوا عمرهم أو أغلب أوقاتهم في طلب الفقه و التفحّص في الأخبار الواردة عنهم في الأحكام و غيرها.

و أنا بتوفيق الملك العلاّم و تأييد أجدادي الطاهرين و اشارة بعض الاخوان اشتغلت بمذاكرة الفقه مع أصدقائي الطلاّب من ابتداء كتاب الصلاة من العروة الوثقى و كتبت هذه المذاكرات بحيث صارت كتابا فسمّيته «الهادي إلى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى» و قد تقدّم اليكم الجزء الأوّل و الثاني من كتاب الصلاة و كتاب الخمس و الآن نقدّم لكم كتاب الصوم، فأسأل اللّه الاخلاص و القبول فانّه كريم منّان؛ و بزعمي القاصر لاتكون هذه الأبحاث تكرارا للمكرّرات و لامملاًّ للخواطر بل ببركة زملائي الطالبين لمحبّة اللّه تعالى و معرفته تكون منوّرة للقلوب و الأفكار و لاأجد من نفسي سوى بضاعة مزجاة و أنّها محلّ للخطأ و الزلاّت فأسأل اللّه المغفرة و الرضوان و أسأله الدرجات المتعالية لشيخنا الأستاذ الفاضل المقداد العارف النحرير و المجتهد البصير العلاّمة آية اللّه العظمى الشيخ حسنعلي النجابت قدّس سرّه الشريف بحقّ محمّد و آله الأخيار صلوات اللّه عليهم أجمعين.

السيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني

شيراز - صفر المظفّر 1421

كتاب الصوم

«الجزء الاوّل»

كتاب الصوم

و هو الامساك عمّا يأتي من المفطرات بقصد القربة، و ينقسم الى الواجب و المندوب و الحرام و المكروه، بمعنى قلّة الثواب، و الواجب منه ثمانية: صوم شهر رمضان و صوم القضاء و صوم الكفّارة على كثرتها و صوم بدل الهَدي في الحجّ، و صوم النذر و العهد و اليمين و صوم الاجارة و نحوها كالشروط في ضمن العقد، و صوم الثالث من أيّام الاعتكاف و صوم الولد الأكبر عن أحد أبويه. و وجوبه في شهر رمضان من ضروريّات الدين و منكره مرتدّ يجب قتله و من أفطر فيه لامستحلاًّ عالما عامدا يعزّر بخمسة و عشرين سوطا فان عاد عزّر ثانيا فان عاد قتل على الأقوى و ان كان الأحوط قتله في الرابعة و انّما يقتل في الثالثة أو الرابعة اذا عزّر في كلّ من المرّتين أو الثلاث، و اذا ادّعى شبهة محتملة

في حقّه درئ عنه الحدّ.

الشرح:

الصوم لغة الامساك، قال في القاموس: «صام صوما و صياما و اصطام: «أمسك عن الطعام و الشراب و الكلام و النكاح و السير. انتهى».

و قال في المصباح المنير: «قيل هو مطلق الامساك في اللغة ثمّ استعمل في الشرع في امساك مخصوص. انتهى». فكلماتهم متّفقة على أنّه حقيقة في الامساك و أمّا في الشرع فانّه عبارة عن امساك مخصوص، أي الامساك عمّا يأتي من المفطرات، و حيث انّ الصوم من العبادات يلزم فيه قصد القربة، و ينقسم الى الواجب و المندوب و الحرام و المكروه كما يأتي تفصيلاً. فمن أقسام الواجب صوم شهر رمضان، و وجوبه من ضروريّات الدين، بمعنى أنّه علم وجوبه من الدين ضرورةً، و ذلك لما نطق به القرآن الكريم و الروايات المتواترة الصادرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الأئمّة عليهم‌السلام و قد نقلها الفريقان من العامّة و الخاصّة و عليه اجماع المسلمين، فمن أنكره عالما بأنّه نزل به القرآن الكريم و ورد به أخبار خاتم النبيّين صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و استقرّ به اجماع المسلمين، عامدا فهو كافر مرتدّ لأنّ انكاره يرجع الى انكار نبوّة محمّد بن عبداللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهفيقتل لصحيحة بريد العجلي قال:

«سئل أبو جعفر عليه‌السلام عن رجل شهد عليه شهود أنّه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيّام ، قال: يسأل هل عليك في افطارك اثم؟ فان قال: لا، فانّ على الامام أن‌يقتله، و ان قال: نعم، فانّ على الامام أن‌ينهكه ضربا».(1)

و من أفطر فيه عالما عامدا لامستحلاًّ يعزّر كما مرّ آنفا في صحيحة بريد العجلي ففي ذيلها: «و ان قال: نعم، فانّ على الامام أن‌ينهكه ضربا».

بيان: نَهِكَ يَنهَك نَهكا و نَهكَةً = بالغ في العقاب.

و المشهور تعزيره بخمسة و عشرين سوطا، لرواية المفضّل بن عمر عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل أتى امرأته و هو صائم و هي صائمة:


1) - وسائل الشيعة 7: 178 / الباب الثاني من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الأوّل.

«فقال عليه‌السلام: ان كان استكرهها فعليه كفّارتان، و ان كان طاوعته فعليه كفّارة و عليها كفّارة و ان كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحدّ و ان كان طاوعته ضرب خمسة و عشرين سوطا، و ضربت خمسة و عشرين سوطا».(1)

و الرواية و ان كانت ضعيفة من حيث السند الاّ أنّ عمل المشهور جابر لضعفها، فان عاد عزّر ثانيا فان عاد قتل على الأقوى، لموثّقة سماعة قال:

«سألته عن رجل أخذ في شهر رمضان و قد أفطر ثلاث مرّات و قد رفع الى الامام ثلاث مرّات، قال: يقتل في الثالثة».(2)

و يدلّ عليه أيضا عموم صحيحة يونس عن أبي الحسن الماضي عليه‌السلام قال:

«أصحاب الكبائر كلّها اذا أقيم عليهم الحدّ مرّتين قتلوا في الثالثة».(3)

الاّ أنّ الاستدلال به يتوقّف على عمومها للمقام، بأن يراد من الحدّ ما يعمّ التعزير و هو كما ترى.

اللهمّ الاّ أن‌يقال انّه لاخصوصيّة لها، اذ يفهم منها عرفا أنّ من أجري عليه حكم اللّه مرّتين سواء كان هو الحدّ أم التعزير، يقتل في الثالثة، و هو الحقّ بشهادة موثّقة سماعة المتقدّمة آنفا. و قيل يقتل في الرابعة لمرسلة الصدوق قال:

«و روي أنّه يقتل في الرابعة».(4)

و المرسلة و ان كانت تعارض الصحيحة و الموثّقة المتقدّمتين مع تقدّمهما عليها الاّ أنّ الاحتياط في محلّه لمكان حفظ الدماء. و انّما يقتل في الثالثة أو الرابعة اذا عزّر في كلّ من المرّتين لظاهر صحيحة يونس و موثّقة سماعة المتقدّمتين، و


1) - وسائل الشيعة 7: 37 / الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 179 / الباب الثاني من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 18: 313 / الباب الخامس من أبواب مقدّمات الحدود / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 18: 477 / الباب 11 من أبواب حدّ المسكر / الحديث التاسع.

كذا الروايات الواردة في حدّ شارب الخمر و غيرها. و اذا ادّعى شبهة محتملة في حقّه درئ عنه الحدّ، لما روي عن رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «ادرأوا الحدود بالشبهات»(1)و عن علي عليه‌السلام أنّه قال: «ما عليه يمين»(2)أي على صاحب الحدّ.


1) - وسائل الشيعة 18: 336 / الباب 24 من أبواب مقدّمات الحدود / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 18: 335 / الباب 24 من أبواب مقدّمات الحدود / الحديث الثالث.

فصل : في النيّة

يجب في الصوم القصد اليه مع القربة و الاخلاص كسائر العبادات، و لايجب الاخطار بل يكفي الداعي و يعتبر فيما عدا شهر رمضان حتّى الواجب المعيّن أيضا القصد الى نوعه من الكفّارة أو القضاء أو النذر، مطلقا كان أو مقيّدا بزمان معيّن من غير فرق بين الصوم الواجب و المندوب، ففي المندوب أيضا يعتبر تعيين نوعه من كونه صوم أيّام البيض مثلاً أو غيرها من الأيّام المخصوصة فلايجزئ القصد الى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع، من غير فرق بين ما اذا كان ما في ذمّته متّحدا أو متعدّدا، ففي صورة الاتّحاد أيضا يعتبر تعيين النوع و يكفي التعيين الاجمالي، كأن يكون ما في ذمّته واحدا، فيقصد ما في ذمّته و ان لم‌يعلم أنّه من أيّ نوع، و ان كان يمكنه الاستعلام أيضا، بل فيما اذا كان ما في ذمّته متعدّدا أيضا يكفي التعيين الاجمالي، كأن ينوي ما اشتغلت ذمّته به أوّلاً أو ثانيا أو نحو ذلك. و أمّا في شهر رمضان فيكفي قصد الصوم و ان لم‌ينو كونه من رمضان بل لو نوى فيه غيره جاهلاً أو ناسيا له أجزأ عنه. نعم اذا كان عالما به و

قصد غيره لم‌يجزئه كما لايجزئ لما قصده أيضا، بل اذا قصد غيره عالما به مع تخيّل صحّة الغير فيه ثمّ علم بعدم الصحّة و جدّد نيّته قبل الزوال لم‌يجزئه أيضا، بل الأحوط عدم الاجزاء اذا كان جاهلاً بعدم صحّة غيره فيه و ان لم‌يقصد الغير أيضا بل قصد الصوم في الغد مثلاً فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان، كما أنّ الأحوط في المتوخّي - أي المحبوس الذي اشتبه عليه شهر رمضان و عمل بالظنّ - أيضا ذلك - أي اعتبار قصد كونه من رمضان - بل وجوب ذلك لايخلو عن قوّة.

الشرح:

يجب في الصوم القصد اليه لما روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنّه قال:

«الأعمال بالنيّات».(1)

و روي عنه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال:

«انّما الأعمال بالنيّات، و لكلّ امرءٍ ما نوى».(2)

و روي أيضا عن الرضا عليه‌السلام أنّه قال:

«لاقول الاّ بعمل و لاعمل الاّ بنيّة و لانيّة الاّ باصابة السنّة».(3)

و لصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه‌السلامقال:

«كان أميرالمؤمنين عليه‌السلام يدخل الى أهله فيقول: عندكم شيء و الاّ صمت، فان كان عندهم شيء أتوه به و الاّ صام».(4)

و صحيحة ثانية لهشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«قلت له: الرجل يصبح و لاينوي الصوم فاذا تعالى النهار حدث له


1) - وسائل الشيعة 7: 7 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث 12.

2) - وسائل الشيعة 7: 7 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث 13.

3) - وسائل الشيعة 7: 7 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 7: 6 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث السابع.

رأيٌ في الصوم، فقال: ان هو نوى الصوم قبل أن‌تزول الشمس حسب له يومه، و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى».(1)

و تجب في الصوم مع القصد اليه القربة للّه و الاخلاص كسائر العبادات لأنّه عبادة و الدليل على عباديّته:

أوّلاً: الارتكاز في أذهان عامّة المسلمين و أنّ سنخه من سنخ الصلاة و الزكاة و الحجّ التي يجب فيها قصد القربة.

ثانيا: اذا سئل عن عبادة النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الأئمّة عليهم‌السلامأو شيعة علي عليه‌السلام فيجاب «صائم النهار و قائم الليل».

ثالثا: ما ورد خصوصا في ذلك فعن أميرالمؤمنين عليه‌السلام (في نهج البلاغة) قال:

«كم من صائم ليس له من صيامه الاّ الظمأ و الجوع و كم من قائم ليس له من قيامه الاّ العناء، حبّذا صوم (نوم) الأكياس و افطارهم».(2)

رابعا: الروايات المعتبرة الواردة في عدّ أساس الاسلام و أنّه خمسة كما في الصحيحة عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال:

«بني الاسلام على خمسة أشياء: على الصلاة و الزكاة و الحجّ و الصوم و الولاية [و لم‌يناد بشيء ما (كما) نودي بالولاية] قال زرارة: فقلت: و أيّ شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل لأنّها مفتاحهنّ، و الوالي هو الدليل عليهنّ. قلت: ثمّ الذي يلي ذلك في الفضل؟ فقال: الصلاة، [انّ رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: الصلاة عمود دينكم. قال:] قلت: ثمّ الذي يليها في الفضل؟ قال: الزكاة لأنّه قرنها بها و بدأ بالصلاة قبلها [و قال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: الزكاة تذهب الذنوب]، قلت:


1) - وسائل الشيعة 7: 6 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الثامن.

2) - وسائل الشيعة 1: 53 / الباب 12 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث الثامن.

فالذي يليها في الفضل؟ قال: الحجّ. [قال اللّه عزّوجلّ: «و للّه على الناس حجّ البيت من استطاع اليه سبيلاً و من كفر فانّ اللّه غنيّ عن العالمين»(1). و قال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: لحجّة مقبولة خير من عشرين صلاة نافلة و من طاف بهذا البيت طوافا أحصى فيه أسبوعا و أحسن ركعتيه غفر له و قال: في يوم عرفة و يوم المزدلفة ما قال]، قلت: ماذا يتبعه؟ قال: الصوم. [قلت: و ما بال الصوم صار آخر ذلك أجمع قال: قال رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: الصوم جنّة من النار، قال: ثمّ قال: انّ أفضل الأشياء ما اذا أنت فاتك لم‌يكن منه توبة دون أن‌ترجع اليه و تؤدّيه بعينه انّ الصلاة و الزكاة و الحجّ و الولاية ليس ينفع شيء مكانه دون أدائها و انّ الصوم اذا فاتك أو قصرت أو سافرت فيه أدّيت مكانه أيّاما غيرها و جزيت (و جبرت) ذلك الذنب بصدقة و لاقضاء عليك و ليس من تلك الأربعة شيء يجزيك مكانه غيره قال: ثمّ قال: ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الأشياء و رضا الرحمن، الطاعة للامام بعد معرفته؛ انّ اللّه عزّوجلّ يقول: «من يطع الرسول فقد أطاع اللّه و من تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظا»(2)أما لو أنّ رجلاً قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله و حجّ جميع دهره و لم‌يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته اليه ما كان له على اللّه حقّ في ثوابه و لاكان من أهل الايمان ثمّ قال: أولئك المحسن منهم يدخله اللّه الجنّة بفضل رحمته]».(3)

و قد ذكرناها بطولها لما فيها من الفوائد.


1) - آل عمران 3: 97.

2) - النساء 4: 80.

3) - وسائل الشيعة 1: 7 / الباب الأوّل من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث الثاني.

و تقريب الاستدلال بالصحيحة:

أوّلاً: أنّه عليه‌السلام قرن الصوم بأشياء مقطوعة عباديّتها يعني الصلاة و الزكاة و الحجّ.

ثانيا: ذكر عليه‌السلام بأنّ الصوم كالصلاة و الزكاة و الحجّ من دون ارتباط بولاية وليّ اللّه يكون عاطلاً و باطلاً.

ثالثا: ذكر عليه‌السلام بأنّ الصلاة و الزكاة و الحجّ و الصوم لم‌تكن بنفسها ذا أثر الاّ اذا أتى بها اطاعة للامام عليه‌السلام حتّى يكون مطيعا للرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فيكون مشمولاً لآية: «من يطع الرسول فقد أطاع اللّه و من تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظا»(1)، و هذا هو معنى العبادة. فتحصّل أنّ الصوم من العبادات فتجب فيه نيّة القربة.

و أمّا معنى نيّة القربة فعبارة عن اتيان الفعل بداعي الطاعة للّه و امتثال أمره، بحيث لو سئل عنه ماذا تفعل و لماذا تفعل؟ يقول: أصلّي أو أصوم قربةً الى اللّه، و لايحتاج الى الاخطار بالقلب بل يكفي الداعي كما قلنا، و الدليل على كفاية ذلك، قوله تعالى: «أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم»(2)فانّ من عمل عملاً امتثالاً لأمر اللّه تعالى فيقال له عرفا: «انّه أطاع اللّه».

ثمّ اعلم أنّه يعتبر فيما عدا شهر رمضان حتّى الواجب المعيّن أيضا القصد الى نوعه من الكفّارة أو القضاء أو النذر، مطلقا كان أو مقيّدا بزمان معيّن من غير فرق بين الصوم الواجب و المندوب، ففي المندوب أيضا يعتبر تعيين نوعه من كونه صوم أيّام البيض مثلاً أو غيرها من الأيّام المخصوصة ليترتّب عليه الثواب المخصوص. و الدليل على ذلك، وجوب النيّة في الصوم، فانّ النيّة عبارة عن القصد الى ما خوطب به و أمر باتيانه فاذا كان الصوم ذا أنواع مختلفة و اشتغل ذمّته بنوعين أو ثلاثة أنواع منه فلو لم‌يعيّن أيّ نوع منه يريد أن‌يأتي به، لم‌يقصد الأمر و لم‌يأت بما كلّف به، فانّ كلّ نوع منه له أثر خاص غير نوع آخر منه، و كذا في


1) - النساء 4: 80.

2) - النساء 4: 59.

المندوب قال في الجواهر: «و لابدّ فيما عداهما أي شهر رمضان و النذر بناءًا على الالحاق من نيّة التعيين و هو القصد الى الصوم المخصوص كالكفّارة و النذر المطلق و نحوهما بلا خلاف كما عن التنقيح الاعتراف به، بل عن المعتبر نسبته الى فتوى الأصحاب مشعرا بدعوى الاجماع. بل في التحرير دعواه صريحا فلو اقتصر على نيّة القربة و ذهل عن تعيينه لم‌يصحّ لعدم تميّز المنوي و تشخّصه مع صلوحه لوجوه متعدّدة، فلايقع حينئذ لشيء منها، و لاأمر بالصوم المطلق حتّى يصحّ له، فليس حينئذ الاّ الفساد. انتهى».(1)

هذا اذا كان ما في ذمّته متعدّدا و أمّا اذا كان ما في ذمّته نوعا واحدا فكذلك يجب تعيين النوع الاّ أنّه يكفي التعيين الاجمالي فيقصد ما في ذمّته سواء كان يوما واحدا من ذلك النوع أم متعدّدا.

و أمّا في شهر رمضان ففيه صور:

الأولى: أن‌يعلم دخول شهر رمضان و أنّ صومه واجب عليه فاذا قصد الصوم فقد قصد صوم شهر رمضان.

الثانية: أن لايعلم دخول شهر رمضان كما في يوم الشكّ فينوي غيره من الواجب أو المندوب و بعد مضيّ النهار يعلم بدخوله فيصحّ صومه من رمضان و ذلك لحسنة الكاهلي (عبداللّه بن يحيى) قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن اليوم الذي يشكّ فيه من شعبان قال: لَأن أصوم يوما من شعبان أحبّ اليّ من أن‌أفطر يوما من شهر رمضان».(2)

و صحيحة معاوية بن وهب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الرجل يصوم اليوم الذي يشكّ فيه من شهر


1) - جواهر الكلام 16: 190.

2) - وسائل الشيعة 7: 12 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الأوّل.

رمضان فيكون كذلك، فقال: هو شيء وفّق له».(1)

الثالثة: نوى غير رمضان في شهر رمضان جهلاً أو نسيانا، فانّ هذا أيضا ملحق بالصورة الثانية آنفا فيصحّ صومه و الدليل عليها هو الدليل على الثانية لاتّحاد المناط و هو احتساب صوم غير رمضان في رمضان اذا لم‌تكن نيّته الخلاف عن عمد.

الرابعة: اذا كان عالما بأنّه شهر رمضان و مع ذلك قصد غيره عمدا فصومه باطل و ذلك لأنّ الأعمال بالنيّات، فانّه لم‌يأت بالمأمور به، فانّ المأمور به صوم شهر رمضان و هو يتشخّص بالقصد اليه و الفرض أنّه لم‌يقصده، فصومه هذا باطل و لايحسب له ما قصده لأنّ الزمان مختصّ بصوم رمضان فلايقبل غيره، و ان شئت قلت ما أمر به لم‌يأت و ما أتى به لم‌يؤمر.

قال العلاّمة في المختلف: «لو نوى في رمضان صوما غيره فرضا أو نفلاً فان كان جاهلاً بأنّه نهار رمضان يقع عن رمضان و ان كان عالما لايُجزى عن رمضان و لا عن غيره لقوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «انّما الأعمال بالنيّات و لكلّ امرءٍ ما نوى» و الأفعال تقع على الوجه المنويّ دون غيره، فلايقع عن رمضان؛ لأنّه غير منوي، و لا عن غيره؛ لعدم صلاحيّة الزمان له. أمّا الناسي فيعذر؛ لأنّ نيّة القربة كافية و قد حصلت، و قيد التعيين لغو؛ اذ لايصحّ غير رمضان فيه. و اليه ذهب ابن ادريس و علي بن بابويه رحمهماالله، و ذهب الشيخ في الخلاف و المبسوط و كذا السيّد المرتضى بأنّه لو نوى في رمضان صوما غيره فرضا أو نفلاً وقع عن شهر رمضان و ان كان عن علم و عن عمد. احتجّ الشيخ و السيّد المرتضى بأنّ النيّة المشترطة حاصلة؛ اذ نيّة القربة هي المشترطة، و الزائد لغو لاعبرة به، فكان الصوم المأمور به وقع على وجهه بشرطه فكان مجزيا.

و الجواب: لانسلّم الغاء الزيادة؛ فانّ جزئيّات الكلّي متضادّة، و ارادة أحد


1) - وسائل الشيعة 7: 13 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الخامس.

الضدّين تنافي ارادة الضدّ الآخر. انتهى ملخّصا».(1)

أضف الى ذلك، ما أمر به لم‌يأت و ما أتى به لم‌يؤمر، و ما قاله الشيخ رحمه‌الله: «و الزائد لغو لاعبرة به» ففيما اذا كان جاهلاً أو ناسيا، و أمّا اذا كان عالما فيؤثّر و يفسد الصوم.

الخامسة: لو سافر في شهر رمضان لايجوز له الصوم، سواء كان نفلاً أم نذرا مطلقا، و ذلك لعدم صلاحيّة الزمان لغير صوم رمضان و هو أيضا قد وضعه اللّه عنه في السفر؛ و لصحيحة أبي القاسم الصيقل قال:

«كتبت اليه: يا سيّدي رجل نذر أن‌يصوم يوما من الجمعة (كلّ يوم جمعة) دائما ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى (أو يوم جمعة) أو أيّام تشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه أو كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب اليه: قد وضع اللّه عنك الصيام في هذه الأيّام كلّها، و يصوم يوما بدل يوم ان شاء اللّه تعالى».(2)

قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ في المبسوط: لو كان مسافرا سفر القصر فصام بنيّة رمضان لم‌يجزئه، و ان صام بنيّة التطوّع كان جائزا، و ان كان عليه صوم نذر معيّن و وافق ذلك شهر رمضان فصام عن النذر و هو حاضر وقع عن رمضان، و لايلزمه القضاء لمكان النذر، و ان كان مسافرا وقع عن النذر و كان عليه القضاء لرمضان، و كذا ان صام و هو حاضر بنيّة صوم واجب عليه غير رمضان وقع عن رمضان، و لم‌يجزئه عمّا نواه، و ان‌كان مسافرا وقع عمّا نواه و على الرواية التي رويت أنّه لايصام في السفر فانّه لايصحّ هذا الصوم بحال.

و الأقرب أنّ صومه نفلاً أو عن نذر معيّن مقيّد بالسفر باطل.


1) - مختلف الشيعة 3: 246 / المسألة 13.

2) - وسائل الشيعة 7: 139 / الباب العاشر من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.

لنا: قوله تعالى: «فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر»(1)و ايجاب العدّة يستلزم ايجاب الافطار.

و قوله عليه‌السلام: «ليس من البرّ الصيام في السفر».

احتجّ بأنّه زمان لايجب صومه عن رمضان فأجزأ عن غيره كغيره من الأزمنة التي لايتعيّن الصوم فيها.

و الجواب: الفرق بأنّ هذا الزمان لاينفكّ عن وجوب الصوم عن رمضان و وجوب الافطار، بخلاف غيره من الأزمنة؛ و انّه لايجب افطاره في السفر، فأشبه العيد في عدم صحّة صومه. انتهى».(2)

حكم المحبوس

يجب على المحبوس الذي اشتبه عليه شهر رمضان التفحّص ليحصل له العلم، و الاّ عمل بظنّه، فان انكشف الخلاف بعد الصوم فان كان صومه قبل شهر رمضان لايكتفي بما صام، و ان كان بعده يكتفي به و يحسب قضاءًا.

و الدليل على ذلك صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«قلت له: رجل أسرته الروم و لم‌يصحّ له شهر رمضان و لم‌يدر أيّ شهر هو، قال: يصوم شهرا يتوخّى (يتوخّاه) و يحسب فان كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لم‌يجزه، و ان كان بعد شهر رمضان أجزأه».(3)

قال في الجواهر: «و من كان بحيث لايعلم الشهر شهر رمضان بخصوصه كالأسير و المحبوس صام شهرا تغليبا له على غيره اذا كان قدتحرّى فغلب هو


1) - البقرة 2: 184.

2) - مختلف الشيعة 3: 248 / المسألة 14.

3) - وسائل الشيعة 7: 200 / الباب السابع من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الأوّل.

على ظنّه أنّه شهر رمضان دون غيره من الأشهر، اذ احتمال وجوب السنة تماما عليه للمقدّمة منافٍ لنفي الضرر و العسر في الشريعة، و صوم غير المظنون منافٍ لتعبّد المرء بظنّه و حينئذ فان استمرّ الاشتباه فهو بريء، و ان اتّفق في شهر رمضان أو بعده أجزأه، و ان كان قبله قضاه بلا خلاف أجده، بل الاجماع في محكي التذكرة و المنتهى عليه. انتهى».(1)ثمّ ذكر الصحيحة التي نقلناها.

في التعرّض للأداء و القضاء و الوجوب و الندب

(مسألة 1): لايشترط التعرّض للأداء و القضاء و لا الوجوب و الندب و لاسائر الأوصاف الشخصيّة، بل لو نوى شيئا منها في محلّ الآخر صحّ الاّ اذا كان منافيا للتعيين، مثلاً اذا تعلّق به الأمر الأدائي فتخيّل كونه قضائيّا فان قصد الأمر الفعلي المتعلّق به و اشتبه في التطبيق فقصده قضاءًا صحّ، و أمّا اذا لم‌يقصد الأمر الفعلي بل قصد الأمر القضائي بطل لأنّه منافٍ للتعيين حينئذ و كذا يبطل اذا كان مغيّرا للنوع كما اذا قصد الأمر الفعلي لكن بقيد كونه قضائيّا مثلاً أو بقيد كونه وجوبيّا مثلاً فبان كونه أدائيّا أو كونه ندبيّا فانّه حينئذ مغيّر للنوع و يرجع الى عدم قصد الأمر الخاصّ.

الشرح:

لايشترط التعرّض للأداء و القضاء و لا الوجوب و الندب و لاسائر الأوصاف الشخصيّة بل تكفي نيّة ما في ذمّته فعلاً. نعم لو كان في ذمّته متعدّدا نوعا كما اذا وجب عليه القضاء و النذر و غيرهما يجب عليه التعيين كما تقدّم البحث حوله.

و أمّا لو نوى شيئا منها في محلّ الآخر كما لو نوى الأداء مع كون ذمّته مشغولاً بالقضاء و بالعكس، فتارة يكون ذلك من الغفلة بمعنى أنّه أراد أن‌ينوي القضاء و ما كان في ذمّته حاليّا فنوى الأداء فهذا يكون من الاشتباه في التطبيق فيصحّ و


1) - جواهر الكلام 16: 381.

لايضرّ بصومه. و أخرى نوى القضاء بتخيّل خروج الوقت فبان بقاء الوقت و كان بحيث أراد أن‌يصوم ما عليه حاليّا فهذا أيضا صحيح فيكون من باب الاشتباه في التطبيق. و ثالثة نوى الأداء مثلاً بتخيّل بقاء الوقت فبان خروج الوقت و كان بحيث لو علم خروج الوقت لم‌يصم فحينئذ لم‌يأت بالمأمور به، لأنّ ما أمر به لم‌يأت و ما أتى به لم‌يؤمر به و قد تقدّم نظيره.

و أمّا قصد الوجوب و الاستحباب، فلايشترط أيضا التعرّض لهما، الاّ أنّه لو قصد الوجوب مكان الاستحباب أو بالعكس كما في شهر رمضان فنوى الأمر الاستحبابي فتارة كان قصده عن جهل فلايضرّ ذلك بصومه. و أخرى يكون قصده عن عمد فحينئذ كان فعله أي نيّته هذا بدعة و مع ذلك لم‌يضرّ بصومه لأنّه أتى بما كان مأمورا باتيانه. و ثالثة يقصد في شهر رمضان، الصوم الاستحبابي كأن ينوي صوم أيّام البيض فحينئذ يبطل صومه لأنّه لم‌يأت بما عليه من المأمور به، سواء كان ذلك عن علم و عمد أم كان عن جهل بحكمه و علمه بأنّه شهر رمضان. نعم لو لم‌يعلم أنّه من شهر رمضان ثمّ علم فيصحّ لما مرّ.

(مسألة 2): اذا قصد صوم اليوم الأوّل من شهر رمضان فبان أنّه اليوم الثاني مثلاً أو العكس صحّ و كذا لو قصد اليوم الأوّل من صوم الكفّارة أو غيرها فبان الثاني مثلاً أو العكس و كذا اذا قصد قضاء رمضان السنة الحاليّة فبان أنّه قضاء رمضان السنة السابقة و بالعكس.

الشرح:

اذا أتى المكلّف بما هو مكلّف به و قصده أيضا قربة للّه فقد أدّى ما عليه و امتثل أمر اللّه و لاشيء بعد ذلك عليه من النيّة، من قصد الأيّام أو السنوات أو غيرهما من الخصوصيّات التي لا دخل لها فيما هو مأمور به، و عليه لو قصد صوم اليوم الأوّل من شهر رمضان فبان أنّه اليوم الثاني أو العكس صحّ، و كذا لو قصد

اليوم الأوّل من صوم الكفّارة أو غيرها فبان الثاني أو العكس صحّ، و كذا اذا قصد قضاء رمضان السنة الحاليّة فبان أنّه قضاء رمضان السنة السابقة و بالعكس صحّ.

في العلم بالمفطرات على التفصيل

(مسألة 3): لايجب العلم بالمفطرات على التفصيل فلو نوى الامساك عن أمور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى.

الشرح:

الصوم عبارة عن الامساك عن أمور معيّنة في الشرع فلو نوى الامساك عن أمور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى و لايجب العلم بالمفطرات على التفصيل، لعدم الدليل على العلم التفصيلي.

(مسألة 4): لو نوى الامساك عن جميع المفطرات ولكن تخيّل أنّ المفطر الفلاني ليس بمفطر فان ارتكبه في ذلك اليوم بطل صومه و كذا ان لم‌يرتكبه ولكنّه لاحظ في نيّته الامساك عمّا عداه و أمّا ان لم‌يلاحظ ذلك صحّ صومه في الأقوى.

الشرح:

لو نوى الامساك عن جميع المفطرات ولكن تخيّل أنّ المفطر الفلاني كالجماع مثلاً ليس بمفطر فتارةً يرتكبه في ذلك اليوم فيبطل صومه لأنّ الافطار و عدمه دائر مدار وقوعه و عدمه و العلم و الجهل بأنّه مفطر خارجان عن حقيقته، فيجب عليه القضاء و أمّا الكفّارة فسيجيء البحث عنه. و أخرى لم‌يرتكب ذلك المفطر ولكنّه لاحظ في نيّته الامساك عمّا عداه فهذا يصحّ صومه لأنّه يكون قاصدا للامساك عمّا يجب الامساك عنه و كان عدم قصده لخصوصه من باب اعتقاده بأنّه ليس بمفطر. و أمّا ان لم‌يلاحظ ذلك و كان من قصده الاتيان بالمأمور به الذي أمر

به شرعا و الامساك عمّا أمر بالامساك عنه شرعا و ان لم‌يلاحظ تمامه لجهله فحينئذ يصحّ صومه.

في قصد الصوم بدون نيّة النيابة للنائب

(مسألة 5): النائب عن الغير لايكفيه قصد الصوم بدون نيّة النيابة و ان كان متّحدا، نعم لو علم باشتغال ذمّته بصوم و لايعلم أنّه له أو نيابة عن الغير يكفيه أن‌يقصد ما في الذمّة.

الشرح:

الدليل لصدر المسألة هو وجوب التعيين لتردّده لنفسه أو لغيره و أمّا ذيله فلإتيانه المأمور به على وجهه.

(مسألة 6): لايصلح شهر رمضان لصوم غيره، واجبا كان ذلك الغير أو ندبا سواء كان مكلّفا بصومه أو لا كالمسافر و نحوه فلو نوى صوم غيره لم‌يقع عن ذلك الغير سواء كان عالما بأنّه رمضان أو جاهلاً و سواء كان عالما بعدم وقوع غيره فيه أو جاهلاً، و لايجزئ عن رمضان أيضا اذا كان مكلّفا به مع العلم و العمد، نعم يجزئ عنه مع الجهل أو النسيان - كما مرّ - و لو نوى في شهر رمضان قضاء رمضان الماضي أيضا لم‌يصحّ قضاءًا و لم‌يجزئ عن رمضان أيضا مع العلم و العمد.

قد تقدّم شرح هذه المسألة في أوّل بحث النيّة فراجع.

(مسألة 7): اذا نذر صوم يوم بعينه لاتجزئه نيّة الصوم بدون تعيين أنّه للنذر و لو اجمالاً - كما مرّ - و لو نوى غيره فان كان مع الغفلة عن النذر صحّ، و ان كان مع العلم و العمد ففي صحّته اشكال.

الشرح:

النذر عبارة عمّا يلتزم الانسان به و يكلّف به نفسه و يشهد اللّه على ذلك و قد قرّر الشارع ذلك و أمره أن‌يكون موفيا بما ألزم على نفسه فقال عليه‌السلام: «فِ بنذرك»،فيجب على الناذر أن‌يأتي بما نذره في مرحلة الوفاء و الأداء فتارة: يكون متعلّق النذر غير معيّن و يكون أيضا مستحبّا في نفسه كمن نذر أن‌يصوم يوما بلاتعيين، فصام من دون قصد الى ما نذره بل قصد غيره مع أنّه متوجّه الى نذره، فحينئذ هذا الصوم لايصلح أن‌يكون متعلّقا لنذره، و لم‌يؤدّ ما ألزم على نفسه و لم‌يف بنذره بعد. فهذا المعنى الذي قلناه وجدانيّ. نعم اذا كان من قصده الوفاء بنذره و غفل حين نيّة الصوم مثلاً أو نسي فلايضرّ و يحسب له المنذور.

و أخرى: يكون متعلّق النذر مستحبّا و معيّنا كمن نذر أن‌يصوم أوّل يوم من شهر شعبان من هذه السنة، فاذا كان متوجّها الى ما نذر و صام اليوم المعيّن بنيّة النذر المعيّن فبها و نعم و قد أدّى ما عليه، و ان كان غافلاً أو ناسيا فصام غير ما نذر ثمّ توجّه و تذكّر و قصد ما عليه فيحسب له و كذا لو تذكّر بعد يومه ذلك، لأنّه أتى بصومه الذي عيّنه و التزم على نفسه فلم‌يقبل ذلك اليوم غير ما نذره فهو خاصّة به، نعم لو نوى غير المنذور عالما عامدا فلم‌يكن موفيا بما نذره و لم‌يحسب له ما نواه كشهر رمضان الذي تقدّم البحث حوله في أوّل فصل النيّة.

و ثالثة: يكون متعلّق النذر واجبا كمن نذر أن‌يقضي ما فاته من شهر رمضان في أيّام معيّنة أو غيرها فان صام قضاءًا أدّى ما عليه و وفى بنذره سواء قصد المنذور أيضا أم لم‌يقصد، لأنّ القضاء حينئذ عين المنذور و المنذور عين القضاء،

نعم لو نوى غير القضاء فلم‌يأت بالمنذور.

(مسألة 8): لو كان عليه قضاء رمضان السنة التي هو فيها و قضاء رمضان السنة الماضية لايجب عليه تعيين أنّه من أيّ منهما، بل يكفيه نيّة الصوم قضاءًا. و كذا اذا كان عليه نذران كلّ واحد يوم أو أزيَد، و كذا اذا كان عليه كفّارتان غير مختلفتين في الآثار.

الشرح:

لو كان عليه قضاء رمضان السنة التي هو فيها و قضاء رمضان السنة الماضية لايجب عليه تعيين أنّه من أيّ منهما، بل يكفيه نيّة قضاء الصوم، لأنّه أتى بما هو مأمور به و نواه، و المأمور به قضاء صوم شهر رمضان و لادليل على الزائد من ذلك.

نعم لو كان على التعيين أثر كسقوط الكفّارة فيما اذا عيّن أنّه قضاء رمضان السنة التي هو فيها، فيترتّب عليه الأثر في التعيين. و ان لم‌يعيّن شيئا منهما فيحسب له من رمضان السنة الماضية. و كذا اذا كان عليه نذران كلّ واحد يوم أو أزيَد، لايجب عليه تعيين أنّه من أيّ منهما، و كذا اذا كان عليه كفّارتان من شهر رمضان. فما يجب عليه تعيينه هو صوم القضاء أو الكفّارة أو النذر أو غيرها اذا كان جميعها أو اثنان منها في ذمّته قربة للّه تعالى.

(مسألة 9): اذا نذر صوم يوم خميس معيّن، و نذر صوم يوم معيّن من شهر معيّن فاتّفق في ذلك الخميس المعيّن يكفيه صومه، و يسقط النذران، فان قصدهما أثيب عليهما و ان قصد أحدهما أثيب عليه و سقط عنه الآخر.

الشرح:

حيث انّ الظرف لايسع أكثر من صوم يوم واحد فهو مكلّف بصومه فقط.

(مسألة 10): اذا نذر صوم يوم معيّن فاتّفق ذلك اليوم في أيّام البيض مثلاً، فان قصد وفاء النذر و صوم أيّام البيض أثيب عليهما و ان قصد النذر فقط أثيب عليه فقط و سقط الآخر، و لايجوز أن‌يقصد أيّام البيض دون وفاء النذر.

الشرح:

قوله: «أثيب عليهما» لأنّه صام يوما ذا عنوانين و لكلّ منهما أجر و ثواب، و ان قصد النذر فقط وفى بنذره، و لايجوز أن‌يقصد أيّام البيض دون وفاء النذر و الاّ لم‌يأت بما ألزم على نفسه و لم‌يمتثل الأمر بالوفاء كما تقدّم.

(مسألة 11): اذا تعدّد في يوم واحد جهات من الوجوب أو جهات من الاستحباب أو من الأمرين فقصد الجميع أثيب على الجميع و ان قصد البعض دون البعض أثيب على المنوي و سقط الأمر بالنسبة الى البقيّة.

قد ظهر الحال في هذه المسألة ممّا مرّ في المسألة التاسعة.

في آخر وقت النيّة في الواجب المعيّن

(مسألة 12): آخر وقت النيّة في الواجب المعيّن رمضانا كان أو غيره عند طلوع الفجر الصادق، و يجوز التقديم في أيّ جزء من أجزاء ليلة اليوم الذي يريد صومه، و مع النسيان أو الجهل بكونه رمضانا أو المعيّن الآخر يجوز متى تذكّر الى ما قبل الزوال اذا لم‌يأت بمفطر و أجزأه عن ذلك اليوم و لايجزئه اذا تذكّر بعد الزوال و أمّا في الواجب الغير المعيّن فيمتدّ وقتها اختيارا من أوّل الليل الى الزوال دون ما بعده على الأصحّ و لافرق في ذلك بين سبق التردّد أو العزم على العدم، و أمّا في المندوب فيمتدّ الى أن‌يبقى من الغروب زمان يمكن

تجديدها فيه على الأقوى.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في وقت النيّة في الصوم الواجب المعيّن رمضانا كان أو غيره

قد تقدّم أنّ النيّة عبارة عن الداعي الى الفعل و لو بعد زمان، فمن أراد أن‌يصوم شهر رمضان كلّه فانّ له نيّة صوم شهر رمضان، فالنيّة مرتكزة في ذهنه و ان كان غافلاً عنها، أو نام من أوّل الليل الى ما بعد طلوع الفجر الصادق.

و أمّا من لم‌يرد أن‌يصوم شهر رمضان أو يوما معيّنا ثمّ تبدّل رأيه فقصد أن‌يصوم، فانتهاء قصده قبل طلوع الفجر بلحظة و هذا هو المشهور.

قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - أنّه لابدّ من ايقاع النيّة ليلاً في أوّله أو آخره، و بعبارة أخرى لابدّ من حصولها عند أوّل جزء من الصوم أو تبييتها، لأنّ الاخلال بكلّ من الأمرين يقتضي مضيّ جزء من الصوم بغير نيّة فيفسد لفوات شرطه و الصوم لايتبعّض. انتهى».(1)

و الدليل على ذلك قوله تعالى: «و كلوا و اشربوا حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثمّ أتمّوا الصيام الى الليل»(2). فالصوم عبارة عن الامساك عن أمور معيّنة من أوّل طلوع الفجر الى الليل مع القصد الى ذلك قربة للّه، فاذا كانت هذه المدّة خالية عن النيّة و لو جزءًا منها لم‌يأت بالمأمور به.


1) - الحدائق الناضرة 13: 18.

2) - البقرة 2: 187.

الفرع الثاني : في حكم الجاهل بشهر رمضان

المشهور بين الأصحاب أنّ الجاهل بكون اليوم من شهر رمضان يجدّد النيّة ما بينه و بين الزوال، و الدليل على ذلك:

أوّلاً: ما ورد في المسافر من أنّه اذا قدم أهله قبل الزوال و لم‌يتناول المفطر يجدّد النيّة و يصوم و يحسب له كموثّقة سماعة عن أبي بصير قال:

«سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فقال: ان قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به».(1)

و تقريب الاستدلال أنّ المناط فيهما واحد و هو المعذوريّة عن النيّة الاّ أنّ العذر في الأوّل الجهل و في الثاني السفر و أنّه مرفوع عنه الصوم فاذا حضر كشف عن وجوب الصوم عليه من أوّل طلوع الفجر. و ما يقال من أنّ مبدأ الصوم للمسافر زمان وروده البلد، خلاف الظاهر فانّ الصوم هو الامساك من أوّل طلوع الفجر الى الليل مع النيّة قربة للّه ففي حقّ المسافر يغتفر تأخير النيّة فيلحق به الجاهل لوحدة المناط.

ثانيا: ما ورد في صوم يوم الشكّ كموثّقة سماعة قال:

«سألته عن اليوم الذي يشكّ فيه من شهر رمضان لايدري أهو من شعبان أو من شهر رمضان فصامه فكان من شهر رمضان، قال: هو يوم وفّق له لاقضاء عليه».(2)

و تقريب الاستدلال بأنّ الشكّ جهل و الشاكّ جاهل، فانّ الناسي و الغافل ملحقان بالجاهل بطريق أولى لأنّهما كانا قاصدين للصوم الاّ أنّه قد عرض لهما


1) - وسائل الشيعة 7: 136 / الباب السادس من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السادس.

2) - وسائل الشيعة 7: 13 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث السادس.

النسيان أو الغفلة، فالنيّة كانت مرتكزة في ذهنهما.

قال المحقّق الهمداني في حقيقة النيّة و حكم نسيانها أو الغفلة عنها و حكم الجاهل: «و أمّا في الصوم و نحوه ممّا كان المنويّ ترك فعل فيكفي بقاء النيّة في النفس شأنا بحيث مهما عرضها الالتفات التفصيلي وجدتها باقية غير مرتدعة عنها، فلاينافيه عروض الغفلة و النوم، و ليس للنيّة محلّ شرعي تعبّدي في شيء من العبادات فضلاً عن الصوم، بل محلّها عقلاً قبل الفعل بشرط تأثيرها في وقوعه منويّا. فلو فرض أنّه عزم من هذا اليوم الذي هو آخر شعبان مثلاً أن‌يصوم الغد الذي هو أوّل رمضان و نام على هذا العزم و لم‌ينتبه الى الغد أو انتبه و لم‌يلتفت تفصيلاً الى أنّ الغد من رمضان حتّى يتجدّد عزمه ولكن كان بحيث لو سأله سائل عمّا عليه عزمه في صوم الغد لأخبره بذلك كما هو من لوازم استدامتها حكما صحّ صومه بلا اشكال. فالحاصل أنّه لايجوز تأخير النيّة عن الفجر في صوم رمضان و شبهه من الواجب المعيّن بنذر و شبهه بالنسبة الى العالم الملتفت الى الحكم و موضوعه. و أمّا لو نسيها بأن غفل عن كون الغد رمضان أو أنّه يجب عليه صومه أو كان جاهلاً بموضوعه بل و كذا بحكمه جدّدها و أوقعها نهارا فيما بينه و بين الزوال، فهذا ممّا لم‌ينقل الخلاف فيه الاّ عن ظاهر ابن أبيعقيل، و هو مخالف لظاهر كلمات الأصحاب، بل عن الغنية و ظاهر المعتبر و المنتهى و التذكرة دعوى الاجماع عليه و يشهد له ما روي أنّ ليلة الشكّ أصبح الناس فجاء أعرابيّ الى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فشهد برؤية الهلال فأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله مناديا ينادي كلّ من لم‌يأكل فليصم و من أكل فليمسك. فانّه كما يشمل الشاكّ يشمل الغافل و الجاهل الذي يزعم عدم انقضاء شعبان فاذا جاز مع الجهل بأنحائه جاز مع النسيان أيضا لعدم الفرق بينهما في المعذوريّة بل هو في الناسي أولى منه في الملتفت الذي يحتمل كونه من رمضان كما هو الغالب في مورد الخبر و ضعفه مجبور باشتهاره بين الأصحاب و

اعتمادهم عليه. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الثالث : في حكم نيّة الصوم الواجب غير المعيّن

في الصوم الواجب غير المعيّن من قضاء أو كفّارة أو نذر و نحوها؛ فيمتدّ وقت النيّة فيها الى الزوال و لو اختيارا فضلاً عن الغفلة و النسيان.

و تدلّ على ذلك طائفة من الأخبار ذكرها صاحب الوسائل في الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته، فمنها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن عليه‌السلام في الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان، و لم‌يكن نوى ذلك من الليل، قال:

«نعم ليصمه وليعتدّ به اذا لم‌يكن أحدث شيئا».(2)

و منها صحيحة ثانية لعبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا الحسن موسى عليه‌السلام عن الرجل يصبح و لم‌يطعم و لم‌يشرب و لم‌ينو صوما و كان عليه يوم من شهر رمضان أ له أن‌يصوم ذلك اليوم و قد ذهب عامّة النهار؟ فقال: نعم له أن‌يصومه و يعتدّ به من شهر رمضان».(3)

و منها خبر عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يكون عليه أيّام منشهر رمضان و يريد أن‌يقضيها متى يريد أن‌ينوي الصيام، قال:

«هو بالخيار الى أن‌تزول الشمس، فاذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم، و ان كان نوى الافطار فليفطر، سئل: فان كان نوى


1) - مصباح الفقيه، كتاب الصوم: 164 و 165.

2) - وسائل الشيعة 7: 4 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 5 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث السادس.

الافطار يستقيم أن‌ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال: لا. الحديث».(1)

و منها مرسلة البزنطي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«قلت له: الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان و يصبح فلايأكل الى العصر أيجوز أن‌يجعله قضاءًا من شهر رمضان؟ قال: نعم».(2)

و منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه‌السلام قال:

«قال علي عليه‌السلام: اذا لم‌يفرض الرجل على نفسه صياما ثمّ ذكر الصيام قبل أن‌يطعم طعاما أو يشرب شرابا و لم‌يفطر فهو بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر».(3)

ففي قوله عليه‌السلام: «ثمّ ذكر الصيام» ثلاثة احتمالات:

الأوّل: ثمّ توجّه أنّ عليه صياما واجبا من قبيل القضاء و نحوه.

الثاني: ثمّ أراد أن‌يصوم استحبابا.

الثالث: ثمّ تذكّر أنّه قد فرض على نفسه الفرض و نسيه.

فالصحيحة على الاحتمال الأوّل و الثالث قابلة للاستدلال لما نحن فيه و أمّا على الاحتمال الثاني تكون دليلاً للفرع الآتي.

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام (في حديث) قال:

«قلت له: انّ رجلاً أراد أن‌يصوم ارتفاع النهار أيصوم؟ قال: نعم».(4)

فالصحيحة لها اطلاق يشمل ما نحن فيه و الصوم الاستحبابي.


1) - وسائل الشيعة 7: 6 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم ونيّته / الحديث العاشر.

2) - وسائل الشيعة 7: 6 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث التاسع.

3) - وسائل الشيعة 7: 5 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الخامس.

4) - وسائل الشيعة 7: 4 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الأوّل.

و منها صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«قلت له: الرجل يصبح و لاينوي الصوم فاذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم، فقال: ان هو نوى الصوم قبل أن‌تزول الشمس حسب له يومه، و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى».(1)

و منها خبر صالح بن عبداللّه عن أبي ابراهيم عليه‌السلام قال:

«قلت له: رجل جعل للّه عليه الصيام شهرا فيصبح و هو ينوي الصوم، ثمّ يبدو له فيفطر و يصبح و هو لاينوي الصوم فيبدو له فيصوم، فقال: هذا كلّه جائز».(2)

ثمّ اعلم أنّ المشهور ذهبوا الى أنّ انتهاء وقت النيّة في الصوم الواجب بالزوال و نسب الى ابن الجنيد أنّ هذا الحكم أعني جواز تجديد النيّة ثابت الى ما قبل الغروب و استدلّ له بمرسلة البزنطي و الصحيحة الثانية لعبدالرحمن بن الحجّاج و اطلاق صحيحة محمّد بن قيس و كذا اطلاق خبر صالح بن عبداللّه و قد ذكرنا كلّها آنفا؛ ولكن الحقّ قول المشهور لموثّقة عمّار الساباطي و لو لم‌يكن موثّقا فيجبر ضعفه بعمل المشهور، و يدلّ على قول المشهور أيضا صحيحة هشام بن سالم بناءًا على أن‌يكون ذيلها للصوم المندوب بدليل عدم تنزيله عليه‌السلامالصوم الذي نواه بعد الزوال منزلة الصوم الكامل كما في الصدر، فيكون مفاده أنّ هذا العمل أمر مشروع و يثاب عليه و ان لم‌يكن من الصوم الحقيقي.

و يردّ ما استدلّ له لابن الجنيد بأنّ المرسلة و ان كانت دلالتها واضحة الاّ أنّها ضعيفة لارسالها، و أنّ المراد بقوله: «و قد ذهب عامّة النهار» في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج ما قبل الزوال، و يقيّد اطلاق صحيحة محمّد بن قيس و


1) - وسائل الشيعة 7: 6 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الثامن.

2) - وسائل الشيعة 7: 5 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الرابع.

خبر صالح بن عبداللّه بصحيحة هشام بن سالم و موثّقة عمّار الساباطي.

الفرع الرابع : في صوم التطوّع

قد ذكر غير واحد من الفقهاء أنّ وقت النيّة يمتدّ فيه الى أن‌يبقى من الغروب زمان يمكن تجديدها فيه، ولكن نسب الى جماعة أنّ حال المندوب حال الفريضة من التحديد الى الزوال، غايته أنّه يثاب فيه بمقدار امساكه.

قال العلاّمة في المختلف: «قال السيّد المرتضى: وقت النيّة في التطوّع الى بعد الزوال. و قال ابن حمزة: و ان نسي النيّة في صوم نافلة (جدّدها) بعد الزوال الى أن‌يبقى من النهار مقدار ما يكون الصائم فيه ممسكا. و اختار ابن ادريس مذهب السيّد المرتضى و هو جواز تجديد النيّة في النفل بعد الزوال. و ذهب الشيخ في أحد قوليه الى جواز تجديد النيّة في صوم المندوب الى أن‌يبقى من النهار بمقدار ما يبقى زمان بعدها يمكن أن‌يكون صوما. و ذهب ابن عقيل بمنع تجديد النيّة بعد الزوال، و جعل النفل كالفرض في ذلك. انتهى».(1)

و الحقّ جواز تجديد النيّة في النفل الى ما قبل الغروب و الدليل على ذلك موثّقة سماعة بن مهران عن أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الصائم المتطوّع تعرض له الحاجة، قال: هو بالخيار ما بينه و بين العصر، و ان مكث حتّى العصر ثمّ بدا له أن‌يصوم و ان لم‌يكن نوى ذلك فله أن‌يصوم ذلك اليوم ان شاء».(2)

و صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:


1) - مختلف الشيعة 3: 240.

2) - وسائل الشيعة 7: 7 / الباب الثالث من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الأوّل.

«كان أميرالمؤمنين عليه‌السلام يدخل الى أهله فيقول: عندكم شيء و الاّ صمت، فان كان عندهم شيء أتوه به و الاّ صام».(1)

و الظاهر كما في المستند أنّ موردها الصوم تطوّعا، اذ من البعيد جدّا أنّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام كان عليه صوم قضاء أو كفّارة و نحوهما، فسياق العبارة يقتضي ارادة التطوّع و يؤكّده أنّ الدخول الى الأهل بحسب الغالب بعد صلاة الظهر للتغدّي كما هو المتعارف، و الاّ فيبعد الدخول قبل ذلك لتناول الطعام و لاسيّما مع التعبير بلفظ «كان» الظاهر في الاستمرار و أنّ ذلك كان من عادته عليه‌السلام و ديدَنِه.

و صحيحة ثانية لهشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«قلت له: الرجل يصبح و لاينوي الصوم فاذا تعالى النهار حدث له رأيٌ في الصوم، فقال: ان هو نوى الصوم قبل أن‌تزول الشمس حسب له يومه، و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى».(2)

و لاتعارض ما تقدّم من الصحيحتين و الموثّقة، خبر اسماعيل القصير عن ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب ثمّ أراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى ما مضى من النهار قال: يصوم ان شاء و هو بالخيار الى نصف النهار».(3)

و موثّقة ابن بكير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يجنب ثمّ ينام حتّى يصبح، أيصوم


1) - وسائل الشيعة 7: 6 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث السابع.

2) - وسائل الشيعة 7: 6 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الثامن.

3) - وسائل الشيعة 7: 47 / الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك / الحديث الثالث.

ذلك اليوم تطوّعا؟ فقال: أليس هو بالخيار ما بينه و نصف النهار».(1)

لأنّ الأوّل ضعيف السند بأبي عبداللّه الرازي الجاموراني، مضافا الى أنّه يحتمل أن‌يكون المراد الصوم الواجب غير المعيّن. و أمّا الموثّقة فليس لها ظهور في المنع و عدم صحّة النيّة بعد الزوال لصوم التطوّع.

(مسألة 13): لو نوى الصوم ليلاً ثمّ نوى الافطار ثمّ بدا له الصوم قبل الزوال فنوى و صام قبل أن‌يأتي بمفطر صحّ على الأقوى الاّ أن‌يفسد صومه برياء و نحوه فانّه لايجزئه لو أراد التجديد قبل الزوال على الأحوط.

الشرح:

هذه المسألة من فروع المسألة السابقة في الواجب غير المعيّن، فانّ من نوى الصوم ليلاً ثمّ نوى الافطار فيكون بلا نيّة فكأنّه لم‌ينو الصوم من أوّل الأمر فيشملها الروايات المتقدّمة القائلة بأنّ من لم‌ينو الصوم ثمّ بدا له أن‌يصوم قضاءًا من شهر رمضان فيصحّ له أن‌ينوي الصوم الى ما قبل الزوال. نعم لو حدث في صومه رياء و نحوه فيأتي حكمه في محلّه.

(مسألة 14): اذا نوى الصوم ليلاً لايضرّه الاتيان بالمفطر بعده قبل الفجر مع بقاء العزم على الصوم.

الشرح:

اذا نوى الصوم ليلاً لايضرّه الاتيان بالمفطر بعده قبل الفجر مع بقاء العزم على الصوم، لأنّ الصوم عبارة عن الامساك عن أمور معيّنة في الشرع من طلوع الفجر الى غروب الشمس مع النيّة و العزم قربة للّه و قد حصل منه هذا المعنى فيصحّ


1) - وسائل الشيعة 7: 47 / الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك / الحديث الثاني.

صومه و ان أتى بالمفطر قبل الفجر بعد ما نوى. و عن البيان: الجزم بعدم جواز التناول، و التردّد في جواز مايبطل الغسل. و ما ذكرناه من معنى الصوم دليل على خلاف ما قال.

في نيّة على‌حدة لكلّ يوم في شهر رمضان

(مسألة 15): يجوز في شهر رمضان أن‌ينوي لكلّ يوم نيّة على‌حِدَة، و الأولى أن‌ينوي صوم الشهر جملة و يجدّد النيّة لكلّ يوم و يقوى الاجتزاء بنيّة واحدة للشهر كلّه لكن لايترك الاحتياط بتجديدها لكلّ يوم، و أمّا في غير شهر رمضان من الصوم المعيّن فلابدّ من نيّته لكلّ يوم اذا كان عليه أيّام كشهر أو أقلّ أو أكثر.

الشرح:

قد تقدّم أنّ النيّة عبارة عن العزم و الارادة الى الفعل فتارة تكون النيّة متّصلة بالفعل و أخرى يكون الفعل متأخّرا عن النيّة، كمن عزم على أن‌يسافر غدا أو بعد ثلاثة أيّام أو بعد شهر و هكذا فهو ذو نيّة بالنسبة الى السفر. فالنيّة مرتكزة في ذهنه سواء كان ذاكرا لها أم غافلاً عنها. و عليه فمن نوى أن‌يصوم شهر رمضان كلّه فانّه ذو عزم و نيّة بالنسبة الى صوم شهر رمضان بل لايعقل أن‌يمحى عن صفحة ذهنه، الاّ اذا طال الأمد بين نيّته و ما نوى فعله. و اضافة الى ذلك نقول انّ من أراد و عزم على الصيام في شهر رمضان كلّه فانّه يكون ذا نيّة لكلّ يوم. و لافرق في ذلك بين شهر رمضان و غيره.

قال العلاّمة في المختلف: «ذهب الشيخان و السيّد المرتضى و سلاّر و أبو الصلاح الى أنّ شهر رمضان يكفي فيه نيّة واحدة من أوّله. و قال السيّد المرتضى في «المسائل الرسيّة»: يغني النيّة الواحدة في ابتداء شهر رمضان عن تجديدها في كلّ ليلة، و هو المذهب الصحيح الذي عليه اجماع الاماميّة، و

لاخلاف بينهم فيه و لا رووا خلافه. انتهى ملخّصا».(1)

في يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان

(مسألة 16): يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان يبنى على أنّه من شعبان، فلايجب صومه، و ان صام ينويه ندبا أو قضاءًا أو غيرهما، و لو بان بعد ذلك أنّه من رمضان أجزأ عنه و وجب عليه تجديد النيّة ان بان في أثناء النهار و لو كان بعد الزوال، و لو صامه بنيّة أنّه من رمضان لم‌يصحّ و ان صادف الواقع.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في عدم وجوب صوم يوم الشكّ

لايجب صوم يوم شكّ في أنّه من شعبان أو رمضان، و الدليل على ذلك:

صحيحة الكاهلي، قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن اليوم الذي يشكّ فيه من شعبان، قال: لأَن أصوم يوما من شعبان أحبّ اليّ من أن‌أفطر يوما من شهر رمضان».(2)

و موثّقة سماعة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: - الى أن‌قال: - انّما يصام يوم الشكّ من شعبان. الحديث».(3)

و يدلّ عليه أيضا استصحاب بقاء شعبان، مع أنّه لاخلاف فيه و لااشكال.


1) - مختلف الشيعة 3: 243 / المسألة 11.

2) - وسائل الشيعة 7: 12 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 13 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الرابع.

الفرع الثاني : في كيفيّة صوم يوم الشكّ

اذا صام يوم الشكّ ينويه ندبا أو قضاءًا أو غيرهما، و لو بان بعد ذلك أنّه من رمضان أجزأ عنه. و الدليل على ذلك:

صحيحة سعيد الأعرج قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: انّي صمت اليوم الذي يشكّ فيه فكان من شهر رمضان أفأقضيه؟ قال: لا، هو يوم وفّقت له».(1)

و صحيحة معاوية بن وهب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الرجل يصوم اليوم الذي يشكّ فيه من شهر رمضان فيكون كذلك، فقال: هو شيء وفّق له».(2)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن اليوم الذي يشكّ فيه من شهر رمضان لايدري أهو من شعبان أو من شهر رمضان فصامه فكان من شهر رمضان، قال: هو يوم وفّق له لاقضاء عليه».(3)

و موثّقة ثانية لسماعة قال:

«قلت لأبيعبداللّه عليه‌السلام: رجل صام يوما و لايدري أ من شهر رمضان هو أو من غيره - الى أن‌قال: - و انّما ينوي من الليلة أنّه يصوم من شعبان، فان كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضّل اللّه و بما قد وسع


1) - وسائل الشيعة 7: 12 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 13 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الخامس.

3) - وسائل الشيعة 7: 13 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث السادس.

على عباده، و لولا ذلك لهلك الناس».(1)

ثمّ اعلم أنّ يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان يبنى على أنّه من شعبان للاستصحاب و الروايات المتقدّمة، فالزمان بنفسه صالح للصوم المندوب، و أمّا من كان عليه القضاء من شهر رمضان فيجب عليه نيّة القضاء لما يأتي في موضعه أنّ من كان عليه القضاء لايجوز له نيّة الصوم المندوب. و ما يظهر من بعض الأخبار من صوم شعبان و نيّة الندب فهو باقتضاء الزمان و صلاحيّته له.

ثمّ ان ظهر في أثناء النهار أنّه من رمضان يجب عليه تجديد النيّة و لو بعد الزوال، و ذلك لصحّة صومه الى الانكشاف بالأولويّة القطعيّة المستفادة من الروايات الناطقة بالاجتزاء لو بان بعد النهار أنّه من رمضان، اذ لو كان مجموع النهار فاقدا لنيّة شهر رمضان و مع ذلك يصحّ صومه فيعتدّ به من رمضان، فيصحّ في بعضه الفاقد للنيّة بالطريق الأولى. فيصحّ صومه لو كان بعض اليوم ناويا لرمضان.

و أمّا دليل وجوب تجديد النيّة، فانّه لايخلو الحال من ثلاثة فإمّا أن لاينوي شيئا أصلاً، أو يستمرّ ما نواه من صوم شعبان و غيره، أو يجدّد النيّة فينوي صوم شهر رمضان، فلاسبيل الى الأوّل لعدم صحّة العمل بدون النيّة و لا الى الثاني، لوجوب تطابق النيّة مع الواقع فيثبت الثالث و هو المطلوب.

الفرع الثالث : في حكم من صام يوم الشكّ بنيّة رمضان

لو صام يوم الشكّ بنيّة أنّه من رمضان لم‌يصحّ و ان صادف الواقع، و ذلك لموثّقة سماعة قال:


1) - وسائل الشيعة 7: 13 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الرابع.

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: رجل صام يوما و لايدري أ من شهر رمضان هو أو من غيره فجاء قوم فشهدوا أنّه كان من شهر رمضان، فقال بعض الناس عندنا لايعتدّ به فقال: بلى، فقلت: انّهم قالوا: صمت و أنت لاتدري أ من شهر رمضان هذا أم من غيره؟ فقال: بلى فاعتدّ به فانّما هو شيء وفّقك اللّه له، انّما يصام يوم الشكّ من شعبان، و لايصومه من شهر رمضان لأنّه قد نهي أن‌ينفرد الانسان بالصيام في يوم الشكّ، و انّما ينوي من الليلة أنّه يصوم من شعبان، فان كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضّل اللّه و بما قد وسع على عباده، و لولا ذلك لهلك الناس».(1)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام في الرجل يصوم اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان فقال:

«عليه قضاؤه و ان كان كذلك».(2)

بناءًا على أن‌يكون كلمة «من رمضان» متعلّق بقوله «يصوم» بقرينة موثّقة سماعة المتقدّمة و بقرينة ما في الأخبار المتقدّمة من جواز الصوم يوم الشكّ بنيّة شعبان.

و فسّر ذلك في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال في يوم الشكّ:

«من صامه قضاه و ان كان كذلك، يعني من صامه على أنّه من شهر رمضان بغير رؤية قضاه، و ان كان يوما من شهر رمضان لأنّ السنّة جاءت في صيامه على أنّه من شعبان، و من خالفها كان عليه القضاء».(3)


1) - وسائل الشيعة 7: 13 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 7: 15 / الباب السادس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 17 / الباب السادس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الخامس.

