ghaemiyeh.com
سرشناسه : سند، محمد، ۱۳۴۰-
عنوان و نام پدیدآور : بحوث فی الاجتهاد و التقلید الاصولی/ محمد سند.
مشخصات نشر : قم: سعیدبنجبیر، ۱۳۸۴، = ۲۰۰۵م، = ۱۴۲۶ق.
مشخصات ظاهری : 196ص.
یادداشت : عربی.
موضوع : فقه جعفری -- قرن ۱۴
رده بندی كنگره : BP۱۸۳/۵/ی۴ع۴۰۲۳۶۴ ۱۳۹۰
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۴۲
محرر الرقمي:محمد المنصوري
بسم الله الرحمن الرحيم
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِیَتَفَقَّهُوا فِی الدِّینِ وَ لِیُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَیْهِمْ لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ
عن الامام علی بن موسي الرضا(عليه السلام):
«علينا القاء الاصول اليكم و عليكم التفرع»
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علی محمد واله الطاهرين المعصومين
لا يخفي ان الاجتهاد الفقهي وديمومته مما تميزت به مدرسة الامامية - مدرسة محمد واله الطاهرين - عن المدارس الاخري الذي اغلقته بلا مبرر.
وهذا المعني للاجتهاد والاستنباط يقع علی مفترق طرق بين مدرستنا الاسلامية الحقة وبين مدرسة الصحابة واتباعها، مما اضفي تميزا بطابع الاستنباط وادواته وكيفيته وطرقه ومقدماته ومواده وان كان هناك اتحاد جزئي في مواد الاستنباط الاولية كما بلا يخفي.
لذا كان لنا فقهنا وكان لهم فقههم وكان لنا طريقنا في تحصيل الاحكام ولهم طريقتهم.
وفي بحثنا هذا - الذي اثرانا به سماحة استاذنا المحقق اية الله الشيخ محمد السند (دام ظله) في نهاية الدورة الاصولية الاولي - وقفة وافية علی الاجتهاد وادواته ومقدماته واقسامه وبعض ما يتعلق به من قواعد بالإضافة إلی التقليد ومباحثه ومسالة تقليد المجتهد الاعلم ومسالة تقليد الميت وغيرها من بحوث اخري.
وبما ان التقرير كان لبحثه الاصولي الذي كان بحث خارج علی كفاية الاصول للمحقق الاخوند الخرساني، فلم نتناول كل جزئيات ومسائل الاجتهاد والتقليد وانما بحث كبريات قواعده ومسائله وفذلكتها الصناعية مرجئا التفاصيل لبحث الفقه - كتاب الاجتهاد والتقليد الفقهي - الذي يعطيه جناب الشيخ الاستاذ - دام ظله - علی متن العروة الوثقي للفقيه اليزدي قدس سره.
اسال الله تعالی ان يمن علی الاسلام بالعزة والعلو والمسلمين بالخير والتوفيق والسداد، وعلي شيخنا الاستاذ بالمزيد من العطاء العلمي والعملي انه قريب مجيب، وان ينفع بهذا البحث اخوتي المؤمنين.
والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
جرت سيرة الفقهاء علی طرح مباحث الاجتهاد والتقليد في موطنين، الموطن الاول اول الفقه والموطن الاخر اخر الاصول.
فيبحثون في الاجتهاد والتقليد الاصولي كبريات المسائل والخطوط العامة المتعلقة بها، ويبحثون في التقليد والاجتهاد الفقهي تطبيقات المسائل وتفاصيلها وادلتها.
ومن الجدير - من الناحية الفنية - ان نبحث الاجتهاد والتقليد الاصولي قبل الفقهي لان الاول تتبلور وتتكون فيه القواعد العامة والنظريات الكلية فينقحها الفقيه لكي يسهل علی الباحث الخوض في التفاصيل عند البحث الثاني وهو بحث الفقه.
لذا سنبحث البحث الاصولي قبل البحث الفقهي، وسيكون البحث عن الكليات بحثا صناعيا يتميز بالطابع التحليلي.
من هنا سوف نقسم البحث في الاجتهاد والتقليد علی قسمين:
القسم الأول: ما يبحث عن الخطوط العامة والقواعد الكلية.
القسم الثاني: ما يبحث عن التفاصيل والنكات الخاصة المطروحة علی شكل مسائل مع ادلتها.
وهذا الكتاب الذي بين يدي القارئ يتكفل بيان القسم الاول وهو ما بحثناه من مباحث الاجتهاد والتقليد في نهاية الدورة الاصولية، اما القسم الثاني فهو ما سنبحثه في شرح الاجتهاد والتقليد من العروة الوثقي للسيد اليزدي ان شاء الله تعالي.
ولا يخفي ان بحث الاجتهاد والتقليد في الاصول لا يعني انه من مسائل علم الاصول لعدم انطباق ضابطة علم الاصول عليه كما هو مقرر في بحث الاصول. وانما بحثوا ذلك في خاتمة الاصول لمناسبة واضحة، وهي ان الفقيه بعد ان سبر ابحاث الاصول ومسائله اصبح مؤهلا لممارسة عملية الاستنباط الفقهي باعتبار ان نظريات علم الاصول تمثل الجزء الاخير لعملية الاستنباط في الفروع الفقهية بالإضافة للعلوم الاخري الداخلة في الاستنباط الفقهي كما هو مقرر في محله، ويمكن تخريج بحثه في الاصول لمناسبة وهي ان الاجتهاد والفتوي امارة من الامارات فتدخل في مباحث الحجج المبحوثة في علم الاصول، بل ان الاجتهاد والتقليد في بعض حيثياته وهيكليته العامة هي من مسائل الاصول، نعم حيث تمتزج هذه المباحث مع قواعد فقهية وحيثيات لمسائل فقهية عقد الفقهاء بابا للاجتهاد والتقليد في الفقه بعد ما كان يبحث في
ذيل مسائل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبار انهم يبحثون صلاحيات الفقيه في اقامة تلك الفريضتين.
واهم مباحث الكتاب هي:
المبحث الاول: الاجتهاد في اللغة والاصطلاح.
المبحث الثاني: الاجتهاد مطلق ومتجزئ.
المبحث الثالث: مقدمات تحصيل الاجتهاد.
المبحث الرابع: التخطئة والتصويب.
المبحث الخامس: الاجزاء وتبدل راي المجتهد او (اضمحلال اجتهاده السابق).
وهذه كلها مباحث في الاجتهاد، اما الاربعة الاخري فهي مباحث في التقليد.
المبحث السادس: التقليد لغة واصطلاحا
المبحث السابع: ادلة جواز التقليد
المبحث الثامن: تقليد المجتهد الاعلم
المبحث التاسع: تقليد الميت.
بالإضافة لبحوث وقواعد وفوائد صناعية واستنباطية اخري نعرضها في طيات البحث ان شاء الله تعالي(1).
1) (1) قَدْ بحثه سماحة الشَّیْخ الأُسْتاذ عَلَی العروة الوثقي مُفصّلاً، وَهُوَ قيد الطبع.
مباحث الكتاب
الكتاب يقع في مباحث عديدة
المبحث الأول: تعريف الاجتهاد
اول ما يبحث في مباحث الاجتهاد الاصولي هو تعريف لفظ الاجتهاد وحقيقته وما يتعلق به من ابحاث، وقبل الخوض في تعريفه نقف علی تاريخ لفظ الاجتهاد.
ان لفظ الاجتهاد لم يرد في رواياتنا ولم يستعمله الرعيل الاول من علمائنا وانما ورد استعماله في مدرسة العامة وكان يطلقوه علی الراي في مقابل النص، لذا نجد علمائنا السابقين - وخصوصا الاخباريين - يتحسسون من ذلك اللفظ لمسانخته للقول بالراي الممنوع عندنا جزما.
والحال انه لا مشاحة في الاصطلاح اذا استعملنا لفظ الاجتهاد بمعني مختلف عما يريده العامة كما هو حاصل فعلا عندما استعمله
علمائنا الاصوليين كما سيتضح مليا.
نعم الاجدر والافضل ان نستخدم ما موجود في الروايات من اصطلاح وعناوين كعنوان (الفقيه) و (المفتي) و (العارف بالأحكام) (راوي الحديث ) (الناظر بالأحكام) وغيرها من تعابير يجدها المتتبع بدلا من استعمال لفظ المجتهد والاجتهاد.
ومن تلك الروايات التي اشارت لتلك العناوين:
1 - معتبرة التفسير المنسوب للإمام العسكري(عليه السلام): « ... فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِینِهِ مُخَالِفاً عَلَی هَوَاهُ مُطِیعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ یُقَلِّدُوه... »(1).
2 - معتبرة ابي خديجة عن ابي عبدالله(عليه السلام) «...اجْعَلُوا بَیْنَكُمْ رَجُلًا مِمَّنْ قَدْ عَرَفَ حَلَالَنَا وَ حَرَامَنَا» (2).
3 - مصحح عمر بن حنظلة عن ابي عبدالله(عليه السلام) «مِمَّنْ قَدْ رَوَی حَدِیثَنَا وَ نَظَرَ فِی حَلَالِنَا وَ حَرَامِنَا وَ عَرَفَ أَحْكَامَنَا» (3).
4 - وفي هداية الأمة إلی أحكام الأئمة(4)بنفس الاسناد مع اختلاف يسير بالألفاظ: «...وَ لَكِنِ انْظُرُوا إِلَی رَجُلٍ مِنْكُمْ قَدْ رَوَی
حَدِیثَنَا وَ عَرَفَ حَلَالَنَا وَ حَرَامَنَا وَ نَظَرَ فِی أَحْكَامِنَا... ».
قد يقال: ان لفظ الاجتهاد ورد في رواياتنا ؟
فانه يقال: نعم ورد في الروايات لفظ الاجتهاد ولكن ليس بمعناه المستعمل به عندنا ولا عند العامة بل بمعان اخر كالاجتهاد بالمعني اللغوي وهو بذل الجهد والمشقة والوسع سواء اكان في العبادة ام بشي اخر، واليك جملة من تلك الموارد:
منها:
1 - ما رواه في روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، قال: و روي المصنف عن سيد المرسلين أنه قال: «كان من زهد يحيي بن زكريا(عليه السلام) أنه أتي بيت المقدس فنظر إلی المجتهدين من الأحبار و الرهبان عليهم مدارع الشعر و برانس الصوف قد خرقوا تراقيهم (أي شددوا عليها) و سلكوا فيها السلاسل و شدوها إلی سواري المسجد فلما نظر إلی ذلك أتي أمه فقال: يا أماه انسجي لي مدرعة من شعر و برنسا من صوف حتی آتي بيت المقدس فأعبد الله فيه مع الأحبار و الرهبان... »(1).
2 - عن سَعْدِ بْنِ طَرِیفٍ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ(عليه السلام) قَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آیَاتٍ فِی لَیْلَةٍ لَمْ یُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِینَ وَمَنْ قَرَأَ خَمْسِینَ آیَةً كُتِبَ مِنَ الذَّاكِرِینَ وَمَنْ قَرَأَ مِائَةَ آیَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِینَ
1) (1) ج13، ص207.
وَمَنْ قَرَأَ مِائَتَیْ آیَةٍ كُتِبَ مِنَ الْخَاشِعِینَ وَمَنْ قَرَأَ ثَلَاثَ مِائَةِ آیَةٍ كُتِبَ مِنَ الْفَائِزِینَ وَمَنْ قَرَأَ خَمْسَمِائَةِ آیَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُجْتَهِدِینَ» (1).
3 - في دعاء «إِلَهِی إِنْ كُنْتَ لَا تَرْحَمُ إِلَّا الْمُجِدِّینَ فِی طَاعَتِكَ فَإِلَی مَنْ یَفْزَعُ الْمُقَصِّرُونَ وَإِنْ كُنْتَ لَا تَقْبَلُ إِلَّا مِنَ الْمُجْتَهِدِینَ فَإِلَی مَنْ یَلْتَجِئُ الْمُفَرِّطُونَ» (2).
4 - وفي دعاء اخر «وَإِنْ كُنْتَ لَا تَقْبَلُ إِلَّا مِنَ الْمُجْتَهِدِینَ فَإِلَی مَنْ یَلْجَأُ الْخَاطِئُونَ» (3).
5 - «وَمَا یُضْمِرُ النَّبِیُّ فِی نَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِینَ» (4).
6 - «اللّهُمَّ فَاهْدِنِی هُدَی الْمُهْتَدِینَ، وَارْزُقْنِی اجْتِهادَ الْمُجْتَهِدينَ، وَلا تَجْعَلْنِی مِنَ الْغافِلِینَ الْمُبْعَدِینَ، وَاغْفِرْ لِی یَوْمَ الدِّینِ) (5).
7 - في دعاء للامام زين العابدين: «اللهمَّ وَصَلِّ عَلَی أَوْلِیَائِهِمُ الْمُعْتَرِفِینَ بِمَقَامِهِمُ، الْمُتَّبِعِینَ مَنْهَجَهُمُ، الْمُقْتَفِینَ آثَارَهُمُ، الْمُسْتَمْسِكِینَ بِعُرْوَتِهِمُ، الْمُتَمَسِّكِینَ بِوِلَایَتِهِمُ، الْمُؤْتَمِّینَ بِإِمَامَتِهِمُ، الْمُسَلِّمِینَ لِأَمْرِهِمُ، الْمُجْتَهِدِینَ فِی طَاعَتِهِمُ» (6).
8 - «وَمَنْ صَلَّی فِی اللَّیْلَةِ التَّاسِعَةِ وَ الْعِشْرِینَ مِنْ شَعْبَانَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ یَقْرَأُ فِی كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ مَرَّةً وَ أَلْهَیكُمُ التَّكَاثُرُ عَشْرَ مَرَّاتٍ وَالْمعَوِّذَتَیْنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ وَقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ أَعْطَاهُ الله تَعَالَی ثَوَابَ الْمُجْتَهِدِینَ) (1).
الي غير ذلك من الموارد التي استعمل بها لفظ الاجتهاد باجهاد النفس في الطاعات والعبادات والتفرغ لها.
وعليه فلا يحمل اصطلاح الاجتهاد عند الامامية علی ما ورد في الاستعمال اللغوي او الروائي او غيره، كما لا يحمل الاجتهاد عندنا علی الاجتهاد بالمعني الذي تتبناه العامة من ان مجتهدهم يعمل بالراي والقياس والاستحسان وغيرها.
فما عليه الامامية في استعمال الاجتهاد ما هو الا مشاكلة للعامة في اللفظ فقط دون المعني لان معني الاجتهاد عندنا غير معناه عندهم.
توضيح ذلك:
ان عملية الاستنباط والاجتهاد عندنا تختلف جذريا عن اجتهاد العامة، فالاجتهاد عندنا هو عملية استطراق لفهم الاحكام
1) (1) الإقبال بالأعمال الحسنة: ط - القديمة؛ ج2، ص724.
الشرعية من النصوص الشرعية القرانية والروائية، اما الاجتهاد عندهم فهو عملية تكوين الراي وصناعته بغض النظر عن وجود واقع يراد الوصول اليها وانما همهم صناعة الراي.
ونوضح ذلك بتساؤل:
هناك سوال مطروح في بعض العلوم، مفاده هل ان وظيفة العقل الادراك فحسب او انشاء الحكم؟ ومعني كون العقل مدرك ان لادور له في صناعة الحكم، فهو بمثابة الة لالتقاط الاحكام من مضانها الصحيحة.اما اذا قلنا انه يحكم فمعني ذلك انه الامر الناهي المنشئ للحكم.
وهذه الخلاف مطروح في المدارس الفلسفية وان العقل مدرك فقط وليس له حكم كما هو راي ابن سينا او ان هناك عقل حاكم كما هو الصحيح، وتفصيل ذلك في محله.
ومع ذلك فان الحكم العقلي في باب العقل العملي يختلف منشا وسنخا عن الحكم وانشاءه في باب الاجتهاد عند العامة، وذلك لكون منطلق الحكم العقلي قضايا ومواد يقينية مطابقة للواقع بخلاف منطلق الحكم في اجتهاد العامة فانه يعتمد علی الظنون بمختلف الدرجات ومختلف المناشئ، بل ليس من الضروري مطابقة للواقع لديه بل ليس من الضروري وجود واقع يطابق او لا
يطابق كما سياتي بيانه في مبحث التصويب والتخطئة.
والنتيجة:
ان الاجتهاد عندنا ليس بمعناه وطريقته عند العامة او عند اهل اللغة او في الاستعمال الروائي كما عرفت، بل هو بمعني مرادف لما ورد في الروايات من عنوان العالم والفقيه والعارف بالاحكام وغيرها كما مر، نعم الاحري استعمال ما ورد في تلك الروايات من عناوين وان كان الاصطلاح بعد وضوح معناه لا يفسد شيئا.
وهذا الخلط او توهم الخلط هو الذي اوقع الاخباريين في حساسية هذا اللفظ.
عرف الاجتهاد بتعاريف عديدة: منها (عملية استنباط الحكم الشرعي من ادلته التفصيلية) والاستنباط في اصطلاحهم هو الاستطراق والاستكشاف، واضاف بعض الاعلام اليه (او تحصيل الوظيفة الشرعية) باعتبار ان الاجتهاد قد لا يكون استنباطا للحكم الواقعي وانما هو تحديد للوظيفة العملية الظاهرية فليس من الضروري ان يكون استكشافا.
لذا ذكرت له تعاريف اخري منها ما ذكره في الكفاية(1)نقلاً
1) (1) كفاية الأصول: ص463، طبعة آل البيت.
عن العلامة منا والحاجبي من العامة من انه (استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي) - وهذا التعريف موجود في كتب العامة وتبناه بعض اصحابنا، الا انه من البعيد ان يكون مراد اصحابنا بالظن هو مراد العامة.
واشكل عليه في الكفاية:
وحاصل اشكاله علی عبارة (تحصيل الظن) واولوية ابدالها ب- (بالحجة عليه) وعلل ذلك بان المناط هو تحصيلها قوة او فعلا لا الظن.
ولكن قد يرد علی تعريفه ايضا:
أوَّلاً: ان المكلف (المقلد) بالكسر قد يحصل لديه حجة شرعية علی الحكم الشرعي فيكون التعريف غير مانع، وهذا مبني علی تحديد المراد من الاجتهاد وهل هو ملكة يتوقف عليها استنباط الحكم الشرعي او هو فعل المكلف في استخراج الاحكام من الادلة. وبعبارة اخري هل هو صفة او مجرد فعل؟ ومثل هذا الترديد جاري في بعض الابواب الفقهية كما في الترديد في بعض شروط امام الجماعة، فيقال ان شروطه هل هي للصفة او للفعل، فهل يشترط بإمام الجماعة ان يكون صحيح القراءة بنحو الصفة او يحسن القراءة بنحو الفعل، فاذا كان بنحو الصفة صحيح القراءة
وواجدا لها قبل الصلاة، ولكن عندما صلي المأموم خلفه اخطأ في فعل القراءة فجاء بها خاطئة. او يشترط ان يكون صحيح القراءة فعلا فاذا اخل بالقراءة حال فعله فسوف يخل بصحة الجماعة.
ففرق بين التصويرين:
فاذا فسرنا الاجتهاد كملكة (صفة) فلا يرد الاشكال علی تعريف الاخوند بدخول المقلد بالكسر لانه لا ملكة له. واذا فسرناه بالفعل فسوف يرد الاشكال علی التعريف.
ولكن يقال: حتی لو فسرناه بالفعل لا يرد الاشكال لاننا نعني بالفعل الصادر عن ملكة لا مطلق الفعل.
فيكون التعريف الصحيح هو تحصيل الحجة علی الحكم الشرعي عن ملكة.
حاصل الفائدة: انه ما المراد من لفظ الاستنباط الواردة في تعريف علم الفقه او علم اصول الفقه:
المعني المشهور عند اهل الفن هو الاستكشاف والاستطراق لا غير، ولكن هذا مجانب للصواب وانما هناك سنخ اخر من الاستنباط نستطيع من خلاله ان نقسم مباحث علم الاصول علی قسمين رئيسيين: قسم ذكره الاعلام حيث قالوا ان علم الاصول
هو عبارة عن مباحث الدلالة والدليلية في الاستكشاف وهو بحث اثباتي وهو بحث الدلالة الذي هو بحث تصوري ومباحث الحجج الذي هو بحث تصديقي.
وقسم اخر مبثوث في علم الاصول وهو مرتبط بالمبادئ الاحكامية باصطلاح الاصوليين وهو بحث ثبوتي، وهو اما بنحو ممتزج ومتداخل مع مباحث القسم الاول او يبحث مستقلا علی حده، وهذا لا يبحث الدلالة التصورية والتصديقية التي هي مباحث اثباتية، وانما هو بحث ثبوتي يعبر عنه او عن بعض مباحثه في كلماتهم ب- المبادئ الاحكامية كمباحث الملازمات الخمسة ومباحث الحكم الشرعي وتقسيماته ومراحله وغيرها كثير من ذلك السنخ.
وهذا القسم الثاني ليس هو استكشاف استطراقي بل هو توليدي تشجيري تفريعي.
وبعبارة أُخري: ان هناك علما بلور اخيرا وهو علم اصول القانون او علم اصول الحكم وهذا يمثل احد قسمي علم الاصول(1)، وليس لهذا القسم ارتباط بمبحث الدلالة بل هو علم مرتبط بنفس متن الحكم الشرعي وطبقاته وعلاقة الحكم بالحكم الاخر وطبقات الاحكام ومراحله، وهو ليس علما توليديا فحسب بل يبين الترابط المنظومي الماهوي البنيوي للاحكام فيما بينها وان
1) (1) قَدْ بيَّن ذَلِكَ سماحة الشَّیْخ الأُسْتاذ تفصيلاً فِی أبحاث الأصول خصوصاً فِی دورته الأصولية الثانية.
هذا الترابط اما طولي امتدادي او ترابط عرضي بنيوي.
فهو يبحث منظومة الاحكام كهرم فيه لحاظ طبقي عرضي وفيه لحاظ طولي امتدادي يعرف من خلاله كيفية ترابط الاحكام وتناسبها.
وهذا العلم هو احد قسمي علم الاصول المنتشر في مباحث الحجج والالفاظ بشكل مشاع.
ولا يخفي ان لهذه المباحث اهمية كبيرة جدا اذ ان حقيقة هذه الابحاث هو البحث في اصول القانون والحكم وكيفية تفرعه وتشعبه وارتباطه باصول اخري، كالبحث في اجتماع الامر والنهي ومبحث الضد ومبحث مقدمة الواجب واقسامه وحقيقة الوجوبات العينية والتخييرية والكفائية والغيرية، فكل هذه الابحاث لا ترتبط بالدلالة وان اقحمت فيها عند البحث والكتابة، بل حتی بحث المشتق والحقيقة الشرعية يرتبطان ايضا باصول القانون.
وقد تعرضنا لتفصيل ذلك في ابحاث خارج الاصول وخصوصا في الدورة الثانية من دورات الاصول، وفي مقدمة كتاب (بحوث في القواعد الفقهية ج1) فراجع.
اذا اردنا ان يكون تعريف علم الاصول شاملا للسنخين من مباحث الاثبات والثبوت فلابد ان نفسر كلمة الاستنباط الواردة في تعريف العلم بمعنيين، يشملان الاستنباط الاستكشافي والاستنباط
التوليدي.
وعلي ضوء ذلك التعريف الشامل، لا يصح ما قدمناه من التفريق بين الاجتهاد عند العامة والاجتهاد عند الخاصة، حيث قلنا ان الاجتهاد عندهم هو صناعة الراي اما الاجتهاد عندنا هو استكشاف واستطراق للحكم من الادلة فحسب.
اما بناء علی ما قلنا من شمولية كلمة الاستنباط فيبقي الفرق بيننا وبينهم ايضا مقررا وذلك لان عملية الاستنباط الاخري وان كان فيها توليد وتكوين للراي ولكن هذا التكوين ليس من راي وقريحة المجتهد كما هو عند العامة بل هذا التكوين والتوليد هو توالد من تشريع منصوص عليه اسبق، فتبقي مدرسة النص تابعة للنص اثباتا او ثبوتا بخلاف مدرسة الراي.
ولعل من اهم الفوارق هو اعتنائهم بالعقل الظني كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها بخلاف مدرسة الامامية الرافضة لذلك جزما والمنكرة عليهم اشد النكير والمعتمدة علی العقل القطعي فحسب وهذا المبحث عرضناه طويلا في بحث القطع من دورة الاصول.
فالاستنباط التوليدي من مهمات الاستنباط والاجتهاد في مدرسة الامامية والتي تمتد جذوره إلی النصوص الشرعية الواردة
عن آل البيت(عليهم السلام) ففي رواية الإمام الرضا(عليه السلام): «عَلَیْنَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ إِلَیْكُمْ وَ عَلَیْكُمُ التَّفَرُّع» (1).
فهذة اشارة إلی علم اصول القانون والنظام التشجيري اعتمادا علی اصول عامة وموازين دقيقة.
وعليه فالصحيح ان علم الاصول فيه نحوان من الاستنباط، استنباط توليدي واستنباط استكشافي.
ثم ان الشيخ في الكفاية وغيره من الاعلام راعوا في تعريف الاجتهاد الاصطلاحي التعريف اللغوي له، لذا ذكروا قيد (استفراغ الوسع...) (2)وهذ القيد شرط من الشروط الوضعية لتمامية الحجة اذ بدون بذل الوسع في الفحص لا تتم حجية ما استنبطه المجتهد، فالمستنبط لا بد ان يفحص عن الدليل الخاص الذي قد يعارض ما عنده من الادلة سواء كان ذاك الدليل مزاحما او واردا او حاكما، فالشيخ قد راعي ربط تعريف الاجتهاد الاصطلاحي بتعريفه اللغوي.
المبحث الثاني: تقسيم الاجتهاد إلی مطلق ومتجزئ
تقسيم الاجتهاد إلی مطلق ومتجزئ
قسم الاعلام - ومنهم صاحب الكفاية - الاجتهاد إلی اجتهاد مطلق واجتهاد متجزئ، فقال: (ينقسم الاجتهاد إلی مطلق وتجز، فالاجتهاد المطلق...و أما التجزي في الاجتهاد ففيه مواضع من الكلام الأول في إمكانه و هو و إن كان محل الخلاف بين الأعلام إلا أنه لا ينبغي الارتياب فيه)(1)، وهذا الانقسام ذهب اليه الاكثر ولم يخالف الا قليل.
والي هذا الخلاف يشير صاحب المعالم بقوله: «و قد اختلف الناس في قبوله للتجزئة بمعني جريانه في بعض المسائل دون بعض و ذلك بأن يحصل للعالم ما هو مناط الاجتهاد في بعض المسائل فقط فله حينئذ أن يجتهد فيها أو لا ؟ ذهب العلامة& في التهذيب و الشهيد في الذكري و الدروس و والدي في جملة من كتبه و جمع من العامة إلی الأول و صار قوم إلی الثاني» (2).
استدل الشيخ الاخوند علی امكانه بل وقوعه بعدة ادلة اهمها:
انا لو لم نقل بالاجتهاد التجزئي للزم القول بالطفرة وهي مستحيلة اما عقلا او عادة، فقال ما نصه: «بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزي للزوم الطفرة» (1).
واما من منع الاجتهاد المتجزئ فهو ناظر إلی كونه ملكة كسائر الملكات الحاصلة للنفس والملكة بسيطة لا تقبل التجزئ، اذا انها حاصلة للنفس والنفس وجود مجرد وليس جسم فلا تقبل التجزئة فلا يقال ان فلان له نصف ملكة الشجاعة او الاجتهاد، فامر الملكة دائر بين الوجود والعدم ولا يعقل تحققها مبعضة.
