بهج الصباغه فی شرح نهج البلاغه علی بن ابی طالب علیه السلام جلد 2

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:ش‍وش‍ت‍ری‌، م‍ح‍م‍دت‍ق‍ی‌، ۱۳۷۴ - ۱۲۸۲

‏عنوان و نام پديدآور:ب‍ه‍ج‌ ال‍ص‍ب‍اغ‍ه‌ ف‍ی‌ ش‍رح‌ ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌ [ع‍ل‍ی‌ب‍ن‌ اب‍ی‌طال‍ب‌(ع‌)]/ ال‍م‍ص‍ن‍ف‌ م‍ح‍م‍دت‍ق‍ی‌ ال‍ت‍س‍ت‍ری‌

‏مشخصات نشر:دار ام‍ی‍رک‍ب‍ی‍ر ل‍ل‍ن‍ش‍ر- بیروت - لبنان- 1376.

‏وضعیت فهرست نویسی:ف‍ه‍رس‍ت‍ن‍وی‍س‍ی‌ ق‍ب‍ل‍ی‌

‏عنوان دیگر:ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌

‏موضوع:ع‍ل‍ی‌ب‍ن‌ اب‍ی‌طال‍ب‌(ع‌)، ام‍ام‌ اول‌، ۲۳ ق‍ب‍ل‌ از ه‍ج‍رت‌ - ۴۰ق‌. ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌ -- ن‍ق‍د و ت‍ف‍س‍ی‍ر

‏شناسه افزوده:ع‍ل‍ی‌ب‍ن‌ اب‍ی‌طال‍ب‌(ع‌)، ام‍ام‌ اول‌، ۲۳ ق‍ب‍ل‌ از ه‍ج‍رت‌ - ۴۰ق‌. ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌. ش‍رح‌

‏رده بندی کنگره:BP۳۸/۰۲‭/ش‌۹

‏رده بندی دیویی:۲۹۷/۹۵۱۵

‏شماره کتابشناسی ملی:‭م‌۷۲-۸۰۹

تتمة الفصل الرابع: في خلق آدم

3

من الخطبة(190)

و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة،و هي تتضمّن ذمّ إبليس على استكباره،و تركه السّجود لآدم،و أنّه أوّل من أظهر العصبية و تبع الحميّة،و تحذير النّاس من سلوك طريقته:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَ الْكِبْرِيَاءَ- وَ اخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ- وَ جَعَلَهُمَا حِمًى وَ حَرَماً عَلَى غَيْرِهِ- وَ اصْطَفَاهُمَا لِجَلاَلِهِ- وَ جَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ- ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلاَئِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ- لِيَمِيزَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ- فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ هُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ- وَ مَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ «إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ»

أجمَعونَ إِلاّ إِبليسَ - (1)

ص:71-74.

اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى؟آدَمَ؟ بِخَلْقِهِ- وَ تَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ- فَعَدُوُّ اللَّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ وَ سَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ- الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ وَ نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَ الْجَبَرِيَّةِ وَ ادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ وَ خَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ- أَ لاَ تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اللَّهُ بِتَكَبُّرِهِ- وَ وَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً- وَ أَعَدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ سَعِيراً.

وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ؟آدَمَ؟ مِنْ نُورٍ- يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ وَ يَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ- وَ طِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ لَفَعَلَ- وَ لَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَةً- وَ لَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ- وَ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ابْتَلَي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ- تَمْيِيزاً بِالاِخْتِبَارِ لَهُمْ وَ نَفْياً لِلاِسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ- وَ إِبْعَاداً لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ- أقول:قد عرفت في المقدّمة (2)أنّ هذه الخطبة من ثماني خطب اختلفت نسخنا مع نسخة ابن أبي الحديد في موضعها.

قول المصنف : «و من خطبة له عليه السّلام تسمّى القاصعة» هكذا في(المصرية) و لكن في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (3):و من خطبة له عليه السّلام،و من النّاس من يسمّي هذه الخطبة بالقاصعة.

قال ابن ميثم:نقل في سبب هذه الخطبة أنّ أهل الكوفة كانوا في آخر خلافته عليه السّلام قد فسدوا،و كانوا قبائل متعدّدة،فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته،فيمرّ بمنازل قبيلة أخرى فيقع به أدنى مكروه،فيستعدي قبيلته،


1) 1)

2) 2) مرّ في مقدّمة المؤلف.

3) 3) كذا في شرح ابن أبي الحديد 3:224، [1]لكن في شرح ابن ميثم 4:232، [2]نحو المصرية.

و ينادي باسمها،مثلاً يا للنّخع أو يا لكندة نداء عالياً يقصد به الفتنة و إثارة الشرّ،فيتألّب عليه فتيان القبيلة التي قد مرّ بها،و ينادون يا لتميم و يا لربيعة، فيضربونه فيمرّ إلى قبيلته،و يستصرخ بها و تسلّ بينهم السيوف،و تثور الفتنة،و لا يكون لها أصل في الحقيقة،و لا سبب يعرف إلاّ تعرّض الفتيان بعضهم ببعض،و كثر ذلك منهم،فخرج عليه السّلام إليهم على ناقة فخطبهم هذه الخطبة (1)

شرح ابن ميثم 4:233.

.

ثم قال:و قد ذكر الشّارحون في تسمية هذه الخطبة القاصعة وجوهاً:

أحدها و هو أقربها أنّه عليه السّلام كان يخطبها على ناقته،و هي تقصع بجرّتها،فجاز أن يقال:إنّ هذه الحال لما نقلت عنه في اسناد هذه الخطبة نسبت الخطبة إلى الناقة القاصعة،فقيل:خطبة القاصعة ثم كثر استعمالها،فجعلت من صفات الخطبة نفسها،أو لأنّ الخطبة عرفت بهذه الصفة لملازمة قصع الناقة لانشائها،و العرب تسمّي الشيء باسم لازمه (2).

قلت:قال الجزريّ في(نهايته)في الحديث«خطبهم على راحلته و أنّها لتقصع بجرّتها»أراد شدّة المضغ و ضمّ بعض الأسنان على البعض،و قيل:

قصع الجرّة:خروجها من الجوف إلى الشّدق،و متابعة بعضها بعضاً،و إنّما تفعل النّاقة ذلك إذا كانت مطمئنة و إذا خافت شيئاً لم تخرجها،و أصله من تقصيع اليربوع،و هو:إخراجه تراب قاصعائه و هو:جحره (3)،و يمكن أن يكون وجه التّسمية كون القاصعة من:قصع العطشان غلّته بالماء،إذا سكّنها أو من:قصع الغلام قصعاً:ضربه ببسط كفّه على رأسه.


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 4:234.

3) 3) النهاية لابن الأثير 4:72 [1] مادة(قصع).

«و هي تتضمّن ذمّ إبليس على استكباره و تركه السّجود لأدم عليه السّلام» قال تعالى: «فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ» (1)

البقرة:34. [1]

.

«و أنّه أوّل من أظهر العصبية و تبع الحمية» في(الأمالي)عن النبي صلى اللّه عليه و آله من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من عصبية،بعثه اللّه تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهلية (2).

و في(عقاب الأعمال)عنه صلى اللّه عليه و آله:من تعصّب أو تعصّب له فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه (3).

عن الصادق عليه السّلام:من تعصّب عمّمه اللّه بعمامة من نار (4).

و قال تعالى: «إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ» (5).

«و تحذير الناس من سلوك طريقته» «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَ مَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ » (6).

«الحمد للّه الذي لبس العزّ و الكبرياء» «فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً» (7).

«و اختارهما لنفسه دون خلقه» في آخر الجاثية: «وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (8).


1) 1)

2) 2) أمالي الصدوق:486 ح 12 المجلس 88،و [2]عقاب الأعمال:264 ح 5،و الكافي للكليني 2:308 ح 3. [3]

3) 3) عقاب الأعمال للصدوق:263 ح 1،و الكافي للكليني 2:308 ح 2 [4] عن النبي صلى اللّه عليه و آله،و الكافي للكليني أيضاً 2: 307 ح 1،و عقاب الأعمال للصدوق:263 ح 2 عن الصادق عليه السّلام.

4) 4) عقاب الأعمال للصدوق:263 ح 3،و الكافي للكليني 2:308 ح 4،و [5]لفظهما:«عصبه اللّه بعصابة من نار».

5) 5) الفتح:26. [6]

6) 6) النور:21. [7]

7) 7) النساء:139. [8]

8) 8) الجاثية:37. [9]

«و جعلهما حمى» أي:محظوراً على غيره لا يقر بهما أحد.

«و حرماً» أي:حراماً.

«على غيره» حتّى ملائكته و أنبيائه.

«و اصطفاهما» أي:اختارهما.

«لجلاله» أي:عظمته.

«و جعل اللّعنة على من نازعه فيهما من عباده» روى الصدوق عن الباقر عليه السّلام قال:العزّ رداء اللّه و الكبرياء إزاره،فمن تناول شيئاً منه كبّه اللّه في جهنّم (1)

عقاب الأعمال للصدوق:264 ح 1،و الكافي للكليني 2:309 ح 3،4 [1] عن الباقر عليه السّلام،و صحيح مسلم 4:2023 ح 136،و سنن ابن ماجه بطريقين 2:1397 ح 4174 و 4175،و مسند أحمد بأربع طرق 2:376 و 414 و 427 و 442،و المجازات النبوية للشريف الرضي:440 ح 358،و [2]جمع آخر عن النبي صلى اللّه عليه و آله و في الباب عن علي و الصادق و الكاظم عليهم السّلام.

.

«ثمّ اختبر» أي:امتحن.

«بذلك ملائكته المقرّبين» في منزلتهم عنده.

«ليميز» بالتّخفيف و التّشديد.

«المتواضعين منهم من المستكبرين» «وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ » (2).

«فقال سبحانه» أي:اللّه المنزّه عن النّقائص.

«و هو العالم بمضمرات القلوب و محجوبات الغيوب» جملة معترضة بين (فقال)و مقوله «إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ» (3)لدفع توهم أنّ اختباره ليس لعدم عرفانه مثلنا في اختباراتنا لغيرنا،بل ليظهر حاله على الآخرين من نوعه


1) 1)

2) 2) العنكبوت:3. [3]

3) 3) ص:71.

«يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ» (1)

غافر:19. [1]

«أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» (2).

« «إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ» » (3)باللفظ الذي ذكره عليه السّلام في سورة(ص)،و أمّا في سورة الحجر فهكذا «إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ» (4).

و في(تفسير القمي)مسنداً:سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عمّا ندب اللّه الخلق إليه أدخل فيه الضّلالة؟قال:نعم و الكافرون دخلوا فيه لأنّ اللّه تعالى أمر الملائكة بالسّجود لآدم،فدخل في أمره الملائكة و إبليس،فإنّ إبليس كان مع الملائكة في السّماء يعبد اللّه،و كانت الملائكة تظنّ أنّه منهم،و لم يكن منهم،فلمّا أمر اللّه الملائكة بالسّجود لأدم اخرج ما كان في قلب إبليس من الحسد،فعلم الملائكة عند ذلك أنّ إبليس لم يكن منهم،فقيل له:فكيف و قع الأمر على إبليس و إنّما أمر اللّه الملائكة بالسّجود لأدم؟فقال:كان إبليس منهم بالولاء،و لم يكن من جنس الملائكة،و ذلك أنّ اللّه تعالى خلق خلقاً قبل آدم،و كان إبليس فيهم حاكماً في الأرض،فعتوا و أفسدوا و سفكوا الدّماء،فبعث اللّه الملائكة،فقتلوهم و أسروا إبليس و رفعوه إلى السّماء،و كان مع الملائكة يعبد اللّه إلى أن خلق اللّه آدم عليه السّلام (5).


1) 1)

2) 2) البقرة:33. [2]

3) 3) ص:71-74.

4) 4) الحجر:28-31. [3]

5) 5) تفسير القمي 1:35. [4]

و عن أمير المؤمنين عليه السّلام:أنّ اللّه تعالى أراد أن يخلق خلقاً بيده،و ذلك بعد ما مضى من الجنّ و النّسناس في الأرض سبعة آلاف سنة.و كان من شأن خلق آدم أن كشط عن أطباق السماوات و قال للملائكة:انظروا إلى الأرض من خلقي من الجنّ و النّسناس-فلمّا رأوا ما يعملون فيها من المعاصي و سفك الدماء و الفساد في الأرض بغير الحق،عظم ذلك عليهم و غضبوا و تأسفوا على أهل الأرض و لم يملكوا غضبهم.قالوا:ربّنا إنّك أنت العزيز القادر الجبّار القاهر العظيم الشأن،و هذا خلقك الضعيف الذليل يتقلّبون في قبضتك و يعيشون برزقك و يتمتّعون بعافيتك،و هم يعصونك بمثل هذه الذّنوب العظام،لا تأسف عليهم و لا تغضب و لا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم و ترى، و قد عظم ذلك علينا و أكبرناه فيك.قال:فلمّا سمع ذلك من الملائكة قال:

«إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (1)

البقرة:30. [1]

يكون حجّة لي في الأرض على خلقي.

فقالت الملائكة:سبحانك «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها» (2)كما أفسد بنو الجانّ،و يسفكون الدّماء كما سفك بنو الجانّ،و يتحاسدون و يتباغضون فاجعل ذلك الخليفة منّا فإنّا لا نتحاسد و لا نتباغض،و لا نسفك الدّماء و «نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ» (3)قال تعالى: «إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» (4)إنّي أريد أن أخلق خلقاً بيدي،و أجعل من ذرّيّته أنبياء و مرسلين،و عباداً صالحين أئمّة مهتدين،و أجعلهم خلفاء على خلقي في أرضي ينهونهم عن معصيتي،و ينذرونهم من عذابي،و يهدونهم إلى طاعتي،و يسلكون بهم طريق سبيلي،و أجعلهم لي عليهم حجّة عليهم،و أبيد النّسناس من أرضي و أطهّرها منهم،و أنقل مردة الجن العصاة من بريتي و خلقي و خيرتي و أسكنهم في الهواء في أقطار الأرض فلا يجاورون نسل خلقي و اجعل بين


1) 1)

2) 2) البقرة:30. [2]

3) 3) البقرة:30. [3]

4) 4) البقرة:30. [4]

الجن و بين خلقي حجاباً،فلا يرى نسل خلقي الجن،و لا يجالسونهم،و لا يخالطونهم،فمن عصاني من نسل خلقي الّذين اصطفيتهم و أسكنهم مساكن العصاة أوردتهم مواردهم و لا أبالي قال:فقالت الملائكة:يا ربّنا افعل ما شئت «لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» (1)

البقرة:32. [1]

...فقال اللّه تعالى (للملائكة): «إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ» (2).

قال:و كان ذلك من اللّه تعالى في آدم قبل أن يخلقه،و احتجاجاً منه عليهم...فخلق اللّه آدم عليه السّلام،فبقي أربعين سنة مصوّراً،فكان يمرّ به إبليس اللّعين فيقول:لأمر ما خلقت.فقال العالم عليه السّلام،فقال إبليس:لئن أمرني اللّه بالسجود لهذا لأعصينّه قال:ثمّ نفخ فيه،فلمّا بلغت الرّوح إلى دماغه عطس عطسة جنس منها فقال:الحمد للّه.فقال اللّه تعالى:يرحمك اللّه.قال الصادق عليه السّلام:فسبقت له من اللّه الرحمة.ثمّ قال تعالى للملائكة:اسجدوا لأدم.

فسجدوا له فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد فأبى أن يسجد (3).

«اعترضته الحميّة» أي:الأنفة.

«فافتخر على آدم بخلقه و تعصّب عليه لأصله» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:إنّ الملائكة كانوا يحسبون أنّ إبليس منهم،و كان في علم اللّه أنّه ليس منهم،فاستخرج ما في نفسه بالحميّة و الغضب،فقال: «خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» (4).

«فعدوّ اللّه إمام المتعصّبين و سلف المستكبرين» و في(تفسير القمي):أوّل


1) 1)

2) 2) الحجر:28-29. [2]

3) 3) تفسير القمي 1:36،و [3]روى حديث علي عليه السّلام أيضاً علل الشرائع للصدوق:104 ح 1.

4) 4) الكافي للكليني 2:308 ح 6،و [4]تفسير العياشي 2:9 ح 5،و [5]الآية(12)من سورة الأعراف،و( [6]76)من(ص).

من قاس إبليس و استكبر،و الاستكبار هو أوّل معصية عصي اللّه بها (1)

تفسير القمي 1:42 [1] في صدر حديث،و مضمون:«أول من قاس إبليس»كثير الرواية.

.

«الّذي وضع أساس العصبية» عن الصادق عليه السّلام من تعصّب عصبه اللّه بعمامة من نار (2).

«و نازع اللّه رداء الجبريّة» الّذي مختص به تعالى،و الجبرية الكبر و العظمة،في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:الكبر قد يكون في شرار الناس من كلّ جنس،و الكبر رداء اللّه فمن نازع اللّه تعالى رداءه لم يزده اللّه تعالى إلاّ سفالا،إنّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم مرّ في بعض طرق المدينة،و سوداء تلقط السرقين،فقيل لها:

تنحي عن طريق النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فقالت:إنّ الطريق لمعرض.فهمّ بها بعض القوم أن يتناولها.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:دعوها فإنّها جبّارة (3).

و عنه عليه السّلام:إذا خلق اللّه العبد في أصل الخلقة كافراً لم يمت حتّى يحبّب إليه الشرّ فيقرب منه،فابتلاه بالكبر و الجبريّة،فقسا قلبه و ساء خلقه،و غلظ وجهه و ظهر فحشه،و قلّ حياؤه،و كشف اللّه ستره،و ركب المحارم،فلم ينزع عنها،ثمّ ركب معاصي اللّه و أبغض طاعته،و وثب على الناس لا يشبع من الخصومات،فاسألوا اللّه العافية و اطلبوها منه (4).

و عنه عليه السّلام:أدنى الإلحاد الكبر (5).

«و أدّرع» أي:جعل درعاً له.

«لباس التعزّز» فحسب نفسه عزيزاً.


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 2:308 ح 4،و [2]عقاب الأعمال للصدوق:263 ح 3،و لفظهما«بعصابة من نار»و مرّ نقله في أوائل هذا العنوان.

3) 3) الكافي للكليني 2:309 ح 2. [3]

4) 4) الكافي للكليني 2:330 ح 2. [4]

5) 5) الكافي للكليني 2:309 ح 1،و [5]معاني الأخبار للصدوق:394 ح 47.

«و خلع قناع التذلّل» للّه تعالى عن رأسه و نسي أنّه عبد للّه،و في (الصحاح):القناع أوسع من المقنعة.قال عنترة:

إن تغد في دوني القناع فإنّني طبّ بأخذ الفارس المستلئم

(1)«ألا ترون كيف صغّره اللّه بتكبّره» «قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ» (2).

«و وضعه اللّه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و وضعه)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)و لأنّه لا وجه لتكرار لفظ الجلالة.

«بترفعه» أي:ادعائه الرفعة.

«فجعله في الدّنيا مدحوراً» أي:مطروداً مبعداً،قال تعالى: «اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً» (4).

و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:ما من عبد إلاّ و في رأسه حكمة،و ملك يمسكها،فإذا تكبّر قال له:اتضع وضعك اللّه.فلا يزال أعظم الناس في نفسه و أصغر الناس في أعين الناس... (5).

«و أعدّ له في الآخرة سعيراً» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:إنّ في جهنّم لوادياً للمتكبّرين يقال له سقر،فشكا إلى اللّه شدّة حرّه،و سأله أن يأذن له أن يتنفّس.فتنفّس فأحرق جهنّم (6).

و عنه عليه السّلام:إنّ المتكبّرين يجعلون في صور الذّر يتوطّأهم الناس حتّى


1) 1) صحاح اللغة 3:1273 [1] مادة(قنع).

2) 2) الأعراف:13. [2]

3) 3) في شرح ابن أبي الحديد 3:225،و شرح ابن ميثم 4:233«وضعه اللّه»أيضاً.

4) 4) الأعراف:18. [3]

5) 5) الكافي للكليني 2:312 ح 16،و [4]ثواب الأعمال للصدوق:211 ح 1،و [5]رواه الفتال في الروضة 2:382. [6]

6) 6) الكافي للكليني 2:310 ح 10،و [7]المحاسن للبرقي:123 ح 138،و [8]عقاب الأعمال للصدوق ح:265 7. [9]

يفرغ اللّه من الحساب (1)

الكافي للكليني 2:311 ح 11،و [1]المحاسن للبرقي:123 ح 137،و [2]عقاب الأعمال للصدوق:265 ح 8 و 10،و رواه الفتال في الروضة 2:382. [3]

.

«و لو أراد اللّه» هكذا في(المصرية)و في(ابن ميثم) (2):«و لو أراد سبحانه»،و في(ابن أبي الحديد و الخطيّة) (3):«و لو أراد اللّه سبحانه».

«أن يخلق آدم من نور يخطف» أي:يستلب.

«الأبصار ضياؤه،و يبهر» أي:يغلب.

«العقول» بالنصب.

«رواؤه» بالضم،أي:منظره.

«و طيب يأخذ الأنفاس عرفه» بالفتح،أي:ريحه.

«لفعل» جواب(و لو أراد ).

«ولو فعل لظلّت له الأعناق خاضعة» الجملة مأخوذة من قوله تعالى: «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ» (4).

«و لخفّت البلوى» أي:الابتلاء و الامتحان.

«فيه على الملائكة،و لكنّ اللّه سبحانه ابتلى خلقه» حتّى الملائكة و الأنبياء.

«ببعض ما يجهلون أصله» كما امتحن الملائكة بخلق آدم (5)،و امتحن موسى عليه السّلام بأعمال الخضر (6).

«تمييزاً» لمؤمنهم عن كافرهم.


1) 1)

2) 2) لفظ ابن ميثم في شرحه 4:233 مثل المصرية أيضاً.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 3:226. [4]

4) 4) الشعراء:4. [5]

5) 5) البقرة:30-34.

6) 6) الكهف:60-82.

«بالاختبار لهم» كما تميّز إبليس من الملائكة.

«و نفياً للاستكبار عنهم» في(تفسير القمّي):قال إبليس:يا ربّ اعفني من السجود لأدم،و أنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل.قال اللّه تعالى:لا حاجة لي إلى عبادتك،إنّما أريد أن أعبد من حيث أُريد،لا من حيث تريد.فأبى أن يسجد.فقال اللّه تعالى: «فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ» (1)

تفسير القمي 1:42،و الآية 77-78 [1] من سورة(ص).

.

«و إبعاداً للخيلاء» بالضمّ و الكسر،أي:الكبر.

«عنهم» .

4

من الخطبة(190)

وَ لاَ تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ- مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ فِيهِ- سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ- وَ قَدَحَتِ الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ- وَ نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ الْكِبْرِ- الَّذِي أَعْقَبَهُ اللَّهُ بِهِ النَّدَامَةَ- وَ أَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .

أقول:نقلناه هنا،و إن كان بفصل ذمائهم الصفات ألصق،لأنّه تضمّن حكم ابنيّ آدم فجعلناه كالتتميم للفصل .

«و لا تكونوا كالمتكبّر» و الأصل:كالأخ المتكبر،و المراد قابيل.

«على ابن أُمّه» و المراد هابيل،قال معقل بن عيسى لأخيه أبي دلف في عتب عتبه عليه:

أخي ما لك مجبولاً على تِرتي كأنّ أجسادنا لم تغذ من جسد

قال ابن أبي الحديد:نهاهم أن يكونوا كقابيل الّذي حسد أخاه هابيل


1) 1)

فقتله،و هما أخوان لأب و أُمّ،و إنّما قال عليه السّلام«ابن أُمّه»فذكر الأُم دون الأب،لأنّ الأخوين من الأُمّ أشدّ حنواً و محبّة و التصاقاً من الأخوين من الأب (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:231. [1]

،و تبعه الخوئي (2)،و قال ابن ميثم:قال الثعلبي:إنّما أضافه إلى الأُمّ دون الأب لأنّ الولد في الحقيقة من الأمّ،أي:الولد بالفعل.فإنّ النطفة في الحقيقة ليست ولداً بل جزء مادي (3).

قلت:الصواب هنا أن يقال:نكتة تعبيره عليه السّلام بابن الأُمّ أنّ الأخوين من الأب قد يتكبّر أحدهما على الآخر بأُمّه إذا كانت امّه حرّة و أمّ أخيه أمّة،أو أُمّه شريفة و أُمّ أخيه و ضيعة،و أمّا إذا كانا من أُمّ واحدة-و الفرض وحدة أبيهما- فتكبّره عليه كالتكبّر على نفسه،فيكون حاله حال من قال:

أتيه على إنس البلاد و جنّها و لو لم أجد خلقاً لتهت على نفسي

أتيه فلا أردي من التّيه من أنا سوى ما يقول الناس فيّ و في جنسي

فان صدقوا أنّي من الإنس مثلهم فما فيّ عيب غير أنّي من الإنس

و إنّما قالوا في قوله تعالى حكاية عن هارون لموسى: «يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي» (4):نكتة التعبير بابن أُمّ لكونه أشد حنواً،كما أنّ النكتة في شكايته عليه السّلام من قريش في قوله عليه السّلام:«و سلبوني سلطان ابن


1) 1)

2) 2) شرح الخوئي 5:244.

3) 3) شرح ابن ميثم 4:258.

4) 4) طه:94. [2]

أُمّي» (1)

نهج البلاغة للشريف الرضي 3:61،الكتاب 36 ضمن كتاب علي عليه السّلام إلى أخيه عقيل.

أحقيّته عليه السّلام بمقامه صلى اللّه عليه و آله من كلّ أحد حتّى عمّه العبّاس،لأنّ الميراث يكون للأخ للأب و الأمّ دون الأخ للأب فقط،و كان أبوه عليه السّلام و أبو النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم من أمّ واحدة دون العبّاس.

و أمّا ما قاله ابن ميثم ففي غاية السقوط،فإنّ من الواضحات شرعا و عرفا كون الولد في الانسان مال الأب،و كون الامّ و عاء،حتّى إنّ تعالى قال:

«وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ» (2)،و إنّما في الحيوان الولد تابع للامّ لأنّه في الحقيقة منها،و النطفة جزء مادّي،و أيضا لو كان ما ذكره صحيحا للزم أن يكون:إذا ولد رجلان من امرأة واحدة و أبو أحدهما ملك الملوك،و أبو الآخر عبد العبيد،عدم صحّة تفاخر الأوّل على الثاني بأبيه،و أمّا ما قاله ابن أبي الحديد فتخليط.

«من غير ما فضل» أي:من غير فضل،و(ما)لتأكيد الكلام،مثل(ما)في «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ» (3).

و في قول الشاعر:

أ علاقة أمّ الوليد بعد ما أفنان رأسك كالثغام المخلس

(4)و في قوله: و ننصر مولانا و نعلم أنّه كما الناس مجروم عليه و جارم

(5)«جعله اللّه فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد» بمعنى:أنّ المتكبّر على ابن أمّه إذا كان لفضل فيه دون ابن أمّه يقبل و يعقل،و أمّا بدونه


1) 1)

2) 2) البقرة:233. [1]

3) 3) آل عمران:159. [2]

4) 4) شرح شواهد المغني 2:722،و [3]الشاعر:المرار الفقعسي.

5) 5) شواهد المغني 1:500،و [4]الشاعر:عمرو بن براقة الهمداني.

سوى مجرّد الحسد فسفه،و لا سيّما إذا كان أخوه أفضل،كما في ابني آدم.

و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:أصول الكفر ثلاثة:الحرص و الاستكبار و الحسد.فامّا الحرص فإنّ آدم حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن أكل منها.و أمّا الاستكبار،فإبليس حيث أمر بالسجود لآدم فأبى.و أمّا الحسد فابنا آدم حيث قتل أحدهما صاحبه (1)

الكافي للكليني 2:289 ح 1،و [1]الخصال للصدوق:90 ح 28،و أماليه:341 ح 7،المجلس 65،و [2]روى صدره الفتال في الروضة 2:381. [3]

.

«و قدحت» من:قدحت النار،إذا أو قدتها.

«الحميّة في قلبه من نار الغضب» في(الخصال)عن الصادق عليه السّلام:الغضب مفتاح كلّ شرّ (2).

و عنه:قال الحواريون لعيسى:يا معلّم الخير أعلمنا أيّ الأشياء أشدّ؟ قال:أشدّ الأشياء غضب اللّه تعالى.قالوا:فبم يتّقى غضب اللّه؟قال:بأن لا تغضبوا.قالوا:و ما بدء الغضب؟قال:الكبر و التجبّر و محقرة النّاس (3).

«و نفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر» الكلام استعارة،و يمكن أن يكون حقيقة،و نظيره ما عن الصادق عليه السّلام:أنّ العبد يوقظ ثلاث مرّات من اللّيل،فان لم يقم أتاه الشيطان،فبال في أذنه (4).

و كيف كان،قال عليه السّلام هذه الكلمة هنا عموما،و قالها في طلحة خصوصا،


1) 1)

2) 2) الخصال للصدوق:7 ح 22 باب الواحد،و الكافي للكليني 2:303 ح 3،و [4]الزهد للأهوازي:27 ح 61،و [5]رواه الفتال في الروضة 2:379،و [6]الورام في التنبيه 1:122،و الشعيري في جامع الأخبار:160. [7]

3) 3) الخصال للصدوق:6 ح 17 باب الواحد،و رواه الفتال في الروضة 2:379،و [8]المجلسي عن كتاب الغايات في بحار الأنوار 73:263 ح 5.

4) 4) أخرجه البرقي بطريقين في المحاسن:86 ح 24 و 25،و [9]رواه الفتال في الروضة 2:321، [10]عن الصادق عليه السّلام، و أخرجه البرقي في المحاسن:86 ح 24،و [11]الفتال بطريقين في الروضة 2:321 [12] عن الباقر عليه السّلام،و في الباب طرق كثيرة عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم،و النقل بالمعنى.

فرووا أنّه عليه السّلام وقف على طلحة يوم الجمل و هو صريع،و قال له-في كلام-:

«و لكن الشيطان نفخ في أنفه» (1)

الاحتجاج للطبرسي:163، [1]بلفظ«لكن الشيطان دخل في منخريك فأوردك النار»،و روى المفيد في الجمل:209، نحوه في الزبير.

.

«الّذي» وصف للمتكبّر على ابن أمّه،أي:قابيل.

«أعقبه اللّه به الندامة و ألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة» إشارة إلى قوله تعالى في قابيل و هابيل: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَ ذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ» (2).

و قلنا:إنّ المراد بابني آدم في الآية هابيل و قابيل،و لكن روى الطبري عن الحسن البصري قال:كان الرجلان اللّذان في القرآن و قال اللّه تعالى فيهما «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ» (3)من بني إسرائيل و لم يكونا ابني آدم لصلبه،و إنّما كان القربان في بني إسرائيل و كان آدم أوّل من مات.

ثمّ ردّه الطبري بما روى عن النبي صلى اللّه عليه و آله قال:ما من نفس تقتل ظلماإلاّ كان عن ابن آدم الأول كفل منها،و ذلك لأنّه أوّل من سنّ القتل (4).

قلت:و أوضح منه في ردّه قوله تعالى بعد ما مرّ «فَبَعَثَ اللّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ»


1) 1)

2) 2) المائدة:27-30. [2]

3) 3) المائدة:27. [3]

4) 4) و رواه الطبري في تاريخه 1:96-97، [4]اما حديث الحسن فأخرجه أيضا عبد بن حميد في مستنده عنه الدرّ المنثور 2:273،و [5]اما الحديث النبوي فأخرجه عدّة جمع بعض طرقه السيوطي في الدرّ المنثور 2:276. [6]

«هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ» (1)

المائدة:31. [1]

فلو كانا من بني اسرائيل لم يحتج القاتل إلى أن يرى غرابا،لأنّ الدفن في الأرض كان أمرا شائعا من أوّل الدّنيا،و أمّا الخبر فحيث لم يكن قطعيّ السّند،يمكن الخصم ردّه.

و لعل الحسن توهمه من قوله تعالى بعد: «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً» (2)إلاّ أنّه كما ترى.

و نقل الطبري في سبب قتل قابيل لهابيل أقوالا،منها:أنّه لم تكن التوأمة محرّمة،فقرّب قابيل و هابيل قرباناً أيّهما أحقّ بتوأمة قابيل التي كانت أحسن من توأمة هابيل،و روى في ذلك خبرا عن السّدي عن جمع،و منها:أنّ السبب كان مجرّد قبول فدية هابيل دونه،و روى عن عبد اللّه بن عمر قال:إنّ ابني آدم اللّذين «قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ» (3)كان أحدهما صاحب حرث،و الآخر صاحب غنم،و أنّهم أمرا أن يقرّبا قرباناً،و أنّ صاحب الغنم قرّب أكرم غنمه و أسمنها و أحسنها طيبة بها نفسه،و أنّ صاحب الحرث قرّب شرّ حرثه الكوذر و الزوان غير طيبة بها نفسه،و أنّ اللّه تعالى تقبّل قربان صاحب الغنم،و لم يتقبّل قربان صاحب الحرث.و روى عن ابن عبّاس قال:

كان من شأنهما أنّه لم يكن مسكين يتصدّق عليه،و إنّما كان القربان يقرّبه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا:لو قرّبنا قربانا.و كان الرجل إذا قرّب قربانا فرضيه تعالى أرسل إليه نارا فأكلته،و إن لم يكن رضيه اللّه خبت النار،فقرّبا قربانا،و كان أحدهما راعيا و الآخر حرّاثا...فنزلت فأكلت الشاة و تركت الزرع،


1) 1)

2) 2) المائدة:32. [2]

3) 3) المائدة:27. [3]

و ان ابن آدم قال لأخيه:أتمشي في الناس و قد علموا أنّك قرّبت قربانا فتقبّل منك،و ردّ عليّ قرباني،فلا و اللّه لا ينظر الناس إليّ و إليك و أنت خير منّي،فقال:

لأقتلنّك.فقال له أخوه:ما ذنبي «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» (1)

تاريخ الطبري 1:92-96،و [1]الآية 27 من سورة المائدة. [2]

.

قلت:الصواب القول الأخير،و في(عرائس الثعلبي)-بعد ذكر تزويج قابيل و هابيل من رواياتهم-و قال معاوية بن عمّار:سألت جعفرا الصادق أ كان آدم زوّج ابنته من ابنه؟فقال:معاذ اللّه!لو فعل ذلك آدم لما رغب عنه النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و لا كان دين آدم إلاّ دين نبيّنا محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم...فلمّا أدرك قابيل أظهر اللّه تعالى جنّية من الجنّ يقال لها:عمالة في صورة إنسية،و خلق لها رحما، و أوحى اللّه إلى آدم أن زوّجها من قابيل.فزوّجها منه،فلمّا أدرك هابيل أهبط اللّه إلى آدم حوراء في صورة إنسية،و خلق لها رحما،و كان اسمها تركة،فلمّا نظر إليها هابيل و رمقها،أوحى اللّه إلى آدم أن زوّجها من هابيل ففعل.فقال قابيل:يا أبت أ لست أكبر من أخي و أحقّ بما فعلت به منه؟فقال:يا بني «الْعَظِيمِ » (2).فقال:لا و لكنّك آثرته عليّ بهواك.فقال له:

إن كنت تريد أن تعلم ذلك فقرّبا قربانا فأيّكما يقبل قربانه فهو أولى بها من صاحبه... (3)

و روى(توحيد الصدوق)عن الاصبغ عن أمير المؤمنين عليه السّلام:لمّا قال على المنبر في أوّل خلافته:سلوني قبل أن تفقدوني،قام إليه الأشعث بن قيس فقال:يا أمير المؤمنين!كيف يؤخذ من المجوس الجزية و لم ينزل عليهم كتاب،و لم يبعث إليهم نبي؟قال:بلى يا أشعث قد أنزل اللّه عليهم كتابا و بعث


1) 1)

2) 2) الحديد:29

3) 3) العرائس للثعالبي:44.

إليهم رسولا،حتّى كان لهم ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها،فلمّا أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه،فقالوا:أيّها الملك دنّست علينا ديننا و أهلكته فاخرج نطهّرك و نقم عليك الحدّ.فقال لهم:اجتمعوا و اسمعوا كلامي فان يكن لي مخرج ممّا ارتكبت و إلاّ فشأنكم.فاجتمعوا فقال لهم:هل علمتم أنّ اللّه تعالى لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم و أمّنا حوّاء؟ قالوا:صدقت أيّها الملك.قال:أ فليس قد زوّج بنيه من بناته،و بناته من بنيه؟ قالوا:صدقت هذا هو الدين.فتعاقدوا على ذلك،فمحا اللّه ما في صدورهم من العلم،و رفع عنهم الكتاب،فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب،و المنافقون أشدّ حالا منهم.فقال الأشعث:و اللّه ما سمعت بمثل هذا الجواب،و اللّه لا عدت إلى مثلها أبدا (1)

التوحيد للصدوق:306 ح 1. [1]

.

و روى(تفسير العيّاشي)عن سليمان بن خالد قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام جعلت فداك،إنّ الناس يزعمون أنّ آدم زوّج ابنته من ابنه؟فقال:أما علمت أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال:لو علمت أنّ آدم زوّج ابنته من ابنه لزوّجت زينب من القاسم،و ما كنت لأرغب عن دين آدم.فقلت:إنّهم يزعمون أنّ قابيل إنّما قتل هابيل لأنّهما تغايرا على أختهما؟فقال:أما تستحيي أن تروي هذا على نبيّ اللّه آدم؟فقلت:ففيم قتل قابيل هابيل؟قال:في الوصية أنّ اللّه أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية و اسم اللّه الأعظم إلى هابيل،و كان قابيل أكبر منه،فغضب فقال:

أنا أولى بالوصية.فأمرهما أن يقرّبا قربانا ففعلا،فقبل اللّه قربان هابيل فحسده قابيل،فقتله.فقلت:فممن تناسل ولد آدم هل كانت أنثى غير حواء، و هل كان ذكر غير آدم عليه السّلام؟فقال:لمّا أدرك قابيل أظهر اللّه له جنيّة و أوحى إلى آدم أن يزوّجها من قابيل،ففعل ذلك آدم و رضى بها قابيل،فلمّا أدرك


1) 1)

هابيل أظهر اللّه له حوراء و أوحى إلى آدم أن يزوّجها من هابيل،فقتل هابيل و الحوراء حاملة،فولدت غلاما فسمّاه آدم هبة اللّه،فأوحى إلى آدم أن ادفع الوصية و اسم اللّه الأعظم،و ولدت حواء غلاما فسمّاه آدم شيثا،فلمّا أدرك أهبط تعالى له حوراء و أوحى إلى آدم أن يزوّجها من شيث،فولدت جارية فسمّاها آدم حورة،فلمّا أدركت زوّج آدم بنت شيث من هبة اللّه بن هابيل، فنسل آدم منهما،فمات هبة اللّه،فأوحى إلى آدم أن ادفع الوصية و اسم اللّه الأعظم إلى شيث (1)

تفسير العياشي 1:312 ح 83 و [1]النقل بالتلخيص.

.

و في(الفقيه)روى زرارة عن الصادق عليه السّلام:أنّ آدم ولد له شيث و أنّ اسمه هبة اللّه،و هو أوّل وصي أوصي إليه من الآدميّين في الأرض،ثمّ ولد له بعد شيث يافث،فلمّا أدركا أراد اللّه تعالى أن يبلغ بالنّسل ما ترون،و أن يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما حرّم اللّه عز و جل من الأخوات على الإخوة، أنزل بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنّة اسمها نزلة،فأمر اللّه عزّ و جلّ آدم أن يزوّجها من شيث فزوّجها منه،ثمّ أنزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنة و اسمها منزلة،فأمر اللّه عزّ و جلّ آدم أن يزوّجها من يافث فزوّجها منه فولد لشيث غلام،و ولدت ليافث جارية،فأمر اللّه تعالى آدم-حين أدركا-أن يزوّج ابنة يافث من ابن شيث،ففعل،فولد الصفوة من النّبيين و المرسلين من نسلهما،و معاذ اللّه أن يكون ذلك على ما قالوا من الإخوة و الأخوات (2).

و روى القاسم بن عروة عن بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السّلام قال:إنّ اللّه تعالى أنزل على آدم حوراء من الجنّة فزوّجها أحد ابنيه،و تزوّج الآخر ابنة


1) 1)

2) 2) الفقيه للصدوق 3:240 ح 4،و قد مرّ في آخر العنوان 1:من هذا الفصل.

الجان،فما كان في الناس من جمال كثير أو حسن خلق فهو من الحوراء،و ما كان فيهم من سواء خلق فهو من ابنة الجان (1)

الفقيه للصدوق 3:240 ح 5.

هذا،و روى المسعودي في(إثباته)خطبة عن أمير المؤمنين عليه السّلام في محالّ نور النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم،و في تلك الخطبة:«فأيّ بشر كان مثل آدم في ما سبقت به الأخبار،و عرّفتنا كتبك في عطاياك،أسجدت له ملائكتك،و عرّفته ما حجبت عنهم من علمك إذ تناهت به قدرتك،و تمّت فيه مشيئتك،دعاك بما أكننت فيه، فأجبته إجابة القبول»... (2)

1) 1)

2) 2) إثبات الوصية للمسعودي:106. [1]

الفصل الخامس: في النبوّة العامّة

اشارة

1

من الخطبة(1)

وَ اصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ- أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ- وَ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ- لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ- فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَ اتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ- وَ اجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ- وَ اقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ- وَ وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ- وَ يُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ- وَ يَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ- وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ- وَ يُرُوهُمْ الْآيَاتِ الْمُقَدِّرَةَ- مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ وَ مِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ- وَ مَعَائِشَ تُحْيِيهِمْ وَ آجَالٍ تُفْنِيهِمْ وَ أَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ- وَ أَحْدَاثٍ تَتَتَابَعُ عَلَيْهِمْ.

وَ لَمْ يُخْلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ- أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ أَوْ حُجَّةٍ لاَزِمَةٍ أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ- رُسُلٌ لاَ تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ- وَ لاَ كَثْرَةُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ- مِنْ سَابِقٍ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ .

«و اصطفى» أي:اختار.

«سبحانه» أي:المنزّه من كلّ نقص.

«من ولده» أي:من ولد آدم.

«انبياء أخذ على الوحي ميثاقهم» في(إثبات المسعودي):أوحى اللّه تعالى إلى آدم-بعد قتل قابيل لهابيل-:إنّي أهب لك مكانه غلاما اجعله خليفتك، و وارث علمك.فولد له شيث و هو هبة اللّه،فأوحى اللّه إليه أن سمّه في اليوم السابع.فجرت سنة.فلمّا شبّ و كبر،أوحى اللّه تعالى إليه أنّي متوفّيك و رافعك إلىّ يوم كذا و كذا،فأوص إلى خير ولدك(هبة اللّه)و سلّم إليه الاسم الأعظم، و اجعل العلم في تابوت،و سلّمه إليه،فإنّي آليت ألاّ أخلي أرضي من عالم أجعله حجّة لي على خلقي.فجمع آدم ولده الرجال و النساء،ثمّ قال:يا ولدي إنّ اللّه تعالى أوحى إليّ أنّه رافعي إليه،و أمرني أن أوصي إلى خير ولدي هبة اللّه فإنّ اللّه قد اختاره لي و لكم من بعدي،فاسمعوا له و أطيعوا أمره،فإنّه وصيي و خليفتي.فقالوا:سمعنا و أطعنا.فأمر بتابوت فعمل،و جعل فيه العلم و الأسماء و الوصية،ثمّ دفعه إلى هبة اللّه،و قال له:انظر يا هبة اللّه،فإذا أنا متّ فغسّلني و كفّني و صلّ عليّ،و أدخلني حفرتي في تابوت تتّخذه لي،فإذا حضرت و فاتك،و أحسست بذلك من نفسك فأوص إلى خير ولدك،فإنّ اللّه لا يدع الخلق بغير حجّة عالم منّا أهل البيت،و قد جعلتك حجّة اللّه على خلقه،فلا تخرج من الدّنيا حتى تدع للّه حجّة و وصيّا من بعدك على خلقه،و تسلّم إليه التابوت و ما فيه كما سلّمته إليك،و أعلمه أنّه سيكون نبيّ و اسمه نوح.

...و مضى هبة اللّه و استخلف ريسان-و عدّ بعده قينان،ثمّ الحيلث،ثمّ غنيمشا،ثمّ إدريس-و قال:هو هرمس و هو أخنوخ،بأمر اللّه تعالى،و جمع اللّه له علم المضامين،و زاده ثلاثين صحيفة

ثمّ عدّ بعده:بردا،ثمّ اخنوخ،ثمّ متوشلخ،ثمّ لمك،ثمّ نوح،ثمّ سام،ثمّ ارفخشد،ثمّ شالح،ثمّ هود،ثمّ فالغ،ثمّ يروغ،ثمّ نوشا،ثمّ صاروغ،ثمّ تاجور، ثمّ تارخ،ثمّ إبراهيم،ثمّ إسماعيل،ثمّ إسحاق،ثمّ يعقوب،ثمّ يوسف،ثمّ ببرز بن لاوي،ثمّ أحرب،ثمّ ميتاح،ثمّ عاق،ثمّ خيام،ثمّ مادوم،ثمّ شعيب،ثمّ موسى،ثمّ يوشع بن نون،ثمّ فينحاس،ثمّ بشير،ثمّ جبرئيل،ثمّ أبلث،ثمّ أحمر،ثمّ محتان،ثمّ عوق،ثمّ طالوت،ثمّ داود،ثمّ سليمان،ثمّ آصف بن برخيا،ثمّ صفورا،ثمّ منبه،ثمّ هندوا،ثمّ أسفر،ثمّ را من،ثمّ إسحاق،ثمّ ايم،ثمّ زكريا،ثمّ اليسابغ،ثمّ روبيل،ثمّ عيسى،ثمّ شمعون،ثمّ يحيى،ثمّ منذر بن شمعون،ثمّ دانيال،ثمّ مكيخال بن دانيال،ثمّ انشوا،ثمّ رشيخا،ثمّ نسطورس،ثمّ مرعيد،ثمّ بحيرا،ثمّ منذر،ثمّ سلمة،ثمّ برزة،ثمّ ابي،ثمّ دوس، ثمّ اسيد،ثمّ هوف،ثمّ يحيى،ثمّ نبيّنا،ثمّ خاتم الأنبياء صلّي اللّه عليه و عليهم أجمعين (1)

إثبات الوصيّة:13-76،و [1]النقل بتقطيع كثير.

.

«و على تبليغ الرسالة أمانتهم» قال تعالى: «لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ» (2).

«لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللّه» إظهارا لجلاله مع كون المقام مقام الإضمار كقول السلطان:السلطان يأمرك بكذا.

«إليهم» قال الخوئي:يعني عهده المأخوذ عليهم في الذّر،كما في آية «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ» (3)،و الأخبار المتواترة (4).


1) 1)

2) 2) الجن:28. [2]

3) 3) شرح الخوئي 1:182،و النقل بالمعنى،و الآية 72 من سورة الأعراف. [3]

4) 4) أخرجه عدّة كثير جمع بعض طرقه السيوطي في الدرّ المنثور 3:141-145،و [4]المجلسي في بحار الأنوار 5:225 الباب 10 [5] يبلغ الطرق عندي إلى النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم(48)طريقا و إلى الأئمة(39)طريقا و إلى الصحابة و التابعين(57) طريقا،و سيجيء أقوال العلماء فيها في هذا العنوان.

قلت:بل الظاهر أنّ المراد عهده المأخوذ عليهم بتوسط رسله في الظاهر،كما في آية «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ» (1)

يس:60. [1]

،قال تعالى: «وَ لَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ» (2)، «وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ» (3).

«فجهلوا حقّه» و «ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ» (4).

«و اتّخذوا الأنداد» أي:الأمثال.

«معه» ، «قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً » (5).

«و اجتالتهم الشّياطين عن معرفته» قال الجزري:أي استخفتهم فجالوا معهم في الضّلال.يقال:جال و اجتال،إذا ذهب و جاء،و منه الجولان في الحرب،و اجتال الشّيء:إذا ذهب به و ساقه،و الجائل الزائل عن مكانه،و روي بالحاء المهملة،أي:نقلتهم من حال إلى حال (6).

و قال ابن أبي الحديد:اجتال فلان فلانا،و اجتاله عن كذا و على كذا،أي:

أداره عليه،كأنّه يصرفه تارة هكذا،و تارة هكذا،يحسن له فعله،و يغريه به.


1) 1)

2) 2) الصافات:71-72. [2]

3) 3) غافر:5. [3]

4) 4) الزمر:67. [4]

5) 5) فصّلت:9. [5]

6) 6) هذا تلفيق كلام ابن الأثير في النهاية 1:371 [6] مادة(جول)،و فيه 1:463 مادة(حول).

و قال الراوندي:اجتالتهم:عدلت بهم،و ليس بشيء (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:37. [1]

.

قلت:بل قوله ليس بشيء،لعدم ذكره في لغة،و قول الرّاوندي صحيح، ففي(القاموس):اجتالهم:حوّلهم عن قصدهم (2).

«و اقتطعتهم» أي:قطعتهم،و التعبير بالاقتطاع للدّلالة على أنّ قطعه لهم كان موافق هواهم.

«عن عبادته» و طاعته .

«فبعث فيهم رسله» قال ابن أبي الحديد:قال الرّاوندي:بعث يونس قبل نوح.قال:و هذا خلاف إجماع المفسّرين (3).

قلت:لم أقف فيه على ما قاله.

«و واتر إليهم أنبياءه» قال ابن أبي الحديد:أي بعثهم،و بين كلّ نبيين عليهم السّلام فترة (4).و قال:و هذا ممّا تغلط فيه العامّة،فتظنّه كما ظنّ الراوندي أنّ المراد به المرادفة و المتابعة (5).

قلت:أيّ شيء أنكر من قول الرّاوندي من أنّ المراد من الجملة:المرادفة و المتابعة،و قد قال تعالى: «ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً» (6)و قد كان أنبياؤه تعالى لم يكن لهم انقطاع، كلّما مضى سلف منهم،قام بأمر اللّه تعالى خلف،كما تواتر به الخبر (7)،و قد


1) 1)

2) 2) القاموس المحيط 3:352 مادة(جول).

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:38. [2]

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:37. [3]

5) 5) المصدر نفسه. [4]

6) 6) المؤمنون:44. [5]

7) 7) الأحاديث في هذا المعنى كثيرة،جمع بعض طرقه المجلسي في بحار الأنوار 23:الباب 1،و 23: [6]57 الباب 2.

قال عليه السّلام،كما يأتي بعد:«و لم يخل سبحانه خلقه من نبيّ مرسل أو كتاب منزل» (1)

يأتي في تكملة هذا العنوان.

.

و إنّ ابن أبي الحديد(صحاح)الجوهري قبلته،يتّبعه في كلّ غثّ و سمين،و قد قال:«و المواترة:المتابعة» (2)و إنّما قال بعد«و لا تكون المواترة بين الأشياء إلاّ إذا وقعت بينها فترة،و إلاّ فهي مداركة و مواصلة» (3)مع أنّ ما ذكره أخيرا لم يعلم صحته،فيكفي في صداق المواترة عدم كون بعثهم معا، و إن كان الآخر متّصلا بالأوّل،لعدم جواز إبقائه الأرض بغير حجّة.

قال الجزري:إنّ في الحديث:(ألف جمعهم و أوتر بين ميرهم)،أي:لا تقطع الميرة عنهم،و اجعلها تصل إليهم مرّة بعدمرّة (4).

و إنّما حصلت بين عيسى عليه السّلام،و نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلّم فترة من الرّسل،لأنّه كان له أوصياء،كما لم تنقطع الحجّة بعد نبيّنا بأوصيائه صلوات اللّه عليهم.

هذا،و كما أنّ إثبات الصانع في مقابل الدهريين المنكرين لصانع العالم، و إثبات التوحيد في مقابل الثنويين و المشركين المقرّين بأصل الصانع دون توحيده،كذلك أصل النبوّة العامّة هنا في مقابل البراهمة القائلين بعدم جواز بعثة اللّه تعالى للرّسل و إثبات وجوبها في مقابل فرق من السّنة.

أمّا الأوّلون و هم البراهمة،فقالوا:لا يخلو أمر الرّسول من حالين:إمّا أن يأتي بما يدلّ عليه العقل أو بخلافه.فإن أتى بما في العقل كان من كمل عقله غنيّا عنه،لأن الّذي يأتيه به مستقر عنده،موجود في عقله،و إن أتى بخلاف ما في العقل،فالواجب ردّ ما يأتي به،لأنّ اللّه تعالى إنّما خلق العقول للعباد


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة 2:843 [1] مادة(وتر).

3) 3) المصدر نفسه. [2]

4) 4) النهاية لابن الأثير 5:148 [3] مادة(وتر).

ليستحسنوا بها ما استحسنت،و يقرّوا بما أقرّت،و ينكروا ما أنكرت.

و أجاب أهل الحقّ عن شبهتهم:بأنّ الرّسول لا يأتي أبدا بما يخالف العقول،غير أنّ الأمور في العقل على ثلاثة أقسام:واجب،و ممتنع،و جائز.

فالواجب في العقل يأتي السّمع بإيجابه تأكيدا له عند من علمه،و تنبيها عليه عند من لم يعلمه.

و الجائز يمكن في العقل حسنه تارة و قبحه أخرى.

و من الأمور التي لا يصل العقل فيها إلى القطع العلم بأدوية الاعلال و مواضعها و طبائعها و خواصّها،و مقادير ما يحتاج إليها و أوزانها،فهذا ممّا لا سبيل للعقل فيه إلى حقيقة العلم،و ليس يمكن امتحان كلّ ما في البرّ و البحر، و لا تحسن التجربة و السبر،لما فيهما من الخطر المستقبح في العقل الاقدام عليه،فعلم أنّ هذا ممّا لا غناء فيه عن طارق السّمع.

قالوا:و بعد فإنّ شكر المنعم عندنا،و عند البراهمة ممّا هو واجب في العقل،و ليس في وجوبه و وجوب تعظيم مبدأ النعمة بيننا خلاف،و شكر اللّه و تعظيمه أوجب ما يلزمنا لعظيم أياديه لدينا،و إحسانه إلينا،و لسنا نعلم بمبلغ عقولنا أيّ نوع يريده من تعظيمه منّا و شكره،فلا بد أن يرسل إلينا رسلا يعرّفنا ما يريده منّا (1)

الإشكال و الجواب أوردهما بطولهما الكراجكي في كنز الفوائد:101،و [1]أما قول البراهمة في النبوّة،فنقله الشهرستاني في الملل و النحل 2:258،و الطوسي في تمهيد الأصول:314،و الاقتصاد:152،و [2]غيرهما.

.

و أمّا الأخيرون،فقال المفيد:اتّفقت الإمامية على أنّ العقل يحتاج في علمه و نتائجه إلى السّمع،و أنّه غير منفكّ عن سمع ينبّه الغافل على كيفية الاستدلال،و أنّه لا بد في أوّل التكليف،و ابتدائه في العالم من رسول،و وافقهم في ذلك أصحاب الحديث،و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية على خلاف


1) 1)

ذلك،و زعموا أنّ العقول بمجردها من السمع و التوقيف،إلاّ أنّ البغداديين من المعتزلة خاصّة يوجبون الرّسالة في أوّل التكليف،و يخالفون الإمامية في علّتهم لذلك،و يثبتون عللا يصحّحها الإمامية،و يضيفونها إلى علّتهم في ما وصفناه (1)

قاله المفيد في أوائل المقالات:50. [1]

.

و لكن في(شرح تجريد العلاّمة):قالت الأشاعرة بعدم وجوب النبوّة (2)، و كيف كان فقد نبّه عليه السّلام على خمسة من أدلّة وجوب الرسالة:

الأوّل : «ليستأدوهم ميثاق» أي:عهد.

«فطرته» التي فطرهم عليها،قال تعالى: «فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها» (3)،و قال عزّ و جلّ: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ» (4).

و قد اختلف في معنى أخذ الميثاق من الناس،فقال المرتضى:لمّا خلقهم و ركّبهم تركيبا يدلّ على معرفته،و يشهد بقدرته،و وجوب عبادته،و أراهم العبر و الآيات و الدلائل في أنفسهم و في غيرهم،كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم،و كانوا في مشاهدة ذلك و معرفته و ظهوره على الوجه الذي أراده اللّه تعالى و تعذّر امتناعهم منه و انفكاكهم من دلالته،بمنزلة المقرّ المعترف،و إن لم يكن هناك إشهاد و لا اعتراف على الحقيقة (5).

و قال المفيد في(مسائله السّروية):و أمّا الحديث في إخراج الذّريّة من


1) 1)

2) 2) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:273.

3) 3) الروم:30. [2]

4) 4) الأعراف:172. [3]

5) 5) أمالي المرتضى 1:23 المجلس 3 الجواب الثاني.

صلب آدم عليه السّلام على صورة الذّرّ،فقد جاء الحديث بذلك على اختلاف ألفاظه و معانيه،و الصحيح أنّه أخرج الذرّيّة من ظهره كالذرّ،فملأ بهم الأفق،و جعل على بعضهم نورا لا يشوبه ظلمة،و على بعضهم ظلمة لا يشوبها نور،و على بعضهم نور و ظلمة،فقال تعالى لأدم:أمّا الّذين عليهم النور بلا ظلمة،فهم أصفيائي من ولدك الّذين يطيعوني و لا يعصوني في شيء من أمري،فأولئك سكّان الجنّة،و أمّا الذين عليهم ظلمة لا يشوبها نور،فهم الكفّار من ولدك الّذين يعصوني و لا يطيعوني في شيء من أمري،فهؤلاء حطب جهنّم،و أمّا الّذين عليهم نور و ظلمة،فأولئك الذين يطيعوني من ولدك و يعصوني، يخلطون أعمالهم السيّئة بأعمالهم الحسنة،فهؤلاء أمرهم إليّ:إن شئت عذّبتهم فبعدلي،و إن شئت عفوت عنهم بتفضّلي.قال:فأنبأه اللّه تعالى بما يكون من ولده،و شبّههم بالذرّ الّذي أخرجه من ظهره،و جعلهم علامة على كثرة ولده،قال:و يحتمل أن يكون ما أخرجه من ظهره أصول أجسام ذرّيته دون أرواحهم،و إنّما فعل اللّه تعالى ذلك ليدلّ آدم على العاقبة منه،و يظهر له من قدرته و سلطانه من عجائب صنعه،و علمه بالكائن قبل كونه ليزداد آدم يقينا بربّه.

قال:و أمّا الأخبار التي جاءت بأنّ ذريّة آدم استنطقوا في الذرّ،فنطقوا فأخذ عليهم العهد فأقرّوا،فهي من أخبار التناسخية،و قد خلطوا فيها و مزجوا الحقّ بالباطل.

قال:و المعتمد من إخراج الذريّة ما ذكرنا،دون ما ينطق القول به على الدّلالة العقلية و الحجج السمعية،و إنّما هو غلط لا يثبت به أثر على ما وصفناه.

قال:فإن تعلّق متعلّق بقوله تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ»

«تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ» (1)

الأعراف:172. [1]

،و ظنّ بظاهر هذا القول تحقّق ما رواه أهل التناسخ و الحشوية و العامة في إنطاق الذرّية و خطابهم،و أنّهم كانوا أحياء ناطقين،فالجواب عنه:أنّ هذه الآية من المجاز في اللّغة،كنظائرها ممّا هو مجاز و استعارة و المعنى فيها:أنّ اللّه تعالى أخذ من كلّ مكلّف يخرج من صلب آدم و ظهور ذريّته العهد عليه بربوبيّته من حيث أكمل عقله،و دلّه بآثار الصنعة فيه على حدثه،و أنّ له محدثا أحدثه لا يشبهه أحد يستحقّ العبادة منه بنعمته عليه.فلذلك هو أخذ العهد منهم،و آثار الصنعة فيهم،و الإشهاد لهم على أنفسهم بأنّ اللّه تعالى ربّهم،و قوله تعالى: «قالُوا بَلى» (2)يريد أنّه لم يمتنعوا من لزوم آثار الصنعة فيهم،و دلائل حدوثهم اللازمة لهم،و حجّة العقل عليهم في إثبات صانعهم،فكأنّ سبحانه كما ألزمهم الحجّة بعقولهم على حدوثهم و وجود محدثهم،قال لهم: «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ» (3).فلمّا لم يقدروا على الامتناع من لزوم دلائل الحدوث لهم،كأنّهم قائلون: «بَلى شَهِدْنا» و قوله تعالى: «أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ» (4).ألا ترى أنّه تعالى احتجّ عليهم بما لا يقدرون يوم القيامة إن تناولوا في إنكاره،و لا يستطيعون،و قد قال سبحانه: «وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ» (5)،و لم يروا أنّ المذكور يسجد سجود البشر في الصلاة،و إنّما أراد أنّه غير ممتنع من فعل اللّه،فهو كالمطيع للّه،و هو يعبّر عنه بالساجد.

1) 1)

2) 2) الأعراف:172. [2]

3) 3) الأعراف:172. [3]

4) 4) الأعراف الحج:173. [4]

5) 5) :18.

قال الشاعر:

بجمع تظلّ البلق في حجراته ترى الأكم فيه سجّدا للحوافر

يريد أنّ الحوافر تذلّ الأكم بوطيها عليها.

و قال آخر:

سجود له نوقان يرجون فضله و ترك و رهط الأعجمين و كابل

يريد أنّهم مطيعون له،و عبّر عن طاعتهم بالسّجود،و قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (1)

فصّلت:11. [1]

،و هو سبحانه لم يخاطب السماء بكلام،و لا السّماء قالت قولا مسموعا،و إنّما أراد أنّه عهد إلى السماء فخلقها،فلم يتعذّر عليه صنعها.

قال:و لذلك أمثال كثيرة في منظوم كلام العرب و منثوره،و هو من الشواهد على ما ذكرناه في تأويل الآية (2).

و الثاني: «و يذكّروهم منسيّ نعمته» قال تعالى-حكاية عن هود في تذكير قومه بآلائه تعالى-: «وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَ زادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (3)،و عن صالح لقومه في ذلك: «وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَ تَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» (4)،و عن موسى لقومه في ذلك: «اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ»


1) 1)

2) 2) قاله المفيد في أجوبة المسائل السروية:212،و [2]النقل بتقطيع،و أما قوله في عدم حمل الاية على ظاهر أحاديث الذرّ فذهب إليه المفيد أيضا في تصحيح الاعتقاد:33،و المرتضى في أماليه 1:20 المجلس 3،و الطوسي في التبيان 5:30،و [3]الطبرسي في مجمع البيان 4:497،و العلاّمة الحلّي في المسائل الممنائية الثالثة:141،و غيرهم.

3) 3) الأعراف:69. [4]

4) 4) الأعراف:74. [5]

«فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ» (1)

المائدة:20. [1]

،و قال عزّ و جلّ على لسان نبيّنا صلى اللّه عليه و آله في ذلك: «يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيّايَ فَارْهَبُونِ وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَ إِيّايَ فَاتَّقُونِ وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (2).

و الثالث : «و يحتجّوا عليهم بالتبليغ» لئلاّ يعتذروا في ترك طاعته،قال تعالى: «وَ إِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ» (3).

و في الخبر:أنّ الأحلام لم تكن في ما مضى في أوّل الخلق و إنّما حدثت.

قيل:و ما العلّة في ذلك؟فقال:إنّ اللّه تعالى بعث رسولا إلى أهل زمانه،فدعاهم إلى عبادة اللّه و طاعته،فقالوا:إن فعلنا ذلك فما لنا،فو اللّه ما أنت بأكثرنا مالا، و لا بأعزّنا عشيرة.فقال:إن أطعتموني أدخلكم اللّه الجنّة،و إن عصيتموني أدخلكم اللّه النّار.فقالوا:و ما الجنّة و النّار؟فوصف لهم ذلك.فقالوا:متى نصير إلى ذلك؟فقال:إذا متّم.فقالوا:لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاما و رفاتا.

فازدادوا له تكذيبا،و به استخفافا،فأحدث اللّه تعالى فيهم الأحلام، فأتوه فأخبروه بما رأوا و ما أنكروا من ذلك،فقال:إنّ اللّه تعالى أراد أن يحتجّ عليكم بهذا،هكذا تكون أرواحكم إذا متّم،و إذا بليت أبدانكم تصير الأرواح إلى عقاب حتّى تبعث الأبدان (4).

و الرابع : «و يثيروا» من أثار الأرض.


1) 1)

2) 2) البقرة:40-42. [2]

3) 3) العنكبوت:18. [3]

4) 4) الكافي للكليني 8:90 ح 57. [4]

«لهم دفائن العقول» حتّى تكون في مرآهم «قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (1)

إبراهيم:10. [1]

.

و الخامس : «و يروهم» بالضّم من الإراءة.

«الآيات» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(آيات)كما في(ابن أبي الحديد، و ابن ميثم،و الخطّيّة) (2)،و لأنّه مضاف.

«المقدرة» و في نسخة ابن ميثم(القدرة ).

«من سقف فوقهم مرفوع،و مهاد تحتهم موضوع،و معائش تحييهم،و آجال تفنيهم» قال تعالى-حكاية عن نوح في دعوته قومه-: «ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً وَ اللّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً » (3).

«و أوصاب» أي:أوجاع و أمراض.

«تهرمهم» أي:تجعلهم هرمين،قال عمرو بن معديكرب:

أشاب الرّأس أيّام طوال و همّ ما تضمّنه الضّلوع

و قال الجاحظ:قال أبو عبيدة:قيل لشيخ مرة:ما بقي منك؟قال:يسبقني من بين يدي،و يلحقني من خلفي،و أنسى الحديث،و أذكر القديم،و أنعس في الملأ،و أسهر في الخلأ،و إذا قمت قربت الأرض منّي،و إذا قعدت تباعدت عنّي (4).


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 1:37،و شرح ابن ميثم 1:198،« [2]الآيات»أيضا.

3) 3) نوح:13-20. [3]

4) 4) البيان و التبيين للجاحظ 2:96. [4]

«و أحداث»من الدهر.

«تتابع عليهم»دفعة بعد دفعة،قال أبو الطفيل:

و ما شاب رأسي من سنين تتابعت عليّ و لكن شيّبتني الوقائع

و قال ابن المعتز:

قالت كبرت و شبت قلت لها هذا غبار و قايع الدهر

و قال البحتري:

ما زال صرف الدهر يونس صفقتي حتّى رهنت على المشيب شبابي

و فيه أيضا:

فهل الحادثات يابن عويف تاركاتي و لبس هذا البياض

«و لم يخلّ» من(خلي).

«سبحانه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(اللّه سبحانه)،كما في(ابن أبي الحديد،و ابن ميثم و الخطّيّة) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 1:37،و شرح ابن ميثم 1:199« [1]سبحانه»أيضا.

.

«خلقه من نبيّ مرسل أو كتاب منزل أو حجّة لازمة» لا يمكنهم دفعها.

«أو محجّة» و هي جادة الطريق.

«قائمة» قال تعالى: «لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» (2).

و قال الصادق عليه السّلام:الحجّة قبل الخلق،و مع الخلق،و بعد الخلق (3).

و قال ابن بابويه في قوله تعالى: «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (4):فبدأ عزّ و جلّ بالخليفة قبل الخليفة،فدلّ ذلك على أنّ


1) 1)

2) 2) النساء:165. [2]

3) 3) الكافي للكليني 1:177 ح 4،و [3]الصفار في البصائر:507 ح 1،و [4]الصدوق في كمال الدين:4،و [5]قد مرّ في العنوان 2 من الفصل الرابع.

4) 4) البقرة:30. [6]

الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليفة،فلذلك ابتدأ به لأنّه سبحانه حكيم،و الحكيم من يبدأ بالأهم دون الأعم (1)

كمال الدين لا بن بابويه:4. [1]

.

«رسل لا تقصّر بهم قلّة عددهم،و لا كثرة المكذّبين لهم» قال تعالى: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَ تَذْكِيرِي بِآياتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللّهِ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ» (2)، «وَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللّهَ» ... «فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ» (3)،و قال عزّ و جلّ حكاية عنه: «وَ تَاللّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ» (4).

قال ابن أبي الحديد:قال الراوندي:و كلّ واحد من الرسل و الأئمة عليهم السلام كان يقوم بالأمر و لا يردعه عن ذلك قلّة عدد أوليائه،و لا كثرة عدد أعدائه.

فيقال له:هذا خلاف قولك في الأئمّة المعصومين،فإنّك تجيز عليهم التقيّة و ترك القيام بالأمر إذا كثرت أعداؤهم (5).

قلت:الأئمّة عليهم السلام كالأنبياء صلوات اللّه عليهم كانوا يقومون بدعوة غير الجبابرة،و أمّا الجبابرة فكانوا قد يقومون بدعوتهم،و قد يتركونهم على حسب المصلحة و القيام الّذي قال الراوندي أعمّ من الخروج بالسيف،و إلاّ لخرج أكثر الأنبياء عن ذلك،و إلاّ فليس في الأنبياء من يكون مصداقا


1) 1)

2) 2) يونس:71-73. [2]

3) 3) العنكبوت:16-24. [3]

4) 4) الأنبياء:57-58. [4]

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 1:38. [5]

لقوله عليه السّلام: «لا تقصّر بهم قلّة عددهم،و لا كثرة المكذّبين لهم» مثل إمامنا الثالث أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام،فإنّه قام بالأمر و قال:لو لم يبق لي في الدّنيا ملجأ ما بايعت يزيد (1)

روى هذا المعنى ابن شهر آشوب في مناقبه 4:88،و أبو مخنف في المقتل المنسوب إليه:86.

.و لقد جاهد عليه السّلام مع اثنين و سبعين نفرا:ثلاثين ألفا (2)، و قال بعد إتمام الحجّة عليهم:ألا و إنّي زاحف بهذه العصابة على قلّة العتاد، و خذلة الأصحاب (3).

«من سابق سمّي له من» (من)للموصول.

«بعده» حتّى يأخذ ذلك النبيّ السابق من أمّته العهد للنبيّ اللاحق،قال تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ» (4)، «وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ» (5)، «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ» (6).

«أو غابر» أي:باق.

«عرّفه» أي:عرّفه اللّه.

«من قبله» أي:النبيّ الّذي كان قبله،فيجب على أمّة النبيّ الباقي أن


1) 1)

2) 2) هذا من مشهورات التاريخ تدلّ عليه رواية الطبري في تاريخه 4:358 سنة 61 و غيرها.

3) 3) رواه ابن عساكر في ترجمة الحسين عليه السّلام:216 ح 273،و [1]المسعودي في الإثبات:142،و ابن شعبة في تحف العقول:261،و [2]الطبرسي في الاحتجاج:300 [3] ضمن خطبة بفرق يسير.

4) 4) آل عمران:81. [4]

5) 5) الصف:6. [5]

6) 6) الأعراف:157. [6]

يؤمنوا بنبوّة النبيّ الماضي،فإنّه لا فرق بين أن ينكروا نبوّة نبيّ عصرهم أو نبوّة من كان قبله،فالكلّ من عند واحد: «قُلْ آمَنّا بِاللّهِ وَ ما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (1)

آل عمران:84. [1]

، «مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ» (2).

قال ابن أبي الحديد:قال الرّاوندي في تفسير قوله عليه السّلام: «من سابق سمّي له من بعده أو غابر عرّفه من قبله» :كان من ألطاف الأنبياء المتقدّمين و أوصيائهم أن يعرفوا الأنبياء المتأخّرين و أوصياءهم،فعرّفهم اللّه تعالى ذلك.و كان لطف المتأخّرين و أوصيائهم أن يعرفوا أحوال المتقدّمين من الأنبياء و الأوصياء،فعرّفهم اللّه تعالى ذلك،فتمّ اللطف لجميعهم.

قال ابن أبي الحديد:و لقائل أن يقول:لو كان عليه السّلام قال:(أو غابر عرف من قبله)لكان هذا التفسير مطابقا،و لكنّه عليه السلام لم يقل ذلك،و انّما قال: «عرفه من قبله» و ليس هذا التفسير مطابقة لقوله(عرفه).و الصحيح:أنّ المراد به من نبيّ سابق عرف من يأتي بعده من الأنبياء،أي:عرّفه اللّه تعالى ذلك،أو نبيّ غابر نصّ عليه من قبله و بشّر به كبشارة الأنبياء بمحمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم (3).

قلت:إنّ ابن أبي الحديد توهم أنّ الفاعل في قوله عليه السّلام «عرّفه من قبله» (من)مع أنّ الفاعل فيه ضمير(اللّه)،كما في قوله عليه السّلام(سمّي)و أمّا المعنى الّذي ذكر قبلا محصّل،فأيّ معنى لما قاله من أنّ السابق إما عرف من بعده،و إمّا نصّ على من بعده؟


1) 1)

2) 2) الصف:6. [2]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:38. [3]

و من الغريب أنّ من بعده تبعه على وهمه،و أنّه لم يتعرّض أحد لدفع تعصباته على الرّاوندي،و قد عرفت-ممّا شرحنا-أنّ الفقرتين إشارة إلى الآيات التي قلنا،و أنّ المراد بالسابق و الغابر أممهما، «وَ اللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (1)

البقرة:213. [1]

.

2

من الخطبة(89)

وَ لَمْ يُخَلِّهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ- مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ- وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ- بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ- عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاَتِهِ- قَرْناً فَقَرْناً .

«و لم يخلّهم» بالتشديد.

«بعد أن قبضه» أي:آدم .

«ممّا يؤكّد عليهم حجّة ربوبيّته» فأرسل إليهم رسولا بعد رسول .

«و يصل بينهم و بين معرفته» «فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » (2).

«بل تعاهدهم بالحجج» «فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» (3).

«على ألسن الخيرة من أنبيائه» «ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا » (4).

«و متحمّلي ودائع رسالاته قرنا فقرنا» في(إثبات المسعودي)-بعد سرد الأنبياء إلى لمك-:فلمّا مضى لما قام نوح بأمر اللّه تعالى،و هو أوّل ذوي العزم من الرّسل و أظهر نبوّته،و أمره اللّه تعالى بإظهار الدعوة،فأقبل


1) 1)

2) 2) القصص:47. [2]

3) 3) الأنعام:149. [3]

4) 4) المؤمنون:44. [4]

نوح عليه السّلام يدعو قومه،و الملك في بني راسب و أهل مملكته و عوج بن عناق، و كان دعاؤه إيّاهم في أوّل أمره سرّا فلم يجيبوه،فلم يزل يدعوهم تسعمائة و خمسين سنة كلّما مضى منهم قرن تبعهم قرن على ملّة آبائهم،و كان الّذي آمن به العقب من ولد هبة اللّه،و الّذين كذّبوه العقب من ولد قابيل و عوج بن عناق بني عمّهم مع كثرتهم و عظم أمرهم و سلطانهم في الأرض،و كانوا إذا دعاهم يقولون له: «أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ» (1)

الشعراء:111. [1]

،يعنون:العقب من ولد شيث،يعيّرونهم بالفقر و الفاقة،و أنّه لا مال لهم،و لا عزّ و لا سلطان في الأرض،و كانت شريعة نوح التّوحيد و خلع الأنداد،و الفطرة،و الصّيام، و الصلاة،و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر-إلى أن قال في قيام سام بعده -فآمن به شيعة نوح،و أقام ولد قابيل،و عوج بن عناق على كفرهم و طغيانهم، و خالف حام و يافث على أخيهما سام و لم يؤمنا به،و قام بعده أرفخشد بن سام،فعند ذلك ملك آفريدون،و هو ذو القرنين،و كان من قصّته أنّ اللّه تعالى بعثه إلى قومه،فدعاهم إلى اللّه،فكذّبوه و جحدوا نبوّته،ثمّ أخذوه فضربوه على قرنه الأيمن،فأماته اللّه مائة عام،ثمّ أحياه فبعثه فجحدوا نبوّته، و ضربوه على قرنه الأيسر...و روي أنّ الخضر بن أرفخشد بن سام بن نوح كان على مقدّمته (2)...

3

من الخطبة(92)

منها في وصف الأنبياء:

فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ- وَ أَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ- تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الْأَصْلاَبِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الْأَرْحَامِ- كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ- قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللَّهِ خَلَفٌ .


1) 1)

2) 2) إثبات الوصيّة:20-24،و [2]النقل بتقطيع كثير.

قول المصنّف : «منها في وصف الأنبياء» هكذا في(المصرية)،و ليس في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطّية) (1)

كذا في شرح الخوئي 3:147،لكن لفظ شرح ابن أبي الحديد 2:180،مثل المصرية أيضا،و لفظ شرح ابن ميثم 2: 395،خال من«منها».

إلاّ كلمة«منها»فلا بدّ أنّ جملة(في وصف الأنبياء)كانت حاشية خلطت بالمتن في أصل(المصرية).

قوله عليه السّلام «فاستودعهم» الضمير راجع إلى الرّسل.

«في أفضل مستودع» أي:من الأصلاب .

«و أقرّهم في خير مستقرّ» أي:من الأرحام،قال تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ » (2).

«تناسختهم» أي:بدّلتهم.

«كرائم الأصلاب» من صلب إلى صلب.

«إلى مطهّرات الأرحام» من رحم إلى رحم،روي أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم قرأ قوله تعالى: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ» (3)فقيل له:أيّ بيوت هذه؟فقال:بيوت الأنبياء (4).

قال الصدوق في(اعتقاداته):اعتقادنا في آباء النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أنّهم


1) 1)

2) 2) الأنعام:98. [1]

3) 3) النور:36. [2]

4) 4) تفسير القمي 2:104،و [3]الفرات الكوفي بطريقين في تفسيره:103،و ابن مردويه عنه الدرّ المنثور 5:50،و [4]رواه الطبرسي في مجمع البيان 7:144،و المجلسي عن كنز جامع الفوائد و الروضة [5]في بحار الأنوار ح 23:325-326 2،3. [6]

مسلمون من آدم إلى أبيه عبد اللّه.ثمّ قال:و قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:أخرجت من نكاح، و لم أخرج من سفاح من لدن آدم (1)

الاعتقادات للصدوق:45،و [1]أخرجه ابن سعد بثلاث طرق في الطبقات 1:ق 1،31-32،و البيهقي في الدلائل [2]عنه منتخب كنز العمال 4:233 و معناه روي كثيرا.

.

و أمّا(آزر)ففي(الإثبات):روي عن العالم عليه السّلام أنّه كان جدّ إبراهيم عليه السّلام لأمّه،و كان أبو إبراهيم توفّي و هو طفل،و بقيت أمّه،فبينا قومه يعملون الأصنام إذ أخذ إبراهيم عليه السّلام خشبة و أخذ الفأس،و نجر منها صنما لم يروا مثله قط،فقال آزر لأمّه:إنّي لأرجو أن أصيب خيرا كثيرا ببركة ابنك هذا.فأخذ إبراهيم الفأس فكسر الصنم،فأنكر ذلك أبوه عليه،فقال له إبراهيم عليه السّلام:و ما تصنعون به؟قال:نعبده.قال إبراهيم عليه السّلام: «أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ» بأيديكم (2).

«كلّما مضى» أي:مات.

«منهم» هكذا في(المصرية)،و الكلمة زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3).

«سلف قام منهم بدين اللّه خلف» يدعو الناس إلى ربّهم و عبادته،و في (الإثبات)لمّا حضرت وفاة إبراهيم عليه السّلام أمره اللّه أن يستودع نور اللّه و حكمته و مواريث الأنبياء عليهم السلام إسماعيل ابنه،فدعاه و أوصى إليه و سلّم إليه جميع ما في يده فقام إسماعيل بالنبوّة و الأمر مقامه،و لم يزل يدبّر أمر اللّه تعالى،و هو أوّل من تكلّم بالعربيّة و أبو العرب،فلمّا حضرت و فاته أوحى إليه أن يستودع الاسم و نور اللّه و حكمته أخاه إسحاق.

و روى أنّه شريكه في الوصيّة،و تقدمه إسماعيل بالسن-إلى أن قال-:


1) 1)

2) 2) رواه المسعودي في الإثبات:29-30 و النقل بتصرف و الآية 95 من سورة الصافات. [3]

3) 3) توجد الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 2:180،و شرح ابن ميثم 2:395.

إنّ يوسف قال لبني إسرائيل:إنّ هؤلاء القبط سيظهرون عليكم،و يفرّج اللّه عنكم برجل من ولد لاوي اسمه موسى بن عمران،و لن يظهر حتّى يخرج قبله سبعون كذّابا.و روي أنّه كان إذا ولد في بني إسرائيل ولد يسمّى عمران،ثمّ يأتي لعمران ولد فيسمّى موسى،يتعرّضون بذلك لقيام القائم موسى عليه السّلام (1)

إثبات الوصية:34-39 و [1]النقل بتقطيع كثير.

.

قلت:هو نظير أنّه لمّا أخبر النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و أمير المؤمنين عليه السّلام بقيام قائم آل محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم الملقّب بالمهدي،تصدّى جمع من الطالبين لذلك،و تسمّوا بالمهدي،كالملقّب بالنفس الزّكية،و غيره.

و قال بعد ذكر شعيب:كان شعيب من ولد نابت بن إبراهيم،و كان من قصّته أنّ اللّه تعالى بعثه إلى قوم نبيّا حين كبرت سنّه،فدعاهم إلى التوحيد و الإقرار و الطاعة،فلم يجيبوه،فغاب عنهم ما شاء اللّه،ثمّ عاد إليهم شابّا، فدعاهم،فقالوا:ما صدّقناك شيخا فكيف نصدّقك شابّا؟ فروى أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان يعيد ذكر هذا الحديث و يكرّره، و يتمثّل به كثيرا-إلى أن قال بعد ذكر موسى عليه السّلام ثمّ يوشع-:و خرج يوشع و جمع أولاد بني إسرائيل الّذين ولدوا في التيه معه،و هم لا يعرفون الجبّارين و لا العمالقة و لا يمتنعون من قتالهم،و فتح بيت المقدس،و جميع مدائن الشام حتّى انتهى إلى البلقاء،فجعلوا يخرجون و يقاتلون،و لا يقتل منهم أحد.فسأل يوشع عن ذلك،فقيل له:إنّ في مدينته امرأة كاهنة تدّعي أنّها منجّمة تستقبل الشّمس بفرجها،ثمّ تحسب و تعرض عليها الخيل و الرجال،و لا يخرج يومئذ إلى الحرب رجل قد حضر أجله.فصلّى يوشع عليه السّلام ركعتين،و دعا ربّه أن يحبس الشمس عنهم ساعة فأجابه،و أخّرت الشمس،فخرجت فاختلط عليها حسابها،فقالت لباق(يعني ملكهم):انظر ما يعرض عليك يوشع،فاعطه،فإنّ


1) 1)

حسابي قد اختلط عليّ (1)

إثبات الوصيّة:40-51 و [1]النقل بتقطيع كثير.

.

4

من الخطبة(142)

و من كلام له عليه السّلام:

:بَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ- وَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ لِئَلاَّ تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ- فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً- لاَ أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ- وَ مَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ- وَ لَكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً- فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً وَ الْعِقَابُ بَوَاءً.

قول المصنّف «و من كلام له عليه السّلام» هكذا في(المصريّة)،و الصواب:

(و من خطبة له عليه السّلام)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).

قوله عليه السّلام : «بعث اللّه رسله» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(بعث رسله)،كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3).

«بما خصّهم به من وحيه» من آدم إلى الخاتم،قال تعالى: «إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ عِيسى وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ وَ هارُونَ وَ سُلَيْمانَ وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً » (4).

«و جعلهم حجّة له على خلقه» «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ»


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:401،و شرح ابن ميثم 3:186 [2]

3) 3) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:401،لكن يوجد لفظ«اللّه»في شرح ابن ميثم 3:186.

4) 4) النساء:163. [3]

«فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ » (1)

الروم:47. [1]

.

«لئلاّ تجب الحجّة لهم بترك الإعذار إليهم» قال تعالى: «وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ» (2)، «وَ رُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَ كَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » (3).

«فدعاهم» أي:اللّه.

«بلسان الصّدق إلى سبيل الحقّ» «وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ» (4)، «لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ » (5).

«ألا إنّ اللّه كشف الخلق كشفة» ببعث الرّسل فيهم حتّى يظهر أمرهم للعالم .

«لا أنّه» تعالى.

«جهل ما أخفوه من مصون أسرارهم،و مكنون ضمائرهم» فعلمه ببعث رسله، «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى » (6).

«و لكن» بعث رسله.

«ليبلوهم» أي:يمتحنهم.


1) 1)

2) 2) فاطر:24. [2]

3) 3) النساء:164-165. [3]

4) 4) البقرة:213. [4]

5) 5) الحديد:25. [5]

6) 6) النجم:32. [6]

«أيّهم أحسن عملا فيكون الثّواب» أي:الجزاء الحسن لمن آمن و أطاع.

«جزاء» لعمله: «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ » (1)

الرحمن:60 [1]

.

«و العقاب» و هو ما يعقّبه العمل السّوء.

«بواء» أي:مطابقا مساويا لعمله،قالت ليلى الأخيلية في مقتل توبة:

فإن تكن القتلى بواء فإنّكم فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر

(2)قال تعالى: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» (3).

5

من الخطبة(181)

و من خطبة له عليه السّلام:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ- الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ خَلَقَ الْخَلاَئِقَ بِقُدْرَتِهِ- وَ اسْتَعْبَدَ الْأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ وَ سَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ- وَ هُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ- وَ بَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ رُسُلَهُ- لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا وَ لِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا- وَ لِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا وَ لِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَ أَسْقَامِهَا-وَ لِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا وَ حَلاَلِهَا وَ حَرَامِهَا- وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَ الْعُصَاةِ- مِنْ جَنَّةٍ وَ نَارٍ وَ كَرَامَةٍ وَ هَوَانٍ- أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ- وَ جَعَلَ «لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً» - وَ لِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلاً وَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً


1) 1)

2) 2) لسان العرب 1:37 [2] مادة(بوء).

3) 3) النجم:31. [3]

«الحمد للّه المعروف من غير رؤية» «قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » (1)

طه:49-50. [1]

.

«الخالق من غير منصبة» أي:مشقّة و تعب،قال تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ» (2).

هذا،و في الخطبة(88):«الحمد للّه المعروف من غير رؤية،و الخالق من غير رويّة» (3)،و كلّ منهما صحيح،فيخلق عزّ و جلّ بدون تفكّر،كما يخلق بدون تعب،بخلاف البشر:فلا يعمل شيئا إلاّ بتفكّر و رويّة،و يحصل له التّعب و المنصبة.

«خلق الخلائق بقدرته» «إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» (4).

«و استعبد الأرباب بعزّته» «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً» (5).

«و ساد العظماء بجوده» «وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ » (6).

«و هو الّذي أسكن الدّنيا خلقه» بعد هبوط آدم من الجنّة: «وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ» (7).

«و بعث إلى الجنّ و الأنس رسله» «يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا»


1) 1)

2) 2) ق:38.

3) 3) نهج البلاغة 1:158. [2]

4) 4) القمر:49. [3]

5) 5) مريم:93. [4]

6) 6) هود:3. [5]

7) 7) البقرة:36. [6]

«شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا» (1)

الأنعام:130. [1]

.

«ليكشفوا لهم عن غطائها» أي:حجابها .

«و ليحذّروهم من ضرّائها» كما حكى عزّ و جلّ عن نوح عليه السّلام في قوله لقومه: «وَ اللّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً» (2)،و عن صالح عليه السّلام في قوله لقومه: «أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ» (3).

«و ليضربوا لهم أمثالهم» كقوله تعالى على لسان نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلّم: «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَ الْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (4)، «وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ» (5)، «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» (6)، «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي»


1) 1)

2) 2) نوح:17-18. [2]

3) 3) الشعراء:146-149. [3]

4) 4) يونس:23-24. [4]

5) 5) الكهف:45. [5]

6) 6) العنكبوت:41. [6]

«ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (1)

البقرة:17-20. [1]

، «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ وَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ» (2).

«و ليهجموا عليهم بمعتبر من تصرّف مصاحّها و أسقامها،و ليبصّروهم عيوبها و حلالها و حرامها» هكذا في(المصرية)،و قد وقع فيها تقديم و تأخير،ففي (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطّية) (3):«و ليبصّروهم عيوبها، و ليهجموا عليهم بمعتبر من تصرّف مصاحّها و أسقامها،و حلالها و حرامها»، فيعلم أنّ النهج كان كذلك،لكن لا يبعد وقوع تصحيف فيه،فإنّ عطف(و حلالها و حرامها)على(مصاحّها و أسقامها)-كما فهمه ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي (4)-خلاف البلاغة،و مشتمل على التكلّف.

و الظاهر كون(و حلالها و حرامها)محرّف(و حياتها و حمامها)لقربهما لفظا و خطّا،و عليه فالمعنى في كمال المناسبة،و يكون المراد أنّ أسباب العبر، و إن كانت في الدّنيا كثيرة،إلاّ أنّ أهل الدّنيا لحرصهم عليها،و حبّهم لها


1) 1)

2) 2) التحريم:10-11. [2]

3) 3) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:521،و [3]شرح الخوئي 5:110،لكن لفظ شرح ابن ميثم 3:396، [4]مثل المصرية.

4) 4) يظهر هذا من شرح ابن أبي الحديد 2:521،و شرح ابن ميثم 3:397،و [5]شرح الخوئي 5:112.

غافلون عنها،كما قال عليه السّلام في موضع آخر:«ما أكثر العبر و أقلّ الاعتبار» (1)

نهج البلاغة 4:72 [1] الحكمة(297).

، فبعث اللّه رسله ليبصّروهم عيوب الدّنيا،و ينبّوهم على كثرة العبر في و قائعها حتّى كأنّ العبر هاجمة عليهم.

«و ما أعدّ اللّه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و ما أعدّ اللّه سبحانه)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطّية) (2)،ثمّ إن ابن أبي الحديد احتمل كونه عطفا على(عيوبها)،و هو باطل،فكيف أمكن ذلك مع فصل (و ليهجموا)بينهما،و لعلّه جعله من قبيل قول أهل نحلته في قوله تعالى:

«وَ أَرْجُلَكُمْ» بعطفه على «وُجُوهَكُمْ» مع فصل «وَ امْسَحُوا» (3)بينهما تصحيحا لمذهبهم السخيف مع أنّه خلاف تكلّم العقلاء.و من الغريب أنّ الخوئي (4)تبعه في احتماله.

«للمطيعين منهم و العصاة» منهم.

«من جنّة» للمطيعين.

«و نار» للعاصين.

«و كرامة» للأوّلين.

«و هوان» للآخرين،قال تعالى: «وَ مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً» (5)، «وَ مَنْ يَعْصِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً» (6).


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:521،لكن لفظ شرح ابن ميثم 3:396، [2]مثل المصرية،و لفظ شرح الخوئي 5:110 «و ما أعدّ سبحانه».

3) 3) انظر قوله تعالى: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» المائدة:6. [3]

4) 4) شرح الخوئي 5:111.

5) 5) الأحزاب:71. [4]

6) 6) الأحزاب:36. [5]

هذا،و في(تجريد المحقق الطوسي رحمه اللّه)في فوائد بعثة الأنبياء:

كمعاضدة العقل في ما يدلّ عليه،و استفادة الحكم في ما لا يدلّ،و إزالة الخوف،و استفادة الحسن و القبح،و المنافع و المضارّ،و حفظ النوع الانساني، و تكميل أشخاصه بحسب استعداداتهم المختلفة،و تعليمهم الصنائع الخفية، و الأخلاق و السياسات،و الأخبار بالعقاب و الثواب (1)

كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:271.

.

«أحمده إلى نفسه كما استحمد إلى خلقه» رجع عليه السّلام إلى أوّل كلامه في حمده تعالى،و إنّما ذكر عليه السّلام فوائد بعثة الرّسل لأنّها أيضا من موجبات حمده.

«و جعل لكلّ شيء قدرا» أي:مقدارا معيّنا،قال تعالى: «إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» (2)، «وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ» (3)، «وَ لَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ» (4)، «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» (5)، «اللّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ» (6).

«و لكلّ قدر أجلا» «ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» (7).

«و لكلّ أجل كتابا» «وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً» (8)، «وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ»


1) 1)

2) 2) القمر:49. [1]

3) 3) المؤمنون:18. [2]

4) 4) الشورى:27. [3]

5) 5) الحجر:21. [4]

6) 6) الرعد:8. [5]

7) 7) الأنعام النبأ:2. [6]

8) 8) :29.

«تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً» (1)

آل عمران:145. [1]

.

6

من الخطبة(190)

فَلَوْ رَخَّصَ اللَّهُ فِي الْكِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ- لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ- وَ رَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ- وَ عَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ- وَ خَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ- وَ كَانُوا أَقْوَاماً مُسْتَضْعَفِينَ- وَ قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ بِالْمَخْمَصَةِ وَ ابْتَلاَهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ- وَ امْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ وَ مَحَّصَهُمْ بِالْمَكَارِهِ.

فَلاَ تَعْتَبِرُوا الرِّضَا وَ السُّخْطَ بِالْمَالِ وَ الْوَلَدِ- جَهْلاً بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ وَ الاِخْتِبَارِ فِي مَوَاضِعِ الْغِنَى وَ الاِقْتَارِ فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى «أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ» (2)فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ- بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ وَ لَقَدْ دَخَلَ؟مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ؟ وَ مَعَهُ أَخُوهُ ؟هَارُونُ ع؟- عَلَى؟فِرْعَوْنَ؟ وَ عَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ- وَ بِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ- بَقَاءَ مُلْكِهِ وَ دَوَامَ عِزِّهِ- فَقَالَ أَ لاَ تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرُطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزِّ- وَ بَقَاءَ الْمُلْكِ- وَ هُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَ الذُّلِّ- فَهَلاَّ أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرٌ مِنْ ذَهَبٍ إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَ جَمْعِهِ- وَ احْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَ لُبْسِهِ


1) 1)

2) 2) المؤمنون:55-56. [2]

وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ- حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ وَ مَعَادِنَ الْعِقْيَانِ وَ مَغَارِسَ الْجِنَانِ- وَ أَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طَيْرَ السَّمَاءِ وَ وُحُوشَ الْأَرْضِ- لَفَعَلَ- وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلاَءُ وَ بَطَلَ الْجَزَاءُ وَ اضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ وَ لَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَيْنَ- وَ لاَ اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ- وَ لاَ لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا- وَ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ- وَ ضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالاَتِهِمْ- مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَ الْعُيُونَ غِنًى- وَ خَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَ الْأَسْمَاعَ أَذًى.

وَ لَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لاَ تُرَامُ وَ عِزَّةٍ لاَ تُضَامُ- وَ مُلْكٍ تَمْتَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ وَ تُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ- لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الاِعْتِبَارِ- وَ أَبْعَدَ لَهُمْ فِي الاِسْتِكْبَارِ- وَ لَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ- فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً وَ الْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً وَ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الاِتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ- وَ التَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ وَ الْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ- وَ الاِسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ وَ الاِسْتِسْلاَمُ لِطَاعَتِهِ- أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لاَ يَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ .

«فلو رخّص اللّه في الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه و أوليائه» لأن الكبر يكون عن كونه ذا كمال،و لا كمال أكمل من كمالهم،و أمّا أهل الدّنيا فناقصون من جهات،و إن كان فيهم بعض الكمالات.

«و لكنّه سبحانه كرّه إليهم التّكابر» مع مقامهم ذاك،و قربهم من مالك السماوات و الأرض،و في الخبر مرّت امرأة بذية بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فقالت له:إنّك تجلس جلسة العبيد.فقال:أيّ عبد أعبد منّي (1)

الكافي للكليني 6:271 ح 2،و [1]الأهوازي في الزهد:11 ح 22،و [2]البرقي في المحاسن:457 ح 388،و [3]رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق:16،و [4]النقل بالتلخيص.

.

1) 1)

«و رضي لهم التّواضع» في الخبر أنّه أتى النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم ملك لم يطأ الأرض قط،و معه مفاتيح خزائن الأرض،فقال:يا محمّد،إنّ ربّك يقرئك السّلام و يقول:إنّ هذه مفاتيح خزائن الأرض،فان شئت فكن نبيّا عبدا و إن شئت فكن نبيّا ملكا.فأشار إليه جبرئيل بالتواضع،فقال:بل أكون نبيّا عبدا (1)

الكافي للكليني 2:122 ح 5،و [1]رواه الورام في التنبيه 1:200،و الطبرسي بطريقين في مشكاة الأنوار:224-225، و [2]النقل بالمعنى.

.

و في(الكافي)عن عيسى عليه السّلام،قال للحواريين:لي إليكم حاجة،اقضوها لي.قالوا:قضيت حاجتك،يا روح اللّه.فقام فقبّل عيسى عليه السّلام أقدامهم،فقالوا:كنّا نحن أحقّ بهذا يا روح اللّه.فقال:إنّ أحقّ الناس بالخدمة العالم،إنّما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم.ثمّ قال عليه السّلام:بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر،و كذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل (2).

«فالصقوا بالأرض خدودهم» في السجود له تعالى،و عن الصادق عليه السّلام:

أوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السّلام:يا موسى بن عمران أ تدري لم اصطفيتك لوحيي و كلامي دون خلقي؟فقال:لا علم لي يا ربّ.فقال:يا موسى إنّي إطّلعت إلى خلقي اطّلاعة،فلم أجد في خلقي أشدّ تواضعا لي منك...و كان موسى عليه السّلام إذا صلّى لم ينفتل حتّى يلصق خدّه الأيمن بالأرض و الأيسر (3).

«و عفّروا» أي:مرّغوا.

«في التّراب وجوههم» و هي أشرف أعضاء جسدهم.


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:37 ح 6،و [3]في بعض نسخ الكافي« [4]فغسّل أقدامهم».

3) 3) أخرجه الصدوق بروايتين في علل الشرائع:56 ح 1 و 2،و [5]الكافي للكليني 2:123 ح 7،و [6]أبو علي الطوسي في أماليه 1:166 المجلس 6،و رواه الراوندي في قصص الأنبياء عنه البحار 13:8 ح 8 و [7]الطبرسي في مشكاة الأنوار: 227. [8]

«و خفضوا أجنحتهم للمؤمنين» و الأصل فيه قوله تعالى: «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (1)

الشعراء:215. [1]

.و يعبّر في الفارسية عن خفض الجناح بقولهم:«شكسته بالي».

«و كانوا أقواما مستضعفين» الجملة حال عن المؤمنين،أي:مع كون المؤمنين قوما مستضعفين خفضوا الجناح لهم،و كان شرفاء الكفّار يسمّون أولئك المؤمنين بالأنبياء:أراذلهم،و كانوا متأذين من تقريب الأنبياء لهم، و يطلبون منهم طردهم حتّى قال لهم نوح،كما حكى اللّه تعالى عنه: «وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ وَ يا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْراً اللّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ» (2)،و قال تعالى لنبيّنا عليه السّلام: «وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ وَ كَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ» (3).

و في(أسباب نزول الواحدي)عن خباب بن الأرت قال:فينا نزلت(آية و لا تطرد)كنّا ضعفاء عند النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم بالغداة و العشيّ فعلّمنا القرآن و الخير، و كان يخوّفنا بالجنّة و النار-و ما ينفعنا-و الموت و البعث،فجاء الأقرع بن حابس التميمي و عيينة بن حصن الفزاري،فقالا:إنّا من أشراف قومنا،و إنّا


1) 1)

2) 2) هود:29-31. [2]

3) 3) الأنعام:52-53. [3]

نكره أن يرونا معهم فاطردهم إذا جالسناك.قال:نعم.قالوا:لا نرضى حتّى نكتب بيننا كتابا.فأتى بأديم و دواة،فنزلت هؤلاء الآيات (1)

أخرجه الواحدي في أسباب النزول:145،و [1]ابن أبي شيبة و أبو يعلى و أبو نعيم في الحلية،و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل [2]عنهم الدرّ المنثور 3:13،و [3]ابن راهويه،و البزار في مسنديهما عنهما الكاف الشاف 2:27 عن خباب.

.

عن عكرمة:جاء عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و مطعم بن عدي و الحرث بن نوفل،في أشراف بني عبد مناف من أهل الكوفة إلى أبي طالب، فقالوا:لو أنّ ابن أخيك يطرد عنه موالينا و عبيدنا و عسفاءنا كان أعظم في صدورنا،و أطوع له عندنا،و أدنى لاتّباعنا إيّاه و تصديقنا له.فأتى أبو طالب عمّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم فحدّثه بالّذي كلّموه.فقال عمر بن الخطّاب:لو فعلت ذلك حتّى ننظر ما الّذي يريدون،و إلآم يصيرون من قولهم.فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، فلمّا نزلت أقبل عمر بن الخطاب يعتذر من مقالته (2).

و فيه أيضا في قوله تعالى: «وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ» (3).قال عكرمة:نزلت في الّذين نهى اللّه عزّ و جلّ نبيّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم عن طردهم،فكان إذا رآهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم بدأهم بالسّلام،و قال:الحمد للّه الّذي جعل في أمّتي من أمرني أن أبدأهم بالسّلام (4).

«و قد» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(قد)بدون عاطف،كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (5).

«اختبرهم اللّه» أي:امتحنهم.


1) 1)

2) 2) أخرجه الواحدي في أسباب النزول:146،و [4]ابن جرير و ابن المنذر عنهما الدرّ المنثور 3:13. [5]

3) 3) الأنعام:54. [6]

4) 4) أسباب النزول للواحدي:147. [7]

5) 5) كذا في شرح ابن أبي الحديد 3:233،لكن توجد(الواو)في شرح ابن ميثم 4:265. [8]

«بالمخمصة» أي:المجاعة،و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:دفن ما بين الرّكن اليماني و الحجر الأسود سبعون نبيّا،أماتهم اللّه جوعا و ضرّا (1)

الكافي للكليني 4:214 ح 10. [1]

.

«و ابتلاهم بالمجهدة» أي:المشقّة.

«و امتحنهم بالمخاوف» جمع المخوف، «وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا» (2)، «وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» (3).

«و محّصهم» أي:ابتلاهم.

«بالمكاره» جمع المكروه،قال تعالى: «وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ » (4).

«فلا تعتبروا الرضا و السخط» أي:لا تجعلوا معيار رضا اللّه و غضبه.

«بالمال و الولد» فتحكموا بأنّ من كان ذا مال و ولد فإلهه راض عنه،و من لم يكن فإلهه ساخط عليه.

«جهلا» مفعول له لقوله:«فلا تعتبروا».

«بمواقع» أي:مواضع.

«الفتنة و الاختبار» أي:الامتحان،قال تعالى: «إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ » (5).

«في مواضع الغنى و الاقتدار» هكذا في(المصرية) (6)،و الصواب:


1) 1)

2) 2) إبراهيم:13. [2]

3) 3) الحجر:11. [3]

4) 4) غافر:5. [4]

5) 5) التغابن:15. [5]

6) 6) في شرح ابن أبي الحديد 3:233«الاقتار»،و شرح ابن ميثم 4:265« [6]الاقتدار».

(و الاقتار)أي:الفقر .

«و قد» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(فقد)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 3:233، [1]لكن في شرح ابن ميثم 4:265«و [2]قد»أيضا.

.

«قال سبحانه: «أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ» » و الآية في سورة المؤمنين،كما أنّ طول العمر، و حصول الحوائج أيضا ليسا بدليلين على حسن صاحبهما،قال تعالى: «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ» (2)،و قال عزّ و جلّ: «فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ » (3).

«فإنّ اللّه سبحانه يختبر» أي:يمتحن.

«عباده المستكبرين في أنفسهم» أي:عند أنفسهم،و إن لم يكونوا كبيرين في ميزان الإنسانية.

«بأوليائه المستضعفين في أعينهم» و إن كانوا قويّين من حيث الدّيانة، قال تعالى: «وَ كَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ» (4).

قال القمّي في(تفسيره):كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمّون أصحاب الصفّة،و كان النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أمرهم أن يكونوا في صفّة يأوون إليها، و كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم يتعاهدم بنفسه،و ربما حمل إليهم ما يأكلون،و كانوا يختلفون إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فيقرّبهم و يقعد معهم و يؤنسهم،و كان إذا جاء


1) 1)

2) 2) آل عمران:178. [3]

3) 3) الأنعام:44. [4]

4) 4) الأنعام:53. [5]

الأغنياء و المترفون من أصحابه أنكروا عليه ذلك،و يقولون له:اطردهم عنك.

فجاء يوما رجل من الأنصار إلى النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم،و عنده رجل من أصحاب الصفّة قد لزق بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم،و النبيّ يحدّثه،فقعد الأنصاري بالبعد منهما.فقال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:تقدّم.فلم يفعل،فقال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:لعلّك خفت أن يلزق فقره بك... (1)

تفسير القمي 1:202. [1]

و فيه:أنّه كان ابن أمّ مكتوم مؤذّن النبي صلى اللّه عليه و آله و كان أعمى،فجاء إليه و عنده أصحابه،و عثمان عنده،فقدّمه النبيّ صلى اللّه عليه و آله على عثمان،فعبس عثمان وجهه،و تولّى عنه فأنزل اللّه تعالى: «عَبَسَ وَ تَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى» (2).

و عن(تفسير العياشي)عن الأصبغ بن نباتة قال:بينما عليّ عليه السّلام يخطب يوم الجمعة على المنبر،فجاء الأشعث بن قيس يتخطى رقاب الناس،فقال:يا أمير المؤمنين:حالت هؤلاء بيني و بين وجهك.قال:فقال علي عليه السّلام:ما لي و ما للضياطرة،أطرد قوما غدوا أوّل النهار يطلبون رزق اللّه،و آخر النهار ذكروا اللّه،أ فأطردهم فأكون من الظالمين (3)؟ «و لقد دخل موسى بن عمران و معه أخوه هارون عليهما السلام على فرعون» (في تفسير القمي)عن محمّد بن مسلم قلت لأبي جعفر عليه السّلام:كان هارون أخا موسى لأبيه و أمّه؟قال:نعم،أما تسمع اللّه تعالى يقول: «يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي» (4).فقلت:فأيّهما كان أكبر سنّا؟قال:هارون.قلت:


1) 1)

2) 2) رواه القمي في تفسيره 2:404،و [2]روى نحوه المرتضى في تنزيه الأنبياء:119،و [3]الطوسي في التبيان 10:269، [4]لكن عبارة المرتضى«رجل من الأصحاب»،و الطوسي«رجل من بني أميّة»،و الروايات الثلاث مجردة من السند، و الآيتان(1-2)من سورة عبس. [5]

3) 3) تفسير العياشي 1:360 ح 26،و [6]في الأصل«حالت الحمد بيني».

4) 4) طه:94. [7]

فكان الوحي ينزل عليهما جميعا.قال:الوحي ينزل على موسى،و موسى يوحيه إلى هارون.فقلت له:اخبرني عن الأحكام و القضاء،و الأمر و النهي، أ كان ذلك إليهما؟قال:كان موسى الّذي يناجي ربّه،و هارون يكتب العلم، و يقضي بين بني إسرائيل،و يخلفه إذا غاب من قومه للمناجاة.قلت:فأيّهما مات قبل صاحبه؟قال:مات هارون قبل موسى عليهما السّلام،و ماتا جميعا في التيه.

قلت:فكان لموسى عليه السّلام ولد؟قال:لا،كان الولد لهارون،و الذريّة له... (1)

تفسير القمي 2:136،و [1]في بعض النسخ:«كان موسى الذي يناجي ربّه و يكتب العلم و يقضي بين بني إسرائيل، و هارون يخلفه إذا غاب».

و فيه أيضا عن الصادق عليه السّلام:لمّا بعث اللّه تعالى موسى إلى فرعون،أتى بابه فاستأذن عليه،فلم يؤذن له،فضرب بعصاه الباب،فاصطكّت الأبواب ففتحت،ثمّ دخل على فرعون،فأخبره أنّه رسول ربّ العالمين و سأله أن يرسل معه بني إسرائيل (2).

«و عليهما مدارع الصوف» في(الكافي)عن الحسين بن كثير الخزّاز:رأيت أبا عبد اللّه عليه السّلام،و عليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه،و فوقها جبّة صوف، و فوقها قميص غليظ،فمسستها،فقلت:جعلت فداك،إنّ الناس يكرهون لباس الصوف.فقال:كلاّ،كان أبي محمّد بن علي عليه السّلام يلبسها،و كان عليّ بن الحسين عليه السّلام يلبسها،و كانوا يلبسون أغلظ ثيابهم إذا قاموا إلى الصلاة، و نحن نفعل ذلك (3).

«و بأيديهما العصيّ» في(غيبة النعماني)عن الصادق عليه السّلام:عصا موسى عليه السّلام قضيب آس من غرس الجنّة،أتاه بها جبرائيل لمّا توجّه تلقاء مدين،و هي و تابوت آدم في بحيرة طبرية،و لن يبليا،و لن يتغيّرا حتّى


1) 1)

2) 2) تفسير القمي 2:118. [2]

3) 3) الكافي للكليني 6:450 ح 4،و [3]قريبا منه روى الراوندي في الدعوات عنه البحار 46:108 ح 104. [4]

يخرجهما القائم عليه السّلام إذا قام (1)

الغيبة للنعماني:157. [1]

.

و في(المناقب)و سأل ابن الكوا أمير المؤمنين عليه السّلام عن شيء شرب و هو حيّ،و أكل و هو ميّت؟فقال عليه السّلام:ذلك عصا موسى شربت و هي في شجرتها غضّة،و أكلت لمّا التقفت حبال السحرة و عصيّهم (2).

و في(الخصال):عنه عليه السّلام:سأله الشامي عن ستّة لم يركضوا في رحم.

فقال عليه السّلام:آدم و حواء و كبش إبراهيم عليه السّلام،و عصا موسى عليه السّلام،و ناقة صالح، و الخفاش الّذي عمله عيسى بن مريم عليه السّلام،فطار بإذن اللّه (3).

«فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه و دوام عزّه» «اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى » (4).

«فقال:ألا تعجبون من هذين» قالوا الإشارة في مثله للتحقير.

«يشرطان لي دوام العزّ و بقاء الملك و هما بما ترون من حال الفقر و الذلّ» «ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَ أَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً عالِينَ فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَ قَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ» (5).

«فهلاّ ألقي عليهما أساور» في(الصحاح):السوار:سوار المرأة،و الجمع:

أسورة،و جمع الجمع:أساورة،و قرئ «فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ» (6)و قد يكون جمع أساور كقوله تعالى:

«يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ»


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 2:383. [2]

3) 3) الخصال للصدوق:322 ح 8. [3]

4) 4) طه:43-44. [4]

5) 5) المؤمنون الزخرف:45-48. [5]

6) 6) :53.

«مِنْ ذَهَبٍ» (1)

الكهف:31. [1]

و قال أبو عمرو بن العلاء:واحدها إسوار (2).

«من ذهب إعظاما للذهب و جمعه» و ورد أنّ أوّل ما ضربت السكّة على الذهب قبّله الشّيطان،و قال:كم أضلّ بك (3).

«و احتقارا للصوف و لبسه» قال ابن أبي الحديد في الخبر:إنّ أوّل لباس لبسه آدم لمّا هبط إلى الأرض صوف كبش قيّضه اللّه له،و أمره أن يذبحه، فيأكل لحمه و يلبس صوفه،و لأنّه أهبط عريانا من الجنّة فذبحه،و غزلت حواء صوفه،فلبس آدم منه ثوبا،و ألبس حواء ثوبا آخر،فلذلك صار شعار الأولياء، و انتسبت إليه الصوفية (4).

قلت:أمّا ما قاله من انتساب الصوفية إليه،فقد قيل بالفارسية:

نقد صوفى نه همه صافى و بيغش باشد اى بسا خرقه كه مستوجب آتش باشد

«و لو أراد اللّه سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان» الذهبان:جمع الذهب،و نقل الكلام«و لو أراد سبحانه...»(حجّ الكافي)في باب ابتلاء الخلق بالكعبة مع اختلاف يسير قائلا:و روي أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال في خطبة له:و لو أراد اللّه جلّ ثناؤه بأنبيائه... (5)

«و معادن العقيان» قيل:العقيان هو ذهب ينبت،و لا يحصل من الحجارة.

«و مغارس الجنان» قيل:إنّه إشارة إلى ما اقترحه الكفّار في نبيّنا صلى اللّه عليه و آله


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة 2:690 [2] مادة(سور).

3) 3) أخرج هذا المعنى الصدوق في أماليه:168 ح 14 المجلس 36،و رواه الفتال في الروضة 2:428.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 3:234. [3]

5) 5) الكافي للكليني 4:198 ح 2. [4]

بقولهم: «أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها» (1)

الفرقان:8. [1]

.

«و أن يحشر معهم طير السماء،و وحوش الأرض» و في اقتراح الكفّار بدله «لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ» (2).

«لفعل» لقدرته على كلّ شيء،لكنّه تعالى لا يفعل ما ليس بحكمة، «وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» (3).كما أنّ السّلاطين لا يفعلون إلاّ ما تقتضيه السياسة لا ما تهواه السوقة،و قد أشار عليه السّلام إلى مفاسد فتح ما ذكر لهم،و حشر ما سطر معهم بقوله :

«و لو فعل لسقط البلاء» اللام فيه للعهد الذكرى،أي:بالبلاء و الابتلاء المفهوم من قوله عليه السّلام قبل«فإنّ اللّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين...».

«و بطل الجزاء» اللام فيه للعهد الذهني،أي:الجزاء المعهود في الشرائع للمطيعين و العاصين.

«و اضمحلّت الأنباء» و في(الكافي):«و اضمحل الابتلاء» (4).

قال ابن أبي الحديد:الأنباء جمع نبأ،و هو الخبر،أي:لسقط الوعد و الوعيد و بطلان (5).

قلت:و يحتمل أن يكون الإنباء بكسر الهمزة:مصدر أنبأ،و المراد إرسال الأنبياء بكون الصّواب ما في(الكافي)بلفظ:و اضمحلّ.

«و لما» بتخفيف الميم،و لأنّه لام الابتداء و ما النافية.

«وجب للقابلين» أي:قابلي نبوّة الأنبياء.


1) 1)

2) 2) الأنعام:8. [2]

3) 3) المؤمنون:71. [3]

4) 4) الكافي 4:198 ح 2،و [4]في بعض النسخ«الأنباء».

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 3:234. [5]

«أجور المبتلين» بفتح اللام:جمع المبتلى،أي:الممتحنين.

«و لا استحق المؤمنون ثواب المحسنين» و في(الكافي):و لا لحق المؤمنين ثواب المحسنين (1)

الكافي 4:198 ح 2. [1]

.و إنّما كانوا غير مستحقين لثواب لأنّهم في إيمانهم ما فعلوا شيئا،فالمنافقون أيضا يؤمنون بنبيّ كذلك.

«و لا لزمت الأسماء معانيها» و في(الكافي)هكذا:و لا لزمت الأسماء أهاليها على معنى مبين،و لذلك لو أنزل اللّه من السماء «آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ» (2)،و لو فعل لسقط البلوى عن النّاس أجمعين (3).

قال ابن ميثم:روي بنصب الأسماء،و في نسخة الرضي رحمه اللّه برفع الأسماء،و المعنى:أنّه لم تكن المعاني لازمة للأسماء في من سمّي بها،مثلا من سمّي مؤمنا لا يكون معنى الايمان الحقّ لازما لاسمه فيه،إذ كان إيمانه بلسانه فقط عن رغبة أو رهبة (4).

و قال ابن أبي الحديد:أي من سمّي مؤمنا ليس بمؤمن إيمانا من فعله، بل يكون ملجأ إلى الإيمان بما يشاهده من الآيات العظيمة (5).

و ما ذكره ابن أبي الحديد أقرب،و يشهد له زيادة(الكافي)المتقدمة، فيكون المراد أنّه لو كان الأمر كذلك لصار الناس جميعهم في الدّنيا مؤمنين كأهل الآخرة،حيث يرون آيات اللّه عيانا،فلا يكون لهم مجال للانكار،كما لا يكون لأحد مع وجود الشمس مجال لإنكار النهار .

«و لكنّ اللّه سبحانه جعل رسله أولي قوّة في عزائمهم» و كون أولي العزم


1) 1)

2) 2) الشعراء:4. [2]

3) 3) الكافي 4:198 ح 2. [3]

4) 4) شرح ابن ميثم 4:275 و نقل بتصرف.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 3:234 و [4]النقل بالمعنى.

من الرّسل منحصرا بخمسة:نوح،و إبراهيم،و موسى،و عيسى،و محمّد -صلّى اللّه عليه و آله و عليهم-لا ينافي كلامه عليه السّلام في كون كلّهم أولى قوّة في عزائمهم،لأنّ جميعهم كانوا أولي عزم في دعوة الناس إلى ربّهم،و أولئك كانوا أولي عزم خاص في ذلك،بحيث كانت أوقاتهم مستغرقة في الدعوة.

قال نوح: «رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهاراً» (1)

نوح:5. [1]

.

و روى(الكافي)عن الصّادق عليه السّلام:أنّهم صاروا أولي العزم لأنّ نوحا بعث بكتاب و شريعته،و كلّ من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح و شريعته و منهاجه،حتّى جاء إبراهيم عليه السّلام بالصحف و بعزيمة ترك كتاب نوح لا كفرا به،فكلّ نبيّ جاء بعد إبراهيم عليه السّلام أخذ بشريعته إبراهيم و منهاجه و بالصحف، حتّى جاء موسى عليه السّلام بالتّوارة و شريعته و منهاجه و بعزيمة ترك الصحف، و كلّ نبيّ جاء بعد موسى عليه السّلام أخذ بالتوراة و شريعته و منهاجه،حتّى جاء المسيح عليه السّلام بالانجيل و بعزيمة ترك شريعة موسى و منهاجه،فكلّ نبيّ جاء بعد المسيح عليه السّلام أخذ بشريعته و منهاجه،حتّى جاء محمّد صلى اللّه عليه و آله فجاء بالقرآن و بشريعته و منهاجه،فحلاله حلال إلى يوم القيامة،و حرامه حرام إلى يوم القيامة،فهؤلاء أولو العزم من الرّسل (2).

و في(تفسير القمي):معنى أولي العزم أنّهم سبقوا الأنبياء إلى الإقرار باللّه،و الإقرار بكلّ نبيّ كان قبلهم و بعدهم،و عزموا على الصبر على التكذيب و الأذى (3).

و توهم الخوئي المنافاة بين كلامه عليه السّلام و كون أولي العزم خمسة،


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 2:17 ح 2،و [2]البرقي في المحاسن:269 ح 358 [3] عن الصادق عليه السّلام و قريبا منه أخرجه الصدوق في عيون الأخبار 2:79 ح 13،و [4]علل الشرائع:122 ح 2 [5] عن الرضا عليه السّلام.

3) 3) تفسير القمي 2:300. [6]

فقال:قال بعض المفسّرين في قوله تعالى: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» (1)

الأحقاف:35. [1]

:إنّ(من)للتبيين لا للتبعيض،و إن كلّ الرسل أولو العزم (2).

و هو كما ترى كخرق الإجماع،و كيف كان فيشهد لقوله عليه السّلام من كون جميعهم أولي قوّة في عزائمهم أنّ يوسف عليه السّلام في السّجن كان يدعو الناس إليه تعالى،فقال لصاحبي سجنه: «أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» (3).و أنّ يعقوب عليه السّلام حتّى في احتضاره كان يدعو إليه تعالى، قال سبحانه: «أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (4).

«و ضعفة في ما ترى الأعين من حالاتهم» قال تعالى حكاية عن قوم شعيب له: «ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ وَ إِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً» (5).

«مع قناعة تملأ القلوب و العيون غنى» أصل الغنى غنى القلب و العين، و ليس غناهما إلاّ بالقناعة،و أمّا الحريص فقلبه و عينه مشحونان من الفقر، و إن كان ذا ثروة و وفرة،قال سليمان عليه السّلام لرسل بلقيس ملكة اليمن: «بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ» (6).

و لمّا قالت قريش للنبيّ صلى اللّه عليه و آله:دع دعوتك نغنيك و نملّك علينا.قال لهم:


1) 1)

2) 2) شرح الخوئي 5:261،و الظاهر أن مراده ببعض المفسرين:الطبرسي في مجمع البيان 9:94.

3) 3) يوسف:39-40. [2]

4) 4) البقرة:133. [3]

5) 5) هود:91. [4]

6) 6) النمل:36. [5]

لو كنتم تقدرون على أن تجعلوا الشّمس في يميني،و القمر في شمالي ما تركت طريقتي (1)

نقله ابن هشام في السيرة 1:240،و الطبري في تاريخه 2:67،و ابن شهر آشوب في المناقب 1:58. [1]

.

هذا،و في(تفسير القمي)في غزوة الخندق:فبينا المهاجرون و الأنصار يحفرون إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه،فبعثوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله يعلمه بذلك،قال جابر:فجئت إلى المسجد و النبيّ صلى اللّه عليه و آله مستلق على قفاه،و رداؤه تحت رأسه،و قد شدّ على بطنه حجرا...

فعلمت أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مقو-أي:جائع-لما رأيت على بطنه الحجر.فقلت:يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله هل لك في الغذاء.قال:ما عندك يا جابر؟فقلت:عناق و صاع من شعير.فقال:تقدم و أصلح ما عندك.قال:فجئت إلى أهلي فأمرتها فطحنت الشعير،و ذبحت العنز و سلختها،و أمرتها أن تختبز و تطبخ و تشوي،فلمّا فرغت من ذلك جئت إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقلت:بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه قد فرغنا فاحضر مع من أحببت.فقام إلى شفير الخندق ثمّ قال:معاشر المهاجرين و الأنصار،أجيبوا جابرا.قال جابر:و كان في الخندق سبعمائة رجل،فخرجوا كلّهم ثمّ لم يمرّ بأحد من المهاجرين و الأنصار إلاّ قال:أجيبوا جابرا.قال جابر:فتقدّمت و قلت لأهلي:و اللّه قد أتاك النبي صلى اللّه عليه و آله بما لا قبل لك به.

فقالت:أعلمته أنت بما عندنا؟قال:نعم.قالت:هو أعلم بما أتي.

قال جابر:فدخل النبي صلى اللّه عليه و آله فنظر في القدر،ثمّ قال:اغرفي و أبقي.ثمّ نظر في التنور،ثمّ قال:اخرجي و أبقي.ثمّ دعا بصحنة فثرد فيها و غرف.فقال:

يا جابر أدخل عليّ عشرة.فأدخلت عشرة.فأكلوا حتّى نهلوا،و ما يرى في القصعة إلاّ آثار أصابعهم...قال جابر:فقلت:يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كم للشاة من ذراع قال:ذراعان.فقلت:و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا لقد أتيتك بثلاثة.فقال:أما لو


1) 1)

سكّت يا جابر لأكل النّاس كلّهم من الذراع.قال جابر:فأقبلت أدخل عشرة عشرة،فدخلوا يأكلون حتّى أكلوا كلّهم،و بقي و اللّه لنا من ذلك الطعام ما عشنا به أيّاما (1)

تفسير القمّي 2:178. [1]

.

«و خصاصة» أي:فقر.

«تملأ الأبصار» برؤيتها.

«و الأسماع» بسماعها.

«أذى» ورثى قلبه لهم .

«و لو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام» من رام يروم،أي:طلب.

«و عزّة لا تضام» من الضّيم بمعنى:الاستذلال.

«و ملك تمتدّ نحوه أعناق الرّجال» كناية عن الرغبة الشديدة،فمن اشتاق إلى شيء شديدا يمدّ عنقه نحوه ليراه كاملا.

«و تشدّ إليه عقد الرّحال» الرحل للبعير كالسرج للدابّة،و هو أيضا كناية عن غاية الشوق،حتّى يحمل صاحبه على الشخوص نحو المطلوب إلى مسافة بعيدة.

«لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار» و في(الكافي)«في الاختبار» (2)و هو الأصح كما لا يخفى.

«و أبعد لهم في الاستكبار» «وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» (3).و كانوا يقولون:كيف نتّبع يتيم أبي طالب .

«و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم» كإيمان أبي سفيان و معاوية،و كثير من


1) 1)

2) 2) الكافي 4:199 ح 2. [2]

3) 3) الزخرف:31. [3]

أهل مكّة بعد فتح النبي صلى اللّه عليه و آله لها،فآمنوا ظاهرا ليحقنوا به دماءهم،و قال عليه السّلام في معاوية و أصحابه:ما أسلموا،و لكن استسلموا و أسرّوا الكفر،فلمّا و جدوا أعوانا عليه أظهروه (1)

نهج البلاغة للشريف الرضي 3:16 [1] الكتاب 16.

.

«أو رغبة مائلة بهم» روى الطبري عن هشام عن عوانة عن لبطة بن الفرزدق عن أبيه-و ذكر لقاءه الحسين عليه السّلام في الحرم لمّا أراد الكوفة خارجا من مكّة،و سؤاله عن أشياء من نذور و مناسك-قال الفرزدق:ثمّ مضيت فإذا بفسطاط مضروب في الحرم،و هيئته حسنة،فأتيته فإذا هو لعبد اللّه بن عمرو بن العاص،فسألني،فأخبرته بلقاء الحسين بن علي عليهما السّلام،فقال لي:و يلك!فهلاّ أتّبعته،فو اللّه ليملكنّ و لا يجوز السلاح فيه،و لا في أصحابه!قال:فهممت و اللّه أن ألحق به،و وقع في قلبي مقالته،ثمّ ذكرت الأنبياء و قتلهم،فصدّني ذلك عن اللّحاق بهم (2).

قلت:كان عبد اللّه بن عمرو سمع من أخبار الملاحم شيئا،و الظاهر أنّه سمع أنّ الحسين عليه السّلام و أصحابه لا يجدون ألم السّلاح،كما ورد في خبر آخر، لشدّة شوقهم،فوهم و بدّله بعدم جواز السلاح و أثره فيهم.

و روى الطبري أيضا عن أبي مخنف،عن أبي عليّ الأنصاري،عن بكر بن مصعب المزني،قال:كان الحسين عليه السّلام لا يمرّ أهل ماء إلاّ اتّبعوه،حتّى انتهى إلى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة،فأخرج للناس كتابا فقرأ عليهم:«أمّا بعد فإنّه قد أتانا خبر فظيع:قتل مسلم بن عقيل،و هانىء بن عروة، و عبد اللّه بن بقطر،و قد خذلتنا شيعتنا.فمن أحبّ منكم الانصراف،فلينصرف ليس عليه منّا ذمام»فتفرّق النّاس عنه تفرّقا،فأخذوا يمينا و شمالا حتّى بقي


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 4:290 سنة 60. [2]

في أصحابه الّذين جاءوا معه من المدينة،و إنّما فعل ذلك لأنّه ظنّ أنّما اتّبعه الأعراب،لأنّهم ظنّوا أنّه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله،فكره أن يسيروا معه إلاّ و هم يعلمون علام يقدمون،و قد علم أنّهم إذا بيّن لهم لم يصحبه إلاّ من يريد مواساته و الموت معه (1)

تاريخ الطبري 4:300 سنة 60 و [1]النقل بتقطيع.

.

«فكانت النيّات مشتركة و الحسنات مقتسمة» قال ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي (2):أي تكون النيّات حينئذ مشتركة بين تعالى و بين ما يأملونه من الشهوات و الحسنات،و مقتسمة بينه تعالى،و بين تلك الشهوات،غير خالصة من هوى الأنفس.

قلت:بل المراد أنّ النيّات تصير حينئذ مشتركة بين الموحّد و الملحد، و الحسنات مقتسمة بين الصالح و الطالح .

«و لكنّ اللّه سبحانه أراد أن يكون الاتّباع لرسله» الظرف لغو،و كذلك في الفقرات الأربع بعده.

«و التّصديق لكتبه» الصحف،و التّوراة،و الإنجيل،و الزبور،و القرآن.

«و الخشوع لوجهه» أي:لذاته.

«و الاستكانة» أي:الخضوع و المسكنة.

«لأمره» التكليفي.

«و الاستسلام» أي:الانقياد.

«لطاعته أمورا له» تعالى.

«خاصّة لا يشوبها» أي:لا يختلطها.

«من غيرها شائبة» و الأصل فيها قذر يشرب و يختلط بشيء طيب،قال


1) 1)

2) 2) هذا المعنى قاله ابن أبي الحديد في شرحه 3:235،و ابن ميثم في شرحه 4:277،و الخوئي في شرحه 5:261.

تعالى: «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» (1)

الكهف:110. [1]

.

و عن النبي صلى اللّه عليه و آله:أنّ الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به،فإذا صعد بحسناته يقول اللّه تعالى:اجعلوها في سجّين،إنّه ليس إيّاي أراد بها (2).

و عن الصادق عليه السّلام قال اللّه عزّ و جلّ:أنا خير شريك،من أشرك معي غيري في عمله لم أقبله إلاّ ما كان لي خالصا (3).

7

من الخطبة(158)

وَ إِنْ شِئْتُ ثَنَّيْتُ؟بِمُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ ص؟ إِذْ يَقُولُ- «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» (4)وَ اللَّهِ مَا سَأَلَهُ إِلاَّ خُبْزاً يَأْكُلُهُ- لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ- وَ لَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ- لِهُزَالِهِ وَ تَشَذُّبِ لَحْمِهِ.وَ إِنْ شِئْتُ ثَلَّثْتُ؟بِدَاوُدَ ص؟صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ وَ قَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّةِ- فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ وَ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا- وَ يَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا وَ إِنْ شِئْتُ قُلْتُ فِي؟عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ع؟- فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ وَ يَلْبَسُ الْخَشِنَ وَ كَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ وَ سِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ- وَ ظِلاَلُهُ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا- وَ فَاكِهَتُهُ وَ رَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 2:294 ح 7،و [2]ابن الأشعث في الأشعثيات:163. [3]

3) 3) الكافي للكليني 2:295 ح 9،و [4]الأهوازي في الزهد:63،و [5]البرقي في المحاسن:252،و [6]تفسير العياشي 2:353 ح 94،و [7]رواه الطبرسي في مشكاة الأنوار:11،و [8]ابن فهد في عدّة الداعي و [9]صاحب فقه الرضا [10]فيه عنهما المستدرك 1:10 ح 5،7. [11]

4) 4) القصص:24. [12]

الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ- وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ وَ لاَ وَلَدٌ يَحْزُنُهُ- وَ لاَ مَالٌ يَلْفِتُهُ وَ لاَ طَمَعٌ يُذِلُّهُ- دَابَّتُهُ رِجْلاَهُ وَ خَادِمُهُ يَدَاهُ «و إن شئت ثنّيت» أي:جعلت دليلا ثانيا في ذمّ الدّنيا و عيبها،و كثرة مخازيها و مساويها.

«بموسى كليم اللّه صلى اللّه عليه و آله» و الدّليل الأوّل:عمل الدّنيا مع نبيّنا صلى اللّه عليه و آله،إذ قبضت عنه أطرافها،و وطئت لغيره أكنافها،كما يأتي في فصل النبوّة الخاصّة،و كون موسى عليه السّلام كليم اللّه ممّا نطق به القرآن،قال عزّ و جلّ «وَ كَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً» (1)

النساء:164. [1]

،و عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:أنّ اللّه تعالى ناجى موسى بن عمران بمائة كلمة،و أربعة و عشرين ألف كلمة،في ثلاثۀ أيّام و لياليهنّ،ما طعم فيها موسى و لا شرب فيها،فلمّا انصرف إلى بني إسرائيل و سمع كلامهم مقتهم،لما كان وقع في مسامعه من حلاوة كلام اللّه تعالى (2).

و روى(العلل)عن الصادق عليه السّلام:أوحى اللّه تعالى إلى موسى،أ تدري لم اصطفيتك لكلامي دون خلقي؟فقال موسى:لا ياربّ.فقال يا موسى:إنّي قلّبت عبادي ظهرا لبطن،فلم أجد فيهم أحدا أذلّ لي منك نفسا.يا موسى إنّك إذا صلّيت وضعت خدّيك على التّراب (3).و كان موسى عليه السّلام إذا صلّى لم ينفتل حتّى يلصق خدّه الأيمن بالأرض و الأيسر (4).

«إذ يقول: «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» » الآية في سورة القصص،و قبلها: «وَ لَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ»


1) 1)

2) 2) الخصال للصدوق:641 ح 20 باب(الأنف).

3) 3) علل الشرائع للصدوق:56 ح 1،و [2]الكافي للكليني 2:123 ح 7،و [3]أبو علي الطوسي في أماليه 1:166،و رواه الراوندي في قصص الأنبياء [4]عنه البحار 13:8 ح 8،و [5]الطبرسي في مشكاة الأنوار:227. [6]

4) 4) علل الشرائع للصدوق:57 ح 2، [7]في ذيل الحديث.

وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ ... (1)

القصص:23-24. [1]

.

«و اللّه ما سأله إلاّ خبزا يأكله» في(الكافي)عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله:الخبز مبارك، أرسل اللّه تعالى له السماء مدرارا،و له أنبت اللّه المرعى،و به صلّيتم،و به صمتم،و به حججتم بيت ربّكم (2).

و عنه صلى اللّه عليه و آله:أكرموا الخبز،فانّه قد عمل فيه ما بين العرش إلى الأرض و ما فيها كثير من خلقه (3).

و في(العيون)عن الرضا عليه السّلام:أنّ سلمان دعا أبا ذر إلى منزله فقدّم إليه رغيفين،فأخذ أبو ذر الرغيفين فقلّبهما،فقال سلمان:يا أبا ذر لأي شيء تقلّب هذين الرّغيفين؟قال:خفت أن لا يكونا نضيجين،فغضب سلمان من ذلك غضبا شديدا،ثمّ قال:ما أجرأك حيث تقلّب هذين الرغيفين،فو اللّه لقد عمل في هذا الخبز الماء الّذي تحت العرش،و عملت فيه الملائكة حتّى ألقوه إلى الرّيح، و عملت فيه الريح حتّى ألقته إلى السحاب،و عمل فيه السحاب حتّى أمطره إلى الأرض،و عمل فيه الرّعد و البرق و الملائكة حتّى وضعوه مواضعه،و عملت فيه الأرض و الخشب و الحديد و البهائم و النار و الحطب و الملح،و ما لا أحصيه أكثر،فكيف لك أن تقوم بهذا الشكر؟فقال أبو ذر:إلى اللّه أتوب و أستغفر إليه ممّا أحدثت (4).

«لأنّه كان يأكل بقلة الأرض،و لقد كانت خضرة البقل ترى» البقلة.

«من شفيف» من شف عليه ثوبه،إذا رقّ حتّى يرى ما خلفه.


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 6:303 ح 6،و [2]المحاسن للبرقي:585 ح 82. [3]

3) 3) الكافي للكليني 6:302 ح 2،و [4]المحاسن للبرقي:585 ح 81،و [5]مكارم الأخلاق للطبرسي:154. [6]

4) 4) عيون الأخبار للصدوق 2:52 ح 203،و [7]أمالي الصدوق:359 [8] ح المجلس 6(68).

«صفاق» أي:الجلد الأسفل الذي تحت الجلد الذي عليه الشعر .

«بطنه لهزاله» الهزال مقابل السمين.

«و تشذّب لحمه» أي:تفرّقه .

«و إن شئت ثلّثت» أي:جعلت دليلا ثالثا لك في نقص الدّنيا.

«بداود صلى اللّه عليه و آله صاحب المزامير» جمع المزمار،قيل:قيل له صاحب المزامير،لأنّه كان كأنّ في حلقه مزامير من حسن صوته.

«و قارى أهل الجنّة» قال تعالى: «وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً» (1)

الإسراء:55. [1]

، «وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ» (2)، «وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ » (3).

«فلقد كان يعمل سفائف» أي:نسائج.

«الخوص» أي:ورق النخل.

«بيده و يقول لجلسائه أيّكم يكفيني بيعها» و روى الطبري في(ذيله)أنّه كان عطاء سلمان خمسة آلاف،و كان على ثلاثين ألفا من الناس يحطب في عباءة يفترش نصفها،و يلبس نصفها،و كان إذا خرج عطاؤه أمضاه و يأكل من سفيف يده (4).

و روى(الاستيعاب)أنّ قوما دخلوا على سلمان و هو أمير على المدائن، و هو يعمل الخوص،فقيل له:تعمل هذا و أنت أمير يجري عليك رزق؟فقال:إنّي


1) 1)

2) 2) ص:17-20.

3) 3) سبأ:10-11. [2]

4) 4) منتخب ذيل المذيل للطبري:33. [3]

أحبّ أن آكل من عمل يدي (1)

الاستيعاب لابن عبد البر 2:58. [1]

.

«و يأكل قرص الشعير من ثمنها» في(الكافي)عن الرّضا عليه السّلام:ما من نبيّ إلاّ و قد دعا لأكل الشعير و بارك عليه،و ما دخل جوفا إلاّ و أخرج كلّ داء فيه، و هو قوت الأنبياء و طعام الأبرار،أبى اللّه تعالى أن يجعل قوت أنبيائه إلاّ شعيرا (2).

هذا،و روى الطبري في(ذيله):أنّ أصحاب الإبل و أصحاب الغنم تفاخروا عند النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم،فقال أصحاب الإبل:ما أنتم يا رعاء الشّاة،هل تجبون شيئا أو تصيبونه؟ما هي إلاّ شويهات أحدكم يرعاها ثمّ يروحها.

حتّى أصمتموهم،فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:بعث داود عليه السّلام و هو راعي غنم،و بعث موسى عليه السّلام،و هو راعي غنم،و بعثت أنا و أنا أرعى غنم أهلي بأجياد.فغلبهم أصحاب الغنم (3).

«و إن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السّلام» قال تعالى: «إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَ يُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلاً وَ مِنَ الصّالِحِينَ قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ رَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً»


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 6:304 ح 1،و [2]مكارم الأخلاق للطبرسي:154. [3]

3) 3) منتخب ذيل المذيل للطبري:65. [4]

لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)

آل عمران:45-49. [1]

.

«فلقد كان» أي:عيسى.

«يتوسّد الحجر» أي:يجعله له و سادة،و في الخبر:أنّ إبليس أتى عيسى عليه السّلام و كان نام و جعل وسادته لبنة،فقال له عليه السّلام:ما تريد منّي و ليس لي شيء من علائق الدّنيا؟فقال:ما دام هذه اللبنة تحت رأسك أرجو منك ذلك.

فأخذه عيسى،و رمى به (2).

«و يلبس الخشن» و زاد ابن أبي الحديد (3):«و يأكل الجشب ».

«و كان إدامه الجوع،و سراجه بالليل القمر،و ظلاله في الشتاء مشارق الأرض و مغاربها» و لم يكن له دار و لا بناء .

«و فاكهته و ريحانه ما تنبت الأرض للبهائم» و لم يأكل لحما و لا فواكه .

«و لم تكن له زوجة تفتنه» كما اتّفق للكثير من العبّاد و الزهّاد افتتانهم بنسائهم.

«و لا ولد يحزنه» بمرضه أو خوف فقره أو موته.

«و لا مال يلفته» أي:يصرفه عن اللّه تعالى و ذكره،قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ » (4).

«و لا طمع يذلّه» فقالوا:عزّ من قنع و ذلّ من طمع (5).


1) 1)

2) 2) إحياء علوم الدين للغزالي 3:191. [2]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 2:450. [3]

4) 4) المنافقون:9. [4]

5) 5) هذا قد شهر عن علي عليه السّلام حتى صار من الأمثال السائرة،رواه بفرق يسير الجاحظ في مائة كلمة على نقل عبد الوهاب في شرحه:38،و رواه برواية أخرى أيضا رشيد الدّين الوطواط في شرح مائة كلمة:24.

«دابّته رجلاه،و خادمه يداه» و في الخبر:قام عيسى عليه السّلام و قال بعد وصفه نفسه،كما و صفه عليه السّلام:أصبحت و ليس لي شيء،و أمسيت و ليس لي شيء، و أنا أغنى ولد آدم (1)

معاني الأخبار للصدوق:252 ح 5.

.

هذا،و لبعضهم في وصف نفسه:

أ تراني أراني من الدهر يوما لي فيه مطية غير رجلي

كلّما كنت في جمع فقالوا قرّبوا للرحيل قرّبت نعلي

حيثما كنت لا أخلف رحلا من رآني فقد رآني و رحلي

و لبعضهم أيضا:

برزت من المنازل و القباب فلم يعسر على أحد حجابي

فمنزلي الفضاء و سقف بيتي سماء اللّه أو قطع السحاب

فأنت إذا أردت دخلت بيتي عليّ مسلّما من غير باب

لأنّي لم أجد مصراع باب يكون من السحاب إلى التراب

و لا خفت الإباق على عبيدي و لا خفت الهلاك على دوابي

و لا حاسبت يوما قهرماني محاسبة فأغلظ في حسابي

و في ذا راحة و فراغ بال فدأب الدهر ذا أبدا و دابي

8

من الخطبة(199)

و من كلام له عليه السّلام:

أَيُّهَا النَّاسُ- لاَ تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ- فَإِنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ- وَ جُوعُهَا طَوِيلٌ.

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَ السُّخْطُ- وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ؟ثَمُودَ؟


1) 1)

رَجُلٌ وَاحِدٌ- فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا- فَقَالَ سُبْحَانَهُ «فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ» (1)

الشعراء:157. [1]

فَمَا كَانَ إِلاَّ أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ- خُوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ.

أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ- وَ مَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التِّيهِ.

أقول:رواه النعماني النعماني-الغيبة-ص 16 بإسنادين مع اختلاف يسير و زيادة و نقيصة:

الأوّل:عن ابن عقدة،عن جعفر بن عبد اللّه المحمدي،عن يزيد بن إسحاق الأرحبي المعروف بشعر،عن محمول،عن فرات بن أحنف،عن الأصبغ بن نباتة،قال:سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام على منبر الكوفة يقول:أيّها الناس!الايمان أنف الهدى و عيناه.أيّها الناس!لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة من يسلكه،إنّ الناس اجتمعوا على مائدة قليل شبعها،كثير جوعها،و اللّه المستعان،و إنّما يجمع الناس الرّضا و الغضب.أيّها الناس!إنّما عقر ناقة صالح واحد،فأصابهم اللّه بعذابه بالرّضا،و آية ذلك قوله عزّ و جلّ «فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ» (2)،و قال: «فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها وَ لا يَخافُ عُقْباها» (3).ألا و من سئل عن قاتلي فزعم أنّه مؤمن فقد قتلني.أيّها الناس!من سلك الطريق ورد الماء،و من حاد عنه وقع في التّيه (4).

و الثاني:عن محمّد بن همام،عن الحسن بن محمّد بن جمهور،عن


1) 1)

2) 2) القمر:29-30. [2]

3) 3) الشمس:14-15. [3]

4) 4) غيبة النعماني:16،و [4]أسناد الرواية الثانية:محمد بن همام و محمد بن الحسن بن محمد بن جمهور،جميعا عن الحسن بن محمّد بن جمهور.

أحمد بن نوح،عن ابن عليم،عن رجل،عن فرات،عمّن سمع أمير المؤمنين عليه السّلام،و ذكر مثله،إلاّ أنّه قال بدل(من يسلكه):«أهله » (1)

المصدر نفسه. [1]

.

«أيّها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى» و المراد نفسه،فقد عرفت من رواية النعماني أنّ قبله(أيّها الناس!أنا أنف الهدى و عيناه).

«لقلّة أهله» و قد عرفت أنّ في أحد إسنادي النعماني(لقلّة من يسلكه) و هو الأنسب بقوله «طريق الهدى» ،و قديما كان أهل الهدى قليلا،قال تعالى:

«اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» (2)،و قال عزّ و جلّ:

«وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ» (3)،و قال سبحانه: «وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ» (4)،و قال عزّ و جلّ: «وَ لَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ» (5).

«فانّ الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير و جوعها طويل» علّة لعدم الاستيحاش من طريق الحقّ و الهدى لقلّة أهلهما،بأنّ الناس رأوا مائدة يشبعون منها فازدحموا عليها،إلاّ أنّهم لا يدرون أنّ شبعها إنّما هو قصير، و يتبعه جوع طويل إلى الأبد،و لنعم ما قال بالفارسية:

برو از خانه گردون بدر و نان مطلب كين سيه كاسه در آخر بكشد مهمان را

و روى(الكافي)في باب قلّة عدد المؤمنين عن الكاظم عليه السّلام قال:أما و اللّه


1) 1)

2) 2) سبأ:13. [2]

3) 3) ص:24.

4) 4) الحاقة:41-42. [3]

5) 5) الأعراف:10. [4]

لقد كانت الدّنيا و ما فيها إلاّ واحد يعبد اللّه،و لو كان معه غيره لأضافه تعالى إليه حيث يقول: «إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (1)

النحل:120. [1]

،فغبر بذلك ما شاء اللّه،ثمّ إنّ اللّه،آنسه بإسماعيل و إسحاق فصاروا ثلاثة،أما و اللّه إنّ المؤمن لقليل،و إنّ أهل الكفر لكثير (2).

و عن حمران بن أعين،قلت للباقر عليه السّلام:جعلت فداك ما أقلّنا،لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟فقال:ألا أحدّثك بأعجب من ذلك:المهاجرون و الأنصار ذهبوا إلاّ-و أشار بيده-ثلاثة.قال حمران:فقلت:جعلت فداك ما حال عمّار؟ قال:رحم اللّه عمّارا أبا اليقظان،بايع و قتل شهيدا.فقلت في نفسي ما شيء أفضل من الشهادة.فنظر إليّ فقال:لعلّك ترى أنّه مثل الثلاثة أيهات أيهات (3).

و عن سدير الصيرفي قلت للصادق عليه السّلام:و اللّه ما يسعك القعود؟قال:

و لم؟قلت:لكثرة شيعتك،و اللّه لو كان لأمير المؤمنين عليه السّلام ما لك ما طمع فيه تيم و عدي.فقال:و كم عسى أن تكونوا؟قلت:مائة ألف.قال:مائة ألف؟قلت:

بلى مائتي ألف.قال:مائتي ألف؟قلت:بل نصف الدّنيا.فسكت عنّي،ثمّ قال:

يخفّ عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع-إلى أن قال-:حتّى صرنا إلى أرض حمراء و نظر إلى غلام يرعى جداء.فقال:و اللّه لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما و سعني القعود،فعددتها فإذا هي سبعة عشر (4).

«أيّها النّاس إنّما يجمع الناس» في العمل و عدمه.

«الرضا و السّخط» روى(المحاسن)فقرة«أيّها الناس إنّما يجمع النّاس الرّضا و السخط»عنه عليه السّلام مع زيادة:«فمن رضي أمرا فقد دخل فيه،و من


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 2:243 ح 5،و [2]تفسير العياشي 2:274 ح 84. [3]

3) 3) الكافي للكليني 2:244 ح 6. [4]

4) 4) الكافي للكليني 2:242 ح 4 و [5]النقل بتلخيص.

سخطه فقد خرج منه» (1)

المحاسن للبرقي:262 ح 323،و [1]ليس في صدره«أيها الناس».

.

و روى(العيون)في باب أخباره المتفرّقة عن الرّضا عليه السّلام:أنّ ما روي عن الصادق عليه السّلام أنّ القائم إذا خرج قتل ذراري قتلة الحسين عليه السّلام بفعل آبائهم صحيح.فقيل له:قال تعالى: «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» (2).قال:إنّما يقتلهم لرضاهم بفعال آبائهم،و من رضي شيئا كان كمن أتاه،و لو أنّ رجلا قتل بالمشرق،فرضي بقتله رجل بالمغرب،كان الراضي شريك القاتل (3).

و روى العياشي في قوله تعالى: «قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (4):إنّ الصادق عليه السّلام قال لكوفي:ترون قتلة الحسين عليه السّلام بين أظهركم فقال:ما بقي منهم أحد.

فقال عليه السّلام:أنت لا ترى القاتل إلاّ من ولى القتل،أولم تسمع قوله تعالى: «قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ، و لم يكن النّاس الذين قال لهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم ذلك قتلوا رسولا،و كيف و لم يكن بين النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و بين عيسى عليه السّلام رسول (5)؟! و قد عرفت أنّ النّعماني روى العنوان مع زيادة«و من سئل عن قاتلي فزعم أنّه مؤمن فقد قتلني» (6)بل يمكن أن يقال:إنّ جميع العامّة شريكون في قتل أمير المؤمنين عليه السّلام و الحسن و الحسين و باقي المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين،لأنّهم راضون بخلافة أبي بكر،و خلافته تسبّبت جميع ذلك.


1) 1)

2) 2) فاطر:18. [2]

3) 3) عيون الأخبار للصدوق 1:212 ح 5،و [3]النقل بتصرف.

4) 4) آل عمران:183. [4]

5) 5) تفسير العياشي 1:209 ح 165،و [5]النقل بتصرف.

6) 6) غيبة النعماني:16. [6]

و لمّا حمل معزّ الدولة الديلمي الناس في بغداد بإقامة مراسم العزاء للحسين عليه السّلام أيّام عاشوراء،أقامت العامة مراسم العزاء لمصعب بن الزبير لأنّه قتل المنتقمين للحسين عليه السّلام (1)

غيبة النعماني:16.

.

«و إنّما عقر» أي:ضرب بالسّيف قوائم.

«ناقة ثمود» و قد عرفت أنّ النعماني رواه«ناقة صالح» (2)و هو الأصح، و إن كان هذا أيضا صحيحا،لأنّ الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة.

«رجل واحد» و اسمه قيدار.

«فعمّهم اللّه بالعذاب لمّا عمّوه بالرّضا،فقال سبحانه «فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ» (3)» قد عرفت من رواية النعماني (4)أنّه عليه السّلام استند إلى هذه الآية و إلى آية «فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ» (5)،بمعنى أنّ المباشر للعقر كان واحدا في الآية الثانية،و قد نسبه في الآية الأولى إلى الجميع لرضاهم بفعله.

هذا،و الآيات الواردة في قوم صالح عليه السّلام قوله تعالى في سورة الأعراف: «وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَ تَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ»


1) 1)

2) 2) نقل أمر معز الدولة ابن الأثير في الكامل 8:549 سنة 352،و عزاء مصعب في الكامل 9:155 سنة 389.

3) 3) الشعراء:157. [1]

4) 4) الشعراء:157 [2] استدلت بها رواية نهج البلاغة، [3]لكن في رواية النعماني في الغيبة:16 استدلّ بآيتين من سورة القمر: 29-30،و [4]الشمس القمر:14-15.

5) 5) :29.

«قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ» (1)

الأعراف:73-79. [1]

،و فيها أيضا نسب العقر إلى الجميع برضاهم.

و في سورة هود: «وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَ إِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ وَ يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ وَ أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ» (2)،و هي أيضا كسابقتها.

و في سورة الحجر: «وَ لَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ وَ آتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ وَ كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» (3).


1) 1)

2) 2) هود:61-68. [2]

3) 3) الحجر:80-84. [3]

و في سورة الشعراء: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَ لا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللّهَ وَ أَطِيعُونِ وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ فَاتَّقُوا اللّهَ وَ أَطِيعُونِ وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ اَلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ» (1)

الشعراء:141-158. [1]

و فيها الآية التي استشهد عليه السّلام بها.

و في سورة النمل: «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ وَ كانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ قالُوا تَقاسَمُوا بِاللّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَ إِنّا لَصادِقُونَ» (2).