و صحيحة سهل بن سعد قال:

«سمعت الرضا عليه‌السلام يقول: الصوم للرؤية، و الفطر للرؤية، و ليس منّا من صام قبل الرؤية للرؤية و أفطر قبل الرؤية للرؤية. قال: قلت له: يابن رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فما ترى في صوم يوم الشكّ؟ فقال: حدّثني أبي عن جدّي عن آبائه عليهم‌السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه‌السلام: لأَن أصوم يوما من شعبان أحبّ اليّ من أن‌أفطر يوما من شهر رمضان».(1)

و خبر محمّد بن شهاب الزهري قال:

«سمعت علي بن الحسين عليه‌السلام يقول: يوم الشكّ أمرنا بصيامه و نهينا عنه أمرنا أن‌يصومه الانسان على أنّه من شعبان، و نهينا عن أن‌يصومه على أنّه من شهر رمضان و هو لم‌ير الهلال».(2)(مسألة 17): صوم يوم الشكّ يتصوّر على وجوه: «الأوّل»: أن‌يصوم على أنّه من شعبان، و هذا لااشكال فيه، سواء نواه ندبا، أو بنيّة ما عليه من القضاء أو النذر أو نحو ذلك، و لو انكشف بعد ذلك أنّه كان من رمضان أجزأ عنه و حسب كذلك. «الثاني»: أن‌يصومه بنيّة أنّه من رمضان، و الأقوى بطلانه و ان صادف الواقع. «الثالث»: أن‌يصومه على أنّه ان كان من شعبان كان ندبا أو قضاءًا مثلاً، و ان كان من رمضان كان واجبا، و الأقوى بطلانه أيضا. «الرابع»: أن‌يصومه بنيّة القربة المطلقة بقصد ما في الذمّة و كان في ذهنه أنّه امّا من رمضان أو غيره بأن يكون الترديد في المنوي لا في نيّته فالأقوى صحّته و ان كان الأحوط خلافه.

الشرح:


1) - وسائل الشيعة 7: 17 / الباب السادس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث التاسع.

2) - وسائل الشيعة 7: 16 / الباب السادس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الرابع.

قد تقدّم في المسألة السابقة أنّه يجوز للمرء أن‌يصوم يوما يشكّ أنّه من رمضان، بنيّة شعبان، سواء نواه ندبا أم بنيّة ما عليه من القضاء أو النذر أو نحو ذلك، و لايجوز أن‌يصوم بنيّة شهر رمضان فان نواه فعل حراما و بطل صومه و ان صادف الواقع.

فالآن نقول: هل يجوز أن‌يصوم يوم الشكّ على أنّه ان كان من شعبان كان ندبا و ان كان من رمضان كان واجبا؟

قال العلاّمة في المختلف: «لو نوى ليلة الشكّ أنّه ان كان غدا من شهر رمضان فهو صائم فرضا، و ان كان من شعبان فهو صائم نفلاً، للشيخ قولان، أحدهما: الاجزاء، ذكره في «المبسوط» و «الخلاف». و الثاني: العدم، ذكره في باقي كتبه، و اختاره ابن ادريس. و اختار ابن حمزة الأوّل، و هو الأقوى، و هو مذهب ابن أبي عقيل. انتهى موضع الحاجة».(1)

و الحقّ جواز ذلك لمن لايعلم الحكم، بيان ذلك: قد ثبت أنّ الأئمّة عليهم‌السلام حكموا بأن ينوي الرجل يوم الشكّ بنيّة شعبان و لايجوز له أن‌ينوي رمضان، فمن علم الحكم فلايجوز له غيره. و أمّا من لم‌يعلم الحكم فان نوى جزما شهر رمضان مع كونه شاكّا في اليوم، فلايجوز و يبطل صومه لاطلاق النصّ، فان نوى مردّدا في نيّته فيصحّ ذلك منه، لأنّه نوى الواقع فيجزيه، و نيّة التعيين في رمضان ليست شرطا اجماعا. نعم لو علم أنّه من رمضان فنوى غيره عمدا فيبطل و لم‌يحسب لأحدهما.

و يدلّ عليه ظاهر موثّقة سماعة قال:

«سألته عن اليوم الذي يشكّ فيه من شهر رمضان لايدري أ هو من شعبان أو من شهر رمضان فصامه فكان من شهر رمضان، قال: هو


1) - مختلف الشيعة 3: 253 / المسألة 17.

يوم وفّق له لاقضاء عليه».(1)

و خبر محمّد بن حكيم قال:

«سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن اليوم الذي يشكّ فيه فانّ الناس يزعمون أنّ من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان، فقال: كذبوا ان كان من شهر رمضان فهو يوم وفّق (وفّقوا) له، و ان كان من غيره فهو بمنزلة ما مضى من الأيّام».(2)

و خبر بشير النبّال عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن صوم يوم الشكّ فقال: صمه، فان يك من شعبان كان تطوّعا، و ان يك من شهر رمضان فيوم وفّقت له».(3)

و هذه الروايات و ان كانت مطلقة من حيث العلم و الجهل الاّ أنّها تحمل على الجهل جمعا بينها و بين ما تقدّمت. ثمّ انّه لافرق بين الترديد في النيّة أو في المنوي كأن يصومه بنيّة القربة المطلقة بقصد ما في الذمّة و كان في ذهنه أنّه امّا من رمضان أو غيره.


1) - وسائل الشيعة 7: 13 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث السادس.

2) - وسائل الشيعة 7: 13 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث السابع.

3) - وسائل الشيعة 7: 12 / الباب الخامس من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الثالث.

(مسألة 18): لو أصبح يوم الشكّ بنيّة الافطار، ثمّ بان له أنّه من الشهر، فان تناول المفطر وجب عليه القضاء و أمسك بقيّة النهار وجوبا تأدّبا، و كذا لو لم‌يتناوله ولكن كان بعد الزوال، و ان كان قبل الزوال و لم‌يتناول المفطر جدّد النيّة و أجزأ عنه.

الشرح:

لو أصبح يوم الشكّ بنيّة الافطار، ثمّ بان له أنّه من الشهر فان كان قبل الزوال و لم‌يتناول المفطر جدّد النيّة و أجزأ عنه، و قد تقدّم دليل ذلك في المسألة الثانيه‌عشرة من هذا الفصل. و أمّا ان كان بعد الزوال فلايجزي عنه و عليه القضاء، و كذا لو تناول المفطر ثمّ بان له أنّه من رمضان و ان كان قبل الزوال. ثمّ انّه قال الماتن رحمه‌اللهبوجوب الامساك في الموردين و ليس عليه دليل الاّ الاجماع المدّعى.

قال في الجواهر: «و ان كان ذلك بعد الزوال أمسك وجوبا بلا خلاف بل عن ظاهر المنتهى أنّه لم‌يخالف فيه أحد من علمائنا الاّ النادر من العامّة و عن الخلاف الاجماع عليه. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)و سيأتي البحث عن ذلك.

(مسألة 19): لو صام يوم الشكّ بنيّة أنّه من شعبان ندبا أو قضاءًا أو نحوهما ثمّ تناول المفطر نسيانا و تبيّن بعده أنّه من رمضان، أجزأ عنه أيضا، و لايضرّه تناول المفطر نسيانا كما لو لم‌يتبيّن و كما لو تناول المفطر نسيانا بعد التبيّن.

سيأتي ان شاء اللّه تعالى في محلّه أنّ مبطليّة المفطر تختصّ بالتناول العمدي و أمّا غيره يعني النسيان فرزق رزقه اللّه و لايقدح في الصحّة.

(مسألة 20): لو صام بنيّة شعبان ثمّ أفسد صومه برياء و نحوه لم‌يجزئه عن


1) - جواهر الكلام 16: 213.

رمضان و ان تبيّن له كونه منه قبل الزوال.

سيأتي في المسائل الآتية أنّ ما ينقض الصوم و يفسده أمور معيّنة تسمّى بالمفطرات و ليس منها الرياء، نعم يكون صومه بلا نيّة فان جدّد النيّة الى ما قبل الزوال يصحّ صومه.

(مسألة 21): اذا صام يوم الشكّ بنيّة شعبان ثمّ نوى الافطار و تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال قبل أن‌يفطر فنوى صحّ صومه. و أمّا ان نوى الافطار في يوم من شهر رمضان عصيانا ثمّ تاب فجدّد النيّة قبل الزوال لم‌ينعقد صومه، و كذا لو صام يوم الشكّ بقصد واجب معيّن ثمّ نوى الافطار عصيانا ثمّ تاب فجدّد النيّة بعد تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال.

الشرح:

اذا صام يوم الشكّ بنيّة شعبان ثمّ نوى الافطار و تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال قبل أن‌يفطر فنوى صحّ صومه و قد تقدّم الدليل على ذلك في الفرع الثاني من المسألة الثانيه‌عشرة من هذا الفصل فراجع.

و أمّا ان نوى الافطار في يوم من شهر رمضان عصيانا ثمّ تاب فجدّد النيّة قبل الزوال ففي صحّة صومه و عدمها قولان:

قال العلاّمة في المختلف: «اذا نوى في أثناء النهار أنّه قد ترك الصوم أو عزم على فعل ما ينافي الصوم، قال الشيخ في المبسوط و الخلاف: «لايبطل صومه». و قال أبو الصلاح: فان تعمّد الأكل أو الشرب الى آخر المفطرات أو عزم على ذلك فسد صومه، و لزمه القضاء و الكفّارة. انتهى ملخّصا».(1)

و قال صاحب الحدائق: «المشهور بين الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - أنّه لو


1) - مختلف الشيعة 3: 254 / المسألة 19.

نوى الافطار في أثناء النهار بعد أن‌عقد الصوم ثمّ جدّد نيّة الصوم بعد نيّة الافطار كان صومه صحيحا، ذهب اليه الشيخ و المرتضى و أتباعهما - الى أن‌قال: - مرجع الخلاف في هذه المسألة عند التأمّل في أدلّة القولين المذكورين الى أنّه هل يشترط استدامة النيّة في الصوم حقيقة أو حكما أم لا؟ فمبنى القول المشهور على الثاني و مبنى القول الآخر على الأوّل، و ظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني المتقدّم هو عدم الاشتراط. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

و الحقّ هو الصحّة و الدليل على ذلك:

أوّلاً: ما استدلّ به المشهور، بأنّ النواقض محصورة و ليست نيّة المفطر من جملتها فمن ادّعى كونها ناقضة فعليه الدليل.

ثانيا: صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام (في حديث) قال:

«قلت له: انّ رجلاً أراد أن‌يصوم ارتفاع النهار، أيصوم؟ قال: نعم».(2)

و صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«قلت له: الرجل يصبح و لاينوي الصوم فاذا تعالى النهار حدث له رأيٌ في الصوم، فقال: ان هو نوى الصوم قبل أن‌تزول الشمس حسب له يومه، و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى».(3)

فاطلاقهما يشمل ما نحن فيه. بيان ذلك أنّ الامام عليه‌السلام لم‌يفرق بين رمضان و غيره فحكم بصحّة صوم من لم‌ينو الصوم حتّى ارتفع النهار فأراد أن‌يصوم.

ثالثا: الروايات الناطقة بصحّة الصوم من المسافر الذي يقدم أهله في شهر رمضان قبل الزوال و لم‌يفطر، و كذا الروايات التي حكمت بصحّة صوم من أراد


1) - الحدائق الناضرة 13: 49 و 50.

2) - وسائل الشيعة 7: 4 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 6 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الثامن.

قضاء شهر رمضان في زمان ارتفاع النهار و في بعضها و ان نوى الافطار قبل نيّة الصوم. فيفهم منها و من غيرها أنّه لايضرّ بالصوم خلوّه من النيّة الى ما قبل الزوال، بل و ان أراد الافطار ولكنّه لم‌يفطر، فاذا نوى الصوم قبل أن‌يزول فصومه هذا صحيح، بلافرق بين الصوم المعيّن مثل شهر رمضان و النذر المعيّن أو غيره. و من هذا يتّضح حكم المسألة الآتية.

(مسألة 22): لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعيّن بطل صومه سواء نواهما من حينه أو فيما يأتي، و كذا لو تردّد، نعم لو كان تردّده من جهة الشكّ في بطلان صومه و عدمه لعروض عارض لم‌يبطل و ان استمرّ ذلك الى أن‌يسأل، و لافرق في البطلان بنيّة القطع أو القاطع أو التردّد بين أن‌يرجع الى نيّة الصوم قبل الزوال أم لا، و أمّا في غير الواجب المعيّن فيصحّ لو رجع قبل الزوال.

الشرح:

اذا نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعيّن فهل يبطل صومه أو لا؟

قد تقدّم أنّ المشهور من القدماء ذهبوا الى عدم البطلان و أمّا المشهور من المتأخّرين و بعض القدماء اختاروا بطلان الصوم. احتجّ العلاّمة بأنّها عبادة مشروطة بالنيّة و قد فات شرطها فتبطل، و ذلك لأنّ نيّة الخروج من الصوم و رفضه مضادّة لنيّة الصوم، اذ لايمكن ارادة الضدّين دفعة و قد حصلت نيّة الخروج، فتنتفي نيّة الصوم.

و لأنّ الأصل اعتبار النيّة في جميع أجزاء العبادة، لكن لمّا كان ذلك منتفيا اعتبر حكمها و هو أن لايأتي بنيّة تخالفها و لاينوي قطعها، فاذا نوى القطع زالت النيّة حقيقة و حكما، فكان الصوم باطلاً، لفوات شرطه.

و لأنّه عمل قد خلا عن النيّة حقيقة و حكما فلايكون معتبرا في نظر الشرع، و اذا فسد صوم جزء من النهار فسد صوم ذلك النهار بأجمعه.

و احتجّ من هو قائل بعدم البطلان بأنّ النواقض محصورة، و ليست هذه النيّة من جملتها، فمن ادّعى كونها ناقضة فعليه الدليل، و لأنّ النيّة شرط انعقاده و قد حصل، فلايبطل بعد انعقاده، و نمنع كون دوام النيّة شرطا.

و قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ الحقّ هو عدم البطلان و ذلك - مضافا الى ما قاله الموافق أعني الشيخ و السيّد المرتضى و من تبعهما - فانّ الناظر في الروايات الواردة بصحّة الصوم من المسافر الذي يقدم أهله في شهر رمضان قبل الزوال و لم‌يفطر، و كذا الروايات الواردة في يوم الشكّ الحاكمة بصحّة صوم من لم‌ينو الصوم بل نوى الافطار ولكن لم‌يفطر و انكشف بأنّ يومه هذا من شهر رمضان فنوى الصوم من حينه، و الروايات الواردة فيمن أراد قضاء شهر رمضان و لم‌ينو الصوم قبل طلوع الفجر، فان نوى الصوم الى ما قبل الزوال و لم‌يفطر صحّ صومه، يجد من ذلك كلّه أنّ خلوّ الصوم من النيّة مقدارا من الزمان أي الى ما قبل الزوال لايضرّ بصحّة الصوم.

(مسألة 23): لايجب معرفة كون الصوم هو ترك المفطرات مع النيّة، أو كفّ النفس عنها معها.

الشرح:

يجب على المكلّف أن‌يعرف المأمور به حتّى يتمكّن من الامتثال به، فمن لم‌يعرف الصوم كيف يقوم به و يمتثل أمر الشارع، و قد تقدّم أوّل بحث الصوم بأنّه عبارة عن ترك الأكل و الشرب و أمثالهما من المفطرات من طلوع الفجر الصادق الى الليل (أي غروب الشمس) كما نزل به القرآن الكريم.

(مسألة 24): لايجوز العدول من صوم الى صوم واجبين كانا أو مستحبّين أو مختلفين، و تجديد نيّة رمضان اذا صام يوم الشكّ بنيّة شعبان ليس من باب

العدول بل من جهة أنّ وقتها موسّع لغير العالم به الى الزوال.

الشرح:

العدول من صوم الى صوم خلاف الأصل و لايصار اليه الاّ بدليل، و قد دلّ الدليل على تجديد النيّة و ابتدائها و تبديلها بما قبل الزوال في غير شهر رمضان لمن هو عالم به و قد سبق شرح ذلك في خلال المسائل المتقدّمة.

فصل : فيما يجب الامساك عنه في الصوم من المفطرات

و هي أمور: «الأوّل و الثاني»: الأكل و الشرب من غير فرق في المأكول و المشروب بين المعتاد كالخبز و الماء و نحوهما و غيرها كالتراب و الحصى و عصارة الأشجار و نحوها، و لابين الكثير و القليل كعشر حبّة الحنطة أو عشر قطرة من الماء أو غيرها من المائعات حتّى أنّه لو بلّ الخيّاط الخيط بريقه أو غيره ثمّ ردّه الى الفم و ابتلع ما عليه من الرطوبة بطل صومه الاّ اذا استهلك ما كان عليه من الرطوبة بريقه على وجه لايصدق عليه الرطوبة الخارجيّة و كذا لو استاك و أخرج المسواك من فمه و كان عليه رطوبة ثمّ ردّه الى الفم فانّه لو ابتلع ما عليه بطل صومه الاّ مع الاستهلاك على الوجه المذكور و كذا يبطل بابتلاع ما يخرج من بقايا الطعام من بين أسنانه.

الشرح:

الأوّل و الثاني من المفطرات: الأكل و الشرب و الدليل على ذلك، قوله تعالى في القرآن الكريم: «و كلوا و اشربوا حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط

الأسود من الفجر ثمّ أتمّوا الصيام الى الليل»(1)

و قوله عليه‌السلام في صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول: لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء».(2)

و مفطريّة الأكل و الشرب المعتاد من الضروريّات بين المسلمين كافّة. و أمّا غير المعتاد فقد حكي في المختلف عن السيّد المرتضى أنّه قال: «لاخلاف فيما يصل الى جوف الصائم من جهة فمه اذا اعتمده أنّه يفطره مثل الحصاة و الخَرَزة و ما لايؤكل و لايشرب، و انّما خالف في ذلك الحسن بن صالح و قال: انّه لايفطر. و روي نحوه عن أبي طلحة و الاجماع متقدّم و متأخّر عن هذا الخلاف فسقط حكمه. و مع ذلك حكى في المختلف أيضا عن السيّد المرتضى أنّه قال: «انّ ابتلاع غير المعتاد كالحصاة و نحوها لايبطله و حكاه أيضا عن ابن الجنيد، و قال العلاّمة: احتجّ السيّد بأنّ تحريم الأكل و الشرب انّما ينصرف الى المعتاد خاصّة بل يتناول المعتاد و غيره. انتهى ملخّصا».(3)

قال المحقّق الهمداني: «فالذي يمكن أن‌يكون مستندا للقول بالجواز إمّا منع صدق الأكل و الشرب حقيقة و كونه بمنزلة ايصال شيء الى الجوف من غير جهة الفم؛ و هذا كما تراه كاد أن‌يكون مصادما للضرورة عرفا و شرعا، أو دعوى انصراف النهي عن الأكل و الشرب الى المعتاد؛ و فيه منع الانصراف و انّهما بالنسبة الى متعلّق الأكل و الشرب مطلق، و كذا بالنسبة الى نفس الأكل و الشرب؛مضافا الى فحوى ما سيجيء من الافطار بايصال الغبار الى الحلق؛ مع قضاء سيرة


1) - البقرة 2: 187.

2) - وسائل الشيعة 7: 18 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - مختلف الشيعة 3: 259.

المسلمين لمنافاة مطلق الأكل و الشرب للصوم. انتهى ملخّصا».(1)

و قال أيضا بتوضيح من مستند العروة: «و ما قيل بأنّ مقتضى الحصر في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة عدم الضير في استعمال ماعدا ذلك، و من المعلوم عدم صدق الطعام و الشراب على مثل التراب و الطين و عصارة الشجر و نحو ذلك، ممّا لم‌يتعارف أكله و شربه فلا مانع من تناوله بمقتضى هذه الصحيحة. و بذلك تقيّد اطلاقات الأكل و الشرب الواردة في الكتاب و السنّة، و تحمل على ارادة المتعارف من المأكول و المشروب. يندفع بأنّ الظاهر من الصحيحة أنّ الحصر لم‌يرد بلحاظ ما للطعام و الشراب من الخصوصيّة ليدلّ على الاختصاص بالمتعارف و انّما لوحظ بالقياس الى سائر الأفعال الخارجيّة و الأمور الصادرة من الصائم من النوم و المشي و نحو ذلك، و انّ تلك الأفعال لاتضرّه مادام مجتنبا عن هذه الخصال، و أمّا انّ المراد من الطعام و الشراب هل هو مطلق المأكول و المشروب، أم خصوص المعتاد منهما؟ فليست الصحيحة بصدد البيان من هذه الجهة بوجه كي تدلّ على حصر المفطر في الطعام و الشراب العاديين، بل انّما ذكرا في قبال سائر الأفعال كما عرفت.

مع انّ الظاهر أنّ المراد من الطعام و الشراب، نفس الأكل و الشرب، لا الذات الخارجيّة أي المطعوم و المشروب لتدلّ على الاختصاص. انتهى ملخّصا».(2)

فتحصّل أنّ الأكل و الشرب مفطر للصوم سواء كان من المعتاد أم غيره.

ثمّ اعلم أنّه لافرق في مفطريّة الأكل و الشرب بين القليل و الكثير، لصدق الأكل و الشرب فتشملها اطلاقات الأدلّة من الكتاب و السنّة، نعم اذا لم‌يصدقعلى شيء الأكل و الشرب فلايكون مفطرا، كما اذا استاك بمسواك رطب، أو تمضمض للوضوء و أخرج الماء من فمه فما يبقى من الرطوبة المستهلكة في


1) - مصباح الفقيه، كتاب الصوم: 175.

2) - مستند العروة الوثقى 9 الجزء الأوّل من كتاب الصوم: 94.

البُصاق لايكون مبطلاً، و قد دلّ على عدم البأس في ذلك روايات، فمنها: صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام: أيستاك الصائم بالماء و بالعود الرطب يجد طعمه؟ فقال: لابأس به».(1)

و منها: صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه‌السلام: أنّه كره للصائم أن‌يستاك بسواك رطب، و قال:

«لايضرّ أن‌يبلّ سواكه بالماء ثمّ ينفضه حتّى لايبقى فيه شيء».(2)

و منها: صحيحة أبي ولاّد الحنّاط قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: انّي أقبّل بنتا لي صغيرة و أنا صائم فيدخل في جوفي من ريقها شيء، قال: فقال لي: لابأس ليس عليك شيء».(3)

بناءًا على عدم صدق الأكل و الشرب و استهلاك ريقها في فمه ان لم‌تحمل على غير العمد.

و منها: موثّقة أبي بصير قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الصائم يقبّل؟ قال: نعم و يعطيها لسانه تمصه».(4)

و منها: صحيحة الحلبي:

«أنّه سئل عن المرأة الصائمة تطبخ القدر فتذوق المرق تنظر اليه، فقال: لابأس به. الحديث».(5)

ثمّ انّه يبطل الصوم بابتلاع ما يخرج من بقايا الطعام من بين أسنانه لصدق


1) - وسائل الشيعة 7: 58 / الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

2) - وسائل الشيعة 7: 59 / الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 7: 71 / الباب 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 7: 72 / الباب 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

5) - وسائل الشيعة 7: 74 / الباب 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

الأكل و الشرب، و ما قيل من عدم البطلان استنادا الى صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشيء من الطعام، أيفطر ذلك؟ قال: لا، قلت: فان ازدرده بعد أن‌صار على لسانه قال: لايفطر ذلك».(1)

بيان: ازْدَرَد = بلع اللقمة بسرعة.

حيث دلّت صريحا على جواز ازدراد ما يخرج من الداخل الى فضاء الفم فاذا جاز ذلك جاز ابتلاع مايخرج من بين الأسنان الى الفم بمناط واحد.

ففيه أوّلاً لم‌يعرف من عمل بها في موردها. و ثانيا يحتمل أن‌يكون السؤال عن الازدراد القهري لا العمدي و لعلّه ليس ببعيد لتنفّر طبع الانسان عن ابتلاع ما يخرج من بطنه حتّى يصل الى فضاء الفم، فاذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال فيبقى اطلاق مفطريّة الأكل و الشرب بحاله. و ثالثا لو دلّت لاتتجاوز دلالتها عن المورد؛ لاحتمال كون الجواز - أي جواز الازدراد - لما يخرج من الباطن لا لما يخرج من بين الأسنان.

و لذا قد صرّح المحقّق في الشرائع هنا بوجوب القضاء و الكفّارة و هو المشهور كما في الحدائق، و ذلك لصدق تناول المفطر عمدا فساوى ما لو ازدرده من خارج.

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري في كتاب الصوم: «و ممّا يوجب الافطار أيضا ابتلاع بقايا الغذاء من بين الأسنان عمدا، لصدق الأكل و منعه مكابرة، و دعوى الانصراف الى غير مثله غير مسموعة. و أمّا الرواية المرويّة عن ابن سنان، فتوجّه ان كانت قابلة للتوجيه و الاّ تطرح عن الحجّيّة لمخالفتها للمشهور، بل لاطلاقات


1) - وسائل الشيعة 7: 62 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث التاسع.

الاجماعات المدّعاة على افساد الأكل و لو لم‌يكن معتادا. انتهى ملخّصا».(1)

و قد عرفت ما هو محتمل في الصحيحة. فالمتحصّل أنّ ابتلاع بقايا الغذاء من بين الأسنان عمدا يبطل الصوم و يوجب القضاء و الكفّارة لصدق الأكل عمدا فيشمله عمومات مفطريّة الأكل و الشرب و عدم المخصّص له. فما في المدارك من قوله: «و يمكن المناقشة في فساد الصوم بذلك لعدم تسميته أكلاً و لصحيحة عبداللّه بن سنان» في غير محلّه و كذا في الحدائق من قوله: «و ما ذكره في المدارك لايخلو من قرب و ان كان الأحوط القضاء. انتهى».(2)

(مسألة 1): لايجب التخليل بعد الأكل لمن يريد الصوم و ان احتمل أنّ تركه يؤدّي الى دخول البقايا بين الأسنان في حلقه و لايبطل صومه لو دخل بعد ذلك سهوا نعم لو علم أنّ تركه يؤدّي الى ذلك وجب عليه و بطل صومه على فرض الدخول.

الشرح:

لايجب التخليل بعد الأكل لعدم الدليل على الوجوب و ترك التخليل لايفطر الصوم لعدم كونه من المفطرات و ان احتمل أنّ تركه يودّي الى دخول البقايا بين الأسنان في حلقه.

و ان دخل بقايا الغذاء بين الأسنان في حلقه من غير اختيار أو أدخلها نسيانا في أثناء الصوم لايبطل صومه و ذلك لاطلاق ما ورد من عدم بطلان الصوم اذا أكلأو شرب نسيانا، فانّه غير قاصر الشمول لما نحن فيه.

و أمّا اذا علم أنّ ترك التخليل يؤدّي الى دخول بقايا الغذاء في حلقه سهوا أو


1) - كتاب الصوم: 154.

2) - الحدائق الناضرة 13: 79.

من غير اختيار فهل يجب التخليل؟ ففيه تأمّل، لعدم الدليل على وجوبه، و ما قيل بأنّ عدم التخليل مع علمه بدخول الغذاء سهوا أو من غير اختيار ينافي الجزم على الصوم بل يكون بلا نيّة، مدفوع بعدم التنافي و لذا نرى من نوى الصوم يسأل عن حكم هذه المسألة و ذلك للفرق بين من نوى الصوم و أراد أن‌يأكل أثناء النهار قطعا، و بين من نوى الصوم و يعلم أنّ بقايا الطعام يدخل في جوفه قهرا أو نسيانا، فحصول الجزم في الأوّل مشكل و أمّا في الثاني فيمكن حصول الجزم له، فحينئذ لو دخل الغذاء في جوفه أثناء الصوم قهرا أو سهوا لايبطل صومه لأنّ اطلاقات عدم افطار الصوم في صورة السهو غير قاصرة الشمول له. و ما قاس به في مستند العروة بمن ألقى نفسه في الماء من شاهق عالما بكونه موجبا للارتماس. ففيه بالفرق بين الموردين، ففي القاء النفس في الماء، يصدق عرفا بأنّه ارتمس عامدا بخلاف ما نحن فيه.

و أمّا قوله في المستند: «اذا علم أنّ تركه يؤدّي الى دخول البقايا في الحلق سهوا أو بغير اختيار يجب التخليل لأنّ الترك حينئذ يكون مصداقا للتفريط فلاتشمله اطلاقات العفو، اذ لايقال حينئذ انّه رزق رزقه اللّه، بعد فرض سبق العلم بالترتّب، بل لو دخل الحلق بعد ذلك و لو بغير اختياره كان مصداقا للافطار الاختياري لانتهائه الى المقدّمة الاختياريّة و هي ترك التخليل، اذ لايعتبر الاختيار حال العمل. انتهى ملخّصا».(1)

ففيه: انّ ذلك اذا كان قوله عليه‌السلام: «رزق رزقه اللّه» علّة للحكم، مع أنّه غير معلوم.

(مسألة 2): لابأس ببلع البُصاق و ان كان كثيرا مجتمعا، بل و ان كان اجتماعه بفعل ما يوجبه كتذكّر الحامض مثلاً، لكن الأحوط الترك في صورة الاجتماع خصوصا مع تعمّد السبب.


1) - مستند العروة الوثقى 9 الجزء الأوّل من كتاب الصوم: 102.

الشرح:

لابأس ببلع البصاق و ان كان كثيرا مجتمعا بل و ان كان اجتماعه بفعل موجب لذلك كتذكّر الحامض، و ذلك أوّلاً لعدم صدق الأكل و الشرب فانّه منصرف عن بلع البصاق في الفم، فانّ دخول البصاق الى الجوف لاينقطع عن الانسان و لافرق في ذلك بين قليله و كثيره، و ثانيا لو تنزّلنا عن ذلك فعلى الأقلّ من عدم ظهور الأدلّة في الاطلاق و المرجع حينئذ أصالة البراءة عن وجوب الامساك عنه. و ثالثا للاجماع.

قال في الحدائق: «الظاهر أنّه لااشكال و لاخلاف في جواز ابتلاع الريق الذي في الفم. انتهى».(1)

(مسألة 3): لابأس بابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط و ما ينزل من الرأس ما لم‌يصل الى فضاء الفم، بل الأقوى جواز الجرّ من الرأس الى الحلق، و ان كان الأحوط تركه، و أمّا ما وصل منهما الى فضاء الفم فلايترك الاحتياط فيه بترك الابتلاع.

الشرح:

لابأس بابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط و ما ينزل من الرأس ما لم‌يصل الى فضاء الفم و ذلك لعدم صدق الأكل و الشرب حتّى يكون مفطرا بل لو جرّ الخلط من الرأس الى الحلق ثمّ ابتلعه من غير ايصال الى فضاء الفم لم‌يكن به بأس لعدم صدق الأكل و الشرب، و انّما هو انتقال من مكان من الجوف الى مكان آخر منه، فاطلاقات مفطريّة الأكل و الشرب منصرفة عن مثل هذا قطعا. و لو شكّ فأصالة البراءة محكّمة.


1) - الحدائق الناضرة 13: 79.

و أمّا لو وصل الخلط المخرج من الصدر أو المنزل من الرأس الى فضاء الفم فقد يقال بأنّ القاعدة الأوّليّة تقتضي حرمة ابتلاعه و مفطريّته لصدق الأكل و الشرب كما مرّ في ازدراد ما يخرج من الباطن الى فضاء الفم من الطعام متعمّدا. ولكنّه يشكل بأنّ العرف يفرق بين الغذاء الذي يخرج من الباطن الى فضاء الفم، و ما يخرج من الصدر أو ينزل من الرأس الى فضاء الفم، فينظر الى الأوّل و ازدراده نظر الأكل بخلاف الثاني فانّه ينظر اليه نظر بلع البصاق فحينئذ ففي شمول اطلاقات الأكل و الازدراد له تأمّل.

أضف الى ذلك أنّه ورد النصّ في جواز ذلك، ففي موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«لابأس أن‌يزدرد الصائم نخامته».(1)

فالنخامة اسم لمطلق ما يخرج من أقصى الحلق من مخرج الخاء المعجمة سواء كان مبدأه الصدر أم الرأس، و هو الموافق للفهم العرفي و ما نصّ عليه صاحب القاموس و المجمع و الصحاح و غيرهم من اللغويّين، فلايصغى الى ما في الشرائع من الفرق بين مايخرج من الصدر فلايفسد الصوم بابتلاعه و ما ينزل من الفضلات من رأسه اذا استرسل فيفسد الصوم بابتلاعه عمدا و تبعه في الارشاد و الدروس، لما مرّ، و الأقوى كونه كالأوّل لايبطل مطلقا كما في الجواهر و ادّعى أنّه المشهور على الظاهر.

و استشكل بأنّ مقتضى الاطلاقات وجوب الاجتناب عن كلّ ما صدق عليه الأكل الشامل لما وصل الى فضاء الفم ممّا خرج من الصدر أو نزل من الرأس، و قد ثبت الجواز في النخامة بمقتضى الموثّقة التي هي بمنزلة التخصيص لتلك العمومات، و حيث انّ الخروج عنها يستدعي الركون الى دليل قاطع، و دليل المخصّص هنا مجمل لتردّده بين أن‌تكون النخامة مختصّة لما يخرج من الصدر،


1) - وسائل الشيعة 7: 77 / الباب 39 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

أو بالعكس أو الأعمّ، فلا محيص عن الاحتياط نظرا الى العلم الاجمالي - بمقتضى تلك المطلقات - بوجوب الاجتناب عن أحد الأمرين ممّا خرج من الصدر أو نزل من الرأس، اذ الخارج أحدهما و الآخر باقٍ تحت المطلقات لامحالة و هو غير متعيّن حسب الفرض.

ولكن فيه أوّلاً أنّ النخامة في الرواية تطلق على مطلق ما يوجد في الحلق من الخلط سواء خرج من الصدر أم نزل من الرأس و حينئذ تكون الموثّقة مخصّصة للعمومات و ثانيا يجوز ابتلاع النخامة مطلقا لأنّها تشبه البصاق فهما من وادٍ واحد فأصبحت الموثّقة مؤيّدة لذلك. و ثالثا لو فرضنا شمول الاطلاقات لما يصل الى فضاء الفم من الخلط مطلقا و قلنا أيضا باجمال دليل المخصّص و قلنا بوجوب الاجتناب عن الخلط مطلقا احتياطا للعلم الاجمالي بوجوب الاجتناب عن أحد الأمرين، لكنّه لانسلّم بوجوب القضاء للشكّ في مفطريّة الصوم فيستصحب بقاء الصوم.

قال في الجواهر: «بل لو سلّم وجوب الاجتناب مطلقا أو اذا وصل الى فضاء الفم تحصيلاً ليقين البراءة مع فرض الشكّ فيها بدونه أمكن القول بعدم القضاء معه أيضا في أحد الوجهين، بل جزم به في الذخيرة و الرياض في مواضع، لعدم العلم بتحقّق سببه من الافطار و نحوه بذلك اذ الفرض احتمال كونه مفطرا، و ان كان قد يناقش بامكان تحقيق سببه بأصالة عدم وقوع المراد و المطلوب من المكلّف، فيندرج فيما دلّ على القضاء اذا لم‌يفعل - الى أن‌قال: - و لو اشتبهت محصورة لايجوز له الابتلاع، الاّ أنّه اذا ابتلع لاقضاء و لاكفّارة عليه في وجه قوي. انتهى».(1)

قال في المدارك: «و أطلق جماعة من الأصحاب اسم النخامة على ما يخرج من الصدر أو الرأس من الخلط و هو المطابق للعرف. و قد اختلف كلام


1) - جواهر الكلام 16: 300.

الأصحاب في حكمهما على ثلاثة أقوال: الأوّل ما ذهب اليه المحقّق في الشرائع من جواز الابتلاع اذا خرج من الصدر ما لم‌ينفصل عن الفم و عدم جوازها اذا نزل من الرأس. الثاني ما ذهب اليه الشهيدان بمنع الابتلاع مطلقا اذا وصل الى فضاء الفم. الثالث ما ذهب اليه المحقّق في المعتبر و العلاّمة في التذكرة و المنتهى بجواز الابتلاع مطلقا و هو المعتمد. لنا: انّ ذلك لايسمّى أكلاً و لاشربا فكان سائغا تمسّكا بمقتضى الأصل السالم عن المعارض. و لنا أيضا: انّ النخامة مساوية للريق في عدم الوصول من خارج فوجب مساواتها له في الحكم. و استدلّ عليه في المعتبر أيضا بأنّ ذلك لاينفكّ عنه الصائم الاّ نادرا فوجب العفو عنه لعموم البلوى به. و تؤيّده موثّقة غياث بن ابراهيم المتقدّمة ثمّ ان قلنا انّ ذلك مفسد للصوم فالأصحّ أنّه غير موجب للكفّارة لأنّه الأصل و لامخرج عنه. انتهى ملخّصا».(1)

(مسألة 4): المدار صدق الأكل و الشرب و ان كان بالنحو الغير المتعارف، فلايضرّ مجرّد الوصول الى الجوف اذا لم‌يصدق الأكل و الشرب، كما اذا صبّ دواءًا في جرحه أو شيئا في أذنه أو إحليله فوصل الى جوفه، نعم اذا وصل من طريق أنفه فالظاهر أنّه موجب للبطلان ان كان متعمّدا لصدق الأكل و الشرب حينئذ.

الشرح:

المدار في مبطليّة الطعام و الشراب للصوم ما صدق عليه الأكل و الشرب و ما يلحقه العرف بهما كالشرب بالنحو الغير المتعارف، فمن اعتاد بالشرب من طريق أنفه كما في بعض الأفراد فالعرف يلحقه بالشرب المتعارف و يقول انّه شرب


1) - مدارك الأحكام 6: 105.

بأنفه، و كذا من أدخل الطعام و الشراب الى حلقه فيلحقه العرف بالأكل و الشرب. و أمّا لو صبّ دواءًا في جرحه أو في عينه أو في أذنه لايقال له شرب أو أكل و ان وجد طعمه في حلقه. نعم لو وجد ثقبٌ في أذنه أو أطراف حلقه و ورد الشراب منه الى حلقه فالعرف يلحقه بالشرب من طريق الفم.

و أمّا صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر عليه‌السلام قال:

«سألته عن الصائم هل يصلح له أن‌يصبّ في أذنه الدهن؟ قال: اذا لم‌يدخل حلقه فلا بأس».(1)

فلايبعد فرض ثقب في أذن الصائم المفروض في السؤال، يصل الى حلقه لمرض فيها و لأجله كان يصبّ فيها الدهن، و الاّ فلاطريق من الأذن السالمة الى الحلق. مضافا الى أنّها تحمل على الكراهة لأنّ مفهومها «اذا دخل حلقه ففيه بأس» فالبأس لاظهور له في الحرمة.

(مسألة 5): لايبطل الصوم بانفاذ الرمح أو السكّين أو نحوهما بحيث يصل الى الجوف و ان كان متعمّدا.

قد ظهر شرح هذه المسألة ممّا مرّ آنفا في المسألة الرابعة.

«الثالث»: الجماع و ان لم‌ينزل للذكر و الأنثى، قبلاً أو دبرا، صغيرا كان أو كبيرا، حيّا أو ميّتا، واطئا كان أو موطوءًا، و كذا لو كان الموطوء بهيمة، بل و كذا لو كانت هي الواطئة، و يتحقّق بادخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها، فلايبطل بأقلّ من ذلك بل لو دخل بجملته ملتويا و لم‌يكن بمقدار الحشفة لم‌يبطل، و ان كان لو انتشر كان بمقدارها.


1) - وسائل الشيعة 7: 51 / الباب 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

الشرح:

لااشكال في مفطريّة الجماع في قبل المرأة أنزل أو لم‌ينزل اجماعا من المسلمين فضلاً عن المؤمنين بقسميه كما عن صاحب الجواهر مضافا الى الكتاب و السنّة. فمن السنّة: صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتّى يمني، قال: عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع».(1)

و مرسلة حفص بن سوقة عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«في الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل، قال: عليه من الكفّارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان».(2)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول: لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء».(3)

و من الكتاب: قوله تعالى: «فالآن باشروهنّ و ابتغوا ما كتب اللّه لكم و كلوا و اشربوا حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض ... »(4). و المستفاد منها بناءًا على كون الغاية غاية للمجموع، تحريم الجماع بعد التبيّن.

و ممّا يدلّ على أنّ الغاية غاية للمجموع ما رواه الثقة الجليل علي بن ابراهيم القمّي في تفسيره قال:

«حدّثني أبي رفعه قال: قال الصادق عليه‌السلام: كان النكاح و الأكل محرّمين


1) - وسائل الشيعة 7: 25 / الباب الرابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 25 / الباب الرابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 18 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

4) - البقرة 2: 187.

في شهر رمضان بالليل بعد النوم بمعنى كلّ من صلّى العشاء و نام و لم‌يفطر ثمّ انتبه حرّم عليه الافطار و كان النكاح حراما بالليل و النهار في شهر رمضان، و كان رجل من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يقال له خوات بن جبير أخو عبداللّه بن جبير الذي كان رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وكله بفم الشعب يوم أُحد في خمسين من الرماة، ففارقه أصحابه و بقي في اثنيعشر رجلاً فقتل على باب الشعب و كان أخوه هذا خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا و كان صائما، فأبطأت عليه أهله بالطعام فنام قبل أن‌يفطر فلمّا انتبه قال لأهله: قد حرّم اللّه عليّ الأكل في هذه الليلة، فلمّا أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه فرآه رسول‌اللّه عليه‌السلام فرقّ له، و كان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرّا في شهر رمضان، فأنزل اللّه: «أحلّ لكم ليلة الصيام ... » و ساق الآية في التفسير الى قوله: «ثمّ أتمّوا الصيام الى الليل» قال: فأحلّ اللّه تبارك و تعالى النكاح بالليل في شهر رمضان و الأكل بعد النوم الى طلوع الفجر لقوله تعالى: «حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود».(1)

و كذا يفطر الصوم، الجماع في دبر المرأة بلا خلاف اذا أنزل لما مرّ و سيأتي في الاستمناء و أمّا اذا لم‌ينزل فالأقوى أنّه مفطر للصوم أيضا و الدليل على ذلك: قوله تعالى: «فالآن باشروهنّ ... حتّى يتبيّن لكم ... »(2)بتقريب أنّ المباشرة يكنّى بها عن الجماع، و الجماع أعمّ من القبل و الدبر.

و صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة:

«سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول: لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث


1) - تفسير نور الثقلين 1: 144.

2) - البقرة 2: 187.

خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء».(1)

و المراد من اجتناب النساء هو الجماع، الأعمّ من القبل و الدبر.

و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام - الى أن‌قال: - عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع».(2)

و مرسلة حفص بن سوقة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يأتي أهله من خلفها، قال: هو أحد المأتيّين فيه الغسل».(3)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال:

«جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها و لاينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء. و قال المهاجرون: اذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر لعلي عليه‌السلام: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال علي عليه‌السلام: أتوجبون عليه الحدّ و الرجم و لاتوجبون عليه صاعا من الماء؟ اذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل. فقال عمر: القول ما قال المهاجرون و دعوا ما قالت الأنصار».(4)

أقول في تقريب الاستدلال بالصحيحة: انّ الجماع في دبر الأجنبيّة محرّم يوجب الحدّ و الرجم، فلِمَ لايوجبون عليه صاعا من الماء؟! فاذا كان الجماع في الدبر يوجب الغسل فيوجب الافطار و ذلك لأنّه جنب، كما لو صار جنبا بسبب


1) - وسائل الشيعة 7: 19 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 25 / الباب الرابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 1: 481 / الباب 12 من أبواب الجنابة / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 1: 470 / الباب السادس من أبواب الجنابة / الحديث الخامس.

الانزال، فلا خصوصيّة للانزال، بل المدار الجنابة.

هذا كلّه مضافا الى ما في الحدائق: «فالمعروف من مذهب الأصحاب أنّه كذلك أيضا حتّى نقل الشيخ في الخلاف اجماع الفرقة عليه أيضا. انتهى».(1)

فما في الحدائق من الخدشة في الحكم بأنّ المباشرة في الآية من قوله تعالى: «فالآن باشروهنّ و ابتغوا ما كتب اللّه لكم و كلوا و اشربوا حتّى يتبيّن ... »(2)و كذا الجماع في الروايات ينصرف الى الجماع في القبل لأنّه الفرد الشائع المتكثّر.

ضعيف لأنّ الانصراف المدّعى منه صرف الادّعاء، و ان سلّم فبدويّ يزول بعد الالتفات، و يشهد لذلك فهم الأصحاب من الأخبار كما اعترف به نفسه بأنّ المعروف من الأصحاب مفطريّة الجماع في دبر المرأة. و استشهد صاحب الحدائق لما ذهب اليه بمرفوعة البرقي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«اذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم‌ينزلا فلا غسل عليهما، و ان أنزل فعليه الغسل، و لاغسل عليها».(3)

و بمرفوعة أحمد بن محمّد عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في الرجل يأتي المرأة في دبرها و هي صائمة قال:

«لاينقض صومها و ليس عليها غسل».(4)

و يضعّف أوّلاً بأنّ مرسلة حفص بن سوقة المتقدّمة معارضة لهما. و ثانيا باعترافه هو نفسه بأنّ الشيخ قال في التهذيب بعد نقل الرواية انّها غير معمول بها و هي مقطوعة الاسناد. و ثالثا بقوله أيضا: انّ جملة من المتأخّرين قد ردّوا هاتين الروايتين بضعف الاسناد. و رابعا بأنّ اعترافه رحمه‌اللهباتّفاق الأصحاب على الحكم


1) - الحدائق الناضرة 13: 108.

2) - البقرة 2: 187.

3) - وسائل الشيعة 1: 481 / الباب 12 من أبواب الجنابة / الحديث الثاني.

4) - وسائل الشيعة 1: 481 / الباب 12 من أبواب الجنابة / الحديث الثالث.

المذكور كافٍ في عدم دليليّة المرفوعتين.

قال المحقّق الهمداني: «و يجب الامساك عن الجماع في دبر المرأة أمّا مع الانزال فممّا لاشبهة فيه بل لاخلاف فيه بين العلماء كما صرّح به بعض و يشهد له فحوى ما سيأتي من الافطار بالانزال بغير الوطئ. و أمّا بدون الانزال فكذلك على الأظهر الأشهر بل المشهور كما في الجواهر بل عن الخلاف و الوسيلة الاجماع عليه و عن المعتبر أنّه أشهر الروايتين و عن الغنية الاجماع على الفساد بالجنابة عمدا. و يدلّ على المدّعى عموم الآية و الصحيحة المتقدّمة الدالّة على وجوب الاجتناب عن مباشرة النساء التي يكنّى بها في مثل هذه الموارد عن نكاحهنّ كلفظ اتيان الأهل و نحوه من الكنايات الواردة في الأخبار الآتية.

و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج و صحيحته الأخرى و مرسلة حفص بن سوقة و مضمرة سماعة و رواية عبدالسلام بن صالح الهروي الى غير ذلك من الأخبار التي وقع فيها الحكم معلّقا على عنوان النكاح أو الوطئ أو اصابة الأهل و نحوها من العناوين الصادقة على الوطئ في الدبر و انصراف مثل هذه الأخبار الى الواطى الموجب للانزال أو خصوص الوطئ في القبل ان سلّم فبدويّ يزول بعد الالتفات الى سببيّة نفس الجماع من حيث هو للجنابة و الافطار في الجملة و انّ الدبر أحد المأتيّين فيه الغسل، فانّها كالنصّ في أنّ الأحكام الثابتة للجماع تترتّب على الوطئ في الدبر أيضا لأنّه أحد فرديه و من هنا يعلم أنّه يفسد صوم المرأة أيضا اذ الجماع موجب لفساد صوم الطرفين لاخصوص الرجل بلا خلاف في ذلك و لااشكال، فلايصلح لمعارضة المرسلة (مرسلة حفص بن سوقة) المعتضدة بغيرها ممّا عرفت مرفوعة أحمد بن محمّد و مرسلة علي بن الحكم لقصورها عن المكافأة بعد شذوذهما و اعراض الأصحاب عنهما. انتهى ملخّصا».(1)


1) - مصباح الفقيه، كتاب الصوم: 176.

و قد ذكرنا كلامه رحمه‌الله بطوله تأييدا لما ذكرنا، و ردّا على ما استشكله صاحب الحدائق رحمه‌الله و أمّا الوطئ في دبر المذكّر فالأقوى أنّه مفطر كما يوجب الغسل، لأنّه موجب للجنابة. والدليل على ذلك أوّلاً ما دلّ من الأخبار على حصول الافطار بالنكاح و الجماع و الوطئ الصادق على الوطئ في دبر المذكّر. و ثانيا مرسلة حفص بن سوقة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يأتي أهله من خلفها. قال: هو أحد المأتيّين فيه الغسل».(1)

و ثالثا ما ورد في الأخبار من التعبير عن الوطئ في دبر المذكّر بالنكاح كخبر عبدالرحمن العرزمي عن أبيه عبد الرحمن عن أبي عبداللّه عليه‌السلام عن أبيه عليه‌السلامقال:

«أتى عمر برجل قد نكح في دبره فهمّ أن‌يجلّده، فقال للشهود: رأيتموه يدخله كما يدخل الميل في المكحلة؟ قالوا: نعم، فقال لعلي عليه‌السلام: ما ترى في هذا؟ فطلب الفحل الذي نكح فلم‌يجده. الحديث».(2)

و خبر يزيد بن عبدالملك قال:

«سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول: انّ الرجم على الناكح و المنكوح ذكرا كان أو أنثى اذا كانا محصنين، و هو على الذكر اذا كان منكوحا أحصن أو لم‌يحصن».(3)

مضافا الى ما في صحيحة زرارة من قول علي عليه‌السلام:

«أتوجبون عليه الحدّ و الرجم و لاتوجبون عليه صاعا من الماء».(4)


1) - وسائل الشيعة 1: 481 / الباب 12 من أبواب الجنابة / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 18: 420 / الباب الثالث من أبواب حدّ اللواط / الحديث الثالث.

3) - وسائل الشيعة 18: 418 / الباب الأوّل من أبواب حدّ اللواط / الحديث الثامن.

4) - وسائل الشيعة 1: 470 / الباب السادس من أبواب الجنابة / الحديث الخامس.

و رابعا ما ورد من الخبر عن الرضا عليه‌السلام:

«متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفّارات. الحديث».(1)

فانّ نكاح الحرام يشمل النكاح في دبر الأجنبيّة و الغلام شمولاً ظاهرا.

و خبر عمر بن يزيد، قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: لأيّ علّة لايفطر الاحتلام الصائم و النكاح يفطر الصائم؟ قال: لأنّ النكاح فعله، و الاحتلام مفعول به».(2)

فانّ الظاهر من مقابلة النكاح بالاحتلام حصوله بالوطئ في القبل و الدبر من الغلام و المرأة و ارادة الأعمّ، فكان المرتكز في ذهن السائل مساواة الاحتلام و النكاح في حصول الجنابة التي هي السبب في الافطار، فالجواب بالفرق بينهما بالعمد و عدمه تقرير لما في ذهنه.

و خامسا ما عن الشيخ في الخلاف من الاجماع على ذلك، قال في الخلاف: «اذا أدخل دبر امرأة أو غلام كان عليه القضاء و الكفّارة و به قال الشافعي، و قال أبو حنيفة: عليه القضاء بلا كفّارة؛ دليلنا اجماع الفرقة و طريقة الاحتياط، و لأنّا نبني هذه المسألة على وجوب الحدّ عليه بالفعل (بالقتل خ ل) على كلّ حال و كلّ من قال بذلك أوجب عليه القضاء و الكفّارة، و الذي يدلّ على ذلك اجماع الفرقة؛ و روي عن ابن عبّاس أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: «من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه»، و روي عن أبي بكر أنّه يرمى به من شاهق، و عن علي عليه‌السلام أنّه يرمى عليه حائط و لامخالف لهما في الصحابة. انتهى».(3)

و لذلك قال الشيخ الأنصاري: «فالأقوى فساد الصوم، سيّما بناءًا على المختار


1) - وسائل الشيعة 7: 35 / الباب العاشر من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 73 / الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

3) - الخلاف 2: 190.

من تحقّق الجنابة، كالوطئ في دبر المرأة. انتهى».(1)

و كذا يفطر الصوم الجماع بالبهيمة لما ذكرنا من الدليل آنفا، من دلالة الأخبار على حصول الافطار بالنكاح و الجماع و الوطئ الصادق على الوطئ في دبر المذكّر و يصدق أيضا على الوطئ بالبهيمة.

و ممّا ذكرنا يظهر عدم الفرق في الوطئ في قبل المرأة أو دبرها أو دبر المذكّر، و لا فرق أيضا في الموطوء بين الحيّ و الميّت بل و لا الواطئ، فالوطئ في هذه الصور موجب للجنابة.

و كذا لافرق في الوطئ بالبهيمة بين كون البهيمة موطوءة بها أو كونها هي الواطئة، فالانسان المجامع بالبهيمة جنب و يفسد صومه.

قال في الجواهر: «لافرق في الموطوء بين الحيّ و الميّت، بل و لا الواطئ، فلو أدخلت المرأة ذكر ميت في فرجها أو دبرها أفطرت، لاتّحاد المدرك في الجميع. و كذا لافرق بعد تحقّق اسم الوطئ و الجماع بين الصغير و الكبير خصوصا بناءًا على التلازم بين الغسل و الافطار فلو أولج في صغير أو صغيرة من انسان أو حيوان أفسد صومه، و لو أولج الصغير في الكبير أو الكبيرة فسد صوم الموطوء. انتهى».(2)

و يتحقّق الجماع بادخال الحشفة، و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن اسماعيل يعني ابن بزيع قال:

«سألت الرضا عليه‌السلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلاينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: اذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم».(3)


1) - كتاب الصوم: 27.

2) - جواهر الكلام 16: 222.

3) - وسائل الشيعة 1: 469 / الباب السادس من أبواب الجنابة / الحديث الثاني.

و صحيحة علي بن يقطين قال:

«سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الرجل يصيب الجارية البكر لايفضي اليها و لاينزل عليها، أعليها غسل؟ و ان كانت ليست ببكر ثمّ أصابها و لم‌يفض اليها أعليها غسل؟ قال: اذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل البكر و غير البكر».(1)

فمفهوم الصحيحتين المتقدّمتين آنفا أنّه اذا لم‌يلتق الختانان يعني لم‌يدخل الحشفة بل دخل أقلّ من ذلك لم‌يجب الغسل و لم‌يفطر لعدم تحقّق الجماع، و عليه لو دخل بجملته ملتويا و لم‌يكن بمقدار الحشفة لم‌يبطل و ان كان لو انتشر كان بمقدارها. و المقطوع حشفته لو أدخل منها بمقدارها صار جنبا و يفطر، لأنّ قيد الحشفة غالبي.

(مسألة 6): لافرق في البطلان بالجماع بين صورة قصد الانزال به و عدمه.

الشرح:

يدلّ على عدم الفرق في البطلان بالجماع بين صورة قصد الانزال و عدمه صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتّى يمني، قال: عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع».(2)

و الظاهر من هذه الصحيحة و من غيرها أنّ الجماع بنفسه موضوع مستقلّ للحكم بالبطلان و ان لم‌يقصد الانزال.


1) - وسائل الشيعة 1: 469 / الباب السادس من أبواب الجنابة / الحديث الثالث.

2) - وسائل الشيعة 7: 25 / الباب الرابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

(مسألة 7): لايبطل الصوم بالايلاج في غير أحد الفرجين بلا انزال الاّ اذا كان قاصدا له فانّه يبطل و ان لم‌ينزل من حيث انّه نوى المفطر.

الشرح:

لايبطل الصوم بالايلاج في غير أحد الفرجين كالتفخيذ بلا انزال لما تقدّم من صحيحة محمّد بن اسماعيل يعني ابن بزيع قال:

«سألت الرضا عليه‌السلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلاينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: اذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم».(1)

و أمّا لو كان قاصدا للانزال فانّه يبطل و ان لم‌ينزل، على قول من ذهب الى أنّ نيّة المفطر مفطر. و قد سبق منّا في البحث عن النيّة أنّ نيّة المفطر ليست بمفطرة.

(مسألة 8): لايضرّ بادخال الاصبع و نحوه لا بقصد الانزال.

الشرح:

لأنّ المفطر الجماع أو الانزال أو قصد الانزال على قول و ادخال الاصبع في الفرج ليس منها.

(مسألة 9): لايبطل الصوم بالجماع اذا كان نائما أو كان مكرها بحيث خرج عن اختياره كما لايضرّ اذا كان سهوا.

الشرح:

لايبطل الصوم بالجماع اذا كان نائما أو كان مسلوب الارادة، و كذا لايضرّ اذا


1) - وسائل الشيعة 1: 469 / الباب السادس من أبواب الجنابة / الحديث الثاني.

كان سهوا، و سيأتي الدليل على ذلك بأنّ المدار في ابطال الصوم فعل المفطر الذي منه الجماع، عن عمد و اختيار فمن كان نائما أو ناسيا لصومه أو سلب عنه الاختيار فصدر عنه الجماع لم‌يصدق عليه العامد.

(مسألة 10): لو قصد التفخيذ مثلاً فدخل في أحد الفرجين لم‌يبطل و لو قصد الادخال في أحدهما فلم‌يتحقّق كان مبطلاً من حيث انّه نوى المفطر.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ المدار في بطلان الصوم بالجماع صدوره عن عمد، و لايصدق العمد على فعل الاّ اذا صدر عن قصد، فمن لم‌يكن قصده الايلاج في أحد الفرجين بل كان قصده التفخيذ فدخل الحشفة في أحدهما صدفة لم‌يبطل صومه. و أمّا ذيل المسألة فقد اتّضح في المسألة السابقة.

(مسألة 11): اذا دخل الرجل بالخنثى قبلاً لم‌يبطل صومه و لا صومها، و كذا لو دخل الخنثى بالأنثى و لو دبرا أمّا لو وطئ الخنثى دبرا بطل صومهما، و لو دخل الرجل بالخنثى و دخلت الخنثى بالأنثى بطل صوم الخنثى دونهما، و لو وطأت كلّ من الخنثيين الأخرى لم‌يبطل صومهما.

الشرح:

اذا دخل الرجل بالخنثى دبرا بطل صومهما بناءًا على ما تقدّم من مبطليّة الجماع في الدبر سواء كان المفعول به رجلاً أم امرأة. و أمّا اذا دخل الرجل بالخنثى قبلاً، أو دخل الخنثى بالأنثى و لو دبرا لم‌يبطل صوم الفاعل و المفعول به و ذلك للشكّ في تحقّق التقاء الختانين لاحتمال كون ثقب الخنثى أو آلتها عضوا زائدا مغايرا للخلقة الأصليّة، فيشكّ في حصول الجماع المفطر، فيرجع الى أصالة

العدم. و لو دخل الرجل بالخنثى قبلاً و دخلت الخنثى بالأنثى بطل صوم الخنثى دونهما، أمّا بطلان صوم الخنثى فلأنّها امّا رجل فقد دخل بالأنثى و امّا امرأة فقد وطئ بها، و أمّا عدم بطلان صوم الرجل و كذا الأنثى فلما مرّ من احتمال كون آلة الخنثى أو ثقبها عضوا زائدا لايترتّب على ايلاجه أو الايلاج فيه أيّ أثر.

(مسألة 12): اذا جامع نسيانا أو من غير اختيار ثمّ تذكّر أو ارتفع الجبر وجب الاخراج فورا فان تراخى بطل صومه.

الشرح:

اذا جامع نسيانا فتذكّر وجب الاخراج فورا، و كذا لو جامع من غير اختيار ثمّ ارتفع الجبر، فان تراخى بطل صومه و ذلك لعدم كونه مجتنبا للمفطرات الأربعة المذكورة، في صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أباجعفر عليه‌السلام يقول: لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء».(1)

فانّه و ان كان معذورا حدوثا لكنّه عامد بقاءًا فتشمله الصحيحة.

(مسألة 13): اذا شكّ في الدخول أو شكّ في بلوغ مقدار الحشفة لم‌يبطل صومه.

الشرح:

اذا شكّ في الدخول أو شكّ في بلوغ مقدار الحشفة لم‌يبطل صومه سواء كان قاصدا الدخول أم لم‌يكن بناءًا على ما تقدّم من عدم كون قصد المفطر مفطرا، و أمّا لو قلنا بأنّ قصد المفطر مفطر فلا أثر للشكّ بل ان كان قاصدا الدخول أفطر و


1) - وسائل الشيعة 7: 18 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

ان لم‌يكن قاصدا لم‌يفطر سواء كان شاكّا في الدخول أم لم‌يكن في الحالين. نعم، لو كان قاصدا و في الواقع لم‌يدخل فعليه القضاء فقط و ان دخل فعليه القضاء و الكفّارة.

«الرابع» من المفطرات: الاستمناء أي انزال المني متعمّدا بملامسة أو قُبْلة أو تفخيذ أو نظر أو تصوير صورة الواقعة أو تخيّل صورة امرأة أو نحو ذلك من الأفعال التي يقصد بها حصوله فانّه مبطل للصوم بجميع أفراده، و أمّا لو لم‌يكن قاصدا للانزال و سبقه المني من دون ايجاد شيء ممّا يقتضيه لم‌يكن عليه شيء.

الشرح:

الظاهر أنّه لاخلاف في مفطريّة الاستمناء أي انزال المني متعمّدا.

قال في الجواهر: «لو استمنى أو لمس امرأة فأمنى فسد صومه - الى أن‌قال: - بلا خلاف أجده في حصول الافطار به، بل في المعتبر «و يفطر بانزال الماء بالاستمناء و الملامسة و القبلة اتّفاقا» و محكي المنتهى «الانزال نهارا مفسد للصوم مع العمد سواء أنزل باستمناء أو ملامسة أو قبلة بلا خلاف» و في المدارك «قد أجمع العلماء كافّةً على أنّ الاستمناء مفسد للصوم» و في شرح الاصبهاني للّمعة افساده ممّا أطبق عليه الأصحاب و نصّت به الأخبار. انتهى».(1)

و تدلّ على مفطريّة الصوم بانزال المني مع العمد، صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتّى يمني، قال: عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع».(2)


1) - جواهر الكلام 16: 252.

2) - وسائل الشيعة 7: 25 / الباب الرابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

و صحيحة أخرى لعبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن رجل يعبث بامرأته حتّى يمني و هو محرم من غير جماع أو يفعل ذلك في شهر رمضان، فقال عليه‌السلام: عليهما جميعا الكفّارة مثل

ما على الذي يجامع».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: عليه اطعام ستّين مسكينا مدّ لكلّ مسكين».(2)

بيان: لَزِقَ لُزوقا أي لصق.

و مضمرة حفص بن سوقة عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل، قال:

«عليه من الكفّارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان».(3)

و خبر أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن رجل وضع يده على شيء من جسد امرأته فأدفق، فقال: كفّارته أن‌يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكينا، أو يعتق رقبة».(4)

فالمستفاد من الروايات أنّ علّة مفطريّة الصوم انزال المني سواء كان من العبث بأهله أم غير ذلك و سواء كان من حلال أم حرام، و ذلك للغاية التي ذكر في صحيحتي عبدالرحمن بن الحجّاج فانّه قال: «يعبث بأهله حتّى يمني». و كذا في الموثّقة فانّه قال: «لزق بأهله فأنزل». فانّ السؤال في الحقيقة عن الامناء و الانزال.


1) - وسائل الشيعة 7: 25 / الباب الرابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

2) - وسائل الشيعة 7: 25 / الباب الرابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

3) - وسائل الشيعة 7: 25 / الباب الرابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

4) - وسائل الشيعة 7: 26 / الباب الرابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

ثمّ اعلم أنّ الرجل اذا عبث بأهله فأنزل فتارة قصد الانزال و أخرى لم‌يقصد ولكن يعلم أنّه ينزل قهرا و ثالثة لم‌يقصد و لم‌يعلم ولكن كان من عادته ذلك، و الظاهر أنّ الروايات تشمل الصور الثلاث. و أمّا لو لم‌يقصد و لم‌يكن من عادته فعبث فان اطمأنّ بعدم الانزال فلا بأس و ان شكّ فيحتاط و سيأتي في المسألة الثامنه‌عشرة.

(مسألة 14): اذا علم من نفسه أنّه لو نام في نهار رمضان يحتلم فالأحوط تركه، و ان كان الظاهر جوازه خصوصا اذا كان الترك موجبا للحرج.

الشرح:

الاحتلام بالنهار في شهر رمضان لايفطر الصائم و ذلك لصحيحة عبداللّه بن ميمون، عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«ثلاثة لايفطرن الصائم: القيء و الاحتلام و الحجامة. الحديث».(1)

و موثّقة ابن بكير (في حديث) قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يحتلم بالنهار في شهر رمضان يتمّ يومه (صومه) كما هو؟ فقال عليه‌السلام: لابأس».(2)

و صحيحة العيص بن القاسم:

«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن‌يغتسل، قال: لابأس».(3)

بناءًا على أنّ اطلاقها يشمل الاحتلام بالنهار.

و خبر عمر بن يزيد قال:


1) - وسائل الشيعة 7: 72 / الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 72 / الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 73 / الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

«قلت لأبيعبداللّه عليه‌السلام: لأيّ علّة لايفطر الاحتلام الصائم و النكاح يفطر الصائم؟ قال: لأنّ النكاح فعله، و الاحتلام مفعول به».(1)

و لاتعارض ما تقدّم من الروايات مرسلة ابراهيم بن عبدالحميد قال:

«سألته عن احتلام الصائم، قال: فقال: اذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلاينام حتّى يغتسل. الحديث».(2)

لأنّها مع ضعفها تحمل على الاستحباب.

ثمّ اعلم أنّ اطلاق الروايات يشمل الصائم الذي علم من نفسه أنّه لو نام في نهار شهر رمضان يحتلم.

