اسلام معیة الثقلین لا المنسلخ

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : سند، محمد، ۱۳۴۰-

عنوان و نام پدیدآور : اسلام معية الثقلين لا المنسلخ/محمد سند.

مشخصات نشر : قم: سعيدبن‌جبير، ۱۳۸۴، = ۲۰۰۵م، = ۱۴۲۶ق.

مشخصات ظاهری : 136ص.

یادداشت : عربی.

موضوع : احادیث خاص (ثقلین) -- نقد و تفسیر-- قرآن

رده بندی کنگره : BP۱۴۵/ث۷۰۴۲۲خ۴ ۱۳۸۱

رده بندی دیویی : ۲۹۷/۲۱۸

محرر الرقمي:محمد المنصوري

اشاره

بسم الله الرحمن الرحیم

إسلام معيّة الثقلين

لا إسلام المصحف منسلخاً عن الحديث

أبحاث سماحة آية الله الشيخ محمّد السند (دام ظلّه)

في رد و دحض بعض الشبهات في كفاية المصحف الشريف

وعدم الحاجة في الرجوع إلى السنة المطهرة والعترة الشريفة

إعداد وتقرير : الشيخ إحسان المظفر

اسلام علیک یاصاحب التدبیر

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلي الله علی سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

واللعنة الدائمة علی أعدائهم أجمعين إلی يوم الدين

وبعد فقد عاشت أصولنا الأصيلة الأصلية شامخة الرأس تجلت بأنصع الصور وأروعها، فغدت مصدر العلم لحامليها، وقد أجمع علماء الامامية علی حجية السنة النبوية(صلي الله عليه و آله) وأهل بيته الكرام(عليهم السلام) من قول أو فعل أو تقرير، وعدوا ذلك من الضروريات، ولذا نجد اهتمامهم البالغ بالحديث الشريف الذي هو تالي تلو القرآن الكريم وبيانه وتبيانه، قال تعالی: (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُفَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (1)، وقال عزّ من قائل: (وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (2).

بل نري للحديث الشريف دوره العالي والمتميز في جميع الملل والنحل الاسلامية. ولقد اجتهد علماء الاسلام في خدمته وجمعه وتدوينه بقدر ما


1) - القيامة 17- 19.

2) - الحشر 7.

لمسوا من ضرورة وأهمية، مع اختيار كل منهم ما يراه المنهج الامثل في الوصول إلی معرفة الحديث والاعتماد عليه.

وقد أكد الكتاب الكريم علی ضرورة التمسك بالسنة الشريفة في مواضع متعددة، منها قوله تعالی: (وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (1)، وكذا قوله تعالی: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ) (2)، كما بيّن الحاجة إلی التثبت والتأكد من خبر الفاسق والكذاب لاالحكم عليه بالبطلان من رأس، كما في قوله تعالی: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلي ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) (3)

ثم لا يخفي أنّ من يقف علی تاريخ تدوين الحديث الشريف يجد انعدام حركة تدوين الحديث عند أهل سنة الجماعة والخلافة، إذ الخليفة الثاني لم يكن مطلعا بالقدر المطلوب علی أحاديث رسول الله(صلي الله عليه و آله)، ولأجله واجه مشاكل عديدة مع الصحابة، فكانوا يذكرونه مرة بعد أخری بأحاديث رسول الله(صلي الله عليه و آله) وآيات الذكر الحكيم ويخطؤنه، وكانت هذه الظاهرة تؤدي إلی التشكيك في قدراته العلمية وصلاحيته للخلافة، فكان عليه أن يجعل نفسه مشرعا، فقام أولا بسد باب التحديث عن رسول الله(صلي الله عليه و آله)، فأمر الصحابة جمعاء - خلا جمع خرجوا عن طاعته - بأن يأتوه


1) - الزمر/33.

2) - التوبة/119.

3) - الحجرات/6.

بكتبهم وصحفهم فأحرقها بالنار، ومن ثم شرع الاجتهاد لنفسه ولغيره من بعض الصحابة وبدأ يمارس التشريع بنفسه، فسمع عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد، فصعد المنبر وأخذ بالقول: إذا اختلف اثنان من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فعن أي فتياكم يصدر المسلمون؟! لا أسمع رجلين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت(1).

وقد أنكر نفسه علی البعض لإفتائه من عند نفسه بقوله: كيف تفتي الناس ولست أميرا ؟! ولِّ حارّها من تولّي قارّها(2).

أجل، كان الحديث هو السبب الأول للوقوف أمام الخليفة، وكان المحدثون يزيدون في الطين بلة وفي الاختلاف شدة، ومن ثم تراه يصرح بجريمتهم - حين ما أراد حبسهم في المدينة عنده - بأنهم يكثرون ويعتمدون الحديث عن رسول الله(صلي الله عليه و آله).

فهذا الإكثار والإفشاء سوف يؤدي إلی توعية الناس، وهو لا يريد أن يعرف الصحابة والتابعون أحاديث رسول الله كي يقفوا بوجهه ويخطؤنه فيما يقوله؛ لأن ذلك سيؤثر علی قوام خلافته وملكه، ولكن الذي يعرفه من الحديث فلا مانع من تناقله والتحديث به، الا ما كان يعارض خلافته وسياسته من فضائل علی واهل بيته(عليهم السلام).


1) - المستصفي في علم الاصول للغزالي، بحث القياس، ص 296.

2) - المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج8، ص301.

ومن أجل هذا رأي أن لا محيص إلا أن يمنع من التحديث أولا، ويشرع الاجتهاد والرأي ثانيا، كي يكون أصلا ثالثا في التشريع الإسلامي.

فكان هناك اتجاهان :

أحدهما: يستوحي شريعته من النصوص ( القرآن والسنة ) .

والآخر: يعطي لاجتهاد الشيخين الشرعية باعتقاد أنهما أعلم من غيرهما !

وهذا الانقسام أخذ يزداد شيئا فشيئا بمرور الأيام، في حين لم نر له هذه الشدة في أوائل عهد الشيخين.

أما الاتجاه الذي يستوحي شريعته من الكتاب والسنة معا فقد تمثل في مدرسة اهل البيت(عليهم السلام)، حيث عمد صحابة النبي الاكرم وصحابة الائمة الاطهار(عليهم السلام) إلی جمع جميع ما روي من حديث النبي واهل بيته(عليهم السلام) ولم يثنهم ريب في بصيرتهم أو أزمة منع التدوين، ولم توقف همتهم تلك العواصف التي حاولت بدهائها أن تحجب نور الله عن العالمين (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (1)بل ازدادوا يقينا وإيمانا بأن الحظر المفروض علی التدوين سيلبس هذا الدين لباسا لا يمت إلی الاسلام بصلة، بل سيطمس حقائقه ومعالمه بمرور الزمن أو يلتبس علی كثير من أهل سنة الجماعة، وقد حصل فعلا فيما بعد .


1) - الصف/8

وقد ألّفوا - في قرابة ثلاثة قرون - أكثر من ستة آلاف وستمائة كتاب حفظت بأسمائها وأسماء مؤلفيها . وقد اشتهرت من بينها مجموعة من الكتب اشتهرت باسم ( الأصول الأربعمائة ) التي هي أربعمائة مصنف لأربعمائة مصنف من أصحاب الإمامين الباقر والصادق(عليهماالسلام).

وقد تميزت هذه الكتب الأربعمائة عن غيرها من مؤلفات الشيعة بمميزات كثيرة لعل من أهمها اجماع الامامية علی اعتبارها، وحيث لم تكن مؤلفات الشيعة اللاحقة بمثابة الأصول الأربعمائة في قوة السند والمستند قامت الاجيال اللاحقة من علماء الشيعة بإعمال دورهم في دراسة هذا التراث الثر والنظر فيه وتدقيقه وتحقيقه كل بحسب قدرته، فاجتهدوا في الوصول إلی الحق ما استطاعوا إليه سبيلا .

وقد كان لعملهم هذا الأثر البالغ و الملموس، حيث تركوا للأجيال اللاحقة كتبا كثيرة، قد بلغت من الاعتبار درجة يوجب الركون إليها والاعتماد عليها .

ثم ان من أشهر هذه المصنفات هي الكتب الاربعة للمحمدين الثلاثة رضي الله عنهم، وهي:

1 - كتاب الكافي: لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، المشتهر بثقة الاسلام الكليني(قدس سره) (329 ه ).

2 - كتاب من لا يحضره الفقيه: لأبي جعفر محمد بن علی بن الحسين بن بابويه القمي، المعروف بالشيخ الصدوق(قدس سره) (380 ه ) .

3 - كتاب تهذيب الأحكام (في شرح مقنعة الشيخ المفيد رضوان الله عليه): لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي(قدس سره)، المشتهر بشيخ الطائفة (460 ه ).

4 - الاستبصار فيما اختلف من الاخبار: لشيخ الطائفة(قدس سره) أيضا .

وهذه الكتب الأربعة هي أصح وأتقن وأضبط وأجمع كتب الحديث لدي مدرسة الامامية المحقة، وكتاب الكافي أشرفها وأوثقها وأتمها وأجمعها، لاشتماله علی الاصول من بينها وخلوه من الفضول وشينها، وكذا كتابي الشيخ ومن لا يحضره الفقيه، وهو ما يجعل لهذه الكتب أن تحتل موقع الصدارة بين كتب الحديث الأخري التي قد لا تقل عنها اعتبارا بالإضافة إلی وثاقة مؤلفيها وشهرتهم أيضا .

ولا يخفي ان كتب هذه المرحلة وعلي رأسها الكتب الأربعة ما فتئت مدار الدرس والتحقيق الطائفة ومعول الفقهاء ومرجع العلماء .

ثم بعدها يأتي دور سائر كتب الحديث سواء المتقدمة عليهم ككتاب سليم بن قيس الهلالي، وكتاب المؤمن للشيخ الجليل الاقدم الحسين بن سعيد الكوفي الاهوازي من اصحاب الائمة ابي الحسن الرضا وابي جعفر الجواد وابي الحسن الهادي(عليهم السلام)، وكتاب النوادر لشيخ القميين و وجههم الثقة أبي جعفر احمد بن محمد بن عيسي الاشعري القمي من أصحاب

الائمة المذكورين(عليهم السلام)، وكتاب المحاسن للشيخ الثقة العظيم أبي جعفر احمد بن محمد بن خالد البرقي (274 ه- ق)، وكتاب قرب الاسناد للشيخ الجليل ابي العباس عبد الله بن جعفر الحميري وكتاب الامامة والتبصرة من الحيرة لعلي بن الحسين بن بابويه القمي والد الشيخ الصدوق، وكتاب بصائر الدرجات للمحدث النبيل شيخ القميين ابي جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفار (290 ه- ق)، وكذا كتاب تفسير القمي للمحدث الاقدم علی بن ابراهيم القمي، وكتاب كامل الزيارات للشيخ الجليل ابن قولويه وغيرها من الكتاب المعتبرة عندنا...

ثم انه قد ظهرت في الآونة الاخيرة بعض الاصوات والتصرخات المنادية باسقاط الحجية عن هذا التراث العظيم، بل ذهب بعضهم إلی أنّ معظم هذا التراث الشريف مستورد من كعب الاحبار، واليهودية والنصرانية والمجوسية و ... ( أو ما يسمّيه بالاسرائيليات!!) جهلا وتجاهلا وتغافلا عن سلامة هذا الموروث الروائي المبارك، وهذه هي الطامة الكبري والمصيبة العظمي حيث نتيجتها هدم لاركان الدين والتشكيك بشريعة سيد المرسلين عليه وعلي آله صلوات المصلين، سواء التفت القائل إلی ذلك ام لا.

وفي هذا المقام تصدي سماحة شيخنا الاستاذ دام ظله للرد علی هذه الاقاويل واشبع البحث بالدلائل القرآنية والسنة النبوية، وهذا الكتاب يعتبر حلقة ضمن ابحاث من جهود لبيان وتثبيت العقائد الدينية بالدليل العلمي

والبرهان القاطع اضافة إلی اعطاء القوة الكافية للدفاع عن هذا التراث العظيم وللرد علی الشبهات التي تثار حوله بين الفينة والاخري.

والله اسأل وببركة هذا التراث العظيم والرفيع عنده أتوسل أن يجعل هذا الجهد ذخرا لشيخنا الأستاذ دام ظله و لي يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتي الله بقلب سليم، وأن يحسبه من العلم الذي لا تخبو اعلامه ولاينقطع أثره، وصلي الله علی نبينا محمد وآله الكرام.

إحسان الشيخ محمّد حسين المظفّر

قم المقدسة - غرة صفر المظفر سنة 1435ه-


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلي الله علی سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

واللعن علی أعدائهم أجمعين

الحلقة الأولي: (عرض متشابهات القرآن والسنة علی المحكمات)

لا يخفي أنّ بعض الحداثويين والمتفلسفين يشعرون بثقل النصوص المنسوبة لأهل البيت (عليهم السلام)، حيث يدعون بأنّها تقوم بتشويه العقل الشيعي!! وكذلك في مسألة حكومة القرآن علی الروايات، في أنّ هل هذه الحكومة هي لظاهر القرآن أم لباطنه؟ فإن كانت لظاهره فلا حاجة حينئذ بفقيه يفسر لنا الروايات ويستظهر منها ما هو الصحيح، بل يقوم الشخص نفسه بقراءة وفهم النصوص، وإن كانت لباطنه فالباطن بحاجة إلی التفسير والتأويل ويأتي حينئذ دور الحديث، وهو يستلزم الدور الباطل.

ولقد ذكرنا تفصيل الحال في "الجزء الأول" من كتابنا (الإمامة الإلهية)، ونشير ههنا إلی نبذة ملخصة :

1- إنّ مجموع محكم القرآن ومحكم السنة يعرض عليهما متشابه القرآن ومتشابه السنة، بل مجموع محكم القرآن ومحكم السنة ومحكم العقل (أي

البديهيات الواضحة) وكذلك محكم الوجدان (أي بديهيات الضمير والفطرة العيانية) يعرض علی مجموع متشابه الاربعة.

2- إنّ محكم كل من هذه الأربعة له درجات وطبقات، وكذلك المتشابه منها، فهما أمران نسبيان بلحاظ نسبتهما إلی درجة فهم كل شخص وقدرة إدراكه وقوة عقله ودرجة سعة علمه ومساحة معلوماته، وكما لا يخفي فإن البشر متفاوتون جداً في هذه الطبقات والدرجات.

3- من ثم نري اختلاف الظاهر والمحكم والمتشابه من شخص إلی آخر(1)، فعلي سبيل المثال إنّ موازين علم الرياضيات ثابتة ولكن قدرات البشر علی إعمال تلك الموازين واستثمارها والإستنتاج منها متفاوتة ومختلفة، فالمتخصص يفهم ما لا يفهمه غيره.

4- ومن ثم يتفاوت الظاهر والباطن (أي ظهور وخفاء علم الرياضيات مثلا) من شخص إلی آخر بحسب قدرته وقوته، فإذا كان هذا حال العلوم البشرية فما بالك في القرآن الكريم؟! لا سيّما وإنّ حجم المعلومات فيه لامتناهية من بحر الملكوت والغيب الوحياني، فهو كتاب إلهي لا بشري اعتيادي.

5- ومن ثم ورد أنَّ العترة والقرآن وجهان لحقيقة واحدة، إذ الكتاب الإلهي يحتاج إلی معلم إلهي، وإذا كان الكتاب البشري في علم الرياضيات -


1) - وإن لم يستلزم ذلك نفي الموازين الثابتة للإستنتاج والإستظهار، وإنما ينفي تساوي قدرة البشر علی إعمال تلك الموازين.

مثلاً - يحتاج إلی معلم بشري فكيف بكتاب رب العالمين لا يحتاج إلی معلم منصوب من قبل رب العالمين؟ وقد بعث في الأميين (وهم كل البشر) رسولاً يعلمهم الكتاب.

6- إنَّ معية الثقلين -تنزيل الكتاب والحديث- إحدي مراتب الثقلين، فإنّ للثقلين مراتب، فكلما تصاعدا أصبحا شيئاً واحداً، فمن ظن أنَّ القرآن مرتبة واحدة فقد ضل عن هذه الحقيقة وهي: أنَّ القرآن ذو مراتب غيبية ملكوتية وتأويلية ولا سبيل إلی التمسك بها إلا عن طريق معية العترة.


الحلقة الثانية: (المحكمات و المتشابهات في الكتاب الالهي)

1- لقد أكّد القرآن الكريم علی ضلالة وفتنة من يزعم التمسك بالقرآن وحده، قال تعالی: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) (1)، فمن لم يؤمن بأن للقرآن تأويلاً فقد كفر وضلّ، ومن لم يسلم بأنّ التأويل محصور علمه بالله والراسخين في العلم فقد كذّب القرآن الكريم.

2- ثم قد حصر القرآن الكريم الوصول إلی المكنون من حقائقه العلوية الغيبية بالذين شهد القرآن لهم بالتطهير الإلهي، فقال في سورة الواقعة بعد ذكر قسم الله تعالی بأنّ القرآن الكريم في كتاب مكنون: ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) (2)، وقال تعالی: (أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ. وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) ، وقال: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) .


1) - آل عمران - 7.

2) - الواقعة -78-79.

3- فلاحظ آية (آل عمران ) وكذا آية (الواقعة ) الدالتين علی مضمون

حديث الثقلين ومعيتهما، وأنّ القرآن الكريم ككتاب إلهي أكثر مراتبه غيبية ملكوتية لا يمكن الوصول إليها ولا مسها من قبل فقيه ولا مفسر عالم ولاعارف واصل... إلا أهل البيت(عليهم السلام) الذين شهد القرآن بطهارتهم.

4- وعلي ضوء ذلك فلا يكون تفسير العلماء المفسرين والحكماء والمتكلمين وغيرهم بديلاً عن حديث المعصومين من أهل البيت النبوة (صلوات الله وسلامه عليهم).

5- لاشك في أنَّ القرآن الكريم لا تنتهي كلماته،قال تعالی: (وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ) فهو كلام إلهي غيبي ملكوتي لا متناهي، فلا يكون في قدرة البشر الإحاطة به، لا من قبل الملا صدرا ولا صاحب تفسير الميزان ولا الميرزا علی القاضي ولا ابن عربي ولا.. ولا.. بل لا يحيط باللامتناهي من القرآن إلا الذين شهد لهم القرآن أنهم يمسونه؛ لأنه كتاب إلهي، فيحتاج إلی معلم إلهي منصوب من الله وهم أهل البيت(عليهم السلام).

6- وقد أخبرني الشيخ العلامة السيفي المازندراني حفظه الله أنه سأل صاحب تفسير الميزان - في أواخر عمره عن أفضل تفسير للقرآن الكريم فأجاب: (تفسيرا القمي والعياشي)، فسأله الشيخ: وماذا عن تفسير الميزان؟! فأجابه السيد محركاً يده كالمستخف بكتابه الميزان قياساً ومقارنة بالتفسير الحديثي الروائي لأهل البيت(عليهم السلام) وأنه لا يقاس بالثقلين شيء من كلام البشر المفسرين.

الحلقة الثالثة: (الكتاب والعترة حبلان أم حبل واحد؟)

1- أنظر إلی الحديث النبوي المعجز "الثقلين" حيث فقد وصفهما رسول الله بحبل ممدود، فطرف منه عند الله تعالی وطرف منه عند الناس، حينئذ يقع التساؤل لفهم جوامع الكلم الذي أوتيه سيد الأنبياء(صلي الله عليه و آله) لماذا وحد الحبل وليس حبلان؟! ثم لماذا التشبيه بالحبل؟ ثم لماذا منعوتاً بأنه ممدود؟ ولماذا ليس ملفوفاً؟ إنَّ هذه تنبيهات ليست الا لأجل التنبيه والتنويه والعظة في ما جائت له وهي أنّ خط الاتصال بين الأرض والسماء هو خط واحد لا خطان وهو خط أهل البيت(عليهم السلام)، وان القرآن الكريم في تصاعده من الأوراق وتنزيل الكتاب إلی الأعلي يتحد مع حقيقة أهل البيت(عليهم السلام) ويكوّنان حقيقة واحدة وحبل متصل وسبب بين الأرض والسماء.

2- ثم يتضح لنا من التصوير المرسوم في الحديث النبوي بالحبل أنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم القرآن الناطق، وليس أوراق التنزيل والمصحف الشريف، فإنها القرآن صامت.

3- لاحظ ان هذه الملحمة المعرفية قد سجرت لها حرب صفين بتحمل ضريبة عالية ! لماذا هذا كله؟ إنه جاء لكي يبرز الباري (عز وجل) هذه

المعادلة النورية وهي أنّ القرآن الناطق المحكم هو علی بن ابي طالب(عليه السلام)، وليس المصحف الشريف المقدس، فهذه الفتنة قد صحصحت الامة ببصيرة خالدة وميزان دقيق.

4- ثم لا يخفي أنّ هذه المعادلة ذات طبقات ودرجات، فإذا قيس مقارنة بين شخص الإمام(عليه السلام) والمصحف الشريف فإنّ القرآن الناطق هو المعصوم(عليه السلام) لا المصحف الكريم، وأما إذا قيس الكلام المكتوب للإمام فإن الحديث إمام صامت لا ناطق، فمن ثم كان الثقلان ذا طبقات، ومعيتهما كذلك ذو درجات وطبقات.

5- من ثم تري وصف القرآن الكريم في كثير من النصوص بالثقل الأكبر، في حين تجد ورود نفس الوصف لأهل البيت الكرام(عليهم السلام)، ولا تنافي بينهما كما هو ظاهر، حيث إنَّ كل طبقة منهما إذا قيست مع الطبقة النازلة من الآخر كان الأول ثقلاً أكبر والآخر أصغر والعكس بالعكس، وقد أوردنا الأحاديث في وصف كل منهما بالثقل الأكبر والآخر منهما بالأصغر والعكس في الجزء الثاني من كتابنا (الإمامة الالهية) وبيّنا وجه الجمع بينهما والسبب في تعدد الوصف، فراجع.


الحلقة الرابعة: (التأويل عند أهل التطهير)

1- إننا نجد القرآن الكريم يرجع تأويل معانيه إلی الراسخين في العلم، وذلك في آيات متعددة، منها قوله تعالی: (وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) (1)وكذلك قوله عزّ من قائل: (بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (2)، ولا يخفي علی القارئ الكريم أنّ هذه الآية الأخيرة من الآيات الدالة علی معيّة الثقلين وعدم افتراقهما.

2- إنَّ إرجاع تأويل القرآن وتبيانه إلی الثقل الآخر يتجلّي لنا في قوله تعالی: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (3)وقوله تعالی: (وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ) (4)وغيرها من الآيات، فهي مسؤولية لا يقوم بها إلا رسول الله(صلي الله عليه و آله) ومن ينصبه الله تعالی لذلك، فهي مسؤولية السماء حيث الكتاب سماوي، ومسؤولية الغيب؛ لأنه كتاب غيبي.


1) - آل عمران: 7.

2) - العنكبوت : 49 ، بل هو: أي القرآن كله.

3) - القيامة : 19.

4) - البقرة : 129.

3- ثم إنَّ معظم هذا الحبل متصاعد إلی الله وليس أمره بيد الناس، وإن كان طرفاً يسيراً منه بيد الناس، ومقام العندية لله الذي للطرف الآخر فهو إنما يمسه المطهرون أهل البيت(عليهم السلام)، فمن ثم كان تبيانه وتأويله عندهم وهو شطر لا متناهي كما وصف القرآن نفسه انه لا متناهي، لا ككتب البشر الأرضية المتناهية.


