ghaemiyeh.com
سرشناسه:سند، محمد، ۱۹۶۲- م.
عنوان و نام پدیدآور:النیات و الخواطر/ بقلم محمد سند .
مشخصات نشر:قم: باقیات، ۱۴۳۱ ق.= ۱۳۸۹.
مشخصات ظاهری:109 ص.
وضعیت فهرست نویسی:فیپا
یادداشت:عربی.
موضوع : اخلاق
موضوع : نیت
رده بندی کنگره : B۱۴۶۵/ھ۹ج۵ ۱۳۹۲
رده بندی دیویی : ۱۷۱/۲
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام علی أفضل الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة علی أعدائهم من الأولين والأخرين الی قيام يوم الدين .
وبعد .. .
إن هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها سماحة آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند (دام ظله) عند حج بيت الله الحرام وزيارة النبي والآل ( صلوات الله عليهم ) . وقد بحث سماحته مبحث النية بشكل دقيق ومفصل بالنسبة إلی أثارها علی الفرد والمجتمع في كلا الدارين - الدنيا والآخرة - ، لما لها من أهمية علی نفسية العبد أتجاه ربه في كل مجالات الحياة ، سواء كانت نظرية أو عملية . ولذلك فإن النية لها
أرتباط بالدعاء ، وبالتبري والتولي ، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فضلا" عن العبادات الأخري بل لها أرتباط حتی بالتواضع والتوكل وعموم المسيرة الأخلاقية للإنسان ، بل والمسيرة الأعتقادية كمعايشة وجدانية وقلبية ، فإن دقة الخاطرة والنية تجعل الروح طاهرة كطهارة ثوب البدن ، أو تكون ملوثة كتلوث الدابة أثناء علفها . فإذا كانت طاهرة فتتقبل بمحبة ووداد للرب تعالی وصرنا مع الله كالمحب والمحبوب والواد والمودود ، وأما إذا كانت ملوثة فتصبح كقابيل من هابيل .
إن أساس الأعمال هي النية والخاطرة في الذهن قبل العمل ، ومن ثم تجعل الإنسان إما أن يقيم دائما" في المقامات العالية من كمالات النفس ، كما حدث هذا مع أبي الفضل العباس (عليه السلام) في واقعة الطف ، والتي كانت - واقعة الطف - مجموعة من الخواطر والنوايا الحسنة التي تمثلت بأصحاب الحسين (عليه السلام ) - كالحر- وأهل بيته ، أو نوايا وخواطر سيئة التي تمثلت بحزب بني أمية وأشياعهم المطرودين عن رحمة الله تعالی أبد الأبدين .
هذا ماتجده - عزيزي القاريء - بين طيات هذا البحث من خلال دراسة فلسفة النية واثارها السلبية والأيجابية .
وفي الختام : اسأل الله عز وجل أن يحفظ شيخنا الأستاذ وأن لايحرمنا من علومه العذبة ، واسأل القاريء اللبيب الإغماض عن ما في هذا البحث من الأشتباهات الصادرة غفلة مني .
3 رجب الأصب
وفاة الإمام علی بن محمد الهادي 1431 ه
إبراهيم حسين البغدادي
الخاطرة والخواطر هي التي تمر علی الإنسان في صفحة ذهنه ، وإن الإنسان ربما قد يستهين بالخاطرة والنية مع أنهما لهما بالغ التأثير علی الإنسان ، ومن الطبيعي أن بحث الخاطرة والنية بحثها الفقهاء وبحثها المتكلمون ، وبحثها المفسرون ، وبحثها الفلاسفة ، وبحثها كثير من علماء العلوم الإنسانية والمعارف .
الآن مثلاً لو نظرنا إلی فقرات دعاء كميل فإن التعبير فيها دقيق عن تلك الحالات (اللهم إني أسألك سؤال مؤمل لرحمتك) أو التعبير فيها ( اللهم إني أسألك سؤال خاضع متذلل خاشع ) فالسؤال قد يصدر بتعنت من الإنسان ومن سخط - والعياذ بالله - علی ربه ، وقد يصدر من حالة خشوع وتذلل ، وقد يصدر السؤال من اليأس من الإنسان أو سوء ظن أو أياس ، وهذه الحالات التي سنبيّنها أنشاء الله هي حالات نفسية مرتبطة بالخاطر - خاطر الإنسان - فإن الإنسان لما يسأل السؤال من رعونة أو تعنت حينئذ يكون هذا السؤال - العياذ بالله - غطرسة ، فبدل من أن يكون الدعاء عبادة سوف يكون فرعونية علی الله (عز وجل) ، كما في أبليس
(لعنه الله) حيث عَبَدَ الله (عز وجل) ستة آلاف سنة ، حيث يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة القاصعة : ( فأعتبروا بما كان من فعل الله بأبليس إذ أحبط عمله الطويل ، وجهده الجهيد ، وكان قد عَبَدَ الله ستة آلاف سنة ، لا يدري أمنْ سني الدنيا أم سني الآخرة عن كبر ساعة واحدة ، فمن ذا بعد أبليس يسلم علی الله بمثل معصيته )(1).
فإن الكثير يظن بأن طقوس العبادة هي من لحاظ الشكل البدني ، كلا فإن طقس العبادة أو شكل العبادة أو حقيقة العبادة ليست بالشكل بالبدني ، أو باللحاظ البدني بل بلحاظ الخاطر والحالة النفسية .
(أسألك سؤال مؤمل) أما سؤال متعنت ، سؤال رعونة أو أعتراض وأستنكار فهذه لا تكون حينئذ حالة داعي وعابد ، إذن الحالة النفسانية والخاطرة مؤثرة جداً ، ( لأن تركتني ناطقاً لأصرخن إليك صريخ مؤمل لرحمتك ) ، في قبال صريخ وصراخ واعتراض وبغض ونفرة وإستنكار ،
1) - شرح نهج البلاغة ج78 : 13 .
وهذا هو البطر علی رب العزة وجرأة وتهتك وهو في جهنم إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ1
ويوجد في النار الكثير من تلك المعادن - والعياذ بالله - التي تستصرخ الله (عز وجل) ، صراخ أستعلاء علی رب العزة فلو ننظر في الآيات الكريمة وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلي أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ یَتَضَرَّعُونَ (1)فالأنكسار والخضوع حالات عبودية ، ونحن كثيراً ما نستسهل ونستصغر ونستهين بحالات هي لب العبودية وثمرة الطاعة لله (عز وجل) ، فمراقبة مثل هذه الحالات في النفس والنية والخاطر مهم جداً .
الخاطرة هي عبارة عن فعّالية نفسية وهي ثمرة كبيرة لشجرة النفس ، فإذا كانت خواطر الإنسان خواطر حنظل وخواطر سوء أو معاصي أو غيرها من الخواطر السلبية ، فسوف تكون هذه الشجرة أي شجرة النفس
1) - الأنعام : 42 .
ومعدن النفس وعين النفس لا ترفد ولا تزبد ولا تضخ إلا ما هو مر أو ما هو حنظل .
فإذن الخاطرة نبتة تنبت في أرض النفس ، ورشحة من رشحات النفس ، فيجب علينا أن نكون دائماً يقظين وملتفتين إلی خواطرنا .
فعن أبي عبدالله (عليه السلام) قال :
أن الله يحشر الناس علی نياتهم يوم القيامة (1)
وفي رواية أخري أيضا" عن الأمام الصادق عليه السلام - في حديث والنية أفضل من العمل ، ألا وان النية هي العمل ، ثم تلا قوله تعالی (قُلْ كُلٌّ یَعْمَلُ عَلي شاكِلَتِهِ ) يعني علی نيته .(2)
وفي اخري : من حسنت نيته زاد الله في رزقه .
اذن حسن النية تجلب الرزق وتزيده أيضا .
وعن زيد الشحام قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : اني سمعتك تقول : نية المؤمن خير من عمله ، فكيف تكون النية خيرا" من العمل ؟ قال : لأن العمل ربما كان رياء" للمخلوقين والنية خالصة لرب العالمين ، فيعطي عزوجل علی النية مالايعطي علی العمل .(1)
إن الفرق بينهما هو أن الخاطرة تأتي صورة في صفحة النفس - شاشة التلفزيون للنفس - لكن إذا أشتد تعلق الإنسان بالخاطرة شيئاً فشيء تصبح الخاطرة نية إذا بني عليها وعزم عليها .
وقد يقول قائل إذا كانت النية معفواً عنها ولا يؤاخذ عليها الإنسان فلماذا نشدد علی خطورة الخاطرة ؟
نعم هذا الكلام صحيح ولكن أولاً ليست كل نية مغفورة وليس كل مغفور عديم الأثر ، فلدينا في الروايات أن النية إذا تابعها الإنسان وبني
1) - المصدر السابق : ح:15 .
علي إعداد الأرضية للعمل الذي نواه إلی آخر المطاف وإن لم يقع حينئذ في المعصية أو الفعل القبيح فهذه النية يؤاخذ عليها الإنسان .
فعن الإمام الصادق (عليه السلام) :
( إنّ الله يحشر الناس علی نياتهم يوم القيامة )(1).
وعنه أيضاً : ( إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبداً ، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبداً ، فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء ، ثم تلا قوله تعالی : قُلْ كُلٌّ یَعْمَلُ عَلي شاكِلَتِهِ قال : علی نيته )(2).
وغير ذلك من الروايات ، فإذن لدينا روايات أن النية يؤاخذ عليها ، وتوجد روايات أن النية معفو عنها ، والجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات كما أستخلصه العلماء أنه إذا تُتابعها وتنجر معها ولو لم تقع أنت في المعصية ولكن في النهاية عايشتها وسايرتها وأنجررت معها وإليها
هنا تؤاخذ عليها . هذا مع أن مجرد النية لو أحدثها الأنسان في نفسه وتشوق إلی فعل المعصية والقبيح فهي نوع من التمرد والطغيان والجرأة علی الباري تعالی فاذا أنكفأ الإنسان بعد ذلك فسوف يعفي عنه .
إذن ليست كل نية معفواً عنها ، بل حتی المعفو عنها من قال كل معفو عنه لا أثر وضعي له ، نعم معفو عنها بلحاظ الآخرة فلا تعذب أو تعاقب عليه في القبر أو ما شابه ذلك . وأما الأثار في الوضع الدنيوي فيتأثر سلبيا .
فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال :
( إنما قدّر الله عون العباد علی قدر نياتهم ، فمن صحت نيته تم عون الله له ، ومن قصرت نيته قصر عنه العون بقدر الذي قصر )(1). وفي هذه الرواية الشريفة سر أعجازي كبير وهو أن أبرام المقادير الآلهية والقضاء المحتوم يتوقف علی شاكلة نية الانسان وحجم تلك النية بحسب حجم همته فان العزائم الآلهية تأتي علی قدر
1) - البحار ج211 : 70 / 34 .
همم الرجال ، وهذا الترابط بين الفعل النفساني للانسان وهي نيته مع الفعل الآلهي يشير اليه الحديث النبوي ايضا" في قوله صلي الله عليه واله : تفائلوا بالخير تجدوه .(1)فبصنع الانسان لنيته تصطنع له المقادير ، فنية كل أمريء حظه من قدره .
وعن الإمام علی (عليه السلام) قال : ( إن المؤمن لينوي الذنب فيحرم رزقه )
(2)، وفي رواية أخري : ( عند فساد النية ترتفع البركة ) وفي أخري : ( من أساء النية منع الأمنية)(3) فلو نظرنا إلی أول دعاء كميل لوجدنا أن هناك أقسام من الذنوب ذكرها الإمام علی (عليه السلام) : ( اللهم أغفر لي الذنوب التي تهتك العصم . اللهم أغفر لي الذنوب التي تنزل النقم . اللهم أغفر لي الذنوب التي تغير النعم . اللهم أغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء ، اللهم أغفر
لي الذنوب التي تنزل البلاء . اللهم أغفر لي الذنوب التي تقطع الرجاء . اللهم أغفر لي كل ذنب أذنبته وكل خطيئة أخطأتها ) .
فنلاحظ أنها تهتك العصم ، تنزل النقم ، تغير النعم ، تحبس الدعاء ...، فهي آثار أخري غير الآثار الآخروية .
فأيضاً هذه النيات المعفو عنها لها تلك الآثار ، تحرمك من الرزق ، تحرمك من توفيق إلی كمال آخر إلی درجة أخري وهكذا .
وبعبارة أخري ، لما يقال معفواً عنه ماذا تعني ؟ يعني هو شيء قبيح ، شيء بغيض لله (عز وجل) ، غاية الأمر أن الله يعفو عن عباده . إذن كونه معفو عنه لا يعني أن لونه أبيض ، بل معفو عنه يعني كون لونه أسود . إذن لماذا الإنسان يقع في حضيض السواد والإسوداد . لذا فالنية لها تأثير كبير جداً ، ففي بعض الروايات عن الامام علی عليه السلام : ماأضمر أحد شيئا" الا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه .(1)
وفي رواية أخري أنه قال : أعلم أن لكل ظاهر باطناً علی مثاله , فما طاب ظاهره طاب باطنه , وما خبث ظاهره خبث باطنه , وقد قال
1) نهج البلاغة الحكمة 26.
الرسول الصادق (صلي الله عليه وآله وسلم) : ان الله يحب العبد ويبغض عمله , ويحب العمل ويبغض بدنه . (1)
إذن النية هي نفسها موجودة ، ولكن المشكلة نحن لا نتحسس مع الجوانح بأنها موجودات ،
فالأفعال الجانحية هي موجودات ولكن نفكر أنها هواءاً هباءاً منثوراً ، والحال أن هذه الفعاليات الروحية تكاثر تحذير القرآن الكريم والنبي العظيم (صلي الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) بأهميتها وخطورتها . وفي العصرالعلوم التجريبية الروحية كعلوم الروح الغربية تثبت أن هذه الفعاليات للروح - كالخاطرة والنية - هي أشد طاقة وكتلة طاقية من أفعال البدن ، فحركة اليد والرجل واللسان أو ما شابه ذلك هي موجودة في نشأة أثيرية ذات طاقة مؤثرة .
لكن المشكلة الكبيرة إذا نوي الإنسان بأعتبار بعده المادي المدهوش به فلا يتحسس إلا ما هو غليظ ، اما ما هو لطيف لا يتحسسه ولا يقيم له وزناً ، فالطاقة الكهربائية مثلاً مع أنها بنفسها لا تلحظ ومع أن كل الحياة المعاصرة ومنها أو أغلبها يعمل علی الطاقة الكهربائية ، والطاقات
1) نهج البلاغة الحكمة 154.
كلها هي أصلاً مدار حركة الحياة عليها مع أنها غير محسوسة . فالمحسوس ما هو إلا قشر متكثف من الطاقة وليس له دور فاعل في الحياة ، وكذا الآن نعاصر في دار الدنيا القنبلة النووية وغيرها من الطاقات الساكنة والطاقات غير الساكنة ، بل هناك أنواع موجودة الآن في الفضاء وفي الكون هي كلها غير مرئية .
إذن الموجودات المهولة في التأثير أكثرها أو كلها غير مشاهدة بالحس . وأن ما يخفي عن الحس في الواقع هو أشد تأثيراً مما يحس ، لكن المشكلة طبيعة الإنسان أنه يغفل دائماً عن غير المحسوس ، والحال أن غير المحسوس هو أكثر تأثيراً في مصير الإنسان ومستقبله الدنيوي وكذلك الأخروي أكثر ، ولذا هذه القاعدة الشريفة العظيمة المروية عن طريق الفريقين : ( إنما الأعمال بالنيات ) ، أي قيمتها هي بالنيات نظير مايقال شرف المكان بالمكين . فإن تعبيره (صلي الله عليه وآله) - إنما الأعمال بالنيات - ليس تعبيراً فيه إغراق أو تجاوز عن ترسيم الحقيقة ، لأنه (صلي الله عليه وآله) يريد من تعبيره أن يرسم لنا حد الحقيقة أن أصل وعمدة الأعمال قوامها بالنية ، وكذلك الخاطرة أو الخاطر فله دور تأثيري كبير في حياة ونفسية الإنسان ، فمثلاً لما نقول نحن أحياء ما علامة حياتنا ، أليس الحركة والآثار الصادرة من البدن ،
والشعور ، والإدراك ؟! فإذا كان شعورنا وإدراكنا محبوس علی هذه المساحة وهي التي في الواقع حقيقتها البدن وهو لا حياة ذاتية له ، كما يقولون حياته بالروح ، وإذا كانت الروح مشدودة
ومحبوسة علی إدراك البدن وتغفل الروح عن نفسها ، وعن نفس الأفعال التي تأتي بها ، كأنما الروح أماتت نفسها عن الصعيد العالي وتركز فقط علی بث الحياة ، بث الإنتشار ، بث الموجات ، علی الصعيد الداني وتترك بث موج الحياة علی الصعيد العالي وتركز فقط علی : رَضُوا بِالْحَیاةِ الدُّنْیا1
إن هذا التعبير القرآني لما يقول : رَضُوا بِالْحَیاةِ الدُّنْیا وَ اطْمَأَنُّوا بِها يعني في دار أنت يمكن لك أن لا ترضي بالحياة الدنيا وتتعايش دوما مع الحياة العليا ، التي هي حياة الآخرة وحياة الجنان ، وذلك بتوسط التركيز والإنشداد إلی عالم الروح أو إلی أفعال الروح .
