بهج الصباغه فی شرح نهج البلاغه علی بن ابی طالب علیه السلام جلد 1

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:ش‍وش‍ت‍ری‌، م‍ح‍م‍دت‍ق‍ی‌، ۱۳۷۴ - ۱۲۸۲

‏عنوان و نام پديدآور:ب‍ه‍ج‌ ال‍ص‍ب‍اغ‍ه‌ ف‍ی‌ ش‍رح‌ ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌ [ع‍ل‍ی‌ب‍ن‌ اب‍ی‌طال‍ب‌(ع‌)]/ ال‍م‍ص‍ن‍ف‌ م‍ح‍م‍دت‍ق‍ی‌ ال‍ت‍س‍ت‍ری‌

‏مشخصات نشر:دار ام‍ی‍رک‍ب‍ی‍ر ل‍ل‍ن‍ش‍ر- بیروت - لبنان- 1376.

‏وضعیت فهرست نویسی:ف‍ه‍رس‍ت‍ن‍وی‍س‍ی‌ ق‍ب‍ل‍ی‌

‏عنوان دیگر:ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌

‏موضوع:ع‍ل‍ی‌ب‍ن‌ اب‍ی‌طال‍ب‌(ع‌)، ام‍ام‌ اول‌، ۲۳ ق‍ب‍ل‌ از ه‍ج‍رت‌ - ۴۰ق‌. ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌ -- ن‍ق‍د و ت‍ف‍س‍ی‍ر

‏شناسه افزوده:ع‍ل‍ی‌ب‍ن‌ اب‍ی‌طال‍ب‌(ع‌)، ام‍ام‌ اول‌، ۲۳ ق‍ب‍ل‌ از ه‍ج‍رت‌ - ۴۰ق‌. ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌. ش‍رح‌

‏رده بندی کنگره:BP۳۸/۰۲‭/ش‌۹

‏رده بندی دیویی:۲۹۷/۹۵۱۵

‏شماره کتابشناسی ملی:‭م‌۷۲-۸۰۹

ب‍ه‍ج‌ ال‍ص‍ب‍اغ‍ه‌ ف‍ی‌ ش‍رح‌ ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌ [ع‍ل‍ی‌ب‍ن‌ اب‍ی‌طال‍ب‌(ع‌)]

ال‍م‍ص‍ن‍ف‌ م‍ح‍م‍دت‍ق‍ی‌ ال‍ت‍س‍ت‍ری‌

فهرس المطالب

العنوان رقم الصفحة

فهرس المطالب 5

كلمة في حياة المؤلّف 9

دليل القارئ 13

مقدّمة مؤسّسة نهج البلاغة 15

مقدّمة المؤلف 17

ذكر ما في شرح ابن أبي الحديد من المعايب 23

ردّ المؤلّف على ابن ميثم و السيّد الخوئي 24

وجه تسمية الكتاب ببهج الصّباغة 42

شرح خطبة الرّضيّ 43

ما قال معاوية ردّا لمحفن في فصاحة عليّ عليه السّلام 59

رؤية إبراهيم المهديّ عليّا في المنام و ما جرى بينهما 60

اعترافات الفصحاء بأنّ عليّا عليه السّلام أفصح النّاس 64

حديث من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه 73

نقل كلام شارح المعتزليّ في فضائله عليه السّلام 75

نسب الرّضيّ 96

ما قال ابن أبي الحديد في ردّ من نسب النّهج إلى الرّضيّ 99

الإشارة إلى الموارد التي ذكرها المؤرّخون في شجاعته عليه السّلام و قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له:

لا فتى إلاّ عليّ 109

الإشارة إلى طرف من زهده عليه السّلام 111

في أنّه جمعت الاضداد في صفاته عليه السّلام 113

الإشارة إلى كرائم كلامه عليه السّلام 120

ما نقل عنه عليه السّلام في معنى البلاغة 131

خطبة عمر بالجابية و إيراد القسّ عليه 135

ما قاله عليه السّلام في جواب من سأله أنّ الحرب أ كان بقضاء من اللّه و قدره؟137

الفضل الأوّل-في التّوحيد 143

العنوان 1 من الخطبة 1:«الحمد للّه الّذي لا يبلغ مدحته القائلون...»144

-من الخطبة 94:«الحمد للّه الأوّل فلا شيء قبله...»144

-من الخطبة 92:«فتبارك اللّه الّذي لا يبلغه بعد الهمم...»145

العنوان 2 من الخطبة 1:«أوّل الدّين معرفته...»156

العنوان 3 من الخطبة 1:«كائن لا عن حدث...»161

العنوان 4 من الخطبة 49:«الحمد للّه الّذي بطن خفيّات الأمور...»166

العنوان 5 من الخطبة 63:«الحمد للّه الّذي لم يسبق له حال حالا...»175

العنوان 6 من الخطبة 83:«و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له...»185

العنوان 7 من الخطبة 88:«الحمد للّه المعروف من غير رؤية...»188

العنوان 8 من الخطبة 89:«الحمد للّه الّذي لا يفره المنع و الجمود...»197

العنوان 9 من الخطبة 89:«و لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال...»207

العنوان 10 من الخطبة 89:«و انظر أيّها السّائل،فما دلّك القرآن عليه...»210

العنوان 11 من الخطبة 89:«هو القادر الّذي إذا ارتمت الأوهام...»215

العنوان 12 من الخطبة 89:«الّذي ابتدع الخلق على غير مثال...»222

العنوان 13 من الخطبة 89:«فاشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك...»225

العنوان 14 من الخطبة 89:«قدّر ما خلق فألطف تقديره...»233

العنوان 15 من الخطبة 106:«الحمد للّه المتجلّي لخلقه بخلقه...»241

العنوان 16 من الخطبة 107:«كلّ شيء خاضع له...»245

العنوان 17 من الخطبة 131:«و انقادت له الدّنيا و الآخرة بازمّتها...»254

العنوان 18 من الخطبة 150:«الحمد للّه الدّالّ على وجوده بخلقه...»258

العنوان 19 من الخطبة 161:«الحمد للّه خالق العباد...»265

العنوان 20 من الخطبة 176:«لا يشغله شأن...»275

العنوان 21 من الخطبة 170:«الحمد للّه الّذي لا توارى عنه سماء سماء...»278

العنوان 22 من الخطبة 196:«يعلم عجيج الوحوش في الفلوات...»279

العنوان 23 من الخطبة 177:«...أ فأعبد ما لا أرى...»283

العنوان 24 من الخطبة 183:«الحمد للّه الّذي لا تدركه الشّواهد...»291

العنوان 25 من الخطبة 184:«ما وحّده من كيّفه...»298

العنوان 26 من الخطبة 193:«الحمد للّه الّذي أظهر من آثار سلطانه...»336

العنوان 27 من الخطبة 153:«الحمد للّه الّذي انحسرت الأوصاف...»338

العنوان 28 من الخطبة 189:«الحمد للّه الفاشي حمده...»342

العنوان 29 من الخطبة 180:«الحمد للّه الّذي إليه مصائر الخلق...»346

العنوان 30 من الخطبة 110:«هل تحسّ به إذا دخل منزلا...»368

العنوان 31 من الخطبة 165:«أيّها المخلوق السّويّ...»369

العنوان 32 من الخطبة 158:«أمره قضاء و حكمة...»374

العنوان 33 من الكتاب 31:«و اعلم يا بنيّ أنّه لو كان لربّك شريك...»379

العنوان 34 من الحكمة 250:«عرفت اللّه سبحانه بفسخ العزائم و حلّ العقود...»383

العنوان 35 الحكمة 351:«عند تناهي الشّدّة تكون الفرجة...»386

العنوان 36 من الخطبة 81:«الحمد للّه الّذي علا بحوله...»388

العنوان 37 الحكمة 13:«من ضيّعه الأقرب أتيح له الأبعد...»393

العنوان 38 الحكمة 84:«بقيّة السّيف أبقى عددا و أكثر ولدا...»393

العنوان 39 الحكمة 139:«تنزل المعونة على قدر المئونة...»396

العنوان 40 الحكمة 144:«ينزل الصّبر على قدر المصيبة...»398

العنوان 41 الحكمة 15:«تذلّ الامور للمقادير حتّى يكون الحتف في التدبير...»400

-الحكمة 459:«يغلب المقدار على التّقدير حتّى تكون الآفة في التّدبير...»400

العنوان 42 الحكمة 7:«أعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم...»404

العنوان 43 الحكمة 302:«ما المبتلى الّذي قد اشتدّ به البلاء بأحوج إلى الدّعاء...»409

العنوان 44 من الخطبة 197:«إنّ اللّه سبحانه و تعالى لا يخفى عليه ما العباد...»410

العنوان 45 الحكمة 273:«اعلموا علما يقينا أنّ اللّه لم يجعل للعبد...»412

العنوان 46 الحكمة 84:«قد علم السّرائر،و خبر الضّمائر...»416

العنوان 47 من الخطبة 99:«الأوّل قبل كلّ أوّل...»418

العنوان 48 من الخطبة 181:«فعظّموا منه سبحانه ما عظّم من نفسه...»420

العنوان 49 من الخطبة 193:«و اعلموا عباد اللّه أنّه لم يخلقكم عبثا...»426

العنوان 50 من الخطبة 89:«و قدّر الأرزاق فكثّرها و قلّلها...»433

العنوان 51 من الخطبة 89:«عالم السّرّ من ضمائر المضمرين...»435

العنوان 52 الحكمة 470:«...التّوحيد أن لا تتوهّمه...»447

العنوان 53 من الخطبة 212:«و اشهد أنّه عدل عدل و حكم فصل»448

الفصل الثاني-في خلق السّماء و الأرض و الشّمس و القمر و النّجوم و العرش

و الكرسي 459

العنوان 1 من الخطبة 1:«ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء...»461

العنوان 2 من الخطبة 89:«و نظم بلا تعليق رهوات فرجها...»472

العنوان 3 من الخطبة 89:«كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة...»489

العنوان 4 من الخطبة 209:«و كان من اقتدار جبروته...»508

العنوان 5 من الخطبة 169:«اللّهمّ ربّ السّقف المرفوع...»519

العنوان 6 من الخطبة 158:«فمن فرّغ قلبه،و اعمل فكره...»525

الفصل الثّالث-في خلق الملائكة 529

العنوان 1 من الخطبة 1:«تمّ فتق ما بين السّماوات العلى...»531

العنوان 2 من الخطبة 89:«ثمّ خلق سبحانه لإسكان سماواته...»545

العنوان 3 من الخطبة 107:«من ملائكة أسكنتهم سماواتك...»569

العنوان الرّابع-في خلق آدم عليه السّلام 573

العنوان 1 من الخطبة 1:«ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض و سهلها...»575

العنوان 2 من الخطبة 89:«فلمّا مهّد أرضه،و أنفذ أمره...»594

الفهرس الكامل لموضوعات الكتاب(الأربعة عشر مجلّدا)599

المجلد الأول

بسم اللّه الرحمن الرحيم

كلمة في حياة المؤلف

في بلدة تستر فقيه عالم و محقق بارع،منقطع عن علائق الدنيا و زخارفها متوجها إلى اللّه تعالى.لقد أمضى حياته الشريفة في سبيل إرشاد الناس،و بثّ المعارف الإسلامية إنّه والدي المعظّم الحاج الشّيخ محمّد تقي الشيخ التّستري(الشوشتري).ولد في النجف الأشرف سنة(1320 ه‍ ق) و عاش في تلك البلدة المباركة حتى السنة السابعة من عمره،فلمّا أتم والده العلامة آية اللّه الحاج الشّيخ محمد كاظم التستري دراساته العلمية الاسلامية عند أساطين العلم و نال درجة الاجتهاد،عاد الى تستر و التحق بعد قليل والدي بأبيه المحترم مع والدته و خاله في تستر و اشتغل بتعلّم القراءة و الكتابة و القرآن الكريم،ثمّ واصل دراسته بكلّ جدّ،فأقبل يدرس العلوم الإسلامية عند أساتذة تلك البلدة،مثل السيّد حسين النوري و السيّد محمد علي الإمام و السيّد علي أصغر الحكيم،ثمّ أتمّ دراساته العالية في العلوم الاسلامية عند كبار العلماء مثل السيّد محمّد تقي شيخ الاسلام،و السيّد مهدي آل طيّب و والده المعظم،فنال درجة الاجتهاد.

و في سنة(1314 ه‍ ش)غادر مولده تستر مع عائلته مناهضا رفع

حجاب النساء،الّذي فرضه رضاشاه البهلوي على ايران،و أقام في بلدة كربلاء المباركة و واصل دراساته العلمية الإسلامية في العتبات العاليات، و هناك التحق بالعالم النحرير الجليل المرحوم الحاج الشيخ آقا بزرگ الطهراني و نال منه إجازة نقل الحديث.

و بعد ما عزل رضاشاه عن منصبه عاد الى تستر سنة(1321 ه‍ ش)و أقام في تلك البلدة و اشتغل بالتدريس و التحقيق و الإرشاد و التأليف.لقد جاء بترجمة لحياته و نشاطاته العلمية العلاّمة النّحرير الشيخ آقا بزرگ الطهراني في كتابه طبقات أعلام الشيعة (1)

طبقات أعلام الشيعة 1:65. [1]

و هذا نصه:

هو الشيخ محمد تقي بن كاظم بن الشيخ محمد علي بن الشيخ جعفر التستري الشهير،عالم بارع ولد في النجف(1320 ه‍ ش)و نشأ بها على حب العلم و الفضيلة اللّذين ورثهما عن آبائه و عن جدّه الأعلى الشيخ جعفر الغني عن الوصف،فاشتغل على الأعلام الأفاضل مجدّا مجتهدا حتّى برع و صنّف، فله:

1-تحقيق المسائل(شرح على الروضة البهية) (2).

2-رسالة سهو النبي صلى اللّه عليه و آله (3).

3-الرّسالة المبصرة في أحوال أبي بصير (4).

4-شرح تنقيح المقال (5).

5-قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام (6).


1) 1)

2) 2) هذا الكتاب شرح للمعة الدّمشقية في مجلّدات كثيرة،خرج إلى الآن منها ستّ مجلّدات.

3) 3) طبعت هذه الرّسالة في ملحق قاموس الرّجال:الجزء(11).

4) 4) طبعت هذه الرّسالة في ملحق قاموس الرّجال:الجزء(11).

5) 5) طبع هذا الكتاب باسم قاموس الرجال في أربعة عشر مجلّدا.

6) 6) طبع هذا الكتاب مرّات عديدة في النجف و بيروت و قم،و ترجمته باللغة الفارسية و سمّيته(قضاوت هاى على عليه السّلام)و طبعت هذه الترجمة أيضا عدّة مرّات.

6-الأربعينيات الثلاث (1)

طبع هذا الكتاب باسم الأربعين حديثا.

.

7-جوامع أحوال الأئمة عليهم السّلام.و انتهى.و تلوا يذكر بعض ما لم يقف عليها العلاّمة الطهراني (2).

8-بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة،و هو هذا الكتاب الذي بين يديك (3).

9-الأوائل (4).

10-البدائع (5).

11-آيات بيّنات في حقيقة بعض المنامات (6).

12-الأخبار الدّخيلة (7).

و في الختام أهدي أطيب تحياتي إلى مؤسسة نهج البلاغة التي عنيت بتجديد طبع هذا الكتاب،(بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة)و أرجو من اللّه تعالى التوفيق لهذه المؤسسة في سبيل نشر المعارف الإسلامية،و السلام عليكم و رحمته و بركاته محمد علي شيخ ابن المؤلف 10-9-1367 ه‍.ش


1) 1)

2) 2) طبعت هذه الرسالة في ملحق قاموس الرجال:الجزء(11).

3) 3) طبع في أربعة عشر مجلدا.

4) 4) طبع في مطبعة جامعة طهران في مجلد واحد.

5) 5) عنيت بطبعه و نشره مكتبة الصدوق.

6) 6) عنيت بطبعه و نشره مكتبة الصدوق.

7) 7) خرج من الكتاب الى الآن أربع مجلّدات،عنيت بنشرها مكتبة الصدوق.

دليل القارئ

1-ضمّ«بهج الصّباغة في شرح نهج البلاغة»(60)فصلا وزّعت على 14 مجلّدا حازت تلك الفصول على أسماء خاصّة بها،و أدرجت وفقا لهيكل ارتاه المؤلّف نفسه.

2-اشتمل كلّ فصل على عدد من نصوص النّهج المراد شرحها،كتبت بالغامق، و انتظمت استنادا إلى ترابطها الموضوعي بعناوين منحت أرقاما بارزة أعلاها تمثّل تسلسلها في الفصل،إضافة إلى رقم خاص بين قوسين يشير إلى موقعها في النّهج.

3-قد تحتوي بعض العناوين على أكثر من نصّ يراد توضيحه فتشترك نصوص العنوان برقم واحد أعلاها،و يميّز كلّ نصّ برقمه الخاص في نهج البلاغة.

4-يبتدأ الشّرح باقتطاع كلمات أو فقرات متتالية حسب أولويّتها في النصّ -غالبا-و تحصر بين قوسين و تميّز بالغامق في أوّل مورد أتت به لشرحها.

5-غالبا ما يكون الشّرح لغويّا أوّل الأمر،ثمّ ينطلق منه إلى وقائع تأريخيّة و قصص أدبيّة معزّزة بأنواع الشّواهد شعرا و نثرا.

6-لم تحصر النصوص المنقولة-من غير نهج البلاغة-بين قوسين لكثرتها،و اكتفي لتمييز أوّلها بذكر اسم الكتاب المأخوذة منه-و يقع أوّل السّطر في أحيان كثيرة-بين قوسين،و نهايتها بهامش يشير إلى استخراجها و يبدأ النصّ الآخر برأس سطر جديد.

7-عند ما يتمّ شرح كلّ نص من العنوان ينتقل إلى عنوان آخر يليه وفقا لرقم تسلسله في الفصل،فتشرح نصوصه و ينتقل إلى عنوان بعده،و هكذا تشرح الفصول متتابعة.

8-إنّ العبارات التي تقع بين خطّين،هي عبارات اعتراضيّة توضيحيّة.

9-أضيف في نهاية كلّ مجلّد فهرست للخطب و الكتب و الحكم الواردة في ذلك المجلّد.

10-و ختاما نرجو من القراء الأعزاء أرسال ما لديهم من ملاحظات أو اقتراحات بناءة حول الكتاب.كما نعتذر عن السهو و الخطأ إن وجد.

نتمنى للجميع التسديد و الصواب،و من اللّه الأجر و الثواب و السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته الناشر

مقدّمة مؤسسة نهج البلاغة

على مدار ألف سنة مرّت من عمر هذا السّفر القيّم«نهج البلاغة»دوّن عليه أكثر من(300) شرح و ترجمة بأساليب و محتويات علمية و أذواق متباينة،اختلفت درجة تقبّل القرّاء لها باختلاف تطلّعاتهم و رؤاهم.

و بالرغم من تلك الشروح الكثيرة فقد بقيت امكان متهلهلة فيها،تشير إلى خلوّها من شرح موضوعي،إلى أن تصدّي المرحوم العلاّمة آية اللّه الحاج الشيخ محمد تقي التستري لإحكام نسج جديد،فشرع بكتابة شرح موضوعي نفيس باللّغة العربية في(14)مجلدا ل‍(60)موضوعا، فجزاه اللّه خير الجزاء،و شكر مساعيه العلمية الجليلة،و تغمّده برحمته،و أسكنه فسيح جنّاته.

إنّ أهميّة الشرح الموضوعي من منظار علمي أمر لا يقبل المناقشة،لأنّ كل علم إذا لم تبحث قضاياه بهذه المنهجية فسوف تبقى النظرة الواقعية له أو لمؤلف الكتاب عائمة في أمواج من الغموض، تلك المنهجية التي اتخذها الفقهاء الأفذاذ في رصد و جمع الموارد ذات العلاقة و دراستها،لابداء آرائهم الدقيقة في المسائل الفقهية الكثيرة.

و تأسيسا على ذلك ينبغي لمن يتطلّع إلى آفاق نظر الإمام عليه السّلام أن يسلك اسلوب الشرح الموضوعي،و يحتوي كل الموارد دراسة و تحليلا،فليس من الصحيح أن نقتطع كلمة أو كتابا من بين عشرات الكلمات و الكتب،و نشيّد عليها وجهة نظر المؤلف،لأنّه لا يمكن بيان كلّ الموارد في جملة واحدة،بل إنّ تحرّي و تجميع الجزئيات المتقارنة و المتباينة بعين شمولية فاحصة،و بمطالعة تحليلية دقيقة،و تعرّف لغة و ثقافة المقال و الكتاب،تزيح ستارا كثيفا عن الحقيقة،و تمنح دفقة اطمئنان لعرض مدروس لآراء مؤلفه.

و قد صادقت مؤسسة نهج البلاغة-ضمن خططها-على مشروع لتفسير نهج البلاغة موضوعيا، و تقرّر أن تبدأ مجاميع علمية مهامّها في هذا المجال.

فشرعت نخبة من المحققين أعمالها بدقّة و تنسيق متبادل،لرصد الموضوعات عن طريق نظام

البطاقات التي بلغت ما يقارب(5000)بطاقة،استلّ منها(300)عنوان رئيسي و فرعي،و بعد دراسات و بحوث متعدّدة،و تصحيح و إكمال موارد النقص،صدر«نهج البلاغة»المنقّح بإشراف و طبع و نشر مؤسسة نهج البلاغة.

و جدير بالذكر أنّ من المصادر المستفادة في ذلك المشروع هي المجموعة النادرة ل‍«بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة»،و إن كانت موضوعاتها منحصرة ب‍(60)موضوعا،إلاّ أنّها تصب في إطار هدفنا العام.

لكنّ لغة تدوين هذا الكتاب هي العربية،و مقتضيات أهداف المؤسسة ترتبط-أوّلا بالذات- بالرفد الثّقافي للناطقين باللغة الفارسية،الأمر الذي دعا إلى ترجمته.

و هنا نرى من الضرورة أن نعرب عن شكرنا لجميع الأخوة الذين ساهموا في إعداد و تنظيم و تهيئة هذه المجموعة النادرة،و عن تقديرنا لمساعيهم المخلصة،و تحمّلهم للمصاعب العلمية و الفنيّة باذلين وقتا غاليا لاخراج هذا السفر على أكمل صورة،إنّ تلك الجهود لوحة رائعة تعبّر عن علاقتهم الوثيقة بسيّد الأولياء،و حبّهم الكبير لمولى الموحّدين عليه السّلام.

نسأل اللّه أن يتقبّل من الجميع هذا العمل بأحسن القبول،و أن يكون أمير المؤمنين و إمام العارفين شفيعهم( «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» ).

و اللّه ولي التوفيق سيد جمال الدين دين پرور رئيس مؤسسة نهج البلاغة

مقدّمة المؤلّف

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين،و الصلاة على محمّد و آله الطاهرين.

و بعد فإنّ علماء الإسلام الخاصّ منهم و العامّ،و إن صنّفوا من الصّدر الأول في كلّ فنّ إلاّ أنّه لم يؤلّف أحد مثل كتاب الشريف الرضيّ هذا،فإنّ أهمّية كلّ كتاب بمقدار فائدته،و قيمته بقدر عائدته،و لم يبلغ bبكتابه هذا بعد كتاب اللّه تعالى كتاب،فإنّه تاليه في الفصاحة و البلاغة،و في الاشتمال على كلّ نصح و حكمة،و لقد أجاد من قال فيه:

كتاب كأنّ اللّه رصّع لفظه بجوهر آيات الكتاب المنزّل

حوى حكما كالدرّ ينطق صادقا فلا فرق إلاّ أنّه غير منزل

(1)و يأتي في العنوان(23)من الفصل الأوّل خبر أنّ ذعلبا لمّا أجابه أمير المؤمنين عليه السّلام سؤاله«هل رأيت ربّك؟»خرّ مغشيا عليه،ثمّ قال:تاللّه ما سمعت بمثل هذا الجواب (2)و يأتي في خطبة المتّقين أنّ همّاما لمّا سمع


1) 1) نقل البيتين الخوئي في ديباجة شرحه 1:80.

2) 2) بهج الصباغة:الفصل(1) [1]العنوان(23).

كلامه عليه السّلام في وصف أهل التّقوى صعق صعقة كانت نفسه فيها (1)

بهج الصباغة:الفصل(40) [1]العنوان(13).

.

و يأتي في العنوان(11)من الفصل الثلاثين أنّ قوله عليه السّلام:«إنّ الحقّ لا يعرف بالرّجال»و قوله عليه السّلام:«انظر الى ما قال،و لا تنظر الى من قال»بلا قيمة (2).

و قال الجاحظ:أجمعوا على أنّهم لم يجدوا كلمة أقلّ حرفا،و لا أكثر ريعا،و لا أعمّ نفعا،و لا أحثّ على تبيين،و لا أهجى لمن ترك التفهّم و قصّر في الافهام من قول علي عليه السّلام:«قيمة كل امرئ ما يحسنه» (3).

و قال الخليل:أحثّ كلمة على طلب علم قول عليّ بن أبي طالب عليه السّلام:«قدر كلّ امرئ ما يحسن» (4).

و قال الرضيّ في(خصائصه):قوله عليه السّلام:«كلمة حقّ يراد بها باطل»في ردّ قول الخوارج:«لا حكم إلاّ للّه»أبلغ عبارة من أمر الخوارج لما جمعوا من حسن الاعتراء و الشّعار،و فتح الإبطان و الإضمار (5).

و قال أيضا فيه في قوله عليه السّلام:«لم يذهب مالك ما وعظك»:سبحان اللّه!ما أقصر هذه الكلمة من كلمة،و أطول شأو بدرها في مضمار الحكمة! (6)و قال في(نهج البلاغة)في قوله عليه السّلام:«فلئن أمر الباطل لقديما فعل»:إنّ في هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان،و إنّ


1) 1)

2) 2) بهج الصباغة:الفصل(30) [2]العنوان(11).

3) 3) صرح الشارح في العنوان(16)من الفصل الثامن عشر أنّه نقله من كتاب البيان و التّبيين للجاحظ،و أورد الجاحظ الحديث في 2:80 بلا كلام حوله.

4) 4) نقله أبو علي الطوسي في أماليه 2:108،المجلس 17 [3] باسناد عن خليل.

5) 5) خصائص الأئمة للشريف الرضي:88. [4]

6) 6) المصدر نفسه. [5]

حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به،و فيه مع الحال الّتي وصفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان،و لا يطّلع فجّها إنسان،و لا يعرف ما أقول إلاّ من ضرب في هذه الصناعة بحقّ،و جرى فيها على عرق،و ما يعقلها إلاّ العالمون (1)

نهج البلاغة 1:48،الخطبة(16).

.

و قال في قوله عليه السّلام:«فإنّ الغاية أمامكم...»:إنّ هذا الكلام لو وزن بعد كلام اللّه سبحانه،و بعد كلام رسوله صلّى اللّه عليه و آله بكلّ كلام لمال به راجحا،و برّز عليه سابقا.فأمّا قوله عليه السّلام:«تخفّفوا تلحقوا»فما سمع كلام أقلّ منه مسموعا و لا أكثر محصولا،و ما أبعد غورها من كلمة و أنقع نطفتها من حكمة (2).

و قال في الخطبة(28):لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزّهد في الدنيا و يضطرّ الى عمل الآخرة لكان هذا الكلام،و كفى به قاطعا لعلائق الآمال، و قادحا زناد الاتّعاظ،و الازدجار (3).

و قال في الخطبة(80):إذا تأمّل المتأمّل قوله عليه السّلام:«من أبصر بها بصرّته»وجد تحته من المعنى العجيب و الغرض البعيد ما لا تبلغ غايته،و لا يدرك غوره،و لا سيّما إذا قرن إليه قوله عليه السّلام:«و من أبصر اليها أعمته»فإنّه يجد الفرق بين أبصر بها و أبصر إليها واضحا نيّرا و عجيبا باهرا (4).

و قال في قوله عليه السّلام:«لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل...»:لو لم يكن في هذا الكتاب إلاّ هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة و حكمة بالغة،و بصيرة


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:58، [1]الخطبة(21). قال الشريف في خصائص الأئمة:87 بعد نقل قوله عليه السّلام:«تخفّفوا تلحقوا»:ما أقلّ هذه الكلمة و أكثر نفعها و أعظم قدرها و أبعد غورها و أسطع نورها.

3) 3) نهج البلاغة 1:72. [2]

4) 4) نهج البلاغة 1:131. [3]

لمبصر،و عبرة لناظر مفكّر (1)

نهج البلاغة 4:38، [1]الحكمة(150).

.

إلى غير ذلك من كلماتهم في كلامه عليه السّلام،ممّا لو استقصيت لصارت كتابا،فللّه درّه في جمعه هذا الكتاب،فكم اهتدي به من يوم تأليفه إلى يومنا هذا،و كم يهتدى به إلى الأبد،مع أنّه أتقن به لغة العرب،و أمتن به قواعد الأدب، فشكر اللّه سعيه و أعطاه خير جزاء.

لكنّه-عفا اللّه عنه-لمّا كان متهالكا على نقل كلّ كلام فصيح منسوب إليه عليه السّلام،لم يتفطّن أنّ الخصم قد يحتال و يزوّر على لسانه عليه السّلام بتزويق كلامه،كما ترى ذلك في الخطبة(90 و 166 و 266)و في نقله الخطبة(6)لمّا أشير عليه بأن لا يتّبع طلحة و الزبير،و قد تكلمنا عنها في موضعها (2).

كما أنّه-عفا اللّه عنه-لمّا كان نظره في اختياره من كلامه عليه السّلام على الكلمة الفصيحة،فقد يقتصر من نقل كلامه عليه السّلام على مثل الاقتصار على قوله تعالى:(لا تقربوا الصلاة)بدون(و أنتم سكارى) (3)كما تراه في الحكمة (467)،و قد بحثناها في موضعها (4).

كما أنّه-عفا اللّه عنه-لكون مراجعته الى كتب العامّة و رواياتهم فقط، غالبا قد ينقل ما تكذّبه روايات الخاصّة كما تراه في الخطبة(57)،و قد


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:181، [2]الخطبة(90)شرحها في بهج الصباغة الفصل(30) [3]العنوان(8).و 2:80،الخطبة(166) شرحها في بهج الصباغة:الفصل(29) [4]العنوان(24)و 2:222،الخطبة(226)شرحها في بهج الصباغة:الفصل (29) [5]العنوان(26)و 1:41،الخطبة(6)شرحها في بهج الصباغة:الفصل(31) [6]العنوان(3).

3) 3) الآية بتمامها:(يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة و [7]أنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون و لا جنبا إلاّ عابري سبيل حتى تغتسلوا و إن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيّبا فامسحوا بوجوهكم و أيديكم إن اللّه كان عفوّا غفورا).النساء:43. [8]

4) 4) نهج البلاغة 4:107،الحكمة(467)شرحها في بهج الصباغة:الفصل(29) [9]العنوان(27).

شرحناه في محلّه (1)

نهج البلاغة 1:105،الخطبة(57)شرحها في بهج الصباغة:الفصل(9) [1]العنوان(15).

.

كما أنّه-عفا اللّه عنه-قد ينسب إليه عليه السّلام ما لغيره،كما تراه في الحكمة (289)فاتفقت الروايات على أنّه لابنه الحسن عليه السّلام (2).و ما تراه في الحكمة (227)فاتفقت الروايات على أنّه عليه السّلام نقله عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و قد أوضحناهما في محلّهما (3).

كما أنّه قد ينسب إليه عليه السّلام ما روي عنه عليه السّلام في المنام،كما تراه في الحكمة(406)و قد بحثنا ذلك في محلّه (4).

كما أنّه قد ينسب الشيء إلى غير محلّه،فقال في الكتاب(62):و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر.مع أنّه روى الثقفي في(غاراته)،و ابن قتيبة في(خلفائه)،و الكليني في(رسائله)،و ابن جرير الطبريّ في(مستر شده) أنّه كانت خطبة له عليه السّلام في التحريض على الجهاد لمّا فتحت مصر و قتل محمّد بن أبي بكر (5).

كما أنّه قد يحرّف لعدم تدبّره أو لسقم نسخة مستنده،فنقل في الكتاب (57):«خرجت من حيي هذا»فإنه محرّف:«خرجت مخرجي هذا».كما شرحناه في محلّه (6).

و نقل في الحكمة(371):«و الشرّ جامع لمساوي العيوب»فإنّه محرّف


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 4:69،الحكمة(289)شرحها في بهج الصباغة:الفصل(40) [2]العنوان(15).

3) 3) نهج البلاغة 4:50،الحكمة(227)شرحها في بهج الصباغة:الفصل(40) [3]العنوان(5).

4) 4) نهج البلاغة 4:95، [4]الخطبة(406)شرحها في بهج الصباغة:الفصل(6). [5]العنوان(25).

5) 5) نهج البلاغة 3:118،الكتاب(62)شرحه في بهج الصباغة:الفصل(8) [6]العنوان(15)،و الغارات للثقفي 1:302، و [7]تاريخ الخلفاء و هو كتاب الإمامة و السياسة لا بن قتيبة 1:154،و كشف المحجّة لابن طاوس:173 نقلا عن رسائل الكليني،و المسترشد للطبري:95.

6) 6) نهج البلاغة 3:114، [8]شرحه في بهج الصباغة:الفصل(3) [9]العنوان(7).

»و البخل جامع لمساوي العيوب»،كما نقله نفسه في الحكمة(378) (1)

نهج البلاغة 4:87، [1]الحكمة(371)شرحها في بهج الصباغة:الفصل(60) [2]العنوان(83)،و 4:90،الحكمة(378) شرحها في بهج الصباغة:الفصل(44) [3]العنوان(6).

،و نقل في الخطبة(63):«و لا وقف به عجز عمّا خلق»،فإنّ الظاهر أنّه محرّف«و لا 2 وقف به عجز عمّا لم يخلق».و قد شرحنا الكل في موضعه (2).

و نقل في الخطبة(49):«فلا عين من لم يره تنكره،و لا قلب من أثبته يبصره»، فإنّه محرّف«فلا قلب من لم يره ينكره،و لا عين من أثبته تبصره» (3)و قد نقله بعضهم من الرواية (4).

و قد صنّف قبل المصنّف جمع في خطبه عليه السّلام،ذكرهم(فهرست الشّيخ) و(فهرست النجاشي)،و منهم:إبراهيم بن الحكم الفزاري (5)،و اسماعيل بن مهران (6)،و زيد بن وهب (7)،و عبد العظيم الحسني (8)،و مسعدة بن صدقة (9)، و المدائني (10)،و عبد العزيز الجلودي (11)،إلاّ أنّ كتبهم لم تصل إلينا.


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:112 [4] الخطبة(63)شرحها في بهج الصباغة:الفصل(1) [5]العنوان(5).

3) 3) نهج البلاغة 1:98 [6] الخطبة(49)شرحها في بهج الصباغة:الفصل(1) [7]العنوان(4).

4) 4) نقله ابن أبي الحديد في شرحه 1:292.

5) 5) الفهرست للطوسي:4. [8]

6) 6) الفهرست للنجاشي:19،و الفهرست للطوسي:11. [9]

7) 7) الفهرست للطوسي:72،و [10]المعالم لابن شهر آشوب:51، [11]نقله الأردبيلي عن الاسترآبادي عن النجاشي أيضا،لكن لم أجده في فهرست النجاشي،و جامع الرواة 1:344. [12]

8) 8) الفهرست للنجاشي:173.

9) 9) الفهرست للنجاشي:295. [13]

10) 10) قال ابن النديم في الفهرست:انّ له كتاب خطب علي عليه السّلام.فهرست ابن النديم:114،و أمّا فهرست الطوسي ففي بعض نسخه كتاب«الخونة»لأمير المؤمنين و بعض نسخه«الحوز».فهرست الطوسي:95،و [14]في موضع آخر «الحروب».فهرست الطوسي:192،و [15]امّا المعالم لابن شهر آشوب ففي بعض نسخه«الخولة»،و بعضها الآخر «الولاء»لأمير المؤمنين،المعالم:136. [16]

11) 11) الفهرست للنجاشي:167. [17]

و أظنّ أنّ أوّل من صنّف فيها الحارث الأعور الّذي كان من خواصّه عليه السّلام،و قال عليه السّلام له:«أما إنّه لا يموت عبد يحبّني فتخرج نفسه حتّى يراني حيث يحبّ،و لا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتّى يراني حيث يكره»كما رواه الكشي (1)

أخرجه الكشّي اختيار معرفة الرجال:88،و [1]ابن شهر آشوب في المناقب 3:223 [2] عن الحارث،و أخرجه الكليني في الكافي 2:132 ح 5،و [3]أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره عنه البحار 6:199 ح 52 [4] عن عباية الأسدي.

.و قال عليه السّلام له:أبشّرك يا حارث لتعرفني عند الممات و عند الصّراط و عند الحوض و عند المقاسمة.قال الحارث:و ما المقاسمة؟ قال:«مقاسمة النار،أقاسمها قسمة صحيحة،أقول:هذا ولييّ فاتركيه،و هذا عدوي فخذيه».كما رواه أمالي الشّيخين (2)،و قد نظم الحميريّ في قوله:يا حار همدان-الأبيات المعروفة-مضمون الخبرين (3).

و روى الكليني و الصدوق باسنادهما عن أبي اسحاق السبيعي عن الحارث أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام خطب خطبة بعد العصر فعجب الناس من حسن صفته و ما ذكره من تعظيم اللّه تعالى.قال أبو إسحاق:فقلت للحارث:

أو ما حفظتها؟قال:كتبتها-قال السبيعيّ-فأملأها علينا الحارث من كتابه...

ثمّ زيد بن وهب الّذي كان من أصحابه عليه السّلام أيضا (4).

و قد شرح الكتاب جمع كثير،من أراد الوقوف عليها فليراجع (الذريعة) (5)،و لكن أبسطها و أمتنها(شرح ابن أبي الحديد)ثمّ(شرح ابن ميثم)، ثمّ(شرح الخوئي)و لكن لم يكن أحد منها جامعا مع أنّ الأخير غير تام،فإنّه


1) 1)

2) 2) أخرجه المفيد في أماليه:3 ح 3 المجلس(1)،و أبو جعفر الطوسي في أماليه 2:238 المجلس(12)،و [5]الطبري في بشارة المصطفى:4 و [6]الإربلي في كشف الغمة 2:38 و [7]الديلمي في إرشاد القلوب:297. [8]

3) 3) نقل الأبيات في ذيل الحديث في المصادر المذكورة و البيت بتمامه: يا حار همدان من يمت يرني من مؤمن أو منافق قبلا

4) 4) الكافي 1:141 ح 7،و التوحيد للصدوق:31 ح 1.

5) 5) الذريعة لآقا بزرك الطهراني 14:113-160.

إلى الخطبة(228).و أمّا شرح الراوندي المسمّى(منهاج البراعة)كما يفهم من (طرائف ابن طاوس) (1)

الطرائف لابن طاوس 2:483. [1]

،فلم يوجد منه إلاّ نسخ في بعض المكتبات،و منها نسخة في المكتبة الرضوية كشرح أبي الحسن الكيذري الّذي ينقل عنه كثيرا ابن ميثم،و منها في الشقشقيّة في كتاب رجل من أهل السواد (2)،فلم يوجد إلاّ في بعض المكتبات،و منها نسخة في المكتبة الأميريّة،و هو جمع بين شرح الراوندي و شرح البيهقي كما نقل (3).

و(شرح ابن أبي الحديد)و إن ادّعى أنّه تاريخيّ أدبيّ إلاّ أنّ فيه معايب، ففي بعض الموارد يفرط في نقل التاريخ حتى يمكن أن يجعل ما نقل تاريخا مستقلا،و كان عليه أن يقتصر على المقدار المناسب للعنوان،و في بعض الموارد لا ينقل شيئا أصلا،كما أنّه في الأدب كذلك قد يفرط و قد يفرّط،بل ينقل كثيرا ما لا ربط له أصلا،كما ترى عند شرحه لقوله عليه السّلام في الإخبار عن الخوارج:«كلاّ و اللّه انّهم نطف في أصلاب الرجال و قرارات النساء» (4).

و قد يغفل عن شيء في محلّه و يذكره في غيره،كما تراه في أوّل فصل الجمل في قوله عليه السّلام:«ربّ عالم قد قتله جهله،و علمه معه لا ينفعه» (5).

و له أوهام كثيرة،فنسب الخطبة(39)الى كونه في غارة النّعمان مع أنّه كان في قتل محمّد بن أبي بكر (6)،و نسب الخطبة(29)إلى كونه في غارة


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 1:269.

3) 3) قال الكيذري نفسه في مقدّمة شرحه 1:87 انّه استفاد من هذين الشّرحين.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:428-447 [2] شرح الخطبة(59).

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 4:287-288 [3] شرح الحكمة(107)،و بهج الصباغة:الفصل(31) [4]العنوان(1).

6) 6) شرح ابن أبي الحديد 1:213،و بهج الصباغة:الفصل(34) [5]العنوان(6).

الضحّاك مع أنّه كان بعد النهر في الشخوص إلى معاوية (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:153،و [1]بهج الصباغة:الفصل(34) [2]العنوان(5).

،و نسب الكتاب (36)إلى كونه في غارة بسر مع أنّه كان في غارة الضحّاك (2)،كما أوضحنا ذلك في فصل الغارات،و نسب قوله عليه السّلام في الثاني من فصل غريب النهج«هذا الخطيب الشحشح»إلى أنّه قاله في صعصعة،مع أنّه قاله في رجل من أهل الجمل من أصحاب عائشة،كما بيّنّاه في الفصل السّتين (3).و له تفسيرات باطلة كما ستقف عليها في المطاوي كرارا.

و هو و إن نقل في شرحه أشياء حسنة و ذكر فيه أمورا مهمّة،إلاّ أنّه لم يراع المناسبة في الغالب.

و أمّا ابن ميثم فمذاقه مذاق الفلاسفة،يرتكب كثيرا تأويلات غير صحيحة و يعلّل بعلل عليلة،كما في شرحه لقوله عليه السّلام:«و أنا لكم وزيرا خير لكم منّي أميرا» (4)،و يخبط كثيرا في فهم المراد،كما في شرحه لقوله عليه السّلام في الخطبة(104):«و ايم اللّه لو فرّقوكم تحت كلّ كوكب لجمعكم اللّه لشرّ يوم لهم» (5).

مع قلّة اطّلاعه على التاريخ فيخبط فيه،كما ترى ذلك عند شرحه لقوله عليه السّلام مشيرا إلى الكوفة في الخطبة(47):«ما أراد بك جبّار سوءا» (6)، و عند شرحه لقوله عليه السّلام في الخطبة(217):«أدركت و تري من بني عبد مناف


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 4:56،و [3]بهج الصباغة:الفصل(34) [4]العنوان(12).

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 4:355،و بهج الصباغة:الفصل(60)العنوان(64).

4) 4) شرح ابن ميثم 2:385 [5] شرح الخطبة(90)،و بهج الصباغة الفصل(30) [6]العنوان(8).

5) 5) شرح ابن ميثم 3:36،و [7]بهج الصباغة:الفصل(9) [8]العنوان(28).

6) 6) شرح ابن ميثم 2:124،و بهج الصباغة:الفصل(9) [9]العنوان(14).

و أفلتني أعيان بني جمح» (1)

شرح ابن ميثم 4:51،و [1]بهج الصباغة:الفصل(31) [2]العنوان(11).

.و عند شرحه لقوله عليه السّلام في الخطبة القاصعة:

«و إنّ فيكم من يطرح في القليب...» (2).

و أغرب في شرح قوله عليه السّلام في الكتاب(28):«منّا النبيّ و منكم المكذّب» (3)،و شرح قوله عليه السّلام في الكتاب(58):«فمن تمّ على ذلك» (4)،و شرح قوله عليه السّلام:«من أعمام و أخوال»في الكتاب(64) (5)،و شرح قوله عليه السّلام في الكتاب (62):«الذي قد شرب فيكم الحرام و جلد حدّا في الإسلام» (6).و قد ذكرنا الكل في مواضعه.

و من العجب أنّه مع عدّه نفسه من الفلاسفة يأتي باللّجاج،ففي كثير من تلك الموارد ترى أنّ ابن أبي الحديد قال:إنّ الراونديّ خبط فيها،و انّه استهزأ به لعدم اطّلاعه على التاريخ،و مع ذلك أصرّ على متابعة الراونديّ،فلو كان الراوندي وقف على ما خطّئ فيه لرجع،كما أنّه تبع الكيذري في أوهامه.

و(شرح الخوئي)ليس فيه سوى الإكثار من الأخبار الضعيفة،مع اقتصاره على ما ورد من طريقنا الّذي لا يكون حجّة على غيرنا،مع قلّة اطّلاعه على التاريخ،فتبع ابن ميثم في كثير من خبطاته المتقدّمة.

فرأيت أن أكتب بعون اللّه تعالى شرحا جامعا فيه من التاريخ و الأدب و الأخبار القويّة و الآثار الّتي تكون حجّة بقدر الحاجة،و في محلّ يكون فيه مناسبة،مع ذكر مدارك عناوين الكتاب بقدر الوسع.


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 4:319،و [3]بهج الصباغة:الفصل(6) [4]العنوان(42).

3) 3) شرح ابن ميثم 4:440،و بهج الصباغة:الفصل(7) [5]العنوان(11).

4) 4) شرح ابن ميثم 5:196،و [6]بهج الصباغة:الفصل(29) [7]العنوان(25).

5) 5) شرح ابن ميثم 5:211،و [8]بهج الصباغة:الفصل(8) [9]العنوان(8).

6) 6) شرح ابن ميثم 5:203،و [10]بهج الصباغة:الفصل(29) [11]العنوان(29).

و أمّا الشّراح المتقدّمون فلم يقفوا في كثير منها على مداركها أصلا، و في يسير منها لم يقفوا غالبا إلاّ على بعضها.

و اقتصرت في شرح الفقرات من الإعراب و اللّغة و التفسير على المشكلات التي تحتاج إلى ذلك،لا في كلّ فقرة كما فعله بعضهم لكونه لغوا، كما أنّه ذكرت اللغة عند كلّ فقرة و كلمة،و لم أجمعها بعد العنوان كما فعل الشّرّاح لئلاّ يكون الفهم في محلّ الحاجة صعبا.

و ذكر ابن ميثم في أوّل كتابه مقدارا من مباحث علم البيان و تبعه الخوئي،و هو لغو،فتجنّبته لأنّه صنّف في ذاك الفنّ كتب،فكان عليهما حيث ذكرا مباحث البيان أن يذكرا مباحث الصّرف و النّحو و اللّغة.

و ليس دأبي دأب أكثر الشّرّاح يذكر اللاحق ما قاله السابق في صورة الإنشاء منه،فانه نوع سرقة،فما كان من غيري أنسبه إليه،و ما فيه بلا نسبة فهو منّي.و حيث إنّ ترتيب المصنّف للكتاب بالخطب و الكتب و الكلمات القصار ترتيب لفظيّ أحببت ترتيبه بالمعنى،فجمعت ما يكون راجعا الى التوحيد مثلا في موضع،و ما يكون راجعا إلى النّبوّة في موضع،و إلى الإمامة في موضع،و هكذا كلّ موضوع،و هاك تفصيل فصولها:

الأوّل:في التوحيد،و فيه(53)عنوانا.

الثاني:في خلق السماء و الأرض و الشمس و القمر و النجوم و العرش و الكرسي و فيه(6)عناوين.

الثالث:في خلق الملائكة،و فيه(3)عناوين.

الرابع:في خلق آدم عليه السّلام،و فيه(4)عناوين.

الخامس:في النبوّة العامّة،و فيه(9)عناوين.

السادس:في النبوّة الخاصّة،و فيه(47)عنوانا.

السابع:في الإمامة العامّة،و فيه(34)عنوانا.

الثامن:في الإمامة الخاصة،و فيه(33)عنوانا،و في أواخرها كلامه عليه السّلام في الشقشقيّة (1)

العنوان(30)من الفصل الثامن.

و في دفن سيّدة النساء (2)و في فدك (3).

التاسع:في إخباره عليه السّلام بالملاحم و ما يقع في المستقبل،و فيه(37) عنوانا.

العاشر:في علمه عليه السّلام و صفحه و مكارم أخلاقه،و فيه(6)عناوين.

الحادي عشر:في تفسيراته عليه السّلام للآيات و غيرها،و فيه(7)عناوين.

الثاني عشر:في قضاياه عليه السّلام،و فيه عنوانان.

الثالث عشر:في أجوبته التمثيليّة و أدب السّؤال و الجواب،و فيه(10) عناوين.

الرابع عشر:في زهده و إعراضه عن الدنيا و عدله و تواضعه و ذكر الحقوق،و فيه(15)عنوانا.

الخامس عشر:في التزامه عليه السّلام بالحقّ و العدل و حثّه عليهما قولا و عملا، و فيه(8)عناوين.

السادس عشر:في أدعيته عليه السّلام،و فيه(9)عناوين.

السابع عشر:في عجائب خلقه تعالى،و فيه(3)عناوين.

الثامن عشر:في العلوم،مذمومها و ممدوحها،و فيه(25)عنوانا.

التاسع عشر:في إرشاد الثاني(عمر)في مصالح الاسلام،و فيه عنوانان.


1) 1)

2) 2) العنوان(31)من الفصل الثامن.

3) 3) العنوان(32)من الفصل الثامن.

العشرون:في حبّه و بغضه،و فيه عنوانان.

الحادي و العشرون:في شجاعته عليه السّلام و مهابته و مناعته،و فيه(4) عناوين.

الثاني و العشرون:في أوليائه و أعدائه،و فيه(12)عنوانا.

الثالث و العشرون:في عتاباته لعمّاله و غيرهم،و فيه(11)عنوانا.

الرابع و العشرون:في حلفه و تقيّته،و فيه(3)عناوين.

الخامس و العشرون:في شكايته من أهل عصره،و فيه(6)عناوين.

السادس و العشرون:في نقص الناس و اختلافهم و عجائب قلوبهم و صفات أراذلهم،و فيه(9)عناوين،و منها قوله عليه السّلام لمن سأله أن يعظه (1)

العنوان(8)من الفصل السادس و العشرين.

.

السابع و العشرون:في القضاء و القدر و فيه عنوانان.

الثامن و العشرون:في الجامع لأمر الدين و الدنيا،و فيه(8)عناوين، و منها وصيته عليه السّلام لابنه الحسن عليه السّلام (2)و عهده للأشتر لمّا ولاّه مصر.

التاسع و العشرون:في ما يتعلّق بعمر و عثمان،و فيه(27)عنوانا.

الثلاثون:في بيعته عليه السّلام،و فيه(15)عنوانا.

الحادي و الثلاثون:في وقعة الجمل،و فيه(15)عنوانا.

الثاني و الثلاثون:في وقعة صفين،و فيه(12)عنوانا.

الثالث و الثلاثون:في وقعة النهروان،و فيه(10)عناوين.

الرابع و الثلاثون:في الغارات،و فيه(12)عنوانا.

الخامس و الثلاثون:في مقتله و وصاياه عليه السّلام،و فيه(8)عناوين.

السادس و الثلاثون:في الموت،و فيه(34)عنوانا،و في آخرها


1) 1)

2) 2) العنوان(2)من الفصل الثامن و العشرين.

«سبحانك خالقا و معبودا» (1)

العنوان(34)من الفصل السادس و الثلاثين.

.

السابع و الثلاثون:في ذمّ الدنيا و فنائها،و فيه(43)عنوانا.

الثامن و الثلاثون:في القيامة و الجنّة و النّار،و فيه(22)عنوانا.

التاسع و الثلاثون:في ما يجب على العبد لربّه،و فيه(18)عنوانا.

الأربعون:في الاسلام و الايمان و التقوى و الكفر و النّفاق،و فيه(30) عنوانا.

الحادي و الأربعون:في القرآن،و فيه(13)عنوانا.

الثاني و الأربعون:في العبادات و المعاملات و الخير و الشرّ،و فيه(31) عنوانا.

الثالث و الأربعون:في مكارم الأخلاق،و فيه(27)عنوانا.

الرابع و الأربعون:في ذمائم الصفات و محامدها،و فيه(33)عنوانا.

الخامس و الأربعون:في آداب المعاشرة،و فيه(10)عناوين.

السادس و الأربعون:في الأصدقاء،و فيه(14)عنوانا.

السابع و الأربعون:في التّعازي و التّهاني،و فيه(6)عناوين.

الثامن و الأربعون:في آداب الحرب،و فيه(16)عنوانا.

التاسع و الأربعون:في ذمّ الشام و مدح الكوفة،و فيه عنوانان.

الخمسون:في الأنصار و طوائف قريش و تميم و الشعراء،و فيه(4) عناوين.

الحادي و الخمسون:في الاستسقاء و الأضحيحة،و فيه(4)عناوين.

الثاني و الخمسون:في الأقبال و الإدبار،و فيه(5)عناوين.

الثالث و الخمسون:في الفتن و الشبه و البدع،و فيه(7)عناوين.


1) 1)

الرابع و الخمسون:في العقل،و فيه(8)عناوين.

الخامس و الخمسون:في القلوب،و فيه(5)عناوين.

السادس و الخمسون:في الحقائق،و فيه(14)عنوانا.

السابع و الخمسون:في الفقر،و فيه(4)عناوين.

الثامن و الخمسون:في النّساء،و فيه(7)عناوين.

التاسع و الخمسون:في إبليس،و فيه(3)عناوين.

الستون:في موضوعات مختلفة،و فيه(104)عناوين.

ثم إنّ النّسخ المطبوعة من النهج أحسنها نشر مطبعة الاستقامة المشتملة على الأرقام في أبوابه الثلاثة،و مع ذلك فهي مشحونة من التصحيف في العناوين و المتون و المواضع،كما يظهر من تطبيقها على نقل ابن أبي الحديد و ابن ميثم و على النسخ الخطيّة المصححّة،و منها عندي نسخة مؤرّخة بسنة(1075)و إن كان ناشرها قال:تمتاز هذه عن المطبوعات السابقة بتمام العناية بضبطها و تصحيحها،فقد سقط منها قول المصنّف بعد الخطبة(19):يريد عليه السّلام أنّه أسر في الكفر مرّة و في الإسلام مرّة،و أمّا قوله عليه السّلام:«دلّ على قومه السّيف»:فأراد به حديثا كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غرّ فيه قومه و مكر بهم حتّى أوقع بهم خالد،و كان قومه بعد ذلك يسمّونه عرف النار،و هو اسم للغادر عندهم (1)

في شرح ابن أبي الحديد 1:97 [1] كلّه،و شرح ابن ميثم 1:322 بعضه.

.و بعد الخطبة(46)و ابتداء هذا الكلام مروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و قد قفّاه أمير المؤمنين عليه السّلام بأبلغ كلام و تمّمه بأحسن تمام من قوله:«و لا يجمعهما غيرك»إلى آخر الفصل (2).و بعد قوله:و من كلام له عليه السّلام في الخطبة(133)،و قد وقعت مشاجرة بينه و بين

1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:276،و [2]لكن شرح ابن ميثم 2:121 خال منه.

عثمان فقال المغيرة بن الأخنس لعثمان:أنا أكفيكه.فقال أمير المؤمنين عليه السّلام للمغيرة (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:171،و [1]شرح ابن ميثم 3:163.

.

و سقط منها قوله في الخطبة(89):روى مسعدة بن صدقة... (2)، و خلطت الحواشي بالمتن،ففيها في آخر الخطبة(13)و في رواية أخرى:

«بلادكم أنتن بلاد اللّه تربة،أقربها من الماء،و أبعدها من السماء،و بها تسعة أعشار الشرّ،المحتبس فيها بذنبه،و الخارج بعفو اللّه،كأنّي أنظر الى قريتكم هذه قد طبّقها الماء حتّى ما يرى منها إلاّ شرف المسجد كأنّه جؤجؤ طير في لجّة بحر» (3).فليس في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)أثر منه،و إنّما أخذه بعض المحشّين من نقل ابن ميثم في رواية طويلة أخذ المصنّف منها كلامه،فيها ذاك الكلام (4).

و فيها في الحكمة(480)و هي آخر الحكم:قال الرضي:يقال حشمه و أحشمه إذا أغضبه،و قيل أخجله،و احتشمه طلب ذلك له،و هو مظنّة مفارقته (5).

و بعد الحكمة(479)قال الرضيّ:لأنّ التكليف مستلزم للمشقّة،و هو شرّ لازم عن الأخ المتكلّف له،فهو شرّ الإخوان (6).

و ليس واحد منهما كلام الرضيّ،بل من حواش مختلطة لخلو(ابن أبي


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:138،و شرح ابن ميثم 2:322.

3) 3) الزيادة في شرح ابن أبي الحديد 1:83 [2] كلّها،و في شرح ابن ميثم 1:290 [3] بعضها.

4) 4) الزيادة في شرح ابن ميثم عقيب الخطبة،و ليس في الرواية الطويلة أثر منها.

5) 5) لا يوجد في شرح ابن أبي الحديد 4:529،و [4]أمّا شرح ابن ميثم 5:467 فقال فيه بعد أصل الحكمة:«حشمه أحشمه بمعنى أغضبه،و قيل أخجله».و لم ينسبه إلى الرّضيّ.

6) 6) لا يوجد في شرح ابن أبي الحديد 4:529،و شرح ابن ميثم 5:467.

الحديد و ابن ميثم و الخطية)من الكلامين،و لأنّ الرضي رضى اللّه عنه أجلّ من أن يتكلّم بمثل ذاك الكلام الساقط المذكور فيهما،و لأنّه لا يفسّر إلاّ المشكل،لا مثله.

و أيضا زادت في ما نقل كلاما للمصنّف من الأوّل إلى الآخر جملة:«قال الرضيّ»مع أنّه ليس كلام المصنّف حتّى يجعل جزء النهج،و إنّما هو إنشاء الشرّاح:ابن أبي الحديد و ابن ميثم و غيرهما،فالخطيّة خالية منها،و ابن ميثم غالبا يقول:قال السيّد،و ابن أبي الحديد يعبّر مختلفا (1)

ذكر اسم مصنّف الكتاب من قبل النّسّاخ و الرّاوين أمر شائع في الكتب القديمة.

.

و خلطت في عهده عليه السّلام للأشتر لمّا ولاّه على مصر في الكتاب(53) حواش مأخوذة من رواية(تحف العقول)للعهد،بالمتن،منها:«و ليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه اللّه من ذلك إلاّ بالاهتمام و الاستعانة باللّه،و توطين نفسه على لزوم الحقّ و الصبر عليه في ما خف عليه أو ثقل»خلطه بين«و لكلّ على الوالي حقّ بقدر ما يصلحه»و«فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك» (2).

و منها:«و إنّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل في البلاد و ظهور مودّة الرعيّة،و انّه لا تظهر مودّتهم إلاّ بسلامة صدورهم»خلطه بين«فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك»و«و لا تصحّ نصيحتهم إلاّ بحيطة على ولاة أمورهم» (3).

و منها:«رياضة منك لنفسك و رفقا برعيتّك»خلطه بين«فإنّ في ذلك»و «أعذارا تبلغ به حاجتك» (4).

فإنّ النهج كان خاليا من الفقرات الثّلاث بدليل خلوّ(ابن أبي الحديد و ابن


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 5:150 [1] خال من هذه القطعة،لكن توجد في شرح ابن أبي الحديد 4:127،و [2]كذلك في تحف العقول: 132.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 4:128،و [3]شرح ابن ميثم 5:151،و [4]كذلك في تحف العقول:133.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 4:145،و [5]شرح ابن ميثم 5:174 [6] بفرق يسير في تحف العقول:145.

ميثم و الخطية)منها،و إن فرض كونها من كلامه عليه السّلام و جزء العهد (1)

مع ما ذكرت لا يبقى وجه لنسبة هذه الألفاظ إلى الأخذ من تحف العقول.

.

و قدّمت و أخّرت و حرّفت العناوين عن مواضعها،ففي(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)العنوان«و من كلام له عليه السّلام قاله لعبد اللّه بن العبّاس و قد جاءه برسالة من عثمان،و هو محصور...»قبل العنوان«و من كلام له عليه السّلام اقتصّ فيه ذكر ما كان منه عليه السّلام بعد هجرة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله...» (2).و إن كان الراوندي قال في شرحه و تاريخ فراغه منه(556):ذاك العنوان زيادة من نسخة كتبت على عهد المصنف (3).و في(المصرية)العنوان الأوّل تحت الرقم(235)و الثاني تحت الرقم(231).

و في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)العنوان«إنّ هذه القلوب تملّ»بعد العنوان«أوضع العلم ما وقف على اللسان» (4)،و في(المصرية)بالعكس، الأوّل الحكمة(91)و الثاني الحكمة(92).

كما أنّها قد تجعل جزء العنوان عنوانا مستقلاّ،ففي(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة)الحكمة(95)من رقم(المصريّة)جزء الحكمة(94) منه (5)،و في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)الحكمة(123)من رقم(المصرية) جزء الحكمة(122)منه (6)،و في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة)«طوبى لمن ذكر المعاد»الحكمة(44)من المصريّة جزء«يرحم اللّه خباب بن الارت»


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:286،288،و [1]شرح ابن ميثم 4:322،324.و [2]هما الخطبتان 234،238.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 4:282،و شرح ابن ميثم 5:286،و [3]هما الحكمتان 91،92.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 4:283،و [4]شرح ابن ميثم 5:287. [5]

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 4:301،و شرح ابن ميثم 5:306.

6) 6) في شرح ابن ميثم 5:265 [6] جمعهما،و في شرح ابن أبي الحديد 4:263 شرحهما معا فقط،لكن فصّل بينهما بقوله: «و قال عليه السّلام».

الحكمة(43) (1)

شرح ابن أبي الحديد 4:285-286،و [1]شرح ابن ميثم 5:292. [2]

،و لم تكتف(المصرية)بالخلط،بل زادت فقرتين من الثاني في الأوّل أيضا.

كما أنّها قد تفعل بالعكس،فتجعل المستقلّ جزءا،ففي(المصرية)«إنّ الدنيا و الآخرة عدوّان متفاوتان»جزء الحكمة(103)«و رئي عليه عليه السّلام إزار خلق مرقوع».و في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة)مستقلّ ليس جزءه (2).

كما أنّها نقلت أشياء تفرّد بنقلها من النهج ابن أبي الحديد،و نبّهت على ذلك بجعلها بين قوسين،لكنّها و همت في محلّ نقلها منها:«الغنى الأكبر اليأس عمّا في أيدي الناس»،ففي(ابن أبي الحديد)هو بعد الحكمة(333)، و(المصرية)جعلته بعد الحكمة(341).

و منها:«المسئول حرّ حتّى يعد»فإنّه في(ابن أبي الحديد)قبل الحكمة (334)،و(المصرية)جعلته الحكمة(336) (3).

و منها قوله عليه السّلام:«نعم الطيب المسك»،و قوله:«ضع فخرك»جعلتهما (المصرية)الحكمة(397)و(398)مع أنّهما في(ابن أبي الحديد)قبل(393) (4).

و ما جعلته المصريّة(389)هو في(ابن أبي الحديد)قبل(386 (5)،و ما جعلته(339)و(400)هما في(ابن أبي الحديد)بعد(396) (6)،الى غير ذلك من تحريفاتها.

و لو أردنا استقصاء ما فيها من التصحيف و التحريف و التغيير


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 4:394.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 4:395.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 4:421،424.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 4:419.

6) 6) شرح ابن أبي الحديد 4:427،428،430.

و التبديل و الزيادة و النقصان لطال الكلام،حيث إنّه قلّ عنوان منها من أوّلها إلى آخرها لم يكن بمحرّف،و منها كلام المصنّف في آخر الكتاب،فلم يكن بعد الحكمة(480)كما في(المصرية)،بل بعد(462) (1)

كما في شرح ابن أبي الحديد 4:506،و شرح ابن ميثم 5:460.

،كما ستقف عليه في ذكر اختلاف نسخ النهج (2).

ثم(إنّ)نسخ النهج كانت مختلفة من الصّدر الأوّل.قال(ابن ميثم)بعد خطبة همّام المذكورة تحت الرقم(188)من المصريّة:من هاهنا اختلفت نسخ النهج،فكثير منها تكون هذه الخطبة فيها أوّل المجلّد الثاني منه بعد الخطبة المسمّاة بالقاصعة،و يكون عقيب كلامه للبرج بن مسهّر الطائي قوله عليه السّلام:

«الحمد للّه الذي لا تدركه الشّواهد و لا تحويه المشاهد»،و كثير من النسخ تكون هذه الخطبة فيها متّصلة بكلامه عليه السّلام للبرج بن مسهّر،و تتأخّر تلك الخطبة فتكون بعد قوله:«و من كلام له عليه السّلام و هو يلي غسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله» و يتصل ذلك إلى تمام الخطبة المسمّاة بالقاصعة،ثمّ يليه قوله:«باب المختار من كتب أمير المؤمنين و رسائله»،و عليه جماعة الشّارحين،كالامام قطب الدين أبي الحسن الكيذري،و الفاضل عبد الحميد بن أبي الحديد،و وافقتهم هذا الترتيب لغلبة الظنّ باعتمادهم على النسخ الصحيحة (3).

قلت:و المفهوم منه أنّ نسخته لم تكن كنسخة ابن أبي الحديد و نسخة


1) 1)

2) 2) يأتي في الصفحات الآتية من المقدمة.

3) 3) شرح ابن ميثم 3:413،و خطبة همّام رقمها(191)و [1]القاصعة رقمها(190)و قوله للبرج رقمه(182)و قوله«الحمد للّه الذي»رقمه(183)و كلامه عند غسل الرسول صلّى اللّه عليه و آله رقمه(233)بأرقامنا.و ما قاله ابن ميثم:«هذه الخطبة»أراد به خطبة همّام و:«تلك الخطبة»يعني بها خطبة«الحمد للّه الّذي».و في شرحّي الكيذري و ابن أبي الحديد و بالتّبع شرح ابن ميثم جاء كلامه عليه السّلام للبرج بلا فاصل قبل خطبة همّام،ثم بفاصل كلامه عند غسل الرسول صلّى اللّه عليه و آله،ثمّ بعده بلا فاصل خطبة«الحمد للّه الذي».ثم بعده بفاصل خطبة القاصعة،ثمّ بعده بفاصل باب الكتب.

الكيذري،فتبعهما لما قاله من غلبة ظنّه باعتمادهما على النسخ الصحيحة، لكن ذلك منه عجيب،فصرّح في مواضع من كتابه بأنّ نسخته من النهج بخطّ مصنّفه،و منها في القاصعة،فقال في قوله عليه السّلام:«و لا لزمت الأسماء معانيها»:

«و في نسخة الرّضي»برفع الأسماء (1)

شرح ابن ميثم 4:275. [1]

.

و قال أيضا في قوله:«لا يدرى أ من سني الدنيا»،ففي نسخة الرّضيّ «يدري»بالبناء للفاعل (2).

و منها في الخطبة(188)في الفقرة:«و كان ليلهم في دنياهم نهارا»،و في نسخة الرّضيّ بخطّه«كأنّ»،و التّرجيح إنّما يعقل بين نسخ غير المصنّف، و أمّا المصنّف فلا يعقل التّرجيح بينه و بين غيره (3).

و في شرح الراوندي خطبة همّام قبل الخطبة(181):«الحمد للّه المعروف من غير رؤية،الخالق من غير منصبة» (4)،و في نسختنا خطبة همّام بعد القاصعة،كما قاله ابن ميثم أوّلا (5).

و كيف كان،فوجه الاختلاف-ظاهرا-أنّ المصنّف كتب النهج في نسخ متعددة،و زاد و نقص و قدّم و أخّر في النّسخ الأخيرة،حسب شأن المصنّفين في ما لو كتبوا نسخا من كتاب،فلو فرض أنّ مصنّفا كتب كتابه مائة مرّة لغيّر في كلّ من المائة بحسب ما يراه أحسن،و يشهد لما قلنا أنّ ابن أبي الحديد قال في العنوان:«و قال عليه السّلام و قد جاءه نعي الأشتر»الحكمة(443):

يقال:إنّ الرضي ختم كتاب نهج البلاغة بهذا الفصل،و كتبت به نسخ متعددة،


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 4:247.

3) 3) شرح ابن ميثم 4:209. [2]

4) 4) شرح الراوندي كما في سائر النسخ.

5) 5) مرّ آنفا.

ثمّ زاد عليه إلى أنّ و في الزيادات التي نذكرها فيما بعد (1)

شرح ابن أبي الحديد 4:478. [1]

.

و قال في العنوان«ربّ مفتون بحسن القول فيه»،الحكمة(462):و اعلم أنّ الرضي قطع كتاب نهج البلاغة على هذا الفصل،و هكذا وجدت النسخة بخطّه،و قال:«و هذا حين انتهاء الغاية بنا»إلى«و نعم الوكيل،نعم المولى و نعم النّصير» (2).

و قال ابن ميثم في الحكمة(462):قال السيّد:و هذا حين انتهاء الغاية بنا الى قطع المختار من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، حامدين للّه سبحانه على ما منّ به من توفيقنا لضمّ ما انتشر من أطرافه و تقريب ما بعد من اقطاره،و تقرّر العزم-كما شرطنا أوّلا-على تفضيل أوراق من البياض في آخر كلّ باب من الأبواب،ليكون لاقتناص الشارد و استلحاق الوارد،و ما عساه أن يظهر لنا بعد الغموض و يقع الينا بعد الشذوذ،و ما توفيقنا إلاّ باللّه،عليه توكّلنا،و هو حسبنا و نعم الوكيل.

أقول:إنّه-رضوان اللّه عليه-بلغ في اختيار كلامه عليه السّلام إلى هذه الغاية و قطعه عليها،ثمّ كتبت على عهده زيادة من محاسن الكلمات،إمّا باختياره هو أو بعض من كان يحضره من أهل العلم.و تلك الزيادة تارة توجد خارجة عن المتن و تارة موضوعة فيه ملحقة بمنقطع اختياره،و روي أنّها قرئت عليه و أمر بالحاقها بالمتن،و أوّلها:«و قال عليه السّلام:الدنيا خلقت لغيرها و لم تخلق لنفسها» (3).

و قال الراوندي بعد كلامه عليه السّلام في الاستغفار،الحكمة(417):قال السيّد:


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 4:506. [2]

3) 3) شرح ابن ميثم 5:461. [3]

و هذا حين انتهاء الغاية بنا-إلى أن قال-و ذلك من رجب سنة أربعمائة، و الحمد للّه و صلاته على رسوله محمّد و آله و سلامه.

ثمّ قال الراوندي:زيادة من نسخة كتبت على عهد المصنّف رحمه اللّه قال عليه السّلام:«الدّنيا خلقت لغيرها و لم تخلق لنفسها»،ثمّ ذكر العناوين إلى«إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه» (1)

قال الراوندي:و ليس فيه قوله:«زيادة من نسخة كتبت...»شرح الراوندي 3:435، [1]شرح الحكمة(480).

.

و قال أيضا في كلامه عليه السّلام الّذي قاله لعبد اللّه بن عباس برقم(238):

زيادة في نسخة كتبت على عهد المصنّف (2).

و قال في الخطبة(237):و كان في نسخة بغدادية زيادة و هي:«و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها آل محمّد عليهم السّلام-إلى-و رعاته قليل»ثمّ قال:و قد مضى مثل ذلك في ما تقدّم،و زاد الرّاوندي في بيان المصنّف في الشّقشقيّة كما يأتي فيها (3).

و في(ابن ميثم)في آخر الباب الأوّل:هذا آخر الخطب و الأوامر،و يتلوه المختار من الكتب و الرسائل،إن شاء اللّه تعالى بعونه و عصمته و توفيقه و هدايته (4).

و في(الخطيّة)«و الحمد للّه كثيرا»،و ليس في(ابن أبي الحديد)شيء أصلا (5)،كما أنّ في(المصرية)«و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد النبي الامّيّ و على آله مصابيح الدّجى و العروة الوثقى و سلّم تسليما كثيرا»،كما أنّ بين (ابن أبي الحديد)و(ابن ميثم)اختلافات،فممّا تفرّد به ابن أبي الحديد نقله


1) 1)

2) 2) ليس هذا من كلام الراوندي،بل نقله في هامش الشرح 2:352 عن هامش نسخة خطية من نهج البلاغة.

3) 3) لا توجد هذه الخطبة في شرح الراوندي أصلا.

4) 4) شرح ابن ميثم 4:337.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 3:293.

ضمن عنوان الخطبة(52)عن الرضيّ:و قد تقدّم مختارها برواية،و نذكر ما يذكره هاهنا برواية أخرى لتغاير الروايتين (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:331. [1]

.

و مما تفرّد به أيضا نقل الخطبة الأخيرة برقم(239):«و اللّه مستأديكم شكره...»بعد الخطبة(218):«قد أحيا عقله» (2).

و تفرّد في جعل«و نعم القرين الرضا»أوّل الحكمة(4)آخر الحكمة(3) (3)، و جعل«و من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه»آخر الحكمة(5)أوّل(6) (4)، و جعل الحكمة(17)بعد(11) (5)،و جعل الحكمة(92)قبل(91) (6)،و جعل جزء الحكمة(127):«و لا حاجة للّه في من ليس للّه في ماله و نفسه نصيب» مستقلاّ (7)،و جعل الحكمة(154)بعد(151) (8)،و جعل(155)و(156) بعد(188) (9)،و جعل(157)بعد(184) (10)،و جعل كلاّ من:«و من لم يعط قاعدا لم يعط قائما»و«و الدهر يومان»،و هما جزء الحكمة(396):«المنية و لا الدّنية»،مستقلاّ (11).

و تفرّد أيضا بنقل عناوين في أواخر الباب الثالث،مرّ بعضها و يأتي


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:42،47.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 4:240،و جعل ابن أبي الحديد صدر الحكمة الثالثة و ذيل الثالثة مع صدر الرابعة رابعة و ذيلها الخامسة.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 4:243. [2]

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 4:246،247.

6) 6) شرح ابن أبي الحديد 4:282.

7) 7) شرح ابن أبي الحديد 4:303.

8) 8) شرح ابن أبي الحديد 4:316.

9) 9) شرح ابن أبي الحديد 4:318،319.

10) 10) شرح ابن أبي الحديد 4:319.

11) 11) شرح ابن أبي الحديد 4:427،428. [3]

باقيها في آخر الكتاب (1)

بهج الصباغة: [1]خاتمة الكتاب.

،و يأتي في العنوان(12)من الفصل الأربعين تصريح ابن ميثم بتفرّد(ابن أبي الحديد)بنقل الفقرة:«و منه ما يكون عواريّ في القلوب» (2)،و تفرّد أيضا بنقل القطعة:«و اللّه ما تنقم منّا قريش...»في الخطبة(33)،و يأتي بحثها في موضعه (3).

و ممّا تفرّد به(ابن ميثم)عدم نقل كلام المصنّف في آخر الشقشقيّة، و عدم نقل ما في الخطبة(5)من(لما)إلى(بالخلافة)و عدم نقل كلام المصنّف في الخطبة(39 و 42 و 68 و 163)و الحكمة(81) (4).

و تفرّد في الخطبة(89)في زيادة في العنوان،كما يأتي في محله (5)، و تفرّد في جعل(و منها)الثانية في الخطبة(26)مستقلاّ،فقال بدل(و منها):

و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها عمرو بن العاص (6).

و تفرّد بعدم ذكر الكتاب(40):«أمّا بعد فقد بلغني عنك أمر...»رأسا (7).

و جعل(ابن ميثم و الخطيّة)من الحكمة(2)إلى(6)تحت عنوان واحد (8)،و جعلا الحكمة(44)جزء(43) (9)،و جعلا الحكمة(343)بعد


1) 1)

2) 2) بهج الصباغة:الفصل(40) [2]العنوان(12)،و شرح ابن ميثم 4:194، [3]أقول:ما زاد ابن أبي الحديد 3:215 [4] هذه الفقرة في أصل الخطبة لكن شرحها عند الشرح 3:216.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:176،و بهج الصباغة:الفصل(8) [5]العنوان(2).

4) 4) شرح ابن ميثم 1:251،276،و 2:99،107،و 3:313،و 5:281،و كلام الرضي في شرح ابن ميثم 2:191.

5) 5) شرح ابن ميثم 3:322،و بهج الصباغة:الفصل(1)العنوان(8).

6) 6) في شرح ابن ميثم 2:27 أيضا«و منها».

7) 7) موضعه في شرح ابن ميثم 5:87،و ليس فيه.

8) 8) شرح ابن ميثم 5:238.

9) 9) شرح ابن ميثم 5:265.

الحكمة(341) (1)

جعل ابن ميثم الحكمتين(343،344)حكمة واحدة أوردها بعد الحكمة(341)،شرح ابن ميثم 5:409،410.

،و جعلا الحكمة(142)و(143)جزء(141)بزيادة حرف عطف في أوّلهما (2)،إلى غير ذلك ممّا تفرّد به كل من ابن أبي الحديد و ابن ميثم، لو أريد استقصاؤه لطال الكلام.

ثم لو اتّفقا في شيء على خلاف نسخنا يكون ما في نسخنا تصحيفا قطعا لصحّة نسخهما دون نسخنا،و أمّا لو تفرّد كلّ واحد منهما فيشكل الترجيح،و لا يبعد ترجيح نقل ابن ميثم لما عرفت من كون نسخته بخطّ المصنّف،و إن كان هو رجّح عند خطبة همّام ترتيب نسخة ابن أبي الحديد (3)، و لأن كثيرا ممّا تفرّد بزيادته يبعد اختيار الرضيّ له لعدم كونه بتلك البلاغة.

و الإشكال إنّما هو في ما لو وافقت نسخنا أحدهما،و أمّا لو خالفتهما- كما في الحكمة(2-6)على ما عرفت-فلا اعتبار بها لكونها على خلاف ما،من قبيل الإجماع المركّب.

هذا و لكون شرحي على صوغ بهج على ما منّ اللّه تعالى،سمّيته ببهج الصباغة في شرح نهج البلاغة.قال ابن دريد:يقال:أبهجني هذا الأمر و بهجني،إذا سرّك (4).


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 5:319.

3) 3) شرح ابن ميثم 3:413.

4) 4) جمهرة اللغة لابن دريد 1:215. [1]

شرح خطبة الرّضي

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم قال المصنّف قدّس سرّه:

روى(العيون)عن الرضا عليه السّلام:أنّ‌بسم اللّه الرحمن الرحيم أقرب الى اسم اللّه الأعظم من سواد العين إلى بياضها (1)

رواه عن الرضا عليه السّلام الصّدوق في العيون 2:5 ح 11،و [1]العياشيّ في تفسيره 1:21 ح 13،و [2]ابن طاوس في مهج الدعوات:316،و أيضا [3]رواه ابن أبي حاتم في تفسيره،و الحاكم في المستدرك،و [4]البيهقي في الشّعب،و أبو ذرّ الهرويّ في فضائله،و الخطيب في التاريخ عنهم الدرّ المنثور 1:8،و [5]ابن النجار في التاريخ،عنه منتخب كنز العمّال 1:371، و ابن طاوس في مهج الدعوات:319 [6] عن ابن عباس عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و رواه عاصم بن حميد في أصله:28 عن علي عليه السّلام،و الطوسي في التهذيب عن الباقر عليه السّلام 2:289 ح 15،و ابن شعبة في تحف العقول:487،و الإربلي في كشف الغمّة 3:210،و ابن طاوس في مهج الدّعوات:317،و [7]المسعودي في اثبات الوصية:212 [8] عن العسكري عليه السّلام.

.

و روى العياشي عن الصادق عليه السّلام:ما أنزل اللّه من السماء كتابا إلاّ و فاتحته‌بسم اللّه الرّحمن الرّحيم،و إنّما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم اللّه الرّحمن الرحيم ابتداء للأخرى (2).

«أمّا بعد» في(تاريخ الطبري)عن الهيثم بن عدي:أوّل من قال:«أمّا بعد»


1) 1)

2) 2) أخرجه العياشي في تفسيره 1:19 ح 5،و [9]السيّاري في التنزيل و التحريف،عنه المستدرك 1:275 ح 9 [10] عن الصادق عليه السّلام،و أخرج معناه البرقيّ في المحاسن:40 ح 49،و السّيّاري في التنزيل و التحريف،عنه المستدرك 1: 276 ح 10 [11] عن الصادق عليه السّلام،و الكليني في الكافي 3:313 ح 3 [12] عن الباقر عليه السّلام.

قسّ بن ساعدة الإيادي (1)

رواه الطبري في تاريخه 5:24، [1]سنة(72).و الكراجكي في كنز الفوائد:254. [2]

.

و عن أبي موسى الأشعري:أوّل من قال:«أمّا بعد»داود النبي عليه السّلام، و هي فصل الخطاب الّذي ذكره اللّه تعالى عنه في ما آتاه (2).

و روى الصولي في(أدب الكاتب)أن أوّل من قاله كعب بن لؤي (3).

«حمد اللّه» أتي بلفظ الإضافة تنبيها على كمال اختصاص الحمد به تعالى،و إلاّ فالمناسب لقوله بعد«و الصّلاة على رسوله»:الحمد للّه.

«الَّذي جَعَلَ الْحَمْدَ ثَمَناً لِنَعْمائِهِ» روى الصّدوق عن الصّادق عليه السّلام:من قال في كلّ يوم سبع مرّات:الحمد للّه على كلّ نعمة كانت أو هي كائنة،فقد أدّى شكر ما مضى و شكر ما بقي (4).

و عنه عليه السّلام:من قال أربع مرّات إذا أصبح«الحمد للّه ربّ العالمين»فقد أدّى شكر يومه،و من قالها إذا أمسى فقد أدّى شكر ليلته (5).و عنه عليه السّلام:ما أنعم اللّه على عبد بنعمة صغرت أو كبرت فقال:«الحمد للّه»إلاّ أدّى شكرها (6).

«و مَعَاذاً مِنْ بلائِهِ» المستتبع لترك حمده و شكره،قال تعالى:(... «وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ» ) (7).


1) 1)

2) 2) أخرجه الطبري في تاريخه 5:24، [3]سنة(72).و ابن أبي حاتم في تفسيره،و الديلمي عنهما الدر المنثور 5:300، و [4]أخرج معناه الثعلبي في العرائس:277،و سعيد بن منصور في السنن،و ابن أبي شيبة في مسنده،و ابن سعد و عبد بن حميد في مسنده،و ابن المنذر عنهم الدر المنثور 5:300 [5] عن زياد.

3) 3) رواه الصولي في أدب الكاتب:36.

4) 4) أخرجه الصدوق في ثواب الأعمال:24 ح 1.

5) 5) أخرجه الكليني في الكافي 2:503 ح 5،و [6]الصدوق في ثواب الأعمال:28،و رواه ابن فهد في عدّة الداعي، [7]عنه البحار 93:216 ح 21 [8] عن الصادق عليه السّلام.

6) 6) أخرجه الكليني في الكافي 2:96 ح 14 [9] عن الصادق عليه السّلام.

7) 7) إبراهيم:7. [10]

«وَ سَبيلاً»هكذا في(المصرية)،و الصواب: (و وسيلا) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:14،و شرح ابن ميثم 1:89.

،و الوسيل مفرد كالواسل و لغة في الوسيلة كما نقله(المصباح) (2)،لا جمع وسيلة كما توهّمه(الصحاح) (3)،و تبعه ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي (4)،و لو كان جمعا لصار المعنى:جعل الحمد وسائل إلى جنانه.و لا معنى له،و المصنّف أيضا جعله مفردا كما يشهد له قوله قبل:«ثمنا و معاذا»،و بعد:«سببا».

«إلى جِنانِهِ» عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لمّا أسري بي إلى السماء دخلت الجنّة فرأيت فيها قيعانا يقتا من مسك،و رأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب و لبنة من فضّة،و ربّما أمسكوا،فقلت لهم:مالكم و لأيّ شيء تبنون مرّة و تمسكون أخرى؟قالوا:حتّى تأتينا النّفقة.قلت:و ما نفقتكم؟قالوا:قول المؤمن:«سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر»فاذا قالهنّ بنينا،و إذا سكت أمسكنا (5).

و في خبر آخر:إذا أصبحت و أمسيت فقل:«سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر»فإنّ لك بذلك إن قلته بكلّ تسبيحة عشر شجرات في الجنّة


1) 1)

2) 2) في المصباح المنير للفيومي 2:380«الوسيل قيل جمع وسيلة،و قيل لغة فيها».

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 5:1841 مادة(وسل).

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:14،و شرح ابن ميثم 1:92،و [1]شرح الخوئي 1:83.

5) 5) أخرجه أبو علي الطوسي في أماليه 2:88،المجلس(17)،و [2]علي بن ابراهيم في تفسيره بطريقين 1:21،و 2:53، و النعماني و [3]ابن قولويه في التفسير المنسوب إلى كليهما:83،و روى معناه علي بن ابراهيم في تفسيره 1:21، و [4]الصدوق في أماليه:364 ح 2،المجلس(69)،و النعماني و [5]ابن قولويه في التفسير المنسوب الى كليهما:82، و الراوندي في الدعوات عنه البحار 93:174 ح 21،و [6]الترمذي في السنن 5:510 ح 3462،و ابن مردويه بثلاث روايات،و الطبراني عنهما الدرّ المنثور 4:153 [7] كلّهم عن النبي صلّى اللّه عليه و آله.

من أنواع الفاكهة،و هنّ من الباقيات الصالحات (1)

أخرجه الصدوق في أماليه:169 ح 16،المجلس(36)و [1]البرقي في المحاسن:37 ح 38،و [2]الكليني في الكافي 2:506 ح 4 [3]عن الباقر عليه السّلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

.

«وَ سَبَباً لزِيادَةِ إحسانِهِ» قال تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ » (2).

«وَ الصَّلاةُ عَلى رَسُولِهِ نَبيّ الرَّحمَةِ» قال تعالى: «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (3).

«وَ امامِ الأئمَّةِ وَ سِراج الأُمّةِ» قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً » (4).

«المنتجب من طينة الكرم و سلالة المجد الأقدم،و مغرس الفخار المعرق و فرع العلاء المثمر المورق» الفقرات الأربع مأخوذة من زيارة جامعة مروية عن الهادي عليه السّلام (5).و السلالة ما يستخرج من الشيء باللّطف و الخفاء،قال تعالى:

«وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ» (6).

و قال الشاعر:

و ما هند إلاّ مهرة عربيّة سليلة أفراس تجلّلها بغل

(7)و منه قوله تعالى: «يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً» (8)،و لذا يقال للسرقة


1) 1)

2) 2) إبراهيم:7. [4]

3) 3) الأنبياء:107. [5]

4) 4) الأحزاب:45-46. [6]

5) 5) أخرج الزيارة الجامعة الصدوق في العيون 2:277،و الفقيه 2:370 ح 2،و الطوسي في التهذيب 6:95 ح 1،كلّهم مسندا،و رواها الكفعمي في البلد الأمين:297 [7] مجردة عن الهادي عليه السّلام،و صاحب الكتاب العتيق فيه،عنه البحار 102: 146 ح 5 [8] بلا عزو،و ما أدري لم ذهب ظن الشارح الى أنّ الفقرات الأربع أخذت من هذه الزيارة.

6) 6) المؤمنون:12. [9]

7) 7) نقل البيت لسان العرب 11:339، [10]مادة(سلل)و هو منسوب إلى هند بنت النعمان.

8) 8) النور:63. [11]

الخفيّة السلّة.

قال ابن أبي الحديد:سلالة المجد فرعه (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:14.

،و هو كما ترى.و الفخار بالفتح اسم مصدر من فخر كما قاله(المصباح) (2)،لا مصدره كما قال ابن أبي الحديد،لعدم صحّة معنى المصدر هنا،و لأنّ قبله و بعده أسماء لا مصادر كالطّينة و السّلالة و العلاء،و ما قاله ابن أبي الحديد:من أنّ الفعل إذا كان(عينه) أو(لامه)حرف حلق يكون مصدره فعالا بالفتح،نحو:ذهب و سمح (3)،لا يوجب أن يكون كلّ فعال بالفتح مصدرا لأعمّيته،مع أنّه ليس لأصله كليّة،فإنّ (سأل)ليس مصدره بالفتح (4).

«و على أهل بيته مصابيح الظلم،و عصم الأمم،و منار الدّين» قال ابن أبي الحديد:المنار الأعلام واحدها منارة (5).

و قال الخوئي:لم يصرّح أحد من اللّغويين بكون المنار جمعا لها(أي:

للمنارة)،فهذا(القاموس و المصباح)قالا:جمع المنارة المناور و المنائر (6).

قلت:لم لم يراجع(النهاية)؟فإنّه قال في الحديث:«لعن اللّه من غيّر منار الأرض» (7).المنار جمع منارة و هي العلامة تجعل بين الحدّين،و منار الحرم أعلامه التي ضربها الخليل عليه السّلام على أقطاره و نواحيه،و(الميم)زائدة،و منه


1) 1)

2) 2) المصباح المنير للفيومي 2:136.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:22. [1]

4) 4) لم يدّع ابن أبي الحديد كليّته،فإنّه قال:«فقد جاء المصدر الثلاثي إذا كان عينه أو لامه حرف حلق على فعال بالفتح،نحو:سمع سماعا،و ذهب ذهابا».

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 1:14. [2]

6) 6) شرح الخوئي 1:83،و القاموس المحيط 2:149،مادة(نور)،و المصباح المنير 2:342 مادة(نور).

7) 7) أخرجه مسلم في صحيحه 3:1567 ح 43،و النسائي في سننه 7:232 في ذيل حديث عن علي عليه السّلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و روي الحديث بألفاظ أخرى.

حديث أبي هريرة:«إنّ للإسلام ضوى و منارا» (1)

أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة،و له شاهد أخرجه الطبراني في معجمه الكبير عن أبي الدّرداء عنهما الجامع الصغير 1:95.

.أي:علامات و شرائع يعرف بها (2).

و لم لم يراجع(الأساس)؟فقال:و اهتدوا بمنار الأرض،أي:بأعلامها، و هدم فلان منار المساجد،منار جمع منارة (3).

و لم لم يراجع(تهذيب الأزهري)؟فقال كما في(اللسان):المنار جمع منارة،و هي العلامة تجعل بين الحدّين و منار الحرم أعلامه التي ضربها إبراهيم الخليل عليه السّلام على أقطار الحرم و نواحيه،و بها تعرف حدود الحرم من حدود الحلّ (4).

و لم خصّ اعتراضه ب‍(ابن أبي الحديد)،و الأصل فيه المصنّف حيث جعله وصفا لأهل بيته كمصابيح و عصم قبلها و مثاقيل بعدها؟ «الواضحة» صفة المنار و هو أيضا شاهد لكون المنار جمعا،و يشهد لقول المصنّف قول الشاعر:

لعكّ في مناسمها منار إلى عدنان واضحة السّبيل

(5)«و مثاقيل» الأصل في مثقال الشيء لغة:وزانه من مثله،و هو من الأسماء اللازمة الإضافة بحسب المعنى،قال تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» (6)،و قال تعالى: «وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ»


1) 1)

2) 2) النهاية لابن الأثير 5:127، [1]مادة(نور).

3) 3) أساس البلاغة:476، [2]مادّة(نور).

4) 4) لسان العرب 5:241، [3]مادّة(نور).

5) 5) نقله لسان العرب 5:241، [4]مادّة(نور).

6) 6) الزلزلة:7-8. [5]

«حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ» (1)

الأنبياء:47. [1]

.

ثم نقل بالعرف العام إلى وزن الدينار،فيقال:هذا مثقال،أي مثقال دينار.فيقطع عن الإضافة و ينوى المضاف إليه المعهود.و إذا ذكر المضاف إليه-كما هو أصله و كما استعمله المصنّف-ينسب إلى كلّ شيء.

«الفضل الراجحة» على فضل العالمين.

«صلّى اللّه عليهم أجمعين صلاة تكون ازاء» أي:وفاقا.

«لفضلهم» أي:فضائلهم النفسانيّة.

«و مكافأة» أي:جزاء.

«لعملهم» أي:أعمالهم الصالحة .

«و كفاء» أي:كفأ و نظيرا،قال حسّان:

و روح القدس ليس له كفاء

(2). «لطيب فرعهم و أصلهم» روى(الكافي)عن معاوية بن وهب عن الباقر عليه السّلام في علائم الإمام:طهارة الولادة و حسن المنشأ و لا يلهو و لا يلعب (3).

و في خبر آخر:إنّ الإمام لا يستطيع أحد أن يطعن عليه في فم و لا بطن و لا فرج (4).

«ما أنار فجر ساطع» أي:مرتفع.

«و خوى نجم طالع» أي:سقط و غرب .

«فإنّي» جواب أمّا.


1) 1)

2) 2) نقله لسان العرب 1:139، [2]مادة(كفا).

3) 3) أخرجه الكليني في الكافي 1:284 ح 4. [3]

4) 4) أخرجه الكليني في الكافي 1:284 ح 3 [4] في ذيل حديث.

«كنت في عنفوان السّنّ» أي:أوّله.

«و غضاضة الغصن» أي:طراوته،و غضاضة الغصن كناية عن أيّام الشباب،كما أن نعومة الأظفار كناية عن أيّام الطفولة .

«ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص الأئمّة عليهم السّلام» إنّ المصنّف مع أنّه لم يصل إلى حدّ الشيخوخة لأنّ تولده كما قال الثعالبي (1)

يتيمة الدهر للثعالبي 3:131.

كان في سنة (395)و توفي سادس المحرم سنة(406)كما قال هو و الخطيب و النجاشي و الجزري (2)،و قول ابن أبي الحديد:مات سنة(404) (3)فيكون توفي عن سبع و أربعين سنة،و لذا قال أخوه المرتضى في رثائه:

للّه عمرك من قصير طاهر و لربّ عمر طال بالأرجاس

(4)كانت له كتب نفيسة غير(الخصائص)الذي أشار اليه و غير نهجه هذا، و منها:كتاب(حقائق التنزيل)الذي قال في حقّه شيخه ابن جني (5)و أحمد بن عمر بن روح (6):يتعذّر وجود مثله.و كتاب(مجاز القرآن)و كتاب(مجازات


1) 1)

2) 2) قاله الخطيب في تاريخ بغداد 2:247،و النجاشي في الفهرست:283،و ابن الأثير في الكامل 9:261 سنة(406)، و كذا قال ابن خلكان في وفيات الأعيان 4:419،و العلاّمة الحلّي في الخلاصة:164،و ابن ميثم في شرحه 1:89، و السيد الحسني في عمدة الطالب:210،لكن الثعالبي كان معاصرا للرضيّ و لم يتعرّض الى تاريخ وفاته في يتيمة الدهر 3:131.

3) 3) قاله ابن أبي الحديد في شرحه 1:13،و نقله أيضا الطريحي في مجمع البحرين 1:189 مادة(رضا)نقلا عن جامع الأصول،و نقله الخوانساري في الروضات 6:197 [1] عن مجمع البحرين،و المحدث النوري في المستدرك 3:510 عن الروضات،و الظاهر انه من سهو الطريحي لأن ابن الأثير في جامع الأصول 12:222 ذكر الرضي لكن لم يتعرّض لتاريخ وفاته.

4) 4) في ديوان الشريف المرتضى 2:133. و امّا لعمرك من قصير طاهر و لربّ عمر طال بالأرجاس

5) 5) نقله عن ابن جنّي في بعض مجاميعه ابن خلكان في وفيات الأعيان 4:416. [2]

6) 6) نقله عن ابن روح الخطيب في تاريخ بغداد 2:246.

الآثار النبوية)و قد وصل إلينا جزء من الأوّل،و تمام الأخيرين (1)

الأوّل طبع باسم حقائق التأويل في متشابه التنزيل بتحقيق آل كاشف الغطاء،و امّا الثاني فقد طبع باسم تلخيص البيان في مجازات القرآن بطهران فالقاهرة ثم بغداد،و امّا الثالث فقد طبع باسم المجازات النبوية [1]ببغداد ثمّ القاهرة.

،و منها يظهر مقام أدبيّته كما يظهر من بياناته في النهج،و كتاب(تعليق خلاف الفقهاء)، و كتاب تعليقه على إيضاح أبي علي الفارسي،و كتاب(الجيد من شعر ابن الحجّاج) (2)،و(كتاب مختار شعر أبي إسحاق الصابي)،و كتاب(ما دار بينه و بين الصابي من الرسائل) (3)،و لم تصل هذه إلينا،و كتاب ديوان شعره،و قد وصل إلينا (4).و منه يظهر صدق ما قيل:إنّ الرضيّ أشعر الطالبيين بل أشعر قريش أجمعين (5).فقالوا:ليس في قريش مجيد مكثر سوى الرضيّ رضوان اللّه عليه (6).

«يشتمل على محاسن أخبارهم و جواهر كلامهم» يعني:جعل ذلك موضع كتابه .

«حداني» أي:بعثني.

«عليه» أي:على تأليف ذاك الكتاب.


1) 1)

2) 2) سمّى نفسه هذا الكتاب:الحسن من شعر الحسين،كما ذكر السيّد الحسني في عمدة الطالب:208،و الشيخ الحرّ في أمل الآمل 2:263 [2] لأنّ اسم ابن الحجّاج الحسين.قال محمّد عبد الغني:حسن.في مقدمة تلخيص البيان:100 و [3]قد ذكر ذلك في ديوانه المطبوع به بيروت سنة(1307)و نقله المستشرق(متز)في كتابه:الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري 1:449.

3) 3) قال عبد الحسين الحلي في مقدّمة حقائق التأويل:91 بعني بذلك الرسائل الشعرية الموجود كثير منها في ديوانه لا رسائل النثر،و قال أيضا في هذه المقدمة:91 كتاب رسائله(النثرية)ثلاثة مجلدات،ذكر في الدرجات الرفيعة [4]بعضها، و نشرت مجلة العرفان شيئا منها.

4) 4) طبع ديوان شعره مكرّرا.

5) 5) أوّل من قال ذلك الثعالبي المعاصر للرّضيّ في يتيمة الدهر 3:131 [5] قال:هو أشعر الطالبيين.ثمّ قال:و لو قلت إنّه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق.

6) 6) نقله الخطيب في تاريخ بغداد 2:246 عن ابن محفوظ،و عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان 4:419. [6]

«غرض» أي:مقصد،و الأصل في معنى الغرض الهدف.

«ذكرته» أي:ذكرت ذاك الغرض.

«في صدر الكتاب» ذاك.

«و جعلته أمام الكلام» في المقاصد،و غرضه الّذي ذكره ثمّه دفاعه عن رمي مخالفيه له بالواقفية،و هذا نصّه ثمة:«سألتني أن أصنّف لك كتابا يشتمل على خصائص أخبار الأئمّة الاثني عشر على ترتيب أيّامهم و تدريج طبقاتهم (1)

خصائص الأئمة:1. [1]

...فعاقني عن إجابتك إلى ملتمسك ما لا يزال يعوق من نوائب الزمان و معارضات الأيّام،إلى أن أنهضني إلى ذلك اتّفاق اتّفق لي فاستثار حميتي،و قوّى نيّتي و استخرج نشاطي و قدح زنادي،و ذلك أنّ بعض الرؤساء ممّن غرضه القدح في صفاتي،و الغمز لقناتي،و التغطية على مناقبي،و الدلالة على مثلبة إن كانت لي،لقيني و أنا متوجّه عشيّة عرفة من سنة ثلاث و ثمانين (و ثلاثمائة)هجرية إلى مشهد مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر و أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسى عليهما السّلام للتعريف هناك،فسألني عن متوجهي،فذكرت له إلى أين قصدي،فقال لي:متى كان ذلك؟يعني أنّ جمهور الموسويين جارون على منهاج واحد في القول بالوقف و البراءة ممّن قال بالقطع،و هو عارف بأنّ الإمامة مذهبي و عليها عقدي و معتقدي،و إنّما أراد التبكيت لي و الطعن على ديني.فأجبته في الحال بما اقتضاه كلامه و استدعاه خطابه، و عدت و قد قوي عزمي على عمل هذا الكتاب إعلانا لمذهبي،و كشفا عن مغيّبي،و ردّا على العدوّ الّذي يتطلّب عيبي،و يروم ذمي و قصبي ...» (2).

«و فرغت» في ذاك الكتاب.


1) 1)

2) 2) خصائص الأئمة:3. [2]

«من الخصائص الّتي تخصّ أمير المؤمنين عليّا عليه السّلام» في فواتح الميبدي سمّاه أبوه عليّا و قال:

سميّته بعليّ كي يدوم له عزّ العلوّ و خير العزّ أدومه

و فيه روى أبو حمراء عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:رأيت ليلة المعراج مكتوبا على العرش:لا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه أيّدته بعليّ.و قال:

اسم على العرش مكتوب كما نقلوا من يستطيع له محوا و ترقينا

و قال الميبدي بالفارسيّة:

از مهر على كسى كه يابد عرفان نامش همه دم نقش كند بر دل و جان

اين نكته طرفه بين كه ارباب كمال يابند ز بيّنات نامش ايمان

(1)«و عاقت» أي:حبست.

«عن إتمام بقيّة الكتاب» في خصائص باقي الأئمة عليهم السّلام.

«محاجزات» أي:ممانعات.

«الزمان» هكذا في(المصريّة)،و الصواب:(الأيّام)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (2).


1) 1) الحديث مشهور رواه ابن عساكر و ابن الجوزي في الواهيات،و الطبراني في معجمه الكبير عنهم منتخب كنز العمال 5:35،و الحسكاني في شواهد التنزيل 1:227،و [1]الصدوق في أماليه:179 ح 5 المجلس(38)،و [2]الخوارزمي في المناقب:229،و المحب الطبري في ذخائر العقبى عنه ينابيع المودة:207،و [3]الحسن بن سليمان في المختصر عنه البحار 27:11 ح 26،و [4]رواه أيضا غير هؤلاء بطرق متعددة عنه و عن علي عليه السّلام و أبي ذرّ و جابر بن عبد اللّه و ابن عباس و أنس و أبي هريرة،و رواه أيضا عن أبي الحمراء ابن قانع و الطبراني و ابن مردويه إلى محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عنهم الدّرّ المنثور 4:153. [5]

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:14،و شرح ابن ميثم 1:89.

«و مماطلات» أي:مدافعات.

«الأيّام» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(الزّمان)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:14،و [1]شرح ابن ميثم 1:89.

.

«و كنت قد بوّبت ما خرج من ذلك» في خصائص أمير المؤمنين عليه السّلام.

«أبوابا،و فضّلته فضولا،فجاء في آخرها» أي:آخر الفصول.

«فصل يتضمّن محاسن ما نقل عنه عليه السّلام من الكلام القصير في الحكم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(في المواعظ و الحكم)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية (2)).

«و الأمثال و الأدب» و ما في ذاك الفصل هو الّذي جعله في النهج الباب الثالث منه.

«دون الخطب الطويلة،و الكتب المبسوطة» كما هو موضوع البابين الأوّلين من النهج .

«فاستحسن جماعة من الأصدقاء» له.

«و الإخوان» هكذا في(المصرية)،و الصواب:زيادة الكلمة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (3).

«ما اشتمل عليه الفصل المقدّم ذكره» المتضمّن ما نقله عنه عليه السّلام من الكلام القصير في المواعظ و الحكم و الأمثال و الأدب .

«معجبين ببدايعه و متعجّبين» الفرق بين الإعجاب و التعجّب:أنّ الإعجاب بشيء الاستحسان له،و التعجّب من شيء:استغرابه،سواء كان من حسن أو


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:15،و شرح ابن ميثم 1:89.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:15،و [2]شرح ابن ميثم 1:89.

قبح،و الاسم من الأوّل العجب بالضم فالسكون،و من الثاني العجب بفتحتين.

قال الشاعر:

و آل ما كان من عجب إلى عجب

(1)أي:انقلب عجبه بشبابه بتعجّبه من شيبته.

«من نواصعه» أي:سواطعه.قال:

و لم يأتك الحقّ الّذي هو ناصع

(2)«و سألوني عند ذلك» أي:استحسانهم لذاك الفصل من كتاب الخصائص. «أن أبتدئ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام» لا كلى كلام نقل عنه عليه السّلام.

«مولانا» هكذا في(المصرية)،و الكلمة زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3).

«أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه و متشعّبات غصونه» و لا يختص بشيء دون شيء.

«من خطب» خطب بها الناس.

«و كتب» كتبها إلى أوليائه و أعدائه و عمّاله.

«و مواعظ» الوعظ:التذكير بالعواقب.

«و آداب» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و أدب)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) (4).

«علما» مفعول له لقوله قبل«و سألوني».


1) 1) أورده ابن أبي الحديد 1:15 و [1]نسبه الى أبي تمام،و صدره: أبدت أسى اذ رأتني مخلس القصب

2) 2) أورده أساس البلاغة:459 [2] مادة(نصع)و الشاعر:النابغة.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:15،و شرح ابن ميثم 1:89.

4) 4) في شرح ابن أبي الحديد 1:11،لكن في شرح ابن ميثم 1:90«آداب».

«أنّ ذلك» أي:كتاب من كلامه عليه السّلام في كلّ فنّ.

«يتضمّن من عجائب البلاغة،و غرائب الفصاحة» و الأصل في الفصاحة انطلاق اللسان خالصا من اللكنة،كما أنّ الأصل في البلاغة بلوغ المراد في بيانه،ثمّ نقلا عند أهل البيان بما اشتهر.

«و جواهر العربيّة،و ثواقب الكلم الدّينيّة» أي:متلالآتها من قولهم:كوكب ثاقب.أي شديد التلألؤ،و يقال:درّ مثقّب،و برقع مثقّب.و سمّى شاعر مثقّبا بقوله:

أرين محاسنا و كننّ أخرى و ثقّبن الوصاوص للعيون

(1)«و الدّنيويّة» هكذا في(المصرية)،و الصواب(و الدنياويّة)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2)و إن كان الأوّل أيضا صحيحا،قال الجوهري:النسبة إلى الدنيا دنياوي.و يقال دنيوي و دنيي (3).

«ما لا يوجد مجتمعا في كلام،و لا مجموع الأطراف في كتاب» فإنّ الكلام إنّما يحسن لفظه أو معناه،فكيف إذا كان جامعا بين الحسنين،ككلامه عليه السّلام؟! فليقل في ألفاظ كلامه عليه السّلام،و في معاني كلماته ما قيل:

ألفاظ كغمزات الألحاظ.و معان كأنّها فكّ عان.ألفاظ كما نوّرت الأشجار.و معان كما تنفّست الأسحار.ألفاظ قد استعارت حلاوة العتاب بين الأحباب،و معان استلانت كتشكي العشّاق يوم الفراق.ألفاظ كالبشرى مسموعة أو أزاهير الرياض مجموعة،و معان كأنفاس الرياح تعبق بالريحان و الراح.ألفاظ هي خدع الدهر،و معان هي عقد السّحر.ألفاظ تأنّق الخاطر في


1) 1) أورده أساس البلاغة:45 [1] مادة(ثقب).

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:11،لكن في شرح ابن ميثم 1:90«الدنيويّة».

3) 3) صحاح اللّغة للجوهري 6:2341 [2] مادة(دنو).

تذهيبها،و معان عنى الفهم بتهذيبها.ألفاظ حسبتها من رقتها منسوخة في صحيفة الصّبا،و معان ظننتها من سلاستها مكتوبة في نحر الهوى.ألفاظ أنوار،و معان ثمار.

و كيف لا يكون كلامه عليه السّلام كذلك و كلامه دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق،و كلامه من ملوك الكلام؟! و قال أبو أحمد العسكري في(زواجره)بعد نقل وصيّته عليه السّلام لابنه:لو كان من الحكمة ما يجب أن يكتب بالذهب لكانت هذه (1)

رواه عن المواعظ للعسكريّ ابن طاوس في كشف المحجّة:157. [1]

.

«إذ كان أمير المؤمنين عليه السّلام مشرع» الأصل في المشرع:شرع الماء، و به سمّيت الشرائع،و قالوا:الشّرائع نعم الشّرائع،من وردها روي،و إلاّ دوي.

«الفصاحة» في(أمالي الشيخ)سئل أمير المؤمنين عليه السّلام:من أفصح الناس؟قال:المجيب المسكت عند بديهة السؤال (2).

«و موردها» الأصل في المورد ورود الماء،كالمصدر الصدور عنه .

«و منشأ البلاغة و مولدها» في خلفاء ابن قتيبة:فرّ محفن منه عليه السّلام إلى معاوية،فقال له معاوية:من أين جئت؟قال:من عند أعيا الناس.فقال له معاوية:ويحك ما سنّ الفصاحة لقريش غير عليّ (3).

و في(الخصال)عن الشعبي قال:تكلّم أمير المؤمنين(عليّ)عليه السّلام بتسع كلمات ارتجلهنّ ارتجالا،فقأن عيون البلاغة،و أيتمن جواهر الحكمة،و قطعن


1) 1)

2) 2) أخرجه أبو جعفر الطوسي في أماليه 2:314،المجلس(22). [2]

3) 3) في تاريخ الخلفاء و هو الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:114 [3] ما لفظه:«و ذكروا أنّ عبد اللّه بن أبي محجن الثقفي قدم على معاوية فقال:يا أمير المؤمنين!إنّي أتيتك من عند الغبيّ الجبان البخيل ابن أبي طالب.فقال معاوية:للّه أنت! أ تدري ما قلت؟أمّا قولك الغبيّ،فو اللّه لو أنّ ألسن الناس جمعت لسانا واحدا لكفاها لسان عليّ»و لكن ذكر لفظ الكتاب ابن أبي الحديد 1:8،و غيره عن محفن بن أبي محفن و معاوية.

جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهنّ،ثلاث منها في المناجاة،و ثلاث منها في الحكمة،و ثلاث منها في الأدب،فأمّا اللاتي في المناجاة فقال:اللّهمّ كفى بي عزّا أن أكون لك عبدا،و كفى بي فخرا أن تكون لي ربّا.أنت كما أحب فاجعلني كما تحبّ.و أمّا اللاتي في الحكمة فقال:قيمة كلّ امرئ ما يحسنه،و ما هلك امرؤ عرف قدره،و المرء مخبوء تحت لسانه.و أمّا اللاتي في الأدب فقال:امنن على من شئت تكن أميره،و احتج الى من شئت تكن أسيره،و استغن عمّن شئت تكن نظيره (1)

أخرجه الصدوق في الخصال:420 ح 14.

.

و قال ابن أبي الحديد عند قوله عليه السّلام:«سلكوا في بطون البرزخ...»:لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس و تلي عليهم هذا الكلام،ينبغي أن يسجد و اله كما سجد الشعراء لقول عديّ بن الرقاع:

قلم أصاب من الدواة مدادها فلمّا قيل لهم في ذلك،قالوا:إنّا نعرف مواضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن (2).

هذا،و في(الأغاني):كان إبراهيم بن المهدي شديد الانحراف عن عليّ عليه السّلام فقال يوما للمأمون:إنّي رأيت عليّا في النوم،فقلت له:من أنت؟فقال:

عليّ.فمشينا حتّى جئنا قنطرة،فذهب يتقدّمني لعبورها فأمسكته،و قلت له:

إنّما أنت رجل تدّعي هذا الأمر بامرته،و نحن أحقّ به منك.فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يوصف عنه.فقال له المأمون:و أي شيء قال لك؟فقال:ما زادني على أن قال:سلاما سلاما.فقال له المأمون:قد و اللّه أجابك أبلغ جواب.

قال:و كيف؟قال:عرّفك أنّك جاهل لا يجاوب مثلك،قال تعالى: «وَ إِذا»


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:51 [1] شرح الخطبة(219).

«خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً» (1)

الفرقان:63. [1]

فخجل ابراهيم،و قال للمأمون:ليتني لم أحدّثك بهذا الحديث (2).

«و منه عليه السّلام ظهر مكنونها» أي:مستورها.

«و عنه أخذت قوانينها» مرّ أن معاوية قال:ما سنّ الفصاحة لقريش غير عليّ (3).

«و على أمثلته» أمثلة جمع المثال.

«حذا» من حذوت النعل بالنعل إذا قطعتها مماثله.

«كلّ قائل خطيب» في(مروج المسعودي):و الّذي حفظ الناس عنه (عليّ)عليه السّلام من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة و نيّف و ثمانون خطبة يوردها على البديهة،و تداول الناس ذلك عنه قولا و عملا (4).

«و بكلامه استعان كلّ واعظ بليغ» قال ابن نباتة الواعظ المعروف و هو استاذ المصنّف:حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الانفاق إلاّ سعة و كثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام (5).

و كذا استعان بكلامه عليه السّلام كلّ كاتب مجيد،قال عبد الحميد الكاتب- كاتب مروان بن محمّد،و هو الّذي قيل فيه:إنّ الكتابة فتحت به-:حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع،ففاضت ثمّ فاضت (6).


1) 1)

2) 2) الأغاني 1:126. [2]

3) 3) مرّ في شرح فقرة:«و منشأ البلاغة»نقلا عن ابن قتيبة.

4) 4) مروج الذهب للمسعودي 2:419. [3]

5) 5) نقل هذا عن ابن نباتة،و عبد الحميد ابن أبي الحديد في شرحه 1:8 [4] بهذا اللّفظ،و يأتي قول عبد الحميد بلفظ آخر عن الجهشياري في الوزراء:82،و [5]أمّا قراءة الرضي على ابن نباتة فقد ذكرها السيد علي خان في الدرجات الرفيعة:459. [6]

6) 6) المصدر نفسه.

و في(صناعة أبي هلال العسكري):أخذ إبراهيم بن العباس الصولي قوله:«إذا كان للمحسن من الثواب ما يقنعه،و للمسيء من العقاب ما يقمعه ازداد المحسن في الإحسان رغبة،و انقاد المسيء للحقّ رهبة»من قول علي بن أبي طالب عليه السّلام:«يجب على الوالي أن يتعهّد أموره،و يتفقّد أعوانه،حتّى لا يخفى عليه إحسان محسن،و لا إساءة مسيء» (1)

الصناعتين للعسكري:214. [1]

.

و قال الجاحظ:كان جعفر بن يحيى البرمكي من أبلغ الناس و أفصحهم للقول و الكتابة،يضمّ اللّفظة إلى أختها،و سمعته يقول:ناهيك حسنا بقول عليّ بن أبي طالب عليه السّلام:«هل من مناص أو خلاص أو معاذ أو ملاذ أو قرار أو مجاز».و كان يتعجّب من قول عليّ عليه السّلام:«أين من جدّ و اجتهد،و جمع و احتشد، و بنى و شيّد،أو فرش فمهّد،أو زخرف فنجّد».قال:ألا ترى أنّ كلّ لفظة منها أخذت بعنق قرينتها،جاذبة إيّاها إلى نفسها،دالّة عليها بذاتها (2).

و قال محمّد بن يعقوب الكليني في(كافيه)بعد ذكر خطبة له عليه السّلام في باب جوامع التوحيد:هذه الخطبة هي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبّرها، و فهم ما فيها.فلو اجتمع ألسنة الجنّ و الإنس-ليس فيها لسان نبيّ-على أن يبيّنوا التوحيد بمثل ما أتى عليه السّلام به-بأبي و أمّي-ما قدروا عليه،و لو لا إبانته عليه السّلام ما علم الناس كيف يسلكون سبل التّوحيد (3).

قلت:هو عليه السّلام مصداق ما قيل:

إذا نهضت فأنت نجم ثاقب و إذا جلست فأنت ليث رابض

فبك التمثّل حين ينعت فاضل و اليك يرجع حين يشكل غامض


1) 1)

2) 2) جاء ذكر جعفر بن يحيى البرمكيّ في البيان و التبيين 1:128 بغير هذه الألفاظ.

3) 3) الكافي 1:136. [2]

و ممّن استعان بكلامه عليه السّلام عبد الملك بن صالح العبّاسي-و كان من خطبائهم-في وصاياه لابنه-و نقلها الجاحظ في بيانه (1)

نقل الجاحظ في البيان و التبيين 2:122،و 3:408 وصاياه لابنه،لكن المقايسة ليست من الجاحظ.

-أخذها من وصاياه عليه السّلام لابنه،و كذلك طاهر بن الحسين ذو اليمينين الّذي كتب وصيّة طويلة لابنه عبد اللّه بن طاهر،فأمر المأمون بحفظها و كتابتها (2)،أخذها من الوصية الجامعة له عليه السّلام،بل كان بعض الخطباء يخطب بعين خطبه عليه السّلام، كخطبة يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام بن عبد الملك على الكوفة:«اتّقوا اللّه عباد اللّه فكم من مؤمّل أملا لا يبلغه،و جامع مالا لا يأكله،و مانع ما سوف يتركه،و لعلّه من باطل جمعه،و من حقّ منعه...» (3).

و كخطبة قطري بن فجاءة أحد أمراء الخوارج:«أمّا بعد فإنّي أحذّركم الدنيا فإنّها حلوة خضرة،حفّت بالشهوات،و راقت بالقليل،و تحبّبت بالعاجلة، و حليت بالآمال،و تزيّنت بالغرور.لا تدوم حبرتها،و لا تؤمن فجعتها...» (4).

ذكر خطبتيهما الجاحظ في بيانه.

و كخطبة المأمون يوم الجمعة،ذكرها ابن قتيبة في(عيونه) (5)،و أخذ فضيل بن عياض المعروف بالزهد كلامه عليه السّلام لشريح القاضي لمّا اشترى دارا،فقاله بعينه لفيض بن إسحاق لمّا اشترى دارا،كما نقله(الحلية) (6)،و أخذ


1) 1)

2) 2) نقل وصيّة طاهر الطبري في التاريخ 7:160،سنة(206)و نقل أمر المأمون أيضا الطبري في التاريخ 7:168،سنة (206).

3) 3) نقلها الجاحظ في البيان و التبيين 2:163. [1]

4) 4) نقلها الجاحظ في البيان و التبيين 2:144،و [2]نفى ابن أبي الحديد في شرحه 2:242 شرح الخطبة(109)كون الخطبة لقطري.

5) 5) رواه ابن قتيبة في عيون الأخبار 2:253.

6) 6) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء 8:101.

تفسيره عليه السّلام لقوله تعالى: «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» (1)

البقرة:156. [1]

أبو يزيد البسطامي كما نقله أيضا (2).

و في(وزراء الجهشياري)قيل لعبد الحميد بن يحيى:ما الّذي مكّنك من البلاغة و خرّجك؟فقال:حفظ كلام الأصلع.يعني أمير المؤمنين عليه السّلام (3).

و قال(ابن أبي الحديد)في شرح قوله عليه السّلام:«ألا و إنّ اللّسان بضعة من الإنسان»:قد أخذ هذه الألفاظ بعينها أبو مسلم الخراساني،فخطب بها في خطبة مشهورة من خطبه (4).

«و مع ذلك فقد سبق و قصّروا و تقدّم و تأخّروا» أي:في ما أخذوا من كلماته عليه السّلام في كلامهم و في ما استعانوا بجملاته عليه السّلام في مقالاتهم،قال ابن أبي الحديد عند قوله عليه السّلام:«أمّا بعد،فإن الجهاد باب من أبواب الجنّة»:إنّ التحريض على الجهاد،و الحضّ عليه قد قال فيه الناس فأكثروا،و كلّهم أخذوا من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام،فمن جيّد ذلك ما قاله ابن نباتة الخطيب:أيّها الناس إلى كم تسمعون الذّكر فلا تعون-الى أن قال ابن أبي الحديد-هذه آخر خطبة ابن نباتة.فانظر اليها و إلى خطبته عليه السّلام(أي المتقدّمة)بعين الانصاف تجدها بالنسبة إليها كمخنّث بالنسبة إلى فحل،أو كسيف من رصاص بالنسبة الى سيف من حديد.و انظر ما عليها من أثر التوليد،و شين التكلّف، و مجاجة كثير من الألفاظ،ألا ترى إلى فجاجة قوله:كأنّ أسماعكم تمجّ و دائع الوعظ،و كأنّ قلوبكم بها استكبار عن الحفظ-الى أن قال-إنّي أضرب لك مثلا تتّخذه دستورا في كلام أمير المؤمنين عليه السّلام و كلام الكتّاب و الخطباء بعده


1) 1)

2) 2) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء 10:39.

3) 3) الوزراء للجهشياري:82،و [2]النقل بتصرّف يسير.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 3:184، [3]شرح الخطبة(231).

كابن نباتة و الصابئ و غيرهما،انظر نسبة شعر أبي تمام،و البحتري،و أبي نواس،و مسلم إلى شعر امرئ القيس و النابغة و زهير و الأعشى-الى أن قال بعد ذكر تضمين ابن نباتة جملة قوله عليه السّلام:«ما غزي قوم في عقر دارهم إلاّ ذلّوا»-انظر كيف تصيح من بين الخطبة صياحا،و تنادي على نفسها نداء فصيحا،و تعلم سامعها أنّها ليست من المعدن الذي خرج باقي الكلام منه،و لا من الخاطر الّذي صدر ذلك السجع عنه.و لعمر اللّه لقد جملت الخطبة و حسنتها و زانتها،و ما مثلها فيها إلاّ كآية من الكتاب العزيز،يتمثل بها في رسالة أو خطبة (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:142-144 شرح الخطبة(27).

.

«و لأنّ» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(لأنّ)بدون العاطف كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (2).

«كلامه عليه السّلام الكلام الّذي عليه مسحة من العلم الالهي» المسحة أن يبقى أثر المسح على الممسوح عليه،قال ذو الرّمة:

على وجه ميّة مسحة من ملاحة

(3)و لنعم ما قال الميبدي في شرح الديوان المنسوب اليه عليه السّلام: شاهد كه مهش غلام و مهر است كنيز ناطق بكمال اوست قرآن عزيز

گر قدر كلام او رفيع است چه دور در خانه به كدخداى ماند همه چيز

«و فيه عبقة» من عبق به الطيب لزمه.


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:15،و شرح ابن ميثم 1:90.

3) 3) لسان العرب 2:596 [1] مادة(مسح).

«من الكلام النبويّ» و كيف لا يكون كذلك و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:«أنا مدينة العلم و عليّ بابها»؟! (1)

رواه العقيلي في الضعفاء،و ابن عدي في الكامل،و الطبراني في معجمه الكبير،و الحاكم في المستدرك عنهم الجامع الصغير 1:108،و ابن المغازلي في المناقب بثلاث طرق:81-83،و الخوارزمي في المناقب 40، و الحسكاني بطرق متعددة في شواهد التنزيل 1:81 ح 118،و ابن أخي تبوك في مسنده،منتخب السند:426 ح 2، و الديلمي في الفردوس،و الجويني في فرائد السمطين عنهما ينابيع المودة:72 [1] عن ابن عبّاس،و رواه ابن عدي في الكامل،و الحاكم في المستدرك عنهما الجامع الصغير 1:108،و ابن المغازلي في المناقب بطريقين:80،84، و البزاز في مسنده،و الطبراني في معجمه الأوسط عنهما ينابيع المودة:282 [2] عن جابر بن عبد اللّه،و أخرجه أحمد في الفضائل عنه تذكرة الخواصّ:48،و [3]ابن المغازلي بطريقين:82،85،و الحسكاني في شواهد التنزيل 1:334 ح 459،و أبو جعفر الطوسي في أماليه 2:190،المجلس(5)،و [4]الصدوق في العيون 2:66 ح 298 [5] عن علي عليه السّلام، و في الباب أحاديث بهذا اللفظ عن الثلاثة و أبي سعيد الخدري و حذيفة بن اليمان و كعب بن عجرة و أنس و ابن مسعود و الحسن عليه السّلام و الصادق عليه السّلام و الصنابجي و سلمة و غيرهم،و روي أيضا بألفاظ أخرى لم يسعها المقام.

في(فهرست منتجب الدّين):الشيخ القاضي جمال الدّين محمّد بن الحسين بن محمّد بن القريب قاضي قاشان فاضل فقيه،كان يكتب نهج البلاغة من حفظه،و له رسالة العبقة في شرح قول السيّد الرضيّ في خطبة النّهج:«عليه مسحة من العلم الإلهي،و فيه عبقة من الكلام النبويّ» (2).

و قال ابن أبي الحديد عند الكلام في خطبة الجهاد المتقدّمة:إنّ الناس قد اتفقوا على أن القرآن في أعلى طبقات الفصاحة،و تأمّله تأملا شافيا،و انظر إلى ما خصّ به من مزيّة الفصاحة،و البعد عن التقعّر و التعقيد،و الكلام الوحشي الغريب،و انظر كلام أمير المؤمنين عليه السّلام فإنّك تجده مشتقّا من ألفاظه،و مقتضبا من معانيه و مذاهبه،و محذوّا به حذوه،و مسلوكا به في منهاجه،فهو و إن لم يكن نظيرا و لا ندّا يصلح أن يقال:إنّه ليس بعده كلام أفصح منه،و لا أجزل،و لا أعلى،و لا أفخم،و لا أنبل،إلاّ أن يكون كلام ابن


1) 1)

2) 2) الفهرست لمنتجب الدين:176. [6]

عمّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:143 [1] شرح الخطبة(27).

.

و قال أيضا عند قوله عليه السّلام:«عالم السرّ من ضمائر المضمرين...»:لو سمع النّضر بن كنانة هذا الكلام لقال لقائله:ما قاله عليّ بن العباس بن جريح لإسماعيل بن بلبل:

قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم كلاّ و لكن لعمري منه شيبان

و كم أب قد علا بابن ذرى شرفا كما علا برسول اللّه عدنان

إذ كان يفخر به على عدنان و قحطان،بل كان يقرّ به عين أبيه إبراهيم خليل الرحمن،و يقول النضر له:لم يعف ما شيّدت من معالم التوحيد،بل أخرج اللّه تعالى لك من ظهري ولدا ابتدع من علوم التوحيد في جاهلية العرب ما لم تبتدعه أنت في جاهلية النّبط،بل لو سمع هذا الكلام أرسطا طاليس- القائل بأنّه تعالى لا يعلم الجزئيات- (2)لخشع قلبه،و قفّ شعره،و اضطرب فكره.ألا ترى ما عليه من الرواء و المهابة،و العظمة و الفخامة،و المتانة و الجزالة مع ما قد أشرب من الحلاوة و الطلاوة،و اللّطف و السّلاسة؟لا أرى كلاما يشبه هذا إلاّ أن يكون كلام الخالق سبحانه،فإنّ هذا الكلام نبعة من تلك الشجرة،و جدول من ذلك البحر،و جذوة من تلك النار (3).

و قال في شرح قوله عليه السّلام:«و منها في صفة الأرض»من الخطبة(89):في بيان أنّه عليه السّلام إمام أرباب صناعة البديع،و ذلك لأن هذا الفن لا يوجد منه في كلام غيره ممن تقدّمه إلا ألفاظ يسيرة غير مقصودة،و لكنها واقعة بالاتّفاق،


1) 1)

2) 2) قال الفارابي في كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين:106 في تفسير قول أرسطو بهذا القول مجملا،و نسبه إلى افلاطون و أرسطو،و الظاهر اشتراك جمهور الحكماء فيه،كما نقله الغزالي في المنقذ من الضّلال:51،و العلاّمة الحلّي في كشف المراد:222،و غيرهما.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 2:167 [2] شرح الخطبة(89).

كما وقع التجنيس في القرآن العزيز اتفاقا غير مقصود،و ذلك نحو قوله:

«يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ» (1)

يوسف:84. [1]

،و كما وقعت المقابلة أيضا غير مقصودة في قوله: «وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ» (2)،على أنّها ليست مقابلة في المعنى،بل من اللفظ خاصّة.و لما تأمّل العلماء شعر امرئ القيس-و وجدوا فيه من الاستعارة بيتا أو بيتين،نحو قوله يصف الليل:

فقلت له لمّا تمطّى بصلبه و أردف اعجازا و ناء بكلكل

و قوله:

و إن يك قد ساءتك منّي خليقة فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل

(3)و لم ينشدوا مثل ذلك في أشعار الجاهلية-حكموا له بأنّه إمام الشعراء و رئيسهم. و هذا الفصل من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام قد اشتمل من الاستعارة العجيبة و غيرها من أبواب البديع على ما لو كان موجودا في ديوان شاعر مكثر،أو مترسّل مكثر،لكان مستحقّ التقديم بذلك،ألا تراه كيف وصف الأمواج بأنّها مستفحلة،و أنها ترغو رغاء فحول الإبل.ثم جعل الماء جماحاً ثمّ وصفه بالخضوع،و جعل للأرض كلكلا،و جعلها واطئة للماء به،و وصف الماء بالذلّ و الاستخذاء،لمّا جعل الأرض متمعّكة عليه كما يتمعّك الحمار أو الفرس،و جعل لها كواهل،و جعل للذلّ حكمة،و جعل الماء في حكمة الذلّ منقادا أسيرا،و ساجيا مقهورا،و جعل الماء قد كان ذا نخوة و بأو و اعتلاء، فردّته الأرض خاضعا مسكينا،و طأطأت من شموخ أنفه،و سموّ غلوائه،


1) 1)

2) 2) الرحمن:7. [2]

3) 3) أورده كذلك في المعلّقات السبع:20،لكن في الديوان:18،و لسان العرب 11:597 [3] مادّة(كلل)بدل(صلبه): (جوزه).

و جعلها كاعمة له،و جعل الماء ذا كظّة بامتلائه،كما تعتري الكظّة المستكثر من الأكل،ثم جعله هامدا بعد أن كانت له نزقات،و لابدا بعد أن كانت له و ثبات، ثم جعل للأرض أكتافا و عرانين،و أنوفا و خياشيم،ثم نفى النوم عن وميض البرق،و جعل الجنوب مارية درر السحاب،ثم جعل للسّحاب صدرا و بوانا،ثم جعل الأرض مبتهجة مسرورة مزدهاة،و جعل لها ريطا من لباس الزهور، و سموطا تحلّى بها.فيا للّه و للعجب من قوم زعموا أن الكلام إنما يفضل بعضه بعضا لاشتماله على أمثال هذه الصنعة،فإذا وجدوا في مائة ورقة كلمتين أو ثلاثا منها،أقاموا القيامة،و نفخوا في الصّور و ملئوا الصحف بالاستحسان لذلك و الاستظراف،ثم يمرّون على هذا الكلام المشحون كله بهذه الصنعة على ألطف وجه،و أرصع وجه،و أرشق عبارة،و أدقّ معنى،و أحسن مقصد، ثم يحملهم الهوى و العصبية على السكوت عن تفضيله إذا أجملوا و أحسنوا، و لم يتعصبوا لتفضيل غيره عليه.على أنه لا عجب،فإنه كلام عليّ عليه السّلام،و حظّ الكلام حظّ المتكلّم،و أشبه امرأ بعض بزّه! (1)

أورده الزمخشري في المستقصى 1:187 [1] ثم قال يضرب في مماثلة الشيء صاحبه.

.

قلت:ما قاله ابن أبي الحديد ليس يحسن على إطلاقه،فإنّ أمير المؤمنين عليه السّلام هو «النَّبَإِ الْعَظِيمِ اَلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» (2)،فإذا كان أعداؤه كذلك فإنّ أولياءه يعترفون بالعجز عن وصف محاسنه،و أنّ كلامه تالي القرآن الّذي قال جل و علا فيه: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» (3).و لا يحطّ


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:159 شرح الخطبة(89)و قد جاء في الأخبار أنّ عليّا عليه السّلام هو النبأ العظيم،أخرجه عليّ بن إبراهيم في تفسيره 2:401،و [2]الفرات الكوفي في تفسيره:202 و [3]الحسكاني في شواهد التنزيل 2:317،318 [4]بطرق متعدّدة:و ذلك في تفسير قوله تعالى: «عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ اَلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» النبأ:2-3. [5]

3) 3) الاسراء:88. [6]

علوّه عمل أعدائه،و لنعم ما قيل بالفارسية:

شب پره گر وصل آفتاب نخواهد رونق بازار آفتاب نكاهد

(1)و قال سبط ابن الجوزي في(تذكرته):كان عليّ عليه السّلام ينطق بكلام قد حف بالعصمة و يتكلّم بميزان الحكمة.كلام ألقى اللّه عليه المهابة،فكلّ من طرق سمعه راعه فهابه،و قد جمع اللّه له بين الحلاوة و الملاحة،و الطلاوة و الفصاحة.لم يسقط منه كلمة،و لا بارت له حجّة.أعجز الناطقين،و حاز قصب السبق في السابقين.ألفاظ يشرق عليها نور النبوّة،و يحير الافهام و الألباب (2).

قلت:و لا غرو أن يكون على كلامه عليه السّلام مسحة من العلم الإلهي،و كان كرارا يقول:«أنا أعلم بطرق السماء منّي بطرق الأرض» (3).

و كان عليه السّلام يقول:«لو ثنيت لي الوسادة لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم، و أهل الإنجيل بإنجيلهم،و أهل الفرقان بفرقانهم،حتّى ينطق كلّ منها و يقول:

إنّ عليّا قضى فيّ بما أنزل اللّه تعالى فيّ» (4).

و كيف لا يكون في كلامه عبقة من الكلام النبوي،و قد جعلهما الله تعالى في آية المباهلة نفسا واحدة (5)؟!و كان عليه السّلام يقول:«أنا من النبي صلّى اللّه عليه و آله


1) 1) أورده دهخدا في أمثال و حكم 2:1013 و [1]الشاعر:سعدي،و ترجمة البيت:«ان كان الخفاش لا يريد وصال الشمس فليس ذلك بقادح في منزلتها».

2) 2) تذكرة الخواصّ:119. [2]

3) 3) رواه الإربلي في كشف الغمة 1:130،و [3]الآمدي في غرر الحكم،الفصل(39)ح 85،و [4]شاذان في الفضائل:98. [5]

4) 4) أخرجه الصفار في بصائر الدرجات:153 ح 4،و الثعلبي في تفسيره عنه تذكرة الخواص:16،و الفرات الكوفي في تفسيره:69،و الحسكاني بروايتين في شواهد التنزيل 1:280،281 ح 384،385،و الجويني في فرائد السمطين عنه ينابيع المودة:74 [6] عن زاذان عن علي عليه السّلام،و روي بطرق عديدة حاضرة عندي عن الامامين الباقر و الصادق عليهما السلام و زاذان و أبي البحتري و الأصبغ بن نباتة و سلمة بن كهيل و عمرو بن أبي المقدام و سليم بن قيس و غيرهم.

5) 5) إشارة الى قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» .آل عمران:61. [7]

كالصّنو من الصّنو،و الذّراع من العضد» (1)

أخرجه الشريف الرضي في نهج البلاغة 3:73 [1] ضمن الكتاب(45).

