ghaemiyeh.com
عنوان: ماوراء الفقه / محمد صدر
ناشر: دار الأضواء
مکان نشر: لبنان - بیروت
زبان: عربی
موضوع:فقه جعفر، قرن 14، مسائل مستحدثه
زبان:عربی
تعداد جلد:10ج
ماوراء الفقه / محمد صدر
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ
نقدم الجزء الثالث من موسوعة ما وراء الفقه لمؤلفه آیة الله العلامة السید محمد الصدر حفظه الله،فان هذه الموسوعة التی تبلغ حوالی عشرة مجلدات صدر منها جزءان سنة 1413 ه-کانا موضع تقدیر الفقهاء فی لبنان مما شجعنا ان نستمر فی طبع بقیة الأجزاء.و خلال المشهور القادمة نرجو ان یمن اللّه علینا بطبع الأجزاء الأخری.
و من اللّه نستمد التوفیق.
جعفر هادی الدجیلی 20 صفر 1416 ه-
بسم اللّه الرحمن الرحیم فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ کُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِیَتَفَقَّهُوا فِی الدِّینِ وَ لِیُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَیْهِمْ،لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ صدق اللّه العلی العظیم
لما انتهت العبادات،کان اللازم أن نبدأ کتاب التجارة،الذی یلی العبادات فی المتعارف فقهیا عند المؤلفین،و فعلا قد بدأنا به،لو أخذنا بالمفهوم الموسع لکتاب التجارة.
لأنهم یبدأون أولا،قبل البحث عن التجارة،بما سموه بالمکاسب المحرمة.یذکرون فیه عددا من أسالیب التجار الممنوعة شرعا،مع التعرض إلی بعض مستلزمات هذا المنع.
و من الواضح أن هذا لیس هو کتاب التجارة،لأن الاتجار بتلک الأمور،قد لا یکون بالبیع بل قد یکون بالإیجار أو الرهن أو المزارعة أو المساقاة أو غیرها.و کثیر مما یذکروه فی المکاسب المحرمة یمکن إدراجه فی هذه المعاملات لا فی البیع خاصة.
و من هنا عزلنا له کتابا مستقلا سمیناه کتاب المکاسب المحرمة.
بالرغم من أن هذا العنوان غیر متعارف فقهیا.
و من المعلوم أنه لا یمکن اندراج کلما ذکروه تحت هذا العنوان،فی کتابنا هذا.لأن بعضها یکون فقهیا خالصا.و إنما نذکر فیه ما یناسب ذکره، و هو فی الأغلب یرتبط بتحدید المفاهیم التی یحتاج تحدیدها إلی کلام مفصل کالغناء و الغیبة و السحر.و نبدأ هذا الکتاب بأخذ الأجرة علی الواجبات.
أخذ الأجرة علی الواجبات:
تنقسم الواجبات فی الشریعة المقدسة إلی عدة تقسیمات،نذکر أهمها:
أولا:واجب توصلی و واجب تعبدی.فالتوصلی ما لا یشترط فیه قصد القربة.و التعبدی ما یشترط فیه ذلک.
ثانیا:واجب نفسی و غیری.فالنفسی هو الذی أمر به لذاته.و الغیری هو الذی أمر به مقدمة لغیره.
ثالثا:الواجب العینی و الکفائی.فالعینی ما کان أمرا متوجها إلی الأفراد بأعیانهم مع عدم سقوطه بعمل الآخرین.و الکفائی ما کان المطلوب فیه هو النتیجة،فإذا قام به ما یکفی من الناس سقط عن الآخرین.و إذا لم یقم به أحد عوقب الجمیع.
رابعا:الواجب التعیینی و التخییری.فالتعیینی هو الواجب بعنوانه وحده و لا یعوّض عنه غیره من الأعمال.و التخییری هو الأمر المتوجه إلی عدد من الأشیاء:اثنتین أو أکثر.بحیث یکون الفرد مخیرا فی الإتیان بأحدها مع إمکان ترکه للباقی.
و توجد انقسامات أخری للواجب کالموسع و المضیق و کالمنجز و المعلق و غیرها،إلا أنها لا ترتبط بمحل الکلام.
و لو أخذ الانقسامات الأربعة الأولی بنظر الاعتبار و أخذنا منها
الاحتمالات بضرب بعضها بالبعض ریاضیا،نتج عندنا ستة عشر احتمالا.
و لا شک أن کل مجموعة منها تندرج فی حدیث معین،کما سنری.
إلا أن الحدیث فی تعدادها بلا طائل،و لیس له أثر مهم،فنوکله إلی فطنة القاری.
و قد أخذ الفقهاء المطلب مطولا و تناقشوا فیه کثیرا و إنما اعتاص علیهم نسبیا لأنهم بنوا لأمور علی القواعد العامة غیر المرتبطة کثیرا بالموضوع.و لو أنهم باشروا الموضوع بأدلته المرتبطة به لکانت بحوثهم أکثر اختصارا و أفضل ترکیزا لا محالة.
و نحن نذکر الآن الوجهة التی نعتمدها فی الاستدلال أولا.ثم نعقبها بشیء مما ذکروه لیری القاری الفرق فی الاختصار و الأطناب بین الأسلوبین.
و هی الوجه المعتمدة للاستدلال:
و ذلک:إننا بالرغم من تقسیمنا للواجب أقساما عدیدة.إلا أن المهم منها أقسام قلیلة کما یلی:
القسم الأول:
الواجبات التوصلیة الکفائیة.و هی الأعمال التی یجب بها حفظ المجتمع کالطب و الحیاکة و الحدادة و البناء و غیرها من الحرف.
القسم الثانی:الواجبات التعبدیة الفردیة التی یأتی بها الإنسان عن نفسه.کالفرد المکلف یصلی عن نفسه أو یصوم.
القسم الثالث:الواجبات التعبدیة الفردیة التی یأتی بها الإنسان عن غیره و هو ما یسمی عادة بإیجار العبادات.
القسم الرابع:الواجبات التعبدیة الکفائیة کتغسیل المیت و الصلاة علیه.
و یندرج فی القسم الأول ما کان من قبیل تکفین المیت و دفنه،کما یندرج فیه ما کان من قبیل إزالة الأذی عن طریق المسلمین أو قضاء حاجة المحتاجین بأجرة.
کما یندرج فی القسم الأخیر الأجرة علی الجهاد أو الأمر بالمعروف أو الأذان و نحوها.
و لکل من هذه الأقسام الأربعة دلیله و حکمه کما یلی:
و لا إشکال فی جواز الاسترباح به.حتی ما کان فی وقت الحاجة و الضیق فضلا عن وقت السعة.
و الدلیل علی ذلک علی مستویین:
المستوی الأول:السیرة،فإنها منعقدة عقلائیا و عرفا،و قطعیة الإمضاء من قبل الأئمة سلام اللّه علیهم.بجواز ذلک.بل إن السوق دائما علی ذلک،و کل صاحب صنعة أو غیرها إنما یشارک فی قضاء حاجة جانب من جوانب المجتمع.فإذا حرم الاسترباح به انسد السوق تماما.
و لا شک أنه لا یختلف بالسیرة بین وقت الحاجة و القحط،و بین غیره.و لا بین وجود القلیل من العاملین فی هذه الصنعة أو تلک أو وجود الکثیرین.و لا فی غیر ذلک من التفاصیل.فإن هم الناس دائما هو الاسترباح من أعمالهم،و هو أمر طبیعی و مجاز شرعا بلا إشکال.
المستوی الثانی:الروایات،ففی صحیحة معاویة بن عمار (1)
أبواب ما یکتسب به:باب 19:حدیث 4.
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:سألته عن کسب الحجام.فقال:لا بأس به.1) 1)
و صحیحة حنان بن سدیر (1)
المصدر:حدیث 5.
.قال دخلنا علی أبی عبد اللّه علیه السّلام و معنا فرقد الحجام.فقال:جعلت فداک إنی أعمل عملا و قد سألت عنه غیر واحد و لا اثنین فزعموا أنه عمل مکروه،و أنا أحب أن أسألک فإن کان مکروها انتهیت عنه و عملت غیره من الأعمال.فإنی منته فی ذلک إلی قولک.قال:و ما هو.قال:حجام.قال:کلّ من مکسبک یا ابن أخی و تصدق و حج منه و تزوج فإن نبی اللّه قد احتجم و أعطی الأجر.و لو کان حراما ما أعطاه.و صحیحة معاویة بن عمار (2)عن أبی علیه السلام(فی حدیث)قال:قلت له أجر التیوس.قال:إن کانت العرب لتعایر به.و لا بأس به.
و التیوس جمع تیس.و کانوا یؤجرونه للضراب علی الإناث.
و معتبرة ابن فضال (3):قال:سمعت رجلا أبا الحسن الرضا علیه السلام فقال:إنی أعالج الرقیق فأبیعه و الناس یقولون:لا ینبغی.فقال الرضا علیه السلام:و ما بأسه.کل شیء مما یباع إذا اتقی اللّه فیه العبد فلا بأس.
و صحیحة محمد بن مسلم (4)عن أبی جعفر علیه السلام،قال:سألته عن الرجل یعالج الدواء للناس فیأخذ علیه جعلا.فقال:لا بأس به.
و معتبرة سماعة بن مهران (5)عن أبی عبد اللّه علیه السّلام:قال:لا یصلح لباس الحریر و الدیباج فأما بیعه فلا بأس به.
و الروایات فی ذلک فوق حد الإحصاء و قد اخترنا هنا بعض ما هو
معتبر السند.و یکفینا قبل ذلک کله قوله تعالی لا تَأْکُلُوا أَمْوالَکُمْ بَیْنَکُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ .
و التجارة أمر مفهوم عرفا،یشمل کل القطاعات السابقة،فلا یقال:
إنه عند الشک فی الحلیة یکون من قبیل التمسک بالشبهة المصداقیة بین التجارة و الباطل.فإنه یقال:إن التجارة أمر عرفی،و الباطل ما لیس مندرجا فی ذلک الأمر العرفی.
و المهم هو أن المستفاد من هذه النصوص،جواز الاسترباح من هذا القسم الأول من المعاملات.و لا أقل أن یستفد منها إقرار السیرة العقلائیة السابقة.
لا یستثنی من ذلک حتی تکفین المیت و حفر القبر له و دفنه،فإنه مشمول للسیرة بلا شک.و إن لم یکن واردا فی النصوص،و مع الشک فی السیرة یمکن إثباتها بالاستصحاب القهقری من الیوم إلی أیام المعصومین علیهم السلام.علی أننا لا نحتمل أن هذا العمل کان یومئذ مجانیا، فالاطمئنان قائم علی وجود السیرة فعلا،بغض النظر عن هذا الاستصحاب.
الواجبات التعبدیة العینیة التعیینیة.
کصلاة الظهر حین یصلیها الفرد لنفسه.
و هنا قاعدة سوقیة ینبغی أن تکون مسلمة و واضحة.و هو أن کل عمل یعمله الفرد لنفسه لا یرد به منفعة غیره،لا معنی لأخذ الأجرة علیه من الغیر.و تکون الأجرة حراما عرفا و عقلائیا و شرعا.
فمثلا:أخذ الفرد الأجرة علی أن یأکل هو أو یشرب الماء أو ینام.أو یعمل أی عمل لمصالح دنیاه أو آخرته.کل ذلک لا معنی له،و یکون الأجر حراما و باطلا.فیکون مشمولا لقوله تعالی وَ لا تَأْکُلُوا أَمْوالَکُمْ بَیْنَکُمْ بِالْباطِلِ .و هذا باطل عرفی و عقلائی بلا إشکال.
و سیأتی طریقة استدلالهم علی هذا الفرع و غیره بطرق أبعد تصدیقا و أکثر تعقیدا.
نفس الصنف من الواجبات إذا قام بها الفرد عن غیره
فی مورد الجواز کقضاء العبادات عن المیت و قضاء الحج عن العاجز الحی.و هل القاعدة فی ذلک الجواز و لم یرد دلیل علی المنع أو العکس.
و ینبغی التسلیم بالجواز بعد الالتفات إلی ما ورد فی المقام:
أولا:جواز التبرع عن الحج و عن المیت فیما یجوز الأجرة به،فی الجملة بلا إشکال.
ثانیا:جواز أخذ الأجرة علی العبادات المستحبة إجماعا و بلا إشکال.
ثالثا:ما ورد فی الحج و فی الجهاد من جواز إعطاء الأجرة للغیر لیقوم بالعبادة إذا کان الفرد عاجزا.
و لا حاجة إلی إیراد النصوص،و هی معتبرة،کما ثبت فی محله.
و موردها أخذ الأجرة علی الواجب للقیام به عن الغیر.و قد جوزه الشارع المقدس بمقتضی هذه النصوص.و بعد التجرید عن الخصوصیة یمکن التعمیم فقیها إلی کل واجب.
و معه فالإشکالان الرئیسیان اللذین حیّرا الفقهاء هما:
أولا:ان قصد الأجرة ینافی الإخلاص فی العبادة:و إنما أخذ الأجیر الأجرة علی العبادة المخلصة.
