ghaemiyeh.com
عنوان: ماوراء الفقه / محمد صدر
ناشر: دار الأضواء
مکان نشر: لبنان - بیروت
زبان: عربی
موضوع:فقه جعفر، قرن 14، مسائل مستحدثه
زبان:عربی
تعداد جلد:10ج
ماوراء الفقه / محمد صدر
یتکفل کتاب النکاح الحدیث عن الزواج و الحیاة الزوجیة،و بیان أحکام ذلک فی الشریعة المقدسة الإسلامیة.بینما یتکفل کتاب الطلاق و لواحقه بیان أشکال و أحکام الفرقة بین الزوجین.
فلیس المبحوث فی کتاب النکاح هو طریقة الزواج وحدها،و إن کان هذا أول ما یفکر به تقریبا،بل یتعرض الفقهاء خلاله إلی أحکام لموضوعات عدیدة کالرضاع و النفقات و أحکام الأولاد و نکاح الإماء و العقد المنقطع و غیرها.
و من المعلوم أن کثیرا من التفاصیل لا یسعها هذا الکتاب،و إنما یرتبط به أمور محددة،نذکرها تباعا فی ضمن الفصول الآتیة
لعل أهم بحث حدیث یمکن إدراجه ضمن کتاب النکاح هو البحث عن التلقیح الصناعی و حکمه فی الشریعة الإسلامیة.و خاصة بعد أن انتشر فی العالم انتشارا کبیرا،حتی بین کثیر من المسلمین فی البلاد الإسلامیة أیضا.
و تقوم فکرة التلقیح الصناعی علی الجمع بین بویضة أنثویة و حویمن ذکری فی محل معین(صناعی)لعدة ساعات.فإذا قام الحویمن بمهمته الأساسیة و هی تلقیح البویضة،أدخلوها فی رحم امرأة فتکون حاملا و تلد ولادة اعتیادیة.و قد یمکن استمرار البیضة الملقحة فی(رحم صناعیة)حتی یکبر الجنین هناک بدون رحم بشری.حتی ما إذا اکتمل نموه و انتهت مدته أخرجوه و بدأ حیاته الاعتیادیة.
و تکمن المصلحة الأساسیة للتلقیح الصناعی فی تحمیل العواقر.فإذا لم تستطع المرأة أن تلد خلال حیاتها الزوجیة،فإن هذه الطریقة کفیل یقینی لإتمام حملها.
و هذه العملیة تتم سواء کان(العیب)من المرأة أو من الرجل.فإن کان ماء
الرجل ساقطا عن المنفعة تماما،أمکن شراء ماء آخر لیتم به التلقیح!!.و إن کانت المرأة عاجزة تماما عن الحمل أمکن استعارة امرأة أخری لحمل بأجرة معینة،لیعود الولد فیکون ابنا للزوجین صاحبی الحویمن و البویضة.
من الناحیة النظریة یمکن أن یکون(المنی)المستعمل فی التلقیح الصناعی مأخوذا:
أولا:من الزوج.
ثانیا:من رجل أجنبی متزوج.
ثالثا:من رجل أجنبی غیر متزوج.
رابعا:من رجل مجهول الهویة.
خامسا:من رجل قریب(محرم)کما لو کان أخا للمرأة أو أبا أو ابنا أو غیر ذلک.
کما أن(البویضة)الأنثویة المستعملة فی التلقیح الصناعی یمکن أن تکون مأخوذة:
أولا:من الزوجة.
ثانیا:من امرأة أجنبیة متزوجة.
ثالثا:من امرأة أجنبیة غیر متزوجة.
رابعا:من امرأة مجهولة الهویة.
خامسا:من امرأة من الأقارب(محرم)شرعا.کما لو کانت أما أو أختا أو بنتا أو غیر ذلک.
کما أن الرحم الحامل للبویضة الملقحة یمکن أن یکون:
أولا:رحم الزوجة.أعنی زوجة صاحب الحویمن.
ثانیا:رحم امرأة أجنبیة مستأجرة متزوجة.
ثالثا:رحم امرأة أجنبیة مستأجرة غیر متزوجة.
رابعا:رحم زوجة أخری غیر صاحبة البویضة من زوجات صاحب الحویمن.
خامسا:رحم امرأة قریبة(محرم)شرعا کما لو کانت أخت صاحب الحویمن أو ابنته أو أمه.و هی قد تکون عندئذ متزوجة و قد لا تکون.
سادسا:الرحم الصناعیة.
سابعا:رحم حیوان توضع فیه البویضة البشریة،بحیث یساعد علی نموها فیه،کما لو کانت قردة مثلا.
کما أن الفرد المستخرج للبویضة من المرأة یمکن أن یکون:
أولا:نفس المرأة.
ثانیا:زوجها.
ثالثا:امرأة أیا کانت و إن کانت(طبیبة).
رابعا:رجل غیر الزوج أیا کان.و إن کان(طبیبا).
کما أن الفرد المستخرج للمنی من الرجل یمکن أن یکون:
أولا:نفس الرجل.
ثانیا:زوجته(عن غیر طریق المجامعة طبعا).
ثالثا:امرأة أخری أیا کانت.و إن کانت طبیبة.
رابعا:رجل آخر أیا کان و إن کان طبیبا.
و بضرب هذه المحتملات بعضها ببعض ریاضیا ینتج أکثر من ألف احتمال تختلف فی أحکامها و نتائجها.
یواجهنا فی الأعم الأغلب من عملیات التلقیح الصناعی المحاذیر الشرعیة أو المحرمات التالیة:
و ینبغی أن یکون إخراجه بغیر الجماع،لیستطیع الطبیب أن یأخذ بعضه و یلقح به.
فقد یقال بالحرمة باعتبار کونه من قبیل(العادة السریة)أو التهییج الذاتی المحرم و الذی علیه(التعزیر)شرعا.
و یزید فی الطین بلة فیما إذا فعله رجل آخر کالطبیب أو الموظف الصحی،أو امرأة أجنبیة کالطبیبة أو الممرضة.فإنه یکون حراما من ناحیة کشف العورة و لمسها.
و بالطبع،فإن أحوط الأشکال شرعا فی الاستمناء هو تهییج الرجل جنسیا مع زوجته،مع تحاشی الإنزال فی الفرج بل فی(إناء)خارجی کالبلاستیک الاعتیادی أو غیره.و بهذا لا یکون أی إشکال شرعی معتد به فی الاستمناء، و مع إمکان هذه الصورة تکون الصورة الآتیة حراما.
و أما مع تعذرها فقد ینحصر الأمر باستمناء الفرد لنفسه،تماشیا للحالات الأخری التی أشرنا إلی حرمتها.
و لا یبعد القول بالجواز فی هذه الصورة،أعنی الاستمناء الذاتی لأجل الولد.لأن غایة الدلیل علی حرمة العادة السریة إنما هو ما کان لغیر الغرض العقلائی،و الإجماع قائم علی ذلک.و الإجماع دلیل لبی تقتصر منه علی القدر المتیقن.فإذا کان الاستمناء لغرض عقلائی کالإنجاب،کان زائدا علی القدر المتیقن فیکون جائزا غیر مندرج فی موضوع الحرمة.کما هو غیر بعید،و یکون الاحتیاط بترکه استحبابیا.
البویضة منها
و من المعلوم فقهیا أن نظر الرجل الأجنبی حرام و إن کان طبیبا.و کذلک نظر المرأة إلی المرأة فی ذلک الموضع و إن کانت طبیبة.و کذلک اللمس حرام.
و سیأتی عما قریب شکل من أشکال تلافی هذا الجانب و اجتنابه.
سواء قام بالعملیة رجل أو امرأة.فإنها جمیعا محرمة شرعا.
نعم،لو فعل الزوج أو الحلیل ذلک.فأخرج البویضة ثم أدخلها بعد التلقیح ارتفع المحذورین الثانی و الثالث.إلاّ أن هذا الافتراض بعید فقهیا.إذ لا یوجد
واحد بالملیون من الأزواج من یستطیع القیام بذلک.و لا یمکن أن یقوم به إلاّ الاختصاصی المتمرس و المتمرن.
و إذا کانت هذه العملیات بفعل الزوجة نفسها أو بفعل زوجها أو حلیلها، مضرّة بالمرأة،فتکون محرمة لوجود الضرر المحرم علی الغرض.
فإنه حرام مطلقا و لو لم یصدق علیه(الزنا).و یزید فی الطین بلة أن یکون الماء من رجل(محرم) للمرأة کأخیها أو أبیها.
و هذا المحذور یحصل فی أکثر محتملات التلقیح الصناعی،أعنی فی غیر صورة أن یکون الماء للزوج لنفسه.
و هذا المحذور لا دافع له.یعنی لا توجد أیة صورة أو محتمل یکون فیه حلالا،کما ذکرنا فی بعض المحاذیر السابقة.و یشمل هذا المحذور ما یسمی (بالرحم المستأجرة)و غیرها ما دامت المرأة أجنبیة أو محرما.
بمبادرة منها أو من غیرها و لو باعتبار کونها(رحما مستأجرة)أو بغیر ذلک من المقاصد.
و هذا المحذور یحتوی علی کل المحاذیر السابقة أو أکثرها.و خاصة المحذور الرابع.فإن غیر المتزوجة لیس لها حلیل،و یکون الرجال کلهم أجانب شرعا بالنسبة إلیها.فیکون تحمل میاههم فی رحمها حراما تماما.
و لکن لو غضضنا النظر عن کل المحاذیر السابقة،کان هو حراما بدوره.لأن المرأة هذه إما أن تکون بکرا أو ثیبا.فإن کانت بکرا أوجب الحمل سلبها بکارتها و هو حرام علی الفاعل و علیه کفارة و تعزیر.و الفاعل هو الطبیب الذی یدخل البویضة الملقحة فیها.أو هو الراغب بذلک الذی استأجر الطبیب أو الطبیبة لذلک،إلاّ أن الأقوی هو تحمل المباشر و هو الطبیب للمسؤولیة.
هذا مضافا إلی جانب الحرمة التی نذکرها للثیّب،فإنه شامل،للبکر أیضا.
و أما إن کانت المرأة ثیبا،فلا یبعد القول:بالحکم بالحرمة لحمل کل امرأة
غیر متزوجة.خرج من ذلک(وطء الشبهة)الذی لا یقال بحرمته فقهیا،و یبقی الباقی حراما.
و من المعلوم أن محل الکلام لیس من وطء الشبهة،لکونه لیس وطئا،لا شبهة فیه،بل عمدا.و وطء الشبهة مبنی علی الاشتباه و النسیان،و لیس فی مورد الکلام مثل ذلک.فیکون حراما إجماعا.
و هذه الحرمة أو هذا المحذور لا مانع له کسابقه،و لیس له أیة صورة أو احتمال یکون الحال فیه جائزا.
توجد عدة صور لجواز التلقیح الصناعی،لکنها غیر عملیة و غیر عرفیة، تستمد جوازها مما عرفناه فی إمکان تجنب بعض المحاذیر السابقة.و لکن لا توجد فیها صورة عرفیة و ممکنة للعموم.و معه یکون الحکم بحرمة التلقیح عموما صحیحا.و سنبین صور التحریم بعد ذلک.أما صور الجواز فکما یلی:
و یکون الماء ماء الزوج نفسه و یکون الإنزال عن طریق التهییج الجنسی مع الزوجة.
و الصعوبة فی هذه الصورة أنها لا یمکن أن تتم إلاّ إذا کان الزوج طبیبا اختصاصیا.و معه تکون نسبة الجواز فی المجتمع ممن یطمحون إلی التلقیح الصناعی ضئیلة جدا،قد تقل عن الواحد بالملیون.لأن غیر الاختصاصی فی هذا العمل یفسد أکثر مما یصلح،کما هو معلوم.فیکون عمله لو قام به مجازفة و حراما من ناحیة الضرر کما عرفنا.
و إذا حصلت هذه الصورة،فالعملیة جائزة و الولد تابع للأبوین بلا إشکال.
و لیس فی عملیة التلقیح الخارجیة إشکال من الناحیة الفقهیة،أعنی:جمع البویضة،و الحویمن فی مجال صناعی للتلقیح.و إنما الإشکال فیما قبل ذلک و فیما بعده فی کثیر من الصور التی عرفناها.
حاضنة صناعیة إلی حین ولادته
و حکمها حکم الصورة السابقة،غیر أن صعوبتها تکمن فی عدم وجود رحم صناعیة متکاملة إلی الآن.
حیوان کالقرد لتتم تربیته و تکامله فیه
و حکمها أیضا نفس الحکم،غیر أن صعوبتها تکمن فی کون تلقیح الحیوان بالبویضة الملقحة البشریة غیر عملی علمیا فی الوقت الحاضر.
الصناعی
کما هو موجود فی کثیر من بلدان العالم.و یستخدم عادة لإنتاج الأقسام و الأشکال الحیوانیة الداجنة الأجود و ترک الأخس و الأضعف.
و هذه الصورة بکل صورها المحتملة جائزة بطبیعة الحال.
و یتم الإنزال من الرجل بشکل محلل أیضا
أی رجل کان،و یکون إنزاله و لو باعتبار طلب الولد،الذی قلنا بجوازه.
و لکن تودع البیضة الملقحة فی رحم صناعیة حتی یکبر الجنین،و سیأتی حکم هذه الصورة بعد الصورة السادسة.
کالقرد
و تواجه الصورتان الأخیرتان معا صعوبتان من نوعین:
الصعوبة الأولی:کونها غیر عملیة لما أشرنا إلیه من عدم توفر الرحم الصناعیة و عدم إمکان تربیة الجنین البشری فی رحم حیوانی حتی الآن.
الصعوبة الثانیة:إننا قد نفترض،بل هو الغالب،أن تکون البویضة و الحویمن من أجنبیین،أعنی بلا زواج بینهما سواء کانا متزوجین أولا.فیبدأ الإشکال من هذه الناحیة،و إن کان النقاش غیر عملی باعتبار الصعوبة الأولی.
إلاّ أنه من الناحیة النظریة قد یقال بالحرمة،باعتبار محذورین قد یضافان إلی المحاذیر الخمسة السابقة.نقدم الأهم منهما:
و هو یحدث فیما إذا حصلت الصورتان المشار إلیهما بین المحارم کالأخ و أخته و الأم و ابنها و غیر ذلک.فإنه ینتج عندنا ذریة ذوو أنساب غریبة غیر معروفة الهویة شرعا و عرفا.و هذا محرم فی نفسه بالضرورة الفقهیة.
و معه فاشتراک المحارم فی مثل هذه العملیة حرام بلا إشکال،و لو لم یلزم أی محذور من المحاذیر الخمسة الأولی.
مضافا إلی أننا لو قلنا بالحرمة فی المحذور الثانی الآتی فسیکون مشمولا لمحل الکلام،بل هو أولی منه فی الحرمة.
تحلیل
حتی و لو کان الالتقاء فی رحم صناعیة أو حیوانیة،کما افترضنا.
و هذا غیر واضح الحرمة فقهیا،لعدم انطباق عنوان الزنا علیه،و افتراض عدم انطباق المحاذیر السابقة کلها علیه.و مقتضی أصالة البراءة جوازه.إلاّ أن القول بجوازه لا یخلو من صعوبة فقهیا یبقی معها مخالفا للاحتیاط،و خاصة إذا کانا متزوجین بالغیر (1)
أعنی أن تکون المرأة متزوجة برجل فیدخل فی بویضتها حویمن من رجل آخر.
.هذا و قد یضاف محذوران آخران فی هذا الصدد،قد یحدثان أحیانا، یحسن الإشارة إلیهما بنفس الترقیم:
فإننا لو دفعنا المحاذیر السابقة بما سبقت الإشارة إلیه.و فتحنا باب استعمال الرحم الصناعیة أو الحیوانیة، سری ذلک لغیر المتزوجین فیمکن أن یکون لهم ذریة قبل الزواج،فقد یقال هنا بالحرمة لهذا السبب.
إلاّ أن هذا المحذور بغض النظر عن المحاذیر الأخری،لیس مهما،لإمکان افتراض الذریة لغیر المتزوجین فقهیا بشکل محلل،و إن بعد الفرض،و ذلک فی
1) 1)
وطء الشبهة.فلو کانت المرأة أو الرجل غیر متزوجین أو کلاهما کذلک.
و حصل بینهما وطء شبهة لکان الولد حلالا بلا إشکال،فلیکن المورد مشابها لذلک.
و المهم إمکان إجراء أصالة البراءة عن الحرمة فی خصوص هذا المحذور.
لکننا أشرنا فیما سبق إلی أن إخراج البویضة من المرأة لا یمکن أن یکون حلالا إلاّ بفعل نفسها أو زوجها.فإذا لم تکن متزوجة انحصر الأمر بها فقط لیکون فعلها حلالا.و لا أحسب أن هذا أمر ممکن طبیّا أصلا.بل هو ضرر حقیقی،فیکون محرما بدوره.
فلو التقی حویمن رجل متزوج بأربع زوجات مع بویضة لامرأة أخری فی رحم صناعیة أو حیوانیة،و لم تکن المحاذیر الخمسة الأولی متحققة،إلاّ أن عددا من المحاذیر الأربعة الأخیرة التی هی مجال حدیثنا الآن متحقق،فلو کانت تلک المرأة أجنبیة غیر محرم تحقق المحذور الثانی من الأربعة.و إن کانت محرما تحقق الأول.
هذا مضافا إلی المحذور الرابع الذی عنونّاه.إذ قد یقال:إن هذا من قبیل الزواج بخمس زوجات أو أکثر،إذا کثر التلقیح و تعددت النساء.و هو محرم فی الشریعة.
و هو محل إشکال فقهی علی أی حال،إلاّ أن الصحیح أنه من هذه الناحیة لا محذور.إذ أن الزواج بعنوانه لم یحدث و لم یدل الدلیل علی حرمة شیء آخر غیر الزواج بالنسبة إلی الخامسة و مقتضی الأصل البراءة من الحرمة.
و یمکن تنظیر ذلک أیضا بوطء الشبهة،فلو وطء الرجل المتزوج أربع زوجات امرأة خامسة بوطء الشبهة،کان جائزا و لم یقل أحد من الفقهاء إنها محرمة باعتبار کونها بمنزلة الزوجة الخامسة.و المهم هو إمکان جریان الأصل.
و علی أی حال،لم یتحصل،فی نهایة حدیثنا عن الصورتین الخامسة و السادسة،صورة عملیة یمکن أن یقال فیها بالجواز فقهیا لوجود المصاعب العملیة و النظریة التی سمعناها.
من أهم ما یثیر الجدل فقهیا فی مبحث التلقیح الصناعی،مسألة الرحم البشریة المستأجرة.حیث تکون البویضة و الحویمن من زوجین عادة،ثم یتم تلقیحها صناعیا و توضع فی رحم امرأة أخری بأجرة معینة متفق علیها،حتی إذا ما ولدت،تمّ رجوع المولود إلی الزوجین کولد لهما أو بنت.
هکذا،قیل.فهل هذا صحیح فقهیا.و ما هی المحاذیر التی تنطبق علی المورد من المحاذیر السابقة:الخمسة الأولی أو الأربعة الأخیرة.
و من الواضح القول:إن المحاذیر الخمسة الأولی کلها منطبقة،فإن تجاوزنا ما یمکن تحلیله منها،بالطریقة التی أشرنا إلیها هناک،بقی المحذوران الأخیران اللذین لا مجوز لهما:و هما:دخول ماء الأجنبی فی رحم الأجنبیة.و هذا ما یحصل دائما و حصول الحمل للمرأة غیر المتزوجة إن کانت(الرحم المستأجرة) غیر متزوجة.و هو أیضا لا مجوّز له کما عرفناه.
و أما المحاذیر الأربعة الأخیرة،فثلاثة منها ممکنة الانطباق أیضا:و هی:
أولا:فیما یمکن أن یحصل فیه من اختلاط الأنساب فیما إذا کانت المرأة المستأجرة(محرما)شرعیا علی الرجل الزوج.کما لو کانت أخته أو ابنته.بناء علی ما هو الصحیح الذی سنذکره من أن الولد یکون للمستأجرة لا لصاحبة البویضة.
ثانیا:التقاء بویضة مع حویمن لیس بینهما زواج شرعی.
فإن من جملة محتملات استئجار الرحم:أن لا یکون بین صاحبة البویضة و صاحب الحویمن زواج.کما لو کانت البویضة من المرأة المستأجرة أو من غیرها.و المهم أن لا تکون من زوجة الرجل.فیلزم هذا المحذور لا محالة.
و الأهم من ذلک ما أشرنا إلیه خلال الحدیث عن المحذور الثانی،من أن المرأة المتزوجة لا یجوز أن یدخل رحمها ماء رجل آخر.و هذا ما یحصل فیما إذا کانت المرأة المستأجرة متزوجة.
ثالثا:حصول الذریة لغیر المتزوجین و هو المحذور الثالث السابق.و هو یحصل فیما إذا کانت المرأة المستأجرة غیر متزوجة.علی ما هو الصحیح من إلحاق للولد بها.
کما أنه یحصل للرجل فیما إذا لم یکن متزوجا،و رغب أن یکون له ذریة عن طریق الاستئجار!!.سواء کانت البویضة من المرأة المستأجرة أو من غیرها.
و تواجه المرأة المستأجرة إشکالا آخر خاص بالمتزوجة و هی:أنها تشغل رحمها لصالح رجل آخر،مع إمکانها أن تشغلها لصالح زوجها.و هذا حرام،بغض النظر عن أی محذور سابق.
لکن الظاهر إمکان رفع هذا المحذور باستئذان الزوج.فلو أذن لزوجته بالاستئجار ارتفع هذا المحذور.
إلاّ أن هذا لا یعنی إمکان القول بالجواز،لوجود محاذیر أخری تکون سببا للحرمة کما عرفنا.و معه یکون إذن الزوج لزوجته بارتکاب هذا العمل،إذنا بالحرام فیکون حراما و غیر نافذ أیضا.فیکون هذا المحذور أیضا مستمرا غیر زائل.
قلنا قبل قلیل إن هذه العملیة محرمة و لا وجه فقهی لجوازها.و لکن لو فعلها شخص و هو عاص للشریعة.فما هو الحکم عندئذ.إذ ما من واقعة إلاّ و لها حکم.فما حکم الولد و من هو أبوه و من هی أمه و ما هو میراثه و غیر ذلک.و هذا ما نشرحه فی الفقرات التالیة:
الفقرة الأولی:إن معاملة الإجارة هذه معاملة باطلة لأنها معاملة علی عمل محرم.و لا تستحق المرأة الأجرة.و إذا أخذتها یجب علیها إرجاعها إلی صاحبها.
الفقرة الثانیة:أن المرأة المستأجرة هی الأم للحمل.أما إذا کانت البویضة منها فواضح.و أما إذا لم تکن البویضة منها،فالولد ینسب إلیها لا إلی صاحبة
البویضة.تمسکا بقوله تعالی إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِی وَلَدْنَهُمْ،وَ إِنَّهُمْ لَیَقُولُونَ مُنْکَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً .أقول،یعنی من یقول بخلاف ذلک.
و هذا الحکم یکون أوضح فیما إذا کانت صاحبة البویضة،غیر متزوجة أو مجهولة تماما.
و أما إن کانت صاحبة البویضة متزوجة،و هی الصورة التقلیدیة،فی أن یجمع بین بویضة و حویمن لزوجین فی رحم مستأجرة،فقد یقال:إن الولد لصاحبة البویضة(الزوجة)تمسکا بقوله صلّی اللّه علیه و آله و سلّم:الولد للفراش و للعاهر الحجر.و الزوجة هنا فراش زوجها صاحب الحویمن.و المرأة المستأجرة قد تلتحق بقوله:و للعاهر الحجر.و لا أقل من الشک بالإلحاق و الأصل عدمه.
إلاّ أن هذا لا یمکن صحته فقهیا،لأن الفراش مشروط بالمضاجعة مع الزوجة،و إلاّ لم تکن فراشا.و بتعبیر آخر:إن الفراش عرفا هو المضاجعة و لیست مطلق الزوجیة.و المضاجعة هنا منتفیة بطبیعة الحال.
و یمکن تنظیر ذلک بوطء الشبهة أیضا،فلو وطئ الزوج بالشبهة امرأة أخری، هل یمکن القول بإلحاق الولد بالزوجة بکونها فراشا للواطی(الزوج).هذا غیر ممکن بل هو ملحق بالمرأة الموطوءة و هی أمة.
إذن،فحدیث الفراش لا یشمل المقام.و إنما یشمله ما قلناه و هو الآیة الشریفة إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِی وَلَدْنَهُمْ .و من ولده هو المستأجرة فتکون أمه.
و هناک نقاشات أخری حول الاستفادة من الآیة الکریمة،لا مجال لإطالة الکلام بها.و بحسب النتیجة ما قلناه هو الأقوی.
و هذا لا یفرق فیه،بین أن تکون المرأة المستأجرة متزوجة أم لا (1)
کما لا یفرق فیه بین أن تکون البویضة من المرأة المستأجرة أم من زوجة صاحب الحویمن أم من امرأة أخری.
.أما إذا لم تکن متزوجة فواضح.و أما إذا کانت متزوجة فلما سیأتی بعد قلیل من أن الأب للحمل هو صاحب الحویمن و لیس زوج المستأجرة.1) 1)
الفقرة الثالثة:فی الحدیث عن أب الحمل.
و هو صاحب الحویمن،کما أشرنا قبل قلیل،و هذا واضح فقهیا،لکونه المستحق للأبوة بلا منازع.
لا یبقی إلاّ احتمال الاستدلال بقوله صلّی اللّه علیه و آله و سلّم:الولد للفراش فی کون الأب هو زوج المستأجرة باعتبار کونه فراشا لها إن کانت متزوجة،بعد أن ثبت کونها إما.
إلاّ أن هذا غیر محتمل لما سبق أن قلناه من أن الفراش هو المضاجعة،و لم تحدث،بل هذا الرجل غیر مرتبط بالیقین بهذا الحمل إطلاقا فکیف یمکن القول بأبوته.
و معه یکون الأب هو صاحب الحویمن و أمه هی الحامل به.
الفقرة الرابعة:بعد أن ثبتت أمومة(المرأة المستأجرة)فإنه یترتب علیها کل أحکام الأمومة علی الأقوی،و إن کانت لیست جمیعها بالوضوح الفقهی ذاته.
فهی أم الولید فهی(تحرم)علیه فیجوز له النظر إلیها و یجوز لها النظر إلیه و تحرم علیه و یحرم علیها النکاح مؤبدا.و یتوارثان،علی إشکال.و لها فیه حق الحضانة ذکرا کان أم أنثی بمقدار ما هو مذکور فی محله من الفقه.
و الأب و هو صاحب الحویمن،یترتب علیه أحکام الأب من وجوب النفقة و حرمة النکاح و جواز النظر إن کانت بنتا.و الولایة له و لأبیه.و التوارث هنا بلا إشکال.
و الولید هذا الذی حصل بالتلقیح الصناعی بالنسبة لأولاد أبیه:أخوهم لأبیهم و هم أخوته لأبیه.و بالنسبة إلی أولاد أمه(المستأجرة)أخوة لأم.و لا یکون له أشقاء أعنی إخوة لأب و أم إلاّ إذا حصل التلقیح مرة ثانیة بنفس الطریقة الأولی فیکون المولود شقیقة أو شقیقته.و کذلک إذا صادف لهذا الرجل (صاحب الحویمن)أن تزوج بالمرأة الأم(أو المستأجرة)و أولدها،فإن ذریتهما یکونون أشقاء للولد الصناعی.لو صحّ التعبیر.
و من المعلوم أن هناک فرقا فی کتاب الإرث،بین الإخوة الأشقاء و الأخوة لأب و الأخوة لأم،یأتی شرحه فی محله.و المهم هو أنه یجب تطبیق تلک الأحکام فی هذا المورد.
الفقرة الخامسة:أنه بعد أن عرفنا حرمة هذه العملیة التی نتحدث عنها، فهی لا تنفک مقترنة.ببعض الأحکام الجزائیة التی لا بدّ من التعرض لها فی هذه الفقرة.
فإن من تسبب إلی حملها فعلیه مهر أمثالها یدفعه لها،و إذا کان العمل برضاها و سخط زوجها،لو کانت متزوجة،فالمهر لزوجها بإزاء إشغال رحم زوجته بغیر إذنه.
و هذا المهر ثابت سواء کانت بکرا عند التلقیح أو ثیبا.أما لو کانت بکرا فعلیه دیة البکارة،و هی دیة النفس کاملة.
الفقرة السادسة:ما هی النسبة بین الرجل صاحب الحویمن و الحامل (المستأجرة).
لا نسبة بینهما.فإنهما لیسا زوجین و لا یجب علیه النفقة للأم و إن وجبت للولد.و لا یجوز النظر إلیها و لا نکاحها ما لم یحدث عقد نکاح بینهما.کما لا توارث بینهما بطبیعة الحال.
و ما دام النکاح بینهما منتفیا،فالطلاق لا مورد له،و العدة بکل أقسامها غیر واردة فی المقام.
و یشبه هذا المورد:الموطوءة بالشبهة حیث یکون الولد حلالا و تترتب علیه کل أحکامه فی الطرفین أعنی الأب و الأم.و لکن لا علاقة بین الأب و الأم.
و لکن یختلف المورد عن وطء الشبهة فی أن وطء الشبهة حلال و هنا عرفنا أن مثل هذا التلقیح حرام.
الفقرة السابعة:بعد أن عرفنا الأحکام فیما إذا تربی الحویمن فی رحم بشریة، فما هو الحکم فیما لو تربی فی رحم صناعیة أو حیوانیة.
أن الأب حینئذ یکون هو صاحب الحویمن و الأم هی صاحبة البویضة.فإن
کانا زوجین فلا إشکال فی ذلک.و إن لم یکونا زوجین،فقد قلنا بحرمة العملیة،کما سبق إلاّ أنها لو فعلها الناس عصیانا فسوف تترتب الأحکام علی هذا الشکل.
لعل ما سبق أن تحدثنا فیه عن التلقیح الصناعی یعطینا فکرة متکاملة فقهیا عن أحکامه من جمیع الجهات أو من الجهات التی لا تخلو من أهمیة و من ترکیز علی الأقل.
إلاّ أننا مع ذلک،نشیر إلی بعض الصور الأخری.و قد عرفنا أنها عدیدة جدا،باعتبار تعدد احتمالات التلقیح و انقساماته التی عرفناها.فلا أقل أن یکون علینا أن نعدد الآن قسما من المهم منها.
و قد یحصل فی بعض الصور تکرار فی موضوع المسألة،من بعض الجهات، الأمر الذی یقتضیه ضبط التقسیم بین الصور کما سنری.فما سبق ذکره فی الصور سنحول القاری فی حکمه علی ما سبق.و ما کان مسألة جدیدة سنحاول أن نفیض فی شرح حکمه باختصار.
و سنقتصر بطبیعة الحال علی ذکر الصور المحرمة،بعد أن سبق أن تحدثنا عن الصور الجائزة.و سیکون الحکم فی الصور الآتیة،کما هو فی الرحم المستأجرة من القول:بأن هذا الحرام لو فرضنا وقوعه عصیانا فما ذا سیکون الحکم الشرعی عندئذ.فلیس معنی إعطاؤنا الحکم بالأبوة أو الأمومة مثلا،کون هذه الصورة أو تلک تندرج فی جانب الجواز من جمیع الجهات.
و سنحاول أن نذکر الصورة أولا،أیة صورة مما یأتی.ثم نذکر أهم الوجوه فی تحریمها مما ینطبق علیها من(المحاذیر)السابقة.ثم نذکر الحکم المترتب علی فعل الحرام من الأبوة و الأمومة و غیرهما،مما عرفنا مثله عند الحدیث عن الرحم المستأجرة.
و لأجل تنسیق التقسیم الآتی.یرجح بنا أن نأخذ بالانقسام الأول الذی ذکرناه فی عنوان(أقسام التلقیح الصناعی).و هو أقسام الرجال المأخوذ منهم
الحویمن.و نحاول أن نطبق علی کل صورة:الصور الأخری فی الانقسامات الأخری التی هی أقسام:صاحبة البویضة و أقسام:الرحم الحاملة للبویضة الملقحة.و لا حاجة إلی تکرار تلک الأقسام الآن بعد أن کان القاری مسبوقا بها.و حیث إن الصور ستکون کثیرة جدا،فنحاول أن نذکر ما هو الأهم فالأهم غالبا.
و هذا هو الاحتمال الأول فی الانقسام المشار إلیه.و بعد لحاظ الانقسامات الأخری تحدث عندنا عدة صور:
الصورة الأولی:أن یکون الماء من الزوج و البویضة من الزوجة و الرحم المستعمل رحمها.
و قد سبق هذا من صور الجواز،إن کان استخراج المنی و البویضة حاصلا بطریقة محللة.
الصورة الثانیة:أن یکون الماء من الزوج و البویضة من الزوجة،و الرحم المستعملة رحم امرأة أخری متزوجة أو غیر متزوجة.
و قد سبق أن تحدثنا عن ذلک مفصلا فی عنوان مستقل.
الصورة الثالثة:أن یکون الماء من الزوج و البویضة من الزوجة،و الرحم المستعملة رحم صناعیة أو حیوانیة.و قد عرفنا أحکامها أیضا.
الصورة الرابعة:أن یکون الماء من الزوج و البویضة من امرأة أخری متزوجة أو غیر متزوجة.و الرحم المستعملة هی رحم الزوجة،یعنی زوجة صاحب الحویمن.
و المحذور المترتب علی هذه الصورة لو کان استخراج الماء و البویضة بطرق محللة.هو:التقاء بویضة مع حویمن لیس بینهما زواج شرعی أو تحلیل.
و قد سبق أن قلنا إنه خلاف الاحتیاط الوجوبی.
لکن لو حصل ذلک لکان الولد أو البنت للزوجین،بکل أحکام الأبوة و الأمومة و البنوة،من نفقة و میراث و غیرها.
و لیس لصاحبة البویضة شیء إذا أخرجت برضاها (1)
و لو أخرجت البویضة بطریقة محرمة شرعا.فعلیها(تعزیر)بل و علی الشخص الممارس لإخراجها أیضا.سواء کان رجلا أو امرأة.و لو أکرهت المرأة علی صورة الإخراج المحرم، لم تعزر و اختص التعزیر بالمخرج.
.و لو أخرجت منها بمعاملة لقاء أجر معین کانت المعاملة فاسدة و الأجر غیر مستحق للمرأة.و إذا أخرجت البویضة علی غیر رضاها،کان لها ما یسمی بالحکومة فی کتاب الدیات.علی أن لا تزید علی مهر أمثالها علی الأحوط.الصورة الخامسة:نفس الصورة السابقة إلاّ أن البویضة مأخوذة من امرأة مجهولة تماما.کما لو کان هناک(بنک)للبویضات النسویة و المیاه الذکوریة.
فیشتری الزوجان بویضة و تلقح بحویمن الزوج و تودع برحم الزوجة.
و هذه الصورة محذورها نفس المحذور،و حکمها بطلان معاملة الشراء و حرمة الثمن.و لیس لتلک المرأة أیّ شیء لفرض أنها مجهولة،کما لیس ضدها شیء.و الولد لوالدیه کما سبق.
الصورة السادسة:نفس الصورة السابقة،إلاّ أن صاحبة البویضة امرأة (محرم)علی الرجل شرعا.کما لو کانت أخته أو أمه أو عمته أو خالته.
و من الواضح أن الحرمة فی هذه الصورة أشد جدا.و قد یلزم منه محذور آخر غیر السابق.و هو اختلاط الأنساب.و حکمها من ناحیة إخراج البویضة و ممارس الإخراج،نفس ما قلناه فی الصورة الرابعة،غیر أن التعزیر مع استحقاقه یکون أکثر لو کانت تعلم أن البویضة یکون مصرفها ما ذکرناه.
الصورة السابعة:نفس الصورة الرابعة،مع افتراض أن یکون الرحم المستعمل هو رحم زوجة أخری للزوج.علی معنی أنها تأخذ أجرة من ضرتها لتکون الضرة هی الأم دون المرأة الحامل.
و فیها نفس المحذور الذی ذکرناه لتلک الصورة.و حکمها بطلان المعاملة المشار إلیها.و إنما الأم هی الحامل و الأب هو الزوج صاحب الحویمن.و تترتب بینهما الأحکام الاعتیادیة تماما.
الصورة الثامنة:أن یکون الحویمن من الزوج و البویضة من زوجة أخری،
1) 1)
علی معنی أنه تؤخذ البویضة من إحدی الزوجتین و تلقح و تودع فی رحم الزوجة الأخری.
و هذه من صور الجواز،إن کانت طریقة استخراج الحویمن و البویضة حلالا.
مع رضاء الزوج و الزوجة صاحبة البویضة علی هذا الاستخراج.
و إذا منعت و أخرجت منها البویضة إکراها کان لها الحکومة علی أن لا تزید علی مهر أمثالها کما سبق.و یدفعها کل من له الرأی الأساسی فی التلقیح أما الزوجة الحامل أو الزوج.
إلاّ أن أمومة صاحبة البویضة أیضا ملغاة،کما سبق فی أمثال ذلک.و إنما الأمومة للمرأة الحامل،و الأبوة للزوج.و تترتب علیه أحکامها.
و هذا هو القسم الثانی من الأقسام المشار إلیها سابقا.و مراد بالأجنبی کما عرفنا:غیر الزوجین الطالبین للتلقیح الصناعی.و بتعبیر آخر:إنه لیس زوجا للمرأة صاحبة البویضة و لا محرما لها.و ینبغی لنا هنا أن نفترض أنه رجل معروف و لیس مجهول الهویة.
و تحت هذا القسم تندرج عدة صور:
الصورة الأولی:أن تکون البویضة من الزوجة الطالبة للتلقیح.و الرحم المستعمل رحمها.
و المحذور فی هذه الصورة،بعد افتراض خروج المنی و البویضة بشکل محلل،هو التقاء بویضة و حویمن من شخصین لیس بینهما زواج و تحلیل.
و أیضا:دخول ماء الأجنبی فی رحم الأجنبیة.
لکن لو حصل ذلک کانت الأم هی الحامل به و هی هنا صاحبة البویضة أیضا،و لکن الأب لیس زوجها بل صاحب الماء.و یترتب بینهما و بین هذا النسل کل أحکام الأبوة و البنوة.و لکن لا ارتباط بینهما کزوجین.و لا حکم لهما من هذه الناحیة.
الصورة الثانیة:أن تکون البویضة من الزوجة الطالبة للتلقیح.و الرحم
المستعمل هو رحم زوجة صاحب الماء.علی اعتبار أنها مستأجرة أو متبرعة للأسرة الأخری الطالبة للتلقیح.
و المحذور هنا نفس المحذور الأول للصورة الأولی.و حکمها بطلان المعاملة إن وقعت،و حرمة الأجرة.و یکون الأب صاحب الماء و الأم هی الحامل به.و هما زوجان علی فرض هذه الصورة:و یترتب بینهما کل أحکام الأبوة و البنوة.
و لا ربط لصاحبة البویضة بالمولود.و لیس لها شیء بعد أن افترضنا إخراج البویضة برضاها.فإن کانت مکرهة-کما لو کان الطلب من زوجها-فلها الحکومة.و إن لزم من العملیة فک بکارتها فلها دیة البکارة یدفعها المباشر لذلک.
الصورة الثالثة:نفس الصورة الثانیة مع کون الرحم الحامل هو امرأة أخری، متزوجة أو غیر متزوجة.
و هذا یعنی:أن البویضة من امرأة متزوجة و الماء من رجل متزوج غیر زوجها.و المرأة الحامل هی من أسره ثالثة.
و المحذور هنا هما المحذوران فی الصورة الأولی.فیترتب علیهما الأحکام بهذا النحو تجاه المولود.أما صاحبة البویضة فلیس لها شیء إن کانت راضیة بإخراجها.و لها الحکومة إن کانت کارهة.
و أما زوج صاحبة البویضة و زوج الحامل إن وجد و زوجة صاحب الماء.فهم أجانب تماما عن الولید.غیر أن زوج الحامل إذا کان المولود بنتا ستکون(ربیبة) له یشملها حکمها الشرعی.
کما أن هذا الزوج إن کان راضیا بالحمل و کذلک زوجته الحامل.فلا شیء لهما.و إن کان أحدهما مکرها فله مهر المثل،و إن کانت بکرا فله دیة البکارة.
و إن کان کلاهما مکرهین،دفعت هذه الأموال للزوجة نفسها،دون الزوج.
الصورة الرابعة:نفس المفروض فی الصورة السابقة،من کون البویضة من المرأة الطالبة للتلقیح،و الماء من غیر زوجها.و هو متزوج و معلوم الهویة،و لکن الرحم المستعملة هی رحم صناعیة أو حیوانیة.
المحاذیر هنا هی محاذیر استخراج البویضة و الحویمن،فإن لم تکن موجودة و استخرجا بطریقة محللة بقی محذور آخر هو التقاء بویضة و حویمن لشخصین لا زواج بینهما و لیسا حلیلین.
و حکم هذه الصورة أن الأم هی صاحبة البویضة و الأب هو صاحب الحویمن،أما زوجها فیکون المولود ربیبا أو ربیبة له.و أما زوجة صاحب الماء فغیر مربوطة بالمولود أصلا کما لا ربط بین هذین:الأب و الأم لأنهما لیسا زوجین.نعم،أحکام الأبوة و الأمومة و البنوة،تجری بین الثلاثة من نفقة و توارث و حرمة النکاح و غیرها.
الصورة الخامسة:إن البویضة من امرأة أخری غیر الطالبة للتلقیح.و لکن الرحم المستعمل رحمها،سواء کانت صاحبة البویضة متزوجة أم لا.فالطالبة للتلقیح تجمع فی رحمها بین بویضة امرأة أخری و ماء رجل آخر غیر زوجها.
مع افتراض کونه متزوجا.
و المحاذیر هنا،بغض النظر عن محاذیر الاستخراج المشار إلیها،و التی قد یفترض أنها غیر متحققة،موجودة أیضا غیر محذور التقاء بویضة و حویمن من شخصین لیس بینهما زواج أو تحلیل.و کذلک محذور:دخول ماء الأجنبی فی رحم امرأة أجنبیة.و أما دخول بویضة امرأة فی رحم امرأة أخری،فهو بحد ذاته لیس محذورا فقهیا علی أی حال.
و حکم هذه الصورة هو کون الأم هی الحامل و هی طالبة التلقیح،و لیس لصاحبة البویضة أی ارتباط بالحمل.نعم،لو کانت البویضة قد أخرجت منها إکراها،کان لها الحکومة علی أن لا تزید علی مهر أمثالها کما سبق فی أمثال ذلک.
و الأب هو صاحب الماء،بدون أن یکون بینه و بین هذه(الأم)أیة زوجیة.
و لکن أحکام الأمومة و الأبوة بینهما و بین الابن أو البنت جاریة،و لیست لزوجة صاحب الماء أی دخل فی الموضوع.
الصورة السادسة:أن البویضة من امرأة أخری غیر الطالبة للتلقیح و الرحم
المستعمل رحم امرأة ثالثة قد تکون متزوجة و قد لا تکون.و لا ننسی أن الحویمن من رجل متزوج غیر زوج الطالبة للتلقیح.
و هنا قد تفکر المرأة الطالبة للتلقیح أن یکون المولود لها و لو بالمال،بعد أن لم یکن لها لا بالبویضة و لا بالحمل.
و قد سبق ان مثل هذه المعاملة لا تصح،و المال لا یکون مستحقا.و لا یجوز اعتبار المولود ابنا لدافع المال لمجرد التعامل معه.فإن حصل أن ربّته هذه المرأة فإنما هو من قبیل التبنی الملغی فی القرآن الکریم حین یقول اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ .و لا یترتب علی هذا التبنی أی حکم.
و فی الواقع أن المولود ابن للحامل فهی أمه و صاحب الحویمن(أبوه)و یترتب علیهما أحکام ذلک،کما ذکرنا فی أمثاله.و أما المرأة الطالبة للتلقیح فهی أجنبیة تماما سواء کانت متزوجة أم لا.و کذلک زوجها غیر مربوط بالمولود علی الإطلاق.و کذلک زوج الحامل و زوجة صاحب الحویمن.لو کانا متزوجین أو أحدهما.
و لا ینبغی أن نغفل ذکر المحاذیر المترتبة علی هذه الصورة.و هی کما اتضح تنقسم إلی عدة محتملات و صور،کما لا یخفی علی القاری الذکی.
و من محاذیرها اجتماع حویمن و بویضة لغیر حلیلین.و منها:دخول حویمن رجل أجنبی فی رحم امرأة أجنبیة.و منها:حصول الحمل و الذریة لغیر المتزوجات إن کانت المرأة الحامل غیر متزوجة.هذا إذا کان إخراج البویضة و إدخالها و إخراج الحویمن کان حلالا و إلاّ زادت المحاذیر.
و علی العموم فإن الرجل إن کان راضیا بالاستمناء،لم یکن له شیء.و إن کان مکرها کان له دیة النطفة،حتی و إن کان إخراجها بشکل حلال،فإن هذه الدیة مربوطة بالإکراه خاصة.و هی الحکومة علی أن لا تزید علی عشرة دنانیر ذهبیة،علی الأحوط.
الصورة السابعة:تشبه ما ذکرناه فی السابقة،مع کون الرحم المستعملة صناعیة أو حیوانیة.
و قد عرفنا فی مثله أن الأب یکون صاحب الحویمن و الأم صاحبة البویضة و لا
یکون للمرأة الطالبة للتلقیح أو التی تدفع المال أی ارتباط بالمولود لأنها لا صاحبة بویضة و لا حمل و المعاملة باطلة کما أنه لیس لزوجها و لا لزوجة صاحب الماء أی ارتباط.
و المحذور فی هذه الصورة هو اجتماع حویمن و بویضة لغیر متزوجین أو حلیلین.بغض النظر عن کیفیة إخراج البویضة و الماء کما سبق.نعم إن کانت صاحبة البویضة غیر متزوجة لحقها الولد،یعنی أصبحت أما.و قد سبق أن ذلک قد یعتبر محذورا بحد ذاته شرعا.
هذا و قد عرفنا أن إخراج البویضة و المنی إن کان بالإکراه،فما ذا یترتب علیه.
الصورة الثامنة:نفس الصورة السادسة مع کون المرأة الحامل فی أقارب (محرم)لصاحب الماء.و أما کونها علی نفس القرابة فی المرأة الطالبة للتلقیح أو من زوجها و نحو ذلک فهذا لا أهمیة له فقهیا.و إنما المهم فقهیا هو أن لا یدخل حویمن المحرم فی رحم امرأة محرم من أقاربه و إلاّ کانت حرمته شدیدة،و علیه تعزیر کبیر کما سبق فی مثله.
هذا مضافا إلی محاذیر أخری کاجتماع بویضة(و هی لامرأة أخری)و حویمن لشخصین غیر حلیلین.مضافا إلی مشاکل إخراج البویضة و المنی و إدخالهما.
هذا و یکون الولد تابعا لصاحب الحویمن و الحامل.و إن أنتج نسبا غریبا.إلاّ أن التوارث به و الحجب به محل إشکال و إن کان أقرب.
و هذا هو الاحتمال الثالث من المحتملات السابقة فی صاحب(الماء).و هو یفرق عن الافتراض السابق علیه و هو کون الماء من رجل متزوج بعدة اعتبارات فقهیة:
أولا:کونه غیر المتزوج مشمولا بذاته لأحد المحاذیر السابقة و هو وجود الذریة لغیر المتزوجین من رجال أو نساء.
ثانیا:احتمال أن یکون جواز الاستمناء مشروط فی المتزوج برضا زوجته،
بغض النظر عن الشرائط الأخری.و إن کان هذا الاحتمال ضعیفا فقهیا.غیر أنه غیر وارد علی الإطلاق فی غیر المتزوج بطبیعة الحال.
ثالثا:إن الاستمناء للمتزوج یکون حلالا إذا کان مع زوجته بشکل و آخر، کما ذکرنا فیما سبق فی حین أن غیر المتزوج یحصر استمناؤه بطریقة محرمة ذاتا.إلاّ إذا قلنا بجوازه لبعض الأغراض کالتولید و فی بعض الصور،کما سبق أن فصلناه.
هذا و لا یفرق فی غیر المتزوج،بین أن لا یکون قد سبق له الزواج،أو کان مسبوقا به و حصلت الفرقة مع زوجته بطلاق أو وفاة أو غیرهما.
و الصور علی هذا الاحتمال أیضا عدیدة نذکر عددا منها:
الصورة الأولی:أن تکون البویضة و الحمل من طالبة التلقیح.
و محذورة دخول حویمن فی رحم امرأة أجنبیة.و کذلک التقاء بویضة و حویمن أجنبیین.و إذا کان الرجل(محرما)للمرأة کأخیها و أبیها کانت الحرمة أشد.هذا بغض النظر عن محاذیر إخراج و إدخال البویضة و الحویمن،مما سبق أن عرفناه.
و إذا کان صاحب الحویمن قریبا(محرما)کان النسب غریبا،و حکمه ما سبق،و هو یسجل محذورا،کما سبق.
إلاّ أن کل هذه المحاذیر إن عصیت و حصل التلقیح فالأم هی الحامل و الأب هو صاحب الحویمن،و یترتب علیهما کل الأحکام الاعتیادیة.
و قد أشرنا إلی الحکم فیما إذا کان استمناء الرجل بالإکراه،فلا نعید.
الصورة الثانیة:أن تکون البویضة من المرأة الطالبة للتلقیح،و الرحم المستعمل رحم امرأة أخری متزوجة أو غیر متزوجة.
و محاذیر ذلک هو محاذیر الصورة الأولی.إلاّ أن الولد یکون للحامل لا لصاحبة البویضة،و إذا کانت معاملة أو مالا مبذولا لتبنیه،فالمعاملة باطلة و المال حرام.و إنما المولود بین الحامل و صاحب الماء دائما.
و إذا کانت المرأة الحامل متزوجة.فإن کانت هی و زوجها راضیین بالنتیجة
فلا إشکال من هذه الناحیة.و إن کانت هی کارهة،کان لها مهر أمثالها،و إذا کانت بکرا کان لها دیة البکارة و هی دیة النفس کما سبق.و أما إذا کان زوجها مکرها و هی راضیة فیدفع کلا المالین إلی الزوج و علیها الإثم.و أما إذا کان کلاهما مکرها دفع المالان لها و لیس للزوج شیء.
الصورة الثالثة:عکس الثانیة،فتکون البویضة من امرأة أخری غیر طالبة التلقیح و یکون الرحم المستعمل هو رحم طالبة التلقیح نفسها.
و محاذیر هذه الصورة هی محاذیر الصورة الأولی،بتفاصیلها.و الولد یکون للحامل و هی الآن طالبة التلقیح نفسها.و أبوه هو صاحب الحویمن.
الصورة الرابعة:نفس الصورة الثانیة مع کون البویضة من امرأة مجهولة الهویة.
و فیها نفس المحاذیر و نفس الحکم و أما المرأة صاحبة البویضة فلا أهمیة لها بعد أن عرفنا إلحاق الولد بالحامل لا بصاحبة البویضة.
الصورة الخامسة:هی الصورة الثالثة مع کون البویضة من امرأة مجهولة.
و لها نفس المحاذیر و نفس الحکم مع ما علقناه علی الصورة الرابعة.
الصورة السادسة:هی الصورة الثانیة أی الماء من رجل غیر متزوج و البویضة من طالبة التلقیح مع کون الرحم المستعمل هی رحم صناعیة أو حیوانیة.
و محذورها اجتماع بویضة و حویمن الأجنبیین غیر حلیلین.و حکمها أن صاحبة البویضة هی الأم و صاحب الماء هو الأب.
الصورة السابعة:هی الصورة السادسة مع کون البویضة لغیر طالبة التلقیح.
و لها نفس المحاذیر و الحکم.غیر أن النتیجة هی أن المولود سیکون لصاحبة البویضة،و هی غیر طالبة التلقیح.
الصورة الثامنة:أن یکون الماء من رجل غیر متزوج.کما ذکرنا فی العنوان، مع محذورة.و تکون البویضة من امرأة غیر متزوجة معلومة الهویة.و الرحم المستعمل رحمها.و قد عرفنا محاذیر ذلک شرعا و هی محاذیر شدیدة،بما فیها دیة البکارة أحیانا التی تعدل دیة النفس.
و للإیضاح نلخصها:
أولا:إدخال حویمن فی رحم أجنبیة.
ثانیا:اجتماع بویضة و حویمن لأجنبیین.
ثالثا:حصول الذریة لغیر المتزوجین و هذا ینطبق علی کلا الشخصین.
رابعا:حصول الحمل لغیر المتزوجة.
خامسا:دیة النطفة إن کان إخراجها إکراها.
سادسا:دیة البکارة إن کانت بکرا و کان التسبیب للحمل إکراهیا.
سابعا:التعزیر لمخرج النطفة إن کان إکراها.
ثامنا:لها مهر أمثالها مع الإکراه.
تاسعا:محاذیر إخراج و إدخال البویضة و الحویمن.حیث قلنا إنه فی غیر المتزوجة لا یوجد(حلیل)یفترض به القیام بهذه المهمة،فتبقی عملیة محرمة ما لم تقم هی بنفسها بإخراجها.و هو أمر بعید طبیا جدا و مضر بکل تأکید،إلی درجة الحرمة.
و أما حکمها،لو حصل ذلک عصیانا،کان الأب هو صاحب الحویمن و الأم هی الحامل.و تشملها أحکام الأبوة و الأمومة کلها علی الأقوی،من دون أن تشملها أحکام الزوجیة بطبیعة الحال لأنهما لیسا زوجین.
الصورة التاسعة:هی نفس الثامنة،مع کون البویضة من امرأة غیر متزوجة و الرحم المستعملة لامرأة غیر متزوجة أیضا.
و لها نفس المحاذیر و الحکم غیر أن الأم ستکون صاحبة الرحم المستعمل و لیست صاحبة البویضة.
الصورة العاشرة:هی نفس الثامنة مع کون البویضة من امرأة مجهولة الهویة.و هنا یعنی أن الرحم المستعمل هو لامرأة معلومة غیر متزوجة.
و لها نفس المحاذیر و الأحکام.و الولد للحامل.
الصورة الحادیة عشرة:أن تکون النطفة من رجل غیر متزوج کما قلنا فی العنوان و البویضة من امرأة غیر متزوجة.و الرحم المستعملة هی رحم صناعیة أو حیوانیة.
و محاذیر هذه الصورة هی التقاء بویضة و حویمن من شخصین غیر حلیلین.
و وجود الذریة لشخصین غیر متزوجین.مضافا إلی مشاکل إخراج و إدخال البویضة و الحویمن.
إلاّ أنها إذا حصلت کان الأب هو صاحب الحویمن و الأم هی صاحبة البویضة،من دون أن یکونا مشمولین لأحکام الزوجین،کما أشرنا فی مثلها فیما سبق.
الصورة الثانیة عشرة:نفس الصورة الحادیة عشرة مع کون البویضة من امرأة مجهولة الهویة.
و لها أکثر المحاذیر فی الصورة السابقة،بل کلها إن علمنا أن تلک المرأة المجهولة غیر متزوجة.
و حکم هذه الصورة أن صاحب الحویمن هو الأب،و لکن الأم مفقودة فیترتب علیه الحکم من جانب الأب فقط.
و هنا یصدق فی عدة صور أهمها أن یکون هناک(مصرف)للمیاه الذکوریة.
فلیس علی المرأة إلاّ أن تشتری منه ماء واحدا و تلقح به بویضتها لتحمل.
و یترتب علی ذلک بکل صورة الآتیة:عدم وجود الأب للمولود،فلا یکون مشمولا لأحکام الأبوة و البنوة.و إنما یکون مشمولا لأحکام الأمومة فقط،إن کانت أمه معلومة،کما سنعرف خلال الصور الآتیة.
الصورة الأولی:أن تکون المرأة الطالبة للتلقیح امرأة متزوجة و البویضة منها، و الرحم المستعملة أیضا.
و محاذیر ذلک،مضافا إلی مشاکل إخراج و إدخال البویضة،التقاء حویمن و بویضة لشخصین غیر زوجین أو حلیلین و کذلک دخول حویمن أجنبی فی رحم أجنبیة.و کذلک وجود ذریة لغیر المتزوجین إن علمنا إجمالا بأن صاحب الماء رجل غیر متزوج.
و حکم هذه الصورة هو کون المرأة أما للمولود بصفتها حاملا له.و لیس له
أب.لا صاحب النطفة لأنه مجهول و لا زوج المرأة لأنه لا دخل له فی وجود الولد.فلا یمکن الاستدلال بدلیل(الفراش)للبرهنة علی أبوته.لأن ذلک خاص باحتمال الإصابة،و هو منتف هنا.
الصورة الثانیة:نفس الصورة الأولی إلاّ أن الرحم المستعملة رحم امرأة أخری.قد تکون متزوجة أو لا تکون.
و لها نفس المحاذیر السابقة،و المولود للحامل و لیس له أب حتی زوج الحامل کما أسلفنا و لا هو زوج صاحبة البویضة أیضا.
و لو دفعت صاحبة البویضة مالا لیکون المولود لها لم تصح المعاملة و کان المال حراما.
الصورة الثالثة:أن تکون البویضة من امرأة غیر متزوجة و هی الرحم الحامل أیضا.بمعنی أن امرأة غیر متزوجة تطمع بالذریة فتأخذ(ماء)من المصرف و تلحقه فیها عن طریق التلقیح الصناعی بل الطبیعی أیضا.
و فی هذه الصورة من المحاذیر الشدیدة ما سبق فی مثله،فلا نعید و حکمها أن المرأة هی أم المولود و لیس له أب.
الصورة الرابعة:أن تکون البویضة من امرأة غیر متزوجة و الرحم الحامل امرأة أخری غیر متزوجة أیضا.
و لها نفس المحاذیر و الحکم من ناحیة الحامل،یعنی هی التی تکون الأم.و أما صاحبة البویضة فلیس لها شیء و لو دفعت ثمنا للأمومة کانت المعاملة باطلة و الثمن حراما.
و لو أخرجت البویضة منها إکراها،کان لها الحکومة.و لو استلزم ذلک فض بکارتها کان لها دیة البکارة.
الصورة الخامسة:أن تکون البویضة من امرأة غیر متزوجة و الرحم المستعمل لامرأة متزوجة.
و فیها من المحاذیر و الحکم ما قلناه فی المسألة السابقة.و لا تختلف عنها إلاّ
من ناحیة احتمال أن یکون زوج الحامل أبا للمولود بصفته فراشا.و قد علمنا عدم صحة ذلک.فالمولود له أم و لیس له أب.
الصورة السادسة:أن یکون الماء من رجل مجهول الهویة کما أشرنا فی العنوان و البویضة من امرأة مجهولة الهویة أیضا.و الرحم المستعمل رحم امرأة غیر متزوجة.
و لها من المحاذیر ما سبق نذکرها إیضاحا:
أولا:التقاء حویمن و بویضة من شخصین غیر حلیلین.
ثانیا:دخول حویمن فی رحم أجنبیة.
ثالثا:وجود الذریة لامرأة غیر متزوجة و هی الحامل مضافا إلی مشاکل إدخال البویضة الملقحة،حیث لا یکون للمرأة غیر المتزوجة حلیل یقوم بذلک.
مضافا إلی مشاکل إکراهها علی الحمل لو فرضناه.فإن لها عندئذ مهر أمثالها بل و دیة البکارة إن کانت بکرا.
و حکمه أن الأم هی الحامل و لیس له أب.و أما تخیل:أننا بعد ما فرضنا أن صاحبة البویضة مجهولة،فتکون الأم مجهولة.فهذا غیر صحیح لأن الأم کما علمنا هی الحامل،و هی معلومة،و أما صاحبة البویضة فلیست أما مجهولة کانت أو معلومة.
الصورة السابعة:نفس السادسة مع کون المرأة الحامل امرأة متزوجة.
و لا تختلف عن سابقتها فی المحاذیر و الأحکام،إلاّ باحتمال أن یکون زوج الحامل أبا بصفته فراشا،بعد أن کان صاحب الحویمن مجهولا.
إلاّ أن هذا غیر صحیح،لأننا فهمنا من الفراش احتمال مشارکة الزوج بالحمل،و هذا منفی هنا یقینا علی الفرض،فی فرض الصورة.
الصورة الثامنة:هی الصورة السادسة،مع کون الرحم المستعملة رحم صناعیة أو حیوانیة.
و هذا یصدق،فیما لو أراد أحد أن یوجد مولودا بشریا،فیشتری من مصرف (الماء و البویضات)ماء و بویضة،و یجمعهما فی رحم صناعیة أو حیوانیة لیتکون الجنین.
و محذورة هو التقاء حویمن و بویضة من شخصین غیر حلیلین أو لم نعلم حلیتهما أو زوجیتهما علی الأقل.الأمر الذی یکون موضوعا لأصالة الحرمة أو استصحابها ما لم نعلم بحصول الحلیة بین الشخصین.و لم نعلم هنا طبعا بذلک.
و حکمها أن هذا المولود لیس له أب و لا أم.و لا عشیرة من طرف أمه و لا أبیه.
و أما الشخص الذی قام بهذه المحاولة،فلا یکون أبا أو أما طبعا.کما أن شخصا لو دفع مالا لیشتری المولود لیکون ابنه تکون المعاملة باطلة و المال حراما.
و هذه الصورة ککثیر من الصور السابقة من مضاعفات وجود التلقیح الصناعی المؤسفة أخلاقیا و اجتماعیا.
إلاّ أن الذی یهون الخطب فی هذه الصورة عدم وجود أو نجاح الرحم الصناعیة و الحیوانیة لتربیة الجنین البشری.فیبقی احتمال تحقق هذه الصورة ضعیفا فی العصر الحاضر،علی الأقل.
یعنی محرم علی المرأة الطالبة للتلقیح أو علی الحامل بالجنین،علی اختلاف الصور الآتیة.کما لو کان أخاها أو ابنها أو أباها،أو عمها أو خالها.
و هذا هو العنوان الأخیر لاحتمالات مصدر الماء الذکوری الذی ذکرناه تحت عنوان أقسام التلقیح الصناعی.و سیکون هنا آخر عناوین الصور التی نتحدث عنها تباعا.
و المحذور الرئیسی لهذا العنوان،هو دخول ماء رجل محرم فی رحم امرأة محرم و هو أشد حرمة من التقاء بویضة و حویمن أجنبیین أو دخول حویمن أجنبی فی رحم أجنبیة.و علیه تعزیر إن حصل ذلک.و هذا المحذور سار و جار فی کل الصور الآتیة،باعتبار أنها جمیعا ستکون منطلقة من هذا العنوان و قائمة علی افتراض تحققه.
هذا مضافا إلی مشاکل إدخال و إخراج البویضة و الحویمن السائدة فی کل الصور (1)
هذا و إذا کان الرجل(المحرم)متزوجا،فلا أهمیة لزوجته فی موضوع مسألتنا،بمعنی أنها لا یحتمل أن تکون أما بصفتها(فراشا)للیقین بعدم مشارکتها.نعم لو فرض مشارکتها مع بعض الصور کما سیأتی فسیأتی حکمها.و إذا لم یکن الرجل متزوجا لزم محذور وجود الذریة لغیر المتزوجین و النسب سیکون دائما غریبا و من هنا یکون الإرث مشکلا فقهیا و الأصل عدمه مع الشک فیه.
.هذا و إذا کان الرجل(محرم)متزوجا،فلا أهمیة لزوجته فی موضوع مسألتنا؛بمعنی أنه لا یحتمل أن تکون أما بصفتها(فراشا)للیقین بعدم مشارکتها.
نعم لو فرضنا مشارکتها فی بعض الصور کما سیأتی فسیأتی حکمها.
و إذا لم یکن الرجل متزوجا لزم محذور وجود الذریة تعیر المتزوجین و النسب سیکون دائما غریبا و من هنا یکون الإرث مشکلا و الأصل عدمه مع الشک فیه.
و من هنا سوف نقتصر فی الآتی علی المحاذیر التی تختص بها الصور غیر هذه التی ذکرناها الآن لینقطع التکرار.
الصورة الأولی:أن تکون البویضة لامرأة متزوجة،و هی التی تکون الحامل.
و هی الأم و الرجل المحرم هو الأب فی صدد وجوب النفقة علی المولود.من دون وجود زوجیة بینهما.
الصورة الثانیة:أن تکون البویضة لامرأة متزوجة و الحامل امرأة أخری متزوجة،و الرجل محرم لإحداهما أو کلاهما.
و الحکم أن صاحب الحویمن هو الأب و الحامل هی الأم.
الصورة الثالثة:أن تکون البویضة لامرأة متزوجة و الحامل امرأة غیر متزوجة.
و لها نفس المحاذیر السابقة و الحکم السابق.مع إضافة محذور حدوث الذریة للمرأة غیر المتزوجة.
1) 1)
الصورة الرابعة:أن تکون البویضة لزوجة صاحب الحویمن.و الحامل امرأة أخری هی من محارمه.
و قد سبق ما یشبه ذلک فی بعض العناوین السابقة و اتضح حکمها.کل الفرق هو أن المبادرة هناک من الزوجین و هنا من الحامل نفسها.و لا یختلف الحال بین ما إذا کانت الحامل متزوجة أولا.غیر أنها لو کانت غیر متزوجة لزم محذور حصول الذریة لها.
الصورة الخامسة:عکس الرابعة.بمعنی أن تکون البویضة من امرأة محرم للزوج و الحامل هی زوجته.
و الأب و الأم هنا هما الزوجان.و لا أثر لصاحبة البویضة من ناحیة الحکم بالأمومة.نعم یکون التقاء بویضتها بحویمن الرجل المحرم حراما.
الصورة السادسة:أن تکون البویضة من امرأة مجهولة الهویة.و الماء من رجل محرم علی الحامل.
و فیها من المحاذیر ما عرفناه بما فیها إدخال حویمن المحرم فی رحم امرأة محرم علیه.
و حکمه:أن الأب هو صاحب الماء و الأم هی الحامل.و لا أثر لصاحبة البویضة،مجهولة کانت أو معلومة.
کما لا فرق بین أن تکون الحامل متزوجة أولا،إلاّ من ناحیة احتمال أن یکون زوجها هو الأب،و قد سبق أن ناقشناه فی أمثاله.
الصورة السابعة:أن تکون البویضة من امرأة محرم.و الرحم المستعملة رحم صناعیة أو حیوانیة.
و فیها محذور التقاء حویمن و بویضة محرمین و محرّمین.و لو فی رحم صناعیة أو حیوانیة،فإنه شدید الحرمة.و لا یفرق فی ذلک بین أن یکونا متزوجین أو غیر متزوجین أو یکون أحدهما متزوجا.
و الأب سیکون هو صاحب الحویمن و الأم هی صاحبة البویضة،لعدم وجود الحامل البشری هنا.و لا دخل لاندماج هذین الشخصین فی الأبوة و الأمومة، کما عرفنا.
فهذه ثلاث و أربعون صورة ذکرناها تحت خمسة عناوین.و قد عرفنا أن أکثر الصور لا تحتوی علی احتمال واحد بل علی عدة احتمالات.الأمر الذی یصعد بعدد الصور کثیرا.و لکننا مع ذلک لا نحسب أننا استوعبنا احتمالات و صور التلقیح الصناعی و إن کنا قد ضبطنا أکثرها و أهمها،کما قد ضبطنا المحاذیر أو المحرمات التی تترتب علیها.بل یکون للقارئ التفکیر فی استنتاج صور أخری،و أخذ أحکام تفاصیلها،من أمثالها مما ذکرنا.و علی العموم فهذا الکتاب لیس رسالة عملیة،لکی یطلب فیه الاستیعاب،بل یکفی فیه مقدار کاف من الأمثلة التی تعطی الفکرة الکافیة.
لا بدّ لنا فی نهایة الکلام عن التلقیح الصناعی التعقیب بعدة أمور،لکی ینکشف الغموض عن بعض الأمور مما سبق أو مما لم یسبق.
فقد نتصور تأسیس مصرف بهذا الخصوص لأجل إمداد النساء العواقر بالحیامن و البویضات.
أو نتصور أن الأمر فی المصرف أوسع من ذلک،کما لو کان یحتوی علی کل ما یرتبط بجسم الإنسان کالدم أو الأعضاء کالید و الرجل الطبیعیتین-لو أمکن حفظهما لاستعمالهما-و العین و الأذن و غیر ذلک.و یحتوی أیضا علی مخزن لحفظ الحیامن و البویضات.
و نخص الحدیث بخصوص حفظ الحیاء من و البویضات.لأنه المرتبط بالتلقیح.و یطول بنا الکلام إن تعرضنا لغیرها.
إن تأسیس مثل هذا المصرف محرم شرعا من ناحیة أسبابه و من ناحیة نتائجه.
أما من ناحیة أسبابه،فإنه یتوقف کما هو معلوم علی إخراج البویضات من النساء و الحیامن أو المیاه من الرجال من دون هدف معین بذاته،بل لمجرد احتمال الاستفادة منها.
و هذا الإخراج یواجه نوعین من المحرمات:
النوع الأول:ما أشرنا إلیه فی أول هذا الفصل من حرمة الاستمناء الذاتی، و حرمة اطلاع الآخرین علی العورة و لمسها و استمنائها.سواء کان الفاعل رجلا أو امرأة.و کذلک الحال فی المرأة فإن استخراج البویضة فیها یلازم کشف العورة و لمسها.و هما محرمان علی کل رجل و امرأة غیر الحلیلین.
و قد ذکرنا هناک بعض الأسالیب لتلافی هذه الحرمة.و هی صحیحة إلاّ أنها أولا:صعبة التطبیق علی مؤسسة کهذا المصرف المفترض وجوده.و ثانیا:لأنها لا تنطبق علی الجمیع.کما عرفناه خلال الحدیث فی هذا الفصل من أنها لا تنطبق علی غیر المتزوجین و المتزوجات فإن من لا یکون له حلیل أو حلیلة لا یوجد أحد علی وجه الأرض من المکلفین من یستطیع أن ینظر إلی عورته غیر هو نفسه.
و ما ذکرناه هناک من رجحان عدم حرمة الاستمناء لأجل عرض عقلائی، کالاستیلاد.قد یستشکل فیه هنا.لما ذکرناه قبل قلیل من عدم وجود هدف معین بالذات له.بمعنی استهداف استیلاد معین،بل الهدف هو تأسیس المصرف أو إمداد المصرف بالمیاه الذکوریة لیس إلاّ.أو قل:هو الحصول علی المال الذی یدفعه المصرف بإزائه.و أما صرفه فعلا فی التولید فلیس أکیدا کما هو معلوم.
و معه لا یکون جوازه واضحا فقهیا،و لا یمکن قیاسه علی صورة الجواز.
فیبقی علی الحرمة تمسکا بالإطلاقات.
و أما الحرمة فی نتائجه فمن المعلوم أن کل شیء یسببه الحرام،فهو حرام.
و سبق أن عرفنا محاذیر التلقیح،من اجتماع حویمن و بویضة لشخصین غیر حلیلین،و من دخول حویمن أجنبی فی رحم أجنبیة.و من دخول حویمن محرم فی رحم محرم الذی هو أشد حرمة.
هذا بغض النظر عن الاعتبارات الأخری،کالدین،إذ لا یبعد القول بحرمة دخول حویمن رجل کافر فی رحم مسلمة،کما یحرم التقاء حویمن رجل کافر
مع بویضة امرأة مسلمة،فی رحمها أو فی رحم أخری إنسانیة أو صناعیة أو حیوانیة.
إذن فتأسیس مثل هذا المصرف حرام فی أسبابه و فی نتائجه.إذ من الواضح أنه یوصل إلی تلک النتائج بالضرورة،و إلاّ لسقطت المنفعة منه.إذن فیکون تأسیسه حراما.
و قد یقال:بشکل أو نوع آخر للحرمة هی حرمة بیع العین النجسة و شرائها.
و المنی فی الشریعة من الأعیان النجسة فیکون شراء المصرف له من صاحبه حراما و المعاملة باطلة و الثمن سحتا.و کذلک بیع المصرف له علی الآخرین.
إلاّ أن الأقوی أننا لو اقتصرنا علی ذلک لم یدخل فی حیز الحرمة لعدم وجود إطلاق أو أصل یحرم صورة بیع الأعیان النجسة مطلقا،حتی فی صورته لاستفادة العقلائیة منها.فتبقی إذن تحت إطلاقات الجواز.
إلاّ أن هذا إنما یصح بغض النظر عن الأسباب و النتائج المحرمة السابقة،أی بعد فرض حلیتها من باب التنزل جدلا.و لکن مع أخذها بنظر الاعتبار کما هو الصحیح،تکون المعاملة علی عین النجاسة باطلة،لأن الغرض و إن کان عقلائیا له،إلاّ أنه ممنوع منه شرعا.فهو شراء له لیکون سببا للحرام.فیکون الشراء باطلا و المال حراما.
سیکون النسب غریبا
کما فی الأخ و أخته و الأب و ابنته و العمة و ابن أخیها و غیر ذلک.
و هذا لیس من باب الزنا،إلاّ أنه محرم،بل شدید الحرمة.و نذکر الآن بعض أمثلته و شیئا من أحکامه،و الکلام المفصل فی ذلک موکول إلی کتاب الإرث.
و یحسن أن نقتصر هنا علی ثلاثة أمثلة:
المثال الأول:فیما إذا کان الرجل و المرأة أخا و أختا.و نرید بها الحامل التی یلحق بها الولد،و تکون أمة.
أما من ناحیة صاحبة البویضة،من دون حمل،فإن کان صاحب الحویمن أخاها،ففیها حرمة من ناحیة التقاء البویضة و الحویمن لشخصین أحدهما محرم علی الآخر.و لکن لا إشکال من ناحیة النسب و الإرث لما عرفناه من أن صاحبة البویضة لیست أما بل الأم هی الحامل به خاصة.تمسکا بقوله تعالی إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِی وَلَدْنَهُمْ .
و علی أی حال فسیکون المولود ابنا و ابن أخ للأم،و ابنا و ابن أخت للأب.
و لأولاد الأم أخا و ابن خال و لأولاد الأب أخا و ابن عمة.
و بالنسبة إلی أبی الأخوین(الذکر و الأنثی)سیکون الولد ابن ابنه و ابن ابنته.
و هذا الاختلاف فی النسب یترتب علیه عدة نتائج:
النتیجة الأولی:الاختلاف فی الزواج.فهذا المولود بالتلقیح بالنسبة إلی أولاد الأخ أو الأخت الآخرین،سیکون ابن خالهم أو ابن عمتهم،کما سبق.و هو بهذه الصفة یجوز التزاوج بینهم.و لکن باعتباره أخا لأم-فی أولاد الأم (الأخت)-و أخا لأب-فی أولاد الأب(الأخ)-فبهذا الاعتبار یکون الزواج بینهم محرما.و هذه الصفة هی التی تکون متقدمة فقهیا.بمعنی أن الفتوی الفعلیة هی حرمة الزواج بینهم.
النتیجة الثانیة:جواز النظر مع الاختلاف فی الجنس.فهو بصفته ابن أخ أو ابن أخت یعتبر(محرما)و یجوز إلیه النظر.و لکن بصفته ابن عمة أو ابن خال، لیس محرما و لا یجوز النظر إلیه،و هو بمنزلة الأجنبی فی الاصطلاح الفقهی.
النتیجة الثالثة:فی النسب.و هو واضح بعد الذی عرفناه أنه یجمع بین کونه أخا و ابن خال و هکذا.و هذا ما لا یحدث عادة فی الزواج الملتزم بالنظام الشرعی الاعتیادی.و من هنا قلنا إن التلقیح الصناعی ینتج أنساب غریبة،بل اختلاطا بالأنساب.الأمر الذی یجعله بهذا العنوان،و بغض النظر عن أی شیء آخر،حراما.
النتیجة الرابعة:الاختلاف فی الإرث.فإن الفرد بصفته أخا هو من الطبقة الثانیة فی المیراث،کما سیأتی فی حمله.و بصفته ابن خال هو من الطبقة
الثالثة.و الصفة الأولی متقدمة و أولی بالمیراث من الثانیة،و هی تحجب الثانیة عن میراثها.
و النتیجة هی أن مثل هذا الفرد یرث بصفته الأولی لا بصفته الثانیة،أی بالصفة الحاجبة لا الصفة المحجوبة.
فهذا هو ملخص الکلام فی المثال الأول.
المثال الثانی:فیما إذا کان الرجل و المرأة اللذین تمّ بینهما التلقیح،بالطریقة المحرمة التی عرفناها.کانا أبا و بنتا،فیصبح المولود بالنسبة إلی الأب ابنه و ابن ابنته و بالنسبة إلی البنت(الأم)ابنها و أخاها(لأنه ابن والدها).
و أما بالنسبة إلی النتائج بما یماثل ما قلناه فی المثال الأول فإن النتیجة الأولی غیر مترتبة،لأنه یحرم الزواج علی کل حال من المولود،لو کان الجنس مختلفا،علی کل من الأب،و أولاد الآخرین و البنت و أولادها و أولاد إخوتها و أخواتها،بمعنی أحفاد الأب المشار إلیه.
و إنما قلنا إن النتیجة الأولی غیر مترتبة لأنها إنما تترتب حقیقة،فیما إذا کان الأمر علی أحد التقدیرین جائزا و علی أحد التقدیرین غیر جائز و أما إذا کان له حکم واحد علی کل تقدیر،فهذا معناه عدم ترتب النتیجة.
و کذلک النتیجة الثانیة لا تترتب،لأن المولود یعتبر(محرما)،شرعیا یجوز النظر إلیه علی تقدیر اختلاف الجنس من قبل أبیه و أمه.و من قبل إخوته و أخواته لأبیه و من قبل إخوته و أخواته لأمه.
و لکن النتیجتین الأخیرتین تترتبان.
أما النتیجة الثالثة فواضحة لما قلناه من أن المولود یختلف عنوان نسبه بالنسبة إلی أبیه و أمه.فهو للأب ابنه و ابن ابنته،و للأم ابنها و أخوها.
و أما الرابعة،فتترتب باعتبار أن الولد یرث بصفته ابنا لا بصفته ابن بنت أو أخ.و تلک صفة حاجبة عن میراث الصفة الثانیة.بل حقیقة نسبه عرفا هو ذلک لا غیر.
المثال الثالث:فیما إذا کان الرجل و امرأة عمة و ابن أخیها.فیکون المولود ابنا للرجل و ابن عمته و للمرأة ابنا لها و ابن ابن أخیها.و یکون المولود بالنسبة إلی والد الرجل ابن ابنه و ابن أخته.و هکذا.
و أما بالنسبة إلی النتائج السابقة فتترتب جمیعا:
أما الأولی:فإن عناوین:الابن و ابن الابن و ابن الأخت عناوین محرمة علی الزواج.بخلاف عنوان ابن العمة،فإنه غیر مانع و قلنا فی المثال الأول إن مقتضی القاعدة هو اتباع العنوان المحرم،أی الفتوی بحرمة الزواج.
و أما النتیجة الثانیة،و هی جواز النظر مع اختلاف الجنس،فالعناوین التی یحرم فیها الزواج مما سمعناها قبل قلیل یجوز فیها النظر و العنوان الذی یجوز فیه الزواج یحرم فیه النظر.و معنی ذلک عملیا أنه بالنسبة للمرأة فالنظر جائز علی کل حال کما أن حرمة التزاوج ثابتة علی کل حال.لأن کلا العنوانین الثابتین للمولود یقتضی ذلک و هما کونه ابنها و ابن ابن أخیها.
و أما بالنسبة إلی الرجل.فإن العنوان الأول للمولود-إذا کان بنتا-فهو یقتضی جواز النظر و حرمة الزواج منها،دون العنوان الآخر،و هو عنوان ابن العمة.
و أما النتیجة الثالثة:و هی الاختلاف بالنسب باعتبار اختلاف العناوین، فواضحة بعد الذی أسلفنا.
و أما الرابعة:فالمولود یرث بصفته ابنا لوالدیه لا بالصفة الأخری،فإن صفة الابن تکون متقدمة و حاجبة عن الصفة الأخری.و هی الثابتة عرفا و عملیا له.
و أما بالنسبة إلی أولاد أمه،فهم إخوته لأمه و أولاد عمة أبیه.و الصفة الأولی أیضا متقدمة و حاجبة للثابتة.و بالنسبة إلی أولاد أبیه فهم إخوته لأبیه،و لیس لهم صفة قریبة أخری.
و أما بالنسبة إلی والد الرجل،فیتوارثان أیضا بالصفة أو العنوان الأقرب، و هو بصفته ابن ابنه لا بصفة ابن أخته.فإنها أیضا أقوی و حاجبة للصفة الأخری.
فهذا هو الکلام فی الأمر الثانی.
لو قدر للقانون أن أباحه إباحة عامة.
و قد حملنا فکرة عن بعضها فیما سبق،فهنا نوضحها و نضیف إلیها.
و بتعبیر آخر:إننا نتکلم عنها ههنا من هذه الوجهة بالذات،و هی ما یترتب علی التلقیح الصناعی من أمور قبیحة فی الدین و فی المجتمع.
و قد حملنا فکرة کافیة عن طریقة استخراج الحویمن من الرجل و إخراج البویضة من المرأة و إدخالها فیها و ما فی ذلک من محرمات.فلا نکرر.و إنما الترکیز علی الأمور الأخری.
فأهم ما یترتب من نتائج هی کما یلی:
النتیجة الأولی:حصول الذریة لغیر المتزوجین.رجلا کان أو امرأة لمجرد أن کان الحویمن منه أو منها البویضة أو الحمل.علی تفصیل سبق.و هذا یعنی أیضا تربیة المولود بدون أسره.
النتیجة الثانیة:فض بکارة البکر فإن کل العملیات فی التلقیح الصناعی تستوجب ذلک.سواء إخراج البویضة أو إدخالها أو وضع الحمل.
النتیجة الثالثة:حصول الذریة بین رجل و امرأة هما من المحارم،کأخ مع أخته أو أب مع ابنته أو ابن مع أمه و غیر ذلک.
النتیجة الرابعة:حصول أنساب غریبة مختلطة الجهات،عند التلقیح من المحارم.کما سبق أن عرفنا.
النتیجة الخامسة:حصول ذریة لا یعرف لهم أب أو أم أو لا یعرف له کلا الوالدین.و ذلک-کما عرفنا-حین یکون الرجل أو المرأة أو کلاهما مجهولی الهویة.
و معنی کون الفرد بدون والدین:أنه لا مربی له و لا ولی له بالأصالة،و لا عشیرة له.بل سیکون عالة علی المجتمع،و معقد نفسیا من حالته الشاذة تلک.
النتیجة السادسة:دخول حویمن لرجل أجنبی غیر حلیل فی رحم امرأة أجنبیة.کما عرفنا حصوله فی کثیر من الصور السابقة.
النتیجة السابعة:دخول حویمن(محرم)فی رحم امرأة محرم.کما عرفنا حصوله فی عدد من الصور السابقة.
و هاتان النتیجتان محرمتان سواء قدر للجنین البقاء أم مات فی رحم أمه.بل لو تمّ التلقیح أو لم یتم.و بهذا تختلف هاتان النتیجتان عن النتائج السابقة.
النتیجة الثامنة:تلقیح بویضة لامرأة أجنبیة بحویمن لرجل أجنبی.و هذا غیر مجرد دخول الحویمن فی رحمها.فإن دخوله محرم و تلقیحها محرم.
و قد عرفنا حصول هذه النتیجة فی کثیر من الصور.
النتیجة التاسعة:تلقیح بویضة لامرأة(محرم)بحویمن لرجل محرم.و هذا غیر مجرد دخول الحویمن فی رحمها.فإنه إن دخل کان حراما و إن لقح البویضة کان حراما آخر.
النتیجة العاشرة:إن انتشار مثل هذه العملیات المحرمة لها مردودات نفسیة لدی أفراد المجتمع مهمة،أهمها:کثرة(أولاد الحرام)غیر الشرعیین بین الناس.
و منها:استهانة الناس بالمحرمات المربوطة بالزواج و الأنساب،مع العلم أنها فی الشریعة من أهم موارد الاحتیاط.و هو الاحتیاط(فی الفروج و الدماء).
و منها:إعراض الناس عن الطرق المحللة للزواج.بعد أن کان التلقیح أقل کلفة بکثیر فی أوله و فی استمراره.فالتلقیح أقل کلفة من الزواج بکثیر.کما أنه إن حصل منه مولود کان الواجب الإنفاق علیه أما لو حصل المولود من الزواج،کان من الواجب الإنفاق علیه و علی أمه.فیکون الإنفاق أکثر.فیکون التلقیح أسهل اقتصادیا.
و من المعلوم أن السهولة الاقتصادیة إذا صادفت فی أسبابها محرما أو أکثر فی الشریعة،وقف أمرها و امتنع حصولها شرعا.و سیکون بذل المال الزائد تطبیقا للحکم الشرعی و ترکا للمحرم من موارد الجهاد المسبب للحصول علی إرضاء اللّه سبحانه و اندفاع غضبه و انتقامه.
ذکر المحقق الحلی فی الشرائع و غیره،فی کتاب النکاح بابا أو فصلا فی خصائص النبی صلّی اللّه علیه و آله،باعتبار خصائصه المتعلقة بزوجاته،فناسب ذلک ذکرها فی کتاب النکاح.و قد حذف الفقهاء المتأخرون التعرض لذلک، باعتبار أنه لا یعود إلی عمل المکلف،و فائدته تنحصر بالفوائد النظریة و مجرد المعرفة و الاطلاع.
و قد رأینا متابعة من ذکر هذه الخصائص حتی و إن کانت فوائدها نظریة.فإن الفوائد النظریة تزید أهمیة و عمقا علی الفوائد العملیة،بل هی فی کثیر من الأحیان أکثر ضروریة منها.فما أحسن أن یعرف الفرد المسلم الصفات التی کان یتصف بها نبیّه صلّی اللّه علیه و آله.
و المراد بالخصائص هنا،تلک الصفات التی کان النبی صلّی اللّه علیه و آله یتصف بها،و لا یشارکه فیها غیره من الخلق أو من البشر.و هی کثیرة جدا، حسب ما هو وارد فی الکتاب الکریم و السنّة الشریفة و ضرورة الدین و الإجماع،و غیرها من الأدلة.
و هذه الخصائص تنضم إلی خصائص فقهیة،لو صحّ التعبیر،و خصائص
غیر فقهیة،و المراد بالفقهیة منها ما یرجع إلی تکلیفه العملی مما یختص به صلّی اللّه علیه و آله.و هذا أیضا ینقسم إلی ما یعود إلی زوجاته صلّی اللّه علیه و آله و إلی غیر ذلک،علی ما سنسمع.
و یراد بالخصائص غیر الفقهیة ما یعود إلی أصل خلقة النبی صلّی اللّه علیه و آله أو عموم ولایته أو الکرامات المعطاة له من الخالق العظیم و غیر ذلک من الأمور.و نحن نقدم الکلام عن هذا القسم فإنه الأهم و الأشمل من خصائصه صلّی اللّه علیه و آله.ثم نذکر الخصائص الفقهیة بعد ذلک.و نسمی الخصائص غیر الفقهیة کما یلی:
و یراد بها،کما أشرنا ما یعود إلی غیر الجهة العملیة الشرعیة للنبی صلّی اللّه علیه و آله.
و هی عدیدة جدا،و لعلها فوق الإحصاء.و بالتأکید فإن فهم أکثرها علی واقعها أمر متعذر للمستوی البشری بل لکل الخلق.یکفینا ما ورد عنه صلّی اللّه علیه و آله من قوله:یا علی ما عرف اللّه إلا أنا و أنت و ما عرفنی إلاّ اللّه و أنت و ما عرفک إلاّ اللّه و أنا.
فالمعرفة الدقیقة تختص بخاص الخاص،و لا یمکن أن تعم أحدا سواه.و من هنا فعلینا الآن أن نذکر النص الدال علی الصفة،مع شرحه حسب الإمکان من دون عمق لکی لا نکلف القاری ما لا یطیق.
و هذه الخصائص التکوینیة نستفیدها أولا من القرآن الکریم.فإن زعمنا لأنفسنا أننا انتهینا من ذلک.عرجنا علی السنّة الشریفة بما فیها الأدعیة و الزیارات الواردة لکی نستنطقها عن ذلک فی حدود المصادر المتوفرة.
قال اللّه سبحانه (1)
الأحزاب:44-45. [1]
یا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِنّا أَرْسَلْناکَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِیراً، وَ داعِیاً إِلَی اللّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِیراً .1) 1)
فهو صلّی اللّه علیه و آله:
1-الشاهد علی الخلق فی أنهم هل یطیعون التعالیم التی جاء بها أو یعصوها.
2-و هو المبشر بالجنة لمن أطاع اللّه سبحانه.
3-و هو النذیر بالعقاب لمن عصی اللّه سبحانه.
4-و هو الداعی إلی اللّه بإذن اللّه سبحانه،أی الداعی إلی طاعته و رحمته.
5-و هو السراج المنیر بالعلم و الحق و الهدی.
6-و هو المرسل رحمة للعالمین.قال سبحانه (1)
الأنبیاء:107. [1]
وَ ما أَرْسَلْناکَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِینَ .7-و هو المرسل إلی کافة الناس قال سبحانه (2)وَ ما أَرْسَلْناکَ إِلاّ کَافَّةً لِلنّاسِ .و هو إما بمعنی الجمیع:یعنی أرسلناک إلی الناس جمیعا.أو بمعنی الکف:یعنی أنه صلّی اللّه علیه و آله یرسل لکی یکف الناس عن المظالم و الذنوب إلی الطاعات و الحق و العدل.
8-و هو رسول اللّه قال سبحانه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ .و قال جلّ جلاله:
رَسُولٌ مِنَ اللّهِ یَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ،فیها کتب قیمة.یعنی فیها کتابات ذات قیمة عظیمة و یراد بها القرآن الکریم.
9-و هو الذکر.قال اللّه سبحانه (3)فَاتَّقُوا اللّهَ یا أُولِی الْأَلْبابِ الَّذِینَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللّهُ إِلَیْکُمْ ذِکْراً رَسُولاً یَتْلُوا عَلَیْکُمْ آیاتِ اللّهِ مُبَیِّناتٍ لِیُخْرِجَ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَی النُّورِ .
10-و هذه الآیة الکریمة و عدد آخر تدل أیضا علی أنه صلّی اللّه علیه و آله:
التالی.لأنه یتلو علینا آیات اللّه مبینات.
11-و هو أیضا یخرج الذین آمنوا و عملوا الصالحات،من ظلمات الغوایة و الجهل إلی نور الحق و العدل.کما سمعنا من الآیة نفسها.
12-و طاعته مقرونة بطاعة اللّه سبحانه و کلاهما واجبة.قال سبحانه (1)
النساء:59. [1]
:یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ .
13-بل طاعته صلّی اللّه علیه و آله هی طاعة اللّه سبحانه:قال تعالی (2):
مَنْ یُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ .
14-و الاستجابة إلیه مقرونة بالاستجابة للّه سبحانه.قال تعالی (3)اَلَّذِینَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَ الرَّسُولِ .و قال جلّ جلاله (4)اِسْتَجِیبُوا لِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاکُمْ لِما یُحْیِیکُمْ .
15-و الإیمان به صلّی اللّه علیه و آله مقرون بالإیمان باللّه جلّ جلاله قال سبحانه (5)وَ یَقُولُونَ آمَنّا بِاللّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنا .
16-و ولایته مقرونة بولایة اللّه تعالی.قال جلّ جلاله (6)إِنَّما وَلِیُّکُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا .و قال (7)وَ مَنْ یَتَوَلَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ .
17-و فضله مقرون بفضل اللّه قال تعالی (8)وَ قالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَیُؤْتِینَا اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ .و قال (9)وَ ما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ .
18-و صدقه مقرون بصدق اللّه سبحانه.قال سبحانه (1)
الأحزاب:22. [1]
وَ صَدَقَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ .19-و نصره مقرون بنصر اللّه سبحانه:قال جلّ جلاله (2)وَ یَنْصُرُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ .
20-و عزته مقرونة بعزّة اللّه سبحانه:قال تعالی (3)وَ لِلّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِینَ .
21-و الکفر به مقرون بالکفر باللّه سبحانه.قال جلّ جلاله (4)إِنَّهُمْ کَفَرُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ .
22-و عصیانه مقرون بعصیان اللّه سبحانه قال تعالی (5)وَ مَنْ یَعْصِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِینَ فِیها أَبَداً .
23-و شقاقه،أی المعاندة ضده،مقرونة إلی الشقاق ضد اللّه سبحانه قال اللّه عزّ و جلّ (6)ذلِکَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ .
24-و محادته،أی الکید له و العمل ضد أهدافه،مقرونة بمحادة اللّه تعالی.
قال جلّ جلاله (7)إِنَّ الَّذِینَ یُحَادُّونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِکَ فِی الْأَذَلِّینَ .و قال سبحانه (8)إِنَّ الَّذِینَ یُحَادُّونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ کُبِتُوا کَما کُبِتَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ .
25-و حربه مقرون بحرب اللّه سبحانه قال تعالی (9)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِ .أی توقعوا ذلک.
26-و محاربته مقرونة بمحاربة اللّه سبحانه.قال جلّ جلاله (1)
المائدة:33. [1]
إِنَّما جَزاءُ الَّذِینَ یُحارِبُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ یَسْعَوْنَ فِی الْأَرْضِ فَساداً .27-و براءته مقرونة ببراءة اللّه سبحانه قال تعالی (2)بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَی الَّذِینَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِکِینَ .
28-و رضاؤه مقرون برضاء اللّه جلّ جلاله قال تعالی (3)وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ یُرْضُوهُ إِنْ کانُوا مُؤْمِنِینَ .
29-و إیذاؤه مقرون بإیذاء اللّه سبحانه:قال سبحانه (4)اَلَّذِینَ یُؤْذُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِی الدُّنْیا وَ الْآخِرَةِ .
30-و عهده مقرون بعهد اللّه تعالی.قال جلّ جلاله (5)کَیْفَ یَکُونُ لِلْمُشْرِکِینَ عَهْدٌ عِنْدَ اللّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ .
31-و عطاؤه مقرون بعطاء اللّه تعالی.قال سبحانه (6)وَ قالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَیُؤْتِینَا اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ .
32-و دعوته مقرونة بدعوة اللّه سبحانه قال تعالی (7)وَ إِذا دُعُوا إِلَی اللّهِ وَ رَسُولِهِ لِیَحْکُمَ بَیْنَهُمْ .
33-و وعده مقرون بوعد اللّه جلّ جلاله:قال تعالی (8)قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللّهُ وَ رَسُولُهُ .
34-و قضاؤه مقرون بقضائه تعالی.قال سبحانه (9)وَ ما کانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَی اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ یَکُونَ لَهُمُ الْخِیَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ .
35-و توقیره مقرون بتوقیر اللّه تعالی.قال سبحانه (1)
الفتح:9. [1]
لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ بُکْرَةً وَ أَصِیلاً .36-و الحیف منفی عنه و عن اللّه عزّ و جلّ.قال تعالی (2)أَمْ یَخافُونَ أَنْ یَحِیفَ اللّهُ عَلَیْهِمْ وَ رَسُولُهُ .
37-و هو الذی أرسله اللّه سبحانه (3)بِالْهُدی وَ دِینِ الْحَقِّ لِیُظْهِرَهُ عَلَی الدِّینِ کُلِّهِ .
38-و هو صلّی اللّه علیه و آله أولی بالنبی إبراهیم الخلیل علیه السلام.قال تعالی (4)إِنَّ أَوْلَی النّاسِ بِإِبْراهِیمَ لَلَّذِینَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِیُّ،وَ الَّذِینَ آمَنُوا .
39-و هو الذی یؤمن باللّه سبحانه و کلماته.قال تعالی (5)فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِیِّ الْأُمِّیِّ الَّذِی یُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ کَلِماتِهِ .
40-و هو النبی الأمیّ،کما دلت علیه نفس الآیة الکریمة.و هذا الوصف إما بمعنی أنه من أم القری و هی مکة المکرمة.أو بمعنی أنه لا یعرف القراءة و الکتابة ظاهرا و إن کان یعرفها بعلم النبوة.و ذلک قطعا لإرجاف الکفار و المنافقین فی دعوته صلّی اللّه علیه و آله.أما أنه لم یکتب طول حیاته حرفا، فهذا أکید،و دل علیه القرآن الکریم (6)وَ ما کُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ کِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِیَمِینِکَ.إِذاً لاَرْتابَ الْمُبْطِلُونَ .
و هی دالة علی نفی القراءة علی الصفحات أیضا.و المراد بالکتاب الکتابة.
41-و هو صلّی اللّه علیه و آله المرسل بالحق.قال تعالی (7)إِنّا أَرْسَلْناکَ بِالْحَقِّ بَشِیراً وَ نَذِیراً .
42-و هو صلّی اللّه علیه و آله أولی بالمؤمنین من أنفسهم قال تعالی (1)
الأحزاب:6. [1]
:اَلنَّبِیُّ أَوْلی بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ .
43-أزواجه أمهات المؤمنین.قال تعالی (2)وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ و هو مؤول بالنفوس الطاهرة للأولیاء.
44-و هو خاتم النبیین.قال تعالی (3)وَ لکِنْ رَسُولَ اللّهِ وَ خاتَمَ النَّبِیِّینَ و هو بمعنی أنه صلّی اللّه علیه و آله أخیرهم و أنه لا نبی بعده.کما ورد عنه صلّی اللّه علیه و آله و أما بمعنی أنه المسیطر علی الأنبیاء جمیعا،کسیطرة الخاتم علی الإصبع و إحاطته به.بمعنی أن دعوته صلّی اللّه علیه و آله شاملة لهم جمیعا.
و سیأتی ما یدل علیه.
45-إن الأدیان السابقة و إن اختلفت عن شریعة الإسلام بالتفاصیل،إلاّ أنها لا تختلف عنها بالمضمون و الجوهر.فشریعة الإسلام،التی جاء بها النبی صلّی اللّه علیه و آله شاملة للبشر أجمعین حتی قبل البعثة.
قال تعالی (4)قالُوا:نَعْبُدُ إِلهَکَ وَ إِلهَ آبائِکَ إِبْراهِیمَ وَ إِسْماعِیلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .
و قال تعالی (5)هُوَ سَمّاکُمُ الْمُسْلِمِینَ مِنْ قَبْلُ وَ فِی هذا .
و قال سبحانه (6)فَما وَجَدْنا فِیها غَیْرَ بَیْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِینَ .
و قال جلّ و علا (7)وَ إِذْ أَوْحَیْتُ إِلَی الْحَوارِیِّینَ أَنْ آمِنُوا بِی وَ بِرَسُولِی قالُوا:
آمَنّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ .
و کذلک الحال فی الجن.قال تعالی (1)
الجن:14. [1]
وَ أَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا الْقاسِطُونَ .46-و هذا یدل علی أن شریعته عامة للأنس و الجن معا.
47-و هو الذی بشّر به النبی عیسی ابن مریم علیه السلام.قال تعالی علی لسانه (2)وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ یَأْتِی مِنْ بَعْدِی اسْمُهُ أَحْمَدُ .48-و هو الذی کان یعلم ببعثته علماء بنی إسرائیل.قال تعالی (3)أَ وَ لَمْ یَکُنْ لَهُمْ آیَةً أَنْ یَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِی إِسْرائِیلَ .49-و لم یعلمه اللّه عزّ و جلّ الشعر لما فیه من خلة و نقص فی مقامه.قال تعالی (4)وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما یَنْبَغِی لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِکْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِینٌ .
50-و هو السمیع البصیر بنص آیة الإسراء.قال سبحانه (5)سُبْحانَ الَّذِی أَسْری بِعَبْدِهِ لَیْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَی الْمَسْجِدِ الْأَقْصَی الَّذِی بارَکْنا حَوْلَهُ لِنُرِیَهُ مِنْ آیاتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ .و یراد به هنا شخص النبی صلّی اللّه علیه و آله.و أما کون اللّه سبحانه سمیعا بصیرا فهو ثابت فی آیات أخری عدیدة.
51-و تدلنا هذه الآیة علی أنه صلّی اللّه علیه و آله عبد اللّه عزّ و جلّ.و هذا من أعظم صفاته و مکرر فی القرآن الکریم.و فی الخبر عنه صلّی اللّه علیه و آله:
«إن اللّه اختارنی عبدا قبل أن یختارنی رسولا».
52-کما تدل هذه الآیة أنه صلّی اللّه علیه و آله صاحب الإسراء.و أنه رأی و سمع الآیات البینات.و هذا واضح.
53-و هو صلّی اللّه علیه و آله:الرسول الکریم.قال سبحانه (6)إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ کَرِیمٍ .
1
54-و هو (ذِی قُوَّةٍ) .
55-و هو (عِنْدَ ذِی الْعَرْشِ مَکِینٍ) .
56-و هو (مُطاعٍ ثَمَّ) أی هناک یعنی فی العالم الأعلی و فی الملکوت الأعلی.
57-و هو (أَمِینٍ) .
58- (وَ ما هُوَ عَلَی الْغَیْبِ بِضَنِینٍ) أی ببخیل.
59- (وَ ما صاحِبُکُمْ بِمَجْنُونٍ) .
60- (إِنْ هُوَ إِلاّ ذِکْرٌ لِلْعالَمِینَ) علی تأویل رجوع الضمیر إلیه صلّی اللّه علیه و آله.
هذا مضافا إلی ما ذکر فی سورة النجم و غیرها مما لا ینبغی الإطالة به.
فهذه ستون صفة قائمة به صلّی اللّه علیه و آله بنص القرآن الکریم.و هناک صفات أخری عدیدة لا حاجة إلی استیعابها.
و کان بعض تلک الصفات مشترکة بینه و بین غیره،مع أننا قد ذکرناها تحت عنوان أنها الصفة التی یختص بها.و الوجه فی ذلک أن کل صفة مشترکة فهی:
أولاً:أن ذکره صلّی اللّه علیه و آله متقدم فی الآیة علی غیره.