اما الاستدلال بالطفرة فغير تام، فهذه ليست استحالة وامتناع عقلي علی الله تعالی وان كانت مستحيلة عادة، والحال ان العلم والاجتهاد نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده
1) (1) كفاية الأصول: ص467، طبعة آل البيت.
والكسب والاكتساب للعلم جعله الله سببا معدا لذلك، فنعمة العلم قد تحصل بدون سلسلة اعدادات وانما تحصل من باب « ... كن فيكون ».
واما « أبي الله أن يجري الأمور إلّا بأسبابها» فهذا يتم من جهة العلل والاعدادات لا من جهة العلل الفاعلية، فتطبيق دليل الفطرة في المقام ليس بتام للاستحالة العقلية وان تم بالاستحالة العادية.
ان النفس وان كانت مجردة، ولكن التجزئ هنا ليس بنفس الصفة النفسانية لكي يقال ان الموصوف هو النفس المجردة وليس لها بعد كمي او كيفي وانما التجزئ يكون في متعلقات الصفة النفسانية فهي التي يتصور بها التبعض وليس نفس الصفة النفسانية قابلة للتبعض وانما متعلقاتها قابلة للتوصيف بذلك.
فمتعلق القدرة في المتجزئ اضيق دائرة من متعلق القدرة في المجتهد المطلق، فيختلف قوة وضعفا فتتعدد القدرة بتعدد متعلقاتها.
وهذه النكتة مفيدة حتی في باب الاخلاق، فاذا قيل هذا شجاع، فهل هو شجاع في كل المواطن والحالات مع اختلافها شدة وضعفا، وكذا يقال هذا تقي، فهل هو تقي امام كل المغريات، تقي
امام مغريات بمقدار مليون دينار، ولكنه هل تقي امام مغريات بمقدار مليار دينار؟ وهذا يعطي وضوح في تفاوت درجات التقوي والشجاعة وباقي الملكات.
فالصفة النفسانية غير متبعضة بنفسها وانما بلحاظ متعلقاتها قد تتبعض وبحسب الحالات، وهذا درس للانسان ليدفع غروره لانه قد يكون في موقف ما تقيا ولكنه ليس تقيا في موقف اخر، وهكذا قد يكون شجاعا في موقف دون اخر وغيرها.
وعليه فالصفة بلحاظ متعلقها تختلف شدة وضعفا فلا يتم ما قالوه من استحالة التجزئ.
نعم المعتاد ان الانسان تتكون ملكته شيئا فشيئا او حسب تعبير بعض اساتذتنا ان الاجتهاد ذو عرض عريض ودرجات عديدة، فليس لطالب العلم والفاضل ان يفتر بمجرد انه استنبط مسالة ما او باب ما او علم ما من العلوم الداخلة في الاستنباط.
ويذكر الاعلام ان اول ما تنقدح ملكة الاستنباط يبدا المجتهد باستنباط مسالة او مسائل وتتدرج إلی ان يحصل ملكة تامة تدريجيا فليست هي تتكون دفعة كاملة تامة ولسيت هي عصية الحصول ولكن تحتاج إلی مثابرة وتواصل وذوق سليم واستقامة تتبع في تنقيح الابحاث والمسائل والقواعد.
وعليه فالتجزي في الاجتهاد متصور وغالب الوقوع قبل كمال الملكة كما ان ملكة الاجتهاد المطلق متصورة وواقعة.
مفاد الاشكال:
ان العلم مترابط ومنظومي في كل المسائل وليس مفكك ومتجزئ، فاذا كان كذلك فلا يتصور فيه التجزئ، فالاستنباط والاستنتاج لابد ان يكون مترابطا في كل الابواب، فاذا حصلت ملكة النظر في كل الابواب صار مجتهدا، ومعرفته ببعض الابواب دون اخري لا يقال له صاحب استنباط واجتهاد في تلك المسالة لان ما استنتجه ولو في مسالة او باب معين لم يكمن مقدمات ذلك الاستنتاج بعد اعتماده علی ابواب ومسائل اخر.
ويرد علی ذلك:
ان الباحث يمكن ان ينقح او يستنبط مسالة ما اعتمادا علی اصول موضوعية اخري قد تم تنقيحها من الاخرين، وهذه الاصول الموضوعية ياخذها مسلمة دون ان يعمل علی تنقيحها، واعتمادا علی ذلك قد ينقح الخصوصيات المرتبطة بمسالته ويعرف النتيجة.
وهذا الامر واقع لمبتدئي الاجتهاد كثيرا بل قد يقع احيانا للمجتهدين الكبار والمخضرمين اذ قد يعتمدون في بعض مبادئ
الاستنباط علی اصول موضوعية نقحها غيرهم فيبنون عليها ويكونوا اقرب للمقلدين فيها، خصوصا في بعض المسائل والابواب ومقدمات الاجتهاد من العلوم التي يحتاج تنقيحها إلی وقت طويل وباع كبير كمسائل الرجال والدراية وعلوم اللغة وقواعد التفسير والقراءات وجملة من قواعد المعارف وغيرها.
بل الحق انه ما من عالم الا واعتمد علی بعض الاصول الموضوعية من علوم اخري تنقح كبريات وصغريات مسائل علمه، نعم هو يتلقاها بالقبول والفهم وليس بالضرورة ان ينقحها ويجتهد بها كالمتخصص اصالة في تلك العلوم.
وهذا ليس خاص بالعلوم الدينية النقلية بل شامل لكافة العلوم حتی التجريبية والعلوم البشرية الاخري.
فليس هناك عالم بقول مطلق، وهذه الالقاب العلمية التي تعطي في الجامعات كبرفسور او محقق او دكتور ما هي الا بيان لدرجته العلمية في جوانب من ذلك العلم او تلك العلوم بينما يبني علی اصول موضوعية ويعتمدها في اكثر جوانب العلم او العلوم.
ثم ان الاعلام فرقوا بين الاجتهاد والفقاهة، فان الماخوذ في الاجتهاد وجود الملكة - وهي القوة والقدرة علی الاستنتاج لو قام بالجهد المطلوب - فحسب بغض النظر عن فعلية الممارسة للاستنباط اما
الفقاهة فهي الاستنباط العملي والفعلي للاحكام الشرعية.
وهنا نشير إلی نكته مهمة وهي ضرورة تدوين الاراء والممارسة الفعلية للاستنباط وعدم التعويل علی الارتكازات العامة وعدم الاقتصار علی القواعد الاصولية والفقهية فضلا عن الاقتصار علی بعضها في الاستنباط الفقهي، وهذا مهم جدا في تقوية الملكة وارتفاعها إلی درجة كبيرة حتی يصبح المجتهد اقوي حين الاستنباط، وهذه العملية التدوينية او الاستنباط الفعلي وان لم يكن له مدخلية في تحقق ملكة الاجتهاد وماهيته الا انها داخلة في ماهية الفقاهة وقوتها فضلا عن الوصول إلی الاعلمية.
وعليه فان هناك ملكة علمية سابقة علی الفقاهة والاستنباط الفعلي وهي قوة وقدرة النظر الدقيق والعميق في الادلة والتي يشير اليها الحديث الشريف «نظر في حلالنا وحرامنا» (1)فلست النظرة السطحية كما فهم البعض بل النظرة الفاحصة العميقة ، ولذا فان التعبير بحرف الجر(في) دون (الي) اشارة إلی الفرق بين النظرة بغور وعمق وبين النظرة السطحية.
ذكر بعض الاصوليين تعريفا اخر للاجتهاد كما في كلام الشهيد الثاني والمعالم والقوانين من اعتباره ملكة قدسية ومنحة الهية
1) (1) الكافي: ج1، ص67.
وهو مقارب لكون العلم والاجتهاد نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، وهذا التعريف يعطي بعدا اخر للاجتهاد مرتبط بشبكة نورية قريبة من النيابة او السفارة او ما شابه ذلك.
وقد اجاب علی ذلك غير واحد:
بانّه ان اريد من هذا الكلام انّ الصور العلميّة تفاض علی النفوس بعناية ربّانيّة و من قبل اللّه جلّ و علا و التوفيق من اللّه بتوجيه الأسباب و تهيئتها للمتعلم و لا بدّ في النفس من قابلية و لياقة لهذه العطايا الربانيّة، فهذا حقّ و محض الواقع، و لكن لا اختصاص له بعلم الفقه و ملكة الاجتهاد، بل هذا هو الحال في جميع العلوم، بل الحال في جميع العطايا الالهية، و ان اريد أمر زائد علی هذا في خصوص ملكة الاجتهاد و انّه لا تحصل هذه الملكة الّا للورع المتقي و الذي هذّب نفسه عن الرذائل و تحلّي بالفضائل فهذا معلوم البطلان بالوجدان.
هناك اتجاهان في الاجتهاد اتجاه يذهب إلی انفتاح باب العلم والعلمي واتجاه يذهب إلی انغلاق العلم والعلمي، والاول يسمي انفتاحي والثاني انسدادي، والانفتاحي يقول ان الطرق والحجج عليها ادلة خاصة تدل علی اعتبارها وحجيتها، بخلاف الانسدادي
وهو القائل بعدم الاعتماد علی العلم والعلمي لعدم الدليل الخاص علی الحجية،وللانسداد مقدمات خمسة او اربعة علی الخلاف فيها.
ومعني تمامية دليل الانسداد القول بحجية الظن المطلق تنجيزا وتعذيرا، ومع تمامية مقدمات الانسداد يقع الكلام في انه بنحو الحكومة او بنحو الكشف، اي هل ان الحجية الثابتة لمطلق الظن حجية شرعية او عقلية، والمراد بالكشف ان مقدمات الانسداد كاشفة عن جعل الشارع لحجية الظن المطلق، والمراد من الحكومة هو ان العقل يدرك بان المكلف يكون مسوولا عن الامتثال الموجب للظن بفراغ ذمة المكلف، فالعقل يحكم باجزاء الظن في منطقة الفراغ والامتثال .
وتمام البحث قد طرقناه تفصيلا في علم الاصول.
وهناك فارق مفرق في الاثار التي سندرسها في المجتهد المطلق والمتجزئ وكونه انسداديا او انفتاحيا وكونه بنحو الحكومة او الكشف لذا اشرنا اجمالا لبحث الانسداد والانفتاح.
وهي احكام او اثار ثلاثة:
الأول: حجية اراء المجتهد لاجل العمل بما توصل اليه.
الثاني: حجية رجوع العامي إلی اراء ذلك المجتهد.
الثالث: نفوذ قضاء المجتهد بل تصرفاته كحاكم شرعي.
وهنا نشير إلی اننا عندما نبحث تلك النقاط انما نبحثها يشكل مقتضب لا بشكل تفصيلي لان البحث التفصيلي ياتي في كتاب الاجتهاد والتقليد من فقه العروة الوثقي، فالاصوليون انما بحثوا تلك الاثار من زاوية خاصة لا من زاوية الادلة والتفاصيل كما اشرنا في مطلع البحث.
والحقيقة ان البحث يكون في الاثار في مقامين:
المقام الأول: الاثار الثلاثة في المجتهد (المتجزئ).
المقام الثاني: الاثار الثلاثة في المجتهد (المطلق).
بحث الآثار الثلاثة للمجتهد المتجزئ:
هل ان الاحكام التي يستنبطها المجتهد المتجزئ هي حجة يصح ان يعتمد عليها لعمل نفسه فلا يقلد مجتهدا اخر او ليس له ذلك ؟
خلاف بين الاعلام وان كان الاكثر - كما هو الصحيح - هو القول بحجية اراءه وجواز ان يعمل بما توصل اليه بل وجوب العمل بما توصل اليه وعدم جواز التقليد في حقه لعدم شمول ادلة الجواز له لعدم صدق رجوع الجاهل إلی العالم، لان المجتهد المتجزئ ايضا عالم فيما استنبطه، وخصوصا اذا كان يري خطا ما توصل اليه المجتهد المطلق حتی لو كان اعلم، كما لو اخطأ في الاعتماد علی مبني لغوي او رجالي يري المجتهد المتجزئ عدم صحته.
وعليه فيتعين عليه ان يعمل بما توصل اليه او ان يعمل بالاحتياط ولا يسوغ له ان يقلد غيره.
وهذا واضح لمن مارس الاستنباط،اذ ربما يكون هناك انجاز علمية في مسالة ما او باب ما توصل اليه المجتهد المتجزئ ولم يصل
اليه غيره من المجتهدين، وهذا واضح في تاريخ السيرة العلمية لبعض المجتهدين والباحثين.
وفي الحقيقة ان المجتهد المتجزئ يمكن ان نصوره علی ثلاث حالات:
الأُولي: ان اجتهد اجتهادا متجزئا من دون حاجة واعتماد علی مقدمات تقليدية ياخذها من مجتهد اخر مطلق او اعلم، وفي هذه الحالة يجب ان يعمل باراءه ولا يصح ان يرجع لغيره وهذه الحالة واضحة ودليلها ما بيناه انفا.
الثانية: اذا امتزج استنباط المجتهد المتجزئ بمقدمات تقليدية اخذها من مجتهد اخر، فهل يتعين عليه الرجوع إلی نفسه ولا يجوز له ان يرجع لغيره، فهو في هذه الصورة لا مقلد محض ولا مجتهد محض بل امر بين امرين.
الجواب نعم لا يسوغ ان يرجع لغيره لانه لا يري صحة اجتهاد غيره، وانما الكلام هل يرجع لنفسه او يعمل بالاحتياط، قد يقال بصحة رجوعه إلی نفسه حينئذ الا اذا لم يصدق عليه عنوان العالم بالاحكام فيجب حينئذ ان يحتاط ولا يسوغ له ان يقلد غيره لانه يري خطا غيره بالاجتهاد.
والأصح ان نفصل:
بين بعض المقدمات التقليدية التي قد تتفق حتی للمجتهد المطلق فيرجع بها إلی المتخصصين ويقلدهم فيها فهنا يصح للمجتهد المتجزي ان يرجع إلی نفسه كالحالة الاولي اذ انه ليس اقوي حالا من المطلق الذي احتاج في اجتهاده إلی التقليد في اخذ اصول موضوعية من بعض العلوم تقليدا، ومثاله اخذ اصول موضوعية من الرجال او اللغة او الفلك او غيرها من العلوم.
وبين المقدمات التي لابد من الوقوف عليها لاجل صدق عنوان الاجتهاد عليه، فهنا لا يصح ان يرجع لغيره لانه يري خطا المجتهد الاخر بالاجتهاد وليس هو له راي تام ليرجع اليه فيتعين ان يرجع إلی الاحتياط في مقام العمل.
الحالة الثالثة: اذا كان للمتجزئ قدرة نقدية وتحليلية لاراء المجتهدين وادلتهم ولكن ليس له قدرة علی بناء الراي الفقهي وتكوينه، فهو من جهة لا يري صحة ما توصل اليه الغير ولكن من جهة اخري ليس له قدرة علی صناعة القول الفقهي فلا يكون ذا رأي.
فهل يجوز ان يرجع للغير او يتعين عليه شي آخر؟
الصحيح عدم جواز رجوعه للغير حتی لو كان ذلك الغير اعلم، ما دام ذاك المتجزئ يري خطا المستند الفقهي الذي ركن اليه
ذاك الاعلم او المجتهد المطلق وافتي طبقا له في تلك المسالة، نعم يسوغ له ان يرجع لباقي المجتهدين مع مراعاة الاعلم فالاعلم اذا كان لا يري خطائهم في المستند الفقهي والا فيحتاط.
قد يقال: كيف تجيزون له ان يرجع إلی غيره من المجتهدين والحال انه مجتهد متجزئ.
فانه يقال: ان عدم الرجوع إلی الغير فرع ان يكون له راي فقهي حتی يكون مانعا من تقليد الغير.
ادعي الاجماع علی عدم جواز رجوع الغير بالتقليد إلی المجتهد المتجزئ حتی لو كان اعلم في تلك المسالة، فقال السيد في العروة الوثقي - شروط مرجع التقليد - ما نصه: «وكونه مجتهدا مطلقا فلا يجوز تقليد المتجزئ» (1).
ووافقه علی ذلك بعض المحشين والشراح، واستشكل بعضهم في اطلاق عبارته، وقيد بعض اخر عبارته في صورة عدم وجود المجتهد المطلق. وخالف جمع اخر ذلك فذهب إلی الجواز بل ذهب
1) (1) العروة الوثقي، المحشاة ب- 41، حاشية: ج1، ص263، مسألة 22، إعداد مؤسسة السبطين.
بعض إلی تعين تقليده اذا كان اعلم في الباب الذي تجزأ به من المجتهد المطلق.وتحرير المسالة تفصيلا سياتي في مبحث التقليد ان شاء ونتطرق لها الان اجمالا:
ان من ذهب إلی الجواز قد لاحظ توفر كل شروط المرجعية بما في ذلك الاعلمية، اي ان يكون ذلك المتجزئ اعلم في المسالة من جميع المجتهدين المطلقين بل حتی من المجتهد المطلق الاعلم، اما اذا لم يكن اعلم فيها فلا يسوغ تقليده فيها رعاية لشرط الاعلمية.
وهنا يأتي سؤال هل يمكن ان يكون المجتهد المتجزئ اعلم في باب او مسالة من المجتهد المطلق الاعلم ؟
نعم ذلك ممكن جدا بل واقع من حيث خصوصيات المسالة، كما لو كانت مسالة ما استنباطها يتوقف علی تحقيق بالبحث اللغوي او الرجالي او الكلامي او موضوعها مرتبط بالعلم المختص بذلك الموضوع كالموضوع المرتبط بالطب او الفلك او غيرها من العلوم، وكان المتجزئ اكثر تحقيقا او كان متخصصا في هذا البحث اكثر من المجتهد المطلق الاعلم كما لو كان خبيرا في مسائل الاهلة ومواقعها ومسالة تعدد الافاق ووحدته، فيكون ذلك المتجزئ اعلم في خصوص هذه المسالة او مسائل اخري او باب اخر كما لو كان المتجزئ قد افني عمره في تحقيق باب من ابواب الفقه المشتمل علی مسائل وبحوث مغلقة في التعقيد ك- باب
صلاة المسافر او الحج او بحوث الربا والمصارف والمضاربة غيرها، وهذا التفاوت في الابواب الفقهية ليس بغريب حتی بين الفقهاء المجتهدين المطلقين فقد يكون مجتهد مطلق اعلم في المعاملات ومجتهد مطلق اخر اعلم بالعبادات، وهذا مثاله ما تعارف من ان العلامة اعلم من المحقق في باب المعاملات وان المحقق اعلم من العلامة في العبادات.
وهذه الظاهرة سيالة في كل البحوث والعلوم سواء اكانت البحوث بحوثا انسانية او بحوثا علمية، فقد يكون باحث في مقتبل العمر العلمي كطالب بكلوريوس او ماجستير يصل إلی نتائج او اكتشافات كبيرة في بحث او مسالة لم يصل اليها الاساتذة والمتخصصين.
استدل لجواز الرجوع إلی المتجزي بعدة ادلة منها ما هو لبي ومنها ما هو لفظي:
الدليل الاول: الاستدلال بالدليل اللبي (السيرة ).
ان السيرة جارية علی جواز الرجوع إلی المتجزئ وهي نابعة من جواز رجوع الجاهل إلی العالم وهي تامة في نفسها فلا يفرق بين المجتهد المطلق والمتجزئ.
واشكل عليها:
انه لا اطلاق فيها لشمول المتجزئ بل هي قائمة علی الرجوع للمجتهد المطلق ولا اقل لا اطلاق فيها اذا وجد المجتهد المطلق كما هو مقتضي الفرض في المقام.
الدليل الثاني: الاستدلال بالادلة اللفظية:
هناك عدة ادلة قرانية وروائية يمكن الاستفادة منها لاثبات جواز الرجوع للمجتهد المتجزئ وتقليده، منها:
1- اطلاق قوله تعالی: ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (1).
2 - اطلاق قوله(عليه السلام): «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلی رواة حديثنا...» (2).
3 - اطلاق قول الامام العسكري(عليه السلام): «فللعوام ان يقلدوه...» (3).
4 - اطلاق قوله(عليه السلام): «يعلم شيئاً من قضايانا» (4).
الاشكال علی الاستدلال بتلك الادلة:
والاستدلال بهذه الادلة اللفظية تام الا انه لا اطلاق فيها ليشمل كل درجات المتجزئ بل يشمل الدرجة التي يصدق عليه
فيها انه عالم او عارف بالحكم او فقيه كما في الحالة الاولي التي بيناها من حالات المتجزئ الثلاثة.
وكذا الحال في شمول السيرة للمتجزئ.
لذا فالصحيح جواز الرجوع إلی المتجزئ اذا عرف مقدارا معتدا به من الاحكام بحيث تكون لديه فقاهة في تلك المسائل او تلك الابواب الا في حالة مخالفة فتواه لفتوي الفقهاء الاخرين.
كما لا اطلاق في تلك الادلة لاعطاء منصب او سلطة الافتاء والنيابة عن المعصوم عليه السلام لهذا المتجزئ بل يثبت له الافتاء كفعل فقط، بل لا اطلاق في الادلة لاضفاء صفة المنصب والسلطة والنيابة حتی للمجتهد المطلق مالم يستنبط استنباطا فعليا خارجيا معتدا به فيكون فقيها.
وقع الخلاف في جواز التقاضي عند المجتهد المتجزئ علی اقوال ابرزها ثلاثة:
الأول: عدم جواز التقاضي:
الثاني: جواز التقاضي.
الثالث: التفصيل بين القضاء كفعل والقضاء كمنصب.
أما القول الأول: فهو ما ذهب اليه المشهور من الفقهاء من عدم جواز التقاضي عنده لقصورة الادلة عن ذلك بل لظهور الاخبار ان هذا الامر لا يثبت الا لنبي او وصي او باذن منهما والقدر المتيقن هو الثبوت للمجتهد المطلق فحسب لعدم صدق «عرف حلالنا وحرامنا» او «نظر في أحكامنا» إلی غير ذلك من الالسن.
اما القول الثاني: وهو ما ذهب اليه بعض الاعلام من جواز التقاضي لديه اذا عرف مقدارا معتدا من الاحكام لانطباق عنوان العالم والعارف بالاحكام علی المتجزئ فيتقاضي لديه فيما اجتهد به.
القول الثالث: ما ذهب اليه المحقق صاحب الجواهر من التفريق بين فعل القضاء وبين منصب القضاء، فجوز التقاضي عند المتجزي كفعل لا كمنصب وسلطنة، بل هو ذهب إلی جواز التقاضي عند مطلق المتفقهين والمقلدين فضلا عن المتجزئين كفعل لا كمنصب.
قال في الجواهر: «فدعوي قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بتقليد لمجتهد عن منصب القضاء بما علمه خالية عن الدليل، بل ظاهر الأدلة خلافها، بل يمكن دعوي القطع بخلافها، ونصب خصوص المجتهد في زمان الغيبة بناء علی ظهور النصوص فيه لا يقتضي عدم جواز نصب الغير.... فان الفصل بها حينئذ من
المقلد كالفصل بها من المجتهد، إذ الجميع مرجعه إلی القضاء بين الناس بحكم أهل البيت، والله العالم» (1).
وبني علی هذا القول إلی حد ما المحقق الشيخ محمد حسين الاصفهاني الكمباني.
وقريب من هذا التجويز ما يراه السيد الكلبايكاني حيث جوز فك النزاع بالفتوي لا بالقضاء في حالة العجز.
اشارة: الفرق بين القضاء كفعل والقضاء كمنصب:
ولا يخفي ان القضاء كمنصب يفرق عن القضاء كفعل وعمل، فانه كمنصب يترتب عليه صلاحية الاجبار والعقوبة والتنفيذ واقامة الحدود والتعزيرات بخلاف ما لو كان مجرد فعل اذ انه سيكون انشاء حكم فحسب.
بعد ان بينا الاثار الثلاثة للمجتهد المتجزئ في المقام الاول، نقف علی الاثار الثلاثة للمجتهد المطلق، والحقيقة ان ثبوت الاثار الثلاثة له بمكان من الوضوح فلا نطيل بها.
1) (1) الجواهر: ج40، ص18.
أما الأثر الأول: وهو عمله بما توصل اليه من آراء:
فثبوت هذا الاثر لا اشكال فيه وفي وضوحه، لانطباق العناوين الشرعية الواردة في الروايات عليه كعنوان الفقيه والعارف بالاحكام بل هو قدرها المتيقن والواضح، فيجوز له بل يجب عليه ان يعمل بها ولا يجوز له ان يرجع إلی غيره لانه يري خطا ما توصل اليه غيره وليس مشمولا بادلة التقليد التي مقتضاها رجوع الجاهل إلی العالم، لانه سيكون من رجوع العالم إلی الجاهل لانه يري ان المجتهد الاخر جاهل بما توصل اليه من اراء، نعم يجوز له العمل بالاحتياط بناء علی القول بمشروعيته كطريق ومومن شرعي ثالث مقابل الاجتهاد والتقليد.
أما الأثر الثاني: جواز تقليد الاخرين له.
فلا اشكال فيه ايضا لشمول الادلة له كما بيناه تفصيلا عند عرض ادلة تقليد المجتهد المتجزئ فلا نعيد.
أما الأثر الثالث: وهو التقاضي لديه.
فهو لا اشكال به ايضا، وقد بينا ادلة ذلك تفصيلا عند عرض التقاضي عند المجتهد المتجزئ فلا نعيد.
وهنا اشارة خاصة بالمجتهد المطلق وهو صلاحية الحاكم كمنصب له.
ان المجتهد المطلق والمتجزئ اما انفتاحي او انسدادي، وكلامنا في الاثار الثلاثة من المقامين المارين انما كان في المجتهد المطلق الانفتاحي والمجتهد المتجزئ الانفتاحي.
اما لو كان المجتهد انسداديا بان لا يري انفتاح طريق العلم ولا العلمي بل يري حجية مطلق الظن فهل يثبت لديه الاثار الثلاثة او هناك تفصيل اخر يمنع بعض الاثار ويبقي بعضا.
الأثر الأول: عمله بما توصل اليه.
الأثر الثاني: جواز الرجوع اليه في التقليد.
الأثر الثالث: جواز التقاضي عنده.
أما الأثر الأول: فلا اشكال في جواز عمله بما توصل اليه من آراء لانها حجة عليه ولا يجوز له ان يرجع إلی غيره من المجتهدين لانه لا يري حجية اجتهادهم وقولهم بالانفتاح، فهذا الاثر واضح ولا يحتاج كلام بخلاف الاثرين الاخرين.
أما الأثر الثاني: في جواز الرجوع اليه في التقليد، وهذا الاثر محل خلاف وكلام والاكثر علی المنع.
فالانسدادي كما بينا سابقا علی صنفين اما انسدادي حكومي او انسدادي كشفي وعلي كلا المبنيين لا يجوز الرجوع اليه.
اما الانسدادي علی مبني الحكومة فلا يصح الرجوع اليه لانه ليس عالما بالاحكام لان معني الحكومة هو حجية الظن في مقام اطاعة التكاليف المعلومة اجمالا وليس هو طريق لمعرفة الاحكام الشرعية الواقعية كما هو الحال في المجتهد الانفتاحي، وعليه فادلة التقليد غير شاملة له لعدم انطباق العناوين الواردة في الروايات عليه كعنوان العالم او العارف بالاحكام فلا يكون الرجوع اليه من رجوع الجاهل إلی العالم بل من رجوع الجاهل إلی الجاهل.بالاضافة إلی ان مقدمات الانسداد انما تمت لديه فهي حجة عليه لا علی عموم المكلفين غير المجتهدين.
اما الانسدادي علی مبني الكشف فلا يصح الرجوع اليه ايضا اما لمنع اصل مبني الكشف لتمامية مقدمات الحكومة، واما لمنع حجية الظنون الكشفية فلا تكون حجة الا علی المجتهد الكشفي لا علی عموم المكلفين وبذلك لا يسوغ الرجوع اليه.