و في سورة السجدة(فصلت): «وَ أَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (3).

و في الذاريات: «وَ فِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ فَعَتَوْا عَنْ»


1) 1)

2) 2) النمل:45-49. [2]

3) 3) فصّلت:17. [3]

«أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَ ما كانُوا مُنْتَصِرِينَ» (1)

الذاريات:43-45. [1]

.

و في القمر: «إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَ اصْطَبِرْ وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ» (2)و قد استشهد عليه السّلام بها على رواية النعماني (3).

و في الحاقة: «فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ» (4)،و في الفجر: «وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ» (5)و في الشمس: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ ناقَةَ اللّهِ وَ سُقْياها فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها وَ لا يَخافُ عُقْباها» (6)و قد استشهد عليه السّلام بها على رواية النعماني (7).

و في(تفسير القمي):إنّ اللّه تعالى بعث صالحا إلى ثمود و هو ابن ستّ عشرة سنة لا يجيبونه إلى خير،و كان لهم سبعون صنما يعبدونها من دون اللّه،فلمّا رأى ذلك منهم قال لهم:يا قوم بعثت إليكم و أنا ابن ستّ عشرة سنة، و قد بلغت عشرين و مائة سنة،و أنا أعرض عليكم أمرين،إن شئتم فاسألوني مهما أردتم حتّى أسأل إلهي فيجيبكم،و إن شئتم سألت آلهتكم،فإن أجابتني


1) 1)

2) 2) القمر:27-31. [2]

3) 3) غيبة النعماني:16. [3]

4) 4) الحاقّة:5. [4]

5) 5) الفجر:9. [5]

6) 6) الشمس:11-15. [6]

7) 7) غيبة النعماني:16. [7]

خرجت عنكم.فقالوا:أنصفت فأمهلنا.فأقبلوا يتعبّدون ثلاثة أيّام و يتمسّحون بالأصنام و يذبحون لها،و أخرجوها إلى سفح الجبل و أقبلوا يتضرّعون إليها، فلمّا كان اليوم الثالث قال لهم صالح عليه السّلام:قد طال هذا الأمر.فقالوا له:سل من شئت.فدنا إلى أكبر صنم لهم،فقال:ما اسمك؟فلم يجبه.فقال لهم:ما له لا يجيبني؟قالوا له:تنحّ عنه.فتنحّى عنه و أقبلوا إليه و وضعوا على رؤوسهم التراب و ضجّوا،و قالوا:فضحتنا و نكست رؤوسنا.

و قال صالح:قد ذهب النّهار.فقالوا:سله.فدنا منه،فكلّمه فلم يجبه، فبكوا و تضرّعوا حتّى فعلوا ذلك ثلاث مرّات،فلم يجبهم بشيء،فقالوا:إنّ هذا لا يجيبك،و لكنّا نسأل إلهك.فقال لهم:سلوا ما شئتم.فقالوا:سله أن يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء شقراء عشراء-أي:حاملة-تضرب بمنكبيها طرفي الجبلين،و تلقي فصيلها من ساعتها،و تدرّ لبنها.فقال صالح:إنّ الذي سألتموني عندي عظيم،و عند اللّه هيّن.فقام و صلّى ركعتين،ثم سجد و تضرّع إلى اللّه،فما رفع رأسه حتّى تصدّع الجبل و سمعوا له دويّا شديدا،ففزعوا منه و كادوا أن يموتوا منه،فطلع رأس الناقة و هي تجترّ،فلمّا خرجت ألقت فصيلها و درّت لبنها،فبهتوا و قالوا:قد علمنا يا صالح أنّ ربّك أعزّ و أقدر من آلهتنا التي نعبدها.و كان لقريتهم ماء،و هي الحجر التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه،و هو قوله: «وَ لَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ» (1)

الحجر:80. [1]

.فقال لهم صالح:لهذه الناقة شرب.أي:تشرب ماءكم يوما،و تدرّ لبنها عليكم يوما،و هو قوله تعالى:

«لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ» (2)،فكانت تشرب ماءهم يوما،و إذا كان من الغد وقفت وسط


1) 1)

2) 2) الشعراء:155-156. [2]

قريتهم،فلا يبقى في القرية أحد إلاّ حلب منها حاجته.و كان فيهم تسعة من رؤسائهم،كما ذكر اللّه تعالى في سورة النمل: «وَ كانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ» (1)

النمل:48. [1]

،فعقروا النّاقة و رموها حتّى قتلوها و قتلوا الفصيل،فلمّا عقروا النّاقة قالوا لصالح: «ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» (2).قال صالح: «تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ» (3).ثمّ قال لهم و علامة هلاككم أنّه تبيضّ وجوهكم غدا،و تحمرّ بعد غد،و تسودّ اليوم الثالث،فلما كان من الغد نظروا إلى وجوههم و قد ابيضّت مثل القطن،فلمّا كان اليوم الثاني احمرّت مثل الدّم،فلمّا كان اليوم الثالث اسودّت وجوههم،فبعث اللّه عليهم صيحة و زلزلة فهلكوا و هو قوله:

«فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ» (4).

و قال القمّي أيضا في سورة النمل:و كان الّذي عقر الناقة أزرق أحمر ولد زنا (5).

و أما قوله: «قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ» فإنّه أصابهم جوع شديد، فقالوا:من شؤمك و شؤم من معك أصابنا هذا القحط، «قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللّهِ» (6)يعني خيركم و شرّكم من عند اللّه، «بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ» (7)،أي:

تبتلون بالاختبار. «قالُوا تَقاسَمُوا بِاللّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ» (8)فأتوا صالحا


1) 1)

2) 2) الأعراف:77. [2]

3) 3) هود:65. [3]

4) 4) تفسير القمي 1:330،و [4]الآية 78 من سورة الأعراف. [5]

5) 5) تفسير القمي 2:132. [6]

6) 6) النمل:47. [7]

7) 7) النمل:47. [8]

8) 8) النمل:49. [9]

ليقتلوه،و عند صالح ملائكة يحرسونه،فلّما أتوه قاتلتهم الملائكة في دار صالح رجما بالحجارة،فأصبحوا في داره مقتّلين،و أخذت قومه الرجفة «فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ» (1)

الأعراف:73-78،و [1]هود:61-67. [2]

.

«فما كان إلاّ أن خارت أرضهم بالخسفة» أي:ضعفت و وهنت أرضهم بالخسفة الحاصلة من الرّجفة.

«خوار السّكة» أي:الحديدة التي يحرث بها.

«المحمّاة» من:أحميت الحديدة في النار.

«في الأرض الخوارة» أي:المنهمرة في نفسها،و في(المجمع)-بعد ذكر عقر الناقة-:فلمّا رأى الفصيل ما فعل بأمّه ولّى هاربا حتّى صعد جبلا،ثمّ رغا رغاء تقطّع منه قلوب القوم،و أقبل صالح فخرجوا يعتذرون إليه:إنّما عقرها فلان و لا ذنب لنا.فقال صالح:انظروا هل تدركون فصيلها،فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب.فخرجوا يطلبونه في الجبل فلم يجدوه،و كانوا عقروا الناقة ليلة الأربعاء،فقال لهم صالح:تمتّعوا في داركم-يعني:في محلّتكم في الدّنيا-ثلاثة أيّام...فلمّا كان نصف الليل(بعد الثلاث)أتاهم جبرائيل عليه السّلام،فصرخ بهم صرخة خرقت أسماعهم،و فلقت قلوبهم،و صدعت أكبادهم،و كانوا قد تحنطوا و تكفنوا و علموا أنّ العذاب نازل بهم،فماتوا أجمعين في طرفة عين،صغيرهم و كبيرهم،فلم يبق اللّه منهم ثاغية و لا راغبة و لا شيئا يتنفس إلاّ أهلكه،فأصبحوا في ديار هم موتى،ثمّ أرسل إليهم مع الصيحة النّار من السّماء فأحرقتهم أجمعين (2).

و في(المروج):كان ملك ثمود-و هو ابن عابر بن إرم بن سام بن نوح-


1) 1)

2) 2) رواه الطبرسي في مجمع البيان 4:443.

بين الشّام و الحجاز إلى ساحل البحر الحبشي،و ديارهم بفجّ الناقة،و بيوتهم إلى وقتنا هذا أبنية منحوتة في الجبال،و رممهم باقية،و آثارهم بادية،و ذلك في طريق الحاج لمن ورد من الشام بالقرب من وادي القرى،بيوتهم منحوتة في الصخر بأبواب صغار،و مساكنهم على قدر مساكن أهل عصرنا،و هذا يدلّ على أنّ أجسادهم على قدر أجسامنا دون ما يخبر به القصّاص من بعد أجسامهم...و ليس هؤلاء كعاد إذ كانت آثارهم،و مواضع مساكنهم،و بنيانهم بأرض الشحر تدلّ على بعد أجسامهم...بعث اللّه صالحا و هو غلام حدث على فترة بينه و بين هود نحو من مائة سنة،فدعا قومه،فلم يجبه إلاّ يسير.و كبر صالح و لم يزدادوا إلاّ بعدا منه،فلمّا تواتر عليهم أعذاره و انذاره،و وعده و وعيده ساموه المعجزات و إظهار العلامات،ليمنعوه من دعائهم و يعجزوه عن خطابهم،فحضر عيد لهم،و قد أظهروا أوثانهم،و كان القوم أصحاب إبل، فساموه الآية من جنس أموالهم،و طالبوه بما هو مجانس لأملاكهم،فقالوا:يا صالح إن كنت صادقا،فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة،و لتكن و براء سوداء عشراء نتوجا حالكة،صافة اللون،ذات عرف و ناصية و شعر و وبر.

فاستغاث بربّه،فتحرّكت الصخرة و بدا منها حنين و أنين،ثمّ انصدعت من بعد تمخّض شديد كتمخّض المرأة حين الولادة،و ظهر منها ناقة على ما طلبوه من الصفة،ثمّ تلاها من الصخرة سقب لها نحوها في الوصف،فأمعنا في رعي الكلاء و طلب الماء،و أقامت الناقة يحلبون من لبنها ما يعمّ شربة ثمود كلّهم،و ضايقتهم في الكلاء و الماء،و كان في ثمود امرأتان ذواتا حسن و جمال،فزارهما رجلان:قدار و مصدع،و المرأتان عنيزة و صدوف،فقالت صدوف:لو كان لنا في هذا اليوم ماء لأسقيناكم خمرا،و هذا يوم الناقة و ورودها،و لا سبيل لنا إلى الشرب.فقالت عنيزة:بلى و اللّه لو أنّ لنا رجالا

لكفونا إيّاها،و هل هي إلاّ بعير من الإبل.فقال قدار:يا صدوف إن أنا كفيتك أمر الناقة،فمالي عندك؟فقالت:نفسي،و هل حائل دونها عنك.فأجابت الأخرى صاحبها بنحو ذلك.فقالا:ميلا علينا بالخمر.فشربا حتّى توسطا السّكر.ثمّ خرجا،فاستعونا تسعة رهط،و هم التسعة الّذين أخبر تعالى عنهم في قوله: «وَ كانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ» (1)

النمل:48. [1]

،فقصدوا طريق الناقة في حال صدورها،فضرب قدار عرقوبها بالسيف فعرقبها،و اتبع صاحبه العرقوب الآخر،فخرّت الناقة لوجهها،و وجأ قدار لبتها فنحرها،و لاذ السقب بصخرة فلحقه بعضهم،فعقره،و ورد صالح فنظر إلى ما فعلوا،فوعدهم العذاب،و كان ذلك في يوم الأربعاء،فقالوا له مستهزئين:متى يكون العذاب؟فقال:تصبح وجوهكم يوم مونس-و هو الخميس-مصفرة،و يوم العروبة محمرّة،و يوم شيار مسودّة،ثمّ يصحبكم العذاب يوم أوّل.فهمّ التسعة بقتله،فأتوه ليلا فمنعه اللّه منهم،و أمطرتهم الملائكة الحجارة،فلمّا أصبحوا نظروا إلى وجوههم كما و عدهم صفراء كأنّها الورس،و خرج صالح مع من خفّ من المؤمنين ليلة الأحد من بين ظهرانيهم،فنزل موضع مدينة الرملة من بلاد فلسطين و أتاهم العذاب يوم الأحد.

و فيهم يقول بعض من آمن بصالح:

أراكم يا رجال بني عتيد كأنّ وجوهكم طليت بورس

و يوم عروبة احمرّت وجوه مصفرة و نادوا يال مرس

و يوم شيار فاسودّت وجوه من الحيين قبل طلوع شمس

فلمّا كان أوّل في ضحاه أتتهم صيحة عمّت بتعس


1) 1)

و قال بعض آخر منهم:

كانت ثمود ذوي عزّ و مكرمة ما إن يضام لهم في الناس من جار

لا يرهبون من الأعداء حولهم وقع السيوف و لا نزعا بأوتار

فأهلكوا ناقة كانت لربّهم قد أنذروها و كانوا غير أبرار

نادوا قدارا و لحم السقب بينهم هل للعجول و هل للسقب من ثار

لم يرعيا صالحا في عقر ناقته و أخفروا العهد هذيا أيّ إخفار

فصادفوا عنده من ربّه حرسا فشدّخوا روسهم شدخا بأحجار

(1)قال ابن أبي الحديد:روى المحدّثون أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال لعليّ عليه السّلام:

أ تدري من أشقى الأوّلين؟قال:نعم،عاقر ناقة صالح،قال:أ فتدري من أشقى الآخرين؟قال:اللّه و رسوله أعلم.قال:من يضربك على هذه حتّى تخضب هذه (2).

قلت:و أجاد الميبدي حيث قال بالفارسية نظما مضمون كلام النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

اشتر حق را كشته أشقى الأوّلين شير حق را كشته أشقى الآخرين

و في(البحار):قال الحسين عليه السّلام يوم الطّف لمّا قتلوا رضيعه:لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح.اللّهم إن كنت حبست عنّا النصر،فاجعل ذلك لما هو خير لنا (3).


1) 1) مروج الذهب للمسعودي 2:14 و [1]النقل بتصرف يسير.

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:570،و [2]أخرجه أبو يعلى في مسنده عنه المطالب العالية 4:323 ح 4511،و ابن عساكر بطريقين في ترجمة علي عليه السّلام 3:342 ح 1389،1392،و الطبراني و ابن مردويه و أبو نعيم عنهم الدّر المنثور 6: 357،و [3]الحسكاني في شواهد التنزيل 2:335 ح 1098، [4]عن صهيب،و في الباب عن الضحاك و عمّار و ابن عباس و جابر بن سمرة و عبيد اللّه بن أنس و أبو سنان الدولي و عبد اللّه بن عمر و حجية بن عدي و أبي هريرة و سعيد بن المسيب.

3) 3) أخرجه بهذا اللفظ المجلسي في بحار الأنوار 45:47، [5]لكن ما نقل المجلسي تأليف حديثين:الأول أخرجه أبو الفرج في مقاتل الطالبيين:60،و الثاني أخرجه المفيد في الإرشاد:240. [6]

و قد عرفت من رواية(المروج)كمال شباهة أشقى الآخرين بأشقى الأوّلين،حيث إنّ كلاّ منهما افتتن بامرأة طلبت في مقابل نفسها قتل صالح، أي:النبي صالح،و أمير المؤمنين عليهما السلام،و كون كلّ منهما ذا معاون:الأوّل مصدع،و الأخير شبيب،إلاّ أنّ شبيبا وقعت ضربته في الطاق .

«أيّها الناس من سلك الطريق الواضح» و المراد:طريقه عليه السّلام،و كون طريقه واضحا،لكونه عليه السّلام كنفس النبيّ عليه السّلام بنصّ القرآن و بالوجدان و العيان.

«ورد الماء» و سلم من الهلكة.

«و من خالف» و تبع غيره.

«وقع في التيه» أي:مفازة يتاه فيها،حيث إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم قال:مثل أهل بيته مثل سفينة نوح:من ركبها نجا و من تركها غرق (1)

هذا الحديث المعروف بحديث السفينة من الأحاديث المتواترة و طرقه كثيرة منها ما رواه صاحب صحيفة الرضا عليه السّلام فيه:57 ح 76،و القاضي الصعدي في درر الأحاديث:51،و الحاكم في المستدرك عنه الجامع الصغير 2: 155،و أبو يعلى بطريقين في مسنده عنه المطالب العالية 4:75 ح 4003،4004،و البزار بطريقين في مسنده عنه إحياء الميت:25-26 ح 24،25،و الجويني في فرائد السمطين 2:243 ح 517،و [1]الصدوق بطريقين في كمال الدّين:239،241 ح 59،65. [2]

.

9

الخطبة(180)

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ- فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ إِلَى دَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً لَكَانَ ذَلِكَ؟سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ع؟ الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ- مَعَ النُّبُوَّةِ وَ عَظِيمِ الزُّلْفَةِ- فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَ اسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ- رَمَتْهَا قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ- وَ أَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً- وَ الْمَسَاكِنُ


1) 1)

مُعَطَّلَةً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ.

وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً- أَيْنَ؟الْعَمَالِقَةُ؟ وَ أَبْنَاءُ؟الْعَمَالِقَةِ؟- أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَ أَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ- أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ؟الرَّسِّ؟ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ- وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ وَ أَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ- وَ أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَ هَزَمُوا الْأُلُوفَ وَ عَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ وَ مَدَّنُوا الْمَدَائِنَ «أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الّذي ألبسكم الرياش» أي:ثياب التجمل،قال تعالى: «يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» (1)

الأعراف:26. [1]

.

«و أسبغ» أي:أكمل.

«عليكم المعاش» قال تعالى: «وَ لَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ» (2)، «وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ » (3).

«و لو أنّ أحدا يجد إلى البقاء» في الدنيا.

«سلّما» كناية عن الوسيلة.

«أو إلى دفع» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(أو لدفع)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (4).

«الموت سبيلا» حتّى ينجو منه،في(تفسير القمي)عن الصادق عليه السّلام:أنّ


1) 1)

2) 2) الأعراف:10. [2]

3) 3) الحجر:19-20. [3]

4) 4) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:514،لكن في شرح ابن ميثم 3:383،«الى دفع»أيضا.

اللّه تعالى غضب على ملك من الملائكة،فقطع جناحه و ألقاه في جزيرة من جزائر البحر،فبقي ما شاء اللّه في ذلك البحر،فلمّا بعث اللّه إدريس عليه السّلام جاز ذلك الملك إليه،فقال:يا نبيّ اللّه ادع اللّه تعالى أن يرضى عنّي،و يردّ عليّ جناحي.قال:نعم.فدعا إدريس،فردّ اللّه عليه جناحه،و رضي عنه.قال الملك لإدريس:ألك إليّ حاجّة؟قال:نعم،أحبّ أن ترفعني إلى السّماء حتّى أنظر إلى ملك الموت،فإنّه لا عيش لي مع ذكره،فأخذه الملك على جناحه حتّى انتهى به إلى السماء الرابعة،فإذا ملك الموت يحرّك رأسه تعجّبا،فسلّم إدريس على ملك الموت،و قال له:ما لك تحرّك رأسك؟قال:إنّ ربّ العزّة أمرني أن أقبض روحك بين السماء الرابعة و الخامسة...ثمّ قبض روحه بين السماء الرابعة و الخامسة،و هو قوله تعالى: «وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» (1)

تفسير القمي 2:51،و [1]رواه الراوندي في قصص الأنبياء [2]عنه البحار 11:277 ح 7،و الآية 57 [3] من سورة مريم.

.

«لكان ذلك سليمان بن داود» قال شاعر:

يا هاربا من جنود الموت منهزما عنها توقّف أين المفرّ لكا

هب عشت أكثر من نوح فحين نجا بقدرة اللّه من طوفانه هلكا

و قال آخر:

لو أنّ حيّا مدرك افلاح أدركه ملاعب الرماح

«الّذي سخّر له ملك الجنّ و الإنس» قال تعالى: «وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ كُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ وَ مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَ يَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَ كُنّا لَهُمْ حافِظِينَ» (2)«وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ»


1) 1)

2) 2) الأنبياء:81-82. [4]

«السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» (1)

سبأ:12-13. [1]

، «وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَ قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ» (2)، «وَ لَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَ غَوّاصٍ وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ» (3).

و في(تفسير القمي)في قوله تعالى: «وَ لَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً» :أنّ سليمان لمّا تزوّج باليمانية ولد منها ابن و كان يحبّه،فنزل ملك الموت على سليمان،و كان كثيرا ما ينزل عليه،فنظر إلى ابنه نظرا حديدا، ففزع سليمان من ذلك،فقال لأمّه:إنّ ملك الموت نظر إلى ابني نظرة أظنّه قد أمر بقبض روحه.فقال للجنّ و الشياطين:هل لكم حيلة في أن تفرّوه من الموت.فقال واحد منهم:أنا أضعه تحت عين الشّمس في المشرق.فقال سليمان:إنّ ملك الموت يخرج ما بين المشرق و المغرب.فقال واحد منهم:أنا أضعه في السحاب و الهواء فرفعه و وضعه في السحاب،فجاء ملك الموت


1) 1)

2) 2) النمل:17-19. [2]

3) 3) ص:34-40.

فقبض روحه في السحاب،فوقع جسده ميّتا على كرسيّ سليمان،فعلم أنّه قد أخطأ (1)

تفسير القمي 2:235. [1]

.

و روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال:ملك الأرض كلّها مؤمنان:سليمان و ذو القرنين،و كافران:نمرود و بخت النصر (2)،و لو أنّ أحدا كان ناجيا من الموت لكان أبوه داود عليه السّلام الّذي قال تعالى فيه: «وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ» (3).

و روى(الكافي)عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:مات داود النبيّ عليه السّلام يوم السبت مفجوءا،فأظلّته الطير بأجنحتها،و كذا لو كان نجا أحد لكان موسى كليم اللّه (4).

و في الخبر:و مات موسى كليم اللّه عليه السّلام في التّيه،فصاح صائح من السماء:مات موسى،و أيّ نفس لا تموت (5).

«مع النبوّة و عظيم الزّلفة» أي:التقرّب إليه تعالى،قال تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَ قالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ» (6)، «وَ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ»


1) 1)

2) 2) الخصال للصدوق:255 ح 130،و النقل بالمعنى.

3) 3) ص:17-20.

4) 4) هاتان قطعتان من حديث واحد الكافي للكليني 3:111 ح 4،و [2]الأهوازي في الزهد:80 ح 215،و [3]جملة«و كذا لو كان نجا أحد لكان موسى كليم اللّه»من كلام الشارح.

5) 5) المصدر نفسه. [4]

6) 6) النمل:16. [5]

«امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتّى تَشْهَدُونِ قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَ أُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَ الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَ هُمْ صاغِرُونَ قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَ أُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَ كُنّا مُسْلِمِينَ وَ صَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي»

«وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » (1)

النمل:20-44. [1]

.

«فلمّا استوفى طعمته» فما دام لم يأكل الإنسان اللقمة الأخيرة،و لم يشرب الجرعة الأخيرة من رزقه من الدّنيا لا يموت.

«و استكمل مدّته» و أجله المسمّى عند ربّه،روى(الإكمال):أنّه عاش (712)سنة (2).

و روي عن الصادق عليه السّلام أنّ ملك الموت قال للنبيّ صلى اللّه عليه و آله:إنّي أقبض روح ابن آدم فيجزع أهله.فأقوم في ناحية من دارهم،فأقول:ما هذا الجزع فو اللّه ما تعجّلناه قبل أجله،و ما كان لنا في قبضه من ذنب،فإن تحتسبوا و تصبروا تؤجروا،و إن تجزعوا تأثموا و توزروا،و اعلموا أنّ لنا فيكم عودة ثمّ عودة، فالحذر الحذر إنّه ليس في شرقها و لا في غربها أهل بيت مدر و لا و بر إلاّ و أنا اتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرّات،و لأنا أعلم بصغيرهم و كبيرهم منهم بأنفسهم،و لو أردت قبض روح بعوضة ما قدرت عليها حتّى يأمرني ربّي (3).

«رمته قسيّ» قال الجوهري:قسيّ و أقواس:جمع القوس يذكّر و يؤنّث، و أصل قسيّ قؤوس لأنّه فعول،إلاّ أنّهم قدّموا اللام،و صيّروه(قسوّ)على (فللوع)ثمّ قلبوا الواو ياء و كسروا القاف،كما كسروا عين(عصيّ)فصارت (قسيّ)على(فليع) (4).

«الفناء» و الارتحال من الدّنيا.

«بنبال» قال الجوهري:النبل:السهام العربية،و هي مؤنّثة لا واحد لها


1) 1)

2) 2) كمال الدين(إكمال الدين)للصدوق:524 ح 3.

3) 3) صحاح اللغة 5:1822 [2] مادة(نبل).

4) 4) صحاح اللغة 2:924 [3] مادة(قوس).

من لفظها،و قد جمعوها على نبال،و أنبالع (1)

الكافي للكليني 3:136 ح 2 و 3،و [1]تفسير القمي 2:6،و [2]رواه الديلمي في أعلام الدين عنه البحار 82:184 ح 30. [3]

.

«الموت» «فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ» (2).

و أخذ معنى كلامه عليه السّلام: «رمته قسيّ الفناء بنبال الموت» في سليمان عليه السّلام ضيائي الدزفولي في الناس عموما،فقال بالفارسية،مزيدا حال كونهم في القبور:

چه شد كز يك كماندار فنا اين لشكر بى حد

بسر دارند از لوح مزار خود سپرها را

«و أصبحت الديار منه خالية و المساكن معطّلة،و ورثها قوم آخرون» شأن باقي الناس من الملوك إلى السوقة،روى(روضة الكافي)عن الصادق أنّ اللّه تعالى أوحى إلى سليمان بن داود عليه السّلام:إنّ آية موتك أنّ شجرة تخرج من بيت المقدس يقال لها:الخرنوبة.قال:فنظر سليمان يوما فإذا الشجرة الخرنوبة قد طلعت من بيت المقدس،فقال لها:ما اسمك؟قالت:الخرنوبة.قال:فولّى سليمان مدبرا إلى محرابه.فقام فيه متّكئا على عصاه،فقبض روحه من ساعته.قال:فجعلت الجنّ و الإنس يخدمونه،و يسعون في أمره كما كانوا، و هم يظنّون أنّه حيّ لم يمت،يغدون و يروحون و هو قائم ثابت حتّى دبّت الأرضة من عصاه،فأكلت منسأته فانكسرت،و خرّ سليمان إلى الأرض... (3)

و روى(العيون)عن الرضا عليه السّلام:أنّ سليمان عليه السّلام قال ذات يوم


1) 1)

2) 2) سبأ:14. [4]

3) 3) الكافي للكليني 8:114 ح 114 كتاب الروضة،و [5]رواه الراوندي في قصص الأنبياء عنه البحار 14:140،و [6]أخرج معناه الثعلبي في العرائس:327،و غيره.

لأصحابه:إنّ اللّه تعالى قد وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي:سخّر لي الرّيح و الإنس و الجنّ و الطير و الوحوش،و علّمني منطق الطير،و آتاني من كلّ شيء،و مع جميع ما أوتيت من الملك ما تمّ لي سرور يوم إلى الليل،و قد أحببت أن أدخل إلى قصري في غد فأصعد أعلاه،و أنظر إلى ممالكي،فلا تأذنوا لأحد عليّ بالدخول،لئلاّ أجد عليّ ما ينغص عليّ يومي.فقالوا:نعم.فلمّا كان من الغد أخذ عصاه بيده و صعد إلى أعلى موضع من قصره و وقف متّكئا على عصاه ينظر إلى ممالكه سرورا بما أوتي فرحا بما أعطي،إذ نظر إلى شاب حسن الوجه و اللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره،فلمّا أبصر به سليمان قال له:من أدخلك إلى هذا القصر و قد أردت أن أخلو فيه اليوم،فبإذن من دخلت؟فقال الشاب:أدخلني هذا القصر ربّه،و بإذنه دخلت.فقال:ربّه أحقّ به منّي،فمن أنت؟قال:أنا ملك الموت.قال:فيم جئت؟قال:لأقبض روحك.

فقال:امض بما أمرت به،في هذا اليوم سروري و أبى اللّه أن يكون لي سرور دون لقائك (1)

عيون الأخبار للصدوق 1:206 ح 24. [1]

.

و في(تفسير القمي):لمّا أوحى اللّه إلى سليمان أنّك ميّت أمر الشياطين أن يتّخذوا له بيتا من قوارير،و وضعوه في لجّة البحر،و دخله سليمان عليه السّلام فأتّكأ على عصاه و كان يقرأ الزبور،و الشياطين حوله ينظرون إليه لا يجسرون أن يبرحوا،فبينا هو كذلك إذ حان منه التفاتة،فإذا هو برجل معه في القبّة ففزع منه.فقال له:من أنّت؟فقال له:أنا الّذي لا أقبل الرشي،و لا أهاب الملوك.فقبضه و هو متّكىء على عصاه سنة،و الجنّ يعملون له و لا يعلمون بموته،حتّى بعث اللّه الأرضة،فأكلت منسأته «فَلَمّا خَرَّ» (على وجهه) «تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ» (2)فكذا نزلت هذه


1) 1)

2) 2) سبأ:14. [2]

الآية،و ذلك لأنّ الإنس كانوا يقولون:إنّ الجن يعلمون الغيب.فلمّا سقط سليمان على وجهه،علم الإنس أن لو علم الجنّ الغيب لم يعملوا سنة لسليمان و هو ميّت و يتوهمونه حيّا.قال:فالجنّ تشكر الأرضة بما عملت بعصا سليمان.قال:فلمّا هلك سليمان وضع إبليس السّحر،و كتبه في كتاب ثمّ طواه، و كتب على ظهره:«هذا ما وضعه آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز الملك و العلم،من أراد كذا و كذا فليفعل كذا و كذا»ثمّ دفنه تحت السرير ثمّ استثاره لهم،فقال الكافرون:ما كان يغلبنا سليمان إلاّ بهذا.و قال المؤمنون:ما هو إلاّ عبد اللّه و نبيّه (1)

تفسير القمي 2:199،و [1]معناه في تفسيره 1:54.

.فقال جلّ ذكره: «وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ» (2).

هذا،و قال البحتري في سليمان بن وهب:

هذا سليمان بن وهب بعد ما طالت مساعيه النجوم سموكا

و تنصّف الدّنيا يدبّر أهلها سبعين حولا قد تممن دكيكا

أغرت به الأقدار بغت ملمّة ما كان رسم حديثها مأفوكا

فكأنّما خضد الحمام بيومه غصنا بمنخرق الرياح نهيكا

«و إنّ لكم في القرون السالفة لعبرة» قال تعالى في فرعون: «فَأَخَذَهُ اللّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى» (3).

و روى(أمالي الصّدوق)عن الصادق عليه السّلام قال:إنّ داود عليه السّلام خرج ذات يوم يقرأ الزبور،و كان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل و لا حجر و لا طائر و لا سبع


1) 1)

2) 2) البقرة النازعات:102. [2]

3) 3) :25-26.

إلاّ جاوبه،فما زال يمرّ حتّى انتهى إلى جبل،فإذا على ذلك الجبل نبيّ عابد يقال له حزقيل،فلمّا سمع دويّ الجبال و أصوات السباع و الطير علم أنّ داود عليه السّلام فقال داود:يا حزقيل!أ تأذن لي فأصعد إليك؟قال:لا.فبكى داود عليه السّلام.فأوحى اللّه إليه:يا حزقيل!لا تعيّر داود،و سلني العافية.فقام حزقيل فأخذ بيد داود عليه السّلام فرفعه إليه،فقال داود:يا حزقيل!هل هممت بخطيئة قط؟قال:لا.

فقال:فهل دخلت العجب ممّا أنت فيه من عبادة اللّه تعالى؟قال:لا.قال:فهل ركنت إلى الدّنيا فأحببت أن تأخذ من شهوتها و لذّتها؟قال:بلى،ربّما عرض بقلبي.قال:فما ذا تصنع إذا كان ذلك؟قال:أدخل هذا الشعب فأعتبر بما فيه.

قال:فدخل داود النبيّ عليه السّلام الشعب،فإذا سرير من حديد عليه جمجمة بالية و عظام فانية،و إذا لوح من حديد فيه كتابة،فقرأها داود عليه السّلام فإذا هي:أنا أروى بن أسلم ملكت ألف سنة،و بنيت ألف مدينة،و افتضضت ألف بكر،فإذا كان آخر عمري أن صار التراب فراشي،و الحجارة و سادتي،و الديدان و الحيّات جيراني،فمن رآني فلا يغترّ بالدّنيا (1)

أمالي الصدوق:88 ح 8 المجلس(21)،و [1]كمال الدين:524 ح 6،و [2]تفسير القمي 2:231. [3]

.

«أين العمالقة و أبناء العمالقة» قال الجوهري:العمالقة قوم من ولد عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السّلام،و هم أمم تفرّقوا في البلاد (2).

و في(الأغاني):إنّ عمليقا ملك طسم و جديس ابني لاوذبن إرم بن سام بن نوح،و كان في أوّل ملكه قد تمادى في الظلم و الغشم،و أنّ امرأة من جديس طلّقها زوجها،و أراد أخذ ولدها منها،فخاصمته إلى عمليق...فأمر عمليق بأن تباع هي و زوجها،و أمر بالغلام بأن ينزع منهما،و يجعل في غلمانه،فقالت:

أتينا أخا طسم ليحكم بيننا فأنفذ حكما في هزيلة ظالما


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة 4:1533 [4] مادة(عملق).

لعمري لقد حكّمت لا متورّعا و لا كنت في ما يبرم الحكم عالما

فلمّا سمع عمليق قولها،أمر أن لا تزوّج بكر من جديس،فتهدى إلى زوجها،حتّى يفترعها هو قبل زوجها،فلقوا من ذلك بلاء و جهدا و ذلاّ،فلم يزل يفعل ذلك حتّى زوّجت الشموس-و هي عفيرة أخت الأسود الّذي وقع إلى جبل طيّ،فقتله طيّ و سكنوا الجبل من بعده-فانطلقوا بها إليه فافترعها، فخرجت إلى قومها في دمائها شاقّة درعها من قبل و من دبر و الدم يسيل، و هي في أقبح منظر و هي تقول:

لا أحد أذلّ من جديس أ هكذا يفعل بالعروس

و قالت تحرّض قومها:

أ يجمل ما يؤتى إلى فتياتكم و أنتم رجال فيكم عدد النمل

و لو أنّنا كنّا رجالا و كنتم نساء لكنّا لا نقرّ بذا الفعل

و إن أنتم لم تغضبوا بعد هذه فكونوا نساء لا تعاب من الكحل

و دونكم طيب العروس فإنّما خلقتم لأثواب العروس و للغسل

فلمّا سمع أخوها ذلك،و كان سيّدا مطاعا-قال لقومه:يا معشر جديس إنّ هؤلاء ليسوا بأعزّ منكم في داركم إلاّ بما كان من ملك صاحبهم علينا، و لو لا ادهاننا ما كان له فضل علينا.قالوا:نطيعك،و لكنّ القوم أكثر.قال:فإنّي أصنع للملك طعاما ثمّ أدعوهم جميعا،فإذا جاءوا يرفلون في الحلل ثرنا إلى سيوفهم،و هم غارّون فأهمدناهم بها.قالوا:نفعل.ففعل ذلك فلما مدّوا أيديهم إلى الطعام أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم،فشدّ الأسود على عمليق فقتله، و شدّ كلّ رجل منهم على جليسه فما توهم،فلمّا فرغوا من الأشراف شدّوا على السّفلة،فلم يدعوا أحدا منهم.ثمّ إنّ بقيّة طسم لجؤوا إلى حسّان بن تبّع، فغزا جديسا فقتلها و أخرب بلادها،فهرب الأسود قاتل عمليق،فأقام بجبل

طيّ قبل نزول طيّ إياه.

«أين الفراعنة و أبناء الفراعنة» قال الجوهري:فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر،و كلّ عات متمرّد فرعون،و العتادة الفراعنة (1)

صحاح اللغة 6:2177 [1] مادة(فرعن).

.

و قال عدي بن زيد العبادي:

أين كسرى خير الملوك أنوشروان أم أين قبله سابور

لم يهبه ريب المنون فولّى الملك عنه فبابه مهجور

حين ولّوا كأنّهم ورق جفّ تذري به الصبا و الدبور

و بنو الأصفر الكرام ملوك الرّوم ،لم يبق منهم مذكور

و في(المروج)-بعد ذكر ملوك مصر الأوّلين-:و كثر ولد بيصر بن حام بأرض مصر،فتشعّبوا و ملّكوا النساء،فطمعت فيهم ملوك الأرض،فسار إليهم من الشام ملك من ملوك العماليق يقال له:الوليد بن دومع،فكانت له حروب بها و غلب على الملك،فانقادوا إليه و استقام له الأمر إلى أن هلك،ثمّ ملك بعده الرّيان بن الوليد العملاقي،و هو فرعون يوسف،و قد ذكر اللّه تعالى خبره مع يوسف و ما كان من أمرهما في كتابه العزيز،ثمّ قال:ثمّ ملك بعده دارم بن الريان العملاقي،ثمّ ملك بعده كامس بن معدان العملاقي،ثمّ ملك بعده الوليد بن مصعب،و هو فرعون موسى عليه السّلام و قد تنوزع فيه:فمن الناس من رأى أنّه من العماليق،و منهم من رأى أنّه من لخم من بلاد الشام،و منهم من رأى أنّه من الأقباط من ولد مصر بن بيصر...و لمّا غرق فرعون و من كان معه من الجنود،و خشي من بقي بأرض مصر من الذراري و النساء و العبيد أن يغزوهم ملوك الشام و المغرب،فملّكوا عليهم امرأة ذات رأي و حزم يقال لها:دلوكة (2).


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 1:397. [2]

و الّذي اتفقت عليه التواريخ-مع تباين ما فيها-أنّ عدّة ملوك مصر من الفراعنة و غيرها اثنان و ثلاثون فرعونا،و من ملوك بابل ممّن تملك على مصر خمسة،و من ملوك بابل و هم العماليق الّذين طرؤوا اليها من بلاد الشام أربعة، و من الروم سبعة،و من اليونانيين عشرة،و ذلك قبل ظهور السّيّد المسيح عليه السّلام،و ملكها أناس من الفرس من قبل الأكاسرة،و كان مدّة من ملك مصر من الفراعنة و الفرس و الروم و العماليق و اليونانيين ألف سنة و ثلاثمائة سنة (1)

مروج الذهب للمسعودي 1:406. [1]

.

قال تعالى: «وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ اَلَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» (2)،و قال تعالى لبني إسرائيل: «وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» (3).

«أين أصحاب مدائن الرسّ» في(الصحاح):الرسّ:اسم بئر كانت لبقيّة من ثمود (4).و يأتي وجه آخر في الخبر (5)،قال تعالى: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصْحابُ الرَّسِّ وَ ثَمُودُ وَ عادٌ وَ فِرْعَوْنُ وَ إِخْوانُ لُوطٍ وَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَ قَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ» (6)، «وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً وَ كُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَ كُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً» (7).


1) 1)

2) 2) الفجر:10-14. [2]

3) 3) البقرة:49. [3]

4) 4) صحاح اللغة 2:931 [4] مادة(رسس).

5) 5) يأتي في تكملة هذا العنوان.

6) 6) ق:12-14.

7) 7) الفرقان:38-39. [5]

و روى(العيون و العلل):أنّ أصحاب الرس كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر يقال لها(شاه درخت)كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها(روشاب)كانت استنبطت لنوح بعد الطوفان-و إنّما سمّوا أصحاب الرسّ لأنّهم رسّوا نبيّهم في الأرض-و ذلك بعد سليمان،و كانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطىء نهر يقال له(الرسّ)من بلاد المشرق،و بهم سمّي ذلك النهر، و لم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر منه و لا أعذب منه،و لا قرى أكثر و لا أعمر منها،تسمّى إحداهنّ(أبان)و الثانية(آذر)و الثالثة(دي)و الرابعة(بهمن) و الخامسة(اسفندار)و السادسة(فروردين)و السابعة(ارديبهشت)و الثامنة (خرداد)و التاسعة(مرداد)و العاشرة(تير)و الحادية عشرة(مهر)و الثانية عشرة(شهريور)،و كانت أعظم مدنهم(اسفندار)،و هي التي كان ينزلها ملكهم،و كان يسمّى تركوذ بن عابور بن يارش بن ساذن بن نمرود بن كنعان -و نمرود فرعون إبراهيم-و بها العين و الصنوبرة،و قد غرسوا في كلّ قرية منها حبّة من طلع تلك الصنوبرة،و أجروا إليها نهرا من العين التي عنده الصنوبرة،فنبتت الحبّة و صارت شجرة عظيمة،و حرّموا ماء العين و الأنهار، فلا يشربون منها و لا أنعامهم،و من فعل ذلك قتلوه،و يقولون:هو حياة آلهتنا، فلا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتها.و يشربون هم و أنعامهم من نهر الرّس الّذي عليه قراهم.

و قد جعلوا في كلّ شهر من السنة في كلّ قرية عيدا يجتمع إليه أهلها، فيضربون على الشجرة التي بها كلّة من حرير فيها من أنواع الصور،ثمّ يأتون بشاة و بقر،فيذبحونها قربانا للشجرة،و يشعلون فيها النيران بالحطب،فإذا سطع دخان تلك الذبائح و قتارها في الهواء،و حال بينهم و بين النظر إلى السماء خرّوا للشجرة سجّدا يبكون و يتضرّعون إليها أن ترضى

عنهم،فكان الشيطان يجيء فيحرّك أغصانها،و يصيح من ساقها صياح الصبي:أن قد رضيت عنكم عبادي،فطيبوا نفسا،و قرّوا عينا.فيرفعون عند ذلك رؤوسهم و يشربون الخمر،و يضربون بالمعازف،و يأخذون الدستنبد، فيكونون على ذلك يومهم و ليلتهم ثمّ ينصرفون.

و إنّما سمّت العجم شهورهم(آبانماه)و(آذر ماه)و غيرهما اشتقاقا من أسماء تلك القرى،لقول بعضهم لبعض:هذا عيد شهر كذا،و عيد شهر كذا.

حتّى إذا كان عيد قريتهم اجتمع إليها صغيرهم و كبيرهم فضربوا عند الصنوبرة و العين سرادقا من ديباج عليه من أنواع الصور،و جعلوا له إثنتي عشرة بابا كلّ باب لأهل قرية منهم،و يسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق،و يقرّبون لها الذبائح أضعاف ما قرّبوا للشجرة التي في قراهم، فيجيء إبليس عند ذلك،فيحرّك الصنوبرة تحريكا شديدا،و يتكلّم من جوفها كلاما جهوريا،و يعدهم و يمنّيهم بأكثر ممّا و عدتهم و منّتهم الشياطين كلّها، فيرفعون رؤوسهم من السجود،و بهم من الفرح و النشاط ما لا يفيقون و لا يتكلّمون من الشرب و العزف،فيكونون على ذلك اثني عشر يوما و لياليهم بعدد أعيادهم سائر السنة،ثمّ ينصرفون.

فلمّا طال كفرهم باللّه تعالى بعث اللّه تعالى إليهم نبيّا من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب،فلبث فيهم زمانا طويلا يدعوهم إلى عبادة اللّه تعالى فلا يتّبعونه،فلمّا رأى شدّة تماديهم في الغيّ و الضلال،و تركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد،و حضر عيد قريتهم العظمى،قال:يا ربّ إنّ عبادك أبوا إلاّ تكذيبي و الكفر بك،و غدوا يعبدون شجرة لا تنفع و لا تضرّ،فأيبس شجرهم أجمع،و أرهم قدرتك و سلطانك.فأصبح القوم و قد يبس شجرهم، فهالهم ذلك و صاروا فرقتين:فرقة قالت سحر آلهتكم هذا الّذي زعم أنّه

رسول ربّ السماء و الأرض إليكم،ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه.

و فرقة قالت:بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها،و يدعوكم إلى عبادة غيرها،فحجبت حسنها و بهاءها لكي تغضبوا لها فتنتصروا منه.

فأجمع رأيهم على قتله،فاتّخذوا أنابيب طوالا من رصاص واسعة الأفواه،ثمّ أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء واحدة فوق الأخرى مثل البرانج، و نزحوا ما فيها من الماء،ثمّ حفروا في قرارها بئرا ضيّقة المدخل عميقة، و أرسوا فيها نبيّهم،و ألقموا فاهها صخرة عظيمة،ثمّ أخرجوا الأنابيب من الماء،و قالوا:الآن نرجو أن ترضى عنّا آلهتنا إذا رأت أنّا قتلنا من كان يقع فيها و يصدّ عن عبادتها،و دفنّاه تحت كبيرها يتشفى منه،فيعود لنا نورها و نضرتها كما كان.فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيّهم و هو يقول:يا سيّدي قد ترى ضيق مكاني،و شدّة كربي،فارحم ضعف ركني،و قلّة حيلتي، و عجّل قبض روحي،و لا تؤخّر إجابة دعوتي.حتّى مات.

فقال جلّ جلاله لجبريل:أيظنّ عبادي هؤلاء الّذين غرّهم حلمي،و آمنوا مكري و عبدوا غيري،و قتلوا رسولي أن يقوموا لغضبي أو يخرجوا من سلطاني؟كيف و أنا المنتقم ممّن عصاني و لم يخش عقابي،و إنّي حلفت بعزّتي و جلالي لأجعلنّهم عبرة للعالمين.

فلم يرعهم و هم في عيدهم ذلك إلاّ بريح عاصف شديدة الحمرة، فتحيّروا و ذعروا منها و تصامّ بعضهم إلى بعض،ثمّ صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقّد،و أظلّتهم سحابة سوداء،فألقت عليهم كالقبة جمرا يلتهب،فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار (1)

عيون الأخبار للصدوق 1:163 ح 1،و [1]علل الشرائع:40 ح 1،و [2]النقل بتصرف.

.

و في(معاني الأخبار):معنى أصحاب الرسّ أنّهم نسبوا إلى نهر يقال له


1) 1)

الرّس من بلاد المشرق،و قد قيل:إنّ الرّس هو البئر،و أنّ أصحابه رسّوا نبيّهم بعد سليمان بن داود عليه السّلام و كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت،كان غرسها يافث بن نوح فأنبتت لنوح بعد الطوفان،و كان نساؤهم يشتغلن بالنساء عن الرجال،فعذّبهم اللّه عزّ و جلّ بريح عاصف شديدة الحمرة،و جعل الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقّد،و أظلّتهم سحابة سوداء مظلمة،فانكفّت عليهم كالقبة جمرة تلتهب،فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار (1)

معاني الأخبار للصدوق:48.

.

و في(عقاب الأعمال)عن الصادق عليه السّلام:سألته امرأة عن السحق،فقال:

حدّها حدّ الزاني.فقيل:ما ذكر اللّه عزّ و جلّ ذلك في القرآن.قال:بلى.قالت:

و أين هو؟قال:هو أصحاب الرسّ (2).

و عن(تفسير الثعلبي):اختلف في أصحاب الرّس،فقال سعيد بن جبير و الكلبي و الخليل بن أحمد:دخل كلام بعضهم في بعض،و كلّ أخبر بطائفة من حديث أصحاب الرّسّ أنّ أصحاب الرّس بقيّة ثمود قوم صالح،و هم أصحاب البئر التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه في قوله تعالى: «وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ» (3)،و كانوا بفلج اليمامة نزولا على تلك البئر،و كلّ ركيّة لم تطو بالحجارة و الآجرّ فهي رسّ،و كان لهم نبيّ يقال له:حنظلة بن صفوان،و كان بأرضهم جبل يقال له:فتج مصعدا في السماء ميلا،و كانت العنقاء تبيت به، و هي كأعظم ما يكون من الطير و فيها من كلّ لون،و سمّوها العنقاء لطول عنقها،و كانت في ذلك الجبل تنقضّ على الطير فتأكلها،فجاعت ذات يوم


1) 1)

2) 2) عقاب الأعمال للصدوق:318 ح 14،و الفقيه 4:31 ح 202 ح1،و الكافي للكليني 7:202 ح 1،و [1]المحاسن البرقي:114 ح 114،و [2]التهذيب للطوسي 10:58 ح 3.

3) 3) الحج:45. [3]

و أعوزها الطير فانقضّت على صبيّ فذهبت به،فسمّيت عنقاء مغرب لأنّها تغرب بما تأخذه،ثمّ انقضّت على جارية حين ترعرعت،فأخذتها فضمّتها إلى جناحين صغيرين لها سوى الجناحين الكبيرين،فشكوا ذلك إلى نبيّهم...

فأهلكهم اللّه تعالى.

و قال بعض العلماء:بلغني أنّه كان رسّان،أمّا أحدهما فكان أهله أهل بدو و عمود و أصحاب غنم و مواش،فبعث اللّه تعالى إليهم نبيّا فقتلوه،ثمّ بعث إليهم رسول آخر،و عضده بوليّ فقتلوا الرسول،و جاهدهم الوليّ حتّى أفحمهم،و كانوا يقولون:إلهنا في البحر.و كانوا على شفيره،و كان يخرج إليهم من البحر شيطان في كلّ شهر خرجة،فيذبحون عنده و يتّخذونه عيدا، فقال لهم الوليّ:أرأيتم إن خرج إلهكم الّذي تدعونه و تعبدونه إليّ و أطاعني أ تجيبونني إلى ما دعوتكم إليه؟قالوا:بلى.فأعطوه على ذلك العهود و المواثيق،فانتظر حتّى خرج ذلك الشيطان على صورة حوت راكبا أربعة أحوات،و له عنق مستعلية على رأسه مثل التاج،فلمّا نظروا إليه خرّوا له سجّدا،فخرج الوليّ إليه و قال له:ائتني طوعا أو كرها باسم اللّه الكريم.فنزل عند ذلك من على إخوته.فقال له الولي:ائتني راكبا عليهنّ لئلاّ يكون القوم من أمرهم على شكّ.فأتى الحوت و أتت به الحيتان حتى أفضوا به إلى البريّة يجرونه و يجرهن.فلمّا رأوا ذلك سخروا به و كذّبوه و نقضوا العهود،فبعث اللّه إليهم ريحا فألقتهم في البحر و مواشيهم جميعا،و ما كانوا يملكون من ذهب و فضّة و آنية.فأتى الوليّ الصالح إلى البحر و أخذ الذّهب و الفضّة و الأواني،فقسّمها على أصحابه بالسوية الصغير و الكبير،و انقطع ذلك النسل.

و أمّا الآخر فإنّهم قوم كان لهم نهر يدعى الرسّ ينسبون إليه،و كان

فيهم أنبياء كثيرة لا يقوم فيهم نبي إلاّ قتلوه،و ذلك النهر بمنقطع آذربيجان، فإذا قطعته مدبرا دخلت في حدّ أرمينية،و إذا قطعته مقبلا دخلت في حدّ آذربيجان،و كان من حولهم من أهل أرمينية يعبدون الأوثان،و من قدّامهم من آذربيجان يعبدون النيران،و هم كانوا يعبدون الجواري العذارى،فإذا تمّت لإحداهنّ ثلاثون سنة قتلوها و استبدلوا غيرها،و كان عرض نهرهم ثلاثة فراسخ،و كان يرتفع في كلّ يوم و ليلة حتّى يبلغ أنصاف الجبال التي حوله،و كان لا ينصبّ في بحر و لا برّ،فإذا خرج من حدّهم يقف و يدور ثمّ يرجع إليهم،فبعث اللّه تعالى إليهم ثلاثين نبيّا في شهر واحد فقتلوهم جميعا.

فبعث اللّه تعالى إليهم نبيّا و أيّده بنصره،و بعث معه و ليّا فجاهدهم... (1)

عرائس المجالس للثعالبي:149،و لا في تفسيره للقرآن المسمّى بالكشف و البيان.

«الذين قتلوا النبيّين» قال تعالى حكاية عن اليهود: «قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (2)، «أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ» (3).

و في(لهوف عليّ بن طاوس):أنّه لمّا أراد الحسين عليه السّلام الشخوص من مكّة إلى العراق جاء ابن عمر،فأشار عليه بصلح أهل الضلال و حذّره من القتل و القتال،فقال عليه السّلام له:يا أبا عبد الرحمن!أما علمت أنّ من هو ان الدّنيا على اللّه أنّ رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغيّ من بغيا بني إسرائيل؟أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّا، ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون و يشترون كأن لم يصنعوا شيئا،فلم يعجّل


1) 1)

2) 2) البقرة البقرة:91. [1]

3) 3) :87.

اللّه عليهم،بل امهلهم و أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام،اتق اللّه يا أبا عبد الرحمن و لا تدعن نصرتي (1)

اللهوف لابن طاوس:13. [1]

.

«و أطفئوا» من قولهم:اطفئ المصباح.

«سنن المرسلين» التي كانت في إراءة الناس لسبل اللّه كالسراج.

«و أحيوا سنن الجبّارين» الّذين لا يراعون شريعة،و يأتون بكلّ فجيعة.

هذا،و في(المروج):أنّه كان المعتضد إذا غضب على القائد النبيل و الّذي يختصّه من غلمانه،أمر أن تحفر له حفيرة بحضرته،ثمّ يدلى رأسه فيها و يطرح التراب عليه،و نصفه الأسفل ظاهر على التراب،و يداس التراب فلا يزال كذلك حتى تخرج روحه من دبره.و ذكر من عذابه أنّه كان يأخذ الرجل فيكتّف و يقيّد،فيؤخذ القطن فيحشى في أذنه و خيشومه و فمه،و توضع المنافخ في دبره حتّى ينتفخ و يعظم جسمه،ثمّ يسدّ الدبر بشيء من القطن،ثمّ يفصد-و قد صار كالجمل العظيم-من العرقين اللّذين فوق الحاجبين،فتخرج النفس من ذلك الموضع.و ربّما كان يقام الرجل في أعلى القصر مجردا موثقا، و يرمى بالنشاب حتّى يموت.و اتخذ المطامير و جعل فيها صنوف العذاب، و جعل عليها نجاح الحرمي المتولّي لعذاب الناس (2).

«و أين الّذين ساروا بالجيوش و هزموا الألوف و عسكروا العساكر» من الملوك و الأمراء،في(كامل الجزري):توفّي السلطان محمّد بن محمود بن محمّد بن ملكشاه السلجوقي في سنة(554)و هو الذي حاصر بغداد طالبا السلطنة،و عاد عنها فأصابه سلّ و طال به،فمات بباب همذان،و كان مولده في ربيع الآخر سنة(522)فلما حضره الموت أمر العساكر،فركبت و أحضر


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 4:144. [2]

أمواله و جواهره و حظاياه و مماليكه،فنظر إلى الجميع من طيّارة تشرف على ما تحتها،فلمّا رآه بكى و قال:هذه العساكر و الأموال و المماليك و السراري ما أرى يدفعون عنّي مقدار ذرّة،و لا يزيدون في أجلي لحظة.و أمر بالجميع، فرفع بعد أن فرّق منه شيئا كثيرا (1)

الكامل لابن الأثير 11:250 سنة 554. [1]

.

و في(المروج):كانت سياسة يعقوب بن الليث لمن معه من الجيوش سياسة لم يسمع بمثلها في من سلف من الملوك في الأمم،و من ذلك أنّه كان بأرض فارس و قد أباح الناس أن يرتعوا ثمّ حدث أمر أراد النقطة،فنادى مناديه بقطع الدواب عن الرتع،فرئي رجل من أصحابه أخرج الحشيش من فم دابته مخافة أن تلوكه بعد سماع النداء،و أقبل على الدابة مخاطبا:«دواب را از تر بريدند»يعني:أقطعوا الدواب عن الرطبة،و رئي رجل من قوّاده ذو مرتبة، و الدرع الحديد على بدنه لا ثوب بينه و بين بشرته،فقيل له في ذلك،فقال:نادى منادي الأمير:البسوا السلاح.و كنت أغتسل من جنابة،فلم يسعني التشاغل بلبس الثياب عن السلاح.توفّي بجند يسابور و خلّف في بيت ماله خمسين ألف ألف درهم و ثمانمائة ألف دينار (2).

و فيه:سعي بأبي الحسن علي بن محمد الهادي عليه السّلام إلى المتوكّل،و قيل له:إنّ في منزله سلاحها و كتبا و غيرها من شيعته.فوجّه إليه ليلا من الأتراك و غيرهم من هجم عليه في منزله غفلة ممّن في داره،فوجده في بيت وحده مغلق عليه،و عليه مدرعة من شعر،و لا بساط في البيت إلاّ الرمل و الحصى، و على رأسه ملحفة من الصوف متوجّها إلى ربّه يترنم بآيات من القرآن في الوعد و الوعيد،فأخذ على ما وجد عليه،و حمل إلى المتوكّل في جوف الليل،


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 4:114، [2]بتلخيص و تقطيع.

فمثل بين يديه و المتوكل يشرب و في يده كأس،فلمّا رآه أعظمه و أجلسه إلى جنبه،و لم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه،و لا حالة يتعلل عليه بها،فناوله المتوكل الكأس الّذي في يده،فقال عليه السّلام:يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي و دمي قطّ،فاعفني منه.فأعفاه و قال:أنشدني شعرا استحسنه.فقال:إنّي لقليل الرواية للأشعار.قال:لا بدّ أن تنشدني.فأنشده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فما أغنتهم القلل

و استنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد ما قبروا أين الأسرّة و التيجان و الحلل

أين الوجوه التي كانت منعّمة من دونها تضرب الأستار و الكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طالما أكلوا دهرا و ما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

و طالما عمّروا دورا لتحصنهم ففارقوا الدور و الأهلين و انتقلوا

و طالما كنزوا الأموال و ادّخروا فخلّفوها على الأعداء و ارتحلوا

أضحت منازلهم قفرا معطّلة و ساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا

قال:فأشفق كلّ من حضر على عليّ عليه السّلام،و ظنّ أنّ بادرة تبدر منه إليه.

قال:و اللّه لقد بكى المتوكل بكاء طويلا حتّى بلّت دموعه لحيته،و بكى من حضره.ثمّ أمر برفع الشراب...و ردّه إلى منزله من ساعته مكرّما (1)

مروج الذهب للمسعودي 4:11. [1]

.

«و مدّنوا المدائن» و منها المدائن التي مدّنها كسرى.

هذا،و في(القاموس):المنصورة بلد بالسند إسلامية،و بلد بنواحي واسط،و اسم خوارزم القديمة التي كانت شرقي جيجون،و بلد قرب القيروان و يقال لها:المنصورية أيضا،و بلد ببلاد الديلم،و بلد بين القاهرة و دمياط.


1) 1)

و من العجب أنّ كلاّ منها بناها ملك عظيم في جلال سلطانه و علوّ شأنه، و سمّاها المنصورة تفاؤلا بالنصر،و لا دوام،فخربت جميعها و اندرست و تعفّت رسومها و اندحضت (1)

القاموس المحيط 2:143 [1] مادة(نصر).

.

و في(المعجم):قال علقمة بن مرثد في قصر شرحبيل ملك اليمن العجيب في جميع أموره المسمّى بالقشيب:

أقفر من أهله القشيب و بان عن أهله الحبيب

(2)و قال شاعر في قصر أبي الخصيب-مولى المنصور-أحد المنتزهات المشرف على النجف،ذي خمسين درجة،عجيب الصفة: يا دار غيّر رسمها مرّ الشمال مع الجنوب

بين الخورنق و السّدير فبطن قصر أبي الخصيب

فالدير فالنجف الأشمّ جبال أرباب الصليب

(3)و فيه:و من القصور قصر بهر المجور قرب همدان كلّه حجر واحد، منقورة بيوته و خزائنه و مجالسه و غرفه و شرفه و سائر حيطانه،فإن كان مبنيا بحجارة مهندمة قد لوحك بينها حتّى صارت كأنّها حجر واحد لا يبين منها مجمع حجرين،فإنّه لعجب،و إن كان حجرا واحدا فكيف نقرت بيوته، و خزائنه و حجراته و دهاليزه و شرفاته؟فهذا أعجب،لأنّه عظيم جدّا كثير المجالس و الخزائن و الغرف،و في مواضع منه كتابه بالفارسية تتضمّن شيئا من أخبار ملوكهم،و في كلّ ركن من أركانه صورة جارية عليها كتابة (4). و فيه:و منها قصر شيرين قصر كسرى أبرويز الّذي قالوا:كان له


1) 1)

2) 2) معجم البلدان للحموي 4:352، [2]بتصرف يسير.

3) 3) معجم البلدان للحموي 4:354،356،358، [3]بتصرف يسير.

4) 4) المصدر نفسه. [4]

أشياء لم تكن لملك قبله و لا بعده،فرسه شبديز،و مغنيه و عوّاده و جاريته شيرين،و قصر شيرين الّذي أحد عجائب الدّنيا،و كان سبب بنائه أنّه أمر أن يبنى له(باغ)يكون فرسخين في فرسخين،و أن يحصل فيه من كلّ صيد حتّى يتناسل جميعه،و وكلّ بذلك ألف رجل،فأقاموا في عمله و تحصيل صيوده سبع سنين حتّى فرغوا،فلمّا تمّ صاروا إلى البلهبد المغنّي،و سألوه أن يخبر الملك بذلك،فعمل صوتا و غنّاه به و سمّاه«باغ نخجيران»أي:بستان الصيد.

فطرب الملك عليه و أمر للصنّاع بمال،فلمّا سكر قال لشيرين:سليني حاجة.

فقالت:صيّر هذا البستان نهرين من حجارة تجري فيهما الخمور،و تبني لي بينهما قصرا لم يبن في مملكتك مثله.فأجابها إلى ذلك (1)

معجم البلدان للحموي 4:354،356،358 [1] بتصرّف يسير.

.

و في(المروج):كتب ملك الصين إلى أنو شيروان:من فغفور ملك الصين صاحب قصر الدّر و الجوهر الّذي يجري في قصره نهران يسقيان العود،و الكافور الّذي توجد رائحته على فرسخين،و الّذي تخدمه بنات ألف ملك،و الّذي في مربطه ألف فيل أبيض،إلى أخيه كسرى أنو شيروان،و أهدى إليه فرسا من درّ منضّدا،عينا الفارس و الفرس من ياقوت أحمر،و قائم سيفه من زمرّد منضد بالجوهر،و ثوب حرير صيني عسجدي فيه صورة الملك جالسا في أيوانه،و عليه حليته و تاجه،و على رأسه الخدم و بأبديهم المذابّ، و الصورة منسوجة بالذهب،و أرض الثوب لا زورد في سفط من ذهب،تحمله جارية تغيب في شعرها،تتلألأ جمالا (2).

و فيه:و كتب إليه ملك الهند:من ملك الهند و عظيم أراكنة المشرق و صاحب قصر الذهب و أبواب الياقوت و الدر،إلى أخيه ملك فارس صاحب


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 1:292. [2]

التاج و الراية كسرى أنو شروان.و أهدى إليه ألف منّ من عود هندي يذوب في النار كالشمع،و يختم عليه كما على الشمع فتبين فيه الكتابة،و جاما من الياقوت الأحمر فتحته شبر مملوءأ درّا،و عشرة أمنان كافور كالفستق و أكبر من ذلك،و جارية طولها سبعة أذرع تضرب أشفار عينيها خدّها،و كأنّ بين أجفانها لمعان البرق من بياض مقلتيها مع صفاء لونها،و دقّة تخطيطها و إتقان تشكيلها،مقرونة الحاجبين،لها ضفائر تجرّها،و فرش من جلود الحيّات ألين من الحرير و أحسن من الوشي،و كان كتابه في لحاء الشجر المعروف بالكاذي مكتوب بالذهب الأحمر (1)

مروج الذهب للمسعودي 1:293. [1]

.

و كان لأنو شروان مائدة من الذهب عظيمة عليها أنواع من الجواهر (2).

و عن عليّ بن يقطين:كنّا مع المهدي بما سبذان فقال لي يوما:أصبحت جائعا فأتني بأرغفة و لحم بارد.ففعلت،فأكل ثمّ دخل البهو و نام،و كنّا نحن في الرواق فانتبهنا لبكائه،فبادرنا إليه مسرعين فقال:أما رأيتم ما رأيت؟قلنا:

ما رأينا شيئا.قال:وقف عليّ رجل،لو كان في ألف رجل ما خفي عليّ صوته و لا صورته فقال:

كأنّي بهذا القصر قد باد أهله و أوحش منه ربعه و منازله

و صار عميد القوم من بعد بهجة و ملك إلى قبر عليه جنادله

فلم يبق إلاّ ذكره و حديثه تنادي عليه معولات حلائله

قال علي:فما أتت على المهدي بعد رؤياه إلاّ عشرة أيّام حتّى توفّي (3).


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 1:294. [2]

3) 3) مروج الذهب للمسعودي 3:323. [3]

الفصل السادس: في النبوّة الخاصّة

اشارة

1

من الخطبة(1)

عَلَى ذَلِكَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ وَ مَضَتِ الدُّهُورُ- وَ سَلَفَتِ الْآبَاءُ وَ خَلَفَتِ الْأَبْنَاءُ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ؟مُحَمَّداً رَسُولَ اللَّهِ ص لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ وَ إِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ- مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ- مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ كَرِيماً مِيلاَدُهُ- وَ أَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ- وَ أَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ وَ طَوَائِفُ مُتَشَتِّتَةٌ- بَيْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ أَوْ مُلْحِدٍ فِي اسْمِهِ- أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِهِ- فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ وَ أَنْقَذَهُمْ بِمَكَانِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ.

ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ؟لِمُحَمَّدٍ ص؟ لِقَاءَهُ- وَ رَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ وَ أَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا- وَ رَغِبَ بِهِ عَنْ مُقَارَنَةِ الْبَلْوَى- فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً ص .

«على ذلك نسلت» من باب نصر،أي:أتت بولد كثير.

«القرون» جمع القرن.و في الصحاح:القرن ثمانون سنة،و يقال:ثلاثون سنة،و القرن من الناس أهل زمان واحد.قال الشاعر:

إذا ذهب القرن الّذي أنت فيهم و خلّفت في قرن فأنت غريب

(1)«و مضت الدهور» أي:الأزمنة .

«و سلفت الآباء» أي:مضوا.

«و خلفت الأبناء» أي:صاروا خلفهم .

«إلى أن بعث اللّه سبحانه محمّدا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم» هكذا في(المصرية)، و الصواب:(صلى اللّه عليه و آله).كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (2).

«لإنجاز» أي:قضاء.

«عدته» أي:وعده الّذي وقع على لسان أنبيائه،كما حكى تعالى عن عيسى عليه السّلام «وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ» (3)،و عن كتابه و كتاب موسى عليه السّلام «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ» (4).

و قال أبو طالب عمّه صلى اللّه عليه و آله:

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّدا رسولا كموسى خطّ في أوّل الكتب

«و تمام نبوّته» قال تعالى: «وَ لكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ» (5)، و المراد تمام نبوّة اللّه تعالى باعتبار الجاعلية،لا نبوّة النبيّ صلى اللّه عليه و آله كما قال ابن أبي الحديد (6)،فالضمير في(نبوّته)راجع إليه تعالى مثل(عدته).

«مأخوذا على النبيّين ميثاقه» قال تعالى «وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما»


1) 1) صحاح اللغة 6:2180 [1] مادة(قرن).

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:38،و [2]شرح ابن ميثم 1:199.

3) 3) الصف:6. [3]

4) 4) الأعراف:157. [4]

5) 5) الأحزاب:40. [5]

6) 6) شرح ابن أبي الحديد 1:38. [6]

«آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ» (1)

آل عمران:81. [1]

.

و المراد من أخذ الميثاق على النبيّين الايجاب عليهم بيانهم لأممهم أنّ نبيّنا صلى اللّه عليه و آله خاتم الأنبياء،و أنّ شريعته ناسخة لشرائعهم،فيجب عليهم رفض شرائعهم و اتّباع شريعته.

«مشهورة سماته» أي:علاماته،قال تعالى: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ» (2)و قال عزّ و جل: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» (3).

و الآية من معجزاته القطعية الّتي يثبت بها نبوّته،فإنّه لو لم يكن يعرفونه،و لم يكن مكتوبا في كتبهم لأتوا بكتبهم إليه و إلى أصحابه،و قالوا له:

أين كنت مذكورا و مكتوبا؟و لو كان ذلك لصار أمره باطلا،و تفرّق الناس عنه و لا سيّما كان في أصحابه منافقون منتظرون لمثله.

و ممّن عرفه بسماته ورقة بن نوفل ابن عمّ خديجة،و رغّبها في التزوّج به لذلك،و زادها في رغبتها فيه صلى اللّه عليه و آله أخبار ميسرة غلامها بما سمع من أحبار الشام فيه صلى اللّه عليه و آله (4).

و ممّن عرفه بسماته زيد بن عمرو بن نفيل،قال الجزري في(كامله):


1) 1)

2) 2) البقرة:146. [2]

3) 3) الأعراف:157. [3]

4) 4) سيرة ابن هشام 1:175،و غيره.

قال عامر بن ربيعة:سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول:إنّا لننتظر نبيّا من ولد إسماعيل ثمّ من بني عبد المطّلب،و لا أراني أدركه،و أنا أؤمن به و اصدّقه و أشهد أنّه نبيّ،فان طالت بك حياة و رأيته فاقرئه منّي السلام،و سأخبرك ما نعته حتّى لا يخفى عليك.قلت:هلمّ قال:هو رجل ليس بالطويل و لا بالقصير، و لا بكثير الشعر و لا بقليله،و لا تفارق عينيه حمرة،و خاتم النبوّة بين كتفيه، و اسمه أحمد،و هذا البلد مولده و مبعثه،ثمّ يخرجه قومه،و يكرهون ما جاء به، و يهاجر إلى يثرب،فيظهر بها أمره.فإيّاك أن تنخدع عنه،فانّي طفت البلاد كلّها أطلب دين إبراهيم عليه السّلام،فكلّ من أسأله من اليهود و النصارى و المجوس يقول:هذا الدين و راك،و ينعتونه مثل ما نعتّه لك،و يقولون:لم يبق نبيّ غيره.

قال عامر:فلمّا أسلمت أخبرت النبيّ صلى اللّه عليه و آله قول زيد و أقرأته السلام،فردّ عليه النبيّ صلى اللّه عليه و آله و ترحّم عليه (1)

الكامل لابن الأثير الجزري 2:46. [1]

.

و منهم:أمّية بن أبي الصّلت،قال ابن قتيبة في(معارفه):كان أميّة قد قرأ الكتب،و رغب عن عبادة الأوثان،و كان يخبر بأنّ نبيّا يبعث قد أظلّ زمانه،فلمّا سمع بخروج النبيّ صلى اللّه عليه و آله و قصّته كفر حسدا له،و لمّا أنشد النبيّ صلى اللّه عليه و آله شعره قال:آمن لسانه و كفر قلبه (2).

و فيه أيضا:كان أسعد بن كرب الحميري آمن بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله قبل أن يبعث بسبعمائة سنة،و قال:

شهدت على أحمد أنّه رسول من اللّه باري النّسم

فلو مدّ عمري إلى عصره لكنت و زيرا له و ابن عم

و ألزم طاعته كلّ من على الأرض من عرب أو عجم


1) 1)

2) 2) المعارف لابن قتيبة:60. [2]

و قال أبو طالب:

أمين حبيب في العباد مسوّم بخاتم ربّ قاهر في الخواتم

يرى الناس برهانا عليه و هيبة و ما جاهل في قومه مثل عالم

و لابن ظفر النحوي اللغوي كتاب مترجم ب‍(خير البشر لخير البشر)، ذكر فيه الارهاصات الّتي كانت بين يدي ظهور النبيّ صلى اللّه عليه و آله (1)

المعارف لابن قتيبة:60.

.

و في(كنز الكراجكي)في التّوراة مكتوب:«إذا جاءت الأمّة الأخيرة تتّبع راكب البعير يسبّحون الربّ تسبيحا جديدا»و راكب البعير هو نبيّنا،و الامّة الأخيرة أمّته (2).

و فيه:في السفر الخامس من التّوراة:«الربّ ظهر فتجلّى على سينين، و أشرف على جبل ساعير،و أشرف من جبل فاران»و جبل فاران جبل مكّة، و ظهور الربّ ظهور أمره (3).

و فيه و في الإنجيل:«ابن البشير ذاهب،و الفارقليطا آت من بعده» (4)و من


1) 1)

2) 2) كنز الفوائد للكراجكي:91،و [1]عيون الأخبار للصدوق 1:131 [2] بفرق يسير باللفظ،و الاحتجاج للطبرسي:419 [3] عن الرضا عليه السّلام عن التّوراة.

3) 3) كنز الفوائد للكراجكي:91،و [4]جاء في التّوراة الموجودة في سفر التثنية،و هو السفر الخامس،الإصحاح 33 الآية 2 و لفظه:«فقال جاء الرب من سيناء و أشرق لهم من سعير و تلألأ من جبل فاران».

4) 4) كنز الفوائد للكراجكي:91،و [5]عيون الأخبار للصدوق 1:132 [6] بفرق يسير،و الاحتجاج للطبرسي:420 [7] عن الرضا عليه السّلام عن الانجيل،و سيرة لابن هشام 1:215،و لفظة(فارقليط)معربة من Aapaxantos اليونانية.و جاء هذا اللفظ في مواضع من الأصل اليوناني من العهد الجديد،و معنى ما ذكر في متن الكتاب جاء في إنجيل يوحنا، الإصحاح 14 الآية 16 و 26،و الاصحاح 15 الآية 26،و الإصحاح 16 الآية 7.أمّا هذه الكلمة فجاءت في الترجمات العربية القديمة(الفارقليط)،و في الترجمات العربية الجديدة(المعزّي)،و أمّا معناه في اللغة اليونانية (المستغاث،المغيث،الشفيع،وكيل الدعاوى)،كما قاله في GreeK-EnglishLexicon :1072،و غيره من كتب اللغة.و الظاهر أنّ ترجمة هذه الكلمة في ترجمات الكتاب المقدّس بمرادفات(المعزّي،المسلّي،المريح)خطأ من المترجمين السابقين،كما صرّح بكونه خطأ في Brockhaus enzyklopadie 14:223،و لا يسع المقام للاستقصاء.

قول شعيا:قال له إليه إسرائيل:«فإذا رأيت راكبين يسيران أضاءت لهما الأرض أحدهما على حمار،و الآخر على جمل»فراكب الحمار عيسى عليه السّلام، و راكب الجمل محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم (1)

كنز الفوائد للكراجكي:91،و [1]الخرائج للراوندي 1:66،و عيون الأخبار للصدوق 1:132،و [2]الاحتجاج للطبرسي: 420 [3] عن الرضا عليه السّلام عن كتاب شعيا.

.

و من قول دانيال:«جاء اللّه بالبيان من جبل فاران،و امتلأت السّماوات و الأرض من تسبيح محمّد صلى اللّه عليه و آله و أمّته » (2).

«كريما ميلاده» عن الصّادق عليه السّلام:كان إبليس يخترق السّماوات السبع، فلمّا ولد عيسى عليه السّلام حجب عن ثلاث سماوات،و كان يخترق أربع سماوات السبع، فلمّا ولد النبيّ صلى اللّه عليه و آله حجب عن السبع كلّها،و رميت الشياطين بالنجوم.و قالت قريش:هذا قيام الساعة،كنّا نسمع أهل الكتب يذكرونه.و قال عمرو بن أمّية -و كان من أزجر أهل الجاهلية-:انظروا هذه النجوم الّتي يهتدى بها،و يعرف بها أزمان الشتاء و الصيف،فإن كان رمي بها فهو هلاك كلّ شيء،و إن كانت ثبتت و رمي بغيرها فهو أمر حدث.

و أصبحت الأصنام كلّها صبيحة مولد النبيّ صلى اللّه عليه و آله ليس منها صنم إلاّ و هو منكبّ على وجهه،و ارتجس في تلك الليلة أيوان كسرى،و سقطت منه أربع عشرة شرفة،و غاضت بحيرة ساوة،و فاض وادي السماوة،و خمدت نيران فارس و لم تخمد قبل ذلك بألف عام،و رأى الموبدان في تلك الليلة في المنام إبلا صعابا تقود خيلا عرابا،و قد قطعت دجلة و انسربت في بلادهم، و انفصم طاق ملك كسرى من وسطه،و انخرقت عليه دجلة العوراء،و انتشر


1) 1)

2) 2) كنز الفوائد للكراجكي:91،و [4]الخرائج للراوندي 1:64 بفرق يسير عن دانيال عليه السّلام،و قريبا منه في الخرائج 1:63 عن كتاب حيقوق عليه السّلام.

في تلك الليلة نور من قبل الحجاز،ثمّ استطار حتّى بلغ المشرق،فلم يبق سرير لملك من ملوك الدّنيا إلاّ أصبح منكوسا و الملك مخرسا لا يتكلّم يومه ذلك، و انتزع علم الكهنة،و بطل سحر السحرة،و لم يبق كاهنة في العرب إلاّ حجبت عن صاحبها،و عظمت قريش في العرب،و سمّوا آل اللّه-إلى أن قال-و قالت آمنة:إنّ ابني-و اللّه-سقط فاتّقى الأرض بيده،ثمّ رفع رأسه إلى السماء،فنظر إليها،ثمّ خرج منّي نور أضاء له كلّ شيء،و سمعت في الوضوء قائلا يقول:

«إنّك قد ولدت سيّد الناس فسمّيه محمّدا»و أتي به عبد المطلّب لينظر إليه،و قد بلغه ما قالت أمّه،فوضعه في حجره،ثمّ قال:

الحمد للّه الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان

ثمّ عوّذه بأركان الكعبة،و قال فيه أشعارا،قال:و صاح إبليس في أبالسته فاجتمعوا إليه،فقالوا:ما الّذي أفزعك يا سيّدنا؟فقال لهم:ويلكم!لقد أنكرت السماء و الأرض منذ الليلة،لقد حدث في الأرض حدث عظيم ما حدث مثله منذ ولد عيسى بن مريم،فاخرجوا فانظروا ما هذا الحدث الّذي قد حدث.

فافترقوا ثمّ اجتمعوا إليه فقالوا:ما وجدنا شيئا.فقال إبليس:أنا لهذا الأمر.ثمّ انغمس في الدّنيا فجالها حتّى انتهى الى الحرم،فوجده(الحرم)محفوظا بالملائكة،فذهب ليدخل فصاحوا به،فرجع ثمّ صار مثل الصرّ-و هو العصفور-فدخل من قبل حراء،فقال له جبرائيل:وراك لعنك اللّه.فقال له:

حرف أسألك عنه يا جبرئيل،ما هذا الحدث الّذي حدث منذ الليلة؟فقال له:ولد محمّد صلى اللّه عليه و آله.فقال له:هل لي فيه نصيب؟قال:لا.قال:ففي أمّته،قال:نعم.قال:

رضيت (1)

أخرجه الصدوق في أماليه:235 ح 1 المجلس 48. [1]

.

1) 1)

«و أهل الأرض يومئذ ملل متفرّقة» كاليهود و النصارى و المجوس.

«و أهواء منتشرة» كالثنويّة و عابدي الملائكة،و عابدي الشمس،قال ابن قتيبة:كان في العرب قوم يعبدون الشمس و يسمّونها الإلاهة.قال الأعشى:

فلم أذكر الرهب حتّى انفتلت قبيل الإلاهة منها قريبا

(1)و قال البلاذري:إنّ الأسبذيين قوم كانوا يعبدون الخليل بالبحرين (2).

و قال هشام الكلبي:هم ولد عبد اللّه بن زيد بن عبد اللّه بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم،و قيل لهم الأسبذيون لأنّهم كانوا يعبدون فرسا (3).

قلت:يقال للفرس بالفارسية(اسب).

و في(نسب قريش مصعب الزبيري):كان يقال لعمرو بن حبيب الفهري المحاربي-جدّ جدّ ضرار بن الخطاب-:آكل السقب،لأنّه كان أغار على بني بكر،و كان لهم سقب يعبدونه من دون اللّه،فأخذه و أكله (4).

و السقب:الذكر من ولد الناقة.

و في(حلية أبي نعيم)قال أبو رجاء العطاردي:كنّا نجمع التراب في الجاهلية فنجعل وسطه حفرة،فنحلب فيها،ثمّ نسعى حولها و نقول:

لبيك لا شريك لك.

إلاّ شريكا هو لك.

تملكه و ما ملك (5).


1) 1) لم أجده في موضعه من المعارف و لا عيون الأخبار.

2) 2) فتوح البلدان للبلاذري:89. [1]

3) 3) معجم البلدان للحموي 1:171. [2]

4) 4) نسب قريش للزبيري:447،و النقل بتصرف.

5) 5) حلية الأولياء [3]لأبي نعيم 2:306.

و كنّا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانا ثمّ نلقيه (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 2:306.

.

«و طوائف» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و طرايق)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).

«متشتّتة» كالدهريّة و الوثنيّة،كان لربيعة بيت يطوفون به يسمّى ذو الكعبات،و كان لخثعم بيت كان يدعى كعبة اليمامة،و كان فيه صنم يدعى الخلصة،و لمّا هزمت بنو بغيض من غطفان صداء من مذحج قالوا:لنتخذنّ حرما مثل مكّة لا يهاج عائذه.فبنوا حرما و وليه بنو مرّة بن عوف،فبلغ ذلك زهير بن جناب،فقال:و اللّه لا أخلّي غطفان تتّخذ حرما.فغزاهم و ظفر بهم، و أخذ فارسا منهم في حرمهم،فقتله و عطّل ذلك الحرم.

و كانت بنو حنيفة اتّخذوا في الجاهلية إلها من حيس فعبدوه دهرا طويلا،ثمّ أصابهم مجاعة فأكلوه،فقال رجل من بني تميم:

أكلت ربّها حنيفة من جوع قديم بها و من إعواز

(3)و كان الحرث بن قيس السهمي-و هو أحد المستهزئين بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله- يأخذ حجرا يعبده،فإذا رأى أحسن منه ترك الأوّل و عبد الثاني،قيل:و فيه نزل «أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» (4). و كان أهل الجاهلية ينحرون لصخرة يعبدونها،و يلطخونها بالدم و يسمّونها سعد الصخرة،و كان إذا أصابهم داء في إبلهم و أغنامهم جاءوا إلى تلك الصخرة و تمسّحوا بها الإبل و الغنم،فجاء رجل بإبل له يريد أن يتمسّح لها بالصخرة،و يبارك عليها،فنفرت و تفرّقت،فقال:


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 1:38،و شرح ابن ميثم 1:199«طوائف»أيضا.

3) 3) هذه المعاني نقلها ابن هشام في السيرة 1:78،و ابن قتيبة في المعارف:621،و [2]غيرهما.

4) 4) الكامل لابن الأثير 2:71،و [3]الآية 43 من سورة الفرقان. [4]

أتيت إلى سعد ليجمع شملنا فشتّتنا سعد فما نحن من سعد

و هل سعد إلاّ صخرة بتنوفة من الأرض لا تدعو لغيّ و لا رشد

(1)و مرّ بسعد ذاك رجل و ثعلب يبول عليه،فقال:

أ ربّ يبول الثعلبان برأسه لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب

(2)و في(تاريخ اليعقوبي):كان أوّل شأن الأصنام أنّ الناس كانوا إذا مات لأحدهم الميّت الّذي يعزّ عليهم من أب أو أخ أو ولد صنعوا صنما على صورته،و سمّوه باسمه،فلمّا أدرك الخلف الّذي بعدهم ظنّوا،و حدّثهم الشيطان:أنّه إنّما صنعت هذه لتعبد،فعبدوها،ثمّ فرّق اللّه دينهم،فمنهم من عبد الأصنام،و منهم من عبد الشّمس،و منهم من عبد القمر،و منهم من عبد الطير،و منهم من عبد الحجارة،و منهم من عبد الشجر،و منهم من عبد الماء، و منهم من عبد الريح،و فتنهم الشيطان و أضلّهم و أطغاهم (3). «بين مشبّه للّه بخلقه» كاليهود حيث أثبتوا له ابنا و هو عزيز، و كالنصارى حيث أثبتوا له ابنا و هو عيسى،و كصنف من العرب حيث أثبتوا له بنات،أي:الملائكة،فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى اللّه تعالى،و هم الّذين أخبر تعالى عنهم في قوله: «وَ يَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ» (4)،و في قوله: «وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً » (5).

«أو مشير إلى غيره» حيث جعلوا الصانع الدهر و النور و الظلمة،و لمّا قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله لقومه:أدعوكم إلى شهادة ألاّ إله إلاّ اللّه،و خلع الأنداد.قالوا:ندع


1) 1) السيرة لابن هشام 1:76. [1]

2) 2) نقله أبو نعيم في الدلائل،و ابن أبي حاتم عنهما شرح شواهد المغني 1:317-318 [2] عن راشد ابن عبد ربه.

3) 3) تاريخ اليعقوبي 1:21. [3]

4) 4) النحل:57. [4]

5) 5) الزخرف:15 و [5]أسقط الشارح شرح فقرة«أو ملحد في اسمه».

ثلاثمائة و ستّين إلها،و نعبد إلها واحدا (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:54. [1]

.

و قال ابن أبي الحديد:كان بعض العرب يقول: «ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ» (2)و بعضهم أقرّ بالخالق و أنكر البعث، و من قولهم في قتلى بدر:

أ يخبرنا ابن كبشة أن سنحيى و كيف حياة أصداء و هام

إذا ما الرأس زال بمنكبيه فقد شبع الأنيس من الطعام

أ يقتلني إذا ما كنت حيّا و يحييني إذا رمّت عظامي

و بعضهم أقرّ بالخالق و نوع من الإعادة،و أنكر الرّسل،و عبدوا الأصنام و زعموا أنّهم شفعاء في الآخرة،و حجّوا لها و نحروا لها الهدي و قرّبوا القربان لها،و حلّلوا و حرّموا،و هم جمهور العرب الّذين قال تعالى عنهم: «وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ» (3).

و منهم من يجعل الأصنام مشاركة للباري تعالى،كقولهم في تلبيتهم:«لا شريك لك إلاّ شريكا هو لك تملكه و ما ملك».و منهم من يجعلها و سائل،و هم الّذين قالوا: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللّهِ زُلْفى» (4).و بعضهم يعتقد التناسخ،و منهم أرباب الهامة الّتي قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله عنهم:«لا عدوى و لا هامة و لا صفر» (5).


1) 1)

2) 2) الجاثية:24. [2]

3) 3) الفرقان:7. [3]

4) 4) الزمر:3. [4]

5) 5) هذا الحديث كثير الطرق مضطرب اللفظ أخرجه أصحاب الصحاح و غيرهم،و أقرب الألفاظ ما أخرجه مسلم في صحيحه 4:1742 ح 101 و 103،جمع طرق أصحاب الصحاح الستة إلى أنس و ابن عمر و جابر و أبي هريرة و سعد بن مالك و ابن عطية و استقصى اختلاف ألفاظهم ابن الأثير في جامع الأصول 8:395 ح 5794،5795،5799، 5800،5802،5805.

و قال ذو الإصبع:

يا عمر إن لا تدع شتمي و منقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني

و بعضهم مشبّهة و مجسّمة،و منهم أميّة بن أبي الصلت،فقال:

فوق العرش جالس قد حطّ رجليه إلى كرسيه المنصوب

و كان فيهم متألّهة أصحاب الورع،كعبد اللّه و عبد المطلب و أبي طالب و زيد بن عمرو بن نفيل و قسّ بن ساعدة و عامر بن الظرب،و كان فيهم من يميل الى اليهودية،كجماعة من التبابعة و ملوك اليمن،و منهم نصارى كبني تغلب و العباديين رهط عدي بن زيد و نصارى نجران،و منهم من يميل الى الصابئة و يقول بالنجوم و الأنواء ... (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:39،و [1]النقل بتصرف و تلخيص.

.

«فهداهم به من الضلالة،و أنقذهم بمكانه من الجهالة» قال الشاعر:

رأيت الصّدع من كعب و كانوا من الشنآن قد صاروا كعابا

و في(الاحتجاج)اجتمع عند النبيّ صلى اللّه عليه و آله يوما خمسة أديان:(اليهود، و النصارى،و الدهرية،و الثنوية،و مشركو العرب)فقالت اليهود:نحن نقول:

عزيز ابن اللّه و قد جئناك يا محمّد لننظر ما تقول،فان تبعتنا فنحن أسبق إلى الصوب منك،و إن خالفتنا خصمناك.و قالت النصارى:نحن نقول:إنّ المسيح ابن اللّه اتّحد به،و قد جئناك لننظر ما تقول،فإن تبعتنا فنحن أسبق منك إلى الصواب،و إن خالفتنا خصمناك.و قالت الدهرية:نحن نقول:لا بدء لها و هي دائمة،و قد جئناك لننظر في ما تقول،فإن تبعتنا فنحن أسبق منك إلى الصواب،و إن خالفتنا خاصمناك.و قال الثنوية:نحن نقول:النور و الظلمة هما المدبّران،و قد جئناك لننظر في ما تقول،فإن تبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك،و إن خالفتنا خصمناك.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:آمنت باللّه وحده لا شريك له،


1) 1)

و كفرت بكلّ معبود سواه.ثم قال لهم:إنّ اللّه قد بعثني كافة للناس بشيرا و نذيرا و حجّة على العالمين،سيردّ كيد من يكيد دينه في نحره.ثم قال لليهود:

أجئتموني لأقبل قولكم بغير حجّة؟قالوا:لا.قال:فما الّذي دعاكم إلى القول بأنّ عزيزا ابن اللّه؟قالوا:لأنّه أحيا لبني إسرائيل التوراة بعد ما ذهبت،و لم يفعل بها هذا إلاّ لأنّه ابنه.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:فكيف صار عزيز ابن اللّه دون موسى،و هو الّذي جاء إليهم بالتوراة و رئي منه المعجزات؟و لئن كان عزيز ابن اللّه لما أظهر من الكرامة باحياء التوراة،فلقد كان موسى بالنبوّة أولى، و لئن كان هذا المقدار من الكرامة لعزير توجب كونه ابنه،فأضعاف هذه الكرامة لموسى توجب له منزلة أجلّ من النبوّة،ثمّ إن كنتم تريدون النبوّة الولادة على سبيل ما تشاهدونه في دنياكم هذه،من ولادة الامهات الأولاد بوطء آبائهم لهنّ فقد كفرتم باللّه،و شبّهتموه بخلقه،و أوجبتم فيه صفات المحدثين،و وجب عندكم أن يكون محدثا مخلوقا،و أنّ له خالقا صنعه و ابتدعه.قالوا:لسنا نعني هذا،فإنّ هذا كفر كما قلت،لكن نعني أنّه ابنه على معنى الكرامة و إن لم يكن هناك و لادة،كما قد يقول بعض علمائنا لمن يريد إكرامه و إبانته بالمنزلة من غيره:«يا بنيّ»و«إنّه ابني»لا على إثبات ولادة منه،لأنّه قد يقول ذلك لمن هو أجنبي منه لا نسب بينه و بينه،و كذلك لمّا فعل اللّه بعزير ما فعل،كان قد اتّخذه ابنا على الكرامة لا الولادة.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم:

فهذا ما قلته لكم،إنّه إن وجب على هذا الوجه أن يكون عزير،فإنّ هذه المنزلة لموسى أولى و إنّ اللّه يفضح كلّ مبطل بإقراره،و يغلب على حجّته،إنّ ما احتججتم به يؤديكم إلى ما هو أكثر ممّا ذكرته لكم،لأنّكم قلتم:إنّ عظيما من عظمائكم قد يقول لأجنبي لا نسب بينه و بينه:«يا بنيّ»لا على طريق الولادة، فقد تجدون هذا العظيم يقول لأجنبي آخر:«هذا أخي»و لآخر«هذا شيخي

و أبي»و لآخر هذا«سيّدي»و«يا سيّدي»على سبيل الإكرام،و إنّ من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول،فإذن يجوز عندكم أن يكون موسى أخا له و شيخا له أو أبا أو سيّدا لأنّه قد زاده في الإكرام ممّا لعزير.فبهت القوم و تحيّروا و قالوا:يا محمّد أجّلنا نتفكّر في ما قلته لنا.فقال:انظروا فيه بقلوب معتقدة للإنصاف يهدكم اللّه.

ثمّ أقبل على النصارى،فقال لهم:و أنتم قلتم:إنّ القديم عزّ و جلّ اتّحد بالمسيح ابنه.ما الّذي أردتم بهذا القول؟أردتم بأنّ القديم صار محدثا بوجود هذا المحدث،أم المحدث الّذي هو عيسى صار قديما بوجود القديم الّذي هو اللّه،أو معنى قولكم اتّحد به أنّه اختصّه بكرامة لم يكرم بها أحدا سواه؟فإن أردتم أنّ القديم صار محدثا فقد أبطلتم،لأنّ القديم محال أن ينقلب فيصير محدثا،و إن أردتم أنّ المحدث صار قديما فقد احلتم،لان المحدث أيضا محال أن ينقلب فيصير قديما،و إن أردتم في قولكم:«اتّحد به»أنّه اختصّه و اصطفاه على سائر عباده،فقد أقررتم بحدوث عيسى و بحدوث المعنى الّذي اتّحد به من أجله،لأنّه إذا كان عيسى محدثا و كان اللّه اتّحد به،بأن أحدث فيه معنى صار أكرم الخلق عنده،فقد صار عيسى و ذاك المعنى محدثين،و هذا خلاف ما بدأتم به تقولونه.

فقالت:إنّ اللّه لمّا أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة ما أظهر فقد اتّخذه ولدا على جهة الكرامة.فقال لهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الّذي ذكر تموه-ثم أعاد ذلك كلّه-فسكتوا إلاّ رجلا واحدا منهم، فقال للنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم:أو لستم تقولون:إنّ إبراهيم خليل اللّه؟قال:قد قلنا ذلك.قال الرّجل:فإذا قلتم ذلك،فلم منعتمونا أن نقول:إنّ عيسى ابن اللّه؟فقال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:إنّهما لا يتشابهان،لأنّ قولنا:إبراهيم خليل اللّه،إنّما هو مشتق من

الخلّة أو الخلّة،فأمّا الخلّة فإنّما معناها الفقر و الفاقة،فقد كان خليلا،أي:إلى ربّه فقيرا و إليه منقطعا،و عن غيره متعفّفا معرضا مستغنيا،و ذلك لمّا أريد قذفه في النار،فرمي به في المنجنيق،فبعث اللّه إلى جبرئيل أدرك عبدي،فجاء فلقيه في الهواء،فقال:كلّفني ما بدا لك،قد بعثني اللّه لنصرتك.فقال:بل حسبي اللّه و نعم الوكيل،إنّي لا أسأل غيره،و لا حاجة لي إليك.فسمّاه خليله،أي:

فقيره و محتاجه،و المنقطع إليه عمّن سواه،و إذا جعل معنى ذلك من الخلّة و هو أنّه قد تخلّل معانيه،و وقف على أسرار لم يقف عليها غيره،كان معناه العالم به و بأموره،و لا يوجب ذلك تشبيه اللّه بخلقه،ألا ترون أنّه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله،و إذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله،و إنّ من يلده الرّجل و إن أهانه و أقصاه لم يخرج عن أن يكون ولده،لأنّ معنى الولادة قائم؟ثمّ إن وجب لأنّه قال:إبراهيم خليلي،أن تقيسوا أنتم فتقولون:إنّ عيسى ابنه،وجب أيضا كذلك أن تقولوا لموسى أنّه ابنه،و أن يجوز أن تقولوا على هذا المعنى:

إنّه شيخه و سيّده و عمّه و رئيسه و أميره كما ذكرته اليهود.فقال بعضهم لبعض:و في الكتب المنزلة أنّ عيسى قال:«أذهب إلى أبي».فقال لهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله:فان كنتم بذلك الكتاب تعملون،فانّ فيه:«أذهب إلى أبى و أبيكم»، فقولوا:إنّ جميع الّذين خاطبهم عيسى كانوا أبناء اللّه،كما كان عيسى ابنه من الوجه الّذي كان عيسى ابنه،ثمّ إنّ ما في هذا الكتاب مبطل عليكم هذا الّذي زعمتم أنّ عيسى من جهة الاختصاص كان ابنا له لأنّكم قلتم:إنّه ابنه لأنّه اختصّه بما لم يختصّ به غيره،و أنتم تزعمون أنّ الذي خصّ به عيسى لم يخصّ به هؤلاء القوم الّذين قال لهم عيسى:«أذهب إلى أبي و أبيكم»،فبطل أن يكون الاختصاص لعيسى،لأنّه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى،و أنتم إنّما حكيتم لفظة عيسى و تأوّلتموها على غير

وجهها،لأنّه إذا قال:«أبي و أبيكم»فقد أراد غير ما ذهبتم إليه،و ما يدريكم لعلّه عني«أذهب إلى آدم و نوح»،و أنّ اللّه يرفعني إليهم و يجمعني معهم،و آدم أبي و أبوكم و كذلك نوح،بل ما أراد غير هذا.فسكت النصارى،و قالوا:ما رأينا كاليوم مجادلا و سننظر.

ثمّ أقبل النبيّ صلى اللّه عليه و آله على الدهرية،و قال:و أنتم فما الّذي دعاكم إلى القول بأنّ الأشياء لابدء لها،و هي دائمة لم تزل و لن تزال؟فقالوا:لأنّا لا نحكم إلاّ بما نشاهد،و لم نجد لأشياء حدثا فحكمنا بأنّها لم تزل،و لم نجد لها انقضاء فحكمنا بأنّها لن تزال.فقال:أوجدتم لها قدما،أم وجدتم لها بقاء أبد الآباد؟فإن قلتم:إنّكم وجدتم ذلك أثبتم لأنفسكم أنّكم لم تزالوا على هيئتكم و عقولكم بلا نهاية و لا تزالون كذلك،و لئن قلتم ذلك دفعتم العيان.قالوا:بل لم نشاهد لها قدما و لا بقاء أبد.قال:فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم و البقاء دائما لأنّكم لم تشاهدوا حدوثها و انقضاءها أولى ممّن يحكم لها بالحدوث و الانقضاء،لأنّه لم يشاهد لها قدما و لا بقاء أبد،أو لستم تشاهدون الليل و النهار واحدهما بعد الآخر؟قالوا:نعم.قال:أ ترونهما لم يزالا و لن يزالا؟قالوا:نعم.قال:فيجوز عندكم اجتماع الليل و النهار؟قالوا:لا.قال:فاذن ينقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما،و يكون الثاني جاريا بعده.قالوا:هو كذلك.قال:قد حكمتم بحدوث ما تقدّم من ليل و نهار،و لم تشاهدوهما.ثم قال:أ تقولون لما قبلكم من الليل و النهار متناه أم غير متناه؟فإن قلتم:غير متناه،فقد وصل إليكم آخر لا نهاية لأوّله،و إن قلتم:إنّه ممتناه،فقد كان و لا شيء منهما.قالوا:نعم.قال:أقلتم:

إنّ العالم قديم غير محدث و أنتم عارفون بمعنى ما أقررتم،و بمعنى ما جحدتموه؟قالوا:نعم.قال:فهذا الّذي تشاهدونه من الأشياء بعضه إلى بعض يفتقر،لأنّه لا قوام للبعض إلاّ بما يتّصل به،كما ترى البناء محتاجا بعض

أجزائه إلى بعض،و إلاّ لم يتّسق و لم يستحكم،و كذلك سائر ما ترى،فإذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته و تمامه هو القديم،فأخبروني أن لو كان محدثا كيف كان يكون،و ما ذا كانت تكون صفته؟فبهتوا،و علموا أنّهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلاّ و هي موجودة في هذا الّذي زعموا أنّه قديم،فرجعوا و قالوا:سننظر في أمرنا.

ثمّ أقبل النبيّ صلى اللّه عليه و آله على الثنوية الّذين قالوا:إنّ النور و الظلمة هما المدبّران.فقال:و أنتم،فما الّذي دعاكم إلى ما قلتموه من هذا؟ فقالوا:لأنّا وجدنا العالم صنفين:خيرا و شرّا،و وجدنا الخير ضدّا للشرّ،فأنكرنا أن يكون فاعل واحد يفعل الشيء و ضدّه،بل لكلّ واحد منهما فاعل،ألا ترى أنّ الثلج محال أن يسخّن،كما أنّ النار محال أن تبرّد؟فأثبتنا لذلك صانعين قديمين:ظلمة و نورا.

فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أفلستم قد وجدتم سوادا و بياضا،و حمرة و صفرة، و خضرة و زرقة،و كلّ واحد ضدّ لسائرها لاستحالة اجتماع اثنين منها في محلّ واحد،كما كان الحرّ و البرد ضدّين لا يجتمعان في محلّ؟قالوا:نعم.قال:

فهل أثبتّم بعدد كلّ لون صانعا قديما،ليكون فاعل كلّ ضدّ من هذه الألوان غير فاعل ضد الآخر؟فسكتوا.

ثمّ قال:و كيف اختلط النور و الظلمة،و هذا من طبعه الصعود و هذه من طبعها النزول،أرأيتم لو أنّ رجلا يأخذ شرقا يمشي إليه و الآخر غربا،أ كان يجوز أن يلتقيا ما داما سائرين على وجوههما؟قالوا:لا.قال:فوجب أن لا يختلط النور و الظلمة لذهاب كلّ واحد منهما في غير جهة الاخراج،فكيف حصل هذا العالم من المتزاج ما محال أن يمتزج،بل هما جميعا مخلوقان مدبّران؟فقالوا:سننظر في أمرنا.

ثمّ أقبل النبيّ صلى اللّه عليه و آله على مشركي العرب،فقال:و أنتم لم عبدتم الأصنام من دون اللّه تعالى؟فقالوا:نتقرّب بذلك إلى اللّه تعالى.قال:و هي سامعة مطيعة لربّها عابدة له حتّى تتقرّبوا بتعظيمها إلى اللّه تعالى؟قالوا:لا.قال:فأنتم الّذين نحتّموها بأيديكم،فلئن تعبدكم هي-لو كان يجوز منها العبادة-أحرى من أن تعبدوها،إذ لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم و عواقبكم، و الحكيم في ما يكلّفكم.

فلمّا قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم هذا اختلفوا،فقال بعضهم:إنّ اللّه قد حلّ في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة فصوّرنا هذه الصور نعظّمها لتعظيمنا تلك الصورة التي حلّ فيها ربّنا.و قال آخرون منهم:إنّ هذه صور أقوام سلفوا كانوا مطيعين للّه قبلنا فمثّلنا صورهم و عبدناها تعظيما.و قال آخرون منهم:

إنّ اللّه لمّا خلق آدم و آمر الملائكة بالسجود لأدم تقرّبا إلى اللّه،و كما أمرتم بالسجود بزعمكم إلى جهة مكّة ففعلتم،ثمّ نصبتم في غير ذلك البلد بأيديكم محاريب سجدتم إليها و قصدتم الكعبة لا محاريبكم،و قصدكم للكعبة إلى اللّه لا إليها.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم للّذين قالوا:إنّ اللّه حلّ في هياكل رجال كانوا على هذه الصور الّتي صوّرناها:فقد و صفتم ربّكم بصفة المخلوقات،أو يحلّ ربّكم في شيء حتّى يحيط به ذلك الشيء؟فأيّ فرق بينه إذن و بين سائر ما يحلّ فيه،من لونه و طعمه و رائحته و لينه و خشونته و ثقله و خفّته؟و لم صار هذا المحلول فيه محدثا،و ذلك قديما دون أن يكون ذلك محدثا و هذا قديما؟ و كيف يحتاج إلى المحالّ من لم يزل قبل المحالّ،و هو عزّ و جلّ لم يزل؟و إذا و صفتموه بصفات المحدثات في الحلول،فقد لزمكم أن تصفوه بالزوال،و ما و صفتموه بالزوال و الحدوث فصفوه بالفناء،لأنّ ذلك أجمع من صفات الحالّ و المحلول فيه و جميع ذلك يغيّر الذات،فإن كان لم يتغيّر ذات الباري تعالى

لحلوله في شيء جاز أن لا يتغيّر بأن يتحرّك و يسكن و يسودّ و يبيضّ و يحمرّ و يصفرّ و تحلّه الصفات الّتي تتعاقب على الموصوف بها،حتّى يكون فيه جميع صفات المحدثين،و يكون محدثا تعالى اللّه عن ذلك.ثمّ قال:فاذا بطل ما ظننتموه من أنّ اللّه يحلّ في شيء فقد فسد ما بنيتم عليه قولكم.فسكت القوم، و قالوا:سننظر.

ثمّ أقبل على الفريق الثاني،فقال:أخبرونا عنكم إذا عبدتم صور من كان يعبد اللّه فسجدتم لها،و وضعتم الوجوه الكريمة على التراب بالسجود لها،فما الّذي أبقيتم لربّ العالمين؟أما علمتم أنّ من حقّ من يلزم تعظيمه و عبادته أن لا يساوي به عبده؟أرأيتم لو أنّ ملكا عظيما سوّيتموه بعبيده في التعظيم و الخضوع،أما يكون في ذلك وضع من الكبير كما يكون زيادة في تعظيم الصغير؟قالوا:نعم.قال:أفلا تعلمون أنّكم من حيث تعظمون اللّه بتعظيم صور عباده المطيعين له تزرون على ربّ العالمين؟فسكتوا بعد أن قالوا:

سننظر.

ثمّ أقبل النبيّ صلى اللّه عليه و آله على الفريق الثالث،و قال لهم:ضربتم لنا مثلا و شبّهتمونا بأنفسكم،و لا سواء،و ذلك أنّا عباد للّه مخلوقون مربوبون،نأتمر له في ما أمرنا و نزجر عمّا زجرنا،و نعبده من حيث يريده منّا،فإذا أمرنا بوجه من الوجوه أطعناه،و لم نتعدّ إلى غيره ممّا لم يأمرنا،و لم يأذن لنا،لأنّا لا ندري لعلّه إن أراد منّا الأوّل يكره منّا الثاني،و قد نهانا أن نتقدّم بين يديه،فلمّا أمرنا بالتوجّه إلى الكعبة أطعناه،ثمّ أمرنا بالتوجّه نحوها في سائر البلدان التي نكون بها فأطعناه،فلم نخرج في شيء من ذلك عن اتّباع أمره،و اللّه تعالى حيث أمر بالسجود لأدم لم يأمر بالسجود لصورته التي هي غيره،فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه،لأنّكم لا تدرون لعلّه يكره ما تفعلون إذ لم يأمركم به.ثمّ

قال لهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله:لو أذن لكم رجل في دخول داره يوما بعينه،أ لكم أن تدخلوها بعد ذلك بغير أمره،و لكم أن تدخلوا دارا أخرى له مثلها بغير إذنه؟ قالوا:لا.قال:فإن وهب لكم رجل ثوبا من ثيابه أو عبدا من عبيده أو دابّة من دوابّه.أ لكم أن تأخذوا ذلك؟قالوا:نعم.قال:و لكم أن تأخذوا آخر مثله؟قالوا:

لا،لأنّه لم يأذن لنا في الثاني كما أذن لنا في الأوّل.

قال:فأخبروني:اللّه أولى بأن لا يتقدّم على ملكه بغير أمره،أو بعض المملوكين؟قالوا:بل اللّه أولى بأن لا يتصرّف في ملكه بغير أمره.قال:فلم عملتم هكذا؟و متى أمركم أن تسجدوا لهذه الصور؟فقالوا:سننظر.

قال:فما أتت على جماعتهم ثلاثة أيّام حتّى اتوه و أسلموا،و كانوا خمسة و عشرين رجلا من كلّ فرقة خمسة،و قالوا:ما رأينا مثل حجّتك نشهد أنّك رسوله (1)

تفسير العسكري:244،و [1]الاحتجاج الطبرسي:22،و [2]النقل بتصرف يسير في اللفظ.

.

«ثم اختار سبحانه لمحمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(صلى اللّه عليه و آله) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).

«لقاءه» بارتحاله،روى الطبري مسندا عن أبي مويهبة مولى النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:بعثني النبيّ صلى اللّه عليه و آله من جوف الليل،فقال لي:يا أبا مويهبة إنّي قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي.فانطلقت معه،فلمّا وقف بين أظهرهم قال:

السلام عليكم أهل المقابر،ليهن لكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها،الآخرة شرّ من الأولى.ثمّ أقبل عليّ،فقال:يا أبا مويهبة إنّي قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا و الخلد فيها، ثمّ الجنّة،خيّرت بين ذلك و بين لقاء ربّي و الجنّة،فاخترت لقاء ربّي و الجنّة.


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:38،و [3]شرح ابن ميثم 1:199.

قال:قلت:بأبي أنت و أمّي،فخذ مفاتيح خزائن الدّنيا و الخلد فيها ثمّ الجنّة.

فقال:لا و اللّه يا أبا مويهبة،لقد اخترت لقاء ربّي و الجنّة.ثمّ استغفر لأهل البقيع، ثمّ انصرف،فبدى النبيّ صلى اللّه عليه و آله بوجعه الّذي قبض فيه (1)

تاريخ الطبري 2:432 سنة 11،و [1]أسقط الشارح شرح الفقرات:«و رضي له ما عنده،و أكرمه عن دار الدنيا، و رغب به عن مقارنة البلوى».

.

«فقبضه إليه كريما صلى اللّه عليه و آله و سلم» و بعد بلاغه رسالات ربّه،روى الطبري عن ابن مسعود قال:نعى إلينا نبيّنا و حبيبنا صلى اللّه عليه و آله نفسه قبل موته بشهر-إلى أن قال-فقلنا:متى أجلك؟قال:قد دنا الفراق و المنقلب إلى اللّه،و إلى سدرة المنتهى.قلنا فمن يغسّلك يا نبيّ اللّه؟قال:أهلي الأدنى فالأدنى.قلنا:ففيم نكّفك يا نبيّ اللّه قال في ثيابي هذه إن شئتم،أو في بياض مصر،أو في حلّة يمانية-إلى أن قال-إذا غسّلتموني،و كفّنتموني،فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري،ثمّ اخرجوا عنّي ساعة،فإنّ أوّل من يصلّي عليّ جليسي و خليلي جبرئيل،ثمّ ميكائيل،ثمّ إسرافيل،ثمّ ملك الموت مع جنود كثيرة من الملائكة بأجمعها-إلى أن قال-قلنا:فمن يدخلك في قبرك يا نبيّ اللّه؟ قال:أهلي مع ملائكة كثيرين،يرونكم من حيث لا ترونهم (2).

2

الخطبة(2)

و من خطبة له:بعد انصرافه من صفّين:

أَحْمَدُهُ اسْتِتْمَاماً لِنِعْمَتِهِ وَ اسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ- وَ اسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَ أَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إِلَى كِفَايَتِهِ- إِنَّهُ لاَ يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ وَ لاَ يَئِلُ مَنْ عَادَاهُ- وَ لاَ يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ- فَإِنَّهُ أَرْجَحُ مَا وُزِنَ وَ أَفْضَلُ مَا خُزِنَ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 2:435 سنة 11. [2]

اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ- شَهَادَةً مُمْتَحَناً إِخْلاَصُهَا مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا نَتَمَسَّكُ بِهَا أَبَداً مَا أَبْقَانَا- وَ نَدَّخِرُهَا لِأَهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا- فَإِنَّهَا عَزِيمَةُ الْإِيمَانِ وَ فَاتِحَةُ الْإِحْسَانِ- وَ مَرْضَاةُ الرَّحْمَنِ وَ مَدْحَرَةُ الشَّيْطَانِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ وَ الْعَلَمِ الْمَأْثُورِ- وَ الْكِتَابِ الْمَسْطُورِ وَ النُّورِ السَّاطِعِ- وَ الضِّيَاءِ اللاَّمِعِ وَ الْأَمْرِ الصَّادِعِ- إِزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ وَ احْتِجَاجاً بِالْبَيِّنَاتِ- وَ تَحْذِيراً بِالْآيَاتِ وَ تَخْوِيفاً بِالْمَثُلاَتِ- وَ النَّاسُ فِي فِتَنٍ انْجَذَمَ فِيهَا حَبْلُ الدِّينِ وَ تَزَعْزَعَتْ سَوَارِي الْيَقِينِ- وَ اخْتَلَفَ النَّجْرُ وَ تَشَتَّتَ الْأَمْرُ- وَ ضَاقَ الْمَخْرَجُ وَ عَمِيَ الْمَصْدَرُ- فَالْهُدَى خَامِلٌ وَ الْعَمَى شَامِلٌ- عُصِيَ الرَّحْمَنُ وَ نُصِرَ الشَّيْطَانُ وَ خُذِلَ الْإِيمَانُ- فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ وَ تَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ- وَ دَرَسَتْ سُبُلُهُ وَ عَفَتْ شُرُكُهُ- أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ وَ وَرَدُوا مَنَاهِلَهُ- بِهِمْ سَارَتْ أَعْلاَمُهُ وَ قَامَ لِوَاؤُهُ- فِي فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا وَ وَطِئَتْهُمْ بِأَظْلاَفِهَا- وَ قَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا- فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ- فِي خَيْرِ دَارٍ وَ شَرِّ جِيرَانٍ.

نَوْمُهُمْ سُهُودٌ وَ كُحْلُهُمْ دُمُوعٌ- بِأَرْضٍ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ وَ جَاهِلُهَا مُكْرَمٌ أقول:رواها أئمّة غريب اللّغة كما يظهر من تفسير( النهاية ابن الأثير-النهاية-ج 5 ص 21 مادة(نجر) )لغرائبها (1)

النهاية لابن الأثير 5:21 مادة(نجر).

.

قول المصنّف : «و من خطبة له» هكذا في(المصرية)،و الصواب:

(زيادة عليه السّلام)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).

قوله عليه السّلام: «أحمده استتماما لنعمته» قال تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» (3).


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:43،و شرح ابن ميثم 1:235. [1]

3) 3) إبراهيم:7. [2]

«و استسلاما لعزّته» جعله عليه السّلام كالأوّل علّة لحمده،لأنّ من استسلم لعزّة أحد لابدّ أن يحمده و يمجّده.

«و استعصاما» أي:طلبا للعصمة و الحفظ.

«من معصيته» جعله عليه السّلام أيضا علّة لحمده تعالى،لأنّ من حمده عزّ و جلّ يصير مورد لطفه،و من صار مورد لطفه يعصمه .

«و أستعينه» «إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ» (1)

الفاتحة:5. [1]

.

«فاقة» أي:حاجة.

«إلى كفايته» «أَ لَيْسَ اللّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ» (2).

قال ابن أبي الحديد:«استتماما و استسلاما و استعصاما و فاقة»من لطيف الكناية و بديعها (3).

و هو كما ترى فلا كناية في الكلام،و كان من حقّه أن يقول:من لطيف الكلام و بديعه .

«إنّه لا يضلّ من هداه» الظاهر كونه تعليلا لقوله: «استسلاما لعزّته» .

«و لا يئل» من:و أل،أي:لا ينجو.

«من عاداه» و الظاهر كون الكلام تعليلا لقوله: «استعصاما من معصيته» .

«و لا يفتقر من كفاه» الظاهر كونه تعليلا لقوله: «فاقة إلى كفايته» ،فيكون هو و ما قبله عللا للعلل،ثمّ الظاهر سقوط فقرة بيان علّة قوله عليه السّلام: «استتماما لنعمته» من النسخ كأن يقال:و لا يسلب نعمة من شكره.


1) 1)

2) 2) الزمر:36. [2]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:43. [3]

«فإنّه» أي:حمده تعالى.

«أرجح ما وزن» و من حمده:تكبيره،و تسبيحه،و تهليله أيضا،و في الخبر:لو أنّ السماوات و عامريهنّ عندي و الأرضين السبع في كفّة و(لا إله إلاّ اللّه)في كفّة مالت بهنّ(لا إله إلاّ اللّه) (1)

ثواب الأعمال للصدوق:15 ح 1،و التوحيد:30 ح 34،و جامع الأخبار للشعيري:50. [1]

.

«و أفضل ما خزن» «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللّهِ باقٍ» (2).

و روى الصدوق عن الصادق عليه السّلام:من قال:«الحمد للّه كما هو أهله» شغل كتّاب السماء.قيل:و كيف يشغل كتّاب السماء؟قال:يقولون:اللّهمّ إنّا لا نعلم الغيب.فيقول:اكتبوها كما قالها عبدي و عليّ ثوابها (3).

«و أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له» هكذا في(المصرية)،و ليس«وحده لا شريك له»في(ابن ميثم و الخطّية) (4)،و أمّا(ابن أبي الحديد) (5)فكتبوه فيه في الحاشية،فالظاهر زيادته.

«شهادة ممتحنا إخلاصها» روى الصدوق عن الصّادق عليه السّلام:من قال:«لا إله إلاّ اللّه»مخلصا دخل الجنّة،و إخلاصه بها أن يحجزه(لا إله إلاّ اللّه)عمّا حرّم اللّه (6).

«معتقدا مصاصها» أي:خلاصها،يقال:فلا مصاص قومه،إذا كان أخلصهم نسبا.

و قد شهد له عليه السّلام النبيّ صلى اللّه عليه و آله في كون إيمانه عليه السّلام باللّه تعالى(ممتحنا


1) 1)

2) 2) النحل:96. [2]

3) 3) ثواب الأعمال للصدوق:28 ح 1.

4) 4) في شرح ابن ميثم 1:235 يوجد:«وحده لا شريك له»أيضا.

5) 5) نقله ابن أبي الحديد في شرحه 1:43 في متن الخطبة.

6) 6) ثواب الأعمال للصدوق:19،20 ح 1،3 بطريقين،و التوحيد:27،28 ح 26،27،و معاني الأخبار ح:370 1،2.

اخلاصها معتقدا مصاصها)في قوله صلى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السّلام:«الايمان مخالط لحمك و دمك كما خالط لحمي و دمي» (1)

أخرجه الخوارزمي في المناقب:75،و ابن المغازلي في المناقب:237 ح 285،و [1]الكراجكي في كنز الفوائد:281 [2]في ضمن حديث.

.و أنبأ به عليه السّلام عن نفسه في قوله:«لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» (2).

«نتمسّك بها أبدا ما أبقانا» لكونها عروة و ثقى لا انفصام لها.

«و ندّخرها لأهاويل ما يلقانا» من أهوال الآخرة،و للنجاة من عذاب يوم القيامة،و في خبر سلسلة الذهب عن الرضا عليه السّلام قال اللّه عزّ و جلّ:من جاء منكم بشهادة(ألاّ إله إلاّ اللّه)بالإخلاص دخل في حصني،و من دخل في حصني أمن من عذابي (3).

«فإنّها» أي:الشهادة عن الإخلاص.

«عزيمة الايمان» و لا رخصة لأحد في تركها،قال تعالى: «لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» (4).

«و فاتحة الإحسان» الواجب على العبد إلى ربّه في مقابل نعمه عزّ و جلّ الّتي لا تعدّ بحكم بداهة العقول،كما نبّه عليه تعالى في قوله:

«هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ» (5).و فاتحة إحسان العبد شهادته


1) 1)

2) 2) أخرجه الخوارزمي في المناقب:271،و رواه ابن شهر آشوب في المناقب 2:38،و [3]الجاحظ في مائة كلمة،شرح ابن ميثم عليه:52 ح 1.

3) 3) أخرجه بهذا اللفظ الصدوق في عيون الأخبار 2:132 ح 1،و [4]التوحيد:24 ح 22،و لحديث سلسلة الذهب ألفاظ أخرى أخرجها صاحب صحيفة الرضا عليه السّلام فيه:40 ح 1،و الصدوق في عيون الأخبار 2:132 ح 2،3،4،و:136 ح 2،و [5]التوحيد:24 ح 21،23،و معاني الأخبار:370 ح 1،و ثواب الأعمال:21 ح 1،و أبو جعفر الطوسي في أماليه 2:201 المجلس 7،و [6]أبو علي الطوسي في أماليه 1:286 المجلس 10،و [7]رواه الفتال في الروضة 1:42، و [8]الشيرازي،عنه الجامع الصغير 2:8.

4) 4) البيّنة:5. [9]

5) 5) الرحمن:الرحيم.60.

الخالصة بواحدانية ربّه.

«و مرضاة الرّحمن» عن عبيدة:قال تعالى: «رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ» (1)

المائدة:119. [1]

.و في القدسي:طوبى لمن قال من أمّتك:«لا إله إلاّ اللّه وحده» مخلصا (2).

«و مدحرة» أي:مطردة و مبعدة.

«الشيطان» عن العبد،قال تعالى حكاية عن الشيطان إنّه قال:

«وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » (3).

«و أشهد أنّ محمّدا عبده» قال تعالى في عبوديّته صلى اللّه عليه و آله: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (4).

«و رسوله» «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ» (5)، «وَ لكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ» (6).

«أرسله بالدين المشهور» أي:الواضح.و الأصل في المشهور كونه وصفا للسيف،يقال:سيف مشهور،أي:مخرج من الغمد،ثمّ استعمل في كلّ واضح.

قال تعالى في دينه صلى اللّه عليه و آله: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي»


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق في التوحيد:21 ح 11،و ثواب الأعمال:19 ح 2،و أخرج هذا الحديث بلفظ آخر الكليني في الكافي 2:517 ح 1،و [2]البرقي في المحاسن،30 ح 17،و [3]الصدوق في التوحيد:21 ح 10،و ثواب الأعمال:19 ح 1.

3) 3) الحجر:39-40. [4]

4) 4) الإسراء:1. [5]

5) 5) آل عمران:144. [6]

6) 6) الأحزاب:40. [7]

«أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» (1)

الشورى:13. [1]

.

«و العلم المأثور» قرأ(العلم)في كلامه عليه السّلام ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي (2)بفتحتين،مع أنّ الظاهر كونه بالكسر فالسكون مصدر علم، و كون كلامه عليه السّلام إشارة إلى قوله تعالى: «ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (3)،قالوا في معناه:أي:ايتوا ببقية من علم يؤثر عن الأوّلين بصحة دعواكم (4).

«و الكتاب المسطور» أي:القرآن،قال تعالى: «وَ الطُّورِ وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ» (5).

«و النور الساطع» أي:المرتفع،قال تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ» ... «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (6).

«و الضياء اللامع» أي:المشرق.

«و الأمر الصادع» أي:الظاهر،قال تعالى: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ » (7).

«إزاحة» أي:إزالة.


1) 1)

2) 2) كذا جاء في شرح ابن أبي الحديد 1:44،و شرح ابن ميثم 1:235،و شرح الخوئي 1:226.

3) 3) الاحقاف:4. [2]

4) 4) هذا التفسير قول كثير من المفسرين منهم الزمخشري في الكشاف 4:295،و [3]الطبرسي في مجمع البيان 9:82.

5) 5) الطور:1-3. [4]

6) 6) الأعراف:157. [5]

7) 7) الحجر:94. [6]

«للشبهات» «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» (1)

البقرة:256. [1]

، «و احتجاجا بالبيّنات» قال تعالى: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» (2)،و قال عزّ و جلّ: «فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ» (3)،و قال جلّ و علا: «قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (4).

«و تحذيرا بالآيات» أي:العلامات من اللّه تعالى.

«و تخويفا بالمثلات» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(للمثلات)كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (5)،و المثلات:العقوبات،في(تفسير القمّي):كان الوليد بن المغيرة شيخا كبيرا مجرّبا من دهاة العرب،و كان من المستهزئين بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله،و كان النبيّ يقعد في الحجرة،و يقرأ القرآن، فاجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة،فقالوا:يا أبا عبد شمس ما هذا الّذي يقول محمّد؟أشعر هو أم كهانة أم خطب؟فقال:دعوني أسمع كلامه.فادنا من النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقال:يا محمّد أنشدني من شعرك.قال:ما هو شعر،و لكنّه كلام اللّه الّذي ارتضاه لملائكته و أنبيائه.فقال:اتل عليّ منه شيئا.فقرأ النبيّ صلى اللّه عليه و آله(حم السجدة)فلمّا بلغ قوله: «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ» (6).قال فاقشعرّ الوليد و قامت كلّ شعرة في رأسه و لحيته،و مرّ إلى بيته و لم يرجع إلى قريش... (7).


1) 1)

2) 2) الإسراء:88. [2]

3) 3) هود:13. [3]

4) 4) يونس:38. [4]

5) 5) في شرح ابن أبي الحديد 1:44،و شرح ابن ميثم 1:235«بالمثلات»أيضا.

6) 6) فصّلت:13. [5]

7) 7) تفسير القمي 2:393،و [6]عدة أخرى جمع بعض طرقهم السيوطي في الدر المنثور 5:358-359. [7]

«و الناس في فتن انجذم» أي:انقطع.

«فيها حبل الدين» فلا يمنعهم من ارتكاب كلّ شنيع شرع.

«و تزعزعت» أي:تزلزلت.

«سواري» أي:أساطين،جمع سارية.

«اليقين» فلم تثبت لهم عقيدة بجزاء.

«و اختلف النجر» في(النهاية):النجر:الطبع و الأصل (1)

النهاية لابن الأثير 5:21 [1] مادة(نجر).

.

«و تشتّت الأمر» بحيث يعسر اجتماعه.

«و ضاق المخرج» من الشدائد.

«و عمي المصدر» فلا اهتداء لهم .

«فالهدى خامل» أي:ساقط عند الناس لا نباهة له عندهم.

«و العمى شامل» للشريف و الوضيع .

«عصي الرحمن» في دينه.

«و نصر الشيطان» في مقاصده.

«و خذل الايمان» أي:صار بلا معين.

«فانهارت» أي:انخرقت.

«دعائمه» أي:أعمدته.

«و تنكّرت» أي:صارت غير معروفة.

«معالمه» أي:علائمه (2).

«و عفت» أي:درست.

«شركه» أي:طرقه.


1) 1)

2) 2) أسقط الشارح هنا شرح فقرة:«و درست سبله».

«أطاعوا الشيطان» في ما يدعوهم إليه.

«فسلكوا مسالكه» فيتّبعون خطواته.

«و وردوا مناهله» المناهل:موارد الماء .

«بهم سارت أعلامه» أي:بسببهم وقعت ألوية الشيطان في السير حيث شاء.

«و قام لواؤه» على ساقها و لم تقع .

«في فتن» راجعة إلى أمور دنياهم،كما أنّ الأولى كانت راجعة إلى أمور دينهم،فمرّ قوله فيها:«انجذم فيها حبل الدين».

«داستهم» من:داس الشيء برجله،إذا مشى عليه،و داس الطعام:دقّه بالفدان ليخرج الحبّ من السنبل.

«بأخفافها،و وطئتهم بأظلافها» قالوا:الخف للبعير،و الظلف للبقرة و الشاة و الظبي،و الكلام استعارة،فشبّه عليه السّلام الفتن بإبل تدوس شيئا،و ببقر تطأ شيئا.

«و قامت» تلك الفتن.

«على سنابكها» سنابك،جمع سنبك:طرف مقدّم الحافر،شبّه عليه السّلام الفتنة بخيل قامت على سنابكها .

«فهم فيها» أي:في تلك الفتن التي كانت أوصافها ما ذكر.

«تائهون» كمن وقع في مفازة لا يهتدي فيها للطريق.

«حائرون» أي:متحيّرون لا يدرون علاجا لدائهم.

«جاهلون مفتونون» أي:معذّبون،قال تعالى: «يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ» (1)

الذاريات:13. [1]

.

1) 1)

«في خير» متعلّق بقوله عليه السّلام:«أرسله»أوّلا.

«دار» أي:البلد الحرام.

«و شرّ جيران» أي:قريش،عادوه حتّى أخرجوه،ثمّ حاربوه،كما أنّهم عادوا بعده وصيّه و حاربوه .

«نومهم سهد» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(سهود)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:44،لكن في شرح ابن ميثم 1:236:«نومهم سهاد».

،أي:قليل،و أرق و سهر.

«و كحلهم دموع» و إنّما كان نومهم سهودا،و كحلهم دموعا للفتن الّتي أخلّت بنظام معاشهم من نهب القوي للضعيف و قتل القادر للعاجز،و قال ابن أبي الحديد:معنى كون نومهم سهودا:أنّه لو استنامهم محمّد النوم لجادوا عليه بالسهود عوضا عنه،و معنى كون كحلهم دموعا:أنّه لو استجداهم الكحل لكان كحلهم الّذي يصلونه به الدموع (2).

قلت:و ما قاله كما ترى معنى بارد ركيك،و الصواب:ما عرفت من كون المراد أنّ لهم في أنفسهم بدل النوم السهود،و بدل الكحل الدموع،لا بالنسبة إلى النبيّ صلى اللّه صلى اللّه عليه و آله،ثمّ تعبيره بمحمّد دون النبيّ غلط،لأنّ التعبير من نفسه لا نقلا عنهم.

«بأرض عالمها ملجم» قال ابن قتيبة في(معارفه):كان جمع قبل مبعث النبيّ صلى اللّه عليه و آله على دين اللّه تعالى-و عدّ منهم زيد بن عمرو ابن عمّ عمر-قال:

فأولع عمر به سفهاء مكّة فآذوه فخرج إلى الشام فقتله النصارى (3).

«و جاهلها مكرّم» كأبي جهل،فجعلوه رئيسا عليهم من صباوته،


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:45. [1]

3) 3) المعارف لابن قتيبة:59،و [2]النقل بتصرّف.

و كنّوه أبا الحكم.

و قال ابن أبي الحديد:المراد من «عالمها ملجم» من آمن بالنّبيّ صلى اللّه عليه و آله، و من «جاهلها مكرّم» من كذّب بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:45،و النقل بالمعنى.

.

و هو كما ترى من كونه كسابقه تفسيرا ركيكا،و إنّما المراد حالهم قبل بعثته صلى اللّه عليه و آله.

هذا،و في(سنن أبي داود):أنّ قريشا أهمّتهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت،فقالوا:من يكلّم فيها؟أي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله-.

قالوا:و من يجترىء إلاّ اسامة بن زيد حبّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؟فكلّمه أسامة، فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:يا أسامة أتشفع في حدّ من حدود اللّه؟ثمّ قام،فاختطب فقال:

إنّما هلك الّذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه،و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ،و ايم اللّه لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها (2).

3

الخطبة(26)

من خطبة له عليه السّلام:

:إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ؟مُحَمَّداً ص؟ نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ- وَ أَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ وَ أَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ وَ فِي شَرِّ دَارٍ- مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وَ حَيَّاتٍ صُمٍّ- تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ وَ تَأْكُلُونَ الْجَشِبَ- وَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَ تَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ- الْأَصْنَامُ


1) 1)

2) 2) سنن أبي داود 4:132 ح 4373،و [1]صحيح مسلم 3:1315 ح 8-10 بثلاث طرق،و سنن الترمذي 4:37 ح 143، و [2]سنن النسائي 8:72-75 بعدّة طرق،و سنن ابن ماجه 2:851 ح 2547،و سنن الدارمي 2:173،و [3]مسند أحمد 5: 162 [4] عن عائشة،و في الباب عن الصادق عليه السّلام و جابر و ابن عمرو مسعود بن العجماء و سعيد بن المسيب.

فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ وَ الْآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ.

أقول:الأصل فيه ما رواه ابن قتيبة في(خلفائه)،و الكليني في(رسائله)، و إبراهيم الثقفي في(غاراته) (1)

يأتي لفظ روايتهم و تخريجه في ما يأتي هذا العنوان.

،و كون سببها سؤال الناس له بعد انقضاء أمر النهروان عن رأيه في أبي بكر و عمر و عثمان.

قال الأوّل:دخل حجر بن عدي،و عمرو بن الحمق،و عبد اللّه بن وهب الراسبي عليه السّلام،فسألوه عن الثلاثة،فقال:إنّي مخرج إليكم كتابا أنبّئكم فيه ما سألتموني عنه،فاقرأه على شيعتي،فأخرج إليهم كتابا فيه:أمّا بعد،فإنّ اللّه بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله نذيرا للعالمين،و أمينأ على التنزيل،و شهيدا على هذه الأمّة، و أنتم-يا معشر العرب-على غير دين،و في شرّ دار،تسفكون دماءكم و تقتلون أولادكم،و تقطعون أرحامكم،و تأكلون أموالكم بينكم بالباطل،فمنّ اللّه عليكم فبعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله صلى اللّه عليه و آله و سلم إليكم... (2)

و قال الثاني:كتب أمير المؤمنين عليه السّلام كتابا بعد منصرفه من النهروان و أمر أن يقرأ على الناس-إلى أن قال-بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله و أنتم-معاشر العرب- على شرّ حال،يغذو أحدكم كلبه،و يقتل ولده،و يغير على غيره،فيرجع و قد أغير عليه،تأكلون العلهز و الهبيد،و الميتة و الدم،منيخون على أحجار خشن، و أوثان مضلّة،تأكلون الطعام الجشب،و تشربون الماء الأجن،تسافكون دماءكم،و يسبي بعضكم بعضا 3.

و قال الثالث:خطب علي عليه السّلام بعد فتح مصر و قتل محمّد بن أبي بكر، فقال:أمّا بعد فإنّ اللّه بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله نذيرا للعالمين،و أمينا على التنزيل،


1) 1)

2) 2) أخرجه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة [1]ابن قتيبة-الإمامة و السياسة-ج 1 ص 154 1:154،و [2]هو كتاب تاريخ الخلفاء.

و شهيدا على هذه الأمّة،و أنتم-معاشر العرب-يومئذ على شرّ دين،و في شرّ دار،منيخون على حجارة خشن،و حيّات صمّ،و شوك مبثوث في البلاد، تشربون الماء تلخبيث،و تأكلون الطعام الخبيث،تسفكون دماءكم،و تقتلون أولادكم،و تقطعون أرحامكم،و تأكلون أموالكم بينكم بالباطل،سبلكم خائفة، و الأصنام فيكم منصوبة،و لا يؤمن أكثركم باللّه إلاّ و أنتم مشركون،فمنّ اللّه عزّ و جلّ عليكم بمحمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم،فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم فعلّمكم الكتاب و الحكمة،و الفرائض و السنن،و أمركم بصلة أرحامكم و حقن دمائكم، و صلاح ذات البين،و أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها،و أن توفوا بالعهد،و لا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها،و أن تعاطفوا و تبارّوا،و تباذلوا و تراحموا، و نهاكم عن التناهب،و التظالم،و التحاسد،و التباغي،و التقاذف،و عن شرب الخمر،و بخس المكيال،و نقص الميزان،و تقدم اليكم في ما يتلى عليكم أن لا تزنوا،و لا تربوا،و لا تأكلوا أموال اليتامى ظلما،و «أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» (1)

النساء:58. [1]

«وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» (2)«وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» (3)و كلّ خير يدني إلى الجنّة و يباعد عن النار أمركم به،و كلّ شرّ يدني إلى النار و يباعدكم عن الجنّة نهاكم عنه ... (4)

«إنّ اللّه» هكذا في(المصرية)،و زاد(ابن أبي الحديد) (5)«تعالى»


1) 1)

2) 2) البقرة:60. [2]

3) 3) البقرة:190. [3]

4) 4) الغارات [4]الثقفي-الغارات-ج 1 ص 303 [5]للثقفي 1:303،لكن اللفظ موافق لما نقل ابن أبي الحديد في شرحه 2:35،شرح الخطبة 66 عن كتاب الغارات،و لفظ أصل الكتاب:«هذه نسخة الكتاب من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى من قرأ كتاب هذا من المؤمنين و المسلمين...»،و قد مرّ بحث حول هذه الخطبة في مقدّمة المؤلف.

5) 5) لا توجد في شرح ابن أبي الحديد 1:121 [6] هذه الزيادة.

و(الخطّية)«سبحانه».

«بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله و سلم» ،و الصواب:(صلى اللّه عليه و آله)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 1:121،و [1]شرح ابن ميثم 2:23:«و [2]سلم»أيضا.

.

«نذيرا للعالمين» «إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً » (2).

«و أمينا على التنزيل» «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » (3).

«و أنتم-معشر العرب-على شرّ دين» في الأديان الباطلة،قال المغيرة بن زرارة الأسدي ليزدجرد في القادسية:كان ديننا أن يقتل بعضنا بعضا،و يغير بعضنا على بعض،و أن كان أحدنا ليدفن ابنته و هي حيّة كراهة أن تأكل من طعامه (4).

و في(معارف ابن قتيبة)في عنوان أديان العرب في الجاهلية:كانت النصرانية في ربيعة و غسّان و بعض قضاعة،و كانت اليهودية في حمير و بني كنانة و بني الحرث بن كعب و كندة،و كانت المجوسية في تميم،و منهم حاجب ابن زرارة،و كان تزوّج ابنته ثمّ ندم،و منهم الأقرع بن حابس،و كانت الزندقة في قريش أخذوها من الحيرة،و كان بنو حنيفة اتّخذوا في الجاهلية إلها من حيس(أي:تمر يخلط بسمن و أقط،و فيعجن شديدا ثمّ يندر منه نواه) فعبدوه دهرا طويلا،ثمّ أصابتهم مجاعة،فأكلوه،فقال رجل من بني تميم:

أكلت حنيفة ربّها زمن التقحّم و المجاعه

لم يحذروا من ربّهم سوء العواقب و التباعه

(5)


1) 1)

2) 2) الأحزاب:45. [3]

3) 3) الأنعام:124. [4]

4) 4) تاريخ الطبري 3:18 سنة 14. [5]

5) 5) المعارف لابن قتيبة:621. [6]

و في(السبائك):ديانات العرب كانت متباينة مختلفة،فصنف منهم قالوا بالدهر،و صنف أقرّوا بالمبدأ و أنكروا المعاد،و قالوا: «مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ» (1)

يس:78. [1]

،و صنف عبدوا الأصنام،و صنف عبدوا الملائكة، و صنف عبدوا الجنّ،و صنف يميل الى اليهودية،و صنف إلى النصرانية، و صنف إلى الصابئة،و يعتقدون أنّ الكواكب فعّالة بأنفسها (2).

و روى(سنن أبي داود):أنّ النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء، فكان منها:نكاح اليوم.

و الثاني:كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فستبضعي منه،و يعتزلها زوجها و لا يمسّها أبدا حتّى يتبيّن حملها من ذلك الرجل الّذي تستبضع منه،فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها إن أحبّ،و إنّما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد،فكان هذا النكاح يسمّى نكاح الاستبضاع.

و الثالث:يجتمع الرهط دون العشرة،فيدخلون على المرأة كلّهم يصيبها،فإذا حملت و وضعت و مرّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم،فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتّى يجتمعوا عندها،فتقول لهم:قد عرفتم الّذي كان من أمركم،و قد ولدت و هو ابنك يا فلان،فتسمّي من أحبّت منهم باسمه، فيلحق به ولدها.

و الرابع:يجتمع الناس الكثير لا تمتنع ممّن جاءها،و هنّ البغايا،كنّ ينصبن على أبوابهنّ رايات يكن علما لمن أرادهنّ دخل عليهن،فإذا حملت فوضعت،جمعوا لها و دعوا لهم القافة،ثمّ ألحقوا ولدها بالّذي يرون،فالتاطه، و دعي ابنه لا يمتنع من ذلك.


1) 1)

2) 2) سبائك الذهب للسويدي:101-102،و النقل بتلخيص.

فلمّا بعث اللّه محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم هدم نكاح أهل الجاهلية كلّه إلاّ نكاح أهل الاسلام اليوم (1)

سنن أبي داود 2:281 ح 2272،و غيره. [1]

.

قلت:و من الثالث كان تكوّن عمرو بن العاص،و من الرابع تكوّن زياد بن أبيه،لكن معاوية الحقه بأبيه أبي سفيان عن هواه لا بطريقة الجاهلية عن حكم القافة،و لا بسنّة الاسلام بكونه للفراش عبيد.

«و في شرّ دار» قال المغيرة ليزد جرد:و أمّا منازلنا فإنّما هي ظهر الأرض (2).

«منيخون» أي:مقيمون،و الأصل في الإناخة:إناخة الإبل على الأرض.

«بين حجارة خشن و حيّات صمّ» و في(الصحاح):الصمّة:الذكر من الحيّات (3).

و في(السير):قال رجل:كنت بالبادية،فرأيت ناسا حول نار فسألت عنهم،فقالوا:صادوا حيّات فهم يشتوونها،فأتيتهم فرأيت رجلا منهم قد أخرج حيّة من الجمر ليأكلها،فامتنعت عليه،فجعل مدّها،فما صرفت بصري عنه حتّى صرع،فمات.

هذا،و قال ابن قتيبة:جيء إلى المتوكل بأسود من بعض البوادي،يأكل الأفاعي و هي حيّة،يتلقّاها بالنهش من جهة رؤوسها،و يأكل ابن عرس و هو حيّ،يتلقاه بالأكل من جهة الرأس (4).

هذا،و قال ابن أبي الحديد:قوله عليه السّلام: «بين حجارة خشن و حيّات صمّ» يحتمل المجاز أيضا،و هو أحسن،يقال للأعداء:حيّات،و يقال للعدو:إنّه حجر


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 3:18 سنة 14.

3) 3) صحاح اللغة 5:1928 [2] مادة(صم).

4) 4) لم أجده في المعارف و لا عيون الأخبار.

خشن المسّ،إذا كان ألدّ الخصام (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:121. [1]

.

قلت:المقام ليس بمقام مجاز،فلا جواز له فضلا عن أحسنيته.ثمّ إطلاق الحيّة و الحجر ليس مختصّا بالعدو-كما قال-بل يطلقان على الولي أيضا، فيطلقان على الرجل الشديد و ليّا أو عدوّا .

«تشربون الكدر» فلم يكن عندهم صاف،قال الجاحظ في(بخلائه)في عنوان شرب العرب:كان للعرب شرب مجدوح،و هو إذا بلغ العطش منهم المجهود نحروا الإبل و تلقّوا دمائها بالجفان كيلا يضيع من دمائها شيء،فإذا برد الدم ضربوه بأيديهم،و جدحوه بالعيدان جدحا،حتّى ينقطع فيعتزل ماؤه من ثفله،كما يخلص الزبد بالمخيض و الجبن بالأنفحة،فيتصافنون ذلك الماء، و يبتلعون به حتّى يخرجوا من المفازة.قال:و لهم شرب غضّ و هو عصارة الفرث إذا أصابهم العطش في المفاوز (2).

و في(بلدان الحموي):سلاح:ماء لبني كلاب شبكة ملحة لا يشرب منها أحد إلاّ سلح (3).

«و تأكلون الجشب» قال الجوهري:طعام جشب و مجشوب،أي:غليظ و خشن،و يقال:هو الّذي لا أدم معه (4).

سئل اعرابي:ما تأكلون و ما تعافون؟قال:نأكل ما دبّ وهبّ إلاّ أمّ حبين.فقال السائل:تهنئي أمّ حبين العافية.

و قال المغيرة الأسيدي ليزدجرد:كنّا نأكل الخنافس و الجعلان


1) 1)

2) 2) البخلاء للجاحظ:337،339،و [2]النقل بتصرف يسير.

3) 3) معجم البلدان للحموي 3:233،و [3]المشترك و المفترق:250.

4) 4) صحاح اللغة 1:99 [4] مادة(جشب).

و العقارب و الحيّات (1)

تاريخ الطبري 3:18 سنة 14. [1]

.

قوله عليه السّلام في رواية الكليني:«تأكلون العلهز و الهبيد» (2)،قال الجاحظ:

العلهز:القردان ترضّ و تعجن بالدم (3).

و قال أبو عبيدة:الهبيد،حبّ الحنظل زعموا أنّه يعالج حتّى يمكن أكله (4).

و الهبيد:كان طعام عمر في الجاهلية،فقالوا:ذكر عمر خشونة مطعمه و ملبسه في صباه فقال:لقد رأيتني مرة و أختا لي نرعى على أبوينا ناضحا -أي بعير السقي-قد ألبستنا أمّنا نقبتها-النقبة:قطعة من ثوب قدر السراويل، يجعل لها حجزة محيطة من غير نيفق،و يشدّ حجزة السراويل- و زوّدتنا من الهبيد-فنخرج بناضحنا،فإذا طلعت الشمس ألقيت النقبة إلى أختي و خرجت أسعى عريانا،فنرجع إلى أمّنا و قد جعل لنا لفيتة-أي:ضربا من الطبيخ كالحساء من ذلك الهبيد-فيا خصباه.ذكروا ذلك في غريب حديث عمر (5).

و لا بدّ أنّه عليه السّلام عرّض به حيث سألوه عنه و عن أخويه.

و عدّ الجاحظ في(بخلائه)في طعام العرب غير العلهز و الهبيد أطعمة أخرى مذمومة منها:الغثّ،و الدعاع،و القدّ،و العسوم،و منقع البرم،و القصيد، و الحيّات،و الستشهد لها بأبيات:

كقول الشاعر:


1) 1)

2) 2) نقلا عن رسائل الكليني،كشف المحجة:174.

3) 3) البخلاء للجاحظ:339. [2]

4) 4) لسان العرب لابن منظور 3:431 مادة(هبد)،و غيره،لكن لم أجد من نقله عن أبي عبيد.

5) 5) النهاية لابن الأثير 5:339 مادة(هبد)،و غيره.

لم يأكل الغث و الدعاع و لم

و قول الشاعر:

و لا أقوات أهلهم العسوم

و قول الشاعر:

من المشتوين القدّ في كلّ شتوة

و قول الشاعر:

و أنتم حلول تشتوون الأفاعيا

(1).

و قال أيضا:القوامة:نحاتة القرون و الأظلاف،و القرّة:الدقيق المختلط بالشعر،كان الرجل منهم لا يحلق رأسه إلاّ و على رأسه قبضة من دقيق، ليكون صدقة على الضرائك و طهورا له (2).

و قال الحموي:كان لقضاعة و لخم و جذام و أهل الشام صنم يقال له:

الأقيصر،و كانوا يحجّون إليه و يحلقون رؤوسهم عنده،فكان كلّما حلق رجل منهم رأسه ألقى مع كلّ شعرة قرّة من دقيق-و هي قبضة-و كانت هوازن تنتابهم في ذلك الإبّان،فإن أدركه الهوازني قبل أن يلقي القرّة على الشعر، قال:أعطنيه-يعني الدقيق-فإنّي من هوازن ضارع،و إن فاته أخذ ذلك الشعر بما فيه من القمل و الدقيق فخبزه و أكله.فقال معاوية الجرمي في أبيات:

أ لم تر جرما أنجدت و أبوكم مع القمل في حفر الأقيصر شارع

(3)هذا،و في(شعراء ابن قتيبة):قال أبو عبيدة:دخلت على رؤبة بن العجّاج و هو يجيل جرذانا على النار،فقلت:أ تأكلها؟قال:نعم،انّها خير من دجاجكم،


1) 1) البخلاء للجاحظ:337-340. [1]

2) 2) البخلاء للجاحظ:339. [2]

3) 3) معجم البلدان للحموي 1:238،و [3]النقل بتقطيع.

إنّها تأكل البرّ و التمر (1)

الشعر و الشعراء لابن قتيبة:230. [1]

.

«و تسفكون دماءكم» بغير الحقّ .

«و تقتطعون أرحامكم» حتّى كانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق،و يئدون بناتهم لئلاّ تصير إلى قبيلة أخرى .

«الأصنام» قال الجزري:قيل:الصنم ما كان له جسم أو صورة،فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن (2).

«فيكم منصوبة» لكلّ قبيلة منهم صنم،و لابن الكلبي كتاب في أصنام العرب،و في(سيرة ابن هشام):اللاّت بيت لثقيف و يعظّمونه تعظيم الكعبة.

قال ضرار بن الخطاب الفهري:

و فرّت ثقيف إلى لاتها بمنقلب الخائب الخاسر

(3)و فيه:قال ابن إسحاق:و اتّخذ أهل كلّ دار في دارهم صنما يعبدونه،فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسّح به حين يركب،فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجّه إلى سفره،و إذا قدم من سفره تمسّح به،فكان ذلك أوّل ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله،فلمّا بعث اللّه تعالى رسوله محمّدا صلى اللّه عليه و آله بالتوحيد قالت قريش: «أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ» (4). و قالوا:لمّا ولّت خزاعة أمر البيت،و كان أوّل من ولي عمرو بن لحي، بعث العرب على عبادة التماثيل،و أكثر من نصب الأصنام حول الكعبة.

و قالوا:كان ودّ لكلب بدومة الجندل،و سواع لهذيل برها،و نسر لحمير،


1) 1)

2) 2) النهاية لابن الأثير 3:56 [2] مادة(صنم).

3) 3) سيرة ابن هشام 1:42 [3] بفرق يسير.

4) 4) سيرة ابن هشام 1:78،و الآية 5 [4] من سورة(ص).

و يغوث لهمدان،و اللاّت لثقيف،و العزّى لكنانة و قريش و مضر كلّها و بعض بني سليم،و السعير لعنزة،و عوص لبكر بن وائل.قال الأعشى:

حلفت بمائرات حول عوص و أنصاب تركن لدى السعير

و مناة بالمشلّل لغسّان و الأوس و الخزرج،و كان هبل لقريش خاصة على ظهر الكعبة،و أساف و نائلة على الصفا و المروة.

و عن(تهذيب الأزهري):الدوّار:صنم كانت العرب تنصبه يجعلون موضعا حوله يدورون به،و اسم ذلك الصنم و الموضع الدوّار.و منه قول امرىء القيس:

فعنّ لنا سرب كأنّ نعاجه عذارى دوار في ملاء مذيّل

(1)و في(القاموس):الضمار ككتاب:صنم عبده العبّاس بن مرداس و رهطه (2)،و رضا:صنم كان لطيّ،و به سمّي جدّ زيد الخيل:عبد رضا (3)، و سواع:بالضم و الفتح-و قرأ به الخليل-صنم عبد في زمن نوح عليه السّلام،فدفنه الطوفان،فاستشاره إبليس فعبد و صار لهذيل (4).

و في(المعجم):لمّا قتلت بنو أسد حجرا،و خرج ابنه امرؤ القيس في طلب ثأره،مرّ بتبالة و بها صنم للعرب تعظّمه يقال له:ذو الخلصة،فاستقسم عنده بقداحه،و هي ثلاثة:الأمر و الناهي و المتربّص،فأجالها فخرج الناهي، فجمعها و كسرها و ضرب بها وجه الصنم،و قال:مصصت بظر أمّك،لو قتل أبوك ما نهيتني،و قال:

لو كنت يا ذا الخلص الموتورا مثلي و كان شيخك المقبورا


1) 1) لسان العرب لابن منظور 4:297 [1] مادة(دور).

2) 2) القاموس المحيط 2:76 [2] مادة(ضمر).

3) 3) القاموس المحيط 4:335 [3] مادة(رضا)و نص ما جاء فيه:«رضا:بيت صنم لربيعة».

4) 4) القاموس المحيط 3:43 [4] مادة(سوع).

لم تنه عن قتل العداة زورا

ثم خرج فظفر ببني أسد،و قتل قاتل أبيه و أهل بيته،و ألبسهم الدروع البيض محماة و كحّلهم بالنار.و يقال:إنّه ما استقسم عند ذي الخلصة بعدها أحد بقدح حتّى جاء الاسلام و هدم.

و قالوا:كان لأهيب بن سماع صنم يقال له:راقب،و استعان به الحرث المصطلقي في حربه،فعقر له عقيرة ليستخيره في أمره،فسمع منه صوتا هائلا،فصار سبب هدايته،و له قصّة طويلة.