ثانیا:أنه أولی بالاتصاف بها من غیره.
ثالثا:أنه أکثر اتصافاً بها من غیره.فمثلا قوله تعالی وَ لِلّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِینَ فإن العزة العلیا للّه عزّ و جلّ لا یشارکه فیها أحد.ثم هی لرسوله لا یشارکه فی مرتبته أحد.ثم هی بعد ذلک للمؤمنین جمیعا.
بعد أن حملنا فکرة کافیة عن صفات رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله فی القرآن الکریم،ینبغی لنا أن نحدد نظرة فی السنّة الشریفة،بما فی ذلک الأدعیة و الزیارات،التی هی فی واقعها من السنّة،بصفتها مرویة عن القادة المعصومین علیهم السلام.
قال فی الدعاء (1)
مفاتیح الجنان ص 51 و ما بعدها. [1]
:اللهم صلّ علی محمد سید المرسلین و خاتم النبیین و حجة رب العالمین المنتخب فی المیثاق المصطفی فی الظلال المطهر من کل آفة البریء من کل عیب المؤمل للنجاة المرتجی للشفاعة المفوض إلیه دین اللّه.اللهم شرف بنیانه و عظم برهانه و أفلح حجته و أرفع درجته و أضئ نوره و بیض وجهه و أعطه الفضل و الفضیلة و المنزلة و الوسیلة و الدرجة الرفیعة مقاما محمودا یغبطه به الأولون و الآخرون.و هذا النص یحتوی علی عشر صفات و اثنی عشر دعاء بإعطائه صلّی اللّه علیه و آله صفات معینة.و من المسلّم به أن الدعاء بحقه صلّی اللّه علیه و آله مستجاب.فهذه الأدعیة تدل علی ثبوت هذه الصفات له فعلا.و لم یتکرر منها عما ذکرناه من القرآن الکریم إلاّ صفة(خاتم النبیین).فتکون الصفات غیر المکررة إحدی و عشرون.فیکون بإضافته إلی الخمسین السابقة إحدی و سبعون.
و قال فی زیارته صلّی اللّه علیه و آله (2):أشهد أن لا إلیه إلاّ اللّه وحده لا شریک له.و أشهد أن محمدا عبده و رسوله و أنه سید الأولین و الآخرین و أنه سید الأنبیاء و المرسلین.
ثم یقول:السلام علیک یا رسول اللّه السلام علیک یا خلیل اللّه السلام علیک یا نبی اللّه السلام علیک یا صفوة اللّه السلام علیک یا رحمة اللّه السلام علیک یا خاتم النبیین السلام علیک یا سید المرسلین السلام علیک یا قائما بالقسط السلام علیک یا فاتح الخیر السلام علیک یا معدن الوحی و التنزیل السلام علیک یا مبلغا عن اللّه السلام علیک أیها السراج المنیر السلام علیک یا مبشر السلام علیک یا نذیر السلام علیک یا منذر السلام علیک یا نور اللّه الذی یستضاء به.
ثم یقول:السلام علیک یا أحمد السلام علیک یا حجة اللّه علی الأولین و الآخرین و السابق إلی طاعة رب العالمین و المهیمن علی رسله و الخاتم لأنبیائه
و الشاهد علی خلقه و الشفیع إلیه و المکین لدیه و المطاع فی ملکوته.و الأحمد من الأوصاف المحمد لسائر الأشراف الکریم عند الرب و المکلّم من وراء الحجب، الفائز بالسباق و الفائت عن اللحاق.
ثم یقول:اشهد یا رسول اللّه مع کل شاهد و اتحملها عن کل جاحد إنک قد بلغت رسالات ربک و نصحت لأمتک و جاهدت فی سبیل ربک و صدعت بأمره و احتملت الأذی فی جنبه و دعوت إلی سبیله بالحکمة و الموعظة الحسنة الجمیلة.
و أدیت الحق الذی کان علیک.و إنک قد رأفت بالمؤمنین و غلظت علی الکافرین و عبدت اللّه مخلصا حتی أتاک الیقین.فبلغ اللّه بک أشرف محل المکرمین و أعلی منازل المقربین و أرفع درجات المرسلین حیث لا یلحقک لاحق و لا یفوقک فائق و لا یسبقک سابق و لا یطمع فی إدراکک طامع.
الحمد لله الذی استنقذنا بک من الهلکة و هدانا بک من الضلالة و نورنا بک من الظلمة.
ثم یقول:اللهم اجعل جوامع صلواتک و نواحی برکاتک و فواضل خیراتک و شرائف تحیاتک و تسلیماتک و کراماتک و رحماتک.و صلوات ملائکتک و أنبیائک المرسلین و أئمتک المنتجبین و عبادک الصالحین و أهل السماوات و الأرضین و من سبح لک یا رب العالمین من الأولین و الآخرین،علی محمد عبدک و رسولک و شاهدک و نبیک و نذیرک و أمینک و مکینک و نجیک و نجیبک و حبیبک و خلیلک و صفیک و صفوتک و خاصتک و خالصتک و رحمتک و خیر خیرتک من خلقک نبی الرحمة و خازن المغفرة و قائد الخیر و البرکة و منقذ العباد من الهلکة بإذنک و داعیهم إلی دینک القیم.أول النبیین میثاقا و آخرهم مبعثا.الذی غمسته فی بحر الفضیلة و المنزلة الجلیلة و الدرجة الرفیعة و المرتبة الخطیرة و أودعته الأصلاب الطاهرة و نقلته منها إلی الأرحام المطهرة لطفا منک له و تحننا منک علیه.
ثم یقول:صلّ علیه کما و فی بعهدک و بلغ رسالاتک و قاتل أهل الجحود علی توحیدک و قطع رحم الکفر فی إعزاز دینک و لبس ثوب البلوی فی مجاهدة أعدائک.و قد أسرّ الحسرة و أخفی الزفرة و تجرع الغصّة و لم یتخطّ ما مثل له وحیک.
و قال الإمام السجاد زین العابدین علیه السلام فی الدعاء الثانی من الصحیفة السجادیة (1)
ص 15 و ما بعدها.
:اللهم فصل علی محمد أمینک علی وحیک و نجیبک من خلقک و صفیک من عبادک إمام الرحمة و قائد الخیر و مفتاح البرکة،کما نصب لأمرک نفسه و عرض فیک للمکروه بدنه و کاشف فی الدعاء إلیک حامته و حارب فی رضاک أسرته،و قطع فی إحیاء دینک رحمه و أقصی الأدنین علی جحودهم و قرب الأقصین علی استجابتهم لک.و والی فیک الأبعدین و عادی فیک الأقربین و أدأب نفسه فی تبلیغ رسالتک و أتعبها بالدعاء إلی ملتک و شغلها بالنصح لأهل دعوتک.و هاجر إلی بلاد الغربة و محل النأی عن موطن رحله و موضع رجله و مسقط رأسه و مأنس نفسه،إرادة منه لإعزاز دینک و استنصارا علی أهل الکفر بک.إلی أن قال:اللهم فارفعه بما کدح فیک إلی الدرجة العلیا من جنتک حتی لا یساوی فی منزلة و لا یکافأ فی مرتبة و لا یوازیه لدیک ملک مقرب و لا نبی مرسل.و عرفه فی أهله الطاهرین و أمته المؤمنین من حسن الشفاعة أجل ما و عدته.
و قال أیضا علیه السلام فی دعائه لیوم عرفة (2):رب صلّ علی محمد و آل محمد المنتجب المصطفی المکرم المقرب أفضل صلواتک و بارک علیه أتم برکاتک و ترحم علیه أمتع رحماتک.ربّ صلّ علی محمد و آل محمد صلاة لا تکون صلاة أزکی منها و صلّ علیه صلاة نامیة لا تکون صلاة أنمی منها و صلّ علیه صلاة راضیة لا تکون صلاة فوقها.
ربّ صلّ علی محمد و آله صلاة ترضیه و تزید علی رضاه و صلّ علیه صلاة ترضیک و تزید علی رضاک له.و صلّ علیه صلاة لا ترضی له إلاّ بها و لا تری غیره لها أهلا.
ربّ صلّ علی محمد و آله صلاة تجاوز رضوانک و یتصل اتصالها ببقائک و لا تنفد کما لا تنفد کلماتک.
ربّ صلّ علی محمد و آله صلاة تنظم صلوات ملائکتک و أنبیائک و رسلک و أهل طاعتک و تشتمل علی صلوات عبادک من جنک و أنسک و أهل إجابتک، و تجتمع علی صلاة کل من ذرأت و برأت من أصناف خلقک.
ربّ صلّ علیه و آله صلاة تحیط بکل صلاة سالفة و آنفة(مستأنفة).و صلّ علیه و علی آله صلاة مرضیة لک و لمن دونک و تنشئ مع ذلک صلوات تضاعف معها تلک الصلوات عندها،و تزیدها علی کرور الأیام زیادة فی تضاعیف لا یعدها غیرک.
و أحب أن أختم هذه الأدعیة بهذا الحدیث الشریف علی طوله،فإنه المناسب لمقامنا هذا.و هو ما رواه الشیخ الصدوق فی الخصال بسنده عن سفیان الثوری عن جعفر بن محمد الصادق علیه السلام عن أبیه عن جدّه عن علی بن أبی طالب علیهم السلام قال (1)
ج 2 ص 481.
:إن اللّه تبارک و تعالی خلق نور محمد صلّی اللّه علیه و آله قبل خلق السماوات و الأرض و العرض و الکرسی و اللوح و القلم و الجنة و النار و قبل خلق آدم و نوحا و إبراهیم و إسماعیل و إسحاق و یعقوب و موسی و عیسی و داود و سلیمان.و کل من قال اللّه عزّ و جلّ فی قوله وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ یَعْقُوبَ -إلی قوله- وَ هَدَیْناهُمْ إِلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ و قبل أن خلق الأنبیاء کلهم بأربع مائة ألف و أربعة و عشرین ألف سنة.و خلق اللّه عزّ و جلّ-اثنی عشر حجابا:حجاب القدرة و حجاب العظمة و حجاب المنة و حجاب الرحمة و حجاب السعادة و حجاب الکرامة و حجاب المنزلة و حجاب الهدایة و حجاب النبوة و حجاب الرفعة و حجاب الهیبة و حجاب الشفاعة.
ثم حبس نور محمد صلّی اللّه علیه و آله فی حجاب القدرة اثنی عشر ألف سنة و هو یقول سبحان ربی الأعلی و فی حجاب الظلمة إحدی عشر ألف سنة و هو یقول:سبحان عالم السر و فی حجاب المنة عشرة آلاف سنة و هو یقول:
سبحان من هو قائم لا یلهو و فی حجاب الرحمة تسعة آلاف سنة و هو یقول:
1) 1)
سبحان الرفیع الأعلی.و فی حجاب السعادة ثمانیة آلاف سنة و هو یقول:
سبحان من هو قائم لا یسهو.و فی حجاب الکرامة سبعة آلاف سنة و هو یقول:
سبحان من هو غنی لا یفتقر.و فی حجاب المنزلة ستة آلاف سنة و هو یقول:
سبحان ربی العلی الکریم.و فی حجاب الهدایة خمسة آلاف سنة و هو یقول:
سبحان رب العرش العظیم.و فی حجاب النبوة أربعة آلاف سنة و هو یقول:
سبحان رب العزة عما یصفون.و فی حجاب الرفعة ثلاثة آلاف سنة و هو یقول:سبحان ذی الملک و الملکوت.و فی حجاب الهیبة ألفی سنة و هو یقول:
سبحان اللّه و بحمده.و فی حجاب الشفاعة ألف سنة و هو یقول:سبحان ربی العظیم و بحمده.
ثم أظهر عزّ و جلّ اسمه علی اللوح،و کان علی اللوح منوّرا أربعة آلاف سنة.ثم أظهره علی العرش،فکان علی ساق العرش مثبتا سبعة آلاف سنة إلی أن وضعه اللّه عزّ و جلّ فی صلب آدم،ثم نقله من صلب آدم إلی صلب نوح ثم جعل مخرجه من صلب إلی صلب حتی أخرجه من صلب عبد اللّه بن عبد المطلب.فأکرمه بست کرامات:ألبسه قمیص الرضا و ردّأه رداء الهیبة و توجّه تاج الهدایة و ألبسه سراویل المعرفة و جعل تکته تکة المحبة یشد بها سراویله.
و جعل نعله الخوف و ناوله عصا المنزلة.
ثم قال اللّه عزّ و جلّ له:یا محمد اذهب إلی الناس فقل لهم:قولوا:لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه.
و کان أصل ذلک القمیص فی ستة أشیاء:قامته من الیاقوت و کمّأة من اللؤلؤ و دخریصه (1)
الدخریصة:لبنة القمیص.
من البلور الأصفر و إبطاه من الزبرجد و جریانه من المرجان الأحمر و جیبه من نور الرب جلّ جلاله.فقبل اللّه توبة آدم بذلک القمیص و رد خاتم سلیمان به و رد یوسف إلی یعقوب به و نجا یونس من بطن الحوت به و کذلک سائر الأنبیاء نجاهم من المحن به.و لم یکن ذلک القمیص إلاّ قمیص محمد صلّی اللّه علیه و آله.1) 1)
أقول:و فی هذا الحدیث الجلیل أسرار جلیلة لا بدّ من إیکال علمها إلی اللّه سبحانه و الراسخین فی العلم،و حسبنا فیه ما یدل علی عظمة صفات النبی صلّی اللّه علیه و آله و ارتفاع شأنه،و علو منزلته صلّی اللّه علیه و آله.
و للفقهاء حدیث أیضا عن صفات النبی صلّی اللّه علیه و آله،و هم یذکرون الصفات التکوینیة و الصفات الفقهیة.و نحن نذکر الآن الصفات التکوینیة التی نحن بصددها،حتی إذا ما وصل الدور للصفات الفقهیة ذکرناها.
قال صاحب الجواهر (1)
کتاب النکاح من الجواهر. [1]
:حتی أنه أفردها بعضهم بالتنصیف فی کتاب ضخم.و العلاقة فی محکی التذکرة منها ما یزید علی سبعین.أقول:فمنها أنه تنام عینه و لا ینام قلبه.فسرها صاحب الجواهر:بمعنی نقاء التحفظ و الإحساس.قیل:و علی هذا لا ینتقض و ضوؤه بالنوم فیحصل باعتباره خاصة أخری له صلّی اللّه علیه و آله و قد عدت فی خواصه صلّی اللّه علیه و آله.
و منها أنه کان یبصر وراءه کما یبصر أمامه.و فسرها صاحب الجواهر بمعنی التحفظ و الإحساس فی الحالتین.
و منها:تفضیل زوجاته علی غیرهن فإن جعل ثوابهن و عقابهن علی الضعف من غیرهن.
و جعلهن أمهات المؤمنین.
و حرم أن یسألن غیرهن إلاّ من وراء حجاب.
و أنه خاتم النبیین.
و أمته خیر الأمم.
و نسخ بشریعته جمیع الشرائع السابقة.
و جعلها مؤیّدة إلی یوم القیامة.
و جعل کتابه معجزا فی حین لم تکن الکتب السابقة کذلک.
و معجزة کتابه باقیة إلی یوم القیامة.
1) 1)
و محفوظة عن التبدیل و التغییر.
و نصره بالرعب علی مسیرة شهر.
و شفعه فی أهل الکبائر من أمته.
و جعله أول شافع و أول مشفع.
و جعله سید ولد آدم إلی یوم القیامة.
و أول من تنشق عنه الأرض یوم البعث.
و أول من یقرع باب الجنة.
و أکثر الأنبیاء تبعا.
و أول من قال:بلی فی المیثاق ثم الأمثل فالأمثل.
و جعل تطوعه قاعدا کتطوعه قائما من غیر عذر.
و یحرم علی غیره رفع صوته علیه.
و یحرم مناداته من وراء الحجرات.
و جعل له مخاطبة المصلی له بقوله:السلام علیک أیها النبی و رحمة اللّه و برکاته.
فهذه أربع و عشرون صفة ذکرها الفقهاء،مما استفادوه من الکتاب الکریم و السنّة الشریفة.
و ینبغی لنا قبل التحول إلی الصفات الفقهیة أن نتعرض إلی عدة أمور:
الأمر الأول:فی شرح بعض الصفات التی وردت فی السنّة الشریفة مما نقلناه قبل قلیل.
أولا:وردت صفته:أنه المصطفی فی الظلال.أی فی عالم الظلال.و هو المذکور فی الآیة الکریمة (1)
الرعد 15. [1]
وَ لِلّهِ یَسْجُدُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ کَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ .و قد ورد فی شرحه فی بعض الروایات قوله علیه السّلام:ألا تری أن الظل هو شیء و لیس بشیء.1) 1)
و هذا یعنی أن عالم الظلال هو شیء و لیس بشیء،تشبیها له بالظل الموجود فعلا علی هذه الأرض.
و لعالم الظلال عدة تفاسیر أهمها تفسیران:
التفسیر الأول:إنه عالم مشابه لهذا العالم و ملابس له،و لکنه أدنی منه مرتبة و أقل شرفا.فکل جسم له ظل یمشی معه و یستقر معه.کما أن کل جسم حی له روح فی داخله.إلاّ أن عالم الروح أعلی شرفا من عالم الأجسام و عالم الظلال أدنی منه.
التفسیر الثانی:إن عالم الظلال تعبیر آخر عن هذا العالم نفسه،و لکنه منظور إلیه بصفته فانیا فی اللّه عزّ و جلّ و صورة لقدرته فهو إشراق من إشراقاته و ظل من ظلاله.
و للقارئ أن یأخذ أیا من هذین التعبیرین شاء.و هی علی أی حال یکون للصفة النبویة:المصطفی فی الظلال معناها المقصود.
أما علی التفسیر الأول:فهو صلّی اللّه علیه و آله مصطفی فی العالم الأدنی، فضلا عن العالم الأعلی فقط.
و أما علی التفسیر الثانی:فمن الواضح أن العالم الملحوظ بصفته إشراقا لنور اللّه سبحانه أشرف و أعلی من العالم الملحوظ بحیال ذاته.إذن فالإصطفاء کان فی العالم الأشرف و الأعلی و کلما ثبت فی العالم الأعلی سری أثره إلی العالم الأدنی لا محالة.لأن معنی العلو و الشرف المعنوی هو الهیمنة و السیطرة علی کل ما تحته.
هذا،و قد فهم صاحب تفسیر المیزان (1)
المصدر ج 11 ص 322.
من الظلال فی الآیة الکریمة:الظلال الاعتیادیة،و أن من فی السماوات و الأرض یسجد للّه عزّ و جلّ و ظلال هذه الأشیاء أیضا تسجد بالمعنی الذی فهمه.و أن سقوط الظل علی الأرض بمنزلة أن یخر ساجدا.1) 1)
و هذا فیه عدة مناقشات نذکر أهمها:
أولا:إن ما فی الأرض إن کان له ظل،فلیس لما فی السماوات ظل.لأن الظل ناتج من نور الشمس.و نحن لا نعلم ما یحال سکان السماوات من هذه الناحیة.و من المعلوم أن نسبة الأرض إلی السماوات نسبة ضئیلة جدا تکاد تکون ملحقة بالعدم.فعود الضمیر فی قوله تعالی (وَ ظِلالُهُمْ) إلی خصوص الأرض لا یخلو من سماجة و عوده إلی المجموع بهذا المعنی غیر ممکن.
ثانیا:إن نسبة وجود الظل فی الأرض إلی ما لا ظل له کثیر جدا.ففی اللیل لا یوجد ظل و کذلک تحت السقوف و نحوها مما یحجب ضوء الشمس لا یوجد ظل لما هو تحتها.و کذلک فی باطن الأرض و ما فیها لا یوجد ظل.
و کذلک للجبال الثابتة علی الأرض لا یوجد ظل تحتها.إلی آخره.
فی حین أن ظاهر الآیة الکریمة وجود الظل لکل ما فی السموات و الأرض و علی الدوام.
ثالثا:إن الظل لا یسقط علی الأرض و إنما الضوء هو الذی یسقط.و یکون الظل هو المنطقة الخالیة من الضوء.و إنما لها وجود عرفی و همی لا أکثر و لا أقل.فحد الظل إنما هو حد نهایة سقوط الضوء و لیس حدا لنهایة الظل کما یراه الناس.إذن،فلیس للظل سقوط علی الأرض حتی یمثل بالسجود.
و معه یتعین أن یکون المراد من الآیة الکریمة شیء آخر.و هو ما سبق أن حملنا عنه فکرة معینة.
و صفته الأخری:المکین لدیه المطاع فی ملکوته.و هو إشارة إلی قوله تعالی (1)
التکویر:21. [1]
ذِی قُوَّةٍ عِنْدَ ذِی الْعَرْشِ مَکِینٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِینٍ .و(ثم)بالفتح بمعنی هناک أی فی العالم الأعلی أو عالم الملکوت.و فی منطوق الآیة راجع إلی قوله عِنْدَ ذِی الْعَرْشِ .و صفته الأخری:المکلم من وراء الحجب.و هو بصیغة المفعول:أی یکلمه
1) 1)
اللّه من وراء الحجب.طبقا لقوله تعالی (1)
الشوری:21.
وَ ما کانَ لِبَشَرٍ أَنْ یُکَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْیاً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ یُرْسِلَ رَسُولاً فَیُوحِیَ بِإِذْنِهِ ما یَشاءُ .و هو(صلی الله علیه و آله)بصفته بشرا یکون مصداقا و تطبیقا لهذه الآیة.و قد صرّح القرآن الکریم بذلک (2)قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ یُوحی إِلَیَّ .
و صفته الأخری:أنه قائد الخیر و البرکة.و الخیر اسم من أسماء اللّه سبحانه و تعالی (3)هُوَ خَیْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً . فَاللّهُ خَیْرٌ حافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِینَ (4).و کل ما یعطیه جل جلاله من منافع لخلقه خیر.و قیادة الخیر بمعنی تولی المسؤولیة عن توزیعه بین الناس و الخلق أجمعین.و کذلک کان النبی صلّی اللّه علیه و آله.
و من صفاته صلّی اللّه علیه و آله:أنه أول النبیین میثاقا و آخرهم مبعثا.
أما أنه أولهم میثاقا فلأنه هو أول من قال بلی فی عالم أخذ المیثاق حین قال اللّه سبحانه لخلقه أَ لَسْتُ بِرَبِّکُمْ .و قد سبق صلّی اللّه علیه و آله بذلک کل الخلق حتی الأنبیاء و المرسلین.
و أما أنه آخرهم مبعثا فلما ورد من أنه صلّی اللّه علیه و آله هو الحاشر و العاقب.و فسّر بأنه یحشر الناس علی قدمه.بما فی ذلک الأنبیاء و المرسلین.
فحین یتم مبعث الجمیع تأتی النوبة لمبعثه صلّی اللّه علیه و آله.
و من صفاته صلّی اللّه علیه و آله أنه منصور بالرعب.یعنی یرتعب منه أعداؤه فیتخاذلون عن منازلته و منازلة جیشه.فإن الجهة النفسیة لها الأثر الکبیر فی الانتصار.
و من صفاته:أنه أول من تنشق عنه الأرض یوم البعث.و هذا مناف ظاهرا لما سمعناه من أنه آخر الأنبیاء مبعثا.
و نتیجته إما القول بإسقاط أحدهما،باعتبار المنافاة،و یتعین الأول للإسقاط لأن الثانی وارد بسند أقوی نسبیا.
و إما القول بالتأویل بأحد وجوه نذکر واحدا منها:
و هو أنه من الممکن أن(للبعث)أکثر من معنی واحد أثبت أحدهما الأول و أثبت الآخر الثانی.
المعنی الأول:انشقاق الأرض عن الناس عند البعث لإنجاز یوم القیامة.و هذا هو الذی تعرض له أحد الوصفین،و أنه صلّی اللّه علیه و آله أول من تنشق عنه الأرض للبعث یوم القیامة.
المعنی الثانی:العرض أمام اللّه سبحانه و تعالی أو ما هو أعلی من ذلک مما یعلمه أهلوه،فإنه سبحانه غایة الغایات و منتهی الطلبات.و حیث أن النبی صلّی اللّه علیه و آله هو العلة المسؤولة عن هذا المعنی من البعث،فیستمر بعلمه قبل أن یتقدم بنفسه.
خذ إلیک مثلا:ما ورد عن ملک الموت سلام اللّه علیه.حیث إنه یقبض أرواح الملائکة قبله حتی إذا بقی وحده قبضه اللّه إلیه.أو محل الشاهد أن هذا الملک الجلیل حیث إنه متولی هذه المسؤولیة،فسیکون هو الأخیر فی بابه،و هذا هو مثال موقف نبینا صلّی اللّه علیه و آله.
فهذا هو الحدیث فی الأمر الأول فی شرح بعض الصفات.
الأمر الثانی:فی مناقشة مستفادة من علم(أصول الفقه)للفقهاء الذین أثبتوا هذه الأوصاف.و هی مناقشة نظریة لا تعنی عدم صحة هذه الأسماء بأی حال من الأحوال.
و ذلک أنهم أثبتوا فی علم الأصول أن حجیة خبر الواحد إنما تثبت فی الموارد التی لها محرکیة،و یعنون بها الأحکام التی تحتوی بالمطابقة أو بالالتزام علی الأمر و النهی:افعل و لا تفعل.الذی یتحرک المکلف فی مقام تطبیقها.و هو معنی المحرکیة.
و أما الموارد الخالیة عن المحرکیة،فلا تکون الأخبار فیها حجة،کما هو
المبرهن عندهم.و مثلوا لذلک بالأخبار التاریخیة،و أخبار یوم القیامة و غیر ذلک کثیر.و غایة ما قال الفقهاء فقهیا:إن الخبر منها أو عنها لو کان صحیحا أو معتبرا جاز لنا أن نقول:قال الإمام علیه السلام کذا و کذا،بخلاف ما لو لم یکن معتبرا.فإن فی قولنا هذا نوع من المحرکیة علی أی حال.أما مضمونها فیبقی علی عدم الاعتبار و الحجیة باعتبار عدم محرکیته.
و بالرغم من أن هذا الدلیل لا یخلو من مناقشة عندنا،لا مجال لسردها هنا،فإننا لو طبقناه هنا لکانت الأخبار الدالة علی وجود الأسماء غیر معتبرة لأنها لا تحتوی علی محرکیة کما هو معلوم.فکیف استطاع صاحب الجواهر أن یعدد الأسماء بدون استشکال.
و ما ذلک،بحسب فهمی،إلاّ أن بعض الأدلة التی یذکرونها فی علم الأصول،لا یجدون الطریق إلی تطبیقها فی علم الفقه.فمن ذلک من یستدل علی عدم وجوب مقدمة الواجب و لکنه لا یستشکل عملیا منه فی الفقه.و من یستدل علی عدم جریان البراءة العقلیة أو استصحاب العدم الأزلی أو الاستصحاب الاستقبالی و لکنه یطبقها فی الفقه بدون تأمل.
و العمدة هنا،هو عدم صحة ذلک الدلیل الذی ذکروه فی علم الأصول علی إطلاقه.و معه یمکن إثبات صحة هذه الأسماء فی حدود صحة الإسناد الدالة علیها.
فهذا هو الکلام فی الصفات و الخصائص غیر الفقهیة،له صلّی اللّه علیه و آله.و لا ینبغی لنا أن نطیل الکلام حولها أکثر من ذلک،فإن لها بابا مستقلا من المعرفة لا یسعها هذا الکتاب.
لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله.و هی تنقسم إلی ما یرتبط بکتاب النکاح أی بزوجاته،و إلی غیره و ما کان فی غیره فقد نعنی تکالیفه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم الواجب علیه القیام بها.و هذا هو الذی یعنونه،و قد تعنی تکالیف غیره تجاهه.و سنحمل عن هذا فکرة بالمقدار الممکن.
و قد ذکروا لذلک عدة أمور:
بلا خلاف فیه-کما قال صاحب الجواهر-بین العامة و الخاصة.قال:بل هو من الضروریات.و یکفی فی ذلک الوضوح التاریخی بأنه صلّی اللّه علیه و آله توفی عن تسع زوجات.
قال المحقق الحلی:و ربما کان الوجه فیه:الوثوق بعدله فیهن دون غیرهن.
و استشکل علیه صاحب الجواهر:أنه منتقض بالإمام عند مشترط عصمته.
یعنی أنه بصفته معصوما فهو موثوق العدالة بین زوجاته و مع ذلک لم یجز له الزیادة علی أربع،کسائر الناس.
و أجاب عنه:أن ذلک حکمة لا یجب اطرادها.أقول:فإن الفقهاء قالوا:إن العلة یجب أن تکون مطردة فی کل تطبیقاتها.و لکن الحکمة لا یجب فیها ذلک.و هذا لا یخلو من إشکال إلاّ أن یراد بالحکمة معنی اصطلاحی للفقهاء غیرها ما هو المقصود فی علم الکلام و الفلسفة و الأخلاق و غیرها.
و یرد علیه:إنهم قالوا:إن الحکمة ترد فی بعض الموارد و تتخلف فی بعض.
و أما ثبوتها فقط فی مورد واحد مع کثرة موارد التخلف کما هو معنی هذا الإشکال.فهو لا یکاد یمکن.
و المهم أن هذا الحکم للنبی صلّی اللّه علیه و آله ثابت له بأی صفة کانت.
و هی-بلا شک-من النعم الإلهیة علیه و علی زوجاته.
و هل یجوز له الزیادة علی تسع.قیل:لا.لأن الأصل استواء النبی صلّی اللّه علیه و آله و الأمة فی الحکم إلاّ أن یثبت جواز الزیادة إلی تسع بفعله صلّی اللّه علیه و آله.
و هذا الوجه غیر صحیح،لأن الأصل المشار إلیه هو عدم جواز الزیادة علی
أربع.و هذا لم یثبت فی حقه صلّی اللّه علیه و آله قطعا.و لم یثبت أصل آخر بدله،کالتقلیل حد الإمکان فی عدد الزوجات و نحو ذلک.
قال صاحب الجواهر:و الأولی الجواز مطلقا یعنی یجوز له صلّی اللّه علیه و آله الزواج بأی عدد أراد من الزوجات.
و استدل علیه بدلیلین:
الدلیل الأول:لما ذکر من العلة.یرید به الحکمة المشار إلیها و هی الوثوق بالعدل بین الزوجات.و هذا ثابت مهما تصاعد العدد.و قد سبق أن ناقشنا الوجه فی هذه الحکمة.
الدلیل الثانی:صحیحة الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:سألته عن قول النبی صلّی اللّه علیه و آله:یا أیها النبی أن أَحْلَلْنا لَکَ أَزْواجَکَ .قلت:کم أحل له من النساء.قال:ما شاء من شیء.
قلت:لا یحل لک النساء من بعد و لا أن تبدل بهن من أزواج.فقال:
لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله أن ینکح ما شاء من بنات عمّه و بنات عماته و بنات خاله و بنات خالاته و أزواجه اللاتی هاجرن معه و أحل له أن ینکح من غیرهن المؤمنة بغیر مهر.و هی الهبة.و لا تحل الهبة إلاّ لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله فأما لغیر رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله فلا یصلح نکاح إلاّ بمهر.
و ذلک معنی قوله وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً .الآیة.
قلت:أ رأیت قوله تُرْجِی مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ .الآیة.فقال:من آوی فقد نکح و من أرجی فلم ینکح.
قلت:قوله لا یَحِلُّ لَکَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ .قال:إنما عنی به النساء اللاتی حرم علیه فی هذه الآیة حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ أُمَّهاتُکُمْ .إلخ.و لو کان الأمر کما یقولون کان قد أحل لکم ما لم یحل له.إن أحدکم یستبدل کلما أراده.و لکن لیس الأمر کما یقولون،إن اللّه عزّ و جلّ أحلّ لنبیّه ما أراد من النساء إلاّ ما حرم علیه فی هذه الآیة التی فی سورة النساء.
ثم استشهد صاحب الجواهر بأخبار أخری،لکنها غیر معتبرة.
غیر أن هذا الدلیل الثانی یرد علیه ما ذکرناه فی الأمر الثانی السابق من إناطة الحجیة للخبر بوجود المحرکیة،فی حین أن صحیحة الحلبی هذه لا تحتوی علی أیة محرکیة،و إنما تصلح لمجرد الاطلاع.إلاّ أن الصحیح هو إمکان حجیتها فی خارج دائرة المحرکیة المصطلحة لهم کما هو محقق فی علم الأصول.
و هذا الخبر لا یخلو فی بعض فقراته من غموض،لعله ناشئ من النقل بالمعنی.إلاّ أنه دال علی هذه الصفة التی عنوناها فی الأمر الأول و هی جواز الزیادة علی أربع.و أما الخصائص الأخری،فسیأتی عنها الکلام بعونه سبحانه.
قالوا:ثم لا یلزمه صلّی اللّه علیه و آله بها مهر ابتداء و لا انتهاء.
قال صاحب الجواهر،کما سمعته فی صحیح الحلبی.و الأصل فیه(أی الدلیل الرئیسی)ما رواه محمد بن قیس عن أبی جعفر علیه السلام قال:
جاءت امرأة من الأنصار إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله،فدخلت علیه و هو فی منزل حفصة و المرأة متلبسة ممشطة،فدخلت علی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله فقالت یا رسول اللّه إن المرأة لا تخطب الرجل و أنا امرأة أیم لا زوج لی منذ دهر و لا لی ولد.فهل لک من حاجة.فإن تک فقد وهبت نفسی لک إن قبلتنی.
فقال لها رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله خیرا و دعا لها.ثم قال:یا أخت الأنصار جزاکم اللّه عن رسول اللّه خیرا.فقد نصرنی رجالکم و رغبت فی نساؤکم.إلی أن قال:انصرفی رحمک اللّه فقد أوجب اللّه لک الجنة لرغبتک فی و تعریضک بمحبتی و سروری و سیأتیک أمری إن شاء اللّه.
فأنزل اللّه عزّ و جلّ وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِیِّ إلخ فأحلّ اللّه عزّ و جلّ هبة المرأة نفسها لرسول اللّه و لا یحل ذلک لغیره.
هذا.و کون هذا الخبر هو الأصل مع وجود الآیة الکریمة و صحیحة الحلبی، غریب منه قدس سره.و قد نقلناه للاطلاع علی الحادثة بغض النظر عن سنده.
قال صاحب الجواهر:قیل لاشتراطه بخوف العنت.و هو معصوم.یعنی:
أن المعصوم منزّه عن العنت،فتحرم علیه الإماء لعدم توفر شرطها.
و هذا دلیل وارد فی کل معصوم لو تمّ.و المهم أنه لا دلیل علی وجود هذه الخصوصیة لدیه صلّی اللّه علیه و آله علی خلاف الشریعة العامة لسائر أفراد الأمة،و ما ذکروه لا یکفی دلیلا له.
و لا یکفی الاستدلال علیه بقوله تعالی وَ ما مَلَکَتْ یَمِینُکَ مِمّا أَفاءَ اللّهُ عَلَیْکَ .باعتبار أنها تدل علی عدم الجواز فی غیر هذه الصورة.یعنی إنما یجوز له صلّی اللّه علیه و آله نکاح الإماء بملک الیمین لا بالعقد.إلاّ أن هذا الاستدلال مبنی علی مفهوم الوصف الذی ثبت عدم صحته فی علم الأصول.
و لا منافاة بین حلیة ملک الیمین الذی نطقت به الآیة الکریمة و حلیة العقد،علی الإماء بدلیل آخر.
نعم،هو صلّی اللّه علیه و آله لم یفعل ذلک إلاّ أن الترک أعم من الحرمة، کما هو معلوم،کما أن الفعل أعم من الوجوب.
طبقا لقوله تعالی لا یَحِلُّ لَکَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَ لا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ .
و قد فسر ذلک فی صحیحة الحلبی السابقة:إنما عنی به اللاتی حرم علیه فی هذه الآیة حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ أُمَّهاتُکُمْ. إلخ.و لو کان الأمر کما یقولون کان قد أحل لکم ما لم یحل له.إن أحدکم یستبدل کلما أراده.و لکن لیس الأمر کما یقولون.إن اللّه عزّ و جلّ أحل لنبیه ما أراد من النساء إلاّ ما حرم علیه فی هذه الآیة التی فی سورة النساء.أقول:یعنی قوله تعالی حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ أُمَّهاتُکُمْ. إلخ.و نستطیع أن نسمیها آیة المحارم.
و الخبر معتبر،فلا بد من التعبد به.و یمکن تفسیر أو تقیید القرآن الکریم بالسنّة المعتبرة.و إن کانت الآیة لو خلیت و نفسها فإن لها إطلاقا أعم من ذلک.
و ینبغی الالتفات فی هذه الآیة الکریمة إلی أن ظاهرها التعرض لحکمین لا لحکم واحد.
الحکم الأول:عدم حلیة النساء (مِنْ بَعْدُ) یعنی من حین نزول الآیة فصاعدا.
الحکم الثانی:عدم جواز الاستبدال بنسائه نساء أخری.
و من الواضح شرعا أن الاستبدال لا یعنی ظاهره العرفی.
و إنما یتم فیما إذا طلق الرجل امرأته و تزوج أخری.فإنه نحو من الاستبدال.
و هو الذی یحرم علی النبی صلّی اللّه علیه و آله فی الآیة.و بعد عطفه علی تحریم النساء،یعنی أنه لا یجوز له صلّی اللّه علیه و آله نکاح الأخریات-غیر أزواجه-و إن طلق قسما منهن.و بهذا یکون الحکم الأول أعم من الحکم الثانی،کما هو معلوم.
و هذا الحکم الذی ثبت بالآیة،إنما ثبت بها-کما قال صاحب الجواهر-:
حین نزول هذه الآیة علیه حتی نسخ ذلک بقوله تعالی إِنّا أَحْلَلْنا لَکَ أَزْواجَکَ .خلافا لما عن بعض العامة من عدم نسخ هذا التحریم أصلا.و فیه منع بل قد سمعت ما تقدم من النصوص الدالة علی عدم وقوع هذا التحریم أصلا.و إنه لیس من خواصه فی وقت من الأوقات کصحیحة الحلبی و غیره.
أقول:و هذا النسخ محل نقاش صغری و کبری.أما الکبری فموکولة إلی علم الکلام فی أنه هل یمکن النسخ فی آیات القرآن الکریم أم لا.و ما ذا یکون المراد من الآیة بعد نسخها.و ما المراد بقوله تعالی (1)
البقرة:106. [1]
ما نَنْسَخْ مِنْ آیَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَیْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها .و لما ذا أن علماءنا التزموا بالنسخ المصرح به فی الآیة و لم یلتزموا بالإنساء أو النسیان المصرح به فی الآیة أیضا.کل هذا له کلام طویل لیس هذا محله.و أما صغری فلعدة أمور نذکر منها:
أولا:إن آیة: إِنّا أَحْلَلْنا لَکَ أَزْواجَکَ .واقعة بالترتیب فی المصحف قبل آیة:
لا یَحِلُّ لَکَ النِّساءُ .فکیف یمکن أن نقول بدلیل معتبر أنها نازلة بعدها لکی تکون ناسخة لها.
1) 1)
ثانیا:إن الآیتین تکادان أن تکونا متجاورتین،لا تفصل بینهما آیة واحدة.
و فی مثله یغلب علی الظن عدم التأخیر الکثیر فی النزول بینهما.فأی مقدار بقی أثر الآیة المنسوخة ساریا زمانا،یوما أو یومین مثلا أو أسبوعا.هذا من الصعب جدا تصوره.
و کون نزول الآیات مرتبا بشکل یختلف جدا عما هو موجود.و إن کان محتملا،إلاّ أنه لا یمکن إقامة الدلیل المعتبر علیه.و الموجود فی المصحف الشریف دلالة ظنیة متحققة فعلا علی ما قلناه.
ثالثا:إنه من الواضح أن موضوع إحدی الآیتین غیر موضوع الآیة الأخری.
فما تثبته إحداهما لا تنفیه الأخری.فآیة التحریم (لا یَحِلُّ لَکَ النِّساءُ) تنفی جواز التزویج من نساء جدد.و أما آیة التحلیل إِنّا أَحْلَلْنا لَکَ أَزْواجَکَ اللاّتِی آتَیْتَ أُجُورَهُنَّ. فتثبت التحلیل لعناوین معینة.
1-الزوجات الفعلیات التی دفعت مهورهن.
2-المملوکات.
3-عدد من الأقارب( بَناتِ عَمِّکَ وَ بَناتِ عَمّاتِکَ إلخ).
4-الهبة إلی النبی صلّی اللّه علیه و آله.
و فی مثل ذلک تکون آیة التحلیل أخص موضوعا من آیة التحریم الشاملة لکل النساء،یعنی عدا المذکورات فی آیة التحلیل.فإن کانت آیة التحلیل متأخرة کانت مقیدة و لا معنی لکونها ناسخة.و فی السابق کان هناک خلط ذهنی بین مفهوم التقیید و مفهوم النسخ.و النتیجة هی:إن الذی جاز للنبی صلّی اللّه علیه و آله هو ما ذکر فی آیة التحلیل.و بقیت سائر النساء محرمة علیه بعد نزول آیة التحریم.
و إن کانت آیة التحریم متأخرة،فالتقیید ممکن سواء کان العام متقدما أو متأخرا،کما هو المحقق فی علم الأصول.بل من الممکن القول إن لفظ النساء فی قوله تعالی لا یَحِلُّ لَکَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ منصرف إلی غیر ما ذکر فی الآیة الأخری.أما انصرافه عن الزوجات الفعلیات و المملوکات فواضح.و أما انصرافه عن الأقارب و الهبة،فیمکن تخریجه بوجه.و علی أی حال فمن غیر
المحتمل شمول آیة التحریم لبعض ما ذکر فی آیة التحلیل دون بعض.لأن الحکم فی آیة التحلیل واحد،فأما أن یبقی کله أو یزول کله،و لا مجال لتبعیضه،فتأمل.
عدم وجوب القسم بینهن،کما یجب علی غیره.
طبقا لقوله تعالی (1)
الأحزاب:51. [1]
:تُرْجِی مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِی إِلَیْکَ مَنْ تَشاءُ،وَ مَنِ ابْتَغَیْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ،فَلا جُناحَ عَلَیْکَ .
و ترجی یعنی تؤجل من تشاء من الزوجات،فلا تعطی لها لیلتها.و تؤوی یعنی تعطی لها اللیلة.و کل من ابتغیت عزلها و إرجاءها فَلا جُناحَ عَلَیْکَ و الجناح بمعنی الجنحة و الذنب.و الآیة تنفی کونه ذنبا،بمعنی جوازه لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله.
و یقول اللّه عزّ و جلّ بعد ذلک مباشرة ذلِکَ أَدْنی أَنْ تَقَرَّ أَعْیُنُهُنَّ وَ لا یَحْزَنَّ وَ یَرْضَیْنَ بِما آتَیْتَهُنَّ کُلُّهُنَّ .
و اسم الإشارة ذلک یمکن أن یکون له مرجعان:
الأول:عدم قسم النبی صلّی اللّه علیه و آله بین زوجاته.فإذا لم یقسم بینهن کان هو السبب لرضائهن و قرة أعینهن.
الثانی:أن تشریع عدم وجوب القسم فی الآیة هو السبب فی رضائهن.
و قرة أعینهن.
و المفهوم من طبائع النساء أن المعنی الأول لا یمکن أن یکون صحیحا.لأن عدم القسم سیکون سببا للانفعال لا للرضاء.ما لم تعرف الزوجات جلالة قدره صلّی اللّه علیه و آله.و معه یتعین المعنی الثانی لأن التشریع إن حصل،کان النبی صلّی اللّه علیه و آله معذورا أمام زوجاته عند ترکه للقسم بینهن،لأن له فی ذلک الجواز من اللّه سبحانه.فیکون ذلک سببا لرضائهن بهذه الحالة التی لا یرتحن لها لو لم یکن هذا الجواز موجودا.
1) 1)
طبقا لقوله تعالی (1)
الأحزاب 28-29. [1]
یا أَیُّهَا النَّبِیُّ قُلْ لِأَزْواجِکَ إِنْ کُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَیاةَ الدُّنْیا وَ زِینَتَها فَتَعالَیْنَ أُمَتِّعْکُنَّ وَ أُسَرِّحْکُنَّ سَراحاً جَمِیلاً. وَ إِنْ کُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْکُنَّ أَجْراً عَظِیماً .قال صاحب الجواهر:اختلف فی حکم التخییر علی أقوال:
الأول:أن اللّه عزّ و جلّ إذا خیر فاختارت زوجها فلا شیء.و إن اختارت نفسها فهی تطلیقة واحدة.و هو قول ابن مسعود و أبی حنیفة و أصحابه.
الثانی:أنها إذا اختارت نفسها فهی ثلاث تطلیقات.و إن اختارت زوجها وقعت واحدة.و هو قول زید و مذهب مالک.
الثالث:أنه إن نوی بالتخییر الطلاق کان طلاقا و إلاّ فلا.و هو مذهب الشافعی.
الرابع:إنه لا یقع بذلک طلاق.و إن کان من خواصه صلّی اللّه علیه و آله و لو اخترن أنفسهن لما خیرهن لبنّ منه.
إلی أن قال:و قال ابن الجنید و ابن أبی عقیل منا بوقوعه طلاقا مع نیته.
و اختیارها نفسها علی الفور.فلو تأخر اختیارها لحظة لم یکن شیئا.و الأکثر منا علی خلاف قولهما.
أقول:و ظاهر الآیة أنه لا یقع الطلاق بمجرد أن تختار نفسها.لقوله تعالی:
أُمَتِّعْکُنَّ وَ أُسَرِّحْکُنَّ .و التسریح هو الطلاق عرفا و هو یقع بعد أن تختار نفسها.إذن فاختیار نفسها بمجرده لیس طلاقا لا بائنا و لا رجعیا و لا واحدا و لا متعددا.و یترتب علی ذلک:أنها لو اختارت نفسها کان له أن لا یطلقها لو لا أنه أخذ العهد بذلک علی نفسه.
و یؤیده خبر عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال (2):سألته عن رجل خیر امرأته
فاختارت نفسها بانت منه؟قال:لا إنما هذا شیء کان لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله خاصة أمر بذلک ففعل و لو اخترن أنفسهن لطلقهن و هو قول اللّه عزّ و جلّ:
قُلْ لِأَزْواجِکَ. الآیة.
و فی بعض الأخبار:و لو اخترن أنفسهن لبنّ.
و هی:
أولا:ضعیفة السند لا تقاوم ظهور الآیة الکریمة.
ثانیا:یحتمل أن یکون الطلاق بائنا بعد التخییر.کما احتمله صاحب الجواهر قدس سرّه.
و عن تفسیر القمی أنه (1)
المیزان ج 22 ص 314. [1]
:کان سبب نزولها أنه لما رجع رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله من غزوة خیبر و أصاب کنز آل أبی الحقیق،قالت أزواجه:أعطنا ما أصبت.فقال لهن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله:قسمته بین المسلمین علی ما أمر اللّه عزّ و جلّ.فغضبن من ذلک.و قلن:لعلک تری أنک إن طلقتنا أن لا نجد الأکفاء من قومنا یتزوجونا.فأنف اللّه عزّ و جلّ لرسوله فأمره أن یعزلهن،فاعتزلهن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله فی مشربة أم إبراهیم تسعة و عشرین یوما حتی حضن و طهرن.ثم أنزل اللّه عزّ و جلّ هذه الآیة و هی آیة التخییر.فقامت أم سلمة أول من قامت فقالت:قد اخترت اللّه و رسوله فقمن کلهن فعانقنه و قلن مثل ذلک.
و هذا یعنی عدة أمور:
أولها:أنهن طلبن الدنیا و المال.و من هنا نسمع قوله تعالی إِنْ کُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَیاةَ الدُّنْیا وَ زِینَتَها فَتَعالَیْنَ أُمَتِّعْکُنَّ وَ أُسَرِّحْکُنَّ سَراحاً جَمِیلاً .
ثانیها:أنهن أشرن لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله إلی الرجال الآخرین (الأکفاء من قومنا)و هذا منهن إن کان بعد نزول التحریم وَ لا أَنْ تَنْکِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً فهو تعریض بالحرام.و إن کان قبل نزوله ففیه خلة
1) 1)
شدیدة ناشئة من الجهل بمقام النبی صلّی اللّه علیه و آله و أهمیته.و من هنا قال اللّه عزّ و جلّ (1)
الأحزاب:29. [1]
وَ إِنْ کُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدّارَ الْآخِرَةَ.فَإِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْکُنَّ أَجْراً عَظِیماً .و ذلک لا یکون إلاّ بالإعراض عن الدنیا و ما فیها.فهذا حاصل الکلام فی الأمر السادس عن خصائص النبی صلّی اللّه علیه و آله.
بقوله تعالی (2)یا نِساءَ النَّبِیِّ مَنْ یَأْتِ مِنْکُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَیِّنَةٍ یُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَیْنِ وَ کانَ ذلِکَ عَلَی اللّهِ یَسِیراً و هذه الآیة یمکن أن تفهم علی نحوین:
النحو الأول:أن نفهم من الفاحشة مطلق المحرمات و من العذاب:العذاب الأخری.فیکون المعنی:أن العذاب و العقاب الأخروی علی نساء النبی صلّی اللّه علیه و آله ضعف غیرهن.کما دلت الآیة التی بعدها علی أن الثواب الأخروی علی الطاعات لهن علی الضعف من غیرهن أیضا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَیْنِ وَ أَعْتَدْنا لَها رِزْقاً کَرِیماً .
و هذا هو الذی فهمه صاحب الجواهر قدس سره و قد سبق أن عددناه من الصفات غیر الفقهیة للنبی صلّی اللّه علیه و آله.
النحو الثانی:أن نفهم من الفاحشة معناها العرفی،و هو الذنوب المهمة کالزنا و القتل و السرقة أو خصوص الزنا و نحوه.و نفهم من العذاب:العذاب الدنیوی،و هو(الحد)المرسوم شرعیاً و فقهیاً.بقرینة قوله تعالی فی آیة أخری (3)وَ یَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللّهِ. الآیة.فإن المراد منه جزماً:الحد و کذلک یمکن أن یکون فی هذه الآیة أیضاً و خاصة بعد مجیئه بعد(الفاحشة)التی یناسبها إقامة الحد.
و معه یکون المعنی:أن الحد المرسوم شرعاً سیکون علی الضعف ضد أزواج النبی صلّی اللّه علیه و آله مع ارتکابهن الموجب له.و الحکمة فی ذلک معلومة و هی خرق مقام النبی صلّی اللّه علیه و آله و التطاول علیه.و هذا لا یکون من غیرهن بطبیعة الحال.
و الإنصاف أن هذا هو الظاهر عرفاً من الآیة.و من هنا ذکرناه کواحد من خصائص النبی صلّی اللّه علیه و آله فی زوجاته.
نعم.تبقی مناقشة واحدة منشؤها استظهار المقابلة بین الآیتین الکریمتین و هما مَنْ یَأْتِ مِنْکُنَّ بِفاحِشَةٍ و وَ مَنْ یَقْنُتْ مِنْکُنَّ لِلّهِ وَ رَسُولِهِ .حیث إن مقتضی هذه المقابلة أن موضوع الآیتین واحد أو متشابه.
و من الواضح أن موضوع الآیة الثانیة هو مطلق الطاعة،فیتعین أن یکون موضوع الأولی هو مطلق المعصیة.لیتم التشابه بالإطلاق.و لو خصصنا الأولی بذنوب معینة لکان هذا التقابل بین الآیتین منتفیاً.و هو خلاف ظاهر وحدة السیاق.
و هذه قرینة عرفیة علی أی حال،فتکون حجة لو بقیت وحدها.إلاّ أن النتیجة بعد کل الذی قلناه هو وقوع التعارض بین ظهورین:أحدهما:ظهور الفاحشة بالاختصاص ببعض الذنوب.و ثانیهما:ظهور التقابل بالعموم للجمیع.
و لا یبعد القول بتقدم الظهور الأول لعدة جهات نذکر أهمها:أولا:إنه أقوی عرفا.و لو باعتبار تعلقه بلفظ واحد و الثانی متعلق بالسیاق.
و الظهور السیاقی أضعف عرفا من الظهور اللفظی.
ثانیا:إن هذا الظهور قرینة متصلة فی الآیة الأولی فی حین أن ظهور السیاق یرجع إلی قرینیة الآیة الثانیة.و هی،إما أن تعتبر قرینة منفصلة.أو یعتبر کلاهما متصلا.إلاّ أن الظهور الأول أدخل فی الکلام و ألصق بالسیاق فی الآیة الأولی.و ما یکون أشد دخالة و اتصالا یکون مقدما علی غیره.
و معه تکون هذه الخصیصة ثابتة لزوجاته صلّی اللّه علیه و آله.
قوله تعالی (1)
الأحزاب:32. [1]
یا نِساءَ النَّبِیِّ لَسْتُنَّ کَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَیْتُنَّ .و هو دال علی ارتفاعهن عن مستوی سائر النساء.لکن ذلک بشرط واحد و هو حصولهن علی درجة التقوی (2).و هو حاصل فی بعضهن علی أی حال:
و قد یناقش ذلک بأحد أمرین:
الأول:أنه ثبت أن خیر النساء فی البشریة أربع:خدیجة بنت خویلد و فاطمة الزهراء و مریم بنت عمران و آسیا بنت مزاحم(زوجة فرعون).
و لیس منهن نساء النبی صلّی اللّه علیه و آله الموجودات فی ذلک الحین.إذن فهن لسن خیر النساء علی أی حال.
و هذا صحیح.و إنما یراد بالآیة:(إنهن لسن کأحد من النساء)عدا ما ثبت استثناؤه بالدلیل.و هن هؤلاء الأربع.و ربما القلیل من غیرهن أیضا ممن ثبت علو مقامهن عند اللّه عزّ و جلّ.
ثانیهما:أن الحکم المذکور فی الآیة الکریمة نفسها حکم عام بین النساء.
و هو قوله تعالی (3)فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَیَطْمَعَ الَّذِی فِی قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً .
و هذا یدل بالقرینة المتصلة علی أن الحکم السابق علیه عام أیضا.و لو علی معنی:أن الذی لیس کأحد من البشر هو الذی یصل إلی درجة التقوی.و هذا صحیح.و لکنه لیس خاصا بزوجات النبی صلّی اللّه علیه و آله بل عام لکل الرجال و النساء.
إلاّ أن القول فی هذه القرینة المتصلة،کالقول السابق.فإن ظهور قوله تعالی لَسْتُنَّ کَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ مخاطبا خصوص زوجات النبی صلّی اللّه علیه و آله
أقوی من القرینة الدالة علی عموم الحکم.و إن کان کلاهما متصلا.فیکون متقدما.
الرجال إلاّ من وراء حجاب
طبقا لقوله تعالی (1)
الأحزاب:53. [1]
وَ إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ .إلاّ أن کون هذا الحکم خاصا بهن مع وجوب الحجاب علی کل المسلمات، محل نظر.
1) 1)
و هی عدیدة نذکر جملة منها:
و هو فرک الأسنان بالمسواک.و هو قطعة من أغصان شجر الأراک.و هو یتوفر فی شبه الجزیرة العربیة.
و للفرد أن یأتی بها وحدها استحبابا أما هو فیأتی بها وجوبا.
و هی الذبح فی عید الأضحی الذی هو الیوم العاشر من ذی الحجة الحرام.
و قد ورد عنه صلّی اللّه علیه و آله (1)
انظر:جواهر الکلام. [1]
:ثلاث کتبت علیّ و لم تکتب علیکم:السواک و الوتر و الأضحیة.و فی حدیث آخر (2):کتب علی الوتر و لم یکتب علیکم و کتب علی السواک و لم یکتب علیکم و کتب علی الأضحیة و لم یکتب علیکم.و کلا الخبرین غیر معتبر سندا.
لقوله تعالی (3)وَ مِنَ اللَّیْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَکَ عَسی أَنْ یَبْعَثَکَ رَبُّکَ مَقاماً مَحْمُوداً .
و هنا ینبغی الالتفات إلی نقطتین:
النقطة الأولی:قد یقال:إن الآیة الکریمة غیر خاصة بالنبی صلّی اللّه علیه و آله بل هی عامة لسائر المسلمین.و الخطاب له لا یدل علی عدم العموم ککثیر من موارد القرآن الکریم،کالحجاب الخاص بزوجاته صلّی اللّه علیه و آله و قد
أفتی الفقهاء بعمومه.و غیر ذلک حتی ورد:إن القرآن نزل بإیاک أعنی فاسمعی یا جارة.فما لم یثبت بدلیل خارجی اختصاصه به صلّی اللّه علیه و آله فهو عام و قرینة الخطاب لا تعنیه بشخصه صلّی اللّه علیه و آله.
و یترتب علی ذلک:حمل الأمر فی الآیة:فتهجد.علی الاستحباب للیقین بعدم وجوبه علی الآخرین.و معه یکون الأمر مستحبا علیه و علی غیره.
و لو دققنا أکثر أمکن القول:إننا إن حملنا الأمر علی الوجوب تعین القول باختصاص الحکم به صلّی اللّه علیه و آله.و إن ألغینا الاختصاص تعین القول بالاستحباب.فیقع تعارض فی الاستفادة ما بین هاتین القرینتین:الوجوب و العموم.و من الممکن القول عندئذ برفع الید عن العموم لصالح الوجوب، فإن الوجوب علیه قرینتان:ظهور صیغة الأمر،و ظهور الاختصاص أو الخطاب به صلّی اللّه علیه و آله.فی حین لا قرینة علی العموم إلاّ إلغاء الخصوصیة،و إنما تکون ممکنة مع عدم القرینة علی عدمها.فتأمل.
النقطة الثانیة:قال صاحب الجواهر:نعم.ینبغی أن یعلم:أن بین قیام اللیل و الوتر الواجبین علیه مغایرة العموم و الخصوص المطلق(لأن کل وتر فهو تهجد و لا عکس).لأن قیام اللیل بالتهجد یحصل بالوتر و بغیره فلا یلزم من وجوبه وجوبه.(أی لا یلزم من وجوب الوتر وجوب التهجد)فلزم إیجابه بحکم آخر لتعلق المصلحة الإلزامیة به بالنسبة إلیه صلّی اللّه علیه و آله.
و أما الوتر فلما کان من العبادات الواقعة باللیل فهو من جملة التهجد بل هو أفضله.فقد یقال:إن إیجابه یغنی عن قیام اللیل.لکن فیه(جوابا علیه):إن قیام اللیل و إن تحقق بالوتر لکن مفهومه مغایر لمفهومه،لأن الواجب من القیام لما کان یتأتی به و بغیره و بالکثیر منه و القلیل کان کل فرد یأتی به موصوفا بالوجوب لأنه أحد أفراد الکلی.و هذا القدر لا یتأتی بإیجاب الوتر خاصة و لا یفید فائدته،فلا بد من الجمع بینهما.
أقول:کأن صاحب الجواهر قدس سره تکلم من زاویة الشارع الإسلامی الذی أوجب علی النبی صلّی اللّه علیه و آله التهجد و الوتر.و إذا تکلمنا من هذه
الناحیة لم یکن ما قاله صحیحا.لأن وجوب الوتر یلازم وجود مصداق للتهجد.و بذلک یغنی عن وجوبه.و کون وجوب التهجد ینطبق علی أمور أخری لا أثر له بعد انطباقه علی الوتر الواجب.إن کان المطلوب من التهجد لیس صرف الوجود کما فهمه قدس سره.
إلاّ أن الظاهر أن المطلوب فی التهجد لیس صرف الوجود بل هو الفعل المتعدد و الطویل عرفا،کما لو کانت صلاة اللیل واجبة علیه.حتی قال بذلک بعض.و هذا یعنی أن وجوب للتهجد إما أن یشمل الوتر و غیره.أو أن یعنی:
وجوب غیر الوتر مضافا إلی وجوبها بخطاب آخر.بل إن شموله للوتر لا یخلو من إشکال إذ یلزم وجود محرکین لموضوع واحد و هو محال.
و هی زکاة الفطرة
کذا قالوا:و الصحیح أن هذا الحکم عام له و لذریته و لیس خاصا به.
و النصوص و الفتاوی علی ذلک إلی الآن.
و قد أجابوا علی ذلک بجوابین:
الجواب الأول:أن تحریمها علیهم بسببه فالخاصة عائدة إلیه صلّی اللّه علیه و آله.
الجواب الثانی:أنها لا تحرم علیهم مطلقا بل من غیر الهاشمی.و أما علیه فتحرم مطلقا.
و علی أی حال،فالدلیل علی ما هو زائد،علی تلک الحرمة العامة،لا یخلو من نقاش.
الأئمة علیهم السلام
قال صاحب الجواهر:و إن کان فیه خلاف.
أقول:و قد وردت بعض الأخبار الدالة علی ذلک مما هو ضعیف سندا.و لو تمت فالحکم غیر خاص به،کما سمعنا.
قیل:و هو الغمز بها إلی مباح من ضرب أو قتل علی خلاف ما یظهر و یشعر به الحال.
و عنه صلّی اللّه علیه و آله (1)
الجواهر. [1]
:ما کان لنبی أن تکون له خائنة الأعین.و قال تعالی (2)یَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْیُنِ وَ ما تُخْفِی الصُّدُورُ .و الظاهر أن الأعین إنما نسبت إلی الخیانة،باعتبار مخالفتها للتشریع.من حیث إن حرکة العین غیر ملحوظة عرفا.و الخیانة هو العصیان غیر الملحوظ أو السری.فتکون حرکة العین عصیانا خیانة سریة للتشریع.
و هی بهذا المعنی حکم عام لسائر المسلمین،و لیس خاصا بالنبی صلّی اللّه علیه و آله.و ما فسروه بأنه:الغمز إلی المباح لا یصحّ (3)لأن المباح لا یکون فیه خیانة.بل هو الغمز إلی الحرام.أو استعمال العین فی الحرام لصدق الخیانة عندئذ.
و ما ذکر من الدلیل علی اختصاصه صلّی اللّه علیه و آله لا یخلو من مناقشة.
أما الآیة الکریمة فواضحة فی العموم بلا إشکال.و أما الخبر فهو غیر تام سندا و لو تم فهو دال علی العموم لسائر الأنبیاء کما هو نصه.
و المراد به و صل اللیل بالنهار بالصوم.و هو محرم علی غیره من أمته صلّی اللّه علیه و آله.
و لم یذکروا لذلک دلیلا محددا.فکأنه من المسلّمات.
و فی الحدیث أنه صلّی اللّه علیه و آله قال:تنام عینای و لا ینام قلبی.
و فسره صاحب الجواهر:بمعنی بقاء التحفظ و الإحساس.أقول:یعنی الالتفات إلی ما حوله.
و هذا المعنی یعنی عدم النوم جزما.فیکون معنی الحدیث نفی النوم عنه صلّی اللّه علیه و آله باستمرار.مع العلم أنه صلّی اللّه علیه و آله یصرح بنوم عینه.و هذا یعنی أن فکرة النوم مشترکة بینه و بین غیره.إلاّ أن الفرق هو عدم نوم قلبه صلّی اللّه علیه و آله.حیث یبقی ذاکرا اللّه سبحانه باستمرار من دون أن تعروه الغفلات أو یطرأ علیه النسیان،لا فی یقظة و لا فی منام.و أما نحن ففی الیقظة غافلون فکیف فی المنام؟ إلاّ أن کون هذه الصفة لم تثبت لغیره،محل مناقشة.و بحسب فهمی:
فإنها ثابتة لمن یصل إلی درجة عالیة معینة من مراتب الیقین.و حیث إن النبی صلّی اللّه علیه و آله متصف بها فهو متصف بلازمها و هو استمرار الذکر القلبی حتی فی النوم.
إلاّ أنه من الممکن بل من المتعین القول اتصاف آخرین بنفس الدرجة أیضا، لا أقل من الأئمة المعصومین علیهم السلام.و عدم ورود هذا الحدیث فی حقهم لا یعنی عدم اتصافهم بذلک.
قال صاحب الجواهر:فیحصل باعتباره خاصة أخری له صلّی اللّه علیه و آله و قد عدت أیضا من خواصه صلّی اللّه علیه و آله.
أقول هذا الأمر قائم علی ضم صغری و کبری:
أما الصغری فهی تفسیر نوم القلب بما فهمناه منهم و صرح به صاحب الجواهر من استمرار الإحساس و عدم ذهابه.الأمر الذی یعنی عدم النوم حقیقة.
و أما الکبری:فباعتبار فهمهم أن النوم الموجب لنقض الوضوء هو نوم القلب،فإذا لم ینم القلب لم ینتقض الوضوء.
و قد عرفنا أن الأمر لیسیر فی میدان آخر لا ربط له بالوضوء أصلا.و هو استمرار الذکر القلبی فی المنام کاستمراره فی الیقظة فی درجات الیقین العلیا.
أمامه.
و قال صاحب الجواهر:بمعنی التحفظ و الإحساس فی الحالتین.
أقول:و قد وردت فی ذلک بعض الأخبار،بل لعله من القطعیات المسلمات.و خاصة لمن یعرف بعض مقام النبی صلّی اللّه علیه و آله.
و لعلهم استفادوه من قوله تعالی (3)وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما یَنْبَغِی لَهُ .إلا أنه لا یخلو من مناقشة.و من الناحیة العملیة فقد ورد عنه صلّی اللّه علیه و آله بعض الکلام الموزون.فلو کان محرما ما فعله جزما.
منها ما روی عنه صلّی اللّه علیه و آله أنه حین أصیبت یده فی أحد قال:
یا لک من أنملة دمیت و فی سبیل اللّه ما لقیت
بل ورد فی القرآن الکریم ما هو موزون أیضا.کقوله تعالی (4)وَ جِفانٍ کَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِیاتٍ .
علیه نزعها حتی یلقی عدوه و یقاتل
و لم یذکروا له دلیلا محددا.
طبقا لقوله تعالی (5)وَ لا تَمُدَّنَّ عَیْنَیْکَ إِلی ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَیاةِ الدُّنْیا لِنَفْتِنَهُمْ فِیهِ وَ رِزْقُ رَبِّکَ خَیْرٌ وَ أَبْقی .
إلاّ أن کون هذا الحکم خاصا به صلّی اللّه علیه و آله.محل مناقشته جزما.
لأن مد العینین المذکور فی الآیة له أحد معنیین کلاهما محرم علی سائر المسلمین.
المعنی الأول:النظر الفعلی إلی ما لا یجوز النظر إلیه من جسم المرأة الأجنبیة.و خصت المتزوجات فی الآیة الکریمة لأهمیتها.باعتبار أن الزواج یوجب لهن زیادة الصون من ناحیة.و یکون النظر تحدیا للزوج من ناحیة أخری.
المعنی الثانی:الطمع بالتزویج بالمتزوجات.و هو محرم لما یثبت من عدم جواز التعریض لهن بالخطبة و نحوها.فکیف بالتفکیر بما هو أدهی من ذلک.
و الطلب إلی المرأة بالانفصال عن زوجها جریمة تضاف إلی جریمة.
و الفرق بین المعنیین:أن مد العین فی الأول حقیقی و فی الثانی مجازی.لأن الشخص إذا طمع بشیء أطال النظر إلیه.فیستعمل هنا بمعنی مطلق الطمع.
بخلاف الآخرین فإنهم یجب علیهم الإحرام لدخولها ما لم یکن قد دخلها خلال شهر محرما.
و لم یذکر الفقهاء أن هذه صفة دائمة أو کانت خلال فتح مکة.و علی کلا التقدیرین لم یذکروا لها دلیلا محددا.
و الشراب من المالک و إن اضطر المالک إلیهما
و هذا له أحد تفسیرین فقهیین کلاهما صحیح:
الأول:إن النبی صلّی اللّه علیه و آله ذو ولایة واسعة علی المسلمین و أولی بهم من أنفسهم و أموالهم.فإذا أمر أحدا بأی تصرف فی نفسه أو ماله أو ولده أو أهله وجب علیه و حرم علیه ترکه،حتی و إن لم یکن المأمور راضیا.
الثانی:إنه لو دار الأمر بین جوع أو عطش شخصین و الماء المتوفر-مثلا-
یروی واحدا منهما وجب تفضیل من هو الأفضل دینیا.فإن کانت الفضیلة کبیرة و الفرق بینهما شاسعا،أمکن التضحیة بالآخر فی سبیل سلامة الأول.بل وجب ذلک.و من الواضح أن النبی صلّی اللّه علیه و آله أولی من ینطبق علیه هذا المعنی.
قد سبق أن سمعناه بإیجاز.
فی حین أن الأمر فی حق غیره بقلة الثواب مع الجلوس إلی حد النصف لأن الرکعتین من الجلوس تعدان برکعة من قیام فقهیا و ثوابا.
و لم یذکروا لذلک وجها بعینه.
رغب فی نکاح امرأة فإن کانت خلیة وجب علیها الإجابة و حرم علی غیره
خطبتها
و إن کانت ذات زوج وجب علیه طلاقها لینکحها.قال:لقضیة زید.
أقول:هذا الحکم باعتبار عموم ولایته صلّی اللّه علیه و آله و وجوب إطاعته فی کل الأمور الخاصة و العامة کما أسلفنا.إلاّ أن قضیة زید لیست منها.لأن وجوب طلاق الزوج المشار إلیه إنما یکون مع أمر النبی صلّی اللّه علیه و آله له بالطلاق و أما مع عدمه فلا،و هذا واضح،و من المعلوم بنص القرآن الکریم أن النبی صلّی اللّه علیه و آله قال لزید (1)
الأحزاب:37. [1]
أَمْسِکْ عَلَیْکَ زَوْجَکَ .و لم یأمره بطلاقها.و إنما طلقها الزوج استحبابا أخذا لحال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله بنظر الاعتبار.هذا،و کون هذا الحکم خاصا به و غیر شامل لغیره من المعصومین علیهم السلام محل مناقشة.بل مقتضی عموم الولایة و وجوب الطاعة لهم أیضا،کما هو الحق،بثبوت ذلک أیضا فی حقهم.غایة الأمر:إنه لم یحصل تطبیق تاریخی له کما حصل فی عهد النبی صلّی اللّه علیه و آله،لو تمّ الاستشهاد بقضیة زید.
1) 1)
هذا و لا یخفی أنه صلّی اللّه علیه و آله مأمور بأوامر کثیرة بالقرآن الکریم.
کقوله تعالی بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَیْکَ مِنْ رَبِّکَ .و قوله تعالی فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِکِینَ .و قوله تعالی فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَکَّلْ عَلَی اللّهِ .و قوله تعالی لا تُحَرِّکْ بِهِ لِسانَکَ لِتَعْجَلَ بِهِ .و غیر ذلک کثیر.و کل ما ورد فی القرآن الکریم بلفظ قل فهو صلّی اللّه علیه و آله مأمور بتبلیغه.کما أن کل ما ورد من الأوامر و النواهی بعنوان:یا أیها الذین آمنوا أو یا أیها الناس و نحو ذلک فهو مشمول له.و هناک أمور أخری نوکلها إلی فطنة القاری اللبیب.
فهذا هو الحدیث عن تکالیفه صلّی اللّه علیه و آله.
و قد وعدنا أن نحمل فکرة عن تکالیف غیره تجاهه صلّی اللّه علیه و آله.و قد ذکر الفقهاء بعضا منها.و هذا طبعا بغض النظر عن التکالیف الشرعیة للعامة التی بین المسلمین و التی تشمله صلّی اللّه علیه و آله بل هو أولی من غیره بها.
و بغض النظر عن وجوب طاعته بصفته رسولا أو نبیا أو ولیا عاما أو ولیا من أولیاء اللّه أو معصوما.فإن کل هذه الصفات له صلّی اللّه علیه و آله.و تقتضی من الآخرین سلوکا خاصا تجاهه.غیر أن ما ذکره الفقهاء هو نقاط محددة، مستفادة من النصوص نذکرها تبعا لهم من أجل عموم الفائدة.
طبقا لقوله تعالی (1)
الحجرات:2-3. [1]
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَکُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِیِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ کَجَهْرِ بَعْضِکُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُکُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ. إِنَّ الَّذِینَ یَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِکَ الَّذِینَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوی لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِیمٌ .و مجمل الاستفادة من هذه الآیة الکریمة أنها تعرضت لأحکام ثلاثة،یمکن إرجاعها إلی حکمین،و من الصعب إرجاعها إلی حکم واحد.
الحکم الأول:قوله تعالی لا تَرْفَعُوا أَصْواتَکُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِیِّ .و هذا یدل علی أن فعلیة الحکم إنما تکون عند ما یتکلم النبی صلّی اللّه علیه و آله.
1) 1)
فعندئذ لا یجوز أن یکون صوته أعلی من صوت النبی صلّی اللّه علیه و آله.
کائنا ما کان مقداره.فلو کان الإخفات مصداقا لذلک کان محرما فضلا عن الجهر.
الحکم الثانی:قوله تعالی وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ کَجَهْرِ بَعْضِکُمْ لِبَعْضٍ .
و الجهر و إن کان یفهم منه عرفا ظهور جوهر الصوت فی مقابل الإخفات الذی لا یظهر فیه ذلک.إلاّ أن المقصود هنا جزما لیس هو ذلک:و إنما ذاک مربوط بالصلاة کما فی قوله تعالی (1)
الإسراء:110. [1]
وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِکَ وَ لا تُخافِتْ بِها وَ ابْتَغِ بَیْنَ ذلِکَ سَبِیلاً .و بتعبیر آخر:إن الجهر إن قرن بالإخفات کان دالا علی ذلک.و فی الآیة التی نتکلم عنها لم یقرن به بل أرید به معنی آخر.
و من الممکن أن نفهم منها أحد معنیین:
المعنی الأول:زیادة الصوت،أو ما هو القریب من الصیاح.کما کان یفعل بعضهم تجاه بعض (کَجَهْرِ بَعْضِکُمْ لِبَعْضٍ) فهذا محرم لدی النبی صلّی اللّه علیه و آله.
المعنی الثانی:التبذل فی الکلام الذی قد یستعمله الفرد أمام مساویة فی المرتبة الاجتماعیة أو من دونه،أو تجاه صدیقه أو قریبه.فیکون هذا التبذل ممنوعا.بغض النظر عن درجة الصوت.
و المعنی الأول هو المشهور،و لعله الأقرب عرفا.و إن کان المعنی الثانی لا یخلو من وجاهة.
و هذا المعنی-أیا کان-ثابت سواء کان النبی صلّی اللّه علیه و آله فی حال الحدیث أم لا.و هذا فرقة عن الحکم الأول.
الحکم الثالث:قوله تعالی إِنَّ الَّذِینَ یَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ. الآیة.و هو دال علی مطلوبیة غض الصوت و تخفیفه بین یدی النبی صلّی اللّه علیه و آله.
1) 1)
و قد یناقش فی ذلک:
أولا:إن هذه الآیة الکریمة لا تحتوی علی أمر و نهی.و إنما احتوت علی إخبار فهی لیست دالة علی الطلب أصلا.
ثانیا:إنها إن دلت علی الطلب ففیها قرائن تصرفه إلی الاستحباب و لیس الوجوب.و هی قوله تعالی أُولئِکَ الَّذِینَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوی .فإن هذه المرتبة من الإیمان درجة عالیة،لا یحصل علیها إلاّ الأوحدی من الناس.
و هی عادة تحصل بأداء جملة من المستحبات و لیس امتثال الواجبات و المحرمات العامة.الأمر الذی یدل علی أن الطلب هنا استحبابی.
و قد یتوصل شخص إلی أن الحکم السابق علیه أیضا استحبابی.باعتبار اقترانه بهذه الفقرة من الآیة بنحو القرینة المتصلة.
و بتعبیر آخر:إن الجهر و الإخفات ما داما متقابلین.فیکون الحکمان بهما متقابلین أیضا فالحکم الثانی فی الآیة الکریمة قال لا تَجْهَرُوا .و الحکم الثالث:اخفتوا.فنرجع کلا التعبیرین إلی معنی واحد أو حکم واحد.و هو حکم استحبابی بالقرینة المتصلة الذی ذکرناها.
و لذا قلنا قبل مرة إن الأحکام الثلاثة فی الآیة الکریمة یمکن إرجاعها إلی حکمین.و ذلک بدمج الحکمین الثانی و الثالث بحکم واحد.
إلاّ أن قرینیة الاستحباب لا تتم،لأنها مضادة بقرینة علی الوجوب متصلة أیضا و هی قوله تعالی أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُکُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ .
نعم،إن کان الحکم الثالث مستقلا عن الثانی،کما هو غیر بعید،أمکن القول باستحبابه،و وجوب الثانی.و لکن مع إرجاعهما إلی حکم واحد،فلا بد من القول بوجوبه لتلک القرینة،التی تکون بدورها أقوی من قرینة الاستحباب و الکلام عن البرهنة علی ذلک کلام یطول.
و لا نتیجة عملیة لذلک،بعد أن أمکن استفادة ثلاثة أحکام من الآیة الکریمة.
لأن المطلوب فی الحکم الثالث،لیس هو مجرد عدم الجهر کالثانی.و إنما هو
زیادة التأدب و التواضع و الخشوع عند الحدیث بخدمة النبی صلّی اللّه علیه و آله.
و لنا أنیط بمن اِمْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوی و وعد علیه الأجر العظیم.
فهذا هو الکلام عن الأمر الأول من الأحکام التی تجب علی غیر النبی صلّی اللّه علیه و آله تجاهه.
لقوله تعالی (1)
الحجرات:4. [1]
إِنَّ الَّذِینَ یُنادُونَکَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَکْثَرُهُمْ لا یَعْقِلُونَ وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّی تَخْرُجَ إِلَیْهِمْ لَکانَ خَیْراً لَهُمْ .و الآیة الکریمة لا تدل علی الحرمة کما هو واضح،لأنها تخلو من الأمر و النهی.و إنما دلت علی ذم من یفعل ذلک،و هی لم تدل علی عموم الذم بل بعنوان الغالبیة. (أَکْثَرُهُمْ لا یَعْقِلُونَ) .
ثم دلت علی حکم آخر و هو استحباب الصبر،حتی یکون النبی صلّی اللّه علیه و آله هو الذی یخرج إلیهم أو یأتیهم.و أفضلیة ذلک علی الاستعجال للقاء النبی صلّی اللّه علیه و آله کیفما حصل.لأنه صلّی اللّه علیه و آله هو الذی یعرف المصلحة الواقعیة لوقت اللقاء.
فإن المطلوب من المصلی استحبابا هو ذلک.أن یقول:السلام علیک أیها النبی و رحمة اللّه و برکاته.و لا یوجد مثل هذا الحکم لغیره،کما هو معلوم.
1) 1)
کاستحباب الزواج أساسا،و شرائط المرأة التی ینبغی اختیارها،و شرائط الزوج،و أهمیة الذریة.و غیر ذلک کثیر.و هی و إن کانت مستحبات لا عقوبة علی ترکها إلاّ أن للتأدب بآداب اللّه عزّ و جلّ فی شریعته الأثر الکبیر فی النتائج الصالحة علی کل المستویات.
علی أنها لیست جمیعا مستحبة بل منها ما یرجع إلی الواجب و الحرام،کما سنسمع.فالتأدب بذلک یکون إلزامیا.
و یتم الکلام عن ذلک ضمن عدة عناوین مستقلة:
فإن من الاستفهامات الرئیسیة التی تواجهنا هنا هو السؤال عن استحباب الزهد فی النکاح.
و قد کان بعض أساتذتنا یقول:إن الزهد فی الشریعة مطلوب فی کثیر من الأشیاء کالطعام و اللباس.و لکن لم یرد مثل ذلک فی النکاح.
و الدلیل الرئیسی الذی یمکن تقدیمه علی استحباب الزهد فیه.هو قوله تعالی فی وصف النبی یحیی علیه السلام (1)
آل عمران:39. [1]
وَ سَیِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِیًّا مِنَ الصّالِحِینَ1) 1)
فإن معنی الحصور هو الذی یحبس نفسه أو یحصرها عن النکاح.
و قد عاش هذا النبی علیه السلام فی عزوبة طیلة حیاته قربة إلی اللّه عزّ و جلّ إلی أن قتلته جلاوزة الدولة الرومانیة،البیزنطیة.
کما أنه من المحتمل أن عددا من الأنبیاء السابقین کانوا علی هذا الغرار.و من المعلوم أن سلوک الأنبیاء سلوک صالح بل ینبغی الاقتداء به و الاحتذاء له.
و بهذا یکون هذا الدلیل-لو تمّ-معارضا للأدلة الدالة علی استحباب الزواج،و التی سنعرض طرفا منها بعد ذلک.
إلاّ أن هذا الدلیل غیر تام لعدة وجوه:
الوجه الأول:إن الفهم المشهور هو أن المراد من(الحصور)هو تارک الزواج.
إلاّ أنه یمکن أن یقال:إن الحصور بمعنی ذلک الذی یحصر نفسه و یصبّرها علی مختلف المصاعب و لیس خصوص الزواج.و یکفینا.أن نقول:إنه إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
و لا شک عملیا أو تاریخیا أن النبی یحیی علیه السلام،کما کان حصورا فی النکاح کان تارکا لکل أشکال الدنیا،و کان من أزهد الأنبیاء یأکل الجشب و یلبس المسوح و یقضی اللیالی الطوال متهجدا خارج العمران.فلعله أنه إنما سمی حصورا لأجل مجموع هذه الصفات و لیس للنکاح خاصة.و إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
الوجه الثانی:إن یحیی علیه السلام عاش قبل الإسلام.فمن الممکن أن یکون ترک الزواج مستحبا فی ذلک الحین،و هذا لا یعنی ثبوته فی الإسلام.بل یمکن أن یکون العکس ثابتا فیه،طبقا لتغیر الحکم و المصالح.و شریعة الإسلام ناسخة لما قبلها.
و هذا هو الذی مال إلیه المحقق الحلی قائلا:بأن المدح بذلک فی شرع غیرنا لا یلزم منه وجوده فی شرعنا.
و یمکن أن یجاب علی ذلک:بأنه خلاف إطلاق الآیة،فإن کل المدائح الواردة فی حقه علیه السلام (سَیِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِیًّا مِنَ الصّالِحِینَ) واردة فی
سیاق واحد،و منسوبة إلیه بصفته عبدا مطیعا للّه عزّ و جلّ و حائزا علی رضوانه.لا بصفته متدینا بالمسیحیة أو الیهودیة.
الوجه الثالث:ما قاله المحقق الحلی أیضا:من أنه یحمل علی ما إذا لم تتق النفس(انتهی).فإن تاقت النفس إلی الزواج کان الاستحباب ثابتا و إن لم تتق کانت الکراهة ثابتة.
فیکون هذا وجها للجمع بین هذا الدلیل الدال علی مرجوحیة النکاح و ما دل علی استحبابه علی ما سیأتی.
و یمکن أن یجاب علیه:بأنه جمع تبرعی،یعنی بدون قرینة ترجحه فی أی من الدلیلین،بعد ثبوت إطلاقهما علی ما هو المفروض.
الوجه الرابع:إننا نلاحظ من الآیة الکریمة بوضوح:أن الموصوف بالحصر عن الزواج هو نبی من الأنبیاء و لیس فردا عادیا.
و هذا یدعم الفکرة القائلة:إن حصر النفس و الضغط علیها و تعویدها علی المصاعب،لیس تکلیفا عاما للناس لا وجوبا و لا استحبابا.بل هو تکلیف للخاصة من الناس ممن فهم الهدف الأعلی فی الإیمان و أراد استهدافه و السعی فی سبیله.عندئذ یتعین علیه الزهد حتی فی النکاح إن استطاع إلی ذلک سبیلا و لم یلزم منه الوقوع فی الحرام.أعاذنا اللّه تعالی.
و الأهداف العلیا من الإیمان،و إن کانت أساسا مطلوبة من کل الناس،إلاّ أن اللّه سبحانه یعلم أن الملتفت إلیها تفصیلا و بوضوح،و من یجعلها نصب عینیه و یکرس لها حیاته،لیس إلاّ أقل القلیل.و الباقی منهم یعیشون ما یستحقون من الغفلة و ما یطلبون من دار الدنیا التی هی غایة همتهم و مبلغ علمهم و لیس لهم فی الآخرة من نصیب.
هذا و یمکن أن یستدل علی مرجوحیة النکاح.و أولویة ترکه ما دل من الکتاب الکریم و السنّة الشریفة علی ذم الشهوات و متبعیها و السائرین فی رکابها.کقوله تعالی (1)
آل عمران:14. [1]
زُیِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِینَ وَ الْقَناطِیرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَیْلِ الْمُسَوَّمَةِ1) 1)
و قوله تعالی (1)
مریم:59. [1]
:فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ یَلْقَوْنَ غَیًّا .و قوله سبحانه (2)وَ یُرِیدُ الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِیلُوا مَیْلاً عَظِیماً .
و جواب ذلک یمکن أن یکون علی مستویین غیر متفاضلین،یعنی یمکن أن یرجع أحدهما إلی الآخر.
المستوی الأول:إنه بعد الیقین بعدم تحریم إشباع کل الشهوات فی الشریعة المقدسة،بل إن إشباع کثیر منها یعتبر من المباحات لیس فیه حتی الکراهة.
عندئذ نعرف أننا لا بد فی المرتبة السابقة علی ظهور الآیة الکریمة،أی قبل أن نحاول فهمها،أن ننظر إلی الحکم الذی یتصف به إشباع الشهوات فی الشریعة.فقد یکون مباحا کشرب الماء للعطش و قد یکون محرما کشرب الخمر للسکر و قد یکون مکروها.و حیث دلت الآیة علی حرمة اتباع الشهوات بدلالة قوله تعالی فَسَوْفَ یَلْقَوْنَ غَیًّا ،و غیره.فعرف أن المقصود هو الشهوات من الأحکام ذات الحکم التحریمی أو الإلزامی.و هی الشهوة التی تستلزم ترک الواجب أو فعل الحرام،دون غیرها.
و من المعلوم أن إشباع الشهوة الجنسیة عن طریق الزواج لیس محرما.إذن، فهو خارج موضوعا عن النهی فی الآیة أو عن الذم فیها.
المستوی الثانی:إنه یمکن أن نقسم إشباع الشهوات إلی قسمین:
القسم الأول:إشباع الشهوات التی تکون حاجاتها ضروریة أو شبه ضروریة، کالمستوی الاعتیادی من الطعام و الشراب و اللباس و المنام و نحو ذلک.
القسم الثانی:إشباع الشهوات التی لا تکون ضروریة تماما،بل هی مجرد بذخ و رفاه متزاید فی الحیاة بالشکل الذی قد یشمل أحیانا الشهوات المحرمة أی ذات الإشباع المحرم.
و الإعراض عن الشهوات و إهمالها و الصبر علی ترک إشباعها،مطلوب فی الشریعة بلا إشکال.بدلالة هذه الآیات التی ذکرناها و غیرها.إلاّ أن مستوی الترکیز علی المطلوبیة یختلف من ناحیة.و المکلف الذی تطالبه الشریعة بذلک یختلف أیضا حسب القسمین السابقین.
فالإعراض عن الشهوات المحرمة،مطلوب عام من کل أحد،لوضوح أن التورط فیها تورط فی محرم.
و کذلک بشکل و آخر،فإن الإعراض عن شهوة التوسع فی العیش و زیادة المال و الرفاه أیضا مطلوب فی الشریعة.و یدل علیه عدة آیات من القرآن الکریم منها قوله تعالی (1)
الشوری:20. [1]
وَ مِنْهُمْ مَنْ یَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِی الدُّنْیا - وَ ما لَهُ فِی الْآخِرَةِ مِنْ نَصِیبٍ .و هی واضحة فی أن الطلب المتزائد للدنیا یوازی و یستلزم عدم دخول الجنة.و کذلک تدل علیه الآیة السابقة (2)زُیِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِینَ وَ الْقَناطِیرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَیْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ.
ذلِکَ مَتاعُ الْحَیاةِ الدُّنْیا.وَ اللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ .و هی واضحة فی التنافی (التقریبی)بمعنی التوسع فی دار الدنیا و حسن المآب.و لذا یقول سبحانه بعد ذلک مباشرة قُلْ أَ أُنَبِّئُکُمْ بِخَیْرٍ مِنْ ذلِکُمْ لِلَّذِینَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِینَ فِیها وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللّهِ.وَ اللّهُ بَصِیرٌ بِالْعِبادِ .
و فیها دلالة علی التنافی بین الطلب المتزائد للدنیا و الحصول علی الرضوان.
و معه یتضح أن المراد من(النساء)و البنین هنا أعنی فی هذه الآیة،لیس هو مجرد الزواج بل هو الاستکثار منهن،بقرینة ما ذکر بعد ذلک من الاستکثار من البنین و الأموال المعدودة فی الآیة.و معه یکون الاستکثار من النساء بصفته مصداقا لکثرة طلب الدنیا،أمرا مرجوحا شرعا.و هذا لا یستلزم أن یکون
مطلق الزواج و لو بواحدة أو اثنین أمرا مرجوحا.فما دل علی رجحانه من الأدلة الآتیة یبقی فی محله.
و أما الإعراض عن الشهوات من القسم الأول،یعنی للحاجات المتعارفة لجمیع الناس،فهو من أقسام الزهد.و هو خاص بمن التفت إلیه و أصبح له همة نحوه.طبقا لقوله تعالی (1)
العنکبوت:69. [1]
وَ الَّذِینَ جاهَدُوا فِینا لَنَهْدِیَنَّهُمْ سُبُلَنا .و لیس هذا الأمر عاما بین الناس.کما سبق.هذا و لا یبعد أن یکون الإعراض عن الزواج أو تأخیره و نحو ذلک نحوا من الزهد مع الوثوق بالنفس فی عدم الوقوع فی أی حرام أو مرجوح.مع الاعتراف أن هذا علی الشاب صعب جدا.و لا یبعد أن تکون هذه الصعوبة هی التی قلصت الوضوح الشرعی فی النصوص المنقولة فی استحباب الزهد لبعض الناس فی النکاح.لأنه بلا شک أصعب من الزهد فی الطعام و الشراب.فلم یکن من الحکمة بیانه و الترکیز علیه.
الأمر الذی حدا ببعض أساتذتنا أن یقول ما سمعناه من عدم مطلوبیة الزهد فی النکاح.بل حدا بکثیر من الزاهدین فی العیش إلی الاستکثار من النساء أو من إتیانهن.و کأن فی ذلک شکلا من أشکال التنفیس المشروع عن الضغط النفسی الذی یعانونه من الجهات الأخری.و للّه فی خلقه شؤون.
و هو الأکید فی الشریعة و المتواتر فی نصوصها.و سنسمع أنه لیس استکثارا فی الدنیا و لا حبا للمال و البنین بل صاغ الإسلام حکمه بشکل منسجم تماما مع مفاهیمه و أهدافه فی حدود الأحکام العامة الشاملة لکل المکلفین.و ما یمکن أن یکون هدفا للزواج من وجهة نظر إسلامیة،ما یلی:
صلّی اللّه علیه و آله.
1) 1)
ففی الصحیح عن محمد بن مسلم (1)
مسائل الشیعة،کتاب النکاح،أبواب مقدماته و آدابه.باب:1،حدیث:1. [1]
أن أبا عبد اللّه علیه السلام قال:إن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله قال:تزوجوا فإنی مکاثر بکم الأمم غدا فی القیامة.الحدیث.و فی الخصال بإسناده عن علی (2)علیه السلام(فی حدیث الأربعمائة)قال:
تزوجوا فإن التزویج سنة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله.فإنه کان یقول:من کان یحب أن یتبع سنتی.فإن من سنتی التزویج.و اطلبوا الولد.فإنی مکاثر بکم الأمم غدا.
و کثرة عدد المسلمین یفیدهم فی الدنیا و الآخرة،و هی الجهة التی أشارت إلیها الروایات،حیث یعرض المسلمون کأکثر الأدیان عددا بالرغم من کثرة ما فی الأدیان الأخری من العدد.
و فی هذا دلالة واضحة علی ما نستطیع أن نسمیه:کثرة الإنتاج الإسلامی، الذی تعاون علیه النبی صلّی اللّه علیه و آله و المسلمون خلال الأجیال لتحصیله.
و هو المفخرة أمام اللّه سبحانه و تعالی و أمام خلقه.
و من الواضح أن الإنتاج الإسلامی،کما یکون بإدخال فرد غیر مسلم إلی الإسلام کذلک یکون بإیجاد الذریة المسلمة،فإن هدایة الذریة إلی الإسلام نحو من الإنتاج أیضا فی هذا الطریق.
یبقی سؤال یحسن عرضه مع جوابه:
و هو أن نتصور أن النبی صلّی اللّه علیه و آله لیس بحاجة إلی زیادة المسلمین عن هذا الطریق،بعد إحراز الزیادة عن طریق أمرین مهمین:
الأمر الأول:إننا عرفنا أن الأنبیاء السابقین علی الإسلام مؤمنین بنبی الإسلام و مبشرین بدعوته،و معه تکون الأمم السابقة السماویة کلها علی الإسلام بنحو أو بآخر.و هذا یعنی أن عددا ضخما من السابقین علی الإسلام،مندرجون تحت رایة النبی صلّی اللّه علیه و آله یستطیع أن یکاثر بهم الأمم یوم القیامة.
الأمر الثانی:إننا نؤمن أن الإسلام هو خاتمة الأدیان السماویة و أنه باق مدی الدهر إلی یوم القیامة.و نحن لا نعلم مقدار ما سیتأخر یوم القیامة،فلعله یتأخر عدة ملایین من السنین.و هذا یعنی أن هناک ذریة ضخمة و عددا مهما من الناس یندرجون تحت رایة النبی صلّی اللّه علیه و آله یوم القیامة یستطیع أن یکاثر بهم الأمم.
و هذا قد یعنی عدم ضرورة الحث علی الزواج کالذی سمعناه فی الخبر.
إلاّ أن هذا من الغرائب،بل من الأفکار الردیئة الواضحة المناقشة و ذلک بعد الالتفات إلی عدة نقاط:
النقطة الأولی:أنه ما دامت المکاثرة فی الدنیا و الآخرة للمسلمین راجحة و صحیحة،إذن فکلما کانت النسبة أکثر و العدد أضخم،کانت النتیجة أرجح و أصح.فلئن صحّ الأمران السابقان،فإنه لا ینافی الحثّ علی الزواج المنتج للزیادة أکثر و أکثر.
النقطة الثانیة:إن الأمر الأول صحیح إلاّ أنه غیر منتج للمقصود هنا.لأن معنی قوله:أباهی بکم الأمم.أنه صلّی اللّه علیه و آله فی الحدیث.لاحظ أمة الإسلام منحازه و مغایرة لأمة الیهود و لأمة النصاری و لغیرها من الأدیان.فلئن کان عنوانهم الأصلی عند اللّه سبحانه أو عنوان المخلصین منهم هو الإسلام.
فهذا لا یعنی أنهم لیسوا یهودا و لا نصاری أو أی شیء آخر.من حیث إن شعائرهم و طقوسهم تختلف لا محالة عن المسلمین.و هم بالفعل من تربیة أنبیاء سابقین علی نبینا صلّی اللّه علیه و آله.
و کل هذه الجهات تعنی ملاحظة المسلمین کأمه منحازة و مغایرة لسائر الأمم، و لیس ملاحظة الوحدة العقائدیة بینها و بین سائر الأمم.و إذا کان کذلک،فلا بد عند المکاثرة یوم القیامة من لحاظ النسبة بینها و بین سائر الأمم بصفتها مستقلة و منحازة عنهم لا بصفتهم مندرجین فیها،و منضوین تحت رأیتها.
أذن فقد خرج کل المسلمین السابقین عن الإسلام عن هذه المکاثرة المطلوبة.
فلا بد من إیجاد سبب آخر و هو کثرة النسل بکثرة الزواج.
النقطة الثالثة:إن فکرة الأمر الثانی صحیحة أیضا،إلاّ أنّها غیر منتجة للمراد بهذا الصدد.
فإن دین الإسلام باق إلی یوم القیامة.إلاّ أن عددا من الأدیان الأخری أیضا باق إلی یوم القیامة.و علی هذا ظاهر القرآن الکریم فی عدد من آیاته کقوله سبحانه وَ أَلْقَیْنا بَیْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلی یَوْمِ الْقِیامَةِ .
فإذا کان الإسلام باقیا وحده إلی یوم القیامة،لکان للمستدل وجه من النظر.إلاّ أن الباقی هو عدد من الأدیان أو الأمم المتدینة.و النسل یحصل منها جمیعا.إذن،فقد احتجنا مرة ثانیة إلی کثرة الزواج بین المسلمین،لتحصل الکثرة فی جانبهم.
النقطة الرابعة:إن هناک کثرة ضخمة من البشریة،غیر المتبعة للأدیان السماویة المشهورة،کما فی منطقة شرقی آسیا کلها:کالهند و الصین و الیابان و أندونیسیا و غیرها.و لعلها بمجموعها کانت و لا زالت و ستبقی إلی فترة غیر محددة أکثر عددا من مجموع الأدیان الثلاثة الأخری،السماویة.
و معه لا بد من التخطیط لأجل کبح هذه النتیجة.و من جملة ذلک الحث علی کثرة الزواج.
النقطة الخامسة:إننا قد نستطیع أن نفهم من الحدیث النبوی الشریف:أن النبی صلّی اللّه علیه و آله یکاثر بالمسلمین الأمم جمیعا لا کل أمة بحیالها أو وحدها.و هذا معناه أن المسلمین سیظهرون یومئذ أکثر من نصف البشریة کلها بکثرة واضحة.و هذا معنی قد یوفق اللّه سبحانه نبی الإسلام صلّی اللّه علیه و آله و المسلمین له خلال الأجیال المتطاولة.
و المهم الآن أن نفهم من الخبر:أن نظر النبی صلّی اللّه علیه و آله إلی ذلک، و أن هدفه نحوه.و هذا لا یکون عادة إلاّ بأسبابه.و من أهمها الحثّ علی کثرة الزواج و الزواج المبکر و نحوه مما یأتی.
و التوحید هو الصفة المهمة قبل أیة صفة أخری مهما کانت مهمة و صحیحة.
فعن جابر (1)
المصدر:السابق حدیث 3.
عن أبی جعفر علیه السلام قال:قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله:ما یمنع المؤمن أن یتخذ أهلا لعل اللّه یرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلاّ اللّه.و فی روایة أخری (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام:إن استطعت أن تکون لک ذریة تثقل الأرض بالتسبیح فافعل.و هی روایة صحیحة.
و معنی أنها تثقل الأرض بلا إله إلاّ اللّه أنها تشهد بالتوحید.و هذا واضح.
و کما أن للفرد الموحد بجسمه ثقل علی الأرض المادیة کذلک لعقیدته و أحقیة اتجاهه و هدفه ثقل علی الأرض المعنویة.
فعن کلیب بن معاویة الأسدی (3)عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال:قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله:من تزوج أحرز نصف دینه.قال الکلینی:- و فی حدیث آخر (4)-:فلیتق اللّه فی النصف الآخر أو فی النصف الباقی.
فمن المعلوم أن الشاب الأعزب:إن کان متدینا لا یکون المفروض فیه بذل شهوته الجنسیة فی الموارد المحرمة مهما قلت أو کثرت.و معه یتعین علیه الصبر، و هو من أصعب الأمور علیه.بل یکون مانعا عن التوفر عملیا أو فکریا علی کثیر من الطاعات و الأعمال الصالحة و الخیرة،التی یمکن أن یقوم بها لو کان یکفی المئونة من هذه الناحیة.أعنی لو کان متزوجا.
فإن المتزوج لا یحتاج إلی ذلک المقدار من الصبر،فیستطیع أن یتوفر للصالحات الأخری.
و ربما کان لفهم هذا الحدیث أشکالا أخری من الفهم،لا تختلف بکثیر عن هذا الذی قلناه.فلا حاجة إلی بسط الکلام فیها.
فعن ابن القداح (1)
المصدر:باب 2 حدیث 4. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام،قال:جاء رجل إلی أبی فقال له:هل لک من زوجة.قال:لا.فقال أبی:ما أحب أن لی الدنیا و ما فیها و أنی بت لیلة و لیس لی زوجة.ثم قال:الرکعتان یصلیهما رجل متزوج.أفضل من رجل أعزب یقوم لیلة و یصوم نهاره.ثم أعطاه سبعة دنانیر ثم قال:
تزوج بهذه.ثم قال أبی:قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله:اتخذوا الأهل فإنه أرزق لکم.
و ظاهر الروایة أن الرزق إنما یتسع علی الزوج نفسه.فإن الفرد إذا تزوج ازداد دخله لا محالة لازدیاد عدد الأفراد المسؤول هو عنهم من زوجة و أولاد.إلاّ أن هذا لیس رزقا له بل رزق لهم یجعله اللّه تعالی طریقا فیه.لأن الرزق مکفول لکل الناس کما فی الخبر:إن الذی شق فمی کافل رزقی حتی یتوفانی.
و ظاهر الروایة هو ازدیاد رزقه هو.و هذا لا یبعد أنه موجود فی الأغلب من الناس.حیث یزداد معدل دخله بعد زواجه بحیث یناله شخصیا من الدخل أکثر مما کان سابقا.
إلاّ أن الأهم هو أن نلتفت:أن الرزق قسمان:مادی و معنوی.و لئن کان المادی منبسطا علیه و علی أسرته فإن الرزق المعنوی خاص به.من حیث إنه تنفتح أمام الزوج فرص عدیدة للطاعات،من حیث تربیة أولاده علی الطریق الحق،ذکورا و إناثا و صونهم من الانزلاق و الانحراف.و صون زوجته و تربیتها أیضا بمقدار الإمکان.کما أن التوسعة علی العیال أکثر من النفقة الواجبة شکل من الصدقة علیها ثوابها لا محالة.