في دعاء كميل : ( وأشدد علی العزيمة جوانحي ) ، فالجانح إما فعل نفساني أو قوة نفسانية ، وجنح إلی الشيء أي مال إليه ، فالجانح يعني الميل النفساني . ولهذا سميّ بالجانح ، بينما الجوارح سميت جوارح أي فعل من أفعال البدن ، أو نفس أعضاء البدن تسمي جوارح ، والأفعال التي تصدر منها تسمي أفعال جارحية ، ف ( أشدد علی العزيمة جوانحي ) يعني الميل النفساني إذا صار علی الأمور الصالحة ، يشتد فيصير عزيمة .
إذن أفعال الروح والنية والخاطرة هي الميول ، فإذا جعلت لديك دائماً برج مراقبة ستري العداد أو مؤشرك إلی أي أتجاه يميل ، وإلي أين روحك منشدة . فإذا كانت ميوله منشدة - لا سامح الله - إلی الأفعال القبيحة أو إلی شيءٍ أشد من الأفعال القبيحة ، كمعارف سوء الظن بالله مثلاً هذا فوق الأفعال . فالنية والخاطر لها تقسيمات ، ففعل السوء سوئه أدني من سوء خاطر الصفات ، وسوء خاطر الصفات سوئه أقل من سوء خاطر الأعتقادات .
فإن الفقهاء تقريباً أفتوا بذلك كلهم ، وحتي علماء الأخلاق ، أن سوء الظن بالله من الكبائر . قطعاً أن كل واحد منا مر بسوء ظن بالله : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّی1
لا يمكن لأحد أن يبرئ نفسه أن النفس لأمارة بالسوء ، ما معني سوء الظن بالله ؟
يعني تستاء مما يقدره الله لك ، يعني تظن بالله السوء كما يقول الله في القرآن : عَلَیْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ2 ، مع أنه من الكبائر لماذا ؟ لأن خاطر السوء ليس يتعلق بالأفعال الحزينة كأفعال البدن وأفعال النفس ، ولا بالصفات النفسانية فقط ، بل يتجاوز ويرتقي إلی سوء الأعتقادات ، وقد يجر سوء الظن بالله إلی الكفر بالله ، أنظر إلی خطورة الخاطر ، سيطرة
الشيطان علی الإنسان من هذه الجهة ، فإنه يراقب خواطرنا وأفعالنا الإنسانية ، وهو يعرف كيف يؤجج خواطر السوء فينا ، ونحن لا نلتفت إلی خواطر السوء بل نلتفت دائماً إلی الأبدان ، أي منشدين إلی الحس فلا نلتفت هذا هو الفرق ، قد وضع الشيطان فيها السم بأعتبار أن الإنسان لما يكون متلاحم مع حالاته النفسانية لا يلتفت لحالته النفسانية بل يذوب فيها فيلتفت فقط إلی بدنه : إِنَّهُ یَراكُمْ هُوَ وَ قَبِیلُهُ مِنْ حَیْثُ لا تَرَوْنَهُمْ.1
فهو يضخ ويزق حينئذ خواطر السوء بسوء الظن بالله عبر الحديث النفساني .
إن أحد مصادر خواطر السوء هو حديث الجن يعني أبليس ، فإن الجن والشياطين موجود لطيف لا نسمعه بهذه الأذن اللحمية ، له طبيعة ذبذباته لطيفة خفية - ، فالخاطر الذي يأتي مخيلة النفس ليس هو تمثال مرسوم . بل الخاطر الذي يأتي في صفحة النفس كثيراً ما هو الا
عبارة عن ذبذبات لأصوات لطيفة خفية - تسمعها الروح ، أو بعبارة أخري يسمعها البدن الروحي لا البدن اللحمي ، مثلاً تأثير السحر لماذا الساحر يستطيع أن يؤثر بين المرء وزوجه ، أو بين المرء وأرحامه وتلهب صراعات ونيران ، ويلهب الكثير من العداوات والأحقاد ، وأكثر السحر يكون بتوسط تسخير الجن والشياطين فماذا يصنعون ؟
يزرقون ويضخون خاطر السوء ، يسمعوك خاطر السوء وأنت تأخذه كبديهة ، وأنت غافل تأخذه كمسلّمة وحقيقة واقعية ، وهو كذب فيدخل عليك رحمك أو صديقك أو زوجتك أو الزوجة يدخل عليها الزوج فينفث الشيطان عليها أو علی قلبها أو علی أذنها معني معين كأن يذكرها الأساءة التي صدرت من الطرف الأخر أتجاهها ، أو قباحة معينة فيه فيشغل ويوغر صدرها بالكراهية لاسيما مع التركيز وتكرار ذلك المعني ، فأنت لا تحس أن هذا ليس من ذاتك بينما هو موجود آخر يكلمك ، يلقنك ، يزرقك ، وأنت تظن من ذلك أن روحك هي التي تملي عليك هذه الحقائق في حين هي أكاذيب وزوائف . ولذلك الذين عندهم مراقبة شديدة للنفس يمكنهم أن لا يؤثر فيهم السحر ، ولا يؤثر فيهم وساوس الشياطين ، لأنهم متحكمين في الخاطر بقوة . وقد يأتيك خاطر معين فيقول
هذا عمل معك هذا الفعل كي يهينك فيسيء لك الظن بالطرف الأخر ، وأنت تأخذها بأنها مسلّمة ، وهذه خاطرة ولكن هذه الخاطرة تلهب نيران قد تسيل بسببها دماء - لا سامح الله - ولذا الشيطان اللعين والجن يسيطر علی الإنسان من خلال نافذة الخواطر . فإذا كان الإنسان يستطيع أن يروّض نفسه ويكون لديه برنامج مراقبة للنفس ويلتفت إلی مصدر كل خاطرة تمر في صفحة النفس ، من أين أتت ؟ ومن أي جهة ، وما طبيعتها سوداء أو بيضاء ، وغير ذلك فحينئذ لا يكترث بها ، فيكون حليم ويكون عنده حسن ظن بالآخرين ويكون عنده حسن الظن بالله فالخاطر والنية إذن أمرهما عصيب جداً .
مر علينا سابقاً أن عبادة إبليس كانت مدتها ستة آلاف سنة ، ولكن ما هي هذه العبادة هل هي طقس بدني ؟! ، فالعبادة ليست طقس وشكل وهيئة بدنية ، وإنما العبادة هي : ( أسألك سؤال خاضع متذلل خاشع ) وليس سؤال معادي وحاقد ومعاند ، قد يسأل الإنسان الله سؤال حاقد ،
هذا لا يتقرب إلی الله ، أو سؤال معاند ، أو سؤال متبرم ومتضجر فهذا ليس بسؤال العابد .
وقد يخاف الإنسان الله ، ولكن يخافه سوء ظن وليس مخافة الموقنين كما في دعاء كميل : ( وأجعلني أخافك مخافة الموقنين ) فإن مخافة الموقنين شيء ومخافة المسيئين الظن شيء آخر ، فالله (عز وجل) لا يحب ولا يريد مخافة المسيئين الظن لأنه في الخاطر يرتسم له الرب والباري بصورة هي غير صالحة - والعياذ بالله - لأن الصورة التي تأتي في الذهن لله كأنه يصف الباري ، ويرسم جسر سيء بينه وبين باريه يسيء فيه إلی مقام الجلالة .
كما قال تعالی : يا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَیْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَیْهِمْ رِیحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِیراً1 . فإذا كانت الخاطرة خاطرة سوء فسوف ينجم عنها الكثير من أبواب المهالك ، وإذا كانت خاطرة حسنة فسوف ينجم عنها الكثير من المفازات .
مثلاً نتوقع أن أبا الفضل العباس (عليه السلام) حينما وصل إلی نهر الفرات العلقمي نوي أن يواسي سيد الشهداء (عليه السلام) وهو الآن مقدم علی تجرع الموت ، ونحن نعرف أن الإنسان عند الموت ينادي وانفساه ، ولما يري الموت لا يفكر في غيره : یَوْمَ یَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِیهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِیهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِیهِ1 ، فإن الإنسان لما يصل الخطر إلی نفسه لا يستطيع أن يكون فداء لغيره ، هذا إذا كان الشخص حريصاً علی نفسه وكانت عزيزة عليه .
أما إذا يسترخصها إلی ما هو أعز منها كالإمام المعصوم أو الباري تعالی فهنا لا تملكه نفسه وإنما هو الذي يملك نفسه - وهذا بحث لا نريد الخوض فيه - فإذا أردنا أن نقرأ واقعة الطف قراءة مشهدالخواطر ومشاهد النوايا وهو يغاير المشهد القتالي العسكري ويغاير المشهد السياسي في واقعة عاشوراء . ومن تلك المواقف واللقطات نري أن أبا الفض العباس (عليه السلام) فجأة يظهر لديه خاطرة من الخواطر المعالي بحيث يتحكم بنفسه بهذه
السرعة المدهشة وبدون تريّث وتروي وبدون تلكؤ ، وبدون تتعتع ، وبدون تردد في خضم هذه المعركة.
وعندما تري بعض الخطباء (حفظهم الله تعالي) عندما يفصلون ويحللون لك المعاني تظن أنها مسترسلة بالساعات ، كلا بل هي أقل من ثواني تطوي هذه الأمور ، فكيف دفعة حدثت عنده هذه الخاطرة ؟! .
ذلك نتيجة تربية مسبقة ، فالخواطر الحسنة تجعله يقيم دائماً في المقامات العالية من كمالات النفس لأبي الفضل العباس (عليه السلام) . فإذا لم يكن منشدا" إلی النوايا الجميلة السامية لا يصدر منه موقفا" فجأة يحير الألباب . فطبيعة النفس والأرضية الروحية تحتاج إلی لياقة وتدريب وهما - التدريب واللياقة - لا يحصلان للإنسان فجأة ، هنا مكمن خطورة النوايا والخواطر ، ومكمن أهمية النوايا والخواطر ، فإنها تعد الإنسان علی المدي البعيد علی مواقع حاسمة قد يتعرض إليها الإنسان ،
ومن هنا عندما يقع الإنسان في فاحشة ويصرخ ويقول آه ... آه ، قد وقعت في الفاحشة فقد كنت في طاعة ولم أتمالك نفسي !! عن خواطر السوء مما يسبب الأنزلاق بسرعة في الفترات اللاحقة ، أما إذا كنت من مسافة بعيدة جداً ومن خلال راجمات نورية تهدم خواطر السوء دائماً ، ونفرت منها وأستبقت مهاجمتها في خواطرك ولم تمل إليها فسوف تنج من عاقبة السوء .
وفي الدعاء ( أشدد علی العزيمة جوانحي ) ، فالدعاء عندنا هو أنس نغمي صوتي له نور ، ولكن معانيه خطيرة جداً ، ويبني برنامجا" عظيما" بلغة علم الأجتماع أو علم النفس .
إذن ( وأشدد علی العزيمة جوانحي ) يعني من مسافة زمنية سابقة يجب أن تبرمج هذه الخواطر والنوايا ، بل حتی في الأعمال الصالحة أيضاً ، لأنه إذا أتيت بعمل صالح سوف تجد نفسك تمانعك وتعاندك وتملكك وتأخذ بأنفاسك ، فهل تظن أن هذه النفس طيعة بيدك ، كلا ... فإن النفس في الواقع هي أشد مخالباً من الزوجة علی الزوج أو العكس لا فرق ، ويظن
الإنسان أن نفسه تمام ذاته ولكن هي ليست ذاته بل ذاته أعلي من النفس ، نعم هي مّركّب ودابة ، ولكنها تخدع الإنسان وتقول له أنا ليست دابة أنا أنت ولكن تكذب فهي دابة وقوي وغرائز جوهرية خادمة للذات والروح الانسانية ، ولكنها عبد يريد أن يكون سيداً عليك .
فأحد الأبواب الكبيرة لترويض النفس هو بحث النية والخواطر ، لأن الخواطر في الواقع هي فتيل وطاقة بنزين نور ، أو بنزين شر ونار .
فإذا جائتك خاطرة سوء فحاول أن تتجادل معها وإن تفند مبرراتها الموهومة وتشجبها وتبطلها ، بل وتثبت خطأها ولا تحاول أن تقتنع وترضخ لها ، لأن خاطرة السوء كما قلنا هي كلام الشيطان أو كلام النفس ، أو ما وراء كلام النفس والشيطان كبعض المخلوقات الأثيرية التي لا نراها ولا نشاهدها من الشياطين وغيرها .
ولا تقول هذا تضييع لحياتي اليومية أن أشدد خاطري وأشغل روحي بأشياء ، كلا بل هذه مهمة جداً وهو عامل مربي لنا . فإن سر وجودنا وبعثنا في حياتنا الدنيا هي من أجل هذه الحلبة وهي حلبة بحث الخواطر والنوايا ، وهذا أحد معاني الحديث الشريف : ( إنما الأعمال بالنيات) .
كذلك الحال في الثوب وبالنسبة الی الخير ، فأن مطلق النية الحسنة يثاب عليها الإنسان حتی ولو لم يتابعها ، بل مجرد نواها . وبالتالي صحيفة أعمال الإنسان قد تشتمل علی ما لا يحصيه إلا الله (عز وجل) من الثواب أو الأعمال الحسنة لمجرد أن الإنسان نواها ، ربما الإنسان يستعظم هذا المطلب بأعتبار أن الإنسان بمجرد أن ينوي أعمال حسنة كثيرة تكتب له تلك الأعمال ، فإذاًً يستطيع الإنسان أن يثري صحيفة عمله ويخزن في صحيفة عمله إلی ما شاء الله من الأعمال وان لم تتأتي له الظروف لأنجاز العمل ، ولعلك تسأل كيف تتوافق هذه مع جدية النية .وأن مجرد النية يكتب له الثواب . بل ربما يتوهم أن في ذلك دعوي للبطالة أو العطل . اذ بمجرد النية وان لم يتخذ هذا المنوي عملاً في الفعل يكتب له الثواب . هذا التساؤل مثار بقوة علی هذا الموضوع وبالتالي قد يكون الأعتماد علی هذه المقولة نوع من المدعاة للعزوف عن العمل . والحال أن الدين الإسلامي يحث علی العمل ويذم البطالة ، فتعاليم القرآن الكريم تدعوا للعمل فلو بالغنا في النية وأهمية النية ، وخطورة النية ، كان ذلك مدعاة
للكسل والفشل والعطالة والبطالة لا سمح الله . وهذا التساؤل جيد ، وفي محله ولكن حقيقة الحال ليست كذلك :
أولاً : لأن النية الحسنة ليست بمعني أنك تقرر وتصمم أنك نويت وبذلك تحصل لك نية الأمر الحسن أو الفعل الحسن ، معني النية تعني أن لك ميل وشوق إلی ذلك العمل ومحبة ورضا به ، إلا إذا كان الإنسان في نفسه ليس صادقا" فيما يتصوره من أحاسيس نفسه . يعني ميله للأمر الحسن ، للفعل الحسن ليس صادقاً ، وإذا لم يكن له ميل وأنشداد وأنجذاب نفساني إلی نفس الأمر الحسن لا يقال له نوي الشيء الحسن ، إذن أمر نية الأمر الحسن ليس هو سراب وخيال ، وليس هو أحلام ، بل فيه واقعية ومصداقية وصدق وجدية وهو أن يري الإنسان من نفسه أنه يميل إلی ذلك الأمر الحسن أما مجرد أنه يتصور ويزعم أنه نوي وليس عنده ميل ولا أنجذاب لذلك الأمر الحسن فهذه ليست نية ، ومن ثم ورد أن من أحب عمل قوم أو رضي به أشرك معهم فالمحبة والرضا أمران بالغان في الخطورة وليسا مجرد حالات جانحية نفسانية ينفلت الانسان فيهما داخل ميول وتجاذبات نفسه ، بل هما أخطر من العمل لأن قدرة الانسان علی العمل محدودة ، فالمسؤولية محدودة وأما قدرته علی الرضا
والمحبة والميول فلا حد لها ، فيمكن أن يوقع لديه مشاركة مع ثواب أو أوزار الاجيال الانسانية كلها أجمع من مامضي ومن مايأتي الی يوم القيامة إذن النية الحسنة لها تداعيات وحركة جوانحية كما في الدعاء المأثور : ( اللهم أرزقنا توفيق الطاعة وبُعد المعصية وعرفان الحرمة وصدق النية ) فتوجد نية صادقة ، يعني حقيقة النية ووجودها ولديه ميل ورغبة وحرص وشوق علی ذلك الأمر .