و في(أسد الغابة)كان عمرو بن الجموح الأنصاري سيّدا من سادات بني سلمة،و كان قد اتّخذ في داره صنما من خشب يقال له:مناف،يعظّمه و يطهّره،فلمّا أسلم فتيان بني سلمة،كانوا يدخلون بالليل على صنمه فيحملونه،و يطرحونه في بعض حفر بني سلمة،و فيها عذر بني سلمة منكّسا على رأسه،فإذا أصبح عمرو قال:و يلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ثمّ يغدو فيلتمسه،فإذا وجده غسله و طيّبه،ثمّ يقول:و اللّه لو أعلم من يصنع بك هذا لأخزينّه.يفعلون به ذلك كلّ ليلة،فلمّا ألحّوا عليه جاء بسيفه فعلّقه عليه،ثمّ قال له:إن كان فيك خير فهذا السيف معك.فلمّا أمسى عدوا عليه و أخذوا السيف من عنقه،ثمّ أخذوا كلبا ميّتا فقرنوه معه بحبل ثمّ ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر الناس،و غدا عمرو يبتغيه حتّى وجده مقرونا بكلب فأبصر رشده،و كلّم من أسلم من قومه،فأسلم و قال:

تاللّه لو كنت إلها لم تكن أنت و كلب وسط بئر في قرن

(1)و في(حلية أبي نعيم)عن أبي رجاء العطاردي:بعث النبيّ صلى اللّه عليه و آله و نحن على ماء لنا،و كان لنا صنم مدوّر،فحملناه على قتب،و انتقلنا من ذلك الماء إلى


1) 1) معجم البلدان للحموي 2:384،و النقل بتصرف يسير.

غيره،فمررنا برملة،فانسلّ الحجر فوقع في رمل فغاب فيه،فلمّا رجعنا إلى الماء فقدنا الحجر،فرجعنا في طلبه،فإذا هو في رمل قد غاب فيه فاستخرجناه.فقلت:إنّ إلها لم يمنع من تراب يغيب فيه لإله سوء،و إنّ العنز لتمنع حياها بذنبها.فكان ذلك أوّل إسلامي،فرجعت إلى المدينة،و قد توفي النبيّ صلى اللّه عليه و آله (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 2:305.

.

و قالوا:كان لسعد العشيرة صنم يقال له:فرّاض،و يقال لسادنه:ابن وقشة،و كان له رئي يخبره بما يكون،فأتاه فقال له:«اسمع العجب العجاب، بعث أحمد بالكتاب،بمكّة لا يجاب».

فحكى ابن وقشة ذلك لرجل من قومه،فلمّا سمع الرجل بخروج النبيّ صلى اللّه عليه و آله قام الى الصنم فحطّمه،ثمّ أتى النبيّ صلى اللّه عليه و آله فأسلم،و قال:

تبعت رسول اللّه إذ جاء بالهدى و خلّفت فرّاضا بأرض هوان

شددت عليه شدّة فتركته كأن لم يكن و الدهر ذو حدثان

و لمّا رأيت اللّه أظهر دينه أجبت رسول اللّه حين دعاني

فمن مبلغ سعد العشيرة أنّني شريت الّذي يبقى بآخر فان

(2)و قالوا:كان لبني عذرة صنم يقال له:حمام،و كان في بني هند بن حزام،و سادنه رجل منهم يقال له:طارق.فلمّا بعث النبيّ صلى اللّه عليه و آله سمعوا منه صوتا يقول: يا بني هند بن حزام،ظهر الحقّ و أودى حمام،و دفع الشرك الإسلام، ففزعوا.

ثم سمعوا بعد أيّام صوتا يقول:يا طارق بعث النبيّ الصادق بوحي


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 1 [2] ق 2:74،و النقل بتصرف.

ناطق.صدع صادع بأرض تهامه،لناصريه السلامه،و لخاذليه الندامه.هذا الوداع منّي إلى يوم القيامه.ثمّ وقع الصنم لوجهه.فأتى زمل العذري و نفر من قومه إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و أخبروه بما سمعوا.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:ذاك كلام مؤمن من الجنّ.فأسلموا (1)

المناقب [1]لابن شهر.آشوب 1:87،و النقل بتصرف.

،و قال زمل:

إليك رسول اللّه أعملت نصّها أكلّفها حزنا و فوزا من الرمل

و قالوا:كان لجهينة صنم،فرأى سادنه في النوم من يقول:تقشّعت الظلماء،و سطع الضياء،و بعث خاتم الأنبياء.أقبل حقّ فسطع،و دمغ باطل فانقمع.فكسر الصنم و لحق بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله،و قال:

شهدت بأنّ اللّه حقّ و أننّي لآلهة الاحجار أوّل تارك

و شمّرت عن ساق الازار مهاجرا إليك أجوب الوعث بعد الدكادك

فبعثه النبيّ صلى اللّه عليه و آله إلى قومه،فأسلموا إلاّ رجلا منهم كذّبه،فقال له:أمرّ اللّه عيش الأكذب منّي و منك،و أبكم لسانه،و أكمه إنسانه.فما مات حتّى عمي و افتقر و أبكم (2).

و في(الأسد):كان لأحمر بن سواء السدوسي صنم يعبده،فألقاه في بئر ثمّ أتى النّبي صلى اللّه عليه و آله فبايعه (3).

و فيه:كان اسم راشد بن حفص ظالما،و قيل:غاويا.فسمّاه النبيّ صلى اللّه عليه و آله راشدا،و كان سادن صنم بني سليم الّذي يدعى سواعا فكسره (4).

و في(المناقب):أنّه لمّا فتح النبيّ صلى اللّه عليه و آله مكّة كان فيها ثلاثمائة و ستون صنما بعضها مشدود ببعض بالرصاص،فأنفذ أبو سفيان من ليلة مناة إلى


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 1 [2] ق 2:68،و النقل بتصرف.

3) 3) أسد الغابة لابن الأثير 1:54. [3]

4) 4) أسد الغابة لابن الأثير 2:149. [4]

الحبشة،و منها إلى الهند فهيّؤوا لها دارا من مغناطيس،فتعلّقت في الهواء إلى أيّام محمود بن سبكتكين،فلمّا غزاها أخذها و كسرها،و نقلها إلى اصفهان و جعلت تحت مارّة الطريق (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:209. [1]

.

و في(كامل الجزري)في فتح مكّة:و كان على الكعبة ثلاثمائة و ستّون صنما،و كان بيد النّبي صلى اللّه عليه و آله قضيب،فكان يشير به إلى الأصنام و هو يقرأ «جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً» (2)،فلا يشير إلى صنم منها إلاّ سقط لوجهه (3).

و في(تاريخ بغداد)للخطيب:عن أبي مريم قال:قال عليّ عليه السّلام:انطلق بي النّبي صلى اللّه عليه و آله إلى الأصنام،فقال:اجلس،فجلست إلى جنب الكعبة،ثمّ صعد النبيّ صلى اللّه عليه و آله على منكبي،ثمّ قال:انهض بي إلى الصنم،فنهضت به،فلمّا رأى ضعفي تحته،قال:اجلس،فجلست و أنزلته عنّي،و جلس لي النبيّ صلى اللّه عليه و آله،ثمّ قال لي:يا علي اصعد إلى منكبي،فصعدت على منكبيه،ثمّ نهض بي النبيّ صلى اللّه عليه و آله، فلمّا نهض بي خيّل لي أنّي لو شئت نلت السماء،و صعدت على الكعبة،و تنحّي النّبيّ صلى اللّه عليه و آله فألقيت صنمهم الأكبر صنم قريش،و كان من نحاس موتّدا بأوتاد من حديد إلى الأرض،فقال لي النبيّ صلى اللّه عليه و آله:عالجه،فعالجته،فما زلت أعالجه و النبيّ صلى اللّه عليه و آله يقول:إيه إيه إيه،فلم أزل أعالجه حتّى استمكنت منه،فقال:دقّه فدقته،و كسرته و نزلت (4).


1) 1)

2) 2) الإسراء:81. [2]

3) 3) الكامل لابن الأثير الجزري 2:252 سنة 8. [3]

4) 4) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 13:302،و [4]أحمد في مسنده 1:84،و النسائي في الخصائص:113، و الخوارزمي في مناقبه:71،و ابن أخي تبوك في مسنده(منتخبه):429 ح 5،و الجويني في فرائط السمطين 1: 249 ح 193،عن أبي مريم،و في الباب عن أبي هريرة و جابر بن عبد اللّه،و جمع بعض طرقه الأخرى الهيثمي في مجمع الزوائد 6:23،و ابن شهر آشوب في مناقبه 2:135.

و في(الطبقات):لمّا أراد النبيّ صلى اللّه عليه و آله السير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة الدوسي يهدمه،و أمره أن يستمدّ قومه و يوافيه بالطائف،فخرج سريعا إلى قومه فهدم ذا الكفين،و جعل يحش النار في وجهه و يحرقه و يقول:

يا ذا الكفين لست من عبّادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا

إنّي حششت النار في فؤادكا

(1)و فيه:لمّا و فد خولان على النبيّ صلى اللّه عليه و آله و أسلموا قال لهم:ما فعل عمّ أنس -صنم لهم-قالوا:بشرّ و عرّ،أبدلنا اللّه به ما جئت به،و لو قد رجعنا إليه هدمناه،فلمّا رجعوا فلم يحلّوا عقدة حتّى هدموه (2).

و في(انساب البلاذري):و من سرايا النبيّ صلى اللّه عليه و آله سرية خالد بن الوليد بعد فتح مكّة لهدم العزّى ببطن نخلة،و سريّة عمرو بن العاص لهدم سواع برهاط من بلاد هذيل في شهر رمضان سنة ثمان (3).

و فيه:و من سرايا النبيّ صلى اللّه عليه و آله سريّة علي عليه السّلام لهدم الفلس صنم طيّ، و كان مقلّدا بسيفين أهداهما إليه الحارث بن أبي شمر،و هما مخذم و رسوب، و فيهما يقول علقمة:

مظاهر سربالي حديد عليهما عقيلا سيوف مخذم و رسوب

فأتى بهما النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم (4).

هذا و في(الطبري):أنّ جذيمة الأبرش اتّخذ صنمين يقال لهما:


1) 1) الطبقات لابن سعد 2 [1] ق 1:135.

2) 2) الطبقات لابن سعد 1 [2] ق 2:61،و النقل بتلخيص.

3) 3) أنساب الأشراف للبلاذري 1:381. [3]

4) 4) أنساب الأشراف للبلاذري 1:522،و [4]النقل بتصرف.

الضيزنان،و مكانهما بالحيرة معروف،و كان يستسقي بهما،و يستنصر بهما على العدو،فغزا أيادا،فبعثوا قوما،فسقوا سدنة الصنمين الخمر و سرقوهما، فبعثوا إلى جذيمة:إنّ صنميك أصبحا فينا،زهدا فيك و رغبة فينا،فإن أوثقت لنا أن لا تغزونا رددناهما إليك... (1)

تاريخ الطبري 1:440،و [1]النقل بتلخيص.

.

و رووا عن هشام الكلبي في قصّة أساف و نائلة:أنّ أسافا كان رجلا من جرهم يقال له:أساف بن يعلى،و أنّ نائلة كانت بنت زيد من جرهم،و كان يتعشّقها بأرض اليمن،فأقبلا حاجّين فدخلا الكعبة،فوجدا غفلة من الناس و خلوة في البيت،ففجر بها في البيت فمسخا،فأصبحوا فوجدوهما مسخين فوضعا عند الكعبة ليتّعظ بهما الناس،فلمّا طال مكثهما و عبدت الأصنام عبدا معها.فكانوا ينحرون و يذبحون عندهما إلى أن كسرهما النبيّ صلى اللّه عليه و آله يوم الفتح في ما كسر من الأصنام... (2)

و لكن في خبر عن مسعدة أنّهما كانا شابّين صبيحين،و كان بأحدهما تأنيث،و كانا يطوفان بالبيت فصادفا من البيت خلوة،فأراد أحدهما صاحبه، ففعل،فسخهما اللّه تعالى،فقالت قريش:لو لا أنّ اللّه رضي أن يعبد هذان معه ما حوّلهما عن حالهما (3).

«و الاثام بكم معصوبة» أي:مشدودة،يقال:عصب رأسه بعصابة.كانوا يزنون،و يشربون،و يسرقون،و يقامرون،قال ابن قتيبة في(شعرائه):إنّه لمّا رحل الأعشى-و هو ابن قيس قتيل الجوع-إلي النبيّ صلى اللّه عليه و آله في صلح الحديبية، فسأله أبو سفيان عن وجهه الّذي يريد،فقال:أردت محمدا.قال:إنّه يحرم


1) 1)

2) 2) رواه عنه الحموي في معجم البلدان للحموي 1:170. [2]

3) 3) الكافي للكليني ح 4:546 29. [3]

عليكم الخمر،و الزنا،و القمار.قال:أمّا الزنا فقد تركني و لم أتركه،و أمّا الخمر فقد قضيت منها و طرا،و أمّا القمار فلعلّي أصيب منه عوضا... (1)

الشعر و الشعراء لابن قتيبة:79. [1]

.

و قالوا:ان عمرو بن كلثوم،و زهير بن جناب،و عامر ملاعب الأسنّة ممّن غضبوا فشربوا خمرهم صرفا حتّى ماتوا.

و قيل لحنظلة بن الشرقي:ما أدنى آثامك ليلة الدير؟قال:نزلت بديرانية، فأكلت عندها طفشليا-أي:مرقا-بلحم خنزير،و شربت من خمرها،و زنيت بها،و سرقت كأسها و مضيت.

و جعل عمرو بن لحي الخزاعي فتح باب الكعبة و غلقه إلى أبي غبشان الخزاعي،فباعه أبو غبشان من قصيّ ببعير و زقّ خمر،فقال شاعر:

إذا افتخرت خزاعة في قديم وجدنا فخرها شرب الخمور

و باعت كعبة الرحمن جهرا بزقّ بئس مفتخر الفخور

و قالوا:كان سبب الفجار الثاني من الفجار الأربعة أنّ فتية من قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ،و عليها برقع،و هي في درع فضل،فأعجبهم ما رأوا من هيئتها،فسألوها أن تسفر عن وجهها، فأبت عليهم،فأتى أحدهم من خلفها،فشدّ ذيلها بشوكة إلى ظهرها،و هي لا تدري،فلمّا قامت تقلص الدرع عن دبرها،فضحكوا و قالوا:منعتنا النظر إلى وجهها،فقد رأينا دبرها.فنادت المرأة يا آل عامر فتثاور الناس،و وقع يوم الفجار الثاني.

و قصة ذات النحيين التي يضرب بها المثل،و يقال:أشغل من ذات النحيين.معروفة:كانت امرأة من تيم اللّه بن ثعلبة تبيع السمن،فأتاها خوّات بن جبير الأنصاري ليبتاع منها سمنا،فلم ير عندها أحدا فطمع فيها و ساومها،


1) 1)

فحلّت نحيا،فنظر إليه،ثمّ قال:أمسكيه حتّى أنظر إلى غيره فأمسكته.و قال:

حلّي نحيا آخر،ففعلت و نظر إليه،فقال:أريد غير هذا،امسكيه شرد بعيري.

ففعلت،فلمّا شغلت يديها ساورها،فلم تقدر على دفعه حتّى قضى ما أراد و هرب،فقال:

شغلت يديها إذ أردت خلاطها بنحيين من سمن ذوي عجرات

فأخرجته ريّان ينطف رأسه من الرامل المذموم بالمقرات

ثمّ أسلم و شهد بدرا،فقال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:كيف شراؤك يا خوّات؟ و تبسّم.فقال:رزق اللّه خيرا،و أعوذ باللّه من الحور بعد الكور (1)

الاستيعاب لابن عبد البر 1:445،و [1]أسد الغابة لابن الأثير 2:125 و غيرهما.

.

و في رواية قال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:ما فعل بعيرك أشرد عليك؟فقال:أمّا منذ عقله الإسلام فلا (2).

و خوّات هذا هو الّذي شهد حفر الخندق،و كان في ذاك الوقت لم يحلّ الإفطار في ليالي شهر رمضان بعد صلاة العشاء و النوم فنام ليلة و لم يفطر، فانتبه و قد حرم عليه الأكل،و لمّا أصبح و حفر غشي عليه،فرقّ له النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم،و أنزل تعالى به: «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» (3).

و لألفهم و اعتيادهم بالآثام سألت هذيل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم أن يحلّ لهم الزنا، فقال حسّان:

سالت هذيل رسول اللّه فاحشة ضلّت هذيل بما سالت و لم تصب

و سألت بنو عمرو بن عمير من ثقيف و بنو المغيرة من مخزوم


1) 1)

2) 2) الاستيعاب لابن عبد البر 1:445،و أسد الغابة لابن الأثير 2:125 و [2]غيرهما.

3) 3) تفسير القمي 1:66، [3]لكن المشهور نزول هذه الآية في قيس بن صرمة الأنصاري،أخرجه عدة،جمع بعض طرقه السيوطي في الدر المنثور 1:197،198،و الآية 187 [4] من سورة البقرة.

النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم أن يحلّ لهم الربا،فنزلت كما في(أسباب نزول الواحدي)آية:

«وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِ» (1)

أسباب النزول للواحدي:58،و [1]جمع بعض طرقه السيوطي في الدر المنثور 1:366،و [2]الآيتان 278-279 من سورة البقرة. [3]

.

هذا،و في(الكافي)عن الباقر عليه السّلام:إنّ ناسا أتوا النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بعد ما أسلموا،فقالوا:يا رسول اللّه أ يؤخذ الرجل منّا بما كان عمل في الجاهلية بعد إسلامه؟فقال لهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم:من حسن إسلامه و صحّ يقين إيمانه لم يأخذه اللّه تعالى بما عمل في الجاهلية،و من سخف إسلامه،و لم يصحّ يقين إيمانه أخذه اللّه تعالى بالأوّل و الآخر (2).

قلت:و مصداق الأوّل خوّات المتقدّم صاحب ذات النحيين،و مصداق الثاني المغيرة بن شعبة،غدر في جاهليته بجمع فقتلهم و أخذ أموالهم،و صار في إسلامه سببا لتصدي الرجلين الأجنبيين لخلافة النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم،و صار سببا لا ستلحاق معاوية زيادا به،و استخلافه ابنه السكّير القمّير،كما أنّ جمعا أسلموا لو كانوا بقوا على شركهم كانوا أهون عذابا،و هم الّذين عملوا مع أهل بيت نبيّهم ما عملوا «وَ لا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً» (3).

4

الخطبة(87)

و من خطبة له عليه السّلام:

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ اعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ- وَ انْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ- وَ الدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 2:461 ح 1. [4]

3) 3) الإسراء:82. [5]

ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ- عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا- وَ إِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا وَ اغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا- قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى وَ ظَهَرَتْ أَعْلاَمُ الرَّدَى فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ- وَ طَعَامُهَا الْجِيفَةُ وَ شِعَارُهَا الْخَوْفُ وَ دِثَارُهَا السَّيْفُ.

و في(156) من خطبة له عليه السّلام:

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ انْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ.

أقول:رواهما( الكافي الكليني-الكافي-كتاب فضل العلم باب الردّ الى الكتاب و السنة،ج 2 ص 60 ح 7 )في باب:الرّد إلى الكتاب و السنّة من(كتاب عقله) مع زيادة هكذا:«يا أيّها الناس إنّ اللّه تبارك و تعالى أرسل إليكم الرسول، و أنزل إليه الكتاب بالحقّ،و أنتم أميّون عن الكتاب و من أنزله،و عن الرسول و من أرسله،على حين فترة من الرسل،و طول هجعة من الامم،و انبساط من الجهل،و اعتراض من الفتنة،و انتقاض من المبرم،و عمى عن الحقّ،و اعتساف من الجور،و امتحان من الدين،و تلظّ من الحروب.على حين اصفرار من رياض جنّات الدّنيا،و يبس من أغصانها،و انتثار من ورقها،و يأس من ثمرها، و اغورار من مائها.قد درست أعلام الهدى،فظهرت أعلام الردى،فالدّنيا متجهّمة في وجوه أهلها مكفهرّة،مدبرة غير مقبلة،ثمرتها الفتنة، و طعامها الجيفة،و شعارها الخوف،و دثارها السيف.مزّقتم كلّ ممزّق،و قد أعمت عيون أهلها،و أظلمت عليها أيّامها،قد قطعوا أرحامهم،و سفكوا دماءهم،و دفنوا في التراب الموءودة بينهم من أولادهم.يجتاز دونهم طيب العيش،و رفاهية خفوض الدنيا،لا يرجون من اللّه ثوابا،و لا يخافون -و اللّه-منه عقابا.حيّهم أعمى نجس،و ميّتهم في النار مبلس.فجاءهم

بنسخة ما في الصحف الأولى... (1)

الكافي للكليني 2:60 ح 7 [1] في باب الردّ الى الكتاب و السنة،لكن هذا الباب في كتاب فضل العلم لا كتاب العقل و الجهل.

.

و عن القمي روايتهما في أوّل( تفسيره القمي-تفسير القمي-ج 1 ص 2 ) (2).

و يناسب كلامه عليه السّلام كلام سيّدة النساء صلوات اللّه عليها في خطبتها التي رواها أحمد بن أبي طاهر البغدادي في(بلاغات نسائه)،فروى أنّها قالت:

ابتعثه اللّه تعالى إتماما لأمره،و عزيمة على إمضاء حكمه،فرأى الامم فرقا في أديانها،عكفا على نيرانها،عابدة لأوثانها،منكرة للّه تعالى مع عرفانها،فأنار اللّه عزّ و جلّ بمحمّد ظلمها،و فرّج عن القلوب بهمها،و جلّى عن الأبصار غممها... (3).

قوله عليه السّلام فيهما : «أرسله على حين فترة» في(النهاية):الفترة ما بين الرسولين من رسل اللّه تعالى من الزمان الّذي انقطعت فيه الرسالة،و منه فترة ما بين عيسى و محمّد صلى اللّه عليه و آله (4).

في(أنساب البلاذري):كان كعب بن لؤي يخطب الناس في أيّام الحجّ، فيقول:أعظموا هذا الحرم،و تمسّكوا به فسيكون له نبأ،و يبعث منه خاتم الأنبياء،بذلك جاء موسى و عيسى.ثمّ ينشد:

على فترة يأتي نبيّ مهيمن يخبّر أخبارا عليها خبيرها

(5)«من الرسل» و لم يقل من الأنبياء لاتصال الأنبياء،و هم أوصياء المسيح من المسيح إليه صلى اللّه عليه و آله،كما مرّ في الفصل المتقدّم (6).


1) 1)

2) 2) تفسير القمي 1:2.

3) 3) بلاغات النساء للبغدادي:29. [2]

4) 4) النهاية لابن الأثير 3:408 [3] مادة(فتر).

5) 5) أنساب الأشراف للبلاذري 1:41. [4]

6) 6) مرّ في الفصل الخامس في العنوان 1.

«و طول هجعة» قال الجوهري:الجوهري:الهجوع:النوم ليلا (1)

صحاح اللغة للجوهري 3:1305 مادة(هجع)،و لفظ«ليلا»في بعض النسخ.

.

«من الأمم» و عدم تنبّههم لرشدهم.

قوله عليه السّلام في الثاني :«و انتقاض من المبرم»أي:حلّ الحبلين اللذين فتلا فجعلا واحدا،و المراد نقض الديانات الإلهية.

قوله عليه السّلام في الأوّل: «و اعتزام من الفتن» قال:ابن أبي الحديد:كأنّه عليه السّلام جعل الفتن معتزمة،أي:مريدة مصمّمة للشغب و الهرج.و يروى:«و اعتراض» و يروى:«و اعترام»بالراء المهملة من العرام،و هي:الشّرّة (2).

قلت:الصحيح الأخير بتصديق(الكافي)،و(تفسير القمّي)له نسخة واحدة مع أنّ(الاعتزام)بالزاي إنّما يتعدى ب‍(على)و ليس-بل لم يذكر-له مفعول،(و الاعترام)بالراء لم يعلم استعماله مستقلا،و إنّما يقال:صبي عارم.

«و انتشار من الأمور» و اختلالها،و اغتشالها لعدم نظام لها.

«و تلظّ» أي:التهاب.

«من الحروب» الّتي كانت كالنار،قال ابن قتيبة في(معارفه):الأيّام المشهورة في الجاهلية يوم ذي قار:كان بين جيش أبرويز و هاني الشيباني، لما استودعه النعمان عياله و مائة درع،و هرب فظفر بنو شيبان،و يوم الفجار الأوّل:كاد أن يكون حرب و لم يقع،و يوم الفجار الثاني:كان بين كنانة و قيس عيلان،و يوم شويحط:كان بين اليمن و مضر.و كانت لهم في حرب بكر و تغلب ستّة أيّام مشهورة:يوم عنيزة،و يوم واردات،و يوم الحنو،و يوم القصيبات،و يوم قضة،و يوم تحلاق اللمم،و كانت هذه الحرب أربعين سنة، و حرب داحس و غبراء بين عبس و ذبيان،تراهنوا فسبقت(الغبراء)فرس


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:135. [1]

عبس،فوضعت ذبيان كمينا فردّوها،فهاجت الحرب بينهما (1)

المعارف لابن قتيبة:603 و [1]النقل بتلخيص.

.

و في(اشتقاق ابن دريد)أنّه سمّي الحارث بن مالك من بني عجل و صّافا،لأنّ المنذر الأكبر يوم أوارة قتل بكر بن وائل قتلا ذريعا،و كان يذبحهم على جبل،فآلى أن يذبحهم حتّى يبلغ الدم الأرض،فقال له الوصّاف:

أبيت اللعن،لو قتلت أهل الأرض هكذا لم يبلغ دمهم الحضيض،و لكن تأمر بصبُّ الماء على الدم حتّى يبلغ الدم الأرض (2).

و فيه:و من رجال بني عكابة و قاء بن الأشعر،و كان الأشعر سيّدا و هو لسان الحمّرة أحد البلغاء في الجاهلية،ولد(وقاء)في حرب كانت بينهم،و جاء الإسلام فاشتغلوا به،فقال أبوه:و قانا اللّه به،فسمّي وقاء (3).

و قد جمع ابن عبد ربّه في(عقده) (4)،و الجزري في(كامله) (5)أيّام العرب و حروبها مبسوطة.

«و الدنيا كاسفة النور» مظلمة.

«ظاهرة الغرور» فلم يكن لأحد على معتمد.

«على حين اصفرار من ورقها» كالأشجار وقت الخريف.

«و إياس من ثمرها» بعد حصول العيب في أصلها،حتّى يبس غصنها، و انتشر ورقها،كما مرّ في رواية(الكافي).

«و اغورار» كاحمرار من(غار الماء):ذهب.


1) 1)

2) 2) الاشتقاق لابن دريد:345. [2]

3) 3) الاشتقاق لابن دريد:354 و [3]النقل بتصرف.

4) 4) العقد الفريد لابن عبد ربه 6:2.

5) 5) الكامل لابن الأثير الجزري 1:502.

«من مائها» يقال:ماء غور،أي:غائر،و نقله ابن أبي الحديد (1)

نقل ابن أبي الحديد في شرحه 2:135 روايتين:«اعورار»و«اغورار»و أثبت الثاني في متن الخطبة.

:«و إعوار من مائها»و جعل «و اغورار من مائها» نسخة،مع أنّه لا معنى لإعوار مائها و جعله له من(فلاة عوراء)لا ماء بها غلط،لأنّه أثبت لها ماء،مع أنّ(الكافي) (2)و(تفسير القمي) (3)أيضا نقلاه:«و اغورار».

«قد درست» أي:صارت مندرسة.

«منار الهدى» قد عرفت أنّ في رواية(الكافي) (4):«أعلام الهدى»و هو الأنسب بقوله: «قد درست» .

«و ظهرت» للناس.

«أعلام» أي:علائم.

«الردى» أي:الهلكة.

«فهي» أي:الدّنيا.

«متجهّمة لأهلها» أي:متلقّيتهم بالغلظة،و قال الخوئي:و في نسخة «متهجّمة لأهلها» (5).

قلت:هي تحريف،لأنّه لا يقال:تهجم لفلان بل على فلان،و النسخة إنّما تنقل في ما احتملت صحّتها.

«عابسة في وجه طالبها» فلا يحصل منها مطلوبه.

«ثمرها الفتنة» كشجرة ثمرتها مرّة.

«و طعامها الجيفة» كطعام الكلاب،روى الطبري في(ذيله)أنّه قيل لعبد


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:60 ح 7. [1]

3) 3) لفظ تفسير القمي 1:3«و [2]اغوار من مائها».

4) 4) الكافي للكليني 1:60 ح 7.

5) 5) جعل الخوئي في شرحه 3:64«متهجمة»أصلا،ثم قال:«و في بعض النسخ متجهمة بتقديم الجيم على الهاء».

خير:هل تذكر من أمر الجهّال شيئا؟و كان أتى عليه مائة و عشرون سنة.قال:

أذكر أنّ أمّي طبخت لنا قدرا،فقلت:اطعمينا.فقالت:حتّى يجيء أبوكم.فجاء أبي فقال:إنّ كتاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله قد جاءنا ينهانا عن لحوم الميتة.قال:فاذكر أنّها كانت لحم ميتة فأكفأناها (1)

منتخب ذيل المذيل للطبري:81. [1]

.

و روى أبو نعيم في(حليته)عن أبي رجاء العطاردي-و كان أدرك الجاهلية-قال:بلغنا أمر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و نحن على ماء لنا يقال له:سند،فانطلقنا نحو الشجرة هاربين(أو قال هربا)بعيالنا،فبينما أنا أسوق بالقوم إذ وجدت كراع ظبي طريّ فأخذته فأتيت المرأة،فقلت:هل عندك شعير؟فقالت:قد كان في وعاء لنا عام أوّل شيء من شعير ما أدري بقي منه أم لا.

فأخذته فنفضته،فاستخرجت منه ملء كف من شعير،فرضخته بين حجرين،ثمّ ألقيته و الكراع في برمة،ثمّ قمت إلى بعير ففصدته إناء من دم ثمّ أوقدت تحته،ثمّ أخذت عودا فلبكته به لبكا شديدا حتّى أنضجته.ثمّ أكلنا،فقال له رجل:يا أبا رجاء كيف طعم الدم؟قال:حلو (2).

و قالوا:كانت بنو أسد تأكل الكلاب،فقال الفرزدق:

إذا أسديّ جاع يوما ببلدة و كان سمينا كلبه فهو آكله

و قالوا:كان بنو فقعس يأكلون لحوم الناس،قال شاعر:

إذا ما صفت ليلا فقعسيّا فلا تأكل له أبدا طعاما

فانّ اللحم إنسانا فدعه و خير الزاد ما منع الحراما

و عن ابن قرفة:أضافني أعرابي،فجاءني بقدر جمّاعة ضخمة،ليس فيها شيء إلاّ قطع من لحم،فإذا بضعة تتمّات في فمي،و بعضة كأنّها بضع


1) 1)

2) 2) حلية الأولياء [2]لأبي نعيم 2:305.

ساق،و بضعة كأنّها شحم رخم،فقلت:ما هذا؟فقال:إنّي رجل صيّاد جمعت بين ذئب و ظبي و ضبع.

«و شعارها الخوف و دثارها السيف» قال الجوهري:الشعار:ما ولي الجسد من الثياب (1)

صحاح اللغة للجوهري 2:699 [1] مادة(شعر).

،و الدثار:كلّ ما كان من الثياب فوق الشعار (2).

قال تعالى: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ اَلَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» (3).

5

من الخطبة(92)

حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِلَى؟مُحَمَّدٍ ص؟ فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً- وَ أَعَزِّ الْأَرُومَاتِ مَغْرِساً- مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ- وَ انْتَخَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ- وَ أُسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسَرِ وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ- نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ وَ بَسَقَتْ فِي كَرَمٍ- لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ وَ ثَمَرَةٌ لاَ تُنَالُ- فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَ بَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى.

سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ وَ شِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ- وَ زَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ سِيرَتُهُ الْقَصْدُ- وَ سُنَّتُهُ الرُّشْدُ وَ كَلاَمُهُ الْفَصْلُ وَ حُكْمُهُ الْعَدْلُ- عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ هَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ وَ غَبَاوَةٍ عَنِ الْأُمَمِ.

«حتّي أفضت كرامة اللّه سبحانه إلى محمّد صلى اللّه عليه و آله» روى(سنن أبي داود)في باب الثوم:أن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم أتى ببدر-أي:طبق فيه خضرات من البقول-فوجد


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 2:655 [2] مادة(دثر).

3) 3) قريش:3-4. [3]

لها ريحا،فقال:قرّبوها إلى بعض أصحابه كان معه،فلمّا رآه كره أكلها،فقال له:كلّ فإنّي أناجي من لا تناجي (1)

هذا حديث جابر أخرجه أبو داود في سننه 3:360 ح 3822،و [1]جمع ابن الأثير في جامع الأصول 8:279 ح 5514 طرق أصحاب الصحاح و اختلاف ألفاظهم،و في الباب عن علي عليه السّلام و سويد و النقل بتلخيص.

.

«فأخرجه من أفضل المعادن منبتا» عن الكاظم عليه السّلام:أنّ يهوديا من يهود الشام و أحبارهم كان قد قرأ التوراة،و الإنجيل،و الزبور،و صحف الأنبياء و عرف دلائلهم،جاء إلى مجلس فيه أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله و فيهم علي بن أبي طالب و ابن عباس و ابن مسعود و أبو سعيد الجهني،فقال:يا أمّة محمّد ما تركتهم لنبيّ درجة،و لا لمرسل فضيلة إلاّ نحلتموها نبيّكم،فهل تجيبوني عمّا أسألكم عنه؟فكاع القوم عنه،فقال علي بن أبي طالب:نعم،ما أعطى اللّه نبيّا درجة و لا مرسلا فضيلة إلاّ و قد جمعها لمحمّد صلى اللّه عليه و آله،و زاد محمّدا على الأنبياء أضعافا مضاعفة (2).

«و أعزّ الأرومات» بالفتح،جمع أرومة:أصل الشجرة.

«مغرسا» من حيث النسل،أي:النسل السامي،و في خطبة له عليه السّلام المرويّة في(إثبات المسعودي):ثمّ أذنت في إيداعه صلى اللّه عليه و آله ساما دون حام و يافث،فضربت لهما بسهم في الذلّة،و جعلت ما أخرجت من بينهما لنسل سام خولا (3).

و في(معارف ابن قتيبة):العرب كلّها،و الأنبياء كلّها من ولد سام (4).

«من الشّجرة التي صدع» أي:شقّ.

«منها أنبياءه» و المراد من الشجرة إبراهيم عليه السّلام،فرسل جاءوا بعده


1) 1)

2) 2) الاحتجاج للطبرسي:210 [2] عن موسى بن جعفر الكاظم عن أبيه عن آبائه عن الحسين بن علي عليهم السلام.

3) 3) إثبات الوصيّة للمسعودي:108. [3]

4) 4) المعارف لابن قتيبة:27،28. [4]

كانوا من نسله .

«و انتخب» أي:اختار.

«منها أمناءه» على وحيه،و فسّر قوله تعالى: «الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ» (1)

الشعراء:218-219. [1]

في الأخبار بمعنى:حين تقوم في النبوّة،و تقلّبك في أصلاب النبيين .

«عترته خير العتر» كما أنّه خير البشر،و في(الصحاح):عترة الرجل:

نسله و رهطه الأدنون (2).

روى أبو سعيد الخدري عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:إنّي أوشك أن أدعى فأجيب،و إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه عزّ و جلّ حبل ممدود بين السماء و الأرض و عترتي أهل بيتي،و أخبرني اللطيف أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض (3).

«و أسرته» و هم بنو هاشم.

«خير الأسر» فكانت بنو هاشم أفضل طوائف قريش .

«و شجرته» و هم قريش.

«خير الشجر» فكانت قريش أفضل طوائف العرب .

«نبتت في حرم» أي:عزّ و منعة،و ليس المراد مكّة كما احتمله ابن


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة 2:735 [2] مادة(عتر).

3) 3) هذا الحديث المعروف بحديث الثقلين من الأحاديث المتواترة،أخرجه أحمد بأربع طرق في مسنده 3:14،17، 26،59،و ابن سعد في الطبقات 2 ق 2:2،و أبو يعلى في مسنده،و الباوردي عنهما إحياء الميت:13،47 ح 8،55، و الطبراني في معجمه عنه الدر المنثور 2:60،و [3]الثعلبي في تفسيره عنه ينابيع المودة:32،و [4]الصدوق بخمس طرق في كمال الدين:235-240 ح 46،48،50،57،61،و [5]أبو علي الطوسي في أماليه 1:261 المجلس 9 و [6]غيرهم عن أبي سعيد الخدري،و في الباب عن علي و فاطمة و الحسن عليهم السلام و ابن عباس و زيد بن الأرقم و ثلاثة عشر آخرين من أصحاب النبي صلى اللّه عليه و آله.

أبي الحديد (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:180.

،فلو كانت مرادة لقال:في الحرم لا في حرم .

«و بسقت» أي:علت.

«في كرم» و شرف.روى(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله بيّنا في المسجد الحرام،و عليه ثياب له جدد فألقى المشركون عليه سلا ناقة، فملئوا ثيابه بها،فدخله من ذلك ما شاء اللّه،فذهب إلى أبي طالب،فقال له:يا عمّ كيف ترى حسبي فيكم؟فقال له:و ما ذاك يابن أخي؟فأخبره الخبر،فدعا أبو طالب حمزة،و أخذ السيف و قال لحمزة:خذ السلا.ثمّ توجّه إلى القوم و النبيّ صلى اللّه عليه و آله معه،فأتى قريشا و هم حول الكعبة،فلمّا رأوه عرفوا الشرّ في وجهه،ثمّ قال لحمزة:أمرّ السلا على سبالهم،ففعل ذلك حتّى أتى على آخرهم،ثم التفت أبو طالب إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله،فقال:يا ابن أخي هذا حسبك فينا (2).

«لها فروع طوال» قال تعالى له: «إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ » (3).

«و ثمرة لا تنال» هكذا في(المصرية)و الصواب:(و ثمر لا ينال)كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (4)،قال ابن أبي الحديد:ليس على أن يريد به أنّ ثمرها لا ينتفع به،لأن ذلك ليس بمدح،بل يريد به أنّ ثمرها لا ينال قهرا، و لا يجنى غصبا (5).

قلت:إنّما ينال قهرا و غصبا من الإنسان لا من الشجر و الثمر،و الصواب أن يقال:إنّ شرف الشجر بعلوّه حتّى لا ينهب ثمره كلّ من مرّ عليه،و المراد أنّ


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 1:449 ح 30 و [1]جمع آخر.

3) 3) الكوثر:1-3. [2]

4) 4) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:180، [3]لكن في شرح ابن ميثم 2:395«تنال»أيضا.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 2:180. [4]

علوم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و كمالاته ليست عاديّة متعارفة حتّى يدّعي نيابته كلّ أحد، و غرضه عليه السّلام التعريض بالمتقدّمين عليه بكونهم غير أهلين لتصدي مقامه صلى اللّه عليه و آله،لأنّ النائب كالمنوب عنه بقضية العقول،و أين هم من النبيّ صلى اللّه عليه و آله، و إنّما كان أهل بيته مثله،و ممّا يوضح كونهم عليهم السلام ثمرة شجرة النبيّ صلى اللّه عليه و آله قوله عليه السّلام لمّا بلغه أنّ قريشا احتجّوا في السقيفة لتقدّمهم على الأنصار بكونهم شجرة النبيّ صلى اللّه عليه و آله:«احتجّوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة» (1)

رواه الشريف الرضي ضمن خطبة في نهج البلاغة 1:116 الخطبة 65.

.و في زياراتهم عليهم السلام:«السلام على الشجرة النبوية،و الدوحة الهاشمية المضيئة المثمرة بالنبوّة،المونعة بالإمامة » (2).

«فهو إمام من اتّقى» اللّه في عمله فليتّبعه غيره،روى(الطبري)أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله عدّل صفوف أصحابه يوم بدر و في يده قدح يعدّل به القوم،فمرّ بسواد بن غزية حليف بني عدي من النجّار و هو مستنتل من الصف،فطعن النبيّ صلى اللّه عليه و آله في بطنه بالقدح،و قال:استويا سواد بن غزية.فقال:يا رسول اللّه أو جعتني و قد بعثك اللّه بالحقّ،فأقدني.فكشف النبيّ صلى اللّه عليه و آله عن بطنه،ثمّ قال:

استقد.فاعتنقه و قبّل بطنه،فقال ما حملك على هذا يا سواد؟فقال:يا رسول اللّه حضر ما ترى فلم آمن القتل،فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك.فدعا له النبيّ صلى اللّه عليه و آله بخير (3).

«و بصيرة من اهتدى» فليسلك مسلكه،روى الطبري عن أبي سفيان قال:

كنّا قوما تجّارا،و كانت الحرب بيننا و بين محمّد قد حصرتنا حتّى نهكت أموالنا،فلمّا كانت الهدنة بيننا و بينه لم نأمن أن لا نجد أمنا فخرجت في نفر


1) 1)

2) 2) رواه في صدر زيارة المجلسي في البحار 102:212. [1]

3) 3) تاريخ الطبري سنة 2:148 2. [2]

من قريش تجّارا إلى الشام،و كان وجه متجرنا غزّة،فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من فارس،و أخرجهم منها،و انتزع له منهم صليبه الأعظم،و كانوا قد استلبوه إيّاه،فلمّا بلغ ذلك منهم و بلغه أنّ صليبه قد استنقذ له،و كانت حمص منزله،خرج منها يمشي على قدميه متشكرا للّه حين ردّ عليه ما ردّ ليصلّي في بيت المقدس،تبسط له البسط،و تلقى عليها الرياحين،فلمّا انتهى إلى إيليا،و قضى فيها صلاته،و معه بطارقته،و أشراف الروم،أصبح ذات غداة مهموما يقلّب طرفه إلى السماء،فقال له بطارقته:قد أصبحت مهموما.قال:أجلّ أريت في هذه الليلة أنّ ملك الختان ظاهر.قالوا له:ما نعلم أمّة تختتن إلاّ اليهود،و هم في سلطانك،فابعث إلى كلّ من لك عليه سلطان في بلادك،مره ليضرب أعناق كلّ من تحت يديه من يهود و استرح من هذا الهمّ، و أنّهم لفي ذلك من رأيهم يديرونه،إذ أتاه رسول صاحب بصرى برجل من العرب يقوده-و كانت الملوك تهادى الأخبار بينها-فقال:إنّ هذا الرجل من أهل الشام و الإبل،يحدّث عن أمر حدث ببلاده عجب،فسله عنه.فلمّا انتهى به إلى هرقل قال لترجمانه:سله ما كان فسأله،فقال:خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنّه نبيّ،و قد اتّبعه ناس و صدّقوه،و خالفه ناس،و قد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة،فتركتهم على ذلك.فلمّا أخبره الخبر،قال:جرّدوه.فجرّدوه، فإذا هو مختون.فقال هرقل:هذا و اللّه الذي أريت لا ما تقولون.أعطوه ثوبه.

انطلق عنّا.

ثم دعا صاحب شرطته،فقال له:قلّب الشام لي ظهرا و بطنا حتّى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل-يعني النبيّ صلى اللّه عليه و آله-قال أبو سفيان:و أنا بغزّة،إذ هجم علينا صاحب شرطته،فقال:أنتم من قوم هذا الرجل الّذي ظهر بالحجاز؟ قلنا:نعم.قال:انطلقوا إلى الملك.فانطلقنا،فلمّا انتهينا إليه،قال:أنتم من رهط

هذا الرجل؟قلنا:نعم.قال:فأيّكم أمسّ به رحما؟قلت:أنا.فقال:ادن!فأقعدني بين يديه،و أقعد أصحابي خلفي،ثمّ قال:إنّي سأسأله،فإن كذب فردّوا عليه -قال أبو سفيان:فو اللّه لو كذبت ما ردّوا عليّ،و لكنّي كنت امرأ سيّدا أتكرّم عن الكذب،و عرفت أنّ أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عليّ ثمّ يحدّثوا به عنّي فلم أكذبه-فقال:اخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهر كم يدّعي ما يدّعي.فجعلت أصغّر أمره،و أقول:ما يهمّك من أمره،إنّ شأنه دون ما يبلغك.فجعل لا يلتفت إلى ذلك،ثمّ قال:أنبئني عمّا أسألك عنه من شأنه.قلت:سل.قال:كيف نسبه؟قلت:محض أوسطنا نسبا.قال:هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول به،فهو يتشبّه به؟قلت:لا.قال:فهل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟قلت:لا.قال:

فأخبرني عن أتباعه منكم من هم؟قلت:الضعفاء و المساكين و الأحداث من الغلمان و النساء،و أما ذوو الأسنان و الشرف من قومه،فلم يتّبعه منهم أحد.

قال:فأخبرني عمّن تبعه،أيحبّه و يلزمه أم يقليه و يفارقه؟قلت:ما تبعه رجل ففارقه.قال:فأخبرني عن الحرب بينكم و بينه.قلت:سجال يدال علينا،و ندال عليه.قال:فأخبرني هل يغدر؟فلم أجد شيئا ممّا سألني عنه أغمزه فيه غيرها، قلت:لا،و نحن منه في هدنة،و لا نأمن غدره-فو اللّه ما التفت إليها منّي،ثمّ كرّ عليّ الحديث-قال:سألتك كيف نسبه فيكم؟فزعمت أنّه محض من أوسطكم نسبا،و كذلك يأخذ اللّه الأنبياء،و سألتك هل كان أحد من أهل بيته يقول بقوله فهو يتشبّه به،فزعمت أن لا،و سألتك هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث يطلب به ملكه،فزعمت أن لا،و سألتك عن أتباعه،فزعمت أنّهم الضعفاء و المساكين و الأحداث و النساء،و كذلك أتباع الأنبياء في كلّ زمان،و سألتك عمّن يتّبعه،أيحبّه و يلزمه أم يقليه و يفارقه،فزعمت ألاّ يتّبعه

أحد فيفارقه،و كذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه،فلئن كنت صدقتني عنه ليغلبني على ما تحت قدميّ هاتين،و لوددت أنّي عنده فأغسل قدميه،انطلق لشأنك.فقمت من عنده و أنا أضرب إحدى يديّ على الأخرى، و أقول:يا عباد اللّه لقد أمر أمر ابن أبي كبشة،لقد أصبح ملوك بني الأصفر يهابونه في سلطانهم بالشام (1)

تاريخ الطبري 2:289 سنة 6،و [1]النقل بتصرف يسير.

.

«سراج لمع ضوءه» فلم يبق معه ظلمة .

«و شهاب» في(النهاية):الشهاب:الّذي ينقضّ في الليل شبه الكوكب،و هو في الأصل الشعلة من النار (2).

«سطع» أي:ارتفع.

«نوره» حتّى أضاء كلّ جانب .

«و زند» في(الصحاح):الزند:العود الّذي يقدح به النار،و هو الأعلى، و الزندة:السفلى فيها ثقب،و هي الأنثى،فإذا اجتمعا قيل:زندان،ثم قال:و تقول لمن أنجدك و أعانك:وردت بك زنادي (3).

«برق لمعه» حتّى حصلت منه الاستنارة،في(الطبقات):أنّ عليّا عليه السّلام كان إذا نعت النبيّ صلى اللّه عليه و آله يقول:لم يكن بالطويل الممغّط،و لا بالقصير المتردّد،كان ربعة من القوم و لم يكن بالجعد القطط،و لا السبط،كان جعدا رجلا،و لم يكن بالمطهّم و لا المكلثم،و كان في وجهه تدوير أبيض مشرب،أدعج العينين، أهب الأشفار،جليل المشاش و الكتد،أجرد ذا مسربة،شثن الكفّين و القدمين، إذا مشى تقلّع كأنّما يمشي في صبب،و إذا التفت التفت معا،بين كتفيه خاتم


1) 1)

2) 2) النهاية لابن الأثير 2:512 [2] مادة(شهب).

3) 3) صحاح اللغة 1:478 [3] مادة(زند).

النبوّة،و هو خاتم النبييّن.أجود الناس كفّا،و أجرأ الناس صدرا،و أصدق الناس لهجة،و أوفى الناس بذمّة،و ألينهم عريكة،و أكرمهم عشرة.من رآه بديهة هابه،و من خالطه معرفة أحبّه.يقول ناعته لم أر قبله و لا بعده مثله (1)

أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 [1] ق 2:121،و ابن هشام في السيرة 2:35،و [2]الترمذي في سننه 5:599،و البيهقي في الدلائل،و [3]الكجي،و هشام بن عمّار في البعث عنهم منتخب كنز العمال 3:91،و الخطيب في تاريخ بغداد 11:30، و [4]الثقفي في الغارات 1:161. [5]

.

«سيرته القصد» أي:الوسط،ليس بإفراط و لا تفريط،و في الخبر كانت صلاة النبيّ صلى اللّه عليه و آله قصدا و خطبته قصدا (2).

«و سنّته الرشد» روى(سنن أبي داود)عن عبد اللّه بن أبي الحمساء قال:

بايعت النبيّ صلى اللّه عليه و آله ببيع قبل أن يبعث و بقيت له بقيّة،فوعدته أن آتيه بها في مكانه،فنسيت،ثمّ ذكرت بعد ثلاث.فجئت فإذا هو في مكانه.فقال:يا فتى!لقد شققت عليّ،أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك (3).

و كان صلى اللّه عليه و آله يقسم لحظاته بين جلسائه،قال عمّه أبو طالب فيه:

و ميزان صدق لا يخيس شعيرة و وزّان صدق وزنه غير عائل

و في(الطبقات):عن أمير المؤمنين عليه السّلام كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله إذا أوى إلى منزله جزّا دخوله ثلاثة أجزاء:جزء للّه،و جزء لأهله،و جزء لنفسه.ثمّ جزّا جزأه بينه و بين الناس،فيسرد ذلك على العامة بالخاصة و لا يدّخر عنهم شيئا.

و كان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أهل الفضل ناديه،و قسمه على قدر


1) 1)

2) 2) أخرجه مسلم بطريقين في صحيحه 2:591 ح 41 و 42،و الترمذي في سننه 2:381 ح 507،و النسائي في سننه 3:191،و ابن ماجة في سننه 1:351 ح 1106،و الدارمي في سننه 1:365،و [6]أحمد بطرق عديدة في مسنده 3:91 و غيره.

3) 3) سنن أبي داود 4:299 ح 4996. [7]

فضلهم في الدين،فمنهم ذو الحاجة،و منهم ذو الحاجتين،و منهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم و يشغلهم في ما أصلحهم و الأمة من مسألته عنهم،و إخبارهم بالّذي ينبغي لهم،و يقول:ليبلّغ الشاهد الغائب،و أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته،فإنّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إيّاه ثبّت اللّه قدميه يوم القيامة.لا يذكر عنده إلاّ ذلك،و لا يقبل من أحد غيره،يدخلون روّادا و لا يفترقون إلاّ عن ذواق و يخرجون أدلّة.ثم قال:كان صلى اللّه عليه و آله يخزن لسانه إلاّ ممّا يعنيهم و يؤلّفهم و لا يفرّقهم-أو قال:ينفّرهم-و يكرم كريم كلّ قوم و يولّيه عليهم،و يحذر الناس و يحترس منهم،من غير أن يطوي من أحد بشره و لا خلقه،و يتفقّد أصحابه،و يسأل الناس عمّا في الناس،و يحسّن الحسن و يقوّيه،و يقبّح القبيح و يوّهنه.معتدل الأمر غير مختلف،لا يغفل مخافة أن يغفلوا،لكلّ حال عنده عاد،لا يقصر عن الحقّ و لا يجوزه.الذين يلونه من الناس خيارهم،أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة،و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مؤاساة و موازرة.

ثمّ قال:كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لا يجلس و لا يقوم إلاّ عن ذكر،لا يوطّن الأماكن،و ينهى عن إيطانها،و إذا انتهى إلى قوم جلس حيث انتهى به المجلس، و يأمر بذلك،يعطي كلّ جلسائه بنصيبه،لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه،من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتّى يكون هو المنصرف،و من سأله حاجة لم يردّه إلاّ بها أو بميسور من القول،قد وسع الناس منه بسطه و خلقه،فصار لهم أبا،و صاروا في الحقّ عنده سواء.مجلسه مجلس حلم و حياء،و صبر و أمانة،لا ترفع فيه الأصوات،و لا تؤبّن فيه الحرم،و لا تنثى فلتاته،متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى،متواضعين يوقّرون فيه الكبير و يرحمون فيه الصغير و يؤثرون ذا الحاجة و يحفظون أو يحوطون الغريب.

ثم قال:كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله دائم البشر،سهل الخلق،ليّن الجانب،ليس بفظّ و لا غليظ،و لا صخّاب،و لا فحّاش و لا عيّاب،يتغافل عمّا لا يشتهي،و لا يدنس منه،و لا يجنب فيه،قد ترك نفسه من ثلاث:المراء و الإكثار،و ممّا لا يعنيه، و ترك الناس من ثلاث:كان لا يذمّ أحدا و لا يعيّره،و لا يطلب عورته،و لا يتكلّم إلاّ في ما رجا ثوابه.إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير،فإذا سكت تكلّموا،و لا يتنازعون عنده،من تكلّم انصتوا له حتّى يفرغ،حديثهم عنده حديث أوّ ليتهم،يضحك ممّا يضحكون منه،و يتعجّب ممّا يتعجبون منه، و يصبر للغريب على الجفوة في منطقه و مسألته-إلى أن قال-:

كان سكوت النبيّ صلى اللّه عليه و آله على أربع:على الحلم و الحذر و التقرير و التفكّر، فأمّا تقريره ففي تسوية النظر و الاستماع من الناس،و أمّا تذكّره أو تفكّره ففي ما يبقى و يفنى،و جمع الحلم و الصبر،و كان لا يغضبه شيء و لا يستنفره، و جمع له الحذر في أربع:أخذه بالحسني ليقتدى به،و تركه القبيح ليتناهى عنه،و اجتهاده الرأي في ما أصلح أمّته،و القيام في ما جمع لهم الدّنيا و الآخرة (1)

أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 ق 2:129،و الصدوق بثلاث طرق في معاني الأخبار:79 ح 1 و بطريق واحد في عيون الأخبار 1:246،و [1]قال الصدوق في ذيل الحديث في العيون:«و [2]قد رويت هذه الصفة [3]عن مشايخ بأسانيد مختلفة أخرجتها في كتاب النبوّة».و هذا الكتاب مفقود.

.

«و كلامه الفصل» قال صلى اللّه عليه و آله:أوتيت جوامع الكلم (2).و ليس بعد كلام اللّه تعالى كلام فوق كلامه،و قد جمع جمع من العامة و الخاصة كلمه صلى اللّه عليه و آله كالزجاجي صاحب المبرد،و نفطويه النحوي،و جعفر بن حمدان الموصلي، و المصنّف في كتابه(المجازات النبويّة).


1) 1)

2) 2) هذا جزء من حديث أبي هريرة،أخرجه بهذا اللفظ مسلم بطريقين في صحيحه 1:372 ح 7،8،و جمع ابن الأثير في جامع الأصول 9:393 ح 6320 طرق أصحاب الصحاح و اختلاف ألفاظهم.

و عن الجاحظ:يجب أن يكون الإنسان سخيّا لا يبلغ التبذير،و شجاعا لا يبلغ الهوج،محترسا لا يبلغ الجبن،ماضيا لا يبلغ القحة،قوّالا لا يبلغ الهذر، صموتا لا يبلغ العيّ،حليما لا يبلغ الذلّ،منتصرا لا يبلغ الظلم،وقورا لا يبلغ البلادة،نافذا لا يبلغ الطيش.ثمّ وجدنا النبيّ صلى اللّه عليه و آله قد جمع ذلك كلّه في كلمة واحدة،و هي قوله:«خير الأمور أوسطها»فعلمنا أنّه أوتي جوامع الكلام،و علم فصل الخطاب،و من عجيب كلماته قوله صلى اللّه عليه و آله:«خمس من أتى اللّه بهنّ أو بواحدة منهنّ أوجبت له الجنّة:من سقى هامّة صادية،أو أطعم كبدا هافية،أو أكسى جلدا عارية،أو حمل قدما حافية،أو أعتق رقبة عانية».

و روى(الكافي)أنّ أعرابيا قدم بإبل له،فقال للنبيّ صلى اللّه عليه و آله:يا رسول اللّه بع لي إبلي هذه.فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:لست ببيّاع في الأسواق.قال:فأشر عليّ.

فقال له:بع هذا الجمل بكذا،و بع هذه الناقة بكذا،حتّى وصف له كلّ بعير منها.

فخرج الأعرابي إلى السوق فباعها،ثم جاء إليه،فقال:و الّذي بعثك بالحقّ ما زادت درهما و لا نقصت درهما ممّا قلت لي... (1)

الكافي للكليني 5:317 ح 54. [1]

.

و في(سنن أبي داود)عنه صلى اللّه عليه و آله قال:«لا طلاق،و لا عتاق في غلاق» (2).

قلت:و هو دليل على بطلان مذهبهم في الحلف بالعتاق و الطلاق.

و فيه أيضا:أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله لمّا دخل على عائشة و رأى عندها رجلا، فتغيّر وجهه،فقالت:إنّه أخي من الرضاعة.قال:انظرن من اخوانكنّ،فانّما الرضاعة من الجماعة (3).


1) 1)

2) 2) سنن أبي داود 2:258 ح 2193،و [2]سنن ابن ماجه 1:659 ح 2046،و المستدرك للحاكم عنه الجامع الصغير 2:203 و غيرهم.

3) 3) سنن أبي داود 2:222 ح 2058،و [3]مسلم بطريقين في صحيحه 2:1078،1079 ح 32،33،و النسائي في سننه 6:102،و ابن ماجه في سننه 1:626 ح 1945،و أحمد بثلاث طرق في مسنده 6:94،174،114 و النقل بتصرف في اللفظ.

و في(السيرة):عن أبي عياش قال:قال لي النبيّ صلى اللّه عليه و آله في غزوة ذي قرد:

«لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك،فقلت:أنا أفرس الناس.فو اللّه ما جرى بي خمسين ذراعا حتّى طرحني،فعجبت أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله يقول:لو أعطيته أفرس منك،و أنا أقول:أنا أفرس الناس (1)

سيرة ابن هشام 3:176 و [1]النقل بتصرف في اللفظ.

.

و فيه أيضا:و أقبل النبيّ صلى اللّه عليه و آله في المسلمين،فإذا مسجّى ببردة أبي قتادة،فاسترجع الناس و قالوا:قتل أبو قتادة.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:ليس بأبي قتادة،و لكنّه قتيل لأبي قتادة،وضع عليه برده لتعرفوا أنّه برده (2).

و فيه أيضا-بعد ذكر إغارة عيينة على لقاح النبيّ صلى اللّه عليه و آله و فيها رجل من غفار،فقتلوا الرجل،و احتملوا المرأة في اللقاح-قال:و أقبلت امرأة الغفاري على ناقة من إبل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و قالت:نذرت للّه أن أنحرها إن نجّاني اللّه عليها.

فتبسّم النبيّ صلى اللّه عليه و آله ثمّ قال:بئس ما جزيتها أن حملك اللّه عليها و نجّاك بها ثمّ تنحرينها،إنّه لا نذر في معصية اللّه،و لا في ما لا تملكين،إنّما هي ناقة من إبلي، فارجعي إلى أهلك على بركة اللّه (3).

«و حكمه العدل» أعطى النبيّ صلى اللّه عليه و آله ليهود خيبر أرضها و نخلها بالمناصفة،فلمّا أدركت الثمرة بعث عبد اللّه بن رواحة،فقوّم عليهم و خرص، فقال لهم:إمّا أن تأخذوه و تعطوني نصف التمر،و إمّا أخذه و أعطيكم نصف التمر.فقالوا:بهذا قامت السماوات و الأرض (4).

و روى(الكافي)أنّ رجلا من الأنصارى و رجلا من ثقيف أتيا النبيّ صلى اللّه عليه و آله، فقال الثقفي:يا رسول اللّه حاجتي.فقال صلى اللّه عليه و آله:سبقك أخوك الأنصاري.فقال:يا


1) 1)

2) 2) سيرة ابن هشام 3:176 و [2]النقل بتصرف في اللفظ.

3) 3) السيرة النبوية لابن هشام 3:178 و [3]النقل بتصرف.

4) 4) أخرجه أحمد بطريقين في مسنده 2:24،و 3:367 و غيره.

رسول اللّه إنّي على ظهر سفر،و إنّي عجلان.و قال الأنصاري:إنّي قد أذنت له... (1)

الكافي الكليني 4:261 ح 37،و [1]الشهيد في الأربعين:10 ح 15،و أخرجه برواية أخرى الكافي للكليني 3:71 ح 7،و [2]الفقيه للصدوق 2:130 ح 1.

.

و في خبر من صار رئيس الخوارج أنّه قال للنبيّ صلى اللّه عليه و آله في غنائم خيبر:

ما عدلت فغضب النبيّ صلى اللّه عليه و آله و قال له:و يلك إذا لم يكن العدل عندي،فعند من يكون؟فأراد المسلمون قتله،فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:دعوه فإنّه سيكون له أتباع يمرقون من الدّين... (2).

و عن أبي جعفر عليه السّلام:أنّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار،و كان منزل الأنصاري بباب البستان،و كان يمرّ به إلى نخلته و لا يستأذن،فشكاه الأنصاري إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله،فأرسل إليه و قال له:إذا أردت الدخول فاستأذن.فأبى،فساومه حتّى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه،فأبى أن يبيع،فقال:لك بها عذق في الجنّة.فأبى،فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله للأنصاري:اذهب فاقلعها و ارم بها إليه،فإنّه لا ضرر و لا ضرار (3).

و روى(سنن أبي داود)أنّ جمعا من الصحابة كانوا مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله فنام رجل منهم،فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه،ففزع،فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:لا يحلّ لمسلم أن يروّع مسلما (4).

«على حين فترة» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(أرسله على حين


1) 1)

2) 2) أخرجه مسلم بثلاث روايات في صحيحه 2:740 ح 142،و:744 ح 148،و في لفظ الحديث اضطراب،جمع ابن الأثير في جامع الأصول 10:436 ح 7531 طرق أصحاب الصحاح و اختلاف ألفاظهم،و اسم الرجل ذو الخويصرة.

3) 3) هذا تلخيص حديث أخرجه الكليني بطريقين في الكافي 5:292،294 ح 2،8،و [3]الفقيه للصدوق 3:147 ح 18، و التهذيب للطوسي 8:146 ح 36،و بفرق الفقيه للصدوق 3:59 ح 9،و أما فقرة«لا ضرر و لا ضرار» [4]فمشهورة كثيرة الرواية.

4) 4) سنن أبي داود 4:301 ح 5004. [5]

فترة)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:180،لكن في شرح ابن ميثم 2:395 [1] مثل المصرية.

.

«من الرسل» و انقطاع لهم .

«و هفوة» أي:زلّة.

«عن العمل» فلم يكن منهم عمل رأسا أو عمل صالح .

«و غباوة عن الأمم» في رشدهم و صلاحهم،كما قال شاعر:

كما بعث اللّه النبيّ محمّدا على فترة و الناس مثل البهائم

6

الخطبة(93)

و من خطبة له عليه السّلام:

بَعَثَهُ وَ النَّاسُ ضُلاَّلٌ فِي حَيْرَةٍ- وَ خَابِطُونَ فِي فِتْنَةٍ- قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوَاءُ- وَ اسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ- وَ اسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلاَءُ- حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الْأَمْرِ- وَ بَلاَءٍ مِنَ الْجَهْلِ- فَبَالَغَ ص فِي النَّصِيحَةِ وَ مَضَى عَلَى الطَّرِيقِ- وَ دَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ «وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ » «بعثه و الناس ضلاّل في حيرة» كان الناس وقت بعثته صلى اللّه عليه و آله بين طبيعي، و ثنوي،و وثني،و براهمة،و يهودي،و نصراني،و مجوسي،و صابي، و نظائرهم .

«خابطون» قال الجوهري:خبط البعير الأرض بيده خبطا:ضربها،و منه قيل:خبط عشواء،و هي الناقة الّتي في بصرها ضعف،تخبط إذا مشت لا تتوقى شيئا (2).

و قال ابن أبي الحديد:«حاطبون في فتنة»جمع حاطب،و هو الّذي يجمع


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 3:1121 [2] مادة(خبط).

الحطب،و يقال لمن يجمع بين الصواب و الخطأ أو يتكلم بالغثّ و السمين:

حاطب ليل،لأنّه لا يبصر ما يجمع في حبله،و يروي:«خابطون» (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:182. [1]

.

قلت:الصحيح:(و خابطون)،و إنّما يصحّ الأوّل لو كان بلفظ و حاطبو ليل.فإنى حاطب ليل:يستعمل في ما ذكر لا الحاطب مجرّدا.فانّه لا يحمل إلاّ على معناه الظاهري من جمع الحطب.

«في فتنة» أي:ما يوجب امتحان الخلق.و الأصل فيها فتن الصائغ الذهب بإدخاله النار لينظر ما جودته .

«قد استهوتهم» أي:استهامتهم.

«الأهواء» كما قال تعالى: «أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ » (2).

«و استزلّتهم» عن الثبات.

«الكبرياء» أي:التكبّر،كما حصلت لا بليس .

«و استخفّتهم» أي:عدّتهم خفيفين.

«الجاهلية الجهلاء» أي:الغاية في الجهالة .

«حيارى» أي:متحيرين.

«في زلزال من الأمر» فلا يغدرون رشدهم و صلاحهم .

«و بلاء من الجهل» و الجهل بلاء فوق كلّ بليّة،فكانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق و فقر،و لا يعلمون أنّ اللّه يرزقهم كما خلقهم،و يئدون بناتهم لئلاّ يصلن إلى غير عشيرتهم مع كونه أشنع عمل،و ينسئون الشهور الحرم، و يخترعون البدع من السائبة،و الوصيلة،و الحام،و البحيرة،و غيرها بالنسبة إلى أحشامهم و أغنامهم.


1) 1)

2) 2) الفرقان:43. [2]

«فبالغ صلى اللّه عليه و آله في النصيحة» قال السروي:روي أنّه لمّا نزل قوله تعالى:

«وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)

الشعراء:214. [1]

صعد النبيّ صلى اللّه عليه و آله ذات يوم الصفا،فقال:يا صباحاه.فاجتمعت إليه قريش.فقالوا:مالك؟قال:أرأيتكم أن أخبرتكم أنّ العدوّ مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدّقو نني؟قالوا:بلى.قال:فإنّي نذير لكم من يدي عذاب شديد.فقال أبو لهب:تبّا لك،أ لهذا دعوتنا؟فنزلت سورة (تبّت).

ثمّ روى عن قتادة أنّه صلى اللّه عليه و آله خطب،ثمّ قال:أيّها الناس إنّ الرائد لا يكذب أهله،و لو كنت كاذبا لما كذبتكم،و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو إنّي رسول اللّه إليكم حقّا خاصّة و إلى الناس عامّة،و اللّه لتموتون كما تنامون،و لتبعثون كما تستيقظون،و لتحاسبون كما تعملون،و لتجزون بالإحسان إحسانا، و بالسوء سواء،و إنّها الجنّة أبدا،و النار أبدا،و أنّكم أوّل من أنذرتم ... (2).

«و مضى على الطريق» :طريق الحقّ «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي » (3).

«و دعا إلى اللّه بالحكمة و الموعظة الحسنة» كما أمره ربّه بقوله: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (4).

و كان صلى اللّه عليه و آله يحاجّ كلّ فرقة بلسانهم،و يلزمهم بما يتمّ الحجّة عليهم.قال شاعر:

اللّه قد أيّد بالوحى محمّدا ذا الأمر و النهي

يأمر بالعدل و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:46،و [2]يأتي تخريجه مفصلا في العنوان 15 من هذا الفصل.

3) 3) يوسف النحل:108. [3]

4) 4) :125.

7

من الخطبة(94)

منها في ذكر الرسول:

مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ- وَ مَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ- فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ- وَ مَمَاهِدِ السَّلاَمَةِ- قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ- وَ ثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ.

دَفَنَ بِهِ الضَّغَائِنَ- وَ أَطْفَأَ بِهِ الثَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً- وَ فَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً- أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ- وَ أَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ- كَلاَمُهُ بَيَانٌ وَ صَمْتُهُ لِسَانٌ «مستقرّه خير مستقرّ» الظاهر أنّ مراده عليه السّلام بمستقرّه المدينة،و قد سمّاها النبيّ صلى اللّه عليه و آله الطيّبة،و وصفها بأنّها تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد (1)

صحيح مسلم 2:1006 ح 490 عن زيد بن ثابت عن النبي صلى اللّه عليه و آله قال:«..أنّها طيبة،و انها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضّة».لكن صدر الحديث و ذيله روي مستقلا أيضا:أخرج الصدر الطبراني في معجمه الكبير،و [1]عنه الجامع الصغير 1:68 من حديث جابر بن سمرة،و أخرج الذيل بلفظ:«كما ينفي الكير خبث الحديد».أخرجه أصحاب الصحاح،و جمع طرقهم و ألفاظهم ابن الأثير في جامع الأصول 10:199-201 ح 6917،6920،6921، 6922.

.كما في الخبر .

«و منبته أشرف منبت» و الظاهر أنّ مراده عليه السّلام بمنبته صلى اللّه عليه و آله مكّة،و قد قال تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» (2).

و في خطبة له عليه السّلام على رواية(إثبات المسعودي)في محالّ نوره صلى اللّه عليه و آله:

«و أيّ ساحة من الأرض سلكت به لم يظهر بها قدسه،حتّى الكعبة التي جعلت منها مخرجه،غرست أساسها بياقوتة من جنّات عدن،و أمرت الملكين المطهّرين:جبرئيل و ميكائيل،فتوسّطا بها أرضك،و سميّتها بيتك،و اتّخذتها


1) 1)

2) 2) آل عمران:96-97. [2]

معبدا لنبيّك ...» (1)

الإثبات للمسعودي:108. [1]

.

«في معادن الكرامة» الظاهر رجوعه إلى(مستقرّه)على اللفّ و النشر المرتّب،قال الحميري:

فاحتلّ دار كرامة في معشر آووه في سعة المحلّ الأرحب

«و مماهد» جمع ممهد:اسم مكان.

«السلامة» الظاهر رجوع(مماهد السلامة)إلى(منبته)،قال تعالى:

«وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» (2).

و قال ابن أبي الحديد:مماهد:جمع مهاد،و هو ازدواج بقرينة(معادن) كقولهم:الغدايا و العشايا.و يعني ب‍(السلامة):البراءة من العيوب،أي:في نسب طاهر (3).

و هو كما ترى،و وجه ما قاله أنّه لم ير(ممهد)في(الصحاح).فقال:

مماهد:جمع مهاد،مع أنّه لا يلزم أن يذكر(الصحاح)جميع الاستقاقات،مع أنّه لا معنى للازدواج بما قاله،كما أنّ وجه قوله:«يعني بالسلامة البراءة من العيوب»أنّه حمل المستقرّ،و المنبت في كلامه عليه السّلام على الأرحام و الأصلاب، و هو أيضا كما ترى .

«قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار» فصاروا مصدّقيه و ملازميه،و في (الطبري):و قد الأسود بن ربيعة على النبيّ صلى اللّه عليه و آله و قال:جئت لأقترب إلى اللّه تعالى بصحبتك.فسمّاه صلى اللّه عليه و آله المقترب (4).

و قال:أبو طالب فيه:


1) 1)

2) 2) آل عمران:97. [2]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 2:182،و [3]النقل بالمعنى.

4) 4) تاريخ الطبري 3:182 سنة 17. [4]

و إنّ عليه في العباد محبّة و لا حيف في من خصّه اللّه بالحبّ

و قال أيضا:

لعمري لقد كلّفت وجدا بأحمد و أحببته حبّ الحبيب المواصل

وجدت بنفسي دونه فحميته و دافعت عنه بالذرى و الكواهل

قال بعضهم:إذا تفكّرت في أشعار أبي طالب في مدائح النبيّ صلى اللّه عليه و آله -و أنّها أشعار ذاك الشيخ المبجّل في ابن أخيه،و هو شابّ مستجير به معتصم بظلّه من قريش،قد ربّاه في حجره غلاما،و على عاتقه طفلا،و بين يديه شابّا، يأكل من زاده،و يأوي إلى داره-علمت موضع خاصّية النبوّة و سرّها،و أنّ أمره كان عظيما،و أنّ اللّه تعالى أوقع له في القلوب و الأنفس منزلة رفيعة، و مكانا جليلا .

«و ثنيت» أي:رفعت،من «ثانِيَ عِطْفِهِ» (1)

الحج:9. [1]

.

«إليه أزمّة الأبصار» فلا تخفض إلى غيره،كان الجلف البدوي يرى وجهه،فيقول:و اللّه ما هذا وجه كذّاب (2).و كان عظيما مهيبا في النفوس حتّى ارتاعت منه رسل كسرى،مع أنّه كان بالتواضع موصوفا (3).

و قال عروة بن مسعود الثقفي لقريش:و اللّه لقد وفدت على كسرى و قيصر و النجاشي،و اللّه ما رأيت ملكا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّدا:يقتتلون على وضوئه،و يتبادرون لأمره،و يخفضون أصواتهم عنده،و ما يحدّدون النظر إليه تعظيما.و لمّا دخل أبو سفيان عام الفتح عليه، و رأى أيدي المسلمين تحت شعره يستشفون بالقطرات من وضوئه،قال:تاللّه


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:123. [2]

3) 3) المناقب لابن شهر آشوب 1:126. [3]

إن رأيت كاليوم كسرى و قيصر (1)

المغازي للواقدي 2:816،و فتوح البلدان للبلاذري:51. [1]

.

و في(الاستيعاب):دخل النبيّ صلى اللّه عليه و آله على كبشة الأنصارية،فشرب من فم قربة معلّقة،فقطعت فمها فرفعته.(أي:تبرّكا به) (2).

و في(الأغاني):أنّ زيد بن الدثنة لمّا أسره المشركون،فاجتمع رهط من قريش ليقتلوه و فيهم أبو سفيان،قال له:أتحبّ أن تكون في أهلك،و يكون محمّد عندنا مكانك،فنضرب عنقه؟فقال:و اللّه ما أحبّ أنّ محمّدا تصيبه شوكة في مكانه الّذي فيه،و أنا في أهلي.فتعجّب أبو سفيان (3).

«دفن به الضغائن» كان بين الأوس و الخزرج ضغائن من حروب كانت بينهما،و قتلى كثيرة منهما،فأماتها اللّه به صلى اللّه عليه و آله .

«و أطفأ به الثوائر» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(النوائر)جمع النار، كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (4)،و لأنّ الإطفاء إنّما ينسب إلى النار لا إلى الثار،قال تعالى: «وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ » (5).

«ألّف به إخوانا» قال تعالى: «لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (6)، «وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ»


1) 1)

2) 2) الاستيعاب لابن عبد البر 4:395. [2]

3) 3) لم أجده في الأغاني، [3]لكن رواه أسد الغابة لابن الأثير 2:230. [4]

4) 4) أورد ابن أبي الحديد في شرحه 2:182،و ابن ميثم في شرحه 2:401 في متن الخطبة«الثوائر»،لكن أورده ابن ميثم عند شرح اللغات بلفظ«النوائر».

5) 5) النساء:94. [5]

6) 6) الأنفال:63. [6]

«عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها» (1)

آل عمران:103. [1]

، «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» (2).

و قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم،يسعى بذمّتهم أدناهم،و هم يد على من سواهم (3).

«و فرّق به أقرانا» بواسطة مخالفتهم في الدين،فكم ابن و أخ ترك أباه و أخاه به،و كم امرأة تركت زوجها به.

و قالوا:أتى الوليد بن المغيرة قريشا،فقال لهم:إنّ الناس غدا يجتمعون بالموسم،و قد فشا أمر هذا الرجل،فيسألونكم فما تقولون لهم؟فقال أبو جهل:أنا أقول:إنّه مجنون.و قال أبو لهب:أنا أقول:إنّه شاعر.و قال عقبة بن أبي معيط:أنا أقول:إنّه كاهن.فقال الوليد:و أنا أقول:إنّه ساحر يفرّق بين الرجل و المرأة و بين الرجل و أخيه و أبيه (4).

«أعزّ به الذلّة» فكم من أذلاّء صاروا أعزّاء بالايمان به .

«و أذلّ به العزّة» و كم من جبابرة أعزّاء صاروا أذلاّء بالكفر به .

«كلامه بيان» قال تعالى فيه: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (5)،و لكنّ الثاني قال-لمّا قال صلى اللّه عليه و آله في مرض وفاته:«ايتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم ما لا تضلّون بعدي»-:إنّ الرجل ليهجر،


1) 1)

2) 2) الحجرات:10. [2]

3) 3) سنن ابن ماجه 2:895 ح 2683،2685 بثلاث طرق،و المعجم الأوسط للطبراني،و عنه مجمع الزوائد 6:283، و بين الألفاظ فرق يسير.

4) 4) الكامل لابن الأثير 2:71،و غيره. [3]

5) 5) النجم:3-4. [4]

حسبنا كتاب اللّه (1)

هذا الحديث كثير الطرق مختلف اللفظ،أقرب الألفاظ ما في صحيح مسلم 3:1259 ح 21،و مسند أحمد 1:355، و [1]طبقات ابن سعد 2 [2] ق 2:37 عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

.

و روى(أسد الغابة)عن ابن أبي حدرد الأسلمي،قال:كان ليهودي عليه أربعة دراهم،فاستعدى عليه فقال:يا محمّد إنّ لي على هذا أربعة دراهم،و قد غلبني عليها.فقال:أعطه حقّه.قال:و الّذي بعثك بالحقّ ما أقدر عليها.قال:

أعطه حقّه.قال:و الّذي نفسي بيده ما أقدر عليها،قد أخبرته إنّك تبعثنا إلى خيبر،فأرجو أن تغنمنا شيئا،فأرجع فأقضيه.قال:فاعطه حقّه.قال:و كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله إذا قال ثلاثا لا يراجع،فخرج بابن أبي حدرد إلى السوق،و على رأسه عصابة،و هو متّزر ببردة،فنزع العمامة من رأسه،فاتّزر بها،و نزع البردة،فقال:اشتر منّي هذه البردة.فباعها منه بأربعة دراهم.. (2).

و في(الطبقات)جاء مجوسي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قد أعفى شاربه، و أحفى لحيته،فقال:من أمرك بهذا؟قال ربّي.قال:لكن ربّي أمرني أن أخفي شاربي،و أعفي لحيتي (3).

«و صمته لسان» حيث إنّ تقريره صلى اللّه عليه و آله أيضا حجّة كقوله و فعله،و في (الطبري)أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله عهد إلى أمرائه في فتح مكّة أن لا يقتلوا أحدا إلاّ من قاتلهم،إلاّ أنّه قد عهد في نفر سمّاهم أمر بقتلهم،منهم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح،لأنّه أسلم فارتدّ،ففرّ إلى عثمان،و كان أخاه من الرضاعة،فغيّبه حتّى أتى به النبيّ صلى اللّه عليه و آله فاستأمنه له،فذكر أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله صمت طويلا،ثمّ قال:نعم.

فلمّا انصرف به عثمان،قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله لمن حوله من أصحابه:أما و اللّه لقد صمتّ ليقوم إليه بعضكم،فيضرب عنقه.فقال رجل من الأنصار:فهلاّ أو مأت.


1) 1)

2) 2) أسد الغابة لابن الأثير 3:142. [3]

3) 3) الطبقات لابن سعد 1 [4] ق 2:147.

قال:إنّ النبيّ لا يقتل بالإشارة (1)

تاريخ الطبري 2:335 سنة 8،و [1]النقل بتلخيص.

.

هذا،و يناسب كلامه عليه السّلام في وصفه صلى اللّه عليه و آله كلام أبي الفضل الهمداني في بعض(أعيان دهره):له من الصدور ما ليس للفؤاد،و من القلوب ما ليس للأولاد،فكأنّما اشتق من جميع الأكباد،و ولد بجميع البلاد،سواء الحاضر فيه و الباد،و كلّ أفعاله غرّة في ناصية الأيّام،و زهرة في جنح الظلام.

و ذكر أعرابي رجلا،فقال:و اللّه لكأنّ القلوب و الألسن ريّضت له،فما تعقد إلاّ على ودّه،و لا تنطق إلاّ بحمده.

8

من الخطبة(103)

و من خطبة له عليه السّلام:

حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ؟مُحَمَّداً ص؟- شَهِيداً وَ بَشِيراً وَ نَذِيراً- خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً- وَ أَنْجَبَهَا كَهْلاً- أَطْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً- وَ أَمْطَرُ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً «حتّى بعث اللّه محمّدا شهيدا و بشيرا و نذيرا» عن(تفسير الواحدي)عن الحسن عليه السّلام في قوله تعالى: «وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ» (2)الشاهد:النبيّ صلى اللّه عليه و آله، و المشهود يوم القيامة.قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً» (3)،و قال تعالى: «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ » (4).

«خير البريّة طفلا» في(المناقب)عن ابن عبّاس:أنّه كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله يقرب إلى الصبيان يصحبهم،فيختلسون و يكفّ،و يصبح الصبيان غمصا و رمصا،


1) 1)

2) 2) البروج:3. [2]

3) 3) الأحزاب:45. [3]

4) 4) الوسيط للواحدي،و هو كتاب تفسير القرآن،و عنه كشف الغمة 2:169،و الآية 103 [4] من سورة هود.

و يصبح صقيلا دهنيا (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:34. [1]

.

و عن عكرمة:كان يوضع فراش لعبد المطّلب في ظلّ الكعبة،و لا يجلس عليه أحد إلاّ هو إجلالا له،و كان بنوه يجلسون حوله حتّى يخرج،فكان النبيّ صلى اللّه عليه و آله يجلس عليه،فيأخذه أعمامه ليؤخّروه،فقال لهم عبد المطلب:دعوا ابني،فو اللّه إنّ له لشأنا عظيما (2).

و فيه:قال أبو طالب لأخيه:يا عبّاس أخبرك عن محمّد،إنّي ضممته فلم أفارقه ساعة من ليل أو نهار،فلم أئتمن أحدا حتّى نؤمته في فراشي،فأمرته أن يخلع ثيابه و ينام معي،فرأيت في وجهه الكراهية،فقال:يا عمّاه اصرف بوجهك عنّي حتّى أخلع ثيابي،و أدخل فراشي.فقلت له:و لم ذاك؟فقال:لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي.فتعجبت من قوله و صرفت بصري عنه حتّى دخل فراشه،فإذا دخلت أنا الفراش إذا بينه و بيني ثوب،و اللّه ما أدخلته في فراشي فأمسه فاذا هو ألين ثوب،ثمّ شممته كأنّه غمس في مسك (3).

و فيه أيضا عن أبي طالب:لم أرمنه كذبة قط،و لا جاهلية قطّ،و لا رأيته يضحك في غير موضع الضحك،و لا يدخل مع الصبيان في لعب،و لا التفت إليهم،و كان الوحدة أحبّ إليه و التواضع (4).

و قال المسعودي:قال عبد اللّه أبوه فيه:

الحمد للّه الّذي أعطاني هذا الغلام الطيّب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان أعيذه بالبيت ذي الأركان

(5)


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:35. [2]

3) 3) المناقب لابن شهر آشوب 1:36. [3]

4) 4) المناقب لابن شهر آشوب 1:37. [4]

5) 5) مروج الذهب للمسعودي 2:274، [5]لكن نسب البيتين إلى أبي عبد اللّه.

و قال أبو طالب عمّه فيه:

و لقد عهدتك صادقا في القول لا تتزيّد

ما زلت تنطق بالصواب و أنت طفل أمرد

«و أنجبها كهلا» قال الجوهري:الكهل من الرجال الذي جاوز الثلاثين (1)

صحاح اللغة للجوهري 5:1813 [1] مادة(كهل).

، و لمّا بنت قريش الكعبة،و تنازعوا في رفع الحجر و وضعه في محلّه،و حكّموا النبيّ صلى اللّه عليه و آله فحكم بينهم بما ارتضوه،قال قائل متعجّبا من انقياد شيوخ قريش لشابّ-و كان يومئذ ابن خمس و ثلاثين-:أما و اللات و العزّى ليفوقنّهم سبقا، و ليقسمنّ بينهم حظوظا و جدودا،و ليكوننّ له بعد هذا اليوم شأن و نبأ عظيم (2).

و قال بعضهم:و لو لا خاصّيّة النبوّة و سرّها لما كان مثل أبي طالب- و هو شيخ قريش و ذو سنّها و ذو شرفها-يمدحه و هو شابّ قد ربّي في حجره،و هو يتيمه و مكفوله و جار مجرى أولاده بمثل قوله:

و تلقوا ربيع الأبطحين محمّدا

و مثل قوله:

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه

فإنّ مثل هذا الأسلوب من الشعر لا يمدح به التابع و الذنابي من الناس، و إنّما هو من مديح الملوك و العظماء .

«أطهر المطهّرين شيمة» أي:خلقا و طبيعة،قالوا:كان صلى اللّه عليه و آله يكرم أهل الفضل في أخلاقهم،و يتألّف أهل الشرف بالبرّ لهم،يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على غيرهم إلاّ بما أمر اللّه،و لا يجفو على أحد.يقبل معذرة المعتذر


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 2:273،و [2]الطبقات لابن سعد 1 [3] ق 1:94.

إليه،و كان أكثر الناس تبسّما ما لم ينزّل عليه قرآن،و لا يرتفع على عبيده و إمائه في مأكل و لا في ملبس،و ما شتم أحدا بشتمه،و لا لعن امرأة و لا خادما بلعنة،و لا يأتيه حرّ و لا عبد أو أمة إلاّ قام معه في حاجته (1)

مناقب ابن شهر آشوب 1:146،و [1]النقل بتقطيع.

.

«و أمطر» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و أجود)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (2).

«المستمطرين» بلفظ اسم المفعول.

«ديمة» في(الصحاح)الديمة:المطهر الّذي ليس فيه رعد و لا برق،و أقلّه ثلث النهار أو ثلث الليل،و أكثر ما بلغ من العدة.و الجمع:ديم.قال لبيد:

باتت و أسبل و اكف من ديمة يروي الخمائل دائما تساجمها

ثمّ يشبّه به غيره.و في الحديث:«كان عمله ديمة» (3).

قالوا:كان صلى اللّه عليه و آله أسخى الناس لا يثبت عنده دينار و لا درهم،فإن فضل و لم يجد من يعطيه و يجنّه الليل لم يأو إلى منزله حتّى يتبرّأ منه إلى من يحتاج إليه،و لا يسئل شيئا إلاّ أعطاه،ثمّ يعود إلى قوت عامه فيؤثر منه حتّى ربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء،و كان لا يجلس إليه أحد و هو يصلّي إلاّ خفّف صلاته،و أقبل عليه،و قال:ألك حاجة؟و كان يكرم من يدخل عليه حتّى ربما بسط ثوبه،و يؤثر الداخل بالوسادة الّتي تحته (4).

و قال أبو طالب فيه:

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامي عصمة للأرامل


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:200،لكن في شرح ابن ميثم 3:23«أمطر»أيضا.

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 5:1924 [2] مادة(ديم)،و الحديث أخرجه مسلم في صحيحه 1:541 ح 217،و غيره عن عائشة.

4) 4) المناقب لابن شهر آشوب 1:145،و [3]النقل بتقطيع.

يطيف به الهلاّك من آل هاشم فهم عنده في نعمة و فواضل

9

من الخطبة(33)

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ؟مُحَمَّداً ص؟- وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً وَ لاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً- فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ- وَ بَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ- فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وَ اطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ من الخطبة(102) و من خطبة له عليه السّلام(و قد تقدم مختارها بخلاف هذه الرواية):

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى بَعَثَ؟مُحَمَّداً ص؟- وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً- وَ لاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً وَ لاَ وَحْياً- فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ- يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ- وَ يُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ.

يَحْسِرُ الْحَسِيرُ وَ يَقِفُ الْكَسِيرُ- فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ- إِلاَّ هَالِكاً لاَ خَيْرَ فِيهِ- حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ- وَ بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ- فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ- وَ اسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ قوله عليه السّلام في الأوّل : «إنّ اللّه» هكذا في(المصرية)و زاد(ابن أبي الحديد و الخطية) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:176،و [1]لكن لفظ ابن ميثم 2:72 [2] مثل المصرية الجمعة.

«سبحانه»كما في الثاني بالاتّفاق.

«فإنّ اللّه سبحانه»قوله عليه السّلام فيهما.

«بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله و ليس أحد من العرب يقرأ كتابا» قال تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ» (2).

و في(معارف ابن قتيبة)قال الأصمعي:ذكروا أنّ قريشا سئلوا من


1) 1)

2) 2) :2.

أين لكم الكتاب؟ قالوا:من أهل الحيرة.و قيل لأهل الحيرة:من أين لكم الكتاب؟قالوا:من الأنبار.

و روي:أنّ بشر بن عبد اللّه العبادي علّم أبا سفيان بن أمية،و أبا قيس بن عبد مناف بن زهرة الكتاب،فعلّما أهل مكّة.

و روى عن سهل:أنّ أوّل من كتب بالعربيّة مرامر بن مرة من أهل الأنبار،و من الأنبار انتشرت في الناس.

و قال وهب:أوّل من خطّ بالقلم إدريس عليه السّلام (1)

المعارف لابن قتيبة:552-553،و [1]النقل بتقديم و تأخير.

.

«و لا يدّعي نبوّة» و زاد في الثاني «و لا وحيا» .

و إنّما كان أمية بن أبي الصلت لرغبته عن عبادة الأوثان و قراءته كتب السلف،يخبر أنّ نبيّا يبعث قد أظلّ زمانه،فلمّا سمع بخروج النبيّ صلى اللّه عليه و آله كفر حسدا له،و كان يطمع أن يكونه (2).

و لشياع خبر بعثته و قرب ظهوره،سمّى قوم أبناءهم محمّدا رجاء أن يكونوه لما سمعوا أنّ اسم النبيّ الاتي محمّد،و المسمّون هم:محمّد بن مسلمة،و محمّد بن احيحة،و محمّد بن برء البكري،و محمّد بن سفيان بن مجاشع،و محمّد بن حمران الجعفي،و محمّد بن خزاعة السلمي (3).و قد وقع نظير ذلك قبله صلى اللّه عليه و آله لموسى عليه السّلام و بعده صلى اللّه عليه و آله للمهدي عليه السّلام.

و روى الطبري عن الزهري:أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم لمّا كان يعرض نفسه على القبائل في المواسم،عرض نفسه على بني عامر،فاشترطوا أن يكون الأمر


1) 1)

2) 2) التهذيب للنووي 1 ق 1 126،و غيره.

3) 3) فتح ابن سعد في الطبقات 1 ق 1:111 بابا بهذا العنوان،و ذكر فيه من سمّي في الجاهلية بمحمّد.

لهم بعده،فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم:الأمر إلى اللّه.فأعرضوا عنه،و رجعوا إلى شيخ كبير لهم،فأخبروه خبره و نسبه،فوضع يده على رأسه،ثمّ قال:يا بني عامر هل من تلاف:و الّذي نفسي بيده،و ما تقوّلها إسماعيليّ قطّ،و إنّها لحقّ،و أين كان رأيكم عنه؟ (1)

تاريخ الطبري 2:84،و [1]النقل بالمعنى.

.

و ادّعي النبوّة كذبا بعد بعثته صلى اللّه عليه و آله و سلم جمع:مسيلمة من حنيفة،و سجاح الّتي تزوّجها مسيلمة من بني يربوع،و أسود بن كعب من عنس،و طلحة بن خويلد من أسد بن خزيمة لكنّه رجع إلى الاسلام بعد،و أمّا خالد بن سنان العبسي الّذي قالوا:أتت ابنته إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم فسمعته يقرأ «قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ» (2)فقالت:كان أبي يقول هذا.فغير محقّق،و إنّ قالوا:إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:

«ذلك نبيّ أضاعه قومه» (3).

هذا،و في الخبر:أنّ خمسة من الأنبياء كانوا سريانيين و هم:آدم و شيث و إدريس و نوح و إبراهيم،و خمسة منهم عبرانيين:إسحاق و يعقوب و موسى و داود و عيسى،و خمسة منهم من العرب:هود و صالح و إسماعيل و شعيب و محمّد عليه و على آله و عليهم السلام (4).

قوله عليه السّلام في الأوّل : «فسّاق الناس حتّى بوّأهم» أي:مكّنهم.

«محلّتهم» التي ينبغي لهم أن يحلّوها،و هي الإسلام،ذاك الدين الحنيف.

قوله عليه السّلام في الثاني : «فقاتل بمن أطاعه» و هم أهل المدينة.

«من عصاه» و هم أهل مكّة و اليهود و غيرهم،و في(المناقب):لما كان بعد


1) 1)

2) 2) الاخلاص:1. [2]

3) 3) مروج الذهب للمسعودي 1:81،82،و [3]أمّا حديث:«ذلك نبي أضاعه قومه»فرواه ابن سعد في الطبقات 1 ق 2: 42،و المسعودي في مروج الذهب 2:214،و [4]الصدوق في كمال الدين:659،و [5]غيرهم.

4) 4) الاختصاص للمفيد:264.

سبعة أشهر من الهجرة نزل جبرئيل عليه السّلام بقوله: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ» (1)

الحج:39. [1]

، و قلّد في عنقه سيفا،و في رواية:لم يكن له غمد،فقال له:حارب بهذا قومك حتّى يقولوا:لا إله إلاّ اللّه.

و عن أهل السير:أنّ جميع ما غزا النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بنفسه ستّ و عشرون غزوة على هذا النسق:البواط،العشيرة،بدر الأولى،بدر الكبرى،السويق،ذو امرة،أحد،نجران،بنو سليم،الأسد،بنو النضير،ذات الرقاع،بدر الآخرة، دومة الجندل،الخندق،بنو قريظة،بنو لحيان،ذو قرد،بنو المصطلق، الحديبية،خيبر،الفتح،حنين،الطائف،تبوك،و يلحق بها بنو قينقاع.قاتل في تسع و هي:بدر الكبرى و أحد و الخندق و بني قريظة و بني المصطلق و بني لحيان و خيبر و الفتح و حنين و الطائف.

و أمّا سراياه صلى اللّه عليه و آله فستّ و ثلاثون:أوّلها سريّة حمزة لقي أبا جهل بسيف البحر في ثلاثين من المهاجرين،و في ذي القعدة بعث سعد بن أبي و قّاص في طلب عير،ثمّ عبيدة بن الحارث بعد سبعة أشهر في ستين من المهاجرين نحو الجحفة إلى أبي سفيان... (2).

قوله عليه السّلام في الأوّل : «و بلّغهم منجاتهم» و في الثاني: «يسوقهم إلى منجاتهم» أي:محلّ نجاتهم،قال تعالى: «عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » (3).

«و يبادر بهم الساعة» أي:القيامة.


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:186،و [2]نقل عدد غزواته و سراياه صلى اللّه عليه و آله الواقدي في المغازي 1:7،و [3]ابن هشام في السيرة 4:189،و [4]ابن سعد في الطبقات 2 ق 1:1،و الطبري في تاريخه 2:404،405 سنة 10،و [5]المسعودي في مروج الذهب 2:280،282 و غيرهم،و اختلف في تعدادها و ترتيبها اختلافا يسيرا.

3) 3) التوبة:128. [6]

«أن تنزل بهم» و لم يستعدّوا لها،و في(ارشاد المفيد)لمّا عاد النبيّ صلى اللّه عليه و آله من تبوك إلى المدينة قدم إليه عمرو بن معديكرب،فقال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أسلم يا عمرو يؤمنك اللّه من الفزع الأكبر.قال:يا محمّد و ما الفزع الأكبر فإنّي لا أفزع؟ فقال:يا عمرو إنّه ليس كما تظنّ و تحسب،إنّ الناس يصاح بهم صيحة واحدة، فلا يبقى ميّت إلاّ نشر،و لا حيّ إلاّ ما شاء اللّه،ثمّ يصاح بهم صيحة أخرى،فينشر من مات،و يصفّون جميعا،و ينشقّ السماء،و تهدّ الأرض، و تخرّ الجبال هدّا،و ترمي النار بمثل الجبال شررا،فلا يبقى ذو روح إلاّ انخلع قلبه و ذكر ذنبه و شغل بنفسه،إلاّ ما شاء اللّه.فأين أنت يا عمرو من هذا؟قال:

إلا إنّي أسمع أمرا عظيما.فآمن باللّه و رسوله،و من آمن معه من قومه ناس و رجعوا إلى قومهم (1)

الإرشاد للمفيد:84. [1]

.

«يحسر الحسير» أي:يعجز العاجز،قال الجوهري:حسر البعير:أعيا، فهو حسير (2).

«و يقف الكسير» أي:من كسر رجله .

«فيقيم عليه» أي:على كلّ من الحسير و الكسير،و يحسن في مثله توحيد الضمير لرجوع الحسير و الكسير إلى معنى واحد،و هو من لم يقدر على السير المتعارف.

«حتّى يلحقه غايته» و مقصده،و الضميران أيضا كالضمير في(عليه)، و المراد أنّه لمّا لم يكن كلّ الناس صاحب معرفة قويّة يسلم حين يدعوه،بل كثير منهم كانوا آبين أوّلا،يداريهم و يدعوهم مرّة بعد مرّة،حتّى يعرفوا الحقّ بالتأمّل و يهتدوا.


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 2:629 [2] مادة(حسر).

«إلاّ هالكا لا خير فيه...» و لا تفيده الدّعوة،كالّذين قال تعالى فيهم: «وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» (1)

الأنعام:111. [1]

.

و منهم المستهزءون به صلى اللّه عليه و آله الّذين قال تعالى فيهم: «إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (2).و هم الوليد بن المغيرة،و الأسود بن عبد يغوث،و أبو زمعة، و العاص بن وائل،و الحرث بن قيس،و عقبة بن أبي معيط،و الأسود بن الحرث،و أبو أحيحة،و النضر بن الحرث،و الحكم بن العاص،و عتبة،و شيبة، و طعيمة بن عدي،و الحرث بن عامر،و أبو البحتري،و أبو جهل،و أبو لهب، و نظراؤهم،فدلّهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله على سبيل نجاتهم،فأبوا إلاّ سلوك طريق الهلكة، و كانوا قد هدّدوه بالقتل،فأهلكهم اللّه،بعضهم بالقتل في غزوة بدر،و بعضهم بأسقام و أوجاع.

قالوا:مرّ الأسود بن عبد يغوث على النبيّ صلى اللّه عليه و آله فأومأ صلى اللّه عليه و آله إلى بطنه، فاستسقى و مات حبنا.

و مرّ عليه أبو زمعة،فأشار صلى اللّه عليه و آله إلى عينه،فعمي،و كان يضرب رأسه على الجدار حتّى هلك.

و مرّ عليه الوليد بن المغيرة،فأومأ صلى اللّه عليه و آله إلى جرح اندمل في بطن رجله من نبل،فتعلّقت به شوكة فنن فخدشت ساقه،و لم يزل مريضا حتّى مات.

و خرج العاص بن وائل من بيته،فلحقته السموم،فلما انصرف إلى داره لم يعرفوه،فباعدوه فمات غمّا،و في خبر فقتلوه،و في آخر وطأ على شبرقة فدخلت في أخمص رجله،فقال:لدغت،فلم يزل يحكّها حتّى مات.


1) 1)

2) 2) الحجر:95. [2]

و مرّ عليه صلى اللّه عليه و آله الحرث فأومأ صلى اللّه عليه و آله إلى رأسه فتقيّأ قيحا،و في خبر لدغته حيّة،و في آخر تدهده عليه حجر من جبل فتقطّع.

و أكل الأسود بن الحارث حوتا فأصابه عطش،فلم يزل يشرب الماء حتّي إنشقّ بطنه.

و رمى اللّه أبا لهب بالعدسة،فتركه ابناه ثلاثا لا يدفنانه،و كانوا يتّقون العدسة،فقذفوا عليه الحجارة حتّى و اروه (1)

هذا تلخيص كلام ابن شهر آشوب في مناقبه 1:73-75،و أخرجه أيضا أبو نعيم بطرق في الدلائل [1]عنه الدر المنثور 4:107،و [2]ابن هشام في السيرة 2:40،و رواه ابن الأثير في الكامل 2:70.

.

و عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله مثل ما بعثني اللّه به من الهدى و العلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا،فكان منها نقيّة فثبت الماء،فأنبتت الكلأ و العشب الكثير، و كان منها أجادب أمسكت الماء،فنفع اللّه بها الناس فشربوا و سقوا و زرعوا، و كان منها قيعان لا تمسك ماء،و لا تنبت كلا (2).

و في(الأغاني):نظر النبيّ صلى اللّه عليه و آله إلى زهير بن أبي سلمى،و له مائة سنة، فقال:اللّهم أعذني من شيطانه.فما لاك بيتا حتّى مات (3).

قوله عليه السّلام في الأول و كذا الثاني : «فاستقامت قناتهم» أي:رمحهم، و استقامة القناة كناية عن تمكّنهم،كقوله عليه السّلام في الثاني .

«فاستدارت رحاهم» فإنّه كناية عن نفوذ أمرهم.

10

من الخطبة(106)

منها في ذكر النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْأَنْبِيَاءِ- وَ مِشْكَاةِ الضِّيَاءِ وَ ذُؤَابَةِ الْعَلْيَاءِ- وَ سُرَّةِ؟


1) 1)

2) 2) صحيح مسلم 4:1787 ح 15،و غيره،و بين الألفاظ اختلاف يسير.

3) 3) الأغاني لأبي الفرج 10:291.

الْبَطْحَاءِ؟ وَ مَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ- وَ يَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ «اختاره من شجرة الأنبياء» روى(طبقات كاتب الواقدي)عن ابن عباس في قوله تعالى: «وَ تَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ» (1)

الشعراء:219. [1]

قال:من نبيّ إلى نبيّ و من نبيّ إلى نبيّ حتّى أخرجك نبيّا (2).

«و مشكاة الضياء» عن الفرّاء المشكاة:الكوّة التي ليست بنافذة .

«و ذؤابة العلياء» تستعار الذؤابة كالمشكاة للنقاوة،قال حسّان في بئر معونة:

بني أمّ البنين ألم يرعكم و أنتم من ذوائب أهل نجد

(3)قال الشاعر في كونه صلى اللّه عليه و آله و سلم من شجرة الأنبياء،و مشكاة الضياء: ورث الشرف جامعا عن جامع و شهد له نداء نداء الصوامع

هو من مضر في سويداء قلبها و من هاشم في سواد طرفها

و عن ابن عبّاس عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أنّ اللّه تعالى قسّم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسما،فذلك قوله و أصحاب اليمين و أصحاب الشمال (4).

فأنا من أصحاب اليمين،و أنا خير أصحاب اليمين،ثمّ جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا،فذلك قوله: «فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَ السّابِقُونَ السّابِقُونَ» (5)،فأنا من السابقين،و أنا خير السابقين،ثمّ جعل الأثلاث قبائل،فجعلني في خيرها قبيلة،و ذلك قوله: «وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ»


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 1 [2] ق 1:5.

3) 3) السيرة لابن هشام 3:106. [3]

4) 4) جاء ذكر أصحاب اليمين في الواقعة:27،38،90،91،و [4]المدثّر:39،و [5]ذكر أصحاب الشمال في الواقعة:41. [6]

5) 5) الواقعة:8-10. [7]

«أَتْقاكُمْ» (1)

الحجرات:13. [1]

،و أنا أتقى ولد آدم و أكرمهم على اللّه تعالى و لا فخر،ثمّ جعل القبائل بيوتا،فجعلني في خيرها بيتا،فذلك قوله: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2)،فأنا و أهل بيتي مطهرون من الذنوب (3).

«و سرّة البطحاء» قال المسعودي:إنّ قريشا:قريش الظواهر،و قريش الأباطح،و الظواهر:بنو محارب،و الحارث بن فهر،و بنو الادرم بن غالب بن فهر،و بنو هصيص بن عامر بن لؤي.و البطائح:بنو عبد مناف،و بنو عبد الدار،و بنو عبد العزّى،و زهرة،و مخزوم،و تيم،و جمح،و سهم،و عدي، و قصي،و الفخر للبطاح.

قال ذكوان مولى عبد الدار للضحاك الفهري:

تطاولت للضحاك حتّى رددته إلى نسب في قومه متقاصر

فلو شاهدتني من قريش عصابة قريش البطاح لا قريش الظواهر

و قال أبو طالب في النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

من القوم مفضال أبيّ على العدى تمكّن في الفرعين من آل هاشم

.

و كان قصيّ أبو عبد مناف هو الأصل في قريش البطاح،و سمّي مجمّعا، لأنّه جمع قومه من الشعاب و الأودية و الجبال إلى مكّة،فلمّا تركهم بمكّة ملّكوه عليهم،فكان أوّل ولد كعب بن لؤيّ أصاب ملكا أطاعه به قومه،و كان إليه الحجابة و السقاية و الرفادة و الندوة و اللواء،فحاز شرف قريش كلّه، و قسّم مكّة أرباعا بين قومه فبنوا المساكن،و تيمّنت قريش بأمره،فما ينكح


1) 1)

2) 2) الأحزاب:33. [2]

3) 3) أخرجه الحكيم الترمذي و الطبراني و ابن مردويه و أبو نعيم و البيهقي في الدلائل [3]عنهم الدر المنثور 5:199، و [4]الحسكاني في شواهد التنزيل 2:29 ح 669 [5] عن ابن عباس.

رجل و لا امرأة إلاّ في داره،و كان أمره في قومه كالدين المتّبع في حياته و بعد موته.

و أمّا قول قريش للنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم:ابن أبي كبشة.ففي(أنساب قريش مصعب الزبيري):أنّ قريشا كانت تنسب النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم إلى أبي كبشة،و حر بن غالب الخزاعي جدّ وهب أبي آمنة أمّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم لأمّه و لم يعيّروا النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم في نسبته إليه من تقصير كان فيه،فكان سيّد قومه،و إنّما كان أبو كبشة أوّل من عبد الشعرى لأنّها تقطع السماء عرضا بخلاف الشمس و القمر و باقي الكواكب،و العرب تظنّ أنّ أحدا لا يعمل شيئا إلاّ بعرق ينزعه، فلمّا خالف النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم دين قريش قالت قريش:نزعه أبو كبشة (1)

نسب قريش للزبيري:261 و النقل بالمعنى.

.

هذا،و قالوا:يكون موضعا آخران مسمّيان بالبطحاء غير بطحاء مكّة:

أحدهما:بطحاء الجزيرة،و ثانيهما:بطحاء ذي قار.

و قالوا:رأى قرشي رجلا له هيئة رثّة فسأل عنه،فقالوا:من تغلب.

فوقف عليه و هو يطوف بالبيت،فقال له:أرى رجلين قلّما وطئتا البطحاء.فقال الرجل:البطحاوات ثلاث:بطحاء الجزيرة و هي لي دونك،و بطحاء ذي قار، و أنا أحقّ بها منك،و هذه البطحاء،و «سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ» (2).

هذا،و في(سيرة ابن هشام)عن الزهري:لمّا وفد الأشعث بن قيس على النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:يا رسول اللّه نحن بنو آكل المرار-كان من ولده من قبل النساء-و أنت ابن آكل المرار.قال:فتبسّم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و قال:ناسبوا بهذا النسب العبّاس بن عبد المطلب و ربيعة بن الحارث-و كان العبّاس و ربيعة رجلين تاجرين،و كانا إذا شاعا في بعض العرب فسئلا ممّن هما قالا:نحن بنو


1) 1)

2) 2) معجم البلدان للحموي 1:446،و المشترك و المفترق:59،و الآية 25 من سورة الحجّ. [1]

آكل المرار يتعزّزان بذلك،و ذلك أنّ كندة كانوا ملوكا-ثمّ قال لهم:لا،بل نحن النضر بن كنانة،لا نقفو أمّنا،و لا ننتفي من أبينا (1)

سيرة ابن هشام 4:172 و غيره. [1]

.

«و مصابيح الظلمة» أي:اختاره منها .

«و ينابيع الحكمة» أي:الأنبياء و الحكماء الّذين كانوا آباءه صلى اللّه عليه و آله و سلم.

11

من الخطبة(149)

و من خطبة له عليه السّلام:

وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ الشَّيْطَانِ وَ مَزَاجِرِهِ- وَ الاِعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ وَ مَخَاتِلِهِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ نَجِيبُهُ وَ صَفْوَتُهُ- لاَ يُؤَازَى فَضْلُهُ وَ لاَ يُجْبَرُ فَقْدُهُ- أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلاَدُ بَعْدَ الضَّلاَلَةِ الْمُظْلِمَةِ وَ الْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ وَ الْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ- وَ النَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ وَ يَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ- يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ وَ يَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ «و استعينه على مداحر» أي:ما يوجب الطرد و الإبعاد،قال تعالى:

«اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً» (2).

«الشيطان و مزاجره» أي:ما يوجب منعه،و مداحر الشيطان و مزاجره:

العبادات و الطاعات،من الصلاة و الصيام و باقي القربات.

قال الصادق عليه السّلام:إنّ العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس يا ويلاه أطاع و عصيت،و سجد و أبيت (3).

و قال النبيّ لأصحابه:ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد


1) 1)

2) 2) الأعراف:18. [2]

3) 3) الكافي للكليني 3:264 ح 2،و [3]المحاسن للبرقي 18 ح50،و [4]الفقيه للصدوق 1:136 ح 17،و ثواب الأعمال:56 ح 1 عن الصادق عليه السّلام،و دعائم الإسلام [5]للقاضي النعمان 1:136 عن علي عليه السّلام،و المقنع للصدوق:45 [6] بلا عزو.

الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب؟قالوا:بلى.قال الصوم يسوّد وجهه،و الصدقة تكسر ظهره،و الحبّ في اللّه و الموازرة على العمل الصالح يقطع دابره،و الاستغفار يقطع و تينه... (1)

الكافي للكليني 4:62 ح 2،و [1]الفقيه للصدوق 2:45 ح 4،و أماليه:59 ح 1 المجلس 15،و [2]في فضائل رمضان عنه الوسائل 7:296 ح 35،و [3]التهذيب للطوسي 4:191 ح 6،و الأشعثيات لابن الأشعث:58.

.

و عن الصادق عليه السّلام:لا يزال إبليس فرحا ما اهتجر المسلمان،فاذا التقيا اصطكّت ركبتاه،و تخلّعت أوصاله،و نادى يا ويله ما لقي من الثبور (2).

و عنهم عليهم السلام:ليس شيء أنكأ لإبليس و جنوده من زيارة الإخوان في اللّه بعضهم لبعض،و إنّ المؤمنين يلتقيان فيذكران اللّه ثمّ يذكران فضلنا أهل البيت،فلا يبقى على وجه إبليس مضغة لحم إلاّ تخدّد،حتّى أنّ روحه لتستغيث من شدّة ما يجد من الألم،فتحسّ ملائكة السماء و خزّان الجنان، فيلعنونه حتّى لا يبقى ملك مقرّب إلاّ لعنه،فيقع خاسئا حسيرا مدحورا (3).

«و الاعتصام» عطف على(مداحر)أي:الاحتفاظ.

«من حبائله» جمع الحبالة،أي:الّتي يصيد بها الصائد.

«و مخاتله» أي:مخادعه،و حبائله و مخاتله:الخمر و الميسر و النساء و زخارف الدّنيا،قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» (4).

و عنهم عليهم السّلام:الفتن ثلاث:حبّ النساء،و هو سيف الشيطان،و شرب


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 2:346 ح 7. [4]

3) 3) الكافي للكليني 2:188 ح 7 [5] عن الكاظم عليه السّلام.

4) 4) المائدة:90-91. [6]

الخمر،و هو فخّ الشيطان،و حبّ الدينار و الدرهم،و هو سهم الشيطان (1)

الخصال للصدوق:113 ح 91 باب الثلاثة،عن علي عليه السّلام.

.

و عنهم عليهم السّلام:إنّ إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليه السّلام و إذا عليه معاليق من كلّ شيء،فقال له يحيى:ما هذه المعاليق يا إبليس؟فقال:هذه الشهوات التي أصبتها من ابن آدم.قال:فهل لي منها شيء؟قال:ربّما شبعت فثقّلتك عن الصلاة و الذكر.قال يحيى:للّه عليّ أن لا أملأ بطني من طعام أبدا ... (2).

«و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله» قدّمت العبودية،لأنّه لولاها لما حصلت الرسالة .

«و نجيبه و صفوته» «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » (3).

«لا يوازى» أي:لا يحاذى،و أصل الواو الهمز:من الإزاء،و قول الجوهري:

«آزيته:إذا حاذيته،و لا تقل وازيته» (4)خطأ،حيث إنّ غيره أجازه،و يشهد له كلامه عليه السّلام.

«فضله» من أحد،قال أبو طالب-لمّا خطب للنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم خديجة-:ثمّ ابن أخي هذا محمّد بن عبد اللّه لا يوازن برجل من قريش إلاّ رجح به،و لا يقاس بأحد منهم إلاّ عظم عنه،و لا عدل له في الخلق.

و قالوا:-لمّا تلجلج ورقة عمّ خديجة في الجواب في قبال أبي طالب مع كونه من القسّيسين،و قالت خديجة نفسها:قد زوّجتك نفسي و المهر عليّ في مالي،و قال بعض قريش:وا عجباه المهر على النساء للرجال!-غضب أبو طالب غضبا شديدا و قام على قدميه-و كان ممّن تهابه الرجال و تكره غضبه-


1) 1)

2) 2) المحاسن للبرقي:439 ح 297 [1] عن الصادق عليه السّلام،و جاءت القصة في ضمن حديث طويل أخرجه الترمذي في غور الأمور عنه البحار 63:226 ح 71،و [2]أمالي أبي علي الطوسي 1:348 المجلس 12.

3) 3) الأنعام:124. [3]

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 6:2268 [4] مادة(أزي).

و قال:إذا كان الرجال مثل ابن أخي هذا طلبوا بأغلى الأثمان و أعظم المهر،و إذا كانوا أمثالكم لا يزوّجون إلاّ بالمهر الغالي (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:42. [1]

.

و قال كعب بن نمط في النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم:

و ما حملت من ناقة فوق رحلها أبرّ و أوفى ذمّة من محمّد

و لا وضعت أنثى لأحمد مشبها من الناس في التقوى و لا في التعبّد

و قال مالك بن عوف:

ما إن رأيت و لا سمعت بواحد في الناس كلّهم شبيه محمّد

«و لا يجبر فقده» قال الباقر عليه السّلام:إن أصبت بمصيبة في نفسك أو في مالك أو في ولدك،فاذكر مصابك بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله،فإنّ الخلائق لم يصابوا بمثله قط (2).

«أضاءت به البلاد بعد الضلالة المظلمة» الغاشية لها من الجاهلية،قال العبّاس بن مرداس فيه:

سننت لنا فيه الهدى بعد جورنا عن الحقّ لمّا أصبح الحقّ مظلما

و نوّرت بالبرهان أمرا مدمّما و أطفأت بالقرآن جمرا تضرّما

«و الجهالة الغالبة» على جميع الفرق،في(سنن أبي داود)عن ابن عبّاس:

كان النضير من اليهود أشرف من قريظتهم،فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النصير قتل به،و إذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فودي بمائة و سق من تمر،فلمّا بعث النبيّ صلى اللّه عليه و آله قتل نضيريّ قريظيّا،فقالوا:ادفعوه إلينا نقتله.فقالوا:بيننا و بينكم محمّد.فأتوه،فنزلت: «وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ» (3)أي:النفس،بالنفس،ثمّ نزلت: «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ»


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 3:220 ح 2،و في الباب أحاديث أخرى جمع بعض طرقها الشيخ الحرّ في وسائل الشيعة 2:911 الباب 79،و [2]المحدث النوري في المستدرك الوسائل 1:142 الباب 67.

3) 3) المائدة:42. [3]

«وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (1)

سنن أبي داود 4:168 ح 4494،و [1]سنن النسائي 8:18،و ابن أبي شيبة و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و ابن مردويه و المستدرك للحاكم،و سنن البيهقي عنهم الدر المنثور 2:285 و [2]النقل بتصرف يسير،و الآية 50 من سورة المائدة. [3]

.

«و الجفوة الجافية» أي الغليظة،فكانوا يفعلون أفعالا في غاية الشناعة، و منها و أد البنات،و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:جاء رجل إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقال:إنّي قد ولدت بنتا و ربّتها،حتّى إذا بلغت،فألبستها و حلّيتها ثمّ جئت بها إلى قليب،فدفعتها في جوفه،و كان آخر ما سمعت منها،و هي تقول:يا أبتاه.

فما كفّارة ذلك؟قال:ألك أمّ حيّة؟قال:لا.قال:فلك خالة حيّة؟قال:نعم.قال:

فابررها،فإنّها بمنزلة الامّ تكفّر عنك ما صنعت.قيل:متى كان هذا؟فقال:كان في الجاهلية،و كانوا يقتلون البنات مخافة أن يسبين فيلدن في قوم آخرين (2).

«و الناس يستحلّون الحريم» أي:الحرام،فيرتكبونه بلا مبالاة .

«و يستذلّون الحكيم» فضلا عن أن لا يعظّموه،في(الأغاني)خرج قيسبة بن كلثوم السكوني،و كان ملكا يريد الحجّ-و كانت العرب تحجّ في الجاهلية فلا يعرض بعضها لبعض-فمرّ ببني عامر بن عقيل،فوثبوا عليه،فأسروه و أخذوا ماله و ما كان معه،و ألقوه في القدّ،فمكث فيه ثلاث سنين،و شاع باليمن أنّ الجنّ استطارته...فتمشّى يوما في أغلاله و قيوده حتّى صعد أكمة ثمّ أقبل يضرب ببصره نحو اليمن و تغشاه عبرة،فبكى ثمّ رفع طرفه الى السماء و قال:اللّهم ساكن السماء فرّج لي ممّا أصبحت فيه،إذ عرض له راكب، فأشار إليه أن أقبل،فكتب تحت خشبة رحله بالمسند أمره،فجاء قومه فاستنقذوه (3).


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 2:162 ح 18. [4]

3) 3) لم أجده في الأغاني. [5]

«يحيون على فترة» غافلين عن ربّهم الّذي خلقهم و رزقهم.

«و يموتون على كفرة» بالههم،و ما أراد منهم من عبادته،قال حسّان فيه صلى اللّه عليه و آله.

رسول أتانا بعد يأس و فترة من الرسل و الأوثان في الأرض تعبد

و لمّا بعثت قريش عمرو بن العاص إلى ملك الحبشة لردّ جعفر الطيّار و من معه لمّا هاجروا إليه تخلّصا من أذاهم،و قال عمرو للملك:«إنّهم خالفونا في ديننا،و سبّوا آلهتنا،و أفسدوا شبابنا،و فرّقوا جماعتنا،و فردّهم إلينا لنجمع أمرنا»،قال جعفر للملك:خالفناهم بأنّه بعث اللّه تعالى فينا نبيّا أمر بخلع الأنداد،و ترك الاستقسام بالأزلام،و أمرنا بالصلاة و الزكاة،و حرّم الظلم و الجور و سفك الدماء بغير حقّها و الزنا و الربا و الميتة و الدم،و أمرنا بالعدل و الإحسان و ايتاء ذي القربى،و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي.فقال الملك:

فبهذا بعث اللّه تعالى عيسى بن مريم (1)

أخرجه بهذا اللفظ القمي في تفسيره 1:177،و [1]الطبرسي في أعلام الورى:43،و أمّا الحوار بين جعفر و النجاشي فحديث مشهور أخرجه أحمد بطريقين في مسنده 1:201،و 5:290،و الطبراني بطرق في معجمه عنه مجمع الزوائد 6:24-32،و ابن هشام في السيرة 1:289 و غيرهم.

.

12

من الخطبة(159)

و من خطبة له عليه السّلام:

بَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِيءِ وَ الْبُرْهَانِ الْجَلِيِّ- وَ الْمِنْهَاجِ الْبَادِي وَ الْكِتَابِ الْهَادِي- أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ- أَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ وَ ثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ- مَوْلِدُهُ؟بِمَكَّةَ؟ وَ هِجْرَتُهُ؟بِطَيْبَةَ؟عَلاَ بِهَا ذِكْرُهُ وَ امْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ- أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ وَ مَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ وَ دَعْوَةٍ مُتَلاَفِيَةٍ


1) 1)

أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ- وَ قَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ- وَ بَيَّنَ بِهِ الْأَحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ- فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاَمِ دَيْناً (1)

آل عمران:85. [1]

تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ وَ تَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ وَ تَعْظُمْ كَبْوَتُهُ- ثُمَّ يَكُونُ مَآبُهُ إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ وَ الْعَذَابِ الْوَبِيلِ «بعثه بالنور المضيء» أي:القرآن،قال تعالى: «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » (2).

«و البرهان الجلي» قال تعالى: «قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً » (3).

«و المنهاج» أي:الطريق الواضح.

«البادي» أي:الظاهر المستبين،من:بدا يبدو،لا بادى بدى الّذي أصله الهمز بمعنى الابتداء،قال تعالى: «قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » (4).

«و الكتاب الهادي» إلى اللّه تعالى،قال تعالى: «وَ كِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ » (5).

«أسرته» أي:عشيرته،و هم بنو هاشم.

«خير أسرة» قالت قتيلة ابنة النضر الداري الّذي قتله أمير المؤمنين عليه السّلام صبرا بأمر النبيّ صلى اللّه عليه و آله في أبيات:

أ محمّد و لأنت صنو نجيبة من قومها و الفحل فحل معرق

ما كان ضرّك لو مننت و لربّما منّ الفتى و هو المغيظ المحنق


1) 1)

2) 2) الأعراف:157. [2]

3) 3) النساء:174. [3]

4) 4) البقرة:256. [4]

5) 5) المائدة:15-16. [5]

«و شجرته خير شجرة» و المراد أصله الّذي خلق صلى اللّه عليه و آله منه،كما يشهد له قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أنا و عليّ من شجرة واحدة،و الناس من أشجار شتّى (1)

أخرجه الحاكم و ابن مردويه و الذهبي عنهم الدر المنثور 4:44،و [1]ابن عساكر بطريقين في ترجمة علي عليه السّلام 1:142،147 ح 178،181،و [2]الخوارزمي في مناقبة:87،و ابن المغازلي في مناقبه:400 ح 453،و الحسكاني بطريقين في شواهد التنزيل 1:288 ح 395،396،و [3]الجويني في فرائد السمطين 1:52 ح 17 و [4]غيرهم.

.

«أغصانها معتدلة» ليس فيها زيغ و اعوجاج .

«و ثمارها متهدّلة» أي:نازلة لا تمتنع من قطفها،و المراد من أغصانها و ثمارها خلفاؤه الحقّة،و عن الباقر عليه السّلام سئل عن قوله تعالى: «كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها» (2)، فقال:قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أنا أصل تلك الشجرة و عليّ،و الأئمّة عليهم السلام أغصانها، و علمنا ثمرها،و ما يخرج من الإمام من الحلال و الحرام في كلّ سنة إلى شيعته هو إيتاء أكلها كلّ حين (3).

و عن أمير المؤمنين عليه السّلام:نحن شجرة النبوّة،و محطّ الرسالة، و مختلف الملائكة،و معادن العلم،و ينابيع الحكم (4).

«مولده بمكّة» حرم اللّه.

«و هجرته بطيبة» أي:المدينة،فطيبة أحد أسمائها،ففي(شرح المرتضى لقصيدة الحميري):أنّ للمدينة اثني عشر اسما:طيبة،و يثرب،و الدار، و السكينة،و جابرة،و المجبورة،و المحبّة،و المحبوبة،و العذراء،و الرعبوبة، و القاصمة،و بندد (5).


1) 1)

2) 2) إبراهيم:24-25. [5]

3) 3) هذا المعنى روي عن الباقر و الصادق عليهما السّلام كليهما،بعضه مرفوع إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و بعضه لم يرفع.أقرب الألفاظ ما أخرجه الصفار في بصائر الدرجات:78 ح 1،و [6]جمع بعض طرقه المجلسي في بحار الأنوار 24:136 الباب 44. [7]

4) 4) نهج البلاغة للشريف الرضي 1:209 [8] ضمن الخطبة 107.

5) 5) شرح القصيدة الذهبية للشريف المرتضى:8.

و قال سيف بن ذي يزن لجدّه عبد المطلب لما بشّره به:أجد في الكتاب الناطق و العلم السابق أنّ يثرب دار هجرته و بيت نصرته (1)

حديث سيف بن ذي يزن أخرجه البيهقي في الدلائل [1]عنه أعلام الورى:17،و [2]المسعودي في مروج الذهب 2:58 و [3]الصدوق في كمال الدين:176 ح 32،و [4]الكراجكي في كنز الفوائد:82،و [5]رواه شاذان بن جبرئيل في الفضائل: 38،و الطبرسي في أعلام الورى:15 [6] باختلاف بين الروايات.

.

«علا بها» أي:بطيبة.

«ذكره،و امتدّ بها» في الآفاق.

«صوته» قال قيس بن صرمة من بني النجار فيه صلى اللّه عليه و آله:

ثوى في قريش بضع عشرة حجّة يذكّر من يلقى صديقا مواليا

و يعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي و لم ير داعيا

فلمّا أتانا أظهر اللّه دينه فأصبح مسرورا بطيبة راضيا

و قال الأعشى:

نبي يرى ما لا يرون و ذكره أغار لعمري في البلاد و أنجدا

هذا،و في(الفقيه)عن الصادق عليه السّلام:كان اسم النبيّ صلى اللّه عليه و آله يكرّر في الأذان،فأوّل من حذفه ابن أروى (2).

قلت:أي:عثمان،و كان معاوية يتلهف على عدم استطاعته رفع اسمه صلى اللّه عليه و آله رأسا من الأذان .

«أرسله بحجّة كافية» و هي القرآن،قال تعالى: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» (3)،و قال عزّ و جلّ: «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا»


1) 1)

2) 2) الفقيه للصدوق 1:195 ح 51.

3) 3) الإسراء:88. [7]

«بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ» (1)

البقرة:23. [1]

.

«و موعظة شافية» «وَ جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ» (2)، «يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» (3).و لو لم يكن في القرآن إلاّ قوله تعالى:

«فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» (4)،أو قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (5)، «إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ» (6)،أو قوله تعالى: «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (7)،إلى غير ذلك من نظائرها،لكفى في كونها موعظة شافية.

«و دعوة» إلى اللّه.

«متلافية» أي:متداركة،قال تعالى: «إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً » (8).

«أظهر به الشرائع المجهولة» «يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» (9)،في(سنن أبي داود)


1) 1)

2) 2) هود:120. [2]

3) 3) يونس:57. [3]

4) 4) الزلزلة:7. [4]

5) 5) يونس:23. [5]

6) 6) يونس:24. [6]

7) 7) الجمعة:8. [7]

8) 8) الأحزاب المائدة:45-46. [8]

9) 9) :15.

عن البراء بن عازب:مرّوا على النبيّ صلى اللّه عليه و آله بيهودي قد حمّم وجهه(أي:سوّد) و هو يطاف به،فناشدهم ما حدّ الزاني في كتابهم،فأحالوه على رجل منهم، فنشده النبيّ صلى اللّه عليه و آله:ما حدّ الزّنا في كتابكم؟فقال:الرّجم،و لكن ظهر الزّنا في أشرافنا فكرهنا أن يترك الشريف و يقام على من دونه،فوضعنا هذا عنّا،فأمر به النبيّ صلى اللّه عليه و آله فرجم.ثمّ قال:اللّهم إنّي أوّل من أحيا ما أماتوا من كتابك (1)

سنن أبي داود 4:154 ح 4447،4448. [1]

.

«و قمع به البدع المدخولة» في الدين، «ما جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ وَ لا وَصِيلَةٍ وَ لا حامٍ» (2).

و في(النهاية)كانوا إذا ولدت إبلهم سقبا بحروا أذنه-أي:شقّوها- و قالوا:اللّهم إن عاش ففتيّ و إن مات فذكيّ.فإذا مات أكلوه و سمّوه:البحيرة.

و قيل:البحيرة:بنت السائبة،كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر إناث لم يركب ظهرها و لم يجزّ و برها،و لم يشرب لبنها إلاّ ولدها أو ضيف،و تركوها مسيبة لسبيلها و سمّوها السائبة،فما ولدت بعد ذلك من أنثى شقّوا أذنها و خلّوا سبيلها،و حرم منها ما حرم من أمّها و سمّوها البحيرة (3).

و الوصيلة:هي الشاة إذا ولدت ستّة أبطن اثنيين اثنيين،و ولدت في السابعة ذكرا و أنثى.قالوا:وصلت أخاها.فأحلّوا لبنها للرجال،و حرّموه على النساء.و قيل:إن كان السابع ذكرا ذبح و أكل منه الرجال و النساء،و إن كانت أنثى تركت في الغنم،و إن كان ذكرا و أنثى قالوا:وصلت أخاها و لم تذبح، و كان لبنها حراما على النساء (4).


1) 1)

2) 2) المائدة:103. [2]

3) 3) النهاية لابن الأثير 1:100 [3] مادة(بحر).

4) 4) النهاية لابن الأثير 5:192 [4] مادة(وصل).

و في(الصحاح)الحامي:الفحل من الإبل الذي طال مكثه عندهم (1)

صحاح اللغة 6:2320 [1] مادة(حمى).

.

قال الفرّاء:إذا لقح ولد ولده،فقد حمى ظهره،و لا يجزّ له وبر،و لا يمنع من مرعى (2).

و عن(البخاري)البحيرة التي يمنع درّها للطواغيت،فلا يحلبها أحد من الناس،و السائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء،و الوصيلة الناقة البكر تبكّر في أوّل نتاج الإبل ثمّ تثنّي بعد بأنثى،و كانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بأخرى ليس بينهما ذكر،و الحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود،فإذا قضى ضرابه و دعوه للطواغيت و أعفوه من الحمل فلا يحمل عليه شيء و سمّوه الحامي (3).

و قال تعالى: «وَ قالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَ أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَ أَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ وَ قالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَ إِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» (4).

و قالوا:كانت تلبية قريش و العرب تلبية إبراهيم و الأنبياء عليهم السلام:«لبّيك اللّهم لبّيك لا شريك لك لبّيك»فجاءهم إبليس في صورة شيخ و قال:ما هذا تلبية أسلافكم و إنّما تلبيتهم(لا شريك لك إلاّ شريك هو لك)فنفرت قريش من


1) 1)

2) 2) لسان العرب لابن منظور 14:202 [2] مادة(حما).

3) 3) أخرجه البخاري في صحيحه 3:126،و مسلم في صحيحه 4:2192 ح 51،و عبد الرزاق و عبد ابن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و ابن مردويه عنهم الدر المنثور 2:337 [3] كلّهم عن سعيد بن المسيب موقوفا.

4) 4) الأنعام:138-139. [4]

هذا القول،فقال لهم إبليس:على رسلكم حتّى آتي على آخر كلامي.فقالوا:و ما هو؟قال:(إلاّ شريك هو لك تملكه و ما ملك)ألا ترون أنّه يملك الشريك و ما ملكه.فرضوا بذلك،و كانت قريش خاصّة يلبّون به،فقال لهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله:هذا شرك،و أنزل تعالى: «ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ » (1)

نقله كذلك عبد الرءوف سعد في هامش السيرة النبوية 1:73،و [1]نقله مختصرا ابن هشام في السيرة 1:73، و الطبراني و ابن مردويه عنهما الدار المنثور 5:155،و اليعقوبي في تاريخه 1:255،و الآية 28 من سورة الروم. [2]

.

«و بيّن به الأحكام المفصولة» «وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ » (2)، «وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً » (3).

«فمن يبتغ غير الاسلام دينا تحقّق شقوته» قال تعالى: «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ » (4).

«و تنفصم» أي:تنقطع.

«عروته» فإنّ العروة الوثقى التي لا انفصام لها هي دين الاسلام .

«و تعظم كبوته» بحيث لا يرجى نعشه .

«ثمّ يكون مآبه» أي:مرجعه.

«إلى الحزن الطويل» الذي لا انقضاء له.

«و العذاب الوبيل» أي:الوخيم،قال أبو طالب فيه:

نبيّ أتاه الوحي من عند ربّه و من قال:لا.يقرع بسنّ نادم

هذا،و للبحتري في أحمد بن محمّد الطائي:

و لو تناهت بنو شيبان عنه إذن لم يجشموا غير ذي حدّين مذروب


1) 1)

2) 2) الأنعام:119. [3]

3) 3) الأنعام:114. [4]

4) 4) آل عمران:85. [5]

ما زادها النفر عنه غير تغوية و بعدها من رضاه غير تتبيب

13

من الخطبة(176)

وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ- وَ لاَ مَشْكُوكٍ فِيهِ وَ لاَ مَكْفُورٍ دِينُهُ- وَ لاَ مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ- وَ صَفَتْ دِخْلَتُهُ وَ خَلَصَ يَقِينُهُ وَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ الَمْجُتْبَىَ مِنْ خَلاَئِقِهِ- وَ الْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ وَ الْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ- وَ الْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالاَتِهِ- وَ الْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى وَ الْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى «و أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه» فقد قال تعالى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا» (1)

الأنبياء:22. [1]

.

«غير معدول به» أحد،و كيف يعدل المخلوق بالخالق،و كيف يعدل من هو في غالية النقص بمن هو في نهاية الكمال؟ «و لا مشكوك فيه» و كيف و هو أظهر من الشمس،كف لا و الشمس أحد آثاره؟! «أَ فِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (2).

«و لا مكفور دينه» و كيف و هو دين قيّم غير ذي عوج جامع لسعادة الدارين،فقد قال سفراؤه تعالى:اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا،و اعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا؟ «و لا مجحود تكوينه» حتّى من الّذين جعلوا الأصنام له شركاء في العبادة «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ» (3).


1) 1)

2) 2) إبراهيم:10. [2]

3) 3) لقمان:25. [3]

«شهادة من صدقت نيّته» من الكذب.

«و صفت دخلته» من الكدر.

«و خلص يقينه» من الريب.

«و ثقلت موازينه» بالأعمال الصالحة،و إنّما قيّد عليه السّلام شهادته بما قيّده، لأنّ الشهادة إذا لم تكن كذلك لم تكن بمفيدة،كشهادة المنافقين .

«و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله» إلى خلقه.

«المجتبى» أي:المصطفى.

«من خلائقه» من الأوّلين و الآخرين،و عن ابن عبّاس في حديث المعراج:

أنّ جبرئيل أتى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و قال:إنّ ربّي بعثني إليك و أمرني أن آتيه بك فقم، فإنّ اللّه تعالى يكرمك كرامة لم يكرم بها أحد قبلك و لا بعدك (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:177،179 [1] ضمن حديثين عن ابن عباس.

.

و في خبر آخر:فلمّا بلغ إلى سدرة المنتهى فانتهى الى الحجب فقال جبرئيل:تقدّم يا رسول اللّه ليس لي أن أجوز هذا المكان،ولو دنوت أنملة لا حترقت (2).

و في خبر آخر:قال له جبرئيل:ما وطأ نبيّ قطّ مكانك (3).

«و المعتام» أي:المختار،و لفظ اسمي الفاعل و المفعول في مثله،و إن كان واحدا إلاّ أنّه هنا اسم مفعول كلفظ(المختص)بعده.و قول الخوئي:«إنّه اسم فاعل» (4)وهم.

«لشرح حقائقه» جمع حقيقة،قال ابن أبي الحديد:أي لشرح حقائق توحيده و عدله،و معنى حقائق توحيده الأمور المحقّقة اليقينية الّتي لا تعتريها


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:179 [2] ضمن حديث عن أبي بصير.

3) 3) المصدر نفسه.

4) 4) شرح الخوئي 5:62.

الشكوك،و لا تتخالجها الشبه،و هي أدلّة أصحابنا المعتزلة الّتي استنبطوها بعقولهم بعد أن دلّهم إليها و نبّههم على طرق استنباطها النبيّ صلى اللّه عليه و آله بواسطة أمير المؤمنين عليه السّلام،لأنّه إمام المتكلّمين الّذي لم يعرف علم الكلام من أحد قبله (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:503. [1]

.

قلت:بل المراد بشرح حقائقه مطلق الأصول و الفروع،فانّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم كما شرح التوحيد و العدل شرح المعاد و الثواب و العقاب،و شرح الحلال و الحرام،و لا سيّما بعض الأحكام التي بيّنها صلى اللّه عليه و آله و سلم بواسطة أهل بيته عليهم السّلام، فقال رجل للكاظم عليه السّلام:إنّ رجلا من مواليك تزوّج جارية معصرا لم تطمث، فلمّا افتضّها سال الدّم فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة أيام،و إنّ القوابل اختلفن في ذلك،فقال بعضهنّ:دم الحيض،و قال بعضهنّ:دم العذرة.فما ينبغي لها أن تصنع؟-إلى أن قال-قال عليه السّلام له:سرّ اللّه فلا تذيعوه،و لا تعلّموا هذا الخلق أصول دين اللّه،بل ارضوا لهم ما رضي اللّه لهم من ضلال.ثمّ قال:

تستدخل القطنة ثمّ تدعها مليّا،ثمّ تخرجها إخراجا رفيقا،فان كان الدّم مطوّقا في القطنة فهو من العذرة،و إن كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض.فبكى الرجل و قال له عليه السّلام:من كان يحسن هذا غيرك؟فرفع الكاظم عليه السّلام يده إلى السماء و قال:و اللّه إنّي ما أخبرك إلاّ عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله عن جبرئيل عليه السّلام عن اللّه عزّ و جلّ (2).

و في خبر عن الصادق عليه السّلام في اشتباه دم الحيض و القرحة:فان خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض،و ان خرج من الجانب الأيمن


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 3:92 ح 1،و [2]المحاسن للبرقي:307 ح 22 و [3]النقل بتقطيع،و قريب منه التهذيب للطوسي 1:385 ح 7.

فهو من القرحة (1)

أخرجه كذلك التهذيب للطوسي 1:385 ح 8،و صاحب فقه الرضا [1]فيه،عنه البحار 81:93،و [2]به أفتى الفقيه للصدوق 1:54 و المقنع:5 و [3]الطوسي في المبسوط 1:43 و [4]النهاية:231،و [5]أخرجه بالعكس أي الحيض من الأيمن و القرحة من الأيسر الكافي للكليني 3:94 ح 3،و [6]رواه العلاّمة الحلي نقلا عن تهذيب الطوسي في المختلف 1:36 و المنتهى 1:95،و [7]به أفتى ابن الجنيد كما في المنتهى 1:95،و [8]للفقهاء بحث حول هذا الحديث.

.

و قد شرح النبيّ صلى اللّه عليه و آله الحقائق في ما نسبه أهل الكتاب إلى التوراة و الإنجيل افتراء منهم،فقالوا:لحم الإبل كان محرّما في ملّة إبراهيم عليه السّلام.

فكذّبهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم في ما أنزل تعالى في قوله: «كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (2).

و شرح النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم قصص الأنبياء بحقائقها في ما أنزل تعالى عليه، فقال في(هود)بعد ذكر قصّة نوح: «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا» (3)،و شرح خبر ذي القرنين (4)،و خبر أصحاب الكهف (5)،إلى غير ذلك.

و كان في الأنصار تيه و تكرّم فيتحرّجون من مؤاكلة الأعمى و الأعرج و المريض،و يتحرّجون هم من مؤاكلة الأصحّاء،فسألوا النبيّ صلى اللّه عليه و آله عن ذلك فنزلت: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ لا عَلى أَنْفُسِكُمْ» (6)،و توهّم غير الأصحّاء وجوب الجهاد عليهم كالأصحّاء


1) 1)

2) 2) آل عمران:93. [9]

3) 3) هود:49. [10]

4) 4) جاءت القصة في سورة الكهف الآيات:83-98. [11]

5) 5) جاءت القصة في سورة الكهف الآيات:10-26. [12]

6) 6) هذا الشأن تفسير القمي 2:108 [13] عن الباقر عليه السّلام و الواحدي في أسباب النزول:223 [14] عن ابن عباس،و في الباب عن غيره،جمع بعض طرقه السيوطي في الدر المنثور 5:58 و [15]الآية من سورة النور:61. [16]

فنزلت: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ» (1)

أخرجه الطبراني في معجمه عنه الدر المنثور 6:73 [1] عن زيد بن ثابت،و الآية 17 من سورة الفتح و [2]طرفاها يدلاّن على ذلك لا حاجة إلى الرواية.

.

ثمّ لم خصّ ابن أبي الحديد شرح النبيّ صلى اللّه عليه و آله للحقائق بالتوحيد و العدل من الأصول؟و لم لم يذكر المعاد؟و قد شرحه في كتابه،فقال: «وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» (2).

و لم لم يذكر شرح النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم للإمامة الّتي هي أهمّ الحقائق إذ بها تكميل الدين،و لو لم يشرحها كأن لم يبلّغ رسالته،كما نصّ على ذلك في الكتاب؟و قد شرحها في كتابه في قوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (3)،و في قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» (4)،و في قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (5)،و في قوله صلى اللّه عليه و آله بعد تقرير الناس بكونه أولى بهم من أنفسهم:من كنت مولاه فهذا علي مولاه،اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه (6).و في قوله صلى اللّه عليه و آله:أنت منّي يا عليّ بمنزلة هارون من موسى،إلاّ أنّه لا


1) 1)

2) 2) يس:78-79. [3]

3) 3) المائدة:55. [4]

4) 4) آل عمران:61. [5]

5) 5) الأحزاب:33. [6]

6) 6) هذا الحديث المعروف بحديث الولاء و حديث الغدير من الأحاديث المتواترة،أخرجه كثير من أهل الحديث و روي على ما أحصيته عن مائة و عشرين من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و منهم:علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام و ابن عباس و الزبير و طلحة و أبو بكر و عمر و عثمان،رواه من الطرق كثيرة ابن عساكر في ترجمة علي عليه السّلام 2:35-90 ح 535-592،و [7]جمع بعض طرقه المجلسي في البحار 37:108 الباب 52. [8]

نبيّ بعدي (1)

هذا الحديث المعروف بحديث المنزلة من الأحاديث المتواترة،أخرجه كثير من أهل الحديث و روي على ما أحصيته عن اثنين و أربعين من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله،منهم:علي و فاطمة و الحسن عليهم السلام و ابن عباس و الزبير و طلحة و ابو بكر و عمر و عثمان،رواه من طرق كثيرة ابن عساكر في ترجمة علي عليه السّلام 1:306-394 ح 336- 456،و [1]جمع بعض طرقه المجلسي في البحار 37:254 الباب 53. [2]

.إلى غير ذلك .

«و المختصّ بعقائل» جمع عقيلة،أي:نفائس.

«كراماته» قال تعالى له صلى اللّه عليه و آله و سلم: «أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ اَلَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ» (2)،و قال عزّ و جلّ له:

«وَ الضُّحى وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى وَ وَجَدَكَ عائِلاً» ... «وَ أَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» (3)،و قال عزّ اسمه: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا» (4)،و قال سبحانه: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (5)،و قد جعل عزّ و جلّ ذكره صلى اللّه عليه و آله مقرونا بذكره في كلّ يوم خمس مرّات على المنائر،و جعل الشهادة برسالته موصولة بالشّهادة بتوحيده جلّ و علا على المنائر.

و في خبر المعراج:أنا المحمود و أنت محمّد شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته،و من قطعك بتلته،انزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي


1) 1)

2) 2) الانشراح:1-4. [3]

3) 3) الضحى:1-11. [4]

4) 4) الإسراء:1. [5]

5) 5) النجم:3-4. [6]

إيّاك،و إنّي لم أبعث نبيّا إلاّ جعلت له وزيرا،و أنّك رسولي،و أنّ عليّا وزيرك (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:179. [1]

.

«و المصطفى» أي:المختار.

«لكرائم رسالاته» إلى بريّته «ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى» (2).و قال صلى اللّه عليه و آله:إنّما بعثت لاتمّم مكارم الأخلاق (3).

«و الموضّحة به» صلى اللّه عليه و آله.

«أشراط» جمع شرط بفتحتين،أي:علائم.

«الهدى» قال ابن الزبعرى فيه صلى اللّه عليه و آله:

هادي العباد إلى الرشاد و قائد للمؤمنين بضوء نور ثاقب

«و المجلّو به غربيب» عطف على اشراط،أي:شدائد سواد.

«العمى» فرفع به صلى اللّه عليه و آله المنكرات و الشنائع،فصار الناس به بصيرين، و في الخبر:سأل ابن الكوا أمير المؤمنين عليه السلام عن مسائل،منها:ما الأعمى باللّيل بصير بالنّهار؟فقال عليه السّلام:ذلك رجل جحد الأنبياء الّذين مضوا،ثمّ أدرك النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم فأمن به،فعمي باللّيل و أبصر بالنّهار (4).


1) 1)

2) 2) النجم:8-10. [2]

3) 3) رواه المناوي في كنوز الحقائق 1:76،و الطبرسي في مكارم الأخلاق:8،و [3]البخاري في الأدب،و الحاكم في المستدرك،و البيهقي في الشعب عنهم الجامع الصغير 1:103،و أبو جعفر الطوسي في أماليه 2:209 المجلس 8 و [4]غيرهم.

4) 4) أخرجه الطبرسي في الاحتجاج:229،و [5]محمد بن علي بن إبراهيم في عجائب الأحكام:106 ح 174،ضمن الحديث .

14

الخطبة(171)

و من خطبة له عليه السّلام:

أَمِينُ وَحْيِهِ وَ خَاتَمُ رُسُلِهِ- وَ بَشِيرُ رَحْمَتِهِ وَ نَذِيرُ نِقْمَتِهِ «أمين وحيه» قال حسّان فيه صلى اللّه عليه و آله و سلم:

أمين اللّه شيمته الوفاء

و قال عمّه أبو طالب فيه:

أنت الأمين أمين اللّه لا كذب و الصّادق القول لا لهو و لا لعب

أنت الرّسول رسول اللّه نعلمه عليك ينزل من ذي العزّة الكتب

«و خاتم رسله» قال تعالى: «وَ لكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ» (1)

الأحزاب:40. [1]

.

و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم لأمير المؤمنين عليه السّلام:أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي (2).و هو من الأخبار المتواترة.

و حلاله حلال إلى يوم القيامة،و حرامه حرام إلى يوم القيامة،فمن ادّعى بعده نبوّة،أو أتى بعد كتابه بكتاب،أو جاء بعد سنّته بسنّة،فكافر و دمه مباح،و مع ذلك فقد قال فاروقهم:متعتان كانتا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أنا أحرّمهما و أعاقب عليهما (3).و زاد هو و صدّيقهم على سنّة خاتم الرسل سننا أثبتها التاريخ،و لما قال أمينهم ابن عوف لأمير المؤمنين عليه السّلام يوم الدار:

أبايعك على سنّة أبي بكر و عمر أنكر عليه السّلام ذلك (4).و رضي بغصب حقّه الّذي


1) 1)

2) 2) هذا الحديث المتواتر المعروف بحديث المنزلة مرّ تخريجه في العنوان 13 من هذا الفصل.

3) 3) أخرجه الطحاوي في معاني الآثار،و أبو صالح في نسخته عنهما منتخب كنز العمال 6:404،و رواه أبو القاسم الكوفي في الاستغاثة:44 [2] بلفظ:«أنا أنهى عنهما و اعاقب عليهما»و أمّا لفظ الكتاب فرواه ابن عطية في المؤتمر:49.

4) 4) تاريخ الطبري 3:301 سنة 23،و الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:26،و تاريخ اليعقوبي 2:162 و غيرهم.

كان يشكو دائما منه دلالة على بطلان سنّتهما،و قبله ذو نوريهم،و زاد في إيقاد نيرانهما بما أدّى إلى إحراقه،و كذلك أنكر عليه السّلام سنّتهما لمّا عرض الخثعمي عند قيام الخوارج عليه ذلك في بيعة الناس الثانية إتماما للحجّة (1)

الامامة و السياسة لليعقوبي 1:146.

.

«و بشير رحمته» «وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ» (2).

«و نذير نقمته» «وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ» (3)، «وَ أَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ» (4)، «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ» (5)، «إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ» (6)، «إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً» (7).

15

من الخطبة(188)

و من خطبة له عليه السّلام:

أَحْمَدُهُ شُكْراً لِإِنْعَامِهِ- وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ- عَزِيزَ الْجُنْدِ


1) 1)

2) 2) يونس:2. [1]

3) 3) غافر:18. [2]

4) 4) إبراهيم:44. [3]

5) 5) فصلت:13. [4]

6) 6) يس:11. [5]

7) 7) النبأ:40. [6]

عَظِيمَ الْمَجْدِ.وَ أَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ وَ قَاهَرَ أَعْدَاءَهُ جِهَاداً عَلَى دِينِهِ- لاَ يَثْنِيهِ عَنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعٌ عَلَى تَكْذِيبِهِ- وَ الْتِمَاسٌ لِإِطْفَاءِ نُورِهِ .

«أحمده شكرا لإنعامه» فإنّ شكر المنعم من الموجبات العقلية.

«و أستعينه على وظائف حقوقه» فلا حول و لا قوّة إلاّ باللّه،فلا بدّ من الاستعانة به حتّى في اداء حقوقه.

«عزيز الجند» «وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ» (1)

الصافات:173. [1]

، «إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها» (2).

«عظيم المجد» «ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ » (3).

«و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله» أشرف رسله.

«دعا إلى طاعته» صعد النبيّ صلى اللّه عليه و آله في أوّل بعثته الصفا و قال:يا صباحاه! فاجتمعت إليه قريش،فقالوا:مالك؟قال:أرأيتكم أن أخبرتكم أنّ العدوّ مصبحكم أو ممسيكم،ما كنتم تصدّقونني؟قالوا:بلى.قال:فانّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد (4).

«و قاهر أعداءه جهادا» في بدر و أحد،و غيرهما.

«على دينه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(عن دينه)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (5).قالوا:نزل جبرئيل بعد سبعة أشهر من


1) 1)

2) 2) الأحزاب:9. [2]

3) 3) البروج:15-16. [3]

4) 4) الطبقات لابن سعد 1 [4] ق 1:133،و تاريخ الطبري 2:62،و [5]سعيد بن منصور و ابن مردويه و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عنهم الدر المنثور 5:96،و [6]رواه ابن شهر آشوب في مناقبه 1:46،و الطبرسي في مجمع البيان 7:206.و قد مرّ في العنوان 6 من هذا الفصل.

5) 5) كذا في شرح ابن أبي الحديد 3:218،لكن في شرح ابن ميثم 4:201«على»أيضا.

هجرته،و قلّد في عنقه سيفا لا غمد له،و قال له:حارب بهذا قومك حتّى يقولوا:

لا إله إلاّ اللّه (1)

رواه ابن شهر آشوب في مناقبه 1:186.

.

«لا يثنيه» أي:لا يدفعه.

«عن ذلك» أي:الجهاد في الدين.

«اجتماع على تكذيبه و التماس لإطفاء نوره» قالوا:جاءت قريش إليه صلى اللّه عليه و آله و قالوا:شتمت آلهتنا،و سفّهت أحلامنا،و فرّقت جماعتنا،فإن طلبت مالا أعطيناك،أو الشرف سوّدناك،أو كان بك علّة داويناك.فقال لهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

ليس شيء من ذلك،بل بعثني اللّه إليكم رسولا،و أنزل عليكم كتابا،فإن قبلتم ما جئت به فهو حظّكم في الدّنيا و الآخرة،و إن تردّوه أصبر حتّى يحكم اللّه بيننا.فقالوا لعمّه أبي طالب:قل له:يكف عن سبّ آلهتنا أو ننازله في ذلك حتّى يهلك أحد الفريقين.قال:يا عمّاه لو وضعت الشمس في يميني و القمر في شمالي،ما تركت هذا القول حتّى أنفذه أو اقتل دونه (2).