الحلقة الخامسة: (عرض الكتاب علی الحديث أم العكس ؟)

1- قد يتساءل بما أنّ القرآن الكريم أرجع تبيانه وتأويله إلی أهل البيت(عليهم السلام) فكيف أهل البيت أنفسهم أرجعوا الميزان في صحة الحديث وسقمه في العرض علی القرآن الكريم، أليس هذا تدافعاً ودوراً؟!

فنقول: إنَّ الجواب هو ما تقدم من أنَّ المحكم من الكتاب والسنة يعرض عليه المتشابه من الطرفين، بل المحكم من الكتاب والسنة والعقل والوجدان يعرض عليه المتشابه من الأربعة، حيث إنَّ العقل فيه محكمات وهي دائرة البديهيات، وكذلك فيه متشابهات وهي الأمور النظرية، وكذلك الوجدان وهو الإدراك العياني، فإن الفطريات منه هي المحكمة والمشاهدات الحادثة فمتشابهة.

2- ثم نأتي إلی مرحلة أخری وهي أنَّ المحكم من هذه الأربعة الآنفة الذكر أيضاً ذو طبقات ومراتب، فإن فوق كل محكمٍ طبقة محكمٌة مهيمنة عليها والطبقة التحتانية تعتبر متشابهة بلحاظ ما فوقها وإن كانت محكمة بلحاظ ما دونها،فلو لاحظنا آيات القرآن الحكيم نجدها تجعل الحس البصري متشابها في قبال الوحي الالهي، وذلك في قصة قتل نبي الله عيسي(عليه السلام):

(وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً) ، ولأجل هذا تجد الفخر الرازي وقع في حيص وبيص، واستغرب من تشكيك القرآن الكريم في حجية الحس.(1)


1) - قال الرازي في مفاتيح الغيب: إعلم أنه تعالی لما حكي عن اليهود أنهم زعموا أنهم قتلوا عيسي(عليه السلام) فالله تعالی كذبهم في هذه الدعوي وقال: (وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ).وفي الآية سؤالان:السؤال الأول: قوله شُبّهَ مسند إلی ماذا إن جعلته مسنداً إلی المسيح فهو مشبّه به وليس بمشبه وإن أسندته إلی المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر.والجواب من وجهين:الأول: أنه مسند إلی الجار والمجرور وهو كقولك خيل إليه كأنه قيل ولكن وقع لهم الشبه، الثاني: أن يسند إلی ضمير المقتول لأن قوله: (وَ ما قَتَلُوهُ) يدل علی أنه وقع القتل علی غيره فصار ذلك الغير مذكوراً بهذا الطريق فحسن إسناد شُبّهَ إليه.السؤال الثاني: أنه إن جاز أن يقال أن الله تعالی يلقي شبه إنسان علی إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة فإنا إذا رأينا زيداً فلعله ليس بزيد ولكنه ألقي شبه زيد عليه وعند ذلك لا يبقي النكاح والطلاق والملك موثوقاً به، وأيضاً يفضي إلی القدح في التواتر، لأنّ خبر التواتر إنما يفيد العلم بشرط انتهائه في الآخرة إلی المحسوس، فإذا جوّزنا حصول مثل هذه الشبهة في المحسوسات توجه الطعن في التواتر، وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع، وليس لمجيب أن يجيب عنه بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنا نقول: لو صح ما ذكرتم فذاك إنما يعرف بالدليل والبرهان، فمن لم يعلم ذلك الدليل وذلك البرهان وجب أن لا يقطع بشيء من المحسوسات ووجب أن لا يعتمد علی شيء من الأخبار المتواترة، وأيضاً ففي زماننا إن انسدت المعجزات فطريق الكرامات مفتوح وحينئذ يعود الاحتمال المذكور في جميع الأزمنة. وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر والطعن فيه يوجب الطعن في نبوّة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهذا فرع يوجب الطعن في الأصول فكان مردوداً. والجواب: اختلفت مذاهب العلماء في هذا الموضع وذكروا وجوهاً:الأول: قال كثير من المتكلمين إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله تعالی إلی السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم، فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبسوا علی الناس أنه المسيح والناس ما كانوا يعرفون المسيح إلاّ بالاسم لأنه كان قليل المخالطة للناس وبهذا الطريق زال السؤال لا يقال إن النصاري ينقلون عن أسلافهم أنهم شاهدوه مقتولاً لأنا نقول إن تواتر النصاري ينتهي إلی أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم علی الكذب.والطريق الثاني: أنه تعالی ألقي شبهه علی إنسان آخر ثم فيه وجوه:الأول: أن اليهود لما علموا أنه حاضر في البيت الفلاني مع أصحابه أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه يقال له: (طيطايوس) أن يدخل علی عيسي(عليه السلام) ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله عيسي(عليه السلام) من سقف البيت وألقي علی ذلك الرجل شبه عيسي، فظنوه هو فصلبوه وقتلوه.الثاني: وكلوا بعيسي رجلاً يحرسه وصعد عيسي(عليه السلام) في الجبل ورفع إلی السماء وألقي الله شبهه علی ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول: لست بعيسي.الثالث: أنّ اليهود لمّا همَّوا بأخذه وكان مع عيسي عشرة من أصحابه فقال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقي عليه شبهي؟ فقال واحد منهم: أنا ! فألقي الله شبه عيسي عليه، فأخرج وقتل ورفع الله عيسي(عليه السلام).الرابع: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسي(عليه السلام) وكان منافقاً، فذهب إلی اليهود ودلَّهم عليه، فلما دخل مع اليهود لأخذه ألقي الله تعالی شبهه عليه فقتل وصلب.وهذه الوجوه متعارضة متدافعة ، والله أعلم بحقائق الأمور.

الحس يقين وظن:

بل إنَّ القرآن الكريم يعبر عن الحس في مثل المقام بالظن، وهذا كما تري من الظرائف والنكات العلمية الدقيقة في مفاهيم آيات الذكر

الحكيم،حيث ما وصف الحس بأنه ظن إلّا لأجل أنه صوعد به إلی درجة أعلي من مستواه، فحينئذ يعبر عنه بأنه تمسكٌ بالظن.

ثمّ يعقب القرآن الكريم ب- (إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) (1)(وَ قَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَي ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً) (2)فالقرآن الكريم سماه اتّباعاً للظن مع أنهم رأوه بامّ أعينهم مقتولًا مصلوباً، نعم الحس يقين ضمن دائرته المحدودة، وأما لو حاولنا توسيع هذه الدائرة لنتمسك بالحس في تلك الدائرة الوسيعة فحينئذٍ يكون التمسك تمسكاً بالظن وليس تمسكاً باليقين.

وبمثال آخر: لو كان عندنا مصباح ذو درجة (100 واط) فإذا أريد له أن يضيء فإنّ إضاءته في دائرته المحدودة إضاءة جيدة يمكن أن تستعلم الأشياء في ضمن تلك الدائرة بذلك الضوء، أما إذا أريد له أن يضيء مساحة أكبر ودائرة أوسع فإنّ نوره يكون متشابكاً مع الظلام، فيضعف نوره ويصير كالظلمة، فالاستصباح بما ليس ذا قوة شديدة لا يري إلّا مساحة قريبة، أما البعيدة فلا، ونفس النور يلبس ويشبه الأشياء في البعد الشاسع والدائرة الأوسع، بل في دائرته المحدودة أيضاً لو اريد به للأشياء النواعم الظريفة.


1) - النجم: 28.

2) - النساء: 157.

إذاً المتشابه في المفهوم القرآني للحجج ليس بمعني أنّ الشيء بما هو هو

ليس بحجةٍ، وليس الظن المريب بالمفهوم القرآني وأن الشي بما هو هو ليس بيقين، إنما الشيء في نفسه ليس بحجة أو ليس بيقين إذا كان التمسك به في مقابل حجة أقوي منه فيكون ظناً ويكون متشابهاً أي يجعل الحقائق متشابهة، كما أنّ النور الضعيف يشبه الأشياء عندما يستضاء به في طريق يحتاج لنور قوي لنفس النكتة وهي الحفاظ علی تراتبية الحجج.

3- انظر كيف يصف الكتاب الكريم بأن التمسك ببعض ما أنزل منه موجب للضلالة والزيغ من رغم كونه قرآناً، قال تعالی: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) ، إذن ينادي القرآن الكريم بأن التمسك بالمصحف دون الحديث زيغ وفتنة وضلالة، وهذا مما يبرهن ضرورة معية الثقلين .

4- إنَّ هذه المعية بين الثقلين ضرورية في كل طبقات الثقلين حتی يتصاعدان إلی الله تبارك وتعالي، ألا تري قول النبي(صلي الله عليه و آله): وإنهما لن يفترقا حتی يردا علی الحوض.

5- إن السبب في معية الثقلين ليس لاختلاف حقيقتهما، حيث التشعب ليس الا في قوس النزول، والا فهما حقيقة واحدة في الطرف العلوي، ومن ثم نري وصف النبي(صلي الله عليه و آله)في حديث الثقلين عنهما بالحبل الواحد، وإنَّ السبب في ضرورة معيّتهما هو قصور البشر عن استيعاب

اللّامحدود من الكتاب، وسيأتي أوصاف اللّامحدود الذي ذكرته السور القرآنية، فمع كونه لا محدوداً ولا متناهياً ولا يحيط الإنسان المحدود في علمه وإدراكه وفهمه مهما تشدَّق بعلم التفسير فإنّ المعلومات محدودة قليلة، فكيف يحيط باللّامحدود من القرآن؟


الحلقة السادسة: (إحاطة أهل الذكر بالذكر الحكيم)

1- نجد أنّ القرآن الكريم ككتاب الهي يصف نفسه بأوصاف لامحدودة ولا متناهية، كقوله تعالی: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (1). وكذا قوله عز من قائل: (وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ) (2)، ومثل أوصاف الكتاب المبين انه مستطر فيه كل غائبة في السماء والأرض: ( وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ) (3)، وأيضا قوله تبارك وتعالي: (وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ) ، وقوله تعالی: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) ، أي كل القضاء والقدر في أم الكتاب، بل لوح المحو والإثبات الأوسع من القضاء والقدر في أم الكتاب.. وغيرها من الأوصاف الهائلة العظيمة للقرآن


1) - الكهف : 109.

2) - لقمان : 27.

3) - النمل : 75.

والكتاب، فهل يتمكن مفسر من المفسرين من كتابة تفسير يحيط بقطرة من هذا البحر الطمطام المحيط بكل الغيب؟! ومن ثم لا يتمكن من ذلك إلا من لديه ارتباط إلهي وهم المطهرون الذين شهد لهم القرآن بانهم يمسونه . فأي إنسان له مسكة وذرة عقل يدعي التفرد بالمصحف لينال الطبقات الغيبية في الكتاب؟!

2- ومن ثم أوضح القرآن النسب الروحي للنبي(صلي الله عليه و آله) وأهل بيته(عليهم السلام) في سورة القدر، حيث رسم ارتباطهم بالسماء وما عند الله تعالی بتوسط نزول الروح الأمري الذي يتنزل ليلة القدر، بل كل جمعة، بل كل يوم، بل كل لحظة عليهم بحسب اختلاف مراتب التنزل.

قال تعالی في سورة النحل: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) ، وهو هوية القرآن التي ذكرت في سورة الشوري: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) ، وههنا اللفظ أيضاً (مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) وليس (من أنبيائنا ) ، فهم عباد بعد سيد الأنبياء يورثهم الله الروح الأمري الذي هو الحقيقة الغيبية للقرآن الكريم، وفيه كل شيء وسبب متصل من الأرض إلی السماء إلی مقام العندية والقرب الإلهي.

ثم قد صرح الباري تعالی بأنهم يمسون القرآن في الكتاب المكنون، وهو مفاد سورة فاطر: (وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ. ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا

مِنْ عِبادِنا) .

إذن هناك عباد مصطفون مطهرون بعد سيد الأنبياء أورثهم الله تعالی علم الكتاب الذي هو روح أمري من عالم الأمر وعالم الإبداع (كن فيكون)، فهذا الروح يستطر فيه كل غيب من العرش إلی الفرش ويغرز في نفس النبي(صلي الله عليه و آله) ، ثم في روح أهل البيت(عليهم السلام)، فأي مفسر يستطيع أن ينازعهم في تفسير وتبيان وتأويل الكتاب المبين؟! هيهات ثم هيهات! تمنيهم أنفسهم محالاً خبالاً.


الحلقة السابعة: (حفظة الكتاب الكريم)

1- إنَّ امتناع الإحاطة بالقرآن الكريم ليس ممتنعاً علی المفسّر البشر علی صعيد المراتب الغيبية فحسب، بل الامر كذلك في الإحاطة المحكمة بالمصحف وظاهر القرآن أيضاً، حيث لا يمكن ولا يتسنّي لبشر أن يحيط به؛ وذلك لأنّ الآيات القرآنية تقرب من سبعة آلاف آية الا بقليل، وكل آية تحتوي علی جمل عديدة كل جملة منها بمثابة المعادلة العلمية، فإذا أردنا إحصاء المعادلات العلمية في القرآن الكريم لبلغت عشرات الآلاف من المعادلات، ثم النسبة بين المعادلات العلمية يتصاعد ضريبه إلی عدد يخرج عن قدرة العقل البشري أن يحيط به، مع أنَّ موازنة هذه النسب والتناسبات دخيلة في استخراج المراد والمعني المقصود في الآيات، فكيف لعالم فيلسوف أو متكلم أو عارف مرتاض أو لعالم باحث أن يدعي الاحاطة بكل هذه المعادلات والنسب بينها، إلا الذين شهد لهم القرآن أنهم يمسون الكتاب، فإذا لم يمكن للبشر الاحاطة التامة بظواهر كلمات القرآن، فكيف يمكن إدعاء الاحاطة به بدون الاستعانة بحديث أهل البيت(عليهم السلام)؟!

وربما يتساءل بأن لازم ذلك تعطيل الكتاب والقرآن وإبهامه عن الفهم

بالمرة من رأس؟

والجواب: إنَّ شأن القرآن الكريم كشأن العلوم الأخري، فعلماء الرياضيات لا يحيطون بكل ابعاد هذا العلم، بل ليس ما توصلوا إليه في علوم الهندسة و الرياضيات إلا كقطرة في محيطات بحور هذا العلم، ومن ثم بشهادة كل وجدان عاقل لن يقف الطريق أمام البشرية لاكتشاف اسرار الرياضيات مهما تواصلت جهودهم، حيث المسيرة العلمية لأبحاث البشر لايمكن أن تقف، ومع ذلك كله فإنه لا يدعو لتعطيل العمل بالمقدار المعلوم.

2 - ومن ثم أجمعت الإمامية المحقة علی أنَّ الحافظ للمصحف لا يمكن أن تكون قدرة حسه بقدرة سائر البشر؛ لأنَّ قدرة الحس محدودة ولا تحيط بأمر وحياني، فالمصحف الكريم لا يمكن أن يظل وحيانياً بقدرة التواتر الحسي للمسلمين، بل لابد أن تكون هناك قدرة وحيانية تحفظ الوحي، وإلا لعاد تنزيل المصحف كتاباً تاريخياً بشرياً، وهذا ما امتازت به الإمامية عن كافة المسلمين بل حتی عن اليهود والنصاري، فكل إجماع للبشر لاقيمة له بدون الإمام؛ لأن حسهم يتطرق إليه آلاف الآفات والأخطاء، وتنزيل المصحف ككتاب وحياني لا مجرد صيانة حسية صرفة، بل ... (إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ) (1).


1) - الحجر : 9.

الحلقة الثامنة: (مغالطة شعار إسلام القرآن)

1- إنَّ شعار "إسلام القرآن" أو "إسلام المصحف" ينطوي علی مغالطة نظير المغالطة التي ينطوي عليها شعار "حسبنا كتاب الله" فإن "إسلام القرآن " أو "إسلام المصحف" حسب هذا الزعم هو الإسلام الذي يستنبطه أي شخص بحسب قدرته وفهمه البشري استعانة بقدرته المحدودة لفهم المصحف، فهل النتاج والناتج حينئذ لا يكون إلا محدودا وقاصرا؟ فكيف نسميه ونطلق عليه إسلام القرآن؟! أي الإسلام الذي يشيده القرآن بكل ترامي أطرافه اللا متناهية، وإن "هذا الدين متين" أي عميق وفوق كل ذي علم عليم.

فكيف يدّعي أنَّ هذا إسلام القرآن بقضه وقضيضه وبكل أبوابه ودعائمه المهيمن علی التوراة والإنجيل وعلي كل الكتب السماوية الذي لم يتحمل بعضه النبي موسي(عليه السلام) مع الخضر، كيف نطلق علی هذا الإسلام - المستنبط الإجتهادي البشري المحدود المعرض للخطأ والقصور- انه إسلام القرآن؟! أليس هذا خداعاً للبسطاء وتلبيساً علی السذج؟! أين هو إسلام القرآن؟ وعند من؟! ومن لديه القدرة للوصول اليه ؟!.

2- ومن ثم كان شعار "حسبنا كتاب الله" شعار خداع وشعار تلبيس

وتدليس وتحايل، فهل ينفك الكتاب عن أهل الكتاب المطهرين الذين يمسونه... ؟

وهذا هو نظير دعوي تفسير القرآن بالقرآن، فإنه كما تري ليس الا تفسير القرآن بجهد بشري ظني قد يخطأ وقد يصيب ،استعانة بالقرائن التي يقف عليها المجتهد بحدود فهمه البشري من القرآن، لا أنَّ القرآن الوحي ينطق ويفسر المصحف الصامت بنفسه.

ولا يخفي أن الخداع في العناوين هو مزلة الأقدام وسبب للزيغ المنهجي، وهذا ما حذر منه القرآن الكريم من الاستبداد بالمصحف دون الراسخين في العلم المطهرين الذين اصطفاهم الله واورثهم علم الكتاب بعد النبي(صلي الله عليه و آله) .

فأي شعار يرفع كمنهاج لفصل الثقلين والاستبداد بأحدهما دون الآخر فهو شعار كاذب خادع مدلس؛ لأنهما لا ينفكان بنص القرآن وبنص السنة القطعية للنبي(صلي الله عليه و آله) وأهل البيت(عليهم السلام). فترك ومتاركة أحدهما ترك للآخر، استشعر صاحب الإدعاء بذلك أم لم يشعر، وهذه المعية التي أخبر عنها القرآن كما مر بنا في سور عديدة وأخبر بها النبي(صلي الله عليه و آله) في حديث الثقلين المتواتر وغيره، وأنهما لن يفترقا حتی يردا علی الحوض.

2- هذه المعية وعدم الافتراق والتلازم ليس اعتباريا أدبياً بل هي حقيقة تكوينية قاهرة دامغة لا يرقي إليها طير العقل البشري وينحدر منها سيل الحقائق، ومن ينسلخ من هذا الصراط يهوي إلی هاوية سحيقة لاخلاص له

من الدرك، وهذا ليس شعاراً بقدر ما هي حقيقة كؤودة لا يتجاوزها أحد عبر تاريخ الإسلام.

3- وقد تقدم في الحلقات السابقة الإشارة إلی أنَّ هذا المصحف الشريف المقدس لا يحيط بكل معادلاته ونسبها فيما بينها اللا متناهية قدرة بشر فضلا عن طبقات القرآن الغيبية كأم الكتاب والكتاب المبين و.. و.. والتي هي غير منحصرة بالمصحف الشريف.. فأين للمدعي بشعار "حسبنا كتاب الله" وإسلام القرآن لا إسلام الحديث القدرة علی التمسك بالمصحف كله؟ فضلا عن قدرته علی التمسك بطبقات الكتاب الغيبية التي لا ينالها وهمه ولا عقله، فأي إسلام يرفع شعاره هذا المدعي؟؟! ومن ثم كان القرآن الناطق هم أهل البيت(عليهم السلام) الناطق عن المصحف القرآن الصامت لا غيرهم.


الحلقة التاسعة: (شبهات وردود)

(حب علی حسنة لا يضر معها سيئة و بغض علی سيئة لا ينفع معها حسنة )

قد قيل إنَّ قوله تبارك وتعالي: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَ لا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً) (1)يعارض حديث:

( حب علی حسنة لا يضر معها سيئة و بغض علی سيئة لا ينفع معها حسنة ) (2)،

ويظهر أنَّ القائل هذا لم يبصر عشرات ايات والأدلة الأخري...

منها: قوله تعالی: (وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوي إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحي) (3)، فلو لم نقف علی مخصص من ايات القرآنية للعموم القراني نظير: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) إلا الحديث النبوي فما المانع من تخصيص العموم الوحياني القرآني أو تفسيره بالوحي النبوي أو العلوي؟ وذلك بمقتضي آية التطهير وكذا آية الواقعة: (لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) (4)وآية العنكبوت: ( بَلْ هُوَ5 آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ


1) - النساء : 123 .

2) - كتاب الاحتجاج .

3) - النجم - 3،4.

4) - الواقعة : 79.

أُوتُوا الْعِلْمَ) (1)، فليس فيه متشابه لديهم بخلاف غيرهم، كما هو الحال في العموم، فإن دلالته متشابه نسبي بالإضافة وبالقياس إلی الخاص، وغيرها من ايات الدالة علی وحيانية العلم اللدني عند آل محمد(عليهم السلام)، فأي مرخّص لطرح هذه ايات يلزم اتباع النبي(صلي الله عليه و آله) واتباع آله(عليهم السلام) لعموم آية أخري؟

أنؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض؟!! أم نجعل القرآن عضين؟!! أم أنَّ القرآن كله منظومة واحدة يشهد بعضه لبعض..؟؟!! فمع حجية تخصيص وتفسير الكتاب بالسنة فأي مسوغ لإنكار ذلك والكفر به؟!! أو لم يأمرنا وينادينا القرآن الكريم بأنّ من آياته متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم؟! فلماذا نعصي القرآن باسم التمسك بالقرآن؟! أو ليس العموم القرآني دلالته وسريانه إلی كل أفراده ليس بالنص والصراحة كما حرر في علم الأصول وعلم البلاغة ؟! فأين الأصول العلمية في البحث والتحقيق؟؟!! ولا غرابة في ذلك، فإذا تاه المرء عن اتباع المطهرين فسيتبع الهوي والجهالة.

وثانيا: إنَّ حجية ذات النبي(صلي الله عليه و آله) أصل لحجية القرآن الكريم، وعلي ضوء ذلك فكيف لايخصص ولا يفسر الحديث النبوي اي القراني؟!


1) - العنكبوت : 49.

وفيما يلي إشارة إلی بعض الآيات الدالة علی هذا المعني :

لاحظ قوله تعالی في مطلع بعض سور القرآن الكريم، حيث يقدم الباري تعالی اسمَه(صلي الله عليه و آله) علی اسم القرآن الكريم نظير (يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) (1)ثم إنَّ في جل السور التي تبدأ بالحروف المقطعة عطف اسم الكتاب أو القرآن الكريم علی وجوده(صلي الله عليه و آله)، ولا يخفي أنَّ في هذا الترتيب الذكري إشارة إلی المراتب العلوية في وجوده الشريف وليس علی سبيل الصدفة والعبط، ونظير ذلك قوله تعالی: (طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقي) (2)

وكذلك قوله تعالی احتجاجاً لحجّية القرآن علی الكافرين بمكانة ومقام النبي(صلي الله عليه و آله) وصفاته المكرمة: (أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ) (3)، من ثمّ نري في حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين قوله(صلي الله عليه و آله):

"إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي ... ولَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّي يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْض"،

فبيّن(صلي الله عليه و آله) أنَّ الثقلين ينطلقان منه وإليه يردّان، مما يدلّل علی هيمنته علی الكتاب والعترة وأنَّه (صلوات الله وسلامه عليه وآله) الخاتم الفاتح.