وايضا دليل اخر علی منع تقليد الانسدادي علی المبنيين حاصله ان المكلفين غير المجتهدين لا تتم لديهم مقدمات الانسداد لوجود مجتهدين انفتاحيين يمكن الركون اليهما لمعرفة الواقع.
أما الأثر الثالث: وهو التقاضي عند الانسدادي.
فقد ذهب الاكثر إلی منع التقاضي لديه. وهذا المنع قد اتضح من الاثر الثاني فلا يسوغ الرجوع اليه والتقاضي لديه علی كلا المبنيين في الانسداد لانه ليس ممن عرف الاحكام ليجوز التقاضي لديه.
قد يقال:
ان الانفتاحي في يوميات استنباطه قد يتمسك بالاصل العملي سواء اكان شرعيا ام عقليا، ومن المعلوم ان الاصل العملي ليس هو انشاء للحكم الشرعي وانما في مقام بيان الوظيفة العملية في ظرف عدم العلم بالحكم الشرعي، وهذا الامر واضح بصورة اكبر في الاصل العملي العقلي اذ لا علم اصلا فيه وانما العقل يحكم بالمعذرية، وبذلك تشابه مع الحكم العقلي الذي اعتمده الانسدادي الذي يبني علی الحكومة المسوغ له للاعتماد علی مطلق الظن.
وهنا يأتي السؤال:
كيف تسوغون رجوع المكلفين بالتقليد للمجتهد الانفتاحي في هذه الموارد مع انكم لا تسوغون رجوعهم إلی المجتهد الانسدادي فيها بالرغم من تسانخ الامرين؟.
وهذا الاشكال ياتي حتی في الامارات علی بعض المباني في تفسيرها وهو المبني الذي يري حجيتها بمعني التنجيز والتعذير، فانه لا حكم شرعي حقيقي فيها.
فانه يقال:
ان المجتهد الانفتاحي في موارد الاصول العملية العقلية والشرعية انما يحدد ويشخص موضوع الاصول العملية للمقلد ويخبره بها من باب حجية خبر الثقة خبرويا.
اما رجوع المقلد للانفتاحي في الامارات بناء علی مبني التنجيز والتعذير، فهو رجوع لحكم،غاية الامر ان ذلك الحكم ليس حكما واقعيا وانما هو حكم ظاهري.
الإشكال الأول:
ان من استدل بمانعية رجوع العامي للانسدادي ان الاخير متوفرة لديه مقدمات الانسداد بخلاف العامي.
الجواب: ان هذا ليس تام لان الانسدادي لا يقرر المقدمات له خاصة بل يقررها له وللعوام علی حد سواء بل هو يقررها حتی للمجتهدين الاخرين سواء كانوا انفتاحيين او انسداديين.
الاشكال الثاني: ان رجوع العامي للانسدادي انما هو من رجوع الجاهل إلی الجاهل فلا تشمله ادلة التقليد.
الجواب: ان هذا غير تام بل هو من رجوع الجاهل إلی العالم، فان الانسدادي وان فقد الادلة الخاصة الا انه لم يفقد كل الادلة بل فقد نمط من الادلة لا كل انماطها، فهو لدية الظنون المطلقة والادلة العامة، فالانفتاحي مستنده الظنون الخاصة والانسدادي مستنده الظنون المطلقة، فكل له اجتهاده واستنباطه والاختلاف بينهما في بعض المستندات والادلة بل قد يتطابق مستندات الانسدادي مع الانفتاحي في الظنون التي يرجعون اليها الا ان الاختلاف بينهما في وجه حجية تلك الظنون.
قلنا ان هناك نقض يرد علی الانفتاحي وهو رجوع العامي اليه في بعض الموارد التي لا حكم فيها، وقد اجبنا عن ذلك، ولكن هذا الجواب كما يدفع الاشكال عن الانفتاحي يدفعه عن الانسدادي ايضا، فالفقيه الانفتاحي قد لا يصل إلی الحكم الشرعي لا بعلم ولا بعلمي كما في موارد الاصول العملية غير المحرزة فانها لا اراءة للواقع فيها بل هي حكم ظاهري فحسب، وهذا عينه موجود في المجتهد الانسدادي فان لا حكم واقعي لديه، بل ان
الانسدادي احسن حالا احيانا كما في الانسدادي علی مبني الكشف اذا بناء عليه يوجد كشف عن الواقع بدليل عام لا خاص. فلا فارق من هذه الناحية بين الانفتاحي والانسدادي.
ومع ذلك... فان طريق الانفتاح هو الصحيح وهذا لا ينفي وجود ايجابيات في مبني الانسداد وان كان سلبياته اكبر.
ان لمنهج الانسداد مجموعة ايجابيات علمية وفنية، منها:
أولاً: إن الانسدادي يجتهد ويتعب نفسه في تجميع الاقوال وتمحيصها للوصول إلی الظنون العامة المتحصلة من الشهرة والاجماع، لان الشهرة والاجماع عنده من مدارك الحكم، وهذا ما نجده واضحا في جملة من الكتب خصوصا في كتاب جواهر الكلام ورياض المسائل ومفتاح الكرامة.
ثانياً: سعة الفحص عن الوجوه والادلة من خلال استعراض الاقوال وتمحيصها والاطلاع علی ادلتها هو من ابواب تحصيل الاعلمية وذلك لما ورد في المحاسن (للبرقي)(1): «إنّه سُئِلَ أَمِیرُ
1) (1) المحاسن للبرقي: ج1، ص230.
الْمُؤْمِنِینَ(عليه السلام) مَنْ أَعْلَمُ النَّاسِ قَالَ مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النَّاسِ إِلَی عِلْمِه» .
وذلك خلال عرض الاقوال وتحليلها والاطلاع علی مداركها وكيفية استظهاراتها والجمع بينها للوصول للنتيجة. وهذا في الحقيقة منهج علمي رصين في عملية الاستنباط الفقهي يوصي به كثير من الاساطين.
ثالثاً: إنَّ فيه تعليم لصناعة التحليل والتركيب، اما التحليل فهي عملية تفتيق وتشقيق للمعاني للحصول علی معان اخري ولوازم كثيرة منها. واما التركيب فهي دمج ركام من الفتاوي والادلة للوصول لنتائج جديدة.
وهاتان العمليتان تحتاجان إلی توغل وتبحر بعلوم اللغة كعلم المعاني والبيان ومباحث الالفاظ واعمال نكاتها في العناوين الواردة في الادلة سواء علی نحو الموضوع او المتعلق او متعلق المتعلق.
رابعاً: إنَّ لهذا المنهج دورا في تحديد القول المشهور والشاذ والاقل شهرة والاشهر، وذلك التحديد له اهمية في تحديد المسار العام لسيرة الطائفة ومعالم الجو الرسمي لديها، مما يوجد موضوع ودليل الترجيح بالشهرة للتمسك به بموجب قاعدة الترجيح بين الادلة للامر بالاخذ بما اشتهر بين الاصحاب، ففي مصححة عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام): «... فَقَالَ یُنْظَرُ إِلَی مَا كَانَ مِنْ رِوَایَتِهِمْ
عَنَّا فِی ذَلِكَ الَّذِی حَكَمَا بِهِ الْمُجْمَعَ عَلَیْهِ مِنْ أَصْحَابِكَ فَیُؤْخَذُ بِهِ مِنْ حُكْمِنَا وَیُتْرَكُ الشَّاذُّ الَّذِی لَیْسَ بِمَشْهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَیْهِ لَا رَیْبَ فِیهِ».
فهذه الشهرة في الطبقات المختلفة احد كواشف السيرة المتصلة بزمن المعصوم التي هي حجة مستقلة.
ان لمنهج الانسداد سلبيات واضحة من اهمها:
أولاً: إن الانسداديين يحصل لديهم احيانا نوع من التكاسل في تحصيل الادلة وبحثها لانهم مع وجود الشهرات او الاجماعات يكون ركونهم اليها لا إلی النصوص ومفاداتها التفصيلية، فيفتون بما يوافق تلك الاجماعات والشهرات، فلا يتعب الانسدادي نفسه علی الايات والروايات والادلة الخاصة عموما وهذا يودي إلی التقليد وضعف عملية الاجتهاد في فقه النصوص عندهم.
ثانياً: إنَّ المجتهدين الانفتاحيين بعد جيل الانسداديين سوف يعانون كثيرا لان اكثر ادلتهم هي الشهرة والاجماع، والانفتاحي لا يعطي اهمية لشهراته واجماعاته لانها ظنون غير معتبرة عندهم، فيحدث ايهام لدي الانفتاحي ان لا دليل في تلك المسالة الا الاجماع او الشهرة التي ركن فيها الانسدادي إلی الاجماع او الشهرة، مما
سبب انطماس بعض الادلة بالغفلة عنها او مضان الوقوف عليها مما يسبب خطرا علی الشريعة.
نعم لا يخفي ان لهذه الاجماعات والشهرات قيمة صناعية واجتهادية في عملية الاستنباط لانها كاشفة اجمالا عن وجود دليل لا بد من مراعاته والنظر اليه، فلا يصح للمجتهد ان يركن بصورة مباشرة إلی الاصل العملي او العمومات الفوقانية او الاطلاقات والعمومات بل عليه التمحيص والبحث والتمعن في الادلة الخاصة سندا ودلالة قبل الافتاء بما يخالف الشهرة او الاجماع بالرغم من عدم حجتهما بذاتهما.
المبحث الثالث: مقدمات أو مبادئ الاجتهاد
في هذا المبحث نتعرض إلی العلوم التي تقع مقدمة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية، وقد اختلف الاعلام في عددها ومدي تأثير كل واحد منها في عملية الاستنباط، وقد كان ذكرنا لسلبيات وايجابيات المنهج الانسدادي والانفتاحي بمثابة مقدمة عامة للدخول بتلك المبادئ.
وقد ركَّز الفقهاء خصوصا متاخري الاعصار علی مقدمة واحدة وجعلوها اساس وعمدة المقدمات في الاستنباط، منهم صاحب الكفاية حيث قال: «وعمدة ما يحتاج اليه هو علم الاصول ضرورة انه ما من مسالة الا ويحتاج في استنباط حكمها إلی قاعدة او قواعد برهن عليها في الاصول...» (1).
وقلل بعض اخر اهمية باقي العلوم وجعلها اما مقدمات او مقدمات اعدادية وجعل علم الاصول هو الجزء الاخير لعلة الاستنباط، منهم المحقق النائيني&، فقد جاء في تقرير بحثه فوائد
1) (1) كفاية الأصول: ص468.
الاصول للمحقق الكاظمي ما نصه: «و علم الأصول هو الجزء الأخير لعلّة الاستنباط بخلاف سائر العلوم، فانّها من المقدّمات، حتّي علم الرّجال الّذي هو اقرب العلوم للاستنباط، و لكن مع هذا ليس في مرتبة علم الأصول بل علم الأصول متأخّر عنه، و علم الرّجال مقدّمة له» .
والصحيح ما عليه المحقق النائيني وجمع من المحققين مع اضفاء اهمية لباقي العلوم اكبر مما قال به صاحب الكفاية+.
و اما كلام المحقق الخراساني فلا يتم لوجود مقدمات اخري تقع كجزء اساسي في عملية الاستنباط كما في مباحث علم الرجال والحديث والدراية والعلوم التي تدخل في فهم النص القراني والروائي بصورة دقيقة وغيرها.
بالاضافة إلی ان التعمق ببعض مقدمات ومبادئ الاجتهاد يعطي رصانة علمية كبيرة وافقا واسعا في دقة الاستنباط.
ولعل أهم تلك العلوم علوم اللغة العربية والادب وعلم الحديث والدراية والرجال والقواعد الفقهية وايات الاحكام وجملة من مباحث علم الكلام، وسياتي بيان لها.
اما اهمية العربية وعلومها كعلم اللغة والنحو والصرف والبلاغة في عملية الاستنباط فواضحة لان النصوص القرانية والروائية التي هي اهم الادلة في الاستنباط الفقهي جائت بالفاظ اللغة العربية.
والضابظة في مقدار معرفة علوم اللغة العربية ان يكون له معرفة بما له مدخلية في الاستنباط وهذا يحتاج إلی سبر مباحث تلك العلوم ومعرفة هيكليتها ومباحثها الاجمالية نعم لا يلزم ان يكون مجتهدا في كل مباحثها بل يكفي ان يراجع الاقوال ويرجح الاقوي حسب نظره بان تكون له قدرة علی الترجيح، ولا يكفي الرجوع إلی اهل الخبرة بذلك دون المعرفة الاجمالية بمباحث تلك العلوم وامكان اختيار الارجح من الاراء عن دربة ودراية واجتهاد لا عن تقليد بحت، وبذلك لا يكفي الالمام الاجمالي بتلك البحوث بل لابد ان يكون للمستنبط دربة ودراية وخبرة في ذلك العلم مراهقة للاجتهاد لاهل تلك العلوم ومجتهديها.
نعم لا يخفي ان التعمق بتلك العلوم كثيرا يضفي علی المجتهد درجة عالية من فقه الدلالة مما يعطي ملكة اقوي قد تجعلة اعلم من غيره.
سؤال وجواب:
وهنا يأتي سؤال: هل يكتفي بعلوم اللغة العربية لمعرفة المعاني بتفاصيلها وطبقاتها ومعاني معانيها، فمثلا اللغوي يحدد الكعب اما تفاصيل الكعب وحقيقة معناه كيف نعرفها ؟
والجواب عن ذلك يفتح لنا الباب لمدخلية علوم اخري في الاستنباط بل علوم تحقق الموضوع وهذا هو ثانيا.
او العلم المختص بطبيعة كل موضوع من الابواب الفقهية:
وهذا يحتم دخول مجموعة من العلوم لتنقيح الموضوعات وتوضيح اكبر للمعاني وطبقات المعاني وهذا الغور قد يدخل في تنقيح الموضوع بل والمحمول ايضا ولكن لا بمعني ان يكون متخصصا في كل تلك العلوم، بل بمعني خبرة و قدرة رجوعه إلی ذوي الخبرة في تلك العلوم وترجيح الأكفأ والارقي تضلعا فيها والارجح من الآراء.
ومن تلك العلوم علم التشريح والطب كما في مسائل الاستنساخ البشري واللولب وغيرها.
وكذلك مباحث العقائد فان لها بعض المدخلية في تنقيح الموضوعات بل وبعض المحمولات كتحقيق حقيقة الكافر والمرتد
وبماذا يخرج المسلم عن الاسلام او عن المذهب الحق.
وكذلك علم التحريات الجنائية واساليب كشف الجاني من خلال الابحاث العلمية المعاصرة.
وكذلك علم الفلك والنجوم وتنقيح مباحث الاهلة ومواقعها والافاق والاوقات وتعددها او اتحادها وغيرها من البحوث.
الي غير ذلك من العلوم التي تنقح موضوعات في الفقه.
وكل باب فقهي له موضوع يغاير الباب الاخر وله علم مختص به يحدد هويته وماهيته وكافة شؤونه مما يوجب المعرفة التفصيلية بذلك الموضوع وهي لها دور بالغ في استظهار اطار وحدود القضية القانونية الشرعية المجعولة في الادلة .
فائدة:
الفرق في دور علم اللغة في الاستنباط ودور علوم الموضوعات:
والفارق هو ان علم مفردات اللغة انما يعني ويعتني بالعلاقة بين اللفظ والحدود الخارجية للمعني من دون الولوج في التفاصيل الداخلية الماهوية للمعني من اجزاء الماهية والاجناس فيها ومراتبها او تعداد الفصول ومراتبها.
ومن ثم ياتي دور العلم المختص بالموضوع في المرحلة الثانية بعد علم اللغة، فكما ان البحث في الحقيقة اللغوية لا يغني عن
البحث في الحقيقة الشرعية فكذلك البحث عن البحث في الحقيقة اللغوية لا يغني عن البحث عن الحقيقة الماهوية والتكوينية للعناوين الماخوذة موضوعا او متعلقا للحكم الشرعي.
ومثال ذلك: ما في باب صلاة المسافر:
حيث ان وقع الكلام في ان موضوع القصر والسفر هل هو المقدار الكمي من المسافة الجغرافية المطوية او هو المسافة بلحاظ المقدار الزماني المستغرق، فانه علی ضوء الاول يتحقق التقصير لو طوي المسافة الشرعية بالوسائل الحديثة، وعلي الثاني فلابد من استغراق طيلة النهار لكي يتحقق القصر.
وتفصيل ذلك في كتاب صلاة المسافر المطبوع.
مثال اخر: ما في مبحث الكرّ:
فانه استشكل في الروايات الواردة في تحديد الكر بالتدافع بين مقادير ثلاثة حجم المساحة او اربعة والتوفيق بينها وبين الوزن الوارد في الروايات، وتفصيل ذلك في كتاب الطهارة المطبوع.
وهو مهم جدا بل لعله ياتي بعد علم الاصول في الاهمية بعد
ملاحظة ان جملة من ادلة الفروع هي اخبار احاد وجملة منها متواتر او مستفيض او ضروري وقطعي الثبوت، فالازم احراز صحة الصدور بوجه من الوجوه كي يصح الاستنباط منها والاعتماد عليها في الافتاء،وهنا تاتي مباني لاثبات الصدور كمبني الوثاقة او مبني الوثوق بالصدور كما فصلناه في مباحثنا الرجالية فراجع.
وفي هذا العلم لابد ان يكون المجتهد ذو خبروية واجتهاد ولا يمكنه الاعتماد علی ما قاله اصحاب التراجم وكتب الرجال كالنجاشي والطوسي والعقيقي وابن الغضائري وغيرهم.
خصوصا ان كان مبناه الوثوق بالصدور فلابد من تحصيل القرائن علی وثاقة الراوي وتمييز الراوي باسمه ولقبه عن باقي الرجال ومعرفة سيرته العلمية والعملية التي لها مدخلية بالتوثيق وعدمه ومن روي عنه ومن روي عنهم وقدر رواياته ونوع رواياته من حيث كونها عقائدية او ماذا وتحقيق كبريات الرجال في التوثيق والتضعيف ومعرفة الفاظ الرجال في التوثيق والتضعيف وما المناط الذي علی اساسه يوثقون او يضعفون وهل هي حسية او حدسية والاطلاع علی مبني الكسر والجبر في الاعراض والعمل من قبل الاصحاب، بالاضافة إلی معرفة مناهج الرجاليين في التوثيق والتضعيف إلی غير ذلك من عشرات المباحث الرجالية كما
فصلناه في كتابنا الرجالي باجزائه الثلاث.
وهذا يحتاج إلی اطلاع كبير علی علم الرجال وخبرة ودراية كبيرة.
وهذا التاثير لعلم الرجال في الاستنباط لا يعني عدم تحقق الاجتهاد والاستنباط للفقيه بدون الاجتهاد في علم الرجال اي مع تقليده يمكن ان يستنبط ويستنتج ويصدق عليه عنوان الفقيه الا انه لا ريب في تاثير ذلك علی قوة ودرجة اجتهاده.
من مقدمات الاستنباط الوقوف علی المسالة بتفاصيلها وتاريخها ومن افتي بها وموطن الخلاف فيها وادلة كل فريق من المخالفين وتحليل فتاواهم وادلتهم.
فان ذلك مما يوثر في سعة افق بحث الاستنباط ووقوف المجتهد علی اكبر سعة من الفحص والتحري وتكاثر ووفرة مواد ادلة المسالة لديه ومدارك الاحتمالات المختلفة، وبالتالي رصانة ومتانة بنية الاستدلال والاستنتاج.
وهذا فحوي وصية العلامة الحلي لفخر المحققين حيث استدل لضرورة تصفح وتتبع اقوال واستدلالات في كتب الاصحاب بذلك، وبانه رب دليل يعتمد عليه المجتهد المتأخر وقد
خدش فيه الاصحاب، ورب دليل هو الفصل في ادلة المسالة لا يتنبه اليه المتاخر لولا تتبعه في كلمات الاصحاب.
ان للتمرس في الرجوع للابواب ومعرفة مضان الوقوف عليها اهمية كبيرة في الاستنباط، وذلك من خلال الاطلاع علی مناهج التدوين الحديثي واسلوب كل محدث في التدوين ونقاط القوة والضعف فيها، كخصائص كل كتاب وما يفقده الاخر من مميزات كالكتب الاربعة والوسائل والمستدرك والوافي وغيرها، وروية كل محدث في كتابه وديدنه في التبويب وكيفية تدوينه للمتون والاسانيد.
فمثلا الاطلاع علی ضرر التقطيع في الروايات الذي هو واضح في الوسائل مما ادي إلی ضياع المدلول الجدي للغفلة عن القرائن او عدم الاطلاع علی المقيدات او المخصصات او كل الموار د التي عرضتها الرواية مما يودي إلی عدم الوقوف علی حقيقة الجو الاصلي لمفاد الحديث سوالا وجوبا .
وهذا له امثلة عديدة في الفقه فمثلا الحر في الوسائل يورد دليل قاعدة الطهارة بسطر واحد والحال ان الرواية التي تعرض قاعدة الطهارة اكثر من صفحة كاملة في التهذيب، فالوسائل ذكر
منها عَنْ عَمَّارٍ عَنْ أَبِی عَبْدِالله(عليه السلام) فِی حَدِیثٍ قَالَ: «كُلُّ شَیْءٍ نَظِیفٌ حَتَّی تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ- فَإِذَا عَلِمْتَ فَقَدْ قَذِرَ وَ مَا لَمْ تَعْلَمْ فَلَیْسَ عَلَیْكَ» .
اما الطوسي في تهذيب الأحكام؛ عَنْ عَمَّارٍ السَّابَاطِیِّ عَنْ أَبِی عَبْدِالله(عليه السلام) قَالَ: «سُئِلَ عَنِ الْكُوزِ أَوِ الْإِنَاءِ یَكُونُ قَذِراً كَیْفَ یُغْسَلُ وَ كَمْ مَرَّةً یُغْسَلُ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ یُصَبُّ فِیهِ الْمَاءُ فَیُحَرَّكُ فِیهِ ثُمَّ یُفْرَغُ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَاءُ ثُمَّ یُصَبُّ فِیهِ مَاءٌ آخَرُ فَیُحَرَّكُ فِیهِ ثُمَّ یُفْرَغُ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَاءُ ثُمَّ یُصَبُّ فِیهِ مَاءٌ آخَرُ فَیُحَرَّكُ فِیهِ ثُمَّ یُفْرَغُ مِنْهُ وَ قَدْ طَهُرَ وَ عَنْ مَاءٍ شَرِبَتْ مِنْهُ الدَّجَاجَةُ قَالَ إِنْ كَانَ فِی مِنْقَارِهَا قَذَرٌ لَمْ تَتَوَضَّأْ مِنْهُ وَ لَمْ تَشْرَبْ وَ إِنْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ فِی مِنْقَارِهَا قَذَراً تَوَضَّأْ وَ اشْرَبْ وَ قَالَ كُلُّ مَا یُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلْیُتَوَضَّأْ مِنْهُ وَ اشْرَبْهُ وَ عَنْ مَاءٍ یَشْرَبُ مِنْهُ بَازٌ أَوْ صَقْرٌ أَوْ عُقَابٌ قَالَ كُلُّ شَیْءٍ مِنَ الطَّیْرِ یُتَوَضَّأُ مِمَّا یَشْرَبُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ تَرَی فِی مِنْقَارِهِ دَماً فَإِنْ رَأَیْتَ فِی مِنْقَارِهِ دَماً فَلَا تَتَوَضَّأْ مِنْهُ وَ لَا تَشْرَبْ وَ قَالَ اغْسِلِ الْإِنَاءَ الَّذِی تُصِیبُ فِیهِ الْجُرَذَ مَیِّتاً سَبْعَ مَرَّاتٍ وَ سُئِلَ عَنْ بِئْرٍ یَقَعُ فِیهَا كَلْبٌ أَوْ فَأْرَةٌ أَوْ خِنْزِیرٌ قَالَ تُنْزَفُ كُلُّهَا فَإِنْ غَلَبَ عَلَیْهِ الْمَاءُ فَلْتُنْزَفْ یَوْماً إِلَی اللَّیْلِ ثُمَّ یُقَامُ عَلَیْهَا قَوْمٌ یَتَرَاوَحُونَ اثْنَیْنِ اثْنَیْنِ فَیَنْزِفُونَ یَوْماً إِلَی اللَّیْلِ وَ قَدْ طَهُرَتْ وَ سُئِلَ عَنِ الْكَلْبِ وَ الْفَأْرَةِ إِذَا أَكَلَا مِنَ الْخُبْزِ وَ شِبْهِهِ قَالَ یُطْرَحُ مِنْهُ وَ یُؤْكَلُ الْبَاقِی وَ سُئِلَ عَنْ بَوْلِ الْبَقَرِ یَشْرَبُهُ الرَّجُلُ قَالَ إِنْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَیْهِ یَتَدَاوَی بِهِ
شَرِبَهُ وَ كَذَلِكَ بَوْلُ الْإِبِلِ وَ الْغَنَمِ وَ عَنِ الدَّقِیقِ یُصِیبُ فِیهِ خُرْءَ الْفَأْرَةِ هَلْ یَجُوزُ أَكْلُهُ قَالَ إِذَا بَقِیَ مِنْهُ شَیْءٌ فَلَا بَأْسَ یُؤْخَذُ أَعْلَاهُ فَیُرْمَی بِهِ وَ سُئِلَ عَنِ الْخُنْفَسَاءِ وَ الذُّبَابِ وَ الْجَرَادِ وَ النَّمْلَةِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ تَمُوتُ فِی الْبِئْرِ وَ الزَّیْتِ وَ السَّمْنِ وَ شِبْهِهِ فَقَالَ كُلُّ مَا لَیْسَ لَهُ دَمٌ فَلَا بَأْسَ وَ عَنِ الْعَظَایَةِ تَقَعَ فِی اللَّبَنِ قَالَ یَحْرُمُ اللَّبَنُ وَ قَالَ إِنَّ فِیهَا السَّمَّ وَ قَالَ كُلُّ شَیْءٍ نَظِیفٌ حَتَّی تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ فَإِذَا عَلِمْتَ فَقَدْ قَذِرَ وَ مَا لَمْ تَعْلَمْ فَلَیْسَ عَلَیْكَ» (1).
لذا فان كثير من الاعلام حتی المعاصرين منهم اعتمدوا علی ما اورده الوسائل مقطعا فقط وقالوا ان قاعدة الطهارة خاصة بالشبهات الموضوعية ولا تشمل الحكمية، والحال ان بالاطلاع عليها كاملة يجد قرائن علی شمولها للشبهتين.
الي غيرها من الامثلة الكثيرة.
وكذلك ان بعض الروايات تحتوي علی مضامين تفيد في عدة ابواب والحال ان اصحاب المجاميع الروائية قد اوردوها في باب واحد او في بعض الابواب مما يودي إلی الغفلة عن الكثير من الادلة التي قد تغير مسار الاستنباط والفتوي.
ومن ثم نري الاختلاف في الفتاوي عند متاخري الاعصار
1) (1) الطوسي فِی تهذيب الأحكام: ج1، ص284.
عن القدماء كثيرا.
فالاطلاع الواسع علی الروايات وابوابها والالتفات إلی هذه الاشكالات والمشاكل في الكتب الحديثية له اهمية في الاستنباط.
من العلوم الضروري في الاستنباط الفقهي الاطلاع علی آيات الاحكام وسبر مصادرها وكتب التفسير التي تعرضت لها، وعدم الاكتفاء بما ذكر من احصاء عدد آيات الاحكام ب(500) اية او اقل او اكثر.