وتارة فقط يدعي ويخطر في باله الشيء الحسن ، هذه لا يقال لها نية ، إذا صار عنده ميل أو شوق ومتوفرة الأسباب لإتيان ذلك العمل ولم يأتي به فلا يكون عنده صدق نية ، بل عنده زعم نية وليس صدق نية لأنه لو كان لديه صدق نية وميل حسن وأنجذاب وأنشداد إلی هذا المطلب فالمفروض أنه يقدم إذا لم يكن عنده أي مانع من أنجاز العمل ، فلو قال أحدنا : لو كان عندي أموال لفعلت هذه الخيرية المعينة الضخمة ، ثم ربما تتوفر له الأموال ثم تمانعه وتجاذبه نفسه عن أن يقدم . إذن ليس له صدق نية .
هذا ما يدلل علی أن المراد من النية الحسنة ليس أي قصد في النفس وليس أي التفات أو خاطر ، إنما هو أندفاع نفساني حقيقي نحو ذلك الأمر الحسن بحيث لو توفرت لديه الآليات والمعدات لأنجزها وفعلها وحققها في الخارج فحينئذ هذا عنده صدق نية . وإلا مجرد القصد ليس صدق نية ، إذن صحيح النية أمر سهل ، من جانب وصعب من جانب ، أمر صعب يعني صدق النية غير متوفر في كل ما يتخيل الإنسان لأنه لديه نوايا حسنة .
لذلك النية الحسنة لا تكتب للإنسان بمجرد الألتفات والخاطر لدي الإنسان ، بل إذا كان هذا الخاطر أنجذاب بحيث بعد ذلك إذا توافرت لديه المعدات لأنجزها ولم يتلكأ ،ولم يتتعتع ، ولم تتجاذبه نزعات مانعة في نفسه .
وردت رواية عن الإمام الرضا (عليه السلام) - في حديث مع أبن شبيب - يا بن شبيب ، إن سرك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن أستشهد مع الحسين
فقل متي ما ذكرته : يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً(1).
يعني يحدث التمني في نفسه تمني جدي صادق ، فهناك من التمني الكاذب أي زعم .كما في قصة جابر بن عبدالله الأنصاري في القضية المعروفة لديكم في زيارة الأربعين التي رواها عطية العوفي حيث قال : خرجت مع جابر بن عبدالله الأنصاري زائراً قبر الحسين (عليه السلام) ، فلما وردنا كربلاء دنا جابر من شاطيء الفرات
فأغتسل ثم أتزر بإزار ، وأرتدي بآخر ، ثم فتح صرة فيها سعد فنشرها علی بدنه ، ثم لم يخط خطوة إلا ذكر الله ، حتی دنا من القبر . قال : ألمسنيه ، فألمسته ، فخر علی القبر مغشياً عليه ، فرشتت من الماء ، فلما أفاق ، قال : يا حسين ثلاثاً ، ثم قال : حبيب لا يجيب حبيبه(2).
فالشوق الموجود لدي جابر بن عبدالله الأنصاري ومحبته الشديدة للحسين (عليه السلام) يعلم منها أنها صدق نية عنده .
نعم صحيح أن النية تبني لك عوالم من الحسنات ، فلربما الإنسان لو كان بمستوي عالي من الهمة متصفحا" الأعمال الحسنة من الأولين إلی الآخرين وينويها لكان له ثواب . ولكن من هو فارس هذا الميدان حتی تكون لديه القابلية وتكون لديه صدق نية ، يعني نية واقعية ، ومن ذلك يتبين أن النية هي مخزون طاقة بقدر تلك الأعمال ، أحد العلماء يقول لو أعطيت الجنة بكل جدرانها كاملة الجنان كلها علی أن أمتحن بأمتحان من أمتحانات رسول الله (صلي الله عليه وآله) ما قبلت هذه الصفقة من الله (عز وجل) ، لأن الإنسان تخونه النية لأنه هل لديه عزم بهذه القوة وهذه الشدة أو لا ؟ .
إذن نحن نظن من نفسنا أو نتحيل أننا لدينا الأهلية أو القابلية لأن ننوي كل أمر حسن ، صحيح يكون عندنا ميول يسيرة ، ولكن ميول مخزونة مكدسة بحجم تلك الأعمال فهذا غير معلوم ، ومن ثم فالباب لأيجاد وايقاع النية الصادقة ليس مفتوحاً لكل أحد . المفروض أن نعلم أنفسنا علی الولوج والدخول في هذا الباب ولكن ليس كما يظن أنه باب سهل الولوج وسهل الدخول .
فصدق النية وواقعيتها هي النية أن تكون النية بحجم العمل ، مولدة لذلك العمل ، وفعلاً لو قدّر الله (عز وجل) أن يتمكن الإنسان في ذلك الظرف وفي ذلك الموضع ، أفرض - من باب المثال - لو رزقك الله أخوة الإمام الحسين (عليه السلام) هل تقف ما وقفه أبو الفضل العباس ، أو ما وقفه بقية أخوان الإمام الحسين (عليه السلام)
الذين لم يناصروا الحسين (عليه السلام) هم رزقوا أخوة الإمام الحسين (عليه السلام) لكن تلك النية أو ذلك التأهل لم يكن عند الكل .
الآن أنت تتصفح التاريخ . وبعض الأحيان الإنسان من قصوره في القدرة علی نية الشيء الحسن حتی في قضاء وجدانه إلی أحداث تاريخية معنية يتلكأ في القضاء ، أقصد قضاء الضمير ، يعني كأنما ضميره يحكم كقاضي يتلكأ الإنسان أن يقضي علی الخطأ بأنه خطأ ، يتحشرج ، يتلكأ ، لماذا هذا التلكؤ ، لأن الإنسان ليس له أهلية ولاقدرة علی ذلك فضلا" عن أن تتولد لديه تلك النية .
فمبحث النية والخاطر والألتفات الذي يذكره الفقهاء في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أدني درجاته القلب ، وهو أنه تنكر المنكر في قلبك ، وهذا نوع من النهي والأنتهاء عن المنكر ، والمعروف تستحسنه علی الأقل في قلبك ، وذلك (أضعف الإيمان) حيث لاتتمكن من أبرازه للخارج هذا أقل تقدير .
هذا المطلب وهو نية المعروف والنفرة من المنكر في القلب . الذي يذكره الفقهاء ليس حكمه مستحبا" بل واجب ، إذا كان المعروف واجب فنيته واجبة ، وإذا كان المنكر حرام النفرة منه أيضاً واجبة .
وما مر علينا من أن نية الحسن يكتب للإنسان الثواب ، وفي النية السيئة قد يغفر الإنسان ، هذا التفصيل والتقسيم الذي مر علينا بلحاظ الأعمال المستقبلية ، أما بلحاظ ما مضي من أعمال الأمم أو أعمال الناس ، وبلحاظ ما وقع من أفعال الإنسان ليس مخيرا" في أن ينوي الأمر الحسن يعني الواجب حسنة ، وان ينفر ويستنكر من الأمر المنكر بل واجب عليه ، وهذا الموقف بلحاظ طول التاريخ ، وهذا يبين عظمة وخطورة الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر بدرجة القلب سواء المستحبة أوالواجبة إذا كانت في منكر حرام أو معروف واجب . لذلك أنظر القرآن الكريم كيف يستعرض لنا ما حدث في مسلسلة التاريخ منذ قابيل وهابيل إلی زمان النبي (صلي الله عليه وآله) ، فتري القرآن الكريم يدين ويشجب قابيل كما في قوله تعالی :
إِنِّی أُرِیدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِی وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَ ذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِینَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِیهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِینَ فَبَعَثَ اللّهُ غُراباً یَبْحَثُ فِی الْأَرْضِ لِیُرِیَهُ كَیْفَ یُوارِی سَوْأَةَ أَخِیهِ قالَ يا وَیْلَتي أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِیَ سَوْأَةَ أَخِی فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِینَ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلي بَنِی إِسْرائِیلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَیْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِی الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِیعاً وَ مَنْ أَحْیاها فَكَأَنَّما أَحْیَا النّاسَ جَمِیعاً وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَیِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِیراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِی الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ1 .
ویُفصح أو ينادي ويتضامن مع هابيل : إِنَّما یَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِینَ2 ، كذلك مع أصحاب الأخدود القرآن الكريم يتضامن معهم ، ويندد بالقاتلين لهم ، كذلك أصحاب الكهف كذلك الكثير من الوقائع التاريخية المهمة القرآن الكريم يستعرضها ، الوقائع التاريخية المهمة التي فيها ظلامات يدين القرآن الظالم ويتضامن مع المظلوم تعليماً من القرآن الكريم لقارئ القرآن ، وهذا أمر واجب وليس أمراً مستحب ، ومعروفة
هذه القاعدة الأعتقادية لدي جميع المذاهب : (من رضي بعمل قوم أشرك معهم)(1).
ومن الغريب أن البعض كثيراً ما يستنكر أو يتسائل : لماذا أنتم تنبشون التاريخ ؟ . مثلاً ما وقع في كربلاء ، أو ما وقع في صفين ، أو ما وقع في الجمل ، أو ما وقع في النهروان ، وغيرها من الوقائع الأخري ، لماذا تنبشون التاريخ ؟ دعوا التاريخ .
كأنما هؤلاء يتناسون القاعدة الفقهية العقائدية نفسها : أن إنكار المنكر واجب ولو بالقلب ، والأمر بالمعروف واجب ولو بالقلب ، ليس الإنسان في خيار أن ينتخب أو لا ينتخب ، يتضامن أو لا يتضامن .
مثلاً يقال لنا لماذا أنتم تنددون في زيارة عاشوراء بالذين ظلموا أهل البيت ، وتثيرون الأحقاد وتثيرون الضغينة وتثيرون الفرقة وما شابه ذلك .
1) - الوسائل ج408 :11 ،الباب (5) من أبواب الأمر والنهي
ومن هذا القبيل تسائلات كثيرة . هل قضية التنديد أو الأستنكار أمر خياري بيد الإنسان أو أنه واجب ؟ وهم يروون الروايات حتی في صحيح البخاري : فلو أن رجلا" أحب حجرا" لحشره الله عزوجل معه الی يوم القيامة (1).
هذا الميل النفساني - الذي هو بحث النية وبحث الخاطر - عجيب أمره ، والآن حتی علماء الأثير في علوم الروح الجديدة . عندهم أكبر عامل مغنطة ، وأكبر عامل الأتصالات في عالم البرزخ بين الأموات قضية المحبة ، وأكبر عامل نفرة یُباعد بين الأموات في عالم البرزخ الكراهة .
يعني المحبة توصلك وتجذبك في أن تكون في محل واحد مع أموات آخرين وأرواح أخري ، والكراهة بالعكس تبعدك .
إذن المحبة أو النية نفسها أو الميل نفسه - الذي قلناه - هذا الفعل قد يستهين المرء به ويستصغره وهو عند الله عظيم جداً ، هذا هو نفسه موقف ، نفس النية إذن نية : (من أحب عمل قوم خيراً كان أو شراً كان
1) اعلام الدين للديلمي : 187
كمن عمله)(1)وفي رواية أخري :
(من أحب قوماً حشر معهم ، ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم) (2)، أي أشرك معهم في الثواب أو في العقاب إذا أحب سوء أعمالهم ، ولذلك عندنا روايات متعددة منها ما روي عن الإمام أبي عبدالله (عليه السلام) : لعن الله القدرية لعن الله الحرورية لعن الله المرجئة لعن الله المرجئة . قلت : جعلت فداك كيف لعنت هؤلاء مرة ولعنت هؤلاء مرتين ؟ فقال : إن هؤلاء زعموا أن الذين قتلونا مؤمنين فثيابهم مُلطخة بدمائنا إلی يوم القيامة أما تسمع لقول الله : اَلَّذِینَ قالُوا إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَیْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّي یَأْتِیَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِی بِالْبَیِّناتِ إلی قوله : صادِقِینَ قال : فكان بين الذين خوطبوا بهذا القول وبين القائلين خمس مائة عام ، فسماهم الله قاتلين برضاهم صنع أولئك (3). فلربما تقول أصلاً ما شاركنا في قتله ما قاتلناك ،
ما أعنا عليك أيها المقتول المظلوم حتی بكلمة ، قال صحيح لكن أنت أحببت عمله .
فالإنسان إذن محاسب ومسؤول ليس علی الكلمة التي يطلقها فقط ، ويكون مسؤولاً عن الكلمة التي تخرج من اللسان ، بل نفس النية هي كلمة ، نفس النية هي فعل ونشاط يؤثر حتی علی المجتمع لأن النية تؤثر علی سلوك الإنسان تلقائياً . أنت لما يحدث لك موقف بحسب قلبك وبحسب نيتك وبحسب خاطرك هذا - شئت أم أبيت - ينعكس علی سلوكك من حيث لا تشعر ، وبالتالي سلوكك ينعكس علی الأمواج الأجتماعية ، فأنت ستكون من حيث تشعر أو لا تشعر في صف معسكر معين ، لونه نفس لون الذي نويته أنت .
فإذن أنت عنصر فاعل ومؤثر حتی في المسار الأجتماعي من حيث تشعر أو لا تشعر ، بل الإنسان نيته وفعله له تأثير حتی علی الأموات ، كيف هذا الترابط ؟ بحث له مجال آخر .
فإذن بالنسبة إلی ما وقع من الأفعال الإنسان ليس مخيراً ، بالنسبة لما وقع من أفعال البشر أو من أفعال الإنسان نفسه ، أو بالنسبة لأفعال
الآخرينإذا كان خير واجب فيلزم الإنسان أن ينوه ويميل إليه ، وإذا كان فعل حرام یُلزم الإنسان أن ينفر منه ويكرهه .
لقطات كثيرة يذكرها لنا القرآن الكريم ، ويستشهد بها الأئمة (عليهم السلام) مثلاً : القرآن الذي نزل في زمن النبي (صلي الله عليه وآله) يداين ويحاسب بني إسرائيل أنكم أنتم الذين قتلتم أنبياء الله : وَ ضُرِبَتْ عَلَیْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا یَكْفُرُونَ بِآياتِ اللّهِ وَ یَقْتُلُونَ النَّبِیِّینَ بِغَیْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا یَعْتَدُونَ1
مع أنهم لم يشاركوا بأيديهم إذن كيف يخاطبهم القرآن الكريم ؟ يخاطبهم مخاطبة رأي العين كأنما هم أرتكبوا الآن الجريمة ماثلة ومشاركتهم حية .
وواقعاً الإنسان إذا ألتفت الی الخطاب في الآيات ، يظن أنهم شاركوا مشاركة حية في القتل لأنبياء الله ولنكث عهد الله . مع أن هذه الأمور وقعت في زمن النبي موسي (عليه السلام) أو بين زمن النبي موسي والنبي عيسي
(عليهما السلام) كيف يخاطب القرآن الموجودين الأحياء في زمن النبي محمد (صلي الله عليه وآله) ، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالی : قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِی بِالْبَیِّناتِ وَ بِالَّذِی قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِینَ1 وقد علم أن هؤلاء لم يقتلوا ولكن فقد كان هواؤهم مع الذين قتلوا فسماهم الله قاتلين لمتابعة هوائهم ورضاهم لذلك الفعل(1).
وفي رواية أخري : فكان بين الذين خوطبوا بهذا القول وبين القائلين خمس مائة عام ، فسماهم الله قاتلين برضاهم بما صنع أولئك(2).
لأنهم لايخطئون ولا يستنكرون ولا يتبرؤون من أعمال أسلافهم تأخذهم الحميّة عن تخطيئهم ، معاوية ما فعل يزيد ما فعل ، فيقولون هذا
غير معلوم ، هذا هو نوع حماية ، تحامي عنه يعني تشرك أنت معه ، أنا لم أئتي بالحطب لبيت الزهراء - أعوذ بالله - نعم ولكن أنت تحاميت ، أنا لم أحرف معاني القرآن ، نعم ولكن تحاميت عن الذين حرفوا مسير الأمة ، أنا أين كنت وفلان أين ، نعم أن بينكم فاصل زمني لكن من حيث المواقف أن بينكم وفاق ، وفاق وطني أيضاً ، في وطن المعصية طبعاً .