(مسألة 15): يجوز للمحتلم في النهار الاستبراء بالبول أو الخرطات و ان علم بخروج بقايا المني في المجرى، و لايجب عليه التحفّظ بعد الانزال من خروج المني ان استيقظ قبله خصوصا مع الاضرار و الحرج.

الشرح:

لايجب التحفّظ بعد الانزال في المنام من خروج المني ان استيقظ قبله و ذلك لأنّه احتلم في المنام فتشمله الروايات المتقدّمة في المسألة السابقة و لايصدق عليه الاستمناء حتّى تشمله صحيحتي عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمتين في مفطريّة الاستمناء. و كذا يجوز له الاستبراء بالبول أو الخرطات و ان علم بخروج بقايا المني في المجرى، للدليل المتقدّم.

و يلحق بهذه، المسألة الآتية فيمن احتلم بالنهار و أراد الاغتسال، اذا علم أنّه لو ترك الاستبراء خرجت البقايا بعد الغسل، فلايجب عليه تقديم الاستبراء لعدم


1) - وسائل الشيعة 7: 73 / الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 7: 73 / الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

صدق الاستمناء على هذا و ان وجب عليه الغسل ثانيا لخروج المني الاّ أنّه من بقايا الاحتلام عرفا.

(مسألة 16): اذا احتلم في النهار و أراد الاغتسال فالأحوط تقديم الاستبراء اذا علم أنّه لو تركه خرجت البقايا بعد الغسل فتحدث جنابة جديدة.

قد ظهر الحال فيها ممّا قدّمناه في المسألة السابقة.

(مسألة 17): لو قصد الانزال باتيان شيء ممّا ذكر ولكن لم‌ينزل بطل صومه من باب نيّة ايجاد المفطر.

قد مرّ مرارا بأنّ نيّة ايجاد المفطر غير مفطر، و تقدّم الدليل على ذلك في البحث عن النيّة.

(مسألة 18): اذا أوجد بعض هذه الأفعال لا بنيّة الانزال لكن كان من عادته الانزال بذلك الفعل بطل صومه أيضا اذا أنزل، و أمّا اذا أوجد بعض هذه و لم‌يكن قاصدا للانزال و لا كان من عادته فاتّفق أنّه أنزل، فالأقوى عدم البطلان و ان كان الأحوط القضاء خصوصا في مثل الملاعبة و الملامسة و التقبيل.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الثالثه‌عشرة أنّ الرجل اذا أوجد بعض هذه الأفعال فان كان قصده الانزال أو يعلم بأنّه ينزل قهرا، بطل صومه اذا أنزل فعليه القضاء و الكفّارة، و يلحق بهما ما اذا أوجد بعضها و لم‌يكن من نيّته و لم‌يعلم أنّه ينزل قهرا، ولكن كان من عادته ذلك فظاهر الروايات يشمله أيضا كما تقدّم.

انّما الكلام فيما اذا أوجد بعض الأفعال الموجبة للانزال كالقبلة و اللمس و

اللصوق و غيرها ولكن لم‌يكن من نيّته الانزال و لم‌يعلم بالانزال قهرا و لم‌يكن من عادته ذلك الاّ أنّه شكّ في الانزال و عدمه، فحينئذ لايبعد القول بشمول مثل صحيحتي عبدالرحمن بن الحجّاج لهذه الصورة بناءًا على أن‌يكون «حتّى يمني» في قوله: «يعبث بأهله حتّى يمني» غاية للعبث، بمعنى أنّ العبث المنتهى بالامناء مبطل للصوم و يوجب القضاء و الكفّارة، فيخرج منها ما يطمئنّ به عدم الانزال لصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول: لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء».(1)

فمن قبّل أو مسّ النساء و اطمأنّ من نفسه عدم الانزال و لم‌يكن معتادا فأنزل صدفةً يصدق عليه الاجتناب و أمّا الشاكّ فمشكوك فيه فالاحتياط لايترك.

ثمّ اعلم أنّ هيهنا ثلاث طوائف من الروايات يساعد ذكرها فهم المراد:

الأولى: ما تقدّمت من صحيحتي عبدالرحمن بن الحجّاج و موثّقة سماعة و غيرها ممّا سبق ذكرها. ففي صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتّى يمني، قال: عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع».(2)

الثانية: الروايات التي تنهى الرجل الشابّ أو مطلقا عن مسّ المرأة مخافة أن‌يسبقه المني، فمن جملتها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه سئل عن رجل يمسّ من المرأة شيئا أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال:

«انّ ذلك ليكره للرجل الشابّ مخافة أن‌يسبقه المني».(3)

و صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة جميعا عن أبي جعفر عليه‌السلام:


1) - وسائل الشيعة 7: 18 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 25 / الباب الرابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 68 / الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

«انّه سئل هل يباشر الصائم أو يقبّل في شهر رمضان؟ فقال: انّي أخاف عليه فليتنزّه من ذلك الاّ أن‌يثق أن لايسبقه منيه».(1)

الثالثة: الروايات التي تجيز ذلك مطلقا أو من غير شهوة كصحيحة زرارة عن أبي عبداللّه (أبي جعفر) عليه‌السلام قال:

«لاتنقض القبلة الصوم».(2)

و صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر عليه‌السلام قال:

«سألته عن المرأة هل يحلّ لها أن‌تعتنق الرجل في شهر رمضان و هي صائمة فتقبّل بعض جسده من غير شهوة؟ قال: لابأس».(3)

«الخامس»: تعمّد الكذب على اللّه تعالى أو رسوله أو الأئمّة - صلوات اللّه عليهم - سواء كان متعلّقا بأمور الدين أو الدنيا، و سواء كان بنحو الاخبار أو بنحو الفتوى، بالعربي أو بغيره من اللغات، من غير فرق بين أن‌يكون بالقول أو الكتابة أو الاشارة أو الكناية أو غيرها ممّا يصدق عليه الكذب، مجعولاً له أو جعله غيره و هو أخبر به مسندا اليه لا على وجه نقل القول، و أمّا لو كان على وجه الحكاية و نقل القول فلايكون مبطلاً.

الشرح:

اختلف الأصحاب في مفطريّة تعمّد الكذب على اللّه تعالى و رسوله على قولين بعد اتّفاقهم على حرمته. فذهب الشيخان و السيّد المرتضى في الانتصار و أبو الصلاح و ابن البرّاج الى أنّه يفسد الصوم و يوجب القضاء و الكفّارة، و نقل في المختلف عن علي بن بابويه أنّه عدّه من المفطرات. و ذهب السيّد المرتضى في


1) - وسائل الشيعة 7: 70 / الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 13.

2) - وسائل الشيعة 7: 68 / الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 71 / الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 18.

الجمل و ابن ادريس الى عدم كونه مبطلاً بل ينقص الصوم، و نقل في المختلف أنّ سلاّر و ابن أبي عقيل لم‌يعدّاه مفطرا، و المشهور بين المتأخّرين عدم فساد الصوم به و ان حرّم. و الأقوى مفطريّة تعمّد الكذب على اللّه تعالى أو على رسوله أو الأئمّة عليهم‌السلام، و الدليل على ذلك، موثّقة سماعة قال:

«سألته عن رجل كذب في رمضان، فقال: قد أفطر و عليه قضاؤه، فقلت فما كذبته؟ قال: يكذب على اللّه و على رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله».(1)

و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«انّ الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة عليهم‌السلام يفطر الصائم».(2)

و موثّقة أخرى لأبي بصير قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول: الكذبة تنقض الوضوء و تفطر الصائم، قال: قلت له: هلكنا، قال: ليس حيث تذهب، انّما ذلك الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة عليهم‌السلام».(3)

و موثّقة أخرى لسماعة قال:

«سألته عن رجل كذب في شهر رمضان، فقال: قد أفطر و عليه قضاؤه و هو صائم يقضي صومه و وضوءه اذا تعمّد».(4)

و رواية أحمد بن أبي عبداللّه عن أبيه باسناده رفعه الى أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«خمسة أشياء تفطر الصائم: الأكل و الشرب و الجماع و الارتماس في الماء و الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة عليهم‌السلام».(5)


1) - وسائل الشيعة 7: 20 / الباب الثاني من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 21 / الباب الثاني من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

3) - وسائل الشيعة 7: 20 / الباب الثاني من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

4) - وسائل الشيعة 7: 20 / الباب الثاني من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

5) - وسائل الشيعة 7: 21 / الباب الثاني من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«من كذب على اللّه و على رسوله و هو صائم نقض صومه و وضوءه اذا تعمّد».(1)

احتجّ القائلون بعدم الافساد بالأصل، أي انّ الأصل صحّة الصوم، و بالحصر المستفاد من صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول: لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء».(2)

و أوردوا على الروايات بعدم تماميّة السند و الدلالة، أمّا السند ففي طريق موثّقتي أبي بصير، منصور بن يونس فهو و ان وثّقه النجاشي الاّ أنّ الكشّي روى حديثا أنّه جحد النصّ على الرضا عليه‌السلام لأموال كانت في يده، و أمّا موثّقتا سماعة فلم‌يذكر فيهما المسؤول عنه، و أمّا الدلالة فلاشتمالها على نقضه للوضوء المراد به نقض كماله الموجب - بقرينة وحدة السياق - لحمل الافطار فيه عليه أيضا، مع احتمال القراءة بالصاد المهملة أي «تنقص الوضوء»، فيكون المراد من النصوص المتقدّمة مثل ما يراد من هذه الأخبار و هي:

المروي عن عقاب الأعمال عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله(في حديث) قال:

«و من اغتاب أخاه المسلم بطل صومه و نقض وضوؤه فان مات و هو كذلك مات و هو مستحلّ لما حرّم اللّه».(3)

و وصيّته صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لأميرالمؤمنين عليه‌السلام المروي في تحف العقول قال:

«يا علي احذر الغيبة و النميمة، فانّ الغيبة تفطر و النميمة توجب


1) - وسائل الشيعة 7: 21 / الباب الثالث من أبواب ماا يمسك عنه الصائم / الحديث السابع.

2) - وسائل الشيعة 7: 18 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 21 / الباب الثاني من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

عذاب القبر».(1)

و المروي في كتاب الاقبال قال:

«رأيت في أصل من كتب أصحابنا قال: سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول: انّ الكذبة لتفطر الصائم و النظرة بعد النظرة و الظلم كلّه قليله و كثيره».(2)

بل قد يقال أيضا (كما في الجواهر): «انّ المراد بنصوص المقام التعريض بها في قضاة العامّة و رواتهم و أتباعهم بقرينة اشتمالها على نقض الوضوء بالكذب، فيكون المطلوب حينئذ بيان حال صومهم و صلاتهم أي انّه لاصوم لهم و لاصلاة بسبب ذلك».(3)

و أجيب عن الأصل بأنّه لامجال للأصل مع وجود الدليل. و عن الحصر بأنّه اضافي. قال في الحدائق: «و صحيحة محمّد بن مسلم المذكورة لايمكن حملها على الحصر الحقيقي لخروج جملة من المضرّات بالصوم عن ذلك فالاستناد اليها لايخلو من مجازفة».(4)

و أمّا سند الروايات فانّها موثّقة و حجّة و معمول بها.

و أمّا الخدشة في دلالتها ففيها أنّ الموثّقتين الأوليين لسماعة و أبي بصير فدلالتهما تامّة. و أمّا الموثّقتين الأخريين لهما و ان كان اشتمالهما على نقض الوضوء - الذي لايقول به أحد من الفريقين - موجبا لحمل النقض على نقضالكمال، الاّ أنّه لايوجب حمل الافطار فيهما على نقض الكمال أيضا، لأنّ الحمل على المعنى المجازي في فقرة من الرواية لقرينة كما هنا، لايوجب صرف سائر


1) - وسائل الشيعة 7: 21 / الباب الثاني من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث العاشر.

2) - وسائل الشيعة 7: 21 / الباب الثاني من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث التاسع.

3) - جواهر الكلام 16: 225.

4) - الحدائق الناضرة 13: 141.

الفقرات عن ظاهرها.

و ما قيل في موثّقة سماعة الثانية بأنّ معنى قوله عليه‌السلام: «و هو صائم»، صحّة صومه فيحمل الافطار فيها على نقض الصوم باطنا. ففيه: انّه يحتمل أنّ العبارة في الموثّقة كانت هكذا: «من كذب في شهر رمضان و هو صائم فقد أفطر و عليه قضاؤه» كما في خبر أبي بصير الاّ أنّ الراوي نقلها بالمعنى. و يحتمل أيضا أن‌يكون المراد من قوله عليه‌السلام: «و هو صائم» عليه أن‌يتمّ صومه و ان أفسده بالكذب. فمع الاحتمالات الثلاثة تصير الموثّقة مجملة.

و كيف كان فطرح هذه الأخبار - من غير معارض سوى الأصل الذي ذكروه و الحصر الذي في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة مع ما عرفت فيه - لايخلو من جرأة، كما في الحدائق(1).

ثمّ انّه لافرق في الكذب على الرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الأئمّة عليهم‌السلام من أن‌يكون متعلّقا بأمور الدين أو الدنيا و ذلك لاطلاق النصوص، و الانصراف ممنوع، و عهدته على مدّعيه.

و كذا لافرق في مفطريّة الكذب من أن‌يكون بنحو الاخبار أو بنحو الفتوى، بل لعلّ الفتوى الكاذبة أظهر أفراد الكذب على اللّه و رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الأئمّة عليهم‌السلام، كما لايخفى على المتتبّع في الأخبار التي وردت في ذمّ علماء العامّة.

و بالجملة كلّما صدق عليه الكذب يكون مفطرا سواء كان بالعربي أم بغيره من غير فرق بين أن‌يكون بالقول أو الكتابة أو الاشارة أو الكناية أو غيرها مجعولاً له أو جعله غيره و هو أخبر به مسندا الى اللّه أو رسوله أو الأئمّة عليهم‌السلام لا على وجه نقل القول كما لو قال: قال أميرالمؤمنين عليه‌السلام كذا، لو ذكره الطبري مثلاً. نعم لو كان على وجه الحكاية و نقل القول فلايكون مفطرا مثل أن‌يقول: «فلان يقول انّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال أو فعل كذا» فهذا لايكون مفطرا لأنّه لم‌يكذب على رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بل


1) - الحدائق الناضرة 13: 143.

نقل الكذب.

(مسألة 19): الأقوى الحاق باقي الأنبياء و الأوصياء بنبيّنا صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فيكون الكذب عليهم أيضا موجبا للبطلان، بل الأحوط الحاق فاطمة الزهراء عليهاالسلامبهم أيضا.

الشرح:

لااشكال في أنّ الكذب مطلقا حرام الاّ أنّ مفطريّته تدور مدار كونه كذبا على اللّه أو رسوله أعني به خاتم النبيّين محمّد بن عبداللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الأوصياء من بعده عليهم‌السلام للنصوص المتقدّمة، و أمّا الكذب على باقي الأنبياء فان رجع الى الكذب على اللّه فهو مفطر و الاّ فلايكون مفطرا و كذا الكذب على أمّ الأئمّة النجباء النقباء فاطمة الزهراء عليهاالسلام.

(مسألة 20): اذا تكلّم بالخبر غير موجّه خطابه الى أحد، أو موجّها الى من لايفهم معناه فالظاهر عدم البطلان، و ان كان الأحوط القضاء.

الشرح:

اذا تكلّم بالخبر غير موجّه خطابه الى أحد أو موجّها الى من لايفهم معناه فالظاهر عدم البطلان و ذلك لأنّ الظاهر من الكذب على اللّه و على رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الأئمّة عليهم‌السلام هو الاخبار الكاذب عنهم، و تحقّق الخبر يتوقّف على فردين المتكلّم و المستمع، و هنا المستمع مفقود.

(مسألة 21): اذا سأله سائل هل قال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كذا فأشار «نعم» في مقام «لا» أو «لا» في مقام «نعم» بطل صومه.

(مسألة 22): اذا أخبر صادقا عن اللّه أو عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله مثلاً ثمّ قال: كذبت، بطل صومه، و كذا اذا أخبر بالليل كاذبا ثمّ قال في النهار: «ما أخبرت به البارحة صدق».

(مسألة 23): اذا أخبر كاذبا ثمّ رجع عنه بلافصل لم‌يرتفع عنه الأثر فيكون صومه باطلاً، بل و كذا اذا تاب بعد ذلك فانّه لاتنفعه توبته في رفع البطلان.

الشرح:

قال في الجواهر حكاية عن استاذه: «فانّه قد يناقش في بعض ما ذكره (الأستاذ) بقوله: لو حدّث بحكم صادق ثمّ قال: كذبت، أو كاذب فقال: صدقت أخرج الخبر الكاذب الى الانشاء بعهد أو يمين أو نحوهما أو أخبر بخبر عن امام عليه‌السلام مسند الى واسطة، أو كذب ليلاً فقال نهارا: «ما أخبرت به البارحة صدق» أو أخبر صادقا في الليل فقال في النهار: «خبري ذاك كذب»، أو سأله سائل: هل قال النبي عليه‌السلام كذا؟ فقال: «نعم» في مقام «لا» أو «لا» في مقام «نعم»، أو أفاد المعنى باشارة أو كناية ترتّب الفساد، فلاحظ و تأمّل، ثمّ قال: و لافرق بين أقسام الصوم و لا بين اللغات، نعم يشترط فيه قصد الافهام، فلو تكلّم بالخبر غير موجّه خطابه الى أحد أو موجّها له الى من لايفهم معنى الخطاب فلا فساد. انتهى».(1)

المناط في هذه الفروع كلّها صدق الكذب عرفا، بأن يقال انّه كذب على اللّه أو على رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أو على أحد الأئمّة عليهم‌السلام فلو شكّ في الصدق لايترتّب عليه الأثر للاستصحاب. فاذا سأله سائل: هل قال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كذا فقال: «نعم» في مقام «لا»، أو «لا» في مقام «نعم» فيبطل صومه بذلك لصدق الكذب على رسوله لمثل هذا عرفا.

و كذا لو أخبر صادقا عن اللّه أو عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ثمّ قال: «كذبت»، أو أخبر بالليل كاذبا ثمّ قال بالنهار: «ما أخبرت به البارحة صدق»، فيفطر صومه بذلك أيضا.


1) - جواهر الكلام 16: 226.

اذا أخبر كاذبا ثمّ رجع عنه بلا فصل لم‌يرتفع عنه الأثر فيكون صومه باطلاً و كذا ان تاب بعد ذلك فانّه لاتنفع توبته في رفع البطلان و ذلك لاطلاق النصوص.

(مسألة 24): لافرق في البطلان بين أن‌يكون الخبر المكذوب مكتوبا في كتاب من كتب الأخبار أو لا، فمع العلم بكذبه لايجوز الاخبار به و ان أسنده الى ذلك الكتاب الاّ أن‌يكون ذكره له على وجه الحكاية دون الاخبار، بل لايجوز الاخبار به على سبيل الجزم مع الظنّ بكذبه، بل و كذا مع احتمال كذبه الاّ على سبيل النقل و الحكاية، فالأحوط لناقل الأخبار في شهر رمضان مع عدم العلم بصدق الخبر أن‌يسنده الى الكتاب أو الى قول الراوي على سبيل الحكاية.

الشرح:

قد تقدّم أنّه اذا أسند الخبر المكذوب الى اللّه و الى رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و ان ذكر الكتاب الذي كان الخبر فيه فقد كذب على اللّه و على رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و الأئمّة عليهم‌السلام كما لو قال: قال أميرالمؤمنين عليه‌السلام كذا كما ذكره الطبري و اذا أخبر على وجه الحكاية و نقل القول فلايكون مفطرا مثل أن‌يقول: كتب في كتاب فلان أنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهقال كذا أو فعل كذا، أو يقول: فلان يقول انّ أميرالمؤمنين قال كذا، مثلاً.

ثمّ اعلم أنّ الكذب هو الاخبار عن اللّه و عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و عن الأئمّة عليهم‌السلام قولاً أو فعلاً مع عدم قولهم بذلك باعتقاده، و المايز بين الكذب و الصدق اعتقاده و علمه، فمن علم بأنّ هذا القول لم‌يقل به اللّه أو الرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و مع ذلك أخبر به عن اللّه أو عن رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله جزما فهو كاذب، فلو انكشف خطأه و كان الخبر مطابقا للواقع و المخبر كان مخطئا في اعتقاده، فيكشف أنّه لم‌يكذب و ان كان متجرّيا. و لو انعكس الأمر بأن يخبر عن أحد الأئمّة عليهم‌السلام مثلاً مع اعتقاده بأنّه مطابق للواقع، ثمّ انكشف الخلاف لم‌يكن كاذبا و لم‌يكذب عليهم. و أمّا اذا علم أنّ هذا الخبر كذب و لم‌يصدر منهم عليهم‌السلام فنقله عنهم بنحو الشكّ و الاحتمال فالأظهر كونه مبطلاً

للصوم لصدق الكذب عرفا. و لو كان شاكّا أو ظانّا بظنّ غير معتبر بصدور هذا القول أو الفعل عنهم فان أخبر بصورة الاحتمال فلايكون كاذبا، و أمّا ان أخبر جزما فالأظهر مفطريّته.

(مسألة 25): الكذب على الفقهاء و المجتهدين و الرواة و ان كان حراما لايوجب بطلان الصوم الاّ اذا رجع الى الكذب على اللّه و رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله.

(مسألة 26): اذا اضطرّ الى الكذب على اللّه و رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في مقام التقيّة من ظالم لايبطل صومه به، كما أنّه لايبطل مع السهو أو الجهل المركّب.

(مسألة 27): اذا قصد الكذب فبان صدقا دخل في عنوان قصد المفطر بشرط العلم بكونه مفطرا.

(مسألة 28): اذا قصد الصدق فبان كذبا لم‌يضرّ كما أشير اليه.

(مسألة 29): اذا أخبر بالكذب هزلاً بأن لم‌يقصد المعنى أصلاً لم‌يبطل صومه.

الشرح:

لايجوز الكذب على الفقهاء و المجتهدين و الرواة الاّ أنّه لايوجب بطلان الصوم لعدم الدليل على بطلانه، نعم اذا رجع الى الكذب على اللّه و رسوله يبطل الصوم.

اذا اضطرّ الى الكذب على اللّه و رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في مقام التقيّة من ظالم لايبطل صومه به و ذلك أوّلاً للانصراف القطعي، و ثانيا لحديث الرفع.

اذا كذب سهوا أو خطئا أو مع الجهل المركّب لايبطل صومه لعدم شمول النصّ لها، فانّ الكذب لايصدق على مثل ذلك.

اذا قصد الكذب فبان صدقا دخل في عنوان قصد المفطر بشرط العلم بكون الكذب على اللّه و ... مفطرا، و قد تقدّم في أوّل كتاب الصوم أنّ قصد المفطر

لايكون مفطرا لعدم كون قصد المفطر من المفطرات.

اذا قصد الصدق فبان كذبا لم‌يضرّ بصومه، لأنّه لم‌يكن كاذبا باعتقاده كما مرّ.

اذا أخبر بالكذب هزلاً فان لم‌يقصد المعنى أصلاً لم‌يبطل صومه لأنّه لم‌يخبر عن الواقع.

«السادس»: ايصال الغبار الغليظ الى حلقه، بل و غير الغليظ على الأحوط سواء كان من الحلال كغبار الدقيق أو الحرام كغبار التراب و نحوه، و سواء كان باثارته بنفسه بكنس أو نحوه أو باثارة غيره، بل أو باثارة الهواء مع التمكين منه و عدم تحفّظه، و الأقوى الحاق البخار الغليظ و دخان التنباك و نحوه، و لابأس بما يدخل في الحلق غفلة أو نسيانا أو قهرا أو مع ترك التحفّظ بظنّ عدم الوصول و نحو ذلك.

الشرح:

اختلف الأصحاب في ايصال الغبار الغليظ الى الحلق ففي المختلف: «قال الشيخ في «الجمل» و «الاقتصاد»: ايصال الغبار الغليظ الى الحلق مثل غبار الدقيق و غبار النفض متعمّدا مفطر يوجب القضاء و الكفّارة، و كذا قال في «الخلاف».

و عدّ في «المبسوط» فيما يوجب القضاء و الكفّارة: و ايصال الغبار الغليظ الى الحلق متعمّدا، مثل: غبار الدقيق أو غبار النفض و ما جرى مجراه على ما تضمّنته الروايات.

قال: و في أصحابنا من قال: انّ ذلك لايوجب الكفّارة، و انّما يوجب القضاء.

و قال المفيد: و يجتنب الصائم الرائحة الغليظة و الغبرة التي تصل الى الجوف، فانّ ذلك نقص في الصيام.

و قال في موضع آخر: و ان تعمّد الكون في مكان فيه غبرة كثيرة أو رائحة غليظة و له غنى عن الكون فيه فدخل حلقه شيء من ذلك، وجب عليه القضاء.

و قال أبو الصلاح: اذا وقف في غبرة مختارا، فعليه القضاء.

و قال ابن ادريس: الذي يقوى في نفسي أنّه يوجب القضاء دون الكفّارة اذا تعمّد الكون في تلك البقعة من غير ضرورة. انتهى ما في المختلف».(1)

و قال في الحدائق: «اختلف الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - في ايصال الغبار الى الحلق فذهب جمع: منهم الشيخ في أكثر كتبه الى أنّ ايصال الغبار الغليظ الى الحلق متعمّدا موجب للقضاء و الكفّارة، و اليه مال من أفاضل متأخّري المتأخّرين المحدّث الشيخ محمّد بن الحسن الحُرّ في كتاب الوسائل، و ذهب جمع منهم ابن ادريس و الشيخ المفيد على ما نقل عنه و أبو الصلاح و غيرهم - و الظاهر أنّه المشهور - الى وجوب القضاء خاصّة متى كان متعمّدا، و ذهب جمع من متأخّري المتأخّرين الى عدم الافساد و عدم وجوب شيء من قضاء أو كفّارة. انتهى».(2)

قال في المستمسك: «ظاهر عدم تعرّض الصدوق، و السيّد و الشيخ في المصباح، و سلاّر له (ايصال الغبار الى الحلق) المنع من مفطريّته».(3)

و استدلّوا على مفطريّة الغبار الغليظ:

أوّلاً: برواية سليمان بن جعفر (حفص) المروزي قال:

«سمعته يقول: اذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمّدا أو شمّ رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه و حلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين فانّ ذلك مفطر مثل الأكل و الشرب و النكاح».(4)

ثانيا: بأنّ ازدراد كلّ شيء مفسد للصوم و يجب فيه القضاء و الكفّارة، و


1) - مختلف الشيعة 3: 272.

2) - الحدائق الناضرة 13: 72.

3) - مستمسك العروة الوثقى 8 : 259.

4) - وسائل الشيعة 7: 48 / الباب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

الغبار من هذا الباب.

و أورد على الرواية بضعف السند تارة و عدم الدلالة أخرى. و أمّا ضعف السند فلكون سليمان بن جعفر أو سليمان بن حفص كلاهما ضعيفين. و أمّا الدلالة فلاشتمالها على أمور لم‌يلتزم به أحد من الفقهاء من مفطريّة المضمضة و الاستنشاق متعمّدا، و شمّ الرائحة الغليظة فتسقط الرواية بذلك عن درجة الاعتبار. و ثالثة بأنّ هذه الرواية معارضة بموثّقة أخرى دلّت على عدم المفطريّة فتسقط بالمعارضة و يرجع عندئذٍ الى ما دلّ على حصر المفطر في الخصال الأربع التي ليس منها الغبار، أو أنّها تحمل على الاستحباب و هي موثّقة عمرو بن سعيد عن الرضا عليه‌السلام قال:

«سألته عن الصائم يتدخّن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه، فقال: جائز لابأس به، قال: و سألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه، قال: لابأس».(1)

و رابعة بصحيحة محمّد بن مسلم الدالّة على أنّه لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال (أو أربع خصال كما في رواية أخرى):

«الطعام و الشراب و النساء و الارتماس».(2)

و أجيب عن ضعف السند أوّلاً بأنّه مجبور بعمل الأصحاب و ثانيا بأنّه ليس في السند من لايُعتمد عليه الاّ سليمان بن حفص، لأنّ الصفّار رواها عن محمّد بن عيسى بن عبيد و هو يروي كثيرا عن سليمان بن حفص فالصفّار و محمّد بن عيسى بن عبيد ثقتان و أمّا سليمان بن حفص و ان لم‌يوثّق في كتب الرجال الاّ أنّ الأظهر أنّه ثقة لوقوعه في أسناد كامل الزيارات. ولكنّه مخدوش أوّلاً بأنّه ليس المشهور بين الفقهاء الحكم على طبقها من لزوم القضاء و الكفّارة، بل صرّح في


1) - وسائل الشيعة 7: 48 / الباب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 18 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

الحدائق بأنّ الفقهاء أفتوا بالقضاء فقط دون الكفّارة، كما تقدّم عنه، و بعضهم لم‌يتعرّضوا له و لعلّه لعدم مفطريّته لديهم كما رأيت، نعم ذكر الشيخ في كتبه و كذا صاحب الوسائل أنّ الغبار مفطر يوجب القضاء و الكفّارة، ولكنّه ليس بمشهور. و ثانيا بأنّ العلاّمة الخوئي الذي اعتبر وثاقة الراوي لوقوعه في أسناد كامل الزيارات قد رجع أخيرا عن قوله كما نقله عنه المقرّر لبحثه رحمه‌الله.

و أجيب عن الدلالة بأنّ اشتمال الرواية على بعض ما ثبتت فيه ارادة الاستحباب لقرينة قطعيّة خارجيّة لايستوجب رفع اليد عن ظهور غيره في الوجوب، فالأمر بالكفّارة في هذه الرواية محمول على الاستحباب فيما عدا الغبار من المضمضة و نحوها للعلم الخارجي بعدم البطلان كما ذكر. أمّا فيه فيحمل على ظاهره من الوجوب الكاشف عن البطلان و لا مانع من التفكيك في رواية واحدة بعد قيام القرينة.

و فيه أوّلاً يبعد القول باستحباب الكفّارة بمجرّد المضمضة و الاستنشاق و شمّ الرائحة الغليظة و ان لم‌يدخل شيء في جوفه كما هو ظاهر الرواية.

و ثانيا من كنس البيت لايريد غالبا أن‌يدخل في أنفه و حلقه غبارا الاّ أن‌يدخل قهرا و هذا لايكون مبطلاً، نعم لو علم بدخول الغبار في الحلق حين الكنس و لم‌يتحفّظ و دخل في حلقه يمكن أن‌يقال بوجوب القضاء و الكفّارة.

و ثالثا ليس في الرواية قيد «الغليظ» بل أطلق الغبار، و الحال أنّ أكثر من أفتى بمفطريّة الغبار قيّده بالغليظ.

و أجيب عن معارضة رواية سليمان بن حفص بموثّقة عمرو بن سعيد، بأنّه لاتعارض بين الروايتين الاّ بنحو الاطلاق و التقييد الممكن فيه الجمع بحمل أحدهما على الآخر، فانّ رواية سليمان ظاهرة في صورة التعمّد في ايصال الغبار الى الحلق بقرينة صدرها أي قوله عليه‌السلام: «تمضمض أو استنشق» الظاهر في التعمّد الى هذه الأمور، و احتمال التفكيك بينهما و بين الشمّ و الغبار بحملهما على غير

العمد مضافا الى منافاته لوحدة السياق بعيد في نفسه. مع أنّ فرض الكلام في الكنس الذي هو وسيلة اختياريّة لتعمّد ادخال الغبار في الحلق باعتبار كونه معرضا لاثارته و بقرينة ايجاب الكفّارة في الرواية التي تجتمع مع العمد كما لايخفى. فالنتيجة أنّ الرواية خاصّة بصورة العمد.

و أمّا موثّقة عمرو بن سعيد فهي مطلقة من حيث العمد و غيره، و لو كان ذلك من أجل هبوب الرياح، و ظهور صدرها في العمد لمكان قوله: يتدخّن ... الخ الظاهر في الاختيار لايستدعي كون الذيل كذلك للفصل بينهما بقوله: «و سألته ... الخ» فلا قرينة في البين، كما كان في الرواية المتقدّمة.

فحينئذ يجمع بينهما بحمل المطلق على المقيّد، فتقيّد هذه الموثّقة بتلك الرواية و تحمل على صورة عدم التعمّد.

و فيه: انّ الرواية مع ضعف سندها لايمكن حملها على صورة العمد لأنّه ان كان المراد من التعمّد هو الشرب فلاينبغي التعبير عنه بالمضمضة و الاستنشاق بل بالشرب، و ان كان المراد بالمضمضة و الاستنشاق أنّه يدخل الماء في حلقه قهرا فهذا لايوجب الكفّارة و كذا بالنسبة الى الكنس. و أمّا قوله من فرض الكلام في الكنس الذي الخ ما ذكر، ففيه: انّه يرجع الى الظنّ بدخول الغبار الى الحلق. و أمّا موثّقة عمرو بن سعيد فانّها و ان كانت مطلقة و تقبل التقييد ولكن المقيّد غير تامّ كما تقدّم.

و الأقوى عدم مفطريّة الغبار بما أنّه غبار. نعم لو كان بحيث يصدق عليه أكل التراب أو الدقيق و نحوهما يكون مبطلاً للنصّ على مفطريّتهما، و لايبعد أن‌يقال بأنّ الغبار ان كان غليظا يصدق عليه أكل التراب فالاحتياط لايترك. و لايلحق بالغبار البخار الغليظ و دخان التنباك لعدم صدق الأكل و عدم الدليل على ذلك و ان قلنا بوجود الدليل على مفطريّة الغبار.

و لابأس بمايدخل في الحلق غفلة أو نسيانا أو مع ترك التحفّظ بظنّ عدم

الوصول و نحو ذلك كما سيأتي التعرّض له في محلّه ان شاء اللّه تعالى.

«السابع»: الارتماس في الماء و يكفي فيه رمس الرأس فيه و ان كان سائر البدن خارجا عنه من غير فرق بين أن‌يكون رمسه دفعة أو تدريجا على وجه يكون تمامه تحت الماء زمانا، و أمّا لو غمسه على التعاقب لا على هذا الوجه فلا بأس به و ان استغرقه، و المراد بالرأس ما فوق الرقبة بتمامه فلايكفي غمس خصوص المنافذ في البطلان و ان كان هو الأحوط، و خروج الشعر لاينافي صدق الغمس.

الشرح:

اختلف الأصحاب في الارتماس في الماء على ثلاثة أقوال:

الأوّل: انّه يوجب القضاء و الكفّارة، و هو قول الشيخ في النهاية و الجمل و الاقتصاد و الخلاف و المبسوط، و قول المفيد في المقنعة، و ابن البرّاج في المهذّب، و رواه ابن بابويه في الفقيه، و اختاره السيّد المرتضى في الانتصار.

الثاني: لايجب به قضاء و لاكفّارة و به قال السيّد المرتضى في جمل العلم و العمل و اختاره ابن ادريس و هو مذهب ابن عقيل، و ذهب اليه الشيخ في الاستبصار، قال فيه: و لست أعرف حديثا في ايجاب القضاء و الكفّارة، أو ايجاب أحدهما على من ارتمس في الماء.

الثالث: انّه يوجب القضاء خاصّة، و هو قول أبي الصلاح. هذا كلّه في المختلف.(1)

و المحقّق في المعتبر و الشرائع، و العلاّمة في المختلف و المنتهى، و ولده، و السيّد السند في المدارك، و المحقّق الثاني، و الشهيد الثاني اختاروا القول الثاني.


1) - مختلف الشيعة 3: 269.

و هنا قول رابع بالجواز على كراهة ذكره صاحب الحدائق و نسب الى العمّاني و الحلّي و السيّد في أحد قوليه.

و الأقوى أنّ الارتماس مفطر موجب للقضاء و الكفّارة و الدليل على ذلك روايات؛ منها: صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول: لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء».(1)

و منها ما رواه في الخصال عن أحمد بن أبي عبداللّه عن أبيه باسناده رفعه الى أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«خمسة أشياء تفطر الصائم: الأكل، و الشرب، و الجماع، و الارتماس في الماء، و الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة عليهم‌السلام».(2)

و منها ما رواه علي بن الحسين المرتضى في (رسالة المحكم و المتشابه) نقلاً من تفسير النعماني باسناده الآتي عن علي عليه‌السلام قال:

«و أمّا حدود الصوم فأربعة حدود: أوّلها اجتناب الأكل و الشرب؛ و الثاني اجتناب النكاح، و الثالث اجتناب القيء متعمّدا، و الرابع اجتناب الاغتماس في الماء و ما يتّصل بها و ما يجري مجراها و السنن كلّها».(3)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال:

«الصائم يستنقع في الماء - الى أن‌قال: - و لايغمس رأسه في


1) - وسائل الشيعة 7: 18 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 21 / الباب الثاني من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

3) - وسائل الشيعة 7: 19 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

الماء».(1)

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«الصائم يستنقع في الماء و لايرمس رأسه».(2)

و منها صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«لايرتمس المحرم في الماء و لا الصائم».(3)

و منها صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«لايرتمس الصائم و لا المحرم رأسه في الماء».(4)

و منها خبر الحسن الصيقل قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الصائم يرتمس في الماء؟ قال: لا و لا المحرم. الحديث».(5)

و منها خبر حنّان بن سدير:

«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الصائم يستنقع في الماء؟ قال: لابأس ولكن لاينغمس. الحديث».(6)

و أمّا موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: رجل صائم ارتمس في الماء متعمّدا عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: ليس عليه قضاؤه و لايعودن».(7)

فانّها و ان كانت معارضة لما سبق من الروايات الدالّة على المنع و مفطريّة


1) - وسائل الشيعة 7: 22 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 24 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السابع.

3) - وسائل الشيعة 7: 22 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 7: 24 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثامن.

5) - وسائل الشيعة 7: 23 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

6) - وسائل الشيعة 7: 23 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

7) - وسائل الشيعة 7: 27 / الباب السادس من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

الارتماس الاّ أنّها تطرح أو تحمل على التقيّة، و أمّا الطرح فلرجحان الروايات المتقدّمة من حيث السند و الكثرة و أشهريّة العمل بها، و أمّا الحمل على التقيّة فلذهاب العامّة الى الجواز كما نقله الحدائق عن المعتبر و المنتهى.

ثمّ انّ القائلين بالحرمة دون القضاء و الكفّارة، قد جمعوا بين هذه الموثّقة و بين صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة حيث قال:

«سمعت أبا جعفر عليه‌السلام: لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء».

و حملوا الضرر في مفهوم الصحيحة على الحرمة و أشهدوا على ذلك النواهي الواردة في الصحاح المتقدّم ذكرها، و لم‌يعتنوا برواية الخصال و ما ورد في تفسير النعماني.

ولكن فيه أوّلاً: أنّ الضرر في الصوم هو البطلان و الشاهد على ذلك اجتماع الارتماس مع الطعام و الشراب و النساء التي تفطر الصوم قطعا و يؤيّده رواية الخصال و الخبر الوارد في تفسير النعماني، بل لايصحّ حمل الضرر على الحرمة لأنّه خلاف المتفاهم العرفي، فالمفهوم العرفي من الضرر هو الاخلال و الافساد.

ثانيا: ما في المستند من أنّ ظاهر الصحيحة دخل الاجتناب عن تلك الأمور في طبيعي الصوم و ان كان تطوّعا، اذ لامقتضى للتقييد بالفريضة، و حيث لايحتمل حرمة الارتماس في الصوم المندوب تكليفا بعد فرض جواز ابطاله اختيارا فلا مناص من أن‌يراد بالاضرار الابطال دون الحرمة التكليفيّة.

ثالثا: لو قلنا بأنّ معنى الضرر المفهوم من قوله عليه‌السلام: «لايضرّ الصائم ... »، البطلان بالنسبة الى الطعام و الشراب و النساء، و الحرمة بالنسبة الى الارتماس، يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى.

رابعا: انّ النهي هنا ظاهر في الارشاد الى الفساد.

هذا كلّه مضافا الى أنّه يحتمل أن‌يكون مورد الموثّقة هو الجاهل بالحكم كما

لعلّه الظاهر منها.

و أمّا القائلون بجواز الارتماس للصائم مع الكراهة فجمعوا بين الروايات الناهية و بين الموثّقة، بحمل النهي في تلك الطائفة على الكراهة الوضعيّة، بتقريب أنّ الاضرار بالصوم قد يكون حقيقيّا كالأكل و الشرب، و أخرى مسامحيّا كأنّه يبطل به الصوم كالارتماس، نظرا الى أنّه يستوجب مرتبة من البطلان كعدم القبول مثلاً، فحملوا الاضرار في الارتماس على الاضرار ببعض مراتبه و ان كان أصل الصوم صحيحا.

ولكن فيه: انّ هذا الجمع ليس له شاهد، بل لايصحّ لأنّ معنى اضرار الارتماس بالصوم أنّ صومه باطل كما لو أكل أو شرب، و معنى «ليس عليه قضاؤه» كما في موثّقة اسحاق: «انّ صومه صحيح»، و معه كيف يمكن الجمع بينهما. فان كان مرجع الكراهة الوضعيّة الى كراهة البطلان فهي كاستحباب البطلان، فلا معنى له، و ان كان غير ذلك فعلى مدّعيه بيانه.

فتحصّل أنه تقع المعارضة بين الموثّقة و ما تقابلها من الروايات فالمرجع هو المرجّحات الواردة في مقبولة عمر بن حنظلة في علاج الخبرين المتعارضين، و قد رجّحنا جانب الطائفة الأولى من الروايات و قلنا ببطلان الصوم و مفطريّة الارتماس.

و أمّا القول بوجوب القضاء خاصّة ففي الحدائق قال: «لاأعرف له دليلاً واضحا. انتهى».(1)

و يكفي في مفطريّة الارتماس غمس الرأس فيه و ان كان سائر البدن خارجا و ذلك لذكر الرأس فقط في صحيحة محمّد بن مسلم حيث قال عليه‌السلام:

«و لايغمس رأسه في الماء».(2)


1) - الحدائق الناضرة 13: 136.

2) - وسائل الشيعة 7: 22 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

و صحيحة الحلبي:

«و لايرمس رأسه».(1)

و صحيحة حريز:

«لايرتمس الصائم و لا المحرم رأسه في الماء».(2)

و هذه الصحاح تكون مفسّرة لصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة التي نقلت عن الامام عليه‌السلام أنّه قال:

«لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء».(3)

فلو ارتمس بدنه في الماء دون رأسه لم‌يبطل صومه بل لو ارتمس بدنه في الماء و بقي من رأسه شيء بحيث لم‌ينغمس الرأس كلّه في الماء لم‌يكن مفطرا.

ثمّ انّ الظاهر من الأخبار هو أنّ الرقبة ليست من الرأس كما هو كذلك في الحقيقة فاذا انغمس رأسه في الماء و ان كانت الرقبة خارجة دفعة كان أو تدريجا، يبطل صومه. نعم لو كان بحيث رمس بعض رأسه في الماء فأخرجه ثمّ ارتمس بعضه الآخر لم‌يكن ذلك مفطرا، و لايكون مجرّد رمس منافذ الرأس في الماء مبطلاً و لااعتبار بخروج الشعر عن الماء، فلو ارتمس رأسه في الماء و كان الشعر خارجا يبطل صومه.

(مسألة 30): لابأس برمس الرأس أو تمام البدن في غير الماء من سائر المائعات، بل و لارمسه في الماء المضاف و ان كان الأحوط الاجتنابخصوصا في الماء المضاف.


1) - وسائل الشيعة 7: 24 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السابع.

2) - وسائل الشيعة 7: 24 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثامن.

3) - وسائل الشيعة 7: 18 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

الشرح:

هل يلحق بالماء غيره من سائر المائعات و الماء المضاف؟

الأصحّ أنّه لايلحق و ذلك لقيد الماء في الروايات المتقدّمة، و المراد بالماء هو الماء المطلق و لايشمل الماء المضاف. و دعوى أنّ لفظ الماء الوارد في الروايات منزّل على الغالب لاشاهد عليها، و الأصل الحاكم في موارد الشكّ البراءة.

(مسألة 31): لو لطخ رأسه بما يمنع من وصول الماء اليه ثمّ رمسه في الماء فالأحوط بل الأقوى بطلان صومه، نعم لو أدخل رأسه في اناء كالشيشة و نحوها و رمس الاناء في الماء فالظاهر عدم البطلان.

الشرح:

لو لطخ رأسه بما يمنع من وصول الماء اليه ثمّ رمسه في الماء، أو شدّه بمثل النيلون و أمثال ذلك المانع من وصول الماء الى رأسه، فالأقوى بطلان صومه بذلك لصدق ارتماس الرأس في الماء كما في الأخبار، فليس في شيء منها وصول الماء الى رأسه، و القول بأنّ هذا نظير الغسل الذي يجب فيه وصول الماء الى البشرة قياس لانقول به. نعم لو أدخل رأسه في اناء كالشيشة و غيرها ثمّ ارتمس في الماء لم‌يبطل صومه لعدم صدق رمس رأسه في الماء، و غايته الشكّ و المحكّم أصالة البراءة من وجوب الاحتراز، و أصالة الصحّة.

(مسألة 32): لو ارتمس في الماء بتمام بدنه الى منافذ رأسه، و كان ما فوق المنافذ من رأسه خارجا عن الماء كلاًّ أو بعضا لم‌يبطل صومه على الأقوى، و ان كان الأحوط البطلان برمس خصوص المنافذ كما مرّ.

الشرح:

انّ المناط في البطلان و عدمه ارتماس الرأس في الماء دون سائر الأعضاء، و الظاهر من الروايات الواردة في ذلك انغماس الرأس كلّه في الماء دون البعض و عليه لو كان ما فوق المنافذ من رأسه خارجا عن الماء و ان كان قليلاً لايبطل صومه، لأنّه لادليل على أنّ المناط ارتماس منافذ الرأس في الماء.

(مسألة 33): لابأس بافاضة الماء على رأسه و ان اشتمل على جميعه ما لم‌يصدق الرمس في الماء، نعم لو أدخل رأسه أو تمام بدنه في النهر المنصبّ من عالٍ الى السافل و لو على وجه التسنيم فالظاهر البطلان لصدق الرمس، و كذا في الميزاب اذا كان كبيرا و كان الماء كثيرا كالنهر مثلاً.

الشرح:

لابأس بصبّ الماء على رأسه و ذلك لعدم صدق الارتماس و ورود النصّ بجوازه، ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال:

«الصائم يستنقع في الماء، و يصبّ على رأسه و يتبرّد بالثوب، و ينضح بالمروحة، و ينضح البوريا تحته و لايغمس رأسه في الماء».(1)

و لو صدق الارتماس يبطل صومه كما مثّل به الماتن.

(مسألة 34): في ذي الرأسين اذا تميّز الأصلي منهما فالمدار عليه و مع عدم التمييز يجب عليه الاجتناب عن رمس كلّ منهما، لكن لايحكم ببطلان الصوم الاّ برمسهما و لو متعاقبا.

الشرح:


1) - وسائل الشيعة 7: 22 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

صاحب الرأسين اذا تميّز الأصلي منهما فلا اشكال في وجوب اجتناب الارتماس بالنسبة اليه فقط، و أمّا اذا لم‌يتميّز الأصلي منهما فيجب عليه الاجتناب عن رمس كلّ منهما للعلم الاجمالي بأنّ أحد الرأسين يكون منهيّا عن رمسه في الماء فاذا اجتنب عن ارتماسهما في الماء فقد أتى بما هو مكلّف به. فان ارتكب و رمس أحد الرأسين في الماء فقد ارتكب الحرام للعلم المنجّز للتكليف. و أصالة البراءة لاتجري في أحدهما لأنّ جريانها في أحد الطرفين معارض بجريانها في الطرف الآخر. فلو رمس أحد الرأسين في الماء فهل‌يبطل صومه و هل يجب عليه القضاء و الكفّارة؟

أمّا بالنسبة الى الكفّارة فلاتجب عليه لأنّ وجوب الكفّارة منوط بارتماس الرأس في الماء و هو مشكوك فيه، و هذا نظير من شرب أحد الاناءين اللذين كان أحدهما لا بعينه خمرا، فانّه و ان ارتكب حراما لتكليفه بالاجتناب عنهما للعلم الاجمالي المنجّز في حقّه الاّ أنّه لايستحقّ حدّ الشراب لعدم احراز شرب الخمر في حقّه. و أمّا بالنسبة الى القضاء فانّه يدور مدار وجوب الجزم في النيّة، فان قلنا به و ارتكب الارتماس و رمس أحد الرأسين في الماء فبالنهاية لاجزم له في النيّة، و قد سبق البحث عن ذلك في نيّة الصوم و قلنا بعدم القضاء. و من ذلك يظهر الحال في المسألة الآتية.

(مسألة 35): اذا كان مائعان يعلم بكون أحدهما ماءًا يجب الاجتناب عنهما، ولكن الحكم بالبطلان يتوقّف على الرمس فيهما.

قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة السابقة.

(مسألة 36): لايبطل الصوم بالارتماس سهوا أو قهرا، أو السقوط في الماء من غير اختيار.

سيجيء في محلّه ان شاء اللّه تعالى من اعتبار العمد و الاختيار في المفطريّة.

(مسألة 37): اذا ألقى نفسه من شاهق في الماء بتخيّل عدم الرمس فحصل لم‌يبطل صومه.

الشرح:

اذا ارتمس الصائم في الماء متعمّدا مختارا بطل صومه، فمن لم‌يقصد الرمس و ألقى نفسه من شاهق في الماء بتخيّل عدم الرمس فحصل لم‌يبطل صومه.

(مسألة 38): اذا كان مائع لايعلم أنّه ماء أو غيره، أو ماء مطلق أو مضاف لم‌يجب الاجتناب عنه.

الشرح:

اذا أحرز أنّ هذا المائع ماء مطلق يحرّم على الصائم رمس رأسه فيه و أمّا اذا لم‌يحرز ذلك لايجب الاجتناب عنه.

(مسألة 39): اذا ارتمس نسيانا أو قهرا، ثمّ تذكّر أو ارتفع القهر وجب عليه المبادرة الى الخروج و الاّ بطل صومه.

الشرح:

و ذلك لأنّ المتفاهم عرفا من قوله عليه‌السلام: «لايرتمس الصائم و لا المحرم رأسه في الماء»، عدم الفرق بين من ارتمس و غمس رأسه في الماء متعمّدا متذكّرا و

بين من تذكّر في الماء بعد النسيان و مكث متعمّدا و كذا من ارتفع القهر عنه في الماء ولكنّه مكث متعمّدا مختارا. و هذا عند العرف نظير من أكل سهوا ثمّ تذكّر فانّه يجب عليه الاجتناب عن الأكل فورا و اخراج بقايا الطعام من فمه، فلو أكل بعد التذكّر و ان كان قليلاً بطل صومه.

(مسألة 40): اذا كان مكرها في الارتماس لم‌يصحّ صومه بخلاف ما اذا كان مقهورا.

(مسألة 41): اذا ارتمس لانقاذ غريق بطل صومه و ان كان واجبا عليه.

الشرح:

اذا قهر عليه بحيث سلب اختياره و رمس رأسه في الماء يصحّ صومه و ذلك لاعتبار الاختيار في مفطريّة الارتماس، و أمّا اذا أكره عليه مثل ما لو أوعده على العذاب ان لم‌يرتمس في الماء، فارتمس خوفا من العذاب فلا عقاب له لحديث الرفع و أمّا القضاء و الكفّارة فسيجيء البحث عنه في محلّه.

و أمّا اذا كان صائما فواجه غريقا مؤمنا وجب عليه انقاذه و ان استلزم الارتماس في الماء فانّه يجب عليه الارتماس مقدّمة لانقاذ الغريق فاذا ارتمس لم‌يجب عليه الكفّارة لعدم كونه عاصيا بل مطيعا و ممتثلاً و أمّا القضاء فسيجيء.

(مسألة 42): اذا كان جنبا و توقّف غسله على الارتماس انتقل الى التيمّم اذا كان الصوم واجبا معيّنا، و ان كان مستحبّا أو كان واجبا موسّعا وجب عليه الغسل و بطل صومه.

الشرح:

اذا كان جنبا و توقّف غسله على الارتماس فتارة يكون صومه واجبا معيّنا و

أخرى لايكون كذلك، ففي الأولى ينتقل الى التيمّم و ذلك لبدليّة التيمّم عند العذر لحرمة الارتماس شرعا و العذر الشرعي كالعقلي، و من المعلوم عدم التزاحم بين ما لا بدل له كالصوم و ما له بدل كالغسل. و في الثانية كما لو كان واجبا موسّعا أو كان مستحبّا يجب عليه الغسل، و ذلك لعدم المانع من الغسل، فانّ الارتماس في الماء لم‌يكن محرّما له و ان كان مفطرا ولكن افطاره و نقض صومه هذا جائز. فهل يبطل صومه بمجرّد التكليف بالغسل و وجوبه عليه، أو من حين القصد الى الغسل من باب نيّة القطع، أو من حين الغسل و الارتماس خارجا؟

الظاهر أنّ الصوم يبطل من حين الغسل و الارتماس في الماء و أمّا نيّة القطع فليست من المفطرات كما سبق في البحث عن النيّة، و أمّا البطلان بمجرّد التكليف بالغسل و وجوبه عليه فليس عليه دليل، و ان قلت: الأمر بالغسل يقتضي النهي عن ضدّه و هو الصوم فيبطل، قلت: الأمر بالشيء لايقتضي النهي عن ضدّه كما حقّق في محلّه.

(مسألة 43): اذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم الواجب المعيّن بطل صومه و غسله اذا كان متعمّدا، و ان كان ناسيا لصومه صحّا معا، و أمّا اذا كان الصوم مستحبّا، أو واجبا موسّعا بطل صومه و صحّ غسله.

الشرح:

اذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم الواجب المعيّن متعمّدا بطل غسله للارتماس المنهيّ عنه، و النهي في العبادة موجب للفساد، و بطل صومه أيضا لأنّه أتى بالمفطر عمدا. و ان كان ناسيا لصومه صحّا معا و ذلك لما سيجيء من عدم مفطريّة الارتماس اذا كان ناسيا فاذا لم‌يكن مفطرا لايكون غسله الارتماسي منهيّا عنه فيكون صحيحا. و أمّا اذا كان الصوم مستحبّا أو واجبا موسّعا بطل صومه لاتيانه المفطر عمدا و صحّ غسله لجواز ابطال صومه و عدم كون الارتماس منهيّا

عنه كما ذكر.

(مسألة 44): اذا أبطل صومه بالارتماس العمدي فان لم‌يكن من شهر رمضان، و لا من الواجب المعيّن غير رمضان يصحّ له الغسل حال المكث في الماء أو حال الخروج، و ان كان من شهر رمضان يشكل صحّته حال المكث لوجوب الامساك عن المفطرات فيه بعد البطلان أيضا، بل يشكل صحّته حال الخروج أيضا لمكان النهي السابق كالخروج من الدار الغصبيّة اذا دخلها عامدا، و من هنا يشكل صحّة الغسل في الصوم الواجب المعيّن أيضا سواء كان في حال المكث أو حال الخروج.

الشرح:

اذا أبطل صومه بالارتماس العمدي فان لم‌يكن من شهر رمضان و لا من الواجب المعيّن غير رمضان يصحّ غسله حال المكث في الماء أو حال الخروج و ذلك لما قلنا من جواز الافطار و عدم النهي عن الارتماس في الماء.

و أمّا ان كان من شهر رمضان و أبطل صومه بالارتماس العمدي، فان قلنا بوجوب الامساك بعد الافطار العمدي لحرمة شهر رمضان فلايصحّ غسله حال المكث في الماء للنهي عن المكث الذي هو عين الغسل مع النيّة.

و هل يصحّ الغسل حال الخروج على هذا المبنى؟

الظاهر لا، و ذلك لأنّه و ان كان يجب عليه الخروج ولكنّه عاصٍ لارتكاب العصيان باختياره، و الامتناع بالاختيار لاينافي الاختيار. و قد سبق البحث عن ذلك في البحث عن مكان المصلّي فيما اذا ورد في الدار المغصوبة و لم‌يصلّ فهل‌يجوز له أن‌يصلّي حين الخروج؟ فراجع.

(مسألة 45): لو ارتمس الصائم في الماء المغصوب فان كان ناسيا للصوم و للغصب صحّ صومه و غسله و ان كان عالما بهما بطلا معا، و كذا ان كان متذكّرا للصوم ناسيا للغصب، و ان كان عالما بالغصب ناسيا للصوم صحّ الصوم دون الغسل.

الشرح:

لو ارتمس الصائم في الماء المغصوب فتارة يكون ناسيا للصوم و للغصب فحينئذ يصحّ صومه لعدم اتيانه المفطر عمدا و سيجيء عدم بطلان الصوم اذا أفطر ناسيا للصوم، و يصحّ غسله لعدم المنع عنه كما تقدّم. و أخرى يكون عالما بهما، فيبطلان معا. أمّا صومه لافطاره عمدا، و أمّا غسله لكونه منهيّا عنه. و ثالثة يكون متذكّرا للصوم ناسيا للغصب فصومه باطل لارتكاب المفطر عمدا و أمّا غسله فقد تقدّم في المسألة الثالثة و الأربعين و المسألة الرابعة و الأربعين فراجع. و رابعة يكون عالما بالغصب ناسيا للصوم، فحينئذ يصحّ صومه دون غسله كما هو واضح.

(مسألة 46): لافرق في بطلان الصوم بالارتماس بين أن‌يكون عالما بكونه مفطرا أو جاهلاً.

سيأتي التعرّض له في الفصل الآتي ان شاء اللّه تعالى.

(مسألة 47): لايبطل الصوم بالارتماس في الوحل و لا بالارتماس في الثلج.

الشرح:

لايبطل الصوم بالارتماس في الوحل أو الثلج لما مرّ سابقا من أنّ الموضوع في الأدلّة انّما هو الماء.

(مسألة 48): اذا شكّ في تحقّق الارتماس بنى على عدمه.

الشرح:

استنادا الى أصالة العدم و استصحاب الصوم.

«الثامن»: البقاء على الجنابة عمدا الى الفجر الصادق في صوم شهر رمضان أو قضائه، دون غيرهما من الصيام الواجبة و المندوبة على الأقوى، و ان كان الأحوط تركه في غيرهما أيضا خصوصا في الصيام الواجب موسّعا كان أو مضيّقا، و أمّا الاصباح جنبا من غير تعمّد فلايوجب البطلان الاّ في قضاء شهر رمضان على الأقوى، و ان كان الأحوط الحاق مطلق الواجب الغير المعيّن به في ذلك، و أمّا الواجب المعيّن رمضانا كان أو غيره فلايبطل بذلك، كما لايبطل مطلق الصوم واجبا كان أو مندوبا معيّنا أو غيره بالاحتلام في النهار، و لافرق في بطلان الصوم بالاصباح جنبا عمدا بين أن‌تكون الجنابة بالجماع في الليل أو الاحتلام، و لا بين أن‌يبقى كذلك متيقّظا أو نائما بعد العلم بالجنابة مع العزم على ترك الغسل، و من البقاء على الجنابة عمدا الاجناب قبل الفجر متعمّدا في زمان لايسع الغسل و لا التيمّم، و أمّا لو وسع التيمّم خاصّة فتيمّم صحّ صومه و ان كان عاصيا في الاجناب، و كما يبطل الصوم بالبقاء على الجنابة متعمّدا كذا يبطل بالبقاء على حدث الحيض و النفاس الى طلوع الفجر، فاذا طهرت منهما قبل الفجر وجب عليها الاغتسال أو التيمّم و مع تركهما عمدا يبطل صومها، و الظاهر اختصاص البطلان بصوم رمضان، و ان كان الأحوط الحاق قضائه به أيضا، بل الحاق مطلق الواجب بل المندوب أيضا، و أمّا لو طهرت قبل الفجر في زمان لايسع الغسل و لا التيمّم، أو لم‌تعلم بطهرها في الليل حتّى دخل النهار فصومها صحيح واجبا كان أو ندبا على الأقوى.

الشرح:

المشهور أنّ تعمّد البقاء على الجنابة في ليل شهر رمضان الى طلوع الفجر موجب للقضاء و الكفّارة، كما قال العلاّمة رحمه‌الله في المختلف: «ذهب اليه الشيخان و علي بن بابويه و ابن الجنيد و سلاّر و أبو الصلاح و ابن ادريس.

و قال السيّد المرتضى في «الانتصار»: ممّا انفردت به الاماميّة: ايجابهم على

من أجنب في ليل شهر رمضان، و تعمّد البقاء الى الصباح من غير اغتسال القضاء و الكفّارة، و منهم من يوجب القضاء دون الكفّارة. و قال ابن عقيل: يجب به القضاء خاصّة دون الكفّارة.

و قال ابن بابويه في «المقنع»: سأل حمّاد بن عثمان أبا عبداللّه عليه‌السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل فأخّر الغسل الى أن‌يطلع الفجر، فقال له: قد كان رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يجامع نساءه من أوّل الليل و يؤخّر الغسل (حتّى) يطلع الفجر، و لاأقول كما يقول هؤلاء الأقشاب: يقضي يوما مكانه. انتهى ما في المختلف ملخّصا».(1)

و الأقوى ما عليه المشهور و ذلك لموثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمّدا حتّى أصبح قال:

«يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكينا، قال: و قال: انّه حقيق (لخليق) أن لاأراه يدركه أبدا».(2)

و رواية سليمان بن جعفر (حفص) المروزي عن الفقيه عليه‌السلام قال:

«اذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل و لايغتسل حتّى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم، و لايدرك فضل يومه».(3)

و رواية ابراهيم بن عبدالحميد (اللّه) عن بعض مواليه قال:

«سألته عن احتلام الصائم، قال: فقال: اذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلاينم حتّى يغتسل، و ان أجنب ليلاً في شهر رمضان فلاينام الاّ ساعة حتّى يغتسل، فمن أجنب في شهر رمضان فنام


1) - مختلف الشيعة 3: 275.

2) - وسائل الشيعة 7: 43 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 43 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

حتّى يصبح فعليه عتق رقبة، أو اطعام ستّين مسكينا، و قضاء ذلك اليوم، و يتمّ صيامه و لن‌يدركه أبدا».(1)

و بازائها أخبار تدلّ على جواز تأخير الغسل حتّى يطلع الفجر؛ منها: صحيحة حبيب الخثعمي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«كان رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يصلّي صلاة الليل في شهر رمضان، ثمّ يجنب ثمّ يؤخّر الغسل متعمّدا حتّى يطلع الفجر».(2)

و منها: رواية حمّاد بن عثمان أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل و أخّر الغسل حتّى يطلع الفجر، فقال:

«كان رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يجامع نساءه من أوّل الليل ثمّ يؤخّر الغسل حتّى يطلع الفجر، و لاأقول كما يقول هؤلاء الأقشاب يقضي يوما مكانه».(3)

الأقشاب جمع قشب ككتف و هو من لاخير فيه من الرجال.

و منها: رواية اسماعيل بن عيسى قال:

«سألت الرضا عليه‌السلام عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام عمدا حتّى يصبح أيّ شيء عليه؟ قال: لايضرّه هذا و لايفطر و لايبالي، فانّ أبي عليه‌السلام قال: قالت عائشة انّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أصبح جنبا من جماع غير احتلام، قال: لايفطر و لايبالي. الحديث».(4)

و منها: رواية سليمان بن أبي زينبة قال:

«كتبت الى أبي الحسن موسى بن جعفر عليه‌السلام أسأله عن رجل أجنب


1) - وسائل الشبعة 7: 43 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 7: 44 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

3) - وسائل الشيعة 7: 38 / الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

4) - وسائل الشيعة 7: 39 / الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

في شهر رمضان من أوّل الليل فأخّر الغسل حتّى طلع الفجر، فكتب عليه‌السلام اليّ بخطّه أعرفه مع مصادف، يغتسل من جنابته و يتمّ صومه و لاشيء عليه».(1)

ولكنّه يجمع بين هذه الأخبار و بين الروايات المتقدّمة و يقال بأنّ المراد من طلوع الفجر هو طلوع الفجر الأوّل، أو يحمل على التقيّة لموافقتها لمذهب جمهور العامّة كما في الحدائق، لاسيّما في الثلاث الأُوَل. فانّ ظاهر صحيحة الخثعمي اشعار بمداومة النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على هذا الفعل و اكثاره منه، فمن البعيد جدّا عادته على الفعل المكروه. و يؤكّد هذا الحمل ما في رواية حمّاد من ظهورها في تركه صلى‌الله‌عليه‌و‌آلهصلاة الليل مع أنّها واجبة عليه، و كذا في رواية اسماعيل فانّ نقل الامام عليه‌السلام فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عن عائشة أقوى شاهد على ذلك.

فروع:

الفرع الأوّل : في عدم الفرق بين شهر رمضان و قضائه

لافرق في مفطريّة البقاء على الجنابة حتّى يطلع الفجر بين شهر رمضان و بين قضائه، و ذلك أوّلاً للقاعدة المستفادة من بعض النصوص من مساواة القضاء مع الأداء في الأحكام الاّ ما خرج بالدليل.