16

من الخطبة(189)

وَ أَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- ابْتَعَثَهُ وَ النَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ وَ يَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ- وَ اسْتَغْلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ «و أشهد أن محمّدا عبده و رسوله» «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» (3).


1) 1)

2) 2) سيرة لابن هشام 1:240،و [1]تاريخ الطبري 2:67 و [2]غير هما.

3) 3) التوبة:33. [3]

«ابتعثه» بالرسالة.

«و النّاس يضربون في غمرة» أي:شدّة،قال ذو الرّمة:

ليالي اللّهو يطبيني فاتبعه كأنّني ضارب في غمرة لعب

(1)«و يموجون في حيرة» و لا يعرفون سبيلا للنجاة.

«قد قادتهم أزمّة الحين» بالفتح،أي:الهلاك،قال تعالى: «وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها» (2).

«و استغلقت على أفئدتهم أقفال الرين» أي:الطبع و الختم،قال تعالى: «كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» (3)، «وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ» (4).

في(سيرة ابن هشام)عن ابن عبّاس دخل النبيّ صلى اللّه عليه و آله مكّة يوم الفتح على راحلته فطاف عليه،و حول البيت أصنام مشدودة بالرصاص،فجعل النبيّ صلى اللّه عليه و آله يشير بقضيب في يده إلى الأصنام و يقول: «جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً» (5)،فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلاّ وقع لقفاه،و لا أشار إلى قفاه إلاّ وقع لوجهه،حتّى ما بقي منها صنم إلاّ وقع،فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك:

و في الأصنام معتبر و علم لمن يرجو الثواب أو العقابا

(6)


1) 1) لسان العرب 15:3 [1] مادة(طبا).

2) 2) آل عمران:103. [2]

3) 3) المطففين:14. [3]

4) 4) النساء:94. [4]

5) 5) الإسراء:81. [5]

6) 6) سيرة ابن هشام 4:44. [6]

و فيه:و حدّثني بعض أهل العلم أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة و غيرهم،فرأى إبراهيم عليه السّلام مصوّرا في يده الأزلام يستقسم بها،فقال:قاتلهم اللّه جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام،ما شأن إبراهيم بالأزلام «ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (1)

آل عمران:67. [1]

،ثمّ أمر بتلك الصّور كلّها فطمست (2).

و في(صحيح مسلم)عن ابن عبّاس كانوا يرون أنّ العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور في الأرض،و يجعلون المحرّم صفر،و يقولون:إذا برأ الدبر،و عفا الأثر،و انسلخ صفر،حلّت العمرة لمن اعتمر.فقدم النبي صلى اللّه عليه و آله و أصحابه صبيحة رابعة مهلّين بالحجّ،فأمرهم أن يجعلوها عمرة،فتعاظم ذلك عندهم فقالوا:يا رسول اللّه أيّ الحلّ؟قال:الحلّ كلّه (3).

17

من الخطبة(183)

وَ أَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ الصَّفِيُّ- وَ أَمِينُهُ الرَّضِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ وَ ظُهُورِ الْفَلَجِ وَ إِيضَاحِ الْمَنْهَجِ فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا- وَ حَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دَالاًّ عَلَيْهَا- وَ أَقَامَ أَعْلاَمَ الاِهْتِدَاءِ وَ مَنَارَ الضِّيَاءِ- وَ جَعَلَ أَمْرَاسَ الْإِسْلاَمِ مَتِينَةً- وَ عُرَى الْإِيمَانِ وَثِيقَةً «و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله الصفّي» أي:المصطفى،قال السروي:في الحساب سيّد النبيّين صلى اللّه عليه و آله،وزنه المصطفى محمّد رسول اللّه،لأنّ عدد كلّ


1) 1)

2) 2) سيرة ابن هشام 4:41. [2]

3) 3) أخرجه مسلم في صحيحه 2:909 ح 198،و جمع سائر طرق أصحاب الصحاح و ألفاظهم ابن الأثير في جامع الأصول 3:474 ح 1414.

واحد منهما استويا في سبعمائة و أربعة عشر (1)

قاله ابن شهر آشوب السروي في مناقبه 1:233،أمّا على حساب الأبجد فلفظ«المصطفى محمّد رسول اللّه» يساوي العدد 714 لكن لفظ«سيد النبيّين صلى اللّه عليه و آله»يساوي العدد 580 و إذا ألحقنا عليه«و سلم»يبلغ العدد 716.

.

«و أمينه الرضي صلّى اللّه عليه» قال تعالى: «وَ الضُّحى وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» ... «وَ أَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» (2).

و روى الخطيب في محمّد بن أحمد بن الفرج عن أنس قال:قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:من كرامتي أنّي ولدت مختونا،و لم ير أحد سوأتي (3).

و في(دعاء فطر الصحيفة الثانية):و قلت جلّ قولك حين اختصصته بما سمّيته من الأسماء: «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» (4)،و قلت جلّ قولك «يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» (5)،و قلت تقدّست أسماؤك «ص وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ» (6)،و قلت عظمت آلاؤك «ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ» (7)،فخصصته أن جعلته قسمك حين أسميته،و قرنت القرآن به،فما في كتابك من شاهد قسم و القرآن مردفه إلاّ و هو اسمه،و ذلك شرف شرّفته به،و فضل بعثته إليه (8).

و المفهوم من كلام السّجاد عليه السّلام هذا أنّ الفواتح الّتي بعدها لفظ القرآن كقوله تعالى: «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ» ، «يس وَ الْقُرْآنِ» ،


1) 1)

2) 2) الضحى:1-11. [1]

3) 3) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 1:329. [2]

4) 4) طه:1-2. [3]

5) 5) يس:1-2. [4]

6) 6) ص:1.

7) 7) ق:1.

8) 8) الأمثال لابن طاوس،و الاختيار لابن باقي،و صاحب جنّة الأمان [5]فيه عنهم البحار 91:8 ح 3،و [6]البلد الأمين للكفعمي:238 [7] عن السجاد عليه السّلام.

«ص وَ الْقُرْآنِ» ، «ق وَ الْقُرْآنِ» كلّها أسماء للنبيّ صلى اللّه عليه و آله أقسم اللّه تعالى به أوّلا ثمّ بكتابه،و يكفيه صلى اللّه عليه و آله ذلك شرفا و نبلا،و اصطفاء و ارتضاء .

«أرسله بوجوب الحجج» في الخبر:أنّ قريشا نهوا طفيل بن عمرو عن قرب النبيّ صلى اللّه عليه و آله فدخل المسجد محشوّا أذنيه بكرسف لكيلا يسمع صوته، فكان يسمع فأسلم،و قال:

يحذّرني محمّدها قريش و ما أنا بالهيوب لدى الخصام

فقام إلى المقام و قمت منه بعيدا حيث أنحو من ملام

و أسمعت الهدى و سمعت قولا كريما ليس من سجع الأنام

و صدّقت الرسول و هان قوم عليّ و رموه بالبهت العظام

ثمّ قال:يا رسول اللّه إنّي امرؤ مطاع في قومي،فادع اللّه أن يجعل لي آية تكون لي عونا على ما أدعوهم إلى الاسلام.فقال:اللّهم اجعل له آية.فانصرف إلى قومه إذ رأى نورا في طرف سوطه كالقنديل،فإنشاء:

ألا أبلغ لديك بني لؤي على الشّنان و الغضب المردّ

بأنّ اللّه ربّ الناس فرد تعالى جدّه عن كلّ جدّ

و أنّ محمّدا عبد رسول دليل هدى و موضع كلّ رشد

رأيت له دلائل أنبأتني بأنّ سبيله للفضل يهدي

(1)«و ظهور الفلج» أي:الغلبة على الخصوم.

«و إيضاح المنهج» أي:الطريق،في الخبر:أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله كان يقول:

«جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ» (2)و يرمي كفّا من حصى،فتنكبّ الأصنام لوجهها،فيقول أهل مكّة:ما رأينا أسحر من محمّد (3).


1) 1) المناقب لابن شهر آشوب 1:118. [1]

2) 2) الإسراء:81. [2]

3) 3) المناقب لابن شهر آشوب 1:120. [3]

«فبلّغ الرسالة» من ربّه إلى عباده.

«صادعا بها» أي:مظهرا بها،كما أمره ربّه في قوله: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» (1)

الحجر:94. [1]

.

قال السروي:لمّا قالت قريش:إنّه ساحر.علمنا أنّه قد أراهم ما لم يقدروا على مثله،و قالوا:هذا مجنون.لما هجم منه على شيء لم يفكّر في عاقبته منهم،و قالوا:هو كاهن.لأنّه أنبأ بالغائبات،و قالوا:معلّم.لأنّه قد أنبأهم بما يكتمونه من أسرارهم،فثبت صدقه من حيث قصدوا تكذيبه (2).

«و حمل على المحجّة» أي:الجادّة.

«دالا عليها» «وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» (3).

قال الجزري:لمّا كان من أمر أصحاب الفيل ما ذكرناه عظمت قريش عند العرب،فقالوا لهم:أهل اللّه و قطنه يحامي عنهم.فاجتمعت قريش بينها، و قالوا:نحن بنو إبراهيم عليه السّلام و أهل الحرم،و ولاة البيت،و قاطنوا مكّة فليس لأحد من العرب مثل منزلتنا،و لا يعرف العرب لأحد مثل ما يعرف لنا،فهلمّوا فلنتّفق على ائتلاف أنّنا لا نعظّم شيئا من الحلّ كما يعظّم الحرم،فانّنا إذا فعلنا ذلك استخفّت العرب بنا و بحرمنا.و قالوا:قد عظّمت قريش من الحلّ مثل ما عظّمت من الحرم.فتركوا الوقوف بعرفة،و الإفاضة منها،و هم يعرفون و يقرّون أنّها من المشاعر و الحجّ و دين إبراهيم عليه السّلام،و يرى سائر العرب أن يقفوا عليها،و أن يفيضوا منها،و قالوا:نحن أهل الحرم فلا نعظّم غيره و نحن


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:123. [2]

3) 3) الأنعام:153. [3]

الحمس-و أصل الحماسة:الشدّة-أنّهم تشدّدوا في دينهم،و جعلوا لمن ولد واحدة من نسائهم من العرب ساكني الحلّ مثل مالهم بولادتهم،و دخل معهم في ذلك كنانة و خزاعة و عامر،لولادة لهم.ثمّ ابتدعوا فقالوا:لا ينبغي للحمس أن يعملوا الأقط،و لا يسلؤوا السمن و هم حرم،و لا يدخلوا بيتا من شعر،و لا يستظلّوا إلاّ في بيوت الأدم ما كانوا حرما.و قالوا:و لا ينبغي لأهل الحلّ أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحلّ في الحرم،إذا جاءوا حجّاجا أو عمّارا،و لا يطوفون بالبيت طوافهم إذا قدموا إلاّ في ثياب الحمس،فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة،فإن أنف أحد من عظمائهم أن يطوف عريانا-إذا لم يجد ثياب الحمس-فطاف في ثيابه ألقاها إذا فرغ من الطواف،و لا يمسّها هو و لا أحد غيره،و كانوا يسمّونها اللقى.فدانت العرب لهم بذلك،فكانوا يطوفون كما شرعوا لهم،و يتركون أزوادهم التي جاءوا بها من الحلّ،و يشترون من طعام الحرم و يأكلونه.

هذا في الرجال،و أمّا النساء،فكانت تضع ثيابها كلّها إلاّ درعها مفرّجا، ثمّ تطوف فيه و تقول:

اليوم يبدو بعضه أو كلّه و ما بدا منه فلا أحلّه

فكانوا كذلك حتّي بعث اللّه محمّدا صلى اللّه عليه و آله و سلم فنسخه،فأفاض من عرفات، و طاف الحجّاج بالثياب الّتي معهم من الحلّ،و أكلوا من طعام الحلّ في الحرم أيّام الحجّ،و أنزل اللّه إنّ اللّه تعالى في ذلك: «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (1)

البقرة:199. [1]

أراد بالناس العرب،و أمر قريشا أن يفيضوا من عرفات،و أنزل اللّه تعالى في اللباس و الطّعام الّذي من الحلّ و تركهم إيّاه في الحرم: «يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا»

1) 1)

«وَ اشْرَبُوا» ... «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (1)

رواه ابن الأثير الجزري في الكامل 1:451،و [1]الآيتان(31-32)من سورة الأعراف. [2]

.

و في خبر عن أمير المؤمنين عليه السّلام:أمرني النبيّ صلى اللّه عليه و آله عن اللّه تعالى أنّه لا يطوف بالبيت عريان،و لا يقرب المسجد الحرام مشرك (2).

«و أقام أعلام الاهتداء و منار الضياء» «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (3).

«و جعل أمراس» أي:حبال.

«الإسلام متينة» أي:محكمة صلبة.

«و عرى» جمع عروة.

«الإيمان وثيقة» أي:مستحكمة، «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لاَ انْفِصامَ لَها» (4).

قال السروي:و من أوضح الدلالات على نبوته صلى اللّه عليه و آله استيقان كافّتهم بحدوده،و تمكّن موجباتها في غوامض صدورهم،حتّى إنّهم يشتمون بالفسوق من خرج عن حدّ من حدوده،و بالجهل من لم يعرفه،و بالكفر من أعرض عنه،و يقيمون الحدود،و يحكمون بالقتل و الضرب و الأسر لمن خرج عن شريعته،و يتبرأ الأقارب بعضهم من بعض في محبّته،و أنّه بقي في نبوّته نيفا و عشرين سنة بين ظهراني قوم ما يملك من الأرض إلاّ جزيرة العرب،


1) 1)

2) 2) جاء هذا المعنى في ضمن حديث تبليغ على عليه السّلام البراءة،أخرجه الترمذي في سننه 5:275 ح 3091،و الحاكم و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل عنهم الدر المنثور 3:210،و [3]غيرهم عن ابن عباس،و أخرجه أحمد في مسنده 1:3،و [4]أبو يعلى في مسنده عنه الكاف الشاف 2:243،و ابن خزيمة و أبو عوانة و الدار قطني في الافراد عنهم منتخب كنز العمال 1:444،و ابن عساكر في ترجمة على عليه السّلام 2:383 ح 889 و غيرهم عن أبي بكر، و في الباب عن علي و الباقر عليهما السلام و أبي سعيد و أبي هريرة و عروة و غيرهم.

3) 3) المائدة:3. [5]

4) 4) البقرة:256. [6]

فاتّسقت دعوته برّا و بحرا منذ خمسمائة و سبعين سنة مقرونا باسم ربّه، ينادى بأقصى الصين و الهند و الترك و الخزر و الصقالبة و الشرق و الغرب و الجنوب و الشمال في كلّ يوم خمس مرّات بالشهادتين بأعلى صوت بلا أجرة،و خضعت الجبابرة لها و لا تبقى لملك نوبته بعد موته..و من تمام قوّته أنّها تجذب العالم من أدنى الأرض و أقصى أطرافها في كلّ عام إلى الحجّ حتّى تخرج العذراء من خدرها،و العجوز في ضعفها،و من حضرته وفاته يوصي بأدائه،و قد نرى الصائم في شهر رمضان يتلهب عطشا حتّى يخوض الماء إلى حلقه،و لا يستطيع أن يجرع منه جرعة،و كلّ يوم خمس مرّات يسجدون خوفا و تضرّعا (1)

المناقب لابن شهر آشوب السروي 1:127.

.

و عن(التوراة)في وصفه صلى اللّه عليه و آله و سلم:«يضع سيفه على عاتقه و لا يبالي من لاقى،يبلغ سلطانه منقطع الخفّ و الحافر» (2).

18

من الخطبة(193)

وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ- شَهَادَةَ إِيمَانٍ وَ إِيقَانٍ وَ إِخْلاَصٍ وَ إِذْعَانٍ وَ أَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ وَ أَعْلاَمُ الْهُدَى دَارِسَةٌ وَ مَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ فَصَدَعَ بِالْحَقِّ- وَ نَصَحَ لِلْخَلْقِ وَ هَدَى إِلَى الرُّشْدِ وَ أَمَرَ بِالْقَصْدِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ «و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه شهادة إيمان» بالقلب لا مجرّد إظهار لسان.

«و إيقان» لا عن شكّ.


1) 1)

2) 2) كمال الدين للصدوق:198 ح 40 [1] عن ابن عباس عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله عن وصية ابن حواس الحبر،و لم يصرح بكونه من التوراة.

«و إخلاص» لا ليرى الناس.

«و إذعان» أي:خضوع و تذلل .

«و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله» بالحقّ.

«أرسله» ربّه.

«و أعلام» أي:علائم.

«الهدى» إلى صراط اللّه.

«دارسة» أي:مندرسة.

«و مناهج» أي:طرق.

«الدين طامسة» أي:ممحوّة،قال السروي:في زبور داود:اللّهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة (1)

المناقب لابن شهر آشوب السروي 1:14،و كنز الفوائد للكراجكي:91 [1] بفرق يسير،و الخرائج للراوندي 1:66.

.

و روى عن محمّد بن إسحاق:أنّ زيد بن عمرو بن نفيل ضرب في الأرض يطلب الدين الحنيف،فقال له راهب بالشام:إنّك لتسأل عن دين ذهب من كان يعرفه،و لكنّك قد أظلّك خروج نبيّ يأتي ملّة إبراهيم الحنيفية،و هذا زمانه (2).

«فصدع» أي:أعلن.

«بالحق» كما أمر،و عن الصادق عليه السّلام:اكتتم النبيّ صلى اللّه عليه و آله بمكّة مختفيا خائفا خمس سنين ليس يظهر أمره،و عليّ عليه السّلام معه و خديجة،ثمّ أمره اللّه أن يصدع بما أمر به،فظهر رسول اللّه و أظهر أمره (3).

«و نصح للخلق» بما هو سعادتهم في دنياهم و عقباهم.


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:14،و [2]السيرة لابن هشام 1:214،و [3]الطبقات لابن سعد 1: [4]ق 1:106،و الخرائج للراوندي 1:127.

3) 3) كمال الدين للصدوق:344 ح 28،و [5]الغيبة للطوسي:201. [6]

«و هدى إلى الرشد» «قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» (1)

البقرة:256. [1]

.

«و أمر بالقصد» أي:العدل،قال شاعر:

على الحكم المأتيّ يوما إذا قضى قضيّته ألاّ يجور و يقصد

(2)«الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (3). صلّى اللّه عليه و آله «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» (4)، «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (5).

19

الخطبة(194)

و من خطبة له عليه السّلام:

بَعَثَهُ حِينَ لاَ عَلَمٌ قَائِمٌ- وَ لاَ مَنَارٌ سَاطِعٌ وَ لاَ مَنْهَجٌ وَاضِحٌ «بعثه حين لا علم» أي:معلما للطريق.

«قائم» لم ينف عليه السّلام المعلم رأسا،بل مع كونه قائما،حيث إنّه لم يخل زمان من حجّة لئلاّ يكون للناس في وقت على اللّه حجّة،و كذا الكلام في الآيتين.


1) 1)

2) 2) لسان العرب 3:383 [2] مادة(قصد).

3) 3) الأعراف:157. [3]

4) 4) طه:132. [4]

5) 5) الأحزاب:33. [5]

«و لا منار» قال الجوهري:المنار:علم الطريق،و ذو المنار ملك من ملوك اليمن اسمه ابرهة بن الحارث الايش،و إنّما قيل له:ذو المنار،لأنّه أوّل من ضرب المنار على طريقه في مغازيه ليهتدي بها إذا رجع (1)

صحاح اللغة للجوهري 2:839، [1]مادة(نور).

.

«ساطع» أي:مرتفع.

«و لا منهج» أي:طريق.

«واضح» مستبين،قال:

و لقد أضاء لك الطريق و أنهجت سبل المكارم و الهدى تعدى

(2)

20

من الخطبة(196)

وَ أَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ نَجِيبُ اللَّهِ- وَ سَفِيرُ وَحْيِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ «و أشهد أن محمّدا نجيب اللّه» أي:كريمه و نفيسه.

«و سفير» قال الجوهري:السفير الرّسول و المصلح بين القوم (3).

«وحيه» «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (4).

«و رسول رحمته» «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (5).

قال السروي:النبيّ صلى اللّه عليه و آله صبر في ذات اللّه،و أعذر قومه إذ كذّب في ذات اللّه و شرّد و حصب بالحصاة و علاه أبو جهل بسلاشاة،فأوحى اللّه إلى جاجائيل ملك الجبال أن شقّ الجبال و انته إلى أمر محمّد،فأتاه فقال له:قد أمرت لك بالطاعة،فإن أمرت أطبقت عليهم الجبال فأهلكتهم بها.قال:إنّما


1) 1)

2) 2) لسان العرب 2:383 [2] مادة(نهج)،و الشاعر:يزيد العبدي.

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 2:686 [3] مادة(سفر).

4) 4) النجم:3-4. [4]

5) 5) الأنبياء:107. [5]

بعثت رحمة،اللّهم اهد قومي فانّهم لا يعلمون (1)

رواه ابن شهر آشوب السروي في مناقبه 1:215.

.

21

من الخطبة(196)

بعد وصف الإسلام:

ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ؟مُحَمَّداً ص؟ بِالْحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الاِنْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَةِ الاِطِّلاَعُ- وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ- وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ وَ أَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ- فِي انْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا- وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ انْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا- وَ انْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلاَمِهَا- وَ تَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا- جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَلاَغاً لِرِسَالَتِهِ وَ كَرَامَةً لِأُمَّتِهِ- وَ رَبِيعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَةً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ «ثمّ إنّ اللّه بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله بالحقّ حين دنا من الدّنيا الانقطاع» أي:قرب الانقطاع و الفناء،قالوا:من ألقاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله:العاقب و الحاشر،لأنّه يحشر الناس على عقبه (2).

و قالوا:كانت اليهود إذا أصابتهم شدّة من الكفّار يقولون:اللّهم انصرنا بالنبيّ المبعوث في آخر الزمان الّذي نجد نعته في التوراة.و إن كانوا كفروا به لمّا جاءهم (3).

«و أقبل من الآخرة الاطّلاع» أي:الإشراف،قال الجوهري:المطّلع موضع الاطلاع من إشراف إلى انحدار،و في الحديث:من هول المطّلع.شبّه ما أشرف


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:151،و [1]في النقل خلط،هذا لفظه:«العاقب و هو الذي يعقب الأنبياء»ثم قال:«الحاشر الّذي يحشر الناس على قدميه».

3) 3) المناقب لابن شهر آشوب 1:51 و [2]عدّة أخرى جمع بعض طرقه السيوطي في الدر المنثور 1:87،88. [3]

عليه من أمر الآخرة بذلك (1)

صحاح اللغة للجوهري 3:1254 مادة(طلع)و الحديث نقله و شرحه ابن الأثير في النهاية 3:132 مادة(طلع).

.

يشهد لما قاله عليه السّلام من دنوّ اطّلاع الآخرة قوله تعالى: «اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ» (2)،و قوله تعالى: «اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ» (3).

«و أظلمت بهجتها» أي:حسنها و مسرّتها،قال:

كان الشباب رداء قد بهجت به فقد تطاير منه للبلى خرق

(4)«بعد إشراق» أي:إنارة. «و قامت بأهلها على ساق» أي:أقامهم على ساق واحدة،و هو كناية عن الشدّة،و من كلامه عليه السّلام أيضا:«حتّى تقوم الحرب بكم على ساق» (5).

«و خشن منها مهاد» أي:صار ذا خشونة ما،كان منها ذو لينة .

«و أزف» أي:قرب.

«منها قياد» هكذا في النسخ (6)،و الظاهر كون(قياد)فيها مصحّف(نفاد)، فإنّها لا معنى لقرب الانقياد من الدنيا في المقام،بل قرب النفاد و الزوال، و بعد ما قلنا لا تحتاج إلى تكلّف ابن أبي الحديد (7)،بأنّ المراد:قرب انقيادها إلى الزّوال،فإنّه تأويل لا يحتمله اللفظ.

«في انقطاع من مدّتها» بانقضائها،و الظرف متعلّق بقوله عليه السّلام:«حين دنا


1) 1)

2) 2) الأنبياء:1. [1]

3) 3) القمر:1. [2]

4) 4) لسان العرب 2:216 [3] مادة(بهج).

5) 5) نهج البلاغة للشريف الرضي 2:21 [4] ضمن الخطبة 136.

6) 6) كذا في نهج البلاغة 2:176،و [5]شرح ابن أبي الحديد 2:546،و [6]شرح ابن ميثم 3:445. [7]

7) 7) شرح ابن أبي الحديد 2:548 و النقل بالمعنى.

من الدنيا الانقطاع».

«و اقتراب من أشراطها» أي:علائم الآخرة،لأنّه متعلّق«و أقبل من الآخرة الاطّلاع»على اللفّ و النشر المرتّب،قال في(الأساس):طلع الشرطان:قرنا المحل،و ذلك في أوّل الربيع،ثم قال:و من ثمّ قيل لأوائل كلّ شيء يقع:

أشراطه،و منه أشراط الساعة (1)

أساس البلاغة للزمخشري:233 [1] مادة(شرط).

.

و بعد ما قلنا يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد،أضاف عليه السّلام الأشراط، و هي علامات الساعة إلى الدّنيا لأنّها في الدّنيا تحدث،و إن كانت علامات للآخرة (2).

«و تصرّم» أي:تقطّع.

«من أهلها،و انفصام» أي:انكسار،قال الجوهري:فصم الشيء:كسره من غير أن يبيّن (3).

«من حلقتها» تصرّم من أهلها و انفصام من حلقتها متعلّقان بقوله عليه السّلام:

«و أظلمت بهجتها بعد إشراق»لكون مضمونها واحدا.

«و انتشار من سببها» قال الجوهري:السّبب:الحبل،و السّبب أيضا كلّ شيء يتوصّل به إلى غيره (4).

«و عفاء» أي:اندراس.

«من أعلامها» أي:علائمها،و(انتشار)و(عفاء)متعلّقان بقوله:«و قامت بأهلها على ساق».

«و تكشّف من عوراتها» قال الجوهري:العورة:سوأة الإنسان،و كلّ ما


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:548 و [2]النقل بالمعنى.

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 5:2002 [3] مادة(فصم).

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 1:145 [4] مادة(سبب).

يستحيى منه،و كلّ خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب (1)

صحاح اللغة للجوهري 2:759 [1] مادة(عور).

.قال عليه السّلام ذلك لأنّ الواجب ستر العورة و سدّها،ثمّ(و تكشف)متعلّق بقوله:«و خشن منها مهاد».

«و قصر من طولها» متعلّق بقوله عليه السّلام:«أزف منها نفاد»على ما عرفت من استظهاره،و هو أيضا شاهد لما قلنا .

«جعله» أي:النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم.

«اللّه» هكذا في(المصرية)و الصواب:(اللّه سبحانه)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (2).

«بلاغا لرسالته» أي:لرسالته تعالى إلى عباده،و حيث إنّه تعالى أكمل بخاتم الأنبياء دينه،و أتمّ به نعمته على عباده كان صلى اللّه عليه و آله بلاغا لرسالته تعالى الّتي كان إبلاغها واجبا عليه تعالى،إتماما للحجّة و لطفا للبريّة،و أمّا باقي رسله،و إن أدّوا ما عليهم من الإبلاغ،إلاّ أنّه لمّا كانت رسالاتهم موقّتة محدودة لم يحصل منهم بلاغ منه تعالى كاف.

«و كرامة لأمته» ورد في تفسير قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (3)إنّه لم يكتب صيام شهر رمضان على أمّة قبل هذه الأمّة بل على أنبياء الامم،و كتب على هذه الامّة ما كتب على نفس الأنبياء كرامة لهذه الامّة (4).

«و ربيعا لأهل زمانه» كان صلى اللّه عليه و آله ربيعا معنويا و ظاهريا حتّى لغير المؤمنين،و في(تاريخ اليعقوبي):أنّه بلغ النبيّ صلى اللّه عليه و آله بعد فتح خيبر ما فيه أهل مكّة من الضرّ و الحاجة و الجدب و القحط،فبعث إليهم بشعير ذهب،و قيل نوى


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:546،لكن لا يوجد«سبحانه»في شرح ابن ميثم 3:445.

3) 3) البقرة:183. [2]

4) 4) تفسير القمي 1:65 و [3]النقل بالمعنى.

ذهب،مع عمرو بن أميّة الضمري-إلى أن قال-و أخذه أبو سفيان كلّه و فرّقه على فقراء قريش،و قال:جزى اللّه ابن أخي خيرا فإنّه وصول الرّحمة (1)

تاريخ اليعقوبي 2:56. [1]

.

و من أبيات أبي طالب فيه صلى اللّه عليه و آله و سلم:

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه ربيع اليتامي عصمة للأرامل

و لمّا استسقى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و نزل الغيث بحيث منعهم من السلوك، فشكوا إليه صلى اللّه عليه و آله ذلك فقال:اللّهم حوالينا و لا علينا.فانشقّ السحاب.فكان المطر خارج المدينة لا فيها،قال صلى اللّه عليه و آله و سلم:للّه درّ أبي طالب لو كان حيّا لقرّت عيناه،من ينشدنا شعره (2)-أراد صلى اللّه عليه و آله البيت المتقدّم-و من أبياته فيه أيضا:

و تلقوا ربيع الأبطحين محمّدا على ربوة في رأس عنقاء عيطل

و الشعراء و إن كانوا يقولون للأمراء:إنّهم ربيع للناس،كما قال بعضهم في بعضهم:

بأنّك ربيع و غيث مريع

(3)إلاّ أنّه كلام زور و قول باطل،و إنّما الحقيقة فيه صلى اللّه عليه و آله و سلم لأنّه كان سببا لحياة الدّنيا كالآخرة،و النظام هذا العالم كقوام ذاك العالم. «و رفعة لأعوانه و شرفا لأنصاره» روى(طبقات كاتب الواقدي)عن أبي ذر قال:لقد تركنا النبيّ صلى اللّه عليه و آله و ما يقلّب طائر جناحيه في السماء إلاّ ذكرنا منه علما (4).


1) 1)

2) 2) أمالي المفيد:301 ح 3 المجلس 36،و أمالي أبي علي الطوسي 1:72 المجلس 3،و [2]النقل بتلخيص.

3) 3) شرح شواهد المغني 1:106،و [3]ذيله:و أنك هناك تكون الثمالا.و البيت منسوب إلى عمرة بنت العجلان.

4) 4) الطبقات لابن سعد [4]ق 2 2:112.

22

من الخطبة(211)

منها في ذكر النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

أَرْسَلَهُ بِالضِّيَاءِ وَ قَدَّمَهُ فِي الاِصْطِفَاءِ- فَرَتَقَ بِهِ الْمَفَاتِقَ وَ سَاوَرَ بِهِ الْمُغَالِبَ- وَ ذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ وَ سَهَّلَ بِهِ الْحُزُونَةَ- حَتَّى سَرَّحَ الضَّلاَلَ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمَالٍ «أرسله بالضياء» أي:القرآن،قال تعالى: «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» (1)

إبراهيم:1. [1]

.

«و قدّمه في الاصطفاء» أي:الاختيار،فالأنبياء و إن كانوا كلّهم مصطفين له تعالى كما قال سبحانه: «إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ» (2)،إلاّ أنّه صلى اللّه عليه و آله كان مقدّما عليهم حتّى صار المصطفى علما له.

و روى الطبري في(ذيله)عن ميسرة قال:قلت:يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله متى كتبت نبيّا؟قال:و آدم بين الرّوح و الجسد (3).

«فرتق به المفاتق» الظاهر كون(المفاتق)بضم الميم اسم فاعل:فاتق بقرينة(المغالب)في قرينته،و يحتمل أن يكون بفتحة،جمع المفتق أي:الفتوق، و هي الشقوق.و كيف كان،قال ابن الزبعرى:لمّا أسلم و اعتذر عن هجائه في كفره:

يا رسول الإله إنّ لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور

(4)


1) 1)

2) 2) آل عمران:33. [2]

3) 3) منتخب ذيل المذيل للطبري:66،و [3]الحديث مشهور.

4) 4) لسان العرب لابن منظور 4:86 [4] مادة(بور).

«و ساور» من ساوره،أي:وثب عليه.

«به المغالب» أي:من أراد الغلبة،فصار عاليا على المغالب،في (الطبقات):لمّا ولد النبيّ صلى اللّه عليه و آله فوقع إلى الأرض وقع على يديه رافعا رأسه إلى السّماء،و قبض قبضة من التراب بيده،فبلغ ذلك رجلا من لهب فقال لصاحب له:انجه لئن صدق الفأل ليغلبنّ هذا المولود أهل الأرض (1)

الطبقات لابن سعد 1 [1] ق 1:97.

.

و عن ابن عبّاس:اجتمع قريش في الحجر،فتعاقدوا باللاّت و العزّي و مناة لو رأينا محمّدا لقمنا مقام رجل واحد،و النقتلنّه.فدخلت فاطمة عليهما السلام على النبيّ صلى اللّه عليه و آله باكية،و حكمت مقالتهم،فقال:يا بنيّة أدني وضوءا،فتوّضأ و خرج إلى المسجد،فلمّا رأوه قالوا:ها هو ذا،و خفضت رؤوسهم،و سقطت أذقانهم في صدورهم،فلم يصل إليه رجل منهم،فأخذ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم قبضة من التراب فحصبهم بها و قال:شاهت الوجوه.فما أصاب رجلا منهم إلاّ قتل يوم بدر (2).

و روى الطّبري في(ذيله)عن يزيد بن عامر السوائي-و كان مع المشركين يوم حنين ثمّ أسلم-قال:لمّا كانت انكشافة المسلمين حين انكشفوا يوم حنين،ضرب النبيّ صلى اللّه عليه و آله يده إلى الأرض فأخذ منها قبضة من تراب،فأقبل بها على المشركين و هم متبعون المسلمين،فحثا بها في وجوههم،و قال:ارجعوا شاهت الوجوه.قال:فانصرفنا ما يلقى منّا أحد أحدا إلاّ و هو يمسح القذى عن عينيه (3).

«و ذلّل به الصعوبة» «وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» (4).


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:71،و غيره. [2]

3) 3) منتخب ذيل المذيل للطبري:67،و غيره. [3]

4) 4) الأعراف:157. [4]

«و سهّل به الحزونة» و الحزونة:ضدّ السهولة،و في(الاستيعاب):قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله لحزن بن أبي وهب المخزومي جدّ سعيد بن المسيّب:ما اسمك؟ قال:حزن.فقال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أنت سهل.فقال:اسم سمّاني به أبي.و يروى أنّه قال له:إنّما السهولة للحمار.قال سعيد بن المسيّب:فما زالت تلك الحزونة تعرف فينا حتّى اليوم،و قال أهل النسب:في ولده حزونة،و سوء خلق، معروف ذلك فيهم،لا تكاد تعدم منهم (1)

الاستيعاب لابن عبد البر 1:386. [1]

.

«حتّى سرّح» أي:أرسل سريعا.

«الضلال عن يمين و شمال» أي:أزاله رأسا،في(طبقات كاتب الواقدي)عن مجاهد:حجّ أبو بكر،و نادى عليّ بالأذان في ذي القعدة،قال:فكانت الجاهلية يحجّون في كلّ شهر من شهور السنة عامين،فوافق حجّ نبيّ اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم في ذي الحجّة،فقال(النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم):هذا يوم استدار الزمان كهيئته يوم خلق اللّه السماوات و الأرض (2).

و قال تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (3).

23

الخطبة(229)

و من خطبة له عليه السّلام،خطبها بذي قار و هو متوجّه إلى البصرة،ذكرها الواقدي في كتاب(الجمل):

فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَ بَلَّغَ رِسَالاَتِ رَبِّهِ- فَلَمَّ اللَّهُ بِهِ الصَّدْعَ وَ رَتَقَ بِهِ


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 2 [2] ق 1:134.

3) 3) الجمعة:2. [3]

الْفَتْقَ- وَ أَلَّفَ بِهِ الشَّمْلَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ- بَعْدَ الْعَدَاوَةِ الْوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ وَ الضَّغَائِنِ الْقَادِحَةِ فِي الْقُلُوبِ قول المصنّف : «و من خطبة له عليه السّلام خطبها بذي قار» في(بلدان الحموي):ذو قار ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة بينها و بين واسط،و فيه كانت الواقعة المشهورة بينهم و بين الفرس،و كسرت الفرس كسرة هائلة، و كانت الواقعة يوم ولادة النبيّ صلى اللّه عليه و آله.و قيل:عند منصرفه من بدر الكبرى، و كان أوّل يوم انتصف فيه العرب من العجم،و بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم انتصفوا،و هي من مفاخر بكر.

قال أبو تمام في أبي دلف:

فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم عروش الّذين استرهنوا قوس حاجب

و قال في خالد بن يزيد الشيباني:

لهم يوم ذي قار مضى و هو مفرد وحيد من الأشباه ليس له صحب

(1)قلت:و قال العجيف في أمّه ذاكرا أنّها لا تروى و إن شربت ماء ذي قار، كما لا تشبع و إن أكلت نخيل هجر:

يا ليتنا أمّنا شالت نعامتها أيما إلى جنّة أيما إلى نار

ليست بشعبى و إن أسكنتها هجرا و لا بريّا و إن حلّت بذي قار

«و هو متوجّه إلى البصرة» أي:لقتال طلحة و الزبير.

«ذكرها الواقدي في كتاب الجمل» الواقدي:هو محمّد بن عمر بن واقد صاحب(المغازي).

قوله عليه السّلام : «فصدع» أي:جهر.


1) 1) معجم البلدان للحموي 4:293،294،و [1]المشترك و المفترق:337 أيضا.

«بما أمر» في(صحيح محمّد الحلبي)عن الصادق عليه السّلام:اكتتم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بمكة مختفيا خائفا خمس سنين،ليس يظهر أمره و عليّ عليه السّلام معه و خديجة،ثمّ أمره تعالى أن يصدع بما امر به،فظهر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و أظهر أمره (1)

كمال الدين للصدوق:344 ح 28،و [1]الغيبة للطوسي:201،و [2]قد مرّ في العنوان 18 من هذا الفصل.

.

و في خبر آخر:أنّه صلى اللّه عليه و آله كان مختفيا بمكّة ثلاث سنين (2).

«و بلّغ رسالات» هكذا في(المصرية)و الصواب:(رسالة)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3).

«ربّه» و آخر ما بلّغه من رسالة ربّه ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام،و هي الأصل في رسالته،و لذا قال تعالى له: «وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» (4)،و كان صلى اللّه عليه و آله و سلم في تبليغها خائفا من الناس حتّى قال تعالى له:

«وَ اللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ » (5).

«فلمّ اللّه» أي:جمع و أصلح.

«به الصدع» أي:الشقّ.

«و رتق» أي:وصل.

«به الفتق» أي:الفصل،قال السروي:كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم يعرض نفسه على قبائل العرب في الموسم،فلقي رهطا من الخزرج،فقال:ألا تجلسون أحدّثكم.قالوا:بلى.فجلسوا إليه،فدعاهم إلى اللّه تعالى،و تلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض:يا قوم تعلموا،و اللّه إنّه النبي الّذي كان يوعدكم به اليهود،فلا يسبقنّكم إليه أحد.فأجابوه،و قالوا له:إنّا تركنا قومنا و لا قوم بينهم من العداوة و الشرّ مثل ما بينهم،و عسى أن يجمع اللّه بينهم بك،فتقدم


1) 1)

2) 2) كمال الدين للصدوق:344 ح 28. [3]

3) 3) في شرح ابن أبي الحديد 3:183،و شرح ابن ميثم 4:109«رسالات»أيضا.

4) 4) المائدة:67. [4]

5) 5) المائدة:67. [5]

عليهم،و تدعوهم إلى أمرك.و كانوا ستّة نفر،فلمّا قدموا المدينة فأخبروا قومهم بالخبر،فما دار حول إلاّ و فيها حديث النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم... (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:181. [1]

.

«و ألّف به بين ذوي الأرحام» كالأوس و الخزرج ابني حارثة،و يقال لهما:

ابني قيلة.نسبة إلى أمّهما.

«بعد العداوة الواغرة» أي:المتوقدة.

«في الصدور» قال شاعر:

دسّت رسولا بأنّ القوم ان قدروا عليك يشفوا صدورا ذات توغير

(2)«و الضغائن» جمع الضغينة،أي:الحقد. «القادحة» أي:المشعلة.

«في القلوب» فكانت بين الأوس و الخزرج حروب كثيرة حصلت فيها قتلى كثيرة من الفريقين،و كلّ منهما يجد في طلب ثاره،فارتفع كلّ ذلك بسببه صلى اللّه عليه و آله و سلم،قال تعالى: «وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً» (3)،و قال سبحانه: «وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (4).

24

من الخطبة(131)

منها:

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ تَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ- فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ


1) 1)

2) 2) لسان العرب لابن منظور 5:286 [2] مادة(و غر)،و البيت منسوب إلى الفرزدق.

3) 3) آل عمران الأنفال:103. [3]

4) 4) :63.

وَ خَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ- فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ وَ الْعَادِلِينَ بِهِ «أرسله على حين فترة من الرّسل» في الخبر:أنّ أهل السماوات لم يسمعوا و حيا في ما بين أن بعث عيسى إلى أن بعث محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم،فلمّا بعث اللّه جبرئيل إليه فسمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا علموا أنّ اللّه بعث نبيّا (1)

لم أجده بهذا اللفظ،نعم له شاهد أخرجه الصدوق في كمال الدين:161 ح 20.

.

«و تنازع من الألسن» قال ابن أبي الحديد:معنى تنازع من الألسن:أنّ قوما في الجاهلية كانوا يعبدون الصنم،و قوما يعبدون الشمس،و قوما يعبدون الشيطان،و قوما يعبدون المسيح،فكلّ طائفة تجادل مخالفيها بألسنتها لتقودها إلى معتقدها (2).

قلت:الأظهر أنّ معناه:أنّ الناس كانوا قبل رسالته يتنازعون في ملل و نحل،لم يكن لها معنى في القلوب،بل مجرد ألفاظ على الألسن،فيكون قوله عليه السّلام: «و تنازع من الألسن» نظير قول يوسف عليه السّلام في ما حكى اللّه تعالى عنه: «ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» (3)،أو المراد أنّهم كانوا يتنازعون في أنواع الكلام من القصائد و الخطب و الأراجيز هل هذه أحسن أو تلك،فكانوا قبل بعثة النبيّ صلى اللّه عليه و آله يباهون بذلك،و قصّة المعلّقات السبع معروفة،قال امرؤ القيس لمّا احتضر في أنقرة في آخر شيء تكلّم به:ربّ خطبة محبّرة،و طعنة مسحنفرة،و جفنة مثعنجرة، تبقى غدا بأنقرة.

و من السبع المعلّقات قصيدة عمرو بن كلثوم التغلبي،التي كان قام بها


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:362. [1]

3) 3) يوسف:40. [2]

خطيبا في ما كان بينه و بن عمرو بن هند ملك الحيرة،و كان لقومه بها شغف كثير حتّى قالوا فيهم:

ألهى بني تغلب عن كلّ مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

يفاخرون بها مذ كان أوّلهم يا للرجال لشعر غير مسؤوم

و من السبع قصيدة عبيد بن الأبرص الّتي أوّلها:

أقفر من أهلها ملحوب

و لمّا لقيه ملك الحيرة في يوم بؤسه و أراد قتله،استنشده القصيدة إعجابا بها،فغيّر البيت و قال:

أقفر من أهلها عبيد فاليوم لا يبدي و لا يعيد

و الكلّ مجرد ألفاظ.

و أمّا ما قاله ابن أبي الحديد من مجادلتهم بألسنتهم،فبارد،فالمجادلة لا تكون بغير اللسان.و كيف كان،فقال الجوهري:قد يكنى بها عن الكلمة فتؤنث حينئذ.قال أعشى باهلة:

إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها من علو لا عجب منها و لا سخر

فمن ذكّره قال في الجمع:ثلاثة ألسنة،مثل حمار و أحمرة،و من أنّثه قال:ثلاث ألسن (1)

صحاح اللغة للجوهري 6:2159 [1] مادة(لسن).

.

قلت:الظاهر أنّ اللسان إذا كان بمعنى اللغة يكون مذكّرا،لقوله تعالى:

«وَ هذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا» (2)،و قوله تعالى: «وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ» (3)،و إذا كان بمعنى التكلّم يكون مؤنثا كقوله:


1) 1)

2) 2) الأحقاف:12. [2]

3) 3) الروم:22. [3]

أتتني لسان بني عامر أحاديثها بعد قول نكر

(1)و كقول طرفة:

و إذا تلسنني ألسنها إنّني لست بموهون فقر

(2)و كقوله عليه السّلام: «و تنازع من الألسن» لكن ينقضه قول ابن الزبعرى المتقدّم (3). «فقفّى به الرّسل» قال الجوهري:قفّيت على أثره بفلان،أي:أتبعته إيّاه.

و منه قوله تعالى: «ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا» (4).

«و ختم به الوحي» فلا يوحى إلاّ إلى النبيّ،و لا نبيّ بعده،و أمّا الإمام فإنّما يلهم .

«فجاهد في اللّه المدبرين عنه» و أمّا قوله تعالى: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا» (5)فلا ينافيه.

«و العادلين به» أي:الجاعلين غير اللّه عديلا له تعالى،كما أمره عزّ و جلّ في قوله: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» (6).ذكرت الآية في التحريم و التوبة،و أمّا عدم جهاده المنافقين،و إنّما جاهدهم أمير المؤمنين بعده صلى اللّه عليه و آله و سلم حيث إنّه كان كنفس النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بنصّ قوله تعالى: «وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (7).


1) 1) لسان العرب للجوهري 13:385،386 [1] مادة(لسن).

2) 2) لسان العرب للجوهري 13:385،386 [2] مادة(لسن).

3) 3) مرّ في العنوان 22 من هذا الفصل،و البيت: يا رسول الإله إنّ لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 6:2466 [3] مادة(قفى)،و الآية 27 من سورة الحديد. [4]

5) 5) النجم:29. [5]

6) 6) التوبة:73. [6]

7) 7) آل عمران:61. [7]

25

من الخطبة(114)

و من خطبة له عليه السّلام:

أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ- وَ شَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ- فَبَلَّغَ رِسَالاَتِ رَبِّهِ- غَيْرَ وَانٍ وَ لاَ مُقَصِّرٍ- وَ جَاهَدَ فِي اللَّهِ أَعْدَاءَهُ- غَيْرَ وَاهِنٍ وَ لاَ مُعَذِّرٍ- إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَ بَصَرُ مَنِ اهْتَدَى «أرسله داعيا إلى الحقّ و شاهدا على الخلق» «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً» (1)

الأحزاب:45-46. [1]

، «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَ لا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً » (2).

«فبلّغ رسالات ربّه غير وان» من:ونى يني،أي:ضعف.

«و لا مقصّر» في التبليغ،حتّى إنّه صلى اللّه عليه و آله و سلم حضر يوم وفاته مع شدّة مرضه-كما روي-المسجد و قال: «وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» (3)أيّها الناس لا يدّعي مدّع و لا يتمنّى متمنّ أنّه ينجو إلاّ بعمل و رحمة،و لو عصيت هويت،اللّهم هل بلّغت (4).

و قالوا:خطب صلى اللّه عليه و آله و سلم بمنى في حجّة الوداع،و قال في جملة ما قال:و كلّ مأترة أو بدع كانت في الجاهلية،أو دم أو مال فهو تحت قدميّ هاتين،ليس أحد أكرم من أحد إلاّ بالتقوى،ألا هل بلّغت.قالوا:نعم.قال:اللّهم اشهد.

ثمّ قال:ألا و كلّ ربا في الجاهلية موضوع،و أوّل موضوع منه ربا


1) 1)

2) 2) النساء:41-42. [2]

3) 3) البقرة:281. [3]

4) 4) ذكره بفرق يسير المفيد في الإرشاد:97،و [4]الطبرسي في اعلام الورى:134. [5]

العبّاس بن عبد المطلب،ألا و كلّ دم كان في الجاهلية فهو موضوع،و أوّل دم موضوع دم ربيعة،ألا هل بلّغت.قالوا:نعم.قال:اللّهم اشهد.

ثمّ قال:ألا و إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه،و لكنّه راض بما تحتقرون من أعمالكم،إلاّ أنّه إذا أطيع فقد عبد،ألا أيّها الناس إنّ المسلم أخو المسلم حقّا،لا يحلّ لامرىء مسلم،و ماله إلاّ ما أعطاه بطيبة نفس منه،و إنّي أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا:لا إله إلاّ اللّه.فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءهم و أموالهم إلاّ بحقّها،و حسابهم على اللّه،ألا هل بلّغت.

قالوا:نعم.قال اللّهم اشهد.

ثمّ قال:أيّها الناس احفظوا قولي تنتفعوا به بعدي،و افهموه تنعشوا،ألا لا ترجعوا بعدي كفّارا،يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدّنيا،فإن أنتم فعلتم ذلك-و لتفعلنّ-لتجدوني في كتيبة بين جبرئيل و ميكائيل أضرب وجوهكم بالسيف-قال:ثمّ التفت عن يمينه،فسكت-ثمّ قال:إن شاء اللّه أو عليّ بن أبي طالب (1)

أخرج هذه الخطبة باختلاف يسير بين الروايات ابن هشام في السيرة 4:185،و الواقدي في المغازي 2:1103، و [1]الطبري في تاريخه 2:402 سنة 10،و الصدوق في الخصال:486 ح 63،و غيرهم.

.

«و جاهد في اللّه أعداءه غير واهن» أي:ضعيف.

«و لا معذّر» و المعذّر بالتشديد:من يأتي بالعذر باطلا.و ضبطته (المصرية)بدون التشديد و هو غلط،لأنّ المعذر بدونه من له عذر صحيح، و إنّما ينفى عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم التعذير لا الإعذار،قال تعالى: «وَ جاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ» (2).

قالوا:وصف أحد أحبار أهل الكتاب لكعب بن أسد اليهودي


1) 1)

2) 2) التوبة:90. [2]

النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بأنّه يضع سيفه على عاتقه،و لا يبالي من لاقى،و لمّا أراد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم قتل كعب في أسراء بني النضير ذكّره قول ذاك الحبر،فأقرّ به، و لكن قال:لا أسلم لئلاّ يقول الناس:إنّه جزع عند الموت (1)

كمال الدين للصدوق:198 ح 4 و [1]النقل بالمعنى.

.

«إمام من اتّقى و بصر من اهتدى» مرّت الجملتان في طيّ الخطبة(92) (2)لكن ثمة:«و بصيرة من اهتدى».

26

من الخطبة(98)

و من خطبة له عليه السّلام أخرى:

الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ- وَ الْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ- نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ- وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ- وَ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ وَ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وَ بِذِكْرِهِ نَاطِقاً- فَأَدَّى أَمِيناً وَ مَضَى رَشِيداً من الخطبة(82) وَ أَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً ص؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ وَ إِنْهَاءِ عُذْرِهِ وَ تَقْدِيمِ نُذُرِهِ من الخطبة(89) بعد ذكر آدم و الأنبياء:

حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا؟مُحَمَّدٍ ص؟ حُجَّتُهُ- وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ وَ نُذُرُهُ قول المصنّف: «و من خطبة له عليه السّلام أخرى» هكذا في(المصرية)، و الصواب:(و من خطبة له عليه السّلام)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم


1) 1)

2) 2) مرّ في العنوان 5 من هذا الفصل.

و الخطّية) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:188،و [1]شرح ابن ميثم 3:6. [2]

.و أيضا لا معنى لقوله:أخرى هنا.

قوله عليه السّلام في الأول : «الحمد للّه الناشر في الخلق فضله» قال تعالى:

«وَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (2)، «قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » (3).

«و الباسط فيهم بالجود يده» «قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » (4).

«نحمده في جميع أموره» لكن كلّها على وفق الحكمة و نهاية المصلحة .

«و نستعينه على رعاية حقوقه» فلا حول و لا قوّة إلاّ باللّه .

«و نشهد إلاّ إله غيره» «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا » (5).

«و أنّ محمّدا عبده و رسوله» إلى خلقه كافّة .

«أرسله بأمره صادعا» أي:مجاهرا،كما أمره عزّ و جلّ في قوله: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ » (6).

«و بذكره ناطقا» و لمّا رأت قريش ذلك منه قالوا له مرّتين:تعبد آلهتنا سنة،و نعبد إلهك سنة.فأجابهم بما أمره تعالى به بمثل قولهم في قوله: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَ لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ» (7).


1) 1)

2) 2) الحديد:29. [3]

3) 3) آل عمران:73-74. [4]

4) 4) المائدة:64. [5]

5) 5) الأنبياء:22. [6]

6) 6) الحجر:94. [7]

7) 7) رواه الواحدي في أسباب النزول:307،و الطوسي في التبيان 10:420،و [8]الزمخشري في الكشاف 4:808،و [9]عدة أخرى،جمع بعض طرقه السيوطي في الدر المنثور 6:404،و [10]الآيات(1-6)من سورة(الكافرون). [11]

«فأدّى أمينا» «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى » (1)

النجم:3-4. [1]

.

«و مضى رشيدا» حيث أدّى ما كان عليه من قبل اللّه تعالى،و نزل عليه أخيرا: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً» (2).

قوله عليه السّلام في الثاني : «أرسله لإنفاذ أمره» كما قال تعالى: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ » (3).

«و إنهاء» أي:إبلاغ.

«عذره» «وَ لَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى » (4).

«و تقديم نذره» «قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ» (5).

«كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَ قُلْنا ما نَزَّلَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ» (6).

و في(الأسد)عن ابن أمّ مكتوم قال:خرج النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بعد ما ارتفعت الشمس و ناس عند الحجرات،فقال:يا أهل الحجرات سعّرت النار،و جاءت الفتن كقطع الليل،و لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا (7).

قوله عليه السّلام في الثالث : «حتى تمّت بنبيّنا محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم حجّته» «وَ لكِنْ»


1) 1)

2) 2) النصر:1-4. [2]

3) 3) المائدة:67. [3]

4) 4) طه:134. [4]

5) 5) ق:28.

6) 6) الملك:8-9. [5]

7) 7) أسد الغابة لابن الأثير 4:103. [6]

رَسُولَ اللّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ ... (1)

الأحزاب:40. [1]

.

«و بلغ المقطع» بالكسر،قال الجوهري:أي:ما يقطع به الشيء (2).

«عذره و نذره» «قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» (3)، «رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً» (4).

27

من الخطبة(190)في القاصعة

فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ؟إِسْمَاعِيلَ؟- وَ؟بَنِي إِسْحَاقَ؟ وَ؟بَنِي إِسْرَائِيلَ ع؟- فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الْأَحْوَالِ وَ أَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الْأَمْثَالِ.

تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَ تَفَرُّقِهِمْ- لَيَالِيَ كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ وَ الْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ- يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الْآفَاقِ وَ؟بَحْرِ الْعِرَاقِ؟ وَ خُضْرَةِ الدُّنْيَا إِلَى مَنَابِتِ الشِّيحِ- وَ مَهَافِي الرِّيحِ وَ نَكَدِ الْمَعَاشِ فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَرٍ وَ وَبَرٍ- أَذَلَّ الْأُمَمِ دَاراً وَ أَجْدَبَهُمْ قَرَاراً- لاَ يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا- وَ لاَ إِلَى ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا- فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ وَ الْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ- وَ الْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ- فِي بَلاَءِ أَزْلٍ وَ أَطْبَاقِ جَهْلٍ- مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَةٍ وَ أَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ- وَ أَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ وَ غَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ.

فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً- فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ وَ جَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ- كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 3:1267 [2] مادة(قطع).

3) 3) الأنعام:149. [3]

4) 4) النساء:165. [4]

كَرَامَتِهَا- وَ أَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا- وَ الْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا- فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهِ غَرِقِينَ- وَ فِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ قَدْ تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِمْ فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ- وَ آوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ- وَ تَعَطَّفَتِ الْأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكٍ ثَابِتٍ- فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ- وَ مُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الْأَرَضِينَ- يَمْلِكُونَ الْأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ- وَ يُمْضُونَ الْأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ- لاَ تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ وَ لاَ تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ.

أَلاَ وَ إِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ- وَ ثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ- وَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ- فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأُلْفَةِ- الَّتِي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلِّهَا وَ يَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا- بِنِعْمَةٍ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً- لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ وَ أَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ.

وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً- وَ بَعْدَ الْمُوَالاَةِ أَحْزَاباً- مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلاَمِ إِلاَّ بِاسْمِهِ- وَ لاَ تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلاَّ رَسْمَهُ تَقُولُونَ النَّارَ وَ لاَ الْعَارَ- كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الْإِسْلاَمَ عَلَى وَجْهِهِ- انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ وَ نَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ لَكُمْ- حَرَماً فِي أَرْضِهِ وَ أَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ- وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ ثُمَّ لاَ؟جَبْرَئِيلُ؟وَ لاَ؟مِيكَائِيلَ؟- وَ لاَ وَ لاَ مُهَاجِرُونَ وَ لاَ أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُمْ- إِلاَّ الْمُقَارَعَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ- وَ إِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ قَوَارِعِهِ- وَ أَيَّامِهِ وَ وَقَائِعِهِ- فَلاَ تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلاً بِأَخْذِهِ وَ تَهَاوُناً بِبَطْشِهِ وَ يَأْساً مِنْ بَأْسِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ- إِلاَّ لِتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ

فَلَعَنَ اللَّهُ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِي وَ الْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ التَّنَاهِي.

أَلاَ وَ قَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الْإِسْلاَمِ- وَ عَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ وَ أَمَتُّمْ أَحْكَامَهُ «و اعتبروا بحال ولد إسماعيل و بني إسحاق و بني إسرائيل عليهم السلام» قال ابن أبي الحديد:إنّه ذكر عليه السّلام في هذه الكلمات المقهورين و القاهرين جميعا.أما المقهورون فبنو إسماعيل،و أمّا القاهرون فبنو إسحاق و بنو إسرائيل،لأنّ الأكاسرة من بني إسحاق،ذكر كثير من أهل العلم أنّ فارس من ولد إسحاق و القياصرة من ولد إسحاق أيضا،لأنّ الروم بنو العيص بن إسحاق،و على هذا يكون الضمير في أمرهم و تشتتهم و تفريقهم يرجع إلى بني إسماعيل خاصة، فإن قلت:فبنو إسرائيل أيّ مدخل لهم هاهنا؟قلت:لأنّ بني إسرائيل لمّا كانوا ملوكا بالشام في أيّام أجاب الملك و غيره،حاربوا العرب من بني إسماعيل غير مرّة و طردوهم عن الشام،و ألجئوهم على المقام ببادية الحجاز،و يصير تقدير الكلام:فاعتبروا بحال ولد إسماعيل مع بني إسحاق و بني إسرائيل (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:241. [1]

.

قلت:ما ذكره خارج عن طريق المحاورة،فإنّ مقتضى السّياق كون الأكاسرة و القياصرة مسلّطين على ولد إسماعيل و بني إسحاق و بني إسرائيل،و يفعلون بهم ما شاءوا،و كون الأكاسرة و القياصرة غير ولد إسماعيل،و غير بني إسحاق و بني إسرائيل،و كيف جعل بني إسرائيل من القاهرين،و القرآن ناطق بمقهوريتهم مثل بني إسماعيل،بل أشدّ؟و كيف لا و قد قال عزّ و جلّ فيهم: «وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ» (2)،و قال تعالى: «وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا»


1) 1)

2) 2) البقرة:61. [2]

أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولاً .... «فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَ لِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ لِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً» (1)

الإسراء:4-7. [1]

؟! و الأكاسرة جعلهم ابن قتيبة و الدينوري و الطبري من غير ولد إسحاق، بل من ولد الملوك الأوّلين قبل ملوك الطوائف،قال الأوّل:كتب أردشير إلى ملوك الطوائف:من أردشير المستأثر دونه بحقّه،المغلوب على تراث آبائه (2).

و قال الأخير:وثب أردشير بفارس طالبا بزعمه بدم ابن عمّه دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار-الذي حارب الإسكندر فقتله حاجباه-مريدا في ما يقول:ردّ الملك إلى أهله،و إلى ما لم يزل عليه أيّام سلفه،و آبائه الّذين مضوا قبل ملوك الطوائف،و جمعه لرئيس واحد و ملك واحد (3).

و قريبا منه قال الثاني رافعا نسبه إلى إسفنديار بن بشتاسف (4).

و إنّما نقل المسعودي أقوالا ضعيفة في كون الأكاسرة من ولد إسحاق، فقال:تنازع الناس في الفرس و أنسابهم،فقال قوم:إنّ فارس بن ياسور بن سام بن نوح،و كذلك النبط،و هذا قول هشام بن محمّد في ما حكاه عن أبيه و غيره،و منهم من زعم أنّه من ولد يوسف بن يعقوب،و منهم من ذكر أنّه من ولد إرم بن ارفخش بن سام بن نوح،و أنّه ولد له بضعة عشر رجلا كلّهم كان فارسا شجاعا فسمّوا الفرس بالفروسية،و في ذلك يقول حطّان الفارسي:

و بنا سمّي الفوارس فرسا نا و منّا مناجب الفرسان

و كهول طواهم الركض و الكرّ كمثل الكرّات يوم الطّعان


1) 1)

2) 2) المعارف لابن قتيبة:653. [2]

3) 3) تاريخ الطبري 3:241. [3]

4) 4) الأخبار الطوال للدينوري:44.

قال:و قد زعم قوم أنّ الفرس من ولد لوط من ابنتيه،و ذكر آخرون أنّهم من ولد بوّان بن إيران بن الأسود بن سام بن نوح الّذي ينسب إليه شعب بوّان، و منهم من رأى أنّ الفرس من ولد إيران بن أفريدون،و لا تناكر بين الفرس جميعا في أنّها من ولد إيرج جميعا،و إيرج هو إيران بن أفريدون.و من الناس من ذهب إلى أنّ سائر أجناس الفرس،و أهل كور الأهواز من ولد عيلام،و لا خلاف بين الفرس في أنّ الجميع منهم من ولد كيومرث،و من الناس من ذهب إلى أنّ الفرس السّاسانية دون من سلف من الفرس الاولى من ولد منوشهر بن إيرج بن أفريدون،و منهم من ذهب إلى أنّ منوشهر هو ابن مشجر بن فريقس بن ويرك،و ويرك هو إسحاق بن إبراهيم عليه السّلام،و سار مشجر إلى أرض فارس،و كان بها امرأة متملّكة يقال لها:كورك ابنة إيرج،فتزوّجها، فولدت له منوشهر الملك،و كثر ولده فملكوا الأرض،و غلبوا عليها و هابتهم الملوك،و دثرت الفرس الأولى كدثور الأمم الماضية،و العرب العاربة،و أكثر حكماء العرب من نزار بن معد.يقول هذا،و يعمل عليه في بدء النسب،و ينقاد إليه كثير من الفرس،و قد ذكرته شعراء العرب من نزار،و افتخرت على اليمن من قحطان بالفرس،و أنّها من ولد إسحاق،قال إسحاق بن سويد العدوي عدي قريش:

إذا افتخرت قحطان يوما بسؤدد أتى فخرنا أعلى عليها و أسودا

ملكناهم بدءا بإسحاق عمّنا و صاروا لنا غرما على الدهر أعبدا

فإن كان منهم تبّع و ابن تبّع فأملاكهم كانوا لأملاكنا يدا

و يجمعنا و الغرّ أبناء سارة أب لا يبالي بعده من تفرّدا

هم ملكوا شرقا و غربا ملوكهم و هم منحوهم بعد ذلك سؤددا

و في ذلك يقول جرير بن الخطفي التميمي-يفخر على قحطان بأنّ

الفرس و الروم من أولاد إسحاق،و الأنبياء من ولد يعقوب بن إسحاق-من كلمة طويلة يقول فيها:

و أبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا حمائل موت لا بسين السّنوّرا

إذا افتخروا عدّوا الصبهبذ منهم و كسرى و عدّوا الهرمزان و قيصرا

و كان كتاب اللّه فيهم و نوره و كانوا باصطخر الملوك و تسترا

و منهم سليمان النبيّ الّذي دعا فأعطي بنيانا و ملكا مقدّرا

أبونا أبو إسحاق يجمع بيننا آب كان مهديّا نبيّا مطهّرا

بني قبلة اللّه التي يهتدي بها فأورثنا عزّا و ملكا معمّرا

و موسى و عيسى و الّذي خرّ ساجدا و أنبت زرعا دمع عينيه أخضرا

و يعقوب منهم زاده اللّه حكمة و كان ابن يعقوب نبيّا مطهّرا

و يجمعا و الغرّ أبناء فارس أب لا يبالي بعده من تأخّرا

أبونا خليل اللّه و اللّه ربّنا رضينا بما أعطى الإله و قدّرا

و في ذلك يقول بشار بن برد:

نمتني الكرام بنو فارس قريش و قومي قريش العجم

و قال أحد شعراء الفرس يذكر أنّه من ولد إسحاق،و أنّ إسحاق هو المسمّى و يرك:

أبونا ويرك و به أسامي إذا فخر المفاخر بالولاده

أبونا و يرك عبد رسول له شرف الرّسالة و الزّهاده

فمن مثلي إذا افتخرت قرون و بيتي مثل واسطة القلاده

قال:و قد افتخر بعض أبناء الفرس بعد التسعين و المائتين بجدّه إسحاق على ولد إسماعيل،بأنّ الذبيح كان إسحاق،فقال:

قل لبني هاجر أبيت لكم

و الملك فينا و الأنبياء لنا إن تنكروا ذلك توجدوا ظلمه

إسحاق كان الذّبيح قد أجمع ال‍ ناس عليه إلاّ ادّعاء لمه

و قد أجابه ابن المعتز،فمن ذلك قوله:

قل لبني هاجر أبيت لكم

و الملك فينا و الأنبياء لنا إن تنكروا ذلك توجدوا ظلمه

إسحاق كان الذّبيح قد أجمع ال‍ ناس عليه إلاّ ادّعاء لمه

و قد أجابه ابن المعتز،فمن ذلك قوله:

أسمع صوتا و لا أرى أحدا من ذا الشّقي الّذي أباح دمه

حاشا لإسحاق أن يكون لكم أبا و إن كنتم بنيه فمه

و الفرس لا تنقاد إلى القول:بأنّ الملك كان فيها لأحد غير ولد أفريدون في عصر من الأعصار في ما سلف و خلف،إلى أن زال عنهم الملك،إلاّ أن يكون دخل عليهم داخل على طريق الغصب بغير حقّ.

قال:و قد كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام،و تطوف به تعظيما له،و لجدّها إبراهيم عليه السّلام،و تمسّكا بهديه و حفظا لأنسابها،و كان آخر من حجّ منهم ساسان جدّ أردشير،فكان إذا أتى البيت طاف به و زمزم على بئر إسماعيل.

فقيل:إنّما سمّيت زمزم لزمزمته عليها هو و غيره من فارس،و هذا يدلّ على ترادف كثرة هذا الفعل منهم على هذا البئر،و في ذلك يقول الشاعر في قديم الزمان:

زمزمت الفرس على زمزم و ذاك من سالفها الأقدم

و قد افتخر بعض شعراء الفرس بعد ظهور الإسلام بذلك،فقال:

و ما زلنا نحج البيت قدما و نلفى بالأباطح آمنينا

و ساسان بن بابك سار حتّى أتى البيت العتيق يطوف دينا

فطاف به و زمزم عند بئر لإسماعيل تروى الشاربينا

و كانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالا في صدر الزمان و جواهر،و قد

ص:

كان ساسان أهدى غزالين من ذهب و جوهرا و سيوفا و ذهبا كثيرا،فقذفه في زمزم،و ذهب قوم أنّ ذلك كان لجرهم حين كانت بمكّة (1)

مروج الذهب للمسعودي 1:260 و [1]النقل بتلخيص.

.

هذا آخر كلام المسعودي،و قد عرفت ممّا مرّ كثرة الأقوال في نسب الفرس،هل هم من ولد ناسور بن سام أو ارفخشد بن سام أو أسود بن سام أو من ولد لوط أو من ولد عيلام أو إيران بن أفريدون أو منوجهر بن أفريدون و الكلّ غير إسحاق،و إنّما قول ضعيف إنّ الفرس الاولى انقرضت،و الأكاسرة من ولد مسحر بن ويرك(إسحاق)مع أنّهم كانوا منكرين لذلك،فمرّ قول المسعودي.

و الفرس لا تنقاد إلى القول:بأنّ الملك يكون فيها لأحد غير ولد أفريدون في عصر من الأعصار في ما سلف و خلف،إلى أن زال عنهم الملك،إلاّ أن يكون دخل عليهم داخل على طريق التعصّب بغير حقّ.

و أمّا ذهاب بعض شعراء عدنان إليه كاسحاق العدوي،و جرير التميمي،و بشار الأعمى،فانّما كان لأنّ قحطان كانوا يفخرون عليهم بالملك، و لم يكن في عدنان ملوك،فأرادوا النقض عليهم فادّعوا أنّ الأكاسرة من ولد عمّنا إسحاق،و ملك الأكاسرة كان فوق ملك اليمن،كما عرفت من أشعار الثلاثة،كما أنّ ذهاب بعض شعراء العجم إليه أيضا كان لإرادة التفاخر بأنّه كما كان لنا الملك كان لنا النبوّة لكون إسحاق أبانا.

و قد عرفت أنّ الطبري،و ابن قتيبة،و الدينوري،و هشام الكلبي،و أباه محمّد بن السائب جعلوا الأكاسرة من غير إسحاق،و عرفت أنّ ابن المعتزّ أيضا أنكر كونهم منه.و لو كانوا من ولد إسحاق لكان فيهم أشياء من سنن إبراهيم عليه السّلام كما كانت في أولاد،إسماعيل،مع كونهم عابدي الأصنام،بل


1) 1)

كانوا بالضدّ من سنن إبراهيم،كيف و كانوا يحلّون نكاح الأمّهات و البنات و الأخوات؟! و أمّا قولهم:إنّ الفرس كانت تهدي إلي الكعبة،و إنّهم كانوا يحجّون البيت،و إنّهم أهدوا الغزالين و سيوفا،و إنّ زمزم سمّيت زمزم لزمزمتهم عليها،فمجرّد دعوى،كقولهم بأنّهم من ولد إسحاق،ففي:(الأخبار و السير):

أنّ المهدي للغزالين و السيوف جرهم،و قد نقله المسعودي أيضا (1)

مروج الذهب للمسعودي 1:266.

.

و وجه تسمية البئر بزمزم في أخبارنا شيء آخر (2).

و أمّا كون القياصرة من ولد عيص بن إسحاق،فالظاهر أنّ الأصل فيه التوراة الّتي بيد اليهود (3)،و تحريفها واضح.

و كيف كان فلا يقال للأكاسرة و القياصرة:بنو إسحاق.-و إنّ فرض كونهم من ولد إسحاق،حيث إنّهم مشتهرون بلقبيهم أكاسرة و قياصرة- و إنّما يقال لغيرهم ممّن لم يكن لهم عنوان خاص،و قد يجعل الخاص في قبال العام مع كونه صنفا منه،فتقول:قريش و بنو هاشم.فالمراد بقريش غير بني هاشم،و إن كانوا بنو هاشم من قريش،و قد قال عليه السّلام هنا: «و بني إسحاق و بني إسرائيل» مع أنّ إسرائيل-هو يعقوب-ابن إسحاق،فلا بدّ أن يراد ببني إسحاق غير بني إسرائيل.

و بالجملة ما قاله ابن أبي الحديد في غاية السقوط،و الكلام على ظاهره


1) 1)

2) 2) أخرج القمي في تفسيره 1:61 [1] ضمن حديث عن الصادق عليه السّلام«فإنه كان سائلا فزمّته بما جعلته حوله،فلذلك سمّيت زمزم».و قال الطريحي في مجمع البحرين 6:81 [2] مادة(زمّ):«سميت به لكثرة مائها،و قيل لزمّ هاجر ماءها حين انفجرت،و قيل لزمزمة جبرئيل و كلامه».

3) 3) جاء في التوراة،في سفر التكوين الاصحاح 36 ذكر مواليد عيسو بن اسحاق،و ليس فيها ذكر للقياصرة،و لا في سائر المواضع من العهدين.

و تأويله عليل،و سيأتي التصريح من الطبري و المسعودي بقتل الأكاسرة و القياصرة لبني إسرائيل (1)

يأتي في هذا العنوان في شرح فقرة:«لا يأوون إلى جناح».

.

«فما أشدّ اعتدال الأحوال» في الأمثال:الناس كأسنان المشط (2).

«و أقرب اشتباه» أي:تشابه.

«الأمثال» قالوا في المثل:سواسية كأسنان الحمار (3).

«تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم و تفرّقهم» من كونهم في غاية الذلّ و الهوان.

و من القواعد الفطرية و الأمور الطبيعيّة كون التشتّت و التفرّق موجبا للذلّة بل الفناء.

و في(الأغاني):نزلت عدوان على ماء،فأحصوا فيهم سبعين ألف غلام أغرل سوى من كان مختونا لكثرة عددهم،ثمّ وقع بأسهم بينهم فتفانوا،فقال ذو الإصبع:

عذير الحي من عدوا ن كانوا حيّة الأرض

بغى بعضهم بعضا فلم يبقوا على بعض

فقد صاروا أحاديث برفع القول و الخفض

و منهم كانت السادا ت و الموفون بالقرض

و منهم حكم يقضي فلا ينقض ما يقضي

و روى أنّ سبب تفانيهم أنّ بني ناجي منهم أغاروا على بني عوف منهم.فقال ذو الإصبع:

فإن تك عدوان بن عمرو تفرّقت فقد غيّبت دهرا ملوكا هنالكا

(4)


1) 1)

2) 2) مجمع الأمثال للميداني 2:340،و [1]المستقصى للزمخشري 1:352. [2]

3) 3) مجمع الأمثال للميداني 1:329،و [3]المستقصى للزمخشري 2:123. [4]

4) 4) الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني 2:89،104،و النقل بتلخيص.

و في(الأغاني)أيضا:أنّ كليب بن ربيعة التغلبي كان قد عزّ و ساد في ربيعة،فبغى بغيا شديدا،و كان هو الّذي ينزلهم منازلهم و يرحّلهم،و لا ينزلون و لا يرحلون إلاّ بأمره،و بلغ من عزّه أنّه اتّخذ جرو كلب،فكان إذا نزل منزل كلأ قذف ذلك الجرو فيه فيعوي،فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلاّ بإذنه،و كان يفعل هذا بحياض الماء،فلا يردها أحد إلاّ بإذنه،فضرب به المثل في العزّ، فقيل:أعزّ من كليب وائل.و كان يحمي الصيد،فيقول:صيد ناحية كذا و كذا في جواري،فلا يصيد منه أحد شيئا.و كان لا يمرّ بين يديه أحد إذا جلس،و لا يحتبي أحد في مجلسه غيره،فقتله جسّاس بن مرّة البكري،فبينا امرأة كليب أخت جسّاس تغسل رأس كليب،و تسرّحه ذات يوم،إذ قال:من أعزّ وائل؟ فصمتت،فأعاد عليها،فلمّا أكثر عليها،قالت:أخواي جسّاس و همّام.فنزع رأسه من يدها و أخذ القوس،فرمى فصيل ناقة البسوس خالة جسّاس و جارة بني مرّة،فأغمضوا على ما فيه،و سكتوا على ذلك،ثمّ لقي كليب ابن البسوس فقال:ما فعل فصيل ناقتكم؟قال:قتلته و أخليت لنا لبن أمّه.فأغمضوا على هذه أيضا.

ثمّ إنّ كليبا أعاد على امرأته:من أعزّ وائل؟فقالت:أخواي.فأضمرها و أسرّها في نفسه،و سكت حتّى مرّت به إبل جسّاس،فرأى ناقة بسوس فأنكرها،فقال:ما هذه؟فقالوا:لخالة جسّاس،فقال:أو قد بلغ من أمر ابن السعدية أن يجير عليّ بغير إذني؟إرم ضرعها يا غلام.فرمى ضرع الناقة، فاختلط دمها بلبنها،و راحت الرعاة على جسّاس،فأخبروه بالأمر.فقال:

احلبوا لها مكيالي لبن بمحلبها،و لا تذكروا لها شيئا.فسكت جسّاس حتّى ظعن ابنا وائل.فمرّت بكر بن وائل على نهر يقال له:شبيث.فنفاهم كليب عنه، و قال:لا يذوقون منه قطرة.ثمّ مرّوا على بطن الجريب،فمنعهم إيّاه،فمضوا

حتّى نزلوا(الذنائب)ثمّ مرّ عليه جسّاس،و هو واقف على غدير الذنائب،فقال:

طردت إبلنا عن المياه حتّى كدت تقتلهم عطشا.فقال:ما منعناهم من ماء إلاّ و نحن له شاغلون.فمضى جسّاس،و معه ابن عمّه المزدلف،و قال بعضهم:

بل ناداه جسّاس،فقال:هذا كفعلك بناقة خالتي.فقال:أو قد ذكرتها،أما إنّي لو وجدتها في غير إبل(مرّة)لا ستحللت تلك الإبل بها.فعطف عليه جسّاس فطعنه برمح،فأنفذ حضنيه،فلمّا تداجمه الموت،قال:يا جسّاس اسقني الماء.

قال:ما عقلت استسقاءك الماء منذ ولدتك أمّك إلاّ ساعتك هذه-إلى أن قال-قال جسّاس لأخيه نضلة-و يقال له:عضد الحمارة:

و إنّي قد جنيت عليك حربا تغصّ الشيخ بالماء القراح

مذكّرة متى ما يصح عنها فتى نشبت بآخر غير صاح

تنكّل عن ذئاب الغيّ قوما و تدعو آخرين إلى الصلاح

فأجابه نضلة:

فإن تك قد جنيت عليّ حربا فلا و ان و لا رثّ السلاح

فلمّا قتل كليب،قالت بنو تغلب بعضهم لبعض:لا تعجلوا على إخوتكم حتّى تعذروا بينكم و بينهم.فانطلق رهط من أشرافهم،و ذوي أسنانهم حتّى أتوا مرّة بن ذه فعظّموا ما بينهم و بينه،و قالوا له:اختر منّا،إمّا أن تدفع إلينا جسّاسا فنقتله بصاحبنا،فلم يظلم من قتل قاتله،و إمّا أن تدفع إلينا همّاما،و إمّا أن تقيدنا من نفسك.فسكت،و قد حضرته وجوه بكر بن وائل،فقالوا:تكلّم غير مخذول.فقال:أمّا جسّاس فغلام حديث السنّ،ركب رأسه فهرب حين خاف،فلا علم لي به،و أمّا همّام فأخر عشرة و أبو عشرة،و لو دفعته إليكم لصيّح بنوه في وجهي،و قالوا:دفعت أبانا بجريرة غيره،و أمّا أنا فلا أتعجّل الموت،و هل تزيد الخيل على أن تجول جولة،فأكون أوّل قتيل،و لكن هل لكم

في غير ذلك؟هؤلاء بنيّ،فدونكم أحدهم فاقتلوه به،و إن شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها لكم بكر بن وائل.فغضبوا و قالوا:إنّا لم نأتك لتؤدي إلينا بنيك،و لا لتسومنا اللبن.فتفرّقوا و وقعت الحرب.قالوا:كانت حربهم أربعين سنة، فيهن خمس وقعات مزاحمات (1)

لم أجده في الأغاني. [1]

.

و في(عيون ابن قتيبة)عن وهب:أنّ اللّه تعالى قال لشعيا:قم في قومك أوح على لسانك.فلما قام شيعا أنطلق اللّه لسانه بالوحي،فقال:يا سماء استمعي،يا أرض انصتي.فأنصتت الأرض،و استمعت السّماء.فقال:إنّ اللّه تعالى يقول لكم:إنّي استقبلت بني إسرائيل بالكرامة،و هم كالغنم الضائعة لا راعي لها،فأويت شاذّتها و جمعت ضالّتها،و جبرت كسيرها و داويت مريض‌ها،و أسمنت مهزولها،فبطرت فتناطحت،فقتل بعضها بعضا،حتّى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير.إنّ الحمار ممّا يتذكّر آريّه الّذي شبع عليه فيراجعه،و إنّ الثور ممّا يتذكّر مرجه الّذي سمن فيه فينتابه،و إنّ البعير ممّا يتذكّر وطنه ألّذي نتج فيه فينزع إليه،و إنّ هؤلاء القوم لا يذكرون أنّي جاءهم الخير،و هم أهل الألباب و أهل العقول،ليسوا بإبل و لا بقر و لا حمير،و إنّي ضارب لهم مثلا فاسمعوه،قل لهم:كيف ترون في أرض كانت زمانا من أزمانها خربة مواتا لا حرث فيها،و كان لها ربّ قوي حليم،فأقبل عليها بالعمارة،و كره أن تخرب أرضه و هو قويّ،و أن يقال له:ضيّع و هو عليم،فأحاط عليها سياجا،و شيّد فيها قصرا،و أنبط فيها نهرا،و صنف فيها غراسا من الزيتون و الرمّان،و النخيل و الأعناب،و ألوان الثمار،و ولى ذلك ذا رأي و همّة،حفيظا قويّا أمينا،فلمّا أن جاء إبّان إثمارها أثمرت خرّوبا،ما كنتم قائلين له و مشيرين عليه؟قالوا:كنّا نقول:بئست الأرض أرضك.و نشير عليه


1) 1)

أن يقلع سياجها،و يهدم قصرها،و يدفن نهرها،و يحرق غرسها حتّى تعود خربة مواتا لا عمران فيها.قال اللّه تعالى:قل لهم:إنّ السياج ذمّتي،و إنّ القصر شريعتي،و إنّ النهر كتابي،و إنّ القيّم نبيّي،و إنّ الغرس مثل لهم،و الخرّوب أعمالهم الخبيثة،و إنّي قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم،يتقرّبون إليّ بذبح الغنم و البقر،و ليس ينالني اللحم و لا آكله،و يدعون أن يتقرّبوا إليّ بالتقوى،و الكفّ عن ذبح الأنفس التي حرّمتها... (1)

عيون الأخبار لابن قتيبة 2:263. [1]

.

«ليالي كانت الأكاسرة» جمع كسرى:لقب ملوك الفرس.

«و القياصرة» لقب ملوك الروم،قالوا:و أوّل من لقّب به منهم أغسطس، لأنّ أمّه ماتت و هي حامل به فشقّ بطنها.و معنى قيصر:شقّ عنه.فكان يفتخر بأنّ النساء لم يلدنه (2).

«أربابا لهم» أي:مالكين لأمورهم .

«يحتازونهم» أي:يفصلونهم.

«عن ريف الآفاق» أي:خصبها.

«و بحر العراق» هكذا في النسخ (3)،و الظاهر أنّ الأصل:و بحري العراق، و المراد دجلة و الفرات،فإنّهما لكثرة خيرهما،و ما يحصل منهما سمّيا الرافدين،قال الفرزدق ليزيد بن عبد الملك لمّا ولّى عمر بن


1) 1)

2) 2) هذا قول المسعودي في مروج الذهب 1:342.و [2]التحقيق ان لفظ(قيصر)معرب الكلمة اللاتينية (Caesar) و هو صيغة الحال المجهول الانشائي،أو المستقبل المجهول الخبري من مصدر (Caedere) بمعنى(الشق)،و أوّل من سمّي به(غايوس جوليونس سزار (Gaius Julius Caesar و هو الذي شقّ بطن أمّه عند تولده،و أمّا(أغسطس (Augustus فهو أول من اتّخذ هذا اللفظ لقبا لنفسه،كما صرّح به دائرة المعارف العالمية[ (International Enc.) 3:472]و بروكسهاس[ (Brockhaus Enz) 2:86]،و غيرهما،و جاء ذكر اغسطس ملقبا بقيصر في إنجيل لوقا الاصحاح الثاني،الآية الأولى.

3) 3) كذا في نهج البلاغة 2:153،و [3]شرح ابن أبي الحديد 3:241،و [4]شرح ابن ميثم 4:289. [5]

هبيرة الفزاري العراق:

أولّيت العراق و رافديه فزاريّا أحذّ يد القميص

و كان يقال للعراق:السواد لكثرة شجرها.

«و خضرة الدّنيا» الظاهر أن المراد بها الشام،كان يقال للشام:بدل الجنّة.

قال النعمان بن جبلة التنوخي-و هو من صاحب رايات معاوية- لمعاوية:و سنقاتل عن تين الغوطة و زيتونها،إذ حرمنا أثمار الجنّة و أنهارها (1)

مروج الذهب للمسعودي 2:385. [1]

.

و مراده من حرمانهم من ثمار الجنّة لقتالهم لأمير المؤمنين عليه السّلام في مساعدة معاوية.

«إلى منابت الشّيح» من النباتات القليلة الفائدة،أي:إلى مواضع لم يحصل منها نباتات جيّدة.

«و مهافي» أي:مذاهب.

«الريح» أي:مواضع يكثر هبوب الرياح فيها.

«و نكد المعاش» أي:مواضع يعسر العيش فيها.

«فتركوهم عالة» أي:ذوي فاقة.

«مساكين» لا حيلة لهم.

«إخوان دبر» بفتحتين:قرحة الدابّة،يقال:و هان على الأملس ما لاقى الدبر-بالفتح فالكسر-.يضرب في عدم اهتمام الرجل بصاحبه،و المراد كونهم أرباب إبل مقروحة السنام.

«و وبر» و المراد كونهم أرباب بيوت من وبر الآبال،دون بيوت مبنيّة.

«أذلّ الأمم دارا» و مسكنا.


1) 1)

«و أجدبهم» أي:أقحطهم.

«قرارا» و موضعا .

«لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها،و لا إلى ظلّ ألفه يعتمدون على عزّها» فكانوا أذلاّء،قال البحتري:

و في حرب العشيرة مؤبدات تضعضع تالد العزّ المهيب

و في(الطبري):لمّا استولى أردشير على الملك بالعراق،كره كثير من تنوخ أن يقيموا في مملكته،و أن يدينوا له،فخرج من كان منهم من قبائل قضاعة الّذين كانوا أقبلوا مع مالك و عمرو،إبني فهم و مالك بن زهير و غيرهم،فلحقوا بالشام إلى من هنالك من قضاعة،و كان ناس من العرب يحدثون في قومهم الأحداث أو تضيق بهم المعيشة،فيخرجون إلى ريف العراق،و ينزلون الحيرة على ثلاث أثلاث:ثلث تنوخ:و هو من كان يسكن المظالّ،و بيوت الشعر و الوبر في غربي الفرات،في ما بين الحيرة و الأنبار و ما فوقها،و الثلث الثاني العباد:و هم الّذين كانوا سكنوا الحيرة و ابتنوا بها، و الثلث الثالث الأحلاف:و هم الّذين لحقوا بأهل الحيرة،و نزلوا فيهم ممّن لم يكن من تنوخ الوبر،و لا من العباد الّذين دانوا لأردشير،و كانت الحيرة و الأنبار بنيتا جميعا في زمن بختنصّر... (1)

تاريخ الطبري 1:480. [1]

.

و قال في شرح حال سابور ذي الأكتاف:إنّه كان حملا في زمن أبيه، فأوصى بالملك للحمل،فولد مملّكا،و تقلّد الوزراء و الكتّاب الأعمال الّتي كانوا يعملونها في ملك أبيه،و لم يزالوا على ذلك حتّى فشا خبرهم،و شاع في أطراف مملكة الفرس أنّه كان لا ملك لهم،و أنّ أهلها إنّما يتلوّمون صبيّا في المهد،لا يدرون ما هو كائن من أمره،فطمعت في مملكتهم الترك و الروم،


1) 1)

و كانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس،و كانوا من أحوج الأمم إلى تناول شيء من معايشهم،و بلادهم لسوء حالهم،و شظف عيشهم،فسار جمع عظيم منهم في البحر من ناحية بلاد عبد القيس و البحرين و كاظمة،حتّى أناخوا على ايران‌شهر و سواحل أردشير خره و أسياف فارس،و غلبوا أهلها على مواشيهم و حروثهم و معايشهم،و أكثروا الفساد في تلك البلاد،فمكثوا على ذلك من أمرهم حينا لا يغزوهم أحد من الفرس،لعقدهم تاج الملك على طفل حتّى تحرّك سابور و ترعرع...ثمّ انتخب سابور ألف فارس من صناديد جنده،و أبطالهم،و تقدّم إليهم في المضيّ لأمره و نهيه،و نهاهم عن الإبقاء على ما لقوا من العرب و العرجة على إصابة مال،ثمّ سار بهم،فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب و هم غارّون،و قتل منهم أبرح القتل،و أسر أعنف الأسر، و هرب بقيّتهم،ثمّ قطع البحر في أصحابه،و استقرى بلاد البحرين يقتل أهلها، و لا يقبل فداء،و لا يعرج على غنيمة،ثمّ مضى على وجهه،فورد هجرو بها ناس من أعراب تميم،و بكر بن وائل و عبد القيس،فأفشى فيهم القتل،و سفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر،حتّى كان الهارب منهم يرى أنّه لن ينجيه منه غار في جبل،و لا جزيرة في بحر،ثمّ عطف إلى بلاد عبد القيس فأباد أهلها إلاّ من هرب منهم،فلحق بالرمال،ثمّ أتى اليمامة فقتل بها مثل تلك المقتلة،و لم يمرّ بماه من مياه العرب إلاّ غوّره،و لا جبّ من جبابهم إلاّ طمّه،ثمّ أتى قرب المدينة،فقتل من وجد هنالك من العرب و أسر،ثمّ عطف نحو بلاد بكر و تغلب في ما بين مملكة فارس،و مناظر الروم بأرض الشام،فقتل من وجد بها من العرب و سبى و طمّ مياههم،و أنّه أسكن من البحرين دارين، و اسمهما:هيج و الخط،و من كان من عبد القيس و طوائف من تميم و هجر، و من كان من بكر بن وائل كومان،و هم الّذين يدعون بكر أبان،و من كان

بينهم من بني حنظة بالرملية من بلاد الأهواز (1)

تاريخ الطبري 1:490،و [1]النقل بتصرف يسير.

.

و في(الطبري)أيضا:كان ملك الفرس متّصلا دائما من عهد جيومرث إلى أنّ زال عنهم بأمّة نبيّنا صلى اللّه عليه و آله،و كانت النبوّة و الملك متّصلين بالشام و نواحيها لولد إسرائيل بن إسحاق،إلى أن زال عنهم ذلك بالفرس و الروم بعد يحيى و عيسى (2).

و في(المروج)ثمّ ملك بعده-أي:من ملوك الروم-طيطش و اسباسيانوس مشتركين في الملك ثلاث عشرة سنة،و ذلك بمدينة رومية، و لسنة خلت من ملك هذين الملكين سارا إلى الشام،و كانت لهما مع بني إسرائيل حروب عظيمة،و قتل فيها من بني إسرائيل ثلاثمائة ألف،و خربا بيت المقدس،و أحرقا الهيكل بالنار،و حرثاه بالبقر،و أزالا رسمه،و محوا أثره (3).

«فالأحوال مضطربة،و الأيدي مختلفة،و الكثرة متفرّقة» في(عقد ابن عبد ربه)-في حروب قيس في الجاهلية و أيّامهم-:الأوّل:يوم منعج لغني على عبس،و فيه قتل شاس بن زهير العبسي.الثاني:يوم النقراوات لبني عامر على بني عبس،فيه قتل زهير بن جذيمة العبسي.الثالث:يوم بطن عاقل لذبيان على عامر،فيه قتل خالد بن جعفر.الرابع:يوم رحرحان لعامر على تميم،أسر فيه معبد بن زرارة،و مات في أسره هزالا.الخامس:يوم شعب جبلة لعامر و عبس على ذبيان و تميم،و هو أعظم أيّامهم،فيه قتل لقيط بن زرارة، و معاوية بن الجون،و منفذ بن طريف الأسدي،و مالك بن ربعي،و أسر حاجب بن زرارة،و سنان بن أبي حارثة،و عمرو بن أبي عمرو.و عدّ أيّامهم ستّا


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 1:99،382. [2]

3) 3) مروج الذهب للمسعودي 1:346. [3]

و ثمانين آخرها يوم ذي قار و قد بعث النبيّ صلى اللّه عليه و آله (1)

العقد الفريد لابن عبد ربه 6:3،و [1]النقل باختصار.

.

و في(الطبري):كان بختنصر في زمان لهراسب،و كان اصبهبد ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربي دجلة،فشخص حتّى أتى دمشق فصالحه أهلها،و وجّه قائدا له فأتى بيت المقدس،فصالح ملك بني إسرائيل،و هو رجل من ولد داود،و أخذ منه رهائن و انصرف،فلمّا بلغ طبرية،و ثبت بنو إسرائيل على ملكهم،فقتلوه،و قالوا:راهنت أهل بابل و خذلتنا،و استعدّوا للقتال.فكتب قائد بختنصر إليه بما كان،فكتب إليه يأمره أن يقيم بموضعه حتّى يوافيه، و أن يضرب أعناق الرهائن الّذين معه.فسار بختنصر حتّى أتى بيت المقدس، فأخذ المدينة عنوة،فقتل المقاتلة،و سبى الذرّية (2).

و في(المروج)-في الثامن ممّن ملك من بني إسرائيل بعد سليمان عليه السّلام- :ملك بعده-أي بعد نوفا-أجام فأظهر عبادة الأصنام،و طغى و أظهر البغي، فصار إليه بعض ملوك بابل،و كان يقال له فلعيعس،و كان من عظماء ملوك بابل،و كان للإسرائيلي معه حروب إلى أن أسره البابلي،و خرّب مدن الأسباط و مساكنهم،و كان في أيّامه تنازع بين اليهود في الديانة،فشذّ منهم الأسامرة،و أنكروا نبوّة داود عليه السّلام و من تلاه في الأنبياء،و أبوا أن يكون بعد موسى نبيّ (3).

و فيه:تاسعهم:حزقيل.و سار سنجاريب ملك بابل إلى بيت المقدس، و قتل خلقا كثيرا من بني إسرائيل،و سبى من الأسباط عددا كثيرا.و قال في عاشرهم ميشا:قتل شعيبا النبيّ عليه السّلام فبعث اللّه قسطنطين ملك الروم،فسار


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 1:382. [2]

3) 3) مروج الذهب للمسعودي 1:72،و [3]النقل بتلخيص.

إليه و أسره.و قال في حادي عشرهم:أمور اشتدّ بغيه،فسار إليه فرعون الأعرج من مصر،فأمعن في القتل،و أسره.و قال في ثاني عشرهم:نوفين هو أبو دانيال عليه السّلام،و في عصره سار بختنصر و هو مرزبان العراق و العرب من قبل ملك فارس،فأمعن في القتل و الأسر،و حملهم إلى أرض العراق،و أخذ التوراة و طرحه في بئر،و عمد إلى تابوت السكينة،فأودعه بعض المواضع من الأرض.فيقال:كان عدّة من سبى من بني إسرائيل ثمانية عشر ألفا (1)

مروج الذهب للمسعودي 1:72،و [1]النقل بتلخيص.

.

و في(تاريخ اليعقوبي)في تعداد ملوك بني إسرائيل:ثمّ ملك يويتيم و هو أبو دانيال النبيّ عليه السّلام،و في عصره سار بختنصر ملك بابل إلى بيت المقدس فقتل بني إسرائيل،و سباهم و حملهم إلى أرض بابل،ثمّ صار إلى أرض مصر،فقتل فرعون الأعرج ملكهما،و أخذ التوراة و ما كان من الهيكل من كتب الأنبياء،فصيّرها في بئر و طرح عليها النار...فقال ارمياء النبيّ عليه السّلام:اللّهم علام سلّطت بختنصر على بني إسرائيل؟فأوحى اللّه إليه:إنّي انّما انتقم من عبادي إذا عصوني بشرار خلقي.و لم يزل بنو إسرائيل في الأسر حتّى تزوج امرأة منهم،فسألت أن يردّ قومها إلى بلدهم.فلمّا رجع بنو إسرائيل إلى بلدهم،ملّكوا عليهم زر بابل،فبنى مدينة بيت المقدس و الهيكل،و أقام على بنائه ستا و أربعين سنة،و في زمانه مسخ اللّه بختنصر بهيمة أنثى،فلم يزل ينتقل في أجناس البهائم سبع سنين، ثمّ يقال:إنّه تاب إلى اللّه عزّ و جلّ فأحياه بشرا ثمّ مات،و كان زر بابل الّذي أخرج التوراة و كتب الأنبياء من البئر التي دفنها بختنصر،فوجدها بحالها لم تحترق (2).


1) 1)

2) 2) تاريخ اليعقوبي 1:65،و [2]النقل بتلخيص.

«في بلاء» من هنا خصّ عليه السّلام الكلام ببني إسماعيل،و لعلّ في الكلام سقطا.

«أزل» أي:ضيق.

«و أطباق» قال ابن ميثم:في خط الرضي كسر الهمزة (1)

شرح ابن ميثم 4:299.

.

«جهل» أي:جهل مطبق،كحمّى مطبقة،لا تفارق ليلا و نهارا.

«من بنات موءودة» أي:مدفونة حيّة،قال الجوهري:كانت كندة تئد البنات.قال الفرزدق:

و منّا الّذي منع الوائدات فأحيا الوئيد فلم يؤاد

(2)و قال ابن أبي الحديد:كان قوم من العرب يئدون البنات،قيل:إنّهم بنو تميم خاصّة،و أنّه استفاض منهم في جيرانهم.و قيل:بل كان ذلك في بني تميم و قيس و أسد و هذيل و بكر بن وائل.قالوا:و ذلك أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله دعا عليهم، فقال:«اللّهم اشدد وطأتك على مضر،و اجعل عليهم سنين كسني يوسف» (3). فأجدبوا سبع سنين حتّى أكلوا الوبر بالدم،و كانوا يسمّونه العلهز،و أدوا البنات لإملاقهم و فقرهم،و قد دلّ على ذلك بقوله: «وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ» (4)،قال: «وَ لا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ» (5).و قال قوم:بل و أدوا البنات أنفة، و زعموا أنّ تميما منعت النّعمان الأتاوة سنة من السّنين،فوجّه إليهم أخاه الرّيان بن المنذر و جلّ من معه بكر بن وائل،فاستاق النّعم،و سبى الذّراري -إلى أن قال-:فوفدت بنو تميم إلى النّعمان و استعطفوه،فرّق عليهم و أعاد


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 1:543 [1] مادة(وعد).

3) 3) صحيح مسلم 1:466 ح 294،و غيره.

4) 4) الإسراء:31. [2]

5) 5) الممتحنة:12. [3]

عليهم السّبي،و قال:كلّ امرأة اختارت أباها ردّت إليه،و إن اختارت صاحبها تركت عليه،فكلّهنّ اخترن آباءهنّ إلاّ ابنة قيس بن عاصم فإنّها اختارت من سباها،و هو عمرو بن المشمرخ اليشكري،فنذر قيس بن عاصم المنقري التّميمي أن لا يولد له بنت إلاّ و أدها-و الوأد:أن يخنقها في التّراب،و يثقل وجهها به حتّى تموت-ثمّ اقتدى به كثير من بني تميم.قال سبحانه: «وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» (1)

التكوير:8-9. [1]

-إلى أن قال-:و في الحديث:أنّ صعصعة بن ناجية بن عقال لمّا وفد على النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:يا رسول اللّه:إنّي كنت أعمل في الجاهليّة عملا صالحا،فهل ينفعني ذلك اليوم؟قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

و ما عملت؟قال:أضللت ناقتين عشراوين فركبت جملا و مضيت في بغائهما، فرفع لي بيت جريد فقصدته،فإذا شيخ جالس بفنائه،و فسألته عن الناقتين، فقال:ما نارهما؟قلت:ميسم بني دارم.قال:هما عندي،و قد أحيا اللّه بهما قوما من أهلك من مضر.فجلست معه ليخرجهما إليّ،و فإذا عجوز خرجت من كسر البيت،فقال لها:ما وضعت؟فإن كان سقبا شاركنا في أموالنا،و إن كان حائلا و أدناها.فقالت العجوز:وضعت أنثى.فقلت له:أتبيعها؟قال:و هل تبيع العرب أولادها؟قلت:إنّما أشتري حياتها،و لا أشتري رقّها.قال:فبكم؟قلت:احتكم.

قال:بالناقتين و الجمل.قلت:ذاك لك،على أن يبلغني الجمل و إيّاها.قال:قد بعتك فاستنقذتها منه بالجمل و الناقتين،و آمنت بل يا رسول اللّه،و قد صارت لي سنّة في العرب أن أشتري كلّ موءودة بناقتين عشراوين و جمل،فعندي إى هذه الغاية ثمانون و مائتا موءودة قد أنقذتهنّ.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:لا ينفعك ذاك،لأنّك لم تبتغ به وجه اللّه،و إن تعمل في إسلامك عملا صالحا تثب عليه (2).


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:242. [2]

قلت:الأصل في ما قاله المبرد في(كامله) (1)

الكامل للمبرد 4:230-235. [1]

إلاّ أنّه تخليط منه بين و أد البنات للأنفة،و قتل الأولاد و لو كانوا بنين للفقر و الفاقة،و في الأوّل:قوله تعالى: «وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» (2)،و في الثاني:قوله تعالى:

«وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيّاكُمْ» (3)،و أمّا قوله تعالى: «وَ لا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ» (4)فليس في واحد منهما،بل في زانيات يقتلن أولادهن.

قال ابن أبي الحديد:روى الزبير بن بكار في(الموفقيات)أنّ أبا بكر قال في الجاهليّة لقيس بن عاصم المنقري:ما حملك على أن و أدت؟قال:مخافة أن يخلف عليهنّ مثلك (5).

قلت:روى(أغاني أبو الفرج)أنّ أبا دلامة كنّي باسم جبل بمكّة يقال له:

أبو دلامة.كانت قريش تئد فيه البنات في الجاهلية،و هو بأعلى مكّة (6).

«و أصنام معبودة» قال ابن الكلبي في(أصنامه):كانت مناة أقدم أصنامهم،و كانت العرب تسمّي:عبد مناة،و زيد مناة.و كان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد بين المدينة و مكّة،و كانت العرب جميعا تعظّمه و تذبح حوله،و لم يكن أحد أشدّ إعظاما له من الأوس و الخزرج،فكانوا يحجّون و لا يحلقون حتّى يأتوه،فيحلقوا عنده،يرون ذلك تماما لحجّهم،فلم يزل على ذلك حتّى خرج النبيّ صلى اللّه عليه و آله عام الفتح،فلمّا سار أربع ليال أو خمسا


1) 1)

2) 2) التكوير:8-9. [2]

3) 3) الإسراء:31. [3]

4) 4) الممتحنة:12. [4]

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 3:243. [5]

6) 6) الأغاني لأبي الفرج الاصفهاني 10:237.

بعث عليّا عليه السّلام إليها فهدمها،و أخذ ما كان لها،فأقبل به إلي النبيّ صلى اللّه عليه و آله فكان في ما أخذ سيفان كان الحارث بن أبي شمر الغسّاني ملك غسان أهداهما له يسمّى أحدهما:مخذما،و الآخر:رسولا،و ذكرهما علقمة:

مظاهر سربالي حديد عليهما عقيلا سيوف مخذوم و رسوب.

فوهبهما النبيّ صلى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السّلام،و يقال:إنّ ذا الفقار سيف عليّ عليه السّلام أحدهما،و يقال:إنّ عليّا عليه السّلام وجد هذين السيفين في الفلس،و هو صنم طي، حيث بعثه النبيّ صلى اللّه عليه و آله فهدمه-إلى أن قال-:و مرض أبو أحيحة،و هو سعيد ابن العاص بن أميّة مرضه الّذي مات فيه،فدخل عليه أبو لهب يعوده،فوجده يبكي،فقال:أمن الموت تبكي و لا بدّ منه؟قال:لا،و لكنّي أخاف ألاّ يعبد العزّى بعدي.قال أبو لهب:و اللّه ما عبدت في حياتك من أجلك،و لا تترك عبادتها بعدك لموتك.فقال أبو أحيحة:الآن علمت أن لي خليفة،و أعجبه شدّته في عبادتها -إلى أن قال-:و كانت لقريش أصنام في جوف الكعبة و حولها،و كان أعظمها عندهم هبل و كان في ما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان،مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك،فجعلوا له يدا من ذهب،و له يقول أبو سفيان حين ظفر يوم أحد:اعل هبل.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:اللّه أعلى و أجلّ (1)

رواه عنه الحموي في معجم البلدان 4:116،و 5:204،391 [1] متفرقا،و النقل بتصرف في اللفظ.

.

و روى(الكافي)عن الصادق عليه السّلام كانت قريش تلطخ الأصنام الّتي كانت حول الكعبة بالمسك و العنبر،و كان يغوث قبال الباب،و كان يعوق عن يمين الكعبة،و كان نسر عن يسارها،و كانوا إذا دخلوا خرّوا سجّدا ليغوث و لا ينحنون ثمّ يستديرون بحيالهم إلى يعوق،ثمّ يستديرون بحيالهم إلى نسر، ثمّ يلبّون فيقولون:لبّيك اللّهم لبّيك لبيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك تملكه و ما ملك.قال فبعث اللّه ذبابا أخضر له أربعة أجنحة،فلم يبق من ذلك المسك


1) 1)

و العنبر شيئا إلاّ أكله،و أنزل اللّه تعالى: «يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ» (1)

الكافي للكليني [1]4:542 ح 11،و الآية 73 من سورة الحج. [2]

.

«و أرحام مقطوعة» فبكر و تغلب كانوا بني عمّ و جدّهما وائل،و الأوس و الخزرج كانوا بني عم و جدّهما حارثة،و قد ذكر التاريخ حروب كلّ منهما، و الأيّام الّتي كانت بينهما.

«و غارات مشنونة» أي:متفرقة من كلّ جانب،قالت ليلى الأخيلية:

شننّا عليهم كلّ جرداء شطبة لجوج تباري كلّ أجرد شرحب

(2)و كان أحدهم يغير على آخر فيرجع،فيرى أنّ آخر أغار عليه. و قال الخوئي:قد ألّف إبراهيم بن مسعود الثقفي كتابا سمّاه(كتاب الغارات)جمع فيه غارات العرب و حروبهم (3).

قلت:كتاب إبراهيم الثقفي إنّما هو في غارات معاوية بعد صفّين على البلاد الّتي كانت في يد أمير المؤمنين عليه السّلام (4)،و أمّا غارات العرب قبل الاسلام كما هو مورد كلامه عليه السّلام فقد جمعها مع حروبهم ابن عبد ربّه في(عقده) (5)، و الجزري في(كاملة) (6)بعنوان أيّام العرب .

«فانظروا إلى مواقع نعم اللّه عليهم حين بعث إليهم رسولا» قال عزّ و جلّ:


1) 1)

2) 2) أورده في لسان العرب 13:242 [3] مادة(شنن).

3) 3) شرح الخوئي 5:287.

4) 4) طبع أخيرا كتاب الغارات لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي باهتمام السيد جلال الدين المحدث الارموي و تحقيقه في مجلدين بطهران.

5) 5) العقد الفريد لابن عبد ربه 6:2.

6) 6) الكامل لابن الأثير 1:502.

«هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (1)

الجمعة:2. [1]

.

قال الشاعر:

أ تذكر إذ لحافك جلد شاة و إذ نعلاك من جلد البعير

و في(العقد):كانت آخر وقائع العرب وقعة ذي قال،و قد بعث النبيّ صلى اللّه عليه و آله فأخبر أصحابه بها،و قال:اليوم انتصفت العرب من العجم،و بي نصروا (2).

«فعقد بملّته طاعتهم» فكان المؤمنون يطيعونه أكثر من طاعة السوقة للملوك،و في(الطبري):كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله إذا غضب احمارّ و جنتاه،فأتاه المقداد على تلك الحال-لمّا أراد غزوة بدر-فقال:أبشر يا رسول اللّه،فو اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: «فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ » (3)و لكن و الّذي بعثك بالحقّ لنكونّن من بين يديك و من خلفك و عن يمينك و عن شمالك،أو يفتح اللّه لك،لو سرت بنا إلى برك الغماد-يعني مدينة الحبشة-لجالدنا معك.فقال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله خيرا،و دعا له بخير،ثمّ قال:أشيروا عليّ أيّها الناس،و إنّما يريد الأنصار-إلى أن قال:-قال له سعد بن معاذ:و اللّه لكأنّك تريدنا يا رسول اللّه.قال:أجلّ.قال:فقد آمنّا بك و صدّقناك و شهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ،و أعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع و الطاعة (4).

«و جمع على دعوته ألفتهم» قال تعالى: «وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما»


1) 1)

2) 2) نقله ابن عبد ربه في العقد الفريد 6:96 و [2]النقل بالمعنى.

3) 3) المائدة:24. [3]

4) 4) تاريخ الطبري 2:140 سنة 2،و [4]خلط الشارح في النقل بين حديث البراء بن عازب و عبد اللّه بن مسعود.

«فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (1)

الأنفال:63. [1]

.

«وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » (2).

«كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها» و جعلتهم تحت حضانتها.

«و أسالت لهم جداول» أي:أنهارا.

«نعيمها» فمتّعتهم بثمارها،و في(تاريخ بغداد)عن عتبة بن غزوان:لقد رأيتني مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله سابع سبعة،قد قرحت أشداقنا من أكل ورق الشجر، حتّى وجدت بردة فاقتسمتها بيني و بين سعد،و ما منّا اليوم إلاّ أمير على مصر (3).

«و التفّت الملّة بهم في عوائد بركتها» قال ابن أبي الحديد:أي جمعتهم الملّة كائنة في عوائد بركتها (4).

قلت:بل المعنى لصقتهم الملّة،أي:ملّت الاسلام،و احاطت بهم من حيث عوائد بركتها.

«فأصبحوا في نعمته» أي:نعمة ملّة الإسلام.

«غرقين» إلى رؤوسهم.

«و في خضرة عيشها فكهين» أي:مسرورين و أشرين و بطرين .

«قد تربّعت الأمور» أي:صلحت و استقامت،قال شاعر:


1) 1)

2) 2) آل عمران:103. [2]

3) 3) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 1:156،و [3]النقل بالمعنى.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 3:243. [4]

ما في معدّ فتى تغني رباعته إذا يهمّ بأمر صالح فعلا

(1)«بهم» أي:بسببهم.

«في ظلّ سلطان قاهر» ببركة نبوّته صلى اللّه عليه و آله،و في(الطبري):حجّ عمر فلمّا كان بضجنان قال:لا إله إلاّ اللّه العظيم العلّي المعطي ما شاء من شاء،كنت أرعى إبل الخطّاب بهذا الوادي في مدرعة صوف،و كان فظّا يتعبني إذا عملت، و يضربني إذا قصّرت،و هو أوّل من حمل الدرّة و ضرب بها،و هو أوّل من دوّن للناس في الإسلام الدواوين،و كتب الناس على قبائلهم،و فرض لهم العطاء،و كان عنده خيل موسومة في أفخاذها حبيس (2).

«و أوتهم» بالمدّ،أي:أنزلتهم،و لا يجوز القصر،و قال ابن أبي الحديد:

آوتهم بالمدّ،و يجوز بغير المد،أفعلت و فعلت،في هذا المعنى واحد عن أبي زيد (3).

قلت:الأصل في كلامه(الصحاح)في نقل ما قال عن أبي زيد (4)،لكنّه غير صحيح،فحرّف على أبي زيد،قال ابن دريد في(جمهرته):قال أبو زيد:تقول العرب:بتّ بهذا المنزل و بتّه،و ظفرت بالرجل و ظفرته،و أويت إلى الرجل و أويته أويّا:إذا نزلت به (5).و هو كما ترى إنّما يدلّ على أنّ(أوى)بدون المدّ بمعنى النزول به،يتعدّى بالنفس،فيقال:أويته،و بإلى،فيقال:أويت إليه،و أين هو ممّا ادّعيا من كون أوى بلا مدّك(آوى)مع المدّ في كونه بمعنى الإنزال.

«الحال إلى كنف» أي:ناحية.


1) 1) لسان العرب لابن منظور 8:108 [1] مادة(ربع).

2) 2) تاريخ الطبري 3:286،277،279 سنة 23 [2] متفرقا.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 3:243،و [3]النقل بالمعنى.

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 6:2274 مادة(أوى).

5) 5) جمهرة اللغة لابن دريد 3:494. [4]

«عزّ غالب» فصارت العرب ذاك اليوم أعزّ من الفرس و الروم.

«و تعطّفت الأمور عليهم» قال ابن دريد:تعطّف فلان على فلان:إذا أوى له، أو وصله (1)

جمهرة اللغة لابن دريد 3:104. [1]

.

«في ذرى» بالفتح،أي:كنف.

«ملك ثابت» لأنّ ملكهم كان ذاك اليوم أوّل ملك في الدّنيا .

«فهم حكّام على العالمين،و ملوك في أطراف الأرضين» فتح المسلمون إفريقية في سنة(27)و أخذوا منهم ثلاثمائة قنطار ذهب،و وهبها عثمان لآل عمّه الحكم بن أبي العاص (2)،و فتحوا قبرس في تلك السنة أو سنة أخرى، و فتحوا فارس الأوّل و اصطخر الثاني في سنة(28)و فتحوا طبرستان في سنة(29) (3).

«يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم» من الفرس و الغاسنة و المناذرة و اليمن،قالت بنت النّعمان بن المنذر:

فبينا نسوس الناس و الأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف

«و يمضون الأحكام في من كان يمضيها فيهم» في(الطبري):قال جبير بن نفير:لمّا سبينا أهل قبرس،نظرت إلى أبي الدّرداء يبكي،فقلت:ما يبكيك في يوم أعزّ اللّه فيه الإسلام و أهله،و أذلّ فيه الكفر و أهله؟فضرب بيده على منكبي،و قال:ثكلتك أمّك يا جبير،ما أهون الخلق على اللّه إذا تركوا أمره،بينا هي أمّة ظاهرة قاهرة للنّاس لهم الملك،إذ تركوا أمر اللّه فصاروا إلى ما ترى،


1) 1)

2) 2) نقله الطبري في تاريخه 3:312،314 سنة 27،و [2]نقل بعضه البلاذري في فتوح البلدان:228. [3]

3) 3) نقلها الطبري في تاريخه 3:315،320،323 سنة 28- [4]30،و البلاذري في فتوح البلدان:157،251،311،330)، باختلاف يسير. [5]

فسلّط اللّه عليهم السباء،و إذا سلّط السباء على قوم فليس للّه فيهم حاجة (1)

تاريخ الطبري 3:318-319 سنة 29،و [1]النقل بالمعنى.

.

و فيه:أنّ في عهد أهل قبرس ألاّ يتزوّجوا في عدوّ المسلمين من الروم إلاّ بإذنهم (2).

و روى:أنّ أهل طبرستان سألوا المسلمين الأمان،فأعطاهم سعيد بن العاص الأمان على ألاّ يقتل منهم رجلا واحدا،ففتحوا الحصن فقتلهم جميعا إلاّ رجلا واحدا،و حوى ما كان في الحصن (3).

«لا تغمز لهم قناة» عدم غمز قناة لهم كناية عن عدم استطاعة غيرهم لإيقاع ضرر عليهم،و قد يجيء للحقيقة،قال الشاعر:

و كنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما

(4)«و لا تقرع لهم صفاة» بالفتح:الصخرة الملساء،يقال في المثل:ما تندى صفاته (5). و قوله عليه السّلام: «لا تقرع لهم صفاة» أيضا كناية عن العزّ،و قد يجيء أيضا للحقيقة،كقول الشاعر في وصف ذئب:

يستمخر الريح إذا لم يسمع بمثل مقراع الصفا الموقّع

(6)و مثل المثلين في الكناية عن الاقتدار و المنعة قولهم:لا يقعقع له بالشنان (7).و قولهم:لا تقرع له العصا،و لا تقلقل له الحصى (8).


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 3:318-319 سنة 29،و [2]النقل بالمعنى.

3) 3) تاريخ الطبري 3:324 سنة 30. [3]

4) 4) لسان العرب لابن منظور 5:389 [4] مادة(غمز).

5) 5) لسان العرب لابن منظور 14:464 [5] مادة(صفا).

6) 6) لسان العرب لابن منظور 8:264 [6] مادة(قرع).

7) 7) المستقصى للزمخشري 2:274. [7]

8) 8) مجمع الأمثال للميداني 2:241. [8]

«ألا و إنّكم قد نفضتم» أي:حرّكتم بالرفع و الخفض.

«أيديكم من حبل الطاعة» الّتي أمر اللّه تعالى بها في قوله: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا» (1)

آل عمران:103. [1]

،و قد روى الثعلبي في تفسير الآية بأسانيد عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله،قال:يا أيّها الناس إنّي قد تركت فيكم الثقلين خليفتين،إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي،أحدهما أكبر من الآخر:كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض-أو قال:إلى الأرض-و عترتي أهل بيتي ألا و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض (2).

«و ثلمتم» بفتح اللام،أي:جعلتم فيه ثلمة،و الثلمة:الخلل في الحائط، و غيره.

«حصن اللّه المضروب عليكم» دون باقي الفرق.

«بأحكام» متعلّق بقوله:ثلمتم،و الباء فيه للاستعانة.

«الجاهلية» التي أزالها الإسلام،روى كاتب الواقدي في(طبقاته)عن أبي غادية قال:خطبنا صلى اللّه عليه و آله يوم العقبة فقال:يا أيّها الناس ألا إنّ دماءكم و أموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم،كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا،ألاّ هل بلّغت.فقلنا:نعم.فقال:اللّهمّ اشهد.ثمّ قال:ألا لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض (3).

و روي الخبر عن ابن قتيبة في(معارفة)هكذا:قال أبو الغادية:سمعت النبيّ صلى اللّه عليه و آله يقول:ألا لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض،فإنّ الحقّ يومئذ لمع عمّار.ثمّ قال ابن قتيبة:قال أبو الغادية:و سمعت عمّارا يذكر


1) 1)

2) 2) نقله عن الثعلبي في تفسيره ابن البطريق في العمدة:35. [2]

3) 3) الطبقات لابن سعد 3 [3] ق 1:186.

عثمان في المسجد،قال:يدعى فينا جبانا،و يقول:إنّ نعثلا هذا يفعل و يفعل، يعيبه،فلو وجدت عليه أعوانا يومئذ لو طئته حتّى أقتله،فبينما أنا يوم صفين، إذا به أوّل الكتيبة،فطعنه رجل في ركبته فانكشف المغفر عن رأسه،فضربت رأسه،فإذا رأس عمّار قد ندر.ثمّ قال ابن قتيبة:قال كلثوم بن جبير-أي:

الراوي عن أبي غادية ما مرّ-فما رأيت شيخا أضلّ منه يروي أنّه سمع النبيّ صلى اللّه عليه و آله يقول ما قال،ثمّ ضرب عنق عمّار (1)

المعارف لابن قتيبة:257. [1]

.

قلت:ليس العجب من الضلال منحصرا بذاك الشيخ أبي غادية،بل عامة مشايخ إخواننا مثله،فرووا أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال في حروبهم باسم عثمان:إنّ الحقّ يكون مع عمّار.و عمّار كان من قتلة عثمان عملا و قولا و سببا،و مع ذلك يقولون:إنّ عثمان إمام حقّ،إلاّ أنّهم رأوا أنّهم لو أنكروه كان عليهم إنكار شيخيهم-كما أي أبو غادية-للاتّحاد المبنى،فرجّحوا أمر الأموية على أمر النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و قوله:فاضطروا عملا إلى مخالفة القاعدة العقلية من دلالة بطلان اللازم على بطلان الملزوم،ثمّ من مصاديق قوله عليه السّلام:من ثلمهم حصن الإسلام بأحكام الجاهلية استلحاق معاوية زيادا به بزنا أبيه بأمّه،مع أنّ الإسلام قال:الولد للفراش،و للعاهر الحجر،كما اعترف به ابن الأثير في (كامله ) (2).

«و اللّه سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة في ما عقد بينهم من حبل هذه الألفة التي ينتقلون في ظلّها» قال تعالى ممتنّا عليهم: «وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً» (3).


1) 1)

2) 2) الكامل لابن الأثير 3:441 سنة 44.

3) 3) آل عمران:103. [2]

«و يأوون إلى كنفها» أي:جانبها.

«بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة» لأنّهم بتلك الألفة ملكوا الأمم، و سخّروا العرب و العجم.

«لأنّها أرجح من كلّ ثمن» قيل:إنّه إشارة إلى قوله تعالى: «لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ» (1)

الأنفال:63. [1]

.

«و أجلّ من كلّ خطر» أي:شيء ذي قيمة .

«و اعلموا أنّكم صرتم بعد الهجرة أعرابا» لأنّ في محلّ الأعراب لا تقام شرائع الإسلام كما تقام في محلّ الهجرة،فإذا لا تقام في محلّ الهجرة يصيرون كالأعراب،و قال ابن أبي الحديد:صارت هذه الكلمة جارية مجرى المثل،أنشد الحجاج على منبر الكوفة:

قد لفّها اللّيل بعصلبيّ أروع خرّاج من الدّويّ

مهاجر ليس بأعرابي

و قال عثمان لأبي ذرّ:أخشى أن تصير بعد الهجرة أعرابيا (2).

قلت:قد عرفت الأصل في الهجرة و الأعرابية،و لم يكن للكلام ربط بالمثل،و أمّا حديثه الشريف،فمن موضوعات سيف الّذي ما استحيى،و قال في ضدّ متواتر التاريخ:إنّ عثمان ما نفى أبا ذر إلى الربذة،بل أبو ذر نفسه أراد الإعراض عن المدينة و الإقامة في الربذة،فقال له عثمان ذلك.و الاستناد إلى غير معلوم الصدق شين،فكيف إلى معلوم الكذب.

«و بعد الموالاة أحزابا» أي:صرتم بعد كونكم من أولياء الاسلام من أعداء الإسلام الّذين حزّبوا أحزابا لاستيصال بيضته،فجاءوهم من فوقهم


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:244. [2]

و من أسفل منهم،و الأصل في الأحزاب أنّ جمعا من اليهود خرجوا إلى قريش، فدعوهم إلى حرب النبيّ صلى اللّه عليه و آله،ثمّ خرجوا إلى غطفان فدعوهم إلى حربه فأجابتا لهم،فأقبل أولئك الأحزاب إليه في غزوة الخندق (1)

نقله بتفصيل ابن هشام في السيرة 3:127،و [1]الواقدي في المغازي 1:441،و [2]ابن سعد في الطبقات 2 ق 1:47، و الطبري في تاريخه 2:233 سنة 5،و [3]القمي في تفسيره 2:177،و الطبرسي في أعلام الورى:90. [4]

.

«ما تتعلّقون من الإسلام إلاّ باسمه» دون مسمّاه،فإنّ المسلم من سلم المسلمون من يده و لسانه.

«و لا تعرفون من الإيمان إلاّ رسمه» بإقامة الصّلوات الخمس في أوقاتها دون حقيقته «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» (2)، «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ» ... «أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ اَلَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ » (3).

«تقولون النار و لا العار» و الأصل في الكلام تقولون:نختار النار و لا نختار العار (4).كما أنّ الأصل في قول الكلمة أوس بن حارثة،و قال:ابن أبي الحديد هي كلمة جارية مجرى المثل أيضا،يقولها أرباب الحميّة و الإباء،فإذا قيلت في حقّ كانت صوابا،و إذا قيلت في باطل كانت خطأ (5).و تبعه الخوئي (6).

قلت:هو كلام مضحك،فاختيار النار،أي:نار جهنم كيف يمكن أن يكون


1) 1)

2) 2) الأنفال:2-3. [5]

3) 3) المؤمنون:1-11. [6]

4) 4) المستقصى للزمخشري 1:351 و فيه:النار و لا العار.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 3:245. [7]

6) 6) شرح الخوئي 5:294،295.

حقّا،و لا يقول الكلمة إلاّ أهل الباطل؟و أمّا أهل الحقّ،فإنّما يقولون ما قاله عليه السّلام في موضع آخر:«المنية و لا الدنية» (1)

نهج البلاغة للشريف الرضي 4:94 الحكمة 396،و ذكره بعنوان المثل الميداني في مجمع الأمثال 2:303. [1]

،و ما قاله الحسين عليه السّلام يوم الطّف:

الموت خير من ركوب العار و العار أولى من دخول النار

و اللّه ما هذا و هذا جاري

(2)«كأنّكم تريدون أنّ تكفئوا» من:كفأت الإناء:كببته و قلبته. «الإسلام على وجهه» .

«انتهاكا» افتعال من(نهك)،و ليس بانفعال،فإنّه لو كان لكان من(تهك) و ليس لنا تهك.

«لحريمه» قال الجوهري:انتهاك الحرمة:تناولها بما لا يحل (3).

«و نقضا لميثاقه» قال تعالى في بني إسرائيل: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً» (4).

«الّذي» وصف للإسلام،و جعله ابن ميثم (5)و صفا لميثاق،و مع كونه خلاف الظاهر لعدم الإتيان بوصف لحريم يمنع منه قوله بعد : «و أنّكم إن لجأتم إلى غيره» .

«وضعه اللّه لكم حرما في أرضه» فكما أنّ الحرم صيده و شجره حرام، المسلم ماله و دمه حرام،قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا:لا إله إلاّ اللّه،فإذا قالوا:لا إله إلاّ اللّه عصموا منّي دماءهم (6).


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 4:68. [2]

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 3:1613 مادة(نهك).

4) 4) المائدة:13. [3]

5) 5) شرح ابن ميثم 4:303.

6) 6) أخرجه مسلم في صحيحه 1:52 ح 35،و الترمذي في سننه 5:439 ح 3341،و ابن ماجه في سننه 2:1295 ح 3928،و أحمد بأربع طرق في مسنده 3:295،300،332،339،و ابن سعد في الطبقات 1 ق 1:128،و غيرهم عن جابر بن عبد اللّه،و في الباب عن علي و الصادق عليهما السلام و ابن هريرة و ابن عمر و أوس.

و قال الخوئي في شرح الفقرة:لمنعه الآخذين به و المواظبين له من الرفث و الفسوق و الجدال (1)

شرح الخوئي 5:294،295. [1]

.

قلت:أيّ ربط لما قال هنا؟فإنّ ما قاله محرّمات الإحرام و لو كان في غير الحرم،و الرفث مطلق المقاربة و لو بالحلال،كما أنّ الجدال مطلق اليمين و لو صدقا لا الحرم،و قد قال عليه السّلام:وضعه لكم حرما،و لم يقل:إحراما.

«و أمنا بين خلقه» فكما أنّ الحرم من دخله كان آمنا،و لو كان قاتلا في غيره،كذلك الإسلام من دخله كان آمنا،ولو كان قبل إسلامه قاتلا،و قال عزّ و جلّ:... «وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا» ... «كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ» (2).

«و إنّكم إن لجأتم إلى غيره» أي:غير الإسلام.

«حاربكم أهل الكفر» كما حاربوكم حين كنتم متمسّكين به.

«ثمّ لا جبرئيل و لا ميكائيل و لا مهاجرون و لا أنصار ينصرونكم» كما كانوا ينصرونكم زمن النبيّ صلى اللّه عليه و آله حيث كنتم معتصمين به،قال تعالى: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ» (3)، «إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ» (4)، «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ» (5).


1) 1)

2) 2) النساء:94. [2]

3) 3) التوبة:25. [3]

4) 4) الأنفال:9. [4]

5) 5) الأنفال:12. [5]

و في(تفسير القمي):و جاء إبليس إلى قريش في صورة سراقة بن مالك فقال لهم:أنّا جاركم ادفعوا إليّ رايتكم فدفعوها إليه،و جاء بشياطينه يهوّل بهم على أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله و يخيّل اليهم و يفزعهم،و أقبلت قريش يقدمها إبليس معه الراية،فنظر إليه النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقال:عضّوا أبصاركم و عضّوا على النواجذ،و لا تسلّوا سيفا حتّى آذن لكم.ثمّ رفع يده إلى السّماء،و قال:يا ربّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد،و إن شئت أن لا تعبد لا تعبد،ثمّ أصابه الغشي فسري عنه،و يسلت العرق عن وجهه،و يقول:هذا جبرئيل قد آتاكم في ألف من الملائكة مردفين.قال:فنظرنا فإذا سحابة سوداء فيها برق لائح قد وقعت على عسكر النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و قائل يقول:أقدم حيزوم أقدم حيزوم،و سمعنا قعقعة السلاح من الجوّ و نظر إبليس إلى جبرئيل فتراجع،و رمى باللواء،فأخذ منبه بن الحجّاج بمجامع ثوبه،ثمّ قال:ويلك يا سراقة تفتّ في أعضاد الناس، فركله إبليس ركلة في صدره،و قال: «إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللّهَ» و هو قول اللّه تعالى: «وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ» (1)

الأنفال:48. [1]

و أسر أبو بشر الأنصاري العبّاس بن عبد المطلب و عقيل بن أبي طالب،و جاء بهما إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله،فقال له:هل أعانك عليهما أحد؟قال:نعم،رجل عليه ثياب بيض.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:ذاك من الملائكة (2).

و فيه أيضا:نزل قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها» (3)في قصّة


1) 1)

2) 2) تفسير القمي 1:266. [2]

3) 3) الاحزاب:9. [3]

الأحزاب من قريش و العرب الّذين تحزّبوا على النبيّ صلى اللّه عليه و آله-إلى أن قال بعد ذكر هزيمة الأحزاب-و بعث النبيّ صلى اللّه عليه و آله حذيفة لتجسّس أخبارهم،قال حذيفة:

فمضيت و أنا انتفض من البرد،فو اللّه ما كان إلاّ بقدر ما جزت الخندق،حتّى كأنّي في حمّام،فقصدت خباء عظيما،فإذا نار تخبو و توقد،و إذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلّى خصيتيه على النار،و هو ينتفض من شدّة البرد،و يقول:يا معشر قريش إن كنّا نقاتل أهل السماء بزعم محمّد،فلا طاقة لنا بأهل السماء، و إن كنّا نقاتل أهل الأرض فنقدر عليهم-إلى أن قال-فلمّا دخل النبيّ صلى اللّه عليه و آله المدينة،و اللواء معقود،أراد أن يغتسل من الغبار،فناداه جبرئيل:عذيرك من محارب،و اللّه ما وضعت الملائكة لأمتها،فكيف تضع لأمتك؟إنّ اللّه يأمرك ألاّ تصلّي العصر إلاّ ببني قريظة،فإنّي متقدّمك و مزلزل بهم حصنهم،إنّا كنّا في آثار القوم نزجرهم زجرا حتّى بلغوا حمراء الأسد (1)

تفسير القمي 2:176. [1]

.

و روى أبو الفرج في(مقاتله)بأسانيد عن جمع قالوا:خطب الحسن عليه السّلام بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السّلام فقال:لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل،و لا يدركه الآخرون بعمل،و لقد كان يجاهد مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله فيقيه بنفسه،و لقد كان يوجّهه برايته،فيكتنفه جبرئيل عن يمينه،و ميكائيل عن يساره،فلا يرجع حتّى يفتح اللّه عليه (2).

قال ابن أبي الحديد:قوله عليه السّلام: «ثمّ لا جبرئيل و لا ميكائيل و لا مهاجرين» الرواية المشهورة هكذا بالنصب،و هو جائز على التشبيه بالنكرة، كقولهم:معضلة و لا أبا حسن و لها.و قال الراجز:

لا هيثم الليلة للمطيّ


1) 1)

2) 2) مقاتل الطالبيين لأبي فرج الاصفهاني:32.

و قد روي بالرفع في الجميع (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:245. [1]

.

قلت:بل قوله عليه السلام «و لا مهاجرون و لا أنصار» بلا لام،دون أن يقول:و لا المهاجرون و لا الأنصار،دليل على إرادة العموم بجبرئيل و ميكائيل،كقولهم:

و لا أبا حسن،دون أن يقولوا:و لا أبا الحسن،و لا فرق بين رواية الرفع و النصب في المعنى مع تكرار لا،مع أنّ الرواية المشهورة الرفع،كما في(ابن ميثم) (2)الّذي نسخته بخطّ المصنّف،و كذا(ابن أبي الحديد) (3)نفسه في عنوانه على ما في نسخته.

«إلاّ المقارعة بالسيف» قال ابن أبي الحديد:المقارعة منصوبة على المصدر.و قال الراوندي:هي استثناء منقطع (4).و قال الخوئي:مراد ابن أبي الحديد أنّه خبر،و أنّه نظير:ما زيد إلاّ سيرا،و أصله:ما زيد إلاّ يسير سيرا،و هنا الأصل:لا أنصار ينصرونكم إلاّ تقارعوا المقارعة بالسيف.و ما قاله يقتضيه النظر الدقيق (5).

قلت:بل الواضع الّذي لا غبار عليه هو قول الراوندي،فانّ(ينصرونكم) هو الخبر،فعنده يتمّ معنى الكلام،يوضحه:إنّا نسقط الاستثناء و نقول:ثمّ لا جبرئيل و لا ميكائيل و لا مهاجرون و لا أنصار ينصرونكم،و يكون كلاما تامّا، و إنّما توهّما كون(ينصرونكم)و صفا،فوقعا في ما وقعا،ثمّ لو كان نظير(ما زيد إلاّ سيرا)ما هذه اللازم في(المقارعة)؟و لم لم يقل(إلاّ مقارعة)؟ و قال الخوئي:يروى برفع(المقارعة)و نصبها (6).


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 4:290.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 3:344. [2]

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 3:245. [3]

5) 5) شرح الخوئي 5:292 و النقل بالمعنى.

6) 6) شرح الخوئي 5:293 و النقل بالمعنى.

قلت:بل اتّفقوا على نصبها إمّا على المصدرية كما قال ابن أبي الحديد.

أو الاستثناء الانقطاعي كما قال الراوندي،فانّه في غيره لغة تميم واجب النصب و لو في النفي.

«حتى يحكم اللّه بينكم» بالغلبة لأحد الفريقين .

«و إنّ عندكم الأمثال من بأس اللّه» أي:عذابه، «وَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذاقَهَا اللّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» (1)

النحل:112. [1]

.

«و قوارعه» أي:شدائده على الناس بسبب أعمالهم،قال تعالى: «وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ» (2).

«و أيّامه» قال تعالى: «وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللّهِ» (3)،و في(تفسير القمي):

أيّام اللّه ثلاثة:يوم القائم،و يوم الموت،و يوم القيامة (4).

«و وقائعه» أي:إيقاعاته بالمجرمين،قال تعالى-بعد ذكر قوم عاد و قوم ثمود و قارون و فرعون و هامان-: «فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَ ما كانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (5).

«فلا تستبطئوا وعيده» أي:لا تعدّوا إخباره بانتقامه من المجرومين بطئيا.

«جهلا بأخذه» أي:لجهلكم بموقع أخذه،قال تعالى: «وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ»


1) 1)

2) 2) الرعد:31. [2]

3) 3) ابراهيم:5. [3]

4) 4) تفسير القمي 1:367. [4]

5) 5) العنكبوت:40. [5]

«بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ» (1)

الرعد:32. [1]

.

«و تهاونا ببطشه» أي:سطوته،قال تعالى: «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (2).

«و يأسا من بأسه» و عقابه للمخالف،قال تعالى: «حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَ لا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ » (3).

«فانّ اللّه سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلاّ لتراكهم الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر» يعني عليه السلام:و الحكم في الباقية كالماضية،قال الخوئي:قال الطبرسي في تفسير آية «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ» (4):لعنوا على لسان داود فصاروا قردة،و على لسان عيسى فصاروا خنازير (5).

قلت:روى(الكافي و تفسير القمي و تفسير العياشي):أنّهم صاروا خنازير على لسان داود،و القردة على لسان عيسى عليه السلام (6).


1) 1)

2) 2) الأنعام:42-43. [2]

3) 3) يوسف:110. [3]

4) 4) المائدة:78-79. [4]

5) 5) شرح الخوئي 5:296،و مجمع البيان للطبرسي 3:231. [5]

6) 6) هذا المعنى أخرجه الكليني في الكافي 8:200 ح 240،و [6]العياشى في تفسيره 1:335 ح 160 [7] عن الصادق عليه السلام، و أخرجه أبو عبيد و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ عن أبي مالك،و عبد بن حميد و أبو الشيخ عن قتادة،و ابن جرير عن مجاهد عنهم الدر المنثور 2:301،و [8]أخرجه بالعكس القمي في تفسيره 1: 176،و [9]الراوندي في قصص الأنبياء عنه البحار 14:54 ح 7،و [10]الظاهر ان الأخير خطأ كما يشهد له الاية 65 من البقرة و الاية 166 من الأعراف.

و روى القمي عن مسعدة بن صدقة قال:سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السلام عن قوم من الشيعة يدخلون في أعمال السلطان،و يعملون لهم و يجبون لهم و يوالونهم،قال:ليس هم من الشيعة،و لكنهم من أولئك.ثمّ قرأ أبو عبد اللّه عليه السلام هذه الاية: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» ... «وَ لكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ» (1)

تفسير القمي 1:176،و [1]الايات(78-81)من سورة المائدة. [2]

.

«فلعن اللّه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(فلعن)بدون لفظة الجلالة لتقدم ذكرها،و لخلو(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2)عنها.

«السفهاء لركوب المعاصي» في(تفسير القمي):كانوا يأكلون لحم الخنزير،و يشربون الخمر،و يأتون النساء في أيام حيضهنّ (3).

«و الحلماء لترك التناهي» أي:ترك نهيهم للمرتكبين، «وَ تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ » (4).

«ألا و قد قطعتم قيد الاسلام و عطّلتم حدوده،و أمتّم أحكامه» إنّ الاسلام قد قيّد الناس عن ارتكاب المنكرات،و تناول الخبائث،و حدث في ذلك حدودا،و حكّم أحكاما،فاذا لم يراعوا ذلك،فقد قطعوا قيده و عطّلوا حدوده،و أماتوا أحكامه، و في(شعراء ابن قتيبة):إنّ أبا بصير-أعشى قيس-أدرك الاسلام في آخر عمره،و رحل إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله في صلح الحديبية،فسأله أبو سفيان عن وجهه


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 3:244،و شرح ابن ميثم 4:291 [3] مثل المصرية أيضا.

3) 3) تفسير القمي المائدة 1:176. [4]

4) 4) :62-63.

الذي يريد،فقال:أردت محمّدا،قال:إنّه يحرّم عليكم الخمر و الزنا و القمار.قال:

أمّا الزنا فقد تركني و لم أتركه،و أمّا الخمر فقد قضيت منها و طرا و أمّا القمار فلعلّي أصيب منه عوضا،قال:فهل لك إلى خير؟قال:و ما هو؟قال:بيننا و بينه هدنة،فترجع عامك هذا،و تأخذ مائة ناقة حمراء،فان ظفر بعد ذلك أتيته،و إن ظفرنا كنت أصبت من رحلتك عوضا.فقال:لا أبالي.فأخذه أبو سفيان إلى منزله و جمع عليه أصحابه،و قال:يا معاشر قريش هذا أعشى قيس،و لئن و صل إلى محمّد ليضر منّ عليكم العرب قاطبة.فجمعوا مائة ناقة حمراء، فانصرف،فلمّا صار بناحية اليمامة القاه بعير فقتله (1)

الشعر و الشعراء لابن قتيبة:79. [1]

.

هذا،و قال الجوهري في قول الشاعر:

فليس كعهد الدار يا أمّ مالك و لكن أحاطت بالرقاب السلاسل

أي:ليس الأمر كما عهدت،و لكن جاء الاسلام فهدم ذلك (2).

28

من الخطبة(84)

وَ عَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَ لَكُمْ- فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ- وَ أَنْهَى إِلَيْكُمْ عَلَى لِسَانِهِ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَ مَكَارِهَهُ- وَ نَوَاهِيَهُ وَ أَوَامِرَهُ وَ أَلْقَى إِلَيْكُمُ الْمَعْذِرَةَ- وَ اتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ وَ قَدَّمَ «إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ» - وَ أَنْذَرَكُمْ «بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ » «و عمّر فيكم نبيّه أزمانا» قال المسعودي:بعث اللّه تعالى رسوله بعد بنيان الكعبة بخمس سنين،و هو ابن أربعين سنة كاملة،فأقام بمكّة ثلاث عشرة سنة،و أخفى أمره ثلاث سنين،و أنزل عليه بمكّة من القرآن اثنتين


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 1:513 [2] مادة(عهد).

و ثمانين سورة،و نزل تمام بعضها بالمدينة،و كان دخوله إلى المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأوّل،فأقام بها عشر سنين كوامل (1)

مروج الذهب للمسعودي 2:275-279 و [1]النقل بتقطيع.

.

«حتى أكمل» عزّ و جلّ.

«له و لكم في ما أنزل من كتابه دينه» «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي» (2).

«الّذي رضي لنفسه» هكذا في النسخ (3)،و الظاهر أنّ الأصل:رضيه لكم نفسه،فالأصل في كلامه عليه السلام قوله تعالى: «وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (4).

روى المصنّف في(مناقبه)عن محمّد بن إسحاق عن أبي جعفر عن جدّه عليه السلام قال:لمّا انصرف النبيّ صلى اللّه عليه و آله من حجّة الوداع نزل أرضا يقال لها:

ضجنان،فنزلت: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ» (5)،فلما نزلت: «يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ» نادى:الصلاة جامعة.فاجتمع الناس إليه،فقال:من أولى منكم بأنفسكم؟فضجّوا بأجمعهم:اللّه و رسوله.فأخذ بيد عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و قال:من كنت مولاه فعليّ مولاه،اللّهم و ال من والاه،و عاد من عاداه،و انصر من نصره،و اخذل من خذله،فانّه منّي و أنا منه،و هو منّي بمنزلة هارون من موسى،إلاّ أنّه لا نبي بعدي.و كان آخر فريضة فرضها اللّه تعالى على أمّة


1) 1)

2) 2) المائدة:3. [2]

3) 3) كذا في نهج البلاغة 1:150،و [3]شرح ابن أبي الحديد 2:122،و [4]شرح ابن ميثم 2:281. [5]

4) 4) المائدة:3. [6]

5) 5) المائدة:67. [7]

محمّد صلى اللّه عليه و آله،ثمّ أنزل تعالى على نبيّه صلى اللّه عليه و آله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» ،فقبلوا من النبيّ صلى اللّه عليه و آله كلّ ما أمرهم من الفرائض في الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ،و صدّقوه على ذلك...و في ذيله عدم تصديقهم له في فريضة الولاية الّتي هي أعظم الفرائض، و بها إكمال الدين (1)

رواه عن كتاب المناقب الفاخرة البحراني في البرهان 1:436 ح 8.

.

و في(طرائف ابن طاوس)قال أبو عبد اللّه الصادق عليه السلام:نعطي حقوق الناس بشهادة شاهدين و ما أعطي أمير المؤمنين عليه السلام حقّه بشهادة عشرة آلاف نفس-يعني الغدير- (2).إنّ هذا الضلال عن الحقّ المبين «فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» (3).

و روى سعد بن عبد اللّه القمي بأسناده عن زيد الشحام قال:كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام و عنده رجل من المغيريّة،فسأله عن شيء من السنن،فقال:

ما من شيء يحتاج إليه ابن آدم إلاّ و خرجت فيه السنّة من اللّه تعالى و من رسوله صلى اللّه عليه و آله،و لو لا ذلك ما احتجّ الله علينا بما احتجّ.فقال المغيري:و بم احتجّ اللّه؟فقال أبو عبد اللّه عليه السلام:بقوله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (4)-حتّى تمّم الاية-فلو لم يكمل سنّته و فرائضه ما احتجّ به (5).


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 3:26،و [1]قول الشارح:طرائف ابن طاوس خطا.

3) 3) يونس:32-33. [2]

4) 4) المائدة:3. [3]

5) 5) أخرجه سعد بن عبد اللّه في البصائر، [4]مختصره:66،و الصفار في البصائر:537 ح 50 [5] عن زيد الشحام،و أخرجه بفرق في الذيل الكليني في الكافي 3:69 ح 3،و [6]البرقي في المحاسن:278 ح 400 أيضا عن زيد الشحام،و أمّا أصل كتاب بصائر الدرجات لسعد بن عبد اللّه فمفقود،و يوجد اليوم مختصره فقط،تأليف الحسن بن سليمان الحلي.

«و أنهى» أي:أبلغ.

«إليكم على لسانه» أي:نبيّه صلى اللّه عليه و آله.

«محابّه» جمع محبوب،أي:ما يحبّه .

«من الأعمال و مكارهه» جمع مكروه،أي:ما يكرهه منها .

«و نواهيه» و زواجره.

«و أوامره» و واجباته،روى(إرشاد المفيد)أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله خرج في مرض وفاته معصوب الرأس معتمدا على أمير المؤمنين عليه السلام بيمنى يديه،و على الفضل بن العبّاس باليد الاخرى حتّى صعد المنبر،فجلس عليه ثمّ قال:

معاشر الناس قد حان منّي خفوق من بين أظهركم-إلى أن قال-ليس بين اللّه و بين أحد شيء يعطيه به خيرا،أو يصرف عنه به شرّا إلاّ العمل.أيّها الناس لا يدع مدّع،و لا يتمنّ متمنّ،و الّذي بعثني بالحقّ نبيّا لا ينجي إلاّ عمل مع رحمة، و لو عصيت لهويت،اللّهم هل بلّغت... (1)

الارشاد للمفيد:97. [1]

.

و روى(طبقات ابن سعد)عن أبي غادية قال:خطبنا النبيّ صلى اللّه عليه و آله يوم العقبة فقال:يا أيّها الناس ألا إنّ دماءكم و أموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم،كحرمة يومكم هذا في شركم هذا في بلدكم هذا،ألاهل بلّغت؟فقلنا:

نعم.فقال:اللّهمّ اشهد.ثم قال:ألا لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض (2).

«فألقى» تعالى بعد أن عمّر نبيّه حتّى أكمل دينه،و أنهى محابّه و كارهه على لسانه.


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 3: [2]ق 1:186.

«إليكم المعذرة» فلا يمكنكم الاعتذار مع المخالفة بالجهالة .

«و اتّخذ عليكم الحجّة» «قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» (1)

الأنعام:149. [1]

، «فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » (2).

«و قدّم إليكم بالوعيد» الأصل فيه قوله تعالى: «قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ » (3).

«و أنذركم بين يدي» أي:قدام.

«عذاب شديد» «تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ» (4).

29

الخطبة(70)

و من خطبة له عليه السلام علّم فيها النّاس الصلاة على النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

اللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ وَ دَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ- وَ جَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا شَقِيِّهَا وَ سَعِيدِهَا اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ- وَ نَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ عَلَى؟مُحَمَّدٍ؟ عَبْدِكَ وَ رَسُولِكَ- الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ وَ الْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ وَ الْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ وَ الدَّافِعِ جَيْشَاتِ الْأَبَاطِيلِ- وَ الدَّامِغِ صَوْلاَتِ الْأَضَالِيلِ- كَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ قَائِماً بِأَمْرِكَ مُسْتَوْفِزاً فِي مَرْضَاتِكَ غَيْرَ نَاكِلٍ عَنْ قُدُمٍ وَ لاَ وَاهٍ فِي عَزْمٍ- وَاعِياً لِوَحْيِكَ حَافِظاً عَلَى عَهْدِكَ مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ- وَ أَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ- وَ هُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ وَ الْآثَامِ- وَ أَقَامَ مُوضِحَاتِ


1) 1)

2) 2) القصص:47. [2]

3) 3) ق:28.

4) 4) يس:5-6. [3]

الْأَعْلاَمِ وَ نَيِّرَاتِ الْأَحْكَامِ- فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وَ خَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ- وَ شَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ وَ بَعِيثُكَ بِالْحَقِّ- وَ رَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ.

اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلِّكَ- وَ اجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ اللَّهُمَّ وَ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ- وَ أَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ وَ أَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ وَ اجْزِهِ مِنِ ابْتِعَاثِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ- وَ مَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ وَ خُطَّةٍ فَصْلٍ اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ وَ قَرَارِ النِّعْمَةِ- وَ مُنَى الشَّهَوَاتِ وَ أَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ وَ رَخَاءِ الدَّعَةِ- وَ مُنْتَهَى الطُّمَأْنِينَةِ وَ تُحَفِ الْكَرَامَةِ.

من الخطبة(104) منها في ذكر النبي صلى اللّه عليه و آله:

حَتَّى أَوْرَى قَبَساً لِقَابِسٍ- وَ أَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ- فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وَ شَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ- وَ بَعِيثُكَ نِعْمَةً وَ رَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً.

اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ- وَ اجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ- وَ أَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ وَ شَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ- وَ آتِهِ الْوَسِيلَةَ وَ أَعْطِهِ السَّنَاءَ وَ الْفَضِيلَةَ- وَ احْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ غَيْرَ خَزَايَا وَ لاَ نَادِمِينَ- وَ لاَ نَاكِبِينَ وَ لاَ نَاكِثِينَ- وَ لاَ ضَالِّينَ وَ لاَ مُضِلِّينَ وَ لاَ مَفْتُونِينَ.

قال الشريف:«و قد مضى هذا الكلام في ما تقدّم،إلاّ أنّنا كرّرناه هاهنا لما في الروايتين من الاختلاف».

أقول:نقل الرواية الأولى كتاب(تنبيه الكبري على أوهام القالي)راويا له عن الحسن بن حصر عن أبيه عن بعض ولد عليّ عليه السلام عنه عليه السلام (1)

روى الخطبة أبو علي القالي نفسه بهذا الاسناد في ذيل الأمالي أبو علي القالي-ذيل الأمالي-ص 173 :173،و الظاهر أنّ نسبته إلى البكري ناقد القالي سهو.

،و كتاب

1) 1)

( غريب حديث 1ابن قتيبة-غريب الحديث- ابن قتيبة)نقله عنه ابن أبي الحديد في فصل غريب هذا الكتاب قائلا:إنّ سلامة الكندي قال:كان عليّ عليه السلام يعلّمنا الصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله 1.و كتاب(مناقب ابن الجوزي)عن الحسن بن عرفة عن سعيد بن عمير عنه عليه السّلام كما نقل(البحار)عنه 2.

قول المصنّف في الاولى : «و من خطبة له عليه السلام علّم فيها الناس» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد) 3،و ليست كلمة«الناس»في(ابن ميثم و الخطّية) 4.و كيف كان،فقد عرفت أنّ(غريب ابن قتيبة)نقل عن سلامة الكندي،قال:كان علي عليه السلام يعلّمنا الصلاة على النبيّ صلى اللّه عليه و آله هكذا.

«الصلاة على النبيّ صلى اللّه عليه و آله» قد روي عن النبي نفسه تعليم الصلاة عليه صلى اللّه عليه و آله أيضا،روى الخطيب في إسماعيل بن زكريا مسندا عنه من الأعمش و مسعر ابن كلام و مالك بن مغول،كلّهم عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجر عن النبي صلى اللّه عليه و آله في الصلاة عليه:اللّهم صلّ على محمّد و على آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم،إنّك حميد مجيد.اللّهم بارك على محمّد و على آل محمّد كما باركت على إبراهيم،إنّك حميد مجيد 5.