سلوكك النفساني والقلبي ينعكس علی سلوكك الخارجي والمصيري الآخروي هذا أنت ، هذا الفعل كنية نستهين بها ونستصغرها وهي عند الله عظيمة لأنها ستنعكس علی سلوكك تلقائياً وستكون في صف معسكر ذلك الطرف كمسار أيدلوجي ، كمسار أجتماعي ، كمسار سياسي وهلم جرا ، شئت أم أبيت ، ستكون في ذلك الطرف ، لذلك أهل البيت (عليهم السلام) يتشددون في التولي والتبري ، وكل شيء يرتبط بالتولي والتبري فمنطلقه ولاء في القلب .
كما الآن من باب المثال الرئيس الياباني في عام (2004-2003) في أول يوم من أول شهر في السنة الميلادية قام بزيارة قبور جنرالات الجيش الياباني الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولي ، الصين والكورية الجنوبية التي هي حليفة أمريكية ، أدانوا فعل الرئيس الياباني بشكل شديد وخرجت تظاهرات ، ليس فقط أدانة رسمية من وزارة الخارجية فقط ، حتی الشعب خرج مظاهرات عارمة وحدثت ضجة شعبية عدة شهور وسنين ، وتتفاعل الأزمة بينهما بين فترة وأخري وطالبوا الرئيس الياباني بأن يعتذر من الشعبين الصيني والكوري لزيارته لهؤلاء الجنرالات ، لأن هؤلاء الجنرالات الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولي شاركوا في إراقة دماء آلاف الملايين من الشعب الكوري والصيني ، وعندهم مدرسة تدعوا إلی العنصرية اليابانية وتهدد المنطقة ، فلماذا يتخوف الشعبان الصيني والكوري ؟ يتخوفان لأن هذا الرئيس الياباني بتضامنه يربي الجيل الناشيء من اليابانيين علی نفس العنصرية والشعوبية اليابانية ، يعني يعود يهدد ويأزم المنطقة مرة ثانية . أنظر الآن الی فطرة البشر فأنهم نفس التضامن لا يستهينوا به ولا يستصغروه لماذا ؟.
لأن هذا التضامن هذا التولي أو عدم التبري باللغة العصرية يسمي التبري ( شجب ، إدانة ، إستنكار ) بالعكس التولي ( تضامن ، تحالف ، تأييد ) إلی ما شئت فسميه ، فنفس البشر إذن يفلسفون هذه المواقف لأنها تنعكس علی تربية الجيل ، فالحاضر يحيي أفكار مدارس سابقة ، تبني هوية المجتمع الحاضر الآن .
فالنية لايمكن أن نستصغرها ، والالتفات والخاطر لا يستصغر ، فالنية هيالتي الآن تقوم بصنع بناء ذاتك . نفس رادر النية توجهه أنت وتتحكم فيه ليصنع هوية بناؤك ويجعلك نازي هتلري أو يجعلك موسوليني أيطالياً الذي يدعو إلی العنصرية الإيطالية .
لماذا الغرب ، أمريكا وغيرها يخافون من رجوع مثل هذه الثقافات فمثلاً الآن دول العالم لا تسمح بمديح هتلر وتتحسس من احياء ذكريات هتلر ببالغ التحسس والرعب والحذر ، ويعتبرون أي ترويج لذكري هتلر جريمة جنائية دولية ، وأين خطورة هتلر من شخصيات أخري قلبت مسار البشرية رأسا علی عقب الی الردي ، فهي ليست جريمة وجناية دولية
فحسب ، ولاحضارية فحسب بل هي كونية في العوالم ، مع أن هتلر عاد تراب ورميم في بطن الأرض الا أن مثاله في القلوب يفجر براكين مزلزلة للوضع البشري ، حيث تجرعت وجرت منه الشعوب الأوربية عشرات الملايين من القتلي الأبرياء ، فكيف بمن هو أعظم جريمة من هتلر ، وجر علی الأجيال الانسانية المتاهات والدماء والمعانات في كل المجالات ، ويجر عليها من الحرمان في القابل الی ظهور الفرج . لماذا كل هذا التحسس من الأندية والمنظمات الدولية ؟ لأنه إذا مدح هتلر يعني مدح فكره ، وتصبح دعوة تربوية إلی الجيل الحاضر علی نهجه المدمر .
الآن غربياً أي صحيفة تتعرض إلی هتلر ولا تدينه تعتبر صحيفة إرهابية تدعوا إلی زعزعة الأمن العالمي إلی هذا المقدار ، نعم تشخيصهم وتقديرهم لهذا الموقف عين الصحة والصواب . لاحظوا نفس النية مع أنه ليس بعمل خارجي ، ولكن تداعياته علی الوضع الدولي ومصير الأمم كيف يكون !! . إذن لا نستصغر شأن النية لأنها خطر جداً ، فتشدد أهل البيت (عليهم السلام) في قضية التبرؤ من الظالمين ، والتضامن مع المظلومين ، هذا ليس فقط من أجل أن يقول البعض هذه وقائع تاريخية أكل الدهر عليها وشرب بل هي وقائع تاريخية بل تاريخ ناخر في وجدان وهوية الأحياء ،
هو يبني هوية وشخصية جيل المستقبل ، وهو الذي يحدد مسار الأحياء ، يمين شمال جنوب .. فالنية ليست أمراً سهلاً : (من أحب عمل قوم أشرك في عملهم) فقط أحب ، وهذه الرواية مروية في أغلب مصادر المسلمين حتی في البخاري ، والعجب مع وجودها في جل المصادر ويرفضون أن نمحص التاريخ ، ويرفضون أن ننقح الخطأ من الصواب ، فنحن إذا تعامينا وأغمضنا نظرنا وبصرنا كيف نبصر الطريق ، الطريق طريق المستقبل لأنفسنا وهل يمكن للإنسان أن ينتخب طريق للمستقبل من دون أن يعي الماضي . فهوية الإنسان هي تراكم حضارات ، فنحن اذن عبارة عن مجموعة حضارات ، والنموذج اليسير منها كيف طريقة اللبس وكيف طريقة الأكل وكيف طريقة المحاورة وكيف طريقة الفكر .
هل فجأة أصبحت لدينا هذه التقنية في المعيشة ، والتقنية في نظام الإخاء ، التقنية في نظام التبادل الخلقي ، التقنية في التبادل المعاشي هذه نتيجة تكدس تجارب وحضارات ، بعبارة أخري نحن عبارة عن مخزون حضارات من سبقنا ، فإذا أن تحلل نفسك لباسك أكلك شربك عملك طقوسك عاداتك تقاليدك رسومك فهو عبارة عن مخزون بشري كامل ، فإذن هويتك مبتنية علی الماضي ، وبعبارة أخري هويتك الآن الحاضرة
هي وليدة وبناء موقفك الذي تحدده حول ما مضي ، فالنية والإلتفات القلبي بناء هوية وشخصية ، نعم الذي يريد أن يتحايل علی عقول الناس ، ويعمي عقول الناس ويكمكم عقول الناس يقول لهم دع ما مضي ، لا تحدد موقفك ، لا داعي لذلك خذ بالتسامح ، وهذه أقنعة خديعة جديدة ، تسامح يعني أتسامح أن لا أنفر من القبيح ، أتسامح بأن لا أستنكر المنكر السيئ هذا ليس تسامحاً بل تسيب وأنفلات عن التوقي والوقاية وأنغماس في التلوث ، تلوث يسمونه تسامح وتساهل وينهونك عن التشدد ، طبعاً التساهل في موضعه صحيح ، والتشدد في غير موضعه خطأ ، بل لابد من تحديد ضوابط وأطر لتحديد موارد أختراقهما عن الأخر.
التساهل مع الخطأ في الواقع هو تشدد في الرعونة ، أنظر إلی ما يدعو إليه الغرب - من باب المواقف - لاحظ الثقافة الحديثة الغربية الموجودة الآن التي تريد أن تذيب الشخصية الإسلامية تقول أنت لا تتشدد ، يعني حتی في موقفك لا تتشدد ، لا تستنكر . إذن أنا لا أستنكر بل أتلوث مع الفحشاء ومع الأفعال الساقطة ومع هذه العادات الجديدة الهدامة للمجتمع ، تساهل كلمة حق یُراد بها باطل . هل يمكن أن تتساهل مع
الميكروبات مع القذارات هل يتساهل الإنسان يجبن ويتوقف هذا ليس موضع تساهل .
إذن هذا الموقف والنية والفكر الكثير يحاول أن يستصغره دجلاً وتحايلاً ، لكن هو عند الله عظيم جداً ، لأن هذا هو الذي يبني هويتك وشخصيتك .
ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) التشديد علی أن من تبرأ منه قلبيا" يمرق من الدين ، ففي حديث ورد عنه (عليه السلام) وهو يخاطب أصحابه : (أما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة وأما البراءة فلا تبرؤا مني فإني ولدت علی الفطرة وسبقت إلی الإيمان والهجرة)(1)، طبعاً هذا ليس فقط خطاب لأصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وانما هو خطاب عام لجميع المؤمنين إلی يوم القيامة . ما المراد من البراءة والسب ؟ .
1) - نهج البلاغة ج137 : 1 .
السب يكون باللفظ واللسان تقية : إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً1 ، إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِیمانِ2 ، ولكن البراءة المقصود منها هي البراءة التي لا تسوغ بحال أبدا" وهي بحسب الإرتكاز القلبي ، وبحسب الأرتكاز القلبي لا يسوغ للإنسان - والعياذ بالله - أن يوطن إلی نفسه القطيعة لنهج أمير المؤمنين ، لمسار أمير المؤمنين ، لمواقف أمير المؤمنين . ولذا في دعاء التوجه في الصلاة نقرأ : (وجهت وجهي علی ملة إبراهيم ودين محمد ومنهاج علي) أو في بعض التعابير في الدعاء : (وهدي علي) فإذن لا يمكن أن نوطن أنفسنا بأننا - أعوذ بالله - نبرأ أو نقاطع مسار ومنهاج أمير المؤمنين ، فإذن هذا الحديث الشريف الذي هو قاعدة عقائدية لشيعة عليٍ إلی يوم القيامة أنه مهما تكالبت عليهم الظروف وليعطي الخصم بلسانه ما يتقي به علی نفسه والي هذا التفصيل الذي بين اللسان والقلب يشير قوله تعالی (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِیمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِیمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ
صَدْراً فَعَلَیْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِیمٌ ) . ولكن في قرارة قلبه لا يحل له أن يستحلي ويستحل النفرة من أمير المؤمنين علی أبن أبي طالب (عليه السلام) : (لأني ولدت علی الفطرة) يعني الفطرة الكاملة للدين متجسدة في أمير المؤمنين فأنت تبرأ من الفطرة الإلهية والعياذ بالله .
هذا أيضاً معطوف علی نفس هذا المطلب ؛ أنه أيضاً في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس هناك خيار للإنسان أن يرخص لنفسه قلبياً أن يستحب المنكر أو يستعذب المنكر أو يستحلي المنكر أو ميل إلی المنكر أو ينجذب إلی المنكر . ربما نستصغره ونعتبره هين وهو عند الله عظيم . إقامة الإنسان علی مثل هذه النية أعظم خطراً وخطباً عند الله من أرتكاب نفس الفعل الخارجي ، لأنه مرت علينا في الأبحاث السابقة أن خطب الفعل الخارجي ليس له خطب خطير بقدر النية .
لذا التجبر علی الباري تعالی والرعونة و التكبر و التمرد صفات بلحاظ الحالة النفسية وليست بلحاظ الحالة البدنية ، أي أن الإنسان مجاهدته مكابدته في أن يطِوع ، يطيع ، يلين ذاته ذليل أمام الله تعالی ،
كذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومر علينا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لايختص ولايقتصر علی لحاظ الوضع والعيش الراهن ، وفي هذا الموضوع كثير من المؤمنين في غفلة عنه - ربما الكتب الفقهية يترائي منها هذا الإيحاء وإن كانت غير مقصودة - فإن هذا ليس بصحيح .
فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس خاصاً بحياة الإنسان الراهنة المعاشة بل تستوعب عمر الدنيا من أولها إلی أخرها ، وهذا يدل علی سعة الإنسان فروح الإنسان ذات موجود وسيع جداً . أنت أيها الإنسان لست قَزِماً بقدر حدود وقصر حياتك البدنية التي تعيش فيها في عمرك ، أنت طبيعتك بناها الله وخلقك وجهزك بذات وبوجود وسيع جداً . يعني حملك مسؤولية أن تتخذ موقف أتجاه كل أحداث التاريخ ما كان وما سيأتي .
ولعلك تسأل مافلسفة تكليف وتحميل الله هذه المسؤولية للانسان ، أي مسؤولية باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القلبي ، ولا تحد هذه المسؤولية بالقضايا الفردية بل تشمل القضايا الإجتماعية ولاتقتصر علی الإجتماع المعاصر والقضايا المعاصرة وإنما تعم كل المجتمعات ،
وكل الملل ، وكل النحل في كل القرون السابقة علينا واللاحقة ، مثلاً : من يمر بمظلوم ويستطيع أن ينصره ولا ينصره يؤاخذ بذلك ، أو حتی لا ينكره بقلبه يؤاخذ بذلك .
فإن الإنسان مجهز بمقام وجودي معين أوطاقة وجودية معينة غير محصورة ومنحصر بحياته البدنية والزمانية التي يعيش فيها وبعمر سنينه التي يعيش فيها ، فإذا كان الإنسان كفوء لمثل هذه المنحة الإلهية يستطيع إذن أن يعيش نفسه بوسع ما جهزه الله من مقام وجودي ، يتضامن مع سلسلة الصالحين من أول تأريخ البشرية إلی آخر تاريخ البشرية ، ويشاركهم في الموقف .
لدينا في بعض الروايات أن نوحا" وإبراهيم (عليهما السلام) يأتيان إلی سيد الإنبياء في يوم القيامة في المحشر ويريدان من النبي أن يشهد لهما بالوفاء في تبليغ الرسالة فيبعث النبي (صلي الله عليه وآله) حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار ليشهدا لنوح وإبراهيم بالوفاء بالرسالة مع أن حمزة وجعفر لم يكونا في زمان إبراهيم ولا في زمان نوح كيف يتحملان مثل هذه
المسؤولية ، وليس من المحاكم الدنيوية بل في محاكمة ومداينة أخروية التي ليس فيها أي عبث ولا لعب وإنما جدية وواقعية وحقيقية وخطيرة ، وحصلا علی هذا المقام لأنهما وصلا الی ما وصلا إليه من مقامات بحيث يتباهي بهما ، ولأنهما وصلا إلی مقامات من الإيمان والمعرفة واليقين بدور الإنبياء ، فهما إذن لا يختص شأنهما بزمانهما ، بل أصبح شأنهما يغطي دور يعم الأمم السابقة . أليس هذا نوع من الأحاطة بالوثائق والسندات الإلهية في يوم القيامة وهذا الموقف لاريب أن مستنده حقائق .
كيف تكون حقيقة أحاطة أن حمزة وجعفر الطيار يكون لهما دور في المداينة والمحاججة بين النبي نوح وقومه وبين النبي إبراهيم وقومه ، هذا أن دل فإنما يدل علی أن حمزة وجعفر الطيار لم يكونا يعيشا زمانهما فقط بل كانا بإيمانهما بكل زمان لهما معرفة لهما مسؤولية بأتجاه حتی الإزمان والأدوار الأخري .
ففي خطبة للامام علی (عليه السلام) يذكرفيها نعم الله عزوجل عليه وفيها يقول (عليه السلام) : ونحن أصحاب الأعراف أنا وعمي وأخي وأبن عمي ، والله فالق
الحبة والنوي لايلج النار لنا محب ولايدخل الجنة لنا مبغض ، لقول الله عزوجل ( وعلي الأعراف رجال يعرفون بسيماهم ) (1).
أن الله أعطي للإنسان مثل هذه القابلية بتوسط النية وبحث النية وعالم الروح ، أعطاه مثل هذه القابلية والقوة والقدرة حينئذ يرتفع عن مستوي زمانه .
أمير المؤمنين الذي هو سيد الوصيين ولا مجال للخوض في هذه الخصوصيات ، ولكن في روايات الفريقين وردت أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان قد قضي في نزاع بين الملائكة ، الملائكة طبعاً (لا یَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ یَفْعَلُونَ ما یُؤْمَرُونَ)2. ولكن بمعني نظير(قالُوا أَ تَجْعَلُ فِیها مَنْ یُفْسِدُ فِیها وَ یَسْفِكُ الدِّماءَ)3 . من باب قد يكون هناك (قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ
1) - نورالثقلين ج 2 :32.
