ghaemiyeh.com
عنوان: ماوراء الفقه / محمد صدر
ناشر: دار الأضواء
مکان نشر: لبنان - بیروت
زبان: عربی
موضوع:فقه جعفر، قرن 14، مسائل مستحدثه
زبان:عربی
تعداد جلد:10ج
ماوراء الفقه / محمد صدر
قال ابن منظور:الساعة جزء من أجزاء اللیل و النهار.و الجمع ساعات و ساع.قال القطامی:
و کنا کالحریق لدی کفاح فینجو ساعة و یهب ساعا
قال ابن بری:المشهور فی صدر البیت:
و کنا کالحریق أصاب غابا
أقول:و هذا یعنی أن العرب فی الجاهلیة شاهدوا حرائق الغابات علی الرغم من عدم وجودها فی الجزیرة العربیة فیبقی السؤال عن المناطق التی کانوا فیها و شاهدوها.و یکفینا کشاهد حسّی بأن ابن منظور کتب ذلک فی کتابه:لسان العرب قبل ما یقرب من ألف سنة.
کما أننی اعتقد أن قوله فی البیت المذکور:و یهب ساعا.مفرد و لیس جمعا.کما یرید أن یستشهد علیه،فکأنه قال:فیخبو ساعة و یهب ساعة.
و أضاف ابن منظور قائلا:و تصغیره سویعة.و اللیل و النهار معا أربع و عشرون ساعة.و إذا اعتدلا فکل واحد منهما ثنتا عشرة ساعة.
ثم قال:و الساعة فی الأصل تطلق بمعنیین:أحدهما:عبارة عن جزء
من أربعة و عشرین جزءا من مجموع الیوم و اللیلة.و الثانی:أن تکون عبارة عن جزء قلیل من النهار أو اللیل.یقال:جلست عندک ساعة من النهار أی وقتا قلیلا منه،ثم أستعیر لاسم یوم القیامة.
قال الزجّاج:معنی الساعة فی کل القرآن:الوقت الذی تقوم فیه القیامة.یرید أنها ساعة حقیقیة یحدث فیها أمر عظیم.فلقلة الوقت الذی نقوم فیه سماها ساعة.
و ظاهر عبارة ابن منظور:أن الیوم و اللیلة إذا لم یعتدلا لم یکن کل منهما اثنتا عشرة ساعة،بل کان الطویل منهما أکثر فی ساعاته و القصیر أقل.و هو أمر مطبق فی عصورنا الحاضرة و مفهوم لدینا إلاّ أنه یبدو أنه کان مفهوما من عصر قدیم.
غیر أن التقسیم المتساوی للساعات حیث أنه لم یکن معروفا،فإما أنهم کانوا یأخذون مدة الساعة أمرا تقریبیا،أو کانوا یحددون ذلک باعتبار أوقات اللیل و النهار.و یسمونها ساعات بالرغم من اختلافها فی الطول.
و یمکننا أن نجد ذلک فی التقسیم الدینی التقلیدی القدیم للساعات حیث نسمع المؤلف فی(مفاتیح الجنان) (1)
انظر ص 173 و ما بعدها.
یقول:اعلم أن الشیخ الطوسی و السید ابن باقی و الشیخ الکفعمی قد قسموا الیوم إلی اثنتی عشرة ساعة و نسبوا کلا منهما إلی إمام من الأئمة الاثنی عشر صلوات اللّه علیهم أجمعین.و ذکروا لکل منها دعاء للتوصل بمن نسبت إلیه تلک الساعة.و هم و إن لم یرووا فی هذا الموضوع حدیثا عن المعصوم.و لکنهم-کما هو معلوم من شأنهم-لم یصدر منهم ذلک ما لم یقفوا علی روایة تدل علیه.و نحن نقتصر فی هذه الرسالة علی ما ذکره فی مصباح المتهجد.
أقول:ثم صار المؤلف قدّس سرّه بصدد تعداد الساعات و ذکر ادعیتها.
و المهم لنا الآن هو ذکر الساعات کما یلی:
1) 1)
الساعة الأولی:من طلوع الفجر إلی طلوع الشمس.
الساعة الثانیة:من طلوع الشمس إلی ذهاب الحمرة.
الساعة الثالثة:من ذهاب الشعاع(یعنی انتشاره)إلی ارتفاع النهار.
الساعة الرابعة:من ارتفاع النهار إلی زوال الشمس.
الساعة الخامسة:من زوال الشمس إلی أربع رکعات من الزوال.
الساعة السادسة:من مقدار أربع رکعات من الزوال إلی صلاة الظهر.
الساعة السابعة:و هی من صلاة الظهر إلی مقدار أربع رکعات قبل العصر(یعنی قبل صلاة العصر).
الساعة الثامنة:و هی من مقدار أربع رکعات بعد الظهر إلی صلاة العصر.
الساعة التاسعة:من صلاة العصر إلی أن تمضی ساعتان.
الساعة العاشرة:من ساعتین بعد صلاة العصر إلی قبل اصفرار الشمس.
الساعة الحادیة عشرة:من قبل اصفرار الشمس إلی اصفرارها.
الساعة الثانیة عشرة:من اصفرار الشمس إلی غروبها.
و لنا علی ذلک عدة تعلیقات:
أولا:إن هذا التنظیم و نحوه من الساعات یناسب الأیام الطویلة و القصیرة معا.و لا یختص بالمعتدلة کما هو واضح.علی خلاف ما ذکره ابن منظور مما سمعناه.
ثانیا:إن هذا تقسیم لساعات النهار دون ساعات اللیل.و من هنا ینبغی -فی حدود هذا الفهم-أن تبقی ساعات اللیل مجهولة.و لعل ذلک لقلة أهمیتها بعد قضاء أکثرها فی النوم.
ثالثا:إن هذه الساعات لیست بحجم واحد.و لعل أطولها الساعة الأولی منها.و أقصرها الساعة الحادیة عشرة.فإنه لیس مما قبل اصفرار
الشمس إلی الاصفرار أی مقدار من الزمان حقیقة.
رابعا:إن عددا من الساعات تمّ تعیینها باعتبار رکعات الصلاة.فکأنها ساعات لخصوص المتشرعة من المسلمین دون من سواهم!! خامسا:من الملاحظ أن النصف الأول من النهار یحتوی منها علی أربع ساعات و النصف الثانی علی ثمانی ساعات.
سادسا:إنهم استعملوا معنی الساعات فی تحدید الساعات،کما سمعناه حین قال عن الساعة التاسعة:إنها من صلاة العصر إلی أن تمضی ساعتان.فبأی مقدار هذه الساعتان.و هی لیست من الاثنتی عشرة بطبیعة الحال.و لو أضفناهما إلیها لکانت أربعة عشرة ساعة.
سابعا:إن استعمال مفهوم الساعة فی تعریف الساعة و بیانه،یحتوی علی ما یسمی بالدور فی المنطق.و نتیجته أننا نبقی عاجزین عن تحدید معنی الساعة.بعد توقف فهم مفهومها علی فهم مفهومها نفسه.
و بعد أن تفتق الذهن البشری عن تحدید ساعات اللیل و النهار إلی أربع و عشرین ساعة متساویة.کانت هناک مشکلة ینبغی مواجهتها و حلها.و هی تحدید اللحظة التی یبدأ بها العد.إذ فی الإمکان جعل أی(منطقة)من هذا الوقت الطویل هی ساعة الصفر التی یبدأ العد بها.
و قد کان المجتمع لدی(المتشرعة)یعیش قرونا عدیدة علی أساس إن (ساعة الصفر)تلک هی غروب الشمس أو قل:سقوط القرص.بحیث أنه إذا ساوی آخر أجزاء قرص الشمس من أول أجزاء الأفق کانت هی الساعة الثانیة عشرة.و یبدأ العد من جدید.
و من هنا کنا نسمیها الساعة الغروبیة لأن وقت تحدیدها و بدایتها هو غروب الشمس.و قد تسمی بالساعة(العربیة)فی مقابل الساعة الأخری الواردة إلینا من الفکر الأوروبی الغربی.
و من خصائص الساعة الغروبیة أن وقت الغروب و المغرب ثابت فیها
طیلة السنة بالرغم من طول الأیام و قصرها.لأنه یعتبر نقطة البدایة.و من الواضح أنها لا تختلف ما دامت الدورة هی أربع و عشرین ساعة بالضبط.
إذن فمؤشر الساعة سوف یعود إلی نفس المکان فی نفس الوقت.و هذا ما ندرکه بالبرهان الریاضی.إلاّ إذا قضی اللّه سبحانه أن تطول هذه الدورة أو تقصر و لم نحس بذلک إلی الآن علی أی حال.
و لکن حین وردت إلینا الساعة(العربیة)و هی السائدة الآن.و التی سمیت بالساعة الزوالیة.عندئذ تساءل الناس عن نقطة بدایتها أو(نقطة الصفر)فیها.و أجابوا:إنها زوال الشمس:باعتبار أنها تسمی زوالیة.فعند زوال الشمس تحدیدا تکون الساعة الثانیة عشرة.
إلاّ أن هذا لم یکن صحیحا لعدة أمور:
الأمر الأول:إن الساعة تحتاج إلی نقطة بدایة واضحة عرفا،یفهمها الناس.و أما نقطة الزوال الحقیقیة،فهی صعبة الإدراک لغالب الناس.کما هو معلوم.
الأمر الثانی:إن نفس معنی الزوال الذی یقع فی وسط النهار فیه احتمالات کما أوضحنا فی فصل أوقات الصلاة من کتابنا هذا (1)
انظر الجزء الأول القسم الثانی ص 24.
.و إن المراد من الزوال هل هو زحزحة مرکز قرص الشمس عن دائرة نصف النهار أو خروج القرص کله منها.و هذا الفرق قد یشکل دقیقتین أو ثلاث،فیؤثر علی نقطة البدایة،و من ثم علی التوقیت کله.الأمر الثالث:إنه یلزم بوضوح من هذا التوقیت أن یکون الزوال فی الساعة الثانیة عشرة علی مدار السنة،کما کان الغروب فی الثانیة عشرة علی السنة فی التوقیت الآخر،کما سمعنا.و قد أدرک الناس ذلک حینها (قبل حوالی أربعین سنة)فأصبحوا یصلّون بعد الثانیة عشرة بقلیل من هذا التوقیت،باعتبار دخول وقت صلاة الظهر عندئذ:و اعتبروا أن من جملة فوائد هذه الساعة هو تحدید وقت الزوال.غیر أن هذا مما ثبتت عدم صحته کما سنسمع.
1) 1)
الأمر الرابع:إن مقتضی الفهم الدقیق أن لا یکون موعد تحدید هذه الساعة هو الزوال،بل هو نصف النهار تماما و یحصل الزوال بعد الساعة الثانیة عشرة بقلیل.و هذا ینافی ما عرفه الناس من أن موعد تحدیدها هو الزوال.و کان ذلک هو مقتضی تسمیتها أیضا.
و علی أی حال،فحینما تزایدت التجربة علی هذه الساعة المستحدثة، تغیر الفهم الذی ذکرناه فی الأمر الثالث،و أصبح الزوال یحصل فی الشتاء قبل الثانیة عشرة إلی حد قد یصل قبلها بربع ساعة.و یحصل فی الصیف بعد الثانیة عشرة بحوالی ربع ساعة أیضا.و أصبحنا نقول:إنه لا بأس بذلک لأن نصف النهار الطویل أطول من نصف النهار القصیر.فالنصف القصیر فی الشتاء یتم قبل الثانیة عشرة و النصف الطویل یبقی بعدها.و هذا الفهم إنما هو(تعذیر)للواقع و لیس دقیقا کما هو معلوم.
و عند ما ازدادت التجارب علی هذه الساعة المستحدثة أصبح الزوال یمیل إلی الاتجاه بعد الثانیة عشرة طیلة فصول السنة،فهو یتراوح مما قبلها بدقیقتین أو ثلاث شتاء إلی ما بعدها بحوالی عشرین دقیقة صیفا.و قد (یتحرک)هذه الحرکة مرتین فی السنة (فَانْظُرْ ما ذا تَری) .
و هذا کله مما أحسسناه و واکبناه خلال الأربعین سنة الأخیرة.و هذه الساعة المستحدثة لم یمض علی دخولها إلی الشرق المسلم أکثر من ذلک.
فلم نحظ بمحصل طیلة المدة.
حتی إن بعضهم کان یجیب عن سبب هذا الاختلاف بأنه ناشئ من التقصیر و الإهمال فی توقیت ساعة(بک بن)التی هی أساس هذا التوقیت فی عالم الیوم،فإنها إن صادف أنها وقفت أو قصّرت أو عطبت.تمّ توقیتها من قبل المشرف علیها طبقا لساعته الخاصة و لیس بالدقة کما ینبغی أن یکون.و قد تکون ساعته بدورها ذات شجون.
و یکفینا من ذلک أن(الغرب)بسلطته علی سطح الأرض استطاع أن یفرض علی کل الشعوب أمورا عدیدة منها هذا التوقیت المستحدث.و أن
یجعل الأساس فیه ساعة(بک بن)الموجودة فی لندن.و أن یجعل خط الطول(الصفر)هو المار علی مدینة لندن نفسها.باعتبار أن بریطانیا کانت تسمی(عظمی)فی یوم من الأیام.و لکنهم بدل أن یسموا الخط:خط لندن سموه بخط(غرنج)و توقیت(غرنج).و کان هذا نحو من أنحاء الستر علی هذا المخطط الطویل الأمد.
ثم قالوا:إنهم اخترعوا(الساعة الذریة)و أن هذه الساعة غیر قابلة للغلط إلاّ ثانیة واحدة فی کل عدة آلاف من السنین.و هو أمر غیر معتد به و لا ملفت للنظر.
و هی علی أی حال خطوة جیدة،و هی تمنع ما علیه تذبذب الساعات الآلیة و اختلافاتها فی التوقیت اختلافا مزعجا.و لکن هذه الخطوة لا تمنع أیا من الإشکالات التی سمعناها فی الأمور السابقة،کما هو غیر خفی علی القاری اللبیب.
ثم إنه ثبت أخیرا فی علم الفلک،کما ذکرنا فی کتاب الصلاة من کتابنا هذا (1)
انظر ص 345 الجزء الأول،القسم الثانی.
:أن لمرکز الأرض حرکة معینة تجعل القطبین الشمالی و الجنوبی یتحرکان فی حرکة دائرة مسننة بطیئة یقدّر قطرها بحوالی عشر درجات،ولیته یعود إلی نفس المکان الذی کان فیه قبل سنوات.لا.و لکنه-فی الواقع-یدور فی دائرة لولبیة مفتوحة و غیر متعینة إلاّ فی علم اللّه سبحانه.
و هذه الحرکة الدائریة تؤثر علی مختلف بقاع الأرض،و علی خطوط الطول و العرض فیها،و علی طول و قصر اللیل و النهار و علی الأوقات و الساعات فیهما،کما عرفنا فی المحل المذکور من کتاب الصلاة.
و هذه الفکرة فی الحقیقة تشکّل إشکالا مهما ضد أی توقیت لأی ساعة.یعنی بالنسبة إلی التوقیتین الغروبی و الزوالی.غیر أنه من المؤکد أن تأثیره و ضرره بالنسبة إلی التوقیت الزوالی أکثر بکثیر،حتی أنه قد أثّر کما
1) 1)
رأینا علی نقطة بدایتها تأثیرا بلیغا فضلا عن غیرها من الأوقات.و أما الساعة فی التوقیت الغروبی فلا یمکن أن یؤثر علی نقطة بدایتها تأثیرا ملحوظا علی اعتبار أن خطوط الطول هی الأقل تأثرا من تلک الحرکة، و من المعلوم أن الشروق و الغروب إنما یتحدد بتلک الخطوط.
مضافا إلی وضوح أن أی من الإشکالات السابقة التی أوردناها علی التوقیت الزوالی،فإنها لا ترد علی التوقیت الغروبی.و یمکن للقارئ بسهولة تطبیق ذلک فی لحظات.
هذا و من المحتمل أن یتأثر التوقیت علی وجه الأرض بمرکز الأرض و نسبتها إلی الشمس و القمر،و مقدار قطر دورانها حول الشمس و محیطة و سرعته،و جاذبیات الکواکب السیارة و غیرها کثیر مما هو معلوم فلکیا، و أما تأثره بسرعة دوران الأرض حول نفسها فهو أکید.
و هناک نظریة تقول بتباطؤ دوران الأرض حول نفسها کل عام بمقدار ثانیة أو ثانیتین فی العام،و هذا مما یؤثر علی سائر الأوقات الیومیة،غیر أن صحة هذه النظریة،محل نظر.
لو نظرنا إلی خطوط الطول خارج الدائرتین القطبیتین،و هو أغلب سطح الأرض،لأمکننا أن نسلسل الساعات و الدقائق بوضوح،باعتبار تلک الخطوط.کما أن حرکة الشمس و اللیل و النهار باعتبارها أیضا.و إذا مشینا بهذا التسلسل،فهو ما نعبر عنه بالساعة المثالیة.
و الوجه فی کونها مثالیة کونها غیر مطبقة عملیا علی سطح الأرض،بل تأخذ کل دولة توقیت عاصمتها و إن اختلفت عن التوقیت الحقیقی،حتی یمکن أن تکون الساعة عند الزوال فی مثل ذلک فی الحادیة عشرة و النصف أو الحادیة عشرة تماما أو الواحدة تماما.طبقا لبعد المنطقة عن العاصمة.
و هذا الأسلوب و إن کان فیه توحیدا للدوام الرسمی فی الدولة،لأنه
یجعل کل الموظفین یخرجون إلی دوائرهم فی نفس الوقت و یخرجون منها کذلک أیضا.و هی مصلحة لا تخلو من أهمیة،إلاّ أنها أوجبت التضحیة بالساعة المثالیة،الأمر الذی أوجب عدة مضاعفات،منها:
أولا:ما أشرنا إلیه من اختلاف التوقیت فی ساعات النهار فبدلا من أن یکون الزوال فی الساعة الثانیة عشرة،فسوف یکون فی الحادیة عشرة مثلا.
ثانیا:قد یحصل أن دولتین علی خط طول متشابه تقریبا،تجعل التوقیت بینهما مختلفا ساعة أو نصف ساعة.کان الأمر فی ذلک اختیاریا و لیس خلقیا تکوینیا.
ثالثا:إنک إذا وصلت إلی(الحدود)بین الدولتین فسوف تعجب من اختلاف التوقیت أکثر،لأنک تجد هناک منطقتین متقاربتین لا یکاد یفصلهما کیلومتر واحد،و مع ذلک فإن الفرق بین ساعاتهما هو ساعة کاملة.
باعتبار تبعیة کل منطقة إلی عاصمتها.
رابعا:حصول الشک و الاشتباه فی أن أی بلد تنطبق علیه(الساعة المثالیة)المطابقة بالضبط مع خطوط الطول و أی بلد لیس کذلک،و ذلک بالنسبة إلی جمیع الناس ما عدا الأوحدی المتعمق بالفکر منهم.
و إنی لا زلت أتذکر أنه کانت تأتی خرائط لکرات أرضیة مصغرة ذات محور واحد.قد وضعوا علی القطب الشمالی منها قرصا محددا للساعات و الدقائق.و لیس علیک إذا أردت أن تعرف الساعة فی أی بلد،إلاّ أن تضبط الساعة علی خط الطول من بلدک لتعرف الساعة آنیا فی کل سطح الکرة الأرضیة.
فهذه هی الساعة المثالیة،التی ألغت الدول أثر العمل بها،کما قلنا.
و أصبحت أطالس الخرائط ترسم خریطة معینة للساعات لا تطابق خطوط الطول بحال.و کنت أود إلحاقها بهذا الفصل لو لا أنها لا تحتوی علی أثر
شرعی کبیر.فإن المهم شرعا هو الأوقات التکوینیة،کالشروق و الزوال و الغروب،فی أیة ساعة کان حصولها.
عرفنا و نعرف أن هذه الساعات المتعارفة لدینا إنما هی قد أصبحت کذلک فی زمن متأخر عن عصر المعصومین علیهم السلام.و لا نعلم ماذا کان یحمل المجتمع فی صدر الإسلام عن معنی الساعات الأربع و العشرین التی ذکرها ابن منظور فی کتابه کما سمعنا.
و العدد المتیقن من حال المجتمع یومئذ هو أن المراد من الساعات لدیه معانیها اللغویة و لیس أکثر من ذلک.و معه فهذا هو ما ینبغی أن نفهمه فیما إذا ورد اللفظ فی الکتاب أو السنة الشریفین.
کما لا نستطیع أن نقول بإمضاء المعصومین علیهم السلام للسیرة القائمة علی هذه الساعات المتعارفة،مهما کان توقیتها،لأنها سیرة متأخرة علی أی حال،و لا أقل من احتمال ذلک.
و لکن مع ذلک،فإن هذه الساعات المعروفة لها عدة نتائج شرعیة یمکن الالتفات إلیها بوضوح،مما یسهل الأمر علی المکلفین الذین یریدون طاعة اللّه سبحانه فی حیاتهم.
و ذلک فی عدة موارد نذکر أهمها:
أولا:إن وقت الصلاة کالزوال مثلا،إذا لم یکن مرئیا فی یوم من الأیام أو فی عدة أیام لغیم أو ضباب أو غبار و نحوها،أمکن قیاسه علی السابق الذی کان مرئیا فیه باعتبار الساعات و الدقائق.
ثانیا:تمییز طول النهار و قصره و کذلک اللیل بالساعات،المتعارفة.
ثالثا:قیاس مقدار تأخر الهلال عن الغروب فی أول یوم من أیام الشهر.فإنه کلما کان أکبر کان باقیا فی الأفق زمانا أطول.
رابعا:قیاس مدة ما بین الطلوعین.
خامسا:قیاس مدة بقاء الحمرة المشرقیة لدی الطلوع.
سادسا:قیاس مدة بقاء الحمرة المشرقیة لدی الغروب.
سابعا:قیاس مدة بقاء الحمرة المغربیة بعد الغروب.
ثامنا:تمییز وقت نصف النهار بالساعات.
تاسعا:تمییز وقت نصف اللیل بالساعات.
عاشرا:تمییز الفرق بین یومین مختلفی الطول،لتحدید ساعات الصوم، لیجد الإنسان ما إذا کان الصوم یضره أم لا.
إلی غیر ذلک من النتائج.
أولا:ألمعنا فیما سبق إلی أنه یمکن نظریا جعل نقطة البدایة للساعة أی وقت محدد من آناء اللیل و النهار،کالفجر أو الشروق أو الغروب أو الزوال أو غیرها.غیر أن العمل علی ما هو المشهور بین الناس أولی.
ثانیا:إنه بعد أن فشل-کما سبق-جعل الزوال کنقطة بدایة للتوقیت الزوالی،قالوا:إن أصله هو نصف اللیل و لیس الزوال.و هنا یرد علیه عدة إشکالات منها:
1-إن نصف اللیل غیر محدد حقیقة و أوضح تردید فیه کونه من الغروب إلی الشروق أو إلی الفجر.
2-إن نصف المجموع لا یمکن أن یختلف.إذن فمن الزوال إلی نصف اللیل إنما هو بمقدار العکس.و هذا ما لم یحصل إذا اختلف الزوال.
3-إنه کما یمکن أن یضطرب الزوال و یتحرک،کذلک یمکن لنصف اللیل أن یتحرک.و من ثم تزول نقطة البدایة بالمرة للساعة الزوالیة.
ثالثا:إنه بینما تری طبقا للتوقیت الزوالی أن النهار و اللیل یتقلصان و یمتدان من الطرفین،أی من طرفی الزوال أو نصف اللیل،نجد أن التقلص و الامتداد فی التوقیت الغروبی من جانب واحد.و من ثم یمکن أن یحسب طوله للفرد الاعتیادی بوضوح.لأنه لا یتوسط أی من اللیل و النهار الساعة الثانیة عشرة بناء علی هذا التوقیت.مع العلم أن توسطها فیهما،کما فی التوقیت الزوالی،یضر باتضاح عدد ساعات اللیل و النهار للفرد الاعتیادی.
لأن الساعة الواحدة تبدأ فی النصف الثانی من النهار و من اللیل.و هذا ما لا یحصل فی التوقیت الآخر.
رابعا:إن الأصل فی أی توقیت هو الساعة المنقسمة إلی أربع و عشرین ساعة،و لیس إلی اثنتی عشرة ساعة.کما هو معلوم لمن یدقق فی الحال.
و معه تکون نقطة البدایة للتوقیت الغروبی هو الغروب و نقطة البدایة للتوقیت الزوالی هو نصف اللیل.بدلیل أنهم یعتبرون ما بعد الثانیة عشرة یوما جدیدا.فی حین یعتبر بدایة الیوم الجدید فی التوقیت الغروبی من أول اللیل.و هذا کله إنما هو بالاعتبار و التسالم الاجتماعی و لا ربط له بالخلقة الأصلیة،لما سمعناه من الإشکالات و الأفکار.
خامسا:وجدت شکوی شرعیة من أوقات الصلاة فی المناطق المسکونة قرب الدائرة القطبیة،من حیث أن اللیل إذا أصبح قصیرا فإن الفجر یبزغ حال وجود الحمرة المغربیة فی الأفق.فلا یوجد هناک من اللیل قسم یسمی بأنه(بعد الحمرة المغربیة)لکی یصلّون صلاة العشاء الواجبة فی ذلک الحین فی نظرهم.یعنی أنه ینعدم وقت صلاة العشاء تماما.فما هو الحکم فی ذلک؟ و من المعلوم أن من یری فی اجتهاده جواز التتابع بین الفرائض فی غنی عن هذا الإشکال تماما.لأنه یمکنه أن یؤدی صلاة العشاء بعد انتهاء الوقت المختص بصلاة المغرب فقط،(و هو مقدار ثلاث رکعات بعد زوال الحمرة المشرقیة).و لو کانت الحمرة المغربیة لا تزال موجودة.و هذا هو الجواب الصحیح علی هذا السؤال.
هو من البراءة من الشیء و عنه،و هی العافیة و التنزه و الابتعاد عن ذلک الأمر.و منه البرء من المرض و البراءة من الذنب و البراءة من شخص معین و منه قوله تعالی بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَی الَّذِینَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِکِینَ ، و مفردة بریء و یجمع علی براء بالکسر ککریم و کرام.و علی برءاء.مثل فقیه و فقهاء.و قد ورد بهذه الصیغة فی التنزیل المجید.
و الاستبراء طلب البراءة و التسبب إلیها،کما سیأتی.و هو اشتقاق یستعمل لغة فی طلب الشیء کالاستحداث و الاستکبار و الاستدبار و غیرها.
یعنی الطلب و التسبیب إلی حدوث هذه الأمور.
و تستعمل هذه المادة فی الفقه فی موارد عدیدة:
أولا:الاستبراء من البول بالخرطات.
ثانیا:الاستبراء من المنی بالبول.
ثالثا:استبراء الحیوان الجلال لتطهیره.
رابعا:الاستبراء من ماء الزانی قبل الزواج بغیره و هو بمنزلة العدة.
خامسا:استبراء الأمة المباعة قبل أن یطأها المشتری.
سادسا:المبارأة بین الزوجین بأن یبرأ أحدهما من الآخر،بما یشبه الطلاق الخلعی غایة الفرق بینهما أن الکراهة تکون فی الخلع من طرف المرأة و فی المبارأة من الطرفین.
سابعا:الاستبراء من وطئ الشبهة.سواء کانت الموطوءة متزوجة، توخیا أن یأتیها زوجها بعد الاستبراء أو أن الاستبراء للزوج من جدید.و هو أیضا بمنزلة العدة.
ثامنا:یمکن القول إن کثیرا من موارد وجوب العدة علی الطلاق أو الوفاة إنما هو للاستبراء إذا کانت تعیش مع الزوج إلی حین حصول ذلک.
و یقرب ذلک و یدل علیه:أنه مع الیقین ببراءة الرحم من الحمل فلا عدة شرعا،کما فی طلاق الصغیرة و الیائسة.
و أما القول بأن وجوب عدة الوفاة علی أمثال هؤلاء ینافی ذلک.
فجوابه:إن عدة الوفاة لیست للاستبراء،و إنما شرعت لاحترام الزوج المتوفی،فیما یدرکه من علل الأحکام.
تاسعا:یوجد اصطلاح براءة الذمة فی مقابل اشتغالها بمال أو مالی.
و هذا یرد فی موارد کثیرة،من موارد احتمال الضمان کقولهم:الأمین بریء بدون تعدّ و لا تفریط.یعنی لا تشتغل ذمته بضمان التالف.
عاشرا:تکون براءة الذمة من الذنب أیضا،بالیمین علی البراءة فی المرافعة الشرعیة القضائیة.
حادی عشر:تکون براءة الذمة من الذنب أیضا بالتوبة و قد ورد:أن التائب من الذنب کمن لا ذنب له،غیر أن هذا جانب أخلاقی قبل أن یکون فقهیا.
ثانی عشر:أن هناک جانبا أخلاقیا آخر،و هو أن التوبة قد تستلزم إذابة اللحم الذی نما علی الحرام لکی ینمو فی محله لحم علی الحلال.و هو یحمل نفس فکرة استبراء الحیوان الجلال.غیر أنه یستعمل فی مدارج التوبة العلیا.لأن الجانب الفقهی فیه ضعیف،لأن اللحم الذی نما علی الحرام لا یحتمل أن یکون حراما فقهیا و إنما هو حرام أخلاقی.
و قد نجد موارد غیر هذه الاثنی عشر مما تستعمل فیه هذه المادة(البراءة)
أو الاستبراء فی الفقه و القانون.
و قد لاحظنا أنه مع حصول النتیجة المطلوبة تسمی البراءة.کبراءة الذمة.
و مع التسبیب إلی حصولها تسمی الاستبراء.و التسبیب إلی براءة الذمة یکون بدفع ما اشتغلت به و لا یصطلح علیه بالاستبراء.و حین یکون الاستبراء إذا مصطلح معین فی الکتاب و السنّة(کالعدّة)فإنه یکون هو المتبع.و هی مأخوذة من العدد،باعتبار تعدد الأیام أو الأشهر قال سبحانه فَعِدَّةٌ مِنْ أَیّامٍ أُخَرَ و قال فَما لَکُمْ عَلَیْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها .
و المقصود أن هذا العدد المعین من الأیام موجب العلم ببراءة الرحم من الحمل.
و یحسن بنا الآن أن نتکلم عن ثلاثة أمور من تلک المعانی العدیدة و هی:الاستبراء بالخرطات.و استبراء الحیوان الجلال.و الاستبراء من وطئ الشبهة.کل فی عنوان مستقل.
قال عنه الفقهاء-کما هو معروف-أن یمسح من المقعد إلی أصل القضیب ثلاثا و من أصل القضیب إلی رأسه ثلاثا ثم ینتره أو یعصره ثلاثا.
و بذلک تسمی بالخرطات التسع تغلیبا.
و أود هنا القول،إن المس یجب أن یکون بضغط نسبی لا بمجرد الملامسة.فإن المهم هو إفراغ القناة البولیة التی تحت الجلد من قطرات البول الباقیة و هو لا یکون بمجرد المسح.
کما أن البدء یکون من حلقة الدبر،لا بما بعدها،لأن تلک القناة أوجدها اللّه فی کل ذلک الموضع.و حین یکون لا بد من المرور علیها کلها،إذن یتعین ذلک من أجل هذه النتیجة.
کما ینبغی أن نلاحظ اتصال منطقة المسح السفلی بمنطقة المسح العلیا، لا أن یترک الفرد مساحة غیر ممسوحة من جسمه،و لو بعنوان أن الخصیتین
تحتلان مکانا فاصلا بین المنطقتین المشار إلیهما.بل ینبغی مرور المسح فی داخل منطقة الخصیتین لکی یمر الإصبع علی طول القناة البولیة کلها.
کما ینبغی لنا أن نلاحظ أن أیا من المسحات قد لا تتیسّر بجرّة واحدة للمنطقة کلها.أو أننا نکتفی بجرة واحدة و لو اقتصرت علی الأقل من تلک المنطقة.فإن هذا یعنی أننا لم نمسح القناة کلها.بل قد یتعین أن نمسح أی مسحة بجرتین أو أکثر.و المهم فی المسحة الواحدة هو استیعاب جر المسح فی المنطقة کلها.فإن حصل بجرة واحدة،فهو المطلوب و إلاّ لزم التعدد.
کما ینبغی لنا خلال الخرطات أن نلاحظ الترتیب الذی قاله الفقهاء فی هذه الخرطات التسع.فإنها عبارة عن ثلاث مجموعات:
الأولی:المسح فی المنطقة السفلی و هو ما بین المقعدة إلی الخصیتین ثلاث مرات.
الثانیة:المسح فی المنطقة العلیا،و هو مسح الجانب الأسفل من القضیب.
الثالثة:نتر أو عصر رأس القضیب.
و المهم الآن هو أننا لو سرنا علی الوتیرة المعلومة کنا قد حصلنا علی نقاء القناة البولیة،بخلاف ما خالفنا هذا الترتیب.کما هو قدمنا المجموعة الثانیة علی الأولی.أو الثالثة علی الثانیة.فإن ذلک النقاء سوف لن یحصل کما هو واضح لمن یتأمل.و کذلک لو خالفنا بین کل أعداد المسحات بغض النظر عن المجموعات التی أشرنا إلیها.فإن حصلت هناک مخالفة وجب تکرار العمل بما یحصل به الترتیب المشروع لیحصل النقاء المطلوب.
و قد قال الفقهاء أیضا إن الانتظار زمانا معتدا به أو البقاء تلقائیا کذلک إلی حد یحصل العلم العرفی بجفاف المجری یکون بمنزلة حصول الاستبراء.
فإن المهم هو نقاء المجری و هو القناة البولیة،و هو ما حصل.إلاّ أنهم لم یسموه استبراء لعدم وجود التسبیب الفعلی إلی تحصیل البراءة و هو النقاء.
کما أشار الفقهاء أن هذا الأسلوب فی الاستبراء خاص بالرجل و غیر شامل للمرأة.و أما المرأة فلا استبراء لها،بمعنی أنه لا یترتب علی استبرائها حکم.و إنما إذا أرادت الاستبراء و لو لحصول الاطمئنان بالنقاء فإنها تعصره عرضا.أقول:و بذلک تکون قد أنقت بعض القناة و هو جانب نهایتها، دون الجانب الداخلی منها،بخلاف الرجل،فإن مسحه یمر علی منطقة طویلة من تلک القناة.
و السر فی ذلک هو أن خلقة المرأة جسمیا غیر خلقة الرجل من هذه الناحیة.و إذا لم یرد لها فی الأدلة المعتبرة لها استبراء محدد بحیث تکون له نتائج حکمیة کما فی الرجل.و من هنا یکفی تطبیق القواعد العامة علی مورد المرأة،أعنی فی الحکم بطهارة الرطوبة المشتبهة حتی بدون حصول الاستبراء.
غیر أنه یمکن القول بأن ما سمیناه بالمنطقة السفلی للرجل و هی التی یمسح علیها المجموعة الأولی من المسحات،هی منطقة مشترکة الوجود بین الجنسین.یعنی أنها یوجد مثلها فی المرأة فالقناة البولیة تمر من المقعدة إلی (القبل)کما فی الرجل.کما فی الأمر أنها تنتهی بالخصیة لدی الرجل و بالقبل لدی المرأة.
و هذا یعنی أنها إذا أرادت الاستبراء الکامل فإن علیها أن تمسح تلک المنطقة ثلاث مرات ثم تعصرها ثلاث مرات عرضا.و هذا یعنی أن المجموعتین الأولی و الثالثة ثابتة لها.و أما المجموعة الثانیة فهی ساقطة عنها لأنها خاصة بالقضیب.
و هذا واضح إن أرادت الاستبراء الکامل.و لا شک أنه أحوط و لو استحبابا.غیر أن القول بلزومه إنما یکون مع صحة و إتمام الدلیل علیه، و هو غیر موجود.و تجرید مورد الرجل عن الخصوصیة لیشمل المرأة،غیر
ممکن عرفا مع احتمال الفرق.إذن،تبقی المرأة مشمولة للقواعد العامة الأخری کما سبق.
هذا و لا ینبغی لنا أن نهمل خلال الحدیث عن الاستبراء،الحدیث عن الشعور الجنسی الذی قد یکتنفه أحیانا،و خاصة لدی عهد الشباب.فإن تحریک الأعضاء الجنسیة قد یوجب ذلک،بل قد یوجب الإنزال،و الأدهی من ذلک شرعا هو أنه قد یوجب الالتفات إلی العادة السریة.و قد یوجب الإدمان علیها أیضا،ممن لا ورع له فی دینه و خاصة فی غیر المتزوجین.
و فی الحقیقة أن هذا و نحوه أمر راجع إلی وجدان کل شخص بحیاله.
من حیث أن المسألة لا تخلو من ثلاث حالات حسب فهمی:
الحالة الأولی:إن کلا من الجهة الجسمیة و النفسیة خلال الاستبراء بعیدة عادة عن الجهة الجنسیة،کما هو الغالب.فإن الجهة الجنسیة تحتاج إلی التفات و ترکیز من ناحیتها،و فی إمکان الفرد أن یفکر فی حاله الحاضرة أو أی شیء آخر لیطرد من ذهنه الجهة النفسیة.
الحالة الثانیة:أنه قد توجد الجهة الجنسیة عنده رغما عنه.و لکن إیجاد الإحساس الجنسی أو إثارة الشهوة بمجردها لیست بحرام.مع العلم أنه لا ینصرف ذلک التصرف من أجل هذا الهدف بل من أجل القیام بالوظیفة الشرعیة الاستحبابیة و هی الاستبراء.و معه فلا یکون محلا للإشکال إذا اقتصر الأمر علی هذا المقدار.
الحالة الثالثة:أن یجد المرء فی إحساسه النفسی أنه یسیر باتجاه الإنزال، بمعنی أنه لو استبرأ أو أنه استمر بالاستبراء لحصل الإنزال أکیدا.و هذه حالة نادرة و لکنها إن حصلت وجب الکف عن الاستبراء لوقوع التزاحم بین المستحب و الحرام،و الحرام أهم شرعا بطبیعة الحال فیجب اجتنابه.مضافا إلی سقوط فائدة الاستبراء مع حصول الإنزال.کما هو معلوم.
إذن،فکل متورع یخاف اللّه سبحانه،یجب أن یتجنب هذه النتیجة،
و یکفی الالتفات أنه إنما اختار حصول الاستبراء من أجل اللّه سبحانه باعتبار معرفته باستحبابه،فکیف یجعله سببا إلی ما هو حرام.فضلا عن تکرار ذلک و الاعتیاد علیه.أعاذنا اللّه و جمیع المؤمنین من کل سوء.
فهذا هو مجمل الکلام عن الاستبراء بالخرطات.
الحیوان الجلال هو الحیوان الأهلی الذی عاش علی العذرة عدة أیام حتی نمت بعض الخلایا فی جسمه نتیجة للتغذیة بالنجس.
و هنا ینبغی أن نلتفت إلی أمور:
الأمر الأول:إن الحیوان الجلال لیس کل حیوان علی الإطلاق سواء کانت مأکولة اللحم أم لا و سواء کانت بریة أم بحریة و سواء کانت طائرة أم ماشیة.بل هی خصوص حیوانات معینة مذکورة فی النصوص المعتبرة من حیوانات أهلیة مأکولة اللحم کالبقرة و البطة و الدجاجة و غیرها.أما الحیوانات الأخری کالوحوش و الطیور،و خاصة من غیر مأکول اللحم،فلا مورد للحکم شرعا بکونها جلالة.و حتی السمک المأکول اللحم علی إشکال.
الأمر الثانی:إن صفة الجلل لا تحصل بأکل مطلق النجاسة کالمیتة و الخمر و الدم و نحوها،بل تحصل بأکل خصوص عذرة الإنسان.لا مطلق العذرة النجسة کعذرة الحیوان غیر مأکول اللحم.و لو کان الحال هکذا لوجب اعتبار سائر الوحوش جلالة سواء کانت أرضیة کالنمور و الذئاب و الأسود أو طائرة کالنسر و العقاب و الصقر.فإنها جمیعا تقتل الحیوانات و تأکلها،فإذا قتلتها أصبحت میتة فإن أکلتها دخل لحم المیتة فی جوفها فأصبحت جلالة.و أثر ذلک فقهیا هو سقوط قابلیتها للتذکیة.مع أن کل ذلک غیر محتمل فقهیا.
الأمر الثالث:لأن صفة الجلل بأکل العذرة صفة تعبدیة شرعیة،لأن
مقتضی القاعدة لو لا ذلک هو القول بالطهارة.لأکثر من قاعدة شرعیة، منها:الاستحالة،فإن العذرة إنما أوجبت نمو اللحم بعد أن استحالت إلی موارد أخری و تحللت فی جسم الحیوان.و الاستحالة من المطهرات فی الفقه.و منها:استصحاب الطهارة.فإن هذا الحیوان کان طاهرا قبل أکل العذرة فهل أصبح نجسا بعدها،فتستصحب طهارته.و من تطبیقات ذلک ما لو أکل الحیوان قلیلا من العذرة و شککنا بحصول صفة الجلالة.
فتستصحب الطهارة.
و منها:قاعدة الطهارة،و هی أن کل شیء طاهر حتی نعلم بنجاسته.
و المفروض أننا شککنا بنجاسة الجلال لو لا الدلیل التعبدی علی النجاسة.
فیکون مورد القاعدة الطهارة.
و هذه القواعد هی نفسها التی تجری فی غیر مورد التعبد الذی ذکرناه هو أکل الحیوان الأهلی عذرة الإنسان.فإن الموارد الأخری تکون صالحة للحکم بالطهارة بالقواعد السابقة.نذکر لها بعض الأمثلة للإیضاح:
أولا:ما إذا أکلت الوحوش المیتة کما ذکرنا.
ثانیا:ما إذا أکلت الحیوانات المأکولة اللحم من غیر المنصوص علیه کالغزال و الوعل و البقر الوحشی و غیرها،عذرة الإنسان.
ثالثا:ما إذا أکلت الحیوانات المنصوص علیها کالدجاج و البط عذرة نجسة من غیر الإنسان لحیوان غیر مأکول اللحم.
رابعا:ما إذا أکلت هذه الحیوانات غیر العذرة من النجاسات کالمیتة و الدم و الخمر و نحوها.
خامسا:ما إذا أکل السمک المأکول اللحم غیر عذرة الإنسان من النجاسات.
سادسا:ما إذا أکل السمک المأکول اللحم عذرة الإنسان،علی إشکال فی هذه الصورة لا یترک معه الاحتیاط بالاجتناب.
إلی غیر ذلک من الصور.
الأمر الرابع:لا یشمل الحکم بصفة الجلل غیر العذرة مما یخرج من الإنسان،سواء کان طاهرا کالمخاط و القیء أو نجسا کالبول.و کذا لو حکمنا شرعا بنجاسته باعتبار أمر آخر،کقیء المشرک أو سورة.فإن کل ذلک لا یوجب حصول الجلل.
الأمر الخامس:من جملة الأمور التی قد یخطر فی الذهن کونه موجبا للجلل هو الحلیب النجس،کلبن المشرکة و لبن الکلبة و الخنزیرة.و هذا یکون علی أشکال مختلفة.واحد منها لا بد من الحکم فیه بالنجاسة لورود نص معتبر فیه سواء سمیناه جلالا أم لا.و هو ما إذا ارتضع صغیر الغنم بلبن خنزیرة.و أما غیر ذلک من الصور فکلها مشمولة للقواعد المقتضیة للطهارة و التی أشرنا إلی المهم منها.
و نذکر بعض الأمثلة للإیضاح:
أولا:ما إذا ارتضع رضیع البقر أو الإبل أو أی حیوان مأکول اللحم علی لبن خنزیرة.فإن الحکم بالنجاسة خاص بالغنم.
ثانیا:ما إذا ارتضع رضیع الغنم أو غیره علی لبن کلبة.
ثالثا:ما إذا ارتضع ذلک علی لبن مشرکة.
رابعا:ما إذا شرب أی واحد من هذه الحیوانات خمرا.
خامسا:ما إذا ارتضع رضیع المسلم بلبن خنزیرة أو کلبة.
سادسا:ما إذا ارتضع رضیع المسلم بلبن امرأة مشرکة.
و هذا الأخیر و إن کان سیئا من الناحیة الأخلاقیة جدا،و له نتائج نفسیة غیر محمودة دینیا.إلاّ أنه من غیر المحتمل فقهیا،إمکان الفتوی بنجاسة جسم الرضیع المسلم.
الأمر السادس:أنه إذا حصلت النجاسة یوصف الجلل فی موردها،کما لو عاشت الدجاجة علی العذرة عدة أیام.فإن حصول الطهارة بارتفاع
صفة الجلل أیضا أمر تعبدی تبعا للدلیل.لأننا لو سلمنا بحصول النجاسة یکون مقتضی القاعدة بقاؤها بالاستصحاب لو لا ذلک الدلیل.و خاصة و نحن نعلم أن تلک الخلایا التی نمت فی جسمه نتیجة للنجاسة لا زالت موجودة.
غیر أن الدلیل المعتبر دلّ علی الطهارة بإطعام الحیوان طعاما طاهرا لعدة أیام کثلاثة أیام أو خمسة و نحوها،مما هو مذکور فی الفقه.و هی لا تکفی،بطبیعة الحال لتحول طبیعة جسمه،و خاصة فیما إذا کان قد عاش علی النجاسة زمنا طویلا غیر أن الحکم بالطهارة باعتبار الرحمة الإلهیة و العفو الإلهی.و المصلحة التی ندرکها فی ذلک هو عدم التبذیر الاقتصادی فی الحیوان الجلال إذا لم یمکن تطهیره.إذ من اللازم عندئذ الاستغناء عنه و عدم جواز أکله و بیعه،و من ثم حفظت فیه مالیته،و استقامة الجهة الاقتصادیة فیه.
الأمر السابع:هناک عدة أصناف من هذه الحیوانات الأهلیة القابلة للاتصاف بالجلل.
فالدجاج له أصناف کثیرة و البط و البقر و غیرها.و لا ینبغی التأمل أن کل هذه الأصناف،کما هی مأکولة اللحم،کذلک هی قابلة للاتصاف بالجلل.
غیر أنه ینبغی الالتفات إلی أن المصطلحات العلمیة غیر التسمیات العرفیة،فقد یکون شیء مشمولا للمصطلح العلمی،و غیر مشمول للاسم العرفی.و من ذلک أن(علم الحیوان)قد یصطلح علی بعض الأصناف بأنه دجاج أو بط،و لیس کذلک عرفا.و المدار فی الجهة الشرعیة هو الصدق العرفی دون العلمی.
و من تطبیقات ذلک فی محل الکلام أن علم الحیوان یعتبر الوعول و الغزلان من جنس الأبقار.فی حین أنه غیر محتمل عرفا.و من ثم لا یکون ذلک مشمولا لحکم الجلل،ما لم نقل بعموم حکم الجلل لعدد من الصور السابقة التی نفیناها.
وطئ الشبهة مصطلح فقهی یراد به الجماع الناتج من الاشتباه یعنی أن یتخیل الحلیة الشرعیة فی حین أن تلک الحلیة الموهومة غیر متحققة واقعا.
و نحن بعد أن نلتفت إلی أمرین:أحدهما:معنی الحلیلة و هی تلک المرأة التی یحل وطؤها بالعنوان الأولی و الأصلی،و هی فی الشریعة ثلاث:
الزوجة الدائمة و الزوجة المنقطعة و ملک الیمین.و یلحق بملک الیمین من یحللها مالکها لشخص ما أو یعقدها علیه بأحد الشکلین.
ثانیهما:معنی المرأة المحرمة و هی کل امرأة لیست حلیلة،مما سبق،و هی قد تکون محرما کالأم و الأخت و قد لا تکون،کما قد تکون متزوجة و قد لا تکون،و قد تکون مسلمة و قد لا تکون.و قد تکون حرّة و قد لا تکون.
کما قد یکون الرجل الواطئ الشبهة حاصلا علی بعض تلک الأقسام أیضا.إذ یمکن أن یکون مسلما أو غیره حرا أو غیره محرما أو غیره و هکذا.
فوطئ الشبهة یکون بتخیل الحلیة أو أن المرأة حلیلة و لیست محرمة.
إما لاشتباه تطبیقی و هو ما یسمی فی علم الأصول بالشبهة الموضوعیة،کما لو تخیل امرأة أنها زوجته فجامعها فی حین کانت أجنبیة أو محرما کأخته أو بنته.و قد تکون متزوجة کما قلنا و قد لا تکون.
و أما أن یکون وطئ الشبهة لاشتباه فی الحکم و هو ما یسمی بالشبهة الحکمیة.کما لو توهم أن الزواج بالربیبة جائز فتزوجها و وطأها ثم بانت له الحرمة.و کما لو توهم أن الزواج بالمعاطاة نافذ و صحیح ثم بأن أفتاه المجتهد بالبطلان.و هکذا.
و یمکن أن یجتمع کلا الاشتباهین الموضوعی و الحکمی.کما لو عقد علی إحدی محارمه أو علی امرأة متزوجة بالمعاطاة ثم بانت له الحرمة من کلتا الجهتین،و کما لو عقد علی امرأة بالمعاطاة و لکنه اشتبه و دخل بأخری علی أنها هی تلک المعقود علیها.و هکذا.
و وطئ الشبهة کما هو معلوم من لفظه خاص بالجماع،فلو اشتبه الرجل و قام ببعض الأعمال الجنسیة الأخری کاللمس أو التقبیل.کان عمله جائزا باعتبار الاشتباه و عدم تعمد العصیان.و لکن لا أثر له من لزوم الاستبراء و غیره.
کما أن وطئ الشبهة إنما یکون مع الاشتباه و الغفلة،کما هو معلوم من لفظه أیضا.کما لو اعتقد الرجل أن امرأة هی زوجته فوطأها.و یکون بخلاف ذلک أمران:
الأمر الأول:أن یعلم الرجل أن هذه المرأة محرمة علیه.و مع ذلک فهو یطؤها.فهذا هو الزنا المحرم.
الأمر الثانی:أن یلتفت إلی احتمال الحرمة.و مع ذلک یهمله و لا یعتنی به.و یدخل فی المرأة.فهذا منوط بواقع العلاقة بینهما فإن لم تکن زوجته کان زنا أیضا.لأن علیه أن یعلم قبل أن یعمل و یفحص قبل أن یتورط.
فإن لم یفحص کان زانیا.
کما أن وطئ الشبهة إنما یکون مع الإنزال بالجماع.و عندئذ تترتب علیه الأحکام الآتیة.أما بدونه فلا تترتب بل یکون من قبیل الأعمال الجنسیة الأخری التی أشرنا إلیها.
و وطئ الشبهة کما یکون من الرجل یکون من المرأة أیضا.فلو کان کل منهما مشتبها،فهو الفرد الواضح من وطئ الشبهة.و أما لو کان أحدهما مشتبها و الآخر عالما.کان العمل من قبیل وطئ الشبهة من طرف المشتبه و زنا من طرف العالم.لا یختلف فی ذلک الرجل و المرأة.فلو أوقعت المرأة رجلا بالاشتباه و حملته علی جماعها،کانت زانیة مع کونه واطئا بالشبهة.و هکذا.
و الحکم الآن الذی نحن بصدده هو الاستبراء من وطئ الشبهة.و یکون بمقدار عدة الطلاق فیمن تجب علیها العدة و هی فی الأمة حیضتان و فی الحرة ثلاث.و أما من لا تجب علیها العدة فلا یجب علیها الاستبراء
کالصغیرة و الیائس.و من هنا کان هذا الاستبراء مماثلا للعدة فی المورد و فی العدد.
و ینبغی أن یکون واضحا أن المهم فیه هو اشتباه المرأة التی تکون هی المکلفة شرعا بالعدة.سواء کان الرجل مشتبها أم زانیا علی التفصیل السابق بخلاف العکس.
و لکن هذا الاستبراء یختلف عن عدة الطلاق بعدة أمور:
الأمر الأول:وجوبه بدون حصول الطلاق بل لمجرد الوطء بالاشتباه.
الأمر الثانی:وجوبه علی المرأة المتزوجة لو حصل لها وطئ الشبهة.
من قبل شخص آخر.فإنها لا تحل لزوجها إلاّ به.أعنی من ناحیة مباشرتها دون الأحکام الأخری.
الأمر الثالث:وجوبه علی المرأة غیر المتزوجة أیضا.
الأمر الرابع:أن المرأة خلال عدة الطلاق لا یصح زواجها من آخر، بخلاف مدة الاستبراء.فإن العقد یقع صحیحا و لکن لا یجوز أن یأتیها إلاّ بعد نهایته.
الأمر الخامس:إن الاستبراء أشبه بالعدة البائن من حیث عدم إمکان الرجعة للزوج فیه.إذ لا مورد لذلک فی الاستبراء،بخلاف العدة الرجعیة.
الأمر السادس:إن الاستبراء أشبه بالعدة الرجعیة،دون البائن من جهة أخری،و هی ما إذا حصل حمل للمرأة.فإنه خلال العدة الرجعیة یحسب علی المطلق،و خلال الاستبراء یحسب علی الواطئ المشتبه،بخلاف العدة البائن إلاّ مع حصول الاطمئنان بانتسابه إلی المطلق أو تعین اعتبار مدة الحمل فیه.
و علی أی حال،فالعدة أو الاستبراء إنما تکون لغیر الرجل ذی العلاقة.
کما لو أرادت أن تتزوج غیره.فلا یکون لها ذلک إلاّ بعد انتهاء المدة أو
العدة.و أما مع الرجل ذی العلاقة فلا عدة لها و لا مدة.و لها عدة أمثلة:
الأول:العدة الرجعیة،فلزوجها أن یرجع بها متی شاء.
الثانی:العدة الخلعیة فإن للزوجة أن ترجع بالبذل و عندئذ یمکن للزوج الرجوع بزوجته قبل انتهاء العدة.
الثالث:العدة الخلعیة نفسها إذا أراد الزوجان إبقاء حکم الطلاق الخلعی،مع تجدید العقد بینهما.فإن ذلک ممکن خلال العدة و بعدها.
الرابع:المرأة غیر المتزوجة مع حصول وطئ الشبهة.إذا أراد الواطئ نفسه أن یتزوجها فی مدة الاستبراء.فإن ذلک جائز له.بخلاف ما لو أراد أن یتزوجها غیره،فإنه منوط بانتهاء المدة.و لکن توجد فی الشریعة موارد أخری،تکون العدة ضد الرجل صاحب العلاقة أیضا.و له عدة أمثلة:
الأول:المطلقة ثلاثا.فإنه لا یستطیع المطلق أن یرجع و لا أن یعقد من جدید خلال العدة و لا بعدها.ما لم یتم التحلیل برجل آخر.
الثانی:المطلقة تسعا فإنها تحرم علی المطلق مؤبدا.
الثالث:الموطوءة بالشبهة إذا کانت متزوجة.فإنها تحرم علی الواطئ بطبیعة الحال و لا سبیل له علیها.کما أنها تحرم علی زوجها من ناحیة الجماع إلی انتهاء العدة.
نعم لو لم یکن مدخولا بها من قبل الزوج،و کانت موطوءة شبهة.
و طلقها زوجها خلال مدة الاستبراء،أمکن للواطی الزواج منها فورا.أما من ناحیة الطلاق فإنه لا عدة فیه.و أما من ناحیة الاستبراء فإنها لا عدة لها تجاه الواطئ و أما علیها العدة إذا أرادت أن تتزوج بغیره،بما فیها الزوج المطلق.
و لا یبعد القول بصحة العقد علی غیر الواطئ خلال مدة الاستبراء، لکن یتوقف صحة الدخول علی انتهائها.بخلاف عدة الطلاق بمختلف إشکالها.
قال الفقهاء عموما بما مؤداه بأنه یستحب تعجیل تجهیز المیت و دفنه،لما فی ذلک من الراحة له و الراحة منه بالنسبة إلی الأحیاء و ستر حالته الجسدیة التی حصلت بالموت و التی هی فی الحقیقة(عورة)و کل عورة یجب سترها و من هنا قال عنها فی القرآن الکریم فَأُوارِیَ سَوْأَةَ أَخِی .
إلاّ أن هذا إنما یشرع و یکون مستحبا مع حصول العلم بالموت.و أما مع الشک به فلا یجوز دفنه ما لم یحصل العلم و یرتفع الشک.إذ لعل هناک مئات من المدفونین إنما دفنوا قبل موتهم.فلربما تعود له الحیاة فیجد نفسه فی باطن قبره حیث لا منقذ و لا مغیث.و هو بلاء عظیم جدا علی هذا المسکین.بحیث یبقی إلی أن یموت مرة ثانیة من الألم و الجوع و العطش و المرض.و غالب هؤلاء أنه لا یعرف اتجاهه فسوف یتمدد علی خلاف القبلة.لأنه یتحرک بعد وعیه فتشتبه علیه القبلة،أو لا یتذکرها إطلاقا، فیکون دفنه بعد موته الحقیقی علی خلاف القبلة،یعنی بالصورة غیر المشروعة.و کم صادف أن نبشت بعض القبور فوجدوا المیت ممددا إلی غیر القبلة.و لیس هناک من سبب غیر وعیه و انتباهه بعد دفنه.
و المهم الآن أنه من الضروری للأحیاء أن یجنبوا المیت مثل هذه الحالة و یرحموه من هذه الناحیة،فلا یدفنوه إلاّ بعد أن یتأکدوا مائة بالمائة من موته.بحصول العلم العرفی الکامل بحصول موته.
و أما سبب حصول العلم بالموت فهو أمران رئیسیان:علامات الموت و مضی المدة.فإن حصلت علامات الموت و أنتجت العلم،فهو المطلوب.
و إلاّ فلا بد من الانتظار مدة کافیة یحصل فیها العلم بموته کثلاثة أیام و نحوها.
و من هنا تحصل أهمیة التعرف علی علامات الموت.إذ قد یکون الفرد المشرف علی موت الآخر،لیس بطبیب و لیس لدیه إمکان الرجوع إلی الطبیب.فعندئذ یضطر أن یحکم بحسب اطلاعه القلیل.و من هنا ینبغی أن یکون له هذا المقدار من الثقافة الفقهیة،باطلاعه علی علامات الموت.
لتکون هذه الثقافة منقذا له فی تلک.
و علامات الموت عدیدة،یأخذها الأطباء بنظر الاعتبار منذ القدیم إلی العصر الحاضر،إلاّ أننی وجدت أن هناک اختلافا جذریا بین فهم الأطباء القدماء و الأطباء المعاصرین فی ذلک.علی ما سوف نوضح.
فالأطباء المعاصرین-حسب العلم التجریبی الحدیث-لا تزید عندهم علامات الموت علی ثلاث.متی اجتمعت للفرد اعتبروه میتا فعلا.و هی کما یلی:
أولا:توقف ضربات القلب.
ثانیا:انقطاع التنفس.
ثالثا:سکون حدقة العین عن الاتساع أو التضیق للضوء.
و کل هذه الأمور نشاطات غیر اختیاریة للإنسان کما هو واضح، فانقطاعها أیضا غیر اختیاری،فیکون دالا علی الموت.و یحصل بذلک وثوق کامل به.
نعم،إن حصلت بعض تلک العلامات دون بعض،کان لا بد من الانتظار إلی حین حصول الباقی،إذ لعل المانع من ضربات القلب مثلا، مرض معین،و لیس الوفاة.
و لا أحسب أن الأطباء القدماء لم یکونوا یأخذون هذه العلامات بنظر الاعتبار.و خاصة ضربات القلب أو التنفس،فإنها مشهورة معلومة.کل ما فی الأمر أن الأطباء المحدثین لدیهم آلات یمکن التعرف بها علی صفة الفرد من ذلک بدقة أکثر من الأطباء السابقین.
و من هنا إننا نسمع قصصا فی المشتبه بموتهم یقال فیها:إننی وضعت زجاجة علی فم المختصر دقائق فلم أجد علیها رطوبة فعلمت بموته.أو یقال:إننی وضعت قماشا خفیفا أبیض علی فمه.أو یقال:إننی وضعت زجاجة فوجدت علیها سوادا خفیفا فعلمت بموته.و هکذا.
هذا مضافا إلی أمور أخری یمکن أن تذکر بهذا الصدد:
أولا:عدم سیطرة الفرد علی أعضائه إطلاقا.فإذا حرکها آخر لم یستطع إرجاعها إلی حالها الأول.بل تبقی ثابتة فی محلها.
ثانیا:تیبس مفاصل أطرافه کالرکبة و الکوع أو الأصابع.و هذا ما قد یحدث عند الوفاة مباشرة،و إن لم یکن هو الأغلب.و من نتائج ذلک أنها إذا کانت ملتویة لم یمکن فتحها إلاّ بصعوبة أو لم یمکن إطلاقا.
ثالثا:عدم انفزاعه من الصوت الضخم.فلو کان حیا لتحرک رأسه أو أعطی أی علامة لفزعه أو انزعاجه،فی حین أنه لم تصدر منه أیة حرکة تدل علی ذلک.
رابعا:وقوف تردد حدقة عینیه عن الحرکة یمینا و شمالا،کما هو متحقق فی الإحیاء.و من هنا قالوا:وقفت عینه بالحق.یعنی بسبب الموت.
خامسا:وقوف أجفانه عن الاضطراب کما هو الغالب فی الإحیاء.
سادسا:خدش أو حک باطن قدمیه أو باطن کفیه،بشکل معتد به.
فإن کان حیا و کانت أعصابه نشطة،فإن قدمه أو کفه سیتحرک و لو قلیلا، فإن لم یتحرک إطلاقا،کان ذلک من أدلة حصول الوفاة.
سابعا:خروج سائل أسود أو قریب من السواد،و یکون غلیظ القوام غالبا من فمه.و هذا ما رأیته شخصیا.
أقول:غیر أن هذه العلامات السبع و نحوها فیها نقطتان من الضعف:
الأولی:أنها غیر منتجة للعلم إلاّ مع اجتماع عدد منها.و لیست واحدة منها کذلک بطبیعة الحال،إذ لعل المانع یکون خیرا علی ما یعبرون.
الثانیة:إن أیة واحدة منها لا تحصل لکل الموتی،و إنما یحصل بعضها دون بعض.نعم،لو تصورنا حصول عدد منها أو أکثرها،أمکن القول بحصولها فی الأغلب أو الجمیع.
هذا و لا ینبغی أن ننسی العلامة الرئیسیة و هی تغیر الریح إلی العفونة، فإنها علامة قطعیة علی الوفاة.إلاّ أنها لا تحصل معجلا،و إنما یحتاج حصولها إلی زمن معتد به کیومین أو ثلاثة أو أکثر،و خاصة فی الزمن البارد أو البلد البارد.
و نحن بعد أن التفتنا إلی کل ذلک،نسمع من الفقهاء أمورا أخری لیس فیها شیء مما سبق.یعتبرونها من علامات الموت.و هی-کما سنری- صحیحة فی الجملة.إلاّ أنها حاصلة بالتأکید،علی النقطتین من الضعف التی أشرنا إلیهما أخیرا کما هو واضح للقارئ اللبیب.
قال فی شرح اللمعة عن علامات الموت:کانخساف صدغیه و میل أنفه و امتداد جلده و جسمه،و انخلاع کفه من ذراعه و استرخاء قدمیه و تقلص أنثییه إلی فوق مع تدلی الجلدة.
و نشرح ذلک فیما یلی باختصار:
أولا:انخساف الصدغین:و الصدغ-فی اللغة-ما بین العین و الأذن فی جانبی الوجه.قالوا:و یسمی الشعر المتدلی علیه صدغا.یقال:صدغ معقرب.و تسمیه العامة:زلفا و هو لفظ دخیل.
أقول:یکون عظم الجمجمة فی منطقة الصدغ أدنی مستوی من غیره.
بحیث یمثل(حفرة)نسبیة لدی الکثیر من الناس.و یکون لدی بعضهم واضحا لا یغطیها الجلد الذی فوقه.بل یکون الجلد نازلا تبعا للعظم الذی تحته.غیر أن الأغلب استواء الجلد فهو یخفی تلک الحفرة،فإن لم یخفها الجلد أخفاها الشعر المتدلی فوقه.
و المهم الآن أن الجلد سوف یظهر انخسافه لدی الموت لأنه یکون مترهلا لا تحله الحیاة،فینزل بمقدار نزول العظم الذی تحته.فیکون دلیلا احتمالیا علی حصول الوفاة.
ثانیا:میل الأنف إلی أحد الجانبین.و هذا إنما یحصل فی الأنوف المستدقة فی قطرها و العالیة فی ارتفاعها.فإذا مات صاحبها ارتخت،و مع الارتخاء یحصل المیلان.
ثالثا:امتداد جلدة الوجه.یعنی ترهلها و ارتخاءها،بحیث تبدو،و کأنها منفصلة عن اللحم أو العظم الذی تحتها.
رابعا:انخلاع الکف عن الذراع.لفقدان السیطرة علیه إطلاقا بعد الوفاة.و لیس المراد الانخلاع الحقیقی بل مجرد عدم وجود السیطرة و التحریک.و إلاّ فإن الحال لا یختلف فی الحی عن المیت،فإنک إذا أمسکت ذراع شخص آخر و حرکته بشدة تحرک کفه حرکات آلیة کأنه منخلع عن الذراع.و خاصة إذا کان قد أراد إرخاء کفه و عدم تشدیدها.
و هذا هو فرق الحی عن المیت،فبینما الحی یستطیع تشدید مفصله و یشعر بعدم الراحة من هذا الاهتزاز العنیف،فإن المیت غائب عن ذلک کله.
خامسا:استرخاء القدمین،و هو ناتج من رخاوة مفاصله و موت أعصابه.إذ بینما یکون الحی المستلقی علی ظهره قادرا علی إقامة قدمه عالیا،یکون المیت عاجزا عن ذلک بطبیعة الحال،فتسقط القدمان علی الجانبین.
سادسا:تقلص الأنثیین،و هما الخصیتان إلی الأعلی مع تدلی الجلدة، و إنما ینسبان إلی الأنثی باعتبار مشارکتهما بإنزال المنی.و یبدو أن هذا کان معلوما للأطباء القدماء و لیس للمتأخرین فقط.
غیر أن هذه العلامة الموصوفة هنا،غیر واضحة الثبوت لدی الوفاة.
فإنها متکونة من أمرین:
الأمر الأول:تدلی الجلدة الظاهریة للخصیة.و هذا ینبغی أن یکون واضحا،بعد استرخاء الجلد عموما و تهدله بالموت.
الأمر الثانی:تقلص و انقباض البیضتین الداخلیتین إلی أعلی.و هذا لیس له تفسیر معتد به إلاّ بأن نتصور:أن الفرد إذا کان فی تشنج جسدی حصل له ذلک مع أمور أخری فی أطرافه.و لا شک:أن المحتضر یحصل له التشنج نتیجة لخروج روحه،إذن فسوف یحصل له ذلک.
و هذه الفکرة و إن کانت راجحة،إلاّ أن هذا التشنج سیزول بالموت و یحصل الارتخاء مرة أخری.و لا یبدو لاستمرار التشنج سبب معقول.
هذا،و لا یخفی أن هذا المؤلف الذی عدّد لنا هذه العلامات تصور المیت شخصا متقدما بالعمر قد أنهکه المرض إلی أن أدی به إلی الوفاة.
إذن سیکون حصول هذه العلامات لدیه راجحا.
غیر أن الموت-کما یعبرون-لا یعرف الصغیر من الکبیر،و المریض من السلیم،و الغنی من الفقیر و الطفل من البالغ،و الذکر من الأنثی.و من الواضح أن شیئا من هذه العلامات قد لا یحدث فیما إذا کان المیت شابا أو طفلا أو مقتولا بحادث.و نحو ذلک.
و لذا قال الفقهاء-و معهم الحق-أن هذه العلامات إنما تکون معتبرة و حجة شرعا فیما إذا أوجبت العلم بحصول الوفاة.و أما بدون ذلک فلا حجیة فیها حتی لو حصلت جمیعا.و یعنون بالعلامات،هذه الست الأخیرة.إلاّ أن الأمر بحسب القاعدة العامة شامل لکل العلامات إطلاقا.
غیر أنه بحسب الإنصاف أن العلامات الثلاث الأولی،هی أسرع العلامات سببا لحصول العلم،ثم العلامات السبع التی ذکرناها بعدها.أما الست الأخیرة فهی أدناها من حیث المستوی.و الحمد للّه رب العالمین.
و هو من معنی و مادة(الحضور)و یعنی الحمل علی الحضور و القهر علیه فیکون معناه(الإحضار).کل ما فی الأمر أن الإحضار قد یکون بقناعة من تحضره و رأیه.و أما هذا فهو قهری لا رأی للفرد فیه.و من هنا کان الوجه فی زیادة التاء فی الاحتضار.کالاحتضار و الاقتصار و الاقتسار و غیرها مما لا فعل للطرف الآخر فیها و لا إرادة له بها.
و یکون الحضور هنا علی معان متعددة کلها معنویة روحیة و لیست دنیویة مرئیة.و تختلف هذه المعانی إلی شقین لأننا إما أن نتصور أن الفرد هو الحاضر لدی غیره أو نتصور أن غیره حاضر عنده.فهو إما زائر أو مزور،لو صحّ التعبیر.
فإذا تصورنا الفرد حاضرا،فهنا عدة وجوه:
الوجه الأول:أن یکون الفرد حاضرا عند اللّه.فإنه سبحانه إلیه المنتهی و إلیه الرجعی و إلیه راجعون. یوم یقوم الناس لرب العالمین .إلی غیر ذلک من الآیات الکریمات.
الوجه الثانی:أن یکون الفرد حاضرا للآخرة أو البرزخ.یعنی مقهورا علی الذهاب إلیها.
و إذا تصورنا الفرد هو المزور.و أن شیئا یحضر عنده.فهنا أیضا عدة وجوه
الوجه الأول:أن الموت حاضر لدی الفرد.و هو الذی وصل إلیه،لا أن الفرد وصل إلی الموت.عکس الوجه السابق.و کلاهما صادق مجازا علی أی حال.بعد حصول اللقاء بین المیت و موته.و إنما یختلف الوجهان باللحاظ.
الوجه الثانی:أن ملک الموت حاضر لدیه.یعنی جاءه لقبض روحه.
کما نص علی ذلک فی القرآن الکریم.
الوجه الثالث:أن بعض المعصومین سلام اللّه علیهم حاضرون عنده، کعلی علیه السلام،کما هو المعروف فی مذهبنا.و یدل علیه الشعر المنسوب إلی علی علیه السلام حیث یقول:
یا حار همدان من یمت یرنی من مؤمن أو منافق قبلا
یعرفنی طرفه و أعرفه بوصفه و اسمه و ما فعلا
فهذه ستة وجوه لتفسیر الحضور.و قد یخطر فی البال غیرها علی أی حال،و کلها یمکن أن تکون صادقة إما حقیقة أو مجازا.و لا تنافی بینهما علی أی حال.و یکون المیت سابقا لها(محتضرا)أو(حاضرا)أو(محضّرا) أو(محضورا لدیه)علی اختلاف الوجوه.فإن الثلاثة الأولی تقتضی معنی اسم الفاعل للمیت و الثلاثة الأخیرة تقتضی معنی اسم المفعول له.و یکون الاحتضار معنی شاملا لکلا الفهمین.
علی أنه من المحتمل فی اللغة:أن یکون الاحتضار موضوعا لهذه الحالة التی تکون سببا للموت أو سابقه علی الموت.بغض النظر عن مناشئها اللغویة أو مادتها.و هذا أمر صحیح و خاصة فی اصطلاح الفقهاء.غیر أن غض النظر عن أسسها اللغویة،یحتوی علی ضحالة فی التفکیر،و قد حاولنا تجاوز ذلک بالوجوه الستة السابقة.
بقی أننا لا ینبغی أن نهمل الإشارة إلی عدة أمور:
الأمر الأول:أنه قد یقال:إن حالة الاحتضار خاصة بقسم من الناس.
و لا تشمل أولئک الذین یموتون بحوادث سریعة القتل نسبیا و لا الذین یموتون فجاءة و نحو ذلک.فإن هؤلاء لیس لهم حالة الاحتضار.
و هذا الفهم مبنی علی تصور معین،و هو أن حالة الاحتضار،ینبغی أن یکون لها زمان ملحوظ و معتد به.فلو لم یکن هذا متوفرا،بل مات الفرد سریعا لم یکن له احتضار.و هذا إن نظرناه من ناحیة التسامح العرفی، نجده صحیحا.فإن الناظر العرفی إلیه ینفی حالة احتضاره لا محالة.و لکننا ینبغی أن نتعمق إلی المستوی الروحی لدیه،و عندئذ فسوف نجد أن تلک المرحلة ضروریة لکل الموتی.کل ما فی الأمر أن بعضهم تحصل عندهم خلال زمان طویل و بعضهم تحصل عندهم خلال زمان قصیر.و مثل هذا الفرق غیر فارق فی أصل الفکرة کما هو واضح.
الأمر الثانی:أن المشهور بین المتشرعة أن حالة الاحتضار هی زمان سحب الروح من البدن.و قد قال الناس:إن ملک الموت یسحب الروح من طرف الرأس فأول ما یخلو من الروح الرجلین ثم یصعد الموت فی البلد إلی جهة الرأس.و آخر ما یموت الرأس.فیبدأ الموت بالفم و اللسان، ثم یصل إلی العینین ثم یصل إلی الأذنین ثم یصل إلی المخ.ثم تخرج الروح کلها من البدن.
و هذا التدرج فی الموت،یوجد ما یدل علیه فی السنة الشریفة و فی بعض خطب نهج البلاغة ما یشیر إلیه.حتی أن الرجلین یموتان قبل الیدین و البطن قبل الصدر و هکذا.و علی أی حال،فإنه من الواضح هنا اختصاص ذلک بغیر من یموت بحادث سریع التأثیر.
و هذا التدرج إذا سلمناه فلا نسلم أنه یکون بسبب سحب الروح من طرف الرأس.فإن معنی ذلک صعود الروح التی فی الرجلین إلی الجسد و صعود روح الجسد إلی الرأس و نحو ذلک.و هذا باطل أکیدا،لأن الروح الخاصة بالعضو لا یمکنها الکون فی عضو آخر،و لن تؤثر فی إدامة حیاته.
و إنما الموت هو انفصال الروح عن الجسد،بمعنی أنها کانت حال الحیاة
قادرة علی التأثیر فی الجسد و تحریکه و کانت قادرة علی التأثر به و من خلاله.فهی تحس به و تتفاعل مع الآخرین عن طریقة.و بالتالی کانت هناک علاقة خاصة و متقابلة بین الروح و الجسد.فیکون الموت هو قطع تلک العلاقة.
و هذا القطع کما قد یکون دفعة واحدة،کما فی الحوادث السریعة التأثیر،قد یکون تدریجیا،کما فی الاحتضار المتعارف.فیمکن أن تنقطع العلاقة مع الرجلین أولا ثم مع الیدین ثم مع الرأس و هکذا.و لا یلازم ذلک صعود الروح الخاصة بالرجلین إلی الجسد أو صعود الروح الخاصة بالجسد إلی الرأس.کما لا یلازم انسحاب الروح من طرف الرأس.و إنما ینبغی أن نعبر انسحاب الروح من طرف الرجلین.یعنی بدأ الموت و الانفصال من هناک.و المسألة فی ذلک مبنیة علی التعبیر اللغوی لا أکثر.
و هذا التدرج فی الموت،و إن کان واردا فی السنة و واضحا فی أغلب الناس.إلاّ أنه لیس قاعدة غیر قابلة للاستثناء،کما عرفنا.فمضافا إلی الحوادث،یکون موت الفجأة خالیا منه أیضا.حیث یکون الانفصال من کل أجزاء البدن فی وقت واحد.
یبقی سؤال واحد(طبی)لا بدّ من ذکره.و هو أن هذا التدرج متی حصل کان معناه موت القلب قبل الرأس.یعنی یبقی الفرد قادرا علی الکلام و السمع و البصر.مع توقف قلبه.و هو غیر ممکن طبیا.
و بتعبیر آخر:إن الموت طبیا لیس إلاّ توقف القلب فإذا حصل ذلک توقف الدم عن الجریان و الدوران.و عندئذ حصل الموت،و تعذر استعمال أیة حاسة أخری کالسمع و البصر،فضلا عن الکلام.مع العلم أن ما دلّ علی التدرج فی السنة الشریفة و خطب نهج البلاغة،دال علی ذلک ضمنا.
و یمکن الجواب علی ذلک علی عدة مستویات:
المستوی الأول:أنه لیس المفروض فی تدرج زهاق الروح التدرج البطیء بل الأمر لا یتعدی بضع دقائق.و من الأکید أن الهمود الکامل فی الجسم یستدعی مثل هذا الوقت طبیا.
المستوی الثانی:إننا ذکرنا فی بعض أبحاثنا السابقة أن تعریف الموت یختلف بحسب الحقل الذی یخوض فیه الفرد و المستوی الذی ینطلق منه.
بل إن فهم کل شیء علی هذا الغرار.فبینما نجد أن تعریف الموت طبیا هو توقف القلب نجد أن تعریفه العرفی هو الهمود الحاصل فی الجسم و تعریفه المتشرعی هو انفصال الروح کلیا عن الجسد.فما دامت متعلقة به و لو جزئیا فالموت لم یحصل.فتکون قابلیة ممارسة النشاط الحیوی متحققة.
المستوی الثالث:إن کل شیء فی قدرة اللّه ممکن.و نحن فی حدود فهمنا الظاهری أو بحسب القوانین المادیة قد نجد معنی معینا.و لکنه لن یکون صحیحا طبقا لقوانین ما فوق المادة،و هی تحکم المادة و غیرها،من حیث نعلم أو لا نعلم.
و قد حصل لکاتب هذه الحروف أکثر من مرة أنه رأی اللحم المأخوذ من السوق و المقطع بالسکین یتحرک و ینبض علی غرار نبضات القلب.یعنی فی نظام نبضاته زمانا.فهل یمکن القول بأن هذا اللحم قد مات موتا کاملا؟ و هل من الممکن القول بأنه یحس بالألم إذا قطعناه بالسکین؟ الأمر الثالث:مما ینبغی التنبیه علیه فی هذا الصدد.
أن فکرة العامة للاحتضار من ناحیة و للموت من ناحیة،و إن کانت واحدة أو مشترکة.إلاّ أننی لا اعتقد أنه یمر علی الأفراد جمیعا بشکل مختلف عن صاحبه.
و هذا مما وردت الإشارة إلیه فی السنّة الشریفة مضافا إلی التجربة فی النظر إلی حال المحتضرین من حیث طول المدة و قصرها،و من حیث حصول الألم و عدمه.و من حیث حصول بعض التشنجات و الحرکات
و عدمها.و من حیث الانطباعات السائدة علی الوجه.إلی غیر ذلک کثیر.
و السنّة الشریفة الواردة فی التمییز بین سهولة الموت للمؤمن بل الالتذاذ به،و صعوبة الموت علی الکافر و الفاسق و الآلام الجسمیة و النفسیة و الروحیة التی یمر بها.واضحة و متمیزة و متوفرة.فالصعوبة الجسمیة هی الآلام التی یحس بها عند النزع.و الصعوبة النفسیة هی صعوبة فراق ما کان یحبه و یحنو علیه من المال و الولد.و بالتالی صعوبة فراق الدنیا.و الصعوبات الروحیة هی الآلام التی یحس بها فی الجانب غیر الدنیوی کهول رؤیته لملک الموت و هول المطلع و الیأس بعد انقطاع العمل و غیرها.
الأمر الرابع:مما ینبغی التنبیه علیه بهذا الصدد.
إن أغلب استعمالاتنا اللغویة مبنی علی أن الموت هو الوفاة و الوفاة هی الموت.فهما لفظان یعبران عن معنی واحد.إلاّ أن هذا جزاف القول و تصور ضحل تکذبه استعمالات القرآن الکریم نفسه کما سنسمع.
فاستعمال الموت ناشئ من تصور انقطاع الحرکة بعد النشاط و العجز بعد القدرة.و هذا المعنی شامل للإنسان و الحیوان و النبات.بل هو شامل بمعنی مجازی حتی للجمادات کالأجهزة العاطلة و الأدویة التالفة.و من هنا یعبر بلغة العوام عن بعض ذلک بقولهم(لشّة)یعنی لا شیء.من حیث أنها أصبحت لا شیء بعد أن کانت شیئا.
و أما استعمال لفظ الوفاة.فهو باعتبار الموافاة،و هی الملاقاة و المقابلة مع الغیر،یقال:وافیته و یقال:وافیته بکذا.أی بهدیة أو أمانة أو خبر و نحوها.
و المقابلة أو الملاقاة عند الموت تکون للّه سبحانه أو للعالم الآخر.قال سبحانه اَللّهُ یَتَوَفَّی الْأَنْفُسَ حِینَ مَوْتِها .
و التوفی هو الحمل علی هذه المقابلة و التسبیب إلیها.و منه قوله تعالی:
تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا یُفَرِّطُونَ .یعنی أنهم سببوا إلی الوفاة و من ثم إلی الملاقاة.