و روى في يوسف بن نفس عن عليّ عليه السلام قال:قالوا:يا رسول اللّه كيف نصلّي عليك؟قال:قولوا:اللّهم صلّ على محمّد و آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم،إنك حميد مجيد،و بارك على محمّد و على آل محمّد كما باركت على

آل إبراهيم،إنّك حميد مجيد (1)

تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 14:303،و [1]صاحب مسند زيد فيه:429 أيضا،و فرائد السمطين للجويني 1:26. ح 3،و [2]ابن عدي و ابن مردويه عنهما الدر المنثور 5:216،217،و [3]غيرهم عن عليّ عليه السلام.

.

و روى في الحسين بن نصر بأسناده عنه بأسناده عن بريدة الخزاعي، قال:قلنا:يا رسول اللّه قد علمنا كيف السلام عليك،فكيف الصلاة عليك؟قال:

قولوا:اللّهم اجعل صلاتك و رحمتك على محمّد و آل محمّد كما جعلتها على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد (2).

و روى ابن المغيرة عن أبي الحسن عليه السلام قال:و من سرّ آل محمّد عليهم السلام في الصلاة على النبيّ و آله:اللّهم صلّ على محمّد و آل محمّد في الأوّلين، و صلّ على محمّد و آل محمّد في الاخرين،و صلّ على محمّد و آل محمّد في الملأ الأعلى،و صلّ على محمّد و آل محمّد في المرسلين.اللّهم اعط محمّدا الوسيلة و الشرف و الفضيلة،و الدرجة الكبيرة.اللّهم إنّي آمنت بمحمّد صلى اللّه عليه و آله و لم أره (3).

قوله عليه السلام : «اللّهم داحي المدحوات» مأخوذ من قوله تعالى: «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» (4)،و في(النهاية)في حديث عليّ عليه السلام:اللّهم داحي المدحوّات.

المدحوات:الأرضون،و روي:المدحيات.يقال:دحى يدحو و يدحي:أي بسط،و وسّع.و الدحو:رمي اللاّعب بالجوز و الحجر و غيره،و منه حديث ابن المسيب:سئل عن الدّحو بالحجارة،فقال:لا بأس به.أي:


1) 1)

2) 2) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 8:142،و [4]أحمد أيضا في مسنده 5:353،و ابن منيع في مسنده عنه المطالب العالية 3:224 ح 3323،و عبد بن حميد و ابن مردويه عنهما الدر المنثور 5:218، [5]عن بريدة الخزاعي،و في الباب عن أبي سعيد الخدري و أبي حميد الساعدي و أبي مسعود و غيرهم.

3) 3) ثواب الأعمال للصدوق:187 ح 1 ضمن الحديث

4) 4) النازعات:30. [6]

المراماة بها و المسابقة (1)

النهاية لابن الأثير 2:106 [1] مادة(دحو)،و النقل بالمعنى.

.

و في(الأساس)خلق اللّه الأرض مجتمعة،ثمّ دحاها،أي:بسطها و مدّها و وسّعها كما يأخذ الخباز الفرزدقة فيدحوها.قال ابن الرومي:

يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر

ثم قال:و باضت النعامة في أدحيّها،و هو مفرخها،لأنها تدحوه أي:

تبسطه و توسعه (2).

«و داعم» أي:رافع.

«المسموكات» أي:المرتفعات،و المراد بالمسموكات:السماوات،كما أنّ المراد بالمدحوّات:الأرضون،قال تعالى: «أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها» (3).و المراد بدعمها:رفعها بقوى هي كالعماد،قال تعالى: «رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها » (4).

«و جابل» أي:خالق. «القلوب على فطرتها» أي:خلقتها.

«شقيّها و سعيدها» «وَ نَفْسٍ وَ ما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها» (5).

زاد الحسن بن عرفة في روايته على شقيّها و سعيدها:«و غويّها و رشيدها » (6).

«اجعل شرائف صلواتك» أي:عواليها.

«و نوامي بركاتك» أي:متزايداتها،قال النابغة في المنذر بن المنذر بن


1) 1)

2) 2) أساس البلاغة للزمخشري 127 [2] مادة(دحو).

3) 3) النازعات:27-28. [3]

4) 4) الرعد:2. [4]

5) 5) الشمس:7-8. [5]

6) 6) انظر بحار الأنوار 77:297،و [6]تذكرة الخواص:127. [7]

ماء السماء: إلى صعب المقادة منذريّ نماه في فروع المجد نام

(1)«على محمّد عبدك» «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا» (2)، «فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى» (3).

«و رسولك» «وَ اللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ » (4).

«الخاتم لما سبق» من الأنبياء عليهم السلام .

«و الفاتح لما انغلق» من البلايا،قال تعالى: «وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ » (5).

«و المعلن الحقّ بالحقّ» زاد في رواية الحسن بن عرفة«الناطق بالصدق » (6).

«و الدافع جيشات الأباطيل» التي حصلت من الاجاهلية .

«و الدامغ» دمغ،أي:شجّ حتّى بلغت الشجّة الدماغ.

«صولات الأضاليل» و في رواية ابن عرفة:«هيشات الأضاليل» (7).هاش هيشا،أي:تحرّك و ماج،و هو أقرب لفظا،في الخبر:اختار اللّه تعالى من الأنبياء أربعة للسيف:إبراهيم،و داود،و موسى،و محمّد عليهم السلام .

«كما حمّل» الرسالة.


1) 1) أساس البلاغة:474 [1] مادة(نما).

2) 2) الاسراء:1. [2]

3) 3) النجم:10. [3]

4) 4) المنافقون:1. [4]

5) 5) الأعراف:157. [5]

6) 6) انظر بحار الأنوار 77:297،و [6]تذكرة الخواص:127. [7]

7) 7) انظر بحار الأنوار 77:297،و [8]تذكرة الخواص:127. [9]

«فاضطلع» أي:قوي على حمله .

«قائما بأمرك» و مجريا له .

«مستوفزا» قال الجوهري:الوفز:العجلة،و استوفز في قعدته:إذا قعد قعودا منتصبا غير مطمئن (1)

صحاح اللغة للجوهري 2:898 [1] مادة(و فز).

.

«في مرضاتك» أي:رضاك .

«غير ناكل» أي:غير ممتنع.

«عن قدم» أي:إقدام،قال الجوهري:مضى قدما،بعضم الدّال:لم يعرّج، و لم ينثن (2).

«و لا واه» من:و هي السقاء إذا تخرّق و انشقّ.

«في عزم» و كيف يكون واهيا في عزم و هو أشرف أولي العزم من الرسل،و طلب منه قريش أن يصرف عن عزمه،و يملّكوه عليهم،فقال:لو قدروا أن يجعلوا الشمس في يميني و القمر في يساري ما صرفت عن عزمي .

«واعيا» أي:مستمعا،و الأصل في الوعي جعل الأذن كالوعاء للمسموع.

«لوحيك» عاملا به .

«حافظا على عهدك» لا كادم عليه السلام،حيث قال تعالى فيه: «وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً » (3).

«ماضيا على نفاذ أمرك» حتّى قال:أوّل ربا أضعه من ربا الجاهلية ربا عمّي العباس،و أوّل دم أبطله دم ابن عمّي ربيعة (4).

و لمّا استشفع قريش إليه في ترك قطع يد مخزومية سرقت بأسامة


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 5:2007 [2] مادة(قدم).

3) 3) طه:115. [3]

4) 4) هذه قطعة من خطبة النبي صلى اللّه عليه و آله في حجّة الوداع،مرّ تخريجه في العنوان 25 من هذا الفصل.

لكونه حبّه،قال له:أتشفع في حدّ من حدود اللّه؟لا شفاعة في حدّ (1)

أخرجه مسلم بثلاث طرق في صحيحه 3:1315 ح 8-10 و غيره،مرّ تخريجه في العنوان 2 من هذا الفصل.

.

قوله عليه السلام فيهما : «حتّى أورى» من:أوريت الزند:أخرجت ناره.

قوله في الأوّل: «قبس القابس» ،و في الثاني: «قبسا لقابس» في(النّهاية):

القبس:الشعلة من النار،و القابس:طالب النار،و منه حديث عليّ عليه السلام:حتّى أورى قبسا لقابس.أي:أظهر نورا من الحقّ لطالبه (2).

قوله عليه السلام في الأوّل : «و أضاء الطريق للخابط» في(النهاية):الخابط الّذي يمشي في الليل بلا مصباح فيتحيّر و يضلّ،و ربما تردّي في بئر،أو سقط على سبع (3).

و في الثاني: «و أنار علما لحابس» قال ابن أبي الحديد:يعني نصب النبيّ صلى اللّه عليه و آله لمن قد حبس ناقته ضلالا،فهو يخبط لا يدري كيف يهتدي المنهج علما يهتدي به (4).

قلت:لم يقل أحد:إنّ معنى الحابس ما قال،و الصواب:أنّ الحابس بمعنى الراجل الّذي تخلّف عن الركب فتحيّر،ففي(النهاية)في حديث الفتح:أنّه بعث أبا عبيدة على الحبس:هم الرجّالة،سمّوا بذلك لتحبّسهم عن الركبان، و تأخّرهم،واحدهم حبيس،فعيل،بمعنى مفعول،أو بمعنى فاعل،كأنّه يروى:

الحبّس،بتشديد الباء و فتحها،فان صحّت الرواية،فلا يكون واحدها إلاّ حابسا كشاهد و شهّد (5).

و في الأوّل : «و هديت به القلوب بعد خوضات الفتن» هكذا في(المصرية).


1) 1)

2) 2) النهاية لابن الأثير 4:4 [1] مادة(قبس)،و النقل بتقديم و تأخير.

3) 3) النهاية لابن الأثير 2:8 [2] مادة(خبط)،و لكنّه قاله في تفسير كلمة(خبّاط)بصيغة المبالغة.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:220. [3]

5) 5) النهاية لابن الأثير 1:329 [4] مادة(حبس).

و فيها سقط،ففي(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية):بعد خوضات الفتن و الاثام:«كانوا يئدون البنات،و كان شغلهم المحاربات و النهبات و الزنا و القمار و شرب المسكرات ».

«و أقام موضحات الأعلام» في كتابة الّذي جاء به من عند اللّه .

«و نيّرات الأحكام» في ما أتى به من السن،و في باب صيام ثلاثة أيّام (المقنعة)روى عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:عرضت عليّ أعمال أمّتي فوجدت في أكثرها خللا و نقصانا،فجعلت في كلّ فريضة مثليها نافلة،ليكون من أتى بذلك قد حصلت له الفريضة،لأنّ اللّه تعالى يستحيي أن يعمل له العبد،فلا يقبل منه الثلث،ففرض اللّه تعالى الصلاة في كلّ يوم و ليلة سبع عشرة ركعة،و سنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله أربعا و ثلاثين ركعة،و فرض اللّه صيام شهر رمضان في كلّ سنة، و سنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله صيام ستّين يوما في السنة... (1)

المقنعة للمفيد:59.

و مراده من صوم ستّين:صوم شعبان،و صيام ثلاثة في كلّ عشرة أشهر أخرى.

قوله عليه السلام فيهما : «فهو أمينك المأمون» قال تعالى فيه: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (2)،كان صلى اللّه عليه و آله مشتهرا بمحمّد الأمين،و لمّا تشاحّت قريش في وضع الحجر عند بنائهم البيت،و كان عبد الدار،و عدي من قريش ملئوا جفنة دما و أدخلوا أيديهم في ذلك الدم و تعاقدوا على الموت فسمّوا:لعقة الدم،و مكثورا أربع ليال على ذلك في التصدّي لوضع الحجر، فأصلح بينهم أبو أمية بن المغيرة بحكميّة أوّل داخل،فكان النبيّ أول داخل،فلمّا رأوه قالوا:قد رضينا بك يا محمّد الأمين.فأمر بثوب فبسط،و وضع


1) 1)

2) 2) النجم:3-4. [1]

الحجر،ثمّ أمر كلّ فخذ أن يأخذ جانبا،فرفعوه،و أخذه النبيّ صلى اللّه عليه و آله و وضعه (1)

سيرة ابن هشام 1:182،و [1]الطبقات لابن سعد 1 [2] ق 1:94،و تاريخ الطبري 2:41 و غيرهم.

.

قوله عليه السّلام في الأوّل : «و خازن علمك المخزون» و عن الصادق عليه السّلام:من مخزون علم اللّه الاتمام في أربعة مواطن:حرم اللّه،و حرم رسوله،و حرم أمير المؤمنين عليه السلام،و حرم الحسين بن علي عليه السلام (2).

قوله عليه السلام فيهما : «و شهيدك يوم الدين» أي:يوم القيامة «وَ يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً» (3)، «وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» (4).

و في الأوّل : «و بعيثك بالحقّ» ،و في الثاني: «و بعيثك نعمة» قال الصادق عليه السلام في قوله تعالى: «وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها» (5)برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنقذوا (6).

و في الأوّل : «و رسولك إلى الخلق» ،و في الثاني: «و رسولك بالحقّ رحمة» «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً» (7). «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (8).

و في الأوّل : «اللّهم افسح» أي:أوسع.

«له مفسحا في ظلّك» و المراد من ظلّه:لطفه بعباده.

و في الثاني: «اللّهم اقسم له مقسما من عدلك» الّذي لا تضيع أجر عامل لك


1) 1)

2) 2) التهذيب للطوسي 5:340 ح 140،و الاستبصار 2:33 ح 1،و الخصال للصدوق:252 ح 123،و كامل الزيارات لابن قولويه:249 ح 4،5 [3] بروايتين.

3) 3) النحل:84. [4]

4) 4) النساء:41. [5]

5) 5) آل عمران:103. [6]

6) 6) تفسير العياشي 1:194 ح 124،126 [7] بطريقين.

7) 7) سبأ الأنبياء:28. [8]

8) 8) :107.

«وَ الضُّحى وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» (1)

الضحى:1-5. [1]

.

و قوله عليه السّلام فيهما : «و اجزه مضاعفات الخير من فضلك» «إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» (2).

فيهما : «اللّهمّ أعل على بناء البانين بناءه» «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» (3).

و روى عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله:إنّما مثلي و مثل الأنبياء قبلي كرجل بني دارا فأكملها و أحسنها إلاّ موضع لبنة،فجعل الناس يدخلون و يعجبون بها، و يقولون:هلاّ وضعت هذه اللبنة.فأنا اللبنة،و أنا خاتم النبييّن (4).

في الأوّل : «و أكرم لديك منزلته» هكذا في(المصرية)و الصواب:(منزله) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (5).

و في الثاني: «و أكرم لديك منزلته» قال الجوهري:النزل:ما يهيّأ للنزيل (6).

«و شرّف عندك منزلته» هكذا في(المصرية) (7)،و الصواب:(منزله)، و في الدعاء:«و ابعثه المقام المحمود» (8)،و عنه صلى اللّه عليه و آله:لواء الحمد بيدي» (9).


1) 1)

2) 2) الكوثر:1-3. [2]

3) 3) الصف:9. [3]

4) 4) صحيح مسلم 4:1790 ح 20-23،و سنن الترمذي 5:586 ح 3613،و غيرهما.

5) 5) في شرح ابن أبي الحديد 2:51 و شرح ابن ميثم 2:196«منزلته»أيضا.

6) 6) صحاح اللغة للجوهري 5:1828 [4] مادة(نزل).

7) 7) و كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:219،و شرح ابن ميثم 3:33 كما في المصرية.

8) 8) نقله في ضمن زيارة ابن طاوس في جمال الأسبوع:29 [5] بلفظ:«و ابعثه مقاما محمودا».

9) 9) أخرجه الفرات الكوفي في تفسيره:206،و [6]الترمذي بطريقين في سننه 5:586 ح 3613،و غيرهما كثيرا لكن في الباب أحاديث قول علي:إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله صاحب لواء الحمد،و حامله علي عليه السّلام.جمع بعض طرقه المجلسي في البحار 8:1 الباب 18. [7]

يعني:في القيامة.

و في الأوّل : «و أتمم له نوره» الأصل فيه قوله تعالى: «يَوْمَ لا يُخْزِي اللّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَ اغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » (1)

التحريم:8. [1]

.

«و اجزه من ابتعاثك له» بالرسالة.

«مقبول الشهادة» أي:بجعله مقبول الشهادة .

«و مرضي المقالة» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(مرضيّ المقالة) بدون واو،كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) (2).

«ذا منطق عدل و خطّة فصل» عن غيره،يقال:هذه خطّة بني فلان،إذا كانت محدودة،و المراد:اجعل له امتيازا عن باقي الأنبياء،عن الكاظم عليه السّلام كان ليهودي دنانير على النبيّ صلى اللّه عليه و آله فتقاضاه،فقال له:ما عندي ما أعطيك.فقال:

إنّي لا أفارقك حتّى تقضيني.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:إذن أجلس معك.فجلس معه حتّى صلّى في ذلك الموضع الظهر و العصر،و المغرب و العشاء الآخرة، و الغداة،و كان أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله يتهدّدونه و يتوعّدونه،فنظر اليهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقال:ما الّذي تصنعون به؟فقالوا:يهودي يحبسك.فقال:

لم يبعثني ربّي بأن أظلم معاهدا و لا غيره.فلمّا علا النهار،قال اليهودي:

أشهد أن لا إله إلاّ اللّه،و أنّك رسوله،و شطر مالي في سبيل اللّه،ما فعلت الّذي فعلت إلاّ لأنظر إلى نعتك في التوراة،فإنّي قرأت فيها:محمّد بن عبد اللّه مولده بمكّة،و مهاجره بطيبة،ليس بفظّ و لا غليظ،و لا صخّاب،


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:51،لكن في شرح ابن ميثم 2:196 يوجد الواو أيضا.

و لا متزيّن بالفحش و قول الخنا (1)

أمالي الصدوق:376 ح 6 المجلس 71 [1] عن الكاظم عليه السّلام عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام و النقل بتصرف يسير.

.

«اللّهم اجمع بيننا و بينه» في الآخرة.

«في برد العيش و قرار النعمة» بلا زوال .

«و منى الشهوات» المنى:جمع المنية .

«و أهواء اللذّات» «وَ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ » (2).

«و رخاء الدعة» أي:الراحة «جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ اَلَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ » (3).

«و منتهى الطّمأنينة» بلا اضطراب قلب،كما يحصل للناس في هذا العالم .

«و تحف الكرامة» منه تعالى للمقرّبين منه،و عن الرضا عليه السّلام عن آبائه:

قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السّلام:إنّي سألت ربّي فيك خمس خصال فأعطاني،أمّا أوّلهنّ:فسألت ربّي أن تنشقّ عني الأرض و أنفض التراب عن رأسي و أنت معي،فأعطاني،و أمّا الثانية:فسألت ربّي أن يوقفني عند كفّة الميزان و أنت معي،فأعطاني،و أمّا الثالثة:فسألت ربّي أن يجعلك حامل اللواء،و هو لواء اللّه الأكبر،تحته المفلحون الفائزون في الجنّة،فأعطاني،و أمّا الرابعة:فسألت ربّي أن تسقي أمّتي من حوضي،فأعطاني،و أمّا الخامسة:فسألت ربّي أن يجعلك قائد أمتي إلى الجنّة،فأعطاني (4)ربي،و الحمد للّه الّذي منّ عليّ بذلك.


1) 1)

2) 2) الزخرف:71. [2]

3) 3) فاطر:33-35. [3]

4) 4) أخرجه صاحب صحيفة الرضا عليه السّلام فيها:48 ح 33،و الصدوق بطريقين في الخصال:314 ح 93،94،و الخوارزمي في مناقبه:208،و الجويني في فرائط السمطين 1:105 ح 75،و له شاهد من حديث أبي سعيد الخدري.

و رواه الخطيب في(أحمد بن غالب)مع اختلاف،و في خبره:و أعطاني أنّك وليّ المؤمنين من بعدي (1)

تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 4:339. [1]

.

قول المصنّف في الثاني : «منها في ذكر النبيّ صلى اللّه عليه و آله» هكذا في(ابن أبي الحديد) (2)،و لكن في(ابن ميثم) (3):«الرسول صلى اللّه عليه و آله».

و قوله عليه السّلام : «و آته» أي:أعطه.

«الوسيلة» و في خبر:الوسيلة:درجته صلى اللّه عليه و آله في الجنّة،و هي ألف مرقاة (4).و يأتي آخر .

«و أعطه السّناء» أي:الضياء.

«و الفضيلة» و في خطبة الوسيلة من خطبه عليه السّلام في غير النهج:أيّها الناس إنّ اللّه جلّ و عزّ و عد نبيّه محمّدا صلى اللّه عليه و آله الوسيلة،و وعده الحقّ و لن يخلف اللّه وعده ألا و إنّ الوسيلة على درج الجنّة،و ذروة ذوائب الزلفة،و نهاية غاية الأمنيّة،لها ألف مرقاة،ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام،و هو ما بين مرقاة درّة إلى مرقاة جوهرة إلى مرقاة زبرجدة إلى مرقاة لؤلؤة إلى مرقاة ياقوتة إلى مرقاة زمرّدة إلى مرقاة مرجانة إلى مرقاة كافور إلى مرقاة عنبر إلى مرقاة يلنجوج إلى مرقاة ذهب إلى مرقاة غمام إلى مرقاة هواء إلى مرقاة نور،قد أنافت على كلّ الجنان ... (5).

«و احشرنا في زمرته» و في خطبة الوسيلة-بعد ما مرّة:و رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:219.

3) 3) لفظ ابن ميثم في شرحه 3:33«النبيّ صلى اللّه عليه و آله»أيضا.

4) 4) تفسير القمي 2:324،و [2]البصائر للصفار:436 ح 11،و [3]معاني الأخبار للصفار:116 ح 1،و أماليه:102 ح 4 المجلس 24 [4] في صدر الحديث.

5) 5) نقله ضمن خطبة الوسيلة الكليني في الكافي 8:24،و لكن لا يوجد في رواية تحف العقول المختصرة فيه:99.

يومئذ قاعد عليها مرتد بريطتين:ريطة من رحمة اللّه،و ريطة من نور اللّه،عليه تاج النبوّة،و إكليل الرسالة،قد أشرق بنوره الموقف،و أنا يومئذ على الدرجة الرفيعة،و هي دون درجته،و عليّ ريطتان:ريطة من أرجوان النور،و ريطة من كافور،و الرسل و الأنبياء قد وقفوا على المراقي،و أعلام الأزمنة،و حجج الدهور عن أيماننا،و قد تجلّلهم حلل النور و الكرامة،لا يرانا ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل إلاّ بهت بأنوارنا،و عجب من ضيائنا و جلالتنا (1)

نقله في ضمن خطبة الوسيلة الكليني في الكافي 8:25،لكن لم يوجد في رواية تحف العقول المختصرة فيه:99.

.

«غير خزايا» أي:غير ذليلين موهونين .

«و لا نادمين» لوقوع تفريط منّا في الدّنيا .

«و لا ناكبين» أي:و لا عادلين عن الطريق .

«و لا ناكثين» أي:و لا ناقضين لعهده .

«و لا ضالّين» عن سبيله .

«و لا مضلّين» هكذا في(المصرية)،و الكلمة زائدة لخلوّ(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّيّة) (2)عنها .

«و لا مفتونين» في الدين .

«قال الشريف» هكذا في(المصرية)،و الجملة زائدة ليست من النهج، لخلوّ(الخطّيّة)عنها،و إنّما قال:ابن أبي الحديد (3)عن نفسه في الشّرح:«قال الرّضي»،كما عن(ابن ميثم) (4)قال:«قال السيّد».

«و قد مضى هذا الكلام في ما تقدّم» على ما عرفت من موضعه.


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 2:219،و شرح ابن ميثم 3:33 توجد العبارة أيضا.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 2:219.

4) 4) في شرح ابن ميثم 3:33«قال الشريف».

«إلاّ أنّنا» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(إلاّ أنّا)كما في الثلاثة (1)

في شرح ابن أبي الحديد 2:220،و شرح ابن ميثم 3:33«أننّا»أيضا.

.

«كرّرناه هاهنا لما في الروايتين من الاختلاف» قد عرفت مجتمعهما و مختلفهما.

هذا،و له عليه السّلام دعاء آخر في الصلاة عليه صلى اللّه عليه و آله نقله البحراني في (الصحيفة العلوية)،و هو:الحمد للّه ربّ العالمين،و صلّى اللّه على طيّب المرسلين محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب،المنتجب الفاتق الراتق.

اللّهم فخصّ محمّدا صلى اللّه عليه و آله بالذكر المحمود،و المنهل المشهود، و الحوض المورود.

اللّهم فآت محمّدا صلى اللّه عليه و آله الوسيلة و الرفعة و الفضيلة،و في المصطفين محبّته،و في العليين درجته،و في المقرّبين كرامته.

اللّهم أعط محمّدا صلواتك عليه و آله من كلّ كرامة أفضل تلك الكرامة، و من كلّ نعيم أوسع ذلك النعيم،و من كلّ عطاء أجزل ذلك العطاء،و من كلّ يسر أنصر ذلك اليسر،و من كلّ قسم أو فر ذلك القسم،حتّى لا يكون أحد من خلقك أقرب منه مجلسا،و لا أرفع منه عندك ذكرا و منزلة،و لا أعظم عليك حقّا، و لا أقرب وسيلة من محمّد صلواتك عليه و آله،إمام الخير و قائده و الداعي إليه،و البركة على جميع العباد و البلاد،و رحمة للعالمين.

اللّهم اجمع بيننا و بين محمّد و آل محمّد صلواتك عليه و آله في برد العيش.

و برد الروح،و قرار النعمة،و شهوة الأنفس،و منى الشهوات،و نعم اللّذات،و رخاء الفضيلة،و شهود الطمأنينة،و سؤدد الكرامة،و قوّة العين، و نضرة النعيم،و تمام النعمة،و بهجة لا تشبه بهجات الدّنيا،نشهد أنّه قد بلّغ


1) 1)

الرسالة و أدّى الأمانة و النصيحة،و اجتهد للأمّة و أوذي في جنبك،و اجتهد و جاهد في سبيلك،و عبدك حتّى أتاه اليقين،فصلّى اللّه عليه و آله الطيّبين.

اللّهم ربّ البلد الحرام،و ربّ الركن و المقام،و ربّ المشعر الحرام،و ربّ الحلّ و الحرام بلّغ روح محمّد صلى اللّه عليه و آله عنّا السّلام.

الّلهم صلّ على ملائكتك المقرّبين،و على أنبيائك و رسلك أجمعين، و صلّ على الحفظة الكرام الكاتبين،و على أهل طاعتك من أهل السماوات السبع،و أهل الأرضين السبع من المؤمنين أجمعين (1)

نقله البحراني السماهيجي في الصحيفة العلوية:95،الدعاء 11،و [1]أخرجه أيضا الطوسي في التهذيب 3:82 ح 11، و رواه المجلسي عن مجلد عتيق في بحار الأنوار 98:127. [2]

.

هذا،و في(المناقب)عن كتاب(سحر البلاغة)في الصلاة عليه صلى اللّه عليه و آله:

صلّى اللّه على خير مبعوث،و أفضل وارث و موروث،و خير مولود دعا إلى خير معبود،بشير الرحمة و الثواب،و مدبّر السطوة و العقاب،ناسخ كلّ ملّة مشروعة،و فاسخ كلّ نحلة متبوعة،حاد بأمّته عن الظلمات إلى النور، و أو في بهم إلى الظلّ بعد الحرور،قد أفرد بالزعامة وحده،و ختم بأن لا نبيّ بعده أرسله اللّه قمرا منيرا،و قدرا مبيرا (2).

30

الحكمة(361)

و قال عليه السّلام:

إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ- فَابْدَأْ بِمَسْأَلَةِ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِهِ ص- ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ- فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ- فَيَقْضِيَ إِحْدَاهُمَا وَ يَمْنَعَ الْأُخْرَى


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:158. [3]

«إذا كانت لك إلى اللّه سبحانه حاجة،فابدأ بمسألة الصلاة على رسوله صلى اللّه عليه و آله» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(على النبي صلى اللّه عليه و آله)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّيّة) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 4:402،و [1]شرح ابن ميثم 5:418« [2]رسوله»أيضا.

،قال ابن أبي الحديد:هذا الكلام على حسب الظاهر الّذي يتعارفه الناس بينهم،و هو عليه السّلام يسلك هذا المسلك كثيرا،و يخاطب الناس على قدر عقولهم،و أمّا باطن الأمر فانّ اللّه تعالى لا يصلّي على النبيّ صلى اللّه عليه و آله لأجل دعائنا إيّاه أن يصلّي عليه،لأنّ معنى قولنا:«اللّهم صلّ على محمّد»:أكرمه و ارفع درجته.و اللّه سبحانه قد قضى له بالإكرام التّام،و رفعة الدرجة من دون دعائنا،و إنّما تعبّدنا نحن بأن نصلّي عليه،لأنّ لنا ثوابا في ذلك،لا لأنّ إكرام اللّه تعالى له أمر يستعقبه و يستتبعه دعاؤنا (2).

قلت:فعلى ما ذكره يكون دعاؤنا للنبي صلى اللّه عليه و آله لغوا و عبثا،من حيث الدعاء نظير أن نقول:اللّهم اجعله نبيّا.و حصول ثواب لنا لا يخرجه عن اللغوية في القول،و ما ذكره من أنّه تعالى قضى له بالإكرام التام،و رفعة الدرجة مسلّم، لكن فوق كلّ إكرام إكرام،و كلّ درجة درجة.

و في دعاء عرفة للسجّاد عليه السّلام:ربّ صلّ على محمّد و آل محمّد المنتجب المصطفى،المكرّم المقرّب أفضل صلواتك،و بارك عليه أتمّ بركاتك،و ترحّم عليه أمتع رحماتك.

ربّ صلّ على محمّد و آله صلاة زاكية لا تكون صلاة أزكى منها،و صلّ عليه صلاة نامية لا تكون صلاة أنمى منها،و صلّ عليه صلاة راضية لا تكون صلاة فوقها.

رب صلّ على محمّد و آله صلاة ترضيه،و تزيد على رضاه،و صلّ عليه


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 4:402. [3]

صلاة ترضيك و تزيد على رضاك له،و صلّ عليه صلاة لا ترضى له إلاّ بها، و لا ترى غيره لها أهلا.

ربّ صلّ على محمّد و آله صلاة تجاوز رضوانك،و يتّصل اتّصالها ببقائك،و لا تنفد كما لا تنفد كلماتك.

ربّ صلّ على محمّد و آله صلاة تنتظم صلوات ملائكتك و أنبيائك و رسلك و أهل طاعتك،و تشتمل على صلوات عبادك،من جنّك و إنسك و أهل إجابتك،و تجتمع على صلوات كلّ من ذرأت و برأت من أصناف خلقك.

ربّ صلّ عليه و آله صلاة تحيط بكلّ صلاة سالفة و مستأنفة،و صل عليه و على آله صلاة مرضيّة لك و لمن دونك،و تنشيء مع ذلك صلوات تضاعف معها تلك الصلوات عندها،و تزيدها على كرور الأيّام زيادة في تضاعيف لا يعدّها غيرك (1)

الصحيفة السجادية:251 الدعاء 47. [1]

.

فيلزم على ما قال أن يكون كلّ ذلك ألفاظا لا معاني تحتها.

و تحقيق الجواب:أنّ كلّ شيء وقع و يقع في العالم كان قدرا من اللّه تعالى،و لكن مع سببه،و صلواتنا و ادعيتنا من أسباب إكرام اللّه التامّ له صلى اللّه عليه و آله.

و يشهد لما قلنا قول السجّاد عليه السّلام في الصلاة عليه على ما في الصحيفة الثالثة:فارفعه بسلامنا إلى حيث قدّرت في سابق علمك أن تبلّغه إيّاه و بصلاتنا عليه (2).

و أمّا ما روى(مصباح الشيخ)في الصلاة عليه صلى اللّه عليه و آله بعد عصر يوم الجمعة:«اللّهم إنّ محمّدا صلى اللّه عليه و آله كما وصفته في كتابك حيث تقول: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ»


1) 1)

2) 2) نقله عن الصحيفة الثالثة السيد الأمين من الصحيفة الخامسة:33 الدعاء 6.

«رَحِيمٌ» (1)

التوبة:128. [1]

فاشهد أنّه كذلك،و أنّك لم تأمر بالصلاة عليه إلاّ بعد أن صلّيت عليه أنت و ملائكتك،و أنزلت في محكم كتابك: «إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (2)لا لحاجة إلى صلاة أحد من المخلوقين بعد صلاتك عليه،و لا إلى تزكيتهم إيّاه بعد تزكيتك،بل الخلق جميعا هم المحتاجون إلى ذلك،لأنّك جعلته بابك الّذي لا تقبل لمن أتاك إلاّ منه، و جعلت الصلاة عليه قربة منك و وسيلة إليك و زلفة عندك،و دللت المؤمنين عليه،و أمرتهم بالصلاة عليه ليزدادوا بها أثرة لديك و كرامة عليك،و وكّلت بالمصلّين عليه ملائكتك يصلّون عليه،و يبلّغونه صلاتهم و تسليمهم...» (3)فلا ينافي ما قلنا،فإنّه لا يدلّ على أكثر من أنّه إذا لم نصلّ عليه لم يضرّه،لكفاية صلوات اللّه تعالى عليه برفع درجته،و إنّما حرمنا نحن من أجر كثير.

ثمّ ظاهر الأخبار وجوب الصلاة عليه صلى اللّه عليه و آله عند ذكر اسمه أو سماعه كوجوبها في الصلاة،فعن الصادق عليه السّلام:قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ دخل النار،فأبعده اللّه (4).و قال صلى اللّه عليه و آله:من ذكرت عنده فنسي الصلاة عليّ خطىء به طريق الجنّة (5).

و ورد في ثواب الصلاة عليه صلى اللّه عليه و آله شيء كثير من العامّة،و الخاصّة، روى الطبري في(ذيله)عن عمير الأنصاري،قال:قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:من صلّى


1) 1)

2) 2) الأحزاب:56. [2]

3) 3) مصباح المتهجد للطوسي:345 [3] عن الصادق عليه السّلام.

4) 4) أخرجهما معا الكليني في الكافي 2:495 ح 19،و [4]الصدوق في عقاب الأعمال:246 ح 1،و أخرج الأول مستقلا الكليني في الكافي 4:67 ح 5،و [5]الصدوق في الفقيه 2:59 ح 2،و أماليه:56 ح 2 المجلس 14،و [6]الطوسي في التهذيب 4:192 ح 4،و الثاني مستقلا الكليني في الكافي 2:495 ح 40،و [7]ابن الأشعث في الأشعثيات:215، و [8]غيرهم.

5) 5) المصدر نفسه.

عليّ من أمّتي صلاة مخلصا بها من نفسه صلّى اللّه عليه بها عشر صلوات، و رفعه بها عشر درجات،و كتب له بها عشر حسنات،و محا عنه بها عشر سيّئات (1)

منتخب ذيل المذيل للطبري:72. [1]

.

و عنهم عليهم السّلام:ما في الميزان شيء أثقل من الصلاة على محمّد و آل محمّد،و إنّ الرجل لتوضع أعماله في الميزان فتميل به،فيخرج صلى اللّه عليه و آله الصلاة عليه،فيضعها في ميزانه،فيرجح به (2).

و الصلاة عليه صلى اللّه عليه و آله في الجمعة آكد،و في(سنن أبي داود)عن أوس بن أوس عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله:إنّ من أفضل أيّامكم يوم الجمعة،فأكثروا عليّ من الصلاة فيه،فإنّ صلاتكم معروضة عليّ.فقالوا:يا رسول اللّه و كيف تعرض صلاتنا عليك،و قد أرمت(أي:بليت)؟قال:إنّ اللّه حرّم على الأرض أجساد الأنبياء (3).

و يكفيه صلى اللّه عليه و آله جلالة قوله تعالى: «إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (4)،و عن أمير المؤمنين عليه السّلام:إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:إنّ الآية نزلت في الصلاة عليّ بعد قبض اللّه لي (5).

و الصّلاة عليه صلى اللّه عليه و آله وردت في الكتاب و على آله وردت في السنّة.

روى البخاري في صحيحه مسندا عن كعب بن عجرة،و عن أبي سعيد الخدري،و عن غيرهما،قالوا:قال النبي صلى اللّه عليه و آله:قولوا:اللّهم صلّ على محمّد،


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 2:494 ح 15، [2]عن الباقر أو الصادق عليهما السّلام.

3) 3) سنن أبي داود 2:88 ح 1531،و سنن النسائي 3:91،و سنن ابن ماجة 1:345 ح 1085،و سنن الدارمي 1:369، و [3]مسند أحمد 4:8 و [4]غيرها.

4) 4) الأحزاب:56. [5]

5) 5) الكافي للكليني 1:451 ح 38. [6]

و على آل محمّد،كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد (1)

أخرجه البخاري في صحيحه 3:178،و 4:106،عن كعب بن عجرة،و أبي سعيد الخدري،و أبي حميد الساعدي، و اللفظ لحديث كعب الذي أخرجه أيضا مسلم بثلاث طرق في صحيحه 1:305 ح 66-68،و سنن الترمذي 2: 352 ح 483،و [1]النسائي بثلاث طرق في سننه 3:47-48،و ابن ماجه في سننه 1:293 ح 904،و الدارمي في سننه 1:309،و [2]أحمد بأربع طرق في مسنده 4:241،243،244،و الصدوق في أماليه:315 ح 5 المجلس 16،و [3]أبو علي الطوسي في أماليه 2:43 المجلس 15،و [4]جمع كثير آخر.و في الباب عن أربعة عشر من أصحاب النبي غير كعب،مرّ تخريج بعض آخر من الطرق في العنوان 29 من هذا الفصل.

.

و روى الطبري مسندا في(ذيله)عن فاطمة الصغرى،عن فاطمة الكبرى،قالت:قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله في دخول المسجد:بسم اللّه،اللّهم صلّ على محمّد و آله،و اغفر لي ذنوبي،و افتح لي أبواب رحمتك.و إذا خرج قال:بسم اللّه، اللّهم اغفر لي ذنوبي،و افتح لي أبواب فضلك (2).

و روى أحمد بن حنبل في(مسنده)عن أم سلمة،قالت:قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله لفاطمة:ابنتي بزوجك و ابنيك.فجاءت بهم،فألقى عليهم كساء فدكيا.قال:ثم وضع يده عليهم،ثم قال:اللّهم إن هولاء آل محمّد،فاجعل صلواتك و بركاتك على محمّد و على آل محمّد إنّك حميد مجيد (3).

و روى ابن عبد البر في(استيعابه)في زيد بن حارثة مسندا عن زيد قال:

قلت:يا رسول اللّه،قد علمناك كيف السّلام عليك،فكيف نصلّي عليك؟قال:صلّوا عليّ و قولوا:اللّهم بارك على محمّد و على آل محمّد،كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد (4).


1) 1)

2) 2) منتخب ذيل المذيل للطبري 109. [5]

3) 3) أخرجه أحمد في مسنده 6:323،و [6]ابن عساكر بأربع طرق في ترجمة الحسن عليه السّلام:65 و 66 ح 116-118 و 120،و [7]في ترجمة الحسين عليه السّلام:64 ح 93،و الحسكاني بخمس طرق في شواهد التنزيل 2:76-78 و ح 747، 750،752،و [8]الطبراني في معجمه عنه الدر المنثور 5:198 و [9]غيرهم،و للحديث ذيل.

4) 4) الاستيعاب لابن عبد البر 1:556. [10]

و في(تاريخ الطبري)عن ليث المجاور بمكّة أربعين سنة،عن بعض الحجبة قال:إنّ الرشيد لمّا حجّ دخل الكعبة،و قام على أصابعه و قال:يا من يملك حوائج السائلين،و يعلم ضمير الصامتين،فإنّ لكلّ مسألة منك ردّا حاضرا،و جوابا عتيدا،و لكلّ صامت منك علم محيط ناطق بمواعيدك الصادقة،و أياديك الفاضلة،و رحمتك الواسعة،صلّ على محمّد و على آل محمّد و اغفر لنا ذنوبنا... (1)

تاريخ الطبري 6:536 سنة 193. [1]

.

و لا بدّ أنّه روي له ذلك.

هذا،و فيه أيضا:و في سنة(181)أحدث الرشيد عند نزوله الرّقة في صدور كتبه الصلاة على محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم (2).

و في(عيون ابن بابويه)بعد نقل رواية عن أحمد بن الحسين الضبي:

و ما لقيت أنصب منه،و بلغ من نصبه أنّه كان يقول:اللّهم صلّ على محمّد فردا.و يمتنع من الصلاة على آله (3).

قلت:الرجل كان كأعرابي ورد المدينة فعقل ناقته بفناء المسجد،ثمّ دخل فصلّى مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله ثم قال:«اللّهم اغفر لي و لمحمّد حسب»ثمّ خرج فرجع،فجعل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم حاله حال ناقته.

و الرجل و إن كان ناصبيا،و إلاّ أنّ أنصب منه ابن الزبير،فكان لا يذكر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم رأسا بغضا لأهل بيته،ففي(المروج):أنّ ابن الزبير خطب أربعين يوما لا يصلّي على النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم،و قال:لا يمنعني أن أصلّي عليه إلاّ أن


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 6:470 سنة 181. [2]

3) 3) عيون الأخبار للصدوق 1:284 ح 3،و [3]نقل الصدوق عنه حديثا آخر أيضا في علل الشرائع:134 ح 1،و قال فيه: «ما لقيت أنصب منه».

تشمخ رجال بآنافها (1)

مروج الذهب للمسعودي 3:79. [1]

.

و مراده من الرجال أهل بيته.

و مثله أبو حنيفة،ففي(تاريخ بغداد)قال ابن المبارك ما مجلس ما رأيت ذكر فيه النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم قطّ،و لا يصلّى عليه،إلاّ مجلس أبي حنيفة (2).

و من النّاصبة التي لا تصلّي على أهل البيت عليهم السلام:إبراهيم بن المهدي العباسي،قال المسعودي في(مروجه):كان المأمون يظهر التشيّع و ابن شكلة(إبراهيم بن المهدي)التسنّن،فقال المأمون:

إذا المرجيّ سرّك أن تراه يموت لحينه من قبل موته

فجدّد عنده ذكرى عليّ و صلّ على النبيّ و آل بيته

فأجابه إبراهيم رادّا عليه:

إذا الشيعيّ جمجم في مقال فسرّك أن يبوح بذات نفسه

فصلّ على النبيّ و صاحبيه وزيريه و جاريه برمسه

(3)قلت:أمّا الصلاة على أهل بيت النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم فرواه المرجئة أنفسهم،كما عرفت في أخبار عديدة،و أمّا على صاحبي رمسه فلم يروه شيعي حتّى يعارض،بل روت المرجئة أنفسهم أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم قال:لعن اللّه من تخلّف عن جيش أسامة (4)،و كانا في جيشه،فكيف يصلّى على من لعنه النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم؟ و أمّا التمسّك بكونهما صاحبي رمسه،فنكتفي في جوابه بما قاله الخزاعي دعبل بن عليّ في كون الرشيد صاحب رمس أبي الحسن الرضا عليه السّلام:


1) 1)

2) 2) نقله الخطيب في تاريخ بغداد 1 [2] ق 13:404.

3) 3) مروج الذهب للمسعودي 3:417. [3]

4) 4) السقيفة للجوهري:75. [4]

أربع بطوس على قبر الزّكيّ بها إن كنت تربع من دين على وطر

ما ينفع الرجس من قرب الزّكيّ و لا على الزّكيّ بقرب الرّجس من ضرر

هيهات كلّ امرىء رهن بما كسبت له يداه فخذ من ذاك أو فذر

قبران في طوس خير النّاس كلّهم و قبر شرّهم هذا من العبر

ثمّ كونهما صاحبي رمس النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم،ككون الأوّل صاحب غاره،عار و شنار عليهما،ففي(فصول علم الهدى):مرّ فضال بن الحسن بن فضال الكوفي بأبي حنيفة،و هو في جمع كثير يملي عليهم شيئا من فقهه و حديثه، فقال لصاحب كان معه:و اللّه لا أبرح أو أخجل أبا حنيفة.فقال صاحبه:إنّ أبا حنيفة ممّن قد علمت حاله و منزلته،و ظهرت حجّته.فقال:مه،هل رأيت حجّة كافر علت على مؤمن؟ثمّ دنا منه فسلّم عليه،فردّ وردّ القوم بأجمعهم السلام.

فقال:يا أبا حنيفة،رحمك اللّه،إنّ لي أخا يقول:إنّ خير النّاس بعد النبيّ علي بن أبي طالب.و أنا أقول:إنّ أبا بكر خير الناس بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و بعده عمر.

فما تقول أنت رحمك اللّه؟فأطرق مليّا ثم رفع رأسه،فقال:كفى بمكانهما من رسول اللّه كرما و فخرا.أما علمت أنّهما ضجيعاه في قبره؟فأيّ حجّة أوضح لك من هذه؟فقال له فضال:إنّي قد قلت ذلك لأخي،فقال:و اللّه لئن كان الموضع للنبيّ صلى اللّه عليه و آله دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حقّ،و إن كان الموضع لهما فوهباه للنبيّ صلى اللّه عليه و آله لقد أساءا و ما أحسنا إليه،إذا رجعا في هبتهما و نكثا عهدهما.فأطرق أبو حنيفة ساعة،ثم قال:قل له:لم يكن لهما و لا له خاصة،و لكنّهما نظرا في حق عائشة و حفصة،فاستحقّا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما.فقال له فضال:قد قلت له ذلك(فقال لي:أما علمت أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله أعطى حقوق نسائه في حياته بأمر من اللّه سبحانه حيث يقول:

«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ» (1)

الأحزاب:50. [1]

؟فقال:نعم، و لكنّهما استحقا ذلك بميراث ابنتيهما من النبيّ صلى اللّه عليه و آله.فقال:قلت له ذلك) (2)فقال:أنت تعلم أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله مات عن تسع حشايا،فإذا لكلّ واحدة منهنّ تسع الثمن ثمّ نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر.فكيف يستحقّ الرجلان أكثر من ذلك؟و بعد فما بال عايشة و حفصة ترثان النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و فاطمة ابنته تمنع الميراث؟فقال أبو حنيفة:يا قوم نحّوه عنّي،فإنّه و اللّه رافضي خبيث (3).

هذا،و روى(الكافي)عن يزيد بن خليفة،قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:إنّي رجل من بني الحارث بن كعب،و قد هداني اللّه تعالى إلى محبّتكم و مودّتكم أهل البيت.فقال لي:و كيف،فو اللّه إنّ محبّتنا في بني الحارث قليل؟قلت:إنّ لي غلاما خراسانيا و هو يعمل القصارة،و له همشهريجون أربعة و هم يتداعون كلّ جمعة لتقع الدعوة على رجل منهم،فيصيب غلامي كلّ خمس جمع جمعة، فيجعل لهم النبيذ و اللحم،فإذا فرغوا من الطعام جاء بإجّانة فملأها نبيذا،ثمّ جاء بمطهرة،فاذا ناول إنسانا منهم قال:لا تشرب حتّى تصلّي على محمّد و آل محمّد،فاهتديت إلى مودّتكم بهذا الغلام.فقال لي:استوص به خيرا،و اقرئه منّي السلام،و قل له:يقول لك جعفر بن محمّد:انظر شرابك هذا الّذي تشربه، فإن كان كثيره يسكر،فلا تقربنّ قليله.قال:فأتيت الكوفة و أبلغته سلامه، فبكى،ثمّ قال:اهتمّ بي جعفر بن محمّد عليه السّلام حتّى يقرئني السلام؟قلت:نعم، و قد قال:انظر شرابك هذا الّذي تشربه فإن كان يسكر كثيره فلا تقربنّ قليله، و قد أوصاني بك،فاذهب فأنت حرّ لوجه اللّه.فقال:و اللّه ما يدخل جوفي ما


1) 1)

2) 2) ما كان بين القوسين لم يوجد في الفصول المختارة [2]المطبوعة،و لا في نقل المجلسي في بحار الأنوار 10:231 ح 2، [3]عن هذا الكتاب،و لا في رواية الكراجكي و الطبرسي،لعل الشارح رواه عن نسخة خطيّة أو مرجع آخر بالواسطة.

3) 3) الفصول المختارة للمرتضى:44،و [4]كنز الفوائد للكراجكي:135،و [5]الاحتجاج للطبرسي:382. [6]

بقيت في الدّنيا (1)

الكافي للكليني 6:411 ح 16،و [1]النقل بتصرف في اللفظ.

.

هذا،و عن(تاريخ مدينة الدهلوي):من أسباب رؤية النبيّ صلى اللّه عليه و آله في المنام المداومة على قول:«اللّهم صلّ على محمّد و آله و سلّم كما تحبّ و ترضى» (2).

هذا،و في(الأدباء):خاصم أبو العيناء-قلت:و كان شيعيّا-يوما علويا، فقال له العلوي:تخاصمني،و قد أمرت أن تقول:اللّهم صلّ على محمّد و على آل محمّد؟فقال:لكنّي أقول:الطيبين الطاهرين،فتخرج أنت (3).

«ثم سلّ حاجتك» و ورد الختم أيضا بمسألة الصلاة على النبيّ صلى اللّه عليه و آله،ففي (الكافي)عن الصادق عليه السّلام:من كانت له إلى اللّه حاجة فليبدأ بالصلاة على محمّد و آله ثمّ يسأل حاجته،ثمّ يختم بالصلاة على محمّد و آل محمّد،فإنّ اللّه تعالى أكرم من أن يقبل الطرفين،و يدع الوسط إذ كانت الصلاة على محمّد و آل محمّد لا تحجب عنه (4).

و لا تنافي بينهما،فالزيادة في الآخر تجعل القبول أقرب.

بل ورد عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم زيادة الوسط أيضا،ففي(الكافي)أيضا:

عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم قال:لا تجعلوني كقدح الراكب،فإنّ الراكب يملأ قدحه فيشربه إذا شاء.اجعلوني في أوّل الدعاء،و في آخره،و في وسطه (5).

و رواه(النهاية)هكذا:«لا تجعلوني كغمر الراكب.صلّوا عليّ في أوّل الدعاء و أوسطه و آخره».و قال:الغمر بضمّ الغين و فتح الميم:القدح الصغير.


1) 1)

2) 2) جاء قريب منه في ملحقات إحقاق الحق 9:633 ح 12.

3) 3) معجم الأدباء للحموي 18:295. [2]

4) 4) الكافي للكليني 2:494 ح 16،و [3]قريبا منه رواه الراوندي في لب اللباب عنه المستدرك 1:371 ح 11. [4]

5) 5) الكافي للكليني 2:492 ح 5. [5]

أراد أنّ الراكب يحمل رحله و أزواده على راحلته،و يترك قعبه إلى آخر ترحاله،ثمّ يعلّقه على رحله كالعلاوة،فليس عنده بمهمّ،فنهاهم أن يجعلوا الصلاة عليه كالغمر الّذي لا يقدّم في المهامّ و يجعل تبعا (1)

النهاية لابن الأثير 3:385 [1] مادة(غمر).

.

«فإن اللّه تعالى أكرم أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما و يمنع الأخرى» قد عرفت نظيره عن الصادق عليه السّلام،و أنّه قال:إذا صلّى أوّلا و أخيرا فإنّ اللّه تعالى أكرم من أن يقبل الطرفين و يدع الوسط،إذ كانت الصلاة عليه عليه السّلام لا تحجب (2).

و قال ابن أبي الحديد كالمنكر للكلام:أيّ غضاضة على الكريم إذا سئل حاجتين فقضى إحداهما دون الأخرى؟إن كان عليه في ذلك غضاضة فعليه في ردّ الحاجة الواحدة غضاضة أيضا (3).

قلت:هذه أمور ذوقية و جدانية،فالإنسان قد لا يدع الدنيّ أن يدخل بيته فضلا عن أن يكرمه،أمّا لو أضاف شريفا و تنوق له أنواع الأطعمة،و دخل الدنيّ تبعا لذاك السرّي يطعمه ممّا أطعمه،و أنّ ردّ الحاجة كلّية لعدم لياقة في صاحبها لا غضاضة فيه،و أمّا من قضى حاجة و لم يقض الأخرى مع تمكّنه، تذهب قضاء حاجته الأولى هدرا.

و في(المروج)في أحوال السفّاح:كان أبو العباس(السفّاح)إذا حضر طعامه أبسط ما يكون وجها،فكان إبراهيم بن مخرمة الكندي إذا أراد أن يسأله حاجة أخّرها حتّى يحضر طعامه ثمّ يسأله،فقال له يوما:يا إبراهيم ما دعاك أن تشغلني عن طعامي بحوائجك؟قال:يدعوني إلى ذلك التماس النجح


1) 1)

2) 2) هذا تلخيص حديث الكافي و [2]الراوندي الذي مرّ آنفا.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 4:403. [3]

لما أسأل.قال أبو العباس:إنّك لحقيق بالسؤدد لحسن هذه الفطنة (1)

مروج الذهب للمسعودي 3:264. [1]

.

هذا،و في العنوان(144)من(المستجاد):لقي أبو دلامة أبا دلف في مصادله و هو والي العراق،فأخذ بعنان فرسه،و أنشد:

إنّي حلفت لئن رأيتك سالما بقرى العراق و أنت ذو وفر

لتصلينّ على النبيّ محمّد و لتملأنّ دراهما حجري

فقال:أمّا الصلاة على النبيّ محمّد صلى اللّه عليه و آله فصلّى اللّه عليه و سلّم،و أمّا الدراهم فلا.قال له:جعلت فداك:لا تفرّق بينهما بالّذي أسأله أن لا يفرّق بينك و بين النبيّ صلى اللّه عليه و آله.قال:فاستسلفها أبو دلف،و صبّت في حجره حتّى أثقلته (2).

31

من الخطبة(192)

و من خطبة له عليه السّلام يصف بها المنافقين:

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ- وَ ذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَ نَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً- وَ بِحَبْلِهِ اعْتِصَاماً- وَ نَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ كُلَّ غَمْرَةٍ وَ تَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ- وَ قَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ وَ تَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ- وَ خَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا- وَ ضَرَبَتْ لِمُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا- حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عُدْوَانَهَا مِنْ أَبْعَدِ الدَّارِ وَ أَسْحَقِ الْمَزَارِ «نحمده على ما وفّق له» الضمير راجع إلى(ما).

«من الطاعة» (من)بيانية ل‍(ما وفّق).

«و ذاد» أي:طرد و دفع.


1) 1)

2) 2) المستجاد للتنوخي:235.

«عنه» الضمير أيضا راجع إلى(ما).

«من المعصية» و فعل الطاعة و ترك المعصية،و إن كانا من العبد إلاّ أنّ التوفيق لهما منه تعالى،فيجب حمده عليه،و في(توبة الكافي):عن أبي جعفر عليه السّلام:إنّ اللّه تعالى أوحى إلى داود أن ائت عبدي دانيال،فقل له:إنّك عصيتني فغفرت لك،و عصيتني فغفرت لك،و عصيتني فغفرت لك.فإن أنت عصيتني الرابعة لم أغفر لك.فأتاه داود عليه السّلام فقال:يا دانيال إنّني رسول اللّه إليك،و هو يقول لك:إنّك عصيتني فغفرت لك،و عصيتني فغفرت لك، و عصيتني فغفرت لك،فإن أنت عصيتني الرابعة لم أغفر لك.فقال له دانيال:قد أبلغت يا نبيّ اللّه.فلمّا كان في السحر قام دانيال فناجي ربّه،فقال:يا ربّ إنّ داود نبيّك أخبرني عنك أننّي قد عصيتك فغفرت لي،و عصيتك فغفرت لي، و عصيتك فغفرت لي،و أخبرني عنك إن عصيتك الرابعة لم تغفر لي،فوعزّتك لئن لم تعصمني لأعصينّك ثمّ لأعصينّك ثمّ لأعصينّك (1)

الكافي للكليني 2:435 ح 11،و [1]الزهد للأهوازي:74 ح 200. [2]

.

«و نسأله لمنّته» علينا بالتوفيق و الذود.

«تماما» بادامتهما.

«و بحبله اعتصاما» أي:تمسكا كما أمرنا،فقال عزّ و جلّ: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً » (2).

«و نشهد أنّ محمّدا عبده» الّذي قبل عزّ اسمه عبودّيته.

«و رسوله» الّذي ارتضاه لخلقه.

«خاض» أي:ورد،و الأصل فيه:الغمس.

«إلى» تحصيل.


1) 1)

2) 2) آل عمران:103. [3]

«رضوان اللّه كلّ غمرة» أي:شدّة،و الأصل فيها اللجّة،ذكروا أنّ قريشا اجتمعت إلى أبي طالب و النبيّ صلى اللّه عليه و آله عنده،فقالوا:نسألك من ابن أخيك النصف.قال:و ما النصف منه؟قالوا:يكفّ عنّا و نكفّ عنه،فلا يكلّمنا و لا نكلّمه،و لا يقاتلنا و لا نقاتله،ألا إنّ هذه الدعوة قد باعدت بين القلوب،و زرعت الشحناء،و أنبتت البغضاء.فقال:يا ابن أخي أ سمعت؟قال:يا عمّ لو أنصفني بنو عمي لأجابوا دعوتي و قبلوا نصيحتي،إنّ اللّه تعالى أمرني أن أدعو إلى دين الحنيفية ملّة إبراهيم،فمن أجابني فله عند اللّه الرضوان و الخلود في الجنان،و من عصاني قاتلته حتّى يحكم اللّه بيننا،و هو خير الحاكمين.فقالوا:

قل له يكفّ عن شتم آلهتنا،فلا يذكرها بسوء.فنزل: «قُلْ أَ فَغَيْرَ اللّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ» (1)

الزمر:64. [1]

قالوا:إن كان صادقا فليخبرنا من يؤمن منّا،و من يكفر؟فان وجدناه صادقا آمنّا به فنزل: «ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ» (2).قالوا:و اللّه لنشتمنّك و إلهك.فنزل: «وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ» (3).قالوا:قل له:فليعبد ما نعبد،و نعبد ما يعبد.فنزلت سورة الكافرين.فقالوا:قل له:أرسله اللّه إلينا خاصّة أم إلى الناس كافّة؟قال:بل إلى الناس أرسلت كافّة،إلى الأبيض و الأسود،و من على رءوس الجبال،و من في لجج البحار،و لأدعونّ ألسنة فارس و الروم: «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً» (4).

فتجبّرت قريش و استكبرت و قالت:و اللّه لو سمعت بهذا فارس و الرّوم


1) 1)

2) 2) آل عمران:179. [2]

3) 3) ص:6.

4) 4) الأعراف:158. [3]

لاختطفتنا من أرضنا،و لقلعت الكعبة حجرا حجرا.فنزل: «وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا» (1)

القصص:57. [1]

،و قوله: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ» (2).

فقال مطعم بن عدي:و اللّه يا أبا طالب لقد أنصفك قومك،و جهدوا على أن يتخلّصوا ممّا تكرهه،فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا.فقال أبو طالب:

و اللّه ما أنصفوني،و لكنّك قد اجتمعت على خذلاني،و مظاهرة القوم عليّ، فاصنع ما بدا لك.فوثب كلّ قبيلة على ما فيها من المسلمين يعذّبونهم، و يفتنونهم عن دينهم،و الاستهزاء بالنبي صلى اللّه عليه و آله.و منع اللّه رسوله بعمّه أبي طالب منهم،و قد قام أبو طالب حين رأى قريشا تصنع ما تصنع في بني هاشم، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و القيام دونه إلاّ أبا لهب،كما قال اللّه: «وَ لَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ» (3).و قدم قوم من قريش من الطائف و أنكروا ذلك،و وقعت فتنة فأمر النبيّ صلى اللّه عليه و آله المسلمين أن يخرجوا إلى أرض الحبشة (4).

«و تجرّع فيه» أي:في رضوانه تعالى.

«كلّ غصّة» عن الزهري:لما توفّي أبو طالب،و اشتدّ على النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم البلاء،عمد إلى ثقيف بالطائف رجاء أن يأويه سادتها:عبد نائل،و مسعود، و حبيب بنو عمرو بن نمير الثقفي،فلم يقبلوه،و تبعه سفهاؤهم بالأحجار، و دمّوا رجليه،فخلص منهم.و استظل في ظلّة حبلة منه.و قال:اللّهم إنّي أشكو إليك من ضعف قوّتي،و قلّة حيلتي و ناصري،و هواني على الناس،


1) 1)

2) 2) هذا صدر آيتين الأولى: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ» الفجر:6،و [2]الثانية: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ» الفيل:1. [3]

3) 3) الحج:40. [4]

4) 4) المناقب لابن شهر آشوب 1:59. [5]

يا أرحم الراحمين (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:68. [1]

.

و روى الطبري في(ذيله)عن منيب بن مدرك الأزدي،عن أبيه،عن جدّه قال:رأيت النبيّ صلى اللّه عليه و آله في الجاهلية،و هو يقول للناس:«قولوا لا إله إلاّ اللّه تفلحوا»فمنهم من تفل في وجهه،و منهم من حثا عليه التراب،و منهم من سبّه حتّى انتصف النهار،فجاءت جارية بعسّ من ماء،فغسل وجهه،ثمّ قال:يا بنيّة ابشري و لا تحزني،و لا تخشي على أبيك غلبة و لا ذلاّ.فقلت:من هذه؟فقالوا:

زينب ابنته،و هي يومئذ وصيفة (2).

هذا،و في(الكافي)عنهم عليهم السّلام:لمّا أمر اللّه تعالى رسوله صلى اللّه عليه و آله بإظهار الإسلام،و ظهر الوحي رأى قلّة من المسلمين،و كثرة من المشركين،فاهتمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله همّا شديدا،فبعث اللّه تعالى إليه جبرئيل عليه السّلام بسدر من سدرة المنتهى،فغسل به رأسه،فجلا به همّه (3).

«و قد تلوّن له الأدنون» و منهم أبو لهب عمّه،و في(نسب الزبيري)عن طارق المحاربي:رأيت النبيّ صلى اللّه عليه و آله في سويقة ذي المجاز عليه حلّة حمراء، و هو يقول:يا أيّها الناس قولوا:«لا إله إلاّ اللّه تفلحوا»،و أبو لهب يتبعه،و يرميه بالحجارة،و قد أدمى كعبيه و عرقوبيه و هو يقول:أيّها الناس لا تطيعوه،فإنّه كذّاب (4).

و عن أبي أيوب الأنصاري:وقف النبيّ صلى اللّه عليه و آله بسوق ذي المجاز،فدعاهم إلى اللّه تعالى،و العبّاس قائم يستمع الكلام،فقال:أشهد أنّك كذّاب.و مضى إلى أبي لهب،و ذكر ذلك،فأقبلا يناديان:إنّ ابن أخينا هذا كذّاب،


1) 1)

2) 2) منتخب ذيل المذيل:80.

3) 3) الكافي للكليني 6:505 ح 7. [2]

4) 4) لم أجده في نسب قريش لمصعب الزبيري.

فلا يغرنّكم عن دينكم.

و ذكروا أنّه كان إذا قدم على النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و فد ليعلموا علمه انطلقوا بأبي لهب إليهم،و قالوا له:أخبر عن ابن أخيك.فكان يطعن في النبيّ صلى اللّه عليه و آله و يتقوّل الباطل،و يقول:إنّا لم نزل نعالجه من الجنون.فيرجع القوم،و لا يلقونه (1)

لم أجده في نسب قريش لمصعب الزبيري.

.

و في(العقد):قال معاوية يوما:أيّها الناس إنّ اللّه فضّل قريشا بثلاث، فقال لنبيّه عليه السّلام «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (2)فنحن عشيرته،و قال: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ» (3)فنحن قومه،و قال: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» ... «وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» (4)،و نحن قريش.فأجابه رجل من الأنصار فقال:على رسلك يا معاوية،فانّ اللّه تعالى يقول: «وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ» (5)و أنتم قومه،و قال:

«وَ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ» (6)و أنت قومه،و قال الرسول عليه السّلام: «يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً» (7)و أنتم قومه ثلاثة بثلاثة،و لو زدتنا زدناك.فأفحمه (8).

و فيه:قال معاوية لرجل من اليمن:ما كان أجهل قومك حين ملّكوا عليهم امرأة.فقال:أجهل من قومي قومك الّذين قالوا حين دعاهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

«اللّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ»


1) 1)

2) 2) الشعراء:214. [1]

3) 3) الزخرف:44. [2]

4) 4) قريش:1-4. [3]

5) 5) الأنعام:66. [4]

6) 6) الزخرف:57. [5]

7) 7) الفرقان:30. [6]

8) 8) العقد الفريد لابن عبد ربه 4:97. [7]

«ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (1)

الأنفال:32. [1]

و لم يقولوا:اللّهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فاهدنا إليه (2).

«و تألّب» أي:تجمّع.

«عليه الأقصون» أي:الأبعدون منه في النسب،قالوا:نهى أبو جهل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم عن الصلاة،و قال:إن رأيت محمّدا يصلّي لأطأنّ عنقه (3).و كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم يطوف فشتمه عقبة بن أبي معيط،و ألقى عمامته في عنقه،و جرّه من المسجد،فأخذوه من يده (4).و قالوا:لمّا نزلت «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ» (5)جاءت أم جميل عمّة معاوية(و هي حمّالة الحطب)إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و بيدها فهر، و لها ولولة،و هي تقول:

مذمما أبينا و دينه قلينا

و أمره عصينا

(6)و كان الحكم بن أبي العاص يمشي وراء النبي صلى اللّه عليه و آله يحكي مشيته،فدعا النبيّ صلى اللّه عليه و آله عليه،فبقي متخالج المنكبين،و أخرجه إلى الطائف (7). قال عبد الملك لثابت بن عبد اللّه بن الزبير:أبوك ما كان أعلم بك حيث


1) 1)

2) 2) العقد الفريد لابن عبد ربه 4:97. [2]

3) 3) المناقب لابن شهر آشوب 1:97،و [3]أخرجه عبد الرزاق،و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر عنهم الدرّ المنثور 6:302. [4]

4) 4) المناقب لابن شهر آشوب 1:197. [5]

5) 5) المسد:1. [6]

6) 6) المناقب لابن شهر آشوب 1:67. [7]

7) 7) أما استهزاؤه و دعاء النبي صلى اللّه عليه و آله فرواه ابن عبد البر في الاستيعاب 1:317،و المفيد في الجمل:96 و ابن شهر آشوب في مناقبه 1:81،و أما نفي النبيّ صلى اللّه عليه و آله و إعادة عثمان فرواه المسعودي في مروج الذهب 3:180،و [8]المفيد في الجمل:97،و النووي في التهذيب 2:87 ق 1،و الأمران من مشهورات التاريخ.

كان يشتمك.قال:إنّما كان يشتمني لأني كنت أنهاه أن يقاتل بأهل مكّة،و أهل المدينة،فإنّ اللّه لا ينصر بهما.أمّا أهل مكّة،فأخرجوا النبيّ صلى اللّه عليه و آله و أخافوه،ثمّ جاءوا إلى المدينة حتّى سيّرهم.عرّض بجدّه الحكم.

«و خلعت إليه العرب أعنّتها» و المراد:إجماعهم علي حربه،كقول الشماخ:

أتتني سليم قضّها بقضيضها

(1)و في(تفسير القمّي):أنّ قريشا تجمّعت في سنة خمس من الهجرة و ساروا في العرب،و جلبوا و استفزّوهم لحرب النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم،فوافوا في عشرة آلاف،و معهم كنانة و سليم و فزارة،و كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم حين أجلى بني النضير،و هم بطن من اليهود من المدينة،و كان رئيسهم حيّ بن أخطب،و هم يهود من بني هارون عليه السّلام،فلمّا أجلاهم من المدينة صاروا إلى خيبر،و خرج حيّ ابن أخطب،و همّ إلى قريش بمكّة،و قال لهم:إنّ محمّدا قد و تركم و وترنا، و أجلانا من المدينة من ديارنا و أموالنا،و أجلى بني عمّنا بني قينقاع،فسيروا في الأرض و اجمعوا حلفاءكم و غيرهم حتّى نسير إليهم،فإنّه قد بقي من قومي بيثرب سبعمائة مقاتل و هم بنو قريظة،و بينهم و بين محمّد عهد و ميثاق،و أنا أحملهم على نقض العهد بينهم و بين محمّد،و يكونون معنا عليهم فتأتونه أنتم من فوق،و هم من أسفل.و كان موضع بني قريظة من المدينة على قدر ميلين،و هو الموضع الّذي يسمّي بئر المطلّب،فلم يزل يسير معهم حيّ بن أخطب في قبائل العرب حتّى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش و كنانة،و الأقرع بن حابس في قومه،و عباس بن مرداس في بني سليم (2).


1) 1) لسان العرب 7:221 [1] مادة(قضض)،و صدره:تمسح حولي بالبقيع سبالها.

2) 2) تفسير القمي 2:176. [2]

و في(إرشاد المفيد):خرجت قريش في الأحزاب،و قائدها إذ ذاك أبو سفيان،و خرجت غطفان،و قائدها عيينة بن حصن في بني فزارة،و الحرث بن عوف في بني مرة،و وبرة بن طريف في قومه من أشجع (1)

الإرشاد للمفيد:51. [1]

.

«و ضربت لمحاربته» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(إلى محاربته)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).

«بطون رواحلها» رواحل جمع راحلة:الناقة التي تصلح لأن ترحل،و في الخبر:«تجدون الناس كابل مائة ليس فيها راحلة» (3).أي:الرجل الكامل في الناس قليل،كقلّة الراحلة في الآبال.(و ضرب بطون الرواحل إلى محاربته):

كناية أيضا-كخلع الأعنّة-عن الاتفاق على حربه صلى اللّه عليه و آله،إلاّ أنّ الأعنّة للأفراس، و عرفت أنّ الرواحل النوق.

و قال جرير في هزيمة جيش إبرويز في ذي قار:

هو المشهد الفرد الّذي ما نجا به لكسرى بن كسرى لا سنام و لا صلب

السنام كناية عن الآبال،و الصلب عن الأفراس.

«حتّى أنزلت بساحته عدوانها» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(عداوتها) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (4).

«من أبعد الدار و أسحق» أي:أطول.

«المزار» و لمّا رأى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم ضعف قلوب أصحابه في الأحزاب بعث


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:536،لكن في شرح ابن ميثم 3:426،مثل المصرية.

3) 3) صحيح مسلم 4:1973 ح 232،و ابن ماجه في سننه 2:1321 ح 3990،و غيرهما،لكن اللفظ لابن الأثير في النهاية 2:209 [2] مادة(رحل).

4) 4) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:536،لكن في شرح ابن ميثم 3:426«عدوانها»أيضا.

إلى عيينة و الحارث قائديّ غطفان:يرجعان بقومهما على أن يعطيهما ثلث ثمار المدينة،و استشار سعد بن عبادة،و سعد بن معاذ.فقالا:إن لم يكن ذاك عن وحي فلا نقبله.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم:لم يأتني وحي في ذلك،و لكنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة،و جاءوكم من كلّ جانب،فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم.فقالا:إنّنا لم نعط في الجاهليّة من ثمارنا أحدا،فكيف في الإسلام (1)

سيرة ابن هشام 3:133 و [1]النقل بتصرف يسير.

؟

32

الكتاب(9)

و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية:

فَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا وَ اجْتِيَاحَ أَصْلِنَا- وَ هَمُّوا بِنَا الْهُمُومَ وَ فَعَلُوا بِنَا الْأَفَاعِيلَ- وَ مَنَعُونَا الْعَذْبَ وَ أَحْلَسُونَا الْخَوْفَ- وَ اضْطَرُّونَا إِلَى جَبَلٍ وَعْرٍ- وَ أَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الْحَرْبِ- فَعَزَمَ اللَّهُ لَنَا عَلَى الذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ وَ الرَّمْيِ مِنْ وَرَاءِ حُرْمَتِهِ مُؤْمِنُنَا يَبْغِي بِذَلِكَ الْأَجْرَ وَ كَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الْأَصْلِ- وَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ؟قُرَيْشٍ؟ خِلْوٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِحِلْفٍ يَمْنَعُهُ- أَوْ عَشِيرَةٍ تَقُومُ دُونَهُ فَهُوَ مِنَ الْقَتْلِ بِمَكَانِ أَمْنٍ- وَ كَانَ؟رَسُولُ اللَّهِ ص؟ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ- وَ أَحْجَمَ النَّاسُ- قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ- فَوَقَى بِهِمْ أَصْحَابَهُ حَرَّ الْأَسِنَّةِ وَ السُّيُوفِ فَقُتِلَ؟عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ؟ ؟يَوْمَ بَدْرٍ؟- وَ قُتِلَ؟حَمْزَةُ؟ ؟يَوْمَ أُحُدٍ؟- وَ قُتِلَ؟جَعْفَرٌ؟ ؟يَوْمَ مُؤْتَةَ؟ أقول:رواه نصر بن مزاحم،مع زيادة و اختلاف،ففي( صفّينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 89 ):قال عليّ عليه السّلام:و لعمر اللّه إنّي لأرجو إذا أعطى اللّه الناس على قدر فضائلهم في الإسلام،و نصيحتهم للّه و رسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر.إنّ


1) 1)

محمّدا صلى اللّه عليه و آله لمّا دعا إلى الايمان باللّه و التوحيد كنّا أهل البيت أوّل من آمن به، و صدّق بما جاء به،فلبثنا أحوالا مجرّمة و ما يعبد اللّه في ربع ساكن من العرب غيرنا،فأراد قومنا قتل نبيّنا و اجتياح أصلنا،و همّوا بنا الهموم و فعلوا بنا الأفاعيل،فمنعونا الميرة،و أمسكوا عنّا العذب،و أحلسونا الخوف،و جعلوا علينا الارصاد و العيون،و اضطرّونا إلى جبل و عر،و أو قدوا لنا نار الحرب، و كتبوا علينا بينهم كتابا:لا يؤاكلونا،و لا يشاربونا،و لا يناكحونا،و لا يبايعونا،و لا نأمن فيهم حتّى ندفع النبيّ صلى اللّه عليه و آله فيقتلوه،و يمثّلوا به.فلم نكن نأمن فيهم إلاّ من موسم إلى موسم،فعزم اللّه لنا على منعه،و الذبّ عن حوزته، و الرمي من وراء حرمته،و القيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف،بالليل و النهار،فمؤمننا يرجو بذلك الثواب،و كافرنا يحامي به عن الأصل،فأمّا من أسلم من قريش بعد،فإنّهم ممّا نحن فيه أخلياء،فمنهم حليف ممنوع أو ذو عشيرة تدافع عنه،فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التلف،فهم من القتل بمكان نجوة و أمن.فكان ذلك ما شاء اللّه أن يكون،ثمّ أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه و آله بالهجرة،و أذن له بعد ذلك في قتال المشركين فكان إذا احمّر البأس،و دعيت نزال أقام أهل بيته،فاستقدموا فوقى بهم أصحابه حرّ الأسنّة و السيوف،فقتل عبيدة يوم بدر،و حمزة يوم أحد،و جعفر و زيد يوم مؤتة... (1)

أخرجه ابن مزاحم أيضا في ضمن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية في وقعة صفين:89.

قول المصنّف «و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية» أقول:جوابا عن كتاب كتبه معاوية إليه عليه السّلام مع أبي مسلم الخولاني،و فيه:«إنّ اللّه اصطفى محمّدا بعلمه و جعله الأمين على وحيه و الرسول إلى خلقه،و اجتبى له من المسلمين أعوانا أيّده اللّه بهم،فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الاسلام، فكان أفضلهم في إسلامه و أنصحهم للّه و لرسوله الخليفة من بعده،و خليفة


1) 1)

خليفته،و الثالث الخليفة المظلوم عثمان فكلّهم حسدت،و على كلّهم بغيت، عرفنا ذلك في نظرك الشزر،و في قولك الهجر،و في تنفّسك الصعداء،و في إبطائك عن الخلفاء تقاد إلى كلّ منهم،كما يقال الفحل المخشوش حتّى تبايع، و أنت كاره... (1)

وقعة صفين لابن مزاحم:86.

.

قوله عليه السّلام: «فأراد قومنا» أي:قريش،قال تعالى: «وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ الْحَقُّ» (2).

معة «قتل نبيّنا» في(السير):لمّا علمت قريش أنّ أبا طالب لا يخذل النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و أنّه تجمع لعداوتهم مشوا عمارة بن الوليد إليه،فقالوا:يا أبا طالب هذا فتى قريش،و أجملهم فخذه،فلك عقله و نصرته،فاتّخذه ولدا،و أسلم لنا ابن أخيك هذا الّذي سفّه أحلامنا،و خالف دينك،و دين آبائك،و فرّق جماعة قومك نقتله،فإنّما رجل برجل.فقال:و اللّه لبئس ما تسومونني!أ تعطوني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني تقتلونه؟هذا،و اللّه لا يكون أبدا.أما تعلمون أنّ الناقة إذا فقدت ولدها لا تحنّ إلى غيره،ثمّ نهرهم،فاشتدّ عند ذلك الأمر و اشتدّت قريش على من في القبائل من الصحابة الّذين أسلموا،فوثبت كلّ قبيلة على من فيها من المسلمين يعذّبونهم (3).

و في(المناقب):بعثت قريش إلى أبي طالب:ادفع إلينا محمّدا حتّى نقتله، و نملّك علينا.فأنشأ أبو طالب اللامية التي يقول فيها:

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامي عصمة لأرامل


1) 1)

2) 2) الأنعام:66. [1]

3) 3) المناقب شهر آشوب 1:60،و [2]ابن هشام في السيرة 1:240،و [3]ابن سعد في الطبقات 1:ق 1:134،و الطبري في تاريخه 2:67 و [4]النقل بتصرف يسير.

فلمّا سمعوا هذه القصيدة أيسوا منه (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:65. [1]

.

«اجتياح» أي:استيصال.

«أصلنا» و المراد:جميعنا.

«و همّوا بنا الهموم» أي:أرادوا لنا إرادات.

«و فعلوا بنا الأفاعيل» العجيبة من قسوة البشر و طغيانه،قال الشماخ:

إذا استهلاّ بشؤبوب فقد فعلت بما أصابا من الأرض الأفاعيل

(2)و قالوا:الرشى تفعل الأفاعيل،و تنسّي إبراهيم و إسماعيل. «و منعونا العذب» أي:الماء الطيب.

«و أحلسونا الخوف» أي:جعلوا الخوف كحلس لنا،و الحلس مسح يكون مبسوطا دائما،و الحلس للبعير كساء رقيق تحت البرذعة،و المراد:إخافتهم دائما.

«و اضطرّونا إلى جبل وعر» بالتسكين،أي:الصعب.

«و أوقدوا لنا نار الحرب» لإهلاكنا،روى السروي عن عكرمة،و عروة بن الزبير،قالا:رأت قريش أنّه صلى اللّه عليه و آله يفشو أمره في القبائل،و أنّ حمزة أسلم،و أنّ عمرو بن العاص ردّ في حاجته عند النجاشي،فأجمعوا أمرهم و مكرهم على أن يقتلوا رسول اللّه علانية،فلمّا رأى ذلك أبو طالب جمع بني عبد المطلب، و أجمع لهم أمرهم على أن يدخلوا النبيّ صلى اللّه عليه و آله شعبهم.فاجتمع قريش في دار الندوة،و كتبوا صحيفة على بني هاشم:ألاّ يكلّموهم و لا يزوّجوهم و لا يتزوّجوا إليهم و لا يبايعوهم،أو يسلموا إليهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و ختم عليها أربعون خاتما،و علّقوها في جوف الكعبة-و في رواية-عند زمعة بن الأسود.


1) 1)

2) 2) أساس البلاغة:344 [2] مادة(فعل).

فجمع أبو طالب بني هاشم و بني عبد المطّلب في شعبه،و كانوا أربعين رجلا مؤمنهم و كافرهم ما خلا أبا لهب،و أبا سفيان(الهاشمي فكانا مع قريش)ثمّ قال:و كان أبو جهل و العاص بن وائل،و النضر بن الحارث بن كلدة و عقبة بن أبي معيط يخرجون إلى الطرقات،فمن رأوا معه ميرة نهوه أن يبيع من بني هاشم شيئا،و يحذّرونه من النهب.فأنفقت خديجة عليهما السّلام على النبيّ صلى اللّه عليه و آله فيه مالا كثيرا.ثمّ قال:و كانوا لا يأمنون إلاّ في موسم العمرة في رجب،و موسم الحجّ في ذي الحجّة،فيشترون و يبيعون فيهما.ثمّ قال:فكان أبو العاص بن الربيع،و هو ختن النبي صلى اللّه عليه و آله يجيء بالعير بالليل عليها البرّ و التمر (1)

المناقب لابن شهر آشوب السروي 1:63 و النقل بتقطيع.

.

«فعزم اللّه لنا على الذبّ عن حوزته و الرمي من وراء حرمته» روى السروي عن مقاتل:لمّا رأت قريش يعلو أمره صلى اللّه عليه و آله قالوا:لا نرى محمّدا يزداد إلاّ كبرا و تكبّرا،و إن هو إلاّ ساحر أو مجنون.و توعّدوه،و تعاقدوا:لئن مات أبو طالب ليجمعنّ قبائل قريش كلّها على قتله،و بلغ ذلك أبا طالب فجمع بني هاشم و أحلافهم من قريش،فوصّاهم بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله و قال:إنّ ابن أخي كما يقول:

أخبرنا بذلك آباؤونا و علماؤنا أنّ محمّدا نبيّ صادق،و أمين ناطق،و أنّ شأنه أعظم شأن،و مكانه من ربّه أعلى مكان،فأجيبوا دعوته،و اجتمعوا على نصرته،و راموا عدوّه من وراء حوزته،فإنّه الشرف الباقي لكم الدهر (2).

فمكثوا بذلك أربع سنين،و قال ابن سيرين ثلاث سنين.

و في كتاب(شرف المصطفى):فبعث اللّه على صحيفتهم الأرضة فلحستها،فنزل جبرئيل عليه السّلام فأخبر النبيّ صلى اللّه عليه و آله بذلك،فأخبر النبيّ صلى اللّه عليه و آله أبا طالب،فدخل أبو طالب على قريش في المسجد فعظّموه و قالوا:أردت


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب السروي 1:61.

مواصلتنا،و أن تسلم ابن أخيك إلينا؟قال:و اللّه ما جئت لهذا،و لكن ابن أخي أخبرني و لم يكذبني:إنّ اللّه تعالى قد أخبره بحال صحيفتكم،فابعثوا إلى صحيفتكم فإن كان حقّا فاتّقوا اللّه،و ارجعوا عمّا أنتم عليه من الظلم و قطيعة الرحم،و إن كان باطلا دفعته إليكم.فأتوا بها و فكّوا الخواتيم،فإذا فيها (باسمك اللّهم)و اسم(محمّد)فقط.فقال لهم أبو طالب:اتّقوا اللّه و كفّوا عمّا أنتم عليه.فسكتوا و تفرّقوا.فنزل: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ» (1)

النحل:125. [1]

.قال:كيف أدعوهم و قد صالحوا على ترك الدعوة؟فنزل: «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ» (2).فسأل النبيّ صلى اللّه عليه و آله أبا طالب الخروج من الشعب،فاجتمع سبعة نفر من قريش على نقضها،و هم مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف الّذي أجار النبيّ صلى اللّه عليه و آله لمّا انصرف من الطائف،و زهير بن أميّة المخزومي ختن أبي طالب على ابنته عاتكة،و هشام بن عمرو بن لؤي بن غالب و أبو البختري بن هاشم،و زمعة بن الأسود بن المطلب،و قال هؤلاء الخمسة:أخرقها اللّه،و عزموا أن يقطعوا يمين كاتبها،و هو منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فوجدوها شلاّ قد قطعها اللّه،فأخذ النبيّ صلى اللّه عليه و آله في الدعوة،و في ذلك يقول أبو طالب:

و قد كان من أمر الصحيفة عبرة متى ما يخبّر غائب القوم يعجب

محا اللّه منها كفرهم و عقوقهم و ما نقموا من ناطق الحقّ معرب

و أصبح ما قالوا من الأمر باطلا و من يختلق ما ليس بالحقّ يكذب

فأمسى ابن عبد اللّه فينا مصدّقا على سخط من قومنا غير معتب

(3)


1) 1)

2) 2) الرعد:39. [2]

3) 3) المناقب لابن شهر آشوب 1:65. [3]

«مؤمننا يبغي» أي:يطلب.

«بذلك» أي:الجدّ في حفظ النبيّ صلى اللّه عليه و آله.

«الأجر» من اللّه تعالى.

«و كافرنا» من بني هاشم،حتّى مثل أبي لهب.

«يحامي» بدفاعه.

«عن الأصل» أي:عشيرته،روى(روضة الكافي)عن الصادق عليه السّلام،قال:

لمّا أرادت قريش قتل النبيّ صلى اللّه عليه و آله قالت:كيف لنا بأبي لهب.فقالت أمّ جميل:أنا أكفيكموه،أنا أقول له:إنّي أحبّ أن تقعد اليوم في البيت نصطبح.فلمّا أن كان من الغد،و تهيّأ المشركون للنبيّ صلى اللّه عليه و آله قعد أبو لهب و امرأته يشربان،فدعا أبو طالب عليّا عليه السّلام فقال له:يا بنيّ اذهب إلى عمّك أبي لهب فاستفتح عليه،فإن فتح لك فادخل،و إن لم يفتح لك فتحامل على الباب و اكسره و ادخل عليه،فاذا دخلت عليه فقل له:يقول لك أبي:إنّ امرأ عمّه عين في القوم،فليس بذليل.

فدخل عليه،و قال له ذلك،فقال:صدق أبوك،فما ذا يابن أخي؟فقال:يقتل ابن أخيك،و أنت تأكل و تشرب؟فوثب و أخذ سيفه،فتعلّقت به أمّ جميل،فرفع يده و لطم و جهها لطمة ففقأ عينها،فماتت و هي عوراء،و خرج أبو لهب و معه السيف،فلمّا رأته قريش عرفت الغضب في وجهه،فقالت:مالك يا أبا لهب؟ فقال:أبايعكم على ابن أخي،ثمّ تريدون قتله؟و اللات و العزّى لقد هممت أن أسلم،ثمّ تنظرون ما أصنع.فاعتذروا إليه و رجع (1)

الكافي للكليني 8:276 ح 418 و [1]النقل بتلخيص.

.

و في(كامل الجزري):عمد عقبة بن أبي معيط-و كان من أشدّ الناس أذى للنبيّ صلى اللّه عليه و آله-إلى مكتل فجعل فيه عذرة و جعله على باب النبيّ صلى اللّه عليه و آله فبصر به طليب بن عمير بن وهب بن عبد مناف بن قصي-و أمّه أروى بنت عبد


1) 1)

المطلب-و أخذ المكتل منه و ضرب به رأسه،و أخذ بأذنيه،فشكاه عقبة إلى أمّه.فقال:قد صار ابنك ينصر محمّدا.فقالت:و من أولى به منّا،أموالنا و أنفسنا دون محمّد (1)

الكامل لابن الأثير الجزري 2:74. [1]

.

«و من أسلم من قريش خلو ممّا نحن فيه بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه فهو من القتل بمكان أمن» في(الكامل):بلغ من بالحبشة من المسلمين أنّ قريشا أسلمت،فعاد منهم قوم و تخلّف قوم،فلمّا قربوا من مكّة بلغهم أنّ إسلام أهل مكّة باطل،فلم يدخل أحد منهم إلاّ بجوار أو مستخفيا،فدخل عثمان في جوار أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أميّة فأمن بذلك،و دخل أبو حذيفة بن عتبة (بن ربيعة بن عبد شمس)بجوار أبيه (2)،و كان الحصر في الشعب مختصا ببني هاشم و بني عبد المطلب .

«و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إذا أحمرّ البأس» أي:اشتدّ القتال.

«و أحجم الناس» جعل الجوهري(أجحم)بتقديم الجيم(و أحجم)بتقديم الحاء بمعنى واحد،أي:كفّ الناس (3).

«قدّم أهل بيته» في الحرب.

«فوقى بهم أصحابه حرّ الأسنّة و السيوف» هكذا في(المصرية)، و الصواب:(حرّ السيوف و الأسنّة)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (4)،و إنّما قدّمهم ليظهر على العالم أنّهم السّابقون في كلّ خير،و قد تأدّب بذلك من اللّه تعالى حيث قال له أوّلا: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (5)،


1) 1)

2) 2) الكامل لابن الأثير 2:77 و [2]النقل بتقطيع.

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 5:1883 مادة(حجم).

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 3:307،لكن في شرح ابن ميثم 4:359 [3] مثل المصرية أيضا.

5) 5) الشعراء:214. [4]

فجمع بني عبد المطّلب و أنذرهم باللّه،و أنّه أرسله إليهم،و قال له ثانيا: «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» (1)

طه:132. [1]

فكان يجيء كلّ يوم على باب عليّ و فاطمة عليهما السّلام و يقول:الصّلاة أهل البيت «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2).

كما أنّه صلى اللّه عليه و آله أخّر المدّعين في قبال أهل بيته للأمر عن سائر أصحابه ليعلم الناس تأخّرهم.

و في(معارف ابن قتيبة):كانت قريش يوم أحد في ثلاثة آلاف، و النبيّ صلى اللّه عليه و آله في سبعمائة،فظاهر يومئذ بين در عين،و أخذ سيفا فهزّه،و قال:

من يأخذه بحقّه؟فقال عمر:أنا.فأعرض عنه،و قال الزبير:أنا فأعرض عنه، فوجدا في أنفسهما.فقام أبو دجانة فأعطاه إيّاه (3)مع أنّه لم يكن من المدعين جدّ باقي أصحابه.

و في(كامل الجزري)و انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر و طلحة(يوم أحد)في رجال من المهاجرين قد ألقوا بأيديهم فقال:ما يحبسكم؟قالوا:قد قتل النبيّ صلى اللّه عليه و آله.قال:فما تصنعون بالحياة بعده؟موتوا على ما مات عليه.ثمّ استقبل القوم فقاتل حتّى قتل،فوجد به سبعون ضربة و طعنة،و ما عرفته إلاّ أخته،عرفته بحسن بنانه (4).


1) 1)

2) 2) أمّا الأول فمن مسلمات التاريخ،جمع كثيرا من طرقه السيوطي في الدر المنثور 5:95-98،و [2]أمّا الثاني فأخرجه ابن عساكر في ترجمة علي عليه السّلام 1:272 ح 320،و [3]تفسير القمي 2:67،و [4]الحسكاني بثلاث طرق في شواهد التنزيل 1:381 ح 526،و 2:2 [5]8 ح 667،668،و ابن مردويه و ابن النجار عنهما الدرّ المنثور 4:313 و [6]رواه الطبرسي بطرق في مجمع البيان 7:37،و غيرهم،و الآية 33 من سورة الأحزاب. [7]

3) 3) المعارف لابن قتيبة:159. [8]

4) 4) الكامل لابن الأثير الجزري 2:156،158 سنة 3. [9]

و انتهت الهزيمة بجماعة المسلمين فيهم عثمان بن عفان و غيره إلى الأعوص،فأقاموا به ثلاثا،ثمّ أتوا النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقال لهم حين رآهم:لقد ذهبتم فيها عريضة (1)

الكامل لابن الأثير الجزري 2:156،158 سنة 3. [1]

.

هذا،و نظير كلامه عليه السّلام في هذا الكتاب كتاب أنشأه المعتضد الخليفة العبّاسي في لعن معاوية رواه الطبري،فقال:قال المعتضد في كتابه:إنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا ابتعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله بدينه،و أمره أن يصدع بأمره بدأ بأهله و عشيرته،فدعاهم إلى ربّه و أنذرهم و بشّرهم و نصح لهم و أرشدهم،فكان من استجاب له و صدّق قوله و اتّبع أمره نفر يسير من بني أبيه من بين مؤمن بما أتى به من ربّه و بين ناصر له،و إن لم يتّبع دينه إعزازا له و إشفاقا عليه، لماضي علم اللّه فيمن اختار منهم،و نفذت مشيئته فيما يستودعه إيّاه من خلافته و إرث نبيّه،فمؤمنهم مجاهد بنصرته و حميّته يدفعون من نابذه، و ينهرون من عازّه و عانده،و يتوثقون له ممّن كانفه و عاضده،و يبايعون له من سمح بنصرته،و يتجسّسون له أخبار أعدائه،و يكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأي العين،حتّى بلغ المدى و حان وقت الاهتداء،فدخلوا في دين اللّه و طاعته و تصديق رسوله،و الايمان به بأثبت بصيرة،و أحسن هدى و رغبة،فجعلهم اللّه أهل بيت الرّحمة،و أهل البيت الذين أذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا (2).

«فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر» إنّما عدّ صلى اللّه عليه و آله عبيدة في أهل بيت النبيّ مع كونه مطّلبيا فإنّه عبيدة بن الحارث بن المطلب،و اجتماعه مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله في عبد مناف،كبني عبد شمس،لأنّ بني المطّلب كانوا مع بني هاشم متّفقين،


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 8:184 سنة 284. [2]

كبني نوفل مع بني عبد شمس،و لأنّ الأصل في النسبة إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله الايمان و العمل،فصار سلمان بذلك مع عجمته من أهل بيته (1)

هذا إشارة إلى حديث النبي صلى اللّه عليه و آله:«سلمان منّا أهل البيت»،و أخرجه الحاكم في المستدرك و الطبراني في معجمه الكبير عنهما الجامع الصغير 2:33 و أبو يعلي في مسنده عنه المطالب العالية 4:83 ح 4025 و الواقدي في المغازي 1:446،و ابن سعد بطريقين في الطبقات 4:ق 1:59 و 7:ق 2:65،و غيرهم،و أما سياق فلان منّا أهل البيت فقد جاء في أفراد آخرين،منهم:أبو ذر و المقداد و عمار و جابر بن عبد اللّه و غيرهم.

،و صار أبو لهب مع كونه لبابا في الهاشمية أجنبيا عنه صلى اللّه عليه و آله.

و اختلفت الإمامية في جواز إعطائهم الخمس،فالمشهور بينهم المنع، و اختصاص الخمس بالهاشمي.و ذهب الإسكافي،و المفيد في الغريّة إلى الجواز،استنادا إلى ما روي عن الصادق عليه السّلام:«لو كان عدل ما احتاج هاشمي و لا مطلبي إلى صدقة» (2).

و اختلف في قاتل عبيدة،فقال المفيد (3)و الواقدي (4)و البلاذري (5):قاتله شيبة.و قال ابن إسحاق (6)،و ابن قتيبة (7)،و عليّ بن إبراهيم القمي (8):قاتله عتبة.فروى المفيد مسندا عن أبي رافع،قال:لمّا أصبح الناس يوم بدر اصطفّت قريش،و أمامها عتبة بن ربيعة و أخوه شيبة و ابنه الوليد،فنادى عتبة:يا محمّد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش.فبدر إليهم ثلاثة من شبّان الأنصار،فقال لهم عتبة:من أنتم؟فانتسبوا له،فقال لهم:لا حاجة لنا إلى


1) 1)

2) 2) الاستبصار للطوسي 2:36 ح 6،و التهذيب 4:59 ح 6 و نقل هذه الأقوال العلاّمة الحلّي في المختلف 1:205.

3) 3) الإرشاد للمفيد:41. [1]

4) 4) المغازي للواقدي 1:69.

5) 5) أنساب الاشراف للبلاذري 1:297. [2]

6) 6) سيرة ابن هشام 2:251،و [3]الظاهر انه نقل عن ابن اسحاق لكن لم يصرح به.

7) 7) المعارف لابن قتيبة:157.

8) 8) تفسير القمي 1:264. [4]

مبارزتكم،إنّما طلبنا بني عمّنا.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله للأنصار:ارجعوا إلى مواقفكم.ثمّ قال:قم يا عليّ،قم يا حمزة،قم يا عبيدة،قاتلوا على حقّكم الّذي بعث اللّه به نبيّكم،إذا جاءوا بباطلهم «لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ» (1)

الصف:8. [1]

.فقاموا فصفّوا للقوم،و كان عليهم البيض فلم يعرفوا،فقال لهم عتبة:تكلّموا،فإن كنتم أكفاء قاتلناكم.فقال حمزة:أنا حمزة بن عبد المطلّب أسد اللّه،و أسد رسوله.فقال عتبة:كفو كريم.و قال أمير المؤمنين:أنا عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب، و قال عبيدة:أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب.فقال عتبة لابنه الوليد:قم.

فبرز إليه أمير المؤمنين-و كانا إذ ذاك أصغر الجماعة سنّأ-فاختلفا ضربتين، أخطأت ضربة الوليد أمير المؤمنين عليه السّلام،و اتّقى بيده اليسرى ضربة أمير المؤمنين عليه السّلام،فأبانتها-فروي أنّه عليه السّلام كان يذكر بدرا و قتله الوليد،فقال:

«كأنّي إلى وميض خاتمه في شماله ثمّ ضربته ضربة أخرى فصرعته، و سلبته،فرأيت به درعا من خلوق،فعلمت أنّه قريب عهد بعرس»-ثم بارز عتبة حمزة فقتله حمزة،و مشى عبيدة-و كان أسنّ القوم-إلى شيبة فاختلفا ضربتين،فأصاب ذباب سيف شيبة عضلة ساق عبيدة،فمات بالصفراء،و في قتل عتبة و شيبة و الوليد تقول هند بنت عتبة:

أيا عين جودي بدمع سرب على خير خندف لم ينقلب

تداعي له رهطه غدوة بنو هاشم و بنو المطلب

يذيقونه حدّ أسيافهم يعرّونه بعد ما قد شجب

(2)و قال القمّي:نظر عتبة إلى أخيه شيبة و إلى ابنه الوليد،فقال:قم يا بنيّ. و طلبوا له بيضة تسع رأسه فلم يجدوها لعظم هامته،فاعتجر بعمامته،ثمّ أخذ


1) 1)

2) 2) الإرشاد للمفيد:40 و [2]النقل بتصرف يسير.

سيفه،و تقدّم هو و أخوه و ابنه،و نادي:يا محمّد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش...

قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:يا عبيدة،عليك بعتبة.و قال لحمزة:عليك بشيبة.و قال لعليّ عليه السّلام:عليك بالوليد.فمرّوا حتّى انتهوا إلى القوم،فقال عتبة:من أنتم؟قال عبيدة:أنا عبيدة.قال:كفو كريم.فمن هذان؟قال:حمزة و عليّ.فقال:كفوان كريمان،لعن اللّه من أوقفنا و إيّاكم هذا الموقف-قال الشارح:و مراده أبو جهل-فقال شيبة لحمزة:من أنت؟قال:حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه و أسد رسوله.فقال له شيبة:لقد لقيت أسد الحلفاء،فانظر كيف تكون صولتك يا أسد اللّه؟فحمل عبيدة على عتبة،فضربه على رأسه ضربة فلق هامته،و ضرب عتبة عبيدة على ساقه،فقطعها و سقطا جميعا.و حمل حمزة على شيبة، فتضاربا بالسيفين حتّى تثلما،و كلّ واحد يتقي بدرقته،و حمل أمير المؤمنين على الوليد،فضربه على حبل عاتقه،فأخرج السيف من أبطه.ثمّ اعتنق حمزة و شيبة،فقال المسلمون لأمير المؤمنين عليه السّلام:أمّا ترى الكلب قد بهر عمّك؟.

فحمل عليه عليّ عليه السّلام ثمّ قال:يا عمّ طأطئ رأسك.-و كان حمزة أطول من شيبة-فأدخل حمزة رأسه في صدره،فضربه على رأسه فطنّ نصفه.ثمّ جاء إلى عتبة،و به رمق فأجهز عليه،و حمل علي عليه السّلام و حمزة عبيدة حتّى أتيا به النبيّ صلى اللّه عليه و آله،فنظر إليه و استعبر،فقال عبيدة للنبيّ صلى اللّه عليه و آله:بأبي أنت و أمي أ لست شهيدا؟قال:بلى،أنت أوّل شهيد من أهل بيتي.فقال:لو أنّ عمّك كان حيّا لعلم أنّي أولى بما قال منه.قال:و أيّ أعمامي تعني؟قال:أبو طالب حيث يقول:

كذبتم و بيت اللّه نبزي محمّدا و لمّا نطاعن دونه و نناضل

و ننصره حتى نصرّع حوله و نذهل عن أبنائنا و الحائل

فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أما ترى ابنه عليّا كالليث العادي بين يدي اللّه و رسوله، و ابنه الآخر جعفر في جهاد اللّه بأرض الحبشة؟!فقال:أسخطت عليّ يا رسول

اللّه في هذه الحالة؟قال:لا،و لكن ذكرت عمّي فانقبضت لذلك (1)

تفسير القمي 1:264 و [1]النقل بتصرف يسير.

.

و الصحيح القول الأخير،لبيت هند بنت عتبة في قتل أبيها(بنو هاشم و بنو المطلب)على ما مر في أبياتها،فإنّه لا ينطبق إلاّ على القول الأخير المشتمل على أنّ عبيدة صرع عتبة-و عبيدة من بني المطلب-و أجهز عليه أمير المؤمنين عليه السلام و هو من بني هاشم.

و يشهد له قول هند بنت أثاثة المطلبية في جواب هند بنت عتبة،كما في (سيرة ابن هشام):

حمزة ليثي و عليّ صقري إذ رام شيب و أبوك غدري

فخضّبا منه ضواحي النحر

(2)و يشهد له قول أمير المؤمنين عليه السّلام إلى معاوية:«أنا قاتل جدّك»،ففي (النهج)في العاشر من باب كتبه:«فأنا أبو حسن قاتل جدّك و خالك و أخيك شدخا يوم بدر» (3)،و في(28)منها:«و سيوف هاشمية قد عرفت مواقع نصالها في أخيك و خالك و جدّك و أهلك» (4)،و في(64)منها:«و عندي السيف الّذي أعضضته بجدّك و خالك و أخيك في مقام واحد» (5). و ممّا ذكرنا من اختلاف روايات الشيعة في قاتل عبيدة كروايات العامّة،يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد:إنّ الشيعة رووا كون قرن عبيدة شيبة (6)،فالقمي من قدماء الشيعة،و قد روى أنّ قرنه عتبة كما عرفت.


1) 1)

2) 2) سيرة ابن هشام 3:37. [2]

3) 3) نهج البلاغة 3:11. [3]

4) 4) نهج البلاغة 3:35. [4]

5) 5) نهج البلاغة 3:123. [5]

6) 6) شرح ابن أبي الحديد 3:338 نقلا عن إرشاد المفيد.

هذا،و روى(طبقات ابن سعد)أنّ قوله تعالى: «هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ» (1)

الحج:19. [1]

نزل في عليّ و حمزة و عبيدة،و في عتبة و شيبة و الوليد (2).

و في(معارف ابن قتيبة):بدر:كان اسم رجل من غفار رهط أبي ذر من بطن يقال لهم:بنو النار (3).

«و قتل حمزة يوم أحد» قال القمّي:كان حمزة يحمل على القوم،فإذا رأوه انهزموا و لم يثبت له أحد،و كانت هند بنت عتبة قد أعطت وحشيا عهدا:لئن قتلت محمّدا أو عليّا أو حمزة لأعتقنّك.و كان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا،فقال:أمّا محمّد فلا أقدر عليه،و أمّا عليّ فرأيته رجلا كثير الالتفات حذرا.فكمن لحمزة،فرآه يهذّ الناس هذّا،فمرّ به،فوطأ على حرف نهر،فسقط، فأخذ وحشي حربته،فهزّها و رماها،فوقعت في خاصرته،و خرجت من مثانته منغمسة بالدم،فسقط فأتاه،فشقّ بطنه و أخذ كبده و أتى إلى هند،فقال لها:كبد حمزة.فأخذتها في فيها فلاكتها.فجعلها اللّه في فيها مثل الفضة.

فلفظتها،و رمت بها.فبعث اللّه تعالى ملكا فردّها إلى موضعها،أبي اللّه أن يدخل شيئا من حمزة النار.فجاءت إليه هند،فقطعت مذاكيره و قطعت أذنيه و جعلتهما خرصين،و شدّتهما في عنقها،و قطعت يديه و رجليه...قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:من له علم بعمّي حمزة؟فقال الحرث بن الصمّة:أنا أعرف موضعه.فجاء حتّى وقف عليه،فكره أن يرجع إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله فيخبره بذلك.

فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام:أطلب عمّك.فجاء حتّى وقف عليه،فكره


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 2 [2] ق 1:11 و 3 ق 1:10.

3) 3) المعارف لابن قتيبة:152. [3]

أن يرجع،فجاء النبيّ صلى اللّه عليه و آله،فلمّا رأى ما فعل به بكى،ثمّ قال:ما وقفت موقفا قطّ أغيظ عليّ من هذا المكان،لئن أمكنني اللّه من قريش لأمثّلن بسبعين رجلا منهم.فنزل عليه جبرئيل عليه السّلام بهذا: «وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ» (1)

النحل:126. [1]

.فقال:بل أصبر (2).

«و قتل جعفر يوم مؤتة» قال الجوهري:مؤتة بالهمزة:اسم أرض قتل بها جعفر ابن أبي طالب رضى اللّه عنه،و أمّا موتة بالضمّ:فجنس من الجنون و الصّرع يعتري الإنسان،فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله،كالنائم و السكران (3).

و في(البلدان):مؤتة من قرى البقاء في حدود الشام،و قيل:من مشارف الشام الّتي تنسب إليها المشرفيه من السيوف،كما فسّر به ابن السكّيت قول كثير:

أبى اللّه للشمّ الأنوف كأنّهم صوارم يجلوها بمؤتة صيقل

(4)و في(كامل الجزري):كانت غزوة مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان،تجهز الناس و هم ثلاثة آلاف حتّى نزلوا(معان)،فبلغهم أنّ هرقل سار إليهم في مائة ألف من الروم،و مائة ألف من المستعربة من لخم و جذام و بلقين و بلى،عليهم رجل من بلى يقال له:مالك بن رافلة،و نزلوا(مآب)من أرض البلقاء.فأقام المسلمون بمعان ليلتين ينظرون في أمرهم،و قالوا:نكتب إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله نخبره الخبر و ننتظر أمره،فشجّعهم عبد اللّه بن رواحة و قال:يا قوم و اللّه إنّ الذي تكرهون للّذي خرجتم تطلبون الشهادة،و ما نقاتل الناس بعدد و لا قوّة،و لا نقاتلهم إلاّ بهذا الدين،فانطلقوا فما هي إلاّ إحدى الحسنيين


1) 1)

2) 2) تفسير القمي 1:116 و [2]النقل بتصرف يسير.

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 1:268 [3] مادة(مأت).

4) 4) معجم البلدان للحموي 5:220 و [4]النقل بالمعنى.

(إمّا ظهور،و إمّا شهادة).فالتقتهم جموع الروم و العرب بقرية من البلقاء يقال لها:مشارف،و انحاز المسلمون إلى قرية يقال لها:مؤتة.فالتقى الناس عندها، و كان على ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذري،و على ميسرتهم عباية بن مالك الأنصاري،فاقتتلوا قتالا شديدا،فقاتل زيد بن حارثة براية النبيّ صلى اللّه عليه و آله حتّى شاط في رماح القوم،ثمّ أخذها جعفر بن أبي طالب،فقاتل و هو يقول:

يا حبذا الجنّة و اقترابها طيّبة و باردا شرابها

و الروم روم قد دنا عذابها عليّ إذ لاقيتها ضرابها

فلما اشتدّ القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها،ثمّ قاتل القوم حتّى قتل،و كان جعفر أوّل من عقر فرسه في الاسلام،فوجدوا به بضعا و ثمانين بين رمية و ضربة و طعنة،فلمّا قتل أخذ الراية عبد اللّه بن رواحة... (1)

الكامل لابن الأثير الجزري 2:234 سنة 8 و [1]النقل بتقطيع.

قال ابن أبي الحديد:اتّفق المحدّثون على أنّ زيد بن حارثة هو كان الأمير الأوّل،و أنكرت الشيعة ذلك،و قالوا:كان جعفر بن أبي طالب هو الأمير الأوّل،فإن قتل فزيد بن حارثة،فإن قتل فعبد اللّه بن رواحة.و رووا في ذلك روايات،و قد وجدت في الأشعار التي ذكرها محمّد بن إسحاق في كتاب (المغازي)ما يشهد لقولهم،فمن ذلك ما رواه عن حسان بن ثابت و هو:

و لا يبعدنّ اللّه قتلي تتابعوا بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر

و زيد و عبد اللّه حين تتابعوا جميعا و أسياف المنيّة تخطر

رأيت خيار المؤمنين تواردوا شعوب و خلق بعدهم يتأخّر

غداة غدوا بالمؤمنين يقودهم إلى الموت ميمون النقيبة أزهر

أغرّ كضوء البدر من آل هاشم أبي إذا سيم الظلامة أصعر

فطاعن حتّى مال غير موسّد بمعترك فيه القنا متكسر


1) 1)

فصار مع المستشهدين ثوابه جنان و ملتفّ الحديقة أخضر

و كنّا نرى في جعفر من محمّد وقارا و أمرا حازما حين يأمر

و منها قول كعب بن مالك الأنصاري:

نام العيون و دمع عينك يهمل سحّا كما و كف الرباب المسبل

وجدا على النفر الّذين تتابعوا قتلى بمؤتة أسندوا لم ينقلوا

ساروا أمام المسلمين كأنّهم طود يقودهم الهزبر المشبل

إذ يهتدون بجعفر و لوائه قدام،أوّلهم و نعم الأوّل

حتّى تقوّضت الصفوف و جعفر حيث التقى جمع الغواة مجدّل

فتغيّر القمر المنير لفقده و الشمس قد كسفت و كادت تأفل

(1)قلت:لم يختصّ كون جعفر أمير الكل و الأمير الأوّل روايته بالشيعة،فقد روى ذلك كاتب الواقدي في(طبقاته)مع كونه ناصبيا شديد النصب،فقال:

أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضي الكوفة،قال:أخبرنا عيسى بن المختار عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سالم بن أبي الجعد عن أبي اليسر عن أبي عامر قال:بعثني النبيّ صلى اللّه عليه و آله إلى الشام،فلمّا رجعت مررت على أصحابي و هم يقاتلون المشركين بمؤتة قلت:و اللّه لا أبرح اليوم حتّى انظر إلى ما يصير إليه أمرهم.فأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب،و لبس السلاح ثمّ حمل جعفر حتّى إذا همّ أن يخالط العدو رجع،فوحش بالسلاح ثمّ حمل على العدو و طاعن حتّى قتل،ثمّ أخذ اللواء زيد بن حارثة،و طاعن حتّى قتل،ثمّ أخذ اللواء عبد اللّه ابن رواحة و طاعن حتى قتل،ثمّ انهزم المسلمون أسوأ هزيمة (2).


1) 1) نقله عن ابن اسحاق ابن هشام في السيرة 4:18 [1] بتفاوت في ترتيب الأبيات،و قاله ابن ابي الحديد في شرحه 3: 411 و النقل بإسقاط بعض الأبيات.

2) 2) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 ق 1:94،و فيه بعد قوله في جعفر«و ليس السلاح»ما لفظه:«و قال غيره أخذ زيد اللواء،و كان رأس القوم».

فظهر أنّ ما قاله من كون الأمير الأوّل زيد مشهوري بين محدّثيهم لا اتّفاقي،و كأنّهم شهّروا تقدّم زيد على جعفر دفعا لعار تأمير النبيّ صلى اللّه عليه و آله زيدا، و ذاك على صدّيقهم و فاروقهم في سرايا قبل ذلك،و تأمير ابنه أسامة في مرض وفاته صلى اللّه عليه و آله أيضا على الصدّيق و الفاروق،و قد طعنا في النبيّ صلى اللّه عليه و آله في تأميرهما عليهما،حتّى خطب النبيّ صلى اللّه عليه و آله في مرض وفاته لمّا أمّر أسامة عليهما،و حثّ على شخوصهما في جيشه حتّى لعن المتخلّف عن جيشه،كما رواه(سقيفة الجوهري) (1)

السقيفة للجوهري:74.

، و صرّح به(ملل الشهرستاني) (2).فقال صلى اللّه عليه و آله لهم، كما في(طبقات كاتب الواقدي):إن طعنتم في أسامة بن زيد فقد طعنتم قبل على أبيه زيد بن حارثة،و حقّ لهما الإمارة (3).

و من الطرائف أنّ الجزريّ قال:إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله أخبر عن تلك الواقعة، فقال:فقتل زيد شهيدا فاستغفر له،ثمّ أخذ اللواء جعفر،فشدّ على القوم حتّى قتل شهيدا فاستغفر له...قال:ثمّ أخذ الراية سيف من سيوف اللّه خالد بن الوليد،فعاد بالناس.فمن يومئذ سمّي خالد سيف اللّه...فلمّا رجع الجيش لقيهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله فأخذ عبد اللّه بن جعفر فحمله بين يديه،فجعل الناس يحثون التراب على الجيش،و يقولون:يا فرّار يا فرّار... (4).

فإذا كان خالد من سيوف اللّه،كيف يحثو المسلمون التراب عليه،و على


1) 1)

2) 2) الملل و النحل للشهرستاني 1:29.

3) 3) أخرجه ابن سعد بسبع طرق في الطبقات 2 ق 1:136،و 2 ق 2:41،و 4 ق 1:45 و 46 و 47،و أخرجه أيضا مسلم بطريقين في صحيحة 4:1884 ح 63 و 64،و الترمذي بطريقين في سننه 5:676 ح 3816،و أحمد بطرق في مسنده 2:89،و غيره،و الواقدي في المغازي 2:1119،و الطبري بطريقين في تاريخه 2:429،و 431 سنة 11 بفرق يسير لفظي.

4) 4) الكامل لابن الأثير 2:237 سنة 8،و [1]سيأتي حديث ابي سعيد الخدري في الباب و ذيل الحديث.

جيشه،و يقولون لهم:يا فرّار يا فرّار؟فهذا يدلّ على أنّه كان من البائين بغضب اللّه-حسب قوله تعالى: «وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ» (1)

الأنفال:16. [1]

-لا من سيوف اللّه.

و قد روى الواقديّ عن ثعلبة بن أبي مالك،قال:انكشف خالد بن الوليد يومئذ حتّى عيّروا بالفرار،و تشاءم الناس به (2).

و روى عن أبي سعيد الخدري،قال:أقبل خالد بن الوليد بالناس منهزما، فلمّا سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين تلقوهم بالجرف،فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب،و يقولون:يا فرّار أ فررتم في سبيل اللّه (3)؟ إنّ إخواننا يدّعون الكمال و يأتون بالتناقض،و أغلب تواريخهم هكذا مختلطة بأحاديثهم الموضوعة،فهل صار خالد بن الوليد-بانهزامه يوم مؤتة بالمسلمين أو بهزيمة أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله في أحد حتّى قتل منهم سبعون، و منهم حمزة سيّد الشهداء عمّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله،أو بإرادة قتله لأمير المؤمنين عليه السّلام للأوّل،أو بغدره ببني جذيمة بعد فتح مكّة بعد أمانهم،فلمّا انتهى الخبر إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله رفع يديه إلى السماء،كما في الطبري (4)ثمّ قال:اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد.ثمّ بعث أمير المؤمنين عليه السّلام فأعطاهم الدية،و عوض أموالهم حتّى ميلغة كلابهم،و أعطاهم زيادة على ما عيّنوا احتياطا للنبيّ صلى اللّه عليه و آله،


1) 1)

2) 2) المغازي للواقدي 2:764. [2]

3) 3) المغازي للواقدي 2:764،و [3]عن أبي سعيد الخدري،و ابن هشام في السيرة 4:16،و [4]الطبري في تاريخه 2:323 سنة 8،و [5]رواه الطبرسي في اعلام الورى:104، [6]عن عروة بن الزبير و أخرجه رزين عنه جامع الأصول 9:252 ح 6129،عن النعمان بن بشير،و للحديث ذيل نصفه:«فيقول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ليسوا بفرّار و لكنهم كرّار ان شاء اللّه».

4) 4) أخرجه الطبري في تاريخه 2:341 سنة 8،و [7]ابن هشام في السيرة 4:54،و [8]الواقدي في المغازي 2:881،و [9]ابن سعد في الطبقات 2 ق 1:106،و النسائي في سننه 8:237،و أحمد في مسنده 2:150. [10]

ثمّ رجع و أخبر النبيّ صلى اللّه عليه و آله بما فعل.فقال:أصبت و أحسنت،ثمّ قام و استقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتّى أنّه ليرى بياض ما تحت منكبيه،و هو يقول:

«اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد»ثلاث مرّات،أو بغدره بمالك بن نويرة و قتله له بغير حقّ و زناه بامرأته،حتّى أنكر ذلك عمر على أبي بكر و على خالد غاية الإنكار-من سيوف اللّه؟فلو كانوا لقّبوه لأعماله سيف الشيطان كان-لعمر اللّه-أصدق و أقرب إلى الحقّ و الحقيقة.و لم لم يقتد أبو بكر بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله في تبرّئه من خالد مع قتله لطائفة من المشركين كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله آمنهم،و نفسه كان آمنهم حتّى وضعوا أسلحتهم،فكيف لم يتبرأ منه أبو بكر مع قتله لمؤمن آمنه؟و لعمر اللّه ما لقّبه سيف اللّه إلاّ صدّيقهم لمّا طلب عمر منه أن يقيد من خالد لقتله مسلما،و يجري عليه الحدّ لزناه بامرأته، فقال:ما كانت لأغمد سيفا سلّه اللّه (1)

تأريخ الطبري 2:503 سنة 11 بلفظ:«يا عمر لم أكن لأشيم سيفا سلّه اللّه على الكافرين».

.

فإن كان إخواننا و ضعوا أحاديث لتصحيح عمل صدّيقهم،فما يفعلون باستهزاء فاروقهم لصدّيقهم بتسميته لخالد:سيف اللّه،بأنّ في سيف اللّه هذا رهقا و طغيانا (2)؟ سبحان اللّه من تناقضاتهم،و الحمد للّه على فضحه للكاذب.فقالوا:إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله سمّاه سيف اللّه في انهزامه بالمسلمين،مع أنّ المسلمين تشأموا به و كانوا يحثون التراب في وجهه لمّا رجع،كما مرّ من الواقدي.

و من العجب أنّهم سمّوا خالدا مع أعماله تلك:سيف اللّه،و لا يسمّون الأشتر به،مع مقاماته في الجمل و صفّين و النهروان و جهاده مع الناكثين و القاسطين و المارقين،و عدم كون أحد أظهر آثارا منه حتّى مثل عمّار،مع أنّ


1) 1)

2) 2) تأريخ الطبري 2:503 سنة 11 بلفظ:«قال عمر لأبي بكر:انّ في سيف خالد رهقا».

أمير المؤمنين عليه السّلام وصفه به محقّقا،فكتب إلى أهل مصر لمّا بعثه إليهم:«فإنّه سيف من سيوف اللّه لا كليل الظبّة،و لا نابي الضريبة» (1)

نهج البلاغة للشريف الرضي 3:63 [1] الكتاب(38).

مع كون أمير المؤمنين عليه السّلام كنفس النبيّ صلى اللّه عليه و آله بنص القرآن (2)،و بالوجدان و العيان؟و هل كلّ ذلك إلاّ لعداوتهم مع أهل بيت نبيّهم عليهم السّلام؟! ثمّ لم يختص أشعار(مغازي محمّد بن إسحاق)الدالة على كون جعفر الأمير الأوّل بما قال ابن أبي الحديد،فيدلّ عليه أيضا ما نقله عنه ابن هشام في (سيرته)عمّن رجع من غزوة مؤتة:

كفى حزنا أنّي رجعت و جعفر و زيد و عبد اللّه في رمس أقبر

قضوا نحبهم لمّا مضوا لسبيلهم و خلّفت للبلوى مع المتغير

ثلاثة رهط قدّموا فتقدّموا إلى ورد مكروه من الموت أحمر

(3)و أيضا فلا ريب أنّ جعفرا كان أفضل من زيد،فكيف يقدّم النبي صلى اللّه عليه و آله عليه المفضول؟هل كان دين النبيّ صلى اللّه عليه و آله،أو عمل النبيّ صلى اللّه عليه و آله على خلاف مقتضى العقول؟ هذا،و كما كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله يقدّم أهل بيته في اشتداد الحروب،كذلك أهل بيته كانوا هم الباقين معه صلى اللّه عليه و آله وقت انهزام الناس عنه صلى اللّه عليه و آله.ففي(معارف ابن قتيبة):كان الّذين ثبتوا يوم حنين مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله بعد هزيمة الناس عليّ عليه السّلام و العبّاس-و هو آخذ بحكمة بغلته-و ابنه الفضل،و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب،و أيمن بن أمّ أيمن مولاة النبيّ صلى اللّه عليه و آله-و قتل يومئذ-و ربيعة بن


1) 1)

2) 2) انظر آية المباهلة 61 [2] من سورة آل عمران: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» ،فمع الرجوع إلى سبب النزول يظهر أن المراد بأنفسنا:علي عليه السّلام.

3) 3) سيرة ابن هشام 4:21. [3]

حارث بن عبد المطلب،و أسامة بن زيد مولى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و هو و أخوه لأمّه أيمن،و إن لم يكونا من نفس بني هاشم،بل من مواليهم،إلاّ أنّ مولى القوم منهم،قال العباس:

نصرنا رسول اللّه في الحرب سبعة و قد فرّ من فرّ منهم فأقشعوا

و ثامننا لاقى الحمام بسيفه بما مسّه في اللّه لا يتوجع

(1)و أمّا هو عليه السّلام،فمواساته مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و وقايته له بنفسه لا يحتاج إلى بيان،ففي أحد لمّا انهزم المسلمون،و قصد المشركون لقتل النبيّ صلى اللّه عليه و آله،قال الطبري:أبصر النبيّ صلى اللّه عليه و آله جماعة من مشركي قريش،فقال لعليّ عليه السّلام:احمل عليهم.فحمل عليهم ففرّق جمعهم،و قتل عمرو بن عبد اللّه الجمحي،ثمّ أبصر النبيّ صلى اللّه عليه و آله جماعة من مشركي قريش،فقال لعلي عليه السّلام:احمل عليهم.فحمل عليهم ففرّق جماعتهم،و قتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي.فقال جبرئيل:يا رسول اللّه إنّ هذه للمواساة.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:إنّه منّي و أنا منه.

فقال جبرئيل:و أنا منكما.فسمعوا صوتا:

لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ عليّ

(2)

33

في آخر فصل اختيار غريب كلامه عليه السّلام

من الباب الثّالث)

و في حديثه عليه السّلام:

كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا؟بِرَسُولِ اللَّهِ؟- ص فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ


1) 1) المعارف لابن قتيبة:164 و [1]النقل بتصرف.

2) 2) تاريخ الطبري 2:197 سنة 3،و [2]أما حديث«لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي»فقد مرّ تخريجه عن طرق كثيرة في شرح فقرة«و الفضائل الجمّة»من شرح خطبة الرضي.

«و معنى ذلك انّه اذا عظم الخوف من العدو،و اشتد عضاض الحرب، فزع المسلمون إلى قتال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،فينزل اللّه عليهم النصر به،و يأمنون مما كانوا يخافونه بمكانه،و قوله عليه السّلام:إذا احمر البأس كناية عن اشتداد الأمر و الحرب،و قد قيل في ذلك أقوال أحسنها:إنّه عليه السّلام شبّه حمي الحرب بالنّار التي تجمع الحرارة و الحمرة بفعلها و لونها،و مما يقوي ذلك قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم،و قد رأى مجتلف الناس يوم حنين،و هي حرب هوازن:«الآن حمي الوطيس»و الوطيس:مستوقد النار.فشبّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ما استحر من جلاد القوم باحتدام النار،و شدّة التهابها.انقضى هذا الفصل،و رجعنا إلى سنن الغرض الأول في هذا الباب».

أقول:رواه الطبري الطبري-تاريخ الطبري-ج 2 ص 135 سنة 2 مع اختلاف يسير،فروى عن جعفر بن محمّد البزوري،عن عبيد اللّه بن موسى،عن إسرائيل،عن أبي اسحاق،عن حارثة، عن علي عليه السّلام،قال:لمّا أن كان يوم بدر،و حضر الناس اتّقينا برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، فكان من أشدّ الناس بأسا،و ما كان منّا أحد أقرب إلى العدوّ منه (1)

تاريخ الطبري 2:135 سنة 2. [1]

.

و رواه أبو عبيد مثل نقل المصنّف،فنقله كتاب(لسان العرب)عنه، هكذا:كنّا إذا احمرّ البأس اتّقيناه برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،فلم يكن أحد أقرب إليه منه (2).

«كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله» في(تفسير القمي):لمّا رأى النبيّ-انهزم أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله(يوم أحد)هزيمة قبيحة،و أقبلوا يصعدون في الجبال و في كلّ وجه-فلمّا رأى النبيّ صلى اللّه عليه و آله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه و قال:إنّي أنا رسول اللّه.إلى أين تفرّون عن اللّه و عن رسوله؟ (3)


1) 1)

2) 2) لسان العرب لابن منظور 4:210،211 [2] مادة(حمر).

3) 3) تفسير القمي 1:114. [3]

و في(اليعقوبي):أنّه كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله يوم أحد رأى أن لا يخرج من المدينة،فأشارت عليه الأنصار بالخروج.فلمّا لبس لباس الحرب ردّت إليه الأنصار الأمر،و قالوا:لا تخرج عن المدينة.فقال:الآن و قد لبست لامتي، و النبيّ إذا لبس لأمته لا ينزعها حتّى يقاتل،و يفتح اللّه عليه (1)

تاريخ اليعقوبي 2:47 و [1]النقل بتقطيع.

.

«فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدوّ منه» في(الطبري):كان فزع بالمدينة، فانطلق أهل المدينة نحو الصوت،فإذا هم قد تلقّوا النبيّ صلى اللّه عليه و آله على فرس عري لأبي طلحة،و ما عليه سرج و عليه السيف،و قد كان سبقهم إلى الصوت،فجعل يقول:يا أيّها النّاس!لن تراعوا لن تراعوا (2).

قول المصنّف«و معنى ذلك أنّه إذا عظم الخوف من العدوّ»لشدّته.

«و اشتدّ عضاض الحرب»شبّه المصنّف الحرب بكلب يعضّ.

«فزع»أي:التجأ.

«المسلمون إلى قتال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بنفسه»في(الطبري):قال محمّد بن إسحاق:قاتل النبيّ صلى اللّه عليه و آله بنفسه في تسع من غزواته:بدر،و أحد،و الخندق، و قريظة،و المصطلق،و خيبر،و الفتح،و حنين،و الطائف.و قال الواقدي:قاتل النبيّ صلى اللّه عليه و آله في إحدى عشرة من غزواته و عدّ تلك التسع و وادي القرى.قال:

و قتل فيها غلامه بسهم،و يوم الغابة،و قتل من المشركين،و قتل محرز بن نضلة يومئذ.و قال:لا خلاف في أنّ غزواته كانت سبعا و عشرين،إلاّ أنّه اختلف في تقديم بعضها على بعض (3).

«فينزل اللّه عليهم النصر به»هكذا في(المصرية)،و الصواب:(فينزل اللّه


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 2:427 سنة 10، [2]بروايتين.

3) 3) نقله عن ابن إسحاق و الواقدي الطبريّ في تاريخه 2:405،سنة 10. [3]فأمّا ما نقل عن ابن إسحاق فجاء في سيرة ابن هشام 4:189،نقلا عنه،و [4]ما نقل عن الواقدي فجاء في مغازيه 1:7.

تعالى النصر عليهم به)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 4:359، [1]لكن لم ينقل ابن ميثم في شرحه 5:375 هذه الفقرة أصلا.

.

«و يأمنون ممّا كانوا يخافونه»من غلبة العدوّ.

«بمكانة»متعلّق بقوله:«و يأمنون».

«و قوله عليه السّلام: إذا احمرّ البأس كناية عن اشتداد الأمر و الحرب»و لا ريب في أنّ المراد ذلك،و لكن اختلف في وجه الدلالة.

«و قد قيل في ذلك»أي:في وجه الكناية.

«أقوال»منها:قول الأصمعيّ،فقال كما في(اللسان):يقال:هو الموت الأحمر،و الموت الأسود،و معناه الشديد،و أرى ذلك من ألوان السباع كأنّه من شدّته سبع (2).قال أبو عبيد:فكأنّه أراد بقوله: «احمرّ البأس» أي:صار في الشدّة و الهول مثل ذلك (3).

و منها:قول الأزهري،فقال:كما فيه أيضا:و حمراء الظهيرة:شدّتها، و منه حديث عليّ كرّم اللّه وجهه: «كنّا إذا احمرّ البأس...» 4.

«أحسنها أنّه عليه السّلام شبّه حمي الحرب»من حمي النهار،إذا اشتدّ حرّه.

«بالنّار الّتي تجمع الحرارة و الحمرة بفعلها و لونها»يشهد له قوله تعالى: «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ» 5،و قوله عليه السّلام في استنفار الناس إلى أهل الشام:«و أيم اللّه إنّي لأظنّ بكم أن لو حمس الوغى و استحرّ الموت» 6و قولهم:اضطرم فلان للحرب نارا و سعّرها،و أججّها،و أرثّها،


1) 1)

2) 2) لسان العرب 4:210 [2] مادة(حمر).

3) 3) المصدر نفسه. [3]

و أوراها،و هشّها،و شبّها،و حضاها،و ذكّاها،و أذكاها.

و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد الجيد أنّ المراد:احمرار المعركة من سيلان الدم،فإنّما قالوا ما قاله في قولهم:«الموت الأحمر»لا في «أحمرّ البأس» (1)

شرح ابن أبي الحديد 4:359 و [1]النقل بالمعنى.

.

«و ممّا يقوي ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم»هكذا في(المصرية)، و الصواب:(النبيّ صلى اللّه عليه و آله)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (2).

«و قد رأى مجتلد»اسم مكان،من اجتلد القوم بالسيوف و تجالدوا.

«الناس يوم حنين»و قد كانت عساكر الإسلام ذلك اليوم كثيرة،لكونه بعد فتح مكّة،حتّى قال أبو بكر معجبا بكثرتهم:«لن نغلب اليوم من قلّة» (3)،ثمّ انهزم في من انهزم مع صاحبه (4)،فأنزل تعالى معرّضا به و مخرجا له عن أهل الإيمان: «وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (5).

«و هي حرب هوازن»يعني:أنّ الكفّار الّذين قاتل المسلمون معهم في


1) 1)

2) 2) لفظ شرح ابن أبي الحديد 4:359«الرسول»،لكن لفظ شرح ابن ميثم 5:376«رسول اللّه»أيضا.

3) 3) الأصل رواه الواقدي في المغازي 2:890،و [2]ابن سعد في الطبقات 2 ق 1:108 عن أبي بكر،و رواه البزار في مسنده عنه مجمع الزوائد 6:178،عن غلام من الأنصار،و رواه البيهقي في الدلائل [3]عنه الدر المنثور 3:224،و [4]عن رجل غير معلوم.

4) 4) إنهزام أبي بكر و عمر في حنين يظهر من رواية المفيد في الإرشاد:74،و أبي جعفر الطوسي في أماليه 2:187 المجلس 5،و [5]الطبرسي في مجمع البيان 5:18،و ذكرهما من الثابتين ابن هشام في السيرة 4:64،و [6]الواقدي في المغازي 2:900،و [7]ابن سعد في الطبقات 2 ق 1:109،و الطبري في تاريخه 2:347 سنة 8،و البزار في مسنده عنه مجمع الزوائد التوبة 6:179.

5) 5) :25-26.

حنين كانوا قبيلة هوازن.

«الآن حمي الوطيس»قالوا:كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله أوّل من قال:«الآن حمي الوطيس» (1)

أخرجه من ضمن حديث حنين جمع كثير منهم ابن هشام في السيرة 4:66،و [1]الواقدي في المغازي 2:899،و ابن سعد في الطبقات 2 ق 1:109،و الطبري في تاريخه 2:348 سنة 8،و [2]جمع كثيرا من طرقه السيوطي في الدّر المنثور 3:224،226،و [3]أما كونه صلى اللّه عليه و آله أوّل من قال ذلك فقد رواه ابن الأثير في جامع الأصول 9:244 عن الخطابي،و في النهاية 5:204 [4] مادة(وطس).

.

و في(الإرشاد):لمّا رأى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم هزيمة القوم عنه(في حنين)قال للعبّاس-و كان رجلا جهوريّا صيّتا-:ناد بالقوم،و ذكّرهم العهد.فنادى العبّاس بأعلى صوته:يا أهل بيعة الشجرة!يا أصحاب سورة البقرة!إلى أين تفرّون؟اذكروا العهد الّذي عاهدتم عليه النبيّ صلى اللّه عليه و آله.و القوم على وجوهم قد ولّوا مدبرين،و كانت ليلة ظلماء و النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم في الوادي،و المشركون قد خرجوا عليه من شعاب الوادي و جنباته و مضايقه مصلتين بسيوفهم و عمدهم و قسيّهم.قالوا:فنظر النبيّ صلى اللّه عليه و آله الى الناس ببعض وجهه في الظلماء، فأضاء كأنّه القمر في ليلة البدر،ثمّ نادى المسلمين:أين ما عاهدتم اللّه عليه؟ فأسمع أوّلهم و آخرهم،فلم يسمعها رجل إلاّ رمى بنفسه إلى الأرض، فانحدروا إلى حيث كانوا من الوادي،حتّى لحقوا بالعدوّ فقاتلوه...و تجالد المسلمون و المشركون.فلمّا رآهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم قام في ركابي سرجه حتّى أشرف على جماعتهم،و قال:الآن حمي الوطيس،أنا النبيّ لا كذب،أنا ابن عبد المطلب.فما كان بأسرع من أن ولّى القوم أدبارهم وجيء بالأسرى إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله مكتّفين (2).


1) 1)

2) 2) الإرشاد للمفيد:75. [5]

«و الوطيس مستوقد النار»و في(الصحاح)الوطيس:التنّور (1)

صحاح اللغة 2:986 [1] مادة(و طيس).

.

«فشبّه صلى اللّه عليه و آله ما استحرّ»أي:اشتدّ.

«من جلاد القوم»و قتالهم.

«باحتدام النار»أي:صوت التهابها.

«و شدّة التهابها»أي:اشتعالها.

«انقضى هذا الفصل»أي:فصل الغريب،و ليس في العنوان كلمة غريبة، و إنّما اشتبه وجه الشبه في جملة«احمرّ البأس»فيه.

و ممّا روي عنه عليه السّلام من الغريب ما في(طبقات نحاة السيوطي)أنّ عليّا عليه السّلام قال لكاتبه:«الصق روانفك بالجبوب،و خذ المزبر بشناترك،و اجعل جندورثيك إلى قيهلي،حتّى لا أنفي نفية إلاّ أودعتها حماطة جلجلانك»و قال:

أي:الصق مقعدتك بالأرض،و خذ القلم بأصابعك،و اجعل حدقتيك إلى وجهي حتّى لا أنطق كلمة إلاّ أودعتها حبّة قلبك (2).

«و رجعنا إلى سنن»بالفتح،أي:طريقة.

«الغرض»و الأصل فيه الهدف.

«الأول»من نقل مطلق مختار كلمه القصار.

«في هذا الباب»أي:الباب الثالث من الكتاب.

هذا،و في(سيرة ابن هشام):كان أبيّ بن خلف يلقى النبيّ بمكة فيقول:

يا محمّد إنّ عندي العوذ فرسا أعلفه كلّ يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه.فيقول النبيّ صلى اللّه عليه و آله:بل أنا أقتلك إن شاء اللّه.فلمّا كان يوم أحد و انهزم أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و أسند في الشعب،أدركه أبيّ بن خلف و هو يقول:أي محمّد


1) 1)

2) 2) لم أجده في بغية الوعاة في طبقات النحاة للسيوطي.

لا نجوت إن نجوت.فقال القوم:يا رسول اللّه:أ يعطف عليه رجل منّا؟فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:دعوه.فلمّا دنا،تناول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم الحربة من الحارث بن الصمة.قال بعضهم:لمّا تناولها انتفض بها انتفاضة تطايرنا بها تطاير الشّعراء،-أي:ذباب له لدغ عن ظهر البعير إذا انتفض بها-ثمّ استقبله فطعنه في عنقه طعنة،تدأدأ-أي:تقلّب-منها عن فرسه مرارا،فجعل يتدحرج.فلمّا رجع إلى قريش و قد خدشه في عنقه خدشا غير كبير،فاحتقن الدم،قال:قتلني و اللّه محمّد.قالوا له:ذهب و اللّه فؤادك،و اللّه إن بك من بأس.قال:إنّه قد كان قال لي بمكّة:أنا أقتلك،فو اللّه لو بصق عليّ لقتلني.فمات عدوّ اللّه بسرف و هم قافلون به إلى مكّة.فقال حسّان بن ثابت في ذلك:

ألا من مبلغ عنّي أبيّا لقد ألقيت في سحق السعير

تمنّي بالضلالة من بعيد و تقسم إن قدرت مع النذور

تمنّيك الأماني من بعيد و قول الكفر يرجع في غرور

فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ كريم البيت ليس بذي فجور

(1)

34

من الخطبة(56)

و من كلام له عليه السّلام:

وَ لَقَدْ كُنَّا مَعَ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟- نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلاَّ إِيمَاناً وَ تَسْلِيماً- وَ مُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ الْأَلَمِ- وَ جِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ- وَ لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَ الْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا- يَتَصَاوَلاَنِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا- أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ- فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا- فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ


1) 1) سيرة ابن هشام 3:31،و [1]النقل بتقطيع و درج كثير.

صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ- وَ أَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ- حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلاَمُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ- وَ لَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ- مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ وَ لاَ اخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَحْلِبُنَّهَا دَماً وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً أقول:قال ابن أبي الحديد:هذا الكلام قاله أمير المؤمنين عليه السّلام في قصّة ابن الحضرمي حيث قدم البصرة من قبل معاوية،و استنهض أمير المؤمنين عليه السّلام أصحابه إلى البصرة فتقاعدوا...روى الواقدي أنّ عليّا عليه السّلام استنفر بني تميم أيّاما لينهض منهم إلى البصرة من يكفيه أمر ابن الحضرمي، و يردّ عادية بني تميم الّذين أجاروه بها،فلم يجبه أحد،فخطبهم،و قال:«أليس من العجب أن ينصرني الأزد،و تخذلني مضر!و أعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة في،و خلاف تميم البصرة عليّ،و إن أستنجد بطائفة منها تشخص إلى إخوانها،فتدعوها إلى الرشاد،فإن أجابت و إلاّ،فالمنابذة و الحرب!فكأنّي أخاطب صمّا بكما لا يفقهون حوارا،و لا يجيبون نداء،كلّ هذا جبنا عن البأس، و حبّا للحياة.لقد كنّا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله نقتل آباءنا و أبناءنا..» (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:348. [1]

و قال ابن ميثم:المنقول أنّ هذا الكلام صدر عنه يوم صفّين حين أقرّ الناس بالصلح،و أوّله:«إنّ هؤلاء القوم لم يكونوا ليفيئوا إلى الحقّ،و لا يجيبوا إلى كلمة سواء حتّى يرموا بالمناشر تتبعها العساكر،و حتّى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب،و حتّى يجرّ ببلادهم الخميس يتلوه الخميس، و حتّى تدعق الخيول في نواحي أراضيهم و بأعناء مشاربهم،و مسارحهم، حتّى تشنّ عليهم الغارات من كلّ فجّ عميق،و حتّى يلقاهم قوم صدق صبر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم،و موتاهم في سبيل اللّه إلاّ جدّا في طاعة اللّه،

1) 1)

و حرصا على لقاء اللّه،و لقد كنّا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله...» (1)

شرح ابن ميثم 2:146. [1]

.

قلت:روى ما قاله ابن ميثم نصر بن مزاحم في( صفّينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 520 )عن عمر بن سعد عن إسحاق بن يزيد عن الشعبي أنّ عليّا عليه السّلام قال يوم صفّين حين أقرّ الناس بالصلح:إنّ هؤلاء القوم... (2).و كذلك سليم بن قيس سليم بن قيس-السقيفة-ص 147 في كتابه،و يأتي خبره (3)،و يمكن الجمع بين رواية الواقدي و رواية الشعبي و الهلالي بأنّه عليه السّلام قال ذلك في كلا الموقفين يوم صفّين،و في قضيّة ابن الحضرمي.فإنّ نقله عليه السّلام جديّة أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله لأصحابه الواهنين كان مناسبا في كلّ من المقامين،و اقتصار كلّ من ابن أبي الحديد على أحد السندين قصور،و ترجيح الخوئي (4)لأوّل خطأ فانّه لو بنى على الترجيح كان مع الثاني حيث انه رواه اثنان،و الأوّل تفرّد به الواقدي،إلاّ أنّ عذره أنّه لم يقف على مستند اثنان،و ابن ميثم لم يذكر من الخبرين واحدا،و ابن أبي الحديد ذكر أخذه من الواقدي.

ثمّ المفهوم من رواية سليم بن قيس الآتية أنّه عليه السّلام خاطب بالكلام الأشعث بن قيس.

قوله عليه السّلام «و لقد كنّا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله» أي:في غزواته و سراياه .

«نقتل آباءنا و آبناءنا و إخواننا» لمّا كانوا لا يسلمون.قال عليه السّلام ذلك بلفظ العموم،لكنّ المراد:نفسه عليه السّلام و أشخاص مخصوصون،قال السروي:رأى أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام يوم بدر عقيلا في فدفد فصدّ عنه،فصاح به:يابن أمّ عليّ،أما و اللّه لقد رأيت مكاني،و لكن عمدا تصدّ عنّي (5).


1) 1)

2) 2) وقعة صفين لابن مزاحم:520.

3) 3) السقيفة لسليم بن قيس:147 و تأتي في تكملة هذا العنوان قطعتان من روايته.

4) 4) شرح الخوئي 2:97،و اقتصر بذكر ما نقل ابن ميثم.

5) 5) المناقب لابن شهر آشوب السروي 2:146.

و قال:قصد عليه السّلام دار أمّ هاني(أخته)متقنعا بالحديد يوم الفتح،و قد بلغه أنّها آوت الحارث بن هشام،و قيس بن السائب،و ناسا من بني مخزوم(قلت:

و كانوا أحماءها)فنادى:أخرجوا من آويتم.فجعلوا يذرقون كما تذرق الحبارى خوفا منه عليه السّلام.و خرجت إليه أمّ هاني،و هي لا تعرفه،فقالت:يا عبد اللّه أنا أمّ هاني بنت عمّ النبي و أخت أمير المؤمنين،انصرف عن داري.

فقال عليه السّلام:أخرجوهم.فقالت:و اللّه لأشكونّك إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله... (1)

المناقب لابن شهر آشوب السروي 3:196.

.

و قال الجزريّ-بعد ذكر قصّة كعب بن الأشرف اليهودي و قتله و أمر النبيّ صلى اللّه عليه و آله بقتل من ظهروا عليه من رجال اليهود-:فوثب محيّصة بن مسعود على ابن سنينة اليهودي،و هو من تجّار يهود فقتله،و كان يبايعهم.فقال له أخوه حويّصة و هو مشرك:يا عدوّ اللّه قتلته؟أما و اللّه لرب شحم في بطنك من ماله.و ضربه.فقال محيّصة:لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك.قال:

فو اللّه إن كان لأوّل إسلام حويصة.فقال:إنّ دينا بلغ بك ما أرى لعجب.ثمّ أسلم (2).

و صرّح عليه السّلام بما ذكرنا من إرادة الخصوص في كلامه في رواية سليم بن قيس فزادت:و لست أقول:إنّ كلّ من كان مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كذلك،و لكن أعظمهم و جلّهم و عامتهم كانوا كذلك،و لقد كانت معنا بطانة لا تألونا خبالا، قال اللّه تعالى: «قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» (3)و لقد كان منهم بعض من تفضّله أنت و أصحابك يا بن قيس فارّين، فلا رمى بسهم و لا ضرب بسيف و لا طعن برمح،إذا كان الموت و النزال لاذ


1) 1)

2) 2) الكامل لابن الأثير الجزري 2:144 سنة 3،و [1]الطبري في تاريخه 2:180 سنة 3. [2]

3) 3) آل عمران:118. [3]

و توارى و اعتلّ،و لاذ كما تلوذ النعجة العوراء لا تدفع يد لامس،و إذا لقي العدو فرّ و منح العدو دبره جبنا و لؤما،و إذا كان عند الرخاء و الغنيمة تكلّم،كما قال اللّه: «سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ» (1)

الأحزاب:19. [1]

فلا يزال قد استأذن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم في ضرب عنق الرجل الّذي ليس يريد النبيّ صلى اللّه عليه و آله قتله،فأبى عليه، و لقد نظر النبيّ صلى اللّه عليه و آله يوما و عليه السلاح تامّا فضحك النبيّ صلى اللّه عليه و آله،ثم قال يكنّيه أبا فلان:اليوم يومك.فقال الأشعث:ما أعلمني بمن تعني،إنّ ذلك يفرّ منه الشيطان.قال:يابن قيس لا آمن اللّه روعة الشيطان إذ قال (2).

كان الأشعث ذكر أن الثلاثة كانوا ممّن جاهدوا مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله في غزواته،و صاروا بذلك أفضل من غيرهم،فأجابه عليه السّلام بما مرّ،و أجمل الكلام تقية،و ذكر مجملا أوصافا تنطبق على فاروقهم بالخصوص من استيذانه النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم عند الرخاء و الفتح ضرب عنق العبّاس و عقيل و أبي حذيفة، و غيرهم،و قوله عليه السّلام(يكنّيه أبا فلان)أي:قال له«أبا حفص»هزلا،و قول الأشعث:ما أعلمني من تعني،أي:إنّك و إن أجملت إلاّ أنّ أعلم أنّ مرادك عمر، و أراد نقض كلامه عليه السّلام بما وضعوه له من أنّ الشيطان كان لا يزال هائبا منه.

فأجابه عليه السّلام بما أجابه.

كما أنّ خصوصيته عليه السّلام في ذلك من بين جميعهم أمر معلوم،ففي تلك الرواية أيضا:«و قد علموا يقينا أنّه لم يكن فيهم أحد يقوم مقامي،و لا يبارز الأبطال،و يفتح الحصون غيري،و لا نزلت بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله شديدة قطّ،و لا كريه أمر و لا ضيق،و لا مستصعب من الأمر إلاّ قال:أين أخي علي،أين سيفي،أين رمحي،أين المفرّج غمّي عن وجهي؟فيقدّمني،فأتقدّم فأفديه بنفسي،


1) 1)

2) 2) السقيفة لسليم بن قيس:147،149.

و يكشف اللّه بيدي الكرب عن وجهه،و للّه عزّ و جلّ و لرسوله بذلك المنّ و الطول حيث خصّني لذلك،و وفّقني له...» (1)

السقيفة لسليم بن قيس:147،149.

.

و لقد ادّعوا لأبي بكر أنّه قاتل ابنه عبد الرحمن،و لعمر أنّه قاتل خاله العاص بن هاشم.أمّا الأوّل فقال الجاحظ في(عثمانيّته):و لأبي بكر في يوم أحد مقام مشهور،خرج ابنه عبد الرحمن فارسا مكفّرا في الحديد يسأل المبارزة و يقول:أنا عبد الرحمن بن عتيق.فنهض إليه أبو بكر يسعي بسيفه، فقال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:شم سيفك و ارجع إلى مكانك،و متّعنا بنفسك (2).

و لقد كفانا الإسكافي أحد شيوخهم عن الجواب،فقال للجاحظ:ما كان أغناك يا أبا عثمان عن ذكر هذا المقام المشهور لأبي بكر،فإنّه لو تسمعه الإمامية لأضافته إلى ما عندها من المثالب،لأنّ قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله له:«ارجع» دليل على أنّه لا يحتمل مبارزة أحد،لأنّه إذا لم يحتمل مبارزة ابنه و أنت تعلم حنوّا لابن على الأب،و تبجيله له،و إشفاقه عليه،و كفّه عنه لم يحتمل مبارزة الغريب الأجنبي،و قوله له:«و متّعنا بنفسك»إيذان له بأنّه كان يقتل لو خرج، و رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم كان أعرف به من الجاحظ،فأين حال هذا الرجل من حال الرجل الّذي صلّى بالحرب،و مشى إلى السيف بالسيف،فقتل السادة و القادة، و الفرسان و الرجالة (3)؟ و أمّا الثاني،فقال ابن أبي الحديد:قتل عمر يوم بدر خاله العاص بن هشام ابن المغيرة (4).

قلت:و أيّ فخر في قتل مثله،فقد كان خاله هذا عبدا لبني هاشم،و كان


1) 1)

2) 2) نقله عن الجاحظ في العثمانية [1]ابن أبي الحديد في شرحه 3:285 شرح الخطبة 233.

3) 3) نقله عن ابن جعفر الاسكافي في الردّ [2]على العثمانية [3]ابن أبي الحديد في شرحه 3:285 شرح الخطبة 233.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:348. [4]

رجلا أحمق،ففي(عيون ابن قتيبة):و من حمقى قريش العاص بن هشام أخو أبي جهل،و كان أبو لهب قامره فقمره ماله،ثمّ داره،ثمّ قليله و كثيره،و أهله و نفسه،فاتّخذه عبدا و أسلمه قينا،فلمّا كان يوم بدر بعث به عن نفسه فقتل ببدر كافرا،قتله عمر بن الخطاب،و كان خال عمر (1)

عيون الأخبار لابن قتيبة 2:41. [1]

.

و مثله أبو الفرج في(أغانيه ) (2).

«ما يزيدنا ذلك» أي:عملنا مع أقاربنا المشركين.

«إلاّ إيمانا» باللّه.

«و تسليما» لأمره عزّ و جلّ .

«و مضيّا على اللقم» بفتحتين،أي:المنهج،قال زهير:

له لقم لباغي الخير سهل و كيد حين تبلوه متين

(3)«و صبرا على مضض» قال الجوهري:المضض:وجع المصيبة (4). «الألم،و جدّا» بالكسر.

«في جهاد العدو» أكثر من الأوّل،و في(سيرة ابن هشام)عن رجل من بني عبد الأشهل قال:شهدت أحدا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنا و أخ لي،فرجعنا جريحين،فلمّا أذّن مؤذّن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بالخروج في طلب العدوّ(لئلاّ يظنّوا إنّ الذي أصابهم أوهنهم)قلت لأخي،أو قال لي:أ تفوتنا غزوة مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و اللّه مالنا من دابّة نركبها،و ما منّا إلاّ جريح ثقيل؟فخرجنا مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و كنت أيسر جرحا،فكان إذا غلب حملته عقبة،و مشى عقبة حتّى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.قال ابن إسحاق:فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله حتى انتهى إلى حمراء


1) 1)

2) 2) الأغاني لأبي الفرج 4:204.

3) 3) أساس البلاغة:413 [2] مادة(لقم).

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 3:1106 [3] مادة(مضض).

الأسد و هي من المدينة على ثمانية أميال.ثم نقل عن ابن إسحاق:إنّه أقام النبيّ صلى اللّه عليه و آله بها ثلاثة أيّام ثمّ رجع بعد ذهاب المشركين إلى مكّة (1)

السيرة لابن هشام 3:44. [1]

.