بِأَسْمائِهِمْ)1 . وآدم كان معلم الملائكة بصفته ماذا ؟ . بصفته خليفة الله في الأرض ، اذن الإنسان الكامل يصل الی الهيمنة علی كل عالم وعوالم الملائكة ، فأنظر إلی الإنسان اذا تجاوز ضيق البقعة الأرضية التي يعيش فيها ، إذا تجاوزها إلی عالم روحه ، روحه وسيعة جداً مجهزة ومؤهلة إلی مقامات كثيرة ، حينئذ يعطي مثل هذه الشؤون ، الشؤون أن يكون معلم للملائكة ، أو أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كما ورد في روايات الفريقين كان حكماً بين نزاعات الملائكة كما تشير الآية الكريمة : ما كانَ لِی مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلي إِذْ یَخْتَصِمُونَ2 الملأ الأعلي ملأ الملائكة الأختصام ليس كما مرّ بنا هو النزاع الحيواني الموجود في أبناء الكرة الأرضية ، بل المقصود منه نوع من أختلاف العلم أو قصور في العلم أو ما شابه ذلك عند الملائكة ، لأن الملائكة أيضاً طبقات ودرجات في العلم .
إذن الإنسان الذي يمكن أن يعيش في بيئة أفعال روحه ونواياه ، ومعرفته ، وخواطره ، يتسامي ويتعالي عن العيش في ضيق الحقبة الزمنية البدنية الأرضية التي يعيش فيها ومن ثم هذه مسؤولية ثمينة وكريمة من الله أودعها الله (عز وجل) في الإنسان ، نحن الآن أبناء الأمة الإسلامية في زمننا هذا الا أن في كل زمان ، يجب أن
يكون لك موقف في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يحد بزمانك الذي تعيش فيه ، الإنسان كلما تتوسع مسؤوليته ولو مسؤولية التكليف والتشريع مما يدل علی مقامه أنه كبير وكلما تتضيق مسؤوليته تدل علی صغره وأنحطاطه ، أما إذا أرتفعت مسؤوليته فإنها تدل علی سعة مقامه ومنصبه الكبير وشرافته الكبيرة .
إذن بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القلبي ليس فيه رخصة ولا يحد بزماننا هذا ، بل له خلفية وأبعاد تدل علی شرافة الإنسان وجوداً ، لا تقل ماذا يعنيني فيما مضي ، لا تقل لا يعنيني ما هو جار في عالم وعوالم الملائكة أنت تطالب بموقف أتجاهه وتستحسن فعل الحسن من الملائكة وأما الفعل الذي هو ترك الأولي يجب أن لا نستحسنه .
هل لدي الفرد منا مثل هذا المقام والمسؤولية ؟ نعم وإلا لماذا يحدثنا الله (عز وجل) عن بعض شؤون الملائكة ؟ مما يدل علی أن الإنسان له مثل هذه الأهلية حتی هذا المقام ، وبإمكان هذا الإنسان أن ينظم هذه البيئة المعقدة
المشحونة بالصراعات والتضاد والتناقض والتناحر ينظمها كبيئة ملائكية نورية وهي بيئة الأرض من خلال بوابة بحوث النية والخواطر .
الآن هذه القضية يشير إليها الامام الصادق (عليه السلام) في حديث يقول فيه :(ثم النية يبدو من القلب قدر صفاء المعرفة وتختلف علی حسن أختلاف الاوقات والايمان في معني قوته وضعفه وصاحب النية الخالصة نفسه وهواه معه مقهورتان تحت سلطان تعظيم الله تعالی والحياء منه وهو من طبعه وشهوته ومنية نفسه في تعب والناس منه في راحة (1).
فصفاء المعرفة يعني الصافي من معرفة الإنسان وفكره وصفاته الصافي الثمرة المتولدة لديه هو النية الحسنة ، هو يشير (عليه السلام) إلی أن النية والخاطر لهما أرتباط حيوي لولبي مع صفات الإنسان ومع أفكار الإنسان ومعرفة الإنسان وهناك تأثير متقابل بين نوايا الإنسان ، وخواطره ، وصفاته ، وأفكاره ، ومعرفته تأثير متقابل لا تأثير من طرف واحد .
1) مصباح الشريعة 30
لنأخذ مثل هذه القصة الحادثة في غزوة الخندق فقد روي أنه عندما برز أمير المؤمنين (عليه السلام) لعمرو بن عبد ود العامري ... فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) مسرعاً علی ساقيه فقطعهما جميعاً ، وأرتفعت بينهما عجاجة فقال
المنافقون : قتل علی بن أبي طالب ، ثم أنكشفت العجاجة فإذا أمير المؤمنين (عليه السلام) علی صدر عمرو قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه ، فلم يضر به قال الحلبي : فوقع المنافقون في علی (عليه السلام) ، فرد عنه حذيفة اليمان ، فقال له النبي (صلي الله عليه وآله) : مه يا حذيفة فإن علياً سيذكر سبب وقفته .
قال الحلبي : فسأله النبي عن سبب وقفته ؟
فقال : قد كان شتم أمي ، وتفل في وجهي ، فخشيت أن أضربه لحظ نفسي فتركته حتی سكن ما بي ثم قتلته في الله(1).
أمير المؤمنين (عليه السلام) لما جثم علی عمرو بن عبد ود العامري وبصق عمرو بن عبد في وجه أمير المؤمنين -- والعياذ بالله -- أمير المؤمنين ترك قتله وقام ودار دورة حول عمرو بن عبد ود والمسلمين متعجبين ، لماذا لاينتهز علي
1) - مناقب آل أبي طالب ج115 : 2 .
(عليه السلام) الفرصة ويقضي علی الإخطبوط عمرو بن عبد ود ما دام رجليه كانتا مقطوعتين من الركبة ، قطعهما أمير المؤمنين فسقط كالجمل الهائج أو كالجبل عندما ينهدم ، فكيف لم يسارع في قتله فدار دورة ثم جاء وقتله أمير المؤمنين .
واضح لديكم الجواب عن هذا السؤال : لماذا لم يتسارع في قتله وتريث وأخذ دورة ثم قتله .
قال لأنه حينما بصق في وجهي أثيرت نفسي فخشيت أن أقتله بداعي وبدافع غضب نفسي فقمت فدرت إلی أن هدأت النفس ، والنفس هي طبيعة تنثار وليس نفس المعصوم وإن كانت معصومة وطاهرة خالية من الغرائز ، الغريزة موجودة ولذلك المعصوم له فضيلته ، وله كماله ، وله جدارته ، وله شرفه ، وله فضائله في السيطرة عليها ومن هذه الجهة أن فيه الغرائز لكن ممسك بها ، متحكم بها ولا يتركها حتی تهيج ، رابط الزمام بيده .
المهم قال (عليه السلام) فقمت ودرت لكي تهدأ النفس فيكون قتلي له صادر لله (عز وجل) ، طبعاً هذا بحث الخلوص . الا أن الكلام الآن في هذه الصفة أنه
(عليه السلام) لم يرد أن يصدر منه الفعل في حالة كونه غضبان لنفسه ، يعني قيمة العمل بلحاظ النية وبذلك أصبحت ضربة علی (عليه السلام) يوم الخندق تعادل عبادة الثقلين من الجن ولانس من الأولين والآخرين من أول الدنيا الی آخرها ، وبعبارة أخري قيمة العمل بلحاظ الصفة التي الإنسان عليها مقيم ، فعندما يصدر منك فعل أنظر إلی حالتك النفسية ، حالة تذلل وخضوع لله (عز وجل) حين أصدار الفعل بنحو صافي ، عياره ثقيل .
الصلاة والنية :
أما لو كانت -- لا سامح الله -- صفاتك النفسية تبرم ، ضجر ، كسل ، هذا الفعل لا يساوي شيء عند الباري تعالی ، القرآن الكريم يقول : فَوَیْلٌ لِلْمُصَلِّینَ اَلَّذِینَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ1 أنت تأتي بالصلاة ولكن الله سبحانه وتعالي يتبرأ من هذه الصلاة التي تأتي بها ، لأنك في حالة وصفة سهو ، يعني حالتك الروحية ليست في حالة إقبال إلی الله (عز وجل) ، والله (عز وجل) يريد منا المحبة ولا يريد منا الجفوة وأن لا نكون كالخشب -
والعياذ بالله -- ؟ إنشاء الله لا نكون هكذا ، بل يريد الشعور ، وروح ، وحياة ، نقبل اتجاه الساحة الربوبية ، لذلك يقول : فَوَیْلٌ لِلْمُصَلِّینَ اَلَّذِینَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ يتوعد الله (عز وجل) يعني أن الغرض في التشريع من الصلاة نجوي ومناجاة فأن الصلاة معراج المؤمن(1)، أو نجوي المؤمن ، ما معني نجوي ؟ يعني شاشة التوجه مركز التحكم في النفس يجب أن يكون مقبل علی الله (عز وجل) ، الميل الروحي ، الإقبال الروحي إذا كان علی شيء غير الله (عز وجل) في الصلاة ، هذه الصلاة ليست فقط ليس لها قيمة عند الله (عز وجل) ، بل يتوعد الله فيها المصلي بالويل ، في حديث الإمام الصادق (عليه السلام) :
( والله إنه ليأتي علی الرجل خمسون سنة وما قبل الله منه صلاة واحدة ، فأي شيء أشد من هذا والله إنكم لتعرفون من جيرانكم وأصحابكم من لو كان يصلي لبعضكم ما قبلها منه لإستخفافه بها ، إن الله (عز وجل) لا يقبل إلا الحسن ، فكيف تقبل ما يستخف به ؟! )(2).
وجه الإنسان ليس هذا بل هذا وجه البدن ، فان وجه الإنسان قلبه ، إذا كان الإنسان عمدة وجهه وعمدة عينيه ، حتی عيني الإنسان ليست هذه التي في بدنه ، بل عينيه في قلبه ، إذا كان في عينيه وقلبه مدبر متبرم معرض فهذا ليس متوجها الی الله عزوجل .
توجد آية أخري في الصلاة التي من صفات المنافقين الذين يقرعهم الله ويتبرم منهم يقول الباري تعالی : وَ لا یَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَ هُمْ كُسالي1 ، حالة كسلان يعني ضجران فتران متبرم ، قد يكون الإنسان في حالة كسل ؟ كيف أنت إذا جاءك إنسان عزيز فلا تبقي حالة الكسل بل تعيد نشاطك وتزيد حالة التعبئة .
لو كان عند الإنسان صديق أو عزيز أو عزيزة ينشد الإنسان إلی العمل بمجرد ما رأي ذلك الإنسان العزيز ، الكسل يجعل الفعل كالعدم . لماذا ؟ لأن علامة الروح والحياة بث النشاط ، أصلاً قيمة صلاة الإنسان بهذا ، والإنسان الذي يقف متبرم مافائدة صلاته ، أسير هو أو في حالة
معانات . ما معني المعانات ؟ كأنما رغماً عليه يجرجر إلی العبادة ، أي حالة من الصلاة هذه ! أي حالة ! أي أقبال ! أي تعامل مع الله (عز وجل) هذا .
لذلك يجب علی المؤمن إذا أراد أن يوصل صلاته ، صيامه ، أعماله ، طوافه ، حجه حتی الحج والطواف الی أحسن وجه ، فلو كان الإنسان في حالة العمل وهو يأتي بالعمل أمام شخص عزيز عليه لا يأتي به وأخلاقه سيئة ، ولا يرتدي أثواب أخلاقه السيئة ، فان ثوب البدن هي هذه الأثواب المعينة .
أما الصفات النفسانية فهي أثواب الروح ، إذا كانت أثواب جميلة تجذب وإذا كانت أثواب قبيحة ينفر منها الناس ، الأخلاق الجميلة أثواب جميلة للروح والصفات الرذيلة أثواب قبيحة ، هل يذهب الإنسان إلی محضر شخص كبير ويفعل فعلا" وفي حالة أخلاق سيئة ؟! ألا يشعر بأن هذا النوع من إساءة الأدب في ذلك المحضر.
كذلك أعمالنا ، مثلا طواف الحج ، الإنسان يطوف ويحج وكأنه لا يطوف إلا هو أو لا يسعي إلا هو أو لا يحرم إلا هو أو ما كذا إلا هو ..
ويقطر سوء خلقي مع -- أفرض -- الأجانب ، أفرض مع بقية المسلمين من غير المؤمنين ... هذه أي حالة ، حينئذ هل يكون الإنسان مزدلفا" قريبا" إلی الله (عز وجل) ، في هذه الحالة يستحيل علی الإنسان أن يقول أنا آتي بهذا العمل في طبق أقدمه بين يدي الباري متقربا" اليه ، إذن في الواقع هذه الحالات النفسية ، وهذه الصفات النفسية مهمة جدا"، صدور العمل من الإنسان في هذه الحالات
النفسية أمر في غاية التأثير سلبا" وأيجابا" .
يقول لقمان الحكيم وهو يوصي ولده : (... وأكثر الزاد فإن السفر بعيد ، وأخلص العمل فإن الناقد بصير )(1).
ومن أحد معاني الخلوص هو أن يصدر العمل من الإنسان وهو في حالة صفات حسنة في حالة روحية حسنة ، ليس كسلانا ، ولاضجران ، ولامتبرم ، ولامتنفر ، ولاساهي غير مقبل ، وغيرمنشد . هذه كلها حالات نفسية يؤكد علی تجنبها القرآن الكريم ، أخلص العمل لله فإن الناقد بصير ، الإخلاص غير مختص بقضية الرياء ، كلا بل يعم النقاء من كل الرذائل .
1) - الأختصاص : 341 ، بحار الأنوار ج13 .432
هذا أحد ملفات الخلوص ، أحد أوراق الخلوص ، نحن دائماً نحاول أن نتجمل ، لماذا نتجمل ونتأنق ؟ . لأنه يجذب الآخرين ، نظير العطر مثلاً ، والروح جمالها بالصفات النفسانية ، وبالصفات الجميلة عطرها أشد .
أيضاً في حالة وفودنا علی الله (عز وجل) في الصلاة أو في الطواف أو في السعي أو في موقفنا بعرفة أو في أي مكان إذا كنا علی حالة من الطهارة الروحية فسوف يخلص عملنا من الشوائب .
المطلوب في مثل هذه الأعمال الطهارة حيث تكون الطهارة نوعا" من المشهيات أو المرغبات في هذا العمل ، هذا العمل عندما يقدم بين يدي الباري ، يفد به الإنسان علی الباري ، تكون طهارة الروح بلا ريب هي أكثر خواطر الروح ، حالات الروح ، هي أكثر تأثيراً ، قال رسول الله (صلي الله عليه وآله) :
( إن الله لا ينظر إلی صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلی قلوبكم )(1).
1) - بحار الأنوار ج248 : 67 .
كما ورد في أن زي الإنسان وبدنه في الآخرة يكون علی هيئة أخلاقه ، الآن أبداننا ليست بأختيارنا ، كيفية أشكالها ،
وكيفية لونها ، وكيفية تقاسيمها ، لمحات صورنا ووجوهنا ليست بيدنا ، لكن في الآخرة بيدنا ، يقول الإمام علی (عليه السلام) :
( كن في الدنيا ببدنك ، وفي الآخرة بقلبك وعملك )(1).
وليس فقط في الآخرة الآن في دار الدنيا صورنا التي يراها الله (عز وجل) علی ما هي عليه الصور الروحية هي في الواقع بتوسط نفس حالاتنا النفسانية ، حالات النوايا والخواطر .
المهم في هذه الرواية الشريفة التييشير إليها (عليه السلام) إلی أن النية محصول الحالات النفسية وصفات الإنسان وأفكاره ، الإنسان طبعاً له صفات نفسانية وله حالات ، وله أفكار أو معتقدات .
الحالات النفسانية ليست ثابتة مثل الصبغ المائي ولا الصبغ الدهني ، أي ليست راسخة جداً ، هيئة في النفس ، وشكل في النفس ، وحالة في النفس تزول ، يتنازعها وتغلب عليها حالة مضادة وتزول هذه الحالات ،
1) - غرر الحكم : 7164 .
الحالات أثبت من الخواطر قليلاً ومن النيات ، ولكنها أيضاً ليست في الثبات كثبات الصفات ، الصفات راسخة متجذرة في أعماق النفس هذه درجات في أشكال النفس .
هناك تأثير متقابل بل متجاذب بين النية وبين هذه الدرجات في النفس ، النية والخاطر ، الإقبال والإدبار ، كأحد أفعال النفس ، النية الصالحة -- مرت علينا أفعال النية -- وقلنا النية ليست مجرد زعم قصد ، بل النية نوع من توليد المحبة والميل النفساني ، الجنوح يعني الميل ، جنح يجنح يميل ، النية أكثر من مجرد خاطرة ، الخاطرة أضعف في حين النية أقوي ، بعد النية تأتي الحالة ، الحالة أقوي ، بعد الحالة تأتي الصفات وبعدها الملكة وهكذا .. المقصود أن في النفس هذه درجات .
