فی رحاب الزیاره الجامعه الکبیره

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه:عابديني، حسين، 1349 -

عنوان قراردادي:زيارتنامه جامعه کبيره .شرح

عنوان و نام پديدآور:في رحاب‌الزياره‌الجامعه‌الکبيره/ محمد السند ؛ اعداد علي‌جلال الشرخات.

مشخصات نشر:قم: مکتبه فدک: باقيات، 2007م.= 1428ق.= 1386.

مشخصات ظاهري:104ص.

شابک:978-964-6168-95-4

وضعيت فهرست نويسي:برونسپاري

يادداشت:عربي.

يادداشت:کتابنامه: ص. [99] - 101؛ همچنين به صورت زيرنويس.

موضوع:زيارتنامه جامعه کبيره -- نقد و تفسير

شناسه افزوده:شرخات، علي‌جلال گردآورنده

رده بندي کنگره:BP271/20422/س9 1386

رده بندي ديويي:297/777

شماره کتابشناسي ملي:1230969

محرر الرقمي:محمد المنصوري

اشاره

بسم الله الرحمن الرحيم

عکس

4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

في رحاب الزياره الجامعه الكبيره

محمد السند

اعداد علي‌جلال الشرخات

المقدمة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و أفضل الصلاة و أتمّ التسليم علی خاتم الأنبياء و المرسلين، أبي القاسم محمّد و علی أهل بيته الطيّبين الطاهرين، و اللعن الدائم علی أعدائهم و منكري مقاماتهم و فضائلهم إلی قيام يوم الدين.

تعتبر الزيارة الجامعة الكبيرة إحدي أهمّ الزيارات التي رويت لنا عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام، و تمثّل هذه الزيارة العظيمة خلاصة عقائد مذهب أهل البيت عليهم السّلام، و تبرز المقامات الحقّة للأئمّة المعصومين عليهم السّلام، و تبيّن منزلتهم العظيمة عند اللّه عزّ و جلّ، فهم عليهم السّلام:

«مَحالُّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَ نُورُ اللَّهِ، وَ مَسَاكِنُ بَرَكَةِ اللَّهِ، وَ مَعَادِنُ حِكْمَةِ اللَّهِ، وَ خَزَنَةُ عِلْمِ اللَّهِ، وَ حَفَظَةُ سِرِّ اللَّهِ، وَ حَمَلَةُ كِتَابِ اللَّهِ، وَ وَرَثَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَوْصِيَاؤُهُ وَ ذُرِّيَّتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ».

و هذه العبارات العظيمة الشريفة في الزيارة الجامعة هي فوق كلام سائر المخلوقين، و دون كلام الخالق، لا يدرك كنهها عقل،

و لا يحسّها قلب، كما نوّه أئمّة أهل البيت عليهم السّلام في الأخبار الصحيحة علی ذلك، فقد

قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السّلام: «حديثنا صعب مستصعب، لا يؤمن به إلاّ ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان، فما عرفت قلوبكم فخذوه، و ما أنكرت فردّوه إلينا» (1).

فقد أمرنا أئمّتنا عليهم السّلام بعدم ردّ حديث أو رواية أو إنكارها حين لا نستطيع فهمها، بل علينا أن نردّها لأهل الذكر و أولی الأمر و عيبة علم اللّه.

إلاّ أنّنا نري بعض الذين يتحفّظ علی آرائهم الاعتقاديّة، من الذين لم يستطيعوا استيعاب عمق مضامين هذه الزيارة العظيمة، يحاولون ردّها و إنكارها بشتّي الطرق.

فمرّة قالوا: إنّ سندها ضعيف!

و مرّة: إنّها من الآحاد!

و مرّة: إنّ مضامينها تخالف ظواهر و مضامين القرآن الكريم!

و قد جاء هذا الكتيب ردّا علی هذه التشكيكات، و هو في الأصل عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها سماحة الاستاذ المحقّق آية اللّه


1) بصائر الدرجات: 41، باب في أئمّة آل محمّد عليهم السّلام حديثهم صعب مستصعب، الحديث 4.

الشيخ محمّد سند أدام اللّه عزّه في البحرين.

و قد تمّ تدوين هذه المحاضرات و تنقيحها و ترتيبها علی قسمين:

الأوّل: حول سند الزيارة، و هو عبارة عن بحث حول توثيق الراوي موسي بن عمران بن يزيد النخعي رحمه اللّه.

الثاني: حول متن الزيارة، و هو عبارة عن ردّ الشبهة المطروحة القائلة: إنّ مضامين الزيارة الجامعة مخالفة للقرآن للكريم، عن طريق إثبات و شرح تطابقها للقرآن الكريم.

و في الختام نشكر سماحة الشيخ أحمد العبيدان علی تقويمه لنصّ الكتاب. و الأخ العزيز السيّد حسن الموسوي علی مساعدتي في استقصاء تخريج المصادر. نسأل من اللّه العليّ الأعلي أن يرزقنا معرفة مقامات الأئمّة الأطهار عليهم السّلام و الحمد للّه أوّلا و آخرا.

السيّد عليّ جلال الشرخات

23 شوّال 1426 ه

القسم الأوّل

اشارة

الراوي موسي بن عمران بن يزيد النخعي(1)


1) موسي بن عمران النخعي هو نفسه موسي بن عبد اللّه النخعي، و قد صرّح باتّحاده مع موسي بن عمران الشيخ عليّ النمازي الشاهرودي (ره) في مستدرك معجم رجال الحديث: 15344.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ

و الصلاة و السلام علی محمّد و آله الطاهرين

المدخل

ليس بالإمكان اعتبار توثيق الرجال أو تضعيفهم استنادا إلی آراء و فتاوي روّاد علم الرجال اجتهادا، لأنّ ذلك لا يخرج عن التقليد، فلا يمكن أن يدان أحد أو يلزم بما قاله النجاشي أو ابن الغضائري أو غيرهما في توثيق رجل أو تضعيف آخر، لاعتبار هذا من التقليد في التوثيق و في الجرح و التعديل. و إذا ما أراد أحد أن يبني عقيدته و يبني تراثه علی التحقيق و الاجتهاد، فلا يصحّ له أن يقلّد فيه، بل يجب عليه أن يسبر بنفسه و يبحث عن منشأ تضعيف هذا الرجل الذي ضعّف، هل هو صحيح أو ربّما كان تحاملا عليه؟ و عن منشأ التوثيق، أهو صحيح أم أنّ فيه تحيّزا؟

و هذا أمر بالغ الخطورة، لأنّنا في هذا الاستنتاج العلمي نقرّر مصير مدي انتفاعنا بالتراث، و نحدّد درجة و كيفيّة الحفاظ علی التراث،

و هذه الموقعيّة من المسؤوليّة تجاه التراث كيف يحصر صلاحية هذا الموقع و يصادر، و نجعل عليه و صاية منهج معيّن حقيقته التقليد و تحكيم فتاوي رجاليّة و جعلها من الثابتات الأزليّة التي لا يطاولها نقد و لا اعتراض، مع أنّ الجرح و التعديل يقوّض أو يبسط في التراث، و الحديث النبويّ و حديث أهل البيت عليهم السّلام، لا يصحّ أن نلزم بما قاله النجاشي - من باب المثال - في التضعيف، أو بما قاله كبار علماء الرجال عندنا، و ليست هذه دعوة لغضّ الطرف و صرف النظر، و بألاّ نعطي أيّ قيمة علميّة لما قالوه، فالأمر ليس استخفافا بأقوال العلماء، بل ما قالوه مجرّد معطيات و مؤشّرات لا بدّ أن ينضمّ إليها مناهج و موادّ اخري يوازن فيما بينها، ثمّ يستنتج حقيقة الحال.

و هذا نظير الباحث التاريخي (فعلم الرجال اشتقّ من علم التاريخ)، و إنّ الباحث و المحقّق التاريخي لا يقف عند أقوال المعاصرين لشخصيّة تاريخيّة، و لا يحسب نظرته و نتيجته النهائيّة و يوقفها عند أقوال المعاصرين لها، فضلا عن غير المعاصرين، لأنّه كم من معاصر قد أخذه تحامل و حسد، و اختلاف في المبني أو في العقيدة، و غير ذلك ممّا يخرجه عن رحي التحقيق و مصداقيّة البحث.

و لا يمكننا - في الحقيقة - أن نعتمد علی نتائج مقرّرة سلفا من روّاد علم الرجال، لا سيّما في جانب الجرح، و نعتمدها كامور مسلّمة،

و كأنّها و حيّ منزل، فهذه فتاوي رجاليّة، و من أراد أن يقلّد فيها فعليه باتّباع الفتاوي، مع أنّ هذا ليس منهجا تحقيقيّا أصلا، و أمّا من أراد أن يجتهد و يحقّق فعليه دراسة تلك التضعيفات و تلك الطعون، لأنّ - كما هو واضح للخبير الممارس لعلم الرجال - جملة من التضعيفات - سيّما عند العامّة - هي ناشئة من مبني اعتقادي معيّن، فإذا كان الراوي لا يتّفق معه في مسألة كلاميّة أو اعتقاديّة، فيسارع إلی تكذيبه و طعنه و جرحه، و النيل منه، و الوقيعة فيه بكلّ ما اوتي، و يحصل هذا كثيرا، و قد صرّح بها كثيرون حتّي في علم الدراية و علم الرجال، فكيف يمكننا أن نبني علی جرح معيّن مبنيّ علی عقيدة و علی رؤية معيّنة في مثل هذه الحالة؟

و لقد كان كلّ من الميرداماد و المحقّق الوحيد البهبهاني رحمهما اللّه - الذي يعتبر من المجدّدين في الحوزات العلميّة في القرن الثاني عشر - لا يجمدان علی نصوص علماء الرجال من أصحابنا من جانب الجرح أو من جانب التعديل، بل كانا يدرسان الجرح و التعديل بإمعان و تدبّر، و يلاحظان منشأ الجرح و التعديل.

إنّ من يتتبّع فتاوي علماء الرجال في الجرح، قد يري العالم الرجاليّ مجتهدا في تمييز المفردات الرجاليّة عن المشتركات، و تمييز طبقة الراوي، و تمييز تلاميذ الراوي، و تمييز شيوخ الراوي و كتبه،

لكنّه ما إن يصل إلی الجرح و التعديل و حال الراوي حتّي تراه مقلّدا في ذلك، سيّما عند العامّة، و هذا في الواقع تقليد و ليس اجتهادا.

إنّ الانفتاح علی مناهج البحث الرجالي التي أشرنا إليها في كتابنا الرجالي يحافظ علی التراث بشكل علمي تحقيقي، و ممّا يجب الانتباه إليه، أنّه لا يصحّ أن نعتمد علی تضعيف ابن الغضائري أو غيره، دون الاطّلاع علی منشأ التضعيف، أو أن نعتمد علی قول النجاشي، و النجاشي - قدّس اللّه سرّه الشريف - له الشكر الجزيل علی خدماته التي أسداها لمذهب أهل البيت عليهم السّلام، و لكنّنا لا يصحّ أن نجعل من مبانيه رحمه اللّه في علم الكلام، و التي لم تكن متوسّعة، و إنّما كانت مقتضبة جدّا معيارا و صائيّا علی تراث أهل البيت عليهم السّلام، و بأيّ ميزان نجعل النجاشي رحمه اللّه - بما اوتي من مستوي علمي في علم الكلام - يعيّر و يزن لنا؟ و هو نفسه رحمه اللّه لم يقل: «قلّدوني و سدّوا باب الاجتهاد في علم الرجال».

لذلك فإنّنا عندما نقف علی تضعيف رجالي معيّن فلا يعني ذلك الالزام بهذه الفتوي الرجاليّة، بل لا بدّ لنا من دراسة منشأ التضعيف الذي استند إليه في هذه الفتوي، و تقييم صحّته أو بطلانه.

و هذا هو ما يقال عنه «الاجتهاد في علم الرجال»، و إلاّ فإنّه يكون «تقليدا في علم الرجال»، و التقليد في علم الرجال يعني جعل

الوصاية علی التراث الديني لثلّة قليلة، و هذا أمر خطير يقتضي سدّ باب الاجتهاد، و سدّ باب التحقيق و التدقيق، و هي ظاهرة موجودة أكثر و أشدّ عند العامّة في علم الرجال.

فحذار من التقليد في فتاوي علم الرجال، بل إنّ اللازم هو الاجتهاد في التوثيق و في الجرح و التعديل، و هذا باب شاقّ بالطبع، فالاجتهاد و التحقيق هو شاقّ في نفسه، بخلاف التقليد الذي هو استراحة يقصدها من لا يحبّ التعب و يخلد إلی الراحة. و لا يصحّ أن يلزم الطرف الآخر بمجرّد فتوي رجاليّة، فضلا عن كون الرجل مهملا أو غير مطعون فيه أو بلا توثيق، فالحال فيه أدعي للزوم الفحص و الاجتهاد في حاله كما في المقام.

و من هنا نقول: إنّ المعترضين علی الزيارة الجامعة يحتجّون بأنّ سندها غير صحيح، و ذلك لوجود موسي بن عمران النخعي، و هو مجهول أو ضعيف، و هذا الاعتراض غير صحيح.

في البداية يجب أن نعرف موسي النخعي الوارد في سند الزيارة، ففي سند الشيخ الصدوق رحمه اللّه في الفقيه ذكر (موسي بن عبد اللّه)(1)، و في العيون ذكر (موسي بن عمران)(2)، و لم يرد ذكر للأوّل إلاّ في


1) من لا يحضره الفقيه: 609/2.

2) عيون أخبار الرضا عليه السّلام: 305/1.

رواية الفقيه هذه فقط، و من رواها عنه تبعا له كالشيخ الطوسي رحمه اللّه في التهذيب(1)، بينما الثاني هو المعروف، و الذي يروي عنه محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي الثقة، قال عنه النجاشي: «هو محمّد بن جعفر الكوفي الأسدي المعروف بمحمّد بن أبي عبد اللّه، و هو المعروف أيضا بأبي الحسين الكوفي عند النجاشي، و أبي الحسين الأسدي عند الشيخ الطوسي رحمه اللّه، و قد ذكر الشيخ في الغيبة أنّه من الأقوام الثقات الذين ترد عليهم التوقيعات من النوّاب الأربعة».

و (موسي بن عبد اللّه) و (موسي بن عمران النخعي) متّحد، و عبد اللّه اسم لجدّه أي هو (موسي بن عمران بن عبد اللّه النخعي)، و القرينة علی ذلك أنّه موسي بن عمران النخعي عمّه الحسين بن يزيد النوفلي الذي يكثر الرواية عنه جدّا، و يصرّح بوصفه (عمّه)، و الحسين بن يزيد النوفلي قد صرّح باسم جدّه أنّه (عبد اللّه) في روضة الكافي(2).

و الظاهر أنّه جدّ عمّه و أبيه. نعم، في طريق ذلك الحديث (محمّد بن عبد اللّه - و هو الأسدي -، عن موسي بن عمران، عن عمّه الحسين بن عيسي بن عبد اللّه، عن عليّ بن جعفر)، و الظاهر وقوع


1) تهذيب الأحكام: 95/6.

2) الكافي: 152/8، الحديث 141.

تصحيف في اسم والد عمّه، أي لفظ (ابن عيسي) أنّه (ابن يزيد)، أي عن عمّه الحسين بن يزيد بن عبد اللّه، و التصحيف قريب في الرسم، و قد وقع نظير ذلك كثيرا في اسم عمّه، ففي بعض الطرق (الحسن بن يزيد) و بعضها (الحسين بن زيد) أو (الحسن بن زيد) و هو تصحيف معهود في النسخ و الطرق، هذا مضافا إلی أنّ وحدة الطريق للصدوق تقتضي وحدة الراوي أيضا.

ثمّ إنّ موسي بن عمران النخعي كما يظهر من تتبّع رواياته المتكاثرة في كتب الصدوق و غيره:

أوّلا: إنّه تلميذ عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، و أغلب رواياته عنه، و قد اعتمد توثيقه الشيخ في عدّة الاصول - كما يأتي - و أنّه من الأجلاّء.

ثانيا: إنّه استاذ و شيخ أبي الحسين محمّد بن أبي عبد اللّه جعفر بن عون الأسدي الكوفي الذي قال عنه الطوسي: «و قد كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل، منهم أبو الحسين محمّد بن جعفر الأسدي»، كما أنّ أغلب رواياته يرويها الأسدي هذا.

ثالثا: إنّه قد اعتمده الصدوق في كتاب كمال الدين و التوحيد و الخصال و العلل و الفقيه و ثواب الأعمال و صفات الشيعة و الأمالي،

و أكثر من رواياته، كما اعتمده في مشيخة الفقيه في طريقه إلی يحيي بن عبّاد المكّي. و كذلك في طريقه إلی الحديث عن سليمان بن داود في معني قوله تعالی: (فَطَفِقَ مَسْحاً... )(1).

رابعا: إنّ غالب رواياته بالطريق المتكرّر، و هو محمّد بن أبي عبد اللّه (الأسدي)، عن موسي بن عمران، عن عمّه الحسين بن يزيد هي في تحف المسائل الاعتقاديّة و لطائف المعارف، بل جلّ رواياته بغير هذا الطريق أيضا هي في نكات المعرفة في الاصول الاعتقاديّة، كما يشهد لذلك التتبّع لجميع رواياته، و هي تظهر بوضوح مستوي رفيع في العلم مستقيم العقيدة، و علی نمط رائق ظريف في معاني المعرفة.