1) - يس 1 - 2.

2) - طه 1 - 2.

3) - المؤمنون 68 - 70.

ثالثا: الطائفة الواعدة بتكفير الذنوب الصغائر أو مطلقاً مع توفر شرائط معينة:

1- كقوله تعالی: (وَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَي * اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ) (1)فوعد تعالی بعدم الجزاء علی اللمم الصغائر مع اجتناب الكبائر والفواحش.

2- قوله تعالی: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) (2)، فوعد تعالی بتكفير السيئة وعدم الجزاء بها في هذا الحال، وأي تناقض بين الإطلاق والتخصيص؟! فالقائل هذا لا يتذكر أبجديات علم أصول الفقه بسبب هيجانه العاطفي.

3- قوله تعالی: (وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ) (3)، فهنا لم يقيد التكفير بالصغائر بل شامل للكبائر مع الإيمان وتعقب العمل الصالح، وقد قرر بأدلة قرآنية وروائية متواترة وعقلية ركنية حب علي(عليه السلام) وولايته في الإيمان، فتطابق هذا الحديث المروي عند الفريقين مع نص الآية، ونجد التعصب الشديد البعيد عن


1) - النجم 31 - 32.

2) - النساء 31.

3) - العنكبوت 7.

التوازن في البحث والمنطق لدي القائل هذا ونستجير بالله من سوء الخطل.

رابعا: ما دل من ايات علی تبديل السيئات حسنات وذلك انه يوفقه الله تعالی للتوبة بسبب الإيمان، فالإيمان لا يضر معه شيء؛ لأنه يوفق بسبب الولاية للتوبة، فمن ثم حبّ علي(عليه السلام) وولايته حسنة لا يضر معها شيء، كما في قوله تعالی: (إِلاّ مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (1)،

وكقوله تعالی: (وَ إِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدي) ، فبيّن تعالی أنّ الإيمان والهداية تعقب الإنسان والشخص توبة واقداماً علی العمل الصالح.

فالمؤمن بنص هذه الايات لا تضره السيئة فقط بل تتبدل سيئاته إلی حسنات؛ وذلك لأن الإيمان بولاية علي(عليه السلام) سيقوده ويدفع به إلی التوبة والعمل الصالح في عاقبة الأمور.

خامسا: ما دل من ايات علی العكس في الطرف المقابل، أي أنّ كراهة آل البيت(عليهم السلام) تحبط الأعمال، كقوله تعالی: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ) (2)،ومن أعظم ما أنزل الله علی نبيه مودة قربي النبي(صلي الله عليه و آله): (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبي) (3)، فبغض علي(عليه السلام) سيئة لا ينفع معها شيئ.


1) - الفرقان 70.

2) - محمد : 9.

3) - الشوري: 23.

وهكذا نجد القرآن الكريم يعظم من أصول الدين ويؤكد علی أنَّ العمل في فروعه إنما يأخذ قيمةً ونفعاً تبعاً للأصول، لا أنَّ الأصول تكون تبعا للفروع، وإلا لما كان الأصل أصلاً ولا الفرع فرعاً، بل العكس ذلك لمن كان سوي البصر والبصيرة.


الحلقة العاشرة: (إسلام معيّة الثقلين لا المنسلخ)

1 - قال أمير المؤمنين وليد الكعبة وشهيد المحراب علي(عليه السلام):

(فَيَا عَجَباً ومَا لِيَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَي اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا لَا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ ولَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ ولَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ ولَا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ ويَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا والْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلَاتِ إلی أَنْفُسِهِمْ وتَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَي آرَائِهِمْ كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَي بِعُرًي ثِقَاتٍ وأَسْبَابٍ مُحْكَمَات )(1).

فيشير(عليه السلام) في هذا المقطع من كلامه الشريف إلی برهان لطيف دال علی معية الثقلين ومحالية انفكاكهما، وهو أنّ الادلة والبراهين علی إمامة علی والأئمة من ولده بنفسها دالة علی ضرورة معية الثقلين - الكتاب والعترة-لأنَّ لازم الاعتقاد بحقيقة الإمامة أن يكون الإمام هو المعلم الإلهي لهذا الكتاب الإلهي، وإلا كان الإنسان المستغني بنفسه المستبد بفكره وعقله المحدود هو إمام نفسه، فهو لا يتبع الإمام المنصوب من السماء كحبل


1) - نهج البلاغة، وقريب منه في روضة الكليني.

ممدود من عند الله إلی الأرض، فالإنفراد بحدود فكر المرء لنفسه هو جعله نفسه إماماً لنفسه بمحدودية فكر محصور علی قدرته من المعلومات المحبوسة عن الآفاق اللا متناهية الغيبية.

فمعني الإمامة الإلهية هو ضرورة القناة الإلهية الرابطة لنا بالسماء وعدم استطاعتنا من أنفسنا أن نرتقي بسلم القرآن من دون إمام المنصوب في القرآن لإيصال البشر والسير بهم في هذا السفر السماوي العلوي إلی أبواب الآخرة وطلائع القيامة من عوالم ذات أهوال وعظائم وعقبات ومواقف.

2- إنَّ عظمة القرآن عظمة لا تتحدد بآفاق بشرية، لما من عظمة آفاق بحار النور وزخات الضياء الربوبي، فمقتضاه أنّ المعلّم له شخص إلهي نوري مسانخ لنسخة الكتاب النوري، وإلا كان اجحافاً بعظمة القرآن أن يكون شأنه شأن بقية الكتب من كاتب بشري، فمن ثم قام تحدي معجز القرآن أنَّ البشر لا يتمكنون من المجيء بسورة من مثله، فهو بما له من آفاق فوق أفق قدرة فكرهم وعقلهم.

3- بل وإن هذا شأن كل العلوم الأخري، فكيف بالقرآن الكريم؟ فإنّ مواصلة المسيرة العلمية في العلوم دليل علی أنَّ عقلية البشر تعترف بالعجز والقصور عن الوصول والإحاطة بلا تناهي محيطات كل علم.

4- إنَّ العلم بمراتب الحجج من ناموس المعرفة، فإذا لم يتقن الإنسان مرتبة حجية كل حجة فسيضيع عليه طريق الهدي ويزيغ عن الصراط المستقيم؛ وذلك لأن التمسك بالحجة الأدني في مقابل العليا زيغ وضلال

وانحراف عن جادة الصراط المستقيم، والسبب في ذلك أنَّ إضاءة ونور الحجة الأدني ليس بقدرة ضياء ونور ضياء الحجة العليا، ومن ثم ترك الإستضاءة من نور وضياء وشعاع وهدي الحجة الكبري العليا يوجب عماية وتمادي في الظلمة؛ لأن المفروض محدودية نور وضياء الحجة الأدني عن أن تنير وتضيء لمساحة أكبر وأكثر، فمن ثم هناك حاجة وضرورة إلی المراتب العليا من الحجج، ولا يكتفي بالحجج الدنيا ولا بالحجج الوسطي، وإن كانت الحاجة ماسة ضرورية لكل الحجج عاليها ووسطها ودانيها، لكن لااستثمار لها إلا بمعرفة نظام المراتب لها لتنتظم تراتُبياً منظومة بكيان الصراط المستقيم المؤدي إلی الله تعالي.

5- إنَّ هذا البيان هو وجه ضرورة معرفة مراتب الحجج، وإذا اتضح ذلك فسنبيَّن أنَّ معية الثقلين يكون في كل الطبقات مع تقدم أحدهما علی اخر، ولكن ذلك لا يفصم معية كل طبقة متحاذية مع الأخري، ولاتستبدل الحجة العليا بحجة دنية ثالثة كفهم المفسر والمجتهد بدل العترة، وكذلك لو جعل فهم المجتهد مع حجية العترة بدل المصحف، بل المعية بين الكتاب والعترة وكل الحجج الأخري كاستظهار المفسر والمجتهد من الظنون الأخري ولو بالاستعانة بقرائن من تتبع ظني من أحدهما كل تلك الحجج هي تحت هيمنة معية الثقلين وهما كما مر طبقات من المحكمات منهما معاً، وإذا اتضحت هذه الثمرة فلنعد إلی توضيح فكرة نظام الحجج في أمثلة القرآن لكي تتضح الثمرة والبرهان عليها أكثر.

الحلقة الحادية عشرة: ( مراتب أنظمة الحجج )

1- مراتب نظام الحجية كما مر من ناموس الميزان للمعرفة الحقة، فنلاحظ الامثلة القرآنية علی ذلك يقظة وتنبها عن الغفلة في الخلط بين مراتب الحجج، وكم وقع انحراف في الامة الاسلامية ونشأت فرق منحرفة بسبب التمسك بحجة دانية وترك حجة عالية، والحال أنَّ الحجة العليا إنارتها علی مدي واسع، بينما الحجة المتوسطة والحجة الدانية إنارتها وضياؤها أقل دائرة ومساحة، فما وراء ذلك لا نور ولا هداية، بخلاف الحجة العليا فإن إنارتها تغطي ما تقصر عنه الحجج الأقل مرتبة، ومن ثم الحجة العليا مهيمنة علی الحجج الدنيا والمتوسطة.

فلو عكس المتمسك بالحجة الدنيا أو المتوسطة وجعلهما مداراً دون العليا فإن ذلك سيوقعه في الخوض في الظلام من دون إنارة ولا ضياء، وهذا ما وقع لدي كثير من الفرق المنحرفة، فهم كمن قد استضاء بمصباح متوسط أو صغير لأجل فلات وصحراء ذات مساحة مظلمة شاسعة، حيث لا محالة سيظل الطريق ويتردّي في هاوية سحيقة.

ولنشرع في الامثلة القرآنية علی ذلك:

1- ما مر بنا من قوله تعالی: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) (1).

فلاحظ القرآن الكريم حيث يصف اتّباع بعض ما انزل من الكتاب - من دون الرجوع إلی المحكمات - زيغ وفتنة، فهو رغم كونه مما انزل الله ولكن يصبح فتنة وزيغا؛ وذلك لأنَّه تمسك بمتشابه في مقابل محكم، ولذلك قال أمير الموحدين علي(عليه السلام) لجنوده عند رفع المصاحف في حرب صفين - بعد مالاح نصر جيش امير المؤمنين(عليه السلام) وادعاء جيش معاوية إرادة تحكيم القرآن -: ( إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهَا وَ خُدِعْتُم)(2)، أي بالمصاحف! ولا يخفي علی القارئ الكريم أنَّ هذا هو الحاصل في يومنا هذا، وإنَّ المنادي ب-"إسلام القرآن" مقابل "إسلام الحديث" يريد المروق من سنة المعصومين(عليهم السلام) بذريعة المصحف، وهو لا يعمل بالمصحف الآمر بالتمسك بالعترة قرينة معية للقرآن.

2- قوله تعالی: (وَ قَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَي ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ


1) - آل عمران 7.

2) - بحار الانوار ج97، زيارة أمير المؤمنين في يوم الغدير.

عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً) (1).

فإن القرآن يدين اليهود علی تعويلهم علی الحس في مقابل برهان المعجزة ،مع أنَّ التشبيه في الحس يقرر حصوله بأنه شبه لهم في بصرهم، أي ألقي شبه عيسي علی احد أصحابه الذي خانه ودل الظالمين عليه جزاءً علی فعله، والآخرين رأوا في حسهم البصري شبهاً مثل عيسي في ذلك الصحابي، لكن رغم كل ذلك يطلق القرآن الكريم أنَّ حسهم المشتبه ظن وليس يقيناً في مقابل المعجزات التي رأوها من عيسي(عليه السلام)، وقد كان أخبرهم بأنه باق علی الحياة إلی يوم ظهور المهدي من آل محمد (صلوات الله عليهم) وسيكون وزيرا له ووليه.

فالوحي الذي اكبر حجية وأعظم قناة للعلم يهيمن علی الحس، وحينئذ يكون التعويل علی الحس في مقابل الوحي تعويلاً علی الظن مقابل اليقين، أي قدرة إدراك الحس ناقصة في قبال قدرة الإدراك بالوحي؛ لأنّ الظن إنارته ضعيفة، بينما ضياء اليقين وهاج وإشعاعه كبير.

وقد أشكل معني الآية علی كثير من مفسري العامة كالفخر الرازي وغيره انه كيف يبطل القرآن الاعتماد علی الحس؟ وهل يثبت التواتر في الديانات وأمور الدين إلا بالحس؟ فإذا زعزع كيانه لم يبق شيء من أمور الديانة.


1) - النساء 157.

ولا يخفي أنَّ تساؤل الفخر الرازي هذا يبتني في اعتماده علی إجماع الامة من دون وجود المعصوم، بينما مسلك الإمامية الحقة أن لا قيمة في إجماع الصحابة بدون وجود الإمام المعصوم؛ وذلك لان إجماعهم توافق

حسي علی فرض تحققه، بينما الإمام المعصوم بعلمه اللدني رابط وحياني مع السماء، وحبل ممدود وسبب متصل بين الأرض والسماء، فالمدار هو الوحي، ولذلك فحجية القرآن الكريم والمصحف الشريف ليس مجرد الحس الذي هو معرض للاشتباه، بل بوجود علی وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله عليهم) بعد رسول الله(صلي الله عليه و آله).

لاحظ الفرق فيما اذا كان اليقين بالمصحف عبر الحس وفيما اذا كان الحافظ للمصحف هو العلم اللدني لدي أهل البيت(عليهم السلام)، ومن ثم كانوا قرناء القرآن وعدلاؤه وعينه ووجهين لحقيقة واحدة، ولا حافظ للمصحف وبقية طبقات القرآن إلا اهل البيت(عليهم السلام)، وأني لمفسر ولعالم ولصحابي تناوش الوحي والاحاطة به؟ وكيف تمني انسان غير معصوم أن يكون معلما لكل القرآن وكل شؤونه وكل طبقاته بديلا عن حديث اهل البيت(عليهم السلام).


الحلقة الثانية عشرة: (أمثلة القرآن في نظام الحجج ومراعاتها)

1- قوله تعالی: (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) (1)، مقارنة بقوله تعالی:(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلي بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) (2).

ففي حين لا فرق بينهم ولا يفرّق الله تبارك وتعالي بينهم في أصل الدين والصراط المستقيم الذي هم عليه، إلا أنَّ لهم درجات ومراتب ولايمكن الحكم بالمساواة فيها، فسيّد الرسل صاحب كتاب مهيمن علی سائر الكتب السماوية وبعض هذه الكتب لأنبياء أولی العزم ولأصحاب شرائع، فجمع الله بين هاتين النظرتين في كتابه الكريم لئلا تختلط صفة الحجية الثابتة لجميع الرسل مع الحفاظ علی رتبيتها، فلا يكفي معرفة أصل الحجية فيها، بل لابد من معرفة مراتبها التي رتبها الله، ومثله قوله تعالی: (وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلي بَعْضٍ وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (3).


1) - البقرة 285.

2) - البقرة 253.

3) - الاسراء 55.

2- ما مر من آية آل عمران حيث وصف بعض ما أنزل من الكتاب

محكما وآخر متشابها.. (وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) (1).

فههنا حين يصف القرآن بعض المصحف والآيات النازلة بأنها متشابه واتباعها يوجب الزيغ والفتنة في نفس الوقت يأمر بإتباع الراسخين في العلم، فهو بمثابة وصف المصحف بأنه صامت لا يفصح عن تأويل نفسه، بينما الذي يفصح عنه والقرآن الناطق هو الراسخون في العلم.

ونلاحظ أنَّ عماية الخوارج عن هذه الحقيقة والبصيرة (أي ملحمة القرآن الصامت والقرآن الناطق) في ملحمة صفين منعت جيش الحق عن النصر المؤزر، وإن أزمة الخوارج هو انغرارهم بالمصحف الشريف وعدم الابصار والتعرف علی مراتب الحجج وان علياً(عليه السلام) هو القرآن الناطق، فلا يتمسك بالمصحف في قبال شخص علي(عليه السلام)، فانه من التمسك بالمتشابه وترك الراسخين في العلم.

3- ردّ الشمس لأمير المؤمنين(عليه السلام) في مراعاته نوم النبي(صلي الله عليه و آله) علی ركبته، فلم يقطع عليه (صلوات الله عليه وآله ) راحته في قبال أداء الصلاة ورجّح راحة النبي وشأنه علی صلاته، وهي صلاة أمير المؤمنين(عليه السلام) وامام المتقين!

فهذه البصيرة لامير المؤمنين(عليه السلام) ومعرفته بالنبي(صلي الله عليه و آله) تجعله لم يساو مقام النبي الرفيع بشأن الصلاة، وهذا شأن يسير من شؤون النبي(صلي الله عليه و آله)،ولا


1) - آل عمران 7.

غرو في ذلك، حيث هو المطابق لما أكّد عليه القرآن الكريم في سورة الحجرات: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوي لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (1).

لاحظ منطق القرآن حيث جعل هذا الادب اليسير مع النبي(صلي الله عليه و آله) من العظمة بمكان إن لم يراعيه المؤمن أحبط الله جميع اعماله من صلاة وزكاة وجهاد وصوم و... بل الايمان كله، فيحبط هذا كله لترك ادب يسير مع النبي(صلي الله عليه و آله)، فانظر كم يعظم القرآن الكريم من شأن النبي(صلي الله عليه و آله)!!

وكذا يشير إلی هذا المفاد الامام زين العابدين(عليه السلام) في الصحيفة السجادية، وان هذا التعظيم لم يعظم به ملك من كل تاريخ ملوك الارض.

فإذا كان شأن صلاة امير المؤمنين(عليه السلام) لا تساوي شاناً يسيراً من راحة النبي(صلي الله عليه و آله) فانظر إلی عظمته عليه وآله الصلاة والسلام وانظر ماذا فعل الصحابة من تركه(صلي الله عليه و آله) مسجّي علی فراش الموت وتراكظهم وتكالبهم علی الرئاسة والزعامة، وانظر إلی بصيرة ومعرفة علي(عليه السلام) بأهمية شأن النبي(صلي الله عليه و آله) في الدين والإسلام علی مصير الامة ومصير بقية شؤون الإسلام، فلم يترك ولم يفارق جثمان النبي اعظاماً لحرمته(صلي الله عليه و آله).

فلا نعجب أن يرد الله الشمس كرامة وتقديرا لمعرفة علي(عليه السلام) بعظمة


1) - الحجرات 1 - 3.

النبي(صلي الله عليه و آله) وهي معجزة تكوينية، وهذا العرفان لمراتب الحجج في الدين.

فانظر ولاحظ عظمة المعرفة بمراتب الحجج ومراتب التعظيم لمقدسات الدين، فإنها ليست علی درجة سواء في القدسية والتقديس والتعظيم، فلا تعظم بدرجة واحدة، في حين تعظم وتقدس كل حرمات الدين لكن مع الالتفات إلی التفاوت والتفاضل في مراتب الدرجات، بينما نري عدة من الصحابة يناديهم النبي(صلي الله عليه و آله) وهم متشاغلون بالصلاة فلم يجيبوه الا بعد أن أتموها، فسألهم النبي(صلي الله عليه و آله) عن تأخرهم عن اجابته فاعتذروا بأنهم مشغولون بالصلاة!! فلاحظ الفرق الفارق.

ولنضرب مثالا آخرا لمراتب الحرمات والمقدسات والحجج، وهو أنّ الصلاة عمود الدين في أركان الفروع، في حين أنَّ الصوم والزكاة والحج وبقية الأركان ايضا ثابتة لها صفة الركنية إلا أنَّ ذلك لا يعني مساواتها للصلاة، مع أنّ عمودية الصلاة لا تعني التفريط ببقية أركان الدين.

كذلك الحال في المقارنة بين الصلاة والولاية فان عمودية الصلاة بالقياس إلی أركان الفروع لا تعني أنها تساوي الولاية، كما أنّ نزول رتبتها عن الولاية لا يعني التفريط بها، كذلك أنّ التمسك بإقامتها وحرمتها لايعني مساواتها للولاية، فكل هذه الضوابط والموازين لابد من التقيد والتمسك بها، ففي حين ذكر تعالی انه : (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) ،

كذلك أكد علی أن: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلي بَعْضٍ) .

الحلقة الثالثة عشرة: (نبذة من موازين علم الحديث)

أجدني مضطراً لتوضيح نبذة من موازين علم الحديث وإن كانت هي ميسرة لمن طالس علم الحديث وعلم الدراية والرجال، ولكن الكثير من هذه المصطلحات غائبة عن الأذهان، وهو مما يوجب طامات وكوارث في النظرة إلی تراث ينطوي علی الوحي، حيث سنة النبي(صلي الله عليه و آله) والآل(عليهم السلام) وحي، والتراث الروائي للحديث قناة نقل له، نعم آفات النقل لابد من التدقيق في معرفتها وتفاديها بدون إفراط وتفريط وعلي أسس وموازين علمية لا شعارات شعرية وعناوين مغفّلة، وقبل ذلك أشير للإخوة مراجعة الأجزاء الثلاثة لكتابنا - مباني علم الرجال - وغيره من كتب الفوائد الرجالية..

فلنذكر بعض النقاط:

1- إنَّ الضعيف من الحديث له معان متعددة في علم الرجال والدراية، فأكثرها استعمالاً: هو الذي لم يتم إثبات واجدية طريقه لشرائط حجية خبر الواحد، أي لم يتم لدي الباحث إحراز صفة الوثاقة لسلسلة رواته الواقعين في طريق نقل الحديث.

والمعني الثاني للضعيف: - وهو الأقل استعمالاً - هو المدسوس والموضوع والمختلق، وهذا المعني إنما يتصف به الحديث إذا أحرز الباحث قرائن وشواهد علی الوضع والدس والاختلاق..

ومن ثم يتضح تغاير المعني الأول عن الثاني، ولا صلة بينهما؛ وذلك لأن عدم توفر شرائط الحجية لا يلزم منه توفر شواهد علی وضع ودس الحديث.

2- ثم انه قد اختلط هذان المعنيان علی كثيرين، فزعموا أنّ كل حديث ضعيف مدسوس موضوع، فيجب أن ينقح التراث الحديثي منه ويجب إزالته و.. و.. الخ، وهذا الخلط كما تري بلية طامة، وذلك حيث الضعيف بالمعني الأول فاقد لحجية خبر الواحد وليس بالضرورة أن يكون فاقداً لحجية الخبر الموثوق به بتوسط القرائن الإنضمامية، والتي ربما تتصاعد إلی درجة الإستفاضة أو التواتر.

3- إنَّ صحة الكتاب جهة تختلف عن صحة الحديث والطريق وقد يحصل الخلط بينهما كثيراً، والمراد من الأولي: هو خلوّ الكتاب من الضعيف بالمعني الثاني لا خلوه من المعني الأول، ووجود الضعيف بالمعني الأول لايستلزم المعني الثاني كما مر توضيحه.