.و كان كلامه عليه السّلام أولى من كلام قيل فيه:و كلام لا تمجّه الاذان،و لا تبليه الأزمان.كلام قريب شاسع،و مطمع مانع،كالشمس تقرب ضياء،و تبعد علاء،أو كالماء يرخص موجودا،و يغلو مفقودا.كلام سهل متسلسل كالمدام بماء غلام،يقرب أذنه على الأفهام.كلام كبرد الشراب على الأكباد الأحرار،و برد الشباب في خلع العذار.كلام كثير العيون،سلس المتون،رقيق الحواشي،سهل النواحي.كلام هو السّحر الحلال،و الماء الزّلال،و البرود و الحبر،و الأمثال و العبر،و النعيم الحاضر، و الشباب الناضر.نظرت منه الى صورة الظرف بحتا،و صورة البلاغة سبكا و نحتا.كلام يسرّ المحزون،و يسهّل الحزون،و يعطّل الدرّ المخزون.كلام بعيد من الكلف،نقي من الكلف،كما ينفس السحر عن نسيمه،و يبسم الدرّ عن نظيمه.كلام كالبشرى بالولد الكريم،قرع به سمع الشيخ العقيم،كلام أنسى حلاوة الأولاد بحلاوته،و طلاوة الربيع بطلاوته.كلام قرب حتى أطمع،و بعد حتى امتنع،قرب حتّى صار قاب قوسين أو أدنى،ثم علا حتّى صار بالمنزل الأعلى،رقيق المزاج،حلو السماع،نقي السبك،مقبول اللفظ.قرأت لفظا جليّا، حوى معنى خفيّا،و كلاما قريبا،رمى غرضا بعيدا.كلام أنس المقيم الحاضر، و زاد الراحل المسافر.كلام يصغي إليه المقبور و ينتفض له العصفور.كلام يقضي حقّ البيان،و يملك رق الحسن و الاحسان.كلام منه يجتنى الدرّ،و به يعقد السحر،و عنده يغيب الدهر،و له ينشرح الصدر.كلام كما هبّ نسيم السحر على صفحات الزهر .

«فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالما بما فيه من عظيم النفع» ينتفع به جميع


1) 1)

البشر الموحّد منهم ممّا فيه من ذكر الثواب و العقاب،و الملحد منهم ممّا فيه من الحكم و الآداب،و مع ذلك فهو معجزة للإسلام ككتاب اللّه تعالى و شاهد للنبوّة و الإمامة.

«و منشور الذكر» إنّ الرضي انقرض نسله كأخيه المرتضى،إلاّ أنّه انتشر ذكره في العالم بجمعه هذا الكتاب،فكثير من الكتب لم يشتهر أمرها أصلا،و بعضها إنّما اشتهر في عصر أو قطر،و أمّا هذا الكتاب فاشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار.

و ينبغي لمن فتح هذا الكتاب أن يخاطب الرضيّ بخطاب أبي تمام الشّاعر للحسن بن وهب الكاتب لمّا قرأ كتابا له:

لقد جلّى كتابك كلّ بثّ جو و أصاب شاكلة الرميّ

فضضت ختامه فتبلجت لي غرائبه عن الخبر الجليّ

و كان أغضّ في عيني و أندى على كبدي من الزهر الحليّ

و أحسن موقعا عندي و منّي من البشرى أتت بعد النعيّ

و ضمّن صدره ما لم تضمّن صدور الغانيات من الحليّ

فكائن فيه من معنى بديع و كائن فيه من لفظ بهيّ

و قال بعضهم في الرضيّ و في كتابه:

إنّ الرضيّ الموسويّ لمائه هو مائح

لاقت به و بجمعه عدد القطاط مدائح

(1)«و مذخور الأجر» فمن هدى شخصا يكون خيرا له ممّا طلعت عليه الشمس،و قد هدى الرضيّ بتأليفه نهجه هذا من لا يحصيهم إلاّ اللّه تعالى .

«و اعتمدت به» أي:قصدت بجمع هذا الكتاب.


1) 1) نقله ضمن أبيات الخوئي في شرحه 1:80 عن السيّد عزّ الدين بن ضياء الدين.

«أن أبيّن» من الإبانة.

«من عظيم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(عن عظيم)كما في(ابن ميثم،و الخطيّة) (1)

كذا في شرح ابن ميثم 1:90،و لكن في شرح ابن أبي الحديد 1:15«من عظيم»أيضا.

و لأنّ الإبانة إنّما تتعدّى ب‍(عن).

«قدر أمير المؤمنين عليه السّلام في هذه الفضيلة» أي:فضيلة النطق،قال تعالى: «فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ» (2).

و قال عليه السّلام:«تكلّموا تعرفوا،فإنّ المرء مخبوء تحت لسانه» (3).

«مضافة» هذه الفضيلة.

«إلى المحاسن الدّثرة» أي:الكثيرة العالية،قال ابن مقبل:

أصاخت له فدر اليمامة بعد ما تدثّرها من وبله ما تدثّرا

(4)«و الفضائل الجمّة» أي:المجتمعة،قال الشاعر: إن تغفر اللّهم تغفر جمّا و أيّ عبد لك لا ألمّا

(5)و قد وصف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم محاسن أمير المؤمنين عليه السّلام و فضائله،فقال: «لو أنّ البحار كانت مدادا،و الأشجار أقلاما،و الجنّ و الإنس كتّابا،لما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب» (6).

و روى العكبري كما في(مناقب الكنجي الشافعي)مسندا عن ابن عباس قال:بينما النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جالس في جماعة من أصحابه،إذ أقبل عليّ عليه السّلام،فلمّا


1) 1)

2) 2) يوسف:54. [1]

3) 3) نهج البلاغة 4:93 [2] الحكمة(392).

4) 4) لسان العرب 4:277 [3] مادة(دثر).

5) 5) أورده لسان العرب 12:104 [4] مادة(جمم)،و الشاعر:أبو خراش الهذليّ.

6) 6) رواه الديلمي في الفردوس عنه البحار 40:75 ح 112،و [5]المطرزي عنه البحار 40:74 ح 110،و [6]سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:13،و [7]الكراجكي في كنز الفوائد:128،و [8]في التفضيل:40،و [9]الديلمي في إرشاد القلوب:209. [10]

بصر به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:«من أراد منكم أن ينظر إلى آدم في علمه،و إلى نوح في حكمه،و إلى إبراهيم في حلمه،فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام» (1)

رواه الكنجي في كفاية الطالب:46،و [1]أيضا الحسكاني في شواهد التنزيل 1:106 ح 147،و [2]المحب الطبري في ذخائر العقبى [3]عنه ينابيع المودة:214 [4] عن ابن عباس،و رواه الديلمي في الفردوس عنه البحار 40:78،و [5]الحسكاني في شواهد التنزيل [6]بطريقين 1:79،80 ح 116،117،و الخوارزمي بطريقين:40،219،و المحبّ الطبريّ في ذخائر العقبى [7]عنه ينابيع المودّة:214 [8] عن أبي الحمراء،و أخرجه ابن المغازلي في المناقب:212،و [9]الكراجكي في التفضيل:31 [10] عن أنس، و رواه الكراجكي في التفصيل:31 عن أبي سعيد الخدري،و نقله ابن أبي الحديد في شرحه 2:429 ح 4 عن أحمد في مسنده و البيهقي في السنن،و روى معناه الخوارزمي:45 [11] عن الحارث الأعور عن جمع من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله،و بين الألفاظ اختلاف.

.قال الكنجي:و تشبيهه بآدم في علمه لقوله تعالى في آدم: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» (2)،و بنوح في حكمه لشدّته على الكفّار لقوله: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً» (3)،و بإبراهيم في حلمه لقوله تعالى: «إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ» (4)، (5)و لقد أجاد شباب التستري حيث قال فيه عليه السّلام بالفارسيّة:

كتاب فضل ترا آب بحر كافى نيست كه تر كنند سر انگشت و صفحه بشمارند

(6)و هو عليه السّلام أولى ممّن قيل فيه: ليس على اللّه بمستنكر أن يجمع العالم في واحد

(7)


1) 1)

2) 2) البقرة:31. [12]

3) 3) نوح:26. [13]

4) 4) التوبة:114. [14]

5) 5) كفاية الطالب:46 و [15]النقل بتصرّف يسير.

6) 6) أورده دهخدا في أمثال و حكم 3:1191 و [16]نسبه الى الأسدي،و ذيله فيه«كه تركنى سرانگشت و صفحه بشمارى» و ترجمة البيت:«لا يكفي كتاب فضلك ماء البحر أن ترطّب بنانك و تعدّد صفحاته».

7) 7) أورده ابن أبي الحديد في شرحه 2:231،و غيره.

ما قاله الشارح المعتزلي في فضائله عليه السّلام:

قال ابن أبي الحديد في أوّل كتابه:فأمّا فضائله عليه السّلام فانّها قد بلغت من العظم و الجلال و الانتشار و الاشتهار مبلغا يسمج معه التعرّض لذكرها و التصدّي لتفصيلها،فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل و المعتمد:رأيتني في ما أتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر و القمر الزاهر الّذي لا يخفى على الناظر،فأيقنت أنّي حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز،مقصّر عن الغاية،فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك،و وكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.

و ما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه و خصومه بالفضل و لم يمكنهم جحد مناقبه و لا كتمان فضائله،فقد علمت أنّه استولى بنو أميّة على سلطان الاسلام في شرق الأرض و غربها،و اجتهدوا بكلّ حيلة في إطفاء نوره و التحريف عليه،و وضع المعائب و المثالب له،و لعنوه على جميع المنابر، و توعّدوا مادحيه،بل حبسوهم و قتلوهم،و منعوا من رواية حديث يتضمّن له فضيلة أو يرفع له ذكرا،حتّى حظروا أن يسمّى أحد باسمه،فما زاده ذلك إلاّ رفعة و سمّوا،و كان كالمسك،كلّما ستر انتشر عرفه،و كلّما كتم تضوّع نشره،و كالشمس لا تستر بالراح،و كضوء النّهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة.

و ما أقول في رجل تعزى إليه كلّ فضيلة،و تنتهي إليه كلّ فرقة، و تتجاذبه كلّ طائفة،فهو رئيس الفضائل و ينبوعها و أبو عذرها و سابق مضمارها و مجلّي حلبتها،كلّ من بزغ فيها بعده فمنه أخذ،و له اقتفى،و على مثاله احتذى.

و قد عرفت أنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي،لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم،و معلومه أشرف الموجودات،فكان هو أشرف العلوم،و من كلامه عليه السّلام اقتبس،و عنه نقل،و إليه انتهى،و منه ابتدئ.

فإنّ المعتزلة-الذين هم أهل التوحيد و العدل و أرباب النظر،و منهم تعلّم الناس هذا الفن-تلامذته و أصحابه،لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد بن الحنفية،و أبو هاشم تلميذ أبيه،و أبوه تلميذه عليه السّلام.

و أمّا الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن بشر الأشعري و هو تلميذ أبي علي الجبائي،و أبو علي أحد مشايخ المعتزلة،فالأشعرية ينتهون بأخرة إلى أستاذ المعتزلة و معلّمهم،و هو علي بن أبي طالب عليه السّلام.

و أمّا الإمامية و الزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر.

و من العلوم:علم الفقه،و هو عليه السّلام أصله و أساسه،و كلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه و مستفيد من فقهه.أمّا أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف، و محمّد،و غيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة،و أمّا الشافعي فقرأ على محمّد بن الحسن،فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة،و أمّا أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي،فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة،و أبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمّد عليه السّلام و قرأ جعفر على أبيه،و ينتهي الأمر إلى علي عليه السّلام،و أمّا مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرّأي،و قرأ ربيعة على عكرمة،و قرأ عكرمة على عبد اللّه بن عباس،و قرأ عبد اللّه بن عباس على عليّ،و إن شئت رددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك،فهؤلاء الفقهاء الأربعة،و أمّا فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر.

و أيضا فإنّ فقهاء الصحابة كانوا عمر بن الخطاب و عبد اللّه بن عباس، و كلاهما أخذا عن عليّ عليه السّلام،أمّا ابن عباس فظاهر،و أمّا عمر فقد عرف كلّ

أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه و على غيره من الصحابة،و قوله غير مرّة:«لو لا عليّ لهلك عمر» (1)

رواه ابن عيّاش و السمعاني عنهما مناقب ابن شهر آشوب 2:31،و [1]الخوارزمي في المناقب:39،و المحب الطبري في ذخائر العقبى عنه ينابيع المودة:211،و [2]صاحب مسند زيد بن علي فيه:335،و الفضل بن شاذان في الايضاح: 98،99،101 و [3]جمع آخر.

،و قوله:«لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن» (2)،و قوله:«لا يفتينّ أحد في المسجد و عليّ حاضر» (3).فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه.و قد روت العامّة و الخاصّة قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«أقضاكم عليّ» (4)و القضاء هو الفقه،فهو إذن أفقههم، و روى الكلّ أيضا أنّه صلّى اللّه عليه و آله قال له و قد بعثه الى اليمن قاضيا:«اللّهم اهد قلبه، و ثبّت لسانه».قال:فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين (5).و هو عليه السّلام الّذي أفتى في المرأة التي وضعت لستّة أشهر (6)،و هو الّذي أفتى في الحامل

1) 1)

2) 2) رواه البلاذري في أنساب الأشراف،و ابن بطة في الابانة،و الزمخشري في الفائق عنهم مناقب ابن شهر آشوب 2: 31،و [4]ابن سعد في الطبقات،و المحب الطبري في ذخائر العقبى عنهما ينابيع المودة:211،286،و [5]ابن عبد البر في الاستيعاب 3:39،و [6]الخوارزمي في المناقب:51،و ابن الأثير في أسد الغابة 4:22،و [7]المفيد في الارشاد:109،و [8]نقله ابن البطريق في العمدة 2:134 عن مسند أحمد.

3) 3) نقله مقاتل بن عطية في المؤتمر:47.

4) 4) رواه الخوارزمي بطريقين في المناقب:39،41 [9] عن أبي سعيد الخدري،و الصدوق في أماليه:440 ح 20 المجلس (81)عن سلمان،و المفيد في الارشاد:22 [10] عن ابن عباس،و المحب الطبري في ذخائر العقبى عنه ينابيع المودة: 211 [11] عن أنس،و ابن بطة في الإبانة عنه مناقب ابن شهر آشوب 2:33 [12] عن أبي امامة،و أبو يعلى في مسنده عنه المطالب العالية 4:85 ح 4031 عن ابن عمر،و ابن شهر آشوب مجرّدا في المناقب 2:33 [13] عن الصادق عليه السّلام، و القاضي الصعدي في درر الأحاديث:145 عن الهادي الى الحق،كلّهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و روي بلا رفع عن علي عليه السّلام و ابن عباس و ابن مسعود و عمر.

5) 5) أخرجه أبو داود في سننه 3:301 ح 3582،و [14]ابن ماجة في سننه 2:774 ح 2310،و صاحب مسند زيد بن علي فيه:294،و أحمد في مسنده 1:83،111،136،و [15]المفيد في الإرشاد:105،و [16]جمع آخر.

6) 6) القصّة:أنّ عمر أتي بامرأة وضعت لستة أشهر فأمر برجمها،فاستدلّ عليّ عليه السّلام بآيتين على أنّ أقل الحمل ستّة أشهر فخلّى سبيلها.أخرجها جمع،منهم:البيهقي،و ابن أبي حاتم عنهما الدّر المنثور 1:288،و [17]الفضل بن شاذان في الايضاح:98،و المفيد في الإرشاد:110،و [18]روي نحو هذه القصة بين علي عليه السّلام و عثمان،أخرجه عدّة منهم: مالك في الموطّا:686،و الثعلبي في تفسيره،عنه عين العبرة:32،و [19]روي نحوها بين ابن عباس و عمر،و بين ابن عباس و عثمان،قال ابن عبد البر في الاستيعاب 3:39:«و [20]عن عليّ أخذها ابن عباس،و اللّه أعلم».

الزانية (1)

في ذلك قصّتان،الاولى:أتي عمر بحاملة زانية فأمر برجمها،فأثبت له عليّ عليه السّلام أن تمهل حتى تضع.أخرجها صاحب مسند زيد بن عليّ فيه:335،و الفضل بن شاذان في الايضاح:99،و المفيد في الإرشاد:109،و [1]المرتضى في الذريعة 2:765،و جمع آخر.و القصة الثانية:أنّ خادمة لآل الرّسول زنت و هي حبلى،فحكم بذلك عليّ عليه السّلام و أمضى حكمه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.أخرجه أبو يعلى في مسنده عنه مجمع الزوائد 6:252،و ابن أبي شيبة في مسنده عنه المطالب العالية 2:115 ح 1807،و قد جاء في الباب أحكام عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قولا و فعلا.

،و هو الّذي قال في المنبريّة:«صار ثمنها تسعا» (2)و هذه المسألة لو فكر الفرضيّ فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب،فما ظنّك بمن قاله بديهة و اقتضبه ارتجالا.

و من العلوم علم تفسير القرآن،و عنه أخذ و منه فرّع،و إذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحّة ذلك،لأنّ أكثره عنه و عن عبد اللّه بن عبّاس،و قد علم الناس حال ابن عبّاس في ملازمته و انقطاعه إليه،و أنّه تلميذه و خرّيجه،و قيل له:أين علمك من علم ابن عمّك؟فقال:كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط (3).

و من العلوم علم النحو و العربية،و قد علم الناس كافّة أنّه هو الّذي ابتدعه و أنشأه،و أملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه و أصوله من جملتها:

الكلام كلّه ثلاثة أشياء:اسم و فعل و حرف.و من جملتها تقسيم الكلمة إلى


1) 1)

2) 2) رواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:120،و ابن شهر آشوب في المناقب 2:44،و [2]الإربلي في كشف الغمّة 1:132،و [3]ابن أبي الحديد في زوائد نهج البلاغة:544 ح 251.

3) 3) رواه المفيد في أماليه:236 ح 6 المجلس(27)،و أبو علي الطوسي في أماليه 1:11،و النّقاش في تفسيره عنه مناقب ابن شهر آشوب 2:30،و [4]الجويني في فرائد السمطين عنه ينابيع المودة:70،و [5]الإربلي في كشف الغمة 2:5 بفرق يسير،و قد أسقط الشارح منها قول ابن أبي الحديد:«و من العلوم علم الطريقة و الحقيقة و أحوال التصوّف...».

معرفة و نكرة،و تقسيم وجوه الإعراب الى الرّفع و النصب و الجرّ و الجزم (1)

رواه المرتضى في الفصول المختارة 1:59،و ابن شهر آشوب في المناقب 2:47 و [1]الحديث كثير الاشتهار.

، و هذا يكاد يلحق بالمعجزات،لأنّ القوّة البشرية لا تفي بهذا الحصر و لا تنهض بهذا الاستنباط،و إن رجعت إلى الخصائص الخلقيّة و الفضائل النفسانية و الدينية و جدته ابن جلاها و طلاع ثناياها.

و أما الشّجاعة فإنّه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله و محا اسم من يأتي بعده،و مقاماته في الحرب مشهورة تضرب بها الأمثال الى يوم القيامة، و هو الشجاع الّذي ما فرّ قطّ و لا ارتاع من كتيبة،و لا بارز أحدا إلاّ قتله،و لا ضرب ضربة قطّ فاحتاجت الأولى إلى الثانية،و في الحديث كانت ضرباته وترا (2).

و لمّا دعا معاوية الى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما قال له عمرو:لقد أنصفك.فقال معاوية:ما غششتني مذ نصحتني إلاّ اليوم، أ تأمرني بمبارزة أبي الحسن،و أنت تعلم أنّه الشجاع المطرق،أراك طمعت في إمارة الشام بعدي (3).

و كانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته،فأمّا قتلاه فافتخار رهطهم بأنّه عليه السّلام قتلهم أظهر و أكثر،قالت أخت عمرو بن عبد ود ترثيه:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله بكيته أبدا ما دمت في الأبد

لكنّ قاتله من لا نظير له و كان يدعى أبوه بيضة البلد

(4)


1) 1)

2) 2) رواه بروايات متعددة ابن شهر آشوب في المناقب 2:83.

3) 3) نقل القصة الطبري في التاريخ 4:29، [2]سنة(37)،و المسعودي في مروج الذهب 2:386،و [3]ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:106.

4) 4) هذه الرواية مشهورة لكن بين ألفاظها اختلاف،نقلها المفيد في الإرشاد:57،و [4]المرتضى في الفصول:237،و [5]ابن شهرآشوب في المناقب 1:199،و [6]الإربلي في كشف الغمة 1:68،و [7]غيرهم.

و انتبه معاوية يوما فرأى عبد اللّه بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره،فقعد،فقال له عبد اللّه يداعبه:يا أمير المؤمنين لو شئت أن أفتك بك لفعلت.فقال:لقد شجعت بعدنا يا ابا بكر.قال:و ما الّذي تنكره من شجاعتي و قد وقفت في الصفّ إزاء علي بن أبي طالب؟قال له معاوية:لا جرم أنّه قتلك و أباك بيسرى يديه،و بقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها.

و جملة الأمر أن كلّ شجاع في الدّنيا إليه ينتهي و باسمه ينادي في مشارق الأرض و مغاربها.

و أما القوّة و الأيد فبه يضرب المثل فيهما،قال ابن قتيبة في معارفه:ما صارع أحدا قطّ إلاّ صرعه (1)

المعارف لا بن قتيبة:210. [1]

،و هو الّذي قلع باب خيبر و اجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه،و هو الّذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة و كان عظيما كبيرا جدّا،فألقاه إلى الأرض،و هو الّذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيّام خلافته بيده بعد عجز الجيش كلّه عنها،فأنبط الماء من تحتها.

و أمّا السّخاء و الجود فحاله فيه ظاهرة،كان يصوم و يطوى و يؤثر بزاده،و فيه أنزل: «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً» (2).

و روى المفسّرون أنّه لم يكن يملك إلاّ أربعة دراهم،فتصدّق بدرهم ليلا،و بدرهم نهارا،و بدرهم سرّا،و بدرهم علانية،فانزل فيه: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ»


1) 1)

2) 2) روى هذا الشأن الواحدي في أسباب النزول:296،و الخوارزمي في المناقب:192،و ابن الأثير بروايتين في أسد الغابة 5:530،و [2]الحسكاني بطرق في شواهد التنزيل 2:299-310،و [3]ابن مردويه عنه الدرّ المنثور 6:299 [4] عن ابن عباس، و روي بطرق عن علي عليه السّلام نفسه و عن أهل بيته عليهم السّلام.و الآيتان(8،9)من سورة الانسان. [5]

«أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً» (1)

روى هذا الأمر الواحدي في أسباب النزول:58،و الخوارزمي في المناقب:198،و ابن المغازلي في المناقب:280 ح 325،و ابن الأثير بثلاث طرق في أسد الغابة 4:25،و [1]عبد الرزاق في الجامع،و عبد بن حميد في مسنده،و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم في تفسيره،و الطبراني و ابن عساكر في التاريخ عنهم الدرّ المنثور 1:363 [2] عن ابن عباس،و روي بطرق أخرى أيضا عن ابن عباس و غيره.و الآية(274)من سورة البقرة. [3]

.

و روي عنه أنّه كان يسقي بيده نخل قوم من يهود المدينة حتّى مجلت يده،و يتصدّق بالأجرة،و يشدّ على بطنه حجرا (2).

و قال الشعبي-و قد ذكر عليه السّلام-:كان أسخى الناس،كان على الخلق الّذي يحبّه اللّه،السخاء و الجود،ما قال:(لا)لسائل قط (3).

و قال عدوّه و مبغضه الذي يجتهد في وصمه و عيبه معاوية لمحفن الضبيّ-لمّا قال له:جئتك من عند أبخل الناس-:و يحك!كيف تقول:إنّه أبخل الناس،و هو الّذي لو ملك بيتا من تبر و بيتا من تبن لأنفد تبره قبل تبنه؟! (4)و هو الّذي كان يكنس بيوت الأموال و يصلّي فيها (5)،و هو الذي قال:«يا صفراء و يا بيضاء غريّ غيري» (6)،و هو الّذي لم يخلّف ميراثا،و كانت الدّنيا كلّها بيده،إلاّ ما كان من الشام.

و أمّا الحلم و الصّفح،فكان أحلم الناس عن مذنب و أصفحهم عن


1) 1)

2) 2) حديث استقاء علي عليه السّلام لليهودي بالتّمر جاء بألفاظ مختلفة،أقربها ما أخرجه ابن ماجة في السنن 2:818 ح 2446،و ما روى الإربلي في كشف الغمّة 1:175.

3) 3) رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:114 بفرق يسير.

4) 4) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب 3:49،و غيره،في باب زهده عليه السّلام.

5) 5) رواه المحب الطبري في ذخائر العقبى،عنه ينابيع المودة:217،و [4]ابن شهر آشوب في المناقب 2:95،و [5]الإربلي في كشف الغمّة 1:165،و [6]غيرهم،في باب زهده عليه السّلام.

6) 6) رواه الكليني في الكافي 8:129 ح 100،و المسعودي في مروج الذهب 2:414،و [7]ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:162،و [8]الشريف الرضي في خصائص الأئمة:54 و أنّه عليه السّلام ما ورث بيضاء و لا صفراء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطاياه.و رواه الطبري في التاريخ 4:121،سنة(40)،و ابن عبد البر في الاستيعاب 3:48 متردّدا بين سبعمائة و ثمانمائة.

مسيء،و قد ظهرت صحّة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم- و كان أعدى الناس له و أشدّهم بغضا-فصفح عنه،و كان عبد اللّه بن الزبير يشتمه على رءوس الأشهاد،و خطب يوم البصرة فقال:قد أتاكم الوغب اللئيم علي بن أبي طالب (1)

نقل خطبة ابن الزبير المفيد في الجمل:174،لكن هذا اللفظ لا يوجد فيه،بل يوجد معناه.

.و كان علي عليه السّلام يقول:ما زال الزبير رجلا منّا أهل البيت حتّى شبّ عبد اللّه (2)،فظفر به يوم الجمل فأخذه أسيرا،فصفح عنه،و قال:

«اذهب فلا أرينّك»لم يزده على ذلك.و ظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكّة-و كان له عدوّا-فأعرض عنه و لم يقل له شيئا.

و قد علمتم ما كان من عائشة في أمره،فلمّا ظفر بها أكرمها،و بعث معها الى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس،عمّمهنّ بالعمائم و قلّدهن السيوف،فلمّا كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به و تأفّفت و قالت:هتك ستري برجاله و جنده الّذين و كلهم بي.فلمّا وصلت المدينة ألقت النساء عمائمهنّ،و قلن لها:إنّما نحن نسوة.

و حاربه أهل البصرة و ضربوا وجهه و وجوه أولاده بالسيف و سبّوه و لعنوه،فلمّا ظفر بهم رفع السيف عنهم،و نادى مناديه في أقطار العسكر:ألا لا يتبع مولّ،و لا يجهز على جريح،و لا يقتل مستأسر،و من ألقى سلاحه فهو آمن،و من تحيّز إلى عسكر الإمام فهو آمن.و لم يأخذ أثقالهم،و لا سبى ذراريّهم،و لا غنم شيئا من أموالهم،و لو شاء أن يفعل كلّ ذلك لفعل،و لكنّه أبى إلاّ الصفح و العفو،و تبع سنّة النبي صلّى اللّه عليه و آله يوم فتح مكة،فإنّه عفا و الأحقاد لم


1) 1)

2) 2) هذا مما تفرّد به ابن أبي الحديد في شرحه 4:480 شرح الحكمة(453)من رواية نهج البلاغة،و [1]أخرجه أيضا الجوهري في السقيفة و فدك:60،و [2]عاصم بن حميد في أصله:23،و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:10،و [3]ابن عبد البر في الاستيعاب 2:302،و [4]الصدوق في الخصال:157 ح 199،و المفيد في الجمل:208. [5]

تبرد و الإساءة لم تنس (1)

روى سيرة علي عليه السّلام في أهل الجمل الطبري في التاريخ 3:543 سنة(36)،و المسعودي في مروج الذهب 2:368،و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:77،و المفيد في الجمل:216،و غيرهم من أهل التاريخ و الأثر.

.

و لمّا ملك عسكر معاوية عليه الماء و أحاطوا بشريعة الفرات،و قالت رؤساء الشام له:اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا،سألهم عليّ عليه السّلام و أصحابه:أن يسوغوا لهم شرب الماء.فقالوا:لا و اللّه و لا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفّان.فلمّا رأى عليه السّلام أنّه الموت لا محالة تقدّم بأصحابه و حمل على عساكر معاوية حملات كثيفة،حتّى أزالهم عن مراكزهم،بعد قتل ذريع سقطت منه الرءوس و الأيدي،و ملكوا عليهم الماء،و صار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم،فقال له أصحابه و شيعته:امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك،و لا تسقهم منه قطرة،و اقتلهم بسيوف العطش، و خذهم قبضا بالأيدي،فلا حاجة لك إلى الحرب.فقال:«لا و اللّه،لا أكافئهم بمثل فعلهم،افسحوا لهم عن بعض الشريعة،ففي حدّ السيف ما يغني عن ذلك» (2).

فهذه إن نسبتها الى الحلم و الصفح فناهيك بها جمالا و حسنا،و إن نسبتها إلى الدين و الورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله.

و أمّا الجهاد في سبيل اللّه فمعلوم عند صديقه و عدوّه أنّه سيّد المجاهدين،و هل الجهاد لأحد من الناس إلاّ له؟!و قد عرفت أنّ أعظم غزاة غزاها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أشدّها نكاية في المشركين:بدر الكبرى،قتل فيها سبعون من المشركين،قتل عليّ عليه السّلام نصفهم،و قتل المسلمون و الملائكة النصف الآخر.


1) 1)

2) 2) نقله نصر بن مزاحم في وقعة صفين:160،و الطبري في التاريخ 3:566 [1] سنة(36)،و المسعودي في مروج الذهب 2: 375،و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:105.

و إذا رجعت إلى(مغازي)محمّد بن عمر الواقدي و(تاريخ الأشراف) ليحيى بن جابر البلاذري و غيرهما (1)

كذا نقل الواقدي في مغازيه 1:147،و البلاذري في أنساب الأشراف 1:297، [1]ذكر من قتله بيده عليه السّلام في يوم بدر ابن هشام في السيرة 2:251،و المفيد في الإرشاد:39. [2]

علمت صحّة ذلك،دع من قتله في غيرها كأحد و الخندق و غيرهما،و هذا الفصل لا معنى للإطناب فيه لأنّه من المعلومات الضرورية كالعلم بوجود مكّة و مصر و نحوهما... (2).

و أمّا سجاحة الأخلاق و بشر الوجه و طلاقة المحيّا و التبسّم فهو المضروب به المثل فيه،حتّى عابه بذلك أعداؤه،قال عمرو بن العاص لأهل الشام:إنّه ذو دعابة شديدة.و قال علي عليه السّلام في ذاك:«عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة،و أني امرؤ تلعابه:أعافس و امارس» (3).و عمرو بن العاص إنّما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله له لمّا عزم على استخلافه:«للّه أبوك،لو لا دعابة فيك» (4)إلاّ أنّ عمر اقتصر عليها و عمرو زاد فيها و سمّجها.

قال صعصعة بن صوحان و غيره من شيعته و أصحابه:«كان فينا كأحدنا لين جانب و شدّة تواضع و سهولة قياد،و كنّا نهابه مهابة الأسير المربوط للسيّاف الواقف على رأسه».

و قال معاوية لقيس بن سعد:رحم اللّه أبا الحسن،فلقد كان هشّا بشّا ذا فكاهة.قال له قيس:نعم،كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يمزح و يبتسم إلى أصحابه،و أراك تسرّ حسوا في ارتغاء رفعه،و تعيبه بذلك.أمّا و اللّه لقد كان مع تلك الفكاهة و الطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسّه الطوى،تلك هيبة التقوى،ليس كما يهابك طغام أهل الشام.


1) 1)

2) 2) قال ابن أبي الحديد بعده:«و أمّا الفصاحة...».

3) 3) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 1:147 [3] الخطبة(82).

4) 4) رواه ثعلب في أماليه عنه شرح ابن أبي الحديد 2:114،و [4]الفضل بن شاذان في الإيضاح:128،129.

و قد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبيّه و أوليائه إلى الآن،كما بقي الجفاء و الخشونة و الوعورة في الجانب الآخر،و من له أدنى معرفة بأخلاق الناس و عدوائدهم يعرف ذلك.

و أمّا الزّهد في الدّنيا فهو سيّد الزّهاد و بدل الأبدال و إليه تشدّ الرّحال و عنده تنفض الاحلاس.ما شبع من طعام قطّ،و كان أخشن الناس مأكلا و ملبسا،قال عبد اللّه بن أبي رافع:دخلت إليه يوم عيد،فقدّم جرابا مختوما، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا.فقدّم فأكل،فقلت يا أمير المؤمنين! كيف تختمه؟قال:خفت هذين الولدين أن يلتّاه بسمن أو زيت.و كان ثوبه مرقوعا بجلد تارة و بليف أخرى،و نعلاه من ليف،و كان يلبس الكرباس الغليظ،فإذا وجد كمّه طويلا قطعه بشفرة و لم يخطه،فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتّى يبقى سدى لا لحمة له،و كان يأتدم-إذا ائتدم-بخلّ أو بملح، فإنّ ترقّى عن ذلك فببعض نبات الأرض،فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل،و لا يأكل اللحم إلاّ قليلا،و يقول:لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان.و كان مع ذلك أشدّ الناس قوة و أعظمهم أيدا،لم ينقص الجوع قوّته،و لا يخور الاقلال منّته،و هو الّذي طلّق الدنيا،و كانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلاّ من الشام،فكان يفرّقها و يمزّقها،ثم يقول:هذا جناي و خياره فيه إذ كلّ جان يده إلى فيه (1)

هذه المعاني رواها جمع كثير في باب زهده عليه السّلام،منهم:ابن عبد البر في الاستيعاب 3:49،و [1]الخوارزمي في المناقب:66، و ابن شهر آشوب في المناقب 2:93،و [2]ابن الأثير في أسد الغابة 4:22،و الإربلي في كشف الغمّة 1:162،و [3]القندوزي في ينابيع المودة:143. [4]

.

و أمّا العبادة فكان أعبد الناس و أكثرهم صلاة و صوما،و منه تعلّم الناس صلاة الليل و ملازمة الأوراد و قيام النافلة،و ما ظنّك برجل يبلغ من


1) 1)

محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفّين ليلة الهرير فيصلّي عليه ورده و السهام تقع بين يديه و تمرّ على صماخيه يمينا و شمالا (1)

هذا المعنى نقله نصر بن مزاحم في وقعة صفين:477.

،فلا يرتاع لذلك و لا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته!و ما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده (2)و أنت إذا تأمّلت دعواته و مناجاته (3)،و وقفت على ما فيها من تعظيم اللّه سبحانه و إجلاله و ما يتضمّنه من الخضوع لهيبته و الخشوع لعزّته و الاستخذاء له عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص،و فهمت من أيّ قلب خرجت و على أيّ لسان جرت،و قيل لعليّ بن الحسين عليه السّلام-و كان الغاية في العبادة-:أين عبادتك من عبادة جدّك؟قال:عبادتي عند عبادة جدّي كعبادة جدّي عند عبادة النبي صلّى اللّه عليه و آله (4).

و أمّا قراءة القرآن و الاشتغال به فهو المنظور إليه في هذا الباب،اتّفق الكلّ على أنّه كان يحفظ القرآن على عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لم يكن غيره يحفظه،ثمّ هو أوّل من جمعه،نقلوا كلّهم أنّه تأخّر عن بيعة أبي بكر،فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنّه تأخّر مخالفة للبيعة،بل يقولون:تشاغل بجمع القرآن.فهذا يدلّ على أنّه أوّل من جمع القرآن،لأنّه لو كان مجموعا في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لما احتاج الى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله.

و إذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القرّاء كلّهم يرجعون إليه، كأبي عمرو بن العلاء،و عاصم بن أبي النجود،و غيرهما،لأنّهم يرجعون إلى


1) 1)

2) 2) نقله الشريف الرضي في نهج البلاغة 2:103 الخطبة(180)عن نوف البكالي،و له شاهد أخرجه زيد الزّراد في أصله:3 عن علي عليه السّلام قال:«إني لأكره للرجل أن تكون جبهته جلحا ليس فيها شيء من أثر السجود».

3) 3) ضبط الشارح هذه الكلمة«مناجاتاته»و هذا غلط،و أثبتنا الصحيح.

4) 4) روى حديثا بهذا المعنى المفيد في الإرشاد:255،و [1]القاضي النعمان في شرح الأخبار 13:127،و ابن شهر آشوب في المناقب 4:149،و بفرق الكليني في الكافي 8:129 ح 100.

أبي عبد الرحمن السلمي القارئ،و أبو عبد الرحمن كان تلميذه،و عنه أخذ القرآن (1)

قوله:كلّهم يرجعون إليه.لا يخلو من الإشكال،فليراجع التّيسير لأبي عمرو الدانيّ:8-10 و غيره [1]من كتب القراءة.

،فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضا مثل كثير ممّا سبق.

و أمّا الرّأي و التّدبير فكان من أسدّ الناس رأيا و أصحّهم تدبيرا،و هو الّذي أشار على عمر لمّا عزم على أن يتوجّه بنفسه الى حرب الرّوم و الفرس بما أشار (2)،و هو الّذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها،و لو قبلها لم يحدث عليه ما حدث،و إنّما قال أعداؤه:لا رأي له،لأنّه كان مقيّدا بالشريعة لا يرى خلافها و لا يعمل بما يقتضي الدّين تحريمه،و قد قال عليه السّلام:«لو لا الدّين و التّقى لكنت أدهى العرب» (3).و غيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه و يستوقفه سواء أ كان مطابقا للشرع أم لم يكن.و لا ريب أنّ من يعمل بما يؤدّي إليه اجتهاده،و لا يقف مع ضوابط و قيود يمتنع لأجلها ممّا يرى الصلاح فيه تكون أحواله الدنياويّة إلى الانتظام أقرب،و من كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنياويّة إلى الانتشار أقرب.

و أمّا السياسة فإنّه كان شديد السياسة،خشنا في ذات اللّه،لم يراقب ابن عمّه في عمل كان ولاّه إيّاه،و لا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به،و أحرق قوما بالنّار،و نقض دار مصقلة بن هبيرة،و دار جرير بن عبد اللّه البجلي، و قطع جماعة و صلب آخرين (4).

و من جملة سياسته حروبه في أيّام خلافته بالجمل و صفّين و النهروان،و في أقلّ القليل منها مقنع،فإنّ كلّ سائس في الدّنيا لم يبلغ فتكه


1) 1)

2) 2) نقله الشريف الرضي في نهج البلاغة 2:29 الخطبة(144).

3) 3) نقله الشريف الرضي في نهج البلاغة 2:180 الخطبة(198)بفرق.

4) 4) كل ذلك نقله أهل التاريخ و الآثار،و لم يسع المقام لذكره.

و بطشه و انتقامه مبلغ العشر ممّا فعل عليه السّلام في هذه الحروب بيده و أعوانه.

فهذه هي خصائص البشر و مزاياهم،قد أوضحنا أنّه فيها الإمام المتّبع فعله و الرّئيس المقتفى أثره.

و ما أقول في رجل يحبّه أهل الذمّة على تكذيبهم بالنّبوة،و تعظّمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملّة،و تصوّر ملوك الفرنج و الروم صورته في بيعها و بيوت عباداتها حاملا سيفه،مشمرا لحربه،و تصوّر ملوك الترك و الديلم صورته على أسيافها!كان على سيف عضد الدولة ابن بويه و سيف أبيه ركن الدولة صورته،و كان على سيف ألب أرسلان و ابن ملكشاه صورته،كأنّهم يتفاءلون به النّصر و الظفر.

و ما أقول في رجل أحبّ كلّ واحد أن يتكثّر به،و ودّ كلّ أحد أن يتجمّل و يتحسّن بالانتساب إليه؟حتى الفتوّة التي أحسن ما قيل في حدّها:ألاّ تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك،فإنّ أربابها نسبوا أنفسهم إليه، و صنّفوا في ذلك كتبا،و جعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه،و قصروه عليه،و سمّوه سيّد الفتيان،و عضّدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المرويّ،أنه سمع من السماء يوم أحد:

لا سيف إلاّ ذو الفقا ر و لا فتى إلاّ عليّ

(1)و ما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيّد البطحاء،و شيخ قريش و رئيس


1) 1) جملة«لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي»رويت في غزوات بدر و أحد و خيبر،و رويت بلا ذكر شأن،فأمّا غزوة أحد فأخرجها الصدوق في معاني الأخبار:119 ح 1،و أماليه:167 ح 10 المجلس(36)،و المفيد بروايتين في الإرشاد:46،47 [1] عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و أخرجها المفيد في الإرشاد:47 [2] عن الباقر عليه السّلام،و أخرجها الكليني في الكافي 8:110 ح 90،و [3]الصدوق في علل الشرائع 1:7 ح 3 [4] عن الصادق عليه السّلام،و في العيون 1:70 ح 9 عن الكاظم عليه السّلام،و أخرجها ابن هشام في السيرة 3:43 [5] عن ابن أبي نجيح،و الفرات الكوفي في تفسيره:35 عن حذيفة بن اليمان،و ابن المغازلي في المناقب:197 ح 234،و المفيد في الارشاد:47 [6] عن ابن رافع،و أبو علي الطوسي في أماليه 1:142،المجلس(5)عن محمّد بن إسحاق.

مكّة،قالوا:قلّ أن يسوّد فقير،و ساد أبو طالب و هو فقير لا مال له،و كانت قريش تسمّيه الشّيخ.

و في حديث عفيف الكندي،لما رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يصلّي في مبدأ الدعوة، و معه غلام و امرأة،قال:فقلت للعباس:أيّ شيء هذا؟قال:هذا ابن أخي يزعم أنّه رسول من اللّه الى الناس،و لم يتّبعه على قوله إلاّ هذا الغلام-و هو ابن أخي أيضا-و هذه الامرأة،و هي زوجته.قال:فقلت:ما الذي تقولونه أنتم؟قال:

ننتظر ما يفعل الشيخ.يعني:أبا طالب (1)

حديث عفيف أخرجه الطبري بثلاث روايات في التاريخ 2:56،57 و غيره بفرق يسير.

.و أبو طالب هو الذي كفل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله صغيرا،و حماه و حاطه كبيرا،و منعه من مشركي قريش،و لقي لأجله عنتا عظيما،و قاسى بلاء شديدا،و صبر على نصره و القيام بأمره،و جاء في الخبر أنّه لما توفي أبو طالب أوحي إليه عليه السّلام و قيل له:اخرج منها،فقد مات ناصرك (2).

و له مع شرف هذه الابوّة أنّ ابن عمّه محمّد سيد الأولين و الآخرين، و أخاه جعفر ذو الجناحين،الذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«أشبهت خلقي و خلقي» (3)فمر يحجل فرحا،و زوجته سيّدة نساء العالمين،و ابنيه سيّدا شباب أهل الجنّة،فآباؤه آباء رسول اللّه،و أمّهاته أمّهات رسول اللّه،و هو مسوط بلحمه و دمه،لم يفارقه منذ خلق اللّه آدم،إلى أن مات عبد المطلب بين الأخوين:عبد اللّه و أبي طالب،و أمّهما واحدة،فكان منهما سيد الناس،هذا الأول و هذا التّالي،و هذا المنذر و هذا الهادي! و ما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى و آمن باللّه و عبده،و كلّ من في


1) 1)

2) 2) هذا المعنى أخرجه الكليني في الكافي 1:449 ح 31،و غيره. [1]

3) 3) أخرجه الترمذي في سننه 5:654 ح 3765،و أحمد في مسنده 4:342،و الخطيب في التاريخ عنه منتخب كنز العمّال 5: 154،و روي أيضا ضمن أحاديث.

الأرض يعبد الحجر-إلى أن قال-و قد قال هو عليه السّلام:«أنا الصدّيق الأكبر،و أنا الفاروق الأول،أسلمت قبل إسلام النّاس و صلّيت قبل صلاتهم» (1)

أخرجه ابن ماجة في سننه 1:44 ح 120،و النسائي في الخصائص:46،و الطبري في التاريخ 2:56،و ابن أبي شيبة في مسنده،و ابن أبي عاصم في السنّة،و العقيلي في الضعفاء،و الحاكم في المستدرك،و أبو نعيم في المعرفة عنهم منتخب كنز العمّال 5:40،و الثعلبي في تفسيره عنه ينابيع المودّة:60،و [1]الصدوق في الخصال:401 ح 110،و له شاهد قويّ من الحديث النبويّ.

!و من وقف على كتب أصحاب الحديث تحقّق ذلك و علمه واضحا،و إليه ذهب الواقدي و ابن جرير الطبري (2)،و هو القول الذي رجّحه و نصره صاحب كتاب (الاستيعاب) (3).

و في(صناعة أبي هلال العسكري):سئل صعصعة عن علي عليه السّلام فقال:

لم يقل فيه مستزيد:لو أنّه،و لا مستقصر:إنّه،جمع العلم و الحلم و السلم و القرابة القريبة و الهجرة القديمة و البصر بالأحكام و البلاء العظيم في الإسلام (4).

و فيه:لمّا بلغ كلامه عليه السّلام في بيان حكمة اللّه تعالى في خلط لذّات الدنيا بآلامها إلى الجاحظ قال:هو جماع الكلام الّذي دوّنه الناس في كتبهم و تحاوروه بينهم.فسمع بذلك أبو عليّ الجبائي فقال:صدق الجاحظ،هذا ما لا يحتمله الزيادة و النقصان (5).

و قال ابن أبي الحديد في كتابه عليه السّلام إلى ابن عبّاس بعد مقتل محمّد بن أبي بكر«فعند اللّه نحتسبه ولدا ناصحا،و عاملا كادحا،و سيفا قاطعا،و ركنا دافعا»:انظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها و تملّكه زمامها،


1) 1)

2) 2) رواه الطبري في تاريخه 1:55.

3) 3) قاله ابن عبد البر في الاستيعاب 3:27،و شرح ابن أبي الحديد 1:5-10. [2]

4) 4) الصناعتين:186 و [3]النقل بتصرف يسير.

5) 5) لم أجده في الصناعتين.

و أعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضا كيف تؤاتيه و تطاوعه سلسلة سهلة،تتدفّق من غير تعسّف و لا تكلّف،حتّى انتهى إلى آخر الفصل.

فقال:يوما واحدا و لا التقى بهم أبدا.و أنت و غيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة جاءت القرائن و الفواصل تارة مرفوعة و تارة مجرورة و تارة منصوبة،فإنّ أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلّف أثر بيّن و علامة واضحة،و هذا الصنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن،ذكره عبد القاهر،قال:انظر إلى سورة النساء و بعدها سورة المائدة:الأولى منصوبة الفواصل،و الثانية ليس فيها منصوب أصلا،و لو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا،و ظهر أثر التركيب و التأليف بينهما.ثم إنّ فواصل كلّ واحدة منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكليفية.

ثم انظر إلى الصفات و الموصوفات في هذا الفصل كيف قال:«ولدا ناصحا،و عاملا كادحا،و سيفا قاطعا،و ركنا دافعا»،لو قال:«ولدا كادحا و عاملا ناصحا»و كذلك ما بعده لما كان صوابا و لا في الموقع واقعا،فسبحان من منح هذا الرجل بهذه المزايا النفيسة و الخصائص الشريفة،أن يكون غلام من أبناء عرب مكّة ينشأ بين أهله لم يخالط الحكماء،و خرج أعرف بالحكمة و دقائق العلوم الإلهيّة من افلاطون و أرسطو،و لم يعاشر أرباب الحكم الخلقية و الآداب النفسانية،لأنّ قريشا لم يكن أحد منهم مشهورا بمثل ذلك، و خرج أعرف بهذا الباب من سقراط،و لم يربّ بين الشجعان لأن أهل مكّة كانوا ذوي تجارة و لم يكونوا ذوي حرب،و خرج أشجع من كلّ بشر مشى على الأرض،قيل لخلف الأحمر:أيّما أشجع عنبسة و بسطام أم علي بن أبي طالب؟فقال:إنّما يذكر عنبسة و بسطام مع البشر و الناس،لا مع من يرتفع عن

هذه الطبقة.فقيل له:فعلى كلّ حال.قال:و اللّه لو صاح عليّ عليه السّلام في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما.و خرج أفصح من سبحان و قسّ و لم تكن قريش بأفصح العرب كان غيرها أفصح منها.قالوا:أفصح العرب جرهم و إن لم تكن لهم نباهة.و خرج أزهد الناس في الدّنيا و أعفّهم مع أنّ قريشا ذوو حرص و محبّة للدّنيا و لا غرو في من كان محمّد صلّى اللّه عليه و آله مربّيه و مخرجه و العناية الإلهية تمدّه و ترفده أن يكون منه ما كان (1)

شرح بن أبي الحديد 4:54 [1] شرح الكتاب(35)،و ما نقل عن عبد القاهر فهو في دلائل الاعجاز:399.

.

«و أنّه عليه السّلام انفرد ببلوغ غايتها» أي:غاية فضيلة النّطق.

«عن جميع» متعلق بقوله«انفرد».

«السّلف الأوّلين الّذين إنّما يؤثر» أي:يروي.

«عنهم منها» أي:من تلك الفضيلة.

«القليل النادر و الشاذّ» و الأصل في معنى الشاذّ:التفرّق.

«الشّارد» يقال:بعير شارد،و يأتي في الكلام استعارة،قال الشاعر:

شرود إذا الرّاوون حلّوا عقالها محجّلة فيها كلام محجّل

(2)قال ابن أبي الحديد عند شرح قوله عليه السّلام في صفة الملائكة:«ثمّ خلق سبحانه لإسكان سماواته»:هذا موضع المثل«إذا جاء نهر اللّه بطل نهر معقل» (3).إذا جاء هذا الكلام الربانيّ و اللّفظ القدسيّ بطلت فصاحة العرب، و كانت نسبة الفصيح من كلام العرب إلى كلامه نسبة التراب إلى النّضار الخالص،و لو فرضنا أنّ العرب تقدر على الألفاظ الفصيحة المناسبة أو المقاربة لهذه الألفاظ،من أين لهم هذه المادة التي عبّرت هذه الألفاظ عنها؟


1) 1)

2) 2) نقله أساس البلاغة:232 [2] مادة(شرد)،و لسان العرب 3:237 [3] مادة(شرد).

3) 3) نقله الميداني في مجمع الأمثال 1:88 [4] ضمن الأمثال المولّدة. [5]

و من أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون للنبيّ هذه المعاني الغامضة،ليتهيّأ لهم التعبير عنها؟ أمّا الجاهليّة فإنّهم إنّما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات و نحو ذلك،و أمّا الصحابة فالمذكورون منهم بفصاحة إنّما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات لا تتجاوز السطرين أو الثّلاثة:إمّا في موعظة تتضمن ذكر الموت أو ذمّ الدنيا،أو ما يتعلّق بحرب و قتال من ترغيب أو ترهيب،فأمّا الكلام في الملائكة و صفاتها و عبادتها و تسبيحها و معرفتها بخالقها و حبّها له و ولهها إليه،و ما جرى مجرى ذلك ممّا تضمّنه هذا الفصل على طوله،فإنّه لم يكن عندهم معروفا بهذا التفصيل.نعم ربما علموا جملة غير مقسّمة هذا التقسيم و لا مرتّبة بهذا الترتيب،بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم،و أمّا من عنده من هذه المادة،كعبد اللّه بن سلام و أميّة بن أبي الصلت و غيرهما فلم تكن لهم هذه العبارة و لا قدروا على هذه الفصاحة،فثبت أنّ هذه الأمور الدقيقة لم تحصل إلاّ لعليّ عليه السّلام وحده (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:150 [1] شرح الخطبة(89)و نقله الشارح بتصرف.

.

و قال أيضا في شرح كلامه عليه السّلام في صفة الاحتضار و سقوط الناطقة ثمّ السامعة ثمّ الباصرة:هذا موضع المثل«في كلّ شجرة نار و استمجد المرخ و الغفار» (2).الخطب الوعظية الحسان كثيرة،و لكن هذا حديث يأكل الأحاديث، فإنّ نسبة هذه الخطبة إلى كلّ فصيح من الكلام-عدا كلام اللّه تعالى و رسوله- نسبة الكواكب المنيرة الفلكيّة إلى الحجارة الأرضيّة المظلمة،ثم لينظر الناظر


1) 1)

2) 2) نقله الميداني في مجمع الأمثال 2:74،و [2]الزمخشري في المستقصي 2:183 [3] قال الزمخشري:«يضرب في تفضيل القوم على بعض اذا كانوا كلّهم ذوي خير،و لبعضهم مزية و تقدّم ليس للآخرين».

إلى ما عليها من البهاء و الجلالة و الرواء و الديباجة،و ما تحدثه من الرّوعة و الرهبة و المخافة و الخشيّة،حتّى لو تليت على زنديق ملحد مصمّم على اعتقاد نفي البعث و النشور لهدّت قواه،و رعب قلبه،و اصعقت على نفسه، و زلزلت اعتقاده،فجزى اللّه قائلها عن الإسلام أفضل ما جزى به وليّا من أوليائه،فما أبلغ نصرته له تارة بيده و سيفه و تارة بلسانه و نطقه و تارة بقلبه و فكره،إن قيل،جهاد و حرب،فهو سيّد المجاهدين،و إن قيل:وعظ و تذكير، فهو أبلغ الواعظين و المذكرين،و إن قيل:فقه و تفسير،فهو رئيس الفقهاء و المفسرين،و إن قيل:عدل و توحيد فهو إمام العدل و الموحّدين،و:

ليس على اللّه بمستنكر أن يجمع العالم في واحد

(1)«و أمّا كلامه عليه السّلام فهو من البحر» هكذا في(المصرية)،و الصواب:

(البحر)بدون(من)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).

«الّذي لا يساجل» هكذا في(المصريّة)بالجيم،و الصواب:(لا يساحل) بالحاء (3)،فلا ربط للمساجلة-و هي المباراة-في الاستقاء من البئر هنا،و إنّما هو من ساحل فلان إذا أتى السّاحل،و المراد أنّ كلامه عليه السّلام بحر لا ساحل له.

«و الجمّ» أي:المجتمع،من استجم البئر إذا تركها حتّى يجتمع ماؤها.

«الّذي لا يحافل» أي:لا يظهر فيه نقصان،من حفل الشاة إذا جمع اللّبن في ضرعها ليرى فيه لبن كثير،و ليس كذلك،و نهى عن بيع المحفلة.قال البحتري في وصف كلام:

في نظام من البلاغة ما شكّ امرؤ أنّه نظام فريد


1) 1) شرح ابن أبي الحديد 2:230 شرح الخطبة(107)نقله الشارح بتصرّف.

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:15،و شرح ابن ميثم 1:90.

3) 3) في شرح ابن أبي الحديد 1:15،و [1]شرح ابن ميثم 1:90«يساجل»أيضا،لكن جعل ابن أبي الحديد«يساحل»بالحاء، رواية.

و بديع كأنّه الزهر الضّاحك في رونق الرّبيع الجديد

مشرق في جوانب السمع ما يخلفه عوده على المستعيد

حجج تخرس الألدّ بألفاظ فرادى كالجواهر المعدود

و معان لو فصّلتها القوافي هجّنت شعر جرول و لبيد

«و أردت أن يسوغ» أي:يجوز.و الأصل فيه:سوغ الطعام و الشراب من الحلق.

«لي التمثّل في الافتخار به عليه السّلام بقول الفرزدق» و هو همّام بن غالب ابن صعصعة،من بني تميم مخاطبا لجرير :

أولئك آبائي فجئني بمثلهم اذا جمعتنا يا جرير المجامع

(1)و جرير من كليب بن يربوع،كان بينهما التفاخر و المهاجاة مدّة حياتهما،و كان يتعصّب لكلّ منهما طائفة،حتّى يقع بينهما التشاجر،و لم يكن لجرير بيت و كان أبوه خاملا.و أمّا بنو تميم بيت الفرزدق فكانوا معروفين في الجاهلية و الإسلام.كان صعصعة جدّه اشترى في الجاهلية ثلاثين موءودة و أنجاهنّ من الموت (2)،و فرّق أبوه غالب إبلا له كثيرة في حمالات الناس في الإسلام،و كان الفرزدق جعل على نفسه أن يجير كلّ من استجار بقبر أبيه و يسعى في نجح حاجته،و قصّة حبيش أو خنيس في ذلك معروفة،و لسائر آبائه و عشيرته مكارم أثبتها لهم التاريخ،و البيت من قصيدة يفاخر جريرا بآبائه،و الإشارة في قوله: «أولئك» في البيت إلى الّذين عدّهم في أبيات قبل البيت و ذكر مكارمهم،و هي:

و منّا الذي اختير الرجال سماحة و خيرا إذا هبّ الرياح الزّعازع


1) 1) ديوان الفرزدق 1:418.

2) 2) المصدر نفسه.

و منّا الّذي أحيا الوئيد و غالب و عمرو و منّا حاجب و الأقارع

(1)و نظير شعره هذا(أولئك آبائي)شعر آخر له:

أولئك أحلاسي فجئني بمثلهم و أعبد أن أهجو كليبا بدارم

(2)و له قصيدة أخرى يفاخره أيضا فيها بآبائه،و هي: و إن تك كلبا من كليب فإنني من الدار ميّين الطوال الشقاشق

هم الداخلون البيت لا تدخلونه على الملك و الحامون عند الحقائق

(3)هذا،و قال الخوئي بعد نقل قول المصنّف:و أردت أن يسوغ لي التمثل في الافتخار به عليه السّلام بقول الفرزدق:«أولئك...»:و أنا أيضا أتمثّل بذلك و أفتخر به كالسيد،لكوننا فرع أصل واحد و غصن دوحة واحدة (4). قلت:إنّ الرضي رضوان اللّه عليه لم يرد الافتخار به عليه السّلام بانتسابه إليه و كونه علويّا،لأنّه ليس كلامه في قبال رجل غير علويّ،بل أراد الافتخار به عليه السّلام بائتمامه به في قبال العامّة المؤتمين بأولئك الثلاثة،بأنّه هل الإمام من يكون له مثل هذه المناقب أو من يكون له تلك المثالب،و من يكون له مثل هذه الفصاحة الخارجة عن طوق البشر،أو من عجز عن التكلم بكلمات يسيرة؟ قال أبو عبيدة:قال عمر:«ما تصعدتني خطبة كما تصعدتني خطبة


1) 1) أخرج ذلك ابن مندة و ابن أبي الدّنيا و ابن عساكر،عنهم شواهد المغني 1:16 عن مغيرة،قال:«لم يكن أحدا من أشراف العرب بالبادية كان أحسن دينا من صعصعة جدّ الفرزدق،و هو الّذي أحيا ألف موءودة،و حمل على ألف فرس».

2) 2) كثيرا ما يفتخر الفرزدق بدارم،لكن لم أجد هذا البيت في ديوانه،و لعلّه من المنسوبات إليه،و نقل ابن منظور في لسان العرب 3:275 [1] مادة(عبد)بيتا عن الفرزدق مصراعه الثاني كذلك،و صدره: أولئك قوم إن هجوني هجوتهم .

3) 3) يوجد البيت الأول في ديوان الفرزدق 2:54،لكن الثاني لم أجده فيه.

4) 4) شرح الخوئي 1:90 قال الخوئي عقيب كلامه هذا:«و انتهاء نسبي و نسب السيد الى العبد الصالح موسى بن جعفر عليه السّلام».

النكاح (1)

نقله الجاحظ في البيان و التبيين 1:161. [1]

.و قال الجاحظ في بيانه:صعد عثمان المنبر فارتجّ عليه،فقال:إنّ أبا بكر و عمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا،و أنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب و ستأتيكم الخطب على وجهها (2).

قلت:و حيث إنّ عثمان-و هو ذو نوريهم-لم يقدر على خطابة مختصرة،و اعتذر باحتياج الناس الى عدل الامام لا خطابته،ليته وفّى لهم و لم يعمل من الجور ما يضطرّ الناس الى قتله،و حينئذ،فتمثّل الرضي رحمه اللّه في معنى قوله تعالى مشيرا إلى قضية العقول: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (3).و حينئذ،يمكن أن يتمثّل به كلّ اماميّ و شيعي،فكلّ امامي علويّ،و كان مصطلحا«فلان علويّ، و فلان عثماني»يريدون بالأوّل الإماميّ و بالثّاني المخالف.مع أنّ للرضيّ خصوصيّة في انتسابه إليه عليه السّلام،و هي كون انتسابه إليه عليه السّلام من قبل الأب و الأمّ مع قلّة الوسائط،فأبوه الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم عليه السّلام،و أمّه فاطمة بنت الحسن الناصر الصغير ابن أحمد بن الحسن الناصر الكبير ابن عليّ بن الحسين بن عليّ بن عمر الأشرف ابن علي السجاد عليه السّلام،كما ذكر ذلك أخوه المرتضى في أوّل(ناصرياته) (4).

و أمّا قول ابن أبي الحديد:أمه فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي


1) 1)

2) 2) نقله الجاحظ في البيان و التبيين 1:359. [2]

3) 3) يونس:35. [3]

4) 4) في الناصريات:178 [4] فاطمة بنت أبي محمّد الحسن،و في نسخة أبي الحسن بن أحمد أبي الحسين أحمد صاحب جيش أبيه الناصر الكبير أبي محمد الحسين بن أحمد بن الحسين بن الحسن بن عليّ بن الحسين بن علي بن عمر،و في نسخة أبي محمد الحسين بن علي بن الحسن ابن علي بن عمر بن علي السجّاد زين العابدين.

بن الحسن بن علي بن عمر (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:11.

فوهم،فأهل البيت أدرى بما في البيت.

و قد مدح أبو اسحاق الصابي الرّضيّ في نسبه العالي و شرفه النفسي في قبال حاسديه و معارضيه بقوله:

ألا أبلغا فرعا نمته عروقه إلى كلّ سام للمفاخر بان

محمّد المحمود من آل أحمد أبا كلّ بكر في العلى و عوان

أبا حسن قطّعت أحشاء حاسد طواها على البغضاء و الشنآن

يراك بحيث النجم تصدع قلبه بحدّ لسان أو بحدّ سنان

جرى جاهدا و العفو منك يفوته فكان هجينا طالبا لهجان

و أنت سماء في الذؤابة صاعد و ذاك حضيض في القرارة عان

(2)و مراده بمحمّد المحمود الرضيّ،كما أنّه هو المراد بقوله:أبا حسن . «و رأيت كلامه عليه السّلام يدور على أقطاب» و الأصل في القطب:قطب الرّحى.

«ثلاثة:أوّلها الخطب و الأوامر» و النّواهي.

«و ثانيها:الكتب و الرسائل» و الرّسائل أعمّ من الكتب،فيمكن أن تكون الرسائل برسل يؤدّون المطالب شفاها.

«و ثالثها:الحكم و المواعظ» التي لم تكن في خطبة أو كتاب و رسالة، و بالقيد يكون الثالث قسيما للأوّلين،و إلاّ ففي الخطب و الكتب أيضا حكم و مواعظ كثيرة،و قد ذكرنا في أكثر عناوين الأبواب الثلاثة مدارك و أسانيد لكونها كلامه عليه السّلام،فإنكار النّصّاب لكون النّهج كلامه عليه السّلام غير مسموع في قبال البيّنة،مع أنّ كثيرا منه بل جلّه يصحّح متنه و سنده،لا سيّما الشّقشقيّة


1) 1)

2) 2) من قصيدة طويلة للصابي في مدح الشريف الرضي،نقلها الثعالبي معاصرهما في يتيمة الدهر 2:300. [1]

التي أنكروها خصوصا (1)

أمّا إنكار كلّ نهج البلاغة [1]فنقله ابن أبي الحديد في شرحه 2:526 شرح الخطبة(181)عن بعض،و أمّا إنكار الشّقشقيّة فنقله ابن أبي الحديد في شرحه 1:69 شرح الخطبة(3)،و ابن ميثم في شرحه 1:251 شرح الخطبة(3)، و يأتي تفصيل بحثه في العنوان(30)من الفصل الثامن.

.

و قال ابن أبي الحديد عند قوله عليه السّلام:«و اعلموا أنّه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار»:إنّ كثيرا من أرباب الهوى يقولون:إنّ كثيرا من نهج البلاغة كلام محدث،صنعه قوم من فصحاء الشيعة.قال:و ربّما عزوا بعضه الى الرّضيّ و غيره.قال:و هؤلاء قوم أعمت العصبية أعينهم فضلّوا عن النّهج الواضح،و ركبوا بيّنات الطريق ضلالا و قلّة معرفة بأساليب الكلام.قال:و أنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط.

فأقول:لا يخلو إمّا أن يكون كلّ نهج البلاغة مصنوعا منحولا أو بعضه، و الأوّل باطل بالضّرورة،لأنّا نعلم بالتواتر صحّة اسناد بعضه إليه عليه السّلام،و قد نقل المحدّثون كلّهم أو جلّهم و المؤرّخون كثيرا منه،و ليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك،و الثاني يدلّ على ما قلناه،لأنّ من قد أنس بالكلام و الخطابة و شدا طرفا من علم البيان و صار له ذوق في هذا الباب،لا بدّ أن يفرّق بين الكلام الرّكيك و الفصيح،و بين الفصيح و الأفصح،و بين الأصيل و المولّد، و إذا وقف على كرّاس واحد يتضمّن كلاما لجماعة من البلغاء أو لاثنين منهم فقط فلا بدّ أن يفرّق بين الكلامين و يميّز بين الطريقتين،ألا ترى أنّا مع معرفتنا بالشعر و نقده لو تصفّحنا ديوان أبي تمام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره،لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام و نفسه و طريقته و مذهبه في القريض،ألا ترى أنّ العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة اليه،لمباينتها لمذهبه في الشعر،و كذلك حذفوا من


1) 1)

شعر أبي نواس شيئا كثيرا لمّا ظهر لهم أنّه ليس من ألفاظه و لا من شعره؟ و كذلك غيرهما من الشعراء،و لم يعتمدوا في ذلك إلاّ على الذوق خاصّة.و أنت إذا تأمّلت نهج البلاغة وجدته كلّه ماء واحدا و نفسا واحدا و أسلوبا واحدا، كالجسم البسيط الّذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الأبعاض في الماهية،و كالقرآن العزيز أوّله كأوسطه و أوسطه كآخره،و كلّ سورة منه و كلّ آية مماثلة في المأخذ و المذهب و الفنّ و الطريق و النظم لباقي الآيات و السور،و لو كان بعض نهج البلاغة منحولا و بعضه صحيحا لم يكن ذلك كذلك.فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أنّ هذا الكتاب أو بعضه منحول إليه عليه السّلام (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:526 [1] شرح الخطبة(181).

.

قلت:و ما ذكره في غاية الجودة لكن يستثنى منه ما أشرنا إليه في أوّل الكتاب (2)،فليحذف كما حذف من شعر أبي تمام و أبي نواس بالقاعدة التي ذكرها،و قد برهنّا على ما قلنا عند شرح عناوين ما ذكرنا.

هذا،و الذي يظهر من كتب اللغة(كالصحاح و الأساس) (3)و غيرهما عدم صحّة استعمال(كرّاس واحد)بل(كرّاسة واحدة)،و كون الكرّاس جمعا.ثمّ إنّ إخواننا جاوزوا الحدّ في الحطّ من قدره عليه السّلام اقتداء بسلفهم.فتارة أنكروا بعض كلامه كونه منه كالشقشقيّة و غيرها (4)،و أخرى نسبوا كلامه عليه السّلام إلى غيره،فنسبوا كلامه عليه السّلام:«أيّها الناس إنّا قد أصبحنا في دهر عنود»إلى


1) 1)

2) 2) مرّ في مقدّمة المؤلّف.

3) 3) صحاح اللّغة للجوهريّ 2:927 مادّة(كرس)،و أساس البلاغة:390 مادّة(كرس)،و لسان العرب 6:193 مادة (كرس).

4) 4) كما سبق في شرح الفقرة.

معاوية (1)

رواها الجاحظ في البيان و التبيين 2:58 [1] عن معاوية،ثم أنكر كونها له،و رواها عن معاوية أيضا ابن قتيبة في عيون الأخبار 2:237،و [2]ابن عبد ربه في العقد الفريد 4:152 [3] أشار الى أنّ الرضي نقلها عن معاوية في نهج البلاغة 1:79، و [4]تأتي الخطبة و بحثها في العنوان(1)من الفصل الخامس و العشرين في شرح الخطبة(32).

،كلّ ذلك إرادة لإطفاء نوره عليه السّلام،(و يأبى اللّه إلاّ أن يتمّ نوره ).

«فأجمعت» أي:عزمت.

«بتوفيق اللّه تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب،ثمّ محاسن الكتب، ثمّ محاسن الحكم و الأدب» لا كلّ خطبة و كتاب و كلام له عليه السّلام .

«مفردا لكلّ صنف من ذلك» الّذي ذكر من الخطب و الكتب و الأدب.

«بابا» و تعبيره في الأبواب الثلاثة مختلف،ففي الأوّل يقول:و من خطبة له عليه السّلام،أو و من كلام له عليه السّلام،و في الثّاني في الأغلب يقول:و من كتاب له عليه السّلام، و قد يقول:و من وصيّة له عليه السّلام كما في(11 و 12 و 14 و 24 و 25 و 31 و 47 و 56 و 76 و 77) (2).

و قال في(74):و من حلف له عليه السّلام كتبه بين ربيعة و اليمن (3)،و قد يقول:

و من عهد له عليه السّلام كما في(26 و 27) (4)،و قد يقول:و كان عليه السّلام يقول،كما في(15 و 16) (5)و في الثالث يقول:قال عليه السّلام.

لكن الغريب أنّه قال في الخطبة(59):«و قال عليه السّلام لمّا عزم على حرب الخوارج»،و قال بعده:«و لمّا قتل الخوارج فقيل له:يا أمير المؤمنين!هلك القوم بأجمعهم.قال عليه السّلام»،و قال بعده:«و قال عليه السّلام فيهم:لا تقتلوا الخوارج، بعدي» (6).مع أنّ عنوانها عنوان الباب الأخير،كما أنّ كلاّ منها كلام قصير.


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 3:12،13،14،22،23،37،76،113،136. [5]

3) 3) نهج البلاغة 3:134. [6]

4) 4) نهج البلاغة 3:26،27. [7]

5) 5) نهج البلاغة 3:(15،16). [8]

6) 6) نهج البلاغة 1:107.

فكان الواجب نقلها في الأخير،اللّهمّ إلاّ أن يقال بأنّها ليست عناوين مستقلّة، بل كلّها عطف على قوله قبلها:و من كلام له عليه السّلام كلّم به الخوارج.

و قال في الخطبة(68):و قال عليه السّلام في سحرة اليوم الّذي ضرب فيه (1)

نهج البلاغة 1:118. [1]

.مع أنّه كان الواجب جعله في الثالث،و لا يأتي فيه تأويل ذكر لسابقه.

«و مفصّلا» و في(ابن أبي الحديد و الخطيّة)و«مفضّلا»بالمعجمة (2).

«فيه أوراقا لتكون» الأوراق.

«مقدّمة» هكذا في(المصرية)،و الكلمة زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (3).

«لاستدراك ما عساه» أي:لعلّه.

«يشذّ» أي:يتفرّق.

«عنّي» و قد شذ عنه كلام كثير منه عليه السّلام ممّا يدخل في موضوع كتابه، ممّا له مزيد بلاغة في الأبواب الثلاثة،و لا سيّما في الأول و الأخير.

«عاجلا» أي:في الحال.

«و يقع إليّ آجلا» أي:بعد،و قد عرفت من(ابن أبي الحديد و ابن ميثم)أنّ المصنّف ختم الكتاب بعنوان«رب مفتون»الحكمة(462)ثم ألحق به ثمانية عشر عنوانا،و عرفت من الراوندي أنّه زاد في أوّل(234 و 235) (4).

«و إذا جاء شيء من كلامه عليه السّلام الخارج في أثناء» جمع ثني،بالكسر.

«حوار» مصدر حاور،كالمحاورة،مثل نقله ردّه عليه السّلام اعتراض الأشعث


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 1:16،و شرح ابن ميثم 1:90«مفصّلا»أيضا بالصّاد المهملة.

3) 3) لا يوجد في شرح ابن ميثم 1:90،لكنه في شرح ابن أبي الحديد 1:16.

4) 4) قد مرّ في مقدّمة المؤلف.

عليه في أثناء خطبته (1)

نهج البلاغة 1:56 [1] الخطبة(19).

.

«أو جواب سؤال» كنقله كلامه عليه السّلام في جواب من سأله:كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحقّ به (2)؟ «أو غرض» أي:مقصد.

«آخر من الاغراض» كنقله كلامه عليه السّلام في هرب مصقلة (3)،و في عدم غناء بيعة مروان بكفّه (4)،و في إشارته عليه السّلام على عمر بعدم خروجه بنفسه في حرب الفرس و كذا الروم (5).

«في غير الانحاء» أي:الأقسام.

«الّتي ذكرتها،و قرّرت القاعدة عليها» من الخطب و الأوامر،و الكتب و الرسائل،و الحكم و المواعظ.

«نسبتها إلى أليق الأبواب به» في مقصده.

«و أشدّها ملامحة» يقال:لمح البرق،إذا لمع من بعيد.

«لغرضه» فنقل جميع ما مرّ في الباب الأوّل لكون كلامه عليه السّلام فيها كالخطب و الأوامر،كما نقل وصيته عليه السّلام لجيشه (6)،و وصاياه عليه السّلام في أمواله (7)،و وصيته عليه السّلام-بعد ضرب ابن ملجم عليه اللّعنة-للحسن و الحسين عليهما السّلام،و وصيّته عليه السّلام لابنه الحسن عليه السّلام (8)،و وصيّته لابن عباس لمّا


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 2:63 [2] الخطبة(160).

3) 3) نهج البلاغة 1:94 الخطبة(44).

4) 4) نهج البلاغة 1:123 الخطبة(71).

5) 5) نهج البلاغة 2:29 [3] الخطبة(144).

6) 6) نهج البلاغة 3:12 [4] الكتاب(11).

7) 7) نهج البلاغة 3:22 [5] الكتاب(24).

8) 8) نهج البلاغة 3:76 [6] الكتاب(47).

ولاّه (1)

نهج البلاغة 3:37 [1] الكتاب(31).

،و وصيته عليه السّلام له لمّا بعثه الى الخوارج (2)،و نحوها في الباب الثاني لكونها كالكتب و الرسائل،كما نقل غريب كلماته عليه السّلام في الباب الثالث لكونها كالحكم و الأدب،لكنّه قد يخرج عمّا قرّر،فنقل تحريضا له عليه السّلام لأصحابه في الثاني (3)،مع أنّه بالأوّل أليق،و قد نقل تحريضا آخر له عليه السّلام في الأوّل (4)،على أصله و نقله كلامه عليه السّلام في معنى الأنصار في السقيفة في الأوّل (5)مع أنّه بالثالث أليق،و نقل كلاما آخر له عليه السّلام في المعنى في الثالث (6)على أصله.

و أمّا نقله أدعيته عليه السّلام في الأبواب الثلاثة،فلكون نسبتها إليها على السّواء،و إن كان نقل جميعها في الثالث أولى،حيث إنّه أعمّ،لأنّه قال فيه:

و يدخل فيه الكلام القصير الخارج في سائر أغراضه بخلاف الأولين (7).

هذا و قال ابن أبي الحديد في أوّل الباب الثاني بعد نقل كلام المصنّف:

باب المختار من كتب أمير المؤمنين عليه السّلام،و قد أورد في هذا الباب ما هو بالباب الأوّل أشبه،نحو كلامه عليه السّلام لشريح القاضي لمّا اشترى دارا (8)،و كلامه عليه السّلام لشريح بن هاني لمّا جعله على مقدّمته الى الشام (9)،لكنّه اعتراض ساقط،أمّا كلامه عليه السّلام لشريح القاضي،فقال:و من كتاب له عليه السّلام كتبه لشريح،فكيف ينقله في الخطب،و لو لا كونه كتابا،و إن كان كتاب شراء دار لكان بالباب الأخير


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 3:136 [2] الكتاب(76).

3) 3) نهج البلاغة 3:136 الكتاب(77).

4) 4) الظاهر أنّ كليهما كلامان في نهج البلاغة 2:2 الخطبة(121)،و 2:232 الخطبة(239).

5) 5) نهج البلاغة 1:116 [3] الخطبة(65).

6) 6) نهج البلاغة 4:43 الحكمة(190). [4]

7) 7) نهج البلاغة 4:3 باب الحكم. [5]

8) 8) نهج البلاغة 3:4، [6]الكتاب(3).

9) 9) نهج البلاغة 3:113، [7]الكتاب(56)و شرح ابن أبي الحديد 3:294. [8]

أشبه،لأنّه في الحكم و المواعظ،و أمّا كلامه عليه السّلام لشريح بن هاني،فعنوان المصنّف له:و من وصيّة له عليه السّلام وصّى بها شريح بن هاني،و قد قال في أوّل الباب الثاني:و يدخل في ذلك ما اختير من عهوده الى عمّاله و وصاياه لأهله و أصحابه (1)

نهج البلاغة 3:2 باب الكتب. [1]

.فهل هو إلاّ من عهوده عليه السّلام إلى عمّاله؟!و إن شئت قلت:هو من وصاياه الى أصحابه.و مفاسد قلّة التدبّر كثيرة .

«و ربّما جاء في ما أختاره من ذلك» في الأبواب الثلاثة من كلامه.

«فصول غير متّسقة» الثالث مع الثاني،و الثاني مع الأوّل.

«و محاسن كلم غير منتظمة» في مقصد واحد .

«لأنّي أورد النّكت» جمع النكتة و الأصل في النّكت:أن تنكت في الأرض بقضيب و نحوه،أي:تضرب فتؤثّر فيها.

«و اللمع» جمع اللّمعة،و الأصل فيها قطعة من النّبت إذا أخذت في اليبس.

«و لا أقصد التتالي و النّسق» و الأصل في النّسق الاستواء.و المصنّف و إن كان يختار فصولا غير متّسقة و محاسن كلم غير منتظمة إلاّ أنّه ينبّه على عدم اتّساقها و انتظامها بقوله:«منها،و منها،منه،و منه»،كقوله في أول الباب الأوّل:«منها في ذكر الحج» (2).و في ثانية:«و منها يعني آل النبي صلّى اللّه عليه و آله» (3)،و أتى بلفظة«منها»في الخطبة(81) (4)،و في خطبة«فاتّعظوا عباد اللّه» (5)،و في خطبة الأشباح (6)،و في خطبة«فتبارك


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:27 الخطبة-1.

3) 3) نهج البلاغة 1:27 الخطبة(2).

4) 4) نهج البلاغة 1:132. [2]

5) 5) نهج البلاغة 1:148،149 الخطبة(82)أوّلها:«عجبا لابن النّابغة».ليس فيها لفظة«منها»أصلا.

6) 6) نهج البلاغة الخطبة 1:160(89). [3]

اللّه» (1)

نهج البلاغة 1:184 [1] الخطبة(92).

،و في خطبة«انظروا الى الدّنيا» (2)،و في خطبة«الحمد للّه الذي شرع الإسلام» (3)،و في خطبة الملاحم (4)،و في خطبة«كلّ شيء خاشع له» (5)،و في خطبة«أرسله داعيا الى الحق» (6)،و في«و من كلام له عليه السلام قال لأصحابه في ساحة الحرب» (7)،و في خطبة ملاحم البصرة (8)،و في خطبة «نحمده على ما أخذ و أعطى» (9)،و في كلامه عليه السّلام«و انقادت له الدّنيا و الآخرة» (10)،و في كلام له عليه السّلام في معنى طلحة و الزبير (11)،و في خطبة «و أستعينه» (12)،و في خطبة«الحمد للّه الدالّ على وجوده» (13)،و في خطبة «و ناظر قلب اللّبيب» (14)،و في كلام في الملاحم (15)،و في خطبة«أرسله على حين فترة» (16)،و في خطبة«أمره قضاء و حكمة» (17)،في بعضها مرّة و في

1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:197 [2] الخطبة(101).

3) 3) نهج البلاغة 1:203 [3] الخطبة(104).

4) 4) نهج البلاغة 1:206 [4] الخطبة(106).

5) 5) نهج البلاغة 1:209 [5] الخطبة(107).

6) 6) نهج البلاغة 1:229 الخطبة(114).

7) 7) نهج البلاغة 2:2 [6] الخطبة(121).

8) 8) نهج البلاغة 2:9 [7] الخطبة(126).

9) 9) نهج البلاغة 2:14 [8] الخطبة(130).

10) 10) نهج البلاغة 2:16 [9] الخطبة(131).

11) 11) نهج البلاغة 2:19 [10] الخطبة(135).

12) 12) نهج البلاغة 2:37 [11] الخطبة(149).

13) 13) نهج البلاغة 2:39 [12] الخطبة(150).

14) 14) نهج البلاغة 2:43 [13] الخطبة(152).

15) 15) نهج البلاغة 2:47 [14] الخطبة(154).

16) 16) نهج البلاغة 2:53 [15] الخطبة(156).

17) 17) نهج البلاغة 2:55 الخطبة(158).

بعضها مرّتين و في بعضها ثلاث أو أكثر.

و كقوله في الباب الثاني في(6)«منه» (1)

ليس في نهج البلاغة 3:7 لفظة«منه».

،و في(24)«منها» (2)،و في(27) «و منه» (3)،و في(45)«و من هذا الكتاب» (4)،و في(62)«و منه» (5).

و حمل كلامه على أنّ مراده أنّه قد يسرد خطبة أو كتابا،و يكون فيها فقرات غير متّسقة كما فهمه ابن أبي الحديد،فيقول في مطاوي كتابه كثيرا:إنّ كلام الرضيّ ملتقط من فصول مختلفة (6)،بعيد،حيث انّه خارج عن أصل المقصود من الاستفادة،و غاية ما وقفنا عليه مثل خلطه بين كلامه عليه السّلام في خرّيت الناجي و أصحابه من قوله:«آمنوا فقطنوا»،و بين كتابه عليه السّلام فيهم من قوله:«فحسبهم بخروجهم» (7)،إلاّ أنّه ككلام واحد.

و أمّا ما ترى من اختلاف ما نقل مع ما وقفنا عليه من أصول كلامه، فالظّاهر كونه من اختلاف الروايات،مثلا قوله عليه السّلام في الخطبة(43)في عنوان كلامه عليه السّلام بعد إرساله جرير بن عبد اللّه البجلي الى معاوية:«و لقد ضربت أنف هذا الأمر و عينه...» (8)وجدته قاله أيّام صفّين،و قوله عليه السّلام فيه أيضا:«إنّه قد كان على الناس وال أحدث أحداثا» (9)وجدته في كتابه عليه السّلام الى أهل مصر،إلى


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 3:22 الكتاب(24).

3) 3) نهج البلاغة 3:27،الكتاب(27).

4) 4) ليس في نهج البلاغة 3:73،و شرح ابن ميثم 5:101 لفظ«و من هذا الكتاب»،بل في شرح ابن أبي الحديد 4:108.

5) 5) نهج البلاغة 2:118،الكتاب(62).

6) 6) قاله ابن أبي الحديد في شرحه 1:207،212،272،و 3:188،307،417 في شرح الخطب 37،38،45،233 و الكتابين 9،10.

7) 7) نهج البلاغة 2:102 [1] الخطبة(179).

8) 8) نهج البلاغة 1:94. [2]

9) 9) ذيل الخطبة(43).

غير ذلك ممّا ستقف عليه في مطاوي الكتاب إن شاء اللّه تعالى.و بالجملة قد ينقل المصنّف كلاما في موضوع وردت أجزاؤه في أخبار فيجعلها واحدا بجامعها،فكلامه عليه السّلام في الخطبة(122) (1)

نهج البلاغة 2:2. [1]

مأخوذ من ستّ روايات،إلاّ أنّها كلّها في التحريض على القتال،و كذلك كلامه عليه السّلام في الخطبة(123)في التحكيم (2)مأخوذ من ثلاث روايات .

«و من عجائبه عليه السّلام الّتي انفرد بها،و أمن المشاركة فيها أنّ كلامه عليه السلام الوارد في الزّهد،و المواعظ،و التّذكير و الزّواجر،إذا تأمّله المتأمّل،و فكّر فيه المتفكّر،و خلع من قلبه أنّه كلام مثله ممّن عظم قدره و نفذ أمره و أحاط بالرّقاب ملكه، لم يعترضه الشّكّ في أنّه كلام من لا حظّ له في غير الزّهادة،و لا شغل له بغير العبادة» .قد تعجّب الثعالبي (3)من أبي سهل الحمدوني الّذي كان والي الريّ، و قال أبياتا يسيرة في الزهد،فكيف لا يتعجّب منه عليه السّلام مع ما وصف ؟! «قد قبع» و الأصل فيه قبع القنفذ:أدخل رأسه في جسده.

«في كسر» بالكسر.عن ابن السكيت:الكسر أسفل شقّة البيت الّتي تلي الأرض،من حيث يكسر جانباه من عن يمينك و يسارك (4).

«بيت» أي:خباء .

«أو انقطع» عن الناس.

«في»هكذا في(المصرية)،و الصواب ما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية).


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 2:5. [2]

3) 3) لم أر ذلك في يتيمة الدهر.

4) 4) نقله عنه الجوهري في صحاح اللغة 2:806 [3] مادة(كسر).

«إلى» (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:16،و شرح ابن ميثم 1:90.

.

«سفح» أي:أسفل.

«جبل لا يسمع إلاّ حسّه» أي:صوته الخفيّ.

«و لا يرى إلاّ نفسه» كسقراط الحكيم،ففي(أخبار حكماء القفطي):يعرف بسقراط الحبّ،لأنّه سكن حبّا مدّة عمره،و لم ينزل بيتا،و كان يشتمل بكساء، و لم يتّخذ لنفسه غيره،قتله ملك زمانه إذ زجره عن القبائح و الفحشاء.قال له الملك:أنت لي عبد.قال:بل أنت عبد لعبدي.قال:كيف؟قال:لأنّي رجل أملك شهوتي و ملكك شهوتك (2).

«و لا يكاد يوقن بأنّه كلام من ينغمس» أي:يرتمس.

«في الحرب مصلتا» من أصلت سيفه:جرّده من غمده.

«سيفه فيقطّ» أي:يقطع عرضا،من قطّ القلم،و يقال:قط البيطار الحافر إذا نحته.

«الرقاب و يجدّل» أي:يلقي على الجدالة،و هي الأرض.

«الأبطال» جمع البطل بفتحتين أي:الشجعان.و في(صفين)لنصر بن مزاحم:و برز عروة الدمشقي لمّا دعا أمير المؤمنين عليه السّلام معاوية إلى المبارزة،فأبى معاوية،فقال:إن كان معاوية كره مبارزتك يا أبا الحسن فهلمّ إليّ،فتقدّم اليه عليّ عليه السّلام،فقال له أصحابه:ذر هذا الكلب فإنّه ليس لك بخطر، فقال عليه السّلام:«و اللّه ما معاوية اليوم بأغيظ لي منه دعوني و إيّاه».ثمّ حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين،سقطت إحداهما يمنة و الأخرى يسرة،فارتجّ


1) 1)

2) 2) كذا في اخبار العلماء بأخبار الحكماء:135 و النقل بتصرف. و قال الشهرستاني في صفة سقراط في كتاب الملل و النحل 2:91:«و [1]كان يخوف بالملك الّذي حبسه انّه يريد قتله، قال:ان سقراط في حب،و الملك لا يقدر إلاّ على كسر الحب،فالحب يكسر و يرجع الماء الى البحر».

العسكران لهول الضربة.ثمّ قال عليه السّلام:اذهب يا عروة فاخبر قومك:أما و الّذي بعث محمّدا بالحق،لقد عاينت النار و أصبحت من النّادمين (1)

وقعة صفين:458. [1]

.

«و يعود به» أي:بسيفه.

«ينطف» أي:يسيل.

«دما و يقطر مهجا» جمع مهجة دم القلب و الروح،و كونه عليه السّلام كذلك من الواضحات،و قد كانوا سمّوه:قتّال العرب،و كان عليه السّلام يقول:«و اللّه لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليّت عنها،و لو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت اليها» (2).و كان عليه السّلام يقول:«ما لقيت رجلا إلاّ أعانني على نفسه» (3).أي:انخلع قلبه،و انقطعت مريرته من هيبته عليه السّلام.

و في(تاريخ الطبري)عن أبي لبيد قال:قتل(عليّ)منّا(يوم الجمل)ألفين و خمسمائة و الشمس ها هنا.أي:في بعض يوم (4).و فيه عن ابن أبي يعقوب يقول:قتل عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يوم الجمل ألفين و خمسمائة،ألف و ثلاثمائة و خمسون من الأزد،و ثمانمائة من بني ضبة،و ثلاثمائة و خمسون من سائر الناس (5).

و في(صفين نصر)عن جابر بن عمير الأنصاري:لا و اللّه الّذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحق نبيّا ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق اللّه السماوات و الأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب عليه السّلام،إنّه قتل في ما ذكر العادّون زيادة


1) 1)

2) 2) أخرجه الشريف الرضيّ في نهج البلاغة 3:73 [2] ضمن الكتاب(45).

3) 3) أخرجه الشريف الرضي في نهج البلاغة 4:75 [3] الحكمة(318).

4) 4) تاريخ الطبري 3:547 [4] سنة(36)،و نقله عن أبي لبيد أيضا المسعودي في مروج الذهب 2:371. [5]

5) 5) تاريخ الطبري 3:547 [6] سنة(36)،و هناك روايات أخرى في عدد قتلى وقعة الجمل في تاريخ الطبري 3:543،547 [7]سنة(36)،و مروج الذهب 2:371. [8]

على خمسمائة من أعلام العرب،يخرج بسيفه منحنيا،فيقول:معذرة الى اللّه عز و جل و إليكم من هذا،لقد هممت أن أصقله،و لكن حجزني عنه أنّي سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول كثيرا:«لا سيف إلاّ ذو الفقار،و لا فتى إلاّ عليّ،و أنا أقاتل به دونه».قال:فكنّا نأخذه فنقوّمه،ثمّ يتناوله من أيدينا،فيقتحم به في عرض الصف،فلا و اللّه ما ليث بأشدّ نكاية في عدوّه منه عليه السّلام (1)

وقعة صفّين:477. [1]

.

«و هو مع تلك الحال» من التصدي للقتال و قتال الأبطال.

«زاهد الزّهاد» فقد طلّق عليه السّلام الدنيا ثلاثا و قال لها:«غرّي غيري» (2).و كان يقول:«ما لعلي و لنعيم يفنى،و لذّة لا تبقى» (3).و كان عليه السّلام يقول:«دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز» (4).و كان عليه السّلام ينام على التراب،حتّى كنّاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بأبي تراب (5)،و كان أحبّ كناه إليه عليه السّلام (6).و تضاد روحيات من له تلك الحالة في الحرب،و من كان بهذه الدرجة من الزهد معلوم.

و قال ابن أبي الحديد عند قوله عليه السّلام:«سلكوا في بطون البرزخ سبيلا سلّطت الارض عليهم فيه،فأكلت من لحومهم،و شربت من دمائهم»:إنّي لاطيل


1) 1)

2) 2) هذه قطعة من حديث ضرار بن ضمرة الضبابي،قالها عند معاوية.أخرج الحديث الشريف الرّضي في نهج البلاغة 4: 16 [2] الحكمة(77).

3) 3) أخرجه الشريف الرضيّ في نهج البلاغة 2:218 [3] ضمن الخطبة(222).

4) 4) أخرجه الشريف الرضي في نهج البلاغة 1:37 [4] ضمن الخطبة(3)المعروفة بالشّقشقيّة.

5) 5) الرواية واقعة خاصّة لا أمر مستمرّ،و بين متن الروايات اختلاف،منها:ما أخرجه النسائي في الخصائص:129،و أحمد في مسنده 4:263،و أبو يعلى في مسنده عنه المطالب العالية 4:64 ح 3969،و أبو الفرج بروايتين في مقاتل الطالبيين: 14،16،و أبو نعيم في المعرفة،و الطبراني في معجمه الكبير عنهما منتخب كنز العمال 5:36،و ابن المغازلي في المناقب:8 ح 5،و ابن مردويه بروايتين عنه ألقاب الرسول:177،178 و بعض الروايات تشتمل على حصول اختلاف بين علي و فاطمة عليهما السّلام،لم أخرجها لكثرة طرقها مع ضعف متنها.

6) 6) أكثر روايات تكنية النبي صلّى اللّه عليه و آله عليّا بأبي تراب السابقة تشتمل على كونها أحبّ كناه إليه عليه السّلام.

التعجّب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدلّ على أنّ طبعه مناسب لطباع الأسود و النمور و أمثالهما من السباع الضارية،ثمّ يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة بكلام،يدلّ على أنّ طبعه مشاكل لطباع الرّهبان لا بسي المسوح الّذين لم يأكلوا لحما،و لم يريقوا دما،فتارة يكون في صورة بسطام بن قيس الشيباني،و عتيبة بن الحرث اليربوعي،و عامر بن الطفيل العامري، و تارة يكون في صورة سقراط الحبر اليوناني،و يوحنّا المعمدان الإسرائيلي،و المسيح بن مريم الإلهي!و أقسم بمن تقسم الامم كلّها به،لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة و إلى الآن أكثر من ألف مرّة،ما قرأتها قطّ إلاّ و أحدثت عندي روعة و خوفا و عظة،و أثّرت في قلبي وجيبا،و في أعضائي رعدة،و لا تأمّلتها إلاّ و ذكرت الموتى من أهلي و أقاربي،و أرباب ودّي،و خيّلت في نفسي أنّي أنا ذلك الشخص الذي وصف عليه السّلام حاله (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:51 [1] شرح الخطبة(219).

.

«و بدل الأبدال» أي:وليّ الأولياء،و في(اللسان):و الأبدال قوم من الصالحين بهم يقيم اللّه الأرض،أربعون في الشام،و ثلاثون في سائر البلاد،لا يموت منهم أحد إلاّ قام مكانه آخر،فلذلك سمّوا أبدالا،و واحد الأبدال العبّاد بدل و بدل.و قال ابن دريد:بديل (2).

و روى ابن شميل بسنده حديثا عن عليّ كرّم اللّه وجهه أنّه قال:الأبدال بالشّام،و النّجباء بمصر،و العصائب بالعراق (3).قال ابن شميل:الأبدال خيار


1) 1)

2) 2) جمهرة اللّغة لابن دريد 1:247. [2]

3) 3) رواه ابن الأثير في النهاية 3:243 [3] مادة(عصب)،و أخرجه بفرق لفظيّ في شأن أصحاب المهدي عليه السّلام الداني في سننه عنه عقد الدّرر:149،و ابن عساكر في تاريخه عنه ينابيع المودّة:433،و [4]المفيد في أماليه:30 ح 4 المجلس(4)،و الطوسي في الغيبة:284،و رواه ابن الأثير في النهاية 3:243 [5] مادّة(عصب)،و الأحاديث الواردة في الأبدال كثيرة لا يسعها المقام.

بدل من خيار،و العصائب عصبة و عصائب يجتمعون فيكون بينهم حرب -إلى أن قال-:قال ابن السكّيت:الأبدال جمع بدل و بدل،و جمع بديل بدلى (1)

لسان العرب 11:49 [1] مادة(بدل)،و قال قريبا من قوله ابن دريد في جمهرة اللغة 1:247.

.

قلت:و أظنّ أنّ الأصل في اصطلاح الأبدال الصوفيّة وضعوه لمشايخهم،و في حديثه الأمويّة،و إلاّ فأهل الشام كانوا أطوع الناس للمخلوق، و أعصاهم للخالق،و الأرض لا تخلو من حجّة-منذ خلق الناس-نبيّ أو إمام.

و كيف كان،فعلى قول ابن دريد قول المصنّف:«و بدل الأبدال»غير صحيح،لكن قول ابن دريد ليس بصحيح،و الصواب قول ابن السكيت في واحد الأبدال .

«و هذه من فضائله العجيبة،و خصائصه اللّطيفة الّتي جمع بها بين الأضداد» التي تكون في غيره من المحالات.

و ما قاله المصنّف من جمعه عليه السّلام بين الأضداد أثبته له القرآن أوّلا في قوله عز و جل: «أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» (2)،ثم نفسه عليه السّلام ثانيا في كتابه عليه السّلام إلى عثمان بن حنيف-بعد ذكره كون حصر قوته في قرصين لا ينافي كون قوّته قوّة تقابل جميع الناس-فقال عليه السّلام:«و كأنّي بقائلكم يقول:

إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران و منازلة الشجعان...» (3).

و قد بلغ عليه السّلام الغاية في العلم و العبادة مع أنّهما كذلك في غيره عليه السّلام متقابلان،و لذا ورد:العالم كذا و كذا و العابد كذا و كذا.

و بالجملة،وجوده عليه السّلام بتلك الجامعيّة من آيات قدرته تعالى.


1) 1)

2) 2) الفتح:29. [2]

3) 3) نهج البلاغة 3:70 [3] الكتاب(45).

ليس على اللّه بمستنكر أن يجمع العالم في واحد

(1)«و ألّف بين الأشتات» أي:المتفرقات في غيره،قال ابن سينا:لم يكن شجاعا فيلسوفا قط إلاّ علي بن أبي طالب عليه السّلام (2).

و قال الثعالبي للمتنبي:إنّك قلت:

يرى الجبناء أنّ العجز حزم و تلك خديعة الطبع اللئيم

و كلّ شجاعة في المرء تغني و لا مثل الشجاعة في الحكيم

و أنّى يكون الشجاع حكيما؟فقال:هذا علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه (3).

و في(فواتح الميبدي):قيل للشافعي:ما تقول في عليّ بن أبي طالب؟ فقال:ما أقول في شخص اجتمعت له ثلاثة مع ثلاثة لم تجتمع لأحد من بني آدم:الجود مع الفقر،و الشجاعة مع الرأي،و العلم مع العمل،و أنشد:

إنّي عبد لفتى أنزل فيه هل أتى (4)

الى متى أكتمه أكتمه إلى متى

و جمع عليه السّلام بين الشجاعة و الجود،قال ابن أبي الحديد إنّا:ما رأينا شجاعا جوادا قط،كان عبد اللّه بن الزبير شجاعا،و كان أبخل الناس،و كان الزبير أبوه شجاعا،و كان شحيحا.قال له عمر:لو ولّيتها لظلت تلاطم الناس في البطحاء على الصاع و المدّ.و أراد عليّ عليه السّلام أن يحجر على عبد اللّه بن جعفر لتبذيره المال،فاحتال عبد اللّه لنفسه فشارك الزبير في أمواله و تجاراته،فقال علي عليه السّلام:«أمّا إنّه قد لاذ بملاذ...» (5).


1) 1) أورده ابن أبي الحديد في شرحه 2:231،و غيره.

2) 2) نقله ابن شهر آشوب في المناقب 2:49. [1]

3) 3) قاله الثعالبي في يتيمة الدهر 1:208. [2]

4) 4) الانسان:1.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 1:17،و [3]واصل كلامه بضرب أمثلة أخرى.

قلت:ما ذكره في غاية السقوط،و كيف لم يوجد شجاع جوادا،و قد أكثر الشعراء في وصف ممدوحيهم بجميعهم بين الشجاعة و السماحة،قال شاعر:

كفاك كف ما تليق درهما جوادا و أخرى يعط بالسيف الدما

و قال آخر:

علّم الغيث الندى حتّى إذا ما حكاه علّم الناس الأسد

فله الغيث مقرّ بالندى و له الليث مقرّ بالجلد

و قال آخر:

سماؤك تمطر الذّهبا و حربك يلتظي لهبا

و أي كتيبة لاقتك لم تستحسن الهربا

و افتخروا بالجمع بينهما،قال حسّان:

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضّحى و أسيافنا يقطرن من نجدة دما

و يحكى أن النّابغة لمّا سمعه قال له:فللت جفانك و سيوفك.

و كيف لم ير شجاعا جوادا و قد كان أبو دلف العجلي في غاية الجود و نهاية الشجاعة؟! أمّا جوده فكان إذا أتته الأموال بسطها على الإنطاع و يأمر الشعراء بنهبها،فيأخذ كلّ بقدر قوّته و قد قيل فيه:

إنّما الدّنيا أبو دلف بين باديه و محتضره

فإذا ولّى أبو دلف ولّت الدنيا على أثره

و قد غضب المأمون عليه و على مادحه بهما بأنّه لم يبق له بعد البيتين شيء.

و أمّا شجاعته فكان قد خرج في قافلة الى مكّة،فلمّا تجاوزوا الكوفة حضرت الأعراب و كثرت تريد اغتيالهم،فلمّا سمعوا بأنّ أبا دلف فيهم

انهزموا من غير حرب،و كان يضرب المثل بشجاعته.

ذكر عند المبرّد الحظوظ،فقال:قال شاعر،و لم يكن أراد مدح أبي دلف:

أم هل حسبت سواد الليل شجّعني أو أنّ قلبي في جنبي أبي دلف

فبلغ شعره أبا دلف فوجّه إليه أربعة آلاف درهم بلا انتظاره.

و كان حاتم الطائي في الجاهلية و معن بن زائدة الشيباني في الإسلام جامعين بين السخاوة و الشجاعة،إلاّ أنّ أشهريّة سخاوتهما أخملت شجاعتهما،قال ابن قتيبة في(شعرائه)في حاتم:كان حاتم إذا قاتل غلب و إذا غنم أنهب (1)

قاله ابن قيبة في الشعر و الشعراء:70 و [1]النقل بتصرف يسير.

.

و في خطبة جناس قلب بعض الكفعمي في(مصباحه):أين من فاق قسّا في فصاحته و حصافته،و شأى حاتما في سماحته و حماسته (2).

وجود معن لا يحتاج إلى بيان،حتّى قال الشاعر في رثائه مخاطبا لقبره:

و يا قبر معن كيف واريت جوده و قد كان منه البرّ و البحر مترعا

و يكفي في شجاعته استنقاذه منصورا من جند أبي مسلم لمّا قتله (3)، و كانوا يعتقدون في أبي مسلم الألوهية،و كانوا أحاطوا بالمنصور و كان أشرف على الهلاك.

و يزيد بن المهلب كان يضرب المثل بشجاعته و سخاوته،قال كعب الأشقري فيه:

يداك إحداهما تسقي العدوّ بها سمّا و أخرى نراها لم يزل ديما

و حكايات جوده في السير مسطورة،و أرتج عليه على المنبر،فضربه


1) 1)

2) 2) المصباح للكفعمي:759 الفصل(49)و [2]الخطبة إنشاء نفس المؤلّف.

3) 3) روى القصة المسعودي في مروج الذهب 3:286.

برجله و قال:«فتى حروب لا فتى منابر».

و يزيد بن مزيد الشيباني من أمراء هارون كان أيضا جامعا بينهما،قال سلم الخاسر فيه:

إنّ للّه في البريّة سيفين يزيدا و خالد بن الوليد

ذاك سيف النبي في سالف الدهر و هذا سيف الإمام الرّشيد

ما مقامي على النّديّ و قد فاضت بحور النّدى بكفّي يزيد

و لمّا قدم عليه شاعر باليمين و قال فيه:

يوماه يوم للمواهب و النّدى خضل و يوم دم و خطف منية

و لقد أتيتك واثقا بك عالما أن لست تسمع مدحة بنسيّة

قال:صدقت لست أسمع مدحة بنسيّة،أعطوه ألف دينار.

و في(ذيل الطبري):كان عبيد اللّه بن العباس سيّدا شجاعا سخيّا،كان ينحر كلّ يوم جزورا... (1)

المنتخب من ذيل المذيل للطبري:38. [1]

،و كان عامّة بني هاشم جامعين بين السّخاوة و الشجاعة.

ثمّ إن لم يكن الشّجاع سخيّا،فمن أين يكون بخيلا حتما،كما يفهمه ابن أبي الحديد،فأيّ استلزام بينهما؟فخالد بن الوليد و مالك الأشتر و هاشم المرقال و جمع آخر لا يحصى كانوا من الشجعان و لم يصفهم أحد بالبخل.

و أمّا من نقل بخله مع شجاعته كالزبير و ابن الزبير و كذا طلحة و عبد الملك،و قد ذكرهم ابن أبي الحديد في ذيل كلامه،فكان جمع الشحّ و الشّجاعة فيهم على حسب الاتفاق،مع أنّهم لم يكونوا ذوي شجاعة فائقة،و لا سيّما الأخيران،بل الأخير لم يعلم مبارزته لأحد،و انّما كان قسيّا ذبح ابن عمّه


1) 1)

الأشدق بيده و كان مكتوفا (1)

رواه الطبري في التاريخ 4:599 سنة(69)،و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 2:26،و المسعودي في مروج الذهب 3: 104،و جاءت روايات تخالف هذه.

.

و كيف يكون تناف بين الشجاعة و السّخاوة و لا يكون شخص كاملا إلاّ بالجمع بينهما.قال البحتري في أبي عيسى بن صاعد:

نصيبك في الأكرومتين فإنّما يسود الفتى من حيث يسخو و يشجع

كما أنّ ما قاله من أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام أراد الحجر على عبد اللّه بن جعفر فاحتال بشركة الزبير،لم أقف عليه،و إنّما روى الخطيب في أبي يوسف أنّ عبد اللّه بن جعفر أتى الزبير،فقال:إنّي اشتريت كذا و كذا،و إنّ عمّي يريد أن يأتي عثمان-و ذكر حديث الحجر-فقال عثمان:كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزّبير؟ قال أحمد بن حنبل:لم أسمع هذا إلاّ من حديث أبي يوسف (2).

و بالجملة ما قاله من تضادّ الشجاعة و السخاوة بلا حقيقة،نعم أدخله بعض الشعراء في التضادّ بتخيّلات شعرية بأنّ بسخاوة ممدوحه يحيى جمع من مواليه،و بشجاعته يموت جمع من أعاديه،فقال:

يحيا الأنام به في الجدب إن قحطوا جودا و يشقى به يوم الوغى الهام

حالان ضدّان مجموعان فيه فما ينفكّ بينهما بؤس و إنعام

كالمزن يجتمع الضدّان فيه معا ماء و نار و إرهام و إضرام

و للشّعراء نظير ذلك كثير،فيخترعون تضادّا بالتخيّل الشعري في أشياء،قال بعضهم:


1) 1)

2) 2) تاريخ بغداد 14:242 و [1]النقل بتصرف.

و من عجب أن الصوارم في الوغى تحيض بأيدي القوم و هي ذكور

و أعجب من ذا أنّها في أكفّهم تؤجّج نارا و الأكفّ بحور

(1)«و كثيرا ما أذكر» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(أذاكر)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).

«الإخوان بها» أي:بهذه العجيبة.

«و أستخرج عجبهم» المركوز في جبلتهم من مثلها.

«منها.و هي موضع للعبرة بها،و الفكرة فيها» بأنه عليه السّلام كان غير البشر المتعارفي،و أنّ اجتماع ذلك فيه عليه السّلام من آيات اللّه تعالى شاهدا لإمامته .

«و ربّما جاء في أثناء هذا الاختيار» في الأبواب الثلاثة.

«اللّفظ المردّد» أي:المرجّع.

«و المعنى المكرّر» و لو بلفظ آخر .

«و العذر في ذلك» أي:الترديد و التكرار.

«أنّ روايات كلامه عليه السّلام تختلف اختلافا شديدا» حسب اختلاف نقل كثير من المطالب .

«فربّما اتّفق» أي:وقع.

«الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه» في تلك الرواية .

«ثمّ وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير وضعه الأوّل» أي:كيفيّته.

«إمّا بزيادة مختارة» أيّ:ينبغي أن تختار.

«أو بلفظ» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(أو لفظ)كما في(ابن أبي


1) 1) للمزيد راجع الأغاني لأبي الفرج،و العقد الفريد لابن عبد ربّه،و غيرهما.

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:16،و شرح ابن ميثم 1:91.

الحديد،و ابن ميثم،و الخطية)عطفا على(زيادة) (1)

كذا في شرح ابن ميثم 1:91،و لكن في شرح ابن أبي الحديد 1:17.«بلفظ»أيضا.

.

«أحسن عبارة» من الأوّل.

«فتقتضي الحال أن يعاد» لكونه من موضوع الكتاب .

«استظهارا» مفعول له لقوله:«يعاد»،أي:تكميلا.

«للاختيار» من كلامه عليه السّلام.

«و غيره» بالفتح،من غار الرجل على أهله.

و أمّا الغيرة بالكسر فقال الجوهري:إنّها الميرة،من غار أهله،أي:

مارهم و نفعهم (2).

و قال الزمخشري:إنّها الدّية،و جمعها الغير،قال الشاعر:

لنجدعنّ بأيدينا أنوفكم بني أميّة إن لم تقبلوا الغيرا

(3)«على عقائل الكلام» أي:كرائمه،من أن تفوته. و ممّا أعاده لزيادة مختاره أنّه قال في الخطبة(147):من كلام له قبل موته (4).

و قال في الكتاب(23):و من كلام له عليه السّلام قاله قبل موته على سبيل الوصية (5).

و قال في آخر الثاني:قد مضى بعض هذا الكلام في ما تقدّم من الخطب، إلاّ أنّ فيه ها هنا زيادة أوجبت تكريره.


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 2:775 [1] مادة(غير).

3) 3) أساس البلاغة:331 [2] مادة(غير).

4) 4) نهج البلاغة 2:33.

5) 5) نهج البلاغة 3:21. [3]

و كرّر قوله عليه السّلام في الحكمة(148):«المرء مخبوء تحت لسانه» (1)

نهج البلاغة 4:38.

في (392)مع زيادة (2)،لكنّه غفل عن تكراره،حيث لم يشر إليه كما في الأول.

ثمّ من الغريب أنّه كرّر قوله عليه السّلام في الحكمة(116):«كم من مستدرج بالإحسان إليه،و مغرور بالسّتر عليه،و مفتون بحسن القول فيه،و ما ابتلى اللّه أحدا بمثل الإملاء له» (3)في(260)قبل فصل الغريب،و قال:و قد مضى هذا الكلام في ما تقدّم،إلاّ أنّ فيه ها هنا زيادة (4).مع أنّه ليس في الثاني زيادة أصلا، إلاّ أنّ التكرار على نقل(ابن أبي الحديد و الخطيّة) (5)(كالمصريّة)،و أمّا(ابن ميثم)فليس الثاني فيه (6)،كما أنّه كرّر الحكمة(22) (7)في(389)مع زيادة على نقل(ابن أبي الحديد)دون(ابن ميثم) (8)،لكن نسختي من(ابن ميثم)بعد الحكمة(81)كثيرة التّصحيف،فليلحظ النّسخ الأخرى.

و ممّا أعاده بلفظ آخر قوله في الخطبة(33):«أما و اللّه إن كنت لفي ساقتها حتّى ولّت بحذا فيرها،ما ضعفت و ما جبنت،و إنّ مسيري هذا لمثلها، فلأنقبنّ الباطل حتّى يخرج الحقّ من جنبه» (9)في جملة الخطبة(102) (10)،لكنّه غفل عن الأوّل لعدم إشارته إلى التكرار،كما هو دأبه في الاعتذار.


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 4:93،و ذيله:«تكلّموا تعرفوا».

3) 3) نهج البلاغة 4:27. [1]

4) 4) نهج البلاغة 4:57. [2]

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 4:291،355. [3]

6) 6) لا يوجد في شرح ابن ميثم 5:307،لكن ورد فيه في:303 كما قال الشارح.

7) 7) نهج البلاغة 4:6.

8) 8) كرّر في شرح ابن أبي الحديد 4:419،لكن لا يوجد في شرح ابن ميثم 5:419 كما قال الشارح.

9) 9) نهج البلاغة 1:81. [4]

10) 10) نهج البلاغة 1:199. [5]

و أعاد قوله عليه السّلام في الخطبة(170):«اللّهمّ إنّي أستعينك على قريش و من أعانهم،فإنّهم قطعوا رحمي،و صغّروا عظيم منزلتي،و أجمعوا على منازعتي أمرا هو لي،ثمّ قالوا:ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه و في الحقّ أن تتركه» (1)

نهج البلاغة 2:85. [1]

في الخطبة(215)بلفظ آخر (2)،و الظاهر غفلته هنا أيضا لما يأتي في الآتي.

و أعاد أيضا بلفظ آخر قوله عليه السّلام في الخطبة(26):«فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي،فضننت بهم عن الموت،و أغضيت على القذى،و شربت على الشّجى،و صبرت على أخذ الكظم،و على أمرّ من طعم العلقم» (3)في آخر الخطبة(215)بلفظ«فنظرت فإذا ليس لي رافد،و لا ذابّ و لا مساعد،إلاّ أهل بيتي،فضننت بهم عن المنية،فأغضيت على القذى،و جرعت ريقي على الشّجى،و صبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم،و آلم للقلب من حزّ الشّفار».ثم قال:و قد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدّمة،إلاّ أنّي كرّرته هنا لاختلاف الروايتين (4).

ثمّ إنّ المصنّف و إن كرّر في الخطبة(215)معنى ما ورد في الخطبة (170) (5)أيضا كما مرّ قبل هذا،إلاّ أنّ قوله:«و قد مضى...»إشارة الى ما في الخطبة(26)،و لا يمكن أن يكون إشارة إليهما،لآباء قوله:«هذا الكلام»،و قوله:

«خطبة متقدّمة»عن ذلك.

و أعاد أيضا قوله في الخطبة(33):«إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 2:202. [2]

3) 3) نهج البلاغة 1:67. [3]

4) 4) نهج البلاغة 2:202. [4]

5) 5) نهج البلاغة 2:85 و [5]مراد الشارح من المعنى:«اللّهم إنّي استعينك على قريش...».

و آله و سلّم و ليس أحد من العرب يقرأ كتابا...» (1)

نهج البلاغة 1:80. [1]

في الخطبة(102)،و قال:و قد تقدّم مختارها بخلاف هذه الرواية (2).

و أعاد أيضا قوله في الحكمة(117):«هلك فيّ رجلان:محبّ غال، و مبغض قال» (3)في(469)بلفظ«يهلك فيّ رجلان:محبّ مفرط،و باهت مفتر».و قال:الثاني مثل الأوّل (4).

و أعاد أيضا قوله في الخطبة(70)في الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و آله:«حتّى أورى قبس القابس...» (5)في الخطبة(104)،و قال:«و قد مضى هذا الكلام في ما تقدّم،إلاّ أننا كرّرناه ها هنا لما في الروايتين من الاختلاف» (6).

و أعاد أيضا قوله:«يا ابن آدم:لا تحمل همّ يومك...»من الحكمة (267) (7)في(379)و قال:«و قد مضى هذا الكلام...» (8).

و أعاد أيضا قوله في الحكمة(15):«تذلّ الأمور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير» (9)في(459)بلفظ«يغلب المقدار على التقدير حتّى لا تكون الآفة في التّدبير»،لكنّه غفل عن تكراره فلم يشر و لم يعتذر (10).


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:199،و [2]قول الرضي في رواية شرح ابن أبي الحديد 2:199 [3] أبسط من هذا.

3) 3) نهج البلاغة 4:28. [4]

4) 4) نهج البلاغة 4:108،و [5]قول الرضي:«و هذا مثل قوله عليه السّلام هلك فيّ رجلان:محب غال و مبغض قال».

5) 5) نهج البلاغة 1:121. [6]

6) 6) نهج البلاغة 1:204،و [7]لفظ الخطبة(104):«حتّى أورى قبسا لقابس...».

7) 7) نهج البلاغة 4:46. [8]

8) 8) نهج البلاغة 4:91،و [9]لفظ الحكمة(379):«فلا تحمل همّ سنتك على همّ يومك».

9) 9) نهج البلاغة 4:5. [10]

10) 10) الظاهر أنّه من سهو الشارح،لأنّ الشريف الرضي قال بعد تمام الحكمة في نهج البلاغة 4:105:«و قد مضى هذا المعنى في ما تقدّم برواية تخالف هذه الألفاظ».و كذا في شرح ابن أبي الحديد 4:505، [11]لكن سقط كلام الشريف في شرح ابن ميثم 5:460. [12]

و أعاد قوله في الحكمة(348):«أشدّ الذنوب ما استهان به صاحبه» (1)

نهج البلاغة 4:81. [1]

بلفظ«أشد الذنوب ما استخف به صاحبه»في(477) (2)،و غفل عن تكراره فلم يعتذر .

«و ربّما بعد العهد أيضا بما اختير أوّلا فأعيد بعضه» لا لزيادة أو للفظ أحسن عبارة،بل:

«سهوا أو نسيانا» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و نسيانا)،كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3)،و العطف فيه تفسيري.

«لا قصدا و اعتمادا» أي:تعمّدا،فيكون العطف فيه أيضا تفسيريا.

فأعاد فقرة«ما شككت في الحق مذ أريته»جزء الخطبة(4) (4)في الحكمة(184) (5)نسيانا.

و أعاد فقرة«من أبدى صفحته للحقّ هلك»،و هي جزء الخطبة(16) (6)في الحكمة(188) (7)سهوا،و أعاد أيضا قوله:«كلمة حق يراد بها باطل»جزء الخطبة(40) (8)في الحكمة(198) (9)نسيانا.

و أعاد أيضا قوله عليه السّلام:«من ظنّ بك خيرا فصدّق ظنّه»جزء وصيّته عليه السّلام


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 4:110. [2]

3) 3) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:17،لكن في شرح ابن ميثم 1:91«أو»أيضا.

4) 4) نهج البلاغة 1:39. [3]

5) 5) نهج البلاغة 4:43. [4]

6) 6) نهج البلاغة 1:50. [5]

7) 7) نهج البلاغة 4:43. [6]

8) 8) نهج البلاغة 1:91. [7]

9) 9) نهج البلاغة 4:45. [8]

إلى ابنه (1)

نهج البلاغة 3:54. [1]

في الكتاب(31)سهوا،في الحكمة(248) (2).

و أعاد أيضا قوله:«و مفتون بحسن القول فيه»الّذي هو جزء العنوان «كم من مستدرج بالإحسان إليه»-المذكور في الحكمة(116)بالاتّفاق (3)، و في الحكمة(260)أيضا بنقل(ابن أبي الحديد و الخطيّة) (4)-في الحكمة (462) (5)سهوا.

و أعاد قوله عليه السّلام:«لا خير في الصمت عن الحكم،كما أنّه لا خير في القول بالجهل»المذكور في الحكمة(182) (6)في الحكمة(471)بنقل(المصرية)و (ابن ميثم) (7)،و قبل الحكمة(192)بنقل(ابن أبي الحديد،و الخطيّة) (8)أيضا غفلة.

و منه يظهر أنّه قد يعيد كلّ العنوان سهوا جاعلا له كلاّ ثانيا.

و أعاد الخطبة(21)«فإنّ الغاية أمامكم،و إنّ وراءكم السّاعة تحدوكم، تخفّفوا تلحقوا،فإنّما ينتظر بأوّلكم آخركم» (9)جزء الخطبة(165)«إنّ اللّه تعالى أنزل كتابا هاديا...»بلفظ«فإنّ الناس أمامكم،و إنّ الساعة تحدوكم من خلفكم،تخفّفوا تلحقوا،فإنّما ينتظر بأوّلكم آخركم» (10).


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 4:54. [2]

3) 3) كذا في نهج البلاغة 4:27،و [3]شرح ابن أبي الحديد 4:291،و شرح ابن ميثم 5:303. [4]

4) 4) كذا في شرح ابن أبي الحديد 4:355،و نهج البلاغة 4:57. [5]

5) 5) نهج البلاغة 4:43،و [6]لفظه«ربّ مفتون»،و قال فيه بعد تمام الحكمة:«زيادة عن نسخة كتبت في عهد المصنّف».

6) 6) نهج البلاغة 4:43 و [7]لفظ«ربّ مفتون»،و قال فيه بعد تمام الحكمة:«زيادة من نسخة كتبت في عهد المصنّف».

7) 7) شرح ابن ميثم 5:465. [8]

8) 8) شرح ابن أبي الحديد 4:330.

9) 9) نهج البلاغة 1:58. [9]

10) 10) نهج البلاغة 2:80. [10]

و منه يظهر أنّه قد يعيد كلّ عنوان جزء عنوان آخر غفلة مع اختلاف ما.

و أعاد قوله عليه السّلام:«كالفالج الياسر الّذي ينتظر أوّل فوزة من قداحه»جزء الخطبة(23) (1)

نهج البلاغة 1:60. [1]

في رقم(8)من فصل الغريب بلفظ«كالياسر الفالج ينتظر أوّل فوزة من قداحه» (2)غفلة.

و أعاد قوله عليه السّلام:«إنّ هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان،فابتغوا لها طرائف الحكم»من الحكمة(91) (3)في(197) (4)سهوا.

و أعاد قوله عليه السّلام في الخطبة(170):«فقدموا على عاملي بها و خزّان بيت مال المسلمين و غيرهم من أهلها،فقتلوا طائفة صبرا و طائفة غدرا»في الخطبة(216) (5)بلفظ«فقدموا على عمّالي و خزّان بيت مال المسلمين الّذي في يدي و على أهل مصر كلّهم في طاعتي و على بيعتي،فشتّتوا كلمتهم و أفسدوا عليّ جماعتهم،و وثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدرا» (6)غفلة.

و أعاد قوله عليه السّلام في الخطبة(22):«و اللّه ما أنكروا عليّ منكرا،و لا جعلوا بيني و بينهم نصفا،و إنّهم ليطلبون حقّا هم تركوه،و دما هم سفكوه،فلئن كنت شريكهم فيه فإنّ لهم لنصيبهم منه،و لئن كانوا ولّوه دوني،فما التبعة إلاّ عندهم،و إنّ أعظم حجّتهم لعلى أنفسهم»في الخطبة(135) (7)بلفظ«و اللّه ما أنكروا عليّ منكرا،و لا جعلوا بيني و بينهم نصفا،و أنّهم ليطلبون حقّا هم


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 4:61. [2]

3) 3) نهج البلاغة 4:20. [3]

4) 4) نهج البلاغة 4:45 و [4]لفظه«طرائف الحكمة».

5) 5) نهج البلاغة 2:85. [5]

6) 6) نهج البلاغة 2:203. [6]

7) 7) نهج البلاغة 1:59. [7]

تركوه،و دما هم سفكوه،فإن كنت شريكهم فيه،فإنّ لهم نصيبهم منه،و إن كانوا ولّوه دوني،فما الطّلبة إلاّ قبلهم،و إنّ أوّل عدلهم للحكم على أنفسهم» (1)

نهج البلاغة 2:19. [1]

غفلة.

كما أنّه أعاد ما في الخطبة(10)«ألا و إنّ الشيطان قد جمع حزبه، و استجلب خيله و رجله،و أنّ معي لبصيرتي،ما لبّست على نفسي،و لا لبّس عليّ،و ايم اللّه لأفرطنّ لهم حوضا أنا ماتحه!لا يصدرون عنه،و لا يعودون إليه» (2)،جزءا منه في الخطبة(22)«ألا و إنّ الشيطان قد ذمر حزبه،و استجلب جلبه» (3)،و جزءا منه في الخطبة(135)«إنّ معي لبصيرتي ما لبست،و لا لبس عليّ...و ايم اللّه لا فرطنّ لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عند بريّ،و لا يعبّون بعده في حسي» (4)غفلة،مع اختلاف ما.

و أعاد الحكمة(68)«العفاف زينة الفقر،و الشكر زينة الغنى» (5)في الحكمة(340) (6)سهوا.

و أعاد ذيل الخطبة(125)«إنّما اجتمع رأي ملئكم على اختيار رجلين، أخذنا عليهما أن لا يتعدّيا القرآن،فتاها عنه،و تركا الحقّ و هما يبصرانه،و كان الجور هواهما فمضيا عليه،و قد سبق استثناؤنا عليهما-في الحكومة بالعدل، و الصّمد للحق-سوء رأيهما و جور حكمهما» (7)في الخطبة(175)بلفظ


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:43.

3) 3) نهج البلاغة 1:59. [2]

4) 4) نهج البلاغة 2:20. [3]

5) 5) نقله كذلك ابن أبي الحديد في شرحه 4:273،396 مكرّرا،لكن في نهج البلاغة 4:80،و [4]شرح ابن ميثم 5:409 [5]كامل و [6]بلا ذيل.

6) 6) في نهج البلاغة 4:15،و [7]شرح ابن ميثم 5:273. [8]

7) 7) نهج البلاغة 2:9. [9]

«فاجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين،فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن،و لا يجاوزاه،و تكون ألسنتهما معه،و قلوبهما تبعه،فتاها عنه،و تركا الحق و هما يبصرانه،و كان الجور هواهما،و الاعوجاج دأبهما،و قد سبق استثناؤنا عليهما-في الحكم بالعدل،و العمل بالحق-سوء رأيهما،و جور حكمهما» (1)

نهج البلاغة 2:96. [1]

غفلة.

و أعاد قوله عليه السّلام:«الناس أعداء ما جهلوا»في الحكمة(172) (2)غفلة في الحكمة(438) (3).

و أعاد قوله عليه السّلام:«قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول» (4)في الحكمة (278)نسيانا في الحكمة(444)بلفظ«قليل تدوم عليه خير من كثير مملول منه» (5).

و أعاد قوله عليه السّلام في الخطبة(143):«أيّها الناس!إنّما أنتم في هذه الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا مع كلّ جرعة شرق،و في كلّ أكلة غصص،لا تنالون منها نعمة إلاّ بفراق أخرى،و لا يعمّر معمّر منكم يوما من عمره إلاّ بهدم آخر من أجله» (6)غفلة في الحكمة(191)بلفظ«إنّما المرء في الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا،و نهب تبادره المصائب،و مع كلّ جرعة شرق،و في كلّ أكلة غصص،و لا ينال العبد نعمة إلاّ بفراق أخرى،و لا يستقبل يوما من عمره إلاّ


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 4:43. [2]

3) 3) نهج البلاغة 4:102. [3]

4) 4) نهج البلاغة 4:68. [4]

5) 5) نهج البلاغة 4:103. [5]

6) 6) نهج البلاغة 2:28. [6]

بفراق آخر من أجله» (1)

نهج البلاغة 4:44. [1]

.

و أعاد قوله عليه السّلام في الحكمة(241):«يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم» (2)غفلة في الحكمة(341)بلفظ«يوم العدل على الظالم أشدّ من يوم الجور على المظلوم» (3).

و أعاد قوله عليه السّلام في الخطبة الأخيرة برقم(239):«ما أنقص النّوم لعزائم اليوم» (4)غفلة في الحكمة(440) (5)مستقلاّ.

و أعاد قوله عليه السّلام:«و كفى أدبا لنفسك تجنّبك ما كرهته لغيرك» (6)و هو جزء الحكمة(365)غفلة في الحكمة(412) (7)مستقلاّ.

و أعاد قوله عليه السّلام:«القناعة مال لا ينفد»الحكمة(57) (8)غفلة في الحكمة (475) (9).

و أعاد قوله عليه السّلام:«أشرف الغنى ترك المنى»الحكمة(34) (10)غفلة جزء «الجود حارس الأعراض»الحكمة(211) (11).

و أعاد قوله عليه السّلام في الخطبة(154):«و إنّهما لا يقرّبان من أجل،و لا


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 4:53. [2]

3) 3) نهج البلاغة 4:80. [3]

4) 4) نهج البلاغة 2:234. [4]

5) 5) نهج البلاغة 4:102. [5]

6) 6) نهج البلاغة 4:85. [6]

7) 7) نهج البلاغة 4:96 و [7]لفظه«كفاك أدبا لنفسك اجتناب ما تكرهه من غيرك».

8) 8) نهج البلاغة 4:14. [8]

9) 9) نهج البلاغة 4:109، [9]قال فيه بعد تمام الحكمة:«و قد روى بعضهم هذا الكلام لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله».

10) 10) نهج البلاغة 4:10. [10]

11) 11) نهج البلاغة 4:48. [11]

ينقصان من رزق» (1)

نهج البلاغة 2:49. [1]

في(374)بلفظ«و إنّ الأمر بالمعروف،و النهي عن المنكر لا يقرّبان من أجل،و لا ينقصان من رزق» (2).

و ممّا نقلنا من تكراراته يظهر أنّ الرضي،و ان قال:إنّه قد يعيد نسيانا بعض ما مرّ،و ظاهره يعيده بلفظه،إلاّ أنّه قد يفعل كما قال،و قد يعيد كلّ ما مرّ، كما قد يعيد بعض ما مرّ أو كلّه بلفظ آخر.و مرّ في شرح قوله في ما أعاده قصدا لزيادة أو للفظ آخر (3)جملة ممّا أعادها نسيانا أيضا .

«و لا أدّعي مع ذلك أنّي أحيط باقطار» أي:نواحي «جميع كلامه عليه السّلام، حتّى لا يشذّ عنّي شاذ» أي:يتفرّق عنّي متفرّق.

«و لا يندّ» أي:يعبد عنّي.

«نادّ» أي:بعيد .

«بل لا أبعد» أي:لا أعدّ بعيدا.

«أن يكون القاصر عنّي» أي:الّذي لم يصل إليّ.

«فوق الواقع» أي:الواصل من كلامه.

«إليّ،و الحاصل» عطف على القاصر اسم(يكون).

«في ربقتي» بالكسر،قال الجوهري:الرّبق:حبل فيه عدّة عرى تشدّ به البهم (4).

«دون» أي:أقلّ،و هو عطف على(فوق)خبر(يكون)،أي:من عطف الجملة.

«الخارج من يديّ» الّذي أفلت عنّي،قال الراوندي،كما نقل ابن ميثم عنه:


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 4:89. [2]

3) 3) قول الرضي:«فاعيد بعضه سهوا أو نسيانا لا قصدا و اعتمادا».

4) 4) صحاح اللّغة للجوهري 4:1480. [3]

سمعت بعض العلماء بالحجاز يقول:إنّي وجدت بمصر مجموعا من كلام عليّ عليه السّلام في نيف و عشرين مجلّدا (1)

شرح ابن ميثم 1:101.

.

«و ما عليّ إلاّ بذل الجهد» في(الصحاح):الجهد و الجهد بالفتح و الضم الطاقة،و قرئ( «وَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ» جهدهم...)و( «جُهْدَهُمْ» ).

قال الفرّاء:الجهد بالضم:الطاقة،و الجهد بالفتح من قولك:اجهد جهدك في هذا الأمر،أي:ابلغ غايتك.و لا يقال:اجهد جهدك (2).

«و بلاغ الوسع» في نقل كلامه عليه السّلام .

«و على اللّه سبحانه» أي:المنزّه عن النقائص و عن أن يفوته شيء.

«و تعالى» هكذا في(المصرية)،و الكلمة زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3).

«نهج السّبيل» مأخوذ من قوله تعالى: «وَ عَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ» (4).

«و رشاد الدّليل» و قال تعالى: «أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ» (5).

«إن شاء اللّه» ذلك .

«و رأيت من بعد» أي:بعد الحمد و الصلاة،أو بعد ما مرّ في شرح كلامه عليه السّلام و هو الأظهر.

«تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة» و النهج:هو الطريق الواضح.

و أمّا البلاغة فورد عنهم عليهم السّلام لها تعريفات،و عن الأدباء لها توصيفات، و عن العباسية فيها بيانات:


1) 1)

2) 2) صحاح اللّغة للجوهري 1:457 [1] مادة(جهد).

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:17،و شرح ابن ميثم 1:91.

4) 4) النحل:9. [2]

5) 5) غافر:38. [3]

أمّا الأوّل:ففي(صناعة أبي هلال العسكري):قال أمير المؤمنين عليه السّلام:

البلاغة إيضاح الملتبسات،و كشف عوار الجهالات،بأسهل ما يكون من العبارات.و قال الحسن بن علي عليهما السّلام:البلاغة تقريب بعيد الحكمة بأسهل العبارة.و قال محمّد بن عليّ عليهما السّلام:البلاغة تفسير عسير الحكمة بأقرب الألفاظ،و قال:البلاغة قول مفقه في لطف.فالمفقه:المفهوم،و اللّطيف من الكلام:

ما تعطف به القلوب النافرة،و تؤنس به القلوب المستوحشة،و تلين به العريكة الآبية حتّى تبلغ به الحاجة،و تقام به الحجّة (1)

الصناعتين للعسكري:51،52. [1]

.

و في(تحف العقول)عن الصادق عليه السّلام:يابن النعمان ليست البلاغة بحدّة اللسان و لا بكثرة الهذيان،و لكنّها إصابة المعنى و قصد الحجّة (2).

و أمّا الثاني:ففي(دلائل إعجاز عبد القاهر)قالوا:لا يكون الكلام يستحقّ اسم البلاغة حتّى يسابق معناه لفظه و لفظه معناه،و لا يكون لفظه أسبق الى سمعك من معناه إلى قلبك،و يدخل في الأذن بلا إذن (3).

و في(بيان الجاحظ):قيل للفارسي:ما البلاغة؟قال:معرفة الفصل من الوصل.و قيل لليوناني:ما البلاغة؟قال:تصحيح الأقسام و اختيار الكلام.

و قيل للرّومي:ما البلاغة؟قال:حسن الاقتضاب عند البداهة،و الغزارة يوم الإطالة.و قيل للهندي ما البلاغة؟قال:وضوح الدّلالة و انتهاز الفرصة و حسن الإشارة.و قال بعض أهل الهند:جماع البلاغة:البصر بالحجّة و المعرفة بمواضع الفرصة،ثم قال:و من البصر بالحجة و المعرفة بمواضع الفرصة:أن تدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان الإفصاح أو عر طريقة،و ربّما كان


1) 1)

2) 2) تحف العقول:312،و نقل هذا التعريف للبلاغة الهاشميّ في جواهر البلاغة:37 [2] عن خالد بن صفوان.

3) 3) دلائل الإعجاز:206. [3]

الإضراب عنها صفحا أبلغ في الدّرك،و أحقّ بالظّفر.و قال مرّة:جماع البلاغة التماس حسن الموقع،و المعرفة بساعات القول،و قلة الخرق بما التبس من المعاني أو غمض،و بما شرد عليك من اللّفظ أو تعذّر (1)

كذا في البيان و التبيين للجاحظ:111،و [1]ما نقله عن بعض أهل الهند رواه ابن أبي الحديد في زوائد نهج البلاغة:535 ح 92 عن علي عليه السّلام.

.

و قال اعرابيّ:البلاغة التقرّب من البعيد و التباعد من الكلفة،و الدلالة بقليل على كثير.و قال اعرابي:البلاغة إيجاز في غير عجز و إطناب في غير خطل.و قيل لأبي العيناء:ما أبلغ الكلام؟قال:ما أسكت المبطل و حيّر المحقّ.

و أمّا الثالث:فعن ابراهيم المعروف بالإمام:يكفي من حظّ البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق،و لا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع.

و قال هارون:البلاغة التباعد من الإطالة،و التقرّب من البغية،و الدلالة بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى.و قال المأمون:ما كنت أتوهم أنّ أحدا يقدر على هذه البلاغة حتّى قرأت كتاب عمرو بن مسعدة إليّ:كتابي اليك،و من قبلي من القوّاد و الأجناد في الطاعة و الانقياد على أحسن ما يكون،طاعة جند تأخّرت عطياتهم،و اختلّت أحوالهم.و قال ابن المعتز:البلاغة البلوغ الى المعنى،و لم يطل سفر الكلام (2).