خامسا: إنّه و تبعا لاستاذه و هو عمّه الحسين بن يزيد النوفلي كان منفتحا علی عدّة مشارب في تيّارات الرواة من الإماميّة، فهو يروي بتوسّط عمّه عن فقهاء الرواة، و كذلك يروي عن رواة أسرار المعارف كالمفضّل بن عمر و محمّد بن سنان، و يروي عن متكلّمي الرواة و غيرهم.

سادسا: اعتمد رواياته أيضا الكليني في اصول الكافي، و ابن


1) ص 33:38.

قولويه في كامل الزيارات، و عليّ بن محمّد القمّي في كفاية الأثر.

ثمّ إنّ هناك وجوه اخري لاعتبار حاله:

الأوّل: موسي الراوي لأغلب روايات عمّه النوفلي

و أمّا موسي بن عمران فهو ابن أخ الحسين بن يزيد النوفلي، و النوفلي وثّقه الشيخ الطوسي في العدّة و السيّد الخوئي و جماعة غيرهم لقول الشيخ الطوسي في العدّة: «عملت الطائفة بروايات السكوني»(1).

و الراوي لأغلب روايات السكوني هو الحسين بن يزيد النوفلي، فيقتضي ذلك توثيق الطائفة له، مضافا لتعبير النجاشي بأنّ الحسين بن يزيد النوفلي: «نوفل النخع»(2)، أي وجيه قبيلة النخع و الموجّه فيهم، أو الذي يذكر بالجميل و الحسن. و قبيلة النخع من القبائل الشيعيّة الكبيرة في الكوفة، فمع هذا الوصف تظهر مكانة موسي بن عمران النخعي، حيث أنّ عمّه هو النوفلي، بل و استاذه، فقد روي عن عمّه أكثر من (200) رواية، ممّا يظهر تتلمذه عليه، و اختصاصه


1) عدّة الاصول: 380/1.

2) رجال النجاشي: 77.

به، فضلا عن غيره، فهو كثير الرواية في كتب الأصحاب المعتمدة، بل إنّ الحسين بن يزيد تطّرد فيه وجوه التوثيق المتقدّمة في ابن أخيه موسي بن عمران، كما لا يخفي.

الثاني: روايات النوفلي جلّها في المعارف

مضافا إلی أنّ متون الروايات التي يرويها موسي بن عمران عن عمّه، جلّها في فرائد المعارف، و هي صحيحة المضمون، مستقيمة المعني، وفق اصول و قواعد معارف المذهب عند المتأخّرين، بل إنّ جملة منها ممّا يدلّ علی رفعة مقامه، و طول باعه، و تمكّنه و تضلّعه في المعارف، ممّا يكشف عن كونه من فرسان الميدان، و أوتاد الرواة، و حملة هذه الأسرار.

الثالث: اعتماد الأعلام علی رواياته

و قد اعتمد رواياته - لا سيّما في المعارف - أعلام الطائفة، كالكليني في الكافي، و الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السّلام و التوحيد، و غيرهما، بل و وقع في مشيخته فروي عنه في أكثر من ثمانين موردا.

و قد روي عن:

1 - عمّه الحسين بن يزيد النوفلي (ثقة).

2 - ابن أبي عمير (من أصحاب الإجماع).

3 - الحسن بن محبوب (من أصحاب الإجماع).

4 - عبد اللّه بن الحجّال (ثقة جليل).

5 - إبراهيم بن الحكم بن ظهير.

6 - الحسين بن سعيد الأهوازي (ثقة جليل)(1).

7 - صفوان بن مهران الجمّال (ثقة).

و روي رواياته عنه:

1 - محمّد بن جعفر أبي عبد اللّه الكوفي الأسدي (ثقة)(2).

2 - محمّد بن يحيي العطّار (ثقة)، و كذا أبوه.

3 - محمّد بن موسي بن المتوكّل (ثقة علی الأصحّ).

4 - عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق (ترضّي عليه الصدوق).


1) التهذيب: 259/1.

2) قال الشيخ رحمه اللّه في الغيبة: 415: «و قد كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل، منهم أبو الحسين محمّد بن جعفر الأسدي رحمه اللّه».

5 - عليّ بن عبد اللّه الورّاق (ترضّي عليه الصدوق).

6 - محمّد بن أحمد السناني (ثقة).

7 - محمّد بن إسماعيل المكّي البرمكي (ثقة)، كما في العيون للصدوق.

صحّة سند الزيارة إذا ما لاحظنا سند الزيارة الجامعة الكبيرة فإنّا سنجده صحيحا إلی موسي بن عمران، و هذا هو أحد الأدلّة علی وثاقة الراوي موسي بن عمران بن يزيد النخعي رحمه اللّه.

قال الشيخ الصدوق رحمه اللّه: «حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق رضي اللّه عنه و محمّد بن أحمد السناني و عليّ بن عبد الورّاق و الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي و أبو الحسين الأسدي، قالوا: حدّثنا محمّد بن إسماعيل المكّي البرمكي، قال: حدّثنا موسي بن عمران النخعي»(1).

الرابع: سؤال للإمام الهادي عليه السّلام

سؤاله للإمام الهادي عليه السّلام بقوله: «علّمني - يابن رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله -


1) عيون أخبار الرضا عليه السّلام: 305/1.

قولا بليغا كاملا إذا زرت واحدا منكم»، هو نفسه دليل علی مقام معرفته بالأئمّة عليهم السّلام، و أنّ لهم شؤونا متّحدة، و مقامات متّبعة، و أنّ نور الإمامة و مقام الخلافة شيء واحد.

الخامس: بيان الإمام الهادي عليه السّلام

اشارة

بيان الإمام لمثل هذا المتن لموسي بن عمران يدلّ علی مكانته في معرفة مقاماتهم و أسرارهم عليهم السّلام، و ذلك نظير ما اعتمدوه في اعتبار حال عمر بن حنظلة(1)، فأسئلة و أجوبة الإمام له تدلّ علی علوّ مقامه العلمي و جلالته، و هي قرينة متينة معتمدة.

مضامين الزيارة الجامعة

علوّ مضامين الزيارة من حيث جزالة المعني و جزالة اللفظ و التراكيب، كلّها تدلّ علی قوّة مضمون الزيارة، و أنّها في مصاف أعالي متون الروايات الصادرة منهم عليهم السّلام، كما أنّ مضامينها و بنودها كقواعد في معرفتهم قد ورد بمضمونها الروايات المستفيضة في أبواب المعارف، و إن اختلف اللفظ في بعضها، لكن لباب المعني و مآله واحد.


1) قد ذكرنا في رسالة خاصّة جلالة حاله ضمن كتاب (هيويات فقهيّة). انظر معجم رجال الحديث: 27/13، رقم 8723.

متون رواياته في المعارف

نبذة بارزة من متون الروايات التي ينقلها موسي بن عمران في المعارف، بلحاظ معارف الأئمّة عليهم السّلام، و نذكر بعضها:

1- الصدوق رحمه اللّه في التوحيد، قال: حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد ابن عمران الدقّاق رحمه اللّه، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر الكوفي، قال:

حدّثنا موسي بن عمران النخعي الكوفي، عن عمّه الحسين بن يزيد، عن عليّ بن الحسين، عمّن حدّثه، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال: أنا علم اللّه، و أنا قلب اللّه الواعي، و لسان اللّه الناطق، و عين اللّه، و جنب اللّه، و أنا يد اللّه» (1).

2- حدّثنا محمّد بن موسي بن المتوكّل رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا محمّد


1) التوحيد: 164.و علّق عليه الشيخ الصدوق رحمه اللّه بقوله: «معني قوله عليه السّلام: و أنا قلب اللّه الواعي، أي أنا القلب الذي جعله اللّه و عاء لعلمه، و قلبه إلی طاعته، و هو قلب مخلوق للّه عزّ و جلّ كما هو عبد اللّه عزّ و جلّ، و يقال: قلب اللّه كما يقال: عبد اللّه و بيت اللّه و جنّة اللّه و نار اللّه، و أمّا قوله: عين اللّه، فإنّه يعني به الحافظ لدين اللّه، و قد قال اللّه عزّ و جلّ: «تَجْرِی بِأَعْیُنِنا» [القمر 54: 14] أي بحفظنا، و كذلك قوله عزّ و جلّ: «وَ لِتُصْنَعَ عَلي عَیْنِی» [طه 39:20] معناه علی حفظي».

ابن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدّثنا موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد، عن الحسن بن عليّ بن سالم، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير، عن عبد اللّه بن عبّاس، قال:

«قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اطَّلَعَ إِلَى الْأَرْضِ اطِّلَاعَةً فَاخْتَارَنِي مِنْهَا فَجَعَلَنِي نَبِيًّا، ثُمَّ اطَّلَعَ الثَّانِيَةَ فَاخْتَارَ مِنْهَا عَلِيًّا فَجَعَلَهُ إِمَامًا، ثُمَّ أَمَرَنِي أَنْ أَتَّخِذَهُ أَخًا وَوَلِيًّا وَوَصِيًّا وَخَلِيفَةً وَوَزِيرًا، فَعَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ، وَهُوَ زَوْجُ ابْنَتِي وَأَبُو سِبْطَيَّ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ.

ألا و إنّ اللّه تبارك و تعالی جعلني و إيّاهم حججا علی عباده، و جعل من صلب الحسين أئمّة يقومون بأمري، و يحفظون وصيّتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي، و مهديّ امّتي، أشبه الناس بي في شمائله و أقواله و أفعاله، يظهر بعد غيبة طويلة و حيرة مضلّة، فيعلن أمر اللّه، و يظهر دين اللّه عزّ و جلّ، يؤيّد بنصر اللّه، و ينصر بملائكة اللّه، فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما» (1).

3- حدّثنا محمّد بن موسي بن المتوكّل رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا محمّد ابن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدّثنا موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه،


1) كمال الدين و تمام النعمة: 257 و 258.

عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السّلام، قال: «قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله: حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة جلّ جلاله أنّه قال: من علم أن لا إله إلاّ أنا وحدي، و أنّ محمّدا عبدي و رسولي، و أنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي، و أنّ الأئمّة من ولده حججي أدخله الجنّة برحمتي، و نجّيته من النار بعفوي، و أبحت له جواري، و أوجبت له كرامتي، و أتممت عليه نعمتي، و جعلته من خاصّتي و خالصتي، إن ناداني لبّيته، و إن دعاني أجبته، و إن سألني أعطيته، و إن سكت ابتدأته، و إن أساء رحمته، و إن فرّ منّي دعوته، و إن رجع إليّ قبلته، و إن قرع بابي فتحته، و من لم يشهد أن لا إله إلاّ أنا وحدي، أو شهد بذلك و لم يشهد أنّ محمّدا عبدي و رسولي، أو شهد بذلك و لم يشهد أنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك و لم يشهد أنّ الأئمّة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي، و صغّر عظمتي، و كفر بآياتي و كتبي، إن قصدني حجبته، و إن سألني حرمته، و إن ناداني لم أسمع نداءه، و إن دعاني لم أستجب دعاءه، و إن رجاني خيّبته، و ذلك جزاؤه منّي و ما أنا بظلاّم للعبيد.

فقام جابر بن عبد اللّه الأنصاري فقال: يا رسول اللّه، و من الأئمّة من ولد عليّ بن أبي طالب؟

قال : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، ثم سيد العابدين في زمانه علی بن الحسين ، ثمّ الباقر محمد بن علی ، وستدركه يا جابر،

فإذا أدركته فأقرئه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد، ثمّ الكاظم موسي بن جعفر، ثمّ الرضا عليّ بن موسي، ثمّ التقيّ محمّد بن عليّ، ثمّ النقيّ عليّ بن محمّد، ثمّ الزكيّ الحسن بن عليّ، ثمّ ابنه القائم بالحقّ مهديّ امّتي الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.

هؤلاء - يا جابر - خلفائي و أوصيائي و أولادي و عترتي، من أطاعهم فقد أطاعني، و من عصاهم فقد عصاني، و من أنكرهم أو أنكر واحدا منهم فقد أنكرني، بهم يمسك اللّه عزّ و جلّ السماء أن تقع علی الأرض إلاّ بإذنه، و بهم يحفظ اللّه الأرض أن تميد بأهلها» (1).

4- حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسي الدقّاق رحمه اللّه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدّثنا موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: «إنّ رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله كان جالسا ذات يوم إذ أقبل الحسن عليه السّلام، فلمّا رآه بكي، ثمّ قال: إليّ يا بنيّ، فما زال يدنيه حتّي أجلسه علی فخذه اليمني.

ثمّ أقبل الحسين عليه السّلام، فلمّا رآه بكي، ثمّ قال: إليّ يا بنيّ، فما زال


1) كمال الدين و تمام النعمة: 258 و 259.

يدنيه حتّي أجلسه علی فخذه اليسري.

ثمّ أقبلت فاطمة عليها السّلام، فلمّا رآها بكي، ثمّ قال: إليّ يا بنيّة، فأجلسها بين يديه.

ثمّ أقبل أمير المؤمنين عليه السّلام، فلمّا رآه بكي، ثمّ قال: إليّ يا أخي، فما زال يدنيه حتّي أجلسه إلی جنبه الأيمن.

فقال له أصحابه: يا رسول اللّه، ما تري واحدا من هؤلاء إلاّ بكيت، أو ما فيهم من تسرّ برؤيته!

فقال صلّي اللّه عليه و اله: و الذي بعثني بالنبوّة، و اصطفاني علی جميع البريّة، إنّي و إيّاهم لأكرم الخلق علی اللّه عزّ و جلّ، و ما علی وجه الأرض نسمة أحبّ إليّ منهم.

أما علی بن أبي طالب فإنّه أخي وشقيقي ، وصاحب الأمر بعدي ، وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة، وصاحب حوضي وشفاعتي ، وهو مولي کل مسلم ، وإمام كل مؤمن، وقائد كل تقي ، وهو وصتي وخليفتي على أهلي وأمتي في حياتي وبعد مماتي ، ومحبه محبي ، ومبغضه مبغضي ، وبولايته صارت أمتي مرحومة ، وبعداوته صارت المخالفة له منها ملعونة ، وإني بكيت حين أقبل لأني ذكرت قدر الأمة به بعدي حتى إنه ليزال عن مقعدي ، وقد جعله الله له بعدي ، ثم لا يزال الأمر به حتى يضرب على قرنه تخضب منها لحيته في أفضل الشهور شهر رمضان الذي

انزل فيه القرآن هدي للناس و بيّنات من الهدي و الفرقان.

و أمّا ابنتي فاطمة، فإنّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين و الآخرين، و هي بضعة منّي، و هي نور عيني، و هي ثمرة فؤادي، و هي روحي التي بين جنبي، و هي الحوراء الإنسيّة، متي قامت في محرابها بين يدي ربّها جلّ جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض، و يقول اللّه عزّ و جلّ لملائكته: ملائكتي، انظروا إلی أمتي فاطمة سيّدة إمائي، قائمة بين يدي ترتعد فرائصها من خيفتي، و قد أقبلت بقلبها علی عبادتي، اشهدكم أنّي قد آمنت شيعتها من النار. و إنّي لمّا رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأنّي بها و قد دخل الذلّ بيتها، و انتهكت حرمتها، و غصبت حقّها، و منعت إرثها، و كسر جنبها، و أسقطت جنينها، و هي تنادي: يا محمّداه، فلا تجاب، و تستغيث فلا تغاث، فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية، تتذكّر انقطاع الوحي عن بيتها مرّة، و تتذكّر فراقي اخري، و تستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجّدت بالقرآن، ثمّ تري نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيّام أبيها عزيزة، فعند ذلك يؤنسها اللّه تعالی ذكره بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة، (إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلي نِساءِ الْعالَمِینَ) (1).


1) آل عمران 42:3.

يا فاطمة،( اُقْنُتِی لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِی وَ ارْكَعِی مَعَ الرّاكِعِینَ )(1).

ثمّ يبتدئ بها الوجع فتمرض، فيبعث اللّه عزّ و جلّ إليها مريم بنت عمران تمرّضها و تؤنسها في علّتها، فتقول عند ذلك: يا ربّ، إنّي قد سئمت الحياة، و تبرّمت بأهل الدنيا، فألحقني بأبي، فيلحقها اللّه عزّ و جلّ بي، فتكون أوّل من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم عليّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك: اللّهمّ العن من ظلمها، و عاقب من غصبها، و أذلّ من أذلّها، و خلد في نارك من ضرب جنبها حتّي ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين.

و أمّا الحسن، فإنّه ابني و ولدي، و بضعة منّي، و قرّة عيني، و ضياء قلبي، و ثمرة فؤادي، و هو سيّد شباب أهل الجنّة، و حجّة اللّه علی الامّة، أمره أمري، و قوله قولي، من تبعه فإنّه منّي، و من عصاه فليس منّي، و إنّي لمّا نظرت إليه تذكرت ما يجري عليه من الذلّ بعدي، فلا يزال الأمر به حتّي يقتل بالسمّ ظلما و عدوانا، فعند ذلك تبكي الملائكة و السبع الشداد لموته، و يبكيه كلّ شيء حتّي الطير في جوّ السماء، و الحيتان في جوف الماء، فمن بكاه لم تعم عينه يوم تعمي العيون، و من حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب، و من زاره في بقيعه ثبتت قدمه علی الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام.