إذن یتحصل لدینا أن حیثیة وجهة استعمال لفظ الموت غیر جهة استعمال لفظ الوفاة.و لیس بین المفهومین-کما نتصور-نسبة التساوی بل یمکن القول إن بینهما نسبة العموم و الخصوص من وجه.یعنی أنهما قد یحصلان معا و ذلک فی أغلب صور الموت الطبیعی،فهو موت و وفاة فی نفس الوقت.و قد یحصل أحدهما بدون آخر،کما سنذکر:
أما حصول الوفاة بدون موت،فیمکن أن نشیر إلی وجوده فی القرآن الکریم فی موضعین:
أحدهما:أنه سمی النوم وفاة و لم یسمه موتا.فقال تعالی اَللّهُ یَتَوَفَّی الْأَنْفُسَ حِینَ مَوْتِها وَ الَّتِی لَمْ تَمُتْ فِی مَنامِها .یعنی و هو یتوفی الأنفس التی لم تمت فی منامها.إذن فهو یتوفی الأنفس لدی منامها.
فالنوم-إذن-وفاة و إن لم یکن موتا.
ثانیهما:إننا نعتقد أن النبی عیسی ابن مریم علی نبینا و علیه السلام حی لم یمت.و هذا ما علیه إجماع الفریقین من المسلمین و نطقت به الکثیر من الروایات.و مع ذلک فقد نص القرآن علی حصول الوفاة له.و هی غیر الموت.قال سبحانه فَلَمّا تَوَفَّیْتَنِی کُنْتَ أَنْتَ الرَّقِیبَ عَلَیْهِمْ .فقد توفاه اللّه حال حیاته و قبل موته.
فهذان موردان تحصل فیهما الوفاة و لم یحصل الموت.
و أما حصول الموت بدون الوفاة.یعنی أن یحصل له الموت الطبیعی و لکن لا تحصل له الوفاة بالمعنی الذی شرحناه.یعنی لا یوافیه اللّه سبحانه فی الجهة الروحیة المعنویة،بل یکون محروما من رحماته الخاصة و فیوضاته العلیا.فمن ذلک قوله تعالی وَ مَنْ کانَ فِی هذِهِ أَعْمی فَهُوَ فِی الْآخِرَةِ أَعْمی وَ أَضَلُّ سَبِیلاً .و قوله تعالی کَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ یَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ .
و من هنا نعرف أن قوله تعالی اَللّهُ یَتَوَفَّی الْأَنْفُسَ حِینَ مَوْتِها .
ینبغی أن نفهمه بشکل دقیق.فأما أن نقول:إنه عموم قابل للتقیید،و هو مقید بالآیات السابقة التی تؤکد علی عدم موافاة اللّه سبحانه.أو نقول:
إن عمومها ثابت لکنها تتحدث من حیث علم اللّه سبحانه لا من حیث علم العبد.فاللّه سبحانه یعلم أن المیت قد وافاه إلاّ أن المیت لا یعلم ذلک بل هو أعمی و محجوب عن النظر إلی تلک الأنوار العلیا.و من ثم ففی حدود فهمه:أنه لم تحصل له الموافاة و من ثم لم تحصل له الوفاة.بالرغم من أنه قد مات.
الأمر الخامس:أشرنا قبل صفحات أن الموت یتخذ تعریفات مختلفة باختلاف الأهداف التی سبقت هذه التعریفات من أجلها.و حسب الحقل الذی نتحدث فیه من حقول المعرفة البشریة.
و من هنا یمکن أن نسوق له عدة تعریفات نذکر أهمها فیما یلی،مع العلم أنها غیر متکاذبة،کل ما فی الأمر أنها غیر متساویة الصدق مائة بالمائة لو أردنا أن ندقق فی الأمر.
فالموت هو فراق الدنیا و الأهل و المال و الولد و السکن و الموت هو مقدمة الآخرة أو بابها أو سببها.و الموت هو سکون الحرکة و الصوت و الإحساس الذی کان له.و الموت هو الإعداد للقبر و الموت هو لقاء اللّه سبحانه و الموت هو الوفاة و الموت هو توقف القلب و دوران الدم و الموت هو توقف النشاطات العضویة عامة فی الإنسان.و الموت هو انفصال الروح عن الجسد.و الموت هو فعل ملک الموت الموکل به.إلی غیر ذلک من التعریفات.
و ینبغی أن یکون من الواضح أن للموت بکل من هذه التعریفات نتائجه التی تختلف بها عن التعریف الآخر.و لیست النتائج مشترکة،و إن کانت کلها حاصلة بعد صدق التعریفات جمیعها.
فمثلا:نتیجة الفراق هو الحرمان من الدنیا.و نتیجة التسبیب للآخرة الدخول فیها أو هول المطّلع.و نتیجة لقاء اللّه الوقوف بین یدیه معنویا
و مواجهة الحساب.و نتیجة توقف القلب و الدم فقد السیطرة علی الحرکة إلی غیر ذلک من الأمور.
الأمر السادس:قسموا الموت إلی طبیعی و معنوی.فالموت الطبیعی هو هذا الذی نشاهده فی البشر و غیرها.و الموت المعنوی هو المتعلق بالنفس أو الروح لا البدن.و هو قد یحصل مع عدم حصول الموت الطبیعی یعنی خلال وجود الفرد فی هذه الحیاة الدنیا.
و هو علی قسمین عالی و سافل.فمن حیث أن الموت هو توقف النشاط توقفا تاما لا أمل فیه من الحرکة.فهذا التوقف إما أن یصیب جانب الخیر فی الإنسان،فیموت جانب الخیر فیه.بحیث لا یکون الأمل فی التوبة و الاستغفار أملا معتدا به،بل ینغمس الفرد فی الملذات و الشهوات و تکون الدنیا أقصی همه و مبلغ علمه.فهذا هو الموت السافل.
و قد یکون التوقف لجانب السوء و الشر الذی تتصف به النفس الأمارة بالسوء.و هو موت الشهوات و الثروات و الأهداف الرخیصة الدنیا.بحیث لا یبقی فی القلب أی حب للدنیا و ما فیها و أی التفات إلیها،و یکون الفرد قد کرّس وجوده کله لرضاء اللّه سبحانه.فهذا هو الموت العالی.
و لکننا ینبغی أن نلاحظ أن کلا هذین النوعین من الموت المعنوی لا ینافیان الاختیار.فیبقی الإنسان-من الناحیة النظریة مختارا قابلا للتحول و الرجوع إلی الجانب الآخر-لو صحّ التعبیر-و ذلک ما دام الفرد فی هذه الدنیا و النفس یصعد و ینزل.و لیس حاله حال الموت الطبیعی الذی لا رجعة فیه إطلاقا.
و علی أی حال،ففی کلا هذین الموتین،حالة احتضار خاصة به.و هی حالة عدم نضج النتیجة فی الفرد.بل لا زال فی مقدماتها و أسبابها.
و بتعبیر آخر:إن الفرد قد تحصل له الصفة بشکل یکون ملکة راسخة غیر قابلة للتحول عادة،یکون شأنها شأن الذکاة للذکی و الغباء للغبی و نحو ذلک.فهذه هی درجة الموت التی تحدثنا عنها.
و لکن یسبق ذلک حالة حرکة و تذبذب و تلوین-کما یعبرون-و هو ما یسمی(بالحال)و کل حال قابل للزوال،و لیس راسخا کالملکة ما لم یصبح ملکة بدوره.فهذا الحال هو بمنزلة الاحتضار للموت المعنوی.
و أنا اعتقد أن لکل من الموتین حاله المناسب له و المسبب له،علی الرغم من أن الاصطلاح عندهم بالحال علی تلک الصفات التی یمر بها الفرد.
مقدمة للموت المعنوی العالی.و هذا ینتج أن أهل الدنیا فاقدین للحال.و هذا صحیح،بمعنی أنهم فاقدون الحال بالتأکید.إلاّ أن هذا لا یعنی عدم اتصافهم بالحال السافل أو الدانی،فإن الفرد قد یکون فی حالة تذبذب بین الصلاح و الفساد إلی وقت یتم فیه الفساد و یترسخ فیه.فتلک الحال للموت المعنوی السافل.أو قل:هی حالة الاحتضار المناسب له.
الأمر السادس:یدفن الإنسان إذا مات فی القبر،فأین تدفن الحیوانات؟ لعل هذا سؤال غریب لم یصدر من أحد قبل ذلک.و لکننا یمکن أن نشعر بأهمیته إذا التفتنا إلی عدة حقائق:
الحقیقة الأولی:لکثرة الحیوانات علی وجه الأرض-مضافا إلی البحر و الجو-بشکل متزاید جدا قد تصل إلی مئات الملایین،إذا أخذنا بنظر الاعتبار کبار الحیوان و صغارها.و لا حاجة الآن إلی التعرض إلی الحشرات و المیکروبات.و إلاّ لتضاعف العدد أضعافا مضاعفة.
الحقیقة الثانیة:إن کل حیوان فهو صائر إلی الموت لا محالة،فإن قوله تعالی کُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ .لا یختص بالإنسان بل یشمل کل نفس.
الحقیقة الثالثة:إن هذه الملایین فی موتها التدریجی تشکل نسبة عالیة من الجثث الملقاة فی مختلف الأماکن و البقاع.فإن عدد الأحیاء کلما زاد، تزداد النسبة أو قل:ازداد عدد الولادات فیها و الوفیات أیضا.و هذا لا یختلف فیه الإنسان عن الحیوان أیضا.بل الحیوان أولی بمواجهة الموت
للظروف الصعبة التی یعیشها کثیر من الحیوانات سواء من الناحیة الطبیعیة أو لاعتداء بعضهم علی بعض.
الحقیقة الرابعة:إن نتیجة ذلک أننا ینبغی أن نجد فی کل یوم مئات الجثث الملقاة علی الشوارع من الکلاب و القطط و الطیور و الفئران و غیرها کثیر.مما یکلف إزالتها تکلیفا اقتصادیا عالیا.و إلاّ أوجبت فساد البیئة و التسبیب إلی تدهور الصحة العامة.
الحقیقة الخامسة:إننا لا نجد-بکل تأکید-شیئا من تلک الجثث الملقاة أصلا،لا فی الشوارع و لا فی المزابل.بل و لا فی البراری و لا فی الغابات.
فأین یمکن أن تذهب جثث الحیوانات المیتة،و من هنا تظهر أهمیة السؤال الذی طرحناه أولا،أن تدفن الحیوانات؟ اعتقد أن الطریقة الوحیدة لمشاهدة أیة جثة إنما هو مراقبتها عند الموت.
و ذلک یکون بأحد أشکال:
أولا:الموت الطبیعی للإنسان حتف أنفه.
ثانیا:موت الإنسان بحادث.
ثالثا:موت الحیوان بحادث.
رابعا:موت الحیوان بتسلط الإنسان علیه،کذبح الغنم و البقر،أو قتل الحیوان المعتدی و نحو ذلک.
خامسا:اعتداء حیوان علی حیوان بحیث یؤدی إلی موته،و یکون ذلک تحت مراقبة و مشاهدة الناس-و لو واحدا.إذن ستکون جثته باقیة هناک.
أما إذا مات الحیوان بدون مراقبة و مشاهدة أحد،فسوف لم یشاهد الإنسان جثته.و اعتقد أن ذلک عام للحیوانات الأرضیة و البحریة و الجویة.
و هذا ثابت بحسن توفیق اللّه سبحانه حیث کفی شر جثث الحیوانات المتکدسة.أما کیف یتم ذلک و أین تذهب تلک الجثث.فهو سؤال معروض أمام العلم الحدیث.لعله یجد إلی جوابه سبیلا،فإن لم یجد فقد وجدنا الطریق إلی معرفة لطف اللّه و سعة قدرته و تدبیره.
تحدثنا بمناسبات مختلفة فی کتابنا هذا عن بعض أقسام الولایة کولایة الفقیه(فی کتاب القضاء)و الولایة علی القاصر(فی کتاب النیابة).و قد وعدنا هناک (1)
انظر ج 5 ص 67.
الحدیث عن ولایة عدول المؤمنین،و لم ننجزها فیما سبق، فیحسن بنا الآن أن نخوض غمارها بالمقدار المناسب مع هذا الکتاب.و قد أثبت مشهور الفقهاء هذه الولایة لدی انعدام الولایتین السابقتین.
فإن الأصل الأولی فی القاصر مثلا هو ولایة أبیه و جدّه لأبیه علیه.فإن لم یوجد أی منهما فالوصی هو الولی.فإن لم یوجد فالحاکم الشرعی الذی یمثل ولایة الفقیه المعارف.و إلی هنا لا مجال لولایة عدول المؤمنین.
و إنما تنبثق الحاجة إلی هذه الولایة مع انعدام الحاکم الشرعی،فی أی مکان أو زمان.فإن مصالح القاصرین لا ینبغی أن تذهب إدراج الریاح، و أن یعتدی علیها المعتدون،و حینئذ لا یوجد من یأخذ بمصالحهم إلاّ عدول المؤمنین.
بل توسع فیها البعض أکثر،من قبیل أن یقال:إنه لا دلیل علی حجیة ولایة الحاکم الشرعی.بل ولایته إنما هی تطبیق و مصداق من ولایة عدول المؤمنین،فإنه القدر المتیقن و الفرد الأوضح منهم.فلو تمّ هذا الکلام،
1) 1)
کانت ولایة الفقیه مستندة إلی ولایتهم،لا أنها ثابتة بدلیل مستقل.و سیأتی الحدیث عن تفاصیل ذلک.
و لا بد أولا بإثبات المسألة أعنی ولایة عدول المؤمنین بشکل إجمالی، لکی ندخل بعدها فی التفاصیل،مثل احتمال اختصاصها بحال الضرورة أو عدم ذلک.و اختصاصها بعدم الحکم الشرعی و اختصاصها بالعدول دون غیرهم.إلی غیر ذلک من التفاصیل.
یمکن أن ینطلق الثبوت الإجمالی لولایة عدول المؤمنین من أحد ثلاثة منطلقات محتملة فقهیا.یمثل کل منطلق أسلوبا فی الاستدلال علیه:
الأسلوب الأول:الاستدلال بالإجماع علی ثبوت هذه الولایة.إلاّ أنه غیر تام.لعدم ثبوت الإجماع لا محصلا و لا منقولا.
الأسلوب الثانی:الشهرة القائمة علی ثبوتها.إلاّ أنه غیر تام لعدة وجوه:منها:الطعن فی حجیة الشهرة لإثبات الحکم الشرعی أساسا.
و منها:إنکار وجود الشهرة هنا.لأن هذا الحکم و إن کان مشهورا بین المتوسطین و المتأخرین من الفقهاء،إلاّ أنه لم تثبت وجود الشهرة بین المتقدمین.بل لم یبحثوا هذه المسألة لکی نعرف آراءهم فیها.
الأسلوب الثالث:ما ذکره الشیخ الأنصاری قدّس سرّه فی المکاسب (1)
ص 155.ط الحجر.
من أنه من المعروف یعنی:أن تصرف عدول المؤمنین فی أموال القاصر و نحوه من المعروف،و هو کل أمر حسن.و الأمر الحسن مأمور به فی الشریعة،إذن فولایة عدول المؤمنین مأمور بها شرعا.و استشهد لقضیة رجحان کل معروف و حسن فی الشرع بعدة نصوص إسلامیة کقوله تعالی تَعاوَنُوا عَلَی الْبِرِّ وَ التَّقْوی .و قول المعصوم علیه السلام:و اللّه تعالی فی عون العبد ما کان العبد فی عون أخیه.و قوله:
کل معروف صدقة.
1) 1)
إلاّ أنه یمکن القول باختصاص نتیجة هذا الوجه بصورة ما إذا کان تصرف المؤمن فی أموال القاصر من المعروف،و هی صورة الضرورة بحیث یکون ترک التصرف موجبا لضرر فادح.و هذا صحیح إلاّ أنه یمثل دلیلا آخر سیأتی الحدیث عنه.أما التوسع أکثر من ذلک،لمجرد کون التصرف من المعروف فالأمر لا یخلو من إشکال لعدة وجوه منها:
أولا:المناقشة فی إسناد الروایات التی سردها،کدلیل علی ذلک،فإنها مما لم یثبت اعتبارها علی أی حال.
ثانیا:إن المطلوب فی ولایة عدول المؤمنین تأسیس الجهة الوضعیة فیها أکثر من الجهة التکلیفیة،فإننا إذا تجاوزنا الجهة التکلیفیة،و قلنا بالجواز أو الاستحباب.بقیت الجهة الوضعیة محتاجة إلی دلیل،یعنی صحة المعاملات التی یقوم بها الفرد من عدول المؤمنین عن القاصر و نحوه.و هذا مما لا تدل علیه هذه النصوص جزما،لا الآیة الکریمة و لا تلک الروایات.
بل غایته أنها تتکفل بیان الجواز التکلیفی،و هو لا یکفی بهذا الصدد.
الأسلوب الرابع:الضرورة.حیث قد یعود حال الفرد القاصر و نحوه، إلی الضیاع و الاضمحلال و البلاء لو لا التدخل لإنقاذه.
إلاّ أن ذلک لا یخلو من مناقشة:
أولا:أنه یتحدد بحدود الضرورة،مع أن المطلوب فقهیا التوسع فی ولایة عدول المؤمنین أکثر من ذلک بکثیر کما سنسمع.
ثانیا:إن حال الضرورة،قد ینتج جواز التصرف بل وجوبه.و هذا صحیح،إلاّ أنه لا ینتج الجهة الوضعیة،کما قلنا فی الأسلوب السابق، أعنی صحة المعاملات الواقعة حال الضرورة من قبل الغیر.
ثالثا:إن المطلوب فقهیا لیس هو الجانب التکلیفی فقط،بل إثبات عنوان الولایة،بحیث یکون الفرد العادل ولیا کحال الأب لولده أو الحاکم الشرعی.و من الواضح أن حال الضرورة لا یثبت ذلک.
الأسلوب الخامس:الاستدلال بالقواعد الواردة شرعا للعناوین الثانویة کقوله تعالی ما جَعَلَ عَلَیْکُمْ فِی الدِّینِ مِنْ حَرَجٍ ،و قوله صلّی اللّه علیه و آله و سلّم:لا ضرر و لا ضرار.و غیرها.باعتبار أن ترک التصرف المشار إلیه یؤدی إلی الحرج و الضرر فیتعین و هو-من هذه الناحیة-أفضل من الدلیل السابق.لوجود النصوص المطلقة التی تدعمه بخلاف حال الضرورة.فإنه مورد إجماع و نحوه،و هو دلیل لبی لا إطلاق فیه.
إلاّ أن هذا الدلیل مع ذلک،قابل للمناقشة بعدة وجوه:
أولا:إن مورد جواز التصرف إنما یتحدد فی حدود صدق تلک العناوین،یعنی فی مورد وجود الضرر و الحرج.مع أن المفروض،کما قلنا،إثبات هذه الولایة فقهیا أوسع من ذلک.
ثانیا:إن هذه الأدلة و إن کانت مطلقة،إلاّ أن إطلاقها کما لا یکفی للشمول خارج العناوین المأخوذة فیها،و هی الضرر و الحرج،کذلک لا یکفی إلاّ لإثبات الجهة التکلیفیة،و هی الجواز دون الوضعیة،و هی صحة المعاملات،فضلا عن إثبات عنوان الولایة التی یراد إثباتها بهذا الصدد.
ثالثا:إن غایة ما قیل فی هذا الدلیل:أن ترک التصرف یؤدی إلی الضرر و الحرج،فیتعین التصرف یؤدی.فی حین أن ترک التصرف أمر عدمی، و الأمر العدمی لا یؤثر فی وجود الأمر الوجودی.علی أن الضرر و الحرج ناتج من علله الخاصة به.و إنما یراد إثبات وجود رفعه عن الغیر بمثل هذا الدلیل،و عمومه لمثل ذلک فحل إشکال.لانصرافه إلی خصوص الضرر و الحرج الشخصی.أی الوارد علی الفرد نفسه.مضافا إلی انصرافه إلی رفع التکلیف الضرری،لا رفع الموضوع الضرری،کما فی المقام.
فإن عاد الحال إلی الضرورة،کان المورد مندرجا فی الدلیل السابق، و قد ناقشناه.
الأسلوب السادس:ما نقل عن بعض متأخری العامة (1)
المصدر و الصفحة.
من أن قیام1) 1)
عدول المؤمنین بهذه المصالح أهم من ترک تلک الأموال بأیدی الظلمة یأکلونها بغیر حقها و یصرفونها إلی غیر مستحقها.فیتعین صرفه فی مصارفه لما فی إبقائه من التغریر و حرمان مستحقیه من تعجیل أخذه مع مسیس حاجتهم إلیه.
إلاّ أن هذه مجرد استنتاجات عامة استحسانیة.لیس لها مضمون دقیق.
و إلاّ فمع التدقیق إما أن یعود هذا الوجه إلی أحد الوجوه السابقة کالضرر أو المعروف أو الضرورة أو غیرها،و قد ناقشناها جمیعا،فتعود أجوبتها التی سردناها إلی جواب هذا الوجه أیضا.و إن لم یکن هناک شیء من ذلک،فهذا یعنی أنه لا یوجد ضرر و لا ضرورة فی ذلک إذن،لا تکون تلک الوجوه فضلا عن هذا الوجه منتجا أصلا.و یکون التعرف الذی أشار إلیه هذا الوجه و هو تصرف الظالم بأموال القاصر،حراما علی الظالم نفسه.و المفروض-هنا-أنه لیس مؤدیا إلی جعل القاصر فی ضرر أو ضرورة.
الأسلوب السابع:الاستدلال بالروایات التی هی العمدة فی هذا الباب.
ففی صحیحة (1)
الوسائل:ج 12.کتاب التجارة.أبواب عقد البیع و شروطه باب 16 [1] حدیث 2.
محمد بن إسماعیل بن بزیع.قال:مات رجل من أصحابنا و لم یوصف فرفع أمره إلی قاضی الکوفة،فصیّر عبد الحمید القیم بماله.و کان الرجل خلف ورثة صغارا و متاعا و جواری.فباع عبد الحمید المتاع.فلما أراد بیع الجواری ضعف قلبه عن بیعهن إذ لم یکن المیت صیّر إلیه وصیته.و کان قیامه فیها بأمر القاضی،لأنهن فروج.قال:فذکرت ذلک لأبی جعفر علیه السلام.و قلت له:رجل یموت من أصحابنا و لا یوصی إلی أحد و یخلف جواری.فیقیم القاضی رجلا منا فیبیعهن أو قال:یقوم بذلک رجل منا.فیضعف قلبه لأنهن فروج.فما تری فی ذلک.
قال:فقال إذا کان القیّم به مثلک أو مثل عبد الحمید فلا بأس.
و صحیحة (2)علی بن رئاب قال:سألت أبا الحسن موسی علیه السلام
عن رجل بینی و بینه قرابة.مات و ترک أولادا صغارا و ترک ممالیک له غلمانا و جواری،و لم یوص،فما تری فیمن یشتری منهم الجاریة،فیتخذها أم ولد.و ما تری فی بیعهم.فقال:إن کان لهم ولی یقوم بأمرهم باع علیهم و نظر لهم کان مأجورا فیهم.قلت فما تری فیمن یشتری منهم الجاریة فیتخذها أم ولد.فقال:لا بأس بذلک إذا باع علیهم القیّم لهم الناظر فیما یصلحهم.و لیس لهم أن یرجعوا عما صنع القیّم لهم الناظر فیما یصلحهم.
و موثقة سماعة (1)
المصدر کتاب الوصایا باب 88 حدیث 2. [1]
،قال:سألته عن رجل مات و له بنون و بنات صغار و کبار من غیر وصیة،و له خدم و ممالیک و عقد.کیف یصنع الإرثة بقسمة ذلک المیراث.قال:إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلک کله،فلا بأس.و صحیحة (2)إسماعیل بن سعد الأشعری:قال سألت الرضا علیه السلام عن رجل مات بغیر وصیة و ترک أولادا غلمانا صغارا و ترک جواری و ممالیک،هل یستقیم أن تباع الجواری.قال:نعم.و عن الرجل یموت بغیر وصیة و له ولد صغار و کبار أ یحل شراء شیء من خدمه و متاعه،من غیر أن یتولی القاضی بیع ذلک.فإن تراضوا به و لم یستعمله الخلیفة أ یطیب الشراء منه أم لا.فقال:إذا کان الأکابر من ولده معه فی البیع،فلا بأس،إذا رضی الورثة بالبیع و قام عدل فی ذلک.
و کل هذه الروایات معتبرة السند و واضحة فی الجملة فی أصل المطلوب.و هو تخویل عدول المؤمنین فی بعض الأمور بغض النظر عن التفاصیل.
و الموضوع فیها و إن کان واحدا و هو الإشراف علی القاصرین من الیتامی.لکن یمکن إجراء نحو من التجرید عن الخصوصیة للشمول لکل القاصرین سواء کانوا یتامی أم غیرهم،بل لکل مصلحة للغیر إذا لم یکن
لها ولی شرعی سواء فی طرف القاصرین أو فی أی طرف من المجتمع.
و هذا النحو من التجرید معقول و مفهوم إذ لا یوجد احتمال معتد به عرفا بإزاء مورد الروایات.و إنما هی بمنزلة المثال.بحیث نعلم أن مراد الإمام علیه السلام فی جوابه هو الأمر الشامل و غیر مختص بالمورد.
و أما المحمول أو الحکم المذکور فی هذه الروایات.فیستفاد من عبارات فی هذه الروایات کقوله:إذا کان القیّم به مثلک و مثل عبد الحمید فلا بأس.و قوله:لا بأس بذلک إذا باع علیهم القیّم لهم الناظر فیما یصلحهم و قوله:إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلک کله،فلا بأس.
و قوله:لا بأس یدل علی جواز العمل و التصرف،بل علی صحة المعاملات التی یوقعها القیم،و لو کان ذلک بدون وصایة مسبقة و لا وکالة و لا تحویل.و هذا معناه أنه له ولایة بصفته أحد ثقات المؤمنین،و معه لا یحتاج إلی وکالة أو تخویل.بل التخویل موجود من قبل الشارع المقدس نفسه.
بل الأمر أکثر من ذلک من حیث أن صحیحة علی بن رئاب واضحة فی لزوم المعاملات التی یقوم بها هذا الرجل،و ذلک أنه یقول:و لیس لهم أن یرجعوا عما صنع القیّم لهم الناظر فیما یصلحهم.
إذ قد یخطر فی ذهن بعض الورثة فیما إذا زال قصوره و أصبح رجلا رشیدا أن ینقض ما قام به القیم بعنوان بطلان معاملاته و عدم ولایته.
فجوابه هو هذا القول نفسه و مفاده القول بلزوم المعاملات التی تکون فی مصلحة الورثة القاصرین.و معنی لزومها عدم إمکان نقضها من قبل أی شخص حتی لو کان من الورثة أنفسهم.
ینبغی لنا الآن أن ننظر فی الشروط المحتملة التی یمکن أن یقال بالنسبة إلی ولایة المؤمنین.مع العلم أننا فی أی شرط شککنا فی ثبوته،فإن
استفدنا من هذه النصوص وجوده أو عدمه،فهو المطلوب،و إلاّ سبّب ذلک الشک فی وجود الولایة مع عدمه.و الشک فی ثبوت الولایة یعنی نفیها.و إنما تثبت بمقدار ما دلّ الدلیل و تعبدنا الشارع الإسلامی المقدس به.
و لا یجری هنا أصل عدم الاشتراط باعتبار أسبق رتبة من الحکم بالولایة، لأن هذا الأصل إنما یثبت بعد التسلیم بأصل الولایة،و مع الشک فیها ینتفی هذا التسلیم لا محالة.
إذن،فالشروط الثابتة فیما یلی إذا لم تجتمع،لم یمکن القول بالولایة.
و إذا اجتمعت أمکن القول بتعدیها إلی سائر موارد وجود المصلحة.
کالأب و الجد و الوصی و غیرهم کمتولی الوقف و نحوه.
و هذا الأمر هو مورد کل تلک الروایات،و واضح منها کقوله:و لم یوص أو قوله:من غیر وصیة.یعنی من غیر وصایة.بمعنی عدم جعل الوصی.و لازم ذلک أنه إذا کان قد جعل الوصی فلا مورد لولایة غیره، و لا أقل من الشک المنتج للعدم.
و تقریبه:أنه مع وجود فهو الولی،و قد عرفنا أنه مع وجود الولی،فلا ولایة لعدول المؤمنین.
و هذا مبنی علی التسلیم بولایة الفقیه العارف،کما سبق أن بحثناه.و لا نناقش فیه الآن.غیر أن استفادة هذا الشرط خلاف إطلاق هذه الروایات، لوضوح أنها لم تقید بعدم وجود الحاکم الشرعی.
بل الأمر أوضح من ذلک فیها،لفرض وجود المعصومین أنفسهم فی زمن السؤال،و هم لهم الولایة أو قل:إن الواحد منهم حاکم شرعی.
فکیف صحت ولایة عدول المؤمنین؟مع أن الروایات واضحة فی تصحیحها.
فإن قلت:إنهم أصبحوا وکلاء للإمام بمقتضی قوله:لا بأس.قلنا:
کلا.فإن السؤال جاء بعد عدد من التصرفات التی کان قد قام بها القیّم.
و لم یکن قد سأل الإمام أو توکل عنه.و هذا واضح من سیاق الروایة.
إذن،فبالرغم من وجود الإمام علیه بنفسه،فقد اعتبرهم الإمام بنفسه أولیاء علی الأموال و معاملاتهم صحیحة و لازمة.
غیر أنه ینبغی الالتفات إلی أن هذا المورد یتصف بکونه مما لم یرجع به أحد إلی الإمام نفسه من أول الأمر،و أنه کان مغفولا من هذه الجهة.کما أن الإمام لم ینه عنه أو یأمر بخلافه.فنعرف أنه فی مورد تصدی الإمام نفسه للأمر أو نهیه لفرد أو أفراد عن العمل،لا یکون داخلا فی مورد ولایة المؤمنین بخلاف غیره من الموارد،تمسکا بإطلاق الروایة.
و قد یقال:إن ولایة الحاکم الشرعی أهم و أرسخ من ولایة الولی الخاص،و قد عرفنا عدم وجود الولایة للمؤمنین فی مورد ولایة الولی الخاص،فکیف بولایة الحاکم الشرعی الأهم منها.
و خاصة إذا التفتنا و احتملنا أن القسم السابق من المعاملات علی السؤال من الإمام علیه السلام إنما سکت عنه الإمام و أمضاه لا باعتبار ولایة القیّم، بل باعتبار وجود المصلحة من هذا الإمضاء المؤقت.و أما المعاملات اللاحقة للسؤال منه علیه السلام،فهو بمنزلة الوکالة عنه علیه السلام.
إلاّ أن هذا لیس بصحیح علی إطلاقه،لوضوح الروایات بما هو أکثر منه،و خاصة الحکم بلزوم المعاملات کما سبق أن سمعنا.فإن الإمام علیه السلام کان فی غنی عن بیانه لو کان الأمر لمجرد المصلحة الوقتیة.
نعم،لو ثبتت ولایة الفقیه العارف بنحو واسع،بحیث ینفی ولایة عدول المؤمنین و نحوها.أمکن استنتاج اشتراط عدمه فی ولایتهم.إلاّ أن مثل هذه السعة محل إشکال و إن کانت مظنونة،حتی أمکن لبعضهم أن یقول:إن ولایة الفقیه إنما هی مصداق من ولایة عدول المؤمنین و لیس
أکثر.و علی أی حال،فإن کانت أکثر،فلا أقل أن یکون دلیلها نافیا لها.
کما قربنا قبل قلیل.و إن کان یبقی للاحتیاط مورده.
کونهم مسلمین و مؤمنین،فلا ولایة لغیر المسلم و غیر المؤمن علی أحد، بهذا المعنی،ما لم تکن ولایة خاصة کالأب و الجد للأب و الوصی و متولی الوقف.
و هذا الشرط واضح من قوله علیه السلام:إذا کان القیّم به مثلک أو مثل عبد الحمید فلا بأس.فإنهما معا مسلمین مؤمنین.
و أما بخلاف ذلک،یعنی ما إذا لم یکن القیّم مثل هذین المؤمنین،فإن مفهوم الشرط یدل علی نفی الولایة.مضافا إلی أصالة عدم حجیة الولایة، مع الشک فی عدمها.
و هذا واضح من قوله:إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلک کله.و بمفهومه النافی لولایة غیر الثقة تقید إطلاقا الروایات الأخری.
مضافا إلی الاطمئنان بعدم رضاء الشارع المقدس بتسلط غیر الثقة علی أموال القاصرین و غیرهم،بحیث یکون له تخویل شرعی فی ذلک.مضافا إلی أن الشک یکفی للنفی،کما سبق فی سائر الشروط.
و یمکن الاستدلال لها بقوله فی صحیحة الأشعری:إذا رضی الورثة بالبیع و قام عدل فی ذلک.فإنه واضح فی اشتراط عدالة القیم و ینبغی بالمفهوم عدالة غیره،لأنه مفهوم الشرط،مضافا إلی ما قلناه فی غیره من الشروط أننا إذا شککنا فی العدالة کفی ذلک فی نفیها،و هنا لا شک بوجود الشک فی ولایة غیر العادل.
و إذا ثبت ذلک أمکن تقیید سائر النصوص به.فنضیف شرط العدالة
إلی سائر الشروط من الإیمان و الوثاقة و غیرهما.و إلاّ فإنه سوف لن یکون ولیا.
إلاّ أنه یمکن المناقشة فیه بعدة أمور،منها أمران رئیسیان:
المناقشة الأولی:مناقشة فی الدلالة.فإنه یقول إذا رضی الورثة بالبیع و قام عدل فی ذلک.
فقد أنفذ سائر التصرفات بشرطین مقترنین لا بشرط واحد.هما رضاء الورثة و قیام العدل.و لیس الثانی فقط کما هو محل الشاهد.
و اقتران الشرطین یفسد علی المشهور استدلاله،لأن المفروض أن یکون هذا الولی المؤمن أولی بالقاصرین من الورثة أنفسهم.لأن المشهور لا یقول بولایة الأم و الأخ و العم و أضرابهم،و لکنه یقول بولایة المؤمن.فتکون ولایته أرسخ من ولایة هؤلاء،بخلاف ما إذا تمسکنا بحرفیة هذه الروایة،فإن ولایته تکون منوطة برضاء الورثة.لأنه هو مقتضی اقتران الشرطین لإنتاج الحکم الواحد.و هو خلاف المشهور.
المناقشة الثانیة:مناقشة من حیث السند،فإن الحر العاملی فی الوسائل (1)
المصدر ج 12 کتاب التجارة.أبواب عقد البیع باب 16 حدیث 1.
یروی نفس الروایات فی موضع آخر من کتابه خالیة من هذه العبارة،مع العلم أنها بنفس السند و بالأعم الأغلب من ألفاظها.فإذا ضممنا إلی هذا التعدد فی النقل و الاطمئنان بوحدة الروایة سقط اللفظ المستدل به و هو(العدل)عن صحة السند.إذ لعله مزاد سهوا أو نسیانا أو أنه نقل بالمعنی و غیر ذلک.
هذا مضافا إلی مناقشات أخری کما لو التفتنا إلی أن اصطلاح العدل و العدالة إنما هو معنی متأخر فی لغة الفقهاء،و کل معنی متأخر لا یمکن أن نحمل علیه النصوص المتقدمة علیه.إذن فلا بدّ أن نحمل العدل هنا علی معناه اللغوی،فلا یکون المراد منه أکثر من وجود العدالة.
1) 1)
فلا ولایة لغیر البالغ و لا لغیر الرشید.
و هذا مما ینبغی أن یکون واضحا فی ضرورة الفقه و العرف.و هو المستفاد من قوله فی صحیحة ابن بزیع:إذا کان القیّم به مثلک أو مثل عبد الحمید فلا بأس.فإن مفهوم الشرط ینفی ولایة من لا یکون مثلهما،و من الواضح إنصافهما بالبلوغ و الرشد.مضافا إلی ما أشرنا إلیه من أن الشک فی الولایة کاف للجزم بعدمها،الذی هو معنی و حالة عدم الولایة فی مورد الشک.کما هو الشک فی ولایة غیر البالغ و غیر الرشید و حجیة تصرفهما.
مضافا إلی أنه قد تمّ لدینا اشتراط کون القیم ثقة.و من الواضح أن غیر الرشید و غیر البالغ لیس بثقة.إما لکونه مهملا لهذا الجانب،و إما لکونه عاجزا عنه.فإن الوثاقة تحتاج إلی مرتبة من التعقل و الرشد و الکیاسة غیر متوفرة خلقیا لا فی غیر البالغ و لا فی غیر الرشید.
و إذا تمّ لنا ذلک کان اشتراط وجود العقل أوضح،بمعنی عدم إمکان القول بولایة المجنون بطریق أولی.
بحیث أن المعاملات التی یقوم بها القیّم المؤمن،موافقة لمصلحة القاصرین.
و ذلک بعد الالتفات إلی أن هذا الجانب یحتوی علی ثلاث مراحل:
المرحلة الأولی:وجود الولایة المطلقة سواء حصلت مصلحة من التصرف أو لم تحصل.و کذلک سواء حصلت مفسدة منه أم لا.فیکون مقتضی إطلاق الولایة و حجیتها نفوذها حتی فی مورد المفاسد.و نرید بها المفاسد الشخصیة لا الدینیة بطبیعة الحال.یعنی التی تکون موجبة للضرر علی الفرد.
المرحلة الثانیة:وجود الولایة فی غیر وجود المفسدة و الضرر سواء ترتبت هناک مصلحة أم لا.
المرحلة الثالثة:وجود الولایة فی خصوص ما إذا ترتبت علی التصرف مصلحة للقاصرین.و أما إذا لم تترتب المصلحة فلا ولایة له،سواء ترتبت المفسدة أم لم تترتب.
و الفتوی المشهورة بین الفقهاء تصنف الأولیاء من هذه الجهة إلی أصناف متعددة.فولایة عدول المؤمنین خاصة بوجود المصلحة و کذلک ولایة الوصی المنصوب من قبل الأب أو الجد.و أما ولایة الأب و الجد للأب فهی منوطة بعدم المفسدة لا بوجود المصلحة.أی أنها من قبیل المرحلة الثانیة السابقة.
و أما ولایة الحاکم الشرعی فهی نافذة حتی فی صورة وجود المفسدة و الضرر الشخصی و کذلک حکم القاضی.یعنی أنه من المرحلة الأولی السابقة.
و الحکمة فیه کون ولایة هؤلاء منوطة بالمصلحة العامة دون الخاصة.
فأی هذه المراحل تمثل ولایة عدول المؤمنین بحسب ما یستفاد من الدلیل،و هل تتخذ ولایتهم فیما فیه مفسدة،فضلا عما لیس فیه مصلحة.
الظاهر أنّ الحق مع المشهور،فی اشتراط ولایتهم بوجود المصلحة، و ذلک بعد ضم مقدمتین:
المقدمة الأولی:إن ما سبق أن سمعناه من الروایات ینص علی وجود الولایة فی صورة المصلحة الخاصة.کقوله فی صحیحة علی بن رئاب:لا بأس بذلک إذا باع علیهم القیّم لهم الناظر فیما یصلحهم.و لیس لهم أن یرجعوا عمّا صنع القیّم لهم الناظر فیما یصلحهم.
المقدمة الثانیة:أننا لو شککنا فی وجود الولایة خارج هذا النطاق،کان مقتضی القاعدة هو عدمها.ما لم یدل الدلیل علی وجودها.و الدلیل خاص.کما عرفنا فی المقدمة الأولی-بخصوص صورة وجود المصلحة.
فإن قیل:إن صحیحة علی بن رئاب و إن کانت خاصة بذلک إلاّ أن الصحاح الباقیة عامة،فیمکن التمسک بعمومها لحجیة الولایة فی غیر مورد وجود المصلحة.
قلنا:کلا.فإنها قابلة للتقیید بصحیحة علی بن رئاب.فإذا قیدناها، کانت النتیجة إلی جانب القید لا إلی جانب العام.یعنی تقیید الولایة بخصوص صورة وجود المصلحة.
و قد یخطر فی الذهن:أن صحیحة علی بن رئاب تدل علی لزوم نصب القیّم من قبل جهة أعلی منه شرعا کالإمام أو الحاکم الشرعی، فتکون بذلک أجنبیة عن الدلالة علی ولایة عدول المؤمنین،کما هو محل الحدیث.لأنها تقول:إذا باع علیهم القیّم لهم الناظر فیما یصلحهم.فقد أخذ قید القیمومة سلفا فی جواز الولایة و جواز البیع.و بذلک یتم تقیید سائر المطلقات إن وجدت.
و جواب ذلک:أن المراد بالقیّم هنا القیّم العرفی لا القیّم الشرعی.فإن کان القیّم العرفی جامعا للشرائط کان قیّما شرعیا و نفذت تصرفاته.و إلاّ فلا.و المراد به من تصدی للتصرف من قبل نفسه أو من قبل جهة غیر دینیة کالقاضی الدنیوی.لأن هذه الأعمال لا یطیقها کل أحد.فمن تصدی لها کان بمنزلة القیّم علیها عرفا و تکوینا.و هذا یکفی لصدق عنوان القیّم،فی المرتبة السابقة علی الإقرار الشرعی له.و تمام الکلام فی الفقه.
نتج من کل ذلک أن الولایة تثبت ضمن الأوصاف التالیة:و هی أن یکون الفرد مسلما مؤمنا عاقلا بالغا رشیدا ثقة یتصرف فی حدود المصلحة.و لیس شرطا أن یکون عادلا و لا أن یکون الحاکم الشرعی مفقودا،و إن کان أحوط.خلافا لمشهور الفقهاء.
و أما احتمال کونه رجلا فی مقابل إمکان أن یکون المتولی امرأة جامعة لتلک الشرائط.باعتبار التمسک بقوله:إذا کان مثلک و مثل عبد الحمید فلا بأس.و هم رجال بطبیعة الحال.فتجری أصالة عدم الولایة فی جانب المرأة.
و هذا و إن کان لا یخلو من وجاهة،و هو أوفق بالاحتیاط إلاّ أنه یمکن القول:إن المراد بالمثل فی الروایة التماثل من حیث تلک الصفات الأساسیة
التی تثبت بها الأمانة و تنقطع بها الخیانة أو سوء التصرف.و هو معنی یمکن ثبوته فی الرجل و المرأة معا.و لیس المراد المماثلة حتی من حیث کونهم رجالا أو ذکورا.و إن کان ذلک هو القدر المتیقن علی أی حال.
کما أن احتمال کون المتولی قریبا للقاصر و من أرحامه کعمه و أخیه، غیر محتمل فی مورد کل الروایات السابقة،لأنها نص فی خلاف ذلک، کما هو واضح لمن یراجعها.
فهذه هی نهایة الحدیث عن الشرائط.و ینبغی الالتفات إلی أننا حیث اخترنا عدم اشتراط العدالة،کان التعبیر بولایة عدول المؤمنین،کما عنونّا به هذا الفصل،بلا موجب و إن عبّر به مشهور الفقهاء،بل الأفضل التعبیر بولایة ثقات المؤمنین.لأننا اخترنا اشتراط وجود الوثاقة.
بقی الکلام عن نتائج ولایة ثقات المؤمنین،یعنی التساؤل عن الأعمال التی یمکنهم القیام بها بهذه الصفة.فإنها ذات أقسام و حقول متعددة، تثبت کلها أو کثیر منها،للحاکم الشرعی.فهل تثبت أیضا لثقات المؤمنین أم لا؟و بتعبیر آخر:هل أن هذه الولایة للمؤمنین واسعة بمقدار سعة ولایة الحاکم الفقیه العارف أم أقل؟ و یمکن الجواب علی ذلک مع المقارنة فی الصلاحیات الشرعیة،بین الطرفین،فإن لم یثبت التساوی بینهما عرفنا قیمة القول الذی سمعناه فی غضون هذا الفصل من أن الحاکم الشرعی لا ولایة له إلاّ بصفته أحد عدول المؤمنین.و أن وجهة النظر هذه خاطئة تماما.
و ذلک:و أن الفقیه العارف،کما عرفنا فی کتاب القضاء من کتابنا هذا.یستطیع التعرف فی عدة موارد و حقول من المجتمع.نستعرض الآن أهمها لأجل معرفة ثبوتها لثقات المؤمنین.علی ضوء الأدلة السابقة.
المورد الأول:الفتوی بالأمور الشرعیة و هذا غیر ثابت لثقات المؤمنین
قطعا.لوجود شرائط فی المفتی غیر متوفرة فیهم،أو غیر مفروضة الوجود عندهم.أهمها الاجتهاد.
المورد الثانی:إقامة صلاة الجماعة،و هذه الصفة أثبتت لهم إن قلنا بعدالتهم،لوضوح اشتراط أن یکون إمام الجماعة عادلا،شرعا.و لکننا لم نقل بذلک.و من المعلوم أن غیر العادل لیس له إقامة الجماعة و إن کان ثقة.
المورد الثالث:القضاء.و هو غیر ثابت للمؤمنین قطعا سواء اشترطنا وثاقتهم أو عدالتهم.للوضوح الفقهی باشتراط الاجتهاد فی القاضی.
و لیس المفروض فی ثقات المؤمنین أن یکونوا مجتهدین.
بل الأمر کذلک حتی فیما یسمی بقاضی التحکیم،و هو الذی یختاره المتخاصمان ممن لم ینصبه الولی العام.فإن الصحیح هو لزوم أن یکون مجتهدا أیضا،و لیس لأحد من المتخاصمین اختیار غیر المجتهد.
نعم،لو تعذر استرجاع الحق إلاّ علی قضائهم،أعنی ثقات المؤمنین أو عدولهم،أمکن ذلک.فإن المشهور یفتی فی مثل هذه الصورة علی إمکان الرجوع إلی المحاکم الدنیویة،فضلا عن عدول المؤمنین.إلاّ أن الأحوط أکیدا فی مثل ذلک أن یکونوا عدولا،لا ثقات فقط.
المورد الرابع:القیمومة علی القاصرین،فإنه من موارد صلاحیات الحاکم الشرعی،و المراد بالقاصرین هنا من کان دون البلوغ من الأطفال الفاقدین للولی الأصلی کالأب و الجد للأب.
و هذا هو مورد ثبوت الولایة للمؤمنین أیضا،لأنه مورد نص الروایات السابقة کلها.
و یمکن أن یلحق بذلک الولایة علی السفیه و المجنون و المعوّق و نحوهم، بشکل من أشکال التجرید عن الخصوصیة العرفیة.
المورد الخامس:القیمومة أو الولایة عن الغائب و الممتنع.و هذا إنما یمکن
الاستدلال علی ثبوته لثقات المؤمنین،بعد إمکان التجرید عن الخصوصیة من المورد الرابع السابق.و هو متعذر عرفا.و لکن لا یبعد ثبوته مع وجود الضرر من الترک مع انحصار الحال بالثقات و عدم وجود الحاکم.
المورد السادس:قبض و توزیع الحقوق الشرعیة.کحق الإمام و غیره.
فإنه مما ثبتت صحته للحاکم الشرعی.و أما ثبوته لثقات المؤمنین أو عدولهم،مع توفر الحاکم الشرعی و وجوده مشکل لأصالة عدم ولایتهم مع الشک فی ثبوتها.
نعم إذا لم یکن الحاکم الشرعی موجودا لم یکن من المعقول شرعا توقف هذه المصلحة الأساسیة الشرعیة فی المجتمع،فیمکن أن یتکلفها ثقات المؤمنین.و بتعبیر آخر:إننا لا نحرز من الإمام علیه السلام فی تصرفهم بسهمه،إلاّ فی مثل هذا المورد.
المورد السابع:إنجاز بعض المصالح العامة،کبناء المساجد و المدارس و التناظر و تأسیس المصارف و الجمعیات و تعیین القضاة و غیر ذلک.و هذا ثابت للحاکم الشرعی بصفته مماثلا فی الصفة للحاکم العرفی،طبقا لما فهمناه من مقبولة عمر بن حنظلة التی یقول فیها:فإنی قد جعلته حاکما.
أی حاکما بالمعنی العرفی.و لا شک أن الحاکم العرفی یقوم بکل ذلک.
فما ثبت له ثبت له.
إلاّ أن کل ذلک مما لا یمکن القول بثبوته لثقات المؤمنین.و لا أقل من الشک فی ولایتهم علی ذلک إلی جنب ولایة الحاکم الشرعی المنتج بجریان أصالة عدم الولایة،کما سبق فی أمثاله.
نعم،لو لم یکن الحاکم الشرعی موجودا و أدّی الحال فی ترک بعض المصالح إلی الضرر،فلا یبعد القول بثبوته لهم إجمالا و لا حاجة الآن إلی الدخول فی تفاصیله.
المورد الثامن:إعلان الحرب ضد الکفار.
و قد قسم مشهور الفقهاء هذه الحرب إلی هجومیة و دفاعیة.فأما الهجومیة فقد استشکلوا فی ثبوتها للحاکم الشرعی فی عصر الهدنة.و أما الدفاعیة فقد قالوا بوجوبها حتی مع عدمه،ما دام هناک أمل فی إمکان الدفاع.
و إذا تمّ ذلک فقهیا،ثبت أیضا لثقات المؤمنین،بمعنی أنهم یماثلون الحاکم الشرعی فی ثبوت الحرب الدفاعیة و عدم ثبوت الهجومیة.بل إن الحرب الدفاعیة ضروریة للثقات و غیر الثقات.و لا شک أنه یثبت من عدمها الضرر،فتثبت لهم مع عدم الحاکم الشرعی،کما استدللنا فی أمثاله مما سبق.
نعم،لو قلنا بمشروعیة کلا الحربین للحاکم الشرعی،لم نستطع القول بثبوتها لثقات المؤمنین.بل تختص صلاحیتهم بالدفاع فقط.بل الأمر قد یکون أردأ من ذلک بالنسبة إلیهم،لانتفاء الحرب الهجومیة عنهم کما قلنا و انتفاء الحرب الدفاعیة عنهم أیضا باعتبار عدم اختصاصها بالثقات و العدول،بل شمولها لکل شرائح المجتمع.فلا یکون لهم من الناحیة النظریة أی دخل فی أی من الحربین.
و علی أی حال،فقد اتضح من هذه الموارد الثمانیة،أنه مع وجود الحاکم الشرعی لا بدّ من القول بضیق الصلاحیات الشرعیة لثقات المؤمنین، فلا یکون لهم إلاّ القیمومة علی القاصرین الأیتام علی إشکال فیه أیضا لا مجال له الآن.
و أما مع عدم الحاکم الشرعی،فلا بدّ من القول بتوسیع صلاحیتهم لعدد من الموارد السابقة،و خاصة تلک التی ینتج الضرر من ترکها و إهمالها عامة.
لعل هذا الأمر من أهم ما هو أساسی فی ولایة ثقات المؤمنین.و هو
عدم إمکان نقض ما فعله أحدهم باعتبار کونه حجة شرعیة فی فعله.فإن کانت معاملاته و تصرفاته صحیحة فلا یمکن نقضها.
و فی مقابل ذلک إنه یحتمل أنها تکون قابلة للنقض شرعا من قبل جهات ثلاث بعضها أو کلها:
الجهة الأولی:الورثة للمیت نفسه الذی تصرف الثقة المؤمن فی أمواله.
و هذا ینقسم إلی قسمین:
القسم الأول:الورثة الکبار الموجودین إلی جنب هؤلاء القاصرین.فقد یکون لهم الحق فی نقض ما فعله صاحبهم.
القسم الثانی:الورثة الصغار الذین تمّ التصرف فی أموالهم،کبیعها أو إیجارها،فقد یکون لهم الحق فی النقض فیما إذا بلغوا أو رشدوا،و لم یوافقوا علی تلک التصرفات.
الجهة الثانیة:الحاکم الشرعی،فإنه أوسع و أوکد فی مقام الولایة الشرعیة،کما عرفنا من عدول المؤمنین،فقد یکون له حق النقض بالنسبة إلی ما فعلوه من أعمال و معاملات.
الجهة الثالثة:ثقات المؤمنین أنفسهم،بالنسبة إلی بعضهم البعض.
باعتبار أن هذه الولایة ثابتة لهم جمیعا علی قدم المساواة.و لیس لأحدهم أفضلیة علی الآخر،فإذا فعل أحدهم شیئا بالولایة،کان للآخر نقضه بالولایة أیضا.
و ینبغی لنا أولا أن نلتفت إلی أن مقتضی القاعدة هنا،هو عدم جواز النقض لأی من الجهات السابقة،تمسکا بقوله فی صحیحة علی بن رئاب:
و لیس لهم أن یرجعوا عما صنع القیّم لهم الناظر فیما یصلحهم.مضافا إلی الیقین بأن الشارع المقدس إنما جعل ولایة ثقات المؤمنین لأجل جلب المنفعة و دفع الضرر،فإذا جاز نقض تصرفاتهم عموما،کان ذلک ضد هذا الهدف جزما،فیکون حراما.
إذن،فمقتضی القاعدة هو عدم جواز النقض،إلاّ ما خرج بدلیل مقید.غیر أنه یمکن القول إن عدوا من الجهات الثلاث السابقة قد خرجت بدلیل فعلا،فیجوز لها النقض لتصرفات ثقات المؤمنین.
و ینبغی النظر إلی ذلک باختصار ضمن النواحی الآتیة من الکلام:
الناحیة الأولی:فی جواز نقض الورثة الکبار الموجودین حال ولایة الثقة المؤمن علی القاصرین.
و هذا ما قد یستدل علیه بقوله علیه السلام فی صحیحة الأشعری:إذا کان الأکابر من ولده معه فی البیع فلا بأس.باعتبار إعطائهم الصلاحیة لهم فی ذلک.و به یتقید أی إطلاق موجود فی دلیل آخر.
إلاّ أن هذا قابل للمناقشة من عدة وجوه نذکر أهمها:
الوجه الأول:إن هذا الکلام مستأنف فی الروایة بلا شک.لأننا نفرض المورد فی صورة ما إذا لم یکن هناک ورثة کبار أصلا.مضافا إلی أن هؤلاء الورثة لو کانوا لصحت لهم ولایة ثقات المؤمنین بأنفسهم.و لم یحتج إلی متولی آخر.علی أننا استفدنا-کما سبق-من قوله فی صحیحة علی بن رئاب(و لم یوص)عدم الوصایة و لیس الوصیة فقط.
إذن،فلیس أحد الورثة یعتبر وصیا عن المیت.فکیف یکون له حق التصرف فی أمواله.
الوجه الثانی:إن صحیحة الأشعری،غایة ما یستفاد منها عدم صحة التصرفات من قبل المتولی ما لم ینضم رأی الورثة الکبار إلیه.و لکنها لم تدل علی جواز النقض بالنسبة إلیهم لو وقع تصرفه علی الوجه الشرعی.
کما هو محل الکلام.
الوجه الثالث:إن مقتضی إطلاق قوله:و لیس لهم أن یرجعوا عما صنع القیّم لهم.هو المنع عن ذلک،مضافا إلی إمکان التمسک بالأصول اللفظیة و العملیة المنتجة لهذا المنع.
الناحیة الثانیة:فی جواز نقض الورثة الصغار لما فعل المتولی،بعد بلوغهم و رشدهم.
و هذا هو القدر المتیقن من العبارة السابقة فی صحیحة علی بن رئاب:
و لیس لهم أن یرجعوا عما صنع القیّم لهم.فإن الضمیر فی قوله:لیس لهم یعود إلی هؤلاء الورثة.و لیس هناک ما ینافی ذلک أو یعارضه فی سائر الروایات.
الناحیة الثالثة:فی جواز نقض الحاکم الشرعی لتصرف المتولی.
و العمدة فی الاستدلال علیه هو التمسک بإطلاق جعل الولایة فی مثل قوله علیه السلام فی مقبولة عمر بن حنظلة:فإنی قد جعلته حاکما، الشامل لکل مورد فیه مصلحة أو لم تکن فیه مفسدة.
و جواب ذلک من عدة وجوه نذکر أهمها:
الوجه الأول:الإشکال فی وجود المقتضی،بمعنی یکون المراد من الإطلاق المشار إلیه ما یشمل جواز نقض المعاملات الموجودة علی الوجه الشرعی.فإن هذا مما لا یکاد یکون محتملا فقهیا و لم یقل أحد بثبوته للحاکم الشرعی مطلقا.
الوجه الثانی:الإشکال من حیث وجود المانع،فإننا لو تنزلنا و قبلنا ذلک،فإنه،إنما یثبت فیما فیه مصلحة أو لیس فیه ضرر.و لا شک أن نقض أفعال المتولی فیه ضرر و لیس فیه مصلحة،کما سبق أن شرحنا الناحیة الرابعة:فی جواز النقض لثقات المؤمنین أنفسهم بالنسبة إلی أفعال بعضهم تجاه بعض.
و أهم ما یمکن الاستدلال به علی ذلک هو التمسک بإطلاق دلیل ولایة المؤمنین المستفاد من الروایات الصحاح السابقة.
إلاّ أنه یمکن الإجابة علی ذلک من عدة وجوه أهمها
الوجه الأول:الإشکال فی وجود المقتضی لمثل هذه الولایة.یعنی الطعن بشمول ما دلّ علیها لصورة جواز نقض المعاملات التامة علی الوجه الشرعی.فإنه فی الإمکان القول بأنه لیس شیء مما ورد فی تلک الروایات،ما هو دال علی ذلک أو شامل له.و التجرید عن الخصوصیة من مورد الروایات،و هو الابتداء بالمعاملات،إلی محل الکلام،و هو نقض المعاملات،متعذر مع احتمال الخصوصیة،بل مع الیقین بوجودها.
الوجه الثانی:الإشکال من ناحیة وجود المانع.فإنه فی الإمکان القول:
بأن قوله:و لیس لهم أن یرجعوا،لیس الضمیر فیه غیر خاص بالورثة بل شامل لکل أحد.فینتج أنه لا یجوز لأی أحد الرجوع أو النقض للمعاملات السابقة.
إلاّ أن ذلک لا یخلو من إشکال لوضوح رجوع الضمیر إلی خصوص الورثة،لأنه یقول فی الصحیحة:و لیس لهم أن یرجعوا عما صنع القیّم لهم الناظر فیما یصلحهم.بعد وضوح رجوع کل الضمائر إلی مرجع واحد،و هو الورثة دون سواهم.
نعم،یمکن القول بإمکان التجرید عن الخصوصیة،باعتبار:أنه لو ثبت جواز النقض لأحد لثبت لهؤلاء الورثة،فحین انتفی عنهم بنص الروایة، انتفی عن غیرهم بطریق أولی.
و علی أی حال،فالعمدة فی نفی هذه الولایة علی جواز النقض هو عدم الدلیل علیه،مع جریان أصالة عدمها لدی الشک فیها.
و معه فلیس لثقات المؤمنین أن ینقض بعضهم أفعال بعض فیما فعله بالولایة من المعاملات الشرعیة و غیرها.
نعم،یمکن للآخرین إثبات أن هذا التصرف أو ذاک غیر جامع للشرائط، إما لقصور فاعله عن الشرائط کما لو لم یکن ثقة أو لقصور المورد کما لو لم یکن ذا مصلحة،إذن لا تکون المعاملة صحیحة،و مع الشک فی
صحتها تکون مجری للأصول النافیة للصحة کاستصحاب عدم انتقال المال عن مالکه الأول و نحوه.
و لا یعارضه أو یتقدم علیه التمسک بعمومات التجارة کقوله تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ أو قوله أَحَلَّ اللّهُ ،و هذا منه فیکون صحیحا،فلیس لنا أن نحکم ببطلانه.
إلاّ أن هذا لا یتم لوضوح تقیید هذه العمومات بدلیل ارتکازی واضح بصدورها من المالک أو جهته کوکیله أو ولیّه.و أما إذا صدرت من غیره فلا تکون مشمولة لهذه العمومات جزما،و مع الشک فی ذلک یکون المورد من قبیل الشبهة المصداقیة التی لا یمکن التمسک فیها بالعام.
و فی محل کلامنا أن المورد غیر جامع للشرائط،فهو غیر مشمول لهذه العمومات جزما.بل یبقی علی أصالة عدم الولایة.و إن شککنا فیه،کان من قبیل الشبهة المصداقیة للعموم،فیکون مجری للأصول النافیة للصحة، مما سبق أن ذکرناه.
اختلاف المقوّمین
قد یحصل أننا نسأل فی السوق شخصا عن قیمة شیء من الأشیاء فیقول إنه بدینار مثلا،ثم نسأل شخصا آخر عن قیمته نفسه،فیقول إنه بدینارین.فهذا هو اختلاف المقوّمین.و المقوّم هو من یعرب عن القیمة و یبیّنها،و التقویم و التقییم،هنا بمعنی واحد.
وجه الحاجة إلی ذلک و نحتاج إلی ذلک فقهیا لإحراز مقدار ما اشتغلت به ذمّة شخص لشخص آخر من قیمة بعض الأعیان التالفة أو المنافع المستوفاة و نحوها.
فإننا لدی الشک لا بدّ لنا من إقامة حجة کافیة علی القیمة کما لو أقمنا بیّنة کاملة(شخصین عادلین)تشهد بها.أو خبر ثقة کذلک،لو اکتفینا به فی الشبهات الموضوعیة.
فإن اتفقت الآراء علی القیمة عملنا علیها بلا إشکال و إن اختلفت،کان ذلک من اختلاف المقوّمین.و من أوضحها أن بیّنة کاملة تشهد علی هذه القیمة و بیّنة کاملة تشهد علی القیمة الأخری.
و تعن الحاجة إلی ذلک فی صور اختلاف الأماکن و الأزمان فی التقییم.
فإذا علمنا أن القیمة المطلوبة تارة واحدة و تارة قیمتین،و أن الدال علی ذلک من الحجج و البینات تارة واحدا و تارة أکثر،کانت الصور فی ذلک عدیدة،ناتجة من ضرب الاحتمالات بعضها ببعض.
فمن أمثلة الاختلاف فی القیمة الواحدة:
أولا:أن تقوم البیّنة علی أن قیمته فی مکان کذا دینار و تقوم البیّنة علی أن قیمته فی مکان آخر بدینارین.
ثانیا:أن تقوم البیّنة علی أن قیمته فی زمان کذا بدینار و فی زمان آخر بدینارین.کما لو کان الزمانان هما زمان یوم القبض و زمان یوم التلف أو زمان یوم القبض و یوم الأداء أو زمان یوم التلف و زمان أعلی القیم.
و هکذا.
ثالثا:أن تقوم بینة علی أن قیمة هذا الشیء سالما کذا و معیبا کذا.
رابعا:أن تقوم بینة علی أن قیمة هذا الشیء معیبا بعیب واحد قیمته کذا و معیبا بعیبین کذا.
و من أمثلة الاختلاف فی القیمتین:
أولا:أن تقوم بینة علی أن قیمته صحیحا کذا و معیبا کذا.و تقوم بینة أخری علی رقمین آخرین حال الصحة و حال العیب.کما لو کان الرقمان الأولان عشرة و ثمانیة و الرقمان الآخران تسعة و سبعة و هکذا.
ثانیا:أن تقوم بیّنة علی أن قیمته بعیب واحد کذا و بعیبین کذا،و تقوم بیّنة أخری علی أن قیمته فی نفسه کذا و قیمته بعد زیادته المتصلة (کالسمن)کذا.و تقوم بیّنة أخری علی رقمین آخرین فی نفس هذین الموردین.
فإذا عطفنا بعض هذه الوجوه علی بعض،فقد یحصل لنا الشک و التردد فی أربع قیم تتردد بین احتمالات کما یلی:
أ-قیمته سلیما فی مکان.
ب-قیمته معیبا فی مکان آخر.
ج-قیمته معیبا فی المکان الأول.
د-قیمته معیبا فی المکان الثانی.
أو باعتبار تعدد الأزمان:
أ-قیمته سلیما فی زمان یوم القبض.
ب-قیمته سلیما فی زمان یوم التلف.
ج-قیمته معیبا فی زمان یوم القبض.
د-قیمته معیبا فی زمان یوم التلف.
فإذا عطفنا علی ذلک اختلاف المقومین أو تضارب آرائهم کانت الاحتمالات أکثر،کما لو فرض قیام بیّنتین متضاربتین علی کل واحد من هذه الاحتمالات الأربعة فی الأمکنة أو فی الأزمنة.فتکون الاحتمالات ثمانیة.لأننا یمکن أن نلتفت إلی أن الاحتمالات الأربعة،یمکن أن تعرب عنها بیّنة واحدة بدون تعارض،کما یمکن أن تقوم علیها أکثر من بیّنة،قد تکون اثنتین و قد تکون أکثر أیضا.
غیر أن السؤال فقهیا لا بدّ أن یفرض نفسه علی الذهن من حیث الحاجة شرعا إلی معرفة تعدّد القیّم.فهلا سألنا عن قیمة واحدة فی مکان محدد و زمان محدد و حال محدد.و قلنا بضمان تلک القیمة،بحیث لا نحتاج إلی السؤال مرة أخری.فما هو الدافع فقهیا إلی کثرة السؤال لنتورط بکثرة الجواب.
و لذلک تبریراته و مسبباته الفقهیة بطبیعة الحال.
أما اختلاف المکان،فکما لو اقترض شخص من آخر طعاما فی بغداد، ثم أراد أن یدفع إلیه قیمته فی البصرة.فهل یدفعه بقیمة بغداد التی هی مکان الاقتراض،أو بقیمة البصرة التی هی مکان الأداء.مع افتراض اختلاف القیمة بین المکانین.
و أما اختلاف الزمان،فکما لو اقترض شخص طعاما فی شهر و أراد أداء قیمته فی شهر آخر.و کانت القیمة السوقیة قد اختلفت صعودا أو هبوطا
فی قیمة تلک المادة.فهل یؤدی القیمة باعتبار حالها فی الشهر الأول الذی هو یوم القبض أو باعتبار حالها فی الشهر الآخر الذی هو زمان الأداء.
و أما اختلاف الحال أعنی من حیث السلامة من العیوب أو الاتصاف بها.فهذا مما نحتاج إلیه فقهیا فی تحدید ما یسمی بالأرش و هو الفرق بین کون الشیء صحیحا و کونه معیبا.فلا بدّ من السؤال عن القیمتین و إقامة حجة شرعیة(کالبینة)علی کل منها.فإن کانت البیّنتان متفقتین علی القیمتین،فهو المطلوب أن یکون الأرش هو الفرق بینهما المعروف من طرح الأقل من الأکثر بوضوح.
و أما إذا اختلفتا فی تسعیر الصحیح و المعیب،فسوف تحصل مشکلة فقهیة عقدنا هذا الفصل من أجلها،و ستأتی تفاصیلها بمقدار ما هو المناسب لمستوی هذا الکتاب.
إلاّ أن السؤال قد یعن عما إذا کان من الضروری أن تسأل بیّنتین عن القیمتین.فلو سألنا بیّنة واحدة لما حدثت أیة مشکلة فقهیة.
و الواقع أنه لا یوجد أی مبرر فقهی لسؤال المتعددین،بحیث یکون هذا السؤال ضروریا أو واجبا فقهیا،فإن المطلوب هو إقامة الحجة علی قیمة الصحیح و قیمة المعیب و هذا مما یحصل بوجود البیّنة الواحدة.غیر أن وجود البیّنتین قد یحصل علی أی حال،إما صدفة-کما یعبرون-و إما تعمدا من قبل البیّنة الثانیة و إما لأجل کثرة التأکد من قبل الشخص السائل،فبدلا من أن یحظی بزیادة التأکید عن نفس القیمة إذا به یواجه بالاختلاف بین البیّنتین.
و علی أی حال،فتعدد البینات و اختلافها،لیس له مبرر فقهی أصلی، و إنما نتکلم هنا علی تقدیر حصوله،من باب أنه ثبت فقهیا أنه(ما من واقعة إلاّ و لها حکم)فإن حصلت هذه الواقعة فما ذا سیکون الحکم؟ و کذلک الحال فإن ما أشرنا إلیه من الاختلاف فی الأزمان و الأماکن فی
التقییم،أیضا لا مبرر له أو لا مبرر بالاعتناء به فقهیا.من حیث أنه تابع للفتوی أو القاعدة العامة التی یفتی بها الفقیه.فإن قال بضمان قیمة یوم القبض کفاه السؤال عن قیمتها و إن کان بضمان قیمة یوم التلف کفاه السؤال عن قیمتها و لا حاجة إلی السؤال عن القیمة الأخری.
و کذلک الحال فی الأمکنة،فإن قال بضمان قیمة مکان التسلیم کفته تلک القیمة،و إن قال بضمان قیمة مکان القبض کفته تلک بدورها.و لا حاجة معه إلی السؤال عن کلتا القیمتین.
و من هنا یتضح الفرق بین الأرش و غیره من صور التقییم بقیمتین،ففی غیر الأرش،یکفینا أن نحدد القیمة بالقیمة التی نقوم بها فتوائیا،بدون أن ننظر إلی القیمة الأخری.بخلاف فکرة الأرش،فإنها بنفسها تحتوی علی النسبة بین قیمتین.و هی الفرق بین الصحیح و الفاسد أو المعیب.فتحتاج إلی السؤال عن قیمتین أساسا.
إلاّ أن الاختلاف و التعارض بین المقوّمین أو قل:بین أدلة الأقیام موجود علی أی حال،کما لو تعارضتا فی مکان معین أو فی زمان معین أو فی صحیح أو فی معیب.مما یحدث المشکلة الفقهیة من جدید.
من حیث أننا هل نأخذ إحدی البیّنتین المتعارضتین دون الأخری،أو نتخیر بینهما،أو أن الأمر یصیر إلی التعارض و التساقط،أو نصیر إلی المعدل بینهما.
غایة الأمر أنه فی صورة اختلاف الأمکنة و الأزمنة سنحتاج إلی أخذ المعدل بین قیمتین فقط،و أما فی صورة تعیین الأرش فسوف نحتاج إلی أخذ المعدل بین أربع قیم.و هو ما عقدنا لأجله هذا الفصل.
فإن أخذ المعدل هو الأصح فقهیا علی أی حال لأن الاحتمالات الأخری غیر صحیحة لأن اختیار إحدی البیّنتین اختیار ترجیح بلا مرجح.حتی لو اختلفت بالعدد أو بالوثاقة،بعد کون الحجیة متساویة فقهیا بینهما.کما أن
الحکم بالتخییر فقهیا،مما لا دلیل علیه،بعد شمول أدلة الحجیة لکل منها فی نفسه.کما أن المصیر إلی التعارف و التساقط،غیر منتج،لأننا نکون بمنزلة من لم تقم لدیه أیة بیّنة.فنرجع إلی الحیرة من جدید.إذن،فخیر الطرق فی مثل ذلک هو المصیر إلی أخذ المعدل،بعد التسلیم بأن أدلة الحجیة و الصحة الفقهیة شاملة لکلا الدلیلین أو البیّنتین.
و بمقدار ما یکون استحصال المعدل سهلا فی الریاضیات الحدیثة،یکون مشکلة فقهیة و ریاضیة فی لغة الفقهاء و القدماء من عدة جهات:
أولا:من حیث طریقة استنتاجهم للمعدل،بالطرق الریاضیة القدیمة، و أشهر من استخدمها من متأخری الفقهاء هو الشیخ الأنصاری (1)
ص 273 و ما بعدها.
فی المکاسب،فی هذه المسألة بالذات.و هو أمر قد یؤدی إلی الغلط فی الحساب لکثرة التعریفات و الکسور بحیث لا یکاد یکون أخذ الناتج صحیحا کاملا،أمرا ممکنا.ثانیا:من حیث الفتوی بصحة الطریقة،کما سیأتی،فمثلا هل أن الأصح هو أن نستخرج المعدل بین المعدلین.بأن نأخذ معدل القیمتین للصحیح و معدل القیمتین للمعیب و نخرج المعدل من المعدل.
أو أن الأصح أن نأخذ المعدل بین قیمتی الصحیح علی حدة و قیمتی المعیب علی حدة،ثم نخرج المعدل بین هذین المعدلین.
و هذا مما لا تختلف فیها الریاضیات القدیمة عن الحدیثة.کل ما فی الأمر أنه لا بدّ من إقامة الدلیل علی صحّة إحدی الطریقتین.لما سنجد من الاختلاف بین نتائجهما أحیانا.
ثالثا:باعتبار اختلاف الصور المفروضة فی اختلافات التقییم.من حیث أن صور قیام البیّنتین علی الصحیح و المعیب أربع:
الصورة الأولی:اتفاقهما علی قیمتی الصحیح و قیمتی المعیب.فیکون
1) 1)
الأرش فی الفرق بینهما.و لیست هذه الصورة من صور الاختلاف.و إنما یحصل الاختلاف فی الصور الثلاث التالیة:
الصورة الثانیة:اتفاق البیّنتین علی قیمتی الصحیح و اختلافهما فی قیمتی المعیب بثمانیة و قالت الأخری أنه بستة.
الصورة الثالثة:اتفاقهما علی قیمتی المعیب مع اختلافهما فی الصحیح، کما لو قالا أن المعیب بخمسة،و قالت إحداهما أن الصحیح بثمانیة و قالت الأخری أنه بعشرة.
الصورة الرابعة:اختلافهما فی أ قیام الصحیح و المعیب معا.کما لو قالت إحداهما:إن الصحیح بعشرة و المعیب بثمانیة و قالت الأخری:إن الصحیح بثمانیة و المعیب بستة.و هکذا.
فکیف یکون أخذ المعدل بین هذه الاحتمالات؟ و العمدة فی الکلام هو الصورة الرابعة،و مضمونها اختلاف کلتا البیّنتین فی کلتا القیمتین.فینبغی تقدیمها فی الکلام.و بعد أن یتم إیضاحها،کما یلی،نتحدث عن تطبیق القواعد التی عرفناها فیها علی غیرها من الصور.
کما أن المهم هو الجهة الثانیة من هذه الجهات الثلاث الأخیرة،دون الجهة الأولی.لأن الأخذ من هذه الناحیة بالریاضیات القدیمة أسلوب محیّر و غیر منتج للنتیجة المطلوبة.فینبغی إهماله تماما فی هذا الصدد.
و طرق الاستخراج المحتملة فی الصورة الرئیسیة التی ذکرناها عدیدة أهمها طریقتان:
الطریقة الأولی:ما علیه المشهور و مال إلیه الشهید (1)
ص 273 و ما بعدها.
الثانی فی الروضة و الشیخ الأنصاری (2)فی المکاسب.و قالوا-و اللفظ للشهید الثانی فیالروضة-:أن تجمع القیم الصحیحة علی حدة و المعیبة کذلک،و تنسب إحداهما إلی الأخری و یؤخذ بتلک النسبة.
ففی مثال الصورة الرابعة السابقة نجمع قیمتی الصحیح.
10+8 18 و نجمع قیمتی المعیب:8+6 14 ثم نعمل کسرا نجعل فی بسطه العدد الأقل الذی هو قیمة المعیب و نجعل فی مقامه العدد الأکثر الذی هو قیمة الصحیح.هکذا 1814 و بالاختصار 97.فیکون الأرش بمقدار کسر القیمة المسماة فی العقد،فلو کانت تلک القیمة ثلاثة و ستون ضربناها بهذا الکسر و عملنا بالناتج.
63x97 49 و هو المطلوب.
الطریقة الثانیة:و هی تنسب إلی الشهید الأول کما فی الروضة (1)
المصدر السابق.
(ص 478)و المکاسب،و إن لم تثبت له هذه النسبة،کما صرحوا فی هذین المصدرین أیضا.و حاصلها:-بلفظ الروضة (2)أیضا:أن ینسب معیب کل قیمة إلی صحیحها و یجمع قدر النسبة و یؤخذ من المجتمع.
و تطبیقها علی نفس المثال:أن نجمع قیمة الصحیح مع قیمة المعیب، و هما القیمتان اللتان أعربت عنهما إحدی البیّنتین.
10+8 18 و نجمع قیمتی الصحیح و المعیب التی أعربت عنهما البینة الثانیة:
8+6 14
ثم نعمل کسرا منهما کما سبق و تکون النتیجة هی السابقة نفسها.
کل ما فی الأمر أننا ینبغی أن نلتفت إلی النتیجة هنا یمکن أن تکون کسرا و یمکن أن تکون عددا صحیحا.و ذلک باختلاف الموارد المختلف علیها،کما فی الموردین الآتیین:
المورد الأول:أن یکون الاختلاف فی القیمة السوقیة المضمونة للغائب مثلا،حیث غصب شیئا و استعمله فقلّت قیمته،فیجب علیه ضمان الأرش.فعندئذ نحتاج إلی تسعیره بالقیمة السوقیة کرقم صحیح،لا نحتاج معه إلی کسر.
فنرجع فی المثال إلی معدل النتیجتین السابقتین،لاستخراجه.
هکذا:
18+14 32 ثم نقول:
2/32 16.و هو المطلوب.
المورد الثانی:أن یکون الاختلاف فی المقدار المضمون من الثمن المسمی فی العقد،و هو المثال المتعارف لدی الفقهاء.
فلا بد لنا عندئذ أن نستخرج کسرا بمثل نسبة القیمة السوقیة،ثم نطبق هذا الکسر علی الثمن المسمی فی العقد.کما سبق أن علمناه.
و اختلاف هذین الموردین یجعل الفکرة مجملة فی أذهان شراح و مدرسی المتون الفقهیة الأصلیة،حیث یکون الأمر مذبذبا بین الکسر و العدد الصحیح.
و قال فی الروضة (1)
ص 478.
:و فی الأکثر یتحد الطریقان.و قد یختلفان فی یسیر،کما لو قالت إحدی البیّنتین إن قیمته اثنی عشر صحیحا و عشرة معیبا و الأخری ثمانیة صحیحا و خمسة معیبا.إلی آخر ما قال.1) 1)
أقول:أما صور الاتحاد بین الطریقین فقد سبق مثاله.و هذا مثال صور الاختلاف.فإذا طبقنا الطریقة الأولی جمعنا قیمتی الصحیح 12+8 20.
و قیمتی المعیب:10+5 15.
فإن أردنا المورد الأول للنتیجة أخذ المعدل بین الناتجین:
20+15 35 2/35 5،17 و هو المطلوب.
و إن أردنا المورد الثانی للنتیجة عملنا کسرا منهما و طبقناهما علی القیمة المسماة فی العقد.هکذا:
2015 43 فإذا کان الثمن اثنی عشر ضربناه بها.
12x43 9 من القیمة المسماة و هو المطلوب.
و أما علی الطریقة الثانیة:فنجمع قیمتی الصحیح و المعیب معا:
12+10 22.
و 8+5 13.
فإن أردنا نتیجة المورد الأول علمناها:
22+13 35.
2/35 5،17 و هو المطلوب.إذن فالطریقتان متحدتان فی النتائج علی المورد الأول.و لیس کما أشار الشهید الثانی من وجود الاختلاف.
و إنما نظرة إلی الاختلاف فی المورد الثانی.
فإننا إذا نظرنا إلی المورد الثانی عملنا:کسرا من الناتجین:2213.
فإذا کان الثمن المسمی فی العقد اثنی عشر،ضربناه بهذا الکسر 12x223 090،7.و هی نتیجة مختلفة عما سبق بحوالی(2) عددین صحیحین.
ثم قال فی الروضة:و لو کانت ثلاثا فقالت إحداهما کالأول.و الثانیة:
عشرة صحیحا و ثمانیة معیبا،و الثالثة:ثمانیة صحیحا و ستة معیبا.إلی آخر ما قال.
فطبقا للطریقة الأولی نجمع الأقیام الصحیحة الثلاثة و هی 12،10،8، فیکون المجموع ثلاثون.کما نجمع الأقیام المعیبة کلها و هی 10،8،6 فیکون المجموع أربع و عشرون.ثم طبقا للمورد الأول نأخذ المعدل بین الناتجین 24+40 64،3/64 641 23 و طبقا للمورد الثانی.
نجعل کسرا کما یلی 3024 54.
و أما طبقا للطریقة الثانیة،فنجمع کل صحیح إلی معیبه:
12+10 22 و 10+8 18 و 8+4 14 و عندئذ ففی المورد الأول نجمعها و نأخذ المعدل منها.
22+18+14 54،3/54 18.
و أما فی المورد الثانی فلا یمکن الاستخراج لوجود عدة أرقام،لا رقمین لتعمل منهما کسرا بمثل النسبة.و بهذا تفضل طریقة المشهور علی طریقة الشهید الأول.مع العلم أن الحاجة إلی المورد الثانی أکثر،و نظر المشهور إلیه أکثر،و قد رأینا أنه علی الطریقة المشار إلیها لا تنتج أیة نتیجة.و أولی منه بالبطلان ما إذا تعددت البینات فی التفاصیل الآتیة.
فی حین رأینا علی الطریقة الأولی،یکون کلا الموردین صحیحین و ناجحین،مهما کان عدد البینات.
هذا مختصر التوضیح فیما إذا اختلفت البیّنتان فی الصحیح و المعیب معا.
و ینبغی أن یقع الکلام فیما یلی فیما إذا اتفقت البیّنتان علی قیمة الصحیح و اختلفتا فی قیمة المعیب.ثم نتکلم عن صورة العکس،و هو ما إذا اتفقتا علی قیمة المعیب و اختلفتا فی قیمة الصحیح،مع محاولة تطبیق الطرق و الموارد السابقة بنفسها.
قال فی الروضة (1)
ص 490.