ثانیا:إن الأمر الشرعی الأولی متوجه إلی المیت لا إلی الأجیر، و الفرد لا یستطع أن یمتثل الأمر المتوجه إلی غیره.
و مهما کان الجواب النظری لهذین الإشکالین،فإن الأحکام الثلاثة السابقة تجعلهما غیر موجودین،بمعنی أن الشارع المقدس لم یأخذ أی
واحد منهما بنظر الاعتبار.و أجاز القضاء بالأجرة بالرغم منهما.
فالحکم الأول و الثالث یزیل الإشکال الثانی.کما أن الحکمین الثانی و الثالث یزیلان الإشکال الأول،إذ مع صحة هذین الإشکالین لا یمکن جعل تلک الأحکام کما هو معلوم مع أنها مجعولة کما دلت علیه الأدلة المعتبرة.
الواجبات التعبدیة الکفائیة من حیث القیام بها بأجرة
کتغسیل المیت و الصلاة علیه و غیرها.
فقد یقال بالجواز أخذا بشکلین من الأدلة:
الشکل الأول:السیرة القطعیة القائمة علی التجارة بهذه الأمور بین الناس و الواصلة إلی عصر الأئمة علیهم السلام.و لم یرد نهی معتبر عن مثل هذه السیرة.
و الصحیح أن هذه السیرة و إن کانت قائمة فعلا،إلا أن متعلقها هو ببیع الأکفان و حفر القبور و نحوها.و أما نفس العمل التعبدی کالتغسیل و الصلاة فلا دلیل علی قیام السیرة علیه.
اللهم إلا أن یقال:إنه کما أن التکفین واجب کذلک بیع الأکفان واجب.و کما أن الدفن واجب کذلک حفر القبر واجب.و وجوبهما بالنسبة إلی المیت سیان.و أخذ الأجرة علی بعض هذه الأعمال قطعی،إذن فأخذ الأجرة علی مثل هذه الواجبات الکفائیة جائز.
لکن لو کان التکفین و الدفن تعبدیا،لکانت هذه السیرة صحیحة بشکل و آخر.إلا أن الصحیح أنه لیس تعبدیا و لیس هناک من أحکام المیت ما هو تعبدی غیر الغسل و الصلاة.فلو ثبت قیام السیرة علی هذین الأمرین تم الأمر،کما هو المظنون و خاصة فی الغسل.و هو مظنون جدا إلی حد یوثق به.
الشکل الثانی:الروایات الواردة فی بعض الأحکام التعبدیة،کتعلیم القرآن.
ففی روایة الفضل بن أبی قرة (1)
أبواب ما یکتسب به:باب 29:حدیث 3.
،قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:هؤلاء یقولون:إن کسب المعلم سحت.فقال:کذبوا أعداء اللّه.إنما أرادوا أن یعلموا أولادهم القرآن.لو أن المعلم أعطاه رجل دیة ولده لکان للمعلم مباحا.
و فی روایة زید بن علی (2)عن أبیه عن آبائه عن علی علیه السلام:
أنه أتاه رجل فقال یا أمیر المؤمنین إنی أحبک فی اللّه.إلی أن یقول:
و سمعت رسول اللّه صلّی اللّه علیه و علی آله یقول:من أخذ علی تعلیم القرآن أجرا کان حظه یوم القیامة.
و هذه الروایة دالة علی الجواز.نعم هی دالة علی عدم الثواب یوم القیامة.بل یکفی المعلم أجرا أجره المعلوم له فی الدنیا.و هذا المضمون واضح بعدم البطلان.و إلا کان الثمن سحتا و علیه العقوبة یوم القیامة.و لو کان کذلک لذکره لأنه کان بصدد الحدیث عن ذلک.
إلا أن الإشکال فی ذلک من ناحیتین:
الأولی:ضعف سند هاتین الروایتین.
الثانیة:إن تعلیم القرآن لیس حکما تعبدیا،کما هو المقصود من عنوان هذا القسم.فجوازه لا یدل علی الجواز المقصود.
اللهم إلا أن یقال:إنها شاملة بإطلاقها للتعلیم الواجب للقرآن کتعلیم الجاهل سورة الفاتحة و قل هو اللّه أحد مثلا.و هو المطلوب.إلا أن کون هذا التعلیم واجبا تعبدیا أول الکلام.
إلا أن الذی یفید إلی حد ما،هو تظافر الروایات غیر هاتین الروایتین
أیضا،علی وجود تعلیم القرآن و أخذ الأجرة علیه.بدون نکیر.و خاصة بعد أن تکون بعض الروایات الدالة علی النهی إنما یراد به الکراهة،کما هو المشهور و الصحیح.و معه فالسیرة الممضاة علی ذلک محرزة.
إلا أنها تناقش بأمرین:
الأمر الأول:ما سبق من أن تعلیم القرآن لیس حکما تعبدیا،و إنما هو حکم توصلی،حتی لو کان واجبا.
الأمر الثانی:إن السیرة دلیل لبی،و القدر المتیقن منها غیر التعلیم الواجب.و أما فیه فلم یثبت وجود السیرة.
فإن ثبت الاطمئنان أو الوثوق علی أخذ الأجر علی تغسیل المیت، کما هو کذلک أمکن التجرید عن الخصوصیة،إلی کل الواجبات التعبدیة ما لم یخرج بعضها بدلیل.و هو المطلوب.و إلا بقی الحکم علی الحرمة أقصد حرمة أخذ الأجرة علی هذا النحو من الواجبات،و الصحیح هو وجود الاطمئنان فعلا.
و معه ینتج جواز أخذ الأجرة علی کل الواجبات المبحوث عنها عادة.
لا یستثنی من ذلک إلا العبادات التی یأتی بها الفرد عن نفسه.و هو مما لا یحتمل فقهیا جوازه و إن اختلفوا فی دلیله.
و قد یقال:إن السیرة دلیل لبی و الأدلة اللبیة لا لسان لها و لا إطلاق لها حتی یمکن حمل متعلقها علی المثالیة و تجرید المورد عن الخصوصیة.
و إنما یکون ذلک فی الأدلة اللفظیة.
و جوابه:إن الدلیل اللبی یدل علی عدم وجود المانع فی متعلقة من جمیع الجهات،إذا دل علی جوازه.حتی من الجهة التی هی محل النظر، إذ لو کان هناک أی مانع عن الجواز لما وجدت السیرة المحضاة علی العمل به.
أذن،فأخذ الأجرة،فی محل الکلام علی غسل المیت،لا مانع منه
حتی من جهة کونه واجبا تعبدیا،و هو المطلوب.و کذلک فی المستوی الأول السابق و غیره.
إذا تجاوزنا عما قلناه و دخلنا إلی کلمات الفقهاء واجهتنا الإشکالات المفصلة،و الأجوبة المطولة،و الوجوه المختلف فیها.و هنا نذکر أهم الإشکالات.ثم نذکر أهم الأجوبة عنها لو وجدت.و إن لم یوجد لها أی جواب کفانا ما سبق أن قلناه.
الإشکال الأول:إن الواجب مهما کانت صفته،إنما هو مستحق للّه عز و جل و لیس ملکا للفاعل أو لیس باختیار الفاعل،علی اختلاف تعبیراتهم.لأنه ملزم به شرعا فهو کالمقهور علیه،و ما کان مقهورا علیه فهو خارج عن اختیاره.و ما کان خارجا عن الاختیار لا یمکن أخذ الأجرة علیه.
الإشکال الثانی:ما سبق من أن قصد الأجرة ینافی قصد الإخلاص.
لأن الفعل الواحد إما أن یؤتی به بداعی الإخلاص أو الأجرة،و لا یمکن الجمع بینهما.
و قد ذکروا وجوها للجمع،حتی أن صاحب الجواهر قال بأن قصد الأجرة یؤکد قصد الإخلاص،لا أنه ینافیه.و سیأتی الإشارة إلیه.
الإشکال الثالث:فی النیابة بأن النائب،ماذا یقصد؟هل یقصد الأمر المتوجه إلی نفسه أو الأمر المتوجه إلی المیت أو الأمر التوصلی الحاصل بالأجرة.و کلها ممتنعة.أما الأمر المتوجه إلی نفسه فهو غیر موجود و غیر مطلوب کما هو واضح.و أما الأمر المتوجه إلی المیت فیستحیل التقرب بالأمر المتوجه إلی الغیر.و أما الأمر التوصلی،فهو بطبعه غیر قربی و لا یجب قصد القربة به مسلما.بل لا یمکن أحیانا.و قد سبق أن أشرنا إلی هذا الإشکال مختصرا.
الإشکال الرابع:فی الواجبات الکفائیة:إن الأمر متوجه ضمنا إلی
نفس الأجیر،کما هو متوجه إلی المستأجر،فلیس المستأجر بأولی من الأجیر فیه.فالأجیر یأخذ الأجرة علی ما یجب علیه إنجازه مجانا شرعا.
فیکون أخذ الأجرة أکلا للمال بالباطل.
الإشکال الخامس:الإجماع علی عدم جواز أخذ الأجرة علی الواجبات فی الجملة،بل مطلقا.یعنی الواجب بما هو واجب.
و هذا الأخیر هو أهون الإشکالات،إذ لم یحرز الإجماع علی مطلق.
الواجبات،بل أحرز الجواز علی الواجبات الکفائیة التوصلیة بلا إشکال.
مع وجود الاختلافات فی الباقی،و مع تسلیمه فلیس هو إلا الإجماع المنقول و هو لیس بحجة.
نعود إلی الإشکال الأول:
فمن الطریف أن بعضهم استدل به علی عدم جواز أخذ الأجرة علی الواجبات العینیة التعیینیة،کمن یصلی صلاة الظهر لنفسه مع أن فیها إشکالا أسبق رتبة و أهم من الناحیة السوقیة.و هو ما سبق من أن الفائدة فی مثلها یعود إلی الفاعل دون غیره،و ما کان کذلک لا معنی لأخذ الأجرة علیه.
أما فی الواجبات الکفائیة و التخییریة،فلا یرد الإشکال لوجود البدیل علی کل حال،و مع وجوده یکون اختیار البدیل الآخر اختیاریا و مملوکا للفرد فیمکن أخذ الأجرة علیه،و البدیل فی الکفائی هو قیام الغیر به و فی التخییری هو الفرد الآخر،و خاصة مع امتیاز الفرد المأجور علیه بمزیة کصلابة الأرض فی الحفر.
هذا بغض النظر عن الإشکالات الأخری بطبیعة الحال.
و أما الإشکال الثانی،فقد أجاب عنه شیخنا الأنصاری قدس سره بالانتقاض طردا بالمندوب مع أن جواز أخذ الأجرة علیه بلا إشکال.و هو یحتاج إلی الإخلاص کالواجب.و عکسا بالواجب التوصلی لأن المستشکل ذکر عنوان الواجب بما یشمله مع أنه لا یحتاج إلی الإخلاص.
ثم ذکر ما قیل من تضاعف الإخلاص بالأجرة.و أجاب علیه بوجوه منها:أن الوجوب الناتج من الأجرة توصلی فهو لا یضاعف الإخلاص.
و منها:أنه مناف للوجدان قطعا لأن ما لا یترتب علیه أجر دنیوی أخلص مما یترتب علیه ذلک بحکم الوجدان.و تمام الکلام فی محله.
و الذی یمکن أن نلتفت إلیه،بعد غض النظر عن الإشکالات الأخری.هو أن هذا القصد یختلف باختلاف وجدان الفرد أولا.و اختلاف الواجبات،من حیث کونها کفائیة أو تخییریة أو عینیة أو نحو ذلک و من حیث کونها متوجهة إلی الفرد أو نیابیة.
و الإشکال علی أی حال إنما یتسجل فی التعبدی دون التوصلی من الواجبات،کما هو معلوم.و لا إشکال فی إمکان قصد الإخلاص حتی مع الأجرة،بمعنی عقد القلب علی أن الفرد یرغب بالإتیان به حتی بدون أجرة بینه و بین ربه سبحانه.فإن کان کفائیا امتثل الحکم المتوجه إلی نفسه و إن کان نیابیا امتثل الأمر باستحباب القضاء عن الغیر،کما یأتی و هکذا،إلا أن الأجر الأخروی سیکون لدافع الأجرة،کما أشار إلیه شیخنا الأنصاری.
و أما إذا کان الأجیر قاصدا فی فعله تحصیل الأجرة محضا،أو کان هذا هو الداعی الغالب.فالإشکال متوجه و العبادة باطلة.و إذا بطلت العبادة بطلت الأجرة أیضا.الأمر الذی یوجب علی الأجیر قصد الإخلاص لکی تخلص له الأجرة،إذا صح ذلک فتأمل.
و أما الإشکال الثالث،فعله أهم الإشکالات.و هو خاص بصورة النیابة و لم یشر إلیه إلا القلیل من الفقهاء،منهم بعض أساتذتنا.
و هو بمعنی و آخر لا مناص منه:إذا یستحیل علی الفرد امتثال الأمر المتوجه إلی غیره،کما أن قصد الأمر التوصلی غیر مجز.هذا غیر قصد الإخلاص الذی یرتبط بالإشکال السابق.