1) آل عمران 43:3.

و أمّا الحسين، فإنّه منّي، و هو ابني و ولدي، و خير الخلق بعد أخيه، و هو إمام المسلمين، و مولي المؤمنين، و خليفة ربّ العالمين، و غياث المستغيثين، و كهف المستجيرين، و حجّة اللّه علی خلقه أجمعين، و هو سيّد شباب أهل الجنّة، و باب نجاة الامّة، أمره أمري، و طاعته طاعتي، من تبعه فإنّه منّي، و من عصاه فليس منّي، و إنّي لمّا رأيته تذكّرت ما يصنع به بعدي، كأنّي به و قد استجار بحرمي و قبري فلا يجار، فأضمّه في منامه إلی صدري، و آمره بالرحلة عن دار هجرتي، و ابشّره بالشهادة، فيرتحل عنها إلی أرض مقتله، و موضع مصرعه أرض كرب و بلاء، و قتل و فناء، تنصره عصابة من المسلمين، اولئك من سادة شهداء امّتي يوم القيامة، كأنّي أنظر إليه و قد رمي بسهم فخرّ عن فرسه صريعا، ثمّ يذبح كما يذبح الكبش مظلوما.

ثمّ بكي رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله و بكي من حوله، و ارتفعت أصواتهم بالضجيج، ثمّ قال صلّي اللّه عليه و اله و هو يقول: اللّهمّ إنّي أشكو إليك ما يلقي أهل بيتي بعدي، ثمّ دخل منزله» (1).

5- حدّثنا الشيخ الفقيه أبو جعفر رحمه اللّه، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد السناني، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، عن موسي بن


1) أمالي الصدوق: 174-177، الحديث 2.

عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن عليّ بن سالم، عن أبيه، عن ثابت بن دينار، قال: «سألت زين العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام عن اللّه جلّ جلاله هل يوصف بمكان؟

فقال: تعالی اللّه عن ذلك.

قلت: فلم أسري بنبيّه محمّد صلّي اللّه عليه و اله إلی السماء؟

قال: ليريه ملكوت السماء و ما فيها من عجائب صنعه و بدائع خلقه.

قلت: فقول اللّه عزّ و جلّ: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلّي * فَكانَ قابَ قَوْسَیْنِ أَوْ أَدْني) (1)؟

قال: ذاك رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله، دنا من حجب النور فرأي ملكوت السماوات، ثمّ تدلّي صلّي اللّه عليه و اله فنظر من تحته إلی ملكوت الأرض حتّي ظنّ أنّه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدني» (2).

6- حدّثنا محمّد بن موسي بن المتوكّل رحمه اللّه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدّثنا موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي


1) النجم 8:53 و 9.

2) علل الشرائع: 131:1 و 132. أمالي الصدوق: 214، الحديث 22.

بصير، قال: «قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام: من أقام فرائض اللّه، و اجتنب محارم اللّه، و أحسن الولاية لأهل بيت نبيّ اللّه، و تبرّأ من أعداء اللّه عزّ و جلّ، فليدخل من أيّ أبواب الجنّة الثمانية شاء» (1).

حدّثنا محمّد بن أحمد السنائي رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدّثنا موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد، عن عليّ بن سالم، عن أبيه، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: «قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله: قال اللّه جلّ جلاله: لو اجتمع الناس كلّهم علی ولاية عليّ ما خلقت النار» (2).

8- حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدّب رحمه اللّه، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر الأسدي الكوفي، قال: حدّثني موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ عليهم السّلام، قال: «قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله: إذا كان يوم القيامة يؤتي بك يا عليّ علی ناقة من نور، و علی رأسك تاج له أربعة أركان، علی كلّ ركن


1) أمالي الصدوق: 561.

2) أمالي الصدوق: 755.

ثلاثة أسطر: لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، عليّ وليّ اللّه، و تعطي مفاتيح الجنّة، ثمّ يوضع لك كرسي يعرف بكرسي الكرامة فتقعد عليه، ثمّ يجمع لك الأوّلون و الآخرون في صعيد واحد، فتأمر بشيعتك إلی الجنّة، و بأعدائك إلی النار، فأنت قسيم الجنّة، و أنت قسيم النار، و لقد فاز من تولاّك، و خسر من عاداك، فأنت في ذلك اليوم أمين اللّه، و حجّة اللّه الواضحة» (1).

9- روي محمّد بن أبي عبد اللّه الأسدي الكوفي، عن موسي بن عمران، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة حديث تفسير قوله تعالی: (وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِیَةً فِی عَقِبِهِ) (2)بالإمامة، جعلها اللّه عزّ و جلّ في عقب الحسين عليه السّلام باقية إلی يوم القيامة» (3).

10- و روي محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، عن موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن يحيي بن أبي القاسم، عن الصادق جعفر بن


1) معاني الأخبار: 131-132.

2) الزخرف 28:43.

3) معاني الأخبار: 131 و 132.

محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليهم السّلام، قال: «قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله: الأئمّة بعدي اثنا عشر أوّلهم عليّ بن أبي طالب، و آخرهم القائم، فهم خلفائي و أوصيائي و أوليائي و حجج اللّه علی امّتي بعدي، المقرّ بهم مؤمن، و المنكر لهم كافر» (1).

12- عن محمّد بن أحمد السناني رضي اللّه عنه، عن محمّد بن أبي عبد اللّه الأسدي الكوفي، عن موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن عليّ بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام، قال: إنّ اللّه تبارك و تعالی لا يوصف بزمان، و لا مكان، و لا حركة، و لا انتقال، و لا سكون، بل هو خالق الزمان و المكان و الحركة و السكون و الانتقال، تعالی عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا» (2).

13- حدّثنا محمّد بن أحمد السناني رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الأسدي الكوفي، قال: حدّثنا موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد، عن عليّ بن سالم، عن أبيه، عن سعد بن طريف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: «قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله لعليّ عليه السّلام: يا عليّ، أنت إمام المسلمين، و أمير المؤمنين، و قائد الغرّ


1) كمال الدين و تمام النعمة: 259. من لا يحضره الفقيه: 179/4.

2) أمالي الصدوق: 353.

المحجّلين، و حجّة اللّه بعدي علی الخلق أجمعين، و سيّد الوصيّين، و وصيّ سيّد النبيّين.

يا عليّ، إنّه لمّا عرج بي إلی السماء السابعة، و منها إلی سدرة المنتهي، و منها إلی حجب النور، و أكرمني ربّي جلّ جلاله بمناجاته، قال لي: يا محمّد؟

قلت: لبّيك ربّي و سعديك، تباركت و تعاليت.

قال: إنّ عليّا إمام أوليائي، و نور لمن أطاعني، و هو الكلمة التي ألزمتها المتّقين، من أطاعه أطاعني، و من عصاه عصاني، فبشّره بذلك.

فقال علی عليه السّلام: يا رسول اللّه، بلغ من قدري حتّي إنّي اذكر هناك!

فقال: نعم يا عليّ، فاشكر ربّك، فخرّ عليّ عليه السّلام ساجدا شكرا للّه علی ما أنعم به عليه، فقال له رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله: ارفع رأسك يا عليّ، فإنّ اللّه قد باهي بك ملائكته» (1).

14- حدّثنا محمّد بن موسي بن المتوكّل رحمه اللّه، قال: حدّثنا محمّد ابن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدّثنا موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن عليّ بن سالم، عن أبيه، عن ثابت


1) أمالي الصدوق: 375.

ابن أبي صفيّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: «قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله: من سرّه أن يجمع اللّه له الخير كلّه فليوال عليّا بعدي، و ليوال أولياءه، و ليعاد أعداءه» (1).

15- حدّثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسي بن بابويه القمّي رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسي الدقّاق رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدّثنا موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن عليّ بن أبي حمزة، عن يحيي بن أبي إسحاق، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه عليهم السّلام، قال: «سئل النبيّ صلّي اللّه عليه و اله: أين كنت و آدم في الجنّة؟

قال: كنت في صلبه، و هبط بي إلی الأرض في صلبه، و ركبت السفينة في صلب أبي نوح، و قذف بي في النار في صلب أبي إبراهيم، لم يلتق لي أبوان علی سفاح قطّ، و لم يزل اللّه عزّ و جلّ ينقلني من الأصلاب الطيّبة إلی الأرحام الطاهرة هاديا مهديّا حتّي أخذ اللّه بالنبوّة عهدي، و بالإسلام ميثاقي، و بيّن كلّ شيء من صفتي، و أثبت في التوراة و الإنجيل ذكري، و رقي بي إلی سمائه، و شقّ لي اسما من أسمائه


1) أمالي الصدوق: 560.

الحسني، امّتي الحمّادون، فذو العرش محمود و أنا محمّد» (1).

16- حدّثنا محمّد بن موسي بن المتوكّل رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، عن موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن عليّ بن سالم، عن أبيه، عن أبي حمزة الثمالي، عن سعد الخفّاف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عبد اللّه ابن عبّاس، قال: «قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله: لمّا عرج بي إلی السماء السابعة، و منها إلی سدرة المنتهي، و من السدرة إلی حجب النور، ناداني ربّي جلّ جلاله: يا محمّد، أنت عبدي و أنا ربّك، فلي فاخضع، و إيّاي فاعبد، و عليّ فتوكّل، و بي فثق، فإنّي قد رضيت بك عبدا و حبيبا و رسولا و نبيّا.

و بأخيك عليّ خليفة و بابا، فهو حجّتي علی عبادي، و إمام لخلقي، به يعرف أوليائي من أعدائي، و به يميّز حزب الشيطان من حزبي، و به يقام ديني، و تحفظ حدودي، و تنفذ أحكامي، و بك و به و بالأئمّة من ولده أرحم عبادي و إمائي.

و بالقائم منكم أعمر أرضي بتسبيحي و تهليلي و تقديسي و تكبيري و تمجيدي، و به اطهّر الأرض من أعدائي، و اورثها أوليائي، و به أجعل


1) أمالي الصدوق: 723، الحديث 1. معاني الأخبار: 55، الحديث 2.

كلمة الذين كفروا بي السفلي، و كلمتي العليا، و به أحيي عبادي و بلادي بعلمي، و له اظهر الكنوز و الذخائر بمشيئتي، و إيّاه أظهر علی الأسرار و الضمائر بإرادتي، و أمدّه بملائكتي لتؤيّده علی إنفاذ أمري، و إعلان ديني، ذلك وليّي حقّا، و مهدي عبادي صدقا» (1).

17- حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدّثنا موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، قال:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام: لأيّ علّة دفنت فاطمة عليها السّلام بالليل و لم تدفن بالنهار؟

قال: لأنّها أوصت أن لا يصلّي عليها الرجلان» (2).

18 - حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسي رحمه اللّه، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدّثنا موسي بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن يحيي بن أبي القاسم، قال: «سألت الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: (اَلّمَ * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَیْبَ فِیهِ هُديً لِلْمُتَّقِینَ * اَلَّذِینَ


1) أمالي الصدوق: 731.

2) علل الشرائع: 185/1.

یُؤْمِنُونَ بِالْغَیْبِ) (1).

فقال: المتّقون شيعة عليّ عليه السّلام، و الغيب فهو الحجّة الغائب، و شاهد ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: (وَ یَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَیْهِ آیَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَیْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّی مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِینَ) (2)، فأخبر عزّ و جلّ أنّ الآية هي الغيب، و الغيب هو الحجّة، و تصديق ذلك قول اللّه عزّ و جلّ:

(وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْیَمَ وَ أُمَّهُ آیَةً) (3)يعني حجّة»(4).

و من الروايات المميّزة التي رواها بالسند المعروف المتكرّر عن ابن عبّاس، عن رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله ظلامة فاطمة، و غصبها حقّها، و ضرب جنبها، و إسقاط جنينها، رواه الصدوق في الأمالي(5).

و الحموي في فرائد السمطين(6).

و غيرها من الروايات، و هي دالّة علی روايته لغوامض المعارف و لبابها.


1) البقرة 1:2-3.

2) يونس 20:10.

3) المؤمنون 25:23.

4) كمال الدين و تمام النعمة: 17.

5) أمالي الصدوق: 112، المجلس الرابع و العشرون، الحديث 2.

6) فرائد السمطين: 34/2، الحديث 371.

السادس: توثيق الأعلام للنخعي و اعتمادهم و استشهادهم بالزيارة

اشارة

توثيق العلماء لموسي بن عمران النخعي، فقد وثّقه السيّد الخوئي قدّس سرّه (المتوفّي سنة 1413 ه) لروايته عن تفسير القمّي(1).

و قال فيه المامقاني قدّس سرّه (المتوفّي سنة 1351 ه): «و في روايته لها دلالة واضحة علی كونه إماميّا صحيح الاعتقاد، بل في تلقين مولانا الهادي عليه السّلام شهادة علی كون الرجل من الحسان مقبول الرواية لهم، و عدم ذكره في كتاب الرجال غير قادح فيه»(2).

أقوال العلماء في سند و متن الزيارة

يقول العلاّمة المجلسي قدّس سرّه (المتوفّي سنة 1111 ه): «إنّما هي أرقي الزيارات الجامعة متنا و سندا، و هي أفصحها و أبلغها»(3).

و يقول المولي محمّد تقي المجلسي قدّس سرّه في شرح الفقيه (المتوفّي سنة 1070): «و الزيارات لأمير المؤمنين و لباقي الأئمّة عليهم السّلام كثيرة كثرة، أحسنها الزيارة الجامعة التي سنذكرها مشروحة»(4).


1) معجم رجال الحديث: 66/20.

2) تنقيح المقال: 257/3.

3) مفاتيح الجنان: 626.

4) روضة المتّقين: 424/5.

و قال أيضا: «و انّها أكمل الزيارات و أحسنها، بل بعد تلك الرؤيا أكثر الأوقات أزور الأئمّة عليهم السّلام بهذه الزيارة، و في العتبات العاليات ما زرتهم إلاّ بهذه الزيارة»(1).

و كان ذلك بعد مكاشفته اللطيفة التي يقول فيها: «و لمّا وفّقني اللّه تعالی لزيارة أمير المؤمنين عليه السّلام و شرعت في حوالي الروضة المقدّسة في المجاهدات، و فتح اللّه تعالی عليّ ببركة مولانا عليه السّلام أبواب المكاشفات التي لا تحتملها العقول الضعيفة، رأيت في ذلك العالم (و إن شئت قلت بين النوم و اليقظة) عندما كنت في رواق عمران جالسا إنّي بسرّ من رأي (سامرّاء)، و رأيت مشهدهما في نهاية الارتفاع و الزينة، و رأيت علی قبرهما لباسا أخضر من لباس الجنّة، لأنّه لم أر مثله في الدنيا، و رأيت مولانا و مولي الأنام صاحب العصر و الزمان عليه السّلام جالسا، ظهره علی القبر و وجهه إلی الباب، فلمّا رأيته شرعت في هذه الزيارة بالصوت المرتفع كالمدّاحين، فلمّا أتممتها قال عليه السّلام: نعمة الزيارة.

قلت: مولاي روحي فداك، زيارة جدّك؟ (و أشرت نحو القبر).

فقال: نعم، ادخل، فلمّا دخلت وقفت قريبا من الباب.


1) مفاتيح الجنان: 626. روضة المتّقين: 452/5.

فقال عليه السّلام: تقدّم.

فقلت: مولاي أخاف أن أصير كافرا بترك الأدب.

فقال عليه السّلام: لا بأس إذا كان بإذننا، فتقدّمت قليلا و كنت خائفا مرتعشا.

فقال: تقدّم.. تقدّم، حتّي صرت قريبا منه عليه السّلام.

قال: اجلس.

قلت: أخاف مولاي.

قال عليه السّلام: لا تخف. فلمّا جلست جلسة العبيد بين يدي المولي الجليل، قال عليه السّلام: استرح و اجلس مربعا، فإنّك تعبت، جئت ماشيا حافيا.

و الحاصل أنّه وقع منه عليه السّلام بالنسبة إلی عبده ألطاف عظيمة و مكالمات لطيفة لا يمكن عدّها و نسيت أكثرها.

ثمّ انتبهت من تلك الرؤيا، و حصل في اليوم أسباب الزيارة بعد كون الطريق مسدودة في مدّة طويلة، و بعد ما حصل الموانع العظيمة ارتفعت بفضل اللّه و تيسّرت الزيارة بالمشي و الحفا، كما قاله الصاحب عليه السّلام.

و كنت ليلة في الروضة المقدّسة و زرت مكرّرا بهذه الزيارة، و ظهر

في الطريق و في الروضة كرامات عجيبة، بل معجزات غريبة يطول ذكرها، فالحاصل أنّه لا شكّ لي أنّ هذه الزيارة من أبي الحسن الهادي عليه السّلام - بتقرير الصاحب عليه السّلام - و أنّها أكمل الزيارات و أحسنها، بل بعد تلك الرؤيا أكثر الأوقات أزور الأئمّة عليهم السّلام بهذه الزيارة، و في العتبات العاليات ما زرتهم إلاّ بهذه الزيارة»(1).