:و لو اتفقت(یعنی البیّنتین)علی الصحیحة کاثنی عشر دون المعیبة،فقالت إحداهما عشرة و قالت الأخری ستة.إلی آخر ما قال:فهنا عندنا رقم أکید تتفق علیه البیّنتان و هو قیمة الصحیح،لا نحتاج فیه إلی استخراج معدله.و إنما یختلفان فی قیمة المعیب فقط.فإذا أردنا تطبیق الطریقة الأولی المشهوریة أمکن لها أسلوبان:
الأسلوب الأول:جمع القیمتین المعیبتین،مع مضاعفة قیمة الصحیح.
12+12 24 لقیمة الصحیح.
10+6 16 لقیمة المعیب.
فإن أردنا المورد الأول أخذنا معدل النتیجتین.هکذا:
24+16 40،2/40 20 و هو المطلوب.
و إن أردنا المورد الثانی عملنا الکسر الاعتیادی 2416 فیکون بالاختصار 32.فیرجع بثلثی الثمن فإن کان الثمن اثنی عشر 12x32 8 و إن کان الثمن ستین 10x32 40 و هکذا.
الأسلوب الثانی:إخراج معدل القیمتین المعیبتین،و ملاحظتها مع قیمة الصحیح بدون تضعیف،کالذی سبق.
10+6 16،2/16 8 و هو معدل قیمة المعیب.
فإن أردنا المورد الأول أخذنا معدل النتیجة مع الرقم الصحیح.
1) 1)
هکذا:12+8 20.
2/20 10.
و إن أردنا المورد الثانی عملنا الکسر الاعتیادی منهما.128 فیکون بالاختصار،32،و هو نفس النتیجة طبقا للأسلوب الأول،إلاّ أن المورد الأول یختلف فی الأسلوبین.
هذا کله إذا مشینا علی الطریقة الأولی المشهوریة.
أما الطریقة الثانیة المنسوبة إلی الشهید الأول.فنجمع قیمتی الصحیح و المعیب بغض النظر عن اختلافهما.
12+10 22.
12+6 18.
فإن أردنا نتیجة المورد الأول أمکننا استخراج المعدل من هاتین النتیجتین.
هکذا:
22+18 40،2/40 20 و هو المطلوب.
و إن أردنا نتیجة المورد الثانی عملنا الکسر الاعتیادی من نتیجتی العملیتین السابقتین:2218 و بالاختصار یساوی 119 و هو أکثر من الثلثین اللذین نتجا عن الطریقة المشهوریة السابقة.
32:119،3322:3327.
و هذا یعنی بوضوح أن النتیجة هنا تختلف عن الطریقة الأولی بکلا أسلوبیها.
ثم قال فی الروضة (1)
ص 490.
:و لو انعکس بأن اتفقتا علی الستة معیبا.و قالت إحداهما:ثمانیة صحیحا و الأخری عشرة.إلی آخر ما قال.1) 1)
فإن أردنا تطبیق الطریقة الأولی،کان لذلک أسلوبان أیضا:
الأسلوب الأول:من سنخ الأسلوب الأول السابق:بأن نجمع الرقمین المختلف فیهما و تضاعف الرقم المتفق علیه.
6x2 12.
10+8 18.
فإن أردنا نتیجة المورد الأول أمکننا أیضا استخراج المعدل من هذین الرقمین:
18+12 30 2/30 15 و هو المطلوب.
و إن أردنا نتیجة المورد الثانی عملنا منهما کسرا:هکذا.
1812 32.
الأسلوب الثانی:سنخ الأسلوب الثانی السابق.أعنی بإخراج معدل القیمتین المختلف فیهما و هما هنا قیمة الصحیح.
8+10 18،2/18 9 فإن أردنا نتیجة الأسلوب الأول استخرجنا المعدل بین هذه النتیجة و الرقم المعیب المتفق علیه.6+9 15،2/15 5،7.
و إن أردنا نتیجة الأسلوب الثانی عملنا الکسر کما سبق.
96 32.
و إن أردنا تطبیق الطریقة الثانیة المنسوبة إلی الشهید الأول،جمعنا قیمتی الصحیح و المعیب بالرغم من اختلافهما:
8+6 14 10+6 16
فإن أردنا الأسلوب الأول عملنا المعدل لهما:
14+16 30،2/30 15 و هو المطلوب.
و إن أردنا الأسلوب الثانی علمنا کسرا منهما:
1614 87.و هو یختلف عن نتیجة الأسلوب الثانی للطریقة السابقة.
و هنا ینبغی أن نلتفت إلی أن الکسور التی تحصل لدی تطبیق الأسلوب الثانی بأی شکل أو طریقة من الطرق السابقة.یمکن أن یراد به أحد أمرین من حیث أننا قلنا فیما سبق أن هذا الکسر ینبغی تطبیقه علی القیمة المسماة فی العقد،فیؤخذ منها علی غراره أو یسترجع البائع من المشتری بمقداره.
إلاّ أن هذه العبارة قابلة لتفسیرین،من حیث أن هذا الکسر الناتج هل یمثل ملکیة البائع أو ملکیة المشتری.یعنی هل هو المقدار الذی ینبغی أن یبقی عند البائع و یأخذ المشتری الباقی عنه،أو هو الذی یأخذه المشتری و یبقی الباقی لدی البائع.
و قد سبق أن قلنا إن القیمة المسماة لو کانت(12)دینارا مثلا فنقسمها علی الکسر الناتج.و قد رأینا أنه 43 أحیانا و 32 أحیانا و نحو ذلک.
12x43 9 أو 12x32 8 و هکذا.
و علی أی حال سنکون مسئولین عن استخراج الباقی إما بهذه الطریقة:
44-43 41 أو 33-32 31 12x41 3،12x31 4 أو بهذه الطریقة:
12-9 3 أو 12-8 4 و النتیجة هی نفسها علی أی حال.
و من الظاهر أن النتیجة الحاصلة من الأسلوب الأول هی من استحقاق البائع و یکون أرش العیب الذی هو استحقاق المشتری متمثلا بالفرق بین مجموع القیمة و هذا الکسر.أی أن المشتری یرجع علی البائع بربعها لا بثلاثة أرباعها.أو بثلثها لا بثلثیها.إلی غیر ذلک من الأمثلة.
یبقی الکلام فی ما ینبغی أن یختاره الفرد عند ما تکون الطرق السابقة مختلفة فی نتائجها.فإنها إن اتحدت فی النتائج أوجبت الاطمئنان بالصحة،و أما إذا اختلفت،فسیحصل هناک شک و تردد فی اتباع أی من النتیجتین أو النتائج.و قد یذهب بهذا الفرق مال کثیر.و قد یحصل اختلاف بین الفردین المتنازعین من حیث أن کلا منهما یرید النتیجة التی تکون أصلح له مالیا.و هکذا و هذا ما لم یتعرض له الفقهاء أصلا فیما حصلت علیه من المصادر.
إذن،فلا بد من تعیین الأسلوب الفقهی الذی یفض به هذا النزاع.
و یتلخص ذلک فی أحد وجوه:
الوجه الأول:أن نعمل بإحدی الطریقتین دون الأخری،و ذلک بتفضیل الطریقة المشهوریة و الإعراض عن الطریقة الثانیة،لما رأیناه فیها من الضیق و التخلف عن کل صور المسألة و احتیاجاتها.
و عندئذ نقول:إن الطریقة الواحدة لیس فیها نتائج متعارضة،بل نتائجها واحدة لا محالة.فیرتفع الإشکال.
و جواب ذلک من وجوه أهمها:
أولا:إن هذا التفضیل إن کان لمجرد تخلف الطریقة الثانیة عن بعض الصور،فهذا غیر کاف فی الإقرار بصحتها فیما یمکن جریانها فیه من المسائل.ما لم یعد الإعراض عنها إلی وجه آخر آت.
ثانیا:إنه یمکن القول إن الاختلاف ثابت حتی الطریقة الواحدة.و ذلک:
إننا عرفنا موردین لتطبیق کل طریقة من الطریقتین السابقتین و من المعلوم
اختلاف نتیجة کل مورد عن الآخر،بحیث یمکن القول بتهافتهما إذا قارنا بینهما بالدقة.
و یکفی أن نلتفت إلی أن الناتج فی المثال الرئیسی السابق کان فی المورد الأول 5،17 فی حین کان فی المورد الثانی 9.
إلاّ أن هذا بمجرده لیس وجها للاختلاف حقیقة،لما سبق من افتراض أن یکون الثمن(12)فنتج الرقم(9).و لو کان الثمن رقما آخر،لکان الناتج شیئا آخر،و هذا لا یضر بصدق نفس القاعدة الریاضیة.
الوجه الثانی:تفضیل الطریقة المشهوریة،باعتبار کونها أقرب إلی الفهم العرفی.باعتبار ملاحظتها للقیمة الصحیحة مستقلا أو معزولا عن القیمة المعیبة،سواء فی صورة اختلاف البیّنتین أو اتحادهما فی إحداهما.و هو أفضل عرفا من ربح القیمتین الصحیحة و المعیبة و جمعهما فی عملیة ریاضیة واحدة.
غیر أن هذا الوجه قابل للمناقشة من حیث عدم وضوح التفضیل العرفی فی الذهن.مضافا إلی أن الاستخراجات الریاضیة هی أمور دقیّة دائما لا یمکن السؤال من العرف عنها أصلا.نعم،لو کان للعرف مجال فیه لکانت الطریقة الأولی أقرب إلی ذوقه،کما لا یبعد.
الوجه الثالث:استغفال المتخاصمین و بیان إحدی الطریقتین لهما دون الأخری،بحیث یحسبان أنها هی الوحیدة،فلا یحصل التخاصم بعد ظهور النتائج.
إلاّ أن هذا الوجه لا یتم أیضا،لأن إخفاء الطریقة،لا یعنی عدم استحقاق الطرق لنتائجها بینه و بین اللّه سبحانه.فإن کان الذی تسبب إلی إخفائها و غفلة الثانی عنها هو أحد المتخاصمین،إذن فقد غشّه فی الخصومة،فیکون ضامنا للفرق إن وجد،و إن کان غیره فقد کان لهما و ضامنا لما یفوت منهما.
الوجه الرابع:التراضی بینهما علی إحدی الطریقتین أو الطرق الموصلة إلی النتائج قبل محاولة الاستخراج منها.و هذا یؤدی إلی أن الطریقة الأخری إن کانت شاغلة للذمّة،فإن الخصم یسقط ما فی ذمة صاحبه من هذا الشغل،أیا کان مقداره أمام اللّه سبحانه.
و هذا وجه لطیف،إلاّ أنه موقوف علی حصول التراضی علی أی حال، فیبقی مورد عدم حصوله مفتوحا للمشکلة ذاتها.و مع حصول التراضی لا یختلف الحال بین حصوله قبل الاستخراج أو بعده.و إن کان حصوله قبل الاستخراج أعنی مع الجهل بالنتائج أسهل من الناحیة النفسیة.
الوجه الخامس:إهمال الفرق بین نتیجتی الطریقتین باعتبار کونه بسیطا جدا لا یعدو کونه کسرا بسیطا یقبح ذکره اقتصادیا فضلا عن التخاصم علیه.بحیث لو تنازل الآخر و دفعه لم یکن خاسرا عرفا.
و هذا وجه لطیف أیضا،لو کانت النتائج علی هذا الغرار.إلاّ أن الفروق قد لا تکون أحیانا قلیلة،بل قد تصعد إلی آلاف أو ملایین الدنانیر.کما هو المفروض عند عرض السؤال،حین قلنا إنه قد تذهب به أموال کثیرة و یستمر بها التخاصم.
الوجه السادس:إخراج المعدل الریاضی بین نتیجتی الطریقتین مع استمرار التخاصم بین الخصمین.فإنها جمیعا مبنیة علی استخراج المعدلات بین الأرقام المتعددة المشکوکة،بحیث نفهم أن أی رقمین مشکوکین لا بد من استخراج معدلهما.إذن،فقد أصبحت نتائج الطرق الآن مشکوکة، فلا حلّ لها إلاّ بإخراج معدلاتها.
و هذا هو الطریق المنحصر،مع عجز الوجوه السابقة عن التأثیر.نعم، لو تمّ بعضها کاختیار إحدی الطریقتین عقلا أو عرفا أو تراضیا،لم یلزم الوصول فی الحل إلی هذا الوجه کما هو واضح.
لا ینبغی لنا،و نحن بهذا الصدد أن نقتصر علی ذکر الطریقتین المشهورتین للاستخراج فقط،حیث ذکرنا فی أول الفصل أن هناک طرقا عدیدة محتملة،فالآن نذکر أهم ما هو محتمل بشیء من الاختصار مع محاولة تطبیق النتائج علی ما سبق من أمثالها.
و نذکرها الآن بنفس الترقیم السابق.
الطریقة الثالثة:طرح الصحیح من المعیب فی کلا البیّنتین المتعارضتین، ثم استخراج النسبة بین النتیجتین.و نطبق ذلک علی المثال السابق المشترک بین الطریقتین السابقتین.و هو ما إذا قالت إحدی البیّنتین عشرة و ثمانیة و قالت الأخری ثمانیة و خمسة هکذا:
10-8 2،8-5 3.
فیکون الکسر 32 أو نستخرج المعدل بینهما:
2+3 5،2/5 5،2 حسب الحاجة إلی الاستخراج فی الموردین السابقین.
الطریقة الرابعة:أن نجعل من الرقمین الصحیح و المعیب الواقعین فی لسان بینة واحدة،کسرا،ثم نستخرج المعدل بین الکسرین:هکذا:
108،85 ثم نوحّد المقامین 8064،8050 ثم نجمعهما 8064+8050 80114 ثم نقسم النتیجة علی اثنین أو نضربها فی 21 هکذا:
80114%2 8057 ثم نطرح هذا الکسر من العدد الصحیح 1-8057 8080-8057 8023 و هو المطلوب.
الطریقة الخامسة:أن نفهم طریقة الشهید الأول فهما آخر لأنه قال عنها
فی الروضة (1)
ص 478.
:أن ینسب معیب کل قیمة إلی صحیحها و یجمع قدر النسبة و یؤخذ من المجتمع بنسبتها.فنجعل من کل صحیح مع معیبه کسرا ثم نجمع الکسرین و یکون هو الکسر المطلوب نفسه.هکذا:
108+105 8064+8050 80114 و بالاختصار 4057 و هو کسر لفظی یتحول إلی عدد کسری 4017 1.
الطریقة السادسة:أن نقدم فهما آخر لنفس الطریقة:بأن نطرح الکسرین المشار إلیهما من بعضهما البعض،و یکون الناتج هو الکسر المطلوب.
هکذا:
8064-8050 8014 407 و واضح من کل الطرق اختلافات النتائج اختلافا عظیما،و ضیق إمکانیة التصرف و التفکیر فیها.کما لو أردنا استخراج کلا الموردین السابقین مما استخرجناه علی الطریقتین الأولیین.
و لا شک أنه تبقی للطریقتین الأولیین قدمتهما و أهمیتهما.
و بخاصة الطریقة الأولی المشهوریة،التی رأیناها تستوعب کل الحاجات و الموارد.و یمکن استخراج أدنی الکسور الضئیلة المختلف علیها بها.مضافا عدم وضوح الدلیل فقهیا و ریاضیا علی أمثال هذه الأسالیب المذکورة فی الصور الأخیرة.
1) 1)
الشعر فقهیا
یستعمل لفظ الشعر و یراد به الکلام الموزون المقفی،و لا شک أن هذا هو المعنی المتسالم علی صحته منذ عدة قرون من السنین.
غیر أن الأصل فی ذلک هو أن هذا الکلام هو النظم،حیث یقال:
نظمت الشعر و نظمت الخرز أی جمعتها فی المسلک،و یراد به ترتیب الکلام طبقا للوزن و القافیة،و النظام و التنظیم هو التألیف و الترتیب.فإن ألّف بین الکلمات و رتّبها فقد نظمها.و من هنا أطلق التألیف علی کتابة الکتب و علی کتابة الشعر أیضا فی اللغة الحدیثة.
أما الشعر فهو من الشعور و هو الإحساس.یقال:شعرت و استشعرت به إذا أحسست به.و کل کلام یعبر عن الشعور و الأحاسیس النفسیة أو یکون سببا لإثارتها،فهو شعر.سواء کان منظوما أو منثورا.و من هنا قالوا:
الشعر المنثور.فإنه شعر من زاویة کونه ممثلا للشعور و الأحاسیس.
و من هنا نعلم أننا لماذا نقول:نظمت الشعر.أی أننی أخذت الکلام المعبر عن الأحاسیس و الشعور فجعلته منظوما یعنی موزونا و مقفی.فأصبح الکلام متصفا بکلا الناحیتین أعنی الوزن و الأحاسیس معا.
و من هنا یمکننا أن نلتفت أن بین مفهوم النظم و مفهوم الشعر نسبة العموم من وجه.من حیث أن المورد یمکن تقسیمه إلی أربعة أقسام
القسم الأول:ما یکون منظوما یعنی موزونا و مقفی،مع کونه معبرا عن الأحاسیس و الشعور النفسی.فهو الشعر المنظوم.
القسم الثانی:ما یکون منظوما بالوزن و القافیة،إلاّ أنه لا یعبر عن الأحاسیس بل عن بعض الجهات العلمیة و نحوها کالتاریخ أو النحو أو غیرهما.و هو النظم و لیس هو یشعر لفقدانه جانب الشعور.و إن سمیناه شعرا.إلاّ أن هذا الاستعمال مجاز فی الأصل.و إن أصبح حقیقة بعد ذلک.
القسم الثالث:ما کان معبرا عن الأحاسیس من دون نظم و قافیة.و هو الشعر المنثور أو النص الأدبی و نحوه.و هو لیس فی مصطلح الناس بشعر إلاّ أنه فی اللغة الأصلیة کذلک.
القسم الرابع:ما کان فاقدا لکلا الجهتین یعنی الإحساس و الوزن.و هو کل کلام اعتیادی بلیغا کان أم اعتیادیا.
و من هنا نعرف أن الاستعمال الأعمق للشعر یتبع الشعور سواء کان منظوما أم لا.و الاستعمال الأعمق للنظم یتبع الوزن و القافیة سواء کان فیه شعور أم لا.إلاّ أن الاستعمال الغالب للشعر هو فی النظم عموما.و إن کان لا یخلو من تسامح علی أی حال.
قال ابن منظور:و الشعر منظوم القول.غلب علیه لشرفه بالوزن و القافیة.و إن کان کل علم شعرا.من حیث غلب الفقه علی علم الشرع و العود علی المندل.و النجم علی الثریا.و مثل ذلک کثیر.و ربما سموا البیت الواحد شعرا.حکاه الأخفش.قال ابن سیدة:و هذا لیس بقوی إلاّ أن یکون علی تسمیته الجزء باسم الکل کقولک الماء للجزء من الماء و الهواء للطائفة من الهواء و الأرض للقطعة من الأرض.
و قال الأزهری:الشعر القریض المحدود بعلامات لا یجاوزها و الجمع أشعار،و قائله شاعر،لأنه یشعر ما لا یشعر غیره،أی یعلم.و رجل شاعر و الجمع شعراء.
و قال أیضا:و القریض الشعر،و هو الاسم کالقصید.و التقریض صناعته.و قیل:فی قول عبید بن الأبرص:حال الجریض دون القریض.
الجریض الغصص و القریض الشعر.و هذا المثل لعبید بن الأبرص قاله للمنذر حین أراد قتله فقال له:أنشدنی من قولک.فقال له عند ذلک:
حال الجریض دون القریض.
و لم یبین ابن منظور سبب تسمیته بالقریض.فکأنه من المشترک اللفظی من حیث وضع المادة للقطع تارة،و منه المقراض و هو المقصّ.و للدّین أخری و منه قوله تعالی إِنْ تُقْرِضُوا اللّهَ قَرْضاً حَسَناً .و للتجارة أخری و هو القراض.و للشعر رابعة.و هو القرض.
غیر أن المظنون أن جمیعها بنحو الاشتراک المعنوی،و أصلها من القرض بمعنی القطع.فإن اقتطعت من أموالک شیئا و أعطیته لغیرک لیعمل به فهو القراض و هو المضاربة.و إن أعطیته لغیرک بإزاء اشتغال الذمة به،فهو القرض و هو الدین.و إن اقتطعت من کلامک قطعة فجعلتها موزونة مقفاة فهو القریض و هو الشعر.کما أنه لو اقتطع الفأر قطعة من الثوب أو من الطعام فأکلها فقد قرضها.و هکذا.
و الشعر أیضا اصطلاح فی علم المنطق باعتباره إحدی الصناعات الخمس هناک.و هی:صناعة البرهان و صناعة الخطابة و صناعة المغالطة و صناعة الجدل و صناعة الشعر،و هی لیست شعرا بالمعنی المفهوم.و إنما سمیت بذلک لکونه مکونا من مقدمات و قضایا مثیرة للعاطفة و الشعور.کالحزن أو الفرح أو الغضب أو الرضا أو غیرها.و علی أی حال فهی خارجة عن محل الکلام و إنما أشرنا إلیها للتنبیه فقط.
هناک من الأدلة الشرعیة ما یدل علی مرجوحیة الشعر،و کراهته و التنفیر منه.و یمکن الاستشهاد علی ذلک من الکتاب الکریم و السنّة الشریفة.
أما من الکتاب الکریم فقوله تعالی فی سورة الشعراء (1)
الشعراء:221-227. [1]
هَلْ أُنَبِّئُکُمْ عَلی مَنْ تَنَزَّلُ الشَّیاطِینُ. تَنَزَّلُ عَلی کُلِّ أَفّاکٍ أَثِیمٍ. یُلْقُونَ السَّمْعَ وَ أَکْثَرُهُمْ کاذِبُونَ. وَ الشُّعَراءُ یَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ. أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِی کُلِّ وادٍ یَهِیمُونَ. وَ أَنَّهُمْ یَقُولُونَ ما لا یَفْعَلُونَ. إِلاَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ وَ ذَکَرُوا اللّهَ کَثِیراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا.وَ سَیَعْلَمُ الَّذِینَ ظَلَمُوا أَیَّ مُنْقَلَبٍ یَنْقَلِبُونَ .و یمکن الاستدلال بهذه الآیة من عدة جهات علی المطلوب:
الجهة الأولی:قوله تعالی وَ الشُّعَراءُ یَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ .من حیث أن الغوایة ضد الهدایة.و من یتبعه الغاوی فهو أولی بالغوایة و أشد فیها.
و حیث أن اَلشُّعَراءُ یَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ إذن فالشعراء أشد من الغاوین فی غوایتهم.و لیس لهم صفة تکون سببا لذلک إلاّ کونهم شعراء.إذ لو کانت صفة أخری هی السبب لذکرها،مع أن هذه هی الصفة الوحیدة المذکورة.
و هذا أهم استدلال بالآیة الکریمة علی ذم الشعر و کراهته.و لکن یمکن المناقشة فیه من عدة وجوه نذکر أهمها:
الوجه الأول:إن موضوع الذم فی الآیة هم الشعراء.فإن کان المراد منهم من ینظم الشعر،تم الاستدلال من هذه الناحیة.و لکننا عرفنا قبل قلیل:أن الاستعمال الغالب للفظ الشاعر و الشعراء،و إن کان ذلک،إلاّ أن الواقع أن الشعر هو ما یرجع إلی العواطف النفسیة و الخلجات القلبیة، سواء کان الکلام منظوما أم منثورا.و لا ربط له بالنظم ربطا حقیقیا.إذن فیختص موضوع الآیة بمن یکثر شعوره النفسی لا من یکثر نظمه للشعر.
فإن قیل:إن أغلب الشعر ملیء بالشعور النفسی،فیکون مصداقا من الآیة و مشمولا للذم.قلنا:کلا،لأن العمدة فی هذا الجواب أن النظم بما هو نظم لیس هو موضوع الآیة بل الشعور النفسی سواء کان منظوما أم
1) 1)
منثورا،بل حتی لو کان داخل النفس و لم یبیّنه صاحبه بأی کلام.و هذا معنی غیر معنی الشعر المتعارف.
فإن قیل:إن الأحاسیس النفسیة و الخلجات القلبیة لیست کلها مذمومة بل فیها ما هو حق و صحیح،فلما ذا تکون مذمومة فی الآیة:
قلنا:کلا.فإن المذموم فیها ما هو باطل،لا ما هو حق.بدلیل قوله تعالی یَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ .و غیر ذلک.و حتی لو کان لها شمول و إطلاق لکلا القسمین أمکن إخراج العواطف المحقة من تحت الذم بالیقین،بحسب أدلتها التی تخصص إطلاق الآیة الکریمة.
الوجه الثانی:إن الغوایة و إن کانت فی اللغة ضد الهدایة،إلاّ أننا یمکن أن نحمل معناها علی معنی العواطف الجیاشة و الحماس المتزائد لأی أمر من أمور الدنیا و الآخرة.فلا یتعین إرادة الضلال منها.بل لا أقل من أن یکون هناک إطلاق شامل لکلا الشکلین من العاطفة،کإطلاق الذی ذکرناه من الشعراء نفسه.بل سیکون لفظ الشعراء بمنزلة القرینة المتصلة علی هذا الفهم.
و من المعلوم أن ذوی العواطف الضالة یتبع بعضهم بعضا و ذوی العواطف المحقة یتبع بعضهم بعضا.و لا یتعین فی الآیة مجرد الاتباع علی الضلال.
الوجه الثالث:إننا لو تنزلنا و قبلنا اختصاص الغوایة بالضلال.فهذا لا یلازم أن الشعراء یکونون أشد غوایة ممن یتبعهم من الغاوین کما ذکرنا فی أصل الاستدلال من هذه الجهة.و ما ذنب الفرد إذا اتبعه شخص ضال.
فإن الآیة بالتأکید خالیة من الإشارة إلی أن اتباع الغاوین للشعراء إنما هو علی الغوایة و الضلال.بل ظاهرها اتباعهم علی الشعر و هو العاطفة،و قد عرفنا أنه شامل للعاطفة الصحیحة و العاطفة الباطلة،و غیر مختص بالباطلة لا محالة.
الجهة الثانیة:من الاستدلال بالآیة الکریمة للمطلوب.
قوله تعالی هَلْ أُنَبِّئُکُمْ عَلی مَنْ تَنَزَّلُ الشَّیاطِینُ. تَنَزَّلُ عَلی کُلِّ أَفّاکٍ أَثِیمٍ یُلْقُونَ السَّمْعَ وَ أَکْثَرُهُمْ کاذِبُونَ. وَ الشُّعَراءُ یَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ،إلخ.
فقد ألحقت الآیة فعل الشعراء بالشیاطین و نسبته إلی الإفک و الإثم و الکذب.و حسب الشعراء مسبّة بذلک.
و یمکن الجواب علی ذلک من وجوه نذکر أهمها:
الوجه الأول:أنه یمکن التأکید بوضوح عدم ارتباط هذه الفقرة السابقة علی(الشعراء)بالشعراء أنفسهم.بل هو حدیث مستقل عن الشیاطین و أتباعهم من الآثمین.ثم یبدأ حدیث جدید مستقل عن الشعراء و أتباعهم من الغاوین.و لا ربط لصدر الآیة بذیلها.
الجواب الثانی:إننا حیث عرفنا و نعرف:أن الشعر سواء أردنا به النظم أو العاطفة،فیه ما هو حق و فیه ما هو باطل.فمن المعلوم أن الشیاطین لا تتنزل إلاّ علی ما هو باطل دون ما هو حق.و أنه لیس الحق منه إثما و لا إفکا و لا کذبا.فمن الممکن بل اللازم تقیید الآیة الکریمة بغیر ذلک.
الجهة الثالثة:من الاستدلال بالآیة الکریمة:قوله تعالی أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِی کُلِّ وادٍ یَهِیمُونَ وَ أَنَّهُمْ یَقُولُونَ ما لا یَفْعَلُونَ .
فقد نسبت إلی الشعراء أمورا باطلة یفعلونها غالبا أو عادة و استدلت لوجودها بالوجدان،حین قالت:أ لم تر.یعنی أن هذا أمر مرئی و مشاهد وجدانا من کل الشعراء.
و المهم منها أمران:
الأمر الأول أَنَّهُمْ فِی کُلِّ وادٍ یَهِیمُونَ .و المراد من الودیان و دیان الأفکار و المعانی و لیس الودیان الأرضیة.و تلک الودیان إما أن یراد بها خصوص الودیان الباطلة أو ما یشمل الحق و الباطل.و کلاهما فعل باطل.
إذ لا یحق للفرد أن یفکر تفکیرا باطلا لا قلیلا و لا کثیرا.
الأمر الثانی أَنَّهُمْ یَقُولُونَ ما لا یَفْعَلُونَ .و هذه المفارقة بین القول و الفعل من المآثم و المفاسد.و لا شک أن الفضیلة فی ضدها و هو اتحاد مضمون القول مع الفعل.
و الجواب علی الاستدلال بهذه الجهة أمور نذکر أهمها:
الوجه الأول:أن ظاهر الودیان هو الودیان الأرضیة و لیس الودیان الذهنیة،فإن الأول حقیقة و الآخر مجاز.و یتعین حمل اللفظ علی المعنی الحقیقی.
إذن،فهم یهیمون فی الودیان الأرضیة.و لیس هذا بأمر باطل علی أی حال،بل لا شک أن وجوها عدیدة من هذا الهیام حق أو أقرب إلی الحق،نذکر منها ما یلی:
أولا:أنهم کانوا یهیمون من أجل التفکیر و التنزّه عن المشاکل و الضیق، لأجل أن ینفتح لهم الوحی بنظم الشعر.أیا کان مضمونه.
ثانیا:إن الهیام قد یکون لأجل الاعتزال عن الناس نظرا إلی انغماسهم فی المعاصی و ارتکابهم للآثام.زهدا بالمجتمع و الدنیا.
ثالثا:إن الهیام قد یکون لأجل عاطفة الحب.فإن الدرجة القویة منها تحمل علی الهیام کما هو معروف،و قد حصل لعدد من الأشخاص خلال التاریخ المنظور.و أشهرهم:مجنون لیلی.و الحب کما یمکن أن یکون لبعض البشر یمکن أن یکون إلیها خالصا مخلصا.
الوجه الثانی:أننا لو تنزلنا عن الوجه الأول و سلمنا أن المراد من الودیان بالآیة:الودیان الفکریة أو الذهنیة.فلا أقل من أن لها إطلاقا أو شمولا لکل أشکال هذه الودیان.و هی تنص علی ذلک:فی کل واد.و عندئذ یمکن إخراج الودیان الحقة عن الذم و المرجوحیة،و اختصاص الودیان الباطلة بها.
الوجه الثالث:أنه یمکن القول:بعد التسلیم بکون الودیان هی الأفکار الضالة:أن مجرد خطور الفکرة الضالة علی الذهن أو محاولة جلبها أو استعمالها الذهنی،لیس باطلا و لا ضلالا.إذ لعل ذلک یکون طریقا إلی الحق و إلی استنتاج ما هو صحیح.و إنما الباطل هو الإیمان بالفکرة الضالة و القناعة بها،أو محاولة إقناع الآخرین بها،کما هو معلوم.و کل ذلک غیر مفروض فی الآیة.
الوجه الرابع:من ناحیة أنهم یقولون ما لا یفعلون.فإن ذلک قد لا یکون رذیلة مضادة للفضیلة،بل یمکن أن تکون له وجوه عدیدة من الصحة.
أولا:إنهم یقولون الباطل و لا یفعلونه.
ثانیا:إنهم یقولون الحق و لا یفعلونه لأنهم خارجون عنه موضوعا.أو لا یحتاجونه فی حیاتهم الخاصة.کمن یعرف وجوب الحج للمستطیع مع أنه لیس بمستطیع.فلا یشمله وجوب الحج الذی یتکلم عنه.
ثالثا:إنهم یقولون الحق و لا یفعلونه،لأنهم لا یحتاجون إلیه باعتبار أنهم أعلی مستوی أو أدنی مستوی فی مقامهم الإیمانی من مقدار بیانهم و قولهم.و إنما ینفع قولهم من یناسب مقامه الإیمانی.و هم إنما ینفعهم أمر آخر غیر ما یقولونه.
الجهة الرابعة:من الاستدلال لهذا الغرض بالآیة الکریمة:قوله تعالی:
إِلاَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ وَ ذَکَرُوا اللّهَ کَثِیراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا .
فإن السیاق مشعر بأن هؤلاء الممدوحین فی هذه الفقرة،هم غیر الشعراء الذین سبق ذکرهم فی الآیة.أذن فالشعراء لیسوا من الممدوحین.
و إنما یکون منهم إذا أعرضوا عن صفتهم تلک و تابوا عنها وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ وَ ذَکَرُوا اللّهَ کَثِیراً .
و جواب ذلک:أننا عرفنا أن للشعراء شمولا و إطلاقا لجانبی الحق و الباطل.فتکون هذه الفقرة التی ذکرناها الآن بمنزلة القرینة المتصلة المقیدة، لذلک الإطلاق.و هو ما یدعم نفس الفکرة التی کررناها فی الجهات السابقة،من أن الذم مختص بالباطل و لا یحتمل أن یکون شاملا للحق.
و ینبغی هنا أن نلتفت إلی أن الآیة لم تقل إن الشعراء إنما یکونون مؤمنین و ذاکرین للّه کثیرا،إذا أعرضوا عن الشعر و لم یکونوا شعراء.بل یمکن فی الشعر أن یکون مع الإیمان و ذکر اللّه و عمل الصالحات.بل هو یکون ذاکرا للّه و من عمل الصالحات.فلا یمکن أن یکون مذموما.سواء فهمنا من الشعر النظم أو العاطفة،علی التفصیل السابق.
علی أننا یمکن أن نفهم من قوله إِلاَّ الَّذِینَ آمَنُوا. الاستثناء المنقطع، یعنی المنفصل عن الحدیث السابق فی الآیة الکریمة.بحیث یحتوی علی مدح المؤمنین و الذاکرین اللّه،بغض النظر عن وجود مفهوم یتضمن التعریض بغیرهم و ذمهم،لو سلمنا وجوده فی صدر الآیة الکریمة.
هذا و قد ورد فی السنّة الشریفة ما یفسر هذه الآیة الکریمة بحیث یکون معنی الشعراء فیها خاصا بأهل الباطل أو مقیدا بهم.کتفسیر قوله تعالی (1)
الشعراء:221-227. [1]
أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِی کُلِّ وادٍ یَهِیمُونَ .أی فی کل مذهب یذهبون. و إنهم یقولون ما لا یفعلون .و هم الذین غصبوا آل محمد حقهم.و فی روایة (2)أخری عن أبی الحسن سالم البراد.قال:لما نزلت:
و الشعراء.الآیة.جاء عبد اللّه بن رواحة و کعب بن مالک و حسان بن ثابت(و هم شعراء العصر النبوی)و هم یبکون فقالوا:یا رسول اللّه لقد أنزل اللّه هذه الآیة و هو یعلم أنا شعراء أهلکنا؟فأنزل اللّه إِلاَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ فدعاهم رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم فتلاها علیهم.
فهذا هو الکلام حول الآیة الشریفة.
و أما ما ورد فی السنّة الشریفة مما یدل علی مرجوحیة الشعر و ذمّه،فهو علی ثلاث طوائف:
الطائفة الأولی:ذمّ الشعر بقول مطلق،یعنی بغض النظر عن کونه حقا أم باطلا.و هو ما و رد من طرق الفریقین عن النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلم:قال (1)
المیزان ج 5 ص 337. [1]
بینما نحن نسیر مع رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم إذ عرض شاعر ینشد.فقال النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم:لئن یمتلئ جوف أحدکم قیحا خیر له من أن یمتلئ شعرا.الطائفة الثانیة:ذمّ الشعر بقول مطلق،حتی ما کان حقا بحیث یکون هذا واضحا من الروایة نفسها.من حیث ما ورد (2)ما مضمونه من أن الإمام علیه السلام ذمّ الشعر و کرهه فقال له أحد أولاده:و إن کان فینا قال:و إن کان فینا.و فی بعض الروایات و إن کان شعرا حقا.
الطائفة الثالثة:ما ورد من ذم الشعر و إنشاده فی المساجد.و ذلک ما روی عن علی بن الحسین علیه السلام قال (3):قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم:من سمعتموه ینشد الشعر فی المسجد(المساجد)فقولوا:
فض اللّه فاک.إنما نصبت المساجد للقرآن.
و الجواب عن الطائفة الأولی من وجوه أهمها:
أولا:إن المراد أساسا من الشعر فی الروایة هو الشعر الباطل أو أی باطل.و لیس الشعر الحق أو ما یرتبط بالحق.
ثانیا:إنه لو کان للروایة إطلاق للحق و الباطل،أمکن إخراج جانب الحق و تخصیصها بالباطل،بالأدلة المقیدة.
ثالثا:إن هذه الروایة تعرب عن قضیة معینة،و هی الشاعر الذی کان ینشد الشعر.فلعله فی ذلک الحین کان ینشد شعرا باطلا فی مضمونه.
و لا نستطیع أن نزعم أن لها إطلاقا لصورة المضمون الحق و الاحتمال دافع للاستدلال.
رابعا:إن امتلاء جوف الإنسان قیحا،و إن کان مضرا فی الدنیا إلاّ أنه غیر مضر فی الآخرة،بل هو نافع و سبب مهم للثواب هناک.و من هنا یصدق قوله:لئن یمتلئ جوف أحدکم قیحا خیر له من أن یمتلئ شعرا.
فإن امتلاءه بالشعر لا یتعین أن یکون سببا للثواب،و لکن یتعین ذلک فی الحالة الأخری.إذن فهی(خیر له)کما قال صلّی اللّه علیه و آله و سلّم.
خامسا:الطعن فی سند الروایة،فإنها ضعیفة السند.
سادسا:إنها لا تدل علی الحرمة بحال،لأن ما یدل علی الحرمة إنما هو النهی أو ما جری مجراه،بخلاف سنخ بیان الروایة.فغایته أن یحمل علی الکراهة دون الحرمة.
و أما عن مناقشة الطائفة الثانیة.فمن وجوه أهمها:
أولا:الطعن فی السند،فإنها ضعیفة و مرسلة.
ثانیا:إنها غیر محتملة الصحة بالمضمون الذی تقوله.فربما کانت مدسوسة عمدا أو سهوا.لما سوف یأتی من رجحان القول الحق بالشعر و غیره،بحیث یکاد أن یکون من ضرورة الدین.
ثالثا:إنها لا تدل علی الحرمة،فغایته الحمل علی الکراهة.
و أما من مناقشة الطائفة الثالثة.
أولا:إنها غیر دالة علی الحرمة،فغایته الحمل علی الکراهة فإن الدعاء
علی من ینشد الشعر لا یدل علی کونه حراما.
ثانیا:إنها خاصة بالمسجد أو المفروض أننا نستدل علی الفکرة الأوسع و هی مرجوحیة کل شعر.فلعل للمسجد خصوصیة و احترام منافی مع إنشاد الشعر فیه.
ثالثا:إن هذه الروایة و کذلک الأولی تدلان علی مرجوحیة إنشاد الشعر و لیس علی مرجوحیة نظمه و کتابته،فیبقی النظم خالیا من الدلیل علی المرجوحیة،من هذه الناحیة.
رابعا:أنها قابلة للتقیید بما یدل علی جواز بل مطلوبیة ما دل بمضمونه علی الحق من الشعر،کما سیأتی.فیختص النهی بالباطل منه.
خامسا:معارضتها بروایة فی موردها تدل علی الجواز.و هی أقوی سندا عن علی بن جعفر عن أخیه موسی علیه السلام قال (1)
الوسائل ج 3 أبواب أحکام المساجد باب 14 حدیث 12. [1]
:سألته عن الشعر أ یصلح أن ینشد فی المسجد:فقال:لا بأس.یمکن أن یستدل لرجحان الشعر نظما و إنشادا بعدة أدلة کلها من السنة المبارکة أو ما هو بمنزلتها.مع ملاحظة أن الراجح هو الشعر الحق خاصة، و أما ما لم یکن حقا و لا باطلا،فیکفی فی الدلیل علی جوازه أصالة البراءة عن الحرمة مع السیرة المستمرة علی نظمه منذ عصر المعصومین علیهم السلام،فیکون مقرا به من قبلهم و إن کان لا تخلو کثیر من الأشعار من الحکمة و الموعظة،قلّت أو کثرت من حیث یعلم قائلها أو لا یعلم.
أما الاستدلال علی رجحان الشعر الذی لا یتصف بکونه حقا،فهو من الجزاف الذی لا طائل تحته.
1) 1)
و الاستدلال علی رجحان الشعر الحق یکون بأدلة عدیدة:
منها:ما عن ابن مسعود عن النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم قال (1)
الوسائل ج 3 أبواب أحکام المساجد باب 14 حدیث 12. [1]
:إن من الشعر حکما و إن من البیان سحرا.أقول:و المشهور لدی الناس بهذا النص:إن من الشعر لحکمة و أن من البیان لسحرا.
و منها:ما عن کعب بن مالک قال (2):یا رسول اللّه ما ذا تقول فی الشعراء؟قال:إن المؤمن مجاهد بسیفه و لسانه.و الذی نفسی بیده لکأنما تنضخونهم بالنبل.
قال الطبرسی (3):و قال النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم لحسان بن ثابت:اهجهم أو هاجهم و روح القدس معک.رواه البخاری و مسلم فی الصحیحین.
أقول:و الهجاء إنما هو الذم بالشعر،أو هو منصرف إلی خصوص ذلک.و لو بقرینة کون المخاطب شاعرا.
و منها:ما عن زید الشحام قال (4):کنا عند أبی عبد اللّه علیه السلام و نحن جماعة من الکوفیین فدخل جعفر بن عثمان علی أبی عبد اللّه علیه السلام فقرّبه و أدناه،ثم قال:یا جعفر.قال:لبیک جعلنی اللّه فداک.
قال:بلغنی أنک تقول الشعر فی الحسین علیه السلام و تجید.قال نعم:
قال:قل و أنشد،فأنشده.فبکی و من حوله حتی سالت الدموع علی وجهه و لحیته.ثم قال:یا جعفر.و اللّه لقد شهدک ملائکة اللّه المقربون ههنا یسمعون قولک فی الحسین علیه السلام.و لقد بکوا کما بکینا و أکثر.
و لقد أوجب اللّه لک یا جعفر فی ساعتک الجنة بأسرها و غفر لک.فقال:
ألا أزیدک.قال:نعم یا سیدی.قال:ما من أحد قال فی الحسین علیه
السلام شعرا فبکی و أبکی به،إلاّ أوجب اللّه له الجنة و غفر له.
و عن عقبة بن بشیر من الکمیت بن زید(و هو صاحب القصائد السبع الهاشمیات المشهورة)قال دخلت علی أبی جعفر علیه السلام فقال (1)
الوسائل ج 10 کتاب الحج أبواب المزار باب 104 حدیث 1. [1]
:و اللّه یا کمیت لو کان عندنا مال لأعطیناک منه.و لکن لک ما قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم لحسان:لا یزال معک روح القدس ما ذببت عنا.
و عن أبی هارون المکفوف.قال (2):قال لی أبو عبد اللّه علیه السّلام:
یا أبا هارون أنشدنی فی الحسین علیه السّلام فأنشدته.فقال:أنشدنی کما تنشدون،یعنی بالرقة.قال:فأنشدته:
امرر علی جدث(جسد)الحسین فقل لأعظمه الزکیه.
قال:فبکی.ثم قال:زدنی.فأنشدته القصیدة الأخری.قال:فبکی فسمعت بکاء من خلف الستر.فلما فرغت.قال:یا أبا هارون من أنشد فی الحسین شعرا فبکی و أبکی عشرة کتبت لهم الجنة.و من أنشد فی الحسین شعرا فبکی و أبکی خمسة کتبت لهم الجنة و من أنشد فی الحسین شعرا فبکی و أبکی واحدا کتبت لهما الجنة.و من ذکر الحسین عنده فخرج من عینه من الدمع مقدار جناح الذبابة کان ثوابه علی اللّه و لم یرض له بدون الجنة.
و عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمی:قال (3):قال أبو عبد اللّه علیه السّلام:من قال فینا بیت شعر بنی اللّه تعالی له بیتا فی الجنة.
و عن علی بن سالم عن أبیه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال (4):ما قال فینا قائل بیت شعر حتی یؤید بروح القدس.
و عن الحسن بن الجهم:قال:سمعت الرضا علیه السّلام یقول (1)
المصدر حدیث 2. [1]
:ما قال فینا مؤمن شعرا یمدحنا به.إلاّ بنی اللّه له فی الجنة أوسع من الدنیا سبع مرات.یزوره فیها کل ملک مقرب و کل نبی مرسل.و عن عبید بن زرارة عن أبیه قال (2):دخل الکمیت بن زید علی أبی جعفر علیه السّلام و أنا عنده،فأنشده:من لقلب متیم مستهام.فلما فرغ منها قال للکمیت:لا تزال مؤیدا بروح القدس ما دمت تقول فینا.
و عن أبی طالب القمی قال (3):کتبت إلی أبی جعفر علیه السّلام بأبیات شعر و ذکرت فیها أباه،و سألته أن یأذن لی فی أن أقول فیه،فقطع الشعر و حبسه.و کتب فی صدر ما بقی من القرطاس قد أحسنت جزاک اللّه خیرا.
أقول:حبسه،یعنی أبقاه عنده حرصا علیه.
و عن خلف بن حماد قال (4):قلت للرضا علیه السّلام:إن أصحابنا یروون عن آبائک علیهم السلام:أن الشعر لیلة الجمعة و یوم الجمعة و فی شهر رمضان و فی اللیل مکروه.و قد هممت أن أرثی أبا الحسن(فی لیلة الجمعة)و هذا شهر رمضان.فقال لی:ارث أبا الحسن فی لیلة الجمعة و فی شهر رمضان و فی اللیل و فی سائر الأیام.فإنه یکافئک علی ذلک.
یضاف إلی ذلک عدد من النقول التاریخیة الموثوقة،و التی یصل مجموعها إلی حد الاستفاضة بل التواتر فی استماع الأئمة المعصومین علیهم السلام إلی الشعر و إجازتهم له بل و إنشادهم له و نظمهم له.و ذلک فی موارد کثیرة نشیر إلی المهم منها:
أولا:الدیوان المنسوب إلی الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام.
ثانیا:نسب قول الشعر و نظمه إلی الإمامین الحسن و الحسین علیهما السلام فی عدد من المصادر و کذلک بعض الأئمة الآخرین.
ثالثا:إن رجال الحسین علیه السلام بما فیهم من الهاشمیین و الأصحاب فی واقعة الطف کانوا یرتجزون الشعر تحدیا للأعداء و تأکیدا علی الهدف الذی یؤمنون به.
رابعا:قصیدة الفرزدق المشهورة التی تلاها فی المسجد الحرام فی مدح الإمام السجّاد علیه السلام،فی محضره و محضر الخلیفة الأموی هشام بن الحکم.و هی مرویة فی مصادر الفریقین.و التی تبدأ بقوله:
هذا الذی تعرف البطحاء وطأته و البیت یعرفه و الحل و الحرم
خامسا:قصیدة دعبل الخزاعی التائیة المشهورة،و المرویة أیضا فی مصادر الفریقین،و التی تلاها بحضرة الإمام علی بن موسی الرضا علیه السّلام.
و التی تبدأ بقوله:
منازل آیات خلت من تلاوة و منزل وحی مقفر العرصات
و یروی أن الإمام الرضا لها بیتا من الشعر ینعی فیه نفسه،و یدل فیه علی مدفنه،بقوله:
و قبر بطوس یا لها من مصیبة ألحت علی الأحشاء بالزفرات
سادسا:ما روی فی مصادر الفریقین أیضا،عن المتوکل العباسی أنه کبس منزل الإمام علی بن محمد الهادی علیه السلام و أقدمه علی مجلسه و کان مجلس شراب و خمر.و فیه طلب المتوکل من الإمام علیه السلام أن ینشده و لم یقبل منه الاعتذار فأنشده القصیدة الحکمیة المعروفة التی تبدأ بقوله:
باتوا علی قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
أما شعر حسان بن ثابت أمام رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم
و شعر الکمیت بن زید الأسدی أمام الإمام الباقر علیه السّلام:فقد سبقت الإشارة إلیه من خلال الروایات.و کذلک مدح زهیر بن أبی سلمی للنبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم و إنشاده أمامه.فإنه معروف فی التاریخ.
بل یمکن أن نخطو خطوة أخری مهمة،و هی أن القرآن الکریم نفسه، و إن کان ظاهره خالیا من الشعر إلاّ أن فی جملة من آیاته ما یکون مطابقا للمیزان الشعری حتی نظم فیه جملة من الشعراء.و لو کان الشعر حراما أو مرجوحا لم یوجد فی القرآن.
و من ذلک قول القائل:
إذا سألونی عن حالتی و حاولت عذرا فلم یمکن
أقول:بخیر و لکنه کلام یدور علی الألسن
و ربک یعلم ما فی الصدور و یعلم خائنة الأعین
و کذلک قول القائل:
قل لقوم لا یتوبون و علی الإثم یصرّون
خففوا ثقل المعاصی أفلح القوم المخفّون
( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّی تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ )
و کذلک فإن قوله تعالی وَ جِفانٍ کَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِیاتٍ .یمثل بیتا کاملا من الشعر.و أما:قل هو اللّه أحد،فهو یمثل شطر بیت،کما قال القائل:
و قل هو اللّه أحد عقیدتی إلی الأبد
إلی غیر ذلک من الأمثلة.
و قد یخطر فی البال:أن القرآن نفسه یقول عن النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما یَنْبَغِی لَهُ .و عدم تعلیم الشعر له صلّی اللّه علیه و آله و سلّم کان یعلم المعانی الحقیقیة و الأساسیة للقرآن، و قد علّمه اللّه إیاها.فإذا احتوی القرآن علی الشعر إذن،فقد علّمه اللّه الشعر و لو فی ضمن القرآن نفسه.مع العلم أن القرآن نفسه ینص علی أنه
صلّی اللّه علیه و آله و سلّم غیر متعلم للشعر.إذن فالقرآن غیر محتو علی الشعر.
و لکن یمکن أن نجیب علی ذلک من وجوه أهمها:
الوجه الأول:إن المراد بالشعر فی قوله وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ،لیس الشعر المنظوم بل الباطل و الضلال.کما سبق أن قربنا ذلک فی فهم الآیة الکریمة الأخری وَ الشُّعَراءُ یَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ .
و إذا تمّ ذلک لم یلزم منه کلا الأمرین السابقین.بل أمکن أن ننسب الشعر بمعنی الکلام الموزون إلی القرآن و إلی النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم أیضا بنفسه،کما نسب إلیه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم أنه قال فی عمه حمزة بن عبد المطلب سلام اللّه علیه بعد أن قتل و قطعت إصبعه:
ما أنت إلاّ إصبع دمیت و فی سبیل اللّه ما لقیت
الوجه الثانی:إن المراد بالآیة عدم تعلیم النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم قول الشعر و نظمه و هذا لا یستلزم،عدم وجود الکلام الموزون فی القرآن الکریم،لأنه لیس من قول النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم علی الحقیقة،و لا یستلزم عدم معرفته بما فی الشعر سواء کان فی القرآن الکریم أم غیره.لأن ذلک غیر معنی صدور النظم عنه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم.
و من هنا قیل:إن البیت المشار إلیه فی الوجه الأول السابق،لم یقله النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم علی قصد الشعر و النظم بل علی وجه النثر.و إنما أصبح شعرا علی سبیل الصدفة.کما قیل مثل هذا الوجه بالنسبة إلی ما کان موزونا من الکلام فی القرآن الکریم.
غیر أننا عرفنا فی الوجه الثانی إمکان نفی الشعر عن النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم.و لیس فی الإمکان نفیه عن القرآن الکریم.بعد أن وجدناه عیانا.مضافا إلی قوله تعالی ما فَرَّطْنا فِی الْکِتابِ مِنْ شَیْءٍ ،
بحیث یشمل حتی الشعر.فلو لم یکن الشعر موجودا فی القرآن لکان ناقصا من هذه الجهة و لما صدقت هذه الآیة الکریمة،و معه یتعین وجوده فیه.و قد عرفنا أن قوله وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ،لا یکون منافیا له.
هذا مضافا إلی أدلة أخری یمکن الاستدلال بها علی رجحان الشعر بالحق و جواز الشعر المطلق.
أولا:الإجماع و السیرة،فإن کثیرا من العلماء و الفقهاء و المتدینین و أصحاب الکرامات هم من الشعراء بل من أعاظمهم و من یشار بالبنان إلیه منهم.و ذلک من کلا الفریقین فی الإسلام،بل من کل مذاهب الإسلام.
و هم أکثر من أن یحصون عددا أو یحاط بهم علما إلاّ علم بارئهم جل جلاله.
من أشهرهم الشریف الرضی و الشریف المرتضی و الغزالی و ابن عربی و ابن الفارض و السید محمد سعید الحبوبی،و غیرهم.
و لم نجد أحدا إطلاقا ممن أشار إلیهم أو إلی أحدهم بأنه یفعل فی ذلک منکرا أو یکتسب إثما.بل کل الألسن طافحة فی مدحهم و الثناء علیهم سواء فی ذلک المتدینین أم سواهم.
و هذا یدل علی وجود الإجماع الکامل القطعی،علی جواز مطلق الشعر ما لم یکن مضمونه باطلا علی ما سوف نشیر.و علی رجحان الشعر الحق و مطلوبیته فی الدین و المذهب.
ثانیا:إن الشعر الحق مصداق و تطبیق حقیقی لکثیر من القواعد الشرعیة الواضحة:کالعمل فی سبیل اللّه،و حتی الجهاد فی سبیله.و کذلک إقامة شعائر الدین.و کذلک الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر.و کذلک الهدایة إلی دین اللّه،کما ورد فی الحدیث:لئن یهد اللّه بک رجلا واحدا خیر لک مما طلعت علیه الشمس.و کذلک تعلیم الجاهل و إثارة عاطفة الخامل تجاه ما یرضی اللّه سبحانه و رسوله.
و من المعلوم أن کل تلک القواعد لا یفرق فی تطبیقها الکلام نثرا أم شعرا.بل الشعر فی کثیر من الأحیان یکون أبلغ و أرسخ،و من ثم یکون أوضح فی انطباقه و مصداقیته لتلک القواعد المقدسة.
ثالثا:الاستدلال لرجحان الشعر الحق،بحکم العقل العملی.الذی عرّفوه فی علم المنطق بأنه:إدراک ما ینبغی أن یعمل.فإن هذا العقل یحکم بحسنه و رجحانه لا محالة.فإذا ضممنا إلی ذلک القاعدة القائلة:
بأن ما حکم به العقل حکم به الشرع،ثبت رجحانه الشرعی أیضا.
ظهر مما قلناه،أن مطلق الشعر لیس فیه حرمة بل و لا کراهة.ما لم یکن إنشادا فی المسجد بسبب دنیوی.و أما غیره فلا کراهة فیه.
و أما الشعر الحق فهو مستحب و مطلوب بل قد یکون واجبا أحیانا،إذا أصبح مقدمة لواجب کالهدایة أو الأمر بالمعروف أو النهی عن المنکر أو دفع الضرر الکبیر.بحیث یکون الشعر هو المتعین فی أی واحد من ذلک فرضا.
إذن لا یستثنی من الجواز بالمعنی الأعم(أعنی الوجوب و الاستحباب و الإباحة):کحکم لأغلب الشعر إلاّ الشعر الباطل فإنه مرجوح(یعنی بمعنی یشمل الکراهة و الحرمة)بل قد یکون حراما فعلا إذا کان مقدمة لأمر محرم أو تطبیقا لقاعدة مانعة عنه.
و حسبنا الآن أن نعطی بعض العناوین العامة لما یمکن أن یتصف بالمرجوحیة أو الحرمة من الشعر.و ذلک فی عدة وجوه:
الوجه الأول:فیما إذا سبب الشعر إیجاد الضرر المعتد به لنفس قائله أو لماله أو لعرضه أو لغیره من المؤمنین.فإن کان ذلک الضرر کبیرا حرم لا محالة.و إن کان من قبیل الإذلال أو الأذیة أو الهتک أو الهجاء أو غیرها.
الوجه الثانی:فیما إذا سبب الشعر الدعایة للباطل بأی قسم من
أقسامه،کالأدیان الباطلة و المذاهب المنحرفة و الأطماع الظالمة.و خاصة إذا أوجب قناعة الآخرین و لو قلیلا منهم به و میلهم إلیه.فإنه یکون إقناعا لهم بالباطل و ارتدادا منهم عن الحق،فیکون حراما علی المرتد و علی الشاعر الذی سبب ارتداده.
الوجه الثالث:الکذب فی الشعر کائنا ما کان مضمونه.و أوضح مصادیقه مدح الشخص بما لیس فیه من صفة أو قول أو عمل،و کذلک رثاء المیت بنحو ذلک.و الکذب حرام فی الشریعة المقدسة.
الوجه الرابع:الغزل أو التشبیب بالمرأة المعینة المحترمة.بذکر محاسنها أو المیل إلیها.سواء کانت من المحارم أم غیرهم و سواء کانت متزوجة أم لم تکن.و سواء کانت فی الحیاة أم متوفاة.
و هذا لا یعنی أن مدح المرأة حرام.بل خصوص هذا الأسلوب فی ذکرها حرام.
و قد یخطر فی البال:أن الغزل موجود فی أشعار کثیر من العلماء و المتورعین و هو دال علی عدم حرمته.
و جوابه:أننا أشرنا أن الغزل المحرم ما أخذ فیه شرطان:
الأول:کونها امرأة متعینة یعنی معروفة و لو إجمالا.و ما إذا کانت وهمیة أو خیالیة،فلا إشکال فی جوازه.
الثانی:أن تکون محترمة،یعنی مؤمنة مستورة مصونة الشرف.فلو لم تکن کذلک لعدم إیمانها أو لعدم صیانتها فلیس الغزل فیها بحرام.
و من الواضح أن الأعم الأغلب فیما قیل فی الغزل إنما هو فی نساء وهمیات،غیر حقیقیات.فلا یکون حراما.
الوجه الخامس:الغزل أو التشبیب بالرجل،و هو ذکر محاسنه من الناحیة الجنسیة.و هو حرام علی الرجال أکیدا لأنه لا یکون إلاّ تطبیقا
للشذوذ الجنسی.أعاذنا اللّه من کل خطل.و قال عنه الشیخ الأنصاری فی المکاسب (1)
المصدر حدیث 8.
:إنه فحش محض و إغراء بالقبیح.و کذلک هو حرام علی النساء علی إشکال لعلنا ذکرناه فی مستقبل هذا البحث.فإن قلت:فإن التشبیب بالرجل حاصل کثیرا من قبل کثیر من العلماء و المتورعین،الأمر الذی یدل علی جوازه.
قلنا:إن هذا التشبیب منوط بالشرطین اللذین ذکرناهما فی جانب المرأة.و کان أحدهما:أن یکون متعینا،یعنی الغلام المذکور فی التشبیب فلو لم یکن متعینا بل کان وهمیا أو غیر قابل للتعرف علیه جاز التشبیب.
و من المعلوم أن أکثر القائلین له إنما یقصدون ذلک.
و کان الآخر أن یکون مصونا شریفا ذا عرض محترم.فلو لم یمکن کذلک،فلا إشکال فی جواز التشبیب به.
إلاّ أن هذا الأخیر لا یخلو من إشکال،لأنه یکون مصداقا لتمنی الحرام،و تمنی الحرام حرام.إلاّ أن یکون التشبیب عن غیر قناعة و صحة بل یکون مجازیا لو صحّ التعبیر.و هذا بخلاف التشبیب بالوهمی.فإن تمنی الحرام من الوهمی غیر ممکن.فیکون التشبیب نفسه مجازیا أو وهمیا.فلا یتصف بهذه الحرمة.
و الحال نفسه یمکن أن یقال فیما صدر عن عدد من العلماء و المتورعین من وصف الخمر و التغزل بها.فإنه لمجرد التظرف و الأدب.أو قل:إنه تغزل مجازی أو وهمی لا یراد به تمنی الحرام فضلا عن التصدی له.
لا یختلف حکم الشعر بین الرجال و النساء،فیما هو واجب أو جائز أو حرام.و قد سبقت الکثیر من تفاصیله.
1) 1)
و المهم أن المرأة بما هی مرأة،لا یحرم علیها الشعر،بأن یکون جائزا للرجل حراما علی المرأة.بل هو جائز لهما معا.ما لم ینطبق علی فکرة محرمة،کما سبق.
و لا شک أنه یوجد عدد لا یستهان به من النساء المسلمات ممن قلن الشعر أو أنشدنه.و قد تلقی العلماء و المتورعین و السیرة المتشرعیة ذلک بالسکوت و القبول،بدون نکیر أو رفض.مما یدل علی حصول إجماع علی الجواز بلا شک.مضافا إلی أصالة البراءة عن الحرمة الجاریة فی موارد الشک.
مضافا إلی وجود شاعرات فی زمن المعصومین علیهم السلام.بما فیهم رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم،و لم یصدر منه و لا من غیره منع عن ذلک فیکون دالا علی الجواز.إلاّ أن الأشعار المرویة عنهن کانت بالحق لا بالباطل.
و لعل أشهر من روی عنه الشعر من النساء اثنتان:
إحداهما:أم سلمة أم المؤمنین رضوان اللّه علیها،حین تلقت رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم لدی دخوله إلی المدینة من الهجرة.بأبیات من الشعر:
طلع البدر علینا من ثنیات الوداع
وجب الشکر علینا ما دعا للّه داع
ثانیتهما:رابعة العدویة العارفة المشهورة التی تقول:
ترکت الخلق طرأ فی هواکا و أیتمت العیال لکی أراکا
فلو قطعتنی فی الحب إربا لما مال الفؤاد إلی سواکا
بقی أن نشیر إلی ملحوظة واحدة و هی تشبیب النساء الشاعرات بالرجال.هل هو جائز أم لا.و هو مما لم یحدث حسب علمی خلال التاریخ من النساء المصونات المتورعات.لا بالنسبة إلی رجل وهمی و لا إلی رجل معین.
غیر أن مقتضی القاعدة هو کونه مشمولا لنفس حکم تشبیب الرجال بالنساء،فکلا التشبیبین من باب واحد،فیشملهما حکم الجواز أو حکم الحرمة.و قد عرفنا أن الحکم هو الحرمة فیما إذا کانت المرأة المذکورة فی التشبیب معروفة محترمة.و أما غیره فجائز.فکذلک الحال فی جانب المرأة فإن تشبیبها سیکون حراما فیما إذا کان رجلا معروفا محترما دون غیره من الحالات.
نعم،یمکن أن یقال:إن بین تشبیب الرجل الشاعر و تشبیب المرأة الشاعرة،فرقا عرفیا اجتماعیا.فإن المجتمع یعذر الرجل فی تشبیه إلاّ أنه قد لا یعذر المرأة فی ذلک.فقد یکون أحیانا ما تقوله من هذا الشعر سببا للإضرار بنفسها أو هتک حرمة أسرتها،و إن کان الرجل المفروض فیه وهمیا.و من هنا فقد یمکن الفتوی بحرمته.من ناحیة الضرر،و إن لم یکن حراما من تلک الجهة.و الظاهر أن هذا هو السبب فی إعراض الشاعرات المسلمات عن القول فی هذا الحقل من حقول الأدب الشعری.
القصّة فقهیا
قال ابن منظور:القصة الخبر.و هو القصص.و قصّ علیّ خبره یقصّه قصّا و قصصا أورده.و القصص:الخبر المقصوص بالفتح وضع موضع المصدر حتی صار أغلب علیه.و القصص،بکسر القاف جمع القصة التی تکتب.
و قال أیضا:القصّة معروفة.و یقال فی رأسه قصة یعنی الجملة من الکلام،و نحوه قوله تعالی نَحْنُ نَقُصُّ عَلَیْکَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ أی نبیّن لک أحسن البیان.و القاص:الذی یأتی بالقصة من قصّها.
و قال:و القصة الأمر و الحدیث.و اقتصصت الحدیث رویته علی وجهه.
و قصّ علیه الخبر قصصا.و فی حدیث الرؤیا:لا تقصها إلاّ علی واد(یعنی ذی مودّة).و القصّ البیان و القصص بالفتح:الاسم.و القاص الذی یأتی بالقصة علی وجهها کأنه یتبع معانیها و ألفاظها.
و قال الراغب فی المفردات:القص،تتبع الأثر،یقال:قصصت أثره.
و القص الأثر.قال:فارتد علی آثارهما قصصا،(و قال لأخته قصیه)و منه قیل لما یبقی من الکلأ فیتبع أثره:قصیص و قصصت ظفره.و القصص الأخبار المتتبعة.قال تعالی لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ - فِی قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ - وَ قَصَّ عَلَیْهِ الْقَصَصَ - نَقُصُّ عَلَیْکَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ - فَلَنَقُصَّنَّ عَلَیْهِمْ بِعِلْمٍ - یَقُصُّ عَلی بَنِی إِسْرائِیلَ - فَاقْصُصِ الْقَصَصَ .
و القصاص تتبع الدم بالقود.قال سبحانه وَ لَکُمْ فِی الْقِصاصِ حَیاةٌ - وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ و یقال:قصّ فلان فلانا.و ضربه ضربا فأقصّه،أی أدناه من الموت.
أقول:و من هنا نلاحظ أن الراغب یرجع القصة المعروفة إلی معنی تتبع الأثر،لکونها بالأصل من الأخبار المتتبعة،أی المطلوب بیانها و سماعها.فی حین تری ابن منظور یجعل القصة المعروفة مأخوذة من القصص و هو الخبر أو الکلام الذی فی النفس.کما یمکن أن تکون القصة مأخوذة من القص و هو القطع،علی اعتبار أنها قطعة من البیان المطلوب.و بهذا المعنی نستعمل المقص و هو آلة القطع.
و العامة تسمی القصة حکایة.و یمکن توجیه ذلک لغویا کما یلی:
قال ابن منظور:الحکایة:کقولک حکیت فلانا و حاکیته،فعلت مثل فعله أو قلت مثل قوله سواء لم أجاوزه.و حکیت عنه الحدیث حکایة.
ابن سیده:و حکوت عنه حدیثا فی معنی حکیته.یقال:حکاه و حاکاه.و أکثر ما یستعمل فی القبیح المحاکاة المشابهة.تقول:
فلان یحکی الشمس حسنا و یحاکیها بمعنی.و حکیت عنه الکلام حکایة و حکوت لغة حکاها أبو عبیدة.قال:و ما احتکی ذلک فی صدری أی ما وقع فیه.
أقول:و من هنا نعرف أن الحکایة بمعنی القصة مأخوذ من المماثلة بین الواقع و الکلام.فإن کانت کاذبة کانت حکایة مجازیة لواقع مفترض و غیر مؤکد.و أصله أنه حکی الکلام الذی قاله غیره.أی نقله بدون تحریف و تغییر.
و منه:الحکایة المصطلحة فی علم المنطق و علم الأصول و غیرهما،حیث قالوا-فیما قالوا-إن الخبر یتضمن الحکایة عن الخارج فی حین أن الإنشاء لا یتضمن ذلک.أقول:و هی المماثلة الإثباتیة،أی فی التعریف و الإظهار، لاستحالة المماثلة النبوتیة،أی فی الکنه و الحقیقة.لتغایر الکلام عن الواقع
فی الکنه و الحقیقة.لتغایر الکلام عن الواقع فی الکنه و المقولة لا محالة.
و منه تسمیته العامة للکلام بالحکی.باعتبار کونه محاکیا و مماثلا للواقع أو للمعنی المقصود للمتکلم.و قد سمعنا من ابن منظور قوله:و قد حکیت عنه الکلام حکایة.أی نقلته و تکلمت به.و هو بهذا المعنی یکون شاملا للخبر و الإنشاء و غیر خاص بالخبر بالرغم من اختلافهما اصطلاحا کما سبق.
و منه قولهم:ما حاک فی صدری و ما احتکی فیه.إشارة إلی المعانی التی توجد فی النفس،تشبیها لها بالکلام الذی یظهره الفم و اللسان.فکأن النفس هی التی تحکی و لیس اللسان.
فهذا هو ملخص الحدیث عن الأصل اللغوی للقصة و الحکایة.و إنما عقدنا هذا الفصل لبیان جهاتها الفقهیة.
إلاّ أننا ینبغی أن نلتفت قبل ذلک إلی أنواع القصة.فإنها یمکن أن تنقسم إلی عدة تقسیمات:
التقسیم الأول:انقسامها إلی قصة و أقصوصة.أو قل:قصة طویلة و قصة قصیرة.و هو اصطلاح لدی الأدباء.و قد جعلوا لکل منهما شروطها و أهدافها.
التقسیم الثانی:انقسامها إلی واقعی و خیالی.أو قل:تاریخی و کاذب.
و الکاذب إما أن یعبر عن تاریخ غیر متحقق،أو أن یعبر عن خیال محض.کما هو الحال فی أغلب القصص.
التقسیم الثالث:انقسامها إلی مسموعة و مریئة.أما المسموعة فهو الأغلب.و أما المرئیة.فیراد بها تحقق الحوادث عن طریق التمثیل السینمائی أو المسرحی.
التقسیم الرابع:انقسامها إلی ملخصة و مبسوطة أو مطوّلة.و أقصد بالمطوّلة ما فیها تقابل طویل بالحدیث و هو ما یسمی(بالسیناریو)
باصطلاحهم.و لیست کل القصص کذلک.إلاّ إذا صیغت بهذا الشکل لأجل إنجازها علی مسرح التمثیل.
التقسیم الخامس:انقسامها إلی ما کان حدیثا عن الماضی.أو حدیثا عن الحاضر أو حدیثا عن المستقبل.
و من الواضح أن ضرب هذه الانقسامات بعضها ببعض،ینتج أقساما کثیرة قد تصل إلی نحو ثلاثین قسما،نوکل تعداد تفاصیلها إلی ذکاء القاری الکریم.
یوجد شعور مرتکز لدی المتشرعة،بأن القصة أو مرجوح أو مکروه، لم یستهدف بها هدف حق،و تکون من ناحیة المضمون و الأداء و النتیجة سلیمة دینیا.
و یمکن أن یستدل لمرجوحیة القصة فی الدین،و هو المعنی الشامل للکراهة و القبح و الحرمة.بعدة أدلة نذکر أهمها:
الدلیل الأول:حرمة الکذب،من حیث أن القصة إذا لم تکن معبرة عن واقع صادق،تاریخی أو حاضر،فإنها تکون کذبا،فتکون حراما بحرمة الکذب.و هی حرمة ثابتة بضرورة الدین و إجماع المسلمین.
لا یختلف فی ذلک:التعبیر القصصی عن واقع تاریخی مزوّر أو خاطئ،و کذلک ما کان زیادة علی التاریخ أو نقیصة منه.و کذلک القصة إذا لم یکن لها مطابق تاریخی بل کانت وهمیة بکاملها،فإنها بکاملها تکون کاذبة.فإنک تقول.ذهب و قال و نحوها.فی حین أنه لم یقل و لم یذهب.
و کذلک التمثیل الصوتی أو المسرحی،فإن فیه کذبا آخر،و هو ادعاء شخصیة أخری،حقیقیة أم وهمیة.و یقول الممثل:ذهب و قلت و أردت.
فی حین لم یحصل ذلک منه إطلاقا.
و جواب ذلک:أننا ذکرنا فی فصل التمثیل من هذا الکتاب ما حاصله:
أن هناک قاعدة عامة فی تعیین الصدق من الکذب نافعة فی هذا المجال، و هی أن الکلام الکاذب بنفسه یکون حراما لو بقی علی حاله.أما لو اقترن بقرینة أو دلالة واضحة یقیمها المتکلم عمدا علی أن کلامه کاذب.
لم یکن الکلام کذبا،أو بتعبیر آخر لم یکتسب نتیجة الکذب و حکمه.أما نتیجته فلأننا نعرف أن ملاک تحریم الکذب هو ما ذکر فی الآیة الکریمة:
یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا أَنْ تُصِیبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلی ما فَعَلْتُمْ نادِمِینَ و هی تشیر إلی المضاعفات المؤسفة الممکنة للکذب.فإذا أقام المتکلم دلالة علی کذبه،لم یکن له هذه المضاعفات لا محالة.و من ثم لا یشمله الحکم بالحرمة.
و إذا طبقنا ذلک علی محل الکلام،أن التمثیل لیس کذبا کما ذکرنا فی الفصل المشار إلیه،لأن فیه نفس هذه الدلالة المشار إلیها.فإن مجرد وجود الفرد کممثل لا کأصیل یکفی فی ذلک.
و کذلک القصة الموهومة،فإنها بطبیعتها کاذبة،و الدلالة علی ذلک کالصریحة،بلسان الحال إن لم یکن بلسان المقال.فلا یکون مثل هذا الکذب حراما.
و کذلک الحال فی الزیادات علی القصص التاریخیة أو السیناریو الذی یضاف إلیه،إذا کان هناک مثل هذه الدلالة،و هی غالبا حاصلة.لأن الأغلب فی أسلوب القصصیین،کونهم یخلطون الواقع بالخیال.فلا تکون کذبا،فلا تکون حراما.
نعم إذا کان کلام المؤرخ منصبا علی أساس ضبط التاریخ فقط،فأزاد فیه أو أنقص.کان کاذبا لا محالة.لا یختلف فی ذلک التاریخ الحاضر عن التاریخ السابق،و أی شیء آخر.
و علی أی حال،فالإتجاه العام للقصة لا یکون مشمولا للحرمة،بعنوان کونها کذبا.
الدلیل الثانی:علی مرجوحیة القصة.
إن کثیرا من حوادث التاریخ لیس لها إسناد ذات حجیة و اعتبار شرعا و فقهیا.بل هی منقولات متفرقة علی ألسن مختلفة.کما أنها مظنونة و غیر مؤکدة.و لئن کان المؤکد منها قلیلا أو إجمالیا،فإن المظنون منها کثیر و فی عدد لا یستهان به من التفاصیل.
کما أن المؤرخین أنفسهم،أو أن عددا منهم-علی الأقل-مشکوکو الوثاقة و غیر معروفین بالصدق و الأمانة.یکفینا من ذلک أنهم یتحدثون عن التاریخ کله کأنهم رأوه و سمعوه،فی حین من الیقین أن المؤرخ لم یر و لم یسمع إلاّ الجیل الذی عاشه و أما السابقون علیه،فإنما ورد إلیه الخبر کما وردنا.و مع ذلک نراه یرسل صحة ذلک إرسال المسلّمات.
بل إن المؤرخ فی جیله نفسه لم یر کل مکان و کل زمان،خلال حیاته التی عاشها.فکیف یستطیع أن یخبر بالحس و الوجدان عن کل ما وقع فی تلک الفترة؟و هل هو ثقة فی کل ما ینقل؟ و من المعلوم فقهیا أن بیان القصصی،أو أی واحد یقص قصة من التاریخ،لا یکون جائزا شرعا إلاّ إذا کان بطریق معتبر و حجة شرعا.و أما إذا لم یکن کذلک،کما هو الحال فی أکثر موارد التاریخ لم تکن القصة عنه جائزة بأی حال،لأنها إما أن تکون معلومة الکذب و إما أن تکون إعرابا عن أمر لم نقم علیه حجة کاملة،و إما أن تکون من قبیل عرض ما هو مظنون علی شکل ما هو معلوم.بحیث تکون حالة المتکلم و طریقته دالة علی کونه عالما بخبره الذی یقوله،فی حین أنه لیس بعالم.
و إذا کان التاریخ الذی تمّ وقوعه،إنما هو علی هذا الغرر فکیف بالقصص الخیالیة،التی تکون کاذبة کلها جملة و تفصیلا،فإنها بطبیعة الحال،مما لم تضم حجة شرعیة صحیحة علی صدقها.
و جواب ذلک أن غایة ما یرجع إلیه بیان ما لم تقم علیه حجة شرعیة،
من حیث الحرمة،إنما هو الکذب.یعنی أن هذا إنما یحرم لکونه کذبا.
و کذلک الحال فی بیان ما هو مظنون بمنزلة المعلوم أو بصفته معلوما.إنما یحرم بصفته کذبا.فإذا جازت بعض الأمور و الطرق البیانیة أو القصصیة، حتی لو کانت کذبا،کما سبق أن قلنا فی مناقشة الدلیل السابق،جازت أیضا فی حدود أو موضوع هذا الدلیل أیضا.لأنه إنما هو راجع إلیه و نابع منه،فیکون جوابه نفس الجواب.
هذا مضافا إلی أمور أخری یختص بها هذا الدلیل و ذلک:
أولا:إن هذا الذی قلناه من عرض الأمر المظنون کأنه معلوم،یمکن تجنبه،بإقامة دلائل واضحة و قرائن متصلة،علی کونه مظنونا و لیس بمعلوم.کما لو قال:أظن أنه حصل کذا و کذا.و عندئذ یرتفع الإشکال من هذه الناحیة.
ثانیا:إن هذا الذی قلناه من عدم جواز النقل عن المؤرخین غیر الثقات.إنما یکون فیما إذا أخذنا الحال عنهم کأنه مسلم الصحة.و أما لو جزمنا بالنقل عنهم و لم نجزم بمضمون القصة،فإننا نکون صادقین و لا إشکال فی ذلک.کما لو قلنا:قال الطبری أو قال ابن الأثیر کذا و کذا.
لأن الطبری قد قال ذلک فعلا،و أما کونه صادقا أم لا فهذا ما یتحمله هو لا نتحمله نحن أمام اللّه سبحانه.فنکون صادقین علی أی حال.نعم لو نسبنا إلی الطبری ما لم یقله کنا کاذبین،و هذا أمر آخر غیر مفروض فی المؤرخ الأمین.
هذا مضافا إلی أنه یمکن فقهیا النقل الإجمالی،بدون تسمیة أحد،کما لو قلنا:روی المؤرخون أو بعض المؤرخین أو نقل فی کتب التاریخ و نحو ذلک من التعابیر.و کنا صادقین فیما ذکرناه منها.کان ذلک کافیا فی ارتفاع الحرمة،و إن کان المضمون کاذبا أو مظنون الکذب.
و یأتی نفس هذا الوجه فی القصص الوهمیة،فإننا یمکن أن نقول:قال فلان فی قصته،أو قص فلان قصة مضمونها کذا.أو سمعت قصة أو
قبلت لی و نحو ذلک من وجود التسمیة و عدمها.فنکون صادقین و إن کان المضمون کاذبا.
الدلیل الثالث:علی مرجوحیة القصة:
کونها مستلزمة غالبا محصول الغیبة المحرمة.فتکون حراما.و الدلیل علی حرمة الغیبة ذکرناه فی الفصل الخاص بها من هذا الکتاب فی(کتاب المکاسب المحرمة)فراجع.
و أما استلزامها للغیبة فواضح،باعتبار کونها نقلا قد یکون سیئا عن أشخاص تاریخیین حقیقیین.و من الواضح أن حرمة الغیبة لا یختلف فیها الأحیاء عن الأموات.بل إن غیبة الأموات أشد من غیبة الأحیاء،لإمکان الاستحلال من الحی و تعذره من الموتی.
و جواب ذلک یکون علی عدة مستویات:
المستوی الأول:إن القصة الوهمیة لا تحتوی علی أناس حقیقیین،بل وهمیین.و أمثال ذلک لا تحرم غیبتهم.
المستوی الثانی:إن النقل فی القصة التاریخیة لا یکون سیئا دائما،بل قد یکون حسنا،فلا یکون غیبة.
المستوی الثالث:إن النقل و إن کان سیئا أحیانا،إلاّ أنه قد یکون من مستثنیات الغیبة فیکون جائزا.کنصح المستثیر و الأمر بالمعروف و غیرها.
المستوی الرابع:إن المذکورین فی القصة التاریخیة،قد لا یکونون مؤمنین،فلا تکون غیبتهم حراما.و إنما الحرام هو إرسال الغیبة علی المؤمن خاصة.
المستوی الخامس:إن الغیبة تشترط بالنقل الجزمی.و أما إذا کان النقل ظنیا أو احتمالیا لم یکن غیبة.و إن کان فیه نحو الأذیة.و لکنه لیس بغیبة علی أی حال.فضلا عما إذا قال:نقل فی المصادر التأریخیة أو قال الطبری فی تاریخه و نحو ذلک.
إلی غیر ذلک من المستویات،نعم لو کان فی القصة التاریخیة غیبة جامعة لشرائط الحرمة،کانت حراما.لما أشرنا إلیه من عدم التفریق فی حرمتها بین الأحیاء و الأموات.
الدلیل الرابع:علی مرجوحیة القصة:کونها من الحدیث الباطل و الخوض فی أمور الدنیا،و هو إما حرام أو مکروه شدید الکراهة.و قد وردت الأخبار بالنهی عنه،کما سوف نسمع.فإذا کانت القصة هکذا.
و هی فی الأعم الأغلب کذلک،کانت مشمولة لهذه المرجوحیة.
و جواب ذلک یکون علی عدة مستویات:
المستوی الأول:إن القصة أحیانا تکون من الحق و الهدی،لا من الباطل و لا من الحدیث عن أمور الدنیا،فلا تکون مشمولة لحکمها.و یکفی الآن أن القصّة ما لم تکن مندرجة فی الحدیث عن الباطل،فإنها لا تندرج فی هذا الدلیل.