4- إنَّ صحة الحديث وضعفه بكلا معنييه وصحة الكتاب وضعفه قد يكون اجتهادياً ظنياً بحسب نظر أحد أو عدة من الرجاليين وقد يكون عكسه لدي عدة آخرين، فالحكم إذا كان نظرياً ليس بديهياً لا يحسم بنظر بعض،

بل المجال مفتوح للإستدلال، مثلا كتاب سليم بن قيس الهلالي العامري ففي حين يضعف طريق نسخته الحالية بعض بمعني عدم إحرازه لوثاقة طرقها إلا أنّ جماعة من أكابر الأعلام يرون صحتها وقوة الاعتماد عليها.. والحاصل أنّ القرائن التي يعتمد عليها الباحث - إذا كان له أهلية في علم الرجال والدراية والحديث والفقه أو المعارف بحسب مضامينها - قد تكون معتمدة لديه وغير معتمدة لدي آخرين، فلا يظن القارئ أنّ أمر التضعيف محسوم مقطوع، بل جملة من الموارد هي اختلافية بحسب الأنظار،وليس هناك إطباق متسالم كي يتوهم منه أن حديثاً ما لا مجال لاعتباره، وانه يحذف من التراث و.. و...

5- إنَّ عملية التدقيق والتنقيح في التراث الروائي الشيعي قد أنجز عدة مرات في تاريخ رواة الإمامية، وذلك لامتداد وجود المعصومين(عليهم السلام) طوال ثلاثة قرون وربع آخر الغيبة الصغري، ولا تجد مذهباً من مذاهب المسلمين ولا الملل ولا النحل حصل في تراثه تنقيح وتدقيق وتثبت بالقدر الذي حصل في تراث الحديث المأثور عن أهل البيت(عليهم السلام)، والمقام كما تري لا يسمح باستعراض ذلك لكن الباحث الطالب عن الحقيقة ذو الحياد العلمي مع تضلعه الوافر واطلاعه علی المباني سيجد أنّ أصح تراث ورثته الامة الاسلامية هو تراث أهل البيت(عليهم السلام).

وقد انبري كثير من عمالقة هذا الميدان لجدولة الشواهد علی خريطة هذا الجهد العلمي، من امثال الحر العاملي في وسائل الشيعة والعلامة

المجلسي في بحار الأنوار وبقية كتبه وكذا الميرزا النوري في خاتمة المستدرك وتلميذه المحقق الطهراني في الذريعة - الذي أبدع تدقيقاً في هذا المجال - وكذا السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة والأفندي في رياض العلماء وغيرهم كثيرون.

والحاصل أن رصانة تراث حديث أهل البيت(عليهم السلام) بلغت درجة يقول صاحب تفسير الميزان عنها في معرض الجواب عن الخدشة في روايات الرجعة:

(والتواتر لا يبطل بقبول آحاد الروايات للخدشة والمناقشة...علي ان هذه القضايا التي اخبرنا بها أئمة أهل البيت(عليهم السلام) من الملاحم المتعلقة بآخر الزمان وقد أثبتها النقلة والرواة في كتب محفوظة النسخ عندنا سابقة تأليفا وكتابة علی الوقوع بقرون وأزمنة طويلة نشاهد كل يوم صدق شطر منها من غير زيادة ونقيصة فلنحقق صحة جميعها وصدق جميع مضامينها)(1).

وكان المؤلف نفسه وصف المستشكل علی روايات الرجعة بالتالي: (وربما لحق بهم - أي بالمخالفين - في هذه الأعصار بعض المنتسبين إلی الشيعة، وعد ذلك من الدس الذي عمله اليهود وبعض المتظاهرين بالإسلام كعبدالله بن سبأ) (2). فكما تراه يصف المستشكل علی أنه منتسب إلی الشيعة وملتصق بهم لا أصيل.


1) - تفسير الميزان ذيل آيات (208 - 210 من سورة البقرة)، في الرجعة ودفع شبهة المنكرين لها.

2) - نفس المصدر.

الحلقة الرابعة عشرة: (تشييد كتاب سليم بن قيس الهلالي)

لقد أورد من قبل البعض علی كتاب سليم بن قيس الهلالي بأنه نموذج "إسلام الحديث" لا "إسلام المصحف" لجملة من البوائق:

1- إنّه يغذي ثقافة الكراهية لاثقافة المحبة والوئام والوحدة بين المسلمين.

2- إنَّ الشيخ المفيد ضعفه ولم يستحل الاعتماد عليه.

3- الشيخ المفيد لم يرو روايات الهجوم علی الدار وتفاصيل العدوان علی فاطمة وعلي(عليه السلام).

4- كل الروايات التي يرويها الكليني والصدوق والطوسي وغيرهم في تفاصيل ظلامات الزهراء وعلي(عليه السلام) مشكوكة.

5- اكثر التفاصيل التي جاءت في حرق بيت الزهراء(عليهاالسلام) وجمع الحطب وضربها وإخراج علي(عليه السلام) من المنزل مبنية علی كتاب سليم.

6- الترديد في شخصية سليم بن قيس وتجاهل حاله.

7- الكتاب مدسوس علی سليم بن قيس الهلالي.

هذه نبذة مما اعترض علی "إسلام الحديث" وكتاب سليم بن قيس

الهلالي كنموذج.

ولعمرك لا تشم ادني رائحة صدق من هذه الزيوف ولا تجد الا التلبيس والتدليس والخداع والتقليب للحقائق كما سيتبين:

ونجيب اولاً: عن ثقافة الكراهية انها ثقافة اصيلة قرآنية ومن السنة القطعية فإن القرآن الكريم كرس علی ثقافة تكريه الباطل والظلم والفراعنة والأبالسة ونمرود وقارون وأمثالهم، وذلك وقاية من العدوي ومن الانزلاق في طريق الغي والضلال فكم يكره القرآن ويدين وينعت اهل الباطل والغي والشقاق والزيغ والأهواء بأقذع النعوت والاوصاف.

نعم إن هذا هو شعار الحداثوية العلمانية الغربية، ولكن تجدهم يخادعون الناس في هذه الدعوي الفارغة ايضا، فتراهم يصفون مقاومة الشعوب لاستعمارهم بالإرهاب والغي والضلال،مع ان ثقافة الكراهية الموزونة في منطق القرآن ومنطق اهل البيت(عليهم السلام) ليس بمعني اباحة الدماء وسفكها وهتك الاعراض، بل هي نصيحة لبني الانسان وتحذير له عن الهلاك الاخروي في عالم الآخرة.

ومن ثم نجد أن مذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو المذهب الوحيد في الإسلام الذي لا يستبيح دم الكافر الأسير غير العدواني بعد انتهاء الحرب، هذا فضلاً عمّن تشهد الشهادتين فانه تزداد حرمة حقن دمه لذلك لا تري أتباع أهل البيت(عليهم السلام) قد قاموا بسفك دم مسلم ولا كافر ابتداءً عدواناً.

ومن الغريب جدا افتراء وتجنّي هذا القائل بأنّ شيعة أهل البيت قاموا

بسفك الدماء كما قام الوهابية والسلفية بذلك. فتأمل في المدعي والادعاء!

ونجيب ثانياً عن كتاب سليم فنقول:

1- ( قال سليم قلت يا سلمان ) نعم! قال ذلك ونقول به ونتدين إلی الله تعالی بذلك، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، (إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) (1).

2- إنَّ الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد يصر علی اعتماد كتاب سليم وإنه من المصادر، إلا أن هناك كلمة في نسخ الكتاب قد صحفت ولابد من تصحيحها بتوسط أهل الخبرة من العلماء.وأين هذا من الكفر والجحود بكتاب سليم؟ ولذلك اعتمد الشيخ المفيد في كتابه المقنعة في الفتوي في باب الخمس وغيره.

3- إنّ مصادر تفاصيل ظلامة العدوان علی الزهراء(عليهاالسلام) وأميرالمؤمنين(عليه السلام) قد أحصتها عشرات مصادر أهل سنة جماعة السلطة فضلا عن عشرات مصادر الشيعة الأخري وليس منحصرا في كتاب فارد كي يكفر بها.

ولقد استفاض في روايات الفريقين خطاب النبي(صلي الله عليه و آله) لفاطمة وعلي والحسن والحسين(عليهم السلام) : أنكم قتلي ومصارعكم شتي.

وروي في العديد من مصادرهم اخباره(صلي الله عليه و آله) بقتلها (عليهاالسلام) وأن لها

مصرعا كبقية اهل الكساء مما يشير إلی وحشية العدوان عليها في


1) - ابراهيم : 8.

تسبب‌قتلها.

بل يكفي لمن يريد الإنصاف ويسلم للإيمان بالحقائق ما ذكره الذهبي الناصبي في كتابيه ميزان الاعتدال وسير أعلام النبلاء من تفاصيل العدوان عليها(عليه السلام) من رفس بطنها وإسقاط المحسن ولطم وجها وعصرها وراء الباب و.....

4- قال الشيخ ابن أبي زينب النعماني(1): وليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة(عليهم السلام) خلاف في أن كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم ومن حملة حديث أهل البيت(عليهم السلام) وأقدمها ن جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل إنما هو عن رسول الله(صلي الله عليه و آله) وأمير المؤمنين(عليه السلام) والمقداد وسلمان الفارسي وأبي ذر ومن جري مجراهم ممن شهد رسول الله(صلي الله عليه و آله) وامير المؤمنين(عليه السلام) وسمع منهما وهو من اصول التي ترجع الشيعة إليها ويعول عليها.

كما اعتمده الشيخ الصدوق في جل كتبه وكذلك الشيخ الكليني في الكافي العظيم والمحدث الخزاز القمي في كفاية الأثر وشيخ الطائفة الطوسي في كتبه والمحدث الصفار في بصائر الدرجات وهو متقدم علی الشيخ الكليني.

وكذا اعتمده المحقق الحلي في مقدمة كتاب المعتبر وكذا في باب

الخمس، وكذلك العلامة الحلي في كتبه الفتوائية وذهب إلی تعديل الكتاب والتوقف في


1) - التلميذ الاول لثقة الاسلام الكليني ومتقدم عصرا علی الشيخ المفيد بطبقتين زمانا عن كتاب سليم بن قيس الهلالي -

موارد تخليط النسخ لا في أصل الكتاب، وان سليم بن قيس الهلالي من أولياء علي(عليه السلام)، وكذا اعتمده جل الفقهاء في باب الخمس وجل متأخري الأعصار ايضا في باب الصلاة.

5- إنّ لاصحابنا طرق عديدة إلی كتاب سليم - كما أشار إلی ذلك عدة من المحققين - لا كما توهمه ابن الغضائري من انحصار طريقه بأبان بن أبي عياش وكم لابن الغضائري من تسرع دون تثبت..

فقد رواه علی بن ابراهيم القمي بسند صحيح في تفسيره عن إبراهيم بن عثمان عن سليم.

وكذا رواه الكليني في الكافي بسند صحيح عن إبراهيم بن عثمان عن سليم.

وثالثا رواه الخزاز القمي المعاصر للصدوق في كفاية الاثر فيما جاء عن سلمان بسند صحيح إلی ابن مسكان عن أبان بن تغلب أو بن خلف عن سليم.

والرابع ما رواه شيخ الطائفة الطوسي في كتاب الفهرست بسنده عن ابراهيم بن عمر اليماني عن سليم، فاليماني هذا روي الكتاب تارة عن أبان بن ابي عياش عن سليم، كما أنه رواه عن سليم مباشرة، وهذا ديدن كبار الرواة انهم يروون الروايات مباشرة عن راوي معين وعنه ايضا بالواسطة.

والخامس رواه النجاشي بسنده عن ابراهيم بن عمر اليماني عن سليم.

والسادس رواه الشيخ الصدوق في كتاب الخصال في ابواب الاثني

عشر بسند صحيح اعلائي عن ابان بن تغلب عن سليم الحديث 38.

بل إن الكتاب هذا روي عنه العامة فضلا عن الخاصة:

فقد روي عنه احمد بن حنبل في مسنده 3/332 والمتقي الهندي في كنز العمال ح1644 ج 378/1، وقال القاضي السبكي في محاسن الرسائل أن الأصل كان صحيحا عندهم، (اي عند الشيعة).

ومن ثم قال الحر العاملي في الفوائد الطوسية 57: كتاب مقبول عند العامة والخاصة.

وقال المجلسي في البحار عن كتاب سليم: انه في غاية الاشتهار والحق انه من الاصول المعتبرة.

6- إن مضامين احاديث كتاب سليم جلها الا النادر مروية في كتب الحديث بطرق أخری ورواة آخرين غير سليم: قال صاحب منهج المقال الشيخ محمد: اعلم أن أكثر الأحاديث الموجودة في الكتاب المذكور موجودة في عدة من الكتب المعتبرة كالتوحيد وأصول الكافي والروضة وإكمال الدين وغيرها، وشذ عدم وجود شيء من أحاديثه في غيره من الأصول المشهورة، وقال: ان نسخة كتابه صحيحة لدي الكشي والبرقي والنجاشي والطوسي.

أقول: ويشهد لمقولة صاحب منهج المقال أن الشيخ الطوسي روي وصية أمير المؤمنين(عليه السلام) بسنده عن جابر عن الباقر(عليه السلام) في كتاب الغيبة وقال: هي نسخة كتاب سليم.

وقال المحقق الشيخ حسن بن الشهيد الثاني صاحب المعالم في كتابه التحرير الطاووسي: تضمن الكتاب ما شهد بشكره وصحة كتابه.

أقول: إنّ متون رواية الكتاب قد تضمنت أصول علم الرجال في رواية طويلة لأمير المؤمنين(عليه السلام) وأصول المعارف في التوحيد وأصول المعارف في مباحث الإمامة. والي ذلك يشير صاحب المعالم الشيخ حسن.

ورد الشهيد الثاني إشكالي الغضائري علی كتاب سليم حول وعظ محمد بن أبي بكر لأبيه عند موته بان الموجود وعظ ابن عمر لأبيه، وحول أنّ الأئمة ثلاثة عشر من ولد إسماعيل وهم رسول الله والأئمة الاثني عشر(عليهم السلام).

وأجاب آخرون: انه ليس في نسخة الكتاب (ثلاثة عشر) بل (اثني عشر من ولدي) ودخول علي(عليه السلام) فيهم للتغليب أو لاندراج علي(عليه السلام) في ولده روحا ومعنويا.


الحلقة الخامسة عشرة: (أقسام الوحي)

السنة النبوية التي وعاها المعصومون(عليهم السلام) هي ما نزل به جبرئيل(عليه السلام) وغيره من وسائط الوحي أو بدونه كما الحال في المصحف الشريف.

ثم لا ينحصر الوحي بالمصحف الشريف، فالحديث القدسي كلام الله تعالی ولكنه ليس بمصحف، وقد روي الفريقان ان سنة النبي وحي نزل به جبرئيل كما نزل بالمصحف الشريف، وهو مفاد قوله تعالی: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوي * وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوي * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحي) (1)، وقوله تعالی (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحي إِلَيَّ) (2)، فيا تري هل يمكن التمسك بالمصحف الشريف ويترك سائر اقسام الوحي؟.

2- وكذلك وحي تأويل القرآن، فقد ورد في الآيات والروايات المتواترة ان للقرآن الكريم في كل عام تأويلاً ينزل في ليلة القدر، فتأويل القرآن كوحي إلهي أضعاف ما نزل من المصحف الذي هو اقل من سبعة آف آية.


1) - النجم 2 - 4 .

2) - الانعام 50.

ولا يخفي ان تنزيل القرآن وتأويله سواء في الحجية والوحيانية من الله تعالي، فالذي يؤمن بتنزيل القرآن وهو المصحف ويكفر بتأويل القرآن الوحياني من الله تعالی يخاطب بقوله تعالی الذين جعلوا القرآن عضين. يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ومن ثم جعل الله تعالی بيان التنزيل والمصحف مسؤولية الرسول(صلي الله عليه و آله) واهل البيت(عليهم السلام) المتصلين بالنبي(صلي الله عليه و آله) علماً وحيانياً،فقال تعالی: (وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ،وقال تعالی: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ) .

فتعليم معاني وحقائق القرآن الكريم من وظيفة ومسؤولية النبي(صلي الله عليه و آله) ومن قدرته التي اعطاها الله تعالی إياه وهي غير تلاوة الالفاظ.

وقوله تعالی: (فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) .

فبيان التنزيل من المصحف شأن الإلهي و وحي ينزل علی النبي(صلي الله عليه و آله) ايضا وأهل البيت(عليهم السلام) ،فكيف يصح إسلام المصحف المنزل التنزيل من القرآن من دون إسلام الحديث البيان الوحياني للتنزيل.

وقال تعالی: (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) .

وهذه الحقيقة من ان القرآن لا ينحصر في تنزيل المصحف بل يشمل التأويل للتنزيل الذي مر مفاده في الآيات والروايات المتواترة عن اهل البيت(عليهم السلام)، فقد روي احمد بن حنبل في مسنده عن المقدام بن معد يكرب الكندي قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: الا اني أوتيت الكتاب ومثله معه، الا

أني أوتيت القرآن ومثله معه الا يوشك رجل ينثني شبعانا علی أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه(1).

فلاحظ الاستدلال علی ضرورة الحديث الشريف والسنة المطهرة وأن المصحف المنزل ليس كل الوحي النازل من الله تعالي، بل هناك أضعافه.

بل تجد في هذه الرواية نفسها اشارة إلی ما بيّنه الامام زين العابدين(عليه السلام) في الصحيفة السجادية في دعاء يوم الفطر من انواع الوحي التي اوحيت إلی قلب النبي(صلي الله عليه و آله) وهي اعظم من نفس الفاظ القرآن الكريم، حيث ان في جملة من السور نجد قسم الله تعالی باسم من أسماء النبي(صلي الله عليه و آله) ومقاماته ثم عطفه بالقرآن الكريم،فجعل القرآن تبعاً لمقام للنبي(صلي الله عليه و آله) قال(عليه السلام):

وقُلْتَ جَلَّ قَوْلُكَ حِينَ اخْتَصَصْتَهُ بِمَا سَمَّيْتَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقي وقُلْتَ عَزَّ قَوْلُكَ يس والْقُرْآنِ الْحَكِيمِ وقُلْتَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُكَ ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ

وقُلْتَ عَظُمَتْ آلَاؤُكَ ق والْقُرْآنِ الْمَجِيدِ فَخَصَصْتَهُ أَنْ جَعَلْتَهُ قَسَمَكَ حِينَ أَسْمَيْتَهُ وقَرَنْتَ الْقُرْآنَ بِهِ فَمَا فِي كِتَابِكَ مِنْ شَاهِدِ قَسَمِ والْقُرْآنُ مُرْدَفٌ بِهِ إِلَّا وهُوَ اسْمُهُ وذَلِكَ شَرَفٌ شَرَّفْتَهُ بِهِ وفَضْلٌ بَعَثْتَهُ إِلَيْهِ ....

وقُلْتَ تَبَارَكْتَ وتَعَالَيْتَ فِي غَايَةِ [عَامَّةِ] ابْتِدَائِهِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ والر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ والر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ والم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ وفِي أَمْثَالِهَا مِنْ سُوَرِ الطَّوَاسِينِ والْحَوَامِيمِ فِي كُلِّ ذَلِكَ


1) - مسند احمد ج4 ص 130 .

بَيَّنْتَ بِالْكِتَابِ مَعَ الْقَسَمِ الَّذِي هُوَ اسْمُ مَنِ اخْتَصَصْتَهُ لِوَحْيِكَ واسْتَوْدَعْتَهُ سِرَّ غَيْبِكَ وأَوْضَحَ لَنَا مِنْهُ شُرُوطَ فَرَائِضِكَ وأَبَانَ عَنْ وَاضِحِ سُنَّتِكَ وأَفْصَحَ لَنَا عَنِ الْحَلَالِ والْحَرَامِ وأَنَارَ لَنَا مُدْلَهِمَّاتِ الظَّلَامِ وجَنَّبَنَا رُكُوبَ الْآثَامِ وأَلْزَمَنَا الطَّاعَةَ ووَعَدَنَا مِنْ بَعْدِهَا الشَّفَاعَةَ‌(1).

فلاحظ بيان هيمنة مقامات النبي(صلي الله عليه و آله) التي هي اسماء الحروف المقطعة في السور التي اردفت بالقرآن الكريم وهيمنتها عليه بكل درجاته الغيبية والمشهودة من التنزيل. أ تري أنها اشارة إلی الحديث النبوي (الثقلين) المروي عند الفريقين:

إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وإِنَّهما لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّي يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْض؟؟

فلاحظ كيف بيّن النبي(صلي الله عليه و آله)أنه المبدأ والمنتهي للكتاب وللعترة، فمنه انبعث الكتاب والعترة واليه يرجعان، وهذا كله عن الله تعالي، اي جعل الله تعالی النبي(صلي الله عليه و آله)واسطة فيض لصدور الكتاب بمقاماته الغيبية ولصدور العترة.

ثم إن الآية الكريمة إلی هذه الهيمنة العظيمة: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) (2)،حيث إن حقيقة القرآن الكريم هي الروح الامري المقررة في الآيات والروايات المتواترة الكثيرة، وهي احد الامور التي اودعت في قلب النبي(صلي الله عليه و آله) وليست كل ما أوحي اليه.


1) - المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية)، ص: 651.

2) - الشوري 52.

الحلقة السادسة عشرة: (معيّة العقائد الالهية مع علم الفقه)

قَالَ النَّبِيُّ(صلي الله عليه و آله):

إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ، آيَةٌ مُحْكَمَةٌ أو فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ أو سُنَّةٌ قَائِمَةٌ ومَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ.(1)

وقد رواه الفريقان بألفاظ متقاربة وشرحه العلماء المحققون، وملخّصه أنّ اركان العلم ثلاثة: العقائد (وهي أصول أركان التوحيد)، والأخلاق (وهي المبادئ الروحية والنفسانية )، وفقه الفروع (في المسائل العملية).

وسرّ تركيز النبي(صلي الله عليه و آله) علی معية هذه الثلاثة أنّ التركيز علی العقائد دون الفقه يسبب شذوذا بل شططا عن معارف الدين، وهو يحصل كثيرا؛ لان للعقائد انعكاساً علی ظواهر الشريعة والتفريط فيها يسبب الانحراف والضلال، وهذا هو أحد اسباب انحراف الصوفية وجملة من العرفاء!!.

وكذلك التركيز علی الفقه مع متاركة العقائد ايضا يسبب الشذوذ والشطط عن الصواب، كما لوحظ ذلك ايضا كما في المقصرة في معارف أهل البيت(عليهم السلام) والمنكرين لمقاماتهم وفضائلهم.


1) - أصول الكافي ج1 باب صفة العلم وفضله.

وكذلك الحال في التركيز علی العقائد والفقه من دون الإلمام بالاخلاق تنظيراً وارتياضا فإنه يشط بالباحث عن الجادة وتستغفله النفس الامارة وتأخذ به إلی الهاوية، كما حصل ذلك للعبرتائي فانه كان عالما مليئاً وحج اربعاً وخمسين مرة، عشرون منها علی قدميه، وقد خرج من الناحية المقدسة إلی القاسم بن العلا احد الوكلاء للنواب الاربعة في شأنه: قَدْ كَانَ أَمْرُنَا نَفَذَ إِلَيْكَ فِي الْمُتَصَنِّعِ ابْنِ هِلَالٍ لَا رَحِمَهُ اللَّهُ بِمَا قَدْ عَلِمْتَ لَمْ يَزَلْ لَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَنْبَهُ ولَا أَقَالَهُ عَثْرَتَهُ دَخَلَ فِي أَمْرِنَا بِلَا إِذْنٍ مِنَّا ولَا رِضًي يَسْتَبِدُّ بِرَأْيِهِ فَيَتَحَامَي مِنْ دُيُونِنَا لَا يَمْضِي مِنْ أَمْرِنَا إِيَّاهُ إِلَّا بِمَا يَهْوَاهُ ويُرِيدُ أَرْدَاهُ اللَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَصَبَرْنَا عَلَيْهِ حَتَّي بَتَرَ اللَّهُ عُمُرَهُ بِدَعْوَتِنَا وكُنَّا قَدْ عَرَّفْنَا خَبَرَهُ قَوْماً مِنْ مَوَالِينَا فِي أَيَّامِهِ لَا رَحِمَهُ اللَّهُ وأَمَرْنَاهُمْ بِإِلْقَاءِ ذَلِكَ إلی الْخُلَّصِ مِنْ مَوَالِينَا ونَحْنُ نَبْرَأُ إلی اللهِ مِنِ ابْنِ هِلَالٍ لَا رَحِمَهُ اللَّهُ ومِمَّنْ لَا يَبْرَأُ مِنْه(1).