و لکن مع ذلک لا مناص من الالتزام بالجواز لورود النیابة فی عدة موارد بالأدلة المعتبرة.منها الأجرة عن الحی العاجز فی الحج.و الأجرة
علی النیابة فی الجهاد.و نیابة الولد الأکبر عن والده.مع أنه مشمول لهذا الإشکال لتوجه الأمر الأصلی إلی الوالد دون الولد و نیة الولی عن الصبی فی الحج.و النیابة فی المستحبات بأنواعها بما فیها الطواف المنصوص فی الروایات المعتبرة.إلی غیر ذلک.و لعل أصل النیابة بغض النظر عن الأجرة من ضروریات الفقه.فالإشکال هنا لیس فی الأجرة.فلو تجاوزنا عن هذا الإشکال کما تجاوزه الشارع المقدس فی مختلف الأدلة،فعلا.لم یبق فی الأجرة إشکال من زاویة هذا الإشکال.
و جواب هذا الإشکال لا ینبغی أن یکون بغض النظر عن هذه الأدلة الواردة.فإن أخذناها بنظر الاعتبار أمکن أن نفهم من مجموعها أحد أمرین:
الأمر الأول:استحباب أن یقضی الفرد عن غیره.و هو حکم تعبدی یمکن للأجیر و للقاضی أیا کان،أن یعتمد علیه و یقصده کما أشرنا فیما سبق.
الأمر الثانی:إمکان التنازل عن الأصل الموضوعی الذی أخذناه مسلما.و هو استحالة أن یقصد الفرد الأمر المتوجه إلی الغیر.فنفهم من تلک الأدلة إمکان ذلک.
و تقریب ذلک:أن الحکم الشرعی بأصل العمل کالصلاة مثلا.قد یکون مقیدا،کما هو مقتضی القاعدة الأولیة بالوقت و بالطهارة و بالقبلة.فإذا سقطت هذه الشرائط لم یسقط المشروط،حتی فی صورة فقدان الطهورین،کما هو الأصح الأحوط.
فکذلک یمکن أن یقال:إن التکلیف بحسب القاعدة الأولیة،و إن کان متوجها إلی الفرد،إلا أنه أحیانا،و هی حالات الاضطرار فی الأغلب، یکون متوجها إلی الغیر بعد سقوط خصوصیة المکلف نفسه عن الشرطیة.
کسقوط خصوصیة الوقت.
و هذا الفهم و إن لم یمکن بحسب القاعدة الأولیة،إلا أننا یمکن أن نفهمه من مجموع أدلة النیابة.
و بتعبیر آخر:إن معنی النیابة هو إقامة النائب مقام المنوب حتی من هذه الناحیة،بل هی الناحیة الرئیسیة فی النیابة.لأنها إن لم تقتضی هذا المعنی سقط معناها بالمرة عرفا.و قد قیل فی المعاملات.إن ید الوکیل ید الأصیل.فکذلک نفهم فی العبادات نفس المعنی،بلحاظ مختلف أدلة النیابة.
أما الإشکال الرابع:فالأجر إنما یؤخذ لإسقاط الأجیر التکلیف عن ذمة المؤجر باعتبار قیامه بالواجب الکفائی.و بعمل الأجیر یسقط عن کلا الشخصین بل عن غیرهما أیضا.
نعم،لو قصدنا بالأجرة إسقاط التکلیف عن ذمة الأجیر نفسه،کان هذا لاغیا لما قلناه من امتناع أخذ الأجر عن منفعة نفسه.
و بالأجرة یکون القائم بالعمل هو المؤجر،من ناحیتین:
الأولی:بالنسبة إلی الثواب الأخروی.
الثانیة:علی مستوی المعاملة.أعنی فی طول دفع الأجرة.فیعتبر سوقیا هو الفاعل الحقیقی و إن لم یقم بالعمل فعلا.
و لکنه یبقی من الناحیة التکوینیة،القائم بالعمل هو الأجیر لا المؤجر.و به یسقط التکلیف عنه و عن غیره.لأن المهم فی الکفائی،هو حصول العمل إجمالا فی نظر الشارع.من دون النظر إلی فرد معین.
فالنتیجة الفقهیة باختصار ما قلناه من جواز أخذ الأجرة علی سائر الواجبات إلا ما یعود إلی العبادات العینیة الفردیة،التی لا تعود بها الفائدة إلی الآخرین بالمرة.
التنجیم أو النظر فی النجوم
مهما کان التنجیم قد اکتسب سمعة سیئة خلال الأجیال.فهو بمفهومه العام لیس إلا النظر فی النجوم أو البحث فیها أو قل:علم النجوم.و هو نفس ما یسمی بعلم الهیئة أو علم الفلک و إنما اکتسب السمعة السیئة لمدی کثرة الأخطاء و سوء التصرف الذی کان یصدر من عدد غیر قلیل ممن یدعی العلم بهذا الحقل من الحقول الإنسانیة.
و ینبغی أولا أن ننظر فیما یقوله اللغویون عن التنجیم:
قال ابن منظور:نجم الشیء ینجم بالضم نجوما طلع و ظهر.و نجم النبات و النار و القرن و الکوکب و غیر ذلک:طلع.قال اللّه تعالی وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ یَسْجُدانِ .یقال:نجم النبت ینجم إذا طلع.و کلما طلع و ظهر فقد نجم.و قد خص بالنجم منه ما لا یقوم علی ساق کما خص القائم علی الساق منه بالشجر.و جاء فی التفسیر أیضا:أن النجم نزول القرآن نجما بعد نجم.و کان تنزل منه الآیة و الآیتان.
و قال أهل اللغة:النجم بمعنی النجوم و النجوم تجمع الکواکب کلها.
ابن سیده:و النجم الکوکب و قد خص الثریا فصار لها علما.
و فی الحدیث:إذا طلع النجم ارتفعت العاهة.و فی روایة(ما طلع النجم و فی الأرض عاهة).النجم فی الأصل:اسم لکل واحد من کواکب السماء و هو بالثریا أخص.فإذا أطلق فإنما یراد به هی و هی المرادة فی هذا الحدیث.
و المنجم و المتنجم:الذی ینظر فی النجوم یحسب مواقیتها و سیرها.
و ابن خالویه یقول فی کثیر من کلامه و قال: النجامون و لا یقول المنجمون.
قال:و هذا یدل علی أن فعله ثلاثی.
إلی أن قال و قوله عز و جل مخبرا عن إبراهیم علیه السلام فَنَظَرَ نَظْرَةً فِی النُّجُومِ فَقالَ:إِنِّی سَقِیمٌ .قیل معناه فیما نجم من الرأی.و قال أبو العباس أحمد بن یحیی:النجوم جمع نجمة و هو ما نجم من کلامهم لما سألوه أن یخرج معهم إلی عیدهم.و نظر ههنا:تفکر لیدبر حجة.فقال:إنّی سقیم.أی من کفرکم.و قال أبو إسحاق:أنه قال لقومه و قد رأی نجما:إنّی سقیم أو همهم أن به طاعوا فتولوا عنه مدبرین فرارا من عدوی الطاعون قال اللیث:یقال للإنسان إذا تفکر فی أمر لینظر کیف یدبره:نظر فی النجوم.
و ینبغی أن نتبع هذا الکلام بعدة ملاحظات فیما هو محل الحاجة.
الملاحظة الأولی:أن مراده من الکواکب:النجوم،و لیس کواکب المجموعة الشمسیة خاصة،کما هو معلوم.إلا أنه حین یفسر لفظ النجوم لیس هناک ما یستعمله غیر لفظ الکواکب.علی أن اصطلاح الکواکب علی التوابع الشمسیة اصطلاح لم یکن معروفا فی ذلک الحین.
الملاحظة الثانیة:أنه لیس فی التنجیم و فاعله و هو المنجم أو المتنجم شیء غیر صحیح أو فیه أیة شائبة باطلة.و إنما هو:الذی ینظر فی النجوم یحسب مواقیتها،و سیرها،بالنص.
و المهم أن ما أضیف إلی التنجیم من علوم غریبة و تنبؤات و عقائد باطلة.غیر موجود فی المفهوم اللغوی أصلا.فقولنا:المنجم یعنی الفلکی أو عالم الفلک أو نحو ذلک.
الملاحظة الثالثة:کان فیما قاله ابن منظور نصان موروثان یدلان علی صحة تأثیر الکواکب علی الموجودات الأرضیة بحسب ظاهرهما.إلا أن یحملا علی معانی معنویة معمقة.
أحدهما:آیة:فنظر نظرة فی النجوم فقال:إنی سقیم.فإنه من الواضح أن حمله علی مجرد التفکیر بعید.
ثانیهما:روایة إذا طلع النجم ارتفعت کل عاهة.بمعنی أن طلوعه هو السبب الأهم فی ذلک.
و الواقع:أن الإنسان إذا رجع إلی المصادر یجد هناک تهافتا فی وجهات النظر إلی علم النجوم و المنجمین بین من یحترمهم و بین من یحتقرهم.و السر فی ذلک أن النظر فی النجوم فی القدیم علی مستویین رئیسیین:
المستوی الأول:ما ذکرناه من النظر إلی حرکات النجوم و طلوعها و غروبها و مواعید ذلک و دورة الخسوف إلی غیر ذلک.
المستوی الثانی:الاعتقاد بشکل من أشکال التأثیر للنجوم علی الأرض و ما فیها من إنسان و حیوان.
و هذا الاعتقاد یمکن أن یکون علی عدة أشکال.منه ما هو محتمل الصحة و منه ما هو خاطئ یقینا و منه ما هو کفر و إلحاد.علی اختلاف مستویات اعتقاد ذلک التأثیر السماوی.
و سنستعرض الأقوال الموجودة بهذا الصدد فیما بعد.و المهم الآن أن نعلم أن من احترم المنجمین و قال بجواز علم التنجیم أراد به المستوی الأول و ما هو صحیح من المستوی الثانی.و من احتقر المنجمین و قال بحرمة علم التنجیم أراد به ما هو باطل و خاطئ من المستوی الثانی.
و من هنا یتضح و نحن فی أول هذا الفصل تقریبا:أن علم الفلک الحدیث،المندرج کله فی المستوی الأول من هذین المستویین،لکنه بشکل أعمق مما کان علیه قدیما.لا یکون مندرجا فی الأدلة الدالة علی حرمة التنجیم أو قول بکفر المنجم أو احتقاره.أعنی من زوایة کونه منجما،بغض النظر عن خصائص حیاته الأخری.
و ذلک لوضوح أن علم الفلک الحدیث خال بالمرة مما کان علیه سلفه فی القدیم من القول بتأثیر النجوم فی الحیاة الأرضیة و التنبؤات الناتجة عن ذلک و غیر ذلک.فلا یکون مشمولا للنهی بکل صورة.
بقی علینا أن نستعرض بعض النصوص الدالة علی صحة التنجیم و بعض النصوص الدالة علی بطلانه و فساده و ذلک فی العنوانین الآتیین لنخلص بعدها إلی نتائج هذه الجولة.
و لا یخفی أن هذه الأدلة کما تدل علی صحة التنجیم علی المستوی الأول الذی سبق أن ذکرناه.تدلنا علی صحة المستوی الثانی لبعض تطبیقاته و نتائجه.و سنعرض إلی فلسفة ذلک و أسبابه فیما بعد:
فمن القرآن الکریم:
قوله تعالی (1)
الأنعام(97). [1]
وَ هُوَ الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِی ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ .و قوله سبحانه (2)وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ یَهْتَدُونَ .
و قوله جل و علا (3)فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِیمٌ .
و قوله عز شأنه (4)فَنَظَرَ نَظْرَةً فِی النُّجُومِ فَقالَ إِنِّی سَقِیمٌ .
و قوله عز من قائل (5)إِنّا زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِزِینَةٍ الْکَواکِبِ وَ حِفْظاً مِنْ کُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ لا یَسَّمَّعُونَ إِلَی الْمَلَإِ الْأَعْلی وَ یُقْذَفُونَ مِنْ کُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ .
و لیس فی القرآن الکریم ما یدل علی النهی عن علم النجوم أو نفی دلالته.إلا ما کان منها من أنواع الکفر و نحوه فتکون الآیات الدالة علی بطلانه دالة علی بطلانها.
و من السنة الشریفة:
ما سبق من الروایة العامیة التی سمعناها عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله:«إذا طلع النجم ذهبت کل عاهة».
و روایة عن الرحمن بن سیابة (1)
الوسائل أبواب ما یکتسب به:باب 24:حدیث 1. [1]
،قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:إن الناس یقولون إن النجوم لا یحل النظر فیها و هی تعجبنی.فإن کانت تضر بدینی فلا حاجة لی فی شیء یضر بدینی.و إن کانت لا تضر بدینی فو اللّه إنی لأشتهیها و أشتهی النظر فیها.
قال:لیس کما یقولون.لا تضر بدینک.ثم قال:إنکم تنظرون فی شیء منها:کثیره لا یدرک و قلیله لا ینتفع به.