إذاً الإنسان كما يقولون التجار من فلس ودرهم يجمع الملايين ، وهكذا الخاطر لا يستصغره الإنسان ، صحيح الخاطر كالفلس - نفترضه - في متجر النفس ، بورصة النفس ، لكن هذا الخاطر عندما يتراكم يتطور الی نوايا وحالات وصفات وملكات ، عندما تحرص أن تكون خواطرك
كلها صحيحة سليمة ، شيئاً فشيئاً تكون نواياك حسنة ، النوايا إذا لم نستصغرها ولم نهبطها سواء نية الصلاة أو نية غير الصلاة ، اذ ليس نية الصلاة فقط يجب أن تكون قربية صالحة بأن يزدلف ويفد بها الإنسان علی باريه ؟ كلا ، بل حتی النوايا الأخري ، قيامه قعوده ، ذهابه وإيابه .
هذه المباحث هي عمدة رأس مال الإنسان إذا ألتفت إليها الإنسان بإشراف من أفق أعلي من النفس ، يشرف الإنسان علی نفسه ويسهل عليه أنتهاج طريق المعالي ، والله الموفق لأن نسلك هذه المدارج ، فلا يستهين ولا يستصغر الإنسان بالخواطر ، بالخواطر تتكاثر بالتالي النوايا ، ويستطيع الإنسان أن يولد النوايا ، بالنوايا يولد الحالات ، قد يقال هذه الحالة لا أستطيع أن أزيلها ، ماذا أفعل عندي تبرم ، أقبل علی الصلاة وعندي تبرم ، أقبل في محضر معين تكون عندي حالة لا أحبذها من نفسي ، حالة إقبال علی نظرة حرام - مثلا" - ، لا أرتكب الحرام ولكن عندي حالة من هذا القبيل ماذا أفعل لنفسي ؟ أنفر من نفسي أنا في مدينة الرسول أو في مكة أو في مدينة علی (عليه السلام) ، لماذا هذه الحالة السلبية الموجودة عندي ، الإقبال
علي الشيء السيء ولو بدرجة ميل ، نزوع إلی الشيء الحرام ، هذا صحيح بلحاظ الحال الفعلي طبعاً في حينها لا يستطيع أن يعالج الموقف .
إذاً كيف يعالج الموقف ، يعالج الموقف من مسافات بعيدة ، نظير تشبيه تخطيط الشوارع بالنظام الحديث ، لا بد أن تلتفت إذا تريد أن تنعطف ، أن تحاسب من مسافات بعيدة لكي لا يفوتك الأنعطاف يعني تحاسب مرورياً بشكل دقيق . هكذا هي النفس ، أنت هذه الحالة إذا كنت لا تريدها من نفسك هذه الصفة ان كنت لا تريدها في نفسك ، وعندك صدق نية وجدية أن تقلع وتعالج هذه الصفة والحالة من نفسك بإصرار مستمر من فترات بعيدة متمادية دائما بحيثً يكون عندك مراقبة دؤوبة للخاطر ، الخاطر بيدك هو سهل ، النية أيضاً سهلة بعد الخاطر ، فحاول دائماً أن تصحح الخاطر ، دائماً تصحح النية ، فبالتالي ستؤثر علی الحالة ، إذا كانت الحالة ظلمانية سلبية تنقلب إلی حالة إيجابية إذا كانت صفة مذمومة تنقلب إلی صفة جيدة ، وبالتالي الصفات والحالات فضلاً عن الدرجة العالية وهي الملكات ، وهذه مثل بناية عشرين طابق وهي خراب لا نستطيع فجأة كن فيكون تبديلها . شيئاً فشيئاً تهدم إلی أن تبني بناية جديدة ، ولابد من التدرج .
أفرض إنسان ليست لديه هذه الحالات السلبية ، يسمع حالات أولياء وأصفياء ويسمع عن حالات وصفات جيدة عندهم ، فتنشأ عنده الرغبة لأتباعهم في هذه الحالات ويستطيع الإنسان أن يتمثل بهم والبداية هي تولد من هذه الخواطر والنيات .
من الآن بأمكانك أن تقوم بعمليات يسيرة ثم تسبق الآخرين ويصبح لديك أستثمار ضخم جداً بخطوات يسيرة سهلة عليك ، بينما إذا تؤخر هذه الخطوات إلی أن يحين الأوان فسوف تكابد أعصابك وتتشنج ، بينما اذا تراقب البورصة وتراقب المهنة التي أنت فيها وكيف تعدلها وبالكاد يكون أستثمار أو ربح .
بينما إذا كنت تستعد من مسافة بعيدة وبخطوات يسيرة تستثمرها جداً سوف تضمن النتيجة والعاقبةالحسنة ، مثلاً لو أشتري إنسان له عقار - كمثال محسوس لكي نلتفت إلی أن هذا ليس فقط في عالم البدن وعالم العرض وعالم المادة ، هذا في عالم الروح أكثر وأكثر - عقار تشتريه لك يتضاعف الآن سعره ، بخطوةيسيرة جداً بشيء من التدابير الجيدة والمعدة
والمسبقة ، سيكون مقدار الأستثمار الذي تحصل عليه كبير ، وفي عالم الروح القضية أكثر من هذا .
ويشير الحديث الشريف إلی كيفية زرع النيات والخواطر من مسافات بعيدة ومن فترات بعيدة عند الإنسان في عمره وفي حياته كيف تثمر ثمار ضخمة جداً . فيقول : أنا عندي هذا الحظ ؟ طبعاً عندك هذا الحظ لأن تدبيرك المسبق أصبح جيدا" بمعية توفيق الباري تعالی ، نظير ذلك الذي يصير عنده جهوزية تدبير مسبق مالي صار عنده هذا الحظ ، كذلك الإنسان في حالاته الروحية .
ان نية المعصية ، نية المخالفة لله (عز وجل) إذا تابعها الإنسان يؤاخذ عليها ، أما إذا لم يتابعها نوي فقط وأعرض عنها فلا يؤاخذ ، وهذا تفصيل ورد في الروايات وفي فتوي الفقهاء وهذا البحث مرّ علينا ، لكن هذا التفصيل في الروايات أو في آية أخري لا ينافي ما في هذه الآية الكريمة :
إِنْ تُبْدُوا ما فِی أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ یُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ1 وإن كانت هذه المحاسبة قد لا تكون محاسبة عقاب ومثوبة لكن هي في الواقع لها آثار ، يعني نفس ما يبدي الإنسان وما يخفيه يؤثر مصيرياً علی مواقفه المستقبلية وعلي نهجه ومنهاجه المستقبلي أنظرما في قوله تعالی مع الملائكة : وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِیها مَنْ یُفْسِدُ فِیها وَ یَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّی أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَی الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِی بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِینَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِیمُ الْحَكِیمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّی أَعْلَمُ غَیْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ 2 .
يعني نفس إضمار النية وإضمار الخاطرة إذا كانت خاطرة سلبية أو غير صحيحة وهذا تقريباً موقف أعتقادي من الملائكة مع الله (عز وجل) وإن كان هو من قبيل ترك الأولي وليس بمعصية ، لكن نفس إضمار نية من قبيل عدم حكمة الله - والعياذ بالله تعالی - أو أضمار التبرم من فعل
الله والأعتراض علی فعل الله يجرجر الإنسان إلی مواقف يندم عليها مع الله (عز وجل) .
فالعبد يأتمر بأوامر المعبود بكل ما يأمر به ولا يعترض عليه حتی في الخاطر والنية .
إذن الخاطرة لا نستهين بها ، فالخاطرة مهما كانت خاطرة فهي بمثابة هبوب رياح في صفحة النفس وهي ستقود الإنسان إلی مواقف فيما بعد يندم عليها . هنا يشير أمير المؤمنين إلی أن نزق الخرق أي فجائية الحدة . نزق : يعني فجأة ، نزق الخرق هذه فجائية الحدة والأنفعال حيث يقول الإنسان : لماذا ذهب وقاري وذهبت هيبتي مثلاً في محفل أو غيره أو في أسرة أو في علائق أرحام أو في علائق أصدقاء أو في غيرها أنهد مني زمام الأمور ، لِمَ حصل لديّ نزق يعني طفرة فجائية ؟ . يبين السبب في ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) : أن الذي يتحكم في الإنسان ويمانع ویُعَقِم الإنسان عن الفجائيات والطفرات في الحدة والأنفعال القنوع والقناعة ، فالقنوع حالة خاطرة نفسانية ، تفكير نفساني ، في مقابل الحرص والطمع .
الإنسان إذا حرص وطمع حينئذ يندفع ويريد أن يتكالب ويكابد ويصر في الوصول إلی ما يطمح فيه . أما إذا تحرر من الحرص وتحرر من الطمع . نعم الطمع في الخيرات شيء جيد . والطمع في الخيرات إذا كان بنحو يوجب حدة الإنسان وأنفعاله هذا فليس بسديد .
فالحرص والطمع هو أساس الحدة والأنفعال وهذا ما بيّنهُ أمير المؤمنين ، والخاطرة النفسانية في صفحة النفس يستطيع الانسان أن يصفيها عن الحرص والطمع ، وسوف لن يحتد ، ولن يشتم ، ولن يسب ، لن يغلط علی أحد ولن يصدر منه خلاف الوقار ، وما هو خلاف الوقار ، الوقار جمال في سلوك الإنسان ، كيف يحصل عليه الإنسان ؟ . يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : ( بأزِمّة القِنُوع ) والإنسان اذا تحرر من أسر طمع معين ، فسوف لن ينفعل بفوته أو بممانعة آخرين له عن الوصول إليه ، ولد أو زوجة أو صديق أو قريب أو بعيد أو ما شابه . وذلك إذا قنع وأقتنع الانسان بأنه لن يقدر لي إلا ما كتب الله لي .
والقنوع حالة وخاطرة جداً إيجابية . لكن هذا القنوع لا بد له من خلفية عقائدية ، وهل تتوقع من نفسك أن يكون لديك قنوع بدون خاطرة ونية ، هذه الخاطرة والنية التي هي ذات ثمرة وذات إيجابية وتوجب تحلي الإنسان بلباس الوقار والهيبة والحلم وما شابه ذلك مما هو بعد القناعة . والقناعة كيف تتولد ؟ . تتولدً من خلفية عقائدية ، لأن الخواطر النفسانية أيضاً وليدة أفكار عقائدية اذ هناك تلاحم وترابط حلقات وطيدة بين الأفكار العقائدية ، وتولد الخواطر والأفكار الخلقية والأخلاقية ثم بالتالي مع الأعمال .
فالقنوع هو الذي يؤمن ويعتقد أنه وأن أراد الله بعبدٍ خيراً فلن يكون هناك مانع عن إصابة الله العبد بذلك الخير فأنت إذاً تجزع لماذا ؟ تحرص علی ماذا ؟ تطمع بماذا ؟ تحتد مع الآخرين علی ماذا ؟ وإن كان الله (عز وجل) لن يقدر لك ذلك الخير فسوف لن يصل اليك ولو تكالب الكل علی إيصال ذلك الخير لك . إذا كان الإنسان يعيش مثل هذه الحالة النفسية وهي ليست نفسية تواكل وبطالة وعطالة ، اذ لابد للإنسان أن يقوم بوظيفته من التدبير لكن ليس ضمن شره وحرص وطمع ومغالبة ومصارعة مع اعمال الآخرين ، فهو برنامج حياته هكذا ، وأنت الزوجة
برنامج حياتك كذا أو الأسرة كذا ، أو ما يجري مجري حالة المطاحنة والمصارعة مع الآخرين في ضمن تعقيد الحياة العصرية الموجودة . هذا الأصطدام يصبح عند الإنسان إذا فقد القناعة . ومتي يفقد القناعة ؟ . إذا كان يتخيل ويظن أن هذه الأسباب الظاهرية هي التي توصل إلی الآمال والغايات لا أن تقديرات الله وتدابيره هي الموصلة .
التوكل والتواكل :
ففي كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) : ( نَزَقَ الخرق ) يؤدب : ( بإزِمةَ القِنُوع ) لكن القنوع بماذا يحصل ؟ في روايات أخري - يحصل عند قوة التوكل لدي الإنسان ومعني التوكل طبعاً مفهوم عقائدي ، والتوكل غير التواكل ، فهناك فرقٌ بين أن يكون الإنسان عطال بطال كسلان فشلان وبين أن يكون مثابرا" بضميمة اعتماده علی تقدير الباري تعالی ، يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : ( إن قوماً من أصحاب رسول الله (صلي الله عليه وآله) لما نزلت : وَ مَنْ یَتَّقِ اللّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ1 أغلقوا الأبواب
وأقبلوا علی العبادة وقالوا : قد كفينا فبلغ ذلك النبي (صلي الله عليه وآله) فأرسل إليهم فقال : ما حملكم علی ما صنعتم ؟ قالوا : يا رسول الله أتكفل لنا بأرزاقنا فأقبلنا علی العبادة ، فقال : إنه من فعل ذلك لم يستجب له ، عليكم بالطلب(1).
والتواكل حال يمقته الله (عز وجل) بأ يكون نواما" غير مجد ، بل يجتهد في وقار وفي حلم وفي خلق وفي سعة صدر . كيف تتكون عنده سعة صدر مع كونه مجدا" ومجتهدا" في تدبير أمور الآخرين ؟ .
تتكون مع صفة التوكل ، وبتوسط خاطرة التوكل ، خاطرة القنوع ، وإلا أي أنفعال أفرض مع أسرتك مع من ترتبط معهم بالعمل بالوظيفة وغيرها ، بالمجتمع وبالأرحام أي أنفعال عندك أنت دقق فيه ستري أنه لتصورك أن الطرف الآخر سيمانعك عن الوصول إلی هدفك وغايتك وبرنامجك ، وهذا تصور لايطابق الحقيقة الواسعة لأن جميع زوايا الأحداث وجهات الظروف ليست بيد الطرف الآخر ، هذا كله مع قيام الشخص العامل بتمام التدبير وادارة الأمور بذكاء وبمهارة . والجمع بين
1) - الكافيج 5 ، 84 .5.
الأمرين أحد معاني الأختيار وكونه أمرا" بين أمرين بحسب توصيات الدين ، الحدة النزق الأنفعال الطيش هو الذي لا يحبذه الدين ، طبعاً هذه المعاني التي تحصل في النفس صعبة تمييزها وكيف يميز الإنسان بين التوكل والتواكل ، كيف يميز الإنسان بين التدبير والحد وبين الحدة ؟!، يفكر خطأ الإنسان أنه إذا أراد أن يكون كفوئا" مجدا" مدبرا" أن يحتد هذا التفكير خطأ ، وأن ينفعل هذا خطأ .
ورد في الروايات أن الإنسان متي يكون عنده طيش علی الآخرين ، عندما يري أن له مقام يكبر فيه علی الآخرين يطيش الطيش نفسه الخرق ، فالطيش وليد أستعظام الإنسان لنفسه كبر الإنسان لنفسه ، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : (القنوع) . يعني لا تقيم لذاتك في قرارة نفسك كثير أستعظام وحق وأستحقاق . مثلا" عندما يقع شجار بينك وبين أبنك تري كأنك خالقه ، تريد أن تربيه تحتد عليه بشكل قاتل . أو مع الزوجة أو مع بنت أو أي واحد من الأسرة ، أو غيره أصغير منك من أرحامك وما شابه
ذلك ، تطيش بحدة .يقول رسول الله(صلي الله عليه واله) :
أجتنبوا الكبر ، فان العبد يتكبر حتی يقول الله عزوجل أكتبوا عبدي من الجبارين (1).
الطيش من الحدة لماذا ؟ لأنك تري أن لك من الحق كأنما تستملك الطرف الآخر ، هذا أستعظام الإنسان لنفسه وذاته ، إذا لم يستعظم الإنسان نفسه وذاته قنع ، قنع يعني يعلم أنه عندما يذهب إلی دورة المياه ماذا يخرج منه . فلماذا هذا التعاظم لذات الإنسان نفسه .
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : ( عجبت لأبن آدم ، أوله نطفة ، وآخره جيفة ، وهو قائم بينهما وعاء للغائط ثم يتكبر )(2).