و إذا واجه فی عائلته صعوبة و بلاء،کان الحال فیه کسائر أنواع البلاء فی الدنیا،یراد به تربیة المبتلی و تذکیره باللّه سبحانه.طبقا لآیات عدیدة منها قوله تعالی (2)وَ لَنَبْلُوَنَّکُمْ بِشَیْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصّابِرِینَ، اَلَّذِینَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِیبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَیْهِ راجِعُونَ. أُولئِکَ عَلَیْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ. .
و علی أی حال فسیکون البلاء من جانبه و نفعا له،بصفته مؤمنا صابرا،بدلا من أن یکون وبالا علیه و سببا لانحرافه و اعتراضه.
و النتیجة من کل ذلک،هی أن العائلة علی أی حال تکون سببا للرزق المعنوی،و ازدیاد أسباب الطاعات و أعمال الخیر و تحصیل الثواب.و هذا المعنی- کما أشرنا-خاص بالزوج و غیر شامل لغیره.فإن کان لغیره ثواب أیضا،فهو یستحقه بحیاله و بالأسباب الأخری التی تتوفر له.
الدفاع
و قد کان المعتاد عند کثیر من الأسر حین یولد لهم مولود ذکر یقولون بلغتهم الخاصة،ما مضمونه:اللهم صلّ علی محمد و آل محمد فقد جاء جندی المهدی أو ناصر المهدی صاحب الزمان.
و هذا الهتاف یتضمن أمرین:
أحدهما:النظر إلی الذریة من زاویة معینة هی أهم الزوایا فی نظر الأبوین و الأهل،و هی کونه جندیا للدین الحنیف.بحیث تکون باقی الأهداف،أعنی الدنیویة،ملغاة بالنسبة إلی هذا المعنی الجلیل.و هذا المعنی صحیح تماما،کما هو واضح.
ثانیهما:إن الأبوین و الأهل،قد یتصورون إن نصره الدین منحصرة بظهور المهدی عجل اللّه فرجه.و لعمری إنه أهم ناصر للدین بعد القادة الأوائل علیهم السلام.
إلاّ أن ذاک التفکیر المحدود أیضا لیس بصحیح لعدة وجوه نذکر منها:
أولا:إن نصره المهدی علیه السلام هی نصرة دینه و هذا کما یمکن فی عصر حضوره و ظهوره یمکن أن یحصل فی أی وقت و زمان فی أی مکان.و کلها
بشکل و آخر هی نصرة للمهدی علیه السلام و هی نصرة لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و نصرة للّه عزّ و جلّ.
و النصرة غیر محددة بالقتال،لیستشکل الناس فیه،إلاّ تحت رایة المهدی علیه السلام.بل هی متوفرة فی المیادین الفکریة و الاجتماعیة و الاقتصادیة و الأسریة کما هی متوفرة فی المیادین العسکریة.و کلها یمکن أن تکون نصرة للّه و لرسوله و للمهدی علیه السلام.
ثانیا:إننا لو فرضنا-جدلا-انحصار النصرة بالقتال.فهو لیس منحصرا تحت رایة المهدی علیه السلام،و إن کانت هی الرایة الرئیسیة منذ أیامنا الحاضرة إلی المستقبل غیر المنظور.
بل هناک بعض أشکال القتال المشروع فی الدین،تحت غیر القیادة المعصومة،کالحرب الدفاعیة.و المهم هنا،أعنی فی الجواب الثانی،أن یکون الفرد مقاتلا فی سبیل اللّه سبحانه،و هو کما یتوفر تحت رایة المهدی علیه السلام یتوفر فی أیة حرب مشروعة فی الإسلام.
ینبغی هنا أن نلتفت إلی ما ورد فی النصوص من الصفات الصالحة التی یجب أن یلاحظها الزوج أو الذی یرید الزواج من النساء.
فعن جابر بن عبد اللّه قال سمعته یقول (1)
وسائل الشیعة:کتاب النکاح.أبواب مقدماته باب 6 [1] حدیث 2.
:کنا عند النبی صلّی اللّه علیه و آله فقال:إن خیر نسائکم الولود الودود العفیفة العزیزة فی أهلها الذلیلة مع بعلها المتبرجة مع زوجها الحصان علی غیره التی تسمع قوله و تطیع أمره و إذا خلا بها بذلت له ما یرید.الحدیث.و عن أبی نصیر علیه السلام قال (2):خیر نسائکم التی إذا خلت مع زوجها خلعت له درع الحیاء و إذا لبست لبست معه درع الحیاء.
و عن سلیمان الجعفری عن أبی الحسن الرضا علیه السلام:قال (1)
المصدر:حدیث 4. [1]
:قال أمیر المؤمنین علیه السلام:خیر نسائکم الخمس.قیل:و ما الخمس.قال:الهینة اللینة المؤاتیة،التی إذا غضب زوجها لم تکتحل بغمض حتی یرضی.و إذا غاب عنها زوجها حفظته فی غیبته.فتلک عامل من عمال اللّه و عامل اللّه لا یخیب.و عن أبی عبد اللّه علیه السلام (2):خیر نسائکم الطیبة الریح الطیبة الطبیخ.
التی إذا أنفقت أنفقت بمعروف و إن أمسکت أمسکت بمعروف.فتلک عامل اللّه و عامل اللّه لا یخیب و لا یندم.
قال ابن بابویه (3):و جاء رجل إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله فقال:إن لی زوجة إذا دخلت تلفتنی و إذا خرجت شیعتنی و إذا رأتنی مهموما قالت لی:
ما یهمک إن کنت تهتم لرزقک فقد تکفل لک به غیرک.و إن کنت تهتم لأمر آخر فزادک اللّه هما.فقال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله:إن للّه عمالا و هذه من عماله.لها نصف أجر شهید.
هذا،و سیأتی فی العنوان التالی بعض الإضافات.
و هذا،کما هو خطاب للزوج هو خطاب للزوجة.فبالنسبة إلی الزوج من طرفین:
أحدهما:ان یتوخی الزواج من امرأة تتصف بمثل هذه الصفات،کما أشرنا.إلاّ أنها قد لا تکون مجرّبة من هذه الناحیة.
ثانیهما:إن الزوج إذا رأی فی زوجته انحرافا أو ازورارا أو اختلافا،أمکنه أن یبذل إمکاناته الشرعیة التی أوسعها:الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر.لکی یرجعها إلی جادة الصواب،و یجعلها مرة أخری متصفة بالصفات.
و أما بالنسبة إلی الزوجة فمن طرفین أیضا:
أحدهما:إکرام زوجها الذی یجب أن تکرس حیاتها لإکرامه و إسعاده،کما یجب علیه أن یکرس حیاته لإکرامها و إسعادها.و نقصد بالوجوب فی کلا الطرفین:الأولویة الشدیدة الأکیدة،التی قد ترقی إلی درجة الوجوب التام أحیانا حسب اختلاف الأحکام.
ثانیهما:تقدیم ذلک أمام اللّه سبحانه کجهاد فی سبیله و ابتغاء رضوانه.فإنه لیس فیها طاعة فقط،بل جهاد،فقد ثبت فی الشریعة:إن جهاد المرأة عملها لزوجها و عائلتها،و أن اللّه عزّ و جلّ جعل لها ذلک بدل ما جعل من جهاد العدو للرجال.
و هنا ینبغی أن نستعرض أهم الصفات السابقة التی توخاها الشارع الإسلامی المقدس فی النساء.و ذلک فی عدة جوانب:
الجانب الأول:الجانب الجنسی.و المهم للمرأة أن تبذل للرجل جمیع ما لدیها من هذا الجانب جسمیا و نفسیا و عقلیا.
الجانب الثانی:الجانب الاقتصادی.و المهم للمرأة أن تقتصد لزوجها بالإنفاق.و هو جانب صعب علی المرأة کما هو المجرب،فی أغلب النساء.
الجانب الثالث:الجانب الاجتماعی.و المهم للمرأة أمران رئیسیان:الأول:
أن تصون المرأة نفسها عن غیره صیانة تامة.فی حدود کل ما هو محرم أو مرجوح فی الدین.و الثانی:أن تصون شأن زوجها و سره بین الناس فلا تخونه من هذه الناحیة.مع العلم أنها قادرة علی ذلک لا محالة.
الجانب الرابع:الجانب الأسری:و المهم للمرأة هنا أمران رئیسیان:الأول:
أن تکون ولودا غیر عقیمة أو قلیلة الولادة.و ذلک دعما لکثرة النسل الذی سمعناه من الشریعة المقدسة.و الثانی:أن تکون جیدة الطبخ و الطعام.و المثل یقول:إن قلب الرجل فی معدته.و قد سمعنا هذا الشرط فی الروایات بقوله:
الطیبة الریح الطیبة الطبیخ.و هو الطعام المطبوخ.
من الروایات ما یقسم النساء إلی ثلاثة أقسام و منها ما یقسمهن إلی أربعة أقسام.و مهما یکن من أمر فالذی یظهر،کما هو الواقع،أن المرأة کغیرها، تتصف تارة بالصلاح و أخری بالفساد.و الصفات الکثیرة تندرج تحت هذین النوعین علی العموم.
و نحن بعد أن عرفنا الصفات الحسنة للنساء،یمکننا أن نعرف النوع الآخر لصفاتهن من خلال هذه الأقسام التی سنسمعها من الروایات:
فعن إبراهیم الکرخی (1)
المصدر:باب 6 الحدیث 1. [1]
قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:إن صاحبتی هلکت و کانت لی موافقة.و قد هممت أن أتزوج.فقال لی:انظر أین تضع نفسک و من تشرکه فی مالک و تطلعه علی دینک و سرک.إلی أن یقول:و هن ثلاث:فامرأة بکر ولود و دود تعین زوجها علی دهره لدنیاه و آخرته و لا تعین الدهر علیه.و امرأة عقیم لا ذات جمال و لا خلق و لا تعین زوجها علی خیر.و امرأة صخابة ولاّجة همازة.تستقل الکثیر و لا تقبل الیسیر.
و عن علی بن علی أخی دعبل (2)عن الرضا عن آبائه علیهم السلام.یقول فیه:و النساء جامع مجمع و ربیع مربع و کرب مقمع و غل قمل.یجعله اللّه فی عنق من یشاء و ینزعه منه إذا شاء.
و قد ورد هذا المضمون فی عدة روایات (3).
قال صاحب الوسائل (4):قال ابن بابویه:قال أحمد بن أبی عبد اللّه البرقی:
جامع مجمع أی کثیرة الخیر مخصة.و ربیع مربع التی فی حجرها ولد و فی بطنها آخر.و کرب مقمع أی سیئة الخلق مع زوجها.و غل قمل.هی عند
زوجها کغل القمل.و هو غل من جلد یقع فیه القمل فیأکله،فلا یتهیأ له أن یحذر منها شیئا.و هو مثل للعرب.
أقول:أولا:جامع مجمع.بالفتح أو بالکسر مع التشدید و عدمه.فیه جهات لغویة أهمها:ترک التأنیث فیه،مع أنه منسوب إلی أنثی حقیقیة.و لهذا الإشکال عدة أجوبة نذکر أهمها:
أولا:وضوح الأمر.إذ مع احتمال الاشتباه یتعین الإتیان بعلامة التأنیث أما مع عدمه فلا یتعین.و یقاس ذلک بالصفات المتعینة للأنثی کالحامل و الحائض و غیرهما.
ثانیا:إن الحدیث هنا عن کلی عام تکون المرأة مصداقا له و تطبیقا من تطبیقاته.و هو الفرد الجامع المجمع أیا کانت صفاته الأخری،یعنی ذکرا کان أم أنثی.
و المهم هنا،هو المعنی و هو أن تکون المرأة جامعة لصفات الخیر.و(الجامع) من الثلاثی و(المجمع)من الرباعی.و المحصل العرفی لمعناهما واحد و الجمع بین الصفتین للتأکید.
ثالثا:ربیع مربع.و الربیع هو الفصل الآتی بعد الشتاء.بما فیه من نسیم طیب و حرارة محببة ضد البرد القارس و خضرة رائعة.و(مربع)معناه:منبت للربیع أی سبب إنبات الربیع.و الربیع باصطلاحهم هو الحشیش سموه بذلک لأنه ینبع بالربیع.و السبب الذی یکون منبتا للحشیش هو المربع.بصیغة اسم الفاعل.بضم الأول و کسر الثالث.
و هو کنایة عن الأعمال الصالحة و النفع التی تنفع به الزوجة زوجها.أو کنایة عن جمالها و أمورها الجنسیة التی تنفع بها زوجها.
و یحتمل أن نقرأه:مربع بفتحتین للأول و الثالث.و هو البیت و جمعه أربع.
قال الشاعر:
کم بنینا فی ثراها أربعا و انثنینا و محونا الأربعا
فإن من نقاط القوة للزوجة أن تکون(بیتا)لزوجها،أی حصنا و سترا تلم شعثه و تؤوی عائلته.
و لکن القراءة علی هذا النحو یجعل هذه الکلمة مختلفة فی الجرس و الحرکات عن غیرها من الأربعة.و من هنا یکون هذا الاحتمال ضعیفا.
ثالثا:کرب مقمع.و الکرب هو الهم و الغم و الحزن الذی یکون فی القلب أو النفس.
و مقمع بصیغة اسم الفاعل الرباعی من قمع بفتحتین.و قد ورد فی اللغة (1)
لسان العرب.
بمعنی قهره و ذلله و بمعنی رده و ردعه.أقول:و قد تستعمل مجازا بمعنی:أهلکه و اجتاحه.و کل هذه المعانی محتملة فی الحدیث،و کلها قبیحة فی المرأة إذا استعملت ذلک ضد زوجها،کما هو واضح.أقول:و المقصود من ردع زوجها:ردعه عنها جنسیا.و هو محرم.لا ردعه عن الحرام بطبیعة الحال.و إلاّ کان ذلک راجحا بل واجبا أحیانا.
و هنا لا یأتی الإشکال السابق عن التأنیث:لأن(القمع)هنا هو الکرب و هو مذکر.و المجموع یکون صفة للمرأة و لیس المقمع وحده.یعنی أن المرأة تکون:
کربا قاهرا و کربا مهلکا و نحو ذلک.
رابعا:غل قمل.قال ابن منظور:و قولهم:غل قمل(بفتح فکسر)أصله أنهم کانوا یغلّون الأسیر بالقید و علیه الشعر فیقمل القید فی عنقه.و فی الحدیث:من النساء غل قمل(بفتح فکسر)یقذفها اللّه فی عنق من یشاء ثم لا یخرجها إلاّ هو.و فی حدیث عمر و صفة النساء:منهن غل قمل(بفتح فکسر) أی ذو قمل(بفتح فسکون)کانوا یغلون الأسیر بالقید و علیه الشعر فیقمل و لا یستطیع دفعه عنه بحیلة.
و قیل:القمل(بفتح فکسر)القذر.و هو من القمل(بفتحتین)أیضا.
أقول:القمل بفتح فسکون هو الحشرة المعروفة،و لیس کما اشتهر من أنه بالضم فالفتح مع التشدید.و القمل بفتحتین:المصدر و هو الإصابة بالقمل.
و القمل بفتح فکسر:صفة مشبهة باسم الفاعل أی القامل و هو المبتلی بالقمل.
1) 1)
و قوله:غل قمل یمکن قراءته علی شکلین:أحدهما:فتح فکسر،کما سمعنا من لسان العرب علی أساس أنه غل أصیب بالقمل.و ثانیهما:فتح فسکون علی الإضافة.لأنه حین ابتلی بهذه الحشرة کان مضافا إلیها.
و هذا الذی سمعناه من لسان العرب أوضح مما سمعناه من(البرقی)لأنه قال:و هو غل من جلد یقع فیه القمل فیأکله.فمن هو الفاعل و المفعول فی یأکله و لمن تعود هذه الضمائر؟إنه یعنی-علی أحسن تقدیر (1)
و له تفسیرات أخری دون ذلک علی أی حال لا حاجة إلی سردها.
-:إن القمل (بفتح فسکون)یأکل صاحبه المبتلی به.و هو استعمال مجازی لا یخلو من سماجة.و إن کان مستعملا عند العرب کقولهم:أکلونی البراغیث.و إلی الآن یستعمل بعض العامة(الأکل)بمعنی الحکة.لأنها هی التی تحصل عن القمل و البراغیث.و قد نحتاج إلی کلمة فی شرح ما سمعناه عن لسان العرب.فإن العرب کانوا یأتون بالأسیر فیقیدونه بالغل و یشدون یدیه شدا محکما و یلقون به فی زاویة السجن دهرا طویلا،حتی یطول شعر رأسه و یصیبه قمل کثیر،حتی یسری القمل إلی القید و إلی الأرض أیضا.و إنما لاحظوا القمل فی القید لأنه مصنوع من الشعر أیضا.فهو یصلح بیئة لمعیشة القمل أیضا،کشعر الرأس تماما أو تقریبا.
من هو الکفؤ و ما هو حکمه؟ قال ابن منظور:و الکفیء:النظیر و کذلک الکف و الکفوء علی فعل و فعول.و المصدر الکفاءة بالفتح و المد.
و تقول:لا کفاء له بالکسر،و هو بالأصل مصدر،أی لا نظیر له.
و الکف:النظیر و المساوی.و منه الکفاءة فی النکاح.و هو أن یکون الزوج مساویا للمرأة فی حسبها و دینها و نسبها و بیتها و غیر ذلک.
1) 1)
و تکافأ الشیئان تماثلا.و فی حدیث النبی صلّی اللّه علیه و آله:المسلمون تتکافأ دماؤهم.قال عبید:یرید تتساوی فی الدیات و القصاص.فلیس لشریف علی وضیع فضل فی ذلک.
و فلان کفء فلأنه:إذا کان یصلح لها بعلا.و الجمع من کل ذلک:أکفاء.
إلی آخر ما قال.
و أما کتابة الهمزة فقد کتبها فی لسان العرب مستقلة.و هو أخذ للسکون السابق علیها بنظر الاعتبار.و هذا ممکن.کما یمکن أن یؤخذ الضم السابق علیها بنظر الاعتبار فتکتب علی واو.و لا یعارضه السکون المتأخر لأنه لا یقتضی شیئا فی ذاته،من أشکال الکتابة،کما لا یلغی أثر الضم السابق علیه.
و مما سبق أیضا نعرف:أن ما علیه بعض المتأدبین من نطق الکفوء(بضم فسکون)بشکل کفوء(بفتح فضم)غلط لغویا.کما أن خیالهم بأن معناه:أنه أهل لذلک و قادر علیه،أیضا لیس معنی حقیقیا و إنما هو مجازی.کما لو قیل:
إنه کفوء للعمل الفلانی.فإنه لا یصح علی وجه الحقیقة و إنما علی وجه المجاز.
هذا،و حین نتحدث من جهة النکاح،الذی هو همنا فی هذا الفصل.
یحصل للکفؤ عدة معانی:
المعنی الأول:مجرد الصلاحیة للزوجیة،بعد مقایسة المرأة بالرجل شخصیا.
و هذا ما سمعناه:من أنه یصلح لها بعلا.
المعنی الثانی:التساوی بینهما من جمیع الوجوه الاجتماعیة و الاعتیادیة، بحیث یعتبرهما المجتمع کفؤان أی نظیران و متماثلان.
و لا شک أن هذا هو الأصل فی استعمال الکلمة.فإن حصل فیها بعض التوسع،فإنه لا یخلو من مجاز.
و هذا هو الذی سمعناه أیضا عن لسان العرب،من کون الزوج مساویا للمرأة فی حسبها و دینها و نسبها و بیتها و غیر ذلک.
المعنی الثالث:التساوی فی الإسلام.
و هو ظاهر بعض الروایات.فعن علی بن بلال (1)
وسائل الشیعة ج 7 کتاب النکاح أبواب مقدماته باب 26.حدیث 3. [1]
عن جعفر بن محمد علیه السلام.سمعته یقول:أ تتکافؤ دماؤکم و لا تتکافؤ فروجکم؟ و من الواضح أن تکافؤ الدماء فی الإسلام.إذن،فکذلک تکافؤ الفروج.و فی صحیحه (2)زرارة،عن أبی جعفر علیه السلام عن علی بن الحسین علیه السلام:أما علمت أن اللّه رفع بالإسلام الخسیسة و أتم به الناقصة و أکرم به اللؤم.فلا لوم علی مسلم إنما اللوم لؤم الجاهلیة.و فی خبر آخر نحوه إلاّ أنه قال (3):و اذهب به اللوم.
و قد ورد مثل ذلک فی عدة روایات.حتی لعله مستفیض.و هو وارد فی شرف المرأة لا فی شرف الرجل.و سنشیر إلی ذلک فیما بعد بعونه سبحانه.
المعنی الرابع:التساوی فی الإیمان.
ففی مرسلة الصدوق عن النبی صلّی اللّه علیه و آله:المؤمنون بعضهم أکفاء بعض.
و هی مضافا إلی ضعف سندها،لیس لها مفهوم یدل علی نفی الکفاءة مما کان خارج هذه الصفة.إلاّ بمفهوم الوصف الذی لا نقول به.
و فی روایة أخری (4)مما یصلح تفسیرا لذلک:المؤمن کفؤ المؤمنة و المسلم کفؤ المسلمة.
الأمر الذی یدل علی أن کلا الصفتین کافیة فی الکفاءة.و إحداهما أوسع من الأخری لأن کل مؤمن مسلم و لا عکس.فیکون المدار علی الأوسع بطبیعة الحال و هو صفة الإسلام.
المعنی الخامس:التساوی فی التقوی.
و هو ما قد یظهر من بعض النصوص.فعن أبی بکر الحضرمی (1)
المصدر:باب 26 حدیث 1. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:إن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله زوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبیر بن عبد المطلب.و إنما زوجه لتتضع المناکح،و لیتأسوا برسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و لیعلموا أن أکرمکم عند اللّه أتقاکم.و قد ورد هذا النص بسندین (2).المعنی السادس:ما دلت علیه روایة غیر معتبرة (3)سندا عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:الکفؤ أن یکون عفیفا و عنده یسار (4).
و إذا أردنا أن نختار من هذه المعانی،بدأنا بما لا دلیل علیه معتبرا و کان الدلیل ضده.
فالمعنی السادس دلیله ضعیف.و المعنی الخامس بمجرده غیر محتمل فقهیا، کما أن المعنی الأول غیر محتمل لوجود بعض الشرائط فی الرجل و المرأة شرعا غیر مجرد الصلاحیة للزواج،بلا إشکال.
کما أن المعنی الثانی،بالرغم من کونه هو الظاهر لغة إلاّ أنه ملغی شرعا جزما.لأن کل الأدلة الواردة فی تعیین الکفؤ تتفق علی مضمون واحد،و هو عزل العناوین الدنیویة من المال و شرف الأسرة و غیر ذلک کسبب لتعیین الکفؤ.
و قد ورد فی عدة حوادث حصلت بإشراف النبی صلّی اللّه علیه و آله و غیره من قادة الإسلام تزویج امرأة شریفة و عظیمة دنیویا برجل رذیل دنیویا.لأنه شریف و عظیم أخرویا.و حادثة (5)تزویج النبی صلّی اللّه علیه و آله جویبر ببنت لزیاد ابن لبیب و هو من أشرف بنی بیاضة حسبا.حادثة مشهورة و مرویة.
و فیها یقول صلّی اللّه علیه و آله (6):یا جویبر إن اللّه قد وضع بالإسلام من
کان فی الجاهلیة شریفا و شرف بالإسلام من کان فی الجاهلیة وضیعا.و أعزّ بالإسلام من کان فی الجاهلیة ذلیلا.و أذهب بالإسلام ما کان من نخوة الجاهلیة و تفاخرها بعشائرها و باسق أنسابها.فالناس کلهم أبیضهم و أسودهم و قریشهم و عربیهم و عجمیهم من آدم و إن آدم خلقه اللّه من طین.و إن أحب الناس إلی اللّه أطوعهم له و أتقاه.و ما أعلم یا جویبر لأحد من المسلمین علیک الیوم فضل إلاّ لمن کان أتقی للّه منک و أورع.
بقی علینا المعنی الثالث و الرابع و هما الإسلام و الإیمان کشرطین للکفاءة.
و الرابع،و هو الإیمان مضافا إلی ضعف دلیله،فإنه مدفوع بإطلاق الآیة:
وَ أُحِلَّ لَکُمْ ما وَراءَ ذلِکُمْ .فإنها تشمل صورة عدم التساوی فی الإیمان.و إن کان التساوی فیه راجحا جدا بطبیعة الحال.بل إن خیف وجود بعض المضاعفات الدینیة مع عدم توفره،لم یجز بدونه.
فانحصر الأمر فی النتیجة فی المعنی الثالث،و هو شرطیة الإسلام،و هو مطابق للقاعدة،ما لم یحصل دلیل استثنائی موسّع أو مضیق.فمثلا إن دلّ الدلیل علی جواز زواج المسلم بالکتابیة مطلقا أو بالعقد المنقطع،کان فی ذلک استثناء من هذا الشرط.کما لو دلّ الدلیل علی المنع من التزویج بشارب الخمر أو المتجاهر بالفسق و إن کان مسلما،کان ذلک تضییقا للشرط،یعنی أنه لا یکفی فیه الإسلام بمجرده.
و ینبغی الالتفات إلی أن المعنی اللغوی للکفؤ هو النظیر أو المساوی،إلاّ أن المصطلح الفقهی أصبح یخص ذلک بالرجل دون المرأة.من حیث إنه لا یوجد هناک بحسب الحکم الإلزامی أیة شرائط للمرأة،بل یجوز الزواج بأیة واحدة یرغب فیها الخاطب أیا کانت صفتها.و ما سمعنا من الصفات إنما هی استحبابیة و لیست إلزامیة.
إذن،فلیس هناک امرأة کفؤ أو کفوءة.و إنما یتصف الخاطب الذکر بذلک، فیجب النظر إلی صفاته لقبول خطبته،یعنی تشخیص کونه کفوءا أم لا،إما بحسب الحکم الإلزامی کالإسلام أو الاستحبابی کالإیمان أو التقوی أو غیرهما.
و ینبغی الالتفات أیضا إلی أن صفة الکفاءة علی کلا المستویین الاستحبابی
و الإلزامی،إنما هی لأجل دفع الأقل،یعنی غیر المتصف بالصفة المطلوبة،دون دفع الزائد.کما لو تقدم للخطبة رجل أفضل من المرأة بکثیر،فلا ینبغی أن یقال له:إنک لست کفؤا لها لأنک لست مثیلا لها بل أحسن منها.بل إن مثل هذا سیکون أولی بالقبول و الرضا شرعا و عرفا کما هو واضح.
فهذا هو مجمل الکلام عن معنی الکفؤ لغة و اصطلاحا.
و أما حکمه.فلیس له حکم إلزامی من هذه الناحیة،یعنی لا یوجد خاطب یجب الموافقة علیه أو یحرم ردّه.ما لم تحصل له أو حوله بعض العناوین الثانویة الدینیة أو الاجتماعیة التی تقتضی ذلک.و هی نادرة عادة.
و إنما المهم هو الاستحباب.و المشهور:أن رد الکفؤ مرجوح جدا.
و لکننا بعد أن عرفنا أن الکفاءة فی الإسلام خاصة،و نعلم أن المسلمین یختلفون جدا من حیث کثیر من الصفات و الملابسات.فمن الصعب القول إن رد الخاطب مرجوح لمجرد کونه مسلما.
و إنما یکون الرد مرجوحا،فیما إذا اتصف الخاطب بحسن الدین و الأخلاق.
کم نطقت بذلک الأدلة المعتبرة،التی سنسمع بعضها.و عندئذ فقط سیکون الرد مرجوحا.و معنی ذلک أنه لا ینبغی أن یلاحظ بعد ذلک منزلته الاجتماعیة و الاقتصادیة و غیر ذلک من الصفات الدنیویة التی حاول الشارع المقدس إلغاءها جهد الإمکان.
ففی الصحیح عن علی بن مهزیار،قال (1)
وسائل الشیعة ج 7 کتاب النکاح.أبواب مقدماته باب 28 [1] حدیث 1.
:کتب علی بن أسباط إلی أبی جعفر علیه السلام فی أمر بناته،و أنه لا یجد أحدا مثله.فکتب إلیه أبو جعفر علیه السلام:فهمت ما ذکرت من أمر بناتک و أنک لا تجد أحدا مثلک.فلا تنظر فی ذلک رحمک اللّه.فإن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله قال:إذا جاءکم من ترضون خلقه و دینه فزوجوه إلاّ تَفْعَلُوهُ تَکُنْ فِتْنَةٌ فِی الْأَرْضِ وَ فَسادٌ کَبِیرٌ .و عن بشار الواسطی قال (2):کتبت إلی أبی جعفر علیه السلام أسأله عن
النکاح فکتب إلیّ:من خطب إلیکم فرضیتم دینه و أمانته فزوجوه.ألا تفعلوه تکن فتنة فی الأرض و فساد کبیر.
و هذا منهم سلام اللّه علیهم استشهادا بالآیة الکریمة. إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَکُنْ فِتْنَةٌ الآیة.و هی و إن لم تکن مطبقة فی سیاق القرآن الکریم علی النکاح،و لکن القرآن الکریم،واسع الصدر و الانطباق،یجری فی الناس مجری الشمس و القمر.
و فکرة تطبیقها واضحة أیضا،من حیث إن رد الکفؤ بهذا المعنی یحصل فیه قلة التزواج،و هو سبب لأن یبحث الشاب عن الطریق الحرام لیوفی فیه شهوته.أعوذ باللّه.
و أما رد من لم یکن کذلک،أعنی مرضیا خلقا و دینا،ممن هو متصف بالإسلام.فالروایة لا تحث علی قبول،بل لها إشعار بمرجوحیته.و هو ثابت بمفهوم الوصف بل أظهر علی أی حال.
و لا یحصل من رفضه المضاعفات المذکورة فی الآیة الکریمة.لعدة وجوه منها:
أولا:إن فی الرفض تخوفا و تحفظا علی المرأة من الانزلاق مع الرجل غیر المرضی و غیر المأمون.
ثانیا:إن الخطاب فی الروایات عادة إلی أولئک الآباء المأمونین أخلاقا و دینا.
فإذا تقدم إلیهم من هو مأمون تعین قبوله و إن تقدم إلیهم من هو مشکوک تعین رفضه.
إلاّ أن الآباء لیسوا منحصرین فی أمثال أولئک،بل هم قلة فی المجتمع غالبا.
فالمهم:إنه إذا رفض الرجل غیر المأمون من قبل البعض أمکنه أن یذهب علی قوم آخرین،قد یکونون من أمثاله من قلة الدین و الأخلاق،فلا یرفضونه.أو أنهم سیلاحظون فیه الصفات الدنیویة التی یریدونها فیقبلونه.و علی أی حال فسوف لن تحصل (فِتْنَةٌ فِی الْأَرْضِ وَ فَسادٌ کَبِیرٌ) .
و هو ما أکد علیه قادة الإسلام فی النصوص الواردة عنهم سلام اللّه علیهم.
و هو-فی حکمته-یندرج فی الحث علی زیادة الذریة التی یکاثر و یفاخر بها رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله یوم القیامة-لوضوح أنه کلما کان الزواج أبطأ أو أبعد کانت الفرصة للإنجاب أقل،لا من حیث الزمان فقط،بل من حیث صحة الوالدین أیضا و قابلیتهما للإنجاب.
فعن أحمد بن محمد بن عیسی (1)
المصدر السابق باب 23 حدیث 1 و [1]انظر حدیث 12 أیضا.
عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته فی بیته.و عن بعض أصحابنا.قال الکلینی (2):سقط عنی إسناده.قال:إن اللّه عزّ و جلّ لم یترک مما یحتاج إلیه إلاّ و علمه نبیه صلّی اللّه علیه و آله.فکان من تعلیمه إیاه أنه صعد المنبر ذات یوم فحمد اللّه و أنثی علیه ثم قال:أیها الناس إن جبرئیل أتانی عن اللطیف الخبیر.فقال:إن الأبکار بمنزلة الثمر علی الشجر إذا أدرک ثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس و نثرته الریاح.و کذلک الأبکار إذا أدرکن ما یدرک النساء فلیس لهن دواء إلاّ البعولة،و إلاّ لم یؤمن علیهن الفساد لأنهن بشر.الحدیث.
هذا مضافا إلی السیرة لدی أولاد المعصومین علیهم السلام و أصحابهم و المتشرعة فی کل جیل،فإنها قائمة بلا إشکال علی الزواج المبکر مهما أمکن، حتی حصلت فی القرن الأخیر بعض الملابسات التی غیرته.و لا زال کثیر من المتشرعة ملتزمون به.
و لئن کانت الأخبار التی نقلناها خاصة بالإناث،فإن السیرة لیست خاصة بهن،بل تعم الذکور أیضا.و لم یکن المتشرعة لیهمهم الرزق بعد أن تکفله اللّه عزّ و جلّ لهم و لم یکن لیعیقهم عمل أو دراسة عن الزواج المبکر.بل کانوا یجمعون بین الزواج،و بین أی شیء آخر من أعمال الدنیا أو الآخرة.
قال اللّه تعالی (1)
النور:32. [1]
وَ أَنْکِحُوا الْأَیامی مِنْکُمْ وَ الصّالِحِینَ مِنْ عِبادِکُمْ وَ إِمائِکُمْ.إِنْ یَکُونُوا فُقَراءَ یُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ.وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِیمٌ .
و قوله اَلْأَیامی مِنْکُمْ ،یشمل کل النساء غیر المتزوجات.لأن المرأة بمجرد أن تستحق الزواج ستکون أیّما ما لم تتزوج.فیشملها الأمر بالتزویج بالآیة الکریمة.و إذا طلقها زوجها أو مات عنها ستکون أیما أیضا،فیشملها الأمر نفسه.
و أما الأولاد أو الرجال،فیمکن فهمهم من الآیة أعنی الأمر بزواجهم بأحد طریقین:
الطریق الأول:التجرید عن الخصوصیة،لأن الآیة الکریمة و إن ذکرت الأیامی،و هن النساء.لکن لا خصوصیة لهن عرفا،الأمر الذی یجعل الحکم الموجود فی الآیة شاملا للرجال أیضا.و هو أیضا سیکون للرجل عند ما یستحق الزواج لأول مرة،و لمن یکون غیر متزوج بسبب آخر کالطلاق أو موت الزوجة.
و علی أی حال تکون الآیة الکریمة دالة،ضمنا علی الأمر بالزواج المبکر.
الطریق الثانی:إدراج الأولاد فی قوله عِبادِکُمْ .فإن الخصوصیة الرئیسة للعبید هی الطاعة،و هی ثابتة شرعا للأولاد بشکل و آخر.و کذلک فإن الولایة ثابتة علی العبید و کذلک هی ثابتة للأب علی الأحداث من أولاده.فمن غیر المستبعد أن تشملهم الآیة من هذه النواحی موضوعا و حکما.فیکونون مشمولین للحکم بالزواج المبکر.
و قد یقال:إن اللّه تعالی یقول بعد هذه الآیة مباشرة (2)وَ لْیَسْتَعْفِفِ الَّذِینَ لا یَجِدُونَ نِکاحاً حَتّی یُغْنِیَهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ. الآیة.و هی دالة بظاهرها علی لزوم الصبر عن الزواج لمن لم یجد نفقته،إلی حین السعة الاقتصادیة لدیه.و هذا معنی ینافی ما أسلفناه من الأمر بالزواج المبکر.أو یکون الزواج المبکر خاصا بالقادرین علیه.
و بالرغم من أن هذا هو الفهم المشهور للآیة الکریمة.علی أن یکون المراد من اَلَّذِینَ لا یَجِدُونَ نِکاحاً یعنی لا یجدون نفقة النکاح.و أن یکون المراد من الاستعفاف الکف عن الحرام و الإعراض عنه خلال الوقت الذی لا یتیسر له الزواج.
بالرغم من ذلک فإنه یمکن تقریب فهم العکس.بأن نفهم من الاستعفاف المأمور به فی الآیة الکریمة هو الزواج نفسه،یعنی:فلیتزوج الذین لا یجدون نفقة النکاح لکی یتیسر لهم الرزق،کما وردت بذلک روایة سنسمعها،علی أساس أن الزواج من أسباب سعة الزرق.
و تقریب ذلک بأحد أسلوبین:
الأسلوب الأول:إن قوله تعالی وَ لْیَسْتَعْفِفِ من العفة و هی الزواج نفسه،یقال:أعفّه أی زوجه.فیکون المعنی بالدلالة المطابقیة:الأمر بالزواج.
الأسلوب الثانی:إن العفة هی ترک الحرام،و من أحسن أسالیب ترکه:هو الزواج،و قد سمعنا أن فیه حفظا لنصف الدین.و أن الصبر علی الحرام خلاله أسهل بکثیر من الصبر مع تکره.فیکون مقتضی العفة المأمور بها فی الآیة هو الزواج.أو-بتعبیر أفضل-:إن أحسن تطبیق لهذا الأمر هو الزواج.
و قوله حَتّی یُغْنِیَهُمُ اللّهُ لیس المراد به الإرجاء فی الزمان أی بمعنی(إلی) کقوله:صمت نهاری حتی اللیل.بل بمعنی السببیة التی تعبر عنه بلفظ (لکی)کقوله:أضأت السراج حتی اقرأ أی لکی اقرأ.
فیکون معنی الآیة الکریمة فلیتزوج الذین لا یجدون نفقة الزواج لکی یغنیهم اللّه من فضله.و لا یجوز أن یکون الفقر سببا لترک الزواج.
بقی إن نسمع ما ورد حول ذلک من السنّة الشریفة:
فعن معاویة بن وهب (1)
وسائل الشیعة ج 7.کتاب النکاح.أبواب مقدماته باب 11 [1] حدیث 2.
عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی قوله عزّ و جلّ:1) 1)
وَ لْیَسْتَعْفِفِ الَّذِینَ لا یَجِدُونَ نِکاحاً حَتّی یُغْنِیَهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ :قال:
یتزوجوا حتی یغنیهم اللّه من فضله.
و عن هشام بن سالم عن أبی عبد اللّه علیه السلام،قال (1)
المصدر:حدیث 1. [1]
:جاء رجل إلی النبی صلّی اللّه علیه و آله فشکا إلیه الحاجة فقال له:تزوج.فتزوج فوسع علیه.و عن إسحاق بن عمار،قال (2):قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:الحدیث الذی یروونه الناس حق؟أن رجلا أتی النبی صلّی اللّه علیه و آله فشکا إلیه الحاجة فأمره بالتزویج ففعل.ثم أتاه فشکا إلیه الحاجة فأمره بالتزویج حتی أمره ثلاث مرات.فقال أبو عبد اللّه علیه السلام:هو حق.ثم قال:الرزق مع النساء و العیال.
و قد سبق أن سمعنا فی روایة ابن القداح عن أبی عبد اللّه علیه السلام عن أبیه عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله أنه قال:اتخذوا الأهل فإنه أرزق لکم.
و تحدثنا عن معناها مفصلا فی أهداف النکاح فراجع،و معه تکون سببیة الزواج للرزق مما دل علیه القرآن الکریم و السنّة الشریفة.و لا یکون الفقر مانعا عن الزواج المبکر.
قال ابن منظور:خطب المرأة یخطبها خطبا و خطبة،قال:و الخطب:الذی یخطب المرأة.و هی خطبة التی یخطبها.و الجمع أخطاب.و کذلک خطبته و خطبته.و هو خطبها و کذلک هو خطیبها.و الجمع:خطیبون.و الخطب:
المرأة المخطوبة.کما یقال:ذبح للمذبوح و قد خطبها خطبا.کما یقال:ذبح ذبحا.الفراء فی قوله تعالی (3)مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ .الخطبة مصدر بمنزلة الخطب.و هو بمنزلة قولک:إنه لحسن القعدة و الجلسة.و العرب تقول:فلان خطب فلأنه إذا کان یخطبها.
قال:و اختطب القوم فلانا إذا دعوه إلی تزویج صاحبتهم.قال أبو زید:إذا دعا أهل المرأة الرجل إلیها لیخطبها فقد اختطبوه اختطابا.قال:و إذا أرادوا تنفیق أیّمهم کذبوا علی رجل فقالوا:قد خطبها فرددناه.فإذا ردّ عنه قومه قالوا:کذبتم لقد اختطبتموه.فما خطب إلیکم.
و قال اللیث:و الخطبة مصدر الخطیب و خطب الخاطب علی المنبر.و اختطب یخطب خطابة.و اسم الکلام الخطبة.
الجوهری:خطبت علی المنبر خطبة بالضم و خطبت المرأة خطبة بالکسر.
و اختطب فیهما.
أقول:یمکن أن یکون الأصل اللغوی لذلک هو الخطاب و المخاطبة،و هی مراجعة الکلام.فانتقل الأمر إلی الخطبة علی المنبر لما فیها من مخاطبة السامعین.ثم انتقل الأمر إلی خطبة المرأة لأن المعتاد أو الأفضل عندهم أن تحصل هناک خطبة عند الخطبة.فیتکلم الرجل الخاطب أو ولیه أو بعض ذویه کلاما منمقا یختطب به المرأة من أهلها.
و الأخبار دالة علی أن هذه الخطبة بقیت ساریة بعد الإسلام.حتی أفتی المشهور باستحبابها.ففی صحیحة علی بن رئاب (1)
وسائل الشیعة ج 7 کتاب النکاح أبواب مقدماته باب 42 حدیث 2. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی حدیث:إن جماعة قالوا لأمیر المؤمنین علیه السلام:إنا نرید أن تزوج فلانا فلانة و نحن نرید أن تخطب.فقال:و ذکر خطبة تشمل علی حمد اللّه و الثناء علیه و الوصیة بتقوی اللّه.و قال فی آخرها:ثم إن فلان بن فلان ذکر فلانة بنت فلان.و هو فی الحسب من قد عرفتموه و فی النسب من لا تجهلونه.و قد بذل لها من الصداق ما قد عرفتموه،فردوا خیرا تحمدو علیه و تنسبو إلیه و صلّی اللّه علی محمد و آله.
قال صاحب الوسائل:أقول:و الأحادیث المتضمنة لخطب النکاح الواردة عن الأئمة علیهم السلام کثیرة.
1) 1)
و الصحیحة غیر دالة علی الاستحباب للخطبة.لأنها إنما تدل علی أن أمیر المؤمنین علیه السلام خطب خطبته استجابة لطلب ذوی الزوج.نعم،هی مستحبة بما فیها من ذکر اللّه و الأمر بالمعروف و التقوی.کما یمکن أن یقال باستحبابها من باب التسامح بأدلة السنن بعد ذهاب المشهور إلیها.
فقد عرفنا بهذه الأخبار اقتران الخطبة بالخطبة.فلعلها أصل لها لغویا،کما قلنا.إلاّ أنها أصبحت بعد ذلک ذات وضع مستقل لأنها تفهم بدون قرینة بلا إشکال منذ عصر الجاهلیة.و لیس فی العصور المتأخرة فقط.و یکفی أنه وارد فی القرآن الکریم بنفس المعنی کما سمعنا.
هذا.و قد شاهدنا من علمائنا الخطبة عند العقد،لا عند الخطبة.و کلاهما ممکن علی أی حال.
هذا.و یمکن تعریف الخطبة:بأنها إبراز أو بیان إرادة التزویج.و السیرة العقلائیة و المتشرعیة معا،قائمتان علی أن الخاطب هو الرجل لا المرأة إلاّ أن هناک عادات(أقلیة)بین بعض الأدیان و القبائل علی العکس.و لم یثبت حرمة ذلک شرعا،إذا کانت الجهات الأخری من شرائط صحة النکاح صحیحة.إلاّ أن الالتزام بالسیرة لا شک أنه أفضل أخلاقیا و فقهیا و اجتماعیا و هو أحوط استحبابا أیضا.
هذا.و من الواضح فقهیا أن الخطبة لیست زواجا.کما أن الزفاف لیس زواجا أیضا.و إنما الزواج الحقیقی هو العقد.و به یستحلها أمام اللّه سبحانه لا بالخطبة و لا بالزفاف فلو حصل العقد وحده کفی فی ذلک.و لو حصلت الخطبة و الزفاف معا من دون العقد لم یکفیا فی تحقق الزوجیة.کما أن تصور:
أن العقد بدون زفاف زوجیة ناقصة أو مبتورة،لیس له أصل شرعی أو فقهی علی الإطلاق.
وردت نصوص صحیحة و صریحة تدل علی جواز نظر الرجل إلی المرأة التی یرید الزواج منها.و سنسمع بعضها.و تعتبر هذه النصوص استثناء من الناحیة
الفقهیة من مقتضی القاعدة فی وجوب التستر و الحجاب عن الأجنبی.لأن الخاطب لا زال أجنبیا لم یتم عقد قرانة.فهی لیست زوجته.و مع ذلک فقد دلت النصوص علی جواز النظر.
نذکر الآن عددا منها لمحاولة الاستفادة من مضامینها.أعنی:أنه أی مقدار من النظر هو الجائز عندئذ؟ ففی صحیحة محمد بن مسلم.قال (1)
وسائل الشیعة ج 7 کتاب النکاح.أبواب مقدماته باب 36 [1] حدیث 1.
:سألت أبا جعفر علیه السلام عن الرجل یرید أن یتزوج المرأة.أ ینظر إلیها.قال:نعم.إنما یرید أن یشتریها بأغلی الثمن.و صحیحة الفضلاء (2):هشام بن سالم و حماد بن عثمان و حفص بن البختری کلهم عن أبی عبد اللّه علیه السلام:قال:لا بأس بأن ینظر إلی وجهها و معاصمها إذا أراد أن یتزوجها.
و عن غیاث بن إبراهیم (3)عن جعفر عن أبیه عن علی علیه السلام فی رجل ینظر إلی محاسن امرأة یرید أن یتزوجها:قال:لا بأس إنما هو مستام.فأن یقض أمر یکن.
و عن یونس بن یعقوب (4)قال:سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل یرید أن یتزوج المرأة و أحب أن ینظر إلیها.قال:نعم تحتجز ثم لتعقد و لیدخل فلینظر.قال:قلت:تقوم حتی ینظر إلیها.قال:نعم.قلت:فتمشی بین یدیه.قال:ما أحب أن تفعل.
و أیضا عن یونس بن یعقوب (5)قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:
الرجل یرید أن یتزوج المرأة یجوز أن ینظر إلیها:قال:نعم.و ترقق له الثیاب،لأنه یرید أن یشتریها بأغلی الثمن.
و هناک أخبار أخری بنفس المضمون.إلاّ أنها تختلف عنها ببعض التفاصیل.
حتی یکاد أن یکون أصل الحکم مستفیضا.و اقتصرنا هنا علی نقل ما هو أقرب إلی الصحة و الاعتبار.
و السؤال المهم هنا،هو أنه هل یجوز النظر إلی خصوص المرأة التی تعینت للزواج یقینا أو اطمئنانا.أو یعم الجواز لسائر النساء اللاتی یفکر الرجل الزواج منهن أو یحتمله.بحیث یجوز له بهذا النظر أن یختار ما یشاء منهن و یرفض ما یشاء.
و بالطبع.فإن مثل هذا السؤال یثأر فی المجتمع المتشرع بشریعة الإسلام الملتزم نساؤه بالحجاب.دون المجتمع الآخر الذی یمکن للرجل أن یری المرأة مرارا و تکرارا و فی کل الحالات بل و کل أعضائها أیضا!!!حتی و إن لم یکن خاطبا!!.
و بالنسبة إلی هذا السؤال فلا شک أن القدر المتیقن من الجواز هو المرأة المتعینة للزواج یقینا و اطمئنانا.علی إشکال یأتی.و إنما الکلام فی جواز النظر إلی النساء لمجرد احتمال الزواج.و قد ینظر إلی جماعة دفعة واحدة لاحتمال زواجه بإحداهن.
و تفصیل الاستدلال علی ذلک موکول إلی الفقه،إلاّ أننا نذکر لذلک هنا بمعنی التقریبات:
التقریب الأول:إن المرأة التی یحتمل الرجل الزواج منها.یصدق علیها عرفا أنها(یرید الزواج منها).و هو العنوان المأخوذ موضوعا للجواز فی الروایات لوضوح أنه لو اختارها لتزوجها جزما.
التقریب الثانی:تمثیل الزوج أو الخاطب بالمشتری الذی یشتری بغالی الثمن.
فکما یجوز للمشتری أن یری سلعته التی یرید شراءها و لو احتمالا،کذلک الذی یرید الزواج.
التقریب الثالث:إننا لو خصصنا جواز النظر بمن یرید الزواج منها جزما،لم تبق فائدة للنظر إطلاقا.لأن الفائدة المرجوة منه جزما هو إمکان الإعراض عن المرأة لو لم یرض عنها.و ما کانت یقینیة الزواج،لا مجال لذلک فیها.
و هذا التقریب یجعل الیقینیة محل إشکال فی الرؤیة،بخلاف المحتملة،فإنها القدر المتیقن لتوفر العلة فیها.
إلاّ أن هذه العلة علة مستنبطة و لیست منصوصة.فلا تکون حجة.و إنما المدار علی أحد التقریبین السابقین.و تمام الکلام فی الفقه.
و أما السؤال عما یجوز أن یراه منها،ففیه عدة احتمالات:
الاحتمال الأول:أن جواز النظر یختص بالوجه و الکفین و لا یشمل الأعضاء الباقیة.
الاحتمال الثانی:أن جواز النظر یعم سائر الجسد باللباس المتعارف للمرأة.
أو بمقدار ما تشاء هی أن تبرزه.
الاحتمال الثالث:أن الجواز یعم سائر الجسد حال کونه عاریا،کما احتمله صاحب الجواهر،عدا العورتین.
و لا شک أن هذا الثالث خلاف الاحتیاط و خلاف انصراف سائر النصوص السابقة و غیرها.و من الواضح أننا یجب أن نخرج عن أدلة وجوب الحجاب بحجة معتبرة.و النصوص السابقة لا تصلح حجة معتبرة علی مثل ذلک.
نعم،تمثیل الرجل بالمشتری یقتضی أن یری من المرأة بمقدار ما یرتفع به الغرر و الضرر.و أحیانا قلیلة یمکن أن یحتمل أن یکون فی جسدها الداخلی شیء قبیح أو تشویه.عندئذ فمقتضی إطلاق التعلیل هو الجواز.و لکن یختص بمورده.
کما أن الاحتمال الأول غیر صحیح،لأن القول بجواز کشف الوجه و الکفین أساسا للمرأة هو المشهور و الصحیح.إذن فالاقتصار علی ذلک بالنسبة إلی الخاطب یعنی أنه لا یفرق عن غیره من الرجال فی شیء.و هو علی خلاف سائر الأدلة نصا و إجماعا.
فإن قیل:إن صحیحة الفضلاء التی سمعناها اقتصرت علی ذلک تقریبا، و هی تصلح مقیدة للروایات الأخری.فتکون النتیجة هو وجوب الاقتصار علیه.
قلنا:إنها لا تصلح للتقیید إلاّ بناء علی مفهوم الوصف أو ما هو أردأ منه.
لأنها لا تدل علی عدم الجواز فی الباقی إلاّ به.و لا منافاة بدونه بین کشف الوجه و کشف سائر الجسد.فینبغی التقیید.و تمام الکلام فی الفقه.
و حیث انتفی الاحتمال الأول و الثالث تعین الثانی.
و أما السؤال من حیث عدد مرات الرؤیة.فالقدر المتیقن و الانصراف الأولی من الروایات هو المرة الواحدة.غیر أن مقتضی تمثیل الرجل بالمشتری علة ساریة لکی یراها إلی حد ینتفی الغرر و الضرر به.فإذا توفر ذلک بالمرة لم یجز الزائد.
و إلاّ جاز إلی حین تحققه،ثم یحرم الباقی.
و أما السؤال من حیث إمکان أو احتمال حصول الشهوة و التلذذ بالنظر، فیکون تلذذا بالأجنبیة.لأن المفروض أنها لیست زوجته إلی الآن.فیمکن أن یقال:بانحصار الجواز فی صورة عدم التلذذ.
إلاّ أن الصحیح بخلافه،یعنی أن جواز النظر عام سواء حصل التلذذ أم لا، و ذلک بعض التقریبات:
التقریب الأول:إن عدم التلذذ غیر ممکن عادة،فلو خصصنا الحکم به خصصناه بفرد نادر.و هو علی خلاف إطلاق الروایات.
التقریب الثانی:التمسک بإطلاق التعلیل من حیث إن التشبیه بالمشتری یقتضی ارتفاع الغرر و الضرر بالنظر.و قد یکون النظر بالتلذذ مشارکا فی ذلک.
کما لو کان یفکر-مثلا-:أنه لو تزوجها لتلذذ بها أولا.و هو أمر جوهری و رئیسی فی الزواج طبعا.
التقریب الثالث:التمسک بقوله فی معتبرة یونس بن یعقوب بقوله:نعم و ترقق له الثیاب.فإن ذلک ملازم و مقترن عادة بل دائما بالتلذذ.فلا تکون الروایة مطلقة من هذه الناحیة بل نصا أو کالنص.
نعم،لا یجوز له اللمس لا بتلذذ و لا بدونه،تمسکا بالعمومات المانعة.و لم تدل هذه الأدلة علی جوازه.فإنما دلت علی جواز النظر فیقتصر علیه.
و أما سماع صوتها،فهو جائز أساسا علی ما هو المشهور و الصحیح.و المراد
به الصوت الطبیعی.غیر المحتوی علی مسببات الإثارة أسلوبا أو مضمونا و إلاّ کان حراما.فما هو الجائز أساسا یکون جائزا هنا أیضا بطبیعة الحال.
نعم،لو قلنا بالتحریم علی ما هو علیه بعض الفقهاء،انحصر الجواز بالمقدار الذی یرتفع به الغرر و الضرر تمسکا بإطلاق تشبیهه بالمشتری.
و لا بد أن یکون لنا هنا کلمة عن هذا التعلیل نفسه،و هو التشبیه بالمشتری.
فهل یعنی ذلک:أن الرجل یشتری المرأة فعلا.کیف و هو یقول:إنما یرید أن یشتریها بأغلی الثمن و فی الروایة الأخری:إنما هو مستام.و السوم هو التعامل و النقاش فی المعاملة کالبیع و الإجارة و نحوها.
فنقول:لا شک أن الزوج یدفع عوضا ما،و هو المهر.و لو لم یکن قد حصل علی شیء لما کان علیه دفع المهر.
و لکن ما الذی یحصل علیه من المرأة.لیس هو المرأة نفسها أو هی کإنسانة.
للوضوح الضروری فی الشریعة أن الزوج لا یسترق زوجته و لا یملکها.
و إنما یملک منها المنافع الجنسیة فقط،الذی هو(البضع)باصطلاح الفقهاء.
و هذا هو الذی یکون عوض مهره.
و التملک هنا،بمعنی أن تکون الاستفادة الجنسیة من حقه و یجب علی الزوجة بذلها حد الإمکان.و هذا صحیح.و لیس التملک هنا بمعنی التملک فی البیع أو الإجارة.من حیث إمکان أن یتعاقد مع شخص آخر علی نقل هذه الملکیة إلیه.
إذن،فهی ملکیة للمنفعة بشکل محدود.و من حیث کون المهر بمنزلة العوض لها،تشبه البیع.و من حیث کون العوض هو المنفعة لا الذات،تشبه الإجارة.و لذا عبر فی القرآن الکریم عن المهر بالأجور.إذ لا فرق من هذه الناحیة بین أن تبذل المرأة خدمتها أو صناعتها لأحد أو أن تبذل منافعها الجنسیة.
فإن کان هناک تعامل بعقد صحیح و عوض مشروع،فهو المطلوب شرعا.
و حیث کان الأمر فی ذلک إنما هو مجرد تشبیه،إذن فهو لا یجعل النکاح ملحقا بأحکام البیع و لا بأحکام الإجارة،بإجماع الفقهاء.بل یبقی له أحکامه المعروفة الخاصة به،من الزواج و الطلاق و النفقة و غیرها.
قال الفقهاء:إن للزوجین أن یتفقا علی أی مقدار من المهر.فلا حد للکثیر منه کما لا حد للقلیل إلاّ أن یخرج عن المالیة،إما لقلته کحبة الحنطة أو لکونه ساقطا شرعا عن المالیة کالخمر و الخنزیر و بعض أعیان النجاسة.و یبقی الباقی کله من الأمور المالیة المملوکة للزوج،یستطیع أن یجعلها مهرا برضا الزوجة.
سواء فی ذلک العین کالدار أو النقد کالدینار أو المنفعة کالسکنی أو العمل کخیاطة ثوب أو تعلیم القرآن کله أو بعضه.
و إنما یبقی بعض الکلام المناسب هنا عن کمیة المهر.و من الواضح فقهیا أمران:أحدهما:مرجوحیة المغالاة فی المهور.و الآخر:الاقتصار علی مهر السنّة الذی تزوجت به فاطمة الزهراء سلام اللّه علیها بأمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام.
فنتکلم فیما یلی عن کلا الأمرین:
الأمر الأول:فی تخفیف المهور و مرجوحیة المغالاة فیها:
فعن محمد بن مسلم (1)
الوسائل ج 7 کتاب النکاح أبواب مقدماته باب 52 حدیث 1. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی حدیث قال:فأما المرأة فشؤمها غلاء مهرها و عسر ولدها.و فی حدیث آخر عنه عن أبی عبد اللّه علیه السلام (2)قال:من برکة المرأة خفة مؤنتها و تیسیر ولدها.و من شؤمها شدة مؤنتها و تعسیر ولدها.أقول:
و المهر من جملة المؤنة طبعا.
و عن السکونی (3)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله:أفضل نساء أمتی أصبحهن وجها و أقلهن مهرا.
إلی غیر ذلک من النصوص.و الظاهر أن هذه الأخبار التی نقلناها معتبرة السند جمیعا.
و سیاق هذه الروایات،و إن کان هو الأخبار،إلاّ أن ظاهرها واضح بأن المراد به التشریع أو الإنشاء.بمعنی النهی عن کثرة المهر و الأمر بقلته.لکن مع الاقتران بالعلة أو الحکمة.و هو أننا إذا أطعنا هذا الحکم حصلت البرکة و إن عصیناه حصل الشؤم.
و هو حکم استحبابی و لا یمکن فقهیا حمله علی الوجوب أو الإلزام، للإجماع بخلافه.بل ظاهر هذه الروایات هو ذلک لعدم وجود قاعدة عامة تحرّم الوقوع فی الشؤم أو توجب الحصول علی کل برکة.
و من الواضح أیضا أن هذا الحکم یندرج فی التخطیط العام الذی فهمناه للشارع الإسلامی المقدس بزیادة النسل لیتباهی النبی صلّی اللّه علیه و آله بأمته یوم القیامة.لأن المهور کلما قلّت زاد الزواج،و کلما زادت قل الزواج،کما هو واضح و مجرّب.
هذا و ذکروا:أنه یجب فی عقد النکاح ذکر المهر.إلاّ أنه لا یبطل مع إهماله فی العقد الدائم.و یسمی عندئذ تفویض البضع.فکأن المرأة قد تبرعت بفوائدها الجنسیة للرجل بدون عوض.و متابعة هذه المسألة الفقهیة فی الفقه.
قد یحصل بطرق الجراحة الطبیة الحدیثة إمکان أن یتحول الرجل إلی امرأة أن تتحول المرأة إلی رجل.و هو الذی سمیناه بتبدیل الجنس فی العنوان.
و الحدود المعقولة لذلک و الأکثر عملیة هو تبدیل الخنثی إلی أحد الجنسین اختیارا أو إلی الجنس الذی هو أقرب إلیه بحسب ما یشخصه الطبیب.و لکن قد یحصل أن تنجح العملیات الجراحیة فی تبدیل الذکر إلی الأنثی و بالعکس.
و المهم فقهیا لیس هو نجاحها،و إنما الکلام علی تقدیر نجاحها،یعنی:لو نجحت فما ذا یحصل؟کما أنه لیس المهم فقهیا مقدار النجاح فقد تتحول المرأة إلی رجولة ضعیفة أو الرجل إلی أنوثة ضعیفة،کما هو المظنون،و من الصعب للطب إلی الآن جعل أحد الجنسین قویا فی الجنس الآخر.فالمهم فقهیا هو تحول العنوان و إن کان ضعیفا،یعنی تسمیة الرجل امرأة أو المرأة رجلا.
و إذا التفتنا أن البشر ثلاثة أقسام رجل و امرأة و خنثی تکون احتمالات التحول تسعة لأن أی واحد منها یمکن أن یتحول إلی القسم الآخر.
و التحول إلی الخنثی و إن لم یکن مطلوبا و لا مقصودا بطبیعة الحال للمریض و لا للطبیب.و لکن قد یفرض ذلک فقهیا،من حیث إن عملیة التحول إلی الجنس الآخر لم تنجح،فلن یعود المریض إلی جنسه الأول،و إنما سیصبح خنثی لا یحسب علی أحد الجنسین أصلا.
و قبل الدخول فی التفاصیل لا بدّ لنا من أن نقول کلمة عن:
فإن فیه عدة مراحل من الکلام نذکرها باختصار:
المرحلة الأولی:إن الخنثی هو الإنسان الذی یجمع بین عورتی الرجل و المرأة أو تنعدم لدیه کلتا العورتین.
المرحلة الثانیة:ذکر الفقهاء أن هناک علامات لتعیین الخنثی علی أحد الجنسین.فإن کان یبول من أحد المخرجین دون الآخر،حسب علیه.و إن بال منهما نظرنا إلی المحل الذی یبدأ منه البول.إلی غیر ذلک مما هو مذکور فی کتاب الإرث و سیأتی.
و المهم أن هذا الإنسان إذا فقد کل العلامات کان هو الخنثی المشکل،لأنه لا یمکن أن نلحقه بأحد الجنسین.و هو المراد من الخنثی فقهیا.لأن الذی ألحقناه بأحد الجنسین بوجه شرعی صحیح،فلا إشکال فیه.
المرحلة الثالثة:إن انقسام البشر إلی القسمین الرئیسیین:الرجل و المرأة.قد یکون واقعیا و قد یکون تشریعیا.
و معنی کونه واقعیا:هو أن الخناثی کلهم لا یخلو واقعهم من کونهم رجلا أو امرأة،و لیس فی خلق اللّه سبحانه قسم آخر.و إنما حصل هناک تشویه معین جعلنا نحن لا نعرف حقیقته فسمیناه بالخنثی.و واقعه هو الرجل أو المرأة.
و هذا الکلام مما لا دلیل علیه.لأن التحقیق الطبی أفاد أن کل الناس تختلط فیهم هرمونات الذکورة مع هرمونات الأنوثة.و معنی ذلک:أن الرجل فیه نسبة ضعیفة من الأنوثة و الأنثی فیها نسبة ضعیفة من الذکورة.کل ما فی الأمر أن خلقة الجسد تتبع أغلب النسبتین من الهرمونات و أکثرها.
ینتج من ذلک أن نسبة الهرمونات لو تساوتا بمقدار 50%أو نحوها.کان الإنسان خنثی حقیقة،لا هو رجل و لا هو امرأة.فإن انضاف إلی ذلک أن خلقته الجسدیة تساعد علی کونه خنثی مشکل.فقد حصلنا علی نوع ثالث غیر الرجل و المرأة.
هذا.و أما معنی کون الانقسام تشریعیا،فهو أننا و لو قلنا:إنه فی الانقسام الواقعی یوجد قسم ثالث هو الخنثی إلاّ أن الشارع أسقطه عن نظر الاعتبار و لم یجعل له حکما.بل حکم تعبدا بانقسام الناس إلی القسمین الرئیسین.حتی الخناثی لا بد أن یندرجوا تحت أحد القسمین تشریعا.
و هذا الکلام أیضا،و إن کان یحتمله سیدنا الأستاذ،و لعله کان یبنی علیه فتاواه،إلاّ أنه مما لا دلیل علیه.إذ لا دلیل جزما علی الحصر التعبدی بالقسمین الرئیسیین و لا علی إسقاط الخناثی عن الأحکام.
نعم،ما وجد فی الکتاب و السنّة من الأحکام للخناثی قلیل.و هذا واضح.
غیر أنه ناشئ من قلة وجود الخنثی فی المجتمع.و کلما قلّ الاحتکاک به قلّ السؤال عنه و قلّ ورود الأخبار عنه عن المعصومین علیهم السلام.فنبقی فی تعیین أحکامه علی مقتضی القواعد العامة.إذ ما من واقعة إلاّ و لها حکم.
المرحلة الرابعة:إن الفقهاء احتاطوا فی أمر الخنثی المشکل.فقالوا:إنه یجب علیه أن یجمع بین واجبات الرجل و المرأة و یجمع بین ترک المحرمات لأتی علی الرجل و المرأة.و لا یجوز أن یتزوج رجلا و لا امرأة.و لا یجوز أن ینظر إلیه الرجال غیر المحارم و لا النساء غیر المحارم.کل ذلک احتیاطا.و قالوا فی کتاب الإرث إنه یأخذ نصف حصة الرجل و نصف حصة المرأة،أی المعدل بینهما.
و هذه الاحتیاطات عنهم قائمة علی اعتبار الانقسام التشریعی الذی أشرنا إلیه.و حیث قلنا إنه مما لا دلیل علیه،أمکن فی کثیر من الموارد إجراء البراءة، ما لم تتعارض بعلم إجمالی منجز.و تمام الکلام فی الفقه.و المهم هنا هو مجرد إلفات نظر القاری مختصرا،و لعلنا نعقد فصلا عن الخنثی أساسا فی کتاب الإرث إن شاء اللّه تعالی.
هذا و قد عرفنا فی أول الفصل أن مقتضی انقسام البشر إلی ثلاثة أقسام هو أن احتمالات التبدیل تسعة.ناتجة من ضرر الثلاثة بنفسها تنقص منها الاحتمالات المتکررة فتبقی ستة.و تختلف الصور الناتجة فی أحکامها اختلافا مهما کما سیأتی.
ینبغی لنا بداءة فهم الأثر الفقهی للتبدیل الجنسی علی الإجمال،قبل أن ندخل فی التفاصیل.فإن أحکام الرجل تختلف عن المرأة فی کثیر من الجهات، کما هو معلوم.
فهناک اختلافهما فی العبادات کوجوب ستر الرأس علی المرأة فی الصلاة دون الرجل.و هناک وجوب الحجاب علی المرأة دون الرجل.و هناک ولایة الرجل الذریة دون المرأة.و هناک اختلاف دیة الرجل عن المرأة(فی القتل و الجراحات.و هناک اختلاف کمیة إرث الرجل عن المرأة)و خاصة فی الأولاد فإن للذکر مثل حظ الأنثیین،أی ضعف حصة الأنثی.
و هناک القرابات التی تحصل بها بعض الأحکام.فالأم لها حق الحضانة و الأخت لها النصف بالإرث و الدم الذی تراه المرأة له أحکامه من حیض أو استحاضة.فما ذا یحصل لکل هذه الأحکام بعد التحول إلی رجل!!.
فمثلا:هل تصبح الأم أبا بعد أن یصبح کلا الوالدین ذکرین.أو هل یصبح الأب أما بعد أن یصبح کلا الوالدین أنثیین أو امرأتین.و هل تصبح الأخت أخا و الأخ اختار و هکذا.مع أن الاحتمال الآخر هو أن تبقی الأم أما بالرغم من تحولها إلی رجل و یبقی الرجل أبا بالرغم من تحوله إلی امرأة.و هکذا.
و نتکلم فیما یلی عن تحولات الرجل أولا إلی امرأة ثم تحوله إلی خنثی.ثم نتکلم عن تحولات المرأة ثم عن تحولات الخنثی.
هذا.و ینبغی الالتفات إلی أن المهم فقهیا فیما یأتی هو التحول.و لکن لا یهم السبب.فقد یکون هو العملیة الجراحیة کما هو الموجود أحیانا فی عصرنا الحاضر و قد یکون سببا آخر کطعام معین حصل تناوله صدفة أو بالسحر أو بالمعجزة أو بأی سبب آخر.
و ینبغی من أجل حصر الکلام و عدم إطالته و تشعباته،أن نرتب الحدیث فی کل مرة من أربع مراحل
الأولی:فی التکالیف الخاصة بالشخص بغض النظر عن علاقته بغیره، کالعبادات و الحجاب.
ثانیا:فی التکالیف الخاصة بالأسرة کالأبوة و الأموة و البنوة.من حیث الولایة و وجوب النفقة و وجوب التمکین و حق الحضانة و نحوها.
ثالثا:فی التکالیف الخاصة بالإرث من حیث استحقاقه للحصة التی کان یستحقها قبل تبدله أو یستحق حصة أخری قد تکون أقل أو أکثر.و کذلک الکلام فی الحجب و نحوه.
رابعا:التکالیف الخاصة بالدیات و القصاص و نحوها،من العقوبات الشرعیة،من حیث إن دیة المرأة تساوی الرجل إلی أن تبلغ الثلث فإذا بلغت الثلث رجعت إلی النصف.و من أن الرجل لا یقاد بالمرأة و نحو ذلک.و هذا و إن کان خارجا عن کتاب النکاح تماما،إلاّ أن ذکره بمناسبة تحویل الجنس ضروری إذ لا مجال له فی الفقه غیر هذا الفصل.و یمکن التحویل علیه فی کتاب الدیات و کتاب القصاص.
أما عن تحولات الرجل إلی المرأة و الخنثی فنذکره تحت العنوانین التالیین:
و یتم الکلام عن ذلک عند الحدیث عن المراحل الأربع التی سبق ذکرها.
فهل تبقی علیه تکالیف الرجل أو تشمله تکالیف المرأة.
الصحیح أنه یصبح امرأة اعتیادیة له ما للنساء و علیه ما علی النساء لا یفرق عنهن فی شیء.
فمثلا:الحجاب فی الصلاة و أمام الرجل الأجنبی یکون واجبا علیها.فإذا أصبحت لها عادة شهریة یشملها أحکام الحیض و الاستحاضة.و یکون مسجدها بیتها،و لا تقبل شهادتها فی الهلال.إلی غیر ذلک من أحکام النساء علی کثرتها و تنتفی أحکام الرجال عنها لأن تلک الأحکام موضوعها الرجل و هی لیست برجل.و هذه الأحکام موضوعها المرأة و هی مرأة فعلا.
تنتفی بعد التحول:صفة الأبوة عن أولاده بما یتبعها من انتفاء الولایة و وجوب النفقة،و الحصة فی الإرث علی ما سیأتی.لأن تلک الأحکام واردة علی الأب و هذه لیست أبا عرفا بل لیست أبا حقیقة أیضا،و إن کانت کذلک فی وقت سابق.
و أما عن علاقته بزوجته،فتنقطع العلاقة الزوجیة و یبطل عقدها بدون حاجة إلی طلاق.و لا یستحق علی زوجته التمکین الجنسی کما کان سابقا،بل یحرم تماما ما قل منه أو کثر،لأنه عمل جنسی بین امرأتین.
و لا یجب علیها التمکین من جهتها بل یحرم.و لا یجب علیه نفقة الزوجة من حین التحول فصاعدا.و لا یجب علیه القسم فی اللیالی بین زوجاته إن کان متزوجا لأکثر من واحدة.بل یحرم علیه و علیهن ذلک.
و ما قد یخطر علی البال:إمکان إثبات أکثر هذه الأحکام بالاستصحاب، لأن هذا الفرد الإنسانی(مهما کان جنسه)کان متصفا بها حال کونها رجلا.
فالآن کما کان.
إلاّ أن هذا واضح البطلان،لأن الاستصحاب إنما یجری،و یکون حجة مع احتمال استمرار الحکم.و أما مع العلم بتحول و تبدل الحکم بتبدل موضوعه جزما فلا مجال له.و هذا شامل لأکثر بل جمیع أحکام الزوجیة.
و إذا انتفی النکاح مع زوجته بعد التحول فلا یجب علیها العدة لأنها لیست زوجة مدخولا بها جزما.بل لها أن تتزوج من تشاء من الرجال فورا (1)
أی بدون عدة و لکن یجب علیها الاستبراء.إن کان قد أتاه خلال مدة أقل من ثلاثة أشهر حتی یتم لها هذه المدة من حین الوطء.
إن أرادت.و یحرم علیها الزواج من النساء کما کان علیه الحال عند ما کانت رجلا.1) 1)
إذا تحول الرجل إلی امرأة،فماتت من کانت زوجته بعد التحول.فلا إرث له منها لبطلان النکاح،کما سبق.و کذلک لو ماتت هی-یعنی التی کانت رجلا-لبطلان النکاح.
و أما عن الأولاد:إذا مات أحدهم ذکرا أو أنثی فهل یستحق هذا الإنسان إرثا من ذریته أم لا؟وجهان:
الأول:عدم استحقاق الإرث أصلا.لأن حصص الإرث واردة علی عنوان الأب و هو لیس باب بعد التحول أو علی عنوان الأم و هو لیس بأم.لأنه لم یلد أولاده و إنما ولدتهم من کانت زوجته.فهو لا یستحق لا حصة الأب و لا حصة الأم.و لا یحتمل فقهیا استحقاقه لحصة أخری.إذن فلا إرث له.
الثانی:استحقاق الإرث فی الجملة.فإنها و إن لم تکن أبا و لا أما.إلاّ أنها أحد الوالدین علی أی حال.و هذا معنی لا بدّ منه،لوضوح أن الذریة تحتاج- بغیر المعجزة-إلی والدین،و هذه المرأة-التی کانت رجلا-إحداهما وجدانا.
و لا أقل من الشکل فیمکن استصحاب عنوان أحد الوالدین.
و هذا یکفی فی الإرث،لأنه مترتب علی عنوان الوالدین،فی القرآن الکریم.لا علی عنوان الأب أو الأم،فینتفی بانتفائهما.و أحد الوالدین یستحق السدس.و هذا هو الأقوی.
نعم،لا یرث ما کان بعنوان الأب أو الأم،کاستحقاقها الثلث أحیانا.نعم یمکن الرد علیه،لأن الرد یدفع إلی غیر ذی الحصة المفروضة،و لا یتعین بعنوان بذاته.
هذا إذا مات أحد الذریة ذکرا کان أم أنثی.
و أما إذا مات هو أو هی-بعد التحول إلی امرأة-فلا شک أن هؤلاء أولاده و الولد یرث ذکرا کان أم أنثی للذکر مثل حظ الأنثیین.و التحول لم یوجب انتفاء هذه الصفة.أعنی کونهم أولاده و ذریته.و إن انتفی عنه صفة الأب و الأم بعنوانه.
هذا.و أما میراث الطبقة الثانیة و الثالثة،فهو ینطبق علی هذا الإنسان بصفته
امرأة لا بصفته رجلا.سواء کان وارثا أو موروثا.فهو لیس أخا بل أختا و هو لیس عما بل عمة.و هو لیس جدا بل جدة علی إشکال فیه کالإشکال فی الأب و الأم إلاّ أنه أسرع اندفاعا.
و أما الحجب،فهو اعتیادی فی کل صوره إلاّ فی حجب الأم عما زاد عن الثلث.فإن من شرائطه أن یخلّف المیت أخا و أختین أو أربع أخوات أو أخوین و یکون الأب موجودا.إلی غیر ذلک.و یلاحظ وجود هؤلاء لدی الموت.فقد یکون للفرد(المیت)أخا و أختین أو أخوین فی حیاته.و لکن أحدهم یتحول إلی امرأة فیصبح للفرد المیت خلال حیاته ثلاث أخوات أو أخا و أختا.و ذلک عدد غیر کاف للحجب.و کذلک إن تحول الأب إلی امرأة فإنه یخرج-کما سبق-عن کونه أبا،فلا یتحقق شرط:أن یکون الأب موجودا فلا یتحقق الحجب.
نعم،لو تحقق التحول إلی امرأة بعد موت المیت،بحیث کانت الشرائط للحجب مجتمعة حین الموت حصل الحجب.و ارتفاعها بعد ذلک لا یهم.
و لیس له أثر رجعی.
هذا.و أما میراث المعتق و ضامن الجریرة.فحاله لا یختلف ذکرا کان الفرد أم أنثی فتحول الرجل إلی الأنثی لا یغیر حکمه من هذه الناحیة وارثا أو موروثا.فهی کونه معتقا بالفتح أو معتقا بالکسر و ضامنا للجریرة أو مضمونة جریرته.
فهذه خلاصة الکلام عن المرحلة الثانیة فی أحکام الإرث.
الاعتداء المفروض وقوعه قد یکون قبل التحول إلی امرأة.و یکون حکمه قد نفذ من دیة أو قصاص أو غیره.فلا کلام فیه.
و قد یکون الاعتداء بعد التحول إلی المرأة و تنفیذ الأحکام أیضا بعد التحول بطبیعة الحال.فهنا لا ینبغی الإشکال فی أن أحکام المرأة تشمله دون الرجل فإذا کانت هی المعتدی علیها فهی(تعاقل فی الدیة الرجل إلی الثلث فإذا بلغت الثلث رجعت إلی النصف)،کما ورد فی النص.و کذلک فی القود فإن الرجل
لا یقاد بالمرأة إلاّ بعد رد جزء الدیة و هکذا.
و إذا کانت هی المعتدیة فتقاد بالرجل سواء کان الاعتداء نفسا أو دونها.
و قد یکون الاعتداء قبل التحول إلی امرأة،و لکن لم یتم التنفیذ للحکم إلی أن تمّ التحول.و فی مثل ذلک لا شک أن مقتضی الاستصحاب بل الإطلاقات شمول أحکام الرجال لها لأن الاعتداء حصل حال کونه رجلا فتشمله أحکام الرجال و لا یکون لتحوله إلی المرأة أمر یذکر.
و هذا یشبه إلی حد ما فیما إذا کان الاعتداء حال الرقیة ثم حصلت الحریة أو حال الکفر ثم حصل الإسلام و هکذا.فإن المهم هو النظر إلی حال المعتدی و المعتدی علیه حال الاعتداء مهما تغیر الحال بعده.
فمن حیث المراحل الأربع السابقة:
الفرض،فتشمله أحکام الخنثی فی أحکامه الخاصة
فعلی المشهور یجب علیه التقید بأحکام الرجال و أحکام النساء معا احتیاطا.
کأی خنثی آخر.و علی ما قلنا فیمکن إجراء البراءة عند عدد من هذه الاحتیاطات حیث تصبح استحبابیة لا وجوبیة.علی تفصیل لیس هذا محله.
و قد یقال:إن هذا الفرد أولی بالبراءة من الخنثی الأصلی،لجریان الاستصحاب فی حقه بالنسبة إلی عدم مشمولیته لأحکام النساء.فإنه حال کونه رجلا لم یکن مشمولا لها فالآن کما کان،فینبغی أن یکون حاله حال الرجال.
و الصحیح أننا إذا قلنا بأن الخنثی لا بد تابع لأحد الجنسین.و لیس جنسا ثالثا.فما قلناه هو المتعین.لأنه مستصحب الذکورة و لا نعلم تحوله إلی أنثی.
و المفروض أن وضع الخنثی لیس مستقلا.فتکون أحکام الرجال مستصحبة فی حقه و أحکام النساء مستصحبة العدم،کما أشرنا،فیکون حاله حال الرجال.
فیستمر کما لو بقی رجلا.هذا بغض النظر عن أصول أخری قد تجری لا
حاجة إلی الدخول فی تفاصیلها بعد أن کان الأصل المشار إلیه جاریا فی موضوع تلک الأصول،فیکون حاکما علیها و مقدما.
و أما إذا قلنا إن الخنثی قسم ثالث غیر الرجل و المرأة.فهنا إما أن نقول:إن له أحکامه الخاصة به فی الشریعة و إما أن الشک فی ذلک.فإن شککنا فی ذلک، کان الحال کما سبق أیضا لإمکان إجراء البراءة و الاستصحاب السابقین.بعد عدم إحراز ما یصلح للحکم علیها من الأدلة.
و أما إن قلنا إن الخنثی له أحکامه الخاصة فقهیا.و هذا عملیا غیر صحیح فی غیر موارد قلیلة جدا.کحصته فی الإرث.و إنما حکم الفقهاء بالاحتیاط له، أخذا منهم بالاحتیاط أیضا لا بإطلاقات الأدلة.
و لکن لو کان الأمر کذلک،کان هذا الرجل بعد التحول،مشمولا لأحکام الخنثی،و لا یمکن أن تشمله أحکام الرجل.إذ لا مورد لاستصحابها عندئذ لأنها واردة علی عنوان الرجل،و قد ارتفع قطعا،فیرتفع الحکم بارتفاع موضوعه.
و هذا الذی قلناه شامل لکل أحکام الخنثی سواء فی عباداته الشخصیة أو غیرها مما سنذکره فی المراحل التالیة،غیر أننا سنذکر لها عناوینها باعتبار بعض ما قد تفرق به عن هذه السلسلة من التفکیر.
عند ما یصبح الرجل خنثی،و یکون متزوجا و عنده ذریة،یخرج عن کونه زوجا و أبا إذا قلنا إنه قسم ثالث.و عندئذ یکون مشمولا لما قلناه عند التحول إلی المرأة.
و أما إذا قلنا بأن الخنثی لا محالة مندرج فی أحد القسمین.فیمکن استصحاب ذکوریته-کما سبق-فیستمر بصفته رجلا.فی جمیع أحکامه العائلیة.کالزوجیة و وجوب النفقة علی زوجته و أولاده و حق القسم و غیرها.
إن أمکن استصحاب ذکوریته،فإنه یستحق حصة الذکر،کما کان یستحقها حال رجولیته.و لا یؤثر انقلابه إلی خنثی.سواء کان وارثا أم موروثا.
فمثلا:یمکن استصحاب عنوان کونه أبا أو أخا أو عما أو خالا،و نحو ذلک.و أنه لم یتحول إلی امرأة.و المفروض أن جنس الخنثی لیس جنسا مستقلا بحیاله.
و لیس الحال فی ذلک حال الخنثی الأصلی،إذ لا یمکن أن یجری فی حقه مثل هذا الاستصحاب.
نعم،لو قلنا بأن الخنثی قسم ثالث غیر الذکر و الأنثی،تعین القول بانتفاء أحکام الرجال عنه کما قلنا فی صورة التحول إلی امرأة فهو لیس أبا و لا زوجا.
فینتفی نکاحه و ولایته علی أطفاله و وجوب النفقة و حق القسم و غیر ذلک.
و لکن لیس له أن یتزوج،کما لو کان قد تحول إلی امرأة.لأن الذی یجوز أن یتزوج بالرجل إنما هو المرأة و نحن إما أن نشک فی صیرورته امرأة فیمکن استصحاب عدمها أو نعلم بعدم کونه امرأة.فإنه خنثی و لیس امرأة فالأمر أوضح.
و قد یخطر فی الذهن:أننا إن منعناه عن الزواج بالرجل فلا نمنعه عن الزواج بامرأة.لأنه حال رجولیته،کان یجوز له ذلک،فالآن کما کان بالاستصحاب.
إلاّ أن هذا الحدیث إنما یصح فیما إذا أمکن استصحاب ذکوریته.و إذا استصحبناها أمکن الحفاظ علی زوجته و أولاده السابقین بجمیع أحکامهم.
و علی العموم فلا یمکن الجمع بین ما قلناه من انتفاء کونه أبا و زوجا مع جواز زواجه بامرأة.لأن الثانی مبنی علی جریان استصحاب ذکوریته و الأول مبنی علی عدمه.
إذا کنا فقهیا،کما سبق،یمکننا استصحاب الذکوریة أو استصحاب أحکامها،فسوف لن یختلف حال هذا الفرد،کرجل فی سائر الأحکام بما فیها الدیات و القصاص.
و أما إذا لم یمکن ذلک،کما سبق أیضا،شمله أحکام الخنثی المشکل.من حیث إنه یقاد بالرجل،یعنی فیما إذا کان الخنثی قاتلا و الرجل مقتولا،و تقاد به
المرأة إذا قتله.و لا یقاد هو إذا قتل المرأة إلاّ إذا دفع القاتل نسبة الخنثی من الدیة و هی نصف دیة المرأة و نصف دیة الرجل،و هو ثلاثة أرباع الدیة الکاملة.فإذا قتل المرأة وجب دفع هذا المقدار إلیه مع قتله.
و أما فی الجروح و الشجاج،فما تساوت به المرأة مع الرجل یتساوی فیها الخنثی أیضا.و أما ما زاد علی الثلث و رجعت فیه المرأة إلی النصف،فمقتضی القاعدة نقصان الخنثی من الدیة بنصف ما ینقص المرأة.فیکون له أی للخنثی إذا کان معتدی علیه ثلاثة أرباع دیة الرجل مما یماثل هذا الجرح.
و الدیة تکون مستحقة إذا کان الاعتداء خطأ أو شبه العمد،أو عمدا و تنازل المعتدی علیه إلی الدیة.فإن طالب بالقصاص اقتضی منه بلا رد.لأن القصاص ثابت بین الجنسین حتی لو کان المعتدی رجلا و المعتدی علیه أنثی فکیف إذا کان خنثی.و علی أی حال،فمقتضی القاعدة ثبوت القصاص فی صورة المعتدی علیه علی کل الصور.
و لعل للحدیث بعض التفاصیل التی لا ینبغی الإفاضة فیها هنا،بل یحسن إیکالها إلی محالها من الفقه.
هذا هو الکلام فی تحول الرجل إلی المرأة تارة و إلی الخنثی أخری.و ینبغی أن نصرف عنان الکلام إلی تحول المرأة إلی رجل أولا ثم إلی خنثی.
و نتکلم عن ذلک ضمن المراحل الأربع السابقة،مع الاستعانة بما سمعناه من أحکام تحول الرجل إلی امرأة.فإن فرضنا هذا،عکس ذلک الفرض و لهذا سنری بین أحکامهما شیئا من التشابه.
لا شک أنها بعد التحول تصبح مشمولة لأحکام الرجل و تنتفی عنها أحکام المرأة.
فالحجاب فی الصلاة و الحجاب عن الرجال کلهم لا یجب علیها.بل یجوز لهم النظر إلیه.بصفته رجلا کسائر الرجال.و فی الحدود المشروعة المتعارفة.
و ینقطع عنه بطبیعة تکوینه الجدید الحیض و الاستحاضة و الحمل و النفاس، و نحوها مما یمر علی المرأة.فلا یکون مشمولا لأحکامها بطبیعة الحال.
و تقبل شهادته کأی رجل عادل أو ثقة إذا اتصف بالعدالة أو الوثاقة،فبعد أن کانت شهادته بصفته امرأة محدودة فی بعض الأمور،و غیر شاملة لکل الموارد بما فیها الهلال کما سمعنا.تصبح الآن شهادته حجة فی جمیع الحقول و الموضوعات.
و بینما لم یکن من المشروع له بصفته امرأة أن یکون حاکما و لا قاضیا.و لا إمام جماعة للرجال یصبح ذلک مشروعا فی حقه،إذا کان واجدا للشرائط الأخری.
و هو ما یحصل فیما إذا کان للمرأة زوج و أولاد ثم أصبحت رجلا،عندئذ لن تصبح أما و لا أبا،کما أشرنا فی مثله فی صورة تحول الرجل إلی المرأة.
أما إنها لیست أما فلأنها رجل فعلا و أما إنها لیست أبا لوضوح أن الأب هو من ولد الذریة من مائه و هذا لم یلدهم من مائه.
و من هنا ینتفی حق الحضانة لمن کانت لها حق الحضانة له من ذریتها.
و أما زوجها فتبطل الزوجیة معه بدون طلاق،و لا یجوز له التمکین الجنسی لهذا الزوج بطبیعة الحال.و إذا کان متعدد الزوجات لم یکن له حق القسم.
کما لا یستحق علیه وجوب النفقة کما کان حال کونه امرأة.
و ما قد یقال:کما قد قیل فی عکسه:من أنه یمکن إثبات بعض هذه الأحکام بالاستصحاب کوجوب النفقة و حق الحضانة.
غیر صحیح جزما لأن موضوع هذه الأحکام هو المرأة و هو لیس الآن امرأة.
و بتعبیر أدق:إن موضوع وجوب النفقة هو الزوجة،و هو لیس بزوجة، و موضوع حق الحضانة هو الأم و هو لیس بأم.و بعد الخروج الموضوعی القطعی لا مجال للاستصحاب.
فهذا الرجل المتحول من المرأة،لا یرث بصفته أما و لا زوجة و لا بصفته أبا.
نعم،قد یرث کما قلنا بصفته أحد الوالدین،فإنه لا زال کذلک و لو احتمالا الأمر الذی یمکن معه استصحاب استحقاقه للإرث موضوعا أو حکما بعد موت أحد ذریته،فتأمل.
نعم،لو مات هو أمکن القول،کما سبق فی عکسه،أن ترثه ذریته للذکر مثل حظ الأنثیین.
أما بالنسبة إلی باقی الأقارب إذا مات أحدهم بعد تحول المرأة إلی رجل.
فکل ما یحدث هو أن یتحول من أخت إلی أخ أو من عمة إلی عم أو من خالة إلی خال و هکذا.فیرث بالصفة أو العنوان الجدید الذی اکتسبه إن اختلفت الحصة.أما بالنسبة إلی میراث الطبقات المتأخرة و هی:المعتق و ضامن الجریرة،فلا یختلف الحال فیها کما سبق.
و أما حجب الأم عما زاد عن الثلث فهو یحصل بالتحول لا محالة،إذا کانت سائر الشرائط الأخری له متوفرة.کما لو کان للفرد قبل موته أخ و أخت فتحولت أخته إلی رجل فأصبح له أخوان.و هو من جملة شرائط حجب أمه عن میراث ما زاد عن السدس.
و أما ما قد یخطر فی البال:من أن من جملة الشرائط:وجود الأب.و هذا الرجل المتحول یصلح أن یکون أبا.فلو کان الأب قد مات أمکن التعویض به لیحصل الحجب بحصول هذا الشرط.
إلاّ أن هذا غیر صحیح.لوضوح عدم صدق الأب علیه عرفا و شرعا لأن أولاده لم یأتوا من مائه.بل من رحمه حین کان امرأة.فهو الآن لیس أبا و لا أما.و إن کان أحد الوالدین.إلاّ أن الشرط فی الحجب هو وجود الأب بعنوانه لا وجود أحد الوالدین.
و لا إشکال أنه بعد التحول یکون حکمه حکم الرجل من جمیع الجهات سواء کان معتدیا أو معتدی علیه.
و کذلک الحال فی الوضوح لو دفع الاعتداء قبل التحول و حصل القصاص أو الدیة یومئذ.فإنه یتم بعنوان المرأة بلا إشکال.
و إنما یقع السؤال کما وقع فی عکسه فیما إذا وقع الاعتداء قبل التحول و أردنا إیقاع العقوبة بعده.و قلنا فی مثله إنه یکون مشمولا لحال الاعتداء أو لحکم الصفة التی کان علیها یومئذ.فإذا کان قد استحق نصف الدیة(یعنی نصف استحقاق الرجل)حال الاعتداء علیه حین کان امرأة.کان مقتضی الاستصحاب و أصالة براءة ذمة الجانی عن عدم الزیادة علی ذلک بعد التحول إلی رجل.
و إذا کان هو الجانی حین کان امرأة.کما لو قتلت رجلا،ثم لم ینلها العقاب حتی تحولت إلی رجل.فإن حکمها بعد التحول لا یختلف.
نعم،لو قتلت امرأة ثم تحولت إلی رجل.و کان حکمها هو القود بدون رد.فهل یبقی الحکم کذلک بعد التحول.أو أن الرد هنا یکون متعینا لأن القتل قصاصا سیکون علی الرجل بإزاء امرأة و فی مثله لا بدّ من الرد.وجهان:
مقتضی الاستصحاب بقاء الحکم الأول و هو عدم الرد.إلاّ أن مقتضی إطلاقات قود الرجل بالمرأة خلاف ذلک،ما لم نقل إنها منصرفة إلی ما إذا کان الرجل قاتلا بصفته رجلا أو حال کونه رجلا.دون الصورة التی نتحدث عنها.
کما هو المنصرف عرفا.و حینئذ لا یبقی لاستصحاب عدم الرد معارض أو حاکم.
و نتکلم طبقا للمراحل الأربع السابقة:
و هنا یکون الکلام مشابها إلی حد کبیر مع ما قلناه فی تحول الرجل إلی
خنثی،غیر أن الرجل یکون موردا لاستصحاب أحکام الرجال بعد التحول.
و المرأة تکون موردا لاستصحاب أحکام النساء بعد التحول.و هذا معناه أن حالها الاعتیادی لا یتغیر بعد التحول إلی خنثی.
و قد عرفنا هذا یتم أو یصح فی بعض الصور:
الصورة الأولی:ما إذا کان الخنثی عموما تابعا لأحد القسمین الرئیسیین، و لیس قسما ثالثا.و قد سبق أن ذکرنا وجهه هناک.
الصورة الثانیة:ما إذا کان الخنثی قسما ثالثا و لو احتمالا.إلاّ أنه لیس له أحکامه المستقلة فی الشریعة.و لا أقل من الشک فی ذلک.فیکون موضوعا لاستصحاب أحکامه السابقة.و هی فی هذه الصورة أحکام المرأة.
و أما فی صورة ثالثة:و هو ما إذا کان الخنثی قسما ثالثا و کان له أحکامه الخاصة فی الشریعة.و هذا لیس بصحیح عملیا فی غالب الأحکام کما سبق.و لکن إذا کان الأمر صحیحا شملته الأحکام الخاصة بالخنثی لا محالة.
فإن لم یکن الخنثی قسما ثالثا.و قد شککنا بتحولها إلی عنوان الرجل.ففی الإمکان استصحاب أحکامها السابقة،کلها موضوعا أو حکما.کعنوان الأم و حق الحضانة و الزوجیة و وجوب النفقة.و لا موجب للقول بارتفاعها.
و ما قد یخطر فی الذهن:من أنه تحول عن صفة المرأة جزما فلا مجال لاستصحاب عناوینها و أحکامها.
غیر صحیح:لأننا بعد أن بنینا علی عدم کونه قسما ثالثا.فلیس للعرف أن یقول:إنه رجل للشک فی ذلک وجدانا.و لا من حقه أن یقول:هو قسم ثالث.للیقین بعدمه علی الفرض.إذن،فالعرف یشک کما نشک فی خروجه عن کونه امرأة،فیکون ذلک موضوعا کافیا للاستصحاب.
و کذلک الحال:یعنی فی صحة جریان الاستصحاب لو قلنا بأن الخنثی قسم ثالث إلاّ أننا شککنا بتحوله إلیه تماما.
و کذلک الحال:لو قلنا بأنه قسم ثالث إلاّ أنه لیس له أحکام معینة فی الشریعة،فیتعین استصحاب أحکامه السابقة ما عدا ما خرج بدلیل.
نعم،لو قلنا بأنه قسم ثالث و محکوم بأحکام معینة فی الشریعة،شملته تلک الأحکام بعد الجزم بکونه أصبح خنثی إلاّ أن هذا الافتراض،کما سمعنا، لیس بصحیح فی أغلب الأحکام.و خاصة فی أحکام الأسرة التی نتحدث عنها.
فی الصور التی أمکن جریان الاستصحاب،کما أوضحنا فی المرحلة الثانیة لا إشکال من شمول أحکام المرأة لها،بکل التفاصیل بما فیها الحجب،سواء کانت حاجبة أو محجوبة.
و أما فی الصورة التی لم نقل فیها بجریان الاستصحاب،فقد خرجت هذه المرأة بعد تحولها إلی خنثی عن کونها أما أو أختا أو زوجة.فلا یمکن أن ترث بهذه العناوین.نعم یمکن أن ترث بصفتها أحد الوالدین،کما سبق أن أوضحنا فی صورة سابقه.
و بصفتها زوجة،فإن نکاحها(مع منع جریان الاستصحاب)ینفسخ من دون حاجة إلی طلاق.فإذا مات من کان زوجها بعد ذلک لم تستحق شیئا من الإرث.
نعم،لو مات حال کونها امرأة و زوجة.ثم تحولت خنثی قبل قبض الحصة، لم یؤثر ذلک فی استحقاقها.
و أما بصفتها أخا أو أختا،فمع عدم جریان الاستصحاب لا بد من المصیر إلی الأخذ بالمعدل بین الرجل و المرأة کما فی الخنثی المشکل الأصلی.
و ما قد یخطر فی الذهن:من أن الأخذ بالمعدل إنما کان من أجل الذهاب نظریا علی انحصار الجنس بالجنسین و لیس الخنثی قسما ثالثا.و هذا الذی نتکلم فیه الآن هو صورة المنع عن جریان الاستصحاب.و هو لا یکون إلاّ إذا قلنا بإمکان القسم الثالث،کما سبق.إذن،فالأخذ بالمعدل.غیر صحیح.
إلاّ أن هذا الوجه غیر صحیح.
أولا:لأن الأدلة الدالة علی استحقاق الخنثی للمعدل،واردة بعنوان الخنثی، و هذا متحقق له فعلا.و هذه الأدلة خالیة من الإشارة إلی الانحصار بالقسمین و عدمه.فمقتضی إطلاقها شمولها للمورد.
ثانیا:إن إلغاء هذه الأدلة،جدلا،لا ینبغی أن یقتضی القول بإلغاء إرثه رأسا.فإن هذا غیر محتمل فقهیا.إذن یکون الحکم فی المقام هو قاعدة العدل و الإنصاف العقلیة.و هی تقتضی أخذه للمعدل أیضا.إذ لا یوجد قاعدة أخری تشمله بعد انتفاء الاستصحاب.
و هنا أیضا إن أمکن جریان الاستصحاب،کما فی بعض الصور المشار إلیها، و التی بعضها هو الصحیح،کما سبق فلا إشکال فی کونها،أعنی المرأة التی تحولت إلی خنثی و هی محل الحدیث،لا إشکال فی کونها مشمولة لأحکام المرأة،بعد التحول،و لا یکون للتحول أثر یذکر.
نعم،لو لم یجر الاستصحاب،فلا بد من کونه مشمولا لأحکام الخنثی المشکل جانیا کان أو مجنیا علیه.و قد سبق أن حملنا عنها فکرة مختصرة فی صورة تحول الرجل إلی خنثی فلا نعید.
و نتکلم طبقا للمراحل الأربع التی ذکرناها فیما سبق:
لا إشکال فی شمول أحکام الرجل له بعد أن أصبح رجلا،مهما قلنا فی الأحکام التی کانت شاملة له حال کونه خنثی.حتی أن له أن یتزوج بامرأة و أن یؤم الرجال إن کان واجدا لشرائط إمام الجماعة،و تقبل شهادته فی کل شیء إن کان واجدا للشرائط الأخری.بل له أن یصبح قاضیا أو مفتیا أیضا إن کان واجدا لشروطهما الأخری.إلی غیر ذلک.
لا یفترض فقهیا بالخنثی المشکل أن تکون له أیة عائلة،لأن زواجه بأی من الجنسین مخالف للاحتیاط.و إن فعل کان باطلا و إن ولد کانت ذریته أولاد زنا.
فالإنسان إن کان أصله خنثی و تحول إلی رجل،فلیس له عائلة إن کان مطیعا للشریعة الإسلامیة.نعم له بعد التحول أن یکون أبا و زوجا و تشمله أحکام الرجل کما عرفنا.
لا یفترض،فقهیا،کما عرفنا أن یکون الخنثی المشکل،زوجا أو زوجة أو أنّ له أولادا أو بناتا.فالإرث من هذه النواحی منتف موضوعا وارثا کان الخنثی أو موروثا.
نعم بعد التحول إن حصلت له أسره ثم مات هو أو مات أحد أفراد أسرته کان الإرث ثابتا بینهما بصفته رجلا.
نعم.للخنثی أب و أم و أخ و أخت و نحو ذلک.فإن حصل الموت خلال صفة الخنثی و قبل التحول،کان له حکم الخنثی المشکل.و هو میراثه معدل حصة الرجل و حصة المرأة،من أی موروث کان.و أما إذا کان هو المیت فلا أثر لذلک،کما هو معلوم فقهیا،بل یرثه الآخرون اعتیادیا.
کما لا أثر لصفته هذه فی میراث المعتق و لا ضامن الجریرة وارثا أو موروثا.
و إن حصل الموت بعد التحول إلی رجل شملته أحکام الرجال فی کل طبقات الإرث وارثا أو موروثا.
و إن حصل الإرث خلال صفة الخنثی،و لم یقبض حصته إلاّ بعد التحول إلی رجل.لم یکن هذا التحول موجبا لزیادة حصته.
و أما الحجب الذی تحدثنا عنه،أی حجب الأم عما زاد عن السدس، فالخنثی لا یحجب و لا أثر لوجوده فی ذلک.هذا إذا کان حاجبا و لا یحتمل أن یکون محجوبا لعدم إمکان صیرورته أما فقهیا،کما سبق.نعم إذا حصل الموت بعد التحول شملته الأحکام الاعتیادیة حاجبا أو محجوبا فیما إذا کان التحول
إلی امرأة و یصبح أما علی ما سیأتی.و هذا یکفی ذکره هنا بلا حاجة إلی التکرار هناک.
لا یوجد إشکال فقهی فیما إذا حصلت الجنایة و تمت العقوبة حال صفة الخنثی سواء کان جانیا أو مجنیا علیه.و کذلک إذا حصلتا معا حال صفة الرجل بعد التحول،جانیا کان أو مجنیا علیه.فإنه فی الحالة الأولی یکون مشمولا لأحکام الخنثی و فی الحالة الثانیة یکون مشمولا لأحکام الرجال.
فأما إن حصلت الجنایة جانیا أو مجنیا علیه حال صفة الخنثی ثم تحول إلی رجل قبل تلقی العقوبة.فقد عرفنا فی أمثاله أن المهم هو صفة الفرد حال الجنایة و لا یکون التحول سببا للتغییر فی الحکم.
لم یبق شیء بعد الذی قلناه یخفی علی القاری اللبیب.مما یمکن أن یندرج تحت هذا العنوان،لکننا-مع ذلک-نذکر نفس المراحل الأربع التی کنا نذکرها فیما سبق.
و لا إشکال فی شمول حکم المرأة له،مهما قلنا فی أحکام الخنثی فی حالته السابقة.حتی أنها تستطیع أن تتزوج برجل.و إذا وردت علیها العادة الشهریة شملتها أحکامها.إلی غیر ذلک من الأحکام العدیدة الخاصة بالمرأة و التی حملنا عنها فکرة فیما سبق.