و ثانيا للروايات الواردة في ذلك، منها: صحيحة عبداللّه بن سنان أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أوّل الليل و لايغتسل حتّى يجيء آخر الليل و هو يرى أنّ الفجر قد طلع، قال:

«لايصوم ذلك اليوم و يصوم غيره».(2)


1) - وسائل الشيعة 7: 39 / الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

2) - وسائل الشيعة 7: 46 / الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

و منها: صحيحة ثانية عنه قال:

«كتب أبي الى أبي عبداللّه عليه‌السلام و كان يقضي شهر رمضان و قال: انّي أصبحت بالغسل و أصابتني جنابة فلم‌أغتسل حتّى طلع الفجر فأجابه عليه‌السلام: لاتصم هذا اليوم و صم غدا».(1)

و منها: موثّقة سماعة بن مهران قال:

«سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام و قد علم بها و لم‌يستيقظ حتّى أدركه الفجر، فقال عليه‌السلام: عليه أن‌يتمّ صومه و يقضي يوما آخر، فقلت: اذا كان ذلك من الرجل و هو يقضي رمضان، قال عليه‌السلام: فليأكل كلّ يومه ذلك وليقض، فانّه لايشبه رمضان شيء من الشهور».(2)

ثمّ اعلم أنّ المشهور ذهبوا الى عدم الفرق في الفساد بالبقاء عمدا على الجنابة بين شهر رمضان و غيره من أفراد الصوم واجبا أو مندوبا الاّ أنّه اختلف المتأخّرون في ذلك:

و المحقّق في المعتبر بعد أن‌أورد الروايات المتضمّنة لفساد صوم شهر رمضان بتعمّد البقاء على الجنابة قال: «و لقائل أن يخصّ هذا الحكم برمضان دون غيره من الصيام. انتهى».(3)

و قال في المنتهى: «هل يختصّ هذا الحكم برمضان فيه تردّد و ينشأ عن تنصيص الأحاديث على رمضان من غير تعميم و لاقياس يدلّ عليه، و من تعميم الأصحاب ادراجه في المفطرات مطلقا. انتهى».(4)


1) - وسائل الشيعة 7: 46 / الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 46 / الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

3) - المعتبر في شرح المختصر: 302.

4) - منتهى المطلب 2: 567.

و فى المدارك بعد نقل كلام العلاّمة في المنتهى قال: «لايخفى ضعف الوجه الثاني من وجهي التردّد، فانّ تعميم الأصحاب لايعارض أصالة البراءة. و الحقّ أنّ قضاء رمضان ملحق بأدائه - الى أن‌قال: - و ينبغي القطع بعدم توقّف الصوم المندوب على الغسل مطلقا، تمسّكا بمقتضى الأصل و بما رواه ابن بابويه في الفقيه عن عبداللّه بن المغيرة عن حبيب الخثعمي - الى أن‌قال: - و يبقى الاشكال فيما عدا قضاء رمضان من الصوم الواجب و المطابق لمقتضى الأصل عدم اعتبار هذا الشرط و الواجب المصير الى أن‌يثبت المخرج عنه. انتهى».(1)

و قال في الحدائق: «ظاهر المشهور من كلام الأصحاب هو عموم هذا الحكم لشهر رمضان و غيره من الصوم الواجب و المستحبّ، حيث أنّهم عدّوا من جملة المفطرات تعمّد البقاء على الجنابة. و ظاهر المحقّق في المعتبر تخصيصه بشهر رمضان. و ظاهر العلاّمة في المنتهى التردّد في ذلك. و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلّقة بهذا الحكم انّما ورد في شهر رمضان أو قضائه. و أمّا بالنسبة الى الصوم المستحبّ فالذي ورد فيه يدلّ على عدم الابطال بذلك. و بالجملة فالمسألة فيما عدا شهر رمضان و قضائه و صوم الندب محلّ اشكال. انتهى ملخّصا».(2)

و قال في الجواهر: «ثمّ انّ ظاهر المشهور كما اعترف به في الحدائق عدم الفرق في الفساد بالبقاء عمدا على الجنابة بين شهر رمضان و غيره من أفراد الصوم الواجب معيّنا أو غيره و المندوب ضرورة عدّهم له في سلك غيره من المفطرات التي لايختلف فيها أفراد الصوم، ثمّ حكى بعضهم الاجماع على ما هو من جملتها من دون ايماء الى التفريق بينه و بين غيره - الى أن‌قال: - فظهر من ذلك


1) - مدارك الأحكام 6: 55.

2) - الحدائق الناضرة 13: 121 - 123.

كلّه، القول باختصاص التطوّع بالصحّة دون باقي أقسام الصوم. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر عدم شمول هذا الحكم للصوم المندوب و ذلك لصحيحة حبيب الخثعمي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: أخبرني عن التطوّع و عن (صوم) هذه الثلاثة الأيّام اذا أجنبت من أوّل الليل فأعلم أنّي أجنبت فأنام متعمّدا حتّى ينفجر الفجر أصوم أو لاأصوم؟ قال: صم».(2)

و موثّقة ابن بكير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يجنب ثمّ ينام حتّى يصبح أيصوم ذلك اليوم تطوّعا؟ قال: أليس هو بالخيار ما بينه و نصف النهار».(3)

و أمّا بالنسبة الى سائر أقسام الصوم فالظاهر شموله لها. و ذلك لاطلاق قول القدماء بمفطريّة البقاء عمدا على الجنابة الى طلوع الفجر و التشكيك في ذلك ظهر من المحقّق و العلاّمة كما عرفت. و ما قيل في وجه الفرق بأنّ الروايات الواصلة في مبطليّة البقاء على الجنابة واردة في صوم شهر رمضان و قضائه، و لم‌يصل الينا رواية و لو واحدة في غيرهما، و هذا يكون موجبا للشكّ في السراية، فالمرجع أصالة البراءة و عدم مبطليّته لسائر أقسام الصوم.

مدفوع بأنّ أهمّ الصوم و أكثره ابتلاء صوم شهر رمضان و قضائه، و هذالايكون موجبا لاختصاص الحكم بهما، فمن البعيد جدّا استثناء كفّارة صوم شهر رمضان عن هذا الحكم بدعوى عدم وصول خبر في مورده. فالمتفاهم عرفا من هذه الروايات الكثيرة هو عدم الخصوصيّة لذكر شهر رمضان و قضائه في


1) - جواهر الكلام 16: 240 - 244.

2) - وسائل الشيعة 7: 47 / الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 47 / الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

الروايات، فالحكم شامل لسائر أقسام الصوم كما ذهب اليه القدماء و أكثر المتأخّرين باطلاق فتواهم.

الفرع الثاني : في حكم الصوم اذا أصبح جنبا من غير تعمّد

الاصباح جنبا من غير تعمّد في شهر رمضان لايوجب البطلان و ذلك للجمع بين ما دلّ على وجوب القضاء و الكفّارة لمن ترك الغسل عمدا حتّى يصبح و بين ما دلّ على عدم البأس لمن أصبح جنبا و لم‌يغتسل، فمن الأوّل ما تقدّم من موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمّدا حتّى أصبح، قال:

«يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكينا، قال: و قال: انّه حقيق (لخليق) أن لاأراه يدركه أبدا».(1)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه قال في رجل احتلم أوّل الليل أو أصاب من أهله ثمّ نام متعمّدا في شهر رمضان حتّى أصبح، قال:

«يتمّ صومه ذلك ثمّ يقضيه اذا أفطر من شهر رمضان و يستغفر ربّه».(2)

و من الثاني صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الرجل يجنب في أوّل الليل ثمّ ينام حتّى يصبح في شهر رمضان، قال: ليس عليه شيء. الخ الحديث».(3)

و صحيحة العيص بن القاسم:


1) - وسائل الشيعة 7: 43 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 42 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 41 / الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن‌يغتسل، قال: لابأس».(1)

و لافرق في ذلك بين شهر رمضان و قضائه و ما قيل من أنّه اذا كان يقضي شهر رمضان و أصبح جنبا من غير غسل لايصوم ذلك اليوم و يصوم غيره، سواء كان الاصباح عن عمد أم غير عمد، و ذلك لاطلاق صحيحة عبداللّه بن سنان:

«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أوّل الليل و لايغتسل حتّى يجيء آخر الليل و هو يرى أنّ الفجر قد طلع، قال: لايصوم ذلك اليوم و يصوم غيره».(2)

مدفوع، بأنّه يحمل على المتعمّد جمعا بينه و بين سائر الروايات.

ثمّ اعلم أنّ الاحتلام في النهار لايبطل مطلق الصوم واجبا كان أو مندوبا، معيّنا أو غيره، لصحيحة عبداللّه بن ميمون، عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«ثلاثة لايفطرن الصائم: القيء، و الاحتلام، و الحجامة. الحديث».(3)

و موثّقة أبن بكير (في حديث) قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يحتلم بالنهار في شهر رمضان يتمّ يومه (صومه) كما هو؟ فقال: لابأس».(4)

و صحيحة العيص بن القاسم:

«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن‌يغتسل، قال: لابأس».(5)


1) - وسائل الشيعة 7: 38 / الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 46 / الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 72 / الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 7: 72 / الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

5) - وسائل الشيعة 7: 73 / الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

الفرع الثالث : في عدم الفرق بين الاحتلام و اجناب نفسه

لافرق بين أن‌تكون الجنابة بالجماع بالليل و الاحتلام، و ذلك لأنّ العبرة انّما هو بنفس البقاء على الجنابة و لاعبرة بموجب الجنابة، مع أنّهما جميعا في صحيحة البزنطي عن أبي الحسن عليه‌السلام قال:

«سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ثمّ ينام حتّى يصبح متعمّدا قال: يتمّ ذلك اليوم و عليه قضاؤه».(1)

و كذا في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه قال في رجل احتلم أوّل الليل أو أصاب من أهله ثمّ نام متعمّدا في شهر رمضان حتّى أصبح، قال:

«يتمّ صومه ذلك ثمّ يقضيه اذا أفطر من شهر رمضان و يستغفر ربّه».(2)

الفرع الرابع : في حكم من علم ضيق الوقت للطهارة فأجنب نفسه

من أجنب نفسه مع العلم بعدم الوقت للغسل و لا للتيمّم فهو في حكم من ترك الغسل أو التيمّم متعمّدا، فعليه القضاء و الكفّارة.

قال في الجواهر: «فمن البقاء على الجنابة عمدا احداث سببها في وقت لايسع الغسل بعد حصوله و لا التيمّم. انتهى».(3)

اذا أجنب نفسه في وقت لايسع للغسل ولكن وسع للتيمّم، فيجب عليه


1) - وسائل الشيعة 7: 42 / الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 7: 42 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - جواهر الكلام 16: 244.

التيمّم. و الدليل على ذلك، الجمع بين ما ورد من تحذير تعمّد البقاء على الجنابة و أنّه مفطر، و بين صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه‌السلام (في حديث) قال:

«انّ اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».(1)

و صحيحة الحلبي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يجنب و معه قدر ما يكفيه من الماء الوضوء للصلاة، أيتوضّأ بالماء أو يتيمّم؟ قال:

«لا بل يتيمّم، ألا ترى أنّه انّما جعل عليه نصف الوضوء؟!».(2)

فانّه عليه‌السلام بقوله: «انّ اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا»، نزّل التراب بمنزلة الماء في ذلك، فكما أنّ الماء يرفع الجنابة فالتراب أيضا يرفعها.

و ما يقال من عدم مشروعيّة التيمّم لمثل ما نحن فيه، لأنّ المستفاد من قوله تعالى: «فلم‌تجدوا ماءًا فتيمّموا صعيدا طيّبا»(3)بحسب الفهم العرفي هو عدم الوجدان بالطبع، لا أن‌يجعل الانسان نفسه غير واجد بأن يريق الماء أو يجنب نفسه مع علمه بفقدان الماء كما في المقام.

مدفوع بأنّ العرف لم‌يفرق بين الموردين. نعم من يجعل نفسه عاجزا بأن يريق الماء أو يجنب نفسه يكون عاصيا بخلاف من لم‌يجد الماء بالطبع. و لايجب لمن تيمّم أن‌يستيقظ حتّى مطلع الفجر بدليل أنّ النوم مبطل، و ذلك لأنّ التيمّم البدل عن الغسل يكون أحد الطهورين، نعم حيث انّ سبب التبديل بالتيمّم فيما نحن فيه كان ضيق الوقت عن الغسل، فاذا ارتفع الموضوع ارتفع الحكم فاذا طلع الفجر يجب الغسل لصلاة الصبح.

و استشكل صاحب الحدائق بأنّه لو كان التيمّم واجبا عند تعذّر الغسل لَأمر الامام عليه‌السلام السائل بالتيمّم قبل الفجر و لم‌يجوّز له البقاء على جنابته لانتظار


1) - وسائل الشيعة 2: 994 / الباب 23 من أبواب التيمّم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 2: 995 / الباب 24 من أبواب التيمّم / الحديث الأوّل.

3) - المائدة 5: 6.

الحصول على الماء في صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام (في حديث) أنّه سأل عن الرجل تصيبه الجنابة في رمضان ثمّ ينام أنّه قال:

«ان استيقظ قبل أن‌يطلع الفجر فان انتظر ماءًا يسخن أو يستقي فطلع الفجر فلايقضي صومه (يومه)».(1)

و قريب منها خبر اسماعيل بن عيسى أنّه سأل الرضا عليه‌السلام عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان - الى أن‌قال: -

«قلت: رجل أصابته جنابة في آخر الليل فقام ليغتسل و لم‌يصب ماءًا فذهب يطلبه أو بعث من يأتيه بالماء فعسر عليه حتّى أصبح كيف يصنع؟ قال: يغتسل اذا جاءه ثمّ يصلّي».(2)

و الجواب عن اشكاله أنّ الامام عليه‌السلام كان بصدد بيان بعض مصاديق دخول الجنب في الصبح من غير عمد، فمن انتظر ماءًا يسخن أو يستقي و كذا من ذهب لطلب الماء أو بعث من يأتيه كان عازما على الغسل فان طلع عليه الفجر فجأةً لايكون عامدا في ترك الغسل.

الفرع الخامس : في حكم البقاء على حدث الحيض و النفاس

هل يبطل الصوم بالبقاء على حدث الحيض و النفاس عمدا الى طلوع الفجر كما يبطل بالبقاء على الجنابة؟

الأظهر أنّه يوجب القضاء و ذلك لموثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«ان طهرت بليل من حيضتها ثمّ توانت أن‌تغتسل في رمضان حتّى


1) - وسائل الشيعة 7: 40 / الباب 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 40 / الباب 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

أصبحت عليها قضاء ذلك اليوم».(1)

و صحيحة علي بن مهزيار قال:

«كتبت اليه عليه‌السلام: امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أوّل يوم من شهر رمضان ثمّ استحاضت فصلّت و صامت شهر رمضان كلّه من غير أن‌تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين، هل‌يجوز (يصحّ) صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب عليه‌السلام: تقضي صومها و لاتقضي صلاتها، لأنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كان يأمر (فاطمة و) المؤمنات من نسائه بذلك».(2)

و اعلم أنّ القدماء من الأصحاب لم‌يذكروا ذلك الاّ ابن أبي عقيل، ففي المختلف أنّه قال: «المرأة اذا طهرت من حيضها أو دم نفاسها ليلاً، و تركت الغسل حتّى تصبح عامدة، يفسد صومها، و يجب القضاء خاصّة. [و قال العلاّمة فيه:] انّ الثلاثة اشتركت في كونها مفطرة للصوم، و انّ كلّ واحد منها حدث يرتفع بالغسل، فتشترك في الأحكام. انتهى».(3)

و قال في الحدائق: «قال العلاّمة في المنتهى: لم‌أجد لأصحابنا نصّا صريحا في حكم الحيض في ذلك يعني انّها اذا انقطع دمها قبل الفجر هل يجب عليها الاغتسال و يبطل الصوم لو أخلّت به حتّى يطلع الفجر؟ الأقرب ذلك لأنّ حدث الحيض يمنع الصوم فكان أقوى من الجنابة. و تردّد في ذلك المحقّق في المعتبر و حكم العلاّمة في النهاية بعدم الوجوب. [ثمّ قال صاحب الحدائق:] و الأقرب هو ما ذكره في المنتهى و هو المشهور بين الأصحاب، لكن لا لما ذكره من التعليل فانّه ضعيف بل لما رواه الشيخ في الموثّق عن أبي بصير - الى أن‌قال: - نعم يبقى الكلام


1) - وسائل الشيعة 7: 48 / الباب 21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 45 / الباب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - مختلف الشيعة 3: 278.

في أنّه على تقدير فساد الصوم بذلك هل الواجب القضاء خاصّة أو القضاء و الكفّارة؟ ظاهر الخبر المذكور وجوب القضاء خاصّة و ليس غيره في المسألة. انتهى».(1)

و الحقّ أنّه يجب عليها صوم ذلك اليوم و تقضي يوما آخر و ذلك للنصّ المتقدّم ففيه «عليها قضاء ذلك اليوم» و لم‌يذكر بابطال صومه. و ما قاله العلاّمة باشتراك الثلاثة في كونها مفطرة للصوم و انّ كلّ واحد منها حدث يرتفع بالغسل فتشترك في الأحكام. ففيه: ان كان مناط المفطريّة في البقاء على الجنابة هو الحدث، فيصحّ الاشتراك الاّ أنّ هذه العلّة لم‌تذكر في النصوص و لو كان ذلك معلوما لم‌يختلفوا. فتحصّل أنّ المبنى غير معلوم، و العمل بالنصّ كما قلنا أقوى. قال الشهيد في الدروس: «و لو طهرت ليلاً و تركت الغسل قضت و لاكفّارة على الأقرب. انتهى».(2)

و النصّ و ان ورد في الحيض خاصّة الاّ أنّه يلحق به النفاس لأنّ المستفاد من النصوص المختلفة في الموارد المتفرّقة اتّحاد حكمهما، الاّ ما ثبت فيه الاختلاف من الخارج من بعض الخصوصيّات كتحديد الأقلّ فيه بلحظة و في الحيض بثلاثة.

(مسألة 49): يشترط في صحّة صوم المستحاضة على الأحوط الأغسال النهاريّة التي للصلاة دون ما لايكون لها، فلو استحاضت قبل الاتيان بصلاة الصبح أو الظهرين بما يوجب الغسل كالمتوسّطة أو الكثيرة فتركت الغسل بطل صومها، و أمّا لو استحاضت بعد الاتيان بصلاة الفجر أو بعد الاتيان بالظهرين فتركت الغسل الى الغروب لم‌يبطل صومها، و لايشترط فيها الاتيان بأغسال


1) - الحدائق الناضرة 13: 123.

2) - الدروس الشرعيّة 1: 271.

الليلة المستقبلة و ان كان أحوط، و كذا لايعتبر فيها الاتيان بغسل الليلة الماضية بمعنى أنّها لو تركت الغسل الذي للعشاءين لم‌يبطل صومها لأجل ذلك، نعم يجب عليها الغسل حينئذ لصلاة الفجر فلو تركته بطل صومها من هذه الجهة، و كذا لايعتبر فيها ماعدا الغسل من الأعمال، و ان كان الأحوط اعتبار جميع ما يجب عليها من الأغسال و الوضوءات و تغيير الخرقة و القطنة، و لايجب تقديم الغسل المتوسّطة و الكثيرة على الفجر و ان كان هو الأحوط.

الشرح:

و أمّا الاستحاضة فقد وردت فيها صحيحة علي بن مهزيار قال:

«كتبت اليه عليه‌السلام: امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أوّل يوم من شهر رمضان ثمّ استحاضت فصلّت و صامت شهر رمضان كلّه من غير أن‌تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين هل يجوز (يصحّ) صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب عليه‌السلام: تقضي صومها و لاتقضي صلاتها، لأنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كان يأمر (فاطمة و) المؤمنات من نسائه بذلك».(1)

و استشكل في الرواية أوّلاً باضمارها، و ثانيا بقضاء صومها دون صلاتها و لم‌يقل به الأصحاب، و ثالثا بأنّ فاطمة عليهاالسلام لم‌تر دما و سمّيت فاطمة لأنّها فطمت و انقطعت عن الدماء. ولكنّه مندفع أوّلاً بعدم قدح الاضمار لأمثال علي بن مهزيار و ثانيا بأنّ التفكيك بين فقرات الحديث في الحجّيّة غير عزيز فتحمل ما يخالف على خطأ الراوي أو التقيّة، و ثالثا بأنّه يمكن أن‌يكون المراد فاطمة أخرى و هي بنت أبي حبيش المذكورة في روايات أخرى، مع أنّ هذه الكلمة ساقطة في رواية الفقيه و العلل. و الظاهر أنّ المشهور قد عملوا بهذه الصحيحة.


1) - وسائل الشيعة 7: 45 / الباب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - توقّف صوم المستحاضة على الأغسال كتوقّف الصلاة عليها، فلو أخلّت بها وجب قضاء الصوم بل الظاهر أنّه لاخلاف فيه - الى أن‌قال: - فحيث كان الحكم متّفقا عليه بين الأصحاب و هو الأوفق بالاحتياط فلا بأس بالمصير اليه. انتهى».(1)

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و لايصحّ الصوم بدون الأغسال أو الغسل الواحد على المشهور، بل في المدارك كما عن الذخيرة أنّه مذهب الأصحاب، و في الروض و المسالك كما عن جامع المقاصد و المسالك الجامعيّة لابن أبي جمهور و بعض شروح الجعفريّة الاجماع، و عن المصابيح للعلاّمة الطباطبائي حكاية الاجماع - الى أن‌قال: - خلافا لصريح المحقّق و ظاهر المحكي عن المبسوط و ظاهر المدارك و مجمع الفائدة و كشف اللثام كما عن البحار و الحدائق، فتوقّفوا في ذلك لضعف السند أو الدلالة. انتهى موضع الحاجة من كلامه ملخّصا».(2)

قال في الجواهر: «انّ الأقوال في المسألة ستّة: الأوّل اشتراط صومها بكلّ ما عليها كما هو ظاهر الشيخ و ابن ادريس، الثاني عدم اشتراطه بشيء كما يظهر من المبسوط و المنتهى حيث أشعر كلامهما بالتوقّف في القضاء ان أخلّت بالأغسال، و الثالث اشتراطه بالغسل النهاري خاصّة، و هو اختيار الدروس و البيان، و الرابع اشتراطه بالغسل الفجري و عدم اشتراطه بالغسل للظهرين ان تجدّدت الكثرة في اليوم، و هو الذي احتمله العلاّمة في التذكرة، الخامس اشتراطه بالغسل الفجري خاصّة، و هو الذي احتمله العلاّمة في النهاية مع وجوب تقديمه على الصوم بناءًا على أنّه لايكون مشروطا الاّ بما تقدّمه، و السادس اشتراطه بما قارنه أو تقدّم عليه لا بما تأخّر عنه، و هو الذي اختاره ثاني الشهيدين، و يحتمله كلام أوّلهما في


1) - الحدائق الناضرة 13: 125.

2) - كتاب الصوم: 246.

اللمعة، و ربّما يحتمل وجوب القضاء مع صحّة صومها، لأنّ القضاء أمر جديد ورد به النصّ، و أفتى به الأصحاب، و لم‌يقم على الفساد دليل، و ايجاب القضاء لايدلّ عليه، و اللّه أعلم. انتهى».(1)

و الظاهر من الرواية وجوب القضاء للاستحاضة الكثيرة التي لم‌تغتسل لها، فلو اغتسلت للظهرين و للعشاءين و للصبح لم‌يجب عليها القضاء. أمّا الوضوء و تبديل الخرقة فلايرتبطان بالصوم و لم‌يذكرا في الرواية. و ان اغتسلت للصبح و للظهرين و لم‌تغتسل للعشاءين تقضي على الأحوط. و تفصيل المسألة في كتاب الطهارة.

(مسألة 50): الأقوى بطلان صوم شهر رمضان بنسيان غسل الجنابة ليلاً قبل الفجر حتّى مضى عليه يوم أو أيّام، و الأحوط الحاق غير شهر رمضان من النذر المعيّن و نحوه به، و ان كان الأقوى عدمه، كما أنّ الأقوى عدم الحاق غسل الحيض و النفاس لو نسيتهما بالجنابة في ذلك و ان كان أحوط.

الشرح:

قال في الحدائق: «اختلف الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - فيمن نسي غسل الجنابة في شهر رمضان حتّى مرّ عليه الشهر كلّه أو أيّام منه فهل‌يجب عليه قضاء صوم ما مضى من ذلك أم لا؟ مع اتّفاقهم على وجوب قضاء الصلاة لمكان الحدث.

فالمشهور الوجوب - الى أن‌قال: - و قال ابن ادريس: لايجب قضاء الصوم. انتهى».(2)


1) - جواهر الكلام 16: 247.

2) - الحدائق الناضرة 13: 298.

و الأقوى ما عليه المشهور من وجوب القضاء لمن نسي غسل الجنابة ليلاً قبل الفجر حتّى مضى عليه يوم أو أيّام و ذلك لصحيحة الحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه‌السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن‌يغتسل حتّى خرج شهر رمضان، قال: عليه أن‌يقضي الصلاة و الصيام».(1)

و رواية ابراهيم بن ميمون قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثمّ ينسى أن‌يغتسل حتّى يمضي لذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان، قال: عليه قضاء الصلاة و الصوم».(2)

و مرسلة الصدوق، قال:

«و روي في خبر آخر أنّ من جامع في أوّل شهر رمضان ثمّ نسي الغسل حتّى خرج شهر رمضان أنّ عليه أن‌يغتسل و يقضي صلاته و صومه الاّ أن‌يكون قد اغتسل للجمعة فانّه يقضى صلاته و صيامه الى ذلك اليوم و لايقضي ما بعد ذلك».(3)

و ما قيل بعدم وجوب قضاء الصوم لعدم ثبوت اشتراط الصوم بالطهارة من الحدث الأكبر الاّ مع العلم، و من ثمّ لو نام جنبا فأصبح صحّ صومه و ان تعمّد ترك الغسل طول النهار، فهنا أولى. مدفوع بأنّه اجتهاد في مقابل النصّ.

قال المحقّق في الشرائع و النافع بأنّ الأشبه وجوب قضاء الصلاة حسب، و لعلّه ظاهر الفاضل في المحكي عن التلخيص - كما في الجواهر - فكأنّه لرفع الخطأ و النسيان بناءًا على أنّ القضاء من المؤاخذة المرفوعة باعتبار كونها أقرب


1) - وسائل الشيعة 7: 171 / الباب 30 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثالث.

2) - وسائل الشيعة 7: 170 / الباب 30 من أبواب من يصح منه الصوم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 170 / الباب 30 من أبواب من يصح منه الصوم / الحديث الثاني.

المجازات بعد نفي الحمل على الحقيقة. و يدفعه بما قال في الجواهر من أنّ حديث الرفع امّا مقيّد بهذه الأخبار أو غير شامل، لمنع كون القضاء مؤاخذة، بل هو تكليف جديد بأمر جديد.

قال صاحب الجواهر: «و الظاهر أنّه لافرق في نسيان الجنابة بين وقوعها في شهر رمضان و بين وقوعها سابقا عليه فنسيها فيه أو قبله و استمرّ نسيانه، كما أنّه لافرق على الظاهر بين غسل الجنابة و غسل الحيض و النفاس في الحكم المزبور بناءًا على أنّهما شرط في صحّة الصوم، اذ الظاهر اتّحاد الجميع في كيفيّة الشرطيّة، بل قيل انّهما أقوى لأنّه لم‌يرد فيهما ما ورد فيه ممّا يوهم أنّ الشرط انّما هو تعمّد البقاء، و كذا في حكم صوم رمضان، النذر المعيّن و قضاؤه و غيرهما، لعدم الفرق على الظاهر في أقسام الصوم في الاشتراط بالطهارة. انتهى».(1)

فما ذهب اليه من عدم الفرق في نسيان الجنابة الى آخر ما ذكر حقّ لاطلاق الروايات و أمّا قوله بعدم الفرق بين غسل الجنابة و غسل الحيض و النفاس في الحكم المزبور.

ففيه: انّه قياس و النصّ ورد في نسيان غسل الجنابة دون الحيض و النفاس، مع أنّ الشرطيّة ممنوعة و لذا ترى أنّ الاحتلام في النهار حالة النوم لايضرّ بالصوم. و أمّا مساواة حكم صوم رمضان و قضاءه و سائر أقسام الصوم فقد تقدّم في الفرع الأوّل في البحث عن ثامن المفطرات أي البقاء على الجنابة و قلنا بأنّ الخارج عن هذا الحكم الصوم المندوب فقط.

(مسألة 51): اذا كان المجنب ممّن لايتمكّن من الغسل لفقد الماء أو لغيره من أسباب التيمّم وجب عليه التيمّم فان تركه بطل صومه و كذا لو كان متمكّنا من الغسل و تركه حتّى ضاق الوقت.


1) - جواهر الكلام 17: 63.

(مسألة 52): لايجب على من تيمّم بدلاً عن الغسل أن‌يبقى مستيقظا حتّى يطلع الفجر فيجوز له النوم بعد التيمّم قبل الفجر على الأقوى، و ان كان الأحوط البقاء مستيقظا لاحتمال بطلان تيمّمه بالنوم كما على القول بأنّ التيمّم بدلاً عن الغسل يبطل بالحدث الأصغر.

تقدّم شرح المسألتين في الفرع الرابع في شرح المسألة الثامنة و الأربعين.

(مسألة 53): لايجب على من أجنب في النهار بالاحتلام أو نحوه من الأعذار أن‌يبادر الى الغسل فورا و ان كان هو الأحوط.

الشرح:

لايجب على من أجنب بالنهار بالاحتلام أو نحوه من الأعذار، كمن نسي أنّه صائم فجامع، أن‌يبادر الى الغسل فورا لعدم الدليل على ذلك، بل الدليل على خلافه كصحيحة العيص بن القاسم:

«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن‌يغتسل، قال: لابأس».(1)

و لايقيّدها خبر ابراهيم بن عبد الحميد عن بعض مواليه قال:

«سألته عن احتلام الصائم، قال: فقال: اذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلاينام حتّى يغتسل. الحديث».(2)

لضعفه بالارسال، نعم الأحوط ذلك كما في المتن.

(مسألة 54): لو تيقّظ بعد الفجر من نومه فرأى نفسه محتلما لم‌يبطل صومه،


1) - وسائل الشيعة 7: 38 / الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 73 / الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

سواء علم سبقه على الفجر أو علم تأخّره أو بقي على الشكّ، لأنّه لو كان سابقا كان من البقاء على الجنابة غير متعمّد، و لو كان بعد الفجر كان من الاحتلام في النهار، نعم اذا علم سبقه على الفجر لم‌يصحّ منه صوم قضاء رمضان مع كونه موسّعا و أمّا مع ضيق وقته فالأحوط الاتيان به و بعوضه.

الشرح:

اذا نام الصائم قبل الفجر و استيقظ من نومه بعده فرأى نفسه محتلما فلايضرّ بصومه لأنّه ان كان احتلامه قبل الفجر فلم‌يكن متعمّدا في البقاء على الجنابة حتّى مطلع الفجر و ان كان بعد الفجر فلايكون مبطلاً. و الظاهر عدم الفرق بين شهر رمضان و قضائه في هذا الحكم و أمّا صحيحة عبداللّه بن سنان أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أوّل الليل و لايغتسل حتّى يجيء آخر الليل و هو يرى أنّ الفجر قد طلع، قال:

«لايصوم ذلك اليوم و يصوم غيره».(1)

فتحمل على من لم‌يغتسل عمدا حتّى يطلع الفجر جمعا بينها و بين ما دلّ على عدم البأس لمن دخل في الفجر جنبا من غير عمد. و قد تقدّم تفصيل ذلك في الفرع الأوّل و الثاني في المسألة الثامنة و الأربعين.

(مسألة 55): من كان جنبا في شهر رمضان في الليل لايجوز له أن‌ينام قبل الاغتسال اذا علم أنّه لايستيقظ قبل الفجر للاغتسال، و لو نام و استمرّ الى الفجر لحقه حكم البقاء متعمّدا فيجب عليه القضاء و الكفّارة و أمّا ان احتمل الاستيقاظ جاز له النوم و ان كان من النوم الثاني أو الثالث أو الأزيد، فلايكون نومه حراما و ان كان الأحوط ترك النوم الثاني فما زاد و ان اتّفق استمراره الى


1) - وسائل الشيعة 7: 46 / الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

الفجر غاية الأمر وجوب القضاء أو مع الكفّارة في بعض الصور كما سيتبيّن.

الشرح:

من كان جنبا في شهر رمضان في الليل فهل يجوز له أن‌ينام قبل الاغتسال؟ فتارة يعلم بأنّه لايستيقظ قبل الفجر للاغتسال و أخرى يحتمل، ففي الأوّل لايجوز له النوم فلو نام و استمرّ الى الفجر لحقه حكم البقاء متعمّدا فيجب عليه القضاء و الكفّارة، و يدلّ على ذلك الجمع بين صحيحة الحلبي و موثّقة أبي بصير، فالأولى عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه قال في رجل احتلم أوّل الليل أو أصاب من أهله ثمّ نام متعمّدا في شهر رمضان حتّى أصبح، قال:

«يتمّ صومه ذلك ثمّ يقضيه اذا أفطر من شهر رمضان و يستغفر ربّه».(1)

و الثانية عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمّدا حتّى أصبح، قال:

«يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكينا، قال: و قال: انّه حقيق (لخليق) أن لاأراه يدركه أبدا».(2)

و أمّا ان احتمل الاستيقاظ و كان ناويا للغسل لايحرّم عليه النوم لعدم الدليل و لأنّ الحرام تعمّد البقاء على الجنابة و لايصدق ذلك على من نام ناويا للغسل و لم‌يكن متيقّنا بالاستيقاظ بل احتمل، فأصالة البراءة حاكمة.

و قد يقال بحرمة النوم كما في الجواهر لصحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الرجل يجنب في أوّل الليل ثمّ ينام حتّى يصبح في شهر رمضان، قال: ليس عليه شيء، قلت: فانّه استيقظ ثمّ


1) - وسائل الشيعة 7: 42 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 43 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

نام حتّى أصبح، قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة».(1)

و خبر ابراهيم بن عبدالحميد عن بعض مواليه قال:

«سألته عن احتلام الصائم، قال: فقال: اذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلاينم حتّى يغتسل، و ان أجنب ليلاً في شهر رمضان فلاينام الاّ ساعة حتّى يغتسل، فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتّى يصبح فعليه عتق رقبة، أو اطعام ستّين مسكينا، و قضاء ذلك اليوم، و يتمّ صيامه و لن‌يدركه أبدا».(2)

و يردّ بأنّ صحيحة معاوية بن عمّار لاتدلّ على عدم الجواز، و أمّا عدم دلالة صدرها فواضح، و أمّا ذيل الحديث فانّه راجع الى النومة الثانية مع أنّه لايدلّ على التحريم في النومة الثانية أيضا كما ذهب اليه المسالك و ذلك لعدم استلزام العقوبة للحرمة فانّ العقوبة المستلزمة للحرمة هي العقوبة الأخرويّة دون الدنيويّة، فانّ القضاء المعلّل بالعقوبة كغرامة شرعت في حقّه لعلّه لتوانيه و مسامحته في الغسل، كما ورد نظيره في نسيان النجاسة و انّ من صلّى في النجس ناسيا أعاد صلاته عقوبة، مع أنّ الصلاة في النجس ناسيا ليست بمحرّمة قطعا(3)

وسائل الشيعة 2: 1064 / الباب 42 من أبواب النجاسات / الحديث الخامس.

.

و أمّا خبر ابراهيم بن عبدالحميد ففيه: انّ ذيله يحمل على من نام غير ناوٍ للغسل حتّى طلع الفجر و ما قيل أيضا بأنّ النوم المحتمل فيه عدم الاستيقاظ محكوم بالاستمرار الى الفجر بمقتضى الاستصحاب فهذا نوم مستمرّ الى الصباح متعمّدا، و قد صدر باختياره فهو عامد اليه، فيندرج تحت النصوص المتضمّنة أنّ من تعمّد النوم الى الفجر و هو جنب قد أبطل صومه و عليه القضاء و الكفّارة و


1) - وسائل الشيعة 7: 41 / الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 43 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

3) - ففي موثّقة سماعة قال: «سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يرى في ثوبه الدم فينسى أن‌يغسله حتّى يصلّي، قال: يعيد صلاته كي يهتمّ بالشيء اذا كان في ثوبه، عقوبة لنسيانه الخ الحديث».

يستغفر ربّه.

ففيه أوّلاً يشكل شمول قوله عليه‌السلام لاتنقص اليقين بالشكّ لما نحن فيه، فالعرف لايفهم أنّه مصداق للرواية. و ثانيا انّ القضاء و الكفّارة يكونان لمن تعمّد البقاء على الجنابة الى الفجر، لا لمن تعمّد النوم الى الفجر، نعم لو نام عازما على الترك فانّه يكون ممّن تعمّد البقاء على الجنابة.

فان قلت: اذا تيقّن النوم و شكّ في الاستيقاظ فهو بحكم من تعمّد النوم جنبا الى الفجر، قلت: شمول الرواية للمورد مشكل كما تقدّم.

(مسألة 56): نوم الجنب في شهر رمضان في الليل مع احتمال الاستيقاظ أو العلم به اذا اتّفق استمراره الى طلوع الفجر على أقسام فانّه امّا أن‌يكون مع العزم على ترك الغسل و امّا أن‌يكون مع التردّد في الغسل و عدمه و امّا أن‌يكون مع الذهول و الغفلة عن الغسل و امّا أن‌يكون مع البناء على الاغتسال حين الاستيقاظ مع اتّفاق الاستمرار، فان كان مع العزم على ترك الغسل أو مع التردّد فيه لحقه حكم تعمّد البقاء جنبا، بل الأحوط ذلك ان كان مع الغفلة و الذهول أيضا، و ان كان الأقوى لحوقه بالقسم الأخير، و ان كان مع البناء على الاغتسال أو مع الذهول على ما قوينا فان كان في النومة الأولى بعد العلم بالجنابة فلا شيء عليه و صحّ صومه، و ان كان في النومة الثانية بأن نام بعد العلم بالجنابة ثمّ انتبه و نام ثانيا مع احتمال الانتباه فاتّفق الاستمرار وجب عليه القضاء فقط دون الكفّارة على الأقوى، و ان كان في النومة الثالثة فكذلك على الأقوى، و ان كان الأحوط ما هو المشهور من وجوب الكفّارة أيضا في هذه الصورة، بل الأحوط وجوبها في النومة الثانية أيضا، بل و كذا في النومة الأولى أيضا اذا لم‌يكن معتاد الانتباه، و لايعدّ النوم الذي احتلم فيه من النوم الأوّل بل المعتبر فيه النوم بعد تحقّق الجنابة، فلو استيقظ المحتلم من نومه ثمّ نام كان من النوم الأوّل لا الثاني.

الشرح:

نوم الجنب في شهر رمضان في الليل مع احتمال الاستيقاظ أو العلم به اذا اتّفق استمراره الى طلوع الفجر على أربعة أقسام:

الأوّل: أن‌يكون عازما على ترك الغسل، فحينئذ يجب عليه القضاء و الكفّارة لأنّه من مصاديق تعمّد البقاء على الجنابة الى الفجر اذ لافرق في ذلك بين أن‌يكون مستيقظا الى طلوع الفجر عازما على ترك الغسل أو نائما كذلك.

الثاني و الثالث: أن‌يكون متردّدا في الغسل أو ذاهلاً عنه فلايفسد صومه و ذلك لاطلاق الروايات، منها: صحيحة أبي سعيد القمّاط أنّه سئل أبو عبداللّه عليه‌السلام عمّن أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فنام حتّى أصبح قال:

«لاشيء عليه، و ذلك أنّ جنابته كانت في وقت حلال».(1)

و منها: صحيحة ابن رئاب قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه‌السلام و أنا حاضر عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان فينام و لايغتسل حتّى يصبح قال: لابأس يغتسل و يصلّي و يصوم».(2)

و منها: موثّقة عبداللّه بن بكير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ نام حتّى أصبح، قال: لابأس».(3)

و منها: صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الرجل يجنب في أوّل الليل ثمّ ينام حتّى يصبح في شهر رمضان، قال: ليس عليه شيء، قلت: فانّه استيقظ ثمّ


1) - وسائل الشيعة 7: 38 / الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 39 / الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السابع.

3) - وسائل الشيعة 7: 40 / الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثامن.

نام حتّى أصبح، قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة».(1)

و منها: صحيحة العيص بن القاسم

«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن‌يغتسل، قال: لابأس».(2)

فاطلاق هذه الروايات يشمل من كان عازما على الغسل و تركه و من كان متردّدا أو ذاهلاً، فيقيّد اطلاقها بالنسبة الى من نام عازما على ترك الغسل بموثّقة أبي بصير المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمّدا حتّى أصبح، قال: «يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستّين مسكينا. الحديث». و كذا خبر ابراهيم بن عبدالحميد المتقدّم آنفا و لاتعارضها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه قال في رجل احتلم أوّل الليل أو أصاب من أهله ثمّ نام متعمّدا في شهر رمضان حتّى أصبح، قال:

«يتمّ صومه ذلك ثمّ يقضيه اذا أفطر من شهر رمضان و يستغفر ربّه».(3)

و صحيحة أحمد بن محمّد يعني ابن أبي نصر عن أبي الحسن عليه‌السلام قال:

«سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ثمّ ينام حتّى يصبح متعمّدا، قال: يتمّ ذلك اليوم و عليه قضاؤه».(4)

و موثّقة سماعة بن مهران قال:

«سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام و قد علم بها و لم‌يستيقظ حتّى يدركه الفجر، فقال: عليه أن‌يتمّ صومه و


1) - وسائل الشيعة 7: 41 / الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 138 / الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 42 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 7: 42 / الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

يقضي يوما آخر. الحديث».(1)

لأنّها تحمل على الاستحباب جمعا.

و ما قيل بالحاق المتردّد بالعمد لاستلزام الترديد فقد النيّة يدفعه أوّلاً اطلاق الروايات و ثانيا ما تقدّم في أوّل بحث الصوم بأنّ ذلك لايضرّ بالصوم. فتحصّل أنّ الأقوى عدم بطلان صوم من نام جنبا متردّدا على ترك الغسل أو ذاهلاً عنه، لاطلاق الروايات المتقدّمة فانّها كما قلنا تقيّد بموثّقة أبي بصير بالنسبة الى من نام عازما على ترك الغسل و يبقى الباقي.

ثمّ اعلم أنّ من نام بعد الجنابة عازما على الغسل أو ذاهلاً عنه أو متردّدا و لم‌يستيقظ حتّى أصبح كان من النومة الأولى و عرفت أنّه لاقضاء عليه، بلا خلاف ظاهر بالنسبة الى العازم على الغسل.

الرابع: من نام بعد الجنابة عازما على الغسل أو ذاهلاً عنه أو متردّدا ثمّ استيقظ ثمّ نام و لم‌يستيقظ حتّى أصبح، كان من النومة الثانية، فعليه أن‌يتمّ صومه و يقضي يوما آخر و الدليل على ذلك ذيل صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الرجل يجنب في أوّل الليل ثمّ ينام حتّى يصبح في شهر رمضان، قال: ليس عليه شيء، قلت: فانّه استيقظ ثمّ نام حتّى أصبح، قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة».(2)

و من هذا القسم النومة الثالثة و هي ما اذا استيقظ من النومة الثانية ثمّ نام حتّى أصبح فعليه أن‌يتمّ صومه و يقضي يوما آخر كما تدلّ عليه صحيحة ابن أبي يعفور قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الرجل يجنب في شهر رمضان ثمّ (حتّى) يستيقظ ثمّ ينام ثمّ يستيقظ ثمّ ينام حتّى يصبح، قال: يتمّ يومه


1) - وسائل الشيعة 7: 42 / الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

2) - وسائل الشيعة 7: 41 / الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

(صومه) و يقضي يوما آخر، و ان لم‌يستيقظ حتّى يصبح أتمّ صومه (يومه) و جاز له».(1)

هذه الرواية تطابق ما في الفقيه من دون نسخ البدل(2)، بناءًا على أن‌يكون المراد من قوله: «ثمّ يستيقظ»، هو الاستيقاظ بعد النومة الأولى التي قد وقعت بعد العلم بالجنابة، و الاّ تكون دليلاً على النومة الثانية.

و الرواية قد أتى بها في التهذيب هكذا:

«قال: قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الرجل يجنب في شهر رمضان ثمّ يستيقظ ثمّ ينام حتّى يصبح، قال: يتمّ صومه و يقضي يوما آخر، و ان لم‌يستيقظ حتّى يصبح أتمّ يومه و جاز له».(3)

و على أيٍّ اذا كان يجب القضاء في النومة الثانية فوجوبه في النومة الثالثة و الرابعة و هكذا بطريق أولى، أمّا الكفّارة فلاتجب في النومة الثانية لعدم الدليل عليه و الأصل الحاكم البراءة، و هو الذي نسب الى ظاهر الأصحاب. و ما يقال من أصالة وجوب الكفّارة عند وجوب القضاء، لادليل عليها، و أمّا خبر ابن حفص عن الفقيه عليه‌السلامقال:

«اذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل و لايغتسل حتّى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم، و لايدرك فضل يومه».(4)

و نظيره خبر ابراهيم بن عبد الحميد. ففيه: انّ الأوّل خالٍ عن ذكر النوم و الثاني ضعيف لارساله مع أنّه ظاهر في النومة الأولى فيحمل على العمد.


1) - وسائل الشيعة 7: 41 / الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - من لايحضره الفقيه 2: 75 / رقم 323.

3) - تهذيب الأحكام 4: 186 / باب الكفّارة في اعتماد افطار يوم من شهر رمضان / الحديث 611/19.

4) - وسائل الشيعة 7: 43 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

و أمّا الكفّارة في النومة الثالثة، فالمشهور لزومها، بل في الجواهر نقلاً عن الخلاف و الغنية، و الوسيلة و جامع المقاصد الاجماع عليه، ولكنّه جزم بعدم الكفّارة في المعتبر و تبعه الفاضل في المنتهى و بعض متأخّرى المتأخّرين و هو الأقوى لعدم الدليل و للأصل و عدم حجّية الاجماع فانّ منقوله غير حجّة و محصّله غير محصّل.

(مسألة 57): الأحوط الحاق غير شهر رمضان من الصوم المعيّن به في حكم استمرار النوم الأوّل أو الثاني أو الثالث، حتّى في الكفّارة في الثاني و الثالث اذا كان الصوم ممّا له كفّارة كالنذر و نحوه.

الشرح:

قد تقدّم في الفرع الأوّل من المسألة الثامنة و الأربعين أي في أوّل بحث تعمّد البقاء على الجنابة حتّى مطلع الفجر أنّ حرمة تعمّد البقاء على الجنابة الى الصباح و ايجابه القضاء و الكفّارة لايختصّ بشهر رمضان بل يعمّ ما كان مثل النذر المعيّن.

(مسألة 58): اذا استمرّ النوم الرابع أو الخامس فالظاهر أنّ حكمه حكم النوم الثالث.

الشرح:

قد تقدّم وجوب القضاء للنوم الثاني اذا استمرّ الى الفجر للمعتبرة المتقدّمة و قلنا بأنّ وجوب القضاء للنوم الثالث بل الرابع و هكذا يفهم من المعتبرة الواردة في النوم الثاني بطريق أولى.

(مسألة 59): الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الأحكام المذكورة.

الشرح:

الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الأحكام المذكورة لأنّه اذا قال الشارع: «لاتنقض اليقين بالشكّ بل انقضه بيقين آخر»، فمعناه ترتيب آثار اليقين بهذا الذي كان متيقّنا به و شكّ في بقائه، كالنجاسة المتيقّنة سابقا و المشكوكة لاحقا فانّها يترتّب عليها آثار النجاسة الواقعيّة. نعم لو رتّب الحكم على الجنابة المعلومة بحيث كان العلم جزءًا للموضوع، فلايجري هذا الحكم على الجنابة المستصحبة لأنّها ليست معلومة بل تكون كالمعلوم، ولكن الأحكام المذكورة وردت لمطلق الجنابة لا بقيد المعلومة.

ان قلت: من كان جاهلاً بالجنابة فأصبح جنبا لايبطل صومه و هل هو الاّ لكون العلم جزءًا للموضوع؟ قلت: الحكم بعدم بطلان الصوم انّما هو لأجل أنّ البقاء على الجنابة انّما يكون مفطرا اذا كان عامدا، و لاعمد مع الجهل.

(مسألة 60): ألحق بعضهم الحائض و النفساء بالجنب في حكم النومات، و الأقوى عدم الالحاق و كون المناط فيهما صدق التواني في الاغتسال فمعه يبطل و ان كان في النوم الأوّل، و مع عدمه لايبطل و ان كان في النوم الثاني أو الثالث.

الشرح:

لايلحق الحائض و النفساء بالجنب في حكم النومات لأنّ النصوص فيها وردت في الجنابة، و النصّ الوارد في الحائض و النفساء يدور مدار التواني، ففي صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«ان طهرت بليل من حيضتها ثمّ توانت أن‌تغتسل في رمضان حتّى

أصبحت عليها قضاء ذلك اليوم».(1)

فالمناط فيهما صدق التواني في الاغتسال فمعه يبطل الصوم و ان كان في النوم الأوّل و مع عدمه لايبطل و ان كان في النوم الثاني أو الثالث.

(مسألة 61): اذا شكّ في عدد النومات بنى على الأقلّ.

الشرح:

اذا شكّ في عدد النومات بنى على الأقلّ، فمن شكّ في أنّ نومه ذلك النوم الأوّل حتّى لايجب القضاء أو النوم الثاني حتّى يجب بنى على أنّه كان من النوم الأوّل و لايجب عليه القضاء و ذلك لأنّ حكم القضاء وارد على النوم الثاني المحرز بالعلم أو ما يقوم مقامه و فيما نحن فيه لم‌يحرز الموضوع حتّى يستقرّ الحكم. أو فقل اذا شكّ أنّ عليه القضاء أو لا، فالأصل البراءة فلايجب قضاء الصوم.

(مسألة 62): اذا نسي غسل الجنابة و مضى عليه أيّام و شكّ في عددها يجوز له الاقتصار في القضاء على القدر المتيقّن و ان كان الأحوط تحصيل اليقين بالفراغ.

الشرح:

اذا نسي غسل الجنابة و مضت عليه مثلاً ثلاثة أيّام و علم بكونه جنبا فييومين منها و علم أيضا أنّ اليوم الرابع كان طاهرا الاّ أنّه احتمل أن‌يكون قد اغتسل في اليوم الثالث الذي صام فيه بنى على صحّة الصوم حينئذ لأصالة الصحّة، أعني قاعدة الفراغ لصحيحة محمّد بن مسلم قال:


1) - وسائل الشيعة 7: 48 / الباب 21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: رجل شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة قال: يمضي على صلاته و لايعيد».(1)

و موثّقة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول: كلّما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكّرا فامضه و لااعادة عليك فيه».(2)

ان قلت: من نسي غسل الجنابة و مضت عليه مثلاً ثلاثة أيّام و تيقّن بكونه جنبا في يومين و شكّ في أنّه اغتسل اليوم الثالث أم لا، فعليه أن‌يعمل بيقينه السابق و يستصحب و لاينقض اليقين بالشكّ، قلت: اذا تعارض الاستصحاب مع بعض قواعد أخرى كالمجعولة في الشبهات الموضوعيّة، كأصالة الصحّة و قاعدة الفراغ و التجاوز التي هي التباني على صحّة العمل الصادر من نفس المكلّف كما أنّ الأولى هي التباني على صحّة العمل الصادر من الغير، فلا اشكال في تقدّم قاعدة الفراغ و التجاوز على الاستصحاب، و وجه تقدّمها عليه هو وجه تقدّم الأمارات على الأصول، فانّ الظاهر من الأدلّة كون القاعدة من الأمارات، فانّ الشكّ بعد التجاوز و الفراغ ناشئ من احتمال الغفلة و السهو، و أصالة عدم الغفلة من الأصول العقلائيّة الناظرة الى الواقع، فانّ سيرة العقلاء جارية على عدم الاعتناء باحتمال الغفلة، و الأخبار الواردة في قاعدة الفراغ و التجاوز أيضا دالّة على كونها من الأمارات و ناظرة الى تلك الأصول، و لاتكون من الأصول المقرّرة للشاكّ في مقام العمل كالاستصحاب على القول بأنّه من الأصول.

و ان قلنا بأنّ الاستصحاب أيضا من الأمارات كما لايبعد ذلك فوجه تقدّم القاعدة على الاستصحاب من باب الحكومة، أو التخصيص كما هو الحقّ، لأنّه لو لم‌تخصّص أدلّة الاستصحاب بأدلّة القاعدة يلزم حمل القاعدة على النادر و


1) - وسائل الشيعة 1: 331 / الباب 42 من أبواب الوضوء / الحديث الخامس.

2) - وسائل الشيعة 1: 331 / الباب 42 من أبواب الوضوء / الحديث السادس.

لانلتزم به.

(مسألة 63): يجوز قصد الوجوب في الغسل و ان أتى به في أوّل الليل لكنّ الأولى مع الاتيان به قبل آخر الوقت أن لايقصد الوجوب بل يأتي به بقصد القربة.

الشرح:

اعلم أنّ غسل الجنابة مقدّمة لصحّة الصوم فهو واجب فيجب مقدّمته و هذا لااشكال فيه. انّما الكلام في أنّ هذا الوجوب أي وجوب المقدّمة عقلي فقط أو تجب بوجوب شرعي أيضا؟

فنقول:

انّ مقدّمة الواجب قسمان: قسم ورد فيه الأمر من الشارع كما فيما نحن فيه فانّه ورد في موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمّدا حتّى أصبح، قال:

«يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكينا، قال: و قال: انّه حقيق (لخليق) أن لاأراه يدركه أبدا».(1)

و قسم من مقدّمة الواجب لم‌يرد أمر من الشارع بخصوصه، و حيث انّ وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها، و المفروض عدم وجوب ذي المقدّمة قبل الوقت فلا وجوب لمقدّمته عندئذٍ بطبيعة الحال، فكيف يمكن أن‌يُنوى الوجوب بفعل المقدّمة قبل الوقت.

و قد تفُصّي عن هذا الاشكال بوجوه أوجهها الالتزام بالوجوب التعليقي و التفكيك بين زماني الوجوب و الواجب، و انّ الوقت شرط لنفس الواجب لا


1) - وسائل الشيعة 7: 43 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

لوجوبه، فالوجوب فعلي و الواجب استقبالي فيجب صوم الغد في المقام من أوّل الليل، بل من أوّل الشهر كما هو ظاهر قوله تعالى: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه»(1)، فاذا كان وجوب ذي المقدّمة أي الصوم حاليّا يجب مقدّمته أي الغسل شرعا قبل مجيء وقت الواجب. فهذا الوجه وجيه اذا كان هناك دليل على تقدّم الوجوب قبل مجيء وقت الواجب كما في الصوم.

(مسألة 64): فاقد الطهورين يسقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم فيصحّ صومه مع الجنابة أو مع حدث الحيض أو النفاس.

الشرح:

من لم‌يجد الماء و التراب لغسل الجنابة يجب عليه الصوم فيصحّ صومه و كذا الحائض و النفساء اذا لم‌تجدا الماء و التراب يجب عليهما الصوم فيصحّ صومهما، و ذلك لأنّ شرطيّة رفع الحدث لصحّة الصوم تكون لمن يجد الماء و التراب فاذا عجز عنهما سقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم، فانّ الظاهر من الروايات المتقدّمة بطلان الصوم لمن تعمّد البقاء على الجنابة فمن كان عاجزا عن الغسل لم‌يكن متعمّدا في البقاء على الجنابة.

(مسألة 65): لايشترط في صحّة الصوم الغسل لمسّ الميّت كما لايضرّ مسّه في أثناء النهار.

الشرح:

لايبطل الصوم بمسّ الميّت أثناء النهار لأنّ المفطرات محصورة و ليس منها مسّ الميت، و كذا من مسّ الميّت ليلاً لايجب عليه رفع الحدث و لايضرّ بصومه


1) - البقرة 2: 185.

تعمّد البقاء على الحدث الأكبر لأنّ النصّ ورد في مفطريّة تعمّد البقاء على حدث الجنابة و الحيض و النفاس، فمن كان شاكّا في شمول الحكم لمطلق الحدث الأكبر فالبراءة حاكمة.

(مسألة 66): لايجوز اجناب نفسه في شهر رمضان اذا ضاق الوقت عن الاغتسال أو التيمّم بل اذا لم‌يسع للاغتسال ولكن وسع للتيمّم، و لو ظنّ سعة الوقت فتبيّن ضيقه، فان كان بعد الفحص صحّ صومه، و ان كان مع ترك الفحص فعليه القضاء على الأحوط.

الشرح:

لايجوز اجناب نفسه في شهر رمضان اذا ضاق الوقت عن الاغتسال أو التيمّم و لو فعل ذلك فأصبح جنبا كان ممّن تعمّد البقاء على الجنابة و ذلك لأنّه و ان كان عاجزا للاغتسال أو التيمّم الاّ أنّ عجزه هذا كان باختياره، فانّ الممتنع بالاختيار لاينافي الاختيار، و قد تقدّم الكلام حول ذلك تفصيلاً في الفرع الرابع من المسألة الثامنة و الأربعين فراجع. و لو ظنّ سعة الوقت فتبيّن ضيقه فان كان بعد الفحص صحّ صومه و ان كان مع ترك الفحص فعليه القضاء، و ذلك لموثّقة سماعة بن مهران قال:

«سألته عن رجل أكل أو شرب بعدما طلع الفجر في شهر رمضان، قال: ان كان قام فنظر فلم‌ير الفجر فأكل ثمّ عاد فرأى الفجر فليتمّ صومه و لااعادة عليه، و ان كان قام فأكل و شرب ثمّ نظر الى الفجر فرأى أنّه قد طلع الفجر فليتمّ صومه و يقضي يوما آخر، لأنّه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الاعادة».(1)


1) - وسائل الشيعة 7: 82 / الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

لعدم خصوصيّة الأكل و الشرب في ذلك بل هو ناظر الى التفحّص فانّها منصوصة العلّة.

و خبر ابراهيم بن مهزيار أو موثّقته (على ما ذهب اليه العلاّمة الخوئي و غيره) قال:

«كتب الخليل بن هاشم الى أبي الحسن عليه‌السلام: رجل سمع الوطئ و النداء في شهر رمضان فظنّ أنّ النداء للسحور فجامع و خرج فاذا الصبح قد أسفر، فكتب بخطّه: يقضي ذلك اليوم ان شاء اللّه».(1)

«التاسع» من المفطرات الحقنة بالمائع و لو مع الاضطرار اليها لرفع المرض و لابأس بالجامد و ان كان الأحوط اجتنابه أيضا.

الشرح:

لااشكال في حرمة الحقنة بالمائع صائما، و لم‌يختلف فيه أحد من الفقهاء الاّ ابن الجنيد فانّه ذهب الى استحباب الامتناع من الحقنة، و السيّد المرتضى في أحد أقواله، ففي المختلف نقلاً عن السيّد المرتضى قال: «و قال قوم: انّ ذلك ينقص الصوم و ان لم‌يبطله؛ و هو الأشبه. انتهى».(2)

و الدليل على حرمة الحقنة في حال كونه صائما صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن عليه‌السلام أنّه سأله عن الرجل يحتقن تكون به العلّة في شهر رمضان، فقال:

«الصائم لايجوز له أن‌يحتقن».(3)

و استُدلّ لابن الجنيد بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه‌السلام


1) - وسائل الشيعة 7: 82 / الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - مختلف الشيعة 3: 281.

3) - وسائل الشيعة 7: 27 / الباب الخامس من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

قال:

«سألته عن الرجل و المرأة هل يصلح لهما أن‌يستدخلا الدواء و هما صائمان؟ قال: لابأس».(1)

و يضعّف بأنّ الصحيحة مطلقة تشمل الجامد و المائع فتقيّد بصحيحة البزنطي فانّ الاحتقان ظاهر بحكم الانصراف في المائع، فتختصّ صحيحة علي بن جعفر المذكورة آنفا بالجامد. و الشاهد على هذا الجمع مضافا الى ما مرّ، موثّقة محمّد بن الحسن (الحسين) عن أبيه قال:

«كتبت الى أبي الحسن عليه‌السلام: ما تقول في اللطف يستدخله الانسان و هو صائم؟ فكتب عليه‌السلام: لابأس بالجامد».(2)

فرع : في أنّ الاحتقان لايفسد الصوم

هل يكون الاحتقان بالمائع موجبا للبطلان و فساد الصوم أو انّ الحرمة تكليفيّة محضة؟

ذهب ابن ادريس و المحقّق في المعتبر و الشيخ في جملة من كتبه الى الثاني، و قوّاه صاحب المدارك و ذهب العلاّمة في المختلف بأنّها مفطرة مطلقا، و يجب بها القضاء خاصّة، و استدلّ على ذلك بأنّه قد أوصل الى جوفه المفطر فأشبه ما لو ابتلعه، لاشتراكهما في الاغتذاء، و بصحيح البزنطي المتقدّم حيث قال عليه‌السلام: «الصائم لايجوز له أن‌يحتقن»، و تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلّيّة، فيكون بين الصوم و الاحتقان الذي هو نقيض المعلول منافاة، و ثبوت أحد المتنافيين يقتضي


1) - وسائل الشيعة 7: 26 / الباب الخامس من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 26 / الباب الخامس من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

عدم الآخر، و ذلك يوجب عدم الصوم عند ثبوت الاحتقان، فوجب القضاء. انتهى.(1)

و ذهب صاحب المدارك الى التحريم دون الافساد و استدلّ على التحريم بصحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي المتقدّمة، و استدلّ على عدم الافساد بأنّ الصوم عبادة شرعيّة انعقدت بمقتضى الشرع و لاتفسد الاّ بموجب شرعي عملاً بالأصل السليم من المعارض. و أورد صاحب المدارك على الوجهين المتقدّمين ممّا استدلّ به العلاّمة على فساد الصوم بالحقنة مطلقا بأنّ الأوّل قياس مع الفارق فانّ الحقنة لايصل الى المعدة و لا الى موضع الاغتذاء كما ذكره في المعتبر. و انّ الثاني فلأنّ نقيض المعلول انّما هو جواز الاحتقان لا نفس الاحتقان و اللازم من ذلك انتفاء الصوم عند جواز الاحتقان لا عند حصوله و ان كان محرّما كما هو واضح. انتهى.(2)

و ذهب صاحب الرياض أيضا الى التحريم أي تحريم الحقنة بالمائع و عدم فساد الصوم، استنادا في الأوّل الى الصحيح: «الصائم لايجوز له أن‌يحتقن»، و الرضوي: لايجوز للصائم أن‌يقطر في أذنه شيئا و لايسعط و لايحتقن. و في الثاني الى الأصل و الحصر السابقين، مع اختصاص الخبرين بحكم التبادر بالمائع. انتهى موضع الحاجة.(3)

و الأقوى أنّ الاحتقان بالمائع حرام الاّ أنّه لايكون مفطرا أو مفسدا للصوم، أمّا الأوّل فلما مرّ من قوله عليه‌السلام في صحيحة أحمد بن أبي نصر: «الصائم لايجوز له أن‌يحتقن» و الثاني فلما مرّ من صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه‌السلاميقول: لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث


1) - مختلف الشيعة 3: 282.

2) - مدارك الأحكام 6: 63 - 65.

3) - رياض المسائل 5: 326.

خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء».(1)

فانّه عليه‌السلام حصر المفطرات و ما كان ضارّا للصائم في ثلاثة أشياء.

ان قلت: الحصر هيهنا اضافيّ و ليس حقيقيّا، قلت: نعم ولكن نقض هذا الحصر يحتاج الى دليل صريح، كما في الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة عليهم‌السلام، ففي صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول:

«الكذبة تنقض الوضوء و تفطر الصائم، قال: قلت له: هلكنا، قال: ليس حيث تذهب، انّما ذلك الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة عليهم‌السلام».(2)

و كما في تعمّد البقاء على الجنابة ففي صحيحة سليمان بن جعفر(حفص) عن الفقيه عليه‌السلام قال:

«اذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل و لايغتسل حتّى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم، و لايدرك فضل يومه».(3)

و قد عرفت أنّ الخروج من الحصر بالنسبة الى الكذب على اللّه و على رسوله، و تعمّد البقاء على الجنابة، بالروايات المذكورة آنفا و المتقدّمة نظائرها سابقا، و أمّا بالنسبة الى الاحتقان فليس هناك دليل صريح على أنّه مفطر و موجب للقضاء فقط أو مع الكفّارة. و ما قاله العلاّمة الخوئي رحمه‌الله في مستند العروة بأنّ ظهور النهي في باب المركّبات كالأمر في الارشاد الى المانعيّة أو الجزئيّة أو الشرطيّة نظير النهي عن لبس ما لايؤكل في الصلاة فينقلب الظهور الأولى الى ظهور ثانوي.


1) - وسائل الشيعة 7: 19 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 20 / الباب الثاني من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 43 / الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

انتهى.(1)

ففيه: انّ الظاهر من قوله عليه‌السلام في صحيحة البزنطي المتقدّمة الحرمة لا المفطريّة و لو بقرينة الروايات الواردة في مفطرات الصوم.

(مسألة 67): اذا احتقن بالمائع لكن لم‌يصعد الى الجوف بل كان بمجرّد الدخول في الدبر فلايبعد عدم كونه مفطرا و ان كان الأحوط تركه.