قلت:و بأيّ معنى فسّرت فالكتاب مصداقه،فالتّسمية حقّه .

«إذا كان يفتح للنّاظر فيه» أي:في هذا الكتاب.

«أبوابها» أي:أبواب البلاغة.

«و يقرّب عليه طلابها» قد عرفت في ما مرّ اعتراف عبد الحميد الكاتب و ابن نباتة الخطيب (3)،و هما على ما عليه بحصول البلاغة لهما من النّظر في


1) 1)

2) 2) جمع هذه الأقوال و أقوال أخرى في تفسير البلاغة الجاحظ في البيان و التبيين،و ابن عبد ربه في العقد الفريد. [2]

3) 3) مر في شرح خطبة الرضي فقرة:«و بكلامه استعان كلّ واعظ بليغ».

كلامه عليه السّلام .

«فيه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و فيه)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:18،و شرح ابن ميثم 1:91.

و لاقتضاء المقام له.

«حاجة العالم» في زيادة علمه.

«و المتعلم» في حصول العلم له.

«و بغية» بضمّ الباء و كسرها،أي:مطلوب.

«البليغ» ليقتدر على الإتيان بالكلام البليغ.

«و الزّاهد» ليرضى بزهده،و يسرّ به،و يجدّ في ازدياده .

«و يمضي في أثنائه» أي:أثناء الكتاب.

«من الكلام» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(من عجيب الكلام)كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).

«في التوحيد» و لا سيما الخطية(184).الذي قال المصنّف فيه:و من خطبة له عليه السّلام في التوحيد،و تجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة (3).

«و العدل» قال:ابن أبي الحديد في شرح الخطبة(83):و اعلم أنّ التوحيد و العدل و المباحث الشّريفة الإلهيّة ما عرفت إلاّ من كلام هذا الرجل،و إنّ كلام غيره من أكابر الصحابة لم يتضمن شيئا من ذلك أصلا،و لا كانوا يتصوّرونه،و لو تصوّروه لذكروه،و هذه الفضيلة عندي أعظم فضائله عليه السّلام (4).


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:18،و [1]شرح ابن ميثم 1:91.

3) 3) نهج البلاغة 2:119. [2]

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:120. [3]

قلت:بل كان فاروقه قائلا بعدم عدل اللّه تعالى.ففي(تاريخ بغداد)في عنوان عثمان بن سعيد:خطب عمر الناس بالجابيّة،فقال:إنّ اللّه يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء.فقال قسّ من تلك القسوس:ما يقول أميركم هذا؟ فقالوا:يقول إنّ اللّه يضلّ من يشاء.فقال القسّ:برقشت،اللّه أعدل من أن يضلّ أحدا.فبلغ ذلك عمر،فبعث إليه،فقال:بل اللّه أضلّك،و لو لا عهدك لضربت عنقك (1)

تاريخ بغداد 11:290 و [1]النقل بتصرف يسير.

.

فإذا كان قائلا بعدم عدله تعالى،كيف ينتظر منه التكلّم في أوصافه تعالى و عدله في القرآن؟!و إن ورد باللفظ،إلاّ أنّه تعالى قال بعده: «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» (2)،مع أنّ العقل و النقل متطابقان على وجوب تأويل المتشابه،لكن الرّجل مصداق قوله تعالى:

«فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ» (3)،و الرّجل أراد الجواب بالضرب و القتل .

«و تنزيه اللّه سبحانه» عن النقائص.

«و تعالى» هكذا في(المصرية)،و الصواب:عدم الكلمة،لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (4).

«عن شبه» متعلق بقوله:«و تنزيه اللّه».

«الخلق» و في خطبة الأشباح برقم(89):سأله سائل أن يصف اللّه تعالى


1) 1)

2) 2) البقرة:26-27. [2]

3) 3) آل عمران:7. [3]

4) 4) كذا في شرح ابن ميثم 1:91،لكن في شرح ابن أبي الحديد 1:18«و تعالى»أيضا.

له حتّى كأنّه يراه عيانا،فغضب عليه السّلام و خطب بها (1)

نهج البلاغة 1:160. [1]

،و كان عليه السّلام أحسّ منه إرادته وصفه بالتشبيه .

«ما هو بلال» بالكسر،النّدوّة و الرّطوبة،قال الشاعر:

كأني حلوت الشّعر حين مدحته صفا صخرة صمّاء يبس بلالها

(2)و قال آخر: و صاحب مرامق داجيته على بلال نفسه طويته

(3)و أصله:السقا يطوى و هو مبتلّ فيعفن.قال: و لقد طويتكم على بللاتكم (4)لكن لو كان المصنّف قال:«نقوع»بدل«بلال»كان أقرب الى إفادة المراد،يقال:نقع الماء العطش نقعا و نقوعا سكّنه،و يقال:شرب حتّى نقع، و إنّما يحسن البلال في المبالغة في النفي،يقال:ما في سقائك بلال،أي:ما يبلّ به الحلق.

و قالت ليلى الأخيلية لابن عمّ توبة حين فرّ عنه حتّى قتل:

فلا و أبيك يابن أبي عقيل تبلّك بعدها فينا بلال

فلو آسيته لخلاك ذمّ و فارقك ابن عمّك غير قال

(5)«كلّ غلّة» بالضم،حرارة العطش،و زاد(ابن أبي الحديد و الخطية)بعده:


1) 1)

2) 2) أورده لسان العرب 11:64 [2] مادة(بلل)،و الشاعر أوس.

3) 3) أورده لسان العرب 11:66 [3] مادة(بلل).

4) 4) هذا صدر بيت لحضرمي بن عامر الأسدي،و ذيله:و علمت ما فيكم من الأذراب،أورده أساس البلاغة:30 [4] مادة (بلل)،و لسان العرب 11:66 [5] مادة(بلل).

5) 5) أورده لسان العرب 11:67 [6] مادة(بلل).

«و شفاء كلّ علّة» (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:18،و زاده أيضا ابن ميثم في شرحه 1:91.

.

«و جلاء كلّ شبهة» أي:زوالها و اضمحلالها،في(الإرشاد)روى الحسن البصري قال:جاء رجل إلى أمير المؤمنين بعد انصرافه من حرب صفين،فقال له:يا أمير المؤمنين!خبّرني عمّا كان بيننا و بين هؤلاء القوم من الحرب،أ كان بقضاء من اللّه و قدر؟فقال أمير المؤمنين عليه السّلام:

ما علوتم قلعة و لا هبطتم و اديا إلاّ و للّه فيه قضاء و قدر.فقال الرجل:

فعند اللّه احتسب عناي يا أمير المؤمنين!فقال له:و لم؟قال:إذا كان القضاء و القدر ساقانا الى العمل،فما وجه الثواب لنا على الطاعة،و ما وجه العقاب لنا على المعصية؟فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام:أو ظننت يا رجل أنّه قضاء حتم و قدر لازم،و لا تظنّ ذلك،فانّ القول به مقال عبدة الأوثان و حزب الشيطان و خصماء الرحمن و قدرية هذه الأمة و مجوسها.

إنّ اللّه تعالى أمر تخييرا،و نهى تحذيرا،و كلّف يسيرا،و لم يطع مكرها، و لم يعص مغلوبا،و لم يخلق السماء و الأرض و ما بينهما باطلا( «ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ» ).فقال الرجل:فما القضاء و القدر الّذي ذكرته يا أمير المؤمنين؟قال عليه السّلام:الأمر بالطاعة،و النهي عن المعصية،و التمكين من فعل الحسنة،و ترك السيئة،و المعونة على القربة إليه،و الخذلان لمن عصاه،و الوعد و الوعيد،و الترغيب و الترهيب، كلّ ذلك قضاء اللّه في أفعالنا و قدره لأعمالنا،فأمّا غير ذلك فلا تظنّه،فإنّ الظنّ له محبط للأعمال.فقال الرجل:فرّجت عنّي يا أمير المؤمنين،فرّج اللّه عنك.و أنشأ يقول:

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته يوم المآب من الرحمن غفرانا


1) 1)

أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا جزاك ربّك بالإحسان إحسانا

(1)«و من اللّه سبحانه أستمدّ التوفيق» لنيل الغرض.

«و العصمة» من الضّلال .

«و استنجز» أي:استنجح.

«التّسديد» أي:الحمل على السّداد،أي:الصّلاح.

«و المعونة» على العمل .

«و أستعيذه من خطاء الجنان» القلب.

«قبل خطاء اللّسان» قال خالد بن جعفر الكلابي لكسرى لمّا أوفده النعمان بن المنذر إليه:

و عثرة القول أنكى من عثرة الوعث

و الوعث:المكان الذي يشقّ المشي فيه.

«و من زلّة الكلام» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(الكلم)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).

«قبل زلّة القدم» قال ابن السكّيت:

يصاب الفتى من عثرة بلسانه و ليس يصاب المرء من عثرة الرّجل

فعثرته في القول تذهب رأسه و عثرته في الرّجل تبرأ عن مهل


1) 1) أخرجه المفيد في الإرشاد:120 [1] عن الحسن البصري،و أخرجه الصدوق أيضا في العيون 1:114 ح 38،و [2]التوحيد: 380 ح 28 [3] بطريقين،و الكراجكي في كنز الفوائد:169 [4] عن الحسين عليه السّلام،و أخرجه الصدوق في العيون و [5]التوحيد- [6]الحديث السابق-عن السجاد عليه السّلام،و رواه ابن شعبة في تحف العقول:468،و [7]الطبرسي في الاحتجاج:208 [8] ضمن رسالة الهادي عليه السّلام،و أخرجه الصدوق في العيون و [9]التوحيد- [10]الحديث السابق-عن ابن عباس،و رواه أبو الحسين الخياط في الغرر عنه شرح ابن أبي الحديد 4:277 [11] عن الاصبغ بن نباتة،و أخرجه الكليني في الكافي 1:155 ح 1، و [12]الشريف الرضي في نهج البلاغة 4:17 [13] الحكمة(78)،و في خصائص الائمة:69،و رواه ابن ميثم في شرحه 5:278 مرسلا و مجردا.

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:18،و [14]شرح ابن ميثم 1:91.

«و هو حسبي و نعم الوكيل» الأصل فيه قوله تعالى: «وَ قالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ» (1)

آل عمران:173. [1]

.

و هذا أوان الشروع في المقصود بعون الملك المحمود،فنقول:


1) 1)

الفصل الأوّل: في التوحيد

اشارة

و حيث إنّ المصنّف بدأ بخطبة في التوحيد نبدأ بما بدأ به مع كلامه، فقال :

«باب المختار من خطب أمير المؤمنين عليه السّلام و أوامره،و يدخل في ذلك المختار من كلامه الجاري مجرى الخطب في المقامات المحصورة،و المواقف المذكورة، و الخطوب الواردة» .

أي:المقاصد العارضة،ككلامه عليه السّلام لمّا خاطبه العباس و أبو سفيان بالبيعة له بعد قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (1)

نهج البلاغة 1:40 [1] الخطبة(5).

،و كلامه عليه السّلام لمّا أشير عليه بألاّ يتّبع طلحة و الزبير (2)،إلى غير ذلك ممّا عبّر فيها غالبا بقوله:و من كلام له عليه السّلام .

«فمن خطبة له عليه السّلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء و الأرض،و خلق آدم» .

و نحن نقتصر من الخطبة هنا على ما يكون في التوحيد،و أمّا ما فيها في


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:41 [2] الخطبة(6).

خلق السماء و الأرض،فنذكره في الفصل الثاني (1)

في العنوان(1).

،كما أنّ ما فيها راجعا إلى خلق آدم نذكره في الفصل الرابع (2)على ما عرفت أوّلا في فهرست فصوله (3)، و إنّما ذكرنا هنا عنوان المصنّف لئلاّ ندع شيئا من كلامه.

«و فيها ذكر الحجّ» هكذا في(المصرية)،و الجملة بتمامها زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (4)،و لا بدّ أنّها كانت حاشية من بعض المحشّين،حيث رأى أنّ في الخطبة فصلا راجعا إلى الحجّ،فخلطت بالمتن.و كيف كان،فنذكر ما فيه من ذكر الحجّ في فصل العبادات (5).

1

من الخطبة(1)

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ- وَ لاَ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ- وَ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ- الَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ- وَ لاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ- الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ- وَ لاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَ لاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ- وَ لاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ- فَطَرَ الْخَلاَئِقَ بِقُدْرَتِهِ- وَ نَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ- وَ وَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ من الخطبة(94) و من خطبة له ع اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلِ فَلاَ شَيْءَ قَبْلَهُ- وَ الْآخِرِ فَلاَ شَيْءَ بَعْدَهُ- وَ الظَّاهِرِ فَلاَ شَيْءَ فَوْقَهُ- وَ الْبَاطِنِ فَلاَ شَيْءَ دُونَ‌هُ


1) 1)

2) 2) في العنوان(1).

3) 3) و جاء بعض قطعه في العنوان(1)من الفصل الثالث،و كذا الخامس و السادس،و العنوان(2)من الفصل الثاني و الأربعين.

4) 4) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:18،لكن يوجد في شرح ابن ميثم 1:106.

5) 5) في العنوان(2).

من الخطبة(92) و من خطبة له ع فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي لاَ يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ- وَ لاَ يَنَالُهُ حُسْنُ الْفِطَنِ- الْأَوَّلُ الَّذِي لاَ غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِي- وَ لاَ آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي أقول:نقل الخطبة الأولى ابن طلحة الشافعي في( مطالبه ابن طلحة الشافعي-مطالب السؤول-ص 27 ) (1)

رواه ابن طلحة في مطالب السؤول:27.

،و قال الخوئي:إنّ المجلسي رواه في(البحار)عن(عيون الحكمة)لمحمّد بن عليّ الواسطي إلى قوله: «إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ» (2)،لكن لم أقف في(البحار) على نقله عنه (3).

«الحمد» ظاهر(الصحاح)ترادف الحمد مع المدح،حيث قال:الحمد نقيض الذّم (4)،و فرّق(المصباح)بينهما،فجعل الحمد للجميل الاختياري فقط، و المدح له و للخلقي (5)،إلاّ أنّ الظاهر أنّ كلاّ من الحمد و المدح للاختياري النفساني،فكما لم نسمع استعمال حمد اللؤلؤ،كذلك لم نسمع استعمال مدحه.

«للّه» روى(المعاني)عن العسكري عليه السّلام:أنّ اللّه هو الّذي يتألّه إليه عند الحوائج و الشدائد (6)،و نقل ابن أبي الحديد عن الراوندي:أنّ(اللّه)أخصّ من


1) 1)

2) 2) شرح الخوئي 1:97.

3) 3) بحار الأنوار 77:300 ح 7،و فيه علي بن محمد الواسطي.

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 1:463 [1] مادة(حمد).

5) 5) المصباح المنير 1:183 مادة(حمد).

6) 6) معاني الأخبار للصدوق 4:2.

(الإله) (1)،و نقل عنه في موضع آخر:أنّ الإله مصدر بمعنى المألوه (2)،و ردّه بأنّه لا فرق بينهما في اللغة،بل في الاصطلاح،و أنّ الإله اسم جنس-كالرجل- لكلّ معبود بحقّ أو باطل،و غلب على الحقّ،و أنّ(مألوه)مصدر لا مفعول، و أنّه لم يسمع مألوه في اللغة،لأنّ أله الرّجل-إذا دهش و تحيّر-لازم لا يبنى منه مفعول (3).

قلت:حمله و لعله على الاعتراض على الراوندي ألاّ يراجع اللّغة،و إلاّ ففي (الصحاح)أله بالفتح،إلاهة،أي:عبد عبادة،و إله فعال بمعنى مفعول،أي:

معبود،كقولنا:إمام على فعال،بمعنى مفعول،لأنّه مؤتمّ به (4).

و ما قاله من«أنّ أله الرجل بمعنى:تحيّر لا يبنى منه مفعول»غلط فاحش،فإنّما(و له الرّجل بمعنى:تحيّر)لا يبنى منه مفعول لا(أله)،و لو كان اعترض عليه بأنّ:(إله ليس بمصدر،بل إلاهة،كما قال الجوهري،و أنّه قال:إله فعال بمعنى مفعول)كان له وجه.

ثم لو لم يكن فرق بين(اللّه)و(إله)-كما قال ابن أبي الحديد (5)-يصير معنى:(لا إله إلاّ اللّه)كقولك:لا رجل إلاّ رجل،أو لا زيد إلاّ زيد! و كيف لا يكون بينهما فرق،و قد كان المشركون-و هم من أهل اللّغة- يطلقون(الإله)على الأوثان،و لا يطلقون لفظة(اللّه)إلاّ على موجد العالم،قال تعالى: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ» . (6)كما أنّ


1) 1) شرح ابن أبي الحديد 1:20. [1]

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:21. [2]

3) 3) رد الأول في الصفحة(20)،و الثاني في ص(21).

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 6:2225 [3] مادة(اله).

5) 5) شرح ابن أبي الحديد الزمر 1:20.

6) 6) :38.

ما قاله من«أنّ الإله كلّ معبود و غلب على الحقّ»ليس كذلك،قال تعالى:

«أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» (1)و إنّما غير الحقّ يجب أن ينفى ككلّ باطل،ف‍ (لا إله إلاّ اللّه)،و كذلك قوله:«مألوه مصدر»ليس كذلك،فقد عرفت من (الصحاح)أنّه على أصله.

قال ابن أبي الحديد أيضا:قال الراوندي:(الحمد للّه)دالّ على أنّه عليه السّلام حمد اللّه تعالى،و أنّه ثابت عليه مدّة حياته،و أمر غيره في فحوى كلامه أن يحمدوه أيضا ثابتين،و لو كان عبّر بلفظ(أحمد اللّه)لم يفهم منه جميع ذلك (2).

ثمّ ردّه ابن أبي الحديد بأنّه لا فرق بين قولنا:«الحمد للّه»،و قولنا:«أحمد اللّه» (3).

لت:لم لم يراجع كلمات علماء البيان في الفرق بين الجملة الاسمية و الجملة الفعليّة؟فإنّما قال الراوندي ما قالوه من أنّ(أحمد اللّه)بلفظ الفعليّة مجرد إخبار بحمده له تعالى،و أمّا(الحمد للّه)بلفظ الاسمية،و تعريف الحمد بلام الجنسية،فدالّ على الدوام و الاستمرار،و أنّه تعالى مستحقّ للحمد من كلّ حامد،فكما حمده هو عليه السّلام يجب أن يحمده كلّ مخلوق مثله.

و في الخبر أنّ الباقر عليه السّلام فقد بغلة له،فقال:لئن ردّها اللّه تعالى لأحمدنّه بمحامد يرضاها،فما لبث أن أتي بها بسرجها و لجامها،فلمّا استوى عليها و ضمّ إليه ثيابه رفع رأسه الى السماء،فقال:الحمد للّه فلم يزد.ثمّ قال:ما تركت و لا بقيت شيئا،جعلت كلّ أنواع المحامد للّه عز و جل،فما من حمد إلاّ و هو داخل في ما قلت (4).

«الّذي لا يبلغ مدحته القائلون» كيف يبلغ القائلون مدحته،و المادح إنّما


1) 1)الجاثية:23. [1]

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:20 و [2]النقل بالمعنى.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:20 و النقل بالمعنى.

4) 4) رواه الإربلي في كشف الغمة 2:330،و [3]الطبرسي في مكارم الأخلاق:307. [4]

يبلغ مدح شخص إذا أحاط علما بكمالاته،فالجاهل لا يقدر أن يصف علم العالم،و لا يمكن الإحاطة بكمالاته تعالى لغيره عزّ و جلّ،فينحصر مدحه تعالى كما ينبغي بذاته المقدّسة،و لذا قال النبي صلّى اللّه عليه و آله:«لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (1)

أخرجه صاحب مصباح الشريعة [1]فيه:56،و الدار قطني في الافراد عنه منتخب كنز العمال 1:348 عن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و نقله ابن أبي الحديد في شرحه 1:19،و ابن ميثم في شرحه 1:111.

.و كيف يبلغ مدحته القائلون و قد قال عزّ اسمه:( «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً » ) (2).

«و لا يحصي نعماءه العادّون» إنّما يمكن الإحصاء في ماله حصر،و لا حصر لنعمائه تعالى،و في الخبر:أنّ أبيّ بن كعب قرأ عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قوله تعالى: «وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً» (3)،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لقوم عنده-و فيهم أبو بكر و عبيدة و عمر و عثمان و عبد الرّحمن-قولوا الآن ما أوّل نعمة غرسكم اللّه بها و أبلاكم بها؟فخاضوا من المعاش و الرّياش و الذرّية و الأزواج،فلمّا أمسكوا،قال لأمير المؤمنين عليه السّلام:يا أبا الحسن قل.فقال عليه السّلام:

إنّ اللّه خلقني و لم أكن شيئا مذكورا،و أن أحسن بي فجعلني حيّا لا مواتا،و أن أنشأني،فله الحمد في أحسن صورة و أعدل تركيب،و أن جعلني متفكّرا واعيا لا أبله ساهيا،و أن جعل لي شواعر أدرك بها ما ابتغيت،و جعل فيّ سراجا منيرا،و أن هداني لدينه و لن يضلّني عن سبيله،و أن جعل لي مردّا في حياة لا انقطاع لها،و أن جعلني ملكا مالكا لا مملوكا،و أن سخّر لي سماءه و أرضه و ما فيهما و ما بينهما من خلقه،و أن جعلنا ذكرانا قوّاما على حلائلنا لا إناثا.و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول في كلّ كلمة:صدقت.ثم قال:فما بعد هذا؟فقال علي عليه السّلام:


1) 1)

2) 2) الكهف:109. [2]

3) 3) لقمان:20. [3]

«وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها» (1)

ابراهيم:34،و [1]النحل:18. [2]

.فتبسّم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال:ليهنئك الحكمة،ليهنئك العلم،يا أبا الحسن!أنت وارث علمي،و المبيّن لأمّتي ما اختلفت فيه من بعدي (2).

«و لا يؤدّي حقّه المجتهدون» أي:السّارعون في عبادته،و كيف يمكن لأحد أداء حقّه،و حقوقه غير محصورة على حسب نعمائه.

و عن الزهري:دخلت مع عليّ بن الحسين عليه السّلام على عبد الملك،فاستعظم ما رأى من أثر السجود بين عينيه،فقال له:يا أبا محمّد لقد تبيّن عليك الاجتهاد،و لقد سبق لك من اللّه الحسنى،و أنت بضعة من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

فأجابه عليه السّلام في كلام طويل بأنّه مع ذلك لم يؤدّ حقّه تعالى-الى أن قال عليه السّلام له- :و اللّه لو تقطّعت أعضائي،و سالت مقلتاي على صدري في قيامي له تعالى،لم أشكر عشر العشير من نعمة واحدة،من جميع نعمه الّتي لا يحصيها العادّون، و يبلغ حدّ نعمة واحدة منها على جميع حمد الحامدين له تعالى... (3).

و قال بعضهم:قوله عليه السّلام: «الّذي لا يبلغ مدحته القائلون» إقرار بالعجز عن الحمد باللسان،و قوله عليه السّلام: «و لا يحصي نعماءه العادّون» اعتراف بالقصور عن الشكر بالجنان،و قوله عليه السّلام: «و لا يؤدّي حقّه المجتهدون» اعتراف بالقصور عن العمل بالأركان (4).

«الّذي لا يدركه بعد الهمم» أي:لا يصل الى كنهه الهمم العالية الراقية إلى شوامخ الأمور.


1) 1)

2) 2) رواه ابن شهر آشوب في المناقب 2:355،و [3]الحسكاني في شواهد التنزيل 1:329 ح 455،و ابو علي الطوسي في أماليه 2:105،المجلس(17). [4]

3) 3) رواه ابن طاوس في فتح الأبواب [5]عنه البحار 46:56 ح 10. [6]

4) 4) القائل هو المجلسي في شرح الخطبة:بحار الأنوار 4:248.

«و لا يناله غوص الفطن» أي:لا ينتهي إلى هويّته الفطن الغائصة لجج الأفكار.

قال الخوئي:إضافة(بعد الهمم)و(غوص الفطن)ليس من باب إضافة الصفة إلى الموصوف-على ما قيل-لوجوب المطابقة بين الصفة و الموصوف (1)

شرح الخوئي 1:100.

.

قلت:ما قيل سليم،و ما قاله هو عليل،فالمطابقة إنّما في ما إذا بقيت الصفة على وصفها لا بعد تبديلها،فيقال:زيد بعيد الهمم،و الأصل ذو همم بعيدة.

ثمّ مثل قوله عليه السّلام هنا: «الّذي لا يدركه بعد الهمم،و لا يناله غوص الفطن» قوله عليه السّلام في الثالثة: «فتبارك اللّه الّذي لا يبلغه بعد الهمم و لا يناله حدس الفطن» ،فإنّ الفرق بينهما إنّما في اللّفظ،و المعنى واحد.

و ما نقلناه(حدس الفطن)إنّما هو في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (2)فنقل (المصرية)«حسن الفطن»تصحيف.

و في(الكافي):سأل أبو هاشم الجعفري الجواد عليه السّلام عن قوله تعالى:

«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ» (3)فقال عليه السّلام:يا أبا هاشم!أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون،أنت قد تدرك بوهمك السّند و الهند و البلدان التي لم تدخلها و لا تدركها ببصرك،و أوهام القلوب لا تدركه،فكيف أبصار العيون (4)؟!


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:180،لكن في شرح ابن ميثم 2:394«حسن الفطن»أيضا.

3) 3) الأنعام:103. [1]

4) 4) أخرجه الكليني في الكافي 1:99 ح 11،و [2]الصدوق في التوحيد:113 ح 12،و رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:442 [3] عن أبي هاشم عن الجواد عليه السّلام،و روى معناه الطبرسي في الاحتجاج 2:336 [4] عن الصادق عليه السّلام،و البرقي في المحاسن:239 ح 215،و [5]الكليني في الكافي 1:98 ح 10،و [6]الصدوق في التوحيد:112 ح 11 [7] عن طريق أبي هاشم،و الصدوق في الأمالي:334 ح 2 المجلس(64)،و [8]صاحب فقه الرضا عنه البحار 3:262 ح 17 [9] عن غير طريقه عن الرضا عليه السّلام، و البرقي في المحاسن 239 ح 215 [10] عن أبي هاشم عن الجواد عليه السّلام،و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و اللاكائي عنهم الدر المنثور 3:37 [11] عن أبي الحسين القاري موقوفا.

هذا و من المضحك أنّ جمهور متكلّمي العامّة يدّعون أنّهم يعرفون حقيقة ذاته،و أفرطوا في الوقاحة،فقالوا:إنّه تعالى لا يعلم من ذاته إلاّ ما نعلم منها .

«الّذي ليس لصفته» أي:لتوصيفه،فيأتي كلامه عليه السّلام«و كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه»،و المراد ليس لذاته:

«حدّ محدود،و لا نعت موجود،و لا وقت معدود،و لا أجل ممدود» لكون هذه الأمور من عوارض الجسمانيات،و هو تعالى منزّه عن ذلك.

و روى(توحيد الصدوق)خطبة عنه عليه السّلام في استنهاضه الناس الى حرب معاوية ثانية و فيها:«الّذي ليس له وقت معدود،و لا أجل ممدود،و لا نعت محدود » (1)

توحيد الصدوق:41 ح 3. [1]

.

«فطر» عن ابن عباس:كنت لا أدري ما «فاطِرِ السَّماواتِ» (2)حتّى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر،فقال أحدهما:أنا فطرتها،أي:ابتدأتها (3).

«الخلائق» من الجماد و النبات و الوحش و الطير و الهوامّ و الأنعام،غير البشر.

«بقدرته» يمكن أن يكون المراد لإظهار قدرته،فيكون قوله هذا: «فطر


1) 1)

2) 2) فاطر:1. [2]

3) 3) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث و فضائل القرآن [3]عنهما الكاف الشاف 2:9،و ابن جرير و ابن الانباري في الوقف و الابتداء،و عبد بن حميد في مسنده،و ابن المنذر،و ابن أبي حاتم،و البيهقي في شعب الايمان [4]عنهم الدر المنثور 3:7،و 5:244،و [5]نقله الطوسي في التبيان 4:88 [6] عن ابن عباس،و بين الألفاظ اختلاف يسير.

الخلائق بقدرته» مساوقا لقوله عليه السّلام الآخر:«عباد مخلوقون اقتدارا»،و يمكن أن يكون المراد أنّ خلقه تعالى للخلائق بنفس قدرته لا بمعونة أدوات و آلات كعمل المخلوقين،فيكون الكلام إشارة الى قوله تعالى: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » (1)

يس:82. [1]

.

«و نشر الرّياح برحمته» يمكن أن يكون المراد بالرّحمة الأمطار،كالرّحمة في قوله تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» (2)،و يمكن أن يكون المراد بها ترحّمه تعالى على عباده بنشر الرّياح،فبالرّياح يجيء السّحاب-كما عرفت من الآية-و بالرّياح تلقّح الأشجار،قال تعالى: «وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ» (3)،و بالرياح تسير السّفن،قال تعالى: «إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ» (4)،و لو لا الرّياح لزويت النباتات و مات الإنسان و الحيوانات و فسدت الجمادات.

و الرّياح لا تستعمل غالبا إلاّ في الخير،كما في الآيات: «وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ» (5)، «وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ» (6)، «وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً» (7)، «وَ مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً» (8)، «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ» (9)، «وَ اللّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ»


1) 1)

2) 2) الأعراف:57. [2]

3) 3) الحجر:22. [3]

4) 4) الشورى:33. [4]

5) 5) الأعراف:57. [5]

6) 6) الحجر:22. [6]

7) 7) الفرقان:48. [7]

8) 8) النمل:63. [8]

9) 9) الروم:46. [9]

«سَحاباً» (1)

فاطر:9. [1]

، «وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ» (2).

و ممّا جاء للمطلق: «فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ» (3)لكن في قراءة:«الرّيح» (4).

كما أنّ الرّيح الأغلب استعمالها في الشرّ،كما في آيات: «إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ» (5)، «فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ» (6)، «أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ» (7)، «كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ» (8).

و ممّا جاءت للخير: «وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً» (9)، «فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ» (10)، «وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ» (11)، «إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ» (12).

و كذلك ريح بدون اللاّم يأتي لهما،قال تعالى: «إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً»


1) 1)

2) 2) البقرة:164. [2]

3) 3) الكهف:45. [3]

4) 4) قرأ حمزة و الكسائي و خلف(الريح)بلفظ المفرد،و قرأ باقي القراء العشرة(الرياح)بلفظ الجمع،كما في التيسير:78. و النشر 2:223.

5) 5) الذاريات:41. [4]

6) 6) الاسراء:69. [5]

7) 7) الحج:31. [6]

8) 8) ابراهيم:18. [7]

9) 9) الأنبياء:81. [8]

10) 10) ص:36.

11) 11) سبأ:12. [9]

12) 12) الشورى:33. [10]

«صَرْصَراً» (1)

القمر:19. [1]

، «رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ» (2)، «وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ» (3).

و مما ذكرنا يظهر لك ما في قول الثعالبي في(فقه لغته):لم يأت لفظ الرّيح في القرآن إلاّ في الشرّ،و الرّياح إلاّ في الخير،ثمّ ذكر آيات (4).

«و وتّد بالصّخور» أي:الجبال.

«ميدان» أي:اضطراب.

«أرضه» أي:جعل الجبال أوتادا للأرض لئلاّ تضطرب،كأوتاد الخيم لئلاّ تضطرب،و إلى ذلك أشير في الكتاب في مواضع،منها: «وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» (5)، «وَ الْجِبالَ أَوْتاداً» (6).

و في الصخور،أي:الجبال فوائد أخرى غير منع الأرض من الميدان،من كونها معادن للفلزّات و الأحجار الكريمة،و خزائن مياه،و منابت أشجار و نباتات و أزاهير و عقاقير،و معاقل للناس عن أعدائهم،و مساكن الوحوش و الطيور.

قول المصنّف في الثانية:

«و من خطبة له عليه السّلام» ،هكذا في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (7)و أمّا ما في


1) 1)

2) 2) الأحقاف:24. [2]

3) 3) الأنفال:46. [3]

4) 4) هذا قول مشهور بين أهل اللغة و التفسير،قال به الراغب الاصفهاني في المفردات:211 مادة(روح)،ثم ذكر الآيات و غيره منهم،لكن لم أجده في نسختي من فقه اللغة للثعالبي و لا ملحقه،نعم جاء في متن فقه اللغة:277-279 و ملحقه من كتاب الجراثيم لعبد اللّه بن مسلم:354-355 ذكر الريح و الرياح مفصّلا بأسمائها،و يلوح منه هذا المعنى،لكن لم يذكر آية.

5) 5) النحل:15. [4]

6) 6) النبأ:7. [5]

7) 7) شرح ابن أبي الحديد 1:182،و شرح ابن ميثم 2:400. [6]

(المصرية)(و من خطبة أخرى)فتحريف،و لا وجه لقوله:«أخرى»،فكلّ خطبة غير سابقتها.

قوله عليه السّلام فيها :

«الحمد للّه الأوّل فلا شيء قبله،و الآخر فلا شيء بعده،و الظّاهر فلا شيء فوقه، و الباطن فلا شيء دونه» الأصل فيه قوله تعالى: «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (1)

الحديد:3. [1]

.

قوله عليه السّلام في الثالثة :

«الأوّل الذي لا غاية له فينتهي،و لا آخر له فينقضي» روى(توحيد الصدوق):أنّ ابن أبي يعفور قال للصادق عليه السّلام:قوله تعالى «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» (2):عرفنا الأوّل،بيّن لنا تفسير الآخر.فقال عليه السّلام له:إنّه ليس شيء إلاّ يبيد و يتغيّر أو يدخله الغير و الزوال،أو ينتقل من لون إلى لون،و من هيئة إلى هيئة،و من صفة إلى صفة،و من زيادة إلى نقصان،و من نقصان إلى زيادة،إلاّ ربّ العالمين،فإنّه لم يزل و لا يزال واحدا،هو الأوّل قبل كلّ شيء،و هو الآخر على ما لم يزل،لا تختلف عليه الصفات و الأسماء ما يختلف على غيره،مثل الإنسان الّذي يكون ترابا مرّة و مرّة لحما و مرّة دما و مرّة رفاتا و رميما، و كالتّمر الّذي يكون مرّة بلحا و مرّة بسرا و مرّة رطبا و مرّة تمرا،فيتبدّل عليه الأسماء و الصفات و اللّه عزّ و جلّ بخلاف ذلك (3).


1) 1)

2) 2) لم يتعرض الشارح لشرح الفقرتين من أول الثالثة،و قد سبق قريب منهما في الأولى.

3) 3) أخرجه الصدوق في التوحيد:314 ح 2،و الكليني في الكافي 1:115 ح 5. [2]

2

من الخطبة(1)

بعد ما مر أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ- وَ كَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ- وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلاَصُ لَهُ- وَ كَمَالُ الْإِخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ- لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ- وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ- فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ- وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ- وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ وَ مَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ- وَ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ- وَ مَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ- وَ مَنْ قَالَ عَلاَ مَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ «أوّل الدّين» أي:أوّل ما يجب أن يتديّن به.

«معرفته» أي:بالقلب و الجنان،قال الرضا عليه السّلام في علل رواها عنه الفضل ابن شاذان:فإن قال قائل:فما أوّل الفرائض؟قيل:الإقرار باللّه و برسوله و حجّته و بما جاء من عند اللّه.فإن قال قائل:لم أمر الخلق بالإقرار باللّه و برسوله و حجّته و بما جاء من عند اللّه؟قيل:لعلل كثيرة،منها:أنّ من لم يقرّ باللّه لم يتجنّب معاصيه،و لم ينته عن ارتكاب الكبائر،و لم يراقب أحدا في ما يشتهي و يستلذّ من الفساد و الظلم،و إذا فعل الناس هذه الأشياء،و ارتكب كلّ إنسان ما يشتهي و يهواه،من غير مراقبة لأحد،كان في ذلك فساد الخلق أجمعين،و وثوب بعضهم على بعض،فغصبوا الفروج و الأموال،و أباحوا الدماء و السبّي،و قتل بعضهم بعضا من غير حقّ و لا جرم،فيكون في ذلك خراب الدّنيا،و هلاك الخلق،و فساد الحرث و النسل (1)

أخرجه ضمن حديث طويل الصدوق في علل الشرائع 1:252 ح 9،و [1]العيون 2:97 ح 1. [2]

.

1) 1)

«و كمال معرفته» مضافا إلى معرفته بالقلب.

«التصديق به» أي:الإقرار به باللسان،حتّى لا يكون من الّذين جحدوا بآياته و استيقنتها أنفسهم ظلما و علوّا،فإنّ أولئك معرفتهم ناقصة غير كاملة .

«و كمال التّصديق به توحيده» بنفي الشريك عنه،لأنّ من عرف بقلبه أنّ للعالم صانعا،و أقرّ به بلسانه،لكن جعل له شريكا في الايجاد كالثنويّة،و من قال:هو ثالث ثلاثة،تصديقه ناقص لا فائدة فيه .

«و كمال توحيده الإخلاص له» في العبادة،لأنّ من وحّده في الايجاد،لكن جعل له شريكا في العبادة،كالوثنيّة الّذين قالوا في أوثانهم: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللّهِ زُلْفى» (1)

الزمر:3. [1]

،توحيده غير كامل .

«و كمال الإخلاص له نفي الصفات» زائدة على الذات،كما في الناس .

«عنه،بشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف» فعلم زيد غير ذات زيد .

«و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة» فذات عمرو غير حلمه،و في حديث الزّنديق الذي قال للصادق عليه السّلام:«أ تقول:إنّ اللّه سميع بصير؟فقال عليه السّلام:هو سميع بصير،سميع بغير جارحة،و بصير بغير آلة،بل يسمع بنفسه،و يبصر بنفسه،و ليس قولي:إنّه سميع بنفسه أنّه شيء و النفس شيء آخر،و لكنّي أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولا،و إفهاما لك إذ كنت سائلا،فأقول:

يسمع بكلّه،لا أنّ كلّه له بعض،لأنّ الكلّ لنا له بعض،و لكن أردت إفهامك و التّعبير عن نفسي،و ليس مرجعي في ذلك كلّه إلاّ أنّه السّميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات،و لا اختلاف المعنى» (2).


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 1:109 ح 2،و [2]الصدوق بطريقين في التوحيد:144 ح 10 و 245 ح 1،و روى هذا الحديث الطبرسي في الاحتجاج 2:332، [3]لكن لا توجد فيه هذه القطعة.

و قيل للباقر عليه السّلام:«يزعم قوم من أهل العراق أنّه يسمع بغير الّذي يبصر،و يبصر بغير الّذي يسمع،فقال عليه السّلام:كذبوا و ألحدوا و شبّهوا،تعالى اللّه عن ذلك إنّه سميع بصير،يسمع بما يبصر،و يبصر بما يسمع» (1)

أخرجه ضمن حديث الكليني في الكافي 1:108 ح 1،و [1]الصدوق في التوحيد:144 ح 9.

.

و كلامه عليه السّلام ككلام عترته عليهم السّلام ردّ على الصفاتيّة الّذين يقال لهم اليوم الأشعرية.

قال الشهرستاني في ملله:اعلم أنّ جماعة كثيرة من السّلف كانوا يثبتون للّه تعالى صفات أزليّة من العلم و القدرة،و الحياة و الإرادة،و السمع و البصر،و الكلام و الجلال و الإكرام و الجود و الإنعام،و العزّة و العظمة،و لا يفرّقون بين صفات الذات و صفات الفعل،بل يسوقون الكلام سوقا واحدا، و كذلك يثبتون صفات خبريّة مثل اليدين و الوجه،و لا يؤوّلون ذلك،إلاّ أنّهم يقولون هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسّميها صفات خبريّة،و لمّا كانت المعتزلة ينفون الصفات و السلف يثبتون سمّي السلف صفاتيّة،و المعتزلة معطّلة،فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حدّ التّشبيه بصفات المحدثات،و اقتصر بعضهم على صفات دلّت الافعال عليها،و ما ورد به الخبر فافترقوا فيه فرقتين:منهم من أوّله على وجه يحتمل اللّفظ ذلك،و منهم من توقّف في التأويل...ثمّ ان جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف، فقالوا:لا بدّ من اجرائها على ظاهرها و القول بتفسيرها كما وردت،من غير تعرّض للتأويل و لا توقّف في الظاهر.فوقعوا في التشبيه الصرف...أمّا السّلف الّذين لم يتعرّضوا للتّأويل و لا تهدّفوا للتشبيه،فمنهم مالك بن أنس،إذ قال:الاستواء معلوم،و الكيفيّة مجهولة،و الايمان به واجب،و السؤال عنه بدعة.و مثل أحمد بن حنبل و سفيان الثوري و داود بن علي الاصفهاني و من


1) 1)

تابعهم،حتّى انتهى الزّمان الى عبد اللّه بن سعيد الكلابي،و أبي العباس القلانسي،و الحرث بن أسد المحاسبي.

و هؤلاء كانوا من جملة السلف أنّهم باشروا علم الكلام و أيّدوا عقائد السلف بحجج كلاميّة و براهين أصولية و صنّف بعضهم و درّس بعض،حتّى جرى بين أبي الحسن الأشعري و استاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصّلاح و الأصلح،فتخاصما،و انحاز الأشعري الى هذه الطائفة،فأيّد مقالتهم بمناهج كلاميّة،و صار ذلك مذهبا لأهل السّنة و الجماعة،و انتقلت سمة الصفاتيّة الى الأشعرية،و لمّا كانت المشبهة و الكرامية من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة الصّفاتية » (1)

الملل و النحل للشهرستاني 1:84. [1]

.

«و من قرنه فقد ثنّاه،و من ثنّاه فقد جزّأه» هكذا في النسخ (2)،و لا يبعد أن يكون وقع تحريف،و أنّ الأصل(و من قرنه فقد جزّأه،و من جزّأه فقد ثنّاه)، فإنّ القول بتثنيته أشنع من القول بتجزيته،فبطلان القول بالتثنية مسلّم عند جميع فرق المسلمين،بخلاف القول بتجزيته،فيدين به المشبّهة منهم و المجسمة .

«و من قال فيم» كمن قال:إنّه في السماء.

«فقد ضمّنه» أي:جعله في ضمن شيء .

«و من قال علام» كمن قال إنّه على العرش.

«فقد أخلى منه» أي:غير ذلك الشيء الّذي قال هو عليه،كالكرسيّ مثلا و غيره،قال ابن أبي العوجاء للصادق عليه السّلام:أليس اذا كان في السماء كيف يكون في الأرض،و إذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟فقال عليه السّلام:إنّما


1) 1)

2) 2) كذا في نهج البلاغة 1:15،و [2]شرح ابن أبي الحديد 1:22،و [3]شرح ابن ميثم 1:106. [4]

و صفت المخلوق الّذي إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان و خلا منه مكان،فلا يدري في المكان الّذي صار اليه ما يحدث في المكان الذي كان فيه،فأمّا اللّه العظيم الشأن الملك الديّان،فلا يخلو منه مكان و لا يشتغل به مكان،و لا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:126 ح 3،و [1]الصدوق في التوحيد:254 ح 4،و رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:335 [2]ضمن حديث طويل،و أخرج الحديث الصدوق في العلل 2:404 ح 4 و [3]الامالي:493 ح 4 المجلس(90)،و [4]المفيد في الارشاد:280،و [5]الكراجكي في الكنز:220،لكن ليس في رواية العلل و ما بعدها [6]هذه القطعة.

.

هذا،و روى(الإرشاد)هذه الفقرات عن الزهري و عيسى بن زيد عن صالح ابن كيسان عنه عليه السّلام هكذا:«أوّل عبادة اللّه معرفته،و أصل معرفته توحيده،و نظام توحيده نفي التشبيه عنه،جلّ عن أن تحلّه الصّفات بشهادة العقول أنّ كلّ من حلّته الصفات مصنوع،و شهادة العقول أنّه جلّ جلاله ليس بمصنوع،بصنع اللّه يستدلّ عليه و بالعقول تعتقد معرفته،و بالنظر تثبت حجّته،جعل الخلق دليلا عليه،فكشف به عن ربوبيّته،هو الواحد الفرد في أزليته،لا شريك له في إلهيّته،و لا ندّ له في ربوبيّته،بمضادّته بين الأشياء المتضادّة علم أن لا ضدّ له،و بمقارنته بين الأمور المقترنة علم أن لا قرين له» (2).

و روى(العيون و التوحيد و أمالي المفيد و أمالي الشيخ)عن الرضا عليه السّلام خطبة في المعنى و هي:«أوّل عبادة اللّه معرفته،و أصل معرفة اللّه توحيده، و نظام توحيد اللّه نفي الصفات عنه،لشهادة العقول أنّ كلّ صفة و موصوف مخلوق،و شهادة كلّ موصوف أنّ له خالقا ليس بصفة و لا موصوف و شهادة كلّ صفة و موصوف بالاقتران،و شهادة الاقتران بالحدوث،


1) 1)

2) 2) الارشاد للمفيد:119. [7]

و شهادة الحدوث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدوث...» (1)

أخرجه الصدوق في العيون 1:123 ح 51،و [1]التوحيد:34 ح 2،و [2]المفيد في أماليه:253 ح 4 المجلس(30)،و أبو علي الطوسي في أماليه 1:22 المجلس(1). [3]

.

3

من الخطبة(1)

بعد ما مرّ:

كَائِنٌ لاَ عَنْ حَدَثٍ مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَمٍ- مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لاَ بِمُقَارَنَةٍ وَ غَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ بِمُزَايَلَةٍ- فَاعِلٌ لاَ بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَ الْآلَةِ- بَصِيرٌ إِذْ لاَ مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ- مُتَوَحِّدٌ إِذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَ لاَ يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءً وَ ابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً- بِلاَ رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا وَ لاَ تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا- وَ لاَ حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا وَ لاَ هَمَامَةِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِيهَا- أَحَالَ الْأَشْيَاءَ لِأَوْقَاتِهَا وَ لاَءَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا- وَ غَرَّزَ غَرَائِزَهَا وَ أَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا- عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا- مُحِيطاً بِحُدُودِهَا وَ انْتِهَائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَ أَحْنَائِهَا «كائن لا عن حدث» لأنّه مكوّن المحدثات .

«موجود لا عن عدم» لأنّه موجد المعدومات .

«مع كلّ شيء لا بمقارنة» قال تعالى: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا» (2).

«و غير كلّ شيء لا بمزايلة» «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » (3).

«فاعل لا بمعنى الحركات و الآلة» «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ»


1) 1)

2) 2) المجادلة:7. [4]

3) 3) الشورى:11. [5]

«إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» (1)

القمر:49. [1]

.

«عارفا بقرائنها» أي:ما يوافقها فيقرنها.

«و أحنائها» في الصحاح:الحنو بالكسر:واحد أحناه،السّرج و القتب، و حنو كلّ شيء أيضا اعوجاجه،و منه حنو الجبل (2).

هذا،و قال المجلسي في شرح قوله عليه السّلام: «عارفا بقرائنها و أحنائها» إنّه يدلّ على جواز اطلاق العارف عليه تعالى،و منعه بعضهم (3).

قلت:إنّما يفهم منه جواز إطلاق عارف مقيّد لا مطلق.

4

اشارة

من الخطبة(49)

و من خطبة له عليه السّلام:

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأَمُوُرِ- وَ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلاَمُ الظُّهُورِ- وَ امْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ- فَلاَ عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ- وَ لاَ قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ- سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلاَ شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ- وَ قَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلاَ شَيْءَ


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 6:2321 [2] مادة(حنو).

3) 3) بحار الأنوار 57:181. [3]

أَقْرَبُ مِنْهُ- فَلاَ اسْتِعْلاَؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ- وَ لاَ قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ- لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ- وَ لَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ- فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاَمُ الْوُجُودِ- عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ- تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ- وَ الْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كَبِيراً «الحمد للّه الذي بطن خفيّات الأمور» أي:صار باطنا لها حتّى كأنّها ظاهرة بالنسبة إليه تعالى،كما قال عليه السّلام في كلام له آخر:«كلّ باطن غيره ظاهر» (1)

لفظ الفقرة:«و كل باطن غيره غير ظاهر»كما في نهج البلاغة 1:113 [1] الخطبة(63)،و شرح ابن أبي الحديد 1:471، و [2]شرح ابن ميثم 2:167،و [3]الفرق كثير.

و ذلك لإمكان درك ذاتها،و استحالة ذلك في حقّه تعالى.

و قال ابن أبي الحديد و تبعه ابن ميثم و الخوئي (2):معنى قوله عليه السّلام:

«بطن خفيّات الأمور» علم بالبواطن و الخفيّات،و هو كما ترى،مع أنّه يأباه قوله عليه السّلام بعد .

«و دلت عليه أعلام الظهور» فإنّه دالّ على أنّ كنهه تعالى و إن كان أخفى الأمور إلاّ أنّ وجوده تعالى أجلى الأشياء،و في غاية الظهور لكثرة شواهده، و توفّر أدلّته: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (3).

و في كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد

(4)«و امتنع على عين البصير» أن تبصره و تراه،و عن عاصم بن حميد: ذاكرت الصادق عليه السّلام في ما يروون من الرّؤية،فقال:الشّمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي،و الكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش،


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:292،و شرح ابن ميثم 2:127،و شرح الخوئي 2:78.

3) 3) فصلت:53. [4]

4) 4) أورده ابن أبي الحديد في شرحه 2:144.

و العرش جزء من سبعين جزءا من نور الحجاب،و الحجاب جزء من سبعين جزءا من نور الستر،فإن كانوا صادقين فليملئوا أعينهم من الشمس،ليس دونها سحاب (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:98 ح 7،و [1]الصدوق في التوحيد:108 ح 3.

.

و قال المفيد:لا يصحّ رؤية الباري سبحانه بالأبصار،و بذلك شهد العقل،و نطق القرآن،و تواتر الخبر عن أئمة الهدى عليهم السّلام من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و عليه جمهور أهل الامامة و عامّة متكلّميهم،إلاّ من شذّ منهم لشبهة عرضت له في تأويل الأخبار (2).

«فلا عين من لم يره تنكره،و لا قلب من أثبته يبصره» قال ابن أبي الحديد:

و قد روي هذا الكلام على وجه آخر،قالوا في الخطبة:«فلا قلب من لم يره ينكره،و لا عين من أثبته تبصره» (3).

قلت:هو أنسب جدّا،فالإنكار ينسب الى القلب،و الإبصار الى العين، و الأوّل عكسه،و لا يصحّ إلاّ بتأوّل،دخل رجل من الخوارج على الباقر عليه السّلام و قال له:أي شيء تعبد؟قال:اللّه تعالى.قال:أرأيته؟قال:بلى،و لكن لم تره العيون بمشاهدة الأبصار،و لكن رأته القلوب بحقائق الايمان.لا يعرف بالقياس،و لا يدرك بالحواس،و لا يشبّه بالناس،موصوف بالآيات،معروف بالعلامات.لا يجور في حكمه،ذلك اللّه لا إله إلاّ هو.فخرج الرجل و هو يقول:اللّه أعلم حيث يجعل رسالته (4).


1) 1)

2) 2) أوائل المقالات للمفيد:62. [2]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:292. [3]

4) 4) أخرجه الكليني في الكافي 1:97 ح 5،و [4]الصدوق في التوحيد:108 ح 5،و الأمالي:229 ح 4 المجلس(47)،و [5]رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:321 [6] عن الباقر عليه السّلام،و رواه الاربلي في كشف الغمة 2:418 [7] مترددا عن الباقر أو الصادق عليهما السّلام،و روي هذا المعنى عن علي و الصادق عليهما السّلام كما يأتي في تحقيق حديث ذعلب في شرح الخطبة(177)، العنوان(23)من هذا الفصل.

«سبق في العلوّ» لكونه خالقا.

«فلا شيء أعلى منه» لأنّ كلّ شيء مخلوق له تعالى .

«و قرب في الدنوّ فلا شيء أقرب منه» حتّى إنّ المحتضر مع قرب أقاربه منه-ذاك الحين-و اجتماعهم حوله،هو تعالى أقرب إليه منهم،حتّى يتوفى تعالى نفسه: «فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ» (1)

الواقعة:83-85. [1]

،و حتّى إنّ الأجزاء الباطنية للإنسان مع كونها في غاية القرب من صاحبها هو تعالى أقرب إليه منها: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (2)، «يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ » (3).

«فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه» كما باعد استعلاء السماء على الأرض السماء عن الأرض .

«و لا قربه ساواهم في المكان به» كما ساوى قرب نفرين جارين بينهما في المكان،لأنّ استعلاءه و قربه ليس كاستعلاء بعض الخلق على بعض،و كقرب بعضهم من بعض .

«لم يطلع العقول على تحديد صفته،و لم يحجبها عن واجب معرفته» قال الصادق عليه السّلام للمفضّل بن عمرو:إنّ العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار،و لا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته.فإن قالوا:فكيف يكلّف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللّطيف،و لا يحيط به؟قيل لهم:إنّما كلّف العباد من ذلك في ما طاقتهم أن يبلغوه،و هو أن يوقنوا به و يقفوا عند أمره و نهيه،و لم يكلّفوا الإحاطة بصفته،كما أنّ الملك لا يكلّف رعيته أن يعلموا أ طويل هو أم


1) 1)

2) 2) ق:16.

3) 3) الأنفال:24. [2]

قصير،أبيض هو أم أسمر،و إنّما يكلّفهم الإذعان لسلطانه و الانتهاء إلى أمره، ألا ترى أنّ رجلا لو أتى الى باب الملك و قال:اعرض عليّ نفسك حتّى أتقصّى معرفتك،و إلاّ لم أسمع لك كان قد أحلّ نفسه بالعقوبة؟فكذا القائل:إنّه لا يقرّ بالخالق سبحانه حتّى يحيط بكنهه متعرّضا لسخطه (1)

توحيد المفضل:177. [1]

.

«فهو الّذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود» هو نظير قوله عليه السّلام في ما يأتي:«المتجلّي لخلقه بخلقه،و الظاهر لقلوبهم بحجّته» (2).

مناظرة ابن أبي العوجاء مع الصادق عليه السّلام:

قال أبو منصور المتطبّب:أخبرني رجل من أصحابي،قال:كنت أنا و ابن أبي العوجاء و عبد اللّه بن المقفّع في المسجد الحرام،فقال ابن المقفّع:

ترون هذا الخلق-و أو مأ بيده إلى موضع الطواف-ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانية إلاّ ذلك الشيخ الجالس-يعني:أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام-فأمّا الباقون فرعاع و بهائم.فقال له ابن أبي العوجاء:و كيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء؟قال:لأنّي رأيت عنده ما لم أره عندهم.قال:فقال له ابن أبي العوجاء:لا بدّ من اختبار ما قلت فيه منه.فقال له ابن المقفّع:لا تفعل،فإني أخاف أن يفسد عليك ما في يدك.فقال:ليس ذا رأيك،و لكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إجلالك إيّاه المحلّ الّذي و صفت.فقال ابن المقفّع:أمّا إذا توهّمت عليّ هذا،فقم إليه و تحفّظ ما استطعت من الزلل،و لا تثن عنانك إلى استرسال فيسلمك إلى عقال،و سمه مالك أو عليك.

قال:فقام ابن أبي العوجاء و بقيت أنا و ابن المقفّع جالسين،فلمّا رجع


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:206 [2] الخطبة(106)،و يأتي في العنوان(15)من هذا الفصل.

الينا ابن أبي العوجاء،قال:ويلك يا ابن المقفّع!ما هذا ببشر،و إن كان في الدنيا روحاني يتجسّد إذا شاء ظاهرا،و يتروّح إذا شاء باطنا،فهو هذا.فقال له:

و كيف ذلك؟قال:جلست إليه،فلمّا لم يبق عنده غيري ابتدأني،فقال:إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء،-يعني أهل الطواف-و هو على ما يقولون فقد سلموا و عطبتم،و إن يكن الأمر على ما تقولون،و ليس كما تقولون،فقد استويتم و هم.فقلت له:يرحمك اللّه،و أيّ شيء نقول،و أي شيء يقولون؟ما قولي و قولهم إلاّ واحد.فقال:و كيف يكون قولك و قولهم واحدا و هم يقولون:إنّ لهم معادا،و ثوابا و عقابا،و يدينون بأنّ في السماء إلها و أنّها عمران،و أنتم تزعمون أنّ السماء خراب ليس فيها أحد؟قال:فاغتنمتها منه،فقلت له:ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه،و يدعوهم الى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان؟و لم احتجب عنهم،و أرسل اليهم الرسل،و لو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الايمان به؟فقال لي:ويلك،و كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك:نشوءك و لم تكن،و كبرك بعد صغرك،و قوّتك بعد ضعفك، و ضعفك بعد قوّتك،و سقمك بعد صحّتك،و صحتك بعد سقمك،و رضاك بعد غضبك،و غضبك بعد رضاك،و حزنك بعد فرحك،و فرحك بعد حزنك،و حبّك بعد بغضك،و بغضك بعد حبّك،و عزمك بعد أناتك،و أناتك بعد عزمك، و شهوتك بعد كراهتك،و كراهتك بعد شهوتك،و رغبتك بعد رهبتك،و رهبتك بعد رغبتك،و رجاءك بعد يأسك،و يأسك بعد رجائك،و خاطرك بما لم يكن في وهمك،و عزوب ما أنت معتقده عن ذهنك.و ما زال يعدّد عليّ قدرته التي هي في نفسي التي لا أدفعها حتّى ظننت:أنّه سيظهر في ما بيني و بينه (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:74 ح 2،و [1]الصدوق في التوحيد ح:125 4. [2]

.

و من الشواهد على ما ذكره عليه السّلام من إقرار قلب ذي الجحود:أنّ كلّ


1) 1)

جاحد إذا انقطع رجاؤه عن الأسباب الظاهرية،و صار إلى الاضطرار يتوجّه إلى مبدئه بلا اختيار: «فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها» (1)

الروم:30. [1]

، «فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ» (2).

و حتّى إنّ عمرو بن العاص الّذي عادى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى أن فتح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مكّة فاستسلم و لم يسلم و أسرّ كفره،ثمّ عادى أمير المؤمنين عليه السّلام إلى شهادته، كان مقرّا بأنّ ما قدّر اللّه تعالى يقع،و لو على خلاف الأسباب الظاهرية،ففي (صفين نصر)أنّ معاوية لمّا أعطى عمرو بن العاص مصر ليعينه على أمير المؤمنين عليه السّلام و كتب له كتابا،و كتب فيه:على أن لا ينقض شرط طاعة،و كتب عمرو:على أن لا تنقض طاعة شرطا،و كايد كلّ واحد منهما صاحبه،و كان مع عمرو ابن عمّ له فتى شاب،و كان داهيا حليما،فلمّا جاء عمرو بالكتاب مسرورا عجب الفتى،و قال:ألا تخبرني يا عمرو بأيّ رأي تعيش في قريش؟ أعطيت دينك و منّيت دنيا غيرك،أرى أهل مصر و هم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية و عليّ حيّ،و تراها إن صارت الى معاوية لا يأخذها بالحرف الّذي قدّمه في الكتاب؟فقال له عمرو:يا بن الأخ إنّ الأمر للّه دون عليّ و معاوية ... (3).

«تعالى اللّه عمّا يقول المشبّهون به و الجاحدون له علوّا كبيرا» روي عن إبراهيم بن محمد الخزاز و محمد بن الحسين أنّهما حكيا للرضا عليه السّلام:إنّ محمّد صلّى اللّه عليه و آله رأى ربّه في صورة الشاب الموفق في سنّ أبناء ثلاثين سنة-إلى أن قال-فخرّ ساجدا للّه،ثمّ قال:سبحانك ما عرفوك و لا وحّدوك،فمن أجل ذلك و صفوك-إلى أن قال-إن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حين نظر إلى عظمة ربّه كان في هيئة


1) 1)

2) 2) العنكبوت:65. [2]

3) 3) وقعة صفين:40. [3]

الشاب الموفّق و سنّ أبناء ثلاثين سنة،يا محمّد!عظم ربّي عز و جل أن يكون في صفة المخلوقين.قال:قلت له:جعلت فداك من كانت رجلاه في خضرة؟ قال:ذاك محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،كان إذا نظر الى ربّه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتّى يستبين له ما في الحجب (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:100 ح 3،و [1]الصدوق في التوحيد:113 ح 13 ضمن حديث طويل،و أخرج معناه أيضا الكليني في الكافي 1:106 ح 8،و [2]الصدوق في التوحيد:17 ح 1. [3]

.

و روي عن داود الرّقيّ،قال:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عز و جل:

«وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» (2)،فقال:ما يقولون؟قلت:يقولون:إنّه العرش على الماء،و الرّبّ فوقه.فقال:كذبوا،من زعم هذا فقد صيّر اللّه محمولا، و وصفه بصفة المخلوق،و لزمه أنّ الشيء الّذي يحمله أقوى منه (3).

و أمّا قوله تعالى: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» (4)فهو من قبيل قول الشاعر:

قد استوى بشر على العراق من غير سيف و دم مهراق

(5)في كون المراد به مجرد الاستيلاء و السّلطة. هذا،و في(كامل الجزري):و في سنة(323)خرج توقيع الراضيّ الخليفة بما يقرأ على الحنابلة،ينكر عليهم فعلهم و يوبّخهم باعتقاد التّشبيه و غيره، فمنه:تارة أنّكم تزعمون أنّ صورة وجوهكم القبيحة السّمجة على مثال ربّ العالمين،و هيئتكم الرّذلة على هيئته،و تذكرون الكفّ و الأصابع و الرجلين و النّعلين المذهّبين،و الشعر القطط،و الصعود الى السماء،و النزول الى الدنيا.


1) 1)

2) 2) هود:7. [4]

3) 3) أخرجه ضمن حديث الكليني في الكافي 1:132 ح 7،و [5]الصدوق في التوحيد:319 ح 1.

4) 4) طه:5. [6]

5) 5) أورده لسان العرب 14:414 [7] مادة(سوا).

تبارك اللّه عمّا يقول الظالمون و الجاحدون علوّا كبيرا... (1)

الكامل لابن الأثير 8:308، [1]سنة(323).

.

قلت:و الأصل في زعمهم قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فإنّ اللّه تعالى خلق آدم على صورته (2)،و الضمير في(صورته)راجع الى رجل سبّه من قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له ذلك،فتوهموا رجوعه إلى(اللّه)،روى(العيون)عن الحسين بن خالد قال:قلت للرضا عليه السّلام:يابن رسول اللّه.إنّ الناس يروون أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:إنّ اللّه خلق آدم على صورته.فقال:قاتلهم اللّه لقد حذفوا أوّل الحديث:إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مرّ برجلين يتسابّان،فسمع أحدهما يقول لصاحبه قبّح اللّه وجهك،و وجه من يشبهك.فقال صلّى اللّه عليه و آله له:يا عبد اللّه لا تقل هذا لأخيك،فإنّ اللّه تعالى خلق آدم على صورته (3).

و في(الكامل)أيضا في سنة(458):ذكر أنّ فيه توفي أبو يعلى الحنبلي مصنّف كتاب(الصفات)،أتى فيه بكلّ عجيبة،و فيه التجسيم،و كان ابن تميم


1) 1)

2) 2) أخرجه مسلم في صحيحه 4:2183 ح 28،و أحمد بطريقين في مسنده 2:315،323،و الطبراني في السنة،و الدار قطني في الصفات عنهما منتخب كنز العمال 1:113،و أخرج معناه عنه عبد الرزاق في الجامع،و ابن عساكر في التاريخ،منتخب كنز العمال 1:113،و أخرجه ابن قتيبة في تأويل المختلف:220 مجردا عن ابن عمر بلفظ«ان اللّه خلق آدم على صورة الرحمن»،و نحو هذا اللفظ أخرج الطبراني عنه كنوز الحقائق 2:159،و روى الكشي اختيار الكشي:284 ح 503 عن هشام بن سالم انّه يقول:«إنّ آدم خلق على مثال الرب»،و روى الطبرسي في الاحتجاج 2:344 [2] ضمن حديث طويل عن الصادق عليه السّلام نسبة التمسك بهذا الحديث الى أصحاب التناسخ،و جاء ما يشبه هذا الحديث في التوراة الموجودة، العهد العتيق-سفر التكوين-الاصحاح الأول:26،27 و في رسالة بولس الى أهل افسس،العهد الجديد-الرسالة المذكورة-الاصحاح الرابع:24،و ما نقل من صحف ادريس عليه السّلام ابن طاوس في سعد السعود:33.

3) 3) أخرجه الصدوق في العيون 1:98 ح 12،و [3]التوحيد:152 ح 11،و رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:410 [4] عن الرضا عليه السّلام،و روى معناه الصدوق في التوحيد [5]مسندا:152 ح 10،و ابن قتيبة في تأويل المختلف:219،و المرتضى في تنزيه الأنبياء:127،و [6]ابن خالويه في الاعراب مجردا:129،و جاء في شرح الحديث روايات غير هذه الرواية،منها:ما رواه الصدوق في التوحيد:103 ح 18،و الطبرسي في الاحتجاج 2:323 [7] عن الباقر عليه السّلام.

الحنبلي يقول:لقد خرى أبو يعلى على الحنابلة خرية لا يغسلها ماء (1)

الكامل لابن الأثير 10:52. [1]

.

هذا،و نوّع ابن أبي الحديد القول بالتّشبيه من قائليه أحد عشر نوعا:

كونه تعالى جسما و جوهرا،و ذا أعضاء،و ذا جهة،و كونه عرضا،و محلاّ لشيء آخر،و متّحدا بغيره،و كونه ذا أعراض و لون،و ذا شهوة،و نفرة،و ذا تناه،و كونه مرئيا،و نقل في كلّ نوع أباطيل من قائليه،إلاّ أنّ في نقله الغثّ و السمين،فنسب الى جمع من أجلّة الشيعة أضاليل (2)،كما نقل ما لا ينبغي نقله من ترّهات قصص العامّة،مثل ما نقل عن قاصّ طبري:أنّ في القيامة يخفى اللّه يزيد بن معاوية تحت قوائم عرشه من فاطمة،و يرغّبها في العفو عنه بإراءته لها قدمه المجروحة من سهم نمرود و عفوه عنه (3)،و نقل عن معاذ العنبري أنّ له جميع الأعضاء حتّى الفرج (4).تعالى اللّه عمّا يقولون علوّا كبيرا.

5

من الخطبة(63)

و من خطبة له عليه السّلام:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالاً- فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً- وَ يَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً- كُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ- وَ كُلُّ عَزِيزٍ غَيْرَهُ ذَلِيلٌ وَ كُلُّ قَوِيٍّ غَيْرَهُ ضَعِيفٌ- وَ كُلُّ مَالِكٍ غَيْرَهُ مَمْلُوكٌ وَ كُلُّ عَالِمٍ غَيْرَهُ مُتَعَلِّمٌ- وَ كُلُّ قَادِرٍ غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَ يَعْجَزُ- وَ كُلُّ سَمِيعٍ غَيْرَهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الْأَصْوَاتِ- وَ يُصِمُّهُ كَبِيرُهَا وَ يَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا


1) 1)

2) 2) مقصود الشارح هشام بن الحكم و هشام بن سالم و يونس بن عبد الرحمن و محمد بن النعمان صاحب الطاق و الفضل بن شاذان،و النسب التي نسبها اليهم ابن أبي الحديد رواها جمع من مؤلفي الشيعة و السنة،لم يسع المقام لنقل رواياتهم.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:295. [2]

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:294 [3] نقله الشارح بالمعنى.

وَ كُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيِّ الْأَلْوَانِ وَ لَطِيفِ الْأَجْسَامِ- وَ كُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرَهُ غَيْرُ بَاطِنٍ وَ كُلُّ بَاطِنٍ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ- لَمْ يَخْلُقْ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ- وَ لاَ تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ- وَ لاَ اسْتِعَانَةٍ عَلَى نِدٍّ مُثَاوِرٍ وَ لاَ شَرِيكٍ مُكَاثِرٍ وَ لاَ ضِدٍّ مُنَافِرٍ- وَ لَكِنْ خَلاَئِقُ مَرْبُوبُونَ وَ عِبَادٌ دَاخِرُونَ- لَمْ يَحْلُلْ فِي الْأَشْيَاءِ فَيُقَالَ هُوَ فِيهَا كَائِنٌ- وَ لَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ- لَمْ يَؤُدْهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ- وَ لاَ تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ وَ لاَ وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ- وَ لاَ وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وَ قَدَّرَ- بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ وَ عِلْمٌ مُحْكَمٌ- وَ أَمْرٌ مُبْرَمٌ الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ- الْمَرْجُوُّ مَعَ النِّعَمِ «الحمد للّه» حمده تعالى باعتبار خمسة عشر وصفا،لا يوصف بواحد منها غيره تعالى:

الأوّل: «الذي لم يسبق له حال حالا،فيكون أوّلا قبل أن يكون آخرا» و غيره تعالى لا يوصف بالأوّليّة و الآخرية في زمان واحد،مثل أوّل سلطنة سلطان و آخرها،و أوّل فاكهة و آخرها،و أمّا هو تعالى ففي كلّ وقت أوّل و آخر،و سئل الصادق عليه السّلام عن معنى الأول و الآخر فيه تعالى،فقال:الأوّل:لا عن أوّل قبله و لا عن بدء سبقه،و الآخر:لا عن نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين،و لكن قديم أوّل آخر لم يزل و لا يزول بلا بدء و لا نهاية (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:116 ح 6،و [1]الصدوق في التوحيد:313 ح 1،و معاني الأخبار:12 ح 1 عن ميمون اللبّان عن الصادق عليه السّلام.

.

«و يكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا» هو أيضا كسابقه تفريع على قوله: «لم يسبق له حال حالا» فكما أنّه تعالى في حين آخريته أوّل،كذلك هو في حين باطنيته ظاهر،قال تعالى: «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ»


1) 1)

«شَيْءٍ عَلِيمٌ» (1)

الحديد:3. [1]

.

و قال الرضا عليه السّلام في خبر في أسمائه تعالى:و أمّا الظاهر فليس من أجل أنّه علا الأشياء بركوب فوقها و قعود عليها،و تسنّم لذراها،و لكن ذلك لقهره و لغلبته الأشياء و قدرته عليها،كقول الرّجل:ظهرت على أعدائي،و أظهرني اللّه على خصمي،يخبر عن الفلج و الغلبة،فهكذا ظهور اللّه على الأشياء.و وجه آخر أنّه الظاهر لمن أراده،و لا يخفى عليه شيء،و أنّه مدبّر لكلّ ما برأ،فأيّ ظاهر أظهر و أوضح من اللّه تعالى؟!لأنّك لا تعدم صنعته حيثما توجّهت،و فيك من آثاره ما يغنيك،و الظاهر منّا البارز بنفسه،و المعلوم بحدّه.فقد جمعنا الاسم و لم يجمعنا المعنى.

و أمّا الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها،و لكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علما و حفظا و تدبيرا،كقول القائل:أبطنته، يعني:خبرته،و علمت مكتوم سرّه.و الباطن منّا الغائب في الشيء المستتر، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى (2).

الثاني : «كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل» في وحدته،روى الفتح بن يزيد عن الرضا عليه السّلام في خبر:فالإنسان واحد في الاسم لا واحد في المعنى،و اللّه تعالى واحد لا واحد غيره،و لا اختلاف فيه و لا تفاوت،و لا زيادة و لا نقصان، فأمّا الإنسان المخلوق المصنوع المؤلّف،فمن أجزاء مختلفة و جواهر شتّى، غير أنّه بالاجتماع شيء واحد (3).


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 1:120 ح 2،و [2]الصدوق في التوحيد:189 ح 2،و العيون 1:122 ح 50،و [3]رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:398. [4]

3) 3) أخرجه الصدوق في التوحيد:62 ح 18 ضمن حديث طويل،و أخرجه أيضا الكليني في الكافي 1:137 ح 3، [5]لكن ليس في حديث الكافي [6]هذه القطعة.

و في خبر عن الجواد عليه السّلام:فلا يقال:اللّه مؤتلف و لا اللّه قليل و لا كثير.

و لكنه القديم في ذاته،لأنّ ما سوى الواحد متجزّىء،و اللّه واحد لا متجزّىء،و لا متوهّم بالقلّة و الكثرة،و كلّ متجزّىء أو متوهّم بالقلّة و الكثرة فهو مخلوق دالّ على خالق له (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:116 ح 7،و [1]الصدوق في التوحيد:193 ح 7،و رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:442. [2]

.

الثالث : «و كلّ عزيز غيره ذليل» «أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً » (2).و العزّة في غيره تعالى-و إن كان مجازيا-إلاّ أنّها أيضا بيده، فلا ينالها إلاّ من يشاء تعالى: «قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (3).

كما أنّه تعالى جعلها بمعنى آخر للمنسوبين إليه «وَ لِلّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» (4)و كلتاهما و إن كانت غير حقيقية،إلاّ أنّ الأولى ظاهرية و الثانية باطنيّة.

الرّابع : «و كلّ قوي غيره ضعيف» كيف لا يكون غيره ضعيفا،و الإنسان الّذي سخّر له ما في السماوات و الأرض،و قال تعالى فيه: «وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً» (5)في غاية الضعف،فقال تعالى: «وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً» (6)،و قال عليه السّلام:«مسكين ابن آدم مكتوم الأجل،مكنون العلل،محفوظ


1) 1)

2) 2) النساء:139. [3]

3) 3) آل عمران:26. [4]

4) 4) المنافقون:8. [5]

5) 5) الاسراء:70. [6]

6) 6) النساء:28. [7]

العمل،تؤلمه البقة و تقتله الشرقة،و تنته العرقة» (1)

نهج البلاغة 4:98 [1] الحكمة(419).

.

الخامس : «و كلّ مالك غيره مملوك» هو تعالى «لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (2)،و غيره «وَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً» (3)، «ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ» (4).

قال الجوهري:القطمير الفوفة التي في النواة،و هي القشرة الرقيقة، و يقال:هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة،تنبت منها النخلة (5).

السادس : «و كلّ عالم غيره متعلّم» و أمّا هو تعالى فعلمه من صفات ذاته.

السابع : «و كلّ قادر غيره يقدر» على أشياء معدودة «و يعجز» عن أشياء غير محصورة،و أمّا هو تعالى فقادر على كلّ أمر غير مستحيل،و أمّا المستحيل كإدخال الدنيا في بيضة مع ابقائهما على حالهما،كما اقترحه جاهل معاند،فخارج عن موضوع القدرة،مع أنّه تعالى فعل نظيره.

قال الديصاني لهشام بن الحكم:ألك ربّ؟فقال:بلى.قال:أ قادر هو؟ قال:نعم،قادر قاهر.قال:يقدر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة لا تكبر البيضة،و لا تصغر الدنيا؟قال هشام:النظرة.فقال له:قد أنظرتك حولا.ثمّ خرج عنه، فركب هشام الى الصادق عليه السّلام فاستأذن عليه،فأذن له،فقال له:يابن رسول اللّه!أتاني عبد اللّه الديصاني بمسألة ليس المعوّل فيها إلاّ على اللّه و عليك،فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:عن ما ذا سألك؟فقال:قال لي:كيت و كيت.فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:يا هشام!كم حواسّك؟قال:خمس.قال:أيّها أصغر؟قال:النّاظر.


1) 1)

2) 2) الفرقان:2. [2]

3) 3) الفرقان:3. [3]

4) 4) فاطر:13. [4]

5) 5) صحاح اللغة للجوهري 2:797 [5] مادة(قطمر).

قال:و كم قدر الناظر؟قال:مثل العدسة أو أقل منها.فقال عليه السّلام له:يا هشام! فانظر أمامك و فوقك و اخبرني بما ترى.فقال:أرى سماء و أرضا و دورا و قصورا و براري و جبالا و أنهارا.فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:إنّ الّذي قدر أن يدخل الّذي تراه العدسة أو أقلّ منها قادر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة،لا تصغر الدنيا و لا تكبر البيضة.فأكبّ هشام عليه،و قبّل يديه و رأسه و رجليه و قال:حسبي يابن رسول اللّه،و رجع إلى الدّيصاني فأجابه.فقال:ليس هذا من عندك (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:79 ح 4،و [1]الصدوق في التوحيد 122 ح 1،و حديث البيضة جاء بألفاظ أخرى،منها: سؤال ابليس عيسى عليه السّلام أخرجه الصدوق في التوحيد:127 ح 5،و [2]منها سؤال رجل عليّا عليه السّلام أخرجه بروايتين الصدوق في التوحيد:130 ح 9،10،و [3]سؤال رجل الرضا عليه السّلام أخرجه الصدوق في التوحيد:130 ح 11. [4]

.

الثامن : «و كلّ سميع غيره يصمّ» بالفتح،كناية عن عدم السّماع «عن لطيف الأصوات و يصمّه» بالضمّ «كبيرها» و أمّا هو تعالى فيسمع السرّ و أخفى،و هو ما خطر بالقلب (2)، «و يذهب عنه ما بعد منها» بخلافه تعالى،فالقرب و البعد عنده سواء،بل ليس عنده قرب و لا بعد.

التاسع : «و كلّ بصير غيره يعمى» كناية عن عدم الرؤية «عن خفيّ الألوان و لطيف الأجسام» الظاهر سقوط ما يؤدّي معنى قوله عليه السّلام في السابق «و يذهب عنه ما بعد منها» فكما يذهب عن كلّ سميع غيره تعالى ما بعد من الأصوات،كذلك يذهب عن كلّ بصير غيره جلّ و علا ما بعد من الألوان و لو كانت واضحة،و الأجسام و لو كانت عظيمة،فإنّ السّامعة و الباصرة منّا محدودتان،و غاية ما قالوا في القصص التاريخيّة:إنّ زرقاء اليمامة كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيّام،و أنّها قالت لقومها جديس-لمّا بعث ملك


1) 1)

2) 2) قول الشارح اشارة الى قوله تعالى: «وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ» طه:7،و [5]تفسيره بما خطر بالقلب مروي موقوفا عن علي بن ابراهيم و قتادة و الحسن البصري و عكرمة،يجيء تخريجه في العنوان(15)من هذا الفصل.

اليمن اليهم لأخذ ثأر طسم منهم،و كانوا خافوا أن تبصرهم فتنذرهم فيستعدّوا و لا يقدروا عليهم،فقطعوا الأشجار و جعل كلّ رجل منهم بين يديه شجرة-:أرى أشجارا تقبل اليكم،و أرى فيها رجلا معه كتف يأكلها أو نعل يخصفها،ففنّدوها،فصبّحوهم على غرّة و أبادوهم (1)

نقل القصة بطولها الحموي في معجم البلدان 5:446.

.

العاشر : «و كلّ ظاهر غيره غير باطن،و كلّ باطن غيره غير ظاهر» لأنّ الظاهر و الباطن في غيره تعالى ضدّان لا يجتمعان بخلافهما فيه جلّ و علا،كما عرفت معناهما في شرح قوله عليه السّلام«و يكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا» (2).

الحادي عشر : «لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان» «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ » (3)«و لا تخوّف من عواقب زمان» كالملوك في أفعالهم.

و في(تاريخ الطبري):أنّ المنصور بنى الهاشمية قبالة مدينة ابن هبيرة التي كانت إلى جانب الكوفة،و بني أيضا الرّصافة بظهر الكوفة،فلمّا ثارت الراونديّة في هاشميته كره سكناها،لاضطراب من اضطرب أمره عليه من الراونديّة مع قرب جواره من الكوفة،و لم يأمن أهلها على نفسه،فأراد أن يبعدهم من جوارهم،فذكر أنّه خرج بنفسه يرتاد موضعا يتخذه مسكنا لنفسه و جنده،فبدأ فانحدر إلى جرجرايا،ثمّ صار الى بغداد،ثمّ مضى الى الموصل،ثمّ عاد إلى بغداد،فقال:هذا موضع معسكر صالح،هذه دجلة ليس بيننا و بين الصين شيء،يأتينا فيها كلّ ما في البحر،و تأتينا الميرة من الجزيرة و أرمينية و ما حول ذلك.و هذا الفرات يجيء فيه كلّ شيء من الشام


1) 1)

2) 2) هي الفقرة الثالثة من هذا العنوان.

3) 3) الذاريات:56-57. [1]

و الرّقة و ما حول ذلك،فنزل و ضرب عسكره على الصّراط و خطّ المدينة، و وكلّ بكلّ ربع قائدا (1)

تاريخ الطبري 6:234 [1] سنة(145)،و نقلها الشارح بتلخيص.

.

«و لا استعانة على ندّ» بالكسر:المثل و النظير.

«مثاور» أي:مواثب .

«و لا شريك مكاثر» كأهل الدنيا «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ» (2).

و في(المروج):كتب ملك الصين الى أنو شيروان:من فغفور ملك الصين صاحب قصر الدرّ و الجوهر الّذي يجري في قصره نهران يسقيان العود و الكافور الّذي توجد رائحته على فرسخين،و الّذي تخدمه بنات ألف ملك،و الّذي في مربطه ألف فيل أبيض إلى أخيه كسرى أنو شيروان (3).

و فيه:و كتب إليه ملك الهند:من ملك الهند و عظيم أراكنة المشرق، و صاحب قصر الذهب،و أبواب الياقوت و الدّر إلى أخيه ملك فارس صاحب التاج و الراية كسرى أنو شيروان (4).

«و لا ضدّ منافر» كالسلاطين في استحكاماتهم.

و في(تاريخ الطبري):قيل للمنصور في ما قيل له في محاسن موضع بغداد ليتّخذه حصنا:و أنت بين أنهار لا يصل إليك عدوّك إلاّ على جسر أو قنطرة،فإذا قطعت الجسر و أخرجت القناطر لم يصل اليك عدوّك...

و التّدبير في المدن أن تتّخذ لها الأسوار و الخنادق و الحصون،و دجلة و الفرات


1) 1)

2) 2) الحديد:20. [2]

3) 3) مروج الذهب 1:292. [3]

4) 4) مروج الذهب 1:293. [4]

خنادق لمدينتك (1)

تاريخ الطبري 6:236 [1] سنة(145).

.

«و لكن خلائق مربوبون،و عباد داخرون» بالدّال المهملة،أي:صاغرون ذليلون «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» (2)،فكيف يعمل عملا لتشديد سلطان أو سائر ما ذكر؟ الثاني عشر : «لم يحلل في الأشياء فيقال:هو فيها كائن،و لم ينأ» بفتح الهمزة،أي:لم يبعد و لم ينفصل «عنها،فيقال:هو منها بائن» مثلا لا يقال:إنّه تعالى حلّ في السماء،كما لا يقال:إنّه عزّ و جلّ نأى عن الأرض،بل نسبتهما إليه تعالى على السواء «وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ» (3).

هذا،و( توحيد الشيخ الصدوق-التوحيد-ص 42،43 ح 3 الصدوق)روى الثاني عشر قبل الحادي عشر (4)، و الظاهر أصحّيته،فإنّ المناسب أن يكون قوله: «لم يحلل...» بعد قوله «و كلّ باطن غيره غير ظاهر» ،كما أنّ المناسب أن يكون الثالث عشر «لم يؤده...» بعد قوله «لم يخلق...» لكونهما من واد واحد.

كما أنّه زاد بعد قوله«بائن»:«و لم يخل منها فيقال له:أين،لكنّه سبحانه أحاط بها علمه،و أتقنها صنعه،و أحصاها حفظه»فالظاهر وقوع سقط في النهج لكون الزائد من موضوعه كتقديم و تأخير.

الثالث عشر : «لم يؤده» أي:لم يثقله،من آده الحمل أثقله،أو من آدني هذا الأمر بلغ منّي المجهود. «خلق ما ابتدأ» «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ » (5). «و لا تدبير ما ذرأ» في(الصحاح):


1) 1)

2) 2) ابراهيم:19. [2]

3) 3) الزخرف:84. [3]

4) 4) التوحيد للصدوق:42،43 ح البقرة 3.

5) 5) :255.

حكى بعضهم ذرأت الأرض،أي:بذرتها،و زرع ذريّ،على فعيل،و أنشد:

شققت القلب ثمّ ذرأت فيه هواك فليم فالتأم الفطور

(1)«إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ» (2)، «فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ » (3).

«و لا وقف به عجز عمّا خلق» هكذا في النسخ (4)،و الظاهر وقوع تصحيف، فقولك وقف بي الأمر الفلاني عن الشيء الفلاني إنّما يقال اذا لم تفعله،فلا بدّ أنّ الأصل(و لا وقف به عجز في ما خلق)أو(و لا وقف به عجز عمّا لم يخلق).

و يشهد له رواية(التوحيد)للخطبة:و لا من عجز،و لا من فترة،بما خلق اكتفى،علم ما خلق و خلق ما علم (5).

الرابع عشر : «و لا ولجت عليه شبهة في ما قضى و قدّر،بل قضاء متقن،و علم محكم،و أمر مبرم» ،و في(التوحيد):لا بالتفكّر و لا بعلم حادث أصاب ما خلق، و لا شبهة دخلت عليه في ما لم يخلق،لكن قضاء مبرم... (6).

«قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» ... «فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما»


1) 1) صحاح اللغة للجوهري 1:51 [1] مادة(ذرا).

2) 2) فاطر:41. [2]

3) 3) فصلت:11-12. [3]

4) 4) كذا في نهج البلاغة 1:113،و شرح ابن أبي الحديد 1:471،و شرح ابن ميثم 2:168.

5) 5) التوحيد للصدوق:43 ح 3.

6) 6) المصدر نفسه. [4]

«كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» (1)

البقرة:30،33. [1]

.

الخامس عشر «المأمول مع النّقم و المرجوّ مع النّعم» هكذا في(المصرية)، و الصواب:(و المرهوب مع النّعم)كما في(ابن ميثم،و غيره) (2).

يدلّ على كونه تعالى مأمولا مع النقم،و مرهوبا مع النّعم ما ورد أنّه تعالى قال لداود عليه السّلام:بشّر المذنبين،و انذر الصدّيقين.

قال داود:كيف أبشّر المذنبين،و أنذر الصديقين؟قال:يا داود بشّر المذنبين أنّي أقبل التوبة و أعفو عن الذنب،و أنذر الصدّيقين ألاّ يعجبوا بأعمالهم،فإنّه ليس عبد أنصبه للحساب إلاّ هلك (3).

هذا،و نقل ابن أبي الحديد (4)هنا آيات و أبياتا لا ربط لها بالمقام،كقوله تعالى «فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» (5)،و كقول الشاعر:

من عاش لاقى ما يسوء من الأنوار و ما يسرّ

6

من الخطبة(83)

و من خطبة له عليه السّلام:

وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ- الْأَوَّلُ لاَ شَيْءَ قَبْلَهُ وَ الْآخِرُ لاَ غَايَةَ لَهُ- لاَ تَقَعُ الْأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ- وَ لاَ تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ- وَ لاَ تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ وَ التَّبْعِيضُ- وَ لاَ تُحِيطُ بِهِ الْأَبْصَارُ وَ الْقُلُوبُ


1) 1)

2) 2) في شرح ابن ميثم 2:168« [2]المرجو»أيضا،لكن في شرح ابن أبي الحديد 1:471«المرهوب»،و ليس قبله واو.

3) 3) أخرجه الكليني في الكافي 2:314 ح 8 [3] في ذيل حديث عن الصادق عليه السّلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:475. [4]

5) 5) النساء:19. [5]

«و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له» روى(ثواب الأعمال)عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في خبر يقول تعالى:فمن لقيني منكم يشهد ألاّ إله إلاّ أنا،و أنّ محمّدا عبدي و رسولي أدخلته الجنّة برحمتي (1)

أخرجه الصدوق في ثواب الأعمال:25 ح 2.

.

«الأوّل لا شيء قبله،و الآخر لا غاية له» ،و في الخطبة(99):«الأوّل قبل كلّ أوّل،و الآخر بعد كلّ آخر،بأوّليّته وجب أن لا أوّل له،و بآخريّته وجب أن لا آخر له» (2)،و في الخطبة(94):«الحمد للّه الأوّل فلا شيء قبله،و الآخر فلا شيء بعده،و الظّاهر فلا شيء فوقه،و الباطن فلا شيء دونه» (3).و مرّ في العنوان(1) من هذا الفصل .

«لا تقع الأوهام له على صفة» في حديث الزنديق مع الصادق عليه السّلام:قال الزنديق:فإنّا لم نجد موهوما إلاّ مخلوقا.قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:لو كان ذلك كما تقول لكان التّوحيد عنّا مرتفعا،لأنّا لم نكلّف أن نعتقد غير موهوم،و لكنّا نقول:كلّ موهوم بالحواسّ مدرك،فما تجده الحواسّ و تمثّله فهو مخلوق، و لا بدّ من إثبات صانع الأشياء خارج من الجهتين المذمومتين:إحداهما:النفي، إذا كان النّفي هو الإبطال و العدم،و الجهة الثانية:التشبيه،إذا كان التشبيه من صفة المخلوق الظاهر التركيب و التأليف،فلم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين و الاضطرار منهم إليه (4).

«و لا تقعد» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و لا تعقد)بتقديم العين،كما في(ابن ميثم)و غيره (5).


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:194 [1] الخطبة(99).

3) 3) نهج البلاغة 1:186 [2] الخطبة(94).

4) 4) أخرجه الصدوق في التوحيد:245 ح 1،و [3]الكليني في الكافي 1:80 ح 5، [4]لكن ليس في حديث الكافي [5]هذه القطعة.

5) 5) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:120،لكن في شرح ابن ميثم 2:274«تقعد»أيضا.

و من الغريب أنّ محشّي(المصرية)قرّر الغلط،و قال:إنّه مجاز عن استقرار حكمها (1)

المحشي هو الشيخ محمد عبده،كذا قال في ذيل نهج البلاغة 1:148. [1]

.

«القلوب منه على كيفيّة» هو ردّ على المشبّهة حيث قالوا:كلّ ما لم تعقد القلوب منه على كيفيّة،و لم ترجع فيه إلى إثبات هيئة لم نعقل منه شيئا.

فردّ عليه السّلام عليهم:أنّه واحد بلا كيفيّة،و أنّ القلوب تعرفه بلا إحاطة.

و قال الصادق عليه السّلام:من نظر في اللّه:كيف هو هلك (2).

«و لا تناله التّجزئة و التّبعيض» و ما ورد من مثل «يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» (3)و «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ» (4)فكنايات و استعارات .

«و لا تحيط به الأبصار و القلوب» قال الصادق عليه السّلام:يا بن آدم!لو أكل قلبك طائر لم يشبعه،و بصرك لو وضع عليه خرق إبرة لغطّاه،تريد أن تعرف بهما ملكوت السماوات و الأرض!إن كنت صادقا فهذه الشمس خلق من خلق اللّه، فإن قدرت أن تملأ عينيك منها فهو كما تقول (5).

هذا،و يناسب كلامه عليه السّلام-في هذه الخطبة-قول الهادي عليه السّلام:إلهي تاهت أوهام المتوهّمين و قصر طرف الطارفين،و تلاشت أوصاف الواصفين، و اضمحلّت أقاويل المبطلين عن الدّرك لعجيب شأنك،أو الوقوع بالبلوغ إلى علوّك،فأنت في المكان الّذي لا يتناهى،و لم تقع عليك عيون بإشارة و لا عبارة، هيهات ثمّ هيهات،يا أوّلي يا وحداني يا فرداني،شمخت في العلوّ بعزّ الكبر،


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 1:93 ح 5،و [2]البرقي في المحاسن:237 ح 208. [3]

3) 3) الفتح:10. [4]

4) 4) المائدة:64. [5]

5) 5) أخرجه الكليني في الكافي 1:93 ح 8،و [6]الصدوق في التوحيد:455 ح 5.

و ارتفعت من وراء كلّ غورة و نهاية بجبروت الفخر (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:66 ح 19.

.

7

من الخطبة(88)

و من خطبة له عليه السّلام:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وَ الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ- الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً إِذْ لاَ سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ- وَ لاَ حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاجٍ وَ لاَ لَيْلٌ دَاجٍ وَ لاَ بَحْرٌ سَاجٍ- وَ لاَ جَبَلٌ ذُو فِجَاجٍ وَ لاَ فَجٌّ ذُو اعْوِجَاجٍ- وَ لاَ أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادٍ وَ لاَ خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ- ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ وَ وَارِثُهُ وَ إِلَهُ الْخَلْقِ وَ رَازِقُهُ- وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ دَائِبَانِ فِي مَرْضَاتِهِ- يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ وَ يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ وَ أَحْصَى آثَارَهُمْ وَ أَعْمَالَهُمْ- وَ عَدَدَ أَنْفَاسِهِمْ وَ خَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ- وَ مَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ- وَ مُسْتَقَرَّهُمْ وَ مُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الْأَرْحَامِ وَ الظُّهُورِ- إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ- وَ اتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ- قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ وَ مُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ وَ مُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ- وَ غَالِبُ مَنْ عَادَاهُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ وَ مَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ- وَ مَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ وَ مَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ «الحمد للّه» حمده على أوصاف أوجبت حمده:

الأوّل: «المعروف من غير رؤية» الابصار،بل من رؤية القلوب،و أملى الرّضا عليه السّلام في(التوحيد):احتجب بغير حجاب محجوب،و استتر بغير ستر مستور،عرف بغير رؤية،و وصف بغير صورة،و نعت بغير جسم،لا إله إلاّ


1) 1)

اللّه الكبير المتعال (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:98 ح 5،و العلل 1:9 ح 3. [1]

.

الثاني : «و الخالق من غير رويّة» بخلاف باقي الصانعين.

و الثالث : «الّذي لم يزل قائما دائما» قبل أن يكون خلق .

«إذ لا سماء ذات أبراج» قال في(اللّسان):إنّ الأبراج جمع البرج كالبروج (2).

قال تعالى: «وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ» (3)، «تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً» (4)، «وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ» (5).

و البروج الاثنا عشر معروفة،و عن الفرّاء:اختلفوا في البروج فقالوا:هي النجوم.و قالوا:هي البروج المعروفة اثنا عشر برجا.و قالوا:هي القصور في السماء.و اللّه أعلم بما أراد (6).

«و لا حجب» و في خبر زيد بن وهب:سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن الحجب.

فقال:أوّل الحجب سبعة،غلظ كلّ حجاب مسيرة خمسمائة عام،بين كل حجابين منها مسيرة خمسمائة عام،و الحجاب الثالث سبعون حجابا،بين كلّ حجابين منها مسيرة خمسمائة عام،و طوله خمسمائة عام،حجبة كلّ حجاب منها سبعون ألف ملك قوّة كلّ ملك منهم قوّة الثقلين،منها ظلمة، و منها نور،و منها نار،و منها دخان،و منها سحاب،و منها برق،و منها مطر،


1) 1)

2) 2) لسان العرب 2:212 [2] مادة(برج).

3) 3) البروج:1. [3]

4) 4) الفرقان:61. [4]

5) 5) الحجر:16-18. [5]

6) 6) نقله عن الفرّاء لسان العرب 2:212، [6]مادة(برج).

و منها رعد،و منها ضوء،و منها رمل،و منها جبل،و منها عجاج،و منها ماء، و منها أنهار،و هي حجب مختلفة،غلظ كلّ حجاب مسيرة سبعين ألف عام (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:278 ح 3،و الخصال 2:401 ح 109 ضمن حديث.

.

«ذات إرتاج» بالكسر بمعنى:الاغلاق .

«و لا ليل داج» في معنى قوله تعالى: «وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى» (2).قال الأصمعي:دجا الليل إنّما هو ألبس كلّ شيء،و ليس هو من الظلمة،و منه قولهم:«دجا الإسلام»أي:قوي،و ألبس كلّ شيء (3).

و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في قول الشّراح«ليل داج»أي:مظلم (4).

«و لا بحر ساج» أي:ساكن،قال الأعشى:

فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمّكم و بحرك ساج لا يواري الدعامصا

(5)و منه أيضا «وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى» (6)أي:بلغ النهاية في الظلمة فسكن . «و لا جبل ذو فجاج» فجاج:جمع فج،قال تعالى: «مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» (7).

و في(اللّسان):قال أبو الهيثم:الفجّ الطريق الواسع في الجبل،و كلّ طريق بعد فهو فجّ (8).


1) 1)

2) 2) الليل:1. [1]

3) 3) هذا قول بعض أهل اللغة،قال به ابن الاثير في النهاية 2:103 [2] مادة(دجى)،و نقله ابن منظور عن مجهول في لسان العرب 14:249 [3] مادة(دجى)،و لم أر من نسبه الى الاصمعي،بل حكى ابن منظور في لسان العرب 14:250 [4] عن الأصمعي أنّ(دجى الليل)بمعنى:هذا و سكن،و ذكر شاهده على قوله.

4) 4) كذا قال ابن أبي الحديد في شرحه 2:137،و المجلسي في شرح الخطبة في بحار الأنوار 57:26،و الخوئي في شرحه 3: 68،و النقل بالمعنى.

5) 5) أورده لسان العرب 14:371 [5] مادة(سجا).

6) 6) الضحى:2. [6]

7) 7) الحج:27. [7]

8) 8) لسان العرب 2:339 [8] مادة(فجج).

و قول بعضهم:الفجّ الطّريق الواسع بين جبلين (1)

هو مختار ابن منظور في لسان العرب 2:338 [1] مادة(فجج)،و غيره.

يأباه قوله عليه السّلام هذا، فجعل عليه السّلام لجبل واحد فجاجا،بل الأصل فيه الطريق الواسع،و لو لم يكن في جبل،قال تعالى: «وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً» (2).و كون الجبل ذا فجّ لا يستلزم أن يكون كلّ فجّ في الجبل،فهو نظير أن تقول:جبل ذو عيون،مع حصول العين في غير الجبل .

«و لا فجّ ذو اعوجاج» هو أيضا لا يستلزم أن يكون الفجّ معوجّا،و إنّما هو وصف غالبي كسابقه،فإنّ الأغلب في الجبال أن تكون ذات فجاج،كما أنّ الأغلب في الفجاج أن تكون ذات اعوجاج .

«و لا أرض ذات مهاد» «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً» (3)، «وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ» (4)، «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً» (5)، «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً» (6).

هذا،و نقل(الهيئة و الإسلام) (7)عن بعضهم الاستدلال بالآية الأخيرة على حركة الأرض لكون المهد يتحرّك بلا اضطراب.

قلت:و مثلها الآية الثالثة .

«و لا خلق ذو اعتماد» قال ابن أبي الحديد:أي و لا مخلوق يسعى برجلين فيعتمد عليهما،أو يطير بجناحيه فيعتمد عليهما،و نحو ذلك،و الاعتماد هنا


1) 1)

2) 2) نوح:19-20. [2]

3) 3) النبأ:6. [3]

4) 4) الذاريات:48. [4]

5) 5) الزخرف:10. [5]

6) 6) طه:53. [6]

7) 7) الهيئة و الاسلام 1:68.

البطش و التّصرف (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:137. [1]

.

قلت:بل الظاهر أنّ المراد أنّه لم يكن مخلوقا من مخلوقاته الحيّة التي لها قصد في مآربهم و حوائجهم.يقال:اعتمد فلان فلانا في حاجته إذا قصده، و منه قتل العمد،أي:قتل عن قصد،و قال خفاف بن ندبة:

و إن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمدا على عين تيمّمت مالكا

(2)«و الشمس و القمر دائبان» (3)أي:جادّان،من دأب فلان،أي:جدّ و تعب. و الأصل في كلامه عليه السّلام قوله تعالى: «وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ» (4).

«في مرضاته» حيث إنّهما مسخّران له فلا يقدران خلافه،قال تعالى:

«وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» (5).

و قال الصادق عليه السّلام للزّنديق المصريّ:يلجان فلا يشتبهان،و يرجعان قد اضطرّا،ليس لهما مكان إلاّ مكانهما،فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعان؟و إن كانا غير مضطرّين فلم لا يصير اللّيل نهارا و النهار ليلا؟ اضطرّا-و اللّه يا أخا أهل مصر-الى دوامهما،و الّذي اضطرارهما أحكم منهما و أكبر.فقال الزّنديق:صدقت (6).

«يبليان» أي يجعلان باليا.


1) 1)

2) 2) أورده لسان العرب 3:302 [2] مادة(عمد).

3) 3) لم يتعرّض الشارح لشرح فقرتين،هما:«ذلك مبتدع الخلق و وارثه»،«و إله الخلق و رازقه».

4) 4) ابراهيم:33. [3]

5) 5) يس:38-39. [4]

6) 6) أخرجه الكليني في الكافي 1:73 ح 1،و [5]الصدوق في التوحيد:295 ح 4،و رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:334. [6]

«كلّ جديد» قال أبو النّجم:

طيّر عنها قنزعا من قنزع مرّ اللّيالي أبطئي و أسرعي

أفناه قيل اللّه للشمس اطلعي حتّى إذا داراك أفق فارجعي

(1)«و يقرّبان كلّ بعيد» قال الصّلتان العبديّ:

أشاب الصغير و أفنى الكبير ............

إذا هرمت ليلة يومها أتى بعد ذلك يوم فتي

(2)«قسم أرزاقهم،و أحصى آثارهم،و أعمالهم» قالوا:مأخوذ من قوله تعالى: «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» (3)،و قوله تعالى:

«وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ» (4).

قلت:و من قوله عزّ و جلّ: «فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً» (5)، «وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ» (6)، «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» (7)و «وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ » (8).

«و عدد أنفاسهم» في الخبر:أنّ المراد من قوله تعالى: «إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا» (9)عدّ اللّه تعالى لعدد أنفاس عبيده لا لسنيّهم،فإنّ سنيّهم يعدّها


1) 1) نقله السيوطي في شواهد المغني 2:545.

2) 2) نقله التفتازاني في المطول:61، [1]أحوال الاسناد الخبري بلفظ: أشاب الصغير و أفنى الكبير ذكر الغداة و مرّ العشي

3) 3) الزخرف:32. [2]

4) 4) يس:12. [3]

5) 5) الذاريات:4. [4]

6) 6) القمر:53. [5]

7) 7) ق:18.

8) 8) الانفطار:10-12. [6]

9) 9) مريم:84. [7]

أبواهم أيضا (1)

أخرج هذا المعنى عبد بن حميد في مسنده عنه الدر المنثور 4:284 [1] عن الباقر عليه السّلام،و أخرجه علي بن ابراهيم في تفسيره 2:53،و الكليني في الكافي 3:259 ح 33 [2] عن الصادق عليه السّلام،و أخرجه ابن المنذر،و ابن أبي حاتم،و عنهما الدرّ المنثور 4: 284 [3] عن ابن عباس،و جاء أيضا عنه في تنوير المقباس 3:218.

.

«و خائنة أعينهم،و ما تخفي صدورهم من الضمير» قال اللّه تعالى: «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ » (2).

«و مستقرّهم و مستودعهم من الأرحام و الظهور إلى أن تتناهى بهم الغايات» «وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» (3)، «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (4).

و عن الحسن:الإنسان مستقرّ في القبر و مستودع في الدّنيا (5).

و قال سليمان العدويّ:

فجع الأحبّة بالأحبّة قبلنا فالنّاس مفجوع به و مفجّع

مستودع أو مستقرّ مدخلا فالمستقرّ يزوره المستودع

(6)و الظاهر أنّ كلامه عليه السّلام ناظر إلى قوله تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ»


1) 1)

2) 2) غافر:19. [4]

3) 3) الأنعام:98. [5]

4) 4) هود:6. [6]

5) 5) أخرجه ابو الشيخ عنه الدرّ المنثور 3:36 [7] عن الحسن و قتادة،و جاء في المصدر أقوال أخرى في الآية.

6) 6) أورده مجمع البيان 4:340.

«الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ » (1)

المؤمنون:12-16. [1]

.

«هو الّذي اشتدّت نقمته على أعدائه في سعة رحمته،و اتّسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته» بخلاف الملوك،فلا تجتمع فيهم شدّة النقمة و سعة الرحمة في وقت واحد،و في(دعاء الافتتاح):أيقنت أنّك أرحم الراحمين في موضع العفو و الرّحمة،و أشدّ المعاقبين في موضع النكال و النّقمة (2).

«قاهر من عازّه» أي:غالبه،بمعنى:أراد الغلبة عليه، «وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ وَ اسْتَكْبَرَ هُوَ وَ جُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْناهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ » (3).

«و مذلّ من ناواه» أي:عاداه،قال الجوهري:و أصله الهمزة،لأنّه من النوء، و هو النهوض (4).

قال تعالى: «وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ» (5)، «فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا » (6).

«و غالب من عاداه» قال تعالى: «وَ اللّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ»


1) 1)

2) 2) نقله ضمن الدعاء الطوسي في مصباح المتهجد:520،و الكفعمي في البلد الأمين:193. [2]

3) 3) القصص:38-40، [3]لم يتعرض الشارح لشرح فقرة:«و مدمّر من شاقّه».

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 6:2517 [4] مادة(نوى).

5) 5) غافر:5. [5]

6) 6) العنكبوت:40. [6]

«الْأَرْضِ وَ» (1)

يوسف:21. [1]

،و قال الشاعر في قيام قريش،و كانوا يكنّون عنهم بسخينة على رسوله صلّى اللّه عليه و آله:

زعمت سخينة أن ستغلب ربّها و ليغلبنّ مغالب الغلاّب

(2)«و من توكّل عليه كفاه» «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» (3)،و قد كفى تعالى من المتوكلين عليه خليله ابراهيم عليه السّلام،قال تعالى: «قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ» (4). و كفى حبيبه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله،قال تعالى له: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (5)فأهلك تعالى جميع المستهزئين به:الوليد بن المغيرة،و العاص بن وائل،و عدي بن قيس، و الأسود بن المطلب،و الأسود بن عبد يغوث،و غيرهم،كلّ واحد ببليّة .

«و من سأله أعطاه» قال زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً » (6).

«و من أقرضه قضاه» و أعطاه ما أقرض «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً»


1) 1)

2) 2) أورده أساس البلاغة:205 [2] مادة(سخن).

3) 3) الطلاق:3. [3]

4) 4) الأنبياء:68-70. [4]

5) 5) الحجر:94-95. [5]

6) 6) مريم:5-9. [6]

«حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً» (1)

البقرة:245. [1]

، «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ » (2).

«و من شكره جزاه» «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» (3).

8

من الخطبة(89)

و من خطبة له عليه السّلام تعرف بخطبة الأشباح،و هي من جلائل خطبه، و كان سأله سائل أن يصف اللّه حتّى كأنّه يراه عيانا،فغضب عليه السّلام لذلك:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لاَ يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُودُ- وَ لاَ يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ- إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ وَ كُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلاَهُ- وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ وَ عَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَ الْقِسَمِ- عِيَالُهُ الْخَلْقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ- وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ- وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ- الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ- وَ الْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ- وَ الرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ- مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ- وَ لاَ كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الاِنْتِقَالُ قول المصنف : «تعرف بخطبة الأشباح» قال ابن أبي الحديد:الأشباح:

الأشخاص،و المراد بهم ها هنا الملائكة لأنّ الخطبة تتضمّن ذكر الملائكة (4)،


1) 1)

2) 2) الحديد:11. [2]

3) 3) ابراهيم:7. [3]

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:139. [4]

و تبعه الخوئي (1)

شرح الخوئي 3:74.

،إلاّ أنّ الظاهر أنّ الخطبة كانت متضمّنة لذكر لفظ الأشباح، كما أنّ الخطبة الشقشقيّة (2)متضمّنة لذكر الشقشقة،و روى(الروضة)خطبة معروفة بالطالوتية (3)تضمّنت قصة طالوت،و روى خطبة معروفة بالوسيلة (4)لكونها متضمّنة لذكر الوسيلة،و في هذه و إن لم نقف على لفظ أشباح،إلاّ أنّ المصنف لم ينقل جميعها،بل انتخب منها،فقال تارة فيها:منها:

في صفة خلق السماء،و أخرى قال:منها:ثمّ خلق سبحانه،و ثالثة:منها:في صفة الأرض.

و لو كانت العلّة ما ذكر كان كثير من خطب النهج متضمّنا لذكر الملائكة،و منها في الأولى،فلم خصّت هذه بالتّسمية،مع أنّه أيّ مناسبة للتعبير عن الملائكة بالأشباح؟و إنّما استعمل الأشباح في كلامه عليه السّلام في مقابل الأجناس،ففي خطبة له عليه السّلام رواها(توحيد الصدوق):«ليس بجنس فتعادله الأجناس،و لا بشبح فتضارعه الأشباح» (5)،و الظاهر أنّ المراد به الجسميّة، ففي أخرى رواها:«ليس بشبح فيرى» (6).

و الظاهر أنّه كان فيها هذه الفقرة:«و كيف يوصف بالأشباح و ينعت بالألسن الفصاح»-رواها أواخر توحيد توحيده (7)-فسقطت منها،يعني لم ينقلها.


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:30 الخطبة(3).

3) 3) الكافي 8:31 ح 5.

4) 4) الكافي 8:18 ح 4.

5) 5) التوحيد للصدوق:70 ح 26.

6) 6) التوحيد للصدوق:78 ح 34. [1]

7) 7) أخرج الصدوق الخطبة بروايتين في التوحيد:48 ح 13 و: [2]77 ح 34،و توجد هذه الفقرة في الرواية الثانية فقط،و الأولى أوفق بلفظ نهج البلاغة.

«و هي من جلائل» جمع الجليلة.

«خطبه» و في(ابن أبي الحديد) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 2:138،و شرح ابن ميثم 2:322«خطبه»أيضا.

«الخطب ».

«و كان سأله سائل» هكذا في(المصرية)،و لكن في(ابن ميثم و الخطية) (2)«و كان سائل سأله».

«أن يصف اللّه» هكذا في(المصرية)و زاد ابن ميثم: (3)«تعالى» و(الخطية):

«له».

«حتّى كأنّه يراه عيانا فغضب عليه السّلام لذلك» و زاد ابن ميثم (4):«و قال الخطبة».

ثم الكلام من قوله:«و كان-إلى-لذلك»في(المصرية)و(ابن ميثم و الخطبة)على اختلاف كما عرفت،و ليس في(ابن أبي الحديد)رأسا،و نقل ابن أبي الحديد بدل ذاك الكلام:«روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السّلام أنّه قال:خطب أمير المؤمنين عليه السّلام بهذه الخطبة على منبر الكوفة، و ذلك أنّ رجلا أتاه فقال:يا أمير المؤمنين!صف لنا ربّنا مثل ما نراه عيانا لنزداد له حبّا و به معرفة،فغضب و نادى الصلاة جامعة.فاجتمع إليه الناس حتى غصّ المسجد بأهله،فصعد المنبر و هو مغضب متغيّر اللون،فحمد اللّه و أثنى عليه،و صلّى على النبي صلّى اللّه عليه و آله ثمّ قال:...» و مثله نقل ابن ميثم زائدا على ذلك الكلام بدون فقرة«مثل ما نراه عيانا» و تبديل«ثم قال»في الآخر بقوله:«ثمّ خطبها» (5)و ليس في(الخطية)رأسا (6).


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 2:322.

3) 3) المصدر نفسه.

4) 4) المصدر نفسه.

5) 5) و حذف الباء من أول هذه و حذف(اليه)بعد(فاجتمع).

6) 6) جمع ابن ميثم بين عنوان نهج البلاغة 1:160 و [1]شرح ابن أبي الحديد بفرق يسير،و العنوان المذكور في رواية التوحيد: 48 ح 13 نحو ابن أبي الحديد،و قد مرت الاشارة الى الاختلاف في مقدمة المؤلف.

و جمع الرّضي رضوان اللّه عليه بينهما مشكل حيث إنّه كالتكرار،و ليس ذلك دأبه،و كأنّ نسخ النّهج كانت مختلفة،فنسخة ابن أبي الحديد منه كانت متضمّنة لنقل الرواية،و النسخة الخطية لنقل الكلام بدلها،و ابن ميثم جمع بينهما.

و كيف كان،فلا ريب أنّه رواية مسعدة عن الصادق عليه السّلام،فروى(توحيد الصدوق)عن الأسدي عن البرمكي عن علي بن العباس عن إسماعيل بن مهران عن إسماعيل بن إسحاق الجهني عن فرج بن فروة عن مسعدة عن الصادق عليه السّلام:بينا أمير المؤمنين عليه السّلام يخطب على المنبر بالكوفة إذ قام إليه رجل،فقال:يا أمير المؤمنين!صف لنا ربّك لنزداد له حبّا و به معرفة،فغضب أمير المؤمنين عليه السّلام و نادى الصّلاة جامعة.فاجتمع الناس حتّى غصّ المسجد بأهله ثمّ قام متغيّر اللون،فقال:الحمد للّه الذي لا يفره المنع،و لا يكديه الإعطاء... (1)

التوحيد للصدوق:48 ح 13. [1]

لكن ليس فيه جميع ما في النهج،و فيه اختلافات.

و كيف كان فإنّما غضب عليه السّلام لأنّه أحسّ من الرّجل أنّه طلب منه عليه السّلام و صفه تعالى بالكنه،و تعريفه بالتّشبيه،ففي الخطبة على رواية(التّوحيد):

«الذي عجزت الملائكة على قربهم من كرسي كرامته،و طول ولههم إليه، و تعظيم جلال عزّه،و قربهم من غيب ملكوته أن يعلموا من أمره إلاّ ما أعلمهم» (2).

و فيها أيضا:«أيّها السائل!اعلم أنّ من شبّه ربّنا الجليل بتباين أعضاء


1) 1)

2) 2) التوحيد للصدوق:50 ح 13.

خلقه...» (1)

التوحيد للصدوق:54 ح 13.

فسؤال الرجل و غضبه عليه السّلام نظير سؤال بني إسرائيل موسى بن عمران عليه السّلام أن يريهم اللّه عيانا،فغضب تعالى عليهم كما أخبر عزّ و جلّ عنهم بقوله: «وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ » (2).

«الحمد للّه الّذي لا يفره» هنا متعدّ و يأتي لازما أيضا،يقال:و فرت الشيء و وفر الشيء.

«المنع» كالنّاس.

«و الجمود» هكذا في(المصرية)،و ليست الكلمة في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)،فهي زائدة .

«و لا يكديه» بالضمّ،قال تعالى: «وَ أَعْطى قَلِيلاً وَ أَكْدى» (4)،أي:قطع القليل.

«الإعطاء و الجود» كالمخلوقين .

«إذ كلّ معط منتقص سواه» علّة لقوله: «و لا يكديه الإعطاء و الجود » .

«و كلّ مانع مذموم» صفة مانع.

«ما خلاه» يعني:سواه،و الجملة علّة لقوله: «لا يفره المنع» يعني ليس منعه بخلا فيستحق الذم،بل حكمة فيستحق الحمد أيضا،لأنّه منع ظاهرا و أعطى في الحقيقة،و المعنى: «وَ لَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ» (5)، «وَ أَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا»


1) 1)

2) 2) البقرة:55. [1]

3) 3) توجد الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 2:138،و [2]شرح ابن ميثم 2:323 أيضا. [3]

4) 4) النجم:34. [4]

5) 5) الشورى:27. [5]

«مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا» (1)

القصص:82. [1]

.

و وجه كونه علّة:أنّ المنع لوفر المال مذموم لكونه بخلا .

«و هو» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(هو)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).

«المنّان بفوائد النعم،و عوائد المزيد و القسم» «وَ لكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» (3)، «قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ » (4).

«عياله الخلق» هكذا في(المصرية)،و الصواب(الخلائق)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5)،فالنهج كان(الخلائق)و لكن نقله (التوحيد):«و بجوده ضمن عيالة الخلق» (6).

و في(دعاء أبي حمزة):«و الخلق كلّهم عيالك و في قبضتك» (7).

و في قوله تعالى: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (8)، «وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً» (9).


1) 1)

2) 2) توجد(الواو)في شرح ابن أبي الحديد 2:138،و شرح ابن ميثم 2:323 أيضا. [2]

3) 3) ابراهيم:11. [3]

4) 4) يوسف:90. [4]

5) 5) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:138،لكن في شرح ابن ميثم 2:322«الخلق»أيضا.

6) 6) التوحيد للصدوق:49 ح 13.

7) 7) رواه ضمن الدعاء الطوسي في مصباح المتهجد:535.

8) 8) هود:6. [5]

9) 9) الاسراء:31. [6]

«ضمن أرزاقهم» «و قدّر أقواتهم» أي:ارزاق جميع خلقه من الانسان و أقسام الحيوان،و أصناف الطير،و صنوف الوحش و الهوام و الحيتان،و لكن غلّب الإنسان في الضّمير.و هو أيضا من باب التغليب،فقدّر لكلّ جنس قوته بحسب ما يناسبه حتّى الجنين و الرّضيع،و الأصل في كلامه عليه السّلام قوله تعالى:

«وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ » (1)

فصلت:10. [1]

.

«و نهج» أي:أوضح.

«سبيل الرّاغبين إليه» لعبادته .

«و الطّالبين ما لديه» من الأجر و الثواب بنهج السبيل،بخلق العقول لهم، و بعث الرّسل إليهم،و إنزال الكتب عليهم .

«و ليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل» و في الدّعاء:يا من يعطي من سأله و من لم يسأله تحنّنا منه و رحمة،و يبتدىء بالخير من لم يسأله تفضلا منه و كرما (2).

و في الخبر:«كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو،فإنّ موسى بن عمران عليه السّلام خرج يقتبس لأهله نارا فكلّمه اللّه عزّ و جلّ و رجع نبيّا مرسلا، و خرجت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان عليه السّلام،و خرجت سحرة فرعون يطلبون العزّ لفرعون فرجعوا مؤمنين » (3).

«الأوّل الّذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله،و الآخر الذي ليس له بعد فيكون


1) 1)

2) 2) هذه قطعة من دعاء السحر،رواه الطوسي في مصباح المتهجد:540. [2]

3) 3) أخرجه الكليني في الكافي 5:83 ح 3،و [3]الصدوق في الفقيه 4:284 ح 3 مسندا،و في الفقيه 3:101 ح 44 مجرّدا،و هو في الأمالي:150 ح 7 المجلس(33)،و [4]ابن شعبة في تحف العقول:208 عن علي عليه السّلام،و أخرج صدر الحديث الكليني في الكافي 5:83 ح 2 [5] عن الصادق عليه السّلام.

شيء بعده» قد مرّ نظيره (1)

مر في العنوان(5 و 6)من هذا الفصل.

.

و «الرادع» أي:المانع.

«أناسي» جمع إنسان العين،و في(الصحاح):إنسان العين:المثال الذي يرى في السواد،أي:سواد العين،و جميع أيضا على أناسي.قال ذو الرمة يصف إبلاغارت عيونها من التعب و السير:

أناسي ملحود لها في الحواجب

(2). «الأبصار عن أن تناله» أي:تصله.

«أو تدركه» كما تدرك الأجسام،قال الصادق عليه السّلام:«إنّ الأبصار لا تدرك إلاّ ما له لون و كيفية،و اللّه خالق الألوان و الكيفيّة» (3)«وَ لَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» (4).

هذا و في(تاريخ الطبري)في الفداء بين المسلمين و صاحب الروم عن الواثق-الخليفة-:أنّه وجّه من يمتحن الاسراء منهم:فمن قال منهم إن القرآن مخلوق و إن اللّه عزّ و جلّ لا يرى في الآخرة فودي به،و من لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم (5).

و فيه أيضا:قتل الواثق بيده بسيف عمرو بن معد يكرب أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي-و كان جدّه مالك أحد نقباء بني العباس-و حظر


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 2:901 [1] مادة(أنس).

3) 3) أخرجه الصدوق في الأمالي:334 ح 3 المجلس(64)،و [2]رواه الفتال في روضة الواعظين 1:34. [3]

4) 4) الاعراف:143. [4]

5) 5) تاريخ الطبري 7:332 [5] سنة(231).

على رأسه في بغداد حظيرة،و ضرب عليه فسطاط،و أقيم عليه الحرس، و عرف ذلك الموضع برأس أحمد بن نصر،و كتب في أذنه رقعة:هذا رأس الكافر المشرك الضالّ الّذي أقرّ بالتّشبيه،و تكلّم بالكفر،فاستحلّ دمه.و كان الواثق قال له:ما تقول في ربّك؟فقال:جاءت الآثار عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:

ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر،لا تضامون في رؤيته.فنحن على الخبر.و قال حدّثني سفيان بن عيينة بحديث يرفعه:انّ قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع اللّه يقلّبه،و أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله كان يدعو:يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي... (1)

تاريخ الطبري 7:328 [1] سنة(231)،و النقل بتصرف.

و خبره الأول موضوع و أخيراه عمّا رامه بمراحل .

«ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال» يمكن أن يريد عليه السّلام بعدم اختلاف الحال منه تعالى لعدم اختلاف الدهر عليه،بالنسبة إلى الفقرات المذكورة قبله من إعطائه تعالى و منعه،و ضمانه للأرزاق،و تقديره للأقوات،و نهجه السبيل، و استواء المساول فيه عنده مع غيره،و غيرها،فإنّ أسخياء الناس إنّما يجودون إذا جاد عليهم الزمان،و يبخلون إذا بخل عليهم،و يعطون أوّلا ثمّ يمنعون،و يضمنون شيئا ثمّ يتبرّؤون،كلّ ذلك بحسب تأثير الدهر و الزّمان فيهم،و هو تعالى منزّه عن ذلك.

و يمكن أن يريد عليه السّلام به الأعمّ،مثلا الإنسان في نشئه،و باختلاف دهره يختلف حاله،فهو-كما في فقه اللغة-ما دام في الرحم فهو جنين،فإذا ولد فهو وليد،و ما دام لم يستتم سبعة أيّام فهو صديغ،لأنّه لا يشتدّ صدغه إلى تمام السبعة،ثم ما دام يرضع فهو رضيع،ثمّ إذا قطع عنه اللبن فهو فطيم،ثمّ إذا غلظ و ذهبت عنه ترارة الرضاع فهو جحوش عن الأصمعي و أنشد للهذليّ:

قتلنا مخلدا و ابني حراق و آخر جحوشا فوق الفطيم


1) 1)

قال الأزهري:كأنّه مأخوذ من الجحش الّذي هو ولد الحمار،ثمّ هو إذا دبّ و نما دارج،فإذا بلغ طوله خمسة أشبار فهو خماسيّ،فإذا سقطت رواضعه فهو مثغور،عن أبي زيد،فإذا نبتت أسنانه بعد السقوط فهو مثغّر بالثّاء و متغّر بالتّاء،عن أبي عمرو،فإذا كاد يجاوز عشر سنين أو جاوزها فهو مترعرع و ناشئ،فإذا كاد يبلغ الحلم أو بلغه فهو يافع و مراهق،فإذا أدرك و اجتمعت قوّته فهو حزوّر،و اسمه في جميع هذه الأحوال غلام،فإذا اخضرّ شاربه و أخذ عذاره يسيل قيل:بقل وجهه،فإذا صار ذا فتاء فهو فتى و شارخ، فإذا اجتمعت لحيته و بلغ غاية شبابه،فهو مجتمع،ثمّ ما دام بين الثلاثين و الأربعين فهو شابّ،ثم هو كهل الى أن يستوفي ستّين (1)

فقه اللغة الثعالبي:81 الباب(14)الفصل(20). [1]

.و هكذا نقل له أسام بحسب ازدياد سنّه،و اللّه تعالى منزّه عن جميع ذلك .

«و لا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال» قيل للرضا عليه السّلام:ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:ينزل اللّه تعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا؟ (2)فقال:لعن اللّه المحرّفين للكلم عن مواضعه،و اللّه ما قال النبي صلّى اللّه عليه و آله ذلك،إنّما قال:إنّ اللّه ينزّل ملكا الى السماء الدّنيا كلّ ليلة في الثلث الأخير،و ليلة الجمعة في أوّل الليل (3).


1) 1)

2) 2) حديث نزول الربّ أخرجه أحمد في مسنده 1:120 [2] عن علي عليه السّلام عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و أخرجه جعفر الحضرمي في أصله :69 عن الباقر عليه السّلام،و يحضر عندي له(51)طريقا عن أبي هريرة و أبي سعيد الخدري و رفاعة الجهني و جبير بن مطعم و ابن مسعود و أبي الدرداء و عبادة بن الصامت عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و أخرج زيد النرسي في أصله:54 عن الصادق عليه السّلام:«ان اللّه ينزل في يوم عرفة...»،و أخرج الصدوق في التوحيد [3]في بعض نسخه:248-الهامش،البحار 3: 331 [4] عن الصادق عليه السّلام تأييد حديث نزول الربّ و تصحيحه،و أخرج علي بن ابراهيم في تفسيره 2:204 [5] عن الصادق عليه السّلام:«ينزل أمره كل ليلة»،و في نقل البحار 3:315 [6] عنه:«ينزل كلّ ليلة».

3) 3) حديث الرضا عليه السّلام أخرجه الصدوق في العيون 1:104 ح 21،و [7]التوحيد:176 ح 7 و أماليه:335 ح 5 المجلس(64)، و [8]رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:410،و [9]أخرج نحوه الكليني في الكافي 1:125 ح 1،و [10]الصدوق في التوحيد:183 ح 18 [11] عن الكاظم عليه السّلام،و الكليني في الكافي 1:126 ح 4 [12] عن الهادي عليه السّلام،و روى قريبا منه ابن طاوس في جمال الاسبوع: 182 [13] بلا عزو.

9

من الخطبة(89)

بعد ما مرّ في سابقه:

وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ- وَ ضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَ الْعِقْيَانِ- وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ- وَ لاَ أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ- وَ لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ مَا لاَ تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ- لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لاَ يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ- وَ لاَ يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ «و لو وهب» قال ابن أبي الحديد:هذا الكلام من تتمّة الكلام الأول،و هو قوله عليه السّلام:«لا يفره المنع و الجمود و لا يكديه الإعطاء» (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:140. [1]

.

قلت:بل خصوص قوله«و لا يكديه الإعطاء»،و لا ربط له بقوله«لا يفره المنع».

«ما تنفّست عنه معادن الجبال» هو استعارة كقوله تعالى: «وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» (2)،و المراد ما تشقّقت عنه المعادن .

«و ضحكت عنه» هو أيضا استعارة كقوله تنفّست،و المراد أيضا ما تشقّقت،و لا يخفى حسن التعبير عن تشقّق الجبال بالفلزّات بالتنفّس عن الشيء،و عن تشقّق الأصداف باللآلي بالضّحك عنه.

«أصداف البحار» و الصدف غشاء الدرّة .

«من فلزّ» بكسرتين،و جوّز(القاموس)فيه الضمّتين كعتلّ،و الكسر


1) 1)

2) 2) التكوير:18. [2]

فالفتح كهجف،و قال:الفلزّ نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة أو خبث الحديد أو الحجارة أو جواهر الأرض كلّها أو ما ينقيه الكير من كلّ ما يذاب منها (1)

القاموس المحيط 2:186 [1] مادة(فلز).

.

قلت:الصواب هو القول الرابع لقوله عليه السّلام: «اللّجين» بالتّصغير الفضّة.

«و العقيان» بالكسر الذّهب الخالص،و رواه( التوحيد الشيخ الصدوق-التوحيد-ص 49 ح 13 )«و سبائك العقيان » (2).

«و نثارة الدرّ» في(الصحاح):النّثار بالضم ما تناثر من الشيء (3)،و الدرّة:

اللؤلؤ،و الجمع درّ و درّات و درر .

«و حصيد المرجان» و رواه(التوحيد)«و نضائد المرجان» (4)و قال ابن أبي الحديد:و يروى«و حصباء المرجان» (5).

قلت:و أبو نؤاس نسب الحصباء إلى الدّرّ،فقال:

كأنّ صغرى و كبرى من فقاقعها حصباء درّ على أرض من الذّهب

(6)و في(اللّسان):قال بعضهم:المرجان البسّذ و هو جوهر أحمر،قال ابن برّي:الّذي عليه الجمهور إنّه صغار اللؤلؤ،كما ذكره الجوهري،و الدّليل على صحة ذلك قول امرئ القيس ابن حجر: أذود القوافي عنّي ذيادا ذياد غلام جريّ جيادا


1) 1)

2) 2) التوحيد للصدوق:49 ح 13.

3) 3) المصدر نفسه.

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 2:822 مادة(نثر).

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 2:140. [2]

6) 6) أورده ابن هشام في شرح القطر:316.

فأعزل مرجانها جانبا و آخذ من درّها المستجادا

(1)قلت:جعله في الآية «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ» (2)،و في كلامه عليه السّلام و في شعر امرئ القيس مقابل اللّؤلؤ،و الدّرّ دالّ على كونه غيره، و في(المصباح)قال الطرطوشي:هو عروق حمر تطلع من البحر كأصابع الكفّ،قال:و هكذا شاهدناه بمغارب الأرض كثيرا (3).

ثمّ الأكثر ذكروا مرجان في مرج،و عن الأزهري:لا أدري أرباعي هو أم ثلاثي؟ (4)هذا،و «من فلز اللّجين و العقيان» راجع الى معادن الجبال،و «و نثارة الدّرّ و حصيد المرجان» راجع إلى أصداف البحار .

«ما أثّر ذلك في جوده،و لا أنفد سعة ما عنده» و كيف ينفد و له خزائن السماوات و الأرض،و في(أصل البرسيّ):إنّ اللّه تعالى قال لداود:«يا داود و عزّتي و جلالي،لو أنّ أهل سماواتي و أرضي أمّلوني فأعطيت كلّ مؤمّل أمله بقدر دنياكم سبعين ضعفا لم يكن ذاك إلاّ كما يغمس أحدكم إبرة في البحر و يرفعها،فكيف ينقص شيء أنا أعطيته » (5).

«و لكان عنده من ذخائر الأنعام ما لا تنفده مطالب الأنام» ،و في رواية (التوحيد):«و لكان عنده من ذخائر الإفضال ما لا ينفده مطالب السّؤال،و لا


1) 1) لسان العرب 2:366 [1] مادة(مرج)و ما نقله عن الجوهري في صحاح اللغة 1:341 مادة(مرج).

2) 2) الرحمن:22. [2]

3) 3) المصباح المنير 2:264 [3] مادة(مرج).

4) 4) نقله عن الأزهري لسان العرب 2:366 [4] مادة(مرج)،و قال:«و أورده في رباعي الجيم».

5) 5) رواه الحافظ البرسي في مشارق الأنوار:42 بلا إسناد،لكن أخرج معناه الكليني بروايتين في الكافي 2:66 و 67،ح 7، 8 و [5]أبو جعفر الطوسي في أماليه 2:196 المجلس(6)و جاء قريبا منه أربع روايات رواها الطبرسي في مشكاة الأنوار: 16،17،و أما قول الشارح اصل البرسي فهو،لأن الحافظ رجب البرسي ليس من أصحاب الأصول،بل صاحب الأصل هو زيد النرسي و ليس في أصله أثر من هذا الحديث.

يخطر لكثرته على بال» (1)

التوحيد للصدوق:49 ح 13.

«وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » (2).

«لأنّه الجواد الّذي لا يغيضه» من غاض الماء قلّ و نضب.قال الجوهري:

و غيض الماء فعل به ذلك،يتعدى و لا يتعدى.و قال الأخفش في قوله تعالى:

«وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ» (3)أي:ما تنقص.و يقال غاض الكرام أي قلّوا، و فاض اللّئام أي كثروا،و أعطاه غيضا من فيض،أي:قليلا من كثير (4).

«سؤال السائلين و لا يبخله إلحاح الملحّين» و في رواية(التوحيد)بدل«لأنّه الجواد...»:«لأنّه الجواد الّذي لا تنقصه المواهب،و لا ينحله إلحاح الملحّين، «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» » (5).

10

من الخطبة(89)

بعد ما مرّ في سابقة:

وَ انْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ- فَمَا دَلَّكَ؟الْقُرْآنُ؟ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ- وَ اسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ- مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ- وَ لاَ فِي سُنَّةِ؟النَّبِيِّ ص؟ وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ- فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ- فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ- عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ- الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ


1) 1)

2) 2) الحجر:21. [1]

3) 3) الرعد:8. [2]

4) 4) صحاح اللغة 3:1096 [3] مادة(غيض).

5) 5) التوحيد للصدوق:49 ح 13 و فقرة« «إِنَّما أَمْرُهُ» ...»هي لفظ الآية(82)من سورة يس. [4]

فَمَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ- عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً- وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ- فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً- فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ- وَ لاَ تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ- فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ أقول:و رواه( التّوحيد الشيخ الصدوق-التوحيد-ص 55 ح 13 )مع زيادة و تغيّر،ففيه:«الّذي لمّا شبّهه العادلون بالخلق المبعّض المحدود في صفاته،ذي الأقطار و النّواحي المختلفة في طبقاته،و كان عزّ و جلّ الموجود بنفسه لا بأداته،انتفى أن يكون قدّروه حقّ قدره،فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد،و ارتفاعا عن قياس المقدّرين له بالمحدود من كفرة العباد: «وَ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ» (1)

الزمر:67. [1]

، فما دلّك القرآن عليه من صفته فاتّبعه ليوصل بينك و بين معرفته،و ائتمّ به، و استضئ بنور هدايته،فإنّما هي نعمة و حكمة أوتيتهما،فخذ ما أوتيت و كن من الشاكرين،و ما دلّك الشيطان ...» (2).

«و انظر أيّها السائل فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به،و استضئ بنور هدايته» و ممّا دلّنا القرآن عليه من صفته تعالى: «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ» ... «وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» (3)،و قال تعالى: «قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ» (4)،و قال جلّ و علا: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » (5).

«و ما كلّفك الشيطان علمه» من عرفان كنهه.

«ممّا ليس في الكتاب» أي:القرآن.


1) 1)

2) 2) التوحيد للصدوق:55 ح 13.

3) 3) البقرة:255. [2]

4) 4) الاخلاص:1-4. [3]

5) 5) الشورى:11. [4]

«عليك فرضه،و لا في سنّة النبي صلّى اللّه عليه و آله و أئمة الهدى» و هم أهل بيته عليهم السّلام:

و أمّا الثلاثة و إن سمّوهم الخلفاء الرّاشدين،إلاّ أنّه لا يصدق إلاّ إذا صدق قول من قال: «ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ » (1)

غافر:29،و [1]هو مقول فرعون.

.

«أثره فكل» من و كل أي:فوّض.

«علمه إلى اللّه سبحانه» كان عليّ بن الحسين عليه السّلام يقول:سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلاّ المعرفة بالتقصير عن معرفتها،كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنّه لا يدركه (2).

«فإن ذلك منتهى حقّ اللّه عليك» لأنّه لم يكلّف أحدا ما لم يطقه.

و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: «وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» (3)قال:«إذا انتهى الكلام إلى اللّه تعالى فامسكوا» (4).