قلنا فی صورة تحول الخنثی إلی رجل أنه لا یمکن شرعا أن یکون للخنثی عائلة حال صفته تلک.و مع عدمها فلا حکم لها حتی و إن حصل التحول.
نعم،بعد التحول إلی امرأة لها أن تتزوج برجل کما قلنا.و تکون أما و تشملها سائر الأحکام الخاصة بذلک.من وجوب النفقة و حق القسم و حق الحضانة و غیر ذلک.
حین لا یکون للخنثی المشکل عائلة،لا یکون له میراث منها و لا إلیها.کما سبق أن أشرنا.و إنما یمکن ذلک بعد التحول و عندئذ تشمله أحکام الصفة الجدیدة،و هی أنه أصبح امرأة کما افترضنا الآن.
و أما بالنسبة إلی میراث أمه و أبیه و أجداده و إخوته و أعمامه و أخواله فإن کانت صفة الخنثی باقیة و حصل المیراث فإن کان وارثا استحق حصة الخنثی و إن تحول بعد ذلک.و یؤثر التحول بزیادة أو قلة الحصة عندئذ کما سبق.
و أما إن کان هو المیت،و أصبح موروثا،فإنه یورث کما یورث غیره بلا فرق.
و إن حصل المیراث بعد التحول إلی امرأة شمله حکم میراث المرأة بکل تفاصیلها وارثة کانت أو موروثة.
و قلنا و نقول هنا أیضا:إن میراث المعتق و ضامن الجریرة،لا یختلف فیها الحال بین الخنثی و غیره لأنه لا یختلف فیها الحال بین الرجل و المرأة،فکیف بالخنثی.
و هنا یشمله ما سبق أن قلناه من أنه لا إشکال فقهی،فیما إذا وقعت الجنایة و وجدت العقوبة حال صفة الخنثی کلیهما.و کذلک إذا وجدتا بعد التحول إلی امرأة.فإنه فی الحالة الأولی یشمله حکم الخنثی و فی الحالة الثانیة یشمله حکم المرأة.
و قلنا أیضا:إنه إذا حصلت الجنایة حال کونه خنثی سواء کان جانیا أو مجنیا علیه استحق العقوبة بتلک الصفة التی کان علیها حال الجنایة.و لا یکون للتحول و التغییر الجدید أثر یذکر.
إذا کان فی الإمکان أن یتحول رجل إلی امرأة و امرأة إلی رجل و غیر ذلک مما
سمعناه،ففی الإمکان أیضا أن یتعدد التحول عدة مرات فیتحول مثلا:رجل إلی امرأة ثم إلی رجل ثم إلی خنثی ثم إلی امرأة،ثم إلی رجل و هکذا.
نعم.بما أن التحول الواحد صعب طبیا و واقعیا،و وقوعه نادر نسبیا:فکیف الحال بالتحولات المتعددة،و لم تصدف أن وقعت طول التاریخ البشری الطویل.إلاّ أن ندرة الفرض و صعوبة المسألة لا تحول فقهیا دون تسجیلها و بحثها.علی اعتبار أنه:ما من واقعة إلاّ و لها حکم.فإذا افترضنا وقوعها فی أی جیل بشری قادم أمکن تحصیل حکمها الفقهی علی أی حال.
و إذا کانت احتمالات التحول مرة واحد-کما سبق-ستة احتمالات.
فاحتمالات التحول مرتین ثمانیة عشر ناتجة من ضرب الستة فی ثلاثة هی أصناف الرجل و المرأة و الخنثی.فإذا افترضنا التحول ثلاث مرات احتجنا إلی الضرب فی ثلاثة مرة أخری،و کان الناتج أربعة و خمسون احتمالا.و هکذا.
و لعلنا نستطیع أن نقرب إلی ذهن القاری إمکان وقوع ذلک إجمالا.کما فی رجل أراد أن یصبح امرأة ففشلت العملیة الجراحیة له.فأصبح خنثی و عاش علی ذلک زمنا قلیلا أو کثیرا.ثم عمل عملیة جراحیة أخری فنجحت فأصبح امرأة.ثم إنه تبدل رأیه فعمل عملیة جراحیة ثانیة لیعود إلی الرجولة فنجحت عملیته.
و کذلک الحال فی المرأة التی ترید أن تصبح رجلا،فقد تفشل عملیتها فتصبح خنثی.و بعد فترة تعمل عملیة ثانیة فتنجح فتصبح رجلا أو قد تعید نفسها أنثی.و هکذا.
و أما من ناحیة الأحکام الفقهیة،فإن مثل هذا الفرد،یکون مشمولا للأحکام التی قلناها فیما سبق.و کل مرحلة من تحوله یکون مشمولا لأحد الاحتمالات الستة التی ذکرناها.
ففی المثال السابق.تحول الرجل إلی خنثی.فیکون مشمولا لما تحدثنا به حول ذلک.ثم تحول إلی امرأة.فیکون مشمولا لما تحدثنا عنه من تحول الخنثی
إلی امرأة.و لو تحول إلی رجل فسیکون مشمولا لما تحدثنا عنه من تحول الخنثی إلی رجل و هکذا.
و لیس فی المقام من جدید.غیر أنه ینبغی الإلماع إلی أنه فی الموارد التی لا یکون للتحول الواحد أثر یذکر،لا یکون للتحول المتعدد أثر کذلک.و قد عرفنا ذلک فی موردین:
المورد الأول:ما إذا حصل موت المورّث ثم حصل التحول فی الوارث فإنه یستحق نفس الحصة التی استحقها حال الموت و لا یکون التحول موجبا لزیادتها أو نقصها.و هنا نقول:إن ذلک یصح سواء کان التحول واحدا أو متعددا.
المورد الثانی:ما إذا حصل الاعتداء علی فرد ثم حصل التحول فی المعتدی أو المعتدی علیه.فإن هذا التحول لا یوجب تحول العقوبة.و هنا نقول:إن ذلک یصدق حتی لو کان التحول متعددا.
هذا.و ینبغی الإلماع هنا:إلی أن التحول الثانی إذا أرجع الفرد إلی حاله الأول عادت له عناوینه التی فقدها بالتحول الأول.
فلو تحول رجل إلی امرأة فإنه یفقد صفاته:الزوج و الأب.کما سبق و لکنه إذا تحول مرة أخری إلی رجل.فإنه یعود أبا بلا إشکال.لأنه یصدق علیه عنوان:الرجل الذی وجدت هذه الذریة منه.و أما عود عنوان الزوج علیه، فهذا فقهیا غیر ممکن بعد الحکم بانفساخ نکاحه السابق مع من کانت زوجته.
و خاصة فیما إذا کان حال کونه امرأة قد تزوج رجلا و أنجب أو لم ینجب.
و المهم الآن أنه یحتاج فی عود الزواج له لنفس المرأة إلی عقد جدید.أو أن یعقد علی أیة امرأة أخری.
و یقع الکلام فی ذلک ضمن عدة عناوین:
تنبثق الحکمة لتعدد الزوجات،من الحاجة إلی ذلک.و یتم بیان ذلک ضمن عدة نقاط.
النقطة الأولی:إن غالب المجتمعات البشریة تتصف بزیادة عدد الإناث علی الذکور بالولادة.بل هذه الصفة ثابتة للبشریة ککل بکل تأکید.
النقطة الثانیة:إن الأخطار التی یتعرض لها الذکور،بحکم عملهم أکثر من الإناث بکثیر،و من هنا یکون التلف فیهم أکثر بکل تأکید.
النقطة الثالثة:إن الحروب خاصة بالذکور.و لا تشارک فیها الإناث إلاّ قلیلا.
و من هنا قال الشاعر:
کتب القتل و القتال علینا و علی المحصنات جر الذیول
الأمر الذی یسبب أن الأعم الأغلب من المقتولین فی الحروب هم من الذکور دون الإناث.و إن قتل من الإناث أحد فعلی سبیل الصدفة أو الاعتداء و بنسب ضئیلة.
فإذا طالت الحروب فی أی مجتمع أو فی عدة مجتمعات سنین أو عقودا کان
الأمر أوضح.و العالم لا یخلو باستمرار من المناوشات و الحروب نتیجة لتعارض مصالح الأقویاء من الناس.
النقطة الرابعة:إن کثیرا من الرجال لهم قابلیة خلقیة أو مکتسبه لتحمل أکثر من زوجة.فلما ذا تذهب هذه القابلیة هدرا.
و أقصد بالقابلیة الخلقیة،غریزته الجنسیة و ما إلیها.و بالقابلیة المکتسبة وجود وارد اقتصادی مضمون لتغطیة النفقات.و کلا الأمرین أو القابلیتین موجودان فی عدد لا یستهان به من الرجال.
النقطة الخامسة:إن المهم فی حیاة المرأة الزوجیة،هو إیفاء حاجاتها من قبل الرجل من جمیع الجهات أو فی حدود الإمکان.و لا یدخل فی ذلک أن الرجل نفسه قد و فی حاجات امرأة أخری أم لا.
و هذا یعنی أنه لا یوجد مانع نفسی أو عقلی أو اجتماعی لدی المرأة من التعدد.کل ما فی الأمر أنها تطالب بحقها من زوجها فإن استطاع إیفاءه فهو المطلوب.و عندئذ لا تکون الزوجة أو الزوجات الأخریات.محل ضرر علی الإطلاق.
هذا فی السیرة العقلائیة العامة،بغض النظر عن بعض تعالیم الأدیان أو القوانین التی تمنع من التعدد.و التی تصلح هذه النقاط لمناقشتها.
النقطة السادسة:أن لدی بغض الرجال حاجة حقیقیة للتعدد لقوة الغریزة الجنسیة بحیث لا تستطیع امرأة واحدة من إیفائها.
و فی حدود اللغة الدینیة:أن الفرد قد یخاف من الوقوع فی الحرام و إن کانت له زوجة.فما ذا یفعل إن منعناه من التعدد؟ و فی الغالب إن مثل هذا الإنسان یبقی کالحائر یشعر أن فی حیاته نقصا شدیدا ما لم یتزوج،لکی یسد حاجته الضروریة.
فإن أضفنا إلی ذلک الحالات الاستثنائیة لکل امرأة کحالات الحمل و الدم و نحوها،و التی یحرم أو یصعب استیفاء الحاجة الجنسیة منها للرجل.و إذا
أضفنا إلی ذلک حالات المرض و السفر و غیر ذلک.أمکننا الجزم بأن المرأة الواحدة لا تستطیع أن تفی حاجات الرجل.و أن التعدد أفضل له جنسیا بکل تأکید.
النقطة السابعة:إن الحکم فی الدین الإسلامی هو الحکم بجواز تعدد الزوجات و لیس بوجوبه بطبیعة الحال إلاّ أن یعلم الفرد بالوقوع بالحرام بدونه، و هی حالة قلیلة.
بل الأمر أکثر من ذلک،من حیث وضع بعض القیود علی التعدد علی ما سنعرف.و بدونها أو بدون الالتزام بها،یکون التعدد ممنوعا.فإذا التفتنا کما سیأتی إلی أن أکثر الناس لا یستطیعون الوفاء بشرط التعدد،نعرف إذن قیمة تعدد الزوجات فی الإسلام.
فهذه النقاط و نحوها هی التی تعطینا وجه الحکمة من هذا الحکم.بحیث ندرک أن القانون الذی یمنع التعدد یکون ناقصا من هذه الناحیة بکل تأکید و مخالفا للحکمة و المصلحة العامة لطبیعة الحال.
قد یخطر فی بعض الأذهان المریضة أنه:کما یمکن تعدد الزوجات یمکن تعدد الأزواج،و خاصة و قد ورد فی الأخبار ما مؤداه:إن المرأة أعطیت من الغریزة الجنسیة عشرة أضعاف الرجل.و هذا مبرر لتعدد الأزواج.إذ قد لا یکون الزوج الواحد کافیا فی إیفاء تلک الغریزة.
و جواب ذلک یکمن فی عدة نقاط:
النقطة الأولی:إن السیرة العقلائیة عامة علی و وحدة الأزواج تری فی تعددهم نحوا من الشناعة و الفظاعة بأکثر من المتحمل و أکثر من المعقول.و هذا واضح.
فلو فرضنا جدلا أن فی التعدد شکلا من أشکال المصلحة،إلاّ أن منعه أصلح
بکل تأکید،لوضوح أن المذهب الذی یجیز هذا التعدد سیکون مذهبا شنیعا فی نظر العقلاء.و لا تکون أیة مصلحة عذرا له فی إزالة الشناعة.
و من المعلوم أن الدین الحنیف لا یأمر بما هو شنیع و فظیع عقلائیا.
النقطة الثانیة:إن المرأة لا تنظر فقط إلی الغریزة الجنسیة،إلاّ الشواذ منهن اللاتی یکنّ علی مستوی المومسات.و أما المرأة الاعتیادیة،فتنظر إلی دعم الرجل لها اقتصادیا و اجتماعیا و رأفته بها و دفاعه عنها.
و من المعلوم أن هذا لا یحدث إلاّ مع وحدة الزوج.و أما مع تعدده فتکون المرأة ضائعة بدون دعم محدد من أی من الأزواج الذین حولها.الأمر الذی یجعلها بعیدة جدا عن الهدف الذی تتوخاه و الحاجة التی تطلبها.
النقطة الثالثة:أنه حقا ورد فی الأخبار:أن المرأة رزقت عشرة أضعاف الرجل من الغریزة الجنسیة.و هذا أیضا مما یناسبه الاعتبار إذ کلما کان الجسم أجمل و أرق و أرشق کانت الغریزة أقوی.و هذا مجرب فی الرجال أنفسهم فضلا عن النساء.
إلاّ أنه ورد فی نفس الأخبار تکملة لهذا الکلام.حیث تقول الأخبار ما مضمونه:و لکن المرأة رزقت من الحیاء عشرة أضعاف الرجل،بحیث أمکنها بذلک السیطرة علی تلک العاطفة.
و من المعلوم أن تعدد الأزواج مخالف للحیاء تماما.و هل من الحیاء أن یتقاسمها الرجال و تتعری کل یوم أمام واحد منهم.إن هذا إلاّ شیء مقرف تماما.
النقطة الرابعة:أنه بالرغم من زیادة الغریزة الجنسیة لدی المرأة،فإنه یمکن أن یقال و بکل تأکید أن رجلا واحدا یستطیع أن یوفیها و یستوفیها،و لا حاجة إلی التعدد.یعنی لا یبقی فی المرأة حاجة غیر مستوفاة بحیث یتعین التعدد لاستیفائها.کما قال المستشکل.و إذا بقی فی بعض النساء شیء،فهو ضئیل لا یوازی الفتوی بجواز التعدد.
النقطة الخامسة:إن الوحدة فی الأزواج لأی امرأة لا تعنی تحقق ذلک فی طول عمرها،فی الدین الإسلامی،بل لها أن تری أو تجرب أو تتزوج-ما
شئت فعبر-عددا کبیرا من الأزواج،واحدا بعد الآخر،بالشکل الذی تتحقق فیه شرائط الصحة شرعا.
فالمهم هو المنع من الجمع بین الأزواج.لا من التعدد واحدا بعد الآخر،لو کان للمرأة توقان إلی ذلک.فقد تستطیع أن تتزوج المرأة فی کل سنة اثنین أو أکثر،بل قد یصل العدد إلی العشرة أو ما یقاربها.و تختلف النساء فی ذلک تبعا لاختلاف مقدار زمان العدة،کما سیأتی.
النقطة السادسة:إنه کما لا بدّ أن یکون التشریع الخاص بالعائلة،رحیما بالنساء،کذلک ینبغی أن یکون رحیما بالرجال.و إلاَّ انتفی منه العدل و الإنصاف بطبیعة الحال.
و من الواضح فی الوجدان و الثابت فی العلم الحدیث،أن الرجل یشمئز من المرأة التی تکون عرضة للرجال.و کلما کانت المرأة أکثر صونا و سترا کانت أشهی و أطیب فی نظر الرجل.حتی قیل:إن اتصال المرأة بالرجال یعکس علی وجهها و جسمها شکلا معینا من الوضع یشمئز منه الرجل.کما یدرک بوجدانه أن هذا الوضع ناتج من ذلک السبب لا محالة.
و من المعلوم أن اشمئزاز الرجل یعنی سقوط العائلة و هلاکها جنسیا و اجتماعیا و معنویا.
فإذا أجاز القانون تعدد الأزواج،فإن هذا الاشمئزاز سیشمل جمیع الأزواج للمرأة الواحدة.لأن کل واحد منهم له نفس الذوق و الاتجاه فتکون المرأة محل اشمئزازهم جمیعا.فمن أین تأتی سعادتها أو اطمئنانها؟ النقطة السابعة:ما أشیر إلیه فی بعض الروایات (1)
انظر المیزان ج 4 ص 175. [1]
من أن:المرأة لو کان لها زوجان أو أکثر من ذلک لم یعرف الولد لمن هو.إذ هم مشترکون فی نکاحها.و فی ذلک فساد الأنساب و المواریث و المعارف.
النقطة الثامنة:ما أشیر إلیه فی بعض الروایات أیضا ففی الکافی (2)عن
الصادق علیه السلام فی حدیث قال:و الغیرة للرجال.و لذلک حرم علی المرأة إلاَّ زوجها،و أحل للرجل أربعا.فإن اللّه أکرم من أن یبتلیهن بالغیرة و یحل للرجل معها ثلاثا.
إلی غیر ذلک من النقاط التی توضح وجه الحکمة فی عدم إجازة التشریع الإسلامی لتعدد الأزواج.
یستفاد من بعض ظواهر القرآن الکریم أن تعدد الزوجات منوط بشرط أساسی،هو إمکان العدل بینهن فإذا لم یمکن ذلک،کما هو الغالب،لم یجز التعدد.بل إن القرآن الکریم ظاهر بعدم إمکان العدل علی الإطلاق.الأمر الذی ینفی إمکان تعدد الزوجات علی الإطلاق لانتفاء الشرط دائما.
قال اللّه سبحانه (1)
النساء:4. [1]
وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِی الْیَتامی فَانْکِحُوا ما طابَ لَکُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنی وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ.فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَکَتْ أَیْمانُکُمْ.ذلِکَ أَدْنی أَلاّ تَعُولُوا .و قال جلّ ذکره فی آیة أخری من نفس السورة (2)وَ لَنْ تَسْتَطِیعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَیْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ.فَلا تَمِیلُوا کُلَّ الْمَیْلِ فَتَذَرُوها کَالْمُعَلَّقَةِ.وَ إِنْ تُصْلِحُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللّهَ کانَ غَفُوراً رَحِیماً .
و الآیة الثانیة واضحة فی عدم إمکان العدل.فإن ضممناها إلی الآیة الأولی الدالة علی أن مجرد خوف التفریط بالعدل کاف لعدم جواز التعدد.إذن صار کل تعدد فی مورد النفی و الحرمة.هکذا قال المدافعون ضد التعدد ممن یمیل إلی الذوق الأوروبی الحدیث.مع محاولتهم تلبیسه بلبوس الدین و القرآن الکریم.
و أوضح جواب علی هذه المزاعم هو أن وجوب العدل لیس شرطا فقهیا لصحة النکاح،بل هو حکم شرعی مستقل یشمل من تعددت عنده الأزواج.
و توضیح ذلک ببعض الأمثلة:أن بعض المذاهب الإسلامیة اشترطت فی نفوذ عقد النکاح وجود شاهدین عادلین و بعضها اشترطت ذلک فی صحة الطلاق.و المهم الآن أن نفهم أن وجود الشاهدین شرط فقهی لصحة النکاح أو الطلاق،بحیث یفسد العقد أو الطلاق بدونهما.و لا یکون لهما أی أثر.
فهل أن العدالة بین الأزواج أو قل:هل أن خوف التفریط بالعدل کذلک.
بحیث یجب علی کل رجل حین یتزوج امرأة ثانیة أو ثالثة أن یفکر فإن وجد نفسه خائفا من عدم العدل بطل نکاحه شرعا و لم یستطع الزواج إطلاقا.حاله فی ذلک حال من یظن الضرر من الصوم فإن صومه إن صام بالرغم من الخوف یقع باطلا،بناء علی ما هو الصحیح من أن ترک الصوم فی مثل ذلک عزیمة و لیس رخصه،أی علی نحو الوجوب لا علی نحو الجواز.
و بالرغم من أن هذا هو ظاهر قوله تعالی فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً و ظاهر القرآن حجة.إلاَّ أنه غیر محتمل فقهیا و لم یفت به أحد علی الإطلاق.فإذا انتفی هذا الحکم فقهیا قطعا لم یکن الظاهر حجة،بل لا بد من تأویل الظاهر بما لا یتنافی و الحکم القطعی.
و ما هو الموجود من الحکم فقهیا هو أن للإنسان أن یتزوج من دون حساب خوف التفریط بالعدالة،فإن تمّ له الزواج وجبت علیه العدالة بین زوجاته المتعددات بالشکل المسطور فی الفقه.و هذا معنی ما قلناه من أن هذه العدالة عبارة عن وجوب شرعی لا عن شرط فقهی فی صحة النکاح.
فهذا هو الجواب الفقهی الأساسی.و تبقی عدة أجوبة ممکنة نذکر منها ما یلی:
أولا:إن المسلک الذی سار علیه هذا المستشکل،ینتج امتناع الزواج بالمتعدد أو بطلانه إلاَّ للأوحدی من الناس.إذ من الواضح أن خوف التفریط بالعدل موجود عند الناس أجمعین،ما لم یکن الفرد معصوما أو قریبا من العصمة.
و هذا الحکم علی خلاف قوله تعالی فَانْکِحُوا ما طابَ لَکُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنی وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ .إذ یبقی حکما نظریا صرفا لا تطبیق له فی الخارج، فیکون تشریعه لغوا.و هذا مستحیل علی التشریع الإسلامی.
و هذا الحکم علی خلاف قوله تعالی فَانْکِحُوا ما طابَ لَکُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنی وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ .إذ یبقی حکما نظریا صرفا لا تطبیق له فی الخارج، فیکون تشریعه لغوا.و هذا مستحیل علی التشریع الإسلامی.
علی أنه خلاف ظاهر السیاق لأنه یقول ما طابَ لَکُمْ .بحیث یکون الأمر طبقا للهوی و الإرادة.فإذا کان متعذرا إلی تلک الدرجة کیف سیکون الأمر کذلک؟! ثانیا:إن العدل الممکن مع النساء علی قسمین:عملی و قلبی.و العدل القلبی هو التساوی فی الحب،و هو متعذر تماما لاختلاف النساء فیما بینهن و اختلاف نظر الرجل إلیهن.و أما العدل العملی فهو التسویة بین الزوجات فی العلاقة الاقتصادیة و الاجتماعیة و نحوها.و هذا ممکن لأکثر الرجال بل للجمیع و لیس متعذرا کما هو واضح.
إذن،فمن الممکن فهم العدل فی کل آیة بشکل یغایر الآیة الأخری.و لیس بینهما وحدة سیاق لأنهما متباعدتان فی وجودهن القرآنی و غیر متجاورتین.
فقوله وَ لَنْ تَسْتَطِیعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَیْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ .نفهم منه العدل القلبی،المتعذر تحققه عادة حتی مع حرص الرجل علی ذلک.کما هو معلوم وجدانا.
و قوله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ،نفهم منه العدل العملی:
الاجتماعی و الاقتصادی.فحتی لو فرضنا ذلک شرطا فقهیا فی صحة النکاح-و لیس کذلک-لا یکون تطبیقه متعذرا.و لا یکون الخوف من عدم العدل عاما بین الرجال.
ثالثا:إن العدل المأمور به فقهیا بین النساء لیس فی کل شیء،حتی یدعی المستشکل أنه متعذر،حتی و إن کان المراد به العدل العملی.بل الواجب العدل فی بعض الأشیاء خاصة.بل فی أشیاء قلیلة تماما.بل فی شیء واحد فقط، و هو تقسیم اللیالی بین الزوجات کما سنشرح فی عنوان آتی بعونه تعالی.
و أما وجوب النفقة علی الجمیع،فلیس من باب العدل.بل إن کل امرأة باستقلالها تستحق النفقة.فإن أنفق الرجل علی إحداهن دون الأخری،فلیس
أنه فرط فی عدله،بل یعتبر عاصیا بالنسبة إلی وجوب النفقة فی إحداهن و مطیعا له فی الأخری.و أما التفریط فی العدل فی مثل ذلک فهو عنوان ثانوی انتزاعی،لا أثر له فقهیا.
هذا.و تبقی مجالات کثیرة للرجل یمکن له فیها أن لا یساوی فیها بین الزوجات.بل قد یحصل ذلک وجوبا أیضا و لیس استحبابا.و نذکر لذلک عموما بعض الصور:
الصورة الأولی:قال الفقهاء إن النفقة الواجبة للزوجة هی ما یناسبها من المأکل و المشرب و المسکن و الملبس و کل ما یحفظ لها شأنها الاجتماعی و الصحی و غیر ذلک.
فلو کان للفرد زوجتان إحداهما بالأصل عالیة اجتماعیا و الأخری دانیة فلا یجب علیه أن یصرف علی الثانیة بمقدار الأولی.بلا إشکال.و کذلک لو کانت إحدی زوجاته مریضة أو کثیرة المرض،فتستوجب زیادة فی الصرف وجوبا دون غیرها و هکذا.
الصورة الثانیة:إن خرجت إحدی الزوجات علی طاعة الشریعة أو علی حقوقه الزوجیة المشروعة،فقد أجاز الفقهاء بنص القرآن الکریم للزوج إیجاد عقوبات معینة فی مثل ذلک قال اللّه تعالی (1)
النساء:34. [1]
فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِی الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ .و قال الفقهاء إنه یجب علی الزوج أن یختار الأخف من هذه العقوبات فالأخف.لأنه إن اختار الأشد مع کون الأخف کافیا کان ظلما للزوجة.و محل الشاهد هنا أن الزوج إذا تمرّدت علیه إحدی زوجتیه دون الأخری.
فله شرعا أن یتصرف مع المتمردة بأسلوب یختلف عن الأخری بکل تأکید.
فهل یعتبر المستشکل ذلک مخالفا للعدل؟ الصورة الثالثة:إن الزوج إذا ضمن لزوجاته النفقة الواجبة فقد عدل بینهم
1) 1)
فقهیا.و أما التوسعة الزائدة فهذا إلیه.إن شاء فعل و إن شاء ترک.و لا یجب علیه أن یساوی بین الزوجات فی التوسعة،بلا إشکال.
الصورة الرابعة:إن الواجب فی تقسیم اللیالی هو أن یکون الرجل عند زوجته فی لیلتها.و أما(الجماع)فی تلک اللیلة،فهو غیر واجب بلا إشکال.
بل یجب فی کل أربعة أشهر مرة لکل زوجة،و لا یجب أکثر من ذلک.
و الظاهر أن هذا المقدار أیضا مبنی علی ضرب من الاحتیاط.
و محل الشاهد هنا:إن الرجل یستطیع أن یکثر من جماع إحدی زوجتیه فی لیالیها،و لا یجامع الأخری إلاَّ قلیلا.و لا یکون بذلک فقهیا خارجا عن المشروع.
فهذه الصور الأربع تعطینا صورة کافیة،لما قلناه فی الجواب:(ثالثا)من أن العدل المطلق بین النساء غیر واجب،جزما.بل لا یجب إلاّ فی شیء واحد هو تقسیم اللیالی علی شکل معین سیأتی ذکره بعونه تعالی.
و معه یمکن الجزم بکل وثوق أن قوله تعالی وَ لَنْ تَسْتَطِیعُوا أَنْ تَعْدِلُوا .
لا یراد به العدل العملی بل العدل القلبی.و لو أراد به العدل العملی،فهو استحبابی و لیس وجوبیا.فلا یکون القصور عنه أو التقصیر فیه موجبا لبطلان النکاح أو هدم العائلة و الحیاة الزوجیة.
و أما قوله تعالی فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً .أرید به العدل الوجوبی،و هو تقسیم اللیالی.یعنی عند الخوف أو الظن بعدم القیام بتلک فیکون ترک الزواج المتعدد هو الأولی.لأنه سیکون ظلما و سببا للظلم.
و إن أرید به العدل المستحب،و هو الأغلب،فلا یمکن أن تزید النتیجة علی المقدمة.یعنی أن یکون المعنی:فإن ظننتم أن لا تعدلوا عدلا استحبابیا بین الزوجات،فیستحب لکم ترک الزواج الثانی أو الثالث.و لا یحتمل أن تکون نتیجة ترک العدل الاستحبابی هی حرمة الزواج و بطلانه.کما هو واضح لأن النتیجة لا یمکن أن تزید علی المقدمة.
هذا و تبقی فی هاتین الآیتین بعض الأمور التی تساعد علی فهمهما و لکنها
خارجة عن صددنا فی هذا الفصل.فمن الأحجی ترکها الآن،و إیکالها إلی محلها من التفسیر و الفقه.
ذکر الطباطبائی فی تفسیر المیزان (1)
ج 4 ص 184.
عدة إشکالات ذکرها المدافعون ضد تعدد الزوجات.و هی أربعة إشکالات.و الظاهر أنه ذکرها بإنشاء منه و لیس نقلا عن مصدر.و المهم الآن هو التلاقح الفکری أیا کان مصدره.ثم صار بصدد الجواب عن هذه الإشکالات مفصلا علی خلاف الترکیز الذی التزمناه فی هذا الکتاب.فنحن الآن ننقل الإشکالات نصا.ثم نحاول الجواب علیها مستقلا.قال رحمه اللّه:و قد استشکلوا علی حکم تعدد الزوجات:
أولا:إنه-أی تعدد الزوجات-یضع آثارا سیئة فی المجتمع فإنه یقرع قلوب النساء فی عواطفهن و یخیب آمالهن و یسکن فورة الحب فی قلوبهن.فینعکس حس الحب إلی حس الانتقام،فیهملن أمر البیت و یتثاقلن فی تربیة الأولاد و یقابلن الرجال بمثل ما أساؤوا إلیهن،فیشیع الزنا و السفاح و الخیانة فی المال و العرض.فلا یلبث المجتمع دون أن ینحط فی أقرب وقت.
و ثانیا:إن التعدد فی الزوجات یخالف ما هو المشهور المتراءی من عمل الطبیعة.فإن الإحصاء فی الأمم و الأجیال یفید:أن قبیلی الذکور و الإناث متساویان عددا تقریبا.فالذی هیّأته الطبیعة هو واحد لواحد.و خلاف ذلک خلاف غرض الطبیعة.
و ثالثا:إن فی تشریع تعدد الزوجات ترغیبا للرجال إلی الشره و الشهوة و تقویة لهذه القوة فی المجتمع.
و رابعا:إن فی ذلک حطّا لوزن النساء فی المجتمع بمعادلة الأربع منهن بواحد من الرجال.و هو تقویم جائر حتی بالنظر إلی مذاق الإسلام الذی سوّی فیه بین مرأتین و رجل کما فی الإرث و الشهادة و غیرهما.و لازمة تجویز التزویج باثنتین
1) 1)
منهن لا أزید.ففی تجویز الأربع عدول عن العدل علی أی حال من غیر وجه (یعنی من أکثر من وجه).
انتهی موضع الحاجة من کلامه.
أما الجواب علی الإشکال الأول فالنقطة المهمة فیه هو قوله:فینعکس حس الحب إلی حس الانتقام.یعنی حینما یتزوج الزوج زوجة ثانیة فیتحول حب الزوجة الأولی لزوجها إلی حب الانتقام منه.فتعد لذلک عدته-و تترتب نتائج عدیدة ذکرها المستشکل فی إشکاله.
و هذا المعنی قد یصح أحیانا فی المجتمعات المتخلفة عن فهم الدین و تطبیقه، حیث تشعر الزوجة الأولی.و هی متخلفة بدورها أن زوجها المتخلف بدوره، یرید أن یکدر حیاتها و یدخلها فی معمعان المصاعب التی تقع لا محالة بین الزوجتین المتخلفتین دینیا.إذن،فزوجها قد أجرم بالنسبة إلیها،فی زواجه الثانی.و هذا الذنب الکبیر یحتاج إلی رد فعل کبیر أیضا.و لا یمکن التغاضی عنه أو التعامل معه بالحسنی و العفو.
و معه تبذل الزوجة قصاری جهدها فی إیذاء زوجها و إهمال مصالحه، و العمل علی ما یغضبه و یؤذیه،فصلا عما یؤذی زوجته الثانیة و یغضبها،فإن هذا مفروض سلفا!!.
و إذا کان لها من التدنی الدینی و الخلقی ما یجعل رد فعلها سافلا جدا، فعلت ذلک.فیحدث ما ذکره المستشکل من السفاح و الزنا الذی هو علی خلاف النظرة الدینیة الإسلامیة للمجتمع.و من المضاعفات غیر المحمودة جزما.
و لکن جمیع ذلک ناتج من التخلف الدینی لدی الزوجتین.حیث تکون کل منهما کالکبریت إذا احتک ببعضه البعض اشتعلت فیه النار.
و أما لو کانت کلتا الزوجتین مؤمنتین متورعتین،کما یریدها الإسلام أن تکون.فالزوجة الأولی لا تجد إذن،أن زوجها فعل جرما کبیرا ضدها حین فعل ما هو حلال شرعا بل واجب أحیانا.و هو زواجه الثانی.و لا تجد أن الزوجة الثانیة واردة علیها للخصومة و الإیذاء.بل لکی تعیش معها طبقا
للتعالیم الدینیة.فإذا علمت الأولی أن الثانیة ورعة أیضا بدورها،اطمأنت الأولی من أذایاها سلفا و رکنت إلیها جزما.
فإذا زادت علی ذلک،کل من الأولی و الثانیة،بل و الزوج أیضا،بمقابلة الإساءة بالإحسان و العفو و غض النظر.طبقا لقوله تعالی (1)
التغابن:14. [1]
وَ إِنْ تَعْفُوا وَ تَصْفَحُوا وَ تَغْفِرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ .إذن لا یمکن أن تثور أیة مناقشة أو أن تحدث أیة مشاکل.فإذا علمنا بالفکرة المحققة دینیا،و هی أن المصالح الدینیة إنما لوحظت لدی تطبیق الدین بجمیع تفاصیله لا ببعضه مع إهمال البعض الآخر.فعندئذ تحصل السعادة الحقیقة فی الدنیا و الآخرة و إنما تحدث المشاکل و الخلافات بین الأفراد و المجتمعات،إذ کانوا ممن یؤمنون ببعض الکتاب و یکفرون ببعض.کما هو الحال علیه فی أغلب مجتمعات العالم فی أکثر حقب التاریخ.
فإذا لاحظنا هذه الفکرة علمنا أن الدین إنما أجاز تعدد الزوجات و وجد فیه مصلحة حقیقة،عند ما تکون الزوجات و الزوج من المؤمنین الصالحین،لا من المنحرفین المتخلفین.و من الواضح أنه مع الإیمان و الصلاح لا تحدث أیة مشاکل أو مضاعفات.
و إنما لاحظ السائل هذه المجتمعات المتخلفة دینیا فی العالم،فقال إنه یحتمل أن تحصل تلک المضاعفات.و لا شک أن المستشکل قد بالغ فی وصفها إضفاء للأهمیة علی رأیه.و إلاّ فالأغلب أن الأمر لا یعدو أن یکون خلافا بین الزوجتین بدون أن یسری الأمر إلی الرجل فضلا عن حصول الفساد.
هذا و لو استطاع الزوج من أول الأمر فصل الزوجة الثانیة سکنا عن الأولی، فی نفس البلدة أو بلدة أخری.فإنه لا یحصل أی شیء کما هو المجرب جزما.
لأن اللهب إنما یحصل بالاحتکاک دون حالة التباعد.
و أما السؤال الثانی،فالمهم فیه ما قاله المستشکل من أن الطبیعة وفرت الذکور
1) 1)
و الإناث بعدد متساو.فإذا أجاز التشریع خلاف ذلک،کان علی خلاف القانون الطبیعی.
و هذا الکلام وهم موهون کما هو واضح کبری و صغری کما یعبرون.فلا الطبیعة علی هذه الشاکلة دائما کما زعم السائل.و لا أن القانون یجب أن یوافق الحالة الطبیعیة،و إلاّ کان منحرفا.فإن وضع المجتمع و مصالحه غیر وضع الطبیعة و مصالحها بطبیعة الحال.و یجب علی المقنن ملاحظة المجتمع لا ملاحظة الطبیعیة.و إلاّ کان مقصرا جدا.
و تکفی الأمثلة القلیلة لکی نلاحظ عدم سریان التساوی فی الطبیعة بین الذکور و الإناث.فالأمر لیس کذلک فی النبات و لا فی الحیوان و لا فی الإنسان.
فمثلا إن لإناث النخل أضعاف ذکورها و الحکمة فیه هو أن الأنثی هی التی تعطی الثمر الجید دون الذکر،و أن الذکر الواحد یکفی لإناث متعددات،إذن سیکون التساوی فی العدد طبیعیا،أمرا واهنا و مخالفا للعدل.إلی آخر ما هناک من الأمثلة.
و أما الإشکال الثالث،و هو أن فی تشریع التعدد ترغیبا للرجال بالشهوة و الشره الجنسی.
و جوابه:إنه لو فرض أن هذا صحیح فأی محذور فیه.فلیکن الأمر کذلک.
و قد أسلفنا أن المشرع الإسلامی یفترض المطیع له مطیعا من جمیع الجهات.
و مثل هذا الفرد لا یمکن فیه أن ینحرف نحو الفاحشة و الفساد.
و بتعبیر آخر:إن نفس الشریعة التی رغّبت هنا بالشهوة-لو تمّ ما قاله المستشکل-نهت من طرف آخر عن التمادی فی هذا الطریق إلی حد الفساد.
بل یجب أن تکون الشهوة مقتصرة علی حدّ المشروع تِلْکَ حُدُودُ اللّهِ فَلا تَعْتَدُوها (1)
البقرة:229. [1]
وَ مَنْ یَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُولئِکَ هُمُ الظّالِمُونَ (2).فإذا لاحظنا إلی جنب ذلک المصالح الرئیسیة و الحقیقیة التی تمّ تشریع التعدد من أجلها،و التی سمعنا عنها شیئا فیما سبق.أمکننا أن نعرف أن الشارع الإسلامی المقدس لاحظ تلک المصالح،و لم یکن فی نظره محذورا سیئا أن یترتب علی تنفیذها شیء من الترغیب فی الجنس.
بل إن الترغیب فی الجنس موجود دینیا و علی نطاق واسع و علنی،یکفینا ما سمعناه سابقا فی الترغیب فی الزواج و ذم العزوبة و مدح الزوجة الوضیئة الجمیلة.و غیر ذلک من النصوص.إذن فالترغیب بالشهوة لیس محذورا دینیا.
بل إن مثل هذا الترغیب یبعد الفرد عن أن یمد بصره إلی الحدود الخارجیة عن المشروع،و یقتصر علی ما هو له جائز و حلال.إذن،ففی ذلک صیانة للفرد عن الحرام.و هذا معنی قوله (1)
وسائل الشیعة.کتاب النکاح.أبواب مقدماته.باب 1 حدیث 11.
:من تزوج فقد حفظ نصف دینه.فلیحافظ علی النصف الآخر.
علی أن فکرة تسبیب تشریع التعدد إلی تهییج الشهوة کما زعم المستشکل محل مناقشة.فإن الشارع المقدس إنما أراد التعدد بعد تهییج الشهوة لا أن یکون التعدد سببا للتهییج.فإن الفرد قد تهیج شهوته بحیث لا تکفیه الواحدة، فیجوز له أن یتزوج.و یکون زواجه الثانی سدا لشهوته تلک و إیفاءً لها،و لیس تهییجا جدیدا کما هو واضح.
و أما الإشکال الرابع،فیمکن تقسیمه إلی أمرین دمجهما المستشکل فی بیان واحد.
الأمر الأول:إن حفظ شأن المرأة و احترامها،هو مساواتها للرجل بالعدد.
فکما لا یجوز تعدد الرجال إذن یجب أن لا یجوز تعدد النساء.و إلاّ کان حطا لکرامتهن.
الأمر الثانی:أن الشریعة الإسلامیة عادلت الرجل الواحد باثنین من النساء فی عدد من الموارد،کالإرث و الشهادة.و هذا یعنی أن هناک نظریة عامة تتبنی
1) 1)
هذه المعادلة.و هذه المعادلة لو طبقناها فی الزواج لکان اللازم إجازة الزواج بزوجتین لا أربع.فتکون الزیادة علی الاثنتین علی خلاف تلک المعادلة المعروفة فی الدین نفسه.
و واضح أن نتیجة الأمر الأول هو الاقتصار علی زوجة واحدة،فی حین أن نتیجة الأمر الثانی هو جواز الحصول علی زوجتین.مع المنع عن الزیادة.و هذا فی معنی التعدد کما هو واضح،و هو علی خلاف ما یریده المستشکل.إلاّ أنه ذکره باعتبار أن آخر الدواء الکی!!.
و کلا الأمرین قابلین للمناقشة بوضوح.
أما مناقشة الأمر الأول فلم یدع مدع إطلاقا لا قانونیا و لا طبیعیا مساواة المرأة للرجل فی جمیع الجهات علی الإطلاق.حتی أن الغرب بشکله الاجتماعی المعاصر،یری للمرأة دورا غیر دور الرجل و عملا غیر عمله،و هناک عدد من الأعمال مقتصرة علی الرجال بالضرورة أو برضاء المرأة.و لم تحاول النساء فتح أبوابها لهن.
إذن،فالکبری أو القاعدة العامة المزعومة للمستشکل و هی لزوم مساواة الرجل و المرأة فی کل شیء باطلة تماما.اجتماعیا و طبیعیا بل و نفسیا و عقلیا و جسمیا أیضا بأمور یطول شرحها الآن.
و إذا بطلت الکبری بطلت کل نتائجها.فلیس من اللازم إذن معادلة المرأة الواحدة برجل واحد،و لیس ذلک حطا من کرامتها.و إنما یتبع التعدد و الوحدة فی الزواج المصالح الأساسیة التی یلاحظها المشرع فی تشریعه.و قد لاحظ الشارع الإسلامی المقدس أن التعدد هو الأرجح و الأصلح.
و أما جواب الأمر الثانی.و هو أن المعادلة المفهومة فی الدین هی معادلة الرجل بامرأتین دائما.فهذا باطل جزما.نعم هو فی بعض موارد الإرث و فی بعض موارد الشهادة ثابت.لمصالح خاصة بتلک الموارد.
و نحن نتحدی المستشکل فی أن یذکر لنا أمثلة أخری عن ذلک.و هل أن الأمثلة إنما تستسقی من الکتاب الکریم و السنّة الشریفة.و الکتاب الکریم نص
بکل صراحة علی جواز الأربع زوجات.و بعد ضم هذا النص إلی أحکام الإرث و الشهادة لا یتحصّل:إن الدین یعادل الرجل بامرأتین.
بل إن الفتوی المشهورة فی الإرث فی غیر الأولاد و الأخوة،هو التساوی فی المیراث بین الذکور و الإناث.یکفینا أن نسمع قوله تعالی یُوصِیکُمُ اللّهُ فِی أَوْلادِکُمْ لِلذَّکَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَیَیْنِ .إذن فالأمر خاص بالأولاد.و یشمل الأخوة بصفتهم أولادا لأبیه.و أما الأجداد و الأعمام و الأخوال و المعتق و ضامن الجریرة، فلیس الأمر فیهم کذلک،کما هو واضح.
و هناک فی الشریعة معادلة الرجل الواحد فی الکثیر من النساء.و هو مورد الشهادة علی الهلال.فإن الهلال یمکن إثباته بشاهدین ذکرین عادلین.و لا یمکن إثباته بشهادة النساء و لو کثرن ما لم یحصل الاطمئنان من إخبارهن.فهنا إذا لاحظنا المعادلة،کان بإزاء الرجل الواحد عشر من النساء أو أکثر.کل ذلک باختلاف الموارد التی تختلف فیها المصالح الاجتماعیة العامة و الخاصة.
و علی أی حال،فالأمر فی هذه الإشکالات،لا یعدو أن یکون استبعادات لمصالح التشریع الإسلامی الذی یلتزم المسلم بصفته مسلما بالضرورة بکونه عادلا مطلقا لأنه صادر عن العادل المطلق.
و من المؤسف أن تسری مثل هذه الشبهة إلی المسلمین من أعدائهم المتربصین لهم الدوائر فی کل شیء.فیأخذون بها و یدافعون عنها جهلا بحقیقة العدو المشترک القابع وراء الحدود مع الجهل بحقیقة الدین الذی یلتزمه المسلم أمام ربه و نفسه،فتحصل مثل هذه المضاعفات المؤلمة.
من توابع الحدیث عن تعدد الزوجات:الحدیث عن القسم بینهن و هو بفتح القاف و سکون السین مصدر قسم یقسم علی غرار ضرب یضرب.و یراد به تقسیم اللیالی بین الزوجات.
و أما أسلوبه فله عدة احتمالات،و یختلف الفقهاء فی تحدید بعض تفاصیله، اختلافا منهم فیما یفهمونه من النصوص الخاصة بالمورد،و ما یمکن أن یکون مجری للبراءة من ذلک.
و نذکر الآن عددا من أهم المحتملات فی أسالیب القسم:
الأسلوب الأول:أن تستغرق الزوجات کل لیالی الزوج.فلو کان لدیه اثنتان وجب تبادل اللیالی بینهما.و هکذا إن کان له ثلاث أو أربع.و یوجد فی الأربع من یقول بذلک من الفقهاء.بحیث لا تکون لدیه لیلة خالیة أصلا.إلاّ أنه فی الأقل من ذلک غیر محتمل فقهیا.و إلاّ لزم فی الزوجة الواحدة استغراق اللیالی کلها وجوبا.و هو غیر محتمل فقهیا.و من الواضح أن القسم إنما یجب مع التعدد الموجب للتنافس،و لا موضوع له مع الزوجة الواحدة.
الأسلوب الثانی:مجرد أن یعطی الزوج لکل زوجة من اللیالی بمقدار ما أعطی للأخریات،و بذلک تتحقق العدالة.
فلو بات عند إحداهن لیلة وجب أن یبیت عند الأخری لیلة.و إذا بات لیلتین أو أکثر،وجب مثلها لغیرها.و هکذا.و لو أهمل زوجاته جمیعا کن متساویات فی الإهمال.و هذا یکفی.
و لازم هذا الأسلوب أمران:
الأمر الأول:إن للزوج أن یقضی عدة لیالی عند واحدة کعشر لیال مثلا، علی اعتبار أنه سیقضی عشر مثلها عند الأخری.إلاّ أن هذا السماح للزوج بذلک غیر محتمل فقهیا.
الأمر الثانی:إنه یجوز للزوج أن یساوی بین زوجاته فی الإهمال.و إنما یبدأ حق التقسیم عند ما یشرع فی زیارة إحدی زوجاته،فتستحق الأخری الزیارة أیضا بمقدارها.و هذا الأمر أیضا علی إطلاقه غیر محتمل فقهیا.
الأسلوب الثالث:أن نلاحظ للزوج أو یلاحظ الزوج لنفسه أربع لیال بعدد ما یجوز له من عدد الزوجات.فإن کان له زوجتان قضی لیلتین من الأربع عندهما و إن کان له ثلاث قضی ثلاثا منها.و إن کان له أربع فقد استوعبت لیالیه کلها.و قد نقول:إنه لو کان له زوجة واحدة فلها لیلة من الأربع.و قد سبق أن ناقشناه.
و هذا الأسلوب بهذا المقدار صحیح فقهیا.إلاّ أن المهم أن نتساءل:أین یقضی الزوج اللیالی الخالیة عن القسم.فقد نقول إنه یجب أن یقضیها منفردا، یعنی بدون الزوجات الدائمات کلهن.فإنه إن قضاها عند إحداهن فقد ظلم الأخری و یجب علیه إبقاء الحق نفسه للزوجة الأخری.
الأسلوب الرابع:نفس ما قلناه فی الأسلوب الثالث،مع افتراض أن الزوج یستطیع أن یقضی اللیالی الخالیات أین ما شاء.حتی لو أراد أن یقضیها مع زوجة معینة من زوجاته.و لا تستحق الأخری بإزاء ذلک شیئا ما دام قد وفاها لیلة من أربع لیال.و هو المقدار الواجب،و لیس الزائد واجبا.و هذا الأسلوب الرابع هو الأقرب إلی مذاق المشهور من الفقهاء.
و من الواضح أنه لا تتحقق فیه العدالة علی الوجه الدقی أو العقلی.إلاّ أن المهم شرعا لیس هو ذلک بل المهم إطاعة ما هو ثابت فی الشریعة من الأحکام.
فإذا ثبت أن ذلک جائز للزوج کفی فی إطاعته للشریعة و إیفائه لحق القسم.
و من الواضح فی السنّة الشریفة،فی الأخبار الصحیحة الصریحة ثبوت الأسلوب الرابع.
منها:صحیحة الحلبی (1)
وسائل الشیعة.ج 1 کتاب النکاح: [1]أبواب القسم و النشوز و الشقاق باب 1 حدیث 1.
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:سئل عن الرجل تکون عنده امرأتان و إحداهما أحب إلیه من الأخری.إله أن یفضّل إحداهما علی الأخری؟قال:نعم یفضل بعضهن علی بعض ما لم یکن أربعا.الحدیث.
و قوله:یفضل بعضهن علی بعض لا یعنی ترک القسم.فإن هذا غیر محتمل شرعا و فقها.و إنما یعنی قضاء لیالیه الفازغة عند من یحب.و توضح الروایة الآتیة ذلک:
فعن الحسین بن زیاد (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:سألته عن الرجل
تکون له المرأتان و إحداهما أحب إلیه من الأخری.له بأن یفضلها بشیء؟قال:
نعم له أن یأتیها ثلاث لیال و الأخری لیلة.لأن له أن یتزوج أربع نسوة.فلیلتاه یجعلها حیث یشاء(إلی أن قال):و للرجل أن یفضل نساءه بعضهن علی بعض ما لم یکن أربعا.
إذن،فالتساوی المطلق بین الزوجات غیر واجب شرعا،بل لم یثبت استحبابه أیضا.و إنما المهم هو الالتزام بالقسم الواجب.فإن فعله الزوج لم یکن علیه جناح أن یقضی اللیالی الأخری عند الزوجات الأخریات.
و هذا ینتج عدة أمور:
الأمر الأول:إنه لا حاجة إلی التساوی المطلق بین الزوجات لا عاطفیا و لا عملیا،إلاّ بمقدار بعض الأمور القلائل،و إلاّ فالتفضیل ممکن شرعا بینهن.و قد أوضحنا ذلک فیما سبق أیضا.و لا یکلف الزوج الدقة فی التساوی،الأمر الذی یعجز عنه أغلب الناس بل کلهم.
الأمر الثانی:ما سبق أن فهمناه من الآیة الکریمة وَ لَنْ تَسْتَطِیعُوا أَنْ تَعْدِلُوا . وَ لَوْ حَرَصْتُمْ. لا یراد به العدالة العملیة،لأنها غیر مطلوبة و لا واجبة.بل إن بعض احتمالات أو إشکال التساوی غیر محتمل فقهیا أصلا.
و إنما یراد به العدل أو التساوی العاطفی و هو مما لا ضیر فیه أو لا أثر له عملیا و فقهیا.
الأمر الثالث:إن ما ذکره المستدلون ضد تعدد الزوجات من أن القرآن الکریم یعطی التعجیز عن التعدد،بل هو صریح بأن شرط التعدد غیر ممکن.لیس بصحیح.بعد أن عرفنا أن التسویة العملیة بین الزوجات غیر واجبة إلاّ فی موارد معینة.و أما ما فی سواها فالرجل حر فی التصرف کیفما یرید.
الأمر الرابع:أننا لما ذا ینبغی أن نتصور أن التشریع یجب أن یأمر الزوج بالتساوی المطلق بین الزوجات،لکی یکون عادلا.لما ذا؟ إن هذا:أولا:إحراج للزوج و أمر بما لا یطاق بالنسبة إلی أکثر الناس.
ثانیا:هو سد لباب التعدد تماما فی حین نعرف فقهیا أن کل زواج فهو
مستحب حتی لو کان هو الثانی أو الثالث.و أن بعض الزواج واجب فیما إذا خاف الحرام.حتی لو کان هو الزواج الثانی أو الثالث.فما ذا یفعل مثل هذا الرجل إذا وجد باب التعدد أمامه مسدودا شرعا.و هل نتیجته إلاّ الوقوع فی الحرام؟ ثالثا:إن المیزان التشریعی للتساوی و عدمه یجب أن یخضع للمصالح و المفاسد التطبیقیة الخارجیة لا لمجرد إدراک العقل الظنی أن هذا عدل أو هذا لیس بعدل.
بل العدل هنا هو تطبیق المصالح الواقعیة.و من ناحیة عملیة للفرد المسلم.
أن العدل لیس إلاّ تطبیق ما أمرت به الشریعة و ما نهت عنه.دون اتباع حکم العقل لو کان موجودا.
رابعا:یمکن القول بکل تأکید أن حکم العقل هذا و همی لیس صحیحا، و العقل لا یحکم بأن العدل فی التساوی المطلق بین الزوجات.بل العدل العقلی هو الدقة فی وضع الشیء فی موضعه المناسب له.و کلما کان هذا الوضع أدق کان العدل أکثر.
فمثلا:لو کان للفرد بعض الأموال التی یرید توزیعها بین المحتاجین،فهل من العدل توزیعها علی نحو التساوی المطلق.إن هذه الطریقة سوف توصل مالا متساویا إلی من هو أقل و إلی من هو أکثر حاجة و ضرورة.و هذا خلاف العدل لأنه لیس وضعا للشیء فی موضعه الحقیقی.بل العدل هو التفاضل فی العطاء،فکلما کان الفرد أکثر حاجة أعطاه أکثر من المال.فهذا مثال لما قد تستحقه الزوجات من أشکال التصرف و العلاقة.و لا حاجة إلی أکثر من ذلک من الکلام.
هذا.و للقسم أحکام أخری فقهیة لا حاجة إلی الإفاضة فیها هنا.منها جواز بیعه و الصلح علیه بین الزوجات و هذا ما سبق أن بحثناه فی الفصل الذی عقدنا فی الفرق بین الحکم و الحق.فراجع.
ورد فی الشریعة المقدسة،شرط معین لبعض أشکال تعدد الزوجات یحسن عرضه فی هذا الصدد.
و هو أنه لا یجوز إنزال بنت الأخ علی عمتها إلاّ بإذنها و لا یجوز إنزال بنت الأخت علی خالتها إلاّ بإذنها،و لا یجوز إنزال الأمة علی الحرة بالعقد إلاّ بإذن الحرة.و الحکمة فی ذلک حسب ما ندرکه هو الأخذ بشرف الزوجة الأهم بإزاء الزوجة الأقل أهمیة.
هذا إذا کانت العمة أو الخالة أو الحرة هی الزوجة الأولی.و أما لو کانت هی الثانیة التی یراد الزواج بها.فإن علمت بحال الزوج و أنه متزوج ببنت أخیها أو أختها أو بالأمة فهو المطلوب.و إن لم تعلم کان لها الحق فی فسخ عقد نفسها بدون الحاجة إلی طلاق.
غیر أن حق الإجازة هذا،منحصر فی هذه الموارد الثلاثة،و هو الوارد فی النصوص.و لا یمکن أن نستفید منه قاعدة عامة للتطبیق فی سائر الموارد.و لم یفت أحد بذلک فقهیا.کالفرق فی العمر بین الزوجتین أو المال أو الشأن الاجتماعی أو حتی الدینی.فإنه فی کل ذلک و غیر ذلک یمکن إجراء أصالة عدم الشرطیة أو أصالة عدم تسلط الزوجة الأهم علی الفسخ بلا معارض.
من ضروریات الدین عدم جواز الزیادة علی أربع زوجات بالعقد علی الحرة عقدا دائمیا.
و اختیار رقم الأربعة هنا،رقم اختیاری بالنسبة إلی المشرع الإسلامی المقدس قد لا ندرک بالتحدید مصلحته.إلاّ أننا نسلّم بالحکمة الکاملة لکل تشریع.
و لکن یقرّبه ذهنیا:أنه من المستبعد فی أی مجتمع و علی طول التاریخ أن تزید نسبة الإناث علی الذکور علی هذا المقدار.و هو مقدار خمس المجتمع من الذکور و أربعة أخماس من النساء (1)
وسائل الشیعة ج 14 کتاب النکاح أبواب أولیاء العقد باب(11)حدیث(1).
.فإن الأقل من ذلک غیر محتمل.فقد أعطی الشارع فرصة فی الزیادة إلی أقصی نسبة محتملة.1) 1)
و قد ثبت عملیا و علمیا أنه إذا أخذت الحروب أو غیرها نسبة کبیرة من الذکور،بدأت النساء فی ذلک المجتمع بولادة الذکور بنسبة واضحة الزیادة علی النساء لکی یحصل التقارب فی النسبة بین الجنسین فی المدی القریب،بعد أن غیرت الحرب و نحوها تلک النسبة لصالح الإناث.
هذا.و أما إذا کان تحلیل الأنثی بغیر عقد الزواج الدائم فلیس هذا العدد مشترطا کملک الیمین و العقد المنقطع الذی سنبحثه فی فصل آت.و کذلک، تحلیل المالک مملوکته إلی فرد آخر.
أما ملک الیمین فهو مستثنی فی الآیة الکریمة نفسها التی اشترطت الأربع.
و قد سمعناها فیما سبق،حیث تقول فَانْکِحُوا ما طابَ لَکُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنی وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَکَتْ أَیْمانُکُمْ .یعنی فانکحوا ما ملکت أیمانکم بدون شرط محدد.
و أما العقد المنقطع،فهذا أعنی عدم اشتراط العدد،هو الذی علیه ضرورة المذهب و إجماع علمائنا و النصوص الصحیحة.و سیأتی بحثه فی فصله الخاص به.
و حیث انتفی التحدید بالعدد انتفی وجوب القسم،بالمعنی الذی سبق.
و هذا أیضا من واضحات الفقه و ضروریاته.فلا یحتاج إلی استدلال.
یمکن أن یثأر السؤال حول الشخص الذی یستطیع شرعا أن یعقد عقد النکاح عن المرأة أو الرجل بالأصالة لا بالوکالة و فی هذا الصدد نواجه انقسامین:
الانقسام الأول:فی المولّی علیه و هو الذی یراد عقد نکاحه فإنه إما أن یکون ذکرا أو أنثی،و إما أن یکون صغیرا أو کبیرا،بمعنی کونه دون سن الرشد أو فوقه.و إما أن یکون قاصرا أو رشیدا.و نرید بالقاصر هنا غیر الصغیر کالسفیه و المجنون.کما أن المرأة قد تکون ثیبا و قد تکون بکرا کما قد تکون قد تزوجت قبل ذلک و قد لا تکون.و أما هذا الانقسام الأخیر بالنسبة إلی الذکر فهو غیر وارد فقهیا إذ لا یختلف الحال فیه بین أن یکون قد تزوج أو لا.
الانقسام الثانی:فی الولی أعنی الذی له حق تولی عقد النکاح و الاحتمالات هنا عدیدة قد تختلف باختلاف صفات و ظروف المولّی علیه.
الاحتمال الأول:أن ولی العقد هو الذکر و الأنثی نفسیهما و هذا معنی أنه لیس لغیر هما الولایة فی ذلک.
الاحتمال الثانی:أن یکون ولی العقد هو الأب و الجد أو الجد مع انفراده و لا یکون للمولّی علیه رأی بإزاء رأی الولی.
الاحتمال الثالث:أن یکون ولی العقد کلا الشخصین الأب و ابنته أو کلا الشخصین الأب و ابنته أو ابنه بحیث لو رفض أحدهما لم یصح العقد.
الاحتمال الرابع:أن یکون الولی شخصا آخر غیر من سبق کالأم و الأخ و غیرهما و خاصة مع عدم الأب و الجد.
الاحتمال الخامس:أن یکون ولی العقد مع عدم الأب و الجد هو الحاکم الشرعی و مع عدمه فعدول المؤمنین.
و بعد استعراض هذه الاحتمالات ینبغی أن نعرف أنه لا توجد صعوبة فقهیة فی کثیر منها فالذکر ما دام صغیرا أو ما دام قاصرا یعنی إذا اتصل قصوره بصغره کما لو بلغ مجنونا أو سفیها فلا إشکال فی ولایة الأب علیه فی کل المعاملات بما فیها النکاح أیضا فإن لم یکن الأب فالجد و إن لم یکونا فالحاکم الشرعی.
نعم تبقی بعض الأسئلة تحتاج إلی الجواب أهمها عن الرأی فی ما إذا تعارض رضا الأب و الجد و عن الرأی فی ولایة عدول المؤمنین لتزویج الصغیر أو القاصر.
و أما إذا حصل للذکر البلوغ و الرشد فقد ملک أمر نفسه و لا ولایة لأحد علیه فی کل المعاملات حتی النکاح لا یختلف فی ذلک أنه سبق له الزواج أو أنه یتزوج لأول مرة.
نعم لو نهاه الأب کان مقتضی وجوب الطاعة المحتملة فقهیا له هو ترک هذا التزویج إلاَّ أن الولد لو فعله صح عقد النکاح لأن النهی عن المعاملات لا یوجب فسادها کما هو المشهور المنصوص.
و لو قلنا بالفساد هنا للزم تحکیم رأی الأم أیضا بصفتها أحد الوالدین اللذین یجب طاعتهما علی الفرض و هو غیر محتمل فقهیا.
إذن یبقی الکلام فی تزویج الأنثی و هنا لا شک أنه مع تحقق الصغر أو مطلق القصور تکون الولایة للأب أو للجد أو للحاکم الشرعی علی النحو الذی ذکرناه فی الذکر.
کما أنه لا إشکال فی الثیب البالغة الرشیدة و أنها تملک أمر نفسها و لیس للأب و لا لغیره ولایة علیها.و إنما وقع الخلاف فقهیا فی البکر البالغة الرشیدة
و أنه هل یصح العقد برأیها فقط أو برأی أبیها فقط أو برأیهما معا أو التفضیل بین العقد الدائم و المنقطع فیکون الرأی لها فی الدائم و لأبیها فی المنقطع.و لکن هل المراد من البکر هنا معناه الحقیقی أو من لم یسبق لها الزواج لأن بین المفهومین عموما و خصوصا من وجه باصطلاح المنطق من حیث أن المرأة قد تکون بکرا غیر متزوجة و قد تکون بکرا متزوجة و قد تکون ثیبا لم یسبق لها الزواج و قد انتفت بکارتها بسبب آخر محلل أو محرم.فأی هذین المفهومین هو الذی یقع محلا للخلاف السابق.
و بعد استعراض هذه المحتملات یمکن أن نعطی صورة کافیة فی ما یلی عن أهم التساؤلات السابقة:
لا شک بقیام الجد للأب مقام الأب عند عدمه فی کل الأمور التی تثبت ولایة الأب علیها بل الأمر کذلک مع وجوده أیضا فهما ولیان علی قدم المساواة.
و معنی ذلک أن أیا منهما إذا تولی معاملة عن الصغیر و نحوه بما فیها النکاح صح مع عدم المفسدة.و لا دخل لرغبة الآخر و هواه فی ذلک.و إنما الإشکال یقع فیما إذا اقترنت المعاملتان من الأب و الجد فباع أحدهما مال الصغیر علی شخص و باعه الآخر علی شخص آخر أو زوج أحدهما الصغیر من شخص و زوجه الآخر علی آخر.
فإن کانت المعاملتان مختلفتین زمانا صحت الأولی و بطلت الثانیة و لا دخل لرغبة الثانی فی ذلک و لا یستطیع نقضها علی القاعدة.و إنما الکلام فی إذا اقترنت المعاملتان فأی المعاملتین تصح أو هل تبطلان معا.
مقتضی عدة روایات معتبرة السند تقدیم معاملة الجد علی معاملة الأب مثل صحیحة محمد بن مسلم (1)
الوسائل ج 14 کتاب النکاح أبواب أولیاء العقد باب(11)حدیث(1). [1]
عن أحدهما علیهما السلام قال إذا زوج الرجل ابنة1) 1)
ابنه فهو جائز علی ابنه و لابنه أیضا أن یزوجها فقلت:فإن هوی أبوها رجلا وجدها رجلا فقال الجد أولی بنکاحها.
و معتبرة الفضل بن عبد الملک (1)
المصدر:حدیث 4. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال إن الجد إنما زوج ابنة ابنه و کان أبوها حیا و کان الجد مرضیا جاز.قلنا فإن هوی أبو الجاریة هوی و هوی الجد هوی.و هما سواء فی العدل و الرضا.قال أحب إلیّ أن ترضی بقول الجد.و معتبرة علی بن جعفر (2)عن أخیه موسی بن جعفر قال سألته عن رجل أتاه رجلان یخطبان ابنته فهوی أن یزوج أحدهما و هوی أبوه الآخر أیهما أحق أن ینکح قال:الذی هوی الجد أحق بالجاریة لأنها و أباها للجد.
إلی غیر ذلک من الأخبار الآن فی الاستدلال بهذه الروایات عدة نقاط تحتاج إلی إعادة نظر.
النقطة الأولی:أنها جمیعا صریحة بتقدیم رغبة الجد علی رغبة الأب.و هذا بمجرده غیر محتمل فقهیا فإنه ینتج بطلان النکاح إذا بادر إلیه الأب مع نهی الجد و هو مما لا یمکن الالتزام به و لا بدّ عندئذ من حمل الروایات علی الجنبة الاستحبابیة أو الأخلاقیة.
النقطة الثانیة:إن روایة الفضل تقول أحب إلیّ أن ترضی بقول الجد.و هو تعبیر ظاهر بالاستحباب فیمکن أن یکون قرینه علی أن المراد فی غیرها من الروایات هو ذلک أیضا.
النقطة الثالثة:إن التعبیر المشار إلیه یتضمن أمر الزوجة بالرضی و هنا معناه أنها صالحة لتولی العقد بنفسها إذن تکون الروایة أظهر فی نفی الولایة من إثباتها.
النقطة الرابعة:إن روایة علی بن جعفر تقول:لأنها و أباها للجد.و هذه إشارة واضحة لما ورد عن النبی صلَّی اللّه علیه و آله من قوله أنت و مالک لأبیک.
و هو تعبیر لا یراد به الملکیة و لا الولایة علی البالغ الرشید جزما.و إنما یجب أن یحمل علی محامل أخری کالولایة علی الصغیر أو بعض المعانی الأخلاقیة.
و معه یکون المراد من قوله:لأنها و أباها للجد محمولا علی مثل ذلک.و من الواضح أنها إن کانت صغیرة فأبوها لیس صغیرا لیکون لأبیه الولایة علیه.إذن یتعین حملها علی بعض المرجحات الاستحبابیة أو الأخلاقیة.و قد تکون هذه الروایة بهذا الفهم قرینة علی حمل الروایات الأخری علی الاستحباب.
إذن لم ینتج لدینا ما ذکرناه فی عنوان المسألة من أنه إذا تزامن عقد الأب و الجد فإنه یقدم عقد الجد بل مقتضی القاعدة إما تقدیم عقد الأب أو بطلانهما معا،أو التفصیل بین البکر الرشیدة بتقدیم عقد الأب و الصغیرة أو الصغیر بالقول بالبطلان.و تمام الکلام فی الفقه.
إذا انتهت الولایة إلی عدول المؤمنین بعد انعدام الأب و الجد و الوصی و الحاکم الشرعی فهل لهم أن یزوجوا من کان لهؤلاء ولایة علیهم أم لا.
و بعد أن نعرف أن ولایة عدول المؤمنین فی مثل هذه الصورة تعم سائر المعاملات.و لکنها تختص بالقاصر من ناحیة و بوجود المصلحة من ناحیة أخری.أذن نعرف أن المصلحة إن اقتضت زواج الصغیر أو الصغیرة کانت و لا یتهم موجودة طبقا للقاعدة فی کل المعاملات و کذلک سائر القاصرین و خاصة من اتصل قصوره بصغره.
و أما البکر الرشیدة التی وقع الخلاف فیها فی ولایتها أو ولایة أبیها کما أشرنا فهل یکون عدول المؤمنین عوضا عن الأب فی مثل هذه الصورة أم لا بحیث لو قلنا بولایة الأب خاصة أو باشتراکها معا قلنا ذلک فی عدول المؤمنین أیضا.
إلاَّ أن هذا غیر محتمل فقهیا إذ لا شک أن الأب بعنوانه مأخوذ فی الروایات بصفته ولیا علی البکر الرشیدة کما سوف نسمع و مقتضی الأصل عدم ولایة من لم یدل الدلیل علی ولایته بما فیهم الحاکم الشرعی و عدول المؤمنین بل یکون الرأی للمرأة خاصة فی مثل ذلک.
و إنما المحتمل فقهیا فقط هو تعویض الأب بالجد للأب.و لکننا بعد أن ناقشنا فی الروایات السابقة فی تقدیم رأیه علی رأی الأب و کان مقتضی القاعدة عدم الولایة ما لم تثبت بدلیل.و کان العنوان المأخوذ فی الروایات المعتبرة هو عنوان الأب دون غیره،فیکون مقتضی القاعدة عدم تعویض الأب بالجد،بل یکون الرأی للمرأة فقط بإزاء جدها و انعدام أبیها.
أما الولایة علی البکر الرشیدة،ففیها کما أشرنا فی ما سبق عدة آراء:
أولها:کون الولایة للأب خاصة،و هو المشهور روائیا.و ثانیها کون الولایة لها خاصة و هو المشهور فتوائیا.و ثالثها:کون الولایة لهما معا.و هو الأحوط بلا إشکال.
و سنذکر موجزا من دلیل الوجهین الأولین.فإن ثبت أحدهما،کان الاحتیاط المذکور فی الوجه الثالث استحبابیا.و إن لم یثبت شیء منهما،کان الاحتیاط وجوبیا.
دلیل الوجه الأول:
و قد أشرنا أنه المشهور روائیا،لکثرة الروایات الصحیحة الصریحة به نذکر نموذجا منها:
صحیحة الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال (1)
وسائل الشیعة ج 14 أبواب عقد النکاح و أولیاء العقد باب 11 ص 11. [1]
:سألته عن البکر إذا بلغت مبلغ النساء أ لها مع أبیها أمر.فقال:لیس لها مع أبیها أمر ما لم تثیب.أقول:یعنی تصبح ثیّبا.
و صحیحة محمد بن مسلم (2)عن أحدهما علیهما السلام قال:لا تستأمر الجاریة إذا کانت بین أبویها لیس لها مع الأب أمر.و قال:یستأمر کل أحد ما عدا الأب.
و صحیحة أخری للحلبی (1)
المصدر:باب 9 حدیث 7. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی الجاریة یزوجها أبوها بغیر رضا منها.قال:لیس لها مع أبیها أمر.إذا أنکحها جاز نکاحه و إن کانت کارهة.و الأخیرة صریحة بأمرین:
الأول:أنها خاصة بالنکاح،علی حین لم یذکر بخصوصه فی الروایتین الأولیین.فتکون الأخیرة إما مخصصة أو مفسرة لغیرها.
الثانی:أنها صریحة بصورة کراهتها و عدم رضاها.و هذا و إن کان هو لازم حجة قول الأب المذکورة فی الروایتین الأولیین،إلاّ أنها فی هذه الروایة أصبحت منصوصة.و من هنا فقد یقال بارتفاع الاحتیاط و إن کان استحبابیا من ذلک.
و أما القول:بأن موضوع الروایات کلها هو الجاریة مطلقا و لیست خصوص البکر.فیمکن أن یجاب بوجهین:
الوجه الأول:إن المنصرف منها هو البکر،فإن المراد بالجاریة هی البنت التی یزوجها أبوها لأول مرة.و هی بکر فیما عدا بعض الفروض النادرة.و الظاهر أن هذا الانصراف بالغ إلی درجة الظهور الحجة.
الوجه الثانی:ما ذکره سیدنا الأستاذ من أن هذا الإطلاق مخصص بما دل علی لزوم استئذان الثیب،و أنها مالکة لأمر نفسها دون أبیها.فتخرج الثیب من تحت هذه الروایات،فتبقی البکر.و هو المطلوب.
دلیل الوجه الثانی:
و هو اختصاص ولایة العقد بالبکر الرشیدة نفسها.و علیه بعض الروایات.
کمعتبرة منصور بن حازم عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:تستأمر البکر و غیرها و لا تنکح إلاّ بأمرها.
و معتبرة صفوان قال:استشار عبد الرحمن موسی بن جعفر فی تزویج ابنته لابن أخیه.فقال:افعل و یکون ذلک برضاها فإن لها فی نفسها نصیبا.قال:
1) 1)
و استشار خالد بن داود موسی بن جعفر علیه السلام فی تزویج ابنته علی بن جعفر فقال:افعل و یکون ذلک برضاها فإن لها فی نفسها حظا.
و هذه الروایات تعارض بظاهرها مجموعة الروایات التی ذکرناها کدلیل علی الوجه الأول.و یمکن الجمع بین الطائفتین بعدة وجوه نذکر بعضها:
الوجه الأول:ما ذکره سیدنا الأستاذ (1)
مبانی العروة الوثقی ج 2 ص 256 و ما بعدها.
من أن هذه الطائفة الثانیة موافقة للکتاب باعتباره دالا ببعض إطلاقاته علی عدم اعتبار إذن غیر المرأة.فتترجح بموافقة الکتاب.و تحمل الطائفة الأولی علی التقیة.و أوضح جواب علی هذا الوجه:أنه لا یوجد فی القرآن الکریم ما یدل علی استقلال المرأة بالنکاح.و ما دل علی جواز نکاح المؤمنات و نحوه لا إطلاق فیه لأنه لیس بصدد البیان من هذه الناحیة.
بل إن الکتاب الکریم دال علی خلاف ذلک حیث قال جلّ جلاله (2):
فَانْکِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ .و ورود الآیة فی مورد الملک لا ینافی إطلاقها لغیره.فتأمل.و خاصة و قد عبر بالأهل لا بالمالک.
الوجه الثانی:تقدیم الطائفة الأولی لأنها أکثر عددا أو أصح سندا،طبقا لقوله فی بعض روایات الترجیح خذ ما اشتهر بین أصحابک و دع الشاذ النادر.
و المسلم به أن المراد من الشهرة هنا هو الشهرة الروائیة.
و هذا الوجه جید،لو لا أن دلیله خاص بما إذا کان المعارض شاذا و نادرا، علی حین أن الشهرة الفتوائیة علی طبق الطائفة الثانیة.إلاّ أن یقال بعدم الترجیح بعمل الأصحاب.أو یقال:باستفاضة الطائفة الأولی بحیث یکون الاطمئنان الفعلی علی طبقها.و کلا الأمرین غیر بعید.
الوجه الثالث:حمل الطائفة الثانیة علی الاشتراک فی الولایة دون الاستقلال.فإنه هو الظاهر من قوله:فإن لها فی نفسها نصیبا و أن لها فی
نفسها حظا.إذ لو کانت لها الولایة خالصة،لما جاء تنکیر النصیب و الحظ.
و بذلک تکون الروایة الثانیة مقیدة للأولی.و بعد التقیید تکون هذه الطائفة مقیدة للطائفة الأولی الدالة علی اختصاص الأمر بالأب.
و هذا الوجه واضح لو لا أن فی الطائفة الأولی-کما سمعنا-ما هو صریح بنفی لزوم رضاها کقوله(و هی کارهة)و هو غیر قابل للتقیید بالاشتراک کما هو واضح.
و علی أی حال فإن تمّ الوجه الثانی المنتج لتقدیم الطائفة الأولی،فهو،و إلاّ کان الاحتیاط وجوبیا فی الاشتراک فی الولایة بین البکر و أبیها و اعتبار رضاهما معا.
هذا.و حمل البکر علی من لم یسبق لها الزواج و الثیب علی من سبق لها ذلک،سواء کانت صفتها الواقعیة موافقة لذلک أم مخالفة له،علی خلاف الظاهر.و من الواضح أن العنوان المأخوذ فی أکثر الروایات هو البکر،و لیس من لم تتزوج.و ما أخذ فیه ذلک منها محمول علی الغالب من کون المتزوجة ثیبا.و تمام الکلام فی الفقه.
نتکلم فی هذا الفصل عن بعض الأحکام و التفاصیل التی تعرض لها الفقهاء فی عقد النکاح.بدون استیعاب کل التفاصیل بطبیعة الحال،لأنها تخرج بنا عن أسلوب هذا الکتاب.
و سنعرض هنا إلی ما یلی:
أولا:إمکان المعاطاة فی عقد النکاح و عدمه.
ثانیا:اشتراط الصراحة فیه و عدمه.
ثالثا:إمکان الفضولیة فیه و عدمه.
رابعا:اشتراط التکرار فیه و عدمه.
خامسا:إمکان التوکیل فیه أو اشتراطه و عدمه.
و نتعرض إلی معانی هذه العناوین و أهم تفاصیلها فیما یلی،کل منها تحت عنوان مستقل.
لا شک فقهیا،و خاصة لدی المتأخرین من الفقهاء،بأن المعاطاة نافذة فی العقود.بمعنی عدم اشتراط اللفظ فیها،بل المهم فیها هو القصد مع إبراز هذا القصد و بیانه إما باللفظ أو بالعمل و هذا الأخیر هو المعاطاة.کما سبق أن عرفنا فی بعض فصول هذا الکتاب.
بل إن المتأخرین یرون المعاطاة صحیحة و لازمة،تماما کاللفظ لا تختلف عنه فی أی شیء من الأحکام،و هو الصحیح،و إن ناقش المتقدمون من الفقهاء فی ذلک و طال حول ذلک جدلهم.
إلاّ أن الفقهاء جمیعا استثنوا بعض العقود من ذلک.و هی ما ترتبط بالفروج.من باب أن الاحتیاط فی الفروج واجب،و أن اهتمام الشارع الإسلامی المقدس بها أکید و شدید.
و یشمل ذلک ما یتعلق بالأسرة من نکاح و طلاق و خلع و نحوها و ما یتعلق بالعبید من عتق و تحلیل و غیرها.
و بعد الالتفات إلی أن مقتضی القاعدة الأولیة المستدل علیها فی المعاطاة هو نفوذها فی کل هذه الأمور:و الالتفات إلی تفریق المعاطاة فی النکاح من الزنا لأنها تحتاج إلی قصد التزویج و الزنا یتم بدونه.إذن نعرف أن مقتضی القاعدة الأولیة هو نفوذ المعاطاة فی النکاح.و قد أفتی بذلک النادر من الفقهاء.
و إذا التفتنا أن الفقهاء،لم یستوعبوا کل ما یرتبط بالفروج باشتراط اللفظ، بل بقیت هناک عدة أمور قالوا فیها بإمکان المعاطاة کالرجعة فی العدة الرجعیة و بیع الإماء و هبتها و الإجازة فی النکاح الفضولی.و غیر ذلک.إذن،فالتزامهم بالاحتیاط فی الفروج لیس تماما،و إذا أمکن الخروج عنه فی بعض الموارد أمکن الخروج عنه فی الجمیع.
علی أن الدلیل علی حجیة السبب یخرج المورد عن احتمال البطلان،الأمر الذی یلغی معه وجوب الاحتیاط.فإذا تمّ الدلیل علی حجیة المعاطاة علی القاعدة الأولیة،کما یعترف به أکثر الفقهاء،إذن یبقی الاحتیاط باللفظ بلا موجب،أو قل:إنه احتیاط استحبابی و لیس وجوبیا.
إلاّ أن الأمر مع ذلک لا یخلو من إشکال.و یبقی بید الفقیه عدة مبررات للقول بالاحتیاط الوجوبی للفظ:
أولا:الاحتیاط فی الفروج.
ثانیا:التزام الفقهاء بالاحتیاط أو الفتوی بلزوم اللفظ.حتی کاد المجموع أن یکون إجماعا.
ثالثا:مناقشة الفقهاء المتقدمین فی حجیة المعاطاة نفسها فی سائر المعاملات، و أنها لا تکون سببا لإنتاج المقصود من المعاملة کالنقل فی البیع و ملک المنفعة فی الإیجار و غیر ذلک.و هو شامل للنکاح فی رأیهم.فمن یخالفهم فی الرأی فی المعاطاة،یبقی له مجال للاحتیاط.
و لا یخفی الفقیه ما فی هذه الوجوه من وجوه المناقشة،إلاّ أن الخروج عن الاحتیاط الوجوبی باختیار اللفظ مشکل جدا.
و قد اشترطوها أیضا احتیاطا للفروج و یشمل ذلک:
1-ترک اللفظ المجازی و الکنایة.
2-اختیار الفعل الماضی.
3-لزوم المطابقة مع القواعد العربیة و غیر الملحون.
4-لزوم استعمال اللفظ العربی مهما أمکن.
5-عدم استعمال مادة المتعة فی العقد.
6-اعتبار التخییر فی العقد.
و یلحق بذلک عدة أمور أیضا:
1-اعتبار تقدم الإیجاب علی القول.
2-مطابقة القبول للإیجاب فی التفاصیل.
3-الموالاة بین الإیجاب و القبول.
4-عدم صحة القبول الإجمالی.
5-عدم کفایة الإشارة و الکتابة إلاّ مع الضرورة.
6-لزوم قصد الإنشاء دون غیره.
إلی غیر ذلک من الاحتیاطات.و أکثر ذلک،کما هو واضح فقهیا من الاحتیاط الاستحبابی.فإننا إذا قلنا بلزوم اللفظ لم نقل باشتراط لفظ معین أو
نوع معین من الألفاظ.و إنما المهم وجود الدلالة العرفیة علی العقد أو قل:علی الإیجاب و علی القبول.بالأسلوب الذی یختاره المتعاقدان.و ما حقق فی محله من عدم لزوم کثیر من هذه الشروط فی سائر المعاملات شامل للنکاح أیضا و لا إشکال فیه.
نعم.اعتبار قصد الإنشاء و اعتبار التنجیز،مشروطان هنا،لأنهما مشروطان فی سائر المعملات.إلاّ أن الفرد العرفی لا یحتاج إلی تنبیهه علی ذلک بل سوف یختار تلقائیا الطریقة الساذجة التی تحمل کلا الشرطین:الإنشاء و التنجیز.و لا حاجة فی حدود بحثنا هذا إلی أکثر من ذلک من الکلام.و قد عرفنا فیما سبق أن الفقهاء لم یلتزموا الاحتیاط بالفروج فی عدد من الموارد، فهنا أولی لقیام الدلیل من السیرة علی صحة العقود الفاقدة لعدد من القیود السابقة فی سائر المعاملات.
و أما السیرة فی عقد النکاح فإنما سارت علی ما هی علیه،نتیجة لتحذیر الفقهاء و احتیاطاتهم،و هی سیرة متأخرة عن زمن المعصومین علیهم السلام، فلا یکون فیها حجیة أکثر من حجیة الاحتیاط الفقهی نفسه،الذی قلنا إنه لا لزوم له.
عرفنا فی کتاب البیع أن العقد الفضولی،هو العقد الصادر من شخص بدون إجازة من له حق الإجازة.و قلنا هناک إن مقتضی القاعدة من هذه الناحیة صحته إذا وردت علیه الإجازة.إما بطریق الکشف یعنی:أن الإجازة تکشف عن صحته من الأول،أو طریق النقل یعنی أن الإجازة تکون سببا لنفوذ العقد من حینها.
و کل ذلک شامل لعقد النکاح أیضا،سواء کان فضولیا عن الزوج أو عن الزوجة أو عن کلیهما.
إلاّ أن النکاح قد یفرق عن غیره من العقود کالبیع و الإجازة.بأن موارد الفضولیة فی النکاح متعددة أکثر من غیره،مع شمول الأقسام الموجودة فی سائر العقود له أیضا.
لأن الفضولیة کما عرفنا تستمد معناها من عدم إجازة من له حق الإجازة.
و من المعلوم أن من له حق الإجازة فی البیع أو الإجارة واحد،و هو المالک.و أما فی النکاح فهو متعدد.و نشیر إلی أهم موارده:
أولا:إذا زوجت البکر الرشیدة نفسها بدون إذن أبیها،مع البناء علی لزوم استقلاله فی العقد أو اشتراکه فیه،فیصبح عقدها فضولیا لا یصح إلاّ بإجازة الأب.
ثانیا:إذا قلنا إن للسفیه و الصبی الممیز إجراء صیغة النکاح،فزوج أحدهما نفسه بدون إذن ولیه.وقع العقد فضولیا و توقف علی إجازة الولی أو علی إجازته نفسه بعد ارتفاع القصور.
ثالثا:إذا تزوج المتزوج علی العمة بنت أخیها أو علی الخالة بنت أختها بدون استئذان العمة أو الخالة سلفا.وقع العقد فضولیا و توقف علی إجازة العمة أو الخالة.
رابعا:إذا تزوج المتزوج أمته بالعقد علی حرة،بدون استئذان الحرة،توقفت صحته علی إجازتها.
خامسا:إذا وقع العقد إکراهیا من أحد الطرفین أو کلیهما.کان بمنزلة الفضولی تتوقف صحته علی الإجازة بعد ارتفاع الإکراه.
سادسا:إذا أظهر الفرد نفسه حرا و تزوج،و کان مملوکا فی الواقع.تسلطت المرأة علی الفسخ بعد علمها بالحال و یمکن أن یقال بعدم انعقاده بدون الإجازة و أن الوطء السابق علیها لو حصل فهو من وطء الشبهة.
سابعا:تشترک الفروض السابقة کلها فی أن یکون الفرد بنفسه طرفا للنکاح یعنی زوجا أو زوجة.و لکن مفهوم الفضولی یشتمل ما لو زوج شخص شخصا آخر بدون وکالة أو ولایة أو وصایة.فإن صحة هذا النکاح تتوقف علی إجازته.
إلی غیر ذلک من الموارد.و إنما المهم هنا عدة أمور:
الأمر الأول:أن یکون العاقد الفضولی جدیا فی عقده.کما لو کان یتخیل
نفسه وکیلا و لیس بوکیل أو ولیا و لیس بولی.و أما مع علمه بعدم إمکان إجراء العقد،فیکون قصده الجدی إلیه صعبا إلاّ علی نحو رجاء تعقب الإجازة.
الأمر الثانی:أن الإجازة فی النکاح هل هی کاشفة أو ناقلة،و مع اختیار النقل فی سائر المعاملات،فلا إشکال أنها ناقلة فی النکاح.و أما مع اختیار الکشف فی سائر المعاملات،فقد یقال:إنها ناقلة فی خصوص النکاح بالرغم من ورود دلیل الکشف فیه أیضا.إلاّ أن فی النکاح خصوصیة تقتضی کون الإجازة ناقلة.
فإن المستفاد من أدلة إجازة النکاح علی اختلاف مواردها،هو أن النکاح لا یتحقق بدونها،و أن العقد وحده غیر کاف فی إیجاده.بخلاف سائر الموارد فإن العقد یکون کافیا فی ترتب الأثر فی نفسه و یکون مضمون الإجازة هو الکشف أو تنفیذ العقد السابق.
و بتعبیر آخر:إن المجیز فی النکاح یکون طرفا ثالثا فی العقد،کبعض العقود التی تحتاج إلی ثلاثة أطراف کالحوالة.و بدونه لا یکون العقد تاما أساسا.و هو معنی کون الإجازة ناقلة لا کاشفة.و من الغریب أن سیدنا الأستاذ حاول ترتیب آثار النقل مع قوله بالکشف (1)
مبانی العروة الوثقی:ج 2 ص 347.
.و من الناحیة العملیة المسلمة:أنه لا یحتمل فقهیا ترتیب آثار الکشف علی إجازة النکاح.کما سیبدو بوضوح فی الأمثلة التالیة:
المثال الأول:لو مات أحد الزوجین قبل الإجازة ثم حصل الإجازة.فعلی القول بالنقل لا میراث بینهما.و هو المتعین فقهیا،لأن العقد إلی حین الموت لم یکن صحیحا.و علی القول بالکشف فالمیراث بینهما ثابت.
المثال الثانی:لو عقد فضولة علی امرأة ثم عقد منجزا علی أختها،ثم حصلت الإجازة للعقد الأول.فإن العقد الثانی هو الصحیح دون الأول،و تلغو الإجازة هنا لأنها تکون سببا للجمع بین الأختین،و لیس السبب هو العقد الثانی.بخلاف القول بالکشف.
1) 1)
المثال الثالث:لو کان عند الزوج ثلاث زوجات فعقد علی واحدة فضولة ثم علی أخری حقیقة و حصلت الإجازة.کان العقد الثانی هو الصحیح و تلغو الإجازة هنا بخلافه علی الکشف.
و قد حاول سیدنا الأستاذ (1)
المصدر:و الصفحة.
فی المثالین الأخیرین التخلص من نتائج الکشف،بالرغم من أنه قائل به کما هو المنساق من کلامه.فی حین أن القول بالنقل فی النکاح أقوی و أکثر اختصارا لطریق الاستدلال.و یمکن القول:بأن التسالم الفقهی علی عدم صحة نتائج الکشف فی النکاح لیس إلاّ لذهابهم إلی النقل فیه.لا استنادا إلی الأدلة الخاصة فی کل مسألة.الأمر الثالث:فی تأثیر الرد فی بطلان العقد.و أن من له حق الإجازة رد العقد أولا ثم أجازه.فهل یبطل فی مثل ذلک أو یقال بصحته.
و قد ذهب سیدنا الأستاذ إلی عدم تأثیره و ذکر عدة أدلة لدعوی تأثیره و ردها.و هی علی أی حال واضحة البطلان.و المهم فی الوصول إلی النتیجة هو أن الحجیة تحتاج إلی دلیل.فکما ثبتت حجیة الإجازة یحتاج الرد إلی دلیل.و بدونه یکون وجوده کعدمه.و یکون التأثیر الاقتضائی للعقد بحیث یصح فعلیا بالإجازة مستصحبا.
و الصحیح عدم الدلیل علی حجیة الرد بل الدلیل علی خلافه قائم،فی صحیحة محمد بن قیس (2)عن أبی جعفر قال:قضی فی ولیدة باعها ابن سیدها و أبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاما.ثم قدم سیدها الأول فخاصم سیدها الأخیر.فقال:هذه ولیدتی باعها ابنی بغیر إذنی فقال:خذ ولیدتک و ابنها.فناشده المشتری فقال:خذ ابنه یعنی الذی باع الولیدة حتی ینفذ لک ما باعک.فلما أخذ البیع الابن قال أبوه:أرسل ابنی فقال:لا أرسل ابنک حتی ترسل ابنی فلما رأی ذلک سید الولیدة الأول أجاز بیع ابنه.
و هی واضحة فی رد المالک أولا و إجازته أخیرا.و مع ذلک فقد أفتی الإمام بصحة الإجازة.کما أنها واضحة بأمور أخری نبه علیها القاری منها:إمکان تأخیر الإجازة و عدم لزوم فوریتها.إذ لو کانت فوریة لبطل العقد فی المسألة المحررة فی الروایة.
و منها:جواز جعل البائع فی ضرورة یضطر معها إلی الإجازة.و هو قوله علیه السلام:خذ ابنه.حتی ینفّذ لک ما باعک.و هذا لیس من قبیل الإکراه الذی لا یصدق عادة إلاّ بالتهدید بالقتل أو الإیلام الشدید أو السلب و النهب و نحوه.فلو کان.قال له المشتری:إن لم تجز أخذت ابنک کان إکراها.و لکن قوله:إن أجزت رددت ابنک لیس إکراها.و إنما هو من باب الاضطرار عرفا.
لا شک أن التکرار فی عقد النکاح إنما هو علی وجه الاحتیاط الاستحبابی.
و لا أحسب من الفقهاء من یراه علی نحو الاحتیاط الوجوبی.
غیر أن منشأ احتیاط المحتاطین هو القرآن الکریم حیث عبّر تارة بالتزویج:
زَوَّجْناکَها (1)
الأحزاب:37. [1]
و أخری بالنکاح (2)أُرِیدُ أَنْ أُنْکِحَکَ إِحْدَی ابْنَتَیَّ هاتَیْنِ .و ثالثة (3):بالمتعة. فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ .بناء علی إرادة ما یعم العقد الدائم أو یخصّه.
کما أن القرآن الکریم استعمل مادة نکح الثلاثی و مادة أنکح الرباعی.
و الأول یتعدی إلی مفعول واحد و الثانی یتعدی إلی مفعولین.
مثال الأول:قوله تعالی وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْکِحُوهُنَّ .و مثال الثانی:قوله تعالی إِنِّی أُرِیدُ أَنْ أُنْکِحَکَ إِحْدَی ابْنَتَیَّ هاتَیْنِ .کما ورد بمفعول واحد کقوله وَ أَنْکِحُوا الْأَیامی مِنْکُمْ (4).و یبقی المفعول الثانی مقدرا یعنی:
أنکحوهم النساء.
و مادة النکاح قد تتعدی بنفسها کما سمعنا و قد تتعدی بالحرف،کما قد یفهمه البعض من قوله تعالی (1)
الأحزاب:50. [1]
إِنْ أَرادَ النَّبِیُّ أَنْ یَسْتَنْکِحَها خالِصَةً لَکَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِینَ .کما أن مادة الزواج قد تتعدی بنفسها کما سمعنا،و قد تتعدی بالحرف حیث یقال:تزوجت المرأة و تزوجت منها و بها.و لم یرد مثله فی القرآن الکریم.
هذا فی مادتی الزواج و النکاح.فإذا دخلت الوکالة فی أحد الطرفین أو کلیهما تعددت الاحتمالات.کزوجت موکلتی موکلک علی النصب و لموکلک علی الجر.و کزوجتک موکلتی و أنکحتک موکلتی.و أنکحت موکلتی إیاک أو لک أو منک.إلی غیر ذلک مما هو محتمل أن یکون له دخل فی الموضوع.
و الصحیح ما علیه مشهور المتأخرین من أن عقد النکاح مشمول للقاعدة العامة فی العقود و الإیقاعات،و سائر المعاملات،من جواز إنجازها بأی لفظ یدل علی قصد إنشائه لغة و عرفا و لا حاجة إلی التکرار.سواء کانت الصیغة المستعملة متعدیة بنفسها أو بأی حرف جر.فیکون التکرار مبنیا علی الاحتیاط الاستحبابی.
نعم استعمال غیر هذه المواد الثلاث:النکاح و التزویج و التمتع.قد یکون ترکه مبنیا علی الاحتیاط الوجوبی کقوله:أدخلتک فی حبالتی أو فی زوجیتی أو قطعت معک المهر.أو جعلتک زوجتی أو حلیلتی.و نحو ذلک کثیر.فإن ترک ذلک هو مقتضی الاحتیاط فی الفروج.فتأمل.
و هو الملتزم به بین الناس.بالرغم من أن مقتضی القاعدة الأولیة هو تولی الزوجین أنفسهما طرفی العقد،و یکون الإیجاب من المرأة و القبول من الرجل.
فتقول المرأة زوجتک نفسی بمهر کذا فیقول الرجل قبلت.و یتم کل شیء.
1) 1)
بمعنی أنها تصبح زوجته الدائمة،و لا حاجة معه إلی توکیل و لا إلی تکرار و لا إلی زفاف و لا غیر ذلک.
إلاّ أن الأعم الأغلب من الناس،حیث لا یطبقون ذلک لجهلهم بتفاصیل الفقه الشرعی،و یحتاطون بتوکیل الآخرین لإجراء الصیغة.و التوکیل غالبا من الطرفین لأن الجهل عام للزوجین معا.و قد سرت هذه العادة و تأصلت فی المجتمع حتی لمن یعرف شکل الصیغة و کیفیة إجراء العقد.
و المشاهد منذ زمن بعید:أن الوکیل هو الذی یطلب من الزوجة أن توکله بعقد النکاح ذو الشروط المحددة،فتقول نعم.أو نعم أنت وکیلی،و بالعادة یکون الطلب اثنتی عشرة مرة علی عدد الأئمة سلام اللّه علیهم.
و بغض النظر عن التبرک بهذا الرقم،فإن مقتضی القاعدة الأولیة هو أن تقول المرأة:وکلتک فی أن تعقد نکاحی علی فلان إلخ.فیقول الوکیل قبلت.و معه یکون الأسلوب المتبع مخالفا للقاعدة من عدة جهات:
أولا:تقدیم القبول علی الإیجاب.
ثانیا:بالقناعة بالإیجاب الإجمالی.مع أنهم قالوا:إن الإیجاب إن تأخر فیجب أن یکون تفصیلیا.
ثالثا:القناعة بالجملة الخبریة عن الجملة الإنشائیة إن قالت:نعم أنت وکیلی.
رابعا:إن الجواب بنعم هل یکون جوابا عن کل التکرار الذی قاله الوکیل أو عن بعضه أو عن الأخیر فقط.و هو فقهیا جواب عن الأخیر بلا إشکال و یکون السابق علیه لاغیا بطبیعة الحال.إلاّ أن المرأة،و هی قد تکون جاهلة،سوف لن تمیز ذلک و سیکون جوابها علی المجموع بطبیعة الحال.بما فیه اللاغی و الحجة.
أقول:و کل هذه الفقرات تجعل الأمر مخالفا للاحتیاط.إذا أراد الفقیه الاحتیاط فی الفروج تماما و من جمیع الجهات.و لیس هذا الأسلوب الموروث احتیاطا کافیا.إلاّ أن الذی یهون الخطب هو کفایة اللفظ الدال عرفا علی القصد مهما کان حاله.و خاصة إن الکلام إنما هو فی الوکالة لا فی عقد النکاح.
مضافا إلی أنه:إذا ثبت أن سکوت البکر رضاها،إذن فقولها نعم فقط أولی بالصحة.إلاّ أن هذا یواجه عدة إشکالات:
منها:إن هذا خاص بالبکر و العادة عامة لجمیع النساء.
و منها:إننا إذا قلنا بولایة الأب وحده فی النکاح أو بالاشتراک مع الزوجة، لم یکن قولها الدال علی رضاها کافیا ما لم یقل الأب ما یدل علی رضاه بل توکیله للوکیل أیضا.
و منها:المناقشة فی هذه القاعدة:أعنی سکوت البکر رضاها کما هو محرر فی محله.
و منها:أن الوکیل إن قال:هل ترضین أن أزوجک فقالت نعم.یکون المعنی:أننی أرضی و هو لیس معنی التوکیل.و إن قال:هل أزوجک فلانا فقالت نعم،فالمعنی زوجنی،و هم یستشکلون بفعل الأمر.و إن قال:هل أنا وکیلک فی أن أزوجک.فهذا من تقدیم القبول علی شکل صیغة الاستفهام و یکون قولها نعم من باب القبول الإجمالی.وکله مما لا یقبل به الفقهاء المحتاطون.
إذن فهذه السیرة و الأسلوب لیست مطابقة لقاعدة الاحتیاط فی الفروج من عدد من الوجوه.
و هذا مصطلح فقهی علی من یحرم الزواج منه مؤبدا من الجنس الآخر الملازم شرعا مع جواز النظر إلیه.
إلاّ أن هذه الملازمة منقوضة بالمطلقة تسعا،فإنها محرمة مؤبدا علی المطلق، و لا یجوز النظر إلیها.فإما أن نستثنی من مفهوم(المحارم)ذلک.و إما أن نغیر تعریف هذا المفهوم،بالقول:بأن المحارم هم الجماعة المذکورون فی الآیة الکریمة الآتیة حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ أُمَّهاتُکُمْ .الآیة.علی إشکال بسیط سنذکره إن شاء اللّه تعالی مع مناقشته.
و یقع الکلام فی هذا الفصل فی عدة عناوین:
قال اللّه سبحانه (1)
النساء:23-24. [1]
حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ أُمَّهاتُکُمْ وَ بَناتُکُمْ وَ أَخَواتُکُمْ وَ عَمّاتُکُمْ وَ خالاتُکُمْ وَ بَناتُ الْأَخِ وَ بَناتُ الْأُخْتِ وَ أُمَّهاتُکُمُ اللاّتِی أَرْضَعْنَکُمْ وَ أَخَواتُکُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَ أُمَّهاتُ نِسائِکُمْ وَ رَبائِبُکُمُ اللاّتِی فِی حُجُورِکُمْ مِنْ نِسائِکُمُ اللاّتِی دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَکُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَیْکُمْ.وَ حَلائِلُ أَبْنائِکُمُ الَّذِینَ مِنْ أَصْلابِکُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَیْنَ الْأُخْتَیْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ کانَ غَفُوراً رَحِیماً.وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَکَتْ أَیْمانُکُمْ کِتابَ اللّهِ عَلَیْکُمْ وَ أُحِلَّ لَکُمْ ما وَراءَ ذلِکُمْ. الآیة.
1) 1)
و قد سبق فی بعض فصول کتاب الصلاة التعرض إلی هذه الآیة،بمناسبة دلالتها علی جواز النظر و عدم وجوب الحجاب.و نذکرها الآن بمناسبة حرمة النکاح الذی هو المنصوص و الدلالة المطابقیة فی الآیة الکریمة.
و قد سبق هناک أن أعطینا بعد التفاصیل و الشروح فلا نعید.و إنما نقتصر هنا علی عبارة لبعض أساتذتنا عدّ فیها المحرمات النسبیة طبقا للمفاهیم المعطاة فی الآیة الکریمة.وجدناها أجمع و أوضح مما سواها و نحن الآن نذکرها مع زیادة بعض الأمور محصورة بین قوسین.قال (1)
ج 2 ص 263.
:یحرم بالنسب سبعة أصناف من النساء علی سبعة أصناف من الرجال:
(الصنف الأول):الأم بما شملت الجدات عالیات و سافلات.لأب کن أو لأم.فتحرم المرأة علی ابن ابنها و ابن ابن ابنها و علی ابن بنتها و علی ابن ابن بنتها و هکذا.و بالجملة تحرم(المرأة)علی کل ذکر ینتمی إلیها بالولادة سواء کان بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط(مهما طالت الأجیال من الموالید) و سواء کانت الوسائط ذکورا أو إناثا أو بالاختلاف.