إذن لماذا يستعظم الإنسان نفسه أو كما في دعاء السجاد : ( اللهم ما نشرت لي من منقبة ) أو : ( السؤدد في الناس فحططني في نفسي بقدرها ) ، لكي يصبح توازن عند الإنسان ، لا يستعظم ذاته في مقابل الآخرين. فإذن حالة التواضع وخطورة التواضع والتذلل في النفس هذه عبارة عن مفاد كلام أمير المؤمنين (عليه السلام). في دعاء الصباح (القنوع) الذي يقنع لذاته بالشيء
اليسير إذن لا يستعظم لنفسه حقوق ولا يري لنفسه أستحقاقات كثيرة علی الآخرين تفوق الآخرين ولا يصبح عنده أنفعال ينفعل لماذا وكل شيء فيه ملك الباري تعالی وليس له من نفسه وذاته شيء ؟! .
إحدي الأسر كانت لديهم بنت متدينة جداً ووالديها ما كانوا بتلك الحدة من التقيد بالمسائل الشرعية بالدقة جداً ، وكانت البنت تري لنفسها علی الوالدين حق أكثر بأعتبار طابع التدين لديها أكثر وما شابه ذلك ؛ ففي جلسة ذكرت للبنت أن سر حدتك علی والديك والعياذ بالله انك وان كنت في مسار التدين والدقة والألتزام وما شابه ذلك ولكن ترين لنفسك أستحقاقات أكثر علی والديك وأن حقوقك أكثر من أستحقاقات والديك علی نفسك ومن ثم يظهر منك الطيش والحدة علی والديك ، وفعلاً رجعت إلی قرارة نفسها ووجدت الحالة النفسية هكذا .
فالإنسان متي يطيش سواء علی والدته أو علی والده أو علی صغير أو ... لما يري لنفسه أستحقاقات أكثر سيعظّم من نفسه . إذن لا يقنع لنفسه بالحق الدوني أو الأستحقاق الدوني أو ما شابه ذلك يتعاظم لنفسه أمور ،
ومن ثم تصدر منه الحدة والأنفعال وذهاب الوقار والطيش وكأنما يريد التوسع في سلطان نفسه بأعتبار يري لنفسه هذا السلطان .
إذن هذه الأفعال أو هذه الصفات وليدة الخاطر ونية مُبيّتة ، لا تظن من نفسك أنك تطيش علی والداك أو علی والدتك أو علی أبنك فجأة . هي نتيجة قناعة ، يوجد تفكير ونية وخاطرة مُبيّتة لديك إذا أصلحت ذلك الخاطر فستنال الحلم ويذهب عنك الحدة والتعصب كما في نص كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) تأديب هذه الحالات (بإزمة القنوع) . إذن يتم بقضايا الخواطر والدواء والمرهم والعلاج لكثير من حالات الإنسان هو بتوسط وتفحص الخاطر . كما أن هناك عملية أختبار لضغط الدم فكذلك الفحص للنفس ، إذا أردت أن تفحص كثير من الأمور في ملفات عقل الإنسان أو في روح الإنسان أو في قلب الإنسان هذه الملفات موجودة
ومخزونة في ملفات الخواطر والأفكار . حينها يصدر منك فعل معين تقول كيف صدر مني هذا الفعل هو في الواقع العجب ليس من صدور ذلك الفعل ، بل العجيب من عدم إلتفات الإنسان وفحصه عن هذا الملف في خزانة نفسه الذي أولد هذا الفعل . هذا الملف ماذا به من أفكار ماذا به من خواطر .
إذا أستطاع الإنسان أن يفحص الفيروس الموجود في هذه الخواطر والأفكار المخزونة في الملفات ؛ في ذهنه ؛ في أعماق نفسه وفي قلبه حينئذ يصل الی المعالجة ودوماً هي بالأفكار لحالات النفس ، ودوماً بأن تكسر قناعات النفس الخاطئة إلي
قناعة أخري صائبة تزيل وتبيد الإذعان والتمسك والتشدد بفكرة معينة خاطئة تصدم النفس ، مثل الفرس الذي لا يروض يجمح دائماً ويتمرد وتمسكها لتقول لها لا خطأ ، لاتجزمين ولاتتمسكين ولاتتشددين في هذه القناعة الخاطئة .
هي كالدابة ولايخفي أن النساء أيضاً لهم نفوس كالرجال ؛ فالنفس كالدابة الطائشة ، القناعات هي التي تُسيّر الإنسان والخواطر والأفكار هي التي تولد القناعات ، فبالحوار العقلي مع النفس تكرر الخطاب معها إلی أن تكسر قناعتها الخاطئة ، وإذا أستطعت أن تكسر قناعتها الخاطئة سوف تكبحها وتسيطر عليها وتروضها بيسر .
أنت لما تخاصم واحد آخر تحس أن عنده فكرة خاطئة قناعته بشكل آخر لابد أن تزلزلها باستدلال وببرهان وببيان بليونة بعذوبة إلی أن يلين من تشدده في القناعة الخاطئة ، النفس هكذا لابد أن تحادثها وتخاطبها
وتراوغها وتأخذ وتعطي معها حتی بالكاد تتنازل عن قناعتها وعن تشددها وإلا هي دائماً متمسكة وتقول : لي وأني وكذا .. وهلم جري .
لقطة أخري في دعاء الصباح أيضاً يشير فيها (عليه السلام) إلی أن حالات الإنسان وأفعاله ناتجة من الخواطر والقناعات إذا لم يستصلحها الإنسان فهي تتواجد وتتراكم كجبل من الخطايا وقوله (عليه السلام) : وإن أسلمتني أناتك لقائد الأمل والمني فمن المقيل عثراتي من كبوات الهوي . أناة الله تعني حلمه وهو أستدراج وهو أخطر من الحوبة لأن بعض الأحيان يحوب الله (عز وجل) يحوب : ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِیبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَیْدِیكُمْ1 ، المصيبة أداة وعصاة الهية وهي رحمة إلهية لأنه تنبه وتربي وتأدب الإنسان شبيه بعصا المعلم في المدرسة فهي تيقظ الانسان عن التمادي في الخطأ ، ولكن إذا لم يواجه الإنسان العصا الإلهية : فَصَبَّ عَلَیْهِمْ رَبُّكَ
سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ1 ، وأما إذا لم يكن لله (عز وجل) في هذا المقام تأديب للعبد بالحوبة بل كان امهال حينئذ تسلم أناة الله وحلمه . وطول أناته ودعته وامهاله يسلم الإنسان إلی كل خاطرة أمل مردية مهلكة في قبالة القنوع والقناعة ، كل خاطرة أمل يتسلسل منها خواطر الإنسان وسيستسلم وسيسلس الأنقياد لتلك الآمال وتلك الخواطر فلا يتبين الإنسان لنفسه بصيرة في تلك الخواطر التي هي كلها آمال ... آمال مجوفة سراب بقيعة تأخذ بالإنسان إلی برامج لا تخدم حقيقة مستقبل الإنسان وإنما هي تخدم وتدغدغ الخيال فقط ، يظن الإنسان منها لذة روحية والحال هي دغدغة خيال ليس إلا دغدغة سراب .
( وإن أسلمتني أناتك لقائد الأمل والمني فمن المقيل عثراتي من كبوات الهوي ) لأن الهوي يتبع الأمل : وَ أَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَی النَّفْسَ عَنِ
اَلْهَوي فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِیَ الْمَأْوي1 ، أي علی حالة الأمل وً الآمال بلحاظ الأهواء وهي نابعة من خواطر ، هي طاقات محركة للإنسان قدرات تحكم في الإنسان غريبة وعجيبة وخطيرة ، بينما إذا واجه الإنسان عصي إلهية وسوط إلهي فيفيق ويصحي ، أما إذا لم يواجه عصي إلهية وحوبة إلهية كما يقال الإنسان سيسترسل وهذه حالة خطرة . مثلا" قد يبتلي بمرض يبتلي بشيء معين وهلم جراً ، لكن لماذا الإنسان يسلم نفسه ويوقعها الی وضعية يحتاج فيها الی أن يؤدب ( إلهي لا تؤدبني بعقوبتك ) (1). لِمَ الإنسان يطلب من الله التأديب بالعقوبة ، الإنسان يمكن أن يؤدب نفسه بطريقة أخري ، ( وأدب اللهم نزق الخرق مني ) الأدب الذي يطلبه أمير المؤمنين ماذا ؟ هل بالعقوبة ؟ كلا .. قال :
(أدب اللهم نزق الخرق مني بأزمة القنوع ) بإصلاح الخواطر ، يعني بإصلاح الأفكار بإصلاح النوايا ، هذا التأديب جيد ونافع كثيراً ، ولا بد ندعوا الله (عز وجل) دائما" ونطلب صدق
1) - مصباح المتهجد : 82 ، الصحيفة السجادية ، دعاء السحر .
النية وإخلاص النية وحسن السريرة (فَإِنَّهُ یَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفي)1 ، إذن هذا رأس مال خطير، المهم أصله في سريرة نفسه وخاطرته ، هذا طريق سليم ووقائي ليس فيه مهالك ، سهل عجيب بالأفكار فقط ومجاني لا تحتاج إلی أي مؤونة ولا تحتاج إلی مكابدة بدنية وجهد نفساني في الغرائز .
هذه التي نستسهلها ونحن نستصغرها هي أخطر شيء ، هي قدرة التحكم في مصير الإنسان المستقبلي في العوالم الأخري ( تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة )(1)، أنت حتی لو تريد أن تروض عضلاتك وبدنك علی العبادات وبطنك علی الصوم وبدنك علی الحج وغيره وغيره هو لأجل إصلاح الأفكار ، يعني الأفكار التي هي تصدر الأعمال .
فالذي لديه برنامج مهم فاحص في الكمبيوتر برنامج متفحص يفحص عن الفيروس يفحص عن البرامج ويفحص عن أشياء أخري إذا صار عند الإنسان برنامج فاحص في أفكاره وقناعته حينئذ يؤدب بطريقة جداً سليمة وسالمة .
1) - رياض السالكين ج3 : 588 .
أما إذا يؤدب الإنسان بالعقوبة - الله هو المعين اذا كانت العقوبة أخروية - يوجد من يؤدب بالعقوبة الأخروية وينجو من النار فيما بعد أحقاب . الناجين من النار يعني يتأدبون بها مدة من المكوث المرير فيها ، وبعبارة أخري مرضهم الذي حصل لهم بالأعمال السيئة لايشفون منه الابذلك ويخرجون من النار لكن عولجوا بماذا ؟ أدبوا بماذا ؟ . بالعقوبة الأخروية - أعوذ بالله - . حتی العقوبة الدنيوية إذا أستطاع الإنسان أن لا يكون برنامج الله معه التأديب بتوسط العقوبة الدنيوية فهذا الإنسان ذو حظ عظيم ، أدب بماذا ؟ بالأفكار بالخواطر : ( وأدب اللهم نزق الخرق مني بأزمة القنوع ) أما : ( إلهي لا تؤدبني بعقوبتك ) فالحيوان الذي ليس لديه تفكير يروض ويؤدب بالضرب ؛ أما الإنسان المفروض أنه في القمة ، فالميزة المهمة الممتاز فيها الإنسان عن بقية الكائنات هو التفكير أو عقله . ولذلك فان قدرة التحكم في الإنسان هي هذه النوايا والخواطر وهو أمر جداً مهم .
أيضاً مقطع آخر يشير فيه (عليه السلام) في دعاء الصباح إلی خطورة الخواطر ، أصلاً أكثر دعاء الصباح وأكثر أدعية الأئمة (عليهم السلام) هي نوع من الفحص ، والتربية ، وتعبئة الإنسان ، ودق جرس الخطر لدي الإنسان في الأفكار والقناعات والخواطر لدي الإنسان . أكثر الأدعية لا تعالج الأعمال بما هي أعمال بل تعالج الخواطر النفسانية . وتفند الخواطر الخاطئة وقناعة النفس وتعصبها وتبدلها بخواطر صحيحة .
أنظر للكمبيوتر الحاسوب كمثال ، الكمبيوتر طبيعته جهاز علمي لا يسير مثل بقية الأجهزة الأخري ، كيف تضع فيه برامج يسير عليها . ولايتخلف عنها محال ، الكمبيوتر لو كان يدير صواريخ نووية ، أو غواصات نووية ، أو يدير بارجات حربية ، ويدير أقمار صناعية ، ويدير مصانع ، ويدير طائرات في الطيران هبوط وإقلاع .
الكمبيوتر الحاسوب لايعطيك نشاطا" وفعالية إلا ببرنامج علمي ، إذن البرنامج العلمي أساس منطلق مهم جداً في الكمبيوتر أليس كذلك ، هكذا الإنسان أيضا" .
بل أعظم من ذلك ولا يمكن أن تتوقع منه فعل يصدر أو لا يصدر إلا بالبرنامج العلمي ، الذي هو الأفكار والقناعات ، والخواطر التي في الإنسان ، وهذه المشكلة الشاكلة لدي الإنسان الذي لا يلتفت إلی هذه البرامج العلمية التي يخزنها في حافظته . في عقله الباطن من أفكار وخواطر ، وأكثر الأدعية تحاول أن تصب في مداواة ومعالجة هذه البرامج العلمية ، كما هو الحال في أن تجعل الكمبيوتر وتصبح فعالياته نشطة وتجعل فيه برامج ، تصفي أو تنسق البرنامج وتبوب وتعيد التشغيل بأستمرار كما أنه عملية التصفية واعادة التبويب للملفات بنحو مستمر يصير الحاسوب أكثر نشاطا" فبنحو متكرر ومستمر تجري له محاسبة وتصنع له الفايلات وطرد فايروسات .. الخ .
الإنسان أخطر وأخطر من أعادة تشغيل الحاسوب وتصفيته ، أصلاً محاسبة الإنسان لنفسه ليس محاسبة أعمال أكثر مما هي محاسبة قناعات وخواطر وأفكار ، وهي ندوة فكرية يعقدها الانسان دائما" مع نفسه ، في مجالات عديدة وأكثر مما هي محاسبة قناعات وخواطر مما هي محاكمة ومجابهة ، إذا كان هذا الجهاز في الإنسان وهو جهاز محاسبة الأفكار ، محاسبة الذاكرة ، محاسبة الخواطر النوايا يحاسبها أي يوزنها ، إذا كان
الانسان فاعل بحيوية لترشيد نفسه ، أما إذا كان الإنسان متغافل عن ذلك فيجيء لك في أنترنت المعلومات الفكرية ويدخلون لك ببرامج تحرق الذاكرة كصور الفاحشة وغير ذلك قضايا تؤدي إلی حرق كل البرامج التي عندك ، الشياطين والجن هكذا يصنعون في البريد الألكتروني في الإنسان ، حتی في النوم وفي الرؤيا التي يريك إياها فيها قناعات خاطئة ، ربما يستغيظك ويختزن فيك عداوة علی أخيك أو علی زوجتك أو علی أبنك أو علی رحمك أو علی قريبك أو علی صديقك حتی في حلم المنام نعم يخزن فيك معلومات خاطئة ، أنت إذا قمت في الصباح ولم تشغل برنامج ضد الفيروسات مرة واحدة تحدث لك حالة نفرة من الطرف الآخر ، وقد ذكرنا سابقاً بحث السحر وبحث العزائم وهذه الأمور الغريبة والجن والشياطين وغيرها كلها في الواقع ترتبط بالأفكار . فيقول : أنا مسحور أو أنا مضروب بعين ، وأنا محسود أو أنا .. أنا ... وليكن جهاز التحكم في نفسك من قبل أرادتك ومراقبة ذاتك للأفكار والحالات ، لا من قبل الآخرين ولا من قبل أي واحد ؟! بل من قبل أفكارك خواطرك نواياك ، إذا أصبح لديك قدرة تحكم وقدرة فاحص وبرنامج فحص للأفكار والخواطر لا يستطيع أحد أن يؤثر فيك أو يؤثر عليك .
التعبير في دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) في مقطع آخر : ( إلهي أتراني ما أتيتك إلا من حيث الآمال ) ، الإنسان قد يقبل علی الله (عز وجل) لكن بزي قبيح يقبل علی الله (عز وجل) . ما هو الزي القبيح ؟ بدل أن يقبل علی الله (عز وجل) من باب الطاعة والتذلل والوقار للعظمة الإلهية يقبل علی الله بالتمني .
مثلاً : عندك ابن أو زوجة أو زوج مع زوجة أو صديق لصديق يسيء العمل ومع ذلك يزداد توقعه منك أكثر رغم أسائته . أنت ماذا تقول ؟! تقول هذا بطران بطر عجيب ، هو يسيء المعاملة ويستخف بحقوق المعاملة والأدب وعلاوة علی ذلك يتوقع مني الإحسان ، أليس هذا بطران ؟! .