بل لابد من الوقوف عليها ومعرفة الآيات التي لها اهمية في الاستنباط وتكون مفيدة لبناء عمومات او اطلاقات او ادلة خاصة.
بالإضافة إلی العلم بالقواعد الفقهية والقواعد المنطقية وكيفية تشكيل البرهان وكيفية تراكيبها وامتيازها عن باقي الصناعات.
المبحث الرابع: التخطئة والتصويب
من المباحث المهمة جدا مبحث التخطئة والتصويب وهو وان كان ذا طابع اصولي صناعي تقليدي الا ان واقعه اغور من ذلك اذ انه يمتد لرسم وتحديد المسار العام في الاستنباط الفقهي في مدرسة آل البيت(عليهم السلام) وتمييزها عن باقي المدارس الاخري، فيعطي طابع خاص للاسس الفكرية لمذهب ال البيت وتميزها عن غيرها من المدارس.
واصل البحث هو رد علی ما تبنته بعض مدارس العامة من ان كل مجتهد مصيب في قوله وانه لا حكم في الواقع سوي ما يودي اليه راي المجتهد، والحال ان هذه المقالة منهم تنافي ما ثبت من قاعدة وردت في الروايات مفادها «ما من واقعة الا ولله فيها حكم» (1)وان «دين الله كامل علمه من علمه وجهله من جهله »، وهذه المضامين استفاضت بها الروايات بل يمكن دعوي تواترها الاجمالي.
1) (1) هَذِهِ قاعدة استفادها الفقهاء مِنْ مجموعة روايات.
ويمكن ملاحظة تلك الروايات في باب القضاء ابواب صفات القاضي كالباب الاول والسادس والسابع، بالاضافة إلی روايات اخري نقلها العاملي في الفصول المهمة في اصول الائمة حيث نقل (78) رواية في باب «إنَّ كل واقعة تحتاج اليها الامة لها حكم شرعي معين و لكل حكم دليل قطعي مخزون عند الأئمة(عليهم السلام) يجب علی الناس طلبه منهم عند حاجتهم اليه» (1).
والتي منها:
1- صحيحة حماد عَنْ أَبِی عَبْدِالله(عليه السلام) قَالَ: «سَمِعْتُهُ یَقُولُ: مَا مِنْ شَیْءٍ إِلَّا وَ فِیهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ» (2).
2- موثق سماعة عنْ أَبِی الْحَسَنِ مُوسَی(عليه السلام) فِی حَدِیثٍ «قَالَ: قُلْتُ: أَصْلَحَكَ الله، أَتَی رَسُولُ الله النَّاسَ بِمَا یَكْتَفُونَ بِهِ فِی عَهْدِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَا یَحْتَاجُونَ إِلَیْهِ إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ، فَقُلْتُ: فَضَاعَ مِنْ ذَلِكَ شَیْءٌ؟ فَقَالَ: لَا، هُوَ عِنْدَ أَهْلِهِ »(3).
3 - رواية سليمان بن هارون عن أَبَی عَبْدِالله(عليه السلام) یَقُولُ: «مَا خَلَقَ الله حَرَاماً وَ لَا حَلَالًا، إِلَّا وَ لَهُ حَدٌّ كَحَدِّ الدَّارِ، فَمَا كَانَ مِنَ الطَّرِیقِ فَهُوَ مِنَ الطَّرِیقِ، وَ مَا كَانَ مِنَ الدَّارِ، فَهُوَ مِنَ الدَّارِ حَتَّی
أَرْشِ الْخَدْشِ فَمَا سِوَاهُ وَ الْجَلْدَةِ وَ نِصْفِ الْجَلْدَةِ» .
4 - مرسلة ربعي عَنْ أَبِی عَبْدِالله(عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «أَبَی الله أَنْ یُجْرِیَ الْأَشْیَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ فَجَعَلَ لِكُلِّ شَیْءٍ سَبَباً، وَجَعَلَ لِكُلِّ سَبَبٍ شَرْحاً، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَرْحٍ عِلْماً، وَجَعَلَ لِكُلِّ عِلْمٍ بَاباً نَاطِقاً، عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ وَ جَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، ذَاكَ رَسُولُ الله وَ نَحْنُ» (1).
وغيرها من الروايات .
بالاضافة إلی استفادة ذلك من بعض الآيات كقوله تعالی: ( )(2)وقوله تعالی: ( )(3)وغيرها من الايات بالاضافة إلی روايات عامة أُخري.
فهناك في متن الواقع واللوح المحفوظ حكم لله في كل شي والفقيه بممارساته الفقهية يحاول الوصول إلی حكم الله من خلال ادوات الاستنباط التي بيناها سابقا، وهذا مائز اساسي بين مدرسة النص ومدرسة الراي، فالاجتهاد في مدرسة ال البيت هو محاولة اكتشاف الحكم الشرعي الموجود واقعا في اللوح المحفوظ ودور الفقيه دور توسطي لمعرفة احكام الله تعالی فيكون اجتهادنا نحو استطراق للحكم الشرعي واكتشاف، اما في غير مدرستنا فهو
تكوين وصناعة للراي الفقهي من معطيات لا تقتصر علی النص الوحياني، نعم هم مختلفون علی مذاهب فمنهم من يري ان هناك لله حكم في الواقع ولكن المجتهد رغم ذلك يقوم بصناعة الراي الفقهي وتكوينه واصحاب هذا المذهب يكون تصويبهم مخفف، ومنهم من ينكر ذلك ويقول لا راي ولا حكم لله في الواقع قبل اجتهاد المجتهد وهذا تصويب مفرط، وهناك من يقول بالتصويب الوسطي بان هناك حكما لله وهو علی طبق الحكم الذي توصل اليه المجتهد.
والظاهر من اقوالهم تبني بعض العامة للتصويب صراحة خصوصا المذهب الاشعري، واليك بعض كلماتهم:
قال الآمدي(1): «المسألة الظنية من الفقهيات إمّا أن يكون فيها نصّ أولا يكون. فإن لم يكن فيها نصّ، فقد اختلفوا فيها، فقال قوم: كل مجتهد فيها مصيب، و أن حكم اللّه فيها لا يكون واحدا، بل هو تابع الظنّ المجتهد، فحكم اللّه في حق كل مجتهد ما أدّي إليه العقليات ، اجتهاده و غلب علی ظنّه، و هو قول القاضي أبي بكر و أبي الهذيل و الجبّائي و ابنه. و قال آخرون: المصيب فيها واحد و من عداه مخطئ، لأنّ الحكم في كل واقعة لا يكون إلّا معيّنا، لأنّ الطالب يستدعي مطلوبا، و ذلك المطلوب هو الأشبه عند اللّه في
1) (1) منتهي الدراية: ج8، ص446.
نفس الأمر» .
و قال ابن حزم(1): «ذهبت طائفة إلی أنّ كل مجتهد مصيب، و أن كل مفت محقّ في فتياه علی تضاده» .
و قال الغزالي(2): «انه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يطلب بالظن، بل الحكم يتبع الظن، و حكم اللّه تعالی علی كل مجتهد ما غلب علی ظنه، و هو المختار، و إليه ذهب القاضي. و ذهب قوم من المصوّبة إلی أنّ فيه حكما معيّنا يتوجه إليه الطلب، إذ لا بد للطلب من مطلوب، لكن لم يكلّف المجتهد إصابته فلذلك كان مصيبا و إن أخطأ ذلك الحكم المعيّن الّذي لم يؤمر بإصابته، بمعني أنّه أدّي ما كلّف، فأصاب ما عليه» .
الي غير ذلك من كلماتهم، ويظهر منها ان العامة ليس جميعهم ملتزم بالتصويب بل هم علی مذاهب وان نسب بعضهم التصويب اليهم جميعا ولكن لا يخلو من اشكال كما ان نسبت التصويب لكل الاشاعرة دون المعتزلة اشكال لان بعض الاشاعرة ليسوا مصوبه وبعض المعتزلة مصوبه .
كلام الشيخ الاخوند وتحرير محل النزاع:
قال الشيخ الاخوند في الكفاية: «اتفقت الكلمة علی التخطئة في العقليات و اختلفت في الشرعيات فقال أصحابنا بالتخطئة فيها أيضا و أن له تبارك و تعالی في كل مسألة حكم يؤدي إليه الاجتهاد تارة و إلی غيره أخري.و قال مخالفونا بالتصويب و أن له تعالی أحكاما بعدد آراء المجتهدين فمايؤدي إليه الاجتهاد هو حكمه تبارك وتعالي» (1).
الاشكالات علی كلام الشيخ:
الإشكال الأوَّل:
فان الشيخ الاخوند يقول الفريقان متفقان علی التخطئة في الاحكام العقلية مطلقا سواء كانت احكام العقل النظري او العملي.
ولكن هذا لا يخلو من اشكال، اذ ان كلامه تام في حكم العقل النظري اما احكام العقل العملي (الحسن والقبح) فالكلام ليس تام فيهما لان الاشاعرة كما هو معلوم لا يلتزمون بوجود واقعية في الحسن والقبح بل يرونه من الاحكام العقلائية، فيكون الحكم العقلي عند الاشاعرة تصويب ايضا.
الاشكال الثاني:
نسبت التصويب لكل العامة في الشرعيات، ولكن هذا كما مر
1) (1) كفاية الأصول: ص468.
لا يخلو من اشكال لان ليس كل العامة تقول به، كما ان القائلين به علی درجات في التصويب كما مر.
ان القائلين بالتصويب باي درجة من درجاته تعدوا علی الساحة الالهية المقدسة وتطاولوا علی مقام الله التشريعي وان الحكم له لا لغيره كما دلت الايات والروايات، كما ان منطقهم مخالف لمنطق الفطرة الدعية إلی البحث عن الواقع والحقيقة التي يحتاجها البشر، وان العلم المحيط بتلك الوقائع والحقائق بيد الله تعالی لذا احتاج الجميع اليه في كل ان ومكان، فالقول بالتصويب منافي لمنطق الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
لا شك ان الكلام في التصويب والتخطئة انما يكون في الحكم الواقعي، وهنا ياتي سوال هل هناك مجال لجريانه في الحكم الظاهري ؟
قد يقال بذلك بناء علی تفسير الحكم الظاهري في باب الامارات بما يشابه صنع وانشاء الراي، وان له مراحل كمراحل الحكم الواقعي اي ان له مرحلة انشاء وفعلية وفاعلية وتنجيز وان كان الاكثر يرون اتحاد الفعلية والتنجيز في الحكم الظاهري، وتحقيق الحال في ذلك مر في بحث الحجج.
وصاحب الكفاية في بحث الحجج يلتزم بوجود قالب للحكم الظاهري بناء علی التخطئة لذا يعترف بوجود حكم فعلي علی طبق الحكم الواقعي ويعبر عنه بالتصويب الصحيح.فيقول في الكفاية: «إلا أن يراد التصويب بالنسبة إلی الحكم الفعلي و أن المجتهد و إن كان يتفحص عما هو الحكم واقعا و إنشاء إلا أن ما أدي إليه اجتهاده يكون هو حكمه الفعلي حقيقة و هو مما يختلف باختلاف الآراء ضرورة و لا يشترك فيه الجاهل و العالم بداهة و ما يشتركان فيه ليس بحكم حقيقة بل إنشاء فلا استحالة في التصويب بهذا المعني بل لا محيص عنه في الجملة بناء علی اعتبار الأخبار من باب السببية و الموضوعية كما لا يخفي و ربما يشير إليه ما اشتهرت بيننا أن ظنية الطريق لا ينافي قطعية الحكم. نعم بناء علی اعتبارها من باب الطريقية كما هو كذلك فمؤديات الطرق و الأمارات المعتبرة ليست بأحكام حقيقية نفسية و لو قيل بكونها أحكاما طريقية و قد مر غير مرة إمكان منع كونها أحكاما كذلك أيضا و أن قضية حجيتها ليس إلا تنجز [تنجيز] مؤدياتها عند إصابتها و العذر عند خطائها فلا يكون حكم أصلا إلا الحكم الواقعي فيصير منجزا فيما قام عليه حجة من علم أو طريق معتبر و يكون غير منجز بل غير فعلي فيما لم تكن هناك حجة مصيبة فتأمل جيدا» (1).
1) (1) كفاية الأصول: ص469.
فاهنا يخالف ما قاله في الحجج فيقول بعدم امكان تصوير الحكم الظاهري في المقام وانحصاره بالواقعي، وقال بذلك ايضا في حاشيته علی الرسائل: «كما يكون بالإجماع الضّرورة من المذهب في كلّ واقعة حكم يشترك فيه الأمة لا يختلف باختلاف الآراء، كذلك يمكن دعوي الإجماع بل الضرورة علی عدم كونه فعليّاً بالنّسبة إلی كل من يشترك فيه بمعني ان يكون بالفعل بعثاً أو زجراً أو ترخيصاً، بل يختلف بحسب الأزمان و الأحوال، فربّما يصير كذلك في حقّ أحد في زمان أو حال، دون آخر كما انّه بالبداهة كذلك في المرتبة الرابعة» (1).
فالشيخ علی احد قوليه يلتزم علی بعض مباني تفسير الحجية في الامارات بشي من التصويب في الحكم الظاهري في مرحلة الفعلية التامة بالرغم من التزامه باصل الفعلية في الحكم الواقعي علی مبني التخطئة اذ ان الواقع موجود عند الشارع علم به من علم واخطاه من اخطاءه.
وعليه فالفعلية التامة في موارد مخالفة الحكم الظاهري للواقعي هي علی طبق الظاهري وهذه من مراتب التصويب الذي تقول به بعض علماء الامامية والذي لا مفر منه علد مبني الاخوند.
وهذا التصويب ليس كتصويب العامة القائلين بان التصويب في مرحلة الانشاء واصل الفعلية.
1) (1) درر الفوائد فِی الحاشية عَلَی الفرائد: ص71.
ان للحكم مراحل عديدة، منها ثلاث مراحل في مرحلة الانشاء ومرحلتان في الفعلية ومرحلتان في الفاعلية ومرحلة التنجيز ومرحلة الامتثال ومرحلة احراز الامتثال.
فمرحلة الفعلية التي هي احد مراحل الحكم الشرعي عبارة عن مرحلتين، فعلية ناقصة وفعلية تامة، فعلية من قبل المولي وهي ناقصة وفعلية من العبد وهي تامة، ومعني كونها من المولي اي انها مرتبط باصل وجود الموضوع فتكون الارادة التشريعية موجودة وانما جهل او عجز عنها المكلف والحكم في هذه المرحلة جزئي، اما الفعلية التامة فهي فعلية الحكم من جهة العبد مع القدرة الكاملة منه، وهذه غير مرحلة الفاعلية اذ الفاعلية تاتي بعد الفعلية، والفاعلية ايضا لها مرحلتان ناقصة وتامة وسميت فاعلية لانها تحرك وتبعث وهي من المراحل العقلية للحكم وتتبعها مرحلة التنجيز والامتثال واحراز الامتثال كما فصلناه سابقا في بحوث الاصول والفقه.
كان الكلام فيما مضي في التخطئة النظرية، ويوجد تخطئة اخري لم يسلط الضوء عليها بشكل واضح نستطيع ان نسميها
التخطئة العملية التي منها التخطئة السياسية او العسكرية او القضائية، وقد اشار الفقهاء إلی التخطئة القضائية كما فعل المحقق صاحب الجواهر في باب نقض الحكم من ابواب القضاء، وهذا الباب مرتبط بالفقه الشامل للسلطات الثلاثة (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، فما ذكرناه هنا مجمل انما من باب التنبيه علی وجود سنخ اخر من التخطئة وهي التخطئة العملية، اما ضوابظ وقواعد واليات تلك التخطئة فنتعرض لها ان شاء الله في موطنين، الاول في شرح كتاب التقليد من العروة الوثقي، والثاني عند بحث فقه القضاء.
المبحث الخامس: الإجزاء وتبدل رأي المجتهد
اذا اضمحل اجتهاد المجتهد او تبدل رأيه هل يجزي العمل السابق علی طبقه فلا يجب عليه الاعادة، ومعني اضمحلال الاجتهاد ليس ذهاب الملكة بل اضمحلال الراي او القيام بالاجتهاد إلی نتيجة اجتهادية جديدة - وان كان شاملا له - فيأتي سؤال هل ينتفي ذلك الراي كليا وهل يعول بعد ذلك علی اجتهاده حتی نرجع اليه ؟
كما ان محل البحث من كان اجتهاده السابق مطابق لموازين الاستنباط الصحيح بان يكون بذل الوسع والجهد مع اطمئنانه المبني علی الموازين او علمه بالحكم الشرعي السابق بعد تفحص الاخبار والنظر بتعارضها وخاصها وعامها ومطلقها ومقيدها والي غير ذلك من سبل الاستنباط ، اما لو كان الاستنباط تخيليا غير مستجمع لشروط وموازين الاستنباط فلا يجري البحث في اجزاءه وعدمه لانه خارج تخصصا اذ لا حكم ظاهري اصلا لكي نبحث
عن اجزاءه وصحته.
وكذلك الكلام يجري في المقلد ايضا فلو انتقل من مرجع إلی اخر بمسوغ شرعي فهل ان اعماله السابقة مجزية ؟
وقد يتحد هذا المبحث - اضمحلال الفتوي او تبدل الراي كما هو الاصح ان يعبر عنه - مع بحث اخر يسمي بحث الاجزاء الذي مر تفصيله في مباحث الالفاظ.
فما النسبية المنطقية بينهما ؟
ان النسبة عموم من وجه:
اما وجه اخصية الاجزاء واعمية مسالتنا:
ان اجزاء الامر الظاهري انما يكون في صورة وجود الامر والطلب الظاهري، فياتي بذلك السوال: هل ان موافقه المامور بالامر الظاهري يجزي عن المامور بالامر الواقعي او لا يجزي ؟ اما مسالتنا فموضوعها اعم من كونه من الواجبات او المحرمات او الايقاعات او العقود، فياتي سوال هل العمل السابق المطابق لراي المجتهد يبني علی صحته في فرض تبدل اجتهاده وقوله او يبني علی البطلان ووجوب الاعادة ؟
اما وجه اعمية الاجزاء واخصية مسالتنا:
ان مبحث الاجزاء يجري في الشبهات الحكمية والموضوعية علی حد سواء، اما تبدل راي المجتهد فلا يجري الا في الشبهات الحكمية.
والمجمع لكلا البحثين هو الامر الظاهري في العبادة فانه يجري في الاجزاء وتبدل الراي.
عرض البحث:
وقع الكلام بين الاعلم في اجزاء العمل السابق اذا تبدل راي المجتهد إلی اجتهاد جديد، فمنهم من ذهب إلی صحة العمل السابق ومنهم من نفي ومنهم من فصل.
وممن ذهب إلی عدم الاجزاء كقاعدة اولية الشيخ صاحب الكفاية وان الصحة لا تتم الا اذا قام دليل خاص عليها، قال قدس سره: (بتبدل الرأي الأول ب الآخر أو بزواله بدونه فلا شبهة في عدم العبرة به في الأعمال اللاحقة و لزوم اتباع اجتهاد اللاحق مطلقا أو الاحتياط فيها و أما الأعمال السابقة الواقعة علی وفقه المختل فيها ما اعتبر في صحتها بحسب هذا الاجتهاد فلا بد من معاملة البطلان معها فيما لم ينهض دليل علی صحة العمل فيما إذا اختل فيه لعذر كما نهض في الصلاة و غيرها مثل لا تعاد و حديث
الرفع بل الإجماع علی الإجزاء في العبادات علی ما ادعي...) (1).
فهو يعامل الاجتهاد الاول كالعدم ويقول بالتعويل علی الاجتهاد الثاني فاذا كان اجتهاده السابق انتهي إلی القول بعدم وجوب جلسة الاستراحة واجتهاده الجديد انتهي إلی القول بوجوبها فالظاهر بطلان صلاته السابقة بحسب القاعدة الاولية الا ان يقوم دليل علی الصحة كقاعدة لا تعاد او قواعد حديث الرفع او غيرها، وهذا القول مشهور الاصوليين المتاخرين خلافا لمشهور طبقات الفقهاء.
نعم هو يشترط - كما هو ظاهر العبارة - شروطا للحكم بالبطلان، منها ان يحصل لديه الحكم في الاجتهاد الاول بسبب القطع لا بحجة شرعية كالامارة، ومنها ان يكون الراي الاول مخالفا للاحتياط والا فلو كان موافق له فلا بطلان، ومنها ان يكون التبدل في الراي له اثر يختلف عن اثر ما بعد العدول.
وهذا ظاهر نص عبارته: « وذلك فيما كان بحسب الاجتهاد الأول قد حصل القطع بالحكم و قد اضمحل واضح بداهة أنه لا حكم معه شرعا غايته المعذورية في المخالفة عقلا و كذلك فيما كان هناك طريق معتبر شرعا عليه بحسبه وقد ظهر خلافه بالظفر بالمقيد أو المخصص أو قرينة المجاز أو المعارض بناء علی ما هو التحقيق
1) (1) كفاية الأصول: ص470.
من اعتبار الأمارات من باب الطريقية قيل بأن قضية اعتبارها إنشاء أحكام طريقية أم لا علی ما مر منا غير مرة من غير فرق بين تعلقه بالأحكام أو بمتعلقاتها ضرورة أن كيفية اعتبارها فيهما علی نهج واحد» (1).
وبعد ذلك اشكل علی صاحب الفصول، حيث فهم الشيخ الاخوند من عبارته التفصيل بين تعلق الاجتهاد الاول بالاحكام كوجوب صلاة الجمعة فحكم بوجوب الاعادة،وبين تعلق الاجتهاد الاول بمتعلقات الاحكام كجلسة الاستراحة او العقد باللغة الانكليزية فحكم بالصحة.
فقال في الكفاية رداً علی الفصول وأدلته: « ولم يعلم وجه للتفصيل بينهما كما في الفصول و أن المتعلقات لا تتحمل اجتهادين بخلاف الأحكام إلا حسبان أن الأحكام قابلة للتغير و التبدل بخلاف المتعلقات و الموضوعات و أنت خبير ب أن الواقع واحد فيهما و قد عين أولا بما ظهر خطؤه ثانيا و لزوم العسر و الحرج و الهرج و المرج المخل بالنظام و الموجب للمخاصمة بين الأنام لو قيل بعدم صحة العقود و الإيقاعات و العبادات الواقعة علی الاجتهاد الأول الفاسدة بحسب الاجتهاد الثاني و وجوب العمل علی طبق الثاني من عدم ترتيب الأثر علی المعاملة و إعادة العبادة لا يكون إلا أحيانا
1) (1) المصدر والصفحة.
وأدلة نفي العسر لا ينفي إلا خصوص ما لزم منه العسر فعلا مع عدم اختصاص ذلك بالمتعلقات و لزوم العسر في الأحكام كذلك أيضا لو قيل بلزوم ترتيب الأثر علی طبق الاجتهاد الثاني في الأعمال السابقة و باب الهرج و المرج ينسد بالحكومة و فصل الخصومة.و بالجملة لا يكون التفاوت بين الأحكام و متعلقاتها بتحمل الاجتهادين و عدم التحمل بينا و لا مبينا مما يرجع إلی محصل في كلامه زيد في علو مقامه فراجع و تأمل» (1).
وكأن ما ذهب اليه صاحب الفصول نظير ما يطرح في العقد الفضولي - بناء علی القول بالكشف - من قبول الكشف في الحكم الوضعي دون الحكم التكليفي.
مفاد اشكالات الكفاية علی الفصول:
الاول: ان الطرق حقيقتها واحدة ولا يعقل التفصيل بين قيامها علی الاحكام او متعلقات الاحكام، فمادامت طريقية فلا موضوعية لها ولا توجب تولد مصلحة جديدة او ملاك جديد، فهما متسانخان والقول بعدم الاجزاء متعين فيهما، وكون متعلق الاحكام لا يقبل اجتهادين لا يعطي مبررا للتفصيل ولا يغير حقيقية الطريقية، فاذا انكشف خطا الاجتهاد في المتعلقات والموضوعات وجب ترتيب اثار البطلان كما هو الحال في انكشاف
1) (1) المصدر: ص470 - 471.
الخلاف في الاحكام.
الثاني: اما قولك - ان الحكم بالبطلان يوجب حصول العسر والحرج واختلال النظام والمخاصمة بين الانام وهذا محذور عقلي وشرعي يوجب عدم الحكم بالبطلان وتعين الحكم بالصحة - فهو مردود لامرين:
أولاً: ان الدليل اخص من المدعي،لان العسر لا يلزم علی نحو الموجبة الكلية بل هو علی نحو الموجبة الجزئية، وذلك لان لزوم الاعادة في صورة كون الحكم الاول مخالفا للاحتياط.
ثانياً: ان لزوم العسر والحرج غير مختص بالمتعلقات فقط حتی نفرق بين الاحكام والموضوعات فنحكم بعدم البطلان في الموضوعات والمتعلقات بل هو شامل لهما فلا مبرر للتفرقة بهذا الدليل.
كلام المشهور:
ان مشهور الفقهاء خلافا لمشهور متاخري الاعصار يقسمون انكشاف الخلاف إلی اقسام تارة انكشاف بنحو القطع والقطع تارة بنحو اليقين او لا، فهنا يحكمون بعدم الاجزاء خلافا لما ينسب لهم، اما اذا كان الانكشاف بنحو الاطمئنان او الظن المعتبر قالوا بالاجزاء.
فالمشهور يقولون بعدم صدق الانكشاف في اليقين النظري (الاطمئنان) وفي الظن المعتبر لانه قد يصيب وقد يخطئ، اذ ان معني انكشاف الخلاف سد الاحتمال الاخر والحال ان الاحتمال الاخر باقي فلا يصدق انكشاف الخلاف الا بكشف ستار الواقع، وهذا احد الوجوه التي استند اليها المشهور.
ان قلت:
ان الاجتهاد الجديد هو المعتبر في هذا الان والاجتهاد الاول غير معتبر، فمنزلة الاجتهاد الثاني منزلة العلم.
قلت:
لنذكر وجهين اخرين لكلام المشهور يندفع بهما الاشكال:
أولاً: إنَّ درجة اعتباره انما هي الظن ولا ترتقي إلی العلم بل كلاهما ظن معتبر في ظرفه غايته ان احدهما سابق والاخر لاحق. فكلاهما في ظرفه تام الشروط والحجية. فلا يصدق الانكشاف التام.
ثانياً: ان حجية الظن في الاجتهاد اللاحق لا تسري إلی حجية الظن في الاجتهاد السابق.
وعليه فكلام المشهور مقتضاه الاجزاء،اذ كلا الاجتهادين مشمول بدليل عمومات واطلاقات الحجية كل في ظرفه.
ويعضد المشهور بوجوه اخري:
الوجه الرابع:
ان الاجتهاد الثاني ليس فيه حجية تسع حجية الاجتهاد الاول بان تودي إلی الغائه وابطاله في ظرفه، والتصويب الخفيف الذي يلزم من ذلك لا يضر وهو يرجع للوجه الثالث.
نعم لو كان الاجتهاد الاول خاضع لاجتهادات باطلة او شخصية او حداثوية خلافا للنص فلا اعتداد بها كما في بعض الكلمات الدعية إلی قراءة النص الديني قراءة معاصرة تستنبط ان الحجاب فرض في زمان معين علی المجتمع العربي لانه شهواني ومتيم بالنساء وكذا احكام الحدود والديات والقصاص... الخ.
الوجه الخامس:
ان الحجية الاقتضائية موجودة في الحجج، فليس الحجية الاضعف او المتوسطة منفية الحجية مقابل وجود الحجة الاقوي، اي انها واجدة للحجية بنحو الاقتضاء والتعليق علی عدم الحجية المخالفة الاقوي التي هي بمثابة المانع، وقد فصلنا ذلك في مباحث التعارض.