وقد يمثل لضرورة معية هذه الثلاثة من العلوم بأجنحة الطائرة، فانه كما لديها جناحان من الامام فلها جناح ذنبي من الخلف ولو فقدت احد هذه الثلاثة لما استقام طيرانها ولسقطت هالكة.

وقد قال صادق آل محمد(عليه السلام):

إِنَّ قَوْماً آمَنُوا بِالظَّاهِرِ وكَفَرُوا بِالْبَاطِنِ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ شَيْ‌ءٌ وجَاءَ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِهِمْ فَآمَنُوا بِالْبَاطِنِ وكَفَرُوا بِالظَّاهِرِ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ شَيْئاً ولَا إِيمَانَ بِظَاهِرٍ [إِلَّا بِبَاطِنٍ] ولَا بِبَاطِنٍ


1) - رجال الكشي ج2 ص 816.

إِلَّا بِظَاهِرٍ. (1)

ويشير(عليه السلام) في هذا الحديث إلی ضرورة معية العقائد مع الفقه، فان العقائد باطن في القلب، والفقه ظاهر في العمل، ولابد من الجمع بينهما، كما ان الاخلاق جهة منها باطنة في النفس وجهة منها في الظاهر وهي الآداب.

وهو(عليه السلام) يشير إلی الانحراف الذي اصاب الفرق الباطنية والتي تولد منها التصوف والعرفان انها تشبثت بالباطن من المعارف وتركت الفقه من الشريعة الظاهرة، ومن ثم أكد العلماء الاعلام علی ضرورة الموازنة بين العلوم الباحثة في المجالات الثلاثة وعدم الافراط والتفريط فيها.

لم يكن تحسس الحوزات العلمية الشيعية من دراسة الفلسفة والعرفان جل كونهما لغة عقلية ولغة ذوقية، كيف واهل البيت(عليهم السلام) هم ائمة لغة العقل والقلب والمؤسسون لهما في تاريخ العلوم الاسلامية الفائقة علی سطح المستوي البشري آنذاك والي العصر الحالي، فان نهج البلاغة وهو من تراث نصف القرن الاول الهجري مشتمل علی ادق وابهر واعظم البحوث العقلية في التوحيد والمعارف التي يعجز عن تفسيرها البشر، كما اشار إلی ذلك الحكيم الشيعي الملا صدرا وغيره .

وكذا الحال في خطب الصديقة سلام الله عليها وخطب المعصومين(عليهم السلام) في شتي المعارف والعلوم.


1) - بصائر الدرجات في فضائل آل محمد صلي الله عليهم، ج1، ص: 537.

أما الصحيفة السجادية فقد قال عنها احد باباوات الفاتيكان بانها دالة علی أن النصرانية وان زعمت ان رئيس العرفان هو عيسي(عليه السلام) الا ان الامام زين العابدين(عليه السلام) يفوقه بأضعاف مضاعفة، وكذلك ادعية بقية الائمة(عليهم السلام).

وقد نشأت الفرق الباطنية ومنها فرق التصوف ومنها مدارس العرفان من تلاميذهم الذين انحرفوا عن التوازن المتعادل، وإلا فهم(عليهم السلام) رواد لغة العقل والذوق الوجداني والقلبي.

كما لم يكن تحسس الحوزات العلمية وخاصة حوزة النجف الاشرف المقدسة من هذين العِلمين ذاتا، كيف وكانت الدراسة العلمية لصاحب تفسير الميزان في علمي الفلسفة والعرفان في حوزة النجف الأشرف، وانما كان تحسس المراجع العظام حينذاك (أمثال فقيه أهل البيت السيد ابوالحسن الاصفهاني وكذلك السيد البروجردي(قدس سرهما) وغيرهم من أكابر فقهاء النجف الاشرف) من جعل كلام البشر العاديين من الفلاسفة والعرفاء والصوفية في مستوي الوحي الإلهي، وجعل هالة قدسية لكلامهم فوق النقد والنقاش، ومن ثم التعصب لكلماتهم من دون محاكمة نقدية علمية مقارنة، وكذا لأجل الصد عن الغوص في بطون معاني الوحي والعكوف والاعتكاف والتقوقع علی نتاج البشر ومتاركة ابواب معارف الوحي القرآني والروائي، فكم من باب من ابواب المعارف لازال متروكاً مهجوراً مع انه متضمن

لعوالم معرفية عظيمة و... و... و...

نعم من الجدير كون لغة العقل والذوق آليتين لقراءة الثقلين وتلميذين مؤهلين لتعلم علوم وحي السماء، لا انهما معلمان والوحي متلقي، كيف والعقل والقلب البشري محدود المدي وقاصر عن الاحاطة بما يحيط به الوحي، وهذا ليس شعارا بقدر ما هو برمجة ومنهاج يكون فيه الوحي معلما والفلسفة والعرفان تلميذين.

إن كثير من الباحثين حيث لم ينفتحوا علی مشارب متعددة بل عكفوا علی مشرب واحد شط بهم البناء العلمي إلی اعوجاج لا يبصر الآفاق الاخري، ولم يشم رائحة تعدد المدارس العقلية والذوقية الاخري الكثيرة المغايرة للفلسفة والعرفان في المعارف، فلم يتأهل للقدرة علی المقارنة بينها، هذا فضلا عن آفة التفريط والتقصير في علم الفقه.

ومن ذلك يتبين لنا من هذا البيان النبوي الشريف ضرورة معية الثقلين.


الحلقة السابعة عشرة: (فارق تراث أهل البيت و تراث العامة)

قد يتسائل ان مذهب الامامية يسجل علی علماء العامة أنهم تركوا اهل بيت النبي(عليهم السلام) المطهرين الحافظين لسنة النبي(صلي الله عليه و آله) وأخذوا سنة رسول الله(صلي الله عليه و آله) من الصحابة غير المعصومين، وحفظهم(عليهم السلام) للوحي لم يرتفع برحيل النبي، حيث لاتزال ارواحهم وعاء لبقاء الوحي الماوراء الاثيري.

ان هذا هو الحق الحقيق، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو أنه أليس هذا العتاب علی العامة يطرح نفسه علی رواة الحديث الذين يروون عن المعصومين الاربعة عشر من اهل البيت(عليهم السلام)؟ فان هؤلاء غير معصومين، فما هو الفارق بين تراث الحديث عند الخاصة عن تراث الحديث عند العامة.

ولنذكر نبذة هامة في الفوارق ليتضح الحال:

1- ان فترة اللقاء بالمعصوم(عليه السلام) عند الامامية الحقة امتدت اكثر من ثلاثة قرون وثلث قرن تقريباً، بينما تلك الفترة عند العامة كانت مدتها ثلاث وعشرين عاماً فقط.

2- ان منع الحديث من الحفظ والرعاية والصون والتدوين عند العامة

كانت قرابة قرن كامل من وفاة النبي(صلي الله عليه و آله)، بينما تجد عكس ذلك عند مدرسة اهل البيت(عليهم السلام)، حيث كانت الأحاديث تحت اشراف المعصوم(عليه السلام) قروناً طويلة، وقد حصلت هناك مقابلات وتدقيقات وتنقيحات وتقويمات كثيرة وكرات ومرات بالعرض علی المعصوم(عليه السلام).

3- ان رعاية المعصوم(عليه السلام) لأعراف الشيعة عن الزيغ والبدع والانحراف تطاول الثلاثة قرون بينما عند العامة لم يتجاوز الثلاث وعشرين سنة.

4- ان الامامية تعتقد ان الحافظ للقرآن في مرتبة المصحف فضلاً المراتب العليا للقرآن ليس الا المعصوم(عليه السلام) وليس هو اجماع الامة؛ لان تسالم وتوافق الصحابة والمسلمين بل والمؤمنين لا يعدو توافقاً حسياً لا يقوي علی حفظ وحياني للقرآن في انزل مراتبه وهو المصحف فضلاً عما فوق ذلك من المراتب وفضلاً عن المراتب العليا للقرآن، ومن ثم كان من ضروريات مذهب الامامية أن لا حجة لاجماع الامة من دون المعصوم(عليه السلام)- ولو كانوا فقهاء أو مفسرين أو علماء أو فلاسفة أو عرفاء أو غيرهم من ارباب العلوم - وعليه فلولا صيانة علی وفاطمة والحسنين والائمة المعصومين(عليهم السلام) بعد النبي(صلي الله عليه و آله) لكان يعد المصحف الشريف تراثاً بشرياً لا وحيانياً.

فلا بقاء للوحي من دون اهل البيت(عليهم السلام)، ولا يقتصر هذا علی القرون الثلاثة الاولي، بل يمتد مستمراً إلی وقتنا الراهن بل إلی ظهور

المهدي (عج) وبعده إلی رجوع ائمة اهل البيت(عليهم السلام) إلی الدنيا مرة اخري ليقيموا دول العدل الإلهي حتی يرجع سيد الانبياء(صلي الله عليه و آله) وتقوم القيامة.

فالوحي للقرآن في رتبة المصحف وما فوقه من المراتب لا بقاء له إلا ب-الاتصال الوحياني الإلهي ولا يستطيع البشر العادي حفظه وحيانيته؛ لان الوحي لا يسيطر عليه إلا من خلق وحيانياً ومطهرا.

وهذا ليس خاصاً بالقرآن الكريم، بل يشمل بقية انواع الوحي من الحديث القدسي والسنة النبوية وسنة المعصومين (عليهم السلام) وكذلك تأويل القرآن لمدة خمسة عشرة قرن،فالسنة والتراث الحديثي لا يبقي وحيانياً من دون بقاء المعصوم(عليه السلام) الحافظ الوحياني لها، فمصدر ومنبع الحجية الوحيانية هو المعصوم(عليه السلام) لا الحجية الشكلية الظاهرية ولا الحجية المحدودة النطاق النابعة من القدرات المحدودة للعقل البشري.

5- ان بحفظ المعصوم(عليه السلام) لكل من المصحف والسنة ينحفظ ما تبقي من تراث الحديث النبوي عند العامة، فان ما طابق المصحف ومنهاج اهل البيت(عليهم السلام) وتراثهم يستعلم صوابه، ومن ثم ان الحافظ للحديث النبوي لدي العامة عن الابادة والتمويه هو الامامية أنفسهم لا علماء العامة، فلولا وجود هذا الترس الحصين والدرع المنيع لتلاعب الحكام في تراث العامة بأفظع مما ارتكبوه علی طول التاريخ بدأً من السقيفة

وحكم بني امية إلی العصر الراهن، ومن ثم تواتر عن النبي(صلي الله عليه و آله) ان الحافظ لهذا الدين عن النقيصة والزيادة وبدع المبدعين وغلو الغالين وتقصير المقصرين هم الخلف العدول بالعلم الإلهي اللدني من اهل البيت(عليهم السلام).

الحلقة الثامنة عشر: (المراد من الكتاب الكريم)

هل أنّ إكمال الدين بالمصحف الشريف؟ أم بالقرآن الكريم ؟ أم بأميرالمؤمنين علی والائمة من ولده(عليهم السلام)؟ أم قد يقال إن الدين كامل بالكتاب لا بالإمام(عليه السلام)؛ لأنّ فيه تبيان كل شيء، فليس ينقصه شيء كي يكمل بعلي بن أبي طالب(عليه السلام).

وجل رفع الالتباس نطرح هذا التساؤل بأن ما هو المراد من الكتاب؟ هل هو المصحف الشريف؟ أو الكتاب المكنون في اللوح المحفوظ الذي (لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) (1)الكتاب العلوي في الغيب والمنزل بدرجات ومراتب نازلة في المصحف الشريف.

ألا تلاحظ وصف القرآن الكريم للكتاب المبين بأنّ فيه كل غائبة في السماء والأرض، وقد نعته الله بنعوت عظيمة ومهولة حيث فيه مفاتح الغيب وخزائنه وكلمات الله التي لا تنفذ، وبأن الموتي يحيون به وتسير به الجبال، وبه تطوي الارض كما في واقعة عرش بلقيس حيث اتي به من


1) - الواقعة - 79.

اليمن إلی بيت المقدس في طرفة عين، وبأنه يحصي جميع أعمال العباد من الاولين إلی الآخرين، وغيرها من الاوصاف التي ذكرنا بعضها في كتاب الامامة الالهية ج2.

فهل يعقل أن تتوفر كل هذه الأوصاف وغيرها مما لم نستعرضها في المصحف الشريف الذي لا يتجاوز سبعة آف آية؟! أم أن الكتاب المبين الذي هو المرتبة العليا من القرآن الكريم هو روح روحاني حي شاعر عاقل من عالم الأمر، وليس من عالم الخلق والملك الجمسانيين.

اذا كان المراد من القرآن والكتاب هذا الروح امري فقد شهد المصحف الشريف انه لا يلقي ارسالاً روحياً وحيانياً ايحائياً إلا علی روح من يشاء الله من عباده، قال تعالی: (رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) (1).

فلاحظ كيف استهل الوصف للروح الأمري - الذي هو الكتاب بنص آخر سورة الشوري - بأن الله تعالی رفيع الدرجات وذو العرش اي ان الروح الأمري المسمي بالكتاب وبالقرآن من الموجودات العرشية العليا ومن الموجودات العالية الدرجات في مراتب الوجود والعوالم.

هذا الروح الأمري المسمي بالقرآن خصص المصحف الشريف تواجده بالنبي(صلي الله عليه و آله) والعباد الذين يورثونه، وهم اهل


1) - غافر 15.

البيت(عليهم السلام) الذين حصر بهم وراثة هذا الروح الأمري دون ما سواهم من الانبياء والمرسلين فضلا عن الصالحين والمؤمنين والمتقين من بقية البشر.

هذا التخصيص قد ذكر في جملة عديدة من آيات السور نذكر نبذة منها:

قوله تعالی: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌفِي كِتابٍ مَكْنُونٍلا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَأَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ)1

أفبهذا الحديث - أي كون حقيقة القرآن والكتاب علوية مكنونة محفوظة عن قدرة تناول البشر لا يصل اليها لا يمسها المطهرون الذين شهد لهم المصحف الشريف بالطهارة من اهل البيت(عليهم السلام) - مرتابون،(وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (1)أي تجعلون رزقكم التكذيب بهذه الحقيقة من وحدة وجود الثقلين، الروح الأمري وأهل البيت(عليهم السلام).

وقوله تعالی في سورة غافر الذي تقدم ان إلقاء الروح الأمري علی من يشاء من عباده يصطفيهم.

وكقوله تعالی: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلي مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) .

وقوله تعالی: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا


1) - الواقعة 82.

الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) .

فنلاحظ ان الروح الأمري المسمي بالقرآن والكتاب لا يتواجد في المصحف الشريف ولا عند اي بشر بل هو عند من اصطفاهم من اهل البيت(عليهم السلام).

قال تعالی: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا) .

ولاحظ تطابق لفظ اصطفينا مع لفظ من نشاء من عبادنا. اذاً لو قلنا أن في المصحف الشريف تفصيل كل شيء من الصلوات الخمس وعدد ركعاتها وتفاصيل الحج ووو فالترديد يكون قائما، اما مع وضوح إرادة الروح الأمري فهو عين علي(عليه السلام) وعين الامام المعصوم(عليه السلام) لا إثنينية ولا تغاير بينهما في حقيقة التكوين.


الحلقة التاسعة عشر: (اكمال الدين بالنبي أم بالمصحف أم بعلي)

قد يتسائل هل الدين المقرر في المصحف والقرآن الذي جاء به النبي(صلي الله عليه و آله)كان ناقصاً كي يكمل بعلي(عليه السلام)؟ وبعبارة اخري هل المصحف لم يتضمن تمام وكمال الدين كي يسد فراغه أمير المؤمنين(عليه السلام)؟ وهل نبوة سيد الانبياء(صلي الله عليه و آله) لم تتضمن كل الدين كي تتم بعلي(عليه السلام)؟

وهذا التساؤل هو الآخر اعترض به البعض علی سنة النبي(صلي الله عليه و آله).

فهل فرائض الله ودينه ناقص كي يضم إليه سنن النبي(صلي الله عليه و آله) ليملأ فراغه ويكمله؟

والجواب عن هذا السؤال يمكن توضيحه بهذا المثال المأنوس لدينا في العصر الراهن وهو الوضع القانوني في الدول، كالدستور الذي هو مصدر تشريع مقارنة بتقنينات المجلس النيابي، فإن التشريع النيابي ليس منقطعاً مبتوراً عن التقنين الدستوري ولا هو في عرضه، ولا تعني ضرورة التقنين النيابي نقصان القوانين الدستورية، بل الضرورة تكمن في ان التقنين النيابي مفسر ومبين للتقنين الدستوري بحيث لوه لما عمل بالقانون الدستوري،

لكن هذا التفسير والتبيين والترجمان ليس علی نمط التفسير والتبيين اللغوي والأدبي بل هو تقنين مفسر ومبين لتقنين فوقي، فليس دور التشريع النيابي كدور الشارح اللغوي ولا كالاستنباط الاجتهادي الظني، بل هو تنزيل وتأويل وممارسة تشريعية لا تخرج عن حقيقة التبعية ولكن تبعية منقادة لاتقبل الخطأ ومتولدة من صميم التشريع الفوقي بنحو التوالد التكويني طبعاً هذا في انقياد النبي(صلي الله عليه و آله) في تشريعه للسنة إلی فرائض الله تعالي.

وكذلك دور التشريع الوزاري والبلدي من بعده مع التشريع النيابي بنفس العلاقة والنسبة لا في عرضه ولا هو ندّ له ولا يعني نقصاناً في التشريع النيابي مع ضرورة التشريع الوزاري فلا يستغني عنه، فهذه طبقات من الممارسة التشريعية والتقنين لا يستغني بأحدها عن الاخري التي تتنزل عنها رتبة ومرتبة كما لا تعني ضرورة الحاجة لها نقصاناً في المرتبة العليا من طبقة التقنين وكمال المرتبة العليا لا تعني الاستغناء عن الطبقة النازلة التابعة.

فكمال تشريع الله تعالی لا يعني الاستغناء عن التشريع النبوي ولا نفي ضرورته كذلك كمال نبوة الخاتم(صلي الله عليه و آله) وسنته لا يعني الاستغناء عن تشريع ائمة اهل البيت(عليهم السلام) ولا نفي ضرورة تشريعهم ولا ضرورة التشريع المولوي للائمة تعني نقص التشريع النبوي ولا ضرورة التشريع النبوي تعني نقصاً في التشريع الالهي بل هي درجات وطبقات لابد منها.

وكذلك الحال في الولايات الاخري لطاعة الله وطاعة رسوله وطاعة ( أولی الأمر الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ) علی وأبناؤه من

اهل البيت(عليهم السلام).

إذن فطبقات الولاية لا تعني ان ولاية الرسول(صلي الله عليه و آله) في عرض ولاية الله تعالی ولا ولاية ائمة البيت(عليهم السلام) في عرض ولاية الرسول(صلي الله عليه و آله)،فرئاسة الدولة لا تعني استغناء الشعب عن بقية اصحاب مناصب الولايات والمسئولين بل الضرورة قائمة.

وهذه الضرورة والحاجة من ناحية الرعية والرعايا لا من ناحية الولي الاول وهو الله تعالی بل عموم البشر والمخلوقات هم في حاجة لاستمداد الفيض إلی وسائط مكونة مكرمة مصطفاة مخلوقة من قبله تعالی فيكون التولي للائمة(عليهم السلام) طاعة وتولياً لرسول الله(صلي الله عليه و آله) وطاعة وتولي الرسول(صلي الله عليه و آله) طاعة وتولياً لله تعالي.

فباب الولاية لله تعالی ولاية النبي(صلي الله عليه و آله) وباب ولاية النبي(صلي الله عليه و آله) ولاية الائمة(عليهم السلام)، ومن ثم ينجلي ويتضح اكمال الدين بولاية علی امير المؤمنين(عليه السلام) وولده الطاهرين(عليهم السلام)، إذ لا يلج إلی السماء الا بأبوابها.

قال تعالی: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّي يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) .

فالباري تعالی أي آيات يقصدها تُصدَّق أو تُكذب؟ وأي ابواب هذه تفتح وتغلق وأي استكبار مغاير للتكذيب وأي صدّ وصدود عن الآيات

الحجج مغاير للاستكبار.

(وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) .

(وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبي وَ اسْتَكْبَرَ) .

اسجدوا واطيعوا هي طاعة كاملة وتبعية مطلقة لآدم بما هو خليفة الله، فأبي ابليس استكباراً فلم يفتح له الباب وأبلس إبلاساً حرم من الدخول في سماء الرحمة ولم يكمل له دينه.


الحلقة العشرون: (ضابطة الاسرائيليّات)

كثيرا ما يُرفع شعار الاسرائيليات في الحديث و وجوب تنقيحه وازالته، ولنمعن في دراسة هذا الشعار، فما هي حقيقته من زيوفه؟ ومن أين بدأ ونشأ؟ وما هي تداعياته وآلياته؟ وكيف يتم توظيفه واستثماره لإبادة التراث الحديثي؟

نعم الطعن بالاسرئيليات اصبح شماعة يضرب بها الحديث والرواية التي لا تتفق مع هوي باحث أو كاتب أو لا تتطابق مع جملة استنتاجات ظنية توصل اليها وتراءت له بصورة قضايا قطعية جزم بها اندفاعاً في خطوات التفكير أو في غفلات عن مواد ومعطيات في البحث لعدم إنجاز تتبع تام في موضوع البحث، وما أكثر ما يقع باحث أو كاتب في هذه الاخفاقات وترتسم له النتيجة كأنها يقين وهي صورة شكلية واقعها ظني خاطئ.

فلندرس ضابطة التضعيف بالاسرائيليات ومفادها بنقاط:

1 - ان مجرد تطابق مضامين في الحديث لما يقر به اليهود - في توراتهم أو تلمودهم أو زبورهم أو النصاري في انجيلهم الحالي - لا يشكل علامة ودلالة علی ضعف الحديث ووصفه بالدس والوضع والاختلاق وأن نشأته آتية من

الرواة عن اليهود؛ وذلك لان التطابق موجود بين القرآن - المصحف الشريف - في كثير من الابواب والفصول والموضوعات والعناوين مع مصادرهم المذكورة وهذا لا يوجب كون المصحف الشريف مدسوساً فيه في جملة ما تطابق منه مع تلك المصادر.

أ تري يحاجج القرآن اليهود والنصاري بالتوراة الموجودة لديهم في قوله تعالی: (وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُديً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) .

فلاحظ كيف يصف التوراة الموجودة بيدهم أن فيها حكم الله تعالی وفيها هدي وان من لم يحكم بما أنزل الله فيها من حكمه فأولئك هم الكافرون وكذلك بين القرآن - في سورة المائدة وهي آخر السور نزولاً وقد تضمنت الناسخ دون المنسوخ - الحال بالنسبة إلی الانجيل الموجود لدي النصاري.