الشرح:

تقدّم آنفا أنّ الاحتقان بالمائع حرام و لايكون مبطلاً للصوم؛ هذا اذا صدق عليه الاحتقان أي صعد الى الجوف، و أمّا اذا لم‌يصعد الى الجوف بل كان بمجرّد الدخول في الدبر فلايحرم لعدم صدق الاحتقان. كما لو قلنا بمفطريّة الاحتقان فلايكون دخول المائع بمجرّد الدخول في الدبر مفطرا من غير الصعود الى الجوف لعدم صدق الاحتقان.

(مسألة 68): الظاهر جواز الاحتقان بما يشكّ في كونه جامدا أو مائعا و ان كان الأحوط تركه.

الشرح:

تقدّم أنّ الاحتقان ظاهر أو منصرف الى المائع و أنّ الجامد ليس من الاحتقان و حينئذ لو شكّ في شيء أنّه جامد أو مائع فلايحرم و لايكون مبطلاً على القول الآخر لأنّه يشكّ في تعلّق التكليف بالاجتناب عنه و مقتضى الأصل عدمه. فالموضوع للبطلان مركّب من جزئين الاحتقان و أن لايكون جامدا، و الأوّل محرز بالوجدان و الثاني بأصالة عدم كونه جامدا. نعم لو قلنا بأنّ الاحتقان مطلق ما


1) - مستند العروة الوثقى 9 الجزء الأوّل من كتاب الصوم: 227.

يشمل المائع و الجامد الاّ أنّه قيّد اطلاق الصحيحة بالموثّقة، فاذا شكّ في شيء أنّه جامد أو مائع فقد شكّ في تقييد المطلق بالنسبة اليه فحينئذ فالاطلاق محكّم كما في العام المخصّص.

«العاشر»: تعمّد القيء و ان كان للضرورة من رفع مرض أو نحوه، و لابأس بما كان سهوا أو من غير اختيار، و المدار على الصدق العرفي فخروج مثل النواة أو الدود لايعدّ منه.

الشرح:

قال العلاّمة في المختلف: «المشهور بين علمائنا أنّ تعمّد القيء يوجب القضاء خاصّة، فان ذرعه لم‌يجب به شيء ذهب اليه الشيخان و ابن أبي عقيل و ابن البرّاج و أبو الصلاح. و نقل السيّد المرتضى عن بعض علمائنا أنّه يوجب القضاء و الكفّارة، و عن بعضهم أنّه يوجب القضاء، و عن بعضهم أنّه ينقص الصوم و لايبطله، قال: و هو الأشبه. و قال ابن الجنيد: انّه يوجب القضاء خاصّة اذا تعمّد، فان ذرعه لم‌يكن عليه شيء، الاّ أن‌يكون القيء من محرّم، فيكون فيه اذا ذرع القضاء، و اذا استُكرِه القضاء و الكفّارة. و قال ابن ادريس: لايجب به قضاء و لاكفّارة بل يكون مخطئا. انتهى».(1)

و الأقوى أنّ تعمّد القيء يوجب الافطار و الدليل على ذلك:

صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلامقال:

«اذا تقيّأ الصائم فقد أفطر و ان ذرعه من غير أن‌يتقيّأ فليتمّ صومه».(2)

و صحيحته الأخرى عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:


1) - مختلف الشيعة 3: 289.

2) - وسائل الشيعة 7: 60 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

«اذا تقيّأ الصائم فعليه قضاء ذلك اليوم، و ان ذرعه من غير أن‌تقيّأ فليتمّ صومه».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن القيء في رمضان، فقال: ان كان شيء يبدره فلا بأس، و ان كان شيء يكره نفسه عليه (فقد) أفطر و عليه القضاء. الحديث».(2)

و موثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام أنّه قال:

«من تقيّأ متعمّدا و هو صائم فقد أفطر و عليه الاعادة فان (و ان) شاء اللّه عذّبه، و ان شاء غفر له، و قال: من تقيّأ و هو صائم فعليه القضاء».(3)

و صحيحة معاوية يعني ابن عمّار، عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في الذي يذرعه القيء و هو صائم، قال:

«يتمّ صومه و لايقضي».(4)

و مرسلة ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«من تقيّأ متعمّدا و هو صائم قضى يوما مكانه».(5)

و خبر علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال:

«سألته عن الرجل يستاك و هو صائم فيقيء ما عليه؟ قال: ان كان تقيّأ متعمّدا فعليه قضاؤه، و ان لم‌يكن تعمّد ذلك فليس عليه شيء».(6)


1) - وسائل الشيعة 7: 61 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

2) - وسائل الشيعة 7: 61 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

3) - وسائل الشيعة 7: 61 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

4) - وسائل الشيعة 7: 61 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

5) - وسائل الشيعة 7: 62 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السابع.

6) - وسائل الشيعة 7: 62 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث العاشر.

و لاتعارض ما تقدّم من الروايات، صحيحة عبداللّه بن ميمون عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام قال:

«ثلاثة لايفطرن الصائم: القيء و الاحتلام و الحجامة. الحديث».(1)

و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشيء من الطعام، أيفطر ذلك؟ قال: لا، قلت: فان ازدرده بعد أن‌صار على لسانه، قال: لايفطر ذلك».(2)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سئل أبوجعفر عليه‌السلام عن القلس يفطر الصائم؟ قال: لا».(3)

فانّه تحمل هذه الصحاح الثلاثة على ما اذا كان القيء ذرع من جوفه و غلبه، و الشاهد على هذا الحمل أوّلاً ما في الطائفة الأولى من الروايات حيث قسّم القيء على قسمين، فقسم منه تعمّد القيء و القسم الآخر ذرعه أي سبقه من غير اختيار. و ثانيا ارداف القيء و الاحتلام في صحيحة عبداللّه بن ميمون، فانّ الاحتلام قهريّ و المراد من القيء يكون كذلك أي ما ذرعه.

و ثالثا معنى القلس المسؤول عنه في صحيحتي محمّد بن مسلم و عبداللّه بن سنان الذي قال عليه‌السلام: «لايفطر الصائم»، هو الذرع أي الغلبة و السبق.

فتحصّل أنّ تعمّد القيء موجب لبطلان الصوم و ان كان للضرورة من رفع مرض و نحوه لاطلاق الدليل، و لابأس بالقيء بغير اختيار كما مرّ أو كان عن سهو كما سيأتي. و المدار في القيء على الصدق العرفي كما في كافّة موضوعات الأحكام.


1) - وسائل الشيعة 7: 62 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثامن.

2) - وسائل الشيعة 7: 62 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث التاسع.

3) - وسائل الشيعة 7: 62 / الباب 30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

(مسألة 69): لو خرج بالتجشّؤ شيء ثمّ نزل من غير اختيار لم‌يكن مبطلاً و لو وصل الى فضاء الفم فبلعه اختيارا بطل صومه و عليه القضاء و الكفّارة، بل تجب كفّارة الجمع اذا كان حراما من جهة خباثته أو غيرها.

الشرح:

و ان نزل بعد التجشّؤ شيء لم‌يكن مبطلاً لأنّ التجشّؤ مفهوم مغاير للقيء عرفا و التجشّؤ بالفارسيّة = «آروغ زدن».

فان نزل شيء بعد التجشّؤ من غير اختيار لم‌يكن مبطلاً، لأنّ النزول من غير اختيار لايصدق عليه أكل الشيء. و لو وصل الى فضاء الفم فبلعه اختيارا يبطل صومه و عليه القضاء و الكفّارة لصدق الأكل و دلالة الآية و الروايات على بطلان الصوم بالأكل و الشرب و انّهما يوجبان القضاء و الكفّارة، و لاتخالف ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشيء من الطعام، أيفطر ذلك؟ قال: لا، قلت: فان ازدرده بعد أن‌صار على لسانه؟ قال: لايفطر ذلك».(1)

لأنّ الازدراد الابتلاع بسرعة فلا مانع من حمله على الأكل من غير اختيار جمعا بينها و بين الآية و الروايات.

و ما ذهب اليه الماتن قدس‌سره من كفّارة الجمع فهو مبنيّ على أمرين: أحدهما كون الابتلاع المزبور من الافطار على الحرام، ثانيهما أنّ كلّ افطار على الحرام تجب فيه كفّارة الجمع. و أمّا الكبرى أي كلّ افطار على الحرام تجب فيه كفّارة الجمع فسيأتي الكلام فيه عند تعرّض الماتن له. و أمّا الصغرى أي ابتلاع ما يخرج من


1) - وسائل الشيعة 7: 62 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث التاسع.

البطن بالتجشّؤ من الافطار على الحرام فمبنيّ على أمرين أيضا؛ أحدهما: كون الشيء المخرج من البطن من الخبيث. ثانيهما: أكل الخبيث من أكل الحرام. أمّا الأوّل ففيه اشكال لاجمال مفهوم الخبيث، فانّه ان كان ممّا يتنفّر الطبع منه ففي صدقه على ما يخرج من البطن بالتجشّؤ اشكال و على الأقلّ بالنظر الى نفس المتجشّئ. و أمّا الثاني فلا دليل عليه الاّ ما قيل من دلالة الآية المباركة عليها؛ قال اللّه تبارك و تعالى في وصف نبيّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: «و يحلّ لهم الطيّبات و يحرّم عليهم الخبائث»(1)ففيه: انّ التفسير الوارد من نورالثقلين ما رواه عن أصول الكافي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال: «و يحلّ لهم الطيّبات» أخذ العلم من أهله. «و يحرّم عليهم الخبائث» و الخبائث قول من خالف.

و لو تنزّلنا عن ذلك فالاشكال باقٍ للشكّ في كون المخرج من البطن من مصداق الخبيث.

(مسألة 70): لو ابتلع في الليل ما يجب عليه قيؤه في النهار فسد صومه ان كان الاخراج منحصرا في القيء، و ان لم‌يكن منحصرا فيه لم‌يبطل الاّ اذا اختار القيء مع امكان الاخراج بغيره، و يشترط أن‌يكون ممّا يصدق القيء على اخراجه و أمّا لو كان مثل درّة أو بندقة أو درهم أو نحوها ممّا لايصدق معه القيء لم‌يكن مبطلاً.

الشرح:

لو ابتلع في الليل ما يجب عليه قيؤه في النهار فتارةً يكون مثل الدرّة و البندقة و الدرهم و نحوها ممّا لايصدق معه القيء فلم‌يكن مبطلاً سواء تقيّأ في النهار أم لم‌يتقيّأ. و أخرى يكون ممّا يصدق معه القيء فان كان الاخراج منحصرا في القيء


1) - الأعراف 7: 157.

فقد أفتى المصنّف بفساد صومه، و ان لم‌يكن منحصرا فيه لم‌يبطل الاّ اذا اختار القيء مع امكان الاخراج بغيره.

أمّا عدم فساد صومه اذا لم‌يكن الاخراج منحصرا في القيء، فلعدم التنافي بين الصوم و بين الأمر باخراجه، فهو متمكّن من امتثال كِلا الأمرين فان اختار طريقا آخر غير القيء لم‌يبطل صومه. و أمّا فساد صومه عند المصنّف ان كان الاخراج منحصرا فيه (أي القيء) فللتنافي بين الأمر بالصوم و الأمر بالاخراج الذي لايمكن الاّ مع القيء، و ظاهر كلام المصنّف بطلان صومه و ان لم‌يتقيّأ.

ولكن الصحيح أنّه ان اختار الصوم و جزم به صحّ صومه و ان كان عاصيا بالنسبة الى الأمر باخراج ما ابتلعه في الليل، و ذلك للترتّب، فاذا أمر الشارع المكلّف بأمرين و لم‌يمكن له الامتثال بهما للتزاحم فما هو الأهمّ منهما فعليّ و كان الآخر شأنيّا، فان عصى المكلّف و لم‌يمتثل بما هو الأهمّ من الأمرين و امتثل بالأمر الآخر فقد أطاع بالنسبة اليه و ان عصى بالنسبة الى الأمر بالأهمّ.

ان قلت: لايمكن اجراء الترتّب هنا لأنّه اذا أمر بالافطار أي القيء فتركه فلايمكن الأمر بالامساك لأنّه أمر بتحصيل الحاصل، قلت: الأمر الثاني هو الأمر بالامساك بقصد القربة لا الامساك المطلق الذي هو ضدّ الافطار، فلايكون الأمر بالامساك الخاصّ أمرا بتحصيل الحاصل.

(مسألة 71): اذا أكل في الليل ما يعلم أنّه يوجب القيء في النهار من غير اختيار فالأحوط القضاء.

الشرح:

اذا أكل في الليل ما يعلم أنّه يوجب القيء في النهار من غير اختيار لايبطل صومه و ان تقيّأ في النهار من غير اختيار و ذلك لأنّ الظاهر من الرويات المتقدّمة أنّ القيء من غير اختيار لايبطل الصوم و هذا القيء قهريّ لايضرّ بصومه. و ما

ذهب اليه الماتن من الاحتياط، لأنّ المقدّمة كانت اختياريّة فذو المقدّمة مثلها فهذا التقيّؤ مستند الى العمد، لايساعده العرف و لا الدليل.

(مسألة 72): اذا ظهر أثر القيء و أمكنه الحبس و المنع وجب اذا لم‌يكن حرج و ضرر.

الشرح:

اذا ظهر أثر القيء فتارة يساعده بحيث يصدق نسبة التقيّؤ اليه فيبطل صومه و أخرى لايساعده فيبدر قهرا فلايبطل صومه و لادليل على وجوب الحبس مع امكانه و لايصدق عليه التقيّؤ عن عمد لو لم‌يمنعه.

(مسألة 73): اذا دخل الذباب في حلقه وجب اخراجه مع امكانه، و لايكون من القيء، و لو توقّف اخراجه على القيء سقط وجوبه و صحّ صومه.

الشرح:

اذا دخل الذباب في حلقه وجب اخراجه مع امكانه سواء صدق عليه الأكل أم لم‌يصدق لأنّ الذباب من الحشرات التي يحرّم أكله و التمكين من وصوله الى الجوف، و حينئذ فان أمكن اخراجه بدون القيء فبها، و ان توقّف اخراجه على القيء فتارة يكون صومه غير معيّن و أخرى معيّنا ففي الأوّل يخرجه بالقيء و يبطل صومه و في الثاني سقط وجوبه و صحّ صومه لأنّه يقع التزاحم بين الحكمين أعني حرمة تمكين وصول الذباب الى الجوف و حرمة ابطال الصوم بالتقيّؤ و لايمكن الجمع بينهما، فترجّح حرمة ابطال الصوم فيسقط وجوب القيء مقدّمة لاخراج الذباب لأهمّيّة الصوم. و يمكن أن‌يقال بأنّه ان لم‌يصل الى الجوف فاخراجه ليس من القيء و ان وصل فاخراجه لايجب.

(مسألة 74): يجوز للصائم التجشّؤ اختيارا و ان احتمل خروج شيء من الطعام معه، و أمّا اذا علم بذلك فلايجوز.

الشرح:

يجوز للصائم التجشّؤ اختيارا لأنّ الذي يوجب القضاء التقيّؤ، و أمّا التجشّؤ المعبّر عنه بالقلس أيضا فلا بأس به هذا و ان احتمل خروج شيء من الطعام، لأنّ المنهيّ التقيّؤ و أمّا التجشّؤ الذي يحتمل معه خروج شيء من الطعام فلا بأس به مضافا الى اطلاق صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سئل أبو جعفر عليه‌السلام عن القلس يفطر الصائم؟ قال: لا».(1)

و أمّا اذا علم بأنّ تجشّؤه يوجب خروج شيء من الطعام فلايجوز، و ذلك مثل ما اذا أدخل أصابعه في حلقه ليتقيّأ، فان لم‌يعتن و تجشّأ و لم‌يخرج شيء من الطعام معه فلا قضاء و الاّ يقضي يوما آخر.

ان قلت: انّ الروايات مختصّة بالقيء فكلّ ما ليس بقيء لابأس به، و المفروض أنّ التجشّؤ ليس منه، فيشمله عموم «لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب» فانّ هذا العموم هو المحكّم ما لم‌يثبت التخصيص كما في الكذب و نحوه، على أنّ الدليل على عدم البأس بالتجشّؤ موجود، قلت: نعم الاّ أنّ الذي يعلم صاحبه بخروج شيء من الطعام معه هو التقيّؤ و لايكون تجشّؤًا كما مرّ التمثيل به آنفا.

(مسألة 75): اذا ابتلع شيئا سهوا فتذكّر قبل أن‌يصل الى الحلق وجب اخراجه و صحّ صومه، و أمّا ان تذكّر بعد الوصول اليه فلايجب، بل لايجوز اذا صدق عليه القيء، و ان شكّ في ذلك فالظاهر وجوب اخراجه أيضا مع امكانه


1) - وسائل الشيعة 7: 62 / الباب 30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

عملاً بأصالة عدم الدخول في الحلق.

الشرح:

قد سبق أنّ الأكل و الشرب مبطلان للصوم اذا كانا عن عمد و أمّا الأكل و الشرب سهوا فلايبطلان الصوم. فاذا ابتلع شيئا سهوا فتذكّر قبل أن‌يصل الى الحلق وجب اخراجه لأنّه اذا ابتلعه يصدق عليه الأكل عمدا فيبطل صومه. و أمّا ان تذكّر بعد الوصول اليه بحيث لو دخل في الجوف لم‌يصدق عليه الأكل فلايجب اخراجه بل لايجوز اذا صدق عليه القيء، فمدار وجوب الاخراج و عدمه صدق الأكل و عدمه، فان شكّ في صدق الأكل لايجب اخراجه و بدخوله في الجوف لايبطل صومه. و أمّا ما ذهب اليه الماتن من أنّه اذا شكّ في الوصول الى الحلق يجب اخراجه عملاً بأصالة عدم الوصول الى الحلق. ففيه: انّه لاثمرة شرعيّة على هذا الأصل الاّ على الأصل المثبت فان لازم عدم الدخول المزبور كون ابتلاعه أكلاً فاذا أكل عمدا يبطل صومه و لانقول بحجّيّته كما لايقول السيّد الماتن نفسه بحجّيّة الأصول المثبتة.

(مسألة 76): اذا كان الصائم بالواجب المعيّن مشتغلاً بالصلاة الواجبة فدخل في حلقه ذباب أو بَقّ أو نحوهما أو شيء من بقايا الطعام الذي بين أسنانه و توقّف اخراجه على ابطال الصلاة بالتكلّم ب- «أخ» أو بغير ذلك فان أمكن بالتحفّظ و الامساك الى الفراغ من الصلاة وجب، و ان لم‌يمكن ذلك و دار الأمر بين ابطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالاخراج، فان لم‌يصل الى الحدّ من الحلق كمخرج الخاء و كان ممّا يحرّم بلعه في حدّ نفسه كالذباب و نحوه وجب قطع الصلاة باخراجه و لو في ضيق وقت الصلاة و ان كان ممّا يحلّ بلعه في ذاته كبقايا الطعام ففي سعة الوقت للصلاة و لو بادراك ركعة منه يجب القطع و الاخراج، و في الضيق يجب البلع و ابطال الصوم تقديما لجانب الصلاة

لأهمّيّتها، و ان وصل الى الحدّ فمع كونه ممّا يحرّم بلعه وجب اخراجه بقطع الصلاة و ابطالها على اشكال، و ان كان مثل بقايا الطعام لم‌يجب و صحّت صلاته، و صحّ صومه على التقديرين لعدم عدّ اخراج مثله قيئا في العرف.

الشرح:

اذا كان الصائم بالواجب المعيّن مشتغلاً بالصلاة الواجبة فدخل في حلقه ذباب أو نحوه أو شيء من بقايا الطعام الذي بين أسنانه، فان أمكن اخراجه من غير أن‌يتكلّم فليفعل و أمّا اذا توقّف اخراجه على ابطال الصلاة بالتكلّم ب- «أخ» أو بغير ذلك فان أمكن التحفّظ و الامساك الى الفراغ من الصلاة بدون ضرر و حرج فليفعل. و أمّا اذا دار أمر الاخراج بين قطع الصلاة بالتكلّم ب- «أخ» و بين ابطال الصوم فالصور أربع:

الأولى: اذا لم‌يصل الى الحلق و صدق عليه الأكل ان أكله، و لم‌يكن أكله حراما، فامّا أن‌يكون في سعة الوقت فيخرجه و تبطل صلاته لأنّ قطع الصلاة لايحرّم الاّ اذا كان عن لعب و عبث و هو في غير المورد و امّا في ضيق الوقت بحيث لو قطعها لم‌يدرك ركعة من الوقت فدار الأمر بين الحكمين المتزاحمين، وجوب الصلاة و وجوب الصوم، فالصلاة واجب أهمّ لأنّها عمود الدين و أساس الاسلام و بها يمتاز المسلم عن الكافر.

الثانية: اذا لم‌يصل الى الحلق و صدق عليه الأكل ان أكله و كان أكله حراما

فالظاهر وجوب اخراجه مطلقا و ان بطلت الصلاة، و ذلك لأنّه لو تقدّم الصلاة و أكل الحرام خالف حكمين أعني وجوب الصوم و حرمة الأكل و أمّا ان قطع الصلاة فقد خالف حكما واحدا و هو وجوب الصلاة فالمقدّم ابطال الصلاة و قضاؤها خارج الوقت.

الثالثة: اذا وصل الى الحلق و لم‌يصدق عليه الأكل فان كان الشيء حلالاً لايجب عليه الاخراج فيذره حتّى يدخل في جوفه سواء كان الوقت واسعا أم

مضيّقا فيصحّ صلاته و صومه.

الرابعة: اذا وصل الى الحلق و لم‌يصدق عليه الأكل و كان الشيء محرّما أكله و لم‌يسع الوقت و لو بادراك ركعة، فيدور الأمر بين قطع الصلاة و ترك تمكين وصول الحرام الى الجوف و بين ترك القطع و تمكين وصول الحرام الى الجوف، و من المعلوم أنّ رعاية وجوب الصلاة أولى لأنّها أهمّ من وصول مثل الذباب الى الجوف.

(مسألة 77): قيل يجوز للصائم أن‌يدخل اصبعه في حلقه و يخرجه عمدا، و هو مشكل مع الوصول الى الحدّ فالأحوط الترك.

الشرح:

يجوز للصائم أن‌يدخل اصبعه في حلقه و يخرجه عمدا و ان وصل الى الحدّ و ذلك لعدم صدق الأكل بادخال الاصبع في الحلق و عدم صدق القيء باخراجه عنه فما ذهب اليه الماتن من الاحتياط بالترك في غير محلّه.

(مسألة 78): لابأس بالتجشّؤ القهري و ان وصل معه الطعام الى فضاء الفم و رجع، بل لابأس بتعمّد التجشّؤ ما لم‌يعلم أنّه يخرج معه شيء من الطعام و ان خرج بعد ذلك وجب القاؤه، و لو سبقه الرجوع الى الحلق لم‌يبطل صومه و ان كان الأحوط القضاء.

الشرح:

تقدّم أنّه لابأس بالتجشّؤ اختيارا و ان احتمل خروج شيء من الطعام معه و لابأس بالقهري منه بطريق أولى و ان وصل معه الطعام الى فضاء الفم و حينئذ فان رجع شيء من غير اختيار فلا بأس، و ان تمكّن من حفظه و القائه وجب.

فصل : في اعتبار العمد و الاختيار في الافطار

المفطرات المذكورة ماعدا البقاء على الجنابة الذي مرّ الكلام فيه تفصيلاً انّما توجب بطلان الصوم اذا وقعت على وجه العمد و الاختيار، و أمّا مع السهو و عدم القصد فلاتوجبه من غير فرق بين أقسام الصوم من الواجب المعيّن و الموسّع و المندوب، و لافرق في البطلان مع العمد بين الجاهل بقسميه و العالم و لا بين المكره و غيره، فلو أكره على الافطار فأفطر مباشرة فرارا عن الضرر المترتّب على تركه بطل صومه على الأقوى، نعم لو وجر في حلقه من غير مباشرة منه لم‌يبطل.

الشرح:

اذا نسي أنّه صائم فارتكب بعض المفطرات أو كلّها فلايبطل صومه و الدليل على ذلك روايات، منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه سئل عن رجل نسي فأكل و شرب ثمّ ذكر، قال:

«لايفطر انّما هو شيء رزقه اللّه فليتمّ صومه».(1)

و منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام في المحرم يأتي أهله ناسيا، قال:

«لاشيء عليه انّما هو بمنزلة من أكل في شهر رمضان و هو ناسٍ».(2)

و منها: موثّقة عمّار بن موسى أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل ينسى و هو صائم فجامع أهله، فقال:

«يغتسل و لاشيء عليه».(3)

و منها: موثّقة سماعة قال:

«سألته عن رجل صام في شهر رمضان فأكل و شرب ناسيا قال: يتمّ صومه (يومه) و ليس عليه قضاؤه».(4)

و منها: صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه‌السلام قال:

«كان أميرالمؤمنين عليه‌السلام يقول: من صام فنسي فأكل و شرب فلايفطر من أجل أنّه نسي، فانّما هو رزق رزقه اللّه تعالى فليتمّ صيامه (صومه)».(5)

و منها: صحيحة وهب بن حفص عن أبي بصير قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: رجل صام يوما نافلة فأكل و شرب ناسيا، قال: يتمّ يومه ذلك و ليس عليه شيء».(6)

و منها: خبر أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن رجل صام في (شهر) رمضان فأكل و


1) - وسائل الشيعة 7: 33 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 33 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

3) - وسائل الشيعة 7: 33 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

4) - وسائل الشيعة 7: 33 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

5) - وسائل الشيعة 7: 34 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث التاسع.

6) - وسائل الشيعة 7: 34 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث العاشر.

شرب ناسيا، فقال: يتمّ صومه و ليس عليه قضاء».(1)

و منها: خبر داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في الرجل ينسى و يأكل في شهر رمضان، قال:

«يتمّ صومه، فانّما هو شيء أطعمه اللّه ايّاه».(2)

و منها: خبر الزهري عن علي بن الحسين عليه‌السلام (في حديث) قال:

«و أمّا صوم الاباحة لمن أكل و شرب ناسيا أو قاء من غير تعمّد فقد أباح اللّه له ذلك و أجزأ عنه صومه».(3)

فهذه الروايات و ان وردت في الأكل و الشرب و الجماع و القيء الاّ أنّها تشمل سائر المفطرات أيضا و ذلك أوّلاً للعلّة التي ذكرها في بعض الروايات و هو قوله عليه‌السلام: «انّما هو شيء أطعمه اللّه ايّاه»، و ثانيا أساس المفطرات الأكل و الشرب و الجماع و هي المذكورة في القرآن فاذا لم‌يكن بأس بارتكابها ناسيا فبطريق أولى لايكون بأس بما ارتكبه من الملحقات كالارتماس، و تعمّد البقاء على الجنابة، و القيء، و الكذب على اللّه و رسوله و الأئمّة عليهم‌السلام.

ثمّ اعلم أنّ ارتكاب المفطرات ناسيا لايوجب البطلان من غير فرق بين أقسام الصوم و ذلك لاطلاق صحيحة الحلبي و موثّقة عمّار و صحيحة محمّد بن قيس، و خصوص صحيحة وهب بن حفص التي وردت في النافلة. و ثانيا اذا كان الافطار ناسيا في شهر رمضان لابأس به، ففي غيره من أقسام الصوم لم‌يكن به بأس بطريق أولى فانّ صوم شهر رمضان من أهمّ أقسام الصوم.


1) - وسائل الشيعة 7: 34 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثامن.

2) - وسائل الشيعة 7: 33 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

3) - وسائل الشيعة 7: 33 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السابع.

فروع:

الفرع الأوّل : في عدم بطلان الصوم اذا صدرت المفطرات قهرا

المفطرات المذكورة توجب بطلان الصوم اذا صدرت عن عمد و اختيار و أمّا اذا أكل و شرب و ارتمس قهرا فلايوجب البطلان، فمن تمضمض للتوضّؤ فسبق الماء الى حلقه، أو زلّت قدمه فارتمس في الماء بغير اختيار، أو قاء قهرا من غير اختيار ففي ذلك كلّه لم‌يبطل صومه و ذلك أوّلاً لأنّ قوله عليه‌السلام: «لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء»، ظاهر في الأكل و الشرب و الارتماس و النساء عامدا و عن قصد و اختيار. و في بعض الروايات نصّ على أنّ المفطر هو تعمّد ارتكاب المفطرات، كتعمّد البقاء على الجنابة، و تعمّد القيء، و تعمّد الارتماس.

و ثانيا دلالة الروايات المتقدّمة الواردة في عدم البأس اذا ارتكب المفطرات ناسيا، تعطي عدم البأس اذا صدرت عن قهر و غير قصد بطريق أولى، لأنّه اذا كان الافطار نسيانا، الذي صدر عن اختيار، الاّ أنّه لم‌يكن متذكّرا لايبطل الصوم، فما صدر من غير اختيار لايبطله بطريق أولى.

الفرع الثاني : في حكم الافطار مع الجهل

قال العلاّمة في المختلف: «لو جامع أو أفطر جاهلاً بالتحريم، قال ابن ادريس: لايجب عليه شيء، و هو الظاهر من كلام الشيخ في التهذيب - الى أن‌قال: - و الأقرب عندي تعلّق الحكم به. لنا: انّه تعمّد فعل المفطر، و الجهل ليس عذرا، و الاّ لزم سقوط التكاليف عن الجاهلين بها. و في طريق حديث زرارة: علي بن فضّال،

و فيه قول. انتهى».(1)

قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب فساد صوم الجاهل كالعالم خلافا لابن ادريس و الشيخ في موضع من التهذيب. و احتمل في المنتهى الحاق الجاهل بالناسي. و قال المحقّق في المعتبر: و الذي يقوى عندي فساد صومه و وجوب القضاء دون الكفّارة. قال في المدارك بعد نقل كلام المعتبر: و الى هذا القول ذهب أكثر المتأخّرين و هو المعتمد. انتهى ما في الحدائق ملخّصا».(2)

و ذهب نفسه الى ما ذهب اليه ابن ادريس.

و التحقيق أنّ الأحكام كلّها وضعت على المكلّفين من غير فرق بين الجاهل و العالم، كما أنّ اطلاق أدلّة المفطريّة يقتضي عدم الفرق بين العالم و الجاهل، فانّ قوله تعالى: «كلوا و اشربوا ... » خطاب عامّ لجميع المكلّفين من العالمين و الجاهلين. الاّ أنّه بازاء هذه المطلقات روايتان: احداهما موثّقة زرارة و أبي بصير قالا جميعا:

«سألنا أبا جعفر عليه‌السلام عن رجل أتى أهله في شهر رمضان أو أتى أهله و هو محرم و هو لايرى الاّ أنّ ذلك حلال له، قال: ليس عليه شيء».(3)

و الأخرى صحيحة عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبداللّه عليه‌السلام (في حديث):

«انّ رجلاً أعجميّا دخل المسجد يلبّي و عليه قميصه، فقال لأبي عبداللّه عليه‌السلام: انّي كنت رجلاً أعمل بيدي و اجتمعت لي نفقة فحيث أحجّ لم‌أسأل أحدا عن شيء و أفتوني هؤلاء أن‌أشقّ قميصي و أنزعه من قبل رجلي، و انّ حجّي فاسد، و انّ عليّ بَدَنة، فقال له: متى لبست قميصك أ بعد ما لبّيت أم قبل؟ قال: قبل أن‌ألبّي، قال:


1) - مختلف الشيعة 3: 298.

2) - الحدائق الناضرة 13: 60.

3) - وسائل الشيعة 7: 35 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 12.

فأخرجه من رأسك، فانّه ليس عليك بدنة، و ليس عليك الحجّ من قابل أيّ رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه، طف بالبيت سبعا و صلّ ركعتين عند مقام ابراهيم عليه‌السلام، و اسع بين الصفا و المروة، و قصّر من شعرك، فاذا كان يوم التروية فاغتسل و أهلّ بالحجّ و اصنع كما يصنع الناس».(1)

و الظاهر أنّ هاتين الروايتين تقيّدان المطلقات بالعالم.

قال في مستند العروة: «فقد استدلّ بهاتين الروايتين على نفي القضاء عن الجاهل بدعوى أنّ النسبة بينهما و بين المطلقات عموم من وجه، اذ هما خاصّتان بالجاهل عامّتان من حيث القضاء و الكفّارة على العكس من المطلقات فانّها خاصّة بالقضاء عامّة من حيث العالم و الجاهل فيتعارضان في مورد الاجتماع و هو الجاهل من حيث الحكم بالقضاء فانّه غير واجب بمقتضى الروايتين، و واجب بمقتضى الاطلاقات و بعد تساقط الاطلاقين المتعارضين و ان كان بالعموم من وجه يرجع الى أصالة البراءة من تقيّد الصوم بالقضاء للجاهل بالحكم اذا ارتكب احدى المفطرات جهلاً.

ثمّ قال في جوابه: و يندفع أوّلاً بأنّ الاطلاقات السابقة تتقدّم، و ذلك من أجل أنّ تقييد الحكم بالعلم به و ان كان أمرا ممكنا، الاّ أنّه بعيد عن الأذهان العرفيّة، بل هو يرى أنّ الحكم - كغيره - له نحو ثبوت و تقرّر قد يعلم به الانسان و أخرى يجهله امّا عن قصور أو تقصير، فلا مناص من التحفّظ على هذه الاطلاقات و تقييد الروايتين بنفي الكفّارة فقط. و ثانيا لو فرضنا أنّ التقييد غير بعيد فهاتان الروايتان قاصرتان عن الاطلاق في نفسهما و لاتعمّان القضاء بوجه، بل تختصّان بنفي الكفّارة فقط. أمّا صحيحة عبدالصمد فالأمر فيها واضح ضرورة أنّ لبس المخيط لايستوجب بطلان الحجّ ليحتاج الى القضاء حتّى في صورة العلم و العمد


1) - وسائل الشيعة 9: 125 / الباب 45 من أبواب تروك الاحرام / الحديث الثالث.

بل غايته الاثم و الكفّارة فهو تكليف محض، و لايستتبع الوضع لتدلّ على نفي القضاء مع الجهل.

ان قلت: التامّل في الصحيحة صدرا و ذيلاً يشهد بأنّها ناظرة الى نفي فساد الحجّ الذي أفتى به العامّة و أنّه ليس عليه الحجّ من قابل كما أنّه ليس عليه بَدَنة فهي مسوقة لنفي كلا الحكمين لدى الجهل، قلت: انّ المذكور من قوله عليه‌السلام: «أيّ رجل ركب أمرا بجهالة فلاشيء عليه»، ناظر الى رأيه عليه‌السلام بالنسبة الى لبس القميص مُحرما، فانّه ان كان عالما كان عاصيا و عليه الكفّارة، فاذا ركبه بجهالة لم‌يكن عليه الكفّارة و الاثم أيضا. و أمّا الموثّقة و كذا الصحيحة ان لم‌يتمّ ما قدّمناه فيها، فلأجل أنّ المنفي في ظرف الجهل انّما هو الأثر المترتّب على الفعل و انّه ليس عليه شيء من ناحية فعله الصادر عن جهل، لا ما يترتّب على الترك، و من المعلوم أنّ الأثر المترتّب على الفعل أعني الافطار انّما هو الكفّارة فقط فهي المنفي، و أمّا القضاء فليس هو من آثار الفعل و انّما هو من آثار ترك الصوم و عدم الاتيان به في ظرفه على وجهه فهو أثر للعدم لا للوجود.

فبعد التنظير و التوضيح حول حديث الرفع قال: «و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ المفطريّة و المبطليّة ثابتة لنفس هذا الفعل، فالأكل مثلاً عن جهل هو المبطل حقيقة، ولكن القضاء غير مترتّب عليه و انّما هو مترتّب على لازمه و هو عدم الاتيان بالمأمور به، و المرفوع في الروايتين انّما هو الأثر المترتّب على الفعل لا الترك، و القضاء من آثار الترك لا الفعل كما عرفت بما لامزيد عليه. انتهى ملخّصا».(1)

ففيه أوّلاً: أنّ المطلقات قد قيّدت بالكفّارة أيضا بالروايات الواردة في الكفّارات. و حينئذ روايتا أبي بصير و عبدالصمد تقيّدان المطلقات بمن كان عالما.


1) - مستند العروة الوثقى 9 الجزء الأوّل من كتاب الصوم: 252 - 257.

ثانيا: تقييد الحكم بالعلم و ان كان بعيدا عن الأذهان العرفيّة الاّ أنّه اذا ورد عن الشارع ذلك يرفع بعده و هذا كالناسي. مضافا الى أنّه لو كان بعيدا كمال البعد لم‌يكن هناك مورد للسؤال.

ثالثا: لو قلنا بأنّ المنفي في ظرف الجهل في الموثّقة و كذا الصحيحة انّما هو الأثر المترتّب على الفعل و انّه ليس عليه شيء من ناحية فعله الصادر عن الجهل و هو الكفّارة فقط، للزم أن‌نقول ذلك في ظرف النسيان، فانّ لسان الروايات المعتبرة في النسيان كلسان هاتين الروايتين ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلامفي المحرم يأتي أهله ناسيا، قال:

«لاشيء عليه انّما هو بمنزلة من أكل في شهر رمضان و هو ناسٍ».(1)

فالحقّ أنّ المراد من موثّقة زرارة و أبي بصير، الجاهل القاصر لأنّ الراوي قال: «و هو لايرى الاّ أنّ ذلك حلال له»؛ فبهذه الرواية تقيّد المطلقات فتختصّ القضاء و الكفّارة بالعالم و الجاهل المقصّر، و أمّا الصحيحة فلاتأبى الحمل على الجاهل القاصر.

ثمّ اعلم أنّ الموثّقة و ان وردت في الجماع الاّ أنّه لاخصوصيّة في ذلك لأنّ الظاهر أنّ حكمه عليه‌السلام بأن «لاشيء عليه» وارد بعنوان جهله. نعم الجهل بمفطريّة الأكل و الشرب يساوي الجهل بأصل الصوم فانّه يوجب القضاء دون الكفّارة.

الفرع الثالث : في حكم الافطار بالاكراه

الافطار بالاكراه على قسمين:

الأوّل: الاكراه الذي يسلب عنه الاختيار كما لو أوجر في حلقه من غير مباشرة


1) - وسائل الشيعة 7: 33 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

منه، فهذا لايبطل صومه لأنّ الواجب في الصوم الاجتناب عن المفطر، فهو اجتنب عن المفطر، ضرورة أنّ الصادر بغير قصد و ارادة غير منافٍ لصدق الاجتناب.

الثاني: الاكراه الذي لايسلب عنه الاختيار، كما لو أوعده بالضرب أو الهتك أو أخذ المال لو لم‌يأكل مثلاً، فأفطر صومه دفعا لضرره، فحينئذ يبطل صومه لأنّه أكل باختياره و أفطر عن قصد فتشمله اطلاقات الأدلّة.

نعم لايكون عليه اثم و لاكفّارة لأنّ الكفّارة عقوبة أو من آثار العقوبة فرفعت بحديث الرفع، و أمّا القضاء فمن آثار عدم الاجتناب عن المفطر. نعم لو كان هناك دليل خاصّ على عدم القضاء أيضا كما في الجاهل القاصر أو الناسي فيتّبع، ولكن الدليل مفقود في المقام.

(مسألة 1): اذا أكل ناسيا فظنّ فساد صومه فأفطر عامدا بطل صومه، و كذا لو أكل بتخيّل أنّ صومه مندوب يجوز ابطاله فذكر أنّه واجب.

الشرح:

اذا أكل ناسيا فظنّ فساد صومه فأفطر عامدا فهل هذا كمن يجهل بالمفطريّة؟

الظاهر أنّ من يعلم بالمفطريّة و يجهل صحّة صومه، لايلحق بمن علم بصومه و جهل المفطريّة؛ لعدم الدليل. و ذلك لأنّ الموثّقة واردة فيمن أتى أهله في شهر رمضان أو أتى أهله و هو محرم و هو لايرى الاّ أنّ ذلك حلال له، فقال عليه‌السلام: «ليس عليه شيء». فموضوع حكم الامام عليه‌السلام بأنّه «ليس عليه شيء»، «من لايرى الاّ أنّ ذلك حلال له» أي الجاهل بكونه مبطلاً للصوم، فأين هذا و من يرى أنّ ذلك مبطل للصوم.

قال في المستمسك: «مورد موثّق أبي بصير و زرارة المتقدّم خصوص الجهل بالمفطريّة مع العلم بالصوم و المقام عكس ذلك، فالتعدّي اليه يحتاج الى دليل مفقود الاّ أن‌يثبت عدم الفصل. لكنّه ممنوع، كما يظهر من المحقّق حيث تردّد في

حكم الجاهل، و جزم في المقام بالافطار و القضاء. انتهى».(1)

نعم لو كان قاصرا ترفع عنه الكفّارة لحديث الرفع ولكن القضاء ثابت. و كذا لو أكل بتخيّل أنّ صومه مندوب يجوز ابطاله فذكر أنّه واجب، فعليه القضاء دون الكفّارة.

(مسألة 2): اذا أفطر تقيّة من ظالم بطل صومه.

الشرح:

اذا اقتضت التقيّة تناول المفطر كالارتماس في الماء، أو الافطار لدى سقوط القرص و قبل ذهاب الحمرة بناءًا على أنّ وقت المغرب ذهاب الحمرة و غير ذلك ممّا هو محلّ الخلاف بيننا و بين العامّة و قد ارتكب على طبق مذهبهم تقيّة فهل‌يبطل الصوم بذلك كما هو الحال في الاكراه على ما تقدّم حيث عرفت أنّه رافع للحرمة التكليفيّة و الكفّارة، و أمّا القضاء فلايسقط لعدم الدليل على الاجزاء، أو انّ للتقيّة خصوصيّة لأجلها يحكم بصحّة العمل أيضا و عدم وجوب القضاء؟

قلت: انّ الروايات الواردة في التقيّة كثيرة جدّا و هي على قسمين:

أحدهما: و هو الأكثر ما تدلّ على وجوب التقيّة تكليفا، كصحيحة معمّر بن خلاّد قال:

«سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن القيام للولاة، فقال: قال ابوجعفر عليه‌السلام: التقيّة من ديني و دين آبائي، و لاايمان لمن لاتقيّة له».(2)

و صحيحة محمّد بن مروان عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«كان أبي عليه‌السلام يقول: و أيّ شيء أقرّ لعيني من التقيّة، انّ التقيّة جنّة


1) - مستمسك العروة الوثقى 8 : 320.

2) - وسائل الشيعة 11: 460 / الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف / الحديث الثالث.

المؤمن».(1)

و صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول: التقيّة ترس المؤمن، و التقيّة حرز المؤمن، و لاايمان لمن لاتقيّة له. الحديث».(2)

و الظاهر من هذه الروايات و نظائرها هو الوجوب التكليفي في الجملة فانّها غير ناظرة الى الاجزاء.

ثانيهما: الروايات الواردة في الحثّ على اقامة الصلاة معهم، أو السجدة على ما لايصحّ السجود عليه، ففي صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه قال:

«من صلّى معهم في الصفّ الأوّل كان كمن صلّى خلف رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في الصفّ الأوّل».(3)

و نظائرها في الأبواب المختلفة للجماعة و سائر أبواب الصلاة. فالمخرج من تلك الروايات هو عدم وجوب اعادة الصلاة ان لم‌تكن هناك مندوحة و الاّ تجب الاعادة.

و أمّا في الصوم، فقد وردت روايات في جواز الافطار و وجوب القضاء للتقيّة و الخوف من القتل و نحوهما كصحيحة عيسى بن أبي منصور أنّه قال:

«كنت عند أبي عبداللّه عليه‌السلام في اليوم الذي يشكّ فيه، فقال: يا غلام اذهب فانظر أصام السلطان أم لا، فذهب ثمّ عاد فقال: لا، فدعا بالغداء فتغدّينا معه».(4)

و مرسلة رفاعة عن رجل عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 11: 460 / الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 11: 460 / الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف / الحديث السادس.

3) - وسائل الشيعة 5: 381 / الباب الخامس من أبواب صلاة الجماعة / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 7: 94 / الباب 57 من أبواب‌ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

«دخلت على أبي العبّاس بالحيرة فقال: يا أبا عبداللّه ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: ذاك الى الامام ان صمت صمنا و ان أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام عليّ بالمائدة فأكلت معه و أنا أعلم و اللّه أنّه يوم من شهر رمضان، فكان افطاري يوما و قضاؤه أيسر عليّ أن‌يضرب عنقي و لايعبد اللّه».(1)

فلايظهر من الصحيحة اجزاء الصوم و لا تقيّد المطلقات الآمرة بأنّ من أفطر في شهر رمضان فعليه القضاء، نعم حديث الرفع يرفع العقاب و الكفّارة لأنّ الافطار للخوف من الظالم اضطرار فهو مرفوع بحديث الرفع. و قد يقال باستفادة الاجزاء بصورة عامّة من بعض نصوص التقيّة و عمدتها روايتان:

الأولى صحيحة زرارة قال:

«قلت له: في مسح الخفّين تقيّة؟ فقال: ثلاثة لاأتّقي فيهنّ أحدا: شرب المسكر و مسح الخفّين و متعة الحجّ. قال زرارة: و لم‌يقل الواجب عليكم أن لاتتّقوا فيهنّ أحدا».(2)

و يؤيّدها خبر أبي (ابن خ) عمر الأعجمي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في حديث أنّه

قال:

«لادين لمن لاتقيّة له، و التقيّة في كل شيء الاّ في النبيذ و المسح على الخفّين».(3)

فقيل بأنّه يستفاد من الاستثناء أنّ الحكم عامّ للوضع و التكليف بقرينة أنّ المسح على الخفّين ليس في نفسه من أحد المحرّمات و أنّ المسح على الخفّين لايجزى و شرب المسكر و النبيذ لايجوز، فالصحيحة تدلّ على الاجزاء في سائر


1) - وسائل الشيعة 7: 95 / الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

2) - وسائل الشيعة 11: 469 / الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف / الحديث الخامس.

3) - وسائل الشيعة 11: 468 / الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف / الحديث الثالث.

موارد التقيّة، كما تدلّ على الجواز، بمعنى أنّ المستثنى منه أعمّ من الحكم التكليفي و الوضعي باعتبار استثناء المسح.

ولكن فيه: انّ الظاهر من الصحيحة و خبر الأعجمي و ما ورد من نظائرهما في الباب السادس و الثلاثين من أبواب الوضوء أنّه لاتجزي التقيّة في النبيذ و المسح على الخفّين و متعة الحجّ، فلاتدلّ هذه الروايات على الاجزاء فلاتعرض فيها الاّ لبيان موارد وجوب التقيّة و انّه غير هذه الثلاثة. و من الواضح أنّ الوجوب في غير الثلاثة و عدمه فيها لايستدعي ارادة الأعمّ من الحكم الوضعي و رفع اليد عن الظهور في الاختصاص بالحكم التكليفي.

الثانية صحيحة أبي الصباح قال:

«و اللّه لقد قال لي جعفر بن محمّد عليه‌السلام: انّ اللّه علّم نبيّه التنزيل و التأويل فعلّمه رسول‌اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عليّا. قال: و علّمنا و اللّه، ثمّ قال: ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقيّة فأنتم منه في سعة».(1)

فقيل: يستظهر من عمومها أنّ كلّ عمل يؤتى به في حال التقيّة، فالمكلّف في سعة من ناحيته، و لايلحقه شيء، و لايترتّب عليه أثر و منه القضاء في المقام و هذا معنى الصحّة و الاجزاء. ولكن فيه: انّ المراد من قوله عليه‌السلام: «فأنتم منه في سعة»، يعني اذا حلفتم كاذبا لابأس به و ليس عليكم عقاب، كما في خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليه‌السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: احلف كاذبا و نجّ أخاك من القتل».(2)

و كذا موثّقة زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر عليه‌السلام: نمرّ بالمال على العشّار فيطلبون منّا أن‌نحلف


1) - وسائل الشيعة 16: 134 / الباب 12 من أبواب الايمان / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 16: 134 / الباب 12 من أبواب الايمان / الحديث الرابع.

لهم و يخلّون سبيلنا و لايرضون منّا الاّ بذلك. قال: فاحلف لهم فهو أحلّ (أحلى خ‌ل) من التمر و الزبد».(1)

و بذلك يرفع ما كان من آثار الحلف من الكفّارة، كما في مرسلة الصدوق قال:

«و قال الصادق عليه‌السلام: اليمين على وجهين - الى أن‌قال: - فأمّا الذي يؤجر عليها الرجل اذا حلف كاذبا و لم‌تلزمه الكفّارة فهو أن‌يحلف الرجل في خلاص امرء مسلم أو خلاص ماله من متعدّ يتعدّى عليه من لصّ أو غيره. الحديث».(2)

فتحصّل أنّه لم‌يكن هناك دليل على اجزاء الصوم و صحّته اذا أفطر تقيّة و خوفا من ظالم.

(مسألة 3): اذا كانت اللقمة في فمه و أراد بلعها لنسيان الصوم فتذكّر وجب اخراجها، و ان بلعها مع امكان القائها بطل صومه بل تجب الكفّارة أيضا، و كذا لو كان مشغولاً بالأكل فتبيّن طلوع الفجر.

(مسألة 4): اذا دخل الذباب أو البَقّ أو الدخان الغليظ أو الغبار في حلقه من غير اختياره لم‌يبطل صومه، و ان أمكن اخراجه وجب و لو وصل الى مخرج الخاء.

قد سبق شرح هاتين المسألتين في الفصل السابق في المسألة الثالثة و السبعين و الخامسة و السبعين، فلانعيد.

(مسألة 5): اذا غلب على الصائم العطش بحيث خاف من الهلاك، يجوز له


1) - وسائل الشيعة 16: 135 / الباب 12 من أبواب الايمان / الحديث السادس.

2) - وسائل الشيعة 16: 135 / الباب 12 من أبواب الايمان / الحديث التاسع.

أن‌يشرب الماء مقتصرا على مقدار الضرورة، ولكن يفسد صومه بذلك و يجب عليه الامساك بقيّة النهار اذا كان في شهر رمضان، و أمّا في غيره من الواجب الموسّع و المعيّن فلايجب عليه الامساك و ان كان أحوط في الواجب المعيّن.

الشرح:

اذا غلب على الصائم العطش بحيث خاف من الهلاك يجوز بل يجب له أن‌يشرب الماء، لأدلّة وجوب حفظ النفس من الهلاك، و لو كان الصوم و ترك الشرب حرجا عليه أو خاف ضررا على نفسه يجوز له أن‌يشرب الماء، لأدلّة نفي الحرج و الضرر. و خصوص موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في الرجل يصيبه العُطاش حتّى يخاف على نفسه، قال:

«يشرب بقدر ما يمسك رمقه و لايشرب حتّى يروي».(1)

و خبر الفضل بن عمر قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: انّ لنا فتيات و شبّانا (فتيانا و بنات) لايقدرون على الصيام من شدّة ما يصيبهم من العطش، قال: فليشربوا بقدر ما تروي به نفوسهم و ما يحذرون».(2)

و الظاهر أنّ كلمة «العُطاش» الذي بمعنى من به داء العطش سهو، و الصحيح ما في التهذيب و الفقيه فانّهما رويا عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في الرجل يصيبه العطش حتّى يخاف على نفسه قال:

«يشرب بقدر ما يمسك رمقه و لايشرب حتّى يروي».(3)

و ذلك لأنّ «العُطاش» أي من به داء العطش مريض و قد نطق القرآن بأنّه يصوم عدّة من أيّام أخر. و وردت روايات بسقوط الصوم عنه كصحيحة محمّد


1) - وسائل الشيعة 7: 152 / الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 153 / الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.

3) - تهذيب الأحكام 4: 210 رقم 701/9 - من لايحضره الفقيه 2: 133 (رقم 1948).

بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول: الشيخ الكبير و الذي به العُطاش لاحرج عليهما أن‌يفطرا في شهر رمضان، و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام، و لاقضاء عليهما، و ان لم‌يقدرا فلاشيء عليهما».(1)

و صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين»(2)قال:

«الشيخ الكبير و الذي يأخذه العُطاش، و عن قوله عزّوجلّ: «فمن لم‌يستطع فاطعام ستّين مسكينا»(3)قال: من مرض أو عطاش».(4)

ثمّ اعلم أنّه بعدما علم أنّ هيهنا موضوعين: أحدهما «ذو العُطاش» و هو من به داء العطش، ثانيهما من يصيبه العطش حتّى يخاف على نفسه، و بعدما علم أيضا أنّ حكم ذيالعطاش الافطار و التصدّق عن كلّ يوم بمدّ من الطعام و لاقضاء عليه مادام مريضا، فحينئذ نقول: انّ الظاهر من موثّقة عمّار المتقدّمة من قوله عليه‌السلام: «يشرب بقدر ما يمسك رمقه و لايشرب حتّى يروي»، أوّلاً وجوب الامساك بقيّة النهار. و ثانيا وجوب الشرب. و ثالثا وجوب الحدّ المعيّن من الشرب و هو ما يمسك به رمقه و لايشرب حتّى يروي. و رابعا عدم وجوب القضاء. فظهور الموثّقة في الثلاثة الأوائل واضح و أمّا الرابعة أي عدم وجوب القضاء فلأنّه لو كان صومه باطلاً لما حكم به عليه‌السلام أن «لايشرب حتّى يروي» الظاهر منه حرمة شرب ما زاد عن سدّ الرمق، و لما حكم بالامساك بقيّة النهار الظاهر من قوله المذكور آنفا


1) - وسائل الشيعة 7: 149 / الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.

2) - البقرة 2: 184.

3) - المجادلة 58: 4.

4) - وسائل الشيعة 7: 150 / الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثالث.

«لايشرب حتّى يروي» أو قوله عليه‌السلام: «يشرب بقدر ما يمسك رمقه». و لو قلنا بأنّ الامساك بقيّة النهار للتأدّب ففيه أوّلاً في وجوب الامساك للتأدّب مطلقا حتّى في غير المورد تأمّل، و فيما نحن فيه يدلّ على ابقاء الصوم. و ثانيا لو سلّمنا وجوب الامساك تأدّبا فما معنى «يشرب بقدر ما يمسك رمقه»؟! فانّ هذا التعبير يدلّ على حفظ الصوم و ابقائه.

و ما قيل من أنّ الظاهر وجوب القضاء لعموم أدلّة المفطريّة بعد فرض صدور الافطار عن العمد و الاختيار و ان كان مضطرّا اليه، ففيه: انّ الموثّقة تخصّص أدلّة المفطريّة. نعم لايتجاوز هذا الحكم الى سائر موارد الاضطرار، فمن اضطرّ الى الارتماس أو الجماع أو الأكل فيفطر صومه و ان لم‌يرتكب حراما للاضطرار، و ذلك لسلامة أدلّة المفطرات عن التخصيص، و أمّا وجوب الامساك بقيّة النهار، أو التحديد بقدر ما ترفع به الضرورة. فالظاهر عدم الوجوب لعدم الدليل و سيأتي البحث عن ذلك.

بقي شيء و هو هل الاضطرار الى شرب الماء أو الأكل اذا كان سببه العمل كالخبّاز الذي يعطش لقربه من النار، و عمّال البناء الذين يجوعون جوعا شديدا، مثل الاضطرار الى شرب الماء لمن يصيبه العطش حتّى يخاف على نفسه؟

الظاهر لايكون مثل ذلك. توضيحه أنّ الخبّاز و البنّاء ان تمكّنا من الاقتراض لمؤونتهما و مؤونة عيالهما و الأداء بغير مشقّة أو تغيير شغلهما كذلك وجب عليهما، و أمّا ان لم‌يتمكّنا أو كان ذامشقّة لهما، فيجب عليهما الصوم فاذا اضطرّا الى الشرب أو الأكل فليشربا وليأكلا ثمّ ليقضيا بعد الشهر.

فرع : في حكم سائر أقسام الصوم اذا أصابه العطش

هل يختصّ ما ذكر من الحكم لمن يصيبه العطش حتّى يخاف على نفسه

بشهر رمضان أو يلحق به غيره من الصوم الواجب الموسّع و المعيّن؟

الظاهر عدم الالحاق، و ذلك لأنّ ظاهر الدليل وارد مورد شهر رمضان فلو أنكر ظهور الموثّقة أو انصرافها اليه فعلى الأقلّ من الاجمال فالقدر المتيقّن من تقييد أدلّة المفطرات هو الصائم المصاب بالعطش في شهر رمضان، و أمّا غيره من الصيام سواء كان واجبا معيّنا أم موسّعا فأدلّة المفطرات حاكمة فيها، فيشرب و يفطر صومه ثمّ يقضي يوما آخر و لااثم و لاكفّارة عليه لمكان الاضطرار.

و بهذا يظهر حكم من اضطرّ لارتكاب سائر المفطرات من الأكل و الارتماس و الجماع و الحقنة في غير شهر رمضان، فانّه ليس عليه الاثم و الكفّارة في افطاره للاضطرار.

(مسألة 6): لايجوز للصائم أن‌يذهب الى المكان الذي يعلم اضطراره فيه الى الافطار باكراه أو ايجار في حلقه أو نحو ذلك، و يبطل صومه لو ذهب و صار مضطرّا و لو كان بنحو الايجار، بل لايبعد بطلانه بمجرّد القصد الى ذلك فانّه كالقصد للافطار.

الشرح:

لايجوز للصائم أن‌يذهب الى المكان الذي يعلم اضطراره فيه الى الافطار و ذلك لوجوب اجتناب الصائم عن المفطرات فاذا علم بأنّه لو ذهب الى ذلك المكان لاضطرّ الى الافطار و لم‌يعتن بعلمه و ذهب و اضطرّ الى الافطار مضافا الى أنّه يكون آثما لعصيانه يجب عليه القضاء و الكفّارة و ذلك لصدق عدم الاجتناب عن المفطرات فحرمة الذهاب عقلي أي ليس عليها ثمرة غير ما قلنا و عليه لو ذهب و لم‌يضطرّ الى الافطار لم‌يكن آثما. نعم لو قلنا بأنّ قصد الافطار مفطر فاذا ذهب و لم‌يضطرّ يجب عليه الامساك و القضاء، الاّ أنّه لم‌نقل به كما سبق في أوائل بحث الصوم. و لافرق في الاضطرار الى الافطار بأن يكون الاضطرار باكراه أو

بايجار في حلقه، أو نحو ذلك، لاتّحاد المناط و هو صدق عدم الاجتناب في الصورتين.

(مسألة 7): اذا نسي فجامع لم‌يبطل صومه، و ان تذكّر في الأثناء وجب المبادرة الى الاخراج و الاّ وجب عليه القضاء و الكفّارة.

الشرح:

اذا نسي فجامع لم‌يبطل صومه، لما مرّ من دلالة الروايات المعتبرة عليه، و ان تذكّر في الأثناء وجبت المبادرة الى الاخراج، و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول: لايضرّ الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء».(1)

فمن تذكّر في الأثناء و لم‌يبادر الى الاخراج صدق عليه أنّه لم‌يجتنب، فحينئذ يجب عليه القضاء و الكفّارة.


1) - وسائل الشيعة 7: 18 / الباب الأوّل من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

فصل : في أمور لابأس بها للصائم

لابأس للصائم بمصّ الخاتم أو الحصى و لا بمضغ الطعام للصبي و لا بزقّ الطائر و لا بذوق المرق و نحو ذلك ممّا لايتعدّى الى الحلق، و لايبطل صومه اذا اتّفق التعدّي اذا كان من غير قصد و لاعلم بأنّه يتعدّى قهرا أو نسيانا، أمّا مع العلم بذلك من الأوّل فيدخل في الافطار العمدي، و كذا لابأس بمضغ العِلْك و لا ببلع ريقه بعده و ان وجد له طعما فيه ما لم‌يكن ذلك بتفتّت أجزاء منه بل كان لأجل المجاورة. و كذا لابأس بجلوسه في الماء ما لم‌يرتمس رجلاً كان أو امرأة و ان كان يكره لها ذلك، و لا ببلّ الثوب و وضعه على الجسد، و لا بالسواك باليابس بل بالرطب أيضا لكن اذا أخرج المسواك من فمه لايردّه و عليه رطوبة و الاّ كانت كالرطوبة الخارجيّة لايجوز بلعها الاّ بعد الاستهلاك في الريق، و كذا لابأس بمصّ لسان الصبي أو الزوجة اذا لم‌يكن عليه رطوبة و لا بتقبيلها أو ضمّها أو نحو ذلك.

الشرح:

لابأس للصائم بمصّ الخاتم أو الحصى و لا بمضغ الطعام للصبي و لا بزقّ الطائر و لا بذوق المرق و نحو ذلك ممّا لايتعدّى الى الحلق و لا بمضغ العِلْك، و

لا ببلع ريقه، و كذا لابأس بجلوسه في الماء، و لا ببلّ الثوب و وضعه على الجسد، و لابأس بالسواك باليابس و لا بتقبيل الصبيّة و غيرها ممّن لايقصد به الامناء، و الدليل على عدم بأس ذلك كلّه مضافا الى حصر المفطرات في الأربعة في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة في أوّل بحث موجبات الافطار و كذا سائر المفطرات الملحقة بالأربعة المذكورة كالكذب على اللّه و رسوله و الأئمّة عليهم‌السلام و البقاء على الجنابة متعمّدا الى طلوع الفجر و ايصال الغبار الغليظ الى الحلق و تعمّد القيء و الحقنة الواردة في الروايات المعتبرة المتقدّم ذكرها، ورود روايات بالخصوص عليها فنذكر تلك الموارد و دلائلها.

منها: مصّ الخاتم، ففي صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«في الرجل يعطش في شهر رمضان، قال: لابأس بأن يمصّ الخاتم».(1)

و صحيحة يونس بن يعقوب قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول: الخاتم في فم الصائم ليس به بأس فأمّا النواة فلا».(2)

و صحيحة منصور بن حازم أنّه قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الرجل يجعل النواة في فيه و هو صائم؟ قال: لا، قلت: فيجعل الخاتم؟ قال: نعم».(3)

و يلحق بمصّ الخاتم مصّ الحصى و نحوه لاتّحاد المناط و القطع بعدم الخصوصيّة في الخاتم مضافا الى ما ذكر من حصر أدلّة المفطرات. و أمّا نهيه عليه‌السلام عن مصّ النواة فلأنّ في النواة بعض المأكول، و معنى النهي عنه، النهي عن بلع


1) - وسائل الشيعة 7: 77 / الباب 40 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة :77 / الباب 40 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 77 / الباب 40 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

المأكول، و عليه لو كانت بحيث يطمئنّ بخلوّها عن المأكول فلا بأس قطعا لما مرّ من حصر أدلّة المفطرات.

و منها: ذوق الطعام و المرق، فيجوز ذلك لصحيحة الحلبي:

«أنّه سئل عن المرأة الصائمة تطبخ القدر فتذوق المرق تنظر اليه، فقال: لابأس به. الحديث»(1)

و صحيحة حمّاد بن عثمان قال:

«سأل ابن أبي يعفور أبا عبداللّه عليه‌السلام و أنا أسمع عن الصائم يصبّ الدواء في أذنه؟ قال: نعم و يذوق المرق و يزقّ الفرخ».(2)

و موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال:

«لابأس بأن يذوق الرجل الصائم القدر».(3)

و خبر الحسين بن زياد عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«لابأس للطبّاخ و الطبّاخة أن‌يذوق المرق و هو صائم».(4)

و لاتعارضها صحيحة سعيد الأعرج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الصائم أيذوق الشيء و لايبلعه؟ قال: لا».(5)

لأنّها تحمل على الكراهة جمعا بينها و بين غيرها ممّا تقدّم. و الشاهد عليه خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه‌السلام قال:

«سألته عن الصائم يذوق الشراب و الطعام يجد طعمه في حلقه، قال: لايفعل، قلت: فان فعل فما عليه؟ قال: لاشيء عليه و


1) - وسائل الشيعة 7: 74 / الباب 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 75 / الباب 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

3) - وسائل الشيعة 7: 75 / الباب 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

4) - وسائل الشيعة 7: 75 / الباب 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

5) - وسائل الشيعة 7: 74 / الباب 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم/ الحديث الثاني.

لايعود».(1)

و منها: مضغ الصائم الطعام للصبي و زقّ الطير أو الفرخ من غير ابتلاع لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام (في حديث):

«أنّه سئل عن المرأة يكون لها الصبي و هي صائمة فتمضغ له الخبز و تطعمه قال: لابأس به، و الطير ان كان لها».(2)

و خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«انّ فاطمة صلوات اللّه عليها كانت تمضغ للحسن ثمّ للحسين عليهماالسلامو هي صائمة في شهر رمضان».(3)

ثمّ اعلم أنّ جواز ذوق الطعام و المرق و مضغ الطعام للصبي و زقّ الطير أو الفرخ للصائم مشروط بعدم التعدّي الى الحلق فلو تعدّى اليه متعمّدا أو قهرا مع علمه بذلك ابتداءًا فصومه باطل لصدق الأكل، نعم لو لم‌يعلم فتعدّى قهرا لم‌يبطل صومه.

و منها: مضغ العِلك، فانّه يجوز على الكراهيّة جمعا بين خبر أبي بصير و غيره، ففي خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن الصائم يمضغ العِلك؟ قال: نعم ان شاء».(4)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قال أبو جعفر عليه‌السلام: يا محمّد ايّاك أن‌تمضغ علكا، فانّي مضغت اليوم علكا و أنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئا».(5)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 7: 75 / الباب 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم/ الحديث الخامس.