المبحث السادس: التقليد لغة واصطلاحاً
للتقليد مباحث عديدة في كلمات الاصحاب منها تعريفه لغة واصطلاحا وادلة مشروعيته وبعض ما يتعلق من اثار المشروعية كحجية قول المجتهد وغيرها، وكذلك بحث تقليد الاموات وتقليد الاعلم، هذا ما يبحثوه في كتب الاصول، نعم في باب التقليد في كتب الفقه يبحثوا ما هو اوسع كما سياتي في شرح تقليد العروة ان شاء الله.
و لا يخفي ان فعل التقليد مسالة فقهية بحته وانما بحثها الفقهاء استطرادا في نهاية البحث الاصولي كما اشرنا سابقا في توطئة الكتاب، نعم هو لا يخلوا من حيثيات اصولية كما سياتي.
فائدة:
هل الحجية لفعل الفقيه او لفعل المقلد؟
ومن المباحث التي نود التعرض لها قبل الولوج في تعريف التقليد مبحث حجية التقليد وهل هي حجية لفعل الفقيه في فتواه فيقال فتوي الفقيه حجة او الحجية هي فعل المقلد (اي فعل التقليد)؟
ربما يتبادر للذهن ان الحجية لفعل الفقيه وهي فتواه وليست لفعل المقلد، فينقدح بذلك استفهام مفاده، فلماذا بحث الاعلام فعل المقلد وهو التقليد؟ وهذا التساول نظير ما يقال في الامارات بالنسبة للمجتهد، فهل ان الامارة (الروايات) هي الحجة او ان الاستباط الذي يستنبطه الفقيه منها هو الحجة.
هذا التساول ربما يجاب عنه بما هو موجود في باب التخيير بين الروايات المتعارضة، فان الحجية وان كانت للروايتين الا ان اختيار الفقيه لاحدها متمم للحجية، وكأنه يوجب اتمام نصاب الحجية اي تعيينها.
فالحجية ليست مرتبة علی الامارة بما هي هي بل بضميمة عمل الفقيه وهو عملية الاستنباط من الامارة، وكذلك الحال ان الحجية انما تتم بضميمة التقليد في عمل المقلد، وكذلك الحال بالنسبة للقضاء فتتم الحجية بضميمة انشاء الحكم من القاضي لا بمجرد توفر موازين الحكم القضائي، وهذا البيان في القاضي واضح جدا فان اثار الحكم انما تترتب علی اصدار الحكم القضائي
لا علی مستندات وادلة القاضي.
وبذلك لا يتم ما استبعده المحقق العراقي من جعل الحجية لفعل المجتهد لا لفعل المقلد.
وعليه فترتب الاثار انما هو بنحو انضمام الفعلين فعل المجتهد وفعل المقلد.
اختلفت كلمات اللغويين في معني التقليد فمنهم وهم الاكثر حمله علی تقليد الشي، بان يجعله كالقلادة في رقبة المجتهد فيكون القاء لمسوؤلية العمل علی عاتق المجتهد، قال ابن منظور: «... ومنه التقليد في الدين وتقليد الولاة الاعمال...» (1)وقال في المصباح المنير: «قلدت المراة تقليدا جعلت القلادة في عنقها» (2)وغيرهما.
وياتي بمعني المشابهة في الصوت او الفعل كتقليد الببغاء للانسان وهذا ما احتمله بعض المعاصرين(3)وهو غير بعيد فان العرف يستسيغ ذلك.
ومن هذا المعني اللغوي استعاره اهل الاصطلاح الفقهي وكأن الجاهل بالاحكام قد جعل اعماله قلادة في رقبة المجتهد.
فقد عرف بتعاريف عديدة منها:
التعريف الاول:
تعريفه بالاخذ... وقد عرفه بذلك جملة من الاعلام منهم صاحب الكفاية حيث قال: «اخذ قول الغير ورايه للعمل به في الفرعيات او للالتزام به في الاعتقاديات تعبدا بلا مطالبة دليل علی رايه» .
والاخذ قد ياتي بعدة معان، منها التعلم، ومنها الالتزام والتبني وقد يفسر ثالثة بالاستناد وقد يفسر بالقبول كظاهر قوله تعالی: ( ...)(1).
وهذه المعاني كلها غير العمل وانما تكون مقدمة للعمل، نعم قد يفرق الالتزام عن باقي المعاني فيكون غير الاخذ لان الالتزام قد يكون قبل الاخذ وهو فعل نفساني بمعني عقد القلب علی العمل بفتوي المجتهد، لذا فهو غير الاخذ.
التعريف الثاني:
تعريفه بالالتزام - بناء علی انه غير الاخذ كما بينا انفا - وقد عرفه بذلك جملة من الاعلام منهم السيد اليزدي في العروة
1) (1) كفاية الأصول: ص472.
الوثقي، حيث قال: «التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معينو إنلم يعمل بعد بل و لو لم يأخذ فتواه فإذا أخذ رسالته و التزم بالعمل بما فيها كفي في تحقق التقليد» (1).
التعريف الثالث:
تعريفه بالعمل بقيد شي كالاعتماد او الاستناد... وذهب إلی ذلك جملة من الاعلام المعاصرين مع اختلافهم في كونه معتمدا او مستندا او غيرها، ومن تلك التعاريف ، تعريف السيد البروجردي «بل هو نفس العمل ولا مدخلية للالتزام في شي من الاحكام» (2)، وتعريف السيد الحكيم والسيد الخوئي «هو العمل اعتمادا علی فتوي المجتهد» (3)وتعريف السيد الخميني: «هو العمل مستندا إلی فتوي المجتهد» (4).
التعريف الرابع:
تعريفه بالعمل بلا قيد وانما يكفي المطابقة لفتوي المجتهد ولو صدفة فلا يشترط الاستناد ولا الاعتماد ولا الالتزام ولا التعلم(5).
التعريف الخامس:
انه نفس امارية فتوي المجتهد، فالتقليد ليس شيئا وراء قول المجتهد والحجية مترتبة عليه بلا ضميمة فعل المقلد، وهذا ما تبناه المحقق العراقي وقد اشرنا إلی الخدشة فيه في الفائدة المارة الذكر.
والاشكال الذي يرد علی العراقي يرد ايضا علی التعريف القائل بصرف المطابقة وذلك لعدم ترتب جملة من الاثار علی الفتية لوحدها ولا صرف مطابقة العمل لها.
كما ان التقليد ليس هو العمل مستندا او معتمدا كما تبناه بعض المعاصرين، وذلك لان الاوفق في تعريف التقليد ما يناسب الفعل الاصولي لا الفعل الفقهي وهو يتناسب مع تعريف الاخذ لا تعريف العمل - كما سنبسطه في مباحث التقليد من كتاب العروة - ومقصودنا من الفعل الاصولي ما لم يرتبط بالفعل الخارجي كما هو الحال في الفعل الفقهي كالصوم والصلاة والزكاة.
فالفعل الاصولي ناظر إلی الحكم الفقهي كما (في لا تنقض..)، فهو فعل علی صعيد الجوانح او الادراك او الفكر، ولذا الصحيح تعريف التقليد بالاخذ بفتوي الفقيه خلافا لما بني عليه اكثر المعاصرين من انه العمل مستندا او معتمدا.
فالصحيح تعريفه: «التقليد هو الاخذ بفتوي الفقيه ويتحقق بتعلم فتواه بداعي الالتزام والعمل» .
هذه اهم التعاريف.
وتفصيل الكلام في ذلك في بحث التقليد من العروة ان شاء الله.
المبحث السابع: أدلة جواز التقليد
وقع الكلام بين الفقهاء في اصل مشروعية التقليد وجوازه وعدمه، فذهب مشهور الامامية إلی جوازه بل وجوبه ولم ينسب الخلاف الا لبعض الفقهاء القدامي والحلبيين من الاصوليين والي اصحابنا المحدثين، اما بعض القدامي والحلبيون فالظاهر عدم الخلاف منهم وانما هم قائلون بعدم الجواز في صورة التمكن من الاجتهاد اما مع عدم المكنه فيتعين التقليد، فيكون عدم الجواز في حالة التمكن من الاجتهاد لا مطلقا، فالخلاف لا في اصل مشروعيته، وانما في كون وجوب الاجتهاد وجوبا تخييريا من الاول او انه وجوب تعييني ولا يصار إلی التقليد الا مع عدم التمكن، فيكون ذلك نظير الخلاف في الاحتياط في كونه طريقا ثالثا مقابل الاجتهاد والتقليد او ليس كذلك، وهذا المبني لا ينفي اصل مشروعية الاحتياط وانما يقول مع التمكن من الاجتهاد او التقليد
فلا تصل النوبة للاحتياط وقد بني علی ذلك جملة من الاعلام وهو الصحيح عندنا كما سياتي في بحث فقه التقليد والاجتهاد من العروة وكما بيناه في دورة خارج الاصول.
فلا اشكال في اصل مشروعية الاحتياط ولكن لا كطريق بعرض طريقي الاجتهاد والتقليد، وكذا قول بعض اصحابنا المتقدمين النافين لمشروعية التقليد فان النفي ليس مطلق وانما نفي في صورة التمكن من الاجتهاد فليس التقليد عندهم في عرض الاجتهاد كما يظهر من بعض كلماتهم.
وبعبارة اخري ان الخلاف ليس في اصل المشروعية وانما في قيود وشروط تلك المشروعية.
وقد ثبت في محله ان المكلف اذا التفت إلی الشريعة فانه سيذعن بوجود احكاما الزامية وجوبية وتحريمية في عهدته فيجب ان يحصل المومن الشرعي للخروج من العهدة، وقد مر مومنية الاجتهاد مفصلا، وسياتي بحث مومنية الاحتياط في شرح تقليد العروة، وهنا سنبحث في هذا الفصل مشروعية وادلة جواز التقليد وانه من المومنات الشرعية للخروج عن عهدة التكليف.
الدليل الاول: ان رجوع الجاهل إلی العالم بديهي جبلي فطري:
وهذا ما نص عليه صاحب الكفاية وغيره من ان جواز التقليد بديهي جبلي فطري، فقال في الكفاية: «أن جواز التقليد و رجوع الجاهل إلی العالم في الجملة، يكون بديهيا جبلّيا فطريا لا يحتاج إلی دليل، و إلا لزم سدّ باب العلم به علی العامي مطلقا غالبا، لعجزه عن معرفة ما دلّ عليه كتابا و سنّة، و لا يجوز التقليد فيه أيضا، و إلا لدار أو تسلسل» (1).
وقد وقع دليل الاخوند بين القبول والرد من قبل الاعلام من بعده كما سياتي الاشارة لذلك.
حوي الدليل الاول علی مجموعة مصطلحات مطروحة في البحوث العقلية (البداهة - الفطرة - الجبلة)، فهل المراد بها ما هو مطروح بالبحث العقلي او ان مراده شيئا اخر ؟
اورد المحقق الاصفهاني(2)علی استاذه الاخوند باستدلاله بهذا الدليل علی جواز التقليد ايرادا.
بيان ذلك: ان الفطري اما ان يراد به ما في كتاب البرهان من انه احد القضايا الست البديهية او يراد بالفطري بمعني الجبلي
والطبعي كما لو قيل ان الانسان مجبول علی كذا وكذا.
وعلي كلا المعنيين لا يكون جواز التقليد فطريا.
اما علی المعني الاول وهو كون الفطرية ما كان قياسها معها ككون الاربعة زوج فانها مستغنية عن الاستدلال كسائر البديهيات فالعقل يذعن بها بمجرد الالتفات لها، وهذا لا ينطبق علی بداهة التقليد.
اما الفطري بمعني الجبلي اي شوق النفس إلی رفع الجهل والنقص لاجل كمال ذاتها لا للزوم التقليد في الشرع او عند العقلاء.
والصحيح ان المراد بالفطري والجبلي غير ما عند اهل الميزان، فالبديهي هو الوجوب المدرك بالعقل النظري والفطري هو الوجوب المدرك بالعقل العملي، فهي احكام عقلية مغروسة ومرتكزة في نفس كل ذي عقل وشعور.
واما الجبلة فالاصح انها بمعني الغرائز والقوي المغروزة بالنفس سواء كانت عملية لعمل البدن او لعمل الروح، وان كان العمل الروحي مرتبط بالصور والادراك من دون ان يرتقي للعقل.
فهذه الضرورة العقلية علی جواز التقليد ترجع إلی الجبلة والبداهة والفطرة بهذا المعني.
فالانسان مدني بطبيعته فلا يستطيع العيش بمفرده لتعدد
احتياجاته وتكثرها، بل هذا موجود حتی عند الحيوانات اذ ان هناك نحو من التكافل بينها وحالة اجتماعية تتبادلها، فلو انعدم نوع من الحيوانات لحدث اختلالا ما في نظامها المعيشي الاجتماعي او البيئي، وهذا ما اشارت له اخر الابحاث في ذلك المجال.
وهذا الامر اوضح في الانسان.
وفي الحقيقة ان هذه قاعدة تنشا منها قواعد عديدة في النظام الحياتي العام، وهذا ينطبق من اول خلقة ادم عليه السلام فاوجد له ما يسد حاجاته النفسية والبدنية كايجاد شريكة الحياة لاجل السكن اليها وتبادل المنافع المادية والمعنوية كما اشار القران الكريم: ( وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَیْها وَ جَعَلَ بَیْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِی ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ یَتَفَكَّرُونَ ) (1).
ومن تلك القاعدة تنشا ايضا ضرورة التخصصات والفنون والخبرويات كرجوع الناس إلی الطبيب في الامور النظرية الطبية من باب خبرويته في هذا المجال، وكذلك الحال في باقي التخصصات.
وليس معني هذا (التقليد) سد باب العلم علی الاخرين كما يقول العلمانيون او بعض المثقفين لان ذلك ليس خاصا بالفقه والتخصصات الدينية بل هو شامل لكل مفاصل الحياة ومنطلق من كون الانسان مدني واجتماعي فلابد من التكافل بين افراده،
1) (1) سورة الروم: الآية 21.
ومن صور التكافل الرجوع إلی اهل الخبرة والاختصاص فالفقيه يرجع إلی الطبيب اذا مرض والطبيب يرجع إلی الفقيه في الاحكام الشرعية وهكذا باقي التخصصات.
وكذلك هذا الرجوع ليس هو رجوع مطلق وبلا قيود بل هو رجوع وفقا لقيود، وهو كون المادة المرجوع اليها نظرية لا انها بديهية فاذا كانت بديهية وواضحة فلا معني للرجوع إلی الغير.
فلا فرق حينئذ بالرجوع إلی اهل الخبرة في التخصصات النظرية بين الطب او الفقه او غيره، غاية الامر ان الجاري علی الالسن تسمية الرجوع إلی التخصصات بالرجوع إلی اهل الخبرة والرجوع إلی الفقيه بالرجوع بالتقليد.
حيث استدل به جمع من الاعلام وانكر الاستدلال به جمع اخر، وهذا الدليل هو عبارة عن الاستدلال بمجموعة ايات منها:
الآية الأُولي: آية النفر: ( وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِیَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِیَتَفَقَّهُوا فِی الدِّینِ وَ لِیُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَیْهِمْ لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ ) (1).
الآية الثانية: اية السؤال: ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا
1) (1) سورة التوبة: الآية 122.
تَعْلَمُونَ ) (1).
ان الاية تصدرت بكلمة ( لولا ) الدالة علی التحضيض وهي دخلت علی الفعل الماضي فتفيد توبيخا علی ترك الافعال التي وردت في الاية وهي ( النفر والتفقه والانذار والحذر ).
فالانذار من الفقيه للعامي واجب بدلالة الاية اذ هو احد غايتي وجوب النفر بالاضافة إلی الغاية الاخري وهو التفقه، وتدل الاية علی وجوب الحذر بعد انذار الفقيه للعامي ومعني الحذر هو التوقي عن المخالفة العملية للشريعة، وحجية قوله مستمده من تسمية ذلك انذارا.
كما ان الاية امضاء لنفس القاعدة التي اشرنا لها في الدليل الاول وهي قاعدة في النظم المدني في طبيعة البشر.
تقريب الاستدلال باية السؤال:
ان المطلوب في الاية الكريمة وجوب السوال علی الجاهل حتی يعلم الجواب من العالم، وهذا ينطبق كليا علی حجية رجوع الجاهل بالاحكام الشرعية للفقيه بالفتوي للعمل بها.
1) (2) سورة النحل: الآية 43.
بالاضافة للظهور العقلائي الواضح من الاية وانها في مقام تاسيس قاعدة في رجوع الجاهل إلی العالم، والاية بظهورها السياقي في رجوع عوام الناس من اهل الكتاب إلی علمائهم تشير إلی جريان ذلك كطريقة عقلائية عامة.
ومن اشكل علی انها واردة في اهل الكتاب كما هو ظاهر السياق فلا تجري فينا وذلك بعد حمل اهل الذكر علی اهل التوراة، مردود لعدة امور منها اطلاق الذكر علی القران تارة وعلي النبي الاعظم تارة وعلي امير المومنين علی تارة اخري و لوجود روايات مفسرة لظاهر الاية بان اهل الذكر هم اهل البيت عليهم السلام وهذه الروايات مستفيضة، منها: ما رواه ابن بابويه باسناده عن الريان بن الصلت عَنِ الرِّضَا(عليه السلام) «فِی حَدِیثٍ أَنَّهُ قَالَ لِلْعُلَمَاءِ فِی مَجْلِسِ الْمَأْمُونِ- أَخْبِرُونِی عَنْ هَذِهِ الْآیَةِ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ- الَّذِینَاصْطَفَیْنا مِنْ عِبادِنا- فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ أَرَادَ الله بِذَلِكَ الْأُمَّةَ كُلَّهَا- فَقَالَ الرِّضَا(عليه السلام) بَلْ أَرَادَ الله الْعِتْرَةَ الطَّاهِرَةَ- إِلَی أَنْ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام) وَ نَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ- الَّذِینَ قَالَ الله عَزَّ وَ جَلَّ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ- إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ- فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا عَنَی بِذَلِكَ الْیَهُودَ وَ النَّصَارَی- فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(عليه السلام) سُبْحَانَ الله وَ یَجُوزُ ذَلِكَ- إِذَنْ یَدْعُونَا إِلَی دِینِهِمْ- وَ یَقُولُونَ إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ دِینِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ الْمَأْمُونُ- فَهَلْ عِنْدَكَ فِی ذَلِكَ شَرْحٌ بِخِلَافِ مَا قَالُوا یَا أَبَا الْحَسَنِ-
قَالَ نَعَمْ الذِّكْرُ رَسُولُ الله وَ نَحْنُ أَهْلُهُ- وَ ذَلِكَ بَیِّنٌ فِی كِتَابِ الله- حَیْثُ یَقُولُ فِی سُورَةِ الطَّلَاقِ فَاتَّقُوا اللّهَ يا أُولِی الْأَلْبابِ- الَّذِینَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللّهُ إِلَیْكُمْ ذِكْراً- رَسُولًا یَتْلُوا عَلَیْكُمْ آياتِ اللّهِ مُبَیِّناتٍ - فَالذِّكْرُ رَسُولُ الله وَ نَحْنُ أَهْلُهُ» (1).
فدلالة الاية واضحة في حجية فتوي الفقيه اذ ان الامر بالسوال يدل علی وجوب السوال عند الجهل ووجوبه يدل علی حجية الفتوي والتقليد والا لكان لغوا.
وقع الاستدلال بالايتين محلا للقبول والرفض، حيث ذهب جمع إلی الاستدلال بالايتين علی وجوب التقليد، وممن ذهب إلی ذلك القمي في القوانين ومن جملة كلامه: «ان آية النفر تدل علی أنّ البعيدين عن ساحة الشارع و من يقوم مقامه لا بد أن يحصلوا حكمهم النّفس الأمري بالأخذ عن النافرين إمّا علما أو ظنا» «و يدل عليه- أي علی عدم وجوب النّظر و الاستدلال غير الإجماع الّذي ادعاه الشهيد في الذكري- أيضا عموم قوله تعالی: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (2).
وممن اصر علی نفي دلالة الايتين علی جواز التقليد الشيخ الاخوند في كفايته فقال ما نصه: «وأما الآيات ف لعدم دلالة آية النفر و السؤال علی جوازه لقوة احتمال أن يكون الإرجاع لتحصيل العلم لا للأخذ تعبدا» (1).
واشكاله متين ودقيق في نفسه بغض النظر عن كونه وارد علی الاستدلال بالايتين او غير وارد، وهذا الاشكال ذكروه حتی في الاستدلال بالايتين علی حجية خبر الواحد.
ومحصل اشكاله:
ان الايتين الشريفتين ليستا في مقام جعل الحجية لفتوي المجتهد الظنية وانما لاجل النفر او السوال من اجل تحصيل العلم وتلقي العلوم وحصول العلم بالواقع مما يودي إلی اشاعة وانتشار العلم، وبلغة عصرية هو ارساء معالم العلم والثقافة ورفع مستوي العلم لدي الناس وتعبئة البيئة الاجتماعية علميا.
فالايتان بصدد بيان احياء العلم وعدم اندراسه لا بيان لحجية الفتوي.
ويرد عليه:
1) (1) كفاية الأصول: 473.
ان اشكال الاخوند غير تام اذ ان العرف يفهم من الايات بضميمة الروايات المفسرة لظاهرها انها في صدد جعل حجية الفتوي تعبدا لا الاقتصار علی ما ذكر وان كانت الاية بصدده ايضا، وهناك روايات عديدة دالة علی ذلك نشير إلی بعضها لاحقا.
فاشكال المحقق الاخوند وان اشار في مفاد الاية إلی مطلب مهم وهو ضرورة حفظ العلم عن الاندراس ووجوب ارشاد الاجيال بنحو الوجوب الكفائي مما يودي إلی رفع مستوي الهداية، ولكنه ليس واردا علی الاستدلال بالايتين علی المطلوب.
وهذا الوجوب بحفظ العلم من الاندراس نظير وجوب حفظ اللغة العربية لاجل الانتفاع والتعلم والتاثر بخطاب القران والروايات لانها لغة الوحي.
وبذلك يتم الاستدلال بالايتين علی المطلوب.
الآية الثالثة: آية الكتمان:
قوله تعالی: ( إِنَّ الَّذِینَ یَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَیِّناتِ وَ الْهُدي مِنْ بَعْدِ ما بَیَّنّاهُ لِلنّاسِ فِی الْكِتابِ أُولئِكَ یَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَ یَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ ) (1).
ان الاية الكريمة تحرم كتمان ما انزل الله علی العالمين به، ولا
1) (1) سورة البقرة: الآية 159.
ريب ان ابرز مصاديق ذلك العلماء والفقهاء في الدين، ووجوب النشر عليهم وان اشكل بعدم تلازمه لوجوب قبول العوام بدون حصول العلم كما ذكر في اية النفر الا ان الجواب عنه هو الجواب،لا سيما ان الايات الشريفة في صدد امضاء نظام النشر المتبع عقلائيا ولو ضمنا وتقديرا وان وجوب البيان علی العلماء التي هي في صدده اصالة ومطابقة امرة علی القيام به عبر ذلك النظام ومن ثم يشمل بجامع واحد كل من خبر الواحد والفتوي وايجاد اسباب العلم.
استدل بعض الاعلام علی حجية فتوي الفقيه بالروايات الواردة عن ال البيت عليهم السلام والمتضمنة لوجوب اتباع قول العلماء وبعضها علی جواز الافتاء وبعضها علی جواز التقليد وبعضها اظهار الامام لحب من يفتي بين الناس من اصحابه وغيرها من تلك المضامين، وقد جمع كم منها المحدث الحر العاملي في كتابه الوسائل في بعض ابواب صفات القاضي.
وهذه الروايات يمكن دعوي تواترها كما قال الشيخ الانصاري في رسالة الاجتهاد والتقليد « والسنة المتواترة الواردة في الاذن في الافتاء والاستفتاء عموما وخصوصا منطوقا ومفهوما...)(1).
1) (1) رسالة الاجتهاد والتقليد: ص48.
واستدل ايضا بالروايات الشيخ الاخوند قائلا: (نعم لا بأس بدلالة الأخبار عليه بالمطابقة أو الملازمة حيث دل بعضها علی وجوب اتباع قول العلماء و بعضها علی أن للعوام تقليد العلماء و بعضها علی جواز الإفتاء مفهوما مثل ما دل علی المنع عن الفتوي بغير علم أو منطوقا مثل ما دل علی إظهاره(عليه السلام) المحبة لأن يري في أصحابه من يفتي الناس بالحلال و الحرام.لا يقال إن مجرد إظهار الفتوي للغير لا يدل علی جواز أخذه و اتباعه.فإنه يقال إن الملازمة العرفية بين جواز الإفتاء و جواز اتباعه واضحة و هذا غير وجوب إظهار الحق و الواقع حيث لا ملازمة بينه و بين وجوب أخذه تعبدا فافهم و تأمل.و هذه الأخبار علی اختلاف مضامينها و تعدد أسانيدها لا يبعد دعوي القطع بصدور بعضها فيكون دليلا قاطعا علی جواز التقليد و إن لم يكن كل واحد منها بحجة...» (1).
واليك جملة من تلك الروايات:
1 - المصحح الصادر من الناحية المقدسة إلی اسحاق بن يعقوب: «...وَ أَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِیهَا إِلَی رُوَاةِ حَدِیثِنَا- فَإِنَّهُمْ حُجَّتِی عَلَیْكُمْ وَ أَنَا حُجَّةُ الله...» (2).
فان الامر الصادر منه(عج) يدل علی وجوب اتباع قول العلماء
(رواة الحديث) بعد حمل الحوادث الواقعة علی ما يشمل الشبهات الحكمية بل هو موردها.
2 - صحيح أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِی الْحَسَنِ(عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ وَ قُلْتُ مَنْ أُعَامِلُ (وَ عَمَّنْ) آخُذُ- وَ قَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ فَقَالَ الْعَمْرِیُّ ثِقَتِی- فَمَا أَدَّی إِلَیْكَ عَنِّی فَعَنِّی یُؤَدِّی- وَ مَا قَالَ لَكَ عَنِّی فَعَنِّی یَقُولُ فَاسْمَعْ لَهُ وَ أَطِعْ- فَإِنَّهُ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ- قَالَ وَ سَأَلْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ ع عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ- فَقَالَ الْعَمْرِیُّ وَ ابْنُهُ ثِقَتَانِ- فَمَا أَدَّیَا إِلَیْكَ عَنِّی فَعَنِّی یُؤَدِّیَانِ- وَ مَا قَالا لَكَ فَعَنِّی یَقُولَانِ- فَاسْمَعْ لَهُمَا وَ أَطِعْهُمَا فَإِنَّهُمَا الثِّقَتَانِ الْمَأْمُونَانِ الْحَدِیثَ (1).
بعد تعميم ذلك للفتوي اذ لا خصوصية لنقل الروايات،فان الافتاء المستند لاحاديثهم هو اداء عنهم، نعم قد يتامل في شمول الرواية للتقليد وانها تختص بالرواية او الحكم الولائي باعتبار ان احمد بن اسحاق هو احد الفقهاء فليس رجوعه رجوع تقليد.
3 - صحيح شُعَیْبٍ الْعَقَرْقُوفِیِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِی عَبْدِ الله(عليه السلام) رُبَّمَا احْتَجْنَا أَنْ نَسْأَلَ عَنِ الشَّیْءِ- فَمَنْ نَسْأَلُ قَالَ عَلَیْكَ بِالْأَسَدِیِّ یَعْنِی أَبَا بَصِیرٍ (2).
وشعيب وان كان فاضلا الا انه لا يمتنع رجوعه الد فتاود
ابي بصير الاسدي.