المستوی الثانی:إنه یمکن أن یقال:الخوض فی الحدیث عن أمور الدنیا و ما فیها من باطل و إسفاف،و إن کان مرجوحا أخلاقیا،إلاّ أنه لیس کذلک فقهیا.لوضوح أن أغلب حیاة الناس فی ذلک حتی المتورعین و العلماء و الصالحین.فلا یحتمل أن یکون مرجوحیا من هذه الناحیة،ما لم یندرج فی عناوین محرمة حقیقة،کالکذب و الغیبة و غیر ذلک.
فإذا لم یکن الخوض فی أمور الدنیا حراما أو مرجوحا،کانت القصة منها علی معنی أنها و إن کانت خوضا فی ذلک،إلاّ أنها لا تکون مرجوحة من هذه الناحیة.
المستوی الثالث:إن هذه المرجوحیة خاصة بالمساجد،أعنی الخوض فی الحدیث عن أمور الدنیا.کما أفتی بها الفقهاء و وردت بها بعض الأخبار.
و لیست عامة لکل مکان و زمان.إذن،فالقصة إذا کانت من هذا القبیل إنما تکون مرجوحة فی المسجد خاصة لا فی کل مکان.
فقد ورد فی الحدیث عن بعض المعصومین علیهم السلام قال (1)
الوسائل ج 3.أبواب أحکام المساجد باب 14 حدیث 4. [1]
:یأتی آخر الزمان قوم یأتون المساجد،فیقعدون حلقا ذکرهم الدنیا و حب الدنیا.لا تجالسوهم فلیس للّه فیهم حاجة.
و لا فرق فی هذا النهی بین أول الزمان و آخره،بل هو مرجوح علی کل حال.إلاّ أنّ عدم التفریق بین المساجد و غیرها،مما لا یمکن الاحتمال بل التأکید من أهمیة المسجد و عظمته فی الإسلام.فما یکون مرجوحا فیه لأنه مخالف لاحترامه منافیا للعبادة فیه،لا یعنی کونه مرجوحا فی کل مکان حتی و إن لم یکن مسجدا.
الدلیل الخامس:علی مرجوحیة القصة:
إن الذی یسرد القصة لا یبالی بما یقول.و قد ورد النهی عن کون الإنسان یکون فی کلامه بحیث لا یبالی بما یقول.
فمن ذلک صحیحة عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السلام:
قال (2):قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم:إذا رأیتم الرجل لا یبالی ما قال و لا بما قیل له،فهو شرک شیطان.
و فی حدیث آخر عن أمیر المؤمنین علیه السلام قال (3):قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم:إنّ اللّه حرم الجنة علی کل فحاش بذیء قلیل الحیاء لا یبالی ما قال و لا ما قیل له.فإنک إن فتشته لم تجده إلاّ لغیة أو شرک شیطان.قیل یا رسول اللّه.و فی الناس شرک شیطان.فقال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم:أما تقرأ قول اللّه عز و جل وَ شارِکْهُمْ فِی الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ .
و عن أنس بن محمد عن أبیه جمیعا عن جعفر بن محمد عن آبائه
علیهم السلام فی وصیة النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم لعلی علیه السّلام قال (1)
المصدر حدیث 2. [1]
:یا علی حرم اللّه الجنة علی کل فاحش بذیء لا یبالی ما قال و لا ما قیل له.یا علی طوبی لمن طال عمره و حسن عمله.و جواب ذلک:أن القصة إن کانت شیئا من هذا القبیل،کانت مرجوحة بنص هذه الروایات.إلاّ أنها لا تکون کذلک دائما.و إلاّ أمکن أن تکون تلاوة آیة من القرآن مصداقا للغیبة أو للإیذاء فتکون حراما.
و هی أعنی القصة لا تکون کذلک إذا کان فیها موعظة أو حکمة أو أیة مصلحة عقلائیة دینیة أم دنیویة.فإنها عندئذ لا تکون من قبیل الهرز أو عدم المبالاة بما یقول.
الدلیل السادس:علی مرجوحیة القصة.ما ورد من النهی عن أن یکون الفرد قاصا أو یستمع إلی قاص.
و من المعلوم أن القاص هو الذی یسرد القصة أیا کان الداعی إلی ذلک.
فیکون مشمولا إلی ذلک النهی،سواء کان متکلما بالقصة أو سامعا لها.
إلاّ أن الجواب عن ذلک یکون علی عدة مستویات:
المستوی الأول:ضعف إسناد هذه الروایات،و لا أقل من احتمال ذلک، و الاحتمال مبطل للاستدلال.فلا یمکن القول فقهیا بالحرمة،ما عدا ما ثبتت حرمته بأدلة أخری،کبعض ما سبق.و أما القول بالکراهة و المرجوحیة،فهی مبنیة علی التمسک بروایات أخبار(من بلغ)التی تقول:
من بلغه ثواب علی عمل فعمله کان له ثواب ذلک العمل و إن لم یکن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم قد قاله.مع ضم مقدمة أخری لقوله:إن ترک المکروه مشمول لهذا النص.و إن لم یکن الترک فعلا أو عملا.و هذا قابل لمناقشة لیس الآن محل سردها.
المستوی الثانی:أنه لیس المراد من القاص المذکور فی هذه الأخبار کل
1) 1)
أحد یسرد قصة،بل خصوص أناس معینین سنذکرهم عما قلیل.و لا أقل من الانصراف إلیهم أو احتمال ذلک،مما یکون مبطلا للاستدلال.
و ذلک:أنه کان من عادة العرب فی الجاهلیة و صدر الإسلام أن یجلس الخبیر و العالم أمام مجموعة من الناس فیلقی علیهم محاضراته.و لم تکن تلک المحاضرات،إلاّ بما یناسبهم فی ذلک الحین و هی التمجد بأخبار الماضین و حروبهم و شجاعاتهم و مکارمهم و غیر ذلک.فتکون المحاضرات عبارة عن سرد نتف من التاریخ القدیم لأجل أن یحفظه الجیل المتأخر.و التاریخ عبارة عن مجموعة قصص لا أکثر و لا أقل.فکان أن سمی الواحد من هؤلاء (قاصا)یعنی قصصیا یسرد أخبار الأولین.
ثم اتسع الأمر خلال الخلافة الأمویة و غیرها إلی تعرض القاص إلی أمور أخری لا ترضی اللّه سبحانه و تعالی،کوضع الأخبار الملفقة و الکذب فی نقل التاریخ و إضحاک الناس بالباطل.و ربما توصلت الدولة یومئذ إلی استغلال هؤلاء القصاص إلی الدعایة و الإعلام فی مصلحة الدولة و الخلیفة، و الطعن بالأعداء و المعارضین،فیتحول الکلام إلی کلام مذهبی و سیاسی، و إلی مجموعة مدائح بقوم و طعون و شتائم للآخرین.
فهؤلاء هم القصاص الذین کان المجتمع یعهدهم فی تلک الأجیال و هی الأجیال التی عاش الأئمة المعصومون خلالها.و ذلک القاص هو الذی ینصرف إلیه الذهن و یحصل الاطمئنان و الوضوح بقصد النهی عن القصة إلیه.محاربة من قبل الأئمة علیهم السلام لهذا الوضع النشاز غیر المرضی للّه عزّ و جلّ.إذن،فالقاص المنهی عنه هو ذاک و لیس کل أحد یسرد القصة.و لا أقل من احتمال ذلک.الأمر الذی یؤدی إلی بطلان الاستدلال.
المستوی الثالث:
فی مناقشة هذا الدلیل السادس.إننا لو سلمنا شمول هذا النهی لکل قاص،فإنه لا یمکن الاعتراف به فقهیا علی سعته و إطلاقه،بل لا بدّ من
تقییده بکثیر من الموارد التی یثبت بها رجحان القصة،بحیث یکون سردها مرضیا للّه عزّ و جلّ.کالهدایة و الأمر بالمعروف و ذکر مآثر المعصومین و العلماء و الصالحین و حفظ التاریخ الإسلامی علی الحق و غیر ذلک کثیر.
فإن ذلک من أفضل الطاعات،و لا یحتمل أن یکون مرجوحا فضلا عن أن یکون حراما.
و لا أقل أن نستدل علی عدم مرجوحیّتها.بعد أن فشلت الأدلة السابقة علی إثباتها.و من هنا تکون الأدلة الآتیة أعم أو أوسع من حیث إثبات الجواز یعنی عدم الکراهة أو المرجوحیة و من حیث إثبات الرجحان الذی هو بمعنی الاستحباب أو الوجوب.
و یمکن إثبات ذلک بعدة أدلة:
الدلیل الأول:جریان أصالة البراءة عن المرجوحیة،فإن کل ما شککنا به فالأصل عدمه،ما لم یقم علیه دلیل کامل الحجیة.و ذلک من حیث کون القصة مرجوحة.
و جواب ذلک:أن جریان أصالة البراءة إما عن الکراهة و إما عن الحرمة.
أما عن الکراهة،فهی لا تجری جزما،و لا أقل من حکومة أخبار(من بلغ علیها).بحیث تکون شاملة للکراهة هنا.و أما عن الحرمة فلوجود قواعد تضبط کل أطرافها،کبعض ما سبق أن تحدثنا عنه ککونها قد تکون کذبا أو باطلا أو غیر ذلک مما هو محرم.و من دون ذلک فالدلیل علی جوازها واضح إلی حد لا نحتاج معه إلی أصالة البراءة کما سیأتی.
الدلیل الثانی:قوله تعالی لَکُمْ فِی رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .فإن الأسوة الحسنة به صلّی اللّه علیه و آله و سلّم لا تکون إلاّ بمعرفة أخباره و طریقة حیاته و تاریخ تصرفاته.فإذا حرمت القصة انسد هذا الباب کله و تعذرت هذه المعرفة أن یتعین النقل و التعریف بذلک جیلا بعد جیل لکی
یکون للمسلمین أسوة حسنة به صلّی اللّه علیه و آله و سلّم.فیکون هذا النقل مستحبا لأنه مقدمة لمستحب أو واجبا إذا کان مقدمة لواجب.
الدلیل الثالث:إن السنّة الشریفة عدل الکتاب،و هی إحدی الأدلة الأربعة الرئیسیة فی الدین،و هی الکتاب و السنّة و الإجماع و العقل.و قد عرّفوا السنّة بأنها:قول المعصوم أو فعله أو تقریره.
فإذا علمنا أنها عماد الاستدلال الفقهی و علیها مدار العمل و الفتوی، و بدونها ینسد کثیر بل الأعم الأغلب من موارد الفقه.و علمنا أیضا أنها جمیعا من قبیل النقول التاریخیة عن المعصومین،فإذا قلنا إن أمثال هذه النقول مرجوحة أو محرمة،انسد هذا الباب شرعا،و منه ینسد أغلب استدلالات الفقه و الأصول.بل هی مستحبة النقل و راجحة،ما دامت مقدمة للمطلوبات و الأحکام الشرعیة.بل هی واجبة ما دامت مقدمة لحکم.
إلزامی:وجوبی أو تحریمی،إما بالعلم التفصیلی أو بالعلم الإجمالی.
الدلیل الرابع:لا ینحصر نقل القصة بسیرة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم و الأئمة المعصومین علیهم السلام،بل یعم سیرة سائر الأنبیاء و الأولیاء و الصالحین:و حتی النقول عن الملائکة و الجن،بل و حتی الحیوان و الجماد.الأمر الذی یتضح معه أن تحریم القصة یسد باب التاریخ،و یغلق کل المعلومات،و هذا من أعظم الحماقات التی لم یقل بها أحد.
الدلیل الخامس:إن نفس هذه النقول التاریخیة عن الأنبیاء و الأولیاء و غیرهم تحتوی علی مواعظ و حکم و استدلالات حقیقیة،و غیر ذلک، فیکون نقلها و حفظها جیلا بعد جیل راجحا و صحیحا.لأنها مقدمة ما هو راجح و صحیح،بل واجبة فی کثیر من الأحیان.
الدلیل السادس:إن القرآن الکریم نفسه،اتخذ فی کثیر من آیاته أسلوب القصة و النقل التاریخی.سواء عن الصالحین أو الظالمین،فلو کان مثل هذا النقل حراما أو مرجوحا،لم یفعله القرآن الکریم.و قد قال اللّه سبحانه فیه وَ ما أُرِیدُ أَنْ أُخالِفَکُمْ إِلی ما أَنْهاکُمْ عَنْهُ .فهو الأولی بتطبیق
تعالیم نفسه علی نفسه.إذن تنقل القصة جائز بل راجح بل واجب فی کثیر من الأحیان.
و لکننا نلاحظ الآن أن هذه الأدلة الستة،و غیرها مما یمکن سردها،إنما هی خاصة بالنقل التاریخی الصادق.و أما النقل التاریخی الکاذب،فهو حرام بطبیعة الحال،من حیث تحریم الکذب.کما أن بعض أشکال النقل التاریخی الصادق قد یکون حراما،کما إذا ترتبت علیه مفسدة مهمة، کالخلاف بین مؤمنین أو طائفتین أو ضلال و ذا جماعة و نحو ذلک.هذا فضلا عن القصة الوهمیة أو الکاذبة التی یترتب علیها أمثال ذلک من المفاسد.
أما القصة الوهمیة التی لا یترتب علیها شیء من المفسدة،فهی التی ناقشنا فی اندراجها فی الموارد المحرمة،کما سبق.فتبقی فقهیا تحت الحکم بالجواز،و لا أقل باعتبار جریان أصالة البراءة.مع إمکان الاستدلال بالسیرة و الإجماع أیضا علی الجواز.
بل یمکن الاستدلال علیها بالقرآن الکریم نفسه،فیما إذا زعمنا کما مال إلیه بعض المحدثین من أن القرآن الکریم قد یروی قصصا وهمیة فی سبیل إنجاز أهداف اجتماعیة و تربویة.فإذا کانت القصة الوهمیة مرجوحة أو حراما لم یفعلها القرآن،فیکون فعله دالا علی الجواز.
إلاّ أن هذا قابل للمناقشة من عدة جهات نذکر منها أمرین:
الأمر الأول:إن الدلیل أضیق من المدعی.فإن المدعی أو المطلوب هنا هو القول فقهیا بجواز کل قصة وهمیة.فی حین هذا الدلیل خاص بالقصص الوهمیة التی یترتب علیها أثر اجتماعی أو تربوی دون غیرها من القصص.و من المعلوم أن القرآن الکریم لم یرد أیة قصة بدون هدف جلیل سواء کانت وهمیة أو واقعیة.
إذن،تبقی القصص الوهمیة الأخری،خارجة عن هذا الدلیل،کالتی
لا هدف لها أو تکون أهدافها تجاریة أو غیر عقلائیة،أو حتی ظالمة و اعتدائیة.فإنها لا تکون مندرجة فی دلیل الجواز.
الأمر الثانی:إن هذا الدلیل متوقف علی الزعم بأن القرآن الکریم قد روی قصصا وهمیة فعلا.فإن لم یکن کذلک لم تتم مقدمات هذا الدلیل.لأننا نرید استنتاج جواز القصة الوهمیة من وجود أمثالها فی القرآن،فإن لم تکن موجودة هناک یکون هذا الاستنتاج باطلا.
و هذا یفتح لنا باب الحدیث عن أمر فرعی یندرج فی فصل القصة الذی نتحدث فیه الآن.و هی شبهة مثارة فی بعض المصادر،و لا ینبغی لنا الآن أن نتخلی عنها،بل یحسن بنا أن نطرقها و لو بإیجاز و ذلک هی:
و ذلک من ناحیة احتمال أن تکون وهمیة أحیانا.و من المعلوم أنه إذا أمکن فی بعضها أن تکون وهمیة أمکن فی الجمیع ذلک،ما لم یقم دلیل خارجی تاریخی أو عقلی علی صدقها و صحتها.و لا أقل من العلم الإجمالی بأن بعض تلک القصص وهمیة و خیالیة،فتسقط کل القصص القرآنیة عن إمکان الإثبات التاریخی.و هذا فی نفسه علی خلاف الإجماع أکیدا کما سوف نشیر به علی أنه لا یوجد لدینا مصدر تاریخی معتد به أقدم من القرآن الکریم.
و ما یمکن أن یستدل به علی إمکان القصة الوهمیة فی القرآن الکریم عدة أمور:
الأمر الأول:أن المهم فی القصة هو هدفها و هو فی القرآن الکریم جهات العبرة و العظة أو الموعظة.و لیس المهم فیها منطوقها أو مطابقتها للواقع.فإذا أنجزت القصة القرآنیة هدفها،فقد نجحت،و لا حاجة بعد ذلک إلی القول بمطابقتها للواقع.
إلاّ أن هذا الکلام جزاف لا محالة،فإن هدف القصة مهم و مطابقتها
للواقع مهم أیضا.و سیأتی الدلیل علی لزوم مطابقتها للواقع،فیتعین القول به.
و بتعبیر آخر:إن نفس الهدف کما یمکن إنجازه بقصة وهمیة یمکن إنجازه بقصة حقیقیة.فلما ذا یختار القرآن الکریم الفرد الأردأ من القصة،أعنی الوهمیة.بل یتعین علیه اختیار الحقیقیة،لأنه هو الأفضل فی کل المجالات.
الأمر الثانی:قوله تعالی ما فَرَّطْنا فِی الْکِتابِ مِنْ شَیْءٍ .یعنی أن القرآن الکریم یحتوی علی کل شیء علی الإطلاق مما هو جید أو ردیء فی الکون کله.و من تلک الأشیاء:القصة الوهمیة،أذن فهو یحتوی علیها.
و جواب ذلک یکون من وجوه أهمها:
الوجه الأول:إن قوله تعالی ما فَرَّطْنا فِی الْکِتابِ مِنْ شَیْءٍ یراد به الأمور التکوینیة الحقیقیة،و لا یراد به الأمور الکاذبة و الوهمیة لا محالة.
و إلاّ لأمکن القول أو تعین القول بوجود المحالات العقلیة فی القرآن الکریم کاجتماع النقیضین أو شریک الباری.و هو غیر محتمل.إذن فمثل هذا النص لا یحتمل أن یکون شاملا للقصة الوهمیة.
الوجه الثانی:أننا لو تنزلنا و قبلنا وجود القصة الوهمیة فیه،فهذا لا یعنی أن کل قصصه واقعیة،و إنما نوجه القصة الوهمیة فی باطن القرآن لا فی ظاهره،لأن کثیرا من الأشیاء إنما یکون وجودها القرآنی کذلک لوضوح عدم استیعاب ظاهر القرآن لکل الأشیاء.و لا أقل من احتمال ذلک الدافع للاستدلال.بل هو المتعین علی ما یأتی من الدلیل علی صحة القصص القرآنیة المطابقة لظاهرة.
الأمر الثالث:إن الشریعة أنزلت إلی المکلفین من الخلق أو البشر،و أما اللّه سبحانه و تعالی،فغیر مکلف بالشریعة بطبیعة الحال فإنه المطاع و لیس هو المطیع،و من هنا یمکن القول بإمکان القصة الوهمیة علیه،و إن کانت کذبا. سُبْحانَهُ وَ تَعالی عَمّا یُشْرِکُونَ .
و جواب ذلک من عدة وجوه أهمها:
الوجه الأول:إن الکذب منفی عن اللّه سبحانه و تعالی مطلقا أعنی فی القرآن و غیره،بنص القرآن نفسه،حیث یقول وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِیلاً .أی قولا.
الوجه الثانی:إن الکذب منفی عنه سبحانه بدلیل العقل الذی ینفی عنه کل نقص کما هو مبحوث عنه فی بحوث العقائد الإسلامیة من(علم الکلام).و هذا معنی شامل للقرآن و غیره،بعد أن ثبت لدینا کمسلمین أن القرآن الکریم نازل عنه سبحانه.و لا شک أن الکذب نقص مشین و قبیح عقلا.بما فی ذلک القصة الوهمیة.و إن قلنا فیما سبق إنها لیست کذبا بالنسبة إلی العرف الاجتماعی البشری.فإنها علی أی حال نقص یجلّ عنه مقام اللّه سبحانه و تعالی.
و ببطلان الأدلة علی جواز أو إمکان القصة الوهمیة فی القرآن الکریم، یتمهد الدلیل علی لزوم و تعین أن تکون قصصه کلها حقیقیة صادقة، و ذلک من عدة أمور أهمها:
الأمر الأول:أنه بعد أن ثبت استحالة کون القصة فی القرآن کاذبة أو موهومة،تعین کونها صادقة و صحیحة،لوجود التقابل بین الکذب و الصدق.فإذا انتفی أحدهما ثبت الآخر.
نعم،لهما ضد ثالث و هو السکوت.إلاّ أن السکوت ضد الکلام.
و القرآن من سنخ الکلام و لیس مسکوتا.و إذا لاحظنا الکلام،کان أمره دائرا بین الصدق و الکذب،کما هو الحال فی کل(خبر).و لا مورد للسکوت فیه.فإذا استحالة الکذب تعین الصدق و هو المطلوب.
الأمر الثانی:قال اللّه سبحانه فی کتابه الکریم وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِیلاً ،فهو یشهد بصدق کل ما قاله هو سبحانه و تعالی.من وحی و قرآن و نحو ذلک،فیتعین کون القرآن صادقا.
فإن قیل:إن الکلام الآن فی وجود الوهم فی القرآن الکریم فکیف نستدل بآیاته علی ذلک.إذ لعل هذه الآیة الکریمة موهومة أیضا.
قلنا:کلا.فإن الکلام لیس إلاّ عن مطابقة القصص القرآنیة للواقع التاریخی أو کونها وهمیة.و أما وجود الوهم فی غیر ذلک من آیات القرآن الکریم،فهو حق.
و من المعلوم أن قوله وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِیلاً ،لیس من القصص القرآنی.فیتعین صدقه.فیتم الدلیل.
الأمر الثالث:إنه ثبت فی(علم الأصول):أن ظاهر القرآن حجة.و لا شک أن ظاهر القرآن فی قصصه هو مطابقتها للواقع،فتتعین حجیتها من هذه الناحیة.و یلزم الإیمان بمطابقتها.
الأمر الرابع:أن القرآن یشهد فی عدد معتد به من آیاته بمطابقة قصصه للواقع التاریخی.مثل قوله کانَ فِی قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ .و قوله نَحْنُ نَقُصُّ عَلَیْکَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ. و لا شک أن أحسن القصص هی الواقعیة و لیس الوهمیة.
و کذلک قوله وَ هَلْ أَتاکَ حَدِیثُ مُوسی .أی خبره و قصته،التی حدثت فعلا.و قوله وَ هَلْ أَتاکَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ .و قوله تعالی وَ لا تَکُنْ کَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادی وَ هُوَ مَکْظُومٌ .و قوله تعالی:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَیْکَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ،إِنَّهُمْ فِتْیَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدیً .
إلی غیر ذلک من أسالیب البیان القرآنی.
و شهادة القرآن بصحة قصصه،لیست من القصص لکی تحتمل دخول الوهم فیها،کما سبق أن أشرنا،بل یجب أن نأخذ هذه النصوص مسلمة الصحة.
الأمر الخامس:إن القصة الوهمیة تعتبر کذبا،و إن قلنا إن هذا النوع من الکذب لیس بمحرم،إلاّ أنه نقص.و اللّه تعالی یجل عن النقص بکل
أشکاله.فیتعین عدم وجود الوهم فی قصص القرآن.
و قد یخطر فی البال:أن ما ثبت فی(علم الکلام)هو عدم وجود النقص فی ذاته سبحانه و تعالی،باعتبار منافاته مع صفة(واجب الوجود) الثابتة له سبحانه.و هذا غیر وجود النقص فی أفعاله فإنه مما لم یثبت عدم النقص فیها.بل المشاهد من قبل الجمیع وجود النقصان فی الخلق عموما.
و الخلق من فعل اللّه سبحانه،إذن ففعل اللّه یمکن أن یکون ناقصا،و لا شک أن کلام اللّه من فعله و لیس عین ذاته،فلا یشمله دلیل الاستحالة المشار إلیه.
و جواب ذلک:أن دلیل عدم النقص،کما هو شامل لذاته المقدسة جل جلاله،کذلک هو شامل لأفعاله سبحانه.لأن أفعاله إن کانت ناقصة لزم النقص فی ذاته سبحانه.
و ملخص الدلیل علی ذلک:أن النقص الذی یوجده اللّه سبحانه و تعالی فی خلقه لا یخلو من احتمالات.کلها باطلة:
أولا:أنه جاهل بکونه نقصا و یتخیل کونه کمالا.
ثانیا:أنه عاجز عن إیجاد الکامل و ترک الناقص.
ثالثا:أنه محتاج فی ذاته لإیجاد الناقص فهو یوجده لحاجته إلیه.
رابعا:أنه مجبور علی إیجاد الناقص و ترک الکامل.
و حیث أن کل هذه الاحتمالات باطلة،إذن یتعین إیجاد الکامل فی أفعاله و أقواله.لأنه هو مقتضی الحکمة اللامتناهیة و القدرة اللامتناهیة.
فإن قیل:فکیف نفسر ما أشرنا إلیه من وجود النقص فعلا فی الخلقة الموجودة.و هل وجود الشیء إلاّ دلیل إمکانه.و لو کان ممتنعا لما کان موجودا.
قلنا:کلا،لیس فی الخلقة أی نقص.و إنما یمکن أن نفسر هذه الظواهر المشهودة بعدة أمور،مضافا إلی أمور لا یعلمها إلاّ باریها:
الأمر الأول:إننا نتوهم النقص لرغبتنا بخلافه فنحن نرغب بالغنی فنتخیل کون الفقر نقصا و نرغب بالصحة فنجد أن المرض نقص و هکذا.
فإنما نتخیل النقص لأنه علی خلاف الرغبة و المطلوب من قبل أنفسنا الأمّارة بالسوء لا أکثر و لا أقل.
الأمر الثانی:إن عددا من هذه الأمور التی نحسبها من النقائص هی مطابقة للعدل،فلو کانت علی خلاف ذلک لما کانت عدلا.و اللّه سبحانه عادل وَ لا یَظْلِمُ رَبُّکَ أَحَداً .
و أوضح أسباب الالتفات إلی کونه عدلا کونه من العقوبات المعجلة علی ذنوب و معاص ارتکبها عدد من الناس.أعنی العقاب فی الدنیا قبل عقاب الآخرة.
الأمر الثالث:إن عددا من هذه الأمور التی نحسبها من النقائص،إنما هی مطابقة للحکمة،أی للأهداف المتوخاة من خلالها،فلو کانت علی خلاف ذلک لکانت علی خلاف الحکمة،مع أنه یستحیل أن یتصرف الحکیم علی خلاف حکمته.
و أوضح أسباب الالتفات إلی کونه حکمة،کونه مناسبا مع مستوی الفرد صاحب العلاقة.بل الأمر کما قیل:لیس فی الإمکان خیر مما کان.
و کذلک ما ورد بما مضمونه عن اللّه سبحانه:أنه رب فقیر لو أغنیته لظلم نفسه و رب مریض لو صححت جسمه لظلم نفسه و أدی ذلک إلی عصیانه و کفره و هکذا.
الأمر الرابع:إن عددا من هذه الأمور التی نحسبها من النقائص،إنما هی مطابقة مع موضوعاتها،لأن الموضوع الناقص أو المحدود،لا یتحمل العطاء غیر المحدود.و لا یُکَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها .فیتعین أن یکون عطاء المحدود محدودا.
و کون الموضوع محدودا لیس نقصا حقیقیا.و إن کان نقصا عن الکمال
اللامتناهی،بل المحدودیة متعینة فی کل الخلق.لأن اللامتناهی هو اللّه سبحانه الخالق العظیم.و أما ما سواه فهو محدود ناقص.إلاّ أن هذا النقص لیس هو محل الإشکال.بل هو النقص الآخر بحیث یکون الموضوع غیر موافق للمعقول أو للعدل أو الحکمة.و قد عرفنا الآن استحالة وجوده.
هل فکرت بهذا الاصطلاح الموجود فی الفقه الإسلامی.و متی یکون الإنسان ذمیّا،و ما هی حقوق و واجبات الذمّی فی المجتمع المسلم.
فهذا و نحوه،ما نحاول إیضاحه خلال هذا الفصل.
لا یکون الذمّی إلاّ کافرا کتابیا.أما کونه کافرا فلأنه لیس بمسلم و أما کونه کتابیا،فلأنه من أحد الأدیان الکتابیة،و هی الأدیان السماویة التی أنزلت علیها الکتب السماویة،و المقدار المتیقن انطباقه علی هذا الاسم هو دین الیهود و دین النصاری.و من ثم فالیهود و النصاری کتابیان یقینا.
و القرآن واضح بإنزال کتاب التوراة علی نبی الیهود موسی بن عمران علیه السلام،و إنزال کتاب الإنجیل علی نبی النصاری عیسی ابن مریم المسیح علیه السلام.
و هناک اثنان من الأدیان،قال عنهما الفقهاء إن لهما شبهة کتاب.یعنی احتمال وجود کتاب منقرض و تالف خلال الأجیال.و من هنا اختلفوا حیث ألحقهم بعضهم بحکم أهل الکتاب و بعضهم نفاهم عنه.و قد نفیناه و لیس الآن مجال بحثه.
و أهل الکتاب لهم عدة أحکام فی الشریعة نذکر أهمها مختصرا:
أولا:طهارة أهل الکتاب أو نجاستهم حیث ذهب الأکثر إلی نجاستهم
و قلنا مع بعض الفقهاء الآخرین،بطهارتهم.
ثانیا:الزواج مع أهل الکتاب،حیث قال المشهور بمنعه و خاصة إذا کان بالعقد الدائم.و ذهبنا مع خلاف المشهور إلی المنع.
ثالثا:طعام أهل الکتاب،کما قال اللّه سبحانه وَ طَعامُکُمْ حِلٌّ لَهُمْ .فهل هو خصوص الحنطة و الشعیر أو یشمل اللحم المذبوح.
اختلف الفقهاء فی ذلک أیضا.
رابعا:صلاحیة الکتابیین إلی شرائط الذمة دون غیرهم من المشرکین.
فإن سائر المشرکین مخیّرون بین القتل و الإسلام،و أما الکتابیون فمخیرون بین الإسلام و القتل و قبول شرائط الذمة،کما سیأتی شرحها.و بذلک اکتسبوا مزیة إسلامیة أفضل من سائر الکفار جمیعا.و هذه المزیة اجتماعیة بین الفقهاء و متواترة فی الأخبار،و ثابتة بین الفریقین.
خامسا:إن هناک دیة فی قتل الکتابی عمدا أو خطأ،بخلاف سائر الکفار و المشرکین،فإنه لا دیة فی قتلهم.و السر فی ذلک هو قبول الذمی بشرائط الذمة،فیکون من نتائج ذلک کون قتله محرما.و یکون من نتائجه أن علیه الذمة.
و دیة الذمی و إن اختلفت عن دیة المسلم،کما اختلف دینه،إلاّ أنه مع ذلک له المزیة علی سائر المشرکین فی ذلک.
فهذه أهم الأحکام التی اهتم بها الفقهاء فی صدد الکتابیین و قد عقدنا هذا الفصل لخصوص الحدیث عن شرائط الذمة،التی یکون بها الکتابی ذمیا.
عند ما یسیطر المجتمع المسلم علی مجتمع کتابی،و یدخل تحت سیطرته و سلطته.فإنه تبدأ المحادثات فورا من أجل إقرار شرائط الذمة بین الطرفین.
تجنبا من قبل کلا المجتمعین عما سیحدث من القتل و إراقة الدماء.
لأن الخیار النظری إنما هو بین ثلاثة أمور:الإسلام أو القتل أو قبول شرائط الذمة.فبعد تجنب احتمال القتل یکون کلا الاحتمالین الآخرین حقنا للدم من ناحیة،و شکلا من أشکال النصر للإسلام و المسلمین أیضا.سواء اختار المجتمع الکتابی دین الإسلام أو اختار شرائط الذمة.
و ننقل فیما یلی ما قلناه بهذا الصدد فی کتابنا(منهج الصالحین) (1)
المصدر حدیث 4.
ثم نعلق علیه،بما هو المناسب مع هذا الکتاب:قلنا:إن شروط الذمة ستة:
الأول:الموافقة علی دفع الجزیة.
الثانی:أن لا یفعلوا ما ینافی الأمان ضد المسلمین.مثل العزم علی حرب المسلمین أو إمداد المشرکین بالمال و السلاح.
الثالث:أن لا یؤذوا المسلمین کالزنا بنسائهم و اللواط بصبیانهم و السرقة لأموالهم،و إیواء عین المشرکین ضدهم.
الرابع:أن لا یتظاهروا بالمنکرات،کشرب الخمر و الزنا و أکل لحم الخنزیر و نکاح المحارم.و من ذلک أن یحدثوا کنیسة جدیدة أو بیعة.أو یضربوا ناقوسا.و ما شاکل ذلک.
الخامس:أن یجری علیهم أحکام المسلمین من ناحیتی الولایة و القضاء.
السادس:أن لا یربّوا أولادهم بالمنع عن معرفة الدین الإسلامی و لا غیر أولادهم ممن یرید ذلک.بل یجب علیهم إعطاؤهم الحریة و الاختیار فی الدین کمطالعة الکتب الإسلامیة و حضور مجالس المسلمین و نحو ذلک.
فإنهم بطبیعة الحال سوف یختارون الطریقة الموافقة للفطرة و هی الإسلام.
کما أن الدین الإسلامی أعمق و أوضح فی العقل مما سواه.
فلو اشترطت علیهم هذه الشروط أو غیرها،وجب علی الکفار الالتزام
1) 1)
بها،و إن أخلوا بها مع الشرط،فقد أخلّوا بالذمة و خرجوا عن ذمة الإسلام.و أما الشرطان الأولان فحاصلان علی کل حال.بمعنی أنهم یخرجون عن الذمة بنقضهما أو أحدهما و لو لم یشترطا بصراحة فی العهد.
و طرف الذمة من المسلمین هو الإمام أو نائبه و هو المشرف الرئیسی علی تطبیق الشروط.و طرفها الآخر هم أهل الکتاب من النصاری و الیهود و المجوس دون غیرهم.بل لا یخلو إلحاق المجوس من إشکال،فضلا عن الصابئة.و نتیجتها أنهم إذا التزموا بالشروط یرتفع عنهم القتال و الاستعباد و یقرّون علی أدیانهم.و یسمح لهم بالسکنی فی دار الإسلام آمنین علی أنفسهم و أموالهم.بل یجب ضمان الدفاع عنهم إذا اعتدی علیهم معتد.
فإن هذا هو معنی دخولهم فی ذمة الإسلام.کما یجب علیهم أن یدافعوا عن المسلمین لو حصل الاعتداء علیهم.و لکن لو ترکوا ذلک فقط،لم یخلّوا بشرائط الذمة.ما لم یکن مشترطا علیهم فی العهد الأصلی.
و قلنا (1)
ص 345.
هناک أیضا،أحکام الذمة و شرائطها مشروعة عند ما یکون الحرب و الجهاد مشروعا هجوما أو دفاعا،و أما بدونه فلا.و منه یظهر أنه لیس فی أیامنا هذه من الکفار ممن هو من أهل الذمة لعدم تحقق هذه الشروط و لا تلک.و فی مسألة أخری قلنا (2):لا یجوز لأهل الذمة إحداث الکنائس و البیع و الصوامع و الأدیرة و بیوت النیران فی بلاد الإسلام.و البلاد الداخلة فی ذمة الإسلام.و إذا أحدثوها خرجوا عن الذمة،فلا أمان لهم بعد ذلک.هذا إذا اشترط عدم إحداثها فی ضمن العقد و هو العهد الأصلی.و أما إذا لم یشترط لم یخرجوا منها.و لکن لولی الأمر هدمها إذا رأی فیها مصلحة ملزمة.
و أما إذا کانت هذه الأمور موجودة قبل الفتح.فإما أن یشترط إزالتها فی العهد الأصلی أو لا.فإن اشترط وجب إزالتها و إن رفضوا خرجوا عن العهد.و إن اشترطوا استمرارها وجب الالتزام لهم.و إن لم یشترطوا شیئا، فإن کان بقاؤها منافیا مظاهر الإسلام و شوکته،فعلی ولی الأمر هدمها و إزالتها.و إلاّ فلا مانع من إقرارهم علیها.
أقول:و أما الجزیة الموضوعة علی المجتمع الکتابی،و التی تمثل الشرط الأول و الأساسی فی عهد الذمة.فهی لها جهات ثلاث:
أولا:من حیث توزیعها علی الرؤوس أو الأشخاص.
ثانیا:من حیث تقدیر کمیتها و نوعیتها.
ثالثا:من حیث تقسیطها و توزیعها علی الزمان.
أما عن الأول فقد قلنا (1)
ص 347.
فی المصدر المشار إلیه:وضع الجزیة علی الرجال البالغین،و کل من یتجدد بلوغه منهم متعین.
سواء کان حرا أم عبدا،سفیها أم رشیدا،غنیا أم فقیرا.و أما وضعها علی النساء و الأطفال و المجانین،فهو-علی الأقوی-موکول إلی تشخیص الإمام أو نائبه للمصلحة.
و أما عن الثانی فقد قلنا (2):
لا تقدیر لمقدار الجزیة،بل أمرها إلی الإمام أو نائبه فإن ذکرها فی أصل المعاهدة لم یجز تعدیه.و أما لو أطلق کان له أن یعین ما شاء.و لا یشترط تساوی الجزیة لکل أفراد المجتمع،بل یمکن اختلافها،حسب ما یری الإمام المصلحة فیه.
و أما عن الثالث فقد قلنا (3):
لا تقدیر لزمان الجزیة،بل أمرها موکول إلی الإمام أو نائبه من ناحیتین:
الناحیة الأولی:استمرار دفعها لسندات محدودة أو مطلقا.
الناحیة الثانیة:تقدیر المدة بین أقساطها،کشهر أو ستة أشهر أو سنة أو أکثر.و إن کان الأشهر و الأفضل و الأحوط تحدید العام الواحد.
و إذا أسلم الذمی قبل نهایة الحول أو بعدها و قبل الأداء سقطت الجزیة عنه.
و علی أی حال یمکن أن یستنتج من هذا الاتجاه الفقهی عدة أمور:
الأمر الأول:أن المجتمع المسلم إنما یستطیع أن یفرض هذه الشروط،إذا حصل علی السیطرة الکاملة علی المجتمع الکافر،و کان الکفار مغلوبین تماما،کما یفترض الفقهاء حصوله دائما باعتبار أن الجانب المسلم یمثل(اللّه سبحانه)و کل من یمثل اللّه لا یخیب.أو باعتبار أن الجانب المسلم متعمق فی التوکل علی اللّه سبحانه و کل من کان کذلک لا یخیب.أو باعتبار أن الجانب المسلم أقوی عاطفة و أشجع قلبا من الجانب الکافر،و کل من کان کذلک لا یخیب و لا یفر.
و فی الکتاب الکریم ما یدل علی ذلک،منها قوله تعالی لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِی صُدُورِهِمْ مِنَ اللّهِ ذلِکَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا یَفْقَهُونَ .و فی آیة أخری.
تَحْسَبُهُمْ جَمِیعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتّی .لأنهم إنما یدافعون عن دنیاهم،و إنما یدافع المسلمون عن آخرتهم و دینهم.فهدفهم أعمق و أدق و أکثر عدلا و شمولا،فیکون الفوز لهم دائما.
و من هنا لم یفترض الفقهاء بالجیش الإسلامی الاندحار أو الفرار.و لا توجد مسألة فی(کتاب الجهاد)تعطی الفتوی بأن الحکم عندئذ ما ذا سوف یکون-کان هذا الاحتمال غیر معقول فی نظرهم إطلاقا،بل الجیش المسلم منتصر و متقدم لا محالة.
و هذا صحیح تماما فی الجیش المتکامل دنیویا و أخرویا.أعنی أن یکون شعوره الدینی و طاعته للّه بکل أفراده أو أغلبهم،متکاملة و صحیحة.أما إذا کانوا مجموعة من الناس العصاة و المصلحیین و المقصرین تجاه اللّه سبحانه و تجاه دینه،کما هم غیر مدرکین لهدفهم الدنیوی فضلا عن الأخروی.و إنما تقدموا مثل هذا التقدم لمجرد إطاعة الحکم الشرعی أو لأهداف دنیویة خالصة،فمثل هذا الجیش لا یوجد أی ضمان لفوزه و انتصاره.
و یوجد فی الکتاب الکریم ما یدل علی ذلک أیضا و هو قوله سبحانه:
إِنْ تَنْصُرُوا اللّهَ یَنْصُرْکُمْ وَ یُثَبِّتْ أَقْدامَکُمْ .و هذا یعنی أن الخطوة الأولی من العبد و الثانیة من الرب.فیجب أولا:أن یکون العبد ناصرا للّه سبحانه لکی یکون اللّه ناصرا له.و لا و لن یکون العبد کذلک إذا کان ناقصا فی فهمه للهدف أو فی إطاعته للدین.
الأمر الثانی:إن شروط الذمة لا یتعین فیها إلاّ اثنان،و هما الشرطان الأولان من الشروط الستة السابقة.و أما الشروط الأخری،فیتبع فی تعیینها و زیادتها و نقصها،وضع المجتمع الفعلی،و المصلحة الوقتیة عند وضع الشروط.
و إنما ذکر الفقهاء هذه الشروط کنماذج للشروط التی تکون غالبا موافقة مع المصلحة العامة.
الأمر الثالث:قد یقال:إنه إذا کان المجتمع الکافر ساقطا بید المسلمین و خاضعا لهم،فما الحاجة إلی وضع الشروط.و هی لا تزید بهم عن الحال الذی هم فیه.نعم،لو کان فیهم بقیة من القوة المحتملة الضرر بالإسلام، کانت الحاجة إلی الشروط ملحة عندئذ.
و جواب ذلک:إن الحاجة إلی هذه الشروط موجودة علی أی حال.
لعدة أمور نذکر أهمها
أولا:تحدید و فهم ما ینبغی العمل علیه تجاه المجتمع الکافر بصیغة محددة لا غبار علیها.من حیث أن الإجمال و التشویش فی الفکرة من هذه الناحیة یحدث مضاعفات غیر محمودة.أوضحها استغلال بعض الأطراف مصالحه الشخصیة فی العلاقة مع ذلک المجتمع.
ثانیا:دفع احتمال تجدد القوة و المکر داخل المجتمع الکافر ضد المسلمین.
فإنهم و إن کانوا خاضعین وقتیا،إلاّ أن ذلک قد لا یستمر طویلا،إلاّ برقابة و حذر واضحین.
ثالثا:تحدید الحال الذی یکون المجتمع الکافر داخلا تحت ذمة الإسلام بحیث یجب علینا حفظ بل الدفاع عنه کما سبق.من الحال الذی یکون به ذلک المجتمع خارجا عن ذمة الإسلام و یجب محاربته و القضاء علیه.
و إدراک ذلک أمر جدی و مصیری،و لا یمکن إهماله.و مع إهماله لا یکون أی شیء قابلا للتحدید بعد ذلک.إذن فهذه الشروط هی التی تکون حدا لذلک.
الأمر الرابع:إنه قد یقال:إن الشخص الذی یعتبر نفسه أو یعتبره المجتمع الکافر قائدا له أو ملکا علیه و نحو ذلک.لیس له ولایة شرعیة علی المجتمع من وجهة النظر الإسلامیة،فکیف یستطیع أن یعطی العهد نیابة عنه.و کیف یجوز للمجتمع المسلم أو إمامة أن یرضی بمثل هذا الشخص طرفا فی المعاهدة.
و هذا ما سبق أن أجبنا عنه فی(کتاب الصلح) (1)
انظر ما وراء الفقه ج 5 ص 141 و ما بعدها.
من کتابنا هذا.و قلنا بإمکان ذلک،و لو باعتبار رضاء الولی العام المسلم بذلک الطرف (2)،الأمر الذی یجعله حجة بینه و بین اللّه.و مثلنا له بأمثلة عدیدة،فراجع.الأمر الخامس:إن المجتمع الکتابی بعد قبوله لشروط الذمة یجب حفظ
نفوسه و أمواله عن اعتداء المسلمین و غیرهم أفرادا کانوا أو جماعات.کما یقر علی دینه و طقوسه و عاداته.و تکون له حریة نسبیة من هذه الجهة.
و قد سبق فی الشروط ما یحدد حریته فی ذلک.
و من أوضح تطبیقات ذلک:أن الإعلام المسلم یکون منتشرا،فی حین لا یجوز انتشار الإعلام الکافر،بحیث یکون سببا لضرر الفرد المسلم أو المجتمع المسلم أو ارتداد بعض المسلمین عن دینهم أو منع تربیة الأطفال غیر المسلمین عن التربیة الإسلامیة،کما سبق فضلا عن تربیة الأطفال المسلمین أنفسهم.
الأمر السادس:إنه من نتائج قبول هذه الشروط،إمکان اختلاط أفراد المجتمعین المسلم و الکافر ببعضهم البعض،اختلاطا غیر محدود،من جمیع الجهات المنظورة و الجائزة فی الشرع الإسلامی.و خاصة إذا قلنا بطهارة أهل الکتاب،کما هو مختار المؤلف فقهیا،و قلنا بجواز التزاوج معهم،کما علیه جملة من الفقهاء.فسوف یکون الاختلاط کاملا من الناحیة الاجتماعیة و الاقتصادیة و العلمیة.و الأسریة کذلک.
الأمر السابع:إن کل شخص دخل فی الإسلام منهم سقطت عنه الجزیة بل خرج تماما عن صفته طرفا للعهد الأصلی بکل شروطه.فقد کان بصفته أحد الکفار له ما لهم و علیه ما علیهم.فی حین أن هذه الشروط فرضت علی الکفار لا علی المسلمین.إذن فبعد دخوله فی الإسلام لا یفرض علیه شیء منها.
الأمر الثامن:إن فرض الجزیة علی المجتمع الکتابی،و هو أوضح شروط الذمة و أوضح الموارد التی تخل بهذه الشروط مع عصیانها.
و هذا الفرض هو من ضروریات الدین،و نص الکتاب الکریم و یمکن أن نفهم له المصالح التالیة،بالرغم من أن المصالح فی الأحکام الإلهیة منوطة بالحکمة الإلهیة نفسها،إلاّ أننا یمکن أن ندرک منها ما یلی
أولا:دعم الاقتصاد فی المجتمع المسلم أفرادا و جماعات،من حیث أن هذه الأموال التی تجتمع بالجزیة أموال طائلة،یمکن استخدامها بإخلاص أو توزیعها لقضاء کثیر من الحاجات الخاصة و العامة.
ثانیا:إظهار عزة الإسلام و هیمنته علی الجانب الکافر،من حیث یشعر الجانب الآخر بالذلة و التصاغر أمام تلک العزة و الهیمنة.و هذا منصوص فی القرآن الکریم قال اللّه تعالی حَتّی یُعْطُوا الْجِزْیَةَ عَنْ یَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ .و قال جلّ جلاله وَ أَنْزَلْنا إِلَیْکَ الْکِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَیْنَ یَدَیْهِ مِنَ الْکِتابِ وَ مُهَیْمِناً عَلَیْهِ .و قوله لِما بَیْنَ یَدَیْهِ یعنی لما نزل قبله من الکتب السماویة.و هی کتب(أهل الکتاب)و(الذمیین).
ثالثا:جعل حد أساسی فی المصالحة أو المحاربة مع المجتمع الکتابی.
و ذلک عند دفعه أو عدم دفعه للجزیة.
و من الصحیح أن عدم التزامه بسائر الشروط یکون سببا لنقضها و انتفاء الصلح.إلاّ أن للجزیة الأثر الأهم فی ذلک،لأنها الجزء الأهم فی نظر الإسلام من کل تلک الشروط.
هذا و لا یوجد نص فی الشریعة ینافی صرف هذه الأموال أو بعضا منها علی المجتمع الکتابی نفسه.فإن المهم فیها هو صرفها فی مصلحة الدین و بأمر إمام المسلمین.و یمکن أن یکون ذلک فی صرفها فی المجتمع المسلم کما یمکن أن یکون فی صرفها فی المجتمع الکتابی أو فی أیة وجهة أخری.
الأمر التاسع:کانت الفقرة الخامسة من العهد:أن تجری علیهم(یعنی أهل الکتاب)أحکام المسلمین من ناحیة الولایة و القضاء.
أقول:إنه یمکن تقسیم أحکام المسلمین من هذه الناحیة إلی ثلاثة أقسام:
القسم الأول:الفتوی أو الحکم الشرعی فی(فروع الدین)کأحکام الصلاة و الزکاة و غیرها.و هذا لا یحتمل شموله للکتابیین قسرا.بعد الذی سمعناه من الشریعة من إمکان إقرارهم علی دینهم،ما لم یدخلوا طواعیة
فی الإسلام أفرادا أو جماعات.
بل إن ذاک غیر خاص(بفروع الدین)بل شامل حتی(لأصول الدین) فإن الکتابیین یختلفون عن المسلمین فی عدد منها.و إن کان بعضها متفقا علیه کالتوحید و یوم القیامة.
القسم الثانی:القضاء.و هو الفصل بین المتخاصمین.
فإن مقتضی القاعدة الأولیة المنصوصة فی القرآن،هو أن یکون القاضی المسلم مخیّر بین الحکم بین المتخاصمین الکتابیین بحکم الإسلام أو ترکهم یترافعون إلی قضاتهم لیحکموا فیهم بأحکامهم.و هذا من أشکال الحریة التی تمنح لهم فی ظل الإسلام.
قال اللّه تعالی فَاحْکُمْ بَیْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ.وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ یَضُرُّوکَ شَیْئاً .
إلاّ أن الإعراض عنهم،لا یعنی التحویل الفعلی علی قضائهم أو الاعتراف بأحکام دینهم.بل الاعتماد علی أنهم یفعلون ذلک تلقائیا،بدون توجیه إسلامی.
کما لا یعنی تنصیب قضاة غیر مسلمین من قبل إمام المسلمین.حتی و إن کان لأجل الحکم بین الکفار أنفسهم.
کما لا یعنی تنصیب أیضا تعین ذلک و لزومه علی إمام المسلمین،بل له أن یختار القضاء الإسلامی فیهم.کما له أن یشترط ذلک فی العهد الأصلی.و إذا تمّ هذا الشرط فلیس له أن یعرض عنهم بعد،بل یتعین علیه و علیهم الرضا و التسلیم للقضاء الإسلامی.
القسم الثالث:الولایة للولی العام المسلم.فإن حکمه بالولایة نافذ فی المجتمع المسلم بمقدار ما دل علیه الدلیل المعتبر شرعا.فکذلک سیکون نافذا فی المجتمع الذمی تماما.و لا یجوز لهم رفض أحکامه تلک.بل تکون ألزم علیهم من أحکام الحکام المجانسین لهم فی الدین.لأن حکم الولی العام
نافذا علیهم و علی حکامهم أیضا.
الأمر العاشر:إن تعیین المسؤولین المشرفین علی إدارة و حکم المجتمع الکتابی.هل یجب أن یکونوا من المسلمین أم یمکن أن یکونوا من الکتابیین أیضا.
إن ذلک غیر منصوص بوضوح فی کلام الفقهاء،لأنه لم ینزل إلی حیز التطبیق خلال الأجیال الإسلامیة حتی الآن.و من هنا قد یغفل الفقهاء عن التفکیر فیه.
إلاّ أن ذلک یمکن تقسیمه إلی عدة مراحل:
المرحلة الأولی:تعیین مسئولین مسلمین علی المجتمع الکتابی،کما أن المسؤول الأهم و الأکبر مسلم أیضا،و هو الإمام أو نائبه.و هذا ما یمیل إلیه مشهور الفقهاء ارتکازا.و إذا اقتضته المصلحة الإسلامیة فلا یجوز تجاوزه إلی غیره،قطعا،کما لو لم یکن هناک فرد صالح من غیر المسلمین لهذه المهمة.أو کان کلهم متعصبین ضد المسلمین.
المرحلة الثانیة:تعیین مسئولین علی أی مجتمع کافر،من الکفار أنفسهم،إلاّ أنهم علی غیر دینهم،کتعیین الیهود علی النصاری أو النصاری علی الیهود،فی المجتمع المنغلق أو المتمحض فی إحدی الدیانتین.
فهذا مما لا یجوز قطعا و خاصة مع احتمال المفسدة علی المسلمین أو علی المجتمع الذی یتم فیه التعیین.
المرحلة الثالثة:تعیین مسئولین علی المجتمع الکتابی منه،یعنی من نفس المنطقة و بنفس الدین.و هذا لا إشکال فیه مع إحراز أن یکون المسؤول مطبقا لأحکام الإسلام و غیر معنی بمصلحة مجتمعة و مجتمع المسلمین معا.
نعم،تصرفه هناک بالقضاء و الولایة،لا یخلو من إشکال،لاشتراط الإسلام فی کل ذلک،و أما من یکون کافرا أو ذمیا فلا یمکن أن یکون قاضیا أو والیا.فهذا ما یمیل إلیه المشهور أکیدا.إلاّ أنه علی أی حال
موکول إلی اجتهاد الولی الإسلامی العام نفسه.و إلی تشخیصه للمصلحة.
فقد یکون فی نظره إعطاء بعض الصلاحیات لأمثال هؤلاء المسؤولین، لأجل حفظ المصالح العامة علی أی حال.
و لا شک أننا خلال الکلام فی هذا الفصل لم نف بأحکام و تفاصیل الذمة کلها،إلاّ أننا ینبغی أن نکتفی منها بهذا المقدار.یمکن للقارئ أن یرجع بالأمور الأخری إلی فطنته و إلی المصادر الفقهیة الأخری.و الحمد للّه رب العالمین.
التوبة فقهیا
للتوبة جانبان أخلاقی و فقهی،و لیس أحدهما معزولا عن الآخر حقیقة، و لکنه معزول عنه وظیفة،یعنی من حیث وجهة النظر المنظورة فی الأخلاق تارة و فی الفقه أخری.
و نحن هنا ینبغی أولا أن نحیط علما بمعنی التوبة و حقیقتها أولا،ثم تتوفر لمعرفة حکمها الفقهی.و الجانب الأخلاقی،للتوبة هو الذی یعطی للتوبة معناها الحقیقی،و إذا تمّ ذلک شملها الحکم الفقهی،فمن هنا نعرف أن الجانب الأخلاقی أسبق رتبه فی هذه الناحیة من الجانب الفقهی.
و ینبغی لنا أن نأخذها أولا من الناحیة اللغویة:
قال أبو منصور (1)
المصدر ص 144.
:أصل تاب عاد إلی اللّه و رجع و أناب.و تاب اللّه علیه أی عاد علیه بالمغفرة.و قوله تعالی وَ تُوبُوا إِلَی اللّهِ جَمِیعاً أی عودوا إلی طاعته و أنیبوا إلیه.أقول:فیکون الأصل فی ثاب(المثناة)أن تکون بمعنی ثاب(المثلثة) بمعنی رجع أو عاد.کل ما فی الأمر أن الرجوع و العودة تستعمل فی الجانب المادی من المکان.و أما الثوب یستعمل للجانب المعنوی، مع فرق بینهما بأن الثوب یستعمل للجانب العاطفی.یقال:ثاب إلی
1) 1)
الهدوء،یعنی من حزن أو غضب أو تعب و نحوها.و التوب یستعمل للجانب الأخلاقی أو المسؤولیة تجاه الغیر من ناحیة ما اقترف من مظالم أو ذنوب.و کلها تحتوی علی جانب العودة من ناحیة معنویة.مثل العودة من الهیاج إلی الهدوء و من الظلم إلی العدل.
و هذا یحتوی ضمنا علی اعتبار أن الأصل فی الإنسان هو الجانب الصالح،و لیس الجانب الآخر إلاّ عارضا مؤقتا.فلو صدر الظلم من الفرد کان علی خلاف طبعه،و فیه بعد عن أصله.فإذا تاب و رجع إلی العدل، کان راجعا إلی طبعه الأصلی و خلقته الأولی.و هی الفطرة الحقة التی خلق اللّه الإنسان فیها.
و من هنا قالوا فی اللغة (1)
انظر لسان العرب. [1]
:التوبة الرجوع من الذنب.و فی الحدیث الندم توبة.و التوب مثله.و قال الأخفش:التوب جمع توبة،مثل عزمة و عزم.و تاب إلی اللّه یتوب توبا و توبة و متابا:أناب و رجع من المعصیة إلی الطاعة.و رجع تواب:تائب إلی اللّه.و اللّه تواب یتوب علی عبده.و قوله تعالی غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ .یجوز أن یکون عنی به المصدر، کالقول.و أن یکون جمع توبة کلوزة و لوز.و هو مذهب المبرد.
و استتبت فلانا:عرضت علیه التوبة مما اقترف.أی الرجوع و الندم علی ما فرط منه.و استتابه:سأله أن یتوب.
و للراغب فی المفردات تحقیق آخر حیث قال:التوب ترک الذنب علی أجمل الوجوه.و هو أبلغ وجوه الاعتذار.فإن الاعتذار علی ثلاثة أوجه:
إما أن یقول المعتذر:لم أفعل أو یقول:فعلت لأجل کذا.أو فعلت و أسأت و قد أقلعت.و لا رابع لذلک.و هذا الأخیر،هو التوبة.و التوبة فی الشرع ترک الذنب لقیمة و الندم علی ما فرط منه و العزیمة علی ترک المعاودة
1) 1)
و تدارک ما أمکنه أن یتدارک من الأعمال بالإعادة.فمتی اجتمعت هذه الأربع فقد کملت شروط التوبة.و تاب إلی اللّه تذکر ما یقتضی الإنابة.
نحو: فتوبوا إلی اللّه جمیعا - أ فلا یتوبون إلی اللّه -و تاب اللّه علیه.
أی قبل توبته عنه. لقد تاب اللّه علی النبی و المهاجرین - ثم تاب علیهم لیتوبوا- فتاب علیکم و عفا عنکم .
و التائب:یقال لباذل التوبة و لقابل التوبة.فالعبد تائب إلی اللّه.و اللّه تائب علی عبده.و التوّاب العبد الکثیر التوبة.و قد یقال اللّه ذلک لکثرة قبوله توبة العباد حالا بعد حال.إنه هو التواب الرحیم.
أقول:إننا هنا ینبغی أن نفهم معنی واحدا للتوبة،تنطبق علی العبد و ربه معا،بحیث یکون صدقه علی الجانبین حقیقیا من المشترک المعنوی، و لو اقتصرنا علی ما قاله الراغب لکانت التوبة فی اللّه سبحانه مجازا.
لوضوح اختلاف استعمال حرف الجر فیها.فإن العبد یتوب إلی اللّه و اللّه سبحانه یتوب علی عبده.و العود خاص بالعبد الذی اختص بالذنب.فما هو الوجه فی نسبة التوبة إلی اللّه سبحانه.
و جواب ذلک،حسب فهمی:أن الذنب حین یصدر من العبد عصیان للّه سبحانه.فإنه یترتب علی ذلک بعدان لا بعدا واحدا.
أولا:بعد العبد عن ربه من ناحیة أخلاقیة و معنویة.
ثانیا:بعد الرب عن عبده،نتیجة لسخطه علیه من ذنبه.و الرضا نافی لکلا البعدین،فکما أن العبد یقترب من ربه بعد أن یکون بعیدا،فیصدق علیه أنه تاب،کذلک یقترب الرب من عبده،فیصدق علیه أنه تاب.
و کلاهما شکل من أشکال الأصل فی الخلقة تقارب العبد مع الرب تقاربا معنویا.فإذا حصل الذنب من العبد تباعدا،فإذا حصل الاستغفار تقاربا ثانیة.فیکون هذا التقارب تکرارا للتقارب السابق.و هو معنی العود.یعنی إلی المکان الذی کانا فیه أو الحال الذی کانا علیه.
فإن قلت:فإن رجوع الرب إلی عبده لیس مکانیا فیکون مجازا.کما فهمنا من کلام الراغب فی المفردات.
قلنا:أولا:إن رجوع العبد إلی ربه أیضا لیس مکانیا،مع أننا فهمنا منه کونه رجوعا حقیقیا.
ثانیا:إن معنی الرجوع لا یختص بالمکان لغة،بل یشمل غیره حتما.
کالرجوع فی الزمان.یقال:ذهب أمس إلی غیر رجعة.و الرجوع فی الحال کالثروة.کمن کان ثریا ثم افتقر ثم عادت إلیه الثروة.إذن فمن کان راضیا ثم غضب ثم عاد إلیه الرضا کذلک.یعنی یصدق علیه الرجوع و العود.و لا نرید به إلاّ ذلک لأن ذلک البعد ناتج عن الذنب الموجب للغضب و القرب ناتج من الرضا الناتج من التوبة و الاستغفار.
کل ما فی الأمر أن هذا الرجوع الذی نتحدث عنه،له سبب و مسبب.
و نحن قبل قلیل تحدثنا عن المسبب و هو القرب الناتج بین العبد و ربه.و أما سببه تقرب العبد من ربه ناتج من طهارة القلب الناتج من الاستغفار.فکان الاستغفار سببا للقرب.فسمی توبة أیضا.فتطلق التوبة علی کل من السبب و المسبب من جانب العبد.بل هی علی السبب أغلب.
و أما قرب الرب من عبده،معنویا،فهو ناتج من الرضا الناتج من الرحمة.أو قل:الرضا الناتج من الاستغفار.فإنه لو لا الاستغفار نفسه لم یحصل الرضا.فکان الاستغفار سببا لکلا التوبتین.و أما الرحمة فهی الرضا بعینه.
و إلی هنا نکون قد مشینا فی الفهم مشیا مشهوریا و هو أن السبب الأصلی فی التوبة هو العبد،باعتبار استغفاره.و لکن بعض العارفین یقولون:إن اللّه تعالی یتوب أولا ثم یتوب العبد،و لیس العکس کما علیه المشهور.فإذا تاب اللّه تعالی علی عبده برحمته جعله یلتفت إلی التوبة، فیتوب بدوره،فإذا تاب من جهته أصبحت توبة اللّه علیه فعلیة بعد أن کانت اقتضائیة.
أو قل:إن للّه توبتان و للعبد توبة واحدة.فاللّه یتوب علی عبده قبل توبة العبد و بعد توبته.و لیس للعبد إلاّ توبة واحدة.و یکون السبب الحقیقی لها هو اللّه سبحانه بإلفات عبده إلیها و توفیقه نحوها.و إلاّ لکان سادرا فی غیّه مستحقا للعقاب علی ذنبه.
نعم،إذا التفت العبد إلی قبول التوبة من قبل اللّه سبحانه فإنه سوف یزداد خشوعا و رجوعا إلی اللّه و رضا عنه لیکون ممن (رَضِیَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ) .و عندئذ یصدق علیه أن له رجوعان إلی اللّه سبحانه أحدهما یؤکد الآخر.کما کان للّه سبحانه رجوعان إلی عبده أحدهما یؤکد الآخر.
بقی الإلماع إلی ما سبق أن قلناه من اختلاف حرف الجر فی التوبتین:
فالعبد یتوب إلی ربه و الرب یتوب علی عبده.فکیف کان هذا الاختلاف مع أن معناهما مشترک فی اللغة.
و جواب ذلک:إننا ینبغی أن نلتفت إلی السبب الأساسی الذی کان سببا للبعد السابق علی هذا القرب الحاصل بالتوبة.و ذاک السبب هو الذنب.
یقال:تاب العبد عن ذنبه.و یقال:تاب الرب عن عبده،یعنی عن ذنب عبده.فأصبح حرف الجر واحدا أو لیس متغایرا.
و قد یخطر فی البال:أن التوبة إذا کانت بمعنی الرجوع فیکون الأنسب استعمال حرف إلی لا حرف عن.قلنا:هذا باعتبار تضمن التوبة للإعراض عن الذنب و عدم الالتفات إلیه و اعتباره کأنه لم یحدث.یقال:
أعرض عنه و رجع عنه.
ثم إنه باعتبار أن التوبة متضمنة للرجوع،أخذت حرف(إلی)أیضا.
و هو المستعمل فی القرآن الکریم مکررا أَ فَلا یَتُوبُونَ إِلَی اللّهِ . فَإِنَّهُ یَتُوبُ إِلَی اللّهِ مَتاباً .
فإن قیل:فإن هذا الرجوع مشترک الصدق بین العبد و ربه.فکل منهما
یرجع إلی الآخر.مع أن حرف إلی یستعمل فی العبد و لا یستعمل فی الرب.فلا یقال:تاب إلی عبده بل:تاب علی عبده.فلما ذا حصل هذا الاختلاف.
و جواب ذلک:إن استعمال حرف علی یکون بأحد سببین:
أولا:الالتفات إلی الاستعلاء الإلهی علی العبد باعتبار الامتنان علیه و الرحمة به و غفران ذنبه.
ثانیا:إن علی مستعملة بمعنی عن.یعنی تاب اللّه عن عبده یعنی عن ذنب عبده،و هو استعمال صحیح لکلا الحرفین.و قد تستعمل الحروف بعضها بمعنی بعض فی موارد کثیرة.
هذا مضافا إلی أننا یمکن أن ننکر عدم صحة استعمال إلی.و نقول لا بأس بأن یقال:تاب اللّه إلی عبده.إذا تضمن معنی الرجوع فی عالم المعنی،کما سبق أن قرّبنا.فهو استعمال صحیح و إن لم یکن غالبا أو متعارفا.
و من هنا و نحوه نفهم أن الارتداع عن الذنب توبة.و لیس کل ارتداع توبة حتی و إن کان عن المباحات أو عن الواجبات.بل التوبة هی الرجوع بعد البعد،کما عرفنا إذن فیجب أن یکون العمل قد أنتج بعدا لیکون الرجوع صادقا و حقا.و هذا العمل لیس إلاّ الذنب یعنی عمل أی مرجوع من حرام أو قبیح أو مکروه أو مستهجن و نحوها.
و أما عمل المباحات فضلا عن الواجبات،فلا یوجب بعدا عن الرب، لیصدق الرجوع و هو التوبة،بالارتداع عنه،بل یکون الارتداع عنه ذنبا موجبا للبعد بدوره.و تکون التوبة بالرجوع إلی ذلک العمل.
؟ تحصل التوبة من العبد،بعدة مراحل متسلسلة یتبع بعضها بعضا،و هی قد تحصل بتسارع،و قد یکون بینها فاضل زمانی قلیل أو کثیر.
فأول تلک المراحل هو الشعور بالذنب،بعد أن یکون العبد قد ارتکبه.
و أنه قد تعدی حدّه و فعل ما لا ینبغی له أن یفعله.و لو لا هذا الشعور الذی یکون بالتوفیق الإلهی،لما کان للتوبة مجال.لأن معناه القناعة بالعمل و اعتباره صوابا أو الغفلة عنه و نسیانه تماما.و علی کلا الحالین لا معنی للتوبة.
و المرحلة الثانیة:الشعور بالمسؤولیة الأخلاقیة للذنب.و هو حالة ما یسمی بتأنیب الضمیر.
المرحلة الثالثة:الشعور و الاعتراف باستحقاق العقوبة علی الذنب،لو لم تحصل التوبة.
المرحلة الرابعة:الشعور بإمکان إزالة هذا الاستحقاق عن طریق التوبة.
و هذا الإمکان هو منّ من اللّه و رحمته علی عباده و أنه(من تاب تاب اللّه علیه).و من هنا قال الإمام السجاد علیه السلام فی الدعاء:أنت فتحت لعبادک بابا سمیته التوبة.أقول:و لو لا فتح هذا الباب لکان العبد یائسا من رحمة ربه،و متعینا علیه العقاب.فی حین أن اللّه تعالی قدم رحمته علی غضبه.و هو سریع الرضا یتوب علی عباده.و لم یعطنا من صفاته أنه منتقم علی کل حال.بل یختص الانقتام بالمعاندین فقط.
المرحلة الخامسة:الشعور بالندم علی ما بدر منه من ذنب.و هی حالة نفسیة وجدانیة.تتضمن التأسف علی الفعل السابق.
المرحلة السادسة:الاعتراف بالذنب أمام اللّه سبحانه و عرض نفسه کمجرم أمامه.
المرحلة السابعة:الوعد بأن لا یعود إلی الذنب مرة أخری و هذه مرحلة ضروریة،و إلاّ کانت التوبة أقرب إلی الاستهزاء منها إلی الصدق.کما ورد فی الأخبار.
المرحلة الثامنة:الإیمان برحمة اللّه و عفوه.أو قل:الإیمان بالمرحلة
الرابعة السابقة التی قطعها اللّه علی نفسه بالرحمة لعباده.فیلتفت العبد إلی ذلک.و یتوقعها من ربه.
المرحلة التاسعة:طلب توجیه هذه الرحمة إلیه و تنفیذ ذلک الوعد الذی قطعه اللّه سبحانه علی نفسه بقبول التوبة و إبعاد النقمة کما فی الدعاء:
اللهم افعل بی ما أنت أهله و لا تفعل بی ما أنا أهله.فما یکون العبد أهلا له هو العقوبة و ما یکون الرب سبحانه أهلا له هو العفو.
و هذه المرحلة هی الاستغفار أی طلب المغفرة و الرحمة.و یصدق -نظریا-:الاسترحام و هو طلب الرحمة و الاستعفاء و هو طلب العفو.و إن لم یکن استعماله غالبیا.
بل تصدق الاستتابة أیضا،و هی طلب التوبة.لأن طلب التوبة قد یکون من فرد إلی فرد،و هو الغالب.و قد یکون من الرب إلی عبده،کقوله تعالی أَ فَلا یَتُوبُونَ إِلَی اللّهِ .و قد یکون من العبد إلی ربه و ذلک بالاستغفار.و قد عرفنا أن العبد یتوب إلی ربه و الرب یتوب علی عبده.
فکذلک کل منهما یطلب التوبة من الآخر.
و إذا تذکرنا ما قلناه من أن التوبة هی الرجوع،فکما یطلب الرب من عبده الرجوع إلیه کذلک یطلب العبد من ربه الرجوع إلیه و التوبة علیه.
کل ما فی الأمر أن الفرق بین الرجوعین ثابت فرجوع العبد إلی ربه رجوع ذلة و خشوع و رجوع العبد إلی ربه رجوع عزة و رحمة و لطف.
کما عرفنا من مثل قوله:من تاب اللّه علیه،أن اللّه سبحانه مستعد لإجابة طلب عبده و راغب بالتوبة عنه و الرجوع إلیه.
و عندئذ تجتمع الرغبتان و تتوافق الإرادتان فی رجوع بعضهما إلی بعض:
عن العبد و الرب.فلا یبقی لهذا الرجوع مانع و لا یوجد عنه دافع.
فیحصل الرجوع و التقارب المعنوی بین العبد و ربه من جدید.و بذلک تکون التوبة قد حصلت و أنجزت.
أقول:فهذه هی المراحل الضروریة لحصول التوبة.و لو لا أی واحدة منها فإنها منتفیة لا محالة.و لا معنی لحصولها.
و قد تقترن التوبة بأمور أخری راجحة:أهمها:
أولا:الخشوع،و هو الشعور بالذل أمام اللّه سبحانه.و لا أقول بالتذلل، لأن معنی التصنع فی حین أن الذل أمامه تعالی هو الذل الحقیقی و العمیق دون غیره.
ثانیا:زیادة الدعاء و التضرع أو الضراعة.و هی حالة نفسیة تعبر عن مزید الشعور بالحاجة إلی المطلوب الموافق مع مزید الطلب لحصوله و الدعاء من أجله.
ثالثا:البکاء،خوفا من الذنب أو خوفا من العقوبة أو خوفا من اللّه سبحانه أو طمعا برحمته و غفرانه أو طمعا بثوابه أو شوقا إلی رضوانه.إلی غیر ذلک من المقاصد.
رابعا:الکون فی مظان إجابة الدعاء.فإن الدعاء سبب للتوبة،فتکون مظان الإجابة مظانا للتوبة أیضا.
و مظان الدعاء قد تکون مکانیة،کالمساجد و المراقد المقدسة و الکعبة الشریفة و غیر ذلک.
و قد تکون زمانیة کیوم الجمعة أو شهر رمضان أو لیلة القدر أو أحد العیدین الفطر و الأضحی و غیر ذلک.
و قد تکون حالیة،یعنی من حال الفرد.و هی الشعور بالانقطاع إلی اللّه عزّ و جلّ.و أنه لا یستطیع قضاء حاجته أحد من الخلق علی الإطلاق.
و هذا ینتج من حالة دنیویة و هی زیادة الاضطرار إلی التوبة،نتیجة للضرورة الحاصلة من الفقر و المرض أو الاغتراب أو غیر ذلک.کما ینتج ذلک من حالة أخرویة أو معنویة،و هی مقام انتفاء الأسباب و التمحض برب الأرباب.
کما قد تکون مظان الدعاء تکوینیة،کوجود عاصفة رملیة أو ثلجیة أو مزنة من المطر أو زلزلة أو غیر ذلک،فإنها توجب الالتفات و التنبّه إلی طاعة اللّه و أهمیة الحصول علی رحمته و رضاه.و مثل ذلک ما إذا کان الفرد فی حال أقرب إلی احتمال الخطر،کما لو کان فی سفینة فی البحر أو طائرة فی الجو أو دابة فی الصحراء.فعندئذ ضل من تدعون إلاّ إیاه.
المفروض فی العبد التائب،و هو الراجع إلی اللّه سبحانه معنویا،أن یبقی علی رجوعه و یثبت فی موضعه لا أن یعود إلی الابتعاد عن اللّه و یتورط فی القبائح و الذنوب مرة ثانیة.
فإن العبد إذا تاب تاب اللّه علیه و إذا رجع إلی اللّه رجع اللّه إلیه.و إذا ذکر اللّه ذکره اللّه سبحانه فهو تعالی ذاکر الذاکرین و إذا شکر اللّه شکره اللّه سبحانه.قال تعالی فَاذْکُرُونِی أَذْکُرْکُمْ وَ اشْکُرُوا لِی وَ لا تَکْفُرُونِ .مع العلم أنه تعالی غنی عن عباده لا تنفعه طاعة من أطاعه و لا تضره معصیة من عصاه.و إنما کل ذلک من سعة رحمته و لطیف کرمه.و أما أخذه اللّه علی نفسه من تقدیم رحمته علی غضبه.
کما أن العکس صحیح أیضا بالتأکید،و هو أنه إذا ابتعد العبد عن ربه ابتعد ربه عنه.و إذا أعرض عنه أعرض عنه.و إذا انتقده انتقده.و إذا غضب علیه غضب علیه.و إذا لم یلبّ أمره لم یلبّ أمره.و إذا لم یجب دعوته لم یجب دعوته.و هکذا.
إذن،فینبغی للعبد أن یحفظ مستواه المعنوی أمام اللّه سبحانه و ذلک من عدة جهات:
أولا:عدم الرجوع إلی الذنب مرة ثانیة.فإن فیه تورطا جدیدا و بعدا کثیرا.مضافا إلی أنه خیانة الوعد الذی قطعه العبد علی نفسه عند التوبة بعدم التکرار.و خیانة الوعد أمام اللّه سبحانه منتج لأوخم العواقب.قال
اللّه سبحانه فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِی قُلُوبِهِمْ إِلی یَوْمِ یَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما کانُوا یَکْذِبُونَ .
فإن قلت:فإن العبد لا یعطی وعدا خلال توبته بعدم العود.فلا یکون عوده إلی التائب خیانة لربه.
قلنا:إذا لم یعط العبد ذلک الوعد،لم تصح توبته إطلاقا.و من هنا سبق أن ذکرنا ذلک کمرحلة ضروریة من مراحل حصول التوبة.إذ بدونه یکون حاله ناقصا کاذبا.لأنه عندئذ لا یکون شاعرا بأهمیة مسئولیته الأخلاقیة الردیئة و لا یأسف علی ما بدر منه.إلاّ لو کان متأسفا حقا لکان عازما عن تنزیه نفسه مما تأسف منه.و هذا التنزیه إنما یکون بترک ما جاء به من الذنب و عدم العود إلیه.و تقدمة ذلک الوعد بذلک و القصد.
ثانیا:عدم العودة إلی الرضا بالذنب و القناعة بحصوله و الرغبة به.
و انتفاء الأسف علی فعله أو الشعور بالحاجة إلی إنجازه.فإن الرضا بالذنب و الرغبة به ذنب آخر بل ذنبان أحدهما:الرضا و الآخر:الذنب نفسه.فإنه یکون کفاعله.فکیف إذا رضی بذنب نفسه.
و إذا راودته نفسه أو وسوست إلیه بالرغبة بالذنب و الرضا به.فعلی الفرد کبتها أو کبحها و تبکیتها و عصیانها.فإنها الأمارة بالسوء أی بالذنوب و منبع الشرور إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّی . وَ إِمّا یَنْزَغَنَّکَ مِنَ الشَّیْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ .
و ذلک بأن یشعر الفرد تقدیم طاعة اللّه علی طاعة نفسه و أهمیته علی أهمیتها و لذة قربه علی لذة قربها و نور طاعته علی ظلمة ذنبها.و هل طاعة اللّه سبحانه إلاّ خیر خالص و هل طاعة النفس إلاّ شر خالص دنیویا و أخرویا و عقلا و عقلائیا و فی بعض الأدعیة و فی وصف النفس أنها(تسلک بی سبیل المهالک و تجعلنی عندک أهون هالک).
ثالثا:عدم الابتعاد المعنوی عن اللّه سبحانه بعد أن حصل القرب
المعنوی منه سبحانه و تعالی بالتوبة و الإنابة.بل ینبغی للعبد أن یرغب بزیادة القرب و مضاعفته و شدته،فإنه کلما کان أکثر کان أفضل مقاما و أعلی شأنا و أهم منزلة.و أن أعظم القرب هو قرب رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم (قابَ قَوْسَیْنِ أَوْ أَدْنی) فهلا یطمع العبد و یطمح إلی ما هو قریب من ذلک.
فکیف إذا أهمل ذلک أو غفل عنه و ابتعد عن ربه تارة أخری.بذنوب یتورط بها أو شهوات یطیعها أو مظالم یرتکبها.
بعد أن عرفنا معنی التوبة بشیء من التفصیل،ینبغی الآن العود إلی النظر إلی حکمها الفقهی،کما هو المناسب لموضوع هذا الکتاب.من حیث احتمال أن تکون واجبة أو مستحبة أو مباحة.و نحو ذلک.
و لعل فی بدو النظر یمکن أن نقول:إن حکم التوبة ینقسم إلی الأقسام الخمسة المعروفة.و یکون بالتعاکس مع الفعل نفسه.فالتوبة من الحرام واجبة و من المکروه مستحبة و من المباح مباحة و من المستحب مکروهة و من الواجب حراما.
إلاّ أن هذا مبنی علی أن تکون التوبة،بمعنی مطلق الترک،الصادق علی الأفعال کلها بجمیع أحکامها،یعنی و إن کانت مستحبة أو واجبة.إلاّ أننا قلنا فیما سبق إن التوبة لا تصدق إلاّ فیما هو مرجوح أما الراجح و المباح،فلا تصدق فیه التوبة،سواء المستحب أو الواجب.و إن کان قصد ترک المستحب مکروها و قد ترک الواجب حراما.إلاّ أنه لا یسمی توبة.
و کذلک قصد ترک المباح.
و إنما تصدق التوبة فی المرجوح الذی هو الحرام و المکروه فقط.و التوبة من الحرام واجبه و من المکروه مستحبة إذن فهی تنقسم إلی هذین الحکمین:
الوجوب و الاستحباب دون غیرهما،من الأحکام الخمسة.
نعم،یمکن شمول موضوعاتها لغیر ما هو حرام و مکروه بالمطابقة.مع ضم بعض الأفکار الأخری کالتی تقول:إن الالتزام بالمکروه حرام أو إن الالتزام بترک المستحب مکروه أو إنه حرام و إن الالتزام بترک المباح مکروه أو أنه حرام.فتکون هذه المحرمات و المکروهات مشمولة لدلیل التوبة أیضا إن صدقت و تمّ الدلیل علی صحتها.و تکون التوبة عن ذلک بترک الالتزام بترک المستحب أو المباح أو بفعل المکروه.
و من هنا أمکن شمول التوبة للمستحبات و المباحات مضافا إلی المکروهات المحرمات.بل تکون شاملة للواجبات أیضا باعتبار أن ترک الالتزام بالواجبات أو الالتزام بترکها حرام بالتأکید،فتکون التوبة منه واجبة أیضا.
و هذا الشمول یعنی أن موضوعات التوبة تنقسم إلی الأحکام الخمسة.
إلاّ أنها بنفسها لا تنقسم لغیر الوجوب و الاستحباب.و من ثم لا تکون إلاّ راجحة شرعا،و لا یمکن أن تکون مرجوحة.فإن انتسابها إلی الأفعال الواجبة و المستحبة و المباحة،إنما تکون بهذا الاعتبار أیضا،کما قربنا.
و قد یقال:إن الراجح فقهیا هو إیجاد التوبة بمجردها،أی مع صدقها لغة و عرفا.من دون لزوم حصول تلک المراحل و المقدمات الکثیرة التی سبق أن تحدثنا عنها کالندم و الأسف علی ما سبق و العزم علی الترک فیما یأتی.
و جوابه:إن هذا وهم عاطل،من أکثر من وجه:
الوجه الأول:إننا قلنا إن التوبة لا تحصل بذلک.و معناه أن الفرد إذا أراد إیجاد التوبة بمجردها(کما قال السائل)لزمه أن یأتی بکل مقدماتها السابقة لکی و إلاّ فهی غیر حاصلة.