(و الصنف الثانی):البنت بما شملت الحفیدة و لو بواسطة أو وسائط.فتحرم هی علی أبیها بما یشمل الجد لأب کان أو(الجد)لأم.فتحرم علی الرجل بنته و بنت ابنه و بنت ابن ابنه و بنت بنته و بنت بنت بنته و بنت ابن بنته.و بالجملة (تحرم علی الرجل):کل أنثی تنتمی إلیه بالولادة بواسطة أو وسائط ذکورا کانوا أو إناثا أو بالاختلاف.
(و الصنف الثالث):الأخت(فی الجیل الأول فقط)لأب کانت أو لأم أو لهما.(و أما إذا کانت الأخت فی الجیل الثانی و ما بعده،فهی أخت الأب،أو الجد،و هی العمة و لا یصدق علیها عنوان الأخت).
1) 1)
(و الصنف الرابع):بنت الأخ سواء کان لأب أو لأم أو لهما.و هی کل امرأة تنتمی بالولادة إلی أخیه بلا واسطة أو معها و إن کثرت.سواء کان الانتماء إلیه بالآباء أو الأمهات أو بالاختلاف.فتحرم علیه بنت أخیه و بنت ابنه(یعنی ابن الأخ)و بنت ابن ابنه و بنت بنته و بنت بنت بنته و بنت ابن بنته و هکذا.
(و الصنف الخامس):بنت الأخت.و هی کل أنثی تنتمی إلی أخته بالولادة علی النحو الذی ذکر فی بنت الأخ(یعنی سواء کان الانتماء إلی الأخت بالآباء أو الأمهات أو بالاختلاف،فتحرم علی الرجل بنت أخته و بنت ابنها و بنت ابن ابنها و بنت بنتها و بنت بنت بنتها و بنت ابن بنتها و هکذا).
(و الصنف السادس):العمة و هی أخت أبیه لأب أو لأم أو لهما.و المراد بها ما تشتمل(العمات)العالیات أعنی عمة الأب(و هی)أخت الجد لأب أو لأم أو لهما.و عمة الأم(و هی)أخت أبیها لأب أو لأم أو لهما.و عمة الجد للأب و الجد للأم و الجدة کذلک فهی(یعنی العمة):کل أنثی تکون أختا لذکر ینتمی إلیک بالولادة(بل تنتمی إلیه بالولادة) (1)
لأن الرجل ینتمی إلی أبیه و ینتمی إلیه ابنه و هذا سهو منه رحمه الله.
من طرف أبیک أو أمک.(و الصنف السادس):الخالة(و هی أخت أمه لأب أو لأم أو لهما)و المراد بها أیضا ما تشمل(الخالات)العالیات.فهی کالعمة إلاّ أنها أخت إحدی أمهاتک (أو جداتک)و لو من طرف أبیک.و العمة أخت أحد آبائک(أو أجدادک)و لو من طرف أمک.فأخت جدتک للأب خالتک حیث إنها خالة أبیک و أخت جدک للأم عمتک حیث إنها عمة أمک.
ثم قال:لا تحرم عمة العمة و لا خالة الخالة(لأنهما بهذا العنوان لیستا عمة و لا خالة)ما لم تدخلا فی عنوانی العمة و الخالة و لو بالواسطة(یعنی عمات و خالات الآباء و الأجداد)و هما قد تدخلان فیهما فتحرمان.کما إذا کانت عمتک أختا لأبیک لأب و أم أو لأب.و لأبی أبیک أخت لأب أو أم أولهما.فهذه عمة لعمتک بلا واسطة و عمة لک معها.(لأنها عمة أبیک).و کما إذا کانت خالتک أختا لأمک لأمها أو لأمها و أبیها.و کانت لأم أمک أخت(لأمها أو لأبیها أو لهما)فهی خالة لخالتک بلا واسطة و خالة لک معها(لأنها خالة أمک).
1) 1)
و قد لا تدخلان(یعنی عمة العمة و خالة الخالة و مثله عمة الخالة و خالة العمة)فیهما(یعنی عنوانی العمة و الخالة للفرد نفسه و إن علت)فلا تحرمان کما إذا کانت عمتک أختا لأبیک لأمة لا لأبیه،و کانت لأبی الأخت(العمة)أخت.
فالأخت الثانیة عمة لعمتک.و لیس بینک و بینها نسب أصلا.و کما إذا کانت خالتک أختا لأبیک لأبیها لا لأمها.و کانت لأم الأخت(الخالة)أخت فهی خالة لخالتک و لیست خالتک و لو بالواسطة.
و کذلک أخت الأخ أو الأخت إنما تحرم إذا کانت أختا لا مطلقا(و مثال کونها أختا واضح و إنما المهم المثال للتی لا تکون أختا)فلو کان لک أخ أو أخت لأبیک و کانت لأمها(أو لأمه)بنت من زوج آخر فهی أخت لأخیک أو لأختک و لیست أختا لک لا من طرف أبیک و لا من طرف أمک.فلا تحرم علیک.
أقول:و لم یتعرض لخالة العمة و لعمة الخالة.فإنهما أیضا،إن صدق علیهما عنوان العمة أو الخالة و لو بوسائط الآباء و الأجداد حرمتا،و إلاّ لم تحرما.فلو کانت عمتک أختا لأبیک لأب و أم أو لأب و کان لأمه أخت لأب أو لأم أو لهما.کانت هذه الأخت خالة عمتک و هی خالتک أیضا،لأنها خالة أبیک.و لو کانت خالتک أختا لأمک لأمها أو لأمها و أبیها و کان لأبیها أخت لأب أو أم أو لهما،فهی عمة خالتک و هی عمتک أیضا لأنها عمة أمک کما هی عمة خالتک.
و من أمثلة عدم الحرمة:ما لو کانت عمتک أختا لأبیک لأبیه لا لأمه،و کان لأم العمة أخت لأم أو لأب أو لهما.فهذه الأخت هی خالة عمتک و لکنها لا ترتبط بک بأی سبب،و کما لو کانت خالتک أختا لأمک لأمها لا لأبیها.و کان لأبی الأخت(الخالة)أخت لأم أو لأب أو لهما فهذه الأخت هی عمة خالتک و لکنها لا تنتسب إلیک بصلة الرحم و القرابة فلا تحرم.
و کذلک الحال فی أخت العمة و أخت الخالة،و بعد أن عرفنا أن أخت الأخت قد لا تکون أختا،فهذا فی العمة و الخالة أوضح.و کذلک فی بنت أخ العمة أو أختها و بنت أخ الخالة أو أختها.إلی آخر ما یمکن تصوره من هذه الاحتمالات فی الأنساب.
و علی العموم،فإن اندرجت المرأة تحت العناوین السابقة المحرمة حرمت،و إلاّ فلا (1)
لا یخفی أن القائمة السابقة لم تتعرض إلاّ للأرحام من المحارم دون غیرهن.و فی الآیة عناوین أخری کالتحریم بالرضاعة،و تحریم زوجة الأب و الربیبة و زوجة الابن،و غیرها.
.و بعد هذا التعداد للمحرمات أو المحارم،
و هی مسلمة فی الجملة،بل من ضروریات الشریعة.إلاّ أنه قد یقع الإشکال فیها من ناحیتین:
الناحیة الأولی:هی ناحیة أن ما ثبت ابتداء قد لا یثبت استدامة.
و ذلک أن العناوین المأخوذة فی الآیة الکریمة،بعضها غیر قابل للتبدیل کالأم و الأخت و بعضها قابل لذلک کزوجة الأب و الربیبة.لا کلام لنا فی الأول.و إنما قد یقع الکلام فی الثانی من حیث إن ظاهر الآیة هو ثبوت الحکم ما دام العنوان ثابتا،و أما بعد ارتفاعه،کما لو طلقت زوجة الأب فیرتفع الحکم.
إلاّ أن هذا واضح الاندفاع فقهیا لأکثر من وجه:
الوجه الأول:الاستصحاب،حیث ثبتت حرمة النکاح و جواز النظر حال ثبوت العنوان بلا إشکال،و لا نعلم بارتفاع الحکم بعد ارتفاع العنوان،و لو لاحتمال کفایة صدقه آثاما فی ثبوت الحکم إلی الأبد.فیستصحب.
الوجه الثانی:و هو أقدم رتبة من الأول من حیث إن ظاهر الآیة و إن أخذ الحکم منوطا بالعنوان،إلاّ أن ظاهرها أیضا،کون العنوان إشارة إلی ذات المرأة لا إلی صفتها.فهذه المرأة بعد أن أصبحت زوجة الأب حرمت إلی الابن بذاتها لا بصفتها زوجة أبیه.و إنما العنوان فقط کان سببا لثبوت الحرمة علی الذات.
و عندئذ فتبقی الحرمة ما دامت الذات باقیة.و هو المطلوب.
و إذا ثبت استمرار الحرمة ثبت الحکم الذی یلازمه و هو جواز النظر أیضا.
1) 1)
الناحیة الثانیة:إن هناک محرمات بعضهن مذکورات فی الآیة الکریمة و بعضهن لم یذکرن فیها لا یجوز لهن النظر.و بعضهن ترتفع عنهن الحرمة عند زوال العنوان کالجمع بین الأختین و المحصنات من النساء.علی خلاف ما قلنا فی الناحیة الأولی.و من لم یذکر فی الآیة الکریمة:المطلقة تسعا فإنها محرمة أبدیة و لکن لا یجوز إلیها النظر.فکیف حصل ذلک؟ و الجواب عن ذلک:أن هذه الناحیة تعرضت لأمرین:أحدهما:ارتفاع الحکم بارتفاع العنوان.و الثانی:التفکیک بین التحریم المؤبد و جواز النظر فی المطلقة تسعا.
أما الجواب عن الأمر الأول:فإن المذکورات فی الآیة الکریمة علی قسمین:
القسم الأول:ما اندرج فی مدرج و سیاق واحد عطفا علی التحریم المذکور فی صور الآیة الکریمة حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ. .و هذا القسم من المسلم فقهیا ثبوت کلا الحکمین علیه دواما،أعنی و إن ارتفع العنوان.
القسم الثانی:ما کان خارجا عن هذا السیاق و هو الجمع بین الأختین و المحصنات من النساء.فإنه یکفی فی تغییر السیاق وجود(أن)المصدریة فی قوله وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَیْنَ الْأُخْتَیْنِ .إذ یکون بها السیاق السابق لتعداد المحرمات قد انتهی عرفا.و بدأ سیاق جدید لمحرمات من جنس آخر،و هو ما یمکن أن یثبت فیه ما لم یثبت للسابق.
و لهذا و نحوه،لم یقل أحد من الفقهاء بثبوت الحرمة المؤبدة للمحصنة أو لأخت الزوجة حتی بعد انتفاء العنوان عنها،بل إن ذلک من ضروریات الدین.
کما لم یقل أحد بجواز النظر إلیها ما دامت محرمة فضلا عما إذا ارتفع عنها العنوان و ارتفع عنها الحکم بالحرمة.
و قد عرفنا بهذا التقریب:إن الآیة الکریمة لا یمکن أن تکون دالة علی جواز النظر لهذین الصنفین من النساء،لیقال:إن ما دل علی عدم جواز النظر
إلیهن،من السنة،کالأخبار الدالة علی حرمة النظر لأخت الزوجة.مخالفة القرآن الکریم.بل هی غیر مخالفة،لأن الآیة الکریمة غیر دالة علی الجواز.
و لکن یمکن تقریب الأمر بأسلوبین کلاهما یمکن أن یکون صحیحا ما دام مطابقا لظاهر الآیة الکریمة.
الأسلوب الأول:تجرید العناوین عن الخصوصیة فهی إنما ذکرت بالضمیر المؤنث باعتبارها خطابا للرجال فإن کان المخاطب هو النساء لکان الأمر بالعکس.و من هنا نفهم من الأم ما یعم الأب و من البنت ما یشمل الابن و من بنات الأخ ما یشمل ابن الأخ و هکذا و هذا معنی تجرید العنوان عن خصوصیة الأنثی.
فینتج أنه کما أن هذه العناوین من النساء محرمة علی الرجل کذلک ما یشابهها من العناوین المنطبقة علی الرجل تکون محرمة علی المرأة.
کل ما فی الأمر أن بعض العناوین مما لا یمکن تجریده عن الخصوصیة لمانع یختص به کالجمع بین الأختین إذ لا معنی بتحریم الجمع بین الأخوین فی الشریعة بعد تحریم تعدد الأزواج مطلقا.
الأسلوب الثانی:إن لکل من هذه العناوین المؤنثة المذکورة فی الآیة رجل یقابلها یکون هو المخاطب بالتحریم و یکون التحریم متقابلا بینه و بین صاحبة العنوان لا محالة فکما تحرم علیه یحرم علیها و کما یجوز نظره إلیها یجوز نظرها إلیه ما دامت الملازمة بین التحریم المؤبد و جواز النظر ثابتة.
فالأم یقابلها الابن و الأخت یقابلها الأخ و بنت الأخ یقابلها العم و الربیبة یقابلها زوج الأم إلی غیر ذلک فیکون کلا الطرفین مشمولا لکلا الحکمین أعنی الحرمة و جواز النظر.
و هذان الأسلوبان و إن اختلفا فی العرض إلاّ أنهما متفقان فی النتیجة فمثلا أن الأب فی الأسلوب الأول فهمناه من الأم و فی العرض إلاّ أنهما متفقان فی النتیجة فمثلا أن الأب فی الأسلوب الأول فمعناه من الأم و فی الأسلوب الثانی من البنت إلاّ أن الفرق الأهم بین الأسلوبین یکمن فی ما لا یمکن تجریده عن الخصوصیة من
العناوین المؤنثة فی الآیة حیث یشمله الأسلوب الثانی بطبیعة الحال.إلاّ أن الأسلوب الأول لا یکون شاملا له غیر أنه من الناحیة العملیة فإن السیاق الأول من المحرمات الأبدیة فی الآیة الکریمة لیس فیه ما لا یمکن تجریده عن الخصوصیة ففی حدود الأسلوب الأول فإن الربیبة هی بنت الزوجة یقابلها ابن الزوج و حلیلة الابن یقابلها زوج البنت إلی غیر ذلک و هی أیضا من العناوین التی یقال بالحرمة فیها فقهیا.
فهذا هو الجواب عن الأمر الأول من الناحیة الثانیة.
و أما الجواب عن الأمر الثانی و هو التفکیک بین الحرمة المؤبدة و جواز النظر بالمطلقة تسعا.إذ لا یجوز النظر إلیها علی الرغم من تحریمها المؤبد.و یمکن الجواب عن ذلک بعدة أمور:
أولا:إن الملازمة بین الحکمین إنما ثبتت فقهیا بالعناوین المذکورة فی الآیة الکریمة و المطلقة تسعا لیست مذکورة فیها فهی خارجة موضوعا عن حیز الملازمة.
ثانیا:إن هذه الملازمة لو ثبتت فإنما هی ثابتة بدلیل مطلق قابل للتقیید فیکون الدلیل الدال علی حرمة النظر للمطلقة تسعا قیدا له أی نافیا للملازمة فی هذا المورد فقط.
بل الأمر أهون من ذلک فإن الملازمة لم تثبت بدلیل مطلق و إنما ثبتت بالإجماع و نحوه.و الإجماع دلیل لبی لا إطلاق فیه فیقتصر منه علی القدر المتیقن.و القدر المتیقن هنا هو العناوین المذکورة فی الآیة دون ما سواها إذن فلا دلیل علی الملازمة خارج هذا النطاق و المطلقة تسعا خارجة عنه باعتبارها غیر مذکورة فی الآیة.
ثالثا:إنه یمکن أن یقال إننا لو التزمنا بعموم الملازمة بین الحکمین التحریم المؤبد و جواز النظر أمکن القول بجواز النظر إلی المطلقة تسعا و لیست حرمة النظر إلیها من المسلمات فقهیا علی أی حال بل الجواز هو مقتضی الاستصحاب و إن کان التحریم هو مقتضی الاحتیاط إلاّ أن الظاهر کونه احتیاط وجوبیا أخذا بنتیجة الأمرین السابقین.
النقطة الأولی:فی مدلول قوله تعالی إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ .حیث قال وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَیْنَ الْأُخْتَیْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ .
و الظاهر عود هذا الاستثناء إلی خصوص الجمع بین الأختین لا إلی المحرمات السابقة علیه و القرینة علی ذلک ما ذکرناه من تغییر السیاق فی الآیة بانتهاء التعداد للمحرمات السابقة و البدء بمحرمات جدیدة تبدأ بأن المصدریة (وَ أَنْ تَجْمَعُوا) فتکون هذه الأداة إیذانا بسیاق جدید و من غیر المحتمل عرفا رجوع الاستثناء إلی سیاقین منفصلین فیتعین اختصاصه بتحریم الجمع بین الأختین.
و قد أشار صاحب تفسیر المیزان إلی أن هذا الاستثناء لا یعنی تحلیل الجمع بین الأختین بعد أن نصت الآیة علی تحریمه و إنما یعنی ما کان یفعله أهل الجاهلیة قبل الإسلام من الجمع بین الأختین أقول:و کذلک أی شخص غیر مسلم إذا دخل فی الإسلام و هو متزوج للأختین بشکل یصح ذلک فی دینه فیکون هذا الحکم عاما لجمیع العصور و غیر خاص بالجاهلیة السابقة علی الإسلام.
و نتیجة هذا الاستثناء هو حلیة الذریة من الأختین معا إذا کانتا قد ولدتا قبل إسلام الزوج و کذلک الحال فی وجوب النفقة إن قلنا إن الکفار مکلفون بالفروع.و کذلک حق الحضانة حتی بعد إسلام الزوج أو الزوجة باعتبارها أما مشروعة للولد أو البنت إلی غیر ذلک من الأحکام.
النقطة الثانیة:فی مدلول قوله تعالی وَ رَبائِبُکُمُ اللاّتِی فِی حُجُورِکُمْ فإن ظاهرها أن الربیبة ما دامت فی الحجر تکون محکومة بالحرمة دون ما إذا ارتفعت الصفة عنها و کذلک ما إذا لم تکن بنت الزوجة فی الحجر أصلا کما لو کانت ساکنة فی عائلة أخری فهل تکون مشمولة للحکم نفسه أم لا.
و عدم کونها مشمولة له ناتج من افتراض أن قوله تعالی اَللاّتِی فِی حُجُورِکُمْ قید احترازی و لیس قیدا غالبیا فإنّه عندئذ تکون الحرمة مرتفعة مع عدمه و أما إذا کان قیدا غالبیا فیمکن أن تکون الحرمة ثابتة بدونه.
و قد تسالم الفقهاء علی کونه قیدا غالبیا و علی ثبوت الحرمة بدونه.و المهم
هو کون المرأة بنت الزوجة المدخول بها کما قال اللّه تعالی فی نفس الآیة وَ رَبائِبُکُمُ اللاّتِی فِی حُجُورِکُمْ مِنْ نِسائِکُمُ اللاّتِی دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَکُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَیْکُمْ .
و قد یخطر فی الذهن أن هذا التسالم أو الإجماع الفقهی مخالف للقرآن الکریم فلا یکون حجة تماما کالسنّة إذا کان منها ما هو مخالف للقرآن فإنه یجب طرحه و عدم الأخذ به بل لعل الإجماع أولی بالطرح و عدم الحجیة من السنّة الشریفة فی هذه الخالة.و جواب ذلک من وجهین:
الوجه الأول:إن الإجماع دلیل قطعی و السنّة ما لم تکن متواترة دلیل ظنی و من هنا لم یکن الإجماع أولی بالسقوط من السنّة عند معارضة الکتاب بل لعل الأمر بالعکس لأننا لم نفهم من الکتاب إلاّ ظاهره و الأخذ بالظاهر دلیل ظنی فإذا کان الإجماع قطعیا أمکن تقدمه علیه کما أن السنّة المتواترة کذلک.
الوجه الثانی:إن الإجماع و إن قام علی الحکم و هو تحریم بنت الزوجة و إن لم تکن فی حجر الزوج،إلاّ أن المهم هو الإجماع علی سبب ذلک و هو تفسیر الآیة کریمة یکون السبب غالبیا لا دائمیا و هو حکمة و لیس بعلة.فإذا نظرنا إلی هذا الإجماع تغیر وجه الدلیل إذ ینتفی به ظاهر القرآن بالعلیة فلا یکون معارضا للإجماع علی الحکم.
النقطة الثالثة:فی مدلول قوله تعالی وَ حَلائِلُ أَبْنائِکُمُ الَّذِینَ مِنْ أَصْلابِکُمْ .
و الحلیلة هی کل امرأة یکون نکاحها مشروعا بالعنوان الأولی أو بالذات بما فیها الزوجة الدائمة و المنقطعة و الأمة المملوکة و المعقودة و المحللة.و کلهن یحرمن علی الأب بحسب منطوق الآیة.لکن المشهور قید الحرمة بالدخول فما لم تکن الحلیلة مدخولا بها من قبل الابن لم تحرم علی الأب.
و أما قوله تعالی اَلَّذِینَ مِنْ أَصْلابِکُمْ ففیه احتمالان:
الاحتمال الأول:أن یراد به الطبقة الأولی من الأبناء و بذلک یخرج أبناؤهم و أبناء أبنائهم فلا تحرم زوجاتهم علی الأجداد حتی مع الدخول.إلاّ أن هذا الوجه خلاف ضرورة الفقه.
الاحتمال الثانی:أن یراد بالعنوان کل طبقات الذریة.فإنهم جمیعا یرجعون إلی صلب الأب سواء کانوا قریبین أو بعیدین.فإذا عممنا ذلک إلی أولاد الأولاد و أولاد البنات مهما تنازلوا.لم یبق من الذریة أحد غیر مندرج فی الآیة الکریمة،کما هو الصحیح.و إنما الذی یخرج من هذا القید أولئک الذین أصبحوا أولادا بالتبنی أو بالمجاملة الأخلاقیة و نحوهم فإنهم لا یکونوا مشمولین للآیة الکریمة باعتبار عدم اعتراف الشریعة الإسلامیة ببنوتهم.
النقطة الرابعة:فی مدلول قوله تعالی إِلاّ ما مَلَکَتْ أَیْمانُکُمْ و هو واضح تماما بتحلیل نکاح الإماء اللاتی یملکهن الإنسان بشراء أو إرث أو غیرهما.
غیر أنه قد یخطر فی البال أن هذا العنوان ما دام معطوفا علی المحصنات من النساء فیکون المعنی و حرم علیکم المحصنات من اَلنِّساءِ إِلاّ ما مَلَکَتْ أَیْمانُکُمْ فینتج أن الأمة یجوز وطؤها حتی و إن کانت مزوجة بالغیر بحیث ینطبق علیها عنوان المحصنات من النساء،و هذا خلاف ضرورة الفقه.
و جواب ذلک:أن هذه النتیجة ما دامت خلاف الضرورة فتکون قرینة منفصلة علی صرف ظاهر القرآن من هذا المعنی و یکون المراد من الآیة الکریمة استثناء المملوکة من مطلق التحریم المدلول علیه بعدة سیاقات فی الآیة أولها قوله تعالی حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ أُمَّهاتُکُمْ ثم قوله تعالی وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَیْنَ الْأُخْتَیْنِ یعنی و حرم علیکم أن تجمعوا ثم قوله تعالی وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ یعنی و حرم علیکم المحصنات من النساء ثم یأتی قوله تعالی إِلاّ ما مَلَکَتْ أَیْمانُکُمْ فیکون استثناء من الحرمة العامة المدلول علیها بهذه السیاقات لا من خصوص المحصنات من النساء لیرد الإشکال السابق.
النقطة الخامسة:فی مدلول قوله تعالی وَ أُحِلَّ لَکُمْ ما وَراءَ ذلِکُمْ و هو واضح فی تحلیل النساء اللاتی لم یندرجن تحت العناوین السابقة و تحلیل الرجال الذین لم یندرجوا تحتها بناء علی ما قلناه من شمول الآیة للرجال و النساء معا.
فتکون هذه الجملة عموما فقهیا یمکن التمسک به فی کثیر من الموارد المشکوکة لإنتاج التحلیل.
و لکن ینبغی أن نلتفت إلی أن هذا التحلیل لیس تحلیلا فعلیا و إنما هو تحلیل
محوّل علی القواعد العامة،من حیث لزوم الالتزام بعقد النکاح و حرمة المشرکة و المعتدة و غیر ذلک.
و القرینة علی ذلک من الآیة الکریمة نفسها:أن التحریم الموجود فی صدر الآیة وارد بنفس الأسلوب المشار إلیه یعنی أنه تحریم لا تجوزه حتی القواعد العامة فی الدین بل هو استثناء منه.فیکون التحلیل بإزائه تحلیلا تجوزه القواعد العامة.
هذا مضافا إلی وضوح الحکم من حیث إن هذا التحلیل لو کان فعلیا للزم فیه نفی القواعد العامة المشار إلیها و التی تعتبر مخالفتها وقوعا فی الزنا.فمن وضوح ذلک نعرف أن هذا التحلیل فی الآیة لیس فعلیا و إنما هو اقتضائی مع أخذ القواعد العامة الأخری بنظر الاعتبار.
الختان هو قطع الغلفة و الغلفة هی الغشاء الجلدی الذی یغلف ما یسمی بالحشفة فی نهایة الذکر.
و المفهوم من المصلحة من وجودها فی أصل الخلقة أنها تعتبر زیادة فی الجلد المتوفر لتلافی الانتصاب کالجلد المتوفر عند الرکبتین و عند الکوعین لتلافی انغلاق الیدین و الرجلین.مضافا إلی أن الجلد یقی الحشفة من العوارض الخارجیة کالجرح المحتمل أو سقوط بعض المواد الصلبة أو السائلة علیها و عندئذ یتلقاها الجلد دون الحشفة المختبئة تحته باعتبارها عضوا حساسا و قابلا للأذی بسرعة.
غیر أنه مع ذلک،فقد أمرت الشریعة الإسلامیة بضرورة الدین و إجماع المسلمین بالختان بقطع الغلفة المشار إلیها.و ما یمکن أن نتصور من المصالح الطبیة للختان بعد التسلیم للحکمة الإلهیة الموجودة فی کل أحکام الدین و التی نؤمن بها کمسلمین.فما یتصور من مصلحتها طبیا و بایولوجیا فی حدود فهمنا القاصر البعید عن علم الغیب و إدراک الواقعیات،ما یلی:
و یمکن أن تکون هذه الجراثیم علی أشکال
مختلفة قد تؤدی إلی العقم أو إلی بعض أنواع مرض الزهری المؤدی بدوره إلی مضاعفات کثیرة منها العمی و الجنون.
و من هنا یکون فی إزالتها قطعا لمادة الفساد تماما کاللوزتین الملتهبتین أو الزائدة الدودیة و لو قبل التهابها و التی یحسن قطعها تلافیا للإضرار المحتملة.
و من ثم طول مدة عملیة الجماع
الأمر الذی یوفر للمرأة و الرجل معا لذة جنسیة متزایدة.
و لعل تفسیر ذلک أن الغلفة أکثر المناطق تهیجا جنسیا فی الذکر.فإذا قطعت حصل بطء الإنزال باعتبار قلة الإحساس الجنسی نسبیا.
یقتضی زیادة اللذة الجنسیة
بخلاف الجلد الخارجی للذکر و الذی منه الغلفة فإنه عادة أقل إحساسا جنسیا.و ما سمعناه بالمصلحة السابقة من کون الغلفة ذات إحساس جنسی عال،سوف یعوض عنه إحساس الحشفة نفسه بالشکل الذی یکفل النتائج الحسنة نفسها.
کل ما فی الأمر أنهم قالوا إن المختون إنما یکون أقل إحساسا جنسیا لأن حشفته فی الأوقات الاعتیادیة تلامس ثیابه فتتعود علی ملامسة الأشیاء و لا تختص ملامستها فی المرأة.إلاّ أن هذا الکلام مبالغ فیه جزما لوضوح أن الحالة النفسیة حالة الهیاج الجنسی تختلف تماما عن حالة انطفائها حتی أن الجسم کله یکون قابلا للتهییج الجنسی مع العلم أنه ملامس للثیاب أیضا و أن الید و الرجل و غیر هما ملامسة لکثیر من الأشیاء فلما ذا لم یقل إحساسهما الجنسی عند الهیاج.
و هی ثابتة فیما إذا ثبت کون الختان کافّا لزیادة الإحساس الجنسی.فإن تربیة الفرد ستکون مختلفة لا محالة عن الفرد الأکثر إحساسا بالجنس.و سیکون المختون أکثر تحملا للبعد عن النظر الحرام و الفعل الحرام.و أقدر علی الاقتصار علی زوجة واحدة الأمر الذی یوفر له من الجهد و المال الشیء الکثیر،بخلاف ما إذا کان إحساسه الجنسی عالیا فإنه
قد یضطر لتعدد الزوجات،أو حتی الوقوع فی(الحرام)و لا أقل من صعوبة الصبر علی ذلک.
هذا و لا یخفی ما فی قلة الإحساس الجنسی نسبیا من تربیة معنویة و إیمانیة و زیادة ذکر اللّه عزّ و جلّ.حیث لا یکون الفرد کثیر التفکیر فی جنسیاته،الأمر الذی یجعله فی وضع لا یحسد علیه معنویا.
هذا و لا ینبغی أن نبالغ بقلة الإحساس الجنسی.و إنما هو أمر نسبی ضئیل فی أغلب الظن،و لا دلیل علی کونه أکثر من ذلک.
هذا و سنعرض بعض المصالح الأخری للختان فیما یلی من الکلام.
بقی إن نعرف أن ما قلناه عن الحکمة فی أصل خلقة الغلفة لا ینافی تشریع الختان،و ذلک لعدة وجوه:
أولا-أن هناک عدة أمور موجودة فی أصل الخلقة و قد وجدت فعلا من أجل بعض المصالح،إلاّ أن المصلحة مع ذلک فی قطعها و إزالتها و أوضح هذه الأمور الشعر و الأظافر الذی یلتزم الأعم الأغلب من البشر بإزالة الزائد منها.
روی الطبرسی فی الاحتجاج (1)
وسائل الشیعة:ج 15،کتاب النکاح:أبواب أحکام الأولاد باب 52 [1] حدیث 7.
عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی سؤال الزندیق قال:أخبرنی هل یعاب شیء من خلق اللّه قال لا قال فإن اللّه خلق خلقه عدلا فلم غیرتم خلق اللّه و جعلتم فعلکم فی قطع الغلفة أصوب مما خلق اللّه و عبتم الأغلف و اللّه خلقه و مدحتم الختان و هو فعلکم أم تقولون أن ذلک کان من اللّه خطأ غیر حکمة،فقال أبو عبد اللّه(علیه السلام)ذلک من اللّه حکمة و صواب،غیر أنه سنّ ذلک و أوجبه علی خلقه،کما أن المولود إذا خرج من بطن أمه وجدتم سرته متصلة بسرة أمه کذلک أمر اللّه الحکیم فأمر العباد بقطعها و فی ترکها فساد بین المولود و الأم.و کذلک أظفار الإنسان أمر إذا طالت أن تقلم و کان قادرا یوم دبر خلقة الإنسان أن یخلقها خلقة لا تطول.و کذلک الشعر فی الشارب و الرأس یطول و یجز.و کذلک الثیران خلقها فحولة و إخصاؤها أوفق و لیس فی ذلک عیب فی تقدیر اللّه عزّ و جلّ.1) 1)
أقول:و هذا معناه أن ما یقوله الناس فی الشعر و الأظافر من وجه الحکمة فی مخالفة الخلقة ینبغی أن یقولوه أیضا فی قطع أیة زائدة أخری،بما فیها الغلفة عند الختان.
ثانیا:إن ما قلناه فی أول الفصل من أن جلد الغلفة وجد لتلافی الانتصاب و إن کان مظنون الصحة،إلاّ أن ذلک لا یعنی أن قطعها یمنع الانتصاب إذ لم یعان أحد المختونین علی کثرتهم و هم یعدّون بالملایین من هذه الجهة أصلا.
بل الأمر بالعکس لأن الجلد مع الغلفة سیکون بالرغم من الانتصاب کثیرا و غلیظا و أما فی المختون فسیکون الانتصاب سببا لرقة جلده،الأمر الذی یوجب زیادة إحساسه الجنسی و هی مصلحة تضاف إلی المصالح السابقة و إنما أجلناه لکی نصل إلی الحدیث عن موضوعها.
ثالثا:إن ما قلناه فی أول الفصل من مصلحة وجود الغلفة من کونها موفرة للحمایة لما بداخلها من الحشفة و إن کان صحیحا.إلاّ أن الحمایة غیر منحصرة بهذا الجلد بطبیعة الحال بل ستکون أیضا بالفخذین و بالثیاب و نحوها.
و لا ینبغی أن تقاس الغلفة بالشفتین أو بأجفان العینین من حیث المحافظة علی ما تحتها فلو قطعت کان الخطر محیقا بالعینین و الأسنان.غیر أن الحشفة یختلف حالها جدا عن ذلک من عدة جهات أوضحها:
1-إمکان لف الحشفة بالثیاب دون الوجه.
2-کون العینین عضوا أکثر حساسیة من الحشفة.
3-کون الوجه و من ثم العینین أکثر تعرضا للانواء الجویة من الحشفة.
4-لا شک أن الجمال الموجود فی الجفنین للعین أو الشفتین للفم و الذی نفقده بقطعهما،لا یقاس بجلد الغلفة علی الإطلاق بل لعل الأمر بالعکس، کما هو واضح للمتأمل و سیکون هذا من مصالح الختان بدوره.
فهذا هو جملة الکلام عن الختان طبیا و بایولوجیا.
الختان کما قلنا واجب بضرورة الدین و بتسالم المذاهب الإسلامیة.و قد منع
الأغلف و هو الذی لم یختتن(باعتباره متصفا بوجود الغلفة)عن إمامة الجماعة (1)
فعن زید بن علی عن آبائه عن علی علیه السلام قال:الأغلف لا یؤم القوم و إن کان أقرأهم لأنه ضیّع من السنّة أعظمها و لا تقبل له شهادة و لا یصلی علیه إلاّ أن یکون ترک ذلک خوفا علی نفسه. (وسائل الشیعة ج 5 أبواب صلاة الجماعة باب 13 حدیث 1). [1]
و عن قبول شهادته کما منع عن تولی القضاء و مرجعیة الفتوی و إن کانت غلفته ذات وجه لم یخرجه من العدالة کالغفلة عن وجوب الختان أو الضرر الکبیر بإیجاده.و ما کل هذه الأحکام إلاّ توصلا لإیجاد الختان نفسه.و قد اعتبر الختان فی الأخبار الصحیحة الصریحة،و فی ارتکاز المتشرعة شکلا من أشکال الطهارة.و لا زال العوام یسمونه(طهورا)و المختون(مطهرا) و هذا ما تسنده الروایات فعلا:
فعن عبد اللّه بن جعفر (2)أنه کتب إلی أبی محمد علیه السلام:أنه روی عن الصادقین علیهما السلام:أن اختنوا أولادکم یوم السابع یطهروا.إلی آخر الروایة.
و عن السکونی (3)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله:طهروا أولادکم یوم السابع فإنه أطیب و أطهر،و أسرع لنبات اللحم و أن الأرض تنجس من بول الأغلف أربعین صباحا.و بسند آخر زاد فیه:و لا یمنعکم حرّ و لا برد.بعد قوله:یوم السابع.
و الوجه فی هذه الطهارة فی حدود علمنا المحدود،واضح:أما طبیا فهو التوقی من الجراثیم و الأوساخ التی تکون الغلفة معرضة لها باستمرار.کما سبق أن أوضحنا.و أما نفسیا فلأن المختون،کما سمعنا أکثر استقرارا و هدوءا من الناحیة النفسیة باعتباره أقل هما و حزنا من الناحیة الجنسیة.و أما روحیا أو إیمانیا فباعتبار ما قلناه من دعم الختان لکثرة ذکر اللّه سبحانه و البعد عن مشاغل الدنیا و مغریاتها.
و قد سمعنا من الروایات استحباب إیجاده فی الیوم السابع،و لا شک بکونه أصلح طبیا،باعتبار شفاء الجرح بسرعة بلا شک،کما أنه أسرع لإیجاد الطهارة المعنویة المبشّر بها فی الأخبار.
هذا.و إن المفروض فی الختان علی أی حال أن یکون فی عهد الصغر، حیث یکون الاطلاع علی محله من قبل الخاتن ممکنا و حلالا شرعا.باعتبار کون الطفل لم یبلغ سن التکلیف.
و لکن من بلغ غیر مختون إمّا لغفلة أهله أو لغفلته أو لعصیانهم أو لکونه داخلا فی الإسلام من جدید.فمثل هذا الرجل یجب أن یقوم بالختان علی أی حال بصفته من الوظائف الشرعیة المهمة.
و حیث یجب علیه ستر عورته،بلا شک،فیجب أن یقوم بختان نفسه بنفسه.و هذا من واضحات الفقه مع عدم الضرر أو قلته بحیث لا یعد ضررا عرفا.
و أما مع وجود العسر و الحرج و الضرر علیه،فیقع التزاحم بین حکمین إلزامیین:هما وجوب الختان و حرمة کشف العورة للغیر أو قل:وجوب سترها.إذ لو ختنه الغیر کالطبیب مثلا فقد کشف عورته،و إن لم یختنه فقد ترک الختان بعد أن تعذر قیامه به بنفسه.
و مقتضی القاعدة فی الحکمین المتزاحمین ترجیح الأهم منهما فی نظر الشارع الإسلامی المقدس.و لا یبعد القول بأن وجوب الختان أهم فی نظره من وجوب الستر بهذا المقدار و لأجل أداء الوظیفة الشرعیة.فإن تمّ ذلک،وجب علی المکلف أن یختنه غیره و لا حرمة علیه فی کشف العورة فی تلک الحالة.
نعم،لو کان قد ترک الختان عصیانا مع العلم و العمد.لم یرتفع وجوب الستر.لأنه و إن کان مضطرا حالة الختان.إلاَّ أن ما لیس بالاختیار،یرجع إلی ما بالاختیار فیکون مسئولا أمام اللّه سبحانه عنه.و إن تعین علیه أن یختنه غیره بالتقریب الذی ذکرناه.
و هنا سؤال لا بدّ من عرضه بهذا الصدد مع جوابه:و هو یخص الذین
دخلوا فی الإسلام لأول مرة من الأدیان الأخری.إذ یبادر المسلمون إلی أمرهم بالاختتان و تشدید النکیر علیهم باعتباره وظیفة مهمة من وظائف الشریعة.الأمر الذی قد یوجب ندامتهم من الدخول فی الإسلام و احتمال ارتدادهم عنه و رجوعهم إلی دینهم السابق.و فی هذا ما فیه من مخالفة الإسلام فی أهدافه العامة و الخاصة کما هو معلوم.و فی الحدیث:لئن یهدی اللّه بک رجلا واحدا خیر لک مما طلعت علیه الشمس.أو خیر لک من حمر النعم.فکیف لو أوجب الفرد ارتداد بعض المسلمین عن إسلامهم سواء کانوا جدیدی عهد بالإسلام أو غیرهم.فإنه من أفظع الأمور فی نظر الإسلام.
و جواب ذلک:ینبثق من حیث إن هذه المبادرة إلی من دخل بالإسلام لأول مرة،غیر صحیحة تماما،و کذلک کل من أوجب قیامه ببعض الشعائر ارتدادا له.و العیاذ باللّه.إذ یقع التزاحم بین حکمین شرعیین:هما وجوب وعظه و أمره بالختان و حرمة التسبیب إلی ارتداده.و لا شک أن هذه الحرمة أعظم بکثیر من ذلک الوجوب.بل لعل ذلک الوجوب سیتحول إلی الحرمة إن کان الارتداد أکیدا.و معناه:أنه یجب علی المسلم أن یصمت و لا ینبه المسلم الجدید علی وجوب الختان.
هذا و لکن الأمر یجب أن لا یبقی أبدیا بل یجب علی من هداه إلی الإسلام أن یدقق النظر إلیه من حیث مستواه العقلی و النفسی و الاجتماعی و الإیمانی.
فلعله یکون من قوة الإیمان بحیث لا یحصل له الارتداد.أو لعله طبیب اختصاصی بالجراحة یمکن بسهولة أن یختن نفسه.أو لعله یمکن للمسلم أن یأمر صاحبه أن یختنه غیره إن وجد فیه ضعفا نفسیا أو روحیا أو اجتماعیا.
و لا بأس بعد کل ذلک:أن تمضی مدة قبل تنبیهه علی وجوب الختان،و لو لعدة سنوات.إذ لا یتوقف شیء من العبادات و الشعائر علی الختان.و من غیر المتوقع أن یصبح هذا المسلم الجدید إماما للجماعة أو قاضیا أو مفتیا.و لا بأس أن یصبح کذلک بعد أن یقوم بهذه الوظیفة إن کان واجدا لشرائطها الأخری.
للمرأة ختانها کما أن للرجل ختانه.غیر أن ختان المرأة مستحب و ختان
الرجل واجب.کما أن ختان الرجل ملتزم به بین المسلمین،و لکن ختان المرأة متروک غالبا أو تماما.و یسمی ختانها خفضا أو خفض الجواری.
و قد دلت الروایات علی جواز ترکه فعن غیاث بن إبراهیم (1)
المصدر:حدیث 8. [1]
عن جعفر بن محمد عن أبیه علیهما السلام قال:قال علی علیه السلام:لا بأس بأن لا تختتن المرأة.و أما الرجل فلا بد منه.کما أن مقتضی أصالة البراءة هو عدم الوجوب کما أن ترک سیرة المتشرعة له دال علی ذلک أیضا.و أن من المطمئن به أنها سیرة معاصرة للمعصومین سلام اللّه علیهم.
و لکن السؤال فقهیا عن استحبابه فهل هو حقا مستحب أو لیس بمستحب أصلا،و إنما أقرّه الإسلام باعتبار عدم المصلحة فی النهی عنه حتی یذوب اجتماعیا و یترکه الناس تدریجیا.فإقرار الإسلام له دال علی جوازه لا محالة، و أما دلالته علی استحبابه،فمحل إشکال.
بل إن ترک السیرة له جیلا بعد جیل،قرینة علی ذلک.مع التزام المتشرعة بالکثیر من المستحبات،فلما ذا لم یلتزموا به.الأمر الذی ینتج فقهیا أن استحبابه لا یکون مشمولا لأدلة التسامح فی أدلة السنن.لأن ذلک متوقف علی وروده عنهم علیهم السلام،و یمکن أن یقال بعد کل ذلک:إن ختان النساء لم یرد عنهم علیهم السلام.فلا یکون موضوعا لتلک الأدلة.
بل دلت بعض الأخبار علی نفی کونه من السنّة و هو واضح فی نفی استحبابه.إذ یراد بالسنّة الوجوب و الاستحباب فنفیه نفی لهما معا.
ففی صحیح ابن سنان (2):ختان الغلام من السنّة و خفض الجواری لیس من السنّة.و فی خبر السکونی عن أبی عبد اللّه علیه السلام:خفض النساء مکرمة لیست من السنّة.و لیست شیئا واجبا.و فی بعضها:السنّة فی الختان علی الرجال و لیس علی النساء.
و أما ما یدعی من قیام الإجماع علی الاستحباب،فلم یثبت،و إن ثبت فهو مدرکی لیس بحجة،یعنی أنه معتمد علی الإخبار،فلا یکون أکثر حجیة منها.
و قد عرفنا حال الاستدلال بالاخبار.و إذا لم یکن ختان الأنثی مستحبا کان ظلما لها لا محالة.إلاّ أنه لیس بحرام علی أی حال.
و علی تقدیر الرغبة بالختان ینبغی التقلیل من اللحم المقطوع إلی أکبر حد ممکن،حتی لو أمکن قطع ملیمتر واحد أو أقل لکان أفضل.ففی الخبر المشهور و هو صحیح ابن مسلم عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:لما هاجرن النساء إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله هاجرت فیهن امرأة یقال لها أم حبیب.و کانت خافضة تخفض الجواری.فلما رآها رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله قال لها:یا أم حبیب العمل الذی کان فی یدک هو فی یدک الیوم؟قالت:نعم،یا رسول اللّه إلاّ أن یکون حراما تنهانی عنه.فقال:لا بل حلال فادنی حتی أعلمک.
قال:فدنت منه.فقال:یا أم حبیب.إذا أنت فعلت فلا تنهکی أی لا تستأصلی و أشمّی.فإنه أشرق للوجه و أحظی للزوج.
أقول:أما کونه أحظی للزوج فلأنه أکثر محافظة علی الشهوة الجنسیة.و أما کونه أشرق للوجه فإنه مع کثرة القطع،ستحمل المرأة المسکینة هم نفسها و ما وقع علیها من الصعوبة فلا یشرق وجهها بطبیعة الحال.
هذا و قد ظهر من کل ذلک:أن المرأة إذا لم تکن قد خفضت فی حال صغرها،فلا یجوز لها أن تفعل ذلک بعد کبرها.لأنها إما أن تختن نفسها أو یختنها غیرها.أما الأول فهو مستلزم للضرر علی الأغلب.و أما الثانی فهو مستلزم لکشف العورة الحرام حتی لو کان إمام المرأة فضلا عن الرجل الأجنبی (1)
إلاّ أن یکون لها أو لزوجها القدرة علی ذلک تماما فلا یمکن نفی الجواز عندئذ.
.و أری أن ما تحدثنا به عن الختان کافیا جدا فلا ینبغی الاستمرار فی الحدیث عنه.
1) 1)
أفتی مشهور فقهائنا بکراهة مناکحة الأکراد.فهل مثل هذا الحکم مما یصح التفوه به شرعا،أو أنه یعتبر ظلما للأکراد و لکل من یتعامل معهم،کما سوف نوضح.
وردت بهذا المضمون بعض الأخبار الضعیفة.
روی الکلینی (1)
وسائل الشیعة ج 15 کتاب النکاح أبواب مقدماته و آدابه باب 32 حدیث:1. [1]
بسنده عن الحسین بن خالد عمن ذکره عن أبی الربیع الشامی عن أبی عبد اللّه علیه السلام-فی حدیث قال فیه-:و لا تنکحوا من الأکراد أحدا فإنهم جنس من الجن کشف عنهم الغطاء.و روی الصدوق (2)بسنده عن علی بن الحکم عمن حدثه عن أبی الربیع الشامی قال سألت أبا عبد اللّه علیه السلام فقلت له:إن عندنا قوما من الأکراد یجیئونا بالبیع و نبایعهم.فقال:یا ربیع لا تخالطهم فإن الأکراد هی من الجن کشف اللّه عنهم الغطاء فلا تخالطهم.
و روی أیضا عن حفص (3)عمن حدثه عن أبی الربیع الشامی قال سألت أبا
عبد اللّه علیه السلام فقلت:إن عندنا قوما من الأکراد و إنهم لا یزالون یجیئونا بالبیع فنخالطهم و نبایعهم.فقال:یا أبا الربیع لا تخالطهم.فإن الأکراد من الجن کشف اللّه عنهم الغطاء.فلا تخالطهم.
و الروایة الأولی خاصة بالمناکحة و التزویج.و هی تشمل الذکر و الأنثی أعنی تزویج الأکراد و التزوج منهم.و الروایتین الأخیرتین تنهی عن المخالطة،و هی و إن کان موردها البیع و المعاملات إلاّ أنها تشمل الزواج لأنه نوع من المخالطة،بل لعله أولی.
و قد عمل مشهور الفقهاء بهذه الروایات،و أفتوا بالکراهة علی طبقها،لعدم إمکانهم الفتوی بالحرمة لعلمهم بعدم حجیّتها جمیعا من حیث السند.و أما الکراهة فهی تثبت فی نظرهم من باب التسامح فی أدلة السنن و سنعرض الحال فی ذلک فیما بعد إن شاء اللّه تعالی.
و المهم:أن هذه الروایات لا تصلح دلیلا لا علی الحرمة و لا علی الکراهة لسقوطها عن إمکان الاستدلال تماما،و عندئذ فستکون هذه الفتوی نحوا من أنحاء الظلم لهؤلاء الناس،و خاصة فیما إذ کان فیهم الصلحاء و الطیبون،کما هو الحال فی أیة مجموعة من الناس.
و یمکن المناقشة فی هذه الفتوی من عدة جهات:
المناقشة الأولی:کون الروایات جمیعا مرسلة،فإنها مرویة خلال سندها (عمن ذکره)أو(عمن حدثه)فیکون هذا الراوی مجهولا،و لا یمکن العمل بروایته.و تسمی روایة المجهول بهذا النحو مرسلة و عیبها الإرسال.
الجهة الثانیة:ضعف الروایات الثلاث یراد بها الأخیر و هو أبو الربیع الشامی الذی تنتهی کلها إلیه کما سمعنا سواء بروایة الکلینی أو بروایة الصدوق.
و القدر المعلوم:أن روایة هذا الرجل لیست بحجة،لیس فقط لأنه لم یوثق، و إن کان هذا کافیا فی إسقاطه عن الحجیة،بل لأنه:إما شخص مجهول (1)
کما نص علیه سیدنا الأستاذ فی معجم رجال الحدیث ج 57 ص 75.
و غیر معروف الحال.و إما لأنه-کما قیل-رجل نصّاب وضاع کذاب.و علی کل تقدیر فإن روایته ساقطة تماما.1) 1)
و معه لا یبقی فی هذه الروایات الثلاث ما هو حجة أصلا.
الجهة الثالثة:قد یقال:إنه یمکن تتمیم حجیة هذه الروایات عن طریق عمل المشهور بها.باعتبار أن عمل المشهور جابر لضعف السند،کما یعبرون.إلاّ أن هذا الکلام مطعون کبری و صغری.أما من جهة الصغری فلم یثبت عمل المشهور بهذه الروایات،إذ قل من تعرض لهذه الفتوی من المتقدمین و المتأخرین من الفقهاء.فکیف یثبت عمل المشهور بها و فتواهم علی طبقها.
علی أننا سوف نقول إن ظاهرها الحرمة،فالعمل بها إنما یکون إذا أفتوا بالحرمة،و هذا مما لم یقل به أحد قطعا.و أما الفتوی و الکراهة فله وجه آخر سنناقشه.و علی أی حال فلا یکون ذلک من قبیل العمل بالروایة.لأنه یتضمن إعراضا عن ظاهرها الحقیقی.
و أما من جهة الکبری فللمناقشة فی أن عمل المشهور هل یکون جابرا لضعف السند أم لا.و بحثه فی علم أصول الفقه.غیر أن المتیقن أن الشهرة الضعیفة لا تکون جابرة جزما.و من المعلوم فی مسألتنا هذه أن الشهرة لو کانت موجودة فهی ضعیفة جزما.فلا یمکن أن تکون جابرة لضعف السند.
الجهة الرابعة:إنه قد یقال:إنه یمکن الأخذ بهذه الروایات من باب التسامح بأدلة السنن.و هذا ما لا نحتاج معه إلی حجیة السند،بل یکفی فیه وجود الروایة کیفما کان حالها.
و جواب ذلک من عدة وجوه نذکر أهمها:
الوجه الأول:إن ما التزم به الفقهاء فی عدد من الموارد من حمل النهی علی الکراهة مع ضعف سنده.مع کونه ظاهرا بالحرمة بالأصل.و مسألتنا من هذا القبیل.متوقف علی ما یذکر فی علم الأصول فی أن النهی هل هو زجر بسیط أو مرکب من مطلق الزجر مع فصله الذی هو العقوبة علی الترک و هو المنتج للحرمة.فإذا لم یثبت هذا الفصل لضعف السند،بقی ظهورها بمطلق الزجر ثابتا،فتکون موضوعا لأدلة التسامح.
إلاّ أن الصحیح هو کون النهی بسیطا عرفا و لیس مرکبا.و ترکیبه المنطقی لا
یعنی ترکیبه العرفی،و المهم فی الظهور الذی یعتبر حجة،هو الظهور العرفی لا المنطقی.
و لا شک أن هذا الظهور فی الروایة دال علی الحرمة لأنها تحتوی علی النهی.
قال(لا تنکحوا من الأکراد)و قال(لا تخالطوهم).فإذا سقطت الحرمة بضعف السند لم یبق جزء آخر من الدلالة یمکن التمسک به لإثبات الکراهة.
و بتعبیر آخر:إن أدلة التسامح تتوقف علی ورود ما هو مستحب أو مکروه، و بعد سقوط دلالتها لا یصدق الورود.و ورود الحرمة لا یکفی للحکم بالکراهة.
الوجه الثانی:إن موضوع أدلة التسامح ذاتا هو العمل المستحب لأنه یقول:
من ورده ثواب علی عمل.فشموله للمکروهات مبنی علی اعتبار شمول مفهوم العمل للترک،باعتبار أن ترک المکروه مستحب.و إلاّ فمن الواضح أن الترک لیس عملا و المکروه لیس علیه ثواب.
و هذا الشمول و إن کان عرفیا أحیانا،و لکنه فی أدلة التسامح لیس عرفیا.
لانصرافها عنه و اختصاصها بالعمل بمعناه الحقیقی و من الصعب عرفا التسمک بإطلاقها لمفهوم الترک.
و یمکن التنبیه علی ذلک باعتبار أن الموضوع فی أدلة التسامح هو ورود الثواب،و من المعلوم أن أدلة المکروهات لا تدل علی الثواب،و دلالتها الإلزامیة علی رجحان الترک-بصفته عملا-لا یعنی وجود الثواب علیه،لوضوح أنه توصلی،ما لم یقصد به القربة أو الانقیاد فعلا.و هذا أمر خارج عن مدلول النص،فتأمل.
الجهة الخامسة:إن الروایات الثلاث کلها لا تدل علی کون الأکراد مسخ من الجن لنقول:إن التعامل مع الممسوخین مرجوح فی الشریعة بوضوح بحیث لا یحتاج إلی دلیل.ربما.
و إنما تدل علی أن الأکراد قوم من الجن فعلا.کل ما فی الأمر أنهم جن مکشوفون یراهم البشر.و باقی الجن مستورون لا یراهم الناس.
و من المعلوم بالضرورة أنه لا یوجد دلیل فی الشریعة،غیر هذه الروایات، یؤسس قاعدة فی المنع من التعامل من الجن.بل الجن فیهم الفساق و فیهم الأخیار.کما قال اللّه تعالی (1)
الجن:11. [1]
وَ أَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَ مِنّا دُونَ ذلِکَ کُنّا طَرائِقَ قِدَداً .و أی بأس أو حرمة أو کراهة فی التعامل العام مع الفساق فضلا عن الأخیار.بل لا شک فی رجحان إکرامهم و الإحسان إلیهم مع کونهم أخیارا صالحین.فنحن نری أنه لا غضاضة فی التعامل مع فساق البشر،و کذلک مع فساق الجن.بل قد یکون الأمر أولی.هذا.و أما الحدیث عن استبعاد هذا المضمون.و أنه کیف یمکن أن یکشف النقاب عن قوم من الجن.أو نقول إننا علی یقین أن الأکراد هم من البشر و لیسوا من الجن.کما قد یخطر علی ذهن القاری.فهذه مناقشة لا ندخل فیها.لأن هذا الاستبعاد ناشئ لا محالة من الاتجاه المادی فی فهم عالم الطبیعة،أو التعود علی ما هو مادی فیها.و أما إذا تجاوزنا ذلک و قلنا بوجود عوالم أخری علی المستوی الروحی و غیره فیکون هذا الاستبعاد مقطوعا.
و تکفینا دلالة القرآن الکریم علی وجود الجن بالضرورة.و کذلک الملائکة و الشیاطین،فنحن کمسلمین لا یمکننا المناقشة فی وجود مثل هذه العوالم.و إلاّ نکون کذّبنا القرآن الکریم،و من ثم خرجنا عن الإسلام تماما.
و إذا کانوا موجودین أمکن بقدرة اللّه سبحانه الکشف للبشر عن وجود بعضهم أو کلهم حسب ما هو موجود فی الحکمة الإلهیة.فهو سبحانه هو الذی سترهم و هو الذی یمکنه أن یکشف عنهم لبعض البشر أو کلهم.و نحن کمسلمین أیضا مؤمنون بالقدرة المطلقة للّه سبحانه و تعالی.
إلاّ أن الذی یهون الخطب هو ضعف سند هذه الروایات بحیث لا تکون حجة فی إثبات شیء مما نقوله.لا فی الحکم بالکراهة و لا فی کون الأکراد قوم من الجن.بل یبقی ذلک منوطا بقواعد فقهیة أو طبیعیة أخری.
1) 1)
هی أنه لم یثبت أن الأکراد قوم من الجن.کما لم یثبت حرمة و لا کراهة معاملتهم و لا مناکحتهم.بل هم کغیرهم من الناس تنطبق فی حقهم و فی حق غیرهم القواعد الفقهیة الشرعیة الاعتیادیة.
تتضمن مواقعة النساء أشکالا متعددة تکون فیها حراما.و قد تتعدد الحرمة فی نفس الفعل،حیث یکون حراما من عدة جهات کما سوف نشیر إلاَّ أن هذه الأشکال من الحرمة لا تکون کلها زنا بل بعضها بطبیعة الحال.
فمن صور الحرام:مواقعة الزوجة حال الحیض و حال الإحرام و حال النفاس و حال الضرر الشدید علی أحدهما،و حال تفویت الواجب لضیق الوقت.و قد تتعدد الحرمات کما لو کانت الزوجة حائضا حال الإحرام،فإذا أضفنا إلی ذلک وجود الضرر أو تضیق الواجب کانت الحرمات ثلاثا أو أربعا،إلاَّ أن المواقعة مع ذلک لا تکون زنا و لا یشملها أحکامه،ما دامت الطرف زوجة أو حلیلة له بالأصل.
و قد أشرنا فی فصل التلقیح الصناعی أنه قد یحصل الحرام،بدخول حویمن الأجنبی فی رحم الأجنبیة،و لکنه لیس بزنا،باعتبار أن دخول الحویمن لیس عن طریق المواقعة.
و هناک ما یسمی بوطء الشبهة و هو یشبه الزنا من حیث إن الطرفین فیه لیسا حلیلین بالذات أو بالعنوان الأولی.و لکنه لا یشبهه بالحکم،لأن المفروض فیه هو کون الأمر مشتبها و مجهولا،و مع الاشتباه و الجهل ترتفع الحرمة،تماما کما لو شرب إنسان الخمر و هو لا یعلم أنه خمر،فلا یکون الشرب علیه حراما، فکذلک فی وطء الشبهة حیث یواقع الرجل الأجنبیة و هو یتخیل أنها حلیلته أو زوجته.
إذن فالمهم فی وقوع الزنا أن لا تقع المواصفات السابقة.فتوجد أولا مواقعة بین شخصین و لیس مجرد دخول الحویمن.و ثانیا:أن لا یکون الشخصان حلیلین بالذات.و ثالثا:أن تکون المواقعة معلومة الحرمة،یعنی عن علم و عمد لا اشتباه فیها.فإن علم أحدهما و اشتبه الآخر کان المشتبه مغدورا و الآخر زانیا.
هذا،غیر الشرائط العامة الأخری کالعقل،و البلوغ و الاختیار.فإننا لا نرید هنا الکلام عن تفاصیل معنی الزنا و محله کتاب الحدود و سیأتی بعون اللّه سبحانه،و إنما نرید فقط إعطاء فکرة واضحة عن الظروف المقتضیة لأن یکون الولد ولد زنا،و هو ما جعلناه عنوانا للفصل.
و قد حرم ابن الزنا فقهیا من عدد من المناصب الدینیة العامة کإمامة الجماعة و القضاء و الشهادة و الحکم کما نصت علی ذلک الروایات المعتبرة.و قد تمّ التشدید علیه فی بعض الروایات کما سنسمع بعضها.کما نص بعضها علی حرمانه من العقیدة الصحیحة و نیل مقام الولایة.
فعن أبی بصیر (1)
وسائل الشیعة ج 5 کتاب الصلاة باب أبواب صلاة الجماعة باب 14 حدیث 1.
یعنی لیث المرادی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:خمسة لا یؤمون الناس علی کل حال وعد منهم:المجنون و ولد الزنا.
و فی صحیحة زرارة (2)عن أبی جعفر علیه السلام قال:قال:أمیر المؤمنین علیه السلام لا یصلین أحدکم خلف المجنون و ولد الزنا.الحدیث.
و عن الأصبغ بن نباتة قال (3):سمعت أمیر المؤمنین علیه السلام یقول:ستة لا ینبغی أن یؤموا الناس:ولد الزنا و المرتد و الأعرابی بعد الهجرة و شارب الخمر و المحدود و الأغلف.الحدیث.
و فی صحیحة أبی بصیر (4)قال سألت أبی جعفر علیه السلام عن ولد الزنا
أ تجوز شهادته فقال:لا.فقلت:إن الحکم بن عتیبة یزعم أنها تجوز.فقال:
اللهم لا تغفر ذنبه.الحدیث.
و عن عبید اللّه الحلبی (1)
المصدر:حدیث 9. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:ینبغی لولد الزنا ألاَّ تجوز شهادته و لا یؤم الناس لم یحمله نوح فی السفینة و قد حمل فیها الکلب و الخنزیر.و روی الصدوق (2)عن سیف بن عمیرة قال:قال الصادق جعفر بن محمد علیهما السلام من لم یبال ما قال و ما قیل فیه فهو شرک شیطان.و من لم یبال أن یراه الناس مسیئا فهو شرک شیطان.و من اغتاب أخاه المؤمن من غیر کره بینهما فهو شرک شیطان و من شغف بمحبة الحرام و شهوة الزنا فهو شرک شیطان.ثم قال علیه السلام إن لولد الزنا علامات أحدها بغضنا أهل البیت.
و ثانیهما:أنه یحن إلی الحرام الذی خلق منه.و ثالثا:الاستخفاف بالدین، و رابعها سوء المحضر للناس و لا یسیء محضر إخوانه إلاَّ من ولد علی غیر فراش أبیه أو من حملت به أمه فی حیضها.
إن أهم سؤال یعرض شرعا فی ابن الزنا هو السؤال عن ذنبه بعد أن لم یکن مخطئا بخطیئة والدیه.و قد قال اللّه تبارک و تعالی وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْری أی لا تتحمل النفس ذنب النفس الأخری و إنما تختص کل نفس بما فعلت.
فهل یمکن أن تسری خطیئة الوالدین إلی الولد فیتحمل کثیرا من التبعات؟ و روی فی بعض الروایات أن ابن الزنا یأتی یوم القیامة یصیح ما ذنبی؟ أضف إلی ذلک أن ابن الزنا إذا أصبح صالحا مؤمنا طیبا فمقتضی القواعد الأولیة کونه مشمولا لجواز إمامة الجماعة و القضاء و غیره.فإن کان الحکم فی حرمانه من ذلک صحیحا فیجب أن یختص بأولاد الزنا غیر الصالحین و لا الطیبین.
و جواب ذلک یکون علی عدة مستویات:
المستوی الأول:إنه من غیر المحتمل أن یعاقب ابن الزنا علی جریرة والدیه بعد القانون الذی سنّه القرآن الکریم فی عدم تحمل النفس لجرم الأخری و هذا یشمل الذریة کما یشمل غیرها و إنما یعاقب أی شخص بما فیهم ابن الزنا علی ما ارتکبه هو شخصیا من ذنوب و هفوات.
و بعد أن نقول فلسفیا بالاختیار فی الأعمال و أن اللّه تعالی لا یجبر عباده علی المعاصی کما هو الصحیح،تکون مسئولیة کل ذنب محمولة علی فاعلها بما فی ذلک أولاد الزنا و محل الشاهد أن الزنا لا یکون سببا لأن یکون الولد مجبورا علی المعصیة.
المستوی الثانی:إن الولادة قد تکون جسمیة و قد تکون عقلیة و قد تکون روحیة.و من هنا قال اللّه تعالی لنوح(علیه السلام)حول ابنه الغریق(إنه لیس من أهلک)لأن الولادة الجسمیة و إن کانت متحققة إلاَّ أن الولادة الروحیة منتفیة و هی المهم إلی حد أمکن القول بأن ابنه لیس من أهله.و ورد فی المثل:رب أخ لک لم تلده أمک.و هو مبتن علی شکل من أشکال الولادة النفسیة.
و نعنی بالولادة العقلیة تعلم المفاهیم و العلوم فکل من ربی شخصا علی مجموعة معینة من ذلک فقد ولده و نعنی بالولادة النفسیة ما تکون العواطف سببا لها فإذا قربت إلیک شخصا بعیدا و أصبح حبک فی قلبه فقد ولدته من جدید.و نعنی بالولادة الروحیة التربیة الإیمانیة فکل من ربی شخصا فی مدارج الإیمان و الیقین فهو ابنه و قد ولده.
و کما قد تکون الولادة المعنویة صالحة فقد تکون غیر صالحة أیضا.و هذا ثابت و مجرب بالنسبة إلی الکثیرین.و من الممکن أن یقال إن المراد من ولد الزنا هو الشخص المتربی تربیة سیئة لأنه ذو ولادة معنویة خاطئة.
و إذا وصلنا إلی هذا الحد کانت النتائج التی عرفناها لولد الزنا منطقیة تماما کما هو واضح للمتأمل.
المستوی الثالث:إن ظاهر عدد من الأدلة هو تأثیر مکونات الفرد فی أول
وجوده علی کیانه المعنوی کالنطفة التی خلق منها و الحلیب الذی یشربه و الأم التی حملته.مضافا إلی ما دلت علیه بعض الأدلة من وجود تأثیر مهم للمأکولات و المشروبات فی ما إذا کانت من شبهة أو حرام فی سوء التکوین النفسی و ظلام القلب و عدم تقبل الهدایة المعنویة.
و هذا التأثیر تأثیر معنوی لا محالة لا یمکن إثباته مادیا أو تجریبیا أو طبیا،و إنما هو تأثیر نفسی و روحی لا یدخل تحت التجربة.و نحن کمسلمین إذا آمنا بالکیان المعنوی للعالم علی العموم و للفرد علی الخصوص،لم یمکنا نفی هذا التأثیر فلا أقل من بقاء کونه محتملا بشکل قابل للاحترام.
فإذا فهمنا ذلک أمکننا أن نفهم معنی کون الفرد شرک شیطان کما سمعنا من بعض الروایات السابقة فإن هذا قد یحدث بین الحلیلین أو الزوج و الزوجة فضلا عن ابن الزنا.
و فی صحیحة الحلبی (1)
وسائل الشیعة ج 14 کتاب النکاح أبواب مقدماته باب 68 حدیث 1. [1]
قال:قال أبو عبد اللّه علیه السلام فی الرجل إذا أتی أهله و خشی أن یشارکه الشیطان قال یقول بسم اللّه و یتعوذ باللّه من الشیطان.و قد وردت فی إیضاح شکل هذه المشارکة بین الشیطان و الرجل الروایة التالیة:
فعن أبی بصیر (2)قال:قال أبو عبد اللّه علیه السلام یا أبا محمد أی شیء یقول الرجل منکم إذا دخلت علیه امرأته قلت جعلت فداک أ یستطیع الرجل أن یقول شیئا؟قال:ألا أعلمک ما تقول؟قلت:بلی.قال:تقول:بکلمات اللّه استحللت فرجها و فی أمانة اللّه أخذتها اللهم إن قضیت لی فی رحمها شیئا فأجعله بارا تقیا و اجعله مسلما سویا و لا تجعل فیه شرک للشیطان قلت:و بأی شیء یعرف ذلک؟قال أما تقرأ کتاب اللّه؟ثم ابتداء هو وَ شارِکْهُمْ فِی الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ و إن الشیطان یجیء فیقعد کما یقعد الرجل منها و ینزل کما ینزل و یحدث کما یحدث و ینکح کما ینکح قلت:فبأی شیء یعرف ذلک؟قال بحبنا و بغضنا و من أحبنا کان نطفة العبد و من أبغضنا کان نطفة الشیطان.
فإذا أضفنا إلی ذلک أن القرآن الکریم ینص علی أن البشر منهم الشیاطین أو أن الشیاطین قد یکونون من البشر شَیاطِینَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ (1)
الأنعام:112. [1]
ثم التفتنا إلی أن الزانی مهما کان فی حقیقته فهو حال الزنا لا یعدو أن یکون شیطانا من شیاطین البشر.و هو بالطبع تارک لذکر اللّه تبارک و تعالی المشار إلیه فی الروایة السابقة.إذن نعرف أنه سواء شارکه الشیطان الآخر فی زناه أو لم یشارکه فإن ولده سیکون ابن الشیطان و نعنی بالشیطان علی الأقل شخص الزانی فإن کان الشیطان الآخر قد شارکه کان الأمر أولی و أوضح و هو لا شک مشارک له لترکه ذکر اللّه تعالی.
فلئن کان ابن الحلال أحیانا یکون شرک شیطان باعتبار انتسابه إلی أبیه و إلی الشیطان معا،فابن الزنا یکون خالصا للشیطان و لیس شرکا فقط باعتبار ما أوضحناه الآن من أن وضع الزنا یقتضی ذلک.
فإذا کان الأمر کذلک،و آمنا بالتأثیر المعنوی الذی أشرنا إلیه،إذن فبالضرورة یکون ابن الزنا نجسا ذاتا کما أن نطفته نجسة،الأمر الذی یترتب علیه ما سمعناه من النتائج حیث لا یوفق إلی الهدایة و الصلاح،فیصبح میالا إلی الحرام الذی خلق منه کما سمعنا من الروایة.و میالا أیضا إلی أشباهه من أولاد الحرام و مبغضا للحق و أهله.
و علیه فمن الصعب جدا أن نتصور أن هناک ولد زنا مؤمن صالح.لأن الإیمان و الصلاح مختص بالنفوس الطاهرة و القلوب الطیبة و هذا مما لا یمکن أن یتصف به ولد الزنا.
إلاَّ أننا أشرنا أن ولد الزنا لا یعاقب علی جریرة و الدیة و لا یعاقب علی سوء نفسه و ظلام قلبه لأن تلک الأمور غیر اختیاریة له،و لا یمکن أن یعاقب الفرد علی کل ما هو غیر اختیاری.کل ما فی الأمر أن هذه الجهات المعنویة من کیانه سوف تدفعه إلی السلوک الخاطی و تبعده عن السلوک الصالح فیکون مسئولا یوم القیامة عن سوء سلوکه کأی فرد آخر.
1) 1)
یبقی أن نلتفت إلی أن حرمان ولد الزنا عن إمامة الجماعة و قبول الشهادة و نحوها لیست من قبیل العقوبة علیه لجریرة لا یتحمل هو مسئولیتها.و إنما یمکن أن یکون لها أحد تفسیرات:
التفسیر الأول:باعتبار ما أشرنا إلیه قبل قلیل من سوء الکیان المعنوی لولد الزنا إذن ینبغی أن تختار الشریعة لإمامة الجماعة و القضاء و قبول الشهادة من لا یحتوی علی مثل هذا السوء المعنوی.
التفسیر الثانی:إن فی هذا الحکم ابتعادا للناس عن الزنا کما فی عدد من الأحکام الأخری الموجودة فی الشریعة کالحد علی الزنا و غیره.کما یمکن أن یفکر الفرد و یعید النظر بعمله قبل إنجازه فیترک الزنا رحمة بالولید الذی سیکون منبوذا اجتماعیا.
التفسیر الثالث:إن جملة من الوظائف الاجتماعیة منوطة شرعا و عقلا بمن یحبه الناس و یمیلون إلیه و لا ینبغی أن تناط بأناس مبغوضین و منبوذین من قبل الآخرین و علی ذلک عدة شواهد من الأحکام الشرعیة.منها:أن الفقهاء قالوا:
إنه إذا تشاح عدد من الناس و تعارضوا علی إمامة الجماعة ینبغی تقدیم من یمیل إلیه المأمومون أو یحبونه.و من ذلک الحکم باستحباب قضاء حاجة الأخوان أو صلتهم.و الأخوان تعبیر آخر عن المحبوبین بکل ما فی الأمر أن الحب فی الشریعة لا یکون سببه إلاَّ الإیمان و من هنا عبروا بالإخوان المؤمنین أو الأخوان باللّه.
إذا عرفنا ذلک و التفتنا إلی أن ولد الزنا یکون لا محالة فی المجتمع المسلم منظورا إلیه بنظر الاحتقار و الازدراء إذن فمن الصعب أن یکون مشمولا للأحکام التی تختص بالمحبوبین و المحترمین.
فهذا هو الکلام فی المستوی الثالث لتفسیر الخسّة و الضعف فی ولد الزنا.
المستوی الرابع:إن هناک اتجاهان فلسفیان فی الفلسفة الإسلامیة حول الروح،هل هی نازلة علی الجنین من الأعلی أو هی نابعة فیه من داخله بسبب مادی.
فالرأی الأول هو الذی یقرره الشیخ الرئیس ابن سینا فی قصیدته العینیة المشهورة حین یقول:(نزلت إلیک من المحل الأرفع)و هو ما یقتضیه أیضا قول الفقهاء و المفکرین الإسلامیین عن الجنین:إنه ولجته الروح.أی دخلته بعد أن لم تکن فیه.و إنما تدخله من خارجه لا محالة،یعنی من خارج العالم المادی، و هو العالم المناسب مع خلقتها و وجودها.
و أما الرأی الثانی فهو الذی اختاره صدر المتألهین فی کتابه(الأسفار الأربعة) نتیجة للقول بالحرکة الجوهریة للأشیاء المادیة.فهی تصل بحرکتها الجوهریة إلی درجة التجرد الروحی.بما فی ذلک حال الجنین فی بطن أمه.
و من هنا قال:بأن الروح مادیة الحدوث روحانیة البقاء أو مجردة البقاء.
و نفی نزول الروح علی الجنین من أعلی لاستلزامه فی نظره اجتماع روحین فی جسد واحد و هو محال أو هو خلاف الوجدان.
و یمکننا الآن أن نتکلم فی ابن الزنا علی کلا هذین المسلکین الفلسفیین:
أما علی المسلک الأول فتحلیل الحال یکون کما یلی:
إن اللّه سبحانه و تعالی کلما رأی المورد أکثر صلاحا و ورعا،کما لو کان الزوجان صالحین و ذکرا اللّه سبحانه فی المواقعة أو کانا علی وضوء و نحو ذلک.
أرسل بقدرته سبحانه فی ذلک المورد روحا صالحة لها من الأعلی،کما هو علی المسلک الذی نتکلم عنه الآن.
و کلما کان المورد أکثر رداءة و عصیانا أرسل فیه روحا ردیئة.و هذا غیر متعین فی موارد الوطء الحلال.و لکنه یکون متعینا فی الزنا أو الوطء الحرام، کابن الحیضة و نحوه.فإنه بعد أن دلت الأدلة علی سوء الناتج دلّ ذلک-بناء علی هذا المسلک-أن اللّه سبحانه اختار للمورد روحا فاسدة و ردیئة و من (العالم الأسفل)کما یعبرون.و ذلک:لأن المورد الردیء لا یتحمل روحا صالحا.أو قل:إن الأرواح الصالحة(حبا لها و إکراما لها)یصونها باریها عن الموارد الردیئة.و إن الأرواح غیر الصالحة(بغضا لها و انتقاما منها)یرسلها باریها إلی الموارد الردیئة.
و من هنا نجد أن ابن الزنا یکون شخصا ردیئا نفسیا و سلوکیا،لأن حقیقته الروحیة هی کذلک.
و هذا الکلام مبنی علی أن الأرواح لیست فقط موجودة قبل الولادة،بل هی علی مستویات و إشکال مختلفة فی الإیمان أو الفساد،کما علیه الناس فی الدنیا تماما.و هذا صحیح فی الجملة.و أهم أساس هو سلوک الروح یوم المیثاق.یوم قال اللّه سبحانه لبنی آدم أَ لَسْتُ بِرَبِّکُمْ قالُوا بَلی .کما نص علیه القرآن الکریم و سمی فی الأخبار بیوم المیثاق.
فمن الأرواح من بادر إلی الجواب و منهم من تباطأ و منهم من تأخر جدا و منهم من قال ذلک علی مضض و منهم من لم یجب أصلا تبعا لمستویاتهم النفسیة و العقلیة.و من هنا تراوحت الأرواح فی المستویات.و أمکننا أن نتصور وجود الروح العلیا و الروح السفلی.
و عندئذ یتم ما قلناه بناء علی هذا المسلک:من أن اللّه سبحانه بقدرته یرسل الروح الردیئة فی المورد الردیء.
و أما علی المسلک الثانی من أن(الروح مادیة الحدوث روحانیة البقاء)فیمکن تحلیل الأمر کما یلی:
إنه عند الفلاسفة قاعدة عامة تقول بضرورة التناسب بین العلة و المعلول من حیث العدد من ناحیة و النوعیة أو الصفة من ناحیة ثانیة.و هذا ما لا مجال الآن للدخول فی برهانه.کل ما فی الأمر أننا ینبغی أن نحمل فکرة عن بعض أمثلته.حیث قالوا:إن الواحد لا یصدر عنه إلاَّ الواحد.یعنی إذا کانت العلة واحدة کان المعلول واحدا و لا یمکن أن یکون متعددا.و کذلک العکس فإنه إذا کان المعلول واحدا عرفنا صدوره من علة واحدة لا من علل متعددة.و إنما الکثیر یصدر من الکثیر.یعنی أن الکثیر من المعلولات تصدر من الکثیر من العلل.
إلی جانب ذلک:فالعلة الحلوة المذاق تنتج معلولا حلو المذاق،و لا یمکن أن تنتج معلولا حامضا مثلا کالعلة النیرة أو المضیئة تنتج معلولا نیرا لا مظلما و العلة الخسیسة تنتج معلولا خسیسا و العلة الشریفة تنتج معلولا شریفا و هکذا.
إذا عرفنا هذه القاعدة،و ضممناها إلی المفهوم القائل بأن الزنا عملیة ردیئة و خاطئة و خسیسة.إذن فهذه العملیة ستکون علة خسیسة لإنتاج الولد.و طبقا للقاعدة المشار إلیها لا بد أن تنتج هذه العلة الخسیسة معلولا خسیسا.و هو ابن الزنا بما فیه من صفات ردیئة و عیوب.
یبقی أن نلتفت:إلی أن هذا التسلسل الفکری متوقف علی اعتبار الجهة المعنویة أو الأخلاقیة الردیئة فی الزنا هی من جملة صفات و مقومات العلة المادیة لولد الزنا.و أما لو لاحظنا حال الحمل و الولادة بغض النظر عن ذلک،لم یکن مختلفا عن أی حمل آخر بطبیعة الحال.
و مثل هذه النتیجة یمکن أن یقبل بها صدر المتألهین الذی نتکلم عن مسلکه الآن.لأنه و أضرابه لا یرون انفکاکا فی التأثیر و التأثیر بین الکونین المادی و غیره أو العالمین المنظور و اللامنظور.
و أما علی المستوی المادی الخالص،فلا یمکن إثباته،کل ما فی الأمر أنه یمکن أن نعطی للقارئ بعض الأمثلة بحیث یتضح التأثیر المتبادل بین الجانبین المادی و المعنوی،الأمر الذی ینتج خطأ الاتجاه المادی الخالص فی فهم العالم.
فمن تلک الأمثلة:أنه ثبت بالعلم الحدیث و التجربة المستمرة لأی فرد تأثیر الجانب النفسی فی إیجاد المرض العضوی،و فی شفائه أیضا.کما ثبت أن للفرد ما یسمی(بالساعة البایولوجیة)حیث یکون فی بعض أوقاته مرحا و فی بعضها منقبضا،و هذا یؤثر علی الکیان المادی للشخص سواء علی مستوی التصرفات أو ما یقول من الکلام أو الأمراض أو حتی التداوی بالأدویة المعروفة، حیث یکون الأنسب أن یستعملها خلال بعض ساعاته دون الأخری،کما أعطوا لذلک تفاصیل لا مجال لذکرها.
هذا و لا ینبغی أن ننسی انقسام الناس إلی ذکی و غیره و إلی نشط و انطوائی.
و إلی حاد المزاج و الهادئ إلی غیر ذلک من الجوانب المعنویة التی لا تؤثر فقط علی الفرد،بل تملکه أحیانا تماما،بمعنی أنها تؤثر علی کل سلوکه و کیانه.
هذا بعد الاعتراف،کما اعترف به العلم الحدیث،خلافا للمسلک المادی الخالص الذی کان معروفا قبل قرن أو قرنین،بأن أمثال هذه الجوانب إنما هی جوانب معنویة و نفسیة،و لیست جوانب مادیة خالصة.
إذن،فالحالة المعنویة للزنا،یمکن أن تجعله علة مادیة ردیئة و خسیسة.
و خاصة بعد أن نلتفت إلی أن الفاعلین أنفسهما جانب نفسی واضح و نلتفت إلی أن الفاعلین أنفسهما فیهما جانب نفسی واضح و ملتفت إلیه من قبلهما،
بأنهما یفعلان أمرا محظورا فی الدین و الإنسانیة.و لا شک بأنه محظور فی الأدیان السماویة الثلاث بل فی المسالک الفکریة المعمقة و الدیانات علی اختلاف أنواعها.و هذه الجهة النفسیة ستکون مؤثرة علی إنتاجهما،تماما کأی تأثیر نفسی آخر،مما سبق أن عددنا أمثلته.
فإن تنازلنا-جدلا-عن إعطاء الیقین بهذا التأثیر فلا أقل من احتماله،الأمر الذی یجعل هذا الجواب(أطروحة)محتملة لتصحیح ما دل علی خساسة ولد الزنا.و دفع ما قد یخطر فی البال ضد ذلک من المحتملات.حیث إن القاعدة:
أنه إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.و نحن الآن قد ذکرنا احتمال صحة ذلک فیبطل الاستدلال ضده.
أعنی شکوی ولد الزنا من حیث إننا سمعنا فی أول هذا الفصل ما روی من أنه یأتی ولد الزنا یوم القیامة و هو یقول-أو یصیح-:ما ذنبی؟ و قد کان لذلک مبرره فی أول الفصل،حین کنا جاهلین أو غافلین عن التفاصیل التی عرفناها خلال الحدیث.و أما الآن فقد اتضح تماما أنه لا معنی لذلک تماما بل یمکن المناقشة فی مؤداة من عدة وجوه:
الوجه الأول:إننی فی حدود ما رأیت من المصادر لم أجد لهذا الخبر سندا صحیحا،إذن فهو لیس بحجة.
الوجه الثانی:إن الفقهاء قالوا فی علم الأصول أن معنی أن یکون الخبر حجة هو أن یکون الخبر منجزا للحکم أو معذرا عنه کالأخبار النافیة للتکلیف.
و أما تلک الأخبار التی لا تتضمن حکما شرعیا فلا معنی للقول بحجیتها،و لا نستطیع أن نثبت مدلولها بطریق مشروع فی الدین.یشمل ذلک کل الأخبار التی تتحدث عن أحوال یوم القیامة و الموت و وصف الجنة و النار و أحوال الملائکة و الجن و تواریخ الأمم السابقة و غیر ذلک.
و تفاصیل الدلیل علی ذلک موکول إلی علم الأصول،و هذه القاعدة و إن لم تتم عندنا هناک،بشکل یمکن القول الآن بأنها مبالغ فیها.إلاَّ أنها لو تمت لشملت محل الکلام لأن الخبر الوارد عن ولد الزنا الذی سمعناه لا یتضمن أی
حکم شرعی لکی یکون منجزا أو معذرا.و من ثم لیکون حجة.إذن فهو لیس بحجة.
الوجه الثالث:إنه ساقط عن الحجیة باعتبار معارضته للقرآن الکریم.فإن ظاهر الخبر هو:أن اللّه سبحانه و تعالی یرید أن یعاقبه بجرم و الدیة فیقول الولد ما ذنبی،و هذا مضمون باطل بضرورة الدین و نص القرآن الکریم إذ یقول:
وَ لا یَظْلِمُ رَبُّکَ أَحَداً (1)
الکهف:49. [1]
و یقول أَمْ یَخافُونَ أَنْ یَحِیفَ اللّهُ عَلَیْهِمْ وَ رَسُولُهُ (2).و لا شک أن معاقبة شخص بجرم آخر ظلم و حیف کما أنه یقول وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْری .فإذا عاقبه اللّه سبحانه بجرم و الدیة کان علی خلاف ما قال هو نفسه فی کتابه،سبحانه و تعالی عما یشرکون.الوجه الرابع:إن مضمون هذا الخبر لیس هو ما قلناه.بل هو التساؤل عن سبب النجاسة الذاتیة التی قدرها اللّه تعالی له.فی هذا ما یلی:
أولا:إنه اعتراض علی اللّه سبحانه و تعالی فی قضائه و قدره.و هو محرم.
إلاَّ أن ابن الزنا لا یتورع عن ذلک لا فی الدنیا و لا فی الآخرة.فلو فهمنا هذه العبارة علی أنها شیء خاطئ یقوله ابن الزنا لکان لها وجه وجیه.
ثانیا:إن هذا التساؤل قد یکون له وجه فی الدنیا حین یکون الفرد جاهلا بنفسه غافلا عن مصیره.و أما فی یوم القیامة فسیکون الفرد أکثر اطلاعا علی حقیقة نفسه و علی مبدئه و معاده و علی عیوبه و ذنوبه.إذن فهو یعرف الجواب سلفا علی هذا التساؤل.و معه لا معنی لصدوره عنه.
ثالثا:إننا لو فرضنا ولد الزنا یبقی جاهلا بحقیقته حتی فی یوم القیامة فینفتح فمه بمثل هذا التساؤل.فسوف یجاب جوابا شافیا مفحما له و تکون الحجة ضده،و من المستحیل أن تکون إلی جانبه بعد أن نعلم أن فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ (3)و أنه لا یمکن عقلا لأحد المخلوقین أن یقیم الحجة علی العکس.إذ تکون عندئذ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ (4)أی مدحوضة و باطلة.
و من هنا یظهر:أن هذا الخبر إن کان یتضمن إقامة الحجة الصحیحة ضد قضاء اللّه و قدره،فهو مناف لضرورة الدین و نص القرآن الکریم من هذه الناحیة أیضا.فیکون واضح البطلان.
و لا نرید هنا التحدث عما سبق من حرمانه من القضاء و إمامة الجماعة و نحوها.و إنما نرید الحدیث هنا عن علاقته بأسرته و عشیرته.
و أخص الناس بالولد والده،فما هی نسبته إلیهما،هل هی أمه.و هل هو أبوه أم لا.إن کانا والدیه حتما فلما ذا انقطع المیراث بینهما.و إن لم یکونا والدیه فلما ذا لم یجز زواج الولد من أمه و الأنثی من أبیها.
و علی العموم فإن الفقهاء أثبتوا لابن الزنا بعض أحکام البنوة و نفوا عنه البعض الآخر،فما هی القاعدة فی ذلک؟و هنا یمکن تسجیل مسلکین فقهیین رئیسین:
المسلک الأول:إن البنوة و الأبوة و الأمومة منتفیة بین الولد و والدیه،و مقتضی القاعدة انتفاء کل الأحکام الخاصة بذلک،إلاَّ إذا ثبت وجوده بدلیل خاص أو لأجل الاحتیاط کالتزاوج بینهما.
المسلک الثانی:إن البنوة و الأبوة و الأمومة موجودة بین الولد و والدیه.
و مقتضی القاعدة ثبوت کل الأحکام الخاصة بهذا الخصوص،إلاَّ إذا ثبت نفیه بدلیل خاص،کالتوارث بینهما.
و بعد أن نلتفت إلی أن ولد الزنا هو ولد حقیقی و عرفی لوالدیه.لأن الولد للمرأة لیس إلاَّ من حملت به و وضعته،و الولد للرجل لیس إلاَّ من أنزله فی فرج امرأة أو قل:من تکوّن من الحویمن النازل منه.و کل هذا ینطبق علی الولد،کما ینطبق من جانبه الآخر علی الوالدین.
فهل موضوع الحکم الشرعی فی أحکام الأسرة،هو الوالدین بهذا المعنی الذی یمکن تسمیته بالولادة الطبیعیة أو الحقیقیة،أو یحتاج ترتب هذه الأحکام إلی شرط زائد و هو کون الولادة مشروعة و غیر منفیة شرعا.و یمکن إقامة الدلیل
علی نفی العلاقة شرعا فی ابن الزنا الأمر الذی ینفی موضوع تلک الأحکام تعبدا و إن کان موجودا حقیقة.
إلاَّ أن القدر المتیقن،هو أن موضوعات الأحکام إنما هی موضوعات عرفیة، بمعنی استفادة معناها من العرف.و لا شک أن العلاقة مع ابن الزنا علاقة عرفیة فی هذه الناحیة تکون مشمولة لکل أحکام الأسرة،إلاَّ ما خرج بدلیل.
و هذا معناه أننا إلی هنا استطعنا أن نبرهن علی المسلک الثانی.و إنما یکون صاحب المسلک الأول مسئولا عن إثبات أحد أمرین إن تمّ أحدهما صحّ مسلکه و إلاَّ فالمسلک الثانی هو الصحیح.
الأمر الأول:إن موضوع الأدلة لیس هو مطلق الأبوة و البنوة و الأمومة،بل هی الأبوة المشروعة المعترف بها من قبل الشارع.
الأمر الثانی:إن موضوع الأدلة و إن کان هو مطلق هذه العلاقات،إلاَّ أن العلاقة الناتجة من الزنا منفیّة تعبدا فی الشریعة،فوجودها کعدمها،فلا تکون موضوعا للأحکام.و مثاله:إسقاط المالیة عن الخمر و الخنزیر،مع أنهما یعتبران مالان عرفا.
أما الأمر الأول فمن الواضح أنه لا دلیل علیه.لأنه یتضمن شرطا زائدا مضافا إلی معنی العلاقة،و هو ما یحتاج إثباته إلی دلیل،و هو منتف.و یکون مقتضی الأصل اللفظی و العملی نفیه.
کل ما فی الأمر أنه قد یستفاد مما قد یستدل به فی الأمر الثانی،علی نفی العلاقة بابن الزنا.یستفاد تقیید العام المقابل له بأن لا تکون العلاقة منفیة و من ثم یجب أن تکون مشروعة.
إلاَّ أن هذا التقیید أمر غیر عرفی و لا تام کبری،کما هو محقق فی محله.
و یکفی لموضوعیة الأحکام أن یبقی الباقی بعد خروج الحصة بالدلیل الثانی،أن یبقی الباقی علی رسله و فهمه العرفی.فإن کان و لا بد فالقید عدمیّ و هو کونه غیر منفی شرعا.و هو وجدانی فی الجملة.و لا دلیل علی القید الزائد.
فهذا حال الأمر الأول.و قد عرفنا عدم صحته.
إذن یبقی المسلک الأول متوقفا علی الأمر الثانی خاصة.و أهم ما یمکن أن یستدل به علی نفی العلاقة بین الأبوین و ولد الزنا أمران:
أحدهما:الأدلة الدالة علی نفی بعض الأحکام کالإرث عن ابن الزنا.
فیقال:إنه یستفاد منه بالدلالة الالتزامیة کونه لیس ذو علاقة،إذ لو کانت العلاقة موجودة لما انتفی الحکم عنه.
و جوابه:إن هذه الدلالة الالتزامیة غیر موجودة،عرفا.إذ نفی الحکم أعم من النفی فی مرتبة الموضوع و من النفی فی مرتبة المحمول.و مقصود المستدل هو الأول و لکن کما یمکن ذلک یحتمل الثانی أیضا،یعنی نفی الحکم بالرغم من ثبوت العلاقة.فلا تکون الدلالة الالتزامیة ثابتة.أو لا دلیل علی ثبوتها علی الأقل.
ثانیهما:الحدیث النبوی المشهور بین المسلمین جمیعا.و هو قوله صلَّی اللّه علیه و آله:الولد للفراش و للعاهر الحجر.حیث یستفاد منه أن العاهر لیس لها ولد و إنما یکون لها بدله الحجر تضرب به.فیکون واضحا فی نفی العلاقة.
و یمکن المناقشة فی ذلک من عدة وجوه نذکر منها:
أولا:إن هذا الفهم لو کان واضحا و مسلما،لا نتفت کل الأحکام القائمة بین الولد و والدیه،فی حین أن عددا منها ثابت بلا إشکال کجواز النظر و حرمة التزویج.مع العلم أنها لیست خارجة بدلیل یخصها.إذن،فما قیل فی ثبوت هذه الأمور یمکن أن یقال فی ثبوت غیرها.
ثانیا:إن ظاهر کلمة(العاهر)عرفا هو المرأة الزانیة و لیس الرجل.فینتج الحدیث بناء علیه:إن العلاقة منفیة بین الولد و أمه دون أبیه.و هذا غیر محتمل فقهیا.إذ ما قیل بنفیه أو ثبوته عن العلاقات مشترک بین الأبوین.
ثالثا:إن ظاهر کلمة(العاهر)عرفا لیس هو الزانیة فی الجملة،بل المحترفة لذلک و هی المسماة بالمومس،بل إن ظاهر کلمة(الزانیة)،هو ذلک ما لم تدل قرینة علی إرادة المرة و المرتین.و هذا هو الذی فهمه الفقهاء من قوله تعالی:
اَلزّانِیَةُ لا یَنْکِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِکٌ .یعنی المعلنة بالزنا و المحترفة له.فکیف بلفظ العاهر.فإنه أولی بذلک جدا عرفا.
و هذا معناه:إنتاج الحدیث لنفی العلاقة بین العاهر المحترفة و ولدها،دون الزانیة لمرة و مرتین.و هذا غیر محتمل فقهیا،کما هو واضح.بل حکم الزنا مشترک بین الجمیع.
و قد یخطر فی البال:إنه یمکن تجرید(العاهر)عن الخصوصیة لنفهم منها کل(زانیة).
إلاَّ أن هذا غیر ممکن عرفا.لاختصاص العاهر بالخسة و السفالة أکثر من غیرها،إذن،فالحکم الوارد علیها لا یمکن عرفا شموله لغیرها.نعم،لو کان الأمر،بالعکس أمکن ذلک من حیث إن الحکم الثابت لمطلق الزانیة یشمل العاهر،إلاَّ أن الأمر لدی المستدل بالعکس.
رابعا:إنه یمکن أن یقال:إن قوله صلَّی اللّه علیه و آله:للعاهر الحجر.لا یعنی نفی الولد،حتی بعد التنزل عن الوجوه السابقة.من حیث إنه دال علی أن العاهر تستحق الحجر لتضرب به عقوبة،و هو الحد.و هذا لا ینافی ثبوت الولد لها أیضا.فالفراش له ولد و لیس له حجر.أما العاهر فلها الحجر مضافا إلی الولد.و هذا یکفی فرقا بین الفقرتین.
و النتیجة:أنه لا یصح الاستدلال بهذا الحدیث النبوی لنفی العلاقة بین الولد و والدیه الزانیین.
و معه تبطل الوجوه کلها الدالة علی ذلک.و معه نرجع إلی الفهم العرفی للأب و الأم و الأبوین و الوالدین و الولد و الابن و نحوها مما هو مأخوذ فی موضوعات الأدلة،الشامل عرفا لولد الزنا.فیکون مشمولا للأحکام کلها ما لم یخرج الحکم بدلیل.و قد عرفنا أنه ینفیه محمولا لا موضوعا.
و نتیجة ذلک:هو أن الأحکام المشکوک شمولها فقهیا لولد الزنا،فإنه ینبغی أن یقال بثبوتها له ما دام موضوعها الأم أو الأب أو الولد أو البنت أو الوالدین و نحو ذلک إلزامیة کانت أو استحبابیة.
و أما الأحکام التی یکون ثبوتها أو انتفاؤها قطعیا أو مسلما،فهی ثابتة علی مقدار التسلیم.
و ذلک إن أحکام الأسرة عدیدة نذکر منها ما یلی:
الأول:الإرث فلو مات أحد الوالدین ورث الولد أو البنت،و إذا مات الولد أو البنت فی حیاة والدیه أو أحدهما ورثا منه.و هذا الحکم قطعی الانتفاء بالنسبة إلی ذریة الزنا.
الثانی:حق حضانة الأم أو الأب للولد و البنت بمقدار من الزمن مذکورة فی محلها.و هذا الحکم محتمل الثبوت فقهیا لذریة الزنا.فیکون ثابتا بالدلیل السابق الذی ذکرناه.
الثالث:وجوب نفقة الأب علی الذریة.و مقتضی القاعدة التی ذکرناها هو ثبوت ذلک علی الزانی.و علی أی حال فلا مجال لجریان أصالة البراءة لوجوب النفقة،لأن الطفل ممن یجب نفقته علی المسلمین علی أی حال،و أبوه أولی الناس بذلک.
الرابع:وجوب الاحترام أو الطاعة للوالدین.إلاّ أن هذا قطعی الانتفاء للزانیین.
الخامس:إن الأب لا یقاد بقتل الولد.و هذا محتمل الثبوت فقهیا،فیکون مقتضی القاعدة السابقة ثبوته.و لا أقل أن احتماله یکون موضوعا لأصالة البراءة المنتجة لعدم وجوب القود.
السادس:حرمة الزواج بین الوالدین و الذریة مع تعدد الجنس.و هذا قطعی الثبوت للزنا کما هو ثابت لغیره.مضافا إلی أنه هو مقتضی القاعدة السابقة.
السابع:حرمة الزواج بین الأخوة مع تعدد الجنس.و هذا محتمل الثبوت فی الزنا حتی لو کان کلهم فی الزنا فضلا عما إذا کان الباقون أولادا مشروعین.
فیکون مقتضی القاعدة السابقة صحته.
الثامن:العلاقة بین الوالدین کوجوب النفقة علی الزوج و وجوب التمکین علی الزوجة.و هذا قطعی العدم فی الزنا.لوضوح أن موضوعه الزوج و الزوجة،و هما لیسا کذلک.
التاسع:وجوب تربیة الذریة تربیة صالحة،و التسبیب إلی مستقبل صالح لهم
اقتصادیا و اجتماعیا.و هذا أمر محتمل الثبوت للوالدین الزانیین فیکون ثابتا بمقتضی القاعدة السابقة.
العاشر:جواز النظر مع تعدد الجنس بینه و بین والدیه و إخوانه و أخواته بالحلال أو بالزنا.فإن هذا الحکم قطعی الثبوت فی ولد الزنا إذ لا یجب علی الأم أو الأخت أن تتحجب منه.
هذا و أما الأحکام الأخری الثابتة بین الناس کنفوذ معاملاته و صون نفسه و أحواله و نحوهما فهی ثابتة فی ابن الزنا کما هی ثابتة لغیره.
نعم،إذا أصبح فردا سیئا فی المجتمع کانت العلاقة و الصداقة معه مرجوحة و غیر محمودة شرعا.لا بصفته ابن زنا بل بصفته فردا سیئا،لأن العلاقة مع أی فرد من أفراد السوء مرجوحة.
هذا و لا یفوتنا قبل نهایة هذا الفصل أن نشیر إلی أن ما علیه دین الزناة أن یلقوا بأولادهم فی المزابل بعد ولادتهم مباشرة أو یقوموا بقتلهم.فهذا عمل شنیع و محرم شرعا و مخالف لعدد من الواجبات التی عرفناها للوالدین تجاه ولدهم و إن کان من زنا.
و علی أی حال فمع الحرج أو الضرر الشدیدین،یکون للوالدین إبعاد ولدهم.إلاّ أن هذا مع إحراز بقائه علی قید الحیاة.و أما مع التغریر بحیاته إما بقتله أو بإلقائه فی موضع مظنون الموت فیه.فهذا حرام لا یکون الحرج و الضرر مسببا لتحلیله.
نعم،مع وجود التهدید بالقتل علی الزانی أو الزانیة،قد یکون مقتضی القاعدة جواز قتل المولود.للیقین بتفضیل الکبیر شرعا علی الصغیر.غیر أنه یحول دون ذلک کونه اضطرارا بالاختیار فلا ینافی الاختیار،فتأمل.
و الکلام فی ذلک ینبغی أن یقع تحت عدة عناوین،لکی نبحثه من جمیع جوانبه المهمة.
هناک نص موروث أو قاعدة فقهیة تقول أن(لحمة الرضاع کلحمة النسب) و اللحمة بمعنی الالتحام و الاتصال.فیکون المعنی أن الاتصال الذی یحصل بالرضاع التام الجامع للشرائط التی سوف نبحثها یکون بمثابة الاتصال النسبی فتکون المرضعة أما و أولادها أخوة و زوجها أبا و أخوها خالا و أخوه عما.
و هکذا.
و هذا فی الجملة مسلّم.إلاَّ أنه من المسلم به أیضا أن الأحکام المترتبة علی القرابة الناتجة من الرضاع لا تشمل کل الأحکام المتربة علی القرابة النسبیة و إنما تختص فقط بتحریم النکاح و جواز النظر بین الجنسین.
و أما سائر الأحکام علی تعددها فهی أجنبیة عن القرابة الرضاعیة تماما.
کوجوب النفقة و حق الحضانة و وجوب الطاعة أو الاحترام و الإرث،و هو من أهمها و عدم قود الأب بقتل ابنه إلی غیر ذلک فإن جمیع ذلک لا یترتب علی الرضاع منه شیء أصلا،و إن کان هو مقتضی إطلاق الخبر المشار إلیه.إلاَّ أن ترتب هذه الأحکام غیر محتمل فقهیا علی الإطلاق.
و لعل مما یقرب ذلک أو یدل علیه هو التفریق بین الأب و الوالد و الأم و الوالدة.فالأب و الأم معنی أوسع من الوالد و الوالدة.فالأولیین قد یشملان المربی حیاتیا أو علمیا و نحو ذلک،بخلاف الأخیرین،فإنهما یختصان بمن حصلت منه الولادة.
و من الواضح عندئذ أن الأب و الأم الرضاعیین هما أب و أم و لیسا و الدار و لا والدة.فالدلیل الدال علی حکم من الأحکام المتعلقة بالأسرة إن کان موضوعه الوالد أو الوالدة،لم یشمل الحالة الرضاعیة و إن کان موضوعه الأب و الأم فقد یشملها.
و هذا الوجه معقول تماما،إلاَّ أنه خاص بالوالدین و لا یشمل الأخوة و غیرهم.کما أنه لیس ذی أثر معتد به فی التسالم الفقهی علی عدم ترتب شیء من تلک الأحکام السابقة مهما کان العنوان المأخوذ فیها.