و في آخر عنه عليه السّلام:«إنّ النّاس لا يزال بهم المنطق حتّى يتكلّموا في اللّه، فاذا سمعتم ذلك فقولوا:لا إله الاّ اللّه الواحد الّذي «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » » (5).

«و اعلم أنّ الراسخين» أي:الثابتين،قال لبيد:

رسخ الدمن على أعضاده ثلمته كلّ ريح و سبل

(6)«في العلم هم الّذين أغناهم عن اقتحام» الاقتحام:الرمي بالنفس في شيء من غير رويّة.


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 8:394 ح 592. [2]

3) 3) النجم:42. [3]

4) 4) أخرجه الكليني في الكافي 1:92 ح 3،و [4]البرقي في المحاسن:237 ح 206،و [5]الصدوق في الهداية:46 [6] عن الصادق عليه السّلام، و أخرجه علي بن ابراهيم في تفسيره 2:338 [7] بلا عزو.

5) 5) أخرجه الكليني في الكافي 1:92 ح 3 [8] عن الصادق عليه السّلام،و أخرجه البرقي في المحاسن:237 ح 209 [9] عن الباقر عليه السّلام.

6) 6) أورده أساس البلاغة 162 [10] مادة(رسخ).

«السّدد» بالضمّ فالفتح:جمع السّدّة باب الدّار،و في الخبر:«الشعث الرءوس الّذين لا تفتح لهم السّدد» (1)

نقل ابن منظور في لسان العرب 3:209، [1]مادة(سدد)هذا اللفظ،و أخرجه الترمذي 4:629 ح 2444،و ابن ماجه 2: 1438 ح 4303،و الحاكم في المستدرك عنه الجامع الصغير 1:90،و أحمد في مسنده 5:275 [2] عن ثوبان عن النبي صلّى اللّه عليه و آله في حديث في ورود الحوض:«الشعث رءوسا الدنس ثيابا الذين لا ينكحون المتنعمات و لا تفتح لهم أبواب السّدد». و أخرج قريبا منه الضياء المقدسي في المختارة،و الطبراني في معجمه الكبير عنهما منتخب كنز العمال 6:92 عن أبي أمامة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله.

.

و قال الجزريّ:السّدّة كالظلّة على الباب لتقي الباب من المطر،و قيل:هي الباب نفسه،و قيل:هي الساحة بين يديه (2).

«المضروبة دون الغيوب» فلا يمكن لأحد الوقوف عليها .

«الإقرار» و هو فاعل«أغناهم».

«بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب» أشار عليه السّلام الى قوله تعالى:

«هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ» (3).

ثمّ إنّه و إن اختلفت الخاصّة و العامّة في الآية هل «وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» عطف على(اللّه)أو مستأنف (4)،إلاّ أنّ كلامه عليه السّلام دالّ على الثاني، و هو الظّاهر من الآية،حيث إنّه لو كان عطفا لكان الأنسب أن يقال:«و يقولون»


1) 1)

2) 2) النهاية لابن الأثير 2:353 [3] مادة(سدد).

3) 3) آل عمران:7-8. [4]

4) 4) ليس الاختلاف راجعا الى المذهب،بل القولان العطف و الاستيناف يوجدان في كلا المذهبين،و لكلّ على مذهبه تفسير و تأويل.

لا«يقولون»،و يأتي فيه زيادة كلام.

و لا ينافي ذلك علم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أوصيائه بتأويل القرآن،فإنّ علمهم به بوحيه و إلهامه،فعلم تأويله من علم الغيب،و قد قال تعالى في موضع: «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ» (1)

الجن:26-27. [1]

مع أنّه قال:

«إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (2)و قال: «قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللّهُ» (3)،و حينئذ فالآية في مقام آخر نظير قوله تعالى الآخر: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللّهُ بِهذا مَثَلاً » (4).

«فمدح اللّه عزّ و جلّ اعترافهم بالعجز عن تناول» أي:فهم.

«ما لم يحيطوا به علما» من المتشابه،حيث حكى عنهم أنّهم يقولون:آمنّا به-أي:بالكتاب-كلّ من المحكم الّذي فهمنا،و المتشابه الذي لم نفهمه من عند ربّنا .

«و سمّى تركهم التعمّق في ما لم يكلّفهم البحث» أي:الكشف،و الأصل فيه كشف التراب عن الشيء المدفون،قال ابن دريد:و في مثل من أمثالهم:كباحثة عن حتفها بظلفها،و ذلك أنّ شاة بحثت عن سكين مدفون بظلفها فذبحت به (5).

«عن كنهه» أي:حقيقته و بلوغ غايته.

«رسوخا» أي:ثبوتا مستحكما،من رسخ الجبل،فعبّر عنهم بقوله:

«وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» .


1) 1)

2) 2) الحجرات:18. [2]

3) 3) النمل:65. [3]

4) 4) البقرة:26. [4]

5) 5) جمهرة اللغة لابن دريد 1:199. [5]

«فاقتصر على ذلك» و تأدّب بأدب اللّه .

«و لا تقدّر» أي:لا تعيّن مقدار.

«عظمة اللّه» و ذاته.

«على قدر عقلك» لقصوره .

«فتكون من الهالكين» حيث تجاوزت حدّك،قال الباقر عليه السّلام:إنّ قوما تكلّموا في اللّه عزّ و جلّ فتاهوا حتّى كان الرجل ينادي من بين يديه فيجيب من خلفه،و ينادي من خلفه فيجيب من بين يديه (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:455 ح 7،و البرقي في المحاسن:238 ح 211 [1] في ذيل حديث عن الباقر عليه السّلام،و رواه صاحب فقه الرضا [2]عنه بحار الأنوار 3:262 ح 14 [3] بلا عزو.

.

و قال الصادق عليه السّلام:إنّ ملكا عظيم الشأن كان في مجلس له،فتناول الرّبّ تعالى،ففقد فما يدرى أين هو (2).

و في خبر آخر:تكلّموا في كلّ شيء،و لا تتكلّموا في ذات اللّه تعالى (3).

و عن الباقر عليه السّلام:تكلّموا في خلق اللّه،و لا تتكلّموا في اللّه،فإنّ الكلام في اللّه لا يزداد صاحبه إلاّ تحيّرا (4).

11

من الخطبة(89)

أيضا بعد ما مرّ:

هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ- لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ- وَ حَاوَلَ


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 1:93 ح 6،و [4]الصدوق في التوحيد:458 ح 19،و البرقي في المحاسن:240 ح 219 [5] عن الصادق عليه السّلام.

3) 3) أخرجه الكليني في الكافي 1:92 ح 1،و [6]الصدوق في التوحيد:455 ح 2 عن الباقر عليه السّلام.

4) 4) أخرجه الكليني في الكافي 1:92 ح 1،و [7]الصدوق في التوحيد:454 ح 1 عن الباقر عليه السّلام،و قد جاءت في هذا المعنى أحاديث كثيرة لم يسع المقام لذكرها.

الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ- أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ- وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ- وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لاَ تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ- لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ رَدَعَهَا- وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ- فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً- بِأَنَّهُ لاَ يُنَالُ بِجَوْرِ الاِعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ- وَ لاَ تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلاَلِ عِزَّتِه «هو القادر» على كلّ شيء.

«الذي إذا ارتمت» أي:قصدت،و الأصل فيه رمي الصيد.

«الأوهام لتدرك منقطع قدرته» و في رواية(التوحيد)بدل جميع الكلام:

«لأنّه اللطيف الّذي إذا أرادت الأوهام أن تقع عليه في عميقات غيوب ملكه » (1)

التوحيد للصدوق:51 ح 13.

.

«و حاول» أي:قصد.

«الفكر المبرّأ من خطرات» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(من خطر)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).

«الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته» و في رواية(التوحيد) بدل جميع الكلام:«و حاولت الفكر المبرأة من خطر الوسواس إدراك علم ذاته » (3).

«و تولّهت» أي:صارت و الهة.

«القلوب إليه لتجري في كيفيّة صفاته» و في رواية(التوحيد)«لتحوي منه مكيّفا في صفاته» (4).


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 2:142،و [1]شرح ابن ميثم 2:329« [2]خطرات»أيضا.

3) 3) التوحيد للصدوق:51 ح 13.

4) 4) التوحيد للصدوق ح:51 13. [3]

«و غمضت» من أغمض في الأرض،إذا ذهب و غاب.

«مداخل العقول في حيث» أي:في مكان.

«لا تبلغه الصفات» أي:التوصيفات.

«لتناول» و في(ابن ميثم و الخطية) (1)

في شرح ابن ميثم 2:329 [1]في شرح ابن أبي الحديد 2:142 أيضا« [2]لتناول».

«لتنال».

«علم ذاته» أي:حقيقته،قال ابن أبي الحديد:ذات:لفظة قد طال فيها كلام كثير من أهل العربية،فأنكر قوم إطلاقها على اللّه تعالى و إضافتها إليه،أمّا إطلاقها فلأنّها لفظة تأنيث،و الباري سبحانه منزّه عن الأسماء و الصفات المؤنثة،و أمّا إضافتها فلأنّها عين الشيء،و الشيء لا يضاف إلى نفسه،و أجاز آخرون إطلاقها في الباري تعالى و إضافتها اليه،أمّا استعمالها فلو جهان:

أحدهما:أنّها جاءت في الشعر القديم،قال حبيب الصحابيّ عند صلبه:

و ذلك في ذات الإله و إن يشأ يبارك على أوصال شلو موزّع

و يروى:ممزّع.

و قال النابغة:

محبّتهم ذات الإله و دينهم قديم فما يخشون غير العواقب

و الوجه الثاني:أنّها لفظة اصطلاحية،فجاز استعمالها لا على أنّها مؤنث ذو،بل تستعمل ارتجالا في مسمّاها الّذي عبّر عنه بها أرباب النظر الإلهي،كما استعملوا لفظ الجوهر و العرض و غيرهما في غير ما كان أهل العربيّة و اللغة يستعملونها فيه،و أمّا منعهم إضافتها إليه تعالى-و أنّه لا يقال:

ذاته،لأنّ الشيء لا يضاف الى نفسه-فباطل بقولهم:أخذته نفسه،و أخذته عينه (2).


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:142. [3]

قلت:من المنكرين ابن برهان،قال الفيّوميّ:قال ابن برهان من النحاة:

قول المتكلمين:«ذات اللّه»جهل،لأنّ أسماءه لا تلحقها تاء التأنيث،فلا يقال:

علاّمة و إن كان أعلم العالمين.قال:و قولهم:«الصفات الذاتية»خطأ أيضا،فإنّ النسبة إلى ذوات ذوويّ،لأنّ النسبة تردّ الاسم إلى أصله (1)

المصباح المنير 1:257 [1] مادة(ذوى).

.

قلت:كلامه غلط في غلط،فإنّ ذاتا بمعنى الحقيقة ليس تاؤه للتأنيث، و إنّما ذات و صفي،في قبال ذو تاؤه للتأنيث،تقول:رجل ذو مال و امرأة ذات مال،كما أن(علاّمة)ليست تاؤه للتأنيث،بل للمبالغة،كيف و يطلق على الرجال،فيقال:فلان علاّمة الدهر؟! و ذات بمعنى الحقيقة:اسم،و قد خلطوا بينه و بين ذات و صفي بمعنى:

الصّاحبة،و يشهد لخلطهم ما في(اللّسان):أنّ ابن الأنباري قال في قوله تعالى:

«الصُّدُورِ» (2):معناه بحقيقة القلوب من المضمرات.فتأنيث ذات لهذا المعنى،كما قال: «وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ» (3)فأنّث على معنى الطائفة (4).

فجعل«ذات الصدور»كذات الشوكة مع أنّ الثاني وصف و الأصل أنّ الطائفة غير ذات الشوكة لقوله تعالى قبل: «وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ» (5)و الأول اسم،و صرّح بالفرق بينهما الفّيوميّ أيضا (6).

و قد استعمل(الذات)مضافا إليه تعالى في غير كلامه عليه السّلام،و بيت الصّحار،


1) 1)

2) 2) هود:5.

3) 3) الأنفال:7. [2]

4) 4) لسان العرب 15:459 [3] مادة(ذو).

5) 5) الأنفال:7. [4]

6) 6) المصباح المنير 1:257 مادة(ذوى).

و بيت النابغة،و في كلام سيّدة النساء في خطبتها في فدك:«مكدودا في ذات اللّه» (1)

رواه الطبري في دلائل الامامة:34،و [1]الاربلي في كشف الغمة 2:112،و الطبرسي في الاحتجاج 1:101، [2]لكن رواه ابن أبي الحديد في شرحه 4:79 بدون هذه الفقرة.

،و كلامها في مرضها الذي توفيت فيه:«و تنمّره في ذات اللّه» (2).

و في بيت أبي تمام:

و يضرب في ذات الإله فيوجع

نقله(المصباح) (3)و(المغرب) (4)،و في كلام العرب على نقل التكملة كما فيهما (5):جعل اللّه ما بيننا في ذاته.

و مرّ خبر(الكافي):و لا تتكلّموا في ذات اللّه (6).

و جاء(ذات)مضافا إلى غير اللّه في بيت سويد بن كراع العكلي،و قد نقله (كتاب سيبويه)شاهدا لكفّ لعلّ بلفظة(ما):

تحلّل و عالج ذات نفسك و انظرن أبا جعل لعلّما أنت حالم

(7)و في بيت ذي الرّمّة،و قد نقله(الأساس)،و هو: و إنّ هوى صيداء في ذات نفسه بسائر أسباب الصبابة راجح

(8)و في بيت حكاه ابن فارس في(متخيّر ألفاظه)كما في(المصباح):


1) 1)

2) 2) رواه الصدوق في معاني الأخبار:355 ح 1،و الجوهري في السقيفة:118،و [3]الطبري في دلائل الامامة:40،و [4]أبو علي الطوسي في أماليه 1:384،المجلس(13)،و [5]الطبرسي في الاحتجاج 1:108. [6]

3) 3) المصباح المنير 1:357 [7] مادة(ذوى).

4) 4) المغرب:196 [8] مادة(ذوى).

5) 5) المصدران أنفسهما.

6) 6) مر هذا الخبر و أخبار أخرى في المعنى في العنوان(10)من هذا الفصل.

7) 7) أورده سيبويه في الكتاب 1:283. [9]

8) 8) نقله أساس البلاغة:147 [10] مادة(ذوى).

فنعم ابن عمّ القوم في ذات ماله إذا كان بعض القوم في ماله كلبا

(1)ثمّ الظاهر أنّ معناه في الكلّ واحد في الأصل،و الاختلاف فيه من خصوصيّة المقام،فهو في بيت النابغة بمعنى الإله نفسه،قال الفّيومي في بيت النابغة:المجلة(بالجيم)الصحيفة،أي:كتابهم عبوديّة نفس الإله (2).

و في كلامه عليه السّلام و في كلام الصادق عليه السّلام:(ذات اللّه)أي:حقيقته و هويّته، و في كلام الصّديقة عليهما السّلام و بيت الصّحار،و بيت أبي تمام،و كلام العرب بمعنى في جنب اللّه و لأجله.

و في قوله تعالى: ...عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورُ (3)أي:بباطنها و خفيّها،فهو في معنى قوله تعالى: «وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ» (4)،و في بيت سويد أيضا بمعنى الباطن،و في بيت ذي الرّمّة بمعنى شخصه،و في بيت ابن فارس بمعنى أصله.

«ردعها» أي:كفّها .

«و هي تجوب» أي:تقطع.

«مهاوي» أي:مهالك.

«سدف» أي:ظلم.

«الغيوب متخلّصة إليه سبحانه» لا يخالطها قصد غيره.

«فرجعت إذ جبهت» أي:صكّت جباهها .

«معترفة بأنّه» تعالى.

«لا ينال» بلفظ المجهول.


1) 1) المصباح المنير 1:357 [1] مادة(ذوى).

2) 2) المصدر نفسه. [2]

3) 3) هود:5. [3]

4) 4) غافر:19. [4]

«بجور» أي:كثرة.

«الاعتساف» أي:الأخذ على غير الطريق.

«كنه معرفته» عزّ و جلّ،لكونه من المحالات .

«و لا تخطر ببال» أي:ذهن.

«أولي الرّويّات» أي:أصحاب التفكّر في الأمور.

«خاطرة من تقدير جلال عزّته» كيف لا،و قد قال تعالى: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (1)

الكهف:109. [1]

؟! و كلامه عليه السّلام من أوّله إلى آخره ناظر إلى قوله تعالى: «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ» (2).

و مثله دعاء قنوت(الصحيفة السجادية)الثانية:سبحانك طوت الأبصار في صنعتك مديدتها،و ثنت الألباب عن كنهك أعنّتها (3).

و قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فإن قالوا:و لم يختلف فيه تعالى؟قيل لهم:

لقصر الأوهام عن مدى عظمته،و تعدّيها أقدارها في طلب معرفته،و أنّها تروم الإحاطة به،و هي تعجز عن ذلك و ما دونه،فمن ذلك:هذه الشمس التي تراها تطلع على العالم و لا يوقف على حقيقة أمرها،و لذلك كثرت الأقاويل فيها، و اختلف الفلاسفة المذكورون في وصفها،فقال بعضهم:هو فلك أجوف مملوّ نارا له فم يجيش بهذا الوهج و الشّعاع.و قال آخرون:هو سحابة.و قال


1) 1)

2) 2) الملك:3-4. [2]

3) 3) لم أعثر على نسخته.

آخرون:هو جسم زجاجي يقلّ ناريّة في العالم و يرسل عليه شعاعها.و قال آخرون:هو صفو لطيف ينعقد ماء البحر،و قال آخرون:هو أجزاء كثيرة مجتمعة من النار.و قال آخرون:هو من جوهر خامس سوى الجواهر الأربعة.

ثم اختلفوا في شكلها...و كذلك اختلفوا في مقدارها...ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم في الشمس دليل على أنّهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها،فإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر و يدركها الحسّ قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها،فكيف ما لطف عن الحسّ و استتر عن الوهم (1)

توحيد المفضل:178. [1]

.

هذا،و زاد في رواية التوحيد بعد «من تقدير جلال عزّته» :«لبعده من أن يكون في قوى المحدودين لأنّه خلاف خلقه فلا شبه له من المخلوقين،و إنّما يشبه الشيء بعديله،فأمّا ما لا عديل له،فكيف يشبه بغير مثاله» (2).

12

من الخطبة(89)

بعد ما مرّ:

اَلَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ- وَ لاَ مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ- وَ أَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ- وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ- وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ- مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ- فَظَهَرَتِ فِي الْبَدَائِعِ- الَّتِي أَحْدَثَتْهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ وَ أَعْلاَمُ حِكْمَتِهِ- فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَ دَلِيلاً عَلَيْهِ- وَ إِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ- وَ دَلاَلَتُهُ عَلَى الْبُدِعِ قَائِمَةٌ


1) 1)

2) 2) التوحيد للصدوق:52 ح 13.

«الذي ابتدع الخلق» أي:اخترعه،قال تعالى: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (1)

البقرة:117. [1]

.

«على غير مثال امتثله» لنفسه،كالصائغ الّذي يصوغ حلقة من رصاص، ثمّ يصوغ حلقة من ذهب عليها،و كالبنّاء الّذي يخطّ في الأرض أو غيرها خطوطا،ثمّ يبني بحسبها،و كالّذي يضرب اللّبن على القالب .

«و لا مقدار احتذى عليه» أي:جعله مقابلا له،يقال:حذو النّعل بالنّعل، و القذّة بالقذّة (2).و القذّة،ريش السّهم.

«من خالق معبود» و في(المصرية):«معهود»و هو غلط (3).

«كان قبله» كصنّاع يتّبعون صنّاعا قبلهم كانوا مخترعي تلك الصنعة .

«و أرانا من ملكوت قدرته» قال تعالى: «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ» (4)،فهل قدرة أملك من تلك القدرة التي جعلت التراب بشرا ينتشر ؟ «و عجائب ما نطقت به آثار حكمته» «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (5).

فهل من حكمة أعجب من هذه فلو لم تكن أزواج الناس من جنس


1) 1)

2) 2) هذا اصطلاح سائد في لغة العرب،و جاء في الحديث النبوي:«لتتبعنّ سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة»،رواه رزين في الجمع عنه جامع الاصول 10:408 ح 7471،و الطوسي في الاقتصاد:213،و [2]المفصح:127، و أورد الميداني في مجمع الأمثال 1:195 و [3]الزمخشري في المستقصى 2:61:« [4]حذو القذة بالقذة»،و قال الزمخشري يضرب في التماثلين.

3) 3) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2:143:«معبود»،و لفظ شرح ابن ميثم 2:329:«معهود».

4) 4) الروم:20. [5]

5) 5) الروم:21. [6]

أنفسهم لنفروا عنها و لم يسكنوا اليها،و لنفرت الأزواج عنهم،و لم تسكن إليهم،كما أنّه لو لم يكن جعل تعالى بينهم مودّة و رحمة،كيف كان الرجال يتحمّلون مشاق مئونات النساء،و كيف كانت النساء يتحملن مشاقّ تكليفات الرجال،الى غير ذلك من غرائب قدرته و عجائب حكمته في خلقه الّذي لا يحصى .

«و اعتراف الحاجة من الخلق» بلسان الحال.

«إلى أن» هكذا في النسخ (1)

كذا في نهج البلاغة 1:163،و شرح ابن أبي الحديد 2:143،و [1]شرح ابن ميثم 2:329. [2]

،و الظاهر كونه مصحّف(إلى من).

«يقيمها بمساك قوّته» «إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ » (2).

«ما» مفعول ثان لقوله«و أرانا».

«دلّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته» بالوجود و القدرة و الحكمة .

«و ظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته و أعلام حكمته» هكذا في (النهج) (3)،و الظاهر وقوع سقط لعدم ربط الكلام من أوّله بما قبله.

و يشهد للسّقط رواية(التوحيد)ففيها قبله«الّذي صدرت الأمور عن مشيئته،و تصاغرت عزّة المتجبرين دون جلال عظمته،و خضعت له الرقاب، و عنت الوجوه من مخافته » (4).

«فصار كلّ ما خلق حجّة له و دليلا عليه» قال:

فوا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد


1) 1)

2) 2) فاطر:41. [3]

3) 3) كذا في نهج البلاغة 1:163،و شرح ابن أبي الحديد 2:143،و [4]شرح ابن ميثم 2:329. [5]

4) 4) التوحيد للصدوق:52 ح 13.

و في كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد

(1)«و إن كان خلقا صامتا» و في(ابن ميثم) (2):«و إن كان صامتا ».

«فحجّته بالتّدبير» أي:بوجود مدبّر للخلائق.

«ناطقة» بلسان الحال .

«و دلالته على البدع» :أي كونه تعالى مبدعا لها.

«قائمة» بشهادة العقول،قال بعضهم في وصف النّرجس:

عيون في جفون في فنون بدت فأجاد صنعتها المليك

بأبصار التغنج لا محات كأنّ حداقها ذهب سبيك

على غصن الزمرد مخبرات بأنّ اللّه ليس له شريك

13

من الخطبة(89)

بعد ما مرّ:

فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ- وَ تَلاَحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ- لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ- وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لاَ نِدَّ لَكَ- وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ- إِذْ يَقُولُونَ «تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ» (3)- كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ- وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ- وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ- وَ قَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ


1) 1) أورده ابن أبي الحديد في شرحه 2:144.

2) 2) في شرح ابن ميثم 2:329،و [1]في شرح ابن أبي الحديد 2:143« [2]خلقا صامتا»أيضا.

3) 3) الشعراء:97-98. [3]

سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ- وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا نَزَلَتْ بِهِ مُحْكَمُ آيَاتِكَ- وَ نَطَقَتْ بِهِ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ- وَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ- فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً- وَ لاَ فِي رَوِيَّاتِ خَاطِرِهَا مَحْدُوداً مُصَرَّفاً «فأشهد» إخباره عليه السّلام عن شهادته لتأكيد المطلب نظير قول هود عليه السّلام لقومه: «إِنِّي أُشْهِدُ اللّهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ» (1)

هود:54-55. [1]

.

«أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك» في كون بعضها أفرادا و بعضها أزواجا،قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فالرّأس ممّا خلق فردا،و لم يكن للإنسان صلاح في أن يكون له أكثر من واحد،ألا ترى أنّه لو أضيف إلى رأس الإنسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير حاجة اليه،لأنّ الحواس الّتي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد،ثمّ كان الإنسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان،فإن تكلّم من أحدهما كان الآخر معطلا لا إرب فيه و لا حاجة اليه،و إن تكلّم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلا لا يحتاج اليه،و إن تكلّم بأحدهما بغير الّذي تكلّم به من الآخر،لم يدر السّامع بأيّ ذلك يأخذ،و أشباه هذه من الأخلاط.و اليدان ممّا خلق أزواجا،و لم يكن للإنسان خير في أن يكون له يد واحدة،لأنّ ذلك كان يخلّ به في ما يحتاج إلى معالجته من الأشياء،أ لا ترى أنّ النّجار و البنّاء لو شلّت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته،و إن تكلّف ذلك لم يحكمه،و لم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت يداه تتعاونان على العمل (2).

«و تلاحم» أي:تلاصق،من تلاحمت الشجّة:تلاءم لحمها.

«حقاق» جمع الحقّ بالضمّ،و في(الجمهرة):الحقّ رأس العضد الذي فيه


1) 1)

2) 2) توحيد المفضل:61. [2]

الوابلة،و أصل الورك الّذي فيه عظم رأس الفخذ (1)

جمهرة اللغة لابن دريد 1:63. [1]

،و زاد(اللّسان):و النقرة التي في رأس الكتف أيضا (2).

«مفاصلهم المحتجبة» عن العيون،و في(توحيد المفضل):و لو رأيت الدّماغ اذا كشف عنه لرأيته قد لفّ بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الأعراض و تمسكه فلا يضطرب،و لرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيما تقيه هدّ الصدمة و الصكّة التي ربّما وقعت في الرّأس،ثمّ قد جلّلت الجمجمة بالشعر حتّى صارت بمنزلة الفرو للرأس،يستره من شدّة الحرّ و البرد،فمن حصّن الدماغ هذا التّحصين إلاّ الّذي خلقه،و جعله ينبوع الحس و المستحقّ للحيطة و الصيانة بعلوّ منزلته من البدن،و ارتفاع درجته و خطير مرتبته.تأمّل -يا مفضّل-الجفن على العين كيف جعل كالغشاء،و الأشفار كالأشراح و أولجها في هذا الغار،و أظلّها بالحجاب،و ما عليه من الشعر.

يا مفضل!من غيّب الفؤاد في جوف الصدر،و كساه المدرعة التي هي غشاوة و حصّنه بالجوانح،و ما عليها من اللّحم و العصب لئلاّ يصل إليه ما ينكؤه (3).

«لتدبير حكمتك» في تباين ما تباين من الأعضاء،و تلاحم حقاق ما احتجبت من المفاصل على ما عرفت.

هذا و قال ابن أبي الحديد:روى بعضهم قوله عليه السّلام:«المحتجبة لتدبير حكمتك»:(المحتجة)فمن قال:المحتجّة،أراد أنّها بما فيها من لطيف الصنعة كالمحتجّة المستدلّة على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه،و من قال:


1) 1)

2) 2) لسان العرب 10:56 [2] مادة(حقق).

3) 3) توحيد المفضل:64. [3]

المحتجبة،أراد المستترة لأنّ تركيبها الباطن خفي محجوب (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:144. [1]

.

و الاشكال عليه أنّ ابن ميثم الّذي نسخته بخطّ المصنّف لم ينقل غير «المحتجبة» (2)،و رواية التوحيد أيضا بلفظ«المحتجبة»نسخة واحدة (3)،و قد عرفت أنّ التدبير مربوط بجميع الكلام لا بخصوص تلاحم حقاق المفاصل.

و كيف كان فبيانه عليه السّلام لتدبير حكمته تعالى في الأعضاء و المفاصل ضمنيّ،فإنّه عليه السّلام في مقام إنكار تشبيه الخالق بالخلائق،كما أنّه قد يكون الكلام في غير مقام المدح و القدح،و يحصلان ضمنا.

كما أنّ قوله عليه السّلام:«شبّهك بتباين»جعل وجه الشبه و المشبّه و المشبّه به اختصارا و ايضاحا لشناعة فعالهم .

«لم يعقد غيب ضميره على معرفتك» أي أنّ المشبّه له تعالى بالخلق،و إن ادّعى أنّه عرفك،إلاّ أنّه لم يصل إلى معرفتك،حيث إنّ ما تصوره الربّ ليس بربّ.

و لمّا اتّهم الواثق أحمد بن نصر الخزاعيّ بالخروج عليه،فأخذ و حمل اليه،قال له الواثق:دع ما أخذت له،أ فترى ربّك في القيامة؟ قال:كذا جاءت الرواية.

فقال:ويحك يرى كما يرى المحدود المتجسم يحويه مكان،و يحصره الناظر،أنا أكفر بربّ هذه صفته،ما تقولون فيه؟ فقال ابن أبي داود:شيخ مختل لعلّ به عاهة أو تغيّر عقل.

قال الواثق:ما أراه إلاّ مؤدّيا لكفره قائما بما يعتقده،و دعا بالصّمصامة


1) 1)

2) 2) في شرح ابن ميثم 2:329(المحتجبة).

3) 3) التوحيد للصدوق:54 ح 13 و لم ينقل في الهامش اختلاف بين النسخ.

و قال:إذا قمت إليه،فلا يقومنّ أحد معي،فإنّي أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الّذي يعبد ربّا لا نعبده،و لا نعرفه بالصفة التي وصفه بها.و مشى إليه حتّى ضرب عنقه (1)

نقله الطبري في التاريخ 7:328( [1]سنة 231)،و نقله الشارح بتصرف،و قد سبق بعض القصة في العنوان(8)من هذا الفصل.

.

و من المضحك أنّ الخطيب الحشويّ وضع له نومين،أحدهما:رأوه في النوم،فقال:لقيت اللّه فضحك إليّ.و الثاني:رأوه في النوم،فقال:غضبت للّه فأباحني النّظر الى وجهه.تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.

و روى ذاك الحشوي في عنوانه للحسين بن شبيب خبرا عن أبي بكر الصيد لاني عن أبي بكر المروزيّ بأسناد له أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:الكرسيّ الّذي يجلس عليه الربّ و ما يفضل منه إلاّ قدر أربع،و إن له أطيطا كأطيط الرّحل الجديد(أي صوته).

و قال ذاك الحشويّ:من ردّ هذا فإنّما أراد الطعن على أبي بكر المروزي، و على أبي بكر بن سلم.و هل كانا إلاّ رجلين معروفين بالمنكر؟! و من العجب أنّ ذاك الحشوي يطعن على أدلّة العقول و على كلام الرسول صلّى اللّه عليه و آله،و يذعن و يسكن الى جمع حشويّين ناصبيّين معتقدين بما «تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا» (2).

و قال الرّضا عليه السّلام:إلهي بدت قدرتك،و لم تبد هيئة،فجهلوك و قدّروك، و التقدير على غير ما به وصفوك،و إنّي بريء يا الهي من الذين بالتّشبيه طلبوك (3).


1) 1)

2) 2) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 8:52،و الآية(90) [2]من سورة مريم.

3) 3) أخرجه الصدوق في التوحيد:124 ح 2،و العيون 1:95 ح 5،و [3]أماليه:487 ح 2 المجلس(89)،و [4]نقله المجلسي عن الكتاب العتيق للغروي في بحار الأنوار 94:181 ح 9 عن الرضا عليه السّلام،و أخرجه المفيد في الارشاد:260 [5] عن السجاد عليه السّلام.

«و لم يباشر قلبه اليقين بأنّه لا ندّ» أي:مثل.

«لك» و إنّما استندوا إلى أوهام،و اعتمدوا على أباطيل،و منهم أبو إسماعيل الهرويّ،فاستند في ما توهم إلى ما عن مرامه بمراحل،فقال:لما عاب تعالى الأصنام بعدم أرجل يمشون بها،و أيد يبطشون بها،و أعين يبصرون بها،و آذان يسمعون بها حيث قال: «أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها» ، (1)

الأعراف:195. [1]

و قال: «إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ» ، (2)و قال: «أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَ لا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً» ، (3)و قال: «أَ فَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً» (4)تبيّن أنّه تعالى تمدّح بها،و أنّها حقائق فيه (5).

فإنّ عيبهم بما قال لا يستلزم مدحه بها كما توهّم،و إلاّ لزم أن يكون جميع البشر آلهة،فعاب آلهتهم بعدم كونهم مثلهم تهجينا لعقولهم،و لا ينافي ذلك اختصاص الإله من عبيده بكونه جامعا للصفات الكماليّة بدون الحاجة إلى الجوارح الظاهرية .

«و كأنّه لم يسمع تبرؤ التابعين من المتبوعين إذ يقولون «تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ» » (6)و الآيتان في الشعراء،و قبلهما:

«قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ» (7).و المراد من التابعين:الغاوون،و من


1) 1)

2) 2) فاطر:14. [2]

3) 3) الأعراف:148. [3]

4) 4) طه:89. [4]

5) 5) نقله عن ابن طاوس في الطرائف 2:345. [5]

6) 6) الشعراء:97-98. [6]

7) 7) الشعراء:96. [7]

المتبوعين:ما يعبدون من دون اللّه،قال تعالى: «وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ» (1)

الشعراء:91-93. [1]

.

و خطابه عليه السّلام و إن كان مع الموحّدين،و الآيات في المشركين،إلاّ أنّهم لمّا شبّهوه بخلقه صاروا كالمشركين غيره تعالى له عزّ وجلّ كما قال عليه السّلام (2).

«إذ شبّهوك بأصنامهم»في إثبات الجسميّة له،و في(التوحيد)بدل (بأصنامهم)(بأصنافهم ) (3).

«و نحلوك» أي:ادّعوا لك باطلا.

«حلية المخلوقين» التي يكون الخالق منزّها عنها.

«بأوهامهم» و لم يراجعوا عقولهم .

«و جزّؤوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم،و قدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم» الناقصة،و المراد:باستنباط عقولهم الضعيفة،و الأصل في القريحة أوّل ماء يستنبط من البئر.

قال الدواني:المشبّهة منهم من قال:إنّه جسم حقيقة.ثم افترقوا،فقال بعضهم:إنّه مركّب من لحم و دم.و قال بعضهم:هو نور متلألئ كالسبيكة البيضاء طوله سبعة أشبار بشبر نفسه،و منهم من قال:إنّه على صورة إنسان.و منهم من يقول:إنّه شاب أمرد جعد قطط.و منهم من قال:إنّه شيخ أشمط الرأس و اللحية.و منهم من قال:هو في جهة الفوق مماسّ للصّفحة العليا من العرش،و يجوز عليه الحركة و الانتقال،تبدل الجهات و يئطّ العرش


1) 1)

2) 2) لم يتعرض الشارح لشرح فقرة«كذب العادلون بك».

3) 3) التوحيد للصدوق:51 ح 13 و نصه:«إذ شبّهوه بمثل أصنافهم»و في نسخة(أصنامهم).

تحته أطيط الرحل الجديد تحت الرّاكب الثقيل،و هو يفضل على العرش بقدر أربع أصابع.و منهم من قال:هو محاذ للعرش غير مماسّ له،و بعده عنه بمسافة متناهية،و قيل:بمسافة غير متناهية (1)

نقله عن الدواني المجلسي في بحار الأنوار 3:289. [1]

...إلى غير ذلك من خرافاتهم.

تعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا .

«و أشهد أنّ من ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك» عن جلالك .

«و العادل بك» غيرك.

«كافر بما نزّلت به محكم آياتك» قال تعالى: «أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ» (2)، «وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» (3)، «ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ » (4).

«و نطقت به شواهد حجج بيّناتك» من دلالة العقول على عدم إمكان كون الخالق كالخلائق .

«و أنت اللّه الذي لم تتناه في العقول» لقصورها عن الإحاطة بك .

«فتكون في مهبّ» رياح.

«فكرها» ككثير من الأشياء.

«مكيّفا» بكيفيّة .

«و لا في رويّات خاطرها» أي تفكّرها في الأمور.

«محدودا مصرّفا» كخلقه،ورد أنّ رجلا قال له عليه السّلام:أين المعبود؟ فقال عليه السّلام:لا يقال له:أين.لأنّه أيّن الأينية،و لا يقال له:كيف.لأنّه كيّف الكيفيّة،و لا يقال له:ما هو.لأنّه خلق الماهية.سبحانه من عظيم تاهت الفطن


1) 1)

2) 2) النمل:60. [2]

3) 3) الأنعام:150. [3]

4) 4) الأنعام:1. [4]

في تيّار أمواج عظمته،و حصرت الألباب عن ذكر أزليته،و تحيّرت العقول في أفلاك ملكوته (1)

رواه الفتال في روضة الواعظين 1:37 و [1]روى في معناه كثيرا لم يسع المقام لذكره.

.

هذا،و في(منهاج العلاّمة):حكي عن بعض المنقطعين التاركين من شيوخ الحشويّة أنّه اجتاز عليه في بعض الأيام نفّاط و معه أمرد حسن الصورة قطط الشعر على الصفات التي يصفون ربّهم بها،فألحّ بالنّظر إليه و كرّره،فتوهم منه النّفاط أمرا،فجاء إليه ليلا و قال له:رأيتك تلحّ بالنّظر إلى هذا الغلام و قد أتيتك به،فإن كان لك فيه نيّة فأنت الحاكم.فحرد عليه،و قال:

إنّما كرّرت النظر لأنّ مذهبي:أنّ اللّه ينزل على صورة هذا الغلام،فتوهّمت أنّه اللّه.فقال له النفّاط:و اللّه ما أنا عليه من النفاطة أجود ممّا أنت عليه من الزّهد مع هذه المقالة.

و فيه:و ذهب بعضهم إلى أنّه تعالى ينزل في كلّ ليلة جمعة على شكل أمرد ببغداد راكبا على حمار،حتى انّ بعضهم ببغداد صنع على سطح داره معلفا،و يضع كلّ ليلة جمعة فيه شعيرا و تبنا،فلعلّ ينزل اللّه على حماره على ذلك السطح،فيشتغل الحمار بالأكل،و يشتغل الرّبّ بالنّداء،و يقول:هل تائب مستغفر؟ (2)

14

من الخطبة(89)

بعد ما مرّ:

قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَلْطَفَ تَقْدِيرَهُ وَ دَبَّرَهُ فَأَحْكَمَ تَدْبِيرَهُ- وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ- وَ لَمْ يَقْصُرْ دُونَ الاِنْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ- وَ لَمْ


1) 1)

2) 2) نقلهما العلاّمة الحلي في منهاج الكرامة:7 و نقلناهما بتصرف يسير.

يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ- وَ كَيْفَ وَ إِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ- الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلاَ رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا- وَ لاَ قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا- وَ لاَ تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ- وَ لاَ شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ- فَتَمَّ خَلْقُهُ وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ- وَ لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْبَطِئِ وَ لاَ أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ- فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا وَ نَهَجَ حُدُودَهَا- وَ لاَءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا- وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً- مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ وَ الْغَرَائِزِ وَ الْهَيْئَاتِ- بَدَايَا خَلاَئِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا «قدّر ما خلق فألطف» هكذا في(المصرية) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 2:145« [1]فأحكم»و في شرح ابن ميثم 2:340« [2]فألطف».

،و الصواب:(فأحكم).

«تقديره» «فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (2)، «سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمّا لا يَعْلَمُونَ وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ » (3).

«و دبّره فأحكم» هكذا في(المصرية)،و الصّواب:(فألطف)كما في غيرها (4).

«تدبيره» «قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ»


1) 1)

2) 2) الأنعام:96. [3]

3) 3) يس:36-39. [4]

4) 4) في شرح ابن أبي الحديد 2:135«فألطف»،و في شرح ابن ميثم 2:341«فأحكم».

فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ (1)

فصلت:9-10. [1]

.

و في دعاء الهلال:«سبحانه ما أعجب ما دبّر في أمرك،و ألطف ما صنع في شأنك،جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث» (2).

و في(توحيد المفضل)قال الصادق عليه السّلام:«انظر الآن يا مفضّل إلى هذه الحواسّ التي خصّ بها الإنسان في خلقه،و شرّف بها على غيره،كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكّن من مطالعة الأشياء،و لم تجعل في الأعضاء التي تحتهنّ كاليدين و الرجلين فتعترضها الآفات، و يصيبها من مباشرة العمل و الحركة ما يعلّلها و يؤثّر فيها،و ينقص منها،و لا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن و الظهر،فيعسر تقلّبها و اطّلاعها نحو الأشياء» (3).و فيه أيضا:«اعتبر الآن يا مفضل بعظم النعمة على الانسان في مطعمه و مشربه،و تسهيل خروج الأذى،أليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع منها؟فكذا جعل اللّه سبحانه المنفذ المهيّا للخلاء من الإنسان في أستر موضع منه،فلم يجعله بارزا من خلفه،و لا ناشرا من بين يديه،بل هو مغيّب في موضع غامض من البدن،مستور محجوب يلتقي عليه الفخذان،و تحجبه الإليتان بما عليهما من اللّحم فتواريانه،فإذا احتاج الإنسان الى الخلاء و جلس تلك الجلسة ألفى ذلك المنفذ منه منصبا مهيّئا لانحدار الثفل،فتبارك من تظاهرت آلاؤه و لا تحصى نعماؤه » (4).

«و وجّهه» أي:ما خلق.

«لوجهته» التي ينبغي أن يكون عليها.


1) 1)

2) 2) الصحيفة السجادية الكاملة:210، [2]الدعاء(43).

3) 3) توحيد المفضل:58. [3]

4) 4) توحيد المفضل:70. [4]

«فلم يتعدّ حدود منزلته،و لم يقصر دون الانتهاء إلى غايته» بل يصير إلى ما خلق له بلا زيادة و لا نقصان.

في(توحيد المفضل):انظر الآن كيف حياء الأنثى من الفيلة في أسفل بطنها،فإذا هاجت للضّراب ارتفع و برز حتّى يتمكّن الفحل من ضربها،فاعتبر كيف جعل حياء الأنثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الأنعام،ثمّ جعلت فيه هذه الخلّة ليتهيّأ للأمر الّذي فيه قوام النّسل و دوامه (1)

توحيد المفضل:104. [1]

.

«و لم يستصعب» ما خلق.

«إذ أمر بالمضيّ» و النفوذ.

«على إرادته» و وفق مشيئته،قال تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (2)،و: «لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لاَ اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ » (3).

«و كيف» يستصعب شيء عن إرادته تعالى.

«و إنّما صدرت الأمور عن مشيئته» «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (4)، «وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ » (5).

«المنشئ أصناف الأشياء بلا رويّة» أي:تأمّل.

«فكر آل» أي:رجع.


1) 1)

2) 2) فصلت:11-12. [2]

3) 3) يس:40. [3]

4) 4) يس الانسان:82. [4]

5) 5) :30.

«اليها» كالناس في أفعالهم «وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَ غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَ النَّخْلَ وَ الزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمّانَ مُتَشابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وَ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً » (1)

الأنعام:141-142. [1]

.

«و لا قريحة» و الأصل في القريحة أوّل ماء يستنبط من البئر،ثمّ استعير لما يستنبط بجودة الطبع.

«غريزة» بتقديم الرّاء على الزّاء،أي:الطبيعة.

«أضمر» أي:عمل في الضمير.

«عليها» أي:على تلك القريحة .

«و لا تجربة استفادها من حوادث الدهور» كالنّاس المعمّرين .

«و لا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور» حسب شأن الخلائق .

«فتمّ خلقه» من حيث جمعه لجميع مصالحه «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ » (2).

«و أذعن» أي:خضع و ذلّ.

«لطاعته» أي:إطاعته .

«و أجاب إلى دعوته» فلمّا قال بلسان القدرة للسّماء و الأرض: «ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً» قالتا بلسان المذلّة له: «أَتَيْنا طائِعِينَ » (3).

«و لم يعترض دونه ريث» الرّيث:ضد العجلة كالبطء.

«البطيء و لا أناة» أي:تأن.


1) 1)

2) 2) الملك:3. [2]

3) 3) هذا اقتباس من قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» فصلت:11. [3]

«المتلكّئ» أي:المتباطئ،في رواية(التوحيد)بدل«و أجاب إلى دعوته...

أناة المتلكّئ»:«و وافى الوقت الّذي أخرجه إليه إجابة لم يعترض دونها ريث المبطئ،و لا أناة المتلكّئ» (1)

التوحيد للصدوق:53 ح 13.

.و هو الأقرب لإفادة المقصد.

و المراد:أنّ ما يحصل في الوجود كالأسنان للرّضيع،و اللحية للرجل، و الثّدي للمرأة،إنّما كان لأنّ الأوّل إنّما يوافي الوقت الذي يحتاج إلى الأكل، و الثاني إنّما يوافي الوقت الذي يتميّز الرّجل من الطفل،و الثالث إنّما يوافي الوقت الذي تستعدّ المرأة للحمل،و كلّ منها قبل ذلك وجوده لغو،لا أنّها تلكّأت و أبطأت عليه-تعالى-كالناس يريدون شيئا لا يحصل لهم في ذاك الوقت .

«فأقام من الأشياء أودها» أي:عوجها .

«و نهج» أي:أوضح.

«حدودها» و نقله ابن أبي الحديد(جددها)،و قال:أي طريقها (2).مع أنّ في (الصحاح):الجدد،بالفتح،الأرض الصّلبة (3)،و في(اللسان)قال ابن شميل:

الجدد ما استوى من الأرض (4).

قلت:و يشهد للثاني المثل:من سلك الجدد أمن العثار (5).ثم في(التوحيد) بدل الجملة«و نهى معالم حدودها » (6).

«و لاءم بقدرته بين متضادّها» فسّر متضادّ الأشياء-التي لاءم تعالى


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 2:145«حدودها»أيضا،و في:146 شرح فقرة«نهج البلاغة»بلفظ«أوضح الطريق»،و في شرح ابن ميثم 2:344«جددها»،و في:344 جعل«حدودها»رواية و شرح الفقرة بلفظ«هو ايضاحه لكلّ شيء و جهته و غايته التي تيسرها له».

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 1:449 مادة(جدد).

4) 4) لسان العرب 3:109 [1] مادة(جدد).

5) 5) أورده الميداني في مجمع الأمثال 2:306 و الزمخشري في المستقصى 2:356 و [2]قالا:يضرب في طلب العافية.

6) 6) التوحيد للصدوق:54 ح 13.

بينها-بعضهم بالحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة،و بعضهم بالنّار و الماء و الريح و التراب .

«و وصل أسباب قرائنها» قيل:المراد اقتران النفوس بالأبدان.و قيل:

هدايتها لما هو الأليق بها في معاشها و معادها.و زاد(التوحيد)«و خالف بين ألوانها » (1)

التوحيد للصدوق:54 ح 13.

.

«و فرّقها أجناسا مختلفات» الإنسان و أنواع الحيوانات و الطيور و الهوامّ.

«في الحدود و الأقدار» أي:المقادير .

«و الغرائز» بتقديم الرّاء،أي:الطبائع.

«و الهيئات» أي:الأشكال،قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فكّر يا مفضّل في هذه الأصناف الثلاثة من الحيوان،و في خلقها على ما هي عليه ممّا صلاح كلّ واحد منها،فالإنس لمّا قدروا أن يكونوا ذوي ذهن و فطنة و علاج لمثل هذه الصناعات من البناء و النجارة و الصباغة و غير ذلك خلقت لهم أكفّ كبار ذوات أصابع غلاظ،ليتمكنوا من القبض على الأشياء و أوكدها هذه الصناعات،و آكلات اللحم لمّا قدّر أن تكون معائشها من الصيد خلقت لهم أكفّ لطاف مدمجة ذوات براثن و مخالب تصلح لأخذ الصيد و لا تصلح للصناعات،و آكلات النبات لمّا قدّر أن يكونوا لا ذوات صنعة و لا ذوات صيد، خلقت لبعضها أظلاف تقيها خشونة الأرض إذا حاولت طلب المرعى، و لبعضها حوافر ململمة ذوات قعر كأخمص القدم تنطبق على الأرض عند تهيّئها للركوب و الحمولة.تأمّل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان حين خلقت ذوات أسنان حداد و براثن شداد و أشداق و أفواه واسعة،فإنّه لمّا قدّر أن يكون طعمها اللّحم،خلقت خلقة تشاكل ذلك،و أعينت بسلاح و أدوات


1) 1)

تصلح للصيد،و كذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير و مخالب مهيّأة لفعلها، و لو كانت الوحوش ذوات مخالب كانت قد أعطيت ما لا تحتاج إليه،لأنّها لا تصيد و لا تأكل اللّحم،و لو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه،أعني السلاح الذي تصيد و تتعيّش.أفلا ترى كيف أعطي كلّ واحد من الصنفين ما يشاكل صنفه و طبقته،بل ما فيه بقاؤه و صلاحه (1)

توحيد المفضل:96. [1]

.

«بدايا خلائق أحكم صنعها» قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فكّر في خلق الزرافة و اختلاف أعضائها،و شبهها بأعضاء أصناف من الحيوان،فرأسها رأس فرس،و عنقها عنق جمل،و أظلافها أظلاف بقرة،و جلدها جلد نمر، و زعم ناس من الجهّال باللّه تعالى أنّ نتاجها من فحول شتّى قالوا:و سبب ذلك أنّ أصنافا من حيوان البرّ إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة و ينتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتّى،و هذا جهل من قائله و قلّة معرفة بالبارئ جلّ قدسه،و ليس كلّ صنف من الحيوان يلقح كلّ صنف،فلا الفرس يلقح الجمل،و لا الجمل يلقح البقر،و إنّما يكون التلقيح من بعض الحيوان في ما يشاكله،و يقرب من خلقه كما يلقح الفرس الحمار،فيخرج بينهما البغل،و يلقح الذئب الضبع،فيخرج بينهما السمع (2).

«و فطرها على ما أراد و ابتدعها» «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى» (3).

و قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فكّر في الفطن الّتي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع و الخلقة،لطف من اللّه عزّ و جلّ لهم لئلاّ يخلو من نعمه جلّ


1) 1)

2) 2) توحيد المفضل:104. [2]

3) 3) الأعلى:1-3. [3]

و عزّ أحد من خلقه،لا بعقل و رويّة،فإنّ الأيل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا،فيمتنع عن شرب الماء خوفا من أن يدبّ السمّ في جسمه فيقتله،و يقف على الغدير و هو مجهود عطشا،فيعجّ عجيجا عاليا و لا يشرب منه،و لو شرب لمات من ساعته.فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة من تحمّل الظماء الغالب الشديد خوفا من المضرّة في الشرب،و ذلك ممّا لا يكاد الإنسان العاقل المميّز يضبطه من نفسه (1)

توحيد المفضل:109. [1]

.

هذا،و زاد(التوحيد)على ما مرّ:«انتظم علمه صنوف ذرئها،و أدرك تدبيره حسن تقديرها» (2).

15

من الخطبة(106)

و من خطبة له عليه السّلام(و هي من خطب الملاحم):

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ- وَ الظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ- خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ- إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لاَ تَلِيقُ إِلاَّ بِذَوِي الضَّمَائِرِ- وَ لَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ- خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ- وَ أَحَاطَ بِغُمُوضِ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ قول المصنّف : «و هي من خطب الملاحم» الملاحم:الوقائع العظيمة في الفتن،جعلها منها لأنّ فيها:«رأيت ضلالة قد قامت على قطبها...»،كما يأتي في فصل إخباره عليه السّلام بالملاحم (3).

قوله عليه السّلام : «الحمد للّه المتجلّي لخلقه» تجلّيا أجلى من الشمس فقد يشكّ


1) 1)

2) 2) التوحيد للصدوق:54 ح 13.

3) 3) يأتي في العنوان(30)منه.

في طلوع الشمس و غروبها و زوالها و محلّها من السماء إذا كانت تحت السحاب،و ليس يشكّ في وجود الصانع غير مكابر في وقت «أَ فِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (1)

ابراهيم:10. [1]

.

«بخلقه» :أي تجلّيه بسبب مشاهدة مخلوقاته،و لو لم يكن في خلقه إلاّ الشمس لكفاه في تجلّيه لخلقه،كيف و خلقه لا يحصى ؟! «و الظاهر لقلوبهم بحجّته» و إن لم يظهر لأعينهم بمشاهدته،كلّم الصادق عليه السّلام ابن أبي العوجاء يوما فعاد اليه غدا.فقال:كأنّك جئت تعيد بعض ما كنّا فيه.فقال:أردت ذلك يابن رسول اللّه.فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:ما أعجب هذا،تنكر اللّه و تشهد أنّي ابن رسول اللّه!فقال:العادة تحملني على ذلك.

فقال عليه السّلام:فما يمنعك من الكلام؟قال:اجلالا لك و مهابة ما ينطلق لساني بين يديك،فإنّي شاهدت العلماء و ناظرت المتكلّمين فما تداخلني هيبة قطّ مثل ما تداخلني من هيبتك.

قال:يكون ذلك و لكن أفتح عليك بسؤال و أقبل عليه،فقال له:أ مصنوع أنت أم غير مصنوع؟فقال عبد الكريم بن أبي العوجاء:بل أنا غير مصنوع.

فقال عليه السّلام:فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون؟ فبقي عبد الكريم مليّا لا يحير جوابا،و ولع بخشبة كانت بين يديه و هو يقول:طويل عريض عميق قصير متحرّك ساكن كلّ ذلك صفة خلقه.

فقال عليه السّلام:فإن كنت لم تعلم صفة الصّنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك ممّا يحدث من هذه الأمور.فقال له عبد الكريم:سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك،و لا يسألني أحد بعدك عن مثلها.فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:هبك علمت أنّك لم تسأل في ما مضى،فما علمك أنّك لا تسأل في


1) 1)

ما بعد؟على أنّك-يا عبد الكريم-نقضت قولك،لأنّك تزعم أنّ الأشياء من الأوّل سواء،فكيف قدّمت و أخّرت؟ثم قال:يا عبد الكريم!أزيدك وضوحا:

أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر،فقال لك قائل:هل في الكيس دينار؟ فنفيت كون الدينار في الكيس،فقال لك:صف لي الدّينار،و كنت غير عالم بصفته،هل كان لك أن تنفي كون الدّينار عن الكيس و أنت لا تعلم؟قال:لا.فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:فالعالم أكبر و أطول و أعرض من الكيس،فلعلّ في العالم صنعة من حيث لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة.(أي:فكيف تنفي الصنعة؟).فانقطع عبد الكريم،و أجاب إلى الإسلام بعض أصحابه و بقي معه بعض.فعاد في اليوم الثالث،فقال:أقلّب السؤال.فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:سل عمّا شئت.فقال:ما الدّليل على حدث الأجسام؟فقال عليه السّلام:إنّي ما وجدت شيئا صغيرا و لا كبيرا إلاّ و إذا ضمّ إليه مثله صار أكبر،و في ذلك زوال و انتقال عن الحالة الأولى،و لو كان قديما ما زال و لا حال،لأنّ الذي يزول و يحول يجوز أن يوجد و يبطل،فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث،و في كونه في الأزل دخوله في العدم،و لن تجتمع صفة الأزل و العدم و الحدوث،و القدم في شيء واحد.فقال عبد الكريم:هبك علمت في جري الحالتين و الزمانين على ما ذكرت و استدللت بذلك على حدوثها،فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدلّ على حدوثهنّ؟فقال عليه السّلام:إنّما نتكلّم على هذا العالم الموضوع،فلو رفعناه و وضعنا عالما آخر كان لا شيء أدلّ على الحدث من رفعنا إيّاه،و وضعنا غيره،و لكن أجيبك من حيث قدّرت أن تلزمنا،فنقول:إنّ الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنّه متى ضمّ شيء إلى مثله كان أكبر،و في جواز التّغيير عليه خروجه من القدم،كما أنّ في تغييره دخوله في الحدث ليس لك و راءه شيء يا عبد الكريم.فانقطع و خزي.

فلمّا كان من العالم القابل التقى معه في الحرم،فقال له بعض شيعته:إنّ ابن أبي العوجاء قد أسلم.فقال عليه السّلام:هو أعمى من ذلك،لا يسلم.فلمّا بصر به عليه السّلام قال:يا سيّدي و مولاي.فقال عليه السّلام:ما جاء بك الى هذا الموضع؟فقال:

عادة الجسد و سنّة البلد،و لننظر ما النّاس فيه من الجنون و الحلق و رمي الحجارة.فقال له عليه السّلام:أنت بعد على عتوّك و ضلالك يا عبد الكريم،فذهب يتكلّم.

فقال عليه السّلام له:لا جدال في الحجّ،و نفض رداءه من يده،و قال:إن يكن الأمر كما تقول-و ليس كما تقول-نجونا و نجوت،و إن يكن الأمر كما نقول -و هو كما نقول-نجونا و هلكت.

فأقبل عبد الكريم على من معه،فقال:وجدت في قلبي حزازة فردّوني، فردّوه فمات (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:76 ح 2،و [1]الصدوق في التوحيد:296 ح 2، [2]لكن الحديث في عدد من نسخ الكافي [3]لا كلّها.

.

«خلق الخلق من غير رويّة» أي:تفكّر .

«إذ كانت الرويّات لا تليق إلاّ بذوي الضمائر» الّذين لهم قلوب في الصدور.

«و ليس بذي ضمير في نفسه» و هو نظير قوله عليه السّلام في الخطبة الأولى:«بلا رويّة أجالها و لا تجربة استفادها و لا حركة أحدثها و لا همامة نفس اضطرب فيها » (2).

«خرق علمه باطن غيب السترات» فجعلها منكشفة، «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ» (3)، «فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى» (4).


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 1:16 شرح الخطبة(1).

3) 3) غافر:19. [4]

4) 4) طه:7. [5]

قالوا:أخفى من السرّ ما خطر بالقلب و لم يحصل في الخارج (1)

أخرج ما في معناه علي بن ابراهيم في تفسيره 2:59،و عبد الرزاق في الجامع،و عبد بن حميد في مسنده عن قتادة،و عبد بن حميد في مسنده،و ابن المنذر عن الحسن البصري،و عكرمة عنهم الدرّ المنثور 4:290. [1]

.

«و أحاط بغموض» أي:خفي.

«عقائد السريرات» «قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ» (2)، «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَ كانَ اللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً» (3)، «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ» (4).

16

من الخطبة(107)

و من خطبة له عليه السّلام:

كُلُّ شَيْءٍ خَاضِعٌ لَهُ- وَ كُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ- غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ- وَ عِزُّ كُلِّ ذَلِيلٍ- وَ قُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ- وَ مَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ- مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ- وَ مَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ- وَ مَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ- وَ مَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ- لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ- بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ- لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ- وَ لاَ اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ- وَ لاَ يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ- وَ لاَ يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ- وَ لاَ يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ- وَ لاَ يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ- وَ لاَ يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ- وَ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى


1) 1)

2) 2) آل عمران:29. [2]

3) 3) النساء:108. [3]

4) 4) الأنعام:59-60. [4]

عَنْ أَمْرِكَ- كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلاَنِيَةٌ- وَ كُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ- أَنْتَ الْأَبَدُ فَلاَ أَمَدَ لَكَ- وَ أَنْتَ الْمُنْتَهَى لاَ مَحِيصَ عَنْكَ- وَ أَنْتَ الْمَوْعِدُ لاَ مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ- بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ- وَ إِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ- سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ- وَ مَا أَصْغَرَ عَظِمَهُ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ- وَ مَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ- وَ مَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ- وَ مَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا- وَ مَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ الْآخِرَةِ «كلّ شيء خاضع له» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(خاشع له)كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:227،و [1]في شرح ابن ميثم 3:49« [2]خاضع»أيضا.

.و خشوع كلّ شيء له بمعنى كونه تحت إرادته كالسجود له،قال تعالى: «وَ لِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ» (2)، «أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ وَ لِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَ الْمَلائِكَةُ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ » (3).

«و كلّ شيء قائم به» «أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ» (4)، «إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ » (5).

«غنى كلّ فقير» «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَ لِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ» (6)،


1) 1)

2) 2) الرعد:15. [3]

3) 3) النحل:48-49. [4]

4) 4) الرعد:33. [5]

5) 5) فاطر المنافقون:41. [6]

6) 6) :7.

«وَ وَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى» (1)

الضحى:8. [1]

، «إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَ وَلَداً فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ » (2).

«و عزّ كلّ ذليل» «أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً» (3)، «وَ لِلّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ » (4).

«و قوّة كلّ ضعيف» «أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى » (5).

«و مفزع كلّ ملهوف» «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ» ، (6)«وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ» (7).و يشهد لجميع الفقرات قوله تعالى: «قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » (8).

«و من» هكذا في(المصرية)و الصواب:(من)بدون واو،كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (9).

«تكلّم سمع نطقه،و من سكت علم سرّه» «سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ»


1) 1)

2) 2) الكهف:39-40. [2]

3) 3) النساء:139. [3]

4) 4) المنافقون:8. [4]

5) 5) الضحى:6. [5]

6) 6) النمل:62. [6]

7) 7) النحل:53. [7]

8) 8) آل عمران:26-27. [8]

9) 9) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:227،و [9]مع(الواو)في شرح ابن ميثم 3:49. [10]

«جَهَرَ بِهِ وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ» (1)

الرعد:10. [1]

، «وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى » (2).

«و من عاش فعليه رزقه» «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (3).

و قال الشاعر:

إنّ الّذي شقّ فمي ضامن للرّزق حتّى يتوفّاني

«و من مات فإليه منقلبه» «قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » (4).

«لم ترك» الكاف مفعول(لم تر).

«العيون» كما ترى الجسمانيّات.

«فتخبر عنك» بكيفيّة أو كميّة .

«بل كنت قبل الواصفين من خلقك» يعني أنّ شهادة العقول بكونك قبل الخلق دالّة على أنّ المخبر عنك إنّما هو القلوب الشاهدة للغيوب لا العيون القاصرة عن رؤية أمر محجوب .

«لم تخلق الخلق لوحشة» «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ » (5).

«و لا استعملتهم لمنفعة» «ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» (6).


1) 1)

2) 2) طه:7. [2]

3) 3) هود:6. [3]

4) 4) السجدة:11. [4]

5) 5) الذاريات:56. [5]

6) 6) الذاريات:57-58. [6]

«و لا يسبقك من طلبت» «وَ إِذا أَرادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ» (1)

الرعد:11. [1]

، «أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا » (2).

«و لا يفلتك» أي:لا يخرج من تحت يدك.

«من أخذت» «فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ» (3)، «فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ» (4)، «فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » (5).

«و لا ينقص سلطانك من عصاك» «وَ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللّهَ شَيْئاً» (6)، «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » (7).

«و لا يزيد في ملكك من أطاعك» «مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها» (8)، «وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ » (9)«و لا يردّ أمرك» المراد:أمره القدريّ لا التكليفي.

«من سخط قضاءك» «وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً»


1) 1)

2) 2) الأنبياء:43. [2]

3) 3) القمر:42. [3]

4) 4) القصص:81. [4]

5) 5) الواقعة:86-87. [5]

6) 6) آل عمران:176. [6]

7) 7) يونس:23. [7]

8) 8) فصلت:46. [8]

9) 9) النمل:40. [9]

«وَ كَرْهاً» (1)

آل عمران:83. [1]

و «يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً » (2).

«و لا يستغني عنك من تولّى عن أمرك» و المراد:أمره التشريعي،و لذا لم يقل عنه مع تقدّم قوله:و لا يردّ أمرك، «وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ» (3)، «وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ » (4).

«كلّ سرّ عندك علانية» «أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » (5).

«و كلّ غيب عندك شهادة» «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ » (6).

«أنت الأبد» أي:وجودك أبديّ.

«لا أمد» أي:لا نهاية.

«لك» كما للخلق حتى السماء و الأرض و الشمس و القمر،و قال ابن أبي الحديد:«أنت الأبد فلا أمد لك»هذا الكلام علويّ شريف لا يفهمه إلاّ الرّاسخون في العلم،و فيه شمّة من قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«لا تسبّوا الدهر فإنّ الدّهر هو اللّه» (7).


1) 1)

2) 2) الشورى:49-50. [2]

3) 3) يونس:12. [3]

4) 4) النحل:53-54. [4]

5) 5) هود:5. [5]

6) 6) الأنعام:73. [6]

7) 7) أخرجه الشريف الرضي في المجازات النبوية:235،و [7]أخرجه باختلاف لفظي آخرون،جمع بعض طرقه و ألفاظه السيوطي في الدر المنثور 6:35. [8]

و في مناجاة الحكماء لمحة منه أيضا و هو قولهم:أنت الأزل السرمد، و أنت الأبد الّذي لا ينفد (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:228. [1]

.

قلت:و هو كما ترى،فإنّ الطبيعيّين ينسبون الخلق إلى الدّهر فيعبّرون عن اللّه تعالى بالدّهر،و أمّا الأبد فلم ينسب أحد إليه أفعال اللّه،و النهي عن سبّ الدّهر في الخبر إنّما هو لكون النّاس إذا نزلت بهم حادثة ينسبونها إلى الدهر و يسبونه،مع أنّ المبدئ لكلّ أمر هو اللّه تعالى،و الكلام الّذي نسبه إلى الحكماء لا يعرف حجّيته،مع أنّه لو كان مأخوذا من كلامه عليه السّلام فيه تجوز،و الأصل إلى الأبد .

«و أنت المنتهى لا محيص» أي:لا عدول.

«عنك» «وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى » (2).

«و أنت الموعد» أي في القيامة.

«لا منجي منك إلاّ إليك» الكلام بتمامه في(المصرية)،و أما في(ابن ميثم، و الخطية)فليس قوله: «إلاّ إليك» فيهما،لكن الأوّل ذكره في الشرح،و كأنّه أخذه من(ابن أبي الحديد) (3).

و كيف كان فالأصل فيه قوله تعالى: «وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِلَيْهِ» (4)،لأنّه في معنى كلامه عليه السّلام،فكما لا ملجأ غيره كذلك لا منجي غيره .

«بيدك ناصية كلّ دابّة» «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (5).


1) 1)

2) 2) النجم:42. [2]

3) 3) في ابن أبي الحديد 2:227« [3]فلا منجي منك إلاّ اليك»و في ابن ميثم 3:50 مثله بلا(فاء)قبل(لا).

4) 4) التوبة:118. [4]

5) 5) هود:56. [5]

«و اليك مصير كلّ نسمة» أي:ذي روح أو ذي نفس، «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً » (1)

يونس:4. [1]

.

«سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك» من السماء و الأرض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال و البحار و الأنهار و الوحوش و الطيور .

«و ما أصغر عظمه» هكذا في(المصرية)و الصواب:(عظيمه)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم،و الخطية) (2).

«في جنب قدرتك» «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (3)، «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ» (4).

و في الخبر أنّ رجلا جاء اليه عليه السّلام فقال:أ يقدر اللّه أن يدخل الأرض في بيضة و لا يصغّر الأرض و لا يكبّر البيضة؟فقال:ويلك إنّ اللّه لا يوصف بالعجز،و من أقدر ممّن يلطّف الأرض أو يعظّم البيضة (5).

«و ما أهول ما نرى من ملكوتك،و ما أحقر ذلك في ما غاب عنّا من سلطانك» «خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (6)، «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى» (7)، «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ»


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:227،و في شرح ابن ميثم 3:50« [2]عظمه»أيضا.

3) 3) الكهف:109. [3]

4) 4) ابراهيم:19-20. [4]

5) 5) أخرجه الصدوق في التوحيد:130 ح 10 عن علي عليه السّلام،و أخرج ما في معناه أيضا في التوحيد:130 ح 9 عن علي عليه السّلام، و روى هذا المعنى عن عيسى و الصادق و الرضا عليهم السّلام مر تخريجه في العنوان(5)من هذا الفصل.

6) 6) الطلاق:12. [5]

7) 7) طه:6. [6]

«حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» (1)

البقرة:255. [1]

، «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلّهِ» (2)، «وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ» (3).

و في(الفقيه)في باب وصف الصلاة عن الصادق عليه السّلام:صار التسبيح أفضل من القراءة في الأخيرتين لأن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة اللّه عزّ و جلّ فدهش فقال:«سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر»،فلذلك صار التسبيح أفضل من القراءة (4).

«و ما أسبغ» أي ما أكمل.

«نعمك في الدّنيا» «وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً » (5).

«و ما أصغرها في نعيم» هكذا في(المصرية)و الصواب:(في نعم)كما في الثلاثة (6).

«الآخرة» «فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» (7).

و في الخبر:في الجنّة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا على خاطر خطر،و ان نعمة أدنى أهل الجنّة سبعون ضعفا لنعم الدّنيا جميعا (8).


1) 1)

2) 2) المؤمنون:86-87. [2]

3) 3) النور:43. [3]

4) 4) أخرجه الصدوق ضمن حديث في الفقيه 1:202 ح 10،و في علل الشرائع 2:322 ح 2. [4]

5) 5) لقمان:20. [5]

6) 6) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:227،و في شرح ابن ميثم 3:50«نعيم»أيضا.

7) 7) السجدة:17. [6]

8) 8) أخرجه الى قوله:«خاطر خطر»البخاري في صحيحه 2:217،و مسلم في صحيحه 4:2174-2175 ح 2 و 3 و 4، و الترمذي في سننه 5:346 ح 3197،و ابن ماجه في سننه 2:1447 ح 4328،و الدارمي في سننه 2:332،335،و [7]أحمد في مسنده 2:369،407،416،462،506،و [8]ابن أبي شيبة في مسنده،و هنّاد و أحمد كلاهما في الزهد،و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و ابن الأنباري عنهم الدر المنثور 5:176 [9] عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و روي عن عدّة طرق عن أبي سعيد الخدري و سهل بن سعد و ابن عباس و ابن مسعود و المغيرة بن شعبة و أبي اليمان الهذلي و غيرهم،و أما عبارة«ان نعمة أدنى أهل الجنة»فقد روي ما في معناه كثيرا،و لا يسع المقام لذكر الطرق كلّها.

17

من الخطبة(131)

و من كلام له عليه السّلام:

وَ انْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا- وَ قَذَفَتْ إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرَضُونَ مَقَالِيدَهَا- وَ سَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصَالِ الْأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ- وَ قَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضْبَانِهَا النِّيرَانَ الْمُضِيئَةَ- وَ آتَتْ أُكُلَهَا بِكَلِمَاتِهِ الثِّمَارُ الْيَانِعَةُ «و انقادت له الدّنيا و الآخرة بأزمّتها» كانقياد الخيول لراكبيها بأعنّتها،أما انقياد الدّنيا له تعالى بأزمّتها فلأنّه كما وصف نفسه: «قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» (1)

آل عمران:26-27. [1]

.

و أمّا انقياد الآخرة له تعالى فأوضح،فلا يملك غيره يومئذ شيئا:

«لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ» (2)، «يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ» (3)، «وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً»


1) 1)

2) 2) غافر:16. [2]

3) 3) الانفطار:19. [3]

«يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً » (1)

طه:108-111. [1]

.

«و قذفت» أي:ألقت.

«إليه السماوات و الأرضون مقاليدها» جمع مقلد المفتاح،و الأصل فيه قوله تعالى: «لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (2).و قذف السماوات و الأرض مقاليدها إليه تعالى كناية حسنة عن كمال سيطرته عليهما،كبيت مفتاحه بيد شخص يفتحه متى شاء و يغلقه متى شاء،فمتى شاء تعالى جادت السّماء، و متى شاء بخلت،و متى شاء أخصبت الأرض،و متى شاء أجدبت،و قال تعالى في قصة نوح في ابتدائها: «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ» (3)،و في انتهائها: «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي» (4).

ثمّ الّذي وقفنا عليه في النسخ:(بأزمّتها)و(مقاليدها) (5)،و الظاهر وقوع تصحيف و كون الأصل(بأزمّتهما)و(مقاليدهما)بلفظ التّثنية إرجاعا للأوّل إلى الدّنيا و الآخرة،و للثّاني إلى السماوات و(الأرضون).فإن أوّل الثاني بكون السماوات و(الأرضون)بلفظ الجمع فلا يتأتى في الأوّل،لكون كلّ من الدّنيا و الآخرة بلفظ المفرد،و ليسا في معنى الجمع حتّى يعبّر عنهما بلفظ الجمع،


1) 1)

2) 2) الزمر:63. [2]

3) 3) القمر:11-12. [3]

4) 4) هود:44. [4]

5) 5) كذا في نهج البلاغة 2:16،و شرح ابن أبي الحديد 2:361،و شرح ابن ميثم 3:152.

نظرا إلى المعنى كقوله تعالى: «هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ» (1)

الحج:19. [1]

،مع أنّ الثاني أيضا يعبّر عنه بلفظ الاثنين كقوله تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما » (2).

«و سجدت له بالغدوّ» على فعول جمع الغدو على فعل،كما قاله الليث و جمعه الآخر الغدوات،و أمّا الغدايا في قولهم:«إنّي لآتيه بالغدايا و العشايا» فلا يأتي جمعا إلاّ ازدواجا مع العشايا.

«و الآصال» جمع الأصيل:الوقت بعد العصر إلى المغرب.

و في القرآن كلّما ذكر الأصيل ذكر مع بكرة،و كلّما ذكر الآصال ذكر مع الغدوّ،كما أنّه كلّما ذكر الأوّلان نكّرا فقال: «بُكْرَةً وَ أَصِيلاً» و كلّما ذكر الأخيران عرّفا فقال: «بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ» .الأوّل في أربع آيات في الفرقان و الأحزاب و الفتح و الدّهر (3)،و الثاني في ثلاث في الأعراف و الرّعد و النور (4).

«الأشجار النّاضرة» أي:ذات الحسن و الرّونق،و الأشجار الناضرة و إن تسجد له تعالى في كلّ حال حسب غيرها من الأشياء كما قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ» (5)إلاّ أنّه عليه السّلام قيّد سجودها بالغدوّ و الآصال، لأنّ المراد بالسجود لها هنا سجود خاص بظهور طراوتها و صفاتها و انتشار شميمها فيهما،دون السجود العام المراد به الدخول تحت خضوع التّكوّن، كما أراد عزّ و جلّ فيها.


1) 1)

2) 2) الأنبياء:30. [2]

3) 3) الفرقان:5،الأحزاب:42،الفتح:9،الدهر:25.

4) 4) الأعراف:205، [3]الرعد:15، [4]النور الحج:36. [5]

5) 5) :18.

«و قدحت» بلفظ المجهول من قدحت النّار،أي:أو قدتها.

«له» أي:لأمره.

«من قضبانها» القضبان جمع القضيب،أي:الغصن.

«النّيران» جمع النّار.

«المضيئة» «أَ فَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَ مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ» (1)

الواقعة:71-73. [1]

، «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ » (2).

«و آتت» أي:أعطت.

«أكلها» أي:ما يؤكل منها،مفعول مقدّم.

«بكلماته الثّمار اليانعة» و ينع الثمر:نضجه،قال تعالى: «انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ يَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (3)،و قوله عليه السّلام:

«بكلماته» إشارة الى قوله تعالى: «تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها» (4).

و نظير فقراته عليه السّلام في العنوان كلام السجّاد عليه السّلام من عترته في مناجاته الإنجيلية:فسبّحت له السماوات و أكنافها،و الأرض و أطرافها،و الجبال و أعراقها،و الشجر و أغصانها،و البحار و حيتانها،و النجوم في مطالعها، و الأمطار في مواقعها،و وحوش الأرض و سباعها،و مدر الأنهار و أمواجها، و عذب المياه و أجاجها،و هبوب الرياح و عجاجها،و كلّ ما وقع عليه وصف و تسمية،أو يدركه حدّ يحويه ممّا يتصوّر في الفكر،أو يتمثّل بجسم أو قدر أو ينسب إلى عرض أو جوهر،من صغير حقير أو خطير كبير،مقرّا له


1) 1)

2) 2) يس:80. [2]

3) 3) الأنعام:99. [3]

4) 4) ابراهيم:25. [4]

بالعبوديّة،خاشعا معترفا له بالوحدانيّة،طائعا مستجيبا لدعوته،خاضعا متضرّعا لمشيّته متواضعا (1)

روى هذه القطعة ضمن المناجاة الانجيلية المجلسي في بحار الأنوار 94:159 [1] عن كتاب أنيس العابدين.

.

18

من الخطبة(150)

من كلام له عليه السّلام:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ- وَ بِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ- وَ بِأَشْبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ- لاَ تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ وَ لاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ- لاِفْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَ الْمَصْنُوعِ- وَ الْحَادِّ وَ الْمَحْدُودِ وَ الرَّبِّ وَ الْمَرْبُوبِ- الْأَحَدِ لاَ بِتَأْوِيلِ عَدَدٍ- وَ الْخَالِقِ لاَ بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَ نَصَبٍ- وَ السَّمِيعِ لاَ بِأَدَاةٍ وَ الْبَصِيرِ لاَ بِتَفْرِيقِ آلَةٍ- وَ الشَّاهِدِ لاَ بِمُمَاسَّةٍ وَ الْبَائِنِ لاَ بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ- وَ الظَّاهِرِ لاَ بِرُؤْيَةٍ وَ الْبَاطِنِ لاَ بِلَطَافَةٍ- بَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا وَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا- وَ بَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ وَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ- مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ- وَ مَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ- وَ مَنْ قَالَ كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ- وَ مَنْ قَالَ أَيْنَ فَقَدْ حَيَّزَهُ- عَالِمٌ إِذْ لاَ مَعْلُومٌ وَ رَبٌّ إِذْ لاَ مَرْبُوبٌ- وَ قَادِرٌ إِذْ لاَ مَقْدُورٌ أقول:رواه( الكافي الكليني-الكافي- ج 1 ص 139 ح 5 )في إسناد عن الصادق عليه السّلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام، و في آخر عن الكاظم عليه السّلام،و رواه( توحيد الشيخ الصدوق-التوحيد-ص 56 ح 14 الصدوق)عن الرضا عليه السّلام.

فروى الأوّل أوّلا عن علي بن محمد عن سهل عن شباب الصير في عن عليّ بن سيف عن إسماعيل بن قتيبة قال:دخلت أنا و عيسى شلقان على أبي عبد اللّه عليه السّلام فابتدأنا فقال:عجبا لأقوام يدّعون على أمير المؤمنين عليه السّلام ما لم يتكلّم به قطّ،خطب أمير المؤمنين عليه السّلام الناس بالكوفة فقال:الحمد للّه الملهم


1) 1)

عباده حمده،و فاطرهم على معرفة ربوبيته،الدالّ على وجوده بخلقه، و بحدوث خلقه على أزله،و باشتباههم على أن لا شبه له،المستشهد بآياته على قدرته،الممتنعة من الصفات ذاته،و من الأبصار رؤيته،و من الأوهام الإحاطة به،لا أمد لكونه،و لا غاية لبقائه،لا تشمله المشاعر،و لا تحجبه الحجب،و الحجاب بينه و بين خلقه،خلقه إيّاهم لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم، و لإمكان مما يمتنع منه،و لا فتراق الصانع من المصنوع،و الحادّ من المحدود، و الربّ من المربوب،الواحد بلا تأويل عدد،و الخالق لا بمعنى حركة،و البصير لا بأداة،و السميع لا بتفريق آلة،و الشاهد لا بمماسّة،و الباطن لا باجتنان، و الظاهر البائن لا بتراخي مسافة،أزله نهية لمجاول الأفكار،و دوامه ردع لطامحات العقول،قد حسر كنهه نوافذ الأبصار،و قمع وجوده جوائل الأوهام،فمن وصف اللّه فقد حدّه،و من حدّه فقد عدّه،و من عدّه فقد أبطل أزله، و من قال:أين.فقد غيّاه،و من قال:علام.فقد أخلى منه،و من قال:فيم.فقد ضمّنه (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:139 ح 5. [1]

.

ثم قال:و رواه محمّد بن الحسين عن صالح بن حمزة عن فتح بن عبد اللّه مولى بني هاشم،قال:كتبت إلى أبي إبراهيم عليه السّلام أسأله عن شيء من التوحيد، فكتب إليّ بخطه:الحمد للّه،و ذكر مثل ما رواه سهل-إلى قوله-و قمع وجوده جوائل الأوهام.رواه في باب جوامع التوحيد (2).

و روى الثاني عن الدّقّاق عن الأسدي عن البرمكي عن عليّ بن عباس بن جعفر بن محمد الأشعري عن فتح بن يزيد الجرجاني،قال:كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السّلام أسأله عن شيء من التوحيد،فكتب إليّ بخطّه،قال جعفر:


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 1:140 ح 6 و [2]زاد فيه«أول الديانة به معرفته...».

و إنّ فتحا أخرج إليّ الكتاب فقرأته بخطّ أبي الحسن عليه السّلام...مع تفاوت يسير (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:56 ح 14.

.

«الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه،و بمحدث خلقه على أزليّته،و بأشباههم على أن لا شبه له» استدلّ عليه السّلام على أصل وجوده تعالى،ثمّ على أزليّته،ثمّ على نفي الشّبه له بما ذكر.

قال الصادق عليه السّلام:لم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين و الاضطرار منهم إليه أثبت أنّهم مصنوعون،و أنّ صانعهم غيرهم،و ليس مثلهم إذا كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب و التأليف،و فيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا،و تنقلهم من صغر إلى كبر،و من سواد إلى بياض،و من قوّة إلى ضعف (2).

«لا تستلمه» من استلم الحجر إذا المسه.

«المشاعر» أي:الحواس الظاهرة،و هي السامعة و الباصرة و الذائقة و الشامّة و اللامسة،قال الشاعر:

و الرّأس مرتفع فيه مشاعره يهدي السبيل له سمع و عينان

(3)«و لا تحجبه السّواتر» كما تستر البيت أستار الكعبة . «لافتراق الصانع و المصنوع» فلا يمكن أن يكون في الصانع مشاعر مثل مشاعر المصنوعين .

«و الحادّ و المحدود،و الربّ و المربوب» فلا يمكن أن تحجبه السواتر كالمحدود و المربوب.


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق في التوحيد:246 ح 1 ضمن احتجاج [1]له عليه السّلام،و روى هذا الاحتجاج [2]الكليني في الكافي 1:80 ح 5، و [3]الطبرسي في الاحتجاج 2:331،و [4]لكن ليست هذه القطعة فيهما.

3) 3) لسان العرب 4:413 [5] مادة(شعر)و الشاعر بلعاء بن قيس.

«الأحد لا بتأويل عدد» هكذا في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 2:422،و شرح ابن ميثم 3:228«بلا تأويل»أيضا.

و أمّا ما في(المصرية)«الأحد بلا تأويل عدد»فغلط.

و في الخبر:أنّ أعرابيا قام يوم الجمل الى أمير المؤمنين عليه السّلام،فقال يا أمير المؤمنين!أ تقول:إنّ اللّه واحد؟ثمّ انجرّ الحديث إلى أن قال عليه السّلام:إنّ القول في أنّ اللّه واحد على أربعة أقسام،فوجهان منها لا يجوزان على اللّه تعالى، و وجهان يثبتان فيه،فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه:فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد،فهذا ما لا يجوز لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد... (2).

و أمّا ما في دعاء(الصحيفة):«لك يا إلهي وحدانيّة العدد» (3)فالمراد به أنّه لا يطلق عليه من لفظ الأعداد إلاّ الواحد،و إن لم يكن إطلاقه عليه بمعنى كونه أوّل الأعداد،بل بمعنى أنّه لا ثاني له.

و أمّا قول ابن سينا-كما نقل عنه في استشكاله في كون موضوع علم الحساب العدد الحاصل في المادة،بأنّ المحاسب يبحث عن العدد المفارق للمادة في الخارج أيضا،لعروضه المجرّدات كالعقول و النفوس و ذات الواجب إن قلنا:إنّ الواحد عدد (4)-فخطأ منه حسب كثير من أوهامه في أصول الدين .

«و الخالق لا بمعنى حركة و نصب» أي:تعب «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » (5).

«و السميع لا بأداة» أي:أذن و سامعة.


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق في التوحيد:83 ح 3،و معاني الأخبار:5 ح 2،و الخصال 1:2 ح 1.

3) 3) الصحيفة السجادية الكاملة:151 الدعاء(28).

4) 4) قاله ابن سينا في المقالة الثالثة في إلهيات الشفاء:335 من الفصل الثاني الى السادس بتفصيل،و هذا مستنبط من كلامه.

5) 5) يس:82. [1]

«و البصير لا بتفريق» و أمّا ما في(المصرية):«و البصير بلا تفريق» فغلط (1)

في شرح ابن أبي الحديد 2:422«لا بتفريق»،و في شرح ابن ميثم 3:228« [1]بلا تفريق»و في نهج البلاغة 2:40« [2]لا بتفريق»أيضا.

.

«آلة» قد عرفت أنّ(الكافي)رواه:«البصير لا بأداة و السّميع لا بتفريق آلة» (2).

لكن الظاهر صحّة ما هنا لتصديق(التوحيد)له (3)،مع أنّه لا معنى لتفريق الآلة في السمع بخلافه في البصر،فالإنسان في إبصاره للأشياء يفرّق الآلة(أي الحدقة)مرّة إلى شيء و أخرى إلى آخر،و سماعه لشيئين و إن كان بتوجّهه إلى هذا مرّة،و إلى ذاك أخرى إلاّ أنّه ليس فيه تفريق آلة.

قال ابن أبي الحديد:المراد بتفريق الآلة هاهنا الشعاع الذي باعتباره يكون الواحد منّا مبصرا،فإنّ القائلين بالشّعاع يقولون:إنّه يخرج من العين أجسام لطيفة هي الأشعة،و تكون آلة للحيّ في أبصار المبصرات فيتفرّق عليها،فكلّ جسم يقع عليه ذلك الشعاع يكون مبصرا (4).

قلت:و على ما فسّرنا كلامه عليه السّلام لا يستلزم صحّة القول بالشّعاع،بل الأصحّ هو القول بالانطباع،و تشهد له الأخبار الدالّة على أنّ اللّه تعالى أدخل العالم بكبره في سواد العين الذي يكون بقدر عدسة (5).

«و الشاهد» للأشياء.


1) 1)

2) 2) مرّ في بداية هذا العنوان.

3) 3) التوحيد للصدوق:56 ح 14.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:423. [3]

5) 5) مقصود الشارح حديث سؤال الديصاني هشام بن الحكم و جواب الصادق عليه السّلام له،أخرجه الكليني في الكافي 1:79 ح 4،و [4]الصدوق في التوحيد:122 ح 1،و مر متن الحديث في العنوان(5)من هذا الفصل.

«لا بمماسّة» منه تعالى له بل بعلمه و إحاطته بها .

«و البائن» أي:البعيد عن الأشياء.

«لا بتراخي» تفاعل من الرخو مقابل الصعب،و المراد البعد،يقال:تراخى السماء،إذا بعد نزول المطر.

«مسافة» و الأصل في المسافة:سفت الشيء،إذا شممته،كان الدليل على الطريق إذا كان في فلاة أخذ التراب فشمّه ليعلم أعلى قصد أم جور،قال رؤبة:

اذا الدّليل استاف أخلاق الطرق

(1)ثمّ كثر حتّى سمّوا البعد مسافة.و المسافة في قصر الصلاة أربعة و عشرون ميلا .

«و الظاهر لا برؤية» أحد له كظهور غيره من الأشياء.

«و الباطن لا بلطافة» كبطون غيره من الأشياء .

«بان» أي:انفصل و بعد.

«من الأشياء بالقهر لها و القدرة عليها» جملة(بان...)تفسير و شرح لقوله:

«و البائن لا بتراخي مسافة » .

«و بانت الأشياء منه بالخضوع له و الرجوع إليه» الجملة من تتمة الأولى، فإنّه اذا كان تعالى بان من الأشياء كانت الأشياء بائنة منه،لكن كلّ منهما لا بمعنى البينونة في الأشياء بعضها مع بعض .

«من وصفه فقد حدّه» و لا حدّ له .

«و من حدّه فقد عدّه» و هو منزّه عن العدد .

«و من عدّه فقد أبطل أزله» مع أنّه أزلي لا آخر له،فلا يجيء العدّ في أمده .

«و من قال:كيف» خبرا.


1) 1) أساس البلاغة:225 [1] مادة(سوف)،و لسان العرب 1:165 [2] مادة(سوف).

«فقد استوصفه» و محال استيصافه،و بيان وصف له .

«و من قال:أين» خبرا.

«فقد حيّزه» أي:جعله في حيّز و موضع،قال القطاميّ في امرأة خافت أن يصير ضيفها:

تحيّز منّي خشية أن أضيفها كما انحازت الأفعى مخافة ضارب

(1)و في(الكافي)بدل«فقد حيّزه»:«فقد غيّاه» (2)،و في(التوحيد)بدله«فقد أخلى منه » (3).

«عالم إذ لا معلوم،و ربّ إذ لا مربوب،و قادر إذ لا مقدور» إذ الثلاثة من صفات الذات لا الفعل،و صفات الذات أبدية بلا ضدّ بخلاف صفات الفعل.

قال الكليني:إنّ كلّ شيئين وصفت اللّه بهما و كانا جميعا في الوجود فذلك صفة فعل،و تفسير هذه الجملة أنّك تثبت في الوجود ما يريد و ما لا يريد، و ما يرضاه و ما يسخطه،و ما يحبّ و ما يبغض-ثم قال-إنّا لا نجد في الوجود ما لا يعلم و ما لا يقدر عليه (4).

قال الصادق عليه السّلام-لبكير بن أعين لمّا سأله:هل علمه تعالى و مشيئته مختلفان أو متّفقان؟-:العلم ليس هو المشيئة،ألا ترى أنّك تقول:سأفعل كذا إن شاء اللّه،و لا تقول:سأفعل إن علم اللّه (5).

و بالجملة كان عزّ و جلّ عالما و ربّا و قادرا أبدا قبل الخلق و بعد الخلق.


1) 1) لسان العرب 5:343 [1] مادة(حيز).

2) 2) الكافي 1:140 ح 5. [2]

3) 3) التوحيد للصدوق:57 ح 14.

4) 4) الكافي 1:111. [3]

5) 5) أخرجه الكليني في الكافي 1:109 ح 2،و [4]الصدوق في التوحيد:146 ح 16،و نقله الحسن بن سليمان في مختصر بصائر الدرجات:140 في صدر حديث.

19

من الخطبة(161)

و من خطبة له عليه السّلام:

الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ وَ سَاطِحِ الْمِهَادِ- وَ مُسِيلِ الْوِهَادِ وَ مُخْصِبِ النِّجَادِ- لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ وَ لاَ لِأَزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ- هُوَ الْأَوَّلُ لَمْ يَزَلْ وَ الْبَاقِي بِلاَ أَجَلٍ- خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ وَ وَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ- حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا- لاَ تُقَدِّرُهُ الْأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَ الْحَرَكَاتِ- وَ لاَ بِالْجَوَارِحِ وَ الْأَدَوَاتِ لاَ يُقَالُ لَهُ مَتَى- وَ لاَ يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِحَتَّى- الظَّاهِرُ لاَ يُقَالُ مِمَّا وَ الْبَاطِنُ لاَ يُقَالُ فِيمَا- لاَ شَبَحٌ فَيُتَقَضَّى وَ لاَ مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى- لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ- وَ لَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ- وَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ- وَ لاَ كُرُورُ لَفْظَةٍ وَ لاَ ازْدِلاَفُ رَبْوَةٍ- وَ لاَ انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ فِي لَيْلٍ دَاجٍ- وَ لاَ غَسَقٍ سَاجٍ يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ- وَ تَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الْأُفُولِ وَ الْكُرُورِ- وَ تَقَلُّبِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ- مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ وَ إِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ- قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَ مُدَّةِ وَ كُلِّ إِحْصَاءٍ وَ عِدَّةٍ- تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْدَارِ- وَ نِهَايَاتِ الْأَقْطَارِ وَ تَأَثُّلِ الْمَسَاكِنِ- وَ تَمَكُّنِ الْأَمَاكِنِ- فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ وَ إِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ- لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ- وَ لاَ مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ- بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ- وَ صَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ- لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ وَ لاَ لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ انْتِفَاعٌ- عِلْمُهُ بِالْأَمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالْأَحْيَاءِ الْبَاقِينَ- وَ عِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى- كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى أقول:لا يبعد أن يكون الأصل في الخطبة ما رواه( توحيد الشيخ الصدوق-التوحيد-ص 77 ح 34 الصدوق)

مسندا عن أبي المعتمر مسلم بن أوس،قال:حضرت مجلس عليّ عليه السّلام في جامع الكوفة فقام إليه رجل مصفر اللّون كأنّه من متهوّدة اليمن.فقال:يا أمير المؤمنين صف لنا خالقك و انعته لنا كأنّا نراه و ننظر إليه.فسبّح عليّ عليه السّلام ربّه و عظّمه،و قال:الحمد للّه الّذي هو أوّل بلا بدء ممّا،و لا باطن فيما،و لا يزال مهما،و لا ممازج مع ما،و لا خيال وهما.ليس بشبح فيرى،و لا بجسم فيتجزّى، و لا بذي غاية فيتاهى،و لا بمحدث فيبصر،و لا بمستتر فيكشف،و لا بذي حجب فيحوى.كان و لا أماكن تحمله أكنافها،و لا حملة ترفعه بقوّتها،و لا كان بعد أن لم يكن،بل حارت الأوهام أن تكيّف المكيّف للأشياء،و من لم يزل بلا مكان،و لا يزول باختلاف الأزمان،و لا ينقلب شأنا بعد شأن،البعيد من حدس القلوب،المتعالي عن الأشياء و الضروب،الوتر علاّم الغيوب.فمعاني الخلق عنه منفيّة و سرائرهم عليه غير خفيّة.المعرّف بغير كيفيّة،لا يدرك بالحواسّ، و لا يقاس بالنّاس،و لا تدركه الأبصار،و لا تحيط به الأفكار،و لا تقدّره العقول، و لا تقع عليه الأوهام.فكلّ ما قدّره عقل أو عرف له مثل فهو محدود،و كيف يوصف بالأشباح و ينعت بالألسن الفصاح من لم يحلل في الأشياء فيقال:هو فيها كائن،و لم ينأ عنها فيقال:هو عنها بائن،و لم يخل منها فيقال:أين،و لم يقرب منها بالالتزاق،و لم يبعد عنها بالافتراق،بل هو في الأشياء بلا كيفية، و هو أقرب إلينا من حبل الوريد،و أبعد من الشبه من كلّ بعيد.لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة،و لا من أوائل كانت قبله بدية،بل خلق ما خلق و أتقن خلقه، و صوّر ما صوّر فأحسن صورته.فسبحان من توحّد في علوّه،فليس لشيء منه امتناع،و لا له بطاعة أحد من خلقه انتفاع.إجابته للدّاعين سريعة، و الملائكة له في السماوات و الأرض مطيعة.كلّم موسى تكليما بلا جوارح و أدوات و لا شفة و لا لهوات.سبحانه و تعالى عن الصفات،فمن زعم أنّ إله

الخلق محدود،فقد جهل الخالق المعبود... (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:77 ح 34 و [1]قال بعد فقرة«فقد جهله الخالق المعبود»:«و الخطبة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة».

.

فإنّهما مشتركتان في كثير من الفقرات،و اختلافهما في بعضها لا يبعد أن يكون من اختلاف الروايات،كما أنّ نقصهما و زيادتهما لا يبعد أن يكونا من حيث إنّ الرضيّ-رضوان اللّه عليه-ينتخب من الخطب،و قد قال في هذه الخطبة:«و منها أيّها المخلوق السّوي...» (2).

و صرّح(التوحيد)أيضا بأنّ الخطبة طويلة أخذ منها موضع الحاجة (3).

«الحمد للّه خالق العباد» «يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً» (4).

يمكن أن يراد بقوله عليه السّلام: «العباد» البشر فقط،و يمكن أن يراد به الجنّ و الإنس معا لقوله تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ» (5)،فالكلّ عباده،بل مع الملائكة لقوله تعالى: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً» (6).

«و ساطح المهاد» أي:الأرض التي جعلها للنّاس كالمهد للطفل،قال تعالى:

«أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً» (7)،أو الأرض التي جعلناها ممهّدة و مهيّأة لانتفاع النّاس بها،أي نوع أرادوا منها،قال تعالى: «وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً»


1) 1)

2) 2) نهج البلاغة 2:67. [2]

3) 3) أخرجه الصدوق في التوحيد:77 ح 34 و قال بعد فقرة«فقد جهله الخالق المعبود»:«و الخطبة طويلة اخذنا منها موضع الحاجة».

4) 4) النساء:1. [3]

5) 5) الذاريات:56. [4]

6) 6) مريم النبأ:93-95. [5]

7) 7) :6.

«لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً» (1)

نوح:19-20. [1]

،و قال عزّ و جلّ: «وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ» (2)،و قال عزّ اسمه: «وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ» (3).

هذا،و قالوا:إنّ قوله عليه السّلام: «ساطح المهاد» كالآية الأخيرة لا ينافي كروية الأرض (4).

«و مسيل الوهاد» أي:الأمكنة المنخفضة،حمد اللّه تعالى على إيجاده الأراضي المنخفضة التي تجري فيها سيول المطر،لأنّه لو لا ذلك لما حدثت هذه الأنهار،و لا حصلت منها البساتين و الأشجار،و الرياحين و الأزهار.

«و مخصب النّجاد» النّجاد:جمع النّجد الموضع المرتفع،عكس الوهد، و الخصب ضدّ الجدب.حمد تعالى على إخصابه النّجاد بإنزال الأمطار عليها في ما لم تجر الأنهار إليها،و لو لا ذلك لبقيت الأراضي المرتفعة و رءوس الجبال و الآكام معطّلة مجدبة .

«ليس لأوّليته ابتداء،و لا لأزليّته انقضاء» «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطِنُ» (5).

و سئل الصادق عليه السّلام عن الأوّل،و الآخر في وصفه تعالى،فقال:الأوّل لا عن أوّل قبله و لا عن بدء سبقه،و الآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين،و لكن قديم أوّل آخر لم يزل و لا يزول بلا بدء و لا نهاية (6).


1) 1)

2) 2) الذاريات:48. [2]

3) 3) الغاشية:20. [3]

4) 4) لسان العرب 15:116-117 [4] مادة(غدا)،عن الليث«يقال:غدا غدك،و غدا غدوك،ناقص و تام»،و في موضع آخر قال الليث:«الغدو جمع،مثل الغدوات،و الغدى جمع غدوة».

5) 5) الحديد:3. [5]

6) 6) أخرجه الكليني في الكافي 1:116 ح 6،و [6]الصدوق في التوحيد:313 ح 1،و في معاني الأخبار:12 ح 1 عن ميمون البان عن الصادق عليه السّلام،و قد مر الحديث في العنوان(5)من هذا الفصل.

«هو الأوّل لم يزل،و الباقي بلا أجل» هما كالشرح لسابقيهما .

«خرّت له الجباه» الجباه جمع الجبهة،يمكن أن يراد بالجباه الجباه الظاهرة،فيكون المراد جباه بني آدم،و يمكن أن يراد بها جباه الذلّة و المسكنة من جميع الخليقة استعارة،و هو الأظهر،قال تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ» (1)

النحل:48. [1]

، «وَ لِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ» (2).

«و وحّدته الشّفاه» الشّفاه جمع الشّفة،و الكلام فيه كسابقه،فيمكن أن يكون الكلام على الحقيقة،و يمكن أن يكون استعارة،فيراد بالشفاه شفاه الاعتراف بلسان الحال من كلّ الحقيقة بربوبيته: «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » (3).

«حدّ الأشياء عند خلقه لها» أي:جعلها محدودة،فلنشو الحيوان و النبات حدّ.

«إبانة» أي:فصلا.

«له» تعالى.

«من شبهها» فلا يمكن أن يكون محدودا،و في خطبة أخرى له عليه السّلام«إبانة لها من شبهه و إبانة له من شبهها » (4).

«لا تقدّره الأوهام» أي:لا تقدر الأفكار أن تعيّن له مقدارا.

«بالحدود و الحركات» كما تكون للكواكب.


1) 1)

2) 2) الرعد:15. [2]

3) 3) الاسراء:44. [3]

4) 4) هذه قطعة من خطبة أخرجها الكليني في الكافي 1:135 ح 1،و الصدوق في التوحيد:42 ح 3.

«و لا بالجوارح و الأدوات» كما تكون للإنسان و الحيوانات .

«لا يقال له:متى» لأنّها موضوعة للسؤال عن الزّمان،قال امرؤ القيس:

متى عهدنا بطعان الكماة و المجد و الحمد و السؤدد

(1)و قال جرير:

متى كان حكم اللّه في كرب النّخل

(2)و هو تعالى منزّه عن المكان. «و لا يضرب له أمد» أي:مدّة.

«بحتّى» لأنّها موضوعة للانتهاء،و لا انتهاء له تعالى .

«الظاهر لا يقال:ممّا» كما تقول:ظهرت الشمس من السحاب .

«و الباطن لا يقال:في ما» كما تقول:بطن القمر في السحاب،و(ما)في(مما) و(في ما)كناية عن الشيء غير المعيّن .

«لا شبح» يأتي الشّبح بمعنى الجسد،كقولهم:أشباح بلا أرواح، و بمعنى الهباء،كقولهم:أدقّ من شبح باطل.و الظاهر أنّ المراد هنا:الثاني لقوله عليه السّلام:

«فيتقضّى» أي:فينقضي.

«و لا محجوب» كملوك الدّنيا.

«فيحوى» بالأستار و الكل .

«لم يقرب من الأشياء بالتصاق» كقرب جسم من جسم.

«و لم يبعد عنها بافتراق» كعبد شخص عن شخص .

«لا يخفى عليه من عباده شخوص» من شخص بصره إذا فتحه،و جعل


1) 1) أورده لسان العرب 15:475 [1] مادة(متى).

2) 2) المصدر نفسه. [2]

لا يطرف.

«لحظة» أي:النّظر بمؤخّر العين،و اللحاظ بالفتح مؤخّر العين،و اللحاظ بالكسر مصدر لا حظ،قال تعالى: «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ» (1)

غافر:19. [1]

.

«و لا كرور» مصدر كرّ.

«لفظة» و الأصل في اللفظ الحذف،يقال:لفظ اللقمة من فيه،سمّي اللفظ لفظا لأنّه يحذف من الفم،قال تعالى: «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» (2)،و قال عزّ و جلّ: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ » (3).

«و لا ازدلاف» أي:التقدّم و التقرّب،قال الشاعر:

و كلّ يوم مضى أو ليلة سلفت فيها النّفوس إلى الآجال تزدلف

(4)«ربوة» بالضّمّ و الفتح و الكسر:الموضع المرتفع. «و لا انبساط خطوة» بالفتح:المشي قدما واحدة،و أمّا بالضّمّ فما بين قدمين مرّة أو أكثر .

«في ليل داج» أي:مظلم،و عن الأصمعي معنى ليل داج:ألبس كلّ شيء لقولهم:دجى الإسلام... (5)و قال الشاعر:


1) 1)

2) 2) ق:18.

3) 3) المجادلة:7. [2]

4) 4) أساس البلاغة:194 [3] مادة(زلف).

5) 5) مرّ الكلام حول تخريجه في العنوان(7)من هذا الفصل.

و الليل داج كنفا جلبابه

(1)«و لا غسق» عطف على شخوص،قال الجوهري:الغاسق الليل إذا غاب الشّفق (2).

«ساج» أي:دام و سكن،قال تعالى: «وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى» (3)،و كيف يخفى عليه شيء و قد قال عزّ و جلّ: «وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (4)، «سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ » (5).

«يتفيّأ» أي:يرجع.

«عليه» أي:على الليل الداجي أو الغسق السّاجي.

«القمر المنير» «أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ » (6).

«و تعقبه الشمس ذات النّور في الأفول» أي:الغروب.

«و الكرور» أي:الرجوع و الطلوع،قال تعالى: «وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها وَ النَّهارِ إِذا جَلاّها وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها» (7)،و قال عزّ و جلّ:


1) 1) أساس البلاغة:127، [1]مادة(دجى).

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 4:1537 [2] مادة(غسق).

3) 3) الضحى:2. [3]

4) 4) يونس:61. [4]

5) 5) الرعد:10. [5]

6) 6) النحل:48. [6]

7) 7) الشمس:1-4. [7]

«وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَ النَّهارِ إِذا تَجَلّى» (1)

الليل:1-2. [1]

.

«و تقليب» و في(المصرية):(و تقلب)و هو غلط (2).

«الأزمنة و الدهور من إقبال ليل مقبل و إدبار نهار مدبر» قال تعالى: «كَلاّ وَ الْقَمَرِ وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ» (3).

و لعلّ وجه تخصيصه عليه السّلام الإقبال بالليل و الإدبار بالنّهار،مع أنّ لكلّ منهما إقبالا و إدبارا:كون الأمور في الدّنيا على خلاف المراد في الأغلب .

«قبل كلّ غاية و مدّة» فلا يمكن أن تكونا مضافتين إليه تعالى.

«و كلّ إحصاء و عدة» فلا يمكن أن يكونا منسوبين إليه جلّ و علا .

«تعالى» أي:ارتفع.

«عمّا ينحله» بالفتح أي:يدّعيه.

«المحدّدون» له تعالى.

«من صفات الأقدار» :أي:الأشياء التي لها مقدار.

«و نهايات الأقطار» من الطول و العرض و العمق .

«و تأثل» أي:اتخاذ.

«المساكن و تمكّن الأماكن» أي:جعلها مكانا له .

«فالحدّ لخلقه مضروب» و هو تعالى أجلّ من أن يحدّ.

«و إلى غيره منسوب» فمن نسبه إليه فقد أخطأ .

«لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة،و لا أوائل أبدية» هو مثل قوله عليه السّلام في خطبة له أخرى:«لا من شيء خلق ما كان» (4).


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 2:458،و [2]شرح ابن ميثم 3:297« [3]تقلب»أيضا.

3) 3) المدثر:32-34. [4]

4) 4) أخرجه الكليني في الكافي 1:314 ح 1. [5]

و قال الكليني بعد نقل ذاك القول:دفع عليه السّلام بقوله جميع حجج الثّنويّة و شبههم،لأنّ أكثر ما يعتمد الثّنوية في عدم حدوث العالم أن يقولوا:لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شيء أو من لا شيء.فقولهم من شيء خطأ،و قولهم من لا شيء مناقضة و إحالة،لأنّ من توجب شيئا و لا شيء تنفيه،فأخرج أمير المؤمنين عليه السّلام هذه اللفظة على أبلغ الألفاظ و أصحّها،فقال:

لا من شيء خلق ما كان.فنفى من إذ كانت توجب شيئا،و نفي الشيء إذ كان كلّ شيء مخلوقا محدثا لا من أصل أحدثه الخالق كما قالت الثنوية:إنّه خلق من أصل قديم فلا يكون تدبير إلاّ باحتذاء مثال (1)

الكافي 1:136. [1]

.

«بل خلق ما خلق فأقام حدّه» الّذي خلق كلّ شيء ثمّ هدى 2.

«و صوّر ما صوّر فأحسن صورته» «وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ» 3، «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ » 4.

«ليس لشيء منه امتناع» «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ» 5.

«و لا له بطاعة شيء انتفاع» «وَ قالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ» 6.

«علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين» «وَ لَقَدْ عَلِمْنَا»


1) 1)

«الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ » (1)

الحجر:24. [1]

.

«و علمه بما في السماوات العلى كعلمه بما في الأرضين السّفلى» «وَ لِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» (2).

و في الخبر أنّ داود عليه السّلام لمّا وقف الموقف بعرفة نظر إلى النّاس و كثرتهم،فصعد الجبل فأقبل يدعو،فلما قضى نسكه أتاه جبرئيل عليه السّلام فقال له:يا داود!يقول لك ربّك:لم صعدت الجبل،ظننت أنّه يخفى عليّ صوت من صوت؟!ثم مضى به الى البحر إلى جدّة،فرسب به في الماء مسيرة أربعين صباحا في البرّ،فإذا صخرة ففلقها فإذا فيها دودة،فقال له:يا داود يقول لك ربّك:أنا أسمع صوت هذه في بطن هذه الصخرة في قعر هذا البحر.فظننت أنّه يخفى عليّ صوت من صوت (3).

20

من الخطبة(176)

و من خطبة له عليه السّلام:

لاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ وَ لاَ يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ- وَ لاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ وَ لاَ يَصِفُهُ لِسَانٌ- وَ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَ لاَ نُجُومِ السَّمَاءِ- وَ لاَ سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ- وَ لاَ دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا- وَ لاَ مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ- يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْأَوْرَاقِ وَ خَفِيَّ طَرْفِ الْأَحْدَاقِ «لا يشغله شأن» أي:عن شأن آخر كما هو شأن النّاس،فاذا اشتغل أحد


1) 1)

2) 2) هود:123. [2]

3) 3) أخرجه الكليني في الكافي 4:214 ح 11،و [3]اخرج قريبا منه الحسين بن سعيد في الزهد:64 ح 169،170،و [4]بلا استناد الثعلبي في العرائس:276،و المسعودي في اثبات الوصية:56،و رواية الكليني عن الصادق عليه السّلام و رواية الحسين بن سعيد عنه و عن الباقر عليه السّلام.

بالخياطة لا يمكنه النّجارة،و إذا تكلّم مع زيد لا يستطيع التكلّم مع عمرو.

«و لا يغيّره زمان» كما يغيّر الخلق.

«و لا يحويه» أي:لا يضمّه.

«مكان» كما يحوي الجسمانيّات،و في الخبر:سأل يونس بن عبد الرّحمن الكاظم عليه السّلام عن عروج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى السّماء ثم الى سدرة المنتهى ثمّ إلى حجب النّور،فخاطبه و ناجاه هناك،و اللّه لا يوصف بمكان.فقال عليه السّلام:إنّ اللّه تبارك و تعالى لا يوصف بمكان،و لا يجري عليه زمان،و لكنّه عزّ و جلّ أراد أن يشرّف به ملائكته و سكّان سماواته،و يكرمهم بمشاهدته،و يريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:175 ح 5،و علل الشرائع 1:132 ح 2. [1]

.

«و لا يصفه لسان» «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (2).

«و لا يعزب» أي:لا يغيب و لا يبعد.

«عنه عدد قطر» بالكسر فالفتح،جمع قطرة.

«الماء» من الأمطار و البحار،قال تعالى: «وَ أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً» (3).

«و لا نجوم السماء» «وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ» (4).

«و لا سوافي» جمع سافية،من سفت الرّيح التراب إذا ذرته.

«الريح في الهواء» و المراد ذرّات التراب التي تثيرها الرياح في الفضاء، قال تعالى: «عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي»


1) 1)

2) 2) الكهف:109. [2]

3) 3) الجن:28. [3]

4) 4) النحل:12. [4]

«الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (1)

سبأ:3. [1]

.

«و لا دبيب» و هو المشي على البطن.

«النّمل على الصفا» أي:الصخرة الملساء «وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً» (2).

«و لا مقيل» أي:مستقرّ،قال ابن رواة:

اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله

(3)«الذرّ» قال الجوهري:الذرّ جمع ذرّة،و هي أصغر من النّمل (4). «في الليلة الظلماء» «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » (5).

«يعلم مساقط الأوراق» «وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (6).

«و خفيّ» عن اضافة الصفة.

«طرف» بالفتح فالسكون،قال الجوهريّ:طرف بصره يطرف طرفا إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر.الواحدة من ذلك طرفة،يقال:أسرع من طرفة عين،و فلان مطروف العين بفلان إذا كان لا ينظر إلاّ إليه (7).

«الأحداق» جمع الحدقة سواد العين الأعظم،قال تعالى: «يَعْلَمُ خائِنَةَ»


1) 1)

2) 2) الأعراف:89. [2]

3) 3) لسان العرب:11:578 [3] مادة(قيل).

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 2:663 [4] مادة(ذر).

5) 5) هود:6. [5]

6) 6) الأنعام:59. [6]

7) 7) صحاح اللغة للجوهري 4:1395 [7] مادة طرف().

«الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ» (1)

غافر:19. [1]

.

21

من الخطبة(170)

و من خطبة له عليه السّلام:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لاَ تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً- وَ لاَ أَرْضٌ أَرْضاً في تسبيح(الصحيفة):سبحانك تسمع و ترى ما تحت الثرى،سبحانك أنت شاهد كلّ نجوى،سبحانك موضع كلّ شكوى،سبحانك حاضر كلّ ملا، سبحانك عظيم الرّجاء،سبحانك ترى ما في قعر الماء،سبحانك تسمع أنفاس الحيتان في قعور البحار.سبحانك تعلم وزن السماوات.سبحانك تعلم وزن الأرضين،سبحانك تعلم وزن الشمس و القمر،سبحانك تعلم وزن الظلمة و النور،سبحانك تعلم وزن الفيء و الهواء،سبحانك تعلم وزن الريح كم هي من مثقال ذرّة،سبحانك قدّوس قدّوس قدّوس (2).و قال تعالى: «يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها» (3)«وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (4)، «وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (5).


1) 1)

2) 2) ملحقات الصحيفة السجادية الكاملة:319 [2] الدعاء(1).

3) 3) سبأ:2. [3]

4) 4) الحديد:4. [4]

5) 5) يونس:61. [5]

22

من الخطبة(196)

و من خطبة له عليه السّلام:

يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ- وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ- وَ اخْتِلاَفَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ- وَ تَلاَطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ «يعلم عجيج» أي:صياح.

«الوحوش» و المراد ما يعمّ السّباع.

«في الفلوات» أي:البراري و المفازات.و مرّ خبر داود في ذلك (1)

مر في العنوان(19)من هذا الفصل.

.

«و معاصي العباد في الخلوات» «وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (2).و في(دعاء الوتر):فإن قلت:نعم.فأين المهرب من عدلك،و إن قلت:لم أفعل.قلت:ألم أكن الشاهد عليك (3).

و في الخبر:إنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا أري ملكوت السماوات و الأرض التفت فرأى رجلا يزني،فدعا عليه فمات،حتّى رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا،فأوحى تعالى إليه:أنّ دعوتك مجابة،فلا تدع على عبادي،و لو شئت لم أخلقهم (4).


1) 1)

2) 2) الأنعام:60. [1]

3) 3) هذا دعاء في تعقيب صلاة الوتر،و يسمى بدعاء الحزين،رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق:296 [2] عن السجاد عليه السّلام، و رواه الطوسي في مصباح المتهجد:145 [3] بلا عزو.

4) 4) أخرجه ابن مردويه عن علي عليه السّلام عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و أخرجه أبو الشيخ و ابن مردويه و البيهقي في شعب الايمان عنهم الدرّ المنثور 3:24 [4] عن معاذ بن جبل عن النبي صلى اللّه عليه و آله،و أخرجه صاحب تفسير العسكري:234،و [5]الطبرسي في الاحتجاج 1:35 [6] عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و أخرجه الكليني في الكافي 8:305 ح 473،و [7]علي بن ابراهيم في تفسيره 1:206، و [8]العياشي في تفسيره 1:364 ح 37،و [9]الصدوق في علل الشرائع 2:585 ح 31 [10] عن الصادق عليه السّلام،و روى موقوفا عن سلمان و عطاء و شهر بن حوشب بطرق الدرّ المنثور 3:24،و [11]نقلها الشارح هنا باختصار.

هذا،و في(اليتيمة):يحكى أنّه كان في جملة القضاة الّذين ينادمون الوزير المهلّبي،و يجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة و التّبسّط في القصف و الخلاعة،ابن قريعة و ابن معروف و القاضي التنوخي، و ما منهم إلاّ أبيض اللّحية طويلها،و كذلك كان الوزير المهلبي،فإذا تكامل الأنس و طاب المجلس،و لذّ السماع،و أخذ الطرب منهم مأخذه،وهبوا ثوب الوقار للعقار،و تقلّبوا في أعطاف العيش بين الخفّة و الطيش،و وضع في يد كلّ منهم كأس ذهب من ألف مثقال إلى ما دونها مملوءا شرابا قطر بليا أو عكبريا، فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتّى تتشرب أكثره،و يرشّ بها بعضهم على بعض و يرقصون أجمعهم،و عليهم المصبغات،و مخانق البرم و المنثور، و يقولون كلّما يكثر شربهم:«هرهر».و إيّاهم عنى السّري بقوله:

مجالس ترقص القضاة بها إذا انتشوا في مخانق البرم

و صاحب يخلط المجون لنا بشيمة حلوة من الشيم

تخضب بالرّاح شيبة عبثا أنامل مثل حمرة النّعم

حتّى تخال العيون شيبته شيبة فعلان ضرّجت بدم

فإذا أصبحوا عادتهم عادتهم في التوقّر و التحفّظ بأبهة القضاة و حشمة المشايخ الكبراء (1)

يتيمة الدهر 2:335. [1]

.

قلت:أ لم يكونوا سمعوا قوله تعالى: «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَ كانَ اللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً» (2)، «فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ»


1) 1)

2) 2) النساء:108. [2]

«وَ اللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ» (1)

النساء:81. [1]

.

«و اختلاف النّينان» جمع النّون أي:الحيتان بأنواعها-الّتي لا يعلمها إلاّ خالقها-و اختلافها بالذّهاب و الإياب في الماء.

و في(توحيد المفضّل):تأمّل خلق السّمك و مشاكلته للأمر الّذي قدّر أن يكون عليه،فإنّه خلق غير ذي قوائم لأنّه لا يحتاج إلى المشي إذ كان مسكنه الماء،و خلق غير ذي رية لأنّه لا يستطيع أن يتنفّس و هو منغمس في اللجّة، و جعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاّح بالمجاديف من جانبي السفينة،و كسي جسمه قشورا متانا متداخلة كتداخل الدّروع و الجواشن لتقيه من الآفات.فأعين بفضل حسّ في الشّمّ لأنّ بصره ضعيف و الماء يحجبه،فصار يشمّ الطعم من البعد البعيد،فينتجعه فيتبعه،و إلاّ فكيف يعلم به و بموضعه؟و اعلم أنّ من فيه إلى صماخه منافذ فهو يعبّ الماء بفيه،و يرسله من صماخيه فيتروّح إلى ذلك كما يتروّح غيره من الحيوان إلى تنسّم هذا النّسيم.

فكّر الآن في كثرة نسله،و ما خصّ به من ذلك،فإنّك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة،و العلّة في ذلك أن يتّسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان فإنّ أكثرها يأكل السمك،حتى إنّ السباع في حافات الآجام عاكفة عى الماء كي ترصد السمك،فإذا مرّ بها خطفته،فلمّا كانت السباع تأكل السمك،و الطير يأكل السمك،و الناس يأكلون السمك، و السمك يأكل السّمك كان من التدبير فيه أن يكون على ما هو عليه من الكثرة.

فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق و قصر علم المخلوقين فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك و دوابّ الماء و الأصداف و الأصناف التي لا


1) 1)

تحصى و لا تعرف منافعها،إلاّ الشيء بعد الشيء يدركه الناس بأسباب تحدث مثل القرمز،فإنّه لمّا عرف النّاس صبغه،بأنّ كلبة تجول على شاطئ البحر فوجدت شيئا من الصّنف الّذي يسمّى الحلزون فأكلته،فاختضب خطمها بدمه،فنظر الناس إلى حسنه فاتّخذوه صبغا،و أشباه هذا ممّا يقف النّاس عليه حالا بعد حال و زمانا بعد زمان (1)

توحيد المفضل:123. [1]

.

«في البحار الغامرات» أي:تغمر كلّ شيء دخلها و تغطّيه لكثرتها،فالبحار ثلاثة أرباع الأرض.

قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فإن شككت في منفعة هذا الماء الكثير المتراكم في البحار،و قلت:ما الإرب فيه؟فاعلم أنّه مكتنف و مضطرب ما لا يحصى من أصناف السمك و دوابّ البحر،و معدن اللؤلؤ و الياقوت و العنبر و أصناف شتّى تستخرج من البحر،و في سواحله منابت العود اليلنجوج و ضروب من الطيب و العقاقير،ثمّ هو بعد مركب للنّاس و محمل لهذه التجارات التي تجلب من البلدان البعيدة،كمثل ما يجلب من الصين الى العراق، و من العراق إلى الصين،فإنّ هذه التجارات لو لم يكن لها محمل إلاّ على الظهر لبارت و بقيت في بلدانها و أيدي أهلها،لأنّ أجر حملها يجاوز أثمانها فلا يتعرّض أحد لحملها،و كان يجتمع في ذلك أمران:أحدهما:فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها.و الآخر:انقطاع معاش من يحملها و يتعيّش بفضلها (2).

«و تلاطم الماء بالرياح العاصفات» قال تعالى: «وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً» (3)،أي:الرياح الشديدة،كعرف الفرس يتلو بعضه بعضا.


1) 1)

2) 2) توحيد المفضل:146. [2]

3) 3) المرسلات:1-2. [3]

و قال جلّ و علا: «حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ» (1)

يونس:22. [1]

.

23

من الخطبة(177)

و من كلام له ع و قد سأله؟ذعلب اليماني؟ فقال- هل رأيت ربك يا ؟أمير المؤمنين؟ فقال ع:

أ فأعبد ما لا أرى فقال و كيف تراه فقال- لاَ تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ- وَ لَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ- قَرِيبٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ مُلاَمِسٍ بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ- مُتَكَلِّمٌ لاَ بِرَوِيَّةٍ مُرِيدٌ لاَ بِهِمَّةٍ صَانِعٌ لاَ بِجَارِحَةٍ- لَطِيفٌ لاَ يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ كَبِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ- بَصِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ رَحِيمٌ لاَ يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ- تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ وَ تَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ قول المصنّف : «و من كلام له عليه السّلام» المفهوم من أسانيده أنّه من خطبة له عليه السّلام 2.فروى الصدوق في(التوحيد)بروايتين و في( الأمالي الشيخ الصدوق-الأمالي-ص 280 ح 1 المجلس 55 )برواية مسندا عن الأصبغ،قال:لمّا بايع النّاس عليّا عليه السّلام خرج إلى الناس متعمّما بعمامة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لابسا بردته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متنعّلا نعله صلى اللّه عليه و آله و سلم متقلّدا سيفه صلّى اللّه عليه و آله،فصعد


1) 1)

المنبر فجلس متمكّنا،ثمّ شبّك أصابعه فوضعها أسفل بطنه،ثم قال:يا معاشر الناس!سلوني قبل أن تفقدوني هذا سفط العلم،هذا لعاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،هذا ما زقّني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله زقّا زقّا،سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين و الآخرين،أما و اللّه لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها،لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتّى تنطق التوراة فتقول:صدق عليّ ما كذب،لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ،و أفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم،حتّى ينطق الإنجيل فيقول:صدق عليّ ما كذب،لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ،و أفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول:صدق عليّ ما كذب،لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ،و أنتم تتلون القرآن ليلا و نهارا،فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه؟و لو لا آية في كتاب اللّه لأخبرتكم بما كان و ما يكون إلى يوم القيامة،و الآية: «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (1)

الرعد:39. [1]

.ثمّ قال:سلوني قبل أن تفقدوني،فو الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل أنزلت أو في نهار أنزلت، مكيّها و مدنيّها،سفريها و حضريّها،ناسخها و منسوخها،محكمها و متشابهها،تأويلها و تنزيلها،لأخبرتكم.فقام اليه رجل يقال له ذعلب،و كان ذرب اللسان بليغا في الخطب شجاع القلب،فقال:لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه.فقال له:هل رأيت ربّك؟ قال:و يلك يا ذعلب!لم أكن بالّذي أعبد ربّا لم أره.

فقال:فكيف رأيته صفه لنا؟ قال:و يلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار،و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان،و يلك يا ذعلب!إنّ ربّي لا يوصف بالبعد،و لا بالحركة و لا بالسكون، و لا بالقيام قيام انتصاب،و لا بمجيء و لا بذهاب،لطيف اللطافة لا يوصف


1) 1)

باللطيف،عظيم العظمة لا يوصف بالعظم،كبير الكبر لا يوصف بالكبر،جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ،رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقّة،مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسّة،قائل لا باللفظ.هو في الأشياء على غير ممازجة،خارج منها على غير مباينة،فوق كلّ شيء فلا يقال شيء فوقه،و أمام كلّ شيء و لا يقال له أمام،داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل،و خارج منها لا كشيء من شيء خارج.

قال:فخّر ذعلب مغشيا عليه،ثم قال:تاللّه ما سمعت بمثل هذا الجواب، و اللّه لا عدت إلى مثلها (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:304 ح 1،و [1] 308 ح 2 بروايتين و في الأمالي:280 ح 1 المجلس(55). [2]

.

لكن يمكن أن يقال:إنّه يصدق مع ذلك أن يجعل العنوان كلاما،لأنّه كان كلاما خارجا عن خطبته عليه السّلام في جواب ذعلب لما اعترض في الأثناء.

«و قد سأله ذعلب اليمانيّ» لم أقف في أسانيده على وصف ذعلب باليمانيّ،فقد رأيت خلوّ أسناد الصدوق في(التوحيد)و(الأماليّ)عنه،و رواه (الكافي)في باب جوامع التوحيد عن محمد بن أبي عبد اللّه مرفوعا عن الصادق عليه السّلام،قال:بينا أمير المؤمنين عليه السّلام يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له ذعلب ذو لسان بليغ في الخطب،شجاع القلب،فقال:يا أمير المؤمنين!هل رأيت ربّك (2)...باختلاف مع رواية الصدوق.

و في(الإرشاد)في باب مختصر من كلامه عليه السّلام في وجوب المعرفة باللّه:روى أهل السيرة و علماء النّقلة أنّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال له:يا أمير المؤمنين!خبّرني عن اللّه تعالى،رأيته حين عبدته؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام:لم أك بالّذي أعبد من لم أره.


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 1:138 ح 4. [3]

فقال له:فكيف رأيته حين رأيته؟ فقال له:ويحك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار،و لكن رأته القلوب بحقائق الايمان،معروف بالدّلالات،منعوت بالعلامات،لا يقاس بالناس،و لا تدركه الحواسّ.

فانصرف الرجل و هو يقول:اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.و تبعه في (الاحتجاج) (1)

أخرجه المفيد في الإرشاد:120،و [1]رواه الطبرسي في الاحتجاج 1:209 و [2]بينهما اختلاف لفظي يسير.

.

و روى مضمون الخبر(الكافي)في باب إبطال الرؤية عن الباقر عليه السّلام و اشتمل على أنّ رجلا من الخوارج سأل الباقر عليه السّلام (2).

فالظاهر و هم المفيد في نسبته إلى أمير المؤمنين عليه السّلام،و لعلّ المصنّف وقف على مستند آخر غير سند الكليني و الصدوق في الكتابين و كان مشتملا على ذكر اليمانيّ (3).

لكن الظاهر أنّ ذعلب اليمانيّ كان رجلا آخر متأخّرا من الرواة التبس على المصنّف هذا بذاك،فقال نفسه في الخطبة(232):روى ذعلب اليماني عن أحمد بن قتيبة عن عبد اللّه بن يزيد عن مالك بن دحية قال:كنّا عند أمير المؤمنين عليه السّلام... (4)،لكن نقله ابن أبي الحديد على ما في النسخة«ذعلب


1) 1)

2) 2) أخرج المضمون الكليني في الكافي 1:97 ح 5،و [3]الصدوق في التوحيد:108 ح 5،و الأمالي:229 ح 4 المجلس(47)، و [4]رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:321 عن الباقر عليه السّلام و رواه-بلا اشارة الى كون الرجل من الخوارج-الديلمي في ارشاد القلوب:167 ح 1،و الطبرسي في الاحتجاج 2:336،و رواه مترددا عن الباقر أو الصادق عليهما السّلام الاربلي في كشف الغمة 2:418. [5]

3) 3) يؤيد هذا الاحتمال رواية الديلمي في ارشاد القلوب التي كانت أوفق الروايات للفظ نهج البلاغة،و [6]لكونه أكمل متنا لا يحتمل روايته عن نهج البلاغة، [7]بل المحتمل رواية كليهما عن مصدر واحد،و في لفظ الديلمي«ذعلب اليماني»أيضا.

4) 4) لفظ نهج البلاغة 2:227« [8]روى اليماني»بدون ذكر ذعلب و لفظ ابن ميثم في شرحه 4:114«روى أبو محمد اليماني».

اليماني» (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 3:186. [1]

.

«فقال:هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين» و قد عرفت أنّ خارجيّا سأل الباقر عليه السّلام عن مثله .

«فقال:أ فأعبد ما لا أرى» و روى(المحاسن)أنّ رجلا من اليهود أتاه عليه السّلام فقال:يا علي هل رأيت ربّك؟فقال عليه السّلام ما كنت بالّذي أعبد إلها لم أره.ثم قال:لم تره العيون في مشاهدة الأبصار غير أنّ الإيمان بالغيب بين عقد القلوب (2).

«فقال:و كيف تراه؟فقال» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(قال:كيف تراه؟قال)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)،ثم كلمة(قال) الثانية زائدة توكيدا،و إلاّ يصير ما بعدها مقولها،و يبقى قوله:«و من كلام له عليه السّلام»خبرا بلا مبتدأ .

«لا تدركه العيون بمشاهدة العيان» ،و في رواية الكليني و الصدوق:«لم تره العيون بمشاهدة الأبصار» (4).

«و لكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان» و إدراك القلوب فوق إدراك العيون، لعدم وقوع لبس في إدراكها،بخلاف إدراك العيون فيقع اللبس فيها كثيرا، و لبعضهم:

لئن لم ترك العين فقد أبصرك القلب

و قال الصدوق في(توحيده):و الأخبار التي ذكرها أحمد بن محمّد بن عيسى في(نوادره)و محمّد بن أحمد بن يحيى في(جامعه)في معنى الرؤية صحيحة لا يردّها إلاّ مكذّب بالحق أو جاهل به،و ألفاظه ألفاظ القرآن،و لكلّ


1) 1)

2) 2) أخرجه البرقي في المحاسن:239 ح 216. [2]

3) 3) لفظ ابن أبي الحديد 2:504«فقال:و كيف تراه؟قال»،و لفظ ابن ميثم 3:373،فقال:و كيف تراه؟فقال».

4) 4) الكافي 1:97 ح 5،و [3]التوحيد للصدوق:305 ح 1،و ح 308 2.

خبر معنى ينفي التشبيه و التعطيل و يثبت التوحيد،و قد أمرنا الأئمة عليهم السّلام أن لا نكلّم الناس إلاّ على قدر عقولهم،و معنى الرّؤية الواردة في الأخبار:العلم، و ذلك أنّ الدّنيا دار شكوك و ارتياب و خطرات،فإذا كان يوم القيامة كشف للعباد من آيات اللّه و أموره في ثوابه و عقابه ما يزول به الشكوك،و يعلم حقيقة قدرة اللّه تعالى،و تصديق ذلك في كتاب اللّه تعالى: «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» (1)

ق:22.

،فمعنى ما روي في الحديث أنّه تعالى يرى،أي:يعلم علما يقينا،كقوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ» (2)و قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ» (3)و قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ» (4)و قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ» (5)و أشباه ذلك من رؤية القلب،و ليست من رؤية العين،و أمّا قوله تعالى: «فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ» (6)،فمعناه لمّا ظهر عزّ و جلّ للجبل بآية من آيات الآخرة التي يكون بها الجبال سرابا و التي ينسف بها الجبال نسفا،تدكدك الجبل فصار ترابا لأنّه لم يطق حمل تلك الآية،و قد قيل:إنّه بدا له من نور العرش (7).

و أمّا قول موسى عليه السّلام: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» (8)فليس دالاّ على تجويز موسى عليه السّلام رؤيته تعالى،فإنّه عليه السّلام قال ذلك لما سأله قومه رؤيته


1) 1)

2) 2) الفرقان:45. [1]

3) 3) البقرة:258. [2]

4) 4) البقرة:243. [3]

5) 5) الفيل:1. [4]

6) 6) الأعراف:143. [5]

7) 7) التوحيد للصدوق:119.

8) 8) الأعراف:143. [6]

تعالى جهرة،فقال ذلك ليفهمهم امتناعها بجوابه تعالى «لَنْ تَرانِي» (1)

الأعراف:143. [1]

، كما يشهد له قوله تعالى في موضع آخر: «يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ» (2)،فإنّ القصة في الآيتين واحدة،و قد صرّح في الثانية بأنّ السؤال له تعالى كان منهم،فكان موسى عليه السّلام حاكيا عنهم.

هذا،و الإمامية و المعتزلة على امتناع رؤيته تعالى في الدّنيا و الآخرة لقوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (3)و لقوله تعالى:لموسى عليه السّلام: «لَنْ تَرانِي» (4).

و ذهبت الأشاعرة إلى جواز رؤيته في الدّنيا منزّها عن الجهة و المكان و المقابلة.و قالت المشبّهة و الكراميّة برؤيته في الجهة و المكان لكونه عندهم جسما (5)،و نسبوا إلى ابن عباس أنّه قال:إنّ اللّه اختصّ محمدا بالرّؤية،كما اختص موسى بالكلام (6).

و قال أحمد بن خابط و الفضل الحدثي و هما من أصحاب النظّام بحمل كلّ ما ورد في الخبر من رؤية الباري تعالى-مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله:«إنّكم سترون


1) 1)

2) 2) النساء:153. [2]

3) 3) الأنعام:103. [3]

4) 4) الأعراف:143. [4]

5) 5) هذا اقتباس من قول المجلسي في بحار الأنوار 4:59-60،و [5]خلاصة قول المفيد في أوائل المقالات:63 أنّ صحة رؤية اللّه تعالى [6]قول المشبهة و بعض الصفاتية،و عدم رؤيته قول جمهور الامامية و عامة متكلمي الامامية إلا من شذ منهم، و جميع المعتزلة،و جمهور المرجئة،و كثير من الخوارج،و الزيدية،و بعض أهل الحديث.

6) 6) هذا المعنى أخرجه النسائي و الحاكم و ابن مردويه عن ابن عباس،و أخرجه الحاكم في المستدرك و ابن مردويه و ابن جرير و ابن المنذر و عبد بن حميد في مسنده عن الشعبي:أن كعبا قاله بحضرة ابن عباس،و عنهم الدرّ المنثور 6:124. [7]

ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر و لا تضامّون في رؤيته» (1)

أخرجه عدّة عن أبي هريرة و أبي سعيد الخدري و ابن رزين و صهيب و جابر بن عبد اللّه باختلاف يسير و جمع بعض طرقه و ألفاظه ابن الأثير في جامع الأصول 11:168 ح 8098،و المتقي في منتخب كنز العمال 6:124،و شرح الحديث الشريف الرضي في المجازات النبوية:47 و [1]الشريف المرتضى في تنزيه الأنبياء:128. [2]

-على رؤية العقل الأوّل الّذي هو أوّل مبدع،و هو العقل الفعّال الذي منه تفيض الصّور على الموجودات،و إيّاه عنى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقوله:«أوّل ما خلق اللّه العقل، فقال له:أقبل فأقبل.ثم قال له:أدبر فأدبر.فقال:و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا أحسن منك،و بك أعزّ و بك أذلّ و بك أعطي و بك أمنع» (2).فهو الذي يظهر يوم القيامة،و ترتفع الحجب بينه و بين الصور التي فاضت منه،فيرونه كمثل القمر ليلة البدر،فأمّا واهب العقل فلا يرى البتة و لا يشبه إلاّ مبدع بمبدع إلى غير ذلك من مذاهبهم البدعيّة التي نقلها(الملل) (3).