4 - صحيحة یُونُسَ بْنِ یَعْقُوبَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِی عَبْدِالله(عليه السلام) فَقَالَ- أَ مَا لَكُمْ مِنْ مَفْزَعٍ- أَ مَا لَكُمْ مِنْ مُسْتَرَاحٍ تَسْتَرِیحُونَ إِلَیْهِ- مَا یَمْنَعُكُمْ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِیرَةِ النَّصْرِیِّ (1).
الرواية ظاهرة بقوة في الارجاع اليه بما هو عالم وفقيه لا سيما ان الخطاب للاخذ منه بشكل جماعي للمكلفين.
5 - محسنة عَلِیِّ بْنِ الْمُسَیَّبِ الْهَمْدَانِیِّ قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا(عليه السلام) شُقَّتِی بَعِیدَةٌ وَ لَسْتُ أَصِلُ إِلَیْكَ فِی كُلِّ وَقْتٍ- فَمِمَّنْ آخُذُ مَعَالِمَ دِینِی- قَالَ مِنْ زَكَرِیَّا بْنِ آدَمَ الْقُمِّیِّ- الْمَأْمُونِ عَلَی الدِّینِ وَ الدُّنْیَا- قَالَ عَلِیُّ بْنُ الْمُسَیَّبِ- فَلَمَّا انْصَرَفْتُ قَدِمْنَا عَلَی زَكَرِیَّا بْنِ آدَمَ- فَسَأَلْتُهُ عَمَّا احْتَجْتُ إِلَیْهِ (2).
والرواية ليس فيها من يتوقف فيه الا احمد بن الوليد، وفي الاختصاص الراوي عنه لهذه الرواية احمد بن محمد بن عيسي بينما في الكشي الراوي عنه محمد بن عيسي، ولعل للرواية طريقين لاحمد بن الوليد او من اختلاف النسخ، ولعل نسخة الاختصاص اقرب واصح وذلك لكن سعد قمي اشعري ومن مشايخة احمد بن محمد بن عيسي الاشعري القمي، والمعروف عن ابن عيسي تشدده في
الرواية وهذا يفيد حسن حال ابن الوليد.
والظاهر ان احمد بن الوليد هذا هو جد محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد لان المصرح في عدة طرق انه محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد وهذا يزيده حسنا وقرينة علی وثاقته.
والرواية واضحة في مورد حجية خبر الواحد والفتيا وان كانت في الفتيا اقرب، لاسيما وان الراوي قد اوضح مراده عنوان اخذ معالم الدين في ذيل الرواية وهو عبارة عن التعلم للسوال وفيه تعيين لمعني التقليد بانه عبارة عن التعلم لا مجرد الالتزام الاجمالي ولا خصوص العمل مستندا او معتمدا ولا مجرد المطابقة وهذا ما بنينا عليه واشرنا اليه سابقا في تعريف الاجتهاد.
والحاصل ان الاخذ لمعالم الدين امر مغاير للعمل ويغاير الاستناد ويغاير الفتيا.
كما ان المأخوذ اي الذي اسند اليه الاخذ ذكر بعنوان معالم الدين المرتبط بالعلم والتعلم.
6 - صحيحة عَبْدِ الْعَزِیزِ بْنِ الْمُهْتَدِی وَ كَانَ خَیْرَ قُمِّیٍّ رَأَیْتُهُ وَ كَانَ وَكِیلَ الرِّضَا(عليه السلام) وَ خَاصَّتَهُ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا(عليه السلام) فَقُلْتُ إِنِّی لَا أَلْقَاكَ فِی كُلِّ وَقْتٍ- فَعَمَّنْ آخُذُ مَعَالِمَ دِینِی- فَقَالَ خُذْ عَنْ یُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(1).
1) (1) وسائل الشيعة: ج27، ص148.
وتقريب الاستدلال بهذه الرواية بنفس ما مضي في الرواية السابقة فلا نعيد.
7 - مستحسنة عَلِیِّ بْنِ سُوَیْدٍ السَّائِیِّ قَالَ: كَتَبَ إِلَیَّ أَبُو الْحَسَنِ(عليه السلام) وَ هُوَ فِی السِّجْنِ- وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ یَا عَلِیُّ مِمَّنْ تَأْخُذُ مَعَالِمَ دِینِكَ- لَا تَأْخُذَنَّ مَعَالِمَ دِینِكَ عَنْ غَیْرِ شِیعَتِنَا- فَإِنَّكَ إِنْ تَعَدَّیْتَهُمْ أَخَذْتَ دِینَكَ عَنِ الْخَائِنِینَ- الَّذِینَ خَانُوا الله وَرَسُولَهُ وَخَانُوا أَمَانَاتِهِمْ- إِنَّهُمُ اؤْتُمِنُوا عَلَی كِتَابِ الله فَحَرَّفُوهُ وَ بَدَّلُوهُ- فَعَلَیْهِمْ لَعْنَةُ الله وَ لَعْنَةُ رَسُولِهِ وَ لَعْنَةُ مَلَائِكَتِهِ- وَلَعْنَةُ آبَائِیَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَلَعْنَتِی- وَلَعْنَةُ شِیعَتِی إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ فِی كِتَابٍ طَوِیلٍ (1).
وهي وان كانت شاملة لرواية الاخبار بل هي موردها ابتداء الا انها شاملة ايضا للفتيا.
8 - معتبرة تفسير العسكري(عليه السلام) التي رواها الطبرسي في الاحتجاج : «...فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ- حَافِظاً لِدِینِهِ مُخَالِفاً عَلَی هَوَاهُ- مُطِیعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ- فَلِلْعَوَامِّ أَنْ یُقَلِّدُوهُ- وَ ذَلِكَ لَا یَكُونُ إِلَّا بَعْضَ فُقَهَاءِ الشِّیعَةِ لَا كُلَّهُمْ- فَإِنَّ مَنْ رَكِبَ مِنَ الْقَبَائِحِ وَ الْفَوَاحِشِ- مَرَاكِبَ عُلَمَاءِ الْعَامَّةِ- فَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُمْ عَنَّا شَیْئاً وَ لَا كَرَامَةَ- وَ إِنَّمَا كَثُرَ التَّخْلِیطُ فِیمَا یُتَحَمَّلُ عَنَّا أَهْلَ الْبَیْتِ لِذَلِكَ- لِأَنَّ الْفَسَقَةَ یَتَحَمَّلُونَ عَنَّا- فَیُحَرِّفُونَهُ بِأَسْرِهِ لِجَهْلِهِمْ- وَ
1) (1) المصدر: ص150.
یَضَعُونَ الْأَشْیَاءَ عَلَی غَیْرِ وَجْهِهَا لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ- وَآخَرُونَ یَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ عَلَیْنَا الْحَدِیثَ» (1).
وهذه من الروايات الفريدة التي ذكرت التقليد بعنوانه، كما ذكرت انه وظيفة غير العلماء وهم العوام.
كما انه اخذ عنوان موضوع الحجية في التقليد فقاهة المفتي مما يبين ان النقل المذكور في الرواية ليس كنقل الرواة اي النقل الحسي وانما هو عبر فهم الفقية منظومة ادلة الاحكام من طبقات العموم ومجموع المخصصات والمقيدات والحاكم والمحكوم والوارد والمورود وغير ذلك من قواعد واصول الاستنباط.
كما انها ذكرت شروط المفتي، وقيل ان هذه الشروط هو ما يزيد علی شرطية العدالة ولكن الكثير قد استظهر انها لا تزيد علی العدالة غاية الامر ان موقعية الفقيه والمفتي حيث انها ذات مسوليات هامة فحفظ العدالة فيها يتطلب تلك الصفات، وقد بحثناه في بحث الاجتهاد والتقليد من العروة الوثقي.
9 - رواية أَحْمَدَ بْنِ حَاتِمِ بْنِ مَاهَوَیْهِ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَیْهِ یَعْنِی أَبَا الْحَسَنِ الثَّالِثَ(عليه السلام)- أَسْأَلُهُ عَمَّنْ آخُذُ مَعَالِمَ دِینِی- وَ كَتَبَ أَخُوهُ أَیْضاً بِذَلِكَ- فَكَتَبَ إِلَیْهِمَا فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتُمَا- فَاصْمِدَا فِی دِینِكُمَا عَلَی
1) (1) الاحتجاج: ج2، ص470.
كُلِّ مُسِنٍّ فِی حُبِّنَا- وَ كُلِّ كَثِیرِ الْقَدَمِ فِی أَمْرِنَا- فَإِنَّهُمَا كَافُوكُمَا إِنْ شَاءَ الله تَعَالَی »(1).
وقد مر تقريب دلالتها في الروايات السابقة.
10 - مصحح عمر بن حنظلة: «...یَنْظُرَانِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَی حَدِیثَنَا- وَ نَظَرَ فِی حَلَالِنَا وَ حَرَامِنَا وَ عَرَفَ أَحْكَامَنَا- فَلْیَرْضَوْا بِهِ حَكَماً فَإِنِّی قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَیْكُمْ حَاكِماً- فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ یُقْبَلُ مِنْهُ- فَإِنَّمَا اسْتُخِفَّ بِحُكْمِ الله وَ عَلَیْنَا رُدَّ- وَ الرَّادُّ عَلَیْنَا الرَّادُّ عَلَی الله- وَ هُوَ عَلَی حَدِّ الشِّرْكِ بِالله الْحَدِیثَ» (2).
والمصححة وان كانت في القضاء الا ان جعل منصب القضاء يتضمن في الرتبة السابقة جعل منصب الافتاء، لا سيما ان مورد النزاع في الصحيحة في الشبهة الحكمية اي حسم النزاع بالفتيا لا بالبينة واليمين، كما انه قد ذكر الموضوع في الرواية نظر في حلالنا وحرامنا بحرف الجر (في) لا بحرف الجر (الي ) مما يقتضي كون المراد التفكر والتدبر باعمال النظر والفكر والروية الذي هو الفهم.
واما ذكر روي حديثنا اي ان مصدر استنباطه في الفقهم وهو روايات ال البيت(عليهم السلام)، كما ان تعبير عرف احكامنا عبارة عن المعرفة بتوسط الفهم والنظر لا مجرد السمع والنقل.
11 - ما رواه النجاشي في رجاله في ترجمة ابان بن تغلب، قال له أبو جعفر(عليه السلام) اي لابان بن تغلب: «اجلس في مجلس المدينة، أفت الناس، فإني أحب أن أري في شيعتي مثلك» (1).
ويقرب من ذلك ما رواه الكشي في ترجمة ابان.
ان النجاشي ارسلها ارسال المسلمات والكشي روي روايات عديدة تقربها بالالفاظ مسندا لها.
ومتن الرواية اخذ فيه عنوان الفتيا وهو ان كان فعل الفقيه الا ان حجيته كما مر تلازم حجية التقليد.
12 - معتبرة مُعَاذِ بْنِ مُسْلِمٍ النَّحْوِیِّ عَنْ أَبِی عَبْدِالله(عليه السلام) قَالَ: «بَلَغَنِی أَنَّكَ تَقْعُدُ فِی الْجَامِعِ فَتُفْتِی النَّاسَ قُلْتُ نَعَمْ- وَ أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ- إِنِّی أَقْعُدُ فِی الْمَسْجِدِ- فَیَجِیءُ الرَّجُلُ فَیَسْأَلُنِی عَنِ الشَّیْءِ- فَإِذَا عَرَفْتُهُ بِالْخِلَافِ لَكُمْ أَخْبَرْتُهُ بِمَا یَفْعَلُونَ- وَ یَجِیءُ الرَّجُلُ أَعْرِفُهُ بِمَوَدَّتِكُمْ- فَأُخْبِرُهُ بِمَا جَاءَ عَنْكُمْ- وَ یَجِیءُ الرَّجُلُ لَا أَعْرِفُهُ وَ لَا أَدْرِی مَنْ هُوَ- فَأَقُولُ جَاءَ عَنْ فُلَانٍ كَذَا وَ جَاءَ عَنْ فُلَانٍ كَذَا- فَأُدْخِلُ قَوْلَكُمْ فِیمَا بَیْنَ ذَلِكَ قَالَ- فَقَالَ لِیَ اصْنَعْ كَذَا- فَإِنِّی كَذَا أَصْنَعُ» (2).
وتقريب الاستدلال بها كما مر في الرواية السابقة، وقد ورد نظيرها في ابان بن تغلب.
وغيرها من عشرات الروايات.
السيرة العقلائية الممضاة بعد عدم الردع من الشارع المقدس القاضية بجواز التقليد والافتاء وذلك من وضوح رجوع العقلاء إلی اهل الخبرة فيما هم خبراء فيه وهذا الرجوع نمط من التقليد لهم اي اتباع لهم وانقياد لارائهم فيما لهم خبرة فيه.
فكم من ذي خبرة في مجال يرجع إلی ذي خبرة اخر في مجال اخر اي يرجع كل منهما فيما له خبرة فيه كرجوع الطبيب إلی الفقيه والفقيه إلی الطبيب وكذا باقي التخصصات.
والتقريب فيها بعين ما مر بالسيرة العقلائية الا ان الفرض فيها ان ديدنهم هذا منطلق من ارتكازهم الشرعي المركوز لديهم بما هم متشرعة فالرجوع إلی العلماء سيرة المسلمين قاطبة فضلا عن المومنين لا سيما في الحلال والحرام من فروع الدين بل هذه السيرة مبدئها الزماني منذ نزول اية النفر ومتصلة باتباع الانبياء في كل الملل والنحل.
استدل علی حرمة التقليد ببعض الآيات الظاهرة بمنع التقليد والواصفة له بأنه ظاهرة مذمومة.
منها:
الآية الأولي:
( وَ إِذا قِیلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلي ما أَنْزَلَ اللّهُ وَ إِلَی الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَیْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا یَعْلَمُونَ شَیْئاً وَ لا یَهْتَدُونَ ) (1).
الآية الثانية:
( وَ إِذا قِیلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَیْنا عَلَیْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا یَعْقِلُونَ شَیْئاً وَ لا یَهْتَدُونَ ) (2).
الآية الثالثة:
( وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ یَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا یُغْنِی مِنَ الْحَقِّ شَیْئاً ) (3).
وغيرها من الايات.
ولكن يرد علی الاستدلال:
بان الآيات اجنبية عما نحن بصدده وذلك لعدة قرائن:
أوَّلاً: انها واردة في التقليد في اصول الدين والكلام في التقليد في الاحكام الفرعية.
ثانياً: انها تذم فرض رجوع الجاهل إلی الجاهل والكلام في رجوع الجاهل إلی العالم فلا يتحد الموردان.
ثالثاً: ان مورد الايات من اتباع الظنون الضعيفة في قبال وجود الحجة اليقينية القاطعة او امكان الفحص عنها، وبالجملة موارد الايات هو ما ذكر في جواب الاستدلال بها في قبال حجية الظن الحاصل من خبر الواحد نظير انها ليست في مقام الرد علی الظن المستند إلی اليقين الوحياني كما هو محل الكلام في تقليد فتوي المجتهد الذي يستند إلی الي الكتاب والروايات.
رابعاً: ان الروايات التي ذكرناها في الدليل الثالث من ادلة جواز التقليد وهي متواترة اجمالا بل مضمونا مخصصة لعمومات واطلاقات الايات الناهية لو لم نبني علی تغاير المورد ما في قلناه اولا وثانيا.
وقد اشار المحقق الخرساني إلی بعض تلك القرائن قائلا: «وهذه الأخبار علی اختلاف مضامينها و تعدد أسانيدها لا يبعد
دعوي القطع بصدور بعضها فيكون دليلا قاطعا علی جواز التقليد و إن لم يكن كل واحد منها بحجة فيكون مخصصا لما دل علی عدم جواز اتباع غير العلم و الذم علی التقليد من الآيات والروايات. قال الله تبارك و تعالی: ( وَ لا تَقْفُ ما لَیْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) وقوله تعالی: ( إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلي أُمَّةٍ وَ إِنّا عَلي آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) مع احتمال أن الذم إنما كان علی تقليدهم للجاهل أو في الأصول الاعتقادية التي لا بد فيها من اليقين» (1).
وعليه فلا يتم ما استدل به من الايات التي ظاهرها المنع.
1) (1) كفاية الأصول: ص473 - 474.
المبحث الثامن: تقليد المجتهد الأعلم
اذا كان هناك اكثر من مجتهد واختلفوا في الفضيلة العلمية وفي الفتوي، وقع الكلام والخلاف في وجوب تقليد اعلمهم وافضلهم او جواز اختيار المفضول.
فذهب مشهور الفقهاء إلی وجوب تقليد الاعلم.
وخالف بعض الفقهاء فذهب إلی الجواز وهو خيرة صاحب الفصول وصاحب القوانين وبعض اخر.
قال في الفصول - بعد ان ناقش ادلة من واجب تقليد الاعلم -: «فالقول بالجواز إذن واضح وإنْ كان المنع أحوط...» (1).
وقال في القوانين: «فحينئذ القول بوجوب تقديم قول الاعلم للمقلد علی الاطلاق لا يتم...» (2).
اما كلمات اصحابنا القائلين بالوجوب فكثيرة منها:
قال السيد المرتضي في الذريعة(1): «وإن كان بعضهم عنده أعلم من بعض أو أورع و أدين؛ فقد اختلفوا: فمنهم من جعله مخيّرا، ومنهم من أوجب أن يستفتي المقدَّم في العلم والدّين، وهو أولي، لأنّ الثّقة هاهنا أقرب وأوكد، والأصول كلّها بذلك شاهدة».
وقال المحقق في معارج الأصول (2): « وإن كان أحدهم أرجح في العلم و العدالة، وجب العمل بفتواه.وإن اتفق اثنان، أحدهما أعلم، والآخر أكثر عدالة وورعا؛ قدّم الأعلم، لأنّ الفتوي تستفاد من العلم، لا من الورع، والقدر الذي عنده من الورع يحجزه عن الفتوي بما لا يعلم، فلا اعتبار برجحان ورع الآخر ».
وقال مقرر درس الشيخ الانصاري في مطارح الأنظار: « إذا اختلف الأحياء في العلم و الفضيلة، فمع علم المقلّد بالاختلاف علی وجه التفصيل هل يجب الأخذ و العمل بفتوي الفاضل أو يجوز العمل بفتوي المفضول أيضا؟ قولان: المعروف بين أصحابنا وجماعة من العامّة هو الأوّل، كما هو خيرة المعارج (3)و الإرشاد (4)ونهاية الأصول (5)والتهذيب (6)والمنية (7)والدروس (8)والقواعد (9)و
الذكري (1)والجعفريّة (2)وجامع المقاصد (3)وتمهيد القواعد (4)والمعالم (5)والزبدة (6)وحاشية المعالم (7)للفاضل الصالح، و إليه ذهب في الرياض (8)، بل هو قول من وصل إلينا كلامه من الأصوليّين كما عن النهاية (9)،و في المعالم: هو قول الأصحاب الذين وصل إلينا كلامهم (10)، وصرّح بدعوي الإجماع المحقّق الثاني (11)، ويظهر من السيّد في الذريعة (12)كونه من مسلّمات الشيعة. وحدث لجماعة (13)ممّن تأخّر عن الشهيد الثاني قول
1) (1) الذكري: 43 :1.
2) (2) الجعفريّية (رسائل المحقّق الكركي): 80 :1.
3) (3) جامع المقاصد: 67 :2.
4) (4) تمهيد القواعد: 321، قاعدة 100.
5) (5) المعالم: 246.
6) (6) زبدة الأصول: 120.
7) (7) لَمْ نعثر عَلَیْهِ فِی الحاشية.
8) (8) رياض المسائل: 47 :13.
9) (9) نهاية الوصول: 447، وفيه: وَهُوَ قول جماعة مِنْ الأصوليّين.
10) (10) المعالم: 246.
11) (11) حاشية الشرائع: 99.
12) (12) لَمْ نعثر عَلَیْهِ، بَلْ الموجود فيه صريح فِی وجود الخلاف، انظر الذريعة: 801 :2.
13) (13) كالمحقق الأردبيلي، حَیْثُ جوَّز ذَلِكَ فِی المحاكمات، انظر مجمع الفائدة 21 :12، كَمَا نسب إليه فِی القوانين، والمحقق القُمِّی فِی القوانين: 246 :2.
بالتخيير بين الفاضل والمفضول تبعا للحاجبي (1)والعضدي (2)والقاضي (3)وجماعة من الأصوليّين و الفقهاء فيما حكي عنهم (4)وصار إليه جملة من متأخّري أصحابنا (5) حتی صار في هذا الزمان قولا معتدّا به. و الأقرب ما هو المعروف بين أصحابنا».
وقوي الشيخ الاخوند ذلك في الكفاية واحتاط المحقق اليزدي في العروة الوثقي وجوبا وتابعه علی ذلك بعض المحشين وافتي بعض اخر بالوجوب وذهب نزر قليل إلی الجواز(6).
والاقوي وجوب تقليد الاعلم بنحو الفتوي وفاقا لمشهور الفقهاء قديما وحديثا.
هل ان التقليد هو مجرد الافتاء والامارة العلمية او انه ينطوي علی غير ذلك ؟
الصحيح ان الافتاء والتقليد ينطوي علی غير الامارة العلمية
والاخبار العلمي والاخذ بقول المجتهد بل ينطوي ايضا علی السلطة والنفوذ والمنصب التشريعي الذي يمزج بين الجنبة العلمية والجنبة العملية، وليس هو مجرد اجتهاد وابراز راي بل هو قيادة ومنصب واتباع.
وهذه الفائدة يترتب عليها تحديد ماهية الفتيا والتقليد واثار عديدة في تقليد الميت وجملة من صلاحيات احكام الحاكم.
عرض البحث:
قبل التعرض إلی ادلة من ذهب إلی وجوب تقليد الاعلم ومن ذهب إلی التخيير بينه وبين غيره، نقف علی مقتضي الاصل العملي في المسالة وهل هو التعيين او التخيير.
فالكلام في مقامين:
المقام الأول: مقتضي الأصل العملي في المسألة مع نقاط تحليلية.
المقام الثاني: مقتضي الأدلة الاجتهادية في المسألة:
اما المقام الأول:
تحرير ما يقتضيه الاصل العملي في تقليد الاعلم:
ان مقتضي الاصل العملي في مسالتنا هو تقديم الاعلم في
التقليد علی غير الاعلم عند الاختلاف، وذلك تمسكا باصالة التعيين فيه، فلا يجوز تقليد المفضول مع وجود الافضل او الاعلم، وبيان اصالة التعيين ان فتوي الاعلم حجة علی المكلف علی كل التقادير، اي انها محرزة الحجية اما تعيينا بناء علی شرطية تقليد الاعلم او تخييرا بناء علی عدم وجوبه تعيينا اي ان حجية الاعلم معلومة علی كل حال وحجية غير الاعلم مشكوكة والشك بالحجية يساوق عدمها.، فالمرجع حينئذ هو اصالة التعيين المقتضية لتقليد الاعلم وعدم الاكتفاء بتقليد المفضول لكونه اطاعة احتمالية اي علی بعض التقادير.
وكذلك ان الاستصحاب يقتضي عدم حجية غير الاعلم.
وعليه فالاصل العملي يحتم وجوب تقليد الاعلم.
وهي مجموعة نقاط تحليلية في المسالة:
النقطة الأُولي: تقرر الحجية الاقتضائية في كل اقسام التعارض:
هل معني عدم حجية قول غير الاعلم ان لا حجية له مطلقا او توجد له حجية ولو بنحو ما ؟
هذا التساؤل يقودنا إلی طرح مسالة في باب التعارض بين الامارات سواء كانت اخبارا ام كانت فتاوي المجتهدين او تعارض
البينات في الشبهات الموضوعية او تعارض اقوال اهل الخبرة في الموضوعات، فهل هو يقتضي التساقط او عدمه:
مشهور الفقهاء القدامي ان التعارض لا يقتضي التساقط خلافا لمشهور طبقات متاخري الاعصار، وجذور هذا البحث ترجع إلی وجود الحجية الاقتضائية في كلا المتعارضين وليس هو من باب اشتباه الحجة باللاحجة اي انعدام الحجية اقتضائية في طرف اللاحجة.
وهذا نظير مسالة تبدل الاجتهاد واضمحلاله فانه يدخل في باب المتعارضين لان كلا الاجتهادين حجة اقتضائية في نفسه ويكون ذلك هو علة الحكم بالاجزاء كما فصلنا ذلك.
وكذا الحال في مسالتنا فان اجتهاد غير الاعلم لا يعني انه مسلوب الحجية كليا بل ان الحجية الاقتضائية متوفرة فيه ولا يكون ذلك الاجتهاد من اشتباه الحجة باللاحجة كما تبني ذلك بعض الاعلام.
وهذه النقطة يترتب عليها اثار كبيرة في ابواب الفقه.
النقطة الثانية: الشك في الحجية الفعلية لا يساوق عدم الحجية والشك في الحجية الاقتضائية يساوق عدم الحجية:
ان الاعلام قرروا ان الاعلم يتعين تقليده لانه متيقن الحجية
بخلاف غير الاعلم فانه مشكوك الحجية والشك في الحجية يساوق عدم الحجية او لا اقل من استصحاب عدم الحجية.
ولكن كما مر في النقطة الاولي ان دعوي اصل وجود الشك في حجية غير الاعلم غير تامة لان الحجية الاقتضائية موجودة فيه وانما الشك في الحجية الفعلية وهذا امر اخر لا يساوق العدم.
نعم ان الشك في اصل الحجية الاقتضائية او الانشائية هو المساوق لعدم الحجية اما مع احراز الحجية الانشائية وذلك عبر عموم الدليل في نفسه بغض النظر عن التعارض سواء الداخلي كتعارض فردي العموم او الخارجي كتعارض عمومين فلا معني لقولهم ان الشك في الحجية مساوق لعدمها.
النقطة الثالثة:
التعارض في الحجج والطرق نمط من انماط التزاحم:
ان متاخري الاعصار ميزوا بين باب تعارض الحجج وبين باب التزاحم، فقالوا في باب التعارض ان الشك يساوق عدم الحجية وان الدوران بين التعيين والتخيير الاصل فيه التعيين، اما في باب التزاحم فالاصل هو التخيير فيما لو دار الامر بين الحجة التعيينية والحجة التخييرية.
وهذه التفرقة علی ماذا تبتني صناعياً؟
هذه التفرقة تبتني علی ان اصل الاقتضاء في باب التزاحم محرز وكذلك اصل الفعلية الناقصة، وانما التدافع يكون في مرحلة الفعلية التامة والفاعلية والتنجيز من مراحل الحكم، لذا قالوا ان الاصل هو الحجية التخييرية في باب التزاحم، اذ ان التعيين يحتاج إلی موجب فنجري اصالة البراءة عنه وان التزم البعض باصالة التعيين.
اما في التعارض فان هناك شك باصل الحجية ، وهذا السير منهم خلاف مشهور المتقدمين، وهذا توهم من متاخري الاعصار لبنائهم علی عدم وجود الحجية الاقتضائية.
اما بناء علی ما شيدناه وفاقا للمشهور من طبقات الفقهاء بانه لا تساقط في التعارض لوجود الحجية الاقتضائية في الطرفين، فما يقرر في باب التزاحم يقرر في باب التعارض مع الاختلاف في بعض الخصوصيات ككون التعارض في الحكم الظاهري وفي الطريقية بخلاف التزاحم فانه في الحكم الواقعي، وقد تقدم تفصيله في باب التعارض من دورتنا الاصولية الاولي.
النقطة الرابعة:
ان الاعلام بنوا علی تعين الحجية في فتاوي الاعلم، حيث قالوا ان هناك علم اجمالي بحجية احد الفتاوي ينحل باصالة
التعيين في الاعلم.
ولكن يمكن الاشكال في دعوي انحلال العلم الاجمالي.