«و لقد كان الرجل منّا و الآخر من عدوّنا يتصاولان» أي:يصول هذا على ذلك و ذاك على هذا،قال الفرزدق:

قبيلان دون المحصنات تصاولا تصاول أعناق المصاعب من عل

(2)«تصاول الفحلين» أي:الإبلين الفحلين،و قالوا:و كان شدقم و جديل فحلين فحيلين (3). «يتخالسان» أي:يأخذ بالسرعة هذا لذاك و ذاك لهذا،قال أبو ذؤيب:

فتخالسا نفسيهما بنوافذ كنوافذ العبط الّتي لا ترقع

(4)«أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون» أي:المنيّة،قال المنصور لمّا قتل أبا مسلم صبرا-و كان أبو مسلم قتل ستمائة ألف نفر صبرا-: زعمت أنت الدين لا يقتضي فاستوف بالكيل أبا مجرم

سقيت كأسا كنت تسقى بها أمرّ في الحلق من العلقم

(5)قالت أخت عمرو بن عبد ودّ في أمير المؤمنين عليه السّلام و في أخيها يوم الخندق: أسدان في ضيق المكرّ تصاولا و كلاهما كفو كريم باسل

فتخالسا مهج النفوس كلاهما وسط المدار مخاتل و مقاتل


1) 1)

2) 2) أساس البلاغة:262 [2] مادة(صول).

3) 3) أساس البلاغة:335 [3] مادة(فحل).

4) 4) لسان العرب 6:65 [4] مادة(خلس).

5) 5) تاريخ الطبري 6:137 سنة 137،و [5]مروج الذهب للمسعودي 3:293،و [6]تاريخ اليعقوبي 2:368. [7]

و كلاهما حضر القراع حفيظة لم يثنه عن ذاك شغل شاغل

(1)و قالوا:لمّا عزمت قريش في بدر على الحرب بإصرار أبي جهل،خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي منهم،و قال:لأشربنّ من حوض محمّد و أصحابه،و لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه.فخرج إليه حمزة فضربه فأطنّ قدمه بنصف ساقه،فوقع إلى الأرض ثمّ حبا إلى الحوض ليبرّ يمينه،و تبعه حمزة فضربه حتّى قتله في الحوض (2).

و قالوا:قال معاذ بن عمرو بن الجموح:جعلت يوم بدر أبا جهل من شأني،و قريش محيطة به يقولون:لا يخلص إلى أبي الحكم.فلمّا أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنّت قدمه بنصف ساقه،و ضربني ابنه عكرمة فطرى يدي من عاتقي،و فتعلّقت بجلدة من جثّتي،فقاتلت عامّة يومي و إني لأسحبها خلفي،فلمّا آذتني جعلت عليها رجلي،ثمّ تمطيت حتّى طرحتها (3).

«فمرّة لنا من عدوّنا» كما في بدر،فقتلوا من المشركين سبعين،منهم:أبو جهل،و عتبة و شيبة ابنا ربيعة،و منبّه و نبيه ابنا الحجاج،و نوفل بن خويلد، و أسروا منهم سبعين،منهم:سهيل بن عمرو،و النضر بن الحارث،و عقبة بن أبي معيط،و لم يقتل من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم سوى سبعة (4).

«و مرّة لعدوّنا منّا» كما في أحد،فقتل الكفّار من المسلمين سبعين،فقال المسلمون للنبيّ صلى اللّه عليه و آله:ما هذا الّذي أصابنا،و قد كنت تعدنا بالنصر؟فأنزل تعالى: «أَ وَ لَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها» (5)يعني ببدر،حيث


1) 1) الإرشاد للمفيد:57،و [1]المناقب لابن شهر آشوب 1:199. [2]

2) 2) المغازي للواقدي 1:68،و [3]سيرة ابن هشام 2:194،و [4]تاريخ الطبري 2:147 سنة 2. [5]

3) 3) المغازي للواقدي 1:87،و [6]سيرة ابن هشام 2:201،و [7]تاريخ الطبري 2:154 سنة 2. [8]

4) 4) الطبقات لابن سعد 2 [9] ق 1:11،و تاريخ الطبري 2:169 سنة 2. [10]

5) 5) آل عمران:165. [11]

قتلتم منهم سبعين،و أسرتم منهم سبعين «قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ» (1)

آل عمران:165. [1]

حيث طلبوا في بدر من النبيّ صلى اللّه عليه و آله إطلاق الأسارى بالفداء، فشرط عليهم أنّه يقتل منهم في عام قابل بعدد من يأخذون منهم الفداء، فرضوا بذلك (2).

«فلمّا رأى اللّه صدقنا» و جدّنا في غزوات حصلت بعد أحد،كما في الأحزاب و غيرها،قال تعالى: «وَ لَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ ما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَ تَسْلِيماً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً لِيَجْزِيَ اللّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ» (3).

و في(السير):أصاب المسلمون امرأة من الكفّار في غزوة ذات الرقاع، و كان زوجها غائبا،فلمّا أتى أهله و أخبر حلف لا ينتهي حتّى يهريق في أصحابه صلى اللّه عليه و آله دما.و خرج يتّبع أثره عليه السّلام حتّى نزل،فقال صلى اللّه عليه و آله:من يحرسنا الليلة؟فانتدب رجل من المهاجرين و رجل من الأنصار،فأقام بفم شعب نزله النبيّ صلى اللّه عليه و آله و اضطجع المهاجري و حرس الأنصاري أوّل الليل،و قام يصلّي فجاء زوج المرأة فرأى شخصه،فعرف أنّه ربيئة القوم،فرماه بسهم فوضعه فيه فانتزعه،و ثبت قائما يصلّي،ثمّ رماه بسهم آخر فنزعه،و ثبت يصلّي،ثمّ رماه بالثالث فوضعه فيه،فانتزعه ثمّ ركع و سجد ثمّ أيقظ صاحبه فوثب،فلمّا رآهما الرجل علم أنّهما علما به،و لمّا رأى المهاجري ما بالأنصاري قال:

سبحان اللّه ألا أيقظتني أوّل ما رماك؟قال:كنت في سورة أقرؤها فلم أحبّ أن


1) 1)

2) 2) المغازي للواقدي 1:325،و [2]سنن الترمذي 4:135 ح 1567،و [3]رواه ابن أبي شيبة،و ابن جرير،و ابن مردويه عنهم الدر المنثور 2:93. [4]

3) 3) الأحزاب:22-24. [5]

أقطعها فلمّا تابع عليّ الرمي أعلمتك،و ايم اللّه لو لا خوفي أن أضيع ثغرا أمرني النبيّ صلى اللّه عليه و آله بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها (1)

سيرة ابن هشام 3:122،و [1]المغازي للواقدي 1:397،و [2]تاريخ الطبري 2:228 سنة 4 و [3]غيرها.

.

و في(طبقات كاتب الواقدي)في سريّة غالب الليثي الّذي بعثه النبيّ صلى اللّه عليه و آله إلى بني الملوّح بالكديد بشنّ الغارة عليهم:قال جندب الجهني:فكمنّا في ناحية الوادي،و بعثني أصحابي ربيئة لهم،فخرجت حتّى أتيت تلاّ مشرفا على الحاضر يطلعني عليهم،حتّى إذا أسندت عليهم فيه علوت على رأسه،ثمّ اضطجعت عليه.قال:فإنّي لأنظر إذ خرج رجل منهم من خباء له فقال لامرأته:

إنّي أرى على هذا الجبل سوادا ما رأيته أوّل من يومي هذا،فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرّت منها شيئا.فنظرت فقالت:و اللّه ما أفقد من أوعيتي شيئا.قال:فناوليني قوسي و نبلي.فناولته قوسه و سهمين معها، فأرسل سهما فو اللّه ما أخطأ بين عينيّ.قال:فانتزعته و ثبتّ مكاني،ثمّ أرسل آخر،فوضعه في منكبي،فانتزعته فوضعته و ثبّت مكاني،فقال لامرأته:و اللّه لو كانت ربيئة لقد تحركت بعد،و اللّه لقد خالطها سهماي.ثمّ دخل و راحت الماشية من إبلهم و أغنامهم،فلمّا احتلبوا و عطنوا و اطمأنّوا فناموا،شننّا عليهم الغارة و استقنا النعم (2).

«أنزل بعدوّنا الكبت» أي:المذلّة،أوقع اللّه في الأحزاب الاختلاف بين قريش و غطفان و بين قريظة،و ساء ظنّ كلّ منهم بالآخر،و بعث عليهم ريحا في ليال شاتية شديدة البرد،فجعلت تكفأ قدورهم و تطرح أبنيتهم،فلمّا ارتحلوا قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:الآن نغزوهم و لا يغزونا.فكان كذلك حتّى فتح تعالى لنبيّه صلى اللّه عليه و آله مكّة،و قال تعالى: «وَ رَدَّ اللّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً»


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 2 [4] ق 1:89 و النقل بتقطيع.

«وَ كَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً وَ أَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَ كانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً » (1)

رواها متفرّقة في قصّة الأحزاب ابن هشام في السيرة 3:127،و [1]الواقدي في المغازي 1:440،و [2]ابن سعد في الطبقات 2 ق 1:47،و الطبري في تاريخه 2:233 سنة 5 و [3]غيرهم.و الآيات(25-27)من سورة الأحزاب. [4]

.

«و أنزل علينا النصر» قال تعالى: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ» (2).و قالوا:لمّا دخل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم المدينة منصرفه من الأحزاب و اللواء معقود،أراد أن يغتسل من الغبار،فناداه جبرئيل:عذيرك من محارب،و اللّه ما وضعت الملائكة لأمتها فكيف تضع لأمتك،إنّ اللّه تعالى يأمرك الا تصلّي العصر إلاّ ببني قريظة،فإنّي متقدّمك و مزلزل حصنهم (3).

«حتّى استقرّ الإسلام» في موضعه.

«ملقيا جرانه» أي:مقدّم عنقه،و هو استعارة،و الأصل فيه:إلقاء البعير جرانه.إذا برك .

«و متبوئا أوطانه» في العرب و العجم،قال الجزري:إن المسلمين لمّا كانوا في حفر الخندق خرجت عليهم صخرة كسرت المعول،فأعلموا النبيّ صلى اللّه عليه و آله فهبط إليها و معه سلمان،فأخذ المعول و ضرب الصخرة ضربة صدعها،و برقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة،فكبّر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و المسلمون،ثمّ الثانية كذلك ثمّ الثالثة كذلك ثمّ خرج و قد صدعها،فسأله


1) 1)

2) 2) النصر:1-3. [5]

3) 3) رواه باختلاف بين الروايات ابن هشام في السيرة 3:140 و [6]الواقدي في المغازي 1:497،و [7]ابن سعد في الطبقات 2 ق 1:53،و الطبري في تاريخه 2:245 سنة 5. [8]

سلمان عمّا رأى من البرق،فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أضاءت الحيرة و قصور كسرى في البرقة الأولى،و أخبرني جبرئيل أنّ أمتي ظاهرة عليها،و أضاء لي في الثانية القصور الحمر من أرض الشام و الروم،و أخبرني أنّ أمتي ظاهرة عليها،و أضاء لي في الثالثة قصور صنعاء،و أخبرني أنّ أمّتي ظاهرة عليها، فأبشروا.فاستبشر المسلمون (1)

الكامل لابن الأثير الجزري 2:179 سنة 5،و [1]تاريخ الطبري 2:235 سنة 5 و [2]غيرهما.

.

«و لعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم» من الخذلان و الخور .

«ما قام للدين عمود» بل كان كخباء مطروح على الأرض .

«و لا اخضرّ للإيمان عود» بل كان كشجرة يابسة،روى الطبري في مولد النبيّ صلى اللّه عليه و آله أنّه لما انخرقت دجلة و انفصم طاق كسرى،قال كسرى لمنجّميه و كاهنيه:انظروا ما هذا-و كان فيهم رجل يعتاف اعتياف العرب بعثه إليه باذان من اليمن قلّما يخطىء يقال له:السائب-فخرجوا فأخذ عليهم بأقطار السماء،و بات السائب في ليلة ظلّ فيها على ربوة،فرمق برقا نشأ من الحجاز ثمّ استطار حتّى بلغ المشرق،فلمّا أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه،فإذا روضة خضراء،فقال في ما يعتاف:لئن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق تخصب منه الأرض كأفضل ما خصبت من ملك قبله (2).

قال عليه السّلام لهم ما قال،لأنّه إنّما كان أهل بصيرة أصحابه-لتقدّم الثلاثة عليه،و إفسادهم لعقائدهم و أخلاقهم-قليلين،فمنهم جمع صاروا خوارج عليه عليه السّلام،و منهم جمع صاروا من قتلة الحسين عليه السّلام كشبث بن ربعي،و شمر بن ذي الجوشن و غيرهما،و منهم جمع كانوا من المنافقين كالأشعث بن قيس،و عمرو بن حريث و نظرائهما،و منهم جمع-و هم جمهورهم-كانوا من


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 1:597 و [3]النقل بتلخيص.

الحشوية الذين صاروا عد أتباع معاوية،و هم الّذين كانوا يقولون أيّام ابن الزبير و قيام عبد الملك عليه:ابن الزبير وليّ اللّه،و عبد الملك عدوّ اللّه.و لمّا قتل ابن الزبير و صار الأمر إلى عبد الملك قالوا بالعكس،و كان المستبصرون في حقّه عليه السّلام-مثل مؤمني أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم الذين يقتلون أرحامهم للدين- فيهم قليلا.

فخرج في صفّين عراقي يقال له:أثال بن حجل،و خرج إليه من أهل الشام ابنه،و لم يعرف واحد منهما الآخر،فطاعنا ثم انتميا فنزلا و اعتنقا و بكيا،و انصرف كلّ منهما إلى أصحابه (1)

رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:443. [1]

.

و كذلك خرج أخوان أحدهما عراقي،و الآخر شامي،و غلبه العراقي،فلمّا جلس على صدره،و كشف المغفر عنه رأى أنّه أخوه تركه (2).

و كذلك خرج ابنا عمّين:قيس الأرحبي و سويد الأرحبي.فلمّا تقاربا و تعارفا،انصرفا (3).

بل كان فيهم من يقتل قاتل قريبه من أصحابه،فكان حابس بن سعد الطائي-خال زيد بن عدي بن حاتم الطائي-مع معاوية،فقتله بكري من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام،فطعنه زيد فقتله و لحق بمعاوية،و قال في ذلك:

من مبلغ أبناء طي بأنّني ثأرت بخالي ثمّ لم أتأثّم

(4)«و أيم اللّه لتحلبنّها دما» الظاهر كونه كمثل،و كون الضمير في(لتحلبنّها) راجعا إلى الناقة لا لأفعالهم،كما توهمه ابن ميثم (5)و تبعه الخوئي (6). «و لتتبعنّها ندما» بعد مشاهدة و بال أعمالكم و عاقبة أفعالكم،في ترككم


1) 1)

2) 2) رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:271. [2]

3) 3) رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:268. [3]

4) 4) رواه ابن مزاحم في وقعة صفين:522. [4]

5) 5) شرح ابن ميثم 2:148.

6) 6) شرح الخوئي 2:19.

لأهل بيت نبيّكم و اتّباع الأجانب.

و في(بلاغات نساء أحمد بن أبي طاهر البغدادي):لمّا دخلت نسوة المدينة على سيّدة النساء فاطمة-صلوات اللّه عليها-في علّتها،قالت لهنّ:إلى أيّ لجأ لجؤوا و أسندوا،و بأيّ عروة تمسّكوا...أما لعمر الهكن لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج،ثمّ احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا،و ذعافا ممقرا،هنالك يخسر المبطلون،و يعرف التالون غبّ ما أسّس الأوّلون،ثمّ أطيبوا عن أنفسكم نفسا،و طامنوا للفتنة جأشا،و أبشروا بسيف صارم،و بقرح شامل، و استبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا و جمعكم حصيدا،فيا حسرة لكم، و أنّى بكم و قد عميت عليكم،أ نلزمكموها و أنتم لها كارهون (1)

بلاغات النساء للبغدادي:33. [1]

؟!

35

من الخطبة(95)

لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ؟مُحَمَّدٍ ص؟- فَمَا أَرَى أَحَداً مِنْكُمْ يُشْبِهُهُمْ لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً- وَ قَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَ قِيَاماً يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَ خُدُودِهِمْ- وَ يَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ- كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى- مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ- إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ- حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ- وَ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ- خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ وَ رَجَاءً لِلثَّوَابِ أقول:رواه ابن قتيبة في( عيونه ابن قتيبة-عيون الأخبار-ج 2 ص 301 )،و رواه المفيد في( إرشاده الشيخ المفيد-الارشاد-ص 126 )،و الشيخ في( أماليه أبو علي الطوسي-أمالي-ج 1 ص 100 المجلس 4 ).

روى الأوّل عن مالك بن مغول،عن رجل من جعفي،عن السدي،عن أبي أراكة،قال:صلّى عليّ عليه السّلام الغداة ثمّ جلس حتّى ارتفعت الشمس كأنّ عليه


1) 1)

كآبة،ثمّ قال:و اللّه لقد رأيت إثرا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فما أرى أحدا يشبههم،و اللّه إن كانوا ليصبحوا شعثا غبرا صفرا،بين أعينهم مثل ركب المغزى،قد باتوا يتلون كتاب اللّه،يراوحون بين أقدامهم و جباههم،إذا ذكروا اللّه مادوا كما يميد الشجر في يوم ريح،و انهملت أعينهم حتّى تبلّ ثيابهم، و كأنّهم و اللّه باتوا غافلين.يريد أنّهم يستقلّون ذلك (1)

عيون الأخبار لابن قتيبة 2:301. [1]

.

و قال الثاني:و من كلامه عليه السّلام في ذكر خيار الصحابة و زهّادهم ما رواه صعصعة بن صوحان العبدي قال:صلّى بنا أمير المؤمنين عليه السّلام ذات يوم صلاة الصبح،فلمّا سلّم أقبل على القبلة بوجهه يذكر اللّه لا يلتفت يمينا و لا شمالا،حتّى صارت الشمس على حائط مسجدكم هذا-يعني جامع الكوفة- قيد رمح،ثمّ أقبل علينا بوجهه عليه السّلام فقال:لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أنّهم ليراوحون في هذا الليل بين جباههم و ركبهم،فإذا أصبحوا أصبحوا شعثا غبرا،بين أعينهم شبه ركب المعزى،فإذا ذكروا الموت مادوا كما يميد الشجر في الريح،ثمّ انهملت عيونهم حتّى تبلّ ثيابهم.

ثمّ نهض عليه السّلام و هو يقول:كأنّما القوم باتوا غافلين (2).

و روى الثالث صحيحا عن معروف بن خربوذ عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

صلّى أمير المؤمنين عليه السّلام بالناس الصبح بالعراق،فلمّا انصرف و عظهم فبكى و أبكاهم من خوف اللّه تعالى،ثمّ قال:أما و اللّه لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أنّهم ليصبحون و يمسون شعثاء غبراء خمصاء،بين أعينهم كركب المعزي،يبيتون لربّهم سجّدا و قياما،يراوحون بين أقدامهم و جباههم،يناجون ربّهم و يسألونه فكاك رقابهم من النار،و اللّه لقد رأيتهم


1) 1)

2) 2) الارشاد للمفيد:126. [2]

-و هم مع ذلك-و هم جميع مشفقون منه خائفون (1)

أمالي أبي علي الطوسي 1:100 المجلس 4. [1]

.

و رواه( الكافي الكليني-الكافي-ج 2 ص 235،236 الحديث 21،22 )عنه أيضا،و رواه عن علي بن الحسين عليه السّلام أيضا عنه عليه السّلام،و في خبره:و اللّه لقد أدركت أقواما يبيتون لربّهم سجّدا و قياما، يخالفون بين جباههم و ركبهم،كأنّ زفير النار في آذانهم،إذا ذكر اللّه عندهم مادوا كما يميد الشجر،كأنّما القوم باتوا غافلين.قال:ثمّ قال:فما رئي ضاحكا حتّى قبض (2).

«لقد رأيت أصحاب محمّد صلى اللّه عليه و آله» الأصل في كلام المصنّف رواية ابن قتيبة المتقدمة،و قد عرفت أنّها بلفظ«رأيت إثرا من أصحابه»أي:خلّصا،و هو الصحيح.فلم يكن جميع أصحابه كذلك بل إثر منهم،و قد عرفت أنّ روايتي الشيخين بدلتاه بلفظ«لقد عهدت أقواما على عهد خليلي» (3)و لو كانت رواية المصنّف صحيحة،فالمراد أصحابه الخاصّون الملازمون له ليلا و نهارا المتخلقون بأخلاقه،لا ما اصطلح عليه أصحاب الكتب الصحابية.

و قوله عليه السّلام «لقد رأيت» أو«عهدت»دالّ على عدم بقائهم في وقت إخباره،و كان من أراده عليه السّلام مات جمع منهم في حياة النبيّ صلى اللّه عليه و آله كحمزة، و جعفر،و زيد بن حارثة،و عبد اللّه بن رواحة،و عثمان بن مظعون،و سعد بن معاذ و غيرهم،و بقي منهم جمع ماتوا بعده صلى اللّه عليه و آله في أيّام الثلاثة،و في أوائل أيّامه كسلمان و أبي ذر،و المقداد،و عمّار،و حذيفة،و ذي الشهادتين،و ابن التيهان،و نظرائهم.

و قد وصفوا في القرآن في قوله عزّ و جلّ: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَ الَّذِينَ»


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 2:235،236 الحديث 21،22. [2]

3) 3) الإرشاد للمفيد:126،و [3]أمالي أبي علي الطوسي 1:100 المجلس 4. [4]

«مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً » (1)

الفتح:29. [1]

.

«فما أرى أحدا منكم يشبههم» هكذا في(المصرية)و ليست كلمة(منكم)في (ابن ميثم و الخطيّة) (2)و لكن في(ابن أبي الحديد) (3):«فما أرى أحدا يشبههم منكم ».

«لقد كانوا يصبحون شعثا» أي:متغيري الشعور و منتشريها.

«غبرا» بالضم فالسكون،جمع أغبر .

«و قد» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(قد)بدون(واو)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (4).

«باتوا سجّدا و قياما» فيكون ليلهم بين السجود و القيام،و الأصل فيه قوله تعالى: «وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً » (5).

«يراوحون بين جباههم و خدودهم» بمعنى أنّه إذا كلّت جباههم من طول سجودهم،و ضعوا خدودهم لتحصل راحة للجباه،و بالعكس،و كانوا يتأسّون في ذلك بصاحبهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم،فقد كان يتعب نفسه في عبادة ربّه


1) 1)

2) 2) لفظ شرح ابن ميثم 2:404«منكم يشبههم»أيضا.

3) 3) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:186. [2]

4) 4) توجد(الواو)في شرح ابن أبي الحديد 2:186،و [3]شرح ابن ميثم 2:404. [4]

5) 5) الفرقان:63-64. [5]

حتّى خاطبه عزّ و جلّ بقوله: «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» (1)

طه:1-2. [1]

فكان يقوم في صلاته حتّى و رمت قدماه.

هذا،و قد عرفت أنّ في رواية(عيون القتيبي):«يراوحون بين أقدامهم و جباههم» (2)و هو الأنسب بقوله عليه السّلام: «سجّدا و قياما» تبعا للآية (3).

«و يقفون على مثل الجمر» من النار.

«من ذكر معادهم» قال تعالى في وصفهم: «وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً» (4).

و في(الطبري):لمّا ودّع عبد اللّه بن رواحة-و هو الثالث من أمراء مؤتة- الناس بكى،فقالوا له:ما يبكيك يابن رواحة؟فقال:أما و اللّه ما بي حبّ الدّنيا و لا صبابة بكم،و لكنّي سمعت النبيّ صلى اللّه عليه و آله يقرأ آية من كتاب اللّه تعالى يذكر فيها النار «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا» (5)فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود.فقال المسلمون:صحبكم اللّه و دفع عنكم،و ردّكم إلينا صالحين.فقال عبد اللّه بن رواحة:

لكنّني أسأل الرحمن مغفرة و ضربة ذات فرغ تقذف الزبدا

أو طعنة بيدي حرّان مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء و الكبدا

(6)«كأنّ بين أعينهم ركب» جمع ركبة. «المعزى» في(الصحاح):المعز من الغنم خلاف الضأن،و هو اسم


1) 1)

2) 2) عيون الأخبار لابن قتيبة 2:301. [2]

3) 3) الفرقان:64. [3]

4) 4) الفرقان:65-66. [4]

5) 5) مريم:71. [5]

6) 6) تاريخ الطبري 2:319 سنة 8. [6]

جنس،و كذلك المعز،و المعيز و الأمعوز و المعزى (1)

صحاح اللغة 2:893 [1] مادة(معز).

.

«من طول سجودهم» «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ » (2).

«إذا ذكر اللّه هملت» أي:فاضت.

«أعينهم حتّى تبلّ» أي:تصير رطبا.

«جيوبهم» قال الجوهري:الجيب للقميص (3).

«و مادوا» أي:تحرّكوا.

«كما يميد الشجر يوم الريح العاصف» «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ » (4).

«خوفا من العقاب و رجاء للثواب» و عقابه ما لا تقوم له السماوات و الأرض،و ثوابه ما لا عين رأت و لا أذن سمعت.

و رووا في قصّة غزوة ذي قرد عن سلمة بن الأكوع قال:أخذت عنان فرس الأخرم،و قلت له:احذر لا يقتطعوك حتّى تلحق بنا النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم فقال:يا سلم إنّ كنت تؤمن باللّه و اليوم الآخر،و تعلم أنّ الجنّة حقّ و النّار حقّ فلا تخل بيني و بين الشهادة.فخلّيته فالتقى هو و عبد الرحمن بن عيينة فعقر الأخرم فرسه،و طعنه عبد الرحمن فقتله (5).

هذا،و روى(أسد الغابة)عن أبي مدينة الدارمي،قال:كان الرجلان من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله إذا التقيا لم يتفرّقا حتّى يقرأ أحدهما على الآخر


1) 1)

2) 2) الفتح:29. [2]

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 1:104 [3] مادة(جيب).

4) 4) الأنفال:2. [4]

5) 5) الطبقات لابن سعد 2 [5] ق 1:60،و الطبري في تاريخه 2:256 سنة 6 و [6]النقل بتلخيص.

«وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ» (1)

العصر:1-2. [1]

إلى آخرها،ثمّ يسلّم أحدهما على الآخر (2).

و رووا أنّ أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله كانوا يتهيئون لآداب يوم الجمعة من يوم الخميس (3).

و روى(قرب الإسناد):أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام صاحب رجلا ذميّا،فقال له الذّمّي:أين تريد يا عبد اللّه؟قال:أريد الكوفة.فلمّا عدل الطريق بالذمي عدل معه عليّ عليه السّلام،فقال الذمّي له:أ لست تريد الكوفة؟قال عليه السّلام:بلى.فقال له الذمّي:

فقد تركت الطريق.فقال له:قد علمت.فقال له:فلم عدلت معي،و قد علمت ذلك؟ فقال له عليّ عليه السّلام:هذا من تمام حسن الصحبة،أن يشيّع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه،هكذا أمرنا نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلم.فقال له:هكذا قال؟قال:نعم.فقال له الذمّي:

لا جرم إنّما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة،و أنا أشهدك أنّي على دينك.فرجع الذمي مع عليّ عليه السّلام،فلمّا عرفه أسلم (4).

36

الحكمة(96)

و قال عليه السّلام:

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِيَاءِ أَعْمَلَهُمْ بِمَا جَاءُوا- ثُمَّ تَلاَ ع «إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» (5)ثُمَّ قَالَ ع إِنَّ وَلِيَّ؟مُحَمَّدٍ؟ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَ إِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ- وَ إِنَّ


1) 1)

2) 2) أسد الغابة لابن الأثير 3:144. [2]

3) 3) احياء علوم الدين للغزالي 1:161. [3]

4) 4) قرب الإسناد للحميري:7،و [4]الكافي للكليني 2:670 ح 5. [5]

5) 5) آل عمران:68. [6]

عَدُوَّ؟مُحَمَّدٍ؟ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَ إِنْ قَرُبَتْ لُحْمَتُهُ «إنّ أولى الناس بالأنبياء أعملهم» قال ابن أبي الحديد الرواية«أعلمهم»، و الصحيح(أعملهم)لأن استدلاله بالآية يقتضي،و كذا قوله عليه السّلام فيما بعد (1)

شرح ابن أبي الحديد 4:283. [1]

.

و قال ابن ميثم:(أعلمهم)صحيح لأنّ العمل موقوف على العلم (2).

قلت:العلم شرط للعمل لا سبب له،و إنّما يطلق السبب على المسبّب لتلازمهما،لا الشرط على المشروط،لا سيما مع كثرة تخلّف العمل عن العلم، و كون العلماء غير العاملين أكثر من العلماء العاملين،و هو عليه السّلام في مقام بيان الأهمية لنفس العمل،فالصحيح(أعملهم)و حيث إنّ الفرق بينه و بين(أعملهم) في الخطّ قليل وقع التصحيف من المصنّف أو غيره قبله أو بعده.

«بما جاءوا» من الشرائع.

«ثمّ تلا» شاهدا لكلامه قوله تعالى:

«إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ» » لأنّه صلى اللّه عليه و آله كان أتبع الناس لإبراهيم.قال تعالى: «ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً» (3).

و في(طبقات كاتب الواقدي):قال قوم من بني مدلج لعبد المطلب:

احتفظ به(يعنون محمّدا صلى اللّه عليه و آله)فإنّا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه.

فقال عبد المطلب لأبي طالب:اسمع ما يقول هؤلاء.فكان أبو طالب يحتفظ به (4).

« «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» » إيمانا حقيقيّا،و الآية في سورة آل عمران.


1) 1)

2) 2) هذا مفهوم كلام ابن ميثم في شرحه 5:289 لا صريح قوله.

3) 3) النحل:123. [2]

4) 4) الطبقات لابن سعد 1 [3] ق 1:74.

«ثمّ قال إنّ وليّ محمّد صلى اللّه عليه و آله من أطاع اللّه و إن بعدت لحمته،و إنّ عدوّ محمّد صلى اللّه عليه و آله من عصى اللّه،و إن قربت لحمته» لحمة بالضم:القرابة،قال ابن أبي الحديد في الحديث الصحيح:يا فاطمة بنت محمّد إنّي لا أغني عنك من اللّه شيئا (1)

صحيح مسلم 1:162 ح 351،352 و سنن النسائي 6:250 و غيرهما.

.و قال رجل لجعفر بن محمّد عليه السّلام:أرأيت قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله:إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم اللّه ذريّتها على النار،أليس هذا أمانا لكلّ فاطميّ في الدّنيا؟فقال:إنّك لأحمق إنّما أراد حسنا و حسينا لأنّهما من الخمسة أهل البيت،فأمّا من عداهما فمن قعد به عمله لم ينهض به نسبه (2).

قلت:و روى(عيون ابن بابويه)عن ياسر،و الوشا،و ابن الجهم:أنّ الرضا عليه السّلام قال لأخيه زيد بن موسى المعروف بزيد النار:أغرّك قول سفلة أهل الكوفة«إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم اللّه ذريّتها على النار»ذلك للحسن و الحسين خاصّة،إن كنت ترى أنّك تعصي اللّه عزّ و جلّ و تدخل الجنّة، و موسى بن جعفر أطاع اللّه و دخل الجنّة،فأنت إذن أكرم على اللّه عزّ و جلّ من موسى بن جعفر،و اللّه ما ينال أحد ما عند اللّه عزّ و جلّ إلاّ بطاعته،و زعمت أنّك تناله بمعصيته،فبئس ما زعمت.فقال له زيد:أنا أخوك،و ابن أبيك.فقال له:

أنت أخي ما أطعت اللّه عزّ و جلّ،إنّ نوحا قال: «رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ» (3)فقال عزّ و جلّ له: «يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ» (4)فأخرجه اللّه عزّ و جلّ من أن يكون أهله بمعصية-و زاد في(رواية الوشا):إنّه عليه السّلام التفت إلى الوشا،و قال له:و أنت إذا


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 4:283،و [1]أخرج هذا المعنى الصدوق في عيون الأخبار 2:234 ح 1 [2] عن الرضا عليه السّلام و أخرج معناه بطرق ثلاثة الصدوق في معاني الأخبار:106،107 ح 2-4 عن الصادق عليه السّلام.

3) 3) هود:45. [3]

4) 4) هود:46. [4]

أطعت اللّه تعالى فأنت منّا أهل البيت-و زاد في(رواية ابن الجهم):و قال عليه السّلام له:

يابن الجهم من خالف دين اللّه فابرأ منه كائنا من كان،من أيّ قبيلة كان،و من عادى اللّه فلا تواله كائنا من كان،و من أيّ قبيلة كان.فقلت:يابن رسول اللّه، و من الّذي يعادي اللّه؟قال:من يعصيه (1)

أخرج الأحاديث الثلاثة الصدوق في عيون الأخبار للصدوق 2:234،236 ح 1،4،6 و [1]النقل بتصرف.

.

و عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم قال لبني عبد المطلّب،و بني هاشم:إنّي رسول اللّه إليكم،و إنّي شفيق عليكم و إنّ لي عملي،و لكلّ رجل منكم عمله،لا تقولوا:إنّ محمّدا منّا،و سندخل مدخله،فلا و اللّه ما أوليائي منكم و لا من غيركم يا بني عبد المطلب إلاّ المتّقون،إلاّ فلا أعرفكم يوم القيامة تأتون تحملون الدّنيا على ظهوركم،و يأتون الناس يحملون الآخرة،ألا إنّي قد أعذرت إليكم فيما بيني و بينكم،و فيما بيني و بين اللّه عزّ و جلّ فيكم (2).

و قال:يا بني عبد المطّلب إيتوني بأعمالكم لا بأحسابكم و أنسابكم،قال عزّ و جلّ: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ» (3).

و عن الرضا عليه السّلام:قال عليّ بن الحسين عليه السّلام:لمحسننا كفلان من الأجر، و لمسيئنا ضعفان من العذاب (4).

و عن الكاظم عليه السّلام:أنّ إسماعيل قال لأبيه الصادق عليه السّلام:ما تقول في المذنب منّا و من غيرنا؟فقال عليه السّلام: «لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ» (5).

و عن موسى الرّازي:قال رجل للرضا عليه السّلام:و اللّه ما على وجه الأرض


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 8:182 ح 205،و [2]صفات الشيعة للصدوق:5 ح 8.

3) 3) عيون الأخبار للصدوق 2:237 ح 7،و الآية 101 [3] من سورة(المؤمنون).

4) 4) روى هذا المعنى الطبرسي في مجمع البيان 8:354 عن السجاد عليه السّلام و زيد بن علي.

5) 5) عيون الأخبار للصدوق 2:236 ح 5،و الآية 123 [4] من سورة النساء.

أشرف منك أبا؟فقال:التقوى شرّفتهم،و طاعة اللّه أحظّتهم.فقال له آخر:أنت و اللّه خير الناس.فقال له:لا تحلف يا هذا،خير منّي من كان أتقى للّه و أطوع له، و اللّه ما نسخت هذه الآية «وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ» (1)

الحجرات:13. [1]

(2).

قلت:صدق عليه السّلام إن كان وجد أحد أتقى منه كان خيرا منه لكن لم يوجد، و عن الرضا عليه السّلام:إنّا أهل بيت وجب حقّنا برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،فمن أخذ برسول اللّه حقّا،و لم يعط الناس من نفسه مثله فلا حقّ له (3).

و عنه عليه السّلام-و أومأ إلى عبد أسود من غلمانه-:إن كان يرى أنّه خير من هذا بقرابتي من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إلاّ أن يكون لي عمل صالح،فأكون أفضل به منه (4).

و عن الباقر عليه السّلام:يكتفي من اتخذ التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت،فو اللّه ما شيعتنا إلاّ من اتّقى اللّه و أطاعه،و ما كانوا يعرفون إلاّ بالتواضع و التخشع، و أداء الأمانة،و كثرة ذكر اللّه و الصوم و الصلاة،و البرّ بالوالدين،و التعهد للجيران من الفقراء،و أهل المسكنة و الغارمين و الأيتام،و صدق الحديث، و تلاوة القرآن،و كفّ الألسن عن الناس إلاّ من خير،و كانوا أمناء عشائرهم في الأشياء.فقال له جابر الجعفي:يابن رسول اللّه ما نعرف أحدا بهذه الصفة.

فقال:يا جابر لا تذهبنّ بك المذاهب،حسب الرجل أن يقول:أحبّ عليّا و أتولاّه «ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالا»فلو قال:إنّي أحبّ رسول اللّه،و رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله خير من عليّ عليه السّلام ثمّ لا يتّبع سيرته،و لا يعمل بسنّته ما نفعه حبّه إيّاه شيئا،فاتّقوا


1) 1)

2) 2) أخرجهما الصدوق في عيون الأخبار 2:238 ح 9،10. [2]

3) 3) المصدر نفسه. [3]

4) 4) عيون الأخبار للصدوق 2:238 ح 11. [4]

اللّه و اعملوا لما عند اللّه،ليس بين اللّه و بين أحد قرابة،أحبّ العباد إلى اللّه تعالى، و أكرمهم عليه أتقاهم له و أعملهم بطاعته،يا جابر و اللّه ما يتقرّب العبد إلى اللّه تعالى إلاّ بالطاعة،ما معنا براءة من النار،و لا على اللّه لأحد من حجّة.من كان للّه مطيعا فهو لنا وليّ،و من كان للّه عاصيا فهو لنا عدوّ،و لا تنال و لا يتنا إلاّ بالعمل و الورع (1)

صفات الشيعة للصدوق:11 ح 22.

.

و حيث يقول تعالى لنبيّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» (2)، «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» (3)كيف يتوقع النجاة بانتساب إليه صلى اللّه عليه و آله بلا عمل،و مع سوء عمل؟ بل قوله تعالى لنساء النبيّ صلى اللّه عليه و آله: «مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً» (4)يدلّ على أشديّة عذاب المنسوبين إليه عليه السّلام في مخالفتهم،و به صرّح السجّاد عليه السّلام في الخبر المتقدّم.

و أمّا ما نقلوا على لسان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم:«و الطالحون لي» (5)فأخبار موضوعة،نظير قول اليهود و النصارى في ما وضعوا لأنفسهم: «نَحْنُ أَبْناءُ اللّهِ وَ أَحِبّاؤُهُ» (6)و قول بني إسرائيل: «لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ»


1) 1)

2) 2) الأنعام:15. [1]

3) 3) الحاقة:44-46. [2]

4) 4) الأحزاب:30. [3]

5) 5) لم أجده بهذا اللفظ،نعم جاء هذا المعنى في أمر الشفاعة في أحاديث كثيرة المائدة.

6) 6) :18.

«عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» (1)

البقرة:80. [1]

.

و روى(الكافي)صحيحا عن الصادق عليه السّلام قال:خطب النّبيّ صلى اللّه عليه و آله بمنى فقال:أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللّه فأنا قلته،و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله (2).

و قال عليه السّلام:و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف (3).

هذا،و روى الكشي عن عمر بن يزيد قال:قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام:يابن يزيد أنت و اللّه منّا أهل البيت.قلت له:جعلت فداك من آل محمّد؟قال:إي و اللّه من أنفسهم.قلت:من أنفسهم؟قال:إي و اللّه من أنفسهم يا عمر،أما تقرأ كتاب اللّه عزّ و جلّ: «إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» (4).

37

من الخطبة(212)

وَ أَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ عَبْدُهُ وَ سَيِّدُ عِبَادِهِ- كُلَّمَا نَسَخَ اللَّهُ الْخَلْقَ فِرْقَتَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِهِمَا- لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عَاهِرٌ وَ لاَ ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ أقول:و في خطبة له عليه السّلام المروية في(إثبات المسعودي)في آباء النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم من آدم إلى مولده صلى اللّه عليه و آله:فلمّا أذنت الّلهم في انتقال محمّد عليه السّلام من صلب آدم ألّفت بينه و بين زوج خلقتها له سكنا،و وصلت لهما به سببا فنقلته من بينهما إلى شيث اختيارا له بعلمك،فأيّ بشر كان اختصاصه برسالتك،ثمّ


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:69 ح 5،و [2]المحاسن للبرقي:221 ح 130-131،و [3]تفسير العياشي 1:8 ح 1. [4]

3) 3) الكافي للكليني 1:69 ح 3،4،و [5]المحاسن للبرقي:220 ح 128،و [6]تفسير العياشي 1:9 ح 4. [7]

4) 4) أخرجه الكشي في معرفة الرجال اختياره:331 ح 605،و أبو علي الطوسي في أماليه 1:44 المجلس 2،و [8]مضمون فلان منّا أهل البيت جاء لجمع،منهم:سلمان و أبو ذر و عمّار و جابر و غيرهم،و الآية 68 من سورة آل عمران. [9]

نقلته إلى أنوش فكان خلف أبيه في قبول كرامتك،و احتمال رسالتك،ثمّ قدّرت نقل النور إلى قينان و ألحقته في الخطوة بالسابقين،و في المنحة بالباقين،ثمّ جعلت مهلائيل رابع أجرامه قدرة تودعها من خلقك من تضرب لهم بسهم النبوّة،و شرف الأبوة حتّى تناهى تدبيرك إلى اخنوع...ثمّ أذنت في إيداعه ساما دون حام،و يافث،فضربت لهما بسهم في الذلّة،و جعلت ما أخرجت بينهما لنسل سام خولا.ثمّ تتابع عليه القابلون من حامل إلى حامل،و مودع إلى مستودع من عترته في فترات الدهور حتّى قبله تارخ أطهر الأجسام و أشرف الأجرام،و نقلته منه إلى إبراهيم عليه السّلام فأسعدت بذلك جدّه،و أعظمت به مجده،و قدّسته في الأصفياء،و سمّيته دون رسلك خليلا،ثمّ خصّصت به إسماعيل دون ولد إبراهيم فأنطقت لسانه بالعربيّة الّتي فضّلتها على سائر اللغات،فلم تزل تنقله من أب إلى أب حتّى قبله كنانة عن مدركه...حتّى نقلته إلى هاشم خير آبائه بعد إسماعيل ... (1)

الإثبات للمسعودي:107. [1]

.

«و أشهد أنّ محمّدا عبده و سيّد عباده» حتّى الأنبياء و المرسلين.

«كلّما نسخ اللّه الخلق فرقتين جعله في خيرهما» يشهد له التاريخ في سلسلة آبائه و تدلّ عليه الخطبة المتقدّمة،و في(اعتقادات الصدوق):اعتقادنا في آباء النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم أنّهم مسلمون من آدم عليه السّلام إلى أبيه عبد اللّه (2)،و يجب أن يعتقد أنّ اللّه عزّ و جلّ لم يخلق خلقا أفضل من محمّد و الأئمّة عليهم السّلام،و أنّهم أحبّ الخلق إلى اللّه تعالى و أكرمهم،و أوّلهم إقرارا به لمّا أخذ اللّه ميثاق النبيّين.ثم قال:و نعتقد أنّ اللّه تعالى خلق جميع الخلق له صلى اللّه عليه و آله و لأهل بيته عليهم السّلام،و أنّه لولاهم لما خلق اللّه سبحانه السماء و الأرض (3).


1) 1)

2) 2) الاعتقادات للصدوق:45. [2]

3) 3) الاعتقادات للصدوق:35. [3]

«لم يسهم فيه عاهر» أي:رجل زان،و الأصل فيه:من أتي المرأة ليلا للفجور،ثمّ غلب على المطلق.

«و لا ضرب فيه» بأن يكون دخيلا في نسبه.

«فاجر» أي:فاسق،و الأصل فيه:الميل عن الصواب،و قال الراعي النميري:

كانت نجائب منذر و محرّق أمّاتهن و طرقهن فحيلا

(1)هذا،و في(البلدان)في(كوثى):عن عبيدة السلماني سمعت عليّا عليه السّلام يقول:من كان سائلا عن نسبنا فإنّنا نبط من كوثى.و عن ابن الاعرابي:قال رجل لعليّ عليه السّلام:أخبرني عن أصلكم معاشر قريش.فقال:نحن من كوثى.

فقال قوم:أراد عليه السّلام كوثى السواد الّتي ولد بها إبراهيم الخليل عليه السّلام.و قال آخرون أراد كوثى مكّة،و ذلك أنّ محلّة بني عبد الدار يقال لها:كوثى.فأراد أنّا مكّون من أم القرى مكّة.و قال قوم:أراد عليه السّلام أنّ أبانا إبراهيم عليه السّلام كان من نبط كوثى،و أنّ نسبنا ينتهي إليه (2).

و في(اعتقادات الصدوق):قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أخرجت من نكاح و لم أخرج من سفاح،من لدن آدم عليه السّلام (3).

و في(الطبقات)عن الكلبي:كتب للنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم خمسمائة أمّ،فما وجدت فيهنّ سفاحا،و لا شيئا ممّا كان من أمر الجاهلية (4).

و في(المروج):أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله لمّا دفع إلى حليمة،قال عبد المطلب


1) 1) لسان العرب 11:516 [1] مادة(فحل).

2) 2) معجم البلدان للحموي 4:488 و [2]النقل بتقطيع.

3) 3) رواه الصدوق في الاعتقادات:45،و [3]ابن سعد بثلاث طرق في الطبقات 1 ق 1:31،32،و البيهقي في الدلائل عنه منتخب كنز العمال 4:233،و قد مرّ الحديث في العنوان 3 من الفصل الخامس.

4) 4) الطبقات لابن سعد 1 [4] ق 1:31.

-في رواية-:

لا همّ ربّ الراكب المسافر يحمد قلب بخير طائر

تنح عن طريقه الفواجر وحيه برصد الطواهر

و احبس كل حلف فاجر في درج الريح و الأعاصر

(1)ثمّ مرمى كلامه عليه السّلام:أنّ باقي الناس أسهم فيهم العاهر أبا،و ضرب فيهم الفاجر أمّا.

و روى القمي في تفسير قوله تعالى: «لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» (2):أنّ صفية بنت عبد المطلب مات ابن لها فأقبلت،فقال لها الثاني (يعني عمر):غطّي قرطك،فإنّ قرابتك من النبيّ صلى اللّه عليه و آله لا تنفعك شيئا.فقالت له:

هل رأيت لي قرطا يابن اللخناء.ثمّ دخلت على النبيّ صلى اللّه عليه و آله لا تنفعك شيئا.فقالت له:

هل رأيت لي قرطا يابن اللخناء.ثمّ دخلت على النبيّ صلى اللّه عليه و آله فأخبرته بذلك و بكت، فخرج النبيّ صلى اللّه عليه و آله فنادي الصلاة جامعة.فاجتمع الناس،فقال:ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع؟لو قد قربت المقام المحمود لشفعت في أحوجكم، لا يسألني اليوم أحد:من أبواه،إلاّ أخبرته.فقام إليه رجل،فقال:من أبي؟فقال:

أبوك غير الّذي تدعى له،أبوك فلان بن فلان.فقام آخر،فقال:من أبي يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم؟فقال:أبوك الّذي تدعى له.ثمّ قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:ما بال الّذي يزعم أنّ قرابتي لا تنفع لا يسألني عن أبيه؟فقام إليه الثاني(يعنى عمر)فقال له:أعوذ باللّه من غضب اللّه و غضب رسوله اعف عنّي... (3).

و روى هشام الكلبي في(مثالبه)كما في(الطرائف):أنّ صهاك الّتي كان عمر ينسب إليها كانت أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف،فوقع عليها نضلة بن


1) 1) مروج الذهب للمسعودي 2:274. [1]

2) 2) المائدة:101. [2]

3) 3) تفسير القمي 1:188. [3]

هاشم،ثمّ وقع عليها عبد العزى بن رياح فجاءتا بنفيل جدّ عمر (1)

الطرائف 2:469. [1]

.

و قال الجاحظ في(مفاخرات قريش)و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر:بلغ عمر بن الخطاب أنّ أناسا من رواة الأشعار و حملة الآثار يعيبون الناس،و يثلبونهم في أسلافهم.فقام على المنبر و قال:إيّاكم و ذكر العيوب و البحث عن الأصول،فلو قلت:لا يخرج اليوم من هذه الأبواب إلاّ من لا وصمة فيه،لم يخرج منكم أحد.فقام رجل من قريش نكره أن نذكره،فقال:إذن كنت أنا و أنت يا أمير المؤمنين نخرج.فقال:كذبت،بل كان يقال لك:يا قين بن قين، اقعد.قال ابن أبي الحديد:و الرجل الّذي قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي،كان عمر يبغضه لبغضه أباه خالدا،و لأنّ المهاجر كان علوي الرأي جدّا،و كان أخوه عبد الرحمن بخلافه،شهد المهاجر صفين مع عليّ عليه السّلام و شهدها عبد الرحمن مع معاوية،و كان المهاجر مع عليّ عليه السّلام في يوم الجمل و فقئت ذاك اليوم عينه (2).

و قال ابن أبي الحديد أيضا:روى هذا الخبر المدائني في كتاب(أمّهات الخلفاء)و قال:إنّه روي عند جعفر بن محمّد عليه السّلام بالمدينة فقال:لا تلمه يابن أخي،أشفق أن يخدج بقضيّة نفيل بن عبد العزى،و صهاك أمة الزبير بن عبد المطّلب (3).

قلت:الأصل في ما نقله عن المدائني ما رواه الكليني عن سماعة،قال تعرّض رجل من ولد عمر بن الخطاب بجارية رجل عقيليّ،فقالت له:إنّ هذا العمري قد آذاني،فقال لها:عديه و أدخليه الدهليز.فأدخلته فشدّ عليه فقتله


1) 1)

2) 2) نقلهما ابن أبي الحديد في شرحه 3:24 شرح الخطبة 212.

3) 3) المصدر نفسه.

و ألقاه في الطريق.فاجتمع البكريون و العمريون و العثمانيون،و قالوا:ما لصاحبنا كفو،لن نقتل به إلاّ جعفر بن محمّد،و ما قتل صاحبنا غيره.و كان الصادق عليه السّلام قد مضى نحو قبا.قال سماعة:فلقيته بما اجتمع القوم عليه، فقال:دعهم.فلما جاء و رأوه و ثبوا عليه،و قالوا:ما قتل صاحبنا أحد غيرك، و ما نقتل به أحدا غيرك.فقال:ليكلّمني منكم جماعة.فاعتزل قوم منهم،فأخذ بأيديهم فأدخلهم المسجد،فخرجوا و هم يقولون:شيخنا أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد،معاذ اللّه أن يكون مثله يفعل هذا،و لا يأمر به،انصرفوا.قال سماعة:

فمضيت معه،و قلت:جعلت فداك،ما كان أقرب رضاهم من سخطهم؟قال:

نعم دعوتهم.فقلت:امسكوا و إلاّ أخرجت الصحيفة.فقلت:و ما هذه الصحيفة جعلني اللّه فداك؟فقال:إنّ أمّ الخطاب كانت أمة للزبير بن عبد المطلب،فشطر بها نفيل فأحبلها،فطلبه الزبير فخرج هاربا إلى الطائف،فخرج الزبير خلفه فبصرت به ثقيف،فقالوا:يا أبا عبد اللّه ما تعمل هاهنا؟قال:جاريتي شطر بها نفيلكم،فهرب منها إلى الشام.و خرج الزبير في تجارة له إلى الشام،فدخل على ملك الدومة،فقال له:يا أبا عبد اللّه لي إليك حاجة.قال:و ما حاجتك أيها الملك؟فقال:رجل من أهلك قد أخذت ولده فأحبّ أن تردّه عليه.قال:ليظهر لي حتّى أعرفه.فلمّا أن كان من الغد دخل الزبير على الملك فلمّا رآه الملك ضحك، فقال:ما يضحكك أيّها الملك؟قال:ما أظنّ هذا الرجل ولدته عربية،إنّه لمّا رآك قد دخلت لم يملك استه أن جعل يضرط.فقال:أيّها الملك إذا صرت إلى مكّة قضيت حاجتك.فلمّا قدم الزبير تحمّل عليه ببطون قريش كلّها أن يدفع إليه ابنه فأبى ثمّ تحمّل عليه بعبد المطلّب.فقال:ما بيني و بينه عمل،أما علمتم ما فعل في ابني فلان،و لكن امضوا أنتم إليه.فقصدوه فكلّموه،فقال لهم الزبير:

إنّ الشيطان له دولة،و إنّ ابن هذا ابن الشيطان و لست آمن أن يترأس علينا،

و لكن ادخلوه من باب المسجد عليّ على أن أحمي له حديدة،و أخطّ في وجهه خطوطا و أكتب عليه و على ابنه ألاّ يتصدّر في مجلس،و لا يتأمّر على أولادنا، و لا يضرب معنا بسهم.ففعلوا و خطّ وجهه بالحديدة،و كتب عليه الكتاب، و ذلك الكتاب عندنا،فقلت لهم:إن أمسكتم،و إلاّ أخرجت الكتاب ففيه فضيحتكم فأمسكوا... (1)

الكافي للكليني 8:258 ح 372. [1]

.

و روى هشام الكلبي في(مثالبه):أنّ صعبة بنت الحضرمي-أمّ طلحة- كانت لها راية بمكّة،و استبضعت بأبي سفيان فوقع عليها،و تزوّجها عبيد اللّه ابن عثمان فجاءت بطلحة لستّة أشهر،فاختصم أبو سفيان و عبيد اللّه في طلحة،فجعل أمرهما إلى صعبة،فألحقته بعبيد اللّه،فقيل لها:كيف تركت أبا سفيان؟فقالت:يد عبيد اللّه طلقة و يد أبي سفيان كزّة.و ذكر الكلبي شعر حسّان و غيره في ذلك (2).

و روى المسعودي في(مروجه)عن كتاب النوفلي عن ابن عايشة و غيره في خبر حجّ معاوية و طواف سعد معه:انصرف معاوية إلى دار الندوة،فأجلسه(يعني سعدا)معه على سريره...فقال سعد:و اللّه إنّي لأحقّ بموضعك منك.فقال معاوية:يأبي عليك ذلك بنو عذرة.و كان سعد في ما يقال لرجل من بني عذرة.قال النوفلي:و في ذلك يقول السيّد بن محمّد الحميري:

أو رهط سعد و سعد كان قد علموا عن مستقيم صراط اللّه صدّادا

قوم تداعوا زنيما ثمّ سادهم لولا خمول بني زهر لما سادا

(3)


1) 1)

2) 2) رواه من مثالب الكلبي المجلسيّ في متن البحار:409. [2]

3) 3) مروج الذهب للمسعودي 3:14، [3]أولها عن الطبري و آخرها عن كتاب النوفلي.

و تنازع ابن مسعود و سعد في أيّام عثمان،فقال سعد لابن مسعود:

اسكت يا عبد هذيل.فقال له ابن مسعود:اسكت يا عبد عذرة.

و روى هشام الكلبي في(مثالبه):أنّه كانت لحمامة-بعض جدّات معاوية-راية بذي المجاز،و أنّ معاوية كان لأربعة:لعمّار بن الوليد المخزومي،و لمسافر بن عمرو،و لأبي سفيان،و لرجل سمّاه.

قلت:و الرجل العبّاس كما رواه غيره.

قال:و كانت هند من المغتلمات،و كان أحبّ الرجال إليها السودان، و كانت إذا ولدت أسود قتلته (1)

رواه عنه المجلسي عن متن البحار:522،و [1]رواه أيضا ابن أبي الحديد في شرحه 1:157 شرح الخطبة 30 و النقل بتصرف يسير.

.

و نقل سبط ابن الجوزي في(تذكرته)عن(مثالب الكلبي):أنّ الحسين عليه السّلام قال لمروان:يابن الزرقاء الداعية إلى نفسها بسوق ذي المجاز صاحبة الراية بسوق عكاظ.قال:فذكر ابن إسحاق أنّ أمّ مروان اسمها أميّة، و كانت من البغايا في الجاهلية،و كان لها راية مثل راية البيطار تعرف بها، و كانت تسمّى أمّ حتل الزرقاء،و كان مروان لا يعرف له أب،و إنّما نسب إلى الحكم كما نسب عمرو إلى العاص (2).

و كانت النابغة أمّ عمرو بن العاص من البغايا أصحاب الرايات بمكّة، فوقع عليها العاص بن وائل في عدّة من قريش منهم أبو لهب،و أميّة بن خلف، و هشام بن المغيرة،و أبو سفيان بن حرب في طهر واحد.

و روى القمي في(تفسيره):أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله لمّا أمر بقتل عقبة بن أبي معيط من أسارى بدر،قال:يا محمّد ألم نقل لا تصبر قريش؟أي:لا يقتلون


1) 1)

2) 2) رواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:204،208 و [2]النقل بتقطيع.

صبرا.قال:أ فأنت من قريش إنّما أنت علج من أهل صفورية،لأنت في الميلاد أكبر من أبيك الّذي تدعى له،لست منها،قدّمه يا علي فاضرب عنقه (1)

تفسير القمي 1:269. [1]

.

و رووا أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام مرّ بثقيف فتغامزوا به،فرجع إليهم و قال لهم:يا عبيد أبي رغال إنّما كان أبوكم عبد اللّه فهرب منه فثقفه،أي:ظفر به (2).

و رووا أيضا أنّه عليه السّلام قال على المنبر:لقد هممت أن أضع على ثقيف الجزية لأنّ ثقيفا كان عبدا لصالح نبي اللّه،و أنّه سرّحه إلى عامل له على الصدقة،فهرب (3).

و لمّا كتب الحجاج إلى المهلّب و ذمّ قبيلة الأزد،أجابه المهلّب في ذم قبيلته:إنّ شرّا من الأزد لقبيلة تنازعها ثلاث قبائل لم تستقر في واحدة منهنّ.

و في خبر الكلبي النسّابة مع الصادق عليه السّلام،قال عليه السّلام له:أ فتنسب نفسك؟ قال:أنا فلان ابن فلان ابن فلان.فقال له:قف ليس حيث تذهب،أ تدري من فلان؟قال:نعم ابن فلان.قال:لا،إنّ فلانا ابن الراعي الكردي كان علي جبل آل فلان،فنزل إلى فلانة فأطعمها شيئا و غشيها،فولدت فلانا،و فلان ابن فلان من فلانة،أتعرف هذه الأسامي؟قال:لا و اللّه،فإن رأيت أن تكفّ... (4).

و في(الطبري):إنّ مصعب بن الزبير لمّا أخرج خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد الّذي أرسله عبد الملك إلى البصرة في ولاية أخيه،و كان أهلها أجاروه،أرسل إلى رؤسائهم،فأتي بهم،فأقبل على عبيد اللّه بن أبي بكره، فقال:يا ابن مسروح،إنّما أنت ابن كلبة تعاورها الكلاب،فجاءت بأحمر


1) 1)

2) 2) روى هذه المعاني الحاكم في المستدرك،و البيهقي في السنن عنهما منتخب كنز العمال 5:298،و المسعودي في مروج الذهب 2:53.

3) 3) المصدر نفسه.

4) 4) الكافي للكليني 1:348 ح 6 و [2]النقل بتلخيص.

و أسود و أصفر،من كلّ كلب بما يشبهه،و إنّما كان أبوك عبدا نزل إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله من حصن الطائف،ثمّ أقمتم البيّنة تدّعون:أنّ أبا سفيان زنى بأمّكم،أما و اللّه لئن بقيت لأحقنّكم بنسبكم.ثمّ دعا بحمران فقال:يابن اليهودية،إنّما أنت علج نبطي سبيت من عين التمر.ثمّ قال لحكم بن المنذر بن الجارود:يابن الخبث،أ تدري من أنت،و من الجارود؟إنّما كان الجارود علجا بجزيرة ابن كاوان فارسيا فقطع إلى ساحل البحر،فانتمى إلى عبد القيس،و لا و اللّه ما أعرف حيّا أكثر اشتمالا على سوأة منهم،ثمّ أنكح أخته المكعبر الفارسي،فلم يصب شرفا قطّ أعظم منه،فهؤلاء ولدها يابن قباذ.ثمّ أتي بعبد اللّه بن فضالة الزهراني،فقال:أ لست من أهل هجر؟ثمّ من أهل سماهيج؟أما و اللّه لأردنّك إلى نسبك.ثمّ أتي عليّ بن أصمع،فقال:أعبد لبني تميم مرة، و عزي من باهلة؟ثمّ أتي بعبد العزيز بن بشر بن حناط،فقال:يابن المشتور، ألم يسرق عمّك عنزا في عهد عمر،فأمر به.فسير ليقطعه؟أما و اللّه ما أعنت إلاّ من ينكح أختك-كانت أخته تحت مقاتل بن مسمع-ثمّ أتي بأبي حاضر الأسدي،فقال:يابن الاصطخرية،ما أنت و الأشراف؟و إنّما أنت من أهل قطر دعيّ في بني أسد،ليس لك فيهم قريب،و لا نسيب.ثمّ أتي بزياد بن عمرو، فقال:يابن الكرماني إنّما أنت علج من أهل كرمان قطعت إلى فارس فصرت ملاّحا،مالك و الحرب؟لأنت بجرّ القلس أحذق.ثمّ أتي بعبد اللّه بن عثمان بن أبي العاص،فقال له:أعليّ تكثر،و أنت علج من أهل هجر،لحق أبوك بالطائف و هم يضمّون من تأشّب إليهم يتعزّزون به؟أما و اللّه لأردنّك إلى أصلك.ثمّ أتي بشيخ بن النعمان،فقال:يابن الخبيث،إنّما أنت علج من أهل زندرود هربت أمّك،و قتل أبوك،فتزوج أخته رجل من بني يشكر،فجاءت بغلامين،فألحقاك بنسبهما ثمّ ضربهم مائة مائة،و حلق رؤوسهم و لحاهم،و هدم دورهم،

و صهرهم في الشمس ثلاثا،و حملهم على طلاق نسائهم،و جمر أولادهم في البعوث،و طاف بهم في أقطار البصرة،و أحلفهم أن لا ينكحوا الحرائر (1)

تاريخ الطبري 5:4 سنة 71. [1]

.

38

من الخطبة(234)

و من كلام له عليه السّلام اقتصّ فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبيّ صلى اللّه عليه و آله ثم لحاقه به:

فَجَعَلْتُ أَتَّبِعُ مَأْخَذَ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟- فَأَطَأُ ذِكْرَهُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى؟الْعَرَجِ؟ «...في كلام طويل:قوله عليه السّلام: «فأطأ ذكره» من الكلام الّذي رمى به إلى غايتي الإيجاز و الفصاحة،أراد عليه السّلام:أنّي كنت أعطي خبره صلى اللّه عليه و آله من بدء خروجي إلى أن انتهيت إلى هذا الموضع،فكنى عن ذلك بهذه الكناية العجيبة».

أقول:و هذا العنوان ممّا في ترتيبه في نسخنا اختلاف مع نسخة ابن أبي الحديد و الكيذري،و تبعهما ابن ميثم،كما مرّ في أوّل الكتاب (2)،و قد روى العنوان أئمّة غريب الحديث،كما يفهم من ذكر الجزري له في النهاية ابن الأثير الجزري-النهاية-ج 5 ص 201 مادة(وطأ) ،لكن فيه (ما أخذ)بدل(مأخذ) (3).

قول المصنّف «بعد هجرة النبيّ صلى اللّه عليه و آله»ذكر(تنبيه المسعودي)أسماء لسني هجرته صلى اللّه عليه و آله فقال:تعرف السنة الثانية بسنة الأمر لأنّه أمر فيها بالقتال، و الثالثة بسنة التمحيص،و الرابعة بسنة الترفيه،و الخامسة بسنة الأحزاب، و السادسة بسنة الاستئناس،و السابعة بسنة الاستغلاب،و الثامنة بسنة الفتح،و العاشرة بسنة حجّة الوداع،و الحادية عشرة بسنة الوفاة (4).


1) 1)

2) 2) قد مرّ في مقدّمة المؤلف.

3) 3) النهاية لابن الأثير الجزري 5:201 مادة(وطأ)و لفظه(مآخذ).

4) 4) التنبيه و الإشراف:202-240. [2]

«ثمّ لحاقه عليه السّلام به صلى اللّه عليه و آله» بعد ثلاث ليال،كما في(المناقب).

قوله عليه السّلام «فجعلت أتّبع مأخذ رسول اللّه عليه السّلام» أي:مكان أخذه من الطريق في هجرته،و على نقل الجزري،أي:مكانا أخذه.و أمّا لحوقه عليه السّلام به،فروى الكليني مسندا عن سعيد بن المسيّب عن السجّاد عليه السّلام قال:كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله يصلّي مدّة عشر سنين ركعتين حتّى هاجر إلى المدينة،و خلّف عليّا عليه السّلام في أمور لم يكن يقوم بها أحد غيره،و كان خروجه من مكّة في أوّل يوم من ربيع الأوّل،و ذلك يوم الخميس من سنة ثلاث عشرة من المبعث،و قدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول،مع زوال الشمس،فنزل بقبا فصلّى الظهر ركعتين،و العصر ركعتين،ثمّ لم يزل مقيما ينتظر عليّا عليه السّلام يصلّي الصلوات الخمس ركعتين ركعتين،و كان نازلا على عمرو بن عوف، فأقام عندهم بضعة عشر يوما يقولون له:أ تقيم عندنا فنتخذ لك منزلا و مسجدا؟فيقول:لا،إنّي أنتظر علي بن أبي طالب،و قد أمرته أن يلحقني، و لست مستوطنا منزلا حتّى يقدم عليّ،و ما أسرعه إن شاء اللّه.فقدم علي عليه السّلام، و النبيّ صلى اللّه عليه و آله في بيت عمرو بن عوف فنزل معه،ثمّ تحوّل النبيّ صلى اللّه عليه و آله من قبا إلى بني سالم بن عوف،و عليّ عليه السّلام معه يوم الجمعة مع طلوع الشمس،فخطّ لهم مسجدا و نصب قبلته،فصلّى بهم فيه الجمعة ركعتين،و خطب خطبتين،ثمّ راح من يومه إلى المدينة على ناقته التي كان قدم عليها،و عليّ عليه السّلام معه لا يفارقه يمشي بمشيه،و ليس يمر النبيّ صلى اللّه عليه و آله ببطن من بطون الأنصار إلاّ قاموا إليه يسألونه أن ينزل عليهم،فيقول لهم:خلّوا سبيل الناقة،فانّها مأمورة.

فانطلقت به،و هو واضع لها زمامها حتّى انتهت إلى الموضع الذي ترى -و أشار بيده إلى باب مسجد النبيّ صلى اللّه عليه و آله الذي يصلّي عنده بالجنائز-فوقفت عنده و بركت،و وضعت جرانها على الأرض،فنزل،و أقبل أبو أيّوب مبادرا

حتّى احتمل رحله،فأدخله منزله،و عليّ عليه السّلام معه حتّى بنيت له مساكن و بنى مسجده فتحولا.

قال سعيد:قلت لعليّ بن الحسين عليه السّلام:كان أبو بكر معه،فأين فارقه؟ قال:لمّا كان بقبا ينتظر قدوم عليّ عليه السّلام قال له أبو بكر:انهض بنا إلى المدينة فإنّ القوم فرحوا بقدومك،و ما أظنّ عليّا يقدم عليك إلى شهر.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

كلاّ بل ما أسرع حتّى يقدم أخي،و ابن عمّي،و أحبّ أهل بيتي،و قد وقاني بنفسه من المشركين.فغضب أبو بكر،و اشمأزّ و داخله من ذلك حسد لعليّ عليه السّلام،و كان ذلك أوّل عداوة بدت منه في عليّ عليه السّلام،و أوّل خلافه على النبيّ صلى اللّه عليه و آله.فانطلق أبو بكر حتّى دخل المدينة،و تخلّف النبيّ صلى اللّه عليه و آله بقبا ينتظر عليّا عليه السّلام... (1)

الكافي للكليني 8:338 ح 536 و [1]النقل بتصرف يسير.

.

و في(الكافي):ماتت خديجة قبل الهجرة بسنة،و مات أبو طالب بعدها.

فلمّا فقدهما سئم المقام بمكّة و دخله حزن شديد،و أشفق على نفسه من كفّار قريش،فشكا إلى جبرئيل ذلك،فأوحى إليه:أن اخرج من القرية الظالم أهلها، و هاجر إلى المدينة،فليس لك اليوم بمكّة ناصر،و انصر للمشركين حربا.

فعند ذلك توجّه إلى المدينة (2).

و روى(أمالي الشيخ)مسندا عن هند بن أبي هالة،و أبي رافع،و عمّار جميعا يحدّثون عن هجرة أمير المؤمنين عليه السّلام إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله بالمدينة،و مبيته قبل ذلك على فراشه،قالوا:ثمّ كتب النبيّ صلى اللّه عليه و آله إليه عليه السّلام كتابا يأمره فيه بالمسير إليه،و قلّة التلوم،و كان الرسول إليه أبا واقد الليثي،فتهيأ للخروج، فأذّن من كان معه من ضعفاء المؤمنين،فأمرهم أن يتسلّلوا إذا ملأ الليل بطن


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:440 و [2]النقل بالمعنى.

كلّ ذي واد إلى ذي طوى،و خرج عليه السّلام بفاطمة بنت النبيّ صلى اللّه عليه و آله و بفاطمة أمّه، و بفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب،و قيل:ضباعة،و تبعهم أيمن بن أمّ أيمن، و أبو واقد فجعل يسوق بالرواحل،فأعنف بهم.فقال عليه السّلام:ارفق بالنسوة،أبا واقد،إنّهنّ من الضعائف،قال:أخاف أن يدركنا الطلب.فقال عليه السّلام:أربع عليك.

ثمّ جعل عليه السّلام يسوق بهنّ سوقا رفيقا و هو يقول:

ليس إلاّ اللّه فارفع ظنكا يكفيك ربّ الناس ما أهمّكا

فلمّا شارف ضجنان أدركه الطلب بسبع فوارس من قريش مستلئمين و ثامنهم جناح مولى الحرث بن أميّة،فأقبل عليه السّلام على أيمن و أبي واقد،و قد تراءى القوم.فقال لهما:أنيخا الابل،و اعقلاها،و تقدّم حتّى أنزل النسوة،و دنا من القوم منتضيا سيفه،فقالوا:ظننت يا غدّار أنّك ناج بالنسوة؟ارجع لا أبا لك.قال:فإن لم أفعل؟قالوا:لترجعنّ راغما.و دنوا من المطايا ليثوّروها فحال عليه السّلام بينهم و بينها،فأهوى له جناح بسيفه،فراغ عليه السّلام عن ضربته، و ضربه على عاتقه مضيّا فيه حتّى مسّ كاثبة فرسه،و كان عليه السّلام يشدّ على قدمه شدّ الفارس،و هو يقول:

خلّو سبيل الجاده المجاهد آليت لا أعبد غير الواحد

فتصدعوا عنه،فقال:من سرّه أن أفري لحمه،و أهريق دمه،فليتبعني.

ثمّ سار ظاهرا مظاهرا حتّى نزل ضجنان،فتلوم بها قدر يومه و ليلته،و لحق به نفر من المستضعفين،و فيهم أمّ أيمن،فصلّى ليلته تلك هو و الفواطم، و يذكرونه «قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ» 1.فلن يزالوا كذلك حتّى طلع الفجر،فصلّى بهم صلاة الفجر،ثمّ سار لوجهه حتّى قدم المدينة،و قد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً»

«وَ عَلى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً » ... «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» (1)

آل عمران:191-195. [1]

الذكر:علي عليه السّلام و الانثى:فاطمة و «بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» عليّ من الفواطم،و هنّ من علي عليه السّلام «فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَ اللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ» (2).

و تلا: «وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ وَ اللّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» (3)،و قال له:يا علي أنت أوّل هذه الأمّة إيمانا باللّه و رسوله،و أوّلهم هجرة إلى اللّه و رسوله،و آخرهم عهدا برسوله (4).

«فأطأ» أي:أضع قدمي،قال تعالى: «وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها» (5)و قال الجوهري:الوطأة:موضع القدم،و هي أيضا كالضغطة،و في الحديث:اللهمّ اشدد و طأتك على مضر (6).

قلت:ما ذكره و هم،فموضع القدم:الموطىء لا الوطاة،كما أنّ الضغطة شدّة الوطأة،لا مطلقها كما قال.

«ذكره» أي:النبيّ صلى اللّه عليه و آله لاشتهار أمره في الطريق أيضا.

«حتّى انتهيت إلى العرج» أحد المنازل الّتي كانت في الطريق.

و قد ذكر كاتب الواقدي في(طبقاته)منازل سلكها النبيّ صلى اللّه عليه و آله في هجرته


1) 1)

2) 2) آل عمران:195. [2]

3) 3) البقرة:207. [3]

4) 4) الأمالي [4]لأبي علي الطوسي 2:84 الجزء 16 و الحديث طويل نقل بتصرف.

5) 5) الأحزاب:27.

6) 6) صحاح اللغة للجوهري 1:81 [5] مادة(وطا).

قبل العرج و بعده،فقال:و سلك النبيّ صلى اللّه عليه و آله في الخرّار ثمّ جاز ثنيّة المرة،ثمّ سلك لقفا،ثمّ أجاز مدلجة لقف،ثمّ استبطن مدلجة مجاج،ثمّ سلك مرجح مجاج،ثمّ بطن مرجح،ثمّ بطن ذات كشد،ثمّ على الحدائد،ثمّ على الأذاخر،ثمّ بطن ريغ فصلّى به المغرب،ثمّ ذا سلم،ثمّ أعدى مدلجة،ثمّ العثانية،ثمّ جاز بطن القاحة ثمّ هبط العرج،ثمّ سلك في الجدوات،ثمّ في الغابر عن يمين ركوبة،ثمّ هبط بطن العقيق حتّى انتهى الى الجثجاثة (1)

الطبقات لابن سعد 1 [1] ق 1:157.

.

و أمّا وجه تسمية العرج بالعرج،فقال ابن الكلبي:لمّا رجع تبّع من قتال أهل المدينة يريد مكّة رأى دوابّ تعرج،فسمّاها العرج (2).و قال كثير:سمّي عرجا لأنّه يعرج به عن الطريق (3).

و العرج عرجان:عرج من نواحي الطائف،و إليه ينسب العرجي،الشاعر الّذي يقول:

أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا ليوم كريهة و سداد ثغر

و عرج بين مكّة و المدينة الوارد في كلامه عليه السّلام،قال الأصمعي،في كتاب (جزيرة العرب)كما نقل عنه(المعجم):إنّ في نواحي الطائف و اديا يقال له:

العرج،و هو غير العرج الّذي بين مكّة و المدينة عقبة بينهما على جادة الحاج، و جبلها متّصل بجبل لبنان (4).

و من العرج الثاني كان سعد العرجي دليل النبيّ صلى اللّه عليه و آله إلى المدينة.

و في(الأسد):قيل لسعد:العرجي،لأنّه اجتمع مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله بالعرج.

روى عنه ابنه عبد اللّه أنّه قال:كنت دليل النبيّ من العرج إلى المدينة


1) 1)

2) 2) معجم البلدان للحموي 4:98. [2]

3) 3) المصدر نفسه. [3]

4) 4) معجم البلدان للحموي 4:99 و [4]النقل بتقطيع.

فرأيته يأكل متّكئا... (1)

أسد الغابة لابن الأثير 2:287. [1]

.

و وهم ابن أبي الحديد،فقال:العرج منزل بين مكّة و المدينة،و إليه ينسب العرجي الشاعر،و هو عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان (2).

فتراه توهم اتّحاد العرج،و انحصاره بما بين مكّة و المدينة،و نسبة العرجي الشاعر إليه مع أنّه لا ريب أنّه منسوب إلى عرج الطائف،كما صرّح به ابن قتيبة،و الحموي،و الحصري (3)،و غيرهم،و إنّما سعد العرجي الصحابي منسوب إليه.

كما أنّ قوله:«العرجي عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمرو»غلط آخر (4)،و إنّما هو عبد اللّه بن عمر بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان،كما صرّح بن القتيبي و الحموي (5)و غيرهما.

و هجا العرجي هذا إبراهيم المخزومي فحبسه حتّى مات.

و غلط الجوهري و الفيروز آبادي فيه غلطا آخر فقالا:العرجي:عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان (6).

فإنّ من قالا:جدّا العرجي،و يقال له:المطرف لا العرجي.

قول المصنّف«في كلام طويل»لم يذكره لخروجه عن موضوع كتابه.


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:288،و [2]فيه«عبد اللّه بن عمرو بن عثمان».

3) 3) الشعر و الشعراء لابن قتيبة:224 و معجم البلدان للحموي 4:98،و المشترك و المفترق:305،و زهر الآداب للحصري 1:558. [3]

4) 4) في شرح ابن أبي الحديد 3:288« [4]عبد اللّه بن عمرو بن عثمان»كما ذكرنا،و يوافقه قول الحموي في المشترك، و الجوهري و الفيروز آبادي،كما سنذكر.

5) 5) الشعر و الشعراء لابن قتيبة:224،و [5]معجم البلدان للحموي 4:98 [6] لكنّه قال في المشترك و المفترق:305«عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان العرجي الشاعر»و قال ابن قتيبة:«عبد اللّه بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان».

6) 6) صحاح اللغة للجوهري 1:325 مادة(عرج)و القاموس المحيط للفيروز آبادي 1:199 مادة(عرج).

«قوله عليه السّلام: «فأطأ ذكره» من الكلام الّذي رمى به إلى غايتي الإيجاز و الفصاحة»أي:هو كلام جمع بينهما.

«أراد عليه السّلام أنّي كنت أعطي خبره صلى اللّه عليه و آله من بدء خروجي إلى أن انتهيت إلى هذا الموضع فكنّى عن ذلك»المعني الطويل.

«بهذه الكناية العجيبة»المختصرة،و نظير كلامه عليه السّلام قول علي بن خشرم لعليّ بن حجر:

و وافيت مشتاقا على بعد شقّة يسايرني في كلّ ركب له ذكر

و ممّا يدخل في هذا الباب ما رواه(عيون ابن قتيبة)عن الأصمعي قال:

قال شيخ من قضاعة:ضللنا مرّة الطريق فاستر شدنا عجوزا،فقالت:استبطن الوادي،و كن سيلا حتّى تبلغ (1)

عيون الأخبار لابن قتيبة 2:212. [1]

.

و عن اعرابي قال:خرجت حيث انحدرت أيدي النجوم،و شالت أرجلها.

فلم أزل أصدع الليل حتّى انصدع لي الفجر.

و عن آخر ذكر قوما اتّبعوا قوما أغاروا عليهم فقال:احتشوا كلّ جمالية عيرانة،فما زالوا يخصفون أخفاف المطي بحوافر الخيل حتّى أدركوهم بعد ثالثة،فجعلوا المران أرشية الموت،و استقوا بها أرواحهم.

و قال عبد العزيز بن زرارة لمعاوية:لم أزل أهزّ ذوائب الرحال إليك،إذ لم أجد معوّلا إلاّ عليك،امتطي الليل بعد النهار،و أسمّ المجاهل بالآثار،يقودني إليك أمل و تسوقني بلوى،و المجتهد يلوي،و إذا بلغتك فقطني.

39

من الخطبة(158)

وَ قَدْ كَانَ فِي؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟ كَافٍ لَكَ فِي الْأُسْوَةِ- وَ دَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ


1) 1)

الدُّنْيَا وَ عَيْبِهَا- وَ كَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَ مَسَاوِيهَا- إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا...

فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْهَرِ ص- فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى وَ عَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى- وَ أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ- وَ الْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ- قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً وَ لَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً- أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً- وَ أَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً- عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا- وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ- وَ حَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ وَ صَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ.

وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلاَّ حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ- وَ تَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ- لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ وَ مُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ- وَ لَقَدْ كَانَ ص يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ- وَ يَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ وَ يَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ- وَ يَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ وَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ- وَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ- وَ يَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ- يَا فُلاَنَةُ لِإِحْدَى أَزْوَاجِهِ غَيِّبِيهِ عَنِّي- فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَ زَخَارِفَهَا- فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ- وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ- لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً وَ لاَ يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً- وَ لاَ يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ- وَ أَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ وَ غَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ.

وَ كَذَا مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ- وَ أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ- وَ لَقَدْ كَانَ فِي؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟- مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِئِ الدُّنْيَا وَ عُيُوبِهَا- إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ- وَ زُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ- فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ- أَكْرَمَ اللَّهُ؟مُحَمَّداً ص؟ بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ- فَإِنْ قَالَ أَهَانَهُ فَقَدْ كَذَبَ وَ أَتَى بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ- وَ إِنْ قَالَ أَكْرَمَهُ- فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ لَهُ الدُّنْيَا- وَ زَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ- فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ

بِنَبِيِّهِ- وَ اقْتَصَّ أَثَرَهُ وَ وَلَجَ مَوْلِجَهُ- وَ إِلاَّ فَلاَ يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ- فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ؟مُحَمَّداً ص؟ عَلَماً لِلسَّاعَةِ- وَ مُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ وَ مُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً وَ وَرَدَ الْآخِرَةَ سَلِيماً- لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ- حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وَ أَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ- فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا- حِينَ أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنَا سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وَ قَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ «و قد كان» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و لقد كان)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطيّة) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:450،و [1]شرح الخوئي 4:249 لكن في شرح ابن ميثم 3:279«و [2]قد»أيضا.

.

«في رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كاف لك في الأسوة» أي:التأسّي،قال تعالى: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً » (2).

«و دليل لك على ذمّ الدّنيا و عيبها» «وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ» (3)، «إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ» (4)، «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ» ... «وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ » (5).

«و كثرة مخازيها» جمع المخزية:اسم الفاعل من أخزى،أي:الخصلة القبيحة.

«و مساويها» أي:نقائصها و معايبها.


1) 1)

2) 2) الأحزاب:21. [3]

3) 3) الأنعام:32. [4]

4) 4) محمّد:36. [5]

5) 5) الحديد:20. [6]

«إذ قبضت عنه أطرافها» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:ما أعجب النبيّ صلى اللّه عليه و آله شيء من الدّنيا إلاّ أن يكون فيها جائعا خائفا (1)

الكافي للكليني 2:129 ح 7،8. [1]

.

و عنه عليه السّلام خرج النبيّ صلى اللّه عليه و آله و هو محزون فأتاه ملك،و معه مفاتيح خزائن الأرض،فقال:يا محمّد،هذه مفاتيح خزائن الأرض،يقول لك ربّك:افتح و خذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئا عندي.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:الدّنيا دار من لا دار له،و لها يجمع من لا عقل له.فقال الملك:و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا،لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح (2).

«و وطئت»بالتشديد.

«لغيره أكنافها»أي:جوانبها.

«و فطم»أي:قطع.

«عن رضاعها»هكذا في(المصرية)و لكن في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطّيّة) (3):«من رضاعها».و الفطيم بعد الفطم يبغض الثدي، فكان صلى اللّه عليه و آله يبغضها،و أمّا أهل الدّنيا فيحبّونها حبّ الرضيع للثدي،قال ابن همّام السلولي:

و ذمّوا لنا الدّنيا و هم يرضعونها أفاويق حتّى ما يدرّ لها ثعل

«و زوي عن زخارفها»أي:عدل به عن زيناتها .

«فتأس بنبيّك الأطيب الأطهر» هكذا في(المصرية و في ابن أبي الحديد) (4)و لكن في(الخطية):«بنبيّك الأطهر الأطيب»و في(ابن ميثم) (5):«بنبيّك الأطهر»


1) 1)

2) 2) المصدر نفسه. [2]

3) 3) كذا في شرح الخوئي 4:249 لكن في شرح ابن أبي الحديد 2:450،و شرح ابن ميثم 3:279«عن»أيضا.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:451.

5) 5) لفظ شرح ابن ميثم 3:280 [3] مثل المصرية(أيضا).

و حيث إنّ نسخته بخطّ المصنّف فما فيه هو الأظهر .

«فانّ فيه أسوة لمن تأسى» أي:حقيق لأن يتأسّى به .

«و عزاء» أي:أنّ فيه موضع انتساب.

«لمن تعزّى به» أي:أراد الانتساب إليه .

و أحبّ العباد إلى اللّه المتأسّي بنبيّه» قالوا:الأصل فيه قوله تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ» (1)

آل عمران:31. [1]

.

«و المقتصّ» أي:المتّبع.

«لأثره» فيفعل ما فعل صلى اللّه عليه و آله،و يترك ما ترك صلى اللّه عليه و آله .

«قضم الدّنيا قضما» أي:قنع منها بقدر الضرورة،فقالوا:الخضم الأكل بجميع الفم،و القضم دونه،قال أعرابي قدم على ابن عمّ له بمكة:هذه بلاد مقصم،و ليست ببلاد مخضم.

قال ابن أبي الحديد:و روي:«قصم الدّنيا قصما» (2).

قلت:و هو الأنسب بقوله عليه السّلام بعد «و لم يعرها طرفا» .و قالوا:الفصم كسر غير بيّن،و القسم كسر بيّن،و تفسير ابن أبي الحديد (3)له بمطلق الكسر في غير محلّه.

«و لم يعرها» أي:لم يعطها عارية.

«طرفا» أي:نظرا بمؤخّر العين،فعلم أنّها ما تعدل عند اللّه جناح بعوضة، و إلاّ لما سقى الكافر منها شربة ماء .

«أهضم» أي:أحفض.


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:452.

3) 3) المصدر نفسه.

«أهل الدّنيا كشحا» قال الجوهري:الكشح:ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف (1)

صحاح اللغة للجوهري 1:399 [1] مادة(كشح).

،قال طرفة:

و أنّ له كشحا إذا قام أهضما

(2)«و أخمصهم» أي:أضمرهم،و أرقّهم. «من الدّنيا بطنا» قال:

كلوا في بعض بطنكم تعفّوا فإنّ زمانكم زمن خميص

و في الخبر:كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله إذا تغدّى لا يتعشى،و إذا تعشّى لا يتغدّى، و كان صلى اللّه عليه و آله ما شبع من خبز شعير قطّ،و ما أكل خبز برّ قطّ،و قد يلصق بطنه بظهره من شدّة الجوع (3).

و في(عرائس الثعلبي)بإسناده عن جابر الأنصاري:أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله أقام أيّاما لم يطعم طعاما حتّى شقّ ذلك عليه،فطاف في منازل أزواجه فلم يصب في بيت أحد منهنّ شيئا،فأتى فاطمة عليهما السّلام فقال:يا بنيّة هل عندك شيء آكل فإنّي جائع؟فقالت:لا و اللّه بأبي أنت و أمّي فلمّا خرج النبيّ صلى اللّه عليه و آله من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين،و بضعة لحم.فأخذته منها و وضعته في جفنة، و غطّت عليه،و قالت:لأوثرنّ بها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله على نفسي،و من عندي.

و كانوا جميعا محتاجين إلى شبعة من طعام،فبعثت حسنا و حسينا إلى جدّهما رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فرجع إليها،فقالت:بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قد أتانا اللّه بشيء فخبأته لك.قال:فهلمّي به.فأتي به فكشف عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا و لحما.فلمّا نظرت إليه بهتت،و عرفت أنّها من بركة اللّه،


1) 1)

2) 2) لسان العرب 12:614 [2] مادة(هضم)و صدره:و لا خير فيه غير انّ له غنى.

3) 3) الطبقات لابن سعد 1 ق 2:113،و التهذيب للنووي 1 ق 1:32 و مكارم الأخلاق للطبرسي:28. [3]

فحمدت اللّه تعالى وصلّت على نبيّه.فقال صلى اللّه عليه و آله:من أين لك هذا يا بنيّة؟قالت:

«هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» (1)

آل عمران:37. [1]

،فحمد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و قال:الحمد للّه الذي جعلك شبيهة بسيّدة نساء بني إسرائيل،فإنّها كانت إذا رزقها اللّه رزقا حسنا،فسئلت عنه «قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » (2).

«عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها» قال الرضا عليه السّلام:قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

أتاني ملك،فقال:يا محمّد إنّ ربّك يقرئك السلام و يقول لك:إن شئت جعلت لك بطحاء مكّة ذهبا.فرفع رأسه إلى السماء فقال:يا ربّ أشبع يوما فأحمدك، و أجوع يوما فأسألك (3).

«و علم أنّ اللّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه» في(الكافي):عن الصادق عليه السّلام في مناجاته تعالى لموسى عليه السّلام:إنّ الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عند خطيئته،و جعلتها ملعونة،ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي... (4).

«و حقّر شيئا فحقّره و صغّر شيئا فصغّره» في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:

مرّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله بجدي أسكّ(أي مقطوع الأذنين)ملقى على مزبلة ميتا،فقال لأصحابه:كم يساوي هذا،فقالوا:لعلّه لو كان حيّا لم يساو درهما.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:و الّذي نفسي بيده للدّنيا أهون على اللّه من هذا الجدي على أهله (5).


1) 1)

2) 2) العرائس للثعلبي:373.

3) 3) أخرجه صاحب صحيفة الرضا عليه السّلام فيها:57 ح 75،و الصدوق في عيون الأخبار 2:29 ح 36،و [2]المفيد في أماليه: 124 ح 1 المجلس(15)عن الرضا عن آبائه عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و أخرجه الترمذي في سننه 4:575 ح 2347،و أحمد في مسنده 5:254 [3] عن أبي أمامة عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و في الباب عن الحسن و الصادق عليهما السّلام.

4) 4) الكافي للكليني 2:317 ح 9،و [4]عقاب الأعمال للصدوق:263 ح 1،و مشكاة الأنوار للطبرسي:270. [5]

5) 5) الكافي للكليني 2:129 ح 9،و [6]قريبا منه التنبيه للورام 1:128.

«و لو لم يكن فينا إلاّ حبّنا ما أبغض اللّه و رسوله و تعظيمنا ما صغّر اللّه و رسوله» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:451،و [1]لكن توجد الكلمة في شرح ابن ميثم 3:280 أيضا. [2]

،و ليس في(ابن ميثم و الخطيّة) (2)كلمة(و رسوله)في الموضعين،و هو الأصح .

«لكفى شقاقا» أي:خلافا،و في كوننا في غير شقه تعالى.

«للّه و محادّة» أي:مخالفة،و كوننا في حدّ آخر.

«عن أمر اللّه» و ما يريده منّا،و في الخبر:مرّ موسى عليه السّلام برجل يبكي، فقال:إلهي عبدك يبكي من مخافتك،فقال:يا موسى لو نزل دماغه مع دموع عينيه لم أغفر له،و هو يحبّ الدّنيا (3).

و عنهم عليهم السّلام:حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة (4).

و عن الباقر عليه السّلام:إيّاك أن تطمح بصرك إلى من هو فوقك.فكفى بما قال اللّه تعالى لنبيّه صلى اللّه عليه و آله: «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ» (5)،و قال: «وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا» (6)فإن دخلك من ذلك شيء فاذكر عيش رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،فإنّما كان قوته الشعير،و حلوه التمر،و وقوده السعف إذا وجده (7).


1) 1)

2) 2) المصدر نفسه. [3]

3) 3) التنبيه للورام 1:134 و غيره،و النقل بالتلخيص.

4) 4) حديث مشهور أخرجه البيهقي في الشعب عنه الجامع الصغير 1:146،و رواه الورام في التنبيه 1:128 عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و أخرجه الكليني في الكافي 2:315 ح 1،و [4]الصدوق في الخصال:29 ح 87،و أبو جعفر الطوسي في أماليه 2:275 المجلس 17 و [5]غيرهم عن الصادق عليه السّلام.

5) 5) التوبة:55. [6]

6) 6) طه:131. [7]

7) 7) أخرجه الكليني في الكافي 2:137 ح 1 [8] عن الباقر عليه السّلام،و القمي في تفسيره 2:66،و [9]أبو جعفر الطوسي في أماليه 2:294 المجلس 20 و [10]رواه الطبرسي في مجمع البيان 7:36 عن الصادق عليه السّلام و الطبرسي في المصدر موقوفا عن أبي بن كعب.

و قالوا:وقف صوفي على إبراهيم بن أدهم فقال:يا أبا إسحاق لم حجبت القلوب عن اللّه عزّ و جلّ؟قال:لأنّها أحبّت ما أبغض اللّه،أحبّت الدّنيا،و مالت إلى دار الغرور،و تركت العمل لدار فيها حياة الأبد .

«و لقد كان صلى اللّه عليه و آله يأكل على الأرض و يجلس جلسة العبد» في(عيون القتيبي):

عن قيس بن أبي حازم:جاء رجل إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله فأصابته رعدة.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:هوّن عليك فإنّما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد (1)

عيون الأخبار لابن قتيبة 1:265. [1]

.

و في الخبر:مرّت امرأة بذيّة على النبيّ صلى اللّه عليه و آله و كان جالسا جلسة العبيد، فقالت:يا محمّد إنّك تجلس جلسة العبيد؟فقال:و أيّ عبد أعبد منّي (2).

و في(الأسد)عن أبي أمامة،قال:بينما نحن مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار و رداء،و قد أسبل،فجعل النبيّ صلى اللّه عليه و آله يأخذ بحاشية ثوبه،و يتواضع للّه عزّ و جلّ و يقول:اللّهمّ عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك،حتّى سمعها عمرو بن زرارة فالتفت إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقال:يا رسول اللّه إنّي حمش الساقين.فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:إنّ اللّه قد «أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» (3)يا عمرو بن زرارة،إنّ اللّه لا يحبّ المسبلين (4).

قلت:الظاهر أنّ مراد عمرو في قوله:إنّي حمش الساقين:إنّي أسلبت لأستر حمشهما.

و في الخبر:كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله يجيب دعوة العبد،و يدعى إلى خبز الشعير


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 6:271 ح 2،و [2]الاهوازي في الزهد:11 ح 22،و [3]البرقي في المحاسن:457 ح 388، و [4]رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق:16 و [5]النقل بتلخيص و قد مرّ الحديث في العنوان 6 من الفصل الخامس.

3) 3) السجدة:7. [6]

4) 4) أسد الغابة لابن الأثير 4:103. [7]

و الاهالة السنخة،فيجيب (1)

النهاية لابن الأثير 1:84 [1] مادة(أهل)بفرق يسير،و المعنى روي كثيرا.

.

و في(السيرة)-في حديث قدوم عدي بن حاتم على النبيّ صلى اللّه عليه و آله لإسلامه-قال عدي:فانطلق بي النبيّ صلى اللّه عليه و آله إلى بيته،إذا لقيته امرأة ضعيفة كبيرة،فاستوقفته،فوقف لها طويلا تكلّمه في حاجتها.فقلت في نفسي:ما هذا بملك.ثمّ مضى بي حتّى دخل بيته تناول و سادة محشوّة ليفا،فقذفها إليّ، و قال:اجلس على هذه.قلت:بل أنت.قال:بل أنت.فجلست عليها،و جلس بالأرض.فقلت في نفسي:و اللّه ما هذا بأمر ملك.ثمّ قال:أيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا؟-قيل:الركوسي دين بين النصارى و الصابئين-قلت:بلى.قال:

أولم تك تسير في قومك بالمرباع قلت:بلى.قال:فإنّ ذلك لا يحلّ لك في دينك.

قلت:أجل،و عرفت أنّه نبيّ مرسل يعلم ما يجهل ... (2).

«و يخصف بيده نعله و يرقع بيده ثوبه» و قد يكل ذلك إليه عليه السّلام،و حديث خاصف النعل معروف (3).

«و يركب الحمار العاري» في(تفسير القمي)-في غزوة الخندق في مجيء حي بن أخطب إلى كعب بن أسيد،رئيس بني قريظة،ليحمله على نقض العهد بينه و بين النبيّ صلى اللّه عليه و آله لتجمع أحزاب قريش و غيرهم عليه-فقال كعب لبني


1) 1)

2) 2) السيرة لابن هشام 4:168 و غيره،و [2]النقل بتلخيص.

3) 3) لحديث خاصف النعل روايتان:الأولى أخرجها الترمذي في سننه 5:634 ح 371،و النسائي في الخصائص:68، و ابن عساكر في ترجمة علي عليه السّلام 2:366 ح 873،و [3]غيرهم عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و اللفظ للترمذي:«يا معشر قريش لتنتهنّ أو ليبعثنّ اللّه عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدّين،قد امتحن اللّه قلبه على الايمان...قال:هو خاصف النعل.و كان أعطى عليّا نعله يخصفها»،و الثانية أخرجها أحمد بطريقين في مسنده 3:33،82،و النسائي في الخصائص:131،و ابن عساكر بطرق في ترجمة علي عليه السّلام 3:163-172 ح 1178-1191 و [4]غيرهم عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و اللفظ لأحمد:«إنّ منكم من يقاتل على تأويله(أي القرآن)كما قاتلت على تنزيله،قال:فقام أبو بكر و عمر.فقال:لا و لكن خاصف النعل،و علي يخصف نعله».

قريظة:ما تريدون؟قالوا:أنت سيّدنا و المطاع فينا و أنت صاحب عهدنا،فإن نقضت نقضنا،و إن أقمت أقمنا معك،و إن خرجت خرجنا معك.فقال الزبير بن ياطا-و كان شيخا كبيرا مجرّبا قد ذهب بصره-قد قرأت التوراة الّتي أنزلها اللّه في سفرنا بأنّه يبعث نبيّا في آخر الزمان يكون مخرجه بمكّة،و مهاجرته بالمدينة إلى البحيرة،يركب الحمار العريّ،و يلبس الشملة،و يجتزي بالكسيرات و التميرات،و هو الضحوك القتّال،في عينيه الحمرة،و بين كتفيه خاتم النبوّة،يضع سيفه على عاتقه،لا يبالي من لاقاه،يبلغ سلطانه منقطع الخف و الحافر.فإن كان هذا هو فلا يهولنّه هؤلاء و جمعهم،و لو ناوته هذه الجبال الرواسي لغلبها.فقال حي:ليس هذا ذلك،و ذلك النبيّ من بني إسرائيل، و هذا من العرب من ولد إسماعيل،و لا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد إسماعيل أبدا (1)

تفسير القمي 2:180. [1]

.

و فيه أيضا-بعد ذكر ظفر النبيّ صلى اللّه عليه و آله ببني قريظة:فأخرج كعب بن أسيد مجموعة يديه إلى عنقه،و كان جميلا و سيما،فلمّا نظر إليه النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال له:يا كعب أما نفعتك وصيّة ابن الحوّاس الحبر الذكي الّذي قدم عليكم من الشام فقال:تركت الخمر و الخنزير،و جئت إلى البؤس و التمور لنبي يبعث، مخرجه بمكّة،و مهاجرته في هذه البحيرة،يجتزي بالكسيرات و التمرات، و يركب الحمار العريّ،في عينيه حمرة،بين كتفيه خاتم النبوّة،يضع سيفه على عاتقه،لا يبالي من لاقي منكم،يبلغ سلطانه منقطع الخف و الحافر؟فقال:

قد كان ذلك يا محمّد،و لو لا أنّ اليهود يعيّروني أنّي جزعت عند القتل لآمنت بك و صدّقتك،و لكنّي على دين اليهود عليه أحيى،و عليه أموت (2).

«و يردف خلفه» روى الواحدي عن عروة بن الزبير أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله سار


1) 1)

2) 2) تفسير القمي 2:191. [2]

يعود سعد بن عبادة،فركب حمارا على قطيفة فدكيّة،و أردف أسامة خلفه (1)

أخرجه الواحدي في أسباب النزول:90 و [1]أحمد بثلاث طرق في مسنده 5:203 و النقل بالمعنى.

.

و في(أنساب البلاذري):وقف النبيّ صلى اللّه عليه و آله بعرفات و هو مردف أسامة بن زيد،و كان أسامة يدعى الردف،لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله كان يردفه كثيرا (2).

و عن(الصحيحين):أردف النبيّ صلى اللّه عليه و آله الفضل بن العبّاس من مزدلفة إلى منى (3).

و عن ابن مندة:عدّ من أردفه النبيّ صلى اللّه عليه و آله إلى ثلاثة و ثلاثين نفرا (4).

«و يكون الستر على باب بيته تكون فيه التصاوير فيقول:يا فلانه-لإحدى أزواجه-غيّبيه عنّي» روى الخطيب في محمّد بن حمويه عن عايشة أنّها اشترت نمرقة فيها تصاوير،فلمّا رآها النبيّ صلى اللّه عليه و آله قام بالباب و لم يدخل، فعرفت عائشة و أنكرت وجهه،فقالت:يا رسول اللّه تبت إلى اللّه،ما ذا أذنبت؟ فقال:ما هذه النمرقة؟قالت:اشتريتها لك تجلس عليها و توسّدها.فقال:إنّ أصحاب هذه الصور يعذّبون يوم القيامة،يقال لهم:أحيوا ما خلقتم،و إنّ البيت الّذي فيه الصور لا تدخله الملائكة (5).

و روى(سنن أبي داود)عن عايشة قالت:إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله خرج في بعض مغازيه.فأخذت نمطا كان لنا فسترته على العرض،فلمّا جاء أتى النمط حتّى


1) 1)

2) 2) أنساب الأشراف للبلاذري 1:470،469. [2]

3) 3) أخرجه البخاري في صحيحه 1:292،و مسلم في صحيحه 2:931 ح 267،و الترمذي في سننه 3:260 ح 918، و النسائي في سننه 5:267،و ابن ماجه في سننه 2:1022 ح 3074،و الدارمي في سننه 2:45،و أحمد في مسنده 1: 216،و ابن سعد في الطبقات 2 ق 1:129،و رواه القاضي الصعدي في درر الأحاديث:87 بعضهم عن طرق كثيرة، و حول الحديث بحث عن الباقر عليه السّلام أخرجه في بعض نسخ فقه الرضا عنه المستدرك 2:117 ح 4. [3]

4) 4) لم أظفر بمرجع نقله.

5) 5) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 2:293،و [4]صحيح مسلم 3:1669 ح 96 بفرق يسير،و الموطا لمالك:726،و [5]مسند أحمد 6:246،و [6]روي معناه كثيرا.

هتكه،ثمّ قال:إنّ اللّه لم يأمرنا في ما رزقنا أن نكسو الحجارة و اللبن.فقطعته، و جعلته و سادتين و حشوتهما ليفا،فلم ينكر ذلك عليّ (1)

سنن أبي داود 4:73 ح 4153،و [1]صحيح مسلم 3:1666 ح 87،و روي معناه كثيرا.

.

«فإنّي إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا و زخارفها» قال تعالى له: «وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى » (2).

«فأعرض عن الدّنيا بقلبه،و أمات ذكرها عن نفسه» عنه عليه السّلام:كان فراش النبيّ صلى اللّه عليه و آله عباءة،و كانت مرفقته أدم حشوها ليف،فثنيت له ذات ليلة،فلمّا أصبح قال:لقد منعني الفراش الليلة من الصلاة فأمر أن يجعل بطاق واحد (3).

«و أحبّ أن تغيب زينتها عن عينه لكيلا يتّخذ منها رياشا» أي:زينة و تجمّلا، و الأصل فيه ريش الطائر،قال جرير:

فريشي منكم و هواي معكم و إن كانت زيارتكم لماما

(4)«و لا يعتقدها قرارا» قال مؤمن آل فرعون: «يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ » (5). «و لا يرجو فيها مقاما» روى(الكافي)عنه صلى اللّه عليه و آله قال:ما لي و للدنيا،إنّما مثلي و مثلها كمثل الراكب رفعت له شجرة في يوم صائف فقال تحتها ثمّ راح و تركها (6).

قوله صلى اللّه عليه و آله«فقال»أي:أتى بالقيلولة من:قال يقيل.


1) 1)

2) 2) طه:131. [2]

3) 3) أخرج هذا المعنى بطرق كثيرة ابن سعد في الطبقات 1 ق 2:157.

4) 4) أساس البلاغة:186 [3] مادة(ريش).

5) 5) غافر:39. [4]

6) 6) الكافي للكليني 2:134 ح 19،و [5]الروضة للفتال 2:440،و رواه الطبرسي بطريقين في مشكاة الأنوار:264،265. [6]

«فأخرجها من النفس و أشخصها» أي:أذهبها.

«عن القلب» اللام في القلب بدل عن المضاف إليه.أي:قلبه كالنفس و البصر في ما مضى،و يأتي.

«و غيّبها عن البصر» و المراد إعراضه عنها ظاهرا و باطنا،فبعض يمكن ألاّ تكون الدّنيا متمكّنة من قلوبهم،لكن أوضاع الدنيا لهم منبسطة،و هو غير مذموم،و بعض بالعكس و هو مذموم،و الأوّل كالغنيّ الزاهد،و الثاني كالفقير الحريص.و الممدوح إذهابها عن القلب و البصر،كما فعل صلى اللّه عليه و آله،و قد قال تعالى له: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا » (1)

النجم:29. [1]

.

«و كذا من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه و أن يذكر عنده» قالوا:اجتمعت عدّة من الفقهاء و الزهاد عند رابعة العدوية فذمّوا الدّنيا و هي ساكتة،فلمّا فرغوا قالت:من أحبّ شيئا أكثر من ذكره إمّا بحمد،و إمّا بذمّ.فانّ كانت الدّنيا في قلوبكم لا شيء فلم تذكرونها ؟ «و لقد كان في رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ما يدلّك على مساوي الدّنيا و عيوبها» كما أنّ في عمل الدّنيا مع المنقطعين عن اللّه أيضا ما يدلّ على نقائصها،إذ يكونون فيها مرفّهين .

«إذ جاع فيها مع خاصّته» «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً» (2).

«و زويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته» أي:قربته إلى اللّه تعالى و درجته عنده .

«فلينظر ناظر بعقله» الّذي يحكم بالحقّ،و لا ينظر بهواه الّذي


1) 1)

2) 2) الانسان:8. [2]

يحبّ الباطل.

«أكرم اللّه محمّدا صلى اللّه عليه و آله بذلك أم أهانه» ناظر إلى قوله تعالى: «فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَ أَمّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ » (1)

الفجر:15-16. [1]

.

«فإن قال:أهانه» بأخذ الدّنيا عنه.

«فقد كذب» في قوله .

«و أتى بالإفك العظيم،و إن قال:أكرمه» بذلك.

«فليعلم أنّ اللّه أهان غيره حيث بسط الدّنيا له و زواها» أي:عدل بها.

«عن أقرب الناس منه» في الخبر:استسقى النبيّ صلى اللّه عليه و آله اللبن من راع فمنعه، و من راع آخر،فبعث إليه بموجوده من اللبن،و ما قدر عليه من الحلب مع شاة.

فدعا للأوّل بكثرة ماله و ولده،و للثاني بالكفاف،فعجب النّاس،و قالوا:دعوت للّذي ردّك بدعاء تحبّه عامّتنا،و دعوت للّذي أسعفك بحاجتك بدعاء جميعنا نكرهه؟فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:إنّ ما قلّ و كفى خير ممّا كثر و ألهى،اللهمّ ارزق محمّدا و آل محمّد الكفاف (2).

و في(تاريخ الجزرى):لمّا فرغ عبد الرحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس من بناء(الزهراء)و قصورها و قد قعد في قبّة مزخرفة بالذهب و البناء البديع الّذي لم يسبق إليه،فقال لمن معه من الأعيان:هل بلغكم أنّ أحدا بنى مثل هذا البناء؟فأثنى الجميع بأنّهم لم يروا،و لم يسمعوا بمثله إلاّ القاضي منذر بن سعيد فإنّه سكت.فقال له الناصر:لم لا تنطق أنت؟فبكى و قال:ما كنت أظنّ أنّ الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ حتّى أنزلك منازل الكافرين،قال


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 2:140 ح 4 [2] عن السجاد عليه السّلام و النقل بتلخيص.

تعالى: «وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَ سُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ وَ زُخْرُفاً وَ إِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ » (1)

الكامل لابن الأثير الجزري 8:674 سنة 366 و [1]النقل بتلخيص،و الآيات 33-35 من سورة الزخرف. [2]

.

«فتأسّى متأسّ بنبيّه» أمر بصورة الخبر،أي:ليقتد مقتد بنبيّه،قال مصعب بن الزبير:

و إنّ الالى بالطف من آل هاشم تأسّوا فسنّوا للكرام التآسيا

(2)«و اقتصّ» أي:اتّبع. «أثره» في ترجيح الآخرة.

«و ولج مولجه» أي:دخل مدخله .

«و إلاّ فلا يأمن الهلكة» لانحصار النجاة باتّباعه .

«فإنّ اللّه جعل محمّدا علما للساعة» مأخوذ من قوله تعالى: «وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ» (3)و إن قالوا:إنّ المراد بالآية نزول عيسى عليه السّلام من السماء .

«و مبشّرا بالجنّة،و منذرا بالعقوبة» «نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ » (4).

«خرج من الدنيا خميصا» ضامر البطن.

«و ورد الآخر سليما» كما قال تعالى: «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» (5).


1) 1)

2) 2) لسان العرب 14:35 [3] مادة(أسا).

3) 3) الزخرف:61. [4]

4) 4) الحجر الشعراء:49-50. [5]

5) 5) :88-89.

«لم يضع حجرا على حجر حتّى مضى لسبيله،و أجاب داعي ربّه» بارتحاله، روى كاتب الواقدي عن عطاء الخراساني قال:أدركت حجر أزواج النبيّ صلى اللّه عليه و آله من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود.فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ،يأمر بإدخال حجر أزواج النبيّ صلى اللّه عليه و آله في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،فما رأيت أكثر باكيا من ذلك اليوم.قال عطاء:فسمعت سعيد بن المسيّب يقول يومئذ:و اللّه لوددت أنّهم تركوها على حالها ينشأ ناشىء من أهل المدينة و يقدم القادم من الأفق،فيرى ما اكتفى به النبيّ صلى اللّه عليه و آله في حياته،فيكون ذلك مما يزهّد الناس في التكاثر و التفاخر.فلمّا فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمر بن أبي أنس:كان منها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد، و كانت خمسة أبيات من جريد مطيّنة لا حجر لها،على أبوابها مسوح الشعر ذرعت الستر،فوجدته ثلاث أذرع في ذراع (1)

الطبقات لابن سعد 1 [1] ق 2:181.

.

«فما أعظم منّة اللّه عندنا حين أنعم به» أي:بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله.

«علينا سلفا نتّبعه و قائدا نطأ عقبه» «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (2).

40

من الخطبة(107)

و منها في ذكر النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَ صَغَّرَهَا- وَ أَهْوَنَهَا وَ هَوَّنَهَا- وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَاراً- وَ بَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً- فَأَعْرَضَ عَنْهَا بِقَلْبِهِ- وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ


1) 1)

2) 2) آل عمران:164. [2]

نَفْسِهِ- وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ- لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً- أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً- بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً- وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً- وَ دَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً قول المصنّف «و منها في ذكر النبيّ صلى اللّه عليه و آله» هكذا في(المصرية) و الصواب:(منها في ذكر النبيّ صلى اللّه عليه و آله)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:235 [1] لكن في شرح ابن ميثم 3:71 [2] مثل المصرية.

.

«قوله عليه السّلام : قد حقّر الدّنيا و صغّرها» أي:عدّها حقيرة صغيرة .

«و أهونها» لم يقل عليه السّلام و أهانها للازدواج بينه و بين قوله عليه السّلام:

«و هوّنها» كما في(ما زورات)مع(ماجورات)و إلاّ فالواجب(موزورات) أي:عدّها هونا،و جمعه عليه السّلام بينهما للمبالغة،قال ابن قتيبة في(أدب كاتبه):

و تدخل فعّلت على أفعلت إذا أردت تكثير العمل و المبالغة تقول:أجدت و جوّدت،و أغلقت الأبواب و غلّقت،و أقفلت و قفّلت (2)،و في مثل:(هان على الأملس ما لاقى الدبر) (3)و في آخر:(أهون من قعيس عمّته) (4).

هذا،و قال ابن أبي الحديد في قوله عليه السّلام:و صغّرها:المراد عند غيره ليكون قوله(و أهون بها و هوّنها)مطابقا له،أي:أهون هو بها و هوّنها عند غيره (5)،و هو كما ترى،فلم يعلم صحّة ما نقل أوّلا و صحّة استعمال(أهون بها)ثانيا،و كون المراد ما ذكر ثالثا،فإنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و إن صغّر الدّنيا عند غيره،إلاّ أنّ المراد هنا تصغيره لها عند نفسه كتحقيره لها،لأنّه عليه السّلام في مقام


1) 1)

2) 2) أدب الكاتب لابن قتيبة:354. [3]

3) 3) المستقصى للزمخشري 2:389. [4]

4) 4) مجمع الأمثال للميداني 2:407،و [5]المستقصى للزمخشري 1:447. [6]

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 2:235. [7]

بيان صفة زهده صلى اللّه عليه و آله في الدنيا،كما يشهد به قوله عليه السّلام هنا : «و علم أنّ اللّه زواها عنه اختيارا و بسطها لغيره احتقارا» و قوله عليه السّلام الّذي سبق شرحه:

«و علم أنّ اللّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه،و حقّر شيئا فحقّره،و صغّر شيئا فصغّره» (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:235. [1]

.

«و علم أنّ اللّه زواها» أي:عدل بها.

«عنه اختيارا» مفعول له لقوله«زوى»أي:زواها عنه باختياره تعالى له الأصلح،لا منصوب بنزع الخافض لقوله «و علم» ،كما يفهم من ابن أبي الحديد حيث قال: «اختيارا» ،أي:باختيار من النبيّ صلى اللّه عليه و آله (2).

«و بسطها لغيره احتقارا» قال تعالى: «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ» (3)، و قال جلّ و علا «وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى» (4)،و قال عزّ اسمه: «وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَ سُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ وَ زُخْرُفاً وَ إِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا » (5).

«فأعرض عنها» هكذا في(المصريّة)و الصواب:فأعرض عن الدّنيا) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّيّة) (6)،و إعادة الاسلام الظاهر


1) 1)

2) 2) مرّ في العنوان 39 من هذا الفصل.

3) 3) التوبة:55. [2]

4) 4) طه:131. [3]

5) 5) الزخرف:33-35. [4]

6) 6) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:235 لكن في شرح ابن ميثم 3:71 مثل المصرية أيضا.

لبيان الأهميّة.

«بقلبه و أمات ذكرها عن نفسه،و أحبّ أن تغيب زينتها عن عينه» الفقرات الثلاث من قوله: «فأعرض -إلى- عن عينه» مرّت في سابقه،بل و الفقرتان بعدها أيضا كما يأتي (1)

مرّ في العنوان 39 من هذا الفصل إلاّ أنّ فيه«فاعرض عن الدنيا».

،و كيف كان،عن السجّاد عليه السّلام:ما من عمل بعد معرفة اللّه تعالى،و معرفة رسوله أفضل من بغض الدّنيا،فإنّ لذلك شعبا كثيرة، و للمعاصي شعبا...فاجتمعن كلهنّ في حبّ الدّنيا،فقال الأنبياء و العلماء بعد ذلك:حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة (2).

و عن الصادق عليه السّلام:قال تعالى لموسى عليه السّلام:إنّ الدّنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عليه السّلام عند خطيئته،و جعلتها ملعونة،ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي يا موسى إنّ عبادي الصالحين زهدوا في الدّنيا بقدر علمهم و سائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم (3).

«لكيلا يتّخذ منها رياشا أو يرجو فيها مقاما» مرّ في سابقه: «لكيلا يتّخذ منها رياشا،و لا يعتقدها قرارا،و لا يرجو فيها مقاما » (4).

«بلّغ عن ربّه معذرا» حتّى لم يبق لأحد عذر في المخالفة .

«و نصح لأمته منذرا» لهم من عذاب اللّه بالمعصية .

«و دعا إلى الجنّة مبشّرا» بنعمه العالية بالإطاعة،قال أبو جعفر الباقر عليه السّلام خطب النبيّ صلى اللّه عليه و آله في حجّة الوداع،فقال:أيّها الناس و اللّه ما من شيء يقرّبكم


1) 1)

2) 2) مشكاة الأنوار للطبرسي:266 و [1]امّا حديث«حب الدّنيا رأس كلّ خطيئة»فروي عن النبي صلى اللّه عليه و آله و الصادق عليه السّلام.مرّ تخريجه في العنوان 39 من هذا الفصل.

3) 3) الكافي للكليني 2:317 ح 9،و [2]عقاب الأعمال للصدوق:263 ح 1 و أمالي الصدوق:531 ح 2 المجلس(95)، و [3]مشكاة الأنوار للطبرسي:270. [4]

4) 4) مرّ في العنوان 39 من هذا الفصل.

من الجنّة و يباعدكم من النار إلاّ و قد أمرتكم به،و ما من شيء بقرّبكم من النار و يباعدكم من الجنّة إلاّ و قد نهيتكم عنه،ألا و إنّ الروح الأمين نفث في روعي أنّه لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها فاتّقوا اللّه و أجملوا في الطلب،و لا يحمل أحدكم استبطاء شيء من الرزق أن يطلبه بغير حلّه فانّه لا يدرك ما عند اللّه إلاّ بطاعته (1)

أخرجه الكليني في الكافي 2:74 ح 2،و [1]عاصم بن حميد في أصله:23،و رواه الديلمي في أعلام الدين عنه البحار 77:185 ح 31،و [2]أبو القاسم الكوفي في الأخلاق [3]عنه المستدرك 2:419 ح 13. [4]

.

و قال أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام:وقف النبيّ صلى اللّه عليه و آله بمعنى حين قضى مناسكه في حجّة الوداع،فقال:أيّها الناس اسمعوا ما أقول لكم،و اعقلوه عنّي، لا أدري لعلّي لا ألقاكم في هذا الموقف بعد عامنا هذا.ثمّ قال:أيّ يوم أعظم حرمة؟قالوا:هذا اليوم.فقال:أيّ شهر أعظم حرمة؟قالوا:هذا الشهر.قال:أيّ بلد أعظم حرمة؟قالوا:هذا البلد.قال:إنّ دماءكم و أموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه،فيسألكم عن أعمالكم،ألا هل بلّغت؟قالوا:نعم.قال:اللّهم اشهد،ألا و من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فإنّه لا يحلّ دم امرىء مسلم،و لا ماله إلاّ بطيبة نفسه،و لا ترجعوا بعدي كفّارا (2).

و في الخبر:أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله حضر يوم وفاته مع شدّة مرضه المسجد، و قال: «وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» (3)أيّها الناس لا يدعّ مدّع و لا يتمنّى متمنّ أنّه ينجو إلاّ بعمل،و رحمة


1) 1)

2) 2) أخرجه ابن هشام في السيرة 4:185،و [5]الواقدي في المغازي 2:1111،و [6]ابن سعد في الطبقات 2 ق 1:133، و الصدوق في الخصال:486 ح 63 و النقل بتصرف.

3) 3) البقرة:281. [7]

من اللّه.و قال:لو عصيت لهويت.و قال:اللّهمّ هل بلّغت (1)

الإرشاد للمفيد:97 [1] بفرق يسير،و اعلام الورى للطبرسي:134 و [2]قد مرّ في العنوان 25 من هذا الفصل.

؟

41

من الخطبة(190)

وَ لَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ ص- مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ- وَ مَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ.

أقول:ما نقله المصنّف جزء الخطبة القاصعة (2)،و روى ابن طاوس في ( طرائفه سيد بن طاوس-الطرائف-ج 2 ص 415 )عن صدر الأئمة موفّق بن أحمد باسناده عن أبي ذر كونه جزء مناشداته يوم الشورى (3).

«و لقد قرن اللّه به صلى اللّه عليه و آله من لدن أن كان فطيما» أي:منقطعا عن الرضاع.

«أعظم ملك من ملائكته» قال ابن أبي الحديد:روي أنّ بعض أصحاب أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر سأله عن قوله تعالى: «إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً» (4)،فقال:يوكّل اللّه بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم و يؤدّون إليه تبليغهم الرسالة،و وكّل بمحمّد صلى اللّه عليه و آله ملكا عظيما منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات،و مكارم الأخلاق،و يصدّه عن الشرّ،و مساوي الأخلاق،و هو الّذي كان يناديه:السّلام عليك يا محمّد يا رسول اللّه،و هو شاب لم يبلغ درجة الرسالة بعد،فيظنّ أنّ ذلك من الحجر و الأرض،فيتأمل و لا يرى شيئا (5).

قلت:و روى الكليني عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليهما السّلام:أنّ


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 2:157 الخطبة 190.

3) 3) رواه عنه ابن طاوس في الطرائف 2:415. [3]

4) 4) الجن:27. [4]

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 3:253. [5]

عبد المطلب كان يفرش له بفناء الكعبة،لا يفرش لأحد غيره،و كان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه،فجاء النبيّ صلى اللّه عليه و آله و هو طفل يدرج حتّى جلس على فخذيه،فأهوى بعضهم إليه لينحّيه عنه،فقال له عبد المطلب:

دع ابني،فانّ الملك قد أتاه (1)

الكافي للكليني 1:448 ح 26،و [1]السيرة لابن هشام 1:156،و [2]الطبقات لابن سعد 1 ق 1:74،و غيرهم.

.

و ورد في تفسير قوله تعالى: «وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ» (2)،عنهم عليهم السّلام أنّ ذاك الروح الّذي قال تعالى كان خلقا للّه أعظم من جبرئيل و ميكائيل و كان مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله يخبره و يسدّده،و هو مع الأئمّة من بعده (3).

«يسلك به طريق المكارم» قال الصادق عليه السّلام:خصّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله بمكارم الأخلاق،فامتحنوا أنفسكم،فإن كانت فيكم فاحمدوه تعالى و ارغبوا إليه في الزيادة منها.فذكرها عشرة:اليقين،و القناعة،و الصبر،و الشكر،و الحلم، و حسن الخلق،و السخاء،و الغيرة و الشجاعة،و المروّة (4).

و في(المناقب):كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله قبل المبعث موصوفا بعشرين خصلة من خصال الأنبياء،لو انفرد واحد بأحدها لدلّ على جلاله،فكيف من اجتمعت فيه؟!كان أمينا صادقا حاذقا أصيلا نبيلا مكينا فصيحا عاقلا فاضلا عابدا زاهدا سخيّا كميّا قانعا متواضعا حليما رحيما غيورا صبورا موافقا مرافقا (5).


1) 1)

2) 2) الشورى:52. [3]

3) 3) أخرج هذا المعنى الكليني في الكافي 1:273 ح 1،و [4]الصفار بخمس طرق في البصائر:475،476 ح 1،2،6،8،9 و [5]القمي في تفسيره 2:279 و [6]جاء نحو ذلك في تفسير آية «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ» (الاسراء:85)و [7]بصورة مستقلة أيضا.

4) 4) الكافي للكليني 1:56 ح 2،و غيره،و [8]النقل بتصرف.

5) 5) المناقب لابن شهر آشوب 1:123. [9]

قلت:و من بعث لتتميم مكارم الأخلاق-كما قال صلى اللّه عليه و آله-لا بدّ أن يكون شخصه في المكارم وحيد الآفاق،قال المسعودي:روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عليهم السّلام قال:إنّ اللّه تعالى أدّب محمّدا صلى اللّه عليه و آله فأحسن تأديبه،فقال:

«خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» (1)

الأعراف:199. [1]

،فلمّا كان كذلك قال اللّه تعالى «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (2)فلمّا قبل من اللّه فوّض إليه،فقال: «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (3)و كان يضمن على اللّه الجنّة فأجيز له ذلك (4).

و لو لم يكن في شريعته سوى ما ورد عنه صلى اللّه عليه و آله و عن أوصيائه عليهم السّلام من الترغيب على التحلية بالمكارم،و التخلية عن الذمائم لكفى في حقّية طريقته.

فلو اجتمع أهل العالم على أن يبيّنوا محاسن الأخلاق كما بيّنها عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السّلام من أوصيائه في دعائه في طلب المكارم لما استطاعوا (5).

كما أنّه لو لم يكن له معجزة سوى ما كان صلى اللّه عليه و آله متصفا به من الصفات الحسنة،و الأخلاق المستحسنة لو في بصادقية بنوّته،قال السروي:كان يتيما فقيرا ضعيفا وحيدا غريبا بلا حصار و لا شوكة،كثير الأعداء،و مع جميع ذلك تعالى مكانه،و ارتفع شأنه.ثمّ قال:و كان ثابتا في الشدائد،و هو مطلوب،و صابرا على البأساء و الضراء،و هو مكروب محروب،و كان زاهدا


1) 1)

2) 2) القلم:4. [2]

3) 3) الحشر:7. [3]

4) 4) مروج الذهب للمسعودي 2:283. [4]

5) 5) الصحيفة السجادية الدعاء:99 20.

في الدنيا،راغبا في الآخرة فثبت له الملك (1)

أسد الغابة لابن الأثير الجزري 3:146. [1]

.

«و محاسن أخلاق العالم ليله و نهاره» روى الجزري في(أسده)عن عبد اللّه بن أبي الحمساء قال:بايعت النبيّ صلى اللّه عليه و آله ببيع قبل أن يبعث،فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك،فنسيت يومي هذا و الغد،فأتيته في اليوم الثالث،و هو في مكانه فقال لي:يا فتى لقد شققت عليّ،أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك (2).

و كانت أعداؤه معترفين بكماله في محاسن الأخلاق و في أمانته،فكانوا يسمّونه الأمين قبل نزول الوحي عليه،و رضيت مشايخ قريش بحكميته في وضع الحجر لأمانته و صادقيته.

و لمّا قال تعالى: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» (3)صعد على الصفا و هتف:يا صباحاه!فاجتمعوا،فقال لهم:أرأيتكم أنّ خيلا تخرج بسفح الجبل أ كنتم مصدّقي؟قالوا:نعم،ما جربّنا عليك كذبا.قال:فإنّي «نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» (4).

و كان صلى اللّه عليه و آله يوم فتح مكّة أهدر دم عبد اللّه بن أبي سرح-أخي عثمان من الرضاعة-فأتى عثمان به إليه صلى اللّه عليه و آله مستشفعا،و جعل يكلّمه فيه و هو ساكت، حتّى اضطرّه إلحاحه إلى العفو عنه،فذهب به،فقال صلى اللّه عليه و آله لأصحابه:هلاّ قتلتموه إذ سكتّ،و قد كنت أمرتكم قبل بقتله،و لو كان متعلّقا بأستار الكعبة؟ فقالوا:انتظرنا أن تومي بمؤخر عينك.فقال:إنّ الأنبياء لا يقتلون بالإيماء (5).


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:123.

3) 3) الحجر:94. [2]

4) 4) الطبقات لابن سعد 1 [3] ق 1:133 و غيره،مرّ الحديث و تخريجه في العنوان 6 و 15 من هذا الفصل،و الآية 46 من سوره سبأ. [4]

5) 5) السيرة لابن هشام 4:39 و المغازي للواقدي 2:855،و تاريخ الطبري 2:335 سنة 8 و غيرهم.

و لمّا انهزمت قريش يوم الأحزاب،و دخل حيّ بن أخطب حصن بني قريظة،و جاء أمير المؤمنين عليه السّلام فأحاط بالحصن أشرف عليهم كعب بن أشرف يشتمهم و يشتم النبيّ صلى اللّه عليه و آله،فأقبل صلى اللّه عليه و آله فاستقبله عليه السّلام و قال له:بأبي أنت و أمي لا تدن من الحصن.فقال صلى اللّه عليه و آله:لعلّهم شتموني؟ثمّ دنا منهم،و قال:

يا إخوان القردة و الخنازير،و عبيد الطاغوت أ تشتموني؟إنّا إذا نزلنا بساحة قوم ساء صباحهم.فأشرف كعب،و قال:يا أبا القاسم ما كنت و اللّه جهولا.

فاستحيى النبيّ صلى اللّه عليه و آله حتّى سقط الرداء من ظهره حياء،و رجع وراءه (1)

السيرة لابن هشام 3:141،و المغازي للواقدي 1:449،و تاريخ الطبري 2:245 سنة 5.

.

و كان صلى اللّه عليه و آله يقول في تعليماته:أن يجعل الإنسان نفسه ميزانا بينه و بين غيره،فيحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه و يكره لغيره ما يكره لنفسه،و أنّه يجب على المسلم أن يجعل الأكبر بمنزلة والده،و الأصغر بمنزلة ولده،و تربه بمنزلة أخيه.

42

من الخطبة(190)

وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ ص لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ مِنْ؟قُرَيْشٍ؟- فَقَالُوا لَهُ يَا؟مُحَمَّدُ؟ إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيماً- لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَ لاَ أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ- وَ نَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَ أَرَيْتَنَا- عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ- وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ فَقَالَ ص وَ مَا تَسْأَلُونَ قَالُوا- تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَقْلِعَ بِعُرُوقِهَا- وَ تَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ فَقَالَ ص- «إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» فَإِنْ فَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ ذَلِكَ أَ تُؤْمِنُونَ وَ تَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ- قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ- وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لاَ تَفِيئُونَ إِلَى خَيْرٍ- وَ أَنَّ


1) 1)

فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ وَ مَنْ يُحَزِّبُ الْأَحْزَابَ- ثُمَّ قَالَ ص يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ- إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ- وَ تَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ- حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ- وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لاَنْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا- وَ جَاءَتْ وَ لَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ- وَ قَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ- حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟ مُرَفْرِفَةً وَ أَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلَى عَلَى؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟- وَ بِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي وَ كُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ ص- فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ قَالُوا عُلُوّاً وَ اسْتِكْبَاراً- فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَ يَبْقَى نِصْفُهَا- فَأَمَرَهَا فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا- كَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ وَ أَشَدِّهِ دَوِيّاً- فَكَادَتْ تَلْتَفُّ؟بِرَسُولِ اللَّهِ ص؟ فَقَالُوا كُفْراً وَ عُتُوّاً فَمُرْ هَذَا النِّصْفَ- فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ فَأَمَرَهُ ص فَرَجَعَ- فَقُلْتُ أَنَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَإِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ؟يَا رَسُولَ اللَّهِ؟- وَ أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ وَ إِجْلاَلاً لِكَلِمَتِكَ- فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ بَلْ «ساحِرٌ كَذّابٌ» عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ- وَ هَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلاَّ مِثْلُ هَذَا يَعْنُونَنِي.

أقول:هذا العنوان راجع إلى معجزاته،و قد تضمّن أربعا منها،أحدها:

مجيء الشجرة إليه،و الثانية:إخباره عليه السّلام بعدم تصديقهم له بعد رؤية الآية، و الثالثة:من يقتل منهم في بدر،و يطرح في بئره،و الرابعة:أنّ فيهم من يحزّب الأحزاب عليه.

و قال السروي في(مناقبه):إنّه ذكر للنبيّ صلى اللّه عليه و آله أربعة آلاف و أربعمائة و أربعين معجزة،ذكرت منها ثلاثة آلاف،تتنوع أربعة أنواع:نوع قبل ميلاده،

و نوع قبل بعثته،و نوع بعدها،و نوع بعد وفاته (1)

المناقب لابن شهر آشوب السروي 1:144 و النقل بالمعنى.

.

و قال الجزري:و قد صنّف العلماء في معجزات النبيّ صلى اللّه عليه و آله كتبا كثيرة ذكروا فيها كلّ عجيبة (2).

قلت:و آحادها و إن كان مستند بعضها أخبارا آحادا إلاّ أنّ بعضها سنده متواتر-كما يأتي-مع أنّه في ذاك البعض الّذي مستنده آحاد تواتر إجمالي، و هو كالتفصيلي يأتي في ثبوت نبوّته.

«و لقد كنت معه لمّا أتاه الملأ من قريش فقالوا له:يا محمّد إنّك قد ادّعيت عظيما لم يدّعه آباؤك و لا أحد من بيتك» نظيره ما رواه الطبرسي في(احتجاجه)عن أبي محمّد العسكري عليه السّلام،قال:قلت لأبي:هل كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله يناظر اليهود و النصارى و المشركين إذا عانتوه؟قال:بلى،مرارا كثيرة،منها ما حكى اللّه تعالى من قولهم: «وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ» .. «رَجُلاً مَسْحُوراً» (3)،و قولهم: «وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» (4)،و قولهم: «وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» ... «كِتاباً نَقْرَؤُهُ» (5)،ثمّ قيل له في آخر ذلك:لو كنت نبيّا كموسى لنزّلت علينا الصاعقة في مسألتنا إيّاك،لأنّ مسألتنا أشدّ من مسألة قوم موسى؟قال:و ذلك أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله كان ذات يوم بفناء الكعبة إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش،منهم الوليد بن المغيرة المخزومي،و أبو البختري بن هشام،و أبو جهل بن هشام،و العاص بن وائل السهمي،و عبد اللّه


1) 1)

2) 2) الكامل لابن الأثير الجزري 2:47. [1]

3) 3) الفرقان:7-8. [2]

4) 4) الزخرف:31. [3]

5) 5) الإسراء:90-93. [4]

ابن أبي أمية المخزومي،و كان معهم جمع ممّن يليهم كثير،و النبيّ صلى اللّه عليه و آله في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب اللّه،و يؤدّي إليهم عن اللّه أمره و نهيه،فقال المشركون بعضهم لبعض:لقد استفحل أمر محمّد و عظم خطبه،فتعالوا نبدأ بتقريعه و تبكيته و توبيخه،و الاحتجاج عليه،و إبطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه،و يصغر قدره،فلعلّه ينزع عمّا هو فيه من غيّه.فإن انتهى،و إلاّ عاملناه بالسيف الباتر.

قال أبو جهل:فمن الّذي يلي كلامه و مجادلته؟قال عبد اللّه بن أبي أميّة المخزومي:أنا.فأتوه فابتدأهم عبد اللّه،فقال:لقد ادّعيت دعوى عظيمة،و قلت مقالا هائلا،زعمت أنّك رسول ربّ العالمين،و ما ينبغي لربّ العالمين و خالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله،بشر مثلنا يأكل كما نأكل،و يمشي في الأسواق كما نمشي،فهذا ملك الروم،و هذا ملك فارس لا يبعثان إلاّ رسولا كثير المال عظيم الحال له قصور و خيام و عبيد و خدّام،و ربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم فهم عبيده،و لو كانت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك نشاهده،بل لو أراد أن يبعث نبيّا إنّما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا،ما أنت يا محمّد إلاّ مسحور،و ما أنت بنبيّ.

فقال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:هل بقي من كلامك شيء؟فقال:بلى،لو أراد اللّه أن يبعث نبيّا إلينا لبعث إلينا أجل في ما بيننا،و أحسننا حالا،فهلاّ أنزل هذا القرآن الّذي تزعم أنّه أنزله عليك «عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» (1)

الزخرف:31. [1]

،إمّا الوليد بن المغيرة بمكّة،و إمّا عروة بن مسعود الثقفي بالطائف.

فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:هل بقي من كلامك شيء؟فقال:بلى «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ»


1) 1)

«حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» (1)

الإسراء:90-91. [1]

بمكّة هذه.فإنّها ذات أحجار وعرة، و جبال تكسح أرضها و تحفرها،و تجري فيها العيون،فإنّا محتاجون إلى ذلك، «أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ» (2)،فتأكل منها و تطعمنا،و تفجّر الأنهار خلال تلك النخيل و الأعناب تفجيرا، «أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً» (3)،فإنّك قلت: «وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ» (4)فلعلّنا نقول ذلك.ثمّ قال: «أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلاً» (5)تأتي به و بهم،و هم لنا مقابلون، «أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ» (6)تعطينا منه و تغنينا به،فلعلّنا نطغى،فإنّك قلت لنا: «إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى» (7)،أو «تَرْقى» (أي:تصعد) «فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ» (8)«مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» (9)إلى عبد اللّه بن أبي أمية المخزومي،و من معه آمنوا بمحمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب فانّه رسولي، و صدّقوه في مقاله،فإنّه من عندي.ثمّ لا أدري يا محمّد إذا فعلت ذلك كلّه أو من بك أو لا،بل لو رفعتنا إلى السماء،و فتحت أبوابها،و أدخلتنا فيها لقلنا:إنّما سكّرت أبصارنا و سحرنا.

فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أبقي من كلامك شيء؟قال:أو ليس في ما أوردته عليك كفاية و بلاغ؟فقل ما بدا لك.


1) 1)

2) 2) الإسراء:90-91. [2]

3) 3) الإسراء:92. [3]

4) 4) الطور:44. [4]

5) 5) الإسراء:92. [5]

6) 6) الإسراء:93. [6]

7) 7) العلق:6-7. [7]

8) 8) الإسراء:93. [8]

9) 9) الزمر:1. [9]

فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:اللّهمّ أنت السامع لكلّ صوت،و العالم بكلّ شيء،تعلم ما قاله عبادك،فأنزل تعالى عليه: «وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ» ... «رَجُلاً مَسْحُوراً» (1)

الفرقان:7-8. [1]

،ثمّ قال تعالى: «انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً» (2)،ثم قال: «تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً» (3)، و أنزل عليه: «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ» (4)، و أنزل: «وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ» ... «وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ» (5).

فقال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أمّا ما ذكرت من أنّي آكل كما تأكلون و زعمت أنّه لا يجوز لرجل هكذا أن يكون للّه رسولا،فإنّما الأمر للّه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و هو محمود،و ليس لك و لا لأحد الاعتراض عليه بلم و كيف،فإنّ اللّه أفقر بعضا،و أغنى بعضا،و أعزّ بعضا،و أذلّ بعضا،و أصحّ بعضا،و أسقم بعضا، و شرّف بعضا،و وضع بعضا،و كلّهم ممّن يأكل الطعام.ثمّ ليس للفقراء أن يقولوا:لم أفقرتنا،و أغنيتهم،و لا للوضعاء أن يقولوا:لم وضعتنا و شرّفتهم، و لا للزمنى و الضعفاء أن يقولوا:لم أزمنتنا و أضعفتنا و صحّحتهم،و لا للأذلاّء أن يقولوا:لم أذللتنا،و أعززتهم،و لا لقباح الصور أن يقولوا:لم قبّحتنا و جمّلتهم،بل إن قالوا ذلك كانوا على ربّهم رادّين،و له في أحكامه منازعين، و به كافرين،و لكان جوابه لهم:أنا الملك الخافض الرافع المغني المفقر المعزّ


1) 1)

2) 2) الاسراء:48. [2]

3) 3) الفرقان:10. [3]

4) 4) هود:12. [4]

5) 5) الأنعام:8-9. [5]

المذلّ المصحّح المسقم،و أنتم العبيد لي ليس لكم إلاّ التسليم،و الانقياد لحكمي،فإن سلّمتم كنتم عبادا مؤمنين،و إن أبيتم كنتم بي كافرين، و بعقوباتي من الهالكين.ثمّ أنزل عليه: «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ» -يعني آكل الطعام- «يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» (1)

الكهف:110 و [1]فصّلت:6. [2]

،يعني قل لهم:أنا في البشرية مثلكم،و لكن ربّي خصّني بالنبوّة دونكم كما يختص بعض البشر بالغني و الصحّة و الجمال دون بعض من البشر،فلا تنكروا أيضا أن يختصّني بالنّبوّة.

ثمّ قال:و أمّا قولك:هذا ملك الروم...فإنّ اللّه له التدبير و الحكم لا يفعل على ظنّك و حسبانك و لا باقتراحك،بل يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و هو محمود،إنّما بعث نبيّه ليعلّم الناس دينهم،و يدعوهم إلى ربّهم،و يكدّ نفسه في ذلك آناء الليل و النهار،فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها و عبيده يسترونه عن الناس أليس كانت الرسالة تضيع،و الأمور تتباطىء،أو ما ترى الملوك إذا احتجبوا كيف يجري الفساد و القبايح من حيث لا يعلمون و لا يشعرون؟إنّما بعثني اللّه،و لا مال لي ليعرفكم قدرته و قوّته،و أنّه هو الناصر لرسوله،و لا تقدرون على قتله،و لا منعه من رسالته،فهذا أبين في قدرته و في عجزكم، و سوف يظفرني اللّه بكم و أوسعكم قتلا و أسرا،ثمّ يظفرني اللّه ببلادكم، و يستولي عليها المؤمنون دونكم.

و أمّا قولك لي:لو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك و نشاهده،بل لو أراد اللّه أن يبعث إلينا لكان يبعث ملكا لا بشرا مثلنا،فالملك لا تشاهده حواسّكم لأنّه من جنس هذا الهواء لا عيان منه،و لو شاهدتموه بأن يزاد في قوى أبصاركم لقلتم:ليس هذا ملكا بل هذا بشر لأنّه إنّما كان يظهر بصورة البشر


1) 1)

الّذي ألفتموه،و لتفهموا عنه مقالته و تفهموا خطابه و مراده،فكيف كنتم تعلمون صدق الملك،و أنّ ما يقوله حقّ بل إنّما بعث بشرا،و أظهر على يده المعجزات الّتي ليست في طبائع البشر الّذين قد علمتم؟فتعلمون بعجزكم عمّا جاءكم به أنّه معجزة،و أنّ ذلك شهادة من اللّه بالصدق،و لو ظهر لكم ملك و ظهر على يده ما يعجز عنه البشر لم يكن في ذلك ما يدلّكم أنّ ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه حتّى يصير ذلك معجزا،ألا ترى أنّ الطيور تطير،و ليس ذلك منها بمعجز لأنّ لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها،و لو أنّ آدميّا طار كطيرانها أ كان ذلك معجزا-إلى أن قال:

و أمّا قولك: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» (1)

الإسراء:90. [1]

فإنّك اقترحت أشياء،منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا،و منها ما لو جاءك به كان معه هلاكك،و منها المحال الّذي لا يصحّ،و لا يجوز كونه،و منها ما قد اعترفت على نفسك أنّك فيه معاند متمرّد.

فأمّا قولك: «تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» بمكّة هذه،أرأيت لو فعلت هكذا أ كنت من أجل هذا نبيّا؟قال:لا.قال:أرأيت الطائف التي لك فيها بساتين أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصّلتها و ذلّلتها و كسحتها و أجريت فيها عيونا استنبطتها؟قال:بلى.قال:فكذلك لا يصير هذا حجّة لمحمّد لو فعله على نبوّته.فما هو إلاّ كقولك:لن نؤمن لك حتّى تقوم،و تمشي على الأرض أو حتّى تأكل الطعام كما يأكل الناس.

و أمّا قولك:أو تكون لك جنّة من عنب فتأكل و تطعمنا،و تفجّر الأنهار خلالها تفجيرا،أو ليس لك و لأصحابك جنّات من نخيل،و عنب بالطائف


1) 1)

تأكلون و تطعمون منها،و تفجّرون الأنهار خلالها تفجيرا،أ فصرتم أنبياء لهذا؟قال:لا.قال:و أمّا قولك:أو تسقط السماء...فإنّ في سقوط السماء عليكم هلاككم و موتكم،و رسول ربّ العالمين أرحم من ذلك،لا يهلك لكنّه يقيم حجج اللّه،و ليس حججه على حسب اقتراح عباده،لأنّ العباد جهّال بما يجوز من الصلاح،و ما لا يجوز منه من الفساد،و قد يختلف اقتراحهم و يتضادّ حتّى يستحيل و قوعه،و هل رأيت طبيبا كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحاتهم؟ و أمّا قولك: «أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلاً» (1)

الإسراء:92. [1]

نقابلهم و نعاملهم،فإنّ هذا من المحال الّذي لا خفاء به،لأنّ ربّنا عزّ و جلّ ليس كالمخلوقين يجيء، و يذهب،و يتحرّك،و يقابل شيئا حتّى يؤتى به،فقد سألتم بهذا المحال،و إنّما هذا الّذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة التي لا تسمع و لا تبصر،و لا تغني عنكم شيئا.و قال له:أو ليس لك ضياع،و جنان بالطائف، و عقار بمكّة،و قوّام لك عليها؟قال:بلى.قال:أ فتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك و بين معامليك؟قال:بل بسفراء.قال:أرأيت لو قال لك معاملوك و أكرتك و خدمك لسفرائك:لا نصدّقكم في هذه السفارة إلاّ أن تأتونا بعبد اللّه بن أبي أميّة لنشاهده فنسمع ما تقولون عنه شفاها،كنت تسوّغهم هذا أو كان يجوز لهم عند ذلك؟قال:لا.قال:فما الّذي يجب على سفرائك؟ أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلّ على صدقهم يجب عليهم أن يصدّقوهم؟قال:بلى.قال:أرأيت سفيرك لو عاد إليك،و قال:قم معي فإنّهم قد اقترحوا عليّ مجيئك معي،أليس يكون لك مخالفا،و تقول له:إنّما أنت رسول لا مشير و آمر؟قال:بلى.قال:فكيف صرت تقترح على رسول ربّ العالمين

1) 1)

ما لا تسوّغ أكرتك و معامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم؟و كيف أردت من رسول ربّ العالمين أن يستذمّ إلى ربّه بأن يأمر عليه،و ينهى،و أنت لا تسوّغ مثل هذا على رسولك و أكرتّك.

و أمّا قولك:- «أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ» (1)

الإسراء:93. [1]

أي:الذهب-أما بلغك أنّ لعظيم مصر بيوتا من زخرف؟قال:بلى.قال:أفصار بذلك نبيّا؟قال:لا.قال:

فكذلك لا يوجب لمحمّد لو كان له نبوّة.

و أمّا قولك:حتّى ترقى...فإنّك مقرّ بأنّك تعاند حجّة اللّه عليك،فلا دواء لك إلاّ تأديبك على يد أوليائه البشر أو ملائكته الزبانية،و قد أنزل تعالى عليّ حكمة جامعة لبطلان كلّ ما اقترحته،فقال:قل يا محمّد: «سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً» (2)ما أبعد ربّي أن يفعل الأشياء على ما يقترحه الجهّال بما يجوز و ما لا يجوز،و هل كنت إلاّ بشرا لا تلزمني إلاّ إقامة حجّة اللّه التي أعطاني،و ليس لي أن آمر على ربّي و لا أنهى،و لا أشير،فأكون كالرّسول الّذي بعثه ملك إلى قوم من مخالفيه،فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوا عليه -إلى أن قال-قيل:لأمير المؤمنين عليه السّلام:هل كان للنبيّ صلى اللّه عليه و آله آية مثل آية موسى عليه السّلام في رفعه الجبل فوق رءوس الممتنعين عن قبول ما أمروا به؟ فقال:أي و الّذي بعثه بالحقّ،و ما من آية كانت لأحد من الأنبياء من لدن آدم إلى أن انتهى إلى محمّد إلاّ و قد كان لمحمّد مثلها أو أفضل منها (3).

«و نحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه،و أريتنا علمنا أنّك نبيّ و رسول،و إن لم تفعل علمنا أنّك ساحر كذّاب.فقال صلى اللّه عليه و آله:و ما تسألون؟قالوا:تدعو لنا هذه الشجرة حتّى تقلع بعروقها و تقف بين يديك» و نظير اقتراحهم دعوة الشجرة الواردة في


1) 1)

2) 2) الإسراء:93. [2]

3) 3) الاحتجاج للطبري:29 و [3]تفسير العسكري:229 و [4]النقل بتصرف يسير.

هذه الخطبة اقتراحهم شقّ القمر الوارد في القرآن في قوله عزّ و جلّ: «اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَ كَذَّبُوا وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ» (1)

القمر:1-3. [1]

قالوا:رواه ابن مسعود و ابن عبّاس و حذيفة،و أنس،و جبير بن مطعم و ابن عمر (2).

و روى القمي عن الصادق عليه السّلام قال:اجتمع أربعة عشر رجلا أصحاب العقبة ليلة أربع عشرة من ذي الحجّة فقالوا للنبيّ صلى اللّه عليه و آله:ما من نبيّ إلاّ و له آية فما آيتك في ليلتك هذه؟فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:ما الّذي تريدون؟فقالوا:إن يكن لك عند ربّك قدر،فأمر القمر أن ينقطع قطعتين.فهبط جبرئيل و قال:يا محمّدا إنّ اللّه يقرئك السّلام و يقول لك:إنّي قد أمرت كلّ شيء بطاعتك.فرفع رأسه،فأمر القمر أن ينقطع قطعتين،فانقطع قطعتين،فسجد النبيّ صلى اللّه عليه و آله شكرا للّه،و سجد شيعتنا،ثمّ رفع النبيّ صلى اللّه عليه و آله رأسه و رفعوا رؤوسهم،ثمّ قالوا:يعود كما كان.

فعاد كما كان،ثمّ قالوا:ينشق رأسه.فأمره فانشقّ،فسجد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سجد شيعتنا،فقالوا:يا محمّد حين يقدم سفّارنا من الشام و اليمن فنسألهم ما رأوا في هذه الليلة،فإنّ يكونوا رأوا مثل ما رأينا علمنا أنّه من ربّك،و إن لم يروا مثل ما رأينا علمنا أنّه سحر سحرتنا به،فأنزل تعالى: «اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ» (3)إلى آخر السورة (4).

«فقال صلى اللّه عليه و آله:إنّ اللّه على كلّ شيء قدير فإن فعل اللّه لكم» هكذا في(المصرية)


1) 1)

2) 2) حديث شقّ القمر كثير الطرق جمع بعضها السيوطي في الدر المنثور 6:132-134 [2] بثلاث و عشرين طريقا عن ابن مسعود و ثلاث عشرة طريقا عن ابن عباس و ست طرق عن حذيفة بن ايمان و اثنتي عشرة طريقا عن أنس بن مالك و سبع طرق عن جبير بن مطعم و ثماني طرق عن ابن عمر،و في الباب عن علي و الصادق عليهما السّلام.

3) 3) القمر:1. [3]

4) 4) تفسير القمي 2:341. [4]

و لكن في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 3:255 و [1]شرح ابن ميثم 4:308« [2]لكم»أيضا.

:«بكم».

«ذلك أ تؤمنون و تشهدون بالحقّ؟قالوا:نعم.قال:فإنّي سأريكم ما تطلبون، و إنّي لأعلم أنّكم لا تفيئون» أي:لا ترجعون.

«إلى خير» و لا تكون لكم عاقبة حسنى،فيقتل منهم طائفة،و يطرحون في بئر بدر،و طائفة تبقى،و تحزّب الأحزاب عليه كما يأتي.

هو من معجزاته الإخباريّة،أخبرهم أنّهم مع إراءته صلى اللّه عليه و آله لهم البيّنات لا يذعنون للإيمان،و يقاتلون معه،و هي كثيرة يعقد لها باب بل يصنّف لها كتاب،و منها قوله صلى اللّه عليه و آله-لمّا قال لعمّه العبّاس بعد أسره:افد نفسك و ابني أخويك،يعني:عقيلا و نوفلا،فقال:ليس لي مال:أين المال الّذي وضعته عند أمرأتك أمّ الفضل حين خرجت،و ليس معكما أحد،ثمّ قلت لها:إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا،و لعبد اللّه كذا؟فقال:و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا ما علم بهذا أحد غيرها،و إنّي لأعلم أنّك رسول اللّه.ففدى نفسه بمائة أوقية و كل واحد بمائة أوقية (2).

و في(عيون ابن قتيبة):قالت عائشة:خطب النبيّ صلى اللّه عليه و آله امرأة من كلب، فبعثني أنظر إليها،فقال لي:كيف رأيت؟فقلت:ما رأيت طائلا.فقال:بل رأيت بخدّها خالا،اقشعرّ منه كلّ شعرة منك على حده.فقلت:ما دونك ستر (3).