الوجه الثانی:إننا إن تنزلنا و فرضنا حصول التوبة بدون بعض المقدمات السابقة أو کلها.إلاّ أنه یمکن القول:إن تلک المقدمات واجب کالتوبة
نفسها،و أوضحها للعزم علی ترک الحرام فإنه واجب و ضده حرام بلا إشکال.و إن قبلنا حصول عنوان التوبة بدونه علی أی حال.
نعم،لا نستطیع أن نقول بالوجوب الفقهی لکل تلک المقدمات،و إن کانت کلها واجبة أخلاقیا وجوبا کاملا،إلاّ أن الوجوب الفقهی و إن کان صحیحا مع الالتفات إلی أی واحد منهما،یعنی من قبل الفرد المذنب.إلاّ أنه مع الغفلة أو النسیان،لا یتعین وجوبها،بحیث یجب الفحص عنها و رفع الغفلة عنها.و إن کان لا یبعد أن یکون لازما من الناحیة الأخلاقیة.
خیر ما نختم به هذا الفصل ذکر نصوص من الأدعیة تتعرض للتوبة، و تعرض نماذج من طرق الاتصال باللّه و التضرع إلیه و التوکل علیه و الأمل به.و لعل من أهمها مناجاة التائبین المرویة عن الإمام زین العابدین علیه الصلاة و السلام.
فإنه یقول (1)
مفاتیح الجنان ص 118. [1]
:إلهی ألبستنی الخطایا ثوب مذلتی و جللنی التباعد منک لباس مسکنتی و أمات قلبی عظیم جنایتی.فأحیه بتوبة منک یا أملی و بغیتی و یا سؤلی و منیتی.فوعزک ما أجد لذنوبی سواک غافرا و لا أری لکسری غیرک جابرا،و قد خضعت بالإنابة إلیک و عنوت بالاستکانة لدیک.فإن طردتنی من بابک فبمن ألوذ و إن رددتنی عن جنابک فبمن أعوذ.
فوا أسفاه من خجلتی و افتضاحی و وا لهفاه من سوء عملی و اجتراحی.
أسألک یا غافر الذنب الکبیر و یا جابر العظم الکسیر أن تهب لی موبقات الجرائر و تستر علیّ فاضحات السرائر.و لا تخلنی فی مشهد القیامة من برد عفوک و غفرک.و لا تعرنی من جمیل صفحک و سترک.إلهی ظلل علی ذنوبی غمام رحمتک.و أرسل علی عیوبی سحاب رأفتک.
1) 1)
إلهی هل یرجع العبد الآبق إلاّ إلی مولاه أم هل یجیره من سخطه أحد سواه.إلهی إن کان الندم علی الذنب توبة فإنی و عزتک من النادمین و إن کان الاستغفار من الخطیئة حطة،فإنی لک من المستغفرین.لک العتبی حتی ترضی.إلهی بقدرتک علیّ و بحلمک عنی اعف عنی و بعلمک بی أرفق بی.
إلهی أنت الذی فتحت لعبادک بابا إلی عفوک سمیته التوبة،فقلت توبوا إلی اللّه توبا نصوحا.فما عذر من أغفل دخول هذا الباب بعد فتحه.
إلهی إن کان قبح الذنب من عبدک فلیحسن العفو من عندک.
إلهی ما أنا بأول من عصاک فتبت علیه و تعرض لمعروفک فجدت علیه.
یا مجیب المضطر یا کاشف الضر یا عظیم البر یا علیما بما فی السر یا جمیل الستر.استشفعت بجودک و کرمک إلیک و توسلت بجنابک و ترحمک لدیک.فاستجب دعائی و لا تخیب فیک رجائی.و تقبل توبتی و کفر خطیئتی بمنّک و رحمتک یا أرحم الراحمین.
و للقارئ النبیه أن یستخلص المراحل التسع التی قلناها فی أسباب التوبة و طریقة حصولها،من هذا النص المقدس،فإنه من أعظم النصوص و ألطفها.سلام اللّه علی المعصومین الذین علمونا هذه التعالیم الجلیلة.
قاعدة المیسور
و یرید بها الفقهاء قولهم:المیسور لا یسقط بالمعسور.
و المقصود منها:أنه قدیر و آمر بالشریعة المقدسة یفعل من الأفعال کالصلاة أو الحج أو غیرهما،فإن کان الإتیان بذلک الفعل میسورا أو ممکنا،وجب علیه إنجازه،بلا إشکال.و إن کان الإتیان به جمیعا،أی بکل أجزائه و شروطه متعذرا لم یجب الإتیان به بلا إشکال.لاستحالة تکلیف العاجز.
و إنما محل الکلام فیما إذا تعذرت بعض الأجزاء أو الشروط و بقی البعض الآخر ممکنا.فهذا هو مورد هذه القاعدة.فإنه یراد بها بقاء الأجزاء و الشروط المیسورة الممکنة بعد سقوط المعسور و یراد بالمعسور أحد أمرین:
الأمر الأول:مجموع الواجب.من حیث أنه أصبح معسورا بعد تعذر بعضه.لوضوح أن الواجب هو المجموع،و المجموعة لا یصدق مع صدق بعض أجزائه،فإذا تعذر البعض فقد تعذر الکل،لتعذر صدقه و الإتیان بمصداقه.
و عندئذ فیقال:إنه بالرغم من تعذر الواجب هو المجموع،یکون المقدار الممکن من الأجزاء واجبا فی ذمة المکلف،لأن المیسور لا یسقط بالمعسور.
الأمر الثانی:الأجزاء التی تعذرت من مجموع الواجب.و هی التی
تعذرت حقیقة و بالمطابقة،و أما تعذر المجموع فهو بالعرض.فإذا تعذر قسم من الواجب بقی الباقی المتیسّر واجبا،لأنه لا یسقط المیسور فی المعسور.
طبقا لمنطوق القاعدة.
و بالرغم من شهرة هذه القاعدة و رسوخها فی أذهان الفقهاء،إلاّ أن الصعوبة الفقهیة تکمن فی إمکان و صحة الاستدلال علیها.إذ قد یقال:إن هذه القاعدة مما لا دلیل علیها،فلا یکون المیسور واجبا بعد سقوط المعسور علی القاعدة العامة إلاّ أن یدل دلیل خاص فی أی مورد بعینه.
و ینبغی أن یقع الکلام فی هذه القاعدة فی ثلاث مراحل:
المرحلة الأولی:فی شروط ثبوتها،لأجل أن نشخص مورد الدلیل علی هذه القاعدة،و نحصره فی قدرة المتیقن.و أما الموارد الزائدة،فنخرجها عن مورد الدلیل و إن تخیل بعض الفقهاء اندراجها فیها.کما سیتضح.
المرحلة الثانیة:فی سرد الروایات الدالة علی منطوق القاعدة.بعد التنازل عن إمکان الاستدلال علیها بالأصول العملیة التی ثبت عدم صحتها فی محله.و یکون ذکرها مع مناقشاتها خارجا عن مستوی هذا الکتاب.
فهنا نقتصر علی سرد الروایات التی هی الدلیل الأهم فی المقام.
المرحلة الثالثة:فی موارد انطباق هذه القاعدة،کما فی بعض التفاصیل المهمة کشمولها للأحکام الوضعیة إلی جانب الأحکام التکلیفیة،و شمولها للمستحبات إلی جانب شمولها للواجبات.و کذلک شمولها للمحرمات.
کما سیتضح.
و نذکر کل واحدة من هذه المراحل تحت عنوان مستقل فیما یلی من هذا الفصل.
یمکن تلخیص هذه الشروط بالأمور التالیة،و هی مما قلّ التفات الفقهاء إلیها و ترکیزهم علیها.
الأمر الأول:أن ینحصر الدلیل علی وجوب الباقی بعد تعسر البعض بهذه القاعدة،و لا یوجد دلیل آخر یثبته.و خاصة فیما إذا کان أوثق و أوضح منها.بحیث یکون هو المدرک فی ذلک.و لا تحتاج معه إلی التمسک بإطلاق هذه القاعدة من أجله.
و أوضح مصادیق ذلک هو الصلاة،فإنها کلما تعذر منها شیء وجب الباقی،طبقا للإجماع القطعی بأن(الصلاة لا تسقط بحال).و لیس الأمر فیها منوطا بهذه القاعدة.و إن کان قد یدعی البعض بأنها من أوضح مصادیقها و مواردها.إلاّ أنها لیست کذلک لوضوح وصول الحال إلی وجوب مراتب من الصلاة هی لیست بمنزلة المیسور للمعسور لا عقلا و لا عرفا.فیکون مقتضی هذه القاعدة عدم وجوبه أصلا،مع العلم أنه یجب إنجازه قطعا.
فقد حصلنا علی فرق من جهة الصلاة عن جریان هذه القاعدة،إلی الأخبار الضعیفة الآتیة الواردة فی قاعدة المیسور.
ثانیهما:ما ذکرناه من أن الواجب أحیانا منها لا یصدق علیه المیسور قطعا.و کونه میسورا تنزیلیا أو تعبدیا،یحتاج إلی استئناف دلیل.فیکون مقتضی القاعدة سقوط الأمر عندئذ.
و من هنا یمکننا أن نلتفت إلی أننا لا یمکن أن نستدل علی قاعدة المیسور بالصلاة نفسها أو نجعلها المصداق الأهم منها.لاستغناء الصلاة عنها و عدم ارتباطها بها،و إنما کما أشرنا یجب أن نحذفها عند الحدیث عن هذه القاعدة.
و إنما تبقی بعض الأمثلة فی العبادات کمصداق لهذه القاعدة کالطهارات الثلاث.
الأمر الثانی:أن یکون العمل،مما یحتمل فقهیا ثبوت الوجوب فی الباقی،لکی یثبت بهذه القاعدة.و أما إذا کان ثبوت وجوبه بعد سقوط
المتعذر،غیر محتمل.بل المعلوم فی الشریعة سقوط الوجوب بالتعذر أصلا و عدم وجوب الباقی.فلا یکون ذلک مصداقا للقاعدة.
و لعل أوضح مصادیقه الحج.فإنه إن ثبت سلفا أن المکلف عاجز عن الإتیان ببعض أعماله کأحد الموقفین بوجوده الاختیاری و الاضطراری معا، أو الذبح أو الطواف أو غیرهما.فإنه یثبت عدم استطاعته للحج و عدم وجوبه فی ذمته،و إن أمکنه الإتیان بباقی الأعمال.فیخرج عن کونه مصداقا للقاعدة.
فإن قلت:فإن مثل هذا المورد،ینبغی أن یکون من أوضح مصادیق القاعدة،و مع انتفائه یکون ذلک مخلا بأصل القاعدة و إشکالا علیها.إذ یقال:إنه لو کانت القاعدة حجة،لوجب الباقی من أفعال الحج بعد تعذر البعض،و حیث أنها لا تجب،إذن فالقاعدة لیست بحجة.لأن مثل هذا المورد مصداق.
قلنا:إنه و إن کان مصداقا واضحا.إلاّ أن خروجه لا یخل بالقاعدة من ناحیته.لأنه یکون من قبیل التمحیص لها بعد أن نعلم بخروجه عنها.
و أن الشارع لم یکن یرید ذلک من إطلاق دلیل القاعدة.
الأمر الثالث:أن یکون الباقی من العمل،بعد عجز المکلف عن بعضه (میسورا)بالنسبة إلی المجموع.فلو لم یکن میسورا علی هذه الصفة فإنه لا یکون مصداقا من هذه القاعدة فلا یمکن الحکم بوجوبه.
و هنا یختلف باختلاف درجة العجز.فإذا کان العجز عن نسبة قلیلة من العمل کجزء من عشرة أجزاء أو خمسة،کان(میسورا)له.و إن کان العجز عن نسبة کبیرة عنه لم یکن میسورا.فلا یشمله حکم المجموع.لأن القاعدة تقول:المیسور لا یسقط بالمعسور.و المیسور لیس هو أی شیء من الباقی مهما قلّ،بل ینبغی أن یکون له وجود معتد به لیشمله الحکم.
و لکن اختلف الفقهاء فی الضابط الذی یصح فی اعتبار الباقی میسورا
من المجموع.و ما یحتمل أن یکون ضابطا لذلک عدة وجوه:
الوجه الأول:المیسور العقلی.بحیث یوافق العقل علی ذلک.و هذا بمجرده ینتج أن المیسور صادق علی القلیل و الکثیر.لأن القلیل بالدقة العقلیة میسور من الکثیر.و هو غیر محتمل فقهیا.و علی خلاف هذا الشرط الذی نتکلم عنه فی هذا الأمر الثالث.إذن،فالمیسور العقلی غیر صحیح.
الوجه الثانی:المیسور النسبی-بکسر النون-یعنی إذا کان الباقی بعد العجز عن المجموع بنسبة کبیرة،کان میسورا و إن کان الباقی بنسبة قلیلة، لم یکن کذلک.و هذا الأخیر یحدث فیما لو کان العجز عن أغلب إجزاء الواجب الأصلی.
إلاّ أن هذا وحده لا یتم،لأننا سنری أن الوجه الثالث الآتی و ما بعده، ینطبق و یساوق هذا الوجه فی أغلب الموارد.و أما مع انفکاکهما،فإننا ننکر أن یکون محققا لصغری هذه القاعدة.کما لو کان العجز عن النصف أو أکثر قلیلا،أو أقل قلیلا،فهل یکون الباقی مما یصدق علیه کونه میسورا، لیکون مصداقا للقاعدة،و یکفی الشک فی ذلک للجزم بعدم شمول القاعدة.
الوجه الثالث:صدق عنوان المیسور عرفا،فلو کان صادقا شملته القاعدة،و إلاّ فلا.و ذلک أخذا بنفس العنوان الوارد فی القاعدة.
و هذا الوجه و إن کان فی نفسه صحیحا،إلاّ أنه متأخر رتبة عن الوجوه التالیة،فنأخذ بالمتقدم رتبة لا محالة.لأن السؤال هنا عما هو السبب فی صدق المیسور عرفا.فیکون أحد الوجهین التالیین صالحا للجواب علیه.
فیکونان أسبق رتبة.
الوجه الرابع:صدق عنوان العبادة شرعا.کما لو سمی الباقی بعد العجز عن سائر الأجزاء وضوءا أو غسلا.فعندئذ تشمله القاعدة.أی أنه
بهذه الحیثیة یکون میسورا.و وقاحا إذا لم یکن یسمی بذلک.
و مبرر ذلک أمران:
أحدهما:القول بوضع العبادات للصحیح.و هذا ما لا نقول به فی محله.مضافا إلی أن الکلام لیس فی العبادات علی ما سیأتی بل یعم المعاملات و أمور کثیرة أخری.
ثانیهما:القول بأن صدق القاعدة یجعل الباقی منزلا بمنزلة المجموع المفقود.و هذا جزاف من القول.لأنه إثبات فی طول صدق القاعدة.
و نحن نرید الضابط السابق رتبة عنها،لنحقق به موضوعها و لا یکون لها بمنزلة الشبهة المصداقیة.
الوجه الخامس:صدق عنوان العبادة عرفا،و خاصة بعد الذی عرفناه من اختیار الوضع للأعم،مضافا إلی ما قلناه من شمول الحال للعبادة و غیرها.فمتی صدق علی الباقی عنوان الفائت الذی هو المجموع الذی حصل العجز عنه،کان مصداقا للقاعدة و إلاّ فلا.فلو بقی من الوضوء إمکان المسح فقط لم یصدق علیه عرفا کونه وضوءا(فلا یکون بمنزلة المیسور)له.و إذا بقی من الوضوء إمکان الغسل أعنی الغسلات الثلاث و إن تعذرت المسحات.صدق علیه کونه وضوءا فکان میسورا للمجموع المتعذر،فیکون مشمولا للقاعدة.و هذا هو الوجه الصحیح.
و هو یختلف عن الوجوه السابقة،و إن اتحد معها فی أکثر المصادیق.إلاّ أننا یمکن أن ننکر مصداقیة القاعدة بدونه عند محل الافتراق فی الوجوه الأخری.لأن المدار فی الصدق و فهم الإطلاق من النصوص الشرعیة هو العرف دون غیره.فإذا کان المورد مشمولا للإطلاق العرفی فهو المطلوب، و إلاّ فلا.إذن فصدق العنوان العرفی هو المطلوب.
الأمر الرابع:أن لا یکون أمر العمل دائرا بین الوجود و العدم،فلو کان کذلک لم یکن مصداقا من قاعدة المیسور.فإن صدق المیسور،متوقف
علی وجود شیء منه أو بقیة منه لکی نطبق علیه المیسور،و أما إذا زال وجوده بالمرة للعجز عن الجمیع أو لدوران أمره بین الوجود و العدم،کما نتکلم الآن.فسیکون من الواضح عدم صدق المیسور،لتشمله القاعدة أو قل:إنه ینعدم بالمرة فلا یحتمل أن یکون العدم مشمولا لحکم الوجود أصلا.
و أوضح مثال لذلک فی العبادات الصوم.فإن الإمساک فیه لا یتبعض بحسب الارتکاز المتشرعی.فإذا کان عاجزا عن ترک بعض المفطرات کان عاجزا عن أصل الصوم.لا أنه یصوم عن الباقی.و لا أن صومه عن الباقی یکون بمنزلة المیسور للفائت.
و لا یقال:إن هذا المثال مما یدور أمره بین الوجود و العدم شرعا لا عقلا.و نحن نرید مثالا لذلک عقلا.
قلنا:کلا.فإننا إنما ینبغی أن نجد مصداقا عرفیا لأی قاعدة فإذا دار أمره بین الوجود أو العدم عرفا أو شرعا کفی فی عدم صدقها.و إن لم یکن کذلک عقلا.
بل الأمر أکثر من ذلک،فإنه إذا لم یصدق عقلا و لکنه صدق عرفا أو شرعا.فإننا نأخذ بالجهة العرفیة و الشرعیة،و إن کانت محالا عقلا.کما حققنا فی محله من علم الأصول.
الأمر الخامس:أن لا یکون المتعذر کلیا بل جزئیا.فإننا فی بدو النظر یمکن أن نتکلم فی موردین:
المورد الأول:فإذا کان المتعذر کلیا و الممکن بعض مصادیقه،و إنما تعذرت بعض المصادیق الأخری.فیکون ما هو الممکن منها بمنزلة المیسور بالنسبة إلی المتعذر،فیکون مشمولا للقاعدة.
المورد الثانی:ما إذا کان المتعذر جزئیا لا کلیا.و إنما نسبته إلی المجموع نسبة الجزء إلی الکل لا نسبة المصداق إلی الکلی.فیکون الجزء الممکن منه میسورا و مصداقا للقاعدة.
فالشرط فی جریان القاعدة فی هذا الأمر الخامس هو أن یکون العمل (کلا)تتعذر بعض أجزائه لا(کلیا)تتعذر بعض مصادیقه.و هذا هو الذی طبقناه فی الأمثلة السابقة کالوضوء الذی یتعذر فیه المسح.
أما إذا کان کلیا یتعذر وجهین بعض مصادیقه،و هو المورد الأول.فلا یکون مصداقا للقاعدة،باعتبار وجهین:
الوجه الأول:إن وجوب الباقی أی المصادیق الممکنة،سوف لن یکون بإطلاق هذه القاعدة بل یکفی فیه إطلاق دلیله الأصلی.کما لو تعذر الوضوء فی أول الوقت و لکنه أصبح ممکنا فی آخره.
فإن التمسک لوجوبه و صحته بقاعدة المیسور من خطل القول فقهیا لا محالة.
الوجه الثانی:إمکان المناقشة فی صدق(المیسور)فی المصادیق الممکنة بالنسبة إلی المعسور.فإنه من الممکن القول:بأنه یستفاد من القاعدة نسبة المیسور للمعسور،بحیث یکون هذا میسورا عن ذاک المعسور.و هذا لا یصدق فی الکلی مع تعذر بعض مصادیقه.و إنما یختص بصدق الجزء مع تعذر الکل.
فإن قلت:فإننا فی جانب الکلی نقول:بأن هناک نسبة للمصداق بالنسبة إلی الکلی نفسه،و إن لم تکن له نسبة إلی المصداق الآخر.قلنا:
نعم.إلاّ أن الکلی غیر متعذر مع إمکان بعض مصادیقه.و إنما المتعذر المصداق فقط.و للنسبة إنما تکون بین المتیسّر و المتعذر.و کلاهما من قبیل المصادیق و لیس أحدهما کلیا لیصح ما قاله المستدل.
فإن قلت:-من طرف آخر-إن ما هو وارد فی الروایات إنما هو تعذر الکلی بتعذر مصداقه لا تعذر الکل بتعذر أجزائه.فقد خصصنا القاعدة بغیر مثالها الوارد فی الروایات،و هو خطأ لأن الالتزام إنما یجب أن یکون بها.
و جواب ذلک علی مستویین:
المستوی الأول:أنه سیأتی إن شاء اللّه تعالی أن نصوص الروایات عدیدة.و نحن تکلمنا هنا عن نص واحد هو المشهور بین الفقهاء و هو قولهم:المیسور لا یسقط بالمعسور.
و أما النص الآخر الذی یحتمل شموله للکلی فهو قوله:إذا أمرتکم بشیء فأتوا منه ما استطعتم.و سیأتی الکلام فی النسبة بینهما.
المستوی الثانی:أننا لو تنزلنا و قبلنا شمول النصوص کلها للکلی المتعذر.فهنا وجهان:
الوجه الأول:أن تکون النصوص خاصة بالکلی و غیر شاملة للجزئی.
إذن،فیمکن القول بأنها لا تفید قاعدة المیسور أصلا.و هذا یستلزم إلغاء القاعدة أساسا.لعدم وجود ما یدل علیها.
و إنما المراد من الروایات الإکتفاء بالمصادیق الممکنة بعد تعذر المصادیق الأخری.و هو أمر مطابق لإطلاق أدلتها الأولیة کما قلنا.
الوجه الثانی:أن نستفید من الروایات-کما استفاد البعض-معنی جامعا شاملا للکل و الکلی معا.و عندئذ فلا بد من إخراج جانب الکلی، و الاقتصار علی جانب الکل.إذا أمکن و إلاّ فلا بدّ من إلقاء القاعدة أیضا.
لأن هذا یعنی إلغاء جانب الکل و الاقتصار علی جانب الکلی.و هو یلازم حذف القاعدة.
هذا مضافا إلی ما قلناه فی الأمر الأول من شرائط القاعدة،من کون الدلیل فی المورد مقتصرا علیها و لا یوجد دلیل آخر.فإذا کانت الإطلاقات الأصلیة کافیة عن القاعدة لم یکن هذا الشرط متوفرا.
و هی منحصرة-بحسب ما نعلم-بثلاثة نصوص
النص الأول:ما روی عن النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم فی خطبته فی الحج (1)
القواعد الفقهیة ج 4 ص 129. [1]
:أیها الناس قد فرض اللّه علیکم الحج فحجوا.فقال رجل:أکل عام یا رسول اللّه؟فسکت صلّی اللّه علیه و آله و سلّم.حتی قالها ثلاثا.فقال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم لو قلت نعم لوجبت.و لما استطعتم.ثم قال:أرونی ما ترکتم.فإنما هلک من کان قبلکم بکثرة سؤالهم و اختلافهم علی أنبیائهم.فإذا أمرتکم بشیء فأتوا منه ما استطعتم.
و إذا نهیتکم عن شیء فدعوه.
النص الثانی:ما روی عن أمیر المؤمنین علیه السّلام (2):المیسور لا یسقط بالمعسور.
النص الثالث:ما روی عنه أیضا (3):ما لا یدرک کله لا یترک کله.
فإن تمّ شیء من هذه النصوص سندا و دلالة علی مضمون هذه القاعدة التی نتکلم عنها،طبقا لما قاله مشهور الفقهاء فهو المطلوب.و کذلک لا یفرق بین أن تتم کلها،مع اتحادها بالمضمون.أو یتم بعضها علی أی حال.و أما إذا لم یتم شیء منها فهذه القاعدة تکون ساقطة تماما.و لا یمکن الفتوی بها فی أی مسألة من مسائل الفقه.
و لا یشفع لذلک وجود الإجماع علی المضمون لأن هذا الإجماع إنما نشأ من هذه الروایات،و لا یحتمل وجوده بشکل تعبدی فیکون مدرکیا.
فیسقط عن الحجیة.مضافا إلی أن الإجماع دلیل لبی خال من الإطلاق، و لا بد عندئذ من أخذ القدر المتیقن من مضمونه،فتخرج کثیر من الموارد الخارجة عن ذلک المقدار.مما أفتی جملة من الفقهاء بشمول القاعدة له.
و أما کون الإجماع جابرا للسند،بمعنی أن أخذ الفقهاء بها و تسألهم علیها،یجعلها حجة،و من ثم یمکن التمسک بإطلاقها.فهذا ما سیأتی الحدیث عنه قریبا.
و نقطة الضعف الرئیسیة علی کل واحد من هذه الروایات أنها جمیعا ضعیفة السند،و الخبر الضعیف لیس بحجة.فلا یکون شیء منها حجة.
أما النص الأول فهو عامی و أما الأخیرین فهما مراسیل،و لعلها من أشد الروایات إرسالا.
و لکن یمکن الدفاع عن ذلک بأمرین نذکرهما باختصار:
الأمر الأول:إن الصحة و السقم إنما ینبغی أن یلاحظ فی الهوایة الواحدة.و أما مع التعدد-کما هو فی مورد الحدیث-فهذا لا یکون للحفظ،بل یکون التعدد جابرا للسند.فیکون حجة.
و جوابه:أن هذا إنما یصح مع حصول الاستفاضة و أما بدونها فلا.لأن الخبر المستفیض یحصل الاطمئنان بصحته فیکون مضمونه معتبرا.و أما ما دون ذلک فلا یحصل للاطمئنان فلا یکون حجة.و ضم الضعیف إلی الضعیف لا ینتج إلاّ الدلیل الضعیف.
الأمر الثانی:إن المشهور عمل بهذه الأخبار بل الإجماع علی الأخذ بها، فتکون حجة بهذا الاعتبار،و إن کانت ضعیفة.لأن عمل المشهور جابر للسند.
و جوابه:إن عمل المشهور غیر جابر للسند ما لم یکن إجماعا أو قریبا من الإجماع.وجود الإجماع غیر محرر فی محل الکلام.و إلاّ لصحّ دلیلا علی قاعدة المیسور.و أوضح القرائن علی ذلک أنه لا یبعد أن یکون الالتفات إلی هذه القاعدة متأخرا غیر موجود عند المتقدمین،و لا مذکورا فی مصادرهم.و معه لا تکون الشهرة حجة،لأن حجیة الشهرة أو الإجماع إنما یکون فی المتقدمین لا فی المتأخرین أو المتوسطین من الفقهاء،کما هو محرر فی محله من علم الأصول.
ینبغی الآن أن نأخذ فکرة کافیة عن دلالات منطوق تلک النصوص.
أما النص الأول:و هو قوله:إذا أمرتکم بشیء فأتوا منه ما استطعتم.
فتقریب الاستدلال به علی هذه القاعدة کما یلی:و هو أن المراد بالشیء المأمور به:الشیء الجزئی لا الکلی.کما هو الأقرب للظهور العرفی.
و المراد من حرف الجر(من)التبعیض.و لیس المعانی الأخری لهذا الحرف، کما أن المراد من الاستطاعة المذکورة:القدرة بالمعنی العقلی.فیکون حاصل المراد:أنه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم إذا أمر بشیء جزئی و تعذر قسم منه،فأتوا(و هو أمر ظاهر بالوجوب)بهذا البعض الذی بقی ممکنا منه.
و أما افتراض تعذر قسم منه،فهو و إن لم تدل علیه الروایة بالمطابقة،إلاّ أنه قطعی الدلالة علیه،لأنّه المستفاد من قوله:ما استطعتم.یعنی أنکم حین لا تستطیعون علی بعضه(فأتوا منه ما استطعتم)یعنی بالبعض الآخر.
و هو نفس مدلول القاعدة.
و معه فتقریب الاستدلال هذا،توقف علی عدة مقدمات.إذا فسد بعضها فسد الاستدلال أو فسدت النتیجة الحاصلة منه.فلا بد أن تعرض أهم تلک المقدمات،و سنری أنها غیر تامة و ذلک ضمن النواحی التالیة:
الناحیة الأولی:أن یکون المراد من قوله(بشیء)المأمور به الجزئی لا الکلی.لأنه لو کان المراد به الکلی،خرج عن مضمون القاعدة،کما ذکرنا فی الأمر الخامس من شروط ثبوتها.
و الاستدلال بالنص علی القاعدة متوقف علی فهم الجزئی.فی حین أن السیاق فی النص نفسه واضح فی أن المراد به الکلی.لأنه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم أمر بالحج الکلی.فسأله الرجل:أ فی کل عام یا رسول اللّه.
و هو واضح فی أن المراد الإتیان بمصادیق الکلی فی کل عام.فنفی ذلک
النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم و إنما أثبته بمقدار ما هو مستطاع.
و قد ذکر بعضهم أنه یمکن أن نفهم من السیاق المعنی الجامع بین الکلی و الجزئی.فیکون من حیث إطلاقه للجزئی موافق لما هو المطلوب من مدلول القاعدة.
و جواب ذلک من وجهین:
الوجه الأول:أننا لو فرضنا اللفظ قابلا لفهم هذا الجامع،فإن القرینة المتصلة،و هو مورد السؤال ینفیه.
فإن قلت:إن المهم فی الجواب هو کونه منطبقا علی السؤال و لو بإطلاقه.فإذا فهمنا منه الجامع کان منطبقا.فلا منافاة بین السؤال و الجواب عندئذ.
قلنا:ظاهر کل جواب أن یکون بمقدار السؤال.و أما أن یتبرع المجیب بالتعرض لأمور لم تقع فی السؤال،فهذا هو خلاف الظاهر العرفی.و ما تقوله إنما هو من هذا القبیل لأن السؤال عن الکلی.فالتعرض للجزئی یکون تبرعا محضا،فلا یکون ظاهرا من السؤال.و لا أقل من الاحتمال الدافع للاستدلال.
الوجه الثانی:أنه یمکن نفی وجود جامع عرفی بین الکلی و الجزئی،بل تنفیه من جهة العقل أیضا.
و ذلک:لأن الکلی إنما هو جامع بین الجزئیات فلا معنی عرفا لاقتناص جامع آخر فی طوله.و أما عقلا،فلأنه علی فرض وجوده فهو جامع انتزاعی و الجامع العقلی لا یکون إلاّ حقیقیا.
إذن،فالمأمور به الجزئی،لا یکون داخلا فی مضمون سیاق العبارة لیکون دالا علی قاعدة المیسور.
الناحیة الثانیة:إن المراد من حرف الجر(من)التبعیض،دون غیره من
المعانی.و هذا صحیح.إلاّ أنه لا ینفع فی الاستدلال علی القاعدة.لأنه سواء کان المراد من(شیء)ما هو کلی أو ما هو جزئی،یتعین أن یکون مدلول الحرف هو التبعیض.فإنه کما أن الجزء بعض الکل کذلک الجزئی بعض الکلی عرفا.
نعم،لو کانت الدلالة علی التبعیض أقرب ظهورا إلی الجزئی لکانت قرینة علی المطلوب المشهوری و لکنها لیست کذلک.
الناحیة الثالثة:إن المراد من التعذر،تعذر الأجزاء من(الکل)لا تعذر المصادیق من(الکلی).
و إذا کانت العبارة دالة علی ذلک بوضوح،فإنها تکون قابلة للقرینیة علی کون المراد من(شیء)الکل و لیس الکلی.إلاّ أن الأمر لیس کذلک.
فإن هذه الاستفادة فی طول تلک الاستفادة.یعنی أننا إذا استفدنا من (شیء)الکل،کان التعذر لأجزائه.و إذا استفدنا منه الکلی کان التعذر لجزئیاته و مصادیقه.و إذا استفدنا من الجامع بینهما کان التعذر لهما معا.
فلیس لهذه العبارة المتأخرة فی النص قرینیة علی العبارة المتقدمة،بل العکس هو الصحیح.لأننا استفدنا من(شیء)معنی الکلی و لیس معنی الکل،فلا بد أن نحمل التعذر علی تعذر المصادیق دون الأجزاء.یعنی أن المکلف لم یستطع أن یحج فی بعض السنین.فبمقدار ما تعذر علیه یکون ساقطا عنه.
و هنا أورد التنبیه إلی ما لعله أصبح واضحا للقارئ اللبیب أنه لو تمت هذه الروایة سندا،کما قرّبه بعضهم و لو باعتبار عمل المشهور بها.لکان اللازم وجوب الحج کلها حصلت الاستطاعة.و إنما یسقط من الحج فی کل سنة بمقدار ما یتعذر منه.و إلاّ لو أمکن الحج کل سنة أو فی کثیر من السنین لوجب.
و هذا المضمون واضح من السیاق.و هو قطعی العدم فقهیا و متشرعیا.
إذ لا یجب الحج بالاستطاعة إلاّ مرة واحدة فی العمر.و حمله علی الاستحباب فی الروایة غیر محتمل أیضا،لوجود قرینتین علی الوجوب.
إحداهما:قوله صلّی اللّه علیه و آله و سلّم:لو قلت نعم،لوجب.مع کون السیاق دالا علی قوله:نعم،فیما استطاع الفرد من مصادیق الحج و لو فی عدد من السنین.فیکون کل ذلک واجبا.
ثانیتهما:قوله:فأتوا.و هو ظاهر فی الوجوب.کما یقال فی أمثاله فی علم الأصول.فتکون النتیجة أنه مع استطاعة الحج عدة مرات.فإنه یتعین الإتیان به مکررا.
و حیث أن هذا غیر محتمل فقهیا،فیکون هذا المضمون مسقطا للروایة سندا أو مخرجا لها عن الحجیة أساسا.حتی لو کانت تامة السند فی نفسها،فکیف ما إذا لم تکن کما هی علیه الآن.
الناحیة الرابعة:و هی بمنزلة النتیجة لو تنزلنا و قللنا المقدمات التی اختارها المشهور فی النواحی الثلاث الأولی.و هی وجوب الإتیان بما بقی ممکنا بعد تعذر الإتیان بالمجموع،المأمور به شرعا.أی أن المراد من(ما)فی قوله(ما استطعتم)الموصول،بمعنی المقدار الذی استطعتم.و لیس الظرفیة،أو المصدریة و نحوها من معانی هذا الحرف.
و هذا هو الأظهر فعلا من هذا الحرف.فتکون النتیجة بعد التنزل مما سبق صحیحة.غیر أننا نرید التنبیه علی تعذر الجمع بین حمل الروایة علی الاستحباب فی طرف(الکل)الذی هو مفاد قاعدة المیسور.
فإننا إن حملناها علی الوجوب فی(الکل)تعین ذلک فی(الکلی) أیضا.و هو غیر محتمل.و إن حملنا علی الاستحباب فی(الکلی)تعین حمله علیه فی طرف(الکل)أیضا،فیسقط الاستدلال بالروایة.لأنه یکون دالا علی استحباب الإتیان بالباقی بعد تعذر بعض أجزائه.و المشهور یرید إثبات الوجوب لا الاستحباب.
و هذا واضح باعتبار وحدة السیاق فی النص کله.أو قل:إن صیغة الأمر واحدة(فأتوا)فی کل من الجانبین الکل و الکلی.و خاصة إذا تصورنا جامعا بینهما.فما ذا سوف یکون حکمه هل هو الوجوب أم الاستحباب؟ فیقع الفقیه فی تهافت.
هذا مع لزوم الانتباه إلی نکتة أخری.و هی أن قوله صلّی اللّه علیه و آله و سلّم:(فأتوا)لیس بظاهره أمرا استعلالیا کما یمیل المشهور إلی فهمه و لو ارتکازا-لأنهم لم یتعرضوا إلی ذلک-بل هو أمر طریقی.و یکون وجوب الامتثال إنما هو باعتبار الأمر الأول لا هذا الأمر الطریقی الطولی.و هذا واضح من سیاق قوله:إذا أمرتکم بشیء فأتوا به ما استطعتم.أی فأتوا به طبقا للأمر الأصلی أو الأول.لا باعتبار هذا الأمر الثانی.
و تطبیقه علی الحج واضح،فإنه إنما یجب مکررا-کما هو ظاهر الروایة علی ما سبق-طبقا للأمر الأصلی بالحج،باعتبار وجوبه فی کل عام تحصل الاستطاعة فیه.لا طبقا لهذا الأمر الطریقی الطولی.و هو قوله (فأتوا).
إلاّ أن هذا متعذر فی جانب فهم المشهور.و هو أن نفهم من(النسیء) المأمور به الکل،لنقول بوجوب الإتیان بالبعض الممکن بعد تعذر البعض الآخر.فإن هذا لا یکون بالأمر الأول لوضوح سقوطه بتعذر المجموع.و إنما یکون بالأمر الثانی الطولی و هو قوله(فأتوا).و هذا یعنی أن قوله:فأتوا.
أمر استدلالی نفسی و لیس طریقیا.إذ لو کان طریقیا لم یصلح للحرکیة بعد سقوط أصله.
و یلزم من ذلک أنه مع حمله(الشیء)علی الکلی یکون هذا الأمر طریقیا،و مع حمله علی(الکل)یکون استقلالیا،و هو باطل.لتعذر الجمع بینهما،کما هو مذکور فی محله،و لا جامع بینهما،و لو تصورناه فهو لیس أمرا یجب طاعته بل هو مفهوم انتزاعی لا محرکیة فیه.
فالنتیجة أن المراد بالشیء فی هذا النص هو المأمور به الکلی.کالحج
المذکور فی الروایة.و المراد بالأمر(فأتوا)الأمر الطریقی دون الاستقلالی.
فلا یتم فهم قاعدة المیسور کما أراد المشهور.
هذا هو الکلام فی فهم النص الأول.
و أما النص الثانی:و هو قوله:المیسور لا یسقط بالمعسور.
فتقریب فهم قاعدة المیسور منه:أن الجزء المیسور و الممکن من الواجب لا یسقط بتعذر الجزء الآخر و تعسره.فیجوز ترک ما هو متعذر،و یجب الإتیان بما هو متیسر.
و هذا واضح فی أذهان المشهور جدا.حتی أسموا هذه القاعدة باسمه.
و استفادوها من هذا النص بالتعیین.کأنه آیة فی الکتاب أو روایة ذات اعتبار.
و الاستدلال علی هذه الصورة یتوقف علی عدة مقدمات،إن تمت کلها تمت القاعدة،و إلاّ یطلب.نذکر کل واحدة فی ناحیة من الکلام.
الناحیة الأولی:صحة و اعتبار سند هذه الروایة.
و قد سبق أن قلنا إنها غیر معتبرة.و تکلمنا عن بعض المناقشات.
الناحیة الثانیة:أن یکون المراد بالمیسور و المعسور:الجزئی لا الکلی.
لوضوح إمکان کلا الأمرین بدویا:
أولا:أن نفهم منها(الجزئی)کما هو الموافق مع المشهور یعنی إذا تعذر البعض الجزئی من واجب جزئی فیجب الإتیان بالبعض الآخر.و هو مضمون قاعدة المیسور و یتوقف فهمها من النص علی خصوص هذا المعنی.
ثانیا:أن نفهم منها(الکلی)یعنی إذا کان المأمور به کلیا کالحج أو الصوم أو نحوهما،و تعذرت بعض مصادیقه أو بعض حصصه الکلیة.
وجب الإتیان بالباقی طبقا للأمر الأصلی.فإن ما یسقط إنما هو باعتبار
التعذر فلا موجب لسقوط الحصص الباقیة غیر المتعذرة.
و إذا دار الأمر بین هذین الفهمین لزم للمشهور أن یستدل علی تعین الفهم الأول.لکی یتم فهم القاعدة أن مع صحة الفهم الثانی تکون الروایة أجنبیة عن ذلک.و کذلک لو تردد الأمر بین الفهمین.إذ تکون الروایة بحمله بالنسبة إلی أی منهما.فلا تکون ظاهرة بالطریق الموصل إلی فهم القاعدة.
نعم،لو فهمنا الجامع بین الکلی و الجزئی،کما سبق أن حاوله البعض فی النص السابق.أمکن التمسک بإطلاقها للجزئی للدلالة علی القاعدة.
إلاّ أننا سبق أن برهنا علی تعذر ذلک عرفا و عقلا.فیتعین الإجمال،أو الحمل علی خصوص الکلی.و علی کلا التقدیرین لا یبقی مجال لاستفادة القاعدة.
نعم،لو کانت ظاهرة بخصوص الجزئی،لکان الفهم المشهوری متعینا.
إلاّ أننا یمکن أن ننکر ذلک لأنه لا یکون إلاّ بتقدیر مضاف هکذا:لا یسقط الجزء المیسور بتعذر الجزء المعسور.بحیث تکون هاتان الصفتان صفة للجزء لا لأصل الواجب.بخلاف ما إذا حملناها علی الکلی فإنهما تکونان صفة لأصل الواجب.
الناحیة الثالثة:أن نفهم من عدم السقوط المذکور فی الروایة فی قوله (لا یسقط)عدم سقوط الأمر الأصلی.لعدم وجود أمر آخر بالباقی (المیسور)فی هذا النص بخلاف النص السابق الذی قال:فأتوا منه ما استطعتم.إذن فلا یجب الإتیان بالباقی إلاّ باعتبار عدم سقوط الأمر الأصلی.
و هذا أمر غیر محتمل کما هو مقدر فی علم الأصول.لأن تعذر البعض یلازم تعذر المجموع.و تعذره یعنی تعذر المأمور به.و مع تعذره یسقط الأمر لا محالة.لاستحالة بقاء الأمر بعد تعذر متعلقة،لاستحالة توجیه الأمر إلی العاجز و الأمر بما لا یطاق.
و قد یخطر فی الذهن:بأن هذا و إن کان صحیحا علی القاعدة إلاّ أنه لا ینطبق علی محل الکلام.لأننا نستفید من هذا النص نفسه تنزیل ذلک الأمر الساقط المعدوم منزلة الموجود.لأنه یقول لا یسقط.و فاعله هو الضمیر العائد إلی الوجوب.کأنه قال:لا یسقط وجوب المیسور بسقوط وجوب المعسور.فهو یخبرنا عن وجوده.فیکون هذا إتیانا تعبدیا للوجوب شرعا.و إن اقتضت القاعدة سقوطه.
و جوابه:أن الوجوب الذی أخبرت الروایة بثبوته للمیسور بعد سقوط المعسور أحد أمرین:إما الوجوب الأصلی-کما سبق-و إما الوجوب الضمنی المتعلق بالجزء المیسور.کما هو الأظهر من العبارة،حین یقول بالمعنی:لا یسقط وجوب الجزء المیسور.فقد نسب الوجوب إلی الجزء لا إلی الکل.و کلا الأمرین غیر محتمل،فتسقط إفادة الروایة للقاعدة.
أما تعلقه بالوجوب النفسی الأصلی،فخلاف الظاهر لعدة أمور:
الأمر الأول:أن یستفاد من السیاق التنزیل،یعنی تنزیل الأمر المعدوم منزلة الموجود.و هو خلاف الظاهر،لأن التنزیل مئونة زائدة تحتاج إلی قرینة واضحة و هی منتفیة.
الأمر الثانی:ما أشرنا إلیه قبل قلیل من أن الأظهر من سیاق الروایة استفادة الأمر الضمنی بالجزء لا الأمر الاستعلالی.
الأمر الثالث:إن اصطلاح السقوط بمعنی انعدام الأمر و زواله نتیجة للتعذر أو الامتثال،لم یکن موجودا فی صدر الإسلام،و لا یمکن حمل النص المتقدم علی المعنی المتأخر.
و إنما یصح معنی السقوط فی النص،فیما إذا حملنا(المیسور و المعسور) علی معنی الکلی لا علی معنی الکل.الذی یرید المشهور فهمه و یتوقف علیه فهم القاعدة.بل سیکون معنی السقوط هنا بمنزلة القرینة المتصلة للنافیة لفهم القاعدة،و التی تجعل السیاق متعینا بالکلی دون الکل.
و أما تعلق الوجوب بالجزء المیسور،و هو الوجوب الضمنی.و یکون المراد من النص بقاءه بعد سقوط الوجوب الضمنی للمعسور.
فهذا أسوأ احتمالات الآخر لعدة وجوه نذکر منها:
أولا:إن هذا الوجوب مما یثبت فی طول الوجوب الأصلی.أو قل:إنه من انحلالات الوجوب الأصلی نفسه،و بعد أن نسلم-کما هو مقتضی تسلسل هذه الفکرة-بسقوط الوجوب الأصلی لا بد لنا أن نسلم بسقوط انحلالاته أیضا أو معلولاته.
ثانیا:إن الوجوب الضمنی لا یحتمل أن یتحول إلی وجوب استعلالی، کما یرغب المشهور.إذ مع بقاء الجزء المیسور وحده،سیکون أمره استعلالیا،علی الفرض.و هذا التحول یحتاج إلی قرینة مفقودة.و الحمل علی التنزیل بهذا المعنی أسوأ حالا من التنزیل بالمعنی السابق.
فهذا هو حاصل الکلام فی فهم النص الثانی.
و أما النص الثالث و هو قوله:ما لا یدرک کله لا یترک کله.
فتقریب دلالته علی القاعدة طبقا لفهم المشهور بعد التنزل عن ضعف سندها،مع الالتفات إلی أن أخذ المشهور بها غیر جابر لسندها لنکتة خاصة و هی أن المشهور إنما أخذ بالنص الثانی و اعتبره هو العمدة فی استفادة قاعدة المیسور دون التعین الأول و الأخیر.فیبقی هذان النصان غیر مأخوذ بهما من قبل المشهور.
فإن کان هناک أخذ بهما،فإنما هو باعتبار المعنی الإجمالی الموافق لقاعدة المیسور و لیس أکثر من ذلک.یعنی:لیس أخذا بهما بوجودهما التفضیلی،لوضوح اختلاف النصوص الثلاثة بکثیر من الظواهر.فقد أخذ المشهور من ظواهر النصین المشار إلیهما بما یوافق النص الثانی و أهملوا الباقی.و مثل هذا الأخذ لم یثبت کونه جابرا للسند،بعد العلم کونه إجمالیا أو تحلیلیا.و إن قلنا بأن سقوط البعض عن الحجیة لا ینافی بقاء
الباقی علیها.إلاّ أن هذا المورد،عکس ذلک،فإن الأخذ بالبعض لا یکون جابرا بالمضمون التفضیلی للروایة بأی حال.
و تقریب الدلالة علی قاعدة المیسور کما یلی:
أن نفهم من ما معنی:الموصولة لا غیرها من معانی الأداة.و نفهم أن المراد منها(الکل)لا الکلی.علی ما سبق من معناهما.و هو الواجب الجزئی الذی یتعذر بعضه فیجب الإتیان بالباقی.و هو معنی(ما لا یدرک کله)أی لا یمکن الإتیان به کله،لتعذر بعض أجزائه.
و لا یقال:إن قوله:یدرک ظاهر بالإدراک بمعنی الإحساس.لا(الإمکان) کما هو مقتضی فهم المشهور.فیکون النص بعیدا عن فهم القاعدة.
فإنه یقال:إن هذا غیر محتمل لأن الوضع الأصلی له إنما هو لإدراک الدابة الشاردة و هو الوصول إلیها و الحصول علیها.فیکون ذلک مناسبا مع کلا الشکلین:الإحساس و الفعل.فإذا قامت قرینة علی أحدهما تعین.
و یکفی هنا قرینة معینة للفعل دون الإحساس هو قوله:یترک.فإنه مقابل الفعل دون الإحساس.فیتعین فهمه.
و قوله:لا یترک.إما أن یراد به النهی أو النفی.و علی کلا التقدیرین یراد به جعل الوجوب الفعل.أما إذا أرید به النهی فواضح لأنه نهی عن الترک فیکون أمرا بالفعل.و أما أن أرید به النفی،فلأجل ما قیل فی علم الأصول من کون الجملة الخبریة أوضح فی فهم الوجوب من الأمر أو صیغة أفعل فیکون ذلک من هذا القبیل.
و قوله:کله.یعنی کل الأجزاء علی الإطلاق بحیث یلازم ترک ما هو ممکن منها أیضا.فیکون هذا منهیا عنه.فیکون المعنی وجوب الإتیان بالممکن،و هذا هو مضمون القاعدة،کما فهمها المشهور.
إلاّ أن هذا قابل للمناقشة من عدة وجوه:
الوجه الأول:إمکان أن یراد بما الموصولة(الکلی)الذی تعذرت بعض
مصادیقه،لا(الکل)الذی تعذرت بعض أجزائه.فلا یمکن استفادة القاعدة منه،کما سبق فی أمثاله.و خاصة بعد أن منعنا عن إمکان تصور الجامع بین الکلی و الکل،کما زعمه بعضهم.
إلاّ أنه یمکن الجواب علی ذلک،بأن فی النص نفسه ما یدل علی إرادة (الکل)دون الکلی.و هو قرینتان:
إحداهما:قوله:کله.فإن التعبیر العرفی بذلک إنما هو عن الکل (الکل)الذی له أجزاء لا عن الکلی الذی له جزئیات و مصادیق.فإنه لا یقال عرفا عن الکلی:کل الکلی إذ أن انبساط الکلی و شموله لمصادیقه غیر مدرک بوضوح فی الأذهان العرفیة.فلا یری له(کلا)لا مجازا و لا حقیقة.بخلاف المرکب الجزئی من عدة أجزاء.
ثانیتهما:قوله:یترک کله.فإن الترک إنما هو باعتبار الأجزاء لا باعتبار المصادیق.لأن إطلاق الترک علی إهمال بعض المصادیق لیست عرفیا،و لا أقل من أن نزعم أن الآخر أوضح فی ذهن العرف بحیث یکون هو المتظهر من العبارة.
الوجه الثانی:أن الاستدلال بالنص یتوقف علی أن یکون المراد من ما الموصولة:متعلق الحکم بالشرعی أو المأمور به.و أما إذا لم یکن کذلک فتکون خارجة عن حریم الشریعة،فلا تکون دلیلا علی شیء من القواعد.
و من المعلوم أنه لا نجد فی النص دلیلا مطابقیا علی أن المراد دخولها فی حیز الشریعة،بخلاف النصوص السابقة کالتی یقول فیه:ما أمرتکم به.
أما هذا.فلا.
و قد یجاب علی ذلک:إنه ثبت فی علم الأصول:أن الأصل فی کل ما یقوله المعصومون هو التشریع ما لم تتم قرینة علی الخلاف.و المورد من جملة ذلک.
الوجه الثالث:إن الاستدلال بالنص یتوقف علی أن یکون المراد الحکم
الإلزامی لا مطلق الرجحان.و الإلزام مما لا یظهر من العبارة.بل لعل الأظهر خلافه،لأن العبارة تستقیم أکثر حین نقول فی قوله:لا یترک کله إنه لا ینبغی أن یترک کله.أو لا یرجح ذلک.فتکون العبارة بمنزلة النص علی مطلق الرجحان.
و یمکن أن یجاب علی ذلک:بأننا أشرنا فی تقریب الدلالة علی القاعدة،بأن الظهور فی الإلزام ثابت سواء حملنا(لا)علی النفی أو النهی.مضافا إلی أن التقدیر الذی أشرنا إلیه خلاف الأصل و مما لا دلیل علیه و لا قرینة فیه.
الوجه الرابع:إن وجوب المیسور یکون بأحد احتمالات ثلاثة لا رابع لها.فإذا بطلت استفادة القاعدة من الروایة.
الاحتمال الأول:الحکم الأصلی المتعلق بالمجموع.و قد سبق أن تکلمنا فی مثله،و قلنا إنه ساقط لا محالة.و لا قرینة فی السیاق علی وجود تنزیله بمنزلة الموجود.
الاحتمال الثانی:الحکم الضمنی المتعلق بالجزء أو الأجزاء المتیسرة نفسها.و قد سبق أن قلنا بتعذر ذلک لأنها تسقط بسقوط الأمر الأصلی و لا یمکن استمرارها مع سقوطه،لأنها معلولة له أو انحلالیة منه،و علی کلا التقدیرین یکون استمرارها غیر ممکن إما عرفا أو عقلا.
الاحتمال الثالث:الحکم المستفاد من هذا النص نفسه.أعنی قوله،ما لا یدرک کله لا یترک کله.فإذا بطل الاحتمالان السابقان توقف الاستدلال للقاعدة علی هذا الاحتمال الثالث.فینبغی للمناقش إبطاله لتسقط استفادة القاعدة تماما.
إلاّ أن الإنصاف أنها دالة علی ذلک فی قوله.لا یترک.یعنی لا یجوز ترک الممکن بعد تعذر الباقی.و هو غیر منطوق قاعدة المیسور.
إلاّ أن الکلام فی أن هذا الحکم استعلالی أو طریقی یعنی إشارة إلی
الحکم الأصلی.کما أشرنا فی مثله مما سبق من النصوص.
و الاستقلالیة،و إن کانت هی الأظهر فی نفسها.إلاّ أن الأظهر من قرائن السیاق هنا هو الطریقیة.یعنی:أنه لا یترک لأنه واجب بالأصل،و لیس ذلک لوجوب جدید مجعول علیه.
فإذا علمنا أن ذاک الوجوب یکون ساقطا مع تعذر البعض و لا یستفاد منها التنزیل،إذن یتعذر کونها دالة علی وجوب المیسور.إلاّ أن نستفید فی طول نفی الاستقلالیة و إثبات السقوط،شکلا من أشکال التنزیل.و تمام الکلام فی محله.
و علی أی حال،فیکون هذا النص الثالث أقرب إلی مضمون القاعدة من النصین الأولین،حتی الثانی الذی اختاره المشهور و سمی القاعدة به.
فإن هذا الثالث أظهر منه بعد أن دفعنا عنه سائر الإشکالات أو أکثرها.
و لم یمکن ذلک فی النص السابق،إلاّ أن الإشکال الأساسی إنما هو فی السند.
سمعنا أن الفقهاء اعتبروا المصداق الأمثل و المثال الأفضل لهذه القاعدة:
الصلاة باعتبار وضوح وجوب الباقی بعد تعذر بعض الأجزاء.و قد سبق أن ناقشناه فی ذلک بما فیه الکفایة،و علمنا أن الصلاة فی غنی عن مثل هذه القاعدة التی لم تثبت بدلیل معتبر.
مضافا إلی إشکالات أخری أهمها:أن المقدار الممکن من الصلاة،إن کان عرفا میسورا من المجموع المتعذر.أمکن اندراجه فی القاعدة.و لکنه أحیانا لا یکون کذلک بل یکون علی أسالیب أخری ککفایة التسبیحة الواحدة عن الرکعة أو کفایة النیة القلبیة عن اللفظ و الحرکة.و کل ذلک لیس من سنخه لا عرفا و لا عقلا،فلا یکون من قبیل المیسور منه،بکل المعانی السابقة العقلیة و العرفیة و الشرعیة.إلاّ إذا استفدنا من الشرع دلیلا
علی تنزیله منزلة الکامل.و هذا موجود فعلا،فیکون بنفسه کافیا للحکم بالأجزاء بغض النظر عن هذه القاعدة.
و کذلک الحال فی الحج.حیث قلنا بأنه إذا تعذر بعض الحج لم یجب الباقی،و انکشف کون الفرد غیر مستطیع فی علم اللّه.سواء کان یعلم بذلک سلفا أو علم به بعد شروعه.و لو کانت هذه القاعدة کاملة سندا و دلالة للزم الفقهاء القول بوجوب المیسور من الحج.لفرض شمولها لکل الموارد.
و هذا فی الصوم أوضح،فلو تعذر صوم بعض النهار کان مقتضی القاعدة سقوط وجوب کله،لا وجوب الباقی بخلاف ما لو کانت هذه القاعدة تامة و استفدنا منها تنزیل الناقص منزلة الکامل.فإن النهار و إن کان مترابط الأجزاء فی الأمر بصدقه.إلاّ أننا فی طول التنزیل نعلم بکفایة ترابط المیسور منه عن المعسور.
کما أن ذلک واضح فقهیا فی الکفارات و الدیات و الحدود و غیرها،إذ مع تعذر البعض لا یکون الباقی واجبا أو لا یکون مجزیا.و نحوه فی شهادة للبینة إذ مع تعذر الشاهدین العادلین،لا یکون الواحد کافیا و لا منزلا منزلة الاثنین.
و کذلک الحال فی بعض الطهارات الثلاث.إذ مع تعذر بعض أجزاء الوضوء أو الغسل،ینتقل الحال إلی التیمم،لا أنه یجب الباقی أو یکون مجزئا عنه.و کذلک الحال فی التیمم مع تعذر بعضه.
و إنما خصّ الفقهاء مورد القاعدة من الطهارات الثلاث بموردین:
المورد الأول:ما إذا کان بعض أعضاء الوضوء مقطوعا.و تعذر غسله من أجل ذلک.فأفتوا بوجوب غسل الباقی،إذا کان عضوا کاملا أو مقدارا معتد به منه.بخلاف ما لو بقی محل المسح فقط.فإنه لیس (میسورا)من مجموع الوضوء بکل تعریفاته السابقة.
المورد الثانی:فیما إذا تعذر وضع السدر أو الکافور أو هما معا فی أغسال المیت فإنه یغسل بالماء القراح أی الصافی بدلا عنه.تمسکا بهذه القاعدة.
و کلا الموردین أقرب إلی الصحة فی النتیجة.إلاّ أن فی کونهما مصداقین للقاعدة إشکالا واضحا من الناحیة الفقهیة الاستدلالیة،بل کل منهما ورد فی دلیل خاص به.لا نحتاج معه إلی القاعدة.و لیس هنا محل سرد.
نذکر الآن بشیء من الاختصار بعض الموارد التی وعدنا بذکرها فی مقدمة هذا الفصل،مما یکون محتمل الشمول لهذه القاعدة لو تمت و صحّت.فی حین أنه خارج القدر المتیقن من موردها کما أشرنا و سنوضحه أیضا.
و ذلک فی عدة موارد:
المورد الأول:أن الفقهاء یعتقدون أن القدر المتیقن من هذه القاعدة هو العبادات.فهل تکون شاملة للمعاملات أم لا.
و یتم الکلام فی ذلک علی صعیدین:
الصعید الأول:أنه لا دلیل علی کون العبادات هی القدر المتیقن من القاعدة.مع أن کل النصوص الثلاثة السابقة یمکن أن تکون مطلقة لها و لغیر کالمعاملات.
و لکن یمکن تقریب ذلک بأحد شکلین:
الشکل الأول:ورود النص الأول من الثلاثة السابقة فی مورد الحج و هو عبارة.فیکون قرینة متصلة علی الإطلاق الوارد فی نفس الروایة.و قرینة منفصلة علی الإطلاق الوارد فی نفس الروایة.و قرینة منفصلة علی الإطلاق الوارد فی النصوص و الروایات الأخری.و جوابه أن هذا إن تمّ بنحو القرینة المتصلة،لا یتم بنحو القرینة المنفصلة.لعدم الدلیل علی القرینیة أصلا فی النصین الأخیرین،و إمکان التمسک بإطلاقهما.
بل حتی فی مورد نفس الروایة،فإننا لو قصرناها علی الحج سقطت بالمرة،لأنها فی مورد الحج غیر صادقة جزما کما قلنا،فلا یبقی لها شمول للعبادات فضلا عن المعاملات.
علی أن السیاق واضح فی ضرب القاعدة العامة خارج المورد و هو الحج لأنه یقول:ما أمرتکم بشیء فأتوا منه ما استطعتم.و لا یراد بالشیء خصوص الحج یقینا.و لا یصلح ذکره للقرینیة إطلاقا.
الشکل الثانی:ورود لفظ الأمر بنفس القاعدة لأنه قال:ما أمرتکم بشیء.و العبادات مأمور بها و أما المعاملات فغیر مأمور بها لعدم وجوب إنجازها بالعنوان الأولی.
و جواب ذلک:أن لفظ الأمر وارد فقط فی النص الأول دون النصین الآخرین.فیمکن التمسک بإطلاقهما.و خاصة بعد أن عرفنا أن النص الثالث هو الأرجح فی استفادة القاعدة،و لا قرینة فیه علی الاختصاص بالعبادات.
إذن،فإطلاق القاعدة،شامل للعبادات و المعاملات معا.و لیست العبادات هی القدر المتیقن علی أی حال.غیر أن الإشکال فی المعاملات سیأتی من ناحیة أخری.
الصعید الثانی:عدم إمکان شمول القاعدة للمعاملات بعدة تقریبات، نذکر أهمها:
التقریب الأول:أن هذه القاعدة إنما تشمل الأمر المرکب من أجزاء، بحیث إذا تعذر بعضها وجب الباقی.و هذا إنما یتوفر فی العبادات المرکبة کالطهارات الثلاث.
و أما المعاملات،فهی تنقسم إلی قسمین سبب و مسبب.أما السبب فهو العقد الحاصل بین الطرفین و أما المسبب فهو نتیجة ذلک العقد کملکیة البائع و المشتری ما انتقل إلیه من البضاعة،نتیجة لصحة العقد.
أما السبب،فهو مرکب إما من جزءین ظاهریین و هما الإیجاب و القبول أو من جزءین نفسیین و هو الرضا المتقابل للطرفین و نحو ذلک.و هذا و إن کان مرکبا،إلاّ أن القاعدة لا تشمله،لعدم احتمال الاجتزاء بواحد مع تعذر الآخر،بحیث یکون العقد إیجابا بلا قبول أو قبولا بلا إیجاب.فإنه عندئذ یکون باطلا جزما.و لا یحتمل تخریج صحته بقاعدة المیسور.
و أما المسبب و هو الملکیة،فهی أمر بسیط واحد لیس بمرکب و إنما یدور أمره بین الوجود و العدم.لا بین الصحة و الفساد.فلیس عندنا ملکیة فاسدة،بل إذا فسد العقد زال أثره و لم تترتب علیه الملکیة.
و هی من حیث کونها أمرا بسیطا غیر مرکب من أجزاء لا یکون مشمولا للقاعدة،لأننا قلنا من أنها تختصر بالمرکبات.
فإن قلت:إن هنا ملکیتان ترتبان علی العقد إحداهما ملکیة البائع و الأخری ملکیة المشتری،فیمکن أن تشمله القاعدة بهذا الاعتبار.
قلنا:إن فی ذلک جهلا بموضوع القاعدة،فإن موضوعها هو المرکب المترابط کالوضوء و الغسل،بحیث إذا نقص جزء منه عمدا بطل المجموع.
فما ذا إذا نقص عجزا عنه.أما هاتان الملکیتان،فلیستا مربوطتان ببعضهما.
بل وجود کل منهما مستقل عن الآخر.و لا یحتمل وجود إحداهما دون الأخری إذ لو کان العقد صحیحا و جدا معا و إن فسد زالتا معا.و لیس أنه قد ینال العجز أحدهما و تبقی الأخری لینالها إطلاق القاعدة.و یکون أحدهما بمنزلة المیسور و الآخر بمنزلة المعسور.
التقریب الثانی:إننا قلنا فی شروط القاعدة.إنها إنما تکون شاملة و عاملة فی صورة احتمال وجود الأثر للباقی دون ما إذا لم یکن هذا الاحتمال قائما.و الأمر فی المعاملات علی ذلک إذ لا یحتمل تأثیر الباقی بعد العجز عن البعض و إنجازه لأی حکم وضعی أو إجزائه عن أی حکم تکلیفی.
فإن قلت:فإن الفقهاء طبقوا القاعدة علی ما إذا کان البائع أخرس و نحوه.فإنهم اکتفوا منه بما یمکنه من إیقاع العقد،و هو القصد القلبی و الإشارة.
قلنا:هذا و إن کان موضوعا للقاعدة من ناحیة هذا الشرط،إلاّ أن شرطا آخر من شروطها غیر متوفر فیه.و ذلک أننا قلنا إنها إنما تنفع فیما لا یوجد فیه دلیل آخر.و فی بیع الأخرس و نحوه یوجد دلیل آخر،فإنه منصوص بالسنة الشریفة،مضافا إلی کونه عقدا عرفیا فیکون مشمولا لقوله تعالی أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .و قوله تعالی تِجارَةً عَنْ تَراضٍ .فلا یختص دلیله فی القاعدة.أو أنه لیس مثالا منحصرا لها.
التقریب الثالث:إن شرطا آخر من الشروط السابقة أیضا،غیر متوفر فی شمول القاعدة للمعاملات.
و ذلک:أننا قلنا إنها لا بدّ أن یکون الباقی بمنزلة المیسور لذلک المجموع الذی أصبح متعذرا بتعذر جزئه.
ففی المعاملات إذا تعذر القبول مثلا،فهل یبقی الإیجاب(میسورا) بالنسبة إلی مجموع العقد؟ هذا متوقف علی معنی المیسور.و قد أعطینا له عدة معانی.کان أفضلها صدق العنوان السابق علی ما هو ممکن کصدق الصلاة علی ثلاث رکعات مع تعذر الرابعة.و هذا المعنی غیر متوفر فی المعاملات.فإن الإیجاب وحده لیس(عقدا)أکیدا،لا بنظر العرف و لا بنظر الشارع.فلا یکون مشمولا للقاعدة.
التقریب الرابع:أن شرطا آخر من الشروط السابقة أیضا،غیر متوفر فی شمول القاعدة للمعاملات.
و ذلک أننا قلنا إنها لا تجری فیما یدور أمره بین الوجود و العدم،و مثلنا له هناک بالصوم،الذی یوجد مع الإمساک و ینعدم مع عدمه.فالمعاملات
أیضا علی هذا الغرار سواء قصدنا منها جانب السبب و هو العقد أو جانب المسبب و الملکیة.کما هو واضح لمن یفکر،و قد سبق ما یوجب إیضاحه فلا نکرر.
فإن قلت:فإن من جملة الشروط للقاعدة کما سبق:أن یکون المتعذر (کلا)تتعذر أجزاؤه لا(کلیا)تتعذر مصادیقه،و هو متوفر.
قلنا:إن توفر هذا الشروط وحده لا یکفی فی صحة القاعدة ما لم تتوفر سائر الشروط المنطبقة علی شروط غیر هذا.
و من زاویة اشتراط أن لا یکون کلیا تتعذر مصادیقه.لا یمکن أن یقال:
إن بعض أفراد العقد إذا تعذرت أمکن إیجاد الباقی و تصح به المعاملة.کما لو عقدنا فی زمان آخر أو مکان آخر و هکذا.فإننا عرفنا أن هذا لا یکون مصداقا تاما للقاعدة،بل تصح العقود الممکنة هذه،باعتبار الإطلاقات المقتضیة للصحة فی الشریعة،کقوله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و غیرها.لا باعتبار قاعدة المیسور.کما هو واضح فی الفقه.
المورد الثانی:لشمول قاعدة المیسور.
إن القدر المتیقن منها هو الواجبات،فهل تشمل المستحبات.
و کون القدر المتیقن هو الواجبات واضح،لأن هذه القاعدة إما أن تشمل الواجبات و المستحبات معا أو تختص بالواجبات.و لا یحتمل اختصاصها بالمستحبات.فشمولها للواجبات جزئی بخلاف المستحبات.و هو معنی القدر المتیقن.
و لا أجد مانعا عن شمولها للمستحبات بکل نصوصها الثلاثة:
النص الأول:قوله:إذا أمرتکم بشیء فأتوا منه ما استطعتم.
فإننا إن حملنا مادة الأمر و صیغته علی خصوص الإلزام لم تشمل المستحبات حتما،و لکن إن حملناهما علی جامع المطلوبیة،أمکن شمول
القاعدة للمستحبات جزما.
فإن قیل:فإن المحقق فی علم الأصول هو اختصاص ذلک بالواجبات و عدم دلالته علی مطلق المطلوبیة.فتکون القاعدة مختصة بالواجبات، و غیر شاملة للمستحبات.
قلنا:نعم،هذا ثابت فی صیغة الأمر أما مادة الأمر فمن الأرجح کونها دالة علی مطلق المطلوبیة.فتشمل المستحبات.و هنا مادة الأمر مستعملة و هی قوله:إذا أمرتکم بشیء.
فإن قلت:فأما صیغة الأمر مستعملة أیضا،و هی قوله:فأتوا منه فتکون قرینة علی الاختصاص بالواجبات.لعدم احتمال العکس،من حیث أننا إذا حملنا مادة الأمر علی المستحبات لزم وجوب الباقی بعد تعذر البعض.
و هو غیر محتمل،فإن غایته هو الاستحباب أیضا.
قلنا:یمکن أن یجاب ذلک بأحد وجهین:
الوجه الأول:أننا نجعل مادة الأمر قرینة علی صیغة الأمر دون العکس.
و خاصة و أنها متقدمة فی الکلام،و ما له الصدارة فی الکلام یکون له القرینیة فیه.فتأمل.
الوجه الثانی:إن قوله فأتوا حکم طریقی کما قلنا و لیس استقلالیا، یعنی أنه تحویل علی الأحکام الأصلیة المتعلقة بالأفعال.بحیث یلزم منه کما قلنا:إن الإتیان بالباقی یکون امتثالا للأمر الأصلی لا لهذا الأمر و هو قوله:فأتوا.و قد استشکلنا فیه هناک.إلاّ أننا نتنزل هنا.
و معه فلا بد من لحاظ الأوامر الأصلیة المتعلقة بالأفعال،فإن کانت وجوبیة کان هذا وجوبیا،و إن کانت استحبابیة کان هذا استحبابیا.و لا یلزم من ذلک استعمال صیغة الأمر فی معنیین حقیقی و مجازی،باعتبار تعدد موارد الصدق و التطبیق.فتأمل.و تمام الکلام فی محله.
النص الثانی:المیسور لا یسقط بالمعسور.
حیث لم یؤخذ فیها عنوان معین من الواجب أو المستحب.بل تشمل کل ما کان میسورا و معسورا،من أی صنف کان.
فإن قلت:فإن قوله:یسقط قرینة متصلة علی إرادة خصوص الواجب، لأنه هو الذی یسقط وجوبه بالتعذر.
قلنا:إن المستحب أیضا یسقط استحبابه بالتعذر بل هو أولی بالسقوط.
و لا یحتمل بقاؤه بعد العجز.نعم لو کان ذلک محتملا،و ما لا یسقط استحبابه بالعجز عن بعضه بالمرتبة السابقة علی هذه القاعدة،یکون فی غنی عن جریانها.بل لیس موردا له لأنه فاقد لأحد شروطه السابقة.کما لا یخفی علی فطنة القاری اللبیب.
النص الثالث:ما لا یدرک کله لا یترک کله.
و إطلاقه للواجبات و المستحبات أیضا ثابت.و خاصة بعد أن اعتبرناه هو النص الأفضل فی الدلالة علی صحة القاعدة،بغض النظر عن السند.فلا یضر معه کون النص الأول أو کلا النصین الأولین محل إشکال من هذه الناحیة.
المورد الثالث:إن القدر المتیقن لقاعدة المیسور هی الواجبات أو قل:هی المطلوبات یعنی الأعم من الواجبات و المستحبات.فهل تشمل المحرمات أو المنهیات یعنی الأعم من المحرمات و المکروهات أم لا.
یمکن الإشکال فی ذلک بعدة وجوه نذکر أهمها:
الوجه الأول:أن المطلوبات تتعلق بالفعل و المنهیات تتعلق بالترک.و من الواضح أن ظاهر النصوص الثلاثة للقاعدة اختصاصها بالفعل دون الترک، فلا یکون شاملا للمنهیات.فإن ما یکون(میسورا)أو(یدرک کله)و نحو ذلک إنما هو الفعل دون الترک.
و جوابه:أننا بهذا الصدد نحتاج إلی تعمیم معین إن تمّ شمول القاعدة للمنهیات و المحرمات.و هو تعمیم معنی الفعل للترک.فإن الفعل
و إن کان وجودیا عقلا،إلاّ أنه لیس کذلک عرفا.فیکون الترک مصداقا للفعل أو حصته منه.
و بهذا اللحاظ یمکن أن یکون مشمولا للنصوص،یعنی یصدق علیه أنه (میسور)و أنه(یدرک کله).
الإشکال الثانی:إن المنهیات فاقدة لشرط من شروط القاعدة.و هو أن یکون المتعلق مرکبا.بحیث یتعذر بعضه و یبقی الباقی ممکنا للفاعل.و هذا یحصل فی الواجبات.و أما المحرمات فکلها بسیطة غیر مرکبة.و معه لا تکون مشمولة للقاعدة.
و جواب ذلک:أن أغلب المحرمات و إن کانت بسیطة.إلاّ أن بعضها یمکن أن یصدق علیه الترکیب عرفا کسرقة مجموعة أشیاء لو شرب کمیة من الخمر.فیمکن أن یکون مشمولا للقاعدة،من هذه الناحیة.
الإشکال الثالث:إن المنهیات و المحرمات فاقدة لشرط آخر من شروط القاعدة،و هو أن المورد لا یکون ثابتا بأمر آخر غیرها،بحیث یکون تاما فی المرتبة السابقة علی القاعدة و أوضح فقهیا منها.
و الحال فی المحرمات و مطلق المنهیات هو ذلک.فإن الحال فیها أنها إذا عجز المکلف عن ترکها أو عن ترک جزء منها جاز فعله.لاستحالة تکلیف العاجز بالنهی.فهو فی حالة العجز لا یکون منهیا أو قل:منهیا عنه.
فیکون فعله جائزا فی المرتبة السابقة علی القاعدة.فلا یکون هذا الشرط متوفرا.
المورد الرابع:لشمول قاعدة المیسور:
إن القدر المتیقن لهذه القاعدة هی الواجبات النفسیة أی الواجب فی نفسه بغض النظر عن غیره،فهل تشمل الواجبات التعبیریة و هی ما تجب مقدمة لغیرها،باعتبار توقف بعض الواجبات النفسیة و علیها،کالسیر إلی الحج.أم لا.
فهنا ینبغی أن یکون واضحا بالنسبة إلی المقدمات العقلیة أنه لا معنی لوجوب بعضها بعد تعذر البعض.لأنه مع تعذر البعض یکون ذی المقدمة متعذرا.و مع تعذره لا یترشح منه علی الباقی أی وجوب.و لا تصححه قاعدة المیسور،و إن صدق عرفا شمولها له باعتباره میسورا أو لا یدرک کله.إلاّ أن أساس وجوبه یکون منتفیا.
مثاله:أن یتعذر السیر إلی الحج فی قسم من الطریق و معه یکون الوصول إلی الحج متعذرا،فلا یجب السیر فی الباقی.
و أما المقدمات الشرعیة،کالطهارات الثلاث،بل قد تکون هی المثال المنحصر،فهی مشمولة له علی إشکال سبقت الإشارة إلیه.
و لا تکون مشمولة للإشکال الذی ذکرناه لوجود الإجماع بأن الصلاة لا تسقط بحال.فحتی مع فقدان الطهورین تبقی الصلاة واجبة،فکیف مع إمکان بعض أجزائها.فإذا صححنا هذا البعض بقاعدة المیسور أمکن أن یکون مشمولا للوجوب الغیری الواصل إلیه من الوجوب النفسی الذی لم یسقط مع تعذر بعض مقدمته.
إلاّ أن هذا علی أی حال،خاص بالصلاة،لأنه لم یرد فی غیرها أنه لا یسقط بحال.
و هناک تفاصیل أخری لقاعدة المیسور،ینبغی الإعراض عنها فی هذه العجالة.
قاعدة الإلزام
یرید بها الفقهاء مضمون النص القائل:ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.
و حاصله:أن للفرد المؤمن أن یلزم غیره بإقراره علی نفسه فی دینه بما یلزم به.فیرتب الأثر الشرعی علی ذلک.فیتزوج من مطلقته و یشتری من ملکه و نحو ذلک.و إن کان ذلک باطلا فی فتوی الفرد المؤمن.کما سیتضح جلیا.
أول ما ینبغی التعرض له لدی الحدیث عن هذه القاعدة هو مدارکها و أدلتها التی تثبت به شرعا.ثم ینفتح الطریق إلی النظر إلی مضمونها و إطلاقاتها.لکی نعرف بعد ذلک نتائجها و بعض مواردها.
استدل بعضهم (1)
القواعد الفقهیة ص 154. [1]
علی صحة هذه القاعدة بدلیلین:الدلیل الأول:الإجماع.فإنه ثابت لدی علمائنا المتقدمین و المتأخرین (2)، ثم استشکل علیه بأن هذا لیس هو الإجماع الذی یکون معتبرا،لأنه لیس مما یعلم منه رأی المعصوم علیه السلام.
و بتعبیر منا:إن الإجماع إنما یکون حجة فیما إذا کان تعبدیا قائما بذاته،
لا ما إذا کان معتمدا علی دلیل آخر.و سنری أن الدلیل الآخر موجود فی هذه القاعدة و هو السنّة الشریفة.إذن فالإجماع قائم علیها،و کل من أفتی بالقاعدة إنما اعتمد علی السنّة.فیکون الإجماع مدرکیا و غیر معتبر،و یکون الحساب الحقیقی مع مدرکه.
غیر أن هذا لیس بصحیح فی محل الکلام،و إن کان مقتضی القاعدة ثبوته،لأننا قلنا فی محله.من أن الإجماع إذا کانت أهمیته بمقدار أهمیة السنّة التی یعتمد علیها،فالأمر کذلک،بمعنی أنه لا یکون حجة.و أما إذا کانت أهمیة أکثر و أوضح منها و أشد رسوخا فی الارتکاز المتشرعی.فإنه یکون تعبدیا معتبرا.و لا یبعد أن یکون الإجماع هنا من هذا القبیل.إذن فهو حجة و معتبر،فی إثبات و تصحیح قاعدة الإلزام.
إلاّ أننا نعرف فی محله من علم الأصول:أن الإجماع دلیل لبی لا إطلاق له،فیجب أن یقتصر الفقیه منه علی القدر المتیقن.و لا یمکن أن یشمل الموارد المشکوکة الشمول للقاعدة.و من هنا یسقط هذا الإجماع عن المنفعة،و یکون للسنّة دورها الرئیسی هنا،للشمول و التمسک بالإطلاق.
الدلیل الثانی:السنّة الشریفة.
و یمکن تقسیمها إلی طائفتین،من حیث الدلالة تارة علی وجه القاعدة العامة،و أخری من حیث الدلالة علی موارد و تطبیقات خاصة.
الطائفة الأولی:ما دلّ من السنّة علی تأسیس القاعدة العامة فی المورد.
و هی عدة روایات:
منها:ما رواه الشیخ الطوسی فی التهذیب و الاستبصار بإسناده إلی علی بن أبی حمزة عن أبی الحسن علیه السلام أنه قال (1)
التهذیب ج 4 ص 322 و الإستبصار ج 4 ص 148.
:ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.1) 1)
و الظاهر أن الشیخ الطوسی (1)
انظر الإستبصار ج 3 ص 292.و الوسائل کتاب الطلاق.أبواب مقدماته و شرائطه باب 30 [1] حدیث 5،مع بعض الاختلاف فی السند.
ذکر نصها الکامل فی کتاب الطلاق حیث روی بنفس السند عن أبی الحسن علیه السلام عن المطلقة علی غیر السنة أ یتزوجها الرجل.فقال:ألزموهم من ذلک ما ألزموا به أنفسهم.و تزوجوهن فلا بأس بذلک.
ثم قال الشیخ بعدها (2):قال الحسن بن سماعة:و سأل عن امرأة طلقت علی غیر السنة إلی أن أتزوجها.فقال:نعم.فقلت له:أ لیس تعلم أن علی بن حنظلة روی:إیاکم و المطلقات ثلاثا علی غیر السنّة، فإنهن ذوات أزواج.فقال:یا بنی روایة علی بن أبی حمزة أوسع علی الناس.قلت:فأیش روی.قال:روی علی بن أبی حمزة عن أبی الحسن علیه السلام أنه قال:ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم و تزوجوهن فإنه لا بأس.
و نقلها الشیخ الحر (3)فی الوسائل مع اختلاف بسیط فی السند و اللفظ.
و منها:ما رواه الشیخ (4)أیضا فی التهذیب بسند معتبر عن محمد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام،قال سألته عن الأحکام قال:یجوز علی کل ذی دین بما یستحلون.
و عن الشیخ الصدوق (5)فی عیون الأخبار و معانی الأخبار بسند غیر معتبر عن عبد اللّه بن طاوس قال.قلت لأبی الحسن الرضا علیه السلام:
إن لی ابن أخ زوجته ابنتی،و هو یشرب الشراب و یکثر ذکر الطلاق، فقال:إن کان من إخوانک فلا شیء علیه.و إن کان من هؤلاء فأبنها منه فإنه عنه الفراق.قال:قلت:أ لیس قد روی عن أبی عبد اللّه علیه
السلام أنه قال:إیاکم و المطلقات ثلاثا فی مجلس،فإنهن ذوات أزواج.
فقال:ذلک من إخوانکم لا من هؤلاء.إنه من دان بدین قوم لزمته أحکامهم.
و منها ما رواه الشیخ (1)
التهذیب ج 9 ص 321-322.
فی التهذیب عن عبد اللّه بن محرز عن أبی عبد اللّه علیه السلام،قال:قلت له:رجل ترک ابنته و أخته لأبیه و أمه.فقال:المال کله لابنته.و لیس للأخت من الأب و الأم شیء.فقلت:إنا قد احتجنا إلی هذا.و الرجل المیت من هؤلاء الناس و أخته مؤمنة عارفة.