و الرّجلان و إن نفيا عنه رؤية البصر و هو حقّ إلاّ أنّهما جعلا له شريكا، و تعالى اللّه عمّا يشركون .

«قريب من الأشياء غير ملامس» قال تعالى في وصف قربه: «وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (4).و قال عزّ و جلّ: «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ» (5).


1) 1)

2) 2) أخرجه بفرق يسير داود بن المحبّر في كتاب العقل،و عنه هامش جامع الاصول 4:422،و الكراجكي في كنز الفوائد: 14،و [3]كون العقل أول ما خلق اللّه أخرجه الصدوق في الفقيه 4:267،و رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق:442،و [4]كون العقل أوّل خلق من الروحانيين أخرجه البرقي في المحاسن:196 ح 22،و [5]الكليني في الكافي 1:20 ح 14،و [6]الصدوق في الخصال 2:588 ح 13 عن الصادق عليه السّلام،لكن اللفظ المشهور في حديث العقل:«لما خلق اللّه العقل...»رواه عدّة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الباقر عليه السّلام و الصادق عليه السّلام و موقوفا عن الحسن البصري لا يسع ذكره المقام.

3) 3) الملل و النحل للشهرستاني 1:63. [7]

4) 4) ق:16.

5) 5) البقرة:186. [8]

«بعيد منها غير مباين» فالبعد بالبينونة صفة الأجسام .

«متكلّم لا برويّة» كالإنسان يتروّى أوّلا في المعاني ثمّ يتكلّم بالألفاظ.

«مريد لا بهمّة» بالإضمار في نفسه.

«صانع لا بجارحة» كالإنسان يصنع شيئا بيده .

«لطيف لا يوصف بالخفاء» كأرواح ذوي الأرواح.

«كبير لا يوصف بالجفاء» كأجساد ذوي الأجساد الجسمية .

«بصير لا يوصف بالحاسّة» أي:الباصرة .

«رحيم لا يوصف بالرّقة» للقلب .

«تعنو» أي:تخضع و تذلّ.

«الوجوه لعظمته» «وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً» (1)

طه:111. [1]

.

«و تجب» أي:تضطرب.

«القلوب من مخافته» «وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ» (2)، «رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ» (3).

24

من الخطبة(183)

و من خطبة له عليه السّلام:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ- وَ لاَ تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ- وَ لاَ تَرَاهُ


1) 1)

2) 2) المؤمنون:60. [2]

3) 3) آل عمران:8. [3]

النَّوَاظِرُ- وَ لاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ- الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ- وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ- الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ- وَ ارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ- وَ قَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ- وَ عَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ- مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ- وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ- وَ بِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ- وَاحِدٌ لاَ بِعَدَدٍ دَائِمٌ لاَ بِأَمَدٍ وَ قَائِمٌ لاَ بِعَمَدٍ- تَتَلَقَّاهُ الْأَذْهَانُ لاَ بِمُشَاعَرَةٍ- وَ تَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِي لاَ بِمُحَاضَرَةٍ- لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا- وَ بِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا وَ إِلَيْهَا حَاكَمَهَا- لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً- وَ لاَ بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيداً- بَلْ كَبُرَ شَأْناً وَ عَظُمَ سُلْطَاناً أقول:قد عرفت في أوّل الكتاب (1)

مرّ في مقدّمة المؤلف.

أنّ نسخنا من هنا إلى خطبة المتّقين، بينهما سبع خطب مختلفة مع نسخة ابن أبي الحديد،و قد عرفت تصريح ابن ميثم بالاختلاف من الأوّل .

«الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد» الشواهد جمع الشاهدة،و الشاهدة الحاسّة.فيكون المعنى لا تدركه الحواسّ الظاهرة:السامعة،و الباصرة، و الذائفة،و الشّامّة،و اللاّمسة،فإنّها تدرك المحسوسات.

«و لا تحويه» قال الجوهري:حواه يحويه حيّا،أي:جمعه (2).

«المشاهد» أي:المحاضر،قالوا:مشاهد مكّة مواطن يحضرها الناس، و إنّه تعالى شاهد كلّ ملأ،و لا يحويه مشهد.

«و لا تراه النّواظر» النّواظر جمع النّاظرة،أي:القوة الباصرة،قال تعالى:


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 6:2322 [1] مادة(حوى).

«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (1)

الأنعام:103. [1]

.

«و لا تحجبه السّواتر» بخلاف باقي الأشياء حتى الشمس،فإنّها مع كونها أظهر من كلّ شيء و بها يظهر كلّ شيء تحجب بغمام،بل بقتام .

«الدّال على قدمه بحدوث خلقه» و إلاّ لزم التسلسل المحال،و زاد (الاحتجاج):«و بحدوث خلقه على وجوده » (2).

«و باشتباههم على أن لا شبه له» أي:لمّا امتنع عند العقل مشابهة الصّانع و المصنوع و نرى في جميع الأشياء التشابه،نعلم أنّه تعالى هو الّذي ليس له شبه .

«الّذي صدق في ميعاده» «إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا» (3).

«و ارتفع عن ظلم عباده» «إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (4).و الظالم إنّما يظلم إمّا لاحتياجه و إمّا لجهله،كما أنّ المخلف لوعده إنّما يخلف إمّا لعجزه عن الوفاء به أو لجهله بقبحه،و هو تعالى منزّه عن الحاجة و العجز و الجهل.

نعم يمكن صفحه عن وعيده،و في الدّعاء:يا من إذا وعد و في،و إذا تواعد عفا (5).

«و قام بالقسط» أي:العدل.


1) 1)

2) 2) الاحتجاج للطبرسي 1:204 [2] روى الخطبة بتمامها.

3) 3) لقمان:33. [3]

4) 4) يونس:44. [4]

5) 5) الفقرتان جاءتا ضمن دعاء رواه المجلسي في بحار الأنوار 94:132 عن الكتاب العتيق الغروي عن السجاد عليه السّلام،و جاء قريبا منه ما في دعاء رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق:295 عن الباقر و الصادق عليهما السّلام مترددا.

«في خلقه» «شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ» (1)

آل عمران:18. [1]

.

«و عدل عليهم في حكمه» «وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ» (2)، «أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى» (3)، «وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» (4)، «إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ» (5)، «وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (6)، «فَإِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (7)، «يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ» (8)، «إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً » (9).

«مستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته» قال الرّضا عليه السّلام:خلق السماوات و الأرض في ستّة أيّام ثمّ استوى على عرشه،و كان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين،و لكنّه تعالى خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شيء،فيستدلّ بحدوث ما يحدث على اللّه تعالى مرّة بعد مرّة (10).

«و بما وسمها» أي:جعل لها علامة،من وسمه إذا أثّر فيه بسمة و كيّ.

«به من العجز على قدرته» فحيث إنّ كلّهم عاجزون،و معلوم أنّ في


1) 1)

2) 2) هود:3. [2]

3) 3) آل عمران:195. [3]

4) 4) البقرة:143. [4]

5) 5) الأعراف:170. [5]

6) 6) يوسف:56. [6]

7) 7) هود:115. [7]

8) 8) آل عمران:171. [8]

9) 9) الكهف:30. [9]

10) 10) أخرجه الصدوق في العيون 1:110 ح 33 [10] ضمن حديث روى معناه الطبرسي في الاحتجاج 2:412 [11] عن علي عليه السّلام.

الوجود قادرا على ما يشاء،يعلم أنّه هو القادر،قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ» (1)

الحج:73. [1]

، «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ» (2).

«و بما اضطرّها إليه من الفناء» أي:مستشهد به أيضا.

«على دوامه» فحيث نرى جميع الخلق فانين،و معلوم أنّه يجب أن يكون في الوجود مفن دائم الوجود،نعلم و نفهم من فنائهم دوامه تعالى،قال تعالى:

«كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ» (3)، «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ » (4).

«واحد لا بعدد» أي:أحد لا ثاني له.

«دائم لا بأمد» أي:مدّة و انتهاء،و كلّ شيء سواه تعالى حتّى الأرض و السّماء و الشمس و القمر و الجبال و البحار التي يضرب الناس بها الأمثال في الدوام،له أمد و مدّة،قال تعالى: «وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى» (5).

«و قائم لا بعمد» كلّ قائم سواه تعالى على ساق يعتمد عليه كالإنسان و أقسام الحيوان،أو على عمد يستند إليه كالأبنية و الأخبية،و هو تعالى قائم بوجوب ذاته .

«تتلقّاه الأذهان» أي:العقول.


1) 1)

2) 2) ابراهيم:19-20. [2]

3) 3) القصص:88. [3]

4) 4) الرحمن:26-27. [4]

5) 5) الزمر:5. [5]

«لا بمشاعرة» فإنّ كثيرا من الأشياء تتلقّاه الأذهان من المشاعر الظاهرية،و هو عزّ و جلّ لا يتلقى إلاّ من البراهين العقلية.

«و تشهد له المرائي لا بمحاضرة» هكذا في النسخ (1)

كذا في نهج البلاغة 2:115،و شرح ابن أبي الحديد 3:194،و شرح ابن ميثم 4:121. [1]

،و يمكن أن يكون (المرائي)مصحف(المرايا)جمع المرآة،فيكون المعنى:أنّ المرايا تشهد لما حاضرها بالتّقابل بالوجود لانتقاشه فيها،و أمّا الباري تعالى فتشهد لوجوده مرايا العقول من غير حضور و مقابلة.

و يحتمل أن يكون(المرائي)جمع(المرأى)اسم مكان بمعنى المنظر، و هو النّاظر كما قاله ابن ميثم (2)،فيكون المعنى:أنّ رؤيته تعالى لمّا كانت بالقلب لا بالنّواظر لا يحتاج إلى أن يكون حاضرا للنّاظر.و لا يخلو من بعد.

و أمّا ما قال ابن أبي الحديد (3)من أنّه من قولهم:فلان هو حسن في مرآة عيني يقول:إنّ جنس الرّؤية يشهد بوجود الباري تعالى من غير محاضرة منه للحواسّ،ففي غاية البعد.

و أمّا ما قاله الخوئي (4)تبعا للمجلسي (5)من أنّه جمع المرئي(بلفظ المفعول)،أي:المرئيات تشهد بوجوده تعالى من غير محاضرة منه،فلا وجه له،فإنّ الشاهد لشيء إنّما يكون الرائي لا المرئي،و المرئيات و إن تشهد له تعالى إلاّ أنّه ليس من حيث كونها مرئية بل من حيث كونها أشياء .

«لم تحط به الأوهام» لقصرها عن الإحاطة به.


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 4:125.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 3:196. [2]

4) 4) شرح الخوئي 5:127.

5) 5) بحار الأنوار 4:261 و [3]جعله المجلسي احتمالا ثانيا،و احتماله الأول كونه جمع مرآة بفتح الميم،من قولهم:هو حسن في مرآة عيني.

«بل تجلّى لها»هكذا في(المصرية)الأخيرة،و في(المصرية)الأولى:«بل تجلّى بها»و كلتاهما ناقصتان.و الصواب ما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 3:194،و شرح ابن ميثم 4:121«بل تجلى لها و بها».

بلفظ: «بل تجلّى لها بها» .هذا من حيث إحراز ما في النهج،لكن الظاهر وقوع تحريف فيه،و أنّ الأصل:«بل تجلّى للعقول بها».كما يشهد له قوله عليه السّلام في الآتي (2):«بها تجلّى صانعها للعقول».

و حينئذ يكون معنى قوله عليه السّلام بعده: «و بها امتنع منها،و إليها حاكمها» أنّ بالعقول-و حكمها أنّه تعالى لا يدرك بالأوهام-امتنع من الأوهام أن تدركه،و أنّ ؟؟؟ العقول حاكم تعالى الأوهام لو تدعي معرفته تعالى،حتّى تحكم العقول بعجزها عن إدراك جلاله،فيكون الضمير في(بها)راجعا إلى (العقول)و في(منها)راجعا إلى الأوهام،و في(اليها)أيضا راجعا إلى(العقول) و في(حاكمها)راجعا إلى الأوهام.

و أمّا على ما في النهج من إرجاع الضمائر كلّها إلى الأوهام-كما يقتضيه السياق-فيحتاج المعنى إلى تكلّف،بأن يكون المراد من الأوهام المعنى الأعم لها من المتعارف،و من معنى العقول كما احتمله المجلسي (3).

«ليس بذي كبر امتدّت به النّهايات» أي:الطّول و العرض و العمق.

«فكبّرته تجسيما» حسب شأن أشياء نهاياتها ممتدّة.

«و لا بذي عظم تناهت به الغايات» في أبعاده.

«فعظّمته تجسيدا» و تجعل جسده ضخيما.

«بل كبر شأنا و عظم سلطانا» يعني أنّ الكبر و العظمة بالنسبة إليه تعالى


1) 1)

2) 2) يأتي في متن الخطبة في العنوان(25).

3) 3) بحار الأنوار 4:262. [1]

كبر الشّأن،و عظم السلطان،و إنّما كبر الجسم و عظم الجسد في غيره تعالى، قال تعالى في كبره: «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ» (1)

الرعد:9. [1]

.و قال عزّ و جلّ في عظمه: «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» (2).

25

من الخطبة(184)

و من خطبة له عليه السّلام في التوحيد،و تجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة:

مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ وَ لاَ حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ- وَ لاَ إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ- وَ لاَ صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَ تَوَهَّمَهُ- كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ وَ كُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ- فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابِ آلَةٍ مُقَدِّرٌ لاَ بِجَوْلِ فِكْرَةٍ- غَنِيٌّ لاَ بِاسْتِفَادَةٍ- لاَ تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ وَ لاَ تَرْفِدُهُ الْأَدَوَاتُ- سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ- وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ الاِبْتِدَاءَ أَزَلُهُ بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ لَهُ- وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ- وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَ قَرِينَ لَهُ- ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَ الْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ- وَ الْجُمُودَ بِالْبَلَلِ وَ الْحَرُورَ بِالصَّرَدِ مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا- مُقَرِّبٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا- لاَ يُشْمَلُ بِحَدٍّ (3)وَ لاَ يُحْسَبُ بِعَدٍّ- وَ إِنَّمَا تَحُدُّ الْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا- وَ تُشِيرُ الْآلاَتُ إِلَى نَظَائِرِهَا مَنَعَتْهَا مُنْذُ الْقِدَمِيَّةِ وَ حَمَتْهَا قَدُ الْأَزَلِيَّةَ- وَ جَنَّبَتْهَا لَوْ لاَ التَّكْمِلَةَ بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ- وَ بِهَا امْتَنَعَ


1) 1)

2) 2) الواقعة:74،96. [2]

3) 3) قال الشارح و من بعض النسخ«مقرّب بين متباعداتها،و مفرق بين متدانياتها،لا يشمل بحدّ».

عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ- لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَ الْحَرَكَةُ- وَ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ- وَ يَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ وَ يَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ- إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ وَ لَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ- وَ لاَمْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ- وَ لَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ- وَ لاَلْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ- وَ إِذاً لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ- وَ لَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ- وَ خَرَجَ بِسُلْطَانِ الاِمْتِنَاعِ- مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهِ الَّذِي لاَ يَحُولُ وَ لاَ يَزُولُ وَ لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُفُولُ- وَ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً وَ لَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً- جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ وَ طَهُرَ عَنْ مُلاَمَسَةِ النِّسَاءِ- لاَ تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ وَ لاَ تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ- وَ لاَ تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ وَ لاَ تَلْمِسُهُ الْأَيْدِي فَتَمَسَّهُ- وَ لاَ يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ وَ لاَ يَتَبَدَّلُ بِالْأَحْوَالِ- وَ لاَ تُبْلِيهِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامُ وَ لاَ يُغَيِّرُهُ الضِّيَاءُ وَ الظَّلاَمُ وَ لاَ يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ- وَ لاَ بِالْجَوَارِحِ وَ الْأَعْضَاءِ وَ لاَ بِعَرَضٍ مِنَ الْأَعْرَاضِ- وَ لاَ بِالْغَيْرِيَّةِ وَ الْأَبْعَاضِ- وَ لاَ يُقَالُ لَهُ حَدٌّ وَ لاَ نِهَايَةٌ وَ لاَ انْقِطَاعٌ وَ لاَ غَايَةٌ- وَ لاَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ تَحْوِيهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِيَهُ- أَوْ أَنَّ شَيْئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ- لَيْسَ فِي الْأَشْيَاءِ بِوَالِجٍ وَ لاَ عَنْهَا بِخَارِجٍ- يُخْبِرُ لاَ بِلِسَانٍ وَ لَهَوَاتٍ- وَ يَسْمَعُ لاَ بِخُرُوقٍ وَ أَدَوَاتٍ يَقُولُ وَ لاَ يَلْفِظُ- وَ يَحْفَظُ وَ لاَ يَتَحَفَّظُ وَ يُرِيدُ وَ لاَ يُضْمِرُ- يُحِبُّ وَ يَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ- وَ يُبْغِضُ وَ يَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ- يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ- لاَ بِصَوْتٍ يَقْرَعُ وَ لاَ بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ- وَ إِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَ مَثَّلَهُ- لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً- وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلَهاً ثَانِياً لاَ يُقَالُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ- فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ- وَ لاَ يَكُونُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ فَصْلٌ- وَ لاَ لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ فَيَسْتَوِيَ الصَّانِعُ

وَ الْمَصْنُوعُ- وَ يَتَكَافَأَ الْمُبْتَدَعُ وَ الْبَدِيعُ- خَلَقَ الْخَلاَئِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلاَ عَنْ غَيْرِهِ- وَ لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ- وَ أَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ- وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ وَ أَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ- وَ رَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ- وَ حَصَّنَهَا مِنَ الْأَوَدِ وَ الاِعْوِجَاجِ- وَ مَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَ الاِنْفِرَاجِ- أَرْسَى أَوْتَادَهَا وَ ضَرَبَ أَسْدَادَهَا- وَ اسْتَفَاضَ عُيُونَهَا وَ خَدَّ أَوْدِيَتَهَا- فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ وَ لاَ ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَ عَظَمَتِهِ- وَ هُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ- وَ الْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلاَلِهِ وَ عِزَّتِهِ- لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ- وَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ- وَ لاَ يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ- وَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ- خَضَعَتِ الْأَشْيَاءُ لَهُ وَ ذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ- لاَ يَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ- فَيَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَ ضُرِّهِ- وَ لاَ كُفْءَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ- وَ لاَ نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ- هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا- حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا.

وَ لَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا- بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَ اخْتِرَاعِهَا- وَ كَيْفَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا- وَ مَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا- وَ أَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَ أَجْنَاسِهَا- وَ مُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وَ أَكْيَاسِهَا- عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا- وَ لاَ عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا- وَ لَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذَلِكَ وَ تَاهَتْ- وَ عَجَزَتْ قُوَاهَا وَ تَنَاهَتْ- وَ رَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً- عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا- مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لاَ شَيْءَ مَعَهُ- كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا- بِلاَ وَقْتٍ وَ لاَ مَكَانٍ وَ لاَ حِينٍ وَ لاَ

زَمَانٍ- عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الْآجَالُ وَ الْأَوْقَاتُ- وَ زَالَتِ السِّنُونَ وَ السَّاعَاتُ- فَلاَ شَيْءَ إِلاَّ الْواحِدُ الْقَهّارُ- الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ- بِلاَ قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا- وَ بِغَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا- وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى الاِمْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا- لَمْ يَتَكَأَدْهُ صُنْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ- وَ لَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَ بَرَأَهُ- وَ لَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ- وَ لاَ لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ نُقْصَانٍ- وَ لاَ لِلاِسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ- وَ لاَ لِلاِحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ- وَ لاَ لِلاِزْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ- وَ لاَ لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ- وَ لاَ لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ- فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا- ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا- لاَ لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَ تَدْبِيرِهَا- وَ لاَ لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ- وَ لاَ لِثِقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ- لَمْ يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا- وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ- وَ أَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ وَ أَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ- ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا- وَ لاَ لاِسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا- وَ لاَ لاِنْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالِ اسْتِئْنَاسٍ- وَ لاَ مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَ عَمًى إِلَى عِلْمٍ وَ الْتِمَاسٍ- وَ لاَ مِنْ فَقْرٍ وَ حَاجَةٍ إِلَى غِنًى وَ كَثْرَةٍ- وَ لاَ مِنْ ذُلٍّ وَ ضِعَةٍ (ضَعَةَ.خ)إِلَى عِزٍّ وَ قُدْرَةٍ أقول:و رواه( تحف العقول -تحف العقول-ص 61 ) (1)

تحف العقول:61 روايته يشبه بعضها بالخطبة(1)و بعضها بالخطبة(184)من نهج البلاغة، [1]لكن الاختلاف كثير.

مع اختلاف،إلى فقرة:«و لتحوّل دليلا».

قول المصنف : «و تجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة» .

قلت:و بعد هذه الخطبة في الجامعية خطبة الأشباح المتقدّمة (2).


1) 1)

2) 2) تقدم في العنوان(8)من هذا الفصل و رقمه(89).

قوله عليه السّلام : «ما وحّده من كيّفه» لأنّ من كيّفه فقد ثنّاه.

«و لا حقيقته أصاب من مثّله» لأنّه ليس كمثله شيء،فمن مثّله أخطأه تعالى و أصاب غيره.

هذا،و في(ميزان الذّهبي)في أبي السعادات أحمد بن منصور قال:من وضعه حديث يقول فيه:و بين يدي الربّ لوح فيه أسماء من يثبت الصورة و الرؤية و الكيفيّة،فيباهي بهم الملائكة (1)

ميزان الاعتدال للذهبي 1:159.

.

قلت:فتكنيته بأبي السعادات من قبيل ما قيل بالفارسيّة:«بر عكس نهند نام زنگى كافور» (2).و إلاّ فهو أبو الشقاوات.

«و لا إيّاه عنى» أي:قصد.

«من شبّهه» «وَ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» (3).

«و لا صمده» أي:قصده.

«من أشار إليه» عن الباقر عليه السّلام:أنّ الكفار نبّهوا عن آلهتهم بحرف إشارة الشاهد المدرك،فقالوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالأبصار، فأشر أنت يا محمّد إلى إلهك الّذي تدعو إليه حتّى نراه و ندركه و لا نأله فيه، فأنزل اللّه تعالى: «قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ» (4).

و حاصله أنّه الغائب عن درك الأبصار و لمس الحواس.

«و توهّمه» عطف على(أشار إليه)،و لكن في(تحف العقول):«و لا إيّاه أراد من توهمه» (5).و هو الأصحّ .

«كلّ معروف بنفسه» أي:بذاته.


1) 1)

2) 2) أورده(دهخدا)في أمثال و حكم 1:423 و [1]ترجمة المثل:يسمون الزنجي كافورا بالعكس.

3) 3) الأنعام:91. [2]

4) 4) أخرجه الصدوق في التوحيد:88 ح 1،و الآية(1)من سورة الاخلاص.

5) 5) تحف العقول:62.

«مصنوع» و ليس بالصّانع.

«و كلّ قائم في سواه معلول» و الباري تعالى قائم بذاته،و زاد(التحف):

«باطن لا بمداخلة،ظاهر لا بمزايلة،متجلّ لا باشتمال رؤية،لطيف لا بتجسّم » (1)

تحف العقول:63.

.

«فاعل لا باضطراب آلة» كالناس «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (2).

«و مقدّر» «فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (3)، «وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (4)، «وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (5)، «وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً» (6)، «إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» (7).

«لا بجول» أي:جولان.

«فكرة» كالنّاس،بل بإيجاده على طبق الحكمة.

«غنيّ لا باستفادة» شيء كالنّاس «وَ لِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ» (8).

«لا تصحبه الأوقات» لكونه جاعل الأوقات.


1) 1)

2) 2) يس:82. [1]

3) 3) الأنعام:96. [2]

4) 4) يس:38. [3]

5) 5) فصلت:12. [4]

6) 6) الفرقان:2. [5]

7) 7) القمر:49. [6]

8) 8) المنافقون:7. [7]

«و لا ترفده» أي:لا تعينه.

«الأدوات» جمع الأداة أي الآلات،و كيف ترفده تعالى و هو موجدها؟! «سبق الأوقات» بالنصب.

«كونه» أي:وجوده،فالأوقات عبارة عن الليل و النهار و الشهور و السنين،و هي لا توجد إلاّ من طلوع الشمس و غروبها و قطع الشمس و القمر بروجهما،و هو تعالى سابق عليهما.

«و العدم» بالنّصب أيضا.

«وجوده» بالرّفع،و إنّما سبق العدم وجود خلقه.

«و الابتداء» أيضا بالنصب.

«أزله» بالرفع،و انما يكون ابتداء لشيء لم يكن أزليّا .

«بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له» زاد في رواية(التحف):

«و بتجهيره الجواهر علم أن لا جوهر له،و بانشائه البرايا علم أن لا منشئ له» (1)

تحف العقول:64.

.و المشاعر:الحواسّ،قال بلعاء:

و الرّأس مرتفع فيه مشاعره يهدي السبيل له سمع و عينان

(2)«و بمضادّته بين الامور عرف ان لا ضدّ له،و بمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له » . «ضادّ النور بالظّلمة» قال تعالى: «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ» (3).و جعل كلاّ من الضدّين ذا حكمة في نظام العالم و صلاح بني آدم،فإنّه لو كان النّهار و لم يكن ليل كم كان يدخل على النّاس،كما في عكسه كالنّور و الظّلمة.


1) 1)

2) 2) لسان العرب 4:413 [1] مادة(شعر).

3) 3) الأنعام:1. [2]

«و الوضوح بالبهمة» فجعل علم الحرث و الغرس و اتّخاذ الأنعام و استخراج المعادن واضحا جليّا في جميع الأدوار،و عند جميع الأجيال، و جعل علم الآجال و الرّزايا و البلايا المقدّرة مبهما خفيّا،و إلاّ لتنغص عيش الإنسان،و لم يتمتّع بشيء من النّعم.

«و الجمود بالبلل،و الحرور بالصّرد» أي:البرد،فجعل كلاّ منها ذا حكمة، فلو لم يجعل جمود الخريف و بلل الرّبيع،و حرور الصيف و صرد الشتاء،لما وجد كثير من المصالح و تولد كثير من المفاسد.

و قالوا:يؤجّل العنّين سنة في فسخ امرأته العقد لعلّه يرفع عجزه بأحد الفصول الأربعة،ثمّ بعد السنة للمرأة الفسخ إذا لم يرفع مرضه،إذ علم أنّ العلّة لم تكن البلل و الجمود و الحرور و الصّرد (1)

تأجيل العنين سنة مرويّ و أفتي به،أخرج الرواية الحميري في قرب الاسناد:50،و الطوسي في التهذيب 7:431 ح 30،و الاستبصار 3:249 ح 4،و رواه القاضي النعمان في دعائم الاسلام 2:231 ح 869 عن علي عليه السّلام،و أخرجه أحمد بن محمد بن عيسى في النوادر عنه البحار 103:364 ح 17،و الكليني في الكافي 5:411 ح 7 و [1]الطوسي بروايتين في التهذيب 7:429 ح 20،و 431 ح 27،و الاستبصار 3:249 ح 1،و:251 ح 3 عن الباقر عليه السّلام،و أخرجه أحمد بن محمد بن عيسى في النوادر و عنه البحار 103:366 ح 26،و الكليني في الكافي 5:411 ح 5،و [2]الطوسي في الاستبصار 3: 249 ح 3،و رواه القاضي النعمان في دعائم الاسلام 2:232 ح 870 عن الصادق عليه السّلام،و أخرجه الطوسي في التهذيب 7: 431 ح 29 عن أبي الصباح،و الظاهر أنّه حدّثه عن الصادق عليه السّلام،و أخرجه صاحب فقه الرضا عليه السّلام عنه البحار 103: 362 ح 10،و أخرجه الصدوق في المقنع:26 بلا عزو،و رواه موقوفا ابن حجر في بلوغ المرام:212 ح 1041 عن عمر و مالك في الموطا:528 عن سعيد بن المسيب.و اما الفتوى فنقلها العلاّمة الحلّي في المختلف:555 عن الصدوق و المفيد و المرتضى و الطوسي و ابن زهرة و بتفصيل عن ابن الجنيد،و نقله الوزير في الافصاح 2:340 عن مالك و أبي حنيفة و الشافعي و أحمد.

.كما أنّه تعالى خلق الذكر و الأنثى في البشر و غيره،و إلاّ لما حصل نسل.

هذا،و في(المروج)عن يموت بن المزارع ابن اخت الجاحظ في ذكر علّته التي مات فيها:و كان يطلي نصفه الأيمن بالصندل و الكافور لشدّة حرارته،


1) 1)

و النصف الآخر لو قرض بالمقاريض ما شعر به من خدره و برده (1)

مروج الذهب للمسعودي 4:109. [1]

.

«مؤلّف بين متعادياتها،مقارن بين متبايناتها» قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ» (2).

«مقرّب بين متباعداتها» بجعل أسباب لذلك،و في(توحيد المفضّل):لو كان فرج الرّجل مسترخيا كيف كان يصل إلى قعر الرّحم حتّى يفرغ النّطفة فيه،و لو كان منعظا أبدا كيف كان الرّجل يتقلّب في الفراش أو يمشي بين النّاس و شيء شاخص أمامه.ثمّ يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشهوة في كلّ وقت من الرّجال و النساء جميعا،فقدّر اللّه جلّ اسمه أن يكون أكثر ذلك لا يبدو للبصر في كلّ وقت،و لا يكون على الرجال منه مؤنة،بل جعل فيه قوّة الانتصاب وقت الحاجة إلى ذلك،لما قدّر أن يكون فيه من دوام النسل و بقائه (3).

«لا يشمل بحدّ،و لا يحسب بعدّ» و في(التحف):«أحد لا بتأويل عدد.صمد لا بتبعيض بدد» (4).

«و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها،و تشير الآلات إلى نظائرها» الظاهر وقوع سقط في الكلام لعدم ذكر حكم للأدوات و الآلات قبل حتّى يقال بعد «و إنّما...»و يشهد للسّقط أنّ في(التحف) (5)و خطبة الرضا عليه السّلام (6)و(مجالس


1) 1)

2) 2) النور:43. [2]

3) 3) توحيد المفضل:69. [3]

4) 4) تحف العقول:63.

5) 5) تحف العقول:65.

6) 6) هذه خطبة للرضا عليه السّلام،خطبها عند المأمون،و ألفاظها نحو رواية تحف العقول [4]عن علي عليه السّلام،روى هذه الخطبة الصدوق في التوحيد:34 ح 2،و في العيون 1:125،و [5]الطبرسي في الاحتجاج 2:398،و [6]الفقرة في التوحيد:38،و العيون: 125،و [7]الاحتجاج 2:400. [8]

الشيخ) (1)

أمالي ابي علي الطوسي 1:23،المجلس(1)،و [1]رواية ابن علي أيضا عن الرضا عليه السّلام.

قبل هذا الكلام:«له معنى الرّبوبيّة إذ لا مربوب،و حقيقة الإلهيّة إذ لا مألوه،و معنى العالم و لا معلوم،و معنى الخالق و لا مخلوق،و تأويل السّمع و لا مسموع.ليس مذ خلق استحقّ معنى الخالق،و لا بإحداثه البرايا استفاد معنى البرائية.كيف و لا تغيبه مذ،و لا تدنيه قد،و لا تحجبه لعل،و لا توقته متى، و لا تشمله حين،و لا تقارنه مع».لكنّ في الأخير بدل قوله:«و لا بإحداثه البرايا استفاد معنى البرائية»:«و لا من حيث أحدث استفاد معنى المحدث».

و حينئذ يكون معنى قوله: «و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها و تشير الآلات إلى نظائرها» أنّ هذه الأدوات و الآلات،أي:(مذ،و قد،و لعلّ،و متى،و حين، و مع)إنّما تعيّن الحدّ لأنفسها من الممكنات،و تشير إلى نظائرها من المخلوقات،و لا يمكن أن تحدّ الباري تعالى و تشير إليه جلّ و علا.

هذا،و زاد(التحف)بعد(إلى نظائرها):«و عن الفاقة تخبر الأداة،و عن الضدّ يخبر التضادّ،و إلى شبهه يؤول الشّبيه،و مع الأحداث أوقاتها، و بالأسماء تفترق صفاتها،و منها فصّلت قرائنها،و إليها آلت أحداثها » (2).

«منعتها منذ» تخفف(منذ)فيقال:«مذ».قال:

و ما زلت أبغي المال مذ أنا يافع (3)و مع ان(التحف)بدّلها بها (4).


1) 1)

2) 2) تحف العقول:66.

3) 3) المصدر نفسه.

4) 4) أورده السيوطي و نسبه إلى الأعشى في شواهد المغني 2:757،و [2]نقل في 2:576 عن ابن اسحاق:«إذ أنا يافع»،و ليس بشاهد حينئذ،و نقل سيبويه في الكتاب 1:239 بيتا قريبا منه.

«القدميّة» هكذا في(المصرية)و الصواب:(القدمة)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 3:206،و لكن في شرح ابن ميثم 3:146«القدمية»أيضا.

.

«و حمتها» أي:منعتها.

«قد» في(اللّسان)قال الخليل:هي(أي قد)جواب لقوم ينتظرون الخبر أو لقوم ينتظرون شيئا،تقول:«قد مات فلان»و لو أخبره و هو لا ينتظره لم يقل:

«قد مات»،و لكن يقول:«مات فلان».و قيل:هي جواب قولك:«لمّا يفعل»فيقول:

قد فعل،قال النابغة:

أفد الترحل غير أنّ ركابنا لمّا تزل برحالنا و كأن قد

أي و كأن قد زالت،فحذف الجملة،ثم قال أيضا:و تكون(قد)مع الأفعال الآتية بمنزلة ربّما،قال الهذلي:

قد أترك القرن مصفرّا أنامله كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد

ثم قال أيضا:و تكون(قد)بمنزلة(ما)فينفى بها،سمع بعض الفصحاء يقول:

قد كنت في خير فتعرفه (2)و في(القاموس)ل‍(قد)ستة معان:التوقع:(قد يقدم الغائب)،و تقريب الماضي من الحال:(قد قام زيد)،و التحقيق: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها» (3)،و النفي:

(قد كنت في خير فتعرفه)بنصب تعرف،و التقليل:(قد يصدق الكذوب)، و التكثير:(قد أترك القرن مصفرا أنامله) (4).

«الأزليّة» له تعالى.


1) 1)

2) 2) لسان العرب 3:346-347 [1] مادة(قدد).

3) 3) الشمس:9. [2]

4) 4) القاموس المحيط 1:326 [3] مادة(قدد).

«و جنّبتها لو لا» الّتي تثبت النّقص،فتقول:«نعم الرّجل فلان لو لا فيه الشيء الفلاني»،و قال الشاعر:

فلو لا حصين غيبه أن أسوءه و إنّ بني سعد صديق و والد

«التّكملة» أي:كماله تعالى في ذاته،و جعل(اللسان)التّكملة كالتكميل خطأ (1)

هكذا قال ابن منظور في لسان العرب 11:598 [1] مادة(كمل)،و قال بقوله ابن الحاجب في متن الشافية،و رضي الدين في شرحه شرح الشافية 1:163-164.

.

هذا،و في(التحف)بدل«و جنّبتها لو لا التكملة»:«و نفت عنها لو لا الجبريّة» (2).

ثم إنّ ابن أبي الحديد قال:إنّ بعضهم نصب(القدمة)و(الأزلية) و(التكملة)على انّها مفعول ثان،و الأوّل:الضمائر المتصلة بالأفعال،و الفاعل (منذ)و(قد)و(لو لا)،فيكون المعنى:انّ إطلاق(منذ)على الآلات و الأدوات يمنعها عن كونها قديمة،و اطلاق(لو لا)عليها يمنعها من التّكملة.قال:

و بعضهم رفع(القدمة)و(الأزليّة)و(التكملة)على الفاعلية،و تكون الضمائر مفعولا أوّلا،و(منذ)و(قد)و(لو لا)مفعولا ثانيا،و يكون المعنى:أنّ قدم الباري و أزليّته و كماله منعت الأدوات و الآلات من اطلاق(منذ)و(قد)و(لو لا)عليه سبحانه (3).

و قال ابن ميثم بعد نقلهما:و الرواية الأولى أولى لوجودها في نسخة الرّضي (4)بخطّه.

قلت:و التحقيق أنّ الأفعال الثلاثة ليس لها إلاّ مفعول واحد،و إنّما تتعدّى


1) 1)

2) 2) تحف العقول:66.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 3:206 [2] نقله بالمعنى.

4) 4) شرح ابن ميثم 4:159.

إلى مفعول آخر بواسطة(من)و(عن)و ليستا في الكلام،و إنّ(منذ)و(قد) و(لو لا)بدل بعض من الضمائر في(منعتها)و(حمتها)و(جنّبتها)،فيتعيّن كون(القدمة)و(الأزليّة)و(التّكملة)بالرّفع فواعل لأفعالها،فقد عرفت من رواية(التحف)أنّ قبل قوله عليه السّلام:«و إنّما تحدّ الأدوات»كان قوله عليه السّلام«و لا تغيبه مذ،و لا تدنيه قد،و لا تحجبه لعلّ،و لا توقّته متى،و لا تشمله حين و لا تقارنه مع»و حينئذ فالأدوات و الآلات عبارة عن(منذ)و(قد)و(لو لا).

و في كلام للحسين عليه السّلام:لا تحلّه(في)،و لا توقّته(إذ)و لا تؤامره(إن) (1)

أخرجه ابن شعبة في تحف العقول:245 ضمن حديث طويل عن الحسين عليه السّلام.

.

«بها تجلّى صانعها للعقول» قالت الشّرّاح:معنى الجملة أنّ بمشاعرنا و خلقه تعالى إيّاها،و تصويره لها تجلّى صانعها لعقولنا بالعلم و القدرة (2).

فجعلوا الضمير في(بها)للمشاعر،مع أنّ الظاهر أنّ الضمير للأمور و الأشياء في قوله عليه السّلام«و بمضادته بين الأمور»و«بمقارنته بين الأشياء»بعد قوله عليه السّلام:«و بتشعيره المشاعر»:و يشهد له أنّ قبل الفقرة في خطبة الرضا عليه السّلام:«افترقت فدلّت على مفرّقها،و تباينت فأعربت عن مباينها» (3)فإنّ الضمير في(افترقت)و(تباينت)للأمور و الأشياء قطعا.

و يمكن أن يكون الضمير في(بها)للتشعير و المضادة و المقارنة في الفقرات الثلاث المتقدمة.

«و بها امتنع عن نظر العيون» قال بعضهم:أي و بمشاعرنا استنبطنا استحالة كونه مرئيا بالعيون،لأنّا بالمشاعر و الحواسّ كملت عقولنا، و بعقولنا استخرجنا الدلالة على أنّه لا تصحّ رؤيته (4).


1) 1)

2) 2) قال هذا المعنى ابن أبي الحديد في شرحه 3:207،و ابن ميثم في شرحه 4:159،و الخوئي في شرحه 5:153.

3) 3) التوحيد للصدوق:39،و العيون للصدوق 1:125،و [1]الاحتجاج للطبرسي 2:400. [2]

4) 4) القائل ابن أبي الحديد في شرحه 3:206 و النقل بالمعنى،و نقل أيضا عنه ابن ميثم في شرحه 4:160 مشيرا إليه ببعض الشارحين،و يمكن نقل كليهما من شارح أقدم.

و قال بعضهم:أي بايجاده المشاعر مدركة لحاسّة البصر ظهر امتناعه عن نظر العيون (1)

القائل ابن ميثم في شرحه 4:159 و النقل بالمعنى.

.

قلت:و كلاهما كما ترى،و الصواب كون الضمير في(و بها)راجعا إلى العقول المذكورة قبله أي بالعقول و حكمها امتنع عن نظر العيون.

و يشهد له أيضا أنّ(التّحف)زاد بعد الفقرة: «و إليها تحاكم الأوهام» (2).

و لا ريب أنّ الضمير في(و إليها)راجع إلى العقول،مع أنّه لو كان الضمير راجعا إلى مرجع الأول لما احتاج إلى تكراره،و كان يقول: «و امتنع عن نظر العيون» ،مع أنّك قد عرفت أنّ الضمير الأوّل أيضا غير راجع إلى المشاعر .

«لا يجري عليه السكون و الحركة،و كيف يجري عليه ما هو أجراه،و يعود فيه ما هو أبداه،و يحدث فيه ما هو أحدثه،إذن لتفاوتت ذاته و لتجزّأ كنهه» زاد (التحف) (3)و خطبة الرضا عليه السّلام (4)قبله فقرات،و في آخرها: «فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه،و كلّ ما يمكن فيه يمتنع من صانعه» .

«و لامتنع من الأزل معناه» زاد(التحف) (5)،و خطبة الرضا عليه السّلام (6): «و لما كان البارئ معنى غير المبروء » .

«و لكان له وراء إذ وجد له أمام» إذ هما من الأمور الإضافية.

«و لالتمس التمام إذ لزمه النقصان» كما هو شأن كلّ ساكن يتحرّك.


1) 1)

2) 2) تحف العقول:66.

3) 3) تحف العقول:67.

4) 4) التوحيد للصدوق:40،و العيون للصدوق 1:125-126،و [1]الاحتجاج للطبرسي 2:400. [2]

5) 5) تحف العقول:67.

6) 6) التوحيد للصدوق:40،و العيون للصدوق 1:125-126،و الاحتجاج للطبرسي 2:400. [3]

«و إذن لقامت آية المصنوع فيه» زادا قبله (1)

تحف العقول:67،التوحيد للصدوق:40،و العيون للصدوق 1:125-126،و [1]الاحتجاج للطبرسي 2:400. [2]

: «كيف يستحقّ الأزل من لا يمتنع من الحدث،و كيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء» ،و زاد الأوّل (2): «و كيف يستأهل الدّوام من تنقله الأحوال و الأعوام» .

«و لتحوّل دليلا بعد أن كان مدلولا عليه» حسب دلالة المصنوع على الصانع،و البناء على الباني.

«و خرج» مستأنفة،و لا يبعد أن يكون(و خرج)محرّف(قد خرج)،فالفرق بينهما في الخطّ قليل.

«بسلطان الامتناع من أن يؤثّر فيه ما يؤثّر في غيره» إذن لتساوى مع باقي الأشياء، «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » (3).

«الّذي لا يحول و لا يزول،و لا يجوز عليه الأفول» أي:الغيبة،بشهادة العقول أنّ كلّ آفل لا يمكن أن يكون ربّا،و لذا كان الخليل عليه السّلام لمّا رأى أفول الكوكب و القمر و الشمس أنكر على عابديها بأفولها،و قال لهم:إني بريء ممّا تعبدون من دونه تعالى (4).

«و لم يلد» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(لم يلد)بدون واو،كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5)،و لأنّ المقام مقام الفصل.

«فيكون مولودا» كما هو شأن المتوالدة.

«و لم يولد فيصير محدودا» فإنّ كلّ مولود محدود (6).


1) 1)

2) 2) تحف العقول:67.

3) 3) الشورى:11. [3]

4) 4) ما نقل عن الخليل عليه السّلام مقتبس من قوله تعالى في سورة الأنعام:75-78. [4]

5) 5) كذا في شرح ابن أبي الحديد 3:207،و لكن في شرح ابن ميثم 4:147«و [5]لم يلد»أيضا.

6) 6) الفقرتان مأخوذتان من قوله تعالى: «لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ» الاخلاص:3. [6]

«جلّ عن اتخاذ الأبناء» ردّ على اليهود في قولهم: «عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ» (1)

قول اليهود و النصارى جاء في سورة التوبة:30. [1]

و على النصارى في قولهم: «الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ» (2)و على الوثنيّين في قولهم:إنّ الملائكة بنات اللّه.قال تعالى: «وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ» (3).

و ورد أنّ اليهود و النّصارى حضروا عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله للمحاجّة.فقال لليهود:ما الّذي دعاكم إلى القول بأنّ عزيزا ابن اللّه؟ قالوا:لأنّه أحيا لبني إسرائيل التوراة بعد ما ذهبت،و لم يفعل به هذا إلاّ لأنّه ابنه.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:فكيف صار عزيز ابن اللّه دون موسى،و هو الّذي جاءهم بالتّوراة و رأى منه من المعجزات ما قد علمتم،و لئن كان عزيز ابن اللّه لأظهر من إكرامه بإحياء التوراة،فلقد كان موسى بالبنوّة أولى و أحقّ،و لئن كان هذا المقدار من الكرامة لعزيز يوجب أنّه ابنه فأضعاف هذه الكرامة لموسى يوجب له منزلة أجلّ من البنوّة،لأنّكم إن كنتم إنّما تريدون بالبنوّة الدلالة على سبيل ما تشاهدون في دنياكم هذه من ولادة الأمّهات الأولاد بوطء آبائهم لهنّ،فقد كفرتم باللّه و شبّهتموه بخلقه و أوجبتم فيه صفات المحدثين،و وجب عندكم أن يكون محدثا مخلوقا،و أنّ له خالقا صنعه و ابتدعه.

قالوا:لسنا نعني هذا فإنّ هذا كفر كما قلت،لكنّا نعني أنّه ابنه على معنى الكرامة و إن لم يكن هناك ولادة،كما يقول بعض عظمائنا لمن يريد إكرامه


1) 1)

2) 2) هذا مفهوم من قوله تعالى في النحل:57،و [2]الزخرف:16،و [3]الطور:39،و [4]الأنبياء:26-29. [5]

3) 3) الأنبياء:26. [6]

و إبانته بالمنزلة من غيره: «يا بنيّ» و «إنّه ابني» لا على إثبات ولادته منه،لأنّه قد يقول ذلك لمن هو أجنبيّ و لا نسب له بينه و بينه،و كذلك لمّا فعل اللّه بعزير ما فعل كان قد اتّخذه ابنا على الكرامة لا على الولادة.

فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:فهذا ما قلته لكم إنّه إن وجب على هذا القول أن يكون عزيز ابنه فإنّ هذه المنزلة بموسى أولى،و إنّ اللّه يفضح كلّ مبطل بإقراره و يغلب على حجّته،إن ما احتججتم به يؤدّيكم إلى ما هو أكثر ممّا ذكرته، لأنّكم قلتم:إنّ عظيما من عظمائكم يقول لأجنبيّ لا نسب بينه و بينه:يا بنيّ لا على طريق الولادة،فقد تجدون هذا العظيم يقول لأجنبي آخر: «هذا أخي» و لآخر: «هذا شيخي و أبي» و لآخر: «هذا سيّدي» و: «يا سيّدي» على سبيل الإكرام،و إنّ من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول،فإذن يجوز عندكم أن يكون موسى أخا للّه و شيخا له أو أبا و سيّدا،لأنّه قد زاده في الإكرام ممّا لعزيز.فبهتوا.

...ثم أقبل على النصارى و قال لهم:و أنتم قلتم:إنّ القديم عزّ و جلّ اتّحد بالمسيح ابنه،ما الّذي أردتموه بهذا القول؟فإن أردتم بأنّ القديم صار محدثا فقد أبطلتم،لأنّ القديم محال أن ينقلب فيصير محدثا،و إن أردتم أنّ المحدث صار قديما فقد أحلتم،لأنّ المحدث أيضا محال أن ينقلب فيصير قديما،و إن أردتم بقولكم: «اتّحد به» أنّه اختصّه و اصطفاه على سائر عباده فقد أقررتم بحدوث عيسى،و بحدوث المعنى الّذي اتّحد به من أجله.

فقالوا:لمّا أظهر اللّه على يده من الأشياء العجيبة ما أظهر فقد اتّخذه ولدا على جهة الكرامة.

فقال لهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله:فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى و أعاده.

فقال رجل منهم:قولنا «عيسى ابن اللّه» كقولك: «ابراهيم خليل اللّه» .

فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله:إنّما سمّاه اللّه تعالى خليلا لما قال لجبرئيل لمّا لقيه في الهواء:لا حاجة لي إلاّ إليه.و الخليل من الخلّة و هي:الفاقة،و ذلك لا يوجب تشبيها بخلقه،و الخلّة يمكن أن تسلب و الولادة لا يمكن أن تسلب،ثمّ يجب على قولكم أن يجوز أن يقال ذلك لموسى.

فقال بعضهم:في الكتب المنزلة أنّ عيسى قال «اذهب إلى أبي» .

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إن كنتم تعملون بذاك الكتاب ففيه «اذهب إلى أبي و أبيكم» ،فقولوا:إنّ جميع مخاطبيه أيضا كانوا أبناء اللّه و ما يدريكم لعلّه عنى «اذهب الى آدم و نوح» برفعه اللّه إليه،و جمعه بينه و بينهما و هما أبواه و أبواهم،فسكتوا (1)

أخرجه صاحب تفسير العسكري:244،و [1]رواه الطبرسي في الاحتجاج 1:23 و [2]النقل بتلخيص و تصرف.

.

«و طهر عن ملامسة النساء» «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» (2)، «أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (3)«وَ أَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً » (4).

«لا تناله الأوهام» أي:الخيالات.

«فتقدّره» أي:تعيّن له مقدارا بتخمينها.

«و لا تتوهّمه الفطن» بالكسر فالفتح جمع الفطنة.

«فتصوّره» أي:تعيّن له صورة بحدسها.

«و لا تدركه الحواسّ» جمع الحاسّة،و المراد:السامعة و الباصرة و الشامّة و اللاّمسة.


1) 1)

2) 2) الإخلاص:4. [3]

3) 3) الأنعام:101. [4]

4) 4) الجن:3. [5]

«فتحسّه» أي:تجعله من محسوساتها.

«و لا تلمسه الأيدي فتمسّه» ذكر الأيدي بعد الحواسّ من ذكر الخاصّ بعد العامّ،و أمّا الخبر «يده بيد اللّه يرفعه» (1)

أخرجه الشريف الرضي في نهج البلاغة 4:6 الحكمة(19)و لفظه«يد اللّه بيده يرفعه».

فاستعارة.

«لا يتغيّر بحال» كالإنسان يكون أوّلا طفلا،ثمّ شابّا،ثم شيخا.

«و لا يتبدّل بالأحوال» هكذا في(المصرية)و الصواب:(في الأحوال)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).

«و لا تبليه» أي:لا تجعله باليا.

«الليالي و الأيام» كما تبليان الإنسان و الحيوان و النبات.

«و لا يغيّره الضياء و الظلام» فهو متجلّ بالوجود في الظلام كالضياء، و مستور بالكنه في الضياء كالظّلام .

«و لا يوصف بشيء من الأجزاء» حتّى الأجزاء العقلية،فعلمه و قدرته عين ذاته.

«و لا بالجوارح و الأعضاء» و أمّا قوله تعالى «يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» (3)فهو استعارة.

«و لا بعرض من الأعراض» كأبيض يصير أسود أو أحمر أو أخضر أو أصفر،و سليم يصير سقيما.

«و لا بالغيريّة و الأبعاض» فليست سميعيّته غير بصيريّته،كما أنّ السّمع ليس بعضا منه،و لا البصر بعضا منه،كما هو كذلك في خلقه.

و في خبر الصادق عليه السّلام مع الزنديق:ليس قولي: «انّه سميع بصير» أي:


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 3:207،و لكن في شرح ابن ميثم 4:147« [1]بالأحوال»أيضا.

3) 3) الفتح:10. [2]

يسمع بنفسه،و يبصر بنفسه،إنّه شيء و النّفس شيء آخر،و إنّما أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولا،و افهاما لك إذ كنت سائلا.فأقول:إنّه سميع بكلّه،لا أنّ الكلّ منه له بعض،و لكنّي أردت إفهامك و التّعبير عن نفسي (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:109 ح 2،و [1]الصدوق بطريقين في التوحيد:144 ح 10،و:245 ح 1:و [2]رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:332، [3]لكن توجد فيه هذه القطعة،و قد مر في العنوان(2)من هذا الفصل.

.

«و لا يقال له حدّ و لا نهاية» فكلّ ذي روح له حدّ و نهاية في حياته الطبيعية.

«و لا انقطاع و لا غاية» كما ليس له أوّل و بداية.

«و لا أنّ الأشياء تحويه» أي:تجمعه و تستولي عليه.

«فتقلّه» أي:ترفعه.يقال:أقلّ الجرّة،إذا أطاق رفعها.

«أو تهويه» أي:تخفضه.

«أو أنّ شيئا يحمله فيميله أو يعدّله» أي ليس محمولا على شيء حتّى يميله أو يعدّله على ظهره من غير ميل.

«و ليس» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(ليس)بدون و او كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).

«في الأشياء بوالج» أي:داخل.

«و لا عنها بخارج» فإنّ ذلك صفة مخلوقه،بل كما قال هو تعالى: «يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها » (3).

«يخبر لا بلسان و لهوات» اللّهوات جمع اللّهاة:اللّحمة في أقصى سقف الفم.

«و يسمع لا بخروق» أي خروق الآذان.

«و أدوات» يتركّب منها السامعة،روى الفتح الجرجاني عن الهادي عليه السّلام


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن ميثم 4:147،و [4]لكن مع الواو في شرح ابن أبي الحديد 3:208. [5]

3) 3) سبأ:2. [6]

قال:سميّ ربّنا سميعا لا بخرت فيه،يسمع به الصوت،و لا يبصر به،كما أنّ خرتنا الّذي به نسمع لا نقوى به على البصر،و لكنّه أخبر أنّه لا يخفى عليه شيء من الأصوات،و هكذا البصر لا بخرت منه أبصر،كما أنّا نبصر بخرت منّا لا ننتفع به في غيره (1)

أخرجه الكليني ضمن حديث طويل في الكافي 1:121 ح 2 [1] عن علي بن محمد مرسلا عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام، و أخرجه الصدوق في التوحيد:188 ح 2،و العيون 1:121 ح 50 [2] باسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام،و رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:397 [3] بلا اسناد عن الرضا عليه السّلام،و لكن ليس في رواية الطبرسي هذه القطعة،و اما قول الشارح الفتح الجرجاني عن الهادي عليه السّلام فسهو و هو حديث آخر.

.

«يقول و لا يلفظ» أي:لا يكون قوله خارجا من فم.

و من أمثالهم «أسمح من لاقظة» (2).قيل:المراد باللافظة العنز،لأنّها تشلى للحلب و هي تجترّ،فتلفظ بجرّتها و تقبل فرحا منها بالحلب.و قيل:المراد بها الطيور التي تزقّ فراخها،لأنّها تخرج ما في جوفها و تطعمها.و قيل:المراد بها الديك،لأنّه يلفظ الحبّ من منقاره لدجاجه.و قيل:المراد بها الرّحى،لأنّها تلفظ ما صبّ فيها.و قيل:المراد بها البحر،لأنّه يلفظ بالعنبر و الجوهر.

«و يحفظ» كلّ شيء.

«و لا يتحفّظ» بالقوّة الحافظة مثلنا.

«و يريد» شيئا.

«و لا يضمر» في النّفس مثلنا.

«يحبّ و يرضى من غير رقّة» له تحصل في القلب مثلنا.

«و يبغض» و في(الكافي)عن الصادق عليه السّلام:ما من شيء ممّا أحلّه اللّه عزّ و جلّ أبغض إليه من الطلاق،و إنّ اللّه يبغض المطلاق الذوّاق (3).


1) 1)

2) 2) أورده الميداني في مجمع الأمثال 1:353،و [4]الزمخشري في المستقصى 1:171. [5]

3) 3) رواه الكليني في الكافي 6:54 ح 2،و [6]صاحب تحفة الإخوان عنه المستدرك 3:2 الباب(1)ح 3 و [7]روى في معناه كثيرا.

«و يغضب» في الخبر:لا يغضب تعالى كغضبه لظلم الضعيفين النساء و الأطفال (1)

أخرج هذا المعنى الحميري في قرب الاسناد:44،و الكليني في الكافي 5:511 ح 3،و البيهقي في شعب الايمان عنه الجامع الصغير 1:8،و الصدوق في الفقيه 3:248 ح 1،و الخصال 1:37 ح 13 و غيرهم.

.

و روى(الكافي)عن الباقر و الصادق عليهما السّلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ (2).

«من غير مشقّة» أي:غضبه ليس كغضبنا بتأثّر و انقلاب في النّفس يوجب المشقّة،قال الباقر عليه السّلام في قوله سبحانه: «وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى» (3):إنّ غضبه هو عقابه لا أنّه استفزه شيء (4).

«يقول لمن» هكذا في(المصرية)و الصحيح:(لما)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5).

«أراد كونه» أي:وجوده.

«كن فيكون» أي:فيوجد.

«لا بصوت يقرع،و لا بنداء يسمع» كما في أقوال الناس بعضهم مع بعض،


1) 1)

2) 2) أخرجه صاحب مسند زيد:199،و ابن الأشعث في سننه:56،و الصدوق في الفقيه 2:38 ح 8،و معاني الأخبار:264 ح 1،و الطوسي في التهذيب 4:105 ح 33،و الطبراني و ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج،و البيهقي في شعب الإيمان، و الاصبهاني في الترغيب عنهم الدر المنثور 1:354 و [1]ابن عساكر في التاريخ عنه الجامع الصغير 1:91،و رواه القاضي النعمان في دعائم الإسلام 1:241،و [2]الراوندي في النوادر عنه البحار 96:181 ح 27 [3] عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و رواه الصدوق في ثواب الأعمال:172 ح 1،و الاربلي في كشف الغمة 2:289 [4] عن السجاد عليه السّلام،و الأهوازي في الزهد:36 ح 94 [5] عن الباقر عليه السّلام،و الصدوق في ثواب الأعمال:172 ح 1 عن الصادق عليه السّلام،و أما الكليني فأخرجه بروايتين في الكافي 4: 7 ح 1،و 8 [6] ح 3 عن الباقر عليه السّلام عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و معنى الحديث روي كثيرا.

3) 3) طه:81. [7]

4) 4) أخرج هذا المعنى الصدوق في التوحيد:168 ح 1،و معاني الأخبار:18 ح 1،و رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:322 [8] عن الباقر عليه السّلام.

5) 5) في شرح ابن أبي الحديد 3:208،و شرح ابن ميثم 4:148« [9]لمن»أيضا.

فإنّ كلامهم أثر يؤثّره اصطكاك الأجسام في الهواء،و الهواء يؤدّيه إلى المسامع،و ليس كلامه تعالى-و المراد كلامه التكويني-كذلك ليس فيه صوت يقرع و لا نداء يسمع،بل هو فعله و خلقه كما قال.

«و إنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه و مثّله» فله تعالى صفات ذات،كالعلم و القدرة،و صفات فعل،كالمشيئة و الإرادة و كلامه مع خلقه.

«لم يكن» أي:ذاك الفعل الّذي أنشأه و مثّله.

«من قبل ذلك» أي:أنشأه تعالى.

«كائنا» أي:موجودا.

«و لو كان قديما» أي:وجد قبل.

«لكان إلها ثانيا» مع اللّه تعالى.

و قلنا:إنّ مراده عليه السّلام كلامه تعالى التكويني،و أمّا كلامه التكليفي مع ملائكته و رسله فبايجاده الكلمات.

ففي خبر عن الرضا عليه السّلام في موسى عليه السّلام:لمّا كلّمه اللّه تعالى،و قرّبه نجيّا رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ اللّه عزّ و جلّ كلّمه و قرّبه و ناجاه.فقالوا:لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه كما سمعت.و كان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفا،ثمّ اختار منهم سبعة آلاف،ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربّه،فخرج بهم إلى طور سيناء،فأقامهم في سفح الجبل و صعد موسى عليه السّلام الى الطور،و سأل اللّه تعالى أن يكلّمه، و يسمعهم كلامه،فكلّمه اللّه تعالى و سمعوا كلامه من فوق و أسفل،و يمين و شمال،و وراء و أمام،لأنّ اللّه عزّ و جلّ أحدثه في الشجرة،ثمّ جعله منبعثا منها،حتّى سمعوه من جميع الوجوه (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:121 ح 24 و ضمن حديث طويل في العيون 1:159 ح 1،و [1]رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:429 [2] عن الرضا عليه السّلام،و روى معناه المرتضى في تنزيه الأنبياء:175 بلا عزو.

.

1) 1)

و في(كتاب أخطب خوارزم)عن ابن عمر قال:قال النبي صلى اللّه عليه و آله و قد سئل بأيّ لغة خاطبك ربّك ليلة المعراج؟فقال:بلغة علي بن أبي طالب.فألهمني أن قلت:أ خاطبتني أنت أم علي؟فقال:يا محمّد أنا شيء لا كالأشياء،لا أقاس بالنّاس،و لا أوصف بالأشياء.خلقتك من نوري،و خلقت عليّا من نورك، فاطلعت على سرائر قلبك،فلم أجد إلى قلبك أحبى من عليّ بن أبي طالب، فخاطبتك بلسانه كيما يطمئن قلبك (1)

أخرجه الخوارزمي في المناقب:37.

.

و يمكن أن يكون قوله عليه السّلام «و إنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه و مثّله» إشارة إلى كلامه التكليفي الّذي قلنا،لكن مع وقوع تحريف فيه،و أنّ الأصل:

«و أمّا كلامه سبحانه فقول منه أنشأه و مثله»،و حينئذ فقوله بعد «لم يكن من قبل ذلك كائنا،و لو كان لكان إلها ثانيا» معناه:أنّ كلامه تعالى لمّا كان صفة فعله ليس بقديم،و لو كان قديما و هو غيره صار إلها ثانيا.

و في خبر أبي بصير عن الصادق عليه السّلام قلت:فلم يزل اللّه متكلّما؟قال:

فقال:إنّ الكلام صفة محدثة ليست بأزليّة،كان اللّه تعالى و لا متكلّم (2).

و من كلامه عليه السّلام يظهر بطلان مذاهب الحنابلة،و الكراميّة،و الأشاعرة.

قالت الحنابلة:إنّ كلامه تعالى حروف و أصوات قديمة.و قالت الكراميّة:إنّ كلامه تعالى صفة له مؤلّفة من الحروف و الأصوات الحادثة القائمة بذاته، و قالت الأشاعرة:كلامه تعالى معنى واحد بسيط قائم بذاته القديمة (3).


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 1:107 ح 1،و [1]الصدوق في التوحيد:139 ح 1،و قريبا منه أبو علي الطوسي في أماليه 1: 170 المجلس(6).

3) 3) نقل هذه المقالات الفاضل السيوري في إرشاد الطالبيين:219،لكن نسبة المقالة المذكورة إلى الكرامية بإطلاقها مشكل،كما يظهر لك من الملل و النحل للشهرستاني 1:99-103. [2]

هذا،و في(ملل الشهرستاني)في ذكر انفرادات الجبائي و ابنه أبي هاشم قال:إنّهما حكما بكونه تعالى متكلّما بكلام يخلقه في محلّ،و حقيقة الكلام عندهما أصوات مقطعة و حروف منظومة،و المتكلّم من فعل الكلام لا من قام به الكلام،إلاّ ان الجبائي خالف أصحابه خصوصا بقوله يحدّث اللّه تعالى عند كلّ قارئ كلاما لنفسه في محلّ القراءة،و ذلك حين ألزم أنّ الذي يقرؤه القارئ ليس بكلام اللّه،و المسموع منه ليس من كلام اللّه،فالتزم هذا المحال من إثبات أمر غير معقول و لا مسموع،و هو اثبات كلامين في محلّ واحد (1)

الملل و النحل 1:74. [1]

.

«لا يقال كان بعد أن لم يكن» يعني:أنّ قولنا(كان)في «كانَ اللّهُ سَمِيعاً بَصِيراً» (2)و «كانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً» (3)بمعنى الاستمرار لا بمعنى(صار)، و إلاّ لزمت بواطل:

احدها: «فتجري عليه الصفات المحدثات» قال ابن أبي الحديد و ابن ميثم:

و روى(صفات المحدثات) (4):أي بالاضافة،و كيف كان فوجه جريان المحدثات عليه حينئذ:أنّ شيئا لم يكن ثمّ كان محدثا.

و ثانيها: «و لا يكون بينها» أي:المحدثات.

«و بينه» تعالى.

«فصل» لكونه مثلها في السبق بالعدم.

و ثالثها «و لا له عليها فضل» بدوام الوجود.

«فيستوي الصانع و المصنوع» في كونه معدوما أوّلا.


1) 1)

2) 2) النساء:134. [2]

3) 3) النساء:17،92،104،111،170،و [3]الفتح:4. [4]

4) 4) نقل ابن أبي الحديد هذه الرواية في شرحه 3:210،و لكن لم نجدها في شرح ابن ميثم 4:173 و [5]سائر الصفحات.

«و يتكافأ المبتدع» قال ابن ميثم:و في نسخة الرضيّ«المبدع»بفتح الدّال (1)

شرح ابن ميثم 4:174. [1]

.

«و البديع» أي:اللّه تعالى،قال عزّ و جلّ: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ » (2).

«و خلق الخلائق على غير مثال خلا» أي:مضى.

«عن غيره» كيف لا،و لم يكن موجودا غيره تعالى،فكيف يكون منه له مثال؟! «و لم يستعن على خلقها بأحد من خلقه» فلم يكن خلق حتّى يستعين بهم في خلقه .

«و أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال» بإمساكها عن فعل آخر،كأحدنا إذا أمسك شيئا يشتغل به عن شيء آخر: «إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ» (3).

«و أرساها» أي:أثبتها.

«على غير قرار» لها،فإنّها تتحرّك في الفضاء و تدور.

«و أقامها بغير قوائم» جمع القائمة.

«و رفعها» في الفضاء كباقي الكرات.

«بغير دعائم» جمع الدّعامة،أي:العماد لها.

«و حصّنها» بالتشديد،أي:أحكمها.

«من الأود» أي:الميل و الانحناء عن مدارها.

«و الاعوجاج» بالخروج عن مركزها.


1) 1)

2) 2) البقرة:117. [2]

3) 3) فاطر:41. [3]

«و منعها من التهافت» أي:التساقط قطعة قطعة.

«و الانفراج» أي:الانشكاف،قال:له فرجة كحل العقال (1)

أورده أساس البلاغة:337 مادة(خرج)،و لسان العرب 2:341 [1] مادة(خرج)،و الشاعر أميّة ابن أبي الصلت،و البيت بتمامه في العنوان(35)من هذا الفصل.

.

«أرسى» أي:أثبت.

«أوتادها» و هي جبالها،قال تعالى: «وَ الْجِبالَ أَرْساها» (2).

«و ضرب أسدادها» حتّى لا يختلط شيء منها بشيء آخر،قال تعالى:

«مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ» (3)، «أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» (4).

«و استفاض» يقال:فاض الماء يفيض،إذا كثر حتّى سال.

«عيونها» أي:ينابيعها، «أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها» (5).

«و خدّ» أي:شقّ و حفر.

«أوديتها» جمع الوادي،و في(اللسان)عن ابن سيده:الوادي كلّ مفرج بين الجبال و التلال و الآكام،سمّي بذلك لسيلانه يكون مسلكا للسيل و منفذا.

قال أبو الربيس التغلبي:

لا صلح بيني فاعلموه و لا بينكم ما حملت عاتقي

سيفي و ما كنّا بنجد و ما قرقر قمر الواد بالشاهق

(6)


1) 1)

2) 2) النازعات:32. [2]

3) 3) الرحمن:19-20. [3]

4) 4) النمل:61. [4]

5) 5) النازعات:31. [5]

6) 6) لسان العرب 15:384 [6] مادة(ودى).

و قوله عزّ و جلّ: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ» (1)

الشعراء:225. [1]

.ليس يعني أودية الأرض إنّما هو مثل لشعر الشعراء،كما تقول:أنا لك في واد،و أنت لي في واد.

أي:يقولون في الذم و يكذبون،و في المدح و يكذبون،و جمع الوادي أوداء و أودية و أوداية،قال:«و اقطع الأبحر و الأوداية» (2).

«فلم يهن» أي:لم يضعف.

«ما بناه» «وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنّا لَمُوسِعُونَ وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ» (3).

«و لا ضعف ما قوّاه» «وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً» (4)، «أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » (5).

«هو الظاهر عليها» الضمير في(عليها)راجع إلى(الأرض)في قوله:

«و أنشأ الأرض»،أو إلى(الخلائق)في قوله:«خلق الخلائق»،و الأوّل أقرب لفظا،و الثاني معنى.

«بسلطانه و عظمته» يتصرّف فيها ما يشاء كيف يشاء.

«و هو الباطن لها بعلمه و معرفته» «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (6).

«و العالي على كلّ شيء منها بجلاله و عزّته» «وَ اللّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَ لكِنَّ»


1) 1)

2) 2) لسان العرب 15:385 [2] مادة(ودى).

3) 3) الذاريات:47-48. [3]

4) 4) النبأ:12-13. [4]

5) 5) النازعات:27-30. [5]

6) 6) ق:16.

«أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ» (1)

يوسف:21. [1]

.

«و لا يعجزه شيء منها طلبه» «وَ مَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَ لَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ» (2)«وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» (3).

«و لا يمتنع» شيء.

«عليه فيغلبه» ذلك الشيء،قال تعالى: «فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (4).

«و لا يفوته السّريع منها» كما يفوتنا كثير من الأشياء السريعة.

«فيسبقه» فلا يلحقه، «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (5).

و في الخبر:إنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا أري ملكوت السماوات و الأرض،فالتفت ثلاثا و رأى رجالا يزنون فدعا عليهم فماتوا،أوحى تعالى إليه:إنّي خلقتهم على أصناف:عبد يعبد غيري فلن يفوتني... (6).

«و لا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه» «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» (7).


1) 1)

2) 2) الاحقاف:32. [2]

3) 3) البقرة:255. [3]

4) 4) الواقعة:86-87. [4]

5) 5) يونس:23. [5]

6) 6) روي بطرق عديدة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و عن الصادق عليه السّلام و عن سلمان و عطاء و شهر بن حوشب،و قد مر تخريجه في العنوان(22)من هذا الفصل.

7) 7) الذاريات:56-58. [6]

«خضعت الأشياء له،و ذلّت مستكينة لعظمته» «قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (1)

فصلت:9-12. [1]

.

«لا يستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فيمتنع من نفعه و ضرّه» فهرب موسى عليه السّلام من مصر لمّا خاف أن يقتله فرعون،فورد ماء مدين و امتنع من أن تناله يد فرعون (2)،و هرب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من مشركي مكّة لمّا أرادوا قتله،فلمّا ورد المدينة أمن من أذاهم (3)،و كثير من الناس إذا لم يرضوا بسلطانهم يخرجون من مملكته فيمتنعون من نفعه و ضرّه،و أمّا هو تعالى فالأرض و السماء في سلطانه،و البرّ و البحر من مملكته، «قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً» (4)، «قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللّهِ أَحَدٌ وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً » (5).

«و لا كفء له فيكافئه» كيف و هو الخالق و غيره مخلوق؟! «و لا نظير له فيساويه» «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (6).


1) 1)

2) 2) جاءت القصة في أوائل سورة القصص.

3) 3) القصة مشهورة في كتب السيرة و التاريخ،و أشار اليها تعالى في التوبة:40.

4) 4) الأحزاب:17. [2]

5) 5) الجن:21-22. [3]

6) 6) الشورى:11. [4]

«هو المفني لها بعد وجودها حتّى يصير موجودها كمفقودها» «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ » (1)

الرحمن:26-27. [1]

.

«و ليس فناء» هكذا في النسخ (2)،و الظّاهر أنّ الأصل(افناء).

«الدّنيا بعد ابتداعها» و خلقها.

«بأعجب من إنشائها و اختراعها» كيف لا و الإيجاد أصعب من الاحزاب؟! فاستبعاد من استبعد إخراب هذه الأفلاك من قصر نظره و ضعف بصره .

«و كيف» لا يكون الإنشاء و الإفناء مختصّين به تعالى.

«لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها و بهائمها» البهائم جمع البهيمة،و في (اللسان):البهيمة:كلّ ذات أربع قوائم من دوابّ البرّ و الماء.ثم نقل عن الزّجاج:

كلّ حيّ لا يميّز بهيمة (3).

«و ما كان من مراحها» بالضمّ،و المراد به:ما أريح من تعب الرّعي كالحمير و البغال و الخيل.

«و سائمها» و المراد بالسائم ما ترعى،كالأغنام و ما من قبيلها،فالتقابل واقع بين المراح و السائم مثل الطير و البهائم،و لقد وقع ابن أبي الحديد و كثير منهم هنا في حيص و بيض و خبط و خلط.

«و أصناف أسناخها» أي:أصولها.

«و أجناسها» أي:أنواعها،فالضأن و المعز متّحدان بالأصل مختلفان بالنّوع.

«و متبلّدة» من البلادة ضدّ الذكاوة و الكياسة،و قولهم«بيضة البلد»في


1) 1)

2) 2) كذا في نهج البلاغة 2:124،و شرح ابن أبي الحديد 3:211،و [2]شرح ابن ميثم 4:149. [3]

3) 3) لسان العرب 12:56 [4] مادة(بهم).

الذمّ،كقول حسّان في نفسه:

و ابن الفريعة أمسى بيضة البلد

(1)بكسر الّلام،الوصف من البلادة،و المراد بالبلد فيه النعامة،فمن أمثالهم«أحمق من نعامة» (2)،قالوا:إنّها تنتشر للطعم فربّما رأت بيض نعامة قد انتشرت لمثل ما انتشرت هي له،فتحضن بيضها و تنسى بيض نفسها،قال ابن هرمة:

كتاركة بيضها بالعراء و ملبسة بيض أخرى جناحا

(3)و قالوا أيضا:أذلّ من بيضة البلد (4). و فسّر(أم البيض)بالنعامة في قول الشاعر:

و أتانا يسعى تفرس أمّ البيض شدا و قد تعالى النّهار

(5)و أمّا في المدح كقول أخت عمرو بن عبدود فيه عليه السّلام: و كان يدعى ابوه بيضة البلد

(6)فالبلد فيه بالفتح واحد البلاد،كما أنّ البيضة في الأوّل بيضة الطير،و في الثاني بيضة الحديد التي يقال لها بالفارسية(كلاه خود) (7)،و قد خلطوا بينهما فقالوا:بيضة البلد يأتي للمدح و الذم،و الحقيقة ما عرفت.


1) 1) لسان العرب 7:126، [1]مادة(بيض)و صدره:رأى الجلابيب قد عزّوا و قد كثروا.و احتمل ابن منظور كون البيت لرجل آخر يهجو حسّان بن ثابت.

2) 2) أورده الميداني في مجمع الأمثال 1:225،و [2]الزمخشري في المستقصى 1:85.

3) 3) أورده في مجمع الأمثال 1:225،و [3]المستقصى 1:85 و [4]نسبه الزمخشري إلى أبي داود.

4) 4) أورده الميداني في مجمع الأمثال 1:285 و [5]الزمخشري في المستقصى 1:132. [6]

5) 5) لسان العرب 12:32 [7] مادة(أمم)و نسبه إلى أبي دواد.

6) 6) هذا شطر من بيتين مرّ في شرح خطبة الرضي،و قد أشرنا إلى اختلاف ألفاظ الروايات و هذا اللفظ لابن أبي الحديد في شرحه 1:7.

7) 7) (كلاه خود)آلة حربية حديدية تستعمل لوقاية الرأس،و في العربية:البيضة أو الخوذة و الأخير معرب خود أيضا.

هذا،و قد يأتي التبلّد في قبال التجلّد،إذا كان تبلّده عارضيا من شدّة المصيبة،قال الشاعر:

ألا لا تلمه إن يتبلدا فقد غلب المحزون أن يتبلّدا

(1)«أممها» قال الجوهري:كلّ جنس من الحيوان أمّة (2).

و في الحديث:«لو لا أنّ الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها» (3).

قلت:لم خصّ الأمّة بالحيوان،و قد قال تعالى: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» (4).

«و أكياسها» أي:أذكيائها،و من أمثالهم:«أكيس من قشّة» (5)،و هي جرو القرد،كما أنّ من أمثالهم:«أبلد من ثور و من سلحفاة» (6).

«على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها» «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ » (7).

«و لا عرفت كيف السّبيل إلى ايجادها» «أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ»


1) 1) لسان العرب 3:96 [1] مادة(بلد).

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 5:1864 [2] مادة(أمم).

3) 3) هذا صدر حديث أخرجه الترمذي بطريقين في سننه 4:78،و 80 ح 1486 و 1489،و النسائي في سننه 7:185،و أبو داود في سننه 3:108 ح 2845،و [3]ابن ماجه في سننه 2:1069 ح 3205،و الدارمي في سننه 2:90،و [4]أحمد في مسنده 5: 54 و 56 [5] بطريقين عن عبد اللّه بن مغفل عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و أخرجه الطبراني في معجمه الكبير [6]عنه منتخب كنز العمال 6: 145،و رواه من الشيعة بلا اسناد أبو الفتوح في تفسيره عن عبد اللّه بن مغفل عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و الاحسائي في غوالي اللآلي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله عنهما المستدرك 3:65 الباب(32)ح 2،و [7]شرحه ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث:133، و السندي في حاشية سنن النسائي 7:185.

4) 4) الأنعام:38. [8]

5) 5) أورده الميداني في مجمع الأمثال 2:169،و الزمخشري في المستقصى 1:297، [9]قال الميداني:و هي جرو القرد،ثم قال: يضرب مثلا للسوار خاصة.

6) 6) أورده الميداني في مجمع الأمثال 1:119،و [10]الزمخشري في المستقصى الحج 1:28.

7) 7) :73.

«أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ» (1)

الواقعة:58-59. [1]

.

«و لتحيّرت عقولها في علم ذلك» كيف لا،و لا وقفت بعد على حقيقة الروح و عرفانها فضلا عن علم ايجادها.

«و تاهت» أي:ضلّت.

«و عجزت قواها،و تناهت» أي:بلغت إلى النهاية.

«و رجعت خاسئة» من خسأ البصر:كلّ و أعيا.

«حسيرة» من حسر بصره،إذا كلّ و انقطع من طول النّظر،و الأصل في كلامه عليه السّلام قوله تعالى: «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ» (2).

«عارفة بأنّها مقهورة» أي:مغلوبة.

«مقرّة بالعجز عن إنشائها» فكيف تقدر على ايجاد الرّوح فيها،و كيف تقدر على ايجاد السامعة و الباصرة و الذّائقة و الشّامّة و اللامسة فيها،بل و العاطفة و قوى أخر غير محصورة؟ «مذعنة» أي:معتقدة.

«بالضّعف عن إفنائها» و المراد إفناء نوعها .

«و إنّ اللّه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و إنّه)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3).

«سبحانه يعود بعد فناء الدّنيا وحده لا شيء معه كما كان» وحده لا شيء معه.


1) 1)

2) 2) الملك 3-4. [2]

3) 3) في شرح ابن أبي الحديد 3:211،و [3]شرح ابن ميثم 4:149«و [4]ان اللّه»أيضا.

«قبل ابتدائها كذلك يكون» وحده لا شيء معه.

«بعد فنائها» حتّى ملك الموت أيضا لا يبقى،روى(الكافي)في نوادر جنائزه عن يعقوب الأحمر قال:دخلنا على الصادق عليه السّلام نعزيه بإسماعيل فترحّم عليه،ثم قال:إنّ اللّه عزّ و جلّ نعى إلى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله نفسه،فقال: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» (1)

الزمر:1.

،و قال عزّ و جلّ: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» (2).ثم انشأ يحدّث فقال:إنّه يموت أهل الأرض حتّى لا يبقى أحد،ثمّ يموت أهل السّماء حتّى لا يبقى أحد إلاّ ملك الموت و حملة العرش و جبرئيل و ميكائيل.قال:

فيجيء ملك الموت حتّى يقوم بين يدي اللّه،فيقال له:من بقي؟و هو أعلم.

فيقول:يا ربّ لم يبق إلاّ ملك الموت و حملة العرش و جبرئيل و ميكائيل.

فيقال له:قل لجبرئيل و ميكائيل فليموتا...فيقول:يا ربّ لم يبق إلاّ ملك الموت.

فيقال له:مت يا ملك الموت،فيموت.ثم يأخذ الأرض بيمينه و السماوات بيمينه،و يقول:أين الذين كانوا يدّعون معي شريكا،أين الّذين كانوا يجعلون معي إلها آخر؟ (3)«بلا وقت» من ليل أو نهار.

«و لا مكان» أرض أو سماء.

«و لا حين و لا زمان» شهر أو سنة .

«عدمت عند ذلك» أي فناء العالم.

«الآجال» للأشياء.

«و الأوقات» للأمور لعدم وجود شمس و قمر.


1) 1)

2) 2) آل عمران:185. [1]

3) 3) أخرجه الكليني في الكافي 3:256 ح 25،و [2]أحمد بن محمد بن عيسى في النوادر عنه البحار 6:329 ح 14. [3]

«و السّنون» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و زالت السّنون)كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 3:211،و شرح ابن ميثم 4:149. [1]

.

«و الساعات» التي هي أجزاء الليل و النهار.

«فلا شيء إلاّ الواحد القهّار» «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ» (2).

«الذي إليه مصير جميع الأمور» و تدبيرها .

«بلا قدرة منها» الظّرف الأوّل خبر كان قدّم لكونه مهمّا في القصد، و الظرف الثاني متعلّق بالأوّل.

«كان ابتداء خلقها» كيف لا و لم تكن شيئا حتّى تكون ذات قدرة؟! «و بغير امتناع منها» مثل سابقه في التركيب.

«كان فناؤها» و لو كان فيها استعداد البقاء.

«و لو قدرت على الامتناع» من الفناء.

«دام» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(لدام)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3).

«بقاؤها» بالامتناع من الفناء .

«لم يتكأده» أي:لم يشقّ عليه.

«صنع شيء منها إذ صنعه» «وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ» (4).

«و لم يؤده» بدون واو،أي:لم يثقل عليه.

«منها خلق ما خلقه و برأه» أي:خلقه عن غير مثال.

«و لم يكوّنها» أي:لم يوجدها.


1) 1)

2) 2) غافر:16. [2]

3) 3) كذا في شرح ابن أبي الحديد 3:211،و [3]بلا(لام)في شرح ابن ميثم 4:149. [4]

4) 4) ابراهيم:20. [5]

«لتشديد سلطان» كسلاطين الدّنيا يصنعون أمورا لتشديد سلطانهم، و منهم المعتصم جمع من الأتراك أربعة آلاف فألبسهم-كما في المروج- أنواع الديباج و المناطق المذهبة و الحلية المذهّبة،و أبانهم بالزّي عن سائر جنوده،و قد كان اصطنع قوما من حوف مصر و من حوف اليمن و حوف قيس فسمّاهم المغاربة،و استعدّ رجال خراسان من الفراغنة و غيرهم من الأشروسيّة،فكثر جيشه حتّى اضطر إلى الخروج عن بغداد لما ينال الناس من جيشه،فانتقل إلى محل سامراء و بناها (1)

مروج الذهب للمسعودي 3:465 و [1]النقل بالمعنى.

.

«و لا لخوف من زوال و نقصان» كالنّاس يبنون القلاع لتصونهم من الزوال و النقصان.

«و لا للاستعانة بها على ندّ» أي:مثل و نظير.

«مكاثر» له .

«و لا للاحتراز بها» أي:التوقّي.

«من ضدّ مثاور» أي:مواثب،بنى المنصور تحت قصره نفقا يخرج إلى خارج البلد لكي يفرّ إذا غلبه عدو.

«و لا للازدياد بها في ملكه» كملوك الدينيا في بنائهم للبلاد.

«و لا لمكاثرة شريك في شركه» كأهل الدّنيا في تكاثرهم بالأموال و الأولاد في ما بينهم.

«و لا لوحشة كانت منه» إذ كان وحده.

«فأراد أن يستأنس إليها» و يرفع وحشته بها .

«ثمّ هو» تعالى.

«يفنيها بعد تكوينها» و إيجادها.


1) 1)

«لا لسأم» أي:ملال.

«دخل عليه في تصريفها» و تغييرها من حال إلى حال.

«و تدبيرها» بما يكون صلاحها.

«و لا لراحة واصلة إليه» من إفنائها.

«و لا لثقل شيء منها عليه» وقت بقائها.

«لم يملّه» أي:لم يجعله ملولا.

«طول بقائها فيدعوه» ملله.

«إلى سرعة إفنائها» حتّى لا يزداد ملله .

«لكنّه سبحانه دبّرها» حين ابقائها.

«بلطفه» «الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» (1)

طه:50. [1]

.

«و أمسكها بأمره» لكيلا تضمحلّ.

«و أتقنها» أي:أحكمها.

«بقدرته» فلم يكن فيها انقطاع دون ما أريد منها .

«ثمّ يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها» كمن يخرب بيته،ثمّ يعيده لحاجته إلى سكناه .

«و لا لاستعانة بشيء منها عليها» كالنّاس في أسباب أعمالهم.

«و لا لانصراف من حال وحشة» حين الفناء.

«إلى حال استئناس» بها بعد إعادتها.

«و لا من حال جهل و عمى» في إفنائها.

«إلى حال علم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(إلى علم)كما في(ابن


1) 1)

أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 3:212،و [1]شرح ابن ميثم 4:150« [2]إلى حال علم»أيضا.

.

«و التماس» أي:تبصّر.

«و لا من فقر و حاجة» من فنائها.

«إلى غنى و كثرة» بإعادتها.

«و لا من ذلّ و ضعة» أي:انحطاط من انعدامها.

«إلى عزّ و قدرة» بعد إيجادها.

26

من الخطبة(193)

و من خطبة له عليه السّلام:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ وَ جَلاَلِ كِبْرِيَائِهِ- مَا حَيَّرَ مُقَلَ الْعُيُونِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ- وَ رَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ عَنْ عِرْفَانِ كُنْهِ صِفَتِهِ «الحمد للّه الّذي أظهر من آثار سلطانه» في تصرّفه في العالم و في نفوس بني آدم بما شاء و كيف شاء.

«و جلال كبريائه» من خلقه السماء و الأرض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال و البحار و أصناف الخلق.

«ما حيّر» و أدهش.

«مقل» بالضمّ فالفتح جمع مقلة:شحمة العين الّتي تجمع البياض و السواد.

«العيون» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(العقول)كما في(ابن أبي


1) 1)

الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 2:538،و [1]شرح ابن ميثم 3:431« [2]العيون»أيضا.

.

«من عجائب قدرته» و منها ما بيّنه في قوله عزّ و جلّ: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (2).

و قال الصادق عليه السّلام للمفضّل في ما بيّنه من حكم الباري تعالى:و اعلم-يا مفضل-انّ اسم هذا العالم بلسان اليونانيّة الجاري المعروف عندهم (قوسموس) (3)و تفسيره الزينة،و كذلك سمّته الفلاسفة و من ادّعى الحكمة، أ فكانوا يسمّونه بهذا الاسم إلاّ لما رأوا فيه من التقدير و النظام،فلم يرضوا أن يسمّوه تقديرا و نظاما حتى سمّوه زينة ليخبروا أنّه مع ما هو عليه من الصواب و الاتقان على غاية الحسن و البهاء (4).

و قال الرضا عليه السّلام:خلق اللّه الخلق على أنواع شتّى،و لم يخلقهم نوعا واحدا لئلاّ يقع في الأوهام أنّه عاجز،فلا يقع في وهم أحد صورة إلاّ و قد خلق تعالى عليها خلقا،و لا يقول قائل:هل يقدر اللّه على أن يخلق على صورة كذا و كذا إلاّ وجد ذلك في خلقه عزّ و جلّ،فيعلم بالنظر إلى أنواع خلقه أنّه على كلّ


1) 1)

2) 2) البقرة:164. [3]

3) 3) (قوسموس)معرب (Koouos) اليونانية ذكر (Liddell) و (Scott) في معجم اليونانية Greek EnglishLexicon ] الصفحة 782]من معاني الكلمة:«الترتيب الجيّد:النظم الجيّد»و«الزينة-الحلية»و «العالم-الكائنات»و قالا أول من استعمل هذه الكلمة في معنى العالم فيثاغورس في فلسفته لنظم العالم و ترتيبه الكامل.

4) 4) توحيد المفضل:176. [4]

شيء قدير (1)

أخرجه الصدوق في علل الشرائع 1:14 ح 13 [1] بفرق يسير.

.

«و ردع» أي:كفّ.

«خطرات» ممّا يخطر بالبال.

«هماهم» جمع الهمهمة،ترديد الصوت في الصدر.

«النفوس عن عرفان كنه صفته» جلّ و علا فإذا كان الإنسان لا يعرف كنه كثير ممّا أظهر من آثار سلطنته من الشمس و القمر و النجوم و السماء و غيرها ممّا يشاهدها كيف يعرف كنه صانعها.

و في(الحلية)قال أحمد بن أبي الحواري:حدّثني أحمد بن داود قال:

اجتمع بنو اسرائيل فأخرجوا من كلّ عشرة واحدا،ثمّ أخرجوا من كلّ مائة واحدا،ثمّ أخرجوا من كلّ ألف واحدا حتّى أخرجوا سبعة خيار بني إسرائيل.

فقال:أدخلونا في بيت و طيّنوا علينا،و لا تخرجونا حتّى نعرف ربّنا.

ففعلوا،فمات أوّل يوم واحد،و في اليوم الثاني آخر،ثم مات في اليوم الثالث آخر،فقال شابّ و كان أصغرهم:أخرجونا قد عرفته.قال:ففتحوا فأخرجوهم.فقال لهم:قد عرفته.قالوا:و أي شيء عرفت.قال:عرفت أنّه لا يعرف.فإن شئتم فدعونا حتّى نموت عن آخرنا و إن شئتم أخرجونا (2).

27

من الخطبة(153)

و من خطبة له عليه السّلام:يذكر فيها بديع خلقة الخفّاش:اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي انْحَسَرَتِ الْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ- وَ رَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ- فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً إِلَى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ- هُوَ اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ


1) 1)

2) 2) حلية الأولياء لأبي نعيم 10:12.

الْمُبِينُ أَحَقُّ وَ أَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ- لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهاً- وَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ فَيَكُونَ مُمَثَّلاً- (1)

قال الشارح و في نسخ«و لم تقع على الاوهام بتقدير فيكون ممثلا».

خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ وَ لاَ مَشُورَةِ مُشِيرٍ- وَ لاَ مَعُونَةِ مُعِينٍ فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ- فَأَجَابَ وَ لَمْ يَدْفَعْ وَ انْقَادَ وَ لَمْ يُنَازَعْ «الحمد للّه الذي انحسرت» أي:كلّت و انقطعت.

«الأوصاف عن كنه معرفته» كيف لا تنحسر عن كنه معرفته،و قد انحسرت عن كنه كثير من خلقه ؟! «و ردعت» أي:كفّت.

«عظمته العقول» عن فهمه .

«فلم تجد مساغا» أي:جوازا،و الأصل فيه:ساغ الشراب،إذا سهل مدخله في الحلق.

«إلى بلوغ غاية ملكوته» قال تعالى: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (2).

و قال الصادق عليه السّلام:فقالوا و لم لا يدرك تعالى بالعقل؟قيل:لأنّه فوق مرتبة العقل،كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته،فإنّك لو رأيت حجرا يرتفع في الهواء علمت أنّ راميا رمى به.فليس هذا العلم من قبل البصر بل من قبل العقل،لأنى العقل هو الّذي يميّزه،فيعلم أنّ الحجر لا يذهب علوا من تلقاء نفسه،أفلا ترى كيف وقف البصر على حدّه فلم يتجاوزه،فكذلك يقف العقل على حدّه من معرفة الخالق فلا يعدوه،و لكن يعقله بعقل أقرّ أنّ فيه نفسا و لم يعاينها و لم يدركها بحاسة من الحواس.و على حسب هذا أيضا نقول:إنّ


1) 1)

2) 2) الكهف:109. [1]

العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار،و لا يعرفه بما يوجب له الاحاطة بصفته-إلى أن قال-فان قالوا:أ و ليس قد نصفه؟فنقول:هو العزيز الحكيم الجواد الكريم.قيل لهم:كلّ هذه صفات إقرار،و ليست صفات إحاطة فإنّا نعلم أنّه حكيم،و لا نعلم بكنه ذلك منه،و كذلك قدير و جواد،و سائر صفاته كما قد نرى السماء،فلا ندري ما هو جوهرها و نرى البحر و لا ندري أين منتهاه (1)

توحيد المفضل:176. [1]

.

«هو اللّه الملك» هكذا في(المصرية)،و كلمة(الملك)زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).

«الحقّ المبين» «يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ» (3).

«أحقّ و أبين ممّا تراه العيون» لأنّ ما تراه العيون قد يقع فيه الخطأ،و أمّا هو تعالى فتحقّقه بالعقل الّذي استحال أن يخطئ.

قال الصادق عليه السّلام بعد ما مرّ في ما مرّ:فإن قالوا فأنتم الآن تصفون من قصور العلم عنه وصفا حتّى كأنّه غير معلوم.قيل لهم:هو كذلك من جهة إذا رام العقل معرفة كنهه و الإحاطة به،و هو من جهة أخرى أقرب من كلّ قريب، إذا استدلّ عليه بالدّلائل الشافية،فهو من جهة كالواضح لا يخفى على أحد، و هو من جهة كالغامض لا يدركه أحد،و كذلك العقل أيضا ظاهر بشواهده و مستور بذاته (4).

«لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبّها،و لم تقع عليه الأوهام فيكون ممثّلا»


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 2:433،و [2]شرح ابن ميثم 3:252 توجد كلمة«الملك»أيضا.

3) 3) النور:25. [3]

4) 4) توحيد المفضل:180. [4]

قال الصادق عليه السّلام:فإن قالوا:كيف يعقل أن يكون مباينا لكلّ شيء متعاليا عن كلّ شيء؟ قيل لهم:الحقّ الّذي تطلب معرفته من الأشياء هو أربعة أوجه،فأوّلها:

أن ينظر أ موجود هو أم ليس بموجود.و الثاني:أن يعرف ما هو في ذاته و جوهره.و الثالث:أن يعرف كيف هو و ما صفته.و الرابع:أن يعلم لما ذا هو، و لأيّ علّة،فليس من هذه الوجوه شيء يمكن المخلوق أن يعرفه من الخالق حقّ معرفته غير أنّه موجود فقط.فإذا قلنا:(و كيف)و(ما هو)فممتنع علم كنهه و كمال المعرفة به،و أمّا(لما ذا هو)فساقط في صفة الخالق،لأنّه جلّ ثناؤه علّة كلّ شيء،و ليس شيء بعلّة له،ثمّ ليس علم الإنسان بأنّه موجود يوجب له أن يعلم ما هو و كيف هو،كما أنّ علمه بوجود النفس لا يوجب أن يعلم ما هي و كيف هي،و كذلك الأمور الروحانية اللطيفة (1)

توحيد المفضل:179. [1]

.

«خلق الخلق على غير تمثيل،و لا مشورة مشير،و لا معونة معين» كيف لا و لم يكن شيء حتى يخلق على تمثيله،و لم يكن أحد حتّى يكون مشيرا له أو معينا ؟! «فتمّ خلقه بأمره» «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (2).

«و أذعن» أي:اعترف بلسان الحال.

«لطاعته فأجاب و لم يدفع،و انقاد و لم ينازع» بحصوله على وفق مراده، قال تعالى: «فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ»


1) 1)

2) 2) يس:82. [2]

«الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (1)

فصلت:11-12. [1]

.

28

من الخطبة(189)

و من خطبة له عليه السّلام:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْفَاشِي حَمْدُهُ- وَ الْغَالِبِ جُنْدُهُ وَ الْمُتَعَالِي جَدُّهُ- أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التُّؤَامِ وَ آلاَئِهِ الْعِظَامِ- الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا وَ عَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى- وَ عَلِمَ مَا يَمْضِي وَ مَا مَضَى- مُبْتَدِعِ الْخَلاَئِقِ بِعِلْمِهِ وَ مُنْشِئِهِمْ بِحُكْمِهِ- بِلاَ اقْتِدَاءٍ وَ لاَ تَعْلِيمٍ- وَ لاَ احْتِذَاءٍ لِمِثَالِ صَانِعٍ حَكِيمٍ- وَ لاَ إِصَابَةِ خَطَإٍ وَ لاَ حَضْرَةِ مَلَإٍ «الحمد للّه الفاشي» أي:المنتشر.

«حمده» قال تعالى: «تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (2)، «وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ» (3)، «يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» (4).

«و الغالب جنده» «وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ» (5)، «كَتَبَ اللّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» (6).

«و المتعالي جدّه» أي:عظمته،و الأصل فيه قوله تعالى حكاية عن الجنّ:


1) 1)

2) 2) الاسراء:44. [2]

3) 3) الروم:18. [3]

4) 4) الجمعة:1. [4]

5) 5) الصافات:173. [5]

6) 6) المجادلة:21. [6]

«وَ أَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً » (1)

الجن:3. [1]

.

«أحمده على نعمه التّؤام» جمع توأم أي المتواترة،قال الشاعر:

قالت لنا و دمعها تؤام كالدرّ إذ أسلمه النّظام

على الّذين ارتحلوا السّلام

(2)و الظاهر كونه استعارة،و الأصل فيه:الولدان التّوأمان. «و آلائه» أي:نعمائه،قال الجوهري:الآلاء النعم واحدها(ألى)بالفتح، و قد يكسر و يكتب بالياء،مثاله:معي و أمعاء (3).و قال الفيروزآبادي:واحدها إلي و ألو و ألي و ألى و إلى (4).

قلت:و لم أقف على استعمال مفرد للالاء أصلا،و لنا جموع لا يستعمل مفرد لها.

«العظام» و كلّ نعمة منه تعالى عظيمة،و إنّما فيها عظيم و أعظم.

«الّذي عظم حلمه فعفا» «وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ» (5)، «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» (6).

«و عدل في كلّ ما قضى» «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ» (7)، «وَ قُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللّهُ مِنْ»


1) 1)

2) 2) لسان العرب 12:61 [2] مادة(تأم).

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 6:2270 [3] مادة(ألى).

4) 4) القاموس المحيط 4:300 [4] مادة(الا).

5) 5) فاطر:45. [5]

6) 6) الشورى:30. [6]

7) 7) النحل:90. [7]

كِتابٍ وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ... (1)

الشورى:15. [1]

.

و قال جابر الجعفيّ للباقر عليه السّلام:نرى من الأطفال من يولد ميّتا،و منهم من يسقط غير تامّ،و منهم من يولد أعمى أو أخرس أو أصمّ،و منهم من يموت من ساعته إذا سقط على الأرض،و منهم من يبقى إلى الاحتلام،و منهم من يعمّر حتّى يصير شيخا،فكيف ذلك و ما وجهه؟ فقال عليه السّلام:إنّ اللّه أولى بما يدبّره من أمر خلقه منه و هو الخالق و المالك لهم،فمن منعه التّعمير فإنّما منعه ما ليس له،و من عمّره فإنّما أعطاه ما ليس له،فهو المتفضّل بما أعطى و عادل في ما منع (2).

«و علم ما يمضي و ما مضى» قال تعالى: «وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ » (3).

«مبتدع الخلائق بعلمه» قال الصدوق:من الدّليل على أنّ اللّه تبارك و تعالى عالم:أنّ الأفعال المختلفة التّقدير المتضادّة التدبير المتفاوتة الصنعة لا تقع على ما ينبغي أن يكون عليه من الحكمة ممّن لا يعلمها،و لا يستمرّ على منهاج منتظم ممّن يجهلها،ألا ترى أنّه لا يصوغ قرطا يحكم صنعته،و يضع كلاّ من دقيقه و جليله موضعه من لا يعرف الصياغة،و لا أن ينتظم كتابة يتبع كلّ حرف منها ما قبله من لا يعلم الكتابة،و العالم ألطف صنعة و أبدع تقريرا ممّا وصفناه،فوقوعه من غير عالم بكيفيته قبل وجوده أبعد و أشدّ استحالة (4).


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق في التوحيد:397 ح 13 في صدر الحديث.

3) 3) الحجر:24. [2]

4) 4) التوحيد للصدوق:137.

«و منشئهم بحكمه» «وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ» (1)

الواقعة:66. [1]

، «هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها» (2)، «وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» (3).

«بلا اقتداء» لغيره.

«و لا تعليم» من سواه.

«و لا احتذاء» يقال:حذوت النّعل بالنّعل،إذا قدّرت كلّ واحدة على صاحبتها.

«لمثال صانع حكيم» لعدم وجود لغيره.

«و لا إصابة» أحد.

«خطأ» له في خلقه: «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ» (4).

و اجتهد الطبيعيّون في إصابة خطأ في الخليقة،فعابوا بجهلهم الشعر النّابت على الرّكبة و على الابطين،و كون بطن الإنسان مصمتا لا يمكن فتحه لعلاجه،و وجود الموت و الفناء،و وجود الآفات الحادثة في بعض الأحيان، مثل الوباء و اليرقان و الجراد،و قلّة المطر و كثرته و الزّلازل و غيرها،مع أنّ ذلك عين الصواب و محض الحكمة،كما شرحه الصادق عليه السّلام للمفضّل في (توحيده).

«و لا حضرة ملأ» وقت خلقه ما خلق: «وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ»


1) 1)

2) 2) هود:61. [2]

3) 3) الأنعام:98. [3]

4) 4) الملك:3-4. [4]

اَلرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ... (1)

الزخرف:19. [1]

، «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً» (2).

29

من الخطبة(180)

و من خطبة له عليه السّلام:روي عن نوف البكاليّ،قال:خطبنا هذه الخطبة بالكوفة أمير المؤمنين عليه السّلام و هو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي... (3)،فقال عليه السّلام:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ- وَ عَوَاقِبُ الْأَمْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ- وَ نَيِّرِ بُرْهَانِهِ وَ نَوَامِي فَضْلِهِ وَ امْتِنَانِهِ- حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً وَ لِشُكْرِهِ أَدَاءً- وَ إِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً وَ لِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً- وَ نَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ- مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ الْقَوْلِ- وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً- وَ أَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً وَ خَنَعَ لَهُ مُذْعِناً- وَ أَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً وَ عَظَّمَهُ مُمَجِّداً وَ لاَذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً «لَمْ يُولَدْ» سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً- وَ «لَمْ يَلِدْ» فَيَكُونَ مَوْرِثاً هَالِكاً- وَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لاَ زَمَانٌ- وَ لَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ وَ لاَ نُقْصَانٌ- بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلاَمَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ- وَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ- وَ مِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلاَ عَمَدٍ- قَائِمَاتٍ بِلاَ سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ- غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَ لاَ مُبْطِئَاتٍ- وَ لَوْ لاَ إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ- وَ إِذْعَانُهُنَّ لَهُ بِالطَّوَاعِيَةِ- لَمَا


1) 1)

2) 2) الكهف:51. [2]

3) 3) بقية قول نوف:«و عليه مدرعة من صوف و حمائل سيفه ليف و في رجليه نعلان من ليف و كأنّ جبينه ثفنة بعير»نهج البلاغة 2:103. [3]

جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ وَ لاَ مَسْكَناً لِمَلاَئِكَتِهِ- وَ لاَ مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلاَماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ- فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ- لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ- وَ لاَ اسْتَطَاعَتْ جَلاَبِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ- أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ- فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ- وَ لاَ لَيْلٍ سَاجٍ فِي بِقَاعِ الْأَرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ- وَ لاَ فِي يَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ- وَ مَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ- وَ مَا تَلاَشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ- وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الْأَنْوَاءِ- وَ انْهِطَالُ السَّمَاءِ- وَ يَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ وَ مَقَرَّهَا وَ مَسْحَبَ الذَّرَّةِ وَ مَجَرَّهَا- وَ مَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا وَ مَا تَحْمِلُ الْأُنْثَى فِي بَطْنِهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ أَوْ عَرْشٌ- أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ- لاَ يُدْرَكُ بِوَهْمٍ وَ لاَ يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ- وَ لاَ يَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَ لاَ يَنْقُصُهُ نَائِلٌ- وَ لاَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ وَ لاَ يُحَدُّ بِأَيْنٍ وَ لاَ يُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ- وَ لاَ يَخْلُقُ بِعِلاَجٍ وَ لاَ يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لاَ يُقَاسُ بِالنَّاسِ- الَّذِي كَلَّمَ؟مُوسَى؟ تَكْلِيماً وَ أَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً- بِلاَ جَوَارِحَ وَ لاَ أَدَوَاتٍ وَ لاَ نُطْقٍ وَ لاَ لَهَوَاتٍ- بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ- فَصِفْ؟جِبْرَائِيلَ؟ وَ؟مِيكَائِيلَ؟ وَ جُنُودَ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ- مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ- فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَ الْأَدَوَاتِ- وَ مَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ- فَلاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلاَمٍ- وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ قول المصنّف : «روي عن نوف البكاليّ» قال ابن أبي الحديد:قال

صاحب(الصحاح):نوف البكاليّ بفتح الباء كان حاجب عليّ عليه السّلام (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:509. [1]

.

قلت:لم يقل صاحب(الصحاح):إنّ بكال بفتح الباء فهذا نصّه:

نوف البكاليّ:قال الثعلب:هو منسوب إلى بكالة قبيلة...و بنو بكال من حمير منهم نوف البكاليّ صاحب عليّ عليه السّلام (2).و لو كان(الصحاح)قال:إنّه بالفتح لغلّطه(القاموس)حيث إنّه قال:إنّه ككتاب (3).و إنّما قال ابن برّي محشي (الصحاح)-كما نقل عنه في(اللسان)-قال المهلبي:بكالة بكسر الباء قبيلة من اليمن و المحدّثون يقولون:نوف البكاليّ بفتح الباء و التشديد (4).و كيف كان فقال الجوهريّ و الفيروزآبادي:إنّ(بكيلا)من همدان،و(بكالا)من حمير.

لكن الصواب:كون بكال أيضا من همدان،فروى الطبري في ذكر خبر الخوارج خبرا في سنده جبر بن نوف أبو الودّاك الهمداني (5)،و قد صرّح (المغرب)أنّ جبرا بن نوف البكالي (6)،و الراوي عن جبر هذا كان أعرف به فوصفه بالهمداني.و اختار ما قلنا ابن دريد في جمهرته مع تردّد.فقال:بنو بكيل،و بنو بكال بطنان من العرب أحسبهما من همدان أو يكون بكال من حمير و بكيل من همدان،منهم نوف البكالي صاحب عليّ عليه السّلام (7)،بل قال به الفيروز آبادي أيضا في مادة(خير)بالخاء و الياء المثنّاة.فقال ثمة:خير بن نوف من همدان (8).لكن الظاهر و همه في جعل الابن خيرا بل هو جبر بالجيم


1) 1)

2) 2) كذا في صحاح اللغة للجوهري 4:1638 [2] مادة(بكل)،و فيه مثل ما نقله ابن أبي الحديد أيضا.

3) 3) القاموس المحيط 3:339 مادة(بكل).

4) 4) لسان العرب 11:63 [3] مادة(بكل).

5) 5) تاريخ الطبري 4:57 [4] سنة(37).

6) 6) المغرب:243 [5] مادة(ودك).

7) 7) جمهرة اللغة 1:325. [6]

8) 8) لفظ القاموس المحيط 2:25 مادة(خير):«و والد نوف بن همدان»،و في بعض النسخ:«و ولد نوف بن همدان». و الاقيانوس شرح القاموس 1:849 خال من هذا،و في تاج العروس 11:245 أيضا« [7]ولد نوف بن همدان»،نقله عن ابن الجواني النسابة.

و الموحدة،كما عرفته من(المغرب).

هذا،و المفهوم من خليفة كونه من كهلان،فعنون(الاستيعاب)عمرو البكاليّ،و نقل عن خليفة في الصحابة و هو من بني بكال بن دعمي بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن كهلان (1)

الاستيعاب لا بن عبد البر 2:533،و [1]قال ابن منظور في لسان العرب 11:63 [2] مادة(بكل):«بنو بكيل هي من همدان» ثم قال:و بنو بكال(بكسر الباء)من حمير منهم نوف البكالي صاحب علي عليه السّلام»و أقول:همدان المذكور كرارا من ولد كهلان و هو من ولد قحطان.

.

«قال خطبنا هذه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(بهذه)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).

«الخطبة» الظاهر أنّ هذه الخطبة كانت آخر خطباته عليه السّلام،فقال نوف في آخرها:فما دارت الجمعة حتّى ضربه الملعون.

«بالكوفة أمير المؤمنين عليه السّلام» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(أمير المؤمنين عليه السّلام بالكوفة)كما في(ابن أبي الحديد و الخطية)لكن ليس في نسخة (ابن ميثم)لفظ(بالكوفة)رأسا (3).

«و هو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي» و هو ابن أخته عليه السّلام أمّ هاني،و روى الكشي عن الصادق عليه السّلام:«كان مع أمير المؤمنين عليه السّلام من قريش خمسة نفر،و كانت ثلاث عشرة قبيلة مع معاوية، فامّا الخمسة محمد بن أبي بكر أتته النحابة من قبل أمّه اسماء بنت عميس، و كان معه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال،و كان معه جعدة بن هبيرة المخزومي،و كان أمير المؤمنين عليه السّلام خاله،و هو الّذي قال له عتبة بن أبي


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:508،لكن في شرح ابن ميثم 3:380 بدون(الباء)أيضا.

3) 3) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:508،لكن يوجد في شرح ابن ميثم 3:380«بالكوفة»أيضا.

سفيان:إنّما لك هذه الشّدّة في الحرب من قبل خالك.فقال له جعدة:لو كان لك خال مثل خالي لنسيت أباك (1)

اختيار رجال الكشي 63:111.

.

و روى(صفين نصر بن مزاحم):أنّه عليه السّلام لما ورد الكوفة من البصرة نزل على جعدة (2).

و روى الطبري أنّه عليه السّلام لمّا ضرب تقدّم جعدة فصلّى بالناس الغداة (3).

«الحمد للّه الّذي إليه مصائر الخلق» «وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ» (4).

«و عواقب الأمر» «أَلا إِلَى اللّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ» (5)«وَ لِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» (6)، «فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (7)، «لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » (8).

«نحمده على عظيم إحسانه» قال عزّ و جلّ: «خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ» (9)، «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ» ... «عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» (10)«أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» (11).

«و نيّر برهانه» «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ»


1) 1)

2) 2) وقعة صفين:5. [1]

3) 3) تاريخ الطبري 4:11 سنة(40)،و لم يتعرض الشارح لشرح قول نوف:«و عليه مدرعة من صوف...».

4) 4) التغابن:3. [2]

5) 5) الشورى:53. [3]

6) 6) الحج:41. [4]

7) 7) يس:83. [5]

8) 8) الحديد:5. [6]

9) 9) الرحمن:3-4. [7]

10) 10) العلق:2-5. [8]

11) 11) البلد:8-10. [9]

«تَنْتَشِرُونَ» (1)

الروم:20. [1]

، «أَ فِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (2)، «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ» (3).

«و نوامي» من إضافة الصّفة.

«فضله و امتنانه» على كلّ شخص و كلّ نوع،قال تعالى: «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَباتاً وَ جَنّاتٍ » (4).

«حمدا يكون لحقّه قضاء و لشكره أداء» أي:بالإجمال كقولنا:الحمد للّه كما هو أهله (5)،و كما ينبغي لكرم وجهه و عزّ جلاله.و كقولنا:لا أحصي ثناء عليك،


1) 1)

2) 2) ابراهيم:10. [2]

3) 3) الروم:21-25. [3]

4) 4) النبأ:6-16. [4]

5) 5) هذا التحميد رواه ابن فهد في عدّة الداعي عنه بحار الأنوار 93:216 ح 21 [5] عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و الصدوق في ثواب الأعمال:28 ح 1 عن الصادق عليه السّلام.

أنت كما أثنيت على نفسك (1)

هذا الثناء أخرجه ضمن حديث صاحب مصباح الشريعة:56،و [1]الدار قطني في الافراد عنه منتخب كنز العمال 1:348، و غيرهما عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و مرّ تخريجه في العنوان(1)من هذا الفصل.

.و أمّا حمده التفصيلي فخارج عن طوق البشر لعدم إحصاء نعمه و مننه.

«و إلى ثوابه مقرّبا» «كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ» (2)، «وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَ سَنَجْزِي الشّاكِرِينَ» (3).

«و لحسن مزيده موجبا» «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ » (4).

«و نستعين به استعانة راج لفضله،مؤمّل لنفعه،واثق بدفعه،معترف له بالطّول» بفتح الطاء،أي:المنّ،يقال:«تطوّل عليه»أي:منّ.

«مذعن» أي:مقرّ.

«له بالعمل و القول» جعل عليه السّلام في قوله«و نستعين به...»استعانته به تعالى استعانة متّصف بالصّفات الخمس،ليعلم أنّه لا ينبغي الاستعانة إلاّ به تعالى،كما قال عزّ و جلّ مؤدّبا لهم «وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ » (5).

«و نؤمن به إيمان من رجاه موقنا» بأنّه هو محلّ الرجاء لا غيره.

«و أناب» أي:أقبل و تاب.

«إليه» تعالى.

«مؤمنا» أي:معتقدا بأنّه تعالى أهل ذلك.

«و خنع» أي:خضع.

«له مذعنا» أي:مقرّا.


1) 1)

2) 2) القمر:35. [2]

3) 3) آل عمران:145. [3]

4) 4) ابراهيم:7. [4]

5) 5) فاتحة الكتاب:5.

«و أخلص له موحّدا» «وَ ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» (1)

الأعراف:29. [1]

.

«و عظّمه ممجّدا» «وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» (2)، «وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ» (3).

«و لاذ» أي:لجأ.

«به راغبا مجتهدا» أي:ساعيا،جعل عليه السّلام ايمانه في قوله«و نؤمن به...» إيمان متّصف بالصّفات الستّ،ليفهم أنّه الإيمان المطلوب،قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ » (4).

«لم يولد سبحانه فيكون في العزّ مشاركا» لأن والد العزيز عزيز و لو بسببه،قال الشاعر:

كما علا برسول اللّه عدنان

(5)«و لم يلد فيكون مورثا» هكذا في(المصريّة)،و الصواب:(موروثا)كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (6). «هالكا» فليس الموروث إلاّ هالكا .

«و لم يتقدّمه وقت و لا زمان» الظاهر كون الوقت خاصّا و الزّمان عامّا،فإنّ الوقت يأتي للزّمان المعيّن كثيرا،قال تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى»


1) 1)

2) 2) الحج:32. [2]

3) 3) الحج:30. [3]

4) 4) النساء:136. [4]

5) 5) أورده ابن أبي الحديد في شرحه 2:167،و الشاعر علي بن العباس بن جريح،مرّ ذكره مفصّلا في شرح خطبة الرضي.

6) 6) في شرح ابن أبي الحديد 2:510،و شرح ابن ميثم 3:381« [5]مورثا أيضا».

«الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً» (1)

النساء:103. [1]

و لا يصحّ كتابا مزمنا.

و من ذلك يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد من كونهما مترادفين (2)، و قول(ابن ميثم)بكون الأوّل جزء الثاني (3).

«و لم يتعاوره» أي:لم يعترضه.

«زيادة و لا نقصان» فإنّهما من عوارض الجسمانيّات.

«بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن و القضاء المبرم» «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» (4)، «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ » (5).

«و من» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(فمن)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (6).

«شواهد خلقه» أي:من شواهد ظهوره لعقول خلقه.

«خلق السماوات موطّدات» أي:مثبتات.

«بلا عمد» قال تعالى: «اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها» (7).


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:510.

3) 3) شرح ابن ميثم 3:385. [2]

4) 4) طه:53-54. [3]

5) 5) الزمر:21. [4]

6) 6) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:510،و [5]لكن في شرح ابن ميثم 3:381:«و [6]من»أيضا.

7) 7) الرعد:2،و [7]لم يتعرض الشارح لشرح فقرة:«قائما بلا سند».

«دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات» أي:معترفات.

«غير متلكّئات» أي:معتلات.

«و لا مبطئات» أي:و لا غير مسرعات،قال تعالى: «فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (1)

فصلت:11. [1]

،و المراد من إجابتها:إجابتها بلسان الحال لا المقال.و نظيره في كلام العرب كثير،قال الشّماخ:

كأنّي كسرت الرجل أخفت سوقها أطاع له مرزا متين حديق

فجعل الحديث مطيعا للعير لما تمكن من رعيه .

«و لو لا إقرارهنّ له بالرّبوبيّة و إذعانهنّ له» هكذا في(المصرية و ابن ميثم) (2)و ليست كلمة(له)في(ابن أبي الحديد و الخطية) (3).

«بالطّواعية» أي:الطاعة.

«لما جعلهنّ موضعا لعرشه» و لا ينافي ذلك قوله تعالى: «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» (4)،فقبله «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ» (5)، فالمراد:أنّ العرش كان على الماء قبل خلق السماوات،و يأتي تصريح الخبر بذلك (6).

«و لا مسكنا لملائكته» روي عن الرضا عليه السّلام:أنّ اللّه تعالى خلق العرش و الماء و الملائكة قبل خلق السماوات و الأرض،و كانت الملائكة تستدلّ بأنفسها و بالعرش و الماء على اللّه تعالى،ثمّ جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة،فيعلم أنّه على كلّ شيء قدير،ثمّ رفع العرش بقدرته،


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 3:381. [2]

3) 3) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2:510 [3] كذلك أيضا.

4) 4) هود:7. [4]

5) 5) هود:7. [5]

6) 6) مقصوده الخبر المروي عن الرضا عليه السّلام الذي يأتي في شرح الفقرة الآتية.

و نقله فجعله فوق السماوات السبع (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:320 ح 2،و العيون 1:110 ح 33. [1]

.

و قال شيخنا المفيد:فأمّا العرش الّذي تحمله الملائكة فهو بعض الملك، و هو عرش خلقه اللّه تعالى في السماء السابعة،و تعبّد الملائكة بحمله و تعظيمه،كما خلق سبحانه بيتا في الأرض،و أمر البشر بقصده و زيارته، و الحجّ إليه و تعظيمه،و قد جاء الحديث:أنّ اللّه تعالى خلق بيتا تحت العرش سمّاه البيت المعمور تحجّه الملائكة في كلّ عام،و خلق في السماء الرابعة بيتا سمّاه الضّراح،و تعبّد الملائكة بحجّه و التعظيم له و الطواف حوله،و خلق البيت الحرام في الأرض فجعله تحت الضّراح (2).

و روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال:لو ألقي حجر من العرش لوقع على ظهر البيت المعمور،و لو ألقي حجر من البيت المعمور لسقط على ظهر البيت الحرام (3).

و لم يخلق اللّه عرشا لنفسه ليستوطنه-تعالى اللّه عن ذلك-لكنّه خلق عرشا أضافه إلى نفسه تكرمة له و إعظاما،و تعبّد الملائكة بحمله كما خلق بيتا في الأرض،و لم يخلقه لنفسه و لا ليسكنه (4).

«و لا مصعدا للكلم الطيّب و العمل الصالح من خلقه» و الأصل في كلامه عليه السّلام قوله تعالى: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ» (5)و الصعود و الرّفع إلى السماوات:صعود و رفع إلى اللّه تعالى فلا تنافي.


1) 1)

2) 2) لم أجد الخبر بهذا اللفظ،و لكن ثمّة أخبار عديدة بهذا المعنى،فعن الدر المنثور 6:117-118،و [2]بحار الأنوار 58:55،الباب(7)،و [3]الأقوى أن المفيد أخذ لفظه من مشايخ الحديث لكنّه جرّد الخبر عن السند.

3) 3) لم أجد الخبر بهذا اللفظ،و لكن ثمّة أخبار عديدة بهذا المعنى،فعن الدر المنثور 6:117-118،و [4]بحار الأنوار 58:55،الباب(7)،و [5]الأقوى أن المفيد أخذ لفظه من مشايخ الحديث لكنّه جرّد الخبر عن السند.

4) 4) تصحيح الاعتقاد للمفيد:29.

5) 5) فاطر:10. [6]

«جعل نجومها أعلاما يستدلّ بها الحيران في مختلف فجاج» بالضمّ،قال الفيروز آبادي:هو الطريق الواسع بين الجبلين (1)

القاموس المحيط 1:202 مادة(فجج).

.

«الأقطار» قال تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ» (2).

و قال الصادق عليه السّلام:فكّر في هذه النجوم التي تظهر في بعض السّنة و تحتجب في بعضها،كمثل الثريّا و الجوزاء و الشعريين و سهيل،فإنّها لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم يكن لواحد فيها على حياله دلالات يعرفها الناس،و يهتدون بها لبعض أمورهم كمعرفتهم الآن بما يكون من طلوع الثريّا و الجوزاء إذا طلعت،و احتجابها إذا احتجبت،فصار ظهور كلّ واحد و احتجابه في وقت غير وقت الآخر،لينتفع الناس بما يدلّ كلّ منها عليه على حدته،و ما جعلت الثريّا و أشباهها تظهر حينا و تحتجب حينا إلاّ لضرب من المصلحة،و كذلك جعلت بنات النّعش ظاهرة لا تغيب لضرب آخر من المصلحة،فإنّها بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس في البرّ و البحر للطّريق المجهولة،و كذلك إنّها لا تغيب و لا تتوارى فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث شاءوا،و صار الأمر أنّ جميعا على اختلافهما موجّهين نحو الإرب و المصلحة،و فيهما مآرب أخرى علامات و دلالات على أوقات كثيرة من الأعمال،كالزراعة و الغراس و السّفر في البرّ و البحر،و أشياء ممّا يحدث في الأزمنة من الأمطار و الرياح،و الحرّ و البرد،و بها يهتدي السائرون في ظلمة الليل لقطع القفار الموحشة و اللّجج الهائلة،مع ما في تردّدها في


1) 1)

2) 2) الأنعام:97. [1]

كبد السماء (1)

توحيد المفضل:134. [1]

.

«لم يمنع ضوء» مفعول مقدّم.

«نورها» أي:نور النّجوم.

«ادلهمام» أي:ظلمة.

«سجف» أي:ستور.

«اللّيل المظلم» قال الصادق عليه السّلام في إدامة قوله:و جعل فيها(أي في النجوم)جزءا يسيرا من الضوء ليسدّ مسدّ الأضواء إذا لم يكن قمر،و يمكن فيه الحركة إذا حدثت ضرورة،كما قد يحدث الحادث على المرء،فيحتاج إلى التجافي في جوف الليل،فإن لم يكن شيء من الضوء يهتدي به لم يستطع أن يبرح مكانه،فتأمّل اللّطف و الحكمة في هذا التقدير حين جعل للظلمة دولة و مدّة لحاجة إليها،و جعل خلالها شيء من الضوء للمآرب التي وصفنا (2).

«و لا استطاعت جلابيب» أي:ملاحف،قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا:

تمشي النسور إليه و هي لاهية مشي العذارى عليهنّ الجلابيب

(3)«سواد الحنادس» أي:الظلم الشديدة. «أن تردّ ما شاع في السماوات من تلألؤ نور القمر» فيوجد مع الظلام نور، قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فكّر في إنارة القمر في ظلمة الليل و الإرب في ذلك، فإنّه مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء الحيوان،و برد الهواء على النبات لم يكن صلاح في أن يكون الليل ظلمة داجية لا ضياء فيها،فلا يمكن فيه شيء من العمل لأنّه ربّما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في بعض


1) 1)

2) 2) توحيد المفضل:136. [2]

3) 3) لسان العرب 1:272 [3] مادة(جلب).

الأعمال في النهار،و لشدّة الحرّ و إفراطه،فيعمل في ضوء القمر أعمالا شتّى، كحرث الأرض و ضرب اللبن و قطع الخشب و ما أشبه ذلك،فجعل ضوء القمر معونة للنّاس على معائشهم إذا احتاجوا إلى ذلك،و أنسا للسائرين،و جعل طلوعه في بعض الليل دون بعض،و نقص مع ذلك عن نور الشمس و ضيائها، لكيلا ينبسط الناس في العمل انبساطهم بالنّهار،و يمتنعوا من الهدوء و القرار فيهلكهم ذلك،و في تصرّف القمر خاصّة في مهله و محاقه،و زيادته و نقصانه، و كسوفه من التّنبيه على قدرة اللّه تعالى خالقه،المصرّف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر به المعتبرون (1)

توحيد المفضل:131. [1]

.

«فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق» في(الصحاح):الغسق أوّل ظلمة اللّيل،و الغاسق الليل إذا غاب الشفق،و قوله تعالى: «وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ» (2)قال الحسن:الليل اذا دخل،و يقال:إنّه القمر (3).

«داج» قال الأصمعي:دجا الليل إنّما هو ألبس كلّ شيء،و ليس هو من الظلمة،و منه قولهم:دجى الاسلام،أي:قوي (4).

قلت:و يمكن أن يكون منه قولهم:و إنّه لفي عيش داج.قالوا:أي عيش خفض.

«و لا ليل ساج» أي:سكن و دام من قوله تعالى: «وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى» (5)و منه البحر الساجي.قال الأعشى:


1) 1)

2) 2) الفلق:3. [2]

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 4:1537 [3] مادة(غسق).

4) 4) قد مرّ الكلام حول تخريجه في العنوان(7)من هذا الفصل.

5) 5) الضحى:2. [4]

فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم و بحرك ساج لا يواري الدعامصا

(1)«في بقاع الأرضين المتطأطئات» أي:المنهبطات.

«و لا في يفاع» أي:ارتفاع،من أيفع الغلام فهو يافع،على خلاف الأصل.

«السّفع» بالضمّ سواد شرب حمرة،و منه قيل للأثافي السفع.

«المتجاورات» و المراد بالسّفع المتجاورات هنا الجبال أو الأكم و الأطلال .

«و ما يتجلجل» قال الجوهري:الجلجلة:صوت الرّعد أيضا،و المجلجل السحاب الذي فيه صوت الرّعد (2).

«به الرّعد في أفق السّماء» قيده بالأفق غالبي.

«و ما تلاشت» قال ابن أبي الحديد:أهمل بناء تلاشت كثير من أئمة اللغة و هي صحيحة و قد جاءت و وردت،قال ابن الاعرابيّ:لشا الرّجل إذا اتضع و خسّ بعد رفعة (3)،و إذا صحّ أصلها صحّ استعمال الناس تلاشى الشيء بمعنى اضمحل.و قال القطب الراوندي:تلاشى مركّب من لا شيء،و لم يقف على أصل الكلمة (4).

قلت:لم يتفطن ابن أبي الحديد أنّ(لشا الرجل)الّذي ذكره ابن الاعرابي أيضا أصله من لا شيء،و المراد أنّه كان شيئا ثمّ صار لا شيئا.و مثل تلاشى قولهم:أيش،و قولهم:بلاش،فإنّ الأصل في الأوّل أيّ شيء،و في الثاني بلا شيء،و كذلك قولهم:لوحش فإنّه مخفف لا أوحش،و ليس لنا في اللّغة أيش،و بلش،و لحش،كما ليس لشيء،و نظيرها في الفارسية قولهم:


1) 1) أورده لسان العرب 14:371 [1] مادة(سجى).

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 4:1659 [2] مادة(جلجل).

3) 3) نقله عن ابن الاعرابي ابن منظور في لسان العرب 15:246 مادة(لشا).

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:512. [3]

(نفرين)في مقابل(آفرين)،فإنّه مخفّف(نه آفرين)و معنى(آفرين)حييت، و معنى(نفرين):لا حييت.

«عنه بروق الغمام» أي:السحاب.

«و ما تسقط» عطف على سواد.مثل(و ما يتجلجل)و(و ما تلاشت)أي:لا يخفى عليه ما تسقط.

«من ورقة» قال تعالى: «وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (1)

الأنعام:59. [1]

.

«تزيلها عن مسقطها» أي:مكان سقوطها.

«عواصف» صفة لرياح مقدرة،أي:شدائد،و الإضافة فيه بمعنى اللام.

«الأنواء» جمع النّوء بالفتح،و في(الصحاح)النوء:سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر،و طلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كلّ ساعته إلى ثلاثة عشر يوما،و هكذا كلّ نجم منها إلى انقضاء السّنة ما خلا الجبهة فإنّ لها أربعة عشر يوما.قال أبو عبيد:و لم نسمع في النّوء أنّه السقوط إلاّ في هذا الموضع،و كانت العرب تضيف الأمطار و الرياح و الحرّ و البرد إلى الساقط منها.و قال الأصمعي:إلى الطالع منها في سلطانه فتقول مطر بالنّوء كذا (2).

«و انهطال السماء» أي:تتابع المطر .

«و يعلم مسقط القطرة» أي:قطرة المطر.

«و مقرّها» في سيلانها.

«و مسحب الذّرّة» أي:دبيبها،و الذرّة أصغر النّمل.


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 1:79 [2] مادة(نوء).

«و مجرّها» أي:مكان تجرّ قوتها إليه.

«و ما يكفي البعوضة» أي:البق.

«من قوتها» قال تعالى: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (1)

هود:6. [1]

.

«و ما تحمل الأنثى في بطنها» «وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَ لا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ» (2)، «وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ» (3)، «اللّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ » (4).

«الحمد للّه الكائن قبل أن يكون كرسيّ» الّذي قال فيه: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» (5).

«أو عرش» الّذي قال فيه: «وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (6).

و في(اعتقادات الصدوق):اعتقادنا في الكرسي أنّه وعاء جميع الخلق و العرش و السماوات و الأرض،و كلّ شيء خلق اللّه في الكرسي في وجه آخر هو العلم.

و قد سئل الصادق عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» قال:هو علمه (7).


1) 1)

2) 2) فاطر:11. [2]

3) 3) لقمان:34. [3]

4) 4) الرعد:8. [4]

5) 5) البقرة:255. [5]

6) 6) التوبة:129. [6]

7) 7) أخرجه الصدوق في التوحيد:327 ح 1،و معاني الأخبار:30 ح 2 و الهداية:46. [7]

و فيه:اعتقادنا في العرش أنّه جملة جميع الخلق،و العرش في وجه آخر هو العلم.

و سئل الصادق عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» (1)

طه:5. [1]

فقال:استوى من كلّ شيء،فليس شيء أقرب إليه من شيء (2).

فأمّا العرش الّذي هو حمل جميع الخلق فحملته ثمانية من الملائكة،لكلّ واحد منهم ثماني أعين،كلّ عين طباق الدّنيا (3)،واحد منهم على صورة بني آدم فهو يسترزق اللّه لولد آدم،و واحد منهم على صورة الثّور يسترزق اللّه تعالى للبهائم كلّها،و واحد منهم على صورة الأسد يسترزق اللّه تعالى للسّباع، و واحد منهم على صورة الدّيك يسترزق اللّه للطيور،فهم اليوم أربعة،فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية (4).

و أمّا العرش الّذي هو العلم فحملته أربعة من الأوّلين و أربعة من الآخرين،فأمّا الأربعة من الأوّلين،فنوح و ابراهيم و موسى و عيسى عليهم السّلام، و أما الأربعة من الآخرين فمحمّد و عليّ و الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهم (5).


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق بأربع طرق في التوحيد:315 ح 1،2،4،7،و معاني الأخبار:29 ح 1،و الهداية:46 و [2]الكليني بثلاث طرق في الكافي 1:127-128 ح 6،7،8،و [3]علي بن ابراهيم في تفسيره 2:59. [4]

3) 3) هذا المعنى أخرجه الصدوق في الخصال 2:407 ح 4 عن الصادق عليه السّلام.

4) 4) هذا المعنى أخرجه الصدوق في الخصال 2:407 ح 5 عن الصادق عليه السّلام و علي بن ابراهيم في تفسيره 1:85 [5] عن علي عليه السّلام،و روى موقوفا بطرق عديدة عن وهب بن منبه و أبي مالك و مكحول و عروة،جمعها السيوطي في الدرّ المنثور 1:328 و 3:298 و 5:346-347 و 6:261 [6] من عدا الصدوق روى بدل الديك(النسر).

5) 5) هذا المعنى رواه البحراني في البرهان 4:91 ح 6 و 377 ح 4،و [7]شرف الدين في تأويل الآيات عنه البحار 58:35 ح 56 [8]عن الباقر عليه السّلام و الكاشاني في الشافي 1:57 [9] عن الكاظم عليه السّلام و علي بن ابراهيم في تفسيره 2:384 [10] بلا عزو،و أخرج قريبا منه الكليني في الكافي 1:132 ح 6 [11] عن الصادق عليه السّلام و علي بن ابراهيم في تفسيره 2:255 [12] بلا عزو.

قال الصدوق:هكذا روي بالأسانيد الصحيحة عن الأئمة في العرش و حملته (1)

الاعتقادات للصدوق:10-11. [1]

.

«أو سماء» «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ» (2).

«أو أرض» «وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ» (3).

«أو جانّ أو إنس» «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ» (4)و معلوم تقدّم الخالق على المخلوق،و الرّبّ على المربوب،و المالك على المملوك.

«لا يدرك بوهم» لعجز الوهم عن إدراكه.

«و لا يقدّر بفهم» لأجلّيته تعالى عن ذلك. «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ» (5).

«و لا يشغله سائل» عن سائل آخر كباقي المسئولين.

«و لا ينقصه نائل» أي:عطاء كباقي المعطين .

«و لا ينظر بعين» كذوي الأرواح.

«و لا يحدّ بأين» كالجسمانيّات،فلا تطلق لفظة(أين)عليه تعالى،قال ابن أبي الحديد بعد قوله عليه السّلام«و لا يحدّ بأين»:و لفظة(أين)في الأصل مبنيّة على الفتح،فإذا نكّرتها صارت اسما متمكّنا،كما قال الشاعر:

ليت شعري و أين منّي ليت إنّ ليتا و إن لوّا عناء

(6)


1) 1)

2) 2) المؤمنون:86. [2]

3) 3) الزخرف:84. [3]

4) 4) الرحمن:14-15. [4]

5) 5) الصافات:180. [5]

6) 6) شرح ابن أبي الحديد 2:513. [6]

قلت:في ما قال أوّلا:إنّ(أين)في قوله عليه السّلام: «و لا يحدّ بأين» أريد به لفظه، فهو اسم متمكّن لا أنّه نكّر،و إنّما يقال في مثل(صه)إنّه قد ينكّر فيدخله تنوين التّنكير لا هنا،و ثانيا:إنّ البيت الّذي استشهد به،(أين)فيه على أصله مبنيّ على الفتح،و إنّما(ليت)و(لو)أريد بهما فيه اللفظ فصارا اسمين و أعربا،لا(أين) كما هو مدّعاه.

«و لا يوصف بالأزواج» و قال اللّه: «لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ» (1)

النحل:51. [1]

.