2) - وسائل الشيعة 7: 76 / الباب 38 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 76 / الباب 38 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

4) - وسائل الشيعة 7: 74 / الباب 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

5) - وسائل الشيعة 7: 73 / الباب 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

«قلت: الصائم يمضغ العلك؟ قال: لا».(1)

مضافا الى أنّ صحيحة محمّد بن مسلم تدلّ على الجواز بتقريب أنّ الامام عليه‌السلام اعترف بأنّه مضغ علكا و لم‌يرتكب حراما قطعا فنهيه عليه‌السلام عن مضغه يكون تنزيهيّا بلا اشكال.

و منها: الجلوس في الماء، أمّا بالنسبة الى الرجل فلا خلاف و لااشكال فيه كما نطقت به النصوص المعتبرة كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال:

«الصائم يستنقع في الماء و يصبّ على رأسه و يتبرّد بالثوب و ينضح بالمروحة و ينضح البوريا تحته و لايغمس رأسه في الماء».(2)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«الصائم يستنقع في الماء و لايرمس رأسه».(3)

و أمّا المراة فالمشهور عدم البأس بذلك ولكن نسب الى أبي الصلاح وجوب القضاء و عن ابن البرّاج وجوب الكفّارة. و الأقوى ما عليه المشهور و يدلّ عليه:

أوّلاً: حصر المفطرات في صحيحة محمّد بن مسلم في الأربعة (الأكل و الشرب، و النساء، و الارتماس) و ما ألحق بالأربعة من المفطرات التي قد صُرّحت في الروايات بأنّ ارتكابها ينقض الصوم و يجب القضاء و الكفّارة.

ثانيا: ضعف ما استند به أبو الصلاح و ابن البرّاج و هو موثّقة حنّان بن سدير أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلامعن الصائم يستنقع في الماء قال:

«لابأس ولكن لاينغمس، و المرأة لاتستنقع في الماء لأنّها تحمل


1) - وسائل الشيعة :74 / الباب 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 22 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 24 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السابع.

الماء بقبلها».(1)

و ذلك لأنّ حمل الماء بالقبل ليس من المفطرات لعدم صدق الحقنة و كذا الشرب، و لايكون النهي تحريميّا لعدم كونه تعبّدا بل يكون تنزيهيّا، و يؤيّده ذهاب المشهور بل جلّ الفقهاء الاّ أبو الصلاح و ابن البرّاج، الى جواز ذلك.

و منها: بلّ الثوب و وضعه على الجسد فانّه لابأس به و الدليل على ذلك - مضافا الى ما مرّ - صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال:

«الصائم يستنقع في الماء، و يصبّ على رأسه و يتبرّد بالثوب، و ينضح بالمروحة، و ينضح البوريا تحته، و لايغمس رأسه في الماء».(2)

و لاتعارضها الروايات الواردة في النهي عن بلّ الثوب و وضعه على الجسد لأنّها تحمل على الكراهة جمعا بينها و بين صحيحة محمّد بن مسلم المذكورة آنفا، مع أنّ الروايات ضعيف السند، فمنها: خبر عبداللّه بن سنان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول: لاتلزق ثوبك الى جسدك و هو رطب و أنت صائم حتّى تعصره».(3)

و منها: خبر الحسن الصيقل قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الصائم يرتمس في الماء؟ قال: لا و لا المحرِم، قال: و سألته عن الصائم أيلبس الثوب المبلول؟ قال: لا».(4)

و منها: خبر الحسن الصيقل الثاني عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول؟ قال: لا و لايشمّ


1) - وسائل الشيعة 7: 23 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

2) - وسائل الشيعة 7: 22 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 23 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

4) - وسائل الشيعة 7: 23 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

الريحان».(1)

و منها: خبر الحسن بن راشد قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام - الى أن‌قال: - قلت: فيبلّ ثوبا على جسده؟ قال: لا. الحديث».(2)

و من جملة ما ليس به بأس للصائم أن‌يستاك باليابس فيدلّ عليه مضافا الى ما مرّ و الى الأصل، صحيحة ابن سنان يعني عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«يستاك الصائم أيّ ساعة من النهار أحبّ».(3)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«الصائم يستاك أيّ النهار شاء».(4)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الصائم أيّ ساعة يستاك من النهار؟ قال: متى شاء».(5)

و أمّا السواك بعود رطب فمكروه للجمع بين صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام أيستاك الصائم بالماء و بالعود الرطب يجد طعمه؟ فقال: لابأس به».(6)

و بين صحيحة ثانية للحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن الصائم يستاك، قال: لابأس به، و قال لايستاك بسواك


1) - وسائل الشيعة 7: 24 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث العاشر.

2) - وسائل الشيعة 7: 23 / الباب الثالث من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

3) - وسائل الشيعة 7: 57 / الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 7: 57 / الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

5) - وسائل الشيعة 7: 58 / الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

6) - وسائل الشيعة 7: 58 / الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

رطب».(1)

و الشاهد على هذا الجمع صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه كرّه للصائم أن‌يستاك بسواك رطب، و قال:

«لايضرّ أن‌يبلّ سواكه بالماء ثمّ ينفضه حتّى لايبقى فيه شيء».(2)

و من جملتها جواز القُبلة و مسّ المرأة لصحيحة جميل و زرارة و أبي بصير جميعا عن أبي جعفر عليه‌السلام قال:

«لاتنقض القُبلة الصوم».(3)

و موثّقة سماعة بن مهران قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن القبلة في شهر رمضان للصائم أتفطر؟ قال: لا».(4)

و يكره ذلك اذا كان شابّا لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه سئل عن رجل يمسّ من المرأة شيئا أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال:

«انّ ذلك ليكره للرجل الشابّ مخافة أن‌يسبقه المني».(5)

و صحيحة منصور بن حازم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: ما تقول في الصائم يقبّل الجارية و المرأة؟ فقال: أمّا الشيخ الكبير مثلي و مثلك فلا بأس، و أمّا الشابّ الشبق فلا، لأنّه لايؤمن، و القُبلة احدى الشهوتين، قلت: فما ترى في مثلييكون له الجارية فيلاعبها فقال لي: انّك لشبق يا أبا حازم.


1) - وسائل الشيعة 7: 59 / الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث العاشر.

2) - وسائل الشيعة 7: 59 / الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 7: 70 / الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 12.

4) - وسائل الشيعة 7: 70 / الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 14.

5) - وسائل الشيعة 7: 68 / الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

الحديث».(1)

و من جملتها: مصّ الصائم لسان امرأته أو ابنته و بالعكس لصحيحة أبي ولاّد الحنّاط قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: انّي أقبّل بنتا لي صغيرة و أنا صائم فيدخل في جوفي من ريقها شيء، قال: فقال لي: لابأس، ليس عليك شيء».(2)

و موثّقة أبي بصير قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الصائم يقبّل؟ قال: نعم و يعطيها لسانه تمصّه».(3)

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه‌السلام قال:

«سألته عن الرجل الصائم أله أن‌يمصّ لسان المرأة أو تفعل المرأة ذلك؟ قال: لابأس».(4)

(مسألة 1): اذا امتزج بريقه دم و استهلك فيه يجوز بلعه على الأقوى، و كذا غير الدم من المحرّمات و المحلّلات، و الظاهر عدم جواز تعمّد المزج و الاستهلاك للبلع سواء كان مثل الدم و نحوه من المحرّمات أو الماء و نحوه من المحلّلات، فما ذكرنا من الجواز انّما هو اذا كان ذلك على وجه الاتّفاق.

الشرح:

اذا كان ذلك صدفةً فلا بأس لعدم صدق الأكل و الشرب و أمّا اذا تعمّد ذلك لايجوز لصدقهما.


1) - وسائل الشيعة 7: 68 / الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

2) - وسائل الشيعة 7: 71 / الباب 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 72 / الباب 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

4) - وسائل الشيعة 7: 72 / الباب 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

فصل : فيما يكره للصائم

يكره للصائم أمور: «أحدها»: مباشرة النساء لمسا و تقبيلاً و ملاعبة خصوصا لمن تتحرّك شهوته بذلك بشرط أن لايقصد الانزال و لا كان من عادته، و الاّ حرّم اذا كان في الصوم الواجب المعيّن. «الثاني»: الاكتحال بما فيه صبر أو مسك أو نحوهما ممّا يصل طعمه أو رائحته الى الحلق، و كذا ذرّ مثل ذلك في العين. «الثالث»: دخول الحمّام اذا خشي منه الضعف. «الرابع»: اخراج الدم المضعف بحجامة أو غيرها، و اذا علم بأدائه الى الاغماء المبطل للصوم حرّم، بل لايبعد كراهة كلّ فعل يورث الضعف أو هيجان المِرّة. «الخامس»: السعوط مع عدم العلم بوصوله الى الحلق و الاّ فلايجوز على الأقوى. «السادس»: شمّ الرياحين خصوصا النرجس و المراد بها كلّ نبت طيب الريح. «السابع»: بلّ الثوب على الجسد. «الثامن»: جلوس المرأة في الماء بل الأحوط لها تركه. «التاسع»: الحُقنة بالجامد. «العاشر»: قلع الضرس، بل مطلق إدماء الفم. «الحاديعشر»: السواك بالعود الرطب. «الثانيعشر»: المضمضة عبثا و كذا ادخال شيء آخر في الفم لا لغرض صحيح. «الثالث‌عشر»: انشاد الشعر و

لايبعد اختصاصه بغير المراثي، أو المشتمل على المطالب الحقّة من دون اغراق أو مدح الأئمّة عليهم‌السلام و ان كان يظهر من بعض الأخبار التعميم. «الرابع‌عشر»: الجدال و المرآء و أذى الخادم، و المسارعة الى الحلف و نحو ذلك من المحرّمات و المكروهات في حال الصوم، فانّه تشتدّ حرمتها أو كراهتها حاله.

الشرح:

يكره للصائم أمور فبعضها مرّت الاشارة اليها مع مدركها في الفصل السابق في «أمور لابأس بها للصائم».

منها: مباشرة النساء خصوصا لمن تتحرّك شهوته بذلك بشرط أن لايقصد الانزال و لايكون من عادته و الاّ حرّم اذا كان في الصوم الواجب المعيّن على ما مرّ تفصيلاً في موضعه.

و أمّا كراهتها مطلقا فيدلّ عليها ما نقل عن الرضا عن آبائه عليهم‌السلام قال:

«قال علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه و آله: ثلاثة لايعرض أحدكم نفسه لهنّ و هو صائم: الحجامة، و الحمّام، و المرأة الحسناء».(1)

و أصبغ بن نباتة قال:

«جاء رجل الى أميرالمؤمنين عليه‌السلام فقال: يا أميرالمؤمنين، أقبّل و أنا صائم؟ فقال له: عف صومك فان بدو القتال اللطام».(2)

و منها: جلوس المرأة في الماء. و منها: السواك بالعود الرطب. و منها: بلّ الثوب على الجسد.


1) - وسائل الشيعة 7: 70 / الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث العاشر.

2) - وسائل الشيعة 7: 70 / الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 15.

فلنذكر سائر الأمور التي يكره للصائم ارتكابها:

منها: الاكتحال بما فيه صبر أو مسك أو نحوهما ممّا يصل طعمه أو رائحته الى الحلق و كذا ذرّ مثل ذلك في العين. فيدلّ على ذلك، الجمع بين الطائفتين من الأخبار، فمن الطائفة الأولى: صحيحة سليم (سليمان) الفرّاء عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام في الصائم يكتحل، قال:

«لابأس به ليس بطعام و لاشراب».(1)

و خبر الحسين بن أبي غندر قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: أكتحل بكحل فيه مسك و أنا صائم؟ فقال: لابأس به».(2)

و صحيحة عبدالحميد بن أبي العلاء عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«لابأس بالكحل للصائم».(3)

و صحيحة عبداللّه بن ميمون عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام (في حديث):

«أنّه كان لايرى بأسا بالكحل للصائم».(4)

و من الطائفة الثانية صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه سئل عن الرجل يكتحل و هو صائم، فقال:

«لا؛ انّي أتخوّف أن‌يدخل رأسه».(5)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام أنّه سئل عن المرأة تكتحل و هي صائمة فقال:


1) - وسائل الشيعة 7: 51 / الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 53 / الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 7: 53 / الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السابع.

4) - وسائل الشيعة 7: 52 / الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم/ الحديث الرابع.

5) - وسائل الشيعة 7: 53 / الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث التاسع.

«اذا لم‌يكن كحلاً تجد له طعما في حلقها فلابأس».(1)

و موثّقة سماعة بن مهران قال:

«سألته عن الكحل للصائم، فقال: اذا كان كحلاً ليس فيه مسك و ليس له طعم في الحلق فلا بأس به».(2)

و خبر الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه:

«أنّ عليّا عليه‌السلام كان لايرى بأسا بالكحل للصائم اذا لم‌يجد طعمه».(3)

و أمّا الاكتحال بالذرور في العين ففي صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال:

«سألته عمّن (الرجل) يصيبه الرمد في شهر رمضان هل يذرّ عينه يذرّها بالنهار و هو صائم؟ قال: يذرّها اذا أفطر و لايذرّها و هو صائم».(4)

و خبر الحسن بن علي قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه‌السلام عن الصائم اذا اشتكى عينه يكتحل بالذرور و ما أشبه أم لايسوغ له ذلك؟ فقال: لايكتحل».(5)

و انّما جمعنا بين هاتين الطائفتين من الأخبار و حملنا أخبار النهي عن الكراهة مع كون النهي ظاهرا في التحريم لما علّل به عليه‌السلام في صحيحة سليم الفرّاء من أنّه ليس بطعام و لا شراب، و يشهد له خبر الحسين بن أبي غندر بعدم البأس و ان كان فيه مسك.

و من تلك الأمور المكروهة دخول الحمّام اذا خشي منه الضعف فتدلّ عليه


1) - وسائل الشيعة 7: 52 / الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

2) - وسائل الشيعة 7: 52 / الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 53 / الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 12.

4) - وسائل الشيعة 7: 52 / الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

5) - وسائل الشيعة 7: 53 / الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثامن.

صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام:

«أنّه سئل عن الرجل يدخل الحمّام و هو صائم، فقال: لابأس ما لم‌يخش ضعفا».(1)

و خبر أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عن الرجل يدخل الحمّام و هو صائم، قال: لابأس».(2)

و منها: اخراج الدم المضعف بحجامة أو غيرها، و ذلك للجمع بين الطائفتين من الأخبار.

فالطائفة الأولى:

صحيحة عبداللّه بن ميمون عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام قال:

«ثلاثة لايفطرن الصائم: القيء، و الاحتلام، و الحجامة، و قد احتجم النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و هو صائم و كان لايرى بأسا بالكحل للصائم».(3)

و موثّقة عمّار الساباطي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الحجّام يحجم و هو صائم، قال: لاينبغي، و عن الصائم يحتجم، قال: لابأس».(4)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«لابأس أن‌يحتجم الصائم في شهر رمضان».(5)

و خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه‌السلام، عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم‌السلام:


1) - وسائل الشيعة 7: 57 / الباب 27 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 57 / الباب 27 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 56 / الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 7: 56 / الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 13.

5) - وسائل الشيعة 7: 55 / الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

«أنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله احتجم و هو صائم مُحرم».(1)

و الطائفة الثانية:

صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن الصائم أيحتجم؟ فقال: انّي أتخوّف عليه، أما يتخوّف (به) على نفسه؟ قلت: ماذا يتخوّف عليه؟ قال: الغشيان (الغشي به) أو (أن) تثور به مرّة، قلت: أرأيت ان قوى على ذلك و لم‌يخش شيئا؟ قال: نعم ان شاء».(2)

و صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال:

«سألت أباعبداللّه عليه‌السلام عن الحجامة للصائم، قال: نعم، اذا لم‌يخف ضعفا».(3)

و مرسلة ابن بابويه قال:

«وكان أميرالمؤمنين عليه‌السلام يكره أن‌يحتجم الصائم خشية أن‌يغشى عليه فيفطر».(4)

و الخبر المروي عن الرضا عن آبائه عليهم‌السلام قال:

«قال علي بن أبي طالب عليه‌السلام: ثلاثة لايعرض أحدكم نفسه لهنّ و هو صائم: الحمّام، و الحجامة و المرأة الحسناء».(5)

و صحيحة سعيد الأعرج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الصائم يحتجم، فقال: لابأس الاّ أن‌يتخوّف


1) - وسائل الشيعة 7: 55 / الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثامن.

2) - وسائل الشيعة 7: 54 / الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 54 / الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

4) - وسائل الشيعة 7: 55 / الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

5) - وسائل الشيعة 7: 55 / الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السابع.

على نفسه الضعف».(1)

و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«لابأس بأن يحتجم الصائم الاّ في شهر رمضان، فانّي أكره أن‌يغرر بنفسه الاّ أن لايخاف على نفسه، و انّا اذا أردنا الحجامة في رمضان احتجمنا ليلاً».(2)

و منها: قلع الضرس و مطلق ادماء الفم، فيدلّ عليه: موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«في الصائم ينزع ضرسه؟ قال: لا و لايدمي فاه و لايستاك بعود رطب».(3)

و منها: السعوط، فيدلّ عليه خبر ليث المرادي قال:

«سألت أباعبداللّه عليه‌السلام عن الصائم يحتجم و يصبّ في أذنه الدهن، قال: لابأس الاّ السعوط فانّه يكره».(4)

و خبر غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم‌السلام «أنّه كره السعوط للصائم».(5)

و رواية ثانية لغياث بن ابراهيم عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي عليهم‌السلام قال:

«لابأس بالكحل للصائم، و كره السعوط للصائم».(6)

و منها: شمّ الرياحين و منها النرجس، و ذلك للجمع بين الطائفتين من الروايات.


1) - وسائل الشيعة 7: 56 / الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث العاشر.

2) - وسائل الشيعة 7: 56 / الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 12.

3) - وسائل الشيعة 7: 54 / الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

4) - وسائل الشيعة 7: 27 / الباب السابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

5) - وسائل الشيعة 7: 28 / الباب السابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

6) - وسائل الشيعة 7: 28 / الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

فمن الطائفة الأولى:

صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الصائم يشمّ الريحان و الطيب، قال: لابأس به».(1)

و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أباالحسن عليه‌السلام عن الصائم يشمّ الريحان أم لاترى ذلك له؟ فقال: لابأس به».(2)

و خبر سعد بن سعد قال:

«كتب رجل الى أبي الحسن عليه‌السلام هل يشمّ الصائم الريحان و يتلذّذ به؟ فقال عليه‌السلام: لابأس به».(3)

و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«الصائم يدهن بالطيب و يشمّ الريحان».(4)

و من الطائفة الثانية:

صحيحة الحسن بن راشد قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: الصائم يشمّ الريحان قال: لا، لأنّه لذّة و يكره له أن‌يتلذّذ».(5)

و خبر الحسن بن راشد عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 7: 64 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 65 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثامن.

3) - وسائل الشيعة 7:66 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث العاشر.

4) - وسائل الشيعة 7: 66 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث التاسع.

5) - وسائل الشيعة 7: 65 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السابع.

«الصائم لايشمّ الريحان».(1)

و خبر الحسن الصيقل عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول؟ فقال: لا و لايشمّ الريحان».(2)

و مرسلة الصدوق قال:

«سئل الصادق عليه‌السلام عن المُحرم يشمّ الريحان؟ قال: لا. قيل: فالصائم؟

قال: لا. قيل: يشمّ الصائم الغالية و الدخنة؟ قال: نعم. الحديث».(3)

و أمّا الطيب فلايكره بل يستحبّ، كما في صحيحة الحسن بن راشد قال:

«كان أبو عبداللّه عليه‌السلام اذا صام تطيّب بالطيب و يقول: الطيب تحفة الصائم».(4)

و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«الصائم يدهن بالطيب و يشمّ الريحان».(5)

و موثّقة عمرو بن سعيد عن الرضا عليه‌السلام قال:

«سألته عن الصائم يتدخّن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه، قال: جائز لابأس به».(6)

نعم، في رواية غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه:

«أنّ عليّا عليه‌السلام كره المسك أن‌يتطيّب به الصائم».(7)


1) - وسائل الشيعة 7: 66 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 12.

2) - وسائل الشيعة 7: 66 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 13.

3) - وسائل الشيعة 7: 66 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 14.

4) - وسائل الشيعة 7: 64 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

5) - وسائل الشيعة 7: 66 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث التاسع.

6) - وسائل الشيعة 7: 66 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 11.

7) - وسائل الشيعة 7: 65 / الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

و منها: المضمضة عبثا، لمرسلة حمّاد عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في الصائم يتمضمض و يستنشق؟ قال:

«نعم، ولكن لايبالغ».(1)

و موثّقة سماعة (في حديث) قال:

«سألته عن رجل عبث بالماء يتمضمض به من عطش فدخل حلقه، قال: عليه قضاؤه، و ان كان في وضوء فلا بأس به».(2)

و منها: الجدال و المرآء و أذى الخادم و المسارعة الى الحلف، و تدلّ عليها صحيحة الفضيل بن يسار، عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«اذا صام أحدكم الثلاثة الأيّام في الشهر فلايجادلنّ أحدا و لايجهل و لايسرع الى الأيمان و الحلف باللّه و ان جهل عليه أحد فليحتمله».(3)

و خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلامقال:

«قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: ما من عبد صائم يشتم فيقول: سلام عليك لاأشتمك كما تشتمني الاّ قال الربّ تبارك و تعالى: استجار عبدي بالصوم من شرّ عبدي قد أجرته من النار».(4)


1) - وسائل الشيعة 7: 49 / الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 50 / الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

3) - وسائل الشيعة 7: 120 / الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 7: 120 / الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

فصل : فيما يوجب الكفّارة

المفطرات المذكورة كما أنّها موجبة للقضاء كذلك توجب الكفّارة اذا كانت مع العمد و الاختيار من غير كره و لااجبار من غير فرق بين الجميع، حتّى الارتماس و الكذب على اللّه و على رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، بل و الحقنة و القيء على الأقوى، نعم الأقوى عدم وجوبها في النوم الثاني من الجنب بعد الانتباه بل و الثالث و ان كان الأحوط فيها أيضا ذلك خصوصا الثالث، و لافرق أيضا في وجوبها بين العالم و الجاهل و المقصّر و القاصر على الأحوط، و ان كان الأقوى عدم وجوبها على الجاهل خصوصا القاصر و المقصّر الغير الملتفت حين الافطار، نعم اذا كان جاهلاً بكون الشيء مفطرا مع علمه بحرمته كما اذا لم‌يعلم أنّ الكذب على اللّه و رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من المفطرات فارتكبه حال الصوم فالظاهر لحوقه بالعالم في وجوب الكفّارة.

الشرح:

المفطرات المذكورة كما أنّها موجبة للقضاء كذلك توجب الكفّارة اذا كانت مع العمد و الاختيار من غير كره و لااجبار، و تدلّ عليه صحيحة عبداللّه بن سنان

عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل أفطر من شهر رمضان متعمّدا يوما واحدا من غير عذر، قال:

«يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكينا فان لم‌يقدر تصدّق بما يطيق».(1)

و المراد من الافطار أعمّ من الأكل و الشرب و ذلك لصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«انّ الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة عليهم‌السلام يفطر الصائم».(2)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«اذا تقيّأ الصائم فقد أفطر و ان ذرعه من غير أن‌يتقيّأ فليتمّ صومه».(3)

نعم، الأقوى كما تقدّم عدم وجوب الكفّارة في النوم الثاني و الثالث لمن أجنب و نام ناويا الغسل على ما سبق تفصيله.

و أمّا حكم الجاهل و الناسي و من أكره بالافطار و كذا حكم من أفطر للتقيّة فقد مرّ البحث عنها في المسألة الخامسة و السبعين و في الفصل المعنون في اعتبار العمد و الاختيار في الافطار و في المسألة الثانية من ذلك الفصل فراجع.

(مسألة 1): تجب الكفّارة في أربعة أقسام من الصوم: «الأوّل»: صوم شهر رمضان، و كفّارته مخيّرة بين العتق و صيام شهرين متتابعين و اطعام ستّين مسكينا على الأقوى، و ان كان الأحوط الترتيب فيختار العتق مع الامكان و مع العجز عنه فالصيام و مع العجز عنه فالاطعام و يجب الجمع بين الخصال ان كان


1) - وسائل الشيعة 7: 28 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 21 / الباب الثاني من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

3) - وسائل الشيعة 7: 60 / الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

الافطار على محرّم كأكل المغصوب، و شرب الخمر، و الجماع المحرّم و نحو ذلك.

الشرح:

تجب الكفّارة في أربعة أقسام من الصوم:

الأوّل: صوم شهر رمضان و المشهور أنّ كفّارته مخيّرة.

قال في المختلف: «المشهور أنّ كفّارة افطار يوم من شهر رمضان عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستّين مسكينا مخيّر في ذلك، ذهب اليه الشيخان، و ابن الجنيد و ابنا بابويه و السيّد المرتضى و أبو الصلاح و سلاّر و ابن البرّاج و ابن ادريس. و قال ابن أبيعقيل: الكفّارة عتق رقبة، فان لم‌يجدها فصيام شهرين متتابعين، فان لم‌يستطع فاطعام ستّين مسكينا. و هذا يدلّ على الترتيب. و نقل الشيخ في «الخلاف» أنّ فيه روايتين: الترتيب و التخيير. و لم‌يرجّح أحدهما. و في «المبسوط» اختار التخيير، ثمّ قال: و قد روي أنّها مرتّبة مثل كفّارة الظهار. و قال في «الاقتصاد» و في أصحابنا من قال انّه مرتّبة كالظهار.

و نقل السيّد المرتضى عقيب ذكر الكفّارة في «الجمل»: و قيل: انّها مرتّبة و قيل: انّها مخيّر فيها. انتهى موضع الحاجة من المختلف».(1)

و الحقّ ما عليه المشهور من أنّ كفّارة افطار يوم من شهر رمضان مخيّرة و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل أفطر من شهر رمضان متعمّدا يوما واحدا من غير عذر، قال:

«يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكينا، فان لم‌يقدر تصدّق بما يطيق».(2)


1) - مختلف الشيعة 3: 305 / المسألة 54.

2) - وسائل الشيعة 7: 28 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمّدا، قال: عليه عتق رقبة أو اطعام ستّين مسكينا أو صوم شهرين متتابعين و قضاء ذلك اليوم و من أين له مثل ذلك اليوم».(1)

و خبر أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن رجل وضع يده على شيء من جسد امرأته فأدفق، فقال: كفّارته أن‌يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكينا، أو يعتق رقبة».(2)

و موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن معتكف واقع أهله، قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو اطعام ستّين مسكينا».(3)

و كذا تدلّ عليه من الروايات الآمرة بالتصدّق صحيحة جميل بن درّاج عن أبى‌عبداللّه عليه‌السلام أنّه سئل عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا، فقال:

«انّ رجلاً أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقال: هلكت يا رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، فقال: و ما لك؟ قال: النار يا رسول اللّه، قال: و ما لك؟ قال: وقعت على أهلي، قال: تصدّق و استغفر (ربّك) فقال الرجل: فوالذي عظم حقّك ما تركت في البيت شيئا، لاقليلاً و لاكثيرا، قال: فدخل رجل من الناس بمكتل من تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصوع بصاعنا، فقال له رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: خذ هذا التمر فتصدّق به، فقال: يا رسول اللّه على


1) - وسائل الشيعة : 7/ 32 الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 13.

2) - وسائل الشيعة 7: 26 / الباب الرابع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

3) - وسائل الشيعة 7: 407 / الباب السادس من أبواب الاعتكاف / الحديث الخامس.

من أتصدّق به و قد أخبرتك أنّه ليس في بيتي قليل و لا كثير، قال: فخذه و أطعمه عيالك و استغفر اللّه، قال: فلمّا خرجنا (رجعنا) قال أصحابنا: انّه بدأ بالعتق، فقال: أعتق أو صم أو تصدّق».(1)

و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل وقع على أهله في شهر رمضان فلم‌يجد ما يتصدّق به على ستّين مسكينا، قال:

«يتصدّق بقدر ما يطيق».(2)

و موثّقة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا، قال: عليه خمسه‌عشر صاعا لكلّ مسكين مدّ بمدّ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أفضل».(3)

و في رواية أخرى بهذا الاسناد قال:

«لكلّ مسكين مدّ مثل الذي صنع رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله».

و ان قلت: انّه يقتضي ايجاب الاطعام و أنتم لاتقولون به، بل الواجب أحد الثلاثة لا بعينه، قلت: انّه لاينافي مطلوبنا بل هو دالّ عليه، لأنّ الواجب المخيّر يصدق على كلّ واحد من أفراده بأنّه واجب.

و قد تعارضها صحيحة علي بن جعفر (في كتابه) عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام قال:

«سألته عن رجل نكح امرأته و هو صائم في رمضان ما عليه؟ قال: عليه القضاء و عتق رقبة، فان لم‌يجد فصيام شهرين متتعابعين، فان لم‌يستطع فاطعام ستّين مسكينا، فان لم‌يجد فليستغفر اللّه».(4)


1) - وسائل الشيعة 7: 29 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 29 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

3) - وسائل الشيعة 7: 31 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث العاشر.

4) - وسائل الشيعة 7: 31 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث التاسع.

و خبر عبدالمؤمن بن الهيثم (القاسم) الأنصاري، عن أبي جعفر عليه‌السلام:

«أنّ رجلاً أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقال: هلكت و أهلكت، فقال: و ما أهلكك؟ قال: أتيت امرأتي في شهر رمضان و أنا صائم، فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: أعتق رقبة، قال: لاأجد، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لاأطيق، قال: تصدّق على ستّين مسكينا، قال: لاأجد، فأتى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بعذق في مكتل فيه خمسه‌عشر صاعا من تمر، فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: خذ هذا فتصدّق بها، فقال: و الذي بعثك بالحقّ نبيّا ما بين لابتيها أهل‌بيت أحوج اليه منّا، فقال: خذه و كله أنت و أهلك فانّه كفّارة لك».(1)

أمّا الأخيرة فسندها ضعيف، لأنّ عبدالمؤمن لم‌يوثّق، و قد رويت بطريق آخر و هو أيضا ضعيف لمكان عمرو بن شمر في السند، فالمهمّ هو الصحيحة. و بالجملة، يمكن الجمع بين هاتين الروايتين و الروايات المتقدّمة الظاهرة في التخيير باستحباب الترتيب، فانّ منطوق الروايات المتقدّمة أرجح من مفهوم هاتين الروايتين، مع اعتضاده بذهاب المشهور الى التخيير، و المخالفة للعامّة، كما أنّ العلاّمة نسب هذا القول أعني لزوم الترتيب الى أبي حنيفة و الأوزاعي و غيرهما من العامّة.

فرع : في حكم الافطار بالمحرّم

قال العلاّمة في المختلف: «لو أفطر بجماع محرّم عليه، أو طعام محرّم في نهار رمضان، قال الصدوق محمّد بن بابويه: انّي أفتي بايجاب ثلاث كفّارات عليه،


1) - وسائل الشيعة 7: 30 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

لوجودي(1)ذلك في روايات أبي الحسين الأسدي رضى‌الله‌عنه فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري - قدّس اللّه وجهه - و به قال ابن حمزة - الى أن‌قال: - و المشهور: ايجاب كفّارة واحدة؛ عملاً بأصالة البراءة، و بما رواه عبداللّه بن سنان في الصحيح عن الصادق عليه‌السلام من التخيير في خصال الكفّارة فيمن أفطر في شهر رمضان متعمّدا، و غيرها من الروايات الدالّة على ايجاب أحد الثلاثة عقيب السؤال عن مطلق الافطار الشامل للمحلّل و المحرّم، و ترك الاستفصال في الجواب عقيب عموم السؤال يقتضي العموم. انتهى ملخّصا».(2)

فلنذكر أوّلاً الروايات الواردة في حكم من أفطر في شهر رمضان على محرّم.

منها: ما رواه الصدوق عن عبدالواحد بن محمّد بن عبدوس النيسابوري، عن علي بن محمّد بن قتيبة عن همدان بن سليمان عن عبدالسلام بن صالح الهروي قال:

«قلت للرضا عليه‌السلام: يابن رسول اللّه، قد روي عن آبائك عليهم‌السلام فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه، ثلاث كفّارات، و روي عنهم أيضا كفّارة واحدة فبأيّ الحديثين نأخذ؟ قال: بهما جميعا متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفّارات: عتق رقبة و صيام شهرين متتابعين و اطعام ستّين مسكينا و قضاء ذلك اليوم، و ان كان نكح حلالاً أو أفطر على حلال فعليه كفّارة واحدة، و ان كان ناسيا فلا شيء عليه».(3)

و منها: موثّقة سماعة قال:

«سألته عن رجل أتى أهله في رمضان متعمّدا، فقال: عليه عتق رقبة،


1) - أي: لوجداني.

2) - مختلف الشيعة 3: 313 / المسألة 60.

3) - وسائل‌الشيعة 7: 35 / الباب العاشر من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

و اطعام ستّين مسكينا و صيام شهرين متتابعين و قضاء ذلك اليوم، و أنّى (أين) له مثل ذلك اليوم».(1)

و منها: ما رواه الصدوق باسناده (عن علي بن أحمد بن موسى و محمّد بن أحمد السناني و الحسين بن ابراهيم بن أحمد بن هاشم المؤدّب رضي اللّه عنهم) عن أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري يعني عن المهدي عليه‌السلام فيمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا بجماع محرّم عليه أو بطعام محرّم عليه:

«أنّ عليه ثلاث كفّارات».(2)

ولكن الاشكال في الرواية الأولى و الثالثة من حيث السند، فانّ في سند الرواية الأولى عبدالواحد بن عبدوس النيسابوري و علي بن محمّد بن قتيبة فهما لم‌يوثّقا. و في سند الرواية الثالثة عدّة مجاهيل روى الصدوق عنهم، عن أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي.

و أمّا الرواية الثانية يعني موثّقة سماعة، فقال في مستند العروة: «انّ هذه الموثّقة مرويّة في كتاب النوادر لأحمد بن محمّد بن عيسى عن عثمان بن عيسى عن سماعة بلفظة «أو» دون «الواو» كما تقدّم نقلها، فانّها عين الرواية السابقة، فلعلّ نسخة الشيخ المشتملة على «الواو» مغلوطة، و لايبعد أن‌يقال انّ كتاب أحمد بن محمّد بن عيسى أقرب الى الصحّة لكونه أقدم و كيفما كان فلم‌يثبت صدورها بلفظة «الواو» كي تصلح للاستدلال. انتهى».(3)

و بالجملة فاذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. و لو كانتا روايتين يمكن الجمع بينهما بحمل الثانية على الاستحباب. فحجّيّة الروايات مخدوشة سندا و دلالةً،


1) - وسائل الشيعة 7: 36 / الباب العاشر من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 36 / الباب العاشر من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

3) - مستند العروة الوثقى 9 الجزء الأوّل من كتاب الصوم: 292.

فالحقّ ما عليه المشهور من ايجاب كفّارة واحدة اذا أفطر بمفطر محرّم عليه.

«الثاني»: صوم قضاء شهر رمضان اذا أفطر بعد الزوال، و كفّارته اطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ، فان لم‌يتمكّن فصوم ثلاثة أيّام، و الأحوط اطعام ستّين مسكينا.

الشرح:

لو أفطر في قضاء رمضان فان كان قبل الزوال فلا شيء عليه.

قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - جواز الافطار قبل الزوال حتّى أنّ المحقّق في المعتبر و العلاّمة في المنتهى لم‌ينقلا في ذلك خلافا، و نقل في المختلف عن أبي الصلاح أنّ كلامه يشعر بتحريمه. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

و ان كان بعده ففيه اختلاف.

قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ رحمه‌الله: يجب اطعام عشرة مساكين، فان لم‌يتمكّن، صام ثلاثة أيّام بدلاً من الكفّارة. و قال علي بن بابويه (في رسالته) و ولده في «المقنع»: عليه مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان. و المفيد رحمه‌الله ذهب الى ما قاله الشيخ في «النهاية» و كذا ابن الجنيد و السيّد المرتضى و ابن ادريس و في موضع آخر قال: كفّارة يمين. و قال ابن حمزة: ان أفطر بعد الزوال استخفافا به، فعليه كفّارة من أفطر يوما من شهر رمضان، و ان أفطر لغير ذلك، فكفّارته صيام ثلاثة أيّام أو اطعام عشرة مساكين. و قال أبو الصلاح: ان أفطر يوما عزم على صومه قضاءًا قبل الزوال فهو مأزور، و ان كان بعد الزوال، تعاظم وزره و لزمته الكفّارة: صيام ثلاثة أيّام أو اطعام عشرة مساكين. و ظاهر كلام ابن أبي عقيل


1) - الحدائق الناضرة 13: 216.

يقتضي سقوط الكفّارة فانّه قال: من جامع أو أكل في قضاء شهر رمضان أو صوم من شهر رمضان أو كفّارة أو نذر أثم و عليه القضاء و لاكفّارة عليه. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

ثمّ اعلم أنّ الدليل على عدم بأس الافطار قبل الزوال في قضاء شهر رمضان، موثّقة أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الافطار، فقال: لاينبغي له أن‌يكرهها بعد الزوال».(2)

و صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه قال في الذي يقضي شهر رمضان:

«انّه بالخيار الى زوال الشمس فان كان تطوّعا فانّه الى الليل بالخيار».(3)

و موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان و يريد أن‌يقضيها متى يريد أن‌ينوي الصيام؟ قال:

«هو بالخيار الى أن‌تزول الشمس، فاذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم، و ان كان نوى الافطار فليفطر، سئل: فان كان نوى الافطار يستقيم أن‌ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال: لا. الحديث».(4)

و خبر بريد العجلي عن أبي جعفر عليه‌السلام في رجل أتى أهله قبل زوال الشمس:

«فلا شيء عليه الاّ يوم مكان يوم.»(5)


1) - مختلف الشيعة 3: 417.

2) - وسائل الشيعة 7: 8 / الباب الرابع من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 9 / الباب الرابع من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الرابع.

4) - وسائل الشيعة 7: 6 / الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث العاشر.

5) - وسائل الشيعة 7: 8 / الباب الرابع من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الأوّل.

و لاتعارضها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت عن الرجل يقضي رمضان أله أن‌يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال اذا بدا له؟ فقال: اذا كان نوى ذلك من الليل و كان من قضاء رمضان فلايفطر و يتمّ صومه».(1)

لامكان الجمع بينها و بين ما تقدّم بحمل الصحيحة (أي صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج) على الاستحباب. و يؤيّده ذهاب المشهور الى عدم البأس بالافطار قبل الزوال بل لاقائل بحرمته الاّ ما ظهر من كلام أبي الصلاح و اطلاق كلام ابن أبي عقيل.

و أمّا الافطار بعد الزوال في قضاء شهر رمضان فلايجوز و ان أفطر عمدا فعليه أن‌يتصدّق على عشرة مساكين، فان لم‌يقدر صام ثلاثة أيّام كفّارة لما صنع، كما ذهب اليه المشهور و هو الحقّ و صام يوما مكان يوم.

و الدليل على ذلك صحيحة الحسن بن محبوب عن الحارث بن محمّد عن بريد العجلي عن أبي جعفر عليه‌السلام في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال:

«ان كان أتى أهله قبل زوال الشمس فلا شيء عليه الاّ يوم مكان يوم، و ان كان أتى أهله بعد زوال الشمس فانّ عليه أن‌يتصدّق على عشرة مساكين، فان لم‌يقدر عليه صام يوما مكان يوم و صام ثلاثة أيّام كفّارة لما صنع».(2)

و لاضير وجود الحارث بن محمّد المجهول في سند الخبر لأنّ الراوي عنهالحسن بن محبوب و هو من أصحاب الاجماع، و لأنّ المشهور أفتوا عليه، مضافا


1) - وسائل الشيعة 7: 9 / الباب الرابع من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث السادس.

2) - وسائل الشيعة 7: 253 / الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الأوّل. أورده أيضا وسائل الشيعة 7: 8 / الباب الرابع من أبواب وجوب الصوم و نيّته / الحديث الأوّل.

الى تأييدها بصحيحة هشام بن سالم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: رجل وقع على أهله و هو يقضي شهر رمضان، فقال: ان كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شيء عليه يصوم يوما بدل يوم، و ان فعل بعد العصر صام ذلك اليوم و أطعم عشرة مساكين، فان لم‌يمكنه صام ثلاثة أيّام كفّارة لذلك».(1)

بناءًا على أنّ كلمة العصر تصحيف عن الظهر لسهو امّا من الراوي أو من الشيخ. أو يقال انّ المراد بالعصر هو ما بعد زوال الشمس كما هو كذلك في نظر العرف و انّ ما قبل الزوال يعتبر في نظره صباحا.

و أمّا الروايات المتعارضة، فمنها: موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه سئل عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان - الى أن‌قال: - سئل فان نوى الصوم ثمّ أفطر بعد ما زالت الشمس، قال:

«قد أساء و ليس عليه شيء الاّ قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن‌يقضيه».(2)

و منها: موثّقة زرارة قال:

«سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن رجل صام قضاءًا من شهر رمضان فأتى النساء، قال: عليه من الكفّارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان، لأنّ ذلك اليوم عند اللّه من أيّام رمضان».(3)

و منها: مرسلة الصدوق قال:

«و قد روي أنّه ان أفطر قبل الزوال فلا شيء عليه، و ان أفطر بعد


1) - وسائل الشيعة 7: 254 / الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 254 / الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الرابع.

3) - وسائل الشيعة 7: 254 / الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الثالث.

الزوال فعليه الكفّارة مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان».(1)

و أمّا موثّقة عمّار فالظاهر معارضتها مع خبر البريد و صحيحة هشام بن سالم، لأنّ معنى «قد أساء و ليس عليه شيء» في الموثّقة هو الذنب خاصّة و هو ينافي ثبوت الكفّارة فلايمكن الجمع بينهما و بين الموثّقة بالحمل على الاستحباب، فإمّا أن‌يرجّح صحيحة هشام و خبر بريد العجلي لذهاب المشهور الى مضمونهما كما مرّت الاشارة اليه، فتطرح الموثّقة، أو تحمل موثّقة عمّار الساباطي على التقيّة لموافقة مضمونها مع العامّة، فانّ جمهور العامّة لايرون الكفّارة، و انّما هي من مختصّات الامامية، كما سيأتي من قول العلاّمة.

و أما موثّقة زرارة و مرسلة الصدوق فلايمكن الأخذ بهما و ان نسب الى الصدوق و والده، و ذلك لأنّ المرسلة لايعتمد عليها لضعف السند، و يرفع اليد عن الموثّقة للتنزيل الذي لم‌يلتزم به أحد حتّى الصدوقين. فقوله عليه‌السلام: «لأنّ ذلك اليوم عند اللّه من أيّام رمضان» منافٍ لما تقدّم من قوله عليه‌السلام فيمن أفطر في شهر رمضان «فأنّى له مثل ذلك اليوم» فانّ معناه أنّ شهر رمضان أفضل الشهور و أيّامه أفضل الأيّام، فلايدرك فضل يوم من شهر رمضان ممّن فاته و ان صام قضاءه و صام ستّين يوما، مضافا الى أنّ المستفاد منه أنّ الافطار في قضاء شهر رمضان موجب للكفّارة و ان كان قبل الزوال لمكان التنزيل، و لم‌يلتزم به أحد كما تقدّم. فلا بدّ من طرحها أو حملها على التقيّة لأنّ مضمونها منسوب الى بعض العامّة كقتادة.

قال العلاّمة في المنتهى على ما حكاه صاحب الحدائق: «فرّق علماؤنا بينالافطار في قضاء رمضان أوّل النهار و بعد الزوال فأوجبوا الكفّارة في الثاني دون الأوّل، و الجمهور لم‌يفرّقوا بينهما بل قالوا بسقوط الكفّارة في البابين الاّ قتادة فانّه أوجبها فيهما معا، و ابن أبي عقيل من علمائنا اختار مذهب الجمهور في سقوط


1) - وسائل الشيعة 7: 255 / الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث الخامس.

الكفّارة. انتهى».(1)

«الثالث»: صوم النذر المعيّن و كفّارته كفّارة افطار شهر رمضان.

الشرح:

المشهور وجوب الكفّارة فيمن أفطر في صوم النذر المعيّن، و نسب الخلاف الى ابن أبي عقيل فانّه يرى اختصاص الكفّارة بشهر رمضان. و قال في المدارك: «و أما وجوب الكفّارة فلا خلاف فيه بين الأصحاب، و انّما الخلاف في قدرها فذهب الأكثر الى أنّها كفّارة كبرى مخيّرة. انتهى».(2)

و أمّا مقدارها، فالمشهور أنّها كفّارة شهر رمضان من التخيير بين الخصال الثلاث و ذهب جماعة منهم ابن بابويه الى أنّها كفّارة اليمين، أي اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم‌يجد فصيام ثلاثة أيّام، و قيل بالتفصيل بين ما لو تعلّق النذر بالصوم فكفّارة رمضان و ما تعلّق النذر بغيره من الصلاة و نحوها فكفّارة اليمين، اختاره صاحب الوسائل جمعا بين الأخبار.

ولنذكر الروايات الواردة في الباب حتّى يتبيّن الحقّ، فانّها على ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى

ما دلّ على أنّ كفّارة النذر كفّارة اليمين كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«ان قلت: «للّه عليّ» فكفّارة يمين».(3)

و موثّقة حفص بن غياث عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:


1) - الحدائق الناضرة 13: 214.

2) - مدارك الأحكام 6: 185.

3) - وسائل الشيعة 15: 574 / الباب 23 من أبواب الكفّارات / الحديث الأوّل.

«سألته عن كفّارة النذر، فقال: كفّارة النذر كفّارة اليمين. الحديث».(1)

و صحيحة جميل بن صالح عن أبي الحسن موسى عليه‌السلام أنّه قال:

«كلّ من عجز عن نذر نذره فكفّارته كفّارة يمين».(2)

الطائفة الثانية

ما دلّ على أنّ كفّارته كفّارة من أفطر متعمّدا في شهر رمضان كصحيحة جميل بن درّاج عن عبدالملك بن عمرو عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عمّن جعل للّه عليه أن لايركب محرّما سمّاه فركبه، قال: لا و لاأعلمه الاّ قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستّين مسكينا».(3)

الطائفة الثالثة

ما دلّ على أنّ كفّارته تحرير رقبة كصحيحة ابن مهزيار أنّه كتب اليه عليه‌السلاميسأله:

«يا سيّدي، رجل نذر أن‌يصوم يوما بعينه فوقع ذلك اليوم على أهله ما عليه من الكفّارة؟ فكتب اليه: يصوم يوما بدل يوم و تحرير رقبة مؤمنة».(4)

و خبر الحسين بن عبيدة قال:

«كتبت اليه يعني أبا الحسن الثالث عليه‌السلام: يا سيّدى، رجل نذر أن‌يصوم يوما للّه فوقع ذلك اليوم على أهله ما عليه من الكفّارة؟ فأجابه عليه‌السلام: يصوم يوما مكان (بدل) يوم و تحرير رقبة».(5)


1) - وسائل الشيعة 15: 575 / الباب 23 من أبواب الكفّارات / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 15: 575 / الباب 23 من أبواب الكفّارات / الحديث الخامس.

3) - وسائل الشيعة 15: 575 / الباب 23 من أبواب الكفّارات / الحديث السابع.

4) - وسائل الشيعة 7: 277 / الباب السابع من أبواب بقيّة الصوم الواجب / الحديث الأوّل.

5) - وسائل الشيعة 7: 277 / الباب السابع من أبواب بقيّة الصوم الواجب / الحديث الثاني.

و خبر القاسم الصيقل أنّه كتب اليه عليه‌السلام أيضا:

«يا سيّدي، رجل نذر أن‌يصوم يوما للّه تعالى فوقع في ذلك اليوم على أهله ما عليه من الكفّارة؟ فأجابه عليه‌السلام: يصوم يوما بدل يوم و تحرير رقبة مؤمنة».(1)

أمّا الطائفة الثالثة فقابلة للحمل على كلّ من الطائفتين الأخريين، و لاتكون للتعيين لعدم القائل بتعيين تحرير الرقبة في كفّارة من أفطر في صوم النذر المعيّن.

و أمّا الطائفة الثانية ففيه عبدالملك بن عمرو فانّه لم‌يرد فيه توثيق و لامدح الاّ أنّه عمل بها المشهور، و الطائفة الأولى و ان كانت فيها الصحيحة و الموثّقة الاّ أنّه لم‌يعمل بها القدماء الاّ الصدوق.

قال العلاّمة في المختلف: «ذهب الشيخان الى أنّ كفّارة خلف النذر و العهد كفّارة من أفطر يوما من شهر رمضان عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستّين مسكينا مخيّرا في ذلك، سواء كان النذر صوما أو غيره من الأفعال. و به قال أبوالصلاح و ابن حمزة و ابن البرّاج الاّ أنّ شيخنا المفيد قال: و من نكث عهدا للّه تعالى وجب عليه من الكفّارة ما قدّمناه و هي كفّارة قتل الخطأ. و قال سلاّر: كفّارة خلف النذر كفّارة الظهار. و هي تعطي الكمّيّة و الكيفيّة من الترتيب. و قال شيخنا علي بن بابويه في رسالته: كفّارة خلف النذر صيام شهرين متتابعين، و روي كفّارة يمين. و قال ابنه الصدوق في المقنع: كفّارة النذر كفّارة يمين، فان نذر أن‌يصوم كلّ سبت فليس له أن‌يتركه الاّ من علّة، فان أفطر من غير علّة تصدّق مكان كلّ يوم على عشرة مساكين. و نقل ابن ادريس عن السيّد المرتضى في المسائل الموصليّة و عن الصدوق أنّ النذر ان كان لصوم يوم فأفطره وجب عليه كفّارة من أفطر يومامن شهر رمضان، و ان كان لغير صوم فكفّارة يمين. و المعتمد اختيار الشيخين. لنا: ما رواه عبدالملك بن عمرو في الصحيح عن الصادق عليه‌السلام قال: «سألته عمّن جعل


1) - وسائل الشيعة 7: 277 / الباب السابع من أبواب بقيّة الصوم الواجب / الحديث الثالث.

للّه عليه أن لايركب محرّما سمّاه فركبه، قال: لا و لاأعلمه الاّ قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستّين مسكينا».(1)

و عن أبي بصير عن أحدهما عليهماالسلام قال: «من جعل عليه عهدا للّه و ميثاقه في أمر للّه طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستّين مسكينا».(2)

و عن علي بن جعفر عليه‌السلام عن أخيه الكاظم عليه‌السلام قال: «سألته عن رجل عاهد اللّه في غير معصية ما عليه ان لم‌يفِ بعهده؟ قال: يعتق رقبة أو يتصدّق بصدقة أو يصوم شهرين متتابعين».(3)

احتجّ ابن بابويه بما رواه حفص بن غياث عن الصادق عليه‌السلام قال:«سألته عن كفّارة النذر، فقال: كفّارة النذر كفّارة اليمين».(4)

و في الحسن عن الحلبي عن الصادق عليه‌السلام قال: «ان قلت: «للّه عليّ» فكفّارة يمين».(5)

و الجواب: الحمل على العجز؛ لما رواه جميل بن صالح في الصحيح عن الكاظم عليه‌السلام أنّه قال: «من عجز عن نذر نذره فكفّارته كفّارة يمين»(6). انتهى».(7)

و الأقوى أنّ كفّارة النذر و العهد ككفّارة من أفطر عمدا في شهر رمضان، و ذلك لرجحان رواية عبدالملك بن عمرو على الطائفة الأولى من الروايات و ذلك لعمل الأصحاب بها.


1) - وسائل الشيعة 15: 575 / الباب 23 من أبواب الكفّارات / الحديث السابع.

2) - وسائل الشيعة 15: 576 / الباب 24 من أبواب الكفّارات / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 15: 576 / الباب 24 من أبواب الكفّارات / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 15: 575 / الباب 23 من أبواب الكفّارات / الحديث الرابع.

5) - وسائل الشيعة 15: 574 / الباب 23 من أبواب الكفّارات / الحديث الأوّل.

6) - وسائل الشيعة 15: 575 / الباب 23 من أبواب الكفّارات / الحديث الخامس.

7) - مختلف الشيعة 8 : 212 - 214.

«الرابع»: صوم الاعتكاف، و كفّارته مثل كفّارة شهر رمضان مخيّرة بين الخصال، ولكن الأحوط الترتيب المذكور، هذا و كفّارة الاعتكاف مختصّة بالجماع فلاتعمّ سائر المفطرات، و الظاهر أنّها لأجل الاعتكاف لا للصوم و لذا تجب في الجماع ليلاً أيضا، و أمّا ما عدا ذلك من أقسام الصوم فلاكفّارة في افطاره واجبا كان كالنذر المطلق و الكفّارة، أو مندوبا فانّه لاكفّارة فيها و ان أفطر بعد الزوال.

الشرح:

كلّ ما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف كالجماع و الأكل و الشرب و الاستمناء، فمتى أفطر في اليوم الأوّل و الثاني لم‌يجب به كفارة الاّ أن‌يكون واجبا و ان أفطر في الثالث وجبت الكفّارة ان أفسده بالجماع. قال في الجواهر: «لاأجد خلافا في ثبوتها به، و النصوص به مستفيضة. انتهى».(1)

انّما الخلاف في مقدار كفّارتها، فجاء الخلاف من ناحية اختلاف الأخبار، فانّها على طائفتين، فالأولى منهما تدلّ على أنّ كفّارة افساد الاعتكاف بالجماع ككفّارة شهر رمضان مخيّرةً في الخصال الثلاث، و الأخرى منهما أنّها مرتّبة ككفّارة الظهار.

فالطائفة الأولى:

موثّقة سماعة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن معتكف واقع على أهله فقال (قال): هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان».(2)


1) - جواهر الكلام 17: 208.

2) - وسائل الشيعة 7: 406 / الباب السادس من أبواب الاعتكاف / الحديث الثاني.

و ما رواها الكليني في الصحيح عن عبداللّه بن المغيرة. و موثّقة أخرى لسماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن معتكف واقع أهله، قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو اطعام ستّين مسكينا».(1)

و الطائفة الثانية:

صحيحة زرارة قال:

«سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن المعتكف يجامع (أهله) قال: اذا فعل فعليه ما على المظاهر».(2)

و صحيحة أبي ولاّد الحنّاط قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم و هي معتكفة باذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد الى بيتها فتهيّأت لزوجها حتّى واقعها، فقال: ان كانت خرجت من المسجد قبل أن‌تقضي ثلاثة أيّام و لم‌تكن اشترطت في اعتكافها فانّ عليها ما على المظاهر».(3)

و الحقّ ما عليه المشهور من أنّ كفّارته كفّارة من أفطر من شهر رمضان، و ذلك لامكان الجمع بين الطائفتين من الروايات فتحمل الطائفة الثانية على الأفضليّة جمعا.

قال في الجواهر: «ثمّ انّ الأقوى وفاقا للمشهور، بل نسبه الفاضل الى الأصحاب تارة و الى فتوى علمائنا أخرى مشعرا بدعوى الاجماع عليه كون كفّارة


1) - وسائل الشيعة 7: 407 / الباب السادس من أبواب الاعتكاف / الحديث الخامس.

2) - وسائل الشيعة 7: 406 / الباب السادس من أبواب الاعتكاف / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 407 / الباب السادس من أبواب الاعتكاف / الحديث السادس.

الاعتكاف مخيّرة مثل كفّارة شهر رمضان. انتهى».(1)

قال صاحب الحدائق: «المشهور بين الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - أنّ كفّارة الجماع في الاعتكاف مخيّرة لموثّقتي سماعة المتقدّمتين و قيل بكونها مرتبة ككفّارة الظهار و نقله في المختلف عن ظاهر ابن بابويه، و اليه مال في المدارك لصحّة مستنده و هو ما تقدّم من صحيحة زرارة و صحيحة أبي ولاّد. و جمع بعض بين الأخبار بحمل الصحيحتين المذكورتين على الأفضليّة و الاستحباب كما هي قاعدتهم في جميع الأبواب. و حمل العلاّمة في المنتهى الصحيحتين المذكورتين - حيث اختار القول المشهور - على أنّ المراد التشبيه في المقدار دون الكيفيّة. و بعده ظاهر. انتهى».(2)

ثمّ اعلم أنّه يشترط الاعتكاف بالصوم فلاينعقد بدونه، ففي صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قال أبو عبداللّه عليه‌السلام: لااعتكاف الاّ بصوم».(3)

و صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«اذا اعتكف العبد فليصم. الحديث».(4)

فاذا وجب الاعتكاف لايجوز فسخه و حيث يفسخ الاعتكاف بافطار الصوم فلايجوز الافطار. ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال:

«اذا اعتكف يوما و لم‌يكن اشترط فله أن‌يخرج و يفسخ الاعتكاف، و ان أقام يومين و لم‌يكن اشترط فليس له أن‌يفسخ (و يخرج) اعتكافه حتّى تمضي ثلاثة أيّام».(5)


1) - جواهر الكلام 17: 210.

2) - الحدائق الناضرة 13: 496.

3) - وسائل الشيعة 7: 399 / الباب الثاني من أبواب الاعتكاف / الحديث السادس.

4) - وسائل الشيعة 7: 399 / الباب الثاني من أبواب الاعتكاف / الحديث التاسع.

5) - وسائل الشيعة 7: 404 / الباب الرابع من أبواب الاعتكاف / الحديث الأوّل.

و أمّا الكفّارة فمختصّة بالجماع كما تقدّم و لاكفّارة في فسخ الاعتكاف بافطار الصوم و ان ارتكب حراما، و ذلك لعدم الدليل على ذلك.

قال صاحب الحدائق: «لاريب في أنّ كلّ ما أفسد الصوم فانّه يفسد به الاعتكاف لأنّ الصوم شرط فيه فيبطل ببطلان شرطه. و أمّا وجوب الكفّارة بفعل المفطر في الاعتكاف الواجب فهو مذهب جملة من أصحابنا، منهم الشيخ المفيد و المرتضى رحمهماالله. قال في المعتبر: فان كانا أرادا الاعتكاف المنذور المختصّ بزمان معيّن كان حسنا و ان أرادا الاطلاق فلاأعرف المستند، و هو كذلك. و الشيخ و أكثر المتأخّرين على اختصاص الكفّارة بالجماع دون ماعداه من المفطرات و ان فسد به الصوم و وجب به القضاء خاصّة متى كان واجبا. و قد تقدّم ما يدلّ على وجوب الكفّارة بالجماع فيما قدّمناه من الأخبار و أمّا غير الجماع فلم نقف له على دليل. انتهى».(1)

و الاستمناء و انزال المني في الاعتكاف حرام كسائر المفطرات و لاكفّارة عليها لعدم الدليل.

قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ: الاعتكاف يفسد بالجماع، و يجب به القضاء و الكفّارة، و ذلك كلّ مباشرة تؤدّي الى انزال الماء عمدا يجري مجراه؛ و في أصحابنا من قال: ما عدا الجماع يوجب القضاء دون الكفّارة».(2)

ثمّ اعلم أيضا أنّ موضوع الكفّارة لمن جامع أهله معتكفا هو الاعتكاف كما في الموثّقتين و الصحيحتين، و عليه لافرق في ذلك بين النهار أو الليل، فمن واقع أهله في الليل اذا كان اعتكافه واجبا فيجب أن‌يكفّر. فهل يجب عليه كفّارتان اذا جامع في النهار أو كفّارة واحدة؟

فقد ورد في خبر عبدالأعلى بن أعين قال:


1) - الحدائق الناضرة 13: 495.

2) - مختلف الشيعة 3: 455.

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن رجل وطئ امرأته و هو معتكف ليلاً في شهر رمضان، قال: عليه الكفّارة، قال: قلت: فان وطأها نهارا؟ قال: عليه كفّارتان».(1)

و مرسلة الصدوق قال:

«و قد روي أنّه ان جامع بالليل فعليه كفّارة واحدة، و ان جامع بالنهار فعليه كفّارتان».(2)

و الظاهر أنّ وجوب الكفّارتين في الجماع بالنهار خاصّ بشهر رمضان كما في خبر عبد الأعلى المتقدّم و عليه المشهور.

قال في الحدائق: «قال السيّد المرتضى: اذا جامع المعتكف نهارا كان عليه كفّارتان و اذا جامع ليلاً كان عليه كفّارة واحدة، و أطلق القول في ذلك، و المشهور بين الأصحاب أنّ وجوب الكفّارتين بالجماع نهارا مخصوص بشهر رمضان لاغير فتكون احداهما للاعتكاف و الأخرى للشهر المذكور، و على ذلك دلّت رواية عبدالأعلى بن أعين، و أمّا وجوبهما نهارا في غير شهر رمضان كما يفهم من اطلاق السيّد قدس‌سره فلا وجه له. و استقرب الشهيد قدس‌سره في الدروس هذا الاطلاق، قال: لأنّ في النهار صوما و اعتكافا. و ردّ بأنّ مطلق الصوم لايترتّب على افساده الكفّارة كما هو واضح. قال في التذكرة: و الظاهر أنّ مراده - يعني مراد السيّد - رمضان. و هو غير بعيد فانّهم كثيرا ما يتوسّعون في التعبير بناءًا على ظهور الحكم و معلوميّته، و هذه الدقّة في العبارات و القيود للاحترازات انّما وقعت في كلام المتأخّرين. انتهى».(3)


1) - وسائل الشيعة 7: 407 / الباب السادس من أبواب الاعتكاف / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 7: 406 / الباب السادس من أبواب الاعتكاف / الحديث الثالث.

3) - الحدائق الناضرة 13: 497.

فرع : فيما لاتجب فيه الكفّارة

قد تقدّم أنّ الكفّارة تجب في أربعة أقسام من الصوم الواجب أي شهر رمضان و قضاؤه و النذر المعيّن و صوم الاعتكاف، و أمّا ما عدا ذلك من أقسام الصوم فلا كفّارة في افطاره، واجبا كان كالنذر المطلق و ما كان بعنوان الكفّارة و الصوم الاستيجاري أو مندوبا فانّه لاكفّارة في افطارها و ان كان بعد الزوال، و ذلك لعدم الدليل.

قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - أنّه تجب الكفّارة في صوم شهر رمضان و قضائه بعد الزوال و النذر المعيّن و صوم الاعتكاف اذا وجب، و ما عدا ذلك مثل صوم الكفّارات و النذر الغير المعيّن و الصوم المندوب فلاتجب الكفّارة فيه بالافساد. و الحكم الثاني اتّفاقي كما يظهر من المنتهى، و قد نصّ العلاّمة و غيره على جواز الافطار قبل الزوال و بعده، و ربّما قيل بتحريم الافساد في كلّ واجب لعموم النهي عن ابطال العمل و هو ضعيف. انتهى».(1)

(مسألة 2): تتكرّر الكفّارة بتكرّر الموجب في يومين و أزيد من صوم له كفّارة، و لاتتكرّر بتكرّره في يوم واحد في غير الجماع و ان تخلّل التكفير بين الموجبين أو اختلف جنس الموجب على الأقوى، و ان كان الأحوط التكرار مع أحد الأمرين، بل الأحوط التكرار مطلقا، و أمّا الجماع فالأحوط بل الأقوى تكريرها بتكرّره.

الشرح:


1) - الحدائق الناضرة 13: 209.

لااشكال كما لاخلاف منّا في تكرّر الكفّارة بتكرّر الموجب في يومين أو أزيَد من صوم له كفّارة و ذلك لأنّ لكلّ يوم من شهر رمضان صوما خاصّا له و لامعنى للقول بأنّ الافطار في يومين من شهر رمضان، أو ثلاثة أو أزيد له كفّارة واحدة. انّما الكلام في تكرّر الكفّارة في يوم واحد في الجماع و غيره.

قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ في الخلاف: اذا كرّر الوطئ لاتتكرّر الكفّارة، و ربّما قال المرتضى من أصحابنا: انّه يجب عليه بكلّ مرّة كفّارة. و قال في المبسوط: متى تكرّر منه ما يوجب الكفّارة فلايخلو إمّا أن‌يتكرّر ذلك في يوم أو أيّام من شهر رمضان واحد، أو يتكرّر في رمضانين، أو يتكرّر منه قبل التكفير عن الأوّل أو بعده، و لاخلاف أنّ التكرّر في رمضانين يوجب تكرار الكفّارة سواء كفّر عن الأوّل أو لم‌يكفّر. و أمّا اذا تكرّر في يومين من رمضان واحد ففيه الخلاف، و لاخلاف بين الفرقة أنّ ذلك يوجب تكرار الكفّارة، سواء كفّر عن الأوّل أو لم‌يكفّر. فأمّا اذا تكرّر ذلك في يوم واحد، فليس لأصحابنا فيه نصّ معيّن، و الذي يقتضيه مذهبنا أنّه لايتكرّر عليه الكفّارة؛ لأنّه لادلالة على ذلك، و الأصل براءة الذمّة. و في أصحابنا من قال: ان كفّر عن الأوّل، فعليه كفّارة، و ان لم‌يكن كفّر، فالواحدة تجزيه، و انّما قاله قياسا، و ذلك لايجوز عندنا. و في أصحابنا من قال بوجوب تكرار الكفّارة عليه على كلّ حال، و رجع الى عموم الأخبار، و الأوّل أحوط. انتهى ما في المبسوط. - الى أن‌قال: - و قال ابن حمزة بعدم التكرار. انتهى موضع الحاجة من كتاب المختلف ملخّصا».(1)

و الحقّ عدم تكرير الكفّارة بتكرّر الموجب في غير الجماع لعدم الدليل على التكرير، و أمّا في الجماع فقد وردت فيه روايات:

منها: خبر الفتح بن يزيد الجرجاني أنّه كتب الى أبي الحسن عليه‌السلام يسأله عن رجل واقع امرأة في شهر رمضان من حلال أو حرام في يوم عشر مرّات، قال:


1) - مختلف الشيعة 3: 315 / المسألة 61.