إذن فالحدیث القائل:لحمة الرضاع کلحمة النسب،خاص بتحریم النکاح و جواز النظر.و بتعبیر آخر.إنه خاص بتحریم النکاح یعنی التحریم المؤبد بحیث تصبح المرأة من(المحارم).و جواز النظر یلحق المحارم أینما وجدن.إذن فمدلوله-فقهیا-حکم واحد لا أکثر (1)
و أما ما رواه فی وسائل الشیعة صحیحا و مستفیضا من قولهم علیهم السلام:یحرم من الرضاع ما یحرّم من النسب.فهو خاص بالتحریم المذکور أیضا بدلالته المطابقیة و لا یمکن أن یشمل غیره.
.و هو دلیل لا إطلاق فیه لبعض موارد الشک لأن المقصود فیه هو بیان أصل الحرمة،و لیس المتکلم فی مقام بیان تفاصیلها لینعقد هناک إطلاق.و إنما حوّل الأمر علی أدلة أخری تدل علی التحریم النسبی،فما ثبت أنه حرام نسبا أصبح حراما رضاعا.
و حیث لا إطلاق فیه لا یمکن التمسک به فی موارد الشک.و إنما یؤخذ منه بالقدر المتیقن.و القدر المتیقن هو حرمة المرضعة علی المرتضع و حرمة ولدها أو بنتها علیه أعنی المشارک له فی الرضاعة مع تعدد الجنس.و هو من یسمی بالرضیع فقهیا.
1) 1)
و أما الرضیع مع أخوة المرتضع و المرتضع مع إخوة الرضیع،و أخوة الرضیع و المرتضع مع بعضهم البعض.فهو خارج عن القدر المتیقن.و من هنا وقع موردا لاختلاف الفتوی بین الفقهاء.
فمنهم من یقول:إنه بسبب الرضاع أصبح کل هؤلاء أخوة.و الأخوة یحرم بعضهم علی بعض من الجنسین إذن فهؤلاء یحرم بعضهم علی بعض.
و منهم من یقول:إن الرضاع الذی هو سبب للتحریم لیس أکثر مما وقع بین الرضیع و المرتضع.فیحرمان علی بعضهما.و أما الباقون فلیس فیهم رضاع حتی بین المرتضع و أخوة الرضیع و بین الرضیع و أخوة المرتضع.فضلا عن هؤلاء الأخوة فیما بینهم.فلا موجب للقول بالحرمة.و مقتضی أصالة البراءة نفیها.
و من الفقهاء من یفرق بین مستویات هذه القرابات.فیفتی بالحرمة بین الرضیع و المرتضع لأنه من موارد القدر المتیقن من دلیل الحرمة.و یحتاط بالحرمة بالنسبة إلی العلاقة بین المرتضع و أخوة الرضیع و بین الرضیع و أخوة المرتضع، و یکون الاحتیاط وجوبیا هنا.و أما العلاقة بین أخوة الرضیع و أخوة المرتضع فلا موجب للقول بتحریمها فإنه لا رضاع بینهم و لا نسب.و مقتضی أصالة البراءة نفی الحرمة.و یکون الاحتیاط فیهم استحبابیا.
هذا،و لا یخفی انقسام الحرمة خارج الأسرة أیضا،کالأجداد و الأحفاد و الأعمام و الأخوال علی غرار ما قلنا فی التحریم النسبی.فإنها جمیعا داخلة فی القدر المتیقن من التحریم،و لا ینبغی أن یخطر علی البال أن فیها موردا مشکوکا کالمثال السابق.
الآیة الکریمة:
قد یقال:إن الآیة الکریمة الآتیة تکفی عن الاستدلال بالحدیث الشریف.
و هی قوله تعالی (1)
النساء:23. [1]
وَ أُمَّهاتُکُمُ اللاّتِی أَرْضَعْنَکُمْ وَ أَخَواتُکُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ .و ذلک بالتجرید عن الخصوصیة،لأن التحریم الرضاعی فی الآیة الکریمة جاء
1) 1)
بعد التحریم النسبی حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ أُمَّهاتُکُمْ وَ بَناتُکُمْ وَ أَخَواتُکُمْ إذن فالمفهوم عرفا من التحریم الرضاعی،کونه تحویلا علی جمیع العناوین السابقة علیه من التحریم النسبی.
أو بتعبیر آخر:إنه لا یجد العرف اختصاصا فی التحریم بالأمهات و الأخوات الرضاعیات.بل نفهم من هذین اللفظین ما یعم سائر الأقارب المحرمة.فتحرم بالرضاع أیضا.
إلاَّ أن هذا التعبیر الأخیر لیس بصحیح لاختصاص الأم و الأخت بالأهمیة فی نظر الشارع أکثر من غیرهما.فإذا کانتا محرمتین،فلا یلزم من ذلک تحریم غیر هما إلاَّ من باب القیاس الذی لا نقول به.و لیس الأقارب علی قدم المساواة من حیث الأهمیة لیمکن التجرید عن الخصوصیة.
و أما التعبیر السابق علیه؛و هو أن التحریم الرضاعی تحویل علی التحریم النسبی فی سیاق الآیة الکریمة فهو و إن کان محتملا،إلاَّ أن ظهوره اللفظی بشکل یکون معه حجة مشکل.
و معه تختص دلالة الآیة بتحریم الأمهات و الأخوات من الرضاعة دون من سواهما.إذن فالحدیث الشریف أوسع مدلولا من الآیة الکریمة،و لا یمکن أن یستغنی بها عنه.
للرضاع المحرم عدة شروط أکثرها محل خلاف بین الفقهاء فیها و فی تفاصیلها.
و هو الرجل الذی در اللبن بسببه.فلا ینشر الحرمة إذا کان اللبن من فحلین و لو کانت المرضعة واحدة.
فلا ینشر الحرمة إذا تعددت،و لو کان اللبن لفحل واحد.
و یراد بالمحلل
ما یشمل وطء الشبهة.و یراد بالنکاح الصحیح ما لا یشمله.إذن فالزنا لا ینشر الحرمة.
أی لم یتجاوز عمره سنتین.
فإن کان أکبر من ذلک لم ینشر الحرمة.
أیضا
فإن کان أکبر من ذلک لم ینشر الحرمة و إن کان المرتضع صغیرا.
الشرط السادس:أن یشرب من ثدی المرأة بنفسه،فلو حلبت له و أعطته لم ینشر الحرمة.
و یصدر من قبل نفسه لا عن مرض أو مغض.فإن منعته المرضعة من الاستمرار فی الرضاع لم ینشر الحرمة.
و لا بأس بالماء الخالص.و أما السوائل المغذیة کعصیر الفواکه فحاله حال الطعام.
فلو کان بالتلقیح الصناعی و نحوه لم ینشر الحرمة.
فلو درّ من دون حمل أو قبل الولادة لم ینشر الحرمة.
الشرائط السابقة
غیر أن هذا المقدار المطلوب فیه عدد من الاحتمالات:
الأول:إرضاع یوم و لیلة.مهما کانت عدد الرضعات.
الثانی:إرضاع عشر رضعات.
الثالث:إرضاع خمس عشرة رضعة.
الرابع:الإرضاع الذی ینبت اللحم و یشد العظم.
فهذه هی شرائط الرضاع ذکرناها سردا،بغض النظر عن ثبوت بعضها.
و عدم ثبوته (1)
فإذا اجتمعت جمیعا فهو أحوط الإشکال فی الرضاع.و إلاَّ کان الفرد تابعا لفتواه اجتهادا أو تقلیدا.
،و بغض النظر عن الأدلة الفقهیة المقامة علی أی واحد منها و الجدل الفقهی فی إثباته.نعم،یحسن فیما یلی أن نحمل فکرة مختصرة عن المدارک و الأدلة التی یمکن إقامتها علی الشرط العاشر.و هو استیفاء المقدار المطلوب من الرضاع.
فعن زیاد بن سوقة قال (2):قلت لأبی جعفر علیه السلام:هل للرضاع حد یؤخذ به.فقال:لا یحرم الرضاع أقل من یوم و لیلة أو خمس عشرة رضعة متوالیات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم یفصل بینهما رضعة امرأة غیرها الحدیث.
و فی صحیحة عبد اللّه بن سنان قال (3):سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول:لا یحرم من الرضاع إلاَّ ما أنبت اللحم و شد العظم.
و معتبرة عمر بن یزید قال (4):سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الغلام.
یرضع الرضعة و الثنتین فقال:لا یحرم.فعددت علیه حتی أکملت عشر رضعات فقال:إذا کانت متفرقة فلا.
و مقتضی المفهوم أنها إذا کانت متوالیة کانت سببا للحرمة.إلاَّ أن العشر رضعات بعدة روایات دالة بصراحة علی عدم التحریم الأمر الذی یدل علی أن المفهوم فی هذه الروایة لم یکن مقصودا.فتأمل و لا أقل من إمکان استصحاب عدم ترتب حکم الرضاع فی کمال العشر بعد التعارض.
ففی صحیحة عبید بن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال (5):سمعته یقول:عشر رضعات لا یحرمن شیئا.
و فی صحیحة علی بن رئاب عن أبی عبد اللّه علیه السلام.قال (6):قلت:
ما یحرم من الرضاع.قال:ما أنبت اللحم و شد العظم.قلت:فیحرم عشر رضعات:قال:لا لأنها لا تنبت اللحم و لا تشد العظم عشر رضعات.
و بهذا سقط احتمال العشر رضعات.و أما احتمال الیوم و اللیلة فهو ساقط لضعف سنده.و أما احتمال کونه فما ینبت اللحم و یشد العظم،فهو صحیح إلاَّ أنه لا یحتمل أن یزید الرضاع علی خمس عشرة رضعة.فیبقی هذا الاحتمال أعنی خمس عشرة رضعة هو القدر المتیقن،و المتعین و تمام الکلام فی الفقه.
هذا و ینبغی فی ما یلی التعرض إلی بعض النقاط:
النقطة الأولی:إننا إذا التزمنا بکلا الشرطین الأول و الثانی کما هو المشهور کان معنی ذلک أن الأخوة فی الرضاع أشقاع فی الرضاع دائما أی لأب و أم رضاعیین و لا یوجد أخوین لأم فقط أو أخوین لأب فقط.
فإننا إذا قلنا باتحاد الفحل کما هو المسلم فقهیا امتنع الأخوة من الأم لأن معناها أن تکون الأم واحدة و الأب متعددا و المفروض اشتراط وحدته.
و إن قلنا بلزوم اتحاد المرضعة،کما هو المشهور امتنع الأخوة من الأب لأن معناه أن یکون الأب واحدا و الأم متعددة و قد اشترطنا اتحادها.
إذن فالإخوة من الرضاع لا بد أن یکونوا لأبوین رضاعیین مشترکین.
نعم قد یحصل تعدد الأم فی الرضاع کما لو أرضعت زوجتان لشخص اثنین من المرتضعین.کما قد یحدث تعدد الأب کما لو أرضعت امرأة واحدة اثنین من المرتضعین من لبن رجلین و لو فی فترتین من الزمان متباعدتین.إلاَّ أن مقتضی الشرطین السابقین عدم انتشار الحرمة عندئذ.و معناه عدم صیرورتهم أخوة بالرضاع بالرغم من حصول السبب شکلیا.نعم لو حذفنا الشرط الثانی و هو اتحاد المرضعة أمکن وجود الإخوة للأب رضاعیا و أما الشرط الأول فلا یمکن حذفه فقهیا.
هذا و لا أثر لمثل هذا التقسیم عملیا حتی لو قلنا به لأن الأخوة من الأب و الأخوة من الأم إنما یختلفون فقهیا بالإرث فقط و قد عرفنا فیما سبق عدم وجود التوارث بین الأخوة الرضاعیین.
النقطة الثانیة:بالنسبة إلی عمر المرتضع فإنه یجب أن یکون خلال السنتین الأولیین و هو عمر الرضاع الشرعی طبقا لقوله تعالی وَ فِصالُهُ فِی عامَیْنِ (1)
لقمان:14. [1]
الدال علی انتهاء زمن الرضاع بانتهاء العامین.و قوله علیه السلام (2):لا رضاع بعد فطام.أی بعد انتهاء العامین و معه لا یکون الرضاع محرما إذا حصل بعد السنتین و لو لرضعة واحدة.و أما عمر الرضیع و هو ابن المرضعة فالاحتمال الفقهی لاشتراط کونه فی داخل السنتین وارد أیضا باعتبار أن لا یکون اللبن الذی در له قد جاوز حد الرضاع إلاَّ أن الصحیح فقهیا خلاف ذلک و إن کان هو الأحوط استحبابا.
النقطة الثالثة:بالنسبة إلی تناول الغذاء بین الرضعات فإن المشهور بین الفقهاء المنع عنه تمسکا بمثل قوله علیه السلام(رضعات متوالیات)کما سمعنا و لا یراد بهذه الصفة إلاَّ عدم تناول الغذاء الآخر لا التوالی الزمنی فإن ذلک إنما یکون بحسب طبع الطفل فی جوعه و عطشه.
و إن أهم ما یجب الامتناع عنه بهذا الخصوص هو رضاع مرضعة أخری خلال إرضاعه من المرضعة الأولی إذا کان اللبن من الثانیة بمقدار یکفی للتغذیة لا کالقطرة و القطرتین فلو حصل ذلک لم ینشر الحرمة.
و هذا الشرط أعنی عدم التناول الخارجی قد یعنی انحصار الرضاع عملیا بالأشهر الأولی للطفل أو للسنة الأولی له.إذ لو کان عمره أکثر من ذلک لاحتاج إلی الطعام و لم یکتف باللبن.و کان قطع الطعام عنه ظلما له و جنایة علیه.و لکن مع ذلک إن حصل ذلک کان رضاعا محرما ما دام لم یکمل السنتین.
النقطة الرابعة:المهم فی صدق الرضاع صدق الوالدین بالنسبة إلی المرتضع و الرضیع معا و هذا یصدق فی بعض أشکال التلقیح الصناعی کما لو لقحت الزوجة نفسها بماء زوجها فیکون ولدهما شرعیا و اللبن شرعیا و إن کانت عملیة التلقیح محرمة أحیانا و إذا کان اللبن شرعیا أمکن أن یشارک فی نشر الحرمة.
هذا فی الرضیع و أما فی المرتضع فلا أثر له أن یکون من أولاد الأنابیب أو لا یکون،بعد أن یتعین والده فقهیا و یکون انتشار الحرمة من زاویة ذینک الوالدین.
نعم سبق فی فصل التلقیح الصناعی أن الذریة الصناعیة قد یکون لها أب و لا یکون لها أم کما لو کان الجنین فی رحم صناعیة و کان صاحب الحویمن معلوما و صاحبة البویضة مجهولة.
و قد یکون للذریة أم و لا یکون لها أب کما لو کان صاحب الحویمن مجهولا و صاحبة البویضة معلومة و الرحم بشریة.فتکون هی أمه و لیس له أب.فمن ناحیة المرتضع سوف تنتشر الحرمة من الطرف الموجود بطبیعة الحال دون المعدوم.
و أما من ناحیة الرضیع و لبنه فمن الواضح أن المتربی بالرحم الصناعیة لیس له لبن.و أما العکس أعنی الذی له أم و لیس له أب فإن قلنا بحرمة هذا الأسلوب أساسا لتسبیبه دخول حویمن الأجنبی إلی رحم الأجنبیة.إذن لا یکون هذا اللبن سببا للتحریم لعدم کونه ناتجا عن نکاح صحیح.و إن قلنا بالجواز من هذه الناحیة(و إن کان الصحیح هو الأول)أمکن إلحاق هذه الصورة بوطء الشبهة فإن المشهور و الصحیح کون اللبن الناتج عنه ناشرا للحرمة فکذلک الحال فی موضوع الکلام.
النقطة الخامسة:إن الرضاع إنما یصدق مع التقام الثدی و المص منه.و أما بخلاف ذلک کما لو حلبت و أعطته لم ینشر الحرمة کما سبق.و نضیف هنا أن هذا اللبن المحلوب سیکون حاله حال الطعام الخارجی مانعا من انتشار الحرمة إن حصل بین الرضعات المشروطة فضلا عما إذا أردنا أن نحسبه من جملتها.
قال الشهیدان فی(شرح اللمعة) (1)
ج 5 ص 452 و ما بعدها ط بالجامعة.
:فیجب علی الأم إرضاع اللبأ بکسر اللام و هو أول اللبن فی النتاج.قاله الجوهری.و فی نهایة ابن الأثیر:هو أول1) 1)
ما یحلب عند الولادة.و لم أقف علی تحدید مقدار ما یجب منه.و ربما قیده بعض بثلاثة أیام و ظاهر نقلناه عن أهل اللغة أنه حلبة واحدة.و إنما أوجب علیها ذلک لأن الولد لا یعیش بدونه.
ثم قال بعد عدة أسطر:و ربما منع من کونه لا یعیش بدونه.فینقدح عدم الوجوب،و العلامة قطع فی القواعد بکونه لا یعیش بدونه.و قیده بعضهم بالغالب.و هو أولی انتهی موضع الحاجة من کلامه.
و قال ابن منظور:اللبأ علی فعل بکسر الفاء و فتح العین أول اللبن فی النتاج.أبو زید:أول الألبان اللبأ عند الولادة.و أکثر ما یکون ثلاث حلبات و أقله حلبة.و قال اللیث:اللبأ مهموز مقصود أول حلب عند وضع الملبئ (یعنی الأنثی ذات اللبأ).
و لبأت الشاة ولدها أی أرضعته اللبأ و هی تلبؤه و التبأت أنا:شربت اللبأ.
و لبأت الجدی أطعمته اللبأ.أبو حاتم:ألبأت الشاة ولدها أی قامت حتی ترضع لبأها و قد التبأناها أی احتلبنا لبأها.و استلبأها ولدها أی شرب لبأها.
قال و ألبأ اللبأ:أصلحه و طبخه.و لبأ اللبأ یلبؤه لبأ و ألبأه:طبخه الأخیرة عن ابن الأعرابی.
و لبأت الناقة تلبیئا و هی ملبِّئ بوزن ملبِّع:وقع اللبأ فی ضرعها.ثم الفصح بعد اللبأ إذا جاء اللبن بعد انقطاع اللبأ یقال:قد أفصحت الناقة و أفصح لبنها.
و من کلام ابن منظور هذا تعرف عدة نقاط:
النقطة الأولی:إن نطق هذه الکلمة بباء ممدودة بألف بعدها.نطق خاطئ، ناتج عن الجهل فی طریقة وضع الهمزة،فبدلا عن أن توضع الهمزة علی الألف نفسها(اللبأ)کما هو الصحیح،توضع الهمزة بعد الألف خطأ فیکون الألف حرفا مستقلا.و هذا النطق هو المشهور مع الأسف.
النقطة الثانیة:إن کل أنثی ذات لبن،سواء فی الإنسان أو الحیوان فهی ذات لبأ فی أوله.و کان العرب یحلبون لبأ الشاة و الناقة و یشربونه أو یطبخونه.
النقطة الثالثة:إن مدة نزول اللبأ من الثدی قد لا یکون محددا،فهو یختلف
باختلاف نوع الأنثی من إنسان أو غیره کما یختلف باختلاف مزاج الأنثی من حیث صحتها و طعامها و غیر ذلک.
و بحسب فهمی:فإن اللبأ و اللبن من جنس واحد.کل ما فی الأمر فإن الثدی قد یمتلئ باللبن قبل الولادة بمدة کأسبوع أو أکثر.الأمر الذی یسبب طول بقاء اللبن فی الثدی بدون حلب.الأمر الذی یستوجب تبخّره و ثخانته و هو فی داخل الجسم.و قد یستوجب ذلک أیضا أن یناله من مواد الجسم مواد إضافیة:الأمر الذی یعطیه صورته النهائیة،فیکون مادة صمغیة لزجة ذات ثقل نوعی أعلی من الحلیب.کما سیأتی.
النقطة الرابعة:لیس فی کلام ابن منظور و من نقل عنه من اللغویین إن ترک إرضاع اللبن للرضیع مضر بصحته.بل من الواضح أن العرب کانوا یحلبونه لاستعمالاتهم و یحرمون منه الرضیع.و لو کانوا یعلمون بسوء حاله عندئذ لما فعلوا ذلک.
و إن کان یمکن أن یقال:إن شرب الرضیع للبأ یکفی بمقدار قلیل لقوام صحته،و لا یلزم أن یشربه کله.و لا شک أنه کان ینال منه شیئا قلیلا و لا حاجة إلی ما هو أکثر من ذلک من الزاویة الاقتصادیة أعنی للحفاظ علی صحة الحیوان الرضیع من وجهة نظر المالک.
النقطة الخامسة:أنه ظهرت الحکمة من وجود اللبأ بصفته مشارکا فی صحة الرضیع سواء کان حیوانا أم إنسانا.إلاَّ أن مقدار مشارکته لم تتضح حتی الآن.
و مهما یکن فالحکمة متحققة و محفوظة.
النقطة السادسة:إنه لم یثبت ما قطع به العلامة الحلی فی القواعد فی موت الرضیع مع حرمانه اللبأ.نعم،لو لم یعط الرضیع أیة تغذیة خلال مدة نزول اللبأ مات لا محالة.و لکن لیس المفروض ذلک.بل إذا عوضنا للرضیع تغذیة أخری کالحلیب أو الماء و السکر و غیرهما فهل یموت أو یکون عرضة للموت؟ فهذا ما یبعد حدوثه.و إن لم یکن من اختصاص هذا الکتاب الجزم بذلک.
کل ما فی الأمر أن اللبأ یقوی الرضیع و یدفع عنه الضعف و القابلیة للأمراض.کما سنسمع بعد قلیل.
و هنا تقریر عن اللبأ (1)
المصدر:السابق 454 و ما بعدها.
فی أحد المصادر فنقول عن أحد الأطباء الاختصاصیین.ننقله مع تغییر بسیط فی العبارة:اللبأ:اسمه اللاتینی أو العلمی COLOSTR M .و باللغة الإنکلیزیة- RIBODIEST .
فی غضون الأشهر الثلاثة الأخیرة من فترة الحمل تبدأ ثدیا الأم الحامل بالانتفاخ.حیث تتکون فی قنوات الثدی إفرازات من مادة صفراء اللون صمغیة القوام.
یبدأ الطفل الرضیع فی الیوم الأول من ولادته بالغذاء علی هذه المادة.
و التی تستمر بالإفراز من ثدی الأم لفترة قصیرة تتراوح بین الیومین إلی أربعة أیام.
و أما صفات هذه المادة الطبیعیة و ترکبها الکیمیاوی فإنها تکون أثقل من حلیب الأم من حیث الوزن النوعی.حیث یتراوح بین 1060-1066 إذا ما قارناه بحلیب الأم أو حلیب الحیوانات اللبونة الأخری.حیث یتراوح الوزن النوعی له من 1025 إلی 1030.
و أما من حیث التفاعل الکیمیاوی فإنها(قلویة)أی من المواد الکیمیاویة المسماة بالقواعد فی مقابل الحوامض.و لهذه المادة خاصیة تغییر ورد(عباد الشمس)من الأحمر إلی الأزرق.
و أما من حیث الترکیب الکیمیاوی فإنها تحتوی علی نسب عالیة تزید علی النسب الموجودة فی الحلیب الاعتیادی للأم بأضعاف.کمادة الکلس الضروریة لبناء عظام الطفل.و مادة الحدید الضروریة لتکوین کریات الدم الحمراء.
و کذلک تحتوی علی مادة الفوسفور و الصودیوم و البوتاسیوم التی تدخل فی ترکیب معظم المواد السائلة فی جسم الطفل.
کما أنها تحتوی علی نسبة عالیة من الپروتین و الفیتامینات التی تکون الجزء
1) 1)
الأعظم من أنسجة الجسم.لذا تقوم هذه المادة مقام أساس البناء الذی ینمو علیه جسم الطفل فی الأیام الأولی من عمره.و بدن هذه المادة یکون نمو الطفل متأخرا من الناحیة الجسمیة و العقلیة.
هذا فضلا عن أن هذه المادة تحتوی علی عناصر مضادة للمیکروبات و الجراثیم التی قد توجد فی بدن الرضیع.فهی تزود الطفل بالمناعة ضد الأمراض المتولدة منها.و تساعده علی مقاومتها و الدفاع ضدها و إیقاف فعّالیاتها التی تجعل الطفل الرضیع عرضة للتلف و الهلاک.
و قد ثبت أخیرا لدی مشاهیر الأطباء بالتجارب العلمیة.و الإحصائیات البایو البایولوجیة الحیاتیة.أن الأطفال الذین یحرمون من تناول اللبأ یکونون عرضة لمختلف أنواع الأمراض التی تقضی علی حیاتهم فی الأشهر الأولی من عمرهم.
لذا إن نسبة الوفیات بین الأطفال الذین یحرمون من هذه المادة فی تلک الأیام بعد الولادة،کثیرة جدا.
و أما الذین یعیشون من دون تناول لهذه المادة،فضعیفو البنیة،و متأخرو النمو من الناحیة الجسمیة و العقلیة و عرضة لمختلف أنواع الأمراض.
أقول:هذا.و ما یحتمل أن یکون دلیلا علی وجوب إرضاع الأم اللبأ لرضیعها.عدة وجوه فقهیة محتملة:
الوجه الأول:التمسک بالروایات.و لکن لا توجد أیة روایة دالة علی ذلک، لا ضعیفة السند و لا معتبرة.فهذا الوجه ساقط بالمرة.
الوجه الثانی:التمسک بالشهرة،باعتبار أن المشهور یفتی بالوجوب.و هذا أیضا لم یثبت.علی أن الشهرة وحدها لیست بحجة،و خاصة مع احتمال مدرکیتها و اعتمادها علی الوجه الثالث الآتی أو ما یلیه فلا تزید حجیتها عندئذ علی حجیته.
الوجه الثالث:التمسک بما دل علی حرمة قتل المسلم أو تعریضه للهلاک.لا یختلف فی ذلک الرضیع عمن سواه باعتبار ما سمعناه من أن ترک إرضاع اللبإ یجعله عرضة للهلاک.
و هذا و إن کان مسلما کبری إلاَّ أنه مورد للمناقشة صغری،کما سمعناه.إذ لا دلیل علی حصول الهلاک له بدونه.نعم.من حصل له الاطمئنان بذلک وجب علیه.
الوجه الرابع:التمسک بدلیل الضرر الدال علی حرمة الإضرار بالآخرین.
و قد سمعنا أن ترک إرضاع اللبأ تجعل الرضیع عرضة للضرر.
إلاَّ أن هذا الوجه محل مناقشة کبری و صغری.
أما الکبری:فلأن دلیل حرمة الإضرار غیر الإجماع.غیر موجود، و الإجماع دلیل لبی و قدره المتیقن الإضرار الفادحة و الشدیدة.
و أما قاعدة لا ضرر و لا ضرار.فیراد بنفی الضرر عدم وجود الأحکام الضرریة فی الشریعة.و جواز الإضرار لیس حکما اقتضائیا لینفی.و أما الضرار فلیس بمعنی الإضرار بل بمعنی(تبادل)الضرر بین اثنین.و لذا قال فی الروایة:
أنت رجل مضار و المضارة هی تبادل الضرر کالمحاربة و المقاتلة و المواقعة و غیرها.
إذن.فهذه القاعدة أجنبیة بکلا فقرتیها عن محل الاستدلال.
نعم،یبقی الدلیل الدال علی وجوب احترام المؤمن دلیل حرمة إیذائه باعتبار أن الإضرار بالمؤمن خلاف احترامه.و موجب لإیذائه.و هذا صحیح غالبا فیقال بحرمة الإضرار التی تستوجب ذلک.إلاَّ أن انطباق عنوان الاحترام علی الرضیع مشکل و کذلک الإیذاء بمعنی التأثر النفسی فی الشخص المنفعل به.فإنه لا یحصل للرضیع کما هو واضح.
و أما بدون هذا التأثر فنبقی نحن و مجرد حصول الضرر.فمع الاطمئنان أو الوثوق بحصول ضرر معتد به تلزم الفتوی بالوجوب.و مع احتمال ذلک احتمالا معتدا به یلزم القول بالاحتیاط الوجوبی.و أما بدون ذلک فلا.
و من هنا عرفنا معنی المناقشة فی الصغری أیضا.أی أن وجود الضرر فعلا من ترک إرضاع اللبأ موکول إلی وجدان الأم.فإن احتملت ذلک أو اطمأنت به وجب علیها فعلا أو احتیاطا الإرضاع.و إلاَّ فلا.
قال الفقهاء إنه یجوز للأم الحرة مطالبة زوجها بالأجرة علی إرضاع ولدها
و ولده أو البنت و هذا الحکم قائم نظریا علی أن الإرضاع و التغذیة للطفل لیست إلزامیة بعاتق الأم و إنما هی علی الأب أو علی الطفل نفسه بمعنی أنه لو کان له ما کان للأب أن یدفع من أموال طفله فإن لم یکن له مال وجب علی الأب أن یدفع من أمواله لأن الطفل الذی لا مال له یکون واجب النفقة علی أبیه.فإن کان الأب معسرا لا یکفی واردة لدفع الأجرة وجب علی الأم إرضاعه تبرعا من حیث إن وجوب تغذیة الطفل تکون علیها عندئذ.
هذا و ینبغی أن نلتفت إلی أن السیرة المتعارفة خلال أجیال المسلمین من عدم أخذ الأمهات الأجرة علی الإرضاع لا ینافی ما قلناه لأن أخذ الأجرة جائز للمرأة لا أنه واجب علیها.
و أضاف الفقهاء قولهم:إن الأم إذا طلبت أجرة أکثر من مرضعة أخری جاز للأب دفع الولد إلی المرضعة الأخری.غیر أن مصلحة الطفل فی إرضاع أمة له باعتبار أن لبنها أوفق لصحته لأنه مخلوق من أجله.علی أن الاستحباب متحقق باستمرارها بإرضاعه و اختصاصها به.
و یقوم استحقاق الأم للأجرة نظریا علی ملکیتها للبن الذی یخرج منها و للإرضاع و هو العمل الذی تقوم به طبقا للقاعدة العامة بأن کل شخص یملک خصائص نفسه،فیکون من حقها أخذ الأجرة علیه کما یکون لها التبرع به للطفل أو لأبیه إن صحّ التعبیر.
و لم یوضح الفقهاء أن الأجرة المأخوذة هل تعتبر ثمنا للبن أو أجرة علی العمل أو کلا الأمرین و إن کان تعبیرهم بالأجرة یوحی بالثانی إلاَّ أن هذا لا ینافی أن یکون الثالث من قصدهم لوضوح أنه مع الأجرة لا یذهب اللبن هدرا.
هناک بعض التفریعات و المسائل الطریفة للرضاع المحرم یحسن أن نتعرض إلی بعضها
أو فرض الإرضاع فی لبنه مع عدم الدخول و إلاَّ حرمت هی و لا یترک الاحتیاط تجدید العقد علی المرتضعة.
أقول:مع تحقق الدخول بالکبیرة و تحقق شرائط الرضاع المحرم فستکون الکبیرة أم زوجته و الصغیرة بنت زوجته المدخول بها فیحرمان معا علی الزوج.
و أما مع عدم تحقق الدخول فستکون الکبیرة أما للزوجة فتحرم و أما الصغیرة فهی بنت الزوجة غیر المدخول بها فلا تحرم طبقا لقوله تعالی فَإِنْ لَمْ تَکُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَیْکُمْ و الضمیر المؤنث فی الآیة یعود إلی الزوجات ذوات البنات.
و الاستدلال علی ذلک إما بالروایة أو علی القاعدة.أما الروایة فما رواه علی ابن مهزیار عن أبی جعفر علیه السلام قال:قیل له:إن رجلا تزوج بجاریة صغیرة فأرضعتها امرأته ثم أرضعتها امرأة له أخری فقال ابن شبرمة:حرمت علیه الجاریة و امرأتاه.فقال أبو جعفر علیه السلام:أخطأ ابن شبرمة تحرم علیه الجاریة و امرأته التی أرضعتها أولا.فأما الأخیرة فلم تحرم علیه کأنها أرضعت ابنته.
و الصحیح اعتبار هذه الروایة سندا بالرغم من بعض المناقشة فیها.
و أما علی القاعدة فقد یستشکل فیها باعتبار عدم إمکان اجتماع الزوجیة و الحرمة معا شرعا لیصدق علی المرضعة أنها أم زوجته.و الصغیرة حال زوجیّتها لم تکن بنتا و حال بنتیها لم تکن زوجة.و کذلک الکبیرة فإنها حال زوجیتها لم تکن أما و حال أمومتها لم تکن زوجة.إذن فالکبیرة؛أم من کانت زوجة و الصغیرة:بنت من کانت زوجة.أی بعد زوال عنوان الزوجیة،و بعد زواله کیف یترتب الحکم بالحرمة.
و الجواب علی ذلک من وجوه:
1) 1) منهاج الصالحین ج 2 ص 292. [1]
الوجه الأول:إن المستفاد فی عدد من الروایات فی باب الرضاع کالروایة السابقة و غیرها،الاکتفاء بهذا المقدار من العلاقة بین الزوجیة و الحرمة.أی یمکن الإکتفاء بترتب الحرمة و لو بعد زوال الزوجیة حقیقة.و إذا تمّ الدلیل التعبدی علیه أخذنا به.
الوجه الثانی:تحکیم الفهم العرفی،من حیث إن الفرق بین زوال الزوجیة و ثبوت الحرمة لیس إلاَّ فرقا عقلیا فی الرتبة و إلاَّ فمن ناحیة الفهم العرفی فإن عنوان البنت أو الأم یرد علی نفس موضوع الزوجة.یعنی حال ثبوت عنوان الزوجیة عرفا.لأن العرف لمکان التسامح عنده لا یلحظ تعدد الرتبة العقلیة.
فهی عقلا و إن صدق علیها أنها کانت زوجة إلاَّ أن العرف یراها باقیة علی الزوجیة.
الوجه الثالث:إن ما تخیله المستشکل من تعدد الرتبة بمعنی ارتفاع الزوجیة أولا ثم ثبوت البنتیة و الأمومة لیس بصحیح.بل الأمر بالعکس.
و ذلک لأن الرضاع الجامع للشرائط ینتج نتیجته علی کل حال سواء کانت الصغیرة زوجة أم لا و کذلک الکبیرة.إذن فما یرد أولا هو صدق الأمومة و البنوة.و یکون هذا موضوعا للتحریم لأن کل(أم زوجة)و(بنت زوجة)حرام و فی طول ثبوت هذه الحرمة یرتفع عنوان الزوجیة الذی کان سابقا.
إذن،فالعنوانان یجتمعان آنا ما ثم تنتفی الزوجیة،لا أنهما لا یجتمعان لتکون الأمومة واردة علی مکان فارغ من الزوجیة کما أراد المستشکل،بل الأمر بالعکس کما ألمعنا.
و هذه الأجوبة الثلاثة تسری فی عدد من صور الرضاع المحرم.و سنذکر فیما یلی بعض أمثلته مضافا إلی هذا المثال الذی انتهینا منه.
هذا و بقیت فیما نقلناه من کلام السید الأستاذ بعض المناقشات التی لا حاجة إلی الإطالة بها.
1) 1) منهاج الصالحین ص 272 ج 2.
کل منهما أجنبیة عن الآخر و أرادا أن تصیر زوجة کل منهما من محارم الآخر حتی یحل له النظر إلیها.یمکن لهما الاحتیال بأن یتزوج کل منهما بصبیة و ترضع زوجة کل منهما زوجة الآخر رضاعا کاملا.فتصیر زوجة کل منهما أما لزوجة الآخر.فتصیر من محارمه و حل نظره إلیها و بطل نکاح کلتا الصبیتین لصیرورة کل منهما بالرضاع بنت أخی زوجها.
أقول:ینبغی أن نلاحظ علی ذلک عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولی:إن هذا الفرع یأتی فیه الإشکال السابق:و هو أن المرضعة تصبح أم من کانت زوجته و أجوبته الثلاثة.و لا حاجة إلی شرحها مجددا.
الملاحظة الثانیة:إن هذه العملیة لو حصلت،حرمت زوجة الأخ علی أخی زوجها حرمة مؤبدة.فإذا طلقها زوجها لا یمکن لأخیه الزواج منها.لأنها أم زوجته بالرضاع.و بتعبیر آخر:هی من محارمه و المحارم تعنی الحرمة المؤبدة.
الملاحظة الثالثة:قد افترض النص وجود أخوین متزوجین،فیعملان العمل المشار إلیه.و کذلک لو کان أحدهما متزوجا دون الآخر بلا فرق.
الملاحظة الرابعة:إنه یجب أن لا یقع طلاق للصغیرة قبل الرضاع أو خلاله.
و المهم أن یتم الرضاع و هی فی حال الزوجیة.کما یجب أن لا یکون الزواج منقطعا.إلاَّ إذا کان ذا مدة تصل إلی حد بلوغ البنت علی الأحوط.
الملاحظة الخامسة:ینبغی أن تکون الرضیعة أجنبیة عن الزوج و الزوجة أو عن الأخ و زوجته،و إلاَّ فقد یتسبب الرضاع إلی انفساخ نکاح الزوجة المرضع.بدل التسبیب إلی صحته و دوامه.
الملاحظة السادسة:یجب أن یکون النکاح مع الصغیرة نکاحا بإذن ولیها:
أبوها أو جدها لأبیها.و أن یکون جدیا لا صوریا.بحیث لو لم یحصل الرضاع و لا الطلاق بقیت زوجته الدائمة.
هذا و لا یجوز أن یکون الولی هو الوصی أو الحاکم الشرعی أو عدول المؤمنین،لمن یستشکل فی جواز ولایتهم لنکاح الصبی أو الصبیة.و إذا أنیط بالمصلحة،کانت المصلحة الملحوظة هو مصلحة الصغیرة لا مصلحة الزوجة و الزوج أو أخی الزوج.
الملاحظة السابعة:کان بعض العلماء المتأخرین له طریقة أخری لتحلیل الزوجة علی أخی زوجها.و ذلک قبل أن یتم عقد نکاحها علی زوجها یتم عقد نکاحها علی الأب یعنی أب الزوج.مع ضمیمة الفتوی أنها لا تحرم علی ابنه إذا کان العقد منقطعا و النظر و اللمس بشهوة غیر موجودة.عندئذ تصبح المرأة زوجة الأب لأخ الزوج قبل أن تعقد علی أخیه.ثم یهبها الأب المدة،و لا تحتاج إلی عدة لعدم الدخول،فیمکن أن تعقد علی من یراد له أن یصبح زوجها.
إلاَّ أن الإشکال فقهیا فی ذلک:حول الفتوی المشار إلیها.فإنها إن عقدت علی الأب أصبحت من محارم أولاده کلهم بما فیهم من یراد أن یصبح زوجها.
فتحرم علیه قبل أن یتزوجها،فیمتنع الزواج علیه منها.و لیس فی الشریعة من المحارم ما یجوز الزواج منه.أو بتعبیر آخر:إن المرأة ستکون من المحارم بلحاظ جواز النظر لا تحریم النکاح.فهذا غیر معهود فی الشریعة.لمدی التلازم بین الحکمین.
فإن کان یری المفتی:إنها لا تحرم علی الأولاد بعد العقد علی الأب وهبتها المدة.فهی إذن لیست من محارمهم لا بالنسبة إلی زوجها و لا بالنسبة إلی أخیه فلا یجوز لأخیه النظر إلیها شرعا.
و إن جاز نظره إلیها شرعا،جاز ذلک لزوجها قبل عقدها علیه بصفته من محارمها.فکیف یمکنه أن یعقد علیها؟إن تحمل مثل هذه الفتوی أمام اللّه سبحانه صعبة جدا.فالطریقة الأولی للتحلیل هی المتعینة.
الملاحظة الثامنة:لا فرق فی الطریقة الأولی بین کون الرضاع قبل الزواج أو بعده.فما سبق کان الرضاع بعد الزواج.
و کذلک لو کان قبله،لا بمعنی أن یکون من لبن الزوج.بل یعنی أن یتزوج الأخ أم زوجة أخیه،ولادة أو رضاعا،فتکون من محارمه قبل العقد علی أخیه.
الملاحظة التاسعة:یجب لکی تحصل النتیجة المطلوبة أن یتم عقد الصغیرة علی الأخ قبل البدء بالرضاع.و الأحوط أن لا یکون خلاله فضلا عما إذا کان بعده،إذ لو تمّ الرضاع أصبحت بنت أخ لأخی الزوج فتحرم علیه فلا یمکن زواجها منه لتصبح أمها الرضاعیة أم زوجته.فلا تحصل النتیجة المطلوبة.
و بعبارة أخری:
أرضعت الولد جدته من طرف الأم حرمت بنتها أم الولد علی زوجها و بطل نکاحها،سواء أرضعته بلبن أبی البنت أو بلبن غیره.
و ذلک:لأن زوج البنت أب للمرتضع و زوجته بنت للمرضعة جدة الولد.
و قد مرّ أنه یحرم علی أبی المرتضع نکاح أولاد المرضعة.فإذا منع منه سابقا أبطله لاحقا.
أقول:و هذا(أعنی کون الزوجة بنتا للمرضعة)یحصل سواء أرضعته بلبن أبی البنت أو بلبن غیره.
ثم قال:و کذا إذا أرضعت زوجة أبی البنت من لبنه ولد البنت بطل نکاح البنت.لما مرَّ من أنه یحرم نکاح أبی المرتضع فی أولاد صاحب اللبن.
(2) و ذلک:فیما إذا تزوج الأخوان الأختین انفسخ نکاحهما.لأن المرتضع إن کان هو الذکر،فإن أرضعته جدته من طرف الأم صار خالا لزوجته و إن کان هو الأنثی صارت هی عمة لزوجها علی الأول و خالة له علی الثانی،فبطل النکاح علی أی حال.
أقول:إن قوله:فیما إذا تزوج الأخوان الأختین.کأنها عبارة زائدة.إذ یراد بها أن الأخوین:أب الصغیر و أب الصغیرة،کانا متزوجین بأختین هما أم الصغیر و أم الصغیرة.إلاَّ أن هذا لیس بلازم فی حصول بطلان نکاح الصغیرین بالرضاع المشار إلیه.بل یلزم بطلان النکاح سواء کانا متزوجین بأختین أم لا.
و سواء أرضعت جدتهما الصغیرین بلبن جدهم أم بلبن غیره أو بالاختلاف.
و سواء أرضعتهما بلبن واحد أو بلبنین یعنی قد درّا بمناسبتین مختلفتین.
و إذا أرضعت واحدا انفسخ النکاح فضلا عما إذا أرضعتهما معا.و هذا یتم فقهیا لو أرضعت جدتین لهذین الصغیرین لهما.و تمّ رضاعاهما فی آن واحد حصل سببین لبطلان النکاح فی آن واحد.و لیس للعبارة فهم آخر إذ لم یسبق فی المسألة وجود أختین لیکونا معهودتین هنا.
لو کان هناک زوجان لهما أولاد و بنات و هناک زوجان آخران کذلک فأرضعت إحدی الزوجتین أحد ذریة الزوج الآخر،فیحرم المرتضع علی الرضیع مع تعدد الجنس کما یحرم المرتضع علی أخوة الرضیع و الرضیع علی أخوة المرتضع احتیاطا کما یحرم کلا الأبوین من الزواج فی الآخر سواء کان هو طرف الرضاعة أم غیره.
و لکن هل یحرم الأخوة الآخرین علی بعضهم البعض وجهان محتملان:
الوجه الأول:ما قلناه من عدم الحرمة إذ لا نسب بینهم و لا رضاع و مقتضی الأصول المؤمنّة جواز النکاح.
الوجه الثانی:إن هؤلاء جمیعا بمنزلة الإخوة،لأن أخ المرتضع النسبی هو أخو أخ الرضیع بالرضاعة فکذلک العکس فی إخوة الرضیع و أخو الأخ بمنزلة الأخ فینبغی أن یقال بحرمة النکاح بینهم.
و هذا و نحوه هو المراد من عموم المنزلة فی الرضاعة.
و قد یستدل علیه بأدلة تحریم الرضاع نفسها کقوله علیه السلام(یحرم من الرضاع ما یحرم من النسب)أو(لحمة الرضاع کلحمة النسب)حیث یکون المفهوم من هذین النصین أن الحرمة تنتشر بالرضاع بمقدار ما تنتشر بالنسب إلاَّ ما خرج بدلیل خاص کاشتراط وحدة الفحل و إلاَّ فإن الرضاع و النسب یشکلان قرابة متشابهة أو مشترکة.
و بهذا الدلیل اللفظی یندفع ما قلناه من جریان الأصول العملیة المؤمّنة عن الحرمة لأن الدلیل اللفظی مقدم علی الأصل العملی کما هو ثابت فی علم الأصول.
إلاَّ أنه یمکن المناقشة فی ذلک بعدة وجوه نذکر بعضها:
الوجه الأول:إنه یمکن أن یقال:إن هذین النصین للتحریم لا إطلاق لهما لأنهما لیسا فی مقام بیان سائر التفاصیل و إنما فی مقام بیان الحرمة فقط إجمالا و معه لا مورد لتمسک بإطلاقهما فی الموارد المشکوکة.
الوجه الثانی:إن الخبر حوّلنا علی الصفات النسبیة فما وجد منها بالرضاع کان محرما.و أما الصفات التی لا وجود لها فیه فلا تکون مشمولة بدلیل لأنها لیست من الصفات النسبیة کأخ الأخ و أخت الأخت و خال الأخ و خالته و أخو ابن العم و أخته و نحو ذلک.
و المفروض فی کل ذلک انعدام النسب لأن أخ الأخ إن لم یکن أخا فعلا فلا معنی له نسبیا فلا یحرم بالرضاع.
و قد مثلوا لعموم المنزلة بعدة أمثلة نذکر جملة منها لکی نضیفها إلی المثال الرئیسی السابق:
المثال الأول:إذا أرضعت زوجتک بلبنک أخاها فصار ولدک و زوجتک أخته فتحرم علیک من جهة کونها أخت ولدک إذا قلنا بعموم المنزلة.
المثال الثانی:إذا أرضعت زوجتک بلبنک ولد عمها أو ولد خالها فصرت أبا لابن عمها أو ابن خالها و هی تحرم علی أب ابن عمها نسبا لأنه عمها و تحرم أب ابن خالها لأنه خالها فإن قلنا بعموم المنزلة قلنا بالحرمة فی مثل ذلک.
المثال الثالث:إذا أرضعت امرأة أخاک أو أختک لأبویک فصارت أما لهما.
و أم الأخ فی النسب محرمة سواء کانت أما أو زوجة أب فهل تحرم علیک المرضعة و إن کانت زوجتک سابقا بطل نکاحها.یتوقف القول بالتحریم علی القول بعموم المنزلة.
المثال الرابع:إذا أرضعت زوجتک ولد بنتک و صارت أما له فهی بمنزلة بنتک فعلی القول بعموم المنزلة یبطل نکاحها.
المثال الخامس:إذا أرضعت زوجتک ولد أختک فصارت أما له فهی بمنزلة أختک فیتوقف القول ببطلان نکاحها علی القول بعموم المنزلة.
إلی غیر ذلک من الأمثلة.
و أما القول بعموم المنزلة فی الموارد التی خرجت بدلیل صحیح فلا سبیل إلیه باعتبار قیام الدلیل ضده إذ لو لا اشتراط وحدة الفحل مثلا أمکن القول بالحرمة باعتبار کون الأخوة أخوة لأم.و لو لا اشتراط اتحاد المرضعة لأمکن القول بالحرمة باعتبار کونهم إخوة لأب.
یتحدث الفقهاء عن النفقات فی کتاب النکاح باعتبار وجوب النفقة علی الزوجة و إلاَّ فأنواع النفقات عدیدة و علاقة المنفق بالمنفق علیه علی صور کثیرة و أحکام الإنفاق بصفته عملا من المنفق عدیدة أیضا.
فهناک النفقة الواجبة عینا کالنفقة علی الزوجة و هناک النفقة الواجبة بنحو الوجوب الکفائی کالنفقة علی المضطرین و المحتاجین حیث یتوقف علیها حیاتهم أو دفع ضرر عظیم عنهم.و هناک من النفقة ما هو مستحب کالإنفاق علی قضاء حاجة المحتاجین من دون ضرورة و سائر وجوه العبادات غیر الواجبة و من النفقات ما هو مباح و هو أغلبها و منها ما هو مکروه و هو النفقة علی المکروهات.و منها ما هو حرام و هو النفقة علی المحرمات أو علی المشهورین بها أو علی أعوان الظالمین.
و المراد بالنفقة تکفل فرد لفرد آخر بإعاشته لفترة زمنیة معتد بها لا کالضیف النازل لیوم أو یومین فإن النفقة علی مثل ذلک و إن کانت صادقة عقلا إلاَّ أنها لیست صادقة عرفا بالمعنی الذی ینطبق علی العوائل و نحوها فإن للإنفاق العائلی معنی خاص فی الذهن العرفی.
و لا یراد بالعائلة خصوص المجتمعین لأجل القرابة،کالزوجین و أولادهما.
لوضوح أن الخادم المقیم بینهم یعتبر من العائلة.بل یراد بالعائلة من کانوا مجتمعین بإنفاق واحد أو بإنفاق موحّد.علی أن یکون فیهم من ینتسب بالقرابة
أو النسابة (1)
یراد بالنسابة ما کان الزواج سببا للصلة کالزوجة و إخوتها و نحوهم.
للمنفق و لو واحدا،و لو کان معهم کثیرون کمن جمع فی داره المحتاجین و المعوزین لینفق علیهم.فکلهم بمنزلة العائلة الواحدة.و المهم فی تحقق العائلة أمران:أحدهما:العدل و هو الإنفاق علی الآخرین باستمرار عرفا.و ثانیهما:وجود القرابة و النسابة بین المنفق و بعض الموجودین أو کلهم،و لا یهم وجود الکثیرین غیرهم بعد ذلک.
و لنتحدث فیما یلی عن أهم أشکال النفقات بدءا بالموضع الأهم فی کتاب النکاح و هو:
و الحدیث فیها عن موضوعها و مقدارها و آثارها و نعقد لکل منها جهة مستقلة:
و یلحظ الموضوع عادة فقهیا بعد التسلیم بکون المرأة زوجة،و إلاَّ فلا شک أن هذه الصفة لها من أهم أجزاء الموضوع.إذ لو لم تکن زوجة لم یجب الإنفاق.
فإن کانت زوجة،فالزوجة علی قسمین عندنا:دائمة و منقطعة.و سنوضح فی الفصل الخاص بالزوجة المنقطعة أنها لا تستحق نفقة.فما یصرفه علیها لا یتصف بالوجوب و إنما بغیره من الأحکام کالاستحباب أو الإباحة.إذن یشترط فی الزوجة أن تکون زوجة دائمة لکی تجب نفقتها.
و علی الزوجة الدائمة بعض الحقوق الواجبة تجاه زوجها تتلخص بأمرین رئیسین:
أحدهما:التمکین الجنسی الکامل و الدائم،فی حدود لعلنا نتعرض لها فی المستقبل بعون اللّه سبحانه.
ثانیهما:الخروج من البیت بإذنه،مع إمکانها الحصول علی الإذن.
1) 1)
و هناک حقوق عدیدة مستحبة لسنا الآن بصددها،و المهم هو أنها إذا التزمت بهذین الحقین الواجبین سمیت(ممکّنة)و استحقت النفقة الواجبة من زوجها و أما إذا أخلّت و أهملت أحد الحقین أو کلاهما أو بعض تطبیقاتهما،کانت(ناشزا) و لم تستحق النفقة وجوبا.فإن أنفق علیها الزوج کانت نفقته مستحبة أو مباحة.و له قطعها ما دامت ناشزا ما لم تصبح ممکنة مرة أخری.
و أما اشتراط الحریة فغیر وارد و لم أجده فی کلام أحد،و علی خلاف إطلاقات الأدلة،ما دام یصدق علی الأمة أنها زوجة دائمة ممکنة.فتجب نفقتها.و هی المعقودة بالعقد الدائم علی غیر مولاها بإذنه.
و کذلک لا موجب لا لاشتراط أی شیء آخر کالعقل فلو کانت مجنونة أو سفیهة وجب الإنفاق علیها مع الشرائط السابقة.و کذلک اشتراط عمر معین لا موجب له.فلو کانت صغیرة جدا أو کبیرة جدا وجب الإنفاق علیها.بل إن الصغیرة أولی بالإنفاق من غیرها لعدم صدق الشرطین السابقین فی حقها، فتجب علیها النفقة علی کل حال.و إنما یشترط ذینک الشرطین فیمن یمکن فی حقها ذلک.
و نحو ذلک لو کانت مریضة لا تستطیع التمکین الجنسی،وجبت علیها النفقة.
و کذلک لو کانت المرأة ممکّنة جنسیا و لکنها مهملة للعمل فی مصلحة زوجها حیاتیا،فإنه تجب علیه النفقة و لا یجب علیها العمل فی بیته.و إنما هذا العمل من النساء کما هو المتعارف فی مجتمعاتنا کله مستحب إن توفرت فیه قصد القربة للّه عزّ و جلّ.و لیس من الحقوق الواجبة علی الزوجة للزوج.
غیر أنه مما لا شک فیه أن هذا العمل موروث من قادتنا المعصومین سلام اللّه علیهم بما فیهم فاطمة الزهراء سلام اللّه علیها التی کانت تعمل فی بیتها لمصلحة زوجها و أولادها سلام اللّه علیهم أجمعین.و لکن کل ذلک علی وجه الاستحباب دون الوجوب.
و السیرة أعم من الوجوب،و مقتضی أصالة البراءة نفیه علی أی حال.فحق الزوج الواجب منحصر فی الأمرین السابقین الذین ذکرناهما.
و إن کان یجب علی المرأة حقوق أخری لزوجها إلاَّ أنها لا تصبح بترکها أو التهاون بها ناشزا.کوجوب حفظ کرامته أمامه و فی غیابه و صیانة نفسها عن غیره.و الحفاظ علی ممتلکاته عند عدم وجوده و نحو ذلک إلاَّ أنه لم یثبت أنه مع التقصیر فیها تصبح الزوجة ناشزا ما لم یؤد الأمر إلی ترک أحد الشرطین السابقین.
و فی ذلک عدة احتمالات أول الأمر،منها ما علیه فتوی البعض و منها ما هو غیر محتمل فقهیا،نذکرها لمجرد الإیضاح و التفصیل:
الاحتمال الأول:أنه تجب العناوین الأربعة التالیة علی الزوج و لا یجب أکثر من ذلک:الطعام و الشراب و اللباس و المسکن.و بتعبیر أدق:الإطعام و الإشراب و الإلباس و الإسکان.بصفتها أفعال للزوج نتیجة منافع للزوجة.فإن فعل ذلک فقد أدی ما علیه و لا دلیل علی وجوب ملکیتها لعین ما تقبضه من زوجها بهذا الصدد.
الاحتمال الثانی:نفس الاحتمال الأول،مع القول بملکیتها للعین.
الاحتمال الثالث:إن الواجب هو إیفاء حاجة المرأة أیا کانت بالشکل الذی تشعر معه بالراحة النسبیة.طبقا لقوله تعالی وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ .مع القول بأنه لا یجب تملیک العین.
و لکن لو احتاجت إلی غیر تلک الأمور الأربعة وجب بذله علی الزوج کالطبیب و الحمام.
الاحتمال الرابع:نفس الاحتمال الثالث مع القول بوجوب تملیک العین.
الاحتمال الخامس:إن المدار لیس هو حاجة المرأة بل هو شأنها الاجتماعی.
فالمهم أن یحفظ لها زوجها شأنها الاجتماعی و لا یلزم من تقصیره تجاهها ذلتها أمام الناس.فلا یکون قد قام بالواجب.و لو کان ذلک أکثر من حاجتها الحیاتیة الفعلیة،کالتجمل باللباس أو بالمساحیق أو استقبال الناس أعنی النساء إن کان من عادتها بما فی ذلک من بذل مال إلی غیر ذلک.
غیر أن شأنها الاجتماعی،معنی لا یخلو من غموض.فهل هو شأن أبیها أو شأن زوجها الفعلی أو شأن زوجها المعنوی أو شأن أولادها.وجوه أو احتمالات.و الفرق بین الشأن الفعلی و المعنوی یظهر فیما إذا کانت أموال الرجل أقل من احترامه بین الناس أو أکثر.فالمراد من الشأن الفعلی مقدار أمواله و المراد من الشأن المعنوی احترامه.و سیأتی بعض الکلام حوله.
الاحتمال السادس:نفس الاحتمال السابق مع القول بوجوب تملیک العین.
کما قلنا فی الاحتمالات السابقة.
الاحتمال السابع:إن المدار لیس هو حاجة المرأة و لا شأنها الاجتماعی بل إرادتها و طلبها من زوجها،فیجب علیه أن یعطیها کل ما تطلب.مع تملیک العین أو بدونه.
الاحتمال الثامن:إن المدار هو رأی الزوج،فمهما سخت نفسه فی شیء وجب دفعه.و أما إذا شحت نفسه،فلا یجب و هذا إما مع تملیک العین أو بدونه.
و بعد الالتفات إلی أن الاحتمالین الأخیرین ساقطان فقهیا لم یقل بهما أحد.
تبقی الاحتمالات الأخری وجیهة.
غیر أن الاحتمالین الأولین،و إن قال بهما بعض الفقهاء من القدماء و المتوسطین،إلاَّ أنهما لا شک مبنیان علی الغالب من کون العناوین الأربعة المذکورة فیهما،موفیة لحاجات الزوجیة الحیاتیة و الاجتماعیة،و أما إذا لم تکن موفیة لذلک فلا إشکال فی سقوطهما فقهیا إذ من الواضح أنه مع وجود الحاجة الحیاتیة أو الاجتماعیة للزوجة زائدا علی تلک العناوین الأربعة،فإنها تکون علی عاتق الزوج و تدخل فی النفقة الواجبة.و لا أقل من التمسک بقوله تعالی:
وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ .لوضوح أنه من خلاف المعروف إبقاء الزوجة محتاجة أو ذلیلة اجتماعیا بلا إشکال.
هذا و قد یستدل للاحتمال الأول أو الأولین بصحیحة أبی بصیر المرادی (1)
وسائل الشیعة ج 5 کتاب النکاح أبواب النفقات باب 1 حدیث 2. [1]
1) 1)
قال:سمعت أبا جعفر علیه السلام یقول:من کانت عنده امرأة فلم یکسها ما یواری عورتها و یطعمها ما یقیم صلبها کان حقا علی الإمام أن یفرق بینهما.
و ما کان علی غرارها من الروایات.
إلاَّ أن الاستدلال بها واضح الاندفاع لعدة وجوه نذکر منها:
أولا:إنها تقتصر علی المأکل و الملبس و لا تذکر المسکن.مع أن وجوبه من ضروریات الفقه.
ثانیا:إنها بصدد بیان عدم جواز الأقل لا بصدد عدم وجوب الأکثر.و هذا کما یفسر الإعراض عن ذکر السکن یفسر أیضا ما قلناه من سقوط الاستدلال بها.لعدم وجود مفهوم فیها یفید نفی وجوب الزائد.
و أولی من ذلک:الاستدلال بصحیحة إسحاق بن عمار (1)
المصدر:حدیث 5.
قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:ما حق المرأة علی زوجها الذی إذا دفعه کان محسنا.قال:یشبعها و یکسوها و إن جهلت غفر لها.الحدیث.
و الوجه فی کونها أولی من حیث سقوط الاستدلال بها اشتمالها علی حق مستحب فقهیا جزما و هو غفران الذنب.فالمراد منها تعداد ما یتصف بمطلق المطلوبیة لا بالوجوب خاصة.
و قد یخطر فی الذهن:أن هذا أولی بالاستدلال بها،إذ تکون دالة علی أن الزائد لیس فیه مطلوبیة أصلا.و هو مطلوب المستدل.
و جوابه:إن هذا غیر محتمل لوضوح أن السکنی واجبة مضافا إلی استحباب التوسعة علی العیال و غیر ذلک.فانتفاء مطلق المطلوبیة غیر محتمل.
مضافا إلی عدم وجود المفهوم لکلا الروایتین لأنه من مفهوم الوصف الذی لا نقول به.
و بعد انتفاء الاحتمالات السابقة نبقی نحن و الاحتمالات الأخری التی تبدأ
1) 1)
بالثالث و تنتهی بالسادس.و أساسها علی مفهومی الحاجة أو الشأن الاجتماعی للزوجة،مع الاختلاف فی أنه هل یجب تملیک العین أو لا.
و بهذا الصدد ینبغی أن نتکلم عن أمرین:
الأمر الأول:فی أن المدار فی مقدار النفقة هل هو لحاجة الزوجة أو شأنها الاجتماعی.
فقد یقال:إنه لا اختلاف بینهما بعد أن نفهم من الحاجة مفهومها العرفی، و هو أمر ینطبق علی الشأن الاجتماعی.فإن کل ما هو مربوط بالشأن یعتبر عرفا من الحاجات.
فرجع الوجهان إلی وجه واحد،سواء عبرنا عنه بالحاجة أو بالشأن الاجتماعی.لأننا إن عبرنا عنه بالحاجة کان الشأن من جملة الحاجات.و إن عبرنا بالشأن کان ما دونه من الحاجات أولی بالوجوب.
إلاَّ أن هذا لیس بصحیح لعدة وجوه نذکر منها ما یلی:
أولا:إن هناک من المستویات الاجتماعیة ما یکون خارجا عن الحاجة الحیاتیة بلا إشکال.لا أقصد ما کان زائدا عن شأن الزوجة،بل حتی ما کان داخلا فیه فإنه قد یکون خارجا عن معنی الحاجة عرفا.و هذا أمر یختلف فی مصداقه اختلاف الأزمنة و الأمکنة.نعم.ما کان داخلا منه فی نطاق الحاجة عرفا، فیکون واجبا.إلاَّ أن مدعی هذا الوجه یری أن کل ما هو داخل فی الشأن فهو داخل فی الحاجة عرفا.و هذا غیر مسلّم.
ثانیا:إن الدار هو العنوان المأخوذ فی دلیل وجوب النفقة،و لیس هو شیئا یمکن إعطاؤه من عندنا.و الدلیل اللفظی غیر مساعد علی ضبط مقدار وجوب النفقة،کما رأینا،فیجب أن نبقی نحن و الدلیل اللبی کالإجماع و السیرة.و لا شک أن ثبوتهما بعنوان الشأن الاجتماعی،حتی و لو کان خارجا عن الحاجة أمر مشکوک فیه،و إنما القدر المتیقن من هذا الدلیل هو موجود الحاجة فقط.
و یندرج فیها بعض ما هو دخیل فی الشأن الاجتماعی بصفته من الحاجة عرفا.
دون کل موارده.
و قد یستدل للشأن الاجتماعی بعناوین ثانویة کحصول الذلة للمرأة إذا لم یبذل لها زوجها ذلک.أو حصول الإیذاء المحرم للمؤمنة أو نحو ذلک.فیکون ضدّه واجبا.
و هنا لا إشکال من الکبری و هو حرمة إذلال المؤمن أو المؤمنة أو إیذائهما.
و إذا صدق فی منع النفقة ذلک کان بذلها واجبا.إلاَّ أن الکلام فی عموم هذا الصدق لکل ما هو مندرج فی الشأن الاجتماعی للزوجة.إذ قد یکون المورد خالیا من کلا هذین العنوانین،فلا یبقی دلیل علی وجوب النفقة.
علی أن دلیل حرمة الإذلال أهم من هذه الناحیة فقهیا من دلیل حرمة الإیذاء.لأننا لو فتحنا باب الإیذاء لم یکن لنفقة الزوجة حدود معلومة.
و أصبح الأمر مطابقا للاحتمال السابع و هو أن تکون النفقة برأیها و اقتراحها و طلبها.و إلاَّ حصل الإیذاء فیجب.و هذا بمجرده غیر محتمل فقهیا.
بل لا شک أن للنفقة حدودا مسبقة فی وجوبها.فمطالبتها بالزائد لیس من حقها و لا یجب علی زوجها البذل حتی لو لزمت الأذیة.لأن فی ذلک الطلب ظلما للزوج و إلزاما له فی غیر الواجب.فتکون الزوجة ظالمة و الظالم یجوز إیذاؤه.
هذا،و لا یفوتنا أن نلتفت إلی أن الشأن الاجتماعی للزوجة لیس هو شأنها السابق علی الزواج.بل هو الشأن اللاحق له و الحاصل به.فإن المجتمع و العرف ینظر إلیها بصفتها زوجة لهذا الرجل لیس إلاَّ،سواء کانت فیما سبق أعلی منه منزله أو أدنی.
و هذا ینتج أنها لو کانت أدنی قبل الزواج لم یجز علی الزوج التوسع فی النفقة علی القلیل.کما أنها لو کانت أعلی لم یجب علی الزوج التوسع فی النفقة.
و أن الضغط علیه من هذه الناحیة یرجع به الأمر إلی رأیها و طلبها.و قلنا إنه غیر محتمل.
و من هنا لو کان زوجها فقیرا،کان شأنها أنها زوجة فقیر و إن کان أبوها أو أخوها غنیا.و لا یجب علی هذا الزوج تکلف الزائد.و من هنا قال اللّه عزّ
و جلّ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَیْهِ رِزْقُهُ فَلْیُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللّهُ .و هذا معناه أن الزائد غیر واجب،لا أنه واجب یبقی فی ذمته.
و هنا قد یقع السؤال:إننا لما ذا بحثنا الآن عن الشأن الاجتماعی فی حین أننا لم نقل به بل قلنا إن المدار فی النفقة الواجبة إنما هو الحاجة لا الشأن الاجتماعی.
و جواب ذلک:أننا قلنا أیضا:إن هناک قسطا من مستلزمات الشأن الاجتماعی تدخل فی الحاجة عرفا،و إن لم یکن کله کذلک.و عندئذ فیکون داخلا فی النفقة الواجبة.و عندئذ یکون کلامنا السابق عن الشأن الاجتماعی منطبقا و وجیها.و لا نرید منه أکثر من ذلک علی أی حال.
الأمر الثانی:فی أن الواجب فی النفقة الواجبة التی عرفنا بعض حدودها فیما سبق هل هو الانتفاع أو المنفعة أو تملیک العین.
و الفرق بین الانتفاع و المنفعة هو ملکیتها للمنفعة علی الاحتمال الثانی دون الأول بحیث یمکن أن تملک عوضها فی إجارة و نحوها.و علیه فتکون الاحتمالات الثلاثة کما یلی:
الاحتمال الأول:إن الواجب فی النفقة هو الانتفاع فلا تملک الزوجة لا العین و لا المنفعة.و إنما یجب علی الزوج تمکین الزوجة من التصرف بالعین فقط.
الاحتمال الثانی:إن الواجب هو تملیکها المنفعة.و لیس مجرد الانتفاع.
بحیث تستطیع أن تستوفیها بنفسها أو أن تعاوض علیها بالمال کما أشرنا.
الاحتمال الثالث:إن الواجب لا یتأدی بالانتفاع و لا بملکیة المنفعة بل یجب تملیک العین من الثیاب و الطعام و الأثاث و نحو ذلک.
و من آثار الفرق بین هذه الاحتمالات:أنه علی الأول لا یکون للزوجة البیع و لا الإیجار و لا الهبة للعین و لا غیر ذلک من المعاملات بل و لا حتی إباحتها أو الإذن بها للغیر.بخلاف الثانی فإنه یجوز لها إجارتها و الإذن بها.و علی الثالث یجوز لها بیعها و تورث منها.
و لا یفرق فی ذلک بین مختلف ما نتصور من الأعیان المعطاة للزوجة من
طعام أو غیره بل و من مال أو غیره.إذ لا یتعین فی الطعام و المال أعنی النقد و نحوه حصول ملکیته قبل استعماله.بل یمکن أن یکون أیضا علی وجه الانتفاع أو المنفعة.و تبقی ملکیة العین للزوج.و یظهر الأثر فیما لو ماتت الزوجة أو طلقت طلاقا بائنا.
فأی هذه الاحتمالات أو الأقوال الفقهیة هو الصحیح؟ یبتنی ذلک علی نسخ الدلیل القائم علی وجوب النفقة.فإن کان هو الدلیل اللفظی.القائل:بأنه یجب علی الزوج أن یطعم الزوجة و یکسوها و یسکنها و نحو ذلک.
فقد یقال:إن المهم له هو إیفاء الحاجة کما قلنا یعنی دفع البرد و الحر و سائر الأخطار عنها.و هذا یحصل بالانتفاع فیبقی الباقی أعنی تملیک المنفعة أو تملیک العین خارج الوجوب و لا أقل من دفعه بالأصل المؤمّن.
و بتعبیر آخر:أنه مع حصول الانتفاع من قبل الزوجة بالعین یصدق أنه کساها زوجها و أطعمها و أسکنها.فنکون قد أخذنا بالواجب و لا یجب الزائد.
بل یمکن التوسع فی ذلک لکل ما هو داخل فی الحاجة أو فی الشأن الاجتماعی للزوجة،مما هو زائد عن العناوین السابقة أعنی الطعام و الکسوة و اللباس.فإن کل ذلک یکفی فی صدقه مجرد الانتفاع فلا یجب التملیک.
و هذا صحیح بالنظرة الساذجة.إلاَّ أن الأمر فی کثیر من الأحیان لا یمکن أن یقتصر علی ذلک.بل قد یکون من(حاجة)الزوجة أو شأنها الاجتماعی أن تملک المنفعة أو أن تملک العین.فإن حصل ذلک عرفا،دخل التملیک بکلا قسمیه فی النفقة الواجبة.فإذا لم یحصل التملیک لم یکن قد و فی الزوج نفقة زوجته کما یجب.
و هذا واضح فی جانب الشأن الاجتماعی إن قلنا به.إذ قد یتوقف،بل یتوقف کثیرا علی ملکیة الزوجة للعین فضلا عن المنفعة.بحیث یراها الناس قائمة بالأمر فی الأموال الواصلة إلیها کما یقوم المالک.و إلاَّ أوجب لها نحو من الذلة لا محالة.فإذا لم تحصل الملکیة لم تکن النفقة قد أدیت کما یجب.
و کذلک لو قلنا بأن المدار فی النفقة هو الحاجة و لکن علی نطاق أضیق.
بنفس التقریب الذی قلناه فی جانب الشأن الاجتماعی.أو بتقریب آخر نقول فیه:إن الملکیة لا شک أنها فی کثیر من الأحیان تکون حاجة من حاجات النفس،و لا شک أنه من الحرج و الشدة علی الفرد أن یتصور نفسه عالة علی غیره یأکل من أموال غیره و یلبس منها و یسکن فیها،بل من الصالح له الشعور بملکیة هذه الأمور و نحوها لیطمئن قلبه و تسکن نفسه.
و هذا صحیح فی بعض الحدود کالطعام و اللباس و نفقة الطبیب و الحمام و الفندق و نحو ذلک.لکنه غیر صادق علی السکن أو المسکن حتما.فلا یجب علی الزوج تملیک العین لزوجته فضلا عن المنفعة.
هذا و قد یقال:إن العرف بصفته ساذجا لا یفرق بین الاحتمالات الثلاثة السابقة أعنی الانتفاع و المنفعة و العین.فإذا أعطی الزوج لزوجته ثوبا لتلبسه قال العرف إنها ملکته أو إنه ملّکه لها.و هذا یکفی دلیلا علی الملکیة فی المنفعة علی الأقل ما لم یقصد الزوج خلاف ذلک أعنی مجرد الانتفاع.فتأمل.
أذن فقد تحصل من هذا الأمر الثانی.أن موارد النفقة الواجبة تختلف عرفا فی وجوب التملیک و عدمه.کما یختلف المبنی الفقهی من کون المدار هو الحاجة أو الشأن الاجتماعی.
و حیث قلنا إن الصحیح أن المدار هو الحاجة،أذن یبقی الاختلاف فی موارد النفقة الواجبة.فالسکن مثلا لا یجب فیه أکثر من الانتفاع،فیبقی الدار ملکا للزوج بلا إشکال و لا یجب علیه تملیک المنفعة فضلا عن العین.
کما أن مقدار الضرورة الاعتیادیة فی المأکل و الملبس یجب فیه تملیک العین، لأن الشعور بالملکیة داخل تحت الحاجة،کما أشرنا.
و المقدار الزائد من المأکل و الملبس و غیرهما،لا یجب فیه تملیک العین،و لکن یجب فیه تملیک المنفعة.لعدم کفایة إباحة الانتفاع عرفا و حصول الحاجة إلی الملکیة إجمالا.مع عدم وجوب تملیک العین لعدم الدلیل علیه و جریان أصالة البراءة عنه.فتبقی ملکیة المنفعة هی الواجبة.
هذا و لا یفوتنا أنه لیس معنی عدم وجوب التملیک للعین أو للمنفعة علی الزوج،عدم جوازه طبعا.بل هو جائز بل هو مستحب بلا إشکال لأنه یدخل فی عنوان التوسعة علی العیال کما یدخل فی عناوین ثانویة أخری کإدخال السرور علی قلب المؤمن و غیر ذلک.
کما أن هذه الوجوه أعنی الانتفاع و المنفعة و العین،تختلف من ناحیة بقائها بعد الطلاق کما أشرنا فیما سبق باقتضاب.فإن قلنا بوجوب التملک أمکن القول باستمرار الملکیة للزوجة حتی بعد الطلاق ما لم تنقل العین هی باختیارها ببیع أو غیره.و کذلک لو قلنا بملکیة المنفعة فإنها تبقی مستمرة معها.و إذا ماتت تورث منها ما ملکته من العین أو المنفعة.
و هذا بخلاف الانتفاع فإنها تخرج بعد الطلاق من زوجها لا تملک من حطام الدنیا شیئا مما أخذته من زوجها علی الإطلاق.إلاَّ أن تکون لها ممتلکات أخری من میراث أبیها مثلا أو من تجارة خاصة بها.
هذا،و قد یمکن القول:بأن التملیک للعین أو للمنفعة یمکن أن یکون له نفس نتیجة الانتفاع.و ذلک بتملیک الزوجة ما دامت زوجة لا مطلقا أعنی بعد طلاقها.فإذا طلقت خرجت عنها ملکیة العین أو المنفعة.نعم إذا ماتت حال الزوجیة تورث منها.کما تستطیع أن تتصرف بها بالمعاملات،ما دامت زوجة.
إلاَّ أن هذا مبنی علی إمکان التملیک المنقطع الآخر.و هو أمر غیر عرفی و لا شرعی.نعم یمکن فقهیا أن یشترط الزوج علی زوجته من خلال التملیک إرجاع الملکیة بعد الطلاق إلیه لو بقیت العین.
إلاَّ أن هذا إن أردنا به مجرد الوجوب الشرعی التکلیفی،کان له وجه و أما تسلیط الزوج علی الفسخ إذا لم تف المرأة بشرطها،فهو غیر ممکن لأنه یلزم منه عدم إیفاء الزوج للنفقة الواجبة،مما یجب فیها التملیک.
اللهم إلاّ أن یقال:إنه یکون له حق الفسخ من حین الطلاق.و هذا فی حدود ما عرضناه غیر ممکن لأن الفسخ لا یتعلق إلاَّ بعقد و المفروض أنه لیس هناک عقد جدید للملکیة عند الطلاق لیفسخ.و أما استمرار الملکیة إلی حین الطلاق فلا معنی لفسخها.
إلاَّ أن یرجع الأمر إلی أن الزوج یشترط لنفسه الوکالة عن الزوجة فی إرجاع ما ملّکها من الأمور عند طلاقها إلی نفسه.فإنه أمر مقبول علی أی حال،إلاَّ أنه یحتاج إلی التفات و قصد و اشتراط لفظی.و إلاَّ فمقتضی القاعدة استمرار الزوجة علی الملکیة و إن اعتبرت عاصیة للشرط (1)
أعنی الشرط علیها بإرجاع الملکیة إلی زوجها عند الطلاق کما سبق أن أشرنا.
إن کان قد حصل.هذا و لا ینبغی أن تفوتنا الإشارة إلی أن الفقهاء قالوا:إن الزوجة لو عاشت عند زوجها تأکل و تشرب و تلبس و نحو ذلک.کما هو المعتاد لم یجب علی الزوج أکثر من ذلک من النفقة.
و هذا صحیح،إلاَّ أنه یجب تقییده بما سبق أن سمعناه من وجوب التملیک أحیانا إما للعین أو للمنفعة.فلو لزم ذلک علی الزوج،و لم یفعل لم یکن قد و فی بالنفقة الواجبة لو عاشت الزوجة معه بشکل ساذج.
و کانت دینا علیه بخلاف النفقات الأخری کالأولاد و غیرهم فإنه مع ترکها یکون الفرد عاصیا و لا تشتغل ذمته بشیء.قالوا:و هذا هو الفارق بین وجوبی النفقة علی الزوجة و علی غیرها.
إلاَّ أنه لا دلیل علی ذلک سوی الإجماع،و الأخبار خالیة من ذلک تماما.
قال صاحب الجواهر:فلو منعها(زوجها النفقة)و انقضی الیوم ممکنة استقرت نفقة ذلک الیوم فی ذمته إن لم تکن قد قبضت و ملکها لها إن کانت قد قبضت.و کذا الکلام فی نفقة الأیام الأخر و إن لم یقدرها الحاکم و لم یحکم بها.فلا خلاف فیه بیننا و لا إشکال ضرورة ثبوت الحق لها و إن سکتت و لم تطالب و لا وقع التقدیر خلافا لمن اعتبر التقدیر من العامة.انتهی محل الحاجة من کلامه.
و لازم ذلک:أن تشتغل الذمة بما لیس له تعین واقعی،حتی فی علم اللّه- کما یعبرون-و لیس من قبیل الدیون المرددة بین الأقل و الأکثر.و إنما یتعین المقدار بالدفع و الأداء.و هذا مما لم یعهد فی مورد آخر.
1) 1)
و تردده بین الأقل و الأکثر و إن کان متحققا.إلاَّ أن ذلک نتیجة لعدم واقعیته و لیس لنسیان الرقم أو الغفلة عنه أو ضیاع مستنده أو موت الشاهد به و نحو ذلک.فإن لمثل ذلک واقعیة فی علم اللّه سبحانه و إن کانت مرددة عندنا.
بخلاف محل الکلام.
و هذا بخلافه علی ما قاله العامة من اشتراط تعیین الحاکم لها أو حکمه بها.
إذ یکون لها واقعیة بهذا المقدار عندئذ علی أی حال.
و قد یشکل هذا الإشکال شکلا من أشکال الاستدلال ضد اشتغال الذمة لأنه نحو من الاشتغال غیر العرفی بل قد یقال بکون مستحیلا.لاستحالة ثبوت ما هو غیر واقعی فی الذمة.
کما قد یستدل علی عدمه بخلو الأخبار منه کما سمعنا إذ لو کان الحکم ثابتا لورد من المعصومین علیهم السلام و لو بخبر ضعیف مع أنه لم یوجد.کما أن الاستدلال علی ذلک،أعنی اشتغال ذمة الزوج بالنفقة بأنها حق للزوجة و إن لم تطالب به،لا یتم.لأنه مطعون کبرویا.إذ لیس کل حق مما یشتغل به الذمة حتی و إن کان مالیا کوجوب الإنفاق علی الأولاد و علی أهل الضرورات القاهرات،فإنها حق لهم و لکن الفقهاء صرّحوا بعدم اشتغال الذمة بها.
فإن کان الفقهاء المجمعون قد استندوا علی هذه الفقرة من الاستدلال،إذن فالإجماع مدرکی،یعنی مستند إلی دلیل أسبق منه،فیسقط عن الحجیة، و یبقی الکلام فی الدلیل السابق علیه و قد عرفنا حاله.
إلاَّ أن الإجماع محرز،حسب الظاهر،من قبل فقهائنا.الأمر الذی یجعل إجراء البراءة ضده أمرا مشکلا فقهیا.إلاَّ أن المصیر إلی الاحتیاط یجعل الأمر أشکل لأن النتیجة:أن الأحوط للزوج بذل النفقة.إلاَّ أن الأحوط للزوجة عدم القبض إلاَّ مع استحصال الإذن المطلق (1)
یعنی یقول الزوج أنه یرضی بقبض زوجته و إن لم یکن المال علی وجه النفقة بل علی کل حال.
.و تمام الکلام فی الفقه.1) 1)
و أهم سؤال یعرض فی هذا الصدد،هو أن هذه النفقة هل هی واجبة مطلقا و علی أی حال،أو فی خصوص حالة انعدام المال عند الآخر.فإن کان له من المال ما یکفیه لم تجب نفقته و کذلک لو کان معیلا لغنی و نحوه.
و هذا بالنسبة إلی غیر الأولاد أمر أکید.یعنی لا تجب النفقة إلاَّ مع الإعسار و ضیق ذات الید.حتی بالنسبة إلی الأبوین فضلا عن غیرهم.
و هذا معناه أن الأمر یدخل فی نفقاتهم فی وجوب قضاء حاجة المضطرین لا أکثر.کل ما فی الأمر أن الأقرب أولی بذلک أو لعله هو العالم بفقر الآخر دون غیره.و الوجوب إنما یثبت مع العلم دون صورة الجهل إلاَّ أن هذه الأولویة و إن کانت أکیدة إلاَّ أنها أخلاقیة و لیست فقهیة فلو استطاع الولد أن یتخلص من نفقة و الدیة مثلا بإنفاق أخیه علیهما أو شخص متبرع لهما کفی ذلک فقهیا.
و إن کان قد یعتبر عاقا أخلاقیا.
فهل حال نفقة الأولاد علی هذا الغرار أیضا.فإن کان الأمر کذلک فمعناه أنه لو کان للطفل مال خاص به.جاز للأب الصرف منه علیه،و لا یجب علی الأب الصرف علی ولده من ممتلکاته.کما أنه لو حصل شخص قریب أو بعید متبرع بالإنفاق علی الطفل،لم یلزم الأب الإنفاق.
مقتضی أصالة عدم الاشتراط(یعنی فی أن یکون للولد مال)هو شمول الوجوب لصورة وجود المال و عدمه.و مقتضی أصالة البراءة عدم الوجوب فی هذه الصورة.و من المعلوم أصولیا جریان الأصل الأول فی موضوع الأصل الثانی فیتقدم علیه بالحکومة.فیثبت إطلاق الوجوب.و هو الذی علیه المشهور.
مضافا إلی إطلاق بعض النصوص المعتبرة:
کصحیحة عبد الرحمن بن الحجاج قال (1)
وسائل الشیعة ج 5 کتاب النکاح أبواب النفقات باب 11 حدیث 1. [1]
:خمسة لا یعطون من الزکاة شیئا:الأب و الأم و الولد و المملوک و المرأة.و ذلک أنهم عیال لازمون له.1) 1)
و عن حریز عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال (1)
المصدر:حدیث 3. [1]
:قلت له:من الذی أجبر علیه و تلزمنی نفقته؟قال:الوالدان و الولد و الزوجة و نحوها صحیحة محمد بن مسلم (2).إلاَّ أن الاستدلال بهذه النصوص لا یخلو من إشکال لوضوح اختلاف التفاصیل بین نفقة المذکورین فیها.إذن،فالنصوص لیست فی مقام بیان التفاصیل و إنما هی فی مقام بیان أصل الوجوب.و معه لا یکون فیها إطلاق لإثبات التفاصیل.اللهم إلاَّ أن یقال بوجود الإطلاق.و أما التفاصیل فتعرف من دلیل آخر.
هذا و لا ینبغی أن یقال:إن هذه النصوص لم تستوعب الواجب لأنها لم تذکر المضطرین من المحتاجین و الحیوانات التی یجب کفالتها،علی ما سوف نشیر.إذن،فهی-أعنی النصوص-لیست بصدد الشمول و الاستیعاب و إنما هی بصدد بیان القضیة الجزئیة أو بعض الموضوعات.
و جواب ذلک:إن هذه النصوص ظاهرة ببیان الوجوب العینی دون الوجوب الکفائی کما أنها ظاهرة بالوجوب الثابت بین البشر دون الحیوانات و النباتات و نحوها.فبظهورها بالوجوب العینی یخرج المضطرون لأن وجوب قضاء حوائجهم کفائی.و بظهورها الآخر تخرج الحیوانات و النباتات.و عندئذ فلا یبقی عندنا إلاَّ المذکورون فی الروایة و خاصة المعدودون فی صحیحة عبد الرحمن بن الحجاج و التی یمکن بها تقیید الروایات التی لم تستوعب المجموع.
مع العلم أن المراد بالولد فیها کل مولود أعنی ما یعم البنت.و المراد بالمرأة الزوجة الدائمة.
و علی أی حال ففی أصالة عدم الاشتراط کفایة للقول بعموم وجوب النفقة للأولاد سواء کانوا متمولین أم لا.کما أن الزوجة کذلک قطعا.کما أن مقتضی هذه الروایات کون الوالدین.کذلک إلاَّ إذا ثبت استثناؤهما بدلیل کاف.
هذا و لا ینبغی الخلط نظریا بین وجوب النفقة و وجوب العمل للفرد کالأب أو الابن و قضاء حوائجه حیاتیا کطبخ طعامه و غسل ثیابه.فإن النفقة غیر العمل،فقد یجبان معا.و قد یجب أحدهما دون الآخر.
فوجوبهما معا فی الطفل الصغیر و وجوب العمل دون النفقة فی الوالدین الکبیرین اللذین لا کفیل لهما سواه مع کونهما متمولین.وجوب النفقة دون العمل نفس مثال الوالدین مع کونهما فقیرین و لکنهما یستطیعان العمل لأنفسهما حیاتیا فلا یجب علی الولد القیام بذلک،و إن کان مستحبا أکیدا.
هذا.و لا یحتمل وجوب العمل علی شکل وجوب النفقة،یعنی سواء کان الآخر قادرا أو عاجزا.بل لخصوص العاجز المضطر.سواء کان هو الزوجة أو الوالدین أو الولد.فضلا عن غیرهما.فإن أمکن لأحدهم القیام بالعمل لنفسه أو تکفله له غیره لم یجب علی الفرد القیام به.
و هنا أود أن أشیر إلی مضمونین من المضامین الکثیرة الواردة فی السنة الشریفة:
الأول:حرمة تضییع العیال کائنا من کان.
فعن أبی عبد اللّه علیه السلام قال (1)
المصدر:باب 21 حدیث 5. [1]
:قال رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله:ملعون ملعون من ألقی کله علی الناس.ملعون ملعون من ضیع من یعول.
و التضییع یکون بترک النفقة و تعریض الآخرین المحتاجین إلیه لظروف صعبة أو خوف أو شدائد.
الثانی:استحباب التوسعة علی العیال.فعن أبی الحسن علیه السلام قال (2):ینبغی للرجل أن یوسّع علی عیاله لئلا یتمنوا موته و تلا هذه الآیة:
وَ یُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلی حُبِّهِ مِسْکِیناً وَ یَتِیماً وَ أَسِیراً .فالأسیر عیال الرجل ینبغی إذا أزید فی النعمة أن یزید أسراءه فی السعة.علیهم.الحدیث.
و عنه صلَّی اللّه علیه و آله:إن المؤمن یأخذ بآداب اللّه.إذا وسع اللّه علیه اتسع و إذا أمسک عنه أمسک (1)
المصدر:حدیث 4. [1]
.و عن الرضا علیه السلام قال (2):صاحب النعمة یجب علیه التوسعة علی عیاله.
إلی غیرها من الروایات.و لا حاجة إلی الدخول فی تفاصیل فهمها.
لا شک فی رجحان الإنفاق علی غیر البشر من الحیوان و النبات مما یکون تحت ید الإنسان سواء کان ملکا له أو لم یکن.
و کذلک رجحان التسبیب إلی راحته و عدم إیقاعه فی ضرر أو حرج.إلاَّ أن الکلام فی وجوب ذلک.فإن وجوبه فقهیا یمکن أن ینطلق من عدة وجوه محتملة:
الوجه الأول:الانطلاق من دلیل حرمة الضرر.بغض النظر عن الوجه الآتی.فإن فی ترک العنایة به ضررا علیه بلا إشکال،فیکون حراما.
إلاَّ أن کبری هذا الدلیل یعنی القاعدة العامة له تتوقف علی حرمة الإضرار بالغیر مطلقا.و هذا المعنی یتوقف علی أن نفهم ذلک من الفقرة الثانیة من قوله صلی اللّه علیه و آله:لا ضرر و لا ضرار.علی اعتبار أن الضرار هو الإضرار بالغیر و مقتضی إطلاقه الشمول لغیر الإنسان أیضا.
إلاَّ أن کون الضرار بهذا المعنی غیر ثابت و أنه هو بمعنی(المضارة)و هو تبادل الضرر من قبل طرفین و من المعلوم عدم صدقه فی محل الکلام فلا یثبت حرمة مطلق الضرر.
و أما استفادته من الفقرة الأولی و هی قوله(لا ضرر)علی اعتبار أن نفی الضرر یقتضی حرمته.فهو قابل للمناقشة أیضا لأن الضرر هنا وقع اسما
الضرر یقتضی حرمته.فهو قابل للمناقشة أیضا لأن الضرر هنا وقع اسما ل(لا)النافیة للجنس فیحتاج إلی خبر فإن قدرنا لفظته(جائز)یعنی لا ضرر جائز کان هذا الدلیل تاما،إلاَّ أن ظاهر السیاق علی خلافه فإن ظاهره تقدیر (موجود)و هذا معناه النظر إلی الشریعة ککل و نفی وجود الضرر منها یعنی أن الأحکام المجعولة فی الشریعة لیست مضرة و هذا أمر لا یستفاد منه حرمة الإضرار بالغیر،فتأمل.
الوجه الثانی:هو القول بأن للحیاة حرمة واجبة ینبغی صیانتها إلاَّ فی ما خرج بدلیل و تطبیق ذلک أن للحیوان و النبات حیاة یجب صیانتها بمعنی عدم جواز قتله عبثا و إهمالا فإذا انقطعت عنه العنایة مات لا محالة إذن فلا یجوز قطعها عنه.
إلاَّ أن کبری هذا الوجه لا تخلو من مناقشة إذ لا یوجد دلیل معتبر علی احترام کل الحیوانات أو کل الأحیاء بل مقتضی أصالة البراءة جواز القتل ما لم یدل دلیل علی الخلاف.
الوجه الثالث:حرمة الإسراف و التبذیر طبقا لقوله تعالی إِنَّ الْمُبَذِّرِینَ کانُوا إِخْوانَ الشَّیاطِینِ و قوله تعالی وَ أَنَّ الْمُسْرِفِینَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ و لا شک أنه مع قطع العنایة عن الحیوان و النبات یحصل فیه نقص أکید أو یؤدی به إلی الموت و کلاهما شکل من أشکال الإسراف و التبذیر فیکون حراما.
و هذا الوجه تام و صحیح طبقا للقواعد الفقهیة إلاَّ أنه لا یشمل موارد الضرر و النقص القلیل جدا الذی لا یعتبر إسرافا و تبذیرا عرفا فلا یکون هذا المقدار حراما.و لو کان منطبقا علی حصول الوفاة للحیوان أو النبات أحیانا.
و هو ما یعطیه الزوج لزوجته طبقا لاستحقاقها فی عقد الزوجیة و هو مما لا ینبغی إهمال الحدیث عنه فی هذا الکتاب بالرغم من أن أکثر أحکامه الفقهیة مشهورة و واضحة.
و من الواضح أن الصداق لا یتعین بالنقد بل یجوز بکل ما فیه مالیة شرعا من نقد أو عین أو منفعة کما لو تزوجها علی تعلیم شیء من القرآن أو السکنی فی دار تملکها لمدة سنة.کما لا یتعین الصداق فی کمیة معینة بل یمکن أن یکون قلیلا جدا علی أن لا یقل عن مقدار المالیة عرفا کنواة التمر أو عود الثقات،کما یمکن أن یکون کثیرا جدا مهما شاء الزوجان و اتفقا علیه و إن کانت المغالاة فی المهور مکروهة کما سوف نشیر.
کما لا یتعین فی المهر أن یکون نقدا معجلا بل یمکن أن یکون دینا فی الذمة مؤجلا إلی مدة معلومة و سیرة الناس علی جعل المهر علی قسمین مؤجل و معجّل و هو أمر غیر متعین فقهیا و إن کان جائزا.
و المرأة تملک المهر بالعقد فإن لم یدفعه إلیها بقی فی ذمته تأخذه من ترکته إن مات مقدما علی المیراث کما هو الحال فی کل الدیون.و إن أصبح زوجها مفلسا ضربت مع الغرماء بنسبة مهرها کأی دین آخر.و لکن لو حصل الفسخ بعقد النکاح قبل الدخول،فمن الممکن القول بعدم استحقاقها للمهر أصلا (1)
هذا بناء علی الکشف دون النقل و ان کان الصحیح هو النقل دون الکشف علی أی حال.
.1) 1)
و لو حصل الطلاق قبل الدخول استحقت نصف المهر فإن کانت قد قبضت المهر وجب علیها إرجاع النصف إلی مطلقها.و أما إذا حصل عقد النکاح و الدخول معا فقد ثبت استحقاق المهر کله و لا ینقص منه شیء سواء حصل الطلاق أو الفسخ أو موت أحد الزوجین.
هذا و فی صورة کون المهر معجلا.فإن من حق المرأة أن تمنع زوجها من أی استمتاع جنسی ما لم تقبضه و یستحب له دفعه قبل الاستمتاع إن لم تطالب.
و أما إذا کان المهر مؤجلا فلا حق لها فی ذلک سواء خلال الأجل أی من حین النکاح فصاعدا أو بعد حلول الأجل و سواء مکنت من نفسها قبل حلول الأجل أم لم تمکن.فإن معنی رضائها بالتأجیل خلال عقد النکاح عدم ارتباط الاستمتاع بهذا المهر.
و المهر قد یکون کلیا و قد یکون جزئیا.فالکلی یکون مضمونا للزوجة سواء کان مالا أو عینا.غیر أنه یشترط فی الکلی عدم الجهالة بمعنی أن یکون المهر محدد الأوصاف بما فیه الکفایة و لا أقل فی الاحتیاط الوجوبی فی ذلک.فالمالیة تحدد بذکر رقمها أو ذکر نوع العملة و منطقتها إن حصل شک فی ذلک کأن یقال ألف دینار عراقی.و العین ینبغی وصفها بالمقدار المزیل للغرر و الضرر.
و العین بمقدار قیمتها.فإن ذکر المهر مجهولا من هذه الناحیة بالعقد لم یبطل العقد و إنما بطل المهر فیرجع إلی مهر أمثالها من النساء.هذا إذا کان المهر کلیا.
و أما إذا کان جزئیا أی شیئا محددا موجودا فی الخارج فیجب أن یکون مشاهدا للزوجة أو موصوفا لها بشکل کاف.و یکون الزوج بعد العقد أمینا علی المهر إلی حین إیصاله إلی زوجته فلا یکون ضامنا مع تلفه بغیر التعدی و التفریط فعلا إن فعل من الضرر ما یجب ترکه أو ترک ما یجب فعله فی المحافظة علی المهر إلی حین قبضه فیضمن بدله.
هناک فی الفقه ما یسمی بتفویض البضع و ما یسمی بتفویض المهر.و کلا الاصطلاحین یدوران فی فلک المهر نفسه.
فتفویض المهر عبارة عن ذکره الإجمالی فی العقد مع إیکال تعیینه و تحدیده إلی شخص بعد العقد و قد یکون هو الزوج أو الزوجة أو غیرهما.غیر أنه إذا کان التفویض للزوجة لم یجز لها تعیین ما زاد علی مهر السنة و هو خمسمائة درهم کما سنذکر.
و لا یلزم تعیین المقدار قبل الدخول أو بعده فیمکن تأجیله ما شاء اللّه إلاَّ أن یعین له بالعقد شرط بخلاف ذلک فلو أجله و حصل الطلاق قبل الدخول کان علیه أن یحکم بتعیین المهر لکی تأخذ الزوجة نصفه.
و أما تفویض البضع فهو أن لا یذکر فی العقد مهر أصلا فلا یبطل العقد و إنما یکون للزوجة مهر أمثالها ما لم یطلقها قبل الدخول.فإن حصل ذلک لم یکن لها المهر و کان لها ما یسمی بالمتعة.طبقا لقوله تعالی وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَی الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَی الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ و هذا یعنی إیکال الأمر إلی حال الزوج اقتصادیا.و قد قال فقهاؤنا إن الغنی یمتع المطلقة بالدابة یعنی الفرس أو الثوب المرتفع القیمة أو عشرة دنانیر یقصدون بها الدنانیر الذهبیة ذات الثمانیة عشر قیراطا.و المتوسط الحال یدفع خمسة دنانیر أو ثوبا متوسط القیمة.و أما الفقیر فیمکنه أن یدفع دینارا واحدا أو ما بقیمته.
قال الفقهاء طبقا للروایات الصحیحة:إن مهر السنّة خمسمائة درهم، و نسبته إلی السنّة لانتسابه إلی رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله و فعله سنّة،فقد کان یمهر أزواجه بهذا المقدار،کما نطقت بذلک الروایات لَقَدْ کانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .کما نطق القرآن الکریم،الأمر الذی یجعل استحباب اتخاذه و السیر علیه،و عدم جعله أقل أو أکثر أمر أکید واضح فقهیا و شرعا.
ففی صحیحة معاویة بن وهب قال (1)
وسائل الشیعة ج 5 کتاب النکاح أبواب المهور باب 4 حدیث 1. [1]
:سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول:ساق رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله اثنتی عشرة أوقیة و نشا.و الأوقیة1) 1)
أربعون درهما و النش نصف الأوقیة عشرون درهما.و کان ذلک خمسمائة درهم.قلت:بوزننا قال:نعم.
و فی معتبرة عبید بن زرارة قال (1)
المصدر:حدیث 3. [1]
:سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول:مهر رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله نساءه اثنتی عشرة أوقیة و نشا.و الأوقیة أربعون درهما و النش نصف الأوقیة و هو عشرون درهما.
و نحوها فی صحیحة حماد (2)و غیرها بل لعل المعنی مستفیض فی الروایات.
و فی بعضها (3):ثم أوحی اللّه إلی نبیه صلَّی اللّه علیه و آله أن سنّ مهور المؤمنات خمسمائة درهم.ففعل ذلک رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله.و أیما مؤمن خطب إلی أخیه حرمته فبذل له خمسمائة درهم فلم یزوجه فقد عقه.
و استحق من اللّه عزّ و جلّ أن لا یزوجه حوراء.
و من الواضح أن:12 40 480.فإذا أضفنا إلیها نصف الأوقیة(20) درهما کان المجموع خمسمائة درهم.
إلاَّ أن المهم الآن هو استخراج مقداره بالأوزان الحدیثة کالغرام و المثقال.
و هذا یتوقف علی معرفة وزن الدرهم.و قد عرفنا فی کتاب الزکاة أن الدرهم له اصطلاحان:أحدهما:العملة المسکوکة بإزاء الدینار.و الثانی:
مقدار معین من الوزن أو العیار و مقداره کما عرفنا هناک 256 و 3 غرام.و قد استعمل اصطلاح الدرهم فی کتاب الزکاة بصفته مسکوکا.أما هنا فقد استعمل بکل تأکید بصفته و زنا.کجزء من أربعین جزء من الأوقیة و هی من الأوزان بدورها.
فلئن کنا فی کتاب الزکاة قد ذکرنا بعض التشکیک فی وزن الدرهم
المسکوک.إلاَّ أننا لم نشکک،و لا مجال للتشکیک فی معنی الدرهم العیار و هو ما ذکرناه.و معه یکون الحساب کما یلی:
المثقال الصیرفی 884،4 غرام المثقال الصیرفی 5،1 درهم الدرهم 256،3 غرام الدرهم 256،3 غرام الأوقیة 40 درهما الأوقیة 24،130 غرام الدرهم 256،3 غرام المهر 500 درهم المهر 1628 غراما من الفضة الأوقیة 4،130 غرام المثقال 884،4 غرام الأوقیة 666،26 مثقال صیرفی الأوقیة 666،26 مثقال صیرفی المهر 5،12 أوقیة المهر 325،333 مثقال صیرفی المهر 1628 غراما المثقال الصیرفی 884،4 غرام المهر 333،333 مثقال صیرفی
و هی تساوی النتیجة السابقة غیر 008،0 من الفرق نتیجة لحساب الکسور الضئیلة.
الأوقیة 24،130 غرام المثقال الشرعی 660،3 غرام الأوقیة 584،35 مثقال شرعی الأوقیة 584،35 مثقال شرعی المهر 5،12 أوقیة المهر 8،444 مثقال شرعی المهر 500 درهم المثقال الشرعی 923،11 درهم المهر 935،41 مثقال شرعی و هی تنقص عن النتیجة السابقة بحوالی مثقالین شرعیین و مقتضی الاحتیاط هو الأکثر.
المهر 8،444 مثقال شرعی المثقال الصیرفی 334،1 مثقال شرعی المهر 433،333 مثقال صیرفی و هی تختلف بحوالی 1،0 من المثقال عن النتیجة السابقة.
و إذا عرفنا هذه الحسابات أمکننا أن نعرف وزن المهر الشرعی فی کل الأوزان الأخری إذا عرفنا کم هی من المثقال الشرعی أو الصیرفی أو من الغرام فلا حاجة الی إطالة الکلام عن ذلک.و نوکله إلی نباهة القاری و جهده الشخصی.
و بالطبع،فإن الأصل فی ذلک هو دفع هذا المقدار مهرا من الفضة نفسها،
فإن لم توجد کفی دفع قیمة هذا المقدار من الفضة فی المکان و الزمان اللذین یعیش فیهما الزوجان.و هو مما یختلف فی البلدان و الأزمان بطبیعة الحال.
یعتبر المهر المتزائد فقهیا جائزا إلاَّ أنه شدید الکراهة،فنتکلم عن جوازه أولا ثم عن کراهته.
أما عن جوازه فتدل علیه عدة روایات:
منها:معتبرة أبی الصیاح الکنانی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال (1)
وسائل الشیعة ج 15 کتاب النکاح أبواب المهور باب 1 حدیث 1. [1]
:سألته عن المهر؟قال:ما یتراضی علیه الناس.و هی واضحة بالإطلاق للقلیل و الکثیر.