«و لا يخلق بعلاج» كالبشر «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (2).

«و لا يدرك بالحواسّ» «قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي» (3).

«و لا يقاس بالنّاس» «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » (4).

«الّذي كلّم موسى تكليما،و أراه من آياته عظيما» من جعل عصاه حيّة تسعى،و جعل يده بيضاء من غير سوء و غيرهما.

قال تعالى: «وَ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى» ... «وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى وَ»


1) 1)

2) 2) يس:82. [2]

3) 3) الأعراف:143. [3]

4) 4) الشورى:11. [4]

«وَ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ» (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:182 ح 16 ضمن حديث،و الآية(115)من سورة البقرة. [1]

.

«في حجرات القدس مرجحنّين» كمقشعرّين،أي:خاضعين،و في المثل:

«إذا ارجحنّ شاصيا فارفع يدا» (2)،يعني:إذا خضع لك فاكفف عنه.

«متولّهة» أي:متحيّرة.

«عقولهم إن يحدّوا أحسن الخالقين» لعدم إمكان ذلك لهم .

«فإنّما يدرك بالصّفات ذوو الهيئات و الأدوات» و هو تعالى منزّه عن أن يكون له هيئة أو أداة.

«و من» بمعنى:الّذي،عطف على(ذوو).

«ينقضي إذا بلغ أمد حدّه» أي:غاية أجله.

«بالفناء» متعلّق بقوله:«ينقضي»،و هو تعالى باق أبد الآباد،فكيف يمكن إدراكه بالصفات ؟! «فلا إله إلاّ هو» بلا شريك.

«أضاء بنوره» أي:بنهاره.

«كلّ ظلام» من البرّ و البحر و المنكشف و المسقف،و الأرض و السماء.

«و أظلم بظلمته» أي:بليله.

«كلّ نور» من كوكب و قمر و سراج و نار لعدم إغنائها إغناء كاملا،قال تعالى: «وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَ النَّهارِ إِذا تَجَلّى» (3)أي يغشى اللّيل كلّ شيء، و يتجلّى بالنّهار كلّ شيء،و لا يقدر أحد أن يظلم نوره أو يضيء ظلامه.و فسّر


1) 1)

2) 2) أورده الزمخشري في المستقصى 1:122،و [2]قال:يضرب في العفو عن العدو عند ذلّه و استكانته.

3) 3) الليل:1-2. [3]

الشرّاح قوله عليه السّلام: «بنوره» و «بظلمته» بمعان مختلفة،و الأظهر ما عرفت.

30

من الخطبة(110)

و من خطبة له عليه السّلام ذكر فيها ملك الموت:

إ:هَلْ تَحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً- أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً- بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ- أَ يَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا- أَمْ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا- أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا- كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ- مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ «هل تحسّ» بالفتح.

«به إذا دخل منزلا» قال الصادق عليه السّلام:ما من أهل بيت شعر و لا وبر إلاّ و ملك الموت يتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرّات (1)

أخرجه الكليني في الكافي 3:256 ح 22. [1]

.

«أم هل تراه إذا توفّى» بلفظ المعلوم.

«أحدا» «قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ» (2)، «فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ » (3).

«بل كيف يتوفّى الجنين ... في أحشائها» روى الصدوق عن الصادق عليه السّلام:

أنّه قيل لملك الموت:كيف تقبض الأرواح و بعضها في المغرب و بعضها في المشرق في ساعة واحدة؟فقال:أدعوها فتجيبني.قال:فقال ملك الموت عليه السّلام:

إنّ الدّنيا بين يديّ كالقصعة بين يدي أحدكم يتناول منها ما شاء،و الدّنيا


1) 1)

2) 2) السجدة:11. [2]

3) 3) الواقعة:83-85. [3]

عندي كالدرهم في كفّ أحدكم يقلّبه كيف يشاء (1)

أخرجه الصدوق في الفقيه 1:80 ح 12.

.

«كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله» هو نظير قوله عليه السّلام في سابقه:«بل إن كنت صادقا أيّها المتكلّف لوصف ربّك فصف جبرائيل و ميكائيل...»،بل الإنسان عاجز عن وصف نفسه و روحه «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» (2).فكيف لا يعجز عن وصف ربّ لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته و لو جيء بمثله مددا؟!

31

من الخطبة(165)

أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ وَ الْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ- فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَ مُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ-.بُدِئْتَ «مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ» - وَ وُضِعْتَ «فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ» وَ أَجَلٍ مَقْسُومٍ- تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لاَ تُحِيرُ دُعَاءً وَ لاَ تَسْمَعُ نِدَاءً- ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا- وَ لَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا- فَمَنْ هَدَاكَ لاِجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ- وَ عَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلِبَتِكَ وَ إِرَادَتِكَ- هَيْهَاتَ إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ وَ الْأَدَوَاتِ- فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ- وَ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ «أيّها المخلوق» و المراد نوع الإنسان.

«السّويّ» أي:المستقيم من بين ذوي الأرواح،قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:انظر إلى ما خصّ به الإنسان في خلقه تشريفا و تفضيلا على البهائم، فإنّه خلق ينتصب قائما و يستوي جالسا ليستقبل الأشياء بيديه و جوارحه،


1) 1)

2) 2) الاسراء:85. [1]

و يمكنه العلاج و العمل بهما،فلو كان مكبوبا على وجهه كذوات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئا من الأعمال (1)

توحيد المفضل:58. [1]

.

«و المنشأ» «وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» (2)، «هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها» (3).

«المرعيّ» من قبل ربّه في نشوئه.

«في ظلمات الأرحام» «يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ» (4).

«و مضاعفات الأستار» ستر البطن،و ستر الرّحم،و ستر المشيمة،قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:تصور الجنين في الرّحم حيث لا تراه عين و لا تناله يد، تدبّره حتّى يخرج سويّا مستوفيا جميع ما فيه قوامه و صلاحه من الأحشاء و الجوارح،و العوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام و اللحم و الشّحم و المخّ و العصب و العروق و الغضاريف،فإذا أخرج إلى العالم تراه كيف ينمو بجميع أعضائه،و هو ثابت على شكل و هيئة لا تتزايد و لا تنقص إلى أن يبلغ أشدّه،إن مدّ في عمره،أو يستوفى مدّته قبل ذلك،هل هذا إلاّ من لطيف التّدبير و الحكمة (5).

«بدئت من سلالة من طين،و وضعت في قرار مكين» الأصل فيه قوله تعالى:

«وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ» (6).


1) 1)

2) 2) الأنعام:98. [2]

3) 3) هود:61. [3]

4) 4) الزمر:6. [4]

5) 5) توحيد المفضل:57. [5]

6) 6) المؤمنون:12-13. [6]

و سلالة من قولهم سللت الشّيء من الشيء إذا استخرجته منه،و هو خلاصته، و «مِنْ طِينٍ» متعلّق بقوله «سُلالَةٍ» .

«إلى قدر معلوم و أجل مقسوم» من ستّة أشهر إلى تسعة أشهر،أيّام الحمل و مدّة تحوّلات النطفة إلى نفخ الروح فيه،كما قال عزّ و جلّ: «ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » (1)

المؤمنون:14. [1]

.

«تمور» أي:تتحرّك،قال الأعشى:

كأنّ مشيتها من بيت جارتها مور السّحابة لا ريث و لا عجل

(2)«في بطن أمّك جنينا» «وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ» (3). «لا تحير» أي:لا تجيب،و منه المحاورة.

«دعاء» إذا دعاك أحد.

«و لا تسمع نداء» إذا نوديت،قال الصادق عليه السّلام في ذكر خلق الإنسان:

فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين في الرحم،و هو محجوب في ظلمات ثلاث:ظلمة البطن،و ظلمة الرحم،و ظلمة المشيمة،حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء،و لا دفع أذى،و لا استجلاب منفعة،و لا دفع مضرّة،فإنّه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه الماء و النّبات،فلا يزال ذلك غذاءه حتّى إذا كمل خلقه،و استحكم بدنه،و قوي أديمه على مباشرة الهواء،و بصره على ملاقاة الضياء،هاج الطلق بأمّه فأزعجه أشدّ إزعاج،و أعنفه حتّى يولد،فإذا ولد صرّف ذلك الدم الّذي كان يغذوه من دم أمّه إلى ثديها،و انقلب الطّعم و اللون إلى ضرب آخر من


1) 1)

2) 2) أورده لسان العرب 5:186 [2] مادة(مور).

3) 3) النجم:32. [3]

الغذاء،و هو أشدّ موافقة للمولود من الدّم فيوافيه في وقت حاجته إليه،فحين يولد قد تلمّظ و حرّك شفتيه طلبا للرضاع،فهو يجد ثدي أمّه كالإداوتين المعلّقتين لحاجته،فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن،رقيق الأمعاء،ليّن الأعضاء حتّى إذا تحرّك و احتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتدّ و يقوى بدنه، طلعت له الطواحن من الأسنان و الأضراس ليمضغ بها الطعام فيلين عليه، و يسهل له إساغته،فلا يزال كذلك حتّى يدرك فإذا أدرك و كان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذّكر،و عزّ الرجل الذي يخرج به من حدّ الصبا و شبه النساء،و إن كانت أنثى يبقى وجهها نقيّا من الشعر لتبقى لها البهجة و النضارة التي تحرّك الرجال لما فيه دوام النّسل و بقاؤه.

اعتبر يا مفضّل في ما يدبّر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة،هل ترى مثله يمكن أن يكون بالإهمال؟أ فرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدّم و هو في الرّحم،ألم يكن سيذوي و يجفّ كما يجفّ النّبات إذا فقد الماء،و لو لم يزعجه المخاض عند استحكامه،ألم يكن سيبقى في الرّحم كالموءودة في الأرض، و لو لم يوافقه اللبن مع ولادته،ألم يكن سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء لا يلائمه و لا يصلح عليه بدنه،و لو لم تطلع له الأسنان في وقتها،أ لم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام و إساغته أو يقيمه على الرّضاع،فلا يشتدّ بدنه و لا يصلح لعمل،ثمّ كان يشغل أمّه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد،و لو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته،أ لم يكن سيبقى في هيئة الصبيان و النساء،فلا ترى له جلالة و لا وقارا ؟! (1)

توحيد المفضل:48. [1]

«ثمّ أخرجت من مقرّك» من الرّحم.

«إلى دار لم تشهدها» و هي هذا العالم.


1) 1)

«و لم تعرف سبل منافعها» «وَ اللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً» (1)

النحل:78. [1]

.

قال الصادق عليه السّلام:و لو كان المولود يولد فهما عاقلا لأنكر العالم عند ولادته،و لبقي حيرانا تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف،و ورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم و الطير،إلى غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد ساعة،و يوما بعد يوم.

و اعتبر ذلك بأنّ من سبي من بلد إلى بلد،و هو عاقل يكون كالواله الحيران،فلا يسرع في تعلّم الكلام،و قبول الأدب كما يسرع الّذي يسبى صغيرا غير عاقل.ثمّ لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصّبا بالخرق مسجّى في المهد،لأنّه لا يستغني عن هذا كلّه لرقّة بدنه،و رطوبته حين يولد.ثمّ كان لا يوجد له من الحلاوة و الوقع من القلوب ما يوجد للطفل،فصار يخرج إلى الدنيا غبيّا غافلا عمّا فيه أهله،فيلقى الأشياء بذهن ضعيف و معرفة ناقصة،ثمّ لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا و شيئا بعد شيء و حالا بعد حال،حتّى يألف الأشياء و يتمرّن و يستمرّ عليها،فيخرج من حدّ التأمّل لها و الحيرة فيها إلى التصرّف و الاضطراب،إلى المعاش بعقله و حيلته،و إلى الاعتبار و الطاعة و السّهو و الغفلة و المعصية (2).

«فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي أمّك و عرّفك عند الحاجة موضع طلبتك و إرادتك» و لو لا هدايته تعالى و عرفانه لو كان عقلاء العالم مجمعين على أن يهدوه لعجزوا.

هذا،و في(حيوان الجاحظ):أنّ طاعونا جارفا جاء في البصرة على أهل


1) 1)

2) 2) توحيد المفضل:51. [2]

دار فلم يشكّ أهل تلك المحلّة أنّه لم يبق فيها صغير و لا كبير،و قد كان فيها صبي يرتضع و يحبو،و لا يقوم على رجليه،فعمد من بقي من المطعونين من أهل تلك المحلّة إلى باب تلك الدّار،فسدّوه فلمّا كان بعد ذلك بأشهر تحوّل فيها بعض ورثة القوم،ففتح الباب فلمّا أفضى إلى عرصة الدّار إذا هو بصبيّ يلعب مع جراء كلبة قد كانت لأهل الدّار فراعه ذلك،فلم يلبث أن أقبلت كلبة فلمّا رآها الصبي حبا إليها،فأمكنته من أطبائها،فمصّها فظنّوا أنّ الصّبي لما بقي في الدار و صار منسيّا و اشتدّ جوعه و رأى جراء الكلبة تستقي من أطبائها،حبا إليها،فعطفت عليه،فلما سقته مرّة أدامت ذلك له،و أدام هو الطلب،و الّذي ألهم هذا المولود مصّ إبهامه ساعة يولد،و لم يعرف كيف الارتضاع،هو الّذي هداه إلى الارتضاع من أطباء الكلبة (1)

الحيوان للجاحظ 2:155 و [1]النقل بتصرف في اللفظ،و لم يتعرّض الشارح لشرح قوله:«هيهات إن من يعجز...».

.

32

من الخطبة(158)

و من خطبة له عليه السّلام:

أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَ حِكْمَةٌ وَ رِضَاهُ أَمَانٌ وَ رَحْمَةُ- يَقْضِي بِعِلْمٍ وَ يَعْفُو بِحِلْمٍ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَ تُعْطِي- وَ عَلَى مَا تُعَافِي وَ تَبْتَلِي- حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ- وَ أَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ وَ أَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ- حَمْداً يَمْلَأُ مَا خَلَقْتَ وَ يَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ- حَمْداً لاَ يُحْجَبُ عَنْكَ وَ لاَ يُقْصَرُ دُونَكَ- حَمْداً لاَ يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ وَ لاَ يَفْنَى مَدَدُهُ- فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ- إِلاَّ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ- لاَ تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَ لاَ نَوْمٌ- لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ وَ لَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ- أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ وَ أَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ- وَ أَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي وَ الْأَقْدَامِ- وَ مَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ- وَ نَعْجَبُ لَهُ مِنْ


1) 1)

قُدْرَتِكَ- وَ نَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ- وَ مَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ وَ قَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ- وَ انْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ- وَ حَالَتْ سُتُورُ الْغَيْبِ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ أَعْظَمُ «أمره قضاء» لا مردّ له «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (1)

يس:82. [1]

.

«و حكمة» و لو لم يهتد إليها الأفهام،فقالت الملائكة في خلق آدم:

«أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» (2)،و كم من أمر خفيت حكمته أوّلا و ظهرت أخيرا، «فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ » (3).

«و رضاه» تعالى عن العبد.

«أمان» من عذابه.

«و رحمة» منه تعالى .

«يقضي» بين عباده.

«بعلم» فيقضي حقّا .

«و يعفو» عمّن يستحقّ العقوبة.

«بحلم» «وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ » (4).

«اللّهمّ لك الحمد على ما تأخذ و تعطي» لأنّ كلاّ منهما على حسب المصلحة،و في الخبر:قال موسى عليه السّلام:يا ربّ رضيت بما قضيت،تميت


1) 1)

2) 2) البقرة:30. [2]

3) 3) البقرة:33. [3]

4) 4) النحل:61. [4]

الكبير،و تبقي الصغير.فقال تعالى:يا موسى!أما ترضاني لهم رازقا و كفيلا؟ قال:بلى يا ربّ،فنعم الوكيل أنت و نعم الكفيل (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:374 ح 18.

.

«و على ما تعافي و تبتلي» لأنّ ابتلاءه من الحكمة،و في الخبر:أوحى تعالى إلى موسى عليه السّلام ما خلقت خلقا أحبّ إليّ من عبدي المؤمن،فإنّي إنّما ابتليه لما هو خير له،و أعافيه لما هو خير له،و أزوي عنه ما هو شرّ له لما هو خير له،و أنا أعلم بما يصلح عليه عبدي،فليصبر على بلائي،و ليشكر نعمائي، و ليرض بقضائي،أكتبه في الصّدّيقين عندي (2).

و إذا كان أمره تعالى عن حكمة و قضاه بعلم و عفوه عن حلم يجب حمده تعالى على كلّ فعل منه تعالى،كما قال عليه السّلام،و لكن كثيرا من العامّة قالوا:

إنّ له تعالى أن يفعل كلّ ما شاء،لا من حيث الحكمة،بل من حيث قدرته كالسّبع القوي.

قال الغزالي:إنّ السّبع يخاف لا لجناية سبقت إليه،بل لصفته و بطشه و هيبته،و لأنّه يفعل ما يفعل و لا يبالي،فإن قتلك لم يرقّ قلبه،و إن خلاّك لم يخلّك شفقة عليك،و إبقاء على روحك،بل أنت أخسّ عنده من أن يلتفت إليك، بل إهلاك ألف مثلك،و إهلاك نملة عنده على و تيرة واحدة،و إذ لا يقدح ذلك في عالم سبعيته،و ما هو موصوف به من قدرته و سطوته «وَ لِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى» (3)و لكن من عرفه عرفه بالمشاهدة الباطنة التي هي أقوى و أوثق من المشاهدة الظاهرة،إنّه صادق في قوله:«هؤلاء إلى الجنّة و لا أبالي، و هؤلاء إلى النّار و لا أبالي... (4)و ما أجهل قوما يصفون إلههم هكذا،تعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا.


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 2:61 ح 7،و [1]أبو علي الطوسي في أماليه 1:243. [2]

3) 3) النحل:60. [3]

4) 4) قاله الغزالي في إحياء العلوم 4:139،و [4]النقل بتصرف يسير

«حمدا يكون أرضى الحمد لك...حمدا لا ينقطع عدده،و لا يفنى مدده» و في (دعاء تحميد الصحيفة):حمدا نعمّر به في من حمده من خلقه،و نسبق به من سبق إلى رضاه و عفوه،حمدا يضيء لنا به ظلمات البرزخ،و يسهل علينا به سبيل المبعث،و يشرّف به منازلنا عند مواقف الأشهاد يوم تجزى «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» (1)

الجاثية:22. [1]

، «يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ» (2)حمدا يرتفع منّا إلى أعلى علّيين في «كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ» (3)حمدا تقرّ به عيوننا إذا برقت الأبصار،و تبيضّ به وجوهنا إذا اسودّت الأبشار،حمدا نعتق به من أليم نار اللّه إلى كريم جوار اللّه،حمدا نزاحم به ملائكته المقرّبين،و نضامّ به أنبياءه المرسلين،في دار المقامة التي لا تزول،و محلّ كرامته التي لا تحول (4).

أيضا:و الحمد للّه بكلّ ما حمده به أدنى ملائكته إليه،و أكرم خليقته عليه،و أرضى حامديه لديه،حمدا يفضل سائر الحمد،كفضل ربّنا على جميع خلقه.ثمّ له الحمد مكان كلّ نعمة له علينا،و على جميع عباده الماضين و الباقين (5).

«فلسنا نعلم كنه عظمتك» قال السجاد عليه السّلام:لو اجتمع أهل السماء و الأرض على أن يصفوا اللّه بعظمته ما قدروا (6).

«إلاّ أنّا نعلم أنّك حيّ قيّوم لا تأخذك سنة و لا نوم» كما وصف نفسه


1) 1)

2) 2) الدخان:41. [2]

3) 3) المطففين:20-21. [3]

4) 4) الصحيفة السجادية الكاملة:25 [4] الدعاء(1).

5) 5) الصحيفة السجادية الكاملة:28 [5] الدعاء(1).

6) 6) أخرجه الكليني في الكافي 1:102 ح 4 و [6]النقل بتصرف يسير.

عزّ و جلّ في قوله: «اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ» (1)

البقرة:255. [1]

.

و سئل الرضا عليه السّلام عن أدنى المعرفة فقال:الإقرار بأنّه لا إله غيره،و لا شبه له و لا نظير،و أنّه قديم مثبت،موجود غير فقيد،و أنّه ليس كمثله شيء (2).

«لم ينته إليك نظر» من نبيّ أو ملك .

«و لم يدركك بصر» من جنّ أو إنس،و النظر أعمّ من أن يكون بالبصر .

«أدركت الأبصار» «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (3).

«و أحصيت الأعمار» هكذا في(المصرية)،و(الأعمال)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (4).

قال تعالى حكاية عن العباد يوم التّناد: «وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً » (5).

«و أخذت بالنواصي و الأقدام» قال تعالى: «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (6).

و احتمل الخوئي (7)أن يكون كلامه عليه السّلام إشارة إلى قوله عزّ و جلّ:

«يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَ الْأَقْدامِ» (8).و هو كما ترى.


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 1:86 ح 1،و [2]الصدوق في التوحيد:283 ح 1،و العيون 1:109 ح 29. [3]

3) 3) الأنعام:103. [4]

4) 4) في شرح ابن أبي الحديد 2:447،و [5]شرح ابن ميثم 3:277«الأعمار»أيضا.

5) 5) الكهف:49. [6]

6) 6) هود:56. [7]

7) 7) شرح الخوئي 4:238.

8) 8) الرحمن:41. [8]

«و ما الّذي نرى من خلقك...و حالت ستور» هكذا في(المصرية)،و الصواب:

(سواتر)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 2:447،و شرح ابن ميثم 3:277«ستور»أيضا.

.

«الغيب بيننا و بينه أعظم» و في الخبر:أنّ في السّماوات السّبع لبحارا عمق أحدها مسيرة خمسمائة عام فيها ملائكة قيام منذ خلقهم اللّه تعالى، و الماء إلى ركبهم (2).

33

من الكتاب(31)

وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ- أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ- وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ- وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتِهِ- وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ- لاَ يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ وَ لاَ يَزُولُ أَبَداً وَ لَمْ يَزَلْ- أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلاَ أَوَّلِيَّةٍ- وَ آخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلاَ نِهَايَةٍ- عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ- فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ- كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ- وَ قِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ وَ كَثْرَةِ عَجْزِهِ- و عَظِيمِ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ- وَ الْخَشْيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ- وَ الشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلاَّ بِحَسَنٍ- وَ لَمْ يَنْهَكَ إِلاَّ عَنْ قَبِيحٍ قوله عليه السّلام : «و اعلم يا بنيّ أنّه لو كان لربك شريك...و لعرفت أفعاله و صفاته» برهان عقلي على وحدة الصانع فكلّ رسول جاء من ربّ واحد،فلو كان ربّ آخر موجودا لأرسل أيضا رسلا،و كلّ ما عرفنا من آثار الملك و السلطان لم نعرفها من غير إله واحد،فلو كان إله آخر لخلق سماوات أخر،و أرضا أخرى، كما نرى لغير ملكنا ملوكا آخرين لهم ممالك،و كلّ ما عرفنا من أفعال الإله


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق في التوحيد:281 ح 9.

و صفاته لم نعرفهما من غير خالق واحد،فلو كان خالق آخر لعرّفنا صفاته بأنّ صفاتي هكذا غير صفات ذاك الخالق،مثلا عرّف عبد الملك أخلاقه بأنّه ليس كعثمان،و لا كمعاوية،و لا كيزيد،الثّلاثة قبله من عشيرته.

و الاستدلال بالبرهان العقلي على توحيده تعالى في القرآن أيضا كثير، كقوله تعالى: «قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لاَبْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً» (1)

الإسراء:42-43. [1]

،و كقوله تعالى: «أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ» (2)،و كقوله تعالى: «مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ» (3)،و كقوله تعالى: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاّ غُرُوراً» (4)،و كقوله تعالى: «أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ تَعالَى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ»

1) 1)

2) 2) الأنبياء:21-22. [2]

3) 3) المؤمنون:91. [3]

4) 4) فاطر:40. [4]

وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (1)

النمل:60-64. [1]

.

«و لكنّه إله واحد» بعد ثبوت عدم شريك له.

«كما وصف نفسه» في قوله: «قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ» (2)،و قد عرفت البرهان على عدم إمكان تعدّده.

و لمّا قال الحباب بن المنذر يوم السقيفة لقريش،إن أبيتم فمنّا أمير و منكم أمير.قال عمر:هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد (3).

و كان ابن عبّاس في وقعة الحرّة في الطائف فسأل عن أمير أهل المدينة،فقيل له:عبد اللّه بن مطيع على قريش،و عبد اللّه بن حنظلة على الأنصار.فقال:أميران!هلك القوم (4).

و لمّا خرج عبد الملك لقتال مصعب أغلق عمرو بن سعيد الأشدق باب دمشق فرجع عبد الملك،و صالحه على كون عمرو خليفته،و أنّ له مع كلّ عامل عاملا،و أن يكون بيده بيت المال،ثمّ بعث إليه يوما أحبّ أن أخلو بك لأشاورك في أمور،فلمّا وقع عنده أمر بأخذه فأخذ و أمر أخاه أن يقتله،و خرج للصّلاة فرجع و رأى أنّه لم يقتله،فشتمه و أخذ الحربة بيده،و قال له:لو علمت أنّك تبقى و يصلح لي ملكي لفديتك بدم النّاظر،و لكن قلّما اجتمع فحلان في ذود إلاّ عدا أحدهما على الآخر،و رفع الحربة فقتله (5).


1) 1)

2) 2) الاخلاص:1. [2]

3) 3) رواه الطبري في تاريخه 2:457 [3] سنة(11)،و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:7،و [4]الجوهري في السقيفة:62. [5]

4) 4) نقله ابن عبد ربه في العقد الفريد 5:129. [6]

5) 5) نقل القصة الطبري في التاريخ 4:599 سنة(69)،و المسعودي في مروج الذهب 3:104،و [7]ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 2:26 بفرق يسير.

و قال المنصور لقتيبة بن مسلم:ما تقول في قتل أبي مسلم؟قال: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا» .قال:حسبك يا أبا أميّة (1)

ذكر قصة قتل أبي مسلم جمع منهم الطبري في التاريخ 6:127 [1] سنة(137)بتفصيل،لكن لم أجد في كلامهم ذكر قتيبة بن مسلم.و الآية(22)من سورة الأنبياء. [2]

.

«لا يضادّه في ملكه أحد» كما يضادّ ملوك الدّنيا كثيرا كثيرا.

«و لا يزول أبدا و لم يزل» أي:أنّه أبديّ سرمديّ .

«أوّل قبل الأشياء بلا أوّليّة،و آخر بعد الأشياء بلا نهاية» «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (2).

«عظم عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر» قال الجواد عليه السّلام:أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون،أنت قد تدرك بوهمك السّند و الهند،و البلدان التي لم تدخلها،و لم تدركها ببصرك،و أوهام القلوب لا تدركه،فكيف أبصار العيون (3).

«فإذا عرفت ذلك» أنّه إله واحد لا يضاده في ملكه أحد،و أنّه لا يزول و لم يزل،و أنّه أوّل قبل الأشياء بلا أوّلية له،و آخر بعدها بلا نهاية له،و ربوبيّته أجلّ من أن يحيط به بصر أو قلب.

«فافعل كما ينبغي لمثلك» مسكين تقتله الشّرقة،و تؤلمه البقة،و تنتنه العرقة،مكتوم الأجل،مكنون العلل،محفوظ العمل.

«أن يفعله في صغر خطره» أي:خسّة قيمته.

«و قلّة مقدرته» فلم يقدر على عمل أمر صغير إذا لم يكن مقدّرا.

«و كثرة عجزه» في أموره،و لو كان ملكا.


1) 1)

2) 2) الحديد:3. [3]

3) 3) أخرجه الكليني في الكافي 1:99 ح 11،و [4]الصدوق في التوحيد:113 ح 12،و رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:442 [5] عن أبي هاشم الجعفري عن الجواد عليه السّلام،و روى معناه عن عدّة طرق أخرجته في العنوان(1)من هذا الفصل.

ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن

(1)«و عظيم حاجته إلى ربّه» آنا فآنا،و في دعاء الثمالي:«لا الّذي أحسن استغنى عن عونك و رحمتك،و لا الّذي أساء و اجترأ عليك و لم يرضك خرج عن قدرتك» (2).

«في طلب طاعته» بتوفيقه.

«و الخشية» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و الرّهبة)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3)،أي:الخوف.

«من عقوبته» فلا تقوم لها السماوات و الأرض،فكيف مثل الإنسان الضعيف.

«و الشّفقة» أي:الخوف.

«من سخطه» أي:غضبه.فغضبه إهلاك من غضب عليه.

«فإنّه لم يأمرك إلاّ بحسن،و لم ينهك إلاّ عن قبيح» فيجب عقلا إطاعته في أوامره لكونها وفق صلاحه،و في زواجره لترتّب المفاسد عليها.

34

من الحكمة(250)

و قال عليه السّلام:

عَرَفْتُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ- وَ حَلِّ الْعُقُودِ أقول:قال ابن أبي الحديد:هذا فصل يتضمّن كلاما دقيقا يذكره المتكلّمون في الخاطر الّذي يخطر عن غير موجب لخطوره،فإنّه لا يجوز أن


1) 1) أورده التفتازاني في المطول:126 [1] أحوال المسند إليه،و الشاعر أبو الطيب المتنبي.

2) 2) هذه من أوائل دعاء أبي حمزة رواه الطوسي عن أبي حمزة الثمالي عن السجاد عليه السّلام في مصباح المتهجد:524. [2]

3) 3) في شرح ابن أبي الحديد 4:28،و شرح ابن ميثم 5:22« [3]الخشية أيضا».

يكون الإنسان أخطره بباله،و إلاّ لكان ترجيحا من غير مرجح لجانب الوجود على جابن العدم،فلا بدّ أن يكون المخطر له بالبال شيئا خارجا عن ذات الإنسان،و ذاك الشيء هو الشيء المسمّى بصانع العالم.

ثمّ قال:و يقال:إنّ عضد الدولة وقعت في يده قصّة و هو يتصفّح القصص فأمر بصلب صاحبها،ثمّ أتبع الخادم خادما آخر يقول له:قل للمطهّر -و كان وزيره-لا يصلبه،و لكن أخرجه من الحبس فاقطع يده اليمنى،ثمّ أتبعه خادما ثالثا فقال:بل تقول له يقطع أعصاب رجليه،ثمّ أتبعه خادما آخر فقال له:ينقله إلى القلعة بسيراف في قيوده فيجعله هناك،فاختلف دواعيه في ساعة واحدة أربع مرّات (1)

شرح ابن أبي الحديد 4:350. [1]

.

قلت:و الظاهر أنّ الخبر الذي روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله:«ما من آدميّ إلاّ و قلبه بين إصبعين من أصابع اللّه» (2)في معنى كلامه عليه السّلام :

«عرفت اللّه بفسخ العزائم و حلّ العقود» بأن يكون معناه أنّه تعالى يتصرّف في قلوب عبيده كيف شاء بعزمها على أمر،و عقدها له فيفسخها و يحلّها،و بالعكس،كتصرّف من أخذ خاتما بين إصبعيه فيه،و يشهد له قوله تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» (3)، و الحديث القدسي:«لا تقضوا أوقاتكم بسبّ الملوك فإنّ قلوبها بيدي أجعلها


1) 1)

2) 2) أخرجه ابن ماجه في سننه 1:72 ح 199،و أحمد في مسنده 4:182،و [2]الحاكم في المستدرك،و الطبراني في معجمه الكبير،و الدار قطني في الصفات عنهم منتخب كنز العمال 1:114،و:116 عن النواس بن سمعان عن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و روي أيضا عن طريق أنس بن مالك و عبد اللّه بن عمر و أمّ سلمة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و أخرجه الصدوق في علل الشرائع 2:604 ح 75 [3] عن الباقر عليه السّلام،و شرحه الشريف الرضي في المجازات النبوية:346،و [4]الشريف المرتضى في أماليه 2:2 المجلس(22)،و تنزيه الأنبياء:125،و [5]ابن قتيبة في تأويل المختلف:208،و لفظ الكتاب للرضي.

3) 3) الانفال:24. [6]

رحيما عليكم» (1)

أخرجه الصدوق في أماليه:299 ح 9 المجلس(58)و النقل بالمعنى.

.

و أمّا قول المصنّف في(مجازاته النبويّة):إنّ معنى قلبه بين إصبعين من أصابع اللّه هو:أنّ الإصبع بمعنى النّعمة،و الأثر الجميل كقول الراعي:

ضعيف العصا بادي العروق ترى له عليها إذا ما أجدب النّاس إصبعا

أي:ما من آدمي إلاّ و قلبه من اللّه سبحانه بين نعمتين حسنتين:إحداهما ما منّ اللّه عليه من معرفة خالقه و رازقه،و الأخرى ما امتنّ عليه من تحسين خلقه و توسيع رزقه (2).

فكما ترى،فإنّ الموضوع في النّعمتين اللّتين قالهما نفس الإنسان لا قلبه،فإن صحّ في الأولى جعل القلب موضوعا بتكلّف،ففي الثانية غير صحيح،مع أنّ الأولى غير صحيحة في نفسها،فكم آدميّ لم يرزق معرفة خالقه و رازقه،بل هم أكثر من العارفين بربّهم،مع أنّ الخبر تضمن أنّه ما من آدميّ إلاّ و هو كذا،و أيضا فرق بين قولهم:لفلان عليّ إصبع،و قولهم:أمري بين إصبعيه،فالأوّل بمعنى:أنّ له عندي نعمة،و أمّا الثاني فبمعنى:أمري بيده،و مثله الخبر.و كيف كان ففي(عيون ابن قتيبة):أتى رجل يزيد بن أبي مسلم برقعة يسأله أن يرفعها إلى الحجّاج،فنظر فيها يزيد فقال:ليست هذه من الحوائج التي ترفع إلى الأمير.فقال الرجل:فإنّي أسألك أن ترفعها فلعلّها توافق قدرا فيقضيها و هو كاره.فأدخلها و أخبره بمقالته.فنظر في الرقعة، و قال له:قل للرّجل:إنّها وافقت قدرا،و قد قضيناها،و نحن له كارهون (3).

و في(أغاني أبي الفرج)قال أحمد بن خلاّد:حدّثني أبي قال:كنت أكلّم


1) 1)

2) 2) المجازات النبوية:346 ح 268،و [1]بين اللفظ المنقول و لفظ المجازات [2]فرق كثير.

3) 3) عيون الأخبار لابن قتيبة 3:130 و [3]النقل بتصرف يسير.

بشّار الشاعر و أردّ عليه سوء مذهبه بميله إلى الإلحاد،فكان يقول:لا أعرف إلاّ ما عاينته أو عاينت مثله.و كان الكلام يطول بيننا،فقال لي يوما:ما أظنّ الأمر يا أبا خالد إلاّ كما تقول،و أنّ الّذي نحن فيه خذلان،و لذلك أقول:

طبعت على ما فيّ غير مخيّر هواي و لو خيّرت كنت المهذّبا

أريد فلا أعطى و أعطى فلم أرد و قصّر علمي أن أنال المغيّبا

فأصرف عن قصدي و علمي مقصّر و أمسي و ما أعقبت إلاّ التعجّبا

(1)

35

الحكمة(351)

و قال عليه السّلام:

عِنْدَ تَنَاهِي الشِّدَّةِ تَكُونُ الْفَرْجَةُ- وَ عِنْدَ تَضَايُقِ حَلَقِ الْبَلاَءِ يَكُونُ الرَّخَاءُ هو أحد الشواهد و الأدلّة أيضا على وجود الباري تعالى،فالفرج و الرّخاء للشخص لئلاّ يهلك كدفع الآفات عن العالم لئلاّ يفنى دليل على وجود صانع حكيم رؤوف رحيم،وضع للإنسان شدّة كما للعالم آفة حكمة، و يرفعهما بعد حين رأفة و رحمة،و قد صنّف في حكايات من فرّج عنهم بعد غاية الشدّة كتب،و منها كتاب لأبي الحسن المدائني،و كتاب لحسين بن سعد الدهستانيّ،و كتاب لابن أبي الدنيا البغداديّ،و كتاب لمحسن بن علي التنوخي.

و في(تاريخ بغداد)في يعقوب بن داود السلمي الذي استوزره المهديّ، ثمّ غضب عليه لإطلاقه علويا أمره بقتله فحبسه في المطبق:قال يعقوب:

حبسني المهديّ في بئر و بنيت عليّ قبّة،فمكثت فيها خمس عشرة حجّة


1) 1) الأغاني 3:227. [1]

مضى صدر من خلافة الرشيد،و كان يدلى إليّ في كلّ يوم رغيف و كوز من ماء،و أوذن بأوقات الصلوات،فلمّا كان في رأس ثلاث عشرة حجّة أتاني آت في منامي،فقال:

حنا على يوسف ربّ فأخرجه من قعر جبّ و بيت حوله غمم

فحمدت اللّه و قلت:أتى الفرج.فمكثت حولا لا أرى شيئا،ثمّ أتاني ذلك الآت بعد حول،فقال:

عسى الكرب الّذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب

فيأمن خائف و يفكّ عان و يأتي أهله النائي الغريب

فلمّا أصبحت نوديت،فظننت أنّي أوذن بالصلاة فدلّي لي حبل أسود و قيل لي:اشدد به وسطك.ففعلت،فأخرجوني فلمّا قابلت الضوء غشي بصري.فانطلقوا بي فأدخلوني على الرّشيد...فقال لي الرّشيد:و اللّه ما شفّع فيك أحد غير أنّي حملت الليلة صبيّة لي على عنقي،فذكرت حملك إيّاي على عنقك فرثيت لك (1)

تاريخ بغداد 14:264 و [1]النقل بتصرف.

.

و في(المعجم)أنشد لإبراهيم الصولي:

ربما تجزع النّفوس من الأمر له فرجة كحلّ العقال

و نكت بقلمه ثمّ قال:

و لربّ نازلة يضيق بها الفتى ذرعا و عند اللّه منها المخرج

كملت فلمّا استحكمت حلقاتها فرجت و كنت أظنّها لا تفرج

(2)


1) 1)

2) 2) معجم الادباء للحموي 1:186. [2]

36

من الخطبة(81)

و من خطبة له عليه السّلام عجيبة:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلاَ بِحَوْلِهِ وَ دَنَا بِطَوْلِهِ- مَانِحِ كُلِّ غَنِيمَةٍ وَ فَضْلٍ وَ كَاشِفِ كُلِّ بَلِيَّةٍ وَ أَزْلٍ- أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ وَ سَوَابِغِ نِعَمِهِ- وَ أُومِنُ بِهِ أَوَّلاً بَادِياً وَ أَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً- وَ أَسْتَعِينُهُ قَادِراً قَاهِراً وَ أَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً أقول:و روى( أمالي الشيخ الطوسي-أمالي-ج 2 ص 296 المجلس(20) الشيخ)مسندا عن ابن عبّاس:قال:خطب أمير المؤمنين عليه السّلام فقال:«الحمد للّه الذي لا يحويه مكان،و لا يحدّه زمان،علا بطوله،و دنا بحوله،سابق كلّ غنيمة و فضل،و كاشف كلّ عظيمة و أزل، أحمده على جود كرمه،و سبوغ نعمه،و أستعينه على بلوغ رضاه،و الرّضا بما قضاه،و أؤمن به إيمانا،و أتوكّل عليه إيقانا،و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه الذي رفع السماء فبناها،و سطح الأرض فطحاها «أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها وَ الْجِبالَ أَرْساها» (1)

النازعات:31-32. [1]

لا يئوده خلق،و هو العلي العظيم...» (2).

قول المصنّف : «و من خطبة له عجيبة» هكذا في(المصرية)،و لكن في (ابن أبي الحديد):«و من خطبة له عليه السّلام و تسمّى بالغرّاء و هي من الخطب العجيبة» (3)و في(ابن ميثم):«و من خطبة له عليه السّلام و هي من الخطب العجيبة و تسمّى الغرّاء» (4)،و في(خطّية مصححة)تاريخها سنة(1075):«و من خطبة له عليه السّلام عجيبة تسمّى الغرّاء»،و هذا الاختلاف عجيب،و لعلّ في النسخ


1) 1)

2) 2) أخرجه أبو جعفر الطوسي في أماليه 2:296 المجلس(20). [2]

3) 3) لفظ ابن أبي الحديد 2:85«و [3]تسمّى بالغراء و هي من الخطب العجيبة».

4) 4) لفظ ابن ميثم 2:230«و [4]هي من الخطب العجيبة».

تصحيفا،و كيف كان فمن اتّفاق الثلاثة على فقرة(و تسمى الغرّاء)يعلم سقوطها من(المصرية)،إلاّ أنّ قول المصنّف في آخر الخطبة:«و من النّاس من يسمّي هذه الخطبة الغرّاء،لا يناسب ثبوتها،و لعلّه نسي قوله في الأوّل، و كيف كان،فقال ابن أبي الحديد بعد ذكر نكات في ألفاظ العنوان و معانيها:

«و هذه اللّطائف و الدقائق من معجزاته عليه السّلام » (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:86.

.

«الحمد للّه الذي علا بحوله» أي:بقوّته،قال ابن ميثم:و قد أثنى عليه السّلام على اللّه تعالى في هذا الفصل باعتبارات أربعة من نعوت جلاله،الأوّل:كونه عليّا،و إذ ليس المراد به العلوّ المكانيّ لتقدّسه عن الجسميّة كما سبق،فالمراد العلوّ المعقول له باعتبار كونه مبدأ كلّ موجود و مرجعه،فهو العليّ المطلق الّذي لا أعلى منه في وجود و كمال رتبة و شرف،كما سبق بيانه،و لمّا عرفت أنّ معنى الدّنوّ إلى كلّ موجود صدر عن قدرته و قوّته،لا جرم جعل للحوقه له مبدأ هو حوله (2).

«و دنا بطوله» أي:بمنّه،قال ابن ميثم:لمّا عرفت أنّ معنى الدنوّ و القرب في حقّه تعالى ليس مكانيّا أيضا،كان اعتبارا تحدّثه عقولنا له تعالى من قرب إفاضة نعمه على قوابلها،و قربه من إبصار البصائر في صورة نعمة نعمة منها،و لذلك جعل طوله مبدأ لدنوّه (3).

«مانح» أي:معط.

«كلّ غنيمة» «وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ» (4).


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 2:231.

3) 3) شرح ابن ميثم 2:231.

4) 4) النساء:94. [1]

«و فضل» «وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ » (1)

هود:3. [1]

.

«و كاشف كلّ بليّة و أزل» أي:ضيق،قال ابن ميثم:(مانح)و(كاشف) إشارة إلى كلّ نعمة صدرت عنه تعالى على قابلها،فمبدؤه جوده و رحمته، سواء كانت وجوديّة كالصّحّة و المال و العقل و غيرها،أو عدمية كدفع البأساء و الضرّاء،و إليه الإشارة بقوله تعالى: «وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ» (2)،و قوله تعالى: «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ» (3).

قلت:و كلامه عليه السّلام من الأوّل إلى هنا في ثنائه عليه تعالى باعتبارات بيّنها عليه السّلام من حوله تعالى و طوله،و ما نحيته و كاشفيته،نظير قوله تعالى:

«سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى وَ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» (4)،فأمر-تعالى-بوجوب تسبيحه و الثناء عليه باعتبارات بيّنها من خلقه فتسويته،و تقديره فهدايته،و إخراجه المرعى .

«أحمده على عواطف» من إضافة الصّفة.

«كرمه» مفرد بمعنى الجمع .

«و سوابغ» أي:كوامل.

«نعمه» «وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً» (5).

قال ابن ميثم:قوله عليه السّلام(أحمده)الى قوله(نعمه)تنبيه للسامعين على مبدأ استحقاقه لاعتبار الحمد،و هو كرمه،قال بعض الفضلاء:الكريم هو الذي


1) 1)

2) 2) النحل:53-54. [2]

3) 3) شرح ابن ميثم 2:231،و الآية(62) [3]من سورة النمل.

4) 4) الأعلى:1-5. [4]

5) 5) لقمان:20. [5]

إذا قدر عفا،و إذا وعد وفا،و إذا أعطى زاد على منتهى الرجاء،و لا يبالي كم أعطى و لا لمن أعطى،و إن رفع إلى غيره حاجة لا يرضى،و إذا جفا عاتب و ما استقصى،و لا يضيع من لاذ به و التجأ،و يغنيه عن الوسائل و الشفعاء.فمن اجتمعت له هذه الاعتبارات حقيقة من غير تكلّف فهو الكريم المطلق،و ليس ذلك إلاّ اللّه تعالى،و الأجمع الأمنع في رسم هذا الاعتبار يعود إلى فيضان الخير عنه من غير بخل و منع و تعويق على كلّ من يقدر أن يقبله بقدر ما يقبله، و عواطف كرمه هي نعمه و آثاره الخيريّة التي تعود على عباده مرّة بعد أخرى،و نعمه السابغة التي لا قصور فيها عن قبول قابلها (1)

شرح ابن ميثم 2:231. [1]

.

«و أؤمن به أوّلا باديا» أي:ظاهرا.أوّلا باديا حالان من الضمير في(به) كقوله عليه السّلام بعد:قريبا هاديا،و قادرا قاهرا،و كافيا ناصرا،و الكلّ للثبوت كقوله تعالى: «قائِماً بِالْقِسْطِ» (2)بمعنى أنّه يجب الايمان به تعالى لكونه أوّلا و مبدأ لجميع الأشياء،و لكونه تعالى ظاهرا جليّا بآثاره،و خلائقه عند جميع العقلاء.

و أمّا قول ابن أبي الحديد:«أوّلا منصوب على الظّرفية،كأنّه قال:قبل كلّ شيء (3)»فبلا معنى،فأيّ شيء يقول في قوله عليه السّلام:(باديا)و الظاهر أنّه جعله ظرفا لقول(الصحاح):تقول:ما رأيته مذ عام أوّل،و مذ عام أوّل (4).فمن رفع الأوّل جعله صفة لعام كأنّه قال:أوّل من عامنا،و من نصبه جعله كالظّرف كأنّه قال:مذ عام قبل عامنا .

«و أستهديه قريبا هاديا» و الاستهداء من البعيد و لو كان هاديا أو القريب


1) 1)

2) 2) آل عمران:18. [2]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 2:86. [3]

4) 4) صحاح اللغة،الجوهري 5:1838 [4] مادة(أول).

غير الهادي بلا ثمر،و لا يجمعهما حقيقة غيره تعالى فيجب الاستهداء منه .

«و أستعينه قادرا قاهرا» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و أستعينه قاهرا قادرا)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطّية) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:85،و شرح الخوئي 2:240،لكن في شرح ابن ميثم 2:230« [1]قادرا قاهرا»أيضا.

.

قال ابن ميثم:استعانته طلب المعونة منه على ما ينبغي من طاعته، و سلوك سبيله،و القاهر هو الّذي لا يجري في ملكه بخلاف حكمه،بل كلّ موجود مسخّر تحت حكمه و قدرته،و حقير في قبضته،و القادر هو الّذي إذا شاء فعل و إذا لم يشأ لم يفعل،و إن لم يلزم أنّه لا يشاء فلا يفعل كما سبق بيانه، و ظاهر أنّه باعتبار هذين الوصفين مبدأ للاستعانة (2).

«و أتوكّل عليه كافيا ناصرا» قال ابن ميثم:التوكّل-كما علمت-يعود إلى اعتماد الانسان في ما يرجو أو يخاف على غيره،و الكافي اعتبار كونه معطيا لكلّ قابل من خلقه ما يكفي استحقاقه من منفعة،و دفع مضرّة،و النّاصر هو اعتبار إعطائه النّصر لعباده على أعدائهم بإفاضة هدايته و قوّته،و ظاهر أنّه تعالى باعتبار هذين الوصفين مبدأ لتوكّل عباده عليه،و إلقاء مقاليد أمورهم إليه (3).

قلت:و لذا قال نوح عليه السّلام لقومه: «يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَ تَذْكِيرِي بِآياتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ» (4).

و مثله قال الحسين عليه السّلام يوم الطفّ لأهل الكوفة،كما رواه أبو مخنف (5).


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 2:232.

3) 3) المصدر نفسه.

4) 4) يونس:71. [2]

5) 5) رواه الطبري في تاريخه 4:322 [3] سنة(61)عن أبي مخنف،لكن ليس في كتاب مقتل الحسين المنسوب إلى أبي مخنف. [4]

37

الحكمة(13)

و قال عليه السّلام:

مَنْ ضَيَّعَهُ الْأَقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الْأَبْعَدُ أقول:هو أيضا إحدى آيات اللّه تعالى،فمن ضيّعه الأقرب لو لم يقدّر له الأبعد لهلك،و نرى أنّ كثيرا من المؤمنين الّذين يتبرّأ منهم أقاربهم، و يدعونهم يقدّر اللّه لهم من يخدمهم من الأباعد،كما أنّ موسى عليه السّلام لمّا ألقته أمّه في اليمّ أخذه عدوّه و ربّاه (1)

القصة مذكورة في قوله تعالى في سورة طه:39.

.

38

الحكمة(84)

و قال عليه السّلام:

بَقِيَّةُ السَّيْفِ أَبْقَى عَدَداً وَ أَكْثَرُ وَلَداً أقول:الأصل في العنوان أنّ الحصين بن المنذر كتب إليه عليه السّلام كما في العقد -العقد الفريد-ج 4 ص 256 ،أنّ السيف أكثر في ربيعة،فوقّع عليه السّلام في جوابه:بقيّة السّيف أنمى عددا (2).

و في( بيان الجاحظ-البيان و التبيين-ج 2 ص 355 الجاحظ):قال عليّ كرّم اللّه وجهه:بقية السّيف أنمى عددا و أكرم ولدا،و وجد النّاس ذلك بالعيان الّذي صار إليه ولده من نهك السّيف، و كثرة الذّرء و كرم النّجل (3).

و قال ابن أبي الحديد:قال شيخنا أبو عثمان(يعني الجاحظ):ليته عليه السّلام


1) 1)

2) 2) العقد الفريد 4:256. [1]

3) 3) البيان و التبيين 2:355. [2]

لمّا ذكر الحكم ذكر العلّة،ثم قال:قد وجدنا مصداق قوله أولاده،و أولاد الزّبير،و بني المهلّب و أمثالهم (1)

شرح ابن أبي الحديد 4:279. [1]

.

قلت:أمّا العلّة فالعناية الإلهية بجبران من وقع عليه ظلم،فمضر حيث كانت فيهم السلطنة،و كانوا أعداء ربيعة فأكثروا من إفنائهم،ثمّ الّذي وجدت في كتاب الجاحظ الاقتصار على ولده (2)،و أمّا جمعه معهم ولد الزّبير و ولد المهلّب-كما نقل-ففي غير محلّه،حيث إنّ الزبير إنّما قتل جمع من ولده أيّام نهوض عبد الملك فقط،فقتل مع عبد اللّه بن الزبير ابناه الزبير و عروة،و أخوه المنذر،و ابن أخيه عمرو بن عروة،و قتل مع مصعب أخيه ابنه عيسى،كما أنّ المهلّب قتل جمع من ولده أيّام خرج يزيد بن المهلب على يزيد بن عبد الملك.

و أمّا ولده عليه السّلام فكان القتل فيهم في كلّ زمان في مدّة سلطنة بني أمية و سلطنة بني العباس،سوى وقعة الطفّ التي أرادوا فيها استيصالهم حتّى قتلوا رضيعهم و أرادوا قتل عليهم،حتّى صنّف في مقاتلهم كتب كثيرة بالخصوص،و منها(مقاتل الطالبيين)لأبي الفرج الاصبهاني الأمويّ،و مع ذلك ولده عليه السّلام أكثر من جميع طوائف قريش حتّى مع العباسيين،مع بني هاشم،و قد كانوا كثروا أيام سلطنتهم،و قد كان المأمون أمر بإحصائهم لمّا أراد جعل عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام ولي عهده،فكانوا ثلاثة و ثلاثين ألفا صغيرا و كبيرا،فقال المأمون للنّاس أنّه نظر في ولد العباس و ولد عليّ عليه السّلام فلم يجد في وقته أحدا أفضل و لا أحقّ بالأمر من عليّ بن موسى عليه السّلام.نقل ذلك


1) 1)

2) 2) قال الجاحظ في البيان و التبيين 2:355:« [2]قال المهلب:ليس أنمى من بقية السيف،فوجد الناس تصديق قوله فيما نال أولاده من السيف و صار فيهم من النماء،و قال علي بن أبي طالب:بقيّة السيف أنمى عددا و أكرم ولدا.و وجد الناس ذلك بالعيان الذي صار إليه من ولده من نهك السيف و كثرة الذرء و كرم النجل»فقال في:356:«و لم يظهر من عدد القتلى مثل الذي يظهر في آل أبي طالب و آل الزبير و آل المهلب».

الطبري و المسعودي (1)

الطبري في التاريخ 7:132، [1]سنة(200)،و المسعودي في المروج 3:440،و [2]لفظ المسعودي«و أحصي في هذه السنة ولد العباس فبلغوا ثلاثة و ثلاثين ألفا ما بين ذكر و أنثى»و روى قول المأمون للناس في الرضا عليه السّلام الطبري في التاريخ 7: 139 [3] سنة(201)،و المسعودي في المروج 3:441. [4]

،بل المعروف من جميع قريش-منذ قرون و في كلّ قرن-كلّ صقع مشحون من ولده عليه السّلام،و ذلك من آيات اللّه الخاصّة فيه عليه السّلام.

قال محمّد بن محمّد بن النعمان في(إرشاده):و من آيات اللّه تعالى فيه عليه السّلام أنّه لم يمن أحد في ولده و ذريّته بمثل ما مني عليه السّلام في ذرّيته،و ذلك أنّه لم يعرف خوف شمل جماعة من ولد نبيّ،و لا إمام،و لا ملك زمان،و لا برّ و لا فاجر كالخوف الّذي شمل ذرّية أمير المؤمنين عليه السّلام،و لا لحق أحدا من القتل و الطرد عن الدّيار و الأوطان و الإخافة و الإرهاب ما لحق ذرّية أمير المؤمنين عليه السّلام و ولده،و لم يجر على طائفة من الناس من ضروب النّكال ما جرى عليهم من ذلك،فقتلوا بالفتك و الغيلة و الاحتيال،و بني على كثير منهم و هم أحياء البنيان،و عذّبوا بالجوع و العطش حتّى ذهبت أنفسهم على الهلاك، و أحوجهم ذلك إلى التمزّق في البلاد،و مفارقة الديار و الأهل و الأوطان، و كتمان نسبهم عن أكثر الناس،و بلغ بهم الخوف إلى الاستخفاء عن أحبائهم فضلا عن الأعداء،و بلغ هربهم من أوطانهم إلى أقصى الشرق و الغرب، و المواضع النائية عن العمارة،و زهد في معرفتهم أكثر الناس،و رغبوا عن تقريبهم،و الاختلاط بهم مخافة على أنفسهم و ذراريهم من جبابرة الزمان، و هذه كلّها أسباب تقتضي انقطاع نظامهم و اجتثاث أصولهم و قلّة عددهم، و هم مع ما وصفناه أكثر ذرّيّة من الأنبياء و الصالحين و الأولياء،بل أكثر من ذراري كلّ أحد من الناس،قد طبقوا بكثرتهم البلاد،و غلبوا في الكثرة على ذراري أكثر العباد.


1) 1)

هذا مع اختصاص مناكحهم في أنفسهم دون البعداء،و حصرها في ذوي أنسابهم دينة من الأقرباء،و في ذلك خرق العادة على ما بينّاه،و هو دليل الآية الباهرة في أمير المؤمنين عليه السّلام كما وصفناه و بيّناه،و هذا ما لا شبهة فيه (1)

الإرشاد للمفيد:164. [1]

.

قلت:و كثرة أولاد أمير المؤمنين عليه السّلام مع قتلهم و حبسهم و طردهم في كلّ زمان و مكان شاهدة لتصديق وعد اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله الكوثر،كما أنّ انقراض جماهير قريش الشانئين للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أهل بيته عليهم السّلام دليل لتصديق وعيد اللّه تعالى شانئه صلّى اللّه عليه و آله لكونه أبتر بالخصوص،مضافا الى وعيده تعالى الظالمين عموما بقطع دابرهم في قوله تعالى: «فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (2).و ممّا يشهد لقوله عليه السّلام في كون بقيّة السّيف أكثر عددا عناية منه تعالى ببقاء النوع الإنساني في غير الظالمين،فبعد الحربين العالميتين كانت النساء في أوربا (3)-كما قالوا-لم يلدن غير البنين لفناء رجال كثيرين منهنّ.

39

الحكمة(139)

و قال عليه السّلام:

تَنْزِلُ الْمَعُونَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَئُونَةِ أقول:هو أيضا أحد الأدلة على وجود الخالق الرّازق،و ذلك أمر مشاهد بالعيان،فالإنسان إذا كان وحده يكون رزقه بقدره نوعا،و إذا صار ذا زوجة


1) 1)

2) 2) الأنعام:45. [2]

3) 3) لم يختص هذا الحرب بأوربا،بل قلّما يوجد بلد لم تسر إليه الفتنة في العالم.

يزداد في رزقه بقدرها،و إذا صار ذا أولاد يزداد في رزقه بقدرهم،بمعنى أنّه لا يمكن أن يرزق أقل،و إلاّ فقد يرزق من وحده بقدر مئونة عدّة.

و المراد ما إذا تعرض للرّزق أو لم يكن له حيلة،و إلاّ ففي الخبر:من جلس في بيته و دعا للرّزق مع تمكّنه يكون ممّن لا يستجاب لهم (1)

هذا المعنى أخرجه الحميري في قرب الإسناد:38،و الكليني بخمس طرق في الكافي 2:511 ح 2 و 3،و [1] 5:65 ح 1،و 5:77 ح 1،و الصدوق في الفقيه 2:39 ح 10 و بطريقين في الخصال:160 ح 208،و:299 ح 71،و الطوسي في التهذيب 6:322 ح 8 و أماليه 2:292 المجلس 19،و الكراجكي في كنز الفوائد:291،و [2]ابن إدريس في السرائر عنه الوسائل 4: 1160 ح 4،و جمع آخر.

.

قال ابن أبي الحديد:كان على بعض الموسرين رسوم لجماعة من الفقراء يدفعها إليهم كلّ سنة فاستكثرها فأمر كاتبه بقطعها،فرأى في المنام كأنّ له أموالا كثيرة في داره تصعدها أقوام من الأرض إلى السماء و هو يجزع من ذلك،فيقول:يا ربّ رزقي،فقيل له:إنّما رزقناك هذه لتصرفها في ما كنت تصرفها فيه،فإذا قطعت ذلك رفعناها منك،و جعلناها لغيرك.فلمّا أصبح أمر كاتبه بإعادة تلك الرسوم أجمع (2).

قلت:و في(تاريخ بغداد):أنّ الواقديّ كتب رقعة إلى المأمون يذكر فيها غلبة الدّين و غمّه بذلك.فوقّع المأمون على ظهرها:فيك خلّتان السخاء و الحياء،فأمّا السّخاء فهو الّذي أطلق ما ملكت،و أمّا الحياء فهو الّذي منعك من اطّلاعنا على ما أنت عليه،و قد أمرنا بكذا و كذا،فإن كنّا أصبنا إرادتك في بسط يدك فإنّ خزائن اللّه مفتوحة،و أنت كنت حدّثتني-و أنت على قضاء الرّشيد- عن محمّد بن إسحاق عن الزهري عن أنس أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال للزّبير:إنّ باب الرزق مفتوح بباب العرش ينزّل اللّه على العباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم،فمن قلّل قلّل له،و من كثّر كثّر له.قال الواقدي:و كنت قد أنسيت هذا الحديث فكان


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 4:309. [3]

تذكرته إيّاي أحبّ إليّ من جائزته-قال الراوي:بلغني أنّ الجائزة كانت مائة ألف درهم-فكان الحديث أحبّ إليه من مائة ألف (1)

تاريخ بغداد 3:19،و [1]النقل بتصرف يسير.

.

40

الحكمة(144)

و قال عليه السّلام:

يَنْزِلُ الصَّبْرُ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ- وَ مَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ حَبِطَ أَجْرُهُ «ينزل الصّبر على قدر المصيبة» نزول الصبر على قدر المصيبة أيضا هو إحدى آياته تعالى و حكمه و ألطافه على عبيده،كنزول المعونة عليهم على قدر مئونتهم.

و في(توحيد المفضل)-بعد ذكر نعمة الحافظة،و أنّه لولاها لاختلّ حال الناس-:و أعظم من النّعمة على الإنسان في الحفظ النّعمة في النّسيان،فإنّه لو لا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة،و لا انقضت له حسرة،و لا مات له حقد، و لا استمتع بشيء من متاع الدّنيا مع تذكّر الآفات،و لا رجاء غفلة من سلطان، و لا فترة من حاسد.أفلا ترى كيف جعل في الانسان الحفظ و النسيان و هما مختلفان متضادّان،و جعل له في كلّ منهما ضرب من المصلحة؟و ما عسى أن يقول الّذين قسّموا الأشياء بين خالقين متضادّين في هذه الأشياء المتضادّة المتباينة،و قد تراها تجتمع على ما فيه الصّلاح و المنفعة (2).

و روى(الكافي)عن الصادق عليه السّلام أيضا:أنّ الميّت إذا مات بعث اللّه تعالى ملكا إلى أوجع أهله،فمسح على قلبه،فأنساه لوعة الحزن،و لو لا ذلك


1) 1)

2) 2) توحيد المفضل:78. [2]

لم تعمر الدّنيا (1)

أخرجه الكليني في الكافي 3:227 ح 1،و [1]الصدوق في الفقيه 1:112 ح 21.

.

و عنه عليه السّلام أيضا:إنّ اللّه تبارك و تعالى تطوّل على عباده بثلاث:ألقى عليهم الرّيح بعد الرّوح،و لو لا ذلك ما دفن حميم حميما،و ألقى عليهم السّلوة، و لو لا ذلك لانقطع النّسل،و ألقى على هذه الحبّة الدابّة،و لو لا ذلك لكنزها ملوكهم كما يكنزون الذّهب و الفضّة (2).

«و من ضرب يده على فخذه عند مصيبته حبط أجره» و في(المصرية)بدل (أجره):(عمله)و هو تصحيف (3)،و كيف كان روى الفقرة( تحف العقول ابن شعبة-تحف العقول-ص 221 ) عنه عليه السّلام (4)،و لكن رواه( الكافي 3الكليني-الكافي-ج 3 ص 224 ح 4 )عن الصادق عليه السّلام عن النبي صلّى اللّه عليه و آله 5،و لا غرو فإنّ النبيّ و الوصيّ-صلوات اللّه عليهما و على آلهما-كانا كنفس واحدة، و موجبيّته للحبط لكشفه عن عدم رضاء العبد بقضاء ربّه فلا بدّ أن يحبط أجره.


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 3:227 ح 2،و [2]الصدوق في الفقيه 1:118 ح 8،و علل الشرائع 1:299 ح 1،و [3]الخصال 1: 112 ح 87،و أخرج معناه أيضا الصدوق في علل الشرائع 1:299 ح 2. [4]

3) 3) لفظ شرح ابن أبي الحديد 4:310،و [5]شرح ابن ميثم 5:319« [6]أجره»أيضا.

4) 4) روى ابن شعبة في تحف العقول:221 هذا اللفظ:«و من ضرب بيده على فخذه عند المصيبة حبط أجره،و الصنيعة لا تكون صنيعة إلاّ عند ذي حسب أو دين،و اللّه ينزل الصبر على قدر المصيبة».

41

الحكمة(15)و(459)

و قال عليه السّلام:

تَذِلُّ الْأُمُورُ لِلْمَقَادِيرِ حَتَّى يَكُونَ الْحَتْفُ فِي التَّدْبِيرِ يَغْلِبُ الْمِقْدَارُ عَلَى التَّقْدِيرِ حَتَّى تَكُونَ الْآفَةُ فِي التَّدْبِيرِ و قد مضى هذا المعنى في ما تقدّم برواية تخالف بعض هذه الألفاظ .

أقول:و حكاه الجهشياري في(وزرائه)بلفظ آخر فقال:دخل يحيى البرمكيّ على الرّشيد لما ابتدأت حاله في الفساد و هو خال فرجع فعرف خبره.

فقال لبعض الخدم:الحقّ يحيى و قل له:خنتني فاتّهمتني،فأبلغه الرّسول فقال له:قل للرّشيد:إذا أنقضت المدّة كان الحتف في الحيلة.و اللّه ما انصرفت عن خلوتك إلاّ تخفيفا عنك.قال و هذا كلام لعليّ بن أبي طالب كرّم اللّه مثواه:«إذا انقضت المدّة كان الهلاك في العدّة»قال:و سرق هذا المعنى ابن الرومي فقال:

غلط الطّبيب عليّ غلطة مورد عجزت محالته عن الأصدار

و الناس يلحون الطبيب و إنّما غلط الطبيب إصابة المقدار

(1)و رواه( إرشاد الشيخ المفيد-الإرشاد-ص 159 المفيد)مع الأصل فيه،و أنّ أصل المعنى ليزدجرد آخر ملوك فارس،فقال:سأل أمير المؤمنين عليه السّلام شاهزنان بنت كسرى حين أسرت:ما حفظت عن أبيك بعد وقعة الفيل؟قال:حفظت عنه أنّه كان يقول:«إذا غلب اللّه على أمر ذلّت المطامع دونه،و إذا انقضت المدّة كان الحتف في الحيلة».

فقال عليه السّلام:ما أحسن ما قال أبوك!تذلّ الأمور للمقادير حتّى يكون الحتف في التّدبير (2).


1) 1) الوزراء للجهشياري:227 و [1]النقل بتصرف يسير.

2) 2) الإرشاد للمفيد:159. [2]

و ممّا يشهد للمعنى ما في(عيون القتيبيّ):إنّ أبا مسلم لما قدم المدائن في اليوم الّذي قتل فيه جعل يضرب بالسّوط معرفة برذونه و يقول بالفارسية كلاما معناه:ما تغني المعرفة إذا لم تقدر على دفع المحتوم.ثم قال:«جارّة ذيلها تدعو يا ويلها بدجلة أو حولها،كأنّا بعد ساعة قد صرنا في دجلة» (1)

رواه ابن قتيبة في عيون الأخبار 1:26 و [1]النقل بتصرف يسير.

.

و ما في(تاريخ الطبري):قال أبو مسلم لنيزك:إنّي و اللّه ما رأيت طويلا أعقل منك،فما ترى في إتياني المنصور،فقد جاءت هذه الكتب،و قد قال القوم ما قالوا؟قال:لا أرى أن تأتيه،و أرى أن تأتي الرّي فتقيم بها،فيصير ما بين خراسان و الرّي لك،و هم جندك،ما يخالفك أحد-إلى أن نقل قول أبي مسلم- رأيت أنّ أوجّه أبا إسحاق إلى المنصور،فيأتيني برأيه فإنّه ممّن أثق به، فوجّهه،فلمّا قدم تلقّاه بنو هاشم بكلّ ما يحبّ،و قال له المنصور:اصرفه عن وجهه و لك ولاية خراسان،و أجازه فرجع أبو اسحاق إلى أبي مسلم،فقال له:

ما أنكرت شيئا رأيتهم معظّمين لحقّك-إلى أن قال-فقال له:نيزك:قد أجمعت على الرّجوع؟قال:نعم،و تمثّل:

ما للرّجال مع القضاء محالة ذهب القضاء بحيلة الأقوام

(2)و يشهد له ما في(المروج):ذكر المدائني و العتبي و غيرهما أنّ مروان حين نزل على الزاب جرّد من رجاله من اختاره من سائر جيشه من أهل الشام و الجزيرة و غيرهم مائة ألف فارس على مائة ألف قارح،فلمّا كان يوم الوقعة و أشرف عبد اللّه بن عليّ في المسوّدة،و في أوائلهم البنود السّود يحملها الرّجال على الجمال البخت،و قد جعلت أقتابها من خشب الصفصاف و الغرب، قال مروان لمن قرب منه:أما ترون رماحهم كأنّهم النّخل غلظا،أما ترون إلى


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 6:132 [2] سنة(137).

أعلامهم فوق هذه الإبل كأنّها قطع من الغمام سود،فبينا هو كذلك إذ طار من أفرجة هنالك قطعة من الغرابيب سود فاجتمعت على أوّل رايات عبد اللّه بن علي و اتّصل سوادها بسواد تلك الرّايات و البنود،و مروان ينظر فتطيّر من ذلك،فقال:أما ترون السّواد قد اتّصل بالسواد،و كان الغرابيب كالسحب سوادا،ثمّ نظر إلى أصحابه المحاربين،و قد استشعروا الجزع و الفزع و الفشل فقال:إنّها لعدّة و ما تنفع العدّة إذا انقضت المدّة (1)

مروج الذهب 3:250. [1]

.

و ما في(تاريخ الطبري):كان مروان لما لقيه أهل خراسان لا يدبّر شيئا إلاّ كان فيه الخلل و الفساد،كان يوم انهزم واقفا و الناس يقتتلون إذ أمر بالأموال فأخرجت فقال للنّاس:اصبروا و قاتلوا فهذه الأموال لكم،فجعل ناس يصيبون من ذلك المال،فأرسلوا إليه أنّ الناس قد مالوا على هذا المال و لا نأمنهم أن يذهبوا به،فأرسل إلى ابنه عبد اللّه أن سر في أصحابك إلى مؤخر عسكرك،فاقتل من أخذ من ذلك المال و امنعهم،فمال عبد اللّه برايته و أصحابه فقال النّاس الهزيمة فانهزموا (2).

و في(أذكياء ابن الجوزي)-باب في من احتال فانعكس عليه مقصوده- و نقل أمورا،و منها:عن عليّ بن المحسن عن أبيه قال:حدّثنا جماعة من أهل جند سابور-و فيهم كتّاب و تجّار و غير ذلك-أنّه كان عندهم في سنة نيف و أربعين و ثلاثمائة شابّ من كتّاب النصارى و هو ابن أبي الطيب القلانسي، فخرج إلى بعض شأنه في الرّستاق،فأخذته الأكراد و عذّبوه و طالبوه أن يشتري نفسه منهم،و كتب إلى أهله انفذوا إليّ أربعة دراهم أفيون و اعلموا أنّي أشربها فتلحقني سكتة،فلا تشكّ الأكراد أنّي متّ فيحملوني إليكم،فإذا


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 6:90 [2] سنة(132).

حصلت عندكم فأدخلوني الحمام و اضربوني ليحمى بدني و سوّكوني بالايارج،فإنّي أفيق،و كان سمع أنّ من شرب أفيونا أسكت،فإذا أدخل الحمّام و ضرب و سوّك بالأيارج برأ،فلم يعلم مقدارا لشربه،فشرب أربعة دراهم،فلم يشكّ الأكراد في موته،فلفّوه في شيء و أنفذوه إلى أهله،فلمّا حصل عندهم أدخلوه الحمّام و ضربوه و سوّكوه،فما تحرّك و أقام في الحمّام أيّاما،و رآه أهل الطب فقالوا:قد تلف كم شرب؟قالوا:أربعة دراهم.فقالوا:هذا الوشوى في جهنّم ما عاش.إنّما يجوز أن يفعل هذا بمن شرب أربعة دوانيق أو وزن درهم أو حواليه.فأمّا هذا فقد مات.فلم يقبل أهله ذلك،فتركوه في الحمّام حتّى أراح و تغيّر فدفنوه،و انعكست الحيلة عليه.

و منها:روي أنّ بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ كان في حبس الحجّاج و كان يعذّبه،و كان كلّ من مات في الحبس رفع خبره إلى الحجّاج،فيأمر بإخراجه و تسليمه إلى أهله.فقال بلال للسجّان:خذ منّي عشرة آلاف درهم و أخرج اسمي إلى الحجاج في الموتى،فإذا أمرك بتسليمي إلى أهلي هربت في الأرض،فلم يعرف الحجّاج خبري،و إن شئت أن تهرب معي فعلت و عليّ غناك أبدا.فأخذ السجّان المال و رفع اسمه في الموتى،فقال الحجّاج مثل هذا لا يجوز أن يخرج إلى أهله حتّى أراه،هاته.فعاد إلى بلال، فقال:اعهد.قال:و ما الخبر؟قال:إنّ الحجاج قال كيت و كيت،فإن لم أحضرك إليه ميّتا قتلني و علم أنّي أردت الحيلة عليه،و لا بدّ أن أقتلك خنقا،فبكى بلال و سأله أن لا يفعل،فلم يكن إلى ذلك طريق،فأوصى،فأخذه السجّان و خنقه و أخرجه إلى الحجاج،فلمّا رآه ميّتا قال:سلّمه إلى أهله،فأخذوه،و قد اشترى القتل لنفسه بعشرة آلاف درهم و جعلت الحيلة عليه (1)

رواه ابن الجوزي في الأذكياء:110 و النقل بتصرف يسير.

.

1) 1)

ثم معلوم بعد جمعنا بين العنوانين أنّ قول المصنّف في الثاني «و قد مضى هذا المعنى» إشارة إلى ذكره في الأوّل باختلاف في بعض ألفاظه.

42

الحكمة(7)

و قال عليه السّلام:

اعْجَبُوا لِهَذَا الْإِنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ وَ يَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ- وَ يَسْمَعُ بِعَظْمٍ وَ يَتَنَفَّسُ فِي خُرْمٍ أقول:و كذا يجب أن يتعجّب من محالّها،و من طعوم فيها:

أمّا الأوّل،ففي(توحيد المفضل):انظر الآن يا مفضّل إلى هذه الحواسّ التي خصّ بها الإنسان في خلقه،و شرّف بها على غيره،كيف جعلت العينان في الرّأس كالمصابيح فوق المنارة،ليتمكّن من مطالعة الأشياء،و لم تجعل في الأعضاء التي تحتهنّ كاليدين الرّجلين فتعترضها الآفات و يصيبها من مباشرة العمل و الحركة ما يعلّلها و يؤثّر فيها و ينقص منها،و لا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن و الظهر فيعسر تقلّبها و اطلاعها نحو الأشياء،فلمّا لم يكن لها في شيء من هذه الأعضاء موضع كان الرّأس أسنى المواضع للحواسّ،و هو بمنزلة الصومعة لها،فجعل الحواسّ خمسا تلقى خمسا،لكيلا يفوتها شيء من المحسوسات،فخلق البصر ليدرك الألوان،فلو كانت الألون و لم يكن بصر يدركها لم تكن فيها منفعة،و خلق السمع ليدرك الأصوات،فلو كانت الأصوات و لم يكن سمع يدركها لم يكن فيها إرب،و كذلك سائر الحواسّ (1)

توحيد المفضل:58. [1]

.

و أمّا الثاني فروى أبو نعيم في(حليته)عن عمرو بن جميع قال:دخلت


1) 1)

على جعفر بن محمد أنا و ابن أبي ليلى و أبو حنيفة.فقال لابن أبي ليلى:من هذا معك؟ قال:هذا رجل له بصر و نفاذ في أمر الدين.قال:لعلّه يقيس الدّين برأيه.

قال:نعم.فقال جعفر لأبي حنيفة:ما اسمك؟قال:نعمان.قال:يا نعمان! هل قست رأسك بعد؟قال:كيف أقيس رأسي؟قال:ما أراك تحسن شيئا،هل علمت ما الملوحة في العينين،و المرارة في الأذنين،و الحرارة في المنخرين، و العذوبة في الشفتين؟قال:لا.قال:ما أراك تحسن شيئا،قال:فهل علمت كلمة أوّلها كفر و آخرها إيمان؟فقال ابن أبي ليلى:يا بن رسول اللّه!أخبرنا بهذه الأشياء التي سألته عنها.

فقال:أخبرني أبي عن جدّي أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:إنّ اللّه تعالى بمنّه و فضله جعل لابن آدم الملوحة في العينين لأنّهما شحمتان،و لو لا ذلك لذابتا، و إنّ اللّه تعالى بمنّه و فضله و رحمته على ابن آدم جعل المرارة في الأذنين حجابا من الدّواب،فإن دخلت الرأس دابّة و التمست إلى الدّماغ فإذا ذاقت المرارة التمست الخروج،و إنّ اللّه تعالى بمنّه و فضله و رحمته على ابن آدم جعل الحرارة في المنخرين يستنشق بهما الرّيح،و لو لا ذلك لأنتن الدّماغ،و إنّ اللّه تعالى بمنّه و كرمه و رحمته لابن آدم جعل العذوبة في الشفتين يجد بها استطعام كلّ شيء (1)

أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 3:196،و رواه ابن شهر آشوب في المناقب 4:252،و [1]الطبرسي في الاحتجاج 2: 358. [2]

.

«اعجبوا لهذا الانسان» قال ابن ميثم:نبّه عليه السّلام على لطف خلق الإنسان ببعض أسرار حكمة اللّه تعالى فيه و غايته من ذلك الاستدلال على حكمة صانعه و مبدعه،و ذكر أربعة من محالّ النظر و الاعتبار،و هي:آلة البصر


1) 1)

و الكلام و السّمع و التنفّس،و خصّها بالذكر لكونها مع ضعفها ضرورية في وجود الإنسان على شرفه و علوّ رتبته في المخلوقات،و لا يقوم إلاّ بها ليكون ذلك محلّ التعجّب و اعتبار لطف الصانع الحكيم (1)

شرح ابن ميثم 5:242.

.

«ينظر بشحم» قال ابن ميثم:أراد بالشّحم الذي ينظر به الرّطوبة المسمّاة في عرف الأطباء بالبيضة أو الرطوبة الجليدية،فإنّ العين مركبة من سبع طبقات و ثلاث رطوبات،كلّ منها يختصّ في عرفهم باسم (2).

و قال ابن أبي الحديد:قيل:أمّا الإبصار فقد اختلف فيه،فقيل:إنّه بخروج شعاع من العين يتّصل بالمرئي،و قيل:إنّ القوّة المبصرة التي في العين تلاقي بذاتها المرئيات فتبصرها،و قال قوم:بل يتكيّف الهواء بالشعاع البصري من غير خروج،فيصير الهواء باعتبار تكيّفه بالشعاع به آلة للعين في الإدراك، و قال المحققون من الحكماء:إنّ الإدراك البصري هو بانطباع أشباح المرئيات في الرطوبة الجليديّة من العين عند توسط الهواء الشّفاف المضيء كما تنطبع الصورة في المرآة (3).

قلت:و يصدّق الأخير أخبارهم عليهم السّلام،فورد أن الديصاني قال لهشام بن الحكم:أ يقدر ربّك-إذا كان قادرا-أن يدخل الدّنيا كلّها في البيضة،لا يكبّر البيضة و لا يصغّر الدّنيا؟فراجع هشام في ذلك الصادق عليه السّلام،فقال عليه السّلام له:كم حواسّك؟قال:خمس.قال:أيّها أصغر؟قال:الناظر.قال:و كم قدر النّاظر؟قال:

مثل العدسة أو أقلّ.فقال له:انظر أمامك و فوقك و أخبرني بما ترى.فقال:أرى سماء و أرضا و دورا و قصورا و جبالا و أنهارا.فقال عليه السّلام:إنّ الّذي قدر أن


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 5:243.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 4:244. [1]

يدخل الّذي تراه العدس أو أقلّ قادر على أن يدخل الدّنيا كلّها في البيضة،لا يصغّر الدّنيا و لا يكبّر البيضة (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:79 ح 4،و [1]الصدوق في التوحيد:122 ح 1،و حديث البيضة جاء بألفاظ أخرى عن عيسى و علي و الرضا عليه السّلام،مرّ تخريجه في العنوان(5)من هذا الفصل.

.

«و يتكلّم بلحم» قال ابن ميثم:و عنى عليه السّلام باللّحم اللّسان،فإنّه لحم أبيض رخو تلتفّ به عروق صغار كثيرة فيها دم،و لذلك يتبيّن أحمر و تحته عروق و شريانات و أعصاب كثيرة،و تحته فوهتان يسيل منهما اللّعاب ينتهيان إلى لحم غددي رخو موضوع في أصله يسمى مولّد اللّعاب،و بهاتين الفوهتين يبقى للّسان و ما حوله النّداوة الطبيعيّة (2).

قلت:و في(توحيد المفضل):أطل الفكر يا مفضّل في الصّوت و الكلام و تهيئة آلاته في الإنسان،فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت،و اللّسان و الشفتان و الأسنان لصياغة الحروف و النّغم،ألا ترى أنّ من سقطت أسنانه لم يقم السّين،و من سقطت شفته لم يصحّح الفاء،و من ثقل لسانه لم يفصح الرّاء،و أشبه شيء بذلك المزمار الأعظم،فالحنجرة تشبه قصبة المزمار، و الرّئة تشبه الزّق الذي ينفخ فيه لتدخل الرّيح،و العضلات التي تقبض على الرّئة ليخرج الصوت كالأصابع التي تقبض على الزّق حتّى تجري الريح في المزامير،و الشّفتان و الأسنان التي تصوغ الصوت حروفا و نغما كالأصابع التي تختلف في فم المزمار،فتصوغ صفيره ألحانا،غير أنّه و إن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالآلة و التعريف،فإنّ الزمار في الحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت-إلى أن قال-تأمّل يا مفضّل ما أنعم اللّه به على الإنسان من هذا المنطق الذي يعبّر به عمّا في ضميره و ما يخطر بقلبه و ينتجه فكره،و به


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 5:243.

يفهم عن غيره ما في نفسه،و لو لا ذلك كان بمنزلة البهائم المهملة التي لا تخبر عن نفسها بشيء،و لا تفهم عن مخبر شيئا (1)

توحيد المفضل:62،79. [1]

.

قلت:و لكون نعمة اللّسان بتلك المثابة في تمييز الإنسان من الحيوان، قال الرّحمن-جلّ و علا-في مقام الامتنان: «خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ» (2).

«و يسمع بعظم» قال ابن ميثم:و أراد بالعظم الذي يسمع به العظم المسمّى الحجريّ،و هو عظم صلب فيه مجرى الأذن،كثير التعاريج و العطفات،يمرّ كذلك إلى أن يلقى العصبة النّابتة من الدّماغ،التي هي مجرى الروح الحامل للقوّة السامعة... (3).

قلت:و في(توحيد المفضل):و كذلك من عدم السّمع يختلّ في أمور كثيرة،فإنّه يفقد روح المخاطبة و المحاورة،و يعدم لذّة الأصوات و اللّحون المشجية المطربة،و تعظم المئونة على النّاس في محاورته حتّى يتبرّموا به، و لا يسمع شيئا من أخبار الناس و أحاديثهم حتّى يكون كالغائب و هو شاهد، و كالميّت و هو حيّ (4).

و في أذكار السّجدتين«سجد وجهي للّذي خلقه و شقّ سمعه و بصره» (5).

«و يتنفّس في خرم» بالضّمّ،و هو ثقب الأنف،قال ابن ميثم:و في هذه و أمثالها من بدن الإنسان و سائر الحيوان عبرة لمن اعتبر،و كمال شهادة


1) 1)

2) 2) الرحمن:3-4. [2]

3) 3) شرح ابن ميثم 5:243.

4) 4) توحيد المفضل:60. [3]

5) 5) هذا الذكر أخرجه الكليني في الكافي 3:321 ح 1،و [4]الطوسي في التهذيب 2:79 ح 63،و رواه القاضي النعمان في دعائم الاسلام 1:164 [5] عن الصادق عليه السّلام.

بوجود الصانع الحكيم لها،و من نظر في تشريح بدن الإنسان حضرته شواهد من الحكم الإلهية يحار فيها لبّه و يدهش فيها عقله.و قرأ الصادق عليه السّلام قوله تعالى: «وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً» (1)

النساء:28. [1]

ثمّ قال:كيف لا يكون ضعيفا و هو ينظر بشحم،و يسمع بعظم،و ينطق بلحم (2).

43

الحكمة(302)

و قال عليه السّلام:

مَا الْمُبْتَلَى الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلاَءُ- بِأَحْوَجَ إِلَى الدُّعَاءِ- مِنَ الْمُعَافَى الَّذِي لاَ يَأْمَنُ الْبَلاَءَ أقول:هو أيضا إحدى آياته تعالى،روى(الكافي)عن سيف بن ليث قال:

خلّفت ابنا لي عليلا بمصر عند خروجي منها،و ابنا لي آخر أسنّ منه كان وصيّي و قيّمي على عيالي،و في ضياعي،فكتبت إلى أبي محمّد عليه السّلام أسأله الدّعاء لابني العليل.فكتب عليه السّلام إليّ:قد عوفي ابنك المعتلّ،و مات الكبير وصيّك و قيّمك،فاحمد اللّه و لا تجزع فيحبط أجرك،فورد عليّ الخبر أنّ ابني قد عوفي من علته و مات الكبير يوم ورد جواب أبي محمّد عليه السّلام (3).

و روى(العيون)عن محمّد بن داود قال:كنت أنا و أخي عند الرّضا عليه السّلام فأتاه من أخبره أنّه قد ربط ذقن محمد بن جعفر،فمضى أبو الحسن عليه السّلام و مضينا معه و إذا لحياه قد ربطا،و إذا إسحاق بن جعفر و ولده و جماعة آل


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 5:243. [2]

3) 3) أخرجه الكليني في الكافي 1:511 ح 18،و [3]رواه ابن شهر آشوب في المناقب 4:433،و [4]الإربلي في كشف الغمة 3:214 [5]عن سيف بن الليث،و روى معناه الإربلي في كشف الغمة 3:212،و [6]الراوندي في الخرائج عنه بحار الأنوار 50:269 ح 31،و:274 ح 44 [7] كلاهما عن علي بن يزيد و حجاج بن يوسف العبدي.

أبي طالب يبكون،فجلس أبو الحسن عليه السّلام عند رأسه و نظر في وجهه فتبسّم، فنقم من كان في المجلس عليه،فقال بعضهم:إنّما تبسّم شامتا بعمّه.قال:

و خرج ليصلّي في المسجد،فقلنا له:قد سمعنا فيك من هؤلاء ما نكره حين تبسّمت.فقال أبو الحسن عليه السّلام إنّما تعجبت من بكاء إسحاق و هو يموت-و اللّه- قبله و يبكيه محمّد.قال:فبرئ محمّد و مات إسحاق (1)

أخرجه الصدوق في العيون 2:206 ح 6،و [1]أخرج في معناه هو في العيون 2:206 ح 7 [2] برواية أخرى،و الطبري في دلائل الإمامة:171،و رواه ابن شهر آشوب في المناقب 4:340،و [3]نقله عن دلائل الامامة ابن طاوس في فرج المهموم: 231. [4]

.

و قال الشاعر:

كم مريض عاش من بعد يأس بعد موت الطبيب و العوّاد

قد يصاد القطا فينجو سليما و يحلّ القضاء بالصيّاد

و قال أيضا:

أ كان الجبان يرى أنّه يدافع عند الفرار الأجل

فقد يدرك الحادثات الجبان و يسلم منها الشجاع البطل

44

من الخطبة(197)

بعد ذكر الصّلاة و الزكاة و أداء الأمانة:

إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ- مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِي لَيْلِهِمْ وَ نَهَارِهِمْ- لَطُفَ بِهِ خُبْراً وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ- وَ جَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ وَ ضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ وَ خَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ «إنّ اللّه سبحانه و تعالى» هكذا في(المصرية)،و كلمة(و تعالى)زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 2:549،و [5]في شرح ابن ميثم 3:462« [6]سبحانه و تعالى»أيضا.

«لا يخفى عليه ما العباد مقترفون» أي:مكتسبون للذّنب «يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ» (1)

الرعد:42. [1]

.

«في ليلهم و نهارهم» «سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ» (2).

«لطف به خبرا» «يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ إِنَّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» (3).

«و أحاط به علما» «وَ قَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً» (4).

«أعضاؤكم شهوده» استشهد له بقوله تعالى: «وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللّهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ وَ لكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ» (5).

و بما في(تفسير القمّيّ)في قوله تعالى: «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (6)قال:إذا جمع اللّه تعالى الخلق يوم القيامة دفع إلى كلّ إنسان كتابه فينظرون فيه،فينكرون أنّهم عملوا من ذلك شيئا،فتشهد عليهم الملائكة فيقولون:يا ربّ ملائكتك يشهدون لك ثمّ


1) 1)

2) 2) الرعد:10. [2]

3) 3) لقمان:16. [3]

4) 4) الكهف:91. [4]

5) 5) فصلت:19-22. [5]

6) 6) يس:65. [6]

يحلفون أنّهم لم يعملوا من ذلك شيئا،و هو قوله تعالى: «يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ» (1)

المجادلة:18. [1]

فاذا فعلوا ذلك ختم اللّه على ألسنتهم و تنطق جوارحهم بما كانوا يكسبون (2).

«و جوارحكم جنوده» فاذا كانت جوارح النّاس شهوده يصحّ أن يقال:إنّها أيضا جنوده «وَ لِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (3).

«و ضمائركم عيونه» أي:جواسيسه «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ» (4).

«و خلواتكم عيانه» «أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» (5).

45

الحكمة(273)

و قال عليه السّلام:

اعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ- وَ إِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ وَ اشْتَدَّتْ طَلِبَتُهُ- وَ قَوِيَتْ مَكِيدَتُهُ- أَكْثَرَ مِمَّا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ- وَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْعَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وَ قِلَّةِ حِيلَتِهِ- وَ بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ- وَ الْعَارِفُ لِهَذَا الْعَامِلُ بِهِ- أَعْظَمُ النَّاسِ رَاحَةً فِي مَنْفَعَةٍ- وَ التَّارِكُ لَهُ الشَّاكُّ فِيهِ- أَعْظَمُ النَّاسِ شُغْلاً فِي مَضَرَّةٍ- وَ رُبَّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجٌ بِالنُّعْمَى- وَ رُبَّ مُبْتَلًى مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى- فَزِدْ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ


1) 1)

2) 2) تفسير علي بن إبراهيم القمي 2:216. [2]

3) 3) الفتح:4. [3]

4) 4) غافر:19. [4]

5) 5) هود:5. [5]

فِي شُكْرِكَ- وَ قَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ- وَ قِفْ عِنْدَ مُنْتَهَى رِزْقِكَ أقول:و رواه ابن شعبة الحرّانيّ في( تحف عقوله ابن شعبة الحراني-تحف العقول-ص 155 )،و زاد بعد قوله:«ما سمّي له في الذكر الحكيم»:«إنّه لن يزداد امرؤ نقيرا بحذقه،و لن ينتقص نقيرا بحمقه»،و بدّل قوله:«فزد أيّها المستمع في شكرك»بقوله:«فأفق أيّها المستمتع من سكرك» (1)

تحف العقول:155،و لفظه:«ما كتب له في الذكر الحكيم أيّها الناس أنّه لن يزداد امرؤ نقيرا بحذقه و لن ينتقص نقيرا بحمقه».

.

و رواه( الكافي الكليني-الكافي-ج 5 ص 81 ح 9 )في باب الإجمال في الطلب مع زيادات و اختلافات يسيرة (2)،و كيف كان فهو أيضا من آياته تعالى،و إنّ الأمر ليس بيد الخلائق، و إنّه لا يقع إلاّ ما أراد الخالق .

«اعلموا علما يقينا» لا يختلجكم فيه شك.

«أنّ اللّه لم يجعل للعبد و إن عظمت حيلته» و تدابيره.

«و اشتدّت طلبته» و سعيه.

«و قويت مكيدته» و فطانته.

«أكثر» مفعول لقوله:«لم يجعل».

«ممّا سمّي» و عيّن.

«له في الذكر الحكيم» و هو لفظ القرآن،قال تعالى: «ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ» (3).

و الظاهر أنّ المراد به في كلامه عليه السّلام اللّوح المحفوظ الّذي فيه مقدرات الخلق،و كيف كان نرى ما قاله عليه السّلام بالمشاهدة و العيان،فكثير من الناس ممّن لهم فطانة زائدة يدبّرون تدبيرات لزيادة أرزاقهم و لا يتيسر لهم إلاّ ما قدّر اللّه


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 5:81 ح 9.

3) 3) آل عمران:58. [1]

تعالى لهم.

و روى(الكافي)عن الباقر عليه السّلام قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله في حجّة الوداع:ألا إنّ الرّوح الأمين نفث في روعي أنّه لا تموت نفس حتّى تستكمل رزقها.فاتّقوا اللّه عزّ و جلّ و أجملوا في الطلب،و لا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بشيء من معصية اللّه،فإنّ اللّه تعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالا،و لم يقسّمها حراما،فمن اتّقى اللّه تعالى و صبر أتاه اللّه برزقه من حلّه،و من هتك حجاب السّتر و عجلّ فأخذه من غير حلّه،قصّ به من رزقه الحلال،و حوسب عليه يوم القيامة (1)

أخرجه الكليني في الكافي 5:80 ح 1،و [1]بفرق يسير علاء بن رزين في أصله:153،و عاصم بن حميد في أصله:23، و الاسكافي في التمحيص:52 ح 100،و [2]الكليني بثلاث روايات في الكافي 2:74 ح 2،و 5:8 [3]0 ح 3،و 5:83 ح 11، و الصدوق في أماليه:241 ح 1 المجلس 49،و [4]المفيد في المقنعة:90،و الطوسي في التهذيب 6:321 ح 1،و رواه أبو القاسم الكوفي في الأخلاق عنه المستدرك 2:418،الباب 10 ح 13،و [5]الديلمي في أعلام الدين عنه المستدرك 2:418 الباب 10 ح 10. [6]

.

و روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام:كم من متعب نفسه مقترّ عليه،و مقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير (2).

و روي عن الثمالي قال:ذكر عند عليّ بن الحسين عليه السّلام غلاء السّعر.

فقال:و ما عليّ من غلائه،إن غلا فهو عليه،و إن رخص فهو عليه (3).

و عن الصادق عليه السّلام:لو كان العبد في حجر لأتاه اللّه برزقه،فأجملوا في الطّلب (4).


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 5:81 ح 6،و [7]الاسكافي في التمحيص:53 ح 101،و [8]الصدوق في الفقيه 4:276 ضمن وصيته عليه السّلام لابن الحنفية.

3) 3) أخرجه الكليني في الكافي 5:81 ح 7،و [9]الصدوق في الفقيه 3:170 ح 13،و التوحيد:388 ح 34،و [10]الطوسي في التهذيب 6:321 ح 2.

4) 4) أخرجه الكليني في الكافي 5:81 ح 4،و [11]الاسكافي في التمحيص ح:53 103. [12]

«و لم يحل» تعالى.

«بين العبد في ضعفه» في بدنه.

«و قلّة حيلته» في أموره.

«و بين أن يبلغ ما سمّي له في الذكر الحكيم» من الرزق،بل الغالب كون رزقهم أكثر،قال الصادق عليه السّلام:إنّ اللّه تعالى وسّع في أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء،و يعلموا أنّ الدّنيا ليس ينال ما فيها بعمل و لا حيلة (1)

أخرجه الكليني في الكافي 5:82 ح 10،و [1]الاسكافي في التمحيص:53 ح 102،و [2]الصدوق في علل الشرائع 1:92 ح 1، و [3]الطوسي في التهذيب 6:322 ح 5،و رواه الورّام في تنبيه الخواطر 1:14 [4] عن الصادق عليه السّلام.

.

«و العارف لهذا» أي:العارف بأنّه لا ينال إلاّ ما قدّر له.

«العامل به» على طبق علمه.

«أعظم النّاس راحة في منفعة» حيث إنّه يعلم أن ما قدّر له يأتيه بلا تعب، قال الصادق عليه السّلام:إذا فتحت بابك،و بسطت بساطك،فقد قضيت ما عليك (2).

«و التّارك له الشاكّ فيه» بظنّه أنّ الرّزق بجدّه و جهده.

«أعظم النّاس شغلا في مضرّة» حيث إنّه يكدّ ليله و نهاره و يسلب راحته، و لا يحصل له إلاّ ما قدّر له .

«و ربّ منعم عليه مستدرج» أي:مأخوذ تدريجا،و الأصل فيه قوله تعالى:

«وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ» (3).

«بالنّعمى» فكانت سبب غرّته،فلو لم يكن منعما عليه كان له أولى،قال تعالى: «أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ»


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 5:79 ح 1،و [5]الصدوق في الفقيه 3:100 ح 42،و الطوسي في التهذيب 6:323 ح 7،و أخرج معناه أيضا الصدوق في الفقيه 3:100 ح 41،كلّهم عن الصادق عليه السّلام.

3) 3) الأعراف:182. [6]

لا يَشْعُرُونَ (1)

المؤمنون:55-56. [1]

.

«و ربّ مبتلى مصنوع له» من اللّه تعالى.

«بالبلوى» أي:بالابتلاء،روى(التوحيد)عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:قال تعالى:

«إنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالفقر و لو أغنيته لأفسده ذلك » (2).

«فزد أيّها المستمع و قف عند منتهى رزقك» و لا تطمع في الزيادة عليه سفاهة،و قد عرفت ما بدّل(التّحف)الجملة (3).

و رواها(الكافي):«فاتّق اللّه أيّها الساعي من سعيك،و قصّر من عجلتك،و انتبه من سنة غفلتك،و تفكّر في ما جاء عن اللّه تعالى على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه و آله (4).

46

الحكمة(84)

و من خطبة له عليه السّلام:

قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ وَ خَبَرَ الضَّمَائِرَ- لَهُ الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَ الْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ- وَ الْقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ «قد علم السّرائر» «وَ اللّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ» (5)، «أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ» (6).


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق في التوحيد:400 ح 1،و علل الشرائع 1:12 ح 7،و [2]أخرج في معناه الكليني في الكافي 2:90 ح 4. [3]

3) 3) مرّ في بدء هذا العنوان من تحف العقول:156.

4) 4) الكافي للكليني 5:82 ح 9،و [4]في بعض نسخ الكافي« [5]فأفق أيّها الساعي».

5) 5) محمد:26. [6]

6) 6) التوبة:78. [7]

«و خبر» بالفتح:أي علم.

«الضّمائر» «فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى» (1)

طه:7. [1]

«وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ » (2).

«له الإحاطة بكلّ شيء» «وَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً » (3).

«و الغلبة لكلّ شيء» «وَ اللّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ» (4).

أراد نمرود و فرعون منع تولّد إبراهيم و موسى عليهما السّلام،و أراد إخوة يوسف دفعه عمّا قدّر له من الرّفعة (5)،فصاروا مغلوبين في قبال أمره تعالى .

«و القوّة على كلّ شيء» «وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً» (6).


1) 1)

2) 2) النساء:108. [2]

3) 3) النساء:126. [3]

4) 4) يوسف:21. [4]

5) 5) منع تولّد إبراهيم لم يجئ في القرآن،لكن أخرجه علي بن إبراهيم في تفسيره 1:207 و الكليني في الكافي 8:366 ح 558،و [5]الصدوق في كمال الدّين 1:138 ح 7،و [6]رواه الراوندي في قصص الأنبياء عنه البحار 12:42 ح 31 مسندا عن الصادق عليه السّلام،و أخرجه المسعودي في إثبات الوصيّة:29 مرسلا عن العالم عليه السّلام،و رواه موقوفا أو بلا اسناد الطبري في التاريخ 1:163-165،و المسعودي في مروج الذهب 1:56،و الثعلبي في العرائس:73-74،و الطبرسي في مجمع البيان 4:325،و أما قصة منع تولّد موسى عليه السّلام فجاءت في القرآن،طه:38-40،و القصص:4-9،و أمّا قصة أخوة يوسف عليه السّلام فجاءت مفصّلة في القرآن في سورة يوسف.

6) 6) البقرة:165. [7]

47

من الخطبة(99)

و من خطبة له عليه السّلام أخرى:

الْأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلٍ وَ الْآخِرِ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ- بِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ أَوَّلَ لَهُ- وَ بِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ آخِرَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ شَهَادَةً- يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الْإِعْلاَنَ- وَ الْقَلْبُ اللِّسَانَ قول المصنّف : «و من خطبة له عليه السّلام أخرى» هكذا في(المصرية)،و لا معنى لكلمة(أخرى)،فإنّ كلّ خطبة من الكتاب غير سابقتها،و فيها نقص.ففي(ابن أبي الحديد) (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:192. [1]

:«و من خطبة له عليه السّلام،و هي من الخطب التي تشتمل على ذكر الملاحم»و كذا(ابن ميثم) (2)بدون قوله:«و هي من الخطب الّتي»و مثل(ابن ميثم):(الخطية)،لكن فيها«الملحمة»بدل(الملاحم).

قوله عليه السّلام : «الأوّل قبل كلّ أوّل،و الآخر بعد كلّ آخر» روى(توحيد الصدوق) أنّ الصادق عليه السّلام سئل عن قوله تعالى: «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» ،فقال:الأوّل لا عن أوّل كان قبله،و لا عن بدء سبقه،و الآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين،و لكن قديم أوّل آخر لم يزل و لا يزال،بلا بدء و لا نهاية،لا يقع عليه الحدوث،و لا يحول من حال إلى حال،خالق كلّ شيء (3).

«بأوّليّته وجب أن لا أوّل له» أي:بأوّليته قبل جميع الأشياء وجب أن لا يكون له أوّل،فيكون شيء قبله.


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 3:9. [2]

3) 3) أخرجه الصدوق في التوحيد:313 ح 1،و معاني الأخبار:12 ح 1،و الكليني في الكافي 1:116 ح 6 [3] عن ميمون اللّبان عن الصادق عليه السّلام،و قد مرّ في العنوان(5،19)من هذا الفصل.

«و بآخريّته أن لا آخر له» هكذا في(المصرية)،و الصواب ما في(ابن أبي الحديد) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:192،و لفظ شرح ابن ميثم 3:9 [1] نحو الطبعة المصرية.

:(و بآخريته وجب أن لا آخر له).

و في(توحيد الصدوق)أيضا عن ابن أبي يعفور:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوله تعالى: «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» ،و قلت:أمّا الأوّل فقد عرفناه،و أمّا الآخر فبيّن لنا تفسيره.فقال:إنّه ليس شيء إلاّ يبيد أو يتغيّر أو يدخله الغير و الزّوال أو ينتقل من لون إلى لون،و من هيئة إلى هيئة،و من صفة إلى صفة،و من زيادة إلى نقصان،و من نقصان إلى زيادة،إلاّ ربّ العالمين،فإنّه لم يزل و لا يزال واحدا،هو الأوّل قبل كلّ شيء،و هو الآخر على ما لم يزل،لا تختلف عليه الصفات و الأسماء ما يختلف على غيره،مثل الإنسان الّذي يكون ترابا و مرّة لحما،و مرّة دما،و مرّة رفاتا و رميما،و كالتّمر الّذي يكون مرّة بلحا،و مرّة بسرا،و مرّة رطبا،و مرّة تمرا،فيتبدّل عليه الأسماء و الصفات،و اللّه عزّ و جلّ بخلاف ذلك (2).

«و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه شهادة يوافق فيها السّر الإعلان» لا كشهادة اليهود «وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ » (3).

«و القلب اللّسان» لا كشهادة المنافقين «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَ اللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» (4)، «يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ» (5).


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق في التوحيد:314 ح 2،و الكليني في الكافي 1:115 ح 5،و [2]قد مرّ في العنوان(1)من هذا الفصل.

3) 3) البقرة:14. [3]

4) 4) المنافقون:1. [4]

5) 5) الفتح:11. [5]

48

من الخطبة(181)

فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ- فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ- وَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلاَّ وَ جَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً- وَ آيَةً مُحْكَمَةً تَزْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ- فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ وَ سَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْءٍ سَخِطَهُ- عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- وَ لَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- وَ إِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنٍ- وَ تَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ- قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ دُنْيَاكُمْ وَ حَثَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ- وَ افْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ وَ أَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى- وَ جَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وَ حَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ وَ نَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ- وَ تَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ- إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ وَ إِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ- قَدْ وَكَّلَ بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً لاَ يُسْقِطُونَ حَقّاً وَ لاَ يُثْبِتُونَ بَاطِلاً «فعظّموا منه سبحانه ما عظّم من نفسه» «قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» (1)

آل عمران:26-27. [1]

، «وَ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ» (2)، «اللّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ»

1) 1)

2) 2) البقرة:115. [2]

«قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً» (1)

الطلاق:12. [1]

، «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (2)، «وَ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ» (3)، «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ » (4).

«فإنّه لم يخف» من أخفى.

«عنكم شيئا من دينه» فقد قال تعالى في كتابه: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (5)،و المراد الإكمال بالكتاب و العترة معا،فقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المتواتر عنه:إنّي تارك فيكم الثقلين:كتاب اللّه و عترتي،و انّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (6).

«و لم يترك شيئا رضيه أو كرهه إلاّ و جعل له» أي:لما رضيه أو كرهه.

«علما» أي:علامة.

«باديا» أي:ظاهرا،أي من سنّته.


1) 1)

2) 2) الكهف:109. [2]

3) 3) الزمر:67. [3]

4) 4) إبراهيم:19-20. [4]

5) 5) المائدة:3. [5]

6) 6) اسناد هذا الحديث يزيد على المنات عن طريق أهل السنة و الامامية و الزيدية، [6]أقتصر على ما أخرجه و صححّه مسلم في صحيحه 4:1873 و 1874 ح 36،37 بأربع طرق،و الحاكم في مستدرك الصحيحين عنه إحياء الميت:11 ح 6 عن زيد بن أرقم عن النبي صلى اللّه عليه و آله،و أخرجه صاحب صحيفة الرضا عليه السّلام فيه:59 ح 83،و صاحب مسند زيد بن علي فيه:404،و القاضي الصعدي في درر الأحاديث:52 عن الرضا عليه السّلام،و زيد بن علي،و الهادي إلى الحق عن علي عليه السّلام عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و جمع بعض طرقه الصدوق في كمال الدين 1:234-241،و [7]السيوطي في إحياء الميت:11- 48.

«و آية» بمعنى أو آية.

«محكمة» غير متشابهة من كتابه.

«تزجر عنه» أي:عن ذلك الشّيء الّذي كرهه.

«أو تدعو إليه» أي:إلى ذاك الشيء الّذي رضيه،و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله في حجّة وداعه:«يا أيّها الناس و اللّه ما من شيء يقرّبكم من الجنّة و يباعدكم من النار إلاّ و قد أمرتكم به،و ما من شيء يقرّبكم من النّار و يباعدكم من الجنّة إلاّ و قد نهيتكم عنه » (1)

هذا صدر خطبة الكليني رواها في الكافي 2:74 ح 2،و عاصم بن حميد في أصله:23،و رواه أبو القاسم الكوفي في الأخلاق عنه المستدرك 2:419 ح 13،و [1]الديلمي في أعلام الدين [2]عنه المستدرك 2:418 ح 10. [3]

.

«فرضاه في ما بقي» من الزّمان أو من النّاس.

«واحد» فالنّاس عنده سواء.

«و سخطه في ما بقي واحد» لكون حلاله و حرامه على حالهما إلى الأبد .

«و اعلموا أنّه لن يرضى عنكم بشيء سخطه على من كان قبلكم» من الأمم الماضية أو ممّن كان في عصر الرّسول صلّى اللّه عليه و آله.

«و لن يسخط» أي:لن يغضب.

«عليكم بشيء رضيه ممّن كان قبلكم» لكون حكم الجميع واحدا .

«و إنّما تسيرون في أثر بيّن» من الدّين «قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» (2).

«و تتكلّمون برجع قول قد قاله الرّجال من قبلكم» قال ابن أبي الحديد:يعني كلمة التوحيد(لا إله إلاّ اللّه)قد قالها الموحّدون من قبل هذه الملّة لا تقليدا،بل بالنّظر و الدّليل،فقولوها أنتم كذلك (3).

قلت:لم أفهم كيفية دلالة(رجع القول)على ما قال،و إنّما المستفاد من


1) 1)

2) 2) البقرة:256. [4]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 2:523. [5]

مورد آية «وَ لَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَ قالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللّهِ» (1)

سبأ:31-33. [1]

كون رجع القول تكرارا لمجاوبة بين فريقين،و لعلّ الرجع هنا بمعنى النّفع،كما قيل في قوله تعالى: «وَ السَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ » (2).

«قد كفاكم مئونة دنياكم» «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ» (3).

«و حثّكم على الشّكر» «وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» (4)، «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ» (5).

«و افترض من ألسنتكم الذّكر» صادرا عن القلب «وَ اذْكُرُوا اللّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (6)، «وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ وَ لا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ » (7).

«و أوصاكم بالتّقوى» «وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ»


1) 1)

2) 2) الطارق:11. [2]

3) 3) الذاريات:22-23. [3]

4) 4) لقمان:12. [4]

5) 5) ابراهيم:7. [5]

6) 6) الجمعة:10. [6]

7) 7) الأعراف:205. [7]

«وَ إِيّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللّهَ» (1)

النساء:131. [1]

.

«و جعلها منتهى رضاه» من عباده «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ» (2).

«و حاجته من خلقه» «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » (3).

«فاتّقوا اللّه الّذي أنتم بعينه» «وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (4)، «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (5)، «وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى» (6).

«و نواصيكم بيده» «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (7).

«و تقلّبكم في قبضته» «وَ اللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَ مَثْواكُمْ» (8)، «فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ » (9).

«إن أسررتم علمه» «يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (10)،


1) 1)

2) 2) الحجرات:13. [2]

3) 3) البقرة:183. [3]

4) 4) الأنعام:153. [4]

5) 5) ق:16.

6) 6) الأنعام:60. [5]

7) 7) هود:56. [6]

8) 8) محمّد:19. [7]

9) 9) غافر:4. [8]

10) 10) الفرقان:6. [9]

«تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَ ما أَعْلَنْتُمْ» (1)

الممتحنة:1. [1]

، «يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ» (2).

«و إن أعلنتم كتبه» «وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ» (3)، «وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ» (4)، «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» (5).

«قد وكلّ بكم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(بذلك)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (6).

«حفظة كراما» «وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ» (7).

«لا يسقطون حقّا و لا يثبتون باطلا» لا ككتّاب الأمراء و الملوك يثبتون الباطل على النّاس و يسقطون الحقّ لهم.

قال تعالى: «وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ» (8)، «إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ» (9)، «وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها»


1) 1)

2) 2) النمل:25. [2]

3) 3) القمر:53. [3]

4) 4) يس:12. [4]

5) 5) ق:18.

6) 6) في شرح ابن أبي الحديد 2:522،و شرح ابن ميثم 3:398« [5]بكم»أيضا.

7) 7) الأنعام:61. [6]

8) 8) الانفطار:10-12. [7]

9) 9) ق:17.

«وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً» (1)

الكهف:49. [1]

.

49

من الخطبة(193)

وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ يُرْسِلْكُمْ هَمَلاً- عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ وَ أَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ- فَاسْتَفْتِحُوهُ وَ اسْتَنْجِحُوهُ وَ اطْلُبُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَمْنِحُوهُ- فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ وَ لاَ أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ- وَ إِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ وَ فِي كُلِّ حِينٍ وَ أَوَانٍ- وَ مَعَ كُلِّ إِنْسٍ وَ جَانٍّ- لاَ يَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ وَ لاَ يَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ- وَ لاَ يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ وَ لاَ يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ- وَ لاَ يَلْوِيهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ وَ لاَ يُلْهِيهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْتٍ- وَ لاَ تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْبٍ وَ لاَ يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ- وَ لاَ تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابٍ وَ لاَ تُجِنُّهُ الْبُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ- وَ لاَ تَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ- قَرُبَ فَنَأَى وَ عَلاَ فَدَنَا وَ ظَهَرَ فَبَطَنَ- وَ بَطَنَ فَعَلَنَ وَ دَانَ وَ لَمْ يُدَنْ- لَمْ يَذْرَأِ الْخَلْقَ بِاحْتِيَالٍ وَ لاَ اسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلاَلٍ «و اعلموا عباد اللّه أنّه لم يخلقكم عبثا» «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ» (2).

«و لم يرسلكم هملا» كإبل بلا راع «أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى» (3).

«علم مبلغ نعمه عليكم و أحصى إحسانه إليكم» و إنّما الخلق لا يعلمون


1) 1)

2) 2) المؤمنون:115. [2]

3) 3) القيامة:36-40. [3]

مبلغ نعمه و لا يحصون مقدار إحسانه،قال تعالى: «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ لا تُحْصُوها » (1)

إبراهيم:34. [1]

.

«فاستفتحوه» فإنّه القادر على فتح أبواب النّعم عليكم.

«و استنجحوه» فهو القادر لإنجاح حوائجكم.

«و اطلبوا إليه» مطالبكم كلّيها و جزئيها،و في الخبر:أوحي إلى موسى:

اطلب منّي جميع حوائجك حتّى علف شاتك و ملح خميرك (2).

«و استمنحوه» و روي(استميحوه) (3)و كلّ منهما بمعنى اطلبوا العطاء منه تعالى: «وَ سْئَلُوا اللّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً» (4).

«فما قطعكم عنه حجاب» كالملوك و الأمراء.

«و لا أغلق عنكم دونه باب» كأهل الدّنيا .

«و إنّه لبكلّ مكان» قال رجلان من علماء اليهود له عليه السّلام:أين ربّك؟ فقال عليه السّلام لهما-ضاربا لهما مثلا-:أقبل ملك من المشرق و ملك من المغرب، و ملك من السماء،و ملك من الأرض.فقال صاحب المشرق لصاحب المغرب:

من أين أقبلت؟قال:من عند ربّي.و قال صاحب المغرب لصاحب المشرق:من أين أقبلت؟قال من عند ربّي.و قال الخارج من الأرض للنّازل من السّماء:من أين أقبلت؟قال من عند ربّي.و قال النّازل من السماء للخارج من الأرض:من أين أقبلت؟قال:من عند ربّي (5).

«و في كلّ حين» أي:زمان،عطف على(لبكلّ).


1) 1)

2) 2) رواه ابن فهد في عدّة الداعي عنه الجواهر السنيّة:61 و [2]النقل بالمعنى.

3) 3) نقل هذه الرواية ابن أبي الحديد في شرحه 2:539.

4) 4) النساء:32. [3]

5) 5) أخرجه الصدوق ضمن حديث طويل في التوحيد:180 ح 15 [4] عن علي عليه السّلام.

«و أوان» أي:وقت،لأنّه خالق الأوقات و الأزمنة،كما أنّه خالق الأمكنة.

«و مع كلّ إنس و جان» «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » (1)

المجادلة:7. [1]

.

«لا يثلمه» أي:لا يورد عليه خللا،يقال:«في الإناء ثلم»إذا انكسر من شفته شيء.

«العطاء» كما يثلم الخلق.

«و لا ينقصه» بالفتح،هنا متعدّ،و يأتي لازما يقال:«نقص الشيء و نقصته».

«الحباء» أي:العطاء،و كيف يثلمه عطاء،و ينقصه حباء،و هو الّذي إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون.

«و لا يستنفده» أي:لا يجعل ما عنده فانيا،يقال:«نفد الشيء»إذا أفني.

«سائل» «وَ لِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (2).

«و لا يستقصيه» أي:لا يبلغ أقصاه.

«نائل» أي:عطاء كالنوال .

«و لا يلويه» أي:لا يميله.

«شخص عن شخص» آخر كالنّاس.

«و لا يلهيه» آخر كالخلائق.

«و لا تحجزه» أي:لا تمنعه.

«هبة» لأحد.


1) 1)

2) 2) المنافقون:7. [2]

«عن سلب» عن آخر، «يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً» (1)

الشورى:49-50. [1]

.

«لا تولهه» أي:لا تغفله.

«رحمة» لأحد.

«عن عقاب» لآخر «إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَ ذُو عِقابٍ أَلِيمٍ» (2).

فإن قيل:إنّ غيره تعالى قد يهب لواحد،و يسلب آخر،و يغضب على رجل،و يرحم آخر،و يعاقب شخصا،و يترحم على آخر.فأيّ امتياز له تعالى؟ قلت:غيره تعالى يفعل ما ذكر على التعاقب على حسب حال تعرض له من حصول رقّة أو ثورة أو غيرهما،و هو تعالى يفعل جميع ذلك في وقت واحد بدون حصول تأثّر له.

«و لا تجنّه» بالفتح و الضمّ،قال الجوهري:جننت الميّت و أجننته،أي:

واريته (3).

«البطون عن الظهور،و لا تقطعه الظهور عن البطون» قال ابن أبي الحديد:

الظهور و البطون مصدران،تقول:ظهر ظهورا،و بطن بطونا (4).

قلت:و يحتمل أن يكونا جمع الظهر و البطن،و يكون المراد أنّ الخلائق إذا وردوا في بطون الأشياء تكون ظهورها عنهم مستورة و بالعكس،و الخالق ليس كذلك،بل بطون الأشياء و ظهورها عنده سواء .

«قرب» «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا»


1) 1)

2) 2) فصلت:43. [2]

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 5:2093 [3] مادة(جنن).

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:539 و النقل بالمعنى.

«دَعانِ» (1)

البقرة:186. [1]

.

«فنأى» أي:بعد «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً» (2).

«و علا» «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى وَ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى» (3).

«فدنا» أي:قرب «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (4).

«و ظهر فبطن» «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (5).

«و بطن فعلن» «قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (6).

و روى(توحيد الصدوق)عن أحمد بن محسن الميثمي،قال:كنت عند أبي منصور المتطبّب،فقال:أخبرني رجل من أصحابي،قال:كنت أنا و ابن أبي العوجاء،و عبد اللّه بن المقفّع في المسجد الحرام.فقال ابن المقفّع:ترون هذا الخلق؟-و أومأ بيده إلى موضع الطّواف-ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانية،إلاّ ذلك الشيخ الجالس-يعني جعفر بن محمّد عليه السّلام-فأما الباقون فرعاع و بهائم.فقال له ابن أبي العوجاء:و كيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ


1) 1)

2) 2) الأعراف:143. [2]

3) 3) الأعلى:1-4. [3]

4) 4) ق:16.

5) 5) الحديد ابراهيم:3. [4]

6) 6) :10.

دون هؤلاء؟قال:لأنّي رأيت عنده ما لم أر عندهم.فقال ابن أبي العوجاء:لا بدّ من اختبار ما قلت فيه منه.فقال له ابن المقفع:لا تفعل،فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك.فقال:ليس ذا رأيك،و لكنّك تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إيّاه المحلّ الّذي وصفت.فقال له ابن المقفّع:أمّا إذا توهّمت على هذا فقم إليه،و تحفظ ما استطعت من الزّلل،و لا تثن عنانك إلى استرسال يسلمك إلى عقال و سمه مالك أو عليك.قال:فقام ابن أبي العوجاء و بقيت أنا و ابن المقفّع فرجع إلينا و قال:يا بن المقفّع!ما هذا ببشر!و إن كان في الدنيا روحاني يتجسّد إذا شاء ظاهرا و يتروّح إذا شاء باطنا فهو هذا.فقال له:و كيف ذاك؟ فقال:جلست إليه فلمّا لم يبق عنده غيري ابتدأني،فقال:ان يكن الأمر على ما يقول هؤلاء،و هو على ما يقولون-يعني أهل الطّواف-فقد سلموا و عطبتم، و إن يكن أمر على ما تقولون و ليس كما تقولون فقد استويتم أنتم و هم.

فقلت له:يرحمك اللّه،و أيّ شيء نقول،و أيّ شيء يقولون؟ما قولي و قولهم إلاّ واحد.قال:فكيف يكون قولك و قولهم واحدا،و هم يقولون:إنّ لهم معادا و ثوابا و عقابا و يدينون بأنّ للسّماء إلها و أنّها عمران،و أنتم تزعمون أنّ السماء خراب ليس فيها أحد؟ قال:فاغتنمتها منه،فقلت له:ما منعه إن كان الأمر كما تقول أن يظهر لخلقه و يدعوهم إلى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان،و لم احتجب عنهم، و أرسل إليهم الرّسل،و لو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الايمان به؟ فقال لي:ويلك،و كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك:نشوءك و لم تكن،و كبرك بعد صغرك،و قوّتك بعد ضعفك،و ضعفك بعد قوّتك، و سقمك بعد صحتك،و صحتك بعد سقمك،و رضاك بعد غضبك،و غضبك بعد رضاك،و حزنك بعد فرحك،و فرحك بعد حزنك،و حبّك بعد بغضك،

و بغضك بعد حبّك،و عزمك بعد إبائك،و إباءك بعد عزمك،و شهوتك بعد كراهتك،و كراهتك بعد شهوتك،و رغبتك بعد رهبتك،و رهبتك بعد رغبتك، و رجاك بعد يأسك،و يأسك بعد رجاك،و خاطرك بما لم يكن في وهمك، و عزوب ما أنت معتقده عن ذهنك...و ما زال يعدّ عليّ قدرته التي هي في نفسي التي لا أدفعها حتّى ظننت أنّه سيظهر إلهه فيما بيني و بينه (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:125 ح 4،و [1]الكليني في الكافي 1:74 ح 2،و [2]قد مرّ الحديث في العنوان(4)من هذا الفصل.

.

«و دان» أي:جزى «فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (2).

«لم يدن» بلفظ المجهول،أي:و لم يجزه أحد،قال تعالى: «لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ » (3).

«لم يذرأ» الذّرء:الخلق المتفرّق الكثير،كما في قوله تعالى: «وَ ما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ» (4)، «وَ جَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَ الْأَنْعامِ نَصِيباً» (5)، «جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ مِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ» (6).

«الخلق» أي:مخلوقاته.

«باحتيال» و حيلة «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (7).

«و لا استعان بهم» أي:بخلقه.


1) 1)

2) 2) الواقعة:86-87. [3]

3) 3) الأنبياء:23. [4]

4) 4) النحل:13. [5]

5) 5) الأنعام:136. [6]

6) 6) الشورى:11. [7]

7) 7) يس:82. [8]

«لكلال» أي:عيّ و مسّ تعب،قال تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ» (1)

ق:38.

.

50

من الخطبة(89)

وَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا- وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَ السَّعَةِ-فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ- مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا- وَ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَ فَقِيرِهَا- ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا- وَ بِسَلاَمَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا- وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا- وَ خَلَقَ الْآجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا- وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا- وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا- وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا «و قدّر الأرزاق فكثّرها و قلّلها» «اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ » (2).

«و قسّمها على الضّيق و السّعة» «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» (3).

«فعدل فيها» لأنّ تقديره تعالى و تقسيمه عزّ و جلّ على وفق الحكمة،و في الخبر:من منعه تعالى منعه ما ليس له،و من أعطاه فإنّما أعطاه ما ليس له،فهو المتفضّل بما أعطى و العادل في ما منع،و لا يفعل إلاّ ما كان حكمة و صوابا، و من وجد في نفسه حرجا في شيء ممّا قضى فقد كفر (4).


1) 1)

2) 2) العنكبوت:62. [1]

3) 3) الزخرف:32. [2]

4) 4) أخرجه الصدوق في ذيل حديث في معنى لفظ(الجواد)في العيون 1:116 ح 41،و معاني الأخبار:256 ح 1،و الخصال: 43 ح 36.

«ليبتلي» أي:يمتحن.

«من أراد بميسورها و معسورها» أي:يمتحن بعضا بالميسور،و بعضا بالمعسور،و روى التوحيد عن أنس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله في حديث قال:قال تعالى:

و إنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالفقر،و لو أغنيته لأفسده ذلك،و إن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالغناء،و لو أفقرته لأفسده ذلك (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:400 ح 1،و علل الشرائع 1:12 ح 7،و [1]الكليني في الكافي 2:90 ح 4،و [2]قد مرّ في العنوان (45)من هذا الفصل.

.

«و ليختبر» أي:يمتحن.

«بذلك الشكر و الصبر من غنيّها و فقيرها» هل يشكر غنيّها،و هل يصبر فقيرها،و في(الكافي)عن الكاظم عليه السّلام يقول تعالى:إنّي لم أغن الغنيّ لكرامة به عليّ،و لم أفقر الفقير لهوان به عليّ،و ممّا ابتليت به الأغنياء بالفقراء،و لو لا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنّة (2).

«ثمّ قرن بسعتها عقابيل» جمع عقبول،و هي قرح صغار تخرج بالشفة من بقايا المرض،و المراد هنا الشدائد.

«فاقتها» فقالوا:الفقر الموت الأحمر،و لا شيء أمرّ منه .

«و بسلامتها طوارق» و الأصل في الطروق الإتيان ليلا،و هنا كناية عن البغتة.

«آفاتها» فحكمته اقتضت جعل الدّنيا كذلك لئلاّ يخلد النّاس إليها و ينسوا إلههم .

«و بفرج» بالضمّ فالفتح،جمع فرجة.


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 2:265 ح 20،و [3]الاسكافي في التمحيص:47 ح 69. [4]

«أفراحها» و مسارّها.

«غصص» الأصل في الغصّة اعتراض الطعام في الحلق.

«أتراحها» جمع التّرح ضدّ الفرح،و لم تر في الدّنيا فرحا لا يخلطه ترح، و الحكمة ما مرّ .

«و خلق الآجال فأطالها و قصّرها و قدّمها و أخّرها» بدون أن يطلع عليها أحدا، و الجاهل و العالم في ذلك سواء حتّى الأطباء،قال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » (1)

غافر:67. [1]

.

«و وصل بالموت أسبابها» أي:أسباب الآجال،و المراد الأمراض و الآفات .

«و جعله» أي:الموت.

«خالجا» أي:جاذبا.

«لأشطانها» أي:حبالها الطويلة .

«و قاطعا لمرائر» جمع مريرة،حبل اشتدّ فتله.

«أقرانها» أي:حبالها،و إضافة مرائر إليه من إضافة الصّفة، «وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ» (2).

51

من الخطبة(89)

فيها بعد ما مرّ:

عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ- وَ نَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ- وَ عُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ- وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ- وَ مَا ضَمِنَتْهُ


1) 1)

2) 2) الأعراف:34. [2]

أَكْنَانُ الْقُلُوبِ- وَ غَيَابَاتُ الْغُيُوبِ- وَ مَا أَصْغَتْ لاِسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ- وَ مَصَايِفُ الذَّرِّ وَ مَشَاتِي الْهَوَامِّ- وَ رَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ وَ هَمْسِ الْأَقْدَامِ- وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلاَئِجِ غُلُفِ الْأَكْمَامِ- وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَ أَوْدِيَتِهَا- وَ مُخْتَبَإِ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ وَ أَلْحِيَتِهَا- وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ- وَ مَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلاَبِ- وَ نَاشِئَةِ الْغُيُومِ وَ مُتَلاَحِمِهَا- وَ دُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا- وَ مَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا- وَ عَوْمِ بَنَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ- وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذُرَا شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ- وَ تَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ- وَ مَا أَوْعَبَتْهُ الْأَصْدَافُ- وَ حَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ- وَ مَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ- وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ- وَ سُبُحَاتُ النُّورِ وَ أَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ- وَ حِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ وَ رَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ- وَ تَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ وَ مُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ- وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ وَ هَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ- وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ- أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَ مُضْغَةٍ- أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَ سُلاَلَةٍ- لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ- وَ لاَ اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَهُ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ- وَ لاَ اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَ تَدْبِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلاَلَةٌ وَ لاَ فَتْرَةٌ- بَلْ نَفَذَ فِيهُمْ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُمْ عَدُّهُ- وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهُ وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ- مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ «عالم السّرّ» «يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى» (1)

طه:7. [1]

.

«من ضمائر المضمرين» «وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَ ما»


1) 1)

«يُعْلِنُونَ » (1)

النمل:74. [1]

.

«و نجوى المتخافتين» «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » (2).

«و خواطر رجم الظّنون» ممّا لا حقيقة له،و لا وجود له إلاّ في الخيال،قال الجوهري:الرّجم أن يتكلّم الرّجل بالظنّ.

قال تعالى: «رَجْماً بِالْغَيْبِ» (3)يقال:صار فلان رجما لا يوقف على حقيقة أمره (4).

«و عقد» بالضّمّ فالفتح جمع عقدة.

«عزيمات اليقين» أي:قطع يطابق الواقع .

«و مسارق» جمع مسرق،يقال:هو يسارق النظر.إذا اهتبل غفلته.

«إيماض» من أو مضت المرأة إذا ساقت النظر.

«الجفون» من العيون،و الأصل في كلامه عليه السّلام قوله تعالى: «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ » (5).

«و ما ضمنته» أي:جعلته في ضمنها.

«أكنان» جمع الكنّ،بمعنى السّترة.


1) 1)

2) 2) المجادلة:7. [2]

3) 3) الكهف:22. [3]

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 5:1928 [4] مادة(رجم).

5) 5) غافر:19. [5]

«القلوب» «وَ رَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَ ما يُعْلِنُونَ » (1)

القصص:69. [1]

.

«و غيابات» جمع الغيابة،يقال:غيابة الجب.أي:قعره.

«الغيوب» جمع الغيب خلاف الشهود،و الأصل في الغيب المطمئنّ من الأرض،قال لبيد في بقرة أكل السّبع ولدها:

و تسمّعت رزّ الأنيس فراعها عن ظهر غيب و الأنيس سقامها

(2)و الغيب ما غاب من العين يقال:شاة ذات غيب.إذا كانت ذات شحم، لتغيبه عن العين. قال تعالى: «فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ » (3).

«و ما أصغت» أي:استمعت.

«لاستراقه» من استرق السمع،أي:استمع مستخفيا كأنّه يسرق الخبر.

«مصائخ الأسماع» و المصائخ جمع المصيخة،ما فيها قوّة السّماع، و الأسماع جمع السمع،أي:الآذان السّمعية،قال تعالى: «وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ » (4).

«و مصائف الذّرّ» الذّرّ جمع ذرّة أصغر النّمل،و مصائفها مواضعها في الصيف .

«و مشاتي الهوامّ» الهوامّ جمع الهامّة،قال الجوهري:لا يقع اسم الهامّة إلاّ


1) 1)

2) 2) أورده لسان العرب 1:655 [2] مادة(غيب).

3) 3) البقرة:33. [3]

4) 4) الحجر:16-18. [4]

على المخوف من الأحناش.و مشاتيها مواضعها في الشتاء (1)

صحاح اللغة للجوهري 5:2062 [1] مادة(همم).

.

«و رجع الحنين» قال الجوهري:حنين النّاقة:صوتها في نزاعها إلى ولدها (2).

«من المولهات» جمع المولهة،أي:التي فرّق بينها و بين ولدها فهي عليه و الهة .

«و همس الأقدام» أي:أخفى صوتها،قال تعالى: «فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً » (3).

«و منفسح الثمرة» أي:متّسعها.

«من ولائج» جمع الوليجة،أي:مداخل.

«غلف» بضمّتين:جمع غلاف.

«الأكمام» جمع الكمّ،بالكسر وعاء الطّلع و غطاء النّور،قال:

بوائج في أكمامها لم تفتّق

(4). و أما الكمّ بالضّمّ فهو كمّ القميص،و ليس بمراد هنا .

«و منقمع» أي:مختفى.

«الوحوش» أي:حيوانات البرّ.

«من غيران» بالكسر جمع غار كالكهف في الجبل.

«الجبال و أوديتها» جمع الوادي،و في(المصباح):الوادي:كلّ منفرج بين


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 5:2104 [2] مادة(حنن).

3) 3) طه:108. [3]

4) 4) أورده لسان العرب 12:526 [4] مادة(كمم)،و نسبه إلى الشمّاخ و صدره: قضيت أمورا ثم غادرت بعدها .

جبال أو آكام يكون منفذا للسّيل (1)

المصباح المنير 2:372 [1] مادة(ودي).

.

«و مختبأ» أي:مختفى.

«البعوض» قال الجوهريّ:البعوض البق (2).

«بين سوق» بالضّمّ،جمع ساق.

«الأشجار و ألحيتها» بفتح الهمزة،جمع اللّحاء:قشر الشّجر .

«و مغرز» من غرزت الشيء بالإبرة.

«الأوراق» جمع الورق،و المراد ورق الشجر.

«من الأفنان» جمع الفنّ:غصن الشجر .

«و محطّ» أي:محلّ نزول.

«الأمشاج» أي:نطفة الرّجل و المرأة،جمع المشيج،مثل يتيم و أيتام، يقال:نطفة أمشاج.لماء الرجل يختلط بماء المرأة و دمها.

قال تعالى: «إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ» (3).

«من مسارب» جمع مسرب،أي:مجرى.

«الأصلاب» قال تعالى: «يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ » (4).

«و ناشئة» قال الجوهري:النّشء أوّل ما ينشأ من السّحاب (5).

«الغيوم» جمع الغيم،يقال:غامت السّماء،إذا أطبق بها السحاب.

«و متلاحمها» أي:متضاعفها .

«و درور» أي:سيلان.


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 3:1066 مادة(بعض).

3) 3) الإنسان:2. [2]

4) 4) الطارق:7. [3]

5) 5) صحاح اللغة للجوهري 1:77 [4] مادة(نشأ).

«قطر السّحاب في متراكمها» أي:مجتمعها،و ركوب بعضها بعضا .

«و ما تسفي» من سفت الرّيح التّراب إذا ذرته.

«الأعاصير» جمع الإعصار،و هو ريح تثير الغبار فيرتفع إلى السماء كأنّه عمود،قال تعالى: «فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ» (1)

البقرة:266. [1]

.

و يقال:هو ريح تثير سحابا ذات رعد و برق.

«بذيولها» التي تلاقي الأرض .

«و تعفو» من عفت الرّيح المنزل:درسته.

«الأمطار بسيولها» أي:السّيول الحاصلة منها .

«و عوم» أي:سباحة.

«بنات الأرض» روي«نبات»بتقديم النّون (2)،فتكون إضافة العوم إليه مجازا،و بتقديم الباء فيكون المراد بها الحشرات و الهوامّ التي تكون في تلال الرّمال،فتكون نسبة العوم إليها استعارة.

«في كثبان الرمال» أي:تلالها،قال الجوهري:كلّ ما انصبّ في شيء فقد انكثب فيه،و منه سمّي الكثيب من الرّمل،لأنّه انصبّ في مكان فاجتمع فيه، و الجمع:الكثبان (3).

«و مستقرّ ذوات الأجنحة» أي:الطيور.

«بذرى» بالضّمّ،جمع ذروة،أي:أعالي.

«شناخيب الجبال» أي:رؤوسها .

«و تغريد» من غرّد الطائر اذا صوّت و غنّى.


1) 1)

2) 2) نقل هذه الرواية ابن ميثم في شرحه 2:383.

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 1:209 [2] مادة(كثب).

«ذوات المنطق» أي:طيور تتغنّى،و ليس كلّ طير كذلك.

«في دياجير» جمع ديجور،أي:ظلمة.

«الأوكار» جمع الوكر:عشّ الطائر .

«و ما أوعبته» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و ما أوعته)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطيّة) (1)

كذا في شرح الخوئي 3:131،لكن في شرح ابن أبي الحديد 2:167،و شرح ابن ميثم 2:367«ما أوعبته»أيضا.

،و قالوا:و في نسخة«و ما أودعته» (2).و معنى(ما أوعته):جعلت له وعاء.