«عليه عشر كفّارات لكلّ مرّة كفّارة، فان أكل أو شرب فكفّارة يوم واحد».(1)

و منها: الخبر المروي عن ابن أبي عقيل على ما نقله العلاّمة عنه قال:

«ذكر أبوالحسن زكريّا بن يحيى صاحب كتاب «شمس المذهب» عنهم عليهم‌السلام أنّ الرجل اذا جامع في شهر رمضان عامدا فعليه القضاء و الكفّارة، فان عاود الى المجامعة في يومه ذلك مرّة أخرى فعليه في كلّ مرّة كفّارة».(2)

و منها: الخبر المروي عن العلاّمة قال:

«و روي عن الرضا عليه‌السلام: أنّ الكفّارة تتكرّر بتكرّر الوطئ».(3)

فهذه الروايات كلّها ضعيفة من جهة السند، و لم‌ينجبر بعمل المشهور، فالحقّ عدم الفرق بين الجماع و غيره من المفطرات من أنّه لو تكرّر لم‌تتكرّر الكفّارة، لعدم دليل صالح يدلّ على التكرّر، فالأصل الحاكم البراءة، و ان كان الاحتياط حسن لمكان الروايات المذكورة.

(مسألة 3): لافرق في الافطار بالمحرّم الموجب لكفّارة الجمع بين أن‌تكون الحرمة أصليّة كالزنا و شرب الخمر، أو عارضيّة كالوطئ حال الحيض أو تناول ما يضرّه.

الشرح:

قد تقدّم أنّه لافرق في وجوب الكفّارة بين الافطار بالمحلّل أو بالمحرّم فكما يوجب الافطار بالمحلّل كفّارة واحدة مخيّرة بين الخصال الثلاث كذلك في


1) - وسائل الشيعة 7: 36 / الباب 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 37 / الباب 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 37 / الباب 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

الافطار بالمحرّم و لادليل على وجوب كفّارة الجمع.

و أمّا لو قلنا بأنّ الافطار بالمحرّم يوجب كفّارة الجمع فهل يكون فرقا بين الحرمة الأصليّة أو العارضيّة؟ فنقول: ان كان المستند الروايات المذكورة المتقدّمة في ابتداء هذا الفصل فلا فرق لاطلاق الروايات، و أمّا ان كان هناك اجماع، و لم‌يكن، فالقدر المتيقّن من وجوب كفّارة الجمع هو الافطار بما كان حرمته أصليّة.

(مسألة 4): من الافطار بالمحرّم الكذب على اللّه و على رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله، بل ابتلاع النخامة اذا قلنا بحرمتها من حيث دخولها في الخبائث، لكنّه مشكل.

الشرح:

قد تقدّم أنّه لادليل على الفرق بين الافطار بالمحرّم و المحلّل من جهة الكفّارة. نعم لو قلنا بوجوب كفّارة الجمع في الافطار بالمحرّم، فالكذب على اللّه و على رسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من الافطار بالمحرّم ان لم‌ندّع الانصراف الى غير هذا.

و أمّا قضيّة ابتلاع النخامة و أنّه حرام من حيث دخولها في الخبائث فقد مرّ البحث عنه في المسألة التاسعة و الستّين، و قلنا بأنّ ابتلاع ما يخرج من البطن أو الرأس أوّلاً لايكون من الخبائث، و ثانيا لادليل على حرمة الخبائث من حيث هي، مضافا الى ورود رواية دالّة على جواز ابتلاعه، كخبر عبداللّه بن سنان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول: من تنخّع في المسجد ثمّ ردّها في جوفه لم‌يمرّ بداء في جوفه الاّ أبرأته».(1)

و رواه الصدوق مرسلاً الاّ أنّه قال: «من تنخّم».


1) - وسائل الشيعة 3: 500 / الباب 20 من أبواب أحكام المساجد / الحديث الأوّل.

(مسألة 5): اذا تعذّر بعض الخصال في كفّارة الجمع وجب عليه الباقي.

الشرح:

اذا تعذّر بعض الخصال في كفّارة الجمع وجب عليه الباقي، مثل‌ما لو تعذر العتق كما في هذه الأيّام فانّه يجب عليه الصيام و الاطعام. و الدليل على ذلك فهم العرف من أنّه اذا قال الشارع: «من أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا بجماع محرّم عليه أو بطعام محرّم عليه أنّ عليه ثلاث كفّارات»(1)يفهم منه ما قلنا من أنّه اذا تعذّر بعض هذه الثلاث يجب عليه الباقي منها.

و ما قيل من أنّ التكليف بالجمع مساوق لفرض الارتباطيّة بمعنى أنّ العجز عن الجزء عجز عن المركّب بمجموعه فلا دليل على وجوب الاتيان بالباقي بعد عدم امكان الاتيان بمجموعه. ففيه أنّه لادليل على أنّ التكليف بالجمع مساوق لفرض الارتباطيّة لا من نفس الرواية و لا من رواية أخرى. فلو شكّ فالأصل الحاكم الاشتغال لأنّه قد وجبت عليه كفّارة الجمع بالافطار بالمحرّم، فبتعذّر البعض لايسقط عنه الباقي فانّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة.

(مسألة 6): اذا جامع في يوم واحد مرّات وجب عليه كفّارات بعددها، و ان كان على الوجه المحرّم تعدّدت كفّارة الجمع بعددها.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الثانية من هذا الفصل من أنّ الحقّ عدم تكرّر الكفّارة بتكرّر الموجب مطلقا في الجماع و غيره لعدم الدليل على التكرار، و مقتضى القاعدة عدمه. و هكذا يكون الحكم فيما اذا أفطر بحرام و تكرّر منه ذلك، فانّه


1) - وسائل الشيعة 7: 36 / الباب العاشر من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

لاتتكرّر كفّارة الجمع، لعدم الدليل عليه.

(مسألة 7): الظاهر أنّ الأكل في مجلس واحد يعدّ افطارا واحدا و ان تعدّدت اللقم، فلو قلنا بالتكرّر مع التكرار في يوم واحد لاتكرّر بتعدّدها و كذا الشرب اذا كان جرعة فجرعة.

الشرح:

قد تقدّم أنّه لاتتكرّر الكفّارة بتكرّر الافطار مطلقا، و أمّا لو قلنا بالتكرّر مطلقا، فالأكل في مجلس واحد يعدّ عند العرف افطارا واحدا و ان تعدّدت اللقم و هو المناط، و كذا الشرب.

(مسألة 8): في الجماع الواحد اذا أدخل و أخرج مرّات لاتتكرّر الكفّارة و ان كان أحوط.

الشرح:

لو قلنا بأنّه تتكرّر الكفّارة بتكرار الجماع، فالدخول و الخروج مكرّرا في دفعة واحدة يعدّ عند العرف جماعا واحدا، كما في الأكل و الشرب.

(مسألة 9): اذا أفطر بغير الجماع ثمّ جامع بعد ذلك يكفيه التكفير مرّة، و كذا اذا أفطر أوّلاً بالحلال ثمّ أفطر بالحرام تكفيه كفّارة الجمع.

الشرح:

قد مرّ مرارا أنّ تعدّد الافطار لايوجب تعدّد الكفّارة مطلقا سواء أفطر أوّلاً بغير الجماع ثمّ جامع أم كان بالعكس، و كذا قلنا بأنّ الافطار بالحرام لايوجب كفّارة الجمع و عليه فلافرق بين أن‌يفطر أوّلاً بالحلال ثمّ بالحرام أو كان بعكس ذلك.

نعم، لو قلنا بتعدّد الكفّارة اذا تعدّد الجماع دون سائر المفطرات، فالظاهر تعدّد الكفّارة في فرض المسألة لأنّ الجماع سبب مستقلّ للكفّارة سواء أفطر قبله بالأكل و الشرب أم بعده، فعليه كفّارتان، كفّارة للافطار بغير الجماع و الثانية للجماع. نعم، لو جامع أوّلاً ثمّ أكل أو شرب أو ارتكب غير الجماع فعليه كفّارة واحدة للجماع فقط و لايجب كفّارة أخرى للافطار لأنّه أفطر صومه بالجماع و لامعنى للافطار بعد الافطار.

ثمّ اعلم أنّه اذا أفطر أوّلاً بالحلال ثمّ أفطر بالحرام فان قلنا بعدم الفرق بين الافطار بالحلال و الحرام و كذا لو قلنا بعدم تكرار الكفّارة كما هو الحقّ فلايجب عليه الاّ كفّارة واحدة. و أمّا اذا قلنا بالفرق و قلنا أيضا بأنّ تعدّد الجماع موجب لتكرّر الكفّارة و أنّه سبب مستقلّ، فحينئذ ان أفطر أوّلاً بالحلال مطلقا ثمّ أفطر بالحرام بغير الجماع فيجب عليه كفّارة واحدة مخيّرة لعدم معنى للافطار بعد الافطار. و أمّا اذا أفطر بالحلال ثمّ أفطر بالجماع المحرّم فيجب عليه كفّارة مخيّرة و كفّارة الجمع، لأنّ الجماع سبب مستقلّ.

(مسألة 10): لو علم أنّه أتى بما يوجب فساد الصوم و تردّد بين ما يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفّارة أيضا لم‌تجب عليه و اذا علم أنّه أفطر أيّاما و لم‌يدر عددها يجوز له الاقتصار على القدر المعلوم، و اذا شكّ في أنّه أفطر بالمحلّل أو المحرّم كفاه احدى الخصال، و اذا شكّ في أنّ اليوم الذي أفطره كان من شهر رمضان أو كان من قضائه و قد أفطر قبل الزوال لم‌تجب عليه الكفّارة، و ان كان قد أفطر بعد الزوال كفاه اطعام ستّين مسكينا، بل له الاكتفاء بعشرة مساكين.

الشرح:

في هذه المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في التردّد بين القضاء و الكفّارة

لو علم أنّه أتى بما يوجب فساد الصوم و تردّد بين ما يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفّارة أيضا، لم‌تجب عليه الكفّارة، و ذلك للشكّ في التكليف بالنسبة الى الكفّارة.

الفرع الثاني : في الشكّ في عدد أيّام القضاء

اذا علم أنّه أفطر أيّاما و لم‌يدر عددها يجوز له الاقتصار على القدر المعلوم. و ذلك لأنّ القضاء بأمر جديد و موضوعه الفوت، فوجوب مقدار القضاء منوط على منجزيّة مقدار الفوت فما هو معلوم فعلاً فمنجز و يجب قضاؤه و ما هو مشكوك لم‌ينجز فلايجب قضاؤه. سواء كان النسيان مسبوقا بالذكر أم لم‌يكن لأنّ مناط المنجّزيّة على العلم الفعلي.

الفرع الثالث : في الشكّ في كفّارة الجمع

اذا شكّ في أنّه أفطر بالمحلّل أو المحرّم كفاه احدى الخصال، و ذلك لأنّ المتيقّن من وجوب الكفّارة احدى الخصال و الزائد مشكوك فيه فيجري أصالة البراءة كما هو الحال في كلّ مورد دار الأمر فيه بين التعيين و التخيير.

الفرع الرابع : في الشكّ بين الكفّارة و عدمها

اذا شكّ في أنّ اليوم الذي أفطره كان من شهر رمضان أو كان من قضائه و قد أفطر قبل الزوال، فان كان من قضاء شهر رمضان فحيث أفطر قبل الزوال لم‌يجب عليه الكفّارة، و ان كان افطاره من شهر رمضان يجب عليه الكفّارة، فحينئذ يشكّ في وجوب الكفّارة عليه فالأصل الحاكم البراءة.

الفرع الخامس : في الشكّ في نوع الكفّارة

اذا شكّ في أنّ اليوم الذي أفطره كان من شهر رمضان أو كان من قضائه و قد أفطر بعد الزوال، ففي هذه الصورة فالكفّارة واجبة عليه الاّ أنّها مردّدة بين احدى خصال كفّارة شهر رمضان أو كفّارة قضاء شهر رمضان التي تكون اطعام عشرة مساكين و ان لم‌يتمكّن فصيام ثلاثة أيّام. فحينئذ لو أطعم ستّين مسكينا فقد أدّى ما عليه يقينا لأنّه ان كان في شهر رمضان فقد أطعم ستّين مسكينا احدى خصال كفّارة من أفطر في شهر رمضان، و ان كان في قضائه فقد أدّى ما عليه أي اطعام عشرة مساكين في ضمن الستّين.

انّما الكلام فيما لو أطعم عشرة مساكين فهل يكفي أم لا؟

ذهب المصنّف الى كفاية اطعام عشرة مساكين و هو الحقّ، و ذلك لأنّه اذا أطعم عشرة مساكين يشكّ في وجوب الزيادة فيجري أصالة البراءة، فما يقال بأنّ المقام ليس من باب القدر المتيقّن بل من باب التباين، فانّ الواجب من الكفّارة في شهر رمضان هو الجامع الانتزاعي المنطبق على كلّ من الأطراف و ليس الطرف بنفسه متعلّقا للتكليف بوجه، و انّما هو محقّق للامتثال و مسقط للأمر المتعلّق

بالجامع من أجل انطباقه عليه و من الضروري أنّ العشرة مباينة مع الجامع المذكور. ففيه: انّ الظاهر من الروايات الواردة في الكفّارات أنّ المتعلّق للتكليف هو الطرف بنفسه، و هذا في الكفّارات المرتّبة واضح، و في المخيّرة كذلك على ما يفهمه العرف.

(مسألة 11): اذا أفطر متعمّدا ثمّ سافر بعد الزوال لم‌تسقط عنه الكفّارة بلا اشكال، و كذا اذا سافر قبل الزوال للفرار عنها، بل و كذا لو بدا له السفر لا بقصد الفرار على الأقوى و كذا لو سافر فأفطر قبل الوصول الى حدّ الترخّص، و أمّا لو أفطر متعمّدا ثمّ عرض له عارض قهري من حيض أو نفاس أو مرض أو جنون أو نحو ذلك من الأعذار ففي السقوط و عدمه وجهان، بل قولان أحوطهما الثاني و أقواهما الأوّل.

الشرح:

اذا فعل ما يوجب الكفّارة ثمّ سقط فرض الصوم بسفر أو حيض أو شبهه فهل تسقط الكفّارة أم لا؟

قولان، ثانيهما للشيخ في الخلاف و أكثر الأصحاب و ادّعى عليه في الخلاف اجماع الفرقة. قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ (في الخلاف): من فعل ما يوجب الكفّارة في أوّل النهار ثمّ سافر أو مرض مرضا يبيح له الافطار، أو حاضت المرأة، فانّ الكفّارة لاتسقط عنه بحال. و ادّعى (في الخلاف) عليه اجماع الفرقة. و كذا قال ابن الجنيد. و قيل بالسقوط، و هو الأقرب عندي، الاّ اذا كان غرضه من فعل المسقط اسقاط الكفّارة. انتهى ملخّصا».(1)

و استدلّ عليه الشيخ بأنّه أفسد صوما واجبا من رمضان فاستقرّت عليه


1) - مختلف الشيعة 3: 318.

الكفّارة كما لو لم‌يطرأ العذر، و بأنّه أوجد المقتضى و هو الهتك و الافساد بالسبب الموجب للكفّارة، و المعارض و هو العذر المسقط لفرض الصوم لايصلح للمانعيّة عملاً بالأصل. انتهى.

و استدلّ المخالف بأنّ هذا اليوم غير واجب صومه عليه في علم اللّه تعالى و قد انكشف لنا ذلك بتجدّد العذر فلاتجب فيه الكفّارة كما لو انكشف أنّه من شوّال بالبيّنة. انتهى.

و الحقّ ما ذهب اليه الأكثر من وجوب الكفّارة لمن كان صائما فأفسد صومه ثمّ سافر مطلقا، و ذلك لصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم قالا:

«قال أبو عبداللّه عليه‌السلام: أيّما رجل كان له مال فحال عليه الحول فانّه يزكّيه، قلت له: فان وهبه قبل حلّه بشهر أو بيوم؟ قال: ليس عليه شيء أبدا. قال: و قال زرارة عنه: انّه قال: انّما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في اقامته ثمّ خرج في آخر النهار في سفر فأراد بسفره ذلك ابطال الكفّارة التي وجبت عليه، و قال: انّه حين رأى هلال الثانيعشر وجبت عليه الزكاة ولكنّه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز و لم‌يكن عليه شيء بمنزلة من خرج ثمّ أفطر. الحديث».(1)

فمن قوله عليه‌السلام في ذيل الصحيحة: « ... بمنزلة من خرج ثمّ أفطر» بضميمة أنّ الخروج بعد الزوال لايجوز الافطار، يظهر أنّ الخروج في شهر رمضان قبل الزوال ثمّ الافطار بعد الخروج جائز، فبمفهومه يظهر عدم جواز الافطار قبل الزوال اذا لم‌يخرج بعد، و لايسقط عنه ما استقرّ عليه من الكفّارة ان أفطر قبل الخروج و ان كان قبل الزوال.

و أمّا من أفطر متعمّدا ثمّ عرض له الحيض و النفاس و المرض و الجنون فتسقط عنه الكفّارة على الأقوى لأنّ هذا اليوم لم‌يكن صومه واجبا عليه في


1) - وسائل الشيعة 6: 111 / الباب 12 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث الثاني.

الواقع، و لعدم الدليل على وجوبها، و المطلقات منصرفة عن هذا القسم من العذر الطارئ.

(مسألة 12): لو أفطر يوم الشكّ في آخر الشهر ثمّ تبيّن أنّه من شوّال فالأقوى سقوط الكفّارة، و ان كان الأحوط عدمه و كذا لو اعتقد أنّه من رمضان ثمّ أفطر متعمّدا فبان أنّه من شوّال، أو اعتقد في يوم الشكّ في أوّل الشهر أنّه من رمضان فبان أنّه من شعبان.

الشرح:

اذا شكّ في آخر الشهر أنّه من رمضان أو من شوّال فيجب عليه الصيام للاستصحاب. و كذا لو اعتقد أنّه من رمضان يجب عليه أن‌يصوم، فلو أفطر متعمّدا يجب عليه الكفّارة، الاّ أنّ الأصل أو الاعتقاد محكّمان ما لم‌ينكشف الخلاف فلو انكشف أنّ اليوم المذكور من شوّال، فالاستصحاب لايفيد كما لو زال اعتقاده، فيحرّم عليه الصوم من حين الانكشاف. فعليه اذا أفطر قبل الانكشاف ثمّ انكشف أنّه من شوّال يسقط عنه الكفّارة لأنّ اليوم لم‌يكن من رمضان و الواقع لاينقلب عمّا هو عليه بالأصل أو البيّنة أو العلم الظاهري. نعم استحقاق العقاب من جهة التجرّي أمر آخر.

(مسألة 13): قد مرّ أنّ من أفطر في شهر رمضان عالما عامدا ان كان مستحلاًّ فهو مرتدّ، بل و كذا ان لم‌يفطر ولكن كان مستحلاًّ له، و ان لم‌يكن مستحلاًّ عزّر بخمسة و عشرين سوطا فان عاد بعد التعزير عزّر ثانيا، فان عاد كذلك قتل في الثالثة و الأحوط قتله في الرابعة.

و قد تقدّم الكلام حول ذلك تفصيلاً في أوّل كتاب الصوم فراجع.

(مسألة 14): اذا جامع زوجته في شهر رمضان و هما صائمان مكرها لها كان عليه كفّارتان و تعزيران خمسون سوطا، فيتحمّل عنها الكفّارة و التعزير، و أمّا اذا طاوعته في الابتداء فعلى كلّ منهما كفّارته و تعزيره و ان كان أكرهها في الابتداء ثمّ طاوعته في الأثناء فكذلك على الأقوى، و ان كان الأحوط كفّارة منها و كفّارتين منه، و لافرق في الزوجة بين الدائمة و المنقطعة.

الشرح:

اذا جامع زوجته في شهر رمضان و هما صائمان مكرها لها كان عليه كفّارتان و تعزيران خمسون سوطا، و أمّا اذا طاوعته فعلى كلّ منهما كفّارته و تعزيره. و الدليل على ذلك، خبر المفضّل بن عمر عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل أتى امرأته و هو صائم و هي صائمة فقال:

«ان كان استكرهها فعليه كفّارتان، و ان كان طاوعته فعليه كفّارة و عليها كفّارة، و ان كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحدّ، و ان كان طاوعته ضرب خمسة و عشرين سوطا، و ضربت خمسة و عشرين سوطا».(1)

قال في الوسائل: «ذكر المحقّق في المعتبر أنّ سندها ضعيف، لكن علماؤنا ادّعوا على ذلك اجماع الاماميّة فيجب العمل بها، و تعلم نسبة الفتوى الى الأئمّة عليهم‌السلام باشتهارها. انتهى».(2)

أمّا ضعف الخبر فلأنّ في سنده ابراهيم بن اسحاق الأحمر فضعّفه النجاشي و الشيخ الاّ أنّه منجبر بعمل الأصحاب.


1) - وسائل الشيعة 7: 37 / الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 38 / الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

قال العلاّمة في المختلف: «المشهور أنّ من أكره زوجته على الجماع في نهار رمضان وجب عليه كفّارتان. و قال ابن أبي عقيل: و لو أنّ امرأة استكرهها زوجها فوطأها، فعليها القضاء وحده، و على الزوج القضاء و الكفّارة، فان طاوعت زوجها بشهوة فعليها القضاء و الكفّارة جميعا. و قال الشيخ في الخلاف: يجب بالجماع كفّارتان - الى أن‌قال: - و قال ابن ادريس: اذا أكرهها لم‌يكن عليها قضاء و لاكفّارة. انتهى».(1)

و أمّا اذا طاوعته في الابتداء فعلى كلّ منهما كفّارته و تعزيره، و ان كانت مكرهة في الانتهاء فلايلزمه كفّارتان كما هو الظاهر من الرواية، و أمّا لو أكرهها في الابتداء ثمّ طاوعته في الأثناء، يجب على الرجل كفّارتان و تعزيران و على المرأة أيضا كفّارة واحدة، و ذلك لأنّه اذا رفع الاكراه فهي مكلّفة بحفظ صومها فمطاوعتها بعد رفع الاكراه كالمطاوعة في الابتداء.

(مسألة 15): لو جامع زوجته الصائمة - و هو صائم - في النوم لايتحمّل عنها الكفّارة و لا التعزير، كما أنّه ليس عليها شيء و لايبطل صومها بذلك، و كذا لايتحمّل عنها اذا أكرهها على غير الجماع من المفطرات حتّى مقدّمات الجماع و ان أوجبت انزالها.

الشرح:

لو جامع زوجته الصائمة و هو صائم و هي نائمة، لايجب عليها الكفّارة لعدم شعورها، و عدم كونها مكلّفة، و لايتحمّل الزوج عنها الكفّارة أيضا، لعدم الدليل، و خبر المفضّل بن عمر وارد فيمن استكره زوجتها على الجماع، و لايشمل ما نحن فيه، مع كون الخبر على خلاف القاعدة، لقوله تعالى:«و لاتزر وازرة وزر


1) - مختلف الشيعة 3: 296.

أخرى»(1)

قال العلاّمة في المختلف عن الشيخ بعدم الفرق بين أن‌يكرهها الزوج على الجماع، و بين أن‌يطأها نائمة، فانّ عليه كفّارتان - الى أن‌قال: - و فيه (أي في قول الشيخ) اشكال، لأنّ الأصل براءة الذمّة، و النصّ ورد على المكرهة، و الفرق ظاهر بين المكره و بين الواطئ حالة النوم، لامكان رضاها به لو كانت مستيقظة. انتهى ملخّصا.(2)

و أمّا لو أكره الزوج زوجته على غير الجماع من المفطرات فلايتحمّل عنها الكفّارة و لاالتعزير لعدم الدليل، حتّى لو أكرهها على مقدّمات الجماع و أوجبت انزالها، لأنّ النصّ وارد في الاكراه على الجماع.

(مسألة 16): اذا أكرهت الزوجة زوجها لاتتحمّل عنه شيئا.

الشرح:

اذا أكرهت الزوجة زوجها، أو أكره الأجنبي الأجنبيّة، أو بعكس ذلك فلايتحمّل المكره أو المكرهة عن الآخر شيئا، لعدم الدليل و القاعدة تقتضي عدم التحمّل الاّ ما خرج بالنصّ، و النص وارد على اكراه الزوج زوجتها.

(مسألة 17): لاتلحق بالزوجة الأمة اذا أكرهها على الجماع و هما صائمان، فليس عليه الاّ كفّارته و تعزيره، و كذا لاتلحق بها الأجنبيّة اذا أكرهها عليه على الأقوى و ان كان الأحوط التحمّل عنها خصوصا اذا تخيّل أنّها زوجته فأكرهها عليه.


1) - الأنعام 6: 164.

2) - مختلف الشيعة 3: 296.

الشرح:

قد تقدّم أنّ حكم تحمّل الكفّارة و التعزير عن الغير خلاف القاعدة الاّ ما خرج بالدليل، و الدليل ورد على الزوج اذا أكره زوجته، فالأمة خارجة عن النصّ. و كذا الحال في الأجنبيّة، و دعوى الأولويّة القطعيّة فيها نظرا الى أنّ تشريع الكفّارة تخفيف الذنب الذي هو بالزنا أعظم فالكفّارة ألزم. مدفوعة بأنّ للزنا أحكاما خاصّة من الرجم أو الجَلد و مهر المثل على المكره، فمن الجائز الاكتفاء بها خاصّة، و لو فرضنا عدم وجود هذه الأحكام للزنا فمع ذلك لانجاوز الحكم الى من أكره الأجنبيّة على الجماع وهما صائمان لأنّه قياس و لانقول به، و اثبات الأولويّة صرف الادّعاء فضلاً عن قطعيّتها، فانّ المدّعي لذلك لايحكم باجراء الحكم على اللواط مع أنّه أعظم من الزنا جزما.

و ما ذكرنا من عدم التعدّي لافرق فيه بين علمه بأنّها أجنبيّة، و بين ما لو تخيّل أنّها زوجته فأكرهها عليه ثمّ بان بأنّها أجنبيّة، لأنّ الحكم على الواقع لا التخيّل.

(مسألة 18): اذا كان الزوج مفطرا بسبب كونه مسافرا أو مريضا أو نحو ذلك و كانت زوجته صائمة لايجوز له اكراهها على الجماع، و ان فعل لايتحمّل عنها الكفّارة و لا التعزير، و هل يجوز له مقاربتها و هي نائمة اشكال.

الشرح:

قال في الجواهر: «لو كان مفطرا بسفر و نحوه و هي صائمة فأكرهها فعن بعضهم وجوب الكفّارة عنها لاعنه، و قد يحتمل كما في القواعد السقوط لكونه مباحا غير مفطر لها، لانتفاء المقتضي للتحريم، و هو فساد الصوم، اذ المفروض أنّ صومها لايفسد بذلك، لكن في المدارك أنّ الأصحّ التحريم، لأصالة عدم جواز

اجبار المسلم على غير الحقّ الواجب عليه، و فيه بحث، و اللّه أعلم. انتهى».(1)

أقول: اذا كان الزوج مفطرا لعذر و كانت زوجته صائمة فان أكرهها على الجماع لايتحمّل عنها الكفّارة و لا التعزير و ذلك لما مرّ من أنّ التحمّل عن الغير خلاف القاعدة الاّ ما خرج بالنصّ، و النصّ ورد فيما اذا كان الزوجان صائمين فأكره الزوج الزوجة، فحينئذ يتحمّل عنها الكفّارة و التعزير. و أمّا فيما نحن فيه لايتحمّل لأنّ الزوج مفطر و هذا خارج عن النصّ. فهل يجوز للزوج المفطر لعذر اكراه زوجتها الصائمة على الجماع؟

الظاهر عدم جواز الاكراه، لأنّ التسبيب لارتكاب الحرام من الغير أو ترك الواجب مبغوض عند الشارع، فانّ الشارع الحكيم لايرضى بذلك و ان كان المكره بالفتح معذورا في ارتكاب الحرام أو ترك الواجب لمكان الاكراه، بل و لو كان ما توسّل به المكره بالكسر من الاكراه مباحا، كتوعيدها على الطلاق ان مانعته من الجماع. خذ لذلك مثالاً، لو كان للمولى غلامان، فأمر أحدهما معيّنا باتيان الماء للشرب فسدّ الغلام الآخر باب الخروج عليه فصار سببا لئلاّيأتي الغلام بالماء و أن لايشرب المولى الماء فهل ترى أن لايبغضه المولى و لايتعرّضه بل لايسأله لماذا صرت سببا في عدم اتيانه الماء؟ و كذا لو منع المولى شخصين من الدخول عليه فأكره أحدهما الآخر و أجبره على الدخول يعاقب المكره على فعله التسبيبي و ان كان المكره معذورا في عمله.

فرع : في حكم مقاربته لزوجته الصائمة النائمة

هل تجوز للزوج المفطر لعذر مقاربة زوجته الصائمة و هي نائمة؟


1) - جواهر الكلام 16: 309.

اشكال؛ من أنّ الاكراه على الافطار مبغوض للمولى، و من أنّ النائمة لم‌تكن مفطرة و لم‌تفعل محرّما ولو بالاكراه، و كذا لم‌يصدر عن الزوج فعلاً على صفة المبغوضيّة كي يحرّم التسبّب اليه، لأنّ المفروض أنّ الزوج مفطر لم‌يحرّم عليه الجماع من حيث المباشرة و لا من ناحية التسبيب.

(مسألة 19): من عجز عن الخصال الثلاث في كفّارة مثل شهر رمضان تخيّر بين أن‌يصوم ثمانيه‌عشر يوما أو يتصدّق بما يطيق و لو عجز أتى بالممكن منهما، و ان لم‌يقدر على شيء منهما استغفر اللّه و لو مرّة بدلاً عن الكفّارة و ان تمكّن بعد ذلك منها أتى بها.

الشرح:

اختلف الأصحاب فيمن عجز عن الخصال الثلاث في كفّارة شهر رمضان، ذهب المفيد و السيّد المرتضى و ابن ادريس الى وجوب صوم ثمانيه‌عشر يوما، و الأوّلان صرّحا بوجوب التتابع و قال السيّد المرتضى: فان لم‌يقدر تصدّق بما وجد و صام ما استطاع. و قال الشيخ: فان لم‌يتمكّن فليتصدّق بما تمكّن منه، فان لم‌يتمكّن من الصدقة، صام ثمانيه‌عشر يوما، فان لم‌يقدر صام ما تمكّن منه، فان لم‌يستطع قضى ذلك اليوم و ليستغفر اللّه تعالى، و ليس عليه شيء.

و قال ابن الجنيد و الصدوق محمّد بن بابويه في المقنع: من عجز عن الكفّارات الثلاث يتصدّق بما يطيق. و قال العلاّمة: و الأقرب عندي التخيير. كلّ ذلك في المختلف.(1)و تبعه على ذلك بعض كالشهيدين، و قال في المنتهى: «و لو عجز عن الأصناف الثلاثة صام ثمانيه‌عشر يوما فان لم‌يقدر تصدّق بما وجد أو صام ما استطاع فان لم‌يتمكّن استغفر اللّه تعالى و لاشيء عليه ذهب اليه


1) - مختلف الشيعة 3: 311.

علماؤنا».(1)

و الحقّ أنّ من عجز عن الخصال الثلاث في كفّارة مثل شهر رمضان يتصدّق بما يطيق و ان لم‌يقدر فليستغفر اللّه تعالى و لو مرّة واحدة. و ذلك للجمع بين صحيحتي عبداللّه بن سنان و بين صحيحة علي بن جعفر، ففي صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل أفطر من شهر رمضان متعمّدا يوما واحدا من غير عذر، قال:

«يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكينا، فان لم‌يقدر تصدّق بما يطيق».(2)

و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في رجل وقع على أهله في شهر رمضان فلم‌يجد ما يتصدّق به على ستّين مسكينا، قال:

«يتصدّق بقدر ما يطيق».(3)

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام قال:

«سألته عن رجل نكح امرأته و هو صائم في رمضان ما عليه؟ قال: عليه القضاء و عتق رقبة، فان لم‌يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم‌يستطع فاطعام ستّين مسكينا، فان لم‌يجد فليستغفر اللّه».(4)

و لاتعارض الصحاح المتقدّمة صحيحة وهيب بن حفص عن أبي بصير قال:

«سألت أباعبداللّه عليه‌السلام عن رجل ظاهر من امرأته فلم‌يجد ما يعتق و لا ما يتصدّق و لايقوى على الصيام، قال: يصوم ثمانيه‌عشر يوما لكلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام».(5)


1) - منتهى المطلب 2: 575.

2) - وسائل الشيعة 7: 28 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 29 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

4) - وسائل الشيعة 7: 31 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث التاسع.

5) - وسائل الشيعة 15: 558 / الباب الثامن من أبواب الكفّارات / الحديث الأوّل.

لأنّ موردها كفّارة الظهار المرتّبة. كما لايعارضها اطلاق خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلم‌يقدر على الصيام و لم‌يقدر على العتق و لم‌يقدر على الصدقة، قال: فليصم ثمانيه‌عشر يوما عن كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام».(1)

لأنّه أوّلاً ضعيف سندا، فانّ في سنده اسماعيل بن مرّار و عبدالجبّار بن المبارك فهما لم‌يوثّقا. و ثانيا يحمل على صحيحة وهيب بن حفص الواردة في الظهار لما فيهما من التشابه الكامل.

فرع : في حكم من تمكّن بعد العجز

اذا عجز عن الخصال الثلاث و تصدّق بما يطيق، أو استغفر اللّه اذا عجز أيضا عن التصدّق، فتمكّن بعد ذلك فهل يجب عليه الكفّارة؟ وجهان من أنّها بدل عن الكفّارة، و اطلاق قوله عليه‌السلام «يتصدّق بقدر ما يطيق» و كذا قوله عليه‌السلام «فان لم‌يجد فليستغفر اللّه» فلا يجب، و من أنّه يسقط المبدل بالاتيان بالبدل لو كان المبدل موقّتا و مضى وقته، و أمّا لو لم‌يكن المبدل موقّتا و لايجب فيه الفور كما هيهنا فيسقط المبدل باتيان البدل اذا استمر العجز و الاّ يجب عليه اذا تمكّن. و الثاني أوجه و ذلك أوّلاً لما مرّ آنفا من عدم كون المبدل موقّتا، و في اطلاق قوله عليه‌السلام في الصحيحتين المتقدّمتين من التصدّق بما يطيق و الاستغفار ان لم‌يطق تأمّل للشكّفي كونه عليه‌السلام بصدد بيان الحكم من هذه الجهة أيضا. و ان كان يمكن أن‌يقال بأنّ الغالب عدم استمرار العجز الى آخر العمر فلو لم‌يسقط الكفّارة لكان عليه البيان و


1) - وسائل الشيعة 7: 279 / الباب التاسع من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

حيث لم‌يبيّن كشف عن السقوط. قلت: لم‌يثبت غالبيّة عدم استمرار العجز.

و ثانيا لموثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«الظهار اذا عجز صاحبه عن الكفّارة فليستغفر ربّه و ينوي أن لايعود قبل أن‌يواقع ثمّ ليواقع، و قد أجزأ ذلك عنه من الكفّارة، فاذا وجد السبيل الى ما يكفّر يوما من الأيّام فليكفّر، و ان تصدّق و أطعم نفسه و عياله فانّه يجزيه اذا كان محتاجا، و الاّ يجد ذلك فليستغفر ربّه و ينوي أن لايعود فحسبه ذلك و اللّه كفّارة».(1)

و موردها و ان كان الظهار ولكن الظاهر منها عدم الفرق من هذه الجهة.

(مسألة 20): يجوز التبرّع بالكفّارة عن الميّت صوما كانت أو غيره و في جواز التبرّع بها عن الحيّ اشكال و الأحوط العدم خصوصا في الصوم.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في التبرّع عن الميّت

يجوز التبرّع عن الميّت بالكفّارة و غيرها من الديون سواء كان حقّ اللّه مثل الصلاة و الصوم و الحجّ و الكفّارات أو مثل الزكاة و الخمس، أو حقّ الناس، و يسقط باتيان المتبرّع ذمّة الميّت ممّا وجبت عليه و يثاب المتبرّع أيضا. و الدليل على السقوط و على ثواب المتبرّع ما ورد من الأئمّة المعصومين من الروايات و قد أضبطها صاحب الوسائل.


1) - وسائل الشيعة 15: 555 / الباب السادس من أبواب الكفّارات / الحديث الرابع.

الفرع الثاني : في حكم الكفّارة عن الحيّ

اذا أجاز المالك لشخص التصرّف في ماله مطلقا و بما شاء، يجوز للمتصرّف أداء الكفّارة من هذا المال سواء كان مثل الاطعام أم مثل عتق الرقبة، و الدليل على الجواز مطلقات الروايات الواردة في الكفّارة فمن قوله عليه‌السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان في رجل أفطر من شهر رمضان متعمّدا يوما واحدا من غير عذر: «يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم مسكينا» يدلّ على كفاية العتق أو الاطعام من مال أبيح له. و ما يقال من أنّ العتق لايكون الاّ في ملك لقوله عليه‌السلام «لا عتق الاّ في ملك» فالاستفادة لا وجه له. مدفوع بأنّه ناظر الى أنّ العبد المملوك للغير لايعتق ممّن هو ليس بمالكه، و أمّا لو أذن له في العتق أو وكله في عتق عبده فلا اشكال فيه.

الفرع الثالث : في حكم التوكيل في المعاملات و العبادات

يجوز التوكيل في المعاملات كالبيع و الشراء و المضاربة و الشركة و الاجارة و غيرها و كذا اجراء صيغة النكاح و الطلاق. و يجوز التوكيل أيضا في أداء الديون سواء كان حقّ الناس أم كان حقّ اللّه من الزكاة و الخمس و الحجّ و كذا الكفّارات من مثل العتق و اطعام المساكين و أمّا التوكيل من مثل الصوم وان كان بعنوان الكفّارة فلم‌يثبت بل عدمه ثابت لأنّ الصوم بعنوان الكفّارة، مثل صوم شهر رمضان و قضائه، و مثل الصلاة، فهذه عبادات تجب بوجوب عيني على ذمّة المكلّف، فهو مأمور بالاتيان بها مباشرة الاّ ما خرج بالدليل كالحجّ نيابة عن المستطيع الذي استقرّ الحجّ في ذمّته فصار مريضا غير مرجوّ الزوال مرضه، و أمّا مثل ما نحن فيه

فلم‌يثبت توكيل الغير لاتيانه فلو وكّل أحدا أن‌يصوم عنه شهرين متتابعين لكفّارة صوم شهر رمضان الذي أفطره عمدا، لم‌يسقط عن المفطر.

الفرع الرابع : في حكم تبرّع الكفّارة عن الحيّ

الأقوال فيه ثلاثة: الجواز مطلقا، و المنع مطلقا و لعلّه المشهور كما في الجواهر، و التفصيل بين الصوم بعدم الجواز و غيره بالجواز. و الحقّ المنع مطلقا بل لايجوز التبرّع في شيء من الواجبات، لأنّ ظاهر الأوامر الصادرة من الشارع و الخطابات الواردة عنه المتوجّه الى المكلّفين، وجوب امتثالها منهم مباشرة، فانّها لاتقبل التوكيل فضلاً عن التبرّع، نعم اذا دلّ الدليل على ذلك فهو المتّبع، فقد ورد الدليل على كفاية التوكيل في بعض الواجبات كما مرّ في الفرع الثالث، أمّا التبرّع فلايدلّ عليه دليل و استدلّ المجوّز مطلقا على أنّ الكفّارة كغيرها من الواجبات الالهيّة دين كسائر الديون، و كلّ دين يجوز التبرّع فيه من غير اذن و لا توكيل.

ولكن فيه: أوّلاً انّ اطلاق الدين على الواجبات لم‌يرد في خبر معتبر، نعم بالنسبة الى الحجّ قد ورد عنهم عليهم‌السلام أنّه دين و لذا يجوز التوكيل فيه و يخرج من أصل المال.

و ثانيا لم‌يدلّ دليل على جواز التبرع عن الغير في كلّ دين، نعم يجوز ذلك في الديون الماليّة بمقتضى السيرة العقلائيّة و بعض الروايات الواردة مثل ما ورد بأنّ من وظائف الابن أداء دين أبيه، و أنّ دين المؤمن العاجز عن الوفاء على الامام يقضيه من الزكاة من سهم الغارمين و نحو ذلك. و أمّا الحجّ و ان أطلق عليه الدين و يخرج من الأصل، أمّا مع ذلك لايجوز التبرّع فيه عن الغير لأنّه من الواجبات التي وجبت فيها المباشرة من المكلّف و لايكون هناك دليل على كفاية التبرّع فيه.

و من ذلك اتّضح بطلان القول بالتفصيل بين الصوم و غيره. و استدلّ المفصّل

بأنّ كلّ ما لايقبل التوكيل لايجوز التبرّع فيه و كلّ ما يقبل التوكيل يقبل التبرّع، و حيث انّ الصوم لايقبل فيه التوكيل لايجوز التبرّع عن الغير، و أمّا الاطعام و الاعتاق فانّهما يقبلان التوكيل فيجوز التبرّع عن الغير بالنسبة اليهما.

ولكن فيه: انّه لم‌يثبت كلّيّة قوله: «كلّ ما يقبل التوكيل يقبل التبرّع»، بل ثبت نقضه، لأنّ الوكيل عن الغير يعدّ عند العرف كنفس الموكّل و ما عمله فكأنّما عمل الموكّل و هذا بخلاف التبرّع عن الغير، فانّ عمل المتبرّع لايكون عند العرف كعمل المتبرّع عنه و لايقال انّ المتبرّع عنه أطعم أو أعتق أو باع أو غيرها.

فتحصّل أنّ التبرّع عن الغير في الكفّارة بل و غيرها من الواجبات لايجوز مطلقا الاّ في مثل الديون الماليّة كما مرّت الاشارة اليه آنفا.

(مسألة 21): من عليه الكفّارة اذا لم‌يؤدّها حتّى مضت عليه سنين لم‌تتكرّر.

الشرح:

اذا وجبت الكفّارة على مكلّف و لم‌يؤدّها حتّى مضت عليه سنوات لم‌تتكرّر. و ذلك لأنّ السبب الواحد يقتضي المسبّب الواحد الاّ ما خرج بالدليل، و لادليل هنا على تكرّر الكفّارة بمضيّ سنين عليها.

(مسألة 22): الظاهر أنّ وجوب الكفّارة موسّع فلاتجب المبادرة اليها، نعم لايجوز التأخير الى حدّ التهاون.

الشرح:

الظاهر أنّ وجوب الكفّارة موسّع لاتجب المبادرة اليها و ذلك لاطلاق دليلها، نعم لايجوز له التأخير الى حدّ يطمئنّ بعدم قدرته على اتيانها، لأنّ العقل يحكم بأنّه اذا أمر المولى عبده بفعل و لم‌يجعل ذلك عليه بالفور، فلايجوز له التأخير الى

زمان لم‌تكن له القدرة على امتثال أمره، و ان كانت المدّة المقدورة للامتثال بعد صدور الأمر قصيرة يجب المبادرة اليه. فلو أخّر الامتثال و الحال هذه لم‌يكن معذورا في تركها.

و كذا لايجوز له التأخير الى حدّ الاهمال و المسامحة، و ذلك أيضا بحكم العقل في مقام المولويّة و العبوديّة، فانّه يحكم بأنّ التهاون في امتثال أوامر المولى يكون توهينا على المولى و عدم الاعتناء بشأنه و هذا لايجوز قطعا. الاّ أنّ حدّ الاهمال و التهاون بنظر العرف.

(مسألة 23): اذا أفطر الصائم بعد المغرب على حرام من زنا أو شرب الخمر أو نحو ذلك لم‌يبطل صومه و ان كان في أثناء النهار قاصدا لذلك.

الشرح:

قد عرفت فيما تقدّم أنّ موضوع وجوب كفّارة الجمع ان قلنا بها هو الافطار على محرّم من زنا أو شرب الخمر أو غيرهما، في حال الصيام. و أمّا من أفطر بعد المغرب على محرّم و قد كان صائما في يومه فلايكون موضوعا للافطار على الحرام و لايبطل صومه الماضي. بل لايبطله أيضا و ان كان في أثناء النهار قاصدا لذلك لعدم الدليل على بطلان صومه هذا.

(مسألة 24): مصرف كفّارة الاطعام الفقراء امّا باشباعهم و امّا بالتسليم اليهم كلّ واحد مدّا، و الأحوط مدّان من حنطة أو شعير أو أرز أو خبز أو نحو ذلك، و لايكفي في كفّارة واحدة اشباع شخص واحد مرّتين أو أزيَد أو اعطاؤه مدّين أو أزيد، بل لابدّ من ستّين نفسا، نعم اذا كان للفقير عيال متعدّدون و لو كانوا أطفالاً صغارا يجوز اعطاؤه بعدد الجميع لكلّ واحد مدّا.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في مصرف كفّارة الاطعام

مصرف كفّارة الاطعام الفقراء و المحتاجون كما يدلّ عليه موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا ابراهيم عليه‌السلام عن اطعام عشرة مساكين أو اطعام ستّين مسكينا أيجمع ذلك لانسان واحد يعطاه؟ قال: لا، ولكن يعطي انسانا انسانا كما قال اللّه تعالى، قلت: فيعطيه الرجل قرابته ان كانوا محتاجين؟ قال: نعم. الحديث».(1)

ثمّ اعلم أنّ النصوص و ان كانت مشتملة على المسكين كما تقدّم في المسألة الأولى من هذا الفصل مثل قوله عليه‌السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان «أو يطعم ستّين مسكينا»، و هو أسوء حالاً من الفقير الاّ أنّه لاخلاف ظاهرا على أنّ الفقير و المسكين يراد كلّ منهما من الآخر عند الانفراد. فما في القواعد من الاشكال في اجزاء الاعطاء للفقير في الكفّارة ضعيف.

الفرع الثاني : في عدم الفرق في الاطعام بين الاشباع و التسليم

يتخيّر في الاطعام بين التسليم اليهم و بين اشباعهم مرّة واحدة. و يدلّ على جواز اشباعهم مرّة واحدة صحيحة أبي بصير قال:

«سألت أباجعفر عليه‌السلام عن أوسط ما تطعمون أهليكم، قال: ما تقوتون


1) - وسائل الشيعة 15: 569 / الباب 16 من أبواب الكفّارات / الحديث الثاني.

به عيالكم من أوسط ذلك، قلت: و ما أوسط ذلك؟ فقال: الخلّ و الزيت و التمر و الخبز يشبعهم به مرّة واحدة، قلت: كسوتهم، قال: ثوب واحد».(1)

و موردها و ان كان كفّارة اليمين الاّ أنّه لايقدح في جواز التعدّي الى المقام و سائر الكفّارات لأنّ الظاهر عدم القول بالفصل.

و لايعارضها خبر سماعة بن مهران المروي عن تفسير العياشي عن أبي عبداللّه عليه‌السلامقال:

«سألته عن قول اللّه: «من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم»(2)في كفّارة اليمين، قال: ما يأكل أهل البيت يشبعهم يوما، و كان يعجبه مدّ لكلّ مسكين، قلت: أو كسوتهم، قال: ثوبين لكلّ رجل».(3)

و ذلك أوّلاً لضعف الخبر بالارسال، و ثانيا لامكان حمله على الاشباع مرّة واحدة، و ثالثا لامكان الجمع بينه و بين الصحيح المتقدّم بحمل الخبر على الاستحباب.

الفرع الثالث : في مقدار اعطاء الطعام

اذا اختار أن‌يسلّم الطعام الى الفقير، فيجب أن‌يعطي لكلّ مسكين مدّا. و الدليل عليه صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا، قال: عليه


1) - وسائل الشيعة 15: 566 / الباب 14 من أبواب الكفّارات / الحديث الخامس.

2) - المائدة 5: 89.

3) - وسائل الشيعة 15: 562 / الباب 12 من أبواب الكفّارات / الحديث التاسع.

خمسه‌عشر صاعا لكلّ مسكين مدّ بمدّ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أفضل».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: عليه اطعام ستّين مسكينا مدّ لكلّ مسكين».(2)

و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«قال أبو عبداللّه عليه‌السلام: كفّارة الدم اذا قتل الرجل مؤمنا متعمّدا - الى أن‌قال: - و اذا قتل خطئا أدّى ديته الى أوليائه ثمّ أعتق رقبة فان لم‌يجد صام شهرين متتابعين فان لم‌يستطع أطعم ستّين مسكينا مدّا مدّا. الحديث».(3)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«في كفّارة اليمين يطعم (عنه خ) عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ من حنطة أو مدّ من دقيق و حفنة أو كسوتهم لكلّ انسان ثوبان، أو عتق رقبة و هو في ذلك بالخيار أيّ ذلك (الثلاثة) شاء صنع فان لم‌يقدر على واحدة من الثلاث فالصيام عليه ثلاثة أيّام». (4)

و لاتعارضها صحيحة أبي بصير عن أحدهما عليهماالسلام في كفّارة الظهار قال:

«تصدّق على ستّين مسكينا ثلاثين صاعا لكلّ مسكين مدّين مدّين».(5)

بناءًا على القول بعدم الفصل لأنّها قابلة للجمع بينها و بين الصحاح المتقدّمة فتحمل على الأفضل.


1) - وسائل الشيعة 7: 31 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث العاشر.

2) - وسائل الشيعة 7: 32 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث 12.

3) - وسائل الشيعة 15: 559 / الباب العاشر من أبواب الكفّارات / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 15: 560 / الباب 12 من أبواب الكفّارات / الحديث الأوّل.

5) - وسائل الشيعة 15: 566 / الباب 14 من أبواب الكفّارات / الحديث السادس.

ثمّ اعلم أنّ اطعام ستّين مسكينا و كلّ مسكين بمدّ يساوي خمسه‌عشر صاعا كما في صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه المتقدّمة آنفا عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا، قال: عليه خمسه‌عشر صاعا لكلّ مسكين مدّ بمدّ النبى صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أفضل».

و لابأس بما في بعض الروايات تقدير الصاع بالعشرين كما في رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا، قال: يتصدّق بعشرين صاعا و يقضي مكانه».(1)

و رواية محمّد بن النعمان عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«أنّه سئل عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان، فقال: كفّارته جريبان من طعام و هو عشرون صاعا».(2)

و ذلك لاختلاف الأصوع. و الشاهد على ذلك ما ورد في صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«أنّه سئل عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا - الى أن‌قال: - فدخل رجل من الناس بمكتل من تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصوع بصاعنا، فقال له رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: خذ هذا التمر فتصدّق به. الحديث».(3)

و بازاء هذه الصحيحة خبر عبدالمؤمن بن الهيثم (القاسم) الأنصاري عن أبي جعفر عليه‌السلام - الى أن‌قال: -:

«فأتى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بعذق في مكتل فيه خمسه‌عشر صاعا من تمر، فقال


1) - وسائل الشيعة 7: 30 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 7: 30 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث السادس.

3) - وسائل الشيعة 7: 29 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: خذ هذا فتصدّق بها. الحديث».(1)

الفرع الرابع : في معنى الطعام و مصداقه

ما هو المراد من الطعام في الروايات الواردة من أنّه اذا أفطر يوما من شهر رمضان فيعتق رقبة أو يصوم ستّين يوما أو يطعم ستّين مسكينا؟

قد ورد في بعض كتب اللغة أنّ الطعام يختصّ بالبُرّ الاّ أنّه خلاف الاستعمال الشائع الذي يحمل عليه اللفظ عند الاطلاق مع أنّه مختصّ بلفظ الطعام و لايجري فيما اشتملت عليه النصوص و هو الاطعام و عليه فمقتضى اطلاق الروايات كفاية اعطاء ما صدق عليه الطعام من الحنطة و الشعير و الأرز و الخبز و غيرها، و لايعارض هذا الاطلاق ما ورد في كفّارة اليمين من تعيين الطعام، لأنّ الظاهر أنّ المذكور في هذه الروايات يكون من باب المصداق.

ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«في كفّارة اليمين يطعم (عنه‌خ) عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ من حنطة و مدّ من دقيق و حفنة. الحديث».(2)

و صحيحة أبي حمزة الثمالي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عمّن قال: «واللّه» ثمّ لم‌يف، فقال أبو عبداللّه عليه‌السلام: كفّارته اطعام عشرة مساكين مدّا مدّا دقيق أو حنطة. الحديث».(3)

و صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«في كفّارة اليمين مدّ مدّ من حنطة و حفنة لتكون الحفنة في طحنه و


1) - وسائل الشيعة 7: 30 / الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

2) - وسائل الشيعة 15: 560 / الباب 12 من أبواب الكفّارات / الحديث العاشر.

3) - وسائل الشيعة 15: 561 / الباب 12 من أبواب الكفّارات / الحديث الرابع.

حطبه».(1)

بيان: الحفنة = (بالمهملة) مل‌ءالكفّين من طعام.

و ما في المستمسك تبعا للعلاّمة من التفضيل بين كفّارة اليمين بتعيين الخبز أو الحنطة أو الدقيق، و بين غيرها من الاكتفاء بمطلق ما يسمّى اطعاما، ففيه تأمّل.

و أمّا التقييد في الآية بالأوسط، و كذا في جملة من النصوص، يرجع الى ما قلنا في معنى الطعام ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «من أوسط ما تطعمون أهليكم» قال:

«هو كما يكون أن‌يكون في البيت من يأكل المدّ، و منهم من يأكل أكثر من المدّ و منهم من يأكل أقلّ من المدّ فبين ذلك، و ان شئت جعلت له أدما و الأدم أدناه ملح، و أوسطه الخلّ و الزيت، و أرفعه اللحم».(2)

فهذه الصحيحة و ان كانت بصدد بيان «الأوسط» من جهة الكمّيّة، و كذا من حيث الكيفيّة من اضافة الأدم الى الطعام، الاّ أنّ من اشارتها الى من يكون في البيت من الآكلين يفهم بوضوح أنّ ما يعطى المسكين هو ممّا تطعمون أنفسكم و تطعمون أهليكم. كما أنّ ذلك يكون ظاهر الآية الشريفة، فانّ قوله تعالى «تطعمون أهليكم» هو ما يتداول بين الناس من الطعام، فكأنّه مفروغ عنه في لسان الآية، و كانت بصدد بيان الكيفيّة و الكمّيّة من الطعام و الاطعام. و لو أشار الامام عليه‌السلام في بعض الروايات الى الحنطة، فلأنّها الغالب من القوت، فقليلاً ما يُتّفق بأن لايكون أغلب قوت الناس الحنطة، و لايكون الامام عليه‌السلام بصدد تعيين الطعام و انحصاره، بل يكون بصدد بيان المصداق. فمن جملة ما تذكر فيها الحنطة صحيحة هشام بن الحكم المتقدّمة و غيرها ممّا مرّ.


1) - وسائل الشيعة 15: 565 / الباب 14 من أبواب الكفّارات / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 15: 565 / الباب 14 من أبواب الكفّارات / الحديث الثالث.

الفرع الخامس : في عدم كفاية اشباع شخص مرّات في الاطعام

لايكفي في كفّارة واحدة اشباع شخص واحد مرّتين أو أزيد، أو اعطاؤه مدّين أو أزيد بل لابدّ من ستّين نفسا. و الدليل على ذلك أوّلاً:

موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أباابراهيم عليه‌السلام عن اطعام عشرة مساكين أو اطعام ستّين مسكينا أيجمع ذلك لانسان واحد يعطاه؟ قال: لا، ولكن يعطي انسانا انسانا كما قال اللّه تعالى، قلت: فيعطيه الرجل قرابته ان كانوا محتاجين؟ قال: نعم. الحديث».(1)

و ثانيا ظاهر قوله تعالى في كفّارة اليمين: «فكفّارته اطعام عشرة مساكين»(2)و لافرق في ذلك بين كفّارة اليمين و غيرها. و كذا ظاهر قوله عليه‌السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة: «أو يطعم ستّين مسكينا»، فانّ الآية و الرواية ظاهرتان في وجوب الاطعام على ستّين نفسا واحدا بعد واحد، و من المعلوم أنّ الاطعام على واحد ستّين دفعة لايصدق عليه أنّه أطعم ستّين مسكينا. و ثالثا عدم الخلاف بيننا في ذلك، قال في الجواهر: «و لايجزئ عندنا مع الاختيار اعطاء ما دون العدد المعتبر و ان كان بقدر اطعام العدد لعدم صدق الامتثال، و لموثّق ابن عمّار، نعم لو دفعه لواحد ثمّ اشتراه منه مثلاً ثمّ دفعه لآخر و هكذا الى تمام الستّين أجزأه بلا خلاف و لااشكال. و على كلّ حال فلايجوز التكرار عليهم من الكفّارة الواحدة مع التمكّن من العدد، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة، فاجتزأ بالصرف الى


1) - وسائل الشيعة 15: 569 / الباب 16 من أبواب الكفّارات / الحديث الثاني.

2) - المائدة 5: 89.

واحد في ستّين يوما و ضعفه واضح. انتهى ملخّصا».(1)

و لو استشكل فيما قاله صاحب الجواهر «من جواز الدفع لواحد و الاشتراء منه ثمّ الدفع لآخر و هكذا»، بأنّه لابدّ من أكل الفقير لها، ليتحقّق الاطعام المعتبر في الكفّارة كتابا و سنّة، يجاب عنه بأنّ الاطعام مفسّر في النصوص ببذل الطعام لهم ليأكلوه، أو تمليكهم ايّاه، فلايعتبر في الأوّل التمليك، و لايعتبر في الثاني الأكل. و لو أعتبر الأكل في الجميع للزم عدم الاجتزاء بمجرّد التصدّق حتّى يتحقّق الأكل في الخارج، و هو خلاف المقطوع به من النصوص فلذا لو أعطى الفقير الخبز مثلاً أو حنطة أو أرزا فباعه أو وهبه أو وضعه في مكان مدّة حتّى فسد، لم‌يجب على المعطي اعطاؤه ثانيا بل ذمّته فارغة بصرف الاعطاء.

ثمّ انّ ما ذكر من عدم الاكتفاء باعطاء الواحد مرّتين أو أكثر في كفّارة واحدة، انّما هو مع التمكّن من المستحقّ، أمّا مع التعذّر فيجوز و ذلك لخبر السكوني عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه‌السلام: ان لم‌يجد في الكفّارة الاّ الرجل و الرجلين فيكرّر عليهم حتّى يستكمل العشرة يعطيهم اليوم ثمّ يعطيهم غدا».(2)قال في الجواهر: «يجوز ذلك في المشهور مع التعذّر بل لم‌أقف فيه على مخالف صريح معتدّ به، كما اعترف به غيرنا أيضا، بل في كشف اللثام يظهر من الخلاف الاتّفاق عليه، لخبر السكوني المنجبر بالعمل - الى أن‌قال: - فما عساه يظهر من بعض الميل الى وجوب الصبر الى حال التمكّن واضح الضعف، ولكن الظاهر من الخبر المزبور و بعض فتاوى الأصحاب ملاحظة التعدّد في الأيّام، و


1) - جواهر الكلام 33: 261.

2) - وسائل الشيعة 15: 569 / الباب 16 من أبواب الكفّارات / الحديث الأوّل.

لاريب في أنّه أحوط. انتهى».(1)

الفرع السادس : في حكم اطعام الصغار

اذا كان للفقير عيال متعدّدون و كان فيهم أطفال صغار يجوز اعطاؤه بعدد الجميع لكلّ واحد مدّا، و ذلك لصحيحة يونس بن عبدالرحمن عن أبي الحسن عليه‌السلام قال:

«سألته عن رجل عليه كفّارة اطعام عشرة مساكين أيعطي الصغار و الكبار سواء و النساء و الرجال، أو يفضّل الكبار على الصغار، و الرجال على النساء؟ فقال: كلّهم سواء. الحديث».(2)

هذا اذا أعطاهم الطعام و أمّا لو أطعم الصغار بنحو الأكل فان كانوا منفردين فليحتسب الاثنين منهم بواحد على المشهور كما في الجواهر، و الدليل على ذلك موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«لايجزي اطعام الصغير في كفّارة اليمين، ولكن صغيرين بكبير».(3)

و لو كانوا منضمّين فليزوّد الصغير بقدر ما أكل الكبير، و ذلك لمعتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أنّ عليّا عليه‌السلام قال:

«من أطعم في كفّارة اليمين صغارا و كبارا فليزوّد الصغير بقدر ماأكل الكبير».(4)

و الروايتان و ان وردتا في كفّارة اليمين الاّ أنّ الظاهر عدم الفرق بينهما و بين


1) - جواهر الكلام 33: 261.

2) - وسائل الشيعة 15: 570 / الباب 17 من أبواب الكفّارات / الحديث الثالث.

3) - وسائل الشيعة 15: 570 / الباب 17 من أبواب الكفّارات / الحديث الأوّل.

4) - وسائل الشيعة 15: 570 / الباب 17 من أبواب الكفّارات / الحديث الثاني.

غيرهما من هذه الجهة.

قال في الجواهر: «و لايجزئ اطعام الصغار منفردين محتسبا بهم من العدد الاّ مع احتساب الاثنين بواحد، وفاقا للمشهور، بل في الرياض نفي الخلاف فيه الاّ من بعض المتأخّرين - الى أن‌قال: - و يجوز اطعامهم منضمّين مع الكبار محتسبا بهم من العدد، من غير فرق بين كفّارة اليمين و غيرها أيضا، وفاقا للمشهور أيضا، بل عن المبسوط و الخلاف نفي الخلاف فيه - الى أن‌قال: - المحكي عن ابن حمزة احتساب الاثنين بواحد مطلقا و مال اليه في الرياض، بل ربّما حكي عن الاسكافي و الصدوق أيضا، لكن في كفّارة اليمين خاصّة و أمّا في غيرها فيجتزأ بهم مطلقا كالكبار - الى أن‌قال: - فانّي لم‌أجد شيئا من ذلك منقّحا في كلامهم، و من هنا كان الاحتياط بالاقتصار على الكبار لاينبغي تركه، خصوصا مع عدم تنقيح للصغر و الكبر هنا، و ان صرّح بعضهم بالرجوع فيها هنا الى العرف، و يحتمل مراعاة البلوغ و عدمه. انتهى».(1)

و الحقّ ما ذكرناه، و المرجع في عنوان الصغير و الكبير هو العرف، و لو شكّ في صِغَره و كِبَره فيحتاط.

(مسألة 25): يجوز السفر في شهر رمضان لا لعذر و حاجة، بل و لو كان للفرار من الصوم، لكنّه مكروه.

الشرح:

يجوز السفر في شهر رمضان لا لعذر و حاجة، و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«سألته عن الرجل يدخل شهر رمضان و هو مقيم لايريد براحا، ثمّ


1) - جواهر الكلام 33: 267 - 269.

يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن‌يسافر، فسكت، فسألته غير مرّة فقال: يقيم أفضل الاّ أن‌تكون له حاجة لابدّ له من الخروج فيها أو يتخوّف على ماله».(1)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام:

«أنّه سئل عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان و هو مقيم و قد مضى منه أيّام، فقال: لابأس بأن يسافر و يفطر و لايصوم».(2)

فدلالة الروايتين على جواز السفر و ان لم‌يكن له حاجة واضحة الاّ أنّه في صورة عدم الحاجة يكون الأفضل أن‌يقيم و يصوم، فان كان له حاجة أو يتخوّف على ماله فلايكون فضل في اقامته.

و ما رواه في «المقنع» من الخبر قال:

«سئل أبوعبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يخرج يشيّع أخاه مسيرة يومين أو ثلاثة، فقال: ان كان في شهر رمضان فليفطر، قلت: أيّهما أفضل يصوم أو يشيّعه؟ قال: يشيّعه انّ اللّه قد وضع عنه الصوم اذا شيّعه».(3)

و صحيحة حمّاد بن عثمان قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: رجل من أصحابي قد جاءني خبره من الأعوص و ذلك في شهر رمضان، أتلقّاه و أفطر؟ قال: نعم، قلت: أتلقّاه و أفطر، أو أقيم و أصوم؟ قال: تلقّاه و أفطر».(4)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يشيّع أخاه مسيرة يوم


1) - وسائل الشيعة 7: 128 / الباب الثالث من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 129 / الباب الثالث من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 129 / الباب الثالث من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الخامس.

4) - الكافي 4: 132 / باب من لايجب له الافطار و التقصير في السفر ... / الحديث السادس.