و يقول العلاّمة السيّد عبد اللّه شبّر قدّس سرّه (المتوفّي سنة 1242 ه):

«لا يخفي علی اولي البصائر النقّادة، و أرباب الأذهان الوقّادة، و ذوي العقول السليمة، و أصحاب الأفهام المستقيمة، أنّ الزيارة الجامعة الكبيرة أعظم الزيارات شأنا، و أعلاها مكانة و مكانا، و أنّ فصاحة ألفاظها و فقراتها، و بلاغة مضامينها و عباراتها، تنادي بصدورها من عين صافية نبعت عن (ينابيع الوحي) و الإلهام، و تدعو إلی أنّها خرجت من ألسنة نواميس الدين و معاقل الأنام، فإنّها فوق كلام المخلوق و تحت كلام الخالق الملك العلاّم، قد اشتملت علی الإشارة إلی جملة من الأدلّة و البراهين المتعلّقة بمعارف (اصول الدين)، و أسرار الأئمّة الطاهرين، و مظاهر صفات (ربّ العالمين)، و قد احتوت علی رياض نضرة، و حدائق خضرة، مزيّنة بأزهار المعارف و الحكمة، محفوفة بثمار أسرار أهل بيت العصمة، و قد تضمّنت شطرا


1) روضة المتّقين: 452/5.

و افرا من حقوق اولي الأمر الذين أمر اللّه بطاعتهم، و أهل البيت الذين حثّ اللّه علی متابعتهم، و ذوي القرب الذين أمر اللّه بمودّتهم، و أهل الذكر الذين أمر اللّه بمسألتهم، مع الإشارة إلی آيات فرقانيّة، و روايات نبويّة، و أسرار إلهيّة، و علوم غيبيّة، و مكاشفات حقّيّة، و حكم».

إلي أن قال: «اعلم أنّ هذه الزيارة قد رواها جملة من أساطين الدين، و حملة علوم الأئمّة الطاهرين، و قد اشتهرت بين الشيعة الأبرار اشتهار الشمس في رابعة النهار، و جواهر مبانيها، و أنوار معانيها، دلائل حقّ، و شواهد صدق، علی صدورها عن صدور حملة العلوم الربّانيّة، و أرباب الأسرار الفرقانيّة، المخلوقين من الأنوار الإلهيّة، فهي كسائر كلامهم الذي يغني فصاحة مضمونة، و بلاغة مشحونة عن ملاحظة سنده، كنهج البلاغة و الصحيفة السجّاديّة، و أكثر الدعوات و المناجات»(1).

استشهاد العلماء بالزيارة

ما فتئ العلماء يعتمدون علی الاستشهاد بالزيارة الجامعة، و نذكر ما قاله بعض منهم علی سبيل المثال لا الحصر:

قال السيّد شرف الدين الحسيني قدّس سرّه (المتوفّي نحو سنة 965 ه)


1) الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة: 29-31.

في تأويل الآيات الواردة في سورة الغاشية (إِنَّ إِلَیْنا إِیابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنا حِسابَهُمْ) (1):

عن جميل بن درّاج، قال: «قلت لأبي الحسن عليه السّلام: أحدّثهم بتفسير جابر؟

قال: لا تحدّث به السفلة فيذيعوه، أما تقرأ: (إِنَّ إِلَیْنا إِیابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنا حِسابَهُمْ )؟

قلت: بلي.

قال: إذا كان يوم القيامة و جمع اللّه الأوّلين و الآخرين، ولاّنا حساب شيعتنا، فما كان بينهم و بين اللّه حكمنا علی اللّه فيه، فأجاز حكومتنا، و ما كان بينهم و بين الناس استوهبناه فوهبوه لنا، و ما كان بيننا و بينهم فنحن أحقّ من عفا و صفح.

و يؤيّد ذلك ما جاء في الزيارة الجامعة المرويّة عن الهادي عليه السّلام، و هو قوله: (وَ إِيَابُ الْخَلْقِ إِلَيْكُمْ، وَ حِسَابُهُمْ عَلَيْكُمْ).

و معني هذا التأويل الظاهر: أنّ الضمير في إلينا و علينا راجع إلی اللّه تعالي.

و أمّا الباطن: فإنّه راجع إليهم عليهم السّلام؛ و ذلك لأنّهم ولاة أمره و نهيه في الدنيا و الآخرة، و الأمر كلّه للّه، فلمن شاء من خلقه جعله إليه،


1) الغاشية 25:88 و 26.

و لا شكّ أنّ رجوع الخلق يوم القيامة إليهم، و حسابهم عليهم، فيدخلون وليّهم الجنّة، و عدوّهم النار، كما ورد في كثير من الأخبار

أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قسيم الجنّة و النّار» (1).

و قال السيّد صدر الدين الطباطبائي قدّس سرّه (المتوفّي سنة 1154 ه):

«و قال صلّي اللّه عليه و اله: أنا و عليّ من شجرة واحدة، و سائر الناس من شجر شتّي.

و لعلّ المعني بالواحدة ليس المعني الذي تفيده التاء بمعني الوحدة الظاهريّة التي مناطها التشخيص الوحداني بحسب الوجود العيني، بل الواحدة الذاتيّة الواقعيّة المعنويّة، التي تشبه أن يكون مضمونه ما في الزيارة الجامعة عطفا علی ما عامله (أَشْهَدُ أَنَّ أَرْوَاحَكُمْ وَ نُورَكُمْ وَ طِينَتَكُمْ وَاحِدَةٌ، طَابَتْ وَ طَهُرَتْ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)، و علی هذا قوله صلّي اللّه عليه و اله: (شتّي) وصف لشجرة باعتبار الكثرة المقابلة لهذه الوحدة، فلا يضادّه التاء»(2).

و قال الشيخ الأنصاري قدّس سرّه (المتوفّي سنة 1280 ه): «و الكلام في الخوارج يظهر ممّا ذكرنا في الناصب فإنّهم أشدّ النواصب، مضافا إلی إطلاق المشرك عليهم في بعض الأخبار، كما في قوله عليه السّلام في خارجي


1) تأويل الآيات: 788/2-789.

2) شرح دعاء الندبة: 129.

دخل عليه: (إنّه مشرك و اللّه).

و قوله عليه السّلام في الزيارة الجامعة: «وَ مَنْ حَارَبَكُمْ مُشْرِكٌ» مع أنّ نجاستهم إجماعيّة»(1).

و قال الملاّ هادي السبزواري قدّس سرّه (المتوفّي سنة 1300 ه):

«و قال صلّي اللّه عليه و اله:

أول ما خلق اللّه روحي أو عقلي أو نوري.

و قال: كنت نبيّا و آدم بين الماء و الطين.

و المراد بالأبرار: أصحاب اليمين، و بالأخبار: المقرّبون، لكنّهما كالظرف و المجرور، و كالفقير و المسكين، إذا اجتمعا افترقا، و إذا افترقا اجتمعا، فمن موارد الاجتماع مثل ما هاهنا ما في الزيارة الجامعة الكبيرة: «وَ أَنْتُمْ نُورُ الْأَخْيَارِ، وَ هُدَاةُ الْأَبْرَارِ» و بمعناه أيضا قولهم:

حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين»(2).

قال المولي محمّد التبريزي الأنصاري قدّس سرّه (المتوفّي سنة 1310 ه) في معني تسمية الزهراء عليها السّلام بالمشكاة، في تفسيره لآية النور:

«و المشكاة هي فاطمة الزهراء عليها السّلام، و هذا المصباح يوقد من شجرة الحقيقة المحمّديّة، و هي الزيتونة المباركة لبركة آثارها، و عدم تناهي


1) كتاب الطهارة: 258/2.

2) شرح الأسماء الحسني: 203/1.

أطوارها، و في الزيارة الجامعة:

(السَّلَامُ عَلَى مَحَالِّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَ مَسَاكِنِ بَرَكَةِ اللَّهِ، وَ مَعَادِنِ حِكْمَةِ اللَّهِ...) الخ، فهي مباركة لإفاضة جميع الفيوضات التشريعيّة و التكوينيّة منها، و هي الشجرة الكلّيّة النابتة في مقام (أو أدني)، و بيداء الإبداع و الاختراع، و صحراء المشيئة و الإرادة، لتشعّب وجوه تعلّقاتها بذرّات الوجود التي لا تتناهي في مراتب الإمكان شعوبا و قبائل، و هي أصل البركة و فرعها:

«إِنَّ ذِكْرَ الْخَيْرِ كُنْتُمْ أَوَّلَهُ وَ أَصْلَهُ وَ فَرْعَهُ... إلخ»(1).

و قال الشيخ الأصفهاني قدّس سرّه (المتوفّي سنة 1360 ه): «إنّ إطاعتهم عليهم السّلام في أوامرهم الشرعيّة إطاعة بالذات للآمر، و إطاعة بالعرض لمن جري علی لسانه أمره تعالي، و الإطاعة التي تكون إطاعة لهم بالذات و تكون إطاعة له تعالی بالعرض - من حيث أنّهم منسوبون إليه المدلول عليها بقوله عليه السّلام: «مَنْ أَطَاعَكُمْ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ» - هي إطاعتهم في أوامرهم الشخصيّة، فالنبوّة و الإمامة حيثيّة تعليليّة لوجوب إطاعة أوامرهم الشخصيّة، و ما ورد في باب إطاعتهم عليهم السّلام أولی بالشمول لمثل هذه الإطاعة من إطاعة أوامرهم الشرعيّة، فإنّها إطاعة للأمر الإلهي بالحقيقة، و لزومها بديهي لا يحتاج إلی المبالغة في الإلزام


1) اللمعة البيضاء في شرح الخطبة الزهراء عليها السّلام: 151 و 152، و كذلك استشهد بها في الصفحة 522.

بها، كما لا يخفي»(1).

و قال السيّد الخوئي قدّس سرّه (المتوفّي سنة 1413 ه) يقول: «و ما يشبهها من الضلالات، و يدلّ عليه قوله عليه السّلام في الزيارة الجامعة: «وَ مَنْ جَحَدَكُمْ كَافِرٌ»، و قوله عليه السّلام فيها أيضا: «وَ مَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ»، فإنّه ينتج بعكس النقيض، أنّ من لم يقبل عنكم لم يوحّده»(2).

و يقول كذلك قدّس سرّه: «و قد ورد في الزيارة الجامعة: وَ مَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ، فإنّه ينتج بعكس النقيض، أنّ من لم يقبل منهم فهو غير موحّد للّه سبحانه... و الأخبار الواردة بهذا المضمون و إن كانت من الكثرة بمكان، إلاّ أنّه لا دلالة لها علی نجاسة ليس هو في مقابل الإسلام، و إنّما هو في مقابل الإيمان، كما أشرنا إليه سابقا»(3).

و قال السيّد الگلپايگاني قدّس سرّه (المتوفّي سنة 1414 ه): «و ظاهرها كفرهم مطلقا، سواء كان من علم أو عن جهل مركّب، و منها رواية الفضل، قال: دخل علی أبي جعفر عليه السّلام رجل محصور عظيم البطن، فجلس معه علی سريره، فحيّاه و رحّب به، فلمّا قام قال: هذا من الخوارج كما هو.


1) حاشية المكاسب: 382/2.

2) مصباح الفقاهة: 323/1.

3) كتاب الطهارة: 84/2.

قال: قلت: مشرك؟

فقال: مشرك، و اللّه مشرك.

و المراد من المشرك هو الكافر، و قد مرّ ذلك الخبر في أوائل الكتاب، و في الزيارة الجامعة: «وَ مَنْ حَارَبَكُمْ مُشْرِكٌ»(1).


1) نتائج الأفكار: 190/1.

الإمام صاحب الزمان (عجل الله تعالی فرجه الشريف) و الزيارة الجامعة

نقل المحقّق الميرزا حسين النوري الطبرسي قدّس سرّه قصّة تشرّف أحد الصلحاء بالإمام صاحب العصر عجّل اللّه فرجه، و وصيّته بقراءة هذه الزيارة.

قال الميرزا النوري رحمه اللّه: «قدم النجف الأشرف منذ سبع عشرة سنة تقريبا التقيّ الصالح السيّد أحمد ابن السيّد هاشم ابن السيّد حسن الموسوي الرشتي أيّده اللّه، و هو من تجّار مدينة رشت، فزارني في بيتي بصحبة العالم الربّاني، و الفاضل الصمداني الشيخ الرشتي طاب ثراه الآتي ذكره في القصّة الآتية إن شاء اللّه، فلمّا نهضا للخروج نبّهني الشيخ إلی أنّ السيّد أحمد من الصلحاء المسدّدين، و لمّح إلی أنّ له قصّة غريبة...

فتشرّف السيّد أحمد الرشتي بلقاء صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه الشريف) - إلی أن قال -: فقال صاحبي - أي صاحب الزمان عجّل اللّه فرجه الشريف -: ناولني العنان، فناولته إيّاه، فأخذ العنان بيمناه، و وضع المسحاة علی عاتقه الأيسر، و أخذ في المسير، فطاوعه الفرس أيسر المطاوعة، ثمّ وضع يده علی ركبتي و قال: لماذا تتركون زيارة عاشوراء، [زيارة] عاشوراء، [زيارة] عاشوراء - كرّرها ثلاث مرّات؟.

ثمّ قال: لماذا لا تزورون بالزيارة الجامعة [الكبيرة]، الجامعة، الجامعة، الجامعة...؟»(1).

و قد تقدّم مدحه (عجّل اللّه فرجه الشريف) لهذه الزيارة في مكاشفة المولي محمّد تقي المجلسي قدّس سرّه المذكورة آنفا عندما قال عليه السّلام: نعمة الزيارة.


1) النجم الثاقب: 273/2. مفاتيح الجنان: 626-628.

الزيارة الجامعة الكاملة

ثمّ إنّ هذه الزيارة العظيمة لها صورة اخري أطول، غير الطريق الذي رواه الصدوق و الشيخ رحمهما اللّه، و قد روي تلك الصورة المطوّلة الشيخ الكفعمي رحمه اللّه في البلد الأمين(1)، و الميرزا النوري رحمه اللّه في المستدرك في أبواب الزيارات(2).

و قد روي العلاّمة المجلسي رحمه اللّه الزيادات في زيارات جامعة اخري(3).

بل قد ألّف الميرزا النوري قدّس سرّه كتابا خاصّا بالزيارة الجامعة الكاملة، و قد طبع في تبريز سنة 1315 ه(4).

و أورد الشيخ عبّاس القمّي رحمه اللّه متن الزيارة الكاملة في ما تمّمه من كتاب «تحيّة الزائر» للميرزا النوري(5).


1) البلد الأمين: 418.

2) المستدرك: 416/10، باب نوادر ما يتعلّق بأبواب المزار.

3) بحار الأنوار: 126/102-209.

4) الذريعة إلی تصانيف الشيعة: 79/12.

5) الذريعة إلی تصانيف الشيعة: 488/3.

القسم الثاني ردّ الشبهات

اشارة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ

و الصلاة و السلام علی أفضل الأنبياء و خاتم المرسلين محمّد و آل بيته الطيّبين الطاهرين، و اللعن الدائم علی أعدائهم أجمعين إلی قيام يوم الدين

شبهة و إثارة

المسألة التي يطرحها البعض هي أنّ الزيارة الجامعة تخالف الكتاب و السنّة في بعض فقراتها، و الفقرة المقصودة بهذه المسألة هي: «وَ إِيَابُ الْخَلْقِ إِلَيْكُمْ، وَ حِسَابُهُمْ عَلَيْكُمْ» لكونها تنافي قوله تعالی: (إِنَّ إِلَیْنا إِیابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنا حِسابَهُمْ) (1)، فالتعبير هنا هو عن الذات الإلهيّة، بأنّ الحساب علی اللّه عزّ و جلّ، و أنّ الإياب إليه تعالی:

(إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَیْهِ راجِعُونَ) (2)، فكيف يكون الإياب إلی الأئمّة عليهم السّلام


1) الغاشية 25:88 و 26.

2) البقرة 156:2.

و الحساب عليهم.

و نظير هذا الاعتراض قد يعترض علی ما ورد في زيارات متعدّدة، كما في الزيارة المعروفة للإمام الرضا عليه السّلام - مثلا - و التي تتضمّن صلوات علی المعصومين كلّ علی حدة - و هي مسندة أيضا - فله عليه السّلام عدّة زيارات جمعها السيّد رضا الصدر رحمه اللّه في كتاب طبع طبعة واحدة فقط، و هو كتاب قيّم جدّا، لأنّه قد استقصي فيه أكثر زيارات الرضا عليه السّلام.

في أشهر زيارة له عليه السّلام صلوات علی كلّ من النبيّ صلّي اللّه عليه و اله، و سيّد الأوصياء عليه السّلام، ثمّ الصدّيقة فاطمة عليها السّلام، ثمّ الحسنين عليها السّلام، ثمّ بقيّة المعصومين عليهم السّلام.

تقول في أوصاف أمير المؤمنين عليه السّلام، و أوصاف جملة من المعصومين: «وَ دَيَّانُ الدِّينِ بِعَدْلِكَ، وَ فَصْلُ قَضَائِكَ بَيْنَ خَلْقِكَ»(1)، و هذه الأوصاف هي أوصاف وردت في القرآن الكريم للّه عزّ و جلّ، و هي بذلك شبيهة بهذه العبارة: «وَ إِيَابُ الْخَلْقِ إِلَيْكُمْ، وَ حِسَابُهُمْ عَلَيْكُمْ»، هذه العبارة التي تحمل التساؤل و الاعتراض المطروح.