و عن هشام الخفاف (2):قال لی أبو عبد اللّه علیه السلام:کیف بصرک فی النجوم؟قال:قلت:ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم منی.قال:کیف دوران الفلک عندکم(إلی أن قال):إن أصل الحساب حق.و لکن لا یعلم ذلک إلا من علم موالید الخلق کلهم.
و عن المعلی بن خنیس (3)قال:سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن النجوم أحق هی؟فقال:نعم الحدیث.
و عن جمیل بن صالح (4)عمن أخبره عن أبی عبد اللّه علیه السلام.
قال:سئل عن النجوم قال:ما یعلمه إلا أهل بیت من العرب و أهل بیت من الهند.
و خبر یونس (1)
المکاسب:ص 29. [1]
قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:جعلت فداک أخبرنی عن علم النجوم ما هو؟قال:علم من علوم الأنبیاء.فقلت:کان علی بن أبی طالب علیه السلام یعلمه.قال:کان أعلم الناس به.و فی حدیث أبان (2)بن تغلب عن حدیث الیمانی الذی دخل علی أبی عبد اللّه علیه السلام و سماه باسمه الذی لم یعلمه أحد و هو سعد.فقال له:یا سعد و ما صناعتک؟قال:أنا من أهل بیت ینظر فی النجوم،إلی أن قال:ما اسم النجم الذی إذا طلع هاجت الإبل.قال:ما أدری.قال:صدقت.
فقال:ما اسم النجم الذی إذا طلع هاجت البقر قال:لا أدری.قال:
صدقت فقال:ما اسم النجم الذی إذا طلع هاجت الکلاب.قال:لا أدری.
قال:صدقت فی قولک لا أدری.فما زحل عندکم فی النجوم.فقال سعد:
نجم نحس فقال أبو عبد اللّه:لا تقل هذا فإنه نجم أمیر المؤمنین و هو نجم الأوصیاء.و هو النجم الثاقب الذی قال اللّه تعالی فی کتابه.
إلی غیر ذلک من النصوص.و سیأتی فحص مدالیلها،بعونه سبحانه.
عن نصر بن قابوس (3):قال سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول:
المنجم ملعون و الکاهن ملعون و الساحر ملعون الحدیث.
قال و قال علیه السلام (4):المنجم کالکاهن و الکاهن کالساحر و الساحر کالکافر،و الکافر فی النار.
و بإسناده (1)
المصدر:حدیث 3. [1]
(یعنی:الصدوق)عن أبی جعفر عن آبائه عن النبی صلی اللّه علیه و علی آله:أنه نهی عن عدة خصال منها النظر فی النجوم.و عن هشام بن الحکم (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی حدیث:أن زندیقا قال له:ما تقول فی علم النجوم؟قال:هو علم قلت منافعه و کثرت مضاره.لا یدفع به المقدور و لا یتقی به المحذور.إن أخبر المنجم بالبلاء لم ینجه التحرز من القضاء و أن أخبر هو بخیر لم یستطع تعجیله.و إن حدث به سوء لم یمکنه صرفه.و المنجم یضاد اللّه فی عمله بزعمه أنه یرد قضاء اللّه فی خلقه.
و عن المحقق فی المعتبر (3)و العلامة فی التذکرة و الشهیدان قالوا:قال النبی صلی اللّه علیه و علی آله:«من صدق کاهنا أو منجما فهو کافر بما أنزل علی محمد صلی اللّه علیه و علی آله».
و عن نهج البلاغة (4):أن أمیر المؤمنین علیه السلام لما أراد المسیر إلی بعض أسفاره فقال بعض أصحابه إن سرت فی هذا الوقت خشیت أن لا تظفر بمرادک من طریق علم النجوم.
فقال له:أ تزعم أنک تهدی إلی الساعة التی من سار فیها انصرف عنه السوء و تخوف الساعة التی من سار فیها حاق به الضر.فمن صدقک بهذا القول فقد کذب بالقرآن و استغنی عن الاستعانة باللّه تعالی فی نیل المحبوب و دفع المکروه.إلی أن قال:أیها الناس:إیاکم و تعلم النجوم إلا ما یهتدی به فی بر أو بحر فإنها تدعو إلی الکهانة فالکاهن کالساحر و الساحر کالکافر و الکافر فی النار.
و قریب منه ما وقع بینه علیه السلام و بین منجم آخر نهاه عن المسیر
أیضا.فقال علیه السلام له:أ تدری ما فی بطن هذه الدابة أذکر أم أنثی.
قال:إن حسبت علمت.قال:فمن صدقک بهذا القول فقد کذب بالقرآن.
قال اللّه تعالی إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَ یُنَزِّلُ الْغَیْثَ وَ یَعْلَمُ ما فِی الْأَرْحامِ .ما کان محمد یدعی ما ادعیت أ تزعم أنک تهدی إلی الساعة التی من سار فیها صرف عنه السوء و الساعة التی من سار فیها حاق به الضر.من صدقک بهذا استغنی بقولک عن الاستعانة باللّه و أحوج إلی الرغبة إلیک فی دفع المکروه عنه.
و فی روایة عبد الملک بن أعین (1)
المصدر السابق و نفس الصفحة.
المرویة عن الفقیه.قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:إنی ابتلیت بالنظر فی النجوم.فأرید الحاجة فإذا نظرت إلی الطالع و رأیت الطالع الشر جلست و لم أذهب فیها.و إذا رأیت الطالع الخیر ذهبت فی الحاجة.فقال لی أ تقضی قلت:نعم.قال:أحرق کتبک.و عن هشام الخفاف (2).قال:قال لی أبو عبد اللّه علیه السلام:کیف بصرک بالنجوم.قال:قلت:ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم منی.قال:
کیف دوران الفلک عندکم؟قال:فأخذت قلنسوتی عن رأسی فأدرتها قال:
فقال:إن کان الأمر علی ما تقول:فما بال بنات النعش و الجدی و الفرقدان لا یرون یدورون یوما من الدهر فی القبلة.قال:قلت:هذا و اللّه شیء لا أعرفه و لا سمعت أحد من أصل الحساب یذکره.
فقال لی:کم السکینة من الزهرة جزء من ضوئها.قال:قلت:هذا و اللّه نجم ما سمعت به و لا سمعت أحدا من الناس یذکره.فقال:سبحان اللّه فأسقطتم نجما بأسره.فعلی ما تحسبون.ثم قال:فکم الزهرة من القمر جزءا من ضوئه.قال:قلت:هذا شیء لا یعلمه إلا اللّه عز و جل.قال:فکم القمر من الشمس جزء من ضوئها.قال:قلت:ما أعرف هذا.قال:
صدقت.ثم قال:ما بال العسکرین یلتقیان فی هذا حاسب و فی هذا حاسب
فیحسب هذا لصاحبه بالظفر و یحسب هذا لصاحبه بالظفر ثم یلتقیان.فیهزم أحدهما الآخر.فأین کانت النجوم.
قال:قلت:لا و اللّه لا أعلم ذلک.قال:فقال:الحساب حق.و لکن لا یعلم ذلک إلا من علم موالید الخلق کلهم.
فقد حصل عندنا أدلة من الکتاب و السنة دالة علی صحة التنجیم.و أدلة دالة علی عدم صحته و عدم جواز الاتجار به و العمل علیه.فلا بد أن ننظر إلی شکل من أشکال الجمع بین هاتین الطائفتین من الأدلة التی قد یکون ظاهرها التعارض و نسمی المجموعة الأولی بالطائفة الأولی و الثانیة:بالطائفة الثانیة.
و ما قیل أو یمکن أن یقال فی وجوه الجمع،وجوه عدیدة نذکر أهمها:
الوجه الأول:أنه قد یقال:إنه لیس فی الروایات الواردة فی کلا الطائفتین ما هو صحیح سنداً و معتبر فقهیا.فنبقی نحن و دلالة الآیات الکریمة،التی عرفنا دلالتها علی صحة الأمر فی الجملة.و لعلنا نعرض إلی بعض معانیها فی المستقبل.
الوجه الثانی:ان الطائفة الثانیة معارضة للکتاب الدال علی صحة التنجیم،کما سمعنا فی هذه الآیات الکریمات.فتکون ساقطة عن الحجیة.
لأن کل ما عارض الکتاب الکریم من السنة فهو باطل و زخرف،کما ورد فی الأدلة المعتبرة و اقتضته القاعدة العامة بخلاف الطائفة الأولی فإنها موافقة للکتاب الکریم.فتکون هی و الکتاب أعنی هذه الآیات مورداً للعمل عملیا.
الوجه الثالث:ما ذکره الحر العاملی (1)
ج 12:ص 150.
فی الوسائل من أننا نحمل الطائفة الثانیة الناهیة عن التنجیم علی النهی عن العمل به و الحکم به.و نحمل الطائفة الأولی علی الجواز من أجل معرفة کلمة اللّه و قدرته و عجائب مخلوقاته.
1) 1)
أقول:و فی الطائفة الثانیة ما یدل علی ذلک کقوله:أ تقضی.قال:
فقلت نعم.قال:أخرق کتبک.و هو دال أنه مع الحکم به و القضاء لم یجز و أما بدونه فلا دلیل علی الحرمة.
الوجه الرابع:ما ذکره هو (1)
المصدر و الصفحة.
هو أیضا من حمل الطائفة الدالة علی الجواز علی التقیة.فیتعین العمل بالثانیة.إلا أن هذا غیر صحیح لأمور منها:
أولا:ما عرفناه من وجود آیات کریمة دالة علی الصحة أیضا.و لا معنی لحمل القرآن الکریم علی التقیة.
ثانیا:إن هذا الحمل فرع معرفة أن العامة یقولون بالجواز.و لا شک أن کثیراً من هذه المحامل کتبت فی کتبنا من دون مراجعة فتواهم.
الوجه الخامس:ان الطائفة الثانیة الناهیة ناظرة إلی نقائص المنجمین کبشر عادیین لهم نقاط ضعفهم.و الطائفة الأولی ناظرة إلی العلم کعلم فی حد ذاته.
فإن نقائص المنجمین غیر قلیلة:
أولا:الخداع و الکذب.فإنه هو الأعم الأغلب من أقوالهم.
ثانیا:انهم قد یشعرون بمنازعة الباری تعالی فی علمه و قضائه.
ثالثا:انهم قد یشعر المراجع لهم بالاتکال علیهم و الاستغناء عن التوکل علی اللّه عز و علا.
رابعا:قصور الذهن البشری عن استیعاب علم النجوم علی سعته.
فإنه علم واسع و عمیق إلی حد لا تسعة القدرة البشریة،مهما حسب الإنسان نفسه،عمیقا فیه.و لذا سمعنا فی بعض الروایات:أن کثیره لا یدرک و قلیله لا ینتفع به.
و المنجمون علی أی حال بشر قاصرون عن استیعاب العلم کله.
1) 1)
فمعرفتهم ناقصة و ما یصدر منهم یکون عن علم ناقص لا عن علم تام.
فیکون باطلا لا محالة أو یکثر فیه الباطل علی أی حال.
الوجه السادس:و هو مؤکد للخامس.أن الطائفة الأولی ناظرة إلی الثبوت و الثانیة إلی الإثبات.و یراد بالثبوت فی علم الأصول:النظر إلی الشیء فی حد ذاته و یراد بالإثبات:علمنا بالشیء.
فالطائفة الأولی تقول:إن علم النجوم ثبوتا أو فی حد ذاته(حق)و هو (علم من علوم الأنبیاء)و(کان أمیر المؤمنین أعلم الناس به).و أن إبراهیم الخلیل علیه السلام استعمله کما تدل علیه ظاهر الآیة و غیر ذلک.
و الطائفة الثانیة تقول:بعدم جواز الأخذ من المنجمین إثباتا.یعنی أن نتعلم منهم أو أن نستهدی بهم إطلاقا.و لذا یقول فی بعضها:من صدقک فقد کذب بالقرآن أو أنه قد کذب بما نزل علی محمد صلّی اللّه علیه و علی آله.فالمهم هو عدم جواز التصدیق من هؤلاء سواء کان العلم الذی یتخذونه شعاراً لهم صادقا أو کاذبا.و لذا اشتهر:کذب المنجمون و لو صدقوا.
الوجه السابع:ان الطائفة الأولی ناظرة إلی الآثار الصحیحة للنجوم و الطائفة الثانیة ناظرة إلی الآثار الباطلة لها.
فإنه لا شک أن هناک ربطا بمقدار ما بین النجوم و بین الحیاة علی الأرض.کالطاقة الصادرة عن الشمس.و المد و الجزر المنتسب إلی حرکة القمر.و غیر ذلک مما قد نتوفر بعد ذلک لإیضاحه و تعداد المهم منه.
فقد یکون هذا و نحوه هو المشار إلیه بالطائفة الأولی،و أنه هو العلم الحق.علی حین تشیر الثانیة إلی تلک النتائج المزعومة الباطلة للتنجیم.
إلا أننا ینبغی أن ننتبه إلی أن مجموع الروایات غیر واضحة بما هو الحق منها و ما هو الباطل،فی حدود ما هو المقرر فی هذا الوجه السابع.
فلیس لنا أن نزعم أن النظام الطبیعی الذی نعرفه عن العلم الحدیث هو الحق خاصة،و الباقی کله باطل.