قال تعالی: (وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ*وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) .

فلاحظ كيف أن القرآن الكريم في حين يعدد الشرائع والمناهج ونسخ

بعضها لبعض، ولكن لا يعني ذلك حصول النسخ في الدين الواحد في معارفه الحقة والذي أتت به كل الكتب السماوية وتوافقها عليه متطابقة، كما لا يعني ذلك نفي التطابق في الاحكام في الشريعة والشرائع، وهذا في حين يصف القرآن التوراة والانجيل بوجود التحريف فيهما:

قال تعالی: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلي شَيْ‌ءٍ حَتّي تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَي الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) .

وقال تعالی: (وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ) .

وقال تعالی: (وَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) .

ومع كل هذه الشهادات من القرآن بوقوع التحريف في التوراة والإنجيل الا أن القرآن نفسه يذكر في العديد من السور حقائق مشتركة بين القرآن والتوراة والإنجيل.

وهذا مما يرسم لنا ميزاناً قرآنياً تجاه نسخ التوراة والإنجيل أن ما تطابق منهما تفصيلاً أو أجمالاً في الخطوط العامة مع القرآن فلا يسقط عن قدسية الكتاب المنزل من رب العالمين.

فليس مقياس القرآن ان كل ما هو توراتي أو انجيلي فباطل بل هما متضمنان لما انزله الله من احكام وحقائق، من لدن رب العرش العظيم وانما ما

عارض فيهما القرآن فهو باطل وتحريف.

ومنه يعلم ان صرف التطابق بين الحديث ومصادر أهل الكتاب ليس معياراً للبطلان،بل التشدق بشعار الاسرائيليات انما هو تهريج بعيد عن البحث العلمي والأدياني، فالمعيار ما مر بنا من العرض علی محكمات كل من المصحف والحديث المتواتر والعقل البديهي والوجدان الشهودي الفطري، فما طابقه ولو اجمالاً فهو حق وحقيقة وما خالفه فهو باطل وتحريف، وهذا ما أشار إليه جملة من محققي علماء الامامية حول شعار الاسرائيليات كميزان للطعن في الحديث نموذجاً.

قال الشيخ محمد رضا المظفر في هذا الصدد: أفلا تعجب من كاتب شهير يدعي المعرفة مثل احمد امين في كتابه (فجر الاسلام) إذ يقول: "فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة" فأنا اقول له علی مدعاه: فاليهودية ايضا ظهرت في القرآن بالرجعة كما تقدم ذكر القرآن لها في الآيات المتقدمة. ونزيده فنقول: والحقيقة أنه لابد أن تظهر اليهودية والنصرانية في كثير من المعتقدات والأحكام الإسلامية ن النبي الاكرم(صلي الله عليه و آله) جاء مصدقاً لما بين يديه من الشرائع السماوية وان نسخ بعض أحكامها فظهور اليهودية أو

النصرانية في بعض المعتقدات الاسلامية ليس عيباً في الإسلام(1).

وقال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء:

فهل اتفاقهم مع اليهود بهذا - يشير إلی احاديث الرجعة - يوجب كون اليهودية ظهرت في التشيع؟ وهل يصح ان يقال ان اليهودية ظهرت في الاسلام ن اليهود يقولون بعبادة إله واحد والمسلمون به قائلون؟! وهل هذا إلا قول زائف واستنباط سخيف(2)؟!



1) -عقائد الامامية، عقيدتنا في الرجعة.

2) - أصل الشيعة وأصولها، الحديث عن الرجعة.

الحلقة الحادية والعشرون: (الاسرائيليات في تراث العامّة)

إنّ هذه الضوابط هي معالم كشف عنها ببركة حديث اهل البيت(عليهم السلام) وليس بمجرد ظاهر المصحف، وقد أصَّل أهل البيت(عليهم السلام) عدة أركان لمعالم الدين في مقابل أركان الانحراف اليهودي الاسرائيلي المتفشي في فكر الامة، ولنستعرض نماذج منها بالغ أهل البيت(عليهم السلام) في التحذير منها في ذهنية وتعقل الأمة:

1 - تشبيه الباري تعالی بمخلوقاته وتجسيمه:

وقد شيد اهل البيت(عليهم السلام) أركان التنزيه في البشرية جمعاء ولا في المسلمين فقط، وقد وقع في غي التشبيه عمالقة الفلاسفة والعرفاء من مدارس الملل والنحل المختلفة كما قد وقع اليهود والنصاري في التشبيه والتجسيم والحلول وكذلك كثير من المذاهب الاسلامية.

فكل ما فيه تشبيه فهو زخرف باطل، فهل الفلسفة والعرفان أقرب إلی الاسرائيليات في ورطة التشبيه ام حديث اهل البيت(عليهم السلام) الذي شيد التنزيه بما لم يسبقه منهج اخلاصي وتخلصي في تاريخ تراث البشر؟!

2 - الجبر في القدر:

وقد وقع في ذلك اليهود وقالوا يد الله مغلولة، وردَّ عليهم القرآن الكريم بقوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) (1)، وكذا وقع في ذلك الفلاسفة من قانون العلية من تقدير اللازم الذاتي في ذوات الممكنات الذي لا يعلل، وكذلك العرفاء كابن عربي في فصوصه، ولعمرك لم يتخلص منه أنملة فضلاً عن عامة المذاهب الاسلامية والكلامية.

بينما شيّد وأكد حديث اهل البيت(عليهم السلام) علی البداء ومراتبه المختلفة وانه تعالی قاهر فوق كل شيء وحاكم علی كل شيء ولا يحكمه شيء وانه تعالی كل يوم في شأن، من دون كون ذلك عن جهل بعاقبة الامور، كيف وهو الموجد لها.

فمن الاقرب للاسرائيليات الفلسفة والعرفان أم حديث اهل البيت(عليهم السلام) الذي يشدد النكير علی القدرية، حتی عاد القدرية سبة التاريخ والألسن؟

3 - الجبر من الله علی العباد والمخلوقات في افعالهم أو نقيضه:

وهو التفويض، وان الانسان مجبر علی ما يأتي به من افعال حسنة جميلة أو سيئة قبيحة، وقد علت وهج انوار بيانات اهل البيت(عليهم السلام) في حديثهم ان لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، فللإنسان من الله تعالي


1) - المائدة: 64.

القدرة والعلم في ما يصدر عنه من افعال وليس مسلوب العلم ولا القدرة، بينما افرط العرفاء والصوفية في الجبر وكذلك الفلاسفة، وان الارادة للأفعال من لوازم ذات الفاعل وكذلك افرط اليهود وكثير من المذاهب الاسلامية في الجبر.

فمَن أقرب للاسرئيليات الفلسفة والعرفان ام حديث اهل البيت(عليهم السلام) المناوئ بشدة للجبر والحامل الريادة لإبطاله ولإبطال التفويض؟

4 - نسبة القبائح والمعاصي للأنبياء والرسل:

فضلاً عن الاوصياء وصدور الخيانة والتقصير والقصور، وقد نسب اليهود والنصاري إلی الانبياء والرسل الفضائع والطامات، وهذا ما يري اجمالاً من العرفاء والفلاسفة، وإن تاريخهم معروف في التكبر علی الانبياء وإرشاداتهم، وهو المشاهد في العهد الاسلامي ايضاً.

بينما شدد حديث اهل البيت(عليهم السلام) علی تنزيه الانبياء والرسل والأوصياء (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (1).

بل لا تجد ملة ولا نحلة ولا مذهباً دينياً ولا بشرياً يتشدد في عصمة الانبياء والرسل كمذهب وحديث اهل البيت(عليهم السلام) حتی طعن عليهم بالغلو والإفراط في تنزيههم واثبات الصدق والأمانة لهم وقد اشير في حديث اهل البيت(عليهم السلام) إلی أن حكمة وعقل الرسول دلالة علی حكمة المُرسل.


1) - الأنبياء: 26-27.

فمن اقرب إلی الاسرئيليات الفلسفة والعرفان ام حديث اهل البيت(عليهم السلام) الذي يمجّد الخالق بتنزيه الانبياء والرسل والأوصياء؟

5 - العدل وحسنه الذاتي والظلم وقبحه الذاتي:

فقد شدّد حديث أهل البيت(عليهم السلام) علی ذلك ومسؤولية الفرد والأسرة والمجتمع تجاه أي فعل علی أي مستوي فردي وأسري ومجتمعي وسياسي وجماعي وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفرائض التي تقام بها بقية الفرائض وأن تخلي المسؤولية مهما كان من الآخرين ولو من الجميع لا يسقط مسؤولية الفرد فلاحظ كم هي عظمة تقرير المسؤولية والوظيفة والعهد والأمانة والصدق والوفاء في حديث أهل البيت(عليهم السلام).

بينما تبرر اليهودية والنصرانية كل فعل يصدر من الفرد والجماعة تحت ذريعة الجبر وينكر قبح الفعل بذلك ولا يلزم بإصدار الفعل الحسن.

وكذلك الفلاسفة فإنهم قالوا باعتبارية الحسن والقبح وإنهما بتباني العقلاء لا للأشياء بواقعيتها وهذا يفتح باب تبدل الثوابت وتبرير عدم المسؤولية الحقيقية بعد عدم تقرر الحسن والقبح ذاتياً للأفعال وكذلك وافقهم العرفاء والصوفية.

فمن الذي تضمن الاسرئيليات الفلسفة والعرفان أم حديث أهل البيت(عليهم السلام) الذي شدّد علی العدل وحسنه وقبح الظلم وسوئه؟

6 - عدم ترامي رجال الدين في احضان الحكام والساسة:

وقد شدّد حديث أهل البيت(عليهم السلام) علی عدم اسارة رجل الدين للسياسات المختلفة ولزوم استقلاليته عن السلاطين والحكومات وان الانحراف في دين اليهود والنصاري لانقياد علمائهم للحكام وتبعيتهم للسلطات، بينما لم يحسم هذا الامر الفلاسفة ولا العرفاء والصوفية، بل كثيراً ما تم توظيف أنماط من الفلسفة لتبرير سياسات الحكام وهي مدارس التشكيك السفسطي.

فأيهما اقرب إلی الاسرائيليات الفلسفة والعرفان أم حديث أهل البيت(عليهم السلام) الذي شدّد - طوال التاريخ - علی علماء الامامية الابتعاد عن تلاعب مزاد الحكام وأهوائهم؟؟


الحلقة الثانية والعشرون: (الاسرائيليات في الفلسفة والعرفان)

ولنكمل في البدء نبذة أخری من النقاط المقارنة بين عشعشة الاسرائيليات في الفلسفة والعرفان وبين نقاء الحديث منها، هذا مع ايماننا بضرورة اللغة والقراءة العقلية واللغة والقراءة الذوقية، وانهما اللغتان والقراءتان المثيلتان للوحي، وان العقل والقلب هما التلميذان المقدمان والاكفأن للتعلم لدي مدرسة كلام الوحي، إلا أن هناك بوناً كبيراً بين اللغة والقراءة التصورية العقلية والذوقية لكلام الوحي وبين جعل المدار في البحث العقلي والذوقي العكوف طوال العمر علی كلام البشر كالفلاسفة والعرفاء وإضفاء هالة من القدسية عليه.

7 - البحوث في العلوم الطبيعية: فكم بني الفلاسفة علی بحوث العلوم الطبيعية والتجريبية المعاصرة لهم ورتبوا عدة من نظرياتهم عليها وجملة من استدلالاتهم علی تفريعاتها ثم يفاجئهم البحث العلمي في اجيال لاحقة بهدم كل اسس الفرضيات أو النظريات التي بنوا عليها فينهار عرش

البحوث في جرف هارٍ.

وكذلك العرفاء فكم بني مثلاً ابن عربي في فتوحاته وغيره علی نظرية بطليموس في الفلك بينما تبددت اوهام هذه النظرية لاحقاً.

وخالف صاحب تفسير الميزان الفلاسفة في جنس الاجناس فلم يجعله الجسم بل الطاقة المادية وما ذهب اليه وان كان يتضمن غفلة عن ضابطة ومصطلح الجسم في اللغة العقلية إلا ان مؤاخذته علی من تقدمه في هذه المسألة التي تبتني عليها عشرات البحوث الاخري مثال علی تلك العشعشة.

ومثال آخر وليس بأخير ما بني عليه الملّا صدرا وصاحب الميزان كذلك في البحث الفلسفي من أن ارتباط أصل الروح المجرد الحيواني من الانسان بالبدن بعد الاربعة أشهر وحملوا تفسير الآية القرآنية ثم أنشأناه خلقاً آخر علی هذا المعني وكذلك تأوّلا عالم ونشأة الذر للإنسان.

بينما اكتشف العلم الحديث ان تعلق الروح الحيواني بالمادة قبل ذلك بكثير بمادة الجينات الوراثية المجهرية منذ وجودها في ظهر آدم ابو البشر وأما الانشاء الآخر بعد الأربعة أشهر فهو مراتب أعلي من درجات الروح الانساني.

وهكذا تجد العشرات من الامثلة والموارد والمواطن التي بنوا عليها.

وهذه الظاهرة ليست مختصة بالفلسفة البشرية القديمة بل ملحوظة بالفلسفات الحديثة الغربية ايضا لاسيما مع هذه الثورة المعلوماتية التي تتفجر باستمرار علی مدار الساعات في العلوم الراهنة لدي البشر فإنها تفضح زيوف الآراء الفلسفية بنحو سافر.

بينما نري العكس علی الدوام بين ما يتضمنه الحديث والروايات من أمور حول مختلف العلوم والموضوعات الطبيعية والكونية فإن الاكتشافات والمفاجئات العلمية تبرز اعجازات علمية مهولة لما تضمنته الاحاديث من حقائق طبيعية وكونية وتكوينية لم يستوعبها ولم يعيها البشر من قبل، فانظر إلی هاتين الظاهرتين المتعاكستين في الفلسفة والعرفان وعلي عكسها في متون ومضامين الحديث وتابع وارصد سلسلة المستجدات وقم بتدوين قائمة وملفات في ذلك، ولن ينقضي عجبك حتی ستذهل من هول ما ستقف عليه من عظمة ما تضمنه الحديث من الوحي في أدق التفاصيل فضلاً عن كبار المسائل والأبواب، فهو كالشمس المشرقة المتعاظمة في الصعود علواً.

بينما ينكشف قصور تصورات الفلاسفة والعرفاء وإخفاقاتهم التي لا تنتهي عند حد بتواصل مفاجئات اكتشافات العلوم الحديثة.

8 - التعصب للرأي والانغلاق تزمتاً: فإنها ظاهرة في البدء لإبليس اللعين فهو كما قال امير المؤمنين(عليه السلام) ابليس امام المتعصبين. وهذه الظاهرة مترسخة في طبيعة اليهود ولجاجهم وتعصبهم وعنصريتهم التي رصدها القرآن الكريم.

فتعال... نلاحظ مقدار التعصب في جو البحث الفلسفي والعرفاني رغم رفع الفلاسفة والعرفاء شعار البحث الحرّ وان المدار هو الدليل والاستدلال والبرهان لا التقليد والتسالم.

إلا ان حقيقة الحال وواقع المسيرة الفلسفية والعرفانية تغاير هذا الشعار

ولنذكر لذلك امثلة:

• منها: ابتعادهم عن تراث الانبياء(عليهم السلام) والأديان واستبدادهم بآرائهم مع ان الانفتاح علی الرأي الآخر وآراء الاخرين بغض النظر عن هويته مما يوسع للباحث أفق الاحتمالات ويكثر لديه زوايا وابعاد الامور وينوّع لديه وجوه الاشياء.

وهذا لا يعني التسليم من دون دليل وبرهان بل يعني إثارة الاحتمال وتوليد تصورات مغفول عنها في ذهن الباحث لولا انفتاحه واطلاعه واستقرائه راء المدارس والاتجاهات المختلفة.

ومن ثم ورد في الحديث عن النبي(صلي الله عليه و آله) وأهل البيت(عليهم السلام)أنه:

"أعلم الناس من علم باختلاف الناس"

"وأعقل الناس من جمع عقول الناس إلی عقله"

مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ ومَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا

وغيرها من التوصيات في القرآن والسنة علی الانفتاح علی اقوال وآراء الاخرين.

وهذا وان لم يكن بمعني التسليم عمياوياً بل التصفح والتنقيب والبحث والمقارنة.

إلا أن أصل الاطلاع علی ما يقوله الآخرون يوسع أفق تصور الباحث، بينما الملحوظ لدي جل وغالب الفلاسفة والعرفاء العزوف عن ميراث الانبياء والمرسلين والصدود عنه بل الاستهزاء به والاستنكاف عن التصفح فيه والتنقيب عن تصوراته مع انهم يسترقون كثيراً من نيرات ضيائه

في عدة من المباحث، إلا أنه يسيرٌ مقارنة مع ما في الميراث السماوي من حقائق ومعارف مع أن أصل التصورات والإلمام بجميعها ومجموعها ضروري توفره لدي الباحث كي تتوافر لديه المعطيات وتعتدل لديه الموازنة بين كل الاحتمالات المتأتي إمكانها.

فكيف يتم السبر العقلي والاستقصاء الدقي البرهاني لكل محتملات الامكان الواقعي بدون الاحاطة الشمولية؟

فهل يكون الحصر بدون ذلك حينئذ عقلياً برهانياً أم هو تجزمي تقوقعي في شرنقة الأنوية وسجن الأنا الذاتي؟.

ومن ذلك يظهر لك قيمة أية رواية مهما بلغ ضعفها من ناحية توثيق الصدور ومهما بلغ ضعف اعتبار الطريق فإن المدار في البحث العقلي ليس علی الصدور والطريق بل علی المضمون للمتون والمفاد للمؤدي. فغريب ممن يدعي النهج العقلي ويتمسك في بحث المعارف بتمريض اعتبار الصدور والطريق للحديث مما يكشف عن عجزه عن تحليل المضمون وعن دراسة المتون.

ثم من الغرائب ان الفلاسفة والعرفاء يعكفون طول عمرهم علی كلام البشر من أمثالهم ولا ينفتحون علی كلام منسوب للوحي السماوي.

وليس المقصود من ضرورة انفتاحهم على كلام الوحي هو إذعانهم به من دون دلائل وبرهان بل المقصود هو تحريهم وتنقيبهم في الآفاق التي يبديها ويبرزها الكلام المنسوب للوحي.

بينما نري ان الحديث الشريف يدعو إلی الإلمام بأقوال الآخرين والمقارنة والموازنة والتنقيب لتمييز الغث من السمين والانفتاح علی الحكمة أينما وجدها وتوصيات عديدة للتحري.

ومنها: عدم انفتاح الفلسفة والعرفان علی العلوم الاخري، فإن متابعة العلوم الأخري في كل المجالات والمستجدات مما يوسع آفاق العقلية والذهنية البشرية ويأخذ بها إلی مستويات مترقية.

بينما ابتعد الفلاسفة والعرفاء عن العلوم الكثيرة تحت ذريعة انها لاتشتمل علی البرهان ولا علی المشاهدات والمكاشفات العيانية وهذا حبَسهم علی دوائر ضيقة من المجهود العلمي بخلاف دعوة الحديث والروايات فإنها داعية إلی ازدياد الاطلاع علی العلوم والي ازدياد درجات رقي العقل بقوة المعلومات كي يتسني ويتمكن من وعي وفهم كلام الوحي الذي يتصفح كل اقسام المخلوقات وأنواع الاشياء.

ومنها: منعهم النقاش والنقد والمسائلة في المسلمات الفلسفية والعرفانية وإضفاء هالة قدسية‌علي رموزهما، ولا يخفي ان من وراء ذلك غلقاً لباب المراقبة العلمية والنقد البحثي وضخ قناعات مسلمية لايفسح المجال للتأمل والتساؤل فيها، بينما الوحي من خلال المصحف والحديث يوصي بمراقبة الانبياء والرسل والأوصياء فضلاً عن غيرهم وهذه المراقبة لا للخلل والخطل في المعصومين(عليهم السلام) بل لزيادة المعرفة بعلو حقائق مقاماتهم وليكون الاتباع عن معرفة وبصيرة لا عن عمياوية واندفاع غير مدروس.

الحلقة الثالثة والعشرون: (الذكر بين القرآن والسنة)

قد تقدم أن مجرد تطابق مفاد آية أو حديث مع مفاد ديني لدي أهل الكتاب لا يشكل سبباً للاسترابة في ذلك المفاد، كما ان منظومة الثوابت في حديث أهل البيت(عليهم السلام) مهيمنة علی انحرافات تعاليم أهل الكتاب من اليهود والنصاري.

فبعد الاحاطة بذلك اجمالاً فضلاً عن الاحاطة التفصيلية لا تبقي استرابة ولا ريب في صيانة ورصانة حديث أهل البيت(عليهم السلام)، هذا من الناحية الاولي وهي أهمية دراسة المتن والمتون للحديث.

وأما من الناحية الثانية وهي المداقة في الضبط والنقل لدي علماء الامامية من الرواة والمحدثين والفقهاء: فقد عرضت كتب الحديث علی المعصومين(عليهم السلام) طوال ثلاثة قرون وربع إلی درجة لا تجد تراثاً روائياً أنقي من تراث حديث أهل البيت(عليهم السلام) مقارنة مع كل المذاهب الاسلامية فضلاً عن الملل والنحل الأخري.

واما من الناحية الثالثة وهي الحفظ الغيبي لتراث الحديث كما يحفظ

القرآن في رتبة المصحف بوجود المعصوم(عليه السلام)، فقد وعد تعالی بحفظ الذكر والذكر يعم كل انواع الوحي ومنه سنة الرسول(صلي الله عليه و آله) وأهل البيت(عليهم السلام) حيث قال تعالی: (إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ) ، وقال تعالی: (قَدْ أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً. رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللّهِ مُبَيِّناتٍ) .. فالرسول(صلي الله عليه و آله) عين الذكر.

وقال تعالی: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوي. وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوي. إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحي) . فنطق النبي(صلي الله عليه و آله) بل تمام شؤونه وحي يوحي وكل الوحي ذكر.

فمع تعهد السماء بحفظ الوحي الذي يشمل السنة لا خصوص المصحف كيف يشكك في مجموع الحديث والسنة فإنه تكذيب للقرآن.

ثم إنه قد أمر كل من القرآن والنبي(صلي الله عليه و آله) بالتمسك بكل من الثقلين الكتاب والعترة وليس حديث الثقلين مختصاً بتوصية النبي(صلي الله عليه و آله) بل هو توصية قرآنية مرت الاشارة اليها في جملة من آيات السور، وحديث أهل البيت(عليهم السلام) من اهم شؤون العترة الذي يتمسك به.

فحديث أهل البيت(عليهم السلام) سواء من ناحية الصدور أو من ناحية المتن والمضمون منضبط بموازين ومعايير لا تقبل الانفلات والاختراق وذلك لإحكام المنظومة في دراسة الطرق والمصادر وفي دراسة المتن والمضمون، نعم لا يضطلع بذلك القاصر عن الاحاطة بهذه المنظومة والنظام فيظل في ريب متردّد لا يهتدي سواء السبيل، يستولي عليه الغي ولا يكاد يخرج من الحيرة.