و معلوم أنّ مبدأ الخلق للّه تعالي، و أنّ المنتهي إليه، فكيف يطلق هذا التعبير علی الإمام، فكأنّ المنتهي للأئمّة عليهم السّلام؟ لذا قيل بأنّ هذا


1) مفاتيح الجنان: 573.

المضمون هو خلاف الكتاب و السنّة قطعا.

نظريّة التجسيم و دورها في خلق هذا التساؤل

هذا التساؤل و هذا الاعتراض مبنيّ علی نظريّة في العقيدة أشبه بنظريّة التجسيم إن لم تكن عينها. و نظريّة التجسيم أو التشبيه هذه خطيرة جدّا، و هي نظريّة ناخرة و معشّشة في كثير من بحوث العقيدة الإسلاميّة عند كثير من أصحاب المذاهب الإسلاميّة، و لربّما حتّي في الوسط الداخلي لدينا في بعض الكتابات.

و ليس من الاعتباط أنّ أئمّة أهل البيت عليهم السّلام انبروا بكلّ قوّة و شدّة لتفنيد نظريّة التجسيم و التشبيه و التعطيل، كما قال البررة عليهم السّلام لتفنيد نظريّة الجبر و التفويض. و من المعاجز العلميّة الخالدة لأهل بيت النبوّة عليهم السّلام أنّهم بدّهوا، أي أوصلوا الأمر للبديهة، و أوصلوا الأمر المجهول لدي عامّة المسلمين إلی درجة البديهة، و أوصلوه إلی درجة الذروة.

ذكر أصحاب التفاسير من الفريقين في قوله تعالی: (مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِیَ الْعَلِیمُ الْخَبِیرُ) (1).


1) التحريم 3:66.

حسب ما رووه هم، و هذه طبعا الحال في عامّة الناس، ففهم عامّة الناس للآية الكريمة: (وَ هُوَ الَّذِی فِی السَّماءِ إِلهٌ وَ فِی الْأَرْضِ إِلهٌ وَ هُوَ الْحَكِیمُ الْعَلِیمُ) (1)قد يصل بهم إلی التفكير بأنّ عرشه في السماء بفوقيّة جغرافيّة، أو أنّ الاستواء استواء جغرافي.

المقصود أنّه ببركة أهل البيت عليهم السّلام ازيل هذا الجهل بالامور العقائديّة الهامّة الخطيرة جدّا و البالغة الأهمّيّة، و استبدل بالعلم إلی درجة البديهة، فقد أوضحوا عليهم السّلام بطلان التجسيم و بطلان التشبيه إلی درجة البديهة بعد أن كان الأمر مجهولا أو غائما أو عائما عند عامّة المسلمين.

إنّ نظريّة التجسيم و التشبيه و التعطيل: «لا تشبيه و لا تعطيل إنّما توحيد و توصيف بالحقّ» هي من القواعد العقائديّة البالغة الأهمّيّة، و كلّ من اعتمد مثل هذه القواعد فهو بالضرورة قد رشف علمها من أهل بيت النبوّة عليهم السّلام، مباشرة أو بالواسطة، شعر بذلك أم لم يشعر، فهذه صدرت من معدن العلم، لم يسبقهم لها سابق، و لم يتفطّن إليها فطن، وراثة عن سيّد المرسلين صلّي اللّه عليه و اله، في العلوم التي لم يرثها أحد غيرهم منه، و كذلك «لا جبر و لا تفويض، بل هو أمر بين أمرين»(2).


1) الزخرف 84:43.

2) الكافي: 160/1، الحديث 13. الاعتقادات: 29. التوحيد:

الجهالة بحقيقة هذه القواعد و هذه الامور هي - مع الأسف - عالقة و منتشرة و متفشّية في عقول الكثير منّا حتّي في الوسط الداخلي، من حيث لا نشعر، فنتعامل مع كثير من مفردات العقيدة تعامل الجبريّة، و هذا خاطئ، و نتعامل مع الكثير من المفردات العقائديّة معاملة المشبّهة أو المجسّمة أو معاملة المعطّلة، من حيث نشعر أو لا نشعر، و كلّ تفسير عقائدي مبنيّ علی التجسيم و علی التعطيل و علی التشبيه فهو باطل، كما هو الحال في ذات التعطيل و ذات التجسيم، شعر به القائل أو لم يشعر، و كلّ تفسير عقائدي مبنيّ علی الجبر أو علی التفويض فهو خاطئ، فطن له المفسّر أو لم يفطن.

عندما نقرأ في شؤون الباري تعالی: (مالِكِ یَوْمِ الدِّینِ) (1)، (وُجُوهٌ یَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلي رَبِّها ناظِرَةٌ * وَ وُجُوهٌ یَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ یُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ) (2)لا نعني بالنظر هنا النظر إلی شابّ أمرد جميل - و العياذ باللّه - و ليست تلك الرؤية رؤية جسمانيّة، إنّما هي رؤية قلبيّة:

(تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ)(3)

فقال : أَفَأَعْبُدُ ما لَا أَرى ؟!

قال : وكيف تراه ؟

قال : لَا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ ، وَلكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بحقَائِقِ الْإِيمَانِ . قَرِيبٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ مُلابِسٍ ، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِن ، متَكَلَّمْ لَا بِرَوِيَّةٍ ، مُرِيدٌ لَا بِهِمَّةٍ ، صَائِعٌ لَا بِجَارِحَةٍ ، لَطِيفٌ لَا يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ ، كَبِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ ، بَصِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ ، رَحِيمٌ لا يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ ، تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ ، وَتَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَانَتِهِ . نهج البلاغة : 399 .

، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «أَفَأَعْبُدُ

1) الفاتحة 4:1.

2) القيامة 22:75-25.

3) سأل ذعلب اليماني أمير المؤمنين عليه السّلام، فقال: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين ؟

مَا لَا أَرَى؟!»(1)، أمّا الرؤية الجسمانيّة بالعين البيضاويّة هذه، فحاشا للّه أن تحيط به العيون، و إلاّ لكان محدودا، مع أنّه ورد عنهم عليهم السّلام أنّ النظر في الآية بمعني الانتظار لما يجازيهم ربّهم، كما في آية اخري:

(فَناظِرَةٌ بِمَ یَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) (2).

نفي مقالة التجسيم

و نفي توهّم التجسيم غير مخصوص بدار الدنيا، فالباري تعالی لا تحيط به دنيا و لا آخرة، و لا برزخ، و لا أوّليّة و لا آخريّة، لأنّه الأوّل


1) المصدر المتقدّم.

2) النمل 35:27.

قبل الأشياء، فهو أوّل الأوّليّة، و الآخر بعد فناء الأشياء، فهو آخر الآخريّة، لا يحيط به عالم من العوالم، و حينما يقال بأنّ اللّه عزّ و جلّ ليس جسما و أنّه لا يشبه أحدا من خلقه، فهذا لا يعني الشبه في الأجسام فقط، بل حتّي الأرواح لا تشبه اللّه عزّ و جلّ و لا الأنوار، لأنّهما من الخلقة الإلهيّة. قال تعالی: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ) (1).

و قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و اله: «أوّل ما خلق اللّه نور نبيّك، يا جابر»(2)، فنفي التشبيه لا يقتصر علی نفي التجسيم فحسب، بل يقتضي نفي تشبيه اللّه تعالی حتّي بغير الأجسام، فخلقة الأنوار، و خلقة العقول، و خلقة الأرواح، كلّها لا تشبه اللّه عزّ و جلّ، و لا يشبهها اللّه عزّ و جلّ، فاللّه تعالی لا يشبه شيئا من خلقه، و لا يشبهه من خلقه شيء.

و كم هو عظيم روح القدس! يتجلّي ذلك في قوله تعالی: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِیهَا) (3)، و قوله تعالی: (یُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) (4)، فالملائكة كلّها تفتقر في نزولها و عروجها إلی الروح، و الروح خلق أعظم من الملائكة، لكنّنا مع ذلك


1) النور 35:24.

2) بحار الأنوار: 21/25 و 22، الحديث 37.

3) القدر 4:97.

4) النحل 2:16.

ننزّه الباري عن تشبيهه بالروح مهما تعاظم، و هو الوهم في التشبيه الذي وقع فيه النصاري، لأنّه خلق من خلق اللّه، فنفي بذلك التجسيم و التشبيه.

و قد يظنّ البعض نفسه سالكا مسلك الصواب حينما يكتفي بنفي التجسيم عن اللّه، و اللّه سبحانه و تعالی له ذاته المنزّهة عن كلّ سوء بما في ذلك الاعتقاد بكونه نورا مشتبكا مع خلقه و العياذ باللّه، كما قد يتوهّم من قوله تعالی:( اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ )(1)، فلا تجسيم و لا تشبيه، و نفي التشبيه أعمّ من نفي التجسيم المرتكز في بعض العقول، لأنّ طبيعة البشر ميّالة للتشبيه، نزّاعة للتجسيم، تحمل طبيعة المخيّلة أو الأوهام التي تجسّم الشيء و تصوّره، لأنّها دائما تأنس بالمادّة.

و تتفشّي هذه النظريّة و هذه العقيدة - عن شعور أو عن غير شعور - في كثير من البحوث الإسلاميّة، كنظريّة الجبر، كما يقول عدّة من المحقّقين: «إنّ الكثير ممّن يتبرّأ من الجبر أو يتبرّأ من التفويض، يقع من حيث لا يشعر في الكثير من المباحث في المعارف الإسلاميّة في الجبر أو في التفويض»، لصعوبة هذه البحوث و هذه المعارف، و لصعوبة نفس الجبر و التفويض، و غموض نفيهما و سلوك مسلك


1) النور 35:24.

الحقّ و التوحيد و هو الاختيار بينهما «أمرا بين أمرين»، تلك المباحث صعوبتها في تطبيقات هذه النظريّات.

كذلك الشأن في قضيّة «لا تشبيه و لا تعطيل، و إنّما توصيف بتوحيد»(1)المقولة المشهورة عن أهل البيت عليهم السّلام هي قريبة من هذا المضمون، و أهل البيت هم الذين أسّسوا صرح مثل هذه القواعد الدينيّة الشامخة الهامّة، و إلاّ لكان المسلمون في معزل عن الاطّلاع علی مثل هذه الحقائق و المعالم الدينيّة، لكن ببركاتهم تبدّهت و انتشرت بأنّه «لا جبر و لا تفويض، و لكن أمر بين أمرين»(2)، و أنّه:

«لا تشبيه و لا تعطيل، و إنّما توصيف بتوحيد».

إنّ نفي التشبيه يتضمّن نفي التجسيم، و من يتبنّي و يلتزم بنفي التجسيم و نفي التشبيه يواجه من الجانب الآخر صعوبة نفي التعطيل.

نفي التعطيل و ما قد يجرّ إليه

يعرف التعطيل بانّه تعطيل الباري عن صفاته، أو عن الكمالات، أو عن الفاعليّة، أو عن القيموميّة، أو عن العالميّة، أو عن القدرة، أو عن الإحاطة، أو عن الهيمنة، أو عن أصل الوجود، و العياذ باللّه.


1) التوحيد/الصدوق: 104، الحديث 1.

2) الكافي: 160/1، الحديث 13. التوحيد/الصدوق: 206.

كأن يقال بأنّ هذه المخلوقات و العوالم برمّتها لا خالق لها، فيتعطّل بهذا القول عالم الخلقة عن الخالق.

و التعطيل لا ريب في فساده و بطلانه، لكنّ الكثير من الأذهان يستصعب عليها نفي التعطيل حين ما تنفي التجسيم و التشبيه، لأنّ نفي التعطيل لا بدّ له من إثبات، كإثبات صفات اللّه، و إثبات فاعليّة اللّه، و إثبات حاكميّة اللّه عزّ و جلّ، فإن أراد أن يثبت - نسبة إلی الإثبات - أثبت بتمثيل و تشبيه، فوقع في محذور التشبيه أو التجسيم، و إذا أراد أن يسلك مسلك النفي - بأن ينفي التشبيه و التجسيم - قد يؤدّي به ذلك للانجرار إلی النفي المطلق الذي هو التعطيل، فنفي التعطيل هو النفي، و نفي النفي هو الإثبات.

قد يجرّ نفي التعطيل إلی التشبيه أو التجسيم، بأن يشبّه الإنسان الباري تعالی بما يشاهده و يدركه من أفعال و أفاعيل المخلوقات، لأنّ حدود إدراكه هي أفعال المخلوقات، فيثبّتها بعينها و بمثلها للبارئ، فيكون مشبّها من حيث لا يشعر. لكنّه إن نفي مثل هذه الإثباتات من تشبيه و تجسيم و أفرط في النفي، وقع في محذور التعطيل. لذا كانت هناك جدليّة عويصة بين نفي التشبيه و نفي التعطيل، نظير الجدليّة العويصة الموجودة بين نفي الجبر و نفي التفويض، فنفي الجبر أدّي بالمعتزلة إلی التفويض الباطل، كأنّما اللّه فوّض إلی العباد تفويضا

عزليّا، أي أنّ قدرته انعزلت و انحسرت عن مخلوقات اللّه - و العياذ باللّه - مثل عطيّة معط إلی طرف آخر، حين تنقطع الصلة بين الواهب و الموهوب و يستقلّ الموهوب بالهبة، و الباري ليس كذلك، يدّعي هذا التفويض عزليّا بحيث يفوّض اللّه أمر المخلوق إليه - و العياذ باللّه - و تنحسر قدرته و هيمنته و إحاطته، و هذا تفويض باطل.

إذا أراد الإنسان نفي التفويض الباطل، قد يفرّط به الحال إلی قوله بأنّ كلّ شيء من خير و شرّ هو مستند إلی الباري، و أن لا إرادة للمخلوق، فيؤدّي به إلی الجبر، و إذا أراد إثبات الفاعليّة و القدرة للّه في الأفعال بالقول المطلق، قد يجرّه هذا إلی الجبر، و إن أراد نفي إسناد الشرور إليه تعالی و نفي الإكراه و الإلجاء قد يؤدّي به النفي المطلق إلی التفويض. و لا ريب أنّ اعتماد الطريق الوسط يكون باتّباع «الأمر بين أمرين» القاعدة التي أبانها أهل البيت عليهم السّلام، و هي طريقة صعبة غامضة.

فالبحث في هاتين القاعدتين - إذا - و عر و صعب، و كثيرا ما يخوض الإنسان فيهما - كما يقول محقّقو علماء الإماميّة من فلاسفة و متكلّمين - بشكل مفصّل و يكتب كتبا و أسفارا و صفحات في بيان تحقيق هاتين القاعدتين، لكنّه يقع من حيث لا يشعر - رغم تحقيقه و تنقيحه مثل هذه المباحث - في أبواب المعارف الاخري، يقع في

خلاف هاتين القاعدتين، و يترك - لا شعوريّا - الالتزام بهاتين القاعدتين، و يقع في محاذير اخري، أي رغم أنّه يسلك مسلك الاختيار لكن من حيث لا يشعر، يقع في مسلك الجبر أو مسلك التفويض، و كذلك في مسألة التعطيل و التشبيه.

و لا بدّ من التركيز الدقيق علی هاتين القاعدتين، لأنّهما ناخرتان في عظام منظومة كثير من المعارف، و كذلك ما نحن فيه، و هي قضيّة الحساب.

نفي التشبيه و علاقته بمبحث المعاد

إذا اعتمدنا مذهب الحقّ القائل إنّ الباري تعالی ليس بجسم، لا يشابه أحدا من خلقه، و لا يشبهه أحد من خلقه، فلا يمكن قصر ذلك علی دار الدنيا فقط، بل في كلّ العوالم و المشاهد بالطبع، فهو جلّ و علا - علی كلّ - لا تحيط به النشآت المخلوقة، كنشأة الآخرة، و نشأة الدنيا، و نشأة البرزخ، و نشأة القبر، فهو ليس جسما محدودا لتحيط به النشآت. و إن كان شأنه تعالی كذلك، فهل يتوقّع أصحاب مذهب التجسيم أن نقول بأنّ إياب الخلق إلی اللّه في يوم القيامة، يعني أن نشاهد اللّه تعالی بالرؤية البصريّة، الجسمانيّة، الجغرافيّة، المكانيّة، بحيث نتوجّه وجهة جغرافيّة للبارئ تعالي؟ هذا ممّا

لا يمكن التفوّه به، لأنّه يستلزم محدوديّة الباري، و إلاّ لصدقت مقولة قريش العاصية علی رسالة السماء: «إذا كانت عدّة أصحاب النار الملائكة تسعة عشر، فنحن قريش جمهورنا غفير، نقيم بدرا أو احدا اخري و نتغلّب عليهم!»، أو تلك المقولات الإسرائيليّة التي تخبر بمصارعة بين اللّه عزّ و جلّ و بين يعقوب، و لطم وجه اللّه تعالی - و العياذ باللّه - و غيرها من السفاسف.