اما انحلال العلم الاجمالي فيمكن تصويره بتقريبين:
التقريب الأول: إنَّ الاعلم اما حجة تعيينا او تخييرا فهو مقطوع الحجية والتنجيز بخلاف الطرف الاخر فهو مشكوك الحجية او حجة علی بعض التقادير فينحل باصالة التعيين في الاعلم.
التقريب الثاني: إنَّ استصحاب عدم الحجية جاري في طرف غير الاعلم بخلاف طرف الاعلم فلا يجري فيه.
اما الاشكال علی التقريبين:
ان البحث في الاقل والاكثر الارتباطي شبيه بما نحن فيه فالاقل اما واجب استقلالا او ضمنا، فالتسعة اجزاء في الصلاة اما واجب استقلالا بمعني ان حد الصلاة هو التسعة او واجب ضمنا اي ضمن العشرة، فالبراءة في التسعة غير جارية بخلاف جريانها في العشرة اجزاء، هذا ما قرره الاعلام في ذلك البحث مع الخدشة فيه.
اما الخدش في التقريب الاول:
ان هذا التقريب يفرض انحلال العلم الاجمالي و في الوقت نفسه يفرض عدم الانحلال، وهذا تدافع ؟
وبيان ذلك: ان هذا التقريب يقرر ان الاعلم اما حجيته تعيينية او تخييرية اي تشمل الطرف الاخر وغير منحصرة بالاعلم، فاصل التعين بحجية الاعلم مبتني علی وجود العلم الاجمالي علی الحجية التخييرية فاذا ابتني علی اصل حجية العلم الاجمالي فكيف يوجب انحلاله؟ اذ مع انحلاله لا تقرر حجية الاعلم علی كل تقدير فيلزم من وجود الانحلال عدمه، اذ ان التيقن بحجية الاعلم يبتني علی العلم الاجمالي لا انه يزيل العلم الاجمالي.
وهذا الاشكال بعينه اشكلوا به علی انحلال العلم الاجمالي في بحث الاقل والاكثر الارتباطي.
وهذه النقطة الرابعة تعزز النقاط الثلاثة الاولي، وكذا تعزز مبنانا في باب التعارض القاضي بعدم التساقط.
وهذا البحث سيال في كل موارد اشتباه الحجج ودورانها بين التعيين والتخيير كمورد الاعلمية والاعدلية والاورعية والاكفئية وغيرها.
اما الخدش في التقريب الثاني:
والوجه في عدم جريان الاستصحاب انه قد تقرر ان الحجية الاقتضائية متيقنة في الطرفين وانما المشكوك الحجية الفعلية فالاستصحاب لا يجري في فتوي غير الاعلم بلحاظ الحجية
الاقتضائية واما بلحاظ الحجية الفعلية فلو فرض اخذه بها يشكل تعيين الحجية الفعلية في طرف الاعلم، ومن ثم قرروا في معني التعيين في طرف الاعلم انه بمعني فراغ الذمة لا الحجية الفعلية. اذ الكلام ليس في فراغ الذمة والتعذير بل في التنجيز وفعلية معني الحجية.
ومن هنا حصل خلط بين المعنيين.
اما المقام الثاني:
مقتضي الادلة الاجتهادية في تعين تقليد الاعلم او القول بالتخيير:
تقدم ان المسالة في تقليد الاعلم محل خلاف، فالمشهور علی تعين تقليده في موطن الخلاف وخالف بذلك بعض الاعلام فذهبوا للتخيير وجواز تقليد المفضول، وكل من الفريقين له ادلته ونقوضه علی ادلة الاخر.
وهذا المقام الثاني فيه وجهان:
الوجه الأوَّل: أ دلة تقليد الاعلم:
استدل لوجوب تقليد الاعلم بعدة ادلة منها:
الدليل الأوَّل: جملة من الروايات الواردة في المقام:
وهي جملة من الروايات الواردة عن آل البيت(عليهم السلام) دالة علي
تقليد الاعلم، وقد استدل بها جمع من الاعلام كالشيخ الانصاري في رسالة الاجتهاد والتقليد فقال: «ويدل عليه مقبولة عمر بن حنظلة ورواية داود بن الحصين ورواية موسي بن اكيل» (1).
تفصيل الروايات:
الرواية الأُولي:
مصححة عمر بن حنظلة التي رواها المشايخ الثلاثة الثقات رحمهم الله تعالی: «سألت أبا عبدالله(عليه السلام).....فَقَالَ الْحُكْمُ مَا حَكَمَ بِهِ أَعْدَلُهُمَا - وَأَفْقَهُهُمَا وَأَصْدَقُهُمَا فِی الْحَدِیثِ وَأَوْرَعُهُمَا - وَ لَا یُلْتَفَتُ إِلَی مَا یَحْكُمُ بِهِ الْآخَرُ...» (2).
والاستدلال يتم بها بعد القول باتحاد باب الحكم (القضاء) والفتوي كما اسلفنا ولاسيما بعد كون مورد السؤال الاختلاف في الشبهة الحكمية، وان حسم النزاع هنا وفصله بالفتوي كميزان للحكم القضائي الجزئي في المقام لا بالبينات والايمان.
فائدة:
هناك نكتة قل من التفت لها وهي اتحاد شروط المتصدي للقضاء مع الافتاء وان الفقيه اذا اعوزته ادلة القضاء ومستنداته
فالفتوي وموازينها شاملة له، وهذا نابع من ماهية الحكم القضائي الذي هو عبارة عن تطبيق الفتوي.
اشكل البعض علی الرواية بضعفها بابن حنظلة لعدم ورود طعن او توثيق بحقه فيكون مجهولا.
الجواب: ان عمر بن حنظلة وان لم يوثق في كتب الرجال ، و لكن بمراجعة أحاديثه نجد بأن الصادق عليه السلام يتحدث معه كما يتحدث مع كبار أصحابه من أمثال زرارة و محمد بن مسلم، كما نجد في أحاديثه تلك التشقيقات و المداقات التي لا يتلفت اليها إلّا نادرا، و التي تنم علی سعة باع الرجل في الفقه، كما أن طريقة جواب الامام له أيضا تستدعي الانتباه إذ يبين له كل نكات الشقوق و الكليات المفرز بعضها عن البعض، كل ذلك يدل علی جلالة هذا الرجل.
وقد روي عنه زرارة بن أعين و عبد اللّه بن بكير و عبد اللّه بن مسكان و صفوان بن يحيي مضافا إلی رواية الوقت: «اذاً لا يكذب علينا» ، حيث أن جوابه(عليه السلام) «اذاً» راجع إلی عمر بن حنظلة لا إلی الوقت إذ لم يعين السائل الوقت المزبور.
الرواية الثانية: ما ورد في عهد امير المومنين(عليه السلام) إلی مالك
الاشتر: «اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَیْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِیَّتِكَ فِی نَفْسِكَ- مِمَّنْ لَا تَضِیقُ بِهِ الْأُمُورُ...» (1).
سند عهد الاشتر:
لسند عهد امير المومنين إلی مالك الاشتر طريقان:
الطريق الاول:
اشكل علی هذا الطريق بعدة اشكالات سندية اهمها ورود جمع من الرواة غير المعتمدين او المجاهيل وهم:
1 - ابن ابي جيد.
2 - الحسين بن علوان الكلبي.
3 - سعد بن طريف.
4 - الاصبغ بن نباته.
ويرد:
ان هذا الطريق تام علی الاصح لاعتبار كل من ابن ابي جيد وسعد بن طريف والاصبغ بن نباته، واما الحسين فهو حسن الحال وان كان عامي المذهب.
1) (1) وسائل الشيعة: ج27، ص159.
أخبرنا ابن الجندي عن علی بن همام عن الحميري عن هارون بن مسلم عن الحسين بن علوان عن سعد بن طريف عن الأصبغ.
وهذا الطريق معتبر أيضا .
والنتيجة لا اشكال في ثبوت سند عهد مالك الاشتر.
الرواية الثالثة:
موثقة دَاوُدَ بْنِ الْحُصَیْنِ عَنْ أَبِی عَبْدِالله(عليه السلام) فِی رَجُلَیْنِ اتَّفَقَا عَلَی عَدْلَیْنِ- جَعَلَاهُمَا بَیْنَهُمَا فِی حُكْمٍ- وَقَعَ بَیْنَهُمَا فِیهِ خِلَافٌ فَرَضِیَا بِالْعَدْلَیْنِ- فَاخْتَلَفَ الْعَدْلَانِ بَیْنَهُمَا- عَنْ قَوْلِ أَیِّهِمَا یَمْضِی الْحُكْمُ- قَالَ یُنْظَرُ إِلَی أَفْقَهِهِمَا وَ أَعْلَمِهِمَا بِأَحَادِیثِنَا وَ أَوْرَعِهِمَا- فَیُنْفَذُ حُكْمُهُ وَ لَا یُلْتَفَتُ إِلَی الْآخَرِ (1).
اما السند فلا اشكال فيه، واما تقريب الدلالة فيها فكما مر في مصحح عمر بن حنظلة.
الرواية الرابعة:
مرسلة مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْمُفِیدُ فِی الْإِخْتِصَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً، لِیُمَارِیَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ یُبَاهِیَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ یَصْرِفَ بِهِ النَّاسَ إِلَی نَفْسِهِ، یَقُولُ أَنَا رَئِیسُكُمْ فَلْیَتَبَوَّأْ
1) (1) مَنْ لا يحضره الفقيه: ج3، ص8.
مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، إِنَّ الرِّیَاسَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِأَهْلِهَا فَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَی نَفْسِهِ وَ فِیهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ لَمْ یَنْظُرِ الله إِلَیْهِ یَوْمَ الْقِیَامَةِ» (1).
مضمون هذه الرواية مستفيض لفظا في طرق الفريقين.
ما في المحاسن (للبرقي)؛ باسناده عن رَسُولِ الله قَالَ مَنْ أَمَّ قَوْماً وَ فِیهِمْ أَعْلَمُ مِنْهُ أَوْ أَفْقَهُ مِنْهُ لَمْ یَزَلْ أَمْرُهُمْ فِی سَفَالٍ إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ (2).
وفي الكافي (ط - دار الحديث)؛ أَنَّ رَسُولَ الله، قَالَ: مَنْ ضَرَبَ النَّاسَ بِسَیْفِهِ، وَدَعَاهُمْ إِلي نَفْسِهِ وَفِی الْمُسْلِمِینَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، فَهُوَ ضَالٌّ مُتَكَلِّفٌ (3).
وفي الاحتجاج؛ قَالَ رَسُولُ الله مَا وَلَّتْ أُمَّةٌ قَطُّ أَمْرَهَا رَجُلًا وَ فِیهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا لَمْ یَزَلْ یَذْهَبُ أَمْرُهُمْ سَفَالًا حَتَّی یَرْجِعُوا إِلَی مَا تَرَكُوا (4).
وفي تحف العقول عن الصادق(عليه السلام): «من دعا الناس إلی نفسه
وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضالّ» .
وما رواه البيهقي بسنده، عن ابن عباس، عن رسول الله :«من استعمل عاملا من المسلمين و هو يعلم أن فيهم أولی بذلك منه وأعلم بكتاب اللّه وسنّة نبيّه فقد خان اللّه ورسوله وجميع المسلمين».
وما في كنز العمال عن حذيفة: «أيما رجل استعمل رجلا علی عشرة أنفس علم أنّ في العشرة أفضل ممن استعمل فقد غشّ اللّه و غشّ رسوله و غشّ جماعة المسلمين».
تقريب الاستدلال:
وقد يشكل علی المفاد بانها بصدد الرئاسة والقيادة السياسية لا في الافتاء والمرجعية الدينية بل قد يحمل مفادها علی ادعاء الامامة الالهية وفرض الطاعة من الله الشامل للمنصب الديني والسياسي.
وفيه:
أوَّلاً: ان هذين الاحتمالين وان كانا تامين الا انه لا تنافي بينهما وبين ما نحن فيه بتقريب عموم المفاد، نعم هذا العموم حينئذ متفاوت النهي فيه والعقوبة بحسب درجة وخطورة موقعية الرئاسة وليس علی درجة واحدة.
ثانياً: ان الصحيح ان منصب الفتيا والمرجعية الدينية نمط من
السلطة التشريعية وشعبة من شعب الحكم والحكومة ومن ثم هي نمط من الرئاسة الدينية، هذا فضلا عن انضمام منصب القضاء ومنصب الحكم السياسي في نيابة الفقيه وان كانت هذه النيابة في البعد السياسي ذات درجات ومراتب والوان وصياغات متفاوتة شدة وضعفا بحسب بسط يد الفقيه والفقهاء وان لم يكن له كل صلاحيات امام الاصل بل دوره تطبيقي تنفيذي لمنهاج ال البيت عليهم السلام .
الرواية الخامسة:
ما رواه الطبري في دلائل الامامة بإسناده عن محمد المحمودي عن ابيه ( في رواية طويلة )...قال أبو جعفر الجواد(عليه السلام) لعمه عبد اللّه بن موسي لما سأل عن مسائل فأجاب بخلاف الواقع فقال(عليه السلام): «لا إله إلا اللّه يا عم انه عظيم عند اللّه ان تقف غداً بين يدي اللّه فيقول لك لم تفتي عبادي بما لم تعلم و في الأمة من هو أعلم منك» (1).
وقد يشكل علی الاستدلال بها:
أوَّلاً: بضعف السند.
وثانياً: بان مفادها في التصدي للامامة الالهية او في الفتوي
1) (1) البحار: ج5، ص100.
بلا علم اي من دون الرجوع إلی المعصومين.
جواب الاشكال:
أما أوَّلاً: وهو الاشكال السندي.
فيجاب بجوابين:
الجواب الأوَّل: وهو فائدة صناعية منهجية حول الرواية الضعيفة:
فلان الاستدلال بها ليس علی الاعتماد بها منفردة بل كضميمة مويدة او كقرينة تعضد الوثوق بما تقدم من الروايات وهذه فائدة صناعية مطردة ومنهجية بني عليها المشهور من طبقات الفقهاء في استدلالهم بالروايات الضعيفة وان غفل عنها جملة كثيرة من الاعلام او لبنائهم علی حجية خصوص خبر الثقة، مع ان الصحيح ان البناء علی ذلك لا يستلزم اهمال منهج تراكم القرائن والاحتمال لانه موجب لتولد الاستفاضة والتواتر ولازمه اعتبار ايجابه وتوليده للوثوق.
الجواب الثاني: إنَّ هذه الرواية هو مضمون مرسلة المفيد التي مضمونها مسفيض.
أما ثانياً: وهو الاشكال الدلالي
فقد تقدم الجواب عنه في الرواية السابقة.
الرواية السادسة:
محسنة یَحْیَی بْنِ حَبِیبٍ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا(عليه السلام) عَنْ أَفْضَلِ مَا یَتَقَرَّبُ بِهِ الْعِبَادُ إِلَی الله عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ سِتٌّ وَ أَرْبَعُونَ رَكْعَةً فَرَائِضُهُ وَ نَوَافِلُهُ قُلْتُ هَذِهِ رِوَایَةُ زُرَارَةَ قَالَ أَ وَ تَرَی أَحَداً كَانَ أَصْدَعَ بِالْحَقِّ مِنْهُ (1).
تقريب الاستدلال بها والاشكالات:
قد يشكل علی دلالتها انها في مقام حجية الراوي والترجيح بصفات الراوي عند الاختلاف في الرواية.
وفيه: ان النظر إلی زرارة كفقيه لا كراوي فقط في قبال ابي بصير ومحمد بن مسلم وغيرهم من الفقهاء لزرارة الذين كانوا يروون ويعتمدون علی تعداد اخر لعدد نوافل الرواتب، فالاختلاف بينهم ليس بما هم رواة فقط بل بما هم فقهاء ايضا يضبطون جهات الصدور وتقديم الروايات علی بعضها البعض مما قد سمعوه من روايات متعددة عن الامام. ومن ثم يكون التفضيل في حيثية الفقاهة ايضا.
وقد يشكل أيضاً:
بان التفضيل في مادة الصدع بالحق هو بلحاظ عدم التقية و
1) (1) الاستبصار: ج1، ص219.
الاقربية لبيان الواقع لا في مقام الترجيح بالاعلمية
وفيه: ان ذلك تام لكنه لا يتنافي مع توقف وتقوم الاصدعية - المقيدة بالحق - بالعلم.
الي غيرذلك من الروايات التي يجدها المتتبع.
الدليل الثاني:
ان فتوي المجتهد الاعلم اقرب إلی مطابقة الواقع من فتوي غيره.
والي هذا الدليل اشار الشيخ الاخوند في الكفاية ثم ناقشه: ثالثها: « أن قول الأفضل أقرب من غيره جزما، فيجب الأخذ به عند المعارضة عقلا... و أمّا الثالث فممنوع صغري و كبري ».
أما الصغري فلأجل أن فتوي غير الأفضل ربما يكون أقرب من فتواه لموافقته لفتوي من هو أفضل منه ممن مات و لا يصغي إلی أن فتوي الأفضل أقرب في نفسه فإنه لو سلم أنه كذلك إلا أنه ليس بصغري لما ادعي عقلا من الكبري بداهة أن العقل لا يري تفاوتا بين أن تكون الأقربية في الأمارة لنفسها أو لأجل موافقتها لأمارة أخری كما لا يخفي.
وأما الكبري فلأن ملاك حجية قول الغير تعبدا و لو علی نحو الطريقية لم يعلم أنه القرب من الواقع فلعله يكون ما هو في الأفضل وغيره سيان ولم يكن لزيادة القرب في أحدهما دخل أصلاً.
نعم لو كان تمام الملاك هو القرب كما إذا كان حجة بنظر العقل لتعين الأقرب قطعا فافهم» (1).
وقد يخدش هذا الدليل بخدشة ثالثة: ان القرب وان سلم الا انه لا ملزم للاخذ به بعد عدم تقيد العمومات بذلك.
ويمكن دفع الاشكالات الثلاثة:
اما الاشكال الاول:
فلانه تسليم باقوائية الاقربية في الحكاية وبتاثير الاعلمية في القول غاية الامر ان القرب له مناشئ اخري ايضا، فقد يرحج غير الاعلم لكون فتاواه اقرب للمشهور، وهذا المرجح محتمل الاعتبار.
اما الاشكال الثاني:
فلان القرب من الواقع يزيد من قوة الاحتمال وهو اوفق للطريقية والكاشفية فيكون عموم حجية الطريق لطبيعة امارة معينة هو بنفسه متفاوت في الاعتبار والحجية، وان كان من طبيعة واحدة الا انها لما كانت متفاوتة شدة وضعفا في الافراد فلا محالة يتفاوت المحمول والحكم اي الحجية بلحاظها وبهذا التقريب ينضبط تقرير صناعي لهذا الوجه.
1) (1) كفاية الأصول: ص475.
كما يندفع الاشكال الثالث بذلك.
وهذا الوجه مطرد في كل الامارات.
وهذا الدفع للاشكال الثاني هو فائدة صناعية مفادها ان العموم للطبيعة التشكيكية (المتفاوتة) يقتضي الترجيح ذاتا.
الدليل الثالث:
ما عن كشف اللثام : « ولو كان أحدهم أفضل في الفقه تعيّن الترافع إليه حال الغيبة لأنّه أبعد من الخطأ و أقرب من نيابة الإمام، و لقبح ترجيح المرجوح و إن كان المفضول أزهد إذا تساويا في استجماع الشرائط فإنّ العمدة في ذلك العلم مع ورع يحجز عن الكذب و المسامحة، فإن تساويا في العلم فالأزهد »(1).
تقريب الاستدلال:
ان هذا الدليل في القضاء ولكنه ينسحب إلی الفتيا لانها نمط من الولاية والسلطة، وقوله (ابعد من الخطأ) فهو يرجع للدليل الثاني المتقدم، واما قبح ترجيح المرجوح فيرجع إلی طوائف الروايات المعبرة في الناس اعلم منه.
نعم يمتاز استدلاله هنا إلی ان الفقيه أقرب إلی نيابة الإمام(عليه السلام).
1) (1) كشف اللثام: ج10 ص8.
وهذا التقريب منه بعين التقريب الصناعي الذي مر في الدليل الثاني الا انه في باب الولاية النيابية للفقيه وصلاحية السلطة، فكما ان الحجية الطريقية باقتضاء ذات الطريقية في الطريق هي متفاوتة مما يوجب تفاوت الحجية كما مر في الدليل الواحد في مفاده الداخلي كذلك الحال في ادلة نيابة الفقيه عن المعصوم في بعد الولاية النيابية والصلاحيات فانه رتب علی عنوان الفقاهة وعنوان الفقاهة ايضا ذو درجات متفاوتة كثيرا وهو يقتضي بالتالي تفاوت المحمول وهو النيابة والحاكمية النيابية، ويتبين حينئذ تاتي النكتة الصناعية التي مرت في الدليل الثاني من ان العموم ذو الطبيعة المتفاوته في الدرجات هي تقتضي الترجيح ذاتا غاية الامر هنا الانطباق هنا علی عموم النيابة والولاية النيابية.
الدليل الرابع:
ما حكاه صاحب مطارح الانظار عن العلامة في النهاية: « من ان الاعلم له مزية ورجحان علی المفضول فيقدم كما قدم في الصلاة » .
وهذا الدليل يرجع إلی ما تقدم من احد الوجوه السابقة.
الدليل الخامس: السيرة العقلائية:
فان العقلاء يبنون علی الرجوع إلی الاعلم عند اختلاف اهل الخبرة، وهذه السيرة والارتكاز من الوضوح بمكان لاسيما في
المواطن والموارد الخطيرة، فان الرجوع وانتخاب الاعلم عندهم حينئذ الزامي ولا يعذرون من يرجع إلی غير الاعلم علی تقدير الخطا والمخالفة للواقع.
الدليل السادس: سيرة المتشرعة:
وهي الاخري بمكان من الوضوح فان استقطاب الاعلم عندهم لاكبر رصيد من المتابعين والمقلدين امر ظاهر بحسب القرون فلا يستراب فيه.
اثارة:
المقدار المعتد به في فارق الاعلمية:
هل يشترط في الاعلم ان يكون هناك فاصل كبير بينه وبين غير الاعلم حتی يتعين تقليده، فاذا كان الفاصل يسير لا يتعين الرجوع إلی الاعلم بل يتخير بينه وبين من كان فاصل العلم عنه يسيرا؟
ذهب إلی ذلك الشيخ الاصفهاني وان الفرق اليسير لا يقال لصاحبة اعلم، والسيرة شاهدة علی ذلك، ويضاف علی ذلك ان عنوان الافقه الوارد في الروايات ايضا لا يصدق مع الفارق اليسير، وبعبارة اخري انه مع الفارق الكبير بالكاد يكون موجبا لمظنة اقربية الاعلم للواقع واذ لا يمتنع ان يكون غير الاعلم اصوب في بعض الموارد لاسيما مع موافقة المشهور او لجملة من
الفحول، فمع التفاوت اليسير تولد المظنة اصعب واشكل.
الوجه الثاني: ادلة التخيير بين الاعلم وغيره.
استدل لجواز تقليد المفضول مع وجود الاعلام بعدة ادلة منها:
حيث جرت سيرة العقلاء علی الرجوع إلی اي مجتهد في الاختصاص وان لم يكن اعلم، حيث ان المشهود من العقلاء عدم الاحتشاد حصرا علی الاكثر خبرة بل تراهم يتوزعون بين اهل الخبرة كما في الطب والفنون والمهارات بل لا يمكن عندهم الحصر.
ويرده:
ان العقلاء يرجعون إلی غير الاعلم اما مع عدم احرازهم الاعلم او عدم امكانية وصولهم اليه او انهم يرجعون من باب التسامح والتساهل او من باب الاطمئنان بوحدة انظارهم وتشخيصاتهم وعدم اختلافهم في الراي او من باب عدم العلم بالخلاف بينهم او مع التفاوت اليسير بينهم او مع عدم كون الموارد ذات اهمية لديهم كالامور المعيشية المتوسطة، فمع احد تلك المسوغات يجيز العقلاء لأنفسهم الرجوع لغير الاعلم.
ومثل ذلك الكلام يجري في السيرة المتشرعية فانهم يرجعون إلی غير الاعلم اما لعدم العلم بالمخالفة او من باب التسامح
والتساهل او من باب تعسر معرفة الاعلم او غيرها والا فان سيرتهم قائمة علی الرجوع لاعلم المجتهدين والفقهاء.
وهي اطلاقات الايات والروايات الدالة علی مشروعية التقليد التي مر ذكرها في فصل سابق، ولا شك في وجود هكذا اطلاق خلافا لما يظهر من بعض من القول بنفيه.
لكن الكلام كل الكلام في جريان هذا الاطلاق في صورة اختلافهم في الفتوي وتعارض اقوالهم، فلا اطلاق بلحاظ مرحلة الفعلية والتامة والتنجيز في تلك الادلة ليشمل صورة التعارض والاختلاف بينهم، وليس معني ذلك التساقط في اصل الفعلية الناقصة كما فصلنا سابقا بل تبقي الامارة او الحجية الاقتضائية موجودة في طرف غير الاعلم، فليس كل مراتب الاطلاق منفية في المقام غايته ان الواصل للفعلية التامة هو قول الاعلم فحسب اما غير الاعلم ففي مرتبة الاقتضاء.
فلا يصح التمسك بهذه الاطلاقات في مقابل الادلة المقيدة بالاعلمية ترجيحا عند الاختلاف.
الفائدة الأولي: الاعلمية قيد للحجية التامة:
هل ادلة الترجيح في باب التعارض هي ادلة تقييد الحجية الانشائية ؟
علي مسلك المشهور بين القدماء إلی متاخري المتاخرين ان ادلة الترجيح ليست ادلة تقييد علی مستوي الحكم الانشائي اي الحجية الانشائية بل ان الاطلاق موجود علی مستوي الانشاء والاقتضاء وهو اصل الفعلية وانما هي تقيد علی صعيد الحكم الفعلي (الحجية).
ففي بعض الموارد هناك قيود شرعية ماخوذة في اصل مرحلة الفعلية وهي قيود في مرحلة الانشاء، وهناك قيود عقلية لا في مرحلة الانشاء او الفعلية الناقصة وانما قيود في مرحلة الفعلية التامة او الفاعلية او التنجيز وهي قيود عقلية.و قد يكون هناك قيود شرعية للتنجيز مثل الحرج الشرعي او عدم الاضطرار او النسيان فهي قيود شرعية للتنجيز وليست عقلية، فالقيود الشرعية متصورة في كل هذه المراحل من مراحل الحكم.
فمرحلة الفعلية التامة والفاعلية والتنجيز وان كانت قيودها عقلية غالبا الا ان الشارع قد يتصرف بها ويضيف قيودا شرعية في هذه المرحلة، وانتفاء تلك القيود عن تلك المراحل لا يعني انتفاء اصل الفعلية والانشاء بل هي باقية وملاكها الشرعي باق، وهذا مخالف لما بني عليه المشهور من متاخري هذا العصر كالمحقق النائيني والسيد الخوئي واكثر تلاميذهما.
وبذلك يتبين ان شرط الاعلمية انما هو ماخوذ كشرط للفعلية التامة لا لاصل الانشاء والاقتضاء والحجية الناقصة.
الفائدة الثانية:
وقد بني عليها جملة من الاساطين وهي ان ادلة المخصصات والمقيدات بمنزلة بيان موانع علی اقتضاء العمومات.
فالادلة المقيدة والمخصصة للاطلاقات والعمومات هي في الحقيقة بيان تفصيلي لمانع اجراء العموم او الاطلاق في نفسه.