بل الروایات دالة علی ما هو أوسع من ذلک بلا إشکال.و کذلک الآیات الکریمات.و لا شک أن العلماء الطبیعیون.یعترفون أن فی الکون أسراراً عدیدة و عمیقة لم یتوصلوا إلیها لحد الآن.بل ما هو مخفی و باطن فی الکون أضعاف کثیرة عما هو معروف،و موصوف لدی مجموع العلماء الطبیعیین کلهم بمختلف حقول المعرفة.
الوجه الثامن:ما أشار إلیه فی الوسائل (1)
ج 12:ص 150.
من أن کون العلم حقا لا ینافی النهی عن تعاطیه و القول بکفر قائله و متخذة.قال:علی أنه قد روی فی عدة أحادیث فی طب الأئمة و غیره:إن السحر حق و لا شک فی تحریمه.و کذا فی الکهانة و القیافة و غیرهما.
فیمکن أن تکون الطائفة الأولی تشیر إلی أن العلم حق فی حد ذاته، و الثانیة تشیر إلی المنع عن استخدامه بالمدة کالسحر و القیافة و غیره.
إلا أن هذا الوجه بمجرده غیر صحیح،بعد دلالة الطائفة الأولی علی جواز العمل به.و منه الآیة الکریمة علی عمل إبراهیم الخلیل علیه السلام به.و قوله:«لا یضر بدینک»و قوله:(کثیره لا یدرک)الدالة علی أنه لو تم إدراکه لجاز العمل به.و ظهور عدد من الروایات فی کلا القسمین،و خاصة روایة هشام الخفاف علی معرفة الأئمة المعصومین علیهم السلام به.کل ما فی الأمر أنهم لم یکونوا یستغنون به عن علم اللّه سبحانه و التوکل علیه جل جلاله،کما کان یفعل المنجمون.
و علی أیة حال،فهذه أهم الوجوه للجمع بین هاتین الطائفتین،و عدد من هذه الوجوه صحیح و هی متصادقة فیما بینها إلا أن کلا منها ینظر إلی زاویة محددة.و لعل فیما یأتی ما یلقی شیئا من الضوء علی ذلک أیضا.
ذکرت المصادر عدة أقسام للتنجیم.و هی،بحسب فهمی،تختلف
1) 1)
باختلاف الفلسفة أو النظرة العامة التی تنطلق منها.سواء اختلفت فی مؤداها أو لم تختلف.
فقد وجد الناس أن للعالم العلوی،أو الموجودات السماویة تأثیراً فی الموجودات الأرضیة،بشکلا و آخر،و بعضه إجمالا صحیح،و بعضه محتمل الصحة،و بعضه مما قام الدلیل علی صحته.و بعضه مما قام الدلیل علی بطلانه.
فالمهم أن هذا التأثیر،قد یؤخذ عاما شاملا لکل الأشیاء و قد یؤخذ خاصا ببعضها.کما قد یؤخذ ذو عمق متزاید فی الکون کما قد یؤخذ کشیء بسیط و ضحل لو صح التعبیر.و من هنا انقسمت الوجوه فی فلسفة ذلک إلی وجوه عدیدة نذکر أهمها:
الوجه الأول:الاعتقاد بأن النجوم و الأفلاک هی المؤثرة فی کل شیء أو فی عدد مهم من ظواهر الحیاة مع الاعتقاد باستقلالها عن إرادة الخالق جل جلاله.
و هذا ینقسم إلی تقسیمین تکون به الوجوه أربعة:
التقسیم الأول:من حیث الاعتقاد بوجود الخالق أساسا.فمنهم من لا یعتقد بوجوده أصلا.و منهم من یعتقده و لکن لا یری له تأثیراً فی فعل النجوم.
التقسیم الثانی:من حیث الاعتقاد أن النجوم هل هی مختارة،بمعنی أنها ذات نفوس عاقلة و عالمة و مدبرة.أو هی فاعلة علی طریقة القسر التکوینی کالإحراق بالنسبة إلی النار.
فتکون الوجوه أربعة:
الوجه الأول:الاعتقاد بنفی الخالق و قسریة التأثیر عن النجوم.
الوجه الثانی:نفس الاعتقاد مع الاعتقاد بالاختیار لها.
الوجه الثالث:الاعتقاد بوجود الخالق سبحانه مع الاعتقاد بقسریة النجوم.
الوجه الرابع:نفس الاعتقاد مع الاعتقاد بالاختیار لها.
و نمشی فیما یلی علی هذا الترقیم.
الوجه الخامس:الاعتقاد بأن اللّه سبحانه هو الخالق و هو لیس منعزلا عن عمل النجوم بل هو المقدر له و أنها إنما تؤثر بإرادته و قضاءه سبحانه.
علی کلا الاحتمالین السابقین من أنها قسریة أو أنها اختیاریة.فتکون جعلها قسریة هو الوجه الخامس.
الوجه السادس:إن اللّه تعالی جعل النجوم نفوس عاقلة فاعلة اختیاریة التأثیر.
الوجه السابع:أن نسبة العمل أو التأثیر إلی النجوم کنسبة العلة إلی المعلول أی السبب و المسبب،و لیس کنسبة الإیجاد و الخلق،کما فی الوجوه السابقة.
غیر أن هذا الوجه أیضا یحتوی علی تقسیمین:
التقسیم الأول:اختیاریة النجوم أو قسریتها.
التقسیم الثانی:إن التسبیب هل هو بنحو العلیة التامة التی قالوا فیها:
أنه إذا وجدت العلة وجب وجود المعلول.أو أنه تسبیب مادی غالبی، کتسبیب البرد للصداع،و لیس ذلک دائمیا.
و بهذین التقسیمین تصبح احتمالات هذا الوجه أربعة.
أحدها:و هو الوجه السابع:اختیاریة النجوم و علیتها التامة للتأثیر.
الوجه الثامن:اختیاریة النجوم و تسبیبها الغالبی.
الوجه التاسع:قسریة النجوم مع علیتها التامة.
الوجه العاشر:قسریة النجوم مع تسبیبها الغالبی.
فهذه هی وجوه التقسیمین الأخیرین.
الوجه الحادی عشر:انه لیس للنجوم أی تأثیر،و إنما هو بنحو الکاشف و المکشوف.
بمعنی أن اللّه سبحانه جعل النظام فی کونه علی هذا الغرار.یعنی حدوث المد مثلا عند حصول القمر بهذا الشکل و حصول کلا الأمرین فی السماء و فی الأرض موکول إلی الخالق سبحانه،کما أنه لیس بینهما تسبیب أصلا.و إنما نحن رأینا الحادثتین مقترنتین دائما أو غالبا.فنستطیع أن نقول:
إذا حدث هذا حدث هذا.یعنی أن حدوث أحدهما دال أو کاشف عن حدوث الآخر.بحسب النظام الذی سنه اللّه تعالی فی کونه.
و من الناحیة الفلسفیة فإن هذا الاتجاه موجود عند البعض بالنسبة إلی کل الأسباب و المسببات.علی مستویین:
المستوی الأول:إیکال کل تفاصیل الوجود إلی اللّه عز و جل.فهو الذی یوجد العلة و هو الذی یوجد المعلول.و لیس هناک أی ارتباط منطقی أو عقلی بینهما.
و هذا المستوی مبتن علی درجة من درجات العرفان.
المستوی الثانی:نفس الفکرة عملیا،مع الاعتقاد بنفی الخالق سبحانه.حیث قالوا:إننا إنما نجد أن العلة موجودة ثم نجد أن المعلول موجود.و لا نجد أن هناک ارتباطا عقلیا بینهما.فإننا لا نحس بهذا الارتباط.
و کل ما هو غیر محسوس غیر موجود بزعمهم.
و کلا هذین المستویین ینطبقان علی النجوم،کما ینطبقان علی أی علة أخری فی الکون.فیکون المستوی الأول هو الوجه الحادی عشر و المستوی الثانی هو الوجه الثانی عشر.
الوجه الثالث عشر:و هو الاتجاه الموافق مع الطبیعیین و المحدثین من علماء الفلک أو غیرهم.
و هو أن یقال:إن مقتضی الفهم العام للحیاة هو نفی تأثیر النجوم بالمرة فی الحیاة الأرضیة،إلا ما ثبت بالدلیل التجریبی.فإن صدف أن ثبت شیء منها بالدلیل اعتقدنا بصحته،کاستناد المد و الجزر إلی حرکة القمر و استناد
الطاقة إلی الشمس و نحوها.و إلا کان الأمر داخلا فی حیز النفی و هم إنما یعتقدون ذلک تسبیبا قسریا علی غرار سائر ما یرون من أشکال التسبیب فی الکون.مضافا إلی اعتقاد بعضهم إلی نفی العلیة علی ما شرحنا فی الوجه الحادی عشر.و اعتقاد البعض الأخر بالعلیة الطبیعیة فتکون الوجوه أربعة عشر.
و لا یحتاج الأمر إلی أکثر من ذلک بعد اتضاح کثیر من أسسه و تفاصیله.
هناک بعض الأفکار التی تعتبر غریبة علی الفهم المعاصر للفرد الاعتیادی سنحاول فیما یلی إیضاح بعض جوانبها ضمن النواحی الآتیة:
الناحیة الأولی:أن الوجوه السابقة تتوقف علی التفریق بین عدة مراتب من العلیة:
أولا:الإیجاد و الخلق.
ثانیا:العلیة بالمعنی العقلی أو المنطقی.
ثالثا:التسبیب.
رابعا:الترتیب بمجرده.
أما الإیجاد و الخلق،فهو المنسوب إلی اللّه عز و جل.و هو بهذا المعنی خاص به تبارک و تعالی و لا یشارکه فیه غیره من خلقه.فنسبته إلی النجوم و الأفلاک أو أی سبب من الأسباب مهما ارتفعت أهمیته،یعد من الشرک لا محالة.
و معناه لدی الفلاسفة هو إفاضة الوجود علی الماهیة.أی تسلیط نور الوجود علیها بعد ظلام العدم.و عند العارفین:أن کل شیء قائم به و دائم به تبارک و تعالی.و لو فرض مستحیلا غفلته تبارک و تعالی عن العالم طرفة عین لا نعدم کل شیء إلا ذاته المقدسة سبحانه و تعالی.
و قد علمنا من عدد من الوجوه السابقة فی معنی التنجیم أنها مبتنیة علی نسبة هذا الشکل من المعنی إلی النجوم.و هو من الشرک الخفی لا محالة.
فإن کان لها نحو من التأثیر،فهو علی الأشکال و المعانی التالیة.
و أما العلیة بالمعنی العقلی أو المنطقی،فمختصر الکلام فیه:أنهم قالوا:إن الشیء یحتاج فی وجوده من بعد العدم،بالنسبة إلی غیر العلة الإلهیة،یحتاج إلی ثلاثة أمور:المقتضی و الشرط و عدم المانع.
فالمقتضی هو العلة الأساسیة التی قالوا فیها مثلا:أن الواحد لا یصدر إلا عن الواحد.أو لزوم الاتحاد فی الجنس بین العلة و المعلول.إلا أنه لا یؤثر إلا مع وجود الشرط و عدم المانع.فإن حصل ذلک کان العلة تامة.و إذا وجدت العلة التامة وجب وجود المعلول،بالوجوب الغیری،کما هو مسطور فی محله.
و مثلوا للمقتضی بالنار فی إحراق الورقة،و للشرط بدخول الورقة فی النار.و للمانع برطوبة الورقة فلو کانت رطبة فالمانع عن الاحتراق موجود.
و أما التسبیب أو السببیة،فهی مفهوم أعم من العلیة التامة و لا یجب الوجود عند وجوده غالبا.فوجود المسبب دلیل علی وجود السبب دون العکس.
و التسبیب یصدق علی عدة أمور:
الأمر الأول:العلیة التامة التی عرفناها.
الأمر الثانی:جزء العلة أو المعد کما یسموه.کوجود المقتضی وحده أو الشرط وحده أو هما مع المانع.
الأمر الثالث:التسبیب الطبیعی الغالبی،کعلیة الدواء للشفاء،الذی قد یحصل و قد لا یحصل و إن کان حصوله غالبیا طبعا.
و علی أی حال،فقد قالوا:إن الأمر إذا لم یعد إلی العلیة التامة لم یوجد المعلول.
و قد قسم بعض الفلاسفة،و منهم أستاذنا المظفر قدس سره العلیة إلی قسمین:ما منه الوجوه و ما به الوجود.و یراد بالأول:الإفاضة الإلهیة.و یراد بالثانی:العلیة التامة للأشیاء بعضها لبعض.
و کان یقول:إنه لا بد من اجتماع کلا هذین السنخین من العلیة لوجود المعلول و لیس العلة التامة بالمعنی الثانی فقط.و هما لیسا بنحو الشرکة و لا بنحو الطولیة،و لکن بمعنی آخر لم یکن یصرح به.إلا أنه کان یقول:إن العلة عند ما تتم یطلب المعلول بلسان حاله الوجود من الباری سبحانه.و اللّه سبحانه کریم لا بخل فی ساحته،فیفیض الوجود علیه.