و من تلك الأخبار أخبار قطعية سمّوها أعلام النبوّة،منها قوله صلى اللّه عليه و آله في أمر الجمل لعايشة:«تنبحك كلاب الحوأب» (4)،و للزبير:«تقاتل عليّا و أنت


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:107 و غيره. [3]

3) 3) عيون الأخبار لابن قتيبة 4:19. [4]

4) 4) حديث كلاب الحوأب رواه أحمد في مسنده 6:97،و الحاكم في المستدرك عنه منتخب كنز العمال 5:440، و الطبري في تاريخه 3:475 سنة 36،و المسعودي في مروج الذهب 2:357،و الاسكافي في المعيار و الموازنة:55،و ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1:63،و [5]الخوارزمي في المناقبه:114 و غيرهم بفرق بين الألفاظ.

ظالم» (1)

أخرجه الطبري في تاريخه 3:519 سنة 36،و الحاكم في المستدرك عنه منتخب كنز العمال 5:440،و ابن راهويه بطريقين،و ابن منيع،و ابن أبي شيبة،و أبو يعلى في مسانيدهم عنهم المطالب العالية 4:301-303 ح 4468- 4476،و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:72،و [1]الخوارزمي في مناقبه:113 و غيرهم،و أخرج نحوه في طلحة أبو سعيد الواعظ في شرف المصطفى عنه مناقب ابن شهر آشوب 1:109،و [2]هو غريب.

،و في أمر صفين لعمّار:«تقتلك الفئة الباغية» (2).

و خبر عمّار صار سببا لتزلزل أهل الشام-و لا سيما لذي الكلاع الحميري-عن رؤسائهم،لأنّه سمعه من عمرو بن العاص في أيّام عمر بن الخطاب،فزجر معاوية عمرا لروايته الخبر،فقال له عمرو:أنا يوم رويت الخبر أيّام عمر لم أعلم بحدوث صفين،و أنّ عمارا يقاتلنا.فاضطرّ معاوية إلى خدعة أهل الشام لخفّة عقولهم بأن قال لهم:إنّما قتل عمّارا عليّ حيث جاء به إلى حربنا،و قال لذي الكلاع حيث جدّ في ذلك،و جمع بين عمرو و عمّار:إنّ عمّارا يرجع إلينا أخيرا فقتل ذو الكلاع قبل عمّار،فسرّ معاوية بذلك كثيرا، و قال:لو كان ذو الكلاع حيّا،و يقتل عمّار لأفسد عليّ كثير من أهل الشام (3).

ثمّ من الغريب في هذا الخبر أنّ قاتل عمار أبا الغادية أيضا رواه فقال:

سمعت النبيّ صلى اللّه عليه و آله يقول:لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض فإنّ الحقّ يومئذ لمع عمّار.رواه لكلثوم بن جبير فتعجّب كلثوم من قتله له مع نقله ما نقل.فقال كلثوم:ما رأيت شيخا أضلّ منه،قتله لأنّه سمعه يقع في عثمان مع سماعه من النبيّ صلى اللّه عليه و آله ما سمع.

نقل ذلك ابن قتيبة في(معارفه)و ابن عبد البرّ في(استيعابه)


1) 1)

2) 2) هذا الحديث من الأحاديث المتواترة يحضرني منه أكثر من سبعين طريقا،منه ما أخرجه بخمس طرق مسلم في صحيحه 4:2235،2236 ح 70-73،و الترمذي في سننه 5:669 ح 3800،و النسائي بثماني طرق في الخصائص:132-135،و الكشي في معرفة الرجال اختياره:30 ح 57.

3) 3) وقعة صفين لابن مزاحم:341،و تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:93.

و غيرهما (1)

أخرجه ابن قتيبة في المعارف:257،و ابن عبد البر في الاستيعاب 4:151،و ابن سعد في الطبقات 3 ق 1:186، و أبو يعلى في مسنده عنه المطالب العالية 4:306 ح 4485 و غيرهم.

.

و العجب من عجبهم من تناقض مذهبهم و ثباتهم فيه،فانّ لازم كون عثمان إمامهم الثالث،و عدم إباحة دمه-مع اعتقاد جمهور المسلمين غير الأموية يوم قتله إباحته-وجوب قتل عمّار لنسبته عثمان إلى اليهودية، و تحريضه على قتله،و إن كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال ما قال.

ثمّ إنّ عايشة و الزبير و إن كان علما بالفطرة الإنسانية بطلان أمرهما، و حقّية أمير المؤمنين عليه السّلام و سمعا ما لا يحصى من النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم فيه عليه السّلام من المناقب،إلاّ أنّه لم يكن لهما اعتقاد قلبي بكلام النبيّ صلى اللّه عليه و آله حتّى رأيا هاتين الآيتين البينتين،فتأثرا قهرا،فأرادت عايشة الرجوع،فمنعها ابن أختها ابن الزبير،و رجع الزبير و لم يبال بتعنيفات ابنه (2).

«و إنّ فيكم من يطرح في القليب» أي:البئر،و المراد بئر بدر،قال أبو عبيد:

القليب:البئر العادية القديمة (3).

قال الجزري:لمّا ألقوا(يوم بدر)في القليب وقف عليهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله و قال:يا أهل القليب بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم،كذّبتموني و صدّقني الناس.ثمّ قال:يا عتبة،يا شيبة،يا أمية بن خلف،يا أبا جهل بن هشام-و عدّد من كان في القليب-هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا،فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقّا؟فقال له أصحابه:أتكلّم قوما موتى؟فقال:ما أنتم بأسمع لما أقول


1) 1)

2) 2) ندم الزبير مشهور،نقله الطبري في تاريخه 3:521 سنة 36 و المفيد في الجمل:207 و [1]كثير من أهل الآثار.و أما ندم عائشة و كلام ابن الزبير معها فأخرجه الطبري في تاريخه 3:475 سنة 36 و المسعودي في مروج الذهب 2: 357،و الاسكافي في المعيار و الموازنة:55،و ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1:63،و الخوارزمي في مناقبه:114.

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 1:206 [2] مادة(قلب)و نقله عن الأزهري الفيومي في المصباح المنير 2:196. [3]

منهم،و لكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني (1)

الكامل لابن الأثير الجزري 2:129 سنة 2 و [1]تاريخ الطبري 2:156 سنة 2. [2]

.

ثمّ إنّ ابن ميثم (2)لعدم علمه بالتاريخ خبط فعدّ في من طرح في القليب منهم أميّة بن عبد شمس و الوليد بن المغيرة،و تبعه الخوئي (3)،مع أنّ الأوّل إنّما هو جدّ أبي سفيان،و لم يكن في ذاك الوقت أبوه حرب بن أميّة حيّا،فضلا عن جدّه أميّة بن عبد شمس،و إنّما كان في القتلى أمّية بن خلف الجمحي،و لم يطرح في القتلى هو فانّه انتفخ في درعه،فملأها،فذهبوا به ليخرجوه فتقطع، و طرحوا عليه من التراب و الحجارة ما غيّبه،و باقي القتلى السبعين طرحوا فيه (4)،و أمّا الثاني فلم يكن يوم بدر حيّا فإنّه مات بمكّة بعد ثلاثة أشهر من هجرة النبيّ صلى اللّه عليه و آله (5)و بدر كانت في السنة الثانية من هجرته،و كان من المستهزئين الّذين كفى اللّه تعالى شرّهم عن رسوله،كما وعده في قوله: «إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (6).

قال الجزري:مرّ الوليد برجل من خزاعة يريش نبلا له فوطئ على سهم منها فخدشه ثمّ أومأ جبرئيل عليه السّلام إلى ذلك الخدش بيده فانتقض و مات منه، فأوصى إلى بنيه أن يأخذوا ديته من خزاعة،فأعطت خزاعة ديته (7).

«و من يحزّب الأحزاب» و المراد أبو سفيان.و قال ابن ميثم (8)-و تبعه


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 4:320.

3) 3) شرح الخوئي 5:330.

4) 4) السيرة لابن هشام 2:204،و [3]تاريخ الطبري 2:155 سنة 2. [4]

5) 5) نقله ابن الأثير الجزري في الكامل 2:72. [5]

6) 6) الحجر:95. [6]

7) 7) الكامل لابن الأثير الجزري 2:72. [7]

8) 8) شرح ابن ميثم 4:320. [8]

الخوئي (1)

شرح الخوئي 5:330.

:المراد ممّن يحزب الأحزاب أبو سفيان،و عمرو بن عبدود، و صفوان بن أمّية،و عكرمة بن أبي جهل،و سهيل بن عمرو،مع أنّه ليس لصفوان ذكر في قائدي ذاك اليوم،و لا في مبارزيهم،و الباقون لم يكونوا من القائدين بل من المبارزين،و لو كان المراد كلّ من بارز فلم لم يعدّ هبيرة المخزومي،و مرداس الفهري،و ضرارا؟و إنّما المحزّب المؤسس،و لم يكن غير أبي سفيان،قال ابن الزبعرى مفتخرا بأبي سفيان في الخندق:

جيش عيينة قاصد بلوائه فيه و صخر قائد الأحزاب

و قال محمّد بن محمّد بن النعمان في(إرشاده)في سبب غزوة الأحزاب:أنّ جماعة من اليهود،منهم:سلام بن أبي الحقيق النضيري،و حيّ بن أخطب،و كنانة بن الربيع،و هوذة بن قيس الوابلي،و أبو عمارة الوابلي في نفر من بني وابلة خرجوا حتّى قدموا مكّة فصاروا إلى أبي سفيان صخر بن حرب لعلمهم بعداوته للنبيّ صلى اللّه عليه و آله و تسرّعه إلى قتاله،فذكروا له ما نالهم منه، و سألوه المعونة لهم على قتاله.فقال لهم أبو سفيان:أنا لكم حيث تحبّون، فاخرجوا إلى قريش فادعوهم-إلى أن قال:و خرجت قريش،و قائدها إذ ذاك أبو سفيان صخر بن حرب،و خرجت غطفان،و قائدها عيينة بن حصن في بني فزارة،و الحرث بن عوف في بني مرة،و وبرة بن طريف في قومه من أشجع-إلى أن قال:فانتدبت فوارس من قريش للبراز،منهم:عمرو بن عبدودّ بن أبي قبيس بن عامر بن لؤي بن غالب،و عكرمة بن أبي جهل،و هبيرة بن أبي وهب المخزوميان ... (2).

«ثمّ قال صلى اللّه عليه و آله:يا أيّتها الشجرة إن كنت تؤمنين باللّه و اليوم الآخر و تعلمين


1) 1)

2) 2) الإرشاد للمفيد:50. [1]

أنّي رسول اللّه فانقلعي بعروقك حتّى تقفي بين يديّ بإذن اللّه» و روى(إثبات المسعودي)حديثا له صلى اللّه عليه و آله آخر في خفض الشجرة له صلى اللّه عليه و آله حتّى لقط من ثمارها ما أراد،فقال:كانت في دار أبي طالب نخلة منعوتة بكثرة الحمل موصوفة بالرقة و عذوبة الطعم،شهيّة المضغ،يعقب طعمها رائحة طيّبة عطرية كرائحة الزعفران المذاب بالعسل،كثيرة اللّحا،قليلة السّحا،دقيقة النّوى.فكان النبيّ صلى اللّه عليه و آله يأتي إليها كلّ غداة مع أتراب له،منهم:أبو سفيان ابن الحرث بن عبد المطلب ابن عمه،و أبو سلمة بن عبد الأسد،و مشروح بن ثويبة، فيلتقطون ما يتساقط تحتها من ثمرها بهبوب الرياح و وقوع الطير و نقره، و كانت فاطمة بنت أسد لا ترى النبيّ صلى اللّه عليه و آله يسابق أترابه على البسر و البلح و الرطب في أوانه،و كان الغلمة يبادرون لذلك و هو يمشي بينهم و عليه السكينة و الوقار بتواضع و ابتسام،و يتعجّب من حرصهم و عجلتهم،فكان إن وجد شيئا ساقطا بعدهم أخذه،و إلاّ انصرف بوجه منبسط طلق و بشر حسن.

فكانت فاطمة تعجب من شدّة حيائه و طيب شأنه و رقّة قلبه و سرعة دمعته و كثرة رحمته،فربّما جمعت له من ثمر النخلة قبل مجيئهم،فإذا أقبل قدمته إليه،فيحب أن يأكله معها.قالت فاطمة:و دخل عليّ أترابه يوما و أنا مضطجعة،و لم أره معهم.فقلت:أين محمّد؟قالوا:مع عمّه أبي طالب و رءانا، فسكنت نفسي قليلا،و لقط الغلمان ما كان تحت النخلة،و جاء بعدهم محمّد صلى اللّه عليه و آله فلم ير تحتها شيئا،فصار إليها و وقف تحتها-و كانت باسقة- فأومأ بيده إليها،فانثنت بعراجينها حتّى كادت تلحق بثمارها الأرض،فلقط منها ما أراد،ثمّ رفع يده و أومأ إليها فرجعت،و حسبني راقدة.قالت:و كنت مضطجعة.فلمّا رأيت ذلك استطير في روعي،و لم أملك نفسي،فأتيت أبا طالب فخلوت به،فقلت له:كان من أمر محمّد كيت و كيت.فقال:مهلا يا فاطمة

لا تذكري من هذا شيئا فإنّه حلم و أضغاث.فقلت:كلاّ و اللّه بل هو يقين في يقظة لا في نوم (1)

الاثبات للمسعودي:114. [1]

.

«و الّذي» هكذا في(المصرية)و الصواب:(فو الّذي)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (2).

«بعثه بالحقّ لانقلعت بعروقها،و جاءت و لها دويّ» في(النهاية)الدويّ:

صوت ليس بالعالي،كصوت النحل و نحوه (3).

«شديد و قصف كقصف» أي:صوت كصوت.

«أجنحة الطير حتّى وقفت بين يدي» أي:قدّام.

«رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مرفوفة» قال الجوهري:رفرف الطائر:إذا حرّك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه (4).

«و ألقت بغضنها الأعلى على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و بعض أغصانها على منكبي و كنت عن يمينه صلى اللّه عليه و آله» و كان ذلك شاهد إمامته عليه السّلام،كما لنبوّته صلى اللّه عليه و آله،و لمّا قال عليه السّلام:ما أحد من قريش جرت عليه المواسي إلاّ نزلت فيه آية.قيل له:فأيّ آية نزلت فيك؟قال:قوله تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» (5)محمّد على بيّنة من ربّه،و أنا شاهد منه تاليه (6).

و قد قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله له في المتواتر:أنت منّي بمنزلة هارون من موسى


1) 1)

2) 2) لا توجد(الفاء)في شرح ابن أبي الحديد 3:256،و [2]شرح ابن ميثم 4:308. [3]

3) 3) النهاية لابن الأثير 2:143 [4] مادة(دوا).

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 4:1367 [5] مادة(رفرف).

5) 5) هود:17. [6]

6) 6) أخرجه ابن أبي خاتم و ابن مردويه و أبو نعيم في المعرفة عنهم الدّر المنثور 3:324،و [7]الفرات الكوفي في تفسيره: 64،و [8]العياشي في تفسيره 2:142 ح 13،و [9]الحسكاني في شواهد التنزيل 1:280 ح 384،و [10]أبو علي الطوسي في أماليه 1:381 المجلس 13،و [11]معناه روي كثيرا.

إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي (1)

هذا الحديث المتواتر المعروف بحديث المنزلة مرّ تخريجه في العنوان 13 من هذا الفصل.

.و قد حكى اللّه تعالى منازل هارون من موسى في قوله جلّ اسمه: «هارُونَ أَخِي اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً » (2).

«فلمّا نظر القوم إلى ذلك» أي:مجيء الشجرة إليه.

«قالوا علوّا و استكبارا» عن قبول الحقّ.

«فمرها فليأتك نصفها،و يبقى نصفها» هكذا في النسخ (3)،و كأنّ فيها سقطا،و أنّ الأصل:فمرها فلترجع إلى مكانها.فأمرها فرجعت،فقالوا:فمرها فليأتك نصفها و يبقى نصفها.كما لا يخفى.

«فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال،و أشدّه دوّيا» و صوتا (4).

«فقالوا كفرا و عتوا فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه» في مكانه الأوّل.

«كما كان» منضما بنصفه الآخر.

«فأمره صلى اللّه عليه و آله فرجع» كما كان،و روى الجزري في(كامله)و في(أسده)، و البلاذري في(أنسابه)،و الكراجكي في(كنزه) (5)حديث الشجرة بطريق آخر أخصر،و الظاهر كونه قضيّة أخرى،قال الأوّل في(كامله):و من المستهزئين بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب،كان شديد العداوة،لقي النبيّ صلى اللّه عليه و آله،فقال:يابن أخي،بلغني عنك أمر،و لست بكذاب،فان صرعتني، علمت أنّك صادق-و لم يكن يصرعه أحد-فصرعه النبيّ صلى اللّه عليه و آله ثلاث مرّات و دعاه النبيّ صلى اللّه عليه و آله إلى الإسلام،فقال:لا أسلم حتّى تدعو هذه الشجرة.فقال لها


1) 1)

2) 2) طه:30-35. [1]

3) 3) كذا في نهج البلاغة 2:159،و [2]شرح ابن أبي الحديد 3:256،و [3]شرح ابن ميثم 4:308. [4]

4) 4) أسقط الشارح هنا شرح فقرة«فكادت تلتّف برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله».

5) 5) الكامل لابن الأثير 2:75،و [5]أسد الغابة 2:188،و أنساب الأشراف الأشراف 1:155،و كنز الفوائد للكراجكي:94.

النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أقبلي،فأقبلت تخدّ الأرض.فقال ركانة:ما رأيت سحرا أعظم من هذا،مرها فلترجع فأمرها،فعادت،فقال:هذا سحر عظيم (1)

الكامل لابن الأثير 2:75. [1]

.

و رواه البلاذري،و الكراجكي مثله،و زادا:فذهب ركانة إلى قوله فقال:

يا بني عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الأرض،فو اللّه ما رأيت أسحر منه قط.ثمّ أخبرهم بالّذي رأى و الّذي صنع (2).

و قال في(أسده):إنّ ركانة طلب من النبيّ صلى اللّه عليه و آله أن يريه آية ليسلم، و قريب منهما شجرة ذات فروع و أغصان،فأشار إليها النبيّ صلى اللّه عليه و آله،قال لها:

أقبلي بإذن اللّه.فانشقت باثنتين،فأقبلت على نصف شقّها و قضبانها حتّى كانت بين يديّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله،فقال له ركانة:أريتني عظيما،فمرها فلترجع.فأخذ عليه النبيّ صلى اللّه عليه و آله العهد لئن أمرها فرجعت ليسلمن.فأمرها،فرجعت حتّى التأمت مع شقّها الآخر،فلم يسلم ثمّ أسلم بعد.قال:و كان يقال لأبيه عبد يزيد:

المحض-لا قذى فيه-لأنّ أمّه الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف،و أباه هاشم بن المطلب (3).

و لعترته عليهم السّلام أحاديث في الشجرة قريبة من حديثه صلى اللّه عليه و آله،منها ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني،عن عليّ ابن إبراهيم بن هاشم القمّي،عن أبيه،عن محمّد بن فلان الواقفي،قال:كان لي ابن عمّ يقال له:الحسن بن عبد اللّه،كان زاهدا و كان من أعبد أهل زمانه،و كان يتّقيه السلطان لجدّه في الدين و اجتهاده،و ربّما استقبل السلطان بكلام صعب يعظه،و يأمره بالمعروف و ينهاه عن المنكر،و كان السلطان يحتمله لصلاحه،و لم تزل هذه حالته حتّى


1) 1)

2) 2) أنساب الأشراف 1:155،و [2]كنز الفوائد:94. [3]

3) 3) أسد الغابة 2:187،188. [4]

كان يوم من الأيّام،إذ دخل عليه أبو الحسن موسى عليه السّلام و هو في المسجد، فرآه فأومأ إليه،فأتاه،فقال له:يا أبا عليّ ما أحبّ إليّ ما أنت فيه و أسرّني إلاّ أنّه ليست لك معرفة،فاطلب المعرفة.قال:جعلت فداك،و ما المعرفة؟قال:اذهب فتفقّه،و اطلب الحديث.قال:عمّن؟قال:عن فقهاء أهل المدينة،ثمّ اعرض عليّ الحديث.قال:فذهب فكتب،ثمّ جاءه فقرأه عليه فأسقطه كلّه،ثمّ قال له:اذهب فاعرف المعرفة.و كان الرجل معيّنا بدينه،فلم يزل يترصّد أبا الحسن عليه السّلام حتّى خرج إلى ضيعة له فلقيه في الطريق،فقال له:جعلت فداك إنّي أحتجّ عليك بين يدي اللّه فدلّني على المعرفة.فأخبره بأمر أمير المؤمنين عليه السّلام و ما كان بعد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و أخبره بأمر الرجلين،فقبل منه ثم قال له:فمن كان بعد أمير المؤمنين عليه السّلام؟قال:الحسن عليه السّلام ثمّ الحسين عليه السّلام حتّى انتهى إلى نفسه،ثمّ سكت.قال:فقال له:جعلت فداك فمن هو اليوم؟قال:إن أخبرتك تقبل.قال:بلى جعلت فداك.قال:أنا هو.قال:فشيء استدلّ به.قال:اذهب إلى تلك الشجرة -و أشار بيده إلى أم غيلان-فقل لها:يقول لك موسى بن جعفر:أقبلي.قال:

فأتيتها فرأيتها و اللّه تخدّ الأرض خدّا حتّى وقفت بين يديه.ثمّ أشار إليها، فرجعت.قال:فأقرّ به عليه السّلام ثمّ لزم الصمت و العبادة.فكان لا يراه أحد يتكلّم بعد ذلك (1)

الكافي للكليني 1:352 ح 7 و [1]البصائر للصفار:274 ح 6،و [2]الإرشاد للمفيد:292،و [3]اعلام الورى للطبرسي:301، و [4]رواية الأخيرين من طريق الكليني لكن اسناد الكليني علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمّد عن محمّد بن فلان الواقفي،و محمّد الذي يروي إبراهيم عنه هو ابن أبي عمير.و روى الكليني الحديث من طريق آخر.قال محمّد بن يحيى و أحمد بن محمّد عن محمّد بن الحسن عن إبراهيم بن هاشم مثله.

.

و روي مسندا عن الصادق عليه السّلام:أنّ الحسن عليه السّلام خرج في بعض عمره، و معه رجل من ولد الزبير كان يقول بإمامته،فنزلوا في منهل من تلك المناهل تحت نخل يابس قد يبس من العطش،ففرش للحسن عليه السّلام تحت نخلة،و فرش


1) 1)

للزبيري بحذاه تحت نخلة أخرى.قال:فقال الزبيري،-و رفع رأسه:لو كان في هذه النخل رطب لأكلنا منه.فقال له الحسن عليه السّلام:و إنّك لتشتهي الرطب.فقال الزبيري:نعم.قال:فرفع عليه السّلام يده إلى السماء،فدعا بكلام لم يفهمه،فاخضرّت النخلة ثمّ صارت إلى حالها فأورقت و حملت رطبا.فقال الجمّال الّذي اكتروا منه:سحر و اللّه.قال:فقال الحسن عليه السّلام:و يلك ليس بسحر،و لكن دعوة ابن نبي مستجابة.قال:فصعدوا إلى النخلة فصرموا ما كان فيه فكفاهم (1)

الكافي للكليني 1:462 ح 4،و [1]الصفار في البصائر:276 ح 10. [2]

.

و روى مسندا عن أبي هاشم الجعفري قال:صلّيت مع أبي جعفر الجواد عليه السّلام في مسجد المسيّب،و صلّى بنا في موضع القبلة سواء،و ذكر أنّ السدرة الّتي في المسجد كانت يابسة ليس عليها ورق،فدعا بماء،و تهيأ تحت السدرة،فعاشت السدرة و أورقت و حملت من عامها (2).

«فقلت أنا:لا إله إلاّ اللّه فانّي أوّل مؤمن بك يا رسول اللّه،و أوّل من أقرّ بأنّ الشجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تعالى تصديقا بنبوّتك» هكذا في(المصرية) و الصواب:(لنبوّتك)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّيّة) (3).

«و إجلالا لكلمتك» يا أيّتها الشجرة،إن كنت تؤمنين باللّه و اليوم الآخر فتعلمين أنّي رسول اللّه فانقلعي بعروقك حتّى تقفي بين يدي بإذن اللّه.

«فقال القوم كلّهم:بل ساحر كذّاب عجيب السحر خفيف فيه» يأتي بالسحر سريعا،قال الكراجكي في(كنزه):اعلم أنّ المتمحّلين من الكفّار في إبطال نبوّة نبيّنا قد أدّاهم الحرص في الإنكار إلى وجوب الإذعان و الإقرار،و ساقهم الجبر و القضاء إلى لزوم التسليم و الرضا،فلا خلاص لهم من ثبوت الحجّة عليهم،


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:497 ح 10،و [3]المناقب لابن شهر آشوب 4:396. [4]

3) 3) لفظ شرح ابن أبي الحديد 3:256،و [5]شرح ابن ميثم 4:309« [6]بنبوتك»أيضا.

و هم راغمون،و لا محيص لهم من وجوب تصديقه و هم صاغرون،و ذلك أنّهم لم يجدوا طريقا يسلكون في إنكار حقّه من النبوّة،و الدفع لما أتى به من الرسالة إلاّ بأن أقرّوا له ببلوغه من كلّ درجة في الفضل منيفة،و مرتبة في الكمال و العقل شريفة،ما قد قصّر عنه جميع خلق اللّه،و بدون ذلك تجب له الرياسة،و التقدّم على الكافّة،و لا يجوز أن تتوجّه التهمة لمنافاتها لما أقرّوا به في موجب العقل و الحكمة.و بيان ذلك:أنّهم إذا سمعوا القرآن الوارد على يده الّذي قد جعله علما على صدقه،و رأوا قصور العرب عن معارضته و عجزهم من الإتيان بمثله،قالوا:إنّه كان قد فاق جميع البلغاء في البلاغة،و زاد على سائر الفصحاء في قصّر عن مساواته في ذلك الناس كافّة،ففضّلوه بهذا على الخلق أجمعين و قدّموه على العالمين.

و إذا تأمّلوا ما في القرآن من أخبار الماضين،و أعاجيب السالفين،و ذكر شرائع الأنبياء المتقدّمين،قالوا:قد كان أعرف الناس بأخبار الناس،و أعلمهم بجميع ما حدث،و كان في سالف الأزمان قد أحاط بنبإ الغابرين،و حفظ جميع علوم الماضين.ففضّلوه بهذه الرتبة على الخلق أجمعين.

و إذا رأوا ما تضمّنه القرآن من عجيب الفقه و الدين،و بديع عبادات المكلّفين،و ترتيب الفرائض و انتظامها،و حدود الشريعة و أحكامها،قالوا:قد كان أحكم أهل زمانه،و أفضلهم و أبصرهم بأنواع الحكمة،و أعملهم،و لم يكن خلق في ذلك يساويه،و لا بشر يدانيه.ففضّلوه بذلك أيضا على الخلق أجمعين،و أوجبوا له التقدّم على العالمين.

و إذا علموا ما في القرآن من الأخبار بالغائبات و تقديم الأعلام بمستقبل الكائنات و سمعوا ما تواترت به الأخبار من إنبائه لكثير من الناس بما في نفوسهم و إظهاره في الأوقات لمغيّب مستورهم،قالوا:قد كان أعرف الناس

بأحكام النجوم،و أبصرهم بما تدلّ عليه في مستأنف الأمور،و إن لم يظهر معرفته بها لأمّته و نهاهم عن الاطلاع فيها لينتظم له حال نبوّته،و إنّه كان معوّلا عليها،مستندا في أموره إليها و قوله لا يخرم،و إخباره بالشيء لا يختلف،يعلم الحوادث و الضمائر،و يطّلع على الخبايا و السرائر،و لا تخفى عنه أوقات المساعد و المناحس،و لم يكن أحد يعثّره في ذلك،ففضّلوه بهذا على الخلق أجمعين،و أوجبوا له التقدّم على العالمين.

فإذا قيل لهم:ما تقولون في المأثور من معجزاته،و المنقول من آياته الخارقة للعادة الّتي أقام بها الحجّة؟قال المسلمون منهم لذلك،المتعاطون لإخراج معناه:كان أعرف الناس بخواصّ الموجودات و أسرار الطبائع، الحيوان و الحوادث،فيظهر من ذلك للناس ما يتحيّر له من رآه لقصوره عن إدراك سببه و معناه،ففضّلوه بهذا أيضا على الخلق أجمعين،و أوجبوا له التقدّم على العالمين.

و قد سمعنا في بعض الأحاديث:أنّ أحد السحرة قال لموسى عليه السّلام:إنّ هذه العصا من طبعها أن تسعى إذا ألقيت،و تتشكل حيوانا إذا رميت خاصية لها بسبب فيها.فقال له موسى عليه السّلام:فخذها أنت وارمها،فأخذها الساحر، و رماها،فما تغيّرت عن حالها،فأخذها موسى و رماها،فصارت حيّة تسعى.

فقال الساحر:ليس في العصا سرّ و إنّما السرّ في من ألقاها،آمنت بإله موسى.

أفترى،لو أخذ أحد من المشركين الحصى الّذي سبّح في كفّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله فتركه في يده أ كان يسبّح أيضا فيها؟أ ترى أحدهم لو أشار بيده إلى الشجرة الّتي أشار إليها النبيّ صلى اللّه عليه و آله فأتت لكانت تأتيه أيضا إذا أومأ إليها؟ و إنّ هذه الأشياء تفعل بالطبع كما يفعل حجر المغناطيس في الحديد الجذب، كلاّ ما يتصوّر هذا عاقل.

و إذا نظروا إلى حسن تمام أمر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و انتظام مراده الّذي قصده، و أنّه نشأ بين قوم يتجاذبون العزّ و المنعة،و يتنافسون في التقدمة و الرفعة، و يأنفون من العار و الشنعة،و لا يعطون لأحد إمرة و طاعة،فلم يزل بهم حتّى قادهم إلى أمره و ساقهم إلى طاعته،و استعبدهم بما لم يكونوا عرفوه، و أمرهم بهجران ما ألفوه،إلى أن صاروا يبذلون أنفسهم دون نفسه و يسلّمون لقوله،و يأتمرون لأمره من غير أن كان له ملك خافوه،و لا مال أمّلوه،ففتح بهم البلاد،و أذعن له ملوك العباد،و نفذ أمره في الأنفس و الأموال، و الحائل و الأولاد.

قالوا:إنّما تمّ له ذلك لأنّه فاق العالمين بكمال عقله،و حسن تدبيره و رأيه،و لم يكن ذلك في أحد غيره،ففضّلوه بهذا أيضا على الخلق أجمعين، و أوجبوا له التقدّم على العالمين.

و إذا سمعوا المشتهر من عدله و نصفته،و حسن سيرته في أمّته و رعيّته،و أنّه لا يكلّف أحدا شيئا في ماله،و إذا حصلت المغانم فرّقها في أمّته، و قنع من عيشه بدون كفايته،هذا مع سخاوته و كرمه،و إيثاره على نفسه، و وفائه بوعده،و صدق لهجته،و اشتهاره منذكان بأمانته،و شريف طريقته، و حسن عفوه و مسامحته،و جميل صبره و حلمه،قالوا:كان أزهد الناس، و أعلاهم قدرا في العدل و الإنصاف،و لا طريق إلى انكار إحاطته بالفضائل الكرام،و المناقب التوام،ففضّلوه في جميع هذه الأمور على الخلق أجمعين، و أوجبوا له التقدم على العالمين.

فإذا قيل لهم:فهذه العلوم العظيمة متى أدركها،و في أيّ زمان جمعها و تلقّطها،و أيّ قلب يعيها و يحفظها،و هل رئي بشر قط يحيط بجميع الفضائل، و يتقدّم العالمين كافة في سائر المناقب،و يكون أوحد الخلق في كمال العقل

و التميز،و ثاقب الرأي و التدبير مع نزاهة النفس و جلالتها،و شرفها و زهدها، و فضلها و جودها و بذلها؟قالوا:كانت له سعادات فلكية،و عطايا نجومية، فأفاق بها على جميع البريّة.قيل لهم:فمن كان بهذا الوصف العظيم،و المحلّ الجليل كيف يستجيز عاقل مخالفته أو يسوغ له مباينته،و بمن يقتدى أفضل منه،و متى يكون مصيبا في الانصراف عنه،بل كيف لا يرضى بعقل أعقل الناس،و يأخذ العلم من أعلم الناس،و يقتبس الحكمة من أحكم الناس؟و ما الفرق بينكم في قولكم:إنّ هذه العطايا التي حصلت له إنّما كانت فلكية و نجومية و بيننا إذ قلنا:إلهية ربّانيتة؟و بعد فكيف يستجيز من يكون بهذا العقل الكامل،و الفضل الشامل،و الورع الظاهر،و الزهد البارع،و الشرف العريق،و اللسان الصدوق أن يكذب على خالق السماوات و الأرضين،فيقول للناس:أنا رسول ربّ العالمين،و يدّعي هذا المقام الجليل،و يكون الأمر بخلاف ما يقول؟و كيف تلائم صفاته التي سلّمتموها لهذه الحال التي ادّعيتموها؟فدعوا المناقضة و المكابرة،و اثبتوا على ما أقررتم به في المناظرة،فكلامكم لازم لكم،و قولكم حجّة عليكم،قد أقررتم بالحقّ و أنتم راغمون و التجأتم إلى ما هربتم منه و أنتم صاغرون.

و اعلموا أنّ من باين المسعود كان منحوسا،و من خالف العاقل العالم كان جاهلا غبيا،و من كذّب الصادق كان هو في الحقيقة كاذبا،و الحمد للّه مقيم الحجّة على من أنكرها،و موضع الحقّ لمن آثرها (1)

كنز الفوائد للكراجكي:88-91 و [1]النقل بتصرف لفظي يسير.

.

«و هل يصدّقك في أمرك إلاّ مثل هذا؟يعنوني» أي:يقصدونني،استخفافا به عليه السّلام،و نظيره:ما رواه الطبري عن ابن عبّاس،عنه عليه السّلام قال:لمّا نزلت هذه


1) 1)

الآية: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)

الشعراء:214. [1]

،دعاني النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقال:يا عليّ إنّ اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين،فضقت بذلك ذرعا،و عرفت أنّي متى أباديهم بهذا الأمر أرمنهم ما أكره،فصمتّ عليه حتّى جاءني جبرئيل،فقال:

«يا محمّد الاّ تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك».فاصنع لنا صاعا من طعام،و اجعل عليه رجل شاة،و املأ لنا عسّا من لبن،ثمّ اجمع لي بني عبد المطلب حتّى اكلمهم،و أبلّغهم ما أمرت به.ففعلت ما أمرني به ثمّ دعوتهم له،و هم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا فيهم أو ينقصونه،و فيهم أعمامه أبو طالب، و حمزة،و العبّاس،و أبو لهب.فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الّذي صنعت لهم،فجئت به،فلمّا وضعته تناول النبيّ صلى اللّه عليه و آله حذية من اللحم فشقّها بأسنانه، ثمّ ألقاها في نواحي الصحفة،ثمّ قال:خذوابسم اللّه.فأكل القوم حتّى مالهم بشيء حاجة،و ما أرى إلاّ موضع أيديهم،و ايم اللّه الّذي نفس عليّ بيده،إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم.ثمّ قال:اسق القوم.فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه حتّى رووا منه جميعا،و ايم اللّه إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله،فلمّا أراد النبيّ صلى اللّه عليه و آله أن يكلّمهم،بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال:لقد سحركم صاحبكم.فتفرّق القوم،و لم يكلّمهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله،فقال:الغد يا عليّ إنّ هذا الرجل سبقني إلى ما سمعت من القول،فتفرّق القوم قبل أن أكلّمهم،فعدلنا بمثل ما صنعت،ثمّ اجمعهم إليّ.ففعلت ثمّ جمعتهم،ثمّ دعاني بالطعام فقرّبته لهم،ففعل كما فعل بالأمس،فأكلوا حتّى مالهم بشيء حاجة، ثمّ قال:اسقهم.فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه.ثمّ تكلّم النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقال:يا بني عبد المطلب إنّي و اللّه ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به،فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيي


1) 1)

و خليفتي فيكم؟فأحجم القوم عنها جميعا،و قلت أنا-و أنا لأحدثهم سنّا و أرمصهم عينا،و أعظمهم بطنا و أحمشهم ساقا:أنا يا نبي اللّه أكون و زيرك عليه.فأخذ برقبتي،ثمّ قال:إنّ هذا أخي و وصيي،و خليفتي فيكم،فاسمعوا له و أطيعوه.فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب:قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع،و روى أيضا خبرا آخر عنه عليه السّلام بمعناه (1)

تاريخ الطبري 2:62،63 و [1]النقل بتصرف يسير.

.

و لو لم يكن لأمير المؤمنين عليه السّلام في استخلاف النبيّ صلى اللّه عليه و آله له إلاّ هذه القضيّة و هذه القصّة،لكفى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد.

ثمّ كما نقل عليه السّلام عنه صلى اللّه عليه و آله هذه الآية،نقل أبوه أبو طالب عنه صلى اللّه عليه و آله آيتين أخريين،و فرووا أنّ أبا جهل جاء مرّة إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و هو ساجد،و بيده حجر يريد أن يرضخ به رأسه،فلصق الحجر بكفّه،فلم يستطع ما أراد (2).فقال أبو طالب في ذلك:

أفيقوا بني عمّنا و انتهوا عن الغيّ من بعض ذا المنطق

إلى أن قال:

و أعجب من ذاك في أمركم عجائب في الحجر الملصق

بكفّ الّذي قام من خبثه إلى الصابر الصادق المتقي

فأثبته اللّه في كفّه على رغمة الخائن الأحمق

و روى محمّد بن سعد في(طبقاته):أنّ قريشا لمّا تكاتبت على بني هاشم ألاّ ينكحوهم و لا ينكحوا إليهم،و لا يبيعوهم و لا يبتاعوا منهم،و لا يخالطوهم في شيء،و لا يكلّموهم حين أبوا أن يدفعوا إليهم النبيّ صلى اللّه عليه و آله مكثوا في شعبهم ثلاث سنين محصورين.ثمّ أطلع اللّه تعالى رسوله صلى اللّه عليه و آله على أمر


1) 1)

2) 2) تفسير القمي 2:212 و [2]المناقب لابن شهر آشوب 1:75 و غيرهما.

صحيفتهم و أنّ الأرضة قد أكلت ما كان فيها من جور و ظلم،و بقي ما كان فيها من ذكر اللّه،فجاءهم أبو طالب فقال لهم:إنّ ابن أخي قد أخبرني-و لم يكذّبني قط-أنّ اللّه قد سلّط على صحيفتكم الأرضة،فإن كان صادقا نزعتم عن سوء رأيكم،و إن كان كاذبا دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه.قالوا:قد أنصفتنا...ففتحوها فإذا هي كمال قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله(قد أكلت الأرضة كلّها إلاّ ما كان من ذكر اللّه فيها)فسقط في أيديهم و نكسوا على رؤوسهم... (1)

الطبقات لابن سعد 1 [1] ق 1:140 و النقل بتقطيع.

.

و رووا عن سراقة بن جعشم أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم لمّا خرج من مكّة مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن ردّه عليهم-و ذكر حديث طلبه و ما أصاب فرسه إلى أن قال:قال سراقة بعد رجوعه لأبي جهل:

أبا حكم و اللّه لو كنت شاهدا لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه

علمت و لم تشك بأنّ محمّدا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه

عليك بكفّ القوم عنه فإنّني أرى أمره يوما ستبدو معالمه

بأمر يودّ الناس فيه بأسرهم بأنّ جميع الناس طرّا يسالمه

(2)و من معجزاته المتعلّقة بقريش ممّا دعا النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم عليهم ما قاله البلاذري في(فتوحه):إنّ معاوية لمّا كان يوم الفتح أسلم،فكتب للنبيّ صلى اللّه عليه و آله فدعاه يوما و هو يأكل فأبطأ.فقال:لا أشبع اللّه بطنه.فكان يقول:لحقتني دعوته (3). و ما قاله ابن قتيبة في(معارفه):إنّ خالد بن أسيد الأموي أسلم يوم فتح مكّة و كان فيه تيه شديد فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:اللّهمّ زده تيها،فكان ذلك


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب [2]في 1:71،و إعلام الورى للطبرسي:24. [3]

3) 3) فتوح البلدان:459. [4]

في ولده إلى اليوم (1)

المعارف لابن قتيبة:283. [1]

.

و ما قاله ابن قتيبة أيضا في(معارفه):أنّ حزن بن أبي وهب جدّ سعيد بن المسيب المخزومي أتى النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقال له:أنت سهل.فقال:بل أنا حزن -ثلاثا-قال:فأنت حزن.قال سعيد:فما زلنا نعرف تلك الحزونة فينا (2).

و كانت معجزاته صلى اللّه عليه و آله تنقل لمسيلمة،فطلبوا منه الإتيان بمثلها.فيأتي بضدّها،ففي(الطبري):أتت مسيلمة امرأة من بني حنيفة تكنّى بامّ هيثم، فقالت:إنّ نخلنا لسحق،و إنّ آبارنا لجرز،فادع اللّه لمائنا و لنخلنا كما دعا محمّد لأهل هزمان.فقال(مسيلمة لنهار و كان أتى النبيّ صلى اللّه عليه و آله):يا نهار ما تقول هذه؟فقال:إنّ أهل هزمان أتوا محمّدا صلى اللّه عليه و آله فشكوا بعد مائهم،و كانت آبارهم جرزا،و نخلهم أنّها سحق،فدعا لهم فجاشت آبارهم و انحنت كلّ نخلة قد انتهت حتّى وضعت جرانها لانتهائها،فحكّت به الأرض حتّى أنشبت عروقا ثمّ قطعت من دون ذلك فعادت فسيلا مكمّما ينمى صاعدا.قال:كيف صنع بالآبار؟قال:دعا بسجل فدعا لهم فيه،ثمّ تمضمض بفم منه ثمّ مجّه فيه، فانطلقوا به حتّى فرّغوه في تلك الآبار،ثمّ سقوه نخلهم!ففعل المنتهي ما حدّثتك،و بقي الآخر إلى انتهائه.فدعا مسيلمة بدلو من ماء،فدعا لهم فيه ثمّ تمضمض منه ثمّ مجّ فيه،فنقلوه فأفرغوه في آبارهم،فغارت مياه تلك الآبار، و خوى نخلهم،و إنّما استبان ذلك بعد مهلكة (3).

و فيه أنّه قال نهار لمسيلمة:برّك على مولودي بني حنيفة.فقال له:و ما التبريك؟قال:كان أهل الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمّدا فحنّكه،


1) 1)

2) 2) المعارف لابن قتيبة:437 و [2]النقل بتصرف يسير.

3) 3) تاريخ الطبري سنة 2:506 11. [3]

و مسح رأسه.فلم يؤت مسيلمة بصبي فحنّكه و مسح رأسه إلاّ قرع و لثغ، و استبان ذلك بعد مهلكه (1)

تاريخ الطبري 2:507 سنة 11. [1]

.

و فيه:قالوا له:تتبّع حيطانهم كما كان محمّد يصنع،فصلّ فيها.فدخل حائطا من حوائط اليمامة فتوضّأ،فقال نهار لصاحب الحائط:ما يمنعك من وضوء الرحمن،فتستقي به حائطك حتّى يروى و ينيل،كما صنع بنو المهريّة.

أهل بيت من حنيفة،كان رجل من المهريّة قدم على النبيّ صلى اللّه عليه و آله فأخذ وضوءه، فنقله معه إلى اليمامة،فأفرغه في بئره ثمّ نزع و سقاه،و كانت أرضه تهوم، فرويت و جزأت،فلم تلف إلاّ خضراء مهتزّة.ففعل(صاحب الحائط ما وصف له نهار في وضوء مسيلمة)فعادت يبابا لا ينبت مرعاها (2).

و فيه:و أتاه رجل فقال:ادع اللّه لأرضي فإنّها مسبخة،كما دعا محمّد لسلمى على أرضه.فقال:ما يقول يا نهار؟فقال:قدم عليه سلمى،و كانت أرضه سبخة فدعا له و أعطاه سجلاّ من ماء و مجّ له فيه،فأفرغه في بئره ثمّ نزع فطابت و عذبت.ففعل مثل ذلك.فانطلق الرجل ففعل بالسجل كما فعل سلمى،فغرقت أرضه،فما جفّ ثراها و لا أدرك ثمرها (3).

43

الحكمة(16)

وَ سُئِلَ ع عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ ص:

غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَ لاَ تَشَبَّهُوا؟بِالْيَهُودِ؟- فَقَالَ ع إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ وَ الدِّينُ قُلٌّ- فَأَمَّا الْآنَ وَ قَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ وَ ضَرَبَ


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 2:506،507 سنة 11. [2]

3) 3) تاريخ الطبري 2:507 سنة 11. [3]

بِجِرَانِهِ- فَامْرُؤٌ وَ مَا اخْتَارَ قول المصنّف «و سئل عن قول الرسول صلى اللّه عليه و آله» هكذا في(المصرية)، و الصواب:(و سئل عن قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (1)

شرح ابن أبي الحديد 4:249،و [1]شرح ابن ميثم 5:247« [2]الرسول»أيضا.

.

«غيّروا الشيب و لا تشبّهوا باليهود» في(معارف ابن قتيبة):جاءوا بأبي قحافة(أبي أبي بكر)يوم فتح مكّة إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و هو شيخ كبير،رأسه كالثغامة البيضاء،فأسلم،فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:غيّروا شيبته (2).

و في(الأساس):كأنّ رأسه ثغامة،و هي شجرة بيضاء الزهر و الثمر كأنّ جمّاعتها هامة شيخ (3).

«فقال عليه السّلام:إنّما قال ذلك و الدّين قلّ» قلّ بالضمّ و الكسر القلّة،يقال:الحمد للّه على القلّ و الكثر.و القل و الكثر،و قال الشاعر:

و قد يقصر القلّ الفتى دون همّه و قد كان لو لا القلّ طلاّع أنجد

(4)و نظيره ما في الخبر عن الباقر و الصادق عليهما السّلام:سئلا عن رمل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم في الطواف،فقالا:إنّه فعل ذلك في غزوة الحديبية ليرى قريش تجلّده،و تجلّد أصحابه.قال الباقر عليه السّلام:و من أجل ذلك يرمل الناس-أي العامّة-غفلة عن أنّ فعله صلى اللّه عليه و آله و سلم كان موقّتا.قال عليه السّلام:و إنّي لأمشي مشيا، و كان أبي يمشي مشيا (5). و كذا في(الروضة)ما عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله الفرق بين المسلمين و المشركين


1) 1)

2) 2) المعارف لابن قتيبة:167،و [3]النقل بالمعنى.

3) 3) أساس البلاغة للزمخشري:45 [4] مادة(ثغم).

4) 4) لسان العرب لابن منظور 8:237 [5] مادة(طلع).

5) 5) علل الشرائع للصدوق:412 ح 1،2 [6] عن الباقر و الصادق عليهما السّلام،و في الباب عن ابن عباس.

التلحي بالعمائم،إنّما قال ذلك في أوّل الإسلام (1)

الفقيه للصدوق1:173 ح 68 و قول الشارح في الروضة خطأ.

.

و روي أنّ الباقر عليه السّلام سئل عن أكل لحم الحمر الأهلية،فقال:إنّما نهى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم عنها و عن أكلها يوم خيبر،و إنّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لأنّها كانت حمولة الناس،و إنّما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن (2).

«فأمّا الآن و قد اتّسع نطاقه» النطاق:ما يشدّ على الوسط.

«و ضرب بجرانه» قال الجوهري:جران البعير:مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره (3).

و اتساع نطاق الدين و الإسلام كناية عن فسحته.و ضرب الجران:كناية عن استقراره و عدم تزلزله.

«فامرؤ و ما اختار» من تغيير الشيب و عدمه،قال ابن أبي الحديد:فصار الخضاب مباحا غير مندوب (4).

قلت:غاية ما يدلّ عليه كلامه عليه السّلام:رفع الإيجاب،و أمّا عدم الاستحباب فلا.

و عن الصادق عليه السّلام:نفقة درهم في الخضاب أفضل من نفقة درهم في سبيل اللّه.إنّ فيه أربع عشرة خصلة:يطرد الريح من الأذنين،و يجلو الغشاء من البصر،و يلين الخياشيم،و يطيب النكهة،و يشدّ اللثة،و يذهب بالغشيان، و يقلّ وسوسة الشيطان،و تفرح به الملائكة،و يستبشر به المؤمن،و يغيظ به


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 6:245 ح 10،و [1]علل الشرائع للصدوق:563 ح 1،3 [2] بطريقين،و التهذيب للطوسي 9:41 ح 171. و الاستبصار 4:73 ح 1.

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 5:2091 [3] مادة(جرن).

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 4:249. [4]

الكافر،و هو زينة،و هو طيب،و براءة في قبره،و يستحيي منه منكر و نكير (1)

أخرجه الصدوق في الخصال:497 ح 2 عن الصادق،عن أبيه،عن جدّه،عن عليّ عليه السّلام عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله،و أخرجه بطريق آخر عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله الكليني في الكافي 6:482 ح 12،و [1]الصدوق في الفقيه 1:70 ح 61،و 4:267، و الخصال:497 ح 1،و ثواب الأعمال:38 ح 3،و اللفظ للكليني.

.

و يمكن الاستدلال لبقاء استحبابه بما روي أنّ قوما دخلوا على الحسين عليه السّلام فرأوه مختضبا بالسواد،فسألوه عن ذلك،فمدّ يده إلى لحيته ثمّ قال:أمر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم في غزاة غزاها أن يختضبوا بالسواد،ليقووا به على المشركين (2).

هذا،و قالوا:أوّل من اختضب بالسواد من أهل مكّة عبد المطلب بن هاشم،كان رجل من حمير خصّه بذلك من اليمن و زوّده بالوسمة (3).

44

من الخطبة(233)

و من كلام له عليه السّلام و هو يلي غسل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و تجهيزه:

بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي- لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ- مِنَ النُّبُوَّةِ وَ الْإِنْبَاءِ وَ أَخْبَارِ السَّمَاءِ- خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ وَ عَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَوَاءً- وَ لَوْ لاَ أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ وَ نَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ- لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّئُونِ- وَ لَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلاً وَ الْكَمَدُ مُحَالِفاً- وَ قَلاَّ لَكَ وَ لَكِنَّهُ مَا لاَ يُمْلَكُ رَدُّهُ- وَ لاَ يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ وَ اجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ أقول:قال ابن أبي الحديد 2ابن أبي الحديد-شرح نهج البلاغه-ج 2 ص 194 :قال محمّد بن حبيب في( أماليه 1محمّد بن حبيب-أمالي- ):لمّا كشف عليه السّلام الإزار عن وجهه صلى اللّه عليه و آله بعد غسله،انحنى عليه فقبّله مرارا،و بكى


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 6:481 ح 4. [2]

3) 3) رواه شاذان بن جبرئيل ضمن حديث سيف بن ذي يزن في الفضائل:43.

طويلا،و قال:بأبي أنت و أمّي،طبت حيّا،و طبت ميّتا،انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد سواك من النبوّة و الإنباء و أخبار السماء-إلى قوله-ماء الشئون .و بعده،و لكن أتى ما لا يدفع،أشكو إليك كمدا و إدبارا مخالفين،و داء الفتنة، فإنّها قد استعرت نارها،و داؤها الداء الأعظم.بأبي أنت و أمّي اذكرنا عند ربّك، و اجعلنا من بالك و همك.

و قال:ثمّ نظر عليه السّلام إلى قذاة في عينه،فلفظها بلسانه.ثمّ ردّ الإزار على وجهه،و كان عليّ عليه السّلام يقول بعد ذلك:ما شممت أطيب من ريحه،و لا رأيت أضوأ من وجهه حينئذ،و لم أره يعتاد فاه ما يعتاد أفواه الموتى (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:194 و [1]النقل بتقديم و تأخير.

.

قلت:و في( أمالي الشيخ المفيد-أمالي-ص 102 ح 4 المجلس(12) المفيد):أبو نصر المقري البصير،عن عبد اللّه بن يحيى القطان،عن أحمد بن الحسين بن سعيد القرشي،عن أبيه،عن الحسين بن مخارق،عن عبد الصمد بن علي،عن أبيه،عن ابن عبّاس قال:لمّا توفّي النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم تولّى غسله عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و العبّاس معه،و الفضل بن العبّاس.فلمّا فرغ عليّ عليه السّلام من غسله كشف الإزار عن وجهه،ثمّ قال:بأبي أنت و أمّي طبت حيّا،و طبت ميّتا،و انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممّن سواك من النبوّة و الإنباء-إلى أن قال-ثمّ أكبّ عليه فقبّل وجهه،و مدّ الإزار عليه (2).

و روى في(الروضة)خطبته عليه السّلام المعروفة بالوسيلة،و فيها:و ما من رسول سلف،و لا نبيّ مضى،إلاّ و قد كان مخبرا أمّته بالمرسل الوارد من بعده،و مبشّرا برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و موصيا قومه باتّباعه و محلّه عند قومه ليعرفوه بصفته،و ليتّبعوه على شريعته،و لئلاّ يضلّوا فيه من بعده،فيكون من هلك،و ضلّ بعد وقوع الإعذار و الإنذار عن بيّنة،و تعيين حجّته،فكانت


1) 1)

2) 2) أخرجه المفيد في أماليه:102 ح 4 المجلس(12).

الأمم في رجاء من الرسل،و ورود من الأنبياء،و لئن أصيبت بفقد نبيّ بعد نبيّ علم عظم مصائبهم،و فجائعها بهم،فقد كانت على سعة من الأمل،و لا مصيبة عظمت،و لا رزية جلّت كالمصيبة برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لأنّ اللّه ختم به الإنذار و الإعذار،و قطع به الاحتجاج و العذر بينه و بين خلقه،و جعله بابه الّذي بينه و بين عباده،و مهيمنه الّذي لا يقبل إلاّ به،و لا قربة إليه إلاّ بطاعته،و قال في محكم كتابه: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ وَ مَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً» (1)

النساء:80. [1]

،فقرن طاعته بطاعته،و معصيته بمعصيته،فكان ذلك دليلا على ما فوّض إليه،و شاهدا له على من اتّبعه و عصاه (2).

قول المصنّف «و هو يلي غسل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و تجهيزه» هكذا في (المصريّة و ابن أبي الحديد) (3)و ليست كلمة(و تجهيزه)في(ابن ميثم، و الخطّة) (4).

قوله عليه السّلام : «بأبي أنت و أمّي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك» حيث كان خاتم الأنبياء،و أشرف ولد آدم.

بمن نضرب الأمثال أم من نقيسه إليك و أهل الدهر دونك و الدهر

هذا،و لبعضهم في الصاحب إسماعيل بن عباد:

مضى نجل عباد المرتجى فمات جميع بني آدم

أواري بقبرك أهل زمان فيرجح قبرك بالعالم

و لأخر في أبي تمّام حبيب بن أوس الطائي الشاعر المعروف:

و غدا القريض ضئيل شخص باكيا يشكو رزيّته إلى الأقلام


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 8:25 ح 4 [2] كتاب(الروضة).

3) 3) توجد هذه الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 3:187،و أيضا في شرح ابن ميثم 4:118.

4) 4) المصدر نفسه.

و تأوّهت غرر القوافي بعده و رمى الزمان صحيحها بسقام

أودى مثقّفها و رائد صعبها و غدير روضتها أبو تمّام

أيضا:

فجع القريض بخاتم الشعراء و غدير روضتها حبيب الطائي

ماتا معا فتجاورا في حفرة و كذاك كانا قبل في الأحياء

«من النبوّة و الانباء و أخبار السماء» روى(المناقب):عن الصادق عليه السّلام:إنّ جبرئيل عليه السّلام قال للنبيّ صلى اللّه عليه و آله وقت وفاته:يا محمّد هذا آخر نزولي إلى الدّنيا، إنّما كنت أنت حاجتي منها (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:237،و [1]الطبقات لابن سعد 2 [2] ق 2:48.

.

هذا،و في(زيادات حجّ التهذيب)عن عمر بن يزيد:ذكرت لأبي عبد اللّه عليه السّلام أنّ صاحبتي حاضت،و لم تقرب القبر،و لا المسجد و لا المنبر، و ميقات جمّا لنا قبل أن تطهر.قال:مرها لتغتسل ثمّ لتأت مقام جبرئيل عليه السّلام، فان جبرئيل عليه السّلام كان يجيء فيستأذن على النّبي صلى اللّه عليه و آله فإن كان على حال لا ينبغي له أن يأذن له قام في مكانه حتّى يخرج إليه،و إن أذن له دخل عليه.قال:

قلت له:و أين المكان؟قال:كان بحيال الميزاب الّذي إذا خرجت من الباب الذي يقال له(باب فاطمة عليها السّلام)بحذاء القبر... (2)في دعائها ثمة لطهارتها كما علّمها فصارت طاهرة،و زارت النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم.

«خصصت حتّى صرت مسليا عمّن سواك» في(الكافي):عن عمرو بن سعيد الثقفي قال:قال الباقر عليه السّلام:إن أصبت بمصيبة في نفسك أو في مالك أو في ولدك فاذكر مصابك بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم،فإنّ الخلائق لم يصابوا بمثله قطّ (3).و عنه عليه السّلام:


1) 1)

2) 2) التهذيب للطوسي 5:445 ح 199.

3) 3) الكافي للكليني 3:220 ح 2،و [3]قد جمع أحاديث هذا الباب الشيخ الحر في وسائل الشيعة 2:911 الباب 79 و المحدث النوري في مستدرك الوسائل 1:142 الباب 67. [4]

أمن بعد تكفين النبيّ و دفنه بأثوابه آسى على هالك ثوى

رزينا رسول اللّه فينا فلن نرى لذلك عدلا ما حيينا من الورى

و كان لنا كالحصن من دون أهله لهم معقل حرز حريز من العدى

و كنّا به شمّ الأنوف بنجوة على موضع لا يستطاع و لا يرى

فيا خير من ضمّ الجوانح و الحشى و يا خير ميت ضمّه الترب و الثرى

كأنّ أمور الناس بعدك ضمّنت سفينة موج البحر و البحر قد طما

و ضاق فضاء الأرض عنهم برحبه لفقد رسول اللّه إذ قيل قد قضى

فيا حزنا إنّا فقدنا نبيّنا على حين ثمّ الدين و اشتدّت القوى

فقد نزلت بالمسلمين مصيبة كصدع الصفا لا شعب للصدع في الصفا

فلن يستقل الناس تلك مصيبة و لن يجبر العظم الّذي منهم وهي

(1)و عن سيّدة النساء-صلوات اللّه عليها فيه صلى اللّه عليه و آله:


1) 1) أورد الأبيات باختلاف يسير صاحب ديوان على عليه السّلام فيه:10.

كنت السواد لمقلتي تبكي عليك الناظر

من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر

(1)و حيث إنّه صلى اللّه عليه و آله كان مسليا عن سواه لعظم مصيبته و صغر باقي المصائب في جنب مصيبته،كان السلوّ عنه مشكلا لأهل بيته،و لذا جاءهم التسلية من اللّه تعالى،روى(الكافي)في(باب التعزية):عن الحسين بن المختار،و عن الصادق عليه السّلام قال:لمّا قبض النبيّ صلى اللّه عليه و آله جاءهم جبرئيل عليه السّلام، و النبيّ صلى اللّه عليه و آله مسجّى،و في البيت عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام،فقال:

السّلام عليكم يا أهل بيت الرحمة «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ» (2)،إنّ في اللّه تعالى عزاء من كلّ مصيبة،و خلفا من كلّ هالك،و دركا لما فات،فبا اللّه فثقوا،و إيّاه فارجوا،فإنّ المصاب من حرم الثواب، هذا آخر وطئي من الدّنيا.قالوا:فسمعنا الصوت و لم نر الشخص.

و روي قريبا منه عن هشام بن سالم عنه عليه السّلام أيضا،و عن عبد اللّه بن الوليد عن الباقر عليه السّلام (3):جاءت التسلية من اللّه تعالى لأهل بيته لأمرين:

أحدهما:عظم مصيبته،و ثانيهما:خوف انتقام الأعداء من أفعال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم منهم بعد فقده،و من أبيات ذاك الرجس النجس يزيد بن معاوية في ذلك:

لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل


1) 1) أورد البيتين ابن شهر آشوب في مناقبه 1:242.

2) 2) آل عمران:185. [1]

3) 3) أخرج الأحاديث الثلاثة الكليني في الكافي 3:221،222 ح 5،4،8،و [2]أخرج هذا المعنى ابن سعد في الطبقات 2 ق 2:59،و العياشي بثلاث روايات في تفسيره 1:209،210 ح 166-168،و الصدوق بروايتين في كمال الدين: 391،392 ح 5،7 و أماليه:226 ح 11 المجلس 46 و [3]أبو جعفر الطوسي في أماليه 2:273 المجلس 17 و في بعضها تصريح بكون المنادي جبرئيل عليه السّلام،و في بعضها الخضر عليه السّلام،و في بعضها لم يصرّح باسمه.

روى(الكافي)في(باب مولد النبيّ صلى اللّه عليه و آله)عن الباقر عليه السّلام قال:لمّا قبض النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بات آل محمّد عليهم السّلام بأطول ليلة حتّى ظنّوا أن لا سماء تظلّهم،و لا أرض تقلّهم،لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و تر الأقربين و الأبعدين في اللّه،فبينا هم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه،و يسمعون كلامه،فقال:السّلام عليكم أهل البيت و رحمة اللّه و بركاته،إنّ في اللّه عزاء من كلّ مصيبة،و نجاة من كلّ هلكة،و دركا لما فات «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ» (1)

آل عمران:185. [1]

إنّ اللّه اختاركم،و فضّلكم و طهّركم،و جعلكم أهل بيت نبيّه،و استودعكم علمه، و أورثكم كتابه،و جعلكم تابوت علمه،و عصا عزّه،و ضرب لكم مثلا من نوره،و عصمكم من الزلل،و آمنكم من الفتن،فتعزوا بعزاء اللّه،فإنّ اللّه لم ينزع منكم رحمته،و لن يزيل عنكم نعمته،فأنتم أهل اللّه عزّ و جلّ الّذين بهم تمت النعمة،و اجتمعت الفرقة،و ائتلفت الكلمة،و أنتم أولياؤه،فمن تولاّكم فاز، و من ظلم حقّكم زهق،مودّتكم من اللّه واجبة في كتابه على عباده المؤمنين،ثمّ اللّه على نصركم إذا يشاء قدير،فاصبروا لعواقب الأمور فإنّها إلى اللّه تصير، قد قبلكم اللّه من نبيّه وديعة،و استودعكم ولياءه المؤمنين في الأرض،فمن أدّى أمانته آتاه اللّه صدقه.فأنتم الأمانة المستودعة،و لكم المودّة الواجبة، و الطاعة المفروضة،و قد قبض النبيّ صلى اللّه عليه و آله و قد أكمل لكم الدين،و بيّن لكم سبيل المخرج فلم يترك لجاهل حجّة.فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى اللّه حسابه،و اللّه من وراء حوائجكم و استودعكم اللّه،و السّلام عليكم.فسئل عليه السّلام ممّن أتاهم التعزية؟فقال:من اللّه تبارك و تعالى (2).

1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:445 ح 19. [2]

و يأتي نظيره عند قوله عليه السّلام: «بأبي أنت» (1)

يأتي في تكملة هذا العنوان.

.

و مرّ في رواية(أمالي محمّد بن حبيب)في نقل ابن أبي الحديد أنّه عليه السّلام خاطب النبيّ صلى اللّه عليه و آله بعد تغسيله قائلا:أشكو إليك كمدا و إدبارا مخالفين وداء الفتنة،فإنّها قد استعرت نارها،و داؤها الداء الأعظم (2).

هذا،و عزّى البحتري أبا الحسن عبد الملك بن صالح العبّاسي في ابنه بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله و أقاربه،فقال:

إذا شئت أن تستصغر الخطب فالتفت إلى سلف بالقاع أهمل نائمه

و فيه المصطفى و عليّه و عبّاسه و جعفراه و قاسمه

و مراده بجعفريه:حمزة و جعفر .

«و عممت حتّى صار الناس فيك سواء» في وصول المصيبة إليهم،و لا اختصاص فيها بأقاربه،فبنو هاشم أصيبوا بسيّدهم،و باقيهم بنبيّهم.

عمّت مصيبته فعمّ هلاكه فالناس فيه كلّهم مأجور

و مثله أهل بيته الأئمّة المعصومون عليهم السّلام مصيبتهم ليست مختصة بأقاربهم،بل تعمّ جميع المؤمنين و الشيعة،و عن الصادق عليه السّلام قال:ليس لكم أن تعزّونا،و لنا أن نعزّيكم،إنّما لكم أن تهنّونا-يعني بنيل الإمامة-لأنّكم تشاركوننا في المصيبة (3).

و للحسين عليه السّلام خصوصية من باقي الأئمة عليهم السّلام،و كما انقطعت بوفاة


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3:194،و [1]قد مرّ في بدء هذا العنوان.

3) 3) الفقيه للصدوق ح 1:118 5.

جدّه أخبار السماء من الأرض،انقطع بوفاته الأثر من خمسة أصحاب الكساء.

فكانت وفاته كوفاة جميعهم كما أفصحت عن ذلك أخته ليلة وفاته (1)

انظر خطبة زينب عليها السّلام المشهورة.رواها ابن شهر آشوب في مناقبه 4:115،و ابن طاوس في اللهوف:64.

،و قد سئل الصادق عليه السّلام:لم يكون يوم وفاة الحسين عليه السّلام يوم بكاء دون يوم وفاة جدّه و أبيه و أمّه و أخيه؟قال عليه السّلام:لأنّه كان خلف جميعهم (2).

ثمّ هذه العامية في وفاة النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم أيضا كانت من خصوصياته، ككونه مسلّيا عمّن سواه،و من خصائصه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنّه لم يكن لأحد غير أمير المؤمنين تغسيله،و لو كان غيره نظر إليه عمي،و لذا عصب عليه السّلام عيني افضل بن العباس الّذي كان يعاونه في مناولة الماء (3).

و من خصائصه صلى اللّه عليه و آله و سلم وجوب دفنه في مكانه الّذي قبض فيه،و عدم جواز الصلاة على جنازته جماعة،بل فرادي بدون إمام،فروى(الكافي)عن الصادق عليه السّلام قال:أتى العبّاس أمير المؤمنين عليه السّلام فقال:يا علي إنّ الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا النبيّ صلى اللّه عليه و آله في البقيع المصلّى،و أن يؤمّهم رجل منهم.

فخرج أمير المؤمنين عليه السّلام إلى الناس فقال:يا أيّها الناس إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم إمام حيّا و ميّتا،و قال:إنّي أدفن في البقعة التي أقبض فيها... (4).

و روى محمّد بن سعد كاتب الواقدي في(طبقاته)قال:لمّا وضع النبيّ صلى اللّه عليه و آله على السرير قال عليّ عليه السّلام:ألاّ يقوم عليه أحد لعلّه يؤمّ،هو إمامكم حيّا و ميّتا.فكان يدخل الناس رسلا رسلا فيصلون عليه صفّا صفّا ليس لهم إمام،و يكبّرون و عليّ عليه السّلام قائم بحيال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم يقول:سلام عليك أيّها


1) 1)

2) 2) علل الشرائع للصدوق:225 ح 1،و النقل بتلخيص.

3) 3) الطبقات لابن سعد 2 ق 1:61،و المناقب لابن شهر آشوب 1:239.

4) 4) أخرجه الكليني في الكافي 1:451 ح 37،و [1]الخزاز في كفاية الأثر:125،و [2]المفيد في الإرشاد:100،و [3]رواه ابن شهر آشوب في مناقبه 1:239،و قريبا منه ابن سعد في الطبقات 2 ق 2:70.

النبيّ و رحمة اللّه و بركاته،اللّهم إنّا نشهد أن قد بلّغ ما أنزل إليه،و نصح لامّته، و جاهد في سبيل اللّه حتّى أعزّ اللّه دينه،و تمّت كلمته،اللهمّ فاجعلنا ممّن يتّبع ما أنزل اللّه إليه،و ثبّتنا بعده،و اجمع بيننا و بينه،فيقول الناس:آمين آمين.

حتّى صلّى عليه الرجال ثمّ الناس ثمّ الصبيان (1)

أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 ق 2:70.

.

و من المضحك أنّ العامة رووا أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله اقتدى في حياته بأبي بكر، و برجال آخرين (2)فمع عدم جواز الإمامة على جنازته كيف يجوز الإمامة على شخصه في حياته،و قد صرّح عليه السّلام بأنّه إمام النّاس حيّا و ميّتا؟! و من خصائصه صلى اللّه عليه و آله كيفية صلاة جنازته.فروى(الكافي)عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:سمعت النبيّ صلى اللّه عليه و آله يقول في صحّته و سلامته:إنّما أنزلت هذه الآية: «إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (3)في الصلاة عليّ بعد قبض اللّه لي (4).

و روي عن الباقر عليه السّلام:صلّت عليه الملائكة و المهاجرون و الأنصار، فوجا فوجا (5).

و لا يبعد اختصاصه صلى اللّه عليه و آله في الصلاة عليه بكونه قبلة من أي جانب قاموا،و توجّهوا إليه كالكعبة في المسجد الحرام،فروى(الكافي)عن أبي مريم الأنصاري قال:قلت لأبي جعفر عليه السّلام:كيف كانت الصلاة على النبيّ صلى اللّه عليه و آله؟قال:لمّا غسّله أمير المؤمنين عليه السّلام و كفّنه،سجّاه ثمّ أدخل عليه عشرة فداروا حوله،ثمّ وقف أمير المؤمنين عليه السّلام في وسطهم،فقال: «إِنَّ اللّهَ»


1) 1)

2) 2) سنن الترمذي 2:196،197 ح 362،363،و سنن النسائي 2:79 و غيرهما.

3) 3) الأحزاب:56. [1]

4) 4) الكافي للكليني 1:451 ح 38،و [2]النقل بتصرّف.

5) 5) الكافي للكليني 1:451 ح 38. [3]

«وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً » (1)

الأحزاب:56. [1]

فيقول القوم كما يقول،حتّى صلّى عليه أهل المدينة و أهل العوالي (2).

و ما رواه كاتب الواقدي عن أمير المؤمنين عليه السّلام في ما مرّ من دعائه عليه السّلام و تأمين الناس لدعائه،الظاهر كونه زائدا على أصل الصلاة عليه،و إنّما أصلها تلاوة الآية كما عرفته في خبرين.

و له صلى اللّه عليه و آله و سلم خصائص أخرى ذكرها العامّة و الخاصّة.و قد ذكر القرآن حرمة نكاح أزواجه (3)،و إباحة هبة المؤمنات أنفسهنّ له (4)،و غيرها في نكاحه و طلاقه.

و في(نوادر صيام الفقيه):و نهى النبيّ صلى اللّه عليه و آله عن الوصال في الصيام، و كان صلى اللّه عليه و آله يواصل،فقيل له في ذلك.فقال صلى اللّه عليه و آله:إنّي لست كأحدكم،إنّي أظلّ عند ربي فيطعمني و يسقيني،و روى مثله في صحاح العامّة (5).

و في(السيرة و الطبري و الكتب الصحابية):إنّ أبا شريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد أو عمرو بن الزبير:إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:إن أحد ترخّص للقتال في مكّة بقتال النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقولوا له:إنّ اللّه أذن لرسوله،و لم يأذن لك،و إنّما أذن


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:450 ح 35،و [2]مناقب ابن شهر آشوب 1:239 و [3]قريبا منه أمالي المفيد:31 ح 5 المجلس 4.

3) 3) انظر قوله تعالى: «وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيماً» الأحزاب:53. [4]

4) 4) انظر قوله تعالى: «وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» الأحزاب:50. [5]

5) 5) أخرجه الصدوق في الفقيه 2:111 ح 8،و أخرجه أصحاب الصحاح البخاري،و مسلم،و الترمذي،و أبو داود،عن عبد اللّه بن عمر و أنس بن مالك و عائشة و أبي هريرة و أبي سعيد الخدرى،جمع طرقهم و اختلاف ألفاظهم ابن الأثير في جامع الأصول 7:249،250 ح 4560-4564.

لي ساعة من نهار،و قد عادت كحرمتها بالأمس (1)

السيرة لابن هشام 4:43،و [1]تاريخ الطبري الطبري 4:257 سنة 60،و [2]اسد الغابة لابن الأثير 5:226،و [3]الاصابة لابن حجر 4:102،و المغازي للواقدي 2:845،و [4]غيرهم.

.

و في(الطبري)أيضا:إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم كان يكره في أحد الخروج من المدينة،و قال رجال:اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنّا جبنّا،فدعا بدرعه فلبسها فندموا،و قالوا:نشير عليه،و الوحي يأتيه.فقالوا:اصنع ما رأيت؟فقال:ما ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته فيضعها حتّى يقاتل (2).

و في(الطبري)أيضا:أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله أمر في فتح مكّة بقتل نفر سمّاهم و إن وجدوا تحت أستار الكعبة،منهم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح لأنّه كان أسلم فارتدّ مشركا،ففرّ إلى عثمان-و كان أخاه من الرضاعة-فغيّبه حتّى أتى به النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم فاستأ من عثمان له النبيّ صلى اللّه عليه و آله،فذكر أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله صمت طويلا ثمّ قال:نعم.فلمّا انصرف به عثمان قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم لمن حوله من أصحابه:أما و اللّه لقد صمتّ طويلا ليقوم إليه بعضكم،فيضرب عنقه.فقال رجل من الأنصار:هلاّ أو مأت؟فقال صلى اللّه عليه و آله:إنّ النبيّ لا يقتل بالإشارة (3).

«و لو لا أنّك أمرت بالصبر» في المصائب.

«و نهيت عن الجزع» في الرزايا،و في الخبر كلّ جزع و بكاء مكروه إلاّ على الحسين عليه السّلام (4).

«لأنفدنا» أي:أفنينا.

«عليك ماء الشئون» قال الجوهري:الشئون و هي مواصل قبائل الرأس و ملتقاها،منها تجيء الدموع،واحدها الشأن (5).


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 2:189 سنة 3 و غيره،و [5]النقل بتلخيص.

3) 3) تاريخ الطبري 2:335 سنة 8 و غيره،و [6]النقل بتلخيص.

4) 4) الأمالي للطوسي 1:163 المجلس 6.

5) 5) صحاح اللغة للجوهري 5:2141 [7] مادة(شأن).

عن سيّدة النساء عليها السّلام فيه صلى اللّه عليه و آله:

فسوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت لنا العيون بتهمال له سكب

و لدعبل كما في المقاتل في الرضا عليه السّلام:

و لو لا التأسي بالنبيّ و أهله لأسبل من عيني عليه شئون

و مما قيل في المعني:

سأبكيك ما تنفد العين ماؤها و يشفى مني الدمع ما أتوجع

أيضا:

فكيف أبقى على ماء الشئون و ما أبقى العزام على صبري و لا جلدي

«و لكان الداء مماطلا» أي:مديدا،قال في(الأساس)مطل حديدة البيضة:

مدّها،قال العجّاج:

بمرهفات مطلت سبائكا تقضّ أمّ الهام و الترائكا

(1)«و الكمد» أي:الحزن المكتوم.

«محالفا» أي:حليفا،و أليفا،و في السير:إنّ إلياس بن مضر-أحد أجداد النبيّ صلى اللّه عليه و آله-توفّي يوم خميس،فكانت امرأته خندف تبكي عليه كلّ يوم خميس غدوة إلى الليل،و لم تقم حيث مات أبدا،و لم تظلها سقف حتّى هلكت (2).

و في اليعقوبي:لمّا مات(خندف)خرجت سائحة في الأرض،حتّى هلكت حزنا (3)،و قيل في بكائها من الطلوع إلى الغروب في يوم الخميس:

إذا مونس لاحت خراطيم شمسه بكت غدوة حتّى ترى الشمس تغرب

(4)و مونس اسم الخميس.


1) 1) أساس البلاغة للزمخشري:432 [1] مادة(مطل).

2) 2) تاريخ اليعقوبي 1:228. [2]

3) 3) تاريخ اليعقوبي 1:228. [3]

4) 4) تاريخ اليعقوبي 1:228. [4]

و قال متمّم بن نويرة في أخيه مالك-الذي قتله خالد بن الوليد غدرا من قبل أبي بكر طمعا في امرأته-مراث كثيرة (1)

نقل قتل مالك بن نويرة و كيفيته الطبري في تاريخه 2:502،503 سنة 11 و اليعقوبي في تاريخه 1:130،و [1]أبو القاسم الكوفي في الاستغاثة:9.

،و كان متمّم من الباكين كثيرا على أخيه سأله عمر عن بكائه،فقال:بكيت أخي حولا-و كان إحدى عينيه ذاهبة-حتّى أسعدت عيني الذاهبة عيني الصحيحة (2)،و قال لعمر:ما رأيت نارا قط إلاّ كدت أنقطع أسفا على أخي،لأنّه كان يوقد ناره إلى الصبح مخافة أن يأتيه ضعيف،و لا يعرف مكانه.و قال لعمر:كان وجه أخي كأنّه فلقة قمر (3).

و قالت الخنساء في أخيها صخر-و هي كمتمم و مهلهل أخي كليب من الراثين المعروفين في إخوتهم:

فلو لا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي

و ما يبكون مثل أخي و لكن أعزّ النفس عنه بالتأسّي

يذكّرني طلوع الشمس صخرا و أذكره لكلّ غروب شمس

كان تذكرها له عند الطلوع لغارته،و عند الغروب لضيافته.

«و قلاّ» أي:مطال الداء،و محالفة الكمد.

«لك» قال ابن دريد في(جمهرته):أخبرني الغنوي باسناده قال:مرّ أعرابيّ بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله و هو يدفن،فقال:

ألاّ جعلتم رسول اللّه في سفط من الألوّة أصدى ملبسا ذهبا

(4)و قال:الألوة:العود الّذي يتبخّر منه (5).


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 3 [2] ق 1:275،و الكامل لابن الأثير 2:359 سنة 11. [3]

3) 3) الكامل لابن الأثير 2:359 سنة 11. [4]

4) 4) جمهرة اللغة لابن دريد 1:188. [5]

5) 5) المصدر نفسه. [6]

هذا،و قال لبيد في خيه لأمّه أربد:

فودّع بالسلام أبا حريز و قل وداع أربد بالسلام

و قال البحتري في رثاء أبي سعيد:

نستقصر الأكباد و هي قريحة و نذمّ فيض الدمع و هو سجام

«و لكنّه» أي:الموت.

«ما لا يملك ردّه،و لا يستطاع دفعه» و عنه عليه السّلام:

الموت لا والدا يبقي و لا ولدا هذا السبيل إلى أن لا ترى أحدا

كانّ النبيّ و لم يخلد لامتّه لو خلّد اللّه خلقا قبله خلدا

للموت فينا سهام غير خاطئة من فاته اليوم سهم لم يفته غدا

(1)«بأبي أنت و أمّي اذكرنا عند ربّك،و اجعلنا من بالك» أي:ممّن تبالي به و يكون عندك مهمّا،أو ممّن يكون في خاطرك لا منسيّا،و في(تاريخ اليعقوبي):سمعوا صوتا من البيت،يسمعون الصوت و لا يرون الشخص، فقال:السّلام و رحمة اللّه و بركاته عليكم أهل البيت إنّه حميد مجيد «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2)، «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ» (3)، «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» (4)إنّ في اللّه خلفا من كلّ هالك، و عزاء من كلّ مصيبة،عظّم اللّه أجوركم،و السّلام و رحمة اللّه.فقيل لجعفر بن


1) 1) نقل الأبيات صاحب ديوان علي عليه السّلام فيه:48.

2) 2) الأحزاب:33. [1]

3) 3) آل عمران:185. [2]

4) 4) آل عمران:186. [3]

محمّد عليه السّلام:من كنتم ترونه؟فقال:جبرئيل عليه السّلام (1)

تاريخ اليعقوبي 2:114. [1]

.

و مرّ في قوله عليه السّلام«خصصت حتّى صرت مسليا عن سواك»نظيره عن (الكافي) (2)،و يأتي في فصل الإمامة الخاصّة قوله عليه السّلام:لقد قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و إنّ رأسه لعلى صدري،و لقد سالت نفسه في كفّي فأمررتها على وجهي،و لقد وليت غسله،و الملائكة أعواني فضجّت الدار و الأفنية ملأ يهبط، و ملأ يعرج،و ما فارقت سمعي هينمة منهم،يصلّون عليه حتّى واريناه في ضريحه» (3).

و أمّا شرح وفاته صلى اللّه عليه و آله ففي(المناقب):قال ابن عباس و السدي،لمّا نزل قوله تعالى: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» (4)قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله:ليتني أعلم متى يكون ذلك؟فنزلت سورة النصر،فكان(النبيّ صلى اللّه عليه و آله)يسكت بين التكبير و القراءة بعد نزولها فيقول:«سبحان اللّه،و بحمده استغفر اللّه و أتوب إليه» فقيل له في ذلك؟فقال:أما إنّ نفسي نعت إليّ-إلى أن قال-ثمّ نزلت: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ» (5)ثمّ نزلت عليه بعرفة:

«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (6)ثمّ نزلت عليه بعد أحد و ثمانين يوما آيات الربا (7)ثمّ نزلت بعدها:

«وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ» (8)و هي آخر آية نزلت من السماء،


1) 1)

2) 2) مرّ في أوائل هذا العنوان.

3) 3) يأتي في العنوان 4 من الفصل الثامن.

4) 4) الزمر:30. [2]

5) 5) التوبة:128. [3]

6) 6) المائدة:3. [4]

7) 7) انظر الآيات 275-281 من سورة البقرة. [5]

8) 8) البقرة:281. [6]

فعاش بعدها أحد و عشرين يوما.

قال ابن جريح:تسع ليال.و قال ابن جبير و مقاتل:سبع ليال.و لمّا مرض مرضه الّذي توفي فيه،و ذلك يوم السبت أو الأحد من صفر أخذ بيد علي عليه السّلام و تبعه جماعة من أصحابه،و توجّه إلى البقيع،ثمّ قال:السّلام عليكم أهل القبور و ليهنكم ما أصبحتم فيه ممّا فيه الناس،أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها،إنّ جبرئيل كان يعرض عليّ القرآن كلّ سنة مرّة،و قد عرضه العام عليّ مرّتين،و لا أراه إلاّ لحضور أجلي (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:234،و [1]النقل بتصرف يسير.

.

و رواية تهنية النبيّ لموتى البقيع بعدم بقائم بعده حتّى يبتلوا بفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها-بمعنى كون الفتن الأخرى نتيجة الفتن الأولى حين وفاته-رواية قطعية رواها المؤالف و المخالف،و هي دالّة على أنّ الباقين بعده لم يكونوا مذعنين لما يأمرهم بعده في أمر خلافته،و كيف لا، و قد صدّوه عن وصيّته،و قد أكّد في خروجهم في جيش أسامة مرّة بعد مرّة، و كلّما أفاق من الغشوة حتّى لعن المتخلّف عن ذلك،و قد تخلّفوا،و دالّة على أنّ ما فعلوه يوم السقيفة كان خطأ عظيما،و خبطا جسيما لا تعدّ مفاسده،و لا تنقضي و خاماته.

و مرّت رواية محمّد بن حبيب في(أماليه)في نجوى أمير المؤمنين عليه السّلام للنبيّ صلى اللّه عليه و آله وقت تغسيله،و قوله له:أشكو إليك كمدا و إدبارا مخالفين،و داء الفتنة فإنّها قد استعرت نارها،و داؤها الداء الأعظم (2).

هذا،و من المراثي الجيّدة رثاء أبي محمّد التميمي ليزيد بن مزيد الشيباني ابن أخي معن بن زائدة،و كان هارون الرشيد يستجيدها،و إذا


1) 1)

2) 2) مرّ في بدء هذا العنوان.

سمعها بكى،و هي:

أحقا أنّه أودى يزيد تبيّن أيّها الناعي المشيد

أ تدري من نعيت و كيف فاهت به شفتاك كان بها الصعيد

أحامي المجد و الإسلام أودى فما للأرض ويحك لا تميد

تأمّل هل ترى الإسلام مالت دعائمه و هل شاب الوليد

و هل مالت سيوف بني نزار و هل وضعت عن الخيل اللبود

و هل تسقى البلاد عشار مزن بدرّتها و هل يخضّر عود

أما هدّت لمصرعه نزار بلى و تقوّض المجد المشيد

و حلّ ضريحه إذ حلّ فيه طريف المجد ذي حسب جمود

أبعد يزيد تختزن البواكي دموعا أو تصان لها خدود

لتبكك قبّة الإسلام لمّا وهت أطنابها و وهى العمود

و يبك شاعر لم يبق دهر له نسبا و قد كسد القصيد

فمن يدعو الإمام لكلّ خطب ينوب و كلّ معضلة تؤود

و من يحمي الخميس إذا تعايا بحيلة نفسه البطل النجيد

فإن يهلك يزيد فكلّ حيّ فريس للمنية أو طريد

ألم يعجب له أنّ المنايا فتكن به وهن له جنود

قصدن له و كنّ يحدن عنه إذا ما الحرب شبّ له وقود

لقد عزّى ربيعة أنّ يوما عليها مثل يومك لا يعود

إلاّ أنّها إغراقات و جزافات شعرية،فالرجل إن كان شجاعا كان قاتلا للناس بغير الحقّ،و إن كان جوادا كان باذلا للمال في غير الحقّ،و إنّما الكلام الحقّ ما قاله عليه السّلام فيه صلى اللّه عليه و آله.

45

الحكمة(292)

و قال عليه السّلام على قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ساعة دفن:

إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلاَّ عَنْكَ- وَ إِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلاَّ عَلَيْكَ- وَ إِنَّ الْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ وَ إِنَّهُ قَبْلَكَ وَ بَعْدَكَ لَجَلَلٌ أقول:في( تذكرة سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 167 سبط ابن الجوزي)قال الشعبي:بلغني أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام وقف على قبر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و قال:إنّ الجزع ليقبح إلاّ عليك،و إنّ الصبر ليجمل إلاّ عنك،ثمّ قال:

ما فاض دمعي عند نازلة إلاّ جعلتك للبكا سببا

و إذا ذكرتك سامحتك به مني الجفون ففاض و انسكبا

إنّي أجلّ ثرى حللت به أن لا أرى بثراه مكتئبا

(1)«إنّ الصبر لجميل إلاّ عنك» عنه عليه السّلام كما في(المناقب)في رثائه:

نفسي على زفراتها محبوسة يا ليتها خرجت مع الزفرات

لا خير بعدك في الحياة و إنّما أخشى مخافة أن تطول حياتي

(2)و عن عمّته عاتكة فيه: أعينيّ من ذا بعد ما فجعتما به تبكّيان الدهر من ولد آدم

«و إن الجزع لقبيح إلاّ عليك» قال السروي:روي أنّ الصديقة عليها السّلام ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس،ناحلة الجسم،منهدّة الركن،باكية العين،محترقة القلب،يغشى عليها ساعة بعد ساعة،و تقول لولديها:أين أبوكما الّذي كان يكرمكما،و يحملكما مرّة بعد مرّة؟أين أبو كما الّذي كان أشدّ الناس شفقة


1) 1) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:167.

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:240،و [1]صاحب ديوان علي عليه السّلام فيه:40.

عليكما،فلا يدعكما تمشيان على الأرض؟و لا أراه يفتح هذا الباب أبدا و لا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما.ثمّ مرضت... (1)

المناقب لابن شهر آشوب 3:362. [1]

.

و في الخبر:أنّها بكت حتّى تأذّي بها أهل المدينة،فقالوا لها:قد آذيتنا بكثرة بكائك.فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء،فتبكي حتّى تقضي حاجتها،ثمّ تنصرف (2).

و مثله الحسين عليه السلام،الصبر جميل إلاّ عنه،و الجزع قبيح،إلاّ عليه،بل في الخبر:و على مثل الحسين عليه السّلام فلتلطم الخدود،و لتشقّ الجيوب،فإنّ الفاطميات لطمن عليه،و شققن عليه (3).

و روي أنّ السجاد عليه السّلام بكى عليه حتّى خيف على عينيه،و كان إذا أخذ إناء ماء ليشرب بكى حتّى يملأها دما،و قال:و كيف لا أبكي،و قد منع أبي من الماء الّذي كان مطلقا للسباع و الوحوش (4).

و روي أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال-حين نظر إلى الحسين عليه السّلام:يا عبرة كلّ مؤمن (5).

و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:لمّا قتل الحسين عليه السّلام أقامت امرأته الكلبية عليه مأتما،و بكت و بكت النساء حتّى جفّت دموعهن و ذهبت،فبينا هي كذلك إذ رأت جارية من جواريها تبكي و دموعها تسيل،فسألتها عن ذلك، فقالت:شربت شربة سويق.قال فأمرت بالطعام و الأسوقة،و قالت:إنّما نريد


1) 1)

2) 2) الخصال للصدوق:272 ح 15 باب الخمسة.

3) 3) التهذيب للطوسي 8:325 ح 23،و النقل بتصرف.

4) 4) المناقب لابن شهر آشوب 4:166. [2]

5) 5) كامل الزيارات لابن قولويه:108 ح 1. [3]

بذلك أن نتقوّى على البكاء (1)

الكافي للكليني 1:466 ح 9،و [1]النقل بتلخيص.

.

«و إنّ المصاب بك لجليل» عنه صلى اللّه عليه و آله:من أصيب بمصيبة،فليذكر مصيبته بي فإنّها من أعظم المصائب.

هذا،و في(عيون ابن قتيبة)قال ابن الكلبي:لمّا قبض النبيّ صلى اللّه عليه و آله سمع بموته نساء من كندة و حضر موت،فخضبن أيديهن و ضربن بالدفوف،فقال رجل منهم لأبي بكر في أيّامه:

أبلغ أبا بكر إذا ما جئته إنّ البغايا رمن أي مرام

أظهرن من موت النبي شماتة و خضبن أيديهنّ بالعلام

فاقطع هديت أكفهن بصارم كالبرق أومض من متون غمام

فكتب أبو بكر إلى عامله ثمّة فأخذهن،و قطّع أيديهن (2).

هذا،و مما يدخل في الباب قول بعض الأدباء نثرا:لقد رزئنا من فلان عالما في شخص،و أمّة في نفس،مضى و المحاسن تبكيه،و المناقب تعزّى فيه،و العيون لما قرّت به أسخنها ريب المنون،و الصدور لمّا شرحت به قبضها فقد المقدور.فاح فتيت المسك من مآثره،كما يفوح العبير من محابره.

هذه المكارم تبدي شجوها لفقده،و تلبس حدادها من بعده،و هذه المحاسن قامت نوادبها مع نوادبه،و اقترنت مصائبها بمصائبه.

«و إنّه قبلك و بعدك لجلل» أي:هيّن،قال امرؤ القيس-لمّا قتل أبوه:

ألا كلّ شيء سواه جلل (3).

قالوا:نعي في أحد إلى امرأة من الأنصار أخوها و أبوها و زوجها،


1) 1)

2) 2) عيون الأخبار لابن قتيبة 3:116. [2]

3) 3) لسان العرب لابن منظور 11:117 [3] مادة(جلل)و صدره:بقتل بني أسد ربّهم.

فسألت عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله فقالوا:كما تحبّين.قالت:أرونيه.فلمّا نظرت إليه قالت:

كلّ مصيبة بعدك جلل (1)

السيرة لابن هشام 3:43 و [1]المغازي للواقدي 1:315 و [2]تاريخ الطبري 2:210 سنة 3 و [3]المرأة:أمّ عامر الأشهلية.

.

و يأتي جلل بمعني:الجليل أيضا،قال ابن و علة الجرمي:

فلئن عفوت لأعفون جللا و لئن سطوت لأوهنن عظمي

و في معنى كلامه عليه السّلام «و إنّه قبلك و بعدك لجلل» قول حسّان أيضا في رثاء النبيّ صلى اللّه عليه و آله:

و ما فقد الماضون مثل محمّد و لا مثله حتّى القيامة يفقد

هذا،و قالت الخنساء في أخيها صخر:

فلست أرزى بعده برزية فأذكره إلاّ سلّت و تجلّت

و قال متمّم في أخيه مالك الّذي قيل فيه:فتى و لا كمالك.

لعمري و ما دهري بتأبين هالك و لا جزع مما أصاب فأوجعا

قال في شواهد(الكتاب)لسيبويه،أي:لا أرثي،و لا أبكي بعده هالكا،و لا أجزع بعده من شيء (2).

و قال اعرابي:إنّها و اللّه مصيبة جعلت سواد الرءوس بيضا،و بياض الوجوه سودا،و هوّنت المصائب،و شيّبت الذوائب.

و لبعضهم:

ألا ليمت من شاء بعدك إنّما عليك من الأقدار كنت أحاذر

أيضا:

و كنت عليه أحذر الموت وحده فلم يبق لي شيء عليه أحاذر


1) 1)

2) 2) المعروف أنّ كتاب شرح شواهد الكتاب تأليف أبي جعفر النحاس،و لم أجد البيت فيه.

46

الحكمة(473)

و قيل له عليه السّلام:لو غيّرت شيبتك يا أمير المؤمنين؟فقال عليه السّلام:

الْخِضَابُ زِينَةٌ وَ نَحْنُ قَوْمٌ فِي مُصِيبَةٍ يريد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.

قول المصنّف : «و قيل له عليه السّلام:لو غيّرت شيبتك يا أمير المؤمنين» و كأنّه عليه السّلام لم يغيّر شيبته إلى آخر عمره ابتداء لما ذكر هنا،و أخيرا لما روى عبد اللّه بن سنان أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله خضب و الحسين عليه السّلام قد خضب،و أبو جعفر عليه السّلام،و لم يمنع عليّا عليه السّلام إلاّ قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله:تخضب هذه من هذه (1)

الكافي للكليني 6:481 ح 8 و [1]له شاهد أخرجه الصدوق في علل الشرائع:173 ح 1 و قوله«تخضب هذه من هذه» إخبار النبيّ صلى اللّه عليه و آله عليّا عليه السّلام بشهادته،و هو حديث مشهور مرّ تخريجه في العنوان 8 من الفصل الخامس.

.

و ممّا قيل في الاعتذار عن ترك الخضاب قول شاعر:

و قائلة أتخضب فالغواني تطير من ملاحظة القتير

فقلت لها المشيب نذير عمري و لست مسودّا وجه النذير

و قيل لحكيم:شبت و أنت شاب،فلم لا تعالجه بالخضاب؟فقال:إنّ الثكلي لا تحتاج إلى الماشطة(أراد ثكله بعمره).

«فقال عليه السّلام:الخضاب زينة و نحن قوم في مصيبة» و في الخبر:أنّ الحسين عليه السّلام لمّا وضع الحسن عليه السّلام في اللحد قال:

أ أدهن رأسي أم أطيب محاسني و رأسك معفور و أنت سليب

(2)و لا بدّ أنّ السجاد عليه السّلام ترك الخضاب دائما،لأنّه كان في مصيبة أبيه إلى آخر عمره.


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 4:45،و [2]في النسخ «أ أدهن رأسي أم أطيب محاسني» .

«يريد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله» هكذا في(المصرية)و لكن في(ابن أبي الحديد) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 4:522 لكن لفظ شرح ابن ميثم 5:466 مثل المصريّة.

بدل الجملة«برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله»و في(ابن ميثم) (2)«يعني برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله»و في(الخطّية)«يريد برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله»و على نقل ابن أبي الحديد يكون«برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله»جزء كلامه عليه السّلام،و على نقل الآخرين من كلام الرواة الرضي-رضوان اللّه عليه-أو غيره،و كأنّ نقل ابن ابي الحديد أصحّ،و يكون تنكير(مصيبة)للتعظيم،و على نقل(ابن ميثم و الخطّية)الصفة مقدّرة،و كيف كان فما في المصرية ليس بصحيح لأنّه كخلاف الإجماع المركّب.

47

الحكمة(88)

و حكى عنه أبو جعفر محمّد بن علي الباقر عليهما السّلام أنّه قال:

كَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ- وَ قَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا فَدُونَكُمُ الْآخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ- أَمَّا الْأَمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ؟رَسُولُ اللَّهِ ص؟- وَ أَمَّا الْأَمَانُ الْبَاقِي فَالاِسْتِغْفَارُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- «وَ ما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (3)و هذا من محاسن الاستخراج و لطائف الاستنباط.

قول المصنف : «و حكى عنه أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السّلام» و قريب ممّا حكى عنه عليه السّلام الباقر عليه السّلام ما حكى الصادق عليه السّلام لكن عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:إنّ لكم في حياتي خيرا،و في مماتي خيرا،أمّا في حياتي فقد قال تعالى: «وَ ما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ» (4)و أمّا في مماتي فتعرض عليّ أعمالكم فأستغفر لكم (5).


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 4:522 لكن لفظ شرح ابن ميثم 5:466 مثل المصريّة.

3) 3) الأنفال:33. [1]

4) 4) الأنفال:33. [2]

5) 5) الكافي للكليني 8:254 ح 361 [3] عن الصادق عليه السّلام عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و تفسير العياشي 2:54 ح 45 و [4]تفسير القمي :277 [5] عن الباقر عليه السّلام عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله.

«أنّه قال كان في الأرض أمانان...فهو رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله» عن أبي سعيد الخدري أنّ عمارا قال للنبيّ صلى اللّه عليه و آله:وددت أنّك عمّرت فينا عمر نوح عليه السّلام.

فقال صلى اللّه عليه و آله:يا عمّار حياتي خير لكم،و وفاتي ليس بشرّ لكم،أمّا في حياتي فتحدّثون و أستغفر اللّه لكم،و أمّا بعد وفاتي فاتّقوا اللّه و أحسنوا الصلاة عليّ و على أهل بيتي فإنّكم تعرضون عليّ بأسمائكم و أسماء آبائكم و قبائلكم،و إن يكن خيرا حمدت اللّه تعالى،و إن يكن سوءا أستغفر اللّه لذنوبكم.فقال المنافقون و الشكّاك و الّذين في قلوبهم مرض:يزعم أنّ الأعمال تعرض عليه بعد وفاته بأسماء الرجال،و أسماء آبائهم و أنسابهم إلى قبائلهم،إنّ هذا لهو الافك.فأنزل اللّه تعالى: «وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ» (1)

التوبة:105. [1]

فقيل له:و من المؤمنون؟فقال:عامة و خاصّة،أمّا الّذين قال اللّه تعالى و المؤمنون فهم آل محمّد صلى اللّه عليه و آله و الأئمة منهم عليهم السّلام (2).

و روى ابن ديزيل عن الحسن بن الربيع البجلي،عن أبي إسحاق الفزاري،عن حميد الطويل،عن أنس بن مالك في قوله تعالى: «فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ» (3)قال:

أكرم اللّه تعالى نبيّه صلى اللّه عليه و آله أن يريه في أمّته ما يكره،رفعه إليه و بقيت النقمة (4).

«و أمّا الأمان الباقي فالاستغفار» قال تعالى: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً» (5)،


1) 1)

2) 2) محاسبة النفس لابن طاوس:18.

3) 3) الزخرف:41-42. [2]

4) 4) أخرجه ابن ديزيل عنه شرح ابن أبي الحديد 1:255 و [3]ابن مردويه و البيهقي في الشعب عنهما الدر المنثور 6:18 [4]عن حميد عن أنس.

5) 5) النساء:64. [5]

«وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَحِيماً » (1)

النساء:110. [1]

.

«قال اللّه تعالى» في الأنفال في الآية(33).

«وَ ما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» و قبل الآية: «وَ إِذْ قالُوا اللّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (2)و بعد الآية: «وَ ما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (3).

و في تفسير الآية روايات،إحداها:ما أشار إليه المصنّف،و الثانية:ما في(تفسير القميّ)أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال لقريش:إنّ اللّه بعثني أن أقتل جميع ملوك الدّنيا،و أجرّ الملك اليم،فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه تملكوا بها العرب و تدين لكم بها العجم،و تكونوا ملوكا في الجنّة.فقال أبو جهل:اللّهمّ إن كان هذا الّذي يقوله محمّد «هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (4)حسدا للنبيّ صلى اللّه عليه و آله ثمّ قال:كنّا و بنو هاشم كفرسي رهان نحمل إذا حملوا،و نطعن إذا طعنوا،و نوقد إذا أوقدوا.فلمّا استوى بنا و بهم الركب قال قائل منهم:منّا نبيّ،لا نرضى بذلك أن يكون في بني هاشم،و لا يكون في بني مخزوم.ثمّ قال:غفرانك اللّهم.فأنزل اللّه تعالى في ذلك: «وَ ما كانَ اللّهُ» ...

«وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (5)حين قال:«غفرانك اللّهمّ»فلّما همّوا بقتل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و أخرجوه من مكّة قال اللّه تعالى: «وَ ما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ»


1) 1)

2) 2) الأنفال:32. [2]

3) 3) الأنفال:34. [3]

4) 4) الأنفال:32. [4]

5) 5) الأنفال:33. [5]

«الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ ما كانُوا أَوْلِياءَهُ» (1)

الأنفال:34. [1]

يعني قريشا ما كانوا أولياء مكّة «إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ» (2)أنت و أصحابك يا محمّد.فعذّبهم اللّه بالسيف يوم بدر فقتلوا (3).

و الثالثة:ما رواه(الكافي)في خبر مضمونه:أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله لمّا بيّن مناقب أمير المؤمنين عليه السّلام غضب الحارث الفهري،و قال: «اللّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» فأنزل تعالى مقالته،و أنزل آية: «وَ ما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (فقال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:و إمّا تبت و إمّا رحلت؟فقال:بل أرحل.فلمّا صار بظهر المدينة أتته جندلة،فرضت هامته،ثمّ أنزل: «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ» (4).

و روى قريبا منه الثعلبي في(تفسيره)كما نقله عنه سبط ابن الجوزي في(تذكرته)إلاّ أنّه روى أن النبيّ صلى اللّه عليه و آله لمّا قال يوم الغدير للناس:من كنت مولاه فعليّ مولاه،قال الحارث:اللّهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّا...إلى آخره مثله (5).

هذا،و روى(الكافي)في خطب التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السّلام في وصف النبيّ صلى اللّه عليه و آله:اصطفاه بالتّفضيل،و هدى به من التّضليل،اختصّه لنفسه، و بعثه إلى خلقه برسالاته و بكلامه،يدعوهم إلى عبادته و توحيده،و الإقرار


1) 1)

2) 2) الأنفال:34. [2]

3) 3) تفسير القمي 1:276. [3]

4) 4) الكافي للكليني 8:58 ح 18،و [4]الآيتان(1-2)من سورة المعارج. [5]

5) 5) أخرجه الثعلبي في تفسيره عنه تذكرة الخواص:30 و [6]فرات الكوفي بثلاث طرق في تفسيره:189،190 و الحسكاني بثلاث طرق في شواهد التنزيل 2:286،288 ح 1030،1033،1034 و رواه الطبرسي في مجمع البيان 10:352.

بربوبيّته،و التّصديق بنبيّه،بعثه على حين فترة من الرسل،و صدف عن الحقّ،و جهالة بالربّ،و كفر بالبعث و الوعيد،فبلّغ رسالاته،و جاهد في سبيله، و نصح لامّته،و عبده حتّى أتاه اليقين (1)

لم أعثر عليها في كتاب التوحيد من الكافي،و [1]قريب منه ضمن خطبة في الكافي 8:174 كتاب الروضة.

.

و روى الخطيب في عبد الوهاب-كاتب عيسى بن المقتدر-مسندا عن أمير المؤمنين عليه السّلام في وصف النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:لم يكن بالطّويل الممعط و لا القصير المتردد،و كان ربعة و لم يكن بالجعد القطط،و لا السبط،كان جعدا رجلا و لم يكن بالمطهمّ،و لا المكلثم كأنّ في الوجه تدويرا،أبيض مشربا، أدعج العينين،أهدب الأشفار،جليل المشاش و الكتد،ذا مسربة،شثن الكفّين و القدمين،إذا مشى تقلّع كأنّما يمشي في صبب،و إذا التفت التفت جميعا،بين كتفيه خاتم النبوّة،و هو خاتم النّبيين،أجرأ الناس صدرا،و أصدق الناس لهجة،و أوفاهم بذمة،و ألينهم عريكة،من رآه بديهة هابه،و من خالطه معرفة أحبّه،يقول ناعته:لم أر قبله و لا بعده مثله صلى اللّه عليه و آله (2).


1) 1)

2) 2) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 11:30 و [2]مرّ تخريجه من طرق أخرى في العنوان 5 من هذا الفصل.

الفصل السابع: في الامامة العامّة

اشارة

1

من الحكمة(147)

في جزء كلامه عليه السّلام لكميل:

اَللَّهُمَّ بَلَى لاَ تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ- إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَ إِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً- لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَ بَيِّنَاتُهُ.

وَ كَمْ ذَا وَ أَيْنَ أُولَئِكَ وَ اللَّهِ الْأَقَلُّونَ عَدَداً- وَ الْأَعْظَمُونَ قَدْراً- يَحْفَظُ اللَّهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَ بَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ- وَ يَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ- هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ- وَ بَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ وَ اسْتَلاَنُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ- وَ أَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ- وَ صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ الدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ- آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ.

انْصَرِفْ يَا؟كُمَيْلُ؟ إِذَا شِئْتَ.

أقول:كلامه عليه السّلام هذا لكميل متواتر،رواه من العامّة ابن عبد ربّه في

( عقده ابن عبد ربّه-العقد الفريد-ج 2 ص 69 )عن أيّوب بن سليمان،عن عامر بن معاوية،عن أحمد بن عمران الأخفش،عن الوليد بن صالح الهاشمي،عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن الكوفي، عن أبي مخنف،عن كميل عنه عليه السّلام (1)

العقد الفريد لابن عبد ربه 2:69. [1]

،و أبو هلال العسكري في( ديوان معانيه أبو هلال العسكري-ديوان المعاني-ج 1 ص 146 )،عن أبي أحمد العسكري،عن الهيثم بن أحمد،عن علي بن حكيم الآذري،عن الرّبيع بن عبد اللّه المدني،عن عبد اللّه بن الحسن،عن محمّد بن علي،عن آبائه،عن كميل،عنه عليه السّلام (2)،و سبط ابن الجوزي في( تذكرته سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 141 )مسندا عن أبي حمزة،عن عبد الرحمن بن محمّد،عن كميل،عنه عليه السّلام (3).

و من الخاصّة الكليني،و الصدوق،و ابن أبي شعبة الحلبي،و الشيخان، و النعماني،روى الأوّل من( الكافي الكليني-الكافي-ج 1 ص 178 ح 7 و ص 335 ح 3 و ص 339 ح 13 )بإسنادين عن الحسن بن محبوب،عن أبي أسامة و هشام بن سالم،عن أبي حمزة،عن أبي إسحاق عمّن يثق به من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام:أنّه عليه السّلام قال:اللهمّ إنّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك (4).

و روى مسندا عن أبي حمزة،عن أبي إسحاق،عن الثقة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام سمعوه يقول في خطبة له:اللهمّ و إنّي لأعلم أنّ العلم لا يأرز كلّه،و لا ينقطع موادّه،و أنّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك ظاهر ليس بالمطاع،أو خائف مغفور كيلا تبطل حججك،و لا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتهم،بل أين هم و كم أولئك الأقلّون عددا،و الأعظمون عند اللّه جلّ ذكره قدرا،المتّبعون لقادة الدّين الأئمّة الهادين،الذين يتأدّبون بآدابهم،و ينهجون نهجهم؟فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الايمان،فتستجيب أرواحهم


1) 1)

2) 2) ديوان المعاني للعسكري 1:146. [2]

3) 3) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:141.

4) 4) الكافي للكليني 1:178 ح 7. [3]

لقادة العلم،و يستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم،يأنسون بما استوحش منه المكذّبون،و أباه المسرفون.أولئك أتباع العلماء،صحبوا أهل الدّنيا بطاعة اللّه تبارك و تعالى،أولياؤه،و دانوا بالتّقية عن دينهم و الخوف من عدوّهم،فأرواحهم معلّقة بالمحل الأعلى،فعلماؤهم و أتباعهم خرس صمت في دولة الباطل،منتظرون لدولة الحقّ،و سيحقّ اللّه الحقّ بكلماته و يمحق الباطل.هاها طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم،و يا شوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم،و سيجمعنا اللّه و إيّاهم في جنّات عدن، «وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيّاتِهِمْ» (1)

الكافي للكليني 1:335 ح 3،و [1]الآية 23 من سورة الرعد. [2]

.

و روى أيضا بالأسناد أنّه عليه السّلام خطب على منبر الكوفة،و حفظ عنه فقال:

اللهمّ إنّه لا بدّلك من حجج في أرضك،حجّة بعد حجّة على خلقك،يهدونهم إلى دينك و يعلّمونهم علمك،كيلا يتفرّق أتباع أوليائك،ظاهر غير مطاع أو مكتتم يترقّب،إن غاب عن النّاس شخصهم في حال هدنتهم فلم يغب عنهم قديم مبثوث علمهم،و آدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة،فهم بها عاملون.

و يقول عليه السّلام في هذه الخطبة في موضع آخر:في من هذا و لهذا يأرز العلم،إذا لم يوجد له حملة يحفظونه،و يروونه كما سمعوه من العلماء و يصدّقون عليهم فيه،اللهمّ فإنّي لأعلم أنّ العلم لا يأرز كلّه،و لا ينقطع موادّه،و أنّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك،ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور،كيلا تبطل حججك و لا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتهم،بل أين هم،و كم هم أولئك الأقلّون عددا الأعظمون عند اللّه قدرا (2)؟ و رواه الثاني في( إكماله الشيخ الصدوق-كمال الدين-ص 289 ح 2،و ص 302 ح 10 )بأحد عشر إسنادا عن عبد الرّحمن بن جندب،


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:339 ح 13. [3]

عن كميل،عنه عليه السّلام،و بإسنادين عن فضيل بن خديج،عن كميل،عنه عليه السّلام، و بإسناد عن أبي صالح،عن كميل،عنه،و بآخر عن أبي إسحاق عن الثقة، عنه صلى اللّه عليه و آله،و قال:و لهذا الحديث طرق كثيرة (1)

أخرجه الصدوق بأحد عشر طريقا عن عبد الرحمن،و بطريقين عن فضيل،و بطريق واحد عن أبي صالح،و بطريق واحد عن أبي إسحاق عن ثقة من أصحابنا في كمال الدين:289 ح 2،و:302 ح 10. [1]

.

و رواه الثّالث في( تحفه ابن شعبة-تحف العقول-ص 170 )،و الرابع في( إرشاده الشيخ المفيد-الارشاد-ص 122 )،و الخامس في( أماليه أبو علي الطوسي-الأمالي-ص 20 )، و إسناده عن المفيد،عن الصدوق،عن أبيه،عن ماجيلويه،عن محمّد بن علي الصيرفي،عن نصر بن مزاحم،عن عمر بن سعد،عن فضيل بن خديج،عن كميل،عنه عليه السّلام (2).

و رواه الأخير في( غيبته النعماني-الغيبة-ص 87 )مثل خبر شيخه الكليني،و زاد قبل قوله:«فمن هذا و لهذا يأرز العلم،إذا لم يوجد له حملة...»يأنسون بما يستوحش منه المكذّبون،و يأباه المسرفون باللّه.كلام يكال بلا ثمن،من كان يسمعه بعقله فيعرفه و يؤمن به و يتّبعه و ينهج نهجه فيصلح به.ثمّ يقول ... (3)

«اللهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة» قال البحتري:

و هل خلا الدّهر أولاه و آخره من قائم بهدى مذكوّن البشر

في(الأغاني)قال خالد بن صفوان:أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك-إلى أن قال-:قال خالد بن صفوان لهشام:إنّ ملكا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامك هذا إلى الخورنق و السدير في عام قد بكر و سميّه و تتابع وليّه،و أخذت الأرض زينتها على اختلاف ألوان نبتها في ربيع مونق،فهو في أحسن محضر،و أحسن مختبر،بصعيد كأنّ ترابه قطع،و قد كان أعطى فتاء السنّ،مع الكثرة و الغلبة و القهر،فنظر فأبعد النّظر،ثمّ قال


1) 1)

2) 2) تحف العقول لابن شعبة:170،و الارشاد للمفيد:122،و الأمالي [2]لأبي علي الطوسي:20.

3) 3) الغيبة للنعماني:87. [3]

لجلسائه:لمن مثل هذا هل رأيتم مثل ما أنا فيه،و هل أعطي أحد مثل ما أعطيت؟و كان عنده رجل من بقايا حملة الحجّة و المضيّ على أدب الحقّ و منهاجه-و لم تخل الأرض من قائم للّه بحجّة في عباده-فقال:أيّها الملك إنّك سألت عن أمر،أ فتأذن لي في الجواب عنه؟... (1)

لم أجده في الأغاني. [1]

.

و قال منصور بن حازم من أصحاب أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام لقوم من العامّة:ألستم تعلمون أنّ رسول اللّه كان هو الحجّة من اللّه على خلقه،فحين ذهب الرّسول من كان الحجّة بعده؟فقالوا:القرآن.قال:ننظر في القرآن فإذا يخاصم به المرجىء و الحروري و الزّنديق الّذي لا يؤمن حتّى يغلب خصمه، فعرف أنّ القرآن لا يكون حجّة إلاّ بقيّم ما قال فيه كان حقّا،فمن قيّم القرآن؟ قالوا:كان عبد اللّه بن مسعود و فلان و فلان يعلمون.قال:يعلمون كلّه.قالوا:

لا.قال لهم:لم نجد أحدا يقال يعرف ذلك كلّه إلاّ علي،و إذا كان الشّيء بين قوم و قال هذا:لا أدري لمن هو،و قال هذا:لا أدري،و قال آخر:أدري أنّه لي،فهو له، فأشهد أنّ عليّا عليه السّلام كان قيّم القرآن،و كانت طاعته مفروضة،و كان حجّة بعد النّبي صلى اللّه عليه و آله على النّاس كلّهم،و أنّه ما قال في القرآن فهو حقّ،و أشهد أنّ عليّا عليه السّلام لم يذهب حتّى ترك حجّة من بعده كما ترك الرّسول حجّة من بعده (2).

قال ابن أبي الحديد بعد نقل العنوان:و هذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الإمامية،إلاّ أنّ أصحابنا يحملونه على أنّ المراد به الأبدال الّذين وردت الأخبار النّبويّة عنهم أنّهم في الأرض سائحون،فمنهم من يعرف و منهم من


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:188 ح 15،و [2]معرفة الرجال للكشي،اختياره:420 ح 795،و روى صدره الكليني في الكافي 1:168 ح 2 و [3]النقل بتصرف يسير.

لا يعرف،و أنّهم لا يموتون حتّى يودعوا السرّ،و هو العرفان عند قوم آخرين يقومون مقامهم... (1)

شرح ابن أبي الحديد 4:313. [1]

.

قلت:قد عرفت أنّ الكلام كالمتواتر عنه عليه السّلام و دلالته أيضا صريحة، و هل حمل أصحابه إلاّ تحكّم؟و من هؤلاء الأبدال الذين قال ابن أبي الحديد هل جنّ أو ملك؟ «إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» (2).و لم لم يحملوا أخبار الأبدال على أهل بيته الأئمّة الاثني عشر عليه و عليهم السّلام،كما هو القاعدة في حمل المجمل على المفصّل، و المشكوك على المتيقّن؟و ما يفعلون بقوله عليه السّلام بعد: «إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا» ،فأيّ بدل من أبدالهم كان ظاهرا مشهورا،و أيّهم كان خائفا مغمورا، «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (3)؟ و كيف،و كلامه عليه السّلام يشمل الأنبياء؟فإنّ تعبيره عليه السّلام: «لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة» ،و معلوم أنّ الأنبياء من القائمين للّه بحجّة بلا خلاف،فلا بدّ أن يراد بالحجّة الأنبياء و من كان بمنزلتهم من أوصيائهم،و لم يكن بعد نبيّنا صلى اللّه عليه و آله من يكون مثله في العصمة،و من يقوم به الحجّة سوى الأئمّة الاثني عشر بإجماع الامّة.

و روى ابن قتيبة في(عيونه)مسندا عن إبراهيم بن عبد الرّحمن قال:

قال النّبيّ صلى اللّه عليه و آله:يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله،ينفون عنه تحريف الغالين،و انتحال المبطلين،و تأويل الجاهلين (4).

و قال محمّد بن علي بن بابويه في(إكماله)في قوله تعالى: «إِنَّما أَنْتَ»


1) 1)

2) 2) النجم:23. [2]

3) 3) الحج:46. [3]

4) 4) عيون الأخبار لابن قتيبة 2:119. [4]

«مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» (1)

الرعد:7. [1]

:دليل على أنّه لم تخل الأرض من هداة في كلّ قوم، و كلّ عصر تلزم العباد الحجّة للّه تعالى من الأنبياء و الأوصياء،فالهداة من الأنبياة و الأوصياء لا يجوز انقطاعهم ما دام التّكليف من اللّه تعالى لازما للعباد (2).

و قال أيضا في قوله تعالى: «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (3):دليل على أنّ الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليفة،فلذلك ابتدأ به لأنّه سبحانه حكيم،و الحكيم من يبدأ بالأهم دون الأعم، و ذلك تصديق قول الصادق جعفر بن محمّد عليه السّلام،حيث يقول:«الحجّة قبل الخلق،و مع الخلق و بعد الخلق» (4).و لو خلق اللّه تعالى الخليفة خلوّا من الخليفة لكان قد عرّضهم للتّلف إلى أن قال:و من زعم أنّ الدّنيا تخلو ساعة من إمام لزمه أن يصحّح مذهب البراهمة في إبطالهم الرّسالة،و لو لا أنّ القرآن نزل بأنّ محمّدا صلى اللّه عليه و آله خاتم الأنبياء لوجب كون رسول في كلّ وقت،فلمّا صحّ ذلك ارتفع معنى كون الرّسول بعده،و بقيت الصورة المستدعية للخليفة في العقل (5).

هذا،و في(تاريخ خلفاء السيوطي)في خلفائهم الذين ينصبونهم و يجعلونهم حجّة بينهم و بينه تعالى،كما كان الوثنيّون ينحتون بأيديهم و ثنا،ثمّ يجعلونه إلها يعبدونه ليقرّبهم إلى اللّه زلفى،أو الّذين يغلبونهم بالسيف فيأخذون منهم البيعة،و يخلعون من كان خليفتهم قبل،و يأمرونهم


1) 1)

2) 2) كمال الدين للصدوق:667. [2]

3) 3) البقرة:30. [3]

4) 4) الكافي للكليني 1:177 ح 4،و [4]كمال الدين للصدوق:221 ح 5،و:232 ح 36. [5]

5) 5) كمال الدين للصدوق:4،و [6]الكافي للكليني 1:177 ح 4.

بلعنه،فيصير بعد ساعة وليّ اللّه لهم عدوّ اللّه و عدوّ اللّه حجّة اللّه.و قصة الخوارج مع أصحاب المهلّب بعد قتل ابن الزّبير و استيلاء عبد الملك على العراق في ذلك معروفة-بعد ذكر قتل هولاكو في سنة(656)للمستعصم آخر العبّاسيين في العراق:«ثمّ دخلت سنة سبع و خمسين بعد ستّمائة و الدّنيا بلا خليفة» (1)

تاريخ الخلفاء للسيوطي:475. [1]

.و قال بعد ذكر نصبهم بمصر خليفة في سنة(659):«و كان مدّة انقطاع الخلافة ثلاث سنين و نصفا» (2).

قلت:و لم يبق حتّى يرى انقطاع خلافتهم إلى الأبد.

و فيه أيضا في عنوان(في مدّة الخلافة في الاسلام)بعد نقل خبر جابر بن سمرة عن النّبيّ صلى اللّه عليه و آله:لا يزال هذا الأمر عزيزا ينصرون على من ناواهم عليه اثني عشر خليفة كلّهم من قريش-أخرجه الشيخان و غيرهما و له طرق و ألفاظ-إلى أن قال-:قال القاضي عياض:لعلّ المراد بالاثني عشر في هذه الأحاديث و ما شابهها:أنّهم يكونون في مدّة عزّة الخلافة،و قوّة الإسلام، و استقامة أموره،و الاجتماع على من يقوم بالخلافة،و قد وجد هذا في من اجتمع عليه النّاس إلى أن اضطرب أمر بني أميّة و وقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد،فاتّصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم.

ثمّ قال:قال شيخ الاسلام ابن حجر في شرح البخاري:كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث و أرجحه لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة:«كلّهم يجتمع عليه الناس».و إيضاح ذلك أنّ المراد بالاجتماع:انقيادهم لبيعته،و الّذي وقع أنّ الناس اجتمعوا على أبي بكر ثمّ


1) 1)

2) 2) تاريخ الخلفاء للسيوطي:476. [2]

عمر ثمّ عثمان ثمّ عليّ،إلى أنّ وقع أمر الحكمين في صفّين فتسمّى معاوية يومئذ بالخلافة،ثمّ اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن،ثمّ اجتمعوا على ولده يزيد،و لم ينتظر للحسين أمر بل قتل قبل ذلك،ثمّ لمّا مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير،ثمّ اجتمعوا على أولاده الأربعة:الوليد ثمّ سليمان ثمّ يزيد ثمّ هشام،و تخلّل بين سليمان و يزيد،عمر بن عبد العزيز.فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين و الثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك،اجتمع النّاس عليه لمّا مات عمّه هشام،فولّي نحو أربع سنين،ثمّ قاموا عليه فقتلوه،و انتشرت الفتن و تغيّرت الأحوال من يومئذ.و لم يتّفق أن يجتمع النّاس على خليفة بعد ذلك،لأنّ يزيد بن الوليد الّذي قام على ابن عمّه الوليد بن يزيد لم تطل مدّته،بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عمّ أبيه مروان بن محمّد بن مروان،و لمّا مات يزيد ولّي أخوه إبراهيم فقتله مروان،ثمّ ثار على مروان بنو العبّاس إلى أن قتل،ثمّ كان أوّل خلفاء بني العبّاس السفاح،و لم تطل مدّته مع كثرة من ثار عليه،ثمّ ولي أخوه المنصور فطالت مدّته لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيّين على الأندلس،و استمرّت في أيديهم متغلّبين عليها إلى أن تسمّوا بالخلافة بعد ذلك،و انفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلاّ الاسم في البلاد،بعد أن كان يخطب للخليفة في جميع الأقطار من الأرض شرقا و غربا و يمينا و شمالا ممّا غلب عليه المسلمون،و لا يتولّي أحد في بلد من البلاد كلّها الإمارة على شيء منها إلاّ بأمر الخليفة.و من انفراط الأمر أنّه كان في المائة الخامسة بالأندلس و حدها ستّة أ ننفس كلّهم يتسمّى بالخلافة،و معهم صاحب مصر العبيدي، و العبّاسي ببغداد خارجا عمّن كان يدّعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية و الخوارج-إلى أن قال-:و قيل:إنّ المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدّة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحقّ و إن لم تتوال أيّامهم،و يؤيّد

هذا ما أخرجه مسدّد في مسنده الكبير عن أبي،الخلد أنّه قال:«لا تهلك هذه الامّة حتّى يكون منها اثنا عشر خليفة كلّهم يعمل بالهدى و دين الحقّ،منهم رجلان من أهل بيت محمّد صلى اللّه عليه و آله»و على هذا فالمراد بقوله:«ثمّ يكون الهرج» أي:الفتن المؤذنة بقيام الساعة من خروج الدّجّال و ما بعده.

و قال السيوطي بعد نقل كلامه:و على هذا فقد وجد من الاثني عشر خليفة:الخلفاء الأربعة و الحسن و معاوية و ابن الزبير و عمر بن عبد العزيز، هؤلاء ثمانية،و يحتمل أن يضمّ إليهم المهتدي من العباسيين،لأنّه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أميّة،و كذلك(الظاهر)لما أوتيه من العدل و بقي الاثنان المنتظران،أحدهما المهدي لأنّه من آل بيت محمّد صلى اللّه عليه و آله (1)

تاريخ الخلفاء للسيوطي:10-12. [1]

.

قلت:كذب شيخ إسلامهم في كون أمير المؤمنين عليه السّلام ممّن اجتمع عليه الناس كيزيد،فكيف و خالفه أمّ مؤمنيهم و حواريهم و صاحبه و ابن عمرو و سعد و المغيرة و سعيد بن العاص و جمع آخر،و سمّوا أيّامه عليه السّلام أيّام فتنة؟ و أغرب صاحب الكتاب في جعل معاوية و ابن الزّبير من الّذين يعملون بالهدى و دين الحقّ،فمحاربتهما و سبّهما لأمير المؤمنين عليه السّلام هل هو من الهدى و دين الحقّ؟و لعمر اللّه دين الدّهريّة و الوثنيّة أقرب إلى العقول من دين إخواننا السّنة.

«إمّا ظاهرا مشهورا» كأمير المؤمنين عليه السّلام و أبنائه العشرة من الحسن السبط إلى الحسن العسكري صلوات اللّه عليهم،و ورد أنّ رجلا من أهل الشام ورد على جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام فقال:إنّي صاحب كلام وفقه و فرائض،و قد جئتك لمناظرة أصحابك.فقال عليه السّلام له:كلامك من كلام النّبيّ صلى اللّه عليه و آله أو من عندك؟فقال:بعضه من كلامه و بعضه من عندي.فقال عليه السّلام:


1) 1)

فأنت إذن شريك النّبيّ صلى اللّه عليه و آله؟قال:لا.قال:فسمعت الوحي عن اللّه تعالى؟قال:

لا.قال:فتجب طاعتك كالنّبيّ صلى اللّه عليه و آله؟قال:لا.فقال:هذا خصم نفسه قبل أن يتكلّم.ثمّ أمره عليه السّلام أوّلا بالكلام مع حمران بن أعين و مؤمن الطاق و هشام بن سالم و قيس الماصر من أصحابه،فكلّموه فغلبوا عليه.ثم قال عليه السّلام له:كلّم هذا الغلام-مشيرا إلى هشام بن الحكم-و كان أوّل ما اختطّت لحيته.فقال الشامي:سلني يا غلام في إمامة هذا-يعني الصادق عليه السّلام-فغضب هشام حتّى ارتعد.فقال له:أخبرني يا هذا أربّك أنظر لخلقه أم هم لأنفسهم؟فقال الشامي:

بل ربّهم أنظر لهم.قال هشام:ففعل الربّ بنظره لخلقه في دينهم ما ذا؟قال:

كلّفهم،و أقام لهم حجّة و دليلا على ما كلّفهم،و أزاح في ذلك عللهم.فقال هشام:

فما هذا الدّليل الذي نصبه لهم؟قال الشامي:هو النّبيّ صلى اللّه عليه و آله.قال هشام:فبعده من؟قال الشّامي:الكتاب و السنّة.قال هشام:فهل نفعنا اليوم الكتاب و السنّة في ما اختلفنا فيه حتّى يرفع عنّا الاختلاف و يمكّننا من الاتّفاق؟قال:نعم.قال هشام:فلم اختلفنا نحن،و أنت جئتنا من الشام و خالفتا و تزعم أنّ الرّأي طريق الدّين،و أنت مقرّ بأنّ الرّأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين.فسكت الشامي كالمفكّر،فقال له الصادق عليه السّلام:مالك لا تتكلّم؟قال:إن قلت:إنّا ما اختلفنا كابرت،و إن قلت:إنّ الكتاب و السنّة يرفعان عنّا الاختلاف أبطلت، لأنّهما يحتملان الوجوه،و إن قلت:قد اختلفنا و كلّ واحد منّا يدّعي الحق،فلم ينفعنا إذن الكتاب و السّنّة،و لكن لي عليه مثل ذلك.فقال عليه السّلام:سله تجده مليّا.

فقال لهشام:من أنظر للخلق ربّهم أم أنفسهم؟فقال:بل ربّهم.فقال:فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم،و يرفع اختلافهم،و يبيّن لهم حقّهم من باطلهم؟قال:

نعم.قال:من هو؟قال:أما في ابتداء الشريعة فالنّبيّ صلى اللّه عليه و آله،و أمّا بعده فغيره.

فقال الشامي:من غيره القائم مقامه في حجّته؟قال هشام:في وقتنا هذا أم قبله؟قال الشامي:بل في وقتنا هذا.قال هشام:هذا الجالس-و أشار إلى

الصادق عليه السّلام-الّذي تشدّ إليه الرحال،و يخبرنا بأخبار السماء وراثة عن أب عن جدّ.فقال:و كيف لي بعلم ذلك؟قال:سله عمّا بدا لك.قال:قطعت عذري، فعليّ السؤال.فقال له الصادق عليه السّلام:أنا أكفيك المسألة يا شامي،أخبرك عن سيرك و سفرك خرجت يوم كذا،و كان في طريقك كذا،و مررت على كذا،و مرّ بك كذا.فأقبل الشامي يقول كلّما وصف له شيئا من أمره:صدقت و اللّه.ثمّ قال الشامي:أسلمت للّه السّاعة.فقال الصادق عليه السّلام:بل آمنت باللّه الساعة،إنّ الاسلام قبل الايمان و عليه يتوارثون و يتناكحون،و على الايمان يثابون.قال الشامي:صدقت،فأنّا الساعة أشهد ألا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا صلى اللّه عليه و آله رسوله و أنّك وصيّ الأوصياء (1)

الاحتجاج للطبرسي:364. [1]

.

«أو خائفا مغمورا» كالقائم المنتظر عليه السّلام،قال الصادق عليه السّلام-كما في خبر إسحاق بن عمّار-للقائم غيبتان:إحداهما قصيرة،و الاخرى طويلة،و الغيبة الاولى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصّة شيعته،و الاخرى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصّة مواليه (2).

و قال عليه السّلام أيضا لسدير الصيرفي:إنّ في صاحب هذا الأمر شبها من يوسف.فقال سدير:كأنّك تذكر حياته و غيبته؟فقال عليه السّلام:و ما تنكر من ذلك؟ هذه الامّة أشباه الخنازير.إنّ إخوة يوسف عليه السّلام كانوا أسباطا أولاد الأنبياء، تاجروا يوسف و بايعوه و خاطبوه و هم إخوته و هو أخوهم،فلم يعرفوه حتّى قال: «أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي» (3)فما تنكر هذه الأمّة الملعونة أن يفعل اللّه تعالى بحجّته في وقت من الأوقات كما فعل بيوسف.إنّ يوسف كان إليه ملك


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:340 ح 19،و [2]الغيبة للنعماني:113 [3] بطريقين.

3) 3) يوسف:90. [4]

مصر،و كان بينه و بين والده مسيرة ثمانية عشر يوما،فلو أراد أن يعلمه لقدر على ذلك،لقد سار يعقوب و ولده عند البشارة تسعة أيّام من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الأمّة أنّ يفعل اللّه تعالى بحجّته كما فعل بيوسف،أن يمشي في أسواقهم و يطأ بسطهم حتّى يأذن اللّه تعالى في ذلك له كما أذن ليوسف «قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ» (1)

الكافي للكليني 1:336 ح 4،و [1]كمال الدين للصدوق:341 ح 21 و [2]علل الشرائع:244 ح 3،و [3]الغيبة للنعماني:108، 109،و [4]الآية 90 من سورة يوسف. [5]

.

و لما أنشد دعبل الخزاعي أبا الحسن الرضا قصيدته التي أوّلها:

مدارس آيات خلت من تلاوة

إلى أن انتهى إلى قوله:

خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم اللّه و البركات

يميّز فينا كلّ حقّ و باطل و يجزي على النّعماء و النّقمات

بكى الرّضا عليه السّلام بكاء شديدا،ثمّ رفع رأسه إليه،و قال له:يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين،فهل تدري من هذا الإمام و متى يقوم؟ فقال:لا يا مولاي،إلاّ أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من الفساد، و يملؤها عدلا.فقال عليه السّلام:يا دعبل الإمام بعدي محمّد ابني،و بعد محمّد ابنه علي،و بعد عليّ ابنه الحسن،و بعد الحسن،و بعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره،لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه تعالى ذلك اليوم حتّى يخرج فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا (2).

و عن أبي خالد الكابلي قال:دخلت على سيّدي عليّ بن الحسين عليه السّلام -إلى أن قال-:قلت له:روي لنا عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ الأرض لا تخلو من


1) 1)

2) 2) كمال الدين للصدوق:372 ح 6،و [6]عيون الأخبار 2:269 ح 35،و [7]كفاية الأثر للخراز:271. [8]

حجّة للّه جلّ و عزّ على عباده.فمن الحجة و الإمام بعدك؟فقال:ابني محمّد، و اسمه في التوراة باقر،إنّه يبقر العلم بقرا،هو الحجّة و الإمام بعدي،و من بعد محمّد ابنه جعفر،و اسمه عند أهل السماء الصادق.فقلت له:يا سيدي فكيف صار اسمه الصادق و كلّكم صادقون؟قال:فإنّ الخامس من ولده الّذي اسمه جعفر يدّعي الإمامة اجتراء على اللّه و كذبا عليه،فهو عنه اللّه جعفر الكذاب المغتري على اللّه المدعي لما ليس له بأهل،المخالف لأبيه و الحاسد لأخيه،ذاك الذي يكشف سرّ اللّه عند غيبة وليّ اللّه.ثمّ بكى عليه السّلام بكاء شديدا،و ثمّ قال:كأنّي بجعفر الكذّاب و قد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي اللّه،و المغيّب في حفظ اللّه،و على التوكيل بحرم أخيه،جهلا منه بولادته و حرصا على قتله إن ظفر به،طمعا في ميراث أبيه حتّى يأخذه بغير حقّه... (1)

كمال الدين للصدوق:319 ح 2 [1] بطريقين،و الاحتجاج للطبرسي:317 و [2]النقل بتصرف يسير.

.

و في(حلية أبي نعيم)في محمّد بن الحنفيّة مسندا عنه عن أبيه عليه السّلام عن النّبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:المهدي منّا أهل البيت،يصلحه اللّه تعالى في ليلة-أو قال-في يومين (2).

و روى(الحلية)أيضا عن عمرو بن ثابت قال:قال محمّد بن الحنفيّة:

ترون أمرنا لهو أبين من هذه الشمس،فلا تعجلوا و لا تقتلوا أنفسكم (3).

و روى(الحلية)في محمّد بن عليّ الباقر مسندا عنه عليه السّلام قال:إنّ اللّه تعالى يلقي في قلوب شيعتنا الرّعب،فإذا قام قائمنا و ظهر مهدينا كان الرّجل أجرأ من ليث،و أمضى من سنان (4).

و في(مقاتل أبي الفرج)في عنوان الحسن بن عليّ عليه السّلام روى بأسانيد


1) 1)

2) 2) حلية الأولياء لأبي نعيم 3:177.

3) 3) حلية الأولياء لأبي نعيم 3:175.

4) 4) حلية الأولياء لأبي نعيم 3:184.

عنه عليه السّلام عن أبيه عن النّبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:إنّ الدّنيا تسع البرّ و الفاجر حتّى يبعث اللّه امام الحقّ من آل محمّد صلى اللّه عليه و آله (1)

المقاتل لأبي الفرج:44 ضمن حديث.

.

و ممّا يدل على أنّ مراده عليه السّلام بالخائف المغمور:القائم المنتظر صلوات اللّه عليه شهرة ذلك من أيّام الصحابة و التابعين،قال الجاحظ في(بيانه):كتب مسلمة بن عبد الملك إلى يزيد بن المهلّب(لمّا خرج على يزيد بن عبد الملك):

«إنّك-و اللّه-ما أنت بصاحب هذا الأمر،صاحب هذا الأمر مغمور موتور،و أنت مشهور غير موتور» (2).

و المغمور:المخفي في الجمع،من قولهم:دخلت في غمار النّاس.أي:

كثرتهم و زحمتهم،و هو في مقابل المشهور كما يفهم من كلام مسلمة.

«لئلاّ تبطل حجج اللّه و بيّناته» و في روايتي الكليني المتقدّمتين:«كيلا تبطل حججك و لا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتهم» (3).

«و كم ذا و أين أولئك» و في رواية(العقد):«و كم رأينا» (4).و في روايتي الكليني المتقدّمتين«بل أين هم و كم هم» (5).و كيف كان فروى(الكافي)عن الأصبغ قال:أتيت أمير المؤمنين عليه السّلام فوجدته متفكّرا ينكت في الأرض،فقلت:

يا أمير المؤمنين مالي أراك متفكّرا تنكت في الأرض،أرغبة منك فيها؟فقال:لا و اللّه ما رغبت فيها،و لا في الدّنيا يوما قطّ،و لكنّي فكّرت في مولود يكون من ظهر الحادي عشر من ولدي،هو المهدي الّذي يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما،تكون له غيبة و حيرة يضلّ فيها أقوام و يهتدي فيها


1) 1)

2) 2) البيان و التبيين للجاحظ 2:268. [1]

3) 3) الكافي 1:335،339 و [2]لفظ الثانية«حجّتك».

4) 4) لفظ العقد الفريد 2:69 مثل المصرية أيضا إلاّ أن«أولئك»لم يتكرّر فيه.

5) 5) الكافي للكليني 1:335،339 و [3]لفظ الاولى«أين هم و كم».

آخرون-إلى أن قال-:و أنّى لك بهذا الأمر يا أصبغ؟أولئك خيار هذه الأمّة مع خيار أبرار هذه العترة (1)

الكافي للكليني 1:338 ح 7. [1]

.

«أولئك و اللّه الأقلّون عددا و الأعظمون قدرا» هكذا في(الخطية)،و لكن في (ابن أبي الحديد) (2):«و الأعظمون عند اللّه قدرا»و مثله(المصرية)،قال الرضا عليه السّلام:قال النّبيّ صلى اللّه عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام:لا يحفظني فيك إلاّ الأتقياء الأبرار الأصفياء،و ما هم في أمّتي إلاّ كالشعرة البيضاء في الثور الأسود في الليل الغابر (3).

«يحفظ اللّه بهم حججه و بيّناته» هكذا في(المصرية)،و الثواب:(بهم يحفظ اللّه حججه و بيّناته)كما في(ابن ميثم و الخطّية)و كذا(ابن أبي الحديد) (4).

«حتّى يودعوها نظراءهم و يزرعوها في قلوب أشباههم» و في رواية الكليني الاولى المتقدّمة بدل الكلام:«المتّبعون لقادة الدّين الأئمّة الهادين الّذين يتأدّبون بآدابهم و ينهجون نهجهم» (5).لكن مقتضى المقام أنّ يكون ما في (الكافي)زائدا على نقل المصنّف لإتمامه،و حينئذ فسقط من كلّ منهما إن صحّت النّسخ إحدى الجملتين.

و كيف كان فروى النعماني في(غيبته)عن عبد الملك بن أعين قال:قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام:إنّ احتمال أمرنا ليس معرفته و قبوله،إنّ احتمال أمرنا هو صونه و ستره عمّن ليس من أهله فأقرئهم السّلام و رحمة اللّه-يعني الشيعة-


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 4:311،و شرح ابن ميثم 5:322 أيضا. [2]

3) 3) عيون الأخبار للصدوق 2:130 ح 17. [3]

4) 4) كذا في شرح ابن ميثم 5:322، [4]لكن لفظ شرح ابن أبي الحديد 4:311«يحفظ اللّه بهم».

5) 5) الكافي 1:355. [5]

و قل:قال لكم:رحم اللّه عبدا استجرّ مودّة الناس إلى نفسه و إلينا،بأن يظهر لهم ما يعرفون،و يكفّ عنهم ما يكرهون (1)

أخرجه النعماني في الغيبة:21 [1] عن عبد الأعلى بن أعين و عبد الملك خطأ.

.

و في رواية الصفار في(بصائره)عن معمّر بن خلاّد قال:سمعت الرّضا عليه السّلام يقول:أسرّ اللّه سرّه إلى جبرئيل و أسرّه جبرئيل إلى محمّد صلى اللّه عليه و آله و أسرّه محمّد صلى اللّه عليه و آله إلى علي عليه السّلام و أسرّه علي عليه السّلام إلى من شاء واحدا بعد واحد صلوات اللّه عليهم (2).

«هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة،و باشروا روح اليقين» روى الصدوق في(إكماله)أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال لابنه الحسين عليه السّلام:التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحقّ المظهر للدّين،و الباسط للعدل.فقال الحسين عليه السّلام:يا أمير المؤمنين و إنّ ذلك لكائن؟فقال عليه السّلام:إي و الّذي بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله بالنبوّة و اصطفاه على جميع البرية،و لكن بعد غيبة و حيرة،فلا يثبت فيها على دينه إلاّ المخلصون المباشرون لروح اليقين،الّذين أخذ اللّه تعالى ميثاقهم بولايتنا و كتب في قلوبهم الايمان و أيّدهم بروح منه (3).

«و استلانوا» أي:عدوا ليّنا.

«ما استوعره» أي:وجده و عرا غليظا.

«المترفون» الّذين أطغتهم النعمة.

«و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون» قال الصادق عليه السّلام:أقرب ما يكون العباد من اللّه عزّ و جلّ و أرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجّة اللّه عزّ و جلّ فلم يظهر لهم و لم يعلموا بمكانه،و هم في ذلك يعلمون أنّه لم تبطل حجّة اللّه،و قد


1) 1)

2) 2) هذا حديث أبي بصير عن الباقر عليه السّلام أخرجه الصفار في البصائر:397 ح 4،و [2]أمّا حديث معمّر بن خلاّد فأخصر من هذا و قد أخرجه في:397 ح 3.

3) 3) كمال الدين للصدوق:304 ح 16. [3]

علم أنّ أولياءه لا يرتابون،ولو علم أنّهم يرتابون ما غيّب عنهم حجّته طرفة عين،و لا يكون ذلك إلاّ على رأس شرار النّاس (1)

كمال الدين للصدوق:337،339 ح 10،16،17 [1] بثلاث طرق،و النقل بتقطيع.

.

و قال السجاد عليه السّلام:تمتدّ الغيبة بولي اللّه-إلى أن قال-:إنّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته و المنتظرين لظهوره أفضل من أهل كلّ زمان،لأنّ اللّه أعطاهم من العقول و الأفهام و المعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة،و جعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بالسيف،أولئك المخلصون حقّا و شيعتنا صدقا،و الدّعاة إلى دين اللّه تعالى سرّا و جهرا (2).

«و صحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى» روى(الكافي)عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال:في الأنبياء و الأوصياء خمسة أرواح:روح القدس،و روح الايمان،و روح الحياة،و روح القوّة،و روح الشهوة،فبروح القدس يا جابر عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى.ثمّ قال:يا جابر إنّ هذه الأربعة الأرواح يصيبها الحدثان إلاّ روح القدس،فإنّها لا تلهو و لا تلعب (3).

«أولئك خلفاء اللّه في أرضه و الدّعاة إلى دينه» قال ابن بابويه في قوله تعالى: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (4):إنّ القضيّة في الخليفة باقية إلى يوم القيامة،و من زعم أنّ الخليفة أراد به النّبوّة فقد أخطأ من وجه،و ذلك أنّ اللّه تعالى وعد أن يستخلف من هذه الأمّة خلفاء راشدين،كما قال تعالى:

«وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ»


1) 1)

2) 2) كمال الدين للصدوق:319 ح 2 [2] ضمن حديث.

3) 3) الكافي للكليني 1:272 [3] ح البقرة 2.

4) 4) :30.

بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً... (1)

النور:55. [1]

و لو كانت قضية الخلافة قضية النبوّة أوجب حكم الآية أن يبعث اللّه عزّ و جلّ نبيّا بعد محمّد صلى اللّه عليه و آله (2).

و روى:أنّ أحمد بن إسحاق دخل على العسكري عليه السّلام يريد أن يسأله عن خلفه،فقال عليه السّلام له مبتدئا:يا أحمد إنّ اللّه تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم و لا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة على خلقه،به يدفع البلاء عن أهل الأرض،و به ينزّل الغيث،و به يخرج بركات الأرض... (3).

«آه آه» قال الجوهري قولهم:أوه من كذا،ساكنة الواو،إنّما هو توجع، قال الشاعر:

فأوه لذاكر ما إذا ما ذكرتها و من بعد أرض بيننا و سماء

و ربّما قلبوا الواو ألفا.فقالوا:آه من كذا (4).

«شوقا إلى رؤيتهم» لم ينحصر إظهار الاشتياق إليهم عليهم السّلام به عليه السّلام،فقد أظهر جدّهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أيضا الاشتياق إليهم،حتّى إنّه أمر جابر الأنصاري بإبلاغه سلامه صلى اللّه عليه و آله إلى آخر من يدركه منهم،ففي(تذكرة سبط ابن الجوزي):ذكر المدائني عن جابر الأنصاري إنّه أتى أبا جعفر محمّد بن علي إلى الكتّاب و هو صغير،فقال له:رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يسلّم عليك.فقيل لجابر:

و كيف هذا؟فقال:كنت جالسا عند النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و الحسين عليه السّلام في حجره و هو يداعبه،فقال:يا جابر يولد له مولود اسمه علي،إذا كان يوم القيامة نادى مناد:

ليقم سيّد العابدين.فيقوم ولده،ثمّ يولد له ولد اسمه محمّد فإن أدركته يا


1) 1)

2) 2) كمال الدين للصدوق:5. [2]

3) 3) كمال الدين للصدوق:384 ح 1. [3]

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 6:2225 [4] مادة(اوه).

جابر فأقرئه منّي السّلام (1)

تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:337.

.

«انصرف إذا شئت» و في إسناد«إذا شئت فقم»و تعليق أمر الانصراف بمشيئة الطرف في مثله من جميل الخطاب،و حسن الآداب،و نظيره أنّ أبا العيناء-و كان أعمى-قال:ما رأيت أقوم على أدب من ابن أبي داود،و ذلك أني ما خرجت من عنده قطّ فقال:يا غلام خذ بيده،بل كان يقول:يا غلام اخرج معه.

و ممّا يناسب المقام في قوله عليه السّلام: «انصرف» ما في(بيان الجاحظ):أنّ رجلا من العسكر عدا بين يدي المأمون،فقال له بعض من يسير بقربه:يقول لك الخليفة:اركب.فقال المأمون:لا يقال لمثل هذا اركب.إنّما يقال لمثل هذا:

انصرف (2).

2

الخطبة(86)

و من خطبة له عليه السّلام:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلاَّ بَعْدَ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ- وَ لَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلاَّ بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلاَءٍ- وَ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ- وَ مَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ- وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ وَ لاَ كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ- وَ لاَ كُلُّ نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ فَيَا عَجَباً وَ مَا لِيَ لاَ أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ- عَلَى اخْتِلاَفِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا- لاَ يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لاَ يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ- وَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَ لاَ يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ- يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ وَ يَسِيرُونَ فِي


1) 1)

2) 2) البيان و التبيين للجاحظ 2:285. [1]

الشَّهَوَاتِ- الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا.

مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلاَتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ- وَ تَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ- كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ- قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى ثِقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ أقول:رواه الكليني في( روضته الكليني-الكافي-ج 8 ص 63 ح 22 كتاب الروضة )مسندا عن الصادق عليه السّلام قال:خطب أمير المؤمنين عليه السّلام بالمدينة،فحمد اللّه و أثنى عليه،و صلّى على النّبيّ صلى اللّه عليه و آله ثمّ قال:أمّا بعد،فانّ اللّه تعالى لم يقصم جبّاري دهر إلاّ من بعد تمهيل و رخاء،و لم يجبر كسر عظم من الأمم إلاّ بعد أزل و بلاء.أيّها الناس في دون ما استقبلتم من عطب و استدبرتم من خطب معتبر،و ما كلّ ذي قلب بلبيب،و لا كلّ ذي سمع بسميع،و لا كلّ ذي ناظر عين ببصير.عباد اللّه أحسنوا في ما يعنيكم النّظر فيه،ثمّ انظروا إلى عرصات من قد أقاده اللّه بعمله،كانوا على سنّة من آل فرعون أهل «جَنّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ» (1)

الدخان:25-26. [1]

،ثمّ انظروا بما ختم اللّه لهم بعد النّضرة و السرور و الأمر و النّهي،و لمن صبر منكم العاقبة في الجنان -و اللّه-مخلّدون،و للّه عاقبة الأمور.فيا عجبا و مالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها،لا يقتفون أثر نبيّ،و لا يقتدون بعمل وصيّ،و لا يؤمنون بغيب،و لا يعفّون عن عيب.المعروف فيهم ما عرفوا، و المنكر عندهم ما أنكروا،و كلّ امرىء منهم إمام نفسه،أخذ منها في ما يرى بعرى وثيقات،و أسباب محكمات،فلا يزالون بجور،و لن يزدادوا إلاّ خطا،لا ينالون تقرّبا،و لن يزدادوا إلاّ من بعدا من اللّه عزّ و جلّ.أنس بعضهم ببعض، و تصديق بعضهم لبعض.كلّ ذلك و حشة ممّا ورث النّبيّ الاميّ صلى اللّه عليه و آله و نفورا ممّا أدّى إليهم من أخبار فاطر السّماوات و الأرض.أهل حسرات،و كهوف

1) 1)

شبهات،و أهل عشوات،و ضلالة و ريبة.من و كله اللّه إلى نفسه و رأيه فهو مأمون عند من يجهله،غير المتّهم عند من لا يعرفه.فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها... (1)

الكافي للكليني 8:63 ح 22 كتاب الروضة. [1]

.

و رواه المفيد في( إرشاده الشيخ المفيد-الإرشاد-ص 155 )عن مسعدة بن صدقة عن الصادق عليه السّلام قال:

قال أمير المؤمنين عليه السّلام:أمّا بعد،فإنّ اللّه تعالى لم يقصم جبّارا قطّ إلاّ بعد تمهيل و رخاء،و لم يجبر كسر عظم أحد من الامم إلاّ بعد أزل و بلاء.أيّها الناس و في دون ما استقبلتم من خطب و استدبرتم من عصر معتبر،و ما كلّ ذي قلب بلبيب،و لا كلّ ذي سمع بسميع،و لا كلّ ذي ناظر عين ببصير،ألا فأحسنوا النظر-عباد اللّه-في ما يعنيكم،ثمّ انظروا إلى عرصات من أباده اللّه بعمله، كانوا على سنّة من آل فرعون أهل «جَنّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ» .

فها هي عرصة المتوسّمين، «وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ» (2)،تنذر من نابها من الثّبور بعد النّضرة و السرور،و مقيل من الأمن و الحبور،و لمن صبر منكم العاقبة،و للّه عاقبة الأمور.فواها لأهل العقول،كيف أقاموا بمدرجة السّيول، و استضافوا غير مأمون رئيسا لهذه الأمّة الجائرة في قصدها الراغبة عن رشدها؟لا يقتفون أثر نبي،و لا يقتدون بعمل وصيّ،و لا يؤمنون بغيب،و لا يرعوون من عيب.كيف،و مفزعهم في المبهمات إلى قلوبهم،و كلّ امرىء منهم إمام نفسه،أخذ منها في ما يرى بعرى ثقات.لا يألون قصدا،و لن يزدادوا إلاّ بعدا،لشدّة انس بعضهم ببعض،و تصديق بعضهم بعضا حيادا كلّ ذلك عمّا ورث الرّسول،و نفورا عمّا أدّى إليه من فاطر السماوات و الأرضين العليم الخبير.فهم أهل عشوات كهوف شبهات،قادة حيرة و ريبة.من و كل إلى


1) 1)

2) 2) الحجر:76. [2]

نفسه فاغرورق في الأضاليل.هذا و قد ضمن اللّه قصد السبيل «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ» (1)

الأنفال:42. [1]

.فيا ما أشبهها أمّة صدّت عن ولادتها و رغبت عن رعاتها... (2).