«الأصداف» جمع الصّدف:غشاء الدّرّة .

«و حضنت» من:حضن الطائر بيضه،إذا ضمّه إلى نفسه تحت جناحه، و كذلك المرأة إذا حضنت ولدها.

«عليه أمواج البحار» يفهم من كلامه عليه السّلام أنّ أمواج البحار تربّي أشياء حيّة و غير حيّة .

«و ما غشيته» أي:حوته.

«سدفة» أي:ظلمة.

«ليل» قال النّابغة:

فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي و إن خلت أن المنتأى عنك واسع

(3)«أو ذرّ» من ذرّت الشّمس،أي:طلعت. «عليه شارق» أي:طالع،يقال:لا آتيك ما ذرّ شارق.

«نهار» و المراد بشارق النّهار:الشّمس .

«و ما اعتقبت» أي:تعاقبت.


1) 1)

2) 2) أمّا ابن أبي الحديد فأورد في متن الخطبة في 2:167«أوعبته»،و عند شرح الفقرة في:167«ما أودعته»و لم يصرّح إلى كونه في نسخة أخرى،و الظاهر غلط الناسخ،و أما ابن ميثم و الخوئي فلم نجد في شرحيهما هذه الرواية أصلا.

3) 3) أورده التفتازاني في المطول:286 باب الإيجاز و الإطناب و المساواة. [1]

«عليه أطباق» أي:طبقات.

«الدّياجير» أي:الظلم .

«و سبحات النّور» أي:أشعّته .

«و أثر كلّ خطوة» أي:قدم .

«و حسّ» أي:صوت خفي.

«كلّ حركة» من كلّ متحرك .

«و رجع كلّ كلمة» أي:أثرها في الهواء بالتموّج .

«و تحريك كلّ شفة» بكلام جهر أو خفي .

«و مستقرّ كلّ نسمة» أي:كلّ نفس إنسانا أو غيره،قال تعالى: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » (1)

هود:6. [1]

.

«و مثقال كلّ ذرّة» «وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (2).

«و هماهم» جمع همهمة،ترديد الصّوت في الصدر.

«كلّ نفس هامّة» بالتّشديد،أي:قاصدة لشيء لا تدري تفعله أم لا،قال الشاعر:

هممت و لم أفعل و كدت و ليتني تركت على عثمان تبكي حلائله

(3)«و ما عليها من ثمر شجرة» هكذا في النسخ (4)،و قال ابن أبي الحديد:«و ما عليها»أي:ما على الأرض،فجاء بالضمير و لم يسبق ذكر صاحبه اعتمادا على


1) 1)

2) 2) يونس:61. [2]

3) 3) أورده الزمخشري في الكشاف 2:455. [3]

4) 4) نهج البلاغة 1:180،و [4]شرح ابن أبي الحديد 2:167،و [5]شرح ابن ميثم 2:368.

فهم المخاطب،كما قال تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ» (1)

شرح ابن أبي الحديد [1] 2:169،و الآية(26)من سورة الرحمن.

.

قلت:و الأظهر حصول سقط في الكلام أو تقديم و تأخير أو تحريف،و لا يبعد أن يكون الأصل(و ما ينع من ثمر شجرة)من قوله تعالى: «انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ يَنْعِهِ» (2)،و إلاّ فمقتضى السياق أن يكون(قرارة نطفة)و ما بعده عطفا على(ثمر شجرة)كقوله:«ساقط ورقة»و لا معنى له .

«أو ساقط ورقة» «وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » (3).

«أو قرارة نطفة» «ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ » (4).

«أو نقاعة دم» الظاهر أنّ المراد بنقاعة دم:العلقة،بقرينة ذكر النّطفة قبلها و المضغة بعدها.

و قال الجوهري:دم ناقع،أي:طريّ،قال الشاعر قسام بن روامة:

و ما زال من قتلي رزاح بعالج دم ناقع أو جاسد غير ما صح

و قال أبو سعيد:يريد بالنّاقع الطّريّ،و بالجاسد القديم (5).

«و مضغة» أي:قطعة لحم،قال تعالى: «ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً » (6).

«أو ناشئة خلق» و المراد نطفة تصير منشأ مولود،و ليس كلّ نطفة كذلك.


1) 1)

2) 2) الأنعام:99. [2]

3) 3) الأنعام:59. [3]

4) 4) المؤمنون:13. [4]

5) 5) صحاح اللغة للجوهري 3:1292 [5] مادة(نقع).

6) 6) المؤمنون:14. [6]

«و سلالة» أي:الخلاصة،قال تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ » (1)

المؤمنون:12. [1]

.

«لم يلحقه» هكذا في(المصريّة)،و الصواب:(لم تلحقه)كما في(ابن أبي الحديد و الخطية) (2).

«في ذلك كلفة» أي:مشقّة،قال تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ » (3).

«و لا اعترضته في حفظ ما ابتدعه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(ما ابتدع)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (4).

«من خلقه عارضة» تمنعه من الحفظ،قال تعالى: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ » (5).

«و لا اعتورته» أي:لا اعترضته.

«في تنفيذ الأمور» و إمضائها.

«و تدبير المخلوقين» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و تدابير المخلوقين)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطيّة) (6).

«ملالة و لا فترة» أي:ضعف،و كيف تلحقه كلفة أو تعترضه عارضة أو تعتوره فترة في خلقه و أمره،و هو الّذي إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون؟!


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 2:167،و شرح ابن ميثم 2:368« [2]لم يلحقه»أيضا.

3) 3) ق:38.

4) 4) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:167،لكن في شرح ابن ميثم 2:368« [3]ما ابتدعه»أيضا.

5) 5) البقرة:255. [4]

6) 6) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:167،و شرح الخوئي 3:131،لكن في شرح ابن ميثم 2:368«تدبير»أيضا.

«بل نفذ فيهم علمه» «يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ » (1)

البقرة:255. [1]

.

«و أحصاهم عدّه» «لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا » (2).

«و وسعهم عدله» «وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » (3).

«و غمرهم» من غمره الماء إذا علاه.

«فضله» «وَ لَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ » (4).

«مع تقصيرهم عن كنه» أي:حقيقة.

«ما هو أهله» «وَ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ» (5).

هذا،و قال ابن أبي الحديد بعد نقل هذا العنوان:لو سمع النّضر بن كنانة هذا الكلام لقال لقائله ما قاله عليّ بن إسماعيل بن جريح لإسماعيل بن بلبل:

قالوا أبو الصّقر من شيبان قلت لهم كلاّ و لكن لعمري منه شيبان

و كم أب قد علا بابن ذرى شرف كما علا برسول اللّه عدنان

إذن كان يفتخر به على عدنان و قحطان بل كان يقرّ به عين أبيه إبراهيم خليل الرّحمن،و يقول له:إنّه لم يعف ما شيّدت من معالم التوحيد،بل أخرج اللّه لك من ظهري ولدا ابتدع من علوم التوحيد في جاهلية العرب ما لم تبتدعه أنت في جاهليّة النّبط،بل لو سمع هذا الكلام أرسطا طاليس القائل بأنّه تعالى لا


1) 1)

2) 2) مريم:94. [2]

3) 3) الأنعام:115. [3]

4) 4) البقرة:251. [4]

5) 5) الزمر:67. [5]

يعلم الجزئيات لخشع قلبه وقفّ شعره،و اضطرب فكره.ألا ترى ما عليه من الرّواء و المهابة،و العظمة،و الفخامة،و المتانة و الجزالة،مع ما قد أشرب من الحلاوة و الطّلاوة،و اللطف و السّلاسة،و لا أرى كلاما يشبه هذا إلاّ أن يكون كلام الخالق سبحانه،فإنّ هذا الكلام نبعة من تلك الشجرة،و جدول من ذلك البحر،و جذوة من تلك النّار،و كأنّه عليه السّلام شرح قوله تعالى: «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:167، [1]مرّ نقله و تحقيق ما نقل عن ارسطا طاليس في شرح خطبة الرضي،و الآية(59)من سورة الأنعام. [2]

.

قلت:قد أجاد في ما أفاد،لكن عرفت ممّا نقلنا من الآيات في شرح الفقرات أنّ كلامه عليه السّلام تفسير لما قاله من الآية و لآيات أخر.

52

الحكمة(470)

و قال عليه السّلام-في نسخة-و سئل عن التّوحيد و العدل،فقال عليه السّلام:

التَّوْحِيدُ أَلاَّ تَتَوَهَّمَهُ وَ الْعَدْلُ أَلاَّ تَتَّهِمَهُ و أقول:و قال الصادق عليه السّلام:أمّا التّوحيد فأن لا تجوز على ربّك ما جاز عليك،و أمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه (2).

و في الخبر:أنّ أبا الصّلت الهرويّ قال للرّضا عليه السّلام:لأيّ علّة أغرق اللّه تعالى الدنيا كلّها في زمن نوح عليه السّلام و فيهم الأطفال و من لا ذنب له؟فقال:ما كان فيهم الأطفال لأنّ اللّه تعالى أعقم أصلاب قوم نوح عليه السّلام و أرحام نسائهم أربعين عاما،فانقطع نسلهم فغرقوا و لا طفل فيهم،و ما كان اللّه تعالى ليهلك


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق في التوحيد:96 ح 1.

بعذابه من لا ذنب له،و أمّا الباقون من قوم نوح عليه السّلام فأغرقوا لتكذيبهم لنبيّ اللّه نوح عليه السّلام،و سائرهم أغرقوا برضاهم بتكذيب المكذّبين،و من غاب عن أمر فرضي به كان كمن شهده و أتاه (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:392 ح 2،و العيون 2:74 ح 2،و [1]علل الشرائع 1:30 ح 1. [2]

.

53

من الخطبة(212)

و من خطبة له عليه السّلام:

وَ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ وَ حَكَمٌ فَصَلَ أقول:قال ابن أبي الحديد ابن أبي الحديد-شرح نهج البلاغه-ج 3 ص 23 :الضمير في(أنّه)يرجع إلى القضاء و القدر المذكور في صدر هذه الخطبة،و لم يذكره الرّضي رحمه اللّه (2).

قلت:إن وجد،فالخطبة كما ذكر،و إلاّ فنقول:إنّ الضمير فيه يرجع إليه تعالى،و لو كان راجعا إلى القدر كما ذكر لكانت القاعدة أن يقول:«عدل عدل فيه،و حكم فصل فيه»و لا يحتاج إلى تكلّف أنّه نسب العدل إلى القضاء مجازا، و حينئذ ف‍(عدل)بمعنى:عادل،و استعماله كذلك كثير،كالخلق بمعنى المخلوق،و(حكم)بفتحتين،بمعنى:الحاكم.

و في الخبر:أنّ يهوديا سأله عليه السّلام عمّا ليس للّه،و عمّا ليس عند اللّه،و عمّا لا يعلمه اللّه.

فقال علي عليه السّلام:أمّا ما لا يعلمه اللّه فذلك قولكم يا معشر اليهود:عزير ابن اللّه.و اللّه لا يعلم له ولدا،و أمّا ما ليس عند اللّه فليس عند اللّه ظلم للعبيد،و أمّا ما ليس للّه فليس للّه شريك.أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه،و أنّ محمّدا رسول اللّه (3).


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:23. [3]

3) 3) أخرجه صاحب صحيفة الرضا عليه السّلام فيه:84 ح 193،و الصدوق في التوحيد:377 ح 23 و العيون 1:116 ح 40،و 2: [4]45 ح 172 بطريقين،و أبو علي الطوسي في أماليه 1:282 المجلس(10)،و [5]أخرجه ضمن حديث طويل محمد بن علي بن إبراهيم في عجائب الأحكام:101 ح 170،و رواه الطبرسي في الاحتجاج 1:207. [6]

و ورد أنّ أبا حنيفة خرج من عند الصادق عليه السّلام فاستقبله الكاظم عليه السّلام و هو يومئذ غلام،فقال له:يا غلام!ممّن المعصية)فقال:لا يخلو من ثلاث:إمّا أن يكون من اللّه تعالى-و ليست منه-فلا ينبغي للكريم أن يعذّب عبده بما لا يكتسبه،و إمّا أن يكون من اللّه و من العبد-و ليس كذلك-فليس ينبغي للشريك القويّ أن يظلم الشريك الضعيف،و إمّا أن يكون من العبد-و هي منه-فإن عاقبه اللّه فبذنبه،و إن عفا عنه فبكرمه و جوده (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:96 ح 2،و العيون 1:113 ح 37،و [1]أماليه:334 ح 4 المجلس(64)،و [2]المرتضى في الفصول 1:43،و الكراجكي في كنز الفوائد:171،و ابن شعبة في تحف العقول:411،و [3]رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:387. [4]

.

هذا،و ممّا يدخل في موضوع كتابه،و لم ينقله ممّا هو راجع إلى التوحيد ما رواه الكليني عن البرقيّ و العطّار مرفوعا،و الصدوق في اسنادين عن الصادق عليه السّلام أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام استنهض الناس في حرب معاوية في المرّة الثانية فلمّا حشد الناس قام خطيبا،فقال:

«الحمد للّه الواحد الأحد الصمد،المتفرّد الّذي لا من شيء كان،و لا من شيء خلق ما كان،قدرة بان بها من الأشياء،و بانت الأشياء منه،فليست له صفة تنال،و لا حدّ يضرب له فيه الأمثال،كلّ دون صفاته تحبير اللّغات،و ضلّ هناك تصاريف الصّفات،و حار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير،و انقطع دون الرّسوخ في علمه جوامع التفسير،و حال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب،تاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول في لطيفات الأمور،فتبارك اللّه الّذي لا يبلغه بعد الهمم،و لا يناله غوص الفطن،و تعالى الذي ليس له وقت معدود،و لا أجل ممدود،و لا نعت محدود.سبحان الّذي ليس له أوّل مبتدأ،و لا غاية منتهى،و لا آخر يفنى،سبحانه هو كما وصف نفسه،و الواصفون لا


1) 1)

يبلغون نعته،و حدّ الأشياء كلّها عند خلقه إبانة لها من شبهه،و إبانة له من شبهها،لم يحلل فيها فيقال هو فيها كائن،و لم ينأ عنها فيقال هو منها بائن، و لم يخل منها فيقال له أين،لكنّه سبحانه أحاط بها علمه،و أتقنها صنعه، و أحصاها حفظه،لم يعزب عنه خفيّات غيوب الهوى،و لا غوامض مكنون ظلم الدّجى،و لا ما في السماوات العلى إلى الأرضين السّفلى.

لكلّ شيء منها حافظ و رقيب،و كلّ شيء منها بشيء محيط،و المحيط بما أحاط منها،الواحد الأحد الصّمد،الّذي لا يغيّره صروف الزّمان،و لا يتكأده صنع شيء كان،إنّما قال لما شاء كن فكان.

ابتدع ما خلق بلا مثال سبق،و لا تعب و لا نصب،و كلّ صانع شيء،فمن شيء صنع،و اللّه لا من شيء صنع ما خلق،و كلّ عالم فمن بعد جهل تعلّم،و اللّه لم يجهل و لم يتعلّم،أحاط بالأشياء علما قبل كونها،فلم يزدد بكونها علما علمه بها قبل أن يكوّنها كعلمه بعد تكوينها،لم يكوّنها لتشديد سلطان،و لا خوف من زوال و نقصان،و لا استعانة على ضدّ مناو،و لا ندّ مكاثر،و لا شريك مكابر،لكن خلائق مربوبون،و عباد داخرون.

فسبحان الّذي لا يئوده خلق ما ابتدأ،و لا تدبير ما برأ،و لا من عجز و لا من فترة بما خلق اكتفى،علم ما خلق،و خلق ما علم،لا بالتفكير في علم حادث أصاب ما خلق،و لا شبهة دخلت عليه في ما لم يخلق،لكن قضاء مبرم،و علم محكم،و أمر متقن،توحّد بالرّبوبية،و خصّ نفسه بالوحدانيّة،و استخلص بالمجد و الثناء،و تفرّد بالتّوحيد و المجد و الثناء،و توحّد بالتحميد،و تمجّد بالتّمجيد،و علا عن اتّخاذ الأبناء،و تطهّر و تقدّس عن ملامسة النساء، و عزّ و جلّ عن مجاورة الشركاء.

فليس له في ما خلق ضدّ،و لا له في ما ملك ندّ،و لم يشركه في ملكه أحد.

الواحد الأحد الصمد،المبيد للأبد،و الوارث للأمد،الّذي لم يزل و لا يزال وحدانيّا أزليّا قبل بدء الدهور،و بعد صرف الأمور،الّذي لا يبيد و لا ينفد.

بذلك أصف ربّي،فلا إله إلاّ اللّه من عظيم ما أعظمه،و من جليل ما أجلّه، و من عزيز ما أعزّه،و تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علّوا كبيرا» (1)

أخرجها الكليني في الكافي 1:134 ح 1،و [1]الصدوق في التوحيد:41 ح 3. [2]

.

لكن مرّ بعض فقراتها في العناوين المتقدّمة باتّفاق و اختلاف.

و ما روياه بأسنادهما عن محمّد البرقي،عن أحمد بن النضر و غيره، عن عمرو بن ثابت (2)،عن رجل سمّاه،عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور قال:خطب أمير المؤمنين عليه السّلام خطبة بعد العصر فعجب النّاس من حسن صفته،و ما ذكره من تعظيم اللّه تعالى.قال أبو إسحاق:فقلت للحارث:

أو ما حفظتها؟قال:كتبتها.فأملاها علينا من كتابه:

«الحمد للّه الّذي لا يموت،و لا تنقضي عجائبه،لأنّه كلّ يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن،الّذي لم يلد فيكون في العزّ مشاركا،و لم يولد فيكون موروثا هالكا،و لم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحا ماثلا،و لم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلا.الذي ليست في أوّليّته نهاية،و لا لآخريته حدّ و لا غاية،الّذي لم يسبقه وقت و لم يتقدّمه زمان،و لا يتعاوره زيادة و لا نقصان، و لا يوصف بأين و لا بم و لا مكان.الّذي بطن من خفيّات الأمور،و ظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير.الّذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحدّ،و لا ببعض،بل وصفته بفعاله،و دلّت عليه بآياته.لا تستطيع عقول


1) 1)

2) 2) كذا في التوحيد، [3]لكن في الكافي [4]احمد بن النضر،و غيره عمّن ذكره عن عمرو بن ثابت،و الظاهر أن رواية أحمد عن عمرو بغير واسطة كما يشهد عليه النظر في الطبقات،و ما أخرجه البرقي في المحاسن:583 ح 71،و الكليني في الكافي 6:385 ح 2 [5] عن أحمد بن النضر عن عمرو بن أبي المقدام(و أبو المقدام كنية ثابت أبيه)،قال:رأيت أبا جعفر عليه السّلام و هو يشرب في قدح من خزف.

المتفكّرين جحده،لأنّ من كانت السّماوات و الأرض فطرته،و ما فيهنّ و ما بينهنّ،و هو الصانع لهنّ،فلا مدفع لقدرته.الّذي نأى من الخلق فلا شيء كمثله، الّذي خلق الخلق لعبادته،و أقدرهم على طاعته بما جعل فيهم،و قطع عذرهم بالحجج،فعن بيّنة هلك من هلك،و بمنّه نجا من نجا،و للّه الفضل مبدئا و معيدا، ثمّ إنّ اللّه-و له الحمد-افتتح الحمد لنفسه،و ختم أمر الدّنيا و محلّ الآخرة بالحمد لنفسه،فقال: «وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (1)

الزمر:75. [1]

.

الحمد للّه اللاّبس الكبرياء بلا تجسّد،و المرتدي بالجلال بلا تمثيل، و المستوي على العرش بغير زوال،و المتعالي على الخلق بلا تباعد منهم و لا ملامسة منه لهم،ليس له حدّ ينتهى إلى حدّه،و لا له مثل فيعرف بمثله،ذلّ من تجبّر غيره،و صغر من تكبّر دونه،و تواضعت الأشياء لعظمته،و انقادت لسلطانه و عزّته،و كلّت عن إدراكه طروف العيون،و قصرت دون بلوغ صفته أوهام الخلائق.الأوّل قبل كلّ شيء و لا قبل له،و الآخر بعد كلّ شيء و لا بعد له.

الظاهر على كلّ شيء بالقهر له،و المشاهد لجميع الأماكن بلا انتقال إليها،لا تلمسه لا مسة و لا تحسّه حاسّة. «هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ» (2)أتقن ما أراد من خلقه من الأشباح كلّها لا بمثال سبق إليه، و لا لغوب دخل عليه في خلق ما خلق لديه،ابتدأ ما أراد ابتداءه،و أنشأ ما أراد إنشاءه،على ما أراد من الثّقلين الجنّ و الإنس،ليعرفوا بذلك ربوبيّته،و تمكّن فيهم طاعته.

نحمده بجميع محامده كلّها على جميع نعمائه كلّها،و نستهديه لمراشد أمورنا،و نعوذ به من سيّئات أعمالنا،و نستغفره للذّنوب الّتي سبقت منّا...».


1) 1)

2) 2) الزخرف:84. [2]

و هي أيضا كسابقتها في اشتمال العناوين المتقدّمة على بعض فقراتها.

و ما رواه الصدوق مسندا عن الرضا عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام:خطب أمير المؤمنين عليه السّلام النّاس في مسجد الكوفة،فقال:

«الحمد للّه الذي لا من شيء كان،و لا من شيء كوّن ما قد كان،مستشهد بحدوث الأشياء عن أزليّته،و بما وسمها به من العجز على قدرته،و بما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه،لم يخل منه مكان فيدرك بأينيّته،و لا له شبه مثال فيوصف بكيفيّته،و لم يغب عن علمه شيء فيعلم بحيثيّته،مباين لجميع ما أحدث في الصفات،و ممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الذّوات،و خارج بالكبرياء و العظمة من جميع تصرّف الحالات،محرّم على بوارع ثاقبات الفطن تحديده،و على عوامق ناقبات الفكر تكييفه،و على غوائص سابحات الفطر تصويره،لا تحويه الأماكن لعظمته،و لا تذرعه المقادير لجلاله،و لا تقطعه المتقاييس لكبريائه.ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه، و عن الأفهام أن تستغرقه،و عن الأذهان أن تمثّله،قد يئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول،و نضبت عن الإشارة إليه بالاكتناه بحار العلوم، و رجعت بالصّغر عن السّموّ إلى وصف قدرته لطائف الخصوم.

واحد لا من عدد،و دائم لا بأمد،و قائم لا بعمد،ليس بجنس فتعادله الأجناس،و لا بشبح فتضارعه الأشباح،و لا كالأشياء فتقع عليه الصفات،قد ضلّت العقول في أمواج تيّار إدراكه،و تحيّرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليّته، و حصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته،و غرقت الأذهان في لجج أفلاك ملكوته.مقتدر بالآلاء،و ممتنع بالكبرياء و متملّك على الأشياء،فلا دهر يخلقه، و لا وصف يحيط به،قد خضعت له ثوابت الصعاب في محلّ تخوم قرارها،

و أذعنت له رواصن الأسباب في منتهى شواهق أقطارها.مستشهد بكلّية الأجناس على ربوبيته،و بعجزها على قدرته،و بفطورها على قدمته،و بزوالها على بقائه،فلا لها محيص عن إدراكه إيّاها،و لا خروج من إحاطته بها،و لا احتجاب عن إحصائه لها،و لا امتناع من قدرته عليها.كفى بإتقان الصنع لها آية،و بمركب الطبع عليها دلالة،و بحدوث الفطر عليها قدمة،و بإحكام الصّنعة لها عبرة.فلا إليه حدّ منسوب،و لا له مثل مضروب،و لا شيء عنه محجوب.

تعالى عن ضرب الأمثال و الصفات المخلوقة علوّا كبيرا» (1)

أخرجه الصدوق في التوحيد:69 ح 26،و [1]العيون 1:99 ح 15. [2]

.

و ما رواه أيضا مسندا عن الباقر عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام،قال:أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة خطبها بعد موت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بسبعة أيّام،و ذلك حين فرغ من جمع القرآن،فقال:

«الحمد للّه الّذي أعجز الأوهام أن تنال إلاّ وجوده،و حجب العقول أن تتخيل ذاته في امتناعها من الشبه و الشكل،بل هو الّذي لم يتفاوت في ذاته، و لم يتبعّض بتجزئة العدد في كماله.فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن، و تمكّن منها لا على الممازجة،و علمها لا بأداة لا يكون العلم إلاّ بها،و ليس بينه و بين معلومه علم غيره.إن قيل:كان فعلى تأويل أزليّة الوجود،و إن قيل:لم يزل فعلى تأويل نفي العدم.فسبحانه و تعالى عن قول من عبد سواه،و اتّخذ إلها غيره علوّا كبيرا» (2).

و رواه(الروضة)و(التحف)واصفين له بالخطبة المعروفة بالوسيلة (3).


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق في التوحيد:79 ح 27. [3]

3) 3) أخرجه الكليني في الكافي 8:18 ح 4،و [4]ابن شعبة في تحف العقول:92 باختلاف كثير.

و ما رواه(الروضة)بعنوان الخطبة الطالوتيّة مسندا عن ابن التيهان أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام خطب الناس بالمدينة،فقال:

«الحمد للّه الذي لا إله إلاّ هو،كان حيّا بلا كيف،و لم يكن له كان،و لا كان لكانه كيف،و لا كان له أين،و لا كان في شيء،و لا كان على شيء،و لا ابتدع لكانه مكانا،و لا قوي بعد ما كوّن شيئا،و لا كان ضعيفا قبل أن يكوّن شيئا،و لا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا،و لا يشبه شيئا و لا كان خلوا عن الملك قبل إنشائه،و لا يكون خلوا منه بعد ذهابه.

كان إلها حيّا بلا حياة،و مالكا قبل أن ينشئ شيئا،و مالكا بعد إنشائه للكون،و ليس يكون للّه كيف،و لا أين،و لا حدّ يعرف،و لا شيء يشبهه،و لا يهرم لطول بقائه،و لا يضعف لذعرة،و لا يخاف كما تخاف خليقته من شيء، و لكن سميع بغير سمع،و بصير بغير بصر،و قوّي بغير قوّة من خلقه،لا تدركه حدق الناظرين،و لا يحيط بسمعه سمع السّامعين.إذا أراد شيئا كان بلا مشورة،و لا مظاهرة و لا مخابرة،و لا يسأل أحدا عن شيء من خلقه أراده» (1)

أخرجه الكليني في الكافي 8:31 ح 5. [1]

.

و ما رواه أيضا مسندا عن الباقر عليه السّلام،قال:خطب أمير المؤمنين عليه السّلام فقال:

«الحمد للّه الخافض الرّافع،الضارّ النّافع،الجواد الواسع،الجليل ثناؤه، الصّادقة أسماؤه،المحيط بالغيوب،و ما يخطر على القلوب،الذي جعل الموت بين خلقه عدلا و أنعم بالحياة عليهم فضلا،فأحيا و أمات،و قدّر الأقوات، أحكمها بعلمه تقديرا،و أتقنها بحكمته تدبيرا،إنّه كان خبيرا بصيرا،هو الدّائم بلا فناء،و الباقي إلى غير منتهى.يعلم ما في الأرض و ما في السماء، «وَ ما»


1) 1)

«بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى» (1)

أخرجه الكليني في الكافي 8:170 ح 193،و الآية(6) [1]من سورة طه.

.

و ما رواه مسندا عن الصادق عليه السّلام أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام خطب يوم الجمعة،فقال:

«الحمد للّه أهل الحمد،و وليّه و منتهى الحمد و محلّه،البدء البديع،الأجلّ الأعظم،و الأعزّ الأكرم،المتوحّد بالكبرياء،و المتفرّد بالآلاء،القاهر بعزّه، و المسلّط بقهره،الممتنع بقوّته،المهيمن بقدرته،و المتعالي فوق كلّ شيء بجبروته،المحمود بامتنانه و بإحسانه،المتفضّل بعطائه،و جزيل فوائده، الموسّع برزقه،المسبغ بنعمه،نحمده على آلائه،و تظاهر نعمائه،حمدا يزن عظمة جلاله،و يملأ قدر آلائه و كبريائه» (2).

و ما رواه المسعودي في(إثباته)مرسلا من خطبته عليه السّلام في انتقال نور النبي صلّى اللّه عليه و آله:

«الحمد للّه الّذي توحّد بصنع الأشياء،و فطر أجناس البرايا على غير مثال سبقه في إنشائها،و لا إعانة معين على ابتداعها،بل ابتداعها بلطف قدرته، فامتثلت لمشيّته خاضعة مستحدثة لأمره.الواحد الأحد،الدائم بغير حدّ و لا أمد،و لا زوال و لا نفاد،و كذلك لم يزل و لا يزال.لا تغيّره الأزمنة،و لا تحيط به الأمكنة،و لا تبلغ مقامه الألسنة،و «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ» (3).لم تره العيون فتخبر عنه برؤيته،و لم تهجم عليه العقول فيتوهم كنه صفته،و لم تدر كيف هو إلاّ بما أخبر عن نفسه.ليس لقضائه مردّ،و لا لقوله مكذّب.

ابتدع الأشياء بغير تفكير،و خلقها بلا ظهير و لا وزير،فطرها بقدرته، و صيّرها بمشيّته،و صاغ أشباحها،و برأ أرواحها،و استنبط أجناسها،خلقا


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 8:173 ح 194. [2]

3) 3) البقرة:255. [3]

مبروّا مذروّا في أقطار السماوات و الأرضين،لم يأت بشيء على غير ما أراد أن يأتي عليه،ليرى عباده آيات جلاله و آلائه.فسبحانه لا إله إلاّ هو الواحد القهّار-إلى أن قال-لقد لطف علمك،و جلّت قدرتك عن التفسير،إلاّ بما دعوت إليه من الاقرار بربوبيّتك و أشهد أن الأعين لا تدركك،و الأوهام لا تلحقك، و العقول لا تصفك،و المكان لا يسعك،و كيف يسع المكان من خلقه و كان قبله، أم كيف تدركه الأوهام،و كيف تؤمر الأوهام،و لا نهاية له و لا غاية،و كيف يكون له نهاية و غاية،و هو الّذي ابتدأ الغايات و النّهايات،أم كيف تدركه العقول،و لم يجعل لها سبيلا إلى إدراكه،و كيف يكون لها سبيل إلى إدراكه، و قد لطف بربوبيّته عن المحاسّة و المجاسّة،و كيف لا يلطف عنهما من لا ينتقل عن حال إلى حال،و قد جعل الانتقال نقصا و زوالا؟! فسبحانك ملأت كلّ شيء،و باينت كلّ شيء.فأنت الّذي لا يفقدك شيء، و أنت الفعّال لما تشاء،تباركت يا من كلّ مدرك من خلقه،و كلّ محدود من صنعه.أنت الّذي لا يستغني عنك المكان و الزمان،و لا نعرفك إلاّ بانفرادك بالوحدانيّة و القدرة» (1)

أخرجه المسعودي في إثبات الوصية:106. [1]

.

و ما نقله البحراني في(الصحيفة العلويّة):

«الحمد للّه أوّل محمود،و آخر معبود،و أقرب موجود.البدء بلا معلوم لأزليّته و لا آخر لأوّليته،و الكائن قبل الكون بلا كيان،و الموجود في كلّ مكان بلا عيان،و القريب من كلّ نجوى بغير تدان.علنت عنده الغيوب،و ضلّت في عظمته القلوب،فلا الأبصار تدرك عظمته،و لا القلوب على احتجابه تنكر معرفته،يمثل في القلوب بغير مثال تحدّه الأوهام أو تدركه الأحلام.

ثمّ جعل من نفسه دليلا على تكبّره عن الضّدّ و النّدّ،و الشّكل و المثل،


1) 1)

فالوحدانية آية الربوبيّة،و الموت الآتي على خلقه مخبر عن خلقه و قدرته،ثمّ خلقهم من نطفة و لم يكونوا شيئا دليل على إعادتهم خلقا جديدا بعد فنائهم كما خلقهم أوّل مرّة.

و الحمد للّه ربّ العالمين،الّذي لم يضرّه بالمعصية المتكبّرون،و لم ينفعه بالطاعة المتعبّدون،الحليم عن الجبابرة المدّعين،و المهمل الزّاعمين له شركاء في ملكوته،الدّائم في سلطانه بغير أمد،و الباقي في ملكه بعد انقضاء الأبد،و الفرد الواحد الصّمد،و المتكبّر عن الصّاحبة و الولد،رافع السماء بغير عمد،و مجري السّحاب بغير صفد،قاهر الخلق بغير عدد،لكن هو اللّه الواحد الفرد الأحد،الّذي «لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» (1)

الاخلاص:3-4. [1]

.

و الحمد للّه الذي لم يخل من فضله المقيمون على معصيته،و لم يجازه لأصغر نعمه المجتهدون في طاعته.الغنيّ الّذي لا يضنّ برزقه على جاحده، و لا ينقص عطاياه أرزاق خلقه،خالق الخلق و مفنيه،و معيده و مبديه و معاقبه، عالم ما أكنّته السرائر،و أخبته الضمائر،و اختلفت به الألسن،و أنسته الأزمن.

الحيّ الذي لا يموت،و القيّوم الّذي لا ينام،و الدّائم الذي لا يزول،و العدل الّذي لا يجوز،الصافح عن الكبائر بفضله،و المعذب من عذّب بعدله،لم يخف الفوت فحلم،و علم الفقر إليه فرحم،و قال في محكم كتابه: «وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ» (2).أحمده حمدا أستزيده في نعمته، و أستجير به من نقمته،و أتقرّب إليه بالتصديق لنبيّه المصطفى لوحيه، المتحيّز لرسالته،المختصّ بشفاعته» (3).

و في الجميع فقرات مرّت في العناوين السابقة.


1) 1)

2) 2) فاطر:45. [2]

3) 3) الصحيفة العلويّة [3]الأولى:32 الخطبة(2).

الفصل الثاني: في خلق السّماء و الأرض و الشمس و القمر و النّجوم و العرش و الكرسيّ

اشارة

مرّ في الفصل الأوّل قوله عليه السّلام:«و أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال،و أرساها على غير قرار،و أقامها بغير قوائم،و رفعها بغير دعائم، و حصّنها من الأود و الاعوجاج،و منعها من التّهافت و الانفراج.أرسى أوتادها، و ضرب أسدادها،و استفاض عيونها،و خدّ أوديتها،فلم يهن ما بناه،و لا ضعف ما قوّاه»مع شرحه (1)

مرّ في العنوان(25)من الفصل الأول شرح الخطبة(184).

.

1

من الخطبة(1)

بعد ما مرّ في سابقه:

ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ- وَ شَقَّ الْأَرْجَاءِ وَ سَكَائِكَ الْهَوَاءِ- فَأَجْرَى فِيهَا مَاءً مُتَلاَطِماً تَيَّارُهُ- مُتَرَاكِماً زَخَّارُهُ حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ- وَ الزَّعْزَعِ الْقَاصِفَةِ فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ- وَ سَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ وَ قَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ- الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِيقٌ وَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ- ثُمَّ أَنْشَأَ


1) 1)

سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا- وَ أَدَامَ مَرَبَّهَا وَ أَعْصَفَ مَجْرَاهَا- وَ أَبْعَدَ مَنْشَأَهَا فَأَمَرَهَا بِتَصْفِيقِ الْمَاءِ الزَّخَّارِ- وَ إِثَارَةِ مَوْجِ الْبِحَارِ فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ- وَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ- تَرُدُّ أَوَّلَهُ عَلَى آخِرِهِ وَ سَاجِيَهُ إِلَى مَائِرِهِ حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ- وَ رَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ- فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ وَ جَوٍّ مُنْفَهِقٍ- فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ- جَعَلَ سُفْلاَهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً- وَ عُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ سَمْكاً مَرْفُوعاً- بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُهَا وَ لاَ دِسَارٍ يَنْظِمُهَا ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ وَ ضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ- وَ أَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً وَ قَمَراً مُنِيراً- فِي فَلَكٍ دَائِرٍ وَ سَقْفٍ سَائِرٍ وَ رَقِيمٍ مَائِرٍ أقول:مرّ في أوّل الفصل السابق الكلام في مستنده (1)

مرّ في العنوان(1)من الفصل الأول في شرح الخطبة(1).

.

«ثم أنشأ سبحانه» قالوا:(ثمّ)هنا للتّفصيل بعد الإجمال في سابقه.

«فتق» و الفتق ضدّ الرّتق.

«الأجواء» جمع الجوّ،و فسّر الجوّ بشيئين ما بين السماء و الأرض، و الفضاء الواسع،لكن الصواب الثاني،حيث إنّ كلامه عليه السّلام في الجوّ قبل خلق الأرض و السماء،و قد قال أبو عمرو في قول طرفة:

يا لك من قبّرة بمعمر خلالك الجوّ فبيضي و اصفري

(2)الجو:ما اتسع من الأودية. «و شقّ» مصدر عطف على(فتق).

«الأرجاء» و الأرجاء جمع رجا،أي:النّاحية،قال تعالى: «وَ الْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها» (3).


1) 1)

2) 2) أورده لسان العرب 5:69 [1] مادة(قبر)و الشاعر:طرفة و قيل كليب بن ربيعة.

3) 3) الحاقة:17. [2]

«و سكائك الهواء» في(اللّسان):السّكاك و السّكاكة:الهواء بين السماء و الأرض،و قيل:الّذي لا يلاقي أعنان السماء.و منه قولهم:لا أفعل ذلك و لو نزوت في السّكاك،أي:في السماء.و في حديث الصّبيّة المفقودة قالت:فحملني على خافية من خوافيه،ثمّ دوّم بي في السّكاك (1)

نقله أيضا ابن الاثير في النهاية 2:385 [1] مادة(سكك).

.

السّكاك و السّكاكة:الجوّ،و هو ما بين السماء و الأرض،و منه حديث عليّ عليه السّلام: «شقّ الأرجاء و سكائك الهواء» .السّكائك:جمع السّكاكة،و هي السّكاك،كذؤابة و ذوائب (2).و قال أيضا:السّكّة الطريق المستوي،و به سمّيت سكك البريد.قال الشماخ:

حنّت على سكة السّاري فجاوبها حمامة من حمام ذات أطواق

ثم قال:و قال الشماخ:

نضربهم إذا أخذوا السكائكا

(3)هذا،و بدّل( مطالب السؤول -مطالب السؤول-ص 28 )قوله «و سكائك الهواء» بقوله«رتق الهواء» (4).و كيف كان فقال ابن أبي الحديد:ظاهر كلامه عليه السّلام أنّ الفضاء الّذي هو الفراغ الذي يحصل فيه الأجسام خلقه اللّه تعالى،و لم يكن من قبل،و هذا يقتضي كون الفضاء شيئا،لأنّ المخلوق لا يكون عدما محضا،و ليس ذلك ببعيد،فقد ذهب إليه قوم من أهل النظر،و جعلوه جسما لطيفا خارجا عن مشابهة هذه الأجسام،و منهم من جعله مجرّدا (5). قلت:و الصواب كونه جسما لطيفا يشهد له قول السجاد عليه السّلام في تسبيح


1) 1)

2) 2) لسان العرب 10:441 [2] مادة(سكك).

3) 3) المصدر نفسه. [3]

4) 4) في مطالب السؤول:28«رافق الهواء»و الظاهر أنّه تحريف.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 1:27. [4]

الصحيفة:«سبحانك تعلم وزن الفيء و الهواء» (1)

ملحقات الصحيفة السجادية الكاملة:319، [1]الدعاء(1)و قد مرّ في العنوان(21)من الفصل الأوّل.

.و يمكن أن يكون قوله عليه السّلام:

«و سكائك الهواء» إشارة إلى ما اكتشفوه في هذه العصور من أمواج الهواء التي تحمل الأصوات في الراديات .

«فأجرى فيها ماء متلاطما تيّاره» أي:موجه،و في(الصحاح):يقال قطع عرقا تيّارا،أي:سريع الجرية،و قال عدي:

كالبحر يقذف بالتّيّار تيّارا

(2). «متراكما» أي:متراكبا.

«زخّاره» من زخر الوادي إذا امتدّ جدّا و ارتفع.

«حمله على متن الريح العاصفة» أي:الشديدة.

«و الزّعزع» أي:المحرّكة للأشياء.

«القاصفة» أي:الكاسرة لها،يقال قصفت الرّيح السفينة،قال المجلسي:

و هذه الرّيح غير الهواء المذكور أوّلا،كما سيأتي في قول الصادق عليه السّلام للزّنديق:الرّيح على الهواء و الهواء تمسكه القدرة (3).فيمكن أن تكون مقدّمة في الخلق عليه و متأخرة عنه أو مقارنة له (4).

«فأمرها بردّه و سلّطها على شدّه و قرنها إلى حدّه» قال المجلسي:أي:أمر الرّيح أن تحفظ الماء،و تردّه بالمنع عن الجري الّذي سبقت الإشارة إليه بقوله:

«فأجرى فيها ماء» ،فكان قبل الردّ قد خلّي و طبعه-أي:عن الجري الّذي يقتضيه طبعه-و قوّاها على ضبطه كالشيء المشدود،و جعلها مقرونة إلى


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 2:603 [2] مادة(تير).

3) 3) الظاهر أنّه أشار إلى ما جاء في البحار 60:15 ح 19 [3] عن احتجاج الطبرسي،و هو في الاحتجاج 2:350، [4]لكن ليس بهذه الألفاظ،و روى قريبا منه البرسي في المشارق:43،و المجلسي في البحار 57:201 [5] عن علي عليه السّلام.

4) 4) بحار الأنوار 57:183. [6]

انتهائه محيطة به (1)

المصدر نفسه،و قال عقيب كلامه في حديث الصادق عليه السّلام:«و يمكن أن يكون المراد بها ما تحرك منه كما هو المشهور».

.

قلت:مقتضى كلامه أنّ اللّه تعالى أجرى الماء أوّلا في الهواء المجرّد بجعل الهواء حاملا له،و أنّ الماء كان جاريا حينئذ على مقتضى طبعه من الحركة إلى السفل،ثمّ حمله على ظهر الرّيح فقسرت جريه و عكسته،مع أنّ ظاهر كلامه عليه السّلام أنّ جريه أوّلا في الهواء كان بتوسّط حمله على ظهر الرّيح، فإنّ الظاهر أنّ قوله عليه السّلام: «حمله على متن الرّيح العاصفة...» حال من(ماء)في قوله: «فأجرى فيها ماء...» أي:أجرى الماء حاملا له على متن الريح،و لو كان المعنى كما ذكر لقال عليه السّلام:(ثم حمله ).

«الهواء من تحتها فتيق» أي:منشقّ.

«و الماء من فوقها دفيق» قال الجوهري:دفقت الماء أدفقه دفقا،أي:

صببته،فهو ماء دافق،أي:مدفوق،كما قالوا:سرّ كاتم.أي:مكتوم،لأنّه من قولك:دفق الماء على ما لم يسمّ فاعله (2).

قلت:بل الظاهر أنّ قولهم:ماء دافق،و مثله ماء دفيق،كما هنا بمعنى و ثّاب،قال تعالى: «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ» (3).

قال المجلسي في معنى قوله: «الهواء من تحتها فتيق و الماء من فوقها دفيق» أي:الهواء الذي هو محلّ الرّيح مفتوق،أي:مفتوح منبسط من تحت الرّيح الحاملة للماء،و الماء دفيق من فوقها،أي:مصبوب مندفق،و الغرض أنّه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالرّيح الحاملة له،كما ضبط الرّيح بالهواء المنبسط،و هو موضع العجب (4).


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 4:1475 [1] مادة(دفق).

3) 3) الطارق:5-6. [2]

4) 4) بحار الأنوار 57:184. [3]

قلت:بل الظاهر أنّ الغرض أنّ مقتضى الطبيعة أن يكون الماء تحت، و الرّيح فوقه،و الهواء فوقها،و هو تعالى جعل الرّيح وسطا و الماء فوقها و الهواء تحتها،و هو موضع العجب .

«ثمّ أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبّها» اعتقم:من قولهم:رحم معقومة،أي:

مشدودة لا تلد .

«و أدام مربّها» أي اقامتها في محلّها،من قولهم:مربّ الإبل لمكان لزمته.

قال المجلسي:الظاهر أنّ هذه الريح غير ما جعلها اللّه محلاّ للماء،بل هي مخلوقة من الماء كما سيأتي في الرواية (1)

المصدر نفسه. [1]

.

قلت:كون هذه الرّيح غير الأولى لا يحتاج فيه إلى الاستناد إلى الرواية الدّالّة على خلقها من الماء،بل نفس هذه الفقرة مع ظهورها في عدم خلقها من ذلك الماء كالصريحة في التّغاير للتعبير بقوله: «ثمّ أنشأ...» .

و قال ابن أبي الحديد:استدلّ الراوندي لتغاير الرّيح الثانية مع الأولى بتعريف الأولى و تنكير الثانية،و ردّه بأنّه ليس مستفادا من مجرّدهما،بل من كون إحداهما تحت الماء و الأخرى فوقه (2).

قلت:و أيّ مانع من أن يجعل مقدارا من ريح واحدة تحت الماء،و مقدارا فوقه؟فالصواب أن يستند إلى التّعبير بفقرة «ثمّ أنشأ » .

«و أعصف» أي:أشدّ.

«مجراها» أي:جريانها.

«و أبعد منشأها» من منتهاها .

«فأمرها بتصفيق» قال الجوهري:الصّفق:الضرب الذي يسمع


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:29،و [2]النقل بالمعنى.

له صوت (1)

صحاح اللغة للجوهري 4:1507 [1] مادة(صفق).

.

«الماء الزخّار» أي:الكثير.

«و إثارة» من:أثار الغبار.

«موج البحار» بجعله فوق و تحت .

«فمخضته» أي:حرّكته.

«مخض السّقاء» أي:سقاء اللّبن لأخذ زبده .

«و عصفت به» أي:بالماء.

«عصفها بالفضاء» أي:حرّكت الماء مثل تحريكها للفضاء .

«تردّ أوّله إلى» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(على)كما في(ابن أبي الحديد و الخطية) (2).

«آخره و ساجيه» أي:ساكنه.

«إلى» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(على)كما في(ابن أبي الحديد و الخطية) (3).

«مائره» أي:متحرّكه،قال الأعشى:

كأنّ مشيتها من بيت جارتها مور السّحابة لا ريث و لا عجل

(4)«حتّى عبّ عبابه» أي:ارتفع سيله و موجه،أو صوّت. «و رمى بالزّبد» أي:زبد الماء.

«ركامه» أي:متراكمه .

«فرفعه في هواء منفتق» أي:منشقّ.


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 1:27،و شرح ابن ميثم 1:131«الى آخره»أيضا.

3) 3) في شرح ابن أبي الحديد 1:27،و شرح ابن ميثم 1:131« [2]الى مائره»أيضا.

4) 4) أورده لسان العرب 5:186 [3] مادة(مور).

«و جوّ منفهق» أي:متّسع.

«فسوّى منه سبع سماوات» و روى(الكافي)عن الباقر عليه السّلام قال:كان كلّ شيء ماء،و كان عرشه على الماء،فأمر اللّه تعالى الماء فاضطرم نارا،ثمّ أمر النار فخمدت،فارتفع من خمودها دخان فخلق اللّه السماوات من ذلك الدّخان، و خلق الأرض من الرّماد (1)

أخرجه الكليني في الكافي [1]في صدر حديث في موضعين 8:95 ح 68،و:153 ح 142.

.

و روى في خبر آخر عنه عليه السّلام:و خلق الشيء الذي جميع الأشياء منه، و هو الماء الذي خلق الأشياء منه،فجعل نسب كلّ شيء إلى الماء،و لم يجعل للماء نسبا يضاف إليه،و خلق الرّيح من الماء،ثمّ سلّط الرّيح على الماء، فشققت الرّيح متن الماء حتّى صار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور، فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع و لا ثقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة،ثمّ طواها فوضعها فوق الماء،ثمّ خلق اللّه النّار من الماء فشققت النّار متن الماء حتّى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء اللّه أن يثور، فخلق من ذلك الدّخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع و لا ثقب (2).

و روى(تفسير القمي)عن الصادق عليه السّلام في خبر قال:كان عرشه على الماء،و الماء على الهواء،و الهواء لا يحدّ و لم يكن يومئذ خلق غيرهما،و الماء يومئذ عذب فرات،فلمّا أراد أن يخلق الأرض أمر الرّياح فضربت الماء حتّى صار موجا،ثمّ أزبد فصار زبدا واحدا،فجمعه في موضع البيت،ثمّ جعله جبلا من زبد،ثمّ دحا الأرض من تحته،فقال: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً» (3)ثم مكث الرّب تبارك و تعالى ما شاء،فلمّا أراد أن يخلق


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني ضمن حديث في الكافي 8:94 ح 67. [2]

3) 3) آل عمران:96. [3]

السماء أمر الرياح،فضربت البحور حتّى أزبدت بها فخرج من ذلك الموج- و الزّبد من وسطه-دخان ساطع من غير نار،فخلق منه السماء،و جعل فيها البروج و النجوم،و منازل الشمس و القمر،و أجراها في الفلك،و كانت السماء خضراء على لون الماء الأخضر،و كانت الأرض غبراء على لون الماء العذب، و كانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب (1)

أخرجه علي بن إبراهيم في تفسيره 2:69،و [1]قريب منه ما أخرجه صاحب تفسير العسكري فيه:69 عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و أخرجه الفرات الكوفي في تفسيره:66 عن علي عليه السّلام،و أخرجه العياشي في تفسيره 1:186 ح 91، و الكليني بروايتين في الكافي 4:189 ح 7،و 8:9 [2]4 ح 67 عن الباقر عليه السّلام،و علي بن إبراهيم في تفسيره 1:321 بلا عزو،و روي عن ابن عباس و ابن مسعود و ابن عمر و غيرهم موقوفا.

.

«جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا» عن السقوط،و في خبر سؤال الرّجل الشامي عن الباقر عليه السّلام و سأله عن السماء الدّنيا ممّ هي؟قال:من موج مكفوف (2).

«و علياهنّ سقفا محفوظا» هكذا في(النّهج)،و لكن في(مطالب السؤول) نقله«و سقفا محفوظا»بدون كلمة(علياهنّ) (3)،و عليه يصير المعنى كون سفلاهنّ سقفا محفوظا ككونها موجا مكفوفا،و كأنّه أصحّ.فقال تعالى:

«وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ» (4)فجعل السّفلى سقفا محفوظا،و كذلك قوله عليه السّلام: «و سمكا مرفوعا» لم يخصّه اللّه تعالى


1) 1)

2) 2) أخرجه ضمن أسئلة رجل من الشام لعلي عليه السّلام الصدوق في علل الشرائع 2:593 ح 44،و [3]العيون:1:188 ح 1، و [4]أخرج معناه ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و ابن أبي حاتم عن أبي الجلد موقوفا،و ابن راهويه في مسنده و ابن المنذر،و ابن أبي حاتم،و الطبراني في معجمه الأوسط،و أبو الشيخ عن الربيع بن أنس موقوفا عنهم الدرّ المنثور 1:44،و [5]قد جاء ذكر(الموج المكفوف)في أخبار أخرى لم يسع المقام لذكرها.

3) 3) مطالب السؤول:28.

4) 4) الأنبياء:32. [6]

بالعليا.فقال: «أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها» (1)

النازعات:27-28. [1]

، و قال عزّ و جلّ: «وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ» (2)،بل قوله في ما يأتي: «ثم زيّنها بزينة الكواكب» أيضا يشهد لزيادة كلمة(علياهنّ)،و عليه فلا يحتاج إلى ما تكلّفه المجلسيّ في شرح الفقرة على نقل(النّهج)،فقال:يخطر بالبال وجه آخر،و هو أن يكون المراد أنّه تعالى جعل الجهة السفلى من كلّ من السماوات موّاجة متحرّكة واقعا،أو في النّظر،و الجهة العليا منها سقفا محفوظا تستقرّ عليه الملائكة،و لا يمكن للشّياطين خرقها (3).

«بغير عمد يدعمها» أي:يكون عمادا لها .

«و لا دسار» أي:مسمار.

«ينظمها» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(ينتظمها)كما في(ابن أبي الحديد و الخطّيّة ) (4).

«ثمّ زيّنها بزينة الكواكب» و لا ريب أنّ الضمير في(زيّنها)يرجع إلى السماء الدّنيا لقوله تعالى: «إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ» (5)،و قوله عزّ و جلّ: «وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ» (6).

«و ضياء الثواقب» و الأصل في الثقب:ثقب الدّرّ،و المراد ثقبها بضوئها، قال تعالى: «وَ ما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ اَلنَّجْمُ الثّاقِبُ» (7).


1) 1)

2) 2) الطور:5. [2]

3) 3) بحار الأنوار 57:186. [3]

4) 4) في شرح ابن أبي الحديد 1:27،و [4]شرح ابن ميثم 1:131« [5]ينظمها»أيضا.

5) 5) الصافات:6. [6]

6) 6) الملك الطارق:5. [7]

7) 7) :2-3.

و عن الصادق عليه السّلام:النّجم الثاقب:زحل،و مطلعه في السماء السابعة، و أنّه ثقب بضوئه حتّى أضاء في السّماء الدّنيا،فمن ثمّ سمّاه اللّه النّجم الثاقب (1)

هذا مقتبس من حديث طويل أخرجه الصدوق في الخصال 2:489 ح 68.

.

«و أجرى فيها سراجا مستطيرا» قال تعالى: «وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً» (2)، و قال عزّ و جلّ: «وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (3).

و قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فكّر الآن في تنقّل الشّمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السّنة،و ما في ذلك من التّدبير...انظر إلى شروقها على العالم كيف دبّر أن يكون،فإنّها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقف لا تعدوه لما وصل شعاعها و منفعتها إلى كثير من الجهات،لأنّ الجبال و الجدران كانت تحجبها عنها،فجعلت تطلع أوّل النّهار من المشرق،فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب،ثمّ لا تزال تدور و تغشى جهة بعد جهة حتّى تنتهي إلى المغرب،فتشرق على ما استتر عنها في أوّل النهار،فلا يبقى موضع من المواضع إلاّ أخذ بقسطه من المنفعة منها و الإرب الّتي قدّرت له (4).

«و قمرا منيرا» «وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً» (5).

«في فلك دائر و سقف سائر و رقيم» أي:منتقش.

«مائر» أي:متحرّك،و الظاهر أنّ(دائر)خبر لكلمة(كلّ)محذوفة لا صفة ل‍(فلك)،و في(فلك)متعلّق به،و مثله(سائر)و(مائر)،فيكون المعنى:كلّ من الكواكب و الشمس و القمر دائر في فلك،و سائر في سقف،و مائر في رقيم.


1) 1)

2) 2) النبأ:13. [1]

3) 3) يس:38. [2]

4) 4) توحيد المفضل:130. [3]

5) 5) نوح:16. [4]

فيكون مساوقا لقوله تعالى-بعد ذكر الشمس و القمر-: «النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي» (1)

يس:40. [1]

.

و قال الصادق عليه السّلام-بعد ذكر مقدار من حكمه تعالى في الشمس و القمر و النّجوم-:مع ما في تردّدها في كبد السّماء مقبلة و مدبرة و مشرقة و مغربة من العبر،فإنّها تسير أسرع السّير و أحثّه،أ رأيت لو كانت الشمس و القمر و النجوم بالقرب منّا حتّى يتبيّن لنا سرعة سيرها بكنه ما هي عليه،ألم تكن تستخطف الأبصار بوهجها و شعاعها،كالّذي يحدث أحيانا من البروق إذا توالت و اضطرمت في الجوّ؟!و كذلك لو أنّ أناسا كانوا في قبة مكلّلة بمصابيح تدور حولهم دورانا حثيثا،لحارت أبصارهم حتّى يخرّوا لوجوههم.فانظر كيف قدّر أن يكون مسيرها في البعد البعيد لكيلا تضرّ في الأبصار،و تنكأ فيها بأسرع السرعة،لكيلا تتخلّف عن مقدار الحاجة في مسيرها (2).

2

من الخطبة(89)

(منها في صفة السّماء):

وَ نَظَمَ بِلاَ تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا- وَ لاَحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا- وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ- وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا- وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا- وَ فَتَقَ بَعْدَ الاِرْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا- وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا- وَ أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ- وَ أَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ- وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا- وَ قَمَرَهَا آيَةً


1) 1)

2) 2) توحيد المفضل:135. [2]

مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا- فَأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا- وَ قَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا- لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا- وَ لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَ الْحِسَابِ بِمَقَادِيرِهِمَا- ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا وَ نَاطَ بِهَا زِينَتَهَا- مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا- وَ رَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا- وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَذْلاَلِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا- وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا «و نظم بلا تعليق رهوات فرجها» قال ابن أبي الحديد في شرح الفقرة:

يقول عليه السّلام:كانت السماء أوّل ما خلقت غير منتظمة الأجزاء بل بعضها أرفع و بعضها أخفض،فنظمها سبحانه،فجعلها بسيطا واحدا،نظما اقتضته القدرة الإلهيّة من غير تعليق،أي:لا كما ينظم الإنسان ثوبا مع ثوب أو عقدا مع عقد بالتّعليق و الخياطة.و تبعه الخوئي في ذلك (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:147،و [1]شرح الخوئي 3:95.

.

قلت:فيه أوّلا:إنّه هل كان بناؤه تعالى للسّماء كبناء الناس لشيء أوّلا غير منظم لعدم فهمهم الخلل،ثمّ ينظمونه بعد الوقوف على خلله تعالى عن ذلك؟ و ثانيا:إنّ المعنى الذي قال يستلزم استعمال(الرهوات)في معنيين، قال(الصحاح):الرّهو و الرّهوة:المكان المرتفع و المنخفض أيضا،و يجتمع فيه الماء (2).و هو من الأضداد،و استعمال المشترك في معنيين غير جائز، و الأظهر أنّ رهوات في كلامه عليه السّلام بمعنى المنفتحات،كقوله تعالى: «وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً» (3).و المراد نظمها أوّلا،و يشهد له إضافتها إلى فرجها.


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 6:2365 [2] مادة(رهو).

3) 3) الدخان:24. [3]

«و لاحم صدوع انفراجها» أي:جعلها ملصقة ابتداء .

«و وشّج» أي:خلّط،و الأصل فيه الاشتباك،و لهذا يطلق الوشيجة على عرق الشّجر،و على ليف يفتل لشدّ الحمل،لأنّهما يشتبكان.

«بينها و بين أزواجها» أي:قرائنها،كقوله تعالى: «احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْواجَهُمْ» (1)

الصافات:22. [1]

.

و قال ابن ميثم:المراد بأزواجها نفوسها التي هي الملائكة المساوية (2).

و ردّه المجلسيّ بنقل المرتضى:الإجماع من المسلمين على أنّ الأفلاك لا شعور لها و لا إرادة.و قال:يمكن أن يراد بالأزواج الملائكة الموكّلون بها،أو القاطنون فيها،أو أشباهها من الكواكب و الأفلاك الجزئية،أو أشباحها في الجسمية و الإمكان من الأرضيات (3).و هو كما ترى،لا سيّما الأوّل و الأخير من وجوهه.فلا معنى للتّوشيج بين السماوات و الملائكة،و بينها و بين الأرضيات .

«و ذلّل للهابطين» أي:للملائكة الهابطين.

«بأمره» من السماء .

«و الصاعدين بأعمال خلقه» من الأرض.

«حزونة» أي:خشونة.

«معراجها» أي:العروج إليها .

«ناداها» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و ناداها)كما في(ابن أبي


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 2:346.

3) 3) بحار الأنوار 57:128،و [2]أمّا ما نقله عن المرتضى فعن ملحقات الدرر و الغرر له،لكن لم يصرح المجلسي بكونه من الملحقات،و نقل ابن طاوس في فرج المهموم:41 قول المرتضى و نقده بتفصيل.

الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:146، [1]لكن لا توجد(الواو)في شرح ابن ميثم 2:345. [2]

.

«بعد إذ هي دخان» الأصل في كلامه عليه السّلام قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها» (2)،و النّداء في كلامه عليه السّلام،كالقول في الآية،حاليّ لا مقاليّ .

«فالتحمت عرى» جمع عروة،عروة الكوز و غيره.

«أشراجها» جمع الشّرج،قال الفيروز آبادي:الشّرج محرّكة العرى و منفسح الوادي و مجرة السماء،و فرج المرأة،و انشقاق القوس (3).

قلت:و الظاهر أنّ الأصل في معناه الانشقاق فهو يجمع معاني ذكرها، و لكن ذكر(النهاية)له معنيين آخرين فقال:و في حديث الصوم:فأمرنا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالفطر فأصبح الناس شرجين،يعني نصفين:نصف صيام، و نصف مفاطير.و في حديث مازن:فلا رأيهم رأيي،و لا شرجهم شرجي.

يقال:ليس هو من شرجه،أي:من طبقته و شكله،و منه حديث علقمة:و كان نسوة يأتينها مشارجات لها.أي:أتراب و أقران (4).

قلت:و يمكن إرجاعهما إليه أيضا،و كيف كان فقال ابن أبي الحديد:

أشراجها:جمع شرج،و هو عرى العيبة،و أشرجت العيبة،أي:أقفلت أشراجها، و تسمّى مجرّة السماء شرجا تشبيها بشرج العيبة (5).

قلت:لم يقل أحد أنّ الشرج عرى العيبة،بل مطلق العرى،و منشأ و هم


1) 1)

2) 2) فصلت:11-12. [3]

3) 3) القاموس المحيط 1:195 [4] مادة(شرج).

4) 4) النهاية لابن الأثير 2:456 [5] مادة(شرج).

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 2:147. [6]

ابن أبي الحديد أنّ الجوهري قال:شرج العيبة عراها (1)

صحاح اللغة للجوهري 1:324 [1] مادة(شرج).

.ففسّر شرج العيبة بعرى العيبة،لا مطلق الشّرج.ثمّ على تفسيره ما ذا يجعله معنى الكلام،فيصير معناه:فالتحمت عرى عرى عيبتها،و هو بلا معنى،كما أنّ ما ذكره من أنّ مجرّة السماء سمّيت شرجا تشبيها بشرج العيبة،لم يذكره أحد،و أيّ شباهة بينهما حتّى تشبّه به .

«و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها» قال تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما» (2)لكن الأخبار فسّرت الآية بأنّ السماء كانت رتقا لا تمطر،و الأرض رتقا لا تنبت.ففتقتا بالأمطار و النّبات (3).

و أمّا قوله عليه السّلام: «صوامت أبوابها» فقال ابن أبي الحديد:هو و قوله بعد:

«على نقابها» صريح في أنّ للسّماء أبوابا،و هو مطابق لقوله تعالى: «لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ» (4)،و القرآن و كلام هذا الامام المعظّم أولى بالاتّباع من كلام الفلاسفة الّذين أحالوا الخرق على الفلك (5).

و قال المجلسي:و فتق صوامت الأبواب،إمّا كناية عن إيجاد الأبواب فيها و خرقها بعد ما كانت رتقا لا باب فيها،أو فتح الأبواب المخلوقة فيها حين ايجادها،و هذه الأبواب هي الّتي منها عروج الملائكة و هبوطها و صعود أعمال


1) 1)

2) 2) الأنبياء:30. [2]

3) 3) هذا التفسير نقله الكليني في الكافي 8:94 ح 67،و [3]الإربلي في كشف الغمة 2:338،و [4]الطبرسي في الاحتجاج 2: 326 [5] عن الباقر عليه السّلام،و علي بن إبراهيم في تفسيره 2:69 [6] عن الصادق عليه السّلام،و نقله الفريابي،و عبد بن حميد في مسنده،و الحاكم في المستدرك،و البيهقي في الأسماء و الصفات،و [7]ابن المنذر و أبو نعيم في حلية الأولياء،و [8]بروايتين ابن أبي حاتم عنهم الدرّ المنثور 4:217،و [9]صاحب تنوير المقباس فيه 3:259 عن ابن عباس،و نقله الطوسي في التبيان 7:215 [10] عن الباقر و الصادق عليهما السّلام و عكرمة و ابن زيد.

4) 4) الأعراف:40. [11]

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 2:147 و [12]النقل بالمعنى.

العباد و أدعيتهم و أرواحهم،كما قال تعالى: «لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ» (1)

الأعراف:40. [1]

و التي تنزل منها الأمطار كما أشار إليه تعالى بقوله: «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ» (2).

قلت:لقائل أن يقول:إنّ الآية الأولى كناية عن عدم المبالاة بهم،فبعدها:

«وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ» (3)و الآية المتقدمة كما عرفت،و بالجملة،كلامه عليه السّلام كالقرآن لا صراحة فيه في ما ادّعيا .

«و أقام رصدا من الشّهب الثّواقب على نقابها» نقاب،جمع نقب:الطريق بين الموضعين.قال تعالى: «وَ أَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً وَ أَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً» (4)،لكن ظاهر كلامه عليه السّلام أنّ الإرصاد كان من الأوّل،و ظاهر الآية حكاية عن الجنّ أنّه كان أخيرا،و المراد بعد مولد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و جمع بينهما بكونه أوّلا خفيفا و شدّد أخيرا .

«و أمسكها من أن تمور» أي:تضطرب،قال تعالى: «يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً» (5)و المراد في القيامة.

«في خراق» جمع خرق،أي:متّسعات.

«الهواء بأيده» أي:بقوّته،قال تعالى: «وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ» (6)، «إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ»


1) 1)

2) 2) بحار الأنوار 7:129،و الآية(11) [2]من سورة القمر.

3) 3) الأعراف:40. [3]

4) 4) الجن:8-9. [4]

5) 5) الطور:9. [5]

6) 6) الذاريات:47. [6]

«بَعْدِهِ » (1)

فاطر:41. [1]

.

«و أمرها أن تقف مستسلمة لأمره» «وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها » (2).

«و جعل شمسها آية مبصرة لنهارها،و قمرها آية ممحوّة من ليلها» «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ» (3).

قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فكّر يا مفضّل في طلوع الشمس و غروبها لإقامة دولتي النّهار و اللّيل،فلو لا طلوعها لبطل أمر العالم كلّه،فلم يكن الناس يسعون في معائشهم،و يتصرّفون في أمورهم،و الدّنيا مظلمة عليهم،و لم يكونوا يتهنّؤون بالعيش مع فقدهم لذّة النّور و روحه،و الإرب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الإطناب في ذكره،و الزّيادة في شرحه.

بل تأمّل المنفعة في غروبها،فلو لا غروبها لم يكن للنّاس هدوء و لا قرار مع عظم حاجتهم إلى الهدوء و الرّاحة لسكون أبدانهم،و جموم حواسّهم، و انبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام،و تنفيذ الغذاء إلى الأعضاء،ثم كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل و مطاولته على ما يعظم نكايته في أبدانهم،فإنّ كثيرا من النّاس لو لا جثوم هذا اللّيل بظلمته عليهم لم يكن لهم هدوء و لا قرار حرصا على الكسب و الجمع و الادّخار،ثمّ كانت الأرض تستحمي بدوام الشّمس بضيائها،و يحمى كلّ ما عليها من حيوان و نبات، فقدّرها اللّه بحكمته و تدبيره تطلع وقتا و تغرب وقتا،بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم،ثمّ يغيب عنهم مثل ذلك ليهدءوا و يقروا،فصار


1) 1)

2) 2) فصلت:12. [2]

3) 3) الإسراء:12. [3]

النّور و الظلمة مع تضادّهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم و قوامه.

ثمّ فكّر بعد هذا في ارتفاع الشّمس و انحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السّنة،و ما في ذلك من التّدبير و المصلحة،ففي الشّتاء تعود الحرارة في الشجر و النّبات،فيتولّد فيهما موادّ الثّمار،و يستكثف الهواء فينشأ منه السّحاب و المطر،و تشدّ أبدان الحيوان و تقوى،و في الرّبيع تتحرّك و تظهر الموادّ المتولّدة في الشتاء،فيطلع النّبات و تنوّر الأشجار،و يهيج الحيوان للسّفاد،و في الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار،و تتحلل فضول الأبدان،و يجفّ وجه الأرض،فتهيّأ للبناء و الأعمال،و في الخريف يصفو الهواء،و ترتفع الأمراض،و تصحّ الأبدان،و يمتدّ اللّيل،فيمكن فيه بعض الأعمال لطوله و طيب الهواء فيه إلى مصالح أخرى لو تقصّيت لذكرها لطال الكلام.

فكّر الآن في تنقّل الشّمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السنة، و ما في ذلك من التدبير،فهو الدور الّذي تصحّ به الأزمنة الأربعة من السنة، الشتاء و الربيع و الصيف و الخريف،و تستوفيها على التّمام،و في هذا المقدار من دوران الشمس تدرك الغلاّت و الثمار،و تنتهي إلى غاياتها،ثمّ تعود فيستأنف النّشوء و النموّ،ألا ترى أنّ السنة مقدار مسير الشّمس من الحمل إلى الحمل؟فبالسنة و أخواتها يكال الزّمان من لدن خلق اللّه تعالى العالم إلى كلّ وقت و عصر من غابر الأيّام،و بها يحسب النّاس الأعمار و الأوقات الموقّتة للدّيون،و الإجارات و المعاملات،و غير ذلك من أمورهم،و بمسير الشمس تكمل السنة،و يقوم حساب الزّمان على الصّحة-إلى أن قال:- و لو تخلّفت مقدار عام أو بعض عام كيف كان يكون حالهم،بل كيف

كان يكون لهم مع ذلك بقاء،أفلا ترى كيف كان يكون للناس هذه الأمور الجليلة التي لم يكن عنهم فيه حيلة،فصارت تجري على مجاريها لا تفتل،و لا تتخلّف عن مواقيتها لصلاح العالم و ما فيه بقاؤه-إلى أن قال:- فكّر في إنارته(أي القمر)في ظلمة اللّيل و الإرب في ذلك،فإنّه مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء الحيوان و برد الهواء على النّبات لم يكن صلاح في أن يكون اللّيل ظلمة داجية لا ضياء فيها،فلا يمكن فيه شيء من العمل لأنّه ربّما احتاج الناس إلى العمل باللّيل لضيق الوقت عليهم في بعض الأعمال في النّهار، و لشدّة الحرّ و إفراطه،فيعمل في ضوء القمر أعمالا شتّى كحرث الأرض، و ضرب اللّبن،و قطع الخشب،و ما أشبه ذلك،فجعل ضوء القمر معونة للناس على معائشهم إذا احتاجوا إلى ذلك و أنسا للسائرين،و جعل طلوعه في بعض الليل دون بعض،و نقص مع ذلك عن نور الشّمس و ضيائها لكيلا ينبسط الناس في العمل انبساطهم بالنّهار،و يمتنعوا من الهدوء و القرار فيهلكهم ذلك، و في تصرّف القمر خاصة في مهلّه و محاقه و زيادته و نقصانه و كسوفه من التنبيه على قدرة اللّه تعالى خالقه المصرّف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر به المعتبرون (1)

توحيد المفضل:128. [1]

.

و عن أمير المؤمنين عليه السّلام في الخطاب إلى الشّمس عند طلوعها:«أيّتها الشمس البديعة التصوير،المعجزة التقدير،التي جعلت سراجا للأبصار، و نفعا لسكّان الأمصار،شروقك حياة،و غروبك وفاة،إن طلعت بأمر عزيز، و إن رجعت إلى مستقر حريز،أسأل الّذي زيّن بك السماء،و ألبسك الضياء، و صدع لك أركان المطالع،و حجبك بالشعاع اللاّمع،فلا يشرف بك شيء إلاّ امتحق،و لا يواجهك بشر إلاّ احترق،أن يهب لنا بك من الصّحة و دفع العلّة،


1) 1)

و ردّ العزبة،و كشف الكربة...» (1)

رواه المحدث النوري في الصحيفة العلوية [1]الثانية:200 عن ظهر نسخة عتيقة من كتاب لبّ اللباب،و أشار إليه ابن طاوس في جمال الأسبوع:230.

.

و عن السجّاد عليه السّلام في الخطاب إلى القمر عند مستهلّه:أيّها الخلق المطيع، الدّائب السّريع،المتردّد في منازل التقدير،المتصرّف في فلك التدبير،آمنت بمن نوّر بك الظّلم،و أوضح بك البهم،و جعلك آية من آيات ملكه،و علامة من علامات سلطانه،و امتهنك بالزّيادة و النّقصان،و الطّلوع و الأفول،و الإنارة و الكسوف،في كلّ ذلك أنت له مطيع،و إلى إرادته سريع.سبحانه ما أعجب ما دبّر في أمرك،و ألطف ما صنع في شأنك،جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث،فأسأل اللّه ربّي و ربّك،و خالقي و خالقك،و مقدّري و مقدّرك، و مصوّري و مصوّرك أن يصلّي على محمّد و آله،و أن يجعلك هلال بركة لا تمحقها الأيّام،و طهارة لا تدنسها الآثام،هلال أمن من الآفات و سلامة من السّيئات،هلال سعد لا نحس فيه،و يمن لا نكد معه،و يسر لا يمازجه عسر، و خير لا يشوبه شرّ،هلال أمن و إيمان و نعمة و إحسان و سلامة و إسلام.

اللّهم صلّ على محمّد و آله،و اجعلنا من أرضى من طلع عليه،و أزكى من نظر إليه،و أسعد من تعبّد لك فيه،و وفّقنا فيه للتّوبة،و أعصمنا فيه من الحوبة،و احفظنا من مباشرة معصيتك،و أوزعنا فيه شكر نعمتك،و ألبسنا فيه جنن العافية،و أتمم علينا باستكمال طاعتك فيه المنّة،إنّك المنّان الحميد ...» (2).

«فأجراهما» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و أجراهما)كما في(ابن


1) 1)

2) 2) الصحيفة السجادية الكاملة:209 الدعاء 43،و [2]رواه بفرق يسير القاضي القضاعي في دستور المعالم:130،و أبو علي الطوسي في أماليه 2:109 المجلس 17 [3] عن علي عليه السّلام.

أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 2:147،و شرح ابن ميثم 2:345«فأجراهما»أيضا.

.

«في مناقل» جمع منقل،اسم مكان.

«مجراهما» مجرى مصدر ميمي .

«و قدّر سيرهما» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(مسيرهما)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).

«في مدارج درجهما» أي:حركتهما،قال تعالى في الأوّل: «وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (3)و في الثاني: «وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» (4).

و روى الصولي عن ابن عبّاس في منازل القمر أنّها ثمانية و عشرون، ينزل القمر كلّ ليلة منزلا منها،و هي:الشّرطان،و البطين،و الثّريا،و الدّبران، و الهقعة،و الهنعة،و الذراع،و النّثرة،و الطرف،و الجبهة،و الزّبرة،و الصرفة، و العواء،و السماك،و الغفر،و الزّبانا،و الإكليل،و القلب،و الشّولة،و النّعائم، و البلدة،و سعد الذّابح،و سعد بلع،و سعد السّعود،و سعد الأخبية،و الفرغ المقدّم و الفرغ المؤخّر،و بطن الحوت (5).

و في(الصحاح):و النّعائم منزل من منازل القمر،و هي ثمانية أنجم


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 2:147،و شرح ابن ميثم 2:345«يسرهما»أيضا.

3) 3) يس:38. [1]

4) 4) يس:39. [2]

5) 5) لم أجده في أدب الكاتب.و [3]أخرجه الخطيب في كتاب النجوم عنه الدرّ المنثور 5:264 عن ابن عباس،و قال الآلوسي في روح المعاني 23:17-19: [4]روى هذا عن ابن عباس و غيره ثم شرحه شرحا بسيطا،و يستفاد منه:إن الشرطان على زنة عدنان،و البطين على سهيل،و الدبران على سرطان،و الهقعة و الهنعة على ضربة،و الزبرة على عمدة،و الزبانا على سكارى.

كأنّها سرير معوج،أربعة صادرة و أربعة واردة (1)

صحاح اللغة للجوهري 5:2044 [1] مادة(نعم).

.

«ليميّز بين اللّيل و النّهار» اختلف في أن أيّهما أسبق،فروى الطبريّ عن ابن عباس تقدّم اللّيل و عن آخرين العكس (2).

و روى ابن طاوس في(نجومه)عن كتاب(واحدة بن جمهور القمي) أنّ من مسائل ذي الرئاستين للرضا عليه السّلام:أنّ الناس تذاكروا بين يدي المأمون في خلق الليل و النّهار،فقال بعض:خلق اللّه النهار قبل الليل،و قال بعض:خلق اللّه الليل قبل النّهار،فرجعوا بالسؤال إلى أبي الحسن الرضا عليه السّلام فقال عليه السّلام:إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق النهار قبل الليل،و خلق الضياء قبل الظلمة،فإن شئتم أوجدتكم ذلك من النجوم،و إن شئتم من القرآن.فقال ذو الرئاستين:أوجدنا من الجهتين جميعا.فقال عليه السّلام:أمّا من النجوم فقد علمت أنّ طالع العالم السرطان،و لا يكون ذلك إلاّ و الشمس في شرفها في نصف النهار،و أمّا من القرآن فاستمع قوله تعالى فيه: «لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لاَ اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (3).و رواه عن دلائل النعماني أيضا (4).

«و ليعلم عدد السّنين» السّنين الشمسية،و السّنين القمريّة.

«و الحساب بمقاديرهما» الأصل فيه قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ ما خَلَقَ اللّهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (5)، «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ»


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 1:41-42.

3) 3) يس:40. [2]

4) 4) نقله عن كتاب ابن جمهور في فرج المهموم:96،و عن كتاب النعماني فيه:95،و نقله معناه أيضا الطبرسي في مجمع البيان 8:425 عن العياشي عن الرضا عليه السّلام يونس.

5) 5) :5.

«فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً» (1)

الإسراء:12. [1]

، «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَ الْحَجِّ» (2).

و مرّ قول الصادق عليه السّلام للمفضّل:فكّر الآن في تنقّل الشمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السّنة-إلى أن قال-و استدل بالقمر،ففيه دلالة جليلة تستعملها العامّة في معرفة الشهور،و لا يقوم عليه حساب السّنة،لأنّ دوره لا يستوفي الأزمنة الأربعة و نشوّ الثّمار و تصرّمها،و لذلك صارت شهور القمر و سنوه تتخلف عن شهور الشمس و سنيها،و صار الشهر من شهور القمر ينتقل،فيكون مرّة بالشتاء و مرّة بالصيف (3).

«ثمّ علّق في جوّها فلكها» الظاهر أنّ معناه أنّه تعالى علّق في جوّ السماء فلك الشّهب و الشمس و القمر،قال تعالى: «وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ » (4).

«و ناط» أي:علق و ألصق.

«بها زينتها من خفيات دراريها» أي:كواكبها الصغار التي كالدّرّ .

«و مصابيح» من إضافة الصّفة.

«كواكبها» أي:كواكب كالسّراج .

«و رمى مسترقي» على وزن مفتعلي،لأنّه من سرق.

«السّمع» أي:شياطين مسترقين للسّمع.

«بثواقب شهبها» «وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ»


1) 1)

2) 2) البقرة:189. [2]

3) 3) توحيد المفضل:130. [3]

4) 4) يس:40. [4]

شِهابٌ مُبِينٌ (1)

الحجر:16-18. [1]

.

«و أجراها على إذلال تسخيرها» «وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ» (2)، «وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ» ... «لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ » (3).

«من ثبات ثابتها و مسير سائرها» كلّ منهما لحكمة،قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فكّر في هذه النجوم التي تظهر في بعض السنة و تحتجب في بعضها،كمثل الثّريّا و الجوزاء و الشّعريين و سهيل،فإنّها لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم يكن لواحد فيها على حياله دلالات يعرفها الناس و يهتدون بها لبعض أمورهم،كمعرفتهم الآن بما يكون من طلوع الثّور و الجوزاء إذا طلعت،و احتجابها إذا احتجبت،فصار ظهور كلّ واحد منها و احتجابه في وقت غير وقت الآخر،لينتفع الناس بما يدلّ عليه كلّ واحد منهما على حدته،و ما جعلت الثّريا و أشباهها تظهر حينا و تحتجب حينا إلاّ لضرب من المصلحة،و كذلك جعلت بنات نعش ظاهرة لا تغيب لضرب آخر من المصلحة،فإنّها بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس في البرّ و البحر للطرق المجهولة،و كذلك انّها لا تغيب و لا تتوارى،فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث شاءوا،و صار الأمران جميعا على اختلافهما موجّهين نحو الإرب و المصلحة.

و فيها مآرب أخرى علامات و دلالات على أوقات كثيرة من الأعمال كالزّراعة و الغراس،و السفر في البرّ و البحر،و أشياء ممّا يحدث في الأزمنة


1) 1)

2) 2) إبراهيم:33. [2]

3) 3) النحل:12-13. [3]

من الأمطار و الرياح،و الحرّ و البرد،و بها يهتدي السائرون في ظلمة الليل لقطع القفار الموحشة و اللّجج الهائلة (1)

توحيد المفضل:134. [1]

.

و قال عليه السّلام-و نقله الخوئي أيضا-:فكّر يا مفضّل في النجوم و اختلاف مسيرها،فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك،و لا تسير إلاّ مجتمعة،و بعضها مطلقة تنتقل في البروج،و تفترق في مسيرها،فكلّ واحد منها يسير سيرين مختلفين:

أحدهما عامّ مع الفلك نحو المغرب،و الآخر خاصّ لنفسه نحو المشرق، كالنّملة التي تدور على الرّحى،فالرّحى تدور ذات اليمين،و النملة تدور ذات الشمال،و النّملة في ذلك تتحرّك حركتين مختلفتين،إحداهما بنفسها فتتوجّه أمامها،و الأخرى مستكرهة مع الرّحى تجذبها إلى خلفها.فاسأل الزّاعمين أنّ النجوم صارت على ما هي عليه بالإهمال من غير عمد،و لا صانع لها ما منعها أن تكون كلّها راتبة أو تكون كلّها منتقلة،فإنّ الإهمال معنى واحد،فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن و تقدير؟ففي هذا بيان أنّ مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد و تدبير،و ليس بإهمال كما يزعم المعطّلة.

فإن قال قائل:و لم صار بعض النجوم راتبا،و بعضها منتقلا؟قلنا:إنّها لو كانت كلّها راتبة لبطلت الدّلالات التي يستدلّ بها من تنقل المتنقلة، و مسيرها في كلّ برج من البروج،كما يستدلّ على أشياء ممّا يحدث في العالم بتنقّل الشمس و النجوم في منازلها،و لو كانت كلّها منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف،و لا رسم يوقف عليه،لأنّه إنّما يوقف عليه بمسير المنتقلة منها بتنقلها في البروج الرّاتبة،كما يستدلّ على سير السائر في الأرض بالمنازل التي يجتاز عليها و لو كان تنقّلها بحال واحدة لا ختلط نظامها و بطلت المآرب


1) 1)

فيها،و لساغ لقائل أن يقول:إنّ كينونتها على حال واحدة توجب عليها الإهمال (1)

توحيد المفضل:132،و [1]شرح الخوئي 3:102.

.

«و هبوطها و صعودها» روي أنّ الصادق عليه السّلام سئل عن الحرّ و البرد ممّا يكونان،فقال عليه السّلام:إنّ المرّيخ كوكب حارّ،و زحل كوكب بارد،فإذا بدأ المريخ في الارتفاع انحطّ زحل،و ذلك في الرّبيع،فلا يزالان كذلك كلّما ارتفع زحل درجة انحطّ المرّيخ درجة حتّى ينتهي المرّيخ في الهبوط،و ينتهي زحل في الارتفاع فيجلو زحل،و ذلك في أوّل الشتاء،و آخر الخريف،فلذلك يشتدّ البرد.

و كلّما ارتفع هذا هبط هذا،و كلّما هبط هذا ارتفع هذا.فإذا كان في الصيف يوم بارد،فالفعل في ذلك للقمر،و إذا كان في الشتاء يوم حار،فالفعل في ذلك للشمس (2).

«و نحوسها و سعودها» قالت أهل النجوم:زحل النّحس الأكبر،و مرّيخ النّحس الأصغر،و المشتري السّعد الأكبر،و زهرة السّعد الأصغر،و عطارد مع السّعد سعد و مع النّحس نحس،و النيران الشمس و القمر سعدان من التّثليث و التسديس،و نحسان من المقابلة و التّربيع،و المقارنة و الرّأس سعد، و الذنب و الكبد نحسان (3).

و قال الجوهري:سعود النجوم عشرة:أربعة منها في برج الجدي، و الدّلو ينزلها القمر،و هي:سعد الذابح،و سعد بلع،و سعد الأخبية،و سعد السّعود،و هو كوكب منفرد نيّر،و أمّا السّتة التي ليست من المنازل:فسعد ناشرة،و سعد الملك،و سعد البهام،و سعد الهمام،و سعد البارع،و سعد مطر،


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 8:306 ح 474،و [2]النقل بتصرف في اللفظ.

3) 3) كذا نقل ابن ميثم في شرحه 2:351.

و كلّ سعد من هذه السّتّة كوكبان،بين كلّ كوكبين في رأي العين قدر ذراع، و هي متناسقة،و أمّا سعد الأخبية فثلاثة أنجم كأنّها أثافيّ،و رابع تحت واحد منهنّ،و سعد بلع من منازل القمر كوكبان متقاربان زعموا أنّه طلع لما قال تعالى للأرض: «ابْلَعِي ماءَكِ» (1)

اشارة الى قوله تعالى: «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ» هود:44. [1]

يعني سمّي بلع لذلك (2).

و في(كنايات الجرجاني):و العرب تكنّي عن الحشرات بجنود سعد، و يريدون سعد الأخبية،لأنّه إذا طلع انتشرت الهوام و خرج منها ما كان مختبئا،و يقال لذلك سمّي سعد الأخبية،قال الشاعر:

قد جاء سعد مؤذنا بشرّه مؤذنة جنوده بحرّه

(3)هذا،و من أمثالهم:أسعد أم سعيد (4).و الأصل فيه أنّ سعدا و سعيدا ابنا ضبّة خرجا،فرجع سعد و فقد سعيد،فصار سعيد ممّا يتشأم به. و منها،قولهم:بكلّ واد بنو سعد (5).و الأصل فيه أنّ الأضبط بن قريع السعدي من سعد بن زيد مناة بن تميم رأى جفوة من قومه،فتحوّل في قبائل أخرى،فرأى أيضا منهم الجفوة،فرجع،و قال:بكل واد بنو سعد.

هذا،و في(وزراء هلال بن محسن الصّابي)قال أبو العبّاس بن الفرات:

إنّ منجّما أخبره أنّه لم ينزل زحل في برج السّنبلة إلاّ حدثت حادثة،و قد جرت العادة بذلك على مضيّ الأوقات،و من ذلك أنّه نزل هذا البرج سنة ثمان


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 1:485 [2] مادة(سعد).

3) 3) نقله عن الكنايات للجرجاني ابن أبي الحديد في شرحه 4:515،و النقل بتصرف في اللفظ.

4) 4) أورده الميداني في مجمع الأمثال 1:329،و [3]الزمخشري في المستقصى 1:168، [4]قال الميداني:يضرب في العناية بذي الرحم،و في الاستخبار أيضا عن الأمرين الخير و الشّر أيّهما وقع،و قال الزمخشري:يضرب في النجح و الخيبة و الخير و الشر.

5) 5) أورده الميداني في مجمع الأمثال 1:105. [5]

للهجرة،فكان في تلك السنة فتح خيبر و مكّة،و نزل في سنة(38)فكانت حرب صفّين بين علي عليه السّلام و معاوية،و نزل في سنة(68)فكان فيها حرب المختار و عبد الملك و قضيّة عبد اللّه بن الزبير،و نزل فيه سنة(98)فمات سليمان بن عبد الملك،و انتقل الأمر إلى عمر بن عبد العزيز،و نزل في سنة(128)فظهر أبو مسلم و جرت قضية مروان بن محمّد،و نزل في سنة(158)فمات المنصور،و نزل في سنة(188)فأوقع الرّشيد بالبرامكة،و نزل في سنة(218) فتوفّي المأمون،و نزل في سنة(248)فتوفّي المنتصر و قتل المتوكّل،و نزل في سنة(278)فتوفّي الموفّق،و حدث من الأمور ما حدث (1)

كذا في الوزراء للصابي:248، [1]أمّا اتفاق الطبري و المسعودي فإن فتح خيبر كان في سنة(7)و فتح مكة سنة(8) و حرب صفين سنة(36)و حرب المختار سنة(66)و حرب عبد الملك و ابن الزبير سنة(72)و موت سليمان سنة (99)و موقعة الزاب بين أصحاب أبي مسلم و مروان سنة(132)و موت المنصور سنة(158)و إيقاع الرشيد بالبرامكة سنة(187)و موت المأمون سنة(218)و موت المنتصر سنة(248)و قتل المتوكل سنة(247)و موت الموفق سنة(278)ثم ان الحوادث المذكورة ليس أكثرها مهم،ففي التاريخ حوادث كثيرة أعظم منها،و هذه الأقوال من خرافات المنجّمين.

.

هذا و يقال:أسعده اللّه فهو مسعود،و لا يقال:مسعد على خلاف أصله.

3

من الخطبة(89)أيضا

و منها في صفة الأرض و دحوها على الماء:

كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ- وَ لُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا- وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا- وَ تَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا- فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلاَطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا- وَ سَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا- وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِياً إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا- فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً- وَ فِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً


1) 1)

أَسِيراً- وَ سَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ- وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَ اعْتِلاَئِهِ وَ شُمُوخِ أَنْفِهِ وَ سُمُوِّ غُلَوَائِهِ- وَ كَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ- وَ لَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ- فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا- وَ حَمَلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلَى أَكْتَافِهَا- فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا- وَ فَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَ أَخَادِيدِهَا- وَ عَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلاَمِيدِهَا- وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا- فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا- وَ تَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا- وَ رُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَ جَرَاثِيمِهَا- وَ فَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَ بَيْنَهَا وَ أَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا- وَ أَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا- ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ- الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا- وَ لاَ تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا- حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا- وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا- أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ وَ تَبَايُنِ قَزَعِهِ- حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كِفَفِهِ- وَ لَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ وَ مُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ- أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ- تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ وَ دَفَعَ شَآبِيبِهِ-.فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا- وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا- أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ- وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا- وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا- وَ حِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا- وَ جَعَلَ ذَلِكَ بَلاَغاً لِلْأَنَامِ وَ رِزْقاً لِلْأَنْعَامِ- وَ خَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا- وَ أَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا أقول:رواه أئمّة غريب اللّغة كما يفهم من تفسير( النهاية ابن الأثير-النهاية-ج 1 ص 34 مادة(أذى) )لبعض

فقراتها،كقوله عليه السّلام:تلتطم أواذيّ أمواجها (1)

النهاية لابن الأثير 1:34 مادة(أذى).

،و غيره كما يأتي .

«كبس» أي:أهجم.

«الأرض على مور» أي:مضطرب،من إضافة الصّفة.

«أمواج مستفحلة» قيل:أي:هايجة هيجان الفحول،و قيل:أي:صائلة .

«و لجج» جمع لجّة،قال الجوهري:لجّة الماء بالضمّ:معظمه (2).

«بحار زاخرة» أي:الممتدة المرتفعة .

«تلتطم أواذيّ» جمع آذيّ،أي:شدائد،و تفسير الجوهري،و الفيروز آبادي للاذيّ بالموج غلط (3)،و إنّما يأتي صفة الموج كما فسّره(النّهاية) (4)، و إضافته من باب إضافة الصّفة.

«أمواجها» أي:أمواج تلك البحار .

«و تصطفق» من صفقت العود فاصطفق إذا حرّكت أوتاره،قال:

و يوم كظلّ الرّمح قصّر طوله دم الزقّ عنّا و اصطفاق المزاهر

(5)«متقاذفات» أي:قذف هذا بذاك،و قذف ذاك بهذا. «أثباجها» جمع ثبج،أي:أوساطها،ففي(الأساس):التقم لقما مثل أثباج القطا،و هي أوساطها،قال ذو الرّمّة:

بجرع كأثباج القطا المتتابع

و يمكن أن يكون استعارة من الثّبج،بمعنى ما بين الكاهل إلى الظهر، كقول الراعي:


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 1:338 [1] مادة(لجج).

3) 3) صحا اللغة للجوهري 6:2266 مادة(أذى).

4) 4) النهاية لابن الأثير 1:34 [2] مادة(أذى).

5) 5) أورده لسان العرب 10:205 [3] مادة(صفق)و الشاعر ابن الطثرية.

إذا الرّمل قدّم أثباجه أبان لراكبها المخصر

(1)و الأول أظهر،و في خبر أمّ حرام:قوم يركبون ثبج هذا البحر (2)،أي:

وسطه و معظمه .

«و ترغو» من رغا البعير إذا صوّت.

«زبدا» تمييز.

«كالفحول» أي:كالإبل الفحول.

«عند هياجها» أي:هيجانها للسّفاد .

«فخضع» استعارة لسكونه.

«جماح» استعارة أيضا،من جمح الفرس براكبه إذا غلبه.

«الماء المتلاطم» من البحار الزّاخرة.

«لثقل حملها» بالأرض .

«و سكن هيج» أي:هيجان.

«ارتمائه» أي:تراميه.

«إذ وطئته بكلكلها» أي صدرها،و المراد كلّها،فالوطي بالكلكل لا يمكن إلاّ بالكلّ .

«و ذلّ مستخذيا» أي:مسترخيا و منقادا .

«إذ تمعكت عليه» أي:تمرّغت،و تدلّكت عليه.

«بكواهلها» الكاهل مقدّم ظهر البعير الذي يكون عليه المحمل،و هو أيضا كناية عن الكلّ،فالتّمعك بالكواهل يستلزمه.


1) 1) أساس البلاغة:43 [1] مادة(ثبج).

2) 2) هذا اللفظ أخرجه مسلم في صحيحه 3:1518 ح 1912،و الترمذي في سننه 4:178 ح 1645،و النسائي في سننه 6:40،و مالك في الموطا:479،و [2]روي حديث أمّ حرام بألفاظ أخرى أيضا.

«فأصبح بعد اصطخاب» من اصطخاب الطير،أي:اختلاط أصواتها.

«أمواجه ساجيا» أي:ساكنا ليّنا.

«مقهورا،و في حكمة» بفتحتين:ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه.

«الذّلّ منقادا أسيرا» كفرس ملجم لصاحبه،و من صار أسيرا لك .

«و سكنت الأرض مدحوّة» أي:مبسوطة.

«في لجّة تيّاره» أي:موجه .

«و ردّت من نخوة بأوه» أي:كبره.

«و اعتلائه» أي:تعاليه .

«و شموخ» أي:ارتفاع.

«أنفه و سموّ» أي:علوّ.

«غلوائه» أي:غلوّه،و تجاوزه عن حدّه .

«و كعمته» أي:شدّت فاه.

«على كظّة» أي:امتلاء.

«جريته» أي:جريانه .

«فهمد» أي:سكن.

«بعد نزقاته» من نزق الفرس،أي:نزا .

«و لبد» أي:أقام و لصق.

«بعد زيفان» أي:تبختر،قال ابن أبي الحديد:و يروى(زفيان)أي:شدّة (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:154.

.

«وثباته» الوثبات جمع الوثبة .

«فلمّا سكن هياج» هكذا في(المصرية)و الصواب:(هيج)كما في(ابن أبي


1) 1)

الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:154،لكن في شرح ابن ميثم 2:365« [1]هياج»أيضا.

.

«الماء من تحت أكنافها» أي:جوانبها .

«و حمل شواهق» أي:مرتفعات.

«الجبال» و الأصل الجبال الشواهق.

«الشمّخ» هكذا في(المصرية)،و الكلمة زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (2).

«البذّخ» أي:العوالي.

«على أكتافها،فجّر» جواب(لمّا).

«ينابيع العيون» يفهم من إضافته عليه السّلام الينابيع إلى العيون كون الينبوع غير العين،و أنّ الينبوع أصل العين،و محل خروج الماء،و العين ماؤه المجتمع،لا كما توهّم من اتّحادهما.

«من عرانين أنوفها» قال الجوهري:عرنين الأنف تحت مجتمع الحاجبين، و هو أوّل الأنف حيث يكون فيه الشّمم (3).

«و فرّقها» أي:فرّق الينابيع.

«في سهوب» أي:واسعات.

«بيدها» البيد جمع البيداء،أي:الأرض البرّ.

«و أخاديدها» أخاديد جمع أخدود،أي:شقّ في الأرض مستطيل .

«و عدّل حركاتها» ظاهر كلامه عليه السّلام أنّ للأرض حركات متعدّدة.

و في(الهيئة و الإسلام):و حكماء عصرنا يذكرون لكرة الأرض خمس


1) 1)

2) 2) يوجد في شرح ابن أبي الحديد 2:154،و شرح ابن ميثم 2:365 [2] لفظ«الشمّخ».

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 6:2163 [3] مادة(عرن).

حركات مختلفة و هي المشهورة،و حكى(فيلكس ورنه)عنهم القول بإحدى عشرة حركة،و قد انتخبت من كتبهم حركات ثمانية:

الأولى:الحركة المحورية على منطقة الاستواء،و هي في حيّزها و موضعها،و لذلك تسمى بالحركة الوضعية و الاستوائية،و يتمّ دورها في (23)ساعة و(58)دقيقة و(49)ثانية،و يحصل منها الليل و النهار،و تتولد من تركّب هذه الحركة مع جزء من الحركة السنوية الحركة اليومية كما تقدّم، فيتم الدور في(24)ساعة.

الثانية:الحركة السنوية حول مركز الشمس على منطقة البروج في دائرة بيضيّة،و يتمّ دورها في(365)يوما و(6)ساعات و(8)دقائق و(38) ثانية،و بها تحصل الأشهر الأشهر الفرسيّة و الرّومية و النّجومية و نحوها،و تتولّد الحركة الميليّة من هذه الحركة بسبب انحراف محور الأرض عن سطح دائرة البروج(23)درجة و نصف تقريبا،و هذه الحركة محور الأرض عن سطح دائرة البروج(23)درجة و نصف تقريبا،و هذه الحركة غير مستقلّة،و بها نرى للشّمس في كلّ سنة كرّا من الشّمال إلى نقطة الجنوب،ثمّ رجوعها منها إلى نقطة الشمال،و لو عدّت هذه الحركة و الحركة اليوميّة مستقلّتين بلغت الحركات عشرا.

الثالثة:الحركة الإقباليّة:أي إقبال دائرة البروج إلى دائرة الاستواء في كلّ(670)عاما درجة واحدة،و هذه الحركة محصورة في زاوية ثلاث درجات،و لا تكمل دورة مستديرة.فلا نرتقب زمانا تنطبق فيه إحدى الدائرتين على الأخرى كما كان القدماء يتوقّعون ذلك،و به فسّر بعضهم قيامة الدّنيا.

الرابعة:حركة نقطتي الأوج و الحضيض حول المحيط من دائرة البروج في كلّ(20931)سنة دورة كاملة بسبب تجاذب المشتري و الزهرة

مع الأرض،و بذلك تتغيّر أزمنة الفصول.ففي سنة(648)كانت نقطة الحضيض على نقطة الانقلاب الصيفي.فكانت أيّام الصيف مساوية لأيّام الربيع،و بهذه الحركة تقرب الأرض من الشمس في نقطة الحضيض ثلاثمائة ألف فرسخ بالنسبة إلى أوجها،فتزداد قوّة جاذبيّة الشمس في الأرض قدر الخمس ممّا كان لها قبلئذ.

و من آثار اشتداد هذه القوّة سرعة تحرّك الأرض في فلكها كلّ يوم إحدى و ستين دقيقة،مع أنّها تتحرّك في أوجها كلّ يوم سبعا و خمسين دقيقة من فلكها.

و من آثارها أيضا ارتفاع السائلات المستنبطة على وجه الأرض كمياه البحار المحيطة و تراكمها نحو أقرب نقاط الأرض إلى الشمس،على هذا فنحن الآن نرى المياه متراكمة في النواحي الجنوبية من عرض أربعين درجة، بحيث توجد ثمّة بقاع تلمع بصفاح متّسعة كالأقطار الشمالية،لكن الأمر ينعكس بعد اليوم بخمسة آلاف سنة،حيث تنتقل نقطة الحضيض الى شمالنا، فتتجه المياه نحو الشمال طالبة أقرب النقاط إلى الشمس،فتحسر الأقطار الجنوبية قناع الغمر عن أوجهها و تبدي محاسنها و ما أودع اللّه فيها لنوع البشر،و يصبح فيها العمران و العلم و التمدّن الأواخر،و تدعونا نحوها مبشّرات،و يمسي في شمالنا الغرق و الخراب و العطالة و تزجرنا بالخروج منذرات،فتعرف الامم عند ذلك أثمان المراكب البحرية و الهوائية،و يومئذ ينجو المخفّون.

الخامسة:حركة تقديم الاعتدالين الربيعي و الخريفيّ،و بها ترى الثوابت متحركة على موازاة دائرة البروج في(26000)سنة شمسيّة مرّة، و كان القدماء يظنّون أنّ الثوابت بأسرها مركوزة في ثخن فلك يدور دورة في تلك المدّة.

السادسة:الحركة الرّقصية أو الارتعاش القمري،و هي التي تعرض على محوري الأرض،فتميل بذلك إلى دائرة البروج في كلّ(29)سنة مرّة، اكتشفها الفلكيّ(بر ادله)سنة(1844 م)و منشؤها تأثير الجاذبيتين من الشمس و القمر في أرضنا مع تسطيحها القطبي و تفرطحها الاستوائي، و ينتقل محور الأرض بهذه الحركة في دورة عقدتي القمر بمقدار(18 درجة و كسر)إلى الجنوب و الشمال.

السابعة:الارتعاش الشمسي،قال في(الحدائق):النّجوم ما معناه أنّ الأرض يرتعش محورها-أي يرتعش محورها من طرف قطبيها-بجاذبيّة الشمس،و تتمّ في سنة شمسيّة و غايتها دقيقة من الفلك.

الثامنة:الحركة التبعية،و هي سير الأرض كباقي السيارات بتبعيّة الشمس في الفضاء المهول حول مركز مجهول،و الأرجح أنّ الحركات أكثر مما وصلوا إليه... (1)

الهيئة و الاسلام 1:83،و النقل بتصرف يسير.

.

نقلناه بطوله لاشتماله على وجود حركات للأرض،و إن كانت تفاصيل ما قاله غير معلومة،و نكله إلى أهل فنّه.

«بالرّاسيات» أي:الثابتات،صفة(الجبال)مقدّرة.

«من جلاميدها» أي:صخورها العظيمة .

«و ذوات» أي:بصاحبات.

«الشّناخيب» أي:الرّؤوس،قال الجوهري:الشنخوبة و الشنخوب واحد شناخيب الجبل،و هي رؤوسه (2).

«الشّمّ» أي:الطوال.


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 1:152 [1] مادة(شنخب).

«من صياخيدها»أي:شدادها .

«فسكنت من الميدان» أي:من الاضطراب و الحركة غير المعتدلة.

«لرسوب» هكذا في(المصرية)و الصواب:(برسوب)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

في شرح ابن أبي الحديد 2:154،و [1]شرح ابن ميثم 2:365«لرسوب»أيضا.

من رسب الشيء في الماء،أي:سفل فيه.

«الجبال في قطع» بالكسر فالفتح:جمع قطعة،و قال ابن أبي الحديد:

و يروى بالكسر فالسكون،أي:طنفسة الرّجل،و هو استعارة،كأنّه جعل الأرض ناقة و جعل لها قطعا (2).

قلت:إنّما كان يناسب ما قاله لو كان عليه السّلام قال:(بركوب الجبال)لا (برسوب الجبال)،فالصواب الأوّل،مع أنّ قرينتها(جوبات)أيضا جمع.

«أديمها» هكذا في النسخ (3)،و الظاهر كونه مصحّف(أياديهما)أي:

متونها،و أمّا(أديمها)فهو ما ظهر منها،و لا مناسبة له،مع أنّ قرينته (خياشيمها)أيضا جمع.

«و تغلغلها» قال الجوهري:الغلغلة سرعة السير،و تغلغل الماء في الشجر إذا تخللها (4).

و الظاهر أنّ المراد هنا الثاني،بأن يكون المعنى تخلّلت الجبال في الأرض تخلّل الماء في الشجر .

«متسرّبة» أي بلا مانع للجبال من التّخلل،قال الجوهري:السارب الذاهب على وجهه في الأرض.و قولهم:اذهب فلا أنده سربك،أي:لا أردّ إبلك،تذهب حيث شاءت.و كانوا يقولون في الجاهليّة للمرأة:اذهبي فلا أنده


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:156،و [2]النقل بالمعنى.

3) 3) كذا في نهج البلاغة 1:174،و [3]شرح ابن أبي الحديد 2:154،و [4]شرح ابن ميثم 2:365.

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 5:1783 [5] مادة غلغل().

سربك،فتطلّق (1)

صحاح اللغة للجوهري 1:146 [1] مادة(سرب).

.

«في جوبات» الجوبات جمع الجوبة،أي:الحفرة المستديرة الواسعة.

«خياشيمها» أي أنوفها .

«و ركوبها» أي:ركوب الجبال.

«أعناق سهول الأرضين» أي:مسطحاتها.

«و جراثيمها» و هي ضدّ سهولها،و في(النهاية):الجراثيم:أماكن مرتفعة عن الأرض مجتمعة من تراب أو طين (2).

«و فسّح» أي:وسّع.

«بين الجوّ و بينها» أي:و بين الأرض .

«و أعدّ الهواء متنسّما» أي:سبب تنفّس.

«لساكنها» من البشر و غيره.

قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:أنبّهك يا مفضّل على الرّيح و ما فيها،أ لست ترى ركودها إذا ركدت،كيف يحدث الكرب الّذي يكاد أن يأتي على النفوس، و يمرّض الأصحّاء،و ينهك المرضى،و يفسد الثّمار،و يعفّن البقول،و يعقّب الوباء في الأبدان،و الآفة في الغلات؟ففي هذا بيان أنّ هبوب الرّيح من تدبير الحكيم في صلاح الخلق.و أنبّئك عن الهواء بخلّة أخرى،فإنّ الصّوت أثر يؤثّره اصطكاك الأجسام في الهواء،و الهواء يؤدّيه إلى المسامع،و الناس يتكلّمون في حوائجهم،و معاملاتهم،طول نهارهم و بعض ليلهم،فلو كان أثر هذا الكلام يبقى في الهواء كما يبقى الكتاب في القرطاس لامتلأ العالم منه، فكان يكربهم و يفدحهم،و كانوا يحتاجون في تجديده و الاستبدال به إلى أكثر


1) 1)

2) 2) النهاية لابن الأثير 1:294 [2] مادة(جرثم).

ممّا يحتاج إليه في تجديد القراطيس،لأنّ ما يلفظ من الكلام أكثر ممّا يكتب، فجعل الخلاّق الحكيم جلّ قدسه هذا الهواء قرطاسا خفيّا يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم حاجتهم،ثم يمحى فيعود جديدا نقيّا،و يحمل ما حمل أبدا بلا انقطاع.و حسبك بهذا النّسيم المسمّى هواء عبرة و ما فيه من المصالح،فإنّه حياة هذه الأبدان،و الممسك لها من داخل بما يستنشق منه من خارج بما يباشر من روحه،و فيه تطرد هذه الأصوات فيؤدّي البعد البعيد،و هو الحامل لهذه الأرواح ينقلها من موضع إلى موضع.

أ لا ترى كيف تأتيك الرّائحة من حيث تهبّ الريح؟فكذلك الصوت،و هو القابل لهذا الحرّ و البرد اللّذين يتعاقبان على العالم لصلاحه،و منه هذه الريح الهابّة،فالرّيح تروّح عن الأجسام و تزجي السّحاب من موضع إلى موضع ليعمّ نفعه حتّى يستكثف فيمطر و تفضّه حتّى يستخفّ فيتفشى،و تلقح الشّجر،و تسيّر السّفن،و ترخي الأطعمة،و تبرّد الماء،و تشبّ النار،و تجفّف الأشياء النديّة.و بالجملة إنّما تحيي كلّما في الأرض،فلو لا الرّيح لذوى النّبات و لمات الحيوان،و حمت الأشياء و فسدت (1)

توحيد المفضل:140. [1]

.

«و أخرج إليها أهلها على تمام مرافقها» و كمال مصالحها.

قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:يا مفضّل!أوّل العبر و الدّلالة على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم،و تأليف أجزائه و نظمها على ما هي عليه،فإنّك إذا تأمّلت العالم بفكرك،و خبرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده،فالسّماء مرفوعة كالسّقف،و الأرض ممدودة كالبساط، و النجوم مضيئة كالمصابيح،و الجواهر مخزونة كالذخائر،و كلّ شيء فيها لشأنه معدّ.


1) 1)

و الإنسان كالمملّك ذلك البيت،و المخوّل جميع ما فيه،و ضروب النّبات مهيّأة لمآربه،و صنوف الحيوان مصروفة في مصالحه و منافعه،ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير و حكمة،و نظام و ملاءمة،و أنّ الخالق له واحد،و هو الّذي ألّفه و نظمه بعضا إلى بعض (1)

توحيد المفضل:47. [1]

.

«ثمّ لم يدع» أي:لم يترك.

«جرز» بتقديم الرّاء على الزاي،أرض انقطع عنها النبات،و فيه لغات:

بضمّتين،و فتحتين،و ضمّ فسكون،و فتح فسكون.

«الأرض التي تقصر مياه العيون عن روابيها» أي:عواليها .

«و لا تجد جداول» قال الجوهري:الجدول:النهر الصغير (2).

«الأنهار» و المراد الكبيرة.

«ذريعة» أي:وسيلة.

«إلى بلوغها» أي بلوغ تلك الروابي كرؤوس الجبال و الآكام،أو بلوغ تلك الأرض الجرز كأراض ليست فيها أنهار و لا عيون .

«حتّى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها،و تستخرج نباتها» بالأمطار النازلة من السحاب،قال الصادق للمفضّل:تأمّل نزول المطر على الأرض، و التّدبير في ذلك فإنّه جعل ينحدر عليها من علوّ ليغشى ما غلظ و ارتفع منها فيرويه،و لو كان إنّما يأتيها من بعض نواحيها لما علا المواضع المشرفة منها،و يقلّ ما يزرع في الأرض،ألا ترى أنّ الذي يزرع سيحا أقلّ من ذلك؟! فالأمطار هي التي تطبق الأرض،و ربما تزرع هذه البراري الواسعة، و سفوح الجبال و ذراها،فتغلّ الغلّة الكثيرة،و بها يسقط عن الناس في كثير


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 4:1654 [2] مادة(جدل).

من البلدان مئونة سياق الماء من موضع إلى موضع،و ما يجري في ذلك بينهم من التّشاجر و التظالم،حتى يستأثر بالماء ذو العزّة و القوّة،و يحرمه الضعفاء.ثمّ إنّه حين قدّر أن ينحدر على الأرض انحدارا جعل ذلك قطرا شبيها بالرشّ ليغور في قعر الأرض فيرويها،و لو كان يسكبه انسكابا كان ينزل على وجه الأرض فلا يغور فيها،ثمّ كان يحطم الزّرع القائمة إذا اندفق عليها،فصار ينزل نزولا رقيقا،فينبت الحبّ المزروع،و يحيي الأرض و الزّرع القائم،و في نزوله أيضا مصالح أخرى،فإنّه يليّن الأبدان،و يجلو كدر الهواء،فيرتفع الوباء الحادث من ذلك،و يغسل ما يسقط على الشجر و الزّرع من الدّاء المسمّى باليرقان،إلى أشباه هذا من المنافع (1)

توحيد المفضل:149. [1]

.

«ألّف غمامها» أي:سحابها.

«بعد افتراق لمعه» بالضّمّ فالفتح:جمع لمعة بالضّمّ فالسّكون،أي:

قطعاته،سمّيت القطعة من الغمام لمعة للمعانها،كما سميّت القطعة من النبات إذا يبست لمعة للمعانها،و كما سمّيت قطعة من الجسد لم يصبها الماء في الوضوء و الغسل لمعة للمعانها .

«و تباين» أي:انفصال.

«قزعه» بالضم فالفتح أيضا،جمع قزعة بالضّمّ فالسّكون،أي:قطعه الرقيقة التي تعدو سريعا.و الأصل في القزعة السرعة في العدو .

«حتّى إذا تمخّضت» الأصل في المخاض قرب الولادة،قال:

تمخّضت المنون له بيوم أنى و لكلّ حاملة تمام

(2)«لجّة» قالوا:لجّة الماء معظمه.


1) 1)

2) 2) أورده أساس البلاغة:422 [2] مادة(مخض)،و لسان العرب 7:230 [3] مادة(مخض).

«المزن» أي:السحابة البيضاء.

«فيه» الضمير فيه راجع إلى الغمام كما في(لمعه)و(قزعه)،و قال ابن أبي الحديد:الهاء في(فيه)يرجع إلى المزن (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:156. [1]

،و هو كما ترى .

«و التمع برقه في كففه» بالكسر فالفتح:جمع كفّة بالفتح،أي:في أطرافه، و سمّي الطرف كفّه لأنّ الشيء إذ انتهى إلى الطرف كفّ عن الزيّادة،كما أنّ الرزق الكفاف يكفّ صاحبه عن النّاس .

«و لم ينم وميضه» قال الجوهري:و مض البرق و ميضا لمع لمعا خفيفا، و لم يعترض في نواحي الغيم،فإن اعترض فهو الخفو،فإن استطال في وسط السماء و شقّ الغيم من غير أن يعترض يمينا و شمالا فهو العقيقة (2).

«في كنهور» قال الجوهري:و الكنهور:العظيم من السحاب (3).و جعله (القاموس)خماسيا كسفرجل (4).

«ربابه» قال الجوهري:رباب سحاب أبيض واحدته ربابة (5).و مراده أنّه اسم جنس كتمر و تمرة.و توهّم ابن أبي الحديد (6)أنّ مراده كونه جمعا.

و قال الجوهري أيضا:و يقال:إنّ رباب السّحاب الذي تراه كأنّه دون السحاب قد يكون أبيض و قد يكون أسود (7).

«و متراكم سحابه» الّذي بعضه فوق بعض.


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 3:1113 [2] مادة(و مض).

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 2:811 [3] مادة(كهر).

4) 4) القاموس المحيط 2:129 مادة(كنهور).

5) 5) صحاح اللغة للجوهري 1:133 مادة(ربب).

6) 6) شرح ابن أبي الحديد 2:156. [4]

7) 7) صحاح اللغة للجوهري 1:133 [5] مادة(ربب).

«أرسله سحّا» أي:صابّا.

«متداركا» أي:ملحقا آخره بأوّله .

«قد أسفّ» أي:دنا من الأرض،قال عبيد في سحاب قرب من الأرض كثيرا:

دان مسفّ فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالراح

(1)«هيدبه» قال الجوهري:هيدب السحاب:ما تهدّب منه إذا أراد الودق كأنّه خيوط (2).

«تمريه» قال الجوهري:الرّيح تمري السحاب و تمتريه،أي:تستدرّه (3).

«الجنوب درر» أي:صبّ.

«أهاضيبه» أي:مطراته،و المراد مطرة بعد مطرة .

«و دفع شآبيبه» جمع شؤبوب،أي:دفعة بعد دفعة،قال الشاعر:

كأنّ ثناياها بنات سحابة سقاهنّ شؤبوب من الغيث باكر

و بنات سحابة:البرد .

«فلمّا ألقت السّحاب برك» قال الجوهري:البرك الصدر (4).

«بوانيها» قال الجزري:البواني في الأصل أضلاع الصدر.و قيل:الأكتاف و القوائم،الواحدة بانية،و من حقّ هذه الكلمة أن تجيء في باب الباء و النون و الياء،و إنّما ذكرناها هاهنا حملا على ظاهرها،فإنّها لم ترد حيث وردت إلاّ مجموعة،و منه حديث عليّ عليه السّلام:ألقت السماء برك بوانيها (5).


1) 1) أورده لسان العرب 9:154 [1] مادة(سفف)،و قال:إنّه لأوس بن حجر أو عبيد بن الأبرص.

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 1:237 [2] مادة(هدب).

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 6:2491 [3] مادة(مرى).

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 4:1574 مادة(برك).

5) 5) النهاية [4]ابن الأثير-النهاية-ج 1 ص 164 [5] مادة(بون) لابن الأثير 1:164 مادة(بون).

و ممّا نقلنا يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد أنّ بوانيها تثنية بوان، على فعال بكسر الفاء،و هو عمود الخيمة و الجمع بون بالضمّ.قال الشّاعر:

أصبر من ذي ضاغط عركرك ألقى بواني زوره للبرك

قال:و من روى بوانيها(أي بلفظ الجمع)أراد لواصقها من قولك:قوس بانية.إذا التصقت بالوتر،و الرواية الأولى أصحّ...

و مع أنّه ليس للسّحاب عمودان حتّى يكون ما قاله صحيحا،و الشعر الذي استشهد به دالّ على ضدّ مراده،و(البواني)فيه أيضا جمع(بانية)، و مراد الشاعر ب‍(ذي ضاغط عركرك)الجمل القويّ،فالمعنى أنّه أصبر من جمل قوي ألقى بواني زوره،أي:اضلاع صدره للمبرك .

«و بعاع» في(النهاية):البعاع شدّة المطر،و منهم من يرويها بالثّاء المثلّثة،من:ثعّ يثعّ،إذا تقيّأ،أي:قذفها في البطحاء،و منه حديث علي عليه السّلام:ألقت السحاب بعاع ما استقلّت به من الحمل (1)

النهاية لابن الأثير 1:140 [1] مادة(بعع).

.

«ما استقلّت به» أي:ارتفعت به.

«من العبء» أي:الحمل،قال الشاعر:

الحامل العبء الثقيل عن الجاني بغير يد و لا شكر

(2)«المحمول عليها» أي:على السّحاب . «أخرج» جواب لمّا،و فاعله هو تعالى.

«به» أي:بعبئها.

«من هوامد الأرض» أي:أراض لا نبات فيها.

«النبات» و الأصل فيه قوله عليه السّلام من «فلما ألقت» إلى «النبات» قوله تعالى:


1) 1)

2) 2) أورده لسان العرب 1:117 [2] مادة(عبا)و الشاعر:زهير.

«وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » (1)

الأعراف:57. [1]

.

«و من زعر الجبال» من إضافة الصفة،أي:جبال قليلة النبات.

«الأعشاب» أي:أخرج منها الأعشاب،و الأعشاب جمع العشب:الكلأ الرطب .

«فهي تبهج بزينة رياضها» كمرأة تبهج بزينة حليها و ألبستها المتلوّنة .

«و تزدهي» أي:تتكبّر.

«بما ألبسته من ريط» قيل:ريطة:كلّ ثوب رقيق ليّن.

«أزاهيرها» أزاهير جمع زهرة،بالفتح،و زهرة النّبت نوره .

«و حلية» عطف على(ما)في قوله(بما)لا على قوله(ريط)كما هو المتبادر في بادي النظر،كما لا يخفى على من تدبّر.

«ما سمطت» قال الجوهريّ:السّمط:الخيط ما دام فيه الخرز،و إلاّ فهو سلك،قال طرفة:

مظاهر سمطي لؤلؤ و زبرجد

(2)«به من ناضر» أي:رونق. «أنوارها» أنوار جمع نور بالفتح،أي:أزهارها،قال تعالى: «وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» (3).


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 3:1134 [2] مادة(سمط).

3) 3) الحج:5. [3]

قال ابن عمران المخزومي:أتيت مع أبي واليا كان على المدينة من قريش،و عنده أعرابي يقال له ابن مطير،و اذا مطر جود،فقال له الوالي:صفه.

فقال:دعني أشرف و أنظر.فأشرف و نظر،ثم قال:

كثرت لكثرة و دقه أطباؤه فإذا تحلّب فاضت الأطباء

و له رباب هيدب لرفيفه قبل التبعّق ديمة و طفاء

و كأنّ بارقه حريق تلتقي ريح عليه و عرفج و إلاء

و كأنّ ريقه و لمّا يحتفل و دق السماء عجاجة طخياء

مستضحك بلوامع مستعبر بمدامع لم تمرها الأقذاء

فله بلا حزن و لا بمسرّة ضحك يؤلّف بينه و بكاء

حيران متّبع صباه يقوده و جنوبه كنف له ورهاء

ثقلت كلاه فبهّرت أصلابه و تبعّجت عن مائه الأحشاء

غدق تبعّج بالأباطح مزّقت تلك السّيول و مالها أشلاء

غرّ محجّلة دوالج ضمّنت حمل اللّقاح و كلّها عذراء

سحم فهنّ إذا عبسن فواحم سود و هنّ إذا ضحكن وضاء

لو كان من لجج السواحل ماؤه لم يبق في لجج السواحل ماء

(1)«و جعل ذلك بلاغا للأنام و رزقا للأنعام» قال تعالى: «وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ » (2).

«و خرق العجاج» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(الفجاج)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (3).و الفجاج جمع الفج:الطريق الواسع


1) 1) نقله ابن عبد ربه في العقد الفريد 4:48. [1]

2) 2) عبس:31-32. [2]

3) 3) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:154،لكن في شرح ابن ميثم 2:366«العجاب»أيضا.

بين الجبلين.

«في آفاقها» أي أطرافها،قال تعالى: «وَ جَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ» (1)

الأنبياء:31. [1]

.

و قال الصادق عليه السّلام:فلو لا امتداد هذه الأرض كيف كانت تتّسع لمساكن الناس و مزارعهم و مراعيهم و منابت أخشابهم و أحطابهم،و العقاقير العظيمة،و المعادن الجسيم غناؤها (2).

«و أقام المنار» للنّاس بنجوم السماء،قال تعالى: «وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» (3).

«للسالكين على جوادّ» بالتشديد،جمع الجادّة.

«طرقها» أي:طرق الأرض.

4

الخطبة(209)

و من خطبة له عليه السّلام:

وَ كَانَ مِنِ اقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ- وَ بَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ- أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ الزَّاخِرِ- الْمُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ يَبَساً جَامِداً- ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً- فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ- وَ قَامَتْ عَلَى حَدِّهِ وَ أَرْسَى أَرْضاً يَحْمِلُهَا الْأَخْضَرُ الْمُثْعَنْجِرُ- وَ الْقَمْقَامُ الْمُسَخَّرُ- قَدْ ذَلَّ لِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِهَيْبَتِهِ- وَ وَقَفَ الْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ- وَ جَبَلَ جَلاَمِيدَهَا وَ نُشُوزَ مُتُونِهَا وَ أَطْوَادَهَا- فَأَرْسَلَهَا فِي مَرَاسِيهَا- وَ أَلْزَمَهَا


1) 1)

2) 2) توحيد المفضل:142. [2]

3) 3) النحل:16. [3]

قَرَارَتَهَا- فَمَضَتْ رُءُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ- وَ رَسَتْ أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ- فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا- وَ أَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا وَ مَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا- فَأَشْهَقَ قِلاَلَهَا وَ أَطَالَ أَنْشَازَهَا- وَ جَعَلَهَا لِلْأَرْضِ عِمَاداً وَ أَرَّزَهَا فِيهَا أَوْتَاداً- فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا- فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا- وَ أَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا- فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً- وَ بَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً- فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ رَاكِدٍ لاَ يَجْرِي وَ قَائِمٍ لاَ يَسْرِي- تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ- وَ تَمْخُضُهُ الْغَمَامُ الذَّوَارِفُ- «إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى» (1)

النازعات:26. [1]

أقول:رواها أيضا أئمّة غريب اللّغة كما يفهم من تفسير( النهاية ابن الأثير-النهاية-ج 1 ص 212 مادة(ثعجر) )لبعض فقراتها (2).

«و كان من اقتدار جبروته» إضافة الاقتدار الى جبروته تعالى مع أنّ الأصل إضافته إليه تعالى،كما في نسبة الإكرام إلى مثوى يوسف عليه السّلام في قوله تعالى: «أَكْرِمِي مَثْواهُ» (3)مع أنّ الأصل النسبة إليه عليه السّلام للدلالة على المبالغة.

«و بديع» عطف على(اقتدار)و البديع:ما لا مثال له قبله.

«لطائف صنعته» و كيف لا،و قد خلق الأرض و السماوات السبع من ماء كما خلق كلّ شيء من ماء؟! «أن جعل من ماء البحر الزّاخر» أي:المرتفع الممتدّ.


1) 1)

2) 2) النهاية لابن الأثير 1:212 مادة(ثعجر).

3) 3) يوسف:21. [2]

«المتراكم» أي:الذي بعضه فوق بعض.

«المتقاصف» أي:المتدافع.

«يبسا جامدا» قال ابن أبي الحديد:اليبس بالتّحريك:المكان يكون رطبا، ثمّ ييبس،و منه قوله تعالى: «فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً» (1)

طه:77. [1]

.

و اليبس بالسكون:اليابس خلقة:«حطب يبس»،هكذا يقوله أهل اللّغة.و فيه كلام لأنّ الحطب ليس يابسا خلقة،بل كان رطبا من قبل،فالأصوب أن يقال:لا تكون هذه اللفظة محرّكة إلاّ في المكان (2).

قلت:في ما قاله أوّلا:إنّ اليبس بالتحريك ليس مختصا بالمكان،فيأتي وصف المرأة و الشّاة أيضا،قال الرّاجز:

إلى عجوز شنة الوجه يبس

(3)فقوله:«فالأصوب»خلاف الصواب. و ثانيا:إنّ التفصيل الذي ذكره لم يقله جميع أهل اللّغة كما هو مفهوم كلامه،و إنّما قاله الجوهري (4)،و أمّا الفيروز آبادي فعكس،فقال:يابس و يبس، و يبيس و يبس:كان رطبا فجفّ،كاتّبس،و ما أصله اليبوسة و لم يعهد رطبا فيبس بالتحريك.و أمّا طريق موسى في البحر،فإنّه لم يعهد قطّ طريقا لا رطبا و لا يابسا،إنّما أظهره اللّه لهم حينئذ مخلوقا على ذلك.و تسكّن الباء أيضا ذهابا إلى أنّه و إن لم يكن طريقا فإنّه موضع كان فيه ماء فيبس (5).

و ثالثا:إنّ مناقشته بعدم كون الحطب يابسا خلقة في غير محلّه،يقال:


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:18. [2]

3) 3) أورده لسان العرب 6:261 [3] مادة(يبس).

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 2:990 مادة(يبس).

5) 5) القاموس المحيط 2:261 [4] مادة(يبس).

حطب يبس.قال ثعلب:كأنّه خلقة (1)

قول ثعلب و البيت نقلهما لسان العرب 6:261 [1] مادة(يبس).

،قال علقمة:

تخشخش أبدان الحديد عليهم كما خشخشت يبس الحصاد جنوب

(2)و رابعا:إنّ الآية «فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً» لا كما نقله (3). «ثمّ فطر» أي:خلق اختراعا.

و عن ابن عباس:كنت لا أدري ما «عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» (4)حتّى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر.فقال:أحدهما:أنا فطرتها.يقول:أنا ابتدأت حفرها (5).

«منه أطباقا» أي:سماوات أطباقا،قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً» (6)، «الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً» (7).

«ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها» «أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما» (8).

«فاستمسكت بأمره» «وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها» (9).

«و قامت على حدّه» الضمير راجع إليه تعالى،أي:قامت السماوات على تحديده تعالى لها.


1) 1)

2) 2) قول ثعلب و البيت نقلهما لسان العرب 6:261 [2] مادة(يبس).

3) 3) لم يظهر لي فرق بين ما نقل الشارح و ما نقل ابن أبي الحديد و لا رسم المصحف.

4) 4) يوسف:101. [3]

5) 5) مرّ تخريج الحديث في العنوان(1)من الفصل الأول.

6) 6) نوح:15. [4]

7) 7) الملك:3. [5]

8) 8) الأنبياء:30. [6]

9) 9) فصلت:12. [7]

«و أرسى أرضأ» هكذا في(المصرية)و ليست الجملة في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية) (1)

كذا في شرح الخوئي 7:327،و توجد الجملة في شرح ابن أبي الحديد 3:18،و شرح ابن ميثم:4:24.

رأسا،فيعلم عدم وجودها في النّهج،و إن كان المعنى بدونها مختلاّ،لأنّه يصير الضمير في قوله بعد «يحملها الأخضر» راجعا إلى السماوات السبع،و ليس كذلك،و لذا تكلّف الخوئي في أنّ الضمير في(يحملها)راجع إلى(الأرض)المستفادة من اليبس (2)،و هو كما ترى.

فالظاهر أنّ(المصرية)نقلت الجملة من نسخة خلطت حاشية بالمتن.

«يحملها الأخضر» فسّر ابن أبي الحديد الأخضر بالبحر،و يسمّى أيضا خضارة معرفة غير مصروف (3).

قلت:لم يقل أحد بإطلاق الأخضر مجرّدا على البحر،بل مع الوصف بالمثعنجر،لأنّه بمعنى السائل.نعم،خضارة مجرّدة تطلق عليه.ثمّ سوق كلامه أنّ الأخضر غير منصرف،و ليس كذلك،بل خضارة غير منصرف.

قال الجوهري:خضارة بالضّمّ:البحر،معرفة لا تجرى،تقول:هذا خضارة طاميا (4).و لو كان عبّر:و خضارة معرفة غير مصروف،لسلم.

«المثعنجر» قال الفيروز آبادي:المثعنجر:السائل من ماء أو دمع،و بفتح الجيم وسط البحر،و ليس في البحر ماء يشبهه (5).

و قال الجزري في حديث عليّ عليه السّلام «يحملها الأخضر المثعنجر» :هو أكثر موضع في البحر ماء،و الميم و النون زائدتان،و منه حديث ابن عباس:


1) 1)

2) 2) شرح الخوئي 7:328.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 3:19. [1]

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 2:647 [2] مادة(خضر).

5) 5) القاموس المحيط 1:382 [3] مادة(ثعجر).

فإذا علمي بالقرآن في علم عليّ عليه السّلام كالقرارة في المثعنجر (1)

أخرجه الحكيم الترمذي في شرح الفتح المبين عنه ينابيع المودة:70 بفرق يسير،و روى معناه المفيد و أبو علي الطوسي و النقاش و الحمويني و الإربلي،و قد مرّ تخريجه في شرحه خطبة الرضي.

.القرارة:الغدير الصغير (2).

قال ابن أبي الحديد:تصغير المثعنجر:مثيعج و مثيعيج (3).

قلت:أخذه من(الصحاح)لكنّه غلط منه،لأنّ المثعنجر رباعيّ مزيد فيه، أصله ثعجر،لا ثلاثي مزيد فيه أصله ثعج.

قال في(القاموس):قول الجوهري و الصغانيّ تصغير المثعنجر:مثيعج و مثيعيج (4)غلط،و الصواب:ثعيجر،كما تقول في محرنجم:حريجم (5).

«و القمقام» يأتي لمعان أحدها البحر،و هو المراد هنا.

«المسخّر» من اللّه تعالى.

«قد ذلّ لأمره» و المراد أمره التكويني.

«و أذعن» أي:خضع.

«لهيبته،و وقف الجاري منه» بعد حمله للأرض.

«لخشيته» الطبيعية .

«و جبل» أي:خلق.

«جلاميدها» أي:صخورها الشديدة.

«و نشوز» أي:ارتفاع.


1) 1)

2) 2) النهاية لابن الأثير 1:212 [1] مادة(ثعجر).

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 3:20. [2]

4) 4) كذا ذكر الجوهري تصغيره في صحاح اللغة 2:605 [3] مادة(ثعجر)،لكن لم يذكر الصغاني في التكملة 2:436 مادة (ثعجر)تصغيرا له.

5) 5) القاموس المحيط 1:382 [4] مادة ثعجر().

«متونها» أي:ما صلب منها.

«و أطوادها» أي:جبالها.

«فأرسلها في مراسيها» أي:في مواقفها (1)

لم يتعرّض الشارح لشرح الفقرتين:«و ألزمها قرارتها،فمضت رؤوسها في الهواء».

.

«و رست» أي:ثبتت،و في نسخة(و رسبت) (2)،من رسب في الماء،إذا هبط فيه.

«أصولها» أي:عروقها.

«في الماء» لكون الأرض على الماء .

«فأنهد» أي:أنهض.

«جبالها عن سهولها» سهل الأرض خلاف حزنها.

«و أساخ» أي:أغاص،من:ساخت قدمه في الأرض،إذا غاصت فيها.

«قواعدها» و أساسها.

«في متون أقطارها» أي:جوانبها.

«و مواضع أنصابها» أي:في مواضع نصبت فيها.

«فأشهق» أي:أعلى.

«قلالها» قلال جمع قلّة،أعلى الجبل.

«و أطال» أي:جعل طويلا.

«أنشازها» أي:ارتفاعاتها.

«و جعلها للأرض عمادا» أي:عمودا.

«و أرّزها» أي:أثبتها،من أرزت الشجرة:ثبتت.


1) 1)

2) 2) لم نجد أحدا من الشرّاح نقل هذه الرواية.

«فيها أوتادا» قال تعالى: «وَ الْجِبالَ أَوْتاداً » (1)

النبأ:7. [1]

.

«فسكنت على حركتها» أي:مع حركتها،فإن(على)في مثل الموضع بمعنى(مع)،كقوله تعالى: «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ» (2)،و قوله تعالى: «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً» (3)،و كقول الشاعر:

و إنّي على ليلى لزار و إنّني على ذاك في ما بيننا مستديمها

(4)و قوله: على جوده ما جاد بالمال حاتم

(5)«من أن تميد» أي:تضطرب. «بأهلها» كوقت يحصل الزلزال.

«أو تسيخ» أي:تغوص.

«بحملها» كبناء لم يستحكم أساسه.

«أو تزول عن مواضعها» التي عيّنها اللّه تعالى لها،قال في(الهيئة و الاسلام):يظهر من قوله عليه السّلام: «أو تزول عن مواضعها» تحرّك الأرض في مدار مخصوص،فإنّ الأرض عند المتأخّرين لها مواضع لا تحصى،لكنّها جميعا في مدار معيّن بإزاء البروج الاثني عشر،فيتمّ على هذا تفسير قوله عليه السّلام: «على حركتها» بحركة الأرض السنوية،و أنّ الجبال و عروقها هي


1) 1)

2) 2) إبراهيم:39. [2]

3) 3) الإنسان:8. [3]

4) 4) أورده السيوطي في شواهد المغني 1:61،و الشاعر إمّا قيس بن الملوح أو غيره.

5) 5) أورده لسان العرب 12:115 [4] مادة(حتم)و الشاعر الفرزدق،و صدره: على حالة لو أنّ في القوم حاتما

الحافظة لهيئة أجزاء الأرض المانعة من تفرّقها و اضطرابها و زوالها عن مواضعها المخصوصة في فلكها المخصوص،و أمّا على القول بالسكون- كما عليه المتقدّمون-فلا يتمّ هذا الكلام الكامل،إذا الجسم لا يكون ذا مواضع إلاّ بتحرّكه الانتقالي،و الساكن لا يكون إلاّ ذا موضع واحد.