قال:فخذ لها النصف.خذوا منهم ما یأخذون منکم فی سنتهم و قضائهم و أحکامهم.قال فذکرت ذلک لزرارة.فقال:إن علی ما جاء به ابن محرز لنورا.خذ بحقک فی أحکامهم و سنتهم کما یأخذون منکم فیه.
الطائفة الثانیة:الروایات التی تکون بمنزلة التطبیق لتلک القاعدة العامة.
و هی عدیدة نذکر بعض النماذج منها:
منها:معتبرة عبد اللّه بن سنان قال (2):سألته عن رجل طلق امرأته لغیر عدة ثم أمسک عنها حتی انقضت عدتها.هل یصلح لی أن أتزوجها.
قال:نعم.لا تترک المرأة بغیر تزوج.
و روایة عبد الأعلی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال (3):سألته عن الرجل یطلق امرأته ثلاثا،قال:إن کان مستخفا بالطلاق ألزمته ذلک.
و عن عبد اللّه العلوی عن أبیه قال (4):سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن تزویج المطلقات ثلاثا.فقال لی:إن طلاقکم(الثلاث)لا یحل لغیرکم.و طلاقکم یحل لکم.لأنکم لا ترون الثلاث شیئا و هم یوجبونها.
و عن إبراهیم بن محمد الهمدانی قال:کتبت إلی أبی جعفر الثانی علیه السلام مع بعض أصحابنا،و أتانی الجواب بخطه،(یقول):فهمت ما ذکرت من أمر ابنتک و زوجها فأصلح اللّه لک ما تحب صلاحه.فأما ما ذکرت من جنته بطلاقها غیر مرة.فانظر یرحمک اللّه.فإن کان ممن یتولانا و یقول بقولنا فلا طلاق علیه لأنه لم یأت شیئا جهله.و إن کان ممن لا یتولانا و لا یقول بقولنا فاختلعها منه.فإنه إنما نوی الفراق بعینه.
إلی غیر ذلک من الروایات.
و کان فی ودّی أن أذکر التفاصیل المستفادة من هذه الروایات کلها،إلاّ أن ذلک ینافی مستوی هذا الکتاب أولا.و ثانیا:إننا عقدنا هذا الفصل لأجل استنباط القاعدة نفسها.و لیس لأجل الدخول فی التفاصیل.إذن نقتصر علی الحدیث عن الطائفة الأولی فقط.
و قد سبق فی الطائفة الأولی أن سمعنا نصوصا مختلفة و ألسنة متعددة تعرب عن هذه القاعدة.و قد اختار منها الفقهاء واحدا،و هو قوله:
ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.إلاّ أن النصوص غیر منحصرة فی ذلک فیحسن لنا الآن عرضها مع محاولة استفادة مضامینها،و الشروط التی تتضمنها موارد و جریان هذه القاعدة.
و الألسنة التی سبق أن سمعناها عدیدة:
أولا:ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.
ثانیا:ألزموهم من ذلک بما ألزموا به أنفسهم.
ثالثا:یجوز علی کل ذی دین بما یستحلون.
رابعا:من دان بدین قوم لزمته أحکامهم.
خامسا:خذوا منهم ما یأخذون منکم فی سنتهم و قضائهم و أحکامهم.
سادسا:خذ بحقک فی أحکامهم و سنتهم کما یأخذون منکم فیه.
و من الواضح أن کل اثنین من هذه النصوص الستة،ترجع إلی معنی تقریبی واحد.فتکون بمنزلة الثلاثة.نذکر فیما یلی کلا منها بعنوان مستقل.
و العمدة فیه هو الأول منهما:ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.و من الملاحظ فقهیا وجود موضوع فیه و حکم.و الموضوع یکون أسبق رتبة من الحکم.فإنه یتحدث عن إلزامین،یکون أحدهما موضوعا و هو إلزام أنفسهم بشیء من الأحکام.و یکون الآخر حکما،و هو إلزامهم بذلک من قبل الآخرین.فلا بد من الحدیث عن موضوع القاعدة مستقلا عن الحدیث عن محمولها.
أما الحدیث عن الموضوع.و هو إلزام أنفسهم بشیء.فالنقطة الرئیسیة فیه هو التساؤل عن منشأ هذا الإلزام.فإن فیه احتمالان:
الاحتمال الأول:أنهم یلزمون به أنفسهم لإلزام دینهم أو مذهبهم فیه.
و هذا هو فهم مشهور الفقهاء للقاعدة.
الاحتمال الثانی:أنهم یلزمون به أنفسهم لأجل مناشئ شخصیة أو دنیویة أو مصلحیة و نحو ذلک.
الظاهر البدوی و إن کان هو الثانی،إلاّ أنه لا یکاد یکون محتملا فقهیا لعدة قرائن اطمئنانیة:
أولا:إجماع الفقهاء علی فهم الاحتمال الأول.
ثانیا:موقف الإمام علیه السلام من حدیثه فی کونه من قبیل التشریع من أوله إلی آخره،حتی فیما کان بیانا عن غیره.فتأمل.
ثالثا:إن کل التطبیقات المرویة فی جمیع الروایات إنما هی منسوبة إلی الالتزام الدینی لا الالتزام الشخصی بأی حال.و معه یکون الاحتمال الأول
هو المتعین طبقا للمشهور.و لا یکون للالتزامات الشخصیة أی أثر.
نعم،یبقی الکلام فی وجود التزامات نوعیة غیر دینیة،و إن لم تکن شخصیة أو مصلحیة.و ذلک مثل الإلزامات الناشئة من بعض القوانین الداخلیة أو الدولیة.أو الالتزامات الناشئة من بعض القوانین الداخلیة أو الدولیة.أو الالتزامات الناشئة من مذاهب أو أدیان غیر سماویة کالبوذیة و المارکسیة و غیرها.فهل یکون شیء من ذلک مشمولا لقوله:ما ألزموا به أنفسهم.أم لا.فإذا ضممنا إلی ذلک الاحتمالات الموجودة فی داخل الفهم الدینی لهذه العبارة کانت الاحتمالات عدیدة جدا نذکر أهمها:
أولا:المذاهب الإسلامیة التی کانت فی عصر المعصومین.دون غیرها من المذاهب و الأدیان.
ثانیا:المذاهب الإسلامیة التی کانت فی عصر المعصومین.دون غیرها من المذاهب و الأدیان غیر السماویة.
ثالثا:الأدیان السماویة بکل أصنافها و مذاهبها.دون غیرها من الملل و النحل.
رابعا:الأدیان مطلقا سماویة کانت أو أرضیة،ما دامت تتخذ صفة تشبه عرفا صفة الدین.و کان هناک بعض المجتمعات المتسالمة علی صحتها.
هذا دون المذاهب و القوانین الأرضیة المحضة.
خامسا:خصوص الأدیان السماویة الثلاثة:الإسلام و النصرانیة و الیهودیة.دون غیرهم.
سادسا:إلحاق المجوسیة و الصابئة بالاحتمال السابق.
سابعا:کل دین أو مذهب سماوی أو أرضی ما دام متخذا عنصرا نظریا عقائدیا دون المذاهب التی تتبنی جهة القانون فقط.و الفرق بینهما کالفرق بین ما نسمیه باصطلاح المتشرعة بین(أصول الدین)و(فروع الدین).
ثامنا:کل دین أو مذهب أو مبدأ سماوی أو أرضی نظری أو قانونی، بشرط أن یکون له شمول اجتماعی و لا یکون شخصیا.
تاسعا:الاختصاص بعد المذاهب(النظریة)بالقوانین الناشئة من جوانب نظریة کالدیمقراطیة و الاشتراکیة،دون غیرها من القوانین،کالتی وضعت من قبل ملک معین أو دیکتاتور.فإنها عندئذ تکون أشبه بالرغبات الشخصیة.فلا تکون مشمولة للقاعدة.
إلی غیر ذلک من الاحتمالات.
و الظاهر أن المشهور یخص القاعدة بالأدیان و المذاهب التی کانت فی عصر المعصومین علیهم السّلام.و لعل من الفقهاء من یعمم إلی المذاهب الإسلامیة الأخری و إن وجدت فی عصر متأخر،ما دامت منتسبة إلی الإسلام.و لعل منهم من یقبل إدراج سائر الأدیان المعروفة و إن لم یثبت وجودها یومئذ.کالدروز و الیزیدیة و البهائیة و غیرها.مع إخراج سائر المذاهب و الاعتقادات الأخری.و خاصة الأرضی الخالص منها.
و الاستدلال علی اختیار أحد هذه الاحتمالات مما یطول.لا یناسب دخولنا فیه من هذا الکتاب.و إنما لا بدّ لنا من الاختیار المجرد عن الاستدلال.و الظاهر هو الأخیر الذی ذکرناه قبل أسطر تمسکا بإطلاق العبارة،ما لم یثبت التقیید ببعض النصوص الأخری.کما لعله تأتی الإشارة إلی بعضها.و إن کان الأحوط علی أی حال هو الاقتصار علی المذاهب الإسلامیة و الأدیان السماویة التی کان لها وجود و شهرة فی عصر المعصومین فقط.
هذا من ناحیة الفاعل فی الإلزام الذی أصبح موضوعا للقاعدة.یعنی قوله:ألزموا به أنفسهم.
و أما من ناحیة ما الموصولة فیه و هو قوله:ما ألزموا به أنفسهم.فهذا مما لا ینبغی أن یکون مشکوکا.لأن لکل منصب تعالیمه الخاصة به التی یؤمن
بها أهله و المنتسبین إلیه.فیکون مقتضی هذه القاعدة،هو جواز تحمیل أهل ذلک الدین أو المذهب نتائج تعالیم دینهم أو مذهبهم.سواء کانت موافقة مع دیننا و مذهبنا أم لا.أو قل:إنه یجوز لنا الأخذ بها حتی لو کانت مخالفة له.
و لکن ینبغی الالتفات إلی نقطة معینة فی هذا الصدد،و هی أن التعالیم المعطاة فی أی دین أو مذهب.تنقسم إلی قسمین:
القسم الأول:التعالیم التی تکون فی مصلحة أهله أو بعضهم.بحیث یکون تمسکهم به لأجل جلب النفع لهم.
القسم الثانی:التعالیم التی تکون علی خلاف المصالح الشخصیة للأفراد،کاعتقاد أنهم مدیونون أو أن زوجته مطلقة أو أن الإرث لا یصل إلیه بل إلی غیره.کل ذلک طبقا لدینه.و إن کان باطلا عندنا.
و إنما نأخذ من هذین القسمین بالثانی دون الأول.لقرینیته الإلزام حین یقول:ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.فإنهم إنما یلزمون أنفسهم بتعالیمهم التی قد تجر ضررا شخصیا علیهم.و أما التعالیم النافعة لهم فهم یتبعونها لأجل منفعتها،فهی موافقة مع أنفسهم و لیس لها أی جریه فی الإلزام أو التحمیل.
فیکون الحال هنا کقوله:إقرار العقلاء علی أنفسهم جائز.فإذا أقر أی شخص أنه مدیون لی جاز أن آخذ منه الدین و إن لم أتذکر سببه،و کان مقتضی أصالة براءة الذمة عدم الدین أیضا.إلاّ أنه یحمل نفسه المسؤولیة بالإقرار فیکون من حق الطرف الآخر الأخذ به.
فالحال هنا أیضا کذلک.غایة الفرق:أن الإقرار تحمیل علی النفس بزعم سبب دینی یخاف الفرد من تجاوزه.
مع فرق آخر محتمل،و هو أن الإقرار طرفه واحد.فی حین أن هذا الإلزام طرفه کثیرون،أو قل:کلی قابل للصدق علی کثیرین.غیر أن
الصحیح أن طرف الإقرار و إن کان واحدا بالمطابقة إلاّ أنه کلی بالحقیقة.
کالملکیة نفسها فإنها منتسبة إلی واحد،إلاّ أنه یجب علی کل البشر حفظها لصاحبها و عدم التصرف فیها بدون رضاه.فکذلک الحال فی الإقرار.فإنه منتج لکون المال المقرب ملک للآخر،فیترتب علیه کل آثار الملکیة للجمیع.
فهذه فکرة عن موضوع هذه القاعدة.
و أما من ناحیة محمولها،و هو قوله:ألزموهم الذی یعنی جواز ترتیب الأثر الشرعی علی معتقدهم و إن کان باطلا فی الحقیقة.
فالسؤال الرئیسی الذی یفرض نفسه هنا إنما هو عن فاعل هذا الإلزام الذی هو مرجع ضمیر الجماعة فی قوله:ألزموهم.
فهل هو عام لکل المذاهب و الأدیان.الأمر الذی ینتج إمکان إلزام بعض أفرادها لبعض کائنا من کانوا.أو أنه خاص بالمذاهب الإسلامیة.الأمر الذی ینتج نفس الشیء بین أفرادها.أو أنه خاص ببعضها.
الظاهر أن المقصود هو مخاطبة المعصومین سلام اللّه علیهم أتباعهم و موالیهم بذلک دون غیرهم.الأمر الذی ینتج أن هذه القاعدة خاصة بطرف واحد و لا تعم الطرفین.
بقی لدینا أمر معین و هو أننا ینبغی أن نلتفت إلی أن النص الآخر الذی رویناه لهذه القاعدة یقول:ألزموهم من ذلک بما ألزموا به أنفسهم.
فقد یقال:إن قوله من ذلک.مقید للقاعدة باعتباره إشارة إلی مورد السؤال فی الروایة،و هو خصوص المطلقة فلا یشمل الموارد الأخری.
و یکون ذلک قرینة متصلة للسیاق فی تلک الروایة،و قرینة منفصلة لغیرها.
و جواب ذلک:أننا إذا حملنا قوله(ذلک)علی خصوص مورد الروایة، أنتج الاختصاص.إلاّ أننا یمکن أن نجرد المورد عن الخصوصیة و نحمله علی المثالیة لکل مورد کان فی الطرف الآخر شکل من أشکال الإلزام له.سواء
کان طلاقا أم لم یکن.کما جردنا الخصوصیة عن هذه الأطراف المتنازعة فی الروایة إلی کل مذهب إسلامی أو دین سماوی.
فهذا هو الحدیث عن النص الأول بقسمیه.
و قد کان علی قسمین أیضا،کما سبق.و ما هو الأقرب منهما إلی مضمون قاعدة الإلزام أو قل إلی النص الأول هو القسم الثانی منه.فنقدم الحدیث عنه،ثم ننظر نسبته إلی القسم الأول.
و القسم الثانی یقول:من دان بدین قوم لزمته أحکامهم.
و من ناحیة قوله:لزمته،نعرف قرب مضمونه إلی قاعدة الإلزام.فإن الإلزام لغة و عرفا إنما یکون للأحکام التی تخالف المصلحیة الشخصیة و تکون تحمیلا علی الفرد الملزم بها.فیکون وجود هذا اللفظ قرینة علی أن المراد ذلک من قوله:أحکامهم لا أن یراد بها مطلق الأحکام سواء کانت فی جانب المصلحة الشخصیة أو ضدها.و من هنا یقترب مضمونه من قاعدة الإلزام.
بقی الالتفات إلی أمرین:
الأمر الأول:إن قوله:لزمته مطلق من حیث الفاعل-لو صح التعبیر- الذی هو الطرف الآخر للإلزام.أو قل:الملزم.فإن الأحکام ما دامت فی ذمة و مسئولیة الطرف الأول.أمکن لکل الناس مهما کانت صفتهم أن یکونوا طرفا ثانیا لها،و یحملون علیه مسئولیة إلزامه.
و هذا الإطلاق أمر معقول.إلاّ أننا من ناحیة قاعدة الإلزام سبق أن قلنا:
إن المخاطب بها هو خصوص الموالین للمعصومین سلام اللّه علیهم.فیکون ذلک بمنزلة القرینة المنفصلة لتقیید هذا النص أیضا.
الأمر الثانی:حول قوله:من دان بدین قوم.فإن القدر المتیقن منه هو
من یدین بذلک الدین بالأصل یعنی کونه مولودا من أبوین من ذلک القبیل.
و أما من دخل فی ذلک الدین من الخارج،کما لو أصبح المسیحی یهودیا أو الیهودی مسیحیا أو المسلم منتمیا إلی إحدی هاتین الدیانتین.فهل یکون مشمولا للنص.بمعنی أنه یحاسب طبقا لدینه الجدید لا القدیم.فیه تفصیل:
من حیث أن هذا الانتقال علی أشکال ثلاثة:
الشکل الأول:الانتقال من دین إلی دین لیس أحدهما هو الإسلام و فی مثله یتعین إلزام الفرد بالدین الثانی الذی انتقل إلیه و الذی یعترف الآن بالانتماء إلیه.
الشکل الثانی:الانتقال من الإسلام إلی أحد الأدیان الأخری.فهذا هو (المرتد).و نحن نعرف بضرورة الفقه أن المرتد یحکم المسلم من هذه الناحیة أی یجب علیه و علی غیره تطبیق حکم الإسلام علیه،لا تطبیق حکم دینه الجدید.سواء من ذلک الأحکام التی فی مصلحته أو التی تخالف مصلحته.فلا یکون موردا لقاعدة الإلزام من حیث کونه مرتدا (1)
هذا فی المرتد الفطری.یعنی الذی یکون أصله مسلما.و کذلک الحال فی المرتد الملی و هو من کان أصله غیر مسلم ثم جاء إلی الإسلام ثم ارتد.فإنه أیضا بحکم المسلم من هذه الناحیة.
.الشکل الثالث:الانتقال إلی الإسلام من أحد الأدیان السماویة،و اختیار أحد مذاهب الإسلام دینا له.
فهذا یتعین إلزام هذا الفرد بدینه و مذهبه الجدید.و ترکه لدینه القدیم.
فیکون مصداقا للقاعدة من هذه الناحیة.
و لئن کان فی هذا النص أو القسم الثانی منه خاصة،و هو ما نتحدث عنه الآن،قد وجد فیه لفظ الإلزام فأصبح قریبا من قاعدة الإلزام.فإن
1) 1)
هذا اللفظ غیر موجود فی قسمة الأول الذی یقول:یجوز علی کل ذی دین بما یستحلون.فیکون شاملا للأحکام المخالفة للمصلحة الشخصیة من ذلک الدین و الأحکام الموافقة لها منه.و هو غیر قاعدة الإلزام.
و یمکن الفحص عن ذلک علی عدة مستویات:
المستوی الأول:أن هذا النص و إن کان مطلقا إلاّ أنه یمکن تقییده، بالقرائن المنفصلة و الألفاظ الموجودة فی النصوص الأخری،بخصوص ما کان مخالفا للمصلحة الشخصیة،فیقترب مضمونه من قاعدة الإلزام.
و لعل فی الحدیث نفسه ما یدل علی ذلک و هو قوله:یجوز.فإنها لیس المراد منها الجواز الاصطلاحی فی الفقه جزما.بل المرور علیهم و الاجتیاز بهم.و إنما یکون التعبیر بذلک باعتبار مخالفته للمصلحة الشخصیة بالنسبة إلیهم.
المستوی الثانی:إنه إن کان المراد الإطلاق أساسا فی هذا الخبر.فإن ما یعود إلی المصلحة الشخصیة من ذلک الدین غیر مربوط بالطرف الآخر بل یؤمن به الطرف الأول بصفته من دینه و یطبقه بصفته من تعالیمه.و إنما یکون مربوطا بطرف آخر حین یکون تحمیلا و إلزاما للطرف الأول.و مخالفا لمصلحته الشخصیة.فیکون الخیر شاملا لقاعدة الإلزام بالإطلاق.و هو المقدار الذی یستفید منه الطرف الثانی.
المستوی الثالث:إن کان المراد اختصاص للجواز فی قوله(یجوز علی کل ذی دین)بالأحکام الملزمة له و المخالفة لمصلحته،فلا إشکال فیه،کما قربنا فی المستوی الأول.و لکن إذا کان المراد الإطلاق لکل أحکام ذلک الدین.کان هذا الخبر إقرارا لأهل کل دین علی تعالیم دینهم.و منافیا لما نقوله فی الفقه من کون الکفار مکلفون بالفروع یعنی بالتعالیم الإسلامیة.
إذ من غیر المحتمل عندئذ أن یکونوا مکلفین بالفروع الإسلامیة و غیر الإسلامیة معا لوجود التنافی الکثیر بینهما.بل هم مکلفون بخصوص الفروع الفقهیة الإسلامیة،کما هم مکلفون بالدخول إلی الإسلام أیضا.
فإذا کان هذا الخبر معتبر السند عن المعصومین علیهم السلام،کما سبق،کان نافیا لما قاله مشهور الفقهاء من تکلیف الکفار بالفروع.
و جواب ذلک من وجهین علی الأقل:
الوجه الأول:أن هذا الشمول قلنا به بعد التنزل عن الاحتمال السابق، و هو جعل قوله:یجوز،قرینة علی الاختصاص بالأحکام الإلزامیة المخالفة للمصلحة الشخصیة.و هذا صحیح و التنزل عنه بلا موجب.
الوجه الثانی:أننا لو تنزلنا عنه،وقع التعارض بین الأدلة الکثیرة للأحکام الإلزامیة الإسلامیة التی تشمل الکفار.و بین إطلاق هذه الروایة.
و عندئذ یمکن القول بتقدیم تلک الإطلاقات علی هذا الإطلاق لکثرتها و وضوحها فی أذهان مشهور الفقهاء.و لا نقبل تخصیصها بمثل هذا الخبر.
فتأمل.
مضافا إلی قرائن أخری یمکن فهمها من الحدیث للاختصاص بالأحکام التحمیلیة،مثل حرف الجر علی فی قوله:یجوز علی کل ذی دین.فإنه یستعمل للتحمیل و المسؤولیة لا للتوسعة و الجواز.و مثل قوله:یستحلون الظاهر بالأحکام الوضعیة عندهم لا الأحکام التکلیفیة،فیکون السیاق و الأعلی إمکان أخذ المسلمین بأحکامهم الوضعیة.فی حین أن المشهور یقول بأنهم مشمولون للأحکام التکلیفیة الإسلامیة.و أما الأحکام الوضعیة و المعاملات فلیس هناک اختلاف معتد به فیها بین الأدیان لکونها عقلائیة عامة.
مضافا إلی أن الإشارة إنما تکون للجانب التحملی للأحکام الوضعیة، یعنی یجوز العمل علیها من قبل الآخرین.و تحمیلهم تبعاتها و مسئولیاتها.
فیعود الحال إلی فهم قاعدة الإلزام.و لو کان النص مطلقا أمکن فهمها من إطلاقه.
فهذا هو الحدیث عن النص الثانی بقسمیه.
النص الثالث:یقول القسم الأول منه:خذوا منهم ما یأخذون منکم فی سنتهم و قضائهم و أحکامهم.
و هو واضح بالاختصاص بالأحکام التحمیلیة الملزمة و ذلک لأکثر من قرینة فی الحدیث.
أولا:قوله:خذوا.فإن الأخذ من الطرف الآخر یعنی التحمیل علیه بما یکون مخالفا لمصلحته الشخصیة،و إلاّ لما کان أخذا بل عطاء.
ثانیا:قوله:یأخذون منکم،یعنی أن هناک تبادلا فی الإلزام و التحمیل بالحقوق و الواجبات بین أفراد سائر المذاهب الإسلامیة.و لا معنی لشمول ذلک للأحکام الأخری.
و أما قوله:فی سنتهم و قضائهم و أحکامهم.فهو یعود إلی قوله:خذوا منهم یعنی فی کل هذه النواحی.ما یأخذون منکم فی کل هذه النواحی أیضا.فکأنه قال:خذوا منهم فی سنتهم و قضائهم و أحکامهم ما یأخذون منکم فی سنتکم و قضائکم و أحکامهم.
و هذا النص واضح الاختصاص بأفراد المذاهب الإسلامیة الأخری التی کانت سائدة فی عصر الأئمة علیهم السلام.و لا تشمل الأدیان الأخری.
و لا یمکن تجریده عن الخصوصیة لإنتاج الشمول إلیها،لاحتمال الخصوصیة للمذاهب عن الأدیان لأنها أهم طبعا و أقرب إلی الإسلام.
غیر أن هذا الحدیث لا ینافی و لا یخصص الأحادیث الأخری السابقة.
لأنه خال مما یسمی بمفهوم المخالفة.یعنی کونه نافیا لما عدا مضمونه أو نافیا للشمول إلی الأدیان الأخری.و إنما هو غیر شامل لها و ساکت عنها فتکون مشمولة للأخبار الأخری بلا معارض.
و هذا بهذا المضمون لا یختلف کثیرا عن القسم الثانی من هذا النص الثالث و هو قوله:خذ بحقک فی أحکامهم و سنتهم کما یأخذون منکم فیه.
فإن المخاطبة هنا و إن کانت للفرد:(خذ)إلاّ أنه لا یحتمل اختصاصه به.کما أن هذا النص أوضح بالأحکام التحمیلیة الملزمة من سابقه لأنه یقول:خذ بحقک.و ما کان حقا لأحد الطرفین.کان(واجبا)و تحمیلا علی الطرف الآخر.فیصلح أن یکون قرینة علی القسم الأول من هذا النص،للاطمئنان یکون الحکم الذی یعبر عنه کلا القسمین واحدا.فإن فرضنا إطلاق القسم الأول،و تنزلنا عن القرائن التی ذکرناها فیه.کان هذا قرینة علیه.و إن لم نتنزل کان هذا زیادة فی القرینیة.و علی أی حال یقترب المضمون من ناحیة قاعدة الإلزام.
قد یمکن التساؤل عن مضمون القاعدة بما إذا کان شاملا لأهل المذهب و الدین الواحد.بعد أن کانت عامة للمختلفین فی الدین و المذهب.فإذا کانت شاملة للمذهب الدینی الواحد،شملت اختلاف الفتاوی بین المجتهدین لمن یلتزم باتباعها اجتهادا أو تقلیدا،و ذلک فی المجتهدین فی أی مذهب معین من المذاهب الإسلامیة بما فیها المذاهب الأربعة.و کذلک یشمل الفرق فی الدین الواحد کالکاثولیک و البروتستانت و الأرثوذکس و غیرها من الفرق المسیحیة.و نحو ذلک.فیکون لکل منهم إلزام الآخر بما یکون تحمیلا علیه لصالح الطرف الآخر.أو أن ذلک لا یمکن باعتباره غیر مستفاد من النصوص السابقة؟ جواب ذلک یکون علی مستویین:
المستوی الأول:فی إلزام بعضهم بعضا.و هذا غیر مشمول ظاهرا للأخبار السابقة لأکثر من نقطة:
النقطة الأولی:إنهم لا یسألون الحکم من أئمتنا و لا یعتبرون أخبارهم حجة.فالقول بشمولها لهم أمر غیر عرفی و إن کنا نعتقد کونهم مشمولین لها علی أی حال.
النقطة الثانیة:إن الخطاب فی الأخبار إنما هو لأتباع و موالین الأئمة المعصومین علیهم السلام کقوله:ألزموهم.و ذلک فیما یجر النفع إلیهم یکون تحمیلا و تبعة علی غیرهم.
فإن قلت:إنه یمکنا التجرید عن الخصوصیة منهم إلی غیرهم،فیکون النص عاما.
قلنا:کلا.فإن هذا التجرید لا یستقیم إلاّ مع الیقین بعدم الخصوصیة، مع احتمال أن تکون موجودة هنا،لوجود الاهتمام لدی الأئمة سلام اللّه علیهم یجلب المصلحة لموالیهم و عدم إحراز وجود مثله لدیهم فی جلب المصلحة للآخرین.و أما جلب المصلحة للآخرین منهم فهو معلوم العدم.
و معه فلا تشمل تلک النصوص صورة إلزام بعضهم لبعض.کما عرفناه فی هذا المستوی.
المستوی الثانی:فی إلزام المجتهدین أو مقلدیهم بعضهم لبعض فی داخل المذهب الواحد.و خاصة فیما إذا تعددت أصنافه کالأصولیین و الأخباریین أو الإمامیین و الإسماعیلیین و غیر ذلک.
فیمکن نفی هذا المستوی أیضا لعده وجوه منها:
أولا:إن مرجع الضمیر المفعول به فی قوله:ألزموهم.مجمل المرجع.
و لیس له ظهور بشیء محدد.و من هنا ینبغی الاقتصار علی قدره المتیقن و هو الاختلاف بین المذاهب و الأدیان و لیس الاختلاف فی المذهب الواحد.
أو قل:إن له ظهورا فی هذا القدر المتیقن و لیس له ظهور فی غیره.
فلا یکون شاملا له.
ثانیا:إن قوله:یجوز علی کل ذی دین ما یستحلون.نص فی اختلاف الدین.و إذا أمکننا-کما هو الأظهر-اندراج المذهب فی معنی الدین هنا.فلا یمکن أن ندرج الاختلاف فی المذهب الواحد فیه.فلا یکون هذا الاختلاف مشمولا للقاعدة.فلا یمکن لأحد الطرفین أخذ حقه من
الآخر بهذا الاعتبار،یعنی کونه مشمولا لقاعدة الإلزام.
نعم،یمکن أن یأخذ منه حقه باعتبار قاعدة أخری و هی الإقرار،من حیث أن:إقرار العقلاء علی أنفسهم جائز أی نافذ.و المفروض أن هذا الطرف یقر علی نفسه اجتهادا أو تقلیدا أنه مدین بمال أو نفقة أو طلاق أو غیر ذلک،فیمکن للآخر الاستفادة من تبعات هذا الإقرار،و إن کان یعتبر طرفه الثانی مخطئا فی فتواه.
و لعل هذا واضح فی الأمور المالیة و المعاملیة،و أن الاحتیاط فی الفروج و الدماء بخلافه.و للتفصیل مجال آخر.
ینتج من القاعدة کثیر من الخیرات و البرکات للطرفین اللذین یکونان مشمولین لها.نذکر لها بعض الأمثلة:
أولا:أو طلق شخص زوجته طلاقا صحیحا فی دینه أو مذهبه،أمکن اعتبارها مطلقة حقیقیة،و المبادرة إلی الزواج منها بعد العدة.
ثانیا:ما أشارت إلیه إحدی الروایات السابقة،من التوارث بالتعصیب نتیجة لهذه القاعدة،فتأخذ الأخت النصف بالرغم من وجود الأم.باعتبار أن المیت و سائر ورثته غیر الأخت ممن یؤمن باستحقاقها للنصف،باعتبار التعصیب.
ثالثا:لو أوصی شخص بأکثر من الثلث لشخص آخر،لا یؤمن بصحة ذلک،و کان الموصی مؤمنا بصحته.جاز له أخذ المقدار الموصی به.
رابعا:لو نفی شخص ولایته علی قاصر و نحوه باعتبار حکم لا یؤمن به الطرف الآخر.أمکن لهذا الآخر عدم اعتباره ولیا علی القاصر،و إن کان مقتضی القواعد التی یعرفها هو وجود الولایة.
خامسا:لو اعترف شخص بکونه مدیونا لشخص طبقا للحکم الموجود
فی مذهبه أو دینه،کما لو باعه خمرا أو خنزیرا،و لم یکن هذا البیع صحیحا عندنا.کان الطرف الثانی أخذ هذا المبلغ منه.
سادسا:لو أقر أحد بأنه رق لشخص آخر ممن لا یؤمن برقیته،باعتبار أن القواعد الفقهیة لا تساعد علی ذلک.و لکن القواعد الدینیة عند الآخر تقتضیها.جاز لهذا الطرف اعتباره رقا.
و هکذا إلی کثیر من الأمثلة.
إلاّ أن الشرط الأساسی الذی عرفناه هو أن یکون الإقرار تحمیلا و ضررا علی المقر طبقا لما یؤمن به من قواعد و أحکام دینیة.
و أما إذا کان نفعا له فلا تشمله قاعدة الإلزام التی نتحدث عنها.نذکر لذلک بعض الأمثلة:
أولا:لو تزوج شخص امرأة بعقد صحیح عنده و باطل عندنا.لم یکن هذا مشمولا لقاعدة الإلزام بحیث ینتج حرمة التزویج منها.نعم هناک قاعدة أخری شاملة له.و هو إمضاء الدین الإسلامی عقود النکاح لدی سائر الأدیان.
ثانیا:مثل ذلک ما لو تزوج شخص بامرأة خامسة أو سادسة و کان یجوز فی دینه ذلک.
ثالثا:لو کان فی دینه أنی مدیون له بشیء من المبالغ،باعتبار سبب یؤمن بصحته و لکنه باطل فی دیننا،لم یجب الوفاء له.
رابعا:لو اعتقد شخص أنه وارث لمیت باعتبار أحکام دینه،و لم یکن وارثا فی أحکام دیننا،و لو باعتبار کون المیت مسلما و الآخر کافرا.لم یجب بل لم یجز إعطاؤه شیئا من المیراث.
خامسا:لو اعتقد شخص فی دینه بصحة معاملة فاسدة فی دیننا، کالمعاملة الربویة و نحوها،لم یجب الوفاء له بها.
سادسا:لو حصل من شخص طلاق باطل فی دینه،کان له أن یبنی علی بطلانه.فلو جاء شخص آخر یعتبر هذا الطلاق صحیحا،و یرید أن یتزوج المطلقة،لم یجز تمکینه منها،حتی بالنسبة إلی المرأة نفسها،إذا کانت تتبع أحکام الطرف الأول.
إلی غیر ذلک من الأمثلة.
و بالرغم من أنی اعتقد أنه بقی فی قاعدة الإلزام و الأخبار الدالة علیها أمور عدیدة لم نتطرق إلیها،لا تخلو من أهمیة،إلاّ أن فیها خروجا عن مستوی هذا الکتاب.فیکون الأحجی الإعراض عنها عاجلا،و إیکال البحث عنها إلی مجال آخر.
تقرأ بالضم،و هی من القواعد المشهورة فقهیا و سوقیا.أعنی فی موارد صحتها،کما سیأتی.و ینبغی الحدیث عنها فی ثلاث مراحل فی أدلتها و فی مضمونها و فی نتائجها.فنعزل کل مرحلة بعنوان مستقل:
و ما قیل أن یمکن أن یقال فی أدلة القرعة،عدة أصناف من الأدلة:من الکتاب و من السنّة و من الإجماع و من العقل و من السیرة العقلائیة.و بذلک یکون ثبوتها فی الجملة من القطعیات التی لا ریب فیها.یعنی بغض النظر عن بعض التفاصیل.غیر أننا یحسن أن نعطی فکرة کافیة عن کل من هذه الأدلة المشار إلیها لنجد مقدار دلالته و صحة الاستدلال به.
استدلوا علی ذلک فی موضعین:أحدهما:قوله تعالی فَساهَمَ فَکانَ مِنَ الْمُدْحَضِینَ .و الآخر قوله تعالی وَ ما کُنْتَ لَدَیْهِمْ إِذْ یُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَیُّهُمْ یَکْفُلُ مَرْیَمَ .باعتبار أن فی هاتین الآیتین إقرارا لفکرة القرعة نظریا و إمضاء لها فتکون دلیلا علی صحتها.
و الإنصاف أن الآیتین إنما تعربان عن وجود القرعة بصفتها جزءا من قصة تاریخیة قدیمة.و لیس فی السیاق ما یدل علی الإمضاء من الجهة
التشریعیة.و لیس هذا الإمضاء هو الحکمة المنحصرة لنقل هذه الروایة أو القصة.بل یمکن أن یکون نقلها لإشکال أخری من العبرة،کما لا ملازمة بین صحة وقوعها فی الأدیان السابقة و صحة وقوعها فی الإسلام.علی أنه لا دلیل علی أنهم أوقعوها فی کلا الحادثتین بصفتهم متدینین بل بصفتهم سوقیین أو حرفیین.و إنما تابعهم یونس أو زکریا،بهذا الاعتبار أیضا،فلا یکون إقرارهما لها دلیلا علی صحتها.بل کانا مجبورین علیها،و کانا هما الطرف الأضعف من الناحیة الاجتماعیة یومئذ.بدلیل أن القرعة أوجبت لیونس علیه السلام إلقاءه فی البحر کما هو مروی فی التاریخ،مما لا حاجة إلی الدخول فی تفاصیله.
فهی علی طائفتین عامة و خاصة:
الطائفة الأولی:و هی العامة،یعنی التی تدل علی رجحان حکم القرعة ککل،لا فی مورد معین،و هی عدیدة نذکر منها بعض النصوص.
فعن دعائم الإسلام بسنده عن أبی عبد اللّه علیه السلام أنه قال (1)
القواعد الفقهیة ص 47. [1]
:و أی حکم فی الملتبس أثبت من القرعة.أ لیس هو التفویض إلی اللّه جلّ ذکره.
و فیه عن أمیر المؤمنین (2)و أبی جعفر و أبی عبد اللّه علیهم السلام أنهم أوجبوا الحکم فی القرعة فیما أشکل.
و عن الشیخ الطوسی بإسناده عن أبی جعفر علیه السلام فی حدیث.
فقال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم (3):لیس من قوم تنازعوا (تقارعوا)ثم فوضوا أمرهم إلی اللّه إلاّ خرج سهم الحق.و قوله:تقارعوا یعنی عملوا بالقرعة.
و عن محاسن البرقی بسنده عن منصور بن حازم قال:سأل بعض أصحابنا أبا عبد اللّه علیه السلام عن مسألة،فقال:هذه تخرج فی القرعة.ثم قال:فأی قضیة أعدل من القرعة،إذا فوضوا أمرهم إلی اللّه عزّ و جلّ.أ لیس اللّه یقول فَساهَمَ فَکانَ مِنَ الْمُدْحَضِینَ .
و أما الطائفة الثانیة و هی الخاصة،یعنی التی وردت فیها القرعة فی مسائل معینة،فهی کثیرة جدا،ذکرها الشیخ الحر فی الوسائل فی کتاب القضاء فی الباب الثالث عشر من أبواب کیفیة الحکم.و ذکر فی کتاب الأطعمة و الأشربة.أبواب الأطعمة المحرمة باب 30 بعض أحکام القرعة أیضا.و یکون المجموع ستة و عشرون حدیثا و هو أکثر من حد الاستفاضة.
نذکر بعض النماذج منها:
منها:ما عن الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام،قال (1)
وسائل الشیعة کتاب القضاء.أبواب کیفیة الحکم باب 13 [1] حدیث 1.
:إذا وقع الحر و العبد و المشرک علی امرأة فی طهر واحد و ادّعوا الولد أقرع بینهم.و کان الولد للذی یقرع.
و عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی رجل قال (2):یقرع بینهم فمن أصابه القرعة أعتق.قال:و القرعة سنّة.
و عنه علیه السلام (3)فی الرجل یکون له المملوکون فیوحی بعتق ثلثهم.
قال:کان علی یسهم بینهم.
إلی غیر ذلک من الأخبار.
و ما قد یقال:من ضعف إسنادها غالبا،مجبور بالکثرة التی تکاد أن تکون تواترا.و أما الاستفاضة فیها فمحرزة.مضافا إلی أنه لم یناقش أحد فی صحة هذه القاعدة،فیکون من قبیل عمل المشهور بهذه الروایات، فیکون جابرا لضعف سندها.
فإن قلت:فإن هذا متوقف علی أن یکون عمل المشهور جابرا للسند، و نحن لا نقبله فی علم الأصول.قلنا:نعم.إلاّ إذا کان هذا المشهور إجماعا أو قریبا من الإجماع.و هذا فی محل کلامنا حاصل.
ثم أن کلتا الطائفتین من الأخبار تدلنا علی القاعدة العامة فی القرعة.
أما الأولی فواضح،لأنها مکرسة لذلک.و أما الثانیة فباعتبار تجریدها عن الخصوصیة من مواردها الخاصة و حمل المورد علی المثالیة.و هذا أیضا قطعی.فتکون کل الأخبار دالة علی القاعدة العامة فی القرعة إجمالا یعنی بغض النظر عن الشروط و التفاصیل الآتیة.
و من هنا یظهر إحراز وجود الإجماع،کدلیل ثالث علی القرعة.و لیس هو بمدرکی،و إن کان علی طبق الأخبار لأننا قلنا فی مثله إن أهمیته أکثر من أهمیة الأخبار أو مثلها.و فی مثله لا یسقط عن الحجیة.
و أما الدلیل من العقل:فلأن مورد القرعة ینصف عادة بأمور علی ما سوف یأتی من شروطها:
الأمر الأول:إنه مورد حیرة و تردد من حیث موضوع المسألة.و لذا قیل:
القرعة لکل أمر مشکل.
الأمر الثانی:إنه مورد حیرة و تردد من حیث الحکم.
الأمر الثالث:إنه مورد تنازع بین طرفین.کل واحد منهما یطلب حقه من المورد.
فإذا لم نعمل القرعة بقی التنازع مستمرا،لأنها الدلیل الوحید فی المورد.و لا شک أن رفع التنازع و إیصال الحق إلی مستحقه راجح فی العقل العملی و هو عدل و حسن فی نظره بکل تأکید.و ما دامت القرعة مقدمة لذلک إذن فهی عدل و حسن فی نظر العقل.
و أما الاستدلال بالسیرة،فهی إما أن تکون سیرة عقلائیة علی إیجاد القرعة لکل أمر مشکل و محیر،فهی قطعیة الثبوت.و کذلک قطعیة الإقرار
من قبل المعصومین سلام اللّه علیهم.فتکون حجة.
و إما أن تکون السیرة المتشرعیة،فلا شک فی ثبوتها إجمالا من قبل کل المسلمین بکل مذاهبهم.
نعم،قد یقال فیها:بأن السیرة تحتاج إلی کثرة فی إنجاز الأفعال التی نتحدث عنها.بحیث تکون محفوظة جیلا بعد جیل،فی حین أن إنجاز القرعة قلیل جدا بحیث قد لا یصادف فی المائة سنة مرة.و مثل هذا العدد لا یشکل سیرة متکاملة.
و جواب ذلک من وجهین:
الوجه الأول:أن السیرة علی کل شیء بحسبه،فما کانت موارده کثیرة کانت السیرة علیه مستمرة و کثیرة.و ما کانت موارده قلیلة،کانت السیرة علیه بمقداره.و هذا لا ینافی وجود السیرة و صدقها.
الوجه الثانی:أننا لو قبلنا الإشکال کفانا الارتکاز المتشرعی علی صحة القرعة،و هو حجة و موروث من قبل المعصومین علیهم السلام قطعا.و إن لم یکن متمثلا بالتطبیق الکثیر خلال الأجیال.
و بهذا یتم الدلیل علی صحة القرعة إجمالا.إلاّ أننا ینبغی أن ننظر فی شروطها لکی نری تفاصیل هذا الإجمال.و هی بالتأکید،لیست فی کل التفاصیل صحیحة.
لا شک أن القرعة لا تکون معتبرة بدونها فلا بد من الاطلاع علیها:
الشرط الأول:أن تکون القرعة فی الموضوعات لا فی الأحکام.إذ لا معنی للاقتراع من أجل معرفة الحکم قطعا.حتی لو کان الدلیل مجملا بغض النظر عن القرعة،أو ضعیفا أو بأی شکل آخر،فضلا عن الموارد الواضحة.فلو دار أمر الحکم بین الإباحة و الوجوب أو الکراهة و الحرمة أو
الحرمة و الوجوب.لم یمکن إنجاز القرعة لمعرفته.و لو فعلناها لم تکن حجة معتبرة.
و لکن میدانها الصحیح هو الموضوعات و یراد بها الأمور الجزئیة الحیاتیة کالدین و الزوجیة و الحریة و النبوة و غیر ذلک من الموارد،بشرط انحفاظ الشروط التالیة فیها أیضا.
الشرط الثانی:أن یکون الموضوع جزئیا لا کلیا.و المورد الجزئی هو القدر المتیقن فی الصحة،و هو المورد المعین المختلف فیه.و أما إذا کان المورد کلیا أو مرددا بین الجزئی و الکلی،فلا تصح.و لا أقل من عدم الدلیل علی صحتها،و عدم إمکان استفادة ذلک من الأخبار.
الشرط الثالث:أن یکون الموضوع محل منازعة.لا أنه خال منها.و لا أقل من الشک فی صحتها فی غیرها و لذا ورد مثل هذا الخبر.و لا نحتاج معه إلی صحة السند لأن مقتضی القاعدة هو عدم الحجیة فی مورد الشک فیها،فتکون عدم حجیة القرعة فی مثل ذلک،هو مقتضی القاعدة.
و هو ما عن ابن أبی عمیر عن جمیل قال (1)
وسائل الشیعة ج 18 کتاب القضاء أبواب کیفیة الحکم باب 13 حدیث 4. [1]
:قال الطیار لزرارة:ما تقول عن المساهمة أ لیس حقا.فقال زرارة:بلی هو حق.فقال الطیار:أ لیس قد ورد أنه یخرج سهم المحق.قال:بلی.قال:فتعال حتی ادعی أنا و أنت شیئا ثم نساهم علیه و ننظر هکذا هو.فقال له زرارة إنما جاء الحدیث بأنه لیس من قوم فوّضوا أمرهم إلی اللّه ثم اقترعوا إلاّ خرج السهم المحق.
قاما علی التجارب فلم یوضع علی التجارب.
فقال الطیار:أ رأیت إن کانا جمیعا مدعیین ادّعیا ما لیس لهما.من أین یخرج سهم أحدهما.فقال زرارة:إذا کان کذلک جعل معه سهم مبیح، فإن کانا ادعیا ما لیس لهما خرج سهم المبیح.
الشرط الرابع:أن یکون المورد مما لا یمکن تتمیمه بدلیل شرعی.فإذا
1) 1)
کان مما یمکن تتمیمه بأی دلیل لم یکن موردا للقرعة قطعا.و من ذلک التردد بین الأقل و الأکثر،فینبغی أن یکون ترددا بین المتباینین کأحد العبدین أو الثلاثة أو الاثنین من طرف و ثلاثة من طرف بحیث یعود الأمر إلی التباین.
و أما ما قلناه من دوران الأمر بین الأقل و الأکثر فی الجزئی،فهو مثل إحراز ال فی هذا الدینار و الشک فی إلحاق دینار آخر به.فیکون مجری للبراءة،فلا یکون مجری للقرعة.
و هذا الشرط هو معنی قولهم:القرعة لکل أمر مشکل،و قد سمعنا ما یشابهه من الأخبار السابقة.و هو القدر المتیقن من الإجماع و السیرة و الارتکاز المتشرعی.فإن الحیرة و التردد و الإشکال إنما یحصل من عدم وجود الدلیل فی المورد.و أما إذا کان الدلیل موجودا فلا حیرة و لا تردد.
بل یکون الدلیل متبعا دون القرعة.
و لا فرق فی وجود الدلیل بین أن یکون دلیلا علی الشبهة الحکمیة، یعنی معینا للحکم فی المورد،کأصالة البراءة فی المثال السابق.أو دلیلا فی الشبهة الحکمیة کالبینة أو خبر الثقة علی أحد الاحتمالین،فلا یبقی مورد للقرعة.و کذلک الحال فی القضاء ما دام المورد ینحل بالبینات و الأیمان.فإنه لا تصح فیه القرعة.
نعم،لو کان مورد القضاء لا ینحل حتی بذلک.کان ذلک موردا للقرعة.کما لو کانت البینة و الیمین تصدق علی الإجمال،لا علی التفصیل،فیحتاج التفصیل إلی القرعة.
الشرط الخامس:المحتمل للقاعدة،أن یکون المورد من الشبهات الموضوعیة المعروفة بالعلم الإجمالی،کما قال البعض (1)
القواعد الفقهیة ص 51.
یعنی یتردد الحق بین موضوعین نعلم بوجوده فی أحدهما.1) 1)
و هذا و إن کان صحیحا،إلاّ أنه راجع إلی شرط آخر هو عدم وجود دلیل غیر القرعة علی المورد کما ذکرنا فی الشرط الرابع.لأن مورد العلم الإجمالی یکون خافیا لهذا الشرط.
و أما الشبهة الموضوعیة الخالیة عنه فهی حاویة علی دلیل مرجح.فلا تکون موردا للقرعة.لأن الحال عندئذ ینحصر بالشبهة البدویة و التردد بین الأقل و الأکثر.و کلاهما مجری لأصالة البراءة.
الشرط السادس:ما ذکره البعض أیضا (1)
المصدر و الصفحة.
من أن لا یکون المورد قابلا للاحتیاط.فلو کان قابلا له لم یکن موردا للقرعة.و لم یذکر الوجه لصحة هذا الشرط و لم یمثل له أیضا.و عبارته أمیل للاحتیاط الشرعی لا العقلی لأنه قال (2):نعلم بأن الشارع ما أوجب الاحتیاط فیها.
و معه فیمکن الاستدلال له:باعتبار ما قلناه من اشتراط عدم انطباق دلیل شرعی علی مورد القرعة.فلو کان الشارع قد أوجب الاحتیاط لکان دلیلا کافیا فی موردها،فلا یکون موردا للقرعة.إلاّ أنه سیرجع عندئذ إلی ذلک الشرط السابق.و لا یکون شرطا مستقلا.
مضافا إلی أننا نعلم أن الشارع لم یأمر بالاحتیاط،فی الشبهات الموضوعیة،و لا أوجب الفحص فیها.بل کان کل ذلک مورد جریان البراءة الشرعیة.
إلاّ أن فی عبارته(قدّس سرّه)ما یشعر أیضا برجوع الاحتیاط العقلی لأنه عطفه علی العلم الإجمالی فقال:فی الشبهة الموضوعیة المقرونة بالعلم الإجمالی.إلی أن قال:أو نعلم بأن الشارع ما أوجب الاحتیاط فیها.
غیر أننا نعلم أن الاحتیاط الواجب فی طرفی العلم الإجمالی هو احتیاط
عقلی و لیس شرعیا.فیرجع هذا الشرط إلی اشتراط وجود العلم الإجمالی و لیس شرطا مستقلا.
فإن قیل:إن هذا الاحتیاط العقلی کاف فی جریانه و تطبیقه کدلیل علی موارد العلم الإجمالی،فلا تکون هذه الموارد قابلة لتطبیق القرعة.لوجود دلیل آخر فیها،و هو الاحتیاط العقلی.
قلنا:هذا و إن کان صحیحا،إلاّ أن موارد العلم الإجمالی علی قسمین:
أحدهما:العلم الإجمالی القائم فی تکلیف شخص واحد.کما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الثوبین أو غصبیتهما.
ثانیهما:العلم الإجمالی القائم بین شخصین کما لو ترددت ملکیة الثوب بینهما.
و القسم الأول منهما مجری للاحتیاط العقلی الذی هو تعبیر آخر لما یسمی فی علم الأصول بمنجزیة العلم الإجمالی فی الشبهة المحصورة.
و لیس موردا للقرعة بحال.و لم یقل بذلک أحد.
و القسم الثانی لیس موردا للاحتیاط و المنجزیة،کما أجمع علیه علماء الأصول لانحلال العلم الإجمالی بأصالة البراءة عند کلا الطرفین.إلاّ أن ذلک من حیث الحکم التکلیفی لا من حیث الحکم الوضعی یعنی الملکیة أو الزوجیة و نحوهما.فلا یکون هذا المورد قابلا للاحتیاط و لا أنه مأذون به شرعا لعدم جریان أصالة البراءة فی الأحکام الوضعیة و لمطالبة أصحاب الحقوق بحقوقهم.
فرجع الأمر إلی علم إجمالی منجز واجب الاحتیاط فیه.و لا معنی للاحتیاط هنا إلاّ إجراء القرعة.و لذا قلنا إن المورد غیر قابل للاحتیاط.
و إنما القرعة هی السبیل الوحید لذلک،فتکون واجبة لا أنها جائزة أو مستحبة.و بذلک نکون قد دققنا أکثر فی موارد و شروط القرعة.
و عرفنا أن هذا الاحتیاط المزعوم لیس بصحیح،لأنه یرید به غیر القرعة.و هو غیر معقول فی المورد.
الشرط السابع:أن یکون کلا الحقین أو الحقوق مطالبا بها.و هذا لا یرجع إلی الشرط الثالث الذی ذکرناه من وجود المنازعة بین طرفین و إن شابهه تقریبا.إذ مع وجود النزاع قد لا تحصل المطالبة،بل یمکن لأحدهما التنازل عن حقه.
و بتعبیر آخر:إن التنازع قد یکون عملیا و هو یعینه شرط المطالبة بالحق.
و قد یکون نظریا یعنی فی عائدیة الملکیة بغض النظر عن المطالبة الفعلیة.
لا لمجرد معرفة العائدیة بحسب الحکم الشرعی.و إن لم تکن هناک قاعدة أخری للتعیین.
فهذه جملة الشروط المحتملة للقرعة.
و أود الآن الالتفات باختصار إلی مضمون معین ورد فی بعض فقرات الأخبار کقوله فی روایة سابقه:أ لیس ورد أنه یخرج سهم المحق.و أنه لیس من قوم فوّضوا أمرهم إلی اللّه ثم اقترعوا إلاّ خرج سهم المحق.و قوله فی روایة أخری:و أی حکم فی الملتبس أثبت من القرعة أ لیس هو التفویض إلی اللّه جلّ ذکره.
فهنا مرحلتان:
المرحلة الأولی:إن فی إیجاد القرعة تفویضا إلی اللّه سبحانه فی الحکم بین الخصمین.و هو التفویض إلی حکم اللّه لأنّه جلّ جلاله قد حکم بوجوب القرعة.و هذا التفویض علی غرار التفویض لکل حکم شرعی.
و هو مفروض الوجود فی نفس أی مسلم و ملازم مع الإیمان لا محالة.
المرحلة الثانیة:إن فی إیجاد القرعة تفویضا إلی اللّه سبحانه فی الحکم بین الخصمین.بمعنی أنه تعالی هو الذی سوف یدلنا علی الحقین و یمیز بینهما فعلا،بتسبیب القرعة نفسها.و هو قوله(إلاّ خرج سهم المحق)یعنی
السهم الواقعی الذی یعلمه اللّه تعالی.فإنه یخرجه و یظهره عن طریق القرعة.
و هذا فیه جهة إعجازیة لا محالة،و هی غیر بعیدة علی قدرة اللّه سبحانه و لطفه و رحمته.إلاّ أنه غیر متعین لحل المشکلة.فإن المهم فی الحل هو نتیجة القرعة،فیکون حلالا للطرفین بحسب الحکم الظاهری.سواء کان موافقا مع الواقع أم مخالفا له.
بقی التنبیه علی أمور:
الأمر الأول:أن فی الأخبار دلالة واضحة علی ما قلناه من کون المورد غیر قابل للشمول لدلیل آخر غیر القرعة لأنه یقول:فی الملتبس.و یقول:
فیما أشکل.و نحوه و لا یراد به إلاّ ذلک.
إلاّ أننا فی غنی عن استفادة ذلک من الأخبار لوضوح أن المورد إن کان مجری لأدلة و قواعد أخری،تعین جریانها.و لا معنی للقرعة فیها إجماعا و عرفا و عقلانیا،مضافا إلی نطق الأخبار.
و لا یقال.إن استفادة ذلک من الأخبار یتوقف علی فهم مفهوم المخالفة، یعنی عدم جریان القرعة فی غیر المتلبس.و هذا المفهوم فی مورد الکلام من مفهوم الوصف الذی لیس بحجة کما ثبت فی علم الأصول.
فإنه یقال:إن تلک الاستفادة لا تتوقف علی استفادة المفهوم.فإنه یکفینا انحصار مورد القرعة فی ذلک،مع جریان أصالة عدم الحجیة فی الموارد الأخری،لما قلناه من أن الأصل عدم الحجیة فیما یشک فی حجیته،لا یختلف فی ذلک مورد القرعة من غیرها.مضافا إلی شمول إطلاقات أدلة تلک الموارد النافیة لصحة القرعة لا محالة.
الأمر الثانی:قد یوجد فی بعض الروایات و الأدلة موارد وردت فیها القرعة،غیر ما سبق،أعنی مما لم یجتمع فیها کل الشروط السابقة.
فیکون مقتضی القاعدة هو النظر إلی قوة دلیله أو صحة سنده أو لا.فإن
کان غیر معتبر أهملناه و إن کان معتبرا أخذنا به فی مورده،و لا یجوز لنا التعدی عنه لأنه مخالف للقاعدة،و ینبغی فیما هو مخالف للقاعدة الاقتصار منه علی مورده أو علی القدر المتیقن منه،و لا یجوز التعمیم إلی غیره.
فمن ذلک ما عن بحار الأنوار عن عبد الرحیم القصیر عن أبی جعفر علیه السلام قال (1)
القواعد الفقهیة ج 1 ص 53. [1]
علیه السلام:کان علی علیه السلام إذا ورد أمر ما نزل به کتاب و لا سنّة قال:رجم فأصاب.قال أبو جعفر:و هی المعضلات.و ظاهره:أنه علیه السلام کان یستعمل القرعة،فیما لم یرد فیه کتاب و لا سنّة من الموارد.و هی المعضلات.و هذا خلاف الشرط الأول الذی ذکرناه من أن القرعة فی الموضوعات لا فی الأحکام.
و جواب ذلک من عدة وجوه.أهمها:
أولا:المناقشة فی السند فإنها بالتأکید ضعیفة السند.فلا تکون حجة فی مدلولها.
ثانیا:إن الشرط الأول الذی ذکرناه قطعی فلا یمکن التنزل عنه بروایة واحدة.
ثالثا:إنه لا یوجد فی الکتاب و السنّة معضلات إطلاقا فإنه ما من واقعة إلاّ و قد بیّن اللّه و أولیاؤه حکمها بالنصوصیة.
رابعا:إنه لا یوجد لدی علی علیه السلام معضلات لوجود العلم الخاص لدیه.بل هو لا یحتاج إلی السّنة لأن کلامه بنفسه من السنّة، فضلا عن أن یحتاج إلی القرعة.
و یشبه ذلک-أعنی ما تکون القرعة فیه مخالفة للشروط-:ما ورد عن برید بن معاویة قال سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول (2):أمیر المؤمنین
مصدقا من الکوفة إلی بادیتها فقال له:یا عبد اللّه انطلق و علیک بتقوی اللّه وحده و لا تؤثرن دنیاک علی آخرتک.إلی أن یقول:فإذا أثبت ماله فلا تدخله إلاّ بإذنه،فإن أکثره له.فقل یا عبد اللّه أ تأذن فی دخول مالک.
فإن أذن لک فلا تدخله دخول متسلط فیه و لا عنف به.فاصدع المال- و هی الأنعام الثلاثة-صدعین ثم خبره أی الصدعین شاء.فأیها اختار فلا تعرض له.و لا تزال کذلک حتی یبقی ما فیه وفاء لحق اللّه فی ماله.فإذا بقی ذلک فأقبض حق اللّه منه.و إن استقالک فأقله.ثم اخلطهما و اصنع مثل الذی صنعت أولا.حتی تأخذ حق اللّه فی ماله.الحدیث.
أقول:فاختیار حق النصفین لا یجوز أن یکون بالقرعة لعدم وجود الاختلاف بین شخصین فیه،و لم تتعدد فیه الحقوق أیضا لأن الزکاة کسر ضئیل نسبیا و لیس النصف کله زکاة.و لا حجیة للقرعة فی تعیین الزکاة فی هذا النصف دون ذاک.و لکن الروایة أوکلت اختیار النصف إلی إرادة المالک حفظا لعاطفته علی أی حال.
و من ذلک-أعنی ما تکون القرعة فیه مخالفة للشروط-:
ما روی بسند صحیح عن الرجل (1)
المصدر ج 16 کتاب الأطعمة و الأشربة،أبواب الأطعمة المحرمة باب 2 [1] حدیث 1. و انظر حدیث 4.
علیه السلام أنه سئل عن رجل نظر إلی راع نزا علی شاة.قال:إن عرفها ذبحها و أحرقها.و إن لم یعرفها قسمها نصفین أبدا حتی یقع السهم بها فتذبح و تحرق و قد نجت سائرها.و قوله:حتی یقع السهم بها،واضح فی وجوب و حصول الاقتراع أعنی استعمال القرعة.و قوله:بها مطابق لما سمعناه من أن اللّه تعالی یختار الحق فی نتیجة القرعة ینکشفه للفرد المقترع.حتی کأن هذه الشاة التی أصابتها القرعة هی فعلا تلک التی نزا علیها الراعی.
و المهم الآن هو أن هذه القرعة مخالفة للشروط السابقة لعدم تعدد الحق و عدم وجود التنازع و لا المطالبة بالحق و نحوها من الشروط السابقة.و لکن
1) 1)
هذه الروایة معتبرة السند فیجب الالتزام بها فی موردها،و لکن لا یجوز التعدی منه إلی غیره کما سبق أن قلنا.
و لعل هناک عددا آخر من الأخبار أو الفتاوی تکون فیها القرعة مخالفة للشروط السابقة،فینبغی ملاحظة ذلک فقهیا.
الأمر الثالث:إن هنا فی القرعة سؤالا أثاره بعضهم (1)
القواعد الفقهیة ج 1 ص 54.
من أن القرعة هل هی أمارة أم أصل،کما هو اصطلاحهم فی علم الأصول.و المشهور جعل الفرق بین الأمارة و الأصل:أن الأمارة ما کان لها فی حد ذاتها کشف ناقص عن الواقع،یعنی أنها تفید الظن عرفا بمؤداها.
و الشارع اعتبر هذا الکشف تاما أو أنه بمنزلة العلم أو أنه أجاز العمل علی الظن الناتج منها علی اختلاف تعابیرهم بهذا الصدد.
أما الأصل العملی،فلیس فیه جهة کشف أصلا.و إنما هو حکم للجاهل بالتصرف عملا فی ظرف جهله،فمن کان جاهلا بالنجاسة جاز له التصرف عملیا علی أساس الطهارة طبقا لأصالة الطهارة.و هکذا.من دون أن یکون فی أصالة الطهارة أی ظن أو إخبار أو إشعار بأن هذا الشیء طاهر فعلا.
فإذا علمنا بذلک استطعنا أن نفهم کیف أن بعضهم (2)استشعر أن القرعة أمارة.أخذا بمثل قوله فی بعض الروایات:لیس من قوم تنازعوا ثم فوّضوا أمرهم إلی اللّه إلاّ خرج سهم الحق.و کذلک قوله فی دلیل روایة محمد بن حکیم:کل ما حکم اللّه به فلیس بمخطئ بعد قول الراوی:
إن القرعة تخطئ و تصیب.
غیر أن هذا الفهم لا یخلو من مناقشة،لأننا إما أن نلاحظ الجانب الإلهی فی القرعة و إما أن نلاحظ الجانب السببی فیها.فإن لاحظنا الجانب الإلهی کان قطعی الثبوت فلا یکون أمارة بل هو یقین.و الروایة واضحة
فی جانب الحق.لا أنها تثبت الظن للقرعة لتکون أمارة.و إن لاحظنا الجانب السببی فیها،فقد یکون الاحتمال فی صحتها ضئیلا جدا،لا یکون من المعقول تتمیم کشفه و جعله أمارة شرعیة.لأن الأماریة مبنیة علی الظن و هو فی المورد غیر موجود بل هو الوهم و هو الظن المرجوح.فلا یصلح أن یکون أمارة.
و ذلک أن القرعة إن کانت بین أمرین أمکن الظن بصدقها 50% و أما إذا کانت بین عشرة فصدقها لیس أکثر من 10% و إذا کانت بین مائة طرف کان صدقها 1%.و هکذا.و لیس فیها و لا مورد واحد یزید فیه الاحتمال علی 50%،لأن أقل أطرافها اثنین و هو لا یزید علی ذلک.مع أن الأمارة لا بد أن تکون ظنا فعلیا راجحا.و هذا لیس بظن فلا تکون القرعة أمارة.
إذن فهی لیست أمارة علی کلا التقدیرین.
فالإنصاف أنها أقرب إلی فکرة الأصل العملی،من باب الوجوب الشرعی أو جوازه فی العمل علی طبقها فی موردها،کما فی الأصل العملی تماما.
غایة الفرق بینهما أن القرعة لها أسلوب و شروط غیر موجودة فی سائر الأصول العملیة.و أوضح فرق بینهما هو أن الأصل یترتب علی الموضوع المشکوک رأسا من دون توسط شیء.فما شک فی طهارته أمکن الحکم بطهارته.و أما فی القرعة فیتوسط بین الشک و العمل علی النتیجة:القرعة نفسها،یعنی أن ما شککت فیه و اقترعت علیه فاعمل علیه.
فإن قلت:فإن عدد من الأصول العملیة إلی هذا الغرار.
کالاستصحاب:فإنه یقال فیه:إن ما شککت فیه،و کان صاحب الید مدعیا للملکیة فصدقه.و هکذا.فتکون الأصول العملیة علی شکل القرعة من هذه الناحیة.
قلنا:إن الفرق أن للقرعة حکمان و للأصول العملیة حکم واحد.أما القرعة فیقال فیها أولا:أن ما شککت فیه جازت فیه القرعة أو وجبت.
ثم یقال ثانیا:یجب الأخذ بنتیجة القرعة.و الحکم الأول متقدم رتبة علی
الثانی.فی حین لا یوجد مثله فی الأصول العملیة،فإن وجود الید أو وجود الحالة السابقة مأخوذة ابتداء فی الحکم الظاهری العملی.من دون أن تکون هی بنفسها أحکاما.و للتفصیل محل آخر.
و علی أی حال،فإن قلنا إن القرعة حکم قائم بذاته لیس من قبیل الأصول و لا الأمارات،کان أقرب إلی الفهم المتشرعی و العرفی.
الأمر الرابع:فی الحدیث عن القرعة،فی الفرق بینها و بین القسمة.
و هذا ما یمکن الحدیث عنه طویلا لأن أطراف الاحتمال عدیدة:
الأول:أنهما لا یتشابهان یعنی أنهما متباینان،کما هو کذلک مفهوما.
لأن لکل منهما مفهومه المستقل عن الآخر.
الثانی:أنهما متساویان،أی متطابقان مصداقا و خارجا،فکل قسمة هی قرعة أو تحتاج إلیها،أو لا تحصل القسمة إلاّ بها.و کل قرعة هی قسمة، و لا معنی لها بدونها.
الثالث:أن بینهما بالحمل الشائع،یعنی بحسب المصداق عموما و خصوصا من وجه.فقد تحقق القسمة بدون حاجة إلی قرعة،کما لو حصل التراضی بین الأطراف بأن یأخذ کل منهم ما وصل إلیه عن قناعة و بدون قرعة.
و قد تتحقق القرعة بدون قسمة،کما فی الاقتراع بین شیئین مشکوکین أو حتی لو کانوا ثلاثة أو أکثر فیما إذا کان الأطراف المستحقین بعدد الأفراد المشکوکة.فإن القسمة لا تصدق و لا تحتاج إلیها بحال.
و من هنا فما یقال من أن القرعة هی قسمة أو تحتاج إلیها باستمرار أو أنها منقسمة إلی أقسامها کقسمة الإفراز و قسمة التعدیل و قسمة الرد.و نحو ذلک.غیر صحیح.و إنما تتبع هذه الأحکام موضوعها و هو القسمة،فمتی احتاجت القرعة إلی القسمة لزم تطبیق هذه الأحکام من حیث القسمة لا من حیث القرعة.و أما إذا لم تحتج القرعة إلی القسمة فأوضح فی عدم حاجتها إلی أحکامها.
یسألنی جملة من المتفقهین عن العمد،و ما هو قصد الفقهاء به.
و الواقع أنه لیس فی لغتهم و اصطلاحهم له تعریف محدد.یکفینا من ذلک أنه قد یجعل فی مقابل الشک و قد یجعل فی مقابل الخطأ و قد یجعل فی مقابل الجهل و قد یجعل فی مقابل العلم حین یقال:عن علم و عمد.
و هکذا.و لو کان له فی نظرهم تعریف محدد،لم تصل الحال إلی هذه الدرجة.
فما هو معنی العمد،و هل نستطیع تحدید معناه اعتمادا علی الأدلة المتوفرة،و ما هو المنشأ الأساسی لاختلاف کلمات الفقهاء فی فهمه.ینبغی لنا أولا أن نعرف.
معناه فی اللغة:
الظاهر أن العمد فی اللغة یقوم علی أصلین:الإقامة و القصد.
الأصل الأول:الإقامة بمعنی الاعتماد و الدعم من شیء لشیء.یقال:
عمد الحائط یعمده عمدا و عمد.و العمود هو الذی تحامل الثقل علیه من فوق کالسقف یعمد بالأساطین المنصوبة.و عمد الشیء إقامة و العماد ما أقیم به.و منه قوله تعالی إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ .لأنهم کانوا یقیمون بناءهم علی الأعمدة.و قیل لأنهم بدو و لهم خیم ذات أعمدة.
و منه یقال:رجل طویل العماد،إذا کان معمدا أی طویلا.و فلان طویل العماد إذا کان منزله معلما لزائریة.و فی حدیث أم زرع:زوجی رفیع العماد،أرادت عماد بیت شرفه.
و منه یقال:العمید للمریض و هو بمعنی اسم المفعول لأن المریض لا یستطیع الجلوس من مرضه حتی یعمد من جوانبه بالوسائد أی یقام.و منه قولهم:أعمدتاه رجلاه أی صیرتاه عمیدا أی مریضا لا یستطیع التثبیت علی المکان حتی یعمد من جوانبه.
و قد عمده المرض اشتد علیه و فدحه.و منه اشتق القلب العمید و هو الذی یفدحه و یشتد علیه.
و اعتمد علی الشیء توکأ،و العمدة ما یعتمد علیه.و منه:اعتمدت علیه فی کذا أی اتکلت علیه.
و العمود العصا و العمود:الخشبة القائمة فی وسط الخباء.و الجمع أعمدة و عمد.و العمد أساطین الرخام و منه قوله تعالی فِی عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ .
قرئت بفتحتین و قرئت بضمتین.و منه قوله تعالی خَلَقَ السَّماواتِ بِغَیْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها .قیل فی تفسیرها أنها بعمد غیر مرئیة.و قیل:خلقها بغیر عمد.
و بحسب فهمی فإن دعم مقلوب عمد.و لذا یأتی بمعناه یقال:دعم السقف یدعمه و دعم الخیمة و دعمه بالمال و الرجال،أی أقام حاله.
و هکذا.
و من هذا الأصل الذی نتحدث عنه ما ورد:الصلاة عمود الدین.یعنی أنها منه بمنزلة العمود للخیمة.و فی الحدیث الصلاة عماد دینکم.و فی حدیث علی علیه السلام:أقیموا هذین العمودین و أوقدوا هذین المصباحین.أراد بالعمودین:الشهادتین و بالمصباحین:الکتاب و السنة.
و العمودان:الآباء و إن علوا و الأبناء و إن سفلوا.فکان الفرد یعتمد علیها
فی انتسابه.و فی اصطلاح آخر:أن العمودین هما الأب مع جملة أجداده و الأم مع جملة أجدادها.فالعمود الثانی:هی الأم دون الأبناء.
و فی وصفه تعالی:أنت عماد السماوات و الأرض.أی لا یقومان و لا یتقومان إلاّ بک.قال اللّه عزّ و جلّ إِنَّ اللّهَ یُمْسِکُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا .
و من هذا الأصل أیضا:عمید القوم و عمودهم أی سیدهم و منه قوله:
من عمید هذا الجیش.أی کبیرهم الذی إلیه المرجع.فالعمید هنا بمعنی اسم الفاعل،بخلاف ما کان بمعنی المریض و الحزین فإنه بمعنی اسم المفعول.
الأصل الثانی:العمد،بمعنی القصد یقال:عمدت إلیه إذا قصدته.
و قوله:فلان فعل ذلک عمدا أی قصدا.و هو علی معنی القصد الذهنی لا القصد فی الطریق.و منه القتل العمد.و العمد نقیض الخطأ،لأنه خال من القصد.
و من هذا الأصل ورد العمد فی اللغة بمعنی الغضب من قولهم:عمد علیه إذا غضب.و ورد بمعنی العجب أیضا و منه قوله:أعمد من سید قتله قومه.أی أعجب.و علی أی حال فالعجب و الغضب یتضمنان نحو من القصد الذهنی للفرد.
و أما وجه الجمع بین هذین الأصلین،فغیر مهم فی بحثنا هذا،فقد یکون علی الاشتراک اللفظی.و قد یکون علی وجه الاشتراک المعنوی إما بإرجاع الثانی إلی الأول علی اعتبار أن القصد شکل من أشکال الدعم للنتیجة المطلوبة.و إما بإرجاع الأول إلی الثانی علی اعتبار أن الدعم یحتوی علی قصد الاعتماد و الإقامة علی أی حال.
فهذا هو مجمل الکلام عن المعنی اللغوی للعمد.و منه یتضح أن العمد الذی نتحدث عنه إنما هو باعتبار الأصل الثانی للمعنی اللغوی،بغض النظر عن الأصل الأول،سواء رجع أحدهما إلی الآخر أم لا.
و الأساس فی العمد هو القصد الذهنی أی الالتفات و الرغبة و الإرادة، سواء اقترن بقصد فی الطریق أم لا.و سواء اعتبرنا القصد الذهنی مجازا من المعنی اللغوی للقصد أم حقیقة.و الظاهر کونه حقیقیا،لوجوده فی اللغة الأصلیة.
و العمد الذی نتحدث عنه هو ذهنی دائما،یقال:عمد و تعمد.إذا قصده فی ذهنه أو فی نفسه.و الأساس فیه الإرادة المحرکة للعضلات.
فإنهم ذکروا للأفعال الاختیاریة مقدمات طولیة یتبع بعضها بعضا هی:
تصور العمل و التصدیق بمصلحته و الرغبة فیه ثم إرادته،ثم تصبح الإرادة قویة بحیث تحرک للعضلات فیحصل العمل.فالأساس فی صدق معنی العمد و التعمد هو ذلک یعنی الإرادة القویة أو الجزء الأخیر من الإرادة،مع الاعتراف بأن الأجزاء الأخری السابقة علیه مؤثرة فیه لا محالة.إلی حد نستطیع أن نسمی مجموع تلک الأمور عمدا أیضا.فإنها سبب الفعل لا محالة و العمد هو بسببه أیضا.إذن فهی العمد بعینه.
إلاّ أنه من الواضح أنه لو لا ارتفاع قوة الإرادة و مع الاقتصار علی مقدماتها لا یحصل الفعل لا محالة.و من هنا کان الأساس و المهم هو هذه القوة و الارتفاع.
و العمد عنصر أساسی فی الفقه و القانون معا،إلاّ أننا هنا نتکلم من زاویة فقهیة.
و قد استعمله الفقهاء فی موارد کثیرة،یمکن أن نعبر عنها بأنها تمثل کل الفقه أو أغلبه.لأن العمدة فی الفقه هی العبادات و المعاملات.و العمدة فی هذین معا هو القصد فهو فی العبادات یسمی النیة و فی المعاملات یسمی القصد.و کلاهما بمعنی العمد و الالتفات الذهنی و الإرادة النفسیة.
و العمد قد یکون مؤثرا بوجوده،کما فی إیجاد العبادات و المعاملات، و کما فی العمد إلی الجرائم کالسرقة و القتل و الزنا.و قد یکون مؤثرا بعدمه،یعنی یکون لعدم العمد أثره الفقهی.و من هنا جعل الفقهاء ضد
العمد أمورا متعددة،کالخطإ و النسیان و الغفلة و الإکراه و الاضطرار و الشک و اللهو و غیر ذلک،علی اختلاف تعبیراتهم.و سنعرف أن کلاّ منها مضاد للعمد من ناحیة معینة و إن کان مشابها له من ناحیة أخری.
و علی أی حال،فإنه لا یمکن حصر المسائل الفقهیة،التی یکون العمد مذکورا فیها.غیر أننا فیما یلی نحمل عن ذلک فکرة کافیة سواء من ناحیة وجود العمد أو عدمه.
تعمد إبطال الصلاة-الشک فی القبلة-الشک فی الرکعات-الشک فی الأفعال-النسیان لبعض الأفعال-السهو عن بعض الأفعال-الشک فی کون الفرد علی طهارة-الشک فی أنه هل فاتته صلاة سابقه أم لا-الشک فی أنه هل صلّی فی الوقت أم لا.
تعمد إیجاد المفطرات فی الصوم-إیجادها مع الجهل بکونها مفطرة- إیجادها مع الجهل بوجوب الصوم-إیجادها مع الجهل بوجوب الکفارة- إیجادها مع نسیان حال الصوم.
تعمد إبطال الحج بترک جزء منه کأحد الموقفین-الاضطرار إلی ترکه- نسیانه-الجهل بوجوبه-الجهل بالوقت لعدم معرفة أول الشهر مثلا- تعمد فعل أحد منافیات الإحرام کالتضلیل أو لبس المخیط-صورة الاضطرار إلیه.
و فی باب المعاملات-المعاملة عن قصد و علم-المعاملة عن إکراه- المعاملة عن اضطرار-المعاملة عن جهل بالملکیة-المعاملة عن جهل بالحکم -العقد الفضولی،و هو الصادر عن غیر المالک إما عمدا أو جهلا-التالف بالسوم-الغش-الغبن-خیار العیب-خیار تخلف الشرط.
و فی باب الجنایات:القتل العمد-القتل شبه العمد-القتل الخطأ المحض-الجنایة علی الأعضاء عمدا-الجنایة علیها خطأ-الجنایة إکراها- الجنایة اضطرارا-الجنایة بالتسبیب-الجنایة بأمر الآخرین-الاشتراک فی
الجنایة مع فاعل قاصد-الاشتراک فی الجنایة مع فاعل غیر قاصد- کالحیوان و هذه الجنایات تترتب علیها الحدود تارة و التعزیرات ثانیة و الدیات ثالثة و لکل واحد منها شروطه و موارده.
و لعلنا الآن قد حملنا فکرة کافیة-علی اختصارها-عن أهمیة العمد و انتشاره فی أبواب الفقه،و من ثم أهمیته فی المجتمع و فی العلاقات الأساسیة بین الناس.و من ثم یحق لنا الآن الدخول فی محاولة تفسیره.
أشرنا فیما سبق إلی أن الفلاسفة و المتکلمون،قسموا مقدمات الفعل الاختیاری إلی عدد من المقدمات.لأن الفعل الاختیاری بصفته أحد موجودات عالم الإمکان یحتاج إلی علة بوجوده.و قالوا:إن العلة هی الاختیار.و هو معنی باطنی أو داخلی یشترک فی تکوینه العقل و النفس معا.فمن العقل تصور العمل الذی یرید الفرد القیام به ثم التصدیق بمصلحته له و عدم اضطراره به.و هذا لا یکون إلاّ مع تصدر متعلقاته و سائر ارتباطاته.و التصدیق بوجود بعضها و عدم الآخر،بحیث یعود الکل فی مصلحته بحیث یکون ملتفتا إلی کل الجهات.
فإذا صدق و اقتنع بالمصلحة تترتب علی ذلک رغبته فی إیجاده،لأن النفس ترغب بإیجاد کل ما فیه مصلحة و فی ترک کل ما فیه مفسدة.ثم تزداد هذه الرغبة و تتحول إلی الإرادة الفاعلة المنجزة للعمل.و هی التی یقال عنها:أنها محرکة للعضلات کتحریک الرجل للمشی أو الرأس للالتفات.و قالوا:إن کل ذلک یحصل فی لحظة واحدة و لا یحتاج إلی طول فی الزمان إلاّ مع التشکک و التردید.
و فی هذه المقدمات تکمن عناصر العمد.لأنها فی الحقیقة مقدمات العمد.باعتبارها مقدمات الفعل العمدی لیس إلاّ.
و فی هذه المقدمات تکمن و تستقر التفاصیل التی سنقولها،مما یتوقف
علیها العمد توقفا کلیا أو جزئیا.و ما اختلف الفقهاء فی حصوله مع وجود بعض المقدمات أو عدمها.
فإن العمد الکامل من جمیع الجهات یتوقف علی عدة أمور.إن وجدت فهو عمد کامل و هو القدر المتیقن من موارد صدق العمد.و إلاّ فهو عمد ناقص أو اشتباه أو لیس بعمد إطلاقا.
إذ یتوقف العمد الکامل علی أربعة أصناف من المقدمات:
الصنف الأول:ما یعود إلی صفات الفاعل نفسه.
أولا:العقل.بمعنی عدم الجنون.
ثانیا:الرشد.بمعنی عدم السفه.
ثالثا:الذکر.بمعنی عدم النسیان بما فیه الغفلة و هی النسیان المؤقت.
رابعا:العلم.بمعنی عدم الجهل،إما بالموضوع و إما بالحکم.
خامسا:الصفاء.بمعنی عدم التعقید النفسی أو العقلی.
الصنف الثانی:ما یعود إلی صفات الظرف الذی ینجز به العمل.
أولا:الاختیار.بمعنی عدم الإکراه و التهدید من شخص آخر.و هو أیضا یختلف باختلاف مراتب التهدید و احتمالات تنفیذ التهدید و قدرته علیه.
ثانیا:الاختیار بمعنی عدم الاضطرار إلی الفعل أو إلی عدمه.فلو کان الحر شدیدا،کان مضطرا لا محالة.
الصنف الثالث:ما یعود إلی صفات الفعل الذی یرید إنجازه.
و هو أمور:
أولا:الإمکان العقلی.بمعنی أن لا یکون مستحیلا عقلا.
ثانیا:الإمکان الوقوعی.بمعنی أن لا یکون مستحیلا فی القانون الطبیعی.و هذا الأمر،لا یختلف فیه الحال بین وجود الفعل و عدمه.یعنی
أن یکون وجوده مستحیلا أو عدمه.فإنهم قالوا:إنه مع تعین أحد الأمرین لا یکون الفاعل قادرا و من ثم لا یمکن أن یکون عامدا.