وبذلك يتضح ان العموم والاطلاق بنفسه مفاده اقتضائي مقرر لاصل الملاك في الطبيعة العامة الا ان ابتلائه بالخاص في مساحة الخاص او المقيد منعه من بلوغ مرحلة الفعلية ، بل هذا مبني القدماء في معني التخصيص والتقييد قبل سلطان العلماء حيث قالوا ان الخاص والمقيد لا يزيل اصل العموم من راس وانما يجمد العموم في المرتبة الانشائية الضامرة نظير الحكم المنسوخ علی قول غير المشهور من انه مجمد عن عن المرتبة الانشائية المعروفة بالفعل المقدر فضلا عن اصل الفعلية الا انه مجمد في اصل المرتبة الانشائية.
الدليل الثالث:
ان الاعلم لا يمكن او يعسر التعرف عليه لتعسر معرفته اما
مفهوما او مصداقا، والحكم العسري مرفوع فيجوز تقليد غير الاعلم مع وجود الاعلم.
وفيه: ان معرفة الاعلم لا عسر فيها، اما مفهوما فهو محدد ومعروف وسياتي توضيحه، واما مصداقا فكذلك بعد تبين مفهوم الاعلم.
مضافا إلی ان هذا العسر ليس عسرا ثانويا طارئا كي يكون رافعا بل هو بحسب اصل لزوم تقليد الاعلم.
وادلة اخري اعرضنا عن عرضها ونقدها لضعفها.
وقع الكلام في تحديد المناط في الاعلمية، فهل هي الاقدرية والاجودية علی الاستباط من غيره او هي الادقية الصناعية او هي الادقية في تنقيح قواعد ومسائل الاصول او انه الاعلم بحسب العارضة الفقهية او الاعلم هو الاكثر احاطة بالابواب الفقهية او الاقدر علی تشقيق المسائل او الاقدر علی التطبيق للقواعد ورد الفروع للاصول او انه الاقوي في مقدمات وعلوم الاستنباط والموضوعات المرتبطة بها او الاسرع استنباطا او الاكثر ممارسة
للاستنباط او ان بعضها ماخوذ مجتمعا او كلها وجوه بل اقوال.
فلذا عرفه الاعلام بتعاريف عديدة:
1 - تعريف الانصاري في مطارح الأنظار:
« الأعلم من كان أقوي ملكة و أشدّ استنباطا بحسب القواعد المقرّرة، و نعني به من أجاد في فهم الأخبار مطابقة و التزاما إشارة وتلويحا، وفي فهم أنواع التعارض وتميّز بعضها عن بعض، وفي الجمع بينهما بإعمال القواعد المقرّرة لذلك مراعيا للتقريبات العرفيّة و نكاتها، و في تشخيص مظانّ الاصول اللفظية و العمليّة، و هكذا إلی سائر وجوه الاجتهاد و أمّا ألاكثر استنباطا و زيادة الاستخراج الفعلي فمما لا مدخليّة له »(1).
2- تعريف السيد اليزدي في العروة:
« المراد من الاعلم من يكون اعرف بالقواعد والمدارك للمسالة واكثر اطلاعا لنظائرها وللاخبار واجود فهما للاخبار، والحاصل ان يكون اجود استنباطا »(2).
3 - تعريف الشيخ الجواهري معلقا علی العروة: المراد بالأعلم هو الأوصل، و لعلّ بعض هذه الأُمور لها مدخليّة في الأوصليّة(3).
4 - تعريف بعض المحشين المعاصرين: من كان أجود استنباطاً للوظيفة الفعليّة للمكلّف، وأحذق في تفريع الفروع علی الأُصول المتلقّاة، و تطبيق الأدلّة و المبادي الكبروية عليها، و إليه يؤول ما أفاده بقوله: و الحاصل(1).
وغيرها من التعاريف.
والصحيح ان كل ما اشاروا اليه دخيل في الاستنباط وفيه اشارة إلی بعض مقومات الاعلمية، لذا نري فقيه بارع في باب دون باب اخر وهذا تابع لقوته في بعض تلك الامور وضعفه في اخري، فمثلا لو كان بارعا في الاصول وكان باب من الابواب متوقفا علی قوته في الاصول فسيكون قويا في ذلك الباب، واما لو كان ضعيفا في علم الرجال وكان هذا الباب متوقفا علی دقة في الرجال لكان ضعيفا في ذلك الباب، او كان قويا في الموضوعات الطبية فيكون قويا في احكام الطب من ناحية تنقيح الموضوع وضعيفا في احكام الهيئة و الفلك لانه ضعيف في علم الفلك وموضوعاته، وهلم جرا، وهذا يجري في كل الابواب والمسائل.
فالصحيح ان الاعلمية تحتاج لكل ما ذكروه من مناطات
1) (1) المصدر والصفحة.
وتحديدات سواء كانت نظرية ام عملية وسواء كانت من مقدمات الاصول ام من الموضوعات المتعلقة بالاحكام.
فيعرف الاعلم: بانه الاعرف بالاستنباط الحاصل من مجموع جهات وحيثيات عديدة بحسب الابواب والمسائل.
الفرع الثاني:
ما لو تساوي الفقهاء فهل الحكم هو التخيير او احوط الاقوال او القولين ؟.
الصحيح انه يتخير في المسائل التي يحتمل فيها الخلاف، ولا حاجة للعمل باحوط القولين او الاقوال كما بينا.
ومن عمل باحوط القولين او الاقوال انما هو عمل بنحو من الاحتياط في الطرق وليس هو احتياط في الواقع في قبال التقليد، والقول بالاحتياط بين الاقوال يتضمن لاقرار بان الطرق التي احتاط بها ما زالت كلها حجة وليست متساقطة، فهذا نوع من الاعتراف باالحجة الاقتضائية المقتضية للتخيير الذي اخترناه.
الفرع الثالث:
ما لو علم بوجود اعلم بين اثنين من المجتهدين وجهل اي واحد منهما هو الاعلم فهل يتخير بينهما او يعمل باحوط القولين ؟.
الاقوي تقديم من كان احتمال الاعلمية فيه اكبر والا فيتخير
بينهما ولا يجب الالتزام باحوط القولين كما اسلفنا.
الفرع الرابع:
ما لو تعارضت الاعلمية والاورعية فأيهم يقدم علی الاخر؟
الاورعية اما اورعية علمية او عملية، اما الاورعية العملية وهي الالتزام الاكثر بالشريعة وترك الشبهات والمكروهات فلا دخل لذلك في التقليد ولا يقدم علی الاعلم.
واما اذا كانت الاورعية علمية وهي الاورعية في الاستنباط والتثبت في الفتوي بحيث ترجع إلی حيثيات الاعلمية والافقهية فلا اشكال في دخالتها، فمع التساوي والتقارب يتخير بينهما والاحوط استحبابا العمل باحوط القولين.
ومع التعارض بين الاورعية والاعلمية تقدم الاعلمية كما مر.
الفرع الخامس:
اذا قلد الاعلم ثم اصبح غير اعلم فهل يجب العدول منه إلی الاعلم الجديد؟
فيجب العدول إلی الاعلم الجديد لان المناط علی الاعلمية فالمقتضي للعدول موجود والمانع مفقود، واحتمال حرمة العدول لا يجري هنا .
المبحث التاسع: تقليد الميّت
وقع الكلام بين الفقهاء في جواز تقليد الميت، والخلاف كان بين المنع مطلقا سواء كان ابتداء او استمرارا وبين الجواز مطلقا، ثم نشات اقولا اخري مفصلة اشهرها المنع ابتداء والجواز بقاء.
والمشهور كما اشار غير واحد - بل نقل بعضهم الاجماع - علی عدم الجواز.
قال الشيخ الانصاري في رسالة الاجتهاد و التقليد(1):«ومن جملة الشرائط حياة المجتهد فلا يجوز تقليد الميت علی المعروف بين أصحابنا بل في كلام جماعة دعوي الاتفاق أو الإجماع عليه، ففي القواعد الملية في شرح الجعفرية حكاية الإجماع عن المحقق الثاني و غيره علی ذلك بعد أن استظهر بنفسه الاتفاق علی ذلك أيضا و عن مسالك دعوي تصريح الأصحاب باشتراط الحياة في العمل بقول المجتهد و عن الرسالة التي صنفها في هذه المسألة دعوي قطع
1) (1) الاجتهاد والتقليد: ص58.
الأصحاب علی انه لا يجوز النقل عن الميت و ان قوله يبطل بموته».
وقال صاحب كفاية الأصول(1): «فصل اختلفوا في اشتراط الحياة في المفتيوالمعروف بين الأصحاب الاشتراط وبين العامة (2)عدمه وهو خيرة الأخباريين (3)وبعض المجتهدين (4)من أصحابنا وربما نقل تفاصيل (5).منها (6)التفصيل بين البدوي فيشترط و الاستمراري فلا يشترط والمختار ما هو المعروف بين الأصحاب» (7).
فالاقوال ثلاثة:
القول الأول: المنع مطلقا.
القول الثاني: الجواز مطلقا.
القول الثالث: التفصيل بين التقليد ابتداء فلا يجوز وبين التقليد الاستمراري فيجوز.
1) (1) كفاية الأصول: ص476.
2) (2) شرح البدخشي: 387 :3، والإبهاج فِی شرح المنهاج: 268 :3؛ وفواتح الرحموت: 407 :2.
3) (3) الفوائد المدنية: 149.
4) (4) كالمحقق القُمِّی، قوانين الأصول: 2.
5) (5) الآخوند الخراساني، محمد كاظم بن حسين، كفاية الأصول ( طبع آل البيت)- قم، چاپ: اول، 1409 ق.
6) (6) راجع مفاتيح الأصول: 624.
7) (7) الآخوند الخرساني، مُحمَّد كاظم بن حسين، كفاية الأصول (طبع آل البيت) - قم، چاب أوَّل، 1409 ق.
وهناك اقوال اخري تجوز بقيود اعرضنا عن ذكرها.
والقول الاول عليه المشهور من الاصحاب قديما.
والقول الثاني: عليه اهل الخلاف و اكثر فقهائنا الاخباريين وبعض الاصوليين كصاحب القوانين وبعض المعاصرين.
ولعل ذهاب الميرزا القمي لذلك لانه يقول بمبني الانسداد.
ولكن ليس كل انسدادي يلتزم بالجواز مطلقا كما لم يلتزم كل انفتاحي بالمنع مطلقا.
وخلاف الاخباريين والقمي مع المشهور هو خلاف صغروي لا كبروي فلا يخدش الاجماع بعدم الجواز.
وذلك لان الاخباريين والمحدثين يعتبرون الرجوع إلی المفتي انما هو من باب الرجوع للراوي في روايته.
واما الميرزا القمي في قوانينه فجوز ذلك لانه انسدادي كما قلنا لا لعدم الادلة.
والقول الثالث: وعليه اكثر متاخري المتاخرين كصاحب الفصول وعليه جل المعاصرين.
فاجماع الامامية التقديري قائم علی عدم جواز تقليد الميت ابتداء بخلاف مشهور العامة.
وسنتعرض ادلة المجوزين في طياتها الردود التي تثبت اوجه الاقوال:
و استدل للقول بالجواز مطلقا بعدة ادلة منها:
قال الشيخ الانصاري في تقرير الاستدلال بالاستصحاب: «الاستصحاب و تقريره من وجوه، فإنّه تارة يراد انسحاب الحكم المستفتي فيه، و أخری يراد انسحاب حكم المستفتي، و ثالثة يراد انسحاب حكم المفتي .
فعلي الأخير يقال: إنّ المجتهد الفلاني كان ممّن يجوز الأخذ بفتواه و العمل مطابقا لأقواله و قد شكّ بعد الموت أنّه هل يجوز اتّباع أقواله أو لا فيستصحب كما أنّه يستصحب ذلك عند تغيّر حالاته من المرض و الصحّة و الشباب و الشيب و نحوها.
وعلي الثاني يقال: إنّ للمقلّد الفلاني كان الأخذ بفتوي المجتهد الفلاني حال الحياة و بعد الموت نشك فيه، فنستصحب الجواز المعلوم في السابق.
وعلي الأوّل يقال: إنّ هذه الواقعة كان حكمها الوجوب بفتوي المجتهد الفلاني و نشكّ في ذلك فنستصحب... إلی غير ذلك
من وجوه تقريراته، فإنّه يمكن أن يقال: المكتوب في الرسالة الفلانيّة كان جائز العمل، فنستصحب جواز العمل به بعد الموت »(1).
قال الشيخ الاخوند: « والأصل عدم جوازه و لا مخرج عن هذا الأصل إلا ما استدل به المجوز علی الجواز من وجوه ضعيفة. منها استصحاب جواز تقليده في حال حياته... »(2).
وقرر الاستصحاب صاحب الفصول وكان تصويره له علی نحوين نحو في المفتي ونحو في الحكم المستفتي فيه ، فقال ما نصه: (حجة القول بجواز تقليد الميت أمور منها الأصل ومرجعه إلی استصحاب جواز تقليده الثابت حال الحياة و هذا قد يعتبر وصفا للمفتي نظرا إلی كونه ممن ثبت جواز تقليده حال الحياة فيستصحب و قد يعتبر وصفا لقوله نظرا إلی كونه ممّا ثبت جواز التقليد فيه حال الحياة فيستصحب و حيث إنّ الوصف الأول من عوارض النفس و الثاني من عوارض القول القائم بها لم يلزم من انعدام الحياة انعدام موضوع الحكم لينافي جريان الاستصحاب» (3).
فدليلهم الاول هو الاستصحاب.
ومفاده ملخصاً:
ان الحجية متعلقها كل من الفتوي ومتعلقها حيث كانت موجودة في حياة المجتهد الميت ولا زالت، وهذه الحجية موضوعها العرفي بحسب باب الاستصحاب لم يزل وبالاضافة ولحاظ مطلق المستفتي بالاطلاق الذاتي الطبعي وان لم يكن دلالي وليس بمختصة بالاحياء الموجودين في عصر المفتي، فبعد موته نشك في بقاء تلك الحجية فنستصحب البقاء.
واشكل علی الاستصحاب:
ان حجية الفتوي مقيدة بمن كان في عصر ذلك المجتهد اما من لم يكن معاصرا له فلا تشمله حجية فتوي المجتهد، فيكون اليقين السابق قاصر عن الشمول فلا تصل النوبة إلی ابقاءه إلی زمن الشك اللاحق.
ودفع هذا الاشكال:
ان الظاهر من حجية الفتوي انها ليست مختصة بالموجودين بل بنحو القضية الحقيقية، وانما تخصص الفتوي بلحاظ المفتي وفتواه لا بلحاظ معاصرة المستفتي فالحجية مجعولة بشكل مطلق بالاطلاق الذاتي الطبعي.
وهذا الاستصحاب اوضح جريانا في التقليد بقاء واستمرارا لان المكلف كان تقليده حال حياة المرجع الميت صحيحا ثم مات
فيستصحب الحالة السابقة وهي حجية فتواه.
اشكال اخر للاخوند والخوئي علی جريان الاستصحاب:
اشكل المحقق الاخوند والسيد الخوئي علی جريان الاستصحاب في التقليد الابتدائي والاستمراري للميت.
وافادا: ان الفتوي تتقوم بالراي والتبني للراي، والتبني انما يتم حال الحياة لان الراي هو الادراك القطعي او الظني للمجتهد الحاصل من النظر بالادلة ومحل الادراك هو الذهن الذي يذهب بذهاب الروح، فالميت فلا راي له لان الموت انعدام بالنظر العرفي السطحي وان كان ليس انعداما بالنظرة الدقية العقلية الواقعية، وبما ان المناط في اجراء الاستصحاب وعدمه هو النظرة العرفية السطحية فلا يجري هنا.
ثم دفعا دخلا مقدرا بالتفريق بين الاحكام المتعلقة بالبدن فيجري الاستصحاب بخلاف الاحكام المتعلقة بالروح فلا يجر ي، فبعض الاحكام المتعلقة ببدن الميت لا بروحه يمكن استصحابها لبقاء موضوعها - وهو البدن كحكم غسل الزوجة له او العكس، وهذا غير ما نحن فيه فان حجية الفتوي غير مرتبطة ببدن الميت.
اشكال ثالث للاخوند:
وهذا الاشكال خاص بالتقليد بقاء واستمرارا وهو الشق
الثاني من انواع التقليد.
ومفاده انسحاب الحكم المستفتي به إلی ما بعد الموت، فالاحكام التي قلد بها المجتهد في حياته كوجوب الجمعة او ثلاثة التسبيحات او وجوب جلسة الاستراحة كانت معلومة حال حياة الميت وصارت مشكوكة بعد وفاته فيستصحب الحالة السابقة في كل تلك الاحكام.
ولكن - هذا الابقاء بالاستصحاب - يتم علی بعض مباني الحجية للطرق والامارات كالقول بالحكم المماثل اما بناء علی تفسيرها بالمنجزية والمعذرية فلا حكم حتی يستصحب ولا يمكن استصحاب التنجيز والتعذير فليس في البين انشاء لحكم فعلي مماثل لمؤدياتها حتی يكون اليقين السابق بتلك الاحكام الظاهرية والشك اللاحق حتی يستصحب.
وملخص اشكاله ان الاستصحاب يجري بناء علی الحكم المماثل او حكم المودي في حقيقة الحكم الظاهري ولا يجري علی مبني الطريقية او المنجزية والمعذرية.
ويرد عليه:
ان هذا الاشكال من الاخوند مبنائي لا واقعي لان العلم التعبدي كما قرر في محله يقوم مقام العلم التكويني فيكون
الاستصحاب بلحاظ المعلوم لا العلم.
والصحيح ان يجاب علی اصل جريان الاستصحاب انه لا يجري لان الموت اشد من الجنون او العيوب الذهنية والنفسية كالبله او النسيان والفسق وتبدل الراي كما هو واضح عرفا فالاولوية تقتضي نفي الحجية عن قول الميت.
كلام السيد الخوئي في المقام:
ان الاستصحاب وان لم يجري في التقليد للميت ابتداء الا ان يجري بقاء و استمرارا، اذا انه لا يجري في الابتداء لان الحجية الفعلية مقطوعة الخلاف اذ لا وجود للمكلف في زمن المجتهد، اما في التقليد الاستمراي فالحجية الفعلية موجودة لان العامي كان موجودا في زمن المجتهد وقلده برهة من الزمن ولكن الشك في ان الحجية مطلقة او مقيده بحياة المجتهد فلا مانع من الاستصحاب.
وتنقيح كلامه بنحو يندفع الاشكال الثاني المتقدم :
ان الصحيح جريان الاستصحاب في نفسه بغض النظر عن موانع اخري وذلك بان من مات علی قول معين يصح عرفا نسبة ذلك القول اليه واسناده اليه ولو بعد قرون وهذا واضح ولا غبار عليه في الاعتبار العقلائي ولعله مراد المحقق الاصفهاني القائل بان راي الميت باقي حتی بعد موته.
وعليه فالحجية بالبقاء موجودة وهي حجية جزئية فعلية فيمكن استصحابها .
استدل الاعلام بجريان السيرة علی التقليد ابتداء واستمرارا، فقالوا ان العقلاء جرت سيرتهم علی الرجوع إلی العالم سواء كان حيا او ميتا كما في الرجوع للاطباء، فلو مرض لا فرق بين الرجوع لكتب الاطباء الاموات في تشخيص المرض وعلاجه، فكذا الحال في الرجوع لفتاوي وكتب الفقهاء الاموات.
قال الشيخ الانصاري في مطارح الانظار مقررا لكلام المستدلين بالسيرة علی جواز خصوص البقاء وان لم يتبني ذلك: «منها السيرة فإن جريان عادة السلف و الخلف علی بقاء تقليد المجتهدين بعد موتهم أمر معلوم لا ينبغي أن ينكر و إلا لوصل إلينا العدول لتوفر الدواعي من كثرة ابتلاءالناس بموت المجتهدين و لم يعهد إلی الآن من أهالي أعصار الأئمة العدول إلی تقليد الحي بعد موت المجتهد» .
اشكال الاخوند:
وقد رد في الكفاية علی دعوي سيرة أصحاب الائمة علی البقاء وعدم رجوعهم عما اخذوا تقليدا بعد موت المفتي بان
اخذهم غالبا من باب الرواية لا أخذ الرأي(1).
وهذا تعريض عما تقدم من كلام الشيخ الانصاري.
اشكال السيد الخوئي:
وقد فصل بين قيام السرة علی جواز التقليد ابتداءا واستمرارا فرفض الاول وقبل الثاني، ونص كلامه كالاتي:
اما رفضه للتقليد الابتدائي للميت:
فقد قرر عموم السيرة العقلائية للرجوع إلی الأموات ابتداء الا انه بني علی انها مردوعة لعدم شمولها لموارد التعارض بين الفتاوي أي بين فتوي الميت والحي بل بين الأموات انفسهم وبقيام الضرورة علی بطلان انحصار المقلد في شخص واحد وقبل قيام السيرة علی البقاء من دون مانع.
ولتفصيل كلامه يراجع التنقيح في شرح العروة الوثقي؛ الاجتهاد والتقليد(2).
المختار في السيرة:
أولاً:
ان السيرة وان كانت قائمة علی الرجوع إلی الموتي في كل علم
ابتداء او بقاء الا ان ذلك ليس رجوعا من الجاهل إلی العالم الميت ابتداء ومباشرة بل يكون عبر العالم الحي، وكذلك الكلام في البقاء، وهذا لا كلام فيه. اما ان يكون رجوعا منهم للميت ابتداء او بقاء بلا توسيط العالم الحي فاول الكلام.
وهذا ديدنهم في مطلق العلوم والفنون.
ثانياً:
انه تقدمت الاشارة ان التقليد ليس اخذ العامي لقول المفتي كامارة محضة وطريق فقط بل يمتزج بنحو من السلطة والولاية لان الفتوي سلطة تشريعية والتقليد نحو انقياد واتباع وبسط يد لنفوذ المفتي، وعلي ضوء ذلك تبين ان الرجوع إلی الميت سواء ابتداء ام بقاء لا يسوغ الا بفتوي الحي.
لان الميت تنقطع ولايته وصلاحيته بالموت وهذا هو وجه ما يدعي من اجماع الامامية علی عدم الرجوع إلی الميت ابتداء بل ادعي الضرورة كما مر في كلمات السيد الخوئي وغيره.
وسياتي ان الدليل قائم علی التقليد في البقاء دون الابتداء وافتاء الحي اذن منه.
حيث استدل باطلاقات الادلة اللفظية القرانية والروائية علی جواز تقليد الميت مطلقا ولو ابتداء.
وتقريبه ان اية النفر مثلا تدل علی وجوب الحذر بانذار المنذر سواء كان حيا او ميتا، وقد قرب ذلك الانصاري في المطارح مقررا لهم وان لم يتبني قولهم، بصدق الإنذار بعد موت المجتهد وان فرض ان المقلد لم يأخذ بالفتوي ولم يعمل بها حال حياة المجتهد.
ورد ذلك الشيخ الاخوند:
ان الايات في مقام اصل تشريع التقليد لا في مقام الاطلاق بل منع دلالتها علی اصل التقليد.
ومنع السيد الخوئي اطلاق ادلة التقليد لفتوي الميت لاستلزام التعارض بين فتوي الأموات والاحياء بعد وجود الاختلاف في الفتوي بين الفريقين،وبان العناوين الماخوذة في الأدلة كالانذار والسوال من اهل الذكر والرجوع إلی راوي الحديث وعنوان الناظر وغيرها من العناوين في الادلة ظاهرة بالتلبس الفعلي لا من انقضي عنه التلبس.
الي غير ذلك من الوجوه التي اعرضنا عن ذكرها.
المختار في نقاط:
النقطة الأولي: ان من يجوز تقليد الميت انما يجوز تقليد الميت الاعلم من الاحياء والاموات وهذا لا يحتم ان من يقلد واحد من بين كل الاعلام وفي كل الازمان علی امتداد زمن الغيبة الكبري بل
لا يكون ثبات للاعلم حينئذ لان الاجيال تتبدل من حين لاخر وسيتولد اعلم بعد اعلم لان التراكم العلمي له دور في الاعلمية، وبذلك يندفع ما استدل به السيد الخوئي من استلزام تقليد الميت ابتداء انحصار المرجع في شخص واحد طيلة زنان الغيبة الكبري وهذا نحو من الوصاية.
النقطة الثانية: اما ما استدلوا به من الاجماع فهو غير تام كما بينا اذ هو اجماع تقديري لوجود من خدش به من الاعلام قديما وحديثا نعم هو منبه علی ارتكاز تام سياتي بيانه كما هو ثمرة الاجماع وان لم يكن حجة بنفسه انه يلزم بالفحص عما استند اليه المجمعون مما خفي علی متاخري الاعصار.
النقطة الثالثة: اما دعوي عدم صدق العناوين الماخوذة بالادلة لانقضاء التلبس ففيه ان الظاهر اخذها بنحو الحدوث او يكفي في التلبس بها عدم تبدل الراي والفهم السابق والبقاء عليه لاسيما اذا اخذت الفتوي بنحو الطريق كما في اخبار الراوي. فان الأنبياء والائمة منذرون وان ماتوا.
ولا تفكيك بين الرواية والفتوي في الطريقية.
قد يقال:
ان الفتوي انشاء والرواية اخبار.
فانه يقال:
ان الفتوي اخبار ايضا وليست هي محض انشاء فالفتوي خبر حدسي فيه انشاء للحكم.
كما في الحكم القضائي انه ليس انشاء محض اخبار محض بل ممتزج بالاخبار.
النقطة الرابعة: والصحيح ان الفتوي ليست اخبار محض كما في الرواية والامارة والطريقية فان الفقيه ليس مفتيا فحسب بل يستتبع لوجود سلطة ونفوذ علی كل المستويات، اذ انه منصب وزعامة وقيادة متفرع نيابيا بالنيابة العامة عن بعض شوون منصب الامامة.
فليس الفتيا اخبار محض او انشاء محض بل ممتزجة بين الاخبار والانشاء وهو نوع من السلطة كما في انشاء الحكم القضائي.
فالتقليد هو عبارة عن تبعية وانقياد وسلطة تشريعية ومنصب وزعامة عامة.
كما انه نحو من اعطاء بسط وانتخاب من عموم الناس للفقيه وان كان اصل النصب من المعصوم الا ان الناس لهم نحو مشاركة وانتخاب وهو المعبر في كلماتهم بسط اليد.
فالتقليد نحو من التولية الصادرة من عموم المكلفين وان كان اصلها من الامام(عليه السلام).
وهذه السلطة والتولية لا تعطي ابتداء للميت كما هو واضح في أصول وقواعد مذهب ال البيت فلا اطلاق في الأدلة بسبب هذه الحيثية اذ ان الفتيا والتقليد ولاية وتولية ولا تولية للميت ابتداء بل لا بقاء لولاية الميت غير المعصومين بحسب أصول مذهب ال البيت ولعل هذا ما يشير اليه ارتكاز الاجماع المدعي في مذهب ال البيت أي الإشارة إلی ان اصوال وقواعد المذهب تتنافي مع تقليد الميت ابتداء لانها تولية.
اما بقاء فلا اشكال فيه بعد الرجوع إلی الحي الاعلام للبقاء علی الميت وذلك الجواز استنادا للاستصحاب من قبل الحي، فالتولية هنا في التقليد مستندة حقيقة إلی الحي وبامضاء منه للبقاء علی الميت.
هذا من حيثية الولاية في الفتوي والتقليد.
اما من ناحية الطريقية فالفرض ان الاستصحاب يقرر ذلك.
فالصحيح:
التفصيل بين التقليد الابتدائي للميت فلا يجوز وبين الاستمراري فهو جائز.
وبذلك تم البحث في الاجتهاد والتقليد الاصولي.
وياتي الكلام في الاجتهاد والتقليد الفقهي، الذي سنتعرض له علی شرح متن العروة الوثقي للفقيه السيد اليزدي.
عکس
عکس
عکس
عکس