و نقل الخوئي أيضا الأوّل و أشار إلى الثاني (3).

«امّا بعد،فإنّ اللّه» هكذا في(المصرية)و زاد(ابن ميثم و الخطّية) (4)سبحانه.

«لم يقصم» قال الجوهري:قصمت الشيء قصما:إذا كسرته حتّى يبين (5).

«جبّاري دهر قطّ إلاّ بعد تميل» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(تمهيل) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية)و يصدّقه الرّوضة و الإرشاد (6).

«و رخاء» و هو ضدّ الشدّة،و عدم قصمه تعالى للجبّارين إلاّ بعد تمهيل و رخاء هو سنّته عزّ و جلّ،قال تعالى: «فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ» (7).

و بتمهيله جلّ و علا يغترّ الجبّارون و يزيدون جبّاريتهم،و في(أغاني أبي الفرج)قال أبو عبيدة:حدّثني أبو الهذيل العلاّف قال:صعد خالد القسري


1) 1)

2) 2) الإرشاد للمفيد:155. [2]

3) 3) شرح الخوئي 3:61.

4) 4) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:133،و الكافي 8:64،و [3]الإرشاد:155،لكن لفظ شرح ابن ميثم 2:305« [4]فإن اللّه» و«تميل»أيضا.

5) 5) صحاح اللغة للجوهري 5:2013 [5] مادة(قصم).

6) 6) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:133،و الكافي 8:64،و [6]الإرشاد:155، [7]لكن لفظ شرح ابن ميثم 2:305«فإن اللّه» و«تميل»أيضا.

7) 7) الأنعام:44. [8]

المنبر،فقال:إلى كم يغلب باطلنا حقّكم؟أما آن لربّكم أن يغضب لكم؟و كان زنديقا أمّه نصرانية،فكان يولّي النصارى و المجوس على المسلمين، و يأمرهم بامتهانهم و ضربهم،و كان أهل الذمّة يشترون الجواري المسلمات و يطؤهنّ،فيطلق لهم ذلك،و لا يغيّر عليهم (1)

الأغاني لأبي الفرج 22:16.

.

«و لم يجبر» الجبر:إصلاح العظم المكسور،و يعبّر عنه في الفارسيّة بقولهم:(شكست و بست).

«عظم أحد من الامم إلاّ بعد أزل» أي:ضيق.

«و بلاء» فكما لم يهلك الجبّارين إلاّ بعد مدّة طويلة لم يقوّ المقهورين إلاّ بعد شدّة عريضة،ما قال عليه السّلام ذلك-أي:عدم قصم الجبّارين،و عدم إغاثة المقهورين-إلاّ بعد مدّة،تمثيلا لحاله عليه السّلام و حال المتقدّمين عليه «سُنَّةَ اللّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً» (2).

و يشهد لكلامه عليه السّلام في الجبّارين و المستضعفين قوله تعالى في فرعون و أصحابه و موسى و قومه: «وَ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَ نَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَ إِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللّهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ»


1) 1)

2) 2) الأحزاب:62. [1]

«وَ قالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ وَ لَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ » (1)

الأعراف:127-137. [1]

.

«و في دون» أي:أقلّ.

«ما استقبلتم من عتب» أي:العتاب .

«و ما استدبرتم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و استدبرتم)كما في (ابن ميثم و الخطّية) (2).

«من خطب» أي:الامور العظيمة.

«معتبر» مبتدأ لقوله: «و في دون» .يقال لك:في هذا الأمر عبرة و معتبر.

و مراده عليه السّلام أنّ في الأقلّ ممّا استقبلهم هو عليه السّلام و زوجته سيّدة النساء صلوات اللّه عليها و باقي بني هاشم،من العبّاس و الفضل بن عبّاس و غيرهما،و شيعته من سلمان و أبي ذر و المقداد و عمّار و حذيفة و نظرائهم من عتابهم في ما فعلوا،من تقديم الثلاثة عليه عليه السّلام و تركهم لمن هو بمنزلة نفس الرّسول صلى اللّه عليه و آله في العصمة و الطهارة و العلم بالكتاب و السنّة-كما هو حقّه-و الإرشاد إلى


1) 1)

2) 2) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2:133،و شرح ابن ميثم 2:305 مثل المصرية أيضا.

أحكام الشريعة كما شرعها النّبيّ صلى اللّه عليه و آله من اللّه تعالى،و رفعهم للأجانب الّذين بالضدّ من ذلك،و ممّا استدبرهم من مفاسد تقديم أولئك،لا سيّما في أيّام ثالثهم ما يوجب عبرتهم و اعترافهم بخطئهم و رجوعهم عن عملهم .

«و ما كلّ ذي قلب بلبيب» صاحب لبّ يميّز بين القشر و اللبّ،و لذا قال تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ » (1)

الزمر:9. [1]

.

«و لا كلّ ذي سمع بسميع» يعمل بما سمع،قال تعالى: «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ» (2)، «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً » (3).

«و لا كلّ ناظر» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و لا كلّ ذي ناظر)كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (4).

«ببصير» يفرّق بين الحقائق و غيرها،قال تعالى: «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (5).و مراده عليه السّلام أنّه و إن كان في دون ما استقبلوه و ما استدبروه ما يوجب اعتبارهم و فهمهم خطأهم،في تركهم أهل بيت نبيّهم صلى اللّه عليه و آله إلاّ أنّه لمّا كان أكثر النّاس لا يعقلون و لا يميّزون بين الحقّ و الباطل كما قال تعالى: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» (6)،و قال عزّ و جلّ في موضع:


1) 1)

2) 2) يونس:42. [2]

3) 3) الفرقان:44. [3]

4) 4) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:133، [4]لكن في شرح ابن ميثم 2:305« [5]لا كل ناظر»أيضا.

5) 5) الحج:46. [6]

6) 6) لقمان:25. [7]

«وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» (1)

الأنعام:37. [1]

،و في آخر: «وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ» (2)بقي أكثرهم في تيههم و لم يهتدوا لسبيلهم،و إنّما رجع إليه عليه السّلام جمع معدود.

قال الكشي:قال الفضل بن شاذان:إنّ من السابقين الّذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام أبا الهيثم بن التيهان،و أبا أيّوب،و خزيمة بن ثابت(أي:ذو الشهادتين)و جابر بن عبد اللّه،و زيد بن أرقم،و أبا سعيد الخدري،و سهل بن حنيف،و البراء بن مالك،و عثمان بن حنيف،و عبادة بن الصامت.ثمّ ممّن دونهم قيس بن سعد بن عبادة،و عدي بن حاتم،و عمرو بن الحمق،و عمران بن الحصين،و بريدة الأسلمي،و بشر كثير (3).

«فيا عجبا و ما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لا يقتصون» قال الجوهري:قصّ أثره:أي تتبّعه (4).

قال تعالى: «فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً» (5).و كذلك:(اقتص أثره، و تقصص أثره).

«أثر نبيّ و لا يقتدون بعمل وصيّ» بل يتّبعون أهواءهم و آراءهم،روى الأصبغ عنه عليه السّلام قال:ما بال أقوام غيّروا سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و عدلوا عن وصيّة،لا يتخوّفون أن ينزل بهم العذاب؟ثمّ تلا هذه الاية: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ» (6).ثمّ قال عليه السّلام:نحن النّعمة التي أنعم اللّه بها على عباده،و بنا يفوز من فاز يوم القيامة (7).


1) 1)

2) 2) الزخرف:66. [2]

3) 3) معرفة الرجال للكشي-اختياره:38 ح 78.

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 3:1051 [3] مادة(قصّ).

5) 5) الكهف:64. [4]

6) 6) إبراهيم:28. [5]

7) 7) الكافي للكليني 1:217 ح 1. [6]

و روى أبو هارون عن أبي عقيل قال:كنّا عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فقال:لتفترقنّ هذه الأمّة على ثلاث و سبعين فرقة،و الّذي نفسي بيده،إنّ الفرق كلّها ضالّة إلاّ من اتّبعني و كان من شيعتي (1)

الأمالي للمفيد:212 ح 3 المجلس 24،و الغارات للثقفي 2:585،و [1]يأتي تخريجه من طرق أخرى في العنوان 17 من هذا الفصل.

.

و عن الصادق عليه السّلام قال لأحد أصحابه:أ تدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامّة؟قال:لا.قال:إنى عليّا عليه السّلام لم يكن يدين اللّه بدين إلاّ خالف عليه الأمّة إلى غيره إرادة لابطال أمره،و كانوا يسألون أمير المؤمنين عليه السّلام عن الشيء الذي لا يعلمونه،فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّا من عند أنفسهم ليلبسوا على النّاس (2).

و عن الكاظم عليه السّلام قال:ما رأيت الناس أخذوا عن الحسن و الحسين عليهما السّلام إلاّ الصلاة بعد العصر و بعد الغلاة في طواف الفريضة (3).

و عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة قال ابن عبّاس:و ايم اللّه،أن لو قدّم من قدّم اللّه،و أخّر من أخّر اللّه ما عالت فريضة (4).

و عن سعيد بن أبي الخضيب البجلي:كنت مع ابن أبي ليلى مزامله حتّى جئنا إلى المدينة،فبينا نحن في مسجد الرسول صلى اللّه عليه و آله إذ دخل جعفر بن محمّد، فقلت لابن أبي ليلى:أما تقوم بنا إليه؟فقال:و ما نصنع عنده؟قلت:نسائله و نحدّثه.فقال:نعم.فقمنا إليه فسألني عن نفسي و أهلي،ثمّ قال:من هذا معك؟ فقلت:ابن أبي ليلى قاضي المسلمين.فقال له:تأخذ مال هذا فتعطيه هذا،


1) 1)

2) 2) علل الشرائع للصدوق:531 ح 1. [2]

3) 3) الكافي للكليني 4:424 ح 5،و [3]التهذيب للطوسي 5:142 ح 144،و الاستبصار 2:236 ح 3.

4) 4) الكافي للكليني 7:79 ح 3،و [4]الفقيه للصدوق 4:187 ح 3،و علل الشرائع:568 ح 4،و [5]التهذيب للطوسي 9:248 ح 6،و الفرائض لأبي الشيخ،و سنن البيهقي عنهما منتخب كنز العمال 4:207 ضمن حديث طويل.

و تقتل،و تفرّق بين المرء و زوجه،لا تخاف في ذلك أحدا؟قال:نعم.قال:فبأيّ شيء تقضي؟قال:بما بلغني عن النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و عن عليّ،و عن أبي بكر و عمر.

قال:فبلغك عن النّبي صلى اللّه عليه و آله أنّه قال:إنّ أقضاكم عليّ؟قال:نعم.قال:فكيف تقضي بغير قضاء علي،و قد بلغك هذا؟فما تقول إذا جيء بأرض من فضة و سماء من فضّة،ثمّ أخذ النّبي صلى اللّه عليه و آله بيدك فأوقفك بين يدي ربّك فقال:يا رب إنّ هذا قضى بغير ما قضيت.قال:فاصفرّ وجه ابن أبي ليلى حتّى عاد مثل الزّعفران،ثمّ قال لي:التمس لنفسك زميلا،و اللّه لا أكلّمك من رأسي كلمة أبدا (1)

الاحتجاج للطبرسي:353. [1]

.

و ورد أنّ سفيان الثوري مع قرشي مكّي ذهبا إلى الصادق عليه السّلام فوجداه ركب دابّته،فقال سفيان:يا أبا عبد اللّه حدّثنا بحديث خطبة النّبيّ صلى اللّه عليه و آله في مسجد الخيف.قال:دعني حتّى أذهب في حاجتي،فإنّي قد ركبت،فإذا جئت حدّثتك.فقال:أسألك بقرابتك من النّبي صلى اللّه عليه و آله لما حدّثتني.فنزل،فقال سفيان:

مرلي بدواة و قرطاس حتى أثبته.فدعا به،ثمّ قال:اكتب:

بسم اللّه الرحمن الرحيم.

خطبة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في مسجد الخيف.

نضّر اللّه عبدا سمع مقالتي فوعاها،و بلّغها من لم تبلغه.يا أيّها الناس ليبلّغ الشاهد الغائب،فربّ حامل فقه ليس بفقيه،و ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرىء مسلم:إخلاص العمل للّه،و النصيحة لأئمّة المسلمين،و اللزوم لجماعتهم،فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم المؤمنون إخوة تتكافا دماؤهم،و هم يد على من سواهم،و يسعى بذمّتهم أدناهم.


1) 1)

فكتبه سفيان و عرضه على أبي عبد اللّه عليه السّلام.قال القرشي:فركب أبو عبد اللّه،و جئت أنا و سفيان،فلمّا كنّا في بعض الطريق قال لي سفيان:كما أنت حتّى أنظر في هذا الحديث،فقلت له:قد و اللّه ألزم أبو عبد اللّه رقبتك شيئا لا يذهب أبدا.فقال:و أيّ شيء ذلك؟فقلت له:ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرىء مسلم...«إخلاص العمل للّه»قد عرفناه،«و النصيحة لأئمّة المسلمين»من هؤلاء الأئمّة الذين يجب علينا نصيحتهم؟معاوية بن أبي سفيان و يزيد بن معاوية و مروان بن الحكم؟!و قوله«و اللزوم لجماعتهم».فأي الجماعة؟ مرجىء يقول:من لم يصلّ،و لم يصمّ،و لم يغتسل من جنابة،و هدم الكعبة و نكح أمّه فهو على إيمان جبرئيل و ميكائيل،أو قدريّ يقول:لا يكون ما شاء اللّه تعالى و يكون ما شاء إبليس،أو حروري يتبرأ من علي بن أبي طالب و يشهد عليه بالكفر،أو جهمي يقول:إنّما هي معرفة اللّه وحده ليس الإيمان شيء غيرها؟!قال سفيان:و يحك،فأيّ شيء يقولون؟قلت:يقولون:إنّ عليّ ابن أبي طالب و اللّه الإمام الذي يجب علينا نصيحته،و يقولون:«و لزوم جماعتهم»أهل بيته.قال:فأخذ سفيان الكتاب فخرقه.قال:لا تخبر به أحدا (1)

الكافي للكليني 1:403 ح 2،و [1]أخرج الخطبة بلا ذكر قصّة الكليني في الكافي 1:403 ح 1،و القمي في تفسيره 2:447،و [2]الصدوق في الخصال:149 ح 182 باب الثلاثة،و المفيد في أماليه:186 ح 13 المجلس 23.

.

و عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي:كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام بمكّة إذ دخل عليه أناس من المعتزلة فيهم عمرو بن عبيد،و واصل بن عطاء،و حفص ابن سالم مولى ابن هبيرة،و ناس من رؤسائهم،و ذلك حدثان قتل الوليد و اختلاف أهل الشام بينهم،فتكلّموا و أكثروا و خبطوا فأطالوا،فقال أبو عبد اللّه:قد أكثرتم عليّ فأسندوا أمركم إلى رجل منكم يتكلّم بحجّتكم و يوجز.

فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد،فتكلّم فأبلغ و أطال،فكان في ما قال:إنّ


1) 1)

أهل الشام قتلوا خليفتهم،و ضرب اللّه بعضهم ببعض،و شتّت أمرهم،فنظرنا فوجدنا رجلاله دين و عقل و مروّة و موضع و معدن للخلافة،و هو محمّد بن عبد اللّه بن الحسن،فأردنا أن نجتمع عليه فنبايعه ثمّ نظهر معه،فمن كان بايعنا فهو منّا و كنّا معه،و من اعتزلنا كففنا عنه،و من نصب لنا جاهدناه، و نصبنا له على بغيه،و ردّه إلى الحقّ و أهله،و قد أحببنا أن نعرض ذلك عليك فتدخل معنا،فإنّه لا غنى بنا عن مثلك لموضعك و كثرة شيعتك.

قال:فلمّا فرغ عمرو قال أبو عبد اللّه لهم:أكلّكم على مثل ما قال عمرو؟ قالوا:نعم.فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه،و صلّي على النّبيّ صلى اللّه عليه و آله ثمّ قال:إنّما نسخط إذا عصي اللّه،فأمّا إذا أطيع رضينا.أخبرني يا عمرو لو أنّ هذه الأمّة قلّدتك أمرها،و ولّتكه بغير قتال و لا مئونة،و قيل لك:ولّها من شئت فمن كنت تولّيها؟قال:كنت أجعلها شورى بين المسلمين.قال:بين كلّهم؟قال:نعم.قال:

بين فقهائهم و خيارهم؟قال:نعم.قال:قريش و غيرهم؟قال:نعم.قال:

و العرب و العجم؟قال:نعم.قال:اخبرني يا عمرو أتتولّى أبا بكر و عمر أم تتبرأ منهما؟قال:أتولاّهما.قال:فقد خالفتهما،فإن كنت تتبرّأ منهما فإنّه يجوز لك الخلاف عليهما،و إن كنت تتولاّهما فقد خالفتهما،قد عمد عمر إلى أبي بكر فبايعه،و لم يشاور فيه أحدا،ثمّ ردّها أبو بكر عليه و لم يشاور فيه أحدا،ثمّ جعلها عمر شورى بين ستّة و أخرج منها جميع المهاجرين و الأنصار غير أولئك الستّة من قريش،و أوصى فيهم شيئا لا أراك ترضى به أنت و لا أصحابك،إذ جعلتها شورى بين جميع المسلمين.قال:و ما صنع؟قال:أمر صهيبا أن يصلّي بالنّاس ثلاثة أيّام،و ان يشاور أولئك الستّة ليس معهم أحد إلاّ ابن عمر يشاورونه،و ليس له من الأمر شيء،و أوصى من بحضرته من المهاجرين و الأنصار:إن مضت ثلاثة أيّام قبل أن يبايعوا رجلا منهم أن يضربوا أعناق أولئك الستّة جميعا،فإن اجتمع أربعة قبل أن تمضي ثلاثة أيّام

و خالف اثنان أن يضربوا أعناق الاثنين.أ فترضون بهذا أنتم في ما تجعلون من الشورى في جماعة المسلمين؟قالوا:لا.

ثمّ قال:يا عمرو دع ذا.أرأيت لو بايعت صاحبك الّذي تدعوني إلى بيعته،ثمّ اجتمعت لكم الامّة فلم يختلف عليكم رجلان،فأفضيتم إلى المشركين الذين لا يسلمون و لا يؤدّون الجزية،أ كان عندكم و عند صاحبكم من العلم ما تسيرون فيه بسيرة النّبيّ صلى اللّه عليه و آله في المشركين في حروبه؟قال:

نعم.قال:فتصنع ما ذا؟قال:ندعوهم إلى الاسلام،فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية.قال:و إن كانوا مجوسا ليسوا بأهل كتاب؟قال:سواء.قال:و إن كانوا مشركي العرب و عبدة الأوثان؟قال:سواء.

قال:أخبرني عن القرآن هل تقرؤه؟قال:نعم.قال:اقرأ «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ» (1)

التوبة:29. [1]

،فاستثناء اللّه تعالى و اشتراطه «مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» ،فهم و الذين لم يؤتوا الكتاب سواء؟قال:نعم.قال:عمّن أخذت ذا.قال:سمعت النّاس يقولون.

قال:فدع ذا.فإنّ هم أبوا الجزية فقاتلتهم فظفرت عليهم،كيف تصنع بالغنيمة؟قال:أخرج الخمس،و أقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه.قال:

فأخبرني عن الخمس من تعطيه؟فقرأ «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ» (2).قال:

الّذي للرسول من تعطيه؟و من ذو القربى؟قال:قد اختلف فيه الفقهاء،فقال


1) 1)

2) 2) الأنفال:41. [2]

بعضهم:قرابة النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و أهل بيته،و قال بعضهم:الخليفة.و قال بعضهم:

قرابة الذين قاتلوا عليه من المسلمين.قال:فأيّ ذلك تقول أنت؟قال:لا أدري.

قال:فأراك لا تدري،فدع ذا.أرأيت الأربعة الأخماس تقسمها بين جميع من قاتل عليها؟قال:نعم.قال:فقد خالفت النّبيّ صلى اللّه عليه و آله في سيرته،بيني و بينك فقهاء المدينة و مشيختهم،فسلهم فإنّهم لا يختلفون في أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و آله إنّما صالح الأعراب على أن يدعهم و لا يهاجروا على أن دهمه من عدوّهم أن يستفزّهم فيقاتل بهم،و ليس لهم في الغنيمة نصيب،و أنت تقول:بين جميعهم.فقد خالفت النّبي صلى اللّه عليه و آله في كلّ ما قلت في سيرته من المشركين.

و مع هذا ما تقول في الصدقات؟فقرأ: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها» (1)

التوبة:60. [1]

إلى آخر الآية.قال:فكيف تقسّمها؟قال:

أقسّمها على ثمانية أجزاء،فأعطي كلّ جزء من الثمانية جزءا.قال:و إن كان صنف منهم عشرة آلاف،و صنف رجلا أو رجلين أو ثلاثة،جعلت لهذا الواحد ما جعلت للعشرة آلاف؟قال:نعم.قال:و تجمع صدقات أهل الحضر و أهل البوادي فتجعلهم فيها سواء؟قال:نعم.قال:فقد خالفت النّبيّ صلى اللّه عليه و آله في سيرته، فكان يقسّم صدقة أهل البوادي،في أهل البوادي،و صدقة أهل الحضر في أهل الحضر،و لا يقسّمه بينهم بالسّوية،و إنّما يقسّمه على قدر ما يحضره منهم.

فإن كان في نفسك شيء فالق فقهاء المدينة فإنّهم لا يختلفون في أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله كان كذا يفعل.

ثمّ أقبل عليه السّلام على عمرو فقال له:اتّق اللّه يا عمرو،و أنتم أيّها الرّهط فاتّقوا اللّه،فإنّ أبي حدّثني-و كان خير أهل الأرض و أعلمهم بكتاب اللّه و سنّة نبيّه صلى اللّه عليه و آله-أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:من ضرب النّاس بسيفه،و دعاهم إلى نفسه،


1) 1)

و في المسلمين من هو أعلم منه فهو ضالّ متكلّف (1)

الكافي للكليني 5:23 ح 1،و [1]الاحتجاج للطبرسي:362. [2]

.

و روى الخطيب في ليث بن الفرج عن النّبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:ليضربنّ النّاس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة... (2)

و مراده صلى اللّه عليه و آله بعالم المدينة الأئمّة من أهل بيته،و الدّليل عليه قوله صلى اللّه عليه و آله:«عالم المدينة»دون علماء المدينة،و في كلّ زمان لم يكن أكثر من إمام.

و شاهد عدم اقتفائهم أثر النبي كما ذكره عليه السّلام ما قالوه في أبي الغادية الجهني قاتل عمّار،قال ابن عبد البرّ في(استيعابه):سمع من النّبيّ صلى اللّه عليه و آله قوله:

لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض.و كان محبّا في عثمان، و هو قاتل عمّار بن ياسر.و كان إذا استأذن على معاوية و غيره يقول:قاتل عمّار بالباب!و كان يصف قتله له إذا سئل عنه لا يباليه،و في قصّته عجب عند أهل العلم،روى عن النّبي صلى اللّه عليه و آله ما ذكرنا أنّه سمعه منه،ثمّ قتل عمّارا (3).

قلت:و أعجب من أمر أبي الغادية أمر جميع هؤلاء المدّعين للدّين، و العلم و اليقين،يجمعون بين القول بجلالة عمّار،و ولاية عثمان،فالرّجل و إن اتّبع هواه إلاّ أنّه حمله محبّته لعثمان على ترك قول النّبيّ صلى اللّه عليه و آله سلما من الجمع من التّضاد و القول بالمحال.

و كذلك من قدّم منهم فعل عمر على قول النّبيّ صلى اللّه عليه و آله،فرأى رجل منهم معاوية على منبر النّبي صلى اللّه عليه و آله يخطب فسلّ سيفه و ذهب إليه ليقتله،فقيل له:لم؟ قال:لأنّي سمعت النّبي صلى اللّه عليه و آله يقول:«إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» (4).

فقالوا له:أ تدري من ولاّه؟قال:لا.قالوا:عمر.قال:سمعا و طاعة لعمر.


1) 1)

2) 2) تاريخ بغداد للخطيب 13:16. [3]

3) 3) الاستيعاب 4:151. [4]

4) 4) حديث النّبي صلى اللّه عليه و آله أورده من عدّة طرق الفيروز آبادي في السبعة من السلف:199-201.

و إذا كانوا لا يتّبعون أثر نبيّهم،فلا غرو أن لا يقتدوا بعمل وصيّه -و كونه عليه السّلام وصيّه صلى اللّه عليه و آله و أوّل مؤمن باللّه أمر متواتر،و حاجّ به ابنه الحسين عليه السّلام يوم الطّف-ففي(الطبري)قال الحسين عليه السّلام لهم:أ لست ابن بنت نبيّكم و ابن وصيّه و ابن عمّه و أوّل المؤمنين باللّه و المصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟ (1)

تاريخ الطبري 4:322 سنة 61 [1] ضمن خطبة.

.

و مع تواتره أنكرته أمّهم،روى مسلم و البخاري أنّه ذكر عند عايشة أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و آله أوصى إلى عليّ،قالت:و متى أوصى،و من يقول ذلك؟قيل:إنّهم يقولون.قالت:من يقوله؟لقد دعا بطست ليبول،و أنّه بين سحري و نحري فمات و ما شعرت (2).

فتراها تدّعي موت النّبيّ صلى اللّه عليه و آله مكشوف العورة حين البول لتنكر جعله له وصيّا!و يقال لها:و قولك:«متى أوصى أنّه مات بين سحري و نحري»هل يلزم أن تكون الوصاية حين خروج الرّوح حتّى يستلزم ما ادّعيت عدم وصايته؟مع أنّ قولها بموت النّبيّ صلى اللّه عليه و آله بين سحرها و نحرها من أكاذيبها و بهتانها،فكون رأسه صلى اللّه عليه و آله حين موته في حجر أمير المؤمنين عليه السّلام متواتر (3)، و لقد صرّح ابن عبّاس بافتراء عايشة في ادّعائها ذلك (4).

و كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول:لو استطاعوا أن ينكروا قرابتي من النّبي صلى اللّه عليه و آله لأنكروها إلاّ أنّهم لا يستطيعون ذلك (5).


1) 1)

2) 2) صحيح البخاري بطريقين 2:125 و 3:95،و صحيح مسلم 3:1257 ح 19،و سنن النسائي 6:240،و مسند أحمد 6:32،و طبقات ابن سعد 2 [2] ق 2:49 بطريقين.

3) 3) مسند أحمد 6:300 و خصائص النسائي:130 بطريقين،و أخرجه ابن عساكر بثلاث طرق في ترجمة علي عليه السّلام 3:18،19 ح 1038-40ۀ1 عن أمّ سلمة،و روى أيضا عن عائشة و علي عليه السّلام و ابن عباس و غيرهم.

4) 4) الطبقات لابن سعد 2 ق 2:51.

5) 5) أخرجه الكليني في الرسائل عنه كشف المحجّة:180 ضمن كتاب طويل له عليه السّلام،و النقل بتصرف.

و أقول:إنّهم و إن لم يستطيعوا أن ينكروا ذلك تصريحا إلاّ أنّهم عبّروا عنه عليه السّلام و عن عترته بما جعلوهم كالأجنبي عنه صلى اللّه عليه و آله،فقال أبو حمزة الخارجي-و الخوارج إحدى الفرق التاركة للوصيّ تبعا للأوّل و الثاني-في ذمّ شيعته و شيعة عترته في خطبته:«قد قلّدوا أهل بيت من العرب و زعموا أنّ موالاتهم تغنيهم ».

«و لا يؤمنون بغيب» في(تفسير القمي)في قوله تعالى: «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» (1)

البقرة:2-3. [1]

أي:بالبعث و النشور و الوعد و الوعيد (2).

و روى يحيى بن أبي القاسم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:الغيب هو الحجّة الغائب (3).

و شاهد ذلك قوله تعالى: «وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ » (4).

«و لا يعفّون عن عيب» قال ابن أبي الحديد:روي«يعفون»من العفو، و«يعفّون»من العفّة (5).

قلت:الصواب الثاني،فإنّ عدم العفو ترك فضل،و هو عليه السّلام في مقام بيان أنّ كلّ عملهم رذل،فلا بدّ أن يراد أنّهم لا يكفّون عن الفحص عن العيوب.

و روى محمّد بن يعقوب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:إنّ أبا بكر و عمر أتيا أمّ سلمة فقالا لها:إنّك قد كنت عند رجل قبل النّبي،فكيف هو من ذلك في


1) 1)

2) 2) تفسير القمي 1:30. [2]

3) 3) كمال الدين للصدوق:340 ح 20 [3] في ذيل حديث.

4) 4) يونس:20. [4]

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 2:133. [5]

الخلوة؟فقالت:ما هو إلاّ كسائر الرّجال.ثمّ خرجا عنها،فقامت إليه مبادرة فرقا أن ينزل أمر من السماء فأخبرته،فغضب النّبيّ صلى اللّه عليه و آله حتّى تربّد وجهه و التوى عرق الغضب بين عينيه،و خرج و هو يجرّ رداءه حتى صعد المنبر، و بادرت الأنصار بالسّلاح،و أمر بخيلهم أن تحضر،فحمد اللّه و أثنى عليه،ثمّ قال:ما بال أقوام يتّبعون عيبي؟و اللّه لأكرمكم حسبا،و أطهركم مولدا،لا يسألني أحد منكم عن أبيه إلاّ أخبرته.فقال إليه رجل فقال:من أبي؟فقال:فلان الراعي ... (1)

الكافي للكليني 5:565 ح 41. [1]

.

«يعملون في الشّبهات» كما قال تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ » (2).

«و يسيرون في الشّهوات» روى(الكافي)أنّه عليه السّلام قال:إنّ الناس آلوا بعد النّبيّ صلى اللّه عليه و آله إلى ثلاثة-إلى أن قال-:و جاهل مدّع للعلم لا علم له،معجب بما عنده،قد فتنته الدّنيا... (3).

و قال تعالى: «أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا » (4).

«المعروف عندهم» و الصواب:(فيهم)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5).

«ما عرفوا،و المنكر عندهم ما أنكروا» عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال النّبي صلى اللّه عليه و آله:

كيف بكم إذا فسدت نساؤكم،و فسق شبابكم،و لم تأمروا بالمعروف،


1) 1)

2) 2) آل عمران:7. [2]

3) 3) الكافي للكليني 1:33 ح 1. [3]

4) 4) مريم:59. [4]

5) 5) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:133،لكن في شرح ابن ميثم 2:305« [5]عندهم»أيضا.

و لم تنهوا عن المنكر؟فقيل له:و يكون ذلك يا رسول اللّه؟قال:نعم،و شرّ من ذلك،كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر و نهيتم عن المعروف؟قيل:يا رسول اللّه و يكون ذلك؟قال:نعم،و شرّ من ذلك،كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا و المنكر معروفا ؟ (1)

أخرجه الحميري في قرب الاسناد:26 [1] عن الصادق عن أبيه عن الباقر عليه السّلام عن النّبيّ صلى اللّه عليه و آله،و أخرجه رزين في الجمع عنه جامع الاصول 10:412 ح 7485 عن عليّ عليه السّلام عن النّبي صلى اللّه عليه و آله.

.

«مفزعهم في المعضلات» أي:المشكلات.

«إلى أنفسهم،و تعويلهم» أى:اعتمادهم.

«في المهمّات» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(في المبهمات)كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).

«إلى آرائهم» الباطلة،و نظرياتهم الخاطئة،و مع أنّهم رأوا فاروقهم يقول مرارا:«معضلة و لا أبا حسن لها» (3).حتّى صار كالمثل السائر،و أقرّ عند وفاته بأنّه عليه السّلام لو ولّيها ليحملنّهم علي المحجّة البيضاء (4)،يعرضون عنه و يجعلون أنفسهم في قباله،بل يسعون في اضمحلال أمره .

«كأنّ كلّ امرىء منهم إمام نفسه» كان عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام جماعة فيهم هشام بن الحكم و هو شاب،فقال عليه السّلام:ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد و كيف سألته؟قال:جعلت فداك،إنّي أجلّك و لا يعمل لساني بين يديك.فقال عليه السّلام:إذا أمرتكم بشيء فافعلوه.قال هشام:بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد و جلوسه في مسجد البصرة،و عظم ذلك عليّ،فخرجت إليه


1) 1)

2) 2) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2:133 و شرح ابن ميثم 2:305 مثل المصرية أيضا.

3) 3) هذا حديث مشهور أخرجه الخوارزمي في مناقبه:51،و مقتل الحسين 1:45،و جمع آخر بفرق بين الألفاظ مرّ تخريجه في شرح فقرة«و الفضائل الجمّة»من خطبة الرضي.

4) 4) رواه ابن عساكر بطريقين في ترجمة عليّ عليه السّلام 3:106 ح 1136،1137 و غيره بفرق بين الألفاظ.

و دخلت البصرة في يوم الجمعة،فإذا أنا بحلقة كبيرة،و إذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء متّزربها من صوف،و شملة مرتديا بها،و الناس يسألونه، فاستفرجت النّاس فأفرجوا لي،ثمّ قعدت في آخر القوم على ركبتي،ثمّ قلت:

أيّها العالم أنا رجل غريب أ تأذن لي أسألك عن مسألة؟فقال:نعم.قلت:ألك عين؟قال:أي شيء هذا من السؤال؟فقلت:هكذا مسألتي.فقال:يا بني سل، و إن كانت مسألتك حمقاء.فقلت:أجبني فيها.فقال لي:سل.فقلت:ألك عين؟ قال:نعم.قلت:فما ترى بها؟قال:الألوان و الأشخاص.فقلت:ألك أنف؟قال:

نعم.قلت:فما تصنع بها؟قال:أشمّ بها الرائحة.قلت:ألك فم؟قال:نعم.قلت:

و ما تصنع به؟قال:أعرف به طعم الأشياء.قلت:ألك لسان؟قال:نعم.قلت:و ما تصنع به؟قال:أتكلّم به.قلت:ألك أذن؟قال:نعم.قلت:و ما تصنع بها؟قال:

أسمع بها الأصوات.قلت:ألك يد؟قال:نعم.قلت:و ما تصنع بها؟قال:أبطش بها.قلت:ألك قلب؟قال:نعم.قلت:و ما تصنع به؟قال:أميّز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح.قلت:أ فليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟قال:لا.قلت:و كيف ذلك،و هي صحيحة سليمة؟قال:يا بني إنّ الجوارح إذا شكّكت في شيء شمّمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته أو لمسته ردّته إلى القلب فيصحّح اليقين، و يبطل الشك.فقلت:إنّما أقام اللّه القلب لشك الجوارح؟قال:نعم.قلت:فلا بدّ من القلب،و إلاّ لم تستقم الجوارح؟قال:نعم.فقلت:يا أبا مروان إنّ اللّه تعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماما يصحّح الصحيح،و ييقن ما شك فيه، و يترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم و شكّهم و اختلافهم لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكّهم و حيرتهم؟قال:فسكت و لم يقل شيئا.ثمّ التفت إليّ،فقال:

أنت هشام؟قلت:لا.قال:أ جالسته؟قلت:لا.قال:فمن أين أنت؟قلت:من الكوفة.

قال:فأنت إذن هو.ثمّ ضمّني إليه و أقعدني في مجلسه،و ما نطق حتّى قمت.

فضحك أبو عبد اللّه عليه السّلام و قال:من علّمك هذا؟فقال:شيء جرى على لساني.

فقال:هذا و اللّه مكتوب في صحف إبراهيم و موسى (1)

الكافي للكليني 1:169 ح 3 و [1]الاحتجاج للطبرسي:367،و [2]النقل بتصرف يسير.

.

و قال أبو الحسن الرّفا لابن رامين الفقيه:إنّ النبي صلى اللّه عليه و آله لمّا خرج من المدينة ما استخلف عليها أحدا؟قال:بلى،استخلف عليّا.قال:و كيف لم يقل لأهل المدينة اختاروا فإنّكم لا تجتمعون على الضلال؟قال:خاف عليهم الخلف و الفتنة.قال:فلو وقع بينهم فساد لأصلحه عند عودته؟قال:هذا أوثق.

قال:أ فأستخلف أحدا بعد موته؟قال:لا.قال:فموته أعظم من سفره،فكيف أمن على الأمّة بعد موته ما خافه في سفره و هو حيّ عليهم؟!فقطعه (2).

و سأل بعض الإمامية يحيى بن أكثم عن قول النّبيّ صلى اللّه عليه و آله حيث أخذ بيد علي عليه السّلام و أقامه للنّاس،فقال:«من كنت مولاه فعليّ مولاه» (3)أ بأمر من اللّه تعالى ذلك أم برأيه؟فسكت عنه،فقيل له في ذلك،فقال:إن قلت:برأيه نصبه للناس خالفت قوله تعالى: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» (4)و إن قلت:بأمر اللّه تعالى ثبتت إقامته.قال:فلم خالفوه و اتّخذوا وليّا غيره (5).

و قال أبو عليّ المحمودي لأبي الهذيل:أليس من دينك أنّ العصمة و التوفيق لا يكونان لك من اللّه إلاّ بعمل تستحقه به؟قال:نعم.قال:فقوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» (6)؟قال:قد أكمل لنا الدّين.فقال:ما تصنع بمسألة لا تجدها في الكتاب و السنّة،و قول الصحابة،و حيلة الفقهاء؟ قال:هات.قال:خبّرني عن عشيرة كلّهم عنّين و قعوا في طهر واحد بامرأة


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:258. [3]

3) 3) هذا حديث الغدير،يأتي تخريجه في شرح فقرة«و لهم خصائص»في العنوان 4 من هذا الفصل.

4) 4) النجم:3. [4]

5) 5) المناقب لابن شهر آشوب 1:252،و [5]السائل هو حمران بن أعين.

6) 6) المائدة:3. [6]

و هم مختلفو العنّة،فمنهم من وصل إلى بعض حاجته،و منهم من قارب بحسب الإمكان منه،أفي خلق اللّه اليوم من يعرف حدّ اللّه في كلّ رجل منهم و مقدار ما ارتكب من الخطيئة فيقيم عليه الحدّ في الدّنيا و يطهّره منه في الآخرة؟فأفحم (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:249. [1]

.

«قد أخذ منها بعرى ثقات و أسباب محكمات» الأصل فيه قوله تعالى:

«فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لاَ انْفِصامَ لَها» (2).

3

من الخطبة(129)

وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ- وَ الدِّمَاءِ وَ الْمَغَانِمِ وَ الْأَحْكَامِ- وَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ- فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ- وَ لاَ الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ- وَ لاَ الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ- وَ لاَ الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ- وَ لاَ الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ- فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ- وَ يَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ- وَ لاَ الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ أقول:رواه ابن الجوزي في( مناقبه 1ابن الجوزي-المناقب-الخطبة المنبريّة )و سمّاه الخطبة المنبريّة،نقله البحار 2المجلسي-بحار الأنوار-ج 77 ص 294 ح 3 و في آخره:«و لا المعطّل للسّنن فيؤدّي ذلك إلى الفجور،و لا الباغي فيدحض الحقّ،و لا الفاسق فيشين الشّرع» (3).و كلامه عليه السّلام هذا دالّ على اشتراط العصمة في الإمام كما عليه الإماميّة،قال المسعودي:قال أهل الإمامة:نعت الإمام في نفسه أن يكون معصوما من الذنوب،لأنّه إن لم يكن


1) 1)

2) 2) البقرة:256. [2]

3) 3) بحار الأنوار للمجلسي 77:294 ح 3. [3]

معصوما لم يؤمن أن يدخل في ما يدخل فيه غيره من الذّنوب،فيحتاج إلى أن يقام عليه الحدّ كما يقيمه هو على غيره،فيحتاج الإمام إلى إمام إلى غير نهاية، و لم يؤمن عليه أيضا أن يكون في الباطن فاسقا فاجرا كافرا.و أن يكون أعلم الخليفة،لأنّه إن لم يكن عالما لم يؤمن عليه أن يقلب شرائع اللّه و أحكامه، فيقطع من يجب عليه الحدّ و يحدّ من يجب عليه القطع،و يضع الأحكام في غير المواضع التي وضعها اللّه تعالى.و أن يكون أشجع الخلق،لأنّهم يرجعون إليه في الحرب،فإن جبن و هرب يكون قد باء بغضب من اللّه.و أن يكون أسخى الخلق،لأنّه خازن المسلمين و أمينهم،فان لم يكن سخيا تاقت نفسه إلى أموالهم و شرهت إلى ما في أيديهم،و في ذلك الوعيد الشديد بالنار.و ذكروا خصالا كثيرة ينال بها أعلى درجات الفضل لا يشاركه فيها أحد،و أنّ ذلك كلّه وجد في عليّ بن أبي طالب و ولده،في السّبق إلى الايمان و الهجرة و القرابة و الحكم بالعدل و الجهاد في سبيل اللّه و الورع و الزّهد،و أنّ اللّه قد أخبر عن بواطنهم و موافقتها لظواهرهم بقوله عزّ و جلّ و وصفه لهم في ما صنعوه من الإطعام للمسكين و اليتيم و الأسير،و إنّ ذلك لوجهه خالصا لا أنّهم أبدوه بألسنتهم فقط،و أخبر عن أمرهم في المنقلب و حسن الموئل في المحشر،ثمّ في إخباره عزّ و جلّ عمّا أذهب عنهم من الرّجس و فعل بهم من التطهير... (1)

مروج الذهب للمسعودى 3:224. [1]

.

و قال هشام بن الحكم لمحمّد بن أبي عمير لمّا سأله عن وجه اشتراط عصمة الإمام:إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها:الحرص و الحسد و الغضب و الشهوة،فهذه منفيّة عنه لا يجوز أن يكون حريصا على هذه الدّنيا و هي تحت خاتمه،لأنّه خازن المسلمين،فعلى ما ذا يحرص؟و لا يجوز أن يكون حسودا،لأنّ الإنسان إنّما يحسد من فوقه،و ليس فوقه أحد،


1) 1)

فكيف يحسد من هو دونه؟و لا يجوز أن يغضب لشيء من أمور الدّنيا إلاّ أن يكون غضبه للّه عزّ و جلّ،فإنّ اللّه تعالى قد فرض عليه إقامة الحدود و أن لا تأخذه في اللّه لومة لائم،و لا رأفة في دينه حتّى يقيم حدود اللّه تعالى.و لا يجوز أن يتّبع الشهوات و يؤثر الدّنيا على الآخرة،لأنّ اللّه عزّ و جلّ حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدّنيا،فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدّنيا،فهل رأيت أحدا ترك وجها حسنا لوجه قبيح،و طعاما طيّبا لطعام مرّ،و ثوبا ليّنا لثوب خشن، و نعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية ؟ (1)

رواه الصدوق في الخصال:215 ح 36 باب الأربعة،و معاني الأخبار:133 ح 3،و علل الشرائع:204 ح 2 و [1]الأمالي: 505 ح 5 المجلس 92. [2]

«و قد علمتم أنّه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج و الدّماء و المغانم و الأحكام و إمامة المسلمين البخيل» إنّما قال عليه السّلام:قد علمتم أنّه لا ينبغي ما ذكر مع كون أكثر أصحابه غير مستبصر،و غير متعبّد بطريقته و طريقة أهل بيته، من كون الإمام كالنّبيّ،إحالة لهم على الفطرة التي فطر الناس عليها،فقد كانوا قد يقرّون بمقتضى الفطرة اضطرارا،ففي(الأغاني)عن حبيب المهلّبي عن عمر بن شبّة عن خلاّد الأرقط قال:كان الشّراة و المسلمون يتوافقون و يتساءلون بينهم عن أمر الدين و غير ذلك على أمان و سكون،فتواقف يوما عبيدة بن هلال اليشكري و أبو حزابة التّميمي و هما في الحرب،فقال عبيدة:يا أبا حزابة إنّي سائلك عن أشياء،أفتصدّقني في الجواب عنها؟قال:نعم،إن تضمّنت لي مثل ذلك.قال:قد فعلت.قال:سل عمّا بدا لك.قال:ما تقول في أئمّتكم؟قال:يبيحون الدّم الحرام و الفرج الحرام.قال:فكيف فعلهم في المال؟ قال:يجبونه من غير حلّه و ينفقونه في غير حقّه.قال:فكيف فعلهم في اليتيم؟ قال:يظلمونه ماله و ينيكون أمّه.قال:و يلك يا أبا حزابة،أ فمثل هؤلاء تتّبع؟

1) 1)

قال:قد أجبت،فاسمع سؤالي و دع عنك عتابي على رأيي.قال:قل.قال:أيّ الخمر أطيب،خمر السّهل أم الجبل؟قال:ويلك أ تسأل مثلي عن هذا؟قال:

أوجبت على نفسك أن تجيب... (1)

لم أجده في الأغاني. [1]

.

و قال المبرّد في(كامله)بعد ذكر قتال المهلّب للخوارج من قبل ابن الزّبير و قتل عبد الملك لمصعب بن الزبير:ثمّ أتى الخوارج خبر قتله بمسكن، و لم يأتي المهلّب و أصحابه،فتوافقوا يوما على الخندق،فناداهم الخوارج ما تقولون في مصعب؟قالوا:إمام هدى.قالوا:فما تقولون في عبد الملك؟قالوا:

ضالّ مضلّ.فلمّا كان بعد يومين أتى المهلّب قتل مصعب،و أنّ أهل الشام اجتمعوا على عبد الملك،و ورد عليه كتاب عبد الملك بولايته،فلمّا توافقوا ناداهم الخوارج ما تقولون في مصعب؟قالوا:لا نخبركم.قالوا:فما تقولون في عبد الملك؟قالوا:إمام هدى.قالوا:يا أعداء اللّه،بالأمس ضالّ مضلّ و اليوم مام هدى!يا عبيد الدّنيا عليكم لعنة اللّه... (2).

فيقال للخوارج:إنّ ما فعله أصحاب المهلّب و إن كان خلاف الفطرة التي فطر النّاس عليها إلاّ أنّه لازم تولّيكم صدّيقكم و فاروقكم،فأنتم السفهاء حيث تجمعون بين ولايتهما و إنكار مثل ذلك.

و في(كامل المبرّد)كتب نافع إلى عبد اللّه بن الزّبير يدعوه إلى أمره:أمّا بعد،فإنّي أحذّرك من اللّه «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ» (3).

-إلى أن قال-:و قد حضرت عثمان يوم قتل،فلعمري لئن كان قتل مظلوما فقد


1) 1)

2) 2) الكامل للمبرد 8:52. [2]

3) 3) آل عمران:30. [3]

كفر قاتلوه و خاذلوه،و لئن كان قاتلوه مهتدين-و إنّهم لمهتدون-لقد كفر من يتولاّه و ينصره و يعضده،و لقد علمت أنّ أباك و طلحة و عليّا كانوا أشدّ النّاس عليه،و كانوا في أمره من بين قاتل و خاذل،و أنت تتولّي أباك و طلحة و عثمان، و كيف و لاية قاتل متعمّد و مقتول في دين واحد؟و لقد ملك عليّ بعده فنفى الشّبهات و أقام الحدود و أجرى الأحكام مجاريها و أعطى الأمور حقائقها في ما عليه و له،فبايعه أبوك و طلحة ثمّ خلعاه ظالمين له،و إنّ القول فيك و فيهما لكما قال ابن عبّاس:إن يكن عليّ في وقت معصيتكم و محاربتكم له كان مؤمنا لقد كفرتم بقتال المؤمنين و أئمّة العدل،و لئن كان كافرا كما زعمتم و في الحكم جائرا لقد بؤتم بغضب من اللّه لفراركم من الزّحف... (1)

الكامل للمبرد 7:238. [1]

.

فيقال لنافع:إنّ الجمع بين هذه الأضداد لازم تولّي صدّيقكم و فاروقكم و من فروعه،فكيف تقول أنت بالملزوم و الأصل،و لا تقول بالّلازم و الفرع؟ و ممّا يشهد لاشتراط العصمة في الإمامة أنّه لو لم يشترط لزم تعطّل حدود اللّه لاشتراك الامام مع المأموم في الارتكاب،و لمّا بعث الرّشيد هرثمة بن أعين واليا على خراسان،على أن يأخذ عليّ بن عيسى الذي كان واليا قبله بما ظلم الناس وردّ حقوقهم إليهم،قام رجل إلى هرثمة و قال له:إنّ هذا الفاجر أخذ منّي درقة ثمينة لم يملك أحد مثلها،فاشتراها على كره منّي و لم أرد بيعها بثلاثة آلاف درهم،و لم آخذ لها ثمنا إلى هذه الغاية،فقذف أمّي،فخذ لي بحقّي من مالي و قذفه أمّي.فقال:لك بيّنة؟قال:نعم،جماعة حضروا كلامه.

فأحضرهم فأشهدهم على دعواه،فقال هرثمة(لعليّ بن عيسى):وجب عليك الحدّ.قال:و لم؟قال:لقذفك أمّ هذا.قال:من هذا فقّهك؟قال:هذا دين المسلمين.

قال:فأشهد أنّ أمير المؤمنين(أي الرشيد)قد قذفك غير مرّة،و أشهد أنّك


1) 1)

قذفت بنيك ما لا أحصي مرّة،فمن يأخذ هؤلاء منك و من يأخذ لك من مولاك؟ فالتفت هرثمة إلى صاحب الدّرقة.فقال:أرى لك أن تطالب هذا الشيطان بدرقتك أو ثمنها،و تترك مطالبته بقذفه أمّك.ذكر ذلك في(الطبري) (1)

تاريخ الطبري 6:518 سنة 191. [1]

.

و فيه أيضا:أنّ هارون كتب بخطّ يده إلى عليّ بن عيسى:هذا يابن الزّانية رفعت من قدرك... (2).

و لو لم تكن الإمامة من قبل اللّه تعالى كالنبوّة-كما عليه الإمامية-لزم أن تكون ملعبة بيد النّاس،و تكون أئمّة النّاس مثل آلهة بني حنيفة الّذين كانوا يصنعون إلها من تمر و سمن،و يأكلونها عام المجاعة.

و لمّا قطع الرّاشد العبّاسي الخطبة في بغداد لمسعود السلطان الغزنوي و أراد محاربته،و سار مسعود إلى بغداد،و انهزم الرّاشد و فرّ إلى الموصل، جمع مسعود القضاة و الفقهاء،و تقدّم إليهم لعمل محضر في خلع الرّاشد، فعملوا محضرا ذكروا ما ارتكبه من أخذ الأموال و أشياء أخر،فأفتوا أن من هذه صفته لا يصلح أن يكون إماما،فخلعوه و بايعوا المقتفي.

فهل الرّاشد حسب لم يكن أمره برشيد؟فكلّهم كانوا كذلك،لا سيّما ذو نوريهم حتّى اضطرّوا إلى قتله.

و ذكروا أنّ هشام بن عبد الملك قال لغيلان:أنت الذي تزعم أنّ اللّه لم يولّني و لم يرض ما أنا فيه؟فقال له غيلان:و هل رأيت أمينا يولّي الخائنين أمانته،أم رأيت مصلحا يولّي المفسدين،أم رأيت كريما يدعو إلى أمر ثمّ يصدّ عنه،أم رأيت حكيما يقضي بما يعيب أم يعيب بما يقضي،أم رأيت حكيما يكلّف فوق الطاقة؟ قوله عليه السّلام «على الفروج و الدّماء» لما غدر خالد بن الوليد بمالك بن نويرة


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 6:514 سنة 191. [2]

و قتله و زنى بامرأته،قال عمر لأبي بكر:إنّ سيف خالد فيه رهق-و أكثر عليه في ذلك-فقال:يا عمر تأوّل فأخطأ،فارفع لسانك عن خالد،فإنّي لا أشيم سيفا سلّه اللّه على الكافرين.و ودّى مالكا و كتب إلى خالد أن يقدم عليه،ففعل و دخل المسجد و عليه قباء و قد غرز في عمامته أسهما،فقام إليه عمر فنزعها و حطمها،و قال له:قتلت امرأ مسلما ثمّ نزوت على امرأته،و اللّه لأرجمنّك بأحجارك.و خالد لا يكلّمه،يظنّ أنّ رأي أبي بكر مثله-إلى أن قال-:فخرج خالد و عمر جالس،فقال:هلمّ إليّ يابن أمّ سلمة،فعرف عمر أنّ أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلّمه،و كان خالد يعتذر في قتله لمالك:إنّ مالكا قال له:ما أخال صاحبكم إلاّ قال كذا و كذا.فقال له خالد:أو ما تعدّه لك صاحبا؟ثمّ ضرب عنقه.ذكر ذلك الجزري في(كامله) (1)

الكامل لابن الأثير 2:358 سنة 11،و [1]تاريخ الطبري 2:503 سنة 11. [2]

.

و في قول عمر لأبي بكر:«إنّ سيف خالد فيه رهق»تعريض و استهزاء من عمر لأبي بكر في حديث وضعه لخالد،إنّه سيف اللّه،لذبّه عن سلطنته.

و لعمري إنّه لمضحك،كيف يقتل سيف اللّه عباد اللّه ظلما! و قتل خالد رجلين آخرين مسلمين في وقعة مضيخ بني البرشاء،قال الجزري أيضا:كان مع الهذيل عبد العزّى بن أبي رهم أخو أوس مناة،و لبيد ابن جرير-و كانا أسلما و معهما كتاب أبي بكر باسلامهما-فقتلا في المعركة، فبلغ ذلك أبا بكر و قول عبد العزّي(حين قتل):

أقول إذ طرق الصّباح بغارة سبحانك اللهمّ ربّ محمّد

سبحان ربّي لا إله غيره ربّ البلاد و ربّ من يتورّد

فوداهما و أوصى بأولادهما،فكان عمر يعتدّ بقتلهما و قتل مالك بن


1) 1)

نويرة على خالد،فيقول أبو بكر:كذلك يلقى من نازل أهل الشرك (1)

الكامل لابن الأثير 2:397 سنة 12،و [1]تاريخ الطبري 2:581 سنة 12. [2]

.

و في(تاريخ أعثم الكوفي)في غزوة دبا أيّام أبي بكر:«إنّ عكرمة بن أبي جهل قتل أكثر أعيانهم،و أسر بعضهم،و اتّخذ نساءهم أرقّاء،و بعث بأربعمائة رقيقا،و ثلاثمائة إبلا إلى المدينة،فسر الصّديق من هذا الفتح و أراد قتل الاسراء،فشفع لهم الفاروق،و قال له:إنّهم يتشهدون بالتّوحيد و الرّسالة و يصلّون،فتركهم أولى.فأمر الصدّيق بحبسهم،و بقوا أيّامه في الحبس،فلما قام الفاروق بالأمر أمر بإطلاقهم،فرجع بعضهم إلى أوطانهم،و بعضهم سكن البصرة» (2).

قوله عليه السّلام: «و المغانم و الأحكام،و إمامة المسلمين البخيل» قال حميد بن ثور في ابن الزبير أيّام قيامه:

قدني من نصر الخبيبين قدى ليس الامام بالشّحيح الملحد

و قال آخر فيه:

رأيت أبا بكر-أي ابن الزبير-و ربّك غالب على أمره يبغي الخلافة بالتّمر

و قال عمر للزّبير بعد أن ذكره في ستّة الشورى،و لعلّها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مدّ من الشعير،و الإمام كالنّبي يجمعهما عنوان الولاية.

و في(الطبري)-لمّا فرغ النّبيّ صلى اللّه عليه و آله من ردّ سبايا حنين إلى أهلها-ركب و اتّبعه النّاس يقولون:يا رسول اللّه أقسم علينا فيئنا الابل و الغنم،حتّى ألجئوه إلى شجرة،فاختطفت الشجرة عنه رداءه،فقال:ردّوا عليّ ردائي أيّها


1) 1)

2) 2) الفتوح لابن الأعثم 1:74،و النقل بالمعنى.

الناس،فو اللّه لو كان لي عدد شجر تهامة نعما لقسمتها عليكم.ثمّ ما لقيتموني بخيلا،و لا جبانا،و لا كذّابا (1)

تاريخ الطبري 2:358 سنة 8. [1]

.

«فيكون في أموالهم نهمته» في(الكامل)أمر القاهر في سنة(321)بتحريم الغناء و ببيع الجواري المغنّيات على أنّهن سواذج لا يعرفن الغناء،و كان مشتهرا بالسّماع،و كان أمره ذلك وسيلة ليأخذ مغنّيات النّاس بأرخص الأثمان،فوضع من يشتري له كلّ حاذقة في الغناء رخيصا (2).

و فيه:و أمر القاهر في تلك السّنة أيضا بقتل أبي السّرايا بن حمدان و إسحاق النوبختي،مع كون إسحاق هو الذي أشار على الناس باستخلافه، و سبب قتلهما حقده عليهما،لأنّه كان قبل خلافته أراد شراء مغنيتين فزادا في الثمن عليه،فحقد فاستدعاهما للمنادمة فتزيّنا و تطيّبا،فلمّا حضرا أمر بإلقائهما إلى بئر في الدّار،فتضرّعا و بكيا،فلم يلتفت إليهما،و ألقاهما فيه و طمّها عليهما (3).

و في(خلفاء ابن قتيبة):أعطى عثمان عمّه الحكم بن أبي العاص طريد رسول اللّه مائة ألف درهم من بيت مال المسلمين،و أقطع(مهزورا)-موضع سوق المدينة الّذي تصدّق به النّبي صلى اللّه عليه و آله على المسلمين-الحارث بن الحكم أخا مروان،و أقطع مروان فدك التي هي صدقة النّبي صلى اللّه عليه و آله،و افتتح إفريقية و وهب جميع خمسها لمروان أيضا (4).

«و لا الجاهل» قال عليّ بن ميثم لأبي الهذيل:أ لست تعلم أنّ إبليس ينهى


1) 1)

2) 2) الكامل لابن الأثير 8:273 سنة 321،و [2]النقل بتصرف في اللفظ.

3) 3) الكامل لابن الأثير 8:295 سنة 322،و [3]النقل بتصرف في اللفظ،و قول الشارح«في تلك السنة»خلط بين سنة 321 و 322.

4) 4) هذه الأمور روايات مشهورة جاء قريب منها في خلفاء ابن قتيبة 1:32،لكن لم أظفر على هذا اللفظ فيه.

عن الخير كلّه،و يأمر بالشرّ كلّه؟فقال:نعم.فقال:أ فيجوز أن يأمر بالشّرّ كلّه و هو لا يعرفه،و ينهى عن الخير كلّه و هو لا يعرفه؟قال:لا.فقال له:قد ثبت أنّ إبليس يعلم الشّرّ كلّه و الخير كلّه.قال:أجل.قال:فأخبرني عن إمامك الذي تأتمّ به بعد الرّسول صلى اللّه عليه و آله هل يعلم الخير كلّه،و الشرّ كلّه؟قال:لا.قال:فإبليس أعلم من إمامك إذن.فانقطع أبو الهذيل (1)

رواه المرتضى في الفصول المختارة:6. [1]

.

و سئل أبو بكر عن قوله تعالى: «وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا» (2)،فقال:أي سماء تظلّني أم أي أرض تقلّني إن قلت في كتاب اللّه بما لا أعلم،أمّا الفاكهة فنعرفها، و أمّا الأبّ فاللّه أعلم به.فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام فقال:سبحان اللّه أما علم أنّ الأبّ هو الكلأ و المرعى،و أنّ قوله تعالى: «وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا» اعتداد من اللّه تعالى بإنعامه على خلقه بما غذّاهم،و خلقه لهم و لأنعامهم... (3).

أشار عليه السّلام إلى أنّ درجة جهله كانت بحيث لم يتفطّن لتفسير القرآن للأبّ في قوله تعالى بعد: «مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ» (4).

و كذلك سئل أبو بكر عن الكلالة فقال:أقول فيها برأيي،فإن أصبت فمن اللّه،و إن أخطأ فمن نفسي و من الشيطان.فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام فقال:ما أغناه عن الرّأي في هذا المكان،أما علم أنّ الكلالة هم الإخوة و الأخوات من قبل الأب و الامّ،و من قبل الأب على انفراده،و من قبل الامّ أيضا على حدّها؟قال تعالى: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ»


1) 1)

2) 2) عبس:31. [2]

3) 3) حديث جهل أبي بكر معنى الأبّ و الكلالة مشهور،لكن مع هذا الذيل عن علي عليه السّلام أخرجهما المفيد في الارشاد:107. [3]

4) 4) عبس:32. [4]

«فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ» (1)

النساء:176. [1]

،و قال تعالى: «وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ» (2)،أشار عليه السّلام إلى أنّ درجة جهله كانت بحيث لا تفرّق بين المنصوص و غير المنصوص.

«فيضلّهم بجهله» فجر رجل بمجنونة فأمر عمر بلجدها،فقال أمير المؤمنين عليه السّلام:أما علم أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق؟! إنّها مغلوبة على عقلها و نفسها.فقال عمر:لقد كدت أن أهلك في جلدها (3).

و أمر عمر أيضا برجم حامل زنت،فقال عليه السّلام له:هب إنّ لك سبيلا عليها، أيّ سبيل لك على ما في بطنها،و اللّه تعالى يقول: «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» (4)فقال عمر:لا عشت لمعضلة لا تكون لها.فما أصنع بها؟قال:

احتط عليها حتّى تلد،فإذا ولدت و وجدت لولدها من يكفله،أقم عليها الحدّ (5).

و أتى عمر أيضا بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فهمّ برجمها،فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام:إنّ اللّه تعالى قال: «وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» (6)و قال جلّ و علا: «وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» (7)فإذا تمّمت المرأة الرّضاعة سنتين و كان حمله و فصاله


1) 1)

2) 2) النساء:12. [2]

3) 3) رواه أبو داود بأربع طرق في سننه 4:140،141 ح 4399-4402،و أحمد بطريقين في مسنده 1:140،154، و ابن شاذان في الايضاح:100،و المفيد في الارشاد:109،و [3]الاختصاص:111،و القاضي النعمان في الدعائم 2: 456 ح 1607،و [4]أشار إليه البخاري في صحيحه 4:176 و غيرهم.

4) 4) فاطر:18. [5]

5) 5) مسند زيد:335،و الايضاح لابن شاذان:99،و الإرشاد للمفيد:109،و [6]الاختصاص:111،و الذريعة للمرتضى 2: 765،و الدعائم للقاضي النعمان 2:453 ح 1584 و غيرها.

6) 6) الأحقاف:15. [7]

7) 7) البقرة:233. [8]

ثلاثين،كان الحمل منها ستّة أشهر.فخلّى عمر سبيلها (1)

رواه ابن أبي حاتم و البيهقي في سننه،و عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن المنذر عنهم الدر المنثور 1:288،و 6: 40،و [1]ابن شاذان في الايضاح:98،و المفيد في الارشاد:110،و [2]القاضي النعمان في الدعائم 1:86،و [3]غيرهم و روى نحو ذلك بين عليّ عليه السّلام و عثمان و بين ابن عباس و عمر و بينه و عثمان.

.

و أمر عمر أيضا برجم امرأة شهد عليها جمع أنّ رجلا يطؤها في بعض المياه،فقالت:«اللهمّ إنّك تعلم أنّي بريئة».فغضب عمر و قال:و تجرّحين الشهود أيضا.فقال أمير المؤمنين عليه السّلام-و كان شاهدا-ردّوها و اسألوها فلعلّ لها عذرا،فردّت و سئلت عن حالها،فقالت:كان لأهلي إبل،فخرجت في إبل أهلي و حملت معي ماء و لم يكن في إبل أهلي لبن،و خرج معي خليطنا و كان في إبله لبن،فنفد مائي فاستسقيته فأبي أن يسقيني حتّى أمكّنه من نفسي فأبيت، فلمّا كادت نفسي أن تخرج أمكنته من نفسي كرها.فقال عليه السّلام:اللّه أكبر «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» (2).فخلى عمر سبيلها (3).

و نكح شيخ كبير امرأة فحملت فأنكره،و زعم أنّه لم يصل إليها،فسألها عثمان هل افتضّك؟قالت:لا.فقال:أقيموا عليها الحدّ.فقال أمير المؤمنين عليه السّلام -و كان شاهدا-:إنّ للمرأة سمين:سم للحيض،و سمن البول.فلعلّ الشيخ سال ماؤه في سم المحيض فحملت.فسئل الشيخ،فقال:قد كنت أنزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالافتضاض.فقال عليه السّلام:الحمل له و الولد ولده،و أرى عقوبته على الإنكار.فصار عثمان إلى قضائه و تعجّب منه (4).

و روى الخطيب في الهياج بن بسطام مسندا عن أبي سعيد الخدري قال:


1) 1)

2) 2) البقرة:173. [4]

3) 3) الفقيه للصدوق 4:25 ح 40،و تفسير العياشي 1:74 ح 155 و [5]الإرشاد للمفيد:110،و [6]التهذيب للطوسي 10:49 ح 186 و غيرهم.

4) 4) الارشاد للمفيد:112،و [7]المناقب لابن شهر آشوب 2:370. [8]

خطبنا عمر فقال:إنّي لعليّ أنهاكم عن أشياء تصلح لكم،و آمركم بأشياء لا تصلح لكم،و أنّ من آخر القرآن نزولا آية الربا،و أنّه قد مات النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و لم يبيّنها لنا،فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم... (1)

تاريخ بغداد للخطيب 14:80. [1]

.

قلت:إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال في مرض موته:«ايتوني بدواة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعدي أبدا»فقلت أنت أيّها الفاروق:«إنّ الرجل ليهجر،يكفينا كتاب اللّه» (2)فكيف تقول في خطبتك:مات النبيّ و لم يبيّن لنا آية الرّبا؟ (3)و على قولك بقي دينه ناقصا،فكيف قال تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (4)،و إذا لا تعرف الصلاح من الفساد، كيف تأمر و تنهى؟ و روى في عثمان بن سعيد عن ابن مسعود أنّ عمر خطب بالجابية فقال:إنّ اللّه يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء.فقال:قسّ من تلك القسوس:ما يقول أميركم هذا؟قالوا:يقول:إنّ اللّه يضلّ من يشاء،و يهدي من يشاء.فقال القسّ:«برقشت،اللّه أعدل أن يضلّ أحدا».فبلغ ذلك عمر فبعث إليه فقال:بل اللّه أضلّك،و لو لا عهدك لضربت عنقك (5).

و رواه الأعثم في(تاريخه) (6): «أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ»


1) 1)

2) 2) أخرجه البخاري بطرق في صحيحه 1:32،و 4:7،271،و مسلم في صحيحه 3:1259 ح 22،و أحمد بطريقين في مسنده 1:324،336،و ابن سعد في الطبقات 2 ق 2:37،و الجوهري في السقيفة:73،و [2]غيرهم عن ابن عبّاس، و روي أيضا عن علي عليه السّلام و سلمان و أبي ذر و المقداد و جابر و عمر.

3) 3) رواه ابن ماجه في سننه 2:764 ح 2276،و أحمد في مسنده 1:36،49،و [3]ابن جرير بطريقين و ابن الضريس و ابن المنذر و ابن مردويه عنهم الدر المنثور 1:365. [4]

4) 4) المائدة:3. [5]

5) 5) تاريخ بغداد للخطيب 11:290. [6]

6) 6) الفتوح لابن الأعثم 1:298. [7]

«دُونِ اللّهِ» (1)

الأنبياء:67. [1]

،اتّخذوا إماما عارا على الاسلام يطعن به النصارى فيه، و القرآن و إن تضمّن هذا اللفظ لكن لم يقتصر عليه،بل بيّن المراد به.فقال بعده: «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ » (2).

«و لا الجافي فيقطعهم بجفائه» ذكروا أنّ عمر قال للزّبير-بعد جعله أحد ستّة الشورى-:أنت مؤمن الرّضا كافر الغضب،يوما إنسانا و يوما شيطان، فليت شعري من يكون للنّاس إماما يوم تكون شيطانا،و من يكون يوم تغضب اماما،و ما كان اللّه ليجمع لك أمر هذه الأمّة و أنت على هذه الصفة.

قلت:يقال لهذا الرّجل:العيب الذي ذكرت للزبير مشترك بينه و بين صاحبك،فقد قال صاحبك على المنبر حين ولّي الأمر:«إنّ لي شيطانا يعتريني» (3).

و كذلك هو مشترك بينه و بينك،قال الجزري في(كامله):ارتدّ أبو شجرة ابن عبد العزّى السلمي،و هو ابن الخنساء في من ارتدّ من سليم،و قال:

صحا القلب عن ميّ هواه و أقصرا

إلى أن قال:

فروّيت رمحي من كتيبة خالد و إنّي لأرجو بعده أن أعمّرا

ثمّ إنّه أسلم،فلمّا كان زمن عمر قدم المدينة فرأى عمر و هو يقسم في المساكين،فقال:أعطني فإنّي ذو حاجة.فقال:و من أنت؟قال:أنا أبو شجرة.

قال:أي عدوّ اللّه لا و اللّه،أ لست الذي تقول:«فروّيت رمحي...»؟و جعل يعلوه


1) 1)

2) 2) البقرة:26-27. [2]

3) 3) نقله الطبري في تاريخه 2:460 سنة 11،و [3]ابن راهويه في مسنده،و أبو ذر الهروي في الجامع عنهما منتخب كنز العمال 2:161،و ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1:16 و [4]غيرهم ضمن خطبة له بعد البيعة.

بالدّرّة في رأسه،فسبقه عدوا إلى ناقته،و قال:

ضنّ علينا أبو حفص بنائله و كلّ مختبط يوما له ورق

(1)و قد أجاب الزبير نفسه عمر بأنّه ليس أعيب منه،فقال له:ولّيتها أنت و لسنا دونك في قريش،و لا في السّابقة،و لا في القرابة .

«و لا الحائف للدّول فيتّخذ قوما دون قوم» روت العامّة عن زيد بن أسلم عن أبيه قال:خلا عمر لبعض شأنه،و قال:امسك على الباب.فطلع الزّبير فكرهته حين رأيته،فأراد أن يدخل،قلت:هو على حاجة.فلم يلتفت إليّ و أهوى ليدخل، فوضعت يدي في صدره،فضرب أنفي فأدماه.ثمّ رجع.فدخلت على عمر، فقال:ما بك؟قلت:الزبير.فأرسل إلى الزّبير،فلمّا دخل جئت فقمت لأنظر ما يقول له،فقال:ما حملك على ما صنعت؟أدميتني للناس.فقال الزبير-يحكيه و يمطّط في كلامه-أدميتني،أ تحتجب عنّا يا بن الخطّاب؟فو اللّه ما احتجب منّي النّبي و لا أبو بكر.فقال عمر كالمعتذر:إنّي كنت في بعض شأني.قال أسلم فلمّا سمعته يعتذر إليه يئست من أن يأخذ لي بحقّي منه.و خرج الزبير،فقال عمر:إنّه الزبير،و آثاره ما تعلم (2).

و كان عمر منع طلحة و الزّبير من الخروج من المدينة لجهاد فارس و الروم،و لئلاّ يحدث لهما خيال قيام،مع كون استيلائه على الأمر بحيث أمر أن يضرب عنق أمير المؤمنين عليه السّلام بعده لو أبي عن قبول دستوره في شوراه، ليصل الأمر إلى عثمان ثمّ إلى معاوية و باقي بني أميّة،لينتقموا من النّبيّ صلى اللّه عليه و آله باستيصال أهل بيته،فقال يزيد في أبياته:

لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل


1) 1) الكامل لأبن الأثير 2:351 سنة 11،و [1]تاريخ الطبري 2:493 سنة 11،و [2]النقل بتصرف في اللفظ.

2) 2) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:105 شرح الخطبة 226.

بل كان تسلّطه و استيلاؤه قبل سلطنته و سلطنة صاحبه لتحالفه مع قريش أعداء النّبي صلى اللّه عليه و آله،بحيث منع النّبي صلى اللّه عليه و آله من الوصيّة،و لم يكترث هو كصاحبه بأمر النّبي صلى اللّه عليه و آله مرّة بعد مرّة بتجهيز جيش أسامة مع لعنه المتخلّف عنه (1)

أمر النّبي صلى اللّه عليه و آله بتجهيز جيش أسامة أخرجه ابن هشام في السيرة 4:219،و الواقدي في المغازي 2:1119،و ابن سعد في الطبقات 2 ق 2:137،و الطبري في تاريخه 2:431 سنة 11،و لعن النبيّ صلى اللّه عليه و آله من تخلف عن جيشه. أخرجه الجوهري في السقيفة:75 مسندا،و رواه الشهرستاني في الملل و النحل 1:29،و الكوفي في الاستغاثة:25، و [1]القاضي النعمان في الدعائم 1:41 [2] مجردا.

.

و أيّ شيء كان يحدث من طلحة و الزبير وقت غاية اقتداره حتّى حظر عليهما هذه الفريضه العظيمة،لولا رعاية السياسة الملوكيّة و الاهمال لجانب مقتضيات الشريعة،و أمير المؤمنين-صلوات اللّه عليه-لمّا استأذنه الرجلان طلحة و الزبير للخروج إلى مكّة باسم العمرة مع قطعه بإرادتهما الغدرة خلاّهما مع شدّة اضطراب أمره (2)،لأنّهما أرادا أن يتّخذهما واليا بلا استحقاق،و ما كان عليه السّلام «مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً» (3)،و إن صار أمرهما سببا لأمر معاوية،و أمر معاوية لأمر الخوارج،و صيرورة الأمر إلى ما صار إليه .

«و لا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق و يقف بها دون المقاطع» كان عمر يعطي عايشة و حفصة في كلّ سنة عشرة آلاف درهم،و يمنع أهل بيت النّبي صلى اللّه عليه و آله خمسهم الذي عيّنه اللّه لهم في كتابه،و بيّنه الرسول صلى اللّه عليه و آله في سنّته، و كان يفضّل الأشراف على غيرهم في العطاء تأليفا لهم على خلاف الكتاب و السّنّة .

«و لا المعطّل للسّنّة فتهلك الامّة» قد عطّل عمر حدّ اللّه تعالى في المغيرة بن


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 3:465 سنة 36،و مروج الذهب للمسعودي 2:357،و تاريخ اليعقوبي 2:180. [3]

3) 3) الكهف:51. [4]

شعبة المعلوم النفاق بالاتفاق لكونه من أعوانه،و لقّن الشاهد الرابع الامتناع من أداء الشهادة عليه،و قال:لذاك الشاهد بأنّه ينفس على مثله من المهاجرين الأوّلين،مع أنّ إمامهم الثالث عثمان لمّا نقموا عليه توليته المنافقين-كالوليد ابن عقبة الذي صلّى الصبح بالناس أربعا سكرانا-اعتذر بأنّ عمر أيضا كان يولّي المغيرة،و كان منافقا و أمين أمّتهم عبد الرحمن بن عوف،قال للمغيرة -لما بويع عثمان و قال له المغيرة:لو بويع غيرك ما بايعناه-أنت منافق،لو كان بويع غيره كنت تقول له أيضا ذلك.و صار إبقاء عمر للمغيرة سببا لهلاك الامّة بحمله معاوية على استخلاف ابنه يزيد،مع أنّ مثل مروان و زياد كانا أيضا منكرين لتولية يزيد،حمله المغيرة على ذلك لئلاّ يعزله عن حكومة الكوفة،فانجرّ الأمر إلى أنّ الخليفة يرتكب ما فيه الحدّ و يجرون الحدّ على الناس،فلمّا بلغ يزيد أنّ مسور بن مخرمة النوفلي كان يقول:يزيد يشرب الخمر.كتب إلى والي المدينة أن يجلده الحدّ،فجلده الوالي فقال مسور:

أ يشربها صرفا بفكّ ختامها أبو خالد و يجلد الحدّ مسور

و بالجملة أين الإمام الذي خليفة النّبي صلى اللّه عليه و آله الذي هو خليفة اللّه،و أين أولئك الجفاة الأجلاف من أوّلهم إلى آخرهم،أما قال تعالى: «لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ» (1)

البقرة:124. [1]

؟ و من الأمثال:متى كان حكم اللّه في كرب النّخل (2).و إنّما تصدّوا للسلطنة،و قد قال تعالى: «قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ» (3)

1) 1)

2) 2) المستقصى للزمخشري 2:340. [2]

3) 3) آل عمران:26. [3]

4

من الخطبة(2)

و منها يعني آل النبيّ عليهم السّلام:

هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ وَ لَجَأُ أَمْرِهِ- وَ عَيْبَةُ عِلْمِهِ وَ مَوْئِلُ حُكْمِهِ- وَ كُهُوفُ كُتُبِهِ وَ جِبَالُ دِينِهِ- بِهِمْ أَقَامَ انْحِنَاءَ ظَهْرِهِ وَ أَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ وَ مِنْهَا يَعْنِي قَوْمٍ آخَرِينَ الْمُنَافِقِينَ زَرَعُوا الْفُجُورَ وَ سَقَوْهُ الْغُرُورَ وَ حَصَدُوا الثُّبُورَ- لاَ يُقَاسُ؟بِآلِ مُحَمَّدٍ ص؟ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحَدٌ- وَ لاَ يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً- هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ وَ عِمَادُ الْيَقِينِ- إِلَيْهِمْ يَفِيءُ الْغَالِي وَ بِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي- وَ لَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلاَيَةِ- وَ فِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَ الْوِرَاثَةُ- الْآنَ إِذْ رَجَعَ الْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ وَ نُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ أقول:قال الجاحظ 1الجاحظ-فضائل بني هشام- -كما نقل عنه( ينابيع مودّة 2القندوزي الحنفي-ينابيع المودة-ص 152 الحنفي)-:إنّ الخصومات نقضت العقول السليمة،و أفسدت الأخلاق الحسنة،من المنازعة في فضل أهل البيت على غيرهم،فالواجب علينا طلب الحق و اتّباعه،و طلب مراد اللّه في كتابه و ترك التعصّب و الهوى،و طرح تقليد السلف،و الأساتيذ و الآباء.و اعلم أنّ اللّه لو أراد أن يسوّي بين بني هاشم و بين النّاس لما اختصّهم بسهم ذوي القربى،و لما قال: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)

الشعراء:214. [1]

،و قال: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ» (2).فإذن كان لقومه ما ليس لغيرهم،فكلّ من كان أقرب منه صلى اللّه عليه و آله كان أرفع قدرا،و لو سوّاهم اللّه بالنّاس لما حرّم عليهم الصدقة، و ما هذا التحريم إلاّ لكرامتهم على اللّه و طهارتهم،و لهذا قال عليّ كرّم اللّه وجهه

1) 1)

2) 2) الزخرف:44. [2]

على منبر الجماعة:«نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد...» (1)

ينابيع المودة للقندوزي:152 [1] عن فضائل بني هشام للجاحظ.

.

و قال محمّد بن جرير بن رستم الطبري في( مسترشده محمّد بن جرير بن رستم الطبري-المسترشد-ص 90 و 91 ):قال أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة له:«هلك من قارن حسدا،و قال باطلا و والى على عداوتنا،أو شكّ في فضلنا،إنّه لا يقاس بنا آل محمّد من هذه الامّة أحد،و لا سوّي بنا من جرت نعمتنا عليهم.نحن أطول الناس أغراسا،و نحن أفضل الناس أنفاسا،و نحن عماد الدين،بنا يلحق التالي،و إلينا يفيء الغالي،و لنا خصائص حقّ الولاية،و فينا الوصيّة و الوراثة،و حجّة اللّه عليكم،في حجّة الوداع يوم غدير خم،و بذي الحليفة،و بعده المقام الثالث بأحجار الزّيت،تلك فرائض ضيّعتموها،و حرمات انتهكتموها،و لو سلّمتم الأمر لأهله سلمتم، و لو أبصرتم باب الهدى رشدتم،اللهمّ إنّي قد بصّرتهم الحكمة،و دللتهم على طريق الرحمة،و حرصت على توفيقهم بالتنبيه و التذكرة،و دللتهم على طريق الجنّة بالتبصّر و العدل و التأنيب،ليثبت راجع و يقبل،و يتّعظ مذكّر فلم يطع لي قول:اللهمّ إنّي أعيد عليهم القول ليكون أثبت للحجّة عليهم.يا أيّها الناس اعرفوا فضل من فضّل اللّه،و اختاروا حيث اختار اللّه،و اعلموا أنّ اللّه قد فضّلنا أهل البيت بمنّه حيث يقول: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2).فقد طهّرنا اللّه من الفواحش ما ظهر منها و ما بطن،و من كلّ دنيّة و كلّ رجاسة،فنحن على منهاج الحقّ،و من خالفنا فعلى الباطل.و اللّه لئن خالفتم أهل بيت نبيّكم لتخالفنّ الحق (3).

و قال عليه السّلام أيضا-كما في تفسير علي بن إبراهيم القمي-:و لقد علم


1) 1)

2) 2) الأحزاب:33. [2]

3) 3) المسترشد:90-91. [3]

المستحفظون من أصحاب محمّد صلى اللّه عليه و آله أنّه قال:إنّي و أهل بيتي مطهّرون،فلا تسبقوهم فتضلّوا،و لا تتخلّفوا عنهم فتزلّوا،و لا تخالفوهم فتجهلوا،و لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم،هم أعلم الناس كبارا،و أحلم الناس صغارا، فاتبعوا الحقّ و أهله حيث كان (1)

تفسير القمي 1:4،و [1]الغيبة للنعماني:29. [2]

.

و روى الشيخان في(أماليهما)عن الأصبغ قال:دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليه السّلام في نفر من الشيعة،و كنت فيهم،فقال عليه السّلام للحارث:

كيف تجدك؟قال:نال الدّهر منّي،و زادني أو ارا اختصام أصحابك ببابك.

فقال عليه السّلام:و فيم خصومتهم؟قال:فيك و في الثلاثة من قبلك،فمن مفرط غال، و مفرّط قال،و من متردّد مرتاب لا يدري أ يقدم أم يحجم.فقال:حسبك يا أخا همدان ألا إنّ خير شيعتي النّمط الأوسط،إليهم يرجع الغالي،و بهم يلحق التالي.فقال له الحارث:لو كشفت الرّين عن قلوبنا،و جعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا.فقال عليه السّلام:فإنّك امرء ملبوس عليك،إنّ دين اللّه لا يعرف بالرّجال،بل بآية الحق،فاعرف الحقّ تعرف أهله.يا حارث إنّ الحقّ أحسن الحديث،و الصادع به مجاهد،و بالحقّ أخبرك،فأعرني سمعك،ثمّ خبّر به من كان له حصافة من أصحابك،ألا إنّي عبد اللّه و أخو رسوله،و صدّيقه الأكبر، صدّقته و آدم بين الرّوح و الجسد،ثمّ إنّي صدّيقه الأوّل في أمّتكم حقّا،فنحن الأوّلون،و نحن الآخرون،و نحن خاصّته و خالصته،و إنا صنوه و وصيّه و وليّه و صاحب نجواه و سرّه،أوتيت فهم الكتاب و فصل الخطاب و علم القرون و الأسباب،و استودعت ألف مفتاح يفتح كلّ مفتاح ألف باب،يفضي كلّ باب إلى ألف ألف عهد،و أيّدت بليلة القدر نفلا،و إنّ ذلك يجري لي و لمن استحفظ من ذرّيتي ما جرى الليل و النهار.و ابشرك يا حارث لتعرفني عند


1) 1)

الممات،و عند الصراط،و عند الحوض،و عند المقاسمة.قال الحارث:و ما المقاسمة؟قال:مقاسمة النّار،أقاسمها قسمة صحيحة،أقول:هذا ولييّ فاتركيه،و هذا عدوّي فخذيه.

ثمّ أخذ عليه السّلام بيده فقال:يا حارث أخذت بيدك كما أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بيدي،فقال لي-و قد شكوت إليه حسد قريش و المنافقين-:إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل اللّه و حجزته،و أخذت أنت بحجزتي،و أخذ ذريتك بحجزتك، و أخذ شيعتكم بحجزتكم فما ذا يصنع اللّه بنبيّه،و ما ذا يصنع نبيّه بوصيّه؟ خذها إليك يا حارث قصيرة من طويلة،أنت مع من أحببت و لك ما اكتسبت -يقولها ثلاثا-فقام الحارث يجرّ رداءه و هو يقول:ما أبالي بعدها متى لقيت الموت أو لقيني.قال جميل بن صالح راوي الخبر عن أبي خالد الكابلي عن الأصبغ بن نباتة،و أنشدني أبو هاشم السيّد الحميري:

قول عليّ لحارث عجب كم ثمّ اعجوبة له حملا

يا حار همدان من يمت يرني من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني طرفه و أعرفه بنعته و اسمه و ما عملا

و أنت عند الصّراط تعرفني فلا تخف عثرة و لا زللا

أسقيك من بارد على ظمأ تخاله في الحلاوة العسلا

أقول للنّار حين توقف للعرض دعيه لا تقربي الرّجلا

دعيه لا تقربيه أنّ له حبلا بحبل الوصيّ متّصلا

(1)قول المصنّف : «و منها يعني آل النّبيّ» هكذا في(المصرية)و لكن في (ابن ميثم و الخطية) (2):«منها و يعني آل النّبيّ»و في(ابن أبي الحديد) (3):


1) 1) الامالي للمفيد:3 ح 3 المجلس 1،و أمالي الطوسي 2:238 المجلس 12،و [1]النقل بتصرف يسير.

2) 2) في شرح ابن ميثم 1:245،و شرح ابن أبي الحديد 1:45 [2] مثل المصرية أيضا.

3) 3) في شرح ابن ميثم 1:245،و شرح ابن أبي الحديد 1:45 [3] مثل المصرية أيضا.

«و منها و يعني آل محمّد»فالواو ساقطة من(المصرية)قطعا.

«عليه الصّلاة و السّلام»هكذا في(المصرية)،و لكن في(ابن ميثم و ابن أبي الحديد و الخطية) (1)

لفظ شرح ابن أبي الحديد 1:45،و شرح ابن ميثم 1:245 مثل المصرية أيضا،و لا يوجد فيهما زيادة.

:«صلّى اللّه عليه و آله»و زاد الأخير و«سلّم» (2).

قوله عليه السّلام: «موضع سرّه» قال الصادق عليه السّلام لخيثمة:نحن شجرة النّبوّة، و بيت الرّحمة،و مفاتيح الحكمة،و معدن العلم،و موضع الرسالة،و مختلف الملائكة،و موضع سرّ اللّه (3).

«و لجأ أمره» قال الصادق عليه السّلام:إنّ الناس في ليلة القدر في صلاة و دعاء و مسألة،و صاحب هذا الأمر في شغل تنزّل الملائكة إليه بامور السنة من غروب الشمس إلى طلوعها (4).

و قال الباقر عليه السّلام لأبي إسحاق النحوي:و نحن فيما بينكم و بين اللّه تعالى،ما جعل اللّه تعالى لأحد خيرا في خلاف أمرنا (5).

«و عيبة علمه» أي:مخزنه،قال الصادق عليه السّلام:نحن ولاة أمر اللّه،و خزنة علمه،و عيبة وحيه،و نحن الرّاسخون في العلم،و نحن نعلم تأويله (6).

و في(عيون ابن قتيبة)أتى رجل الحسن عليه السّلام فسأله،فقال:إنّ المسألة لا تصلح إلاّ في غرم فادح،أو فقر مدقع،أو حمالة مقطعة.فقال الرّجل:ما جئت إلاّ


1) 1)

2) 2) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1:45،و [1]شرح ابن ميثم 1:245 [2] مثل المصرية أيضا،و لا يوجد فيهما زيادة.

3) 3) الكافي للكليني 1:221 ح 3،و [3]البصائر للصفار:77 ح 6 [4] في صدر حديث عن الصادق عليه السّلام،و:77 ح 3 عن الباقر عليه السّلام.

4) 4) البصائر للصفار 240 ضمن الحديث 2. [5]

5) 5) أخرجه الكليني بطريقين في الكافي 1:265 ح 1،و [6]الصفار بطريقين في البصائر:404 ح 4،5. [7]

6) 6) هذا تأليف حديثين:الأوّل حديث الصادق عليه السّلام:«نحن ولاة أمر اللّه،و خزنة علم اللّه،و عيبة وحي اللّه»أخرجه في صدر حديث الصفار في البصائر:125 ح 8،و [8]الكليني في الكافي 1:192 ح 1.و [9]الثاني حديث:«نحن الراسخون في العلم و نحن نعلم تأويله»أخرجه الكليني في الكافي 1:213 ح 1،و [10]الصفار في البصائر:223 ح 5 [11] عن الصادق عليه السّلام،و:224 ح 7 عن الباقر عليه السّلام.

في إحداهنّ.فأمر له بمائة دينار،ثمّ أتى الحسين عليه السّلام فسأله،فقال له مثل مقالة أخيه،فردّ عليه كما ردّ على الحسن عليه السّلام،فقال له:كم أعطاك؟قال:مائة.فنقّص دينارا كره أن يساوي أخاه،ثمّ أتى إلى ابن عمر فسأله،فأعطاه سبعة دنانير، و لم يسأله عن شيء،فقال له:إنّي أتيت الحسن و الحسين عليهما السّلام و اقتصّ كلامهما و فعلهما به،فقال له عبد اللّه:و يحك،و أنّى تجعلني مثلهما،إنّهما غذّيا العلم (1)

عيون الأخبار لابن قتيبة 3:140. [1]

.

و في(عقد ابن عبد ربه)كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان:أكلت لحم الجمل الذي هرب عليه أبوك من المدينة،و لأغزينك جنودا مائة ألف و مائة ألف.فكتب عبد الملك إلى الحجّاج أن يبعث إلى عليّ بن الحسين،و يتوعّده و يكتب إليه بما يقول،ففعل.فقال عليه السّلام:إنّ اللّه عزّ و جل لوحا محفوظا يلحظه كلّ يوم ثلاثمائة لحظة،ليس منها لحظة إلاّ يحيي فيها و يميت و يعزّ و يذلّ،و يفعل ما يشاء،و إنّي لأرجو أن يكفينيك منها بلحظة واحدة.فكتب به الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان،و كتب به عبد الملك إلى ملك الروم،فلمّا قرأه قال:ما خرج هذا إلاّ من كلام النّبوّة (2).

«و موئل حكمه» قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:المعيب على أمير المؤمنين عليه السّلام في شيء من أحكامه كالمعيب على اللّه تعالى و على رسوله،و الرادّ عليه في صغيرة أو كبيرة على حدّ الشرك باللّه.كان أمير المؤمنين عليه السّلام باب اللّه الذي لا يؤتى إلاّ منه،و سبيله الذي من سلك بغيره هلك،و بذلك جرت الأئمّة عليهم السّلام واحدا بعد واحد،جعلهم اللّه أركان الأرض أن تميد بهم،و الحجّة البالغة على من فوق الأرض و من تحت الثّرى (3).


1) 1)

2) 2) العقد الفريد لابن عبد ربه 2:61،و [2]في بعض النسخ«عبد اللّه بن الحسن»بدل«علي بن الحسين».

3) 3) الكافي للكليني 1:196 ضمن الحديث 1،و [3]النقل بتصرف.

«و كهوف كتبه» قال بريّة النصراني الذي أسلم هو و امرأته على يد الكاظم عليه السّلام للصادق عليه السّلام لمّا ابتدأ يقرأ الإنجيل له:أنّى لكم التوراة و الإنجيل و كتب الأنبياء؟قال:هي عندنا وراثة من عندهم،نقرؤها كما قرءوها و نقولها كما قالوا.إنّ اللّه تعالى لا يجعل حجّة في أرضه يسئل عن شيء فيقول:لا أدري (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:227 ح 1 [1] بفرق يسير،و الصفار في البصائر:156 ح 4،و:36 ح 2،و [2]الصدوق في التوحيد:275.

.

و قال الباقر عليه السّلام:إيّانا عنى اللّه تعالى في قوله: «قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» (2).

و بعث محمّد بن عبد اللّه بن الحسن إلى الصادق عليه السّلام يستدعيه إلى منزله فأبى عليه السّلام،فضحك محمّد و قال:ما منعه من إتياني إلاّ أنّه ينظر في الصحف.

فقال عليه السّلام:صدق،إنّي أنظر في «الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى » (3).و قال له:سل نفسك و أباك هل ذلك عندكما؟فسكت (4).

و لمّا قال أبو حنيفة:إنّ علمه في صدره من قياساته،و أنّ جعفر بن محمّد رجل صحفي.قال عليه السّلام:نعم أنا cصحفي عندي صحف إبراهيم و موسى (5).

«و جبال دينه» قال أبو بصير للباقر عليه السّلام:إنّ الحكم بن عتيبة يزعم أنّ شهادة ولد الزّنا تجوز.فقال:اللهمّ لا تغفر ذنبه،ما قال اللّه للحكم: «إِنَّهُ لَذِكْرٌ»


1) 1)

2) 2) أخرجه الصفار في البصائر:234،236 ح 12،20 [3] عن الباقر عليه السّلام،و هو في المصدر:234 ح 7،و رواه الطبرسي في مجمع البيان 6:301 عن الصادق عليه السّلام،و الآية 43 من سورة الرعد. [4]

3) 3) الاعلى:18-19. [5]

4) 4) البصائر للصفار:158 ح 12،و [6]النقل بتلخيص.

5) 5) علل الشرائع للصدوق:89 ح 5،و [7]النقل بالمعنى.

«لَكَ وَ لِقَوْمِكَ» (1)

الزخرف:44. [1]

فليذهب الحكم يمينا و شمالا،فو اللّه لا يؤخذ العلم إلاّ من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل عليه السّلام (2).

و قال عليه السّلام له و لسلمة بن كهيل:شرّقا و غرّبا فلا تجدان علما صحيحا إلاّ شيئا خرج من عندنا أهل البيت (3).

«بهم أقام انحناء ظهره و أذهب ارتعاد فرائصه» فرائص جمع فريصة:

اللحمة بين الجنب و الكتف ترعد عند الفزع،قال الباقر عليه السّلام:إنّ الأرض لا تبقي إلاّ و منّا فيها من يعرف الحقّ،فإذا زاد الناس قال:قد زادوا،و إذا نقصوا منه قال:قد نقصوا.

رواه الحسين بن أبي حمزة الثمالي عن أبيه عنه عليه السّلام لعبد الحميد بن عواض الطائي،فقال له عبد الحميد:باللّه الذي لا إله إلاّ هو لسمعته أنا أيضا منه عليه السّلام (4).

هذا و جعل ابن أبي الحديد (5)الضمائر من قوله: «موضع سرّه -إلى- جبال دينه» راجعة إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و في:(ظهره)و(فرائصه)إلى الدّين في:

«و جبال دينه» ،و جعل الخوئي (6)الضمائر كلّها راجعة إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و آله،و كلّ منهما كما ترى.و الصواب:كون الستّة الأولى راجعة إلى اللّه تعالى،المذكور قبل هذا الكلام،و الأخيرين إلى دينه.


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:400 ح 5،و [2]البصائر [3]للصفر:29 ح 3،و معرفة الرجال للكشي-إختياره:209 ح 369.

3) 3) الكافي للكليني:399 ح 3،و [4]البصائر للصفار:30 ح 4،و [5]معرفة الرجال للكشي-اختياره:209 ح 369.

4) 4) أخرجه الصدوق في كمال الدين:222 ح 12،و [6]أخرج معناه هو في المصدر:228 ح 21،و [7]الصفار بثلاث طرق في البصائر:351،352 ح 5،6،9. [8]

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 1:45. [9]

6) 6) شرح الخوئي 1:234.

قول المصنّف : «و منها يعني قوما آخرين» هكذا في(المصرية)و كذا في (الخطية)،لكن بدون الواو،و في(ابن ميثم):«منها» (1)

لفظ شرح ابن ميثم 1:249 مثل المصرية أيضا.

بدون زيادة،و في(ابن أبي الحديد) (2):«منها في المنافقين».ثمّ قال ابن أبي الحديد:ليست إشارته عليه السّلام إلى المنافقين كما ذكر الرضي،بل إلى من تغلّب عليه و جحد حقّه كمعاوية و غيره،و لعلّ الرّضي عرف ذلك و كنّى عنه (3).

قلت:لا ريب أنّ إشارته عليه السّلام بأيّ لفظ كان إلى الثلاثة،يوضحه قوله عليه السّلام بعد:«لا يقاس بآل محمّد صلى اللّه عليه و آله من هذه الأمّة أحد»بطريق العموم،و كيف كان فالواو في(المصرية)زائدة قطعا.

«زرعوا الفجور» لمّا بادرت الأوس إلى بيعة أبي بكر،لئلاّ يصل الأمر إلى الخزرج،و بادر الأوس بشير بن سعد الخزرجي أبو النّعمان بن بشير و ابن عمّ سعد بن عبادة في بيعة أبي بكر،لئلاّ يصل الأمر إلى ابن عمّه حسدا منه له، قام الحباب بن المنذر و قال:يا معشر الأنصار أما و اللّه لكأنّي بأبنائكم على أبواب أبنائهم،قد و قفوا يسألونهم بأكفّهم،و لا يسقون الماء.

«و سقوه الغرور» أي:ماءه،و في(خلفاء ابن قتيبة)لمّا طعن عمر جعلوا يثنون عليه و يذكرون فضله،فقال:إنّ من غررتموه لمغرور،إنّي و اللّه وددت أن أخرج منها كفافا كما دخلت فيها (4).

«و حصدوا الثّبور» قال ابن عمر لمّا بايع الناس أبا بكر:سمعت سلمان يقول:(كرديد و نكرديد)أما و اللّه لقد فعلتم فعلة أطمعتم فيها أبناء الطلقاء، و لعناء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،فلمّا سمعته يقول ذلك أبغضته،و قلت:لم يقل هذا إلاّ


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:45. [1]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:46،و [2]النقل بالمعنى.

4) 4) الامامة و السياسة لابن قتيبة 1:21. [3]

بغضا منه لأبي بكر.فأبقاني اللّه حتّى رأيت مروان بن الحكم يخطب على منبر النّبيّ صلى اللّه عليه و آله فقلت:رحم اللّه أبا عبد اللّه،لقد قال ما قال بعلم عنده (1)

رواه المرتضى في الشافي عنه كتاب الفتن من البحار:76،و الطبرسي في الاحتجاج:76 [1] بفرق في اللفظ.

.

قلت:صحّة بيعة أبي بكر تستلزم صحّة بيعة يزيد بن معاوية الّذي استأصل أهل بيت النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و أنكر النّبوّة،و جعل أمر النّبيّ صلى اللّه عليه و آله إرادة السلطنة دون إله و وحي منه،فقال:

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل

لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل

«لا يقاس بآل محمّد صلى اللّه عليه و آله من هذه الأمّة أحد» في أيّ درجة كان من الرياسة أو الدّيانة.

في(محاضرات الراغب)قال عمر بن عبد العزيز يوما:من أشرف الناس؟و قد كان قام من عنده عليّ بن الحسين عليه السّلام،فقالوا:أنتم.فقال:كلاّ،إنّ أشرف النّاس هذا القائم من عندي آنفا،من أحبّ الناس أن يكونوا منه و لم يحبّ أن يكون من أحد (2).

و روى الطبري في كتاب المنصور إلى محمّد بن عبد اللّه بن الحسن:و ما ولد فيكم بعد وفاة النّبيّ صلى اللّه عليه و آله أفضل من عليّ بن الحسين و هو لامّ ولد،و لهو خير من جدّك حسن بن حسن،و ما كان فيكم بعده مثل ابنه محمّد بن عليّ وجدّته أمّ ولد،و لهو خير من أبيك،و لا مثل ابنه جعفر و جدّته أمّ ولد،و لهو خير منك (3).

و في كتاب المأمون إلى أهل الآفاق-لمّا جعل الرّضا عليه السّلام ولي عهده بعد


1) 1)

2) 2) رواه الراغب في المحاضرات،و [2]ابن الجوزي في مناقبه عنهما مناقب ابن شهر آشوب 4:167. [3]

3) 3) تاريخ الطبري 6:198 سنة 145. [4]

ذكر اختياره له من بين جميع الناس-:أنّه فعل ذلك لمّا رأى من فضله البارع، و علمه الذائع،و ورعه الظاهر الشائع،و زهده الخالص النافع،و تخليته من الدّنيا،و تفّرده عن الناس،و قد استبان له منه ما لم تزل الأخبار عليه مطبقة، و الألسن عليه متّفقة،و الكلمة فيه جامعة،و الأخبار واسعة،و لمّا لم نزل نعرفه به من الفضل يافعا،و ناشئا،و حدثا،و كهلا،فلذلك عقد بالعهد و الخلافة من بعده،واثقا بخيرة اللّه تعالى في ذلك،إذ علم اللّه تعالى أنّه فعله إيثارا له و للدين (1)

نقل كتاب المأمون بتمامه ابن الصباغ في الفصول المهمة:257،258.

.

و روى(العيون)مسندا عن عباد بن صهيب قال:قلت للصادق جعفر بن محمّد عليه السّلام:أخبرني عن أبي ذر،أهو أفضل أم أنتم أهل البيت؟فقال:يا بن صهيب كم شهور السنة؟فقلت:اثنا عشر شهرا.فقال:و كم الحرم؟قلت:

أربعة أشهر.قال:فشهر رمضان منها؟قلت:لا.قال:فشهر رمضان أفضل،أم الأشهر الحرم؟فقلت:بل شهر رمضان.قال:فكذلك نحن أهل البيت،لا يقاس بنا أحد (2).

و روى(غرر المرتضى)أنّ نفيعا الأنصاري أراد حطّ موسى بن جعفر عليه السّلام فقال له:من أنت؟قال:يا هذا إن كنت تريد النسب فأنا ابن محمّد حبيب اللّه،ابن إسماعيل ذبيح اللّه،ابن إبراهيم خليل اللّه،و إن كنت تريد البلد فهو الذي فرض اللّه على المسلمين و عليك-إن كنت منهم-الحجّ إليه،و إن كنت تريد المفاخرة فو اللّه ما رضي مشركو قومي مسلمي قومك أكفّاء لهم،حتّى قالوا:يا محمّد اخرج إلينا أكفّاءنا من قريش-إلى أن قال-و انصرف بخزي (3).

فانصرف مخزيا.


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق في علل الشرائع:177 ح 2، [1]لا في عيون الأخبار،و هو من سهو قلم الشارح.

3) 3) أخرجه المرتضى في الغرر و الدرر،و هو كتاب أماليه 1:199 المجلس 19.

و قال الكميت:

عادلا غيرهم من النّاس طرا بهم لا همام لي لا همام

و قال الأمير الميكالي:لا يقاس المهاوي بالمراقي،و لا الأقدام بالتّراقي، و لا البحور بالسّواقي.

هذا،و قال أبو عبيدة:كان أبو قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النّعمان بن المنذر اللخمي،و سنة إلى الحرث بن أبي شمر الغسّاني،فقال له الحرث يوما -و هو عنده-:بلغني أنّك تفضّل النعمان عليّ.قال:كيف أفضّله عليك؟أبيت اللعن،فو اللّه لقفاك أحسن من وجهه،و أمّك أشرف من أبيه،و لأمسك أفضل من يومه،و لشمالك أفضل من يمينه،و لحرمانك أنفع من بذله،و لقليلك أكثر من كثيره.

«و لا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا» و فيه عليه السّلام أنزل تعالى قوله:

«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً » (1)

نزول الآية في علي عليه السّلام أخرجه ابن عساكر في ترجمة علي عليه السّلام 2:75 ح 757،و [1]ابن مردويه و الخطيب عنهما الدر المنثور 2:259،و [2]الحسكاني بطريقين في شواهد التنزيل 1:156،158 ح 210،213، [3]عن أبي هريرة،و في الباب عن أبي سعيد و غيره،و الآية 3 من سورة المائدة.

،و حيث إنّ المنعم عليه لا يمكن أن يكون مساويا للمنعم، و النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و أهل بيته هم المنعمون،و باقي الناس المنعم عليهم،قال تعالى:

«ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» (2).

و قال الفرزدق في قصيدته في عليّ بن الحسين عليه السّلام:

أي الخلائق ليست في رقابهم لأوّلية هذا أوله نعم

من يعرف اللّه يعرف أوّلية ذا فالدين من بيت هذا ناله الامم


1) 1)

2) 2) الروم:28. [4]

و قال المفيد:إنّ رجلا قال للسّجّاد:أخبرني بماذا فضلتم الناس جميعا و سدتموهم؟فقال له:أنا أخبرك بذلك،اعلم أنّ النّاس كلّهم لا يخلون من أن يكونوا أحد ثلاثة:إمّا رجل أسلم على يد جدّنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،فهو مولى لنا و نحن ساداته و إلينا يرجع بالولاء،أو رجل قاتلناه فقتلناه فمضى إلى النّار،أو رجل أخذنا منه الجزية عن يد و هو صاغر،و لا رابع للقوم،فأيّ فضل لم نحزه و شرف لم نحصله بذلك (1)

رواه المفيد في العيون و المحاسن [1]عنه الفصول المختارة:7. [2]

.

و قال الخوئي:قال الصادق عليه السّلام لأبي حنيفة:ما هو عندك في قوله تعالى: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» (2)؟قال الأمن في السرب و صحّة البدن و القوت الحاضر.فقال عليه السّلام:يا أبا حنيفة لئن أوقفك اللّه يوم القيامة حتّى يسألك عن كلّ أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولنّ و قوفك.قال:فما النعيم، جعلت فداك؟قال:النعيم نحن الذين أنقذ اللّه الناس بنا من الضلالة،و بصّرهم بنا من العمى،و علّمهم بنا من الجهل (3).

و قال ابن أبي الحديد:لا ريب أنّ محمّدا صلى اللّه عليه و آله و أهله الأدنين من بني هاشم،لا سيّما عليّ عليه السّلام،أنعموا على الخلق كافّة بنعمة لا يقدّر قدرها،و هي الدّعاء إلى الاسلام،و الهداية إليه،فمحمّد صلى اللّه عليه و آله و إن كان هدى الخلق بالدعوة التي قام بها بلسانه و يده،و نصرة اللّه تعالى له بملائكته و تأييده،و هو السّيّد المتبوع،و المصطفى المنتخب الواجب الطاعة،إلاّ أنّ لعليّ عليه السّلام من الهداية أيضا و إن كان ثانيا لأوّل،و مصلّيا على أثر سابق ما لا يجحد،و لو لم يكن إلاّ


1) 1)

2) 2) التكاثر:8. [3]

3) 3) لم أجده في مظانه في شرح الخوئي،و لكن رواه شرف الدين في كنز جامع الفوائد عنه البحار 24:59 ح 34، و [4]العياشي في تفسيره عنه مجمع البيان 10:534،و الراوندي في الدعوات عنه البحار 24:49 و [5]غيرهم،بل روى الخوئي في شرحه 1:242 رواية في هذا المعنى عن أبي خالد الكابلي.

جهاده بالسّيف أوّلا و ثانيا و ما كان بين الجهادين من نشر العلوم و تفسير القرآن و إرشاد العرب إلى ما لم تكن له فاهمة و لا متصوّرة لكفى في وجوب حقّه و سبوغ نعمه عليه السّلام.

فإن قيل:لا ريب في أنّ كلامه هذا تعريض بمن تقدّم عليه،فأيّ نعمة له عليهم؟قيل:نعمتان:الاولى منهما الجهاد عنهم و هم قاعدون،فإنّ من أنصف علم أنّه لو لا سيف علي عليه السّلام لاصطلم المشركون من أشار إليه و غيرهم من المسلمين،و قد علمت آثاره في بدر،و أحد،و الخندق و خيبر و حنين،و أنّ الشّرك فيها فغرفاه،فلو لا أن سدّه بسيفه لا لتحم المسلمين كافّة،و الثانية علومه التي لولاها لحكم بغير الصواب في كثير من الأحكام،و قد اعترف له بذلك،و الخبر مشهور:«لو لا عليّ لهلك عمر»-إلى أن قال-و اعلم أنّ عليًّا عليه السّلام كان يدّعي التقدّم على الكلّ،و الشرف على الكلّ،و النعمة على الكلّ بابن عمّه صلوات اللّه عليه و بنفسه و بأبيه أبي طالب عليهما السّلام،فإنّ من قرأ علوم السّير عرف أنّ الإسلام لو لا أبو طالب لم يكن شيئا مذكورا ... (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:46. [1]

.

«هم أساس الدّين» فبني الإسلام على خمس:الصلاة،و الزكاة،و صوم شهر رمضان،و حجّ بيت اللّه،و الولاية،و هي أشدّها،فإنّ تلك من الفروع،و هذه من الاصول،و أيضا فالأربعة الاولى قد تسقط عن بعض،و الولاية لا تسقط عن أحد في وقت (2).

و في(الإرشاد)عن أمير المؤمنين عليه السّلام:«و من لا يحبّنا لا ينفعه إيمانه،


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني بأربع طرق في الكافي 2:18،21 ح 1،3،5،8،و [2]البرقي في المحاسن:286 ح 429،و [3]العياشي في تفسيره 1:191 ح 109،و [4]الصدوق في الخصال:277 ح 21 عن الباقر عليه السّلام:«بني الإسلام على خمس:على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ و الولاية.و لم يناد بشيء كما نودي بالولاية»و للحديث طرق و ألفاظ غير ذلك.

و لا يتقبّل عمله،و إن دأب في الليل و النّهار قائما و صائما» (1)

الإرشاد للمفيد:129 [1] في ذيل حديث.

.

«و عماد اليقين» في رسالة للجاحظ نقلها(ينابيع الحنفي):هم معظّمون مكرّمون عند الناس بدون اختيارهم،و المؤمنون بتعظيمهم و تكريمهم واثقون و موقنون،فلهم سرّ كريم،و كمال جسيم،و شيم عجيب،و عرق طيب، و فضل مبين،و وقار متين،و عرق تام،و غصن باق،و أصل ثابت،و فرع نابت.

فلهذا لم يكتفوا و لم يقنعوا بذلك التعظيم و التكريم،و اشتغلوا بالتكاليف الشداد،و المحن الغلاظ،و العبادات الشاقة،و المجاهدات التّامة (2).

«إليهم يفيء الغالي،و بهم يلحق التّالي» حيث إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله جعلهم في الحديث المتواتر عدل الكتاب،و السالك سبيلهم سالك سبيل الصواب،فقال للناس:إنّي تارك فيكم الثقلين:كتاب اللّه و عترتي،و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (3).

«و لهم خصائص حقّ الولاية» على النّاس في محكم الآيات و مبرم الروايات،و قضيّة العقول و الدّرايات،قال تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (4).

و قال الرّسول صلى اللّه عليه و آله لمجتمع الامة بإجماعهم:«أولست أولى بكم من أنفسكم؟قالوا:بلى.قال:من كنت مولاه فعليّ مولاه» (5).


1) 1)

2) 2) ينابيع المودة للقندوزي:155 [2] عن فضائل بني هاشم للجاحظ.

3) 3) هذا حديث الثقلين [3]من الأحاديث المتواترة أخرجه جمع كثير،منهم:مسلم في صحيحه 4:1873،1874 ح 36، 37،و الترمذي في سننه 5:662،663 ح 3786،3788،و صاحب مسند زيد فيه:404،و صاحب صحيفة الرضا فيها:59 ح 83.

4) 4) المائدة:55. [4]

5) 5) هذا حديث الغدير من الأحاديث المتواترة أخرجه جمع كثير من المصنفين عن مائة و عشرين من أصحاب النّبيّ صلى اللّه عليه و آله فيما أعلم،منهم ابن عساكر،أخرجه بطرق كثيرة في ترجمة عليّ عليه السّلام 3:5-90 ح 503-593. [5]

و قال عبد اللّه بن جعفر-كما في(خلفاء ابن قتيبة)-لمّا أرسل معاوية إلى العباد له في بيعة ابنه يزيد:أمّا بعد،فإنّ هذه الخلافة أخذ فيها بالقرآن «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ» (1)

الأنفال:75. [1]

و إنّ أخذ فيها بسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فإنّ رسول اللّه أولى،و أيم اللّه لو ولّوه بعد نبيّهم لوضعوا الأمر موضعه لحقّه و صدقه،و لاطيع الرّحمن،و عصي الشيطان،و ما اختلف في الأمّة سفيان (2).

و في(عرائس الثعلبي)في بابه الخامس روى يزيد الرّقاشي عن أنس بن مالك قال:صلّى بنا النّبيّ صلى اللّه عليه و آله صلاة الفجر،فلمّا انفتل من الصلاة أقبل علينا بوجهه الكريم،فقال:يا معاشر المسلمين من افتقد الشمس فليستمسك بالقمر،و من افتقد القمر فليستمسك بالزّهرة،و من افتقد الزهرة فليستمسك بالفرقدين.فقيل:يا رسول اللّه و ما الشمس و ما القمر و ما الزّهرة و ما الفرقدان؟فقال:أنا الشمس،و عليّ القمر،و فاطمة الزهرة،و الحسن و الحسين الفرقدان في كتاب اللّه تعالى لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض (3).

«و فيهم الوصية» كونه عليه السّلام وصيّ النّبي صلى اللّه عليه و آله من المتواترات،و قد نقل ابن أبي الحديد عن(جمل أبي مخنف)أشعارا متضمّنة لكونه عليه السّلام وصيّه صلى اللّه عليه و آله عن عبد اللّه بن أبي سفيان الهاشمي،و ابن التّيهان،و عمر بن حارثة الأنصاري،و رجل أزدي،و غلام ضبي من عسكر عائشة،و عن سعد بن قيس الهمداني،و زياد بن لبيد الأنصاري،و حجر بن عدي الكندي،و خزيمة بن ثابت الأنصاري،و ابن بديل الخزاعي،و عمرو بن أحيحة،


1) 1)

2) 2) الامامة و السياسة لابن قتيبة 1:73،و [2]النقل بتصرف.

3) 3) العرائس للثعلبي:9.

و زجر بن قيس الجعفي (1)

نقله ابن أبي الحديد في شرحه 1:47 عن جمل أبي مخنف.

.

و نقل عن(صفين نصر بن مزاحم)أيضا أشعارا متضمّنة لكونه عليه السّلام وصيّه صلى اللّه عليه و آله عن الأشعث بن قيس،و زحر بن قيس،و جرير بن عبد اللّه البجلي، و عبد الرّحمن بن ذؤيب الأسلمي،و المغيرة بن الحارث المطلبي،و ابن عباس، و قال:إنّها بعض ما قيل في هذين الحربين،فأمّا ما عداهما فإنّه يجلّ عن الحصر (2).

قلت:و مما قيل في صفّين قول النّضر بن عجلان الأنصاري:

كيف التفرّق و الوصيّ إمامنا لا كيف إلاّ حيرة و تخاذلا

أيضا:

و ذروا معاوية الغويّ و تابعوا دين الوصيّ تصادفوه عاجلا

و من شواهده قول أمّ سنان المذحجية من وافدات معاوية:

أمّا هلكت أبا الحسين فلم تزل بالحقّ تعرف هاديا مهديا

فاذهب عليك صلاة ربّك ما دعت فوق الغصون حمامة قمريّا

قد كنت بعد محمّد خلفا كما أوصى إليك بنا فكنت وفيّا

و ممّا قيل في الطف كما في(الطبري)قول الحجّاج بن مسروق مؤذّن الحسين عليه السّلام:

اليوم تلقى جدّك النبيّا ثمّ أباك ذا الندى عليّا

ذاك الذي نعرفه وصيّا

(3).


1) 1)

2) 2) نقله ابن أبي الحديد في شرحه 1:49 عن صفين نصر،و [1]في وقعة صفين [2]نقل أشعار الأشع:23،24،و أشعار جرير و عبد الرحمن و المغيرة بالترتيب في:48،382،385،لكن ما روى عن زحر بن قيس فيه:18 مروي عن جرير، و ما روى عن النعمان فيه:365 مروي عن النضر بن عجلان الأنصاري،و ما روى عن عبد اللّه بن عباس فيه:416 مروي عن الفضل بن عباس،و بين ألفاظ الأصل و رواية ابن أبي الحديد اختلاف كثير.

3) 3) نقله بهذا اللفظ عن الطبري ابن شهر آشوب في مناقبه 4:103،و هو في تاريخ الطبري 4:336 سنة 61 بغير هذا اللفظ.

و يشهد له أيضا كما في(الطبري)قول الحسين عليه السّلام في مناشداته يوم الطف:أ لست ابن بنت نبيّكم صلى اللّه عليه و آله و ابن وصيّه؟ (1)

تاريخ الطبري 4:322 سنة 61 [1] ضمن خطبة.

.

و روى أحمد بن حنبل في(فضائله)-كما في(تذكرة سبط ابن الجوزي) عن أنس:قلنا لسلمان الفارسي:سل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من وصيّه؟فسأل سلمان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،فقال:من كان وصيّ موسى؟فقال:يوشع بن نون.قال:إنّ وصيّي و وارثي و منجز و عدي عليّ بن أبي طالب عليه السّلام (2).

و قد قال الفضل بن العبّاس-و قد رووه من طرقهم-:

و كان وليّ الأمر بعد محمّد عليّ و في كلّ المواطن صاحبه

وصيّ رسول اللّه حقّا و صهره و أوّل من صلّى و ما ذمّ جانبه

(3)و قال الباقر عليه السّلام:إنّ أوّل وصيّ كان على وجه الأرض هبة اللّه بن آدم، و ما من نبيّ مضي إلاّ و له وصيّ،و إنّ عليّا عليه السّلام كان هبة اللّه لمحمّد،و وارث علم الأوصياء و علم من كان قبله (4). قال ابن أبي الحديد بعد نقله الأبيات الّتي قيلت في الجمل و في صفّين في كونه عليه السّلام وصيّ النّبيّ صلى اللّه عليه و آله:لا ريب عندنا أنّ عليّا عليه السّلام كان وصيّ النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و إن خالف في ذلك من هو منسوب عندنا إلى العناد،و لسنا نعني بالوصيّة النّصّ على الخلافة،و لكنّ امورا اخرى لعلّها إذا لمحت أشرف و أجلّ (5).

قلت:فإن أراد بالخلافة مجرّد السلطنة الدّنيوية-و هو المفهوم من كلام


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:43.

3) 3) مناقب ابن شهر آشوب:52. [2]

4) 4) أخرجه الكليني في الكافي 1:224 ح 2،و [3]النقل بتقطيع،و رواه عن الباقر عليه السّلام عن النّبي صلى اللّه عليه و آله.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 1:46،و [4]لكنه قبل نقل الأبيات لا بعده.

فاروقهم لمّا أراد بيعة صاحبه صدّيقهم في قوله له:«رضيك النّبي لديننا في تقديمك للصلاة بنا فكيف لا نرضاك لدنيانا»فجعل الخلافة سلطنة دنيويّة، و دون إمامة الجماعة الذين قالوا هم:«صلّ خلف كلّ برّ و فاجر»-فأي فضل لشيخيهم،فالسّلاطين في الدّنيا كثيرة؟و إن أراد الخلافة الإلهية،فكيف تستلزم الوصاية الأشرف و الأجلّ منها دونها،و الخلافة لازم الوصاية،و لا يمكن انفكاك اللازم من الملزوم؟ و ما يفعل بما اتّفقوا على روايته أنّه لمّا نزل: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)

الشعراء:214. [1]

جمع بني عبد المطّلب و كانوا أربعين،و قال لهم:أيّكم يوازرني على هذا الأمر يكن أخي و وصيّي و وزيري و وارثي و خليفتي بعدي.فلم يجبه أحد منهم،فقام عليّ عليه السّلام-و هو أصغرهم يومئذ سنّا-فقال:أنا أوازرك يا رسول اللّه.فقال له:اجلس فأنت أخي و وصيّي و وزيري و وارثي و خليفتي من بعدي (2).

و زاد الجزري في(تاريخه):قال عليّ عليه السّلام:فأخذ النّبيّ صلى اللّه عليه و آله برقبتي،ثمّ قال:إنّ هذا أخي و وصيي و خليفتي فيكم،فاسمعوا له و أطيعوا.فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب:قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع (3).

فجمع صلى اللّه عليه و آله بين الوصاية و لازمها و هو الخلافة.


1) 1)

2) 2) أخرجه أحمد في مسنده 1:111،و النسائي في الخصائص:86،و الطبري بطريقين في تاريخه 2:62،63،و ابن إسحاق في المغازي و البزار في مسنده،و البيهقي و أبو نعيم كلاهما في الدلائل [2]عنهم الكاف الشاف 3:340،و سعيد بن منصور في سننه،و الطحاوي و الضياء في المختارة عنهم منتخب كنز العمال 5:42،43،و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عنهما الدر المنثور 5:97،و [3]ابن عساكر بستّ طرق في ترجمة عليّ عليه السّلام 1:97-104 ح 133-140، و [4]الحسكاني بطريقين في شواهد التنزيل 1:371 ح 514،و:420 ح 580. [5]

3) 3) الكامل لابن الأثير الجزري 2:63. [6]

ثمّ لو لم تكن الوصاية مستلزمة للخلافة،لم أنكرتها عايشة مع تواترها؟و لذا يقول الأزدي من أصحابه عليه السّلام كما في(جمل أبي مخنف) لعايشة و قد نقله ابن أبي الحديد نفسه:

أعايش خلّي عن عليّ و عيبه بما ليس فيه إنّما أنت والده

وصيّ رسول اللّه من دون أهله و أنت على ما كان من ذاك شاهده

(1)و قد قال أيضا على نقله:

هذا عليّ و هو الوصي آخاه يوم النّجوة النّبيّ

و قال هذا بعدي الوليّ وعاه واع و نسى الشقيّ

(2)و روى مسلم و البخاري أنّه ذكر عند عائشة أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و آله أوصى إلى عليّ قالت:و متى أوصى،و من يقول ذلك؟قيل:إنّهم يقولون.قالت:من يقوله؟ لقد دعا بطست ليبول و أنّه بين سحري و نحري،فمات و ما شعرت (3). ادّعت لإنكار وصايته أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و آله مات مكشوف العورة،ثمّ يقال لها:

موته بين سحرك و نحرك في وقت بوله،أيّ ملازمة بينه و بين عدم وصايته إليه؟فإنّه صلى اللّه عليه و آله جعله وصيّه و خليفته أوّل بعثته،كما عرفت في ما مرّ،و بعده إلى حين وفاته،حسبما دلّ عليه آثار أخر،قبل تلك الساعة التي ادّعيت أنت في موته حين بوله بين سحرك و نحرك.

و لو لم تكن الوصاية مستلزمة للخلافة،كيف أنكرها شرحبيل و ابن أبي أوفى؟ روى الجوهري في(سقيفته):أنّ طلحة بن مصرف قال لشرحبيل:إنّ


1) 1) شرح ابن أبي الحديد 1:48. [1]

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:48. [2]

3) 3) أخرجه البخاري في صحيحه 2:125،و 3:95،و مسلم في صحيحه 3:1257 ح 19 و غيرهما،مرّ نقله في العنوان 2 من هذا الفصل.

الناس يقولون:إنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و آله أوصى إلى عليّ.فقال:أبو بكر يتأمّر على وصيّ رسول اللّه (1)

السقيفة للجوهري:49 و غيره. [1]

.

و روى مسلم و البخاري:أنّ طلحة بن مصرف قال لابن أبي أوفي:هل أوصى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؟قال:لا.قال:فكيف أمر المسلمين بالوصيّة و لم يوص؟قال:أوصى بكتاب اللّه.و قال طلحة بن مصرف:قال الهزيل بن شرحبيل:أبو بكر كان يتأمّر على وصيّ رسول اللّه (2).

و قول ابن أبي الحديد:«و إن خالف في ذلك من هو منسوب إلى العناد» إن أراد به شرحبيل و ابن أبي أوفى المتقدّمين فلعلّهما أنكراه لا عنادا،بل لكون التفرقة بين الملزوم و اللازم خلاف العقل.نعم،أمّ مؤمنيهم أنكرته عنادا أيضا له عليه السّلام،فمع خروجها عليه عليه السّلام جرأة على اللّه و رسوله كانت لا تستطيع أن تذكر اسم أمير المؤمنين عليه السّلام بغضا،كما صرّح به ابن عبّاس (3)،و لمّا بلغها بيعة الناس له عليه السّلام تمنّت سقوط السماء على الأرض (4)،و لمّا بلغها قتله عليه السّلام سجدت فرحا و مدحت قاتله (5)،مع تواتر قول النّبيّ صلى اللّه عليه و آله فيه عليه السّلام:«اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه» (6)،و لازمه كونها عدوّة اللّه.

ثمّ إذا لم يكن المراد من الوصاية الخلافة،فأيّ معنى لكونه وصيّه؟


1) 1)

2) 2) حديث ابن أبي أوفي أخرجه البخاري في صحيحه 2:125،و 3:95،و مسلم في صحيحه 3:1256 ح 16،17 و غيرهما،لكن مع هذا الذيل أخرجه ابن ماجه في سننه 2:900 ح 2696،و الدارمي في سننه 2:403 و [2]غيرهم.

3) 3) رواه البخاري بطرق في صحيحه 1:49،122،126،و 2:91،و 3:92،و 4:12،و مسلم بطرق في صحيحه 1:311،312 ح 90-92 و غيرهما.

4) 4) الامامة و السياسة لابن قتيبة 1:52 و [3]تاريخ اليعقوبي 2:180.

5) 5) روى سجودها أبو الفرج في المقاتل:27،و روى مدح قاتله هو في المصدر:26،و الطبري في تاريخه 4:115 سنة 40.

6) 6) هذا ذيل بعض ألفاظ حديث الغدير مرّ تخريجه في شرح فقرة«و لهم خصائص»في العنوان 4 من هذا الفصل.

فإن قيل:إنّه كان وصيّا في أمواله.

قلنا:إنّ صدّيقهم قال:إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:«نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة» (1)

أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه 2:185،301،و 3:17،55 و 4:164،و مسلم بثلاث طرق في صحيحه 3:1380،1381 ح 52-54،و أبو داود بثلاث طرق في سننه 3:142 ح 2968-2970 و غيرهم عن أبي بكر،و في الباب عن عمر و عثمان و طلحة و الزبير و عائشة و عبد الرحمن و سعد و أبي هريرة و غيرهم.

فلم يكن له مال حتّى يكون وصيّا في ماله.

قال الكراجكي:و من عجيب أمرهم أنّهم إذا طرقتهم الحجج الجليّة في أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله لم يمض من الدّنيا إلاّ عن وصيّة،و أنّه أوصى إلى أمير المؤمنين عليه السّلام دون سائرهم،و سمعوا بمدح أمير المؤمنين عليه السّلام بذلك في كلامه و حجاجه لخصومه،و ذكره له في خطبة على منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و احتجاج أهل بيته و شيعته من الأنصار بذلك في فضله،و ما نظمته فيه الشعراء و سارت الرّكبان فيه.قالوا عند ذلك:لسنا نجحد أن عليًّا عليه السّلام وصيّ الرّسول صلى اللّه عليه و آله،و لا ننكر ما قد اشتهر من شهادة القوم بوصيّته،و لكن النّبيّ صلى اللّه عليه و آله إنّما أوصى إليه بما كان له في يده يتملّكه و يحويه،و لم يوص إليه بأمر الأمّة كلّها،و لا تعدّت وصيّته إليه أمور تركته و أهله إلى غيرها.ثمّ يدّعون بعد ذلك أنّ جميع ما خلّفه صدقة،و أنّه لا يورّث كما يورّث من سواه.فليت شعري،بماذا أوصى إذا كان جميع ما خلّفه صدقة،و لم يكن أوصى بحفظ الشريعة و القيام بأمر الأمة؟فإنّ هذا ممّا يتحيّر فيه ذوو البصيرة (2)و كيف لا يكون وصيّه خليفته و هو بمنزلته؟ روى نصر بن مزاحم في(صفّينه)-و هو منهم-و الخطيب الناصبي في (تاريخ بغداده)عن عقيصا قال:كنّا مع عليّ عليه السّلام في مسيره إلى الشام،حتّى إذا كنّا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش النّاس و احتاجوا إلى الماء،


1) 1)

2) 2) قاله الكراجكي في رسالة التعجب:4 و النقل بتقطيع.

فانطلق بنا عليّ عليه السّلام حتّى أتى بنا على صخرة ضرس من الأرض كأنّها ربضة عنز،فأمرنا فاقتلعناها فخرج لنا ماء فشرب الناس منه و ارتووا،ثمّ أمرنا فأكفأناها عليه و سار الناس حتّى إذا مضينا قليلا،قال عليّ عليه السّلام:أ فيكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه؟قالوا:نعم يا أمير المؤمنين.قال:

فانطلقوا إليه فانطلق منّا رجال ركبانا و مشاة فاقتصنا الطريق حتّى انتهينا إلى المكان الذي نرى أنّه فيه،فطلبناه فلم نقدر على شيء،حتى إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب منّا فسألناهم أين الماء الذي هو عندكم؟قالوا:ما قربنا ماء.قلنا:بلى،إنّا شربنا منه.قالوا:أنتم شربتم منه؟قلنا:نعم.قال صاحب الدير:ما بني هذا الدير إلاّ بذلك الماء،و ما استخرجه إلاّ نبيّ،و أو وصيّ نبيّ (1)

وقعة صفين لابن مزاحم:144،و تاريخ بغداد للخطيب 12:305. [1]

.

و روى بسنده قوي عن جويرية:أنّه عليه السّلام لمّا رجع من النهروان و وصل إلى بابل قال:إنّ هذه أرض ملعونة قد عذّبت في الدّهر ثلاث مرّات،و لا يحلّ النبيّ و لا وصيّ نبيّ أن يصلّي بها (2).

و روى ابن مردويه-و هو من حفّاظهم-عن النّبيّ صلى اللّه عليه و آله أنّه قال:إنّ اللّه تعالى اختار من كلّ أمّة نبيّا و اختار لكلّ نبيّ وصيّا،فأنا نبيّ هذه الأمّة،و عليّ وصيّي في عترتي و أهل بيتي و امّتي من بعدي (3).

و روى ابن المغازلي الشافعي عن النّبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:انتهت الدعوة إليّ و إلى عليّ لم يسجد أحد منّا لصنم قطّ،فاتّخذني اللّه نبيّا و اتّخذ عليّا وصيّا (4).


1) 1)

2) 2) رواه شرف الدين في كنز جامع الفوائد عنه الفتن من البحار:573 [2] مسندا،و الصدوق في الفقيه 1:130 ح 12 مجردا، و النقل بتقطيع.

3) 3) أخرجه ابن مردويه في مناقبه عنه الطرائف 1:25،و [3]الخوارزمي عن طريق ابن مردويه في مناقبه:89 في ذيل حديث.

4) 4) أخرجه ابن المغازلي في مناقبه:276 في ذيل الحديث 322.

و حيث إنّ المراد من(الدعوة)في الخبر دعاء إبراهيم عليه السّلام في قوله:

«وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ» (1)

البقرة:124. [1]

فلازمه عدم صحّة خلافة شيخيهم اللذّين شاخا في عبادة الأصنام.

و روى ابن أبي الحديد نفسه في موضع من كتابه عن طرقهم أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال:كنت أنا و عليّ نورا بين يدي اللّه عزّ و جلّ قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام،فلمّا خلق آدم قسّم ذلك فيه و جعله جزأين،فجزء أنا، و جزء عليّ،ثمّ انتقلنا حتّى صرنا في عبد المطلّب فكانت لي النّبوّة و لعليّ الوصيّة (2).

و قال ابن عبد ربّه في(عقده)-بعد ذكر فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام.

و قال له النبيّ صلى اللّه عليه و آله:أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي-:و بهذا الحديث سمّت الشيعة عليّا عليه السّلام الوصي،و تأوّلوا فيه أنّه استخلفه على أمّته إذ جعله منه بمنزلة هارون من موسى،لأنّ هارون كان خليفة موسى على قومه إذا غاب عنهم.

و قال السيّد الحميري:

إنّي أدين بما دان الوصيّ به و شاركت كفّه كفّي بصفّينا

(3)و لمّا بعث أمير المؤمنين عليه السّلام ابن عبّاس لمحاجّة الخوارج قالوا له-كما في(المسترشد)و غيره-:نقمنا على صاحبك خصالا كلّها موبقة-إلى أن قال-:قال عليه السّلام لهم:و أمّا قولكم:إنّي كنت وصيّا فضيّعت الوصيّة،فأنتم


1) 1)

2) 2) هذا حديث سلمان نقله ابن أبي الحديد في شرحه 2:340 ح 14 عن فردوس الديلمي بتمامه و عن مسند أحمد و فضائله بحذف ذيله،أما مسند أحمد فلم يوجد فيه،و أما الكتابان فروى عنهما تذكرة الخواص:46،و [2]ينابيع المودة:10،و في الباب عن علي عليه السّلام و أبي ذر و جابر و أبي هريرة و [3]عثمان.

3) 3) العقد الفريد لابن عبد ربه 5:58. [4]

كفرتم و قدّمتم عليّ غيري،و أزلتم الأمر عنّي،و لم أك أنا كفرت بكم،و ليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم،و إنّما يدعو الأنبياء إلى أنفسهم،و الوصي مدلول عليه مستغن عن الدعاء إلى نفسه،و قد قال تعالى: «وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» (1)

آل عمران:97. [1]

لو ترك الناس الحجّ لم يكن البيت ليكفر لأنّ اللّه تعالى قد نصّبه لهم علما،و كذلك نصبّني علما،حيث قال:يا عليّ أنت بمنزلة الكعبة يؤتي اليها،و لا تأتي (2).

«و الوراثة» لمّا حجّ هارون الرشيد و نزل المدينة اجتمع إليه بنو هاشم و بقايا المهاجرين و الأنصار،فقال لهم هارون:قوموا بنا إلى زيارة النّبيّ صلى اللّه عليه و آله ثمّ نهض معتمدا على يد الكاظم عليه السّلام حتّى انتهى إلى القبر،فقال:السّلام عليك يا رسول اللّه،السلام عليك يا ابن عمّ.افتخارا له على القبائل الّذين حضربوا معه،و استطالة عليهم بالنّسب،فنزع عليه السّلام يده من يده ثمّ تقدّم فقال:السّلام عليك يا رسول اللّه،السلام عليك يا أبه.فتغيّر لون الرشيد،ثمّ قال:إنّ هذا لهو الفخر الجسيم (3).

و قال المنصور للصادق عليه السّلام:زعم أوغاد الشام و أوباش العراق أنّك حبر الدّهر و ناموسه،و حجّة المعبود،و ترجمانه،و عيبة علمه،و ميزان قسطه،و مصباحه الذي يقطع به الطالب عرضة الظلمة إلى فضاء النور،و أنّ اللّه لا يقبل من عامل جهل حقّك في الدّنيا عملا،و لا يرفع له يوم القيامة وزنا، فنسبوك إلى غير جدّك،و قالوا فيك ما ليس فيك.فقل،فإنّ أوّل من قال الحقّ لجدّك،و أوّل من صدّقه عليه أبوك،فأنت حريّ بأن تقتص آثارهما،و تسلك


1) 1)

2) 2) المسترشد:86-88. [2]

3) 3) الإرشاد للمفيد:297،و [3]كامل الزيارات لابن قولويه:18 ح 7،و [4]تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:350 و غيرها، و النقل بالمعنى.

سبيلهما.فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:أنا فرع من فروع الزّيتونة،و قنديل من قناديل بيت النّبوّة،و سليل الرسالة،و أديب السّفرة،و ربيب الكرام البررة،و مصباح من مصابيح المشكاة التي فيها نور النور،و صفوة الكلمة الباقية في عقب المصطفين إلى يوم الحشر... (1)

بحار الأنوار للمجلسي 10:216 ح 18 [1] عن كتاب الاستدراك.

.

و في(خلفاء ابن قتيبة)قال الحسين عليه السّلام لمعاوية لمّا دعاه إلى البيعة لابنه يزيد في جملة كلامه عليه السّلام له:و منعتنا عن آبائنا تراثا،و لقد لعمر اللّه أورثنا الرّسول صلى اللّه عليه و آله ولادة-إلى أن قال-:فنظر معاوية إلى ابن عبّاس فقال:ما هذايا بن عباس،و لما عندك أدهى و أمرّ؟فقال ابن عبّاس:لعمر اللّه،إنّها لذرّية الرّسول،و أحد أصحاب الكساء،و في البيت المطهّر (2).

«الآن إذ رجع الحقّ إلى أهله و نقل إلى منتقله» قال ابن أبي الحديد:يبعد عندي أن تكون مقولة عقيب انصرافه عليه السّلام من صفّين،لأنّه انصرف عنها و قتئذ مضطرب الأمر منتشر الحبل بواقعة التحكيم و مكيدة ابن العاص،و ما تمّ لمعاوية عليه من الاستظهار،و ما شاهد في عسكره من الخذلان،و هذه الكلمات لا تقال في مثل هذه الحال،و أخلق بها أن تكون قيلت في ابتداء بيعته قبل أن يخرج من المدينة إلى البصرة،و أنّ الرّضي نقل ما وجد و حكى ما سمع،و الغلط من غيره (3).

قلت:يتمّ ما قال لو كان قوله عليه السّلام: «الآن» إشارة إلى حين الرّجوع من صفّين،و من أين ذلك؟و الظاهر كونه ظرفا لفعل مقدّر يقتضيه المقام كما في قوله تعالى: «آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ» (4).و لم يذكر الرّضي رحمه اللّه صدر الكلام


1) 1)

2) 2) الامامة و السياسة لابن قتيبة 1:186،187. [2]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:47. [3]

4) 4) يونس:91. [4]

حيث قال«منها»حتّى يتّضح المرام.

هذا،و قال ابن أبي الحديد أيضا قوله عليه السّلام: «إذ رجع الحقّ إلى أهله» يقتضي أن يكون فيها قبل:في غير أهله.

و نقول:إنّه عليه السّلام كان أولى لا على وجه النّصّ،بل الأفضلية،لكنّه ترك حقّه لما علمه من المصلحة،و ما تفرّس فيه هو و المسلمون من اضطراب الإسلام،و انتشار الكلمة لحسد العرب له و ضغنهم عليه (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:46،و [1]النقل بالمعنى.

.

قلت:ما قاله مغالطة،فإنّ الاضطراب إنّما كان من قبل المتقدّمين عليه و أتباعهم،فلو كان لك حقّ و منعك منه جمع عدوانا و بغيا و حسدا و سكتّ اضطرارا،هل يكون ذلك دليلا على صواب المانعين؟بل كان تقدّم أولئك سببا لانقلاب العرب و ارتدادهم،حيث رأوا الأمر في غير أهله.

قال الحطيئة:

أطعنا رسول اللّه ما كان حاضرا فوا لهفتا ما بال دين أبي بكر

أ يورثها بكرا إذا مات بعده فتلك-و بيت اللّه-قاصمة الظّهر

و لقد ردّت عليهم سيّدة نساء العالمين لما قالوا:إنّهم بادروا بإقامة أبي بكر خوف الفتنة بقولها:« «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» » (2).

و أيّ فتنة كانت أفتن من فتنة عملهم من أخذ الحقّ من أهله،و نارها مشتعلة إلى يوم القيامة،و دخانها مظلم إلى يوم لا تنفع النّدامة؟و كيف لا، و أحضروا النّار لإحراق أهل بيت العصمة؟! و لو كانوا أقرّوا الحقّ في أهله لخضعت له العرب و اعترفت.


1) 1)

2) 2) بلاغات النساء للبغدادي:25 [2] ضمن خطبة لها عليهما السّلام،و الآية 49 من سورة التوبة. [3]

قال أعثم الكوفي في(تاريخه)-في قصّة أهل حضرموت-:إنّ زياد بن لبيد و سم إبلا من شابّ من حضرموت بسمة الصّدقات و أرسلها في نعمها، فحضر الشاب و قال له:خلّ عن هذا أعطك خيرا منه.فما قبل منه،فذهب إلى حارثة بن سراقة الذي كان أحد كبراء تلك الدّيار،و قال له:أريد أن تشفع لي في ذلك.فجاءه حارثة في ذلك فاعتذر بأنّه بعد و سمعه بسمة الصّدقات لا يمكنه تبديلها،فغضب حارثة،و جاء إلى آبال الصدقة،و قال للشّاب:حلّ إبلك و اذهب بها إلى بيتك،و لو تكلّم أحد نجيبه بالسّيف،كنّا مطيعا لصاحب الرّسالة ما دام كان حيّا،فلمّا توفّي لو كان خليفته من أهل بيته كنّا مطيعين له،و أمّا ابن أبي قحافة فأنّى له الإمارة علينا؟و أنشد شعرا في تولّيه لأهل البيت و تبرّيه من أبي بكر،و أرسل بذلك إلى زياد،فلمّا سمع ذلك زياد خاف و شخص إلى المدينة،و بعث من الطريق شعرا في تهديدهم،فقالت قبائل كندة:اجمعوا أطرافكم و احفظوا بلادكم،فإنّ العرب لا ترضى بتقديم تيم،و لا يدعون سادات بطحاء أهل بيت النّبوّة و مستحقّي الخلافة،و لو كان ينبغي أن يكون الأمر خارجا من بني هاشم لم يكن أحد أولى به منّا،لأنّ آباءنا كانوا ملوك الأرض-إلى أن قال-:فذهب زياد إلى بني زبيد و شكا إليهم من كندة،و دعاهم إلى طاعة أبي بكر،فقالوا له:يا زياد لم تدعونا إلى طاعة رجل لم يوص الرّسول صلى اللّه عليه و آله أحدا بطاعته،و لم يذكر في أمره شيئا؟فقال لهم:صدقتم،و لكن اتّفقت جماعة المسلمين على تقديمه باجتهادهم.فقالوا له:لم يجتهدوا في تقديم أهل بيت نبيّهم،و كان هذا الأمر حقّا لهم حيث يقول تعالى: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ» (1)

الأنفال:75. [1]

.فقال لهم زياد:إنّ المهاجرين و الأنصار كانوا أعلم منكم.قالوا:لا و اللّه،بل حسدوا أهل بيت

1) 1)

نبيّهم و أخذوا الحقّ من مستحقّه،و نحن نعلم يقينا أنّ الرّسول صلى اللّه عليه و آله لم يقبض حتّى عيّن خليفة له من أهل بيته... (1)

الفتوح لابن الاعثم 1:55 و [1]النقل بالمعنى.

.

و قول ابن أبي الحديد:«كان أولى لا على وجه النّصّ»مضحك،فإنّه -غير نصّ الغدير الذي ليس نصّ أصرح منه،الذي الّف مجلّدات فيه،في ما ورد من طرقهم فيه-نصّ صلى اللّه عليه و آله عليه عليه السّلام من ساعة بعثته-كما عرفت من تفسير قوله تعالى: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (2)-إلى حين وفاته خصوصا و عموما قولا و عملا، «وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (3).

هذا،و ممّا قيل في رجوع الحقّ إلى أهله-و لو كان ادّعاء-قول داود بن عليّ العباسي في أوّل موسم ملكوا:فالآن حين أخذ القوس باريها،و عادت النّبل إلى النّزعة،و رجع الملك في نصابه.

و قيل في خلع المستعين و بيعة المعتزّ-بعد خلع أخيه المنتصر له عن ولاية عهد أبيه المتوكّل-:فردّه اللّه إلى حاله،و ردّها اللّه إلى حالها،و لم يكن أوّل عارية ردّت على رغم إلى آلها.

و في(رسائل الصخري):أم أهنّىء الملك-ثبّت اللّه أركانه،كما نضّر به مكانه-فقد آب إليه رونقه،و زال عن أمره رنقه.

هذا و قال ابن أبي الحديد في قوله عليه السّلام: «و نقل إلى منتقله» :المنتقل:

مصدر،و في الكلام تقدير،و الأصل موضع منتقله (4).

قلت:بل المنتقل اسم مكان،ففي المزيد فيه المصدر الميمي،و المفعول و اسم المكان واحد،فلا يحتاج إلى تكلّف تقدير.


1) 1)

2) 2) الشعراء:214. [2]

3) 3) الحج:46. [3]

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:46.

فهرس المطالب

العنوان رقم الصفحة

تتمّة الفصل الرّابع-في خلق آدم عليه السّلام 1

العنوان 3 من الخطبة 190:«الحمد للّه الّذي لبس العزّ و الكبرياء...»1

العنوان 4 من الخطبة 190:«و لا تكونوا كالمتكبّر على ابن امّه من غير فضل...»12

الفصل الخامس-في النّبوّة العامّة 23

العنوان 1 من الخطبة 89:«و اصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي...»-25

العنوان 2 من الخطبة 89:«و لم يخلّهم بعد أن قبضه ممّا يؤكّد عليهم حجّة ربوبيّته...»42

العنوان 3 من الخطبة 92:«فاستودعهم من أفضل مستودع...»43

العنوان 4 من الخطبة 142:«بعث اللّه رسله بما خصّهم به من وحيه...»47

العنوان 5 من الخطبة 181:«الحمد للّه المعروف من غير رؤية...»49

العنوان 6 من الخطبة 190:«فلو رخّص اللّه من الكبر لأحد من عباده...»55

العنوان 7 من الخطبة 158:«و إن شئت ثنّيت بموسى كليم اللّه عليه السّلام 74

العنوان 8 من الخطبة 199:«أيّها النّاس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله...»80

العنوان 9 من الخطبة 180:«أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الّذي ألبسكم الرّياش...»95

الفصل السّادس-في النّبوّة الخاصّة121

العنوان 1 من الخطبة 1:«على ذلك نسلت الفروق...»123

العنوان 2 من الخطبة 2:«أحمده استتماما لنعمته...»143

العنوان 3 من الخطبة 26:«أنّ اللّه بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله و سلم نذيرا للعالمين...»154

العنوان 4 من الخطبة 87:«أرسله على حين فترة من الرّسل...»173

و في الخطبة 156:«أرسله على حين فترة من الرّسل...»174

العنوان 5 من الخطبة 92:«حتّى أفضت كرامة اللّه سبحانه إلى محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم...»180

العنوان 6 من الخطبة 93:«بعثه و النّاس ضلاّل في حيرة...»194

العنوان 7 من الخطبة 94:«مستقرّه خير مستقرّ...»197

العنوان 8 من الخطبة 103:حتّى بعث اللّه محمّدا صلى اللّه عليه و آله و سلم شهيدا و بشيرا و نذيرا...»203

العنوان 9 من الخطبة 33:«أنّ اللّه بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله و سلم و ليس أحد من العرب...»207

-من الخطبة 102:«أمّا بعد،فإنّ اللّه سبحانه و تعالى بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله و سلم...»207

العنوان 10 من الخطبة 106:«اختاره من شجرة الأنبياء...»123

العنوان 11 من الخطبة 149:«و استعينه على مداحر الشّيطان و مزاجره...»217

العنوان 12 من الخطبة 159:«بعثه بالنّور المضيء،و البرهان الجلّي...»222

العنوان 13 من الخطبة 176:«و أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه غير معدول به...»230

العنوان 14 من الخطبة 171:«أمين وحيه،و خاتم رسله...»237

العنوان 15 من الخطبة 188:«أحمده شكرا لانعامه...»238

العنوان 16 من الخطبة 189:«و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله...»240

العنوان 17 من الخطبة 183:«و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله الصّفيّ...»242

العنوان 18 من الخطبة 193:«و أشهد أنّ لا إله إلاّ اللّه،شهادة إيمان و إيقان»248

العنوان 19 من الخطبة 194:«بعثه حين لا علم قائم،و لا منار ساطع...»250

العنوان 20 من الخطبة 196:«و أشهد أنّ محمّدا نجيب اللّه...»251

العنوان 21 من الخطبة 196:«ثمّ أنّ اللّه بعث محمّدا صلى اللّه عليه و آله و سلم بالحقّ...»252

العنوان 22 من الخطبة 211:«أرسله بالضّياء،و قدّمه في الاصطفاء...»257

العنوان 23 من الخطبة 229:«فصدع بما أمر،و بلّغ رسالات ربّه...»259

العنوان 24 من الخطبة 131:«أرسله على حين فترة من الرّسل...»262

العنوان 25 من الخطبة 114:«أرسله داعيا إلى الحقّ...»266

العنوان 26 من الخطبة 98:«الحمد للّه النّاشر من الخلق فضله...»268

-من الخطبة 82:«و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله...»268

-من الخطبة 89:«حتّى تمّت بنبيّنا محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم حجّته...»268

العنوان 27 من الخطبة 190:«و اعتبروا بحال ولد إسماعيل و بني إسحاق...»271

العنوان 28 من الخطبة 84:«و عمّر فيكم نبيّه أزمانا...»313

العنوان 29 من الخطبة 70:«اللّهمّ داحي المدحوّات،و داعم المسموكات...»317

-من الخطبة 104:«حتّى أورى قبسا لقابس...»318

العنوان 30 من الحكمة 361:«إذا كانت لك إلى اللّه سبحانه حاجة...»333

العنوان 31 من الخطبة 192:«نحمده على ما وفّق له من الطّاعة...»345

العنوان 32 من الكتاب 9:«فأراد قومنا قتل نبيّنا...»354

العنوان 33 في آخر فصل اختار غريب كلامه عليه السّلام من الباب الثالث:«كنّا

إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم...»376

العنوان 34 من الخطبة 56:«و قد كنّا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم،نقتل آباءنا...»383

العنوان 35 من الخطبة 95:«لقد رأيت أصحاب محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلم...»397

العنوان 36 من الخطبة 96:«إنّ أولى النّاس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا...»403

العنوان 37 من الخطبة 212:«و أشهد أنّ محمّدا عبده و سيّد عباده...»409

العنوان 38 من الخطبة 234:«فجعلت أتّبع مأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم...»419

العنوان 39 من الخطبة 158:«و قد كان من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم كاف لك...»426

العنوان 40 من الخطبة 107:«قد حقّر الدّنيا و صغّرها،و أهونها و هوّنها...»442

العنوان 41 من الخطبة 190:«و لقد قرن اللّه به صلى اللّه عليه و آله و سلم من لدن أن كان فطيما...»447

العنوان 42 من الخطبة 190:«و لقد كنت معه صلى اللّه عليه و آله و سلم لمّا أتاه الملأ...»451

العنوان 43 من الحكمة 16:«...إنّما قال ذلك و الدّين قلّ...»481

العنوان 44 من الخطبة 233:«بأبي أنت و أمّي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع...»484

العنوان 45 الحكمة 292:«...إنّ الصّبر لجميل إلاّ عنك...»502

العنوان 46 من الحكمة 473:«...الخضاب زينة و نحن قوم في مصيبة...»506

العنوان 47 الحكمة 88:«كان في الأرض أمانان من عذاب اللّه...»507

الفصل السّابع-في الإمامة العامّة 513

العنوان 1 من الحكمة 147:«اللّهمّ بلى،لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة...»515

العنوان 2 من الخطبة 86:«أمّا بعد،فإنّ اللّه لم يقصم جبّاري دهر قطّ إلاّ...»534

العنوان 3 من الخطبة 129:«و قد علمتم انّه لا ينبغي أن يكون الوالي...»555

العنوان 4 من الخطبة 2:«...هم موضع سرّه،و لجأ أمره...»572