أقول:لا یفرق فی علة ما به الوجود بین أن تکون اختیاریة أو اضطراریة،و بتعبیر آخر:أنه لا فرق بین أن یدخل الاختیار کجزء من العلیة التامة أولا.و معه فنسبة أفعال الإنسان أو غیره من أشکال الأفعال الاختیاریة، و کذلک النجوم لو کانت مختارة.نسبتها إلی الفاعل هی نسبة ما به الوجود أو العلیة التامة و إن کانت اختیاریة.بمعنی أنه یجب وجود المعلول عند وجودها بالوجوب الغیری.
نعم،تفرق العلة الاختیاریة عن القسریة،بالنسبة إلی العلة أو الفاعل.
حیث یستطیع المختار أن لا یفعل بینما لا تکون العلة القسریة مخلولة بالترک.
بقی عندنا الاصطلاح الأخیر و هو مجرد الترتب.و هو ما علمناه من المسلکین و السابقین من نفی العلیة الضروریة بین الأشیاء.أما بالنسبة العارفین فینسبون الجمیع إلی اللّه عز و جل.بمعنی أنهم یثبتون علة(ما منه الوجود)و ینفون علة(ما به الوجود).
و أما بالنسبة إلی الطبیعیین فینفون العلیة بکل إشکالها،فتعود إلی الصدفة المطلقة فی کل شیء.مع أن مفکریهم حاولوا أن ینفوها عن أصل الوجود بالقول بأزلیة الکون،و تخیلوا أن هذا یعوّض عن ذلک.فکیف لا ینفوها بالنسبة إلی تفاصیل الأسباب الکونیة؟و تمام الکلام فی الفلسفة.
الناحیة الثانیة:قول من یقول بأن للنجوم و الأفلاک أرواحا أو نفوسا أو
عقولا تکون بها عالمة عامدة مختارة و قادرة و فاعلة.
و هذا،بالرغم من غرابته فی الأذهان الاعتیادیة،هو المشهور بین الفلاسفة الإسلامیین و کثیر من الیونایین و غیرهم.حتی أنهم أخذوا الأمر مسلما فی حل عدد من المشاکل الفلسفیة و العقائدیة.
و قد استدلوا علی ذلک بعدة أدلة نذکر بعضها:
الدلیل الأول:حرکات النجوم و الکواکب،و هی حرکات مرئیة بالوجدان.فما هی علتها الفاعلیة و ما هی علتها الغائیة أی الهدف من وراء الحرکة.
یجیب الملتزمون بظاهر الشریعة:إن العلة الفاعلیة هو اللّه سبحانه علی نحو القسر للکواکب و النجوم.و العلة الغائیة هو معرفة الحساب من عدد السنین و الشهور و غیرها،کما نص القرآن الکریم لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِینَ وَ الْحِسابَ .
غیر أن الفلاسفة لا یرون هذا کافیا،فاللّه سبحانه و إن کان هو الفاعل لکل شیء،و لکن یحتاج الأمر إلی علة أخری بین الخلق نفسه هی التی سمیناها(بما به الوجود).کما أن العلة الغائیة المذکورة مربوطة بالبشر فما هی العلة المربوطة بالکواکب نفسها.
و من هنا قالوا:فی العلة الفاعلیة هو الاختیار،یعنی هی التی تسیر باختیارها و إرادتها.و قالوا فی العلة الغائیة هی ما نسمیه بلغة المتشرعة:
بطاعة اللّه عز و جل.و بلغة الفلاسفة التکامل نحو الکمال المطلق.و معنی ذلک أن جهدها فی حرکاتها هذه ترید به التکامل و التسامی فی هذا الطریق.
و من هنا أثبتوا للأفلاک نفوسا ناطقة کالنفوس البشریة،و أضافوا أنها طریق التأثیر من العلل العلیا إلی العلل الدنیا،یعنی أن لها نحوا من أنحاء التوسط فی العلیة.و أن الفلک الأعلی تنطبع فیه بقدرة اللّه سبحانه مقادیر سنة کاملة،و لا تزال تنزل إلی حیز التطبیق إلی نهایة السنة،باختیار و فاعلیة الفلک نفسه.
و هم بالطبع لا یرون الفلک الأعلی نهایة العلل،بل هناک علل أعلی منه،کاللوح المحفوظ،و العقل الفعال.کما أن هناک علل أدنی منه،و هی العلل الطبیعیة المعروفیة.
الدلیل الثانی:التأثیرات الکوکبیة علی الأرض،کما یقول به المنجمون،و یکفی الاعتراف بها جزئیا.فإن هذه التأثیرات إنما تکون من قبل فاعل مختار.لأن مصالحها معروفة و محسوسة لدینا،و کل عمل فیه مصلحة ففاعلة عالم و عامد و مختار.و إذا تکرر الأمر کان ذلک تأکیدا و إیضاحا للفکرة.
و هنا یجیب المتشرعة الملتزمون بظاهر الشریعة،أن هذه المصالح موجودة بمشیئة اللّه سبحانه.و هذا لا یعنی أن الکواکب نفسها فاعلة و مختارة.
و یجیب الفلاسفة:أننا کما نحتاج إلی العلیة فی الخلق،أی ما به الوجود.نحتاج إلی علة غائیة أیضا،لأن الفعل منسوب بنسبة صحیحة و کاملة إلی الأفلاک.إذن فهی التی أنتجت النتائج المطلوبة و الصحیحة،و کل من أنتج مثل هذه النتائج فهو فاعل مختار.
فهذه نبذة عن استدلال الفلاسفة.و لا أرید أن أکون مدافعا عنها،لأن أسسها و تفریعاتها تخرج بعمقها و تفاصیلها عن مستوی هذا الکتاب.
و المهم أن القول بوجود الاختیار للأفلاک و النجوم لیس بالأمر الغریب، بل هو المشهور بین الفلاسفة فعلا.
بقی إن نلتفت و لو بصورة موجزة إلی أن العلم الطبیعی الحدیث لم یأت بتفسیر قطعی لحرکات الکواکب و النجوم،و إنما عرضوا نظریات و احتمالات لنشئ الکون لا یمکن أن تدخل تحت التجربة التی یؤمنون بأنها الأسلوب الرئیسی أو الوحید للاستدلال.و لا زالوا یحاولون التعمق فی ذلک بمحاولات تکاد أن تکون یائسة.
و من المؤسف أن هذا المنحی أسقط العلة الفاعلیة و العلة الغائیة بالمرة
أو کاد.بالرغم أن الإنسان مجبول فی تکوین عقله علی إدراک ذلک.و إذا کان بعضهم قد آمن بالخلق سبحانه،فإنهم جزموا بالقسریة الفاعلیة و انعدام الغائیة فی سائر العلل الطبیعیة مهما کانت عالیة أو دانیة.
و من الطریف أنهم إن آمنوا بالخالق سبحانه،فإنهم یعتبرونه العلة الأولی،و لا یعتبرون له أی تأثیر له فیما دون ذلک.فیبقی السؤال مفتوحا ضدهم:بأن هذه النتائج الطیبة و المطلوبة فی تنظیم الطبیعة و الکون کیف حصلت،إن کان الفاعل لیس له علم و لا اختیار،و لیس له علة غائیة؟ فهم بین أمرین:أما أن یعترفوا بتأثیر الخالق فی کل صغیرة و کبیرة، کما هو المشهور بین العارفین لتکون الحکمة موزعة بین کل الأشیاء بانتظام.
و أما أن یقولوا بالعلة الغائیة و الاختیار لکل الأسباب الطبیعیة.و أما بالنسبة إلی من ینفی وجود الخالق فالأمر عنده أصعب کما هو واضح.
الناحیة الثالثة:من الأفکار المستغربة فی التنجیم عند الفرد الاعتیادی، هو إشکال التأثیر للعالم الأعلی فی العالم الأدنی أو الحیاة الدنیا.بعد أن تم الحدیث عن أصل التأثیر فی الناحیة السابقة.
و إذا نظرنا إلی التأثیر بمعناه الواسع یعنی غیر الخاص بالتنجیم.وجدنا بعضه واضح الصحة و محسوسا.و بعضها مصرحا به فی القرآن الکریم.
الأمر الذی یرفع الغرابة عن مزاعم المنجمین.فإن هذا التأثیر إن کان ممکنا علی نطاق ضیق فلیکن علی نطاق واسع و الأمثال فیما یجوز و ما لا یجوز واحد.
فمن الآثار المحسوسة:ضوء الشمس فی النهار و حرارتها المسماة بالطاقة الشمسیة.و ضوء القمر باللیل.و ضوء النجوم فیه أیضا.
و کذلک:جمال صفحة السماء بالنجوم.قال اللّه سبحانه إِنّا زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِزِینَةٍ الْکَواکِبِ .
و کذلک:معرفة السنین و الشهور و التواریخ.قال جل جلاله لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِینَ وَ الْحِسابَ .
و کذلک:معرفة الإنسان التائه کالقافلة فی الصحراء أو السفینة فی البحر موقعها من الأرض عند النظر فی النجوم کالنجم القطبی و غیره.و هو قوله تعالی وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ یَهْتَدُونَ .و قوله جل جلاله وَ هُوَ الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِی ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ ، و کذلک:تأثیر الشمس فی نمو النبات و الإنسان و الحیوان،بتفاصیل علمیة لیس هذا محل شرحها.
و کذلک تأثیر القمر فی المد و الجزر،علی ما ذکروه.
و مما اختص به القرآن الکریم:التصریح بأن الشهب و النیازک جعلت کطرد للشیاطین عن الصعود إلی السماء و محاولة الاستماع إلی کلام الملإ الأعلی. وَ حِفْظاً مِنْ کُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ لا یَسَّمَّعُونَ إِلَی الْمَلَإِ الْأَعْلی وَ یُقْذَفُونَ مِنْ کُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ .و لهذا الأمر بعض التفاصیل التی لا حاجة إلی سردها الآن.
و أما قوله تعالی فَنَظَرَ نَظْرَةً فِی النُّجُومِ فَقالَ:إِنِّی سَقِیمٌ فالآیة بظاهرها تدل علی تأثیر مغایر لکل ما سبق.إذا یبدو أن إبراهیم الخلیل علیه السلام استطاع أن یکتشف مرضه من النظر فی أوضاع النجوم.و هذا لا یکون عادة إلا إذا کان هناک شکل من الاقتران أو السببیة بین وضع النجوم و بین هذا المرض.و هذا هو الذی یدعیه المنجمون تماما.
هذا بغض النظر عن إمکان إعطاء تفسیرات أخری للآیة سبق بعضها.
علی أن التفکیر الناضج و المتأخر لدی الفلکیین المحدثین هو الترابط الکونی الشامل.فما من شیء إلا و له تأثیر قریب أو بعید علی شیء آخر، بحیث لو کان علی غیر هذا الشکل.أکثر أو أقل.لا ضر بغیره ضررا قلیلا أو کثیرا،حسب مقدار ارتباطه به.
إلا أنهم یفهمون هذا الترابط لا علی شکل الفهم السابق للمنجمین، بل علی أساس قیامه علی شکل من أشکال التسبیب الطبیعی،و لکنه بحکمة
و تدبیر و(عقل کونی)شامل تبدو فیه الحکمة و المصلحة مرئیة للعیان.
و علی أی حال،فالحکمة مما لا ینکره المنجمون المؤمنون بالخالق سبحانه،و هم یعتقدون،أنهم متعمقون فی فهم الأسباب أکثر مما یجدها المفکر فی معمله أو تجاربه.و لا ینبغی أن ننسی ما قاله الطبیعیون المحدثون أیضا من أنهم لم یعرفوا إلا زاویة صغیرة من الکون و أن المجهول عندهم أوسع و أعمق بکثیر من المعلوم،فلعل المنجمین قد التفتوا إلی شیء من ذلک العمق أکثر مما التفت إلیه الطبیعیون.
و لعلنا حین نقول أو نسمع(أن أصل الحساب حق)و أنه(من علوم الأنبیاء)نأمل أن یکون هذا الحساب قد استوعب الترابط الکونی بکل جوانبه، غیر أنه ترابط عمیق أعلی من الطاقة البشریة و الفهم الإنسانی و أن(قلیله لا ینفع و کثیره لا یدرک).
قال أهل اللغة (1)
لسان العرب.
:السحر کل عمل یتقرب به إلی الشیطان.و الأعمال التی تأخذ العین حتی یظن الناس أن الأصل علی ما یری.و السحر:الأخذه بالضم أو بالفتح،وحدة الأخذّ-و کل ما لطف مأخذه و دق فهو سحر و الجمع أسحار و سحور.و رجل ساحر من قوم سحرة و سحار.
و سحار من قوم سحارین و لا یکسر.
و السحر:البیان فی فطنة.و منه ما ورد عن النبی صلی اللّه علیه و علی آله:أن من البیان لسحرا.
قال الأزهری:و أصل السحر صرف الشیء عن حقیقته إلی غیره.فکان الساحر لما رأی الباطل فی صورة الحق و خیل الشیء علی غیر حقیقته قد سحر الشیء عن وجهه أی صرفه.و قال الفرّاء فی قوله تعالی فَأَنّی تُسْحَرُونَ معناه:فأنی تصرفون.و مثله فأنی تؤفکون.أفک و سحر سواء.