ثمّ استدلّ صاحب الكتاب لحركة الأرض بآيات:

منها: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً» (1)

طه:53. [1]

.قال:و المهد يتحرّك سريعا بلا ميلان.

و منها: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً» (2).قال:فإنّ الذّلول إبل تمتاز بنعومة الحركة و سرعة السير.

و منها: «وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ» (3).قال:فلو كان المراد القيامة كما قالوا لما كان لقوله:

«صُنْعَ اللّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ» مناسبة.

و منها: «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» (4).قال:بناء على أنّ المراد بالدّحو:

الدّفع و الدحرجة-كما يفهم من اللّغة و من موارد استعماله-دون البسط،كما هو المشهور.ثمّ تعرّض للاستدلال على مدّعاه بكون المراد من الدّحو في الآية الدّفع و الدّحرجة دون البسط الّذي قال غيره (5).

قلت:الظاهر أنّ المشهور فسّروه باللازم،فإنّ دحرجة الملفوف تستلزم بسطه،و ممّا يمكن أن يستدلّ به على ما قال،و إن لم يتفطّن له قول الحميري


1) 1)

2) 2) الملك:15. [2]

3) 3) النمل:88. [3]

4) 4) النازعات:30. [4]

5) 5) الهيئة و الاسلام 1:82،و النقل بتصرف يسير.

في تشبيهه رمي أمير المؤمنين عليه السّلام للصّخرة العظيمة التي كانت على عين في طريق صفين بكرة رماها قوي:

فكأنّها كرة بكفّ حزوّر عبل الذّراع دحا بها في ملعب

(1)كما أنّه فاته الاستدلال بكلامه عليه السّلام في الخطبة(70)«اللّهمّ داحي المدحوّات» (2).فإنّه مثل قوله تعالى: «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» (3).و استدلّ بخبر(الاحتجاج)عن الصادق عليه السّلام:أنّ الأشياء تدلّ على حدوثها من دوران الفلك بما فيه،و هي سبعة أفلاك،و تحرّك الأرض و من عليها (4).و استدلّ بآيات و أخبار أخر ليس لها وضوح دلالة،كقوله تعالى: «فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (5)،فقال في معناه: «ائْتِيا» أي:انتقلا و تحركا من حيزكما، «طَوْعاً» لنظام هذه الشمس،أو «كَرْهاً» عنها و طوعا لنظام آخر،و اتّباعا لجاذبية عالم آخر، «قالَتا» بلسان الحال: «أَتَيْنا طائِعِينَ» لهذا النظام،خاضعين لنواميس هذه الجاذبية التي سنّها اللّه تعالى في هذا العالم (6).و هو كما ترى .

«فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها» «إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ» (7).

«و أجمدها بعد رطوبة أكنافها» أي:جوانبها.


1) 1) هذا بيت من القصيدة البائية نقله المفيد في الإرشاد:178 و غيره. [1]

2) 2) نهج البلاغة 1:120. [2]

3) 3) النازعات:30. [3]

4) 4) رواه الطبرسي في الاحتجاج 2:338 [4] ضمن حديث طويل.

5) 5) فصلت:11. [5]

6) 6) الهيئة و الاسلام 1:71،74.

7) 7) فاطر:41. [6]

«فجعلها لخلقه مهادا» «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً» (1)

النبأ:6. [1]

.

«و بسطها لهم فراشا» «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً» (2).

«فوق بحر لجّي» بالضمّ،أي:بحر مشتمل على اللّجّات.

«راكد» أي:ساكن.

«لا يجري» كما يجري اليمّ.

«و قائم» في مكانه.

«لا يسري» إلى موضع آخر .

«تكركره» أي تردّده.

«الرّياح العواصف» أي:الشدائد.

«و تمخضه» من مخضت اللّبن،إذا حرّكت سقاءه لأخذ زبده.

«الغمام» أي:السحاب.

«الذّوارف» من ذرفت عينه إذا سال منها الدّمع،شبّه عليه السّلام صبّ الغمام للقطر بنساء يسكبن دموعهنّ،قال ابن أبي الحديد ليس قوله عليه السّلام: «و تمخضه الغمام الذوارف» صريحا في أنّ السحب تنزل في البحر فتغترف منه،كما قد يعتقد في المشهور العامّي،نحو قول الشاعر:

كالبحر يمطره السحاب و ما لها فضل عليه لأنّه من مائه

بل يجوز أن تكون الغمام الذوارف تمخضه و تحرّكه بما ترسل عليه من الأمطار السائلة منها (3).

قلت:أصل كلامه عليه السّلام في وصف البحر الذي يحمل الأرض،لقوله عليه السّلام


1) 1)

2) 2) البقرة:22. [2]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 3:19. [3]

أوّلا: «يحملها الأخضر المثعنجر» و قوله أخيرا: «فوق بحر لجّي» ،لا البحر الظاهر في الأرض،و حينئذ فالظاهر وقوع تصحيف هنا أيضا،كما مرّ عند قوله: «و يحملها الأخضر المثعنجر» ،و أنّ الأصل «و لا تكركره الرياح العواصف،و لا تمخضه الغمام الذوارف» عطفا على قوله عليه السّلام: «لا يسري» ، بمعنى أنّه بحر غير هذه البحار البارزة،و لو لا ما قلنا لكان تنافرا أيضا بين الجملتين،و بين قوله عليه السّلام: «راكد لا يجري،و قائم لا يسري» .

« «إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى» » اقتباس من القرآن آية(26)من:

و النازعات.

5

الخطبة(169)

و من خطبة له عليه السّلام لما عزم على لقاء القوم بصفين:

اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَ الْجَوِّ الْمَكْفُوفِ- الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ وَ النَّهَارِ- وَ مَجْرًى لِلشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ مُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ- وَ جَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلاَئِكَتِكَ- لاَ يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ- وَ رَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلْأَنَامِ- وَ مَدْرَجاً لِلْهَوَامِّ وَ الْأَنْعَامِ- وَ مَا لاَ يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَ مِمَّا لاَ يُرَى- وَ رَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً- وَ لِلْخَلْقِ اعْتِمَاداً إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا- فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَ سَدِّدْنَا لِلْحَقِّ- وَ إِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ- وَ جَنِّبْنَا الْفِتْنَةَ- أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذِّمَارِ- وَ الْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ- الْعَارُ وَرَاءَكُمْ وَ الْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ أقول:رواه ابن طاوس في( مهجه 2سيد بن طاوس-مهج الدعوات-ص 102 )عن كتاب دعاء الحسين بن سعيد

الأهوازي 1الحسين بن سعيد الأهوازي-كتاب دعاء الحسين بن سعيد الأهوازي- باسناده عن يعقوب بن شعيب عن الصادق عليه السّلام قال:كان من دعاء أمير المؤمنين يوم صفين:«اللّهم ربّ هذا السّقف المرفوع...فجنّبنا الكبر و سدّدنا للرّشد...و اعصم بقيّة أصحابي من الفتنة» (1)

مهج الدعوات:102. [1]

.

و رواه الطبري في( تاريخه الطبري-تاريخ الطبري-ج 4 ص 10 سنة(37) )عن زيد بن وهب،و زاد بعد قوله عليه السّلام:

«و ممّا لا يرى»قوله:«من خلقك العظيم و ربّ الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس،و ربّ السحاب المسخّر بين السماء و الأرض،و ربّ البحر المسجور المحيط بالعالم» (2).

و رواه نصر بن مزاحم في( صفّينه نصر بن مزاحم-وقعة صفين-ص 232 ) (3).

«اللّهم ربّ السّقف المرفوع» هو لفظ القرآن في التعبير عن السماء،قال تعالى: «وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ» (4).

«و الجوّ المكفوف» المراد بالجوّ المكفوف السماء كالسّقف المرفوع،و مرّ قوله عليه السّلام في العنوان الأوّل من الفصل:«جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا».

و في(صفّين نصر):«اللهمّ ربّ هذا السّقف المحفوظ المكفوف الذي جعلته...» (5).

قال الشهرستاني في(الهيئة):يعني عليه السّلام بالجوّ المكفوف الممنوع من الهطلان مع سيلان مادّته الأثيرية (6).

«الّذي جعلته مغيضا للّيل و النّهار» قال ابن أبي الحديد:وجه المشاركة أنّ


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 4:10 [2] سنة(37).

3) 3) وقعة صفين:232. [3]

4) 4) الطور:5. [4]

5) 5) وقعة صفين:232،و [5]لفظة«المكفوف»في بعض النسخ.

6) 6) الهيئة و الاسلام 1:51.

المغيض أو الغيضة يتولّد منهما الشجر،و كذلك اللّيل و النّهار يتولّدان من جريان الفلك،كنبت الشجر من المغيضة و الأجمة (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:472. [1]

.

قلت:المغيض يستعمل في الخفاء لا الظهور،قال تعالى: «وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ» (2)،و يقال:غاض الكرام و فاض اللئام،و ابن أبي الحديد عكس.

و قال الشهرستاني:المغيض:موضع يمصّ الماء و يبلعه.فكأنّه عليه السّلام استعار لفظ اللّيل و النّهار لمعنى النور و الظلام،و شبّه انعدام ضوء النهار لمعنى النور و الظلام،و شبّه انعدام ضوء النهار في الجوّ ليلا،و كذا انمحاء ظلام الليل فيه نهارا بمصّ الجوّ و ابتلاعه للظلام و الضياء،و يظهر من هذا التعبير ما استكشفه المتأخرون بآلة(سبكتر سكوب)و غيرها أنّ الجوّ أو الهواء يشرب و يمصّ من النّور ما يقتضيه طبعه،و يمجّ الباقي إلينا،و قد فتح عليهم هذا الباب ألف باب من العلم،لكن باب مدينة العلم-أعني عليّا عليه السّلام-قد علّمه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حسب الآثار الصحيحة ألف باب،يفتح له من كلّ باب ألف باب،و ربّما كان هذا و أشباهه من فروع هذه الأبواب التي يستكشف الحكيم منها ألف باب.و أيم اللّه سبحانه إنّ المتأمّل في كلمات عليّ عليه السّلام بعد اطّلاعه على فنون الفلسفة تنفجر عليه ينابيع الحكمة،و يصدق عندئذ من قال:«إنّ كلام عليّ عليه السّلام دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوقين» (3).

«و مجرى للشّمس و القمر» قال تعالى: «وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» (4).


1) 1)

2) 2) الرعد:8. [2]

3) 3) الهيئة و الاسلام 1:51،و النقل بتصرف يسير.

4) 4) يس:38-39. [3]

«و مختلفا للنّجوم السّيّارة» في طلوعها و غروبها،قال الصادق عليه السّلام للمفضّل:فكّر يا مفضّل في النجوم و اختلاف مسيرها،فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك،و لا تسير إلاّ مجتمعة،و بعضها مطلقة تنتقل في البروج، و تفترق في مسيرها،فكلّ واحد منها يسير سيرين مختلفين:أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب،و الآخر خاص لنفسه نحو المشرق،كالنّملة التي تدور على الرّحى (1)

توحيد المفضل:132. [1]

.

هذا،و في(أصل زيد النّرسي)-و زيد مختلف فيه-عن الصادق عليه السّلام في خبر:و ربّ هود بن أسية عافني من كلّ عقرب و حيّة.قلت:و ما هود بن أسية؟ قال:كوكبة في السماء خفية تحت الوسطى من الثلاث،الكواكب التي في بنات النّعش المتفرّقات،ذلك أمان ممّا قلت (2).

«و جعلت سكّانه سبطا» أي:طائفة.

«من ملائكتك» كما أن الأرض مسكن بني آدم.

«لا يسأمون» أي:لا يملّون.

«من عبادتك» و إن أداموا،لا مثل البشر .

«و ربّ هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام» «وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ» (3)، «أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً» (4)، «اللّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَ السَّماءَ بِناءً» (5).


1) 1)

2) 2) أصل زيد النرسي:57،و النقل بتقطيع.

3) 3) البقرة:36. [2]

4) 4) النمل:61. [3]

5) 5) غافر:64. [4]

«و مدرجا» أي:مسلكا.

«للهوامّ» أي:الحشرات،يقال خلّ درج الضبّ،أي:طريقة لئلاّ يسلك بين قدميك،فتنتفخ.و فسّرت الهامّة-في حديث الاستعاذة«من كلّ سامّة و هامّة» (1)

أخرجه أبو يعلى و البزار في مسنديهما عنهما المطالب العالية 2:348 ح 2443 بلفظ،و الصدوق في معاني الأخبار: 173 ح 1 بلفظ آخر،و ذكر الهامّة في أحاديث الاستعاذة كثير.

-بحشرة ذات سمّ لا تقتل كالعقرب،في قبال السّامّة حشرة ذات سمّ تقتل.و المراد هنا المطلق،لجعلها في مقابل الأنعام.

«و الأنعام» أي:مطلق الحيوان،لا خصوص المال الرّاعية،حيث جعل مقابلا للهوامّ .

«و ما لا يحصى» من خلقك.

«ممّا يرى و ممّا لا يرى» و ما لا يرى قسمان،قسم منها لغيبوبته عنّا مثل ما في العلويّات،و قسم منها لصغر جسمها حتّى لا ترى بالعين،و في القسم الثاني اخترعت أدوات ترى بها .

«و ربّ الجبال الرّواسيّ» أي:الثوابت.

«التي جعلتها للأرض أوتادا» لئلاّ تضطرب.

«و للخلق» الإنسان و أقسام الحيوان.

«اعتمادا» حتى يمكنهم السّكنى فيها .

«إن أظهرتنا على عدوّنا» فبيده مفتاح الظفر و الهزيمة.

«فجنّبنا البغي» كما هو شأن أكثر الفاتحين.

«و سدّدنا» أي:وفّقنا.

«للحقّ» و ترك الباطل .

«و إنّ أظهرتهم علينا» «تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ»


1) 1)

«مِمَّنْ تَشاءُ» (1)

آل عمران:26. [1]

.

«فارزقنا الشهادة» في الحرب دون الأسر بيد العدوّ.

«و جنّبنا الفتنة» أي:الامتحان الذي يوجب الضلال .

«أين المانع للذمار» أي:ما يلزمك حفظه ممّا وراءك و يتعلّق بك .

«و الغائر» أي:الغيور.

«عند نزول الحقائق» أي:نزول أمور يحقّ على الرجل أن يحميها،و يدفع عنها كعرضه و حرمه،قالوا:كان ربيعة بن مكدم-من بني فراس بن غنم- حامي الظّعن بعد موته،و ذلك أنّه عرض له فارسان من بني سليم و معه ظعائن من أهله يحميهنّ وحده،فطاعنهما فرماه أحدهما بسهم أصاب قلبه، فنصب رمحه في الأرض و اعتمد عليه،و هو ثابت في سرجه لم يزل،فسارت الظّعائن حتّى بلغن بيوت الحيّ،و بنو سليم قائمون بإزائه لا يقدمون عليه، و يظنّونه حيّا،حتّى قال قائل منهم:إنّي لا أراه إلاّ ميّتا،و لو كان حيّا لتحرّك، فرموا فرسه بسهم،فوثب من تحته،فوقع و هو ميّت،و فاتتهم الظعائن (2).

«من أهل الحفاظ» بالكسر،أي:الّذين يحافظون على ما يجب عليهم رعايته .

«العار وراءكم» إن أجحمتم عن عدوّكم بالفرار،بعث عبيد اللّه بن زياد إلى أبي بلال الخارجي،و قد كان خرج إلى آسك موضع بين أرّجان و رامهرمز، و هو في أربعين و معبد بن أسلم الكلابي في ألفين،فانهزم و ما ردّه شيء حتّى ورد البصرة،فكان الناس يصيحون به:يا معبدا وراك أبو بلال حتّى شكاهم


1) 1)

2) 2) نقله ابن أبي الحديد في شرحه 1:113،و روى قريبا منه المسعودي في مروج الذهب 2:328.

إلى ابن زياد (1)

نقل القصة بطولها ابن أبي الحديد في شرحه 1:448.

.

و لمّا انهزم خالد بن الوليد بالناس يوم مؤتة بعد قتل جعفر و صاحبيه زيد بن حارثة و عبد اللّه بن رواحة،و دنا من دخول المدينة جعل الناس يحثون على الجيش التراب،و يقولون:يا فرّار،و كان فيهم سلمة بن هشام بن المغيرة، فكان لا يحضر الصلاة مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فقالت أمّ سلمة لا مرأته:لم لا يحضر؟ قالت:ما يستطيع،كلّما خرج صاح النّاس أ فررتم في سبيل اللّه؟فقعد في البيت و ما يخرج (2).و من المضحك أنّ إخواننا سمّوا خالدا سيف اللّه بتلك الهزيمة (3).

«و الجنّة أمامكم» إن أقدمتم عليه حتّى ترزقوا الشهادة،و روى(الكافي) عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:للجنّة باب يقال له باب المجاهدين يمضون إليه،فإذا هو مفتوح و هم متقلّدون بسيوفهم،و الجمع في الموقف،و الملائكة ترحّب بهم (4).

6

من الخطبة(158)

فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ وَ أَعْمَلَ فِكْرَهُ- لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ وَ كَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ- وَ كَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ- وَ كَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً- وَ عَقْلُهُ مَبْهُوراً وَ سَمْعُهُ وَالِهاً وَ فِكْرُهُ حَائِراً «فمن فرّغ قلبه» عن الشواغل.


1) 1)

2) 2) نقله ابن هشام في السيرة 4:17،و [1]الطبري في التاريخ 2:323 [2] سنة(8).

3) 3) المدّعى أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال في شأنه:«سيف من سيوف اللّه»نقله عن أكثر من ثلاثين طريقا المتقي في منتخب كنز العمال 4:94،95،و 5:174-176.

4) 4) أخرجه في صدر حديث الكليني في الكافي 5:2 ح 2،و [3]الصدوق في ثواب الأعمال:225 ح 2 و أماليه:462 ح 8 المجلس(85)،و [4]الطوسي في التهذيب 6:133 ح 8.

«و أعمل فكره» بإطالته.

«ليعلم كيف أقمت عرشك» روى(توحيد الصدوق)بإسناده عن الصادق عليه السّلام قال:إنّ للعرش صفات كثيرة مختلفة،له في كلّ سبب وضع في القرآن صفة على حدة،فقوله: «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (1)

التوبة:129،و [1]النمل:26. [2]

يقول:الملك العظيم، و قوله: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» (2)يقول:على الملك احتوى،و هذا ملك الكيفوفيّة في الأشياء.ثمّ العرش في الوصل متفرّد من الكرسيّ،لأنّهما بابان من أكبر أبواب الغيوب،و هما جميعا غيبان،و هما في الغيب مقرونان،لأنّ الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الّذي منه مطلع البدء،و منه الأشياء كلّها.

و العرش هو الباب الباطن الّذي يوجد فيه علم الكيف و الكون،و القدر و الحدّ، و الأين و المشيئة،و صفة الإرادة،و علم الألفاظ و الحركات و التّرك،و علم العود و البدء.

فهما في العلم بابان مقرونان،لأنّ ملك العرش سوى ملك الكرسي، و علمه أغيب من علم الكرسي،فمن ذلك قال: «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (3)،أي:

صفته أعظم من صفة الكرسي (4).

و روى(روضة الفتال)مرسلا أنّه قال في العرش تمثال جميع ما خلق اللّه في البرّ و البحر،و هذا تأويل قوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ» (5)،و إنّ بين القائمة من قوائم العرش و القائمة الثانية خفقان الطير المسرع مسير ألف عام،و العرش يكسى كلّ يوم سبعين ألف لون من النور،لا


1) 1)

2) 2) طه:5. [3]

3) 3) التوبة:129،و [4]النمل:26. [5]

4) 4) أخرجه الصدوق في التوحيد:321 ح 1.

5) 5) الحجر:21. [6]

يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق اللّه،و الأشياء كلّها في العرش كحلقة في فلاة.

و إن للّه تعالى ملكا يقال له حزقائيل،له ثمانية عشر ألف جناح،ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام،فخطر له خاطر:هل فوق العرش شيء؟ فزاده اللّه تعالى مثلها أجنحة أخرى،فكان له ستّة و ثلاثون ألف جناح،ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام،ثمّ أوحى اللّه إليه:أيّها الملك طر،فطار مقدار عشرين ألف عام،لم ينل رأسه قائمة من قوائم العرش،ثمّ ضاعف اللّه له في الجناح و القوّة،و أمره أن يطير فطار مقدار ثلاثين ألف عام و لم ينل أيضا، فأوحى اللّه إليه:أيّها الملك لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك و قوّتك لم تبلغ إلى ساق العرش.فقال الملك سبحان ربّي الأعلى.فأنزل اللّه عزّ و جلّ: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» (1)

الأعلى:1. [1]

.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:اجعلوها في سجودكم (2).

«خلقك» «وَ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» (3)، «جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ مِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » (4).

«و كيف علقت في الهواء سماواتك» «اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها» (5)، «خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها» (6).


1) 1)

2) 2) رواه الفتّال في روضة الواعظين 1:47،و [2]ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله«اجعلوها في سجودكم»قد جاء في الأخبار كثيرا.

3) 3) المؤمنون:79. [3]

4) 4) الشورى:11. [4]

5) 5) الرعد:2. [5]

6) 6) لقمان:10. [6]

«و كيف مددت على مور الماء» أي:اضطرابه و ذهابه و مجيئه.

«أرضك» فاستقرت .

«رجع طرفه» أي:عينه و بصره،قال تعالى: «لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ» (1)

إبراهيم الملك:43. [1]

.

«حسيرا» أي:كليلا و منقطعا،و الأصل فيه قوله تعالى: «يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ » (2).

«و عقله مبهورا» أي:مغلوبا .

«و سمعه والها» أي:متحيّرا .

«و فكره حائرا» غير واصل إلى مقصد.


1) 1)

2) 2) :4.

الفصل الثالث: في خلق الملائكة

اشارة

1

من الخطبة(1)

ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ الْعُلاَ- فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ- مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَ يَرْكَعُونَ وَ رُكُوعٌ لاَ يَنْتَصِبُونَ- وَ صَافُّونَ لاَ يَتَزَايَلُونَ وَ مُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ- لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعَيْنِ وَ لاَ سَهْوُ الْعُقُولِ- وَ لاَ فَتْرَةُ الْأَبْدَانِ وَ لاَ غَفْلَةُ النِّسْيَانِ- وَ مِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ وَ أَلْسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ- وَ مُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَ أَمْرِهِ- وَ مِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ وَ السَّدَنَةُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ- وَ مِنْهُمُ الثَّابِتَةُ فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ- وَ الْمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ- وَ الْخَارِجَةُ مِنَ الْأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ- وَ الْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ- نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ- مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ- وَ أَسْتَارُ الْقُدْرَةِ- لاَ يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِيرِ- وَ لاَ يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِينَ- وَ لاَ يَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاكِنِ وَ لاَ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ

قول المصنف : «في خلق الملائكة» .

أقول:كنه الملائكة غير معلوم لنا،و حيث إنّا لا نعرف أنفسنا بالكنه،قال تعالى: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً» (1)

الإسراء:85. [1]

.فالملائكة الّذين ليسوا من جنسنا،و غير مرئيين لنا أولى بعدم العرفان.

و مرّ في الفصل الأوّل (2)قوله عليه السّلام في مقام بيان عدم إمكان الإحاطة بذاته تعالى:«بل إن كنت صادقا أيّها المتكلّف لوصف ربّك فصف جبرائيل و ميكائيل و جنود الملائكة المقرّبين في حجرات القدس مرجحنّين».و مرّ ثمة أيضا (3)قوله عليه السّلام في ذاك المقام في ملك الموت:«هل تحسّ به إذا دخل منزلا، أم هل تراه إذا توفّى أحدا؟بل كيف يتوفّى الجنين في بطن أمّه؟أ يلج عليه من بعض جوارحها،أم الرّوح أجابته بإذن ربّها،أم هو ساكن معه في أحشائها؟ كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله؟».

ثمّ اختلف في لفظ(الملك)،هل هو مفرد فقط أو مشترك بينه و بين الجمع؟و في مادّته هل هو فعل،أو مفل،أو معل؟ أمّا الأوّل،فقال الفيروز آبادي:إنّ الملك واحد الملائكة و الملائك (4).

و قال الجوهري:الملك من الملائكة واحد و جمع (5).

قلت:و هو الصواب،يشهد لمجيئه مفردا قوله تعالى: «إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ»


1) 1)

2) 2) مرّ في الفصل الأول أواخر العنوان 29.

3) 3) مرّ في الفصل الأول العنوان 30.

4) 4) القاموس المحيط 3:321 [2] مادة(ملك).

5) 5) صحاح اللغة 4:1611 [3] مادة(ملك).

«كَرِيمٌ» (1)

يوسف:31. [1]

،و لمجيئه جمعا قوله عزّ و جلّ: «وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» (2).

لا يقال:إنّه هنا اسم جنس لأنّا نقول:لا يقال:جاء الرّجل صفّا صفّا.بل (الرجال).

و أمّا الثاني فذهب إلى الأوّل ابن كيسان،و إلى الثّاني أبو عبيدة،و إلى الثالث الكسائيّ (3)،و لذا ذكره(القاموس)في:(ألك)و(لأك)و(ملك) (4).و استند أبو عبيدة في كونه من(لأك)-و تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل:(ملك) فلمّا جمع ردّت،فقالوا:ملائك و ملائكة-إلى قول الشاعر:و هو إمّا عبد القيس الجاهلي في بعض الملوك،أو أبو و جزة الإسلامي في ابن الزّبير:

فلست لإنسيّ و لكن لملأك تنزّل من جوّ السّماء يصوب

(5)قلت:أيّ دلالة في البيت على كون(ملأك)من(لأك)،و من أين أنّ(ملأك) ليس بأصل على(فعلل)أسقطت همزته تخفيفا،كما أسقطت من(أرى)ماضيا و مستقبلا أفعالا و فعلا،و ردّت في جمعه كما هي القاعدة،و ليس(الملأك) منحصرا استعماله بذاك البيت،بل ورد في بيت آخر نقله(اللّسان): أيّها القاتلون ظلما حسينا أبشروا بالعذاب و التّنكيل

كلّ أهل السماء يدعو عليكم من نبيّ و ملأك و رسول

(6)و يشهد لكون(ملك)فعل قوله تعالى: «قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي»


1) 1)

2) 2) الفجر:22. [2]

3) 3) مجمع البيان للطبرسي 1:73،و لسان العرب لابن منظور 1:496 [3] مادة(ملك).

4) 4) القاموس المحيط 3:293،317،321 مادة(ألك و لأك و ملك).

5) 5) نقله عنه لسان العرب 10:496 [4] مادة(ملك).

6) 6) لسان العرب 10:393 [5] مادة(ألك).

«وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ» (1)

السجدة:11. [1]

.فلا ريب أنّه بمعنى المالكية،و أمّا ما نقل (اللّسان)عن(محكم ابن سيده)أنّ رويشدا سمّى ملك الموت مالكا،فقال:

فأبلغ مالكا أنّا خطبنا فإنّا لم نلايم بعد أهلا

و قال:

غدا مالك يبغي نسائي كأنّما نسائي لسهمي مالك غرضان

و قال:

فيا ربّ فاترك لي جهينة أعصرا فمالك موت بالفراق دهاني

و قال:قال ابن سيده:ظنّ ملك الموت من(ملك)،فصاغ مالكا من ذلك فهو غلط منه،و مثل غلط رويشد كثير في شعر الأعراب الجفاة (2)،فهو كما ترى،فالأعراب كان في اعتقاداتهم أوهام لا في فهمهم اللّغات.

و أمّا من جعله من(ألك)فظنّ ترادف الملك و الرّسول و الألوك و المألكة الرّسالة،فاستندوا إلى أبيات وردت فيها الألك و المألك و المألكة و المالك، كقول زيد بن حارثة:

الكني إلى قومي و إن كنت نائيا فإنّي قطين البيت عند المشاعر

و قول عمرو بن شأس:

الكني إلى قومي السّلام و رحمة الإله فما كانوا ضعافا و لا عزلا

و يروى:

الكني إلى قومي السّلام رسالة بآية ما كانوا ضعافا و لا عزلا

و قول ابن أبي ربيعة:

الكني إليها بالسّلام فإنّه ينكّر إلمامي بها و يشهّر


1) 1)

2) 2) لسان العرب 10:482 [2] مادة(لأك).و النقل بالمعنى.

و كقول الشاعر:

أبلغ أبا دختنوس مألكة عن الّذي قد يقال م الكذب

أي:من الكذب.و كقوله:

أبلغ يزيد بني شيبان مألكة أبا ثبيت أما تنفكّ تأتكل

و قول عدي بن زيد:

أبلغ النعمان عنّي مألكا أنّه قد طال حبسي و انتظار

(1)مع أنّه وهم،فالملائكة لا يحصي عددهم غير اللّه تعالى،و إنّما كان جبرائيل رسوله تعالى إلى أنبيائه،و قال عليه السّلام هنا: «و منهم أمناء على وحيه و ألسنة إلى رسله» .

«ثم فتق» أي:شقّ.

«ما بين السماوات العلى» و مرّ في الفصل السابق (2)قوله عليه السّلام:«و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها»،و قوله عليه السّلام (3):«ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها».

«فملأهنّ أطوارا» مختلفة.

«من ملائكته» في(تفسير القمي):قال الصادق عليه السّلام:ما من شيء ممّا خلق اللّه أكثر من الملائكة،و أنّه ليهبط كلّ يوم أو في كلّ ليلة سبعون ألف ملك، فيأتون البيت الحرام فيطوفون به،ثمّ يأتون النبي صلّى اللّه عليه و آله ثمّ يأتون أمير المؤمنين عليه السّلام فيسلّمون عليه،ثمّ يأتون الحسين عليه السّلام فيقيمون عنده.فإذا كان عند السّحر،وضع لهم معراج إلى السماء ثمّ لا يعودون أبدا (4)،و ما في السماء


1) 1) لسان العرب 10:392-393 [1] مادة(ألك).

2) 2) مرّ في الفصل الثاني العنوان 2.

3) 3) مرّ في الفصل الثاني العنوان 4.

4) 4) تفسير القمي 2:206،و [2]أمالي الطوسي 1:218 المجلس 8. [3]

موضع قدم إلاّ و فيها ملك يسبّحه و يقدّسه (1)

تفسير القمي 2:255. [1]

.

«منهم سجود لا يركعون» سجود هنا جمع ساجد،لا مصدر سجد .

«و ركوع» ركوع أيضا هنا جمع راكع.

«لا ينتصبون» أي:لا يقومون من الركوع،و في(تفسير القمي)قال الصادق عليه السّلام:«إنّ للّه ملائكة ركّعا إلى يوم القيامة،و إنّ للّه ملائكة سجّدا إلى يوم القيامة » (2).

«و صافّون» أقدامهم في القيام بين يديه تعالى.

«لا يتزايلون» عن مواضعهم .

«و مسبّحون» أي:منزّهون له تعالى.

«لا يسأمون» أي:لا يملّون من تسبيحه،قال تعالى-كما في التفسير- حكاية عن جبرئيل عليه السّلام للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «وَ ما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَ إِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَ إِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ» (3)،و قبله و إن كان «وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً» (4)،إلاّ أنّ المراد بالجنّة هنا الملائكة،حيث زعموا أنّهم بناته، تعالى عن ذلك،و قال تعالى: «فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ» (5)،و قال: «يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ » (6).

«لا يغشاهم نوم العين» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(العيون)كما في


1) 1)

2) 2) تفسير القمي 2:206،و [2]أخرج معناه ابن جرير و أبو نعيم في حلية الأولياء عنهما الدرّ المنثور 1:46. [3]

3) 3) الصافات:164-165. [4]

4) 4) الصافات:158. [5]

5) 5) فصّلت:38. [6]

6) 6) الأنبياء:20. [7]

(ابن أبي الحديد و الخطية) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:29،لكن في شرح ابن ميثم 1:132«العين»أيضا.

،و أمّا ما رواه(الإكمال)عن داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن الصادق عليه السّلام:ما من حيّ إلاّ و هو ينام ما خلا اللّه وحده عزّ و جلّ،و الملائكة ينامون.

فقلت:يقول اللّه تعالى: «يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ» ،فقال:

أنفاسهم تسبيح (2)،فالدّال على نومهم مرسل،و التعليل الّذي فيه عليل،فإنّه تعالى في مقام بيان إظهار عظمته بخلقه من لا يفتر عن عبادته فرقا بينه و بين البشر،و لو احتسب النفس تسبيحا لأمكن ذلك في البشر أيضا.

و أمّا ما في علل ابن هاشم:«سئل الصادق عليه السّلام عن الملائكة:يأكلون و يشربون و ينكحون؟فقال:لا،إنّهم يعيشون بنسيم العرش.فقيل له:فما العلّة في نومهم؟فقال:فرقا بينهم و بين اللّه تعالى،لأنّ الّذي لا تأخذه سنة و لا نوم هو اللّه تعالى» (3)فمرسل أيضا،و مخالف للآيات المتقدّمة.إلاّ أنّ الراونديّ كأنّه جمع بين الخبرين و بين قوله عليه السّلام هنا،فقال:قوله عليه السّلام: «لا يغشاهم» يقتضي أنّ لهم نوما قليلا لا يغفلهم،فأمّا الباري سبحانه و تعالى فإنّه لا تأخذه سنة و لا نوم أصلا (4).

«و لا سهو العقول» هكذا في النسخ (5)،و لا يبعد أن يكون(العقول) مصحّف(الغفلات)لعدم مناسبة لإضافة السّهو إلى العقول،يشهد للاستظهار ما في دعاء الصحيفة في الملائكة:«و لا يقطعهم عن تعظيمك سهو


1) 1)

2) 2) كمال الدين للصدوق:666،و [1]يسمى هذا الكتاب(اكمال الدين)أيضا. [2]

3) 3) أخرجه محمد بن علي بن إبراهيم في العلل عنه البحار 59:193 ح 54.و [3]هذا الكتاب من الكتب المفقودة.

4) 4) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1:30.

5) 5) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:29،و [4]شرح ابن ميثم 1:132،و [5]نهج البلاغة 1:19. [6]

الغفلات» (1)

الصحيفة السجادية:35،الدعاء 3. [1]

،اللّهمّ إلاّ أن يقال:إنّ عقول البشر لمّا كانت ناقصة و يقع منها الخطأ نفي ذلك عن الملائكة،لكنّ الانصاف أنّ العقل لا يسهو،و إذا عجز عن فهم شيء لا يحكم،لا أنّه يحكم خطأ،كيف يحكم خطأ و هو الرّسول الباطن، و لولاه لم يغن الرّسول الظاهر؟! قال الباقر عليه السّلام:لمّا خلق اللّه العقل قال له:أقبل.فأقبل،ثمّ قال له:أدبر.

فأدبر،فقال:و عزّتى و جلالي ما خلقت خلقا أحسن منك،إيّاك آمر،و إيّاك أنهى، و إيّاك أثيب،و إيّاك أعاقب (2).

و بالجملة للبشر سهو الغفلات،قالوا:قال قتادة يوما:ما نسيت شيئا قطّ.ثمّ قال لغلامه:ناولني نعلي.فقال له:نعلك في رجلك.

و في(ميزان الذّهبي)قال الكلبي محمّد بن السائب:ما حفظت شيئا نسيته،و حضر(عقيب الكلام)الحجام فأومأ إلى لحيته،و فقبض قبضة فأراد أن يقول:خذ من ها هنا.فقال:خذ من هاهنا.فأخذها من وراء القبضة (3).

«و لا فترة الأبدان» أي:انكسارها.

«و لا غفلة النسيان» فإنّ كلّ ذلك مختصّ بالبشر،قال الصدوق في (اعتقاداته):الملائكة روحانيون معصومون،لا يعصون اللّه ما أمرهم، و يفعلون ما يؤمرون،لا يأكلون و لا يشربون،و لا يألمون و لا يسقمون، و لا يشيبون و لا يهرمون،طعامهم و شرابهم التسبيح و التقديس،و عيشهم من نسيم العرش،و تلذّذهم بأنواع العلوم.خلقهم اللّه بقدرته أنوارا


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني بطريقين في الكافي 1:10،ح 1،و:26،ح 26،و [2]البرقي بخمس طرق في المحاسن:192،ح 4- 8،و [3]الصدوق في أماليه:340،ح 5،المجلس 65،و [4]صاحب مسند زيد بن علي:409،و جمع آخر و روايات أخرى مرّ تخريجه في العنوان 23 من الفصل الأول.

3) 3) ميزان الاعتدال 3:556.

و أرواحا كما شاء و أراد (1)

الاعتقادات للصدوق:34. [1]

.

ثمّ إنّه عليه السّلام جعل الساجدين و الراكعين و الصّافّين و المسبّحين طورا واحدا،لأنّه يجمعهم العبادة المستغرقة لأوقاتهم،و أمّا سلبه النوم و السّهو و الفترة و الغفلة عن هؤلاء،مع أنّ الظاهر شمولها لجميع الأصناف،فلعلّه لكون هؤلاء مظنّة هذه الأمور بأن يقطع عبادتهم النوم أو الفترة أو السّأمة،أو يحصل لهم السّهو و الغفلة فيها،و عنها.

و يمكن أن يكون حصل في الكلام تقديم و تأخير،و أنّ قوله عليه السّلام: «لا يغشاهم...و لا غفلة النسيان» كان بعد قوله: «أطوارا من ملائكته » .

«و منهم أمناء على وحيه» قال تعالى: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ» (2).

قال الصدوق:اعتقادنا في كيفيّة نزول الوحي أنّ بين عيني إسرافيل لوحا،إذا أراد اللّه أن يتكلّم بالوحي ضرب اللّوح جبين إسرافيل،فنظر فيه فيقرأ ما فيه،فيلقيه إلى ميكائيل،و يلقيه ميكائيل إلى جبرئيل،فيلقيه جبرئيل إلى الأنبياء (3).

«و ألسنة إلى رسله» قال تعالى: «وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى» (4)،و قال: «قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ» (5)،و قال: «فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ»


1) 1)

2) 2) الشعراء:193-194. [2]

3) 3) الاعتقادات للصدوق:30. [3]

4) 4) هود:69. [4]

5) 5) هود:81. [5]

«يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى » (1)

آل عمران:39. [1]

.

«و مختلفون بقضائه و أمره» قال تعالى: «وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ» (2)، «فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً» (3)، «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها» (4)، «إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ » (5).

«و منهم الحفظة لعباده» قال تعالى: «وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ» (6).

و في الخبر:أنّ مع كلّ إنسان ملكين يحفظانه من أن يقع من سطح أو يتردّى في بئر،فإذا جاء أجله خلّياه (7).

و في(اعتقادات الصدوق):أنّ كلّ صنف من الملائكة يحفظ نوعا ممّا خلق (8).

هذا إذا أريد بقوله عليه السّلام: «الحفظة لعباده» الحفظة لأنفسهم،و يمكن أن يراد به الأعمّ منها و من الحفظة لأعمالهم،فقد قال تعالى: «وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ» (9).


1) 1)

2) 2) الأنعام:8. [2]

3) 3) الذاريات:4. [3]

4) 4) الأحزاب:9. [4]

5) 5) آل عمران:124-125. [5]

6) 6) الأنعام:61. [6]

7) 7) التوحيد للصدوق:368 ح 5،و [7]تفسير العياشي 2:205 ح 16،و تفسير القمي 1:360 و النقل بالمعنى.

8) 8) الاعتقادات للصدوق:35. [8]

9) 9) الانفطار:10-12. [9]

و في خبر:سئل الصادق عليه السّلام:ما علّة الملائكة الموكّلين بعباده يكتبون عليهم و لهم،و اللّه عالم السرّ و ما هو أخفى؟قال عليه السّلام:استعبدهم بذلك، و جعلهم شهودا على خلقه،ليكون العباد لملازمتهم إيّاهم أشدّ على طاعة اللّه مواظبة،و عن معصيته أشدّ انقباضا،و كم عبد يهمّ بمعصيته،فذكر مكانهم فارعوى و كفّ فيقول:ربّي يراني،و حفظتي عليّ بذلك تشهد.و إنّ اللّه برأفته و لطفه أيضا و كلّهم بعباده يذبّون عنهم مردة الشيطان و هوامّ الأرض و آفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن اللّه إلى أن يجيء أمر اللّه تعالى (1)

الاحتجاج للطبرسي:348. [1]

.

«و السّدنة» بفتح السين و الدّال،أي:الخزنة.

«لأبواب جنانه» و الظاهر سقوط كلمة(و نيرانه)بعد(جنانه)من الرواة، ليكون موافقا لقوله تعالى: «وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ» (2)،و قوله تعالى: «وَ سِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَ لكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ » (3).

«و منهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم» و في نسخة من(ابن أبي الحديد):«في الأرض السفلى أقدامهم» (4)،و هو الأصح.

«و المارقة» أي:المتجاوزة.

«من السماء العليا أعناقهم،و الخارجة من الأقطار» أي:أقطار


1) 1)

2) 2) الزمر:73. [2]

3) 3) الزمر:71. [3]

4) 4) في نسختنا من شرح ابن أبي الحديد 1:30«الأرضين»أيضا.

السماوات و الأرض.

«أركانهم» أي:جوانبهم و جوارحهم،روى الصدوق في(توحيده)عن زيد ابن وهب قال:سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن قدرة اللّه تعالى،فقام خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه،ثمّ قال:إنّ للّه تعالى ملائكة لو أنّ ملكا منهم هبط إلى الأرض ما وسعته لعظم خلقه و كثرة أجنحته،و منهم من لو كلّفت الجنّ و الإنس أن يصفوه ما وصفوه لبعد ما بين مفاصله و حسن تركيب صورته، و كيف يوصف من ملائكته من سبعمائة عام ما بين منكبيه و شحمة أذنيه، و منهم من يسدّ الأفق بجناح من أجنحته دون عظم بدنه،و منهم من السماوات إلى حجزته،و منهم من قدمه على غير قرار،في جوّ الهواء الأسفل،و الأرضون إلى ركبتيه،و منهم من لو القي في نقرة إبهامه جميع المياه لوسعتها،و منهم من لو ألقيت السّفن في دموع عينيه لجرت دهر الدّاهرين (1)

التوحيد للصدوق:277 ح 3. [1]

.

و في(تفسير القمّي)عن الصادق عليه السّلام:إنّ للّه ملكا بعد ما بين شحمة أذنيه إلى عينيه مسيرة خمسمائة عام خفقان الطير (2).

و قال عليه السّلام في خبر المعراج:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ثمّ صعدنا إلى السماء السابعة-إلى أن قال-و ملكا من ملائكة اللّه خلقه كما أراد،رجلاه في تخوم الأرضين السابعة،ثمّ أقبل مصعدا حتّى خرج في الهواء إلى السماء السابعة، و انتهى فيها مصعدا حتّى استقرّ قرنه إلى قرب العرش،و هو يقول:سبحان ربي...و له جناحان في منكبيه إذا نشرهما جاوزا المشرق و المغرب (3).

«و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم» حتّى تحتمل حملها،في(اعتقادات


1) 1)

2) 2) تفسير القمي 2:206،و [2]الكافي للكليني 8:272،ح 405،و [3]التوحيد للصدوق:281 ح 8.

3) 3) تفسير القمي 2:10،و [4]التوحيد للصدوق:279 ح 4.

الصدوق):حملة العرش ثمانية من الملائكة،لكلّ واحد منهم ثمانية أعين،كلّ عين طباق الدّنيا،واحد منهم على صورة بني آدم يسترزق اللّه تعالى لولد آدم، و واحد منهم على صورة الثور يسترزق اللّه تعالى للبهائم كلّها،و واحد منهم على صورة الأسد يسترزق اللّه تعالى للسّباع،و واحد منهم على صورة الدّيك يسترزق اللّه تعالى للطيور،فهم اليوم أربعة،فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية (1)

الاعتقادات للصدوق:11،و [1]مرّ تخريج أحاديثه في العنوان 29 من الفصل الأول.

.

و لكن قال شيخنا المفيد:الأحاديث التي رويت في صفة الملائكة الحاملين للعرش أحاديث آحاد،و روايات أفراد لا يجوز القطع بها،و لا العمل عليها،و الوجه الوقوف عندها،و القطع على أنّ الأصل في العرش هو الملك، و العرش المحمول جزء من الملك تعبّد اللّه،بحمله الملائكة (2).

«ناكسة» أي:خافضة.

«دونه» تعالى.

«أبصارهم» في دعاء الصحيفة في الملائكة:«الخشّع الأبصار،فلا يرومون النّظر إليك،النّواكس الأذقان الّذين قد طالت رغبتهم في ما لديك» (3).

و قال ابن أبي الحديد:الضمير في(دونه)راجع إلى العرش (4).

قلت:قال ذلك لعدم إمكان النظر من أحد حتّى الملائكة إليه تعالى،لكن الظاهر رجوع الضمير إليه تعالى،و كون الكلام استعارة،مثل قوله تعالى:

«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» (5).


1) 1)

2) 2) تصحيح الاعتقاد للمفيد:31.

3) 3) الصحيفة السجادية:35،الدعاء 3. [2]

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:30.

5) 5) القيامة:22-23. [3]

«متلفّعون» أي:مشتملون،قال الشاعر:

لم تتلفّع بفضل مئزرها

(1)«تحته بأجنحتهم» فلا يفارقون مراكزهم .

«مضروبة بينهم و بين من دونهم حجب العزّة و أستار القدرة» هكذا في النّسخ (2)،و لا يبعد أن يكون وقع في الكلام تحريف،و أنّ الأصل«مضروبة بينه و بينهم حجب العزّة و أستار القدرة»كما لا يخفى.

و عن الصادق عليه السّلام:الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي، و الكرسيّ جزء من سبعين جزءا من نور العرش،و العرش جزء من سبعين جزءا من نور الحجاب،و الحجاب جزء من سبعين جزءا من نور السّتر... (3)

و روى القمي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:قال جبرئيل:إنّ بين اللّه و بين خلقه سبعين ألف حجاب،و أقرب الخلق إلى اللّه أنا و إسرافيل و بيننا و بينه أربعة حجب.و في الخبر العامي عن جبرئيل،قال:للّه دون العرش سبعون حجابا،لو دنونا من أحدها لأحرقتنا سبحات وجهه (4).

«لا يتوهّمون ربّهم بالتّصوير،و لا يجرون عليه صفات المصنوعين،و لا يحدّونه بالأماكن،و لا يشيرون إليه بالنظائر» لكمال معرفتهم به تعالى، و انكشاف الحقائق عليهم،لا ككثير من البشر الخابطين.

في(ملل الشهرستاني):و أمّا المشبّهة الحشوية،فذكر الأشعري عن محمّد بن عيسى أنّه حكى عن نصر،و كهمش و أحمد الهجيمي أنّهم أجازوا على ربّهم الملامسة و المصافحة،و أنّ المخلصين من المسلمين يعاينونه في


1) 1) لسان العرب 8:321 [1] مادة(لفع)و البيت لجرير،و ذيله:دعد و لم تغذ دعد بالعلب.

2) 2) كذا في نهج البلاغة 1:20،و [2]شرح ابن أبي الحديد 1:30،و شرح ابن ميثم 1:132. [3]

3) 3) التوحيد للصدوق:108،ح 3.

4) 4) تفسير القمي 2:10 [4] ضمن حديث طويل،و في بعض نسخه:«تسعون ألف حجاب».

الدّنيا و الآخرة إذا بلغوا من الرياضة و الاجتهاد إلى حدّ الاخلاص و الاتحاد المحض.حكى الكعبي عن بعضهم يزورونه و يزورهم،و حكى عن داود الخوارزميّ قال:اعفوني عن الفرج و اللّحية و اسألوني عمّا وراء ذلك.و قال:إنّ معبودهم جسم و لحم و دم،و له جوارح و أعضاء من يد و رجل و رأس و لسان و عينين و أذنين.قال:و حكى أنّه قال:هو أجوف من أعلاه إلى صدره،مصمت ما سوى ذلك،و أنّ له و فرة سوداء،و له شعر قطط...و زادوا في الأخبار أكاذيب نسبوها إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و أكثرها مقتبسة من اليهود،فإنّ التشبيه فيهم طباع،حتّى قالوا:اشتكت عيناه فعادته الملائكة،و بكى على طوفان نوح حتّى رمدت عيناه،و أنّ العرش ليئطّ من تحته كأطيط الرّحل الجديد،و أنّه ليفضل من كلّ جانب أربعة أصابع.و روى المشبّهة أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:لقيني ربّي فصافحني و كافحني،و وضع يده بين كتفي حتّى وجدت برد أنامله (1)

الملل و النحل 1:96. [1]

.

إلى آخر ما نقل عنهم من الترّهات.تعالى اللّه عمّا يقولون علوّا كبيرا.

2

من الخطبة(89)

منها

في صفة الملائكة:

ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ- وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ- خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ- وَ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا وَ حَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا- وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ- مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ- وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ- وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ- سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا- فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا-.


1) 1)

أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ- «أُولِي أَجْنِحَةٍ» تُسَبِّحُ جَلاَلَ عِزَّتِهِ- لاَ يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صَنْعَتِهِ- وَ لاَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ- «بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» (1)

الأنبياء:26-27. [1]

- جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ- وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ- وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ- فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ- وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ- وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ- وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً إِلَى تَمَاجِيدِهِ- وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلاَمِ تَوْحِيدِهِ- لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الْآثَامِ- وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ- وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ- وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ- وَ لاَ قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ- وَ لاَ سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لاَقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ- وَ مَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَ هَيْبَةِ جَلاَلَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ- وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْبِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ- مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ- وَ فِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ وَ فِي قَتْرَةِ الظَّلاَمِ الْأَيْهَمِ- وَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى- فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ- وَ تَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ- تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ- قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ- وَ وَصَّلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ- وَ قَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ- وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ- قَدْ ذَاقُوا حَلاَوَةَ مَعْرِفَتِهِ- وَ شَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ- وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ

1) 1)

خِيفَتِهِ- فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ- وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ- وَ لاَ أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ- وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ- وَ لاَ تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلاَلِ- نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ- وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ- وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ- وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلاَتُ أَلْسِنَتِهِمْ- وَ لاَ مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ- وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ- وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ-.وَ لاَ تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلاَدَةُ الْغَفَلاَتِ- وَ لاَ تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ- قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ- وَ يَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ- لاَ يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ- وَ لاَ يَرْجِعُ بِهِمُ الاِسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ- إِلاَّ إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ- لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ- وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ- فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ- وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ- وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ- وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ- وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ وَ لاَ تَوَلاَّهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ- وَ لاَ شَعَبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيَبِ- وَ لاَ اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ- فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَ لاَ عُدُولٌ- وَ لاَ وَنًى وَ لاَ فُتُورٌ- وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلاَّ وَ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ- أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً- وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً أقول:رواه أئمّة غريب اللّغة كما يظهر من نقل بعض فقراته

في(النهاية ) (1)

النهاية لابن الأثير 3:35 [1] مادة(صفح).

.

«ثمّ خلق» اللّه.

«سبحانه لإسكان سماواته» كإسكان أرضه .

«و عمارة» مصدر عمرت الخراب.

«الصفيح» أي:الجانب.

«الأعلى» أي:السماء،و قال الجزريّ:الصفيح من أسماء السماء،و منه حديث عليّ عليه السّلام «و عمارة الصّفيح الأعلى من ملكوته» (2).

«من ملكوته» في(الصحاح):الملكوت من الملك كالرهبوت من الرّهبة، يقال له:ملكوت العراق،و ملكوة العراق أيضا مثال الترقوة،و هو الملك و العزّ (3).

«خلقا بديعا من ملائكته ملأ بهم فروج» أي:شقوق.

«فجاجها» أي:طرقها الواسعة .

«و حشا بهم» أي:جعلهم في حشو.

«فتوق» أي:شقوق.

«أجوائها» أي:متّسعها،في خبر ابن أبي العوجاء مع الصادق عليه السّلام أنّه عليه السّلام قال له في مقام إقناعه:لو كان الأمر كما تقولون لم يضرّ بالمتديّنين، و إن كان كما يقولون فأنتم هالكون.فقال له ابن أبي العوجاء:ما قولي و قولهم إلاّ واحدا.فقال عليه السّلام له:كيف يكون كذلك و هم يقولون:إنّ لهم معادا و ثوابا و عقابا،و يدينون بأنّ في السماء إلها و أنّها عمران،و أنتم تزعمون أنّ السماء خراب ليس فيها أحد (4)؟


1) 1)

2) 2) النهاية لابن الأثير 3:35 [2] مادة(صفح).

3) 3) صحاح اللغة 4:1610 [3] مادة(ملك).

4) 4) الكافي للكليني 1:74 ح 2،و [4]التوحيد للصدوق:125 ح 4 [5] ضمن حديث طويل و النقل بالمعنى.

«و بين فجوات» أي:ساحات.

«تلك الفروج» أي:الشقوق المتقدّمة في قوله عليه السّلام: «فروج فجاجها» .

«زجل» بفتحتين،أي:صوت.

«المسبّحين منهم في حظائر القدس» و الأصل في الحظر المنع،و سمّيت السماوات التي هي محالّ الملائكة حظائر القدس،لأنّ الشياطين-و هم أهل الرجس-ممنوعون منها .

«و سترات الحجب و سرادقات المجد» يمكن أن يكون(السترات) و(السرادقات)استعارة كما في قول رؤبة:

يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق المجد عليك ممدود

(1)و يمكن أن تكونا حقيقة،ففي خبر زيد بن وهب عنه عليه السّلام:الحجب سبعة، غلظ كلّ حجاب مسيرة خمسمائة عام...ثمّ سرادقات الجلال،و هي سبعون سرادقا،في كلّ سرادق سبعون ألف ملك،بين كلّ سرادق و سرادق مسيرة خمسمائة عام (2).

«و وراء ذلك الرّجيج» الأصل في الرّجيج الحركة الشديدة،كقوله تعالى:

«إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا» (3).و لازم الحركة الشديدة تولد صوت،كقوله عليه السّلام في ذي الثدية:«و أمّا شيطان الرّدهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه و رجّة صدره» (4).ثمّ الإشارة إلى الرّجيج في قوله: «ذلك الرّجيج» مع عدم لفظه إنّما هو لتقدّمه بمعناه في قوله: «زجل المسبّحين منهم » .

«الذي تستكّ منه الأسماع» أي:تذهب منه السامعة،قال عبيد بن الأبرص:


1) 1) لسان العرب 10:158 [1] مادة(سردق).

2) 2) التوحيد 277 ح 3،و الخصال للصدوق:400 ح 109،باب السبعة.

3) 3) الواقعة:4. [2]

4) 4) رواه الشريف الرضي ضمن الخطبة القاصعة في نهج البلاغة 2:156،الخطبة 190.

دعا معاشر فاستكّت مسامعهم (1)

لسان العرب 10:440 [1] مادة(سكك).و ذيله:يا لهف نفسيّ لو يدعو بني أسد.

و الأصل في السكّ اصطلام الأذن و قطعها،و في الخبر مرّ صلّى اللّه عليه و آله بجدي أسكّ (2).

«سبحات نور» أي:تجلّياته و لمعاته.

«تردع» أي:تكفّ.

«الأبصار عن بلوغها» و المراد استكاك أسماع البشر،و ردع أبصارهم لو فرض بلوغهم إلى ذلك المحلّ،و يمكن أن يقرأ(الرّجيج)بالرّفع مبتدأ لقوله:

(وراء)،و يكون(سبحات)مصحّف(و سبحات)عطفا على(الرّجيج)،و حينئذ فالمراد:استكاك أسماع الملائكة و ردع أبصارهم،و يشهد له ما في(النهاية)أنّ في الخبر:قال جبرئيل:للّه دون العرش سبعون حجابا لو دنونا من أحدها لأحرقتنا سبحات وجه ربّنا (3).

«فتقف» أي:الأبصار.

«خاسئة» أي:كليلة.

«على حدودها» و لا تتجاوز .

«أنشأهم على صور مختلفات،و أقدار متفاوتات» مرّ في سابقه (4)قوله عليه السّلام:

«و منهم الثابتة في الأرضين السّفلى أقدامهم،و المارقة من السماء العليا أعناقهم،و الخارجة من الأقطار أركانهم،و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم.

و مرّت ثمّة أخبار في ذلك.


1) 1)

2) 2) صحيح مسلم 4:2272 ح 2،و مسند أحمد 3:365،و الكافي للكليني 2:129 ح 9،و الزهد الأهوازي:49 عن جابر.

3) 3) رواه الكيذري في شرحه 2:526،و أبو الشيخ و ابن مردويه عنهما الدرّ المنثور 1:93. [2]

4) 4) مرّ في هذا الفصل العنوان 1.

«أولي أجنحة» قال تعالى: «جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » (1)

فاطر:1. [1]

.

«تسبّح جلال عزّته» قال تعالى: «فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ» (2).و إسناد التسبيح إلى جلال عزّته للمبالغة،كقوله تعالى: «أَكْرِمِي مَثْواهُ» (3).و أمّا(تسبّح)بلفظ الإفراد فالظاهر كونه صفة(أجنحة)فإن لم يكن(تسبّح)مصحّف(يسبّحون) يدلّ الكلام على تسبيح أجنحة الملائكة له تعالى أيضا،و ورد تسبيح أجنحتهم،و باقي أعضائهم له تعالى.

ففي خبر عن جميل عن الصادق عليه السّلام:إنّ في السّماوات السّبع لبحارا عمق أحدها مسيرة خمسمائة عام،فيها ملائكة قيام منذ خلقهم اللّه تعالى، و الماء إلى ركبهم،ليس فيهم ملك إلاّ و له ألف و أربعمائة جناح،في كلّ جناح أربعة وجوه،في كلّ وجه أربعة ألسن،ليس فيها جناح و لا وجه و لا لسان و لا فم إلاّ و هو يسبّح اللّه تعالى بتسبيح لا يشبه نوع منه صاحبه (4).

و في خبر عن ابن عبّاس عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إن للّه تعالى ملائكة ليس شيء من أطباق أجسادهم إلاّ و هو يسبّح اللّه تعالى و يحمده من ناحية بأصوات مختلفة (5).

«لا ينتحلون» أي:لا يدّعون لأنفسهم.

«ما ظهر في الخلق من صنعته» هكذا في(المصرية)و الصواب:(من


1) 1)

2) 2) فصّلت:38. [2]

3) 3) يوسف:21. [3]

4) 4) التوحيد للصدوق:281 ح 9.

5) 5) التوحيد للصدوق:280 ح 6.

صنعه)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:148،و [1]لكن في شرح ابن ميثم 2:351« [2]صنعته»أيضا.

، «وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ » (2).

«و لا يدّعون أنّهم يخلقون شيئا ممّا انفرد به» هكذا في(المصرية)، و الصواب:(شيئا معه ممّا انفرد به)كما في الثلاثة (3)،قال تعالى حكاية عنهم:

«وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا وَ ما بَيْنَ ذلِكَ وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا » (4).

« «بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» » اقتباس من الآية في سورة الأنبياء و قبلها «وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ» (5)، و بعدها «يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ » (6).

«جعلهم في ما هنالك أهل الأمانة على وحيه» فلا يمكن خيانتهم فيه «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ » (7).

«و حمّلهم» بلفظ المصدر عطفا على(وحيه).

«إلى المرسلين ودائع أمره و نهيه» لا كما يقول الغلاة من أنّ اللّه تعالى أرسل جبرئيل إلى عليّ عليه السّلام فذهب إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله.


1) 1)

2) 2) سبأ:40-41. [3]

3) 3) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:148،و لكن في شرح ابن ميثم 2:351« [4]شيئا ممّا»أيضا.

4) 4) مريم:64. [5]

5) 5) الأنبياء:26. [6]

6) 6) الأنبياء:28. [7]

7) 7) الشعراء:193. [8]

«و عصمهم» أي:حفظهم.

«من ريب» أي:شك.

«الشّبهات» أي:ريب يعرض من الشّبهات،قال شيخنا المفيد:إنّ الملائكة معصومون ممّا يوجب لهم العقاب بالنّار،و على هذا القول جمهور الإمامية، و سائر المعتزلة،و أكثر المرجئة،و جماعة من أصحاب الحديث،و قد أنكر قوم من الإمامية أن يكون الملائكة مكلّفين،و زعموا أنّهم إلى الأعمال مضطرّون، و وافقهم على ذلك جماعة من أصحاب الحديث (1)

أوائل المقالات للمفيد:82. [1]

.

قلت:فيكون حال الملائكة عند أولئك حال الشمس و القمر و النجوم في طلوعها و غروبها حيث سخّرت على ذلك،و يردّهم قوله تعالى: «لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» (2)،و قوله تعالى: «يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» (3)،و قوله تعالى: «بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» (4)الآية المذكورة في كلامه عليه السّلام، و يردّهم قوله عليه السّلام في العنوان:«لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه...

فتقترع برينها على فكرهم»،و قوله عليه السّلام:«قد استفرغتهم...في قلوبهم عظما».

و أيّ شيء يقولون في قوله تعالى: «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها» ... «فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» (5)،و أيّ شيء يقولون في قوله تعالى: «وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا»


1) 1)

2) 2) التحريم:6. [2]

3) 3) النحل:50. [3]

4) 4) الأنبياء:26-27. [4]

5) 5) البقرة:30-33. [5]

«لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ » (1)

البقرة:34. [1]

.

«فما منهم زائغ» أي:مائل.

«عن سبيل مرضاته» تعالى .

«و أمدّهم بفوائد المعونة» هكذا في النسخ (2)،و الصواب:(بعوائد المعونة)،أي:أمدّهم بالإعانة بدءا و عودا،و أمّا(فوائد)بالفاء فلا معنى له هنا.

قال الخوئي:قال الفيّوميّ:معونة مفعلة،و جعله بعضهم فعولة من الماعون (3).

قلت:إنّ ما قاله خلط،فلا خلاف في أنّ(المعونة)من(العون)،و إنّما الخلاف في(الماعون)،هل هو من المعن أو العون .

«و أشعر قلوبهم» أي:جعل كالشّعار لها.

«تواضع إخبات» مصدر أخبت،أي:خشع.

«السّكينة» أي:السكون و الطمأنينة و الوقار،قال تعالى: «وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ» (4).

و في حديث المعراج:إنّ الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلّمه قطّ،و لا رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقها،و لا خفضوها إلى ما تحتها خوفا من اللّه و خشوعا (5).

«و فتح لهم أبوابا ذللا» أي:بلا صعوبة.

«إلى تماجيده» أي:تسابيحه جمع التّمجيد،قال تعالى: «يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ»


1) 1)

2) 2) كذا في نهج البلاغة 1:169،و شرح ابن أبي الحديد 2:148،و شرح ابن ميثم 2:351.

3) 3) قاله الخوئي في شرحه 3:104،و الفيومي في المصباح المنير 2:104 [2] مادة(عون).و النقل بالمعنى.

4) 4) الرعد:13. [3]

5) 5) تفسير القمي 2:7. [4]

«وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ » (1)

الأنبياء:20. [1]

.

«و نصب لهم منارا واضحة» مرّ في خطبة الكتاب (2)كون(منار)جمعا، و لذا وصف بالواضحة.

«على أعلام» متعلّق بقوله:و نصب،و الأعلام الجبال،و هو أحسن استعارة،كما في قول الخنساء في أخيها صخر:

و إنّ صخرا لتأتمّ الهداة به كأنّه علم في رأسه نار

(3)«توحيده» فلا يمكن أن يتطرّق إليهم شكّ . «لم تثقّلهم» بالتشديد:أي:لم تجعلهم ثقلاء الحمل.

«موصرات» أي:مضيّقات.

«الآثام» ككثير من الناس،قال تعالى: «وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَ لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ » (4).

«و لم ترتحلهم» هكذا في النسخ (5)،و الظاهر كونه تصحيف(و لم ترحّلهم).

«عقب» أي:تعاقب.

«الليالي و الأيّام» الحاصلتين من طلوع الشمس و غروبها،أي:لم يحملهم تعاقب الليالي و الأيّام على الرّحلة كالنّاس،قال الشاعر:

أفناه قيل اللّه للشّمس ارجعي حتّى إذا و اراك أفق فارجعي

و ليس المعنى أن تعاقبهما لم يجعلهم راحلة له،كما في خبر:إنّ ابني


1) 1)

2) 2) مرّ في شرح خطبة الرضي رحمه اللّه.

3) 3) المطول:293،باب الايجاز. [2]

4) 4) العنكبوت:13. [3]

5) 5) كذا في نهج البلاغة 1:169،و [4]شرح ابن أبي الحديد 2:148،و [5]شرح ابن ميثم 2:352. [6]

ارتحلني (1)

الأصل انّه صلّى اللّه عليه و آله سجد فركبه الحسن عليه السّلام فأبطأ في سجوده،فلما فرغ سئل عنه فقال:«إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله»أخرجه النسائي في سننه 2:229،و أحمد في مسنده 3:493،و 6:467،و ابن عساكر بثلاث طرق في ترجمة الحسن عليه السّلام:91 ح 154-156،و بطريقين في ترجمة الحسين عليه السّلام:105 ح 142 و 143،و أبو يعلى في مسنده عنه المطالب العالية 4:72 ح 3998،و الطبري في منتخب الذيل:63،و البغوي و الطبراني و سعيد بن منصور عنهم منتخب كنز العمال 5:102.

...فلا معنى له هنا .

«و لم ترم» من الرّمي.

«الشّكوك بنوازعها» من:نزع في القوس،أي:مدّها،و نسخة(بنوازغها) من(نزغ الشيطان)،كما حكاها الخوئي (2)بلا مناسبة مع(لم ترم)من الرّمي.

نعم،إن قرئ(و لم ترم)بكسر الرّاء من(رام)أي:قصد يكون له ربط،لكنّه خلاف الظاهر حيث إنّ بعده(و لم تعترك).

«عزيمة أيمانهم» أي:أيمانهم الثابت الّذي لا يتزايل،بمعنى:أنّ الشكوك و إن كانت ذات روام نوازع لم تستطع أن تجعل ايمانهم هدفا لها .

«و لم تعترك» أي:و لم تقاتل،و الأصل في العرك الدّلك،و في القتال يدلك كلّ من القرنين الآخر.

«الظنون على معاقد يقينهم» فتسلّط على حلّه من قلوبهم،و المراد أنّ الملائكة لم يحصل لهم ظنون مخالفة ليقيناتهم في المعارف الالهية كما قد يتفق للبشر،و ذكر الظّنون بعد الشكوك كالاعتراك بعد الرّمي في غاية الحسن .

«و لا قدحت قادحة» و القادحة:الدودة التي تقع في الأشجار و الأسنان، قال جميل:


1) 1)

2) 2) شرح الخوئي 3:104.

رمى اللّه في عيني بثينة بالقذى و في الغرّ من أنيابها بالقوادح

(1)«الإحن» جمع الإحنة،أي:الحقد و الضغن.قال الشاعر:

إذا كان في صدر ابن عمّك إحنة فلا تستثرها سوف يبدو دفينها

(2)«في ما بينهم» ككثير من الناس . «و لا سلبتهم الحيرة» أي:التحيّر و عدم الاهتداء.

«ما لاق» أي:لصق،يقال:ما لاقت المرأة بقلب زوجها،أي:ما لصقت.

«من معرفته» أي:المعرفة له تعالى.

«بضمائرهم» متعلّق بقوله:لاق .

«و ما سكن» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و سكن)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (3)عطفا على لاق.

«من عظمته و هيبة جلالته في أثناء» جمع ثني.

«صدورهم» لا كبعض النّاس الّذين يسلب عنهم أيمانهم،كما حكى تعالى عن بعضهم: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ » (4).

«و لم تطمع فيهم الوساوس فتقترع» قال ابن أبي الحديد:تقترع من الاقتراع بالسّهام بأن يتناوب كلّ من الوساوس عليها،و يروى(فتفترع)بالفاء أي:

تعلو (5).

قلت:معنى الافتعال من(قرع)بالقاف الاختيار،و ايقاد النّار و ضرب


1) 1) لسان العرب 2:555 [1] مادة(قدح).

2) 2) لسان العرب 13:9 [2] مادة(إحن)،و الشاعر:الاقيبل القيني.

3) 3) في شرح ابن أبي الحديد 2:149،و [3]شرح ابن ميثم 2:352«و [4]ما سكن»أيضا.

4) 4) الأعراف:175. [5]

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 2:151. [6]

القرعة،و من(فرع)بالفاء الافتضاض من(افترع البكر)و لم يتعدّ أحدهما بعلى، و الظاهر كون الكلمة تحريف(فتفرغ)من قوله تعالى: «رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً» (1)

الأعراف:126. [1]

.

«بريبها» من(الريبة)،و قرئ(برينها) (2)من «رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ» (3)، و الأوّل أقرب إلى الوساوس.

«على فكرهم» فيكون المعنى:لو كانت الوساوس تطمع فيهم،يمكن أن تفرغ ارتياباتها على فكرهم كالبشر،لكنّهم ليسوا كذلك .

«منهم» الظاهر وقوع تقديم و تأخير،و أنّ قوله هذا إلى«من الحدود المتناهية»كان بعد قوله المتقدّم:«و أقدار متفاوتات»،و قوله: «قد استفرغتهم» بعد «المتناهية» إلى آخر العنوان كان بعد قوله: «على فكرهم» ليكون كلامه عليه السّلام في وصف خلقتهم في موضع،و في وصف عبادتهم و طاعتهم في موضع،و لا يكون الكلام مختلاّ مختلطا.

«من هو في خلق الغمام» أي:السّحاب،أي:خلقه كخلق الغمام.

«الدّلح» جمع الدّالح أي:الماشي بحمل ثقيل،يقال:دلح الرّجل و دلح البعير إذا مشيا بحملهما غير منبسطي الخطو لثقله عليهما.ثمّ وصف(الغمام) و هو مفرد(بالدّلح)و هو جمع من باب قولهم:بلد أخصاب و بلد سباسب و رمح اقصاد و برمة أعشار و ثوب أسمال و ثوب أخلاق من وصف المفرد بالجمع لإرادة الأجزاء منه.

هذا،و قلنا إنّ قوله عليه السّلام: «في خلق الغمام الدّلح» معناه أنّ خلقته كخلقته،


1) 1)

2) 2) هذه رواية ابن أبي الحديد في شرحه 2:149،و ابن ميثم في شرحه 2:352،و نهج البلاغة 1:170،و الشارح نفسه في متن الخطبة.

3) 3) المطففين:14. [2]

لقوله بعد: «و منهم من خرقت أقدامهم» ،و لأنّ(النهاية)نقله«و منهم كالسحائب الدّلح» (1)

النهاية لابن الأثير 2:129 [1] مادة(دلح).

.و يمكن أن يراد به أنّ منهم من عمله صنع السّحاب الدّلح،و كذلك القول في قوله عليه السّلام بعد: «و في عظم الجبال الشمّخ،و في قترة الظّلام الأيهم» على ما يأتي (2).

و يشهد للحمل هنا ما في دعاء الصحيفة-في الصلاة على حملة العرش و كلّ ملك مقرّب-:«و خزّان المطر و زواجر السّحاب،و الّذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود،و إذا سبحت به خفيفة السحاب التمعت صواعق البروق، و مشيّعي الثّلج و البرد و الهابطين مع قطر المطر إذا نزل» (3).و عليه،فالكلام في موضعه بدون تقديم و تأخير «و منهم من خرقت أقدامهم...من الحدود المتناهية» و إن أمكن أيضا ربطه بتكلّف أكثر .

«و في عظم الجبال الشمّخ» أي:الرّفيعة،ظاهره أن يكون خلقه في عظم الجبال،و يمكن أن يراد به أنّهم مقيمون في تلك الجبال موكّلون بها،و في دعاء الصحيفة المتقدّم«و القوّام على خزائن الرياح و الموكّلين بالجبال فلا تزول » (4).

«و في قترة» أي:غبرة.

«الظلام الأيهم» و الأصل في(يهم)ما لا علاج له،و لذا قيل للفلاة التي لا يهتدى فيها:يهماء،و للبرّ الذي لا يهتدى فيه:أيهم،و المراد ظلام لا يهتدى فيه من شدّته.و(الأبهم)في(المصرية)غلط،ففي(ابن أبي الحديد و ابن ميثم


1) 1)

2) 2) يأتي في تكملة هذا العنوان.

3) 3) الصحيفة السجادية:36 الدعاء 3. [2]

4) 4) المصدر نفسه.

و الخطية) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:149،و لكن في شرح ابن ميثم 2:352«الأبهم»أيضا.

بالمثناة،و الكلام فيه كسابقه.

و في الخبر:أنّ ذا القرنين لمّا انتهى إلى السدّ جاوزه فدخل في الظّلمات فإذا هو بملك قائم على جبل طوله خمسمائة ذراع...فقال له ذو القرنين:من أنت؟قال:أنا ملك من ملائكة الرحمن موكّل بهذا الجبل،و ليس من جبل خلقه اللّه تعالى إلاّ و له عرق متصل بهذا الجبل ... (2)

«و منهم من خرقت أقدامهم» قال في سابقه:«منهم من هو»حملا على لفظ (من)و هنا قال:«أقدامهم»حملا على معناها.

«تخوم» أي:منتهى.

«الأرض السّفلى» من الأرضين السّبع .

«فهي» أي:فأقدامهم.

«كرايات بيض قد نفذت» أي:جاوزت.

«في مخارق الهواء» التي لا تمنع الأشياء من النفوذ فيها .

«و تحتها» أي:تحت تلك الأقدام.

«ريح هفّافة» أي:سريعة المرور في هبوبها،كما ذكره الجزريّ في معنى السّكينة (3).

«تحبسها» أي:تحبس الرّيح أقدامهم.

«على حيث انتهت» تلك الأقدام.

«من الحدود المتناهية» في الأرض و الهواء،و يمكن ربطه من قوله:


1) 1)

2) 2) الفقيه للصدوق 1:342 ح 6،و علل الشرائع:554 ح 2،و [1]أماليه:375 ح 2،المجلس 71،و [2]تفسير العياشي 2:350 ح 82 و [3]التهذيب للطوسي 3:290 ح 1.

3) 3) النهاية لابن الأثير 2:386 [4] مادة(سكن):«و منه حديث علي عليه السّلام و بناء الكعبة فأرسل اللّه إليه السكينة و هي ريح خجوج أي سريعة الممر».

«و منهم» إلى هنا،بأنّ عملهم حفظ الأرض من التّلاشي،لكن لا يناسب قوله بعد .

«قد استفرغتهم أشغال» بالفتح،جمع(شغل).

«عبادته» و لو كان(إشغال)بالكسر لكان تأنيث الفعل لكسب التأنيث من (عبادته ).

«و وصلت» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد) (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:149.

،و لكن في(ابن ميثم و الخطية) (2):«و وسلت».

«حقائق الإيمان بينهم و بين معرفته» قال شيخنا المفيد في(مقالاته):إنّ الملائكة مكلّفون و موعودون (3).قال تعالى: «وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ » (4).

«و قطعهم الإيقان به» عن كلّ شيء.

«إلى الوله إليه» تعالى،و في مناجاة شعبان عنهم عليهم السّلام:«إلهي و ألهمني ولها بذكرك إلى ذكرك و همّني إلى روح نجاح أسمائك و محلّ قدسك » (5).

«و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره» و في ذاك الدّعاء:«إلهي و ألحقني بنور عزّك الأبهج فأكون لك عارفا،و عن سواك منحرفا،و منك خائفا مراقبا» (6).


1) 1)

2) 2) في شرح ابن ميثم 2:352« [1]وصلت»أيضا.

3) 3) أوائل المقالات:82. [2]

4) 4) الأنبياء:29. [3]

5) 5) بحار الأنوار للمجلسي 94:99 [4] عن الكتاب العتيق الغروي،لكن لفظه«و أتحفني بنور عزّك»،و أما لفظ«و ألحقني» فللقمي في مفاتيح الجنان:374. [5]

6) 6) المصدر نفسه. [6]

«قد ذاقوا حلاوة معرفته و شربوا بالكأس» قال ابن الاعرابي:لا تسمّى الكأس كأسا إلاّ و فيها الشّراب (1)

نقله عن لسان العرب 6:189 [1] مادة(كأس).

.

«الروية» أي:الرافعة للعطش و تأنيث(الروية)لكون(الكأس)مؤنّثا.

«من محبّته» و في المناجاة الخامسة عشرة:«ما أطيب طعم حبّك،و ما أعذب شرب قربك » (2).

«و تمكّنت من سويداء» أي:حبّة .

«قلوبهم وشيجة» أي:اشتباك عروق.

«خيفته،فحنوا» أي:عوّجوا.

«بطول» و الباء فيه للسببيّة.

«الطاعة» أي:العبادة.

«اعتدال ظهورهم» و المراد ركوعهم .

«و لم ينفد» أي:لم يفن.

«طول الرغبة إليه مادّة تضرّعهم» فهم متضرّعون إليه دائما .

«و لا أطلق عنهم عظيم الزّلفة» أي:التقرّب لديه تعالى.

«ربق» بالكسر فالفتح:جمع ربقة حبل فيه عدّة عرى يشدّ به البهائم.

«خشوعهم» فهم أبدا في حبالته .

«و لم يتولّهم الإعجاب» بأعمالهم.

«فيستكثروا ما سلف منهم» و أمّا ما روي في(عقاب الأعمال)عن ابن خالد الصيقل عن الباقر عليه السّلام:«إنّ اللّه عزّ و جلّ فوّض الأمر إلى ملك من الملائكة، فخلق سبع سماوات و سبع أرضين و أشياء،فلمّا رأى الأشياء قد انقادت له


1) 1)

2) 2) بحار الأنوار للمجلسي 94:151،و [2]ملحقات الصحيفة السجادية:363 عن السجاد عليه السّلام.

قال:من مثلي؟فأرسل اللّه عزّ و جلّ نويرة من نار؟قلت:و ما نويرة من نار؟ قال:نار بمثل أنملة.قال:فاستقبلها بجميع ما خلق فتحلّلت لذلك حتّى وصلت إليه لما أن دخله العجب» (1)

عقاب الأعمال للصدوق:299 ح 1،و المحاسن للبرقي:123 ح 139. [1]

فهو خبر واحد .

«و لا تركت لهم استكانة» أي:مسكنة و فعلها استكان،ففي(القاموس)في سكن و استكان:خضع و ذلّ،افتعل من المسكنة أشبعت حركة عينه (2).لكنّه قال في(كان)أيضا:و الاستكانة و الخضوع (3).

قلت:الظاهر كون قوله الثاني وهما،فإذا كانت(الاستكانة)من(الكون) يكون بمعنى طلب الكون،أي:الوجود و الرفعة،و هو ضدّ المراد،و إنّما الصواب قوله الأوّل،و لمّا أشبع(استكن)و صار استكان،صار المصدر-و هو استكان كاجتماع-استكانة،و الأصل في قوله الثاني(الصحاح)،فإنّه اقتصر على ذكره في الكون (4)،و جعله أبو عليّ الفارسي،كما في(اللّسان)استفعالا من الكين،الّذي هو لحم باطن الفرج،قال:لأنّ الخاضع الذليل خفي،فشبّهه بذلك لأنّه أخفى ما يكون من الإنسان (5).

قلت:لا يبعد أن يكون استفعالا من الكين،لكن ما قاله الفارسي في تشبيهه بلحم باطن الفرج في الخفاء خفي،و الأظهر أن يقال:إنّه من قولهم:

«بات فلان بكينة سوء»بالكسر،أي:بحالة سوء.قال أبو سعيد:يقال:أكانه اللّه يكينه إكانة.أي:أخضعه حتّى استكان و أدخل عليه من الذلّ ما أكانه،و أنشد:

لعمرك ما يشفى جراح تكينه و لكن شفائي أن تئيم حلائله

(6)


1) 1)

2) 2) القاموس المحيط 4:235 [2] مادة(سكن).

3) 3) القاموس المحيط 4:264 [3] مادة(كون).

4) 4) صحاح اللغة 6:2190 مادة(كون).

5) 5) لسان العرب 13:218 [4] مادة(سكن).

6) 6) لسان العرب 13:371 [5] مادة(كين).

و بالجملة كونه استفعالا من الكون،كما قاله(الصحاح)و تبعه (القاموس)في(الكون)غير صحيح،و من الكين و المسكنة صحيح،و الأوّل أظهر لفظا،و الثاني معنى.

«الإجلال» للّه تعالى.

«نصيبا» لهم.

«في تعظيم حسناتهم» فيعدّونها حقيرة .

«و لم تجر الفترات» الفترة:الانكسار و الضعف.

«فيهم على طول دؤوبهم» أي:سعيهم و جدّهم في عبادته .

«و لم تغض» من«غاض الماء»أي:قلّ و نضب.

«رغباتهم» إليه تعالى.

«فيخالفوا عن رجاء ربّهم» إلى رجاء غيره .

«و لم تجفّ» أي:لم تيبس.

«لطول المناجاة» مع خالقهم.

«أسلات ألسنتهم» أي:مستدقّاتها .

«و لا ملكتهم الأشغال» الشخصيّة.

«فتنقطع بهمس» أي:الصوت الخفيّ.

«الجؤار» بالهمزة،أي:التضرّع.

«إليه» تعالى.

«أصواتهم» فاعل تنقطع .

«و لم تختلف في مقاوم» جمع مقام.

«الطاعة» أي:العبادة.

«مناكبهم» بأن يبدّلوا منكبا بمنكب للاستراحة،و يحتمل أن يكون

(تختلف)مصحّف(تتخلّف)فيكون الكلام استعارة عن عدم إعراضهم عن طاعته .

«و لم يثنوا» أي:لم يرفعوا،من قوله تعالى: «ثانِيَ عِطْفِهِ» (1)

الحج:9. [1]

،أي:رافع جنبه.

«إلى راحة التقصير في أمره رقابهم» مفعول لم يثنوا .

«و لا تعدو» هكذا في(المصرية و ابن أبي الحديد) (2)،و لكن في(ابن ميثم و الخطية) (3):«لا تعدو»بدون عاطف:أي لا تتجاوز و لا تتعدى.

«على عزيمة جدّهم» في عبادته.

«بلادة الغفلات» فيقصّرون في طاعته .

«و لا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات» قال ابن أبي الحديد:استعارة من النضال،و هو المراماة بالسّهام (4).

قلت:تناضل من النضال لا(تنتضل)،و إنّما(تنتضل)ك‍(ينضل)بمعنى الرّمي،مع أنّه لا تصحّ المراماة هاهنا،كما لا يخفى.

«في هممهم خدائع الشهوات» ككثير من البشر.

هذا،و في الخبر عن الصادق عليه السّلام:إنّ طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللّذّات و الشهوات-أعني لكم:الحلال ليس الحرام-قال فأنف اللّه للمؤمنين من ولد آدم من تعيير الملائكة لهم،قال:فألقى اللّه في همم أولئك الملائكة اللّذّات و الشهوات كيلا يعيبوا المؤمنين.قال:فلمّا أحسّوا ذلك من هممهم عجّوا إلى اللّه من ذلك،فقالوا:ربّنا عفوك عفوك ردّنا إلى ما خلقتنا له و أجبرتنا


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:149.

3) 3) في شرح ابن ميثم 2:353 توجد(الواو)أيضا.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:151. [2]

عليه،فإنّا نخاف أن نصير في أمر مريج.قال:فنزع اللّه ذلك من هممهم (1)

تفسير العياشي 2:211 ح 42. [1]

.

و ليس هذا الخبر مخالفا لعصمتهم،فمضمونه نظير كلامهم في خلقة آدم عليه السّلام .

«قد اتّخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم» قال الخوئي:يعني بيوم فاقتهم:

يوم قبض أرواحهم (2).

قلت:بل يعني به:جميع أيّامهم،فإنّهم كغيرهم في جميعها محتاجون إليه تعالى .

«و يمّموه» أي:قصدوه تعالى.

«عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم» متعلّق بقوله: «و يمّموه » .

«لا يقطعون أمد» أي:مسافة.

«غاية» أي:نهاية.

«عبادته» لأنّه تعالى أهل لأن يعبد فوق تلك المرتبة .

«و لا يرجع بهم الاستهتار» أي:الحرص و الولع.

«بلزوم طاعته» أي:اللّصوق بها .

«إلاّ إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته» (غير)صفة لمواد و من لبيانها .

«لم تنقطع أسباب الشّفقة» أي:الخوف.

«منهم فينوا» أي:يضعفوا من:و ني يني،قالوا:و الإناة أيضا منه بقلب الواو همزة.

«في جدّهم» في العبادة.


1) 1)

2) 2) شرح الخوئي 3:111.

«و لم تأسرهم الأطماع» في المادّيات.

«فيؤثروا» أي:يختاروا.

«وشيك السعي» أي:سرعته إلى ما طمعوا فيه.

«على اجتهادهم» في طاعته تعالى .

«و لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم» في الأزمنة المتطاولة .

«و لو استعظموا ذلك» أي:ما مضى من أعمالهم.

«لنسخ» أي:أزال.

«الرّجاء منهم» في عظم أعمالهم.

«شفقات» جمع شفقة،و في(الأساس):لي عليه شفقة و شفق(يعني به) رحمة ورقة و خوف من حلول المكروه به مع نصح (1)

أساس البلاغة:238 [1] مادة(شفق).

.

«وجلهم» :أي خوفهم.

قال الشاعر:

لعمرك ما أدري و إنّي لأوجل على أيّنا تغدو المنيّة أوّل

(2)«و لم يختلفوا في ربّهم» كالبشر،فلم يصفه أحد منهم بما لا يليق بجنابه. «باستحواذ» أي:غلبة.

«الشيطان عليهم» ككثير من البشر .

«و لم يفرّقهم سوء التقاطع» كتقاطع عن عداوة،و إنّما تقاطعهم تقاطع حسن بأن يذهب كلّ إلى ما وظّف له .

«و لا تولاّهم» أي:لا صار وليّهم.

«غلّ» بالكسر:الغش و الحقد.


1) 1)

2) 2) لسان العرب 11:722 [2] مادة(وجل)و الشاعر:معن بن أوس المزني.

«التّحاسد» حسد هذا ذاك،و ذاك هذا .

«و لا شعبتهم» أي:فرّقتهم.

«مصارف» أي:مغيّرات.

«الرّيب» أي:الحوادث .

«و لا اقتسمتهم» أي:لم تجعلهم قسما قسما.

«أخياف» جمع خيف،و الأصل فيه الاختلاف،قالوا:سمّي مسجد الخيف خيفا،لاختلافه بانحداره عن غلظ الجبل،و ارتفاعه عن مسيل الماء (1)

معجم البلدان للحموي 2:412. [1]

.

«الهمم» كالبشر همّ بعضهم في الطعام و الشراب،و همّ بعضهم في الألبسة،و همّ بعضهم في الأبنية،و همّ بعضهم في النساء .

«فهم أسراء إيمان» به تعالى .

«لم يفكّهم من ربقته» أي:ربقة الأسر المفهوم من(أسراء).

«زيغ» أي:ميل عن الحقّ.

«و لا عدول» عنه.

«و لا وني» أي:ضعف.

«و لا فتور» أي:انكسار .

«و ليس في أطباق» أي:طبقات.

«السماء» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(السماوات)،كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (2).

«موضع إهاب» أي:جلد غير مدبوغ.

«إلاّ و عليه ملك ساجد أو ساع» أي:عامل.


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 2:150،و شرح ابن ميثم 2:353« [2]السماء»أيضا.

«حافد» أي:سريع،روى القمّي أنّ الصادق عليه السّلام سئل عن الملائكة،أهم أكثر أم بنو آدم؟فقال:و الّذي نفسي بيده لعدد ملائكة اللّه في السماوات أكثر من عدد التّراب في الأرض،و ما في السماء موضع قدم إلاّ و فيها ملك يسبّحه و يقدّسه (1)

تفسير القمي 2:255. [1]

.

«يزدادون على طول الطّاعة بربّهم علما» بإلههم .

«و تزداد عزّة ربّهم في قلوبهم عظما» حيث تزداد معرفتهم.

3

من الخطبة(107)

مِنْ مَلاَئِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ- وَ رَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ- هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ- وَ أَخْوَفُهُمْ لَكَ وَ أَقْرَبُهُمْ مِنْكَ- لَمْ يَسْكُنُوا الْأَصْلاَبَ- وَ لَمْ يُضَمَّنُوا الْأَرْحَامَ- وَ لَمْ يُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ- وَ لَمْ يَشْعَبْهُمْ رَيْبُ الْمَنُونِ- وَ إِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ مِنْكَ- وَ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ وَ اسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِيكَ- وَ كَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ وَ قِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ- لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ- لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ وَ لَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ- وَ لَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ- وَ لَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ أقول:و رواه القمّي القمي-تفسير القمي-ج 2 ص 207 هكذا:«و ملائكة خلقتهم،و أسكنتهم سماواتك،فليس فيهم فترة،و لا عندهم غفلة،و لا فيهم معصية.هم أعلم خلقك بك،و أخوف خلقك منك،و أقرب خلقك إليك،و أعملهم بطاعتك.لا يغشاهم نوم العيون،و لا سهو العقول،و لا فترة الأبدان.لم يسكنوا الأصلاب،و لم تتضمّنهم الأرحام، و لم تخلقهم من ماء مهين،أنشأتهم إنشاء،فأسكنتهم سماواتك،و أكرمتهم بجوارك،و ائتمنتهم على وحيك،و جنّبتهم الآفات،و وقيتهم البليّات،و طهّرتهم


1) 1)

من الذّنوب،و لو لا قوّتك لم يقووا،و لو لا تثبيتك لم يثبتوا،و لو لا رحمتك لم يطيعوا،و لو لا أنت لم يكونوا.أما إنّهم على مكانتهم منك،و طواعيتهم إيّاك، و منزلتهم عندك،و قلّة غفلتهم عن أمرك،لو عاينوا ما خفي عنهم منك، لاحتقروا أعمالهم،و لأزروا على أنفسهم » (1)

تفسير القمي 2:207. [1]

.

«من ملائكة أسكنتهم سماواتك،و رفعتهم عن أرضك» كلامه عليه السّلام هذا دالّ على أنّ الأصل في مسكن الملائكة السماوات،و أنّهم إنّما ينزلون إلى الأرض، و يمكن أن يراد قسم خاص منهم،حيث قال:من ملائكة،و لعلّه ذكر قبله قسم خاص لم ينقله المصنّف .

«هم أعلم خلقك بك،و أخوفهم لك» حيث يشاهدون ملكوت السماوات،و أنّه ليس حاكم فيهم غيره تعالى،فيكونون أعلم به تعالى من البشر،و لمّا كانوا أعلم كانوا أخوف «إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » (2).

«و أقربهم منك» حيث لا يعصونه أبدا .

«لم يسكنوا الأصلاب» أصلاب آباء .

«و لم يضمّنوا الأرحام» أرحام أمهات .

«و لم يخلقوا من ماء مهين» و هو المني،كبني آدم،قال تعالى: «وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ» (3).و مهين فعيل من«مهن»أي:ضعف .

«و لم يشعبهم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(لم يتشعبهم)كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (4)،أي:لم يفرّقهم.


1) 1)

2) 2) فاطر:28. [2]

3) 3) السجدة:7-8. [3]

4) 4) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:229،لكن في شرح ابن ميثم 3:57«يشعبهم»أيضا.

«ريب» أي:صرف.

«المنون» قال الفرّاء:تكون المنون واحدة و جمعا (1)

لسان العرب 13:416 [1] مادة(منن).

،و الأصل في المنون الضعف،و يقال لكلّ من الدّهر و المنيّة:المنون لأنّهما يضعفان و يقطعان المدد و ينقصان العدد،قال الأعشي:

أ أن رأت رجلا أعشى أضرّ به ريب المنون و دهر مبتل خبل

(2)و قال آخر: كأن لم يغن يوما في رخاء إذا ما المرء منّته المنون

(3)(فريب المنون)في الأوّل بمعنى حوادث الدّهر،و(منّته المنون)في الثاني بمعنى قطعته المنيّة،و مراده عليه السّلام أنّهم ليسوا كالبشر الّذين يتشعّبهم حوادث الدّهر،و اخترام المنايا. و ممّن تشعّبهم ريب المنون حتّى ضرب بهم المثل ولد سبأ،فقالوا تشبيها بهم:تفرقوا أيادي سبأ.

و قالوا:نزل حسّان بن عمرو الحميريّ جبلا باليمن يقال له:شعب.ثمّ تشعب ولده،فمن كان منهم بالكوفة يقال لهم:شعبيون-و منهم الشعبي المعروف-و من صار منهم إلى الشام يقال لهم:الشعبانيون،و من صار منهم إلى اليمن يقال لهم:آل ذي شعبين،و من صار منهم بالمغرب و مصر يقال لهم:الأشعوب (4).

«و إنّهم على مكانهم منك» بالقرب المعنوي .

«و منزلتهم عندك» بالدّرجة الرفيعة.


1) 1)

2) 2) لسان العرب 13:416 [2] مادة(منن).

3) 3) اساس البلاغة:438 [3] مادة(منن).

4) 4) معجم البلدان للحموي 3:347. [4]

«و استجماع أهوائهم فيك» و في عبادتك و طاعتك،و ليسوا كالبشر الّذين زيّن لهم «حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ » (1)

آل عمران:14. [1]

.

«و كثرة طاعتهم لك» حتّى لم يكن لهم شغل غير عبادته .

«و قلّة غفلتهم عن أمرك» «لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » (2).

«لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك» و كيف لا يخفى عليهم،و هو الّذي لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته و لو جيء بمثله مددا.

«لحقّروا أعمالهم» في جنب عظمته .

«و لزروا» :أي عتبوا و عابوا،قال:

نبّئت نعما على الهجران زارية سقيا و رعيا لذاك العاتب الزاري

(3)و أيضا: و إنّي على ليلى لزار و إنّني على ذاك في ما بيننا مستديمها

(4)«على أنفسهم» في تقصيرهم في حقّك . «و لعرفوا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك،و لم يطيعوك حقّ طاعتك» كما لم يعرفوه حقّ معرفته،و كذلك الأنبياء و الأوصياء كانوا معترفين بذلك.


1) 1)

2) 2) الأنبياء:27. [2]

3) 3) أساس البلاغة:191 [3] مادة(زري).

4) 4) لسان العرب 14:356 [4] مادة زري().

الفصل الرابع: في خلق آدم عليه السّلام

اشارة

1

من الخطبة(1)

صفة خلق آدم عليه السّلام:

ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَ سَهْلِهَا- وَ عَذْبِهَا وَ سَبَخِهَا- تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ- وَ لاَطَهَا بِالْبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ- فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَ وُصُولٍ وَ أَعْضَاءٍ- وَ فُصُولٍ أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ- وَ أَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ وَ أَمَدٍ مَعْلُومٍ- ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ- فَمَثُلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُهَا- وَ فِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا وَ جَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا- وَ أَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا وَ مَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ- وَ الْأَذْوَاقِ وَ الْمَشَامِّ وَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَجْنَاسِ- مَعْجُوناً بِطِينَةِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ- وَ الْأَشْبَاهِ الْمُؤْتَلِفَةِ وَ الْأَضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ- وَ الْأَخْلاَطِ الْمُتَبَايِنَةِ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ- وَ الْبَلَّةِ وَ الْجُمُودِ- وَ اسْتَأْدَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَلاَئِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ- وَ عَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهِمْ

فِي الْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ- وَ الْخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ- فَقَالَ سُبْحَانَهُ «اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ» (1)

البقرة:34. [1]

-اِعْتَرَتْهُ الْحَمِيَّةُ- وَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَة- وَ تَعَزَّزَ بِخِلْقَةِ النَّارِ وَ اسْتَهْوَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ- فَأَعْطَاهُ اللَّهُ النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ- وَ اسْتِتْمَاماً لِلْبَلِيَّةِ وَ إِنْجَازاً لِلْعِدَةِ- فَقَالَ «فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ» (2)ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ؟آدَمَ؟ دَاراً أَرْغَدَ فِيهَا عِيشَتَهُ وَ آمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ وَ حَذَّرَهُ؟إِبْلِيسَ؟ وَ عَدَاوَتَهُ- فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ- وَ مُرَافَقَةِ الْأَبْرَارِ- فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكِّهِ وَ الْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ- وَ اسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلاً وَ بِالاِغْتِرَارِ نَدَماً- ثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ- وَ لَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ وَ وَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ- وَ أَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الْبَلِيَّةِ وَ تَنَاسُلِ الذُّرِّيَّةِ قول المصنّف : «صفة خلق آدم» هكذا في(المصرية)،و لكن في(ابن ميثم):«منها في خلق آدم» (3)،و في(ابن أبي الحديد):«منها في صفة آدم» (4)، و كيف كان،ففي(إثبات المسعودي):روي أنّ آدم سمّي آدم لأنّه خلق من أديم الأرض (5).

و آدم يأتي اسما و وصفا،و الاسمي جمعه(أوادم)،و الوصفي يأتي


1) 1)

2) 2) الحجر:37-38. [2]

3) 3) شرح ابن ميثم 1:170. [3]

4) 4) في شرح ابن أبي الحديد 1:31« [4]منها في صفة خلق آدم»أيضا.

5) 5) إثبات الوصية للمسعودي:100،و [5]مروج الذهب 1:40،و [6]هذا الوجه في التسمية مروي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و عن علي و الباقر و الصادق عليهم السّلام و عن ابن عباس و سعيد بن جبير،و جمع بعض طرقه السيوطي في الدرّ المنثور 1:49، و [7]المجلسي في بحار الأنوار 11:100-113. [8]

وصفان للإنسان و البعير،و كلّ منهما بمعنى،و له جمع يقال:رجل آدم،أي:

أسمر،و جمعه:إدمان،و يقال:بعير آدم،أي:شديد البياض،و يقال:هو البعير الأبيض،الأسود المقلتين،و جمعه أدم بضمتين.

قال الشاعر:

فإنّ أهجه يضجر كما ضجر بازل من الأدم دبرت صفحتاه و غاربه

(1)و أصل آدم:أأدم بهمزتين.

و قوله عليه السّلام: «ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض» أي:خشنها.

«و سهلها» أي:ما ليس فيه خشونة.

«و عذبها» أي:ما ليس فيه ملوحة.

«و سبخها» أي:الأرض التي تعلوها الملوحة،و لا تنبت الزّرع.

«تربة» الواحدة من ترب لغة في تراب.

«سنّها» أي أنتنها من قوله تعالى: «مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» (2)،قال المسعودي في(إثباته):خلق اللّه آدم من عذب الأرض و مالحها،و مرّها و... (3).

و قال ابن أبي الحديد:سنّها،أي ملّسها من قولهم:مرمر مسنون (4).

و قال الخوئي-تبعا للمجلسيّ-:سنّها من سننت الماء على الأرض:

صببته (5).

قلت:و هما كما ترى،فلا معنى لتمليس التّربة بالماء،كما لا معنى لصبّ التربة بالماء.


1) 1) لسان العرب 12:12 [1] مادة(أدم)و الشاعر:الأخطل.

2) 2) الحجر:26. [2]

3) 3) إثبات الوصية للمسعودي:10 [3] ضمن حديث طويل.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:32. [4]

5) 5) شرح نهج البلاغة للخوئي 1:148،و بحار الأنوار للمجلسي 11:123. [5]

«بالماء حتّى خلصت» في سننها .

«و لاطها» من لطت الحوض بالطين،أي:ملطته به،و طيّنته،و قال الخوئي:

من لاط الشيء بالشّيء لوطا:لصق (1)

شرح الخوئي 1:148.

.

قلت:ذاك لازم،و هذا متعدّ.

«بالبلّة» أي:الرطوبة.

«حتّى لزبت» أي:لزقت،و لصقت،قال تعالى: «إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ » (2).

«فجبل منها صورة» قال ابن أبي الحديد:قال الراوندي:أي خلق خلقا عظيما.و اعترض عليه بأنّ جبل بمعنى خلق سواء كان عظيما أو غير عظيم (3).

قلت:إنّ جبل و ذرأ و أنشأ كلّها بمعنى:خلق إلاّ أنّ لكلّ منها خصوصية لا يصحّ لها استعمال أحدها في موضع الآخر.

فإنّ ذرأ معناه:خلق متكثر منتشر،قال تعالى: «يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ» (4).

و(أنشأ)معناه خلق حادث جديد،قال تعالى: «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ» (5).

و جبل معناه:خلق غليظ،قال الجوهري:يقال للرّجل إذا كان غليظا:إنّه لذو جبلة،و امرأة مجبال،أي:غليظة الخلق،و شيء جبل بكسر الباء،أي:غليظ جاف (6).و يقال:أجبل الشّاعر،إذا صعب عليه القول،فكأنه بلغ المكان الغليظ،


1) 1)

2) 2) الصفات:11.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:36. [1]

4) 4) الشورى:11. [2]

5) 5) النجم:32. [3]

6) 6) صحاح اللغة 4:1651 [4] مادة(جبل).

و أجبل الحافر،إذا بلغ المكان الصّلب.و قال الزّمخشري:ناقة جبلة السنام تامته،رجل جبل الوجه،و جبل الرأس:غليظهما،و سيف جبل و مجبال:لم يرقّق،قال:

صافي الحديدة لا ناب و لا جبل

(1)و سألناهم فأجبلوا:إذا لم ينولوا،قال الكميت:

فبان و أبقى لنا من بنيه لهاميم سادوا و لم يجبلوا

(2)«ذات أحناء» جمع حنو بالكسر،أي:الجوانب و النواحي،قال لبيد: فقلت ازدجر أحناء طيرك و اعلمن بأنّك إن قدّمت رجلك عاثر

(3)و قال الكميت: و آلوا الأمور و أحناءها فلم يبهلوها و لم يهملوا

(4)«و وصول» قال ابن أبي الحديد:قال الراوندي:الوصول جمع وصل، و هو العضو،و كلّ شيء اتّصل بشيء فما بينهما وصلة.ثمّ اعترض عليه بأنّه ما وجد في لغة أنّ الوصل العضو،و قال:و قوله«و كلّ شيء...»لا معنى لذكره بعد ذلك التفسير (5). قلت:قال الجزريّ في(نهايته)-و كلامه مأخوذ من أئمّة اللّغة كأبي عبيد و أبي عبيدة و نحوهما-في صفة النبي صلّى اللّه عليه و آله:كان فعم الأوصال.أي:ممتلئ الأعضاء.الواحد:وصل (6).فتراه صرّح بأنّ الوصل العضو،أي:المراد منه


1) 1) أساس البلاغة للزمخشري:51 [1] مادة(جبل).

2) 2) المصدر نفسه.

3) 3) لسان العرب 14:206 و 204 [2] مادة(حنا).

4) 4) المصدر نفسه.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 1:36. [3]

6) 6) النهاية لابن الأثير 5:194 [4] مادة(وصل).

العضو.و قوله:لا معنى لقوله«و كلّ شيء...»بلا معنى،فكلامه الأوّل معنى الوصل،و الأخير معنى الوصلة،و ما قاله لفظ(الصحاح)فقال:و كلّ شيء اتّصل بشيء فما بينهما وصلة،و الجمع:وصل (1)

صحاح اللغة 5:1842 [1] مادة(وصل).

.

«و أعضاء» كاليدين و الرّجلين.

«و فصول» كالمنكب و العضد و المرفق و الذّراع و الكفّ و الأصابع و الأنامل في اليدين و الفخذ و الرّكبة و السّاق و القدم و الأصابع و الأنامل في الرّجلين .

«أجمدها» أي:أبقاها حتّى صارت جامدة.

«حتّى استمسكت» من التّلاشي.

«و أصلدها» من قولهم:حجر صلد،أي:صلب أملس.

«حتى صلصلت» من قولهم:تصلصل الحلي،إذا صوّت،و الأصل في كلامه عليه السّلام:قوله تعالى: «مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» (2).

قال أبو عبيدة:الصّلصال الطّين الحرّ خلط بالرّمل فصار يتصلصل إذا جفّ،فإذا طبخ في النار فهو الفخار (3).

و في خبر:ثمّ جعلها صلصالا كالفخار أربعين سنة (4).

«لوقت معدود» عيّنه(تفسير القمّي)أربعين سنة (5)،و(مروج


1) 1)

2) 2) الحجر:26،28،33. [2]

3) 3) نقله عنه الجوهري في صحاح اللغة 5:1745 [3] مادة(صلصل).

4) 4) هذا اللفظ رواه المجلسي في بحار الأنوار 11:121، [4]عن سعد السعود لابن طاوس عن نسخة من صحف إدريس عليه السّلام لكن لم توجد هذه الفقرة إلاّ في سعد السعود المطبوع:33،و نقل هذا المعنى المسعودي في مروج الذهب 1:40.

5) 5) تفسير القمي 1:41. [5]

المسعودي)مائة و عشرين سنة (1)

مروج الذهب للمسعودي 1:41، [1]ثم قال:«و قيل أربعون سنة».

.

«و أمد معلوم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(و أجل معلوم)كما في (ابن أبي الحديد و الخطية ) (2).

«ثمّ نفخ فيها من روحه» نسب تعالى الرّوح إلى نفسه دلالة على شرف الإنسان،قال تعالى للملائكة: «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ» (3)،و قال تعالى: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» (4).

«فمثلت» تلك التّربة .

«إنسانا ذا أذهان يجيلها» في خبر أبي بصير:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:لأي علّة خلق اللّه تعالى آدم من غير أب و أمّ،و خلق عيسى من غير أب،و خلق سائر الناس من الآباء و الأمّهات؟فقال:ليعلم الناس تمام قدرته و كمالها (5).

«و فكّر يتصرّف بها» في الأشياء،فلا يعمل عملا إلاّ بعد فكر .

«و جوارح يختدمها» أي:يجعلها خادمة له في حوائجه .

«و أدوات» أي:آلات للسّمع و البصر.

«يقلّبها» كيف شاء .

«و معرفة يفرق بها بين الحقّ و الباطل» و هي العقل،روى(العيون)أنّ ابن السّكّيت قال للرضا عليه السّلام بعد سؤاله عن وجه اختلاف معجزات موسى و عيسى و نبيّنا عليهم السّلام:فما الحجّة على الخلق اليوم؟فقال عليه السّلام:العقل يعرف به


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 1:31،و كذا في شرح ابن ميثم 1:169«و أمد معلوم»أيضا.

3) 3) الحجر:29. [2]

4) 4) الاسراء:85. [3]

5) 5) علل الشرائع للصدوق:15 ح 1. [4]

الصّادق على اللّه فيصدّقه،و الكاذب على اللّه فيكذّبه.فقال ابن السكّيت:هذا و اللّه الجواب (1)

عيون الأخبار للصدوق 2:78 ح 12،و [1]علل الشرائع:121 ح 6،و [2]الكافي للكليني 1:24 ح 20 [3] في ذيل حديث.

.

«و الأذواق» فيعرف بها الحلو و المرّ و الحامض،و غيرها.

«و المشامّ» فيعرف بها الرّيح الطيّبة من الخبيثة.

«و الألوان» فيعرف بها الأبيض و الأسود و الأحمر و الأخضر و الأصفر.

«و الأجناس» بالخشونة و اللّينة،و كأنّه سقط من الكلام(و الأصوات) فيبعد أن يذكر عليه السّلام الذائقة و الشّامة و الباصرة و اللاّمسة،و لا يذكر السّامعة مع كونها أهمّ من الشّامة.

«معجونا» الظاهر كونه حالا من(إنسانا)و يحتمل كونه صفة بعد صفة.

«بطينة الألوان المختلفة» روي أنّ عبد اللّه بن سلام سأل النبي صلّى اللّه عليه و آله أنّ آدم خلق من الطين كلّه أو من طين واحد؟قال:بل من الطّين كلّه،و لو خلق من طين واحد لما عرف النّاس بعضهم بعضا،و كانوا على صورة واحدة.قال:

فلهم في الدّنيا مثل؟قال:التّراب فيه أبيض،و فيه أخضر،و فيه أشقر،و فيه أغبر،و فيه أحمر،و فيه أزرق،و فيه عذب،و فيه ملح،و فيه خشن،و فيه لين، و فيه أصهب،فلذلك صار النّاس فيهم لين،و فيهم خشن،و فيهم أبيض،و فيهم أصفر،و أحمر،و أصهب،و أسود على ألوان التراب (2).

و يقال للرّوم:بنو الاصفر،و للعرب:أسود،و للعجم:أحمر.فعن ابن الاعرابي:معنى قولهم:آتاني كلّ أسود منهم و أحمر:آتاني جميع الناس عربهم و عجمهم (3).


1) 1)

2) 2) علل الشرائع للصدوق:470 ح 33 [4] ضمن حديث طويل،و السائل يزيد بن سلام،كما في الأصل،و لعبد اللّه بن سلام حديث آخر.

3) 3) لم أجده عن ابن الاعرابي لكن نقله ابن منظور في لسان العرب 4:209 [5] مادة(حمر)عن أبي عمرو بن العلاء.

«و الأشباه المؤتلفة،و الأضداد المتعادية» عن الرضا عليه السّلام الطبائع أربعة، فمنهنّ البلغم و هو خصم جدل،و منهن الدّم و هو عبد زنجي و ربما قتل العبد سيّده،و منهنّ الريح و هو ملك يدارى،و منهنّ المرّة،و هيهات هيهات هي الأرض ارتجّت ارتجّت بما عليها (1)

عيون الأخبار للصدوق 1:66 ح 8 [1] عن الكاظم،و 2:78 ح 11،و علل الشرائع:106 ح 2، [2]عن الرضا عليه السّلام.

.

«و الأخلاط المتباينة من الحرّ و البرد و البلّة» أي:الرطوبة.

«و الجمود» و زاد(ابن أبي الحديد و الخطية) (2):«و المساءة و السرور».

قال النّظام:الدّليل على الصانع أنّا رأينا أشياء متضادّة من شأنها التنافي و التّباين و التفاسد مجموعة،و هي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة المجتمعة في كلّ حيوان،و في أكثر سائر الأجسام،فعلمنا أنّ جامعها قسرها على الاجتماع،و لو لا ذلك لتباينت و تفاسدت،و لو جاز أن تجتمع المتضادّات المتنافرات،و تتقاوم من غير جامع جمعها لجاز أن يجتمع الماء و النّار و يتقاوما من ذاتهما،بغير جامع مدبّر مقيم يقيمها،و هذا محال (3).

هذا،و قال المبرّد:دخلت على الجاحظ في آخر أيّامه و هو عليل،فقلت له:

كيف أنت؟فقال:كيف يكون من نصفه مفلوج و لو نشر بالمناشير لما أحس به،و نصف الآخر منقرس لو طار الذّباب بقربه لآلمه (4).

و قال الجاحظ لمتطبب يشكو إليه علّته:قد اصطلحت الأضداد على جسدي إن أكلت باردا أخذ برجلي،و إن أكلت حارّا أخذ برأسي (5).

«و استأدى اللّه سبحانه الملائكة وديعته لديهم و عهد» بالنّصب عطف


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:32.

3) 3) نقله عن النظام الكراجكي في كنز الفوائد:86. [3]

4) 4) نقله عن المبرد ابن الأنباري في نزهة الألباء:134،و المرتضى في أماليه 1:142 المجلس 13.

5) 5) أمالي المرتضى 1:142 المجلس 13.

على(وديعته).

«وصيّته إليهم» أشار عليه السّلام في قوله: «و استأدى اللّه...» إلى قوله تعالى:

«وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ» (1)

الحجر:28-29. [1]

.

«في الإذعان» أي:الانقياد.

«بالسّجود له» أي:لذاك الإنسان.

«و الخنوع» أي:التذلّل.

«لتكرمته» أي:إكرامه .

«فقال سبحانه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(فقال تعالى)كما في (ابن أبي الحديد و الخطية) (2).

«اسْجُدُوا لِآدَمَ» وردت هذه الجملة في(البقرة،و الأعراف،و بني إسرائيل، و الكهف،و طه) (3).

«فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ» وردت هذه الجملة في غير الأولى .

«اعترته الحميّة،و غلبت عليه الشّقوة،و تعزّز بخلقة النار،و استهون خلق الصلصال» هكذا في(المصرية)بدون زيادة،و إفراد الضمير في(اعترته)و ما عطف عليه،و الصواب:(و قبيله اعترتهم الحمية،و غلبت عليهم الشّقوة، و تعزّزوا بخلقة النار،و استهونوا خلق الصلصال)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)و(الراوندي) (4).


1) 1)

2) 2) في شرح ابن أبي الحديد 1:32،و كذا في شرح ابن ميثم 1:169« [2]فقال سبحانه»أيضا.

3) 3) البقرة:34،و [3]الأعراف:11،و [4]الإسراء:61،و [5]الكهف:50 و [6]طه:116. [7]

4) 4) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1:32،و شرح ابن ميثم 1:169 أيضا [8]كالمصرية،و امّا ما نقله الشارح عن الراوندي فمفهوم من بحث لغوي له حول كلمة(قبيل)نقله ابن أبي الحديد في شرحه 1:36.

و اختلف في إبليس هل كان من الجنّ أو من الملائكة؟فأكثر متكلّمي العامّة على الأوّل،و اختاره المفيد قائلا:إنّ الأخبار به متواترة عنهم عليهم السّلام، و إنّه مذهب الإمامية (1)

قاله المفيد في أوائل المقالات للمفيد:149. [1]

.

و ذهب أكثر فقهاء العامّة إلى الثاني،و اختاره الشيخ في(تبيانه)قائلا:

و هو المرويّ عن الصادق عليه السّلام (2).

قلت:و الصواب أن يقال:إنّه كان من الجنّ لقوله تعالى: «كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ» (3)،إلاّ أنّه كان في عداد الملائكة كما يكون في البشر رجل من قبيلة معدودا من قبيلة أخرى،فقالوا:كان الزّبير-و هو من أسد قريش-قبل أن ينشأ ابنه عبد اللّه في عداد بني هاشم (4).

و يدلّ على كونه في عداد الملائكة قوله تعالى: «فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ» (5)في السور المتقدّمة،و قوله تعالى: «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ» (6)في سورة الحجر،و سورة(ص)و قوله عليه السّلام هنا:

و قوله في القاصعة:«ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشرا بأمر اخرج به منها ملكا» (7).


1) 1)

2) 2) التبيان للطوسي 1:150. [2]

3) 3) الكهف:50. [3]

4) 4) انظر حديث علي عليه السّلام:«ما زال الزبير رجلا منّا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشئوم عبد اللّه»رواه ابن أبي الحديد في شرحه 4:480 الحكمة 480 عن نهج البلاغة،و لم يوجد في سائر نسخ النهج،و أخرجه أيضا الجوهري في السقيفة: 60،و [4]عاصم بن حميد في أصله:23،و الصدوق في الخصال:157 ح 199 باب الثلاثة،و المفيد في الجمل:208، و ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1:10. [5]

5) 5) الكهف:50. [6]

6) 6) الحجر:30-31. [7]

7) 7) نهج البلاغة 2:139 الخطبة 190. [8]

قال ابن أبي الحديد:قال الرّاوندي-في سجود الملائكة لآدم-:لمّا علمنا أنّ تقديم المفضول على الفاضل قبيح،علمنا أنّ آدم كان أفضل من الملائكة في ذلك الوقت و فيما بعده.و اعترض عليه بأنّ لقائل أن يقول:أليس قد سجد يعقوب ليوسف عليهما السّلام أفيدلّ ذلك على أنّ يوسف أفضل من يعقوب؟ (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:37. [1]

قلت:قال هذا الكلام قبله شيخه الجبائي (2)،و لكن لو لم يكن دالاّ على أفضلية آدم على الملائكة لما قال إبليس في جواب قوله تعالى: «ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» (3): «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» (4)، و كذا في جواب قوله تعالى: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ» (5)«لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ» (6).

أو ما سمع هو و شيخه الجبائيّ قوله تعالى حكاية عن إبليس: «أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ» (7)و السجود ليوسف لم يعلم أنّه كان بوضع الجبهة، فلعلّه من قسم تعظيم الملوك،مع أنّه أيّ مانع من كون يوسف أفضل من يعقوب،فامتحن بمحن فوق محن أبيه،و كان سليمان أفضل من أبيه،قال تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً» (8).

قال ابن أبي الحديد أيضا:إنّه قال الراوندي في قوله عليه السّلام:«إلاّ إبليس و قبيله»:قبيل إبليس نسله،قال تعالى: «إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ» (9)،و كلّ


1) 1)

2) 2) نقله عن الجبائي و غيره الطوسي في التبيان 1:150،و [2]هو مشهور عن كثير من المعتزلة.

3) 3) الأعراف:12. [3]

4) 4) الأعراف:12. [4]

5) 5) ص:75.

6) 6) الحجر:33. [5]

7) 7) الإسراء:62. [6]

8) 8) الأنبياء:79. [7]

9) 9) الأعراف:27. [8]

جيل من الإنس و الجنّ قبيل.و اعترض عليه أنّ قوله تعالى لا يدلّ على أنّهم نسله،و قوله:«و كلّ جيل...»ينقض دعواه أنّ قبيله لا يكون إلاّ نسله (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:36. [1]

.

قلت:إنّ ابن أبي الحديد لا يفرّق بين بيان المراد من الكلمة،و بين بيان مفهومها اللّغوي،فقول الراوندي:«قبيله:نسله»بيان المراد،و أخذه من الأخبار.فروي في خبر أنّ الآباء ثلاثة:آدم ولد مؤمنا،و الجانّ ولد مؤمنا و كافرا،و إبليس ولد كافرا،و ليس فيهم نتاج،إنّما يبيض و يفرخ،و ولده ذكور ليس فيهم إناث (2).

و أمّا ذكره الآية فإنّما لبيان أنّ(قبيله)-كما ذكر في كلامه عليه السّلام-ذكر في القرآن مع أنّ آية «أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ» (3)تدلّ على أنّ قبيله من نسله و إن لم يذكر ذلك الرّاوندي،و قوله:«و كلّ جيل...» بيان لمعنى مطلق القبيل،فأيّ تناف له مع كون قبيل إبليس نسله حتّى ينقض دعواه؟ و يأتي القبيل بمعنى:الكفيل أيضا،و يأتي بمعنى:القابلة،قال الشاعر:

كصرخة حبلى أسلمتها قبيلها (4).

فهل ذكر معنى ينقض معنى آخر؟قال ابن أبي الحديد:إنّه قال الرّاوندي في قوله عليه السّلام: «و تعزّز بخلقة النار» :إنّ القياس الّذي قاسه إبليس كان باطلا، لأنّه ادّعى أنّ النار أشرف من الأرض،و الأمر بالعكس،لأنّ كلّ ما يدخل إلى النار ينقص،و كلّ ما يدخل التراب يزيد.و اعترض عليه بأنّ هذا عجيب!فإنّا نرى الحيوانات الميتة إذا دفنت في الأرض تنقص أجسامها،و كذلك الأشجار


1) 1)

2) 2) الخصال للصدوق:152 ح 186 باب الثلاثة.

3) 3) الكهف:50. [2]

4) 4) لسان العرب 11:544 [3] مادة(قبل)،و صدره: أصالحكم حتى تبوءوا بمثلها .و الشاعر الأعشى:.

المدفونة في الأرض.على أنّ التحقيق أنّ المحترق بالنار و البالي بالتراب لم تعدم أجزاؤه و لا بعضها،و إنّما استحالت إلى صور أخرى (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:37. [1]

.

قلت:بل اعتراضه عليه عجيب،و تحقيقه ركيك،فإنّ هذه أمور عرفية، فتدخل في الأرض نوى ليس بقدر أنملة ينبت منه شجرة كجبل،و تلقي جبلا من الخشب في النار فلا يبقى منه إلاّ قليل رماد في حكم العدم،فالعرف يرى أنّ النار لا تبقي شيئا،و ما وقع فيها شيء إلاّ أكلته،و عليه ورد«إنّ الحسد ليأكل الايمان كما تأكل النار الحطب» (2)إلاّ أنّ ابن أبي الحديد يعترض على الراوندي عنادا.

هذا،و ورد بطلان قياس إبليس في الأخبار بطرق أخر أيضا،ففي خبر أنّ إبليس قاس نفسه بآدم،فقال: «خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» (3)،فلو قاس الجوهر الّذي خلق اللّه منه آدم بالنّار،كان ذلك أكثر نورا و ضياء من النّار (4).

و في خبر آخر:كذب إبليس لعنه اللّه ما خلقه اللّه إلاّ من طين،ثم قال اللّه تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ» (5)خلقه اللّه من تلك النّار،و النّار من تلك الشجرة،و الشجرة أصلها من طين (6).

و من القياسات الباطلة السجود لغيره تعالى قياسا على سجود الملائكة


1) 1)

2) 2) أخرجه الحميري في قرب الاسناد:15،و [2]ابن ماجه في سننه 2:1408 ح 4210 و الشريف الرضي في المجازات النبوية:221 ح 179 و [3]رواه الفتال في روضة الواعظين 2:424، [4]عن النبي صلّى اللّه عليه و آله،و الشريف الرضي في نهج البلاغة 1:151 الخطبة 84 [5] عن علي عليه السّلام،و في الباب عن الباقر و الصادق عليهما السّلام.

3) 3) الأعراف:12. [6]

4) 4) الكافي للكليني 1:58 ح 18،20،و [7]علل الشرائع للصدوق:86،87 ح 1،3 [8] عن الصادق عليه السّلام.

5) 5) يس:80. [9]

6) 6) تفسير القمي 2:244 [10] عن الصادق عليه السّلام.

لآدم،ففي(الاحتجاج)أنّ جمعا من المشركين حاجّوا النبي صلّى اللّه عليه و آله فقالوا:إنّ اللّه لمّا خلق آدم و أمر الملائكة بالسجود له،كنّا نحن أحقّ بالسجود لآدم من الملائكة،ففاتنا ذلك فصوّرنا صورته فسجدنا لها تقرّبا إلى اللّه كما تقرّبت الملائكة بالسجود لآدم إلى اللّه،و كما أمرتم بالسّجود بزعمكم إلى جهة مكّة، ففعلتم ثمّ نصبتم في غير ذلك البلد بأيديكم محاريب سجدتم إليها،و قصدتم الكعبة لا محاريبكم،و قصدكم بالكعبة إلى اللّه تعالى لا إليها...فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله لهم:إنّ اللّه عزّ و جلّ حيث أمر بالسجود لآدم لم يأمر بالسّجود لصورته التي هي غيره،فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه،لأنّكم لا تدرون لعلّه يكره ما تفعلون إذ لم يأمركم به.ثمّ قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:أرأيتم لو أذن لكم رجل دخول داره يوما بعينه،أ لكم أن تدخلوها بعد ذلك بغير أمره،أو لكم أن تدخلوا دارا أخرى له مثلها بغير أمره ... (1)

تفسير العسكري:248،و [1]الاحتجاج للطبرسي:26. [2]

«فأعطاه اللّه النّظرة» أي:المهلة.

«استحقاقا للسّخطة» أي:لغضبه تعالى عليه،قال تعالى: «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ» (2).

«و استتماما للبليّة» أي:تكميلا لابتلائه و امتحانه،فإنّه و إن كان قبل خلق آدم يعبد اللّه بعبادات كثيرة،لكن باطنه كان خبيثا،فانكشف بخلق آدم و الأمر بالسّجود له.

«و انجازا» أي:قضاء.

«للعدة» أي:لوعده تعالى.


1) 1)

2) 2) آل عمران:178. [3]

«فقال:إنّك «مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ» » و في سورة الحجر، و سورة(ص): «قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ » (1)

الحجر:37-38،و ص:80-81.

.

«ثمّ أسكن سبحانه آدم دارا» أي:الجنّة.

«أرغد» أي:أوسع و طيّب.

«فيها عيشته» «وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما» (2).

«و آمن فيها محلّته» أي:حلوله «إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى» (3).

«و حذّره إبليس و عداوته» «فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى » (4).

«فاغترّه عدوّه» «فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ» (5).

«نفاسة» أي:حسدا.

«عليه بدار المقام» الّتي لا ارتحال منها «فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ» (6).

«و مرافقة الأبرار» أي:الملائكة .

«فباع اليقين» بنهيه عن أكل الشجرة.

«بشكّه» الحادث من وسوسة إبليس،قال تعالى: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ»


1) 1)

2) 2) البقرة:35. [1]

3) 3) طه:118-119. [2]

4) 4) طه:117. [3]

5) 5) الأعراف:22. [4]

6) 6) البقرة:36. [5]

«الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى» (1)

طه:120. [1]

.

«و العزيمة بوهنه» «وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً » (2).

«و استبدل بالجذل» بفتحتين،أي:بالفرح.

«وجلا» أي:خوفا.

«و بالاغترار» الحاصل له من قول إبليس،كما مرّ في كلامه عليه السّلام و في الآية،و قول الخوئي:«و بالاعتزاز»بالعين المهملة و المعجمتين (3)بلا ربط.

«ندما» فعاقبة الاغترار الندم .

«ثمّ بسط اللّه سبحانه له في توبته» «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى» (4).

«و لقّاه كلمة رحمته» «فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ» (5).

«و وعده المردّ إلى جنّته» بعد البعث .

«و أهبطه» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(فأهبطه)كما في(ابن أبي الحديد،و الخطية) (6).

«إلى دار البلية» أي:الدّنيا،و قد قال عليه السّلام في وصفها«دار بالبلاء محفوفة و بالغدر معروفة».


1) 1)

2) 2) طه:115. [2]

3) 3) شرح الخوئي 1:176.

4) 4) طه:122. [3]

5) 5) البقرة:37. [4]

6) 6) في شرح ابن أبي الحديد 1:33،و [5]كذا في شرح ابن ميثم 1:170(الواو)أيضا.

قال تعالى في إهباطه: «قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ» (1)

الأعراف:24. [1]

.

ثمّ ظاهر كلامه عليه السّلام هنا و في الآتي أنّ إهباطه كان بعد توبته،و هو ظاهر قوله تعالى في سورة طه «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى» (2)،قال: «اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً» (3)،و لكن في سورة البقرة «وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ» (4)،و يمكن الجمع بأن توبته كانت فورا بعد عتاب اللّه تعالى له.قال سبحانه: «وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» (5)و إنّما قبول توبته كان بعد الإهباط.

و في(اثبات الوصيّة):ثمّ أمر اللّه تعالى الملائكة بإخراجه فأخذوا بيده ليخرجوه،فقال:اللّهمّ بحقّ محمّد و عليّ و الحسن و الحسين تب عليّ.فأوحى اللّه إليه:اهبط إلى الأرض حتّى أتوب إليك (6).

و فيه:و قد هبط آدم على الصّفا و حوّاء على المروة،فاشتقّ للجبلين هذان الاسمان (7).و كان مكثه في الجنّة في ما روي سبع ساعات(من ساعات) الدنيا،روي أنّه دخلها قبل زوال الشمس و خرج قبل أن تغيب (8).

«و تناسل الذرّيّة» «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ»


1) 1)

2) 2) طه:122. [2]

3) 3) طه:123. [3]

4) 4) البقرة:36-37. [4]

5) 5) الأعراف 22-23. [5]

6) 6) إثبات الوصية للمسعودي:11 و 112. [6]

7) 7) إثبات الوصية للمسعودي:11 و 112. [7]

8) 8) إثبات الوصية للمسعودي:11 و 112. [8]

«مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً» (1)

النساء:1. [1]

، «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ» (2).

و روى(العلل)عن الصادق عليه السّلام أنّ آدم ولد له سبعون بطنا،في كلّ بطن غلام و جارية إلى أن قتل هابيل،فلمّا قتل قابيل هابيل جزع آدم عليه السّلام على هابيل جزعا قطعه عن إتيان النساء،فبقي لا يستطيع أن يغشى حواء خمسمائة عام، ثمّ تخلى ما به من الجزع عليه،فغشى حواء،فوهب اللّه له شيئا وحده ليس معه ثان،و اسم شيث هبة اللّه،و هو أوّل من أوصى إليه من الآدميين في الأرض.ثمّ ولد له من بعد شيث يافث ليس معه ثان،فلمّا أدركا و أراد تعالى أن يبلغ بالنّسل ما ترون و أن يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما حرّم اللّه تعالى من الأخوات على الاخوة،أنزل بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنّة اسمها:نزلة،فأمر اللّه تعالى آدم أن يزوجّها من شيث،فزوّجها منه،ثمّ أنزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنّة اسمها:منزلة،فأمر اللّه تعالى آدم أن يزوّجها من يافث فزوّجها منه،فولد لشيث غلام و ولدت ليافث جارية،فأمر اللّه تعالى آدم حين أدركا أن يزوّج بنت يافث من ابن شيث،ففعل،فولد الصفوة من النبيين و المرسلين من نسلهما،و معاذ اللّه أن يكون ذلك على ما قالوا من الإخوة و الأخوات (3).

و الخبر خبر ابن مقاتل عمّن سمع زرارة،و رواه(الفقيه)مختصرا (4)، و توهم الخوئي أنّه خبر مسمع فحرّف«عمّن سمع»بقوله:«عن مسمع»،كما


1) 1)

2) 2) الحجرات:13. [2]

3) 3) علل الشرائع للصدوق:19 ح 2،و [3]قصص الأنبياء للراوندي،و [4]عنه البحار 11:262 ح 11، [5]في ذيل حديث.

4) 4) أخرجه الصدوق في الفقيه 2:240 ح 4.

توهّم أنّ ما في(الفقيه)غير ما في(العلل) (1)

شرح الخوئي 1:178-179.

.

2

من الخطبة(89)

فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ- اخْتَارَ؟آدَمَ ع؟ خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ- وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَ أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ- وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ- وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ- وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ- وَ الْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ- فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ- فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ- لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ- وَ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ «فلمّا مهد أرضه» «وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ » (2).

«و أنفذ أمره» فيها بما أراد من الجبال و البحار و غيرهما .

«اختار آدم عليه السّلام خيرة من خلقه» «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» ... «فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ » (3).

«و جعله أوّل جبلّته» أي:خليقته من البشر «يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ » (4).

«و أسكنه جنّته و أرغد» أي:أوسع.

«فيها أكله» «وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما» (5).


1) 1)

2) 2) الذاريات:48. [1]

3) 3) البقرة:30-33. [2]

4) 4) النساء:1. [3]

5) 5) البقرة:35. [4]

«و أوعز» أي:تقدّم.

«إليه في ما نهاه عنه» في قوله تعالى لهما: «وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ » (1)

البقرة:35. [1]

.

«و أعلمه أنّ في الإقدام عليه» أي:على ما نهاه عنه.

«التعرّض لمعصيته» «وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى » (2).

«و المخاطرة بمنزلته» «إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى » (3).

«فأقدم على ما نهاه عنه» «فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ » (4).

«موافاة لسابق علمه» يمكن أن يكون مفعولا مطلقا لقوله«فأقدم»، و الأصل(اقداما موافاة)،و أن يكون مفعولا له،من باب «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» (5)لسابق علمه بجعله في الأرض خليفة له .

«فأهبطه بعد التوبة» مرّ في سابقه أنّ نفس توبة آدم كانت قبل الهبوط، و إنّما وعد القبول كان بعده «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى» (6).

«ليعمر أرضه بنسله» و في خبر عن الصادق عليه السّلام ما معناه:أنّ ملكا زار آدم بعد هبوطه،فلمّا رأى قلقه سلاّه ثلاثا بأن قال له:إنّ اللّه تعالى قال لنا فيك:

«إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (7)،فهو خلقك لأن تكون في الأرض


1) 1)

2) 2) طه:121. [2]

3) 3) طه:117. [3]

4) 4) طه:121. [4]

5) 5) القصص:8. [5]

6) 6) طه:122. [6]

7) 7) البقرة:30. [7]

أ يستقيم أن تكون في السماء (1)

تفسير العياشي 1:32 ح 10. [1]

؟! «و ليقم الحجّة به على عباده» و في الخبر:إنّ الحجّة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق (2)،و لو لم يبق في الأرض إلاّ رجلان لوجب أن يكون أحدهما الحجّة (3).

هذا،و اشتهر إجماع الإمامية على عدم جواز صدور معصية و لو صغيرة من الأنبياء و لو قبل نبوّتهم (4)،لكن قال شيخنا المفيد في(مقالاته):إنّ الصغيرة لا يجوز منهم مع الاستخفاف مطلقا،و أمّا بدونه فجاز وقوعه منهم قبل النبوّة و على غير التعمّد (5).

و ما قاله الصواب و عليه يحمل أكل آدم من الشجرة،فإنّه لم يكن عن تعمّد،لقوله تعالى: «فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» (6).

و في خبر الهرويّ عن الرّضا عليه السّلام:أمّا قوله تعالى في آدم: «وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى» (7)فإنّ اللّه عزّ و جلّ خلق آدم حجّة في أرضه و خليفة في بلاده لم يخلقه للجنّة،و كانت المعصية من آدم في الجنّة لا في الأرض،و عصمته


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:177 ح 4،و [2]كمال الدين للصدوق:4،و [3]بصائر الدرجات للصفار:507 ح 1 [4] عن الصادق عليه السّلام.

3) 3) أخرج هذا المعنى الكليني بخمس طرق في الكافي 1:179-180 ح 1-5،و [5]الصفار بأربع طرق في البصائر: 507-508 ح 2-4،و [6]الصدوق بثلاث طرق في كمال الدين:203 ح 10،و:230 ح 30،و:232 ح 38،و [7]بطريقين في علل الشرائع:196-197 ح 6 و 10،و [8]والده بطريقين في الامامة و التبصرة:28 ح 9 و:30 ح 13،و النعماني بست طرق في الغيبة:90-91 و [9]غيرهم.

4) 4) يظهر إجماع الإمامية من عبارة الصدوق في الاعتقادات:37،و المرتضى في تنزيه الأنبياء:2،و [10]العلاّمة الحلي في كشف المراد:274 و غيرهم،لكن صرّح المفيد في أوائل المقالات:69،و [11]الطوسي في تمهيد الاصول:321 بأن بعض الإمامية فرّقوا بين حال النبوّة و قبلها.

5) 5) أوائل المقالات:68،و [12]النقل بالمعنى.

6) 6) طه:115. [13]

7) 7) طه:121. [14]

تجب أن تكون في الأرض ليتمّ مقادير أمر اللّه عزّ و جلّ،فلمّا أهبط إلى الأرض و جعل حجّة و خليفة،عصم بقوله عزّ و جلّ: «إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ» (1)

حديث الهروي طويل جاء في عيون الأخبار للصدوق 1:153 ح 1،و [1]أماليه:82 ح 3 المجلس 30،و الآية 33 [2] من سورة آل عمران.

.

و مثله خبر ابن الجهم،عنه عليه السّلام مع زيادة:إنّ إبليس ألبس عليهما بأنّ المراد بهذه الشجرة في خطابه تعالى الشخص لا الجنس،و حلف لهما،و ما ظنّ آدم أنّ أحدا يحلف باللّه كاذبا (2).


1) 1)

2) 2) حديث ابن الجهم طويل جاء في عيون الأخبار 1:155 ح 1،و [3]النقل بالمعنى.