و فی صحیحة محمد بن مسلم قال (2):قال أبو جعفر علیه السلام:تدری من أین صار مهور النساء أربعة آلاف.قلت لا فقال:إن أم حبیب بنت أبی سفیان کانت بالحبشة.فخطبها النبی صلّی اللّه علیه و آله و ساق إلیها عبر النجاشی أربعة آلاف.فمن ثم یأخذون به.فأما المهر فاثنتا عشرة أوقیة و نشا.
و قوله:فأما المهر یعنی:المهر الشرعی الصحیح و هو مهر السنة.و یذکره بالمقدار الذی سمعناه نفسه.إلاَّ أنه لا یقول عن الرقم إنه بالدینار أو الدرهم.
و هذا ما تفسره الروایات الأخری التی سمعناها و التی تصرح أن مهر السنة بالدراهم.و من وحدة السیاق فی هذه الروایة تعرف أن الأربعة آلاف أیضا بالدراهم وزنا أو عملة.و حمله علی الوزن أوفق بالسیاق.
فیکون حسابه باختصار کما یلی:
المهر 4000 درهم الدرهم 256،3 غرام المهر 13024 غراما
یعنی ثلاثة عشر کیلو غراما من الفضة و أکثر بقلیل.
و أما الحدیث عن کراهة زیادة المهور و المغالاة بها و رفض الخطوبة طمعا بذلک.فهو مما تدل علیه طائفة من الروایات بمختلف الألسنة و البیانات،نذکر فیما یلی شیئا منها کنموذج:
فعن خالد بن نجیح (1)
وسائل الشیعة ج 15:أبواب المهور.باب 5 حدیث 1.و انظر حدیث 11 أیضا.
عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی حدیث یقول فیه:فأما شؤم المرأة فکثرة مهرها و عقم رحمها.
محمد بن علی بن الحسین (2)،قال:روی أن من برکة المرأة قلة مهرها، و من شؤمها کثرة مهرها.
و عن إسماعیل بن مسلم (3)،عن الصادق جعفر بن محمد عن أبیه عن آبائه علیهم السلام قال:قال رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله:أفضل نساء أمتی أصبحهن وجها و أقلهن مهرا.
و عن أبی بکر الحضرمی عن أبی عبد اللّه علیه السلام (4):قال:إن رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله زوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبیر بن عبد المطلب و إنما زوجه لتتضع المناکح و لیتأسوا برسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله.و لیعلموا أن أکرمهم عند اللّه أتقاهم.
و عن علی بن بلال-فی حدیث عن هشام بن الحکم (5)،یقول فیه:عن جعفر بن محمد علیه السلام سمعته یقول:أ تتکافی دماؤکم و لا تتکافأ فروجکم.
قال اللغویون فی مادة:طلق:طلاق المرأة:بینونتها عن زوجها.و امرأة طالق من نسوة طلق،و طالقة من نسوة طوالق.و طلَّق الرجل امرأته و طلقت هی بالفتح تطلق طلاقا و طلقت بالضم أکثر.
و رجل مطلاق و مطلیق و طلیق و طلقة علی أمثال همزة:کثیر التطلیق للنساء.
و أطلق الناقة من عقالها و طلَّقها فطلقت هی بالفتح.و ناقة طلق و طلق:لا عقال علیها.و الجمع:إطلاق.و بعیر طلق و طلق:بغیر قید.و الطالق من الإبل:التی قد طلقت فی المرعی.و نعجة طالق:مخلاة ترعی وحدها.
و حبسوه فی السجن طلقا،أی بغیر قید و لا کبل.و أطلقه فهو مطلق و طلیق:سرّحه.و الجمع طلقاء.و الطلیق:الأسیر الذی أطلق عنه إساره و خلی سبیله.و هو فعیل بمعنی مفعول.
و رجل طلق الیدین و الوجه و طلیقهما:سمحهما.و وجه طلق و طلق و طلق.الأخیرتان عن ابن الأعرابی:ضاحک مشرق.و امرأة طلقة الیدین و وجه طلیق کطلق.و الاسم منها و المصدر جمیعا:الطلاقة.
و یوم طلق بیّن الطلاقة و لیلة طلق أیضا و لیلة طلقة مشرق لا برد فیه و لا حر و لا مطر و لا قر.و قیل:و لا شیء یؤذیه.
و رجل طلق اللسان و طلق و طلق و طلیق:فصیح.و قد طلق طلوقة و طلوقا.
و فیه أربع لغات:لسان طلق ذلق و طلیق ذلیق و طلق ذلق و طلق ذلق.قال شمس:طلقت یده و لسانه طلوقة و طلوقا.و قال ابن الأعرابی:یقال:هو طلیق و طلق و طالق و مطلق إذا خلّی عنه.قال:و التطلیق التخلیة و الإرسال و حل العقد.و یکون الإطلاق بمعنی الترک و الإرسال.
و استطلقه:استعمله و استطلق بطنه مشی.و استطلاق البطن:مشیه.
و أطلقه الدواء.
و استطلق الظبی و تطلَّق:استن فی عدوه فمضی و مرّ لا یلوی علی شیء.
و هو تفعّل.و الظبی إذا خلی عن قوائمه فمضی لا یلوی علی شیء قیل:
تطلَّق.و الانطلاق:الذهاب.إلی آخر ما قالوه.
أقول:و الظاهر أن الأصل فی معنی هذه المادة هو:التخلیة و الإرسال و حل العقد.علی أساس تصور:أن الشیء کان محجوزا أو ممنوعا عن شیء معین أو عن فعالیة معینة فزال المانع و الحجر،فأصبح طلیقا حر التصرف.
و قد سمعنا لهذا عدة تطبیقات نذکر أهمها:
أولا:الفکاک من الأسر.علی اعتبار أن الأسر نوع من الحجز و المنع.
ثانیا:الذهاب علی أساس أن الاستقرار أو العقود،نحو من المنع و الحجز.
ثالثا:فصاحة اللسان علی أساس أن ضدها و هو العجز عن البیان شکل من أشکال المنع و الأسر ضد طبع الإنسان القادر علی التدریب علی الفصاحة.
رابعا:الکرم و السخاء علی أساس أن البخل نوع من القید یمنع الإنسان عن هذا الشکل من التصرف فی المال.
خامسا:إشراق الوجه و الضحک.علی أساس أن الحزن و العبوس مانع عن الاستبشار و السرور الذی ینبغی أن یکون علیه الإنسان لیرتاح.
سادسا:فک الناقة من العقال.و من الواضح أن عقالها مانع لها عن المشی.
سابعا:و هو محل الشاهد:أن الطلاق هو فک المرأة من الزوجیة،علی
أساس أن علاقة الزوجیة نوع من القید عن التصرف و اختیار الزواج برجل آخر مثلا و غیر ذلک.فهو إرسال لها من قید الزوجیة و تحریر لها من رقیّتها لو صح التعبیر.
و قد ورد هذا المضمون فی بعض الروایات،فعن المجاشعی عن الرضا عن آبائه علیهم السلام قال (1)
وسائل الشیعة ج 14.أبواب مقدمات النکاح باب 28 حدیث 8. [1]
:قال رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله:النکاح رق.فإذا أنکح أحدکم ولیدة فقد أرقها،فلینظر أحدکم لمن یرق کریمته.
و المقصود مجرد التشبیه بالرق لأن الحیاة الزوجیة ارتباط دائم و مؤکد و علی کل من الزوجین التنازل عن بعض مصالحه لمصلحة الطرف الآخر و من هنا تبدأ التضحیة بالنفس و العنایة بالآخر.و من هنا یبدأ الشبه بالرقیة.و قد قیل فی الحکمة الموروثة:کونی له أمة یکن لک عبدا.
و فی الحقیقة،فإن هذه الرقیة شاملة لکلا الزوجین،و إنما خصت الروایة الزوجة بها،لأن واجباتها فی العائلة أصعب من الزوج،و لأن الزوج یعتبر المشرف علی الزوجة و القائم علی مصالحها (الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَی النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللّهُ) .
و المهم:أن الزوجیة إذا کانت رقیة،کان الطلاق حریة و انطلاقا و فکاکا.
و هذا واضح.
و بالطبع فإن المعانی الأخری للطلاق صحیحه أیضا.کالفرقة أو الفراق و البینونة و الانفصال و غیر ذلک.إلاَّ أن الأصل فیه،هو ذلک،کما رجحناه.
و علی أی حال،فقد أصبح الطلاق ذو معنی فقهی و متشرعی اصطلاحی محدد.و هو یعتبر أحد المعاملات،کما یعتبر أحد الإیقاعات،و هی المعاملة التی لا تحتاج إلاَّ إلی طرف واحد.بلا حاجة إلی رضا الآخر أو قبوله.و هو فی الطلاق:الزوج و فی العتق:المالک،و نحو ذلک.
و المتصور ذهنیا:إن حق الطلاق یمکن أن یخص به أحد الزوجین،أیا منهما کان،کما یمکن أن یکون لکلا الزوجین.و قد أجازت ذلک بعض القوانین
1) 1)
الوضعیة.إلاَّ أن الشریعة الإسلامیة خصت هذا الحق بالزوج،و لیس للزوجة فیه بالأصل نصیب.إلاَّ أن تتخذ بعض الطرق التی قد نتعرض لها فی المستقبل.
و علی أی حال فالمرأة تشعر أو ینبغی أن تشعر بوضوح،بصفتها أکثر فی حدة العاطفة من الرجل:إنها لو کانت قد حصلت علی حق الطلاق لطلقت نفسها أو زوجها فی أیام قلائل،و لم تصبر علی الحیاة الزوجیة کالرجل.و فی ذلک من المفاسد ما لا یعلمه إلاَّ اللّه سبحانه.
و حیث اختص الطلاق فی الإسلام بالزوج بنص الکتاب و إجماع علماء المسلمین،فقد أصبح معنی الطلاق:هو الفرقة التی یوجدها الزوج للنکاح الدائم.
و إنما قلنا:للنکاح الدائم لأن الإشکال الأخری من الحلائل،لا تحتاج إلی طلاق،بل تحصل الفرقة بطرق أخری،فالعقد المنقطع یکون بهبة المدة أو انقضائها.و الجاریة یکون بنقلها عن الملک کبیعها أو هبتها.و التحلیل یکون بفسخه أو إبطاله من قبل المالک.
و أما استعمال لفظ البینونة فی کلمات اللغویین،کما سمعنا:فلا یراد بها إلاَّ الفرقة.و أما البینونة الناتجة من الطلاق البائن کما سنشرح،فلیست بمرادة جزما.و الفرقة علی أی حال تحصل فی الطلاق البائن و الرجعی.
کما یمکن إیجاد الفرقة من النکاح الدائم،بالطلاق،کذلک یمکن أحیانا إیجادها بالفسخ.کما فی العیوب المذکورة فی الفقه،و التی تجعل للطرف الآخر حق الفسخ.کالجنون و البرص و الجذام و غیرها،و تفصیله فی محله.
فما الفرق بین الفسخ و الطلاق،إذا کانا مشترکین فیما هو المهم من إیجاد الفرقة بین الزوجین.
و جواب ذلک:أن الفروق عدیدة نجعلها فیما یلی:
الفرق الأول:الفرق بینهما مفهوما.باعتبار الاختلاف الارتکازی العرفی و المتشرعی بین الطلاق و الفسخ.و یکفی ذلک:أن الطلاق ینظر إلیه کمعاملة
مستقلة عن النکاح الذی یسبقه،بخلاف الفسخ فإنه ذات مربوط بالنکاح السابق،لأنه وارد علیه و فاسخ له.فلا یمکن أن ینفصل مفهوما عنه.
الفرق الثانی:قد یقال:إن الطلاق منتج للفرقة بین الزوجین من حینه، یعنی عند الطلاق.و أما الفسخ،فهو منتج للفرقة من حین العقد أعنی عقد النکاح السابق.
إلاَّ أن هذا الفرق إنما یصح بناء علی الکشف فی الفسخ،یعنی أنه یکشف عن عدم وجود النکاح من أصله.و أما إذا قلنا بالنقل،کما هو الصحیح، فالأمر لیس کذلک،لأن معناه أن الفسخ یؤثر فی زمان وجوده و لیس من حین العقد.إذن،یکون أثره مع الطلاق مشترکا من هذه الناحیة،و لا یکون هذا الفرق فرقا صحیحا.
الفرق الثالث:إن الطلاق خاص بالزوج کما عرفنا،إلاَّ أن الفسخ قد یکون للزوج و قد یکون للزوجة،و المهم أنه یکون للطرف السلیم منهما،إذا کان الآخر مبتلی.
الفرق الرابع:إن الطلاق یوجب انتصاف المهر إذا وقع قبل الدخول،فلا تستحق الزوجة إلاَّ نصف المهر.و أما الفسخ،فلا یوجب ذلک جزما.
و الصحیح أنه ینتج استحقاق کل المهر.و إن کان هناک من الفقهاء من یقول بعدم استحقاقها للمهر أصلا.و الوجه الأساسی فی ذلک هو ما أشرنا إلیه،من القول:بأن الفسخ هو علی نحو الکشف أو النقل.فإن کان علی نحو الکشف لزم منه بطلان النکاح أصلا،الأمر الذی ینتج عدم استحقاق المهر أصلا.
بخلافه علی النقل،فإن الزوجة قبل الفسخ کانت مستحقة للمهر،و قد حصل الفسخ من حینه لا من حین العقد،و لا دلیل علی انتصاف المهر و لا علی سقوطه کله،فیستصحب استحقاقها له أجمع.
یعتبر الطلاق لو لو حظ بذاته،معاملة من المعاملات،فیشمله کل ما یقال علی القاعدة فی سائر المعاملات کجواز المعاطاة،و عدم ضرورة لفظ معین،لو
قلنا بلزوم اللفظ.و الإکتفاء بالکتابة مع إحراز انتسابها إلی صاحبها.و هکذا.
غیر أن الطلاق فی نفس الوقت معاملة تنتمی إلی(الفروج)بصلة،فیشملها ما یشمل هذا الباب من لزوم الاحتیاط.و یکون هذا الاحتیاط حاکما و متقدما علی مقتضیات القاعدة فی سائر المعاملات کما أسلفنا.
و من هنا قال الفقهاء،بکل المعاملات التی تمت إلی هذا الباب بصلة، کالنکاح و الطلاق و اللعان و العتق و غیرها،بمنع المعاطاة فیها.و هی-کما عرفنا فی البیع-:إبراز قصد المعاملة بالفعل لا بالقول.و من هنا فالاحتیاط الوجوبی یقتضی عدم إجزاء المعاطاة بالطلاق،کأن یضع الزوج البرقع علی رأس زوجته و نحو ذلک.
إذن،فلا بد من اللفظ.و لکن مع ذلک،فمقتضی الاحتیاط الاقتصار علی بعض الألفاظ بل علی لفظ واحد هو(طالق)و لا یجزی غیره کمطلقة أو غیره فضلا عن استعمال غیر مادة الطلاق کالتفریق أو غیره،کأغربی عن وجهی أو أخرجی من بیتی.و إن قصد الطلاق بها.
و أولی من ذلک بالاحتیاط الکتابة و الإشارة.إلاَّ مع الضرورة أعنی عدم تیسر النطق لمرض أو خرس،بشرط أن یقترن أحدهما أعنی الکتابة و الإشارة بقصد الطلاق و أن یکون مفهما بالمقدار العرفی الکافی،مضافا إحراز انتساب الکتابة إلی صاحبها،کما لو رأیناه یکتبها و علی أی حال،فیکفی قیام الحجة الشرعیة علی هذا الانتساب،أو علی ترجمة إشارة الأخرس،و نحو ذلک من الأسالیب.
الطلاق فی ذاته واحد.و لکنه ینقسم من حیث نتائجه و متابعاته و ما یترتب علیه إلی عدة انقسامات:
فالأول هو ما کان مشروعا و صحیحا.و الثانی ما لیس مشروعا و لا صحیحا.و ستأتی أمثلته.
فالأول هو ما یحق للزوج الرجوع بالزوجة خلال العدة،بخلاف الثانی الذی یفقد هذا الحق.
و هذا اصطلاح آخر للطلاق السنّة.و قد اختلف فی معنی هذا الانقسام،و فسره السید الأستاذ (1)
منهاج الصالحین ج 2 ص 321. [1]
بأن الطلاق العدی هو الذی یراجع فیه فی العدة من دون جماع.و هناک انقسامات أخری غیر محررة بعنوانها فقهیا.کانقسام الطلاق إلی ما یوجب نکاح زوج غیره للتحلیل و إلی ما لا یوجب ذلک.و انقسامه إلی ما یوجب الحرمة المؤبدة للمطلقة و إلی ما لا یوجب.
و ذکر سیدنا الأستاذ (2)أن الطلاق السنّی أو للسنّة فیه ثلاثة أقسام:سنّی بالمعنی الأعم و هو کل طلاق جامع للشرائط مقابل الطلاق البدعی.و سنّی
مقابل العدی،و هو ما یراجع فیه فی العدة من دون جماع.و سنّی بالمعنی الأخص و هو أن یطلق الزوجة فلا یراجعها حتی تنقضی عدتها ثم یتزوجها.
و لنحاول فیما یلی أن نحصر الانقسامات کلها فی شجرة موحدة أو قائمة متصلة،جهد الإمکان.و إن کانت جملة من المطالب الفقهیة مشتتة بحیث یصعب ضبطها.فنقول:إن الطلاق إما أن یکون جامعا للشرائط أو لا فالأول هو طلاق السنّة.و الثانی هو طلاق البدعة.
و طلاق السنّة إما بائن أو رجعی.و قد سبق معناهما.و لکل من هذین انقسام.
فالبائن إما أن لا تحل له أصلا.أو تحل له بشرط أن تنکح زوجا غیره،أو تحل له بدون هذا الشرط.فالأول هی المطلقة تسعا،و هی تحرم حرمة مؤبدة.
و الثانی هی المطلقة ثلاثا أو ستا.فی شرائط معینة لعلنا نتعرض لها.و الثالث:
کطلاق الصغیرة و الیائس.فیجوز له أن یعقد علیها من جدید و لو خلال العدة.
کل ما فی الأمر أن العقد لا یصح إلاَّ برضاها (1)
أو رضا و ولیّها.
لأنها طرف فیه بخلاف الرجعة،فإنها إیقاع من الزوج لا یشترط فیه رضا الزوجة.و قد قالوا فیه بصحة المعاطاة أعنی إبراز الرجعة بالفعل دون القول.کالتقبیل و اللمس بشهوة و سیأتی التعرض له.و الطلاق الرجعی(المقابل للبائن الذی شرحناه)إما أن یراجع الزوج فی العدة،فهو الطلاق العدی.و إما أن یترک العدة تنتهی فیعقد علی الزوجة من جدید باختیارها و هو طلاق السنّة أو الطلاق السنّی،لو أردنا التفریق بین الاصطلاحات.و هذا هو مضمون الانقسام الثالث الذی ذکرناه فی أول الفصل.
و کل هذا التقسیم هو حال الطلاق الواحد،و أما مع تعدده،فیمکن بل یتعین أحیانا أن تتعدد صفاته و خصائصه فیتخذ فی کل مرة صفة و حکما جدیدین.أو یکون اثنین بصفة و الثالث بصفة،کما هو المفروض فی کل
1) 1)
طلقات ثلاث جامعة للشرائط.فإن التطلیقتین الأولیین من الطلاق الرجعی و الثالثة من الطلاق البائن.
و یمکن أن تختلف الأولیین بدورهما،فمثلا:یرجع الزوج فی الأولی خلال العدة،و یعقد النکاح فی الثانی بعد انتهاء العدة،فتکون الأولی للعدة و الأخری للسنّة.و هکذا.
یحسن بنا الآن أن نروی بعض نصوص الأخبار التی تشرح بعض أقسام الطلاق ثم نحاول تطبیقها علی ما سمعناه.إذ یکون لنا من ذلک معرفة زائدة.
و التقسیم الرئیسی الوارد فی الروایات،هو التقسیم إلی طلاق السنّة و طلاق العدة.و سنسمع أن الزوج إن رجع فی العدة بعد الطلاقین الأولین و طلقها الثالثة،کان ذلک طلاق السنّة.و إن ترک الزوجة تخرج من العدة فی الطلاقین الأولین ثم عقد علیها من جدید ثم طلقها الثالثة،کان هذا طلاقا للعدة.و إنما ذکرنا هذه الفکرة لیطبقها القاری علی الأخبار.
و أهم هذه الأخبار:روایتان مطولتان،نود إیرادهما و الاقتصار علیهما،مع التعلیق علیهما و الاستفادة من نصوصهما.
صحیحة زرارة عن أبی جعفر علیه السلام أنه قال (1)
وسائل الشیعة ج 15.أبواب أقسام الطلاق و أحکامه باب 1 الحدیث 1. [1]
:کل طلاق لا یکون علی السنّة أو طلاق علی العدة فلیس بشیء.قال زرارة:قلت لأبی جعفر علیه السلام:فسّر لی طلاق السنّة و طلاق العدة.فقال:فإذا أراد الرجل أن یطلق امرأته،فلینتظرها حتی تطمث و تطهر فإذا خرجت من طمثها طلقها تطلیقة من غیر جماع و یشهد شاهدین علی ذلک.ثم یدعها حتی تطمث طمثتین فتنقضی عدتها بثلاث حیض.و قد بانت منه.و یکون خاطبا من الخطاب،إن شاءت تزوجته و إن شاءت لم تتزوجه،و علیه نفقتها و السکنی ما دامت فی عدتها، و هما یتوارثان حتی تنقضی عدتها.1) 1)
و أما طلاق العدة (1)
المصدر:باب 2 حدیث 1.و [1]هی تتمة الحدیث.
الذی قال اللّه عزّ و جلّ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ ،فإذا أراد الرجل منکم أن یطلق امرأته طلاق العدة،فلینتظر بها حتی تحیض و تخرج من حیضها.ثم یطلقها تطلیقة من غیر جماع،بشهادة شاهدین عدلین.و یراجعها من یومه ذلک إن أحب أو بعد ذلک بأیام قبل أن تحیض.و یشهد علی رجعتها،و یواقعها حتی تحیض فإذا حاضت و خرجت من حیضها طلقها تطلیقة أخری من غیر جماع یشهد علی ذلک.ثم یراجعها أیضا متی شاء،قبل أن تحیض و یشهد علی رجعتها.و یواقعها،و تکون معه،إلی أن تحیض الحیضة الثالثة،فإذا خرجت من حیضتها الثالثة،طلقها تطلیقة ثالثة.
بغیر جماع و یشهد علی ذلک.فإذا فعل ذلک،فقد بانت منه.و لا تحل له حتی تنکح زوجا غیره.
قیل له:و إن کانت ممن لا تحیض.فقال:مثل هذه تطلق طلاق السنة.
و روایة أبی بصیر (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال سألته عن طلاق السنّة فقال:طلاق السنّة إذا أراد الرجل أن یطلق امرأته یدعها إن کان قد دخل بها حتی تحیض ثم تطهر،فإذا طهرت طلقها واحدة بشهادة شاهدین.ثم یترکها حتی تعتد ثلاثة قروء.فإذا مضی ثلاثة قروء،فقد بانت منه بواحدة.و کان زوجها خاطبا من الخطاب.إن شاءت تزوجته و إن شاءت لم تفعل.
فإن تزوجها بمهر جدید،کانت عنده علی اثنین باقیین،و قد مضت الواحدة.فإن هو طلقها واحدة علی طهر من غیر جماع.بشهادة شاهدین،ثم ترکها حتی تمضی أقراؤها.فإذا مضت أقراؤها من قبل أن یراجعها فقد بانت عنه باثنین،و ملکت أمرها و حلت للأزواج.و کان زوجها خاطبا من الخطاب إن شاءت تزوجته،و إن شاءت لم تفعل.فإن هو تزوجها تزویجا جدیدا،بمهر جدید،کانت معه بواحدة باقیة.و قد مضت ثنتان،فإن أراد أن یطلقها طلاقا، لا تحل له حتی تنکح زوجا غیره.ترکها حتی إذا حاضت و طهرت أشهد علی طلاقها تطلیقة واحدة.ثم لا تحل له.حتی تنکح زوجا غیره.
و أما طلاق الرجعة (1)
المصدر:باب 2 حدیث 2 و [1]هی تتمة الحدیث.
(العدة)فأن یدعها حتی تحیض و تطهر ثم یطلقها بشهادة شاهدین.ثم یراجعها و یواقعها،ثم ینتظر بها الطهر،فإذا حاضت و طهرت أشهد شاهدین علی تطلیقة أخری.ثم یراجعها و یواقعها،ثم ینتظر بها الطهر.فإذا حاضت و طهرت أشهد شاهدین علی التطلیقة الثالثة ثم لا تحل له أبدا حتی تنکح زوجا غیره.و علیها أن تعتد ثلاثة قروء من یوم طلقها التطلیقة الثالثة.فإن طلقها واحدة بشهود علی طهر ثم انتظر بها حتی تحیض و تطهر ثم طلقها قبل أن یراجعها.لم یکن طلاق الثانیة طلاقا،لأنه طلق طالقا.و لأنه إذا کانت المرأة مطلقة من زوجها کانت خارجة من ملکه حتی یراجعها فإذا راجعها صارت فی ملکه.ما لم یطلقها التطلیقة الثالثة فإذا طلقها التطلیقة الثالثة فقد خرج ملک الرجعة من یده.فإن طلقها علی طهر بشهود ثم راجعها و انتظر بها الطهر من غیر مواقعة،فحاضت و طهرت ثم طلقها قبل أن یدنسها بمواقعة بعد الرجعة.لم یکن طلاقه طلاقا،لأنه طلقها التطلیقة الثانیة فی طهر الأولی.و لا ینقضی الطهر إلاَّ بمواقعة بعد الرجعة.و کذلک لا تکون التطلیقة الثالثة إلاَّ بمراجعة و مواقعة بعد الرجعة،ثم حیض و طهر بعد الحیض،ثم طلاق بشهود، حتی یکون لکل تطلیقة،طهر مع تدنیس المواقعة بشهود.
و هاتان الروایتان تحتویان مضامین متعددة،منها شروط صحة الطلاق أساسا،و هو فی مجال حدیثنا هذا خارج عن الصدد،إلاَّ أننا نذکره إجمالا لیکون القاری ممیزا و مطبقا لما فی الروایتین بوضوح:
أولا:تفترض أن الزوج حاضر مع زوجته،و لا تشترط عدم غیابه فیستفاد ذلک من أدلة أخری،مع عدم تعارضه مع هذه الروایات لعدم النص علی الخلاف فیها.
ثانیا:کون المرأة فی طهر غیر مواقع فیه.و هو مشروح فی الروایتین بعدة أسالیب لا حاجة إلی الإفاضة فیها.
1) 1)
ثالثا:حضور الشاهدین للطلاق.و هو عندنا ضروری لصحته.
رابعا:وقوع الطلاق نفسه.و هو مما لا تشرح أسلوبه هاتان الروایتان،بل لا بدّ من استفادته من روایات أخری.
فهذه هی الشرائط،فإن حصلت فهی مطلقة و یجب علیها أن تعتد بثلاثة قروء یعنی حیضات.و إذا لم تکن تحیض و هی فی عمر من تحیض فبثلاثة أشهر.و تکون عدتها فی التطلیقتین الأولیین رجعیة،و إذا کانت فی غیر عمر من تحیض کانت العدة بائنة،و کذلک لو کانت هی التطلیقة الثالثة أو السادسة، فلا یحق للزوج أن یرجع خلالها بزوجته بأسلوب الرجعة الذی عرفناه.
و الروایتان تجتمعان فی المضمون التالی:
إن الطلاق للعدة أو الطلاق العدی هو أن یطلق الزوج زوجته بالشرائط السابقة ثم یراجعها فی العدة فی نفس الیوم أو بعد ذلک بأیام.و الروایة الأولی دالة علی أن المراجعة ینبغی أن تقع قبل الحیضة التالیة،یعنی ما دامت المرأة فی الطهر الذی طلقت فیه.و هو أمر لم یأخذ به المشهور و لم تذکره الروایة الثانیة.
فالأولی حمل هذا الشرط علی نحو من الاستحباب.و إنما الشرط الواقعی هو الرجوع فی العدة،سواء کان حصوله قبل هذه الحیضة أو بعدها.بل بعد حیضتین أیضا.لأنها عندئذ تکون فی العدة أیضا.
فإذا راجعها الزوج فی العدة،فعلیه أن یدخل بها،فإن لم یفعل لا یکون طلاقه طلاقا للعدة.
و علی هذا المعنی یکون ما سنشیر إلیه الآن متعذرا،و هو التطلیقات الثلاث فی مجلس واحد.إذ یمکن للزوج لو لا ذلک إحضار شاهدین مع کون زوجته فی طهر غیر مواقع فیه،فیقول أمامهما:هی طالق ثم یقول رجعت ثم یقول هی طالق ثم یقول:رجعت.ثم یقول هی طالق.فتکون ثلاث تطلیقات فی مجلس واحد.فلا تحل له حتی تنکح زوجا غیره.
إلاَّ أن هذا سیکون متعذرا مع اشتراط الدخول بعد کل رجعة.کما تنص علیه کلتا الروایتین.و إذا دخل لزمه إذا أراد الطلاق أن ینتظر زوجته لتحیض
و تطهر مرة أخری لتدخل فی طهر غیر مواقع فیه لیصح طلاقها الآخر.و هکذا.
و هذا مشروح فی الروایتین أیضا.و هو راجع إلی لزوم تحقیق شرائط الطلاق فی کل مرة.و المهم فی حدیثنا عن الطلاق للعدة هو الدخول بعد الرجعة،کما نطقت به الروایتین و عمل بها المشهور و سیدنا الأستاذ.
فإذا تمت للزوج تطلیقتین علی هذا الغرار،بما فیه الدخول بعد الرجعة.ثم حصلت شرائط الطلاق فطلقها الثالثة،کان الطلاق بائنا لیس له الرجعة فیه، و لا یجوز أن یعقد علیها من جدید حتی تنکح زوجا غیره.
و هذا معناه أنها یجب أن تخرج من عدة مطلقها ثم تتزوج باختیارها زوجا ثانیا،ثم یطؤها،ثم یدعها تدخل فی طهر غیر مواقع فیه،فإذا طلقها کان له الرجعة فیها،إلاَّ أن المفروض أنها تعود إلی زوجها الأول،فیدعها تخرج من عدة الثانی فیتزوجها من جدید.
فهذه هی(خریطة)الطلاق العدی.و سوف یأتی عنه کلام آخر بعون اللّه سبحانه.
و أما الطلاق للسنّة،فیختلف عن السابق،بنص الروایتین:إن الزوج یدع زوجته بعد التطلیقة الأولی تخرج من العدة،ثم یعقد علیها من جدید باختیارها و اختیاره.و هذا هو معنی کونه(خاطبا من الخطاب)کما ذکرت الروایتان.
و کذلک یفعل بعد الطلاق الثانی.فإذا نکحها بعد الثانی،ثم طلقها طلاقا جامعا للشرائط لم تحل إلاَّ أن تنکح زوجا غیره.
و هذا الطلاق لم تشترط الروایتان معا أن یدخل فیها بعد العقد الذی یعقده علیها بعد الطلاق و انتهاء العدة.بل لم تشترط ذلک فی النکاح الأول أساسا.
و إن افترضت وقوع المواقعة،لأنهما قالتا:إنه یدع الزوجة تطمث ثم تطهر لیصح طلاقها.و هذا إنما یکون مع شرط حصول المواقعة لا بدونها.فلو تزوجها أولا و لم یدخل بها کان له أن یطلقها متی شاء.
فهنا یمکن أن نرجع إلی التحریم بالطلاق بمجلس واحد.و ذلک:أن یتزوج الرجل المرأة لأول مرة.ثم لا یدخل بها و یطلقها متی شاء أمام شاهدین.
و عندئذ فهی لا عدة لها و طلاقها بائن.فیجوز أن تتزوج فی نفس الیوم من أی رجل فیتزوجها باختیاره و اختیارها فی نفس المجلس بعقد نکاح جدید،ثم أیضا یطلقها قبل الدخول أمام الشاهدین نفسیهما،فتکون أیضا لا عدة لها و طلاقها بائن فیعقد علیها من جدید فی نفس المجلس.و یطلقها فیه أیضا و هو قبل الدخول فیکون طلاقه للسنّة.و لا تحل له حتی تنکح زوجا غیره.
غیر أننا نلاحظ أن الروایتین اشترطتا فی کل تطلیقة أن تنقضی العدة.و هذا معناه أنها تفترض حصول الدخول بعد کل نکاح.و إلاَّ فمن الواضح،(و قد دلت علیه أدلة أخری):أن المطلقة قبل الدخول لا عدة لها شرعا.و تصلح تلک الأدلة لتقیید هاتین الروایتین.فیکون المعنی:إن طلاق السنّة إنما یکون مشروطا بانقضاء العدة فیما تجب فیه العدة.دون ما لا تجب فیه.کطلاق غیر المدخول بها و الصغیرة.إذن،تندرج التطلیقات الثلاث فی مجلس واحد،کما شرحناها أو للصغیرة و نحو ذلک،فی طلاق السنّة.
و یحسن بنا الآن أن نطبق الاصطلاحات الثلاثة السابقة لطلاق(السنّة)علی ما عرفناه من الروایات قبل الدخول فی تفاصیل أخری.
فطلاق السنّة المقابل للبدعة واضح،لأن طلاق البدعة هو الطلاق غیر الجامع للشرائط،کالطلاق فی طهر مواقع فیه أو فی الحیض الذی یلیه و الزوج حاضر، أو بدون شاهدین.و نحو ذلک.و طلاق السنّة،هو الجامع للشرائط،نسبة إلی السنّة یعنی الأخبار الدالة علی هذه الشرائط أو إلی السنّة بمعنی التشریع فی الشریعة الإسلامیة.یعنی الطلاق الموافق للتشریع أو السنة بمعنی دیدن المعصومین علیهم السلام و سیرتهم فی ذلک.و کل ذلک ممکن و صحیح.
غیر أن هذا الاصطلاح غیر منصوص علیه فی هذه الروایة،کل ما فی الأمر أنه یستفاد من مجموع أدلة شرائط الطلاق،بما فیها هاتان الروایتان،حیث دلت علی ذلک أیضا کما أشرنا.
و طلاق السنّة فی مقابل الطلاق للرجعة،و قد سمعنا من السید الأستاذ تعریفه:بأنه ما یراجع فیه فی العدة من دون جماع.فکأن الزوج إن جامع بعد الرجعة کان طلاقه سنیا و إن لم یجامع کان طلاقه رجعیا.و هذا خلاف نص
الروایات التی دلت أن طلاق السنّة إنما یتحقق،فیما إذا خرجت العدة ثم عقد علیها من جدید.و أما إذا راجع فی العدة،فالدخول بعده شرط فیها،و إن لم یجامع و طلق لم یکن طلاق للسنّة و لا للعدة.و ظاهر تلک الروایات أن کل طلاق لا یکون من أحد القسمین فإنه باطل أو بدعة.
بقی الاصطلاح الثالث للطلاق السنّی،و هو أن یدع الزوج أن تنتهی العدة و یتزوجها من جدید.و هو الذی عرفناه من الروایات.فی مقابل الرجعی و هو أن یرجع خلال العدة.مع الوطء بعدها.
قالوا:إن التقسیم إنما یکون معقولا و ممکنا،فیما إذا کان منتجا،یعنی أن یکون أحد القسمین محکوم بحکم آخر غیر القسم الآخر.و بتعبیر آخر:أن تکون الأقسام مختلفة فی الأحکام،فإن کانت متفقة فیها،کانت القسمة غیر منتجة و من ثم فهی تافهة و غیر معقولة.
و من ثم فقد یستشکل فی هذا التقسیم من جهتین:
الجهة الأولی:إن کلا القسمین مشترکان فی الحکم.من حیث صحة الطلاق فی نفسه أولا.و إنتاجه للتحریم المؤقت-لو صحّ التعبیر-فی الثالثة و إنتاجه للتحریم المؤبد فی التاسعة (1)
نعم لو قلنا إن الطلاق للسنة لا یحرم فی التسع،کما أشار إلیه صاحب الجواهر،لکان وجها فی الفرق إلاَّ أن الصحیح خلافه،و لو من باب الاحتیاط الوجوبی،کما سیأتی.
.و هذه هی کل نتائج الطلاق شرعا.و هی مشترکة بین القسمین.و هذا ما سنبحثه بعد قلیل.الجهة الثانیة:إن أقسام الطلاق غیر منحصرة بین هذین القسمین،بل هناک أنواع صحیحة من الطلاق غیر هذین،بالرغم من عدم قسمتها اصطلاحا بذلک.کما لو راجع فی العدة و لم یطأ.أو کانت کل التطلیقات بائنة و نحو ذلک.
و هذا الکلام معناه الاستشکال فی صحة التقسیم بإزاء ما دلت علیه الروایات-کما سمعنا-:من أن الطلاق إن لم یکن للسنة و لا للعدة کان باطلا.(فلا طلاق له).
1) 1)
أما الکلام فی الجهة الأولی.ففی الواقع نحن فی غنی عن تقسیم الطلاق إلی القسمین المشهورین لنتحدث بعدها عن نتائج هذین القسمین،لولا ورودها فی الروایات،عن المعصومین علیهم السلام،الأمر الذی یلزمنا أن ننظر فی ذلک بجدیة.
و یمکن الجواب علی هذا الإشکال بعدة وجوه:
الوجه الأول:الطعن فی إسناد الروایات المقسمة للطلاق،الأمر الذی یسقطها من الحجیة،و معه فهذا التقسیم لا وجود له لنبحث عن نتائجه.
إلاَّ أن هذا الوجه لا سبیل له ظاهرا،لأن فی الروایات ما هو صحیح السند، لا أقل من الروایة الأولی السابقة.و قد عمل الفقهاء بهذا المضمون،الأمر الذی قد یقال بانجبارها سندا علی تقدیر ضعفها أو ضعف ما یماثلها من الروایات.
الوجه الثانی:إنه لا یراد بهذا التقسیم:الاختلاف فی النتائج.و إنما یراد به دفع الزائد،أعنی بطلان ما لم یدخل تحت القسمین،و لا یراد به أکثر من ذلک.و لیس للقسمین مفهوم مشترک یفصلهما عن غیر هما مما یکون باطلا.
إذن فلا بد من ذکر عنوانین أو اصطلاحین للطلاق الصحیح.
و هذا الوجه یتوقف علی ما سوف نقوله فی الجهة الآتیة،من أنه هل من الصحیح بطلان الأقسام الأخری للطلاق أم لا.و لا شک أن المشهور صحة عدد من أشکال الطلاق،مما لا یندرج فی القسمین.
الوجه الثالث:إن المراد إعطاء اصطلاحین للطلاق،لیکونا ممیزین بین القسمین فقهیا و شرعا.بغض النظر عن اشتراکهما أو اختلافهما فی الحکم.
فالمهم التنبیه علی وجود أسلوبین للطلاق،و اصطلاحین فیه لکل أسلوب، لا أکثر.
و أما القاعدة المنطقیة التی سمعناها و التی تقول:بأن القسمة لا تصح مع تساوی القسمین فی الحکم.فهذه إنما تصح فیما إذا لم تکن هناک حکمة أخری للتقسیم غیر الاختلاف فی الحکم.فإن وجدت أمکن التقسیم باعتبارها.
و نحن لا نعرف الجهات الواقعیة لحکم المولی المقدس الإسلامی.غیر أننا فی
هذا المورد ندرک:أنه لو لم یکن فیه إلاَّ التنبیه علی إمکان أشکال متعددة من الطلاق یکون کله صحیحا،لکفی.هذا بغض النظر عن الوجه الثانی السابق، و الجهة الثانیة الآتیة.
الوجه الرابع:إن هذین القسمین مختلفین فی الأحکام فعلا،فتکون القسمة صحیحة و معقولة.
أما الحکم بصحة الطلاق،فهو مشترک بینهما.و کذلک الحکم بالتحریم المؤقت،و أعنی به التحریم ما لم تنکح زوجا غیره.و هذا ما نصت الروایتان علی اشتراکهما فیه أیضا.إلاَّ أن التحریم المؤبد فی التاسعة یختلفان فیه.
فالطلاق الرجعی هو المنتج للتحریم المؤبد دون طلاق السنة.کما أنه لو لم یطأ بعد الرجوع لم یحرم مؤبدا،علی ما قاله بعض الفقهاء.و هذا الاختلاف کاف فی صحة التقسیم،بالرغم من ندرته،فتأمل.
و معنی عدم التحریم المؤبد إمکان نکاحها بعد التطلیقة التاسعة إذا کان بعضها غیر جامع لتکل الشرائط،أی لم یکن رجعیا بالمعنی المشروح فی الروایات.
إلاَّ أن هذا الوجه یتوقف علی صحة القول بعدم صحة التحریم المؤبد بدون ذلک.و هو محل إشکال.و مقتضی إطلاق ما دل علی التحریم المؤبد فی التسع هو الشمول لکل الصور،ما دام الطلاق مشروعا فی نفسه،و لا أقل من الاحتیاط الوجوبی إذا لم یکن إطلاق.و تمام الکلام فی الفقه.
و أما الکلام فی الجهة الثانیة:و هو انحصار الطلاق الصحیح علی القسمین المذکورین فی الروایات،دون سواهما.کالذی سمعناه فی صحیحة زرارة بکل طلاق لا یکون علی السنّة،أو طلاق علی العدة فلیس بشیء.فکیف نفهم ذلک مع العلم أن هناک ما هو صحیح من الطلاق بلا إشکال من غیر هذین القسمین؟! و جواب ذلک،یمکن أن یکون بأحد وجوه:
الوجه الأول:أن نحمل قوله:لیس بشیء علی وجه من وجوه التنزیه،أو خلاف الأولی.مع الاعتراف بصحتها.
الوجه الثانی:أن نحمل مفهوم طلاق السنّة الواردة فی العبارة،علی طلاق السنّة بالمعنی الأعم.یعنی ما یکون مشروعا و جامعا للشرائط.
و هذا لا ینافی عطف طلاق العدة علیه.لأنه یمکن أن یکون من عطف الخاص علی العام.
و إذا تمّ ذلک کان الطلاق غیر المندرج تحت هذین القسمین(لیس بشیء)أو لیس صحیحا علی الإطلاق لأنه غیر جامع للشرائط علی الفرض.
إلاَّ أنه یمکن أن یورد علی هذین الوجهین:
أولا:إن ظاهر التقسیم فی الروایة التقابل بین القسمین و لیس عطف الخاص علی العام،الأمر الذی یعین کون المراد بطلاق السنّة ما یقابل الرجعی و لیس الأعم منه.
ثانیا:إن طلاق السنّة مشروح فی الروایة تفصیلا.فلا یمکن حمله علی ما هو الأعم من ذلک.و فهم هذا الشرح علی المثالیة،و إن کان ممکنا نظریا،إلاَّ أنه بعید عن ظهورها بالاختصاص فیه،فتأمل.
الوجه الثالث:حمل قوله:لیس بشیء علی التأثیر فی الأثرین الآخرین غیر مجرد صحة الطلاق أعنی التحریم فی الثلاث و التسع.یعد التسلیم الناتج من ضرورة الفقه علی الصحة فی الطلاق بمجرده.
و هذا الوجه قد یکون هو المتعین بعد تعذر الوجه الأخری.و به نقید ما دل بإطلاقه علی التحریم من مطلق الثلاث أو مطلق التسع.و هو فی تحریم التسع أوضح منه فی تحریم الثلاث،کما هو معلوم فقهیا.إلاَّ أن القول بکفایة هذا المورد علی قلته مشکل.و تمام الکلام فی الفقه.
و یحسن بنا فی نهایة هذا الحدیث أن ننقل کلاما لصاحب المسالک عن أقسام الطلاق حیث یقول:
التحقیق:إن الطلاق العدی من أقسام الرجعی و الطلاق السنّی بالمعنی الأخص بینه و بین کل واحد من البائن و الرجعی عموم و خصوص من وجه.
یختص البائن عنه(یعنی عن الطلاق العدی)بما إذا لم یتزوجها بعد العدة،
و یختص العدی عنه بما إذا رجع فی العدة.و یختص السنّی عنه بما إذا کان الطلاق بائنا و تزوج بعد العدة.و یتصادقان فیما إذا کان الطلاق رجعیا و لم یرجع فیه إلی أن انقضت العدة ثم تزوجها بعقد جدید.
فالأجود فی التقسیم أن یقسم الطلاق السنّی إلی البائن و الرجعی.و القسمة حاسرة غیر متداخلة،و یقسم أیضا إلی طلاق العدة و طلاق السنّة بالمعنی الأخص و غیر هما.لا أن یقتصر علیهما.
و هنا یمکن أن تعلق بعدة نقاط تزداد خلالها أقسام الطلاق فی نظر القاری وضوحا:
النقطة الأولی:قال:إن الطلاق العدی من أقسام الرجعی.و هذا صحیح بالمعنی المصطلح.لأن الرجعی هو ما یحق للزوج الرجوع خلال العدة.فأما أن یرجع فعلا.فهو طلاق عدی أو للعدة،کما نطقت به الروایات،و أما أن لا یرجع،فهو القسم الآخر.و من الواضح أن عدم استعمال الزوج لحقه فی الرجوع،لا یعنی عدم ذلک الحق.
نعم،لو قصدنا من الطلاق العدی،ما کان للزوجة عدة فیه،فی مقابل ما لا عدة لها فیه کالصغیرة و غیر المدخول بها.کان الطلاق الرجعی مندرجا فی العدی و من أقسامه،دون العکس.للوضوح الفقهی أنه لا رجعة مع عدم العدة.
النقطة الثانیة:الظاهر أن قوله:و الطلاق السنّی بالمعنی الأخص،تفسیر للطلاق الرجعی.و لیست الواو استئنافیة.و معه یکون الضمیر فی قوله:بینة و بین کل واحد.إلخ راجعا إلی الطلاق الرجعی.
و لکن ما هو المعنی المشار إلیه لیعود إلیه الضمیر.فإن الطلاق السنّی بالمعنی الأخص،کما سمعنا من السید الأستاذ،و هو الذی ذکرته الروایات السابقة، هو أنه یترک العدة لتنتهی من دون رجعة،ثم یعقد علیها من جدید.
و هذا المعنی مقابل للطلاق الرجعی،و هو ما یرجع به فی العدة فعلا.إن أراد به ذلک.و إن أراد ما یحق به الرجوع کان الطلاق السنّی من أقسام العدی، دون العکس الذی ذکره المصنف.
و معه فقد یتعین حمل الواو فی کلامه علی الاستئناف،و أن النسب التی عرضها إنما هی بین الطلاق السنّی بالمعنی الأخص،مع الطلاق البائن تارة و الطلاق الرجعی أخری.
و القرینة علی ذلک أیضا،ذکره للطلاق الرجعی مرة أخری.
النقطة الثالثة:یمکن عرض النسب بین مصطلحات الطلاق علی کثیر من المحتملات فیما یلی،سواء کان قد أرادها صاحب المسالک أم لا.
فالنسبة بین الطلاق العدی و الرجعی،سبق أن تکلمنا حولها.علی کلا التقدیرین:من أن المراد بالعدی ما یراجع به الزوج فی العدة أو ما کان فیه عدة فلا نعید.
أما النسبة بین العدی و البائن،فهی التباین.لو کان المراد من العدی ما کان فیه رجعة.فإن البائن ما لیس فیه ذلک.و إن أردنا من العدی ما فیه عدة مطلقا کان أعم من البائن لأن عدة البائن لا رجعة فیها.و إن قصدنا من البائن ما لا رجعة فیه سواء کان فیه عدة کالمطلقة الثالثة أو لا عدة فیها کالصغیرة.فیکون بین الاصطلاحین عموم و خصوص من وجه.یفترق العدی فی العدة الرجعیة أو ما یرجع الزوج فیها.و یفترق البائن بما لا عدة فیه کالصغیرة.و یشترکان فی العدة البائن.
و أما النسبة بین العدی و الرجعی.فالرجعی ذو عدة دائما.فإن قصدنا من العدی ما کان فیه عدة کان أعم مطلقا لشموله للبائن.
و إن قصدنا من العدی ما یرجع فی العدة کان أخص.لأن الرجعی قد یرجع فیه و قد لا یرجع.
و أما النسبة بین الطلاق العدی و الطلاق السنّی.فإن قصدنا من السنی ما کان بالمعنی الأعم،و هو مطلق الطلاق المشروع،کان أعم من العدی بکل معانیه کما هو واضح.
و إن قصدنا من السنی ما لم یرجع فیها خلال العدة الرجعیة،و من العدی ما
یرجع فیها.کما نطقت به الروایات،کانت النسبة هی التباین،لأن المیزان هو وجود الرجعة و عدمه.
و إن قصدنا من العدی ما کان فیه عدة.کان أعم مطلقا من المعنی الثانی للسنّی.لأن العدی قد لا یستعمل فیه حق الرجعة فیکون سنیا و قد یستعمل فیکون عدیا بالمعنی الآخر.
و أما النسبة بین الطلاق السنی و الطلاق البائن.فإن قصدنا من السنی المعنی الأعم،کان أعم مطلقا من البائن بصفته سنیا أیضا أی مشروعا فی الدین.و إن قصدنا من السنی ما لا یستعمل فیه الزوج حق الرجعة،کان مباینا للبائن،لأن معناه أن العدة فی السنی رجعیة و لیست بائنة.
النقطة الرابعة:ظاهر کلام صاحب المسالک،کون تجدید العقد بعد انتهاء العدة،دخیلا فی اصطلاحات الطلاق،کما قد سمعنا أن الرجعة خلال العدة دخیل أیضا فیه.و هذا لا یخلو من تسامح علی أی حال.غیر أن کل هذه التقسیمات إن لم یکن لها أثر شرعی و کانت مجرد اصطلاحات،فلا مشاحة فی الاصطلاح،کما یقولون.فله أن یصطلح ما یشاء.و إن کان له أثر شرعی، و هو عدم التحریم فی التاسعة مع تجدید العقد،کما علیه فتوی البعض.فهو إذا لیس اصطلاحا فإنما هو تحریر أو تنقیح لموضوع الحکم الشرعی،إلاَّ أنه خلاف سیاق کلامه.لأنه لم یتعرض إلی ذلک من خلاله.
النقطة الخامسة:عقد صاحب المسالک فی عبارته نسبتان:إحداهما النسبة بین البائن و العدی.و سبق أن النسبة بینهما هی التباین،إذا أردنا من العدی ما کان رجوعه فی العدة،کما هو المفروض.
و لکنه جعل بینهما نسبة العموم من وجه.و هذا غریب لأن الطلاق البائن لا یختلف حاله بین ما إذا تزوجها خلال العدة بعقد جدید أو تزوجها بعد العدة أو لم یتزوجها أصلا.و لیس للزواج خلال العدة حکم الرجعة فقهیا و شرعیا لیقال إنه مورد التصادق و الاشتراک بینهما.و إن لم یشر إلیه بصراحة.و فی الحقیقة لیس بین البائن و العدی مورد اشتراک فیکونان متباینین.
و النسبة الثانیة عقدها بین السنی و العدی و قلنا إننا إن أردنا منهما اصطلاح الأخبار،کما هو الظاهر فالنسبة التباین،لأن الرجعة إن وجدت فهو الرجعی و إلاَّ فهو السنی.
أما صاحب المسالک فقد جعل السنی شاملا للطلاق البائن.و هذا یرد علیه:
أولا:إنه أخذ بالاصطلاح الأعم للسنّی.و معه یکون أعم مطلقا من العدی.
ثانیا:إنه قائم علی التخیل الذی أشرنا إلیه و هو أن العقد علی المعتدة البائن خلال العدة کالرجعة.و هو باطل فقهیا.لأن العقد یکون باختیار الزوجة، و لیس فی الرجعة اختیار،و إنما هی بید الزوج کلیا.
و لو تخلینا عن هذا التخیل،لم یمکن إدراج الطلاق البائن فی الطلاق السنی بحال.ما دمنا تجاوزنا عن الإشکال الأول.
و أما قوله:و یتصادقان فیما إذا کان الطلاق رجعیا و لم یرجع فیه إلی أن انقضت العدة ثم تزوجها بعقد جدید.فهذا معناه أخذ معنی(الرجعی)ما کان الطلاق فیه حاویا لحق الرجوع فی العدة فإن قصدنا من السنی معناه الأعم کان أخص منه بصفته أحد الأسالیب المشروعة للطلاق.و إن قصدنا ما ذکرته الروایات.فهو عین الرجعی بهذا المعنی و النسبة بینهما هی التساوی.لأن کلا منهما یراد به ما لم یرجع فی العدة.و لیست النسبة هی العموم من وجه کما ذکره قدّس سرّه.
و هذا الکلام کاف فی المناقشة،بالرغم من وجود بعض المناقشات الأخری.
لا شک أن الطلاق بل الدخول یوجب انتصاف المهر.یعنی لا تستحق الزوجة عندئذ إلاَّ نصف المقدار المسمی فی العقد مهما کان مقداره.أخذا بقوله تعالی (1)
البقرة:237. [1]
وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِیضَةً، فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ .فإذا فهمنا من المس فی الآیة الجماع،و من الفریضة المهر،و من قوله فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ سقوط استحقاق الباقی،کما هو الفهم العرفی الصحیح فی کل ذلک،تمّ الاستدلال بالآیة الکریمة علی المطلوب.و معه لا حاجة إلی الاستدلال بسنّة و لا إجماع.فإن کتاب اللّه فوق کل اعتبار.
و من السنّة صحیحة أبی بصیر (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال إذا طلق الرجل امرأته قبل أن یدخل بها فقد بانت و تزوجت إن شاءت من ساعتها و إن کان فرض لها مهرا فلها نصف المهر.الحدیث.
و صحیحة الحلبی (3)عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی رجل طلق امرأته قبل أن یدخل بها قال علیه نصف المهر إن کان فرض لها شیئا.الحدیث.
و الاستدلال بالسنّة بإزاء الکتاب و إن لم یفد فی إفادة أصل الحکم و لکنه قد یفید فی التفاصیل باعتبار اختلاف البیان و اللسان بین الکتاب و السنّة کما سوف نری.
و بعد ثبوت أصل الحکم یحسن أن نتکلم فی أهم تفاصیله خلال عدة جهات:
الزوجة جمیع المهر أو أخذ عدمه لاستحقاقها نصفه
و قد عبرت الآیة الکریمة بالمس و هو مشابه إلی حد بعید باللمس المشار إلیه فی آیة التیمم أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ حیث فهم أغلب علماء المسلمین منه الدخول و فهم منه بعض العامة ما هو ظاهره من مجرد اللمس،و أفتوا بأن لمس النساء موجب للغسل أو التیمم بدله،و هذه الآیة الواردة فی الطلاق حجة علیهم لعدم إمکان أن یقال إن اللمس بمجرده موضوع لاستحقاق کل المهر.
فإن قیل إن آیة التیمم عبرت باللمس و آیة الطلاق عبرت بالمس.و اللمس أظهر بمجرد المماسة.قلنا:إن اللمس و المس لغة و عرفا واحد لا نجد فرقا بینهما کل ما فی الأمر أنهما لا یتضمنان مجرد التقارب کتقارب حصاتین أو خشبتین و إنما یتضمنان التقارب مع الإحساس به من قبل الطرفین فهما من المترادف فی اللغة.
و ظاهره و إن کان هو اللمس الخارجی إلاَّ أنه یراد به فی آیة الطلاق قطعا الدخول و وجه المجاز واضح فإذا ضممنا إلی ذلک تراد فهما لغة و عرفا استطعنا استنتاج أن المراد بها فی آیة التیمم هو ذلک.و هذا هو نتیجة ما ذکرته روایاتنا من أن المراد فی الآیتین الدخول.و أنه لم یذکر بعنوانه فیهما باعتبار الستر فإن اللّه ستیر یحب الستر.
و الظاهر أن المقصود من تغییر اللفظ فی الآیتین هو أنه حین اقتضت الحکمة إبراز الدخول بصیغة المفاعلة فاستخدمت مادة اللمس فقیل لا مستم لأنه لو استخدمت مادة المس لکان اللازم أن یقال ماسستم.و هو تعبیر لا یخلو من
سماجة یربأ عنها القرآن الکریم.و حین اقتضت الحکمة بیان الدخول من طرف واحد فاستخدمت مادة المس فقیل تمسوهن إذ لو استخدمت مادة اللمس فقیل تلمسوهن لکان ذلک بعیدا عن السیاق القرآنی.
و أما إنه لما ذا أن الحکمة اقتضت فی آیة التیمم بیان صیغة المفاعلة دون آیة الطلاق.فهذا مما ینبغی إیکال علمه إلی منزل القرآن الکریم جلّ جلاله.غیر أننا من زوایة فهمنا یمکن أن نقول إن الغسل الذی یعوض عنه التیمم أحیانا سیکون واجبا علی کلا الزوجین و من هنا کان الأنسب الإشارة إلی مشارکتهما معا فی العمل بصیغة المفاعلة فی حین أن المهر لا یجب إلاَّ علی الزوج و لیس للمرأة فیه حکم فناسب بیان الدخول من طرف واحد فی آیة الطلاق.
هذا،و الظاهر أن الدخول الذی اعتبر حدا لتنصیف المهر و عدمه هو الموجب للغسل لکلا الزوجین.و هذا معناه أننا نخرج صورة الإنزال بدون دخول کما نخرج صورة الدخول الجزئی أعنی لبعض الحشفة.کما أننا من ناحیة أخری لسنا بحاجة إلی القول بلزوم الإنزال أو اشتراطه بعد اشتراط وجوب الغسل علی الطرفین.
نعم قد یقال:إن ظاهر الآیة الکریمة هو الدخول من طرف واحد کما سبق و هو طرف الزوج.إذن یکفی أن یجب الغسل علی الزوج دون الزوجة فی استحقاق کل المهر.
و جوابه من وجهین علی الأقل:
الوجه الأول:إن الآیة الکریمة مفسرة بالأخبار الصحاح التی سمعناها و هی معتبرة شرعا.و مقتضی القاعدة أن من حق السنة الشریفة تقیید القرآن و تفسیره.و لئن کانت الآیة الکریمة قد عبرت بالمس فالأخبار الصحیحة قد عبرت بالدخول و هو ظاهر عرفا بما یجب فیه الغسل علی کلا الشخصین.
الوجه الثانی:إن ظاهر المس هو ذلک أعنی ما أوجب الغسل للطرفین و لا یمنع من هذه الاستفادة و لا ینافیها أنه منظور من جهة الرجل فقط.إذ لو لم یکن الأمر کذلک لسری الحکم إلی صور غیر محتملة یجب فیها الغسل علی الرجل فقط کالإنزال بالملاعبة أو بالنظر.
و عدم استحقاق المهر للمرأة له أکثر من سبب فإما أن یکون من أجل قبضها للمهر المستحق قبل الطلاق و إما أن یکون من أجل إبرائها لذمة زوجها من المهر و إما أن یکون من أجل عدم ذکر المهر فی عقد النکاح أساسا عمدا أو نسیانا.
و هذا الأخیر هو المقصود فقهیا من هذا العنوان و إن کنا سنتحدث عن الصور الثلاث جمیعا.
الصورة الأولی:ما إذا کان الزوج قد دفع المهر لزوجته ثم طلقها قبل الدخول فیجب علیها إرجاع نصف المهر إلیه.
الصورة الثانیة:فیما إذا أبرأت المرأة ذمة زوجها من المهر فمقتضی القاعدة أنه یجب علیها أن تدفع نصف المهر ما لم یبرأها هو بدوره و لا یکون الإبراء أشد من القبض فی ذلک.فالصورتان ذواتا منحی واحد فقهیا.
الصورة الثالثة:ما إذا لم یذکر المهر فی العقد أساسا فمثل هذه المرأة یصح عقدها إذا کان دواما غیر منقطع و تجب لها المتعة علی الزوج طبقا لقوله تعالی:
وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَی الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَی الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ و هذا اصطلاح للمتعة غیر اصطلاح العقد المنقطع الذی یسمی بالمتعة أیضا.
و قد فسرت بالروایات بأن الثری یدفع الثوب الثمین أو الدابة الفارهة و المتوسط یدفع الثوب المتوسط و الفقیر یدفع الشیء القلیل کالدرهم و الدرهمین أو الثوب البسیط.
و من هنا نجد أن الروایات قد حللت المتعة إلی ثلاث مراتب بخلاف الآیة فإنها ذکرت مرتبتین و ترکت الثالثة و هی الوسطی.
إلاَّ أن الآیة الکریمة لم تذکر مرتبتین فقط و إن کان ذلک هو ظاهرها الأولی.
بل ذکرت مراتب کثیرة فإن المفهوم منها عرفا أنها قالت إن علی کل إنسان ما یستطیعه و حیث تختلف الموارد الاقتصادیة للناس تختلف مقادیر ما یجب علیهم من المتعة و إنما ذکرت الروایات ثلاث مراتب من باب المثال،لا علی نحو الحصر.
و المهم الآن أن مثل هذه المرأة التی یجب لها المتعة،إذا طلقت قبل الدخول فما ذا یجب لها؟و الاحتمالات البدویة هنا ثلاثة:أن لا یجب لها شیء حتی المتعة فضلا عن المهر.و أن تجب لها کل المتعة،أو أن تجب لها نصف المتعة بحیث لو کانت أخذتها قبل الطلاق وجب علیها رد نصفها.
أما الاحتمال الأول:و هو عدم استحقاقها للمتعة و لا المهر فقد یقرب بأن المال إنما یدفع إلی الزوجة بإزاء البضع و حیث لم یقبض الزوج منها بضعا لا یجب علیه أن یدفع مالا و جواب ذلک من أکثر من وجه:
الوجه الأول:إنه لا یراد بالبضع الدخول خاصة و إن کان هذا أوضح أفراده بل یراد به مطلق الاستمتاع الجنسی و المفروض أنها کانت ممکنة غیر ناشز و قد حصل منها الاستمتاع فیجب بإزائه دفع المال.
الوجه الثانی:إنه خلاف إطلاق الآیة و الروایات الدالة علی استحقاق المتعة و وجهه الفقهی قیاس المتعة علی المهر فکما أن المهر المستحق قبل الطلاق ینتصف بالطلاق قبل الدخول کذلک المتعة.
و هذا لیس من القیاس الباطل.و إنما یقرب باعتبار أننا نفهم من المهر مطلق المال الذی تستحقه المرأة لزواجها سواء ذکر فی العقد و هو المهر أو لم یذکر و هو المتعة،و إنما ذکر المهر فی حکم التنصیف علی سبیل المثال لا علی سبیل الحصر.
إلاَّ أن هذا التقریب غیر وجیه،للفرق العرفی و الفقهی بین المهر و المتعة.
یکفی فی ذلک صحة السلب عرفا بأن نقول إن المتعة لیست مهرا فتعمیم الحکم من المهر إلی غیره و حمله علی المثالیة خلاف ظاهر العنوان.و معه فالتنصیف ثابت فی المهر دون المتعة.
إذن یثبت الاحتمال الثالث و هو دفع المتعة إلی الزوجة بکاملها و إن حصل الطلاق قبل الدخول و إن کان قد دفعها لم یجب علیها إرجاع شیء منها و هذا هو مقتضی الأصل و الروایات.
أسالیب انفساخ عقد النکاح و زواله
کحصول الفسخ فی العیوب.و لعل هذا هو المورد الوحید لهذا الاحتمال الفقهی لأن زوال النکاح بالموت مثلا قبل الدخول لا یوجب تنصیف المهر بلا إشکال.
و أما الفسخ فقد یقاس علی الطلاق بأن نفهم من الطلاق قبل الدخول مطلق التفریق بین الزوجین لا خصوص الطلاق بعنوانه و النتیجة هو أن الفسخ قبل الدخول موجب لانتصاف المهر.
إلاَّ أن هذا التقریب لیس بصحیح لوجود عدة فروق أساسیة بین الطلاق و الفسخ لا حاجة الآن إلی تعدادها و إنما المهم أنها تکون سببا لعدم إمکان تعمیم الحکم بالتنصیف من الطلاق إلی الفسخ.فتکون النتیجة أن الفسخ قبل الدخول لا یوجب انتصاف المهر و إنما تستحقه الزوجة کله بناء علی النقل و لا تستحق منه شیئا بناء علی الکشف.
فإذا فعل ذلک زال أثر العقد و لیس فیه طلاق کطلاق الزواج الدائم.
و هذا العقد لا یصح إلاَّ بذکر المهر فإن لم یذکر المهر بطل و معه فقد یقال:
إن الزوج لو وهب المدة قبل الدخول انتصف المهر کما هو الحال فی العقد الدائم.
و مختصر الجواب عن ذلک لأکثر من وجه نذکر منها:
الوجه الأول:انصراف أدلة انتصاف المهر إلی العقد الدائم،و تعمیمه إلی المنقطع مع ملاحظة الفروق المهمة بینهما متعذر عرفا.
الوجه الثانی:إن أدلة انتصاف المهر خاصة بالطلاق قبل الدخول،فإن کان فی العقد المنقطع طلاق کان وجها.أما هبة المدة فلیس طلاقا عرفا و لا شرعا، فلا یکون مشمولا لتلک الأدلة.
الوجه الثالث:إن الزوجة کانت تستحق کل المهر قبل هبة المدة،فلو فرضنا أننا شککنا بزوال استحقاقها للنصف،باعتبار هبة المدة قبل الدخول أمکن استصحابها.
و نتیجة هذه الوجوه جمیعا هو عدم انتصاف المهر بهبة المدة فی العقد المنقطع.فإن لم یکن الزوج قد دفعه،وجب دفعه کله.و إن کان قد دفعه أو کانت زوجته قد أبرأته منه.لم یجب علیها إرجاع شیء منه بعد هبة المدة.
نعم،قد یقرب الأمر من زاویة أخری.و یقال:بأن الزوجة تستحق بهبة المدة بمقدار ما مضی من المدة،و یسقط من المهر بمقدار ما بقی.
و جواب ذلک:إن هبة المدة لو کانت بتسبیب المرأة،کان لذلک وجه.و لکنه بید الزوج فقط.و أما المرأة فهی راضیة بالبقاء معه إلی تمام المدة.
خذ إلیک مثلا فی أجرة الأجیر،کما لو دفعت لشخص قماشا لیخیطه ثوبا، فأخذه غیره فخاطه تبرعا.أو دفعت لشخص أرضا لیزرعها أو لیحرثها،فعمل فیها الغیر و هکذا.فإن الأجرة فی مثل ذلک لا یسقط منها شیء للأول.لأن المهم فیها هو تمکین الأجیر نفسه من العمل،و المفروض حصوله.و لیس المهم هو فعلیة العمل.نعم،لو ثبت عملیا تعذر العمل أساسا فی علم اللّه سبحانه، کما لو غرقت الأرض بالفیضان بعد عقد الإجارة بحیث تعذر فیها العمل.
فعندئذ یکون لسقوط الأجرة وجه.إلاَّ أن هذا خارج عن التنظیر بالعقد المنقطع.
فالمهم عرفا فی العقد المنقطع هو تمکین المرأة من نفسها طیلة المدة أعنی رضاها ببقاء العقد طیلة المدة.و بهذا الرضاء تستحق کل مهرها لأنه مستوعب لکل المدة.و قد کانت هبة المدة من الزوج و لیس للزوجة فیها نصیب.
و نتیجة هذه الجهات إجمالا،هی:أن المهر ینتصف بالطلاق قبل الدخول.
و کل محاولة لتعمیمه لموارد أخری لغیر الطلاق أو لغیر المهر أو لغیر العقد الدائم،و نحوها،لیست محاولات یکتب لها النجاح و التوفیق.بل تستحق الزوجة،فی غیره هذه الصورة کل المال المذکور فی العقد.
و علی العموم،فإن الحکم بالانتصاف بعد الجزم باستحقاق الزوجة له جمیعا بالعقد،و کون الطلاق علی وجه النقل لا علی وجه الکشف أعنی أنه تفریق من حینه لا من حین العقد.فیکون الحکم بالانتصاف حکما تعبدیا علی خلاف القاعدة.و حیث إنه ثابت بدلیل معتبر فیقتصر منه علی القدر المتیقن و هو ما ذکرناه من مهر العقد الدائم،و لا یمکن التعمیم إلی غیره.
یجب علی المرأة التی یتوفی زوجها و هی فی حبالته أو زوجیته،أن تعتد (1)
مأخوذ من عدة الأیام أو عددها.
مقدار أربعة أشهر و عشرة أیام إن لم تکن حاملا طبقا لقوله تعالی (2)وَ الَّذِینَ یُتَوَفَّوْنَ مِنْکُمْ وَ یَذَرُونَ أَزْواجاً یَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً و إن کن أولات حمل فعدتهن أن یضعن حملهن!!!.و یقع الکلام فی ذلک فی عدة جهات:
، بحسب ما ندرک من حکمة التشریع الإسلامی المقدس،و قامت علیه القرائن العدیدة فقهیا.
و ذلک:إن سائر العدد،کعدة الطلاق بأنواعه،إنما جعلت من أجل تنظیف الرحم من احتمال الحمل من الزوج السابق.و ذلک توخیا لتنظیم الأنساب و احترامها و عدم تشویشها و اختلاطها.إذ بدون العدة لم نعلم أن الولد لأی من الزوجین فی کثیر من الحالات.
و من هنا لم یکن علی الزوج المطلق نفسه عدة،فله أن یرجع إن کانت العدة رجعیة،و له أن یعقد علیها من جدید خلال العدة فی بعض أشکال الطلاق البائن.
و من هنا أیضا لا توجد العدة،فی طلاق النساء اللاتی لا یحتمل اشتغال رحمهن بجنین من المطلق،کالصغیرة و البائن و غیر المدخول بها.
و أما عدة الوفاة،فهی و إن کانت تؤدی نفس هذه المهمة أحیانا،إلاَّ أن هدفها الأساسی لیس هو ذلک،بل هو احترام الزوج و الحیاة الزوجیة.
و لذا تشمل هذه العدة کل الموارد التی وجبت فیها عدة الطلاق و التی لم تجب.فهذه العدة تجب علی الصغیرة و الکبیرة و الیائس.و علی المدخول بها و غیر المدخول بها و علی المسلمة و الکتابیة و الکافرة،بناء علی ما هو الصحیح من تکلیف الکفار بالفروع.و سواء کان عقدها دائما أم منقطعا کما اختاره السید الأستاذ (1)
المنهاج ج 2 ص 324. [1]
.و سواء کان زوجها المتوفی کبیرا أم صغیرا حرا أم عبدا عاقلا أو سفیها أو مجنونا.فضلا عن الصفات الأخری.
و أما إذا کانت الزوجة أمة مزوجة فتجب علیها عدة الوفاة بمقدار نصف عدة الحرة.و هو شهران و خمسة أیام.و أما إذا کانت الزوجة حاملا،فتنتهی العدة بوضع الحمل سواء کان ذلک أطول من أربعة أشهر و عشرة أیام أم أقل کما لو ولد بعد یوم واحد أو ساعات قلائل.کما هو الإطلاق المستفاد من الآیة الکریمة السابقة:و إن کن أولات حمل فعدتهم أن یضعن حملهن!!!.
و یدل علی الحکمة التی قلناها من احترام الزوج و الحیاة الزوجیة عدة أخری من الأحکام الشرعیة الفقهیة،منها وجوب الحداد علی المعتدة عدة الوفاة.
و الحکم بأن هذه العدة تجب عند بلوغ الخبر لا من حین الموت.و سیأتی التعرض لبعض تفاصیل هذه الأحکام فی جهات آتیة من هذا الفصل.لوضوح أنها لو کانت لتنظیف الرحم،لما کان لهذه الأحکام أی موجب.
و الکلام فی ذلک من ناحیتین:
1) 1)
الناحیة الأولی:إن جملة (یَتَرَبَّصْنَ) فیها احتمالان:
الاحتمال الأول:أن تکون صفة ل (أَزْواجاً) فی محل نصب.
الاحتمال الثانی:أنها مبدأ جملة جدیدة غیر مربوطة بما سبق نحویا أو لغویا،و إن کانت تکملة لها معنویا یعنی فی معناها و مدلولها.فکأن هناک نقطة تفصل بین الجملتین.
و الفقیه مسئول فقهیا عن استفادة الوجوب من الآیة أعنی من قوله:
یَتَرَبَّصْنَ ،لیفتی بوجوب العدة.إذ لو کان المراد به غیر الوجوب لم تجب العدة.
و لا حاجة هنا إلی القول:إن التربص هو الانتظار و الصبر.و المراد به ترک الزواج إلی أربعة أشهر و عشرة أیام.
و بناء علی الاحتمال الثانی تکون استفادة الوجوب واضحة،لأنها تکون جملة خبریة یراد بها الإنشاء.یعنی:فلیتربصن،أو تربصن بصیغة الأمر.
بحسب المعنی المراد.و هو أدل علی الوجوب من صیغة الأمر.کما هو محقق فی علم الأصول.
و أما بناء علی الاحتمال الأول و هو کون الجملة صفة للأزواج-یعنی الزوجات-فاستفادة الوجوب منها لا یخلو من صعوبة و إشکال.و أوضح بیان لذلک:هو أن الجملة إنما یستفاد منها الإنشاء إذا کانت ذات سیاق النسبة الکاملة دون النسبة الناقصة.و من المعلوم أن جملة (یَتَرَبَّصْنَ) إن کانت مستقلة عما قبلها فنسبتها کاملة.فتفید الوجوب،و إن کانت صفة،فالصفة من مصادیق النسب الناقصة،فلا تدل علی الوجوب.
و جواب ذلک:إن جملة (یَتَرَبَّصْنَ) دالة علی الوجوب علی کلا التقدیرین.
أما علی تقدیر الاستدلال و النسبة الکاملة،فواضح،کما أشرنا.
و أما علی تقدیر کونها صفة.فمن الیقین أنه لیس المراد بها بیان صفة واقعیة ثابتة فی الخارج بغض النظر عن التشریع.إذ لو کان المقصود ذلک،لما کان له مورد أصلا،فیکون بمنزلة الکاذب.و إنما المراد بهذا الوصف:بیان ما یجب أن
تکون علیه صفة الأزواج،یعنی الزوجات،عند وفاة أزواجهن.فهو بیان للصفة بقصد بیان الصفة الأفضل و الأولی لا لمجرد بیان الصفة الواقعیة کما هو واضح.و معه یتعین حملها علی الوجوب،بمعنی أن هذه الصفة الأفضل،هی الشکل المتعین،من السلوک و الذی لا یجوز غیره.
و لا أقل من استفادة مطلق المطلوبیة،و یستفاد الوجوب من الأدلة الأخری کالسنّة و الإجماع.
فهذا هو المهم فی الناحیة الأولی من فهم الآیة الکریمة.
الناحیة الثانیة:فی قوله أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً .حیث لم یقل:و عشرة أیام،فکیف استفدنا ذلک؟ و یمکن تقریب ذلک بتقریبین أحدهما داخلی أی بقرائن متصلة بالآیة،و آخر خارجی أی من أدلة أخری منفصلة عن الآیة.
التقریب الأول:و هو الداخلی.و هو أن نقول:إن قوله:أربعة أشهر یکفی قرینة متصلة علی المطلوب.و بتعبیر آخر:إن عطف العشر علی الأربعة أشهر هو الدال علی ذلک.
و ذلک:أن هذا العطف دلنا علی أن المراد بالعشر،وحدة من الوحدات الزمانیة و أقرب الاحتمالات فی تحدید هذه الوحدات أحد أمرین لا ثالث لهما عرفا:أما الأشهر و إما الأیام.
و نعنی بالأشهر:أن یکون المراد:أربعة أشهر و عشرة أشهر.و هذا الاحتمال و إن کان محتملا بدویا،إلاَّ أنه مدفوع عرفا:بأنه لو کان المراد به ذلک لکان الأولی أن یقال:أربعة عشر شهرا.لا بالشکل الموجود فی الآیة،فیتعین أن یکون المراد معنی آخر.
و بتعبیر آخر:إن الآیة تشعر بأن وحدة العشر المتأخرة الذکر عن الأشهر أصغر من وحدة الأشهر،و لیست مثلها و لا أکبر منها لسماجة التعبیر عندئذ لو کان المراد ذلک.کما هو واضح لمن یتأمل.و لیس هناک وحدة زمانیة محتملة عرفا أصغر من الأشهر إلاَّ الأیام.فیتعین فهمها و هو المطلوب.
التقریب الثانی:جعل الروایات الواردة فی تحدید عدة الوفاة قرینة علی فهم الآیة.و هی قرائن منفصلة لا محالة.و قد سبق أن قلنا:إن من حق السنة الشریفة تفسیر القرآن الکریم و تحدید مدلوله.
منها:روایة محمد بن سلیمان (1)
وسائل الشیعة ج 15،أبواب العدد باب 28. [1]
عن أبی جعفر الثانی علیه السلام فی حدیث یقول فیه:فإن اللّه تعالی شرط للنساء شرطا و شرط علیهن شرطا.إلی أن یقول:قال اللّه عزّ و جلّ یَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً .و لم یذکر الأیام فی العدة إلاَّ مع الأربعة أشهر و علم أن غایة المرأة الأربعة أشهر فی ترک الجماع.فمن ثم أوجبه علیها و لها.
و الروایة و إن لم تکن خالیة عن الإشکال سندا،إلاَّ أن الأمر ینبغی أن یکون مسلما فی النتیجة لا إشکال فیه.
فإن الزوجة قد تعرف بوفاة زوجها عند وقوعها،و معه تبدأ العدة من حین الوفاة.أو قل:من حین العلم،لا فرق فی ذلک.
و إن لم تعرف الزوجة بوفاة زوجها إلاَّ بعد أیام أو سنین.وجبت علیها العدة حین تعرف بخبره.و علی ذلک عدة أخبار صحاح السند،لا حاجة إلی سردها،فراجع.و فی بعضها:إنما ترید أن تحد له.و هو معنی الاحترام فی عدة الوفاة دون تطهیر الرحم.و مقتضی الاحترام هو وجود العدة و لو بعد حین، و لو علمنا بطهارة الرحم من الحمل.
و أما لو علمت بالوفاة و لم تلتزم بالعدة،کانت عاصیة،و لا تکون العدة قابلة للقضاء فی المستقبل.
و معنی أنها لم تلتزم بالعدة،نعرفه من الالتفات إلی أن علی الزوجة فی الاعتداد عدة أمور:
أولا:نیة العدة یعنی اعتبار نفسها معتدة.
1) 1)
ثانیا:الحداد،کما سیأتی.
ثالثا:التقید بالخروج من البیت إلاَّ لماما،کما سیأتی.
رابعا:ترک الخطبة و الزواج.
و النیة و إن لم تکن واجبة بعنوانها،و إن کانت ملازمة عادة للمرأة لعدم ثبوت کون العدد من العبادات کالصلاة و الصوم.و لکن الأمور الثلاثة الأخیرة واجبة فی العدة،فإن ترکت أیا منها کانت عاصیة للعدة.و إن تزوجت کان زواجها باطلا.
و هو مسلم فقهیا،و لا أقل من الاحتیاط الوجوبی فیه.
و معنی الحداد جعل الفرد نفسه بحیث یظهر علیه الحزن و الأسی لموت المیت سواء فی لباسه أو تصرفاته أو طعامه أو غیر ذلک.مثل لبس السواد و کثرة البکاء و قلة الضحک و غیر ذلک.
و أما ما یجب علی المرأة أن تعمله من الحداد علی زوجها.یعنی فی مقدار الحداد،ففیه بدویا ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول:إنه حداد مطلق لجمیع الصفات و التصرفات للزوجة،فأی شیء دل علی الإنس أو الفرح فهو ممنوع،و کل شیء دل علی الحزن و الأسی فهو واجب.و هذا الوجه فی نفسه لا یکاد یکون محتملا فقهیا.
الاحتمال الثانی:إن الزوجة تحد علی زوجها بمقدار ما هو المتعارف و بالشکل الذی هو متعارف فی بلدها لمثلها.و هذا یختلف من بلد إلی بلد.و المهم فیه هو تطبیق السیرة العرفیة فی الحداد.
الاحتمال الثالث:إن الزوجة تحد علی زوجها بمقدار ما ورد فی الروایات من الأوامر و النواهی حول ذلک و لا یجب علیها أکثر من ذلک.و لا شک أنه أقل من الاحتمال الثانی،فی کثیر من تقالید الشعوب.
و یحسن بنا أن نستمع بعض النصوص الواردة فی هذا الصدد
ففی صحیحة زرارة (1)
وسائل الشیعة ج 15.أبواب العدد باب 29 حدیث 1. [1]
عن أبی جعفر علیه السلام یقول فیها:لأن علیها أن تحد علیه فی الموت أربعة أشهر و عشرا،فتمسک عن الکحل و الطیب و الأصباغ.و صحیحة ابن أبی یعفور (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام:قال:سألته عن المتوفی عنها زوجها قال:لا تکتحل للزینة و لا تطیب و لا تلبس ثوبا مصبوغا و لا تبیت عن بیتها.و تقضی الحقوق و تمتشط بغسله و تحج و إن کان فی عدتها.
و عن أبی العباس (3).قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:المتوفی عنها زوجها.قال:لا تکتحل لزینة و لا تطیب و لا تلبس ثوبا مصبوغا،و لا تخرج نهارا و لا تبیت عن بیتها.قلت:أ رأیت إن أرادت أن تخرج إلی حق کیف تصنع:قال:تخرج بعد نصف اللیل و ترجع عشاء.
إلی غیر ذلک من الأخبار.
و قد یقال:یتعین الاحتمال الثانی السابق و تقریبه من زاویة الروایات:إن هذه الروایات لا ترید تأسیس أسلوب مستقل للحداد عن العرف،و إنما هی تشیر إلی أسالیب و مصادیق عرفیة من الحداد.و معه فلا بد من حمل ذلک علی المثالیة، و القول:بأن المتعین هو الحداد العرفی،و هو المطلوب.
و قد یقال:بأن الواجب علی المرأة الجمع بین الحداد العرفی لبلدها،و ما وردت به الروایات إن کان هناک بعض الأمور الزائدة فیها کعدم خروجها من بیتها نهارا.و غیر ذلک.
أما تطبیقها للحداد العرفی:فلأن الأمر بالحداد یقتضی حمله علی المعنی العرفی.و أما تطبیقها للأمور الزائدة فللأمر به فی الروایات المعتبرة السند و لو باعتبار عمل الأصحاب بها.کروایة أبی العباس السابقة.فیجب علیها الأمران.
و قد یقال:إنه لا یجب علیها إلاَّ تطبیق ما هو وارد فی الروایات.و یکون الزائد مما هو عرفی أو غیر عرفی مجری لأصالة البراءة.و ذلک لعدة وجوه:
الوجه الأول:إن الأمر بالحداد بعنوانه و إن ورد فی صحیحة زرارة،إلاَّ أنه لم یرد مطلقا،و إنما ورد مقیدا بالأمثلة.فلا یمکن حمله علی المعنی العرفی المطلق.
الوجه الثانی:إنه لا إشکال فقهیا:أنه لا تجب کل التصرفات الدالة علی الحداد کترک الضحک مثلا أو کثرة البکاء.و هذا دال علی أن الحداد المأمور به إنما هو حداد فی الجملة.یعنی أن یصدق علی المرأة عرفا أنها ذات حداد.و هذا معنی عرفی یصدق،سواء طبقت المرأة کل أسالیب الحداد العرفی أو بعضه، و کذلک لو طبقت ما هو المأمور به فی الروایات فقط.و إذا صدق ذلک أمکن إجراء البراءة عن الزائد.
الوجه الثالث:إنه لا دلیل شرعا علی التحویل علی الحداد العرفی أو السیرة العقلائیة.فإن لذلک أحد تقریبین کلاهما غیر تام:
التقریب الأول:إن کل سیرة حجة ما لم یرد النهی عنها.و هذه السیرة کذلک،فتکون حجة.
إلاَّ أن هذا لیس بصحیح،لأن أخبار الحداد نفسها کافیة فی الدلالة علی عدم وجوب الالتزام بالزائد مما هو مذکور فی الروایات و جواز إهماله.إذ لو کان مهماً لذکره.فتأمل.
التقریب الثانی:أن نفهم لفظ(الحداد)فهما عرفیا،کما نفهم کل الألفاظ.
و هذا أیضا لیس بصحیح.لأن هذا اللفظ لو ورد مستقلا للزم ذلک،إلاَّ أنه ورد مقیدا بالأمثلة فیکون الزائد معرضا عنه شرعا.و هو المطلوب.
إذن فالنتیجة لکل ذلک:إنه لا یجب علی المرأة أکثر من تطبیق ما ورد فی الروایات من صفات الحداد.و یکون الزائد مجری لأصالة البراءة.
و قد أعطت الروایات عدة صفات للحداد یحسن أن نمر علیها باختصار:
أولا:المنع عن استعمال الکحل إلاَّ للتداوی.
ثانیا:المنع عن وضع الطیب و العطور.
ثالثا:المنع عن استعمال الأصباغ یعنی فی الوجه و البدن.
رابعا:المنع عن لبس الثوب المصبوغ.و المراد به الثوب الملون کالأحمر و الأخضر و الأصفر.فلا یبقی بعد ذلک إلاَّ ما لا یصدق علیه ذلک و هو أحد أمرین:
الأمر الأول:ما لا یکون لونا عرفا.و هما لون البیاض و لون السواد.
الأمر الثانی:اللون الذی یکون عرفا دالا علی الحداد سوی ما سبق کاللون النیلی و هو الأزرق الغامق جدا.فی بعض المجتمعات.
خامسا:إذا کان فی الحداد العرفی خصلة أو عملا محرما لم یجز عمله، سواء فی القول أو العمل أو الانکشاف للرجال الأجانب کما فی بعض المجتمعات البدائیة حیث یمنعون المرأة عن لبس الثیاب،و أن تبقی عاریة دوما و إن رآها الرجال.
سادسا:عدم الخروج نهارا.و هذا و ما بعده مروی فی روایة أبی العباس، و هی لا تخلو من خدشة سندا و مقتضی الأصل جواز ترکه،لو لا عمل الأصحاب به،فیکون مقتضی الاحتیاط الوجوبی الالتزام به.
سابعا:أن لا تترک بیتها لغیر ضرورة.و خاصة فی البیات به لیلا.
ثامنا:أنها تخرج بشرطین:أحدهما:حصول الضرورة،و ثانیهما:الخروج بعد نصف اللیل.فلو حصلت الضرورة نهارا لم یجز الخروج.
و فی ذلک بعض المناقشات:نذکر بعض وجوهها:
الوجه الأول:إنه ورد:ما من حرام إلاَّ أحله اللّه وقت الضرورة.و ورد:رفع عن أمتی تسع و عدّ منها:ما اضطروا إلیه.إذن فعدم التکلیف واضح فقهیا عند الضرورات.لا یفرق فی ذلک بین نهار المعتدة أو لیلها.
الوجه الثانی:إن هذه الروایة قد أعرض عنها الأصحاب فی هذه الفقرة.
فإنها تأمر بالخروج بعد نصف اللیل.و لم یقل به أحد.بل مشهور من قال به إنما قال:تخرج لیلا أو بعد صلاة العشاء،و نحو ذلک.فالقول بمؤداه المطابقی غیر محتمل فقهیا.و فیه عسر و حرج علی المرأة،و علی کل أحد بلا إشکال.
الوجه الثالث:إنه یقول فی الروایة:تخرج بعد نصف اللیل و ترجع عشاء.
فإن أرید به عشاء نفس اللیلة،فهو من التهافت الواضح لأن وقت العشاء قبل نصف اللیل عرفا.و لو قال:ترجع سحرا أو فجرا لکان وجها.
و إن أرید به عشاء اللیلة التی بعدها،فمعناه أنها تقضی النهار فی مکان آخر غیر بیتها إلی اللیلة الأخری.و هو مضافا إلی کونه محرما فی نظر المشهور، کذلک هو مخالف للمستظهر من نفس الروایة من وجوب لزوم البیت و عدم الخروج إلی غیره.و قد یکون فیه عصیان لقوله:و لا تبیت عن بیتها،لأنها تکون قد باتت عنه فی غیره.و هذا واضح إن خرجت فی أول اللیل،و محتمل إن خرجت فی آخره.
الحامل بوضع حملها:إلحاق الولد بذی العدة
(یعنی أن یکون أبوه شرعا)فلو لم یلحق به کما لو کان الزوج بعیدا عنها بحیث لا یحتمل تولده منه لم یکن وضعه موجبا للخروج عن العدة منه،بل تکون عدتها الأقراء أو الشهور.و لکنه لا یخلو من إشکال و الاحتیاط لا یترک.
أقول:تکون عدتها بالشهور إن کانت لا تحیض أو قلنا بعدم اجتماع الحیض مع الحمل.و المراد بالشهور المقدار المذکور فی الآیة الکریمة أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً .
و تکون عدتها بالإقراء فیما إذا کانت تحیض خلال حملها،و قلنا باجتماع الحیض مع الحمل،کما هو الصحیح.
و المراد بالاحتیاط:الاعتداد بأطول الأمدین من وضع الحمل و الأقراء أو الشهور حسب تکلیفها.
إلاَّ أن الصحیح:أنه لا مقید للآیة الکریمة:و إن کن أولات حمل فأجلهن أن یضعن حملهن!!!.لا مقید لها بأن یکون الجنین ابنا شرعیا للمیت الذی تعتد له الزوجة.بل هو مطلق من هذه الناحیة،بوضوح.
نعم،لا یبعد انصرافه إلی الحمل المحلل دون المحرم.کوطء الشبهة،فإن کان محرما اعتدت بغیر الوضع،من الشهور أو الأقراء.إلاَّ أن عدم وضوح هذا الانصراف عن الآیة عرفا،کان لا بد من الاحتیاط فی هذه الصورة بالاعتداد بأبعد الأجلین کما أشرنا.
1) 1) المنهاج ج 2 ص 326. [1]
و معه فإن کان الحمل محللا،سواء کان ابنا للمیت أو لغیره،یکون الوضع نهایة العدة.و إن کان محرما فالاحتیاط هو المتعین.
حملها قبل انتهاء أجلها
فعدة الطلاق تنتهی بوضع الحمل.و أما عدة الوفاة فتبقی ساریة المفعول إلی حین انتهاء الأجل.
و هذا هو الذی یعبر عنه فقهیا:بأن عدة الطلاق هو أقصر الأجلین و عدة الوفاة هی أبعد الأجلین.
و قد دلَّت علی ذلک الروایات المعتبرة.و نذکر نموذجا منها:فمن ذلک فی عدة الطلاق:
صحیحة أبی بصیر قال (1)
وسائل الشیعة ج 15.أبواب العدد باب 9،الحدیث 2. [1]
أبو عبد اللّه علیه السلام:طلاق الحامل الحبلی واحدة.و أجلها أن تضع حملها و هو أقرب الأجلین.و معتبرة أبی الصباح (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:طلاق الحامل واحدة و عدتها أقرب الأجلین.
و روایة زرارة (3)عن أبی جعفر علیه السلام قال:إذا طلقت المرأة و هی حامل فأجلها أن تضع حملها و إن وضعت من ساعتها.
و فی عدة الوفاة:
صحیحة الحلبی (4)عن أبی عبد اللّه علیه السلام أنه قال:فی الحامل المتوفی عنها زوجها:تنقضی عدتها آخر الأجلین.
و موثقة سماعة (5)قال:قال:المتوفی عنها زوجها الحامل أجلها آخر الأجلین.إن کانت حبلی فتمت لها أربعة أشهر و عشرا.و لم تضع حملها فإن
عدتها إلی أن تضع.و إن کانت تضع حملها قبل أن یتم لها أربعة أشهر و عشر.
تعتد بعد ما تضع تمام أربعة أشهر و عشرا.و ذلک أبعد الأجلین.
کما أن عدة الوفاة تختلف عن عدة الطلاق بأمر آخر.و هو أن مبدأ عدة الطلاق من حین وقوع الطلاق.فإن لم تعلم به حتی انقضت أیام العدة سقطت العدة،و لا تکون قابلة للقضاء.بخلاف عدة الوفاة،فإنها تبدأ،کما أشرنا فیما سبق من حین علم الزوجة بالوفاة لا من حین الوفاة نفسها.
و قد وردت فی ذلک الأخبار نذکر نموذجا منها:
ففی عدة الطلاق:
صحیحة محمد بن مسلم (1)
المصدر:باب 26:الحدیث 1. [1]
قال:قال لی أبو جعفر علیه السلام:إذا طلق الرجل و هو غائب فلیشهد علی ذلک.فإذا مضی ثلاثة أقراء من ذلک الیوم فقد انقضت عدتها.و معتبرة عمر بن أذینة (2)عن زرارة و محمد بن مسلم و برید بن معاویة کلهم عن أبی جعفر علیه السلام أنه قال:فی الغائب إذا طلق امرأته فإنها تعتد من الیوم الذی طلقها.
و صحیحة محمد بن مسلم (3)عن أبی جعفر علیه السلام قال إذا طلق الرجل المرأة و هو غائب و لا تعلم إلاَّ بعد ذلک بسنة أو أکثر أو أقل.فإذا علمت تزوجت و لم تعتد.
و فی عدة الوفاة:
صحیحة محمد بن مسلم (4)عن أحدهما علیهما السلام فی الرجل یموت و تحته امرأة و هو غائب.قال:تعتد من یوم یبلغها وفاته.
و عن الحسن بن زیاد (5)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال فی المرأة إذا بلغها نعی زوجها:تعتد من یوم یبلغها إنما ترید أن تحد له.
إلی غیر ذلک من الروایات.
و یقع الکلام فی ذلک فی عدة جهات:
الجهة الأولی:فی سرد المهم من الروایات الواردة فی هذا الصدد.
و هی علی طائفتین:
الطائفة الأولی:ذات المضمون بوجوب الصبر علی المرأة المفقود زوجها إلاَّ أن تعلم بموته أو طلاقه لها.
فعن النبی صلَّی اللّه علیه و آله تصبر امرأة المفقود حتی یأتیها یقین موته أو طلاقه.
و عن علی علیه السلام:هذه امرأة ابتلیت فلتصبر.
و قال صاحب الجواهر:إن هذه أخبار عامیة.
الطائفة الثانیة:ذات المضمون القائل بإمکان الطلاق علی بعض التقادیر:
کصحیحة الحلبی:سئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن المفقود.قال:المفقود إذا مضی له أربع سنوات بعث الوالی أو یکتب إلی الناحیة التی هو غائب فیها.
فإن لم یجد له أثرا.أمر الوالی ولیه أن ینفق علیها.فما أنفق علیها فهی امرأته قال:قلت:فإنها تقول:إنی أرید ما ترید النساء.قال:لیس لها ذلک و لا کرامة.فإن لم ینفق علیها ولیه أو وکیله أمره بأن یطلقها فکان ذلک علیها طلاقا.
و صحیح برید:سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن المفقود کیف یصنع بامرأته.قال:ما سکنت و صبرت یخلی عنها.فإن هی رفعت أمرها إلی الوالی أجلها أربع سنین ثم یکتب إلی الصقع الذی فقد فیه فیسأل عنه.فإن أخبر عنه بحیاة صبرت.و إن لم یخبر عنه بشیء حتی تمضی الأربع سنین.دعی ولی الزوج المفقود فقیل له:هل للمفقود مال؟قال:فإن کان له مال أنفق علیها حتی یعلم حیاته من موته.و إن لم یکن له مال قیل للولی:أنفق علیها فإن فعل فلا سبیل لها أن تتزوج ما أنفق علیها.و إن أبی أن ینفق علیها أجبره الوالی علی أن یطلق تطلیقة فی استقبال العدة فهی طاهر فیصیر طلاق الولی طلاق الزوج.فإن جاء زوجها قبل أن تنقضی عدتها من یوم طلقها الولی فبدا له أن یراجعها فهی امرأته،و هی عنده علی تطلیقتین و إن انقضت العدة قبل أن یجیء و یراجع فقد حلت للأزواج و لا سبیل للأول علیها.
و موثق سماعة:سألته عن المفقود فقال:إن علمت أنه فی أرض،فهی تنتظر له أبدا حتی یأتیها موته أو یأتیها طلاقه.و إن لم تعلم أین هو من الأرض کلها و لم یأتها من کتاب و لا حبر.فإنها تأتی الإمام فیأمرها أن تنتظر أربع سنین فیطلب فی الأرض.فإن لم یجد له أثرا حتی تمضی أربع سنین أمرها أن تعتد أربعة أشهر و عشرا ثم تحل للأزواج.فإن قدم زوجها بعد ما تنقضی عدتها فلیس له رجعة و إن قدم و هی فی عدتها أربعة أشهر و عشرا فهو أملک برجعتها.
إلی غیر ذلک من الأخبار،و لعلنا نشیر إلی بعضها.و الکلام المتکامل حول ذلک موکول إلی الفقه.و لکننا هنا نرید إعطاء فکرة ذات تفصیل نسبیا.
الجهة الثانیة:فی محاولة فهم هذه الروایات و ترتیب مضامینها فقهیا و یمکن بیان ذلک ضمن عدة فقرات:
الفقرة الأولی:صریح الطائفة الأولی أن من الواجب علی المرأة أن تصبر، و لیس لها أن تعمل ما نطقت به الروایات الأخری من عمل.و هی لا تنفک عن زوجها ما لم یبلغها موته أو طلاقه.فإن بلغها ذلک أمکنها أن تعتد و تحل بعدها للأزواج.
و هذا
أولا:وارد فی روایات غیر تامة سندا،و فی ما یعارضها من الروایات ما هو معتبر و صحیح.فلا اعتبار بالطائفة الأولی فقهیا.
ثانیا:إنها تنطق عن حکم أخلاقی و لیس وجوبا فقهیا.و مضمونها وجوب الصبر عند البلاء.و هذا معنی عام لکل بلاء و لیس لخصوص الزوجة التی غاب عنها زوجها.
ثالثا:إنها موافقة مع الاحتیاط الاستحبابی علی أی حال.لما سنسمع من بعض الإشکالات فقهیا.الأمر الذی یجعل الصبر أحجی و أولی علی أی حال.
إلاَّ أنه مدفوع بالحجة علی ضده،فلا یکون وجوبیا.و یتعین العمل فقهیا بالطائفة الثانیة.
الفقرة الثانیة:أول ما دلت علیه روایات الطائفة الثانیة:أن المرأة المفقود زوجها إن صبرت علی بلائها و سکتت.فلا حاجة إلی التعرض لها من قبل أی أحد.و معه لا یجوز القیام ببعض الخطوات التالیة التی نطقت بها الروایات.
و معنی ذلک:أن هذه الخطوات إنما هی من حقها و لیست واجبا علیها و لا علی غیرها.و الحق قابل للإسقاط من قبل صاحبه.فإن سکتت فهی بمنزلة من أسقط حقه خلال هذه المدة.و من هنا قال صاحب الجواهر:إنه حکم إرفاقی.
و هذا،أعنی الصبر،هو الجهة الوحیدة التی تتفق فیها الطائفتان من الروایات،إلاَّ أن الأولی منهما تعتبره مستمرا لزوما،فی حین تعتبره الثانیة قابلا للانقطاع.
الفقرة الثالثة:إنها إن فقدت صبرها أو لم تفقده،فلها أن ترفع أمرها إلی الحاکم.و لکن من هو الحاکم؟عبرت عنه بعض الروایات بالوالی و عبرت الأخری بالإمام.
و من الواضح فقیها أنه لیس المراد به أی وال.و إنما یراد به من یجب طاعته فی الإسلام.و هو الإمام المعصوم أو من یقوم مقامه خصوصا أو عموما.و إنما عبر عنه بالوالی باعتبار أن له الولایة العامة.و لیس المقصود به والی السلطان الظالم جزما.و إلاَّ لم یجب طاعته و لم ینفذ طلاقه.
الفقرة الرابعة:إن هناک فی سیاق الروایات شخصا یعتبر ولیا للزوج المفقود.
و هذا لا یخلو من صعوبة فقهیة.إذ لا ولایة علی الشخص الجامع لشرائط التکلیف إلاَّ الحاکم الشرعی فی بعض الحالات،الذی یکون ولیا للغائب و للممتنع و نحو ذلک.و لیس هناک ولایة أخری حتی من الأب و الجد فإنها ولایة علی الصغیر،و هی تزول بمجرد البلوغ و الرشد.فضلا عن غیر الأب و الجد.
و قد جعلت هذه الروایات هذا الوالی بإزاء الوالی و الإمام،فلا یمکن حمله علی أحدهما،لیکون ولیا للزوج بالولایة العامة.
و أما الوکیل،و هذا ما ذکرته بعض الروایات،فإشکاله أن الوکیل سواء کانت وکالته خاصة لبعض التصرفات أو عامة لکلها،فإنما هی عادة وکالة فی الأمور المالیة.و من الصعب جدا عرفا أن یشمل الوکالة بطلاق الزوجة.بل هو قطعی العدم عرفا،ما لم ینص علی ذلک أو یشمله إطلاق واضح.
إذن فاستقلال الوکیل المالی لطلاق الزوجة،غیر ممکن فقهیا.
و جواب هذا الإشکال من وجوه:
أولا:إننا یمکن أن نعود إلی من هو الولی الشرعی للزوج الغائب.
فإن ذلک هو المهم شرعا.و أما ظهور الروایات بمغایرته مع الوالی أو الإمام، فینبغی رفع الید عنه.فتأمل.
ثانیا:أن نفترض أن للزوج الغائب وکیلا مفوضا مأذونا من ناحیة کل التصرفات حتی الطلاق.و هذا صحیح علی تقدیر وجوده،إلاَّ أنه خاص بهذه الصورة.و أما إذا لم یکن للزوج مثل هذا الوکیل،کما هو الغالب،فلا یکون هذا الجواب شاملا له.
مضافا إلی أن مثل هذا الوکیل المفوض له أن یطلق بدون حاجة إلی رفع أمره إلی الحاکم الشرعی و لا التأخیر لمدة أربع سنوات.فمن الممکن القول:إن هذه الطریقة المذکورة فی الروایات إنما سطرت علی تقدیر عدمه.