أنت تنظر له أنه بطران ، بطران أي مستعظم لنفسه والحال أنه وضيع أو لا يستحق شيء ويتعاظم لنفسه
بان لها استحقاقات أخري ، ومن الخطأ جداً أن يقبل الإنسان علی الله (عز وجل) فقط من حيث الآمال ، يأمل من الله الأشياء والحال أنه لا يراه الله حيث موطن الطاعة والتذلل . كما في الحديث الذي ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) :
(لا تحصل الجنة بالتمني ) ، إذن
الأقبال علی الله ليس بالتمني . أنظر هذه حالة الأمل مع سوء العمل ، هذه حالة رديئة جداً وثوب قبيح جداً إذا أردت أن تفد علی الله (عز وجل) به وهذه أيضاً حالة نفسانية وخاطرة نفسانية مؤثرة جدا" علی مصير الإنسان .
إلهي أتراني ما أتيتك إلا من حيث الآمال ) لا من حيث : ( أعوذ بك من سخطك )(1)أو : ( أللهم أغفر لي الكثير من معاصيك وأقبل مني اليسير من طاعتك )(2)أو : ( مواضع سخطك ) فالإنسان يراه الله في مواضع سخطه (عز وجل) ومع ذلك يقول رجائي بالله كبير ، كيف يكون صادقا" في ذلك ؟
هذا نوع - والعياذ بالله - عدم رعاية للوقار مع الله (عز وجل) والأستخفاف بمقام الربوبية ، هذا كالذي يستغفر من الذنب ويقيم عليه ، وهذا حال - والعياذ بالله - من لا يراعي الأدب مع الله (عز وجل) ، ويستخف في المعاملة مع مقام الرب تعالی .
فالإقبال علی الله (عز وجل) حتی من حيث الخواطر والحالات له شرائط له ألبسة : ( إلهي أتراني ما أتيتك إلا من حيث الآمال أم علقت بأطراف حبالك إلا حين باعدتني ذنوبي عن دار الوصال ) حين تباعده الذنوب عن دار الوصال مع الله (عز وجل) ، الوصالة ، الوصلية ، الصلة ، القرب الزلفي ، كلها يعبر عنها بالوصال ، حينما تباعده الذنوب يتعلق الإنسان بالله تعالی ، هذه ليست حالة يقبل العبد فيها علی الله .
يقول النبي (صلي الله عليه وآله) :
( ما قسم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل )(1): وهذا بيان من الوحي أن العالم العقلي أعظم من العالم النفساني ، واعظم من العالم البدني ، بل أعظم حتی من الجنة ومن حور العين والقصور والغرفات ، ولذلك نلاحظ من خلال هذا البيان أن هناك جملة من المحققين يقولون أن جزاء العقائد الحقة ليست هي الجنة ، لأنه إذا كانت
1) - الكافي ج1 : 12 ،: ج11 .
العقائد الحقة التي ترتبط بالعقل وإدراكاته وبأمور فوق عالم الأجسام وهي أفضل من الجنة الجسمانية فكيف يكون المفضول جزاء للفاضل ؟!
فالفاضل جزاءهُ فاضل أو ما هو أفضل .
إذن الجزاء في البرزخ أو الجزاء في يوم الجزاء من الجنان ليست جزاءات للعقل بل هذه جزاءات الأعمال البدنية أو الأعمال النفسانية ولكن بشفاعة وهيمنة العقائد الحقة وأن العقائد الحقة شرط في هذا الجزاء .
روي أن رسول الله (صلي الله عليه وآله) قال : بينا أنا قائم علی الحوض إذا زمرة حتی إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال لهم : هلمَّ قلت إلی أين ، قال إلی النار والله ، فقلت : وما شأنهم ، قال : إنهم قد أرتدوا علی أدبارهم القهقري ثم إذا زمرة أخري حتی إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال لهم : هلمَّ فقلت إلی أين ؟ قال إلی النار والله ، قلت ما
شأنهم قال إنهم قد أرتدوا علی أدبارهم ، فلا أراع يخلص منهم إلا مثل همل النعم(1).
وفي حديث آخر عنه (صلي الله عليه وآله) :
يرد علی الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلؤون عن الحوض فأقول : يا رب أصحابي ، فيقال إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم أرتدوا علی أعقابهم القهقري(2)
ومن يبين الإمام الرضا (عليه السلام) سبب هذا الحؤل ، حيث روي أنه سئل الإمام الرضا (عليه السلام) عن قول النبي (صلي الله عليه وآله) : أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم ، وعن قوله (عليه السلام) : دعوا ليّ أصحابي ، فقال (عليه السلام) : هذا صحيح يريد من لم يغير بعده ولم يبدل ، قيل : وكيف يعلم إنهم قد غيروا أو بدلوا ؟ قال : لما يروونه : من أنه (صلي الله عليه وآله) قال : ليذادن برجال من أصحابي يوم القيامة عن حوض كما تذاد غرائب الأبل عن الماء ، فأقول : يا رب أصحابي أصحابي ، فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ؟ فيؤخذ بهم ذات
الشمال ، فأقول : بعداً لهم وسحقاً لهم أفتري هذا لمن لم يغير ولم يبدل(1). والظريف إن في بعض تلك الروايات يسأل الراوي الإمام (عليه السلام) أنه كيف وصل هؤلاء الذين بدّلوا وأحدثوا بعد رسول الله (صلي الله عليه واله) إلی قرب الحوض ، فيجيب (عليه السلام) : أن وصولهم إلی قرب الحوض هو بسبب ماكان لهؤلاء من سوابق مع رسول الله ( صلي .....) .
فإن وصولهم إلی الحوض يعني تجاوز عقبات لعالم يوم القيامة ، وهذه السوابق التي كانت عندهم أحبطها الله بلحاظ جزاء الجنة ولم يحبطها بلحاظ عالم يوم القيامة وقد لا يحبطها حتی بلحاظ عالم البرزخ .
ولذلك ورد في الروايات كيفية قبض روح الكافر أو روح المؤمن ، فعن أبي حمزة قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : إن آية المؤمن إذا حضره الموت يبيض وجهه أشد من بياض لونه ، ويرشح جبينه ، ويسيل من عينيه كهيئة الدموع فيكون ذلك خروج نفسه ، وإن الكافر تخرج نفسه سيلاً من شدقه كزبد البعير ، أو كما تخرج نفس البعير(2).
أو كما يقول الصادق (عليه السلام) : ... للمؤمن كأطيب طيب يشمه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم عنه ، والكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب وأشد(1)
ولكي يزيد الله من ثواب المؤمنين يشدّد عليهم في الإمتحان ، ففي بعض الروايات أن هناك حالات وخواطر قلبية تجري علی أهل عرصات القيامة ، فإنه عالم أطول عمراً من الدنيا والبرزخ وليس هو يوم واحد ، فعن أبن مسعود قال : كنت جالساً عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال : إن في القيامة لخمسين موقفاً كلموقف ألف سنة(2).
وكأنما عرصات يوم القيامة أمتحانات الخواطر القلبية المعرفية : یَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَی النّاسَ سُكاري وَ ما هُمْ بِسُكاري وَ لكِنَّ عَذابَ اللّهِ شَدِیدٌ 1
فهناك أمتحان أصعب ، فالقلب هناك يميل إما نحو رجاء الله (عز وجل) أو اليأس من رحمة الله ، روي أن رسول الله (صلي الله عليه وآله) قال لجبرائيل (عليه السلام) : كفي بالموت طامة(1)يا جبرائيل ! فقال جبرائيل : ما بعد الموت أطم(2)وأعظم من الموت(3).
فيوم الخلاص ليس في البرزخ وينتهي الأمر ، بل توجد أمتحانات شاقة يوم القيامة ، نعم توجد هناك منازل أستراحة ولكن المسافة طويلة ، ربما أنت تصلي صلاة كثيرة ولكن ماذا تفيدك مجرد هذه الصلاة إذا ساء ظنك بالله تعالی في عرصات يوم القيامة .
ومن ثم قد تسأل سؤال وهو أن العقائد أي جنة جزاؤها ؟ إن جزاءها فوق الجنة يذكر الشيخ الصدوق أن بعض أنواع الجزاء لبعض أهل الجنان هي بحور من أنوار الأسماء الإلهية يسبحون فيها حيث يقول :
منهم المتنعمون بتقديس الله وتسبيحه وتكبيره في جملة ملائكته(1).
فأحوال القيامة ليست هي جزاء بل هي أمتحانات الخواطر والأحوال القلبية وليس أحوالا" نفسانية يعتمد علی جهاز التحكم في الأفكار والخواطر القلبية إذ عنوان الشأن التكويني وشعار حال يوم القيامة هو ماقاله تعالی (یَوْمَ تُبْلَی السَّرائِرُ )2 ، أي تمتحن سرائر الناس التي هي عبارة عن أحوال نفوسهم بل ماهو أكثر غورا" من حالات النفس وهو مرتبة السر في القلب (فَإِنَّهُ یَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفي)3 . فالأبتلاء هو أمتحان وليس جزاء وإثابة ، ثم ليس السرائر أعمال البدن بل هو شؤون الروح والقلب .
1) - الأعتقادات للشيخ الصدوق : 76 .
ففي مجمع البيان : والسرائر أعمال أبن أدم والفرائض التي أوجبت عليه ، وهي سرائر بين الله والعبد و ((تبلي) أي تختبر تلك السرائر يوم القيامة حتی يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها(1).
قال تعالی ( أَ فَلا یَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِی الْقُبُورِ وَ حُصِّلَ ما فِی الصُّدُورِإِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ یَوْمَئِذٍ لَخَبِیرٌ) 2 . إن هذه الآيات تشير إلی أن غاية البعث هو تحصيل مافي الصدور أي حالات وخواطر ونيات وما عقد عليه القلب من قناعات ، واليوم أشارة إلی يوم القيامة والذي تقدم إنه أشارة إلی عالم يوم القيامة الذي هو أطول أمدا" من عالم الدنيا ، فعالم النشأة للقيامة أختبار لما في الصدور ، وأن الأعمال في دار الدنيا إعداد لأمتحان أكبر وهو ما تحويه الصدور من شؤون ، فأسم الخبير متحد مع مادة لفظة الأختبار الذي يعن الأمتحان ، وكأن ثمرة أمتحان الدنيا في الأعمال هو أمتحان عالم الآخر في الأحوال والميول النفسية والأفعال القلبية .
1) نورالثقلين ج5 :552.
فإذا أتتك أهوال يوم القيامة هل يبقي رضاك بالله باق أم يزداد سخطاً - والعياذ بالله - لأنه الفزع الأكبر بطبيعة الحال : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها1 ، وهل سيبقي حسن ظننا بالله ؟! وهل سيبقي رضانا النفساني بالله أم سيتبدل إلی سخط ، وإذا تبدل إلی سخط فهل يدخل الجنة ويكون من أهلها ؟ عقلاً لا يمكن ذلك .
فلو لاحظنا موقف يونس (عليه السلام) فكما أن الله عظيم فرسله وأنبياءه عظام أيضاً يقول تعالی : فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَ هُوَ مُلِیمٌ2 فقد التقمه الحوت وبقي في بطنها ثلاثة أيام ثم لفظه الحوت وقد ذهب جلده وشعره كما يقول الإمام الرضا (عليه السلام)(1).
1) - البحار ج14: 401 ، ح : 14 .
وهو باق علی إيمانه بالنبوة ، ولم ينفذ صبره ، بل كان يسبح لله (عز وجل) : وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَیْهِ فَنادي فِی الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّی كُنْتُ مِنَ الظّالِمِینَ 1 ، أنظر إلی هذه الرقة التي هي رقة تعبد العبد إلی رب عظيم ، مع أن الحوت لم تجلس النبي يونس (عليه السلام) علی سرير مخملي وفي بستان من حديقة الورود ، بل وصل الأمر إلی أن جلده تمزق : وَ أَنْبَتْنا عَلَیْهِ شَجَرَةً مِنْ یَقْطِینٍ2 ، ومع كل هذا كان يناجي ربه -- كما يقول الإمام الصادق -- الحمد لله ، يا رب من ذا الذي أنعمت عليه وأوليته مثل ما أوليتني(1)؟! ، لا كما أستفز أبليس ، فإنبياء الله قدموا أمتحانات الفزع الأكبر وهم في الدنيا ، فيوم القيامة لا بد من إعداد مثل هذا الصبر ، كما حدث للنبي يونس (عليه السلام) حيث يمر في زلزال نفسي ويقول : لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّی كُنْتُ مِنَ الظّالِمِینَ.
1) - البحار ج14 : 403 ، ح : 16 .
بعد ذلك يواصل أمير المؤمنين (عليه السلام) :
( فبئس المطية التي أمتطت نفسي من هواها فواهاً لها لما سولت لها ظنونها ومناها ) ، إذن مركز المعصية ومركز السيئة والسلبية عند الإنسان هو الظنون والمني أي الخواطر والنيات أي : (فواهاً لها لما سولت لها ظنونها ومناها ) ، فإن الإنسان إذا كان لا يراقب الخواطر والنوايا والأفكار يقع في الواهية وبالتالي يحصل لديه التمرد : ( وتباً لها لجرأتها علی سيدها ومولاها ) ، الجرأة والتمرد والرعونة والفرعنة في ذات المخلوق كإبليس . مع الله ، إبليس لا يلتفت لنفسه وهذا درس لنا وعبرة كم هو الآن صار ضحية ولكن أيضاً يصير عبرة لنا نقرأ في أدعية الطواف فقرة : ( يا من أستجاب لأبغض خلقه إليه إذ قال أنظرني إلی يوم يبعثون )(1)، يعني بعبارة أخري الأنكسار إلی الله والتخاضع إلی الله حالة نفسانية حتی مع تكبل الذات المخلوقة بأردي الصفات أفضل من العدم ، لأن مهما كان سوء قباحة حاله يقول إبليس ربي أنظرني ربي ربي نفس هذا يثير الرحمة الإلهية ، عندما يقول إبليس
1) جامع احاديث الشيعو ، ج 293:11 ، مناسك الحج ، ادعيه الطواف
نفسه ربي نوع من التخاضع والخضوع هو يتخاضع في تمرده يطلب من الله بأن يتمرد ، مع إن هذا أيضاً قبيح : قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِی إِلي یَوْمِ یُبْعَثُونَ يريد أن يغوي بني آدم ، مع كونه في تمرده وإن كان قبيحا" ولكن تمرده ممزوج بإنكسار لله ، هذا المقدار من النسبة المئوية من الخضوع هذه الحالة النفسانية والخواطر أوجبت أن الله (عز وجل) يستجيب لإبليس ، وهذه الحالة ربما كانت وليدة صورة السجود السابق في السماء الذي قام به .
وإن كان في الروايات لدينا أيضاً أن سر أستجابة الله لإبليس هو سجوده ، وإن كان سجوده سجود الثعلب وسجود العقرب يعني باطن سجوده هو طغيان وتتعاظم ذات نفسه لنفسه فيقول من مثلي فيدلل علی الله ، يعني يتدلع علی الله ؛ الدلال باللغة العامية يتدلل ، يتدلع يعني يري نفسه أنه كريم علی طرف أي هو يستحق علی الطرف الأخر ، هذا الدلال أيضاً تعاظم نفسي العابد عندما يتدلل علی ربه في عبادته فهو تعاظم نفسي يري في نفسه العظمة أنه يأتي بهذه العبودية فله الحق علی الله . هذا ليس عبودية لأنه
باطنه كبرياء وليس عبودية ، الدلال في العبادة باطنه كبرياء خفي ، فباطنه نقيض العبودية باطنه الفرعونية ، يعني يتعاظم الذات لدي الإنسان لنفسه .
ومع أن إبليس كان في باطن عبادته متمردا" بلحاظ نيته وخاطره ولكن صورة الإنكسار حتی مع الله (عز وجل) شريفة ، أي درجة من درجات الإنكسار لها شرافة ، الشاهد علی أي حال أنه : ( وتباً لها لجرأتها علی سيدها ومولاها ) ، مر بنا أن عمدة العصيان هي النية ، أصلاً المعصية سميت معصية للتمرد في النية والخاطر ، المعصية ليست فقط لفعل البدن ، فعل البدن وإن كان معصية فهو هين إلا أن الأعظم قبحا" في مجموعة المعصية هو تمرد الخاطر والنية في الإنسان عصبية الإنسان لأن يري لنفسه أنه يستحق هذا الفعل ، فعل الحرام مثلاً ، الفعل الذي يتمرد به علی الله (عز وجل) ، الجرأة في خطورتها ليس في العمل البدني ، الجرأة في خطورتها في الخاطر والفكرة ، حينئذ مربط ومربض الفرس في الإنسان وبرج التحكم في الخواطر هو النوايا .
وصلي الله علی محمد وعلي آله الطيبين الطاهرين .
عکس
عکس
عکس
عکس