وقد ورد متواتراً عن أهل البيت(عليهم السلام) أن أعظم ميزان لدراسة آحاد

الحديث هو بدراسة متن الحديث ومضمونه، وذلك يتم بعرضه علي

محكمات الكتاب والسنة أي القطعي دلالة وصدوراً منهما، لكن هذا الميزان لا يقوي علی استعماله ولا علی استعلامه الا الفقيه العالم بأبواب الدين ومعالمه ودلائله منظومة ونظاماً.

فرفع راية الريبة والاسترابة والتردد والمرية والاضطراب والحيرة وإساءة الظن والوجل علامة القصور والعجز وعدم القدرة علی دراسة متن ومضمون الحديث وإلا فلماذا الصياح والصخب ان كان في البين قدرة ومقدرة علی البحث والتثبت والضبط؟ ثم إن لم يُستأمن أتباع أهل البيت(عليهم السلام) علی تراثهم من الحديث فمن هم المستأمنون علی ذلك أهم أعداؤهم؟

ثم هل يحتمل اقوائية منظومة الانحراف علی منظومة محاور الوحي كي يلتبس الأمر ويتلبّد الأفق فلا يبصر الطريق ويرتاب؟

نعم ذلك يتصور مع من يعجز عن الإلمام بمنظومة وثوابت أعمدة نظام الوحي،وقد مر أن دراسة متن ومضمون الحديث بسليقة ذوقية أو أنظار اجتهادية ظنية ثم التجزم باختلاق الحديث - هو تلاعب بالتراث ولنذكر لذلك مثالاً، فقد ورد رواية أو روايات أن الدنيا علی جبل من قاف، و هذا المضمون عندما واجهه أحد الكتاب والمحاضرين المثقفين المشهورين سارع إلی رمي الحديث بالطعن بالإسرائيليات وانه مدسوس ومطعون وو ووكان هذا

في السبعينات الميلادية، وكذلك رمي الاحاديث أن الارض أو الجسم الكوني الفلاني علی قرن من ثور، ونظير هذه الامور الفضائية الكونية التي لم تكتشف علمياً آنذاك.

بينما اكتشف علمياً أن المجال المغناطيسي الذي يحيط بالارض علی شكل قاف وكذلك علی قرن من ثور بلحاظ شكل المجال الطاقي غير المرئي. فكيف بك مع هذه الثورة في المعلومات المتزايدة في الاكتشافات الفيزيائية والكيميائية المختلفة، مما يدلّل علی أن العقل البشري كلما ازداد علماً يكتشف الاعجاز في الحديث كما يكتشفه في المصحف الشريف.

قال صاحب الميزان في تفسيره:

علي ان هذه القضايا التي اخبرنا بها أئمة أهل البيت(عليهم السلام) من الملاحم المتعلقة بآخر الزمان وقد أثبتها النقلة الرواة في كتب محفوظة النسخ عندنا سابقة تأليفاً وكتابة علی الوقوع بقرون وأزمنة طويلة نشاهد كل يوم شطراً منها من غير زيادة ونقيصة فلنحقق صحة جميعها وصدق جميع مضامينها.(1)

والأغرب والأفظع ان يناقش الباحث متن الحديث ومضمونه وليس لديه أي تخصص في ما يتناوله الحديث الشريف، فما هي إلا استبعادات واستنكارات مستعجلة مبنية علی غفلات وجهالات بحقائق الامور الكونية


1) - تفسير الميزان ذيل آيات 208 - 210 من سورة البقرة.

والتكوينية، مع أن مسيرة العلوم للبشر كلما تلاحقت بحوثها واكتشافاتها كلما اكتشفت من المعاجز العلمية في مضامين الحديث.

بل ان من المتخصصين في علم من العلوم التجريبية أو غيرها وإن وصل إلی درجة الدكتوراه إلا انه لم يغور اطلاعاً في ذلك العلم المختص ليميز بين ما هو فرضية وما هو نظرية وما هو حقيقة اجمالية وما هو حقيقة مبدهة في بحوث ومسائل ذلك العلم وهذه طامة في الثقافة العلمية للأفراد، فتراه لا يواكب مستجدات تخصصه والطفرات العلمية المكتشفة فيه كل يوم بيومه ولا يتابع النشرات الدورية المعنية بتخصصه نفسه فضلاً عن بقية التخصصات التي ربما لا يملك ثقافة معتداً بها عنها ومع كل ذلك يقيم نقاشات واستنكارات واستبعادات وتهكمات علی متن حديث مروي لا يلم هو بأدني اطلاع مواكب للساعة لآخر مستجد ثقافي تخصصي عن الموضوع الذي يتناوله ذلك الحديث. وهذه ناحية رابعة في دراسة ومعرفة متون الحديث.


الحلقة الرابعة والعشرون:(حُجيّة الحديث علميّة أم تعبديّة)

الإسرائيليات يتخوّف منها الحَشَوي القشري لا الفقيه المتضلع

إنّ من مقامات النبي(صلي الله عليه و آله) وأهل البيت(عليهم السلام)، أنّهم معلّموا البشر والملائكة والجن وغيرهم.

قال تعالی: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ) .

فوصف تعالی نبيه بأنه معلم الكتاب ومعلم الحكمة، ولا يخفي ان المعلم والتعليم رابطة وارتباط مع البشر تختلف عن رابطة الولاية كما في قوله تعالی: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ) .

فارتباط الولاية آمرية من الوالي الولي، والمأمورية من الموالي الولي التابع، وأما التعليم فهو إحداث المُعلّم العلم لدي المُتعلّم، فكون أحد شؤون النبي(صلي الله عليه و آله) مُعلّم الكتاب ومُعلّم الحكمة أي أنه يوجد العلم بالكتاب ويوجد العلم بالحكمة في البشر.

ولا يخفي ان العلم بالحكمة ليس حجيته تعبدية ظنية بل هو حجة من باب حجية العلم بالحكمة والبرهان.

وكذلك كونه معلم الكتاب الذي هو علم بالخطوط الكلية العامة الكونية الأكوانية أيضاً هو اخر ليس حجية تعبدية ظنية، فلا ينفع في حصولها الطريق الصحيح للرواية والحديث؛ لان غايته هو الظن لا العلم واليقين والبرهان، بينما أحد أهم أدواره(صلي الله عليه و آله) القيام بدور التعليم للحكمة والكتاب.

وكذلك دور الأئمة(عليهم السلام) هو التعليم لاالحصر في الولاية، بل لك أن تقول أن من أرفع درجات الولاية والتولي هو التعليم والعلم والتعلّم.

وقد ورد في تأويل صفة (أمير المؤمنين) للامام علي(عليه السلام): انه بمعني "يمير العلم ملكوتياً علی المؤمنين"، اي صفة المعلّم والتعليم، ولا يخفي عدم قصور التعليم والعلم علی طريقة واحدة بل يكون بطرق شتي.

فالتعليم والعلم حجة غير تعبدية أي الانقياد ليس ناشئاً من الظن، بل هو من اسباب العلم، فلا يكون حجة تعبدية ظنية بل حجية تكوينية وهذه الحجية للعلم كما قررت في علم اصول الفقه وعلم الكلام أقوي من الحجية التعبدية الظنية ومقدمة عليها.

فإذا اتضح ذلك فليتنبه بالتفات مركز أن الحديث ليست حجيته

منحصرة من ناحية الصدور وطريقه الذي هو طريق ظني تعبدي، بل هناك

جهة أخری لحجية الحديث والرواية وهي حجية العلم وذلك من ناحية دراسة المتن ودراية المضمون وفقه الحديث، فانه اذا تضمن وانطوي متنه علی دلائل برهانية وقطعية، أو تضمن معناه لإشارات إلی دليل محكم آخر أو احتوي مدلوله علی إيماء إلی بينات يقينية، فإن حجيته سوف تكون من حجية العلم لا من الحجية اتية من الصدور ولا من نقل الرواة ولا من إسناد الإخبار، وهي حجية يقينية من نظم قوالب المعني وليست ظنية تتطرق اليها الريبة من الاسرائيليات ولا تحتمل التشكيك بالدس والدسيسة والوضع والوضيعة ولا المرية من التدليس والكذب.

فلاحظ كم الفرق بين حجية الحديث من ناحية الطريق والسند والنقل وحجية الحديث من ناحية فقه المتن ودراسته ودراية مضمونه فمن ثم ورد عنهم(عليهم السلام) من الرحمن المتعال، "ان حديث تدريه خير من عشر حديث ترويه" وورد ايضا "حَدِيثٌ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرْوِيه(1)" وورد تعداد آخر في المفاضلة.

وهذا الاختلاف في المفاضلة راجع إلی درجة فهم متن ومعني الحديث ومدلول الرواية.

فلاحظ كلام النبي(صلي الله عليه و آله):

"رُبَ حَامِلِ فِقْهٍ إلی مَنْ هُوَ


1) - معاني الاخبار.

أَفْقَهُ مِنْه" (1).

وورد عنه(صلي الله عليه و آله):

"رب حامل فقه وليس بفقيه(2)".

فلاحظ كم يؤكد وينبه إلی اهمية فهم ودراية متن ومعني الحديث وفقه مضمونه.

وكذلك لاحظ قوله تعالی الراسم لخريطة العلم والتعلم للوحي: (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (3)، فبعد ذكره النفر إلی المعصوم أكد تعالی علی فهم كلام الوحي ومعرفة منظومة تركيب معانيه وحقايقه بقوله ليتفقهوا.

ومن ثم ورد متواتراً أن أعظم ميزان لدراسة الحديث والرواية ليس هو الطريق للخبر والسند للرواية، بل الميزان والمعيار هو عرضه علی الكتاب والسنة، اي محكمات الكتاب ومحكمات السنة القطعية.

وهذا العرض ليس دراسة لوثاقة الرواة في سلسلة السند ولا دراية لأحوال رواة الرواية بل هو عرض لقوالب معاني الحديث علی قوالب معاني الكتاب والسنة ومقارنة أطر المضمون لمضامين الثقلين ودراية لمتن الحديث.

فعلم الدراية علی نمطين: نمط لدراية الطريق وسند الرواية والحديث


1) - كتاب سليم بن قيس الهلالي والاصول الستة عشر وتفسير القمي وغيرها من المصادر.

2) - مستدرك الوسائل.

3) - التوبة 122.

ونمط لدراية المتن ومضمون ومدلول ومعني الرواية والمروي.

والفقه كل الفقه والفقيه كل الفقيه والعالم كل العالم هو المتضلع في فهم معني الحديث وطبقات معانيه المنتظمة المترابطة بعضها ببعض إضافة علی الإلمام بأحوال طريق وسند الحديث والرواية.

ومن ثم ورد عنهم: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فَقِيهاً حَتَّي يَعْرِفَ مَعَارِيضَ كَلَامِنَا وإِنَّ الْكَلِمَةَ مِنْ كَلَامِنَا لَتَنْصَرِفُ عَلَي سَبْعِينَ وَجْهاً لَنَا مِنْ جَمِيعِهَا الْمَخْرَجُ (1).

و كذا ورد عنهم:

اعْرِفُوا مَنَازِلَ شِيعَتِنَا بِقَدْرِ مَا يُحْسِنُونَ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَنَّا، فَإِنَّا لَا نَعُدُّ الْفَقِيهَ مِنْهُمْ فَقِيهاً حَتَّي يَكُونَ مُحَدَّثاً. فَقِيلَ لَهُ أَ ويَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُحَدَّثاً قَالَ يَكُونُ مُفَهَّماً والْمُفَهَّمُ مُحْدَّثٌ‌(2).

وهو كما تري مرتبط بجانب دراسة متن الحديث لا مجرد طريقه وحال صدوره.

فاتضح اختلاف منشأ الحجيتين، كما هو الحال في استعراض الباحث اقوال الآخرين في شتي العلوم، فان تصفحه لأقوالهم وكلامهم ليس لأجل الانقياد التعبدي، بل لاستخراج الدلائل العلمية من كلماتهم، فكذلك هو منهج الحجية العلمية والعلم للحديث، فهو لا يتوقف ولا ينحصر علی حال


1) - معاني الاخبار.

2) رجال الكشي .

طريقه وصحته من ضعف وارسال ورفع وغيره بل العمدة والعماد والركن

والأركان والمركز والركاز هو دراسة متنه والبحث في مضمونه ومعانيه.

ومنه... يتبين ما ذكره الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والمحقق الحلي وجملة من الاعلام المتقدمين: من ان هناك مسلكاً حشوياً قشرياً وآخر مسلك المحصلين المحققين هو إشارة إلی هذا الفرق بين الاقتصار علی دراسة السند والطريق في الحديث وبين دراسة متن ومدلول الحديث ومعناه.

ومنه... يظهر ان المعاداة والتحسس من الحديث بذريعة الاسرائيليات نظرة ومسلك حشوي وقشري لا تحصيلي تحقيقي.


الحلقة الخامسة والعشرون: (أهمية الاحتمال في تراث الوحي)

قد يتساءل عن ظاهرة قرآنية وهي ان الله تعالی يحاجج اهل الكتاب من اليهود والنصاري بالتوراة والإنجيل الموجودين في عهد نزول القرآن، ويجعل نقطة الحوار معهم في الاستدلال علی نسخ الكتابين،مع انهما مشتملان علی التحريف والتزوير، فهلا حاججهم القرآن الكريم واستدل بكتب موثوقة من تأليف نوابغ البشر والفلاسفة والحكماء والعرفاء والرهبان؟ بل نجد القرآن الكريم يصر علی النقاش معهم في نسخ التوراة والإنجيل الموجودة.

قال تعالی: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (1).

وقال عز من قائل: (وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللّهِ


1) - آل عمران: 93.

ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُديً وَ نُورٌ...) (1).

وقال جل وعلا: (وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (2).

فلاحظ مدي الاعتبار الذي يوليه القرآن للتوراة والإنجيل الموجودين رغم شهادة القرآن نفسه بوقوع التحريف فيهما.

فما هو الوجه والسر والسبب وراء ذلك؟ وكيف يعطي لهما هذا القدر من المرجعية والمصدرية فوق كل المصادر والمراجع التشريعية؟؟

إنه ليس من العبط والصدفة والعبثية، إذن فما هي الهيكلية والنظام الصناعي والعلمي الذي يشير اليه القرآن الكريم ليجعل من نفسه قمة الهرم في مجموعة الكتب السماوية ومن بعده التوراة والإنجيل الموجودين بين أيدينا؟ وما هو البنيان المنظومي لنظام المعادلات والمعلومات في الكتابين المقدسين السماويين بحيث لا تطاله يد التحريف البشري ؟

إن هذا النظام والمنظومة والبنيان هو أمومة المحكمات وإحاطته علی الطبقات التحتانية المتشابهة منه، بل هيمنته علی التحريفات والتزويرات المدسوسة والمختلقة من قبل البشر، وهو الذي يشير اليه القرآن بصورة صريحة وواضحة في قوله تعالی: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ


1) - المائدة: 43.

2) - المائدة: 47.

مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) (1).

إن هذه الأمومة والمحورية المركزية العليا المهيمنة علی أم الكتاب هي بيد الله تعالی والراسخين في العلم، (وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) (2)ولأم الكتاب أم أخری تؤوب وتدور حولها وهي محورية ومركزية

(اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) فالمشهد يرتسم في طبقات تعلو وتهيمن بعضها علی البعض، نظير هيمنة القوانين الدستورية علی القوانين البرلمانية وهيمنة القوانين البرلمانية علی القوانين الوزارية والوزارية علی القوانين البلدية، فهي طبقات تعلو بعضها علی البعض هيمنة وإحاطة.

ونظير المعادلات الاولية العامة الكلية في كل علم، فهي تعلو وتفوق علی معادلات النازلة لذلك العلم، وهذا كما تري ناموس بنياني نظامي في كل العلوم والمعارف، وأعظم ذلك مثالاً ونموذجاً هو نظام منظومة القرآن ومن بعده الكتب السماوية الاخري.

اذا اتضح هذا النظام الهندسي المعرفي يتضح ان الهيكل الفوقي المهيمن في التوراة والإنجيل لا يتزلزل بإدخال تحريفات تحتانية من طبقات نازلة، إذ الأسس الفوقية محفوظة لا يتزلزل بنيانها بتفاصيل مقلوبة معكوسة، فالمحاور العمادية مقومة لما دونها بل قد عرفت ان الطبقات التحتانية الصحيحة الحقيقية غير المزيفة هي متشابه تتشابه توجب الزيغ من دون تحكيم الاسس


1) - آل عمران: 7.

2) - نفس الآية -

الفوقية المحكمات المهيمنة وتوجب الزيغ والفتنة.

كما لابد من الالتفات إلی ان عقلية البشر المحدودة مهما حاولت تزييف الحقائق والأمور فإن قدرتها لا تؤهلها إلی الوصول والاهتداء إلی زعزعة الاسس أو القدرة علی تشخيصها كلها فضلاً عن تغييرها.

ومن ثم كان نسخ التوراة والإنجيل رغم التحريف متوفرة علی أمومة وأصول وأسس معارف وقوانين التشريعات المنزلة من الله تعالي.

وهذا الذي نشاهده في احتجاج الرضا(عليه السلام) مع علماء اليهود والنصاري في الندوات الاديانية التي عقدها المأمون العباسي لتحدي علم آل محمد(عليهم السلام)، فإنه(عليه السلام) كان يحتج عليهم من نصوص نسخ التوراة والإنجيل المتوفرة.

وبذلك يتضح ان اسس الكتاب وأسس الحديث محكمات بنيوية لايرقي إلی التطاول عليها تزييفات وتحريفات عقلية البشر مهما استشاطت شيطنتهم.

والي هذه الهيمنة العملاقية لنظام معارف وبنود قوانين الوحي في الكتاب والحديث يشير التحدي القرآني في قوله تعالی: (وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلي عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) (1)، وقوله تعالی: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ


1) - البقرة: 23.

الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلي أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (1).

فالعجز في الانس والجن عن الطيران إلی مستوي حلقات نظام الوحي ومستوي طبقات منظومته، وهذه الفوقية والهيمنية في أسس معادلات الوحي هي الإحكام في المحكمات المزيل لكل تشابه في التفاصيل الحقّة التحتانية في الكتاب والحديث فضلاً عن تحريفات المبطلين من الاسرائيليات

أو تفلسفيات البشر أو تصوفيات العرفاء أو شهونيات المادية للحداثويات أو وثنيات الحس المادي للوهابية السلفية، فإن كل هذه الزعاقات والتشدقات لا تتصاعد لتبلغ طولاً شموخ بنيان منظومة نظام الوحي في الكتاب والحديث.

نعم القاصر فهماً وفقهاً للوحي تلتبس عليه وتتلبد لديه الصورة وهذا ليس التباساً وتخليطاً في الكتاب والحديث بل داءٌ عضالٌ في الباحث القاصر العاجز الضعيف.

ومن ثم لا يتلبد علماء الامامية في الاشراف والرعاية لتراث الحديث لدي العامة عن الضياع والتلاعب به رغم ما فيه من التحريف والدس والنقل عن اليهود والنصاب وأهل النفاق، وذلك لكون المحكمات من الحديث النبوي مزيلة لكل التشابه والتحريف ومهيمنة علی الاعوجاجات، بل إن أسس كثير من الحقايق في معارف أهل البيت(عليهم السلام) يمكن استكشافها


1) -الاسراء: 88 .

والوقوف عليها في الصحيح من تراث الحديث لدي العامة وان غفل ولم يتنبه لحقيقتها رواة العامة، فرووها ولم يطمسوها.

فكيف بك بتراث الحديث المروي عن اهل البيت(عليهم السلام) الموثق طوال ثلاثة قرون وثلث من القرن الرابع عن المعصومين(عليهم السلام).


الحلقة السادسة و العشرون: (أسباب التحريف في الدين)

لقد رصد القرآن الكريم أسباب انحراف اليهود والنصاري وتحريفهم للدين الالهي ومن اهمها خضوع علمائهم وأحبارهم للحكام السياسيين:

قال تعالی مخاطبا علماء اليهود: ( إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُديً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَ اخْشَوْنِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (1)

والشراء بالايات ثمناً قليلاً هو التحريف للأحكام والحقايق الدينية بسمسرة الحكام السياسيين.

وقال تعالی: (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا


1) المائدة/44

بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيّايَ فَارْهَبُونِوَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَ إِيّايَ فَاتَّقُونِوَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(1).

وقال تعالی: (وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (2).

وقال تعالی: (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (3)... (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (4).

وفيما روي عن الامام العسكري(عليه السلام)

(إِنَّ عَوَامَ الْيَهُودِ كَانُوا قَدْ عَرَفُوا عُلَمَاءَهُمْ بِالْكَذِبِ الصِّرَاحِ، وبِأَكْلِ الْحَرَامِ وبِالرِّشَا، وبِتَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ عَنْ وَاجِبِهَا - بِالشَّفَاعَاتِ والْعِنَايَاتِ والْمُصَانَعَاتِ. وَ عَرَفُوهُمْ بِالتَّعَصُّبِ الشَّدِيدِ - الَّذِي يُفَارِقُونَ بِهِ أَدْيَانَهُمْ - وأَنَّهُمْ إِذَا تَعَصَّبُوا أَزَالُوا حُقُوقَ مَنْ تَعَصَّبُوا عَلَيْهِ وأَعْطَوْا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ تَعَصَّبُوا لَهُ مِنْ أَمْوَالِ غَيْرِهِمْ وظَلَمُوهُمْ مِنْ أَجْلِهِمْ.


1) البقرة: 41-42.

2) - النحل: 95.

3) - آل عمران: 71.

4) - آل عمران: 77.

وَ عَرَفُوهُمْ بِأَنَّهُمْ يُقَارِفُونَ الْمُحَرَّمَاتِ، واضْطُرُّوا بِمَعَارِفِ قُلُوبِهِمْ - إلی أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا يَفْعَلُونَهُ فَهُوَ فَاسِقٌ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَدَّقَ عَلَي اللَّهِ، ولَا عَلَي الْوَسَائِطِ بَيْنَ الْخَلْقِ وبَيْنَ اللهِ ....، وكَذَلِكَ عَوَامُّ أُمَّتِنَا - إِذَا عَرَفُوا مِنْ فُقَهَائِهِمُ الْفِسْقَ الظَّاهِرَ، والْعَصَبِيَّةَ الشَّدِيدَةَ والتَّكَالُبَ عَلَي حُطَامِ الدُّنْيَا وحَرَامِهَا، وإِهْلَاكَ مَنْ يَتَعَصَّبُونَ عَلَيْهِ....

وَ مِنْهُمْ قَوْمٌ نُصَّابٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَي الْقَدْحِ فِينَا، يَتَعَلَّمُونَ بَعْضَ عُلُومِنَا الصَّحِيحَةِ فَيَتَوَجَّهُونَ بِهِ عِنْدَ شِيعَتِنَا، ويَنْتَقِصُونَ [بِنَا] عِنْدَ نُصَّابِنَا(1)ثُمَّ يُضِيفُونَ إِلَيْهِ أَضْعَافَهُ وأَضْعَافَ أَضْعَافِهِ - مِنَ الْأَكَاذِيبِ عَلَيْنَا الَّتِي نَحْنُ بِرَاءٌ مِنْهَا، فَيَتَقَبَّلُهُ [الْمُسْلِمُونَ] الْمُسْتَسْلِمُونَ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَي أَنَّهُ مِنْ عُلُومِنَا فَضَلُّوا وأَضَلُّوهُمْ، وهُمْ أَضَرُّ عَلَي ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا مِنْ جَيْشِ يَزِيدَ عَلَي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ع وأَصْحَابِهِ فَإِنَّهُمْ يَسْلُبُونَهُمُ الْأَرْوَاحَ والْأَمْوَالَ، ....