ثالثا:أن نفترض أن هناک شخصا یباشر أعمال الزوج الغائب تبرعا کما لو کان أخا له أو صدیقا،أو غیرهما.فهذا هو الذی تشیر إلیه الروایات کولی للزوج.و یراد به الولی العرفی،لا الولی الشرعی الثابتة ولایته فی المرتبة السابقة.
و من الواضح فقهیا أنه لولا هذه الروایات لما جاز لهذا الولی أن یطلق عن الزوجة علی أی حال.إلاَّ أن له أحد طریقین:
أحدهما:أن نقول:إنه یکتسب الولایة من الولی العام الذی یأمره بطلاق الزوجة.فیکون وکیلا عنه فی ذلک.غیر أن الروایات واضحة فی أنه لیس للحاکم أو الوالی أن یطلقها مع وجوده.فقد یستشعر من ذلک عدم وجود الولایة له علی ذلک.و معه یتعذر افتراض هذه الوکالة أیضا لأنها فرع عنها.
ثانیا:إننا نفهم من هذه الروایات،و هی معتبرة سندا أن الولی العرفی یستطیع فی مثل هذه الصورة القیام بالطلاق.و هذا هو المتعین فهمه من هذه الروایات.
و هذا لا غبار علیه لو لا أن مقتضی القاعدة فقهیا هو جواز قیام الحاکم الشرعی بالطلاق أیضا،غیر أن الأحوط له التعبد بمضمون هذه الروایات فی مثل هذه الصورة.
الفقرة الخامسة:إن الزوجة إذا رفعت أمرها للحاکم الشرعی فحص عن وجود مال قریب للزوج المفقود.أو أمر ولیه بالفحص عنه إن کان التعرف علیه صعبا.و هذا معناه أن الولی غیر مباشر لأموال الزوج،و هو من نقاط الضعف للفقرة السابقة(الرابعة)فی کلامنا.
فإن وجد له مال أمر الحاکم ولی الزوج بالإنفاق علیها من ذلک المال.
و هذا واضح فقهیا.لأن نفقة الزوجة مما تشتغل به ذمة الزوج.بمنزلة الدین.
و لا بد من وفاء دیونه من أمواله لدی المطالبة.و قد حصلت المطالبة من الزوجة.
الفقرة السادسة:دلت الروایات المعتبرة السابقة:أن الزوج إذا لم یکن له
مال.أمر الحاکم الشرعی ولی الزوج بالإنفاق علیها من ماله الشخصی.فیجب علیه ذلک باعتبار الأمر الواجب طاعته.
إلاَّ أن الإنصاف أن الروایات غیر واضحة فی ذلک،بل یحتمل رجوع القصد إلی الحاکم الشرعی نفسه.حیث قالت صحیحة الحلبی:أمر الوالی ولیه أن ینفق علیها.و الضمیر یعود إلی الأقرب و هو الوالی،دون الزوج.
و قال صحیحة برید:فإن لم یکن له مال قیل للولی أنفق علیها.و هو أیضا یمکن حمله علی ما سبق،و إن کان علی خلاف سیاق الروایة.
و یرجح هذا الحمل أن معنی إنفاق الحاکم علیها الإنفاق علیها من بیت المال و هو معد للأمور الحبیسة و المصالح العامة،و هذا منها.مضافا إلی أن ولی الزوج غیر مسئول أساسا عن الزوجة لینفق علیها من ماله الخاص.فیکون أمره بالإنفاق ظلما له،إلاَّ فی صورة الانحصار،حتی مع تعذر اکتساب الزوجة لقوتها.
و لو أنفق علیها من ماله،فلا دلیل علی سقوط هذا الدین عن ذمة الزوج الغائب إلاَّ أن یقصد المنفق وفاءها.
و علی أی حال،فقد أفتی جماعة من الفقهاء أن الإنفاق علیها یکون من بیت المال و القرائن تعضده.
الفقرة السابعة:فی تحدید المدة.و هی أربع سنوات.إلاَّ أن الروایات تختلف فی جهة معینة و هی أن هذه المدة هل هی قبل رفع المرأة أمرها إلی الحاکم بحیث لیس لها ذلک قبل هذه المدة.و هذا هو ظاهر صحیحة الحلبی.
أو أن هذه المدة تبدأ من حین رفع أمرها إلی الحاکم.و هو ظاهر أکثر الروایات التی جعلتها مدة للفحص عن الزوج.
فقد یقال:بتداخل هاتین المدتین:یعنی أن الفحص عن الزوج یستمر إلی انتهاء مدة أربع سنین من حین غیابه لا من حین رفع الأمر إلی الحاکم.حتی لو کان قد مضی علی هذا الرفع شهر واحد أو أقل.
و قد یقال:بتخارج هاتین المدتین بمعنی وجوب العمل بهما معا.فیجب
علی المرأة أن تنتظر أربع سنوات،ثم ترفع أمرها إلی الحاکم الشرعی فیمهلها أربع سنوات یعنی أربعا أخری،و هذا هو مقتضی الجمع بین الروایات و تقیید محل الإطلاق منها بما دل علی القید.
غیر أن هذه النتیجة غیر مستساغة فقهیا،إلاَّ علی وجه الاحتیاط.و المعروف بین الفقهاء الإکتفاء بأربع سنوات.و هو ظاهر کل روایة بحیالها.
و المشهور جدا أن حساب الأربع یبدأ بعد الرفع إلی الحاکم لا قبله.و هذا معناه الإعراض عما دل علی خلافه و هو مسقط لصحیحة الحلبی عن الحجیة فی هذه الدلالة،إن قلنا بالکبری فقهیا أعنی أن إعراض الفقهاء مسقط للروایة المعتبرة عن الحجیة.
إلاَّ أن الإنصاف أنه من الناحیة العرفیة من الصعب أن یعتبر الشخص مفقودا قبل مضی أربع سنوات علیه،فی حدود الإمکانیات القدیمة للنقل و الانتقال.
بل حتی إلی العصر الحاضر بمعنی آخر.و هذا معناه أن حساب الثمان سنوات، یکون بنحو الاحتیاط الوجوبی.نعم،یعوض عنه حصول العلم العرفی بالفقدان.و هو مما یحصل غالبا بسرعة نسبیة فی عصرنا الحاضر.فیکون عوضا عن الأربع سنوات السابقة علی الرفع للحاکم.
و أما الأربع اللاحقة له،فلا بد من الالتزام بها تعبدا،حتی لو حصل العلم العرفی بالفقدان.و إنما یکون هذا العلم غایة لوجوب الفحص لا غایة لعدم جواز زواج المرأة بشخص آخر.
فإن حصل ذلک جاز قطع عملیة الفحص،و لکن یجب الانتظار تعبدا إلی أربع سنوات.إذ أن حجیة طلاق المرأة قبل ذلک تکون مشکوکة.و الأصل عدم الحجیة.
الفقرة الثامنة:فی وجوب الفحص عن الزوج.
من الواضح عرفا أنه حکم طریقی و لیس تعبدیا أو نفسیا،بمعنی أن المطلوب هو حصول ما یمکن من الخبر عن الزوج أو حصول الیأس من ذلک.و لیس المطلوب هو الفحص علی کل حال.
و هذا المعنی ینتج عدة نتائج:
النتیجة الأولی:عدم تحدید مدة الفحص.فإن المهم هو حصول الیأس بحسب العلم العرفی.فإن کان حاصلا لسبب غیر الفحص أو لفحص سابق لم یجب الفحص و إن حصل فی زمن قصیر فهو و إن لم یحصل إلاّ بعد فحص طویل وجب.
نعم،لو لم یحصل الیأس بعد أربع سنوات کاملة،و هو فرض بعید جاز ترکه و ترتیب الآثار الأخری أعنی الطلاق و ما یرتبط به،تعبدا بهذا التقدیر الشرعی.
النتیجة الثانیة:إلغاء خصوصیة الفاحص أو الآمر بالفحص.فقد یکون هو الزوجة أو الولی أو الوکیل أو الحاکم الشرعی أو أی ثقة بأجرة أو مجانا.
النتیجة الثالثة:تحدید منطقة الفحص.فإنه یجب الفحص فی المنطقة التی یحتمل وجود الزوج فیها دون ما لا یحتمل عرفا،و إن کان هناک احتمال دقی غیر معتنی به.و هذا مشار إلیه فی الروایات فراجع.
و من نتائج ذلک:أن الفرد لو فحص فی الأماکن التی یطمئن بعدم وجوده فیها،لم یکن فحصه حجة و کان من خداع النفس و الآخرین،و لا أثر له مهما کان الفحص دقیقا و مطولا.
الفقرة التاسعة:فی النفقة التی یجب دفعها إلی الزوجة.و لا شک أن مقدار زمن الفحص داخل ضمن المدة التی یجب فیها دفع النفقة.و کذلک کل السنوات الأربع إن کانت تبدأ برفع الدعوی إلی الحاکم الشرعی.فإننا قلنا:إنه إن حصل الیأس خلال ذلک جاز ترک الفحص و لم یجز الطلاق قبل نهایة السنوات الأربع.
و لعله یندرج ضمن ما یجب أن تقبضه الزوجة،ما سبق لها من حین غیاب زوجها إن لم یکن قد خلف لها نفقة،أو أعطاها نفقة قلیلة لم تکفها فی الزمان کله.فیبقی الباقی دینا فی ذمة الزوج یمکن للحاکم الشرعی اقتطاعها من ماله أعنی مال الزوج.نعم لو لم یکن للزوج مال لم یجز أن یأمر ولیه بالدفع من أموال نفسه لأداء هذا الدین،ما لم یتبرع هو من رضاء نفسه.
و ینقطع إعطاء هذه النفقة عند حصول الطلاق.إن قلنا إنه طلاق بائن.و إن قلنا إنه رجعی وجب إیصال النفقة إلیها إلی نهایة العدة إن لم یرجع الزوج و سیأتی تحقیق ذلک.
الفقرة العاشرة:إن الفحص یمکن أن ینتج إحدی النتائج التالیة و یترتب علی کل نتیجة حکمها:
النتیجة الأولی:إنه لا یمکن الحصول علی خبره بالمرة،لا حیا و لا میتا.
و هذه هی النتیجة التی تکون موضوعا للحکم الوارد فی هذه الروایات.
النتیجة الثانیة:إن یحصل الخبر بأنه قد مات،فیجب علیها أن تعتد عدة الوفاة من حین وصول الخبر.و قد یکون کذبا و یصل الزوج خلال العدة فیکون أولی بها.و إن وصل بعدها فلا سبیل له علیها.فتأمل.
النتیجة الثالثة:إنه حی یمکن الاتصال به.و هذا لا إشکال فیه.إذ یطلب منه أداء حقوق زوجته،فإن أبی أکرهه الإمام علیه و إلاَّ طلب منه الطلاق فإن أبی طلقها بنفسه،فإنه ولی الممتنع.
النتیجة الرابعة:إن الزوج حی قد طلق هذه الزوجة.فیجب علیها أن تعتد من حین صدور الطلاق.فإن کان تاریخ الزمان أسبق من ذلک لم یجب علیها عدة.و یحسب حساب ما تستحق من نفقة خلال ذلک.
النتیجة الخامسة:إن الزوج حی،و لکن لا یمکن الاتصال به بحال.لکونه مسجونا أو بعید المکان فی محل لا یمکن الوصول إلیه و نحو ذلک.
و سیأتی القول لبعض الفقهاء فی مثل هذه الصورة بجواز الطلاق للحاکم.
و إن کان المشهور یأمرها بالصبر،حتی تتیقن وفاته أو طلاقه.
و إنما الحکم عند المشهور و فی الطائفة الثانیة من الروایات علی النتیجة الأولی،و هی انقطاع الخبر بالمرة و لیس انقطاع إمکان الاتصال به.
الفقرة الحادیة عشرة:لیس من حق الزوجة أن تتسبب إلی طلاقهما قبل أن ترفع أمرها إلی الحاکم و لا فی مدة الفحص عن الزوج بل و لا خلال الأربع سنوات کاملة بل و لا مع الإنفاق علیها من أموال الزوج أو من قبل ولیه أو من
قبل شخص آخر قد یکون متبرعاً.کل ذلک حتی و لو تاقت نفسها إلی الزواج کما سمعنا من الروایات أن الزوجة إذا قالت أرید کما ترید النساء قال لا و لا کرامة.
و قد یقال بأن الحاکم الشرعی بالولایة العامة أو بالولایة عن الممتنع أو باعتبار الحسبة،یمکنه أن یطلق الزوجة خلال کل أو أکثر ما أشرنا إلیه من الأزمنة بمقتضی القاعدة العامة فکیف حصل أن یتقید الطلاق بکل هذه القیود.
و جواب ذلک من وجهین:
الوجه الأول:إن مقتضی القاعدة العامة و إن کان هو ذلک لا أنها مقیدة بهذه الروایات التی سمعناها.نعم لو لم تکن تلک الروایات لکان ما أشیر إلیه صحیحاً فی الجملة.
الوجه الثانی:إن الأقوی فقهیاً أن تصرف الحاکم الشرعی و ولایته(بأی مقدار کانت)فإنها تتحدد بحدود المصلحة و المصلحة الأساسیة فی مورد الکلام هی الجانب الاقتصادی للزوجة و هذا معناه إلی حد ما اتفاق الروایات مع القاعدة العامة فی النتیجة لأن الزوجة إن کانت محرومة من النفقة کان من المصلحة طلاقها و إن لم تکن کذلک لم یکن من المصلحة طلاقها و هذا ما تتفق به القاعدة مع الروایات.
نعم،قد تقتضی المصلحة أحیاناً جوانب أخری منظورة أو غیر منظورة کالجانب الجنسی للمرأة أو غیره،فیکون مقتضی القاعدة وجود الولایة فی الطلاق للحاکم.إلاَّ أن مقتضی إطلاق الروایات هنا المنع عنه ما لم تتم مقدماته المطولة کالفحص و مضی أربع سنوات.
و علی أی حال قد اتفقت الروایات المعتبرة علی أن الحاکم الشرعی یأمر الولی بالطلاق بعد حصول الفحص و تعذر النفقة.و قد تکلمنا عن معنی هذا الولی و قد یکون من الممکن القول إن الولی هو الحاکم الشرعی نفسه فی الأعم الأغلب.
نعم تعرضت موثقة سماعة إلی أنه یکفی فی الزوجة أن تعتد عدة الوفاة فإذا
انتهت حلت للأزواج بدون حاجة إلی طلاق.و هذا معناه تنزیل فقدان الخبر عن الزوج منزلة وفاته و کما أن المتوفی عنها زوجها لا تحتاج إلی طلاق کذلک من کان زوجها مفقوداً.
إلاَّ أن ذلک لا یتم لأحد أمرین:
الأمر الأول:إمکان المناقشة سنداً فی هذه الروایة بما لا مجال له الآن.
الأمر الثانی:إمکان تقییدها بالصحاح الأخری إن کان المستفاد منها الإطلاق.إلاَّ أن المفهوم من سیاقها عدم لزوم الطلاق و أنه لم یهمل ذکره نسیاناً.
و علی أی حال فلا شک أن الأحوط هو إیجاد الطلاق رجاء احتمال حیاة الزوج.و الاحتیاط لا یعارض شیئاً من الروایات.
الفقرة الثانیة عشرة:المشهور و الأحوط و الذی نطقت به بعض الروایات کموثقة سماعة أن عدة هذه المرأة بعد طلاقها هی عدة الوفاة أو بمقدارها و لیس بمقدار عدة الطلاق و تعتد أربعة أشهر و عشرة أیام.
و هذا الکلام قابل للمناقشة من حیث إن عدة الوفاة لا تجب إلاَّ بعد إحراز الوفاة و المفروض أنها غیر محرزة و مقتضی الأصل عدمها.و أما عدة الطلاق فموضوعها حصول الطلاق و هو حاصل وجدانا عند ما یطلقها الولی.
و أما موثقة سماعة فإن کان المقصود منها ما فهمناه من تنزیل المفقود منزلة المتوفی فهو أمر تنفیه الروایات الأخری الآمرة بالطلاق و المعتبرة سندا.و إن کان المقصود منها حصول الطلاق و لو باعتبار تقییدها و لو بالروایات الأخری فتکون النتیجة أن عدة هذا الطلاق هی عدة الوفاة و هذا أمر غیر مستساغ فقهیا و شرعا، فیسقط عن الحجیة فیه فلا تجب إلاَّ عدة الطلاق.
علی أن الذی أشرنا إلیه من أن عدة الوفاة هی الأحوط قائم علی ما هو الأغلب من أن عدة الوفاة أطول من عدة الطلاق زمانا.و لکن هذا لیس دائمیا بل قد یکون الأمر بالعکس فیمن تحیض کل شهرین مرة مثلا فتکون أقراؤها ستة أشهر فی عدة الطلاق و یکون مقتضی الاحتیاط الأخذ بالعدة بالزمن
الأطول.و علی أی حال فمقتضی الاحتیاط دائما هو ذلک.إلاَّ أن هذا مما لم یقل به أحد و مقتضی القاعدة وجوب عدة الطلاق علیها دون عدة الوفاة لما سبق.
و أما أن هذه العدة هل هی رجعیة أو بائنة فالذی یظهر من المشهور کونها بائنة،و لذا لم یتعرضوا إلی وجوب النفقة خلالها و لعل هذا قائم علی تخیّل أمرین مقترنین أحدهما أن الواجب هی عدة الوفاة،و ثانیهما أن عدة الوفاة عدة بائنة و کلا هذین الأمرین محل نقاش و لا نطیل فیه.
و مقتضی القاعدة أنها عدة طلاق رجعی لو کانت هی التطلیقة الأولی أو الثانیة و عدة بائنة إن کانت هی التطلیقة الثالثة بمعنی أن هذا الطلاق یعتبر کطلاق الزوج نفسه و یطبق علیه أحکامه فقد یکون الزوج قد طلق هذه الزوجة مرتین فتکون تطلیقة الحاکم الشرعی لها ثالثة و قد لا یکون کذلک فتکون عدتها رجعیة.
و ینتج من ذلک عدة أمور:
أولا:وجوب النفقة علیها خلال العدة الرجعیة دون البائنة.
ثانیا:إن الزوج إذا رجع کان له اختیار الرجعة بالطلاق إن کانت العدة رجعیة.و الروایات أشارت إلی ذلک باعتبار الأغلب.و أما إذا کانت العدة بائنا فمقتضی القاعدة عدم جواز الرجوع إلاَّ بعقد جدید أو بتحلیل زوج آخر کل حسب تکلیفه.
و قد یقال بأن فی الإمکان تقیید إطلاقات أدلة العدة البائن بهذه الروایات فی مولدها فینتج أن کل عدة بائن لا یجوز الرجوع فیها للزوج إلاَّ المفقود الذی رجع بعد فقده.
و هذا:أولا:لا یشمل صورة وجوب التحلیل بعد الثالثة و التحریم بعد التاسعة و لیس فیه قول مشهور یعتمد علیه.
ثانیا:إننا أشرنا إلی احتمال أخذ الروایات بالأعم الأغلب و هی صورة کون العدة رجعیة الأمر الذی یجعل لها انصرافا إلی هذه الصورة فلا نستطیع أن نفهم منها جواز الرجوع فی العدة البائن.
الفقرة الثالثة عشرة:قال سیدنا الأستاذ (1)
منهاج الصالحین ج 2 ص 328. [1]
:ذکر بعض الأکابر أن المفقود المعلوم حیاته مع عدم تمکن زوجته من الصبر یجوز للحاکم أن یطلق زوجته و کذلک المحبوس الذی لا یمکن إطلاقه من الحبس أبدا إذا لم تصبر زوجته علی هذا الحال و ما ذکره قدس سرّه بعید.أقول:إن مقتضی عموم الولایة عن الغائب و إن کان هو ذلک مع فرض تعلق المصلحة فی الطلاق و هو أمر مفروض باعتبار عدم صبر الزوجة و خوفها من الوقوع فی الحرام و من هذه الناحیة لا یکون الأمر بعیدا کما استبعده السید الأستاذ.
إلاَّ أن نص الروایات المعتبرة السابقة علی خلاف ذلک ففی صحیحة برید:
فیسأل عنه فإن أخبره عنه بحیاته صبرت و فی موثق سماعة إن علمت أنه فی أرض فهی تنتظر له أبدا حتی یأتیها موته أو یأتیها طلاقه.
أقول:و هذا معناه إن کان تقیید القاعدة العامة الدالة علی الولایة بهذه الروایات فتکون النتیجة عدم جواز طلاقها فی هذا المورد و وجوب الصبر علیها ما لم تقع فی عسر و حرج أو فی خوف فعلی من الحرام.فإن أدلة العسر و الحرج و الضرر مقدمة علی مضمون هذه الروایات.کما أن صورة الخوف من وقوع الحرام مما ینصرف عنه إطلاقها و إنما هی واردة مورد الغالب فی عدم وجود مثل هذا الخوف.
و من هنا نعرف أن ما قال عنه السید الأستاذ إنه بعید قد قامت الحجة علی خلافه إلی حد یمکن الفتوی بمنعه و لیس مجرد الاستبعاد الاحتیاطی.
ثم قال السید الأستاذ (2)و أبعد منه ما ذکره أیضا من أن المفقود إذا أمکن إعمال الکیفیات المذکورة من ضرب الأجل و الفحص لکن کان ذلک موجبا للوقوع فی المعصیة تجوز المبادرة إلی طلاقها من دون ذلک و مقتضی کلامه جواز المبادرة إلی طلاق الزوجة بلا إذن من الزوج إذا علم کون بقائها علی الزوجیة موجبا لوقوعها فی المعصیة.و هو کما تری.
أقول:إنه مع وجود ما أشرنا إلیه من رافعات التکلیف من العسر و الحرج و الضرر أو وجود الخوف الفعلی من الوقوع فی المعصیة سواء من الناحیة الجنسیة أو غیرها یکون مقتضی إطلاق الولایة علی الممتنع جواز طلاق الزوجة مع إلغاء المقدمات المشار إلیها.
و لا یلزم من ذلک عرفا ما نقض به السید الأستاذ من صورة جواز طلاق الزوج بالولایة حتی مع حضور الزوج و عدم رضاه إذ کون احتمال الوقوع أو خوف الوقوع فی الحرام مع وجود الزوج أمر نادر الوقوع جدا و علی تقدیره فلا مشاحة من عموم الولایة.
و أما أدلة الضرر و الحرج فغیر شاملة للمورد قطعا للسیرة المستمرة للمسلمین لأن الزوجة مهما رأت من زوجها من الضرر و الحرج فلیس من حق الحاکم أن یطلقها ما لم یدخل الأمر تحت حرمانها من حقوقها الواجبة.
إذن تکون النتیجة مع حضور الزوج،أن للحاکم الشرعی ولایة الطلاق فی صورة خوف الوقوع فی الحرام و إن کان فرضا نادرا و فی صورة رفض الزوج القیام بالحقوق الواجبة للزوجة.و أما غیر ذلک مع إشکال الحرج و الضرر فهو مخالف للسیرة و إن کان مقتضی القاعدة الأولیة جوازه.
و نحن إلی هنا لم نستوعب فقهیا کل أحکام الزوج المفقود و مدارکه إلاَّ أن المقصود قد حصل و هو إعطاء صورة واضحة و تفصیلیة عن الموضوع للقارئ اللبیب.
من الناحیة اللفظیة فإن الخلع قد یکون-کما هو من المشهور علی الألسن- بضم أوله،و قد یکون بفتحه.و المراد علی أی حال واحد.و یراد به قطع دابر الزواج بشکل أشد من الطلاق الاعتیادی.فکأن الزوجة أو الزواج کان ملتصقا و ثابتا فخلع و قلع.و هذا واضح.و أما الوجه فی شدة الخلع عن الطلاق فسیأتی بیانه.
و أما المبارأة،فالمشهور علی الألسن نطقها بالألف اللینة علی وزن محاباة و مجاراة.إلاَّ أن هذا اللفظ بهذه الصیغة لا یفید المعنی الفقهی المقصود منه جزما.لأن المبارأة علی وزن محاباة هی التسابق فی عمل معین.و لا ربط لها لا حقیقة و لا مجازا بالمعنی الفقهی المقصود.
و إنما لا بد من قراءة الألف بالألف الیابسة(الهمزة):المبارأة علی وزن ممالأة و مکافأة.فیکون مصدرا یدل علی التفاعل أو التقابل من شخصین علی البراءة.
و یراد به براءة أحدهما من الآخر.
و هذا هو المعنی اللغوی القریب من المعنی الفقهی،إذ یراد به براءة أحد الزوجین من الآخر.و من هنا قال الفقهاء و دلت الأخبار علی أن الخلع یکون عند ما تکون الکراهة أو الکراهیة من قبل الزوجة دون الزوج،و المبارأة تکون عند ما تکون الکراهیة من الطرفین.
أما کون الخلع بکراهیة المرأة،فقد دلت علیه عدة أخبار صحاح منها صحیحة محمد بن مسلم (1)
وسائل الشیعة ج 15 [1] باب کتاب الخلع و المبارأة(حدیث 4).و انظر تتمها کما أثبتناها هنا فی باب 2 حدیث 3.
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:المختلعة التی تقول لزوجها:اخلعنی و أنا أعطیک ما أخذت منک.فقال:لا یحل له أن یأخذ منها شیئا حتی تقول:و اللّه لا أبر لک قسما و لا أطیع لک أمرا و لآذنن فی بیتک بغیر إذنک.فإذا فعلت ذلک من غیر أن یعلّمها،حل له ما أخذ منها:و کانت تطلیقة بغیر طلاق یتبعها و کانت بائنا بذلک،و کان خاطبا من الخطاب.و سیأتی تفصیل مدالیلها بقدر ما یناسب المقام.
و أما کون المبارأة بکراهة کلا الزوجین،فقد یستدل به بموثقة سماعة قال:
سألته عن المبارأة کیف هی إلی أن یقول:فتقول المرأة لزوجها ما أخذت منک فهو لی،و ما بقی علیک فهو لک و أبارئک.إلخ الحدیث.إذ یدل قولها:
و أبارئک علی تبادل البراءة بین الزوجین.
و لنا علی هذا التمییز بین القسمین بعض التعلیقات:
أولا:دلت الروایات،کما سمعنا،أن الخلع یکون بکراهة من المرأة،و هذا واضح.فما الدلیل علی أن الزوج لم یکن کارها أیضا.
و قد یجاب:بأن هذا هو المتعین لأن الزوج لو کان کارها لطلقها طلاقا اعتیادیا.و حیث لم یفعل إلاَّ ببذل الزوجة شیئا من المال له.إذن،یدل علی أنه لم یکن کارها.
و جوابه:إن غایة ما یدل علیه ذلک أن الزوج لم یکن یرید طلاق زوجته بمبادرة منه لمصلحة یتصورها فی ذلک و قد تکون هی کونه یحبها أو أنه یرید أن یصبر علیها لأجل تحصیل الثواب أو یصبر علیها لأنه یخاف من عشیرتها.
و الأهم من کل ذلک فقهیا:أنه یرید الحصول علی مال الخلع بإزاء طلاقها دون الطلاق المجانی،لو صحّ التعبیر.فهو یؤخر طلاقها حتی تبادر هی ببذل المال.
و هذا احتمال منطقی لا نافی له.و معه فلا دلیل فی جانب الخلع علی عدم کراهیة الزوج.
1) 1)
و من هنا یظهر أن قول سیدنا الأستاذ (1)
منهاج الصالحین ج 2 ص 332. [1]
:یشترط فی الخلع عدم کراهة الزوج لها إلخ.محل تأمل.کما أنه من الناحیة الأخری:أن ما ذکره عدد من الفقهاء منهم صاحب الوسائل و السید الأستاذ و لعله المشهور من أن المبارأة لا تکون إلاَّ بالکراهة من الزوجین معا.إنما هو من المشهور الذی لا دلیل علیه.فإنه من الممکن القول إن الروایات لا تدل علیه و قول المرأة-فی موثقة سماعة-و أبارئک،لا یدل علی أکثر من إیقاع عقد المبارأة دون مدلوله اللغوی الذی أشرنا إلیه.فإنه أصبح منذ عصر صدور النص اصطلاحا فقهیا علی عقد معین.و لا دلالة له علی أکثر من ذلک.
و هل یعنی هؤلاء الفقهاء بتعین إجراء صیغة المبارأة دون صیغة الخلع عند وجود الکراهیة من الطرفین؟هذا شیء غیر محتمل فقهیا.
یشترک کل من الخلع و المبارأة بالبذل من قبل الزوجة و الکراهیة من قبلها.
و إن کانت الکراهیة فقهیا غیر منظورة.فلو وجدت الزوجة مصلحة للبذل و الخلع من دون کراهیة و صادف ذلک تقبلا لدی الزوج کفی ذلک فی إیجاد هذا العقد.
و هما معا أیضا عقد من العقود لا یکونان إلاَّ برضاء کلا الطرفین،و لیسا کالطلاق من حیث کونه برضاء و إیقاع الزوج فقط.إلاَّ أن الموجب و القابل فی هذا العقد من هو؟هل هو الزوج أو الزوجة.سیأتی الکلام عنه.
و هما معا یشترکان بأن العدة بائنة لا رجعة للزوج خلالها.و هی تحسب طلاقا واحدا من الثلاث أو من التسع.فإن کانت التطلیقة الأولی أو الثانیة-کما هو الغالب-کان الزوج خاطبا من الخطاب:و قد نصت علی ذلک الروایات.
و إن کانت هی التطلیقة الثالثة لم تحل له إلاَّ أن تنکح زوجا غیره.و بالنتیجة
1) 1)
ینبغی حساب هذه التطلیقة کما یحسب حساب غیرها من هذه الناحیة.و لا یکون للبذل من هذه الناحیة أثر زائد.
و یشترک العقدان أیضا:فی أن المرأة إذا رجعت بالبذل و سحبت عطاءها انقلبت العدة إلی عدة رجعیة،یعنی أصبح الطلاق اعتیادیا.فإن کانت هی التطلیقة الأولی أو الثانیة،کانت العدة عندئذ رجعیة،و له أن یرجع خلالها بزوجته.و شملته أحکام العدة الرجعیة،من وجوب الإنفاق و غیره.و أما إذا کانت هی التطلیقة الثالثة أو التاسعة أو لغیر مدخول بها أو لیأس و نحوها،لم تصبح العدة رجعیة،لوجود المانع الآخر.فلیس فی رجوع الزوجة بالبذل إلاَّ خسارة الزوج للمال.
نعم،قد یقال:إن المال ما دام غیر مسحوب فلیس للزوج تجدید العقد خلال العدة،نعم إذا رجعت بالبذل کان له ذلک.و الحکم بعد الرجوع أکید.
إلاَّ أن عدم صحة العقد مع استمرار البذل،غیر واضح و مقتضی الأصول صحته.
فهذه هی أهم الأمور التی یلتقی أو یشترک فیها الخلع مع المبارأة.فما هی الأمور التی تختلف فیها.و الحق أنها لن تکون أمورا جوهریة إن وجدت،بل هی تعبدیة أحیانا و شکلیة أحیانا،مع رجوع کلتا المعاملتین إلی فکرة واحدة جزما هی نفسها الأمور التی یشترکان بها.
و نذکر فیما یلی،عدة فروق محتملة لنجد ما هو الصحیح من الخاطی:
الفرق الأول:الفرق فی العنوان یعنی أن أحدهما بعنوان الخلع حیث یقول الزوج:خلعتک أو أنت مختلعة،و الأخری بعنوان المبارأة،حیث یقول:بارأتک أو أنت مبارأة.
و هذا واضح.إلاَّ أن مجرد الاختلاف فی العنوان،حدیث شکلی أو صوری لا یعنی الاختلاف فی الحقیقة و الجوهر،إن لم نجد غیره.
الفرق الثانی:ما سمعناه عن المشهور من أن الکراهیة لدی الزوجة فقط فی الخلع ولدی کلیهما فی المبارأة.
و قد سبق أن ناقشنا ذلک،إلی حد قلنا إنه مع تبادل الکراهة،لا بأس أن تکون المعاملة بعنوان الخلع.و بتعبیر آخر:إنهما یکونان مخیرین فی إیجاد أی من العنوانین شاءا.
هذا،و لکن العکس لا یخلو من إشکال:فإذا کانت الکراهة من قبل الزوجة فقط،لم یجز إیقاع المعاملة بصیغة المبارأة،و لا أقل من الاحتیاط الوجوبی، خروجا عن خلاف المشهور فیما یخص الاحتیاط فی الفروج.فیکون ذلک إذن شکلا من أشکال الفرق بین المعاملتین.
الفرق الثالث:ما قاله السید الأستاذ (1)
منهاج الصالحین ج 2 ص 335.
من أن لفظ الخلع یکفی فی إیجاد الطلاق،بخلاف المبارأة،و معه لا یجب اتباع الخلع بالطلاق،و لکن یجب اتباع المبارأة بالطلاق.بأن یقول:بارأت زوجتی علی کذا فهی طالق،و نحو ذلک.إلاَّ أن هذا محل مناقشة،لظهور الأخبار عرفا بأن معاملة المبارأة معاملة قائمة بذاتها قائمة مقام الطلاق.و معه یکون اتباعها بالطلاق من باب الاحتیاط الاستحبابی،لا الوجوبی،فضلا عن الفتوی.کما فعل السید الأستاذ.
بل لعل الأمر بالعکس عما قاله دام ظله،من حیث دلالة بعض الروایات، علی لزوم اتباع الخلع بالطلاق،و لا یوجد مثلها فی المبارأة.و تمام الکلام فی الفقه.
الفرق الرابع:إن المرأة إذا قالت کلاما یدل علی عزمها علی عدم إقامة حقوق زوجها و أدائها إلیه و عصیان اللّه سبحانه فیه،کانت المعاملة خلعا.و لا یوجد مثل ذلک فی المبارأة.و قد سمعنا نموذجا من ذلک فی أول هذا الفصل فی صحیحة محمد بن مسلم.
و هذا الأمر مما نطقت به الروایات الصحاح المعتبرة،إلاَّ أنه واجه إعراضا من الفقهاء.و حملوا مدالیلها علی مجرد وجود الکراهة القلبیة،مهما کان الدال علیها من قول أو فعل.و هذا أمر لعله إجماعی و علیه السیرة.و علیه فقول الروایات:إنه لا خلع من دون ذلک الکلام من الزوجة لم یعمل به أحد.
1) 1)
إذن،فهذا الفرق بین المعاملتین،غیر عملی.
الفرق الخامس:ما دلت علیه الروایات من أن الزوجة عند إیجاد المعاملة:
أعنی الطلاق بإزاء البذل.إن اشترط لها زوجها.أنها إذا رجعت بالبذل رجع هو إلی الزوجیة،کان ذلک مبارأة و إلاَّ فهی خلع.
کصحیحة الحلبی (1)
وسائل الشیعة ج 15 کتاب الخلع و المبارأة باب 8 حدیث 1. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:المبارأة أن تقول المرأة لزوجها:لک ما علیک و اترکنی فترکها.إلاَّ أنه یقول لها:إن ارتجعت فی شیء منه فأنا أملک ببضعک.و قوله:لک ما علیک،یعنی بذل الزوجة ما علی الزوج أو فی ذمته من المال لها.تبذله له بإزاء طلاقها.
إلاَّ أن هذا الفرق غیر عملی أیضا،لأن کلا المعاملتین:الخلع و المبارأة متصفتان بهذه الصفة:أعنی إمکان رجوع الزوجة بالبذل.و تصبح به العدة رجعیة کما أشرنا،إن لم یوجد مانع آخر.
و مجرد:کون التصریح بذلک فی المعاملة یجعلها مبارأة و عدم التصریح به یجعلها خلعا.و إن کان محتملا،إلاَّ أنه علی تقدیر ثبوته أمر شکلی لا أثر له فقهیا.لأن کلا المعاملتین محکومتان بذلک،سواء صرّح به فی العقد أم لم یصرح.
و من غیر المحتمل فقهیا أنه إذا لم یصرح بالشرط،فالأحوط إیجاد عنوان الخلع و إن صرح به فالأحوط إیجاد عنوان المبارأة.و إن کان هو علی أی حال أوفق بالاحتیاط الاستحبابی.
الفرق السادس:ما ذکره السید الأستاذ و نطقت به الروایات المعتبرة،من أن الخلع یمکن أن یکون بمقدار المهر الذی کان فی عقد زواجهما أو أکثر.فی حین أن المبارأة لا تکون إلاَّ بمقدار المهر أو أقل.
کصحیحة زرارة (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:المبارأة یؤخذ منها دون
الصداق و المختلعة یؤخذ منها ما شئت أو ما تراضیا علیه من صداق أو أکثر.و إنما صارت المبارأة یؤخذ منها دون الصداق و المختلعة یؤخذ منها ما شاء لأن المختلعة تعتدی و تکلم(تتکلم)بما لا یحل لها.
و موثقة سماعة قال (1)
المصدر:حدیث 4. [1]
:سألته عن المختلعة فقال:لا یحل لزوجها أن یخلعها حتی تقول.إلی أن قال:فإذا اختلعت فهی بائن و له أن یأخذ من مالها ما قدر علیه.و لیس له أن یأخذ من المبارأة کل الذی أعطاها.و ظاهر هذه الروایات أن البذل فی المبارأة لا یجوز أن یکون بمقدار الصداق، بل لا بد أن یکون أقل منه و لو قلیلا.و خاصة قوله فی موثقة سماعة:فلیس له أن یأخذ من المبارأة کل الذی أعطاها.و المراد بالمبارئة هنا المرأة التی وقعت علیها هذه المعاملة.و هو نص بالمنع عن مقدار الصداق.فلا یمکن تجرید الخصوصیة من هذه الناحیة أو القول بعدم دلالة الروایات علی الوجوب.
إلاَّ أن ظاهر کلام سیدنا الأستاذ (2)هو جواز ذلک.حیث قال.و لا یجوز فی الفدیة أن تکون أکثر فی المهر.
إلاَّ أن یرید المنع عن الزیادة و السکوت عن المساواة إلاَّ أن هذا السکوت بعد وضوح الروایات به لا وجه له،مضافا إلی إشعار العبارة بجوازه،و الدلیل ضده.
الظهار عادة کانت بین الناس فی الجاهلیة و بقی استعمالها إلی ما بعد الإسلام أحیانا فوقفت الشریعة ضدها موقفا حازما.و هو أن یقول الزوج لزوجته أنت علیّ کظهر أمی فیحسن من الآن أن نسمع تاریخ ذلک فی صدر الإسلام.
ففی صحیحة حمران (1)
المصدر:کتاب الظهار باب 1.حدیث 2. [1]
عن أبی جعفر علیه السلام قال:إن امرأة من المسلمین أتت رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله فقالت یا رسول اللّه إن فلان زوجی قد نثرت له بطنی و أعنته علی دنیاه و آخرته فلم یر منی مکروها و أنا أشکوه إلی اللّه و إلیک.قال مما تشکینه قالت إنه قال لی الیوم أنت علیّ کظهر أمی و قد أخرجنی من منزلی فانظر فی أمری فقال رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله ما أنزل اللّه علیّ کتابا أقضی به بینک و بین زوجک و أنا أکره أن أکون من المتکلفین.فجعلت تبکی و تشتکی ما بها إلی اللّه و رسوله و انصرفت فسمع اللّه محاورتها لرسوله و ما شکت إلیه فأنزل اللّه عزّ و جلّ بذلک قرآنا بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّتِی تُجادِلُکَ فِی زَوْجِها وَ تَشْتَکِی إِلَی اللّهِ وَ اللّهُ یَسْمَعُ تَحاوُرَکُما یعنی محاورتها لرسول اللّه فی زوجها إِنَّ اللّهَ سَمِیعٌ بَصِیرٌ، اَلَّذِینَ یُظاهِرُونَ مِنْکُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِی وَلَدْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَیَقُولُونَ مُنْکَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً وَ إِنَّ اللّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ .فبعث رسول اللّه صلَّی اللّه علیه
1) 1)
و آله إلی المرأة فأتته.فقال لها جیئینی بزوجک فأتته به فقال أقلت لامرأتک هذه أنت علیّ حرام کظهر أمی فقال:قد قلت ذلک.فقال رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله قد أنزل اللّه فیک قرآنا.فقرأ علیه ما أنزل اللّه من قوله قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّتِی تُجادِلُکَ -إلی قوله- إِنَّ اللّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ فضم امرأتک إلیک فإنک قد قلت منکرا من القول و زورا قد عفا اللّه عنک و غفر لک فلا تعد.فانصرف الرجل و هو نادم علی ما قال لامرأته و کره اللّه ذلک للمؤمنین بعده.فأنزل اللّه عزّ و جلّ اَلَّذِینَ یُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ یَعُودُونَ لِما قالُوا یعنی ما قال الرجل الأول لامرأته أنت علیّ حرام کظهر أمی قال فمن قالها بعد ما عفا اللّه و غفر للرجل الأول فإن علیه فَتَحْرِیرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَتَمَاسّا یعنی مجامعتها ذلِکُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِیرٌ فَمَنْ لَمْ یَجِدْ فَصِیامُ شَهْرَیْنِ مُتَتابِعَیْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ یَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّینَ مِسْکِیناً فجعل اللّه عقوبة من ظاهر بعد النهی هذا و قال ذلِکَ لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تِلْکَ حُدُودُ اللّهِ فجعل اللّه عزّ و جلّ هذا حد الظهار.الحدیث.
و فی صحیحة أبان (1)
المصدر:حدیث 1.
و غیره عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال کان رجل علی عهد رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله یقال له أوس بن الصامت و کان تحته امرأة یقال لها خولة بنت المنذر.فقال لها:أیتها المرأة ما أظنک إلاَّ قد حرمت علیّ فجاءت إلی رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله فقالت یا رسول اللّه إن زوجی قال لی أنت علیّ کظهر أمی.و کان هذا القول فی ما مضی یحرم المرأة علی زوجها.فقال لها رسول اللّه صلَّی اللّه علیه و آله:ما أظنک إلاَّ و قد حرمت علیه فرفعت المرأة یدها إلی السماء فقالت:أشکو إلی اللّه فراق زوجی فأنزل اللّه یا محمد قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّتِی تُجادِلُکَ فِی زَوْجِها إلی آخر الحدیث.
و لنا علی هذین الخبرین الصحیحین عدة تعلیقات:
التعلیق الأول:قوله:قد کان هذا القول فی ما مضی یحرم المرأة علی زوجها هو من کلام الإمام علیه السلام فی الروایة و(فی ما مضی)و إن کان
1) 1)
یحتمل عدة معان.إلاَّ أن ظاهره هو التحریم فی حکم الجاهلیة.و هو العرف السائد فی البلد الذی بزغ فیه نور الإسلام.فهذا التحریم ناشئ من عقیدة دنیویة و لیس من دین سابق و لم یعرف عن المسیحیة و الیهودیة مثله.
التعلیق الثانی:إن الروایتین و إن اختلفتا فی بعض التفاصیل إلاَّ أن الاختلاف لیس جوهریا و هما تشیران إلی واقعة واحدة جزما إلاَّ أن کلا منها اختار بیان بعض ما قالته الزوجة أو الزوج أو النبی صلَّی اللّه علیه و آله حول ذلک فلیس بینهما تنافی من هذه الناحیة.
التعلیق الثالث:إن سیاق کلتا الروایتین واضح جدا فی صدور هذا الکلام من الزوج أمام زوجته بدون شاهدین عدلین بحیث لو أردنا تقیدهما بذلک لکان حملا غیر عرفی.و معه یقع التعارض بینها و بین ما دل علی لزوم وجود الشاهدین فی نفوذ الظهار و تأثیره و سیأتی بعض الکلام عن ذلک و المهم هو الانتباه إلی ذلک من الآن.
التعلیق الرابع:إن القرآن الکریم سمی کلام المرأة مع النبی صلَّی اللّه علیه و آله تارة مجادلة و أخری تحاور.و هذا فی ما نفهم حفظ للجهة البلاغیة للتعبیر إذ لو کان کلا اللفظین من مادة واحدة لکان سمجا لا محالة مع العلم أن کلا المفهومین أعنی المجادلة و التحاور صادق فی المورد کل من زاویة وجهة النظر.
فإننا إذا نظرنا إلی ذلک بصفته کلاما متبادلا بینهما فهو تحاور أو محاورة و إذا نظرنا إلیه بصفته نقاشا یرد کل منهما علی صاحبه بمعنی أنه یحاول أن لا یأخذ بمضمون کلامه فهو جدال أو مجادلة.و هذا واضح من کلام النبی صلَّی اللّه علیه و آله من أنه لم ینزل علیّ فی ذلک قرآن أقضی به بینکما.ورد الزوجة التی لم تکتف بهذا الجواب بالشکوی إلی اللّه سبحانه عن زوجها.إذن فالجدال صادق لا محالة.
التعلیق الخامس:إن ظاهر صحیحة حمران أن الغفران الموعود فی الآیة خاص بالرجل الأول الذی صدر منه الظهار فی الإسلام و لیس عاما لکل أحد.
و أما غیره فیکون کلامه حراما بصفته (مُنْکَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً) و علیه کفارة فی حین أنه من الواضح أن النبی صلَّی اللّه علیه و آله لم یطلب من الرجل الأول دفع الکفارة نتیجة للعفو عنه.
و قد یقال إن ظاهر الآیة الکریمة العفو عن کل زوج مظاهر لزوجته و ظاهر القرآن مقدم علی ظاهر الخبر بمقتضی القاعدة فیکون کل ظهار مغتفرا.
و قد یجاب علی ذلک بأن هذا الظاهر و إن کان صحیحا إلاَّ أن فی الآیة الکریمة قرائن تدل علی التحریم أحدها کون القول منکرا و زورا و ثانیها جعل الکفارة علیه فی الآیة اللاحقة.
إلاَّ أن کلا هاتین القرینتین لا تخلوان من نقاش إذ من المتعذر القول إن کل منکر من القول و زور حرام حتی لو اتبع بالعفو و الغفران.إذن فقد یکون هنا منکرا مغفورا استثناء من قاعدة الحرمة فی المنکر.کما أن وضع الکفارة لا تدل علی الحرمة فإنها لیست من قبیل الحدود و الدیات و التعزیرات التی لا تکون إلاَّ علی محرم و إن کان أغلب أسبابها من المحرمات علی أی حال.و اللّه العالم بالحال.
التعلیق السادس:دلت الآیة الکریمة و الروایات المعتبرة علی أن الظهار یحرم المرأة علی زوجها إلاَّ أن یدفع الکفارة و هی عتق رقبة فإن لم یجد فصیام شهرین متتابعین فإن لم یستطع فإطعام ستین مسکینا فإن تعذر علیه ذلک أیضا استغفر اللّه و کان ذلک کفارة له.
التعلیق السابع:فی محاولة التدقیق بصیغة الظهار.فقد تضمنت الصحیحتان السابقتان لفظ:أنت علیّ کظهر أمی و أضافت صحیحة حمران صیغة متقاربة بإضافة حرام:أنت حرام علیّ کظهر أمی.
و أول ما ینبغی الالتفات إلیه فی هذا الصدد،أن هذه الصیغة من الإیقاعات فی عرف الفقه،لأنها ذات طرف واحد.و لا حاجة فیها إلی طرفین أو إلی رضاء الزوجة.و کلما کان کذلک فهو إیقاع أعنی مما له أثر شرعی.
و مع الالتفات إلی أن المراد به تنزیل الزوجة منزلة الأم.فکما أن الأم حرام علی الولد،کذلک الزوجة تکون بمنزلتها.و الظهر هنا غیر مقصود بذاته و إنما المقصود ذات الأم بصفتها موضوعا للاستفادة الجنسیة،و هی حرام من هذه الناحیة.فکذلک الزوجة.
و لفظ الظهر مما اختاره العرف الجاهلی،و لعله لأجل مدخلیته فی نظرهم فی شکل المجامعة،حیث یکون الرجل فوق ظهر المرأة.فتکون الاستفادة من تلک الصیغة بناء علی ذلک:إن مجامعتک کمجامعة أمی.و حیث یتصف الثانی بالحرمة فکذلک الأول.
و علی أی حال،فمعنی الحرام متضمن فی العبارة لأنه تنزیل للزوجة بمنزلة الحرام،فتکون حراما.و هذا لا یفرق فیه بین أن یقول:أنت علیّ کظهر أمی.
أم یقول:أنت علیّ حرام کظهر أمی.فإن معنی الحرام موجود علی کل حال تقدیرا أو تصریحا.
و من الناحیة الفقهیة:لا ینبغی أن یقال:إن التصریح بلفظ الحرام هو الأولی.لأن الصیغة واردة بدونه فی الأخبار الصحیحة،و هذا کاف فقهیا لحجیتها و نفوذها،مضافا إلی ما عرفناه من کونها تتضمن نفس المعنی فعلا.
التعلیق الثامن:حول قوله تعالی إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِی وَلَدْنَهُمْ .
و قد جاءت هذه الجملة بصدد تکذیب صیغة الظهار و إنها لا تطابق الواقع، وَ إِنَّهُمْ لَیَقُولُونَ مُنْکَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً و إن المرأة لا تکون أما لمجرد دعوی الزوج أنها مثل أمه أو منزّلة منزلتها.بل تبقی الأم الحقیقیة الوالدة هی الأم،و لا یتغیر الواقع عما وقع علیه بمجرد الکلام. إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِی وَلَدْنَهُمْ .
و الظاهر من هذه العبارة إعطاء قاعدة عامة،مطبقة فی هذا المورد،و لیست خاصة بالمورد.إذن،فیمکن من الناحیة الفقهیة،تطبیقها فی موارد عدیدة، یمکن أن نمثل لها ببعض الأمثلة،و بعضها نسوقه لمجرد التوضیح:
المثال الأول:محل الکلام.من حیث إن الأم الحقیقیة لیست هی الزوجة.
و إنما هی الوالدة.نعم.بالإقرار الشرعی لهذه الصیغة أشبهتها فی الحرمة لا فی النسب.
المثال الثانی:التبنی.فلو تبنی زوجین شخصا أو طفلا و ربیاه،لم یکن الزوج أبا و لا الزوجة أما.لنفس القاعدة العامة إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِی وَلَدْنَهُمْ .و یجب إلحاق هذا الشخص نسبا بأبویه الواقعیین.
و الآیة و إن نصت علی أنب المرأة.إلاَّ أنه یمکن استفادة الرجل منها بالتجرید عن الخصوصیة.و إن کان لا یخلو من نقاش یطول الحدیث بذکره.
مضافا إلی قوله تعالی اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ذلک أزکی لکم!!!.فیجب أن ینسب الولد لوالده الحقیقی لا للرجل المتبنی.
المثال الثالث:الرضاع.فإنه لو لا صحة الأدلة علی اعتبار الرضاع کالنسب.
و إلاَّ فإن القاعدة العامة فی الآیة نافیة للأمومة الرضاعیة لأنها خالیة عن الولادة.
إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِی وَلَدْنَهُمْ .فالولادة ضروریة فی کون الأم أما.و المرضعة لم تلد.
إلاّ أن أدلة الرضاع کافیة فی الاستثناء من هذه القاعدة العامة.أو بتعبیر آخر:إن هذه القاعدة تنظر إلی الولادة الحقیقیة،و أدلة الرضاع تنظر إلی الأمومة التنزیلیة،فلا منافاة بینهما.
المثال الرابع:الربیب أو الربیبة.و هو اسم لابن الزوجة أو بنتها من رجل آخر.و کذلک بمعنی آخر أعم یصدق علی ابن الزوج أو بنته من امرأة أخری.
فإذا نظرنا إلی ابن الزوج،و تخیلنا أن زوجته الثانیة هل یمکن أن تصبح أما للولد أم لا.فإن الآیة الکریمة تنفی کونها أما. إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِی وَلَدْنَهُمْ .
و إذا نظرنا إلی ابن الزوجة،و تخیلنا أن الزوج هل یمکن أن یصبح والدا للولد.فإن الآیة الکریمة بعد التجرید عن الخصوصیة التی أشرنا إلیها فی المثال السابق تنفی ذلک.و کذلک قوله تعالی اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ .فهذا الولد إنما هو ابن والده الحقیقی و لیس ولدا لزوج أمه.
المثال الخامس:ما یسمی فی باب(التلقیح الصناعی)بالرحم المستأجرة، حیث یتم تلقیح البویضة للزوجین و إیداعها فی رحم امرأة أخری مستأجرة.
علی اعتبار أن المولود سیکون ابنا للزوجین لا للمرأة المستأجرة.و قد بحثنا فیما سبق هذه المسألة و غیرها فی فصل خاص بالتلقیح الصناعی فی کتاب النکاح فراجع.
و محل الشاهد هنا:أن القاعدة العامة المستفادة من الآیة الکریمة إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِی وَلَدْنَهُمْ تعطینا أن الولد هو للأم الوالدة ذات الرحم المستأجرة،لأن الولادة کانت لها عرفا لا للزوجة صاحبة البویضة.و إخراج البویضة لیست شکلا عرفیا للولادة.فالأب هو الزوج صاحب الحویمن و الأم هی الوالدة للولد.لا الزوجة.و هذا هو ما أفتی به سیدنا الأستاذ و هو الصحیح.
قالوا فی الفقه:إن صیغة الظهار بالرغم من کونها محرمة شرعا،إلاّ أن لها أثرا شرعیا و هی حرمة الزوجة علی زوجها.و لا تحل له بعد ذلک إلاّ بالکفارة التی عرفناها.
و یظهر من الأدلة أن وجوب دفع هذه الکفارة،و لیس حکما تعبدیا،و إنما هو حکم طریقی لتحلیل الزوجة،و العودة إلیها.فإن لم یرد العودة إلیها فلا حاجة إلی الکفارة.و الآیة مشعرة بذلک أیضا فی قوله مِنْ قَبْلِ أَنْ یَتَمَاسّا .فلو لم یریدا ذلک فلا حاجة إلی الکفارة.
و من قرائن ذلک فی الأدلة:أن الزوج إذا طلق زوجته بعد الظهار سقطت الکفارة،فإن رجع بها رجع وجوبها.
و الظهار یشبه الطلاق من حیث ما قاله الفقهاء من وجوب وجود شاهدین یسمعان الظهار،مضافا إلی عدم نفوذه عن الغضبان و الغالط و النائم و السکران و نحوهم.
إلاّ أن احتیاجه إلی شاهدین محل إشکال،و إن کان أحوط.فإنه إن استدل علیه بالإجماع و الشهرة،فهی هنا لیست بحجة،لأنها مدرکیة مستندة علی مدالیل الروایات.
و إن استدل علیه بالروایات،فأکثرها مطلق بل أشرنا إلی أن إطلاق بعضها غیر قابل للتقیید و لیس هنا إلاّ صحیحة عن حمران (1)
وسائل الشیعة ج 15 کتاب الظهار باب 2 حدیث 1 و [1]حدیث 3.
عن أبی جعفر علیه1) 1)
السلام یقول فیها:و لا یکون ظهار إلاّ فی طهر من غیر جماع بشهادة شاهدین مسلمین.
و هذا واضح المناقشة:لأنه لم یقل.بشاهدین عادلین.بل قال مسلمین.
و الإمام علیه السلام یعلم أنه لیس صفة الإسلام موازیا و ملازما لصفة العدالة، کما یعلم أن شهادة الشاهد غیر العادل لا أثر لها فقهیا،و مع ذلک فقد قال (مسلمین)مع العلم بذلک و الالتفات إلیه.و تقییده بالعادل،من الأدلة الأخری یکون من هذه الجهة غیر عرفی.
و علی تقدیر دلالتها فسوف یقع التعارض بینها و بین ما دلّ علی عدم الحاجة إلی الشاهد فی الظهار،کما سبق أن قربنا،و یکون المرجع عندئذ،هو أصالة عدم الاشتراط.إذن،فیبقی لزوم الشاهدین مبنیا علی الاحتیاط.إلاّ أن مقتضی الاحتیاط بالعکس هو نفوذه.فلو ظاهر الزوج بدون شاهدین کان مقتضی الاحتیاط حرمة الزوجة ما لم یکفر.
إلاّ أن هذه الصحیحة تبقی حجة فی اشتراط صحة الظهار بشرط الطلاق، و هو أن یکون واقعا فی طهر غیر مواقع فیه.فلو کانت المرأة حائضا و زوجها حاضر أو فی طهر مواقع فیه لم ینفذ الظهار.و لا أثر له.
نعم،الظهار لا یشبه الطلاق من حیث حاجته إلی العدة،فلا عدة فی الظهار.و لکن إذا وقعت المرأة أمرها إلی الحاکم الشرعی أمهل الزوج ثلاثة أشهر،و خیّره بین الطلاق و الکفارة.یعنی إما أن یدفع الکفارة فیعود إلیها و تحل له.و إما أن یطلقها لتحل لغیره من الرجال.فإن فعل فهو،و إن لم یفعل،فإن کان عاجزا عن خصال الکفارة جمیعا،کان الاستغفار کفارة له،و رجع إلیها.
و أما إذا لم یفعل عنادا و إضرارا بزوجته،طلق عنه الحاکم الشرعی.فتعتد عدة الطلاق.فإن کان طلاقا رجعیا کان له حق الرجوع،مع وجوب التکفیر.
و إلاّ فله أن یترکها حتی تخرج من عدتها،و تحل للأزواج.
فإن تزوجت بزوج آخر أو لم تتزوج إطلاقا.فلا کلام.و إن تزوجت به بعقد
جدید،فالأحوط بل الأظهر رجوع وجوب الکفارة علیه،و أنه لا یستطیع مقاربتها إلاّ بالکفارة.
و فی بعض الأخبار الصحاح:إن الظهار لا یکن إلاّ بالزوجة المدخول بها، فإن لم یکن مدخولا بها،بما فی ذلک الصغیرة التی یحرم الدخول بها،لم یکن ظهارها مؤثرا،بل مجرد لقلقة لسان.
قال اللّه تعالی (1)
البقرة:226-227. [1]
لِلَّذِینَ یُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ، فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ. وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِیعٌ عَلِیمٌ .و قوله تعالی یُؤْلُونَ أی یقسمون و یحلفون.و الألوة (2)بضم الهمزة و کسرها و فتحها و الألیة بفتح الهمزة و کسر اللام و تشدید الیاء.و الإلیا کله:
الیمین و الجمع.ألایا:و الفعل آلی یؤلی إیلاء:حلف.و کذلک تألی یتألی تألیا و ائتلی یأتلی ائتلاء.
و المقصود به الحلف علی ترک المواقعة.کما سیأتی المهم من تفاصیله،و هی تتعدی بنفسها.قالوا:و إنما عداه بمن حملا علی المعنی و هو الامتناع من الدخول،و هو یتعدی بمن.یقال:امتنع من کذا و عن کذا.
و معه فیکون المقصود الأولی من الآیة ما یلی:إن الذین یقومون بالحلف علی ترک مجامعة زوجاتهم،فلهم التربص و الانتظار مدة أربعة أشهر،و هذا حق لهم لا یجوز قبل نهایتها تحمیل أی شیء علیهم.فإن فاؤوا أی رجعوا إلی زوجاتهم فإن اللّه غفور رحیم. وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ بمعنی أن الخیار الثانی هو الطلاق،و لیس هناک خیار ثالث هو الترک للزوجة و الهجران لها.
و قوله تعالی عَزَمُوا الطَّلاقَ ،من العزیمة و هی الهمة و الإرادة.و هو یتعدی بالحرف عادة یقال:عزمت علی الشیء.إلاّ أن الحذف هنا علی تأویل الإرادة یعنی:أرادوا الطلاق،و هو یتعدی بنفسه.
و یمکن له تأویل آخر،و هو أن یکون عزموا بمعنی:أوجدوا و حققوا فعلا.
بقرینة المجاز و هی مشارفة العزم و الإرادة:علی إنجاز العمل و تحقیقه.و قولنا:
أوجدت أو حققت یتعدی بنفسه یقال:أوجدت کذا.و من هنا حذف الحرف من سیاق الآیة الکریمة.
و تحدید الأربعة أشهر هنا لیست جزافا،فإن الوارد فی عدد مهم من الروایات حتی تکاد تکون مستفیضة،لکنها موزعة فی کثیر من أبواب الفقه:إن المرأة تصبر عن زوجها أربعة أشهر،ثم لا تصبر أکثر من ذلک.
و من هنا جاء الحکم الفقهی الشرعی بوجوب إتیان الزوجة کل أربعة أشهر، و حرمة التأخیر أکثر من ذلک.
و معه یکون هذا الزوج المؤلی عن زوجته فی فسحة من أمره إلی أربعة أشهر.فإنها المدة التی تصبر معها المرأة:فإن صبرت أکثر من ذلک و غفرت له هجرانه،فذلک من حقها.و إن لم تصبر کان لها ذلک،و ترفع أمرها إلی الحاکم الشرعی،فیجبره علی الرجوع إلیها أو الطلاق،کما هو منصوص فی الآیة الکریمة.
هذا،و لو لا وجود الآیة الکریمة التی هی أول أدلة هذا الباب و أهمها.لولاها لکان مقتضی القاعدة بطلان الیمین بحیث لا یکون له أی أثر لأن اللازم فی الیمین کما هو محقق فی محله هو أن یکون متعلقة راجحا فی الدین أو الدنیا فلو کان متعلقة فاسدا أو متساوی الطرفین لم ینفذ الیمین فلا یجب ترک ما حلف علیه و لا یجب دفع کفارة.
و من المعلوم هنا أن ترک الزوجة أکثر من أربعة أشهر حرام و إن ترکها أقل من ذلک مرجوح لاستحباب إتیانها علی أی حال.فکیف یکون الیمین علیه نافذا و صحیحا بل مقتضی القاعدة أن الیمین علی الحرام حرام و إن لم یصرح أحد
بحرمة الإیلاء،إلاّ أن مقتضی القاعدة حرمته کالظهار و لیس هذا لکونه نافذا و صحیحا بل لکونه متضمنا للعزم علی فعل الحرام أو ترک الواجب و العزم القلبی وحده لا أثر له و لا حساب علیه ما لم یبیّن باللسان و هذا الیمین فی الإیلاء کاف فی إبراز و بیان هذا العزم القلبی فیکون حراما.
و الإنصاف أن مقتضی التدقیق فی الآیة الکریمة أنها لا تدل علی صحة هذا الیمین و حجیته بل لعلها دالة علی عدم حجیته بدلیل أنها أعطت الفرصة للزوج بأن یفیء و یرجع إلی زوجته و مقتضی إطلاقها عدم وجوب الکفارة و سیأتی الحدیث عن ذلک.و هذا معناه أنه یرجع إلی نفس العمل الذی أقسم علی ترکه و لا یکون قد فعل حراما إذن فالیمین لیست نافذة إذ لو کانت نافذة لکان رجوعه بدون کفارة حراما.
و إنما المهم الذی وقفت الآیة ضده أن یقف الزوج عند رأیه الذی حلف علیه و یهجر زوجته مدة أطول من أربعة أشهر فیکون هجرانا حراما.و من هنا تخیره الآیة کما یخیره الحاکم الشرعی بین الرجوع أو الطلاق لا أن یدع زوجته کالمعلقة لا تعلم عن أمر مستقبلها شیئا.
أما عن وجوب الکفارة فإن مقتضی إطلاق أکثر الأدلة من هذه الآیة و کثیر من الروایات عدم وجوبها.کما أننا أشرنا إلی أن مقتضی القاعدة عدم وجوبها أیضا باعتبار کون الیمین باطلة فی نفسها و لا أثر لها.
غیر أن بعض الروایات (1)
رواها فی وسائل الشیعة ج 15 أبواب الإیلاء باب 12 حدیث 3 و 4.
دلت علی وجوب الکفارة إلاّ أنها لا تخلو من نقاش فی سندها و لو تمت سندا لکان فی الإمکان معارضتها بما دلّ علی لزوم رجحان الیمین و منوطة ذلک فی صحته و نرجع بعد ذلک إلی أصالة البراءة عن الکفارة و تمام الکلام فی الفقه.1) 1)
قال الفقهاء:إن الإیلاء لا یصح إلاّ بالیمین باللّه سبحانه و تعالی فلو حلف علی نفس المضمون بغیر الأسماء الحسنی کأسماء الأنبیاء،و المعصومین لم یکن إیلاء و قالوا کما دلّت علیه الأدلة:إن الإیلاء لا یکون إلاّ بالزوجة المدخول بها و أما إذا لم تکن کذلک بما فیها الصغیرة التی یحرم الدخول بها فلا أثر للإیلاء منها.
و قالوا:إن المرأة إذا لم تصبر بعد الأربعة أشهر ترفع أمرها إلی الحاکم الشرعی.فیخیر الزوج بین العود إلی زوجته أو طلاقها.فإن عاد إلیها مع الکفارة علی المشهور فهو المطلوب و إن طلقها کان الطلاق محکوما بأحکامه الخاصة بما فیها کون عودته رجعیة أو بائنة.
و مقتضی القاعدة أن العدة إذا کانت رجعیة و اختار الرجوع فإن المشهور یجب أن یأمره بدفع الکفارة لأن القسم فی نفسه لا زال ساری المفعول علی الفرض.
و أما إذا أبی الزوج فلم یطلق و لم یرجع،فمقتضی القاعدة أن یطلق عنه الحاکم الشرعی لأنه ولی الممتنع.غیر أنه ورد فی عدد من الروایات بأن الحاکم یجبره علی الطلاق أو الرجوع بالسجن أو التضییق علیه فی المأکل و المشرب.
و قد عمل المشهور بهذه الروایات (1)
رواها فی وسائل الشیعة باب 9.
.إلاّ أنها لا تخلو من إشکال فی إسنادها بحیث لا تصفو منها روایة معتبرة.فإن قلنا:بأن عمل المشهور یجعل السند معتبرا،لزم القول بإجبار الزوج،و إن لم نقل به لزوم القول بحجیته طلاق الحاکم الشرعی،بعد وضوح حال الزوج من کونه غیر عازم علی الرجوع إلی زوجته،أو عازم علی عدمه.و علی أی حال،فسیأتی عن ذلک مزید من الکلام.فإننا ینبغی أن نلتفت فی هذا الصدد أن مبدأ الأربعة أشهر التی یمهله بها الحاکم الشرعی.فیه ثلاثة احتمالات علی الأقل:
1) 1)
أولا:إنها تحسب من حین آخر جماع له.
ثانیا:إنها تحسب من حین الیمین علی الترک.
ثالثا:إنها تحسب من حین ترفع الأمر إلی الحاکم.
و ظاهر الأدلة هو الثانی،کما سنقول،إلاّ أن مقتضی القاعدة هو الأول.
طبقا للقاعدة القائلة بحرمة ترک الزوجة أکثر من أربعة أشهر.
و یفرق الحال بین الاحتمالین،فیما لو أقسم أن لا یمسها بعد ثلاثة أشهر- مثلا-من حین مواقعتها.فإننا إن حسبنا أربعة أشهر بعد قسمه،کانت المدة علی الزوجة سبعة أشهر.
غیر أنه یمکن القول:إن ظاهر الأدلة هو الثانی،و هی تتضمن شکلا من أشکال العفو عن هذا التأخیر.أو قل:إنه یجب علی الزوج المبادرة إلی زوجته بعد مضی أربعة أشهر علی مجامعتها.و کلما ازداد زمانا ازداد حراما.غیر أن تکلیف الحاکم الشرعی هو أن لا یخیره بین الرجوع و الطلاق إلاّ بعد مضی أربعة أشهر علی الإیلاء نفسه،کما هو ظاهر الآیة الکریمة و عدد من الروایات.
و أما الاحتمال الثالث فلیس بشیء،و یحمل ما دل علیه علی الاحتمال الثانی،کما هو راجح،و واضح لمن یفکر.و لا حاجة إلی الدخول فی تفاصیله.
إذن،فالزوج غیر معفو عنه فی هذا التأخیر،و إنما الأربعة أشهر مرتبطة بتکلیف الحاکم الشرعی،و هو مجاز فی ذلک.
و معنی الذی قلناه:إن الزوجة لو رفعت أمرها إلی الحاکم بعد نهایة أربعة أشهر من الإیلاء،لم یجز له أی الحاکم أن یمهله أربعة أشهر أخری.بل یخیره فورا بین الرجوع أو الطلاق،باعتبار مضی المدة التی لا بد منها.
و أما سیدنا الأستاذ فقد أخذ بالاحتمال الثالث قائلا (1)
منهاج الصالحین ج 2 ص 338. [1]
:أنظره الحاکم إلی أربعة أشهر من حین المرافعة.1) 1)
و لعله یتمسک فی ذلک بصحیحة الحلبی (1)
وسائل الشیعة ج 15 أبواب الإیلاء باب 8 حدیث 1. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام و فیه یقول:فإنه یتربص به أربعة أشهر ثم یؤخذ بعد الأربعة فیوقف فإذا فاء و هو أن یصالح أهله فإن اللّه غفور رحیم.و إن لم یفئ أجبر علی الطلاق.و لا یقع بینهما طلاق حتی یوقف.و إن کان أیضا بعد الأربعة أشهر،ثم یجبر علی أن یفیء أو یطلق.و التربص المأمور به لمدة أربعة أشهر واضح فی السیاق أنه یبدأ من حین الإیلاء.إلاّ أنه قد یستدل علی الاحتمال الآخر بقوله:فیوقف و حتی یوقف.
و نفهم منه بقرینة بعض الروایات الأخری الدالة علی أن الحاکم ینظره لمدة أربعة أشهر أن المراد منها ذلک.و إن مضت مدة أربعة أشهر سابقه.
إلاّ أن هذا لعله أضعف الاحتمالات فی معنی هذه الکلمة:یوقف بل یمکن تفسیرها بمعان أخری کالوقوف أمام الحاکم للمرافعة،و نعنی به رفع الامرأة أمرها إلی الحاکم.أو یکون معناه:یسجن فإنه أحد المعانی المجازیة للإیقاف أو التوقیف بعد تعذر المعنی الحقیقی.
فیکون المراد من قوله:و لا یکون بینهما طلاق حتی یوقف هو ذلک.یعنی حتی ترفع أمرها أو حتی یسجن.
علما أن الروایات الأخری صالحة لتفسیر هذه الروایة،و أن المراد منها الإیقاف لیس هو التأجیل أربعة أشهر أخری.
منها:صحیحة برید بن معاویة قال (2):سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول فی الإیلاء:إذا آلی الرجل أن لا یقرب امرأته و لا یمسها و لا یجمع رأسه و رأسها فهو فی سعة ما لم تمض الأربعة أشهر.فإذا مضت أربعة أشهر وقف فإما أن یفیء فیمسها و إما یعزم علی الطلاق فیخلی عنها.
و هی واضحة بأن قوله:فأما إلخ شرح لقوله وقف.یعنی:وقف و طلب منه فورا أحد الأمرین.و معه یتعین أن یکون التأجیل من حین الإیلاء أو القسم.
علی أنه یجب علی الزوج أن یخاف اللّه عزّ و جلّ فلا یؤجل خیاره بین الأمرین أکثر من أربعة أشهر من حین المجامعة.
بقی شیء فی صحیحة الحلبی الأخیرة:فإنها دالة علی أن الزوج یجبر علی الطلاق،لا أن الحاکم یطلق عنه.و هی بصفتها معتبرة لا بدّ من الأخذ بها، غیر أنه بعد ضمها إلی ما دل علی أن الحاکم ولی الممتنع یمکن القول بالخیار للحاکم بین تطلیقها بنفسه أو بإجبار الزوج علیه.فإن أجبره نفذ الطلاق خروجا و استثناء من قاعدة بطلان طلاق المکره.
و علی أی حال،ففی الإمکان القول:إن تطلیق الحاکم أولی من هذه الناحیة لکونه اختیاریا.فلا ینافی تلک القاعدة بوجه أصلا.
یشترط فی صحة الإیلاء ما یشترط فی سائر المعاملات من کونه اختیاریا غیر مکره و لا فی حالة سکر أو نوم أو غلط أو غضب یخرجه عن شعوره.و لا یشترط أن یکون الإیلاء أمام شاهدین کالطلاق و کالظهار علی المشهور کما سمعنا.و لا تخرج المرأة عن الزوجیة بالإیلاء و لذا وجب علیه الطلاق إن لم یرد الرجوع إلیها.
و مقتضی القاعدة استمرار وجوب النفقة و غیرها من حقوق الزوجیة،کما یجب علیها هی أداء ما علیها من حقوق،و لو لاحتمال رجوعه أو لحمله علیه.
و إنما یختلف الإیلاء عن سائر المعاملات بأمرین محتملین:
الأمر الأول:وقوعه فی حال الغضب.فإنه عادة لا یقع إلاّ فی مثل تلک الحالة.فیقبل من الزوج حتی لو کان غاضبا.
غیر أنه یجب القول:بأن الغضب یجب أن لا یکون مخرجا له عن شعوره و اختیاره کما أشرنا فیما سبق.و إلاّ لم ینفذ الإیلاء أساسا.
الأمر الثانی:وقوعه للإضرار بالزوجة و إفساد حالها،لکی یکون إیلاء نافذا فقهیا.فلو وقع للإصلاح لم یکن إیلاء.
هکذا قالوا و قد وردت فیه بعض الروایات.إلاّ أننا علمنا أن القسم الذی یقوله الزوج لا یترتب علیه أی أثر شرعی بالنسبة إلیه.بل یبقی من الواجب أن یأتی امرأته کل أربعة أشهر.و هذا لا یفرق فیه بین أن یکون للإصلاح أو الإفساد.فهل أنه إذا کان للإصلاح جاز له تأخیر الأمر،أکثر من تلک المدة.قد یکون ذلک أحیانا و ذلک:عند المزاحمة شرعا مع حکم أهم فی الشریعة.
بحیث یصبح ترک الزوجة راجحا،فیکون القسم علیه نافذا حقیقة.
غیر أن هذا:فرض نادر،و ظاهر قولهم فی الروایات:إن الإیلاء للإصلاح لیس بشیء:إن القسم فیه غیر نافذ.لا أنه یکون نافذا و یکون أسوأ حالا من القسم الذی أرید به الإضرار.و معه:فالقسم فی کلا الحالین غیر نافذ.
و إنما الفرق بینهما فی رفع الأمر إلی الحاکم الشرعی.فعند الإضرار یجوز ذلک،بینما هو فی الإصلاح لا مبرر له.
قال اللّه سبحانه (1)
سورة النور:الآیات:4 و 6-13. [1]
وَ الَّذِینَ یَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ یَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِینَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِکَ هُمُ الْفاسِقُونَ .وَ الَّذِینَ یَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَ لَمْ یَکُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِینَ، وَ الْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَیْهِ إِنْ کانَ مِنَ الْکاذِبِینَ. وَ یَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْکاذِبِینَ، وَ الْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللّهِ عَلَیْها إِنْ کانَ مِنَ الصّادِقِینَ. وَ لَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَیْکُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اللّهَ تَوّابٌ حَکِیمٌ .
إِنَّ الَّذِینَ جاؤُ بِالْإِفْکِ عُصْبَةٌ مِنْکُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَکُمْ بَلْ هُوَ خَیْرٌ لَکُمْ.لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اکْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ.وَ الَّذِی تَوَلّی کِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِیمٌ .
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَیْراً وَ قالُوا هذا إِفْکٌ مُبِینٌ.
لَوْ لا جاؤُ عَلَیْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ.فَإِذْ لَمْ یَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِکَ عِنْدَ اللّهِ هُمُ الْکاذِبُونَ .
إلی آخر الآیات الکریمة.و قد نقلنا عددا منها لتکون محل الشاهد فی الکلام.و أما ما یختص باللعان فهو قسم منها سیأتی توضیحه.
1) 1)
و إیضاحا لفکرة اللعان و بیان کیفیة قیام رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله به، ننقل هذه الروایة:
و هی صحیحة عبد الرحمن بن الحجاج قال (1)
وسائل الشیعة ج 15 کتاب اللعان باب 1 حدیث 1. [1]
:إن عباد البصری سأل أبا عبد اللّه علیه السلام و أنا عنده حاضر:کیف یلاعن الرجل المرأة.فقال:إن رجلا من المسلمین أتی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله فقال:یا رسول اللّه، أ رأیت لو أن رجلا دخل منزله فرأی مع امرأته رجلا یجامعها ما کان یصنع.فأعرض عنه رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله فانصرف الرجل.و کان ذلک الرجل هو الذی ابتلی مع امرأته.قال:فنزل الوحی من عند اللّه بالحکم فیها.
قال:فأرسل رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله إلی ذلک الرجل فدعاه.فقال:أنت الذی رأیت مع امرأتک رجلا.فقال:نعم.فقال:انطلق فأتنی بامرأتک.فإن اللّه عزّ و جلّ قد أنزل الحکم فیک و فیها.
قال:فأحضرها زوجها.فوقفها رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و قال للزوج:
اشهد أربع شهادات باللّه إنک لمن الصادقین فیما رمیتها به.قال:فشهد.ثم قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله:أمسک و وعظه.ثم قال:اتق اللّه فإن لعنة اللّه شدیدة.ثم قال:أشهد أن لعنة اللّه علیک إن کنت من الکاذبین.قال:فشهد فأمر به فنحّی.
ثم قال للمرأة اشهدی أربع شهادات باللّه أن زوجک لمن الکاذبین فیما رماک به.قال:فشهدت.ثم قال لها:أمسکی.فوعظها ثم قال لها:اتق اللّه فإن غضب اللّه شدید.ثم قال لها:اشهدی الخامسة أن غضب اللّه علیک إن کان زوجک من الصادقین فیما رماک به.قال:فشهدت.
قال:ففرق بینهما.و قال لهما:لا تجتمعان بنکاح أبدا بعد ما تلاعنتما.
أقول:و قد تکررت مادة(الرمی)فی الآیة الکریمة و فی الروایة.و المراد به:
الاتهام بالزنا أو اللواط.لا علی وجه الاحتمال بل علی وجه الیقین و هو معنی الإخبار بأن فلانا زنی أو لاط و هکذا.و قد یسمی فی لغة الفقهاء بالقذف أیضا.
1) 1)
و هو متضمن لنفس الفکرة تشبیها له بقذف الحجر أو رمیه،من حیث یتضمن رمی الاتهام علی الغیر.
و الرمی أو القذف حرام بنص القرآن الکریم.کما سمعنا من الآیات و التی تقول اَلَّذِینَ یَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ یَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلی قوله وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً.وَ أُولئِکَ هُمُ الْفاسِقُونَ .ثم یقول اَلَّذِینَ جاؤُ بِالْإِفْکِ إلی قوله وَ الَّذِی تَوَلّی کِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِیمٌ .
کل ذلک للتستر علی المجتمع المسلم و أفراده.و من هنا یأتی قوله تعالی:
إِنَّ الَّذِینَ یُحِبُّونَ أَنْ تَشِیعَ الْفاحِشَةُ فِی الَّذِینَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِیمٌ فِی الدُّنْیا وَ الْآخِرَةِ وَ اللّهُ یَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (1)
سورة النور:آیة(19). [1]
.و المفهوم عرفا من شیاع الفاحشة شیاع ذکرها و اتهام الناس بها و لیس أصل وجودها و إن کان ذلک أعظم حرمة عند اللّه عزّ و جلّ.و من هنا أیضا قوله تعالی لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَیْراً وَ قالُوا هذا إِفْکٌ مُبِینٌ .و قد سمی القذف إفکا و أمر المؤمنین أن یظنوا بأنفسهم خیرا.و المراد به أن یظن بعضهم ببعض خیرا،و لا یصدقوا الاتهامات التی توجه إلیهم.
و الآیات الواردة فی الإفک و إن ذکروا لها سببا للنزول و موردا خاصا،إلاّ أن الفقهاء قالوا:إن المورد لا یخصص الوارد.و قال المفسرون بمضمون الروایات المعتبرة أن القرآن یجری فی الناس مجری الشمس و القمر و لو کان القرآن خاصا بمورد فمات أهله لمات القرآن.و معنی ذلک أن القرآن حی لا یموت مدی الدهر بما أنه منزل من الحی الذی لا یموت.و القذف حرام سواء کان للزوجة أو غیرها غیر أنه إذا کان لغیر الزوجة تسبب فی الحکم الشرعی لإقامة الحد علی القاذف و إذا کان متوجها للزوجة کان سببا فی الحکم الشرعی باللعان الذی عقدنا هذا الفصل لبیانه و هو مبین بظهور الآیة الکریمة و الروایات التی سمعناها،فلا حاجة إلی التکرار.
1) 1)
و قد التزم الفقهاء بناء علی الأخبار الصحیحة و الاحتیاط بالفروج أن یقول الزوجان المتلاعنان نفس النص القرآنی مطبقا له علی نفسه أعنی مع تبدیل الضمیر الغائب بضمیر المتکلم و لا یقبل فی اللعان النقل بالمعنی.فمثلا أَنَّ غَضَبَ اللّهِ و لَعْنَتَ اللّهِ مرجعهما فی المعنی إلی شیء متشابه.غیر أن الأول وارد للرجل و الثانی وارد للمرأة و لا یجوز تبدیلهما فإن حصل مثل هذا أو نحوه لم یکن لعانا و کان مقتضی الأصل بقاء الزوجیة بین الزوجین.
فی فهم الآیة الکریمة:
و إذا حاولنا أن نفهم الآیة الکریمة الواردة فی اللعان کان اللازم أن نتکلم ضمن النواحی الآتیة:
الناحیة الأولی:إن الآیة الکریمة تقول لَمْ یَکُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ و هذا یستفاد منه عدة أمور:
الأمر الأول:إنه لا فرق فی القذف و حرمته بین أن یکون فی الشارع أو فی مورد القضاء.إذ قد یخطر فی البال أن القذف الحرام هو الشتم به فی الشارع و نحوه.و أما ما یکون أمام القضاء فإنه یکون کلاما محترما لا قذفا.
غیر أن هذا مما تنفیه الآیة بوضوح لأن موردها هو القذف أمام القاضی أو الحاکم فإن تقدیم الشاهد إنما یکون أمامه و مع ذلک فقد نصت الآیة علی حرمته.
الأمر الثانی:إن القذف لا یکون صادقا إلاّ مع عدم الشهود المثبتین لصدقه فإن وجد الشهود علمنا بالحجة الشرعیة کون القاذف صادقا فی قوله و معه لا ینطبق علیه وجوب الحد بل یجب إقامته الحد علی المقذوف.
و هذا معناه أن القذف إنما یکون قذفا محرما فیما إذا لم یکن مطابقا للواقع، و إذا کان محتمل الصدق و الکذب شرعا.بمعنی أنه خال من الإثبات الشرعی لصدقه.إذ مع وجود هذا الإثبات لا یعد قذفا.
الأمر الثالث:إن اللعان إنما یمکن تحقیقه مع عدم وجود الشهود و أما مع وجودهم فلا لعان أصلا.و لذا جاء فی موضوع حکم اللعان أنه لَمْ یَکُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ .فهو یتضمن قذفا للزوجة من قبل زوجها خالیا عن الشهود.
الأمر الثالث:إن اللعان إنما یمکن تحقیقه مع عدم وجود الشهود و أما مع وجودهم فلا لعان أصلا.و لذا جاء فی موضوع حکم اللعان أنه لَمْ یَکُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ .فهو یتضمن قذفا للزوجة من قبل زوجها خالیا عن الشهود.
الأمر الرابع:إن الإنسان قد یمکن أن یشهد لنفسه و هذا هو المفهوم من قوله وَ لَمْ یَکُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ .إذ لو أرید عدم الشهود فقط لکان الاستثناء لاغیا.و کفی قوله وَ لَمْ یَکُنْ لَهُمْ شُهَداءُ .
و الإنسان یشهد لنفسه دائما،حین یتکلم فی مصلحة نفسه،لا یخلو فرد منا من التکلم فی مصلحة نفسه.کل ما فی الأمر أن مثل هذا الأسلوب من الکلام غیر مسموع قضائیا غالبا،إلاّ فی موارد قلیلة.منها مورد اللعان بشرط اقترانه بالشهادات الخمس.فی حین أن القذف لغیر الزوجة مع عدم الشاهد،لا یفید فی إثباته الشهادات الخمس.
و هذا لیس نادرا أو وحیدا فی الفقه بل هناک شیء من الموارد أیضا یقال فقهیا عادة بقبوله من المتکلم و إن کان فی مصلحته.و یجمعها عنوان:ما لا یمکن اطلاع الآخرین علیه.
فمثلا یقبل قول المرأة:أنها معتدة أو لا.و إنها متزوجة أو لا.و إنها حامل أو لا.و إنها حائض أو لا.و الأهم:إنه یقبل منها نفی هذه الأمور لأنها مما لا یعرف عادة إلاّ منها.
و کذلک یقبل قول الفرد فی التصرفات أو المعاملات التی لا یجب فیها الشهود،بل ینفذ فیها قوله رأسا.کفسخ البیع أو الهبة أو الوکالة و غیرها.
کما یقبل قول الفرد فیما إذا کان مقترنا بالاستصحاب أو نحوه من الأصول المثبتة،أو کان قوله أوفق بالاحتیاط عملیا أعنی فی ذلک المورد.مثاله:ما إذا ادعی الفقر أو الملک لدار مثلا.
إذن،فهناک موارد عدیدة،تقبل فیها شهادة الفرد لنفسه.و لیس اللعان وحیدا فی ذلک.کما أن التعبیر القرآنی:بالشهداء لأنفسهم لیس مجازیا بل حقیقیا.
الناحیة الثانیة:فی شرط الشهادة فی اللعان.
و فلسفته،بحسب فهمی إبدال الشهود الأربعة فی القذف بالشهادات الأربع فی اللعان.فإن دلالة قول کل شاهد من الأربعة هو صدق القاذف فیما یقول.
و کذلک تکون کل شهادة یؤدیها إنما هی تأکید علی صدق قوله مقرونا بما یشبه القسم باللّه علی ذلک.
و أما الخامسة،فهی زیادة فی التأکید،و تصریح بما هو ضمنی زیادة لتخویف المتکلم بها و من ثم مضاعفة أهمیة القسم لدیه من الناحیة النفسیة.
و واضح أن کل من یشهد أربع شهادات باللّه علی صدقه،و هو فی الواقع کاذب.فعلیه اللعنة و العذاب،و هذا موجود واقعا و ضمنا إلاّ أن التصریح به، یحتوی علی مضاعفة فی أهمیة القسم.
فإذا شهد الرجل الشهادات الخمس ثبت فی ظاهر الشرع بأن المرأة عاصیة، مضافا إلی ثبوت صدق القاذف.و إذا ثبت صدق القاذف فإنه لا یحد و یتحول الحد إلی المقذوف بصفته عاصیا.
و نفهم بوضوح من قوله تعالی وَ یَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ :إن المرأة إن نکلت عن الشهادات الخمس المنوطة بها فإنها تحد حد الزنا إن کانت التهمة تهمة الزنا.
و مقتضی القاعدة الأولیة هو إمکان تجرید المورد عن الخصوصیة،فیصبح کل قاذف یمکنه أن یؤدی الشهادات الخمس،فیثبت صدقه،و یسقط الحد عنه و یثبت فی عهدة المقذوف.
إلاّ أن هذا غیر محتمل شرعا.لاحتمال أن یکون للزوجة دخلا فی الحکمة فی قبول الشهادات الخمس من القاذف.و إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
بل مقتضی القاعدة الأولیة بالعکس،و هو عدم کفایة هذه الشهادات الخمس فی إقامة الحد حتی علی الزوجة فضلا عن غیرها.و إنما یحتاج ذلک إلی الشهود خاصة.لکننا خرجنا عن هذه القاعدة فی خصوص الزوجة حین قال جلّ جلاله: وَ یَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ .الذی نفهم منه وقوع العذاب و هو الحد بدونه.
و من هنا اتضح من الآیة أن الشهادات الخمس التی تؤدیها المرأة إنما هی لدرأ العذاب عنها.
و قد یخطر فی الذهن،تطبیق ما یشبه الذی قلناه من حیث إمکان التجرید عن الخصوصیة.و ینتج:أن کل مقذوف له أن یشهد مثل هذه الشهادة لیدرأ عن نفسه الحد.إلاّ أننا قلنا إن هذا غیر محتمل فقهیا و شرعا،و إنما الأمر خاص بالزوجین.
و لو کان فی الإمکان شرعا أن تبدأ الزوجة بهذه الشهادات،لأمکن أن یثبت بها کذب زوجها القاذف.الأمر الذی یتعین معها إقامة الحد علیه.
إلاّ أن هذا غیر محتمل فقهیا و شرعا أیضا فإن اللعان أمر متعلق بالفرج، فیکون مشمولا للاحتیاط فیها الأمر الذی ینتج أن تسیر حادثة اللعان کما هو مسطور فی القرآن الکریم،بدون تحریف فی اللفظ و لا اختلاف فی الترتیب.
و معنی حفظ الترتیب عدم إمکان تقدیم کلام المرأة علی کلام الرجل.
علی أن القذف بمجرده سبب لإقامة الحد،و لا یحتاج لإقامة الشهادات الأربع أو الخمس ضده.و إنما یستطیع الزوج فی اللعان أن یدرأ عن نفسه حد القاذف بها،کما تستطیع الزوجة أن تدرأ عن نفسها حد الزنا بها أیضا.
نعم التجرید عن الخصوصیة فی بعض الألفاظ أمر ممکن علی القاعدة.فإن قصدنا منها الضمائر کان هذا التغییر ضروریا.کما سبق أن أشرنا.و إن قصدنا منه الإتیان بألفاظ أخری مرادفة أو قریبة فی اللغة العربیة،أو التحدث باللغة العامیة أو غیر العربیة أیا کانت.فلا یبعد إمکان القول به.
و کونه مخالفا للاحتیاط فی الفروج،و إن کان صحیحا،إلاّ أن الدلیل إن قام علی خلاف هذا الاحتیاط أخذنا به فقهیا.و الفهم العرفی للآیة الکریمة و کل آیة،و هو المتعین دائما و هو یقتضی التجرید عن الخصوصیة بالمقدار الذی قلناه.
فتکون الآیة بنفسها حالة علمیة.و بها نخرج عن استصحاب حکم الحد علیه أو علیها.
الناحیة الثالثة:فی بعض أحکام اللعان:
و المهم منها ثلاثة بعد العلم أننا فی هذا الکتاب لا نتعرض لکل التفاصیل الفقهیة.
و هذه الأحکام الثلاثة هی باختصار:
1-ورود اللعان لنفی الولد.
2-لو أکذب الملاعن نفسه.
3-ورود اللعان بعد موت الزوجة.
و الکلام حول ذلک باعتدال أن نقول تحت العناوین التالیة:
بالرغم من أن الآیة الکریمة تورد اللعان فی مورد الزنا.فإنه من الناحیة المنطقیة یمکن سریان ذلک إلی موردین آخرین.بعد العلم أن الآیة الکریمة لا مفهوم لها من حیث نفی صحته فی الموارد الأخری.فما دل من الأدلة علی ثبوته فی تلک الموارد لا ینافی فی الآیة الکریمة.
و هذان الموردان هما:
1-المساحقة.
2-نفی الولد.
أما المساحقة فلا لعان فیها بالرغم من أنها تعتبر فجورا علی حد الزنا.إلاّ أنها تفترق عنه بأنها تقع بین امرأتین و الزنا بین الجنسین.
أما الدلیل علی عدم ورود اللعان أو وجوده فی المساحقة،فیکفی عدم الدلیل علیه فیها.لأن إنتاجه لآثاره و نتائجه کالحرمة المؤبدة للزوجة و درأ الحد عنه و عنها یحتاج إلی دلیل،و حیث لا دلیل فی هذا المورد.فلا حجیة للعان فیه.و التجرید عن الخصوصیة من الزنا إلی المساحقة غیر ممکن عرفا و شرعا لاحتمال الفرق وجدانا.
نعم،لو أنتجت المساحقة الشک فی الولد أو العلم بعدم انتسابه،من باب سبق المنی من المرأة الأخری إلی امرأته خلالها.کان للزوج أن یلاعن الزوجة علی نفی الولد کما سنقول.
فالمهم فی اللعان هو وجوده لنفی الولد کما هو وارد فی الزنا.غیر أن مورد الزنا مذکور فی القرآن الکریم و مورد نفی الولد مذکور فی السنة الشریفة.
کصحیحة الحلبی (1)
وسائل الشیعة أبواب اللعان.باب 6 حدیث 2. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی رجل لاعن امرأته و هی حبلی ثم ادعی ولدها بعد ما ولدت و زعم أنه منه،قال:یرد إلیه الولد.و لا یجلد لأنه قد مضی التلاعن.نعم ورد فی عدد من الروایات (2)أنه(لا یکون اللعان إلاّ بنفی الولد)و هذا معناه انحصار اللعان فی هذا المورد بحیث لا یکون فی مورد الزنا.
و الجواب من ذلک:
أولا:الخدشة فی إسناد تلک الروایات،فإنها جمیعا لا یخلو إسنادها من ضعف.
ثانیا:إن تلک الروایات حتی لو کانت تامة السند،فإنها معارضة لنص القرآن الکریم فی ثبوت اللعان فی مورد الزنا،فتسقط عن الحجیة من هذه الناحیة.و بتعبیر آخر:إن لهذه الروایات مدلولین:
المدلول الأول:ثبوت اللعان مع نفی الولد.و هذا لا ینافی الآیة الکریمة، لعدم دلالة الآیة علی خلاف ذلک،کما أسلفنا.فیبقی هذا المدلول علی الحجیة،لأن مقتضی القاعدة کما قلنا فی غضون هذا الکتاب أن سقوط الروایة فی بعض مدالیلها عن الحجیة لا یعنی سقوط المدالیل الأخری.
المدلول الآخر:انحصار مورد اللعان فی نفی الولد،بحیث ینفی المورد الآخر.و هو المفهوم من الحصر الوارد فی العبارة.(لا یکون اللعان إلاّ بنفی الولد).و هذا المفهوم(مفهوم الحصر)لا یمکن الأخذ به لتعارضه مع الکتاب الکریم فلا یکون حجة کما قلنا.
و نتیجة ذلک هو ثبوت اللعان فی مورد الزنا و مورد نفی الولد معا دون غیرهما.
الزوج أو الزوجة المشترکان فی الملاعنة أو التلاعن.قد یحصل لهما البداء
لسبب من الأسباب فیقول أحدهما ما ینافی من کلامه حال الملاعنة.و معناه أنه یکذب نفسه.یعنی أنه یکذب الدعوی التی لاعن علیها زوجته.
و هذا التکذیب إما أن یکون من الزوج أو الزوجة.و علی کلا الحالین فإما أن یکون قبل اللعان أو خلاله أو بعده.و لو کان المکذب نفسه هو الزوج،فإما أن یکون اللعان للزنا أو لنفی الولد.فهنا عدة صور نتکلم فی أهمها:
الصورة الأولی:أن یکون المکذب نفسه هو الزوج قبل اللعان.و هنا معناه أنه قذف زوجته و أراد أن یلاعنها ثم نکل عن ذلک.و حکمه أن یجلد حد القذف.
الصورة الثانیة:هی الأولی مع نکول الزوج خلال اللعان.و هی لا تفرق فی الحکم عن الأولی لأن اللعان إنما ینتج نتیجته إذا تم.و أما إذا أعرض الزوج عن بعض الشهادات الأربع أو عن الشهادة الخامسة.فاللعان إذن لم یحصل بتمامه فیترتب علیه الحکم بالجلد.
و ینبغی الالتفات إلی أن هذا الحکم خاص بما إذا کان مورد اللعان هو الزنا و لیس نفی الولد.لأن نفیه لا ینتج القذف لاحتمال کونه شبهة من شخص آخر.فلا یکون قذفا موجبا للحد.
الصورة الثالثة:أن یکذب الرجل نفسه بعد اللعان و کان اللعان علی الزنا.
و اللعان بعد إتمامه یکون قد أنتج الرحمة المؤبدة فلا تعود الزوجیة بهذا التکذیب.
الصورة الرابعة:أن یکون تکذیب الزوج لنفسه بعد اللعان،و یکون اللعان علی نفی الولد.
و هذا معناه أن الزوج یقول:إن الولد ولدی.
و مقتضی القاعدة،و قد نطقت به الروایات أیضا:أن اللعان حیث أنتج قبل التکذیب نفی الولد و انقطاع الإرث بینهما من الطرفین و سقوط حق الحضانة و نحوها.فإن هذا التکذیب ینتج رجوع الحقوق التی تکون تحمیلا علی الوالد الملاعن دون غیرها.بمعنی أن حقوق الولد علی والده ترجع،دون حقوق الوالد علی ولده.
و هذا معناه:أن الولد یرث أباه و تجب علی الأب النفقة علیه.لأن هذا التکذیب إقرار بالولد.و إقرار العقلاء علی أنفسهم جائز.
بخلاف الحقوق عن الطرف الآخر:فلا یرث الوالد ولده.بل یکون إرثه فی أخواله.کما نصت علی ذلک الروایات.فیبقی مع الأب و أهله منقطعا، و یستمر مع الأم و أهلها.
مضافا إلی الأحکام الأخری للوالد علی الولد،فإن مقتضی القاعدة استمرار انقطاعها،کوجوب الطاعة إن قلنا به أو وجوب الاحترام.و إنه لا ربا بین الوالد و ولده لو قلنا به.فیجوز للابن أن یأخذ الربا من أبیه.و لا یجوز للأب أن یأخذ الربا من الابن.و هکذا.
الصورة الخامسة:أن تکذب المرأة نفسها بعد اللعان.و یکون اللعان للزنا.
و هذا معناه أنها تعترف بالزنا،فیجب إقامة الحد علیها.إلاّ أن الحرمة المؤبدة الناتجة من اللعان تستمر و لا نافی لها فقهیا.
الصورة السادسة:نفس السابقة إلاّ أن التکذیب أثناء اللعان.
و معناه أیضا اعتراف المرأة بالزنا فتحد.إلاّ أن اللعان لا یکون تاما لینتج الحرمة،فتبقی زوجة له.
الصورة السابعة:أن تکذب المرأة نفسها خلال اللعان و یکون اللعان لنفی الولد.
و معناه:أنها تعترف أن الولد لیس بولده.و هذا لیس معناه إقرارها بالزنا للفرق بین الأمرین کما سبق.
غیر أن اللعان لا یکون قد تمّ لینتج الحرمة المؤبدة بین الزوجین أو نفی الولد.
فیبقی الولد و الزوجة علی حالهما الأول شرعا.نعم یترتب علی اعتراف الزوجة ما یکون تحمیلا علیها من الأحکام لو وجد.
و هذا نفسه نقوله،فیما لو کذبت نفسها قبل اللعان.
الصورة الثامنة:نفس السابقة إلاّ أن التکذیب بعد اللعان.
و یکون اللعان قد أنتج نتیجته من الحرمة المؤبدة و نفی الولد.و مقتضی
اعترافها هو نفی الولد أیضا.فیبقی الحال کما هو الناتج من اللعان و لا تستحق جلدا علی الزنا لأن اعترافها بنفی الولد لیس اعترافا بالزنا کما سبق.
مقتضی القاعدة أن الزوج لو قذف زوجته و عزم علی لعانها ثم ماتت الزوجة.فلا یبقی للعان مورد.و إنما یجلد الزوج بحد القذف.
إلاّ أن الروایات نطقت بخلاف ذلک.حیث أعطت للزوج فرصة اللعان مع بعض أقرباء الزوجة إن کانوا أو کان بعضهم مستعدون له.فإذا تمّ اللعان انقطع الإرث بین الزوج و الزوجة المیتة.
کصحیحة أبی بصیر (1)
المصدر:باب 15 حدیث 1. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام و یقول فیها:إن قام رجل من أهلها مقامها فلاعنه،فلا میراث له.و إن أبی أحد من أولیائها أن یقوم مقامها أخذ المیراث زوجها.و فی روایة أخری (2):إن الزوج(یخیّر واحدة من ثنتین)یقال له:إن شئت ألزمت نفسک الذنب فیقام علیک الحد و تعطی المیراث.و إن شئت أقررت فلاعنت أدنی قرابتها و لا میراث لک.
و الروایة الثانیة و إن لم تتم سندا،إلاّ أن مدلولها هو مقتضی القاعدة فقهیا.
و علی أی حال فمقتضی القاعدة أن القائم باللعان من طرف الزوجة هو ولیها أو وصیها،فإن لم یکن هناک ولی من أهلها فالحاکم الشرعی.
غیر أن مقتضی ظاهر الصحیحة اختصاص الملاعنة بأهل الزوجة.و هذا یخرج الوصی و الحاکم الشرعی إن لم یکونا منهم و مقتضی ظاهر الصحیحة حجة.
إلاّ أن القرینة التی یمکن بها تطبیق الصحیحة علی القاعدة،و رفع التنافی بینهما هو قوله:أحد من أولیائها،الدال علی ضرورة کون الملاعن ولیا فی الجملة،کما هو مقتضی القاعدة أیضا.
و هذا معناه القیام بأحد أمرین أو نتیجتین:
النتیجة الأولی:أن نقول:إن القائم باللعان یجب أن یتصف بأمرین:
أحدهما:کونه من أهل الزوجة و ثانیهما:أن یکون ولیا،فلو تخلفت إحدی الصفتین لم یکن له الحق فی ذلک.
النتیجة الثانیة:إن نقول:إن أیا من تلک الصفتین کافیة فی ثبوت حق اللعان للفرد.فإما أن یکون هو من أهل الزوجة،کما نطقت به الصحیحة و إما أن یکون ولیا و لو لم یکن من أهلها کما هو مقتضی القاعدة و أیدته الصحیحة أیضا.
و الظاهر هو الثانی،و إن کان الأول أحوط علی أی حال.و تمام الکلام فی الفقه.
و نحن الآن و إن لم نتعرض إلی کل أحکام اللعان إلاّ أن الظاهر أن فی ما ذکرناه کفایة تغنی عن إطالة الحدیث.
و بانتهاء الکلام عن اللعان ینتهی الکلام فقهیا عن الطلاق و الملحقات به.و به ینتهی الکلام عن أحکام الأسرة من النکاح و الطلاق و ما یرتبط بهما.
و الحمد للّه رب العالمین.