ثالثا:أن لا یکون هناک عسر أو حرج أو شدة فی فعله و فی ترکه.
و هذا راجع اشتراط عدم الاضطرار،إذ لو کان الفعل متصفا بذلک کان الفاعل مضطرا إلی الوجود أو إلی العدم.
غیر أن الفرق بینهما کون الاضطرار هناک منظورا من زاویة الفاعل و هنا منظورا من ناحیة الفعل نفسه.
رابعا:أن لا تکون فی نتائج الفعل مفسدة تعود علی الفاعل أو علی من یحبه أو علی من لا یرغب بإضراره.و کلها راجعة بالنتیجة إلی المفسدة علیه.و لو باعتبار حزنه من ضرر غیره.
خامسا:أن تکون النتائج لهذا الفعل صالحة له و لو بمقدار ضئیل أو لبعض عواطفه أو ملکاته النفسیة و العقلیة.فما هو صالح للعقل هو التعلم و ما هو صالح للشوق هو الحصول علیه و ما هو صالح للغضب و هو الانتقام و ما هو صالح للخوف هو زوال المخوف منه و لو بالهرب و هکذا.و قد تکون المصلحة من الضالة بحیث لا تدرک أو لا یحسب لها حساب.کما لو کانت لمجرد قضاء الوقت أو لمجرد التسلی البسیط.
الصنف الرابع:ما یعود إلی التزاحم فی المصالح و المفاسد.
فإن الفعل لا یکون حسنا لمجرد کونه حسنا و لا مرجوحا لمجرد ذلک.
و إنما یجزم العقل بمثل هذه الصفات،فیما إذا لاحظ الفعل وحده.أو لاحظ عدم وجود المزاحم معه.فقد یکون هناک فعل ذو مصلحة،لکنه مزاحم بمفسدة مهمة.أو فعل ذو مفسدة و لکنه مزاحم بمصلحة مهمة.
و لحاظ العقل من قبل الفاعل للعقل وحده غیر معقول إلاّ للسفیه و نحوه،و أما مع التعمق النسبی فلا بد من ملاحظة المزاحمات و المعارضات،مما یوجد فی الطبیعة أو فی العقل أو لدی الأخری.فإن نتج
من کل ذلک کون الفعل الذی ینوی القیام صالحا،قام به و إلاّ فلا.
فهذا ما یعود إلی عناصر الفعل الاختیاری و علله الباطنة و الظاهرة،حین یکون الاختیار کاملا.فإن اجتمعت هذه الشرائط انطبق مفهوم العمد عقلا و عقلائیا و شرعا،و کان هو القدر المتیقن من سائر الأحکام المترتبة علیه فی العقل و الفقه و القانون.
أما إذا لم تکن هذه الشروط مجتمعة فالعمد لیس کاملا بطبیعة الحال.
أو نعبر من زاویة فلسفیة:إن مقدمات الاختیار لیست کاملة.و إنما صدر الفعل بتسبیب فیه شائبة عدم الاختیار أو عدم العمد.کما لو کان جاهلا بالحکم أو جاهلا بالمصلحة أو ناسیا أو غافلا أو مکرها و لو بتهدید بسیط أو مضطرا و لو باضطرار هین.و هکذا.
و من المؤکد عقلا و شرعا و عقلائیا أن الفرد کلما قلّ عمده و اختیاره قلّت مسئولیته،و بتعبیر آخر قلّت جریمته و ذنبه.فبینما نجد أنه مع وجود العمد الکامل فإنه یتحمل المسؤولیة الکاملة،نجد أنه مع زوال العمد بالمرة تزول المسؤولیة بالمرة.و مع وجود العمد الناقص تکون المسؤولیة ثابتة بشکل ناقص،بمقدار یتناسب و مستواه الاختیاری،لو صحّ التعبیر أو نسبة العمد عنده لو صحّ التعبیر أیضا،و یکون نقصانها بنقصان العمد لو صحّ التعبیر للمرة الثالثة.
فإنه لا شک أن للعمد مراتب متعددة،و هو حقیقة مشککة أی متفاوتة و لیست بسیطة ذات رتبة واحدة کما أن المسؤولیة الأخلاقیة و القانونیة حقیقة مشککة أیضا و هما یتناسبان تناسبا طردیا.فکلما زاد العمد زادت المسؤولیة و کلما قلّ العمد قلّت المسؤولیة.
و هذا من الناحیة الأخلاقیة إمام العدل الإلهی مضبوط مائة بالمائة.إلاّ أنه أمام الفقهاء یواجه صعوبتین:
الصعوبة الأولی:تحدید مقدار ما یسمی عمدا و ما ینفی عنه صفة
العمدیة من الأفعال،من ناحیة عرفیة و عقلائیة.أو قل إن العرف و العقلاء لا یمیزون فی المراحل الناقصة من العمد،هل أنه عمد أو لا.و ربما سری هذا الإشکال إلی العقل نفسه لقصوره أحیانا عن إدراک التوقیفات.بل ذاک موکول إلی العلم الإلهی خاصة.
الصعوبة الثانیة:إن الفقهاء یتعبدون بظواهر الأدلة المتوفرة لدیهم.و هذا جید،إلاّ أن موضوعات الأحکام المتوفرة فی الأدلة تختلف.فلربما ترتب حکم العمد الکامل علی العمد الناقص أو بالعکس.أو أن ما اعتبر عمدا فی موضع من الفقه أو من الأدلة،لم یعتبر عمدا فی موضع آخر.
و هکذا.
و هذا یرجع إلی عدة مناشئ:
المنشأ الأول:إن ظواهر الأدلة لیست کلها مطابقة للواقع،بل بعضها موهوم أحیانا،یتخیله الفقیه حقا و لیس بحق.
و من هنا قد یخطئ اجتهاد المجتهدین.
المنشأ الثانی:إن نظر المعصومین سلام اللّه علیهم إلی العمد و أضداده، هو ذلک،أی بمقدار ما یستفاد من الأدلة الواردة عنهم.و ذلک بالرغم من اختلاف فهمنا عن إفهامهم.فإن فهمنا هو القاصر و فهمهم هو النافذ و الحق.
المنشأ الثالث:إنه لا دلیل علی صحة المنشأ الثانی إلاّ بحسب ما فهمناه من اختلاف الأحکام.و هذا کما یمکن أن یکون ناشئا من المنشأ الثانی، یمکن أن یکون ناشئا من اختلاف المصالح و المفاسد من الموارد المختلفة حسب علم اللّه سبحانه و علم المعصومین.فلعل أن هناک مصلحة لزیادة العقوبة مع قلة العمد أو لقلة العقوبة مع زیادة العمد و هکذا.
و الآن یحسن أن نستعرض عددا من الفتاوی المشهورة لدی الفقهاء لنجد
مقدار تناسب الفتاوی مع درجة العمد.و هل أنها منطبقة علی القاعدة العقلیة التی قلناها من قلة المسؤولیة الأخلاقیة مع قلة العمد،أم لا.
أولا:تبطل الصلاة بزیادة الرکن أو نقصانه عمدا أو سهوا.
و معنی وجود السهو وجود نقصان فی مقدمات العمد،فبالرغم من صدور الفعل عنه باختیاره و قناعته إلاّ أنه لیس بعلم محسوس،بأنه تکرار للسجود أو للرکوع.و مع ذلک قال المشهور ببطلان الصلاة حتی مع السهو.
ثانیا:لا تبطل الصلاة بزیادة الواجب غیر الرکنی سهوا.و أما إذا زاد عمدا بطلت.و هذا موافق مع المسؤولیة العقلیة.
ثالثا:إذا نسی الفعل من أفعال الصلاة و کان فی محل أتی به.
رابعا:إذا شک فی أنه صلّی أم لا.و کان الوقت باقیا وجبت علیه الصلاة.
و هذان حکمان مخالفان لتلک القاعدة.و نحو ما یلی:
خامسا:إذا شک فی أنه صلّی بطهارة أم لا.و کان محدثا سابقا.بنی علی بطلان صلاته.
سادسا:إذا شک فی جهة القبلة صلّی إلی أربع جهات.
سابعا:إذا سها عن بعض الأجزاء و التفت بعد تجاوز محله.
ثامنا:إذا شک فی فوات فریضة فی وقت سابق لم یجب علیه القضاء.
و هذا موافق للقاعدة العقلیة السابقة.
تاسعا:إذا شک بحدوث الخسوف أو الزلزلة لم تجب علیه صلاة الآیات.
عاشرا:إذا علم بوجود احتراق تام فی الکسوف أو الخسوف،وجب علیه القضاء.و هذا مخالف للقاعدة العقلیة السابقة.
إلاّ أن الفقهاء فی هذه الأمور لا یعملون بالعقل المجرد و لا یستدلون به.
بل دلیلهم و موئلهم إنما هو الکتاب و السنّة الشریفین.
و فی باب الصوم قالوا:
أولا:إن المهم فی المفطرات لکی تکون مفطرة أن یأتی بها عمدا.أی عالما بصومه و عالما بکونها مفطرة.و إلاّ لم یفطر.
ثانیا:لو استعمل المفطرات مع الجهل بوجوب الصوم وجب علیه القضاء دون الکفارة.
ثالثا:لو استعملها مع نسیان حال الصوم بقی علی صومه.
رابعا:لو استعمل المفطرات جهلا بوجوب الکفارة،وجبت الکفارة مع القضاء.
و قالوا فی أسباب الضمان:إن ما یسقط بغیر العمد من التکالیف هو الحکم التکلیفی لا الحکم الوضعی.و الضمان حکم وضعی فلا یسقط بغیر العمد.فلو أتلف شخص مال شخص إکراها أو اضطرارا أو نسیانا أو جهلا،کان ضامنا فضلا عما إذا أتلفه عمدا.و هذا فی نفسه مخالف للقاعدة العقلیة السابقة،إذ لا یختلف العذر عقلا بین الأحکام التکلیفیة و الوضعیة.
و فی باب المعاملات،قالوا:إن المعاملات الواقعة عن اضطرار صحیحة و الواقعة عن إکراه باطلة.و المعاملات الواقعة عن جهل بالملکیة باطلة،ما لم یجز المالک.
و أعطی الفقهاء حق الخیار فی مقابل النقص الموجود لدی الطرف الآخر،کالغش و الغبن و العیب و الاشتراط و غیر ذلک.إلاّ أنهم لم یفرقوا بین أن یکون الغش و الغبن و العیب موجودا عن عمد أو عن غیر عمد.بل قد لا نعلم بها الطرف الآخر أصلا.
و مع ذلک یکون صاحبه مسلطا علی الفسخ.و هذا أیضا مخالف لتلک القاعدة العقلیة.
أما فی باب الجنایات،فهذا الترتیب المعروف من العمد و شبه العمد و الخطأ المحض.ترتیب موافق للقاعدة العقلیة،و الفقهاء ساروا بنفس الاتجاه و حکموا بعقوبات أقل کلما کان العمل أقل.فقالوا بالقود یعنی استحقاق القاتل للقتل فی العمد و بأن الدیة علی الفاعل فی شبه العمد و علی العاقلة،و هم بنو الأب و بنو العم فی الخطأ المحض.
و هذا و غیره من الفقهاء کما عرفنا ناشئ من اختلاف الأدلة التی یعتمدوها فی استنباطهم للأحکام.و أما اختلاف تلک الأدلة فقد عرفنا مبرراته الکافیة فیما سبق.
و بهذا نعرف التبریر الأهم لاختلافات اصطلاحات الفقهاء فی ما یسمونه بالعمد باختلاف الکتب الفقهیة.فتارة یجعلونه ضد الإکراه و أخری ضد الخطأ و أخری ضد النسیان و هکذا.
و ذلک بعد الالتفات إلی أمرین:
أحدهما:أن التقسیم الرئیسی الذی عرفناه هو:العمد الکامل و العمد الناقص.و هذا الأخیر هو عمد من ناحیة و غیر عمد من ناحیة.و کل تلک الأمور المضادة للعمد تندرج فیه.فمن حق الفرد أن یجعل أیا منها مضادا للعمد إذا لاحظ جهة النقص فیه.و هو ملاحظها لا محالة إذا عرض المطلب علی واقعه.
ثانیهما:أن الفقهاء ینظرون عادة فی کل مسألة إلی محل کلامهم لیس أکثر.و من هنا تختلف جملة من النتائج النظریة باختلاف محل الکلام.
و محل الکلام یتحدد أولا بموضوع المسألة و یتحدد ثانیا:بالمدارک التی یعتمد علیها الفقیه.
فمن منظورة فی الصلاة أن یکون العمد ضد السهو.و من منظورة فی المعاملات أن یکون العمد ضد الإکراه و من منظورة فی الجنایات أن یکون العمد ضد الخطأ.و هکذا.و فی الحقیقة إنها جمیعا مضادة للعمد من تلک الجهة المنظورة.و إن کانت موافقة له من جهة أخری.
و فی الواقع إنها مضادة،لأن الضدین هما الذاتان الوجودیتان اللتان لا تجتمعان.إذن فکل من الضدین أمر وجودی أو أمر موجود.فإذا لاحظنا العمد و أضداده وجدناها جمیعا أمورا وجودیة.لا أقل من الناحیة العرفیة و العقلائیة التی هی مدار الفقه غالبا.و إن اتصفت بشیء من النقص و هو العدم فی بعض جوانبها أو خصائصها.
أما نقیض العمد فهو اللاعمد.أو عدم العمد.و ذلک حینما یزول العمد الکامل بالمرة و یحصل العجز الکامل عن الفعل،أو عن الترک.فإن النقیضان هما الوجود و العدم.فإذا لم یکن للعمد وجود أصلا،کان عدمه فعلیا،و إذا حصل عدم العمد،زالت المسؤولیة الأخلاقیة و القانونیة بالمرة.
و یقرب ذلک أیضا فی الجملة،وجود أمرین أحیانا مقابل العمد و هما شبه العمد و الخطأ.مع العلم أن النقیض لا یتعدد فی حین أن الأضداد قابلة للتعدد.فیتعین أن تکون هذه الأمور من قبیل الأضداد لا من قبیل النقیض.
اعتقد أن الأصل الرئیسی فی اللغة للدعاء هو النداء.فإذا قلت:یا فلان فقد نادیته و قد دعوته أیضا لیقبل علیک.غیر أن اللغویین فرّقوا بین الدعاء و النداء بأن النداء قد یقال بیا أو أیا و نحو ذلک من غیر أن یضم إلیه الاسم.و الدعاء لا یکاد یقال إلاّ إذا کان معه الاسم نحو یا فلان.و هذا تفریق غالبی و إلاّ فالجهة النظریة لهما واحدة.
و علی أی حال فهما من الألفاظ المترادفة التی إذا افترقت فی اللفظ اجتمعت فی المعنی و إذا اجتمعت فی اللفظ افترقت فی المعنی.و من اجتماعها لفظا قوله تعالی کَمَثَلِ الَّذِی یَنْعِقُ بِما لا یَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَ نِداءً .
و کل المعانی المتفرقة للدعاء نابعة من هذا الأصل کما سنری.و أوضح ذلک الدعوة إلی مناسبة من فرح أو حزن،یعنی نداء الناس لیحضروا إلیها.
و اللّه تعالی یدعو إلی الهدی و یَدْعُوا إِلی دارِ السَّلامِ و الأنبیاء یدعون الآخرین إلی الهدی یا قَوْمِ ما لِی أَدْعُوکُمْ إِلَی النَّجاةِ وَ تَدْعُونَنِی إِلَی النّارِ تَدْعُونَنِی لِأَکْفُرَ بِاللّهِ وَ أُشْرِکَ بِهِ و قوله لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِی إِلَیْهِ لَیْسَ لَهُ دَعْوَةٌ أی لا ینبغی أن یتفوه به أحد.لأنه باطل،و لا ینبغی لأحد أن یتفوه بالباطل.
و اللّه تعالی یدعو إلی الهدی و یَدْعُوا إِلی دارِ السَّلامِ و الأنبیاء یدعون الآخرین إلی الهدی یا قَوْمِ ما لِی أَدْعُوکُمْ إِلَی النَّجاةِ وَ تَدْعُونَنِی إِلَی النّارِ تَدْعُونَنِی لِأَکْفُرَ بِاللّهِ وَ أُشْرِکَ بِهِ و قوله لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِی إِلَیْهِ لَیْسَ لَهُ دَعْوَةٌ أی لا ینبغی أن یتفوه به أحد.لأنه باطل،و لا ینبغی لأحد أن یتفوه بالباطل.
و النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم یدعو إلی الهدی و الحق اُدْعُ إِلی سَبِیلِ رَبِّکَ بِالْحِکْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ و قوله تعالی وَ داعِیاً إِلَی اللّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِیراً .
و الناس یدعو بعضهم بعضا للمجیء إلی الهدی( اَللّهِ . یَدْعُونَهُ إِلَی الْهُدَی ائْتِنا ).
و الدعاء إلی اللّه واضح و مشهور.قالوا:لأننا نقول یا اللّه ارزقنی یا رحمن ارحمنی.فهو فی حقیقته نداء.و منه قوله تعالی اُدْعُ لَنا رَبَّکَ یُبَیِّنْ لَنا ما هِیَ و قوله اُدْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً و وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا یَنْفَعُکَ وَ لا یَضُرُّکَ .
و الدعاء لا یحوی علی المطلب دائما،بل هو نداء قد یقترن بالطلب و قد لا یقترن.و من هنا کان الثناء علی اللّه دعاء و إن احتوی علی التهلیل و التمجید فقط.و منه قوله تعالی وَ لِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنی فَادْعُوهُ بِها .
یعنی سواء کان هناک طلب أم غیره.
و قوله لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ .أی دعوة الناس و ندائهم لیقبلوا إلی الحق.أو علی معنی الدعوة الحقة أی النداء الحقیقی أو النداء المحق.
و قوله تعالی یَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ أی یتوقع منه النفع.
فکأنه دعاه لینفعه.و هو مخطئ فی ذلک.و نحوه وَ ادْعُوا شُهَداءَکُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ إما للحضور فی یوم القیامة.و إما للطلب منهم لقضاء الحوائج.و هم-یعنی الشرکاء-لیسوا علی مستوی المسؤولیة من کلتا الجهتین.و لذا قالوا بَلْ لَمْ نَکُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَیْئاً .
و قوله تعالی لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَیْنَکُمْ کَدُعاءِ بَعْضِکُمْ بَعْضاً و ذلک حثا علی تعظیمه لأنهم کانوا ینادونه باسمه المجرد صلّی اللّه علیه و آله.
و الدعاء الاستغاثة،کأنه یدعو الغیر لیغیثه و یحل مشکلته و یقضی حاجته،و قد لا یجد مغیثا.و منه قوله لا تَدْعُوا الْیَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَ ادْعُوا ثُبُوراً کَثِیراً .و هنا قال اللغویون:هو أن یقول:یا لهفاه یا حسرتاه و نحو ذلک من ألفاظ التأسف.
و الدعاة هم الذین یباشرون بالدعاء.قالوا:هم قوم یدعون إلی بیعة هدی أو ضلالة.واحدهم:داع.و رجل داعیة إذا کان یدعو الناس إلی بدعة أو دین.أدخلت فیه الهاء للمبالغة.و النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم داع إلی اللّه سبحانه و تعالی.و المؤذن أیضا داع إلیه جلّ جلاله.
و الجن أیضا یدعون إلی اللّه لأنهم قالوا لقومهم أَجِیبُوا داعِیَ اللّهِ .
و هذا فیه احتمالان:أحدهما:أنهم یریدون بذلک أنفسهم فهم داعی اللّه کما فهم اللغویون.و الآخر:أنهم یریدون النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم یعنی:أجیبوا النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم الذی استمعوا إلی قرآنه و هذا هو الأرجح.
و یقال:لکل میت دعی فأجاب.فکأن اللّه سبحانه ناداه لیخرج من دار الدنیا إلی دار الآخرة.
و یقال:دعانی إلی الإحسان إلیک إحسانک إلیّ.أی کأنه نادانی و طلب منی عمل الإحسان.و کل هاجس نفسی یحثّ علی العمل فهو داع.
یقال:وجدت الداعی فی نفسی إلی کذا.و کان عمله بلا داع أی بدون مصلحة تجعل الداعی فی النفس أو هی تدعو إلی ذلک مجازا.
و أما الادعاء فمادته غیر الدعاء.و قد وجدت خلطا بینهما فی کلمات اللغویین.فإن الادعاء هو أن تنسب إلی نفسک ما لیس فیک أو أن تنسب إلی أی شخص ما لیس فیه.و لیس هو محل کلامنا الآن.
و أما الدعاء لدی علماء البلاغة و المعانی و البدیع،فهو الطلب من السافل إلی العالی.و یجعلون الدعاء إلی اللّه مثاله أو أوضح أمثلته.و قد جعلوا
ذلک اصطلاحا فی علومهم.إلاّ أنه لا شک بفساده من أکثر من وجه:
الوجه الأول:ما عرفناه قبل قلیل من کون الدعاء هو النداء و لیس هو الطلب.و لا شک أنهما مفهومان متباینان مفهوما،و إن کانا مجتمعان فی أغلب مصادیقهما عرفا.و مع التباین مفهوما،لا یمکن أن نعطی لأحد اللفظین معنی اللفظ الآخر المباین له.
الوجه الثانی:لو قبلنا ذلک فإن المصداق الوحید له هو الطلب إلی اللّه سبحانه.و أما أن نوافق علی أنه یصدق علی کل طلب من العانی إلی العالی،فلا.لوضوح عدم صدق الدعاء فی طلب الفقیر من الغنی أو المملوک من المالک أو الرعیة من الملک و نحو ذلک.فإننا ندعو اللّه تعالی لا أننا ندعو هؤلاء بکل تأکید.
مع أن علماء البلاغة صرّحوا بالعموم،من حیث أنهم قسموا الطلب إلی ما یکون من العالی إلی السافل فهو أمر و من المساوی إلی المساوی فهو التماس و من السافل إلی العالی و هو الدعاء.و هو واضح الشمول لکل سافل و عالی،کما فی القسمین الآخرین.و هو واضح البطلان.
اکتسب الدعاء فی مفاهیمهم إحدی صیغ ثلاث:
الصیغة الأولی:الطلب إلی اللّه سبحانه.بأی لفظ کان أو بأی لغة کانت.
الصیغة الثانیة:ما ورد عن أئمتنا المعصومین علیهم السلام،من نصوص تفصیلیة تحتوی علی ذکر اللّه و تمجیده و تحمیده و الطلب إلیه و الضراعة له.
فکلها أدعیة ما دامت نصوصا بلیغة مرویة عن المعصومین علیهم السلام.
الصیغة الثالثة:تعمیم ذلک لکل النصوص البلیغة الواردة عنهم علیهم السلام سواء کان المخاطب بها اللّه سبحانه أو غیره أعنی بعض أولیائه علیهم السلام.فیکون الدعاء بهذا المعنی شاملا للنصوص الواردة لزیارة
المعصومین علیهم السّلام و لذا قد یقال:دعاء الزیارة.فی حین أن الأشهر لدی المتشرعة أن الزیارة لیست دعاء.و أن النصوص الواردة تنقسم إلی زیارات و إلی أدعیة.و هذا هو مضمون الصیغة الثانیة للدعاء.بینما تشمل الثالثة کلا القسمین.
و أما إذا عرفناه علی المعنی اللغوی،فکلها یمکن أن تندرج فی مفهوم الدعاء.لأن الدعاء لیس إلاّ النداء.بغض النظر عمن تنادیه و عن الأسلوب أو اللغة التی تستعملها فی ندائک.
و معه فإن کان المقصود مخاطبة المعصومین علیهم السّلام کان(زیارة) باصطلاح المتشرعة و(دعاء)فی اللغة لأنه یحتوی علی ندائهم سلام اللّه علیهم.و هذا لا یفرق فیه الأسلوب و اللغة المستعملة،و لا کونه مما ورد فی نصوص بلیغة و تفصیلیة أم لم یرد.بل أنشأه الفرد من نفسه.
و إن کان المقصود مخاطبة اللّه سبحانه،فهو دعاء أیضا سواء کان مما ورد أو مما لم یرد.
هذا و لکن إذا خلا الکلام من الخطاب لم یکن دعاء فی اللغة سواء کان المقصود به اللّه أو أحد أولیائه و سواء کان من النصوص الواردة أم من غیرها.
إلاّ أن الذی یهون الخطب،فیمکن أن نسمی کل النصوص الواردة:
أدعیة.هو أنها لا بد أن تکون بعض مضامینها محتویة علی النداء إما للمعصوم و إما للّه عزّ و جلّ.فیسمی النص الکامل کله دعاء تسمیة للکل باسم الجزء.و أما إذا لم یحتو علی النداء أصلا.فیمکن أن نقدّر له نداء، کما لو قلنا الحمد للّه أو شکرا للّه.أو أنه نداء بلسان الحال و إن لم یکن هو بلسان المقال.فیصدق علیه أیضا أنه دعاء.
تنقسم فوائد الدعاء إلی أربعة أقسام
القسم الأول:الفوائد العلمیة أو التثقیفیة.و هی عدیدة و مهمة فیما ورد عن المعصومین سلام اللّه علیهم من أدعیة و نصوص،حیث طرقوا فیها عشرات الموضوعات و عرفونا جوانب الحق فیها من الباطل.بل إنه یمکن القول:بأنه ما من حقل أنسانی یمکن أن یتصوره الذهن من الثقافة البشریة إلاّ و هو مطروق فی الأدعیة بقلیل أو بکثیر.و من هنا احتوت الأدعیة علی ثقافة علمیة غزیرة جدا علی من یرید استقراءها و التأمل فیها.
الفائدة الثانیة:الفائدة الأخرویة و هی الثواب فی الجنان.و هی الفائدة المطلوبة لعامة القارئین للدعاء.و هی و إن کانت مهمة إلاّ أنها بمنزلة المقدمة للفائدة الأولی.لأن الفرد یقرأ الدعاء بقصد الثواب فیحصل علی الثقافة و العلوم.
الفائدة الثالثة:ما یسمی بالآثار الوضعیة کحل المشاکل و الإغناء من الفقر و الشفاء من المرض و نحوها.فإن الأدعیة الواردة غنیة بذلک،و مجربة للنجاح غالبا.
الفائدة الرابعة:أنها تعتبر بمنزلة السلم للرقی الروحی و التکامل المعنوی للفرد الداعی نحو الکمال الحقیقی المذخور له.و هذا هو الجانب الخاصی أو العرفانی فی الأدعیة،و ینال کل فرد بمقدار ما یستحقه من ذلک.و هی قابلة للتأثیر فی ذلک علی کل المستویات و الاستحقاقات.
و کل هذه الفوائد الأربع ثابتة لنفس النصوص و فی نفس الوقت.و ینال کل فرد منها حسب استحقاقه،و بمقدار الهدف الذی استهدفه و الفهم الذی فهمه.
و بهذه الفوائد الأربع،تکون هذه النصوص الواردة عن المعصومین سلام اللّه علیهم،قد استوعبت فوائد الدنیا و فوائد الآخرة،و دفعت شر الدنیا و شر الآخرة.کما قال فی الدعاء أیضا:أعطنی بمسألتی إیاک جمیع شر الدنیا و شر الآخرة،فإنه غیر منقوص ما أعطیت و زد و زدنی من فضلک یا کریم.
و کل ذلک مما تحرزه و تنتجه الأدعیة،لا محالة بما فیها هذه الزیادة الموعودة فی قوله تعالی وَ لَدَیْنا مَزِیدٌ .فإنه ما من مزید إلاّ فوقه مزید.
و ما من کمال إلاّ فوقه کمال وَ فَوْقَ کُلِّ ذِی عِلْمٍ عَلِیمٌ .و یستمر ذلک إلی المدی اللامتناهی.
و من المستطاع القول:إن کل واحدة من الفوائد الأربع السابقة،تشمل الدنیا و الآخرة،و إن بدا بعضها خاصا بالدنیا و بعضها خاصا بالآخرة.
فالفائدة الأولی و هی التعلیم واضحة الشمول لکلا الواردین.من حیث أن العلم کما ینفع فی الدنیا ینفع فی الآخرة.و هو کمال عقلی یشملها معا.
و الفائدة الثانیة تشملها أیضا،بعد التسلیم بأن الثواب کما قد یکون مؤجلا إلی الآخرة،قد یکون مقدما فی الدار الدنیا أیضا.و کلا الشکلین من الثواب یمکن أن تنتجه هذه الأدعیة.
و الفائدة الثالثة تشملها أیضا،بعد التسلیم بأن الآثار الوضعیة،کما قد تحصل فی الدنیا تحصل فی الآخرة،و کما قد تفید هنا تفید هناک.و إن کان الأشهر و الأغلب هو وجودها الدنیوی.
و الفائدة الرابعة تشمل کلا الدارین أیضا،باعتبار أن التکامل و إن کان أخرویا بطبیعته،من حیث أنه تکامل روحی.إلاّ أنه یوجد فی الدنیا، و یحصل علی الفور عند حصول سببه المؤثر.فهو یبدأ فی الدنیا و ینتهی فی الآخرة.فهو مناسب لکل النشأتین و موجود فی کلا الدارین.
یختلف التقییم الأخلاقی لمخاطبة اللّه سبحانه بالدعاء،حسب اختلاف حال و مراحل و تصورات الفرد الأخلاقیة،و تتصاعد معه هذه المراحل حسب تطورات کماله.و فی بعضها یکون المستوی واجب الکتمان لأنه من الأسرار الإلهیة.فنقتصرها علی ما هو الممکن بیانه من تلک المراحل
المرحلة الأولی:عدم الرغبة فی الدعاء لانشغال الفرد فی الدنیا أولا.
من حیث أن الدعاء یأخذ وقتا طویلا یمکن أن یقضیه الفرد فی أیة مصلحة أخری تخصه.کما أنه یستبعد استجابة دعائه و تأثیره فی قضاء الحاجة.
فلما ذا یقضی عمره فیما لا فائدة فیه!!! المرحلة الثانیة:الرغبة فی الدعاء لتحصیل الثواب.من حیث أنه ورد الوعد بالثواب علی کل الأدعیة،أما إجمالا و إما تفصیلا،یعنی من قال کذا فله کذا من الثواب.و الفرد یطمع من اللّه سبحانه بتحصیل هذا الثواب،فیقرأ الأدعیة من أجل ذلک.
المرحلة الثالثة:الرغبة فی الدعاء،من حیث تحصیل الآثار الوضعیة المقصودة للفرد و التی تمثل بعض مصافه الدنیویة و الأخرویة.
المرحلة الرابعة:الرغبة بالدعاء،بصفته سببا فی التعرف علی الحقائق العلیا و التفکیر فی خلق اللّه و فی أسماء اللّه و معرفة فضائل أولیاء اللّه و نحو ذلک.
المرحلة الخامسة:الرغبة فی الدعاء بصفته ذکرا للّه جلّ جلاله.تطبیقا لقوله تعالی اُذْکُرُوا اللّهَ ذِکْراً کَثِیراً وَ سَبِّحُوهُ بُکْرَةً وَ أَصِیلاً .
المرحلة السادسة:الرغبة فی الدعاء بصفته ذکر للمحبوب و وفاء للشوق الموجود إلی الوصول إلی تلک المراحل الإلهیة العلیا.تطبیقا لقوله تعالی:
فَسَوْفَ یَأْتِی اللّهُ بِقَوْمٍ یُحِبُّهُمْ وَ یُحِبُّونَهُ .
المرحلة السابعة:الرغبة فی الدعاء بصفته سببا لغفران الذنوب و ستر العیوب و تصفیة النفس و غسل رین القلوب.کما قال سبحانه بَلْ رانَ عَلی قُلُوبِهِمْ ما کانُوا یَکْسِبُونَ .
المرحلة الثامنة:عدم الرغبة فی الدعاء لشعور الفرد بکونه أکثر ضآلة و أقل شأنا من أن یخاطب العظیم جلّ جلاله.
المرحلة التاسعة:عدم الرغبة فی الدعاء لشعور الفرد بأن ذنوبه أعمق
و أوسع و أشد من أن تستحق الغفران.علی أن لا یصل هذا الشعور إلی حد الیأس من روح اللّه.فإن رحمة اللّه تقدمت علی غضبه علی کل حال.
المرحلة العاشرة:عدم الرغبة فی الدعاء لأن فیه طلبا للّه عزّ و جلّ بأمور عدیدة،و هو مخالف للأدب أمامه سبحانه.و لو أراد جلّ جلاله قضاء الحاجة لقضاها کما قالوا:علمک بحالی یغنی عن مقالی.
إلی غیر ذلک من المراحل.و لا ینبغی أن یعاتب الفرد فی أی مرحلة حسنة یمر بها.و إن کان رد فعله و تصرفاته أردأ و أقل مما یکون فی المرحلة التی تلیها،بطبیعة الحال.إلاّ أنه لما کان منسجما مع مرحلته فی الکمال و غیر مقصّر فیها و لا معتبرا لها أنها هی النهائیة،لم یستحق العتاب علی أی حال.
یتضمن و ینتج الدعاء فقهیا خیرا لا شر فیه و ثوابا لا حرمة معه.من أجل الحصول علی أی من الأهداف الکثیرة السابقة و المضامین المتعددة التی سبق أن عرفناها له.سواء منها المرتبط بالنفس أو المرتبط بالغیر.و سواء منها المرتبط بالثواب الظاهری أو بالکمال الباطنی.
غیر أنه من باب التفنن الفقهی یحسن أن نلتفت إلی الدعاء أو قل:
قراءة الدعاء یمکن أن تتصف بالأحکام الفقهیة التکلیفیة الخمسة:الوجوب و الاستحباب و الإباحة و الکراهة و الحرمة و إن کان الاستحباب هو الجهة الأشهر و الأغلب فیها،إلاّ أنها تبقی علینا تعیین مقادیر الأحکام الأربعة الأخری.
أما الدعاء الواجب فیکون فی موارد منها:
أولا:الدعاء المتعلق للنذر أو العهد أو الیمین.
ثانیا:الدعاء المأجور.الذی أصبح طرفا للإیجار بحیث دفع إلیک أحدهم مالا من أن تقرأ له الدعاء.
ثالثا:الدعاء باعتبار أثره الوضعی إذا کان فیه إنقاذا من تهلکة أو من ضرر شدید.
رابعا:الدعاء باعتباره،تأثیره الأمر بالمعروف أو النهی عن المنکر أو دخول بعض الکفار فی الإسلام و نحو ذلک مما یکون واجبا علی المسلم القیام به ضمن شروطه الشرعیة.
أما الدعاء المباح،فهو ما لا یکون منه متصفا بالأحکام الأخری حتی الاستحباب.و إنما یسقط استحبابه و ثوابه إذا کان فیه طلبا للدنیا،کجعله وسیلة لطلب الرزق غیر الضروری أو الشفاء غیر المهم.لمجرد أن الإنسان یرید الانتقال إلی حال دنیوی أفضل.فلعل اللّه یرحمه بذلک.
و أما الدعاء المکروه،فیمکن فی عدة موارد:
أولا:ما کان فی الأزمنة أو الأمکنة المکروهة کالکنائس و بیوت الخمر و الدعارة.
ثانیا:الدعاء لطلب کل مکروه أو مرجوح دنیوی لنفسه أو لغیره.
ثالثا:الدعاء المنتج بالأثر الوضعی لکل مکروه أو مرجوح دنیوی.
رابعا:الدعاء المزاحم لمستحب أهم،بحیث یدور أمره بین الدعاء أو زیارة الحسین علیه السلام مثلا،فیتقدم الأهم.و یکون الدعاء مرجوحا أو مکروها.
إلی غیر ذلک من الموارد.
و أما الدعاء المحرم فیکون فی عدة موارد:
أولا:الدعاء الذی یکون أثره الوضعی محرما،کالقتل أو الضرر البلیغ.
ثانیا:الدعاء الذی یکون فی سماعه أو فی نتائجه أذی أو احتقارا أو فضیحة للمؤمنین و نحو ذلک.
ثالثا:الدعاء لطلب المحرم من اللّه سبحانه،کالدعاء بأن یرزقه خمرا لیشربه أو مالا عن طریق السرقة و غیر ذلک.
رابعا:مزاحمة الدعاء مع واجب منجز،کما لو تزاحم الدعاء مع الصلاة فی ضیق وقتها.أو قل:فی کل وقتها.فإنه یکون مفوتا للواجب، فیکون بهذه الصفة محرما.
و من هنا نعرف أن قراءة القرآن أیضا متصفة بنفس هذه الأحکام و إن کان الأغلب منها هو الاستحباب.
و من الأحکام المهمة الفقهیة للدعاء،أن الدعاء إنما تجوز قراءته بنیة الاستحباب القطعیة الکاملة،فیما إذا کان جامعا للشرائط الشرعیة الکاملة.
و أهمها أمران:
الأمر الأول:صحة السند للدعاء بمعنی کونه حجة معتبرة شرعا و فقهیا، بأن یکون صحیح السند أو موثقا.و أما إذا کان سنده حسنا أو ضعیفا، فهو مما لا یتوفر فیه هذا الشرط.
الأمر الثانی:صحة مضمونه،بمعنی عدم احتوائه علی مضامین شاذة و مدالیل غیر معقولة.فإن مثل ذلک یضعف من احتمال صدق رواته و إن کانوا فی أنفسهم من الثقات.و من ثم قد ینزل عن مرتبة الحجیة الشرعیة.
و إذا وجد فیها مثل ذلک لزم تأویله أو إیکال علمه إلی أهله.و إذا لم یمکن ذلک فالأرجح عدم التصدی لقراءته إطلاقا.
و مثله ما لو لم یکن الفرد مصداقا للدعاء.کما لو کان السیاق دالا علی وجود المکلف فی زمان معین کالجمعة أو شهر رمضان و أراد قراءة هذا الدعاء فی زمان آخر.و کما لو کان السیاق دالا علی وجوده فی مکان معین کأحد المشاهد المشرفة و أراد قراءته فی محل آخر.و هکذا فإن مثل هذه القراءة لا تکون مشروعة.
و إن لم یکن الدعاء جامعا لهذین الشرطین لم یجز قراءته بنیة الاستحباب الجزمیة،کما لا یمکن للفقیه الجزم باستحباب قراءته فتوائیا.
و لئن کان أغلب الأدعیة المتوفرة حاصلة علی الأمر الثانی،إلاّ أن أغلبها غیر حاصل علی الأمر الأول.حتی لعل النادر منها ما هو صحیح السند إلی درجة الاعتبار الفقهی.
و فی مثل ذلک یمکن القیام بأحد إشکال من التصرف.
أولا:قراءته برجاء المطلوبیة،یعنی باعتبار احتمال کونه صادرا عن المعصومین علیهم السّلام.
ثانیا:قراءته برجاء الواقع،الذی هو صدوره عنهم علیهم السّلام.
ثالثا:قراءته لا باعتبار صدوره،بل لمجرد کونه ذکرا و تمجیدا و دعاء.و لا شک بکونه راجحا بهذا الاعتبار.
رابعا:الجزم بصحته دلالة و إن کان ضعیفا سندا.بعد الاطلاع علی علو المضامین و الحکم التی یحتویها،بحیث نعلم أن مثل هذا البیان و هذه المعانی لا یمکن أن تصدر إلاّ من إمام معصوم.فیحصل الاطمئنان بصدوره عنهم علیهم السّلام.و الاطمئنان حجة،فیکتسب الدعاء حجیته من هذا الاطمئنان،فتجوز قراءته بالنیة القطعیة.
و هذا أمر صحیح،و لکنه متوقف علی وجود الاطمئنان الشخصی الفعلی،و إلاّ بقی الأمر مرددا.
علی أن هذا لا یثبت صدور النص بکامله بکل کلماته و حروفه،و إنما یثبت صدور أغلبه إجمالا،و لا یدفع احتمال الزیادة و النقیصة فیه بحال، بشکل غیر ملفت للنظر.إلاّ أن یحصل الاطمئنان الفعلی بکل حروفه و کلماته.و هذا مما یندر حصوله.فنعود إلی وجوب القراءة الاحتیاطیة.
و مما یترتب علی وجوب الاحتیاط فی القراءة عدم جواز قراءته فی الصلاة بقصد النیة الجزمیة،لکونه مبطلا لها و لو احتمالا.و کذلک لا یجوز
بنحو النیة الاحتیاطیة،لأن مقتضی الاحتیاط من وجوده خلال الصلاة هو بطلان تلک الصلاة.
و مما یترتب علی وجوب الاحتیاط فی القراءة،عدم جواز قراءة الدعاء خلال نهار الصوم بنیة جزمیة،لأنه عندئذ یکون مفطرا جزما.لأنه یکون مصداقا للکذب علی المعصومین و هو نسبة ما لم یثبت انتسابه إلیهم اللهم و هو حرام،و مفطر للصوم.بخلاف ما لو قرأنا الأدعیة بالنیة الاحتیاطیة فإنها عندئذ لا تکون منسوبة إلیهم علی تقدیر عدم ثبوتها فلا تکون موجبة للإفطار.
و قد یقال:إن أثر ذلک یترتب فی أخذ الأجور علی قراءة الأدعیة،فإن کانت الأدعیة معتبرة سندا جازت الأجرة علیها و إلاّ حرمت.بعد التسلیم فقهیا علی جواز الأجر علی المستحبات.
غیر أن ذلک فی الواقع یحتوی علی شیء من التفصیل.یرجع إلی قصد المؤجر صاحب المال.فإن قصد من دفع ماله قراءة الدعاء الصادر من الأئمة علیهم السّلام فعلا.فإن اعتبار السند ضروری لجواز القراءة،و إلاّ کانت الأجرة سحتا حراما.
و أما إذا قصد صاحب المال دفع ماله بإزاء قراءة هذه الأدعیة المشهورة، لا باعتبار کونها صادرة عن المعصومین،و إنما بنحو الإشارة إلی واقع الدعاء المتعارف بین الناس.کما لو قال:اقرأ لی دعاء کمیل بن زیاد أو دعاء الحسین علیه السلام یوم عرفة أو زیارة أمین اللّه أو غیر ذلک.فتتعین الأجرة علی قراءة ذلک الدعاء المشهور بغض النظر عن السند.
و لکن،القاری عندئذ ککل قارئ،ینبغی أن یأخذ النیة الاحتیاطیة بنظر الاعتبار.فلو قرأه بنیة جزمیة کان مبطلا و قراءته باطلة،فتحرم علیه الأجرة.لأنها مدفوعة بإزاء القراءة المشروعة فی الدین،و لیست هذه القراءة مشروعة.
و الحال کذلک فی کثیر من الصلوات المستحبة غیر المعتبرة سندا،إذا أخذت الأجرة علی إنجازها عن بعض الموتی.
و أما قراءة القرآن،فمع وثوق المکلف بصحة قراءته فیمکن فیها النیة الاستحبابیة الجزمیة.لثبوت القراءات السبع بل العشر سندا،و إقرارها من قبل المعصومین علیهم السلام.
غیر أن هذا یتوقف علی أمرین:
الأمر الأول:حصول الاطمئنان أنه یقرأ بأحد القراءات المعتبرة.و بتعبیر آخر:حصول الاطمئنان بأن هذه القراءة هی فعلا قراءة عاصم أو الکسائی أو ورش أو غیرهم.و مع الشک فی ذلک تتعین النیة الاحتیاطیة.
و لعل القراءة الوحیدة المحرزة الانتساب إلی صاحبها و هی القراءة المشهورة المطبوعة فی المصاحف،و هی قراءة حفص عن عاصم.دون سواها.
الأمر الثانی:أن یحرز من نفسه صحة اللفظ و فصاحة القراءة.فإن شک فی قراءته أو علم إجمالا أو تفصیلا بغلطه.لم تجز النیة الجزمیة،و تعینت النیة الاحتیاطیة.و هذا المعنی شامل للأدعیة و الصلوات أیضا.
و علی کل تقدیر ینبغی تنبیه صاحب المال(المستأجر)علی ذلک.ما لم یشترط قراءة مشهورة،کقراءة عاصم.و أما إذا اشترط قراءة ورش مثلا.
فلا بد من تنبیهه بصعوبة إمکان تعیینها من بین القراءات بنحو الحجة الشرعیة المعتبرة.فإن قبل صاحب المال ذلک أخذ المستأجر المال و قرأ،و إلاّ لم یجز ذلک،و کانت الأجرة محرمة علی أی حال.
و من الأحکام المهمة فقهیا فی الدعاء هو عدم جواز الزیادة فیه،فإنه مما أفتی به المشهور و وردت فیه بعض الروایات.
و المراد من ذلک عدم جواز إلحاق بعض العبارات بما ورد عن المعصومین
علیهم السّلام من الأدعیة و الثناء.فإن فی ذلک محذوران بلا إشکال:
المحذور الأول:الکذب علی المعصوم الذی تکلم بهذا الدعاء،من حیث نسبة هذه الزیادة إلیه زورا.
المحذور الثانی:زوال الأثر الوضعی المترتب علی الدعاء،فإن للألفاظ و ترتیبها دخلا حتمیا فی ذلک الأثر و فی کثیر من الآثار الوضعیة،فإذا اختلفت الألفاظ اختلف الأثر أو زال،فصار علی خلاف قصد القاری.
و إنما أعطاه الإمام علیه السلام،بتحدید و حکمة معینة من أجل أثر وضعی معین.و هو مما تضر به الزیادة.
مضافا إلی محذورین آخرین عرفنا أسسهما نذکرهما بنفس الترقیم:
المحذور الثالث:فقد الثواب الأخروی المتوقع حصوله من الدعاء،بعد حصول الدس و الزیادة فیه.
المحذور الرابع:مخالفة و عصیان الدلیلین اللذین عرفنا قیامهما علی عدم جواز الزیادة و هما الشهرة و الروایات.
و لکن کل هذه المحاذیر یمکن المناقشة فیهما:
أما المحذور الأول:ففیه جوابان محتملان:
الجواب الأول:أنه إنما یصدق مع قصد النسبة إلی المعصومین فیکون حراما.و أما مع عدم قصد النسبة فلا إشکال فی الجواز.
الجواب الثانی:قد یقال:إن الحرمة تثبت مع صحة سند الدعاء و ثبوت نسبته إلی المعصوم بحجة شرعیة.و أما مع عدمه-کما هو الأغلب- فلیس کذلک.إذ یکون حال الزیادة حال غیرها مما لا ینتسب إلی المعصوم بحجة شرعیة.
إلاّ أن هذا لا یتم جزما لحرمة الزیادة المفروض حصولها من قبلنا سواء کان أصل الدعاء بحجة أم لم یکن.و أوضح فرق بینهما:أننا نستطیع أن
نقرأ أصل الدعاء بنیة الرجاء و الاحتیاط،فی حین لا نستطیع ذلک فی الزیادة،لاحتمال انتساب أصل الدعاء إلی المعصوم و عدم احتماله فی الزیادة.
و أما المحذور الثانی:ففیه جوابان محتملان أیضا:
الجواب الأول:أنه لیست کل الأدعیة مما یطلب فیه الداعی نتائجها الوضعیة،بل الأغلب علی خلاف ذلک،و إنما یطلب الناس بها الثواب و رضاء اللّه سبحانه.فیکون الأثر الوضعی و بطلانه خارجان عن القصد أصلا.
الجواب الثانی:إنه لیست کل الآثار الوضعیة ذات دقة محتملة فی مقدماتها و نتائجها.فقد لا تکون الزیادة مضرة فی إنتاج ذلک الأثر.کما هو الأعم الأغلب من تلک الآثار.و خاصة فیما إذا جعلت الزیادة بقصد رجاء المطلوبیة،لا بقصد الجزئیة.
و أما المحذور الثالث،فإنما یتم بعد صحة المحاذیر الأخری،و خاصة الرابع و هو عصیان الأدلة الواردة کما سمعنا،فإن لم یتم-کما سنناقشه-لم یتم هذا المحذور أیضا.
و أما المحذور الرابع:فلا یتم لأن الدلیل فیه أمران:أحدهما الشهرة و الآخر الروایات.
أما الشهرة فجوابها من وجهین:
الوجه الأول:عدم حجیة الشهرة أساسا.و ذلک ما نقوله فی الفقه فی الأحکام الإلزامیة فضلا عن غیرها.
الوجه الثانی:إنه لا دلیل علی وجود الشهرة بالمعنی الفقهی المصطلح.
کل ما فی الأمر أنه أقرب إلی الارتکاز الفقهی و الذوق المتشرعی.و لکن لم یبحثه الفقهاء بوضوح فی مؤلفاتهم لکی نستطیع التأکد من وجود الشهرة.
و أما الروایات فمن وجهین:
الوجه الأول:المناقشة سندا،فإنها جمیعا لا شک فی ضعفها.و ما قد یقال من عمل المشهور بها فیکون جابرا للسند.قد عرفنا حاله بحال الشهرة،مضافا إلی إنکار أن یکون عمل المشهور جابرا للسند أساسا.
الوجه الثانی:المناقشة دلالة.لأن الروایات المشار إلیها لیست إلاّ اثنتان:
إحداهما:بمضمون أن الإمام علیه السلام علّم الراوی دعاء فیه قوله:یا مقلب القلوب.فقال الراوی:یا مقلب القلوب و الأبصار.فقال له الإمام:
إن اللّه سبحانه مقلب القلوب و الأبصار و لکن قل کما قلت لک.
ثانیهما:ما عن الکافی عن عبد الرحمن القصیر قال (1)
انظر مفاتیح الجنان ص 434. [1]
:دخلت علی الصادق علیه السلام فقلت:جعلت فداک إنی اخترعت دعاء.فقال:دعنی من اختراعک.الحدیث.
و کلتا الروایتین لا یفهم منهما العموم،بل یختص النهی بالمورد.و لا یمکن التعمیم بالتجرید عن الخصوصیة لأمور منها:
أولا:لاحتمال قصور هؤلاء الواضعین للأدعیة عن التعدی لوضعها،فلو لم یکن الفرد قاصرا عن ذلک جاز له.
ثانیا:لاحتمال:أن یکون الأثر الوضعی فی ذلک المورد خاصا بألفاظ معینة،مع کون الراوی لا یفهم ذلک.و معه فلا مانع فی المورد الذی لا یکون قید الأثر کذلک أو لا یکون الأثر مطلوبا أصلا،بل المطلوب هو الثواب فقط.
و معه لم یثبت حرمة ذلک إلاّ ما لزم منه الدس و الکذب علی المعصومین علیهم السلام.و هو یلزم سواء کانت أسناد الأدعیة تامة أم لا.
و أما بطلان الأثر الوضعی فهو محتمل علی أی حال،إلاّ أن بطلانه لیس محرما فقهیا.
1) 1)
و من هنا ورد فی بعض المصادر عن جملة من علمائنا السابقین وضع الأدعیة،و هی نصوص هم قالوها و رتبوها و لم ینسبوها إلی المعصومین علیهم السّلام.فإن کان ذلک حراما لم یفعلوه.و أشهر من وضع مثل ذلک هو السید ابن طاوس فی کتابه(الإقبال).
إلاّ أن هذا الوضع أنتج عبرة جلیلة و هی الفرق الکبیر بین وضع الأئمة علیهم السّلام للأدعیة و وضع غیرهم و عدم مشابهتها إطلاقا لا من ناحیة المعنی و لا من ناحیة اللفظ.بالرغم من جلالة و أهمیة واضع الدعاء کالسید ابن طاوس و أضرابه من کبراء العلماء.فإنه یبقی-مع ذلک-مستوی کلام المعصومین عالیا و شامخا و عمیقا،لا یمکن أن یصل إلیه وضع الواضعین و إدراک المدرکین.
لا شک فقهیا بأن الدعاء عبادة لا تصح إلاّ بقصد القربة.فلو قرأه الإنسان لا بقصد القربة،بل باعتبار الریاء أو العجب أو التعلیم أو أی مقصد دنیوی آخر لم یحصل علی الثواب.
و من هنا أشکل بعض المؤمنین الأذکیاء علی قراءة الدعاء بقصد الآثار الوضعیة،کالشفاء من المرض أو عود الغائب أو زوال الفقر أو أیة أهداف أخری.و قال:إن ذلک لا یکون عبادة بأی حال،لأنه لم یقصد به القربة،و إنما قصد الغرض الدنیوی.
و یزید فی الطین بلّة أمران:
أحدهما:وجود ذلک فی الروایات،بعدد لا یستهان به.فی تعلیم الأدعیة و الإحراز لأصحاب الحاجات.
ثانیهما:إن من جملة الأعمال ذات الآثار الوضعیة الدنیویة:صلوات عدیدة ذات أشکال مختلفة.و لئن شککنا فی کون الأدعیة عبادة أو فی عدم إمکان تغییر هذه الصفة منها.فإن ذلک غیر ممکن فی الصلاة.للیقین
بکونها عبادة و لا تصح إلاّ بقصد القربة و الخلوص،مع أنها یقوم بها الفرد لقضاء حاجته الدنیویة فقط.و من ثم لا تکون عبادة،فتقع باطلة،و عندئذ یسقط تأثیرها الوضعی،باعتبار اشتراطه بالصلاة الصحیحة.
فهذا من الإشکالات التی لا بد من عرفها بقوة القلب مع محاولة الجواب علیها بعون اللّه سبحانه.
و الکلام فی جواب ذلک إما من زاویة الأئمة علیهم السلام،حیث علموا مثل هذه الأدعیة و العبادات للآخرین.و إما من زاویة أولئک الذین یعملون هذه الأعمال و یطلبون تلک الحاجات.
أما من زاویة أو من ناحیة الأئمة علیهم السّلام فهم لم یفعلوا إلاّ خیرا، من جهة عدة أمور:
الأمر الأول:إنهم علیهم السّلام بتعلیمهم لهذه الأمور أوضحوا هذه الفکرة بکل جلاء.و هو أن الفرد المحتاج بأی شکل من الحاجات،لا یجوز أن یتوقع قضاءها من الخلق و من الأسباب القاصرة و القوانین القاهرة،و إنما ینبغی أن یتوقع ذلک من اللّه مباشرة،فهو الوحید الکفیل بذلک و القادر علیه و المتوقع منه دون من سواه کائنا من کان.و هذا لا یکون إلاّ بالتوجه إلیه بالدعاء و الصلاة و الإنابة و الاستغفار.
الأمر الثانی:إنهم علیهم السّلام علّموا أن الأفراد الذین یعلمونهم مثل هذه الأدعیة و العوذات،بل کل من یستعملها خلال أی جیل من الأجیال، یناسب مستواه ذلک من حیث کونه طالبا لحل هذه المشکلة و لزوال هذا البلاء.و لو لم یکن کذلک لما تذمّر من مشکلته و لا سأل الإمام علیه السلام حلّها و لا تصدّی للعمل لإزالتها.
إذن،فما دام طالبا لذلک،فینبغی أن یجاب طلبه و أن تشمله الرحمة و الکرم بقضاء حاجته بحسب مستواه المطلوب له.
الأمر الثالث:إننا یمکن أن نفهم من هذه التعلیمات-مع صحة سند
روایاتها-عدم صحة ما قاله المستشکل من أنها لا تکون عبادة،و إذا لم تکن عبادة لم تصح و إذا لم تصح لم تؤثر أثرها المطلوب،لأن أثرها متوقف علی عبادیتها.
فإننا باعتبار صحة السند من ناحیة و باعتبار التجارب فی صحة التأثیر من ناحیة أخری.نعلم بأن هذه الأعمال مؤثرة و منتجة.و الوجه فی ذلک:
أننا ینبغی أن نتنازل هنا عن لزوم العبادیة الکاملة.و نقتصر علی أمور:
أولا:عدم توقع الفرد للثواب الأخروی،مع طلبه و توقعه للأثر الوضعی الدنیوی.
ثانیا:إنه یکفی لترتب الأثر مجرد التوجّه إلی اللّه سبحانه و لو بهذا المقدار و لا یشترط الإخلاص أکثر من ذلک.
ثالثا:إننا لو لم نعتبرها عبادة،إذن نعلم أن الأثر الوضعی لا یتوقف علی عبادیتها.إذ لو توقف لما حصل.و قد حصل منها الشیء الکثیر إذن فهو لا یتوقف عن العبادیة.
و لیت شعری،فإن کثیرا من عبادات الناس حتی فی غیر الآثار الوضعیة هی من هذا القبیل،یعنی لیس المراد بها رضاء اللّه سبحانه محضا،بل المطلوب للفاعل أیضا أمور أخری دنیویة و نحوها.و هذا و نحوه من(الشرک الخفی)لا محالة.فمثلا ورد أن صلاة اللیل تنتج سعة الرزق أو بیاض الوجه و ورد أن الصدقة تدفع البلاد و ورد أن غسل الجمعة یحفظ الجسد عن التفسخ.و هکذا.
و من هنا نعرف أننا إن تحدثنا من زاویة الفاعل لهذه العبادات نجد فیه عدة صفات من النقص لا محالة.
أولا:إنه فاقد للرضا و التسلیم بما اختاره اللّه له من حال.
ثانیا:إنه ناظر للأسباب،و إن کانت عبادیة،فی إزالة المشکلة التی یعانیها.
ثالثا:إنه متصف بالشرک الخفی فی أعماله العبادیة.
رابعا:إنه إنما یذکر اللّه سبحانه و یتوجه إلیه حین الشدة و ینساه حین الرخاء.طبقا للوصف المذکور فی القرآن الکریم مکررا.
إلی غیر ذلک من صفات النقص.و الأئمة سلام اللّه علیهم إنما کلّموا أمثال هذه الطبقات من الناس،باعتبارهم الأکثریة وَ ما یُؤْمِنُ أَکْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَ هُمْ مُشْرِکُونَ طبقا للنظام القائل کلم الناس علی قدر عقولهم.و هم علی أی حال ممن ینبغی أن تشملهم الرحمة و یعمهم الکرم الإلهی،کما المعنی.فإن رحمته وسعت کل شیء.
و لا شک أننا إلی الآن لم نتحدث عن کل شؤون الدعاء.بما فیها أوقات الإجابة و شرائطها و غیر ذلک.إلاّ أننا عقدنا هذا الفصل للجهة الفقهیة من الدعاء.و تلک جهات أخلاقیة للدعاء ینبغی أن یطلبها الفرد من کتب الأدعیة و الأخلاق.
التشویه الجسدی
و هو ما یقل تعرض الفقهاء له فی رسائلهم العملیة التقلیدیة.إلی حد أصبح التعرض له من مستحدثات المسائل،کالذی کتبناه فی الجزء الأول من(منهج الصالحین)فی ملحق کتاب الطهارة.مع العلم أن التشویهات الجسدیة موجودة فی طول عمر البشریة کله.
و أهم عذر لهم فی ذلک هو کون رسائلهم الفقهیة،(عملیة)أی تتعرض للفروع الغالبة التی یتعرض لها الناس فی المجتمع.و لیست هذه التشویهات مما یعم التعرض له أو الابتلاء به.
إلاّ أن الجواب علی ذلک یتم فی أکثر من وجه:
الوجه الأول:إن التشویهات لیست کلها نادرة الوقوع.و لئن کانت التشویهات الخلقیة الموجودة بالولادة نادرة،فإن التشویهات التی تحصل خلال الحیاة کثیرة،نتیجة للحوادث و الحروب و الأمراض و غیر ذلک.
فیکون التعرض لها ذا درجة من الأهمیة و ناحیة(عملیة)لا یعذر الفقیه فی ترکها.
الوجه الثانی:إن التعرض للفروع النادرة،بما فیها الفروع المرتبطة بالتشویهات،یبرز سعة التصور الفقهی الإسلامی،و جهة الدقة فی فهمه.
کما قال الفقهاء من أنه(ما من واقعة إلاّ و لها حکم).
الوجه الثالث:إن الذوق و خاصة لبعضهم هو التعرض لفروع نادرة،قد لا یتصور الفرد وقوعها،فی عدة أجیال حرة،أو أنها قد تکون بمنزلة المستحیل.و هذا صحیح نظریا و لا بأس به.إلاّ أنه یسد باب العذر فی التعرض إلی مسألة التشویه و فروعه.لأن عددا من تلک الفروع أشد ندرة من فروع التشویه بمقدار معتد به.و معه لا یبقی هناک عذر معتد به لعدم التعرض إلی فروع التشویه و مسائله.
و التعرض للتشویه فی هذا الفصل یتضمن أساسا الاهتمام بأمرین منضمین،عدا ما قد یحصل من أمور إضافیة أخری ضمن سیاق الحدیث، و هما:
الأمر الأول:محاولة الجواب علی الشبهة القائلة أو السؤال المثار عن الحکمة فی خلق المشوهین نفسیا أو عقلیا أو جسدیا و أضرابهم.و بیان وجه الحکمة فی ذلک.و أن اللّه تعالی یعدل معهم و یرحمهم،کما یفعل مع الآخرین تماما.و سیأتی بیانه بعونه سبحانه.
الأمر الثانی:الأسس الفقهیة التی یبتنی علیها الفهم الفقهی للفتاوی الخاصة بالمشوهین.کما سنقول.
لمحاولة الجواب عن التساؤل عن السبب أو الهدف الذی جعل هؤلاء الأفراد مشوهین.
و هذا السؤال غالبا یختص بالتشویه الخلقی،یعنی:لماذا خلق اللّه المشوّه مشوّها.و هو التشویه الناتج بالولادة أو بالوراثة و نحو ذلک.إلاّ أننا یحسن أن نعمم الحدیث عن هذا أولا ثم نتحدث عن التشویه العارض الناتج من الحوادث و نحوها مما یحصل خلال الحیاة.
أما الحدیث عن التشویه الخلقی.فإننی اعتقد أن الأمر فیه أبسط مما یتصور المستشکلون.و ذلک لعدة وجوه
الوجه الأول:إننا بمجرد أن نعلم أن اللّه تعالی عادل و حکیم و أنه لا یُسْئَلُ عَمّا یَفْعَلُ وَ هُمْ یُسْئَلُونَ و أنه لا یَظْلِمُ رَبُّکَ أَحَداً و أن اَلْأَمْرَ کُلَّهُ لِلّهِ و لَیْسَ لَکَ مِنَ الْأَمْرِ شَیْءٌ .نعرف أن کل ما فعله اللّه سبحانه و خلقه فهو مطابق للحکمة الواقعیة اللامتناهیة،التی هی فوق إحساسنا و فوق عقولنا و مدارکنا.
فینبغی أن نثق سلفا بکل أفعاله جلّ جلاله،و إن کنا جاهلین بوجه الحکمة فیه،بل و إن بدا لنا علی خلاف ذلک.و إنما علینا أن نقدم أمام عظمته جهلنا و قصورنا و تقصیرنا،و نغلق أفواهنا عن إساءة الأدب بالتساؤلات الباطلة عن هذا و نحوه.و خاصة بعد أن نسمع مثل قوله لَیْسَ لَکَ مِنَ الْأَمْرِ شَیْءٌ و فَوْقَ کُلِّ ذِی عِلْمٍ عَلِیمٌ و أنه سبحانه یَخْلُقُ ما یَشاءُ وَ یَخْتارُ و نسمع قول المسیح علیه السلام:إن تعذبهم فإنهم عبادک.و هذا العذاب لا یختلف فیه بین عذاب الدنیا و عذاب الآخرة،سواء کان ناشئا من التشویه أم من غیره.
الوجه الثانی:إن هنا نظاما أو قانونا قد سنّه اللّه فی خلقه،لأجل مصالح عامة واضحة تعم الخلق أجمعین.و هذه القوانین قد تلتقی مفرداتها و مصادیقها،بل هی فی التقاءات دائمة.خذ إلیک مثلا:السیارة حیث یلتقی فیها مصادیق من القانون الفیزیاوی و القانون الکیمیاوی و القانون المیکانیکی.و نحو ذلک.
و قد یحدث أحیانا أن یکون الالتقاء بین هذه المصادیق منتجا لنتائج غیر مستحبة أو غیر متوقعة،أو قد تشکل کإرثه مهمة،کانفجار مروّع أو موت شخص أو أشخاص و هکذا.
و من الواضح أن عددا من القوانین التکوینیة و التأثیرات القهریة،شاملة للجنین و هو فی داخل رحم أمه.نتیجة لظروف نموّه و وراثته و صحة أمه و أمور أخری کثیرة.فقد یحصل أن یکون التقاء هذه النظم و القوانین، موجبا للنمو المتشوّه للطفل تشویها قلیلا أو کثیرا.
و من الواضح أیضا أن تخلّف فاعلیة هذه القوانین،مما لا یریده اللّه سبحانه و تعالی،بل جعل تأثیرها عاما لوجود الحکمة و المصلحة فی ذلک، فهی لا یمکن أن تتخلف إلاّ بنحو المعجزة،و اللّه سبحانه قادر علی ذلک إلاّ أن المورد قد لا یکون مستحقا لوجود المعجزة کما هو الأعم الأغلب، فیکون محکوما للقوانین المنتجة للتشویه.
الوجه الثالث:إن اللّه سبحانه،کما خلق الإنسان المشوّه و رزقه و أنعم علیه بنعمة الحیاة و الإحساس و غیر ذلک من النعم الکثیرة التی لا تحصی.
یعلم کونه مشوها بهذا التشویه أو ذاک.و معه یکون عاذرا له و منعما علیه من ناحیة تشویهه من عدة جهات أهمها:
أولا:أنه یعذر من ناحیة التکلیف الشرعی العاجز عن تطبیقه،أی کان ذلک التکلیف.
ثانیا:إنه یختص بأحکام تسهیلیة تختص به و أمثاله تختص به و أمثاله من العاجزین،فی حین یکون غیر المشوّه مسئولا عما هو أکثر.
ثالثا:إن اللّه تعالی یجزی المشوّه فی الآخرة بالثواب الجزیل مع حسن الصبر و الرضا بقضاء اللّه و قدره.و لا شک أنه ثواب لا یصل مثله إلی الأسویاء.
الوجه الرابع:إنه لا شک أن لتشویه الفرد دخلا فی الهدف الذی خلقه اللّه من أجله،و جاء به إلی دار الدنیا،و هذا الهدف یکون فی مصلحة الفرد دائما.إلاّ أنه هدف(اقتضائی)قد یفسده الفرد بسوء تصرفه.و لکن قد یکون فی علم اللّه سبحانه أنه إذا خلق سویا،فإنه سوف یسیء التصرف و من ثم لن یحصل علی ذلک الهدف الجلیل.فی حین لو کان مشوها بهذا الشکل فإنه سوف یحسن التصرف و ینال الهدف.
و یندرج فی هذا الترابط،ترابط الصفات أیضا،بحیث لو کان هذا الأبیض أسود أو أحمر أو أخضر لما کان فی الحکمة و المصلحة.إلی غیر ذلک من الصفات غیر الداخلة تحت الحصر.
و من هنا یمکن أن نلتفت إلی أن تشویه الفرد أو قل:إن تشویه المشوهین له دخل حقیقی فی مصلحة الکون کله.و لو لا تشویههم لما حصلت المصالح المطلوبة و الحکم المرغوبة،و لتلاشی الکون و اندثر.
إذن،فتشویه المشوهین،کما یکون فی مصلحتهم،یکون أیضا فی مصلحة غیرهم.و کلا المصلحتین منها دنیویة و منها أخرویة.و اللّه تعالی أکرم من أن یفوت شیئا من المصالح علی مستحقیها.
و علی أی حال فنفس هذه الوجوه الخمسة نقولها فی التشویه العارض غیر المنتسب إلی الخلقة،کالذی یحصل من حادث أو مرض أو عملیة جراحیة و نحو ذلک.و نوکل تطبیقها إلی فطنة القاری الکریم.غیر أنی أرید إیضاح وجهین من الوجوه السابقة فیما یلی مع إضافة وجه آخر خاص بالمورد:
الوجه الأول:ما قلناه من أن التقاء القوانین الکونیة الإلهیة فی مصادیق مشترکة،قد یحصل منه آثار غیر مرغوبة أو غیر متوقعة.و هذا بنفسه ینطبق علی وجود الحادث الذی حصل أو المرض الذی طرأ و غیر ذلک.
و هی الأمور التی سببت التشویه أو أدّت إلیه بشکل و آخر.
الوجه الثانی:ما قلناه من أن الموجودات الإمکانیة کلها مترابطة و مشترکة فی المصالح و المفاسد.بما فیها الأمور و الصفات التی لا نرغب بها أو نحسبها شرا و سوءا أو تشویها.و لکنها فی الحقیقة مشارکة فی مصلحة الکون کله سواء من ذلک التشویه الخلقی أو التشویه العارض.
الوجه الثالث:إن الحوادث العارضة عموما ذات مناشئ و أسباب تعود إلی الفرد المنصف بها نفسه.و ذلک من عدة جهات منها:
أولا:کونها امتحانا إلهیا له،حیث ینظر إلی رد فعل الفرد تجاهها هل هو الرضا و التسلیم أو السخط و الکراهة.و إلی تطبیقه للواجبات و المحرمات من خلال ظروف تشویهه.و تکون نتیجة تکامله دنیویا و أخرویا منوطا برد فعله ذاک.
ثانیا:إن فی الحوادث أحیانا أو غالبا إسقاطا لتکالیف کان المفروض قیام الفرد بها لو لا ذلک.فحین حدث الحادث أصبح عاجزا عن ذلک القیام، فسقط عنها تکلیفها.و من ذلک مثلا:إن(علی بن جعفر)علیه الرحمة کان أعمی فلم یخرج مع الإمام الحسین علیه السّلام فی حرکته التاریخیة الکبری.و لو لا تشویهه ذاک لوجب علیه الخروج.
ثالثا:إن فی الحوادث الطارئة عقوبات و ذنوب قد ارتکبها الفرد فی حیاته.و هذا یکون علی نحوین:
النحو الأول:إن اللّه تعالی یرید حسن العاقبة للفرد.فیبتلیه بصعوبات الدنیا لیحصل علی الثواب الجزیل فی الآخرة.أو قل:إنه یعجل له العقوبة فی الدنیا لیدفعها عنه فی الآخرة.
النحو الثانی:إن الذنوب قد تکون من الشدة و الأهمیة،بحیث لا یکون تأجیل عقابها إلی الآخرة معقولا بل لا بدّ من المبادرة إلیه فی الدنیا.فینزل علیه العقاب معجلا،متمثلا بأحد الحوادث المؤسفة أو الکوارث المتلفة و مثل هذا الفرد یجتمع علیه عقاب الدنیا و عقاب الآخرة.
و یختلف هذان النحوان باختلاف وجدان الفرد و نفسیته من القرب و البعد عن اللّه عزّ و جلّ.أو قل:الحب و البغض.أو قل:الرضا و السخط بما قضی اللّه و قدّر.
و لا یخفی علی القاری اللبیب،أن بعض ما قلناه هنا فی مبررات الحوادث الطارئة،شامل أیضا للتشویهات الخلقیة الأصلیة.بحیث یمکن أن یقال:إنهما من باب واحد،و لا یوجد بینهما فی الحکمة الإلهیة من فوق أساسی إلاّ القلیل.
للمشوهین أحکامهم الخاصة فی الفقه،ناتجة من قواعدهم منها و أشمل.
و لعل أهمها کون المشوّه عاجز و العاجز غیر مکلف.و یراد به العجز الناتج
عن التشویه،فما یکون عاجزا عنه فتکلیفه من وجوب أو تحریم أو غیره ساقط عنه،و ما یکون قادرا علیه فتکلیفه لازم له.
و التشویه قد یسبب العجز المطلق،أعنی عن کل التکالیف کالجنون، فتسقط کلها،کما قالوا فی الحکمة:أخذ ما وهب سقط ما وجب.و قد یکون سببا للعجز عن المعاملات و الأحکام الوضعیة الناتجة منها فتسقط بدورها.کالسفیه.فلا تصح معاملاته و إن کان یجب علیه التکلیف بصفته عاقلا غیر مجنون،فیجب علیه أن یصلی و یصوم.
کما أن التشویه قد یکون موجبا للاحتیاط،و لا تسقط عهدة التکلیف المعلوم إلاّ به.و ذلک فی موارد أهمها أمران:
الأمر الأول:الخنثی المشکل،و هو الذی لا یتعین کونه ذکرا أو أنثی أو قل:کونه رجلا أو امرأة،و قد تحدثنا عنه فی فصل خاص به فی کتاب المیراث.و المهم الآن:أن مشهور الفقهاء أوجب علیه الاحتیاط فی سائر أحکامه،المرددة بین أن یکون متعلقا رجلا أو امرأة.کما فی الصلاة و طهاراتها الثلاث و الزواج و المیراث و غیرها.
الأمر الثانی:من له أعضاء زائدة متماثلة فی القوة و الأهمیة فی الخلقة، بحیث لا یتعین فیها الأصلی من الزائد.کالذی له کفان أو یدان من الجانب الأیمن أو الأیسر،أو له أصابع زائدة فی یده أو فی رجله،و هکذا.
فیجب أن یغسلهما معا أو یمسحهما معا فی الوضوء،و الأحوط أن یکون غسل فیهما بنیّة رجاء المطلوبیة.
و التشویه أیضا فی الفقه،قد یکون موجبا لشمول الأحکام التسهیلیة المعذرة للمکلف عن التطبیق،کجریان أصالة البراءة.کما فی الشخص الذی له یدان أو کفان أو أصابع زائدة و لکنها أضعف من الباقی،فیتعین کونها هی الزائدة.و معه فقد یکون احتمال وجوب غسلها مضافا إلی غسل الأصلیة واردا.إلاّ أن هذا الاحتمال مدفوع بأصالة البراءة.فلا یجب علی الفرد إلاّ غسل العضو الأصلی.
بخلاف ما إذا کان الواجب هو الغسل،فإن الواجب فیه هو غسل الجسم کله إجمالا،سواء منه الأعضاء الأصلیة أو الزائدة.
و التشویه قد یکون موجبا لتعدد التکلیف،فیما لو ثبت کون المشوه شخصان و لیس شخصا واحدا.کما لو کان له رأسان علی کتف واحد أو وجهان فی رأس واحد.أو جسدان علی حقو واحد و هکذا.فإنه مع ثبوت التعدد بکون کل واحد منهما مشمولا للأحکام الشرعیة الممکنة له بشکل مستقل سواء منها الأحکام العبادیة أو المعاملیة أو الإرث أو غیرهما.
و التشویه کما قد یوجب العجز المطلق عن تطبیق الأحکام کما قلنا فی الجنون،قد یوجب العجز عن تطبیق بعضها مع إمکان الباقی،فیسقط ما یعجز عنه،مع تکلیفه بالممکن له منها،کالأخرس فإنه لا یکلف بقراءة الصلاة أو بإجراء صیغ العقود و المعاملات بما فیها النکاح و الطلاق و البیع و الشراء.
و مثاله الآخر أن التشویه قد یکون مانعا عن الرکوع الکامل أو عن السجود الکامل أو عن مقاربة الزوجة و هکذا و هذا کله لا یفرق فیه بین التشویه الأصلی الخلقی أو التشویه العارض لأحد الأسباب.
و أما تفاصیل ذلک،و جملة القواعد التی تنطبق علی هذه التشویهات و غیرها،فهو موکول إلی محله من الفقه.
ثم إنه یحسن التعرض باختصار إلی بعض الأمور:
الأمر الأول:إن الجنایة علی المشوه إن أدّت إلی الوفاة،کان له حکم القتل إما عمد أو خطأ،لا یختلف فی ذلک المشوّه عن غیره و المشوّه بأعضاء زائدة أو المشوّه بالنقصان أو المشوّه بجهة نفسیة أو عقلیة.
و إن کانت الجنایة علی عضو أصلی فی الجسم أو مشتبه کونه أصلیا کما فی العضوین المتساویین فی الأهمیة.فستکون الدیة أو القصاص فی الجنایة حالها حال الفرد الاعتیادی.
و إنما یبدأ التساؤل عما إذا کانت الجنایة علی عضو متیقن الزیادة،بحیث لو أمکن للفرد المشوه نفسه لقطعه،فقد قطعه له الجانی من حیث أن قصده الجنایة لا الرحمة.فهل یکون القصاص و الدیة نفسها فی الفرد الاعتیادی أم لا.
و تفصیل ذلک لیس هنا محله.و الظاهر أن فیه الحکومة.و هی الغرامة التی یفرضها القاضی الشرعی بدون أن یکون لها مقدار محدد فی أصل الشریعة.
الأمر الثانی:إذا أراد الفرد المشوّه إزالة التشویه،و کان هذا ممکنا طبیا، کما هو الأغلب،فبأی حکم یتصف هذا الفعل،هل هو الوجوب أو الجواز أو الحرمة.
أما الحرمة فلیست عامة أکیدا،و إنما تختص بصورتین:
إحداهما:ما إذا کان الضرر المترتب علی الإزالة،أو عن طریق الإزالة، أعظم من الضرر المتحقق فی وجود التشویه.
ثانیتهما:أن یکون العمل لإزالة التشویه موجبا للنظر إلی العورة و لم تکن إزالته ضروریة للفرد.کما لو کان التشویه فی العورة نفسها أو قریبا منها.و کما لو کان الطبیب القائم بالعمل من الجنس الآخر عن الفرد المشوّه.
و أما الوجوب،فغیر محتمل،بالعنوان الأولی إلاّ فی صورتین:
إحداهما:أن یکون فی بقاء التشویه ضرر بالغ علی الفرد موجبا للتهلکة أو قریبا منها.و کان فی إزالته نجاة من ذلک فیتعین.
ثانیتهما:أنه یحتمل وجوب إزالة التشویه من أجل إزالة العجز الناتج عنه للقیام بالواجبات.فهو یزیل التشویه مثلا لکی یصلی صلاة اختیاریة بدلا من الصلاة الاضطراریة.
غیر أن هذا غیر محتمل فقهیا،لأنه من قبیل إیجاد الموضوع،للحکم الشرعی.و هو غیر واجب کما هو محرر فی محله.
و علی أی حال،ففی المحل الذی تکون فیه الحرمة ثابتة أو الوجوب، فهو المطلوب.و إلاّ فیکون الأمر بالنسبة إلیه جائزا،یعنی إزالة التشویه و عدمه یطیقه فی حدود إمکانه.
الأمر الثالث:إیجاد التشویه بالفرد السوی أو زیادة التشویه بالمشوه، حرام علی العموم و یکون من قبیل الجنایات الموجبة للقصاص و الدیات.
فإن أوجدها الفرد علی نفسه کان حراما بدون قصاص و دیة.و حرمتها من باب الجنایة لا من باب تغییر موضوعات الواجبات التکلیفیة و الوضعیة للفرد،فإن تغییر الموضوع و دفعه لیس بحرام،کما أن إیجاده لیس بواجب کما سبق.
نعم،قد ترتفع الحرمة،فی موارد قادرة حتی فی مورد ثبوتها،و هو الجنایة،و ذلک فیما إذا أصبح موردا لمصلحة أهم فی الشریعة.کتوقف واجب أهم علیه أو ترک حرام أهم.أو توقف بعض المصالح العامة علیه.
أو تعلق الأمر الواجب الطاعة به.فإنه قد ترتفع الحرمة فیصبح جائزا أو قد یصبح واجبا أحیانا.
و علی أی حال،فنحن الآن نقصد بالتشویه المحرم أو الجائز،إحداث النقص عن المستوی النوعی العام للناس.
و أما إحداث الزیادة،فهو یعمل تشویها مؤداه إضافة إصبع زائد أو کف زائدة و نحوها.و أنا أعلم أن هذا متعذر إلی الآن طبیا و لا یفکر فیه أحد.
و إنما هو من طرائف الخیال العلمی.و لکن هذا لا یعنی أنه فاقد للحکم الشرعی.بعد أن نعرف شمول الشریعة لکل الاحتمالات اللامتناهیة.فما ذا یکون الحال لو حصل.
إن إحداث مثل هذه التشویه غیر موجب للقصاص أو الدیة،کما لا
یجب إزالته بعد حدوثه.کما یکون مشمولا للاحتیاطات التی قلناها فیما سبق.و خاصة فیما إذا أصبحت صناعته مضبوطة بحیث لا یتمیز فیه الأصلی عن الزائد.إلاّ أن الاحتیاط بغسله هنا استحبابی و لا یمکن فقهیا أن یکون وجوبیا.للتعرف سلفا علی الید الزائدة،بخلاف الزائدة بالخلقة کما هو واضح.
کما أن هذه الزیادة لا تحرم من حیث کونها تغییرا للموضوع أو زیادته أو نقصه.کما لا تحرم من حیث کونها استعمالا لعضو میت لأنه سیصبح حیا بحیاة الفرد الذی أضیفت إلیه.و لا من حیث کونها مأخوذة من کافر أو من عبد.فإنها بإضافتها إلی الفرد تصبح متصفة بصفته من الحریة و الإسلام مثلا.
إلاّ أنها لا یبعد حرمتها بصفتها قطعا و تشویها للمیت الذی تؤخذ منه.
فإن لم تکن هناک ضرورة حرمت.و من المعلوم أن إیجاد هذه الزیادات المفترضة لا ضرورة إلیها.بل الضرورة إلی عدمها کما هو الأعم الأغلب، فی التفکیر السوی من الناس.
نعم،قد تجوز أو تجب مع إمکانها فی بعض الأحوال النادرة،کما لو توقف علیها عنوان ثانوی طارئ.کما قلنا فی جانب التشویه بالنقیصة.
کما لو توقفت علیها مصلحة شخص أهم أو أمر شخص مطاع،أو مصلحة عامة للمجتمع.