و قال یونس:تقول العرب للرجل ما سحرک عن وجه کذا و کذا أی ما صرفک عنه.
و روی شمر عن ابن عائشة:قال:العرب إنما سمت السحر سحرا لأنه یزیل الصحة إلی المرض.و إنما یقال سحرة أی أزاله عن البغض إلی الحب.
1) 1)
و لا یخفی و نحن فی أول الفصل،أننا نتحدث عن شیء مجهول الکنه نسبیا لا یعرف الناس منه إلا القلیل.فإن السحرة لا یعربون عن سر الصنعة إلا لمن سلک طریقهم و وصل إلی مرتبتهم.
و من هنا کل من عرّف السحر من المصادر المتوفرة،و غیر المتوفرة، فإنما هو ناظر إلیه عن بعد و لیس ناظرا عن قرب.و لا یوجد هناک مصدر یکون مؤلفه ساحرا فعلا لیعرفنا السحر عن حقیقة تفاصیله.
إلا أن الأمر لیس مجهولا مطلقا،و خاصة إذا اعتمد الفرد علی المصادر الموثوقة.
و السحر فیه جهتان مهمتان لا بد من سبر غمارهما حسب الإمکان.
أولا:فی التعریف بالقوانین التی یعتمد علیها السحرة فی إنتاج أعمالهم الغریبة.
ثانیا:فی أن السحر هل له واقع،یعنی أنه یغیر الواقع عن واقعه، فیجعل التفاحة صخرة حقیقة مثلا.أو أنه مجرد تخییل و توهم للناظرین فحسب.فإن کان هناک تأثیر فإنما هو تأثیر علی نفوس الناظرین و عیونهم.أو أن فی السحر کلا الجانبین؟.
و إذا کان له کلا الجانبین فهو إذن واقعی.کل ما فی الأمر أنه کما یؤثر فی الواقع یؤثر فی العیون أیضا،بصفتها أحد موجودات هذا العالم.
و ینبغی أن نلتفت إلی أنه لا ربط بین الجهة الأولی و الثانیة،إذا یمکن صدق الجهة الأولی علی کلا الاحتمالین من الجهة الثانیة.فإنه لا بد من وجود شیء من القوانین یعتمد علیها الساحر فی تغییره للواقع الخارجی و تغییره للواقع النفسی أعنی الخیال و الإیهام.
و من هنا لا بد من التحدث فی هاتین الجهتین قبل الدخول فی التفاصیل الأخری:
الجهة الأولی:فی نوعیة أو ماهیة القوانین التی یعتمد علیها السحرة فی إیجاد أعمالهم السحریة.
و أفضل ما وجدت فی المصادر المتوفرة ما یلی:
قال (1)
المکاسب:33. [1]
فی الإیضاح عن السحر:أنه استحداث الخوارق،أما بمجرد التأثیرات النفسانیة و هو السحر.أو بالاستعانة بالفلکیات فقط.و هو دعوة الکواکب.أو بتمزیج القوی السماویة بالقوة الأرضیة.و هی الطلسمات.أو علی سبیل الاستعانة بالأرواح الساذجة.و هی العزائم،و یدخل فیه النیرنجات.و الکل حرام فی شریعة الإسلام و مستحله کافر.و قال فی الکشکول بما مضمونه:إن السحرة اختلفوا فی مصدر سحرهم،فمنهم من یقول:إنه ناتج عن الجن و منهم من یقول إنه ناتج عن الطلسمات و منهم من یقول أنه ناتج عن النفوس القویة،و منهم من یقول إنه ناتج عن الفلکیات.
و من الطرائف ما نقل عن المجلسی فی بحار الأنوار،حیث قال ما حاصله:إن السحر علی أقسام:
الأول:سحر الکلدانیین الذین کانوا فی قدیم الدهر.و هم قوم کانوا یبدون الکواکب و یزعمون أنها المدبرة لهذا العالم و منها تصدیر الخیرات و الشرور و السعادات و النحوسات.ثم ذکر أنهم لی ثلاثة مذاهب:فمنهم من یزعم أنها الواجبة لذاتها الخالقة للعالم.و منهم من یزعم أنها قدیمة لقدم العلة المؤثرة فیها.و منهم من یزعم أنها حادثة مخلوقة فعّالة مختارة فوض خالقها أمر العالم إلیها.
و الساحر عند هذه الفرق من یعرف القوی العالیة الفالة،بسائطها و مرکباتها و یعرف ما یلیق بالعالم السفلی.و یعرف معداتها لیعدها و عوائقها لیدفعها بحسب الطاقة البشریة،فیکون متمکنا من استحداث ما یخرق العادة.
الثانی:سحر أصحاب الأوهام و النفوس القویة.
الثالث:الاستعانة بالأرواح الأرضیة.و قد أنکرها بعض الفلاسفة.و قال
1) 1)
بها الأکابر منهم و هی فی أنفسها مختلفة.فمنهم خیرة و هم مؤمنوا الجن و شریرة و هم کفار الجن و شیاطینهم.
الرابع:التخیلات و الأخذ بالعیون.مثل راکب السفینة،یتخیل نفسه ساکنا و الشط متحرکا.
الخامس:الأعمال العجیبة التی تظهر من ترکیب الآلات المرکبة علی نسب الهندسة کرقاص یرقص و فارسان یقتتلان.
السادس:الاستعانة بخواص الأدویة مثل أن تجعل فی الطعام بعض الأدویة المبلدة أو المزیلة للعقل أو الدخن المسکر أو عصارة البنج المجعول فی الملبس.و هذا مما لا سبیل إلی إنکاره و أثر المغناطیس شاهد.
السابع:تعلیق القلب.و هو أن یدعی الساحر أنه یعرف علم الکیمیاء و علم اللیمیا و الاسم الأعظم حتی یمیل إلیه العوام و لیس له أصل.
الثامن:النمیمة.انتهی.
و إنما وصفنا هذا الوصف بأنه طریف،لأنه عد من السحر ما لیس منه قطعا کالنمیمة و استعمال الآلات الهندسیة،أو المیکانیکیة و المغناطیس و غیرها.
و قد ذکرنا فی بعض کتاباتنا القدیمة،ما مضمونه:
إن القوانین الکونیة علی ثلاث مراتب نذکرها بالترتیب من الأدنی إلی الأعلی:
المرتبة الأولی:القوانین الطبیعیة المعهودة.التی یعرب عنها عادة علوم الفیزیاء و الکیمیاء و الفلک و الطب و نحوها.و منها:قانون الجاذبیة و سرعة النور و غیرها.
المرتبة الثانیة:ما سمیناه بالقوانین الوسطی.لأنها متوسطة بین ما هو أعلی منها و ما هو أدنی منها.
و هی عدة أنواع سبقت الإشارة إلی بعضها:منها تسخیر الجن و منها استعمال الطلسمات و منها علم الجفر أو علم الحروف.و منها قوانین الأفلاک باصطلاح القدماء و هی ما دون فلک الأفلاک أو الفلک الأعلی إلی غیر ذلک.
المرتبة الثالثة:قوانینه عالم الجبروت الإلهیة و هی الأعمال أو النتائج التی تظهر عن العقول المجردة و الملائکة المقربین و الأرواح العلیا.فما فوقها.
و قلنا هناک أن السحر ما ینتج من القوانین الوسطی،کلها أو بعضها علی تفصیل قد نشیر إلیه إن شاء اللّه تعالی.علی حین تنتج المعجزة من القوانین ذات المرتبة الثالثة.و سنشیر إلی ذلک أیضا بعونه تعالی.
و معنی کونها مرتبة فی العلو:أنها مترتبة فی الشرف و الأهمیة أو قل:
أنها مترتبة من حیث السیطرة و الشمول.لأن عوالمها مسیطرة بعضها علی بعض.و کلما کان العالم عالیا،کان مسیطرا علی ما تحته،کما هو مسطور فی الفلسفة.
و لکن قد نقول بإزاء هذا الاستنتاج:أن هناک رتبة رابعة من القوانین و هی أسفل منها جمیعا،یعتقد بعض الناس بوجودها.و هی قوانین ما یسمی (بعالم الظلام)أو الأرض السفلی و نحوها حیث محل سکنی الشیاطین و المردة و الأرواح الشریرة.
و تلک المرتبة من الوجود-لو صحت-لها أعمالها و لها قوانینها،و هی التی یستخدمها السحرة،فإنهم بطبعهم یرون أن کمالهم هو الوصول إلی عالم الظلام و الاتحاد بالشیاطین.علی حین أن أهل المعرفة من البشر یرون أن الکمال الحقیقی هو الوصول إلی عالم النور،و هو المشار إلیه فی المرتبة الثالثة السابقة.
و ینبغی أن نشیر هنا إلی بعض الأمور:
الأمر الأول:أن السحر لیس هو وجود أی عالم من تلک العوالم و لا
وجود القوانین التی تحکمه.فإن لتلک العوالم مصالح فی وجودها حسب الحکمة الإلهیة التی اقتضتها و أحکمت تدبیرها.
و إنما السحر هو استغلال تلک القوانین من قبل الساحر أو الفرد الدنیوی أعنی من عالمنا هذا استغلالا معینا،یغلب علیه الإضرار بالآخرین.
الأمر الثانی:أن کل القوانین السابقة مما ینتج أحیانا أعمالا خارقة للعادة،حتی القوانین الطبیعیة.کصناعة الروبوت مثلا أو إعادة البصر إلی الأعمی طبیا أو غیر ذلک،کل ما فی الأمر أن التدرج المعهود فی العلوم و الاعتیاد علیها،جعلها فی ضمن الأمور المعتادة.و لکن یمکن أن نتصور فردا منذ مئة سنة أو أکثر،فما ذا سیقول عن هذه النتائج الخارقة؟.
و الکلام الآن أن السحر ما هو:
أولا:هل هو الناتج من قوانین عالم الظلام.
ثانیا:أو أنه الناتج من قوانین العالم الأوسط کلها.
ثالثا:أو هو الناتج من بعض قوانین العالم الأوسط،دون الجمیع.
رابعا:أنه هو الناتج من مجموع العالمین الأوسط و الأدنی.
و الذی أراه أن العالم الأسفل یمکن أن یکون منبعا للسحر.و أما العالم الأوسط فلیس کله کذلک.بل لعله کله لیس کذلک،إلا ما جاء بالإضرار بالآخرین.
و إنما هو عالم فسیح فیه عدة أشکال من التصرفات.کما یوجد فی عالمنا هذا قوانین فیزیاویة و کیمیاویة و غیر ذلک.و لا شک أن تسخیر الجن بمجرده لیس سحرا،و لم یفت فقیه بحرمته فیما أعلم.کما أن علم الجفر الذی هو استخدام الحروف لاستنتاج النتائج الغیبیة لیس سحرا.و لا یقول أحد بحرمته.و یکفینا فی جوازه ما دل من السنة علی أنه کان لدی فاطمة سلام اللّه علیها:الجفر الجامع و فیه کل شیء مسطور،حتی أرش الخدش.
بقی عندنا قوانین الطلسمات و قوانین الفلک الأدنی.و لا اعتقد أن استخدامها لنفع الآخرین سحرا و لا حراما.نعم لا شک أن استخدامها للضرر
حرام.و لعلها بصفتها أفعالا خارقة للعادة تکتسب صورة السحر عملیا و عرفا.
کما أن تسخیر الجن،بمعنی تسخیر فسقتهم و شیاطینهم لا یکون عادة إلا للضرر.فیکون حراما أیضا.و أیضا بصفتها سببا للأفعال الخارقة،فسوف یکون سحرا من الناحیة العملیة أو العرقیة.و إن کان تسمیتها بالکهانة أقرب کما سیأتی فی الفصل الخاص بها و سیأتی إیضاحات حول ذلک فی نهایات هذا الفصل.
الأمر الثالث:هل السحر هو العلم أو هو التطبیق.
طبعا من الناحیة العرفیة فإن السحر هو التطبیق.لأن الناس إنما یجدون من سحر الساحر ذلک.و لا یشعرون بعلمه النظری بطبیعة الحال.
فهل نستطیع أن نسمی من یعرف علم تلک القوانین ساحرا،و إن لم یطبقه فی حیاته.لا شک أن هذه تسمیة غیر عرفیة و لا صحیحة.
الأمر الرابع:هل یؤخذ فی السحر شرط الإضرار.یعنی أن العمل المضر بتلک القوانین هو السحر،دون استخدامها النافع.فإنه لیس بسحر.
أو أن کلا الشکلین هو السحر.کل ما فی الأمر أن النافع منها جائز شرعا و إنسانیا و أما الضار فهو محرم.
و الانصاف أننا إن فهمنا من السحر استخدام تلک القوانین استخداما خارقا للطبیعة.فیکون الاستخدام النافع سحرا أیضا و إن کان جائزا.و قد سبقت ما فیه من المناقشة.
الأمر الخامس:هل یشترط فی السحر أن یکون له طرف آخر غیر الساحر.یعنی:أن یوجد فیه شخص مسحور.أم لا یشترط ذلک.فیکفی فیه بعض الاستخدامات الغریبة القائمة بحد ذاتها أو قائمة بالساحر نفسه.