أو يومين أو ثلاثة؟ قال:

«ان كان في شهر رمضان فليفطر، قلت: أيّما(1)أفضل، يصوم أو يشيّعه؟ قال: يشيّعه، انّ اللّه عزّوجلّ قد وضعه عنه».(2)

و لايعارض الروايات المتقدّمة آنفا خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«قلت له: جعلت فداك يدخل عليّ شهر رمضان فأصوم بعضه فتحضرني نيّة زيارة قبر أبي عبداللّه عليه‌السلام فأزوره و أفطر ذاهبا و جائيا أو أقيم حتّى أفطر و أزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين؟ فقال له: أقم حتّى تفطر، فقلت له: جعلت فداك فهو أفضل؟ قال: نعم، أما تقرأ في كتاب اللّه: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه»».(3)

و خبر الحسين بن المختار، عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«لاتخرج في رمضان الاّ للحجّ أو العمرة، أو مال تخاف عليه الفوت، أو لزرع يحين حصاده».(4)

و خبر أبي بصير الثاني قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الخروج اذا دخل شهر رمضان، فقال: لا الاّ فيما أخبرك به: خروج الى مكّة أو غزو في سبيل اللّه، أو مال تخاف هلاكه، أو أخ تخاف هلاكه، و انّه ليس أخا من الأب و الأمّ».(5)

و ما رواه في الخصال من الخبر عن علي عليه‌السلام في الأحاديث الأربعمائة قال:

«ليس للعبد أن‌يخرج الى سفر اذا دخل شهر رمضان، لقول اللّه


1) - يعني: أيّهما.

2) - الفروع من الكافي 4: 132 / باب من لايجب له الافطار و التقصير في السفر ... / الحديث الخامس.

3) - وسائل الشيعة 7: 130 / الباب الثالث من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السابع.

4) - وسائل الشيعة 7: 130 / الباب الثالث من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثامن.

5) - وسائل الشيعة 7: 129 / الباب الثالث من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثالث.

عزّوجلّ «فمن شهد منكم الشهر فليصمه»».(1)

و ذلك أوّلاً لضعف سند هذه الروايات. و ثانيا لامكان الجمع بينها و بين الروايات المتقدّمة بالحمل على الكراهة الاّ للخروج الى مكّه أو غزو في سبيل اللّه أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه. و ثالثا لمخالفتها لفتوى الفقهاء الاّ الحلبي.

قال العلاّمة في المختلف: «قال أبوالصلاح: اذا دخل الشهر على حاضر، لم‌يحلّ له السفر مختارا. و المشهور أنّه مكروه الى أن‌يمضي ثلاثة و عشرون يوما فتزول الكراهة. لنا: الأصل اباحة السفر. و قوله تعالى: «و من كان الخ الآية» و لأنّ المنع من السفر يتضمّن ضررا و حرجا، فيكون منفيّا بقوله تعالى: «و لايريد بكم العسر». و ما رواه محمّد بن مسلم في الصحيح عن الباقر عليه‌السلام أنّه سئل عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان و هو مقيم و قد مضى منه أيّام فقال: «لابأس بأن يسافر و يفطر و لايصوم».(2)

و عن أبان بن عثمان عن الصادق عليه‌السلام عن الرجل يخرج يشيّع أخاه مسيرة يومين أو ثلاثة، فقال: «ان كان في شهر رمضان فليفطر، فسئل أيّهما أفضل، يصوم أو يشيّعه؟ قال: يشيّعه انّ اللّه عزّوجلّ وضع الصوم عنه اذا شيّعه».(3)

و في الصحيح عن حمّاد بن عثمان قال: «قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: رجل من أصحابي قد جاءني خبره من الأعوص و ذلك في شهر رمضان أتلقّاه و أفطر؟ قال: نعم. قلت: أتلقّاه و أفطر أو أقيم و أصوم؟ قال: تلقّاه و أفطر».(4)

احتجّ أبوالصلاح بالآية و بخبر أبي بصير المتقدّم بأنّ السفر منافٍ للصوم، فلايجوز فعله كالافطار. و الجواب عن الآية: انّا نقول بموجبها، فانّ من شهد


1) - وسائل الشيعة 7: 129 / الباب الثالث من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 7: 129 / الباب الثالث من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 129 / الباب الثالث من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث الخامس.

4) - الكافي 4: 132 / باب من لايجب له الافطار و التقصير في السفر ... / الحديث السادس.

الشهر وجب عليه صيامه، لكن المسافر لم‌يشهده، فلايتناوله الأمر. و عن الرواية بحملها على الكراهة جمعا. و لانسلّم أنّه يحرّم عليه فعل المنافي اذا كان الصوم ساقطا عنه، بخلاف فعل المفطر. انتهى ملخّصا».(1)

فتلخّص أنّ السفر في شهر رمضان جائز الاّ أنّه اذا كان لغير عذر أو حاجة فمكروه الى أن‌يمضي ثلاثة و عشرون يوما، فاذا مضى فلايكون مكروها و ذلك لمرسلة علي بن أسباط عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«اذا دخل شهر رمضان فللّه فيه شرطه، قال اللّه تعالى: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» فليس للرجل اذا دخل شهر رمضان أن‌يخرج الاّ في حجّ أو في عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه، و ليس له أن‌يخرج في اتلاف مال أخيه، فاذا مضت ليلة ثلاث و عشرين فليخرج حيث شاء».(2)

فالجمع بين هذه الرواية و ما يشابهها و بين ما تقدّمت من الروايات الواردة في جواز السفر مطلقا في شهر رمضان هو الكراهة الاّ بعد مضيّ ثلاثة و عشرين يوما.

(مسألة 26): المدّ ربع الصاع و هو ستمائة مثقال و أربعه‌عشر مثقالاً و ربع مثقال، و على هذا فالمدّ مائة و خمسون مثقالاً و ثلاثة مثاقيل و نصف مثقال و ربع ربع المثقال، و اذا أعطى ثلاثة أرباع الوقية من حقّة النجف فقد زاد أزيَد من واحد و عشرين مثقالاً، اذ ثلاثة أرباع الوقية: مائة و خمسة و سبعون مثقالاً.

الشرح:

المدّ ربع الصاع و هو ستّمائة و أربعه‌عشر مثقالاً و ربع المثقال و على هذا


1) - مختلف الشيعة 3: 326 - 328.

2) - وسائل الشيعة 7: 129 / الباب الثالث من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث السادس.

فالمدّ مائة و ثلاثة و خمسون مثقالاً و نصف و ربع ربع المثقال. و المثقال المتعارف يساوي 6083/4 غراما. الغرام يساوي 2/5 حُمّصا. فاذا ضرب العدد مائة و ثلاثة و خمسون مثقالاً و نصف و ربع ربع المثقال في أربعة غرامات و نصف و عُشر الغرام يساوي سبعمائة و ثمانية غرامات، فهو المدّ.(1)و اذا ضرب العدد سبعمائة و ثمانية غرامات في أربعة يساوي ألفين و ثمانمائة و اثنين و ثلاثين غراما و هو الصاع.(2)


1) - غراما 927246/707 = (مثقال) 62/153 × (غراما) 6083/4

2) - صاع = غرام 2832 = 4 × 708 (غرامات)

فصل : في موارد وجوب القضاء دون الكفّارة

يجب القضاء دون الكفّارة في موارد:

«أحدها»: ما مرّ من النوم الثاني بل الثالث، و ان كان الأحوط فيهما الكفّارة أيضا خصوصا الثالث.

«الثاني»: اذا أبطل صومه بالاخلال بالنيّة مع عدم الاتيان بشيء من المفطرات، أو بالرياء، أو بنيّة القطع، أو القاطع كذلك.

«الثالث»: اذا نسي غسل الجنابة و مضى عليه يوم أو أيّام كما مرّ.

قد مرّ شرح هذه المسائل الثلاث في المباحث المتقدّمة فراجع.

«الرابع»: من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر ثمّ ظهر سبق طلوعه، و أنّه كان في النهار سواء كان قادرا على المراعاة، أو عاجزا عنها لعمى أو حبس أو نحوذلك، أو كان غير عارف بالفجر، و كذا مع المراعاة و عدم اعتقاد بقاء الليل بأن شكّ في الطلوع أو ظنّ فأكل، ثمّ تبيّن سبقه، بل الأحوط القضاء حتّى مع اعتقاد

بقاء الليل، و لافرق في بطلان الصوم بذلك بين صوم رمضان و غيره من الصوم الواجب و المندوب. بل الأقوى فيها ذلك حتّى مع المراعاة و اعتقاد بقاء الليل.

الشرح:

يقع الكلام في هذه المسألة من جهات:

الجهة الأولى: من كان ظانّا في طلوع الفجر أو شاكّا فيه يجوز له الأكل و الشرب حتّى يتبيّن له الفجر و ذلك أوّلاً للاستصحاب و ثانيا لموثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: آكل في شهر رمضان بالليل حتّى أشكّ، قال: كلْ حتّى لاتشكّ».(1)

الجهة الثانية: مقتضى القاعدة لمن فعل المفطر بعد طلوع الفجر ثمّ ظهر سبق طلوعه و أنّه كان في النهار، قضاء صومه سواء كان متيقّنا بعدم طلوع الفجر ثمّ انكشف الخلاف أو كان ظانّا فيه أو شاكّا، و ذلك لصدق الفوت، فانّ من لم‌يكن ممسكا نفسه عن الطعام و الشراب و سائر المفطرات من أوّل الفجر الى الليل و لو في بعض هذا الحدّ لم‌يأت بالمأمور به الذي هو الامساك عن المفطرات من الفجر الى الليل.

قال في الجواهر: «من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر في الصوم الواجب المعيّن تمسّكا بالاستصحاب ثمّ ظهر سبق طلوعه يجب قضاء ذلك اليوم بلا خلاف أجده فيه نصّا و فتوى، بل صريح الانتصار و الخلاف و ظاهر الغنيةالاجماع عليه، مضافا الى عموم الفوات في وجه الصادق بعدم امساك تمام اليوم، سواء كان ظانّا لبقاء الليل أو شاكّا فيه أو ظانّا عدمه. انتهى ملخّصا».(2)


1) - وسائل الشيعة 7: 86 / الباب 49 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - جواهر الكلام 16: 276.

و قد أشار بهذه القاعدة موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«قلت لأبي ابراهيم عليه‌السلام: يكون عليّ اليوم و اليومان من شهر رمضان فأتسحّر مصبحا أفطر ذلك اليوم و أقضي مكان ذلك يوما آخر أو أتمّ على صوم ذلك اليوم و أقضي يوما آخر؟ فقال: لا، بل تفطر ذلك اليوم لأنّك أكلت مصبحا، و تقضي يوما آخر».(1)

فانّ قوله عليه‌السلام «لأنّك أكلت مصبحا»، يكون علّة لقضاء يوم آخر مكان ذلك اليوم.

ثمّ اعلم أنّه و ان كان اقتضاء القاعدة لمن أفطر بعد طلوع الفجر ثمّ ظهر سبق طلوعه، قضاء ذلك اليوم، الاّ أنّه دلّ الدليل على عدم القضاء لو قام فنظر فلم‌ير الفجر فأكل ثمّ عاد فرأى الفجر. و الدليل موثّقة سماعة بن مهران قال:

«سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان، قال: ان كان قام فنظر فلم‌ير الفجر فأكل ثمّ عاد فرأى الفجر فليتمّ صومه و لااعادة عليه، و ان كان قام فأكل و شرب ثمّ نظر الى الفجر فرأى أنّه قد طلع الفجر فليتمّ صومه و يقضي يوما آخر، لأنّه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الاعادة».(2)

و بهذه الموثّقة تقيّد اطلاق هذه الروايات؛ منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«أنّه سئل عن رجل تسحّر ثمّ خرج من بيته و قد طلع الفجر و تبيّن، فقال: يتمّ صومه ذلك ثمّ ليقضه. الحديث».(3)

و منها: خبر ابراهيم بن مهزيار قال:


1) - وسائل الشيعة 7: 83 / الباب 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 82 / الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

3) - وسائل الشيعة 7: 81 / الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

«كتب الخليل بن هاشم الى أبي الحسن عليه‌السلام: رجل سمع الوطئ و النداء في شهر رمضان فظنّ أنّ النداء للسحور فجامع و خرج، فاذا الصبح قد أسفر، فكتب بخطّه: يقضي ذلك اليوم ان شاء اللّه».(1)

و منها: خبر علي بن أبيحمزة عن أبي ابراهيم عليه‌السلام قال:

«سألته عن رجل شرب بعد ما طلع الفجر و هو لايعلم في شهر رمضان، قال: يصوم يومه ذلك و يقضي يوما آخر. الحديث».(2)

الاّ أنّ ذلك في شهر رمضان و أمّا قضاؤه فاذا تسحّر مصبحا أفطر ذلك اليوم و يقضي يوما آخر مكان ذلك اليوم كما دلّت عليه موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«قلت لأبي ابراهيم: يكون عليّ اليوم و اليومان من شهر رمضان فأتسحّر مصبحا أفطر ذلك اليوم و أقضي مكان ذلك يوما آخر أو أتمّ على صوم ذلك اليوم و أقضي يوما آخر؟ فقال: لا، بل تفطر ذلك اليوم لأنّك أكلت مصبحا، و تقضي يوما آخر».(3)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام (في حديث) قال:

«فان تسحّر في غير شهر رمضان بعد الفجر أفطر، ثمّ قال: انّ أبي كان ليله يصلّي و أنا آكل، فأنصرف فقال: أمّا جعفر فأكل و شرب بعدالفجر، فأمرني فأفطرت ذلك اليوم في غير شهر رمضان».(4)

و يؤيّدها خبر علي بن أبي حمزة عن أبي ابراهيم عليه‌السلام قال:

«و سألته عن رجل شرب بعد ما طلع الفجر و هو لايعلم في شهر رمضان، قال: يصوم يومه ذلك و يقضي يوما آخر، و ان كان قضاءًا


1) - وسائل الشيعة 7: 82 / الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

2) - وسائل الشيعة 7: 82 / الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

3) - وسائل الشيعة 7: 83 / الباب 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

4) - وسائل الشيعة 7: 83 / الباب 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

لرمضان في شوّال أو غيره فشرب بعد الفجر فليفطر يومه ذلك و يقضي».(1)

و لاتقيّد هذه الروايات بموثّقة سماعة المتقدّمة، لأنّ الموثّقة مختصّة بشهر رمضان، أو الواجب المعيّن الذي يكون مثل شهر رمضان في وجوب القضاء لو فات. و ذلك أوّلاً انّ القاعدة تقتضي قضاء ما فات من الصوم الاّ ما خرج بالدليل، و الدليل الذي ورد على صحّة صوم من نظر في الفجر فلم‌يره كان في شهر رمضان و لايتجاوز عنه الاّ ما كان مثله كالواجب المعيّن الذي لو فات وجب قضاؤه. و ثانيا اذا فات قضاء شهر رمضان يجب أن‌يصوم مكان ذلك اليوم يوما آخر فلا معنى للاتمام ثمّ قضاء قضاء شهر رمضان، و لذا يكون ذيل صحيحة الحلبي و ذيل خبر علي بن أبي حمزة و كذا موثّقة اسحاق بن عمّار آبيا عن التقييد.

و يدلّ على الحاق الواجب المعيّن الذي له القضاء لو فات بصوم شهر رمضان، اطلاق صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: آمر الجارية تنظر الفجر فتقول: لم‌يطلع بعد، فآكل ثمّ أنظر فأجد قد كان طلع حين نظرت، قال: اقضه، أمّا انّك لو كنت أنت الذي نظرت لم‌يكن عليك شيء» - و في نسخة الكافي التي تكون أضبط، مثل ذلك الاّ أنّه قال: - «تتمّ يومك ثمّ تقضيه، وقال في آخره: ما كان عليك قضاؤه».(2)

فالصحيحة لم‌تختصّ بشهر رمضان، ولكن لها ظهور في الصوم الذي يتعيّن عليه الصوم فيه، و الاّ فلو كان مثل الصوم المندوب لم‌يكن وجه للاتمام و القضاء كما هو واضح، و كذا لو كان مثل الصوم الواجب الذي لم‌يكن معيّنا، و قد عرفت الحكم في قضاء شهر رمضان فانّه خارج عن مصداق الصحيحة قطعا فتنحصر


1) - وسائل الشيعة 7: 83 / الباب 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

2) - وسائل الشيعة 7: 84 / الباب 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

الصحيحة فيما قلنا من شهر رمضان و ما كان مثله كالواجب المعيّن.

الجهة الثالثة: الظاهر أنّ التفصيل بين مراعي الفجر و غيره مختصّ بالقادر على النظر، و أمّا من كان غير قادر عليه لعمىً أو حبس أو نحو ذلك، أو كان غير عارف بالفجر، فتشمله القاعدة و اطلاق صحيحتي الحلبي و معاوية بن عمّار، و ان كان المعروف غير ذلك.

قال في الجواهر: «و المعروف بين الأصحاب بل في الرياض لاخلاف أجده فيه أنّه لاقضاء على العاجز عن المراعاة كالمحبوس و الأعمى بلا خلاف أجده، للأصل و جواز التناول له، مع اختصاص النصّ و الفتوى بحكم التبادر و غيره بصورة القدرة كما لايخفى على من تدبّرهما، لكن قد يناقش بانقطاع الأصل بعموم «من فاتته» بناءًا على صدق اسمه عليه بعدم الامساك في بعض اليوم في أيّ حال يكون الاّ ما علم عدم البأس فيه كالنسيان، و من هنا كان تناول المفطر في غير شهر رمضان بعد طلوع الفجر مفسدا للصوم، واجبا كان أو مندوبا مع المراعاة و بدونها كما عن العلاّمة و غيره التصريح به - الى أن‌قال: - و بأنّ جواز التناول له للاستصحاب لاينافي ثبوت القضاء عليه، و بمنع اختصاص النصّ بالقادر على مراعاة الفجر، فالاحتياط لاينبغي تركه، و مراعاة غير العارف كعدمها، و في معاملتهحينئذ معاملة العاجز أو تكون مراعاته رجوعه الى غيره - فيكون هو المدار حينئذ في القضاء و عدمه - وجهان، أقواهما الأوّل. انتهى ملخّصا».(1)

الجهة الرابعة: الناظر الى الفجر لايخلو أمره من احدى هذه الأقسام الثلاثة فإمّا أن‌يتيقّن بالفجر أو يعتقد عدمه أو يبقى شاكّا كما في الليلة المُقمرة و نحو ذلك. أمّا الأوّل فواضح بأنّه يجب عليه الامساك. و أمّا لو اعتقد عدم الفجر أو بقي شاكّا فيجوز له الأكل و الشرب حتّى يتيقّن بالفجر، فان انكشف الخلاف يصحّ صومه و لايجب القضاء. و ذلك لأنّ قوله عليه‌السلام في موثّقة سماعة المتقدّمة: «ان كان


1) - جواهر الكلام 16: 276 و 277.

قام فنظر فلم‌ير الفجر» مطلق أي سواء اعتقد عدم الفجر أم بقي شاكّا و المسألة ممّا قد تسالم عليه الفقهاء، قال السيّد المرتضى في الانتصار: «و ممّا انفردت به الاماميّة القول بأنّ من تسحّر ثمّ بان له أنّه كان أكل بعد طلوع الفجر على ضربين: ان كان أكل و لم‌يتأمّل الفجر و لم‌يراعه فعليه قضاؤه، و ان كان رصده و راعاه فلم‌يره فلاقضاء عليه. لأنّ باقي الفقهاء يخالفون في هذا التفصيل، فيوجب أبوحنيفة و أصحابه و الثوري و الليث و الشافعي القضاء على كلّ حال. و قال مالك: ان كان الصوم تطوّعا مضى فيه و لاشيء عليه و ان كان واجبا فعليه قضاؤه. و قال عطاء و الحسن البصري: لاقضاء عليه، و انّما كانت الاماميّة منفردة بهذه المسألة لأنّ من أوجب القضاء من الفقهاء أوجبه بلا تفصيل و كذلك من أسقطه. و الحجّة في مذهبنا اجماع الطائفة - الى أن‌قال: - انّ من رصد الفجر فلم‌يره قد تحرّز بغاية جهده و امكانه، و ليس كذلك من لم‌يراعه. انتهى».(1)

ان قلت: القسم الثالث من النظر و هو الشكّ بعد النظر خارج عن موثّقة سماعة، لأنّ الظاهر من قوله عليه‌السلام: «نظر فلم‌ير» - على فرض أنّه لم‌يكن ثمّة مانع منالنظر من غيم و نحوه - هو حصول الاطمينان ببقاء الليل لا أنّ حاله بعد النظر كحاله قبله كي يبقى على ما كان عليه من الشكّ، فهذا النظر مثل التبيّن في قوله تعالى: «حتّى يتبيّن لكم الخيط ... » أي بمرتبة قابلة للنظر، فاذا نظر و لم‌يتبيّن أي لم‌ير لم‌تكن الغاية حاصلة لكشفه عن عدم طلوع الفجر، بمعنى أنّه لو كان لبان، و انّ عدم الدليل دليل العدم، قلت: التبيّن في الآية غاية الأكل و الشرب، فمعناها أنّ مريد الصوم يجوز له الأكل و الشرب حتّى يتبيّن أي يتّضح و يرى أنّ الفجر قد طلع و أمّا اذا لم‌يتبيّن و لم‌يتّضح و لم‌ير الفجر فهو أعمّ من أن‌يطمئنّ بعدم الفجر أو بقي شاكّا، فمن كان شاكّا فيه صدق عليه أنّه لم‌ير الفجر. و عليه فما ذهب اليه الماتن من وجوب القضاء لمن راعى الفجر و كان شاكّا أو ظانّا في طلوع الفجر بل


1) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 6: 104.

الأحوط القضاء حتّى مع اعتقاد بقاء الليل، لادليل له بل الدليل على خلافه، و الدليل اطلاق الموثّقة الذي يكون مقدّما على اطلاق ما دلّ على القضاء بتناول المفطر، و به يناقش ما في كلام صاحب الجواهر، فانّه بعدما قال فيه: «ظاهر النصّ و الفتوى سقوط القضاء مع المراعاة و ان كان شاكّا أو ظانّا بالفجر ثمّ تبيّن أنّه تناول بعده»، قال: «لكن قد يشكل باطلاق ما دلّ على القضاء بتناول المفطر، و بأنّه أولى بذلك من الظانّ ببقاء الليل باخبار الجارية و الاستصحاب، و من هنا مال اليه في الرياض، و هو أحوط ان لم‌يكن أقوى. انتهى».(1)اذ في الاطلاق ما عرفت، و الأولوّية ممنوعة مع ما يأتي في الصحيحة.

بقي شيء و هو سقوط الكفّارة عمّن كان ظانّا في طلوع الفجر أو شاكّا و لم‌يراعه، فانّه و ان كان يجب عليه القضاء لما قلنا من القاعدة و النصّ و الاجماع الاّ أنّه لاكفّارة عليه، لأنّ وجوب الكفّارة لمن تعمّد الأكل و الشرب و غيرهما منالمفطرات فمن ظنّ أو شكّ في الفجر أو ظنّ العدم فاستصحب الليل فأكل تكون الحجّة معه. قال في الجواهر: «لاخلاف في جواز تناول المفطر فيه [لمن ظنّ البقاء (بقاء الدليل) فضلاً عن الشكّ] كما اعترف به بعضهم، و في نفي الكفّارة بالأصل السالم، فما توهّمه بعض العبارات من وجوبها على الشاكّ فضلاً عن الظانّ للعدم واضح المنع. انتهى».(2)

«الخامس»: الأكل تعويلاً على من أخبر ببقاء الليل، و عدم طلوع الفجر مع كونه طالعا.

الشرح:


1) - جواهر الكلام 16: 277.

2) - جواهر الكلام 16: 276.

الأكل تعويلاً على من أخبر ببقاء الليل و عدم طلوع الفجر مع كونه طالعا، يقتضي القضاء و ذلك أوّلاً لما تقدّم من أنّ القاعدة لمن أفطر في النهار القضاء لصدق الفوت، خرج عن القاعدة من كان ناسيا و من تفحّص و لم‌ير الفجر بالنصّ و يبقى هذا المورد فيها.

و ثانيا لصحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: آمر الجارية تنظر الفجر فتقول: لم‌يطلع بعد، فآكل ثمّ أنظر فأجد قد كان طلع حين نظرت، قال: اقضه، أما انّك لو كنت أنت الذي نظرت لم‌يكن عليك شيء».

و في نسخة الكافي مثله الاّ أنّه قال: «تتمّ يومك ثمّ تقضيه» و قال في آخره: «ما كان عليك قضاؤه».(1)ثمّ اعلم أنّ الصحيحة و ان لم‌يكن لها اطلاق فيما اذا كان المخبر عدلين، الاّ أنّ القاعدة تقتضي القضاء، و ان أخبره العدلان فأكل ثمّ انكشف أنّ الفجر كان طالعا الاّ اذا نظر و راعى الفجر بنفسه و لم‌يره فأكل ثمّ انكشف الخلاف فلاقضاء عليه حينئذ لهذه الصحيحة و غيرها ممّا تقدّم.

نعم لاكفّارة عليه لأنّه أكل تعويلاً على الحجّة الشرعيّة، كمستصحب الليل.

قال في الجواهر: «يجب القضاء خاصّة للافطار اخلادا الى من أخبر كالجارية و نحوها أنّ الفجر لم‌يطلع مع القدرة على عرفانه و يكون طالعا، بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل في الغنية الاجماع عليه، لأصالة عدم الكفّارة و عموم الفوات في القضاء في وجه، و لصحيحة معاوية بن عمّار، و ظاهر الصحيحة بل موثّقة سماعة أنّ القضاء يسقط اذا نظر و راعى الفجر بنفسه و مباشرة و لم‌يره فأكل فبان أنّ الفجر طالع، فلايجري غير المباشرة و ان كان المخبر عدلين، خلافا لثاني المحقّقين و الشهيدين و غيرهما فأسقطوا القضاء بالعدلين، لكونهما حجّة


1) - وسائل الشيعة 7: 84 / الباب 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

شرعيّة، بل عن غيرهما الاكتفاء بالعدل الواحد، و هما معا كما تراه، ضرورة أنّه ليس المدار في سقوطه على كون التناول بحجّة شرعيّة و الاّ لكفى الاستصحاب بل على مباشرة المراعاة. انتهى ملخّصا».(1)

«السادس»: الأكل اذا أخبره مخبر بطلوع الفجر لزعمه سخريّة المخبر، أو لعدم العلم بصدقه.

الشرح:

اذا أخبره مخبر بطلوع الفجر و لم‌يكن حجّة شرعيّة و لم‌يعتن باخباره فأكل ثمّانكشف أنّ الفجر كان طالعا، يجب عليه القضاء دون الكفّارة.

أمّا عدم الكفّارة فللأصل. و أمّا وجوب القضاء فلصحيحة العيص بن القاسم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن رجل خرج في شهر رمضان و أصحابه يتسحّرون في بيت فنظر الى الفجر فناداهم أنّه قد طلع الفجر فكفّ بعض و ظنّ بعض أنّه يسخر فأكل، فقال: يتمّ (صومه) و يقضي».(2)

مضافا الى كونه موافقا للقاعدة، فانّ من أكل أو شرب، و عمل المفطر في النهار بزعم كونه في الليل فقد فات عنه الامساك المقرّر شرعا في هذا اليوم، فيجب عليه أن‌يقضي يوما آخر لفوات صومه ذلك.

قال في الجواهر: «يجب القضاء اذا ترك العمل بقول المخبر بطلوع الفجر و أكل لظنّه ارادة المخبر كذبه للسخريّة و نحوها بلا خلاف أجده، بل في ظاهر المدارك و عن غيرها الاجماع عليه، بل هو أولى قطعا في وجوب القضاء من فعل


1) - جواهر الكلام 16: 277.

2) - وسائل الشيعة 7: 84 / الباب 47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

المفطر قبل مراعاة الفجر، و من الافطار اخلادا الى من أخبر أنّ الفجر لم‌يطلع مع القدرة على عرفانه و يكون طالعا، لصحيحة العيص بن القاسم (المتقدّمة آنفا). أمّا الكفّارة بالجميع مشترك في نفيها بالأصل. انتهى ملخّصا».(1)

هذا لو لم‌يكن المخبر حجّة شرعيّة، و أمّا لو كان المخبر عدلين أو عدلاً واحدا أو ثقة بناءًا على حجّيّة قول العدل الواحد بل الثقة كما هو الحق، و أخبر بطلوع الفجر فترك العمل بقوله فان كان تركه لظنّه ارادة السخريّة و نحوها، فيجب القضاء دون الكفّارة، و أمّا لو ترك العمل بقوله مع حجّيّته و عدم ظنّه ذلك، فتارة يقوم و ينظر و لم‌ير الفجر و يأكل ثمّ انكشف أنّ الفجر كان طالعا، و أخرى تركه العملللجهل بالمسألة مع قصوره، و ثالثة لعدم الاعتناء بالحجّة الشرعيّة فيجب الكفّارة في الصورة الأخيرة. فالصور حينئذ مضافة الى ما كان تركه لظنّه ارادة السخريّة أربعة، فلا كفّارة في الثلاث الأُوَل و تجب في الرابعة كما قلنا.

قال في الجواهر: «و لافرق بين تعدّد المخبر و اتّحاده و عدالته و فسقه، خلافا لجماعة فاستقربوا الكفّارة باخبار العدلين، و لعلّهم يريدون اذا لم‌يظنّ السخريّة باخبارهما، فانّ جواز التناول حينئذ مع اخبارهما بل اخبار العدل الواحد و ترك المراعاة اعتمادا على الاستصحاب الذي يشكّ في حجّيّته مع هذا الفرض لايخلو من نظر، بل لعلّ المتّجه الكفّارة، لانقطاع الأصل بالخبر، فهو كالمتعمّد، نعم لو أخبر العدلان أو العدل الواحد فراعى فلم‌يتبيّن له ذلك ساغ له التناول سواء ظنّ الخطأ أو لا، بناءًا على جواز التناول له حال الشكّ. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)

«السابع»: الافطار تقليدا لمن أخبر بدخول الليل و ان كان جائزا له لعمىً أو


1) - جواهر الكلام 16: 278.

2) - المصدر.

نحوه، و كذا اذا أخبره عدل بل عدلان بل الأقوى وجوب الكفّارة أيضا اذا لم‌يجز له التقليد.

الشرح:

اذا أخبره مخبر بدخول الليل فأفطر تقليدا له فتارة لايكون خبر المخبر حجّة شرعيّة، فحينئذ يجب عليه القضاء و الكفّارة لعدم جواز الافطار له لاستصحاب النهار و عدم الدليل الشرعي على دخول الليل. نعم لو كان جاهلاً قاصرا بالمسألة، فيجب عليه القضاء و الكفّارة لعدم جواز الافطار له لاستصحاب النهار و عدمالدليل الشرعي على دخول الليل.

و أخرى يكون خبر المخبر حجّة شرعيّة كخبر عدلين أو عدل واحد أو خبر ثقة، فحينئذ يجب عليه القضاء دون الكفّارة. أمّا القضاء فلافطاره في النهار، و خبر الحجّة يفيد جواز الأكل و عدم المعصية و لايغيّر الواقع عمّا كان عليه فانّه أفطر في النهار ففات عنه الصوم فيجب قضاؤه، و الدليل دليل ما لم‌ينكشف الخلاف، فاذا انكشف الخلاف أثّر الواقع أثره. و أمّا عدم الكفّارة فلأنّها مترتّبة على الافطار بدون اذن الشارع، و المفروض اذنه هيهنا.

قال في الجواهر: «و يجب القضاء خاصّة على من أفطر تقليدا لمن أخبر أنّ الليل دخل حيث يجوز له التقليد لعمىً و شبهه، أو قلنا بجواز التعويل فيه على العدل الواحد أو العدلين ثمّ تبيّن فساد الخبر، ضرورة عدم منافاة الجواز شرعا للقضاء الذي قد عرفت ظهور النصوص في ثبوته بمطلق فعل المفطر الاّ ما قام الدليل عليه، بل هو أولى بالقضاء من التناول في الليل باخبار المخبر ببقائه المعتضد باستصحابه، و حجّيّة البيّنة أو خبر العدل ليست أزيَد من ذلك، فلايستلزم شيء منهما سقوط القضاء المترتّب على ما عرفت، مع أنّ في الخلاف و الغنية الاجماع على القضاء خاصّة - الى أن‌قال: - و من ذلك كلّه يظهر لك محلّ النظر فيما في جملة من كتب الأصحاب، خصوصا الرياض و المدارك و الذخيرة

بل و جامع المقاصد. انتهى ملخّصا».(1)

«الثامن»: الافطار لظلمة قطع بحصول الليل منها فبان خطأه و لم‌يكن في السماء علّة، و كذا لو شكّ أو ظنّ بذلك منها، بل المتّجه في الأخيرين الكفّارةأيضا لعدم جواز الافطار حينئذ، و لو كان جاهلاً بعدم جواز الافطار فالأقوى عدم الكفّارة، و ان كان الأحوط اعطاؤها، نعم لو كانت في السماء علّة فظنّ دخول الليل فأفطر ثمّ بان له الخطأ لم‌يكن عليه قضاء فضلاً عن الكفّارة، و محصّل المطلب أنّ من فعل المفطر بتخيّل عدم طلوع الفجر، أو بتخيّل دخول الليل بطل صومه في جميع الصور الاّ في صورة ظنّ دخول الليل مع وجود علّة في السماء من غيم أو غبار أو بخار أو نحو ذلك من غير فرق بين شهر رمضان و غيره من الصوم الواجب و المندوب، و في الصور التي ليس معذورا شرعا في الافطار كما اذا قامت البيّنة على أنّ الفجر قد طلع و مع ذلك أتى بالمفطر أو شكّ في دخول الليل أو ظنّ ظنّا غير معتبر و مع ذلك أفطر يجب الكفّارة أيضا فيما فيه الكفّارة.

الشرح:

لو أفطر بمظنّة دخول الليل فبان خطأه فهل يجب القضاء حينئذ؟

اختلفت كلمات الفقهاء في هذه المسألة اختلافا عظيما، و لاتكاد تجتمع على شيء واحد.

قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ في النهاية: لو شكّ في دخول الليل لوجود عارض في السماء، و لم‌يعلم بدخول الليل و لا غَلَب على ظنّه ذلك فأفطر، ثمّ تبيّن له بعد ذلك أنّه كان نهارا، كان عليه القضاء، فان كان قد غلب على ظنّه


1) - جواهر الكلام 16: 281 - 282.

دخول الليل، ثمّ تبيّن له أنّه كان نهارا، لم‌يكن عليه شيء. و هو اختيار الصدوق محمّد بن بابويه. و احتجّ الشيخ أوّلاً بصحيحتي زرارة و خبر أبي الصباح و خبر زيد الشحّام و ستأتي، و ثانيا بأنّه مكلّف بالظنّ عند تعذّر العلم، و قد فعل ما أمر به على وجهه، فيخرج عن العهدة لدلالة الأمر على الاجزاء. و قال المفيد: و من ظنّأنّ الشمس قد غابت لعارض من الغيم أو غير ذلك فأفطر ثمّ تبيّن أنّها لم‌تكن غابت في تلك الحال، وجب عليه القضاء لأنّه انتقل عن يقين النهار الى ظنّ الليل، فخرج عن الفرض (بشكّ) و ذلك تفريط منه في الفرض. و احتجّ المفيد بموثّقة أبي بصير و سماعة الآتية، و لأنّه أفطر متعمّدا في نهار رمضان فأفسد صومه، و سقطت الكفّارة للشبهة، و لانتفاء العلّة التي هي الهتك.

و أوجب السيّد المرتضى و سلاّر و أبو الصلاح، القضاء مع الظنّ.

و عدّ ابن أبي عقيل فيما يوجب القضاء خاصّة: الافطار قبل غروب الشمس و أطلق.

و عدّ ابن البرّاج فيما يوجب القضاء خاصّة: تناول ما يفطر ممّن شكّ في دخول الليل لوجود عارض، و لم‌يعلم و لا غَلَب في ظنّه دخوله.

و قال ابن ادريس: من ظنّ أنّ الشمس قد غابت لعارض (يعرض) في السماء من ظلمة أو قتام(1)، و لم‌يغلب على ظنّه ذلك، ثمّ تبيّن الشمس بعد ذلك فالواجب عليه القضاء دون الكفّارة، فان كان مع ظنّه غلبة قويّة فلا شيء عليه من قضاء و لاكفّارة، لأنّ ذلك فرضه، لأنّ الدليل قد فقده، فصار تكليفه في عبادته غلبة ظنّه، فان أفطر لا عن أمارة و لا ظنّ، فيجب عليه القضاء و الكفّارة. انتهى ملخّصا».(2)


1) - أي غبار.

2) - مختلف الشيعة 3: 298 - 300.

أقول:

الصور المتصوّرة لمن أفطر قبل دخول الليل ثلاثة: الأولى أن‌يكون على يقين بعدم دخول الليل فيفطر متعمّدا فتارة لم‌ينكشف الخلاف فعليه القضاء و الكفّارةو أخرى ينكشف الخلاف فلا قضاء عليه و لاكفّارة الاّ أنّه يكون متجرّيا. الثانية يكون على شكّ بدخول الليل أو ظنّ غير معتبر فلايجوز له الافطار لاستصحاب النهار فان أفطر فتارة ينكشف بأنّ افطاره كان في الليل فهذا يصحّ صومه الاّ أنّه يكون متجرّيا. و أخرى لم‌ينكشف فحينئذ فالقاعدة الأوّليّة تقتضي وجوب القضاء عليه و الكفّارة لأنّه أفطر في النهار للاستصحاب. الثالثة يتيقّن بدخول الليل أو تقوم البيّنة بدخوله فيفطر و حينئذ تارة لم‌ينكشف الخلاف فصومه صحيح و أخرى ينكشف الخلاف فالقاعدة الأوّليّة في هذه الصورة وجوب القضاء دون الكفّارة أمّا القضاء لأنّه لم‌يأت بالصوم التامّ، و أمّا عدم الكفّارة فلأنّه أفطر تعويلاً على الحجّة الشرعيّة. نعم لو كان هناك دليل على عدم وجوب القضاء فيتّبع.

و الروايات الواردة في المقام على طائفتين:

فالطائفة الأولى: موثّقة أبي بصير و سماعة عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس فرأوا أنّه الليل فأفطر بعضهم، ثمّ انّ السحاب انجلى فاذا الشمس، فقال:

«على الذي أفطر صيام ذلك اليوم انّ اللّه عزّوجلّ يقول: «و أتمّوا الصيام الى الليل» فمن أكل قبل أن‌يدخل الليل فعليه قضاؤه لأنّه أكل متعمّدا».(1)

و الطائفة الثانية: صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه‌السلام: وقت المغرب اذا غاب القرص، فان رأيته بعد ذلك و قد صلّيت أعدت الصلاة و مضى صومك و تكفّ عن الطعام


1) - وسائل الشيعة 7: 87 / الباب 50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

ان كنت (قد) أصبت منه شيئا».(1)

و صحيحة أخرى لزرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام (في حديث):

«أنّه قال لرجل ظنّ أنّ الشمس قد غابت فأفطر ثمّ أبصر الشمس بعد ذلك، قال: ليس عليه قضاء».(2)

و خبر أبي الصباح الكناني قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن رجل صام ثمّ ظنّ أنّ الشمس قد غابت و في السماء غيم فأفطر، ثمّ انّ السحاب انجلى فاذا الشمس لم‌تغب، فقال: قد تمّ صومه و لايقضيه».(3)

و خبر زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليه‌السلام:

«في رجل صائم ظنّ أنّ الليل قد كان، و أنّ الشمس قد غابت، و كان في السماء سحاب فأفطر ثمّ انّ السحاب انجلى فاذا الشمس لم‌تغب، فقال: تمّ صومه و لايقضيه».(4)

فيحمل الظنّ في الطائفة الثانية على اليقين و العلم و ما هو كالعلم مثل العدلين أو العدل الواحد أو الثقة و كذا يكون المراد من «رأوا» في الطائفة الأولى هو العلم و اليقين، فالحكم المستفاد من الطائفة الثانية عدم القضاء لمن‌علم بدخول الليل أو تقوم البيّنة على دخوله سواء كان هناك مانع في السماء من السحاب أو الظلمة أو غيرهما، أو لم‌يكن، و أمّا الحكم المستفاد من الطائفة الأولى هو القضاء لمن علم بدخول الليل مطلقا فذكر السحاب فيها غالبيّ لأنّ الغالب في حصول العلم لدخول الليل يكون عند وجود مانع في السماء من سحاب أو ظلمة أو غيرهما،


1) - وسائل الشيعة 7: 87 / الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 88 / الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 88 / الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

4) - وسائل الشيعة 7: 88 / الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

فحينئذ فالجمع العرفي بين الطائفتين هو استحباب القضاء، ان لم‌يكن اجماع على خلافه و الاّ تحمل الطائفة الأولى على التقيّة.

(مسألة 1): اذا أكل أو شرب مثلاً مع الشكّ في طلوع الفجر و لم‌يتبيّن أحد الأمرين لم‌يكن عليه شيء، نعم لو شهد عدلان بالطلوع و مع ذلك تناول المفطر وجب عليه القضاء بل الكفّارة أيضا، و ان لم‌يتبيّن له ذلك بعد ذلك. و لو شهد عدل واحد بذلك فكذلك على الأحوط.

الشرح:

اذا أكل أو شرب مثلاً في شهر رمضان مع الشكّ في طلوع الفجر فتارة تقوم البيّنة على الطلوع و مع ذلك يتناول المفطر، و أخرى لم‌تقم و على التقديرين فتارة يتبيّن طلوع الفجر و أخرى لم‌يتبيّن. فاذا لم‌يتبيّن طلوع الفجر و لم‌تقم البيّنة عليه لم‌يكن عليه شيء و أمّا اذا قامت البيّنة على الطلوع فان تفحّص و نظر و لم‌ير شيئا لم‌يكن عليه شيء أيضا سواء تبيّن أنّ الفجر كان طالعا أم لم‌يتبيّن و أمّا ان لم‌يتفحّص و لم‌ينظر فعليه القضاء و الكفّارة سواء تبيّن أنّ الفجر كان طالعا أم لم‌يتبيّن. و كذلك الحال اذا لم‌تقم البيّنة و تبيّن أنّ الفجر كان طالعا الاّ أنّه يجب عليه القضاء فقط دون الكفّارة.

و قد تقدّم شرح ذلك في الأمر الرابع من هذا الفصل مع دليله من الروايات فراجع.

(مسألة 2): يجوز له فعل المفطر و لو قبل الفحص ما لم‌يعلم طلوع الفجر و لم‌يشهد به البيّنة، و لايجوز له ذلك اذا شكّ في الغروب عملاً بالاستصحاب فيالطرفين، و لوشهد عدل واحد بالطلوع أو الغروب فالأحوط ترك المفطر عملاً بالاحتياط، للاشكال في حجّيّة خبر العدل الواحد و عدم حجّيّته الاّ أنّ

الاحتياط في الغروب الزاميّ، و في الطلوع استحبابيّ، نظرا للاستصحاب.

الشرح:

اذا شكّ أو ظنّ في طلوع الفجر يجوز له فعل المفطر و لو قبل الفحص لاستصحاب بقاء الليل. و أمّا اذا قامت البيّنة على طلوع الفجر لم‌يجز له فعل المفطر لأنّها دليل و هو مقدّم على الأصل.

و أمّا اذا شكّ أو ظنّ في الغروب لايجوز له فعل المفطر لاستصحاب بقاء النهار الاّ اذا قامت البيّنة على دخول الليل، و قد تقدّم البحث عن ذلك في الأمر السابع من موارد وجوب القضاء دون الكفّارة.

و أمّا حجّيّة قول العدل الواحد بل حجّيّة قول الثقة فقد تقدّم البحث عنها و اقامة الدليل على حجّيّته في كتاب الصلاة.(1)

و لابأس بالاشارة اليها، فانّ الأقوى كفاية عدل واحد بل مطلق الثقة في غير مورد الخصومات و ما يتعلّق بالدعاوي كما فيما نحن فيه و نظائره لاستقرار سيرة العقلاء على التعويل على إخبار الثقات في الأمور الحسّيّة ممّا يتعلّق بمعاشهم و معادهم و امضاء الشارع لذلك كما يشهد بذلك التدبّر في الأخبار الدالّة على حجّيّة خبر الواحد و غيرها مما تقدّمت الاشارة الى بعضها في كتاب الصلاة.

و يمكن استفادته في مقامنا - أعني كتاب الصوم - أيضا من بعض الأخبار كصحيحة العيص بن القاسم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن رجل خرج في شهر رمضان و أصحابهيتسحّرون في بيت فنظر الى الفجر فناداهم أنّه قد طلع الفجر فكفّ بعض و ظنّ بعض أنّه يسخر فأكل، فقال: يتمّ (صومه) و يقضي».(2)


1) - الهادي كتاب الصلاة 1: 285 / الفرع الثالث من المسألة الأولى في أحكام الأوقات.

2) - وسائل الشيعة 7: 84 / الباب 47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

و صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فقال: بياض النهار من سواد الليل، قال: و كان بلال يؤذّن للنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله و ابن أمّ مكتوم و كان أعمى يؤذّن بليل، و يؤذّن بلال حين يطلع الفجر، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله: اذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام والشراب فقد أصبحتم».(1)

و قد أجاد في مستند العروة من أنّ الأذان لاخصوصيّة له و انّما هو من أجل أنّه اخبار بدخول الوقت. و كذا نقول في صحيحة العيص: لولا حجّيّة قول المخبر بطلوع الفجر لما حكم عليه‌السلام بوجوب القضاء على من أكل بزعم سخريّة المخبر، و لم‌يفرض في الصحيحة طلوع الفجر واقعا. نعم لابدّ من تقييده بما اذا كان المخبر ثقة.

«التاسع»: ادخال الماء في الفم للتبرّد بمضمضة أو غيرها فسبقه و دخل الجوف فانّه يقضي و لاكفّارة عليه، و كذا لو أدخله عبثا فسبقه، و أمّا لو نسي فابتلعه فلاقضاء عليه أيضا و ان كان أحوط. و لايلحق بالماء غيره على الأقوى و ان كان عبثا، كما لايلحق بالادخال في الفم الادخال في الأنف للاستنشاق أو غيره، و ان كان أحوط في الأمرين.

الشرح:

اذا أدخل الصائم الماء في فمه فدخل في جوفه فتارة نسي صومه و يشربه فهذا لايضرّ بصومه لما تقدّم من أنّه من أفطر نسيانا فلاقضاء عليه و لاكفّارة فيصحّ صومه. و أخرى يسبق الماء فيدخل في جوفه قهرا، فالقاعدة تقتضي صحّة صومه


1) - وسائل الشيعة 7: 78 / الباب 42 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

هذا أيضا لعدم كونه متعمّدا في افطاره الاّ أنّ هناك روايات تدلّ على وجوب القضاء اذا كانت المضمضة لغير الوضوء فقط.

فمنها: موثّقة سماعة (في حديث) قال:

«سألته عن رجل عبث بالماء يتمضمض به من عطش فدخل حلقه، قال: عليه قضاؤه، و ان كان في وضوء فلا بأس به».(1)

و منها: موثّقة عمّار الساباطي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل يتمضمض فيدخل في حلقه الماء وهو صائم، قال: ليس عليه شيء اذا لم‌يتعمّد ذلك، قلت: فان تمضمض الثانية فدخل في حلقه الماء؟ قال: ليس عليه شيء، قلت: فان تمضمض الثالثة، قال: فقال: قد أساء، ليس عليه شيء و لاقضاء».(2)

و منها: خبر يونس قال:

«الصائم في شهر رمضان يستاك متى شاء، و ان تمضمض في وقت فريضة فدخل الماء حلقه فليس عليه شيء و قد تمّ صومه، و ان تمضمض في غير وقت فريضة فدخل الماء حلقه فعليه الاعادة، و الأفضل للصائم أن لايتمضمض».(3)

فتحمل موثّقة عمّار على ما اذا كانت المضمضة للوضوء فقط جمعا بينها و بين موثّقة سماعة. فتحصّل أنّ ادخال الماء في الفم على غير جهة الوضوء يوجب القضاء، دون الكفّارة للأصل.


1) - وسائل الشيعة 7: 50 / الباب 23 من أبواب مايمسك عنه الصائم / الحديث الرابع.

2) - وسائل الشيعة 7: 50 / الباب 23 من أبواب مايمسك عنه الصائم / الحديث الخامس.

3) - وسائل الشيعة 7: 49 / الباب 23 من أبواب مايمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

فرع : في حكم ادخال غير الماء في الفم

هل يلحق غير الماء بالماء في ادخاله في الفم عبثا من وجوب القضاء اذا سبقه فدخل في جوفه؟

الظاهر عدم الالحاق لأنّ القاعدة الأوّليّة تقتضي عدم القضاء و صحّة صوم من أدخل الماء و غير الماء في فمه فسبق و دخل في جوفه، خرج عن هذه القاعدة مورد ادخال الماء في الفم في غير الوضوء و بقي غير الماء.

و كذا لايلحق بادخال الماء في الفم، ادخاله في الأنف للاستنشاق و غيره لما ذكر من القاعدة.

(مسألة 3): لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء لم‌يجب عليه القضاء سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة على الأقوى، بل لمطلق الطهارة و ان كانت لغيرها من الغايات من غير فرق بين الوضوء و الغسل، و ان كان الأحوط القضاء فيماعدا ما كان لصلاة الفريضة خصوصا فيما كان لغير الصلاة من الغايات.

الشرح:

تقدّم في المسألة السابقة أنّه لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء و دخل في جوفه لم‌يجب عليه القضاء لموثّقة سماعة المتقدّمة، الاّ أنّ ذلك فيما كان الوضوء لصلاة فريضة، و لو كان وضوؤه لغيرها فعليه القضاء، و ذلك لصحيحة حمّاد عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في الصائم يتوضّأ للصلاة فيدخل الماء حلقه، فقال:

«ان كان وضوؤه لصلاة فريضة فليس عليه شيء، و ان كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء».(1)


1) - وسائل الشيعة 7: 49 / الباب 23 من أبواب مايمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

و يؤيّده خبر يونس المتقدّم.

و موثّقة سماعة و عمّار المتقدّمتان تحملان على ما كان الوضوء للصلاة الفريضة.

قال في الحدائق: «لايخفى أنّ المفهوم من كلام الأصحاب هو عدم القضاء في الوضوء مطلقا لفريضة كان أو نافلة و لاسيّما ما سمعت من تعليل صاحب المنتهى المتقدّم بأنّه فعل فعلاً مشروعا، مع أنّ صحيحة الحلبي صريحة في القضاء اذا كان في وضوء النافلة و نحوها عموم رواية يونس و الجمع بين كلامهم - رضوان اللّه عليهم - و الأخبار لايخلو من اشكال. انتهى».(1)

تنبيه: صحيحة الحلبي و صحيحة حمّاد رواية واحدة رواها الكليني عن حمّاد عن أبي عبداللّه عليه‌السلام و رواها الشيخ باسناده عن الكليني عن حمّاد عن الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام. فلذا يعبّر في كلام بعض الأصحاب بصحيحة الحلبي كما في الحدائق و في كلام بعض آخر بصحيحة حمّاد كما في الجواهر.

قال في الجواهر: «لاقضاء لو دخل و كان في وضوء الفريضة المؤدّاة بلا خلاف نصّا و فتوىً، بل معقد الاجماع في الانتصار التمضمض للطهارة، و فيالخلاف و محكي المنتهى المضمضة للصلاة نافلة كانت أو فرضا ... ، و الطهارة من الأكبر مندرجة فيهما معا، و هذا التعميم هو الموافق للأصل و حديث الرفع و موثّق الفطحيّة و ما أرسله من أخبار الطائفة في الخلاف و الاجماع المحكي و غير ذلك، فما في صحيح حمّاد ينبغي حمله على الندب، لضعفه عن مقاومة غيره عموما و خصوصا من وجوه، منها الموافقة لظاهر الفتاوى الاّ أنّه مع ذلك فالاحتياط لاينبغي تركه، سيّما مع ما حكي عن جماعة من القول به أو الميل اليه. انتهى ملخّصا».(2)


1) - الحدائق الناضرة 13: 90.

2) - جواهر الكلام 16: 290.

و فيه: انّ الأصل دليل حيث لادليل و هيهنا الدليل موجود و هو صحيحة حمّاد و الأصل لايعارضها، و الصحيحة يخصّص حديث الرفع و الموثّق و المرسلة، و الاجماع المنقول غير حجّة، و التفريق بين الوضوء للصلاة الواجبة و بين الوضوء للصلاة النافلة محكّم.

و يؤيّده خبر يونس قال:

«الصائم في شهر رمضان يستاك متى شاء، و ان تمضمض في وقت فريضة فدخل الماء حلقه فليس عليه شيء و قد تمّ صومه، و ان تمضمض في غير وقت فريضة فدخل الماء حلقه فعليه الاعادة، و الأفضل للصائم أن لايتمضمض».(1)

فالمتحصّل من الروايات أنّه اذا تمضمض فدخل الماء في جوفه قهرا يجب القضاء مطلقا سواء كانت للطهارة أم غيرها من غير فرق بين الغسل و الوضوء الاّ ما كان للوضوء للصلاة الفريضة، فلايجب القضاء في هذه الصورة فقط.

(مسألة 4): يكره المبالغة في المضمضة مطلقا، و ينبغي له أن لايبلع ريقه حتّى يبزق ثلاث مرّات.

الشرح:

يكره المبالغة في المضمضة مطلقا لمرسلة حمّاد عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في الصائم يتمضمض و يستنشق؟ قال: «نعم، ولكن لايبالغ».(2)

و ينبغي له أن لايبلع ريقه حتّى يبزق ثلاث مرّات، و ذلك لخبر زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في الصائم يتمضمض قال:


1) - وسائل الشيعة 7: 49 / الباب 23 من أبواب مايمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

2) - وسائل الشيعة 7: 49 / الباب 23 من أبواب مايمسك عنه الصائم / الحديث الثاني.

«لايبلع ريقه حتّى يبزق ثلاث مرّات».(1)

(مسألة 5): لايجوز التمضمض مطلقا مع العلم بأنّه يسبقه الماء الى الحلق أو ينسى فيبلعه.

الشرح:

اذا علم أنّه لو تمضمض يسبقه الماء الى الحلق أو ينسى فيبلعه فلايجوز له المضمضة، الاّ أنّ بطلان صومه منوط بدخول الماء في جوفه لو فعلها فحينئذ يجب عليه القضاء و الكفّارة، و أمّا لو لم‌يدخل الماء في جوفه مع علمه بالدخول و فعلها، لم‌يجب عليه شيء الاّ على القول بأنّ نيّة القاطع موجبة للقضاء.

ثمّ انّ الظاهر من النصّ و الفتوى جواز المضمضة في غير الفرضين مطلقا.

و عن التهذيب و الاستبصار: انّه لاتجوز اذا كانت للتبرّد، و استدلّ بما في ذيلخبر يونس أنّه قال: «و الأفضل للصائم أن لايتمضمض».(2)

و فيه: انّ الخبر لايصلح أن‌يكون دليلاً لعدم جواز المضمضة لضعفه سندا و دلالة.

«العاشر»: سبق المني بالملاعبة أو الملامسة اذا لم‌يكن ذلك من قصده و لا عادته على الأحوط، و ان كان الأقوى عدم وجوب القضاء أيضا.

قد تقدّم البحث عنها في المسألة الثامنه‌عشرة في مفطرات الصوم تفصيلاً.


1) - وسائل الشيعة 7: 64 / الباب 31 من أبواب مايمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 49 / الباب 23 من أبواب مايمسك عنه الصائم / الحديث الثالث.

فصل : في الزمان الذي يصحّ فيه الصوم

و هو النهار من غير العيدين و مبدؤه طلوع الفجر الثاني، و وقت الافطار ذهاب الحمرة من المشرق، و يجب الامساك من باب المقدّمة في جزء من الليل في كلّ من الطرفين ليحصل العلم بامساك تمام النهار، و يستحبّ تأخير الافطار حتّى يصلّي العشاءين لتكتب صلاته صلاة الصائم الاّ أن‌يكون هناك من ينتظره للافطار، أو تنازعه نفسه على وجه يسلبه الخضوع و الاقبال و لو كان لأجل القهوة و التتن و الترياك فانّ الأفضل حينئذ الافطار ثمّ الصلاة مع المحافظة على وقت الفضيلة بقدر الامكان.

الشرح:

هيهنا فروع:

الفرع الأوّل : في الزمان الذي يصحّ فيه الصوم

الزمان الذي يصحّ فيه الصوم هو النهار من غير العيدين و غير أيّام التشريق لمن كان بمنى. و الدليل على أنّ الصوم يكون في النهار مضافا الى أنّه ضروريّ،

الكتاب و السنّة المتواترة؛ أمّا الأوّل: فقول اللّه عزّوجلّ:«كلوا و اشربوا حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثمّ أتمّوا الصيام الى الليل»(1)

أمّا الثاني فتجدها في خلال أبواب متفرّقة من كتاب الصوم، فمن جملتها باب وجوب القضاء على من أفطر للظلمة التي يظنّ معها دخول الليل (الباب الخمسون) و باب عدم وجوب القضاء على من غلب على ظنّه دخول الليل فأفطر (الباب الحادي و الخمسون) و باب أنّ وقت الافطار هو ذهاب الحمرة المشرقيّة فلايجوز قبله (الباب الثاني و الخمسون) و غيرها من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك.

ثمّ اعلم أنّ الزمان الذي يصحّ فيه الصوم يكون غير العيدين لعموم الناس، و غير أيّام التشريق لمن كان بمنى و الدليل على ذلك مضافا الى الاجماع: النصوص المستفيضة التي سيأتي التعرّض لها في محلّه ان شاء اللّه تعالى.

الفرع الثاني : في مبدأ الصوم و منتهاه

و مبدؤه طلوع الفجر الثاني و هو المستطير (أي المنتشر) في الأفق باجماع العلماء كافّة، ففي صحيحة أبي بصير ليث المرادي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام فقلت: متى يحرم الطعام و الشراب على الصائمو تحلّ الصلاة صلاة الفجر؟ فقال: اذا اعترض الفجر فكان كالقبطيّة البيضاء، فثمّ يحرّم الطعام على الصائم و تحلّ الصلاة صلاة الفجر. الحديث».(2)


1) - البقرة 2: 187.

2) - وسائل الشيعة 3: 153 / الباب 27 من أبواب المواقيت / الحديث الأوّل.

فقد تقدّم البحث عن ذلك في الفرع التاسع في أوقات اليوميّة من كتاب الصلاة(1). و وقت الافطار الغروب و يعرف الغروب باستتار القرص عن النظر من الأفق اذا لم‌يكن هناك حيلولة جبل و نحوه لصحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه‌السلام: وقت المغرب اذا غاب القرص، فان رأيت بعد ذلك و قد صلّيت أعدت الصلاة و مضى صومك و تكفّ عن الطعام ان كنت أصبت منه شيئا».(2)

و قد تقدّم في كتاب الصلاة و قلنا انّ هناك طائفتين من الروايات فالأولى منهما تدلّ على أنّه اذا سقط القرص فقد دخل وقت المغرب، و الثانية منهما تدلّ على اعتبار ذهاب الحمرة، ففي الجمع بين الطائفتين تحمل الطائفة الأولى لمكان مستوٍ خالٍ من الجبال وسائر الموانع، و الطائفة الثانية على فرض تماميّة سندها و دلالتها، واردة في الأمكنة التي لها موانع لايعلم متى يسقط القرص فذهاب الحمرة يدلّ على سقوط القرص.(3)

الفرع الثالث : في حكم الامساك في جزء من الليل من باب المقدّمة

هل يجب الامساك من باب المقدّمة في جزء من الليل في كلّ من الطرفين ليحصل العلم بامساك تمام النهار؟

الظاهر أنّه لايجب من طرف الفجر و يجب من طرف المغرب أمّا في جانب الفجر مضافا الى دلالة قوله تعالى: «كلوا و اشربوا حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض


1) - الهادي كتاب الصلاة 1: 125.

2) - وسائل الشيعة 3: 130 / الباب 16 من أبواب المواقيت / الحديث 17.

3) - الهاديكتاب الصلاة 1: 147.

من الخيط الأسود من الفجر»(1)التي تدلّ على جواز الأكل و الشرب حتّى يتبيّن الفجر أوّلاً، الروايات الواردة بأنّه يجوز الأكل و الشرب و غيرهما من المفطرات حتّى لاتشكّ في الفجر كموثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام: آكل في شهر رمضان بالليل حتّى أشكّ، قال: كل حتّى لاتشكّ».(2)

و موثّقة سماعة بن مهران قال:

«سألته عن رجلين قاما فنظرا الى الفجر فقال أحدهما: هو ذا، و قال الآخر: ما أرى شيئا، قال: فليأكل الذي لم‌يستبن (لم‌يتبيّن) له الفجر و قد حرّم على الذي زعم أنّه رأى الفجر، انّ اللّه عزّوجلّ يقول: «كلوا و اشربوا حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر»».(3)

و ثانيا لاستصحاب الليل. فانّه عليه‌السلام قال: «لاتنقض اليقين بالشكّ بل انقُضه بيقين آخر»، فمتى تيقّن و تبيّن له الفجر يجب عليه الامساك و الاّ يجوز له الأكل و الشرب. و أمّا في جانب المغرب فيجب الامساك حتّى يتيقّن بدخول الليل لقوله تعالى: «ثمّ أتمّوا الصيام الى الليل» فمتى كان شاكّا أو ظانّا يستصحب النهارفلايجوز له الأكل.

الفرع الرابع : في استحباب تأخير الافطار

يستحبّ تأخير الافطار حتّى يصلّي العشاءين لتكتب صلاته صلاة الصائم، الاّ


1) - البقرة 2: 187.

2) - وسائل الشيعة 7: 86 / الباب 49 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

3) - وسائل الشيعة 7: 85 / الباب 48 من أبواب ما يمسك عنه الصائم / الحديث الأوّل.

أن‌يكون هناك من ينتظره للافطار، أو تنازعه نفسه على وجه يسلبه الخضوع و الاقبال. و ذلك: لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه سئل عن الافطار أ قبل الصلاة أو بعدها؟ قال:

«فقال: ان كان معه قوم يخشى أن‌يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم، و ان كان غير ذلك فليصلّ ثمّ ليفطر».(1)

و صحيحة زرارة و فضيل عن أبي جعفر عليه‌السلام:

«في رمضان تصلّي ثمّ تفطر الاّ أن‌تكون مع قوم ينتظرون الافطار، فان كنت تفطر معهم فلاتخالف عليهم، فافطر ثمّ صلّ، و الاّ فابدأ بالصلاة، قلت: و لم ذلك؟ قال: لأنّه قد حضرك فرضان: الافطار و الصلاة، فابدأ بأفضلهما، و أفضلهما الصلاة، ثمّ قال: تصلّي و أنت صائم فتكتب صلاتك تلك فتختم بالصوم أحبّ اليّ».(2)

و مرسلة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال:

«يستحبّ للصائم ان قوى على ذلك أن‌يصلّي قبل أن‌يفطر».(3)و ما رواه المفيد في المقنعة عن الفضيل بن يسار و زرارة بن أعين جميعا عن أبي جعفر عليه‌السلام أنّه قال:

«تقدّم الصلاة على الافطار الاّ أن‌تكون مع قوم يبتدئون بالافطار، فلاتخالف عليهم و أفطر معهم، و الاّ فابدأ بالصلاة، فانّها أفضل من الافطار و تكتب صلاتك و أنت صائم أحبّ اليّ».(4)

قال المفيد: «و روي أيضا في ذلك أنّك اذا كنت تتمكّن من الصلاة و تعقلها و


1) - وسائل الشيعة 7: 107 / الباب السابع من أبواب آداب الصائم / الحديث الأوّل.

2) - وسائل الشيعة 7: 108 / الباب السابع من أبواب آداب الصائم / الحديث الثاني.

3) - وسائل الشيعة 7: 108 / الباب السابع من أبواب آداب الصائم / الحديث الثالث.

4) - وسائل الشيعة 7: 108 / الباب السابع من أبواب آداب الصائم / الحديث الرابع.

تأتي على جميع حدودها قبل أن‌تفطر فالأفضل أن‌تصلّي قبل الافطار، و ان كنت ممّن تنازعك نفسك للافطار و تشغلك شهوتك عن الصلاة فابدأ بالافطار ليذهب عنك وسواس النفس اللوّامة، غير أنّ ذلك مشروط بأنّه لايشتغل بالافطار قبل الصلاة الى أن‌يخرج وقت الصلاة».(1)

(مسألة 1): لايشرع الصوم في الليل، و لاصوم مجموع الليل و النهار، بل و لاادخال جزء من الليل فيه الاّ بقصد المقدّميّة.

الشرح:

من أدام الامساك الى أن‌يمضي مقدارا من الليل بنيّة الصيام، أو يصوم مجموع الليل و النهار فقد فعل محرّما و ذلك من الضروريّات المسلّمة و قد أشير اليه في صحيحة زرارة و فضيل المتقدّمة في هذا الفصل فانّه عليه‌السلام قال: «لأنّه قد حضرك فرضان: الافطار و الصلاة». فأطلق على الافطار الفرض كما أطلقه على الصلاة.


1) - وسائل الشيعة 7: 108 / الباب السابع من أبواب آداب الصائم / الحديث الخامس.

فقد تمّ الجزء الأوّل من كتاب الصوم

بعون اللّه الملك العلاّم

بيد أقلّ العباد

السيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني ابن المرحوم السيّد عليأكبر

في شهر صفر المظفّر من سنة 1421 الهجري القمري

أرجو من اللّه القبول لهذه الوجيزة

و أن‌تكون ذخرا ليوم لاينفع مال و لابنون

الاّ من أتى اللّه بقلب سليم