و ربّ قائل: إن كان اللّه عزّ و جلّ ليس بجسم و لا يشبه أحدا من خلقه، فأيّ معني لإياب الخلق إلی اللّه و حسابه مع اللّه؟

يجب - أوّلا - نفي التجسيم في مبحث المعاد، لأنّه لا يصحّ اكتفاء الباحث بنفي قاعدة التجسيم في مبحث من المباحث فحسب، فنفي التجسيم و التشبيه قاعدتان ركنيّتان في مبحث التوحيد، لذا يعمّ نفيهما لمبحث المعاد، لا سيّما و أنّ المعاد هو نوع من التوحيد، فهو توحيد الغاية.

فلا تشبيه و لا تجسيم في المعاد - إذا - أي أنّ اللّه عزّ و جلّ ليس بجسم، و المقصود بقوله تعالی: (وُجُوهٌ یَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلي رَبِّها ناظِرَةٌ) (1)ليس النظر الجسماني و إنّما الرؤية القلبيّة، كما قال


1) القيامة 22:75 و 23.

الصادق عليه السّلام لأبي بصير - تلميذه - حين سأله: هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟

قال عليه السّلام: نعم، و قد رأوه قبل يوم القيامة.

فقلت: متي؟

قال: حين قال لهم: (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلي) (1).

ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال: و إنّ المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، ألست تراه في وقتك هذا؟

قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك، فأحدّث بهذا عنك؟

فقال: لا، فإنّك إذا حدّثت به فأنكر منكر جاهل بمعني ما تقوله، ثمّ قدّر أنّ ذلك تشبيه كفر، و ليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالی اللّه عمّا يصفه المشبّهون و الملحدون»(2).

و هذه الرؤية القلبيّة التي يثبتها مذهب الإماميّة - مدرسة أهل البيت عليهم السّلام -.

فقولنا: بأنّ الملائكة - علی سبيل المثال - في عرصات يوم القيامة هي أجسام لطيفة نورانيّة، هو قول لا يوصف به الباري تعالي، لأنّه


1) الأعراف 172:7.

2) التوحيد: 117، الحديث 20.

لا يصحّ أن نثبت له جسما أو شبها بأحد من خلقه. لكنّنا بنفينا المطلق للتجسيم هنا قد نقع في التعطيل. فلا يمكن لنا - مثلا - أن نعطّل اللّه عزّ و جلّ عن الحاكميّة في يوم القيامة، لأنّ الإغراق في النفي، أي الاقتصار عليه يؤدّي إلی التعطيل، و نفي النفي، أي نفي التعطيل يعني الإثبات، و الإغراق في الإثبات بكلّ صفة إثباتيّة، يؤدّي إلی التجسيم و التشبيه، فما الحلّ لهذا الإشكال؟

مع نفي التجسيم و التشبيه يوم القيامة، لا بدّ - أيضا - من نفي التعطيل، فكيف نفسّر أنّ الحاكم الأوّل هو اللّه عزّ و جلّ، و أنّه هو الحاكم يوم الدين، و هو مالك يوم الدين، و ديّان يوم الدين، الأوّل و الآخر؟

هذا التساؤل لا يطرح في المعاد فقط، بل حتّي في دار الدنيا، و هؤلاء المستشكلون و المتسائلون يثيرون العجب، فكأنّما يريدون أن يوحّدوا اللّه عزّ و جلّ في يوم المعاد دون دار الدنيا! (إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ )(1)، ليس الحكم في التشريع فحسب، (إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ) بل هو في كلّ مجال حتّي في الحكم و الحاكميّة السياسيّة و حتّي في التكوين، (وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ یَشاءَ اللّهُ إِنَّ اللّهَ كانَ عَلِیماً حَكِیماً )(2).


1) الأنعام 57:6. يوسف 40:12 و 67.

2) الإنسان 30:76.

إنّ الحكم التكويني الحكم المعني بقوله تعالی:(إِنِ الْحُكْمُ )و فرض الإرادة هي بالأصالة للّه عزّ و جلّ، و قدرة خلقه هي من بعده.

الفرق بين نظرة مدرسة أهل البيت عليهم السّلام و نظرة بقيّة المدارس لصفات اللّه تعالي

لذلك وجد فرق بين عقيدة أهل البيت عليهم السّلام و عقائد بقيّة مذاهب المسلمين، فهم يرون أنّ اللّه عزّ و جلّ غير متسلّط الآن في النظام الاجتماعي أو السياسي، لأنّه أتي لهم فقط بدستور خالد سماوي من شريعة و دين، ثمّ ترك الامور علی غاربها! فقوّته و قدرته و صلاحيّته - كما يرون - هي قوّة تشريعيّة بناء علی حكمه، فالسلطة التشريعيّة بيد اللّه، أمّا السلطة السياسيّة و السلطة التنفيذيّة و السلطة القضائيّة هي كلّها ليست بيد اللّه!

لم تستطع أيّ مدرسة أو أيّ مذهب من المذاهب الإسلاميّة أن تصل إلی تفسير ما وصلت إليه مدرسة أهل البيت عليهم السّلام من أنّ اللّه سبحانه و تعالی حاكم علی كلّ الأصعدة و المقامات، لا في يوم الدين فحسب، بل إنّه حاكم هاهنا في دار الدنيا، و الحاكم الأوّل هو اللّه عزّ و جلّ، لكنّها لم تثبت هذه العقيدة بتجسيم و لا تشبيه و لا تعطيل، بل إنّ المدارس الإسلاميّة الاخري التزموا بالتعطيل في دار الدنيا!

فقالوا بأنّ السلطة التشريعيّة هي للّه، أمّا السلطة التنفيذيّة و السياسيّة و العسكريّة و القضائيّة، فهي كلّها محسورة و منعزلة عن القدرة الإلهيّة - و العياذ باللّه - نظير مقالة اليهود:( یَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَیْدِیهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ یَداهُ مَبْسُوطَتانِ )(1).

تصرّف اللّه لا ينحسر في دار من دور الخلقة، و لا نشأة من نشآتها، و هو إن كان مخصوصا في دار الدنيا فهو كذلك في يوم القيامة، و إن كان عامّا في يوم القيامة فهو كذلك في دار الدنيا. أمّا تفسير أهل البيت عليهم السّلام حاكميّة اللّه في دار الدنيا، فإنّ الحاكم الأوّل كان اللّه حتّي في حكومة الرسول صلّي اللّه عليه و اله، و حتّي في حكومة أمير المؤمنين عليه السّلام، فلم يكن الحاكم الأوّل هو أمير المؤمنين، إنّما هو اللّه تعالي، و كان الحاكم الثاني في حكومة أمير المؤمنين عليه السّلام في خمس سنوات أيضا هو الرسول صلّي اللّه عليه و اله، و كان الحاكم الثالث هو أمير المؤمنين عليه السّلام.

يقول اللّه تعالی: (وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ یَشاءَ اللّهُ) (2)، (عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا یَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ یَعْمَلُونَ )(3)، هم مهبط مشيئات اللّه، و مهبط إرادات اللّه، فإرادتهم مؤتمرة بإرادة اللّه، حتّي


1) المائدة 64:5.

2) الإنسان 30:76.

3) الأنبياء 26:21 و 27.

إرادة اللّه التنفيذيّة و السياسيّة و العسكريّة و القضائيّة، في الآيات القرآنيّة:

(يا أَیُّهَا النَّبِیُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَ الْمُنافِقِینَ وَ اغْلُظْ عَلَیْهِمْ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِیرُ )(1).

(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّیهِمْ بِها )(2).

(يا أَیُّهَا النَّبِیُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَی الْقِتالِ )(3).

(يا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ یُبایِعْنَكَ عَلي أَنْ لا یُشْرِكْنَ بِاللّهِ شَیْئاً وَ لا یَسْرِقْنَ وَ لا یَزْنِینَ وَ لا یَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَ لا یَأْتِینَ بِبُهْتانٍ یَفْتَرِینَهُ بَیْنَ أَیْدِیهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَ لا یَعْصِینَكَ فِی مَعْرُوفٍ فَبایِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ )(4).

ينبغي أن لا نقرأ هذه الآيات بحسب موارد النزول فقط باعتبارها تشريعات كلّيّة فحسب، لأنّ قراءة القرآن و تفسيره لا يقتصر علی هذا


1) التوبة 73:9. التحريم 9:66.

2) التوبة 103:9.

3) الأنفال 65:8.

4) الممتحنة 12:60.

النحو فقط عند أهل البيت عليهم السّلام. لا تقتصر هذه علی كونها تشريعات كلّيّة فقط، إنّما هي تطبيقات إلهيّة سياسيّة و تنفيذات إجرائيّة أيضا، كما أنّ كلّ بند هو بند تشريعي كلّي في تفسير القرآن، هو أيضا بند إجرائي تنفيذي تفصيلي من اللّه عزّ و جلّ، و حاكميّة، فكما هو تشريع عامّ في الجهاد، و تشريع في الاقتصاد، و تشريع في السياسة، و تشريع في السياسة الماليّة، و كذا في الطلاق و في الظهار، و كذا في الأحوال الشخصيّة، كذلك كانت حكومة و حاكميّة جزئيّة و إنفاذ حاسم باتّ في تلك الموارد كانت الحاكميّة الاولي بحسب منطق القرآن للّه عزّ و جلّ، و من بعده للرسول صلّي اللّه عليه و اله هي امور تفصيليّة و ليست تشريعات كلّيّة فقط، و الملفت للنظر أنّ هذه الجهة قد أغفلها عامّة المفسّرين من كلا الفريقين - مع الأسف - بخلاف روايات أهل البيت عليهم السّلام.

حاكميّة اللّه تعالی كما تراها مدرسة أهل البيت عليهم السّلام

إذا فحكومة الرسول صلّي اللّه عليه و اله التي نشاهدها في القرآن، نشاهد فيها اللّه تعالی الحاكم الأوّل، و ليست هي من ناحية السلطة و الصلاحيّات التشريعيّة للّه عزّ و جلّ فقط، بل الصلاحيّة و التصرّفات السياسيّة، و السلطة القضائيّة، فالقاضي الأوّل هو اللّه عزّ و جلّ.

في المنعطفات الخطيرة تسلّم الامور إلی قضاء اللّه، و في المنعطفات الاقتصاديّة الخطيرة الحاكم الاقتصادي الأوّل هو اللّه،

و في المنعطفات العسكريّة الخطيرة الحاكم أيضا هو اللّه عزّ و جلّ، و بعده تأتي حاكميّة الرسول صلّي اللّه عليه و اله في الامور التي دون ذلك. و لا تجد هذه النظرة التوحيديّة و الحاكميّة للّه عزّ و جلّ في دار الدنيا عند غير مدرسة أهل البيت عليهم السّلام، و هي ليست - في عقيدة مدرسة أهل البيت - خاصّة بحكومة الرسول و بعهد الرسول صلّي اللّه عليه و اله، و إنّما هي كذلك في عهد الأئمّة، ففي حكومة أمير المؤمنين عليه السّلام، كان الحاكم الأوّل هو اللّه كذلك، لأنّ أمير المؤمنين عليه السّلام مهبط إرادات اللّه ليس بصاحب شريعة جديدة، إنّما منفّذ الشريعة و مطبّقها، فيتنزّل الأمر علی الرسول صلّي اللّه عليه و اله، و لو في عوالم البرزخ أو عالم الآخرة، ثمّ يتنزّل علی أمير المؤمنين عليه السّلام، و من ثمّ يأتمر أمير المؤمنين و هو في دار الدنيا بأوامر النبيّ التفصيليّة، و هو صلّي اللّه عليه و اله في البرزخ. نحن لا نحسر ولاية الرسول صلّي اللّه عليه و اله بدار الحياة الدنيا: «يا حسين، اخرج إلی العراق، إنّ اللّه شاء أن يراك قتيلا»(1).

فخروج الحسين عليه السّلام كان بأمر من اللّه و رسوله صلّي اللّه عليه و اله، فالرسول هو رسول مطاع حتّي في دار الآخرة( وَ أَطِیعُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ )(2)، و كما أنّ طاعة اللّه ليست مخصوصة بحياة الرسول صلّي اللّه عليه و اله،


1) اللهوف: 40. بحار الأنوار: 364/44. العوالم - الإمام الحسين عليه السّلام: 214.

2) الأنفال 1:8.

و إنّما هي طاعة مطلقة، و كذلك (وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ )، فلا يظنّ ظانّ أنّها طاعة مخصوصة أو مقيّدة بوجوده الشريف صلّي اللّه عليه و اله في دار الدنيا، بل هي مستمرّة لوجوده في دار الآخرة. غاية الأمر الرابط بيننا و بين وجوده صلّي اللّه عليه و اله في دار الآخرة هو أئمّة أهل البيت عليهم السّلام.

يسائل ابن عبّاس سيّد الشهداء عليه السّلام: أنت مؤتمر بأمر الرسول بالشهادة، فما بال هذه النسوة أن تصطحبهنّ معك؟

فقال سيّد الشهداء عليه السّلام: إنّ اللّه شاء أن يراهنّ سبايا.

قوله: «إنّ اللّه شاء» هذه حاكميّة تفصيليّة. ففي عهد الحسين عليه السّلام كان الحاكم الأوّل في نظام المسلمين الذي يدبّره و يديره الحسين عليه السّلام، هو اللّه عزّ و جلّ، ثمّ الرسول صلّي اللّه عليه و اله، ثمّ الحسين عليه السّلام.

إذا فالحاكم الأوّل علی كلّ الأصعدة حتّي الصعيد السياسي في دار الدنيا هو اللّه عزّ و جلّ بحسب مدرسة أهل البيت عليهم السّلام، التي لم تعطّل حاكميّة اللّه تعالی حتّي في النشأة الدنيا، و لا يصحّ أن يقودنا هذا الإثبات إلی تشبيه أو تجسيم فنقول بأنّ اللّه شابّ أمرد أملس و فتي بهيّ جميل - و العياذ باللّه -، أو أن نقول بعدم مشابهة اللّه عزّ و جلّ للأجسام لنشبّهه بغيره من المخلوقات، فنقول بأنه روح أعظم - و العياذ باللّه - أو نقول بكونه نورا مختلطا بالسموات، تتولّد منه طاقات اخري - و العياذ باللّه -( لَمْ یَلِدْ وَ لَمْ یُولَدْ * وَ لَمْ یَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ )إقامة التوحيد

صعب مستصعب، بل ممتنع بغير النبيّ و أهل بيته (صلوات اللّه عليهم)، (لَمْ یَلِدْ وَ لَمْ یُولَدْ * وَ لَمْ یَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ )ليس اللّه تعالی بجسم، و ليس له شبيه، فلا يشابه خلقه، و لا يجوز تعطيل صفاته.

حينئذ تسدّ أمامنا الأبواب، و لا نجد بابا نفتحه سوي باب توصيف و توحيد: التوحيد القائم علی التنزيه عن التشبيه، و علی نفي التعطيل، و إثبات حاكميّة اللّه عزّ و جلّ، فالقول إنّه هو الحاكم الأوّل حتّي في دار الدنيا في النظام الاجتماعي و في النظام السياسي و نظام الخلقة... بالآيات، و بأسماء، و بخليفته (إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً )(1)، و لا يعني هذا المنطق القرآني (إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً )التفويض العزلي و التعطيل للّه، أو انتفاء قدرة اللّه أو انحسارها - و العياذ باللّه -.

بيان أمير المؤمنين عليه السّلام في وصف الذات الإلهيّة

لا يصحّ إثبات صفات اللّه عزّ و جلّ بمباشرته بجسمانيّة، لأنّ الذي يفعل بمباشرة هو الذي يفتقر في فعله إلی القرب لكونه بعيدا من المفعول، و ليس توحيد اللّه مباشرته بتشبيه من خلقه، فيكون روحا أو نورا يحلّ في الجسد، و إلاّ لصرنا نقول بقول مذهب الحلوليّة الصوفيّة،


1) البقرة 30:2.

القائل بأنّ اللّه يحلّ في روح الإنسان أو في جسده أو نوره (مَثَلُ نُورِهِ)(1)نوره أي الخلوق، و نور السماوات يعني فعله لا ذاته. يقول الإمام عليّ عليه السّلام عنه تعالی أنّه: «داخل في الأشياء لا بالممازجة، و خارج عن الأشياء لا بالمزايلة»(2)المطلب الذي دقّ فهمه علی الحكماء إلی القرن الواحد و العشرين الميلادي، و القرن الخامس عشر الهجري، و قد قالها عليه السّلام قبل أربعة عشر قرنا!

في نهج البلاغة نهج حكمي معقّد، بل إنّ الحكماء أنفسهم استعصي عليهم شرحه، فمع هذه المدارس الفلسفيّة و عملقتها، تبدو حيرتهم من قول عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: «داخل في الأشياء لا بالممازجة، و خارج عن الأشياء لا بالمزايلة» الكلمات التي تتحدّث البشريّة إلی يوم القيامة في المعجزة العلميّة، معجزة المعارف.

و حتّي روّاد الفيزياء الحديثة يحارون في فهم هذا المطلب، و هذه هي و عورة التوحيد و التوصيف، «لا تجسيم و لا تعطيل، إنّما توصيف بتوحيد». هذه القاعدة قاعدة اعتقاديّة عميقة عملاقة خطيرة، كما في أمر حاكميّة اللّه عزّ و جلّ في دار الدنيا، بأن يكون حاكما بقدرته و هيمنته و إحاطته حتّي علی خلفائه، بدءا من خليفة اللّه


1) النور 35:24.