وَ هَؤُلَاءِ عُلَمَاءُ السَّوْءِ النَّاصِبُونَ - الْمُشَبِّهُونَ بِأَنَّهُمْ لَنَا مُوَالُونَ، ولِأَعْدَائِنَا مُعَادُونَ يُدْخِلُونَ الشَّكَّ والشُّبْهَةَ عَلَي ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا، فَيُضِلُّونَهُمْ ويَمْنَعُونَهُمْ عَنْ قَصْدِ الْحَقِّ الْمُصِيبِ....

ثُمَّ قَالَ: [قَالَ] رَسُولُ اللهِ(صلي الله عليه و آله): شِرَارُ عُلَمَاءِ أُمَّتِنَا الْمُضِلُّونَ عَنَّا، الْقَاطِعُونَ لِلطُّرُقِ إِلَيْنَا، الْمُسَمُّونَ أَضْدَادَنَا بِأَسْمَائِنَا، الْمُلَقِّبُونَ أَضْدَادَنَا بِأَلْقَابِنَا، يُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وهُمْ لِلَّعْنِ مُسْتَحِقُّونَ، ويَلْعَنُونَنَا ونَحْنُ بِكَرَامَاتِ اللهِ


1) - « أنصارنا» خ ل، ط.

مَغْمُورُونَ، وَبِصَلَوَاتِ اللهِ وصَلَوَاتِ مَلَائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ عَلَيْنَا - عَنْ صَلَوَاتِهِمْ عَلَيْنَا - مُسْتَغْنُونَ. (1)

والحاصل من توصية الآيات والروايات المتواترة لزوم استقلال وتحرر علماء الدين عن تبعية وتحكم الساسة والسياسيين وإ فإن مصير الدين إلي

التحريف والانحراف بحسب اهواء والمصالح الذاتية والشخصية للحكام والسياسيين.

كما روي عن الامام الصادق(عليه السلام):

العُلَمَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَم يَأتُوا أَبوَابَ السَّلاطِين (2).

وروي الذهبي عن الصادق(عليه السلام):

(إذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلی أبواب السلاطين فاتهموهم)(3)

وروي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ(عليه السلام) قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ(صلي الله عليه و آله): الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ ومَا دُخُولُهُمْ فِي الدُّنْيَا قَالَ اتِّبَاعُ السُّلْطَانِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَاحْذَرُوهُمْ عَلَي دِينِكُمْ.(4)


1) - التفسير المنسوب إلی الإمام الحسن العسكري 7، ص: 300.

2) - نور الابصار للشبلنجي ص 141، احقاق الحق للتستري ج19 ص 532.

3) - سير أعلام النبلاء: ج 6 ص262، حلية الاولياء: ج3، ص194، تاريخ الاسلام ج9 ص 92، كشف الغمة ج2 ص184، وفي رواية الاربلي : (الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْفُقَهَاءَ قَدْ رَكِبُوا إِلَي السَّلَاطِينِ فَاتَّهِمُوهُمْ).

4) - أصول الكافي ، باب المستأكل بعلمه الحديث 5.

وعن الرسول ص:(مَن اقتَرَبَ أَبواب السَّلاطين افتُتِن)(1)

والحديث يشير إلی التبعية فإن كانت من العلماء للحكام السياسيين فهو الوبال علی الدين واما العكس فهو حياة للدين.

وهذا من اعظم واخطر اسباب الانحراف والتحريف الذي وقع في

الديانات السابقة وهو تبعية العلماء للأنظمة والحكومات السياسية وعدم استقلال عالم الدين عنها. وهذا هو الدسيسة الاسرائيلية في الدين والأديان.

فمن الغريب ممن هم ألعوبة القوة السياسية الطعن بالاسرائيليات علی تراث الحديث لأهل البيت(عليهم السلام) الذي ينادي باستقلال عالم الدين، وليس ذلك إلا لأن منهاج تراث الحديث لأهل البيت(عليهم السلام) يحرجهم ويفضح تبعيتهم لما يملي عليهم من القوي السياسية الماحقة للدين.



1) - نهج الفصاحة .

الحلقة السابعة والعشرون: (الحديث بين التنقيح والدراية)

وهذه الدعوي (تنقيح الحديث) المتخذة المتلبسة بشعار تنقيح وتصحيح التراث تتخذ مسارين لذلك:

أوّلهما: دراسة السند والطريق للحديث .

والثّاني: دراسة المتن وتحري حكم العقل بامكان مضمونه وصحة مفاد معناه. إلا أن الطريق الاول وهو تحري درجة اعتبار طريق وسند الحديث لايعني حذف الحديث عن التراث ؛وذلك لان:

1 - هذا التقييم ليس اتفاقيا بين مباني ومسالك العلماء كي تكون النتيجة تسالمية بين اعلام المذهب في كل الطبقات والأزمنة .

2 - مضافا إلی ان غاية التقييم في الحكم بالضعف هو عدم الاعتماد علی طريق صدور الحديث بمفرده، واما اذا استبدل بقرائن اخري جابرة ونحوها فسوف يعوضه عن حصرية اعتبار الحديث في الصدور

والطريق .

3 - ثم ان كل ذلك يكون في الملاحظة الاحادية للحديث الواحد، واما تقييمه بالنظرة المجموعية والانضمامية سوف يعطي انطابعا مجموعيا، كما هو الحال في استفاضة الحديث وتواتره.

4 - ثم لو غض النظر عن كل ما سبق فكذلك لا يسوغ لنا حذف الحديث من التراث،حيث من المسلم لدي كل علماء الطائفة نصا وفتوي حرمة رد الحديث وان لم تستم مواصفات طريقه لشرائط الاعتبار، وحرمة الرد وان لم تعن الاعتبار والاعتماد لكنها تعني العناية التحليلة لمعني ومضمون مفاد الحديث ولو بالدرجة الاحتمالية، اي وضع الاحتمال الذي يبديه مفاده في الحسبان العلمي اثناء عملية الاستنباط.

فعلم من ذلك ان دراسة وتنقيح طريق الحديث لا تعني بحال من الاحوال حذف وتحذيف الحديث من التراث كما يبتغيه دعاة شعار التنقيح والتصحيح.

واما دراسة المتن المدعاة من قبل دعاة شعار التصحيح والتنقيح فهي لابدية توصل العقل البشري إلی تصور معني الحديث باللغة العلمية الراهنة المعاصرة وتوقف دراسة المتن علی الدراسة الاولي لطريق الحديث وسنده، والا فلا تصل النوبة إلی الدراسة الثانية اي إلی دراسة المتن .

وهذا المنهج لدراسة متن ومضمون الحديث مبني علی خلل منهجي كبير؛ وذلك :

1 - لان التشابه في الحديث مضمونا ومفادا هو التشابه في المصحف وتنزيل الكتاب،الا ان ذلك لايستلزم حذف المتشابه واعدامه، حيث علاج متشابه القرآن هو عرضه علی المحكم لاحذفه واعدامه، وذلك بحسب القدرة

المحدودة البشرية استعانة بتعليم وبيانات الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويل المتشابه فان الحديث عدل القرآن ووجه آخر لحقيقته.

من ثم ورد ان لحديثهم بطنا ولبطنه بطن إلی سبعين بطنا كالقرآن، ومن المعلوم عدم احاطة العلماء والفقهاء والمفسرين والمتكلمين وغيرهم بكامل تأويل الثقلين، بل ولا بأغلبه، بل لايحيطون الا بأقله ونزر يسير منه فاذا كان طبقات تأويل القرآن لاتتناهي، فمن ذا الذي يدعي الاحاطة الكاملة بمتشابه الثقلين،فالتشابه في الحديث يرد علمه إلی اهل البيت ع العالمين بتأويله لا انه يحكم عليه بالانكار والبطلان.

من أجل ذلك نجد القرآن الكريم يصف الراسخون في العلم بوصف ثان وهو قولهم: (آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) (1)اي يؤمنون ان المحكم هو من عند الله تبارك وتعالي، كما يؤمنون بأنّ المتشابه منه تعالي.

2 - إنّ الإحاطة بتأويل متشابه الحديث متوقفه علی إحاطة الباحث بالعلم الذي يتحدث عن مضمونه ومفاده الحديث ولايكفي الإلمام السطحي


1) - آل عمران: 7.

بذلك العلم ولا يكفي درجة سطح العلم الواصل إليه المسار البشري الراهن في ذلك العلم الذي يتناوله موضوع الحديث، اذ كم من حديث تناول موضوع ما إلا وقد استهزأت به العقول المحدودة، ثم نتيجة الطفرات والاكتشافات العلمية تطالعنا بصدق مضمون الحديث واعجازه العلمي.

والامثلة علی ذلك كثيرة متكثرة، وليس المقام موضع سردها، فالطفرة في اكتشافات العلوم في الآونة الأخيرة تحسب بالساعات، بينما تري بعض الكتاب مضافا إلی عدم تخصصه أو تدني مواكبته للتطورات اليومية أو عدم غوره في مصطلحات العلوم يخلط ما بين الفرضية العلمية والنظرية العلمية، بل يحسبها حقيقة علمية، ويعد الخيال العلمي نظرية أو حقيقة علمية، كما قد يثق بكل ما يعلنه الغرب والشرق من ادعاء توصل علمي ولا يفرق بين الحرب النفسية باسم العلم وبين الانجازات الحقيقية .

والخلاصة أنّ قراءة متن الحديث وطبقات معانيه باللغة العلمية المختصة بالموضوع الذي يتناوله مفاده ليس بالأمر السهل فضلا عن استمرار تطور نتاج كل علم واكتشافاته المستمرة التي قبل عقود فضلا عن قرون كان يعدها مستحيلة العقل البشري المحدود.

وقد ورد : (إِنَّ حَدِيثَ آلِ مُحَمَّدٍ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يُؤْمِنُ بِهِ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أو نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أو عَبْدٌ امْتََنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، فَمَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ مِنْ

حَدِيثِ آلِ مُحَمَّدٍ فَلَانَتْ لَه قُلُوبُكُمْ وعَرَفْتُمُوهُ فَاقْبَلُوهُ ومَا اشْمَأَزَّتْ مِنْهُ قُلُوبُكُمْ وأَنْكَرْتُمُوهُ فَرُدُّوهُ إلی اللهِ وإِلَي الرَّسُولِ وإِلَي الْعَالِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وإِنَّمَا الْهَالِكُ أَنْ يُحَدَّثَ أَحَدُكُمْ بِشَيْ‌ءٍ مِنْهُ لَا يَحْتَمِلُهُ فَيَقُولَ واللَّهِ مَا كَانَ هَذَا ثَلَاثاً)(1).

بل ورد ان بعض حديثهم لايحتمله الا اهل البيت ع ، فقد جاء في بصائر الدرجات الباب 11 الحديث 11: عَنْ أَبِي الصَّامِتِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ ع يَقُولُ إِنَّ مِنْ حَدِيثِنَا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَ لَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ قُلْتُ فَمَنْ يَحْتَمِلُهُ قَالَ نَحْنُ نَحْتَمِلُهُ.

ثم أليس قال جبرئيل (ليلة المعراج): لو اقتربت انملة لاحترقت؟؟! (2)فكيف تريد اطلاعه


1) - بصائر الدرجات، باب في أئمة آل محمد ع حديثهم صعب مستصعب، الحديث1.

2) - في رواية ابن شهرآشوب:.... وهَبَطَ مَعَ جَبْرَئِيلَ مَلَكٌ لَمْ يَطَأِ الْأَرْضَ قَطُّ مَعَهُ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ ويَقُولُ: هَذِهِ مَفَاتِيحُ الْأَرْضِ فَإِنْ شِئْتَ فَكُنْ نَبِيّاً عَبْداً وإِنْ شِئْتَ فَكُنْ نَبِيّاً مَلِكاً، فَقَالَ: بَلْ أَكُونُ نَبِيّاً عَبْداً، فَإِذَا سُلَّمٌ مِنْ ذَهَبٍ قَوَائِمُهُ مِنْ فِضَّةٍ مَرْكَبٌ بِاللُّؤْلُؤِ والْيَاقُوتِ يَتَلَأْلَأُ نُوراً وأَسْفَلُهُ عَلَي صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ورَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ فَقَالَ لَهُ: اصْعَدْ يَا مُحَمَّدُ، فَلَمَّا صَعِدَ السَّمَاءَ رَأَي شَيْخاً قَاعِداً تَحْتَ الشَّجَرَةِ وحَوْلَهُ أَطْفَالٌ ، فَقَالَ: جَبْرَئِيلُ(عليه السلام): هَذَا أَبُوكَ آدَمُ إِذَا رَأَي مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ضَحِكَ وفَرِحَ وإِذَا رَأَي مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ حَزِنَ وبَكَي ورَأَي مَلَكاً بَاسِرَ الْوَجْهِ وبِيَدِهِ لَوْحٌ مَكْتُوبٌ بِخَطٍّ مِنَ النُّورِ وخَطٍّ مِنَ الظُّلْمَةِ فَقَالَ: هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ ثُمَّ رَأَي مَلَكاً قَاعِداً عَلَي كُرْسِيٍّ فَلَمْ يَرَ مِنْهُ مِنَ الْبِشْرِ مَا رَأَي مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ: هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ كَانَ طِلْقاً بِشْراً فَلَمَّا اطَّلَعَ عَلَي النَّارِ لَمْ يَضْحَكْ بَعْدُ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ النَّارُ فَرَأَي فِيهَا مَا رَأَي ثُمَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ ورَأَي مَا فِيهَا وسَمِعَ صَوْتاً آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ قَالَ: هَؤُلَاءِ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ وسَمِعَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ قَالَ هَؤُلَاءِ الْحُجَّاجُ وسَمِعَ التَّكْبِيرَ فَقَالَ هَؤُلَاءِ الْغُزَاةُ وسَمِعَ التَّسْبِيحَ قَالَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ فَلَمَّا بَلَغَ إِلَي سِدْرَةِ الْمُنْتَهَي فَانْتَهَي إِلَي الْحُجُبِ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ تَقَدَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي أَنْ أَجُوزَ هَذَا الْمَكَانَ، ولَوْ دَنَوْتُ أَنْمُلَةً لَاحْتَرَقَتْ. (مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) لابن شهرآشوب، ج1، ص: 179).

بالمدي الذي يطلع عليه سيد الانبياء؟؟

ومن ثم لا يقدر علی تأويل بعض متشابه حديثهم حتی الانبياء اولي

العزم، فضلا عن العلماء والفقهاء والفلاسفة والعرفاء والمتكلمين وغيرهم، كيف لا؟ وحديثهم هذا هو الوجه الآخر للقرآن المهيمن علی علم جميع الانبياء؟ فأني للقائل المتشدق بالتصحيح والتنقيح لتراث الحديث ادعاء القدرة علی وزن تمام تراث الحديث ؟

نعم إن هناك قدر متيسر لعرض المتشابه علی محكم الكتاب ومحكم السنة للمعصومين(عليهم السلام) ومحكم بديهيات العقل ومحكم فطريات الوجدانيات للقلب بقدر محدود بالوسع البشري لا المحيط بمحيطات بحار بحور الوحي، أَنّي ذلك ثم انّي؟!


الحلقة الثامنة والعشرون: (إمتناع تنقيح التراث إلا بالثقلين)

«إمتناع تنقيح التراث الحدیث الا بالثقلین الکتاب و الحدیث إلا بالثقلين»

إنّ البرهان علی هذه الكبري هو أنّ العقل البشري المحدود - سواء في القرون السابقة أو المعاصرة أو اللاحقة - مهما تكامل وتطور فهو لايستغني عن هداية الوحي، والشاهد علی ذلك أنّ مسيرة البحث والتنقيب والفحص العلمي في كل العلوم لن تقف يوما ما، مما يعني أنّ الحقيقة لا تنتهي ولاتتناهي، والبشر لا يمكنهم في يوم ما أن يحيطوا بها أبدا، فهم محتاجون دوما ودائما إلی هداية سماوية متألقة ترشدهم إلی منظومة القوانين الحقيقة اللا متناهية الخفية عنهم.

وعلي ذلك فان الدين هو الحقيقة اللا متناهية التي لا تصاب بالعقول البشرية المحدودة مهما تمادي الزمان وتقدم وتلاحق.

واذا كان الحال كذلك فلا يمكن للعقل البشري أن يصيب كل أعماق ويحيط بكل أغوار الحديث الذي ينطوي علی الوحي الإجمالي، إذ لواستطاع الإحاطة بمحيطات الحديث لاستلزم استغناء العقل عن الوحي في الوصول إلی الحقيقة والحقائق، والمفروض كما تقدم في أدلة وبراهين الهداية

الوحيانية عجز العقل البشري بانفراده عن التوصل والوصول إلی الإحاطة

بالحقيقة والحقائق اللا متناهية، فكيف له أن يميز الصحيح والقويم من الحديث بدون التعلم والاستعانة والاستمداد بمحكمات الحديث منضما إلی محكمات الكتاب؟! فتبين امتناع تنقيح متشابه الحديث إلا بالوحي الإلهي نفسه.

ومن ثم كانت اكبر واعظم واخطر ضابطة وردت في تراث الفريقين لتمييز صحة وسلامة الحديث هو عرض الحديث علی الكتاب والسنة، اي محكمات الثقلين بالموافقة لهما أو المخالفة .

ثم ليس المراد بالموافقة في المقام المطابقة التفصيلية، والا لاستغني بمحكمات الثقلين عن الخبر الواحد المتشابه بالقياس للمحكم، بل المراد التطابق الاجمالي والتلائم والوئام مع الخطوط العامة لمنظومة المحكمات، نظير ما يقال مثلا في التلائم والتوافق بين القانون والتشريع النيابي البرلماني وبين القانون الدستوري، فان التوافق ليس بمعني التطابق التفصيلي، بل هو رجوع الأول إلی التشريع الثاني، وكذا الحال في معني المخالفة .

إنّ هذا الاستعلام للمطابقة والموافقة يتطلب الاحاطة بمجموع المحكمات كما لا يخفي، ومع ذلك فهو في جملة إن لم يكن في اكثر الموارد من الاجتهاد النظري لا البديهي الذي يقتصر فيه علی موارد اقل .

ثم ان ضرورة الحاجة إلی تراث الحديث في تنقيح الحديث نفسه لايعني اقصاء العقل بحال، بل يعني في ما يعنيه عدم الاستبداد والانفراد بهذه الطاقة

المحدودة البشرية، حيث التراث الحديثي يضم مادة الوحي اللامتناهية، فالعقل دوره المخاطب الأول والوزير المعتمد في عملية الفهم، ويقوم بعملية الفهم والرؤية والابصار، بينما دور الوحي هو النور والإنارة والتنوير والإضاءة، فلكل دوره الخطير والهام.

إن المعلم والمتكلم والذي يقوم بعملية الالقاء هو الوحي، والذي يقوم بالتلقي والوعي لما يلقي عليه هو العقل البشري، وهذه المعادلة كما تري بالغة الخطورة والدقة في التقدير والمقادير، ومن ثم حصول أي ارباك في الموازنة سوف يؤدي إلی تضييع المعادلة وانقلاب الميزان وانعدام القسط المنهجي في المعرفة .

ثم انه علی ضوء ذلك من أنّ العقل البشري لا يصل إلی شموخة وتعالي وتعاظم أمومة المحكمات في الثقلين ف حتی لو اريد التحريف والتلاعب في مادة الوحي فما دام أصل مادة الوحي محفوظة فلا يمكن أن يطرأ عليها الإبادة والزوال، فان التزويقات والتحريفات ليست بمستوي تنال من أعمدة أمومة محكمات الوحي، وإلا لكان العقل البشري علی قادرا علی الإحاطة بدرجات أمومة محكمات الوحي، بل لما احتاج إلی الوحي أصلا.

فظهر بذلك ان العقل البشري محتاج إلی محكمات وامومة الوحي في تنقيح وفهم متشابه الحديث، ولايمكنه أبدا الاستغناء عن تراث الحديث في تنقيح نفس الحديث ورفع متشابهه، والعمدة والعماد هو السعي الحثيث العلمي لفهم واكتشاف منظومة محكمات الثقلين والتمرس والتضلع في ايجاد

الوعي العلمي والوعاء المتسع باستمرار لتلقي تلك المنظومة اللامتناهية، لا الانقباص والانكماش والانطواء بعيدا عن الحبل الممدود الوحياني والسبب المتصل بين الارض والسماء، فإن الابتعاد واقصاء العقل البشري عن مادة الوحي من تراث الحديث هو انطوائية للعقل وسجن مظلم لتيه عقلي .

هذا، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلي الله علی سيدنا محمد وآله الطاهرين.


المحتويات

المقدمة: .......................................................................................... 7

الحلقة الأولي: (عرض متشابهات القرآن والسنة علی المحكمات)........ 15

الحلقة الثانية: (تفسير المتشابهات والمحكمات من الكتاب الالهي)........ 18

الحلقة الثالثة: (الكتاب والعترة حبلان أم حبل واحد؟) .................... 20

الحلقة الرابعة: (التأويل عند أهل التطهير) ....................................... 22

الحلقة الخامسة: (عرض تأويل الكتاب علی الحديث أم العكس؟)..... 24

الحلقة السادسة: (إحاطة أهل الذكر بالذكر الحكيم) ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, 30

الحلقة السابعة: (حفظة الكتاب الكريم) .......................................... 33

الحلقة الثامنة: (مغالطة شعار إسلام القرآن) .................................... 35

الحلقة التاسعة: (شبهات وردود) ................................................... 38

الحلقة العاشرة: (إسلام معية الثقلين لا المنسلخ) .............................. 44

الحلقة الحادية عشرة: (مراتب أنظمة الحجج) .................................. 47

الحلقة الثانية عشرة: (أمثلة القرآن في نظام الحجج ومراعاة مراتبها) ... 51

الحلقة الثالثة عشرة: (نبذة من موازين علم الحديث) ........................ 55

الحلقة الرابعة عشرة: (تشييد كتاب سليم بن قيس الهلالي) .............. 59

الحلقة الخامسة عشرة: (أقسام الوحي) ............................................ 66

الحلقة السادسة عشرة: (معية العقائد مع علم الفقه) ........................ 71

الحلقة السابعة عشرة: (الفوارق بين تراث أهل البيت و تراث العامّة) . 76

الحلقة الثامنة عشر: (المراد من الكتاب الكريم) ................................ 79

الحلقة التاسعة عشر: (إكمال الدين بالنبي أم بالمصحف أم بعلي) ...... 83

الحلقة العشرون: (ضابطة الإسرائيليات) ..........................................87

الحلقة الحادية والعشرون: (الإسرائيليات في تراث العامّة) ................. 92

الحلقة الثانية والعشرون: (الاسرائيليات في الفلسفة والعرفان) ........ 97

الحلقة الثالثة والعشرون: (الذكر بين القرآن والسنة) ....................... 103

الحلقة الرابعة والعشرون: (الحديث بين الحُجيّة العلميّة والتعبديّة) ... 108

الحلقة الخامسة والعشرون: (أهمية الاحتمال في التراث الوحياني).... 114

الحلقة السادسة والعشرون: (أسباب التحريف في الدين) .................119

الحلقة السابعة والعشرون: (تصحيح وتنقيح تراث الحديث ادعاء

قصوري زيفي قبال منهج دراية فقه الحديث) ........................................... 124

الحلقة الثامنة والعشرون: (إمتناع تنقيح التراث إلا بالثقلين) ..................... 130

المحتويات: ............................................................................................134