الظاهر الاحتمال الثانی،ما دام السحر هو استخدام تلک القوانین.
الأمر السادس:هل یشترط فی السحر أن یکون الناتج أو العمل خارقا
للطبیعة.أو یکفی أن یکون عملا ما سواء کان خارقا أو غیر خارق ما دام ناتجا عن القوانین المشار إلیها،و غیر ناتج عن القوانین الطبیعیة.
و الذی سمعناه من المصادر أنه یشترط فی السحر أن یکون عملا خارقا للطبیعة.إذن فالعمل غیر الخارق لیس سحرا لا عرفا و لا عقلا.مهما کان منشؤه.
الأمر السابع:هل السحر أمر واقعی أو أمر تخییلی لا یحتوی إلا علی التأثیر فی النفس أو الخیال أو الوهم ما شئت فعبر.فهذا ما سنبحثه فی جهة مستقلة بعونه تعالی.
الأمر الثامن:إن المجلس عد للسحر ثمان تطبیقات أو مصادیق.إلا أن الصحیح أن الخمسة الأخیرة منها خارجة عن السحر یقینا.
قال:الرابع:التخییلات و الأخذ بالعیون.کمراکب السفینة یتخیل نفسه ساکن و الشط متحرکا.
و هذا التعبیر إن دل علی شیء فإنما یدل علی ما یسمی(الشعوذة)و هی الأعمال التی تبدو غریبة نتیجة لسرعة الحرکة فی الید أو الرأس أو غیرها.
قال:الخامس:الأعمال العجیبة التی تظهر من ترکیب الآلات علی نسب الهندسة کرقاص یرقص و فارسان یقتتلان.
و بالرغم من احترامی لهذین المثالین اللذین لم یتوصل إلیهما العلم الحدیث لحد الآن.فإنه لیس من السحر بحال.لأنه ناتج من نظام هندسی أو میکانیکی أو غیره.و علی أی حال فهو من القوانین الطبیعیة و لیس من خارجها.
قال:السادس:الاستعانة بخواص الأدویة.إلخ.
و هذا واضح أنه استخدام للقوانین الطبیعیة دون ما سواها.کل ما فی الأمر أن بعض هذه الاستخدامات قد تکون مضرة،فتکون حراما.أو قد تکون مقدمة لبعض أشکال السحر الذی یترتب علیها،بمعنی أنها تسهل عمل
الساحر أو تمهد له.و لیس معناه أنها سحر بالفعل.
و قال:السابع:تعلیق القلب إلخ.و قد شرحه علی أنه تزویر و لیس له (أصل)کما قال.کل ما فی الموضوع أن الفرد عند ما یعتقد بشیء ینبعث نفسیا نحو نتائجه.و قد ورد:من اعتقد بحجر کفاه.و علی أی حال فمن الواضح أنه لیس من السحر.
و قال:الثامن:النمیمة.أقول و من الواضح أنها لیست سحرا.
و العجیب أنه عدها مع السحر بالرغم من هذا الوضوح.و إنما ینبغی لنا أن نبحث له عن الأعذار التی أوجبت له هذا التعداد.
فالنمیمة تنتج نتائجها مع غفلة الفرد الذی یشتغل النمام ضده،فتکون له نحوا من المفاجأة و العجب.و هذا یجعلها شبیهة بالسحر مجازا.و لذا ذکرها هنا و هو أعلم بما قال.
الأمر التاسع:أنه قد یخطر فی البال:أن العالم الأدنی أو عالم الظلام،لما کان أدنی و أقل من عالم الطبیعة فهو لا یمکن أن یؤثر فیه علی الإطلاق.لأننا نعرف أن کل عالم أعلی مسیطر علی ما دونه و کل عالم أدنی فلیس له السیطرة علی ما فوق.و هذا ینطبق علی عالم الظلام.
و هذا یمکن أن یجاب بعدة وجوه نذکر منها واحدا.و هو أن عالم الظلام إن خلی و نفسه،فهو غیر قابل للتأثیر فی عالم الطبیعة لأنه أدنی منه.
إلا أن تأثیراته فی الطبیعة إنما تکون بواسطة الساحر نفسه،الذی یناسب وجوده وجود عالم الطبیعة بطبیعة الحال.
فإذا مرت تلک القوانین بنفس الساحر و أدواته اکتسبت(إعلاء)معینا و أصبحت مناسبة مع عالم الطبیعة،بحیث یمکنها التأثیر فیه.
الأمر العاشر:أن هناک فکرة فلسفیة معینة تمت إلی فهم العالم بصلة، لیس لها ارتباط مباشر بما نتحدث عنه فی هذا الفصل.یحسن أن نذکرها و نذکر عدم ارتباطها.و إنما هی بالنسبة إلی هذا الحدیث مجرد أمر نظری غیر تطبیقی،و إن کانت تطبیقیة فی مجالات أخری.
فإننا ذکرنا فی کتابنا:الیوم الموعود.أن القوانین الطبیعیة لیس لها وجود.لأن معنی القانون معنی انتزاعی ذهنی،کمفهوم الإنسانیة و الحیوانیة و غیرها،یجمعها الذهن و یحکم بوجودها من وجود أفرادها.
فمثلا:ان الذهن البشری حین یجد سقوط التفاحة و سقوط الحدیدة و سقوط أی شیء مکررا،یحکم بأن هناک معنی عام کلی اسمه قانون الجاذبیة.و هو مفهوم ذهنی و لیس له واقع خارجی.
و إنما الواقع الخارجی للأفراد و التطبیقات لیس إلا.و لا نستطیع أن نقول للمفهوم الذهنی أنه مؤثر فی الأفراد علی الإطلاق،فکیف أصبح قانونا حاکما علی الطبیعة و متنفذا فیها.
و هذا المعنی یشمل کل ما نسمیه بالقانون،لا أعنی القانون الوضعی، بل القانون الکونی أو التکوینی،سواء کان فی عالم الطبیعة أم فی غیره.
القوانین فی العوالم الأخری علیاها و سفلاها أیضا غیر موجودة،و إنما الموجود هو تأثیر أفرادها بعضها فی بعض.
و بالرغم من أننا عبرنا فیما سبق بالقوانین،و لعلنا نعبر بعد ذلک أیضا، إلا أنه من باب مجارات الخطأ الشائع.و التکلم بلغة الآخرین.إلا أن الصحیح هو ذلک.
إلا أن هذا-کما قلنا-لا یؤثر علی مجری حدیثنا أو قل:لا یؤثر علی مجری السحر و الساحرین.کما هو غیر مؤثر فی تأثیرات عالم الطبیعة نفسه.
فإن المهم هو تأثیر عالم فی عالم لینتج نتائج خارقة لنسمیه سحرا.و المؤثر هو الأفراد و هو القانون.هذا غیر مهم الآن من الناحیة العملیة.و إن کان الصحیح هو تأثیر الأفراد أو المصادیق دون القانون.
الجهة الثانیة:إن السحر هل هو واقعی أو تخییلی.
لا شک أن فی السحر ما هو تخییلی،أو أن قسما منه کذلک،کما یدل علیه قوله تعالی یُخَیَّلُ إِلَیْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعی .
إلا أن المهم الآن أن السحر هل یستطیع التأثیر فی الواقع،کما یستطیع التأثیر فی الوهم و الخیال.أو أنه خاص بالشکل الثانی من التأثیر و لا یؤثر فی الواقع علی الإطلاق.
لا شک أن المفهوم من عدد من تعاریف السحر،هو الرأی الأخیر، یعنی الاختصاص بالتخییل.و هو المشهور بین فقهائنا بما فیهم سیدنا الأستاذ و بعض أساتذتنا.
و کان بعض أساتذتنا یقول ما مؤداه:إن آلات التصویر لا تصوّر التخییل السحری بل تصور الواقع.فبالرغم من أن العین تری الواقع متغیرا إلا أن آلة التصویر تراه کما هو لو صح التعبیر.
کما أنه کان یقول:إن تغییر الواقع لیس من السحر و لیس حراما:فلو کان لشخص طریقة بأن یذهب الملوحة من میاه البحار فلیفعل فإنه سیخدم البشریة خدمة عظیمة.
إلا أن کلا الأمرین قابلین للمناقشة:
أما الأمر الأول:و هو عدم تصویر التخییل السحری.فهو خلاف الوجدان الحسی.لأن الألعاب السحریة المعروضة فی التلفزیون واضحة فی نقل ما یحدث عن طریق السحر.فلو کانت آلة التصویر عاجزة عن التصویر التخییل السحری لما أمکن تصویره بالتلفزیون و من ثم عرضه بعد ذلک.
و هذا یعنی أحد أمرین:
أحدهما:و هو الأهم:أن السحر واقعی و لیس تخییلیا دائما،و آلة التصویر تأخذ الواقع الجدید الذی یحصل بالسحر.
نعم،أنواع السحر التخییلی،لا دلیل علی إمکان تصویره بالآلات.
ثانیهما:إن صح ما کان یقول من أن جمیع السحر تخییلی فمعناه أن الساحر کما یؤثر بسحره علی أعین المشاهدین و خیالهم.کذلک هو یؤثر علی آلات التصویر و بنفس النسبة.
و معه،فإذا کانت کل الدلائل المتوفرة لدینا تدلنا علی أن تغییرا قد حصل فی الواقع فعلا.فکیف نستطیع أن نکذب الحس و آلات التصویر الدقیقة.و بالتالی کیف نبرهن علی أن هذا السحر الذی یبدو واقعیا بکل الوسائل،أنه لیس کذلک؟.
و أما الأمر الثانی:أعنی أن تغییر الواقع لیس من السحر فهو ناتج من قناعته قدس سره بأن السحر خاص بالتخییلی و هذا ما سنناقشه الآن.
فإن هذه القناعة تنشأ من مراجعة التعاریف.و الإنصاف أنها و إن احتوی بعضها علی ذلک،إلا أنها لیست جمیعا کذلک.بل أن أکثر تعاریفه تؤکد علی واقعیته.
و حتی ما نقلناه عن بعض المصادر من قوله عن السحر:أنه استحداث الخوارق بإیجاد التأثیرات النفسانیة و هو السحر.لا یدل علی هذا أیضا.
لأن المراد بالتأثیرات النفسانیة لیس هو التأثیر علی نفس الناظر.و أما هو تأثیر نفس الساحر فی إیجاد السحر.و لا شک أن لها مدخلا فی ذلک عن طریق فرض الإرادة.و هذا معناه أن هذا القائل یری أن السحر من تأثیر النفوس القویة.و هو ما عرفناه أنه أحد أسباب السحر فعلا.
و إذا شککنا فی مراد هذا المؤلف من تعریفه فلا أقل أننا لا نستطیع أن نجزم أو نطمئن أن مراده التخییل أو التأثیر علی نفوس الناظرین،إذ یبقی الاحتمال الآخر موجودا.و إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
و بالتأکید،و لا أقل من الاحتمال أیضا:أن کل من عرف السحر بهذا التعریف أعنی مجرد التخییل اعتمد علی الفهم العام للآیة الکریمة.فهو یعتقد أنه أخذ تعریفه من القرآن الکریم.فتکون قیمة هذه التعاریف مرتبطة بقیمة هذا الفهم من الآیة الکریمة.و هو ما سنبحثه الآن.
قد یستدل بالقرآن الکریم علی أن السحر تخییلی و لیس واقعیا بشکلین یعتبر أحدهما تعمیقا للآخر:
الشکل الأول:قوله تعالی یُخَیَّلُ إِلَیْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعی .
و کذلک قوله تعالی سَحَرُوا أَعْیُنَ النّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِیمٍ .
و الآیة الأولی نص فی أن ما فعله السحرة إنما هو التخییل.و الآیة الثانیة تنص علی أنهم سحروا أعین الناس.و بعد التجرید عن الخصوصیة، یعنی أن نفهم أن المراد لیس هو العین بذاتها و إنما هو إبصارها و إحساسها.
یرجع المحصل العام لهذه الآیة إلی سابقتها،و یکون معنی الآیتین الکریمتین واحدا.و هو أن السحر هو التخییل.
الشکل الثانی:أن نستدل بالآیة الثانیة السابقة وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِیمٍ و نقول:إنها وصفت السحر الذی فعلوه بأنه عظیم.فإذا ضممنا ذلک إلی الآیة الأولی التی تدل علی أنه تخییلی.استطعنا أن نفهم أن کل السحر تخییلی.لأن السحر العظیم إذا کان کذلک فکیف بغیره؟.
و لا بد أن یکون السحر العظیم هو أعلی أنواع السحر،و هو فی نفس الوقت تخییلی.إذن لا یوجد فی السحر ما هو غیر تخییلی بنص القرآن الکریم.
و هذا الوجه تعمیق للوجه الأول،و هو غایة ما یستدل به الذاهبون إلی هذه النتیجة من المفکرین.
إلا أنه قابل للمناقشة من عدة وجوه أهمها:
أولا:أنه ثبت فی علم اللغة و فی علم الأصول:أن العطف