2) شرح اصول الكافي: 63/3.

آدم إلی النبيّ الخاتم صلّي اللّه عليه و اله و إلی الوصيّ الخاتم (عجّل اللّه فرجه الشريف)، فهو قادر علی وجودهم و علی أفعالهم، و هم مفتقرون إليه في وجودهم و في أفعالهم و في صفاتهم، لا يستغنون و لا يستقلّون عن فيضه طرفة عين، و لا ما هو أقلّ من ذلك، فخلقه قائم به تعالي.

هذا هو معني تصرّف اللّه و قدرته، و هذا هو معني عدم تعطيله، فلا يعني ذلك تجسيمه أو تشبيهه، لأنّ تصرّفه نافذ، و قدرته نافذة، و فعله نافذ، حاكم، مهيمن، مسيطر علی المخلوقات من أشرفها إلی أدناها، و هذا معني تصرّفه و حاكميّته. لا يعني أنّ حاكميّته في دار الدنيا تكون في قصر رئاسة جمهوريّة أو قصر ملكي! ألا نقرأ في الدعاء: أَغْلَقَتِ الْمُلُوكُ أَبْوَابَهَا، وَدَارَتْ عَلَيْهَا حُرَّاسُهَا، وَبَابُكَ مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعَاكَ(1).

ليس له حجّاب، و لا يصحّ القول لإثبات هذه الحاكميّة بوجود قصر رئاسي للّه عزّ و جلّ في الدنيا، أو بتنزّله في عرفة و في ليلة الجمعة علی دابّة - و العياذ باللّه -!

حاكميّة اللّه عزّ و جلّ و مالكيّته هي ليوم الدين و لدار الدنيا و لكلّ العوالم، فهو مالك يوم الدين، و هو مالك كلّ شيء، و( إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ )، سواء في دار الدنيا أو في دار الآخرة، و في كلّ مجال و موقع.


1) بحار الأنوار: 309/48.

وساطة المخلوقات في أفعال الالوهيّة

حاكميّة اللّه عزّ و جلّ هي بتوسّط من حكومة أوليائه، لأنّ أولياءه قائمون بوجوده و فعله و تصرّفه. و لذا نشاهد هذا المنطق مذكورا في القرآن الكريم، حتّي في التوفّي و الإماتة اللذان يسندهما القرآن الكريم تارة إلی اللّه عزّ و جلّ، و تارة إلی ملك الموت عزرائيل، و تارة إلی أعوان عزرائيل و هم الملائكة الآخرون.

ليس هذا تناقضا و لا تنافيا في القرآن الكريم، بل إنّها - كما يقولون - سلسلة مراتب تباعا طوليّة: فاللّه أقدر عزرائيل علی الإماتة، لكنّ قدرة عزرائيل قائمة باللّه، و قدرته تعالی علی قدرة عزرائيل أقدر من قدرة عزرائيل علی قدرة نفسه - التي وهبها اللّه له - لذلك نري التعبير القرآني:

(اَللّهُ یَتَوَفَّی الْأَنْفُسَ حِینَ مَوْتِها وَ الَّتِی لَمْ تَمُتْ فِی مَنامِها )(1).

(وَ هُوَ الَّذِی یَتَوَفّاكُمْ بِاللَّیْلِ وَ یَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ )(2).

و غيرها من الآيات التي أسند فيها التوفّي إلی ذاته المقدّسة، و مع ذلك يقول تعالی في سورة السجدة:(قُلْ یَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِی


1) الزمر 42:39.

2) الأنعام 60:6.

وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلي رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (1).

كذلك يسند القرآن الكريم إسنادا ثالثا فيقول: (وَ لَوْ تَري إِذْ یَتَوَفَّی الَّذِینَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ یَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبارَهُمْ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِیقِ )(2)إسنادات ثلاثة، تارة إلی ذاته المقدّسة، و تارة إلی عزرائيل، و تارة إلی الملائكة أعوان عزرائيل، و ليس ذلك تناقضا في القرآن الكريم، بل إنّ هذا هو التوحيد. و هو كذلك في الحاكميّة، و كذلك في الإحياء، فهو يسند الإحياء تارة إلی ذاته المقدّسة، و تارة إلی إسرافيل (یَوْمَ یُنْفَخُ فِی الصُّورِ )(3)، فقال: ينفخ و لم يقل: أنفخ في الصور.

فأفعال الالوهيّة عند اللّه عزّ و جلّ - إذا - من إحياء و إماتة، و حاكميّة و ديّانيّة، يجريها اللّه تعالی علی يد المقرّبين و المكرّمين من مخلوقاته، و هي بتوسّط أشراف مخلوقاته، أي مخلوقاته الشريفة، التي هي من الملائكة المقرّبين و من الأنبياء و الرسل، فأفعالهم تسند إليه تعالي، لأنّ كلّ فعلهم قائم به، و كلّ وجودهم قائم به.

أمّا عن تصوير القرآن الكريم و أهل البيت عليهم السّلام لحاكميّة اللّه في


1) السجدة 11:32.

2) الأنفال 50:8.

3) الأنعام 73:6. طه 102:20. النبأ 18:78.

التكوين في دار الدنيا و دار الآخرة، فحاكميّة اللّه في التكوين، تشمل حاكميّة اللّه في النظام الاجتماعي - كما في مدرسة أهل البيت عليهم السّلام - و كذلك حاكميّة اللّه في دار الآخرة: ديّان يوم الدين بأن ينصب خلفاء له يدينون الناس، كما في قوله تعالی في سورة الأعراف: (وَ بَیْنَهُما حِجابٌ وَ عَلَی الْأَعْرافِ رِجالٌ یَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِیماهُمْ )أنّ هناك في عرصة القيامة رجال علی الأعراف لديهم معرفة بكلّ من أصحاب الجنّة و أصحاب النار، و ذلك بتوسّط علم التوسّم و معرفة سيماء كلّ من الفريقين.

و من الواضح أنّ هذا مقام يشرف و يهيمن علی الفريقين، ثمّ تتابع الآية: (وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَیْكُمْ لَمْ یَدْخُلُوها وَ هُمْ یَطْمَعُونَ * وَ إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِینَ) (1)، أي نادي أصحاب الأعراف أصحاب الجنّة بتسليمهم عليهم (لَمْ یَدْخُلُوها وَ هُمْ یَطْمَعُونَ) أي أنّ أصحاب الجنّة لم يدخلوا بعد الجنّة و هم يطمعون، و غالب المفسّرين أرجع الضمير إلی أصحاب الأعراف، و هو خطأ فاحش، كما سيظهر من بيان بقيّة الآيات، و كما يظهر من الآية المتقدّمة أيضا، حيث بيّنت مقام الإشراف لأصحاب الأعراف علی معرفة الفريقين من


1) الأعراف 46:7 و 47.

أصحاب الجنّة و أصحاب النار، و قوله: (وَ إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِینَ) ، و الفعل هاهنا أيضا مسند إلی أصحاب الجنّة أنّهم إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قال أصحاب الجنّة: رَبَّنا... ، بقرينة ما سبق، و لا سيّما أنّ بعد ذلك قوله تعالی: (وَ نادي أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً یَعْرِفُونَهُمْ بِسِیماهُمْ قالُوا ما أَغْني عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَ هؤُلاءِ الَّذِینَ أَقْسَمْتُمْ لا یَنالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَیْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ )(1).

فإسناد فعل النداء إلی أصحاب الأعراف مع التصريح بصفتهم و عنوانهم دالّ علی أنّ الجمل السابقة في الذين لم يدخلوا الجنّة - و هم يطمعون، و الذين إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار - هؤلاء هم أصحاب الجنّة قبل دخولهم الجنّة، و أنّ أصحاب الأعراف ينادون بعض أصحاب النار متميّزين بسيماء يعرفها بالتوسّم أصحاب الأعراف، فيخاطبونهم: «أهؤلاء» أي يشير أصحاب الأعراف إلی أصحاب الجنّة في حين مخاطبة أصحاب الأعراف و نداءهم إلی بعض رجال أصحاب النار، أهؤلاء الذين أقسمتم أن لن ينالهم اللّه برحمة، أي لن ينال اللّه أصحاب الجنّة برحمة بعد أن يخاطب أصحاب


1) الأعراف 48:7 و 49.

الأعراف اولئك الرجال من أصحاب النار (مَا أَغْني عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) ، ثمّ يخاطب أصحاب الأعراف أصحاب الجنّة:

(اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَیْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) .

و هذا يدلّ علی مقام عظيم آخر لأصحاب الأعراف أنّهم هم الذين يأذنون لأصحاب الجنّة في دخول الجنّة، و هذا ممّا يدلّ علی أنّ أصحاب الأعراف هم الموكّل لهم من قبل اللّه تعالی حساب الخلق و مداينة أصحاب النار و مجازاة أصحاب الجنّة، و أنّهم أصحاب الأعراف قد اعطوا علم و معرفة الفريقين بتوسّط علم التوسّم و معرفة سيماء كلّ فريق، و أنّهم الذين يقسمون الخلق إلی فريقين، و يميّزون كلّ فريق عن الآخر.

و أصحاب الأعراف هؤلاء قد أفصح القرآن عنهم، و هم الشهداء علی الخلق الذين يشهدون علی العباد أعمالهم، كما قال اللّه تعالی في آخر سورة الحجّ: (هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَیْكُمْ فِی الدِّینِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِیكُمْ إِبْراهِیمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِینَ مِنْ قَبْلُ وَ فِی هذا لِیَكُونَ الرَّسُولُ شَهِیداً عَلَیْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَی النّاسِ )(1)، فأفصح عنهم القرآن أنّهم من نسل إبراهيم و ذرّيّته، و أنّهم الذين اجتباهم اللّه و اصطفاهم من


1) الحجّ 78:22.

هذه الامّة، و أنّ خاتم المرسلين و سيّد الأنبياء شاهد عليهم و هم شهداء علی الناس، و قد اشير إليهم في سورة البقرة في دعوة إبراهيم و إسماعيل: (رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَیْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّیَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَیْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِیمُ * رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِیهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آياتِكَ) (1)، فهم محلّ دعوة إبراهيم و إسماعيل و من نسلهما، و سمّاهم من قبل المسلمين كما أنّهم محلّ دعوة إبراهيم في قوله تعالی: (وَ إِذِ ابْتَلي إِبْراهِیمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّی جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّیَّتِی قالَ لا یَنالُ عَهْدِی الظّالِمِینَ) (2)، فأجابه تعالی بجعل الإمامة في ذرّيّته المصطفون المجتبون المنزّهون عن المعاصي و الظلم، و هم أهل آية التطهير، فهؤلاء هم الشهداء المجتبون علی أعمال الخلق، فهم الذين يعرفون أصحاب الأعمال الصالحة و أصحاب الأعمال الطالحة، و هم أصحاب الأعراف الذين يعرفون الفريقين بسيمائهم و يدينون أصحاب النار و يأذنون لأصحاب الجنّة بدخولها، فمن ثمّ ينطبق عليهم قوله تعالی:

(وَ نَضَعُ الْمَوازِینَ الْقِسْطَ) (3)، فيصحّ أن يسند إليهم الميزان


1) البقرة 128:2 و 129.

2) البقرة 124:2.

3) الأنبياء 47:21.

• كما قال سيّد الأوصياء عليه السّلام -: «أنا موازين القسط»(1)، شهداء علی الناس، و اللّه عزّ و جلّ أشار إلی دورهم، فقال: (وَ یَوْمَ نَبْعَثُ فِی كُلِّ أُمَّةٍ شَهِیداً عَلَیْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِیداً عَلي هؤُلاءِ) (2)، و باعتراف الفخر الرازي يقول: إنّ هذه الآية دالّة علی وجود شاهد - في كلّ القرن - لا يزلّ و لا يخطئ، لأنّه لو كان يزلّ أو يخطئ، لكان أحقّ أن يشهد عليه، لا أن يكون شاهدا علی النّاس، و قد تكرّر هذا في آيات و سور عديدة في القرآن الكريم، بأنّ هناك أشهاد علی الامم و الناس في البشريّة، و هؤلاء الأشهاد من هذه الامّة: (مِلَّةَ أَبِیكُمْ إِبْراهِیمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِینَ مِنْ قَبْلُ وَ فِی هذا لِیَكُونَ الرَّسُولُ شَهِیداً عَلَیْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَی النّاسِ فَأَقِیمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ اعْتَصِمُوا بِاللّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلي وَ نِعْمَ النَّصِیرُ) (3)شهداء يوم القيامة، أي الذين يداينون الناس، الشاهد يعني الذي يدين، إنّ فعل الحسن فبحسن، و إن فعل القبيح فبقبيح، و الديّان فوقهم هو الرسول، و الديّان فوق الرسول هو اللّه عزّ و جلّ، فهي سلسلة مراتب و صلاحيّات، كما في حاكميّة اللّه عزّ و جلّ في دار الدنيا، التي لم يثبتها

1) حلية الأبرار: 125/2.

2) النحل 89:16.

3) الحجّ 78:22.

غير أهل البيت عليهم السّلام، ليست حاكميّة الصلاحيّة التشريعيّة فحسب، بل حتّي الحاكميّة السياسيّة، فالحاكم السياسي الأوّل في حكومة الرسول هو اللّه عزّ و جلّ، و هو الحاكم العسكري الأوّل، و الحاكم الاقتصادي الأوّل، يأمرهم بالحرب أو الغزو أو المعاهدة. هذه النظريّة في غير عقيدة أهل البيت عليهم السّلام غير مصوّرة، بل تحسر يدي البارئ عزّ و جلّ عن التصرّف، و العياذ باللّه.

أقسام الصفات الإلهيّة

نخلص من هذا كلّه، و نستنتج و نصل إلی قاعدة عامّة في صفات الباري الفعليّة، باعتبار أنّ الصفات الإلهيّة تنقسم إلی قسمين:

1 - الصفات الذاتيّة (كالوجود، و الأحديّة، و الواحديّة، و الحياة، و القدرة، و الديموميّة، و الأوّليّة و الآخريّة، و العلم)، و السمع و البصر يرجعان إلی العلم بهذا المعني: (اَلسَّمِیعُ الْبَصِیرُ) .

2 - الصفات الفعليّة، مثل الرازق، الباسط، المميت، المحيي، الحاكم، مالِكِ یَوْمِ الدِّینِ ، و ما شابه ذلك.

و يعبّرون عن الضابط بين الصفات الفعليّة و الصفات الذاتيّة، بأنّ الصفات الفعليّة تارة تثبت له تعالي، و تارة يثبت ضدّها: فالمحيي يثبت، و المميت يثبت، و الرازق يثبت، و المقدر يثبت، كلّها ثابتة

للباري تعالي. فالصفات الفعليّة - إذا - ترجع لنفس فعله تعالي، و فعله تعالی مخلوق له، فإذا كان الفعل مخلوقا له، فإنّ تجلّي الباري تعالی بصفاته الفعليّة هو تجلّ بفعله لا بتجسيمه تعالي، و لا بتشبيهه بأحد من خلقه، سواء كان المشبّه به جسما أو نورا أو غيره، بل إنّ تجلّيه في صفاته الفعليّة هو بتوسّط فعله، و كلّ مخلوقاته هي فعله، حتّي الجواهر الروحيّة، و الجواهر النورانيّة و النوريّة، و الجواهر الجسمانيّة، كلّها له تعالي، كما يقول الباري تعالی عن النبيّ عيسي و امّه:

(وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْیَمَ وَ أُمَّهُ آیَةً وَ آوَیْناهُما إِلي رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِینٍ) (1).

(إِنَّمَا الْمَسِیحُ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ رَسُولُ اللّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلي مَرْیَمَ) (2)، فنفس وجود النبيّ عيسي هو كلمة من كلمات اللّه تعالي، تكلّم بها اللّه تعالي، و آية من آياته تجلّي بها اللّه تعالي.

تجلّي صفات اللّه بتوسّط أفعاله و مخلوقاته الشريفة

هنا قاعدة عامّة، فالأفعال و الصفات الفعليّة، التي هي مشتقّة أو هي عين الأفعال، تعني تجلّي اللّه عزّ و جلّ بالفعل نفسه، مثل تعبير


1) المؤمنون 50:23.

2) النساء 171:4.

الإمام الصادق عليه السّلام: «غضب اللّه عقابه، و رضاه ثوابه»(1).

فليست هذه الصفات كأحوال عارضة علی الجسم أو علی جوهر نفساني أو علی جوهر نوراني أو غيره. في الصفات الفعليّة و في أفعال الباري - إذا - قاعدة عامّة: تجلّي الباري تعالی بتوسّط مخلوقاته الشريفة، فكما مرّ بنا حول حاكميّته تعالی في دار الدنيا، التي كانت بنزول المشيئات و الإرادات الإلهيّة علی قلب الرسول صلّي اللّه عليه و اله، فكان هذا مظهرا لحاكميّة اللّه في النظام البشري، و كذلك في قوله تعالی: (إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً) (2)، لا يعني انحسار قدرته تعالي، و إنّما هو أقدر في تلك القدرة التي أقدر المخلوق عليها، و هو أقدر من المخلوق علی تلك القدرة من الخلوق نفسه، و هو الذي عبّر بذلك - في قول قريب من هذا المضمون - أمير المؤمنين عليه السّلام في نهج البلاغة.