أصول الدین و فروع الدین مجموعة مفاهیم یتعلمها الصغار و یؤمن بها الکبار،کأهم نقاط رئیسیة فی الدین الإسلامی کله.
فکلنا یعرف أن أصول الدین خمسة:التوحید و العدل و النبوّة و الإمامة و میعاد یوم القیامة.و فروع الدین عشرة:الصلاة و الزکاة و الخمس و الصوم و الحج و الجهاد و الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر و الولایة لأولیاء اللّه و البراءة من أعدائهم.
و الکلام الآن عن أصول الدین.و قد قسمها لنا سلفنا الصالح إلی قسمین:أحدهما:أصول الإسلام و هی ثلاثة:التوحید و النبوة و المعاد.
بحیث أن من أنکرها أنکر الإسلام.و ثانیهما:أصول المذهب و هی الباقی من الخمسة من حیث أن من أنکرها أنکر المذهب و لم یخرج عن الإسلام.
و بالرغم من صحة کل هذه المفاهیم الخمسة و دخلها الأساسی فی الدین.إلاّ أنها تواجه بعض الإشکالات الجانبیة.مما یحسن أن نعرضه و نحاول الإجابة علیه.
الإشکال الأول:إن هذا الترتیب الخماسی مما لم یرد من الکتاب و السنّة إطلاقا.و لا نعلم انتسابه إلی أحد المعصومین سلام اللّه علیهم.أو أن
واضعه هو بعض علمائنا من السلف الصالح.
و کل ما لم یرد فی الکتاب و السنّة،فهو لیس بحجة.و إذا کان صادرا من المعصومین،فهو لیس بحجة أیضا.
و جواب ذلک:أن هذا الإشکال لو تمّ،فإنما هو إسقاط للترتیب الخماسی العهود.و لا یمکن أن یکون إسقاطا للمفاهیم نفسها،بعد أن تمّ البرهان علیها فی(علم الکلام)و هو علم العقائد الإسلامیة،ببرهان صحیح کامل.
و الظاهر أن بعض الأذکیاء من سلفنا الصالح،أدرج هذه الأمور بهذا الترتیب اللطیف من أجل تسهیل حفظها و إدراکها لأکبر قاعدة واسعة من الناس.و هذا أمر فیه مصلحة و لیس فیه مفسدة،و لیس لنا إلاّ أن ندعو له بکل خیر.
الإشکال الثانی:إن عددا من الأساسیات فی الدین لم تندرج بوضوح فی هذه الخمسة،سواء من أصول الإسلام أو من أصول المذهب.کوجود اللّه سبحانه و علمه و قدرته،و النبوة العامة یعنی الإیمان بنبوة الأنبیاء السابقین.بعد أن یکون المراد من النبوة فی الخمسة هو النبوة الخاصة یعنی الإیمان بنبوة نبی الإسلام صلّی اللّه علیه و آله و سلّم.و کذلک الإیمان بالقرآن الکریم.
و کذلک الإیمان بأهمیة فاطمة الزهراء سلام اللّه علیها،و الإیمان بعصمة المعصومین سلام اللّه علیهم.و بأنهم مصدر التشریع و الإیمان بغیبة الإمام المهدی علیه السّلام،و أنه یظهر فی المستقبل فیملأ الأرض قسطا و عدلا کما ملئت ظلما و جورا.
و جواب ذلک من وجهین:
الوجه الأول:إن هذا الذی شرحناه و إن کان مهما جدا فی الدین أو فی المذهب،إلاّ أن تلک الخمسة أهم منه،أو هی الرئیسیة فی المجموع المذکور.
و قد اختاروها لتسهیل تناولها و حفظها،و لیس فیها إنکار للمفاهیم الأخری الضروریة،و العیاذ باللّه.و إنما یجب الإیمان بهذه الخمسة و بغیرها علی السواء.
الوجه الثانی:إن کل هذا الذی شرحناه فی الإشکال مما لم یتم بیانه فی الخمسة،یمکن إدراجه-بشکل و آخر-فیها أنفسها.
فوجود اللّه سبحانه و تعالی و صفاته یمکن إدراجها بالتوحید.و النبوة العامة داخلة تحت مفهوم النبوة.إذ یمکن أن نفهم منها الأعم من النبوة العامة و النبوة و الخاصة.یعنی الإیمان بسائر الأنبیاء بما فیهم نبی الإسلام صلّی اللّه علیه و آله و سلّم.
و کذلک یندرج القرآن الکریم،و الإیمان به ضمن معنی النبوة،لأنه مما جاء به نبی الإسلام صلّی اللّه علیه و آله و سلّم.و کذلک یندرج فیها الإیمان بحب فاطمة الزهراء سلام اللّه علیها،فإنها بنت النبی المصطفی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم.أو إنها تندرج فی الإمامة من حیث إنها أم الأئمة،و أن أهمیتها الإلهیة لا تقل عنهم.فهی مثل أحدهم.و لو لم تکن امرأة لکانت فعلا واحدا منهم.و لکن خلقها اللّه سبحانه کامرأة لتؤدی دورا غیر الدور الذی یؤدیه الرجال.
و أما الإیمان بعصمة المعصومین علیهم السّلام فهو یندرج فی مفهوم الإمامة بشکل أکید،کما أن الإیمان بالمهدی یندرج فیها أیضا.لأنه الإمام الثانی عشر منهم سلام اللّه علیهم.
و مهما یکن من أمر فإننا إن وجدنا الوجه المنطقی لاندراج الأمور الأساسیة الأخری فی هذه الخمسة،فهو المطلوب.و إلاّ کان علینا الإیمان بالجمیع،و إن زادت علی خمسة،کما أشرنا فی الوجه الأول.و یکفینا ما کررنا أن من جمعها بهذا الشکل إنما أراد الوضوح و التسهیل علی الناس لا أکثر و لا أقل.و لم یرد إنکار العقائد الأخری.لکن یکون عندئذ من الواجب علی المفکرین المتشرعین أن یفوهوا بتفهیم ذلک إلی سائر الناس علی أحد هذین الوجهین.
لا أرید الآن الاستدلال علی هذه المفاهیم الخمسة،لأنه خارج عن موضوع هذا الکتاب،فلیطلبه القاری من مظانه.و إنما أرید الإشارة إلی بعض ما یحتویه القرآن الکریم من الدلالة علیها.
أولا:التوحید:قال اللّه تعالی (1)
آل عمران:18/3. [1]
شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِکَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ .و نفی الشرک بکل مراتبه.قال تعالی (2)یا بُنَیَّ لا تُشْرِکْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْکَ لَظُلْمٌ عَظِیمٌ .و قال (3)إِنَّ اللّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَکَ بِهِ وَ یَغْفِرُ ما دُونَ ذلِکَ لِمَنْ یَشاءُ .و قال (4)وَ ما یُؤْمِنُ أَکْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَ هُمْ مُشْرِکُونَ .إلی غیر ذلک کثیر.
ثانیا:العدل.قال سبحانه وَ ما رَبُّکَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِیدِ .و قال فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَیْئاً وَ إِنْ کانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَیْنا بِها وَ کَفی بِنا حاسِبِینَ .و قال جلّ جلاله وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما لاعِبِینَ. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ کُنّا فاعِلِینَ. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَی الْباطِلِ فَیَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ.وَ لَکُمُ الْوَیْلُ مِمّا تَصِفُونَ .و قال جلّ و علا وَ ما کانَ اللّهُ لِیَظْلِمَهُمْ وَ لکِنْ کانُوا أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ .و قال:
إِنَّ اللّهَ لا یَظْلِمُ النّاسَ شَیْئاً وَ لکِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ .
ثالثا:النبوة:أما بالنسبة للنبوة العامة،و هی الإیمان بنبوة الأنبیاء عموما.
فقد قال اللّه سبحانه (5)وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِیِّینَ مِیثاقَهُمْ وَ مِنْکَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِیمَ وَ مُوسی وَ عِیسَی ابْنِ مَرْیَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِیثاقاً غَلِیظاً .و قال جلّ
جلاله (1)
الشوری:13/42. [1]
شَرَعَ لَکُمْ مِنَ الدِّینِ ما وَصّی بِهِ نُوحاً وَ الَّذِی أَوْحَیْنا إِلَیْکَ وَ ما وَصَّیْنا بِهِ إِبْراهِیمَ وَ مُوسی وَ عِیسی أَنْ أَقِیمُوا الدِّینَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِیهِ .و قال تبارک اسمه (2):
قُلْ آمَنّا بِاللّهِ وَ ما أُنْزِلَ عَلَیْنا وَ ما أُنْزِلَ عَلی إِبْراهِیمَ وَ إِسْماعِیلَ وَ إِسْحاقَ وَ یَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِیَ مُوسی وَ عِیسی وَ النَّبِیُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَیْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .
و قال جلّ و علا (3)إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَ الَّذِینَ هادُوا وَ النَّصاری وَ الصّابِئِینَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَ لا هُمْ یَحْزَنُونَ .
و أما بالنسبة إلی النبوة الخاصة،فهناک آیات کثیرة منها:قوله تعالی (4):
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَ الَّذِینَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَی الْکُفّارِ رُحَماءُ بَیْنَهُمْ .
و قوله تعالی (5)وَ ما أَرْسَلْناکَ إِلاّ کَافَّةً لِلنّاسِ .و قوله (6)وَ ما أَرْسَلْناکَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِینَ .و قوله (7)إِنّا أَرْسَلْناکَ بِالْحَقِّ بَشِیراً وَ نَذِیراً .
و قوله (8)إِنّا أَرْسَلْناکَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِیراً . إِنَّ الَّذِینَ یُبایِعُونَکَ إِنَّما یُبایِعُونَ اللّهَ یَدُ اللّهِ فَوْقَ أَیْدِیهِمْ .و قوله اَلَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الْأُمِّیَّ الَّذِی یَجِدُونَهُ مَکْتُوباً عِنْدَهُمْ فِی التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِیلِ یَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ یَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْکَرِ وَ یُحِلُّ لَهُمُ الطَّیِّباتِ وَ یُحَرِّمُ عَلَیْهِمُ الْخَبائِثَ،وَ یَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِی کانَتْ عَلَیْهِمْ.فَالَّذِینَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِی أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. قُلْ یا أَیُّهَا النّاسُ إِنِّی رَسُولُ اللّهِ إِلَیْکُمْ
فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِیِّ الْأُمِّیِّ الَّذِی یُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ کَلِماتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّکُمْ تَهْتَدُونَ .
رابعا:الإمامة.یعنی الإیمان بإمامة الأئمة المعصومین من أهل البیت علیهم السلام.و فیها آیات عدیدة.منها قوله سبحانه إِنَّما یُرِیدُ اللّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً .و قوله جلّ جلاله:
یا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَیْکَ مِنْ رَبِّکَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللّهُ یَعْصِمُکَ مِنَ النّاسِ .و قوله تبارک و تعالی اَلْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَ رَضِیتُ لَکُمُ الْإِسْلامَ دِیناً .و قوله إِنَّما وَلِیُّکُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا الَّذِینَ یُقِیمُونَ الصَّلاةَ وَ یُؤْتُونَ الزَّکاةَ وَ هُمْ راکِعُونَ .و قوله عزّ من قائل قُلْ لا أَسْئَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِی الْقُرْبی .
إلی غیر ذلک من الآیات.و نعرض الآن عن بیان مضامینها حفظا للعواطف المذهبیة فی الدین.فمن أرادها فلیرجع بها إلی مصادرها.
خامسا:میعاد یوم القیامة.
و المیعاد میعادان:عالی و دانی.فالعالی هو الرجوع إلی اللّه فی عالم المعنی و الروح.قال تعالی إِنَّ إِلی رَبِّکَ الرُّجْعی و أَنَّ إِلی رَبِّکَ الْمُنْتَهی و إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ - وَ إِلَیْهِ یُرْجَعُ الْأَمْرُ کُلُّهُ .
و أکّد جلّ جلاله علی لقائه و ذمّ المکذّبین لذلک قال جلّ و علا (1)
یونس:45/10. [1]و انظر:القصص:61/28.
قَدْ خَسِرَ الَّذِینَ کَذَّبُوا بِلِقاءِ اللّهِ وَ ما کانُوا مُهْتَدِینَ .و قال وَ إِنَّ کَثِیراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَکافِرُونَ .و قال یُفَصِّلُ الْآیاتِ لَعَلَّکُمْ بِلِقاءِ رَبِّکُمْ تُوقِنُونَ .فالمطلوب هو وجود الیقین بلقائه جلّ جلاله.و بنحو آخر من البیان یقول اللّه فی کتابه الکریم أن الأمور تکون(عند) اللّه عزّ و جلّ.و هذا المعنی مکرر فی القرآن عشرات المرات إلاّ أننا نذکر
1) 1)
أوضح الآیات الدالة علی ذلک.کقوله تعالی وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِکُمْ مِنْ خَیْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ .و قوله تعالی فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ .و قوله تعالی فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ .و قوله مَثُوبَةً عِنْدَ اللّهِ .و قوله لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ .و قوله إِنَّما عِنْدَ اللّهِ هُوَ خَیْرٌ لَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ تَعْلَمُونَ .
و بنحو ثالث من البیان أن الحشر یکون إلیه جلّ جلاله.قال تعالی:
وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَی اللّهِ تُحْشَرُونَ .و قال وَ اتَّقُوا اللّهَ الَّذِی إِلَیْهِ تُحْشَرُونَ .و قال وَ هُوَ الَّذِی ذَرَأَکُمْ فِی الْأَرْضِ وَ إِلَیْهِ تُحْشَرُونَ .و قال:
یَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِینَ إِلَی الرَّحْمنِ وَفْداً .
و أما المیعاد الدانی،یعنی باعتبار طروه علی جانب الجسد فهو یوم القیامة.و علیه عدد من الآیات لا یکاد یحصی و یعتبر تکذیبه تکذیبا للدین و للقرآن الکریم.
قال تعالی وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً .و قال وَ یَوْمَ یَحْشُرُهُمْ جَمِیعاً یا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَکْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ .و قال وَ نَضَعُ الْمَوازِینَ الْقِسْطَ لِیَوْمِ الْقِیامَةِ .و قال ثُمَّ إِنَّکُمْ یَوْمَ الْقِیامَةِ تُبْعَثُونَ .
و قال وَ نَحْشُرُهُ یَوْمَ الْقِیامَةِ أَعْمی .و قال وَ لا یُکَلِّمُهُمُ اللّهُ وَ لا یَنْظُرُ إِلَیْهِمْ یَوْمَ الْقِیامَةِ .و قال یُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ یَوْمَ الْقِیامَةِ وَ یَخْلُدْ فِیهِ مُهاناً .و قال اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَیَجْمَعَنَّکُمْ إِلی یَوْمِ الْقِیامَةِ لا رَیْبَ فِیهِ .
و قال فی المنع عن تکذیبه اَلَّذِینَ یُکَذِّبُونَ بِیَوْمِ الدِّینِ .و قال:
اَلَّذِینَ کَفَرُوا وَ کَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ .و قال بَلْ کَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ کَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِیراً .و قال وَ نَقُولُ لِلَّذِینَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِی کُنْتُمْ بِها تُکَذِّبُونَ .إلی غیر ذلک من الآیات الکثیرة.
فهذا عدد معتدّ به من الآیات التی تؤکد علی أصول الدین الخمسة، أصلا أصلا و فصلا فصلا.و الحمد للّه رب العالمین.
بقی من کلامنا أنه لا بدّ من التعرض هنا إلی عدة أمور:
الأمر الأول:إن هناک سؤالا ملحا حول الاعتقاد بأصول الدین یلتفت إلیه الکثیرون یحسن عرضه و الجواب علیه.
و حاصله:أن الفقهاء قالوا:إن التقلید فی أصول الدین ممنوع،لأنه منهی عنه بصراحة فی القرآن الکریم کما فی قوله تعالی (1)
المائدة:104/5. [1]
قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَیْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ کانَ آباؤُهُمْ لا یَعْلَمُونَ شَیْئاً وَ لا یَهْتَدُونَ .و قوله عزّ و جلّ (2)وَ إِذا قِیلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَیْنا عَلَیْهِ آباءَنا.أَ وَ لَوْ کانَ آباؤُهُمْ لا یَعْقِلُونَ شَیْئاً وَ لا یَهْتَدُونَ .و قوله (3)إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلی أُمَّةٍ وَ إِنّا عَلی آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ .و فی آیة أخری (4)وَ إِنّا عَلی آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ .و إنما التقلید خاص بفروع الدین،و ما یخص الفتاوی العملیة و أما شموله لأصول الدین فلا.بل لا بد لکل فرد أن یکون مجتهدا فی الاعتقاد بهذه الأصول.فإن الاجتهاد ضد التقلید،لأن الفرد إما مجتهد و إما مقلّد و لا ثالث لهما.فإذا حصل المنع من التقلید تعین الاجتهاد.
مع العلم أننا إذا التفتنا إلی الأکثریة الکاثرة فی المجتمع من متوسطی الثقافة و العقلیة و المتدنین فیها،یستحیل علیهم عادة أن یدرکوا أو یستوعبوا البراهین علی أصول الدین لکی یکونوا فیها مجتهدین و محققین.بل هذا متعذر عند الأغلب بأی من مقدماته و تفاصیله ناهیک عن الجمیع.
فکیف الحال بمن لا یقرأ و لا یکتب،و لم یمر علی القرآن الکریم و لا السنّة الشریفة و لا المصادر الرئیسیة فی الدین.و نحوهم بعض النساء العاطلات اللاتی لا یفهم منهن الکلام و لا یعرف لهن حرام.
و مثل هؤلاء الناس عاجزون جزما عن الاجتهاد فی أصول الدین.
و تکلیف العاجز مستحیل عقلا.إذن فتکلیفهم بذلک مستحیل.إذن فکل من الاجتهاد و التقلید فی أصول الدین منسد بابه حقهم.مع العلم أنها واجبة علیهم إجمالا،و لا یحتمل سقوطها عنهم لأن ذلک یعنی خروجهم عن الدین و هو ممتنع.فما العمل بعد انسداد کل الاحتمالات.
و جواب ذلک:إن الشیء الذی یمکن التنزل عنه نظریا فی هذا الصدد هو وجوب الاجتهاد مع العجز عنه أکیدا.إلاّ أن هذا لا یعنی جواز التقلید.بل یمکن أن ننتقل إلی حالة ثالثة هی الاطمئنان بصحة أصول الدین.و الاطمئنان حجة کافیة و معتبرة شرعا.من أی کان سبب حصوله.
و أما إذا لم یحصل للفرد الاطمئنان بأصول الدین فهو مما لا سبیل إلی الاعتراف بإسلامه.
فإن قیل:کیف یحصل الاطمئنان للفرد مع عدم وجود المقدمات النظریة الکافیة المسببة له.أو قل کیف یحصل ذلک مع عدم الاجتهاد و البحث النظری عن صحة تلک المفاهیم.
قلنا:إن کان الاجتهاد و البحث النظری ممکنا،فهو المطلوب.و لا یکون الاطمئنان مقبولا و لا مجزیا بدونه.إلاّ أننا نتکلم الآن فی فرض العجز عن الاجتهاد.و التکلیف مع العجز متعذر.إذن،فالعامی لا یطلب منه الاجتهاد و لا یجزئ منه التقلید و إنما یجزئ منه الاطمئنان.
و هذا ما یمکن أن یحصل للعامی بأسلوبین:
الأسلوب الأول:ما یکون من العقائد مقدماته واضحة و وجدانیة إلی حد تکون حسیة أو قریبة من الحس.فیمکن القول إنه لا یعذر فیها أحد.و لذا یذمّ القرآن الکریم من یکذب بالآیات فی عدد معتدّ به من الآیات القرآنیة.
و المقصود بالآیات هنا الدلائل الواضحة علی أصول الدین کوجود اللّه و توحیده و عدله و کرمه.
و بالرغم من أنه یمکن القول إن المقدمات المهمة لثلاث منها کذلک جزما و هی أصول الإسلام:التوحید و النبوة و المعاد.
فوجود اللّه معلوم بخلقه.و توحیده معلوم من شهادته به.و النبوة معلومة من إعجاز القرآن و تواتره.و المعاد معلوم بنص القرآن و التواتر أیضا.
و هذه العبادات و إن کانت نظریة لا یفهمها الأکثر،إلاّ أن مضمونها العرفی واضح و قریب للأذهان.
الأسلوب الثانی:و هو خاص بمن کان فی المستوی المتدنی بحیث لا یمکنه حقیقة حتی إدراک المستوی الأول الواضح.
عندئذ یمکن الإکتفاء منه بمجرد حصول الاطمئنان.و یمکن أن یحصل الاطمئنان لأی فرد بمجرد الالتفات إلی التسالم علی صحة أصول الدین:
أولا:إنها مما آمن به الملایین من الناس جیلا بعد جیل.
ثانیا:إنها مما آمن به الباحثون و المفکرون و العلماء.
ثالثا:إنها مما آمن به الصالحون من الناس و الأتقیاء الذین لا نعرف منهم و لم یصدر منهم إلاّ الخیر و الصلاح.کالمعصومین علیهم السّلام و جملة الصالحین من الناس.
رابعا:إن الفرد یلتفت إلی أن مفاهیم أصول الدین مبحوثة مفصلا و کثیرا فی کل الأجیال فی کثیر من الکتب.و نتائجها مسلّمة الصحة لدی الجمیع.إذن فهو یعلم و لو بالإجمال بصحتها و هو کاف له.
الأمر الثانی:مما ینبغی التعرض إلیه حول أصول الدین:أنه قد یخطر فی أذهان بعض المفسدین أن یقولوا:إن الإیمان بأصول الدین مناف مع عالمیة الدعوة النبویة الإسلامیة.
فإننا عرفنا بضرورة الدین عموم الدعوة إلی جمیع البشر و فی کل الأجیال منذ الجیل المعاصر للإسلام و إلی یوم القیامة و فناء البشریة.و هذا
معناه أن الإیمان بأصول الدین عام بهذا الشکل الواسع.لأن الإسلام لیس إلاّ أصول الدین.
و هذا یتوقف علی أن تکون أصول الدین سهلة و واضحة و لیست معقدة و مطولة.فإذا علمنا أنها معقدة علمنا تعذر انتشار هذه الأصول الخمسة بین البشر،و خاصة المتدنون فی الثقافة منهم،و هم أغلب البشر،و غیر العرب منهم و هم الأکثر منهم،و خاصة تلک اللغات التی لم تترجم إلیها الکتب العربیة،و لم تصلها الأفکار العربیة.و لا ینبغی أن ننسی أن الکتاب و السنّة عربیان.
و جواب ذلک یکون علی عدة مستویات.منها:
المستوی الأول:ما قلناه من وضوح الفهم و تیسیره بالنسبة إلی عامة الناس فی أصول الدین.و لذا وجدنا الملایین فی غیر العرب یفهمونها و یؤمنون بها و یدخلون فی دین اللّه أفواجا.لا تمنعهم عن ذلک لغتهم و لا تقالیدهم و لا بعدهم عن مرکز الرسالة الإسلامیة.
المستوی الثانی:إن الإسلام لیس واضحا من ناحیة أصوله فقط،بل من ناحیة فروع الدین أیضا.فإنها تعبیر آخر عن المعدل الإسلامی الکامل و النظام الفاضل الذی یکفل سعادة البشریة کلها.و فی الإسلام و قادته و مفکریه من الممیزات ما فاق حد الإحصاء.
المستوی الثالث:إن التبلیغ الإسلامی و الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر و هدایة الناس و کلها عناوین واجبة إجمالا.إن توقفت علی الترجمة إلی لغات أخری و تفهیم غیر العرب بها،أو أی شعب من الشعوب أو أی فرد من الأفراد.کانت تلک المقدمات واجبة شرعا لا محالة.و هذا مما أدرکه و قام به کثیر من أهل الاهتمام بالدین و ألهمه إلی هدایة الآخرین،خلال الأجیال بما فیها جیلنا الحاضر.
المستوی الرابع:إنه من المحرر بوعد اللّه سبحانه و تعالی حصول ذلک.
فإن کان البشر عاجزون عنه،فاللّه سبحانه هو القادر علیه.فإن جند اللّه هم الغالبون.و قال تعالی وَعَدَ اللّهُ الَّذِینَ آمَنُوا . لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ . وَ لَیُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً یَعْبُدُونَنِی لا یُشْرِکُونَ بِی شَیْئاً .و ذلک بعد أن نعلم أن اَللّهَ لا یُخْلِفُ الْمِیعادَ .و قال أَمَّنْ یُجِیبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ یَکْشِفُ السُّوءَ وَ یَجْعَلُکُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ .
و لکن یبقی وقت التنفیذ فی علم اللّه و قدرته،و نحن أقل و أجهل من أن نعلمه و نقدر علیه.و قد قربت هذه الآیة نفسها إلی الأذهان عدم استبعاد الأمر حیث قال جلّ جلاله لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ .فإذا کان هذا حاصل فیما سبق فما البعد فی أن یحصل فیما یأتی من الزمان.و نحن نعلم أنه لِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و أنه بِیَدِهِ مَلَکُوتُ کُلِّ شَیْءٍ و أنه إِلَیْهِ یُرْجَعُ الْأَمْرُ کُلُّهُ و أن للبیت رب یحمیه.
المستوی الخامس:إن أی فرد أو جماعة انسدت أمامها الأبواب التی عرفناها فی المستویات السابقة،و تعذر لها فهم أصول الدین و حقیقة الإسلام تعذرا کاملا،لأی مانع من الموانع،کالمانع العقلی أو البعد المکانی أو التدنی الثقافی أو الانشغال الدنیوی أو الغفلة أو النسیان أو غیر ذلک.
فإنه یکون معذورا عما عجز عنه،و اللّه تعالی أولی بالعذر لا محالة،و لا یحتمل أنه یعاقب علیه یوم القیامة.
الأمر الثالث:مما ینبغی التعرض له حول أصول الدین.أن هناک علوما ثلاثة مکرّسة فی الإسلام للبحث حول أصول الدین و حقیقة الدین هی:
علم الکلام و الفلسفة و العرفان.و لیس علم الکلام فقط.کما هو المتعارف و المشهور.
و قد فرقوا بین علم الکلام و الفلسفة،بالرغم من کونهما معا منحی عقلیا بأن المتکلم(فی علم الکلام)یأخذ العقائد الإسلامیة و یحاول البرهنة
علیها فی حین أن الفیلسوف(فی الفلسفة)لا یأخذ هذا مسلما بل یسیر إلی حیث یقوده البرهان کائنا ما کانت نتیجته.و إن کنا نعتقد کمسلمین أن کل من بحث عن صحة العقائد الإسلامیة فإنه سیتوصل إلی صحتها.
و أن کل من توصل إلی غیر ذلک فهو متوهم و مبطل.
کما فرقوا بین علم الکلام و الفلسفة،بأن علم الکلام خاص عن الحدیث عن العقائد الإسلامیة،فی حین أن الفلسفة أوسع من ذلک،من حیث أن الفیلسوف ینظر إلی الوجود ککل.
أما الفرق بین هذین العلمین من ناحیة و العرفان من ناحیة ثانیة،هو أن هذین العلمین یشترکان بالمنحی العقلی أو الذهنی،و لا یمکن أن یتعدیاه.
فی حین أن العرفان تعبیر آخر عن معرفة حقائق الأشیاء بالحس و الوجدان و هو ما یعبر عنه فی المنطق بالعلم الحضوری.لا یختلف فی ذلک عالم الخلق عن عالم الأمر عن عالم اللاهوت عن عالم الأسماء و الصفات.إلی غیر ذلک.
و قد أشار إلیه القرآن الکریم فی عدد من آیاته.منها قوله سبحانه:
وَ یَرَی الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِی أُنْزِلَ إِلَیْکَ مِنْ رَبِّکَ هُوَ الْحَقَّ .یعنی بدون حاجة إلی دلالة و معجزة.و قال سبحانه شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِکَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ .و قال جلّ جلاله إِنَّما یَخْشَی اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ .
یعنی أن الخشیة الحقیقیة لا تحصل و لا یمکن أن تحصل إلاّ بعد المعرفة الحقیقیة.
و من هنا یمکن القول بأن لأصول الدین ثلاثة مستویات من الإدراک باعتبار هذه العلوم الثلاثة.فإذا أضفنا إلیه المستوی العام المتدنی الفهم لها، کانت المستویات أربعة کما یلی:
المستوی الأول:هو المستوی العام المتدنی فی الفهم،حیث تکون الفکرة قائمة و البراهین إجمالیة کما سبق.فی حین أن المستویات التالیة کلها واضحة و معروفة.
المستوی الثانی:هو المستوی الکلامی،حیث یراد فهم أصول الدین و الاستدلال علیها بالعقل من زاویة إدراکه لهذه الأمور.
المستوی الثالث:هو المستوی الفلسفی،حیث یراد فهم أصول الدین و الاستدلال علیها بالعقل من زاویة إدراکه المطلق لکل شیء،و عامة عالم الوجود.
المستوی الرابع:هو المستوی العرفانی،حیث یراد فهم أصول الدین و الاستدلال علیها بالحسّ و الوجدان المباشر الناشئ من الاطلاع علی حقائق الأشیاء علی واقعها الأصلی.کما أشرنا.
و هنا ناحیتان یحسن الالتفات إلیهما:
الناحیة الأولی:إنه قد یخطر فی الذهن:إن المعرفة الحقیقیة هی المعرفة الواصلة إلینا عن طریق الکتاب و السنّة،و لیست هی إحدی هذه المستویات الأربعة إطلاقا.
و جواب ذلک:إننا إن تحدثنا عن مستویات القادة المعصومین سلام اللّه علیهم،فمعرفتهم هی أعلی المعارف و أدقها و أوسعها بلا شک.إلاّ أن تلک من أهم الأسرار الإلهیة التی لا یعطونها إلاّ لأقل القلیل.لا أنهم یبیّنونها من خلال السنّة الشریفة.
و إن تحدثنا علی مستوی ظاهر الکتاب و السنّة،فهو ظاهر قابل لاختلاف الفهم و متعدد المحتملات فی الجملة.و مقصودی أنه مناسب مع کل المستویات الأربعة علی الإطلاق،یأخذ کل واحد منه ما یناسب حاله و یتفق مع فهمه و مستواه.و لا یتعین فی واحد منها و لا فی غیرها،کما زعم السائل.
و لذا یستدل بها أهل کل من هذه المستویات علی فهمهم و صحة اعتقادهم المناسب-فی الحقیقة-مع مستواهم الذهنی بما فیه المستوی الرابع العرفانی المعمق.إلاّ أن هذا الفهم من الکتاب و السنّة لا یفهمه إلاّ ذووه.و هم المتأهلون لذلک أساسا.
و من هنا نجد أن کلمات الکتاب و السنّة المقدسین،مناسبة مع کل العقول و المستویات و قد أعطت لکل واحد و لکل جماعة و مجتمع ما ینفعه و یهدیه.و هی لم تبخل بأعمق الأفکار غیر أنها خاطبت کل أحد بمقدار عقله و تحمّله.فمن لم یکن أهلا للتحمّل یکفی أن یبقی غافلا عن الفکرة و غیر فاهم لها من ظواهر الکتاب و السنّة.
الناحیة الثانیة:إن أعمق و أوسع الاستدلال علی أصول الدین و مطلق العقائد،فی القواعد الظاهریة الموروثة إنما هو فی الفلسفة الإسلامیة التقلیدیة،و التی هی أعمق من علم الکلام و ألطف بما لا یقاس من الدرجات.و لئن ورد النهی فی بعض الروایات عن الإفاضة فی علم الکلام،فإنه لم یرد نهی عن الإفاضة فی الفلسفة.
غیر أننی اعتقد أن المستویین الثالث و الرابع ینبغی أن یتعاضدا و یتعاهدا فی الإیصال إلی النتائج الواقعیة.و قد سبق أن کررت هذا المعنی فی عدد من أیام عمری:إن الفلسفة بلا عرفان قشر بلا لب.و العرفان بلا فلسفة لب بلا قشر.
و هذا معناه أن الفاکهة المفضلة،کما خلقها اللّه سبحانه هی لب و قشر معا و لا یصلح أحدهما من دون الآخر.
أما استفادة الفلسفة من العرفان،فإنه یفتح لها حسن الاستدلال و حسن النتائج معا.و لا یکون سیر الفیلسوف سیرا فی ظلام،بل تکاملا فی نور.
و لا یحس بذلک إلاّ من جرّبه.
و لهذا خرج عدد من الفلاسفة فلسفتهم بالعرفان،فأصبحت من هذه الناحیة من أفضل الفلسفات و أجل المؤلفات.منهم:صدر المتألهین الشیرازی صاحب کتاب:الأسفار الأربعة.و الشیخ ملا هادی السبزواری صاحب المنظومة فی الفلسفة و له حاشیة جلیلة علی الأسفار الأربعة نحی فیها المنحی المشار إلیه.و هما معا موفقان فی هذا الصدد.
و أما استفادة العرفان من الفلسفة فمن جهات أهمها:
أولا:إنها تصلح أن تکون تعقلا و ترتیبا برهانیا للفهم العرفانی الوجدانی الساذج.
ثانیا:إنها تصلح أن تکون حجابا و سترا للإسرار الإلهیة العرفانیة.فإنها عندئذ یمکن التعرّف بها بالثوب الفلسفی المناسب.
و علی أی حال فالفلسفة إنما تنفع العرفان من زاویة إثباتیة یعنی لتعریف الآخرین أو قل:بعض الآخرین بعض صیغ الحقیقة المجردة.و إلاّ فإن کان الفرد موفقا لکی یکون بعیدا عن الآخرین و لا یشعر بتکلیفه الشرعی أو الإنسانی لتعلیمهم أو هدایتهم،فلا حاجة إلی الفلسفة عنده.بل یکون اطلاعه العرفانی أوسع و أعلی و أصفی لا محالة.
و من هنا قد نجد أناسا ممن لا خلاق لهم فی الظاهر.ممن لا یعرف القراءة و الکتابة و لا یفهم الآخرون عنه کلاما و لا یحترمون له مقاما.نجده من ألطف العارفین و أعلی الأولیاء و المتقین.و لا ضرورة لأمثال هؤلاء إلی أی سطر من الفلسفة.
و إذا رجعنا إلی الکلمة التی قلناها من:أن العرفان بلا فلسفة لب بلا قشر.نجد أن أکل اللب وحده هو الألذ.بل لا بد منه لأکل کل فاکهة.
و أکل الفاکهة بقشرها غیر مستساغ.و إنما الفلسفة إذا أرادت لنفسها النتیجة الصالحة-لو صحّ التعبیر-،فإنما یجب أن توصل صاحبها إلی العرفان.
و أما بدون ذلک،فهی الضلال البعید.و قدیما قالوا:من تمنطق تزندق.أی بدون الاعتماد علی علوم أهل البیت علیهم السّلام و معارفهم الحقیقیة.
الکذب هو عدم التطابق بین أمرین:أحدهما ذاتی أعنی کونه راجعا إلی الفرد نفسه.کالقول و الفعل و القصد و الوعد و غیر ذلک مما یأتی.
و یمکن بیان عدم التطابق هذا علی مستویات کثیرة جدا:
فالقول الخبری،أو الجملة الخبریة قد تکون صادقة و قد تکون کاذبة.
و هذا هو فرق الخبر عن الإنشاء الذی لا یکون قابلا لهذا التقسیم بذاته.
و کذب القول هو عدم مطابقته للخارج.سواء کان الخارج ماضیا أو حاضرا أو مستقبلا.فالکذب عن الماضی هو المعنی المشهور بین الناس کما لو قلت:حصل کذا،و لم یحصل.و مثله الحاضر و کذلک المستقبل کما لو قلت:ستنجح زراعتی أو تجارتی و لم تنجح فیکون کذبا،سواء کان هذا القول بقصد الإخبار أو التفاؤل أو حتی التشاؤم.
و مثل القول فی الصدق و الکذب ما أغنی عنه عرفا کالإشارة و بعض الحرکات ذات الدلالة،فإنها إن لم تطابق الواقع کانت کذبا،سواء کانت عن الماضی أو الحاضر أو المستقبل.
و لا نری لدی الواقع الذی لا یطابقه القول بین أن یکون واقعا خارجیا.
أی خارجا عن الذات أو واقعا فی داخل الذات،کالتعبیر عن الاعتقاد أو
الرأی أو الحالة النفسیة کالفرح أو الغضب مثلا.فإن التعبیر علی خلاف ذلک القول أو الإشارة یکون کذبا.
و لا نرید بالإشارة کونها من أقسام(الفعل)الذی سیأتی أنه یصدق علیه الکذب أیضا،و إن کانت هی من الأفعال إذ لیست صوتا أو قولا و إنما هی من الدول النائبة مناب القول و القائمة مقامه.بدلیل أنها قد تنقسم إلی خبر و إنشاء.فالإشارة المراد بها الخبر خبر،و الإشارة المراد بها الإنشاء إنشاء.
و بالرغم من أن الإنشاء یخلو(بذاته)کما قلنا عن معنی الصدق و الکذب،و هو فرقة الأساسی عن الخبر،إلاّ أنهم قالوا بانطباق هذا المفهوم علیه أیضا.
بما فیه من دلالة التزامیة أو ثانویة.فلو قال أعطنی فهو یعطی:
-أنا محتاج و إن قال:-أعنّی فهو یعنی أنا ضعیف.و إن قال:أطعمنی فهو یعنی:إنی جائع و هکذا.
و یمکن تعمیم ذلک إلی کل إشکال الإنشاء و لیس الأمر وحده کما مثلنا.
فلو تمنی من دون قصد التمنی أو تعجب بدون قصد التعجب کان کذبا.
و کذلک لو أوقع عقد البیع أو الإجارة أو الهبة صوریا من دون قصد جدی أو حقیقی إلیه،فإنه یکون کذبا.
فهذا کله من الکذب بالدلالة القولیة،سواء کان صوتا أو إشارة.
و قد أشرنا إلی أن الإنشاء الذی قلنا بصدق الکذب علیه أحیانا.کما قد یکون بالقول قد یکون بالإشارة أیضا،إذن،فالتقییم الذی یصدق علی القول علی سعته،یصدق علی الإشارة أیضا.
و الکذب کما یکون بالدلالة القولیة،یکون بالفعل أو بالأعمال أیضا، من باب عدم مطابقتها للقول تارة و للقصد أخری و للاعتقاد ثالثة و للهدف رابعة فضلا عن عدم مطابقتها للواقع أیضا.
أما عدم مطابقة الفعل للواقع کما لو زرت شخصا فلم تصادفه فی بیته،و لو علمت بذلک لما زرته.
و أما عدم مطابقته للقول فواضح،کما لو قلت:سأسافر غدا و لم تسافر.و أما عدم مطابقته للهدف،کالتاجر الذی یبیع بتسامح فی مزید الطاعة،مع أنه قصد مزید الثواب.
و القصد إن کان هو الهدف فقد مثلنا له الآن.و إن کان غیره کقصد تفهیم أمر معین،لکن یختار المتکلم غیره،فیکون کذبا.
و الاعتقاد،یراد به الاعتقاد النظری،کالاعتقاد بالمبادئ العلیا و الدین و نحوها فإن بیان خلافها بالقول أو بالفعل،یکون من الکذب،سواء کانت حقا،أو باطلا،فی حد ذاتها.
فإن کانت باطلة،کان القول کذبا من جهتین،من جهة عدم مطابقته للاعتقاد و عدم مطابقته للواقع.و إن کانت حقا،کان القول کذبا من جهة مطابقته للاعتقاد و صدقا من جهة مطابقته للواقع.و هذا هو الذی ورد علیه قوله تعالی إِذا جاءَکَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّکَ لَرَسُولُ اللّهِ.وَ اللّهُ یَعْلَمُ إِنَّکَ لَرَسُولُهُ وَ اللّهُ یَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِینَ لَکاذِبُونَ (المنافقون:1)یعنی من حیث عدم المطابقة بین قولهم و اعتقادهم.
و کذلک الحال فی عدم القول أو الفعل للرأی.فإن الرأی إن کان هو الاعتقاد،فقد تحدثنا عنه.و إن کان هو أوسع منه،لأنه یشمل کل القناعات حتی فی الأمور البسیطة و التطبیقیة.إذن فسیکون بیان ذلک بالقول علی خلاف القاعدة أو العمل علی خلاف القناعة کذبا،لا محالة.
و من هذا کله یمکن أن نخلص إلی إمکان تقسیم الأمور إلی أربعة أقسام رئیسیة:قول و فعل و واقع نفسی و واقع خارجی.و إذا وقعت المفارقة أو عدم التطابق بین أی اثنین من هذه الأربعة کان الکذب صادقا:
بین القول و القول أو القول و الفعل أو القول و الخارج أو القول و الباطن أو الواقع النفسی.
و کذلک بین الفعل و القول أو الفعل و الفعل الآخر أو الفعل و الخارج أو الفعل و الباطن.
و لیس قولنا:تارة بین القول و الفعل و تارة بین الفعل و القول،بمنزلة التکرار،بل هو یختلف باختلاف الألفاظ باعتبار ما نرید وصفه بالکذب تارة من قول و فعل إذ قد یکونان معا کاذبین مع تطابقهما.
و کذلک:الواقع النفسی مع واقع نفسی آخر،کالجبن مع الشجاعة أو مع القول أو مع الفعل أو مع الخارج،کما سبقت أمثلة.
و قد یناقش فی تسمیة عدم المطابقة بین الواقعین الباطنی و الظاهری کذبا،لانعدام الدلالة عندئذ،و الکذب إنما هو من أوصاف الدلالة.قلنا:
أولا:أن الکذب لیس مع الدلالة فقط بل صادق بلا دلالة کقوله تعالی:
لَیْسَ لِوَقْعَتِها کاذِبَةٌ (1)
الواقعة:2/56. [1]
.و ثانیا:إن الدلالة فی الواقع النفسی قد تکون متحققة.العلم و الخوف یدل علی المخوف منه و الغضب علی الکراهة و هکذا.فإن لم تکن هذه الأمور مطابقة للواقع کانت کذبا، و یسمی العلم غیر المطابق للواقع بالجاهل المرکب.و یمکن توسیع معنی العلم هنا إلی مطلق القناعة و الوثوق و الظن الراجح مع عدم المطابقة للواقع الخارجی أو الواقع النفسی.و قد یستشکل علی تعریفنا للکذب بأنه عدم التطابق بین أمرین أحدهما ذاتی.فی حین أن قوله تعالی لَیْسَ لِوَقْعَتِها کاذِبَةٌ لیس فیه أمر ذاتی بل هو حاصل سواء کان هناک مدرک أم لا،و سواء کان هناک ناطق أم لا و سواء کانت هناک دلالة أم لا.
و لکن یمکن أن یجاب ذلک بعدة أمور:
أولا:إن الآیة الکریمة قد تکون بمعنی أن یوم القیامة حق و کل من یعبر عنه أو یدل علیه دلالة فهو صادق و غیر کاذب.فانتفی الإشکال.
ثانیا:إنه ربما یکون معناها،أن محاسبة الأعمال یوم القیامة لا یکون بالکذب و الافتراء.أی أن ینسب إلی الفرد ما لم یعمله أو یقله بل ما قاله
1) 1)
و فعله.أذن فالدلالة علی أعمال العباد أیضا موجودة لا کما قال المستشکل.
ثالثا:إنه ربما یکون معنی الآیة الکریمة أن وقوع الواقعة التی لیس لوقعتها کاذبة.إنما هی لأجل العقوبة علی أعمال العباد أو إیقاع البلاء علیهم نتیجة لسوء تصرفهم.فیکون معنی الکذب هنا هو عدم انطباق العقوبة علی الذنب بمعنی عقاب غیر المذنبین.فإذا لم تکن الواقعة کاذبة، کما صرحت الآیة،کان العقاب علی المذنبین لا محالة.و لکن الکذب هنا بهذا المعنی مجاز لا حقیقة.باعتبار أن المفارقة هنا تشبه من بعض الجهات مفارقة الکذب فصحّ استعمالها مجازا و إنما یکون کذبا حقیقة مع وجود دلالة ذاتیة کالقول و الفعل و الاعتقاد و القصد و کلها ذات دلالة بمعنی و آخر.
هذا و هناک استعمال کذّبه بالتشدید و کذّب علیه.
و هما متقابلان فی أکثر الأحیان.فهذا کذب علی ذاک و ذاک یکذبه.
و علی أی حال فیهما لا بد من وجود طرف آخر،هو الذی یکذّب بالتشدید أی یعتبر قول الآخر کاذبا.بأحد الأشکال السابقة و إن کان الغالب هو اعتباره کاذبا بالمعنی العام أی فی مفارقه قوله مع الواقع و کذلک الآخر هو الذی یکذب علی صاحبه بأحد الأنحاء السابقة من الکذب و إن کان هذا المعنی المشهور هو الغالب.و علی أی حال یحتوی هذا العمل علی نحو من المکر و الخدیعة و التغریر.و إلاّ لما کان للکذب مجال معقول.
استعمالات الکذب فی القرآن الکریم:
و حیث عرفنا للکذب أصنافا مختلفة و تطبیقات متعددة فینبغی لنا أن نطل إطلالة علی القرآن الکریم لنجد أی هذه المعانی قد استعملها.و ینبغی أن نلتفت هنا إلی أننا نفحص عن(مادة)الکذب أو مفهومه فی القرآن الکریم،بأی صیغة أو تعریف کان کالمصدر أو الفعل الماضی أو غیرهما.
کما ینبغی أن نلتفت أن بعض الاستعمالات القرآنیة قابلة للحمل أو
التأویل أو الفهم فی أکثر من معنی من المعانی السابقة،إلاّ أننا ینبغی أن نحملها علی أقرب المعانی العرفیة واحدا کان أو متعددا.
فقوله تعالی فَکَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصّادِقِینَ یراد به المفارقة و عدم التطابق بین القول و الواقع.و کذلک قوله فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْکاذِبِینَ (1)
یوسف:26/12. [1]
.و کذلک قوله تعالی وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِیمٌ بِما کانُوا یَکْذِبُونَ (2).و قوله سبحانه وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُکُمُ الْکَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ (3).و قوله عزّ من قائل وَ إِنْ یَکُ کاذِباً فَعَلَیْهِ کَذِبُهُ (4).و أما قوله تعالی وَ اللّهُ یَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِینَ لَکاذِبُونَ (5).فهو للمفارقة بین الاعتقاد و القول کما قلنا:و إن کان قولهم مطابقا للواقع بدلیل قوله تعالی وَ اللّهُ یَعْلَمُ إِنَّکَ لَرَسُولُهُ (6).
و أما قوله تعالی بِما أَخْلَفُوا اللّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما کانُوا یَکْذِبُونَ (7)فهی عن الکذب فی الوعد،أی المفارقة بین الوعد،و تطبیقه إذا فهمنا من الکذب فی هذه الآیة،ما ارتبط بالوعد المشار إلیه فیها،و إلاّ کان لها معنی آخر.
و قوله تعالی ما کَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأی (8)نفی المفارقة بین العلم و المعلوم.و إن ما علمه الفؤاد من الأمور و الظواهر الکبری کان مطابقا للواقع.و لم یکن مخالفا له.
و قوله تعالی وَ جاؤُ عَلی قَمِیصِهِ بِدَمٍ کَذِبٍ (9)ظاهره الأولی أنه
لیس بدم بل صبغ أحمر یراد به الإیهام بالدم.و لذا قال:إنه(دم کذب) للمفارقة بین واقعة و بین المقصود منه للفاعلین.و هو الإیهام بالدم.
و لکن الظاهر من السیاق العام للآیة فی قصة یوسف علیه السلام أن الإیهام کان هو الإیهام بقتل یوسف و أن الدم دمه.فی حین کان علی القمیص دم شاة أو أی حیوان آخر.فالمفارقة التی اقتضت التعبیر بالکذب من هذه الجهة.
و یمکن الجمع بین المعنیین من حیث أنهم أوهموا بدم یوسف علیه السلام بجعل الصبغ علی الثوب و لیس دما آخر.
و أما قوله تعالی ناصِیَةٍ کاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (1)
العلق:16/96. [1]
فالناصیة تعبیر آخر عن الفرد نفسه.و الفرد قد یکون کاذبا و خاطئا فعلا.و هناک مجموعة من الآیات تدل علی المفارقة بین أقوال بعض الأفراد و واقعهم.کقوله تعالی فَإِذْ لَمْ یَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِکَ عِنْدَ اللّهِ هُمُ الْکاذِبُونَ (2).و قوله تعالی وَ ما هُمْ بِحامِلِینَ مِنْ خَطایاهُمْ مِنْ شَیْءٍ إِنَّهُمْ لَکاذِبُونَ (3).و قوله تعالی أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْکِهِمْ لَیَقُولُونَ وَلَدَ اللّهُ وَ إِنَّهُمْ لَکاذِبُونَ (4).و قوله تعالی وَ یَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلی شَیْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْکاذِبُونَ (5).و هذه الأخیرة للمفارقة بین ظنّهم و إحسانهم الظن بأنفسهم، و بین واقعهم المتدنی الردیء.
و أما قوله تعالی لَیْسَ لِوَقْعَتِها کاذِبَةٌ فقد قلنا إنها محمولة علی نحو من الاستعمال المجازی.و یراد بها نفی المفارقة بین واقع یوم القیامة و بین التعبیر عنه بالقول أو بالعمل،و إلا فإن نسبة الکذب إلی الشیء نفسه بغض النظر عن أی دلالة لا یخلو من التسامح.
فهذه نماذج مما ورد فی القرآن الکریم من مادة الکذب إلاّ أن الأعم الأغلب هو ورود مادة التکذیب.و منه تکذیب الأنبیاء،و تکذیب یوم القیامة و تکذیب الآیات و تکذیب الحق و غیرها و قلنا إن مرجع التکذیب اعتبار الطرف الآخر کاذبا.
أما تکذیب الأنبیاء فیدل علیه قوله تعالی وَ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَیْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَکْذِبُونَ (1)
یس:15/36. [1]
(2).و کلام الکفار هنا مع الأنبیاء فیدل علی اعتبارهم إیاهم کاذبین.و منه قوله تعالی کَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصْحابُ الرَّسِّ وَ ثَمُودُ (3).و قوله تعالی فَإِنْ کَذَّبُوکَ فَقَدْ کُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِکَ (4).و قوله سبحانه کُلٌّ کَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِیدِ (5).
و أما تکذیب یوم القیامة،فهو یحتوی علی معنی نفیه و اعتباره غیر موجود إما حقیقة و اعتقادا،و إما سلوکا و تصرفا و إن کان یؤمن بها اعتقادا،و هذا هو الأدهی و الأمر لوضع المسلم الفاسق.و مرجع التکذیب إلی اعتبار المبشرین عنده کالأنبیاء کاذبین فی أخبارهم عنه.حسب زعم المادیین و الکفار.
و منه قوله تعالی وَ قِیلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِی کُنْتُمْ بِهِ تُکَذِّبُونَ (6).و قوله تعالی هذِهِ النّارُ الَّتِی کُنْتُمْ بِها تُکَذِّبُونَ (7).
و قوله اَلَّذِینَ کَفَرُوا وَ کَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ (8).و قوله فَذُوقُوا بِما نَسِیتُمْ لِقاءَ یَوْمِکُمْ هذا (9).و قوله أَ رَأَیْتَ الَّذِی یُکَذِّبُ بِالدِّینِ (10)و هذا
باعتبار أن المراد الأساسی من الدین هو الإدانة و هی تکون عند الحساب.
و ظهور استحقاق العقاب.فیکون المراد به یوم القیامة.
و قد وردت آیات مشددة جدا فی التحذیر من هذا التکذیب.کقوله تعالی قَدْ خَسِرَ الَّذِینَ کَذَّبُوا بِلِقاءِ اللّهِ وَ ما کانُوا مُهْتَدِینَ (1)
الأنعام:31/6. [1]
.و قوله تعالی أَلا إِنَّهُمْ فِی مِرْیَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ (2).و قوله تعالی بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ کافِرُونَ (3).و قوله أُولئِکَ الَّذِینَ کَفَرُوا بِآیاتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ (4).و قوله فَنَذَرُ الَّذِینَ لا یَرْجُونَ لِقاءَنا فِی طُغْیانِهِمْ یَعْمَهُونَ (5)إلی غیر ذلک.غیر أن لمثل هذه الآیات تفسیر معنوی و أخلاقی،قد یختلف بقلیل أو کثیر عن التفسیر المشهور.
و أما التکذیب بالآیات فقد ذکر بشکل موسع فی القرآن الکریم و تمّ التحذیر منه و من نتائجه بشکل مشدد.و مردّه إلی أحد المعانی:
المعنی الأول:زعم المفارقة بین الآیات و خالقها،أو قل بین الخالق و المخلوق.علی اعتبار الزعم بأن لیس وراءها قادر أو مدبر.
المعنی الثانی:زعم المفارقة بین قول القائل بذلک أعنی بالمدبر و بین الواقع،علی اعتبار أن الواقع یخلو منه.
المعنی الثالث:زعم المفارقة بین نطق الآیات نفسها و واقعها.فإن لکل خلق و لکل آیة لسانا معنویا یرشد إلی الخالق و یدل علیه و یدعو إلیه.
فالزعم بأن هذا اللسان و هذا البیان غیر مطابق للواقع هو معنی تکذیب الآیات.و خاصة باعتبار نسبة التکذیب إلی الآیات نفسها.
و أما الآیات الواردة فی ذلک فکثیرة جدا نذکر بعض النماذج منها قوله تعالی فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ کَذَّبَ بِآیاتِ اللّهِ وَ صَدَفَ عَنْها سَنَجْزِی الَّذِینَ یَصْدِفُونَ عَنْ آیاتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما کانُوا یَصْدِفُونَ (1)
الأنعام:157/6. [1]
.و قوله تعالی:وَ الَّذِینَ کَذَّبُوا بِآیاتِنا یَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما کانُوا یَفْسُقُونَ (2).لأن تکذیب الآیات ینتج إهمال التعالیم الحقة و من ثم الفسق لا محالة.و قوله تعالی:
إِنَّ الَّذِینَ کَذَّبُوا بِآیاتِنا وَ اسْتَکْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَ لا یَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّی یَلِجَ الْجَمَلُ فِی سَمِّ الْخِیاطِ (3)و کذلک قوله تعالی مکررا فی سورة الرحمن فَبِأَیِّ آلاءِ رَبِّکُما تُکَذِّبانِ (4).إلی غیر ذلک من الآیات الکثیرة التی لا تخفی علی من قرأ القرآن الکریم.
و مما ورد فی القرآن الکریم من معانی التکذیب:التکذیب بالوعد و هو المفارقة بین جعل الوعد و بین تنفیذه أی یعد و لا یفعل.و قد ورد ذلک فی القرآن الکریم عنه مستویات ثلاثة:
المستوی الأول:إن وعد اللّه سبحانه لیس فیه کذب.یعنی أنه یأخذ طریقه للتنفیذ لا محالة.کقوله تعالی ذلِکَ وَعْدٌ غَیْرُ مَکْذُوبٍ (5).
و قوله تعالی أَلا إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ (6).و قوله تعالی وَعْدَ اللّهِ لا یُخْلِفُ اللّهُ وَعْدَهُ (7).إلی غیر ذلک من الآیات العدیدة.
المستوی الثانی:إن وعود المؤمنین لا یمکن أن تکون کاذبة.و أن صدقها من نتائج أیمانهم و ارتفاع شأنهم کقوله تعالی إِنَّهُ کانَ صادِقَ الْوَعْدِ (8).
المستوی الثالث:إن وعد الکافرین و الفاسقین.یکون عادة کاذبا.لا یهتمون بتنفیذه و تصدیقه:کقوله تعالی بِما أَخْلَفُوا اللّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما کانُوا یَکْذِبُونَ (1)
التوبة:77/9. [1]
.و قوله سبحانه أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ یَحِلَّ عَلَیْکُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّکُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِی (2).و لعل قریبا منه قوله تعالی وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِی الْمِیعادِ (3).
و کذلک المستوی الرابع:و هو أن الکافرین لا یثقون بالوعد الإلهی بل یکذبون و یطعنون فی صدقه.کقوله تعالی لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِیرُ الْأَوَّلِینَ (4).و قوله یَقُولُونَ مَتی هذَا الْوَعْدُ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ (5)و هو أیضا معنی قوله تعالی وَ یَسْتَعْجِلُونَکَ بِالْعَذابِ وَ لَنْ یُخْلِفَ اللّهُ وَعْدَهُ (6).لأن الاستفهام عن حقیقة الوعد یحتوی ضمنا علی استعجاله.
المستوی الخامس:إن الکافرین و الفاسقین یوم القیامة سیرون أن وعد اللّه حق بعد ما کذبوه فی الحیاة الدنیا کقوله تعالی هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (7)و یشبهه قوله تعالی بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَکُمْ مَوْعِداً (8).
و مما ورد فی القرآن الکریم من أنحاء الکذب:الکذب علی الآخرین فمنهم من یکذب علی اللّه و منهم من یکذب علی رسوله و منهم من یکذب علی نفسه و منهم من یکذب علی أمثاله من الکفار إلی غیر ذلک.
فالکذب علی اللّه سبحانه یمکن علی مستویات مختلفة منها:
المستوی الأول:الکذب بالوعد الذی سبق أن سمعناه.
المستوی الثانی:الزعم بکمال النفس و صفائها مع أنها ظالمة مظلمة.
المستوی الثالث:الزعم بزیادة الحسنات و أهمیتها مع العلم أنها خلاف ذلک.
المستوی الرابع:الزعم بأن الحسنات و الطاعات إنما هی من عمل الفرد بغض النظر عن التوفیق الإلهی.
المستوی الخامس:الزعم بتأثیر الأسباب علی المسببات بغض النظر عن المسبب الحقیقی لها.
و من ذلک جاء فی القرآن الکریم وَ یَوْمَ الْقِیامَةِ تَرَی الَّذِینَ کَذَبُوا عَلَی اللّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ (1)
الزمر:60/39. [1]
و قوله تعالی وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَری عَلَی اللّهِ کَذِباً أَوْ کَذَّبَ بِآیاتِهِ (2)و قوله تعالی فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ کَذَبَ عَلَی اللّهِ وَ کَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ (3)و قوله سبحانه وَیْلَکُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَی اللّهِ کَذِباً فَیُسْحِتَکُمْ بِعَذابٍ (4)و کذلک قوله تعالی وَ قَعَدَ الَّذِینَ کَذَبُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ (5)إلی غیر ذلک من الآیات العدیدة.و أما الکذب علی النفس فیحتوی علی أحد المستویات الثلاثة الثانی و ما بعده من المستویات الخمسة السابقة،یعنی ادعاء الکمال و کثرة الطاعة و أن الحسنات من الفرد لا من اللّه.و کلها کما هی کذب علی اللّه کذب علی النفس،بمعنی محاولة إقناعها بغیر الواقع و کثیرا ما یحصل ذلک بما ذکرناه و بغیره کأهمیة فرد معین أو عمل معین أو هدف معین من دون أن تکون له تلک الأهمیة بل قد یکون ضرره أکثر من نفعه.
و منه قوله تعالی اُنْظُرْ کَیْفَ کَذَبُوا عَلی أَنْفُسِهِمْ (1)
الأنعام:24/6. [1]
.و قوله تعالی:یُخادِعُونَ اللّهَ وَ الَّذِینَ آمَنُوا وَ ما یَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما یَشْعُرُونَ (2).
و قوله تعالی وَ ما یُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما یَشْعُرُونَ (3).
و ما ورد فی القرآن الکریم من معانی الکذب و مفاهیمه،أکثر مما ذکرناه بالتأکید.و لکننی أجد أننا لا ینبغی أن نتوسع فی ذلک لفسح المجال للعناوین الأخری الآتیة لتأخذ محلها من الوجود،و من وقت القاری الکریم.
الکذب حرام فی الشریعة الإسلامیة بالأدلة الأربعة.
أما دلالة القرآن الکریم علیه فواضح بعد کل الذی سمعناه من الآیات الکریمات،بل عرفنا أنه مما وعد علیه بالنار فی القرآن الکریم.فیکون من الکبائر دون الصغائر.لا یختلف فی کونه کبیرة من الذنوب عن الزنا و السرقة و قتل النفس المحترمة.
بل هو کبیرة باعتبار کل تعاریف الذنوب الکبیرة من حیث أن فیها احتمالات،یندرج الکذب فی جمیعها منها:
أولا:إن الذنوب الکبیرة هی ما هدد علیه القرآن الکریم بالنار.
ثانیا:إنها هی التی تمّ تحریمها فی القرآن.
ثالثا:إنها الذنوب التی هدد علیها بالنار فی الکتاب و السنّة.
رابعا:إنها الذنوب الأکثر أهمیة فی نظر الشارع.
إلی غیر ذلک من التعاریف.و نجد أن الکذب یندرج فیها جمیعا،و لا یدخل فی الصغائر بأی تعریف منها.
و أما دلالة السنّة الشریفة علی ذلک.فالإستدلال إما أن یکون بالإخبار أو بالسیرة العقلائیة أو بالسیرة المتشرعیة أو بالارتکاز التشرعی.
و أما الأخبار فلا حاجة إلی تجشم سردها بعد وضوحها و تواترها.
فلیرجع فیها القاری إلی مکانها.
و أما السیرة العقلائیة.فإن یقال:إنه لا شک أن العقلاء بما هم عقلاء یستنکرون الکذب و یستهجنونه،و یعدونه ضررا علی أغراضهم و مقاصدهم و نقطة سوء و ضعف فی أقوالهم و أفعالهم.و بالتالی فهو من المحرمات أو الممنوعات فی نظرهم.و هذه السیرة لا شک أنها کانت فی زمن المعصومین سلام اللّه علیهم.و لا شک أنها ممضاة من قبلهم علیهم السلام.إذ لو لم تکن ممضاة لوردنا الخبر بالنهی عنها أو نفی مدلولها،و لو بخبر ضعیف و لم یرد.بل وردت الأخبار و الآیات مؤیدة لها و داعیة لمضمونها.
و قد یخطر فی الذهن:أنه کیف نقول:إن الکذب محرم عند العقلاء مع العلم أن الجمیع ملتزمون به و مستمرون علیه.بل یعتبر الکذب عصبهم الرئیسی فی حیاتهم الاجتماعیة و الاقتصادیة و غیرها.إذن فالسیرة العقلائیة علی تحریم الکذب غیر متحققة.
و جواب ذلک:إن من الصحیح استمرار الناس علی الکذب.إلاّ أن هذا لا یعنی کونه غیر محرم فی نظرهم،بل هم یرون أنفسهم حین یکذبون أنهم یعملون العمل المرجوح و الفعل المحرم،و الالتزام بالمحرم لیس ببعید علی النفوس الضعیفة و الضمائر الجاهلة.
غیر أنه من الممکن أن یکون هذا الإشکال مما یغیّر صیغة الاستدلال، و إن کانت النتیجة واحدة.فإننا إن استدللنا بالسیرة العقلائیة کسیرة عملیة، وجدنا أن سیرتهم العملیة علی الکذب لا علی ترکه.و لکن إذا استدللنا بالارتکاز لعقلائنا أو التسعیر العقلائی للأشیاء.وجدناهم یعطون للکذب سعرا ردیئا و مرجوحا،بل محرما.و هذا الارتکاز حجة لإمضائه شرعا.
و أما الاستدلال بسیرة المتشرعة فواضح،من حیث أن المتشرع بصفته متشرعا،لا یکذب و لا یأتی بشیء من المحرمات و لا یترک شیئا من الواجبات.بل من الواضح عندهم أن وجود العدالة لدی أی فرد تتوقف علی عدم التزامه بالکذب کما أن وجود الفسق یتوقف علی التزامه به، و العیاذ باللّه سبحانه.
و أما ارتکاز المتشرعة أو الارتکاز المتشرعی،فأوضح من أن یذکر أو یسطر،لاعتقادهم لا شک بحرمته و قبحه و وضاعة فاعله.
و سیرة المتشرعة حجة،و لا تحتاج،إلی القول بإمضاء المعصومین علیهم السلام لها،کالسیرة العقلائیة،لأن السیرة العقلائیة ناشئة من غیر المنشإ الشرعی،فتحتاج فی حجیتها إلی انتسابها إلی الشریعة،إلی الإمضاء.
أما السیرة المتشرعیة،فهی منتسبة بذاتها إلی المعصومین سلام اللّه علیهم،و لا یمکن أن تحدث بدون تعلیمهم و توجیههم.إذن فنعلم انتسابها رأسا و أساسا إلیهم سلام اللّه علیهم،و بهذا تکون حجة رأسا.و بخاصة فی موضوع واضح و منصوص علیه فی القرآن الکریم،کالکذب الذی نتحدث عنه.
و أما الاستدلال بالإجماع،و هو أحد الأدلة الأربعة فأوضح من أن یذکر أو یسطر أیضا فإنه ثابت قطعا بین علمائنا بل علماء الإسلام جمیعا،بل فی کل دین سماوی علی الإطلاق هذا بغض النظر عن بعض المستثنیات التی تأتی بعونه تعالی.
و أما الاستدلال بالعقل.فلا شک أن العقل یحکم بقبح الکذب،و أنه من أقسام الظلم و القبائح و الرذائل.فإن قلنا:إن کل ما حکم به العقل حکم به الشرع،کان ذلک کافیا فی الاستدلال علی حرمته،بغض النظر عن الأدلة الأخری الکثیرة التی سردناها.
إذن فالکذب محرم بالأدلة الأربعة.
تساءلنا فی أول هذا البحث:ما هو الکذب و أجبنا علیه.و الآن لنا أن نتساءل:ما هو الکذب المحرم أو ما الذی یکون موضوعا لحرمة الکذب هل هو کل الأقسام السابقة التی عرفناها له أو بعضها دون بعض.
لا شک أنه بکل أقسامه مرجوح و ردیء أخلاقیا،إلاّ أن حرمته الشرعیة،تتوقف علی أن یکون الإطلاق اللغوی علیه حقیقة لا مجازا، و أن یکون الفهم له عرفیا لا دقیقا معمقا،مضافا إلی کونه مما لم یستثن من أدلة التحریم.
و معه فما اندرج من أقسامه تحت الحرمة،فهو المطلوب و إلاّ کان حکمه الشرعی مندرجا تحت الکراهة لا محالة.
و قد عرفنا فیما سبق أن بعض استعمالات الکذب یمکن أن تکون مجازیة و مثلنا بقوله تعالی لَیْسَ لِوَقْعَتِها کاذِبَةٌ (1)
الواقعة:2/56. [1]
حیث نسبت عدم الکذب إلیها من دون وجود دلالة،و الکذب متوقف علی وجود الدلالة کما عرفنا،بأی مستوی من مستویاتها،فاستعماله بدون الدلالة مجاز.و المجاز صحیح فی اللغة،إلاّ أنه لا یندرج تحت الحکم الشرعی بالحرمة، بل لا بدّ من توخی الفرد الحقیقی للکذب موضوعا لها.و لا یبعد أن تکون کل الأقسام الأخری التی عرفناها للکذب حقیقیة لغة.
و لکن لیس هذا فقط،بل لا بد أن یکون الفهم العرفی موافقا علی مصداقیته و انطباقه.کما أشرنا،فلو کان شیء ما کذبا حقیقة و لیس کذبا عرفا لم یندرج فی الحرمة،بصفته کذبا.و إن کان قد یکون مندرجا فی الحرمة بأسباب أخری،أعنی صفته فسقا أو کفرا أو غیر ذلک،و سیأتی إیضاحه.
و أوضح ما یخرج أو یتم استثناؤه بذلک أمور:
1) 1)
الأمر الأول:المفارقة بین الفعل و أمر آخر کالاعتقاد أو الهدف.فإننا قلنا و أوضحنا إنه من أقسام الکذب.إلاّ أنه لیس منها عرفا فلا یکون موضوعا للحرمة من هذه الجهة.
و أعنی بالفعل السلوک الحیاتی الاعتیادی،لا الفعل الذی یکون له دلالة لغویة کالإشارة.فإنه مما یصدق علیه الکذب حقیقة و عرفا فیکون محرما جزما.
الأمر الثانی:خلف الوعد،کما لو قلت:سأفعل کذا و لم تفعل فإنه لا یکون کذبا عرفا.و أوضح تقریب لذلک هو أن مثل هذا القول یمکنک بالاختیار أن تصدقه و أن تکذبه أی أن تجعله صادقا بتنفیذک إیاه،أو تجعله کاذبا بترکک له.و مثل هذا الملاک لا یعتبر عرفا ملاکا کافیا للکذب.
و هذا غیر الأخبار عن المستقبل،کما لو قلت:سیحدث کذا،و لم یحدث.فإن هذا هو التنبؤ،و هو قابل للإنصاف بالکذب.
و قد أفتی الفقهاء جمیعا بعدم حرمة خلف الوعد و إن قالوا بکراهته الشدیدة.ما لم تحدث مصالح أخری تقتضی حرمته.کأدائه إلی کبیرة من الکبائر أو بعض المفاسد الاجتماعیة.
الأمر الثالث:المفارقة بین القول و الاعتقاد مع کونه موافقا مع الواقع کقول المنافقین إِنَّکَ لَرَسُولُ اللّهِ (1)
المنافقون:1/63. [1]
فإنه لیس کذبا،من حیث المطابقة مع الواقع،فلا یکون حراما و لا موجبا لاستحقاق العقاب.و إنما یعاقبون من أجل نفاقهم و عدم اعتقادهم بصدق رسول الإسلام صلّی اللّه علیه و آله و سلّم.نعم،یمکن أن یکون المعتقد عالما بنفسه کاذبا.کما لو کان یعتقد بحدوث شیء و ینفیه،فی حین أنه لم یحدث فیکون قوله صادقا کقول المنافقین فی الآیة الکریمة.لمطابقته للواقع،و لکنه عالم بکذبه.فیکون عمله
1) 1)
هذا(تجرّیا)اصطلاحا یعنی:أن یعمل الفرد شیئا علم بحرمته و لیس بمحرم،و التجرّی،و إن لم یکن محرما واقعا،إلاّ أنه مستحق للعقوبة علی أی حال.
و أما لو حصل عکس ذلک.کما لو کان الفرد یعتقد بحصول الشیء، و أخبر عن حصوله،کما یعتقد،و لم یکن حاصلا.
فهذا کذب حقیقة و عرفا،لعدم مطابقته مع الواقع.و لکن الفرد لا یعاقب علیه،لکونه معذورا عنه،لأن العلم(حجة)شرعیة،کافیة فی إثبات صدقه.فقد کان یری کونه صادقا بحجة شرعیة،و هذا یکفی فی درء العقاب عنه.
الأمر الرابع:مما یخرج عن موضوع الکذب:الکذب بالأمور أو بالأسالیب الإنشائیة.کما سبق أن أشرنا.و قد مثلنا له:بقوله أعنی الدال علی أنه ضعیف.أو أعطنی الدال علی أنه فقیر.و هکذا.فإن مثل هذه الدلالات الالتزامیة لیست کذبا عرفا و إن کانت کذبا حقیقة.فلا تدخل فی موضوع الحرمة.
و لکنی لا أقول:إن الکذب بالدلالة الالتزامیة کله جائز.بل إن الکذب بالدلالة الالتزامیة للجملة الخبریة حرام.و خاصة إذا کانت دلالتها المطابقیة کذبا أیضا،فیحسب له کذبان لا محالة:أحدهما مطابقی و الآخر الالتزامی.
فهذا هو أهم ما یخرج عن موضوع حرمة الکذب.و أما المستثنیات منها فهذا ما یحتاج إلی عنوان مستقل آت.
یمکن التوصل إلی الکذب أعنی إیهام أو إفهام ما هو خلاف الواقع للسامع مع وجود قصد صحیح و صادق فی عین الوقت.
و هذا أمر معروف بین المتشرعة کاستعمال المجاز و الاستعارة و المبالغة و الکنایة و غیر ذلک.کما لو أتیت بلفظ یحتمل الحقیقة و المجاز،و أنت
تقصد أحدهما لا محالة،و هو صادق،و تعلم أن السامع سیفهم المعنی الآخر و هو کاذب.
و کذلک لو استعملت اللفظ المشترک و قصدت أحد معنییه،و أنت صادق،و أفهمت السامع المعنی الآخر.
و کذلک الحال فی الاستعارة و الکنایة،حیث تقصد أحد المعنیین،و ترید إفهام المعنی الآخر.و کذلک التوقف و أخذ النفس أثناء الکلام.
و أنت تقصد قطع الذی تقوله عن سابقه فی المعنی،و لکن السامع لا یلتفت إلی ذلک.و کذلک لو نطقت بلفظ مفرد لا ترید إلاّ معناه.و لکن السامع یفهم منه جملة بتقدیر مبتدأ أو فعل أو فاعل أو مفعول به.و تکون الجملة عندئذ کاذبة.
و لا حاجة إلی التمثیل إلی ذلک،إذ قد یکون سببا لتعلیم الأمور المرجوحة،أو تعلیم للمکر،و کلاهما مرجوح و قد یکون محرما.مضافا إلی شیوع و کثرة استعماله و أمثلته بین الناس.
و الفقهاء یفتون عادة بحلیة و جواز کل ذلک،لوجود التطابق بین القول و القصد و الواقع،فلا یوجد کذب فی البین.کل ما فی الأمر أن هناک تعمدا لإیقاع السامع فی الوهم أو فی خلاف الواقع.و هذا بمجرده لیس حراما،ما لم تترتب علیه نتائج محرمة أخری.
ما یحتمل استثناؤه و إخراجه عن حرمة الکذب عدة أمور:
الأمر الأول:الإصلاح و لعله أوضح و أشهر المستثنیات.
و قد وردت فیه روایات صحیحة و صریحة مضافا إلی الإجماع.
منها:صحیحة معاویة بن عمار عن أبی عبد اللّه علیه السلام.قال:
المصلح لیس بکذاب (1)
الوسائل کتاب الحج:أبواب أحکام العشرة باب 141 [1] حدیث 3.
.و قد استعمل فیها أسلوب(التنزیل)یعنی تنزیل1) 1)
الکذب منزلة الصدق.فیکون دلیلا علی کونه مثله لیس بحرام و لا مستحقا علیه العقاب.
و العلة المنصوصة فی هذه الصحیحة هی الإصلاح فإنه عمل المصلح فقد یقال:إن المصلح کما قد یکون مصلحا بین فردین أو جماعتین،و هو ما دعوه:بإصلاح ذات البین،کذلک قد یکون فی أمور اجتماعیة أخری لیس سببها العداوة المسبقة.
فإن قیل:إن القدر المتیقن من الإصلاح هو ذلک،فلا یجوز أن نأخذ مورد الاستثناء من المحرم أکثر منه.
قلنا:نعم،إلاّ أن إطلاق الروایة أوسع من ذلک،و من حقنا أن نأخذ بإطلاقها.لأن عمل المصلح إن کان هو(الصلح)تعین عرفا بالعمل الذی تسبقه العداوة.و لا مصداق له غیر ذلک.و أما إذا کان عمل المصلح هو (الإصلاح)کما هو واضح عرفا.فإن الإصلاح کما یتم فی الصلح یتم فی غیره من جهات الإصلاح.فیکون کل کذب لأی إصلاح جائزا.
فإن قلت:إن هذا مفید فی روایات أخری کخبر(عیسی بن حسان) (1)
المصدر حدیث 5. [1]
قال سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول:کل کذب مسئول عنه صاحبه یوما إلاّ کذبا فی ثلاثة إلی أن قال:أو رجل أصلح بین اثنین یلقی هذا بغیر ما یلقی به هذا یرید بذلک الإصلاح بینهما.إذن تکون سائر أنحاء الإصلاح الأخری خارجة من الاستثناء،و داخلة فی الحرمة.
إلاّ أن جوابه:أولا:أن هذه الروایة ضعیفة السند فلا تکون حجة لإثبات المدعی.
ثانیا:أنها و إن کانت خاصة إلاّ أنها لا تنافی ثبوت العام بدلیل آخر.
لأن العام و الخاص هنا مثبتان،و معه یمکن الأخذ بهما معا مع صحة سندها،و لیس بینهما تناف لیحصل التقیید.
1) 1)
و قد یخطر فی البال:أن إصلاح ذات البین کذبا أمر غیر منتج عملیا، لأن(حبل الکذب قصیر)کما فی المثل،و سیأتی زمن یفتضح فیه الکاذب و ینکشف الأمر فیعود العداء بعد الصلح.
و هذا الکلام قریب بالنسبة إلی بعض أسالیب الکذب،إلاّ أن المصلح إذا کان ذکیا و عارفا بواقعة و بنفوس ذوی العداء سوف یستطیع أن یکذب بشکل لا یؤدی إلی تلک النتیجة.مضافا إلی أن الطرفین بعد أن(تورطوا) بالصداقة فمن الصعب علیهم أن یعودوا إلی العداء لمجرد انکشاف کذب المصلح،إلاّ أن یکون الأمر مهما جدا فی نظرهم و تلک حالات نادرة بلا إشکال.
الأمر الثانی:من مستثنیات حرمة الکذب:المکیدة فی الحرب.
ففی روایة عن النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم قال:ثلاثة یحسن فیهن الکذب:المکیدة فی الحرب إلخ (1)
المصدر حدیث 2. [1]
.غیر أن هذه الروایة ضعیفة السند،فیبقی الأمر علی الحکم بالحرمة ما لم یکتسب مصلحة دینیة خاصة تکون هی أحد مستثنیات الکذب مستقلا، کما سیأتی.
الأمر الثالث:کذب الوعد علی الزوجة.ففی نفس الروایة قال:
وعدتک زوجتک.و فی روایة أخری:أو رجل وعد أهله شیئا و هو لا یرید أن یتم لهم (2).
و یمکن الجواب علی ذلک:
أولا:بضعف سند هذه الروایات فلا تکون حجة ما لم نضم إلیها عمل الأصحاب من حیث أن فقهائنا عملوا بها و أفتوا علی طبقها بغض النظر عن الجواب الآتی:
ثانیا:إن هذه الروایات إنما تجیز خلف الوعد علی الزوجة و خلف الوعد جائز علی الزوجة و غیرها و لیس فی المقام حکم جدید.
و لعل السبب فی الترکیز علی ذلک فی هذه النصوص هو علمهم سلام اللّه علیهم بمدی الإحراج الذی یقع به الأزواج أمام زوجاتهم من کثرة الطلب و المطالبة.
و معه فما علیه المشهور بین الناس من حلیة الکذب علی الزوجة لیس بصحیح فإن الکذب الصریح حرام علی کل حال.
الأمر الرابع:من المستثنیات:ما تقتضیه المصلحة العامة الدینیة أو الدنیویة من استعمال الکذب لأن المصالح العامة تکون أهم فی نظر الشارع من الأحکام الفردیة.غیر أن اختصاص ذلک بالضرورات الاجتماعیة هو الأرجح.و أما شموله للمصالح العامة غیر الضروریة فمحل إشکال بلا إشکال.
و معه فما یعتقده الناس من جواز الکذب لمصلحة بحیث یشمل حتی المصالح الشخصیة،غیر صحیح أساسا.لأنه مشکل فی المصالح العامة فضلا عن الخاصة.بل هو فی المصالح الخاصة حرام صریح.و هل حرمته الشرعیة إلاّ لهذا و نحوه.
الأمر الخامس:صورة الضرورة فإن أدلة رفع التکالیف فی موارد الحرج و العسر و الضرر و الضرورة و التقیة شاملة لحرمة الکذب و غیره فمع وجود مثل هذه الموارد یکون الکذب جائزا من دون أن یخدع الفرد نفسه أو یکذب علیها فیعتبرها فی ضرورة و لیست کذلک.
الأمر السادس:مما یحتمل أن یکون مستثنی من حرمة الکذب هو الکذب فی الهزل إذ قد یقال إن مورد الهزل هین بحیث لا یعتبر به شرعا فلا یکون الکذب فیه حراما.
إلاّ أن هذا غیر صحیح.
أولا:لکون المورد مشمولا لعموم أدلة تحریم الکذب أعنی ما دلّ علی أن کل کذب حرام یعنی سواء کان فی جد أو هزل.
ثانیا:استفاضة الروایات بالنهی عن الکذب فی الهزل بنفسه و قد عقد له الحر العاملی فی الوسائل بابا کاملا.
منها ما عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال (1)
المصدر حدیث 2. [1]
:کان علی بن الحسین علیهما السلام یقول لولده:اتقوا الکذب الصغیر منه و الکبیر فی کل جد و هزل.و عن الأصبغ بن نباتة قال:قال أمیر المؤمنین علیه السلام:لا یجد عبد طعم الإیمان حتی یترک الکذب هزله و جدّه.
و فی خبر آخر فی وصیة النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم لأبی ذر منها:
و أن الرجل لیتکلم بالکلمة فی المجلس لیضحکهم فیهوی فی جهنم ما بین السماء و الأرض یا أبا ذر ویل للذی یحدث فیکذب لیضحک به القوم ویل له ویل له ویل له (2).
إذن فالکذب فی الهزل محرم و لیس من المستثنیات أعاذنا اللّه من کل خطأ و زلل و الحمد للّه رب العالمین و صلّی اللّه علی خیر خلقه محمد و آله أجمعین.