فقدرة البارئ عزّ و جلّ غير محصورة، و لا يصحّ القول بعزلته عن قيموميّته علی خلقه، و علی الفعل في خلقه، و هو الذي يفيض هذه القدرة آنا بآن، أو ما هو أقلّ من الآن. المدد هو من الباري تعالی و من ثمّ هو المتحكّم، فصدق بذلك أن توفّي الأرواح يسند تارة إلی ملك الموت، و تارة إلی أعوان ملك الموت، و تارة يسنده القرآن الكريم


1) أمالي الصدوق: 353.

2) البقرة 30:2.

بمعني الفعل إلی الباري تعالي، لأنّ ملك الموت عندما يقوم بهذا الفعل، يكون هذا الفعل مدد من اللّه، و هيمنة و إحاطة من اللّه، و إفاضة من اللّه عزّ و جلّ، فبقدر شعرة أو ما هو أقلّ من الشعرة، أو بقدر الآن أو ما هو أقلّ من الآن، لا يستقلّ عزرائيل عليه السّلام عن مدد اللّه في ذلك.

فالفاعل الحقيقي هو اللّه عزّ و جلّ، لكن مظهر الفعل هو عزرائيل، و عزرائيل أيضا قد يكون له أعوان مثل قولنا بأنّ «يدنا عون لنا»، أو «قوانا عون لنا»، أيضا لعزرائيل أعوان، و هم أيضا يستمدّون القدرة من اللّه عبر عزرائيل.

هذا يصحّح كون الفعل للّه عزّ و جلّ، و هو حقيقة له تعالي، بقدرته القيوميّة و الهيمنة و الإحاطة التي له علی مخلوقاته، ففي الصفات الفعليّة عموما، يكون فعله تعالی بتوسّط صدور تلك الأفعال من مخلوقاته الشريفة، لأنّه هو الذي يمدّ و يفيض تلك القدرة علی مخلوقاته، من ثمّ يكون الفعل مسندا إليه، و لا يتوهّم من قولنا إنّ اللّه تعالی هو ديّان يوم الدين، أنّ للّه تعالی في عرصة يوم القيامة موقعيّة جغرافيّة معيّنة نتّجه إليها، و أنّ تلك الموقعيّة الجغرافيّة هي محدّدة لجسم الباري - و العياذ باللّه -.

إياب الخلق و حسابهم في يوم القيامة

فإيابنا إلی خلفاء اللّه في المحشر، هو إياب للّه عزّ و جلّ، و مداينة

أولياء اللّه للعباد يوم القيامة هي مداينة إلی اللّه، و إلاّ فإنّ عليّا عليه السّلام - كما روي الفريقين - هو قسيم النار و الجنّة «قسيم النار و الجنّة. أقول للجنّة:

هذا محبّك فدعيه يدخل، و للنار: هذا مبغضك فخذيه»(1).

و هو مظهر لفعل اللّه عزّ و جلّ. هذه الصفات للّه عزّ و جلّ ليست خاصّة بنشأة دون اخري لكي نتساءل و نجادل في كيفيّة تفسيرها في نشأة الآخرة دون نشأة الدنيا، ففي النشأة الدنيا - أيضا - يمكن هذا القول إذا صحّ في النشأة الدنيا: (إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً )(2)، بلا عزلة، و كأنّما هذا الذي يتبنّي هذا السؤال أو الإشكال في خلده أو في قناعته أو في ذهنه، يري أنّ انحسار قدرة البارئ لا مانع منه في الدار الدنيا، أمّا في يوم القيامة فهناك مانع! كلّ النشآت ممتنعة عن انحسار قدرة البارئ، و لذا مرّ بنا أنّه ليس هناك نظريّة في المذاهب الإسلاميّة كما في مدرسة أهل البيت عليهم السّلام، من تصوير أنّ الحاكم الأوّل - لا يعزب عن حكومته و حاكميّته - هو اللّه عزّ و جلّ، لم يستطيعوا في بياناتهم الاعتقاديّة أن يصوّروا أو يبيّنوا أو يحقّقوا هذا المطلب، بخلاف مدرسة أهل البيت عليهم السّلام، و هذا سرّ وصف الأئمّة بهذه الصفة المهمّة، أنّهم «مهبط مشيئات اللّه» للدلالة علی مظهر حاكميّة اللّه


1) راجع مناقب أمير المؤمنين: 572/2، باب ما ذكر أنّ عليّ قسيم النار.

2) البقرة 30:2.

عزّ و جلّ: (عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا یَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ یَعْمَلُونَ) (1)في الزيارة الجامعة التي نقرأها.

إن كان هذا هو الحال في الدار الدنيا، و هو لا ينافي حاكميّة اللّه، بل علی العكس من ذلك، فهو يوحّد و يحقّق و يبيّن حاكميّة اللّه عزّ و جلّ، فإنّ الحال هو كذلك في الدار الآخرة، في محاسبتهم عليهم السّلام للخلق، و إلاّ فما معني «قسيم الجنّة و النار؟!»، و ماذا يعني كونهم أصحاب الأعراف»(2)

المؤمنين عليه السلام : «إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَاً بِسِيماهُمْ) فقد روي في المجمع : 262/4 عن الحاكم الحسكاني وهو من حفاظ العامة ، قال عنه الذهبي في تذكرته : 309/3: شيخ متقن ، ذو عناية تامة بعلم الحديث ، كان معمّراً ، عالي الإسناد ، صنف وجمع - بإسناده رفعه إلى الأصبغ بن نباتة ، قال : وكنت جالساً عند علی فأتاه ابن الكواء فسأله عن هذه الآية ، فقال : ويحك يابن الكواء ! نحن نقف يوم القيامة بين الجنّة والنار ، فمن نصرنا عرفناه بسيماء فأدخلناء الجنة ، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار». شواهد التنزيل : 263/1 ، الحديث 256

وعن الغدير : 325/2: وأخرج أبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان:

236/4 : في الآية الشريفة ، عن ابن عباس ، أنه قال : و الأعراف موضع عال من الصراط، عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ، ومبغضيهم بسواد الوجوه ، ، ورواه ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول : 117 ، وابن حجر في الصواعق المحرقة : 101 ، والشوكاني في فتح القدير : 198/2.

.

1) الأنبياء 26:21 و 27.

2) و في تفسير العيّاشي: 18/2، الحديث 43، عن هلقام، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: «سألته عن قول اللّه: (وَ عَلَی الْأَعْرافِ رِجالٌ یَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِیماهُمْ) [الأعراف 46:7] ما يعني بقوله: (وَ عَلَی الْأَعْرافِ رِجالٌ) ؟قال: ألستم تعرفون عليكم عرفاء علی قبائلكم ليعرفوا من فيها من صالح أو طالح؟قلت: بلي.قال: فنحن اولئك الرجال الذين يعرفون كلاّ بسيماهم». تفسير الميزان: 145/8.و يقول أمير المؤمنين عليه السّلام: «أنا قسيم النّار، و خازن الجنان، و صاحب الأعراف» خاتمة المستدرك: 93/3. مختصر بصائر الدرجات: 34. بحار الأنوار: 48/53. ويقول العلامة المجلسي رحمه الله في هامش هذا المقطع من خطبة أمير

و إن كان المفسّرون قد فسّروا «أصحاب الأعراف بمعني أنّهم من تكافأت حسناتهم و سيّئاتهم فلم يستطيعوا الدخول للجنّة، و لم يذهب بهم إلی النار، لكنّ الصحيح في تفسير الأعراف ليس هذا التفسير، و حتّي سياق الآيات لا ينهض بهذا التفسير الدارج عند

المفسّرين، بل هو كما أشارت له روايات أهل البيت عليهم السّلام: أنّهم هم أصحاب الأعراف، هم المتوسّمون، و هم الحكّام، و هم ديّان يوم الدين، نيابة عن اللّه عزّ و جلّ، كما مرّ شرحه مفصّلا بالشواهد السابقة المشار إليها.

هكذا صوّرت مدرسة أهل البيت عليهم السّلام هذا المعني، فالمداينة و المحاسبة يوم القيامة هي فعل من أفعال الباري، يوجده اللّه عزّ و جلّ و لو علی أيدي شرفاء مخلوقاته، لأنّه هو الذي يمدّهم، يمدّ ذواتهم و يمدّ أفعال ذواتهم. يقول تعالی: (عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا یَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ یَعْمَلُونَ) (1)، عباد مكرمون، و كرامتهم علی اللّه أنّ كلّ حركاتهم و سكناتهم و إرادتهم و مشيئاتهم صادرة عن إرادة و مشيئة اللّه، فنقمتهم من نقمة اللّه، و غضبهم من غضب اللّه. و كذا قوله:

«يغضب لغضبها» فأحد تفاسير هذا الحديث الشريف هو أنّ رضا فاطمة عليها السّلام هو صادر من رضا اللّه عزّ و جلّ، و أنّ غضبها هو من غضب اللّه، أو تابع لغضب اللّه.

نظير عبارة الإياب و الحساب في القرآن الكريم

علي ذلك فهذه العبارة: (وَ إِيَابُ الْخَلْقِ إِلَيْكُمْ، وَ حِسَابُهُمْ عَلَيْكُمْ) هي


1) الأنبياء 26:21 و 27.

عين التوحيد، باعتبارهم عليهم السّلام خلفاء اللّه عزّ و جلّ، و مظهر إرادته و مظهر مشيئته، و قد وردت في القرآن الكريم عدّة أفعال لملائكة النار، و ل (مالك) صاحب رئاسة ملائكة النار، و هذه الأفعال هي أفعال اللّه تعالي، لكنّها تظهر علی أيدي خزنة النار. و علی ذلك فهذا التعبير موجود في القرآن الكريم و لا يختلف عليه، فكيف تكون هذه الفقرة في الزيارة الجامعة مخالفة للكتاب و السنّة؟! بل هي مطابقة للكتاب و السنّة! شريطة التضلّع في هذه المعارف الاعتقاديّة، و إلاّ فإنّ كلّ إنسان لا يغور و لا يتدبّر فيها، و يبني حينئذ علی التجسيم و علی التشبيه و نحو ذلك، أو يبني علی أنّ للّه عزّ و جلّ في يوم القيامة موقعيّة جغرافيّة - و العياذ باللّه -، و إن كان ذلك غير حاصل في الدار الدنيا، بل هو تعالی الذي عيّن العين فلا عين له، و هو الذي كيّف الكيف فلا كيف له، و هو الذي خلق الزمان و المتي فلا زمان له.

خرجنا بقاعدة عامّة مهمّة و للّه الحمد، و هي أنّ الصفات الفعليّة للباري لا يتوقّع أن تعرض أو تحلّ أو تطرأ علی ذات الباري، فهذا توهّم، و هذا يستلزم الحدوث، و يستلزم الإمكان و النقص في ذات الباري. إنّ صفاته الفعليّة و أفعاله هذه تقع بأن يوجدها تعالی في مخلوقاته، فالمدد و الفيض يكون منه عزّ و جلّ، و هذا مختلف عن صفاته الذاتيّة، إلاّ بناءه علی التجسيم و التشبيه و ما شابه ذلك.

و صلّي اللّه علی محمّد و آله الطاهرين

المصادر

1 - الاعتقادات: الشيخ الصدوق قدّس سرّه، دار المفيد.

2 - أمالي الشيخ الصدوق قدّس سرّه: مؤسّسة النشر الإسلامي.

3 - الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة: السيّد عبد اللّه شبّر قدّس سرّه، مؤسّسة الوفاء.

4 - بحار الأنوار: الشيخ المجلسي قدّس سرّه، مؤسّسة الوفاء

5 - تأويل الآيات في فضل العترة الطاهرة: السيّد شرف الدين الحسيني قدّس سرّه، مطبعة الأمير.

6 - تفسير الميزان: العلاّمة الطباطبائي قدّس سرّه، مؤسّسة النشر الإسلامي.

7 - تنقيح المقال: الشيخ عبد اللّه المامقاني قدّس سرّه (الطبعة الحجريّة).

8 - التوحيد: الشيخ الصدوق قدّس سرّه، جماعة المدرّسين.

9 - حاشية المكاسب: الشيخ الأصفهاني قدّس سرّه، أنوار الهدي.

10 - حلية الأبرار: السيّد هاشم البحراني قدّس سرّه، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة.

11 - خاتمة المستدرك: المحدّث النوري قدّس سرّه، دار الكتب الإسلاميّة.

12 - رجال النجاشي: الشيخ أبو العبّاس أحمد بن عليّ النجاشي قدّس سرّه،

مؤسّسة النشر الإسلامي.

13 - روضة المتّقين: المولي محمّد تقي المجلسي قدّس سرّه.

14 - شرح الأسماء الحسني: الملاّ هادي السبزواري قدّس سرّه، مكتبة بصيرتي.

15 - شرح اصول الكافي: المولي محمّد صالح المازندراني قدّس سرّه.

16 - شرح دعاء الندبة: السيّد صدر الدين الطباطبائي قدّس سرّه.

17 - عدّة الاصول: الشيخ الطوسي قدّس سرّه، مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام.

18 - علل الشرائع: الشيخ الصدوق قدّس سرّه، المكتبة الحيدريّة.

19 - عوالم الإمام الحسين عليه السّلام: الشيخ عبد اللّه البحراني قدّس سرّه، مدرسة الإمام المهدي عليه السّلام.

20 - عيون أخبار الرضا عليه السّلام: الشيخ الصدوق قدّس سرّه، مؤسّسة الأعلمي.

21 - الغدير: العلاّمة الأميني قدّس سرّه.

22 - الكافي الشريف: ثقة الإسلام الكليني قدّس سرّه، دار الكتب الإسلاميّة.

23 - كتاب الطهارة: السيّد الخوئي قدّس سرّه، دار الهادي.

24 - كتاب الطهارة: الشيخ الأنصاري قدّس سرّه، مؤسّسة الهادي عليه السّلام.

25 - كمال الدين و تمام النعمة: الشيخ الصدوق قدّس سرّه، مؤسّسة النشر الإسلامي.

26 - اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء عليها السّلام: المولي محمّد التبريزي الأنصاري قدّس سرّه، مؤسّسة الهادي عليه السّلام.

27 - اللهوف علی قتلي الطفوف: السيّد ابن طاووس قدّس سرّه، أنوار الهدي.

28 - مختصر بصائر الدرجات: الشيخ حسن الحلّي قدّس سرّه، المطبعة لحيدريّة.

29 - مستدرك معجم رجال الحديث: الشيخ النمازي.

30 - مصباح الفقاهة: السيّد الخوئي قدّس سرّه، الغدير.

31 - معاني الأخبار: الشيخ الصدوق قدّس سرّه، جماعة المدرّسين.

32 - معجم رجال الحديث: السيّد الخوئي قدّس سرّه.

33 - مفاتيح الجنان: الشيخ عبّاس القمّي قدّس سرّه، مؤسّسة الأعلمي.

34 - نتائج الأفكار: السيّد الگلپايگاني قدّس سرّه، دار القرآن الكريم.

35 - النجم الثاقب: المحدّث النوري قدّس سرّه.

36 - نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي.

المحتويات

المقدّمة.......... 7

القسم الأوّل: الراوي موسي بن عمران بن يزيد النخعي.......... 11

وجوه اخري لاعتبار حال الراوي:

الأوّل: موسي الراوي لأغلب روايات عمّه النوفلي.......... 21

الثاني: روايات النوفلي جلّها في المعارف.......... 22

الثالث: اعتماد الأعلام علی رواياته.......... 22

من روي عن.......... 22

و روي رواياته عنه.......... 23

صحّة سند الزيارة.......... 24

الرابع: سؤال للإمام الهادي عليه السّلام.......... 24

الخامس: بيان الإمام الهادي عليه السّلام.......... 25

مضامين الزيارة الجامعة.......... 25

متون رواياته في المعارف ..........26

السادس: توثيق الأعلام للنخعي و اعتمادهم و استشهادهم بالزيارة ..........43

أقوال العلماء في سند و متن الزيارة.......... 43

استشهاد العلماء بالزيارة ..........47

الإمام صاحب الزمان (عجل الله تعالی فرجه الشريف) و الزيارة الجامعة ..........54

الزيارة الجامعة الكاملة.......... 56

القسم الثاني: ردّ الشبهات ..........57

شبهة و إثارة.......... 59

نظريّة التجسيم و دورها في خلق هذا التساؤل ..........61

نفي مقالة التجسيم.......... 64

نفي التعطيل و ما قد يجرّ إليه.......... 67

نفي التشبيه و علاقته بمبحث المعاد.......... 70

الفرق بين نظرة مدرسة أهل البيت و نظرة بقيّة المدارس لصفات اللّه.......... 74

حاكميّة اللّه تعالی كما تراها مدرسة أهل البيت عليهم السّلام.......... 77

بيان أمير المؤمنين عليه السّلام في وصف الذات الإلهيّة ..........80

وساطة المخلوقات في أفعال الالوهيّة ..........83

أقسام الصفات الإلهيّة.......... 90

تجلّي صفات اللّه بتوسّط أفعاله و مخلوقاته الشريفة.......... 91

إياب الخلق و حسابهم في يوم القيامة.......... 93

نظير عبارة الإياب و الحساب في القرآن الكريم ..........97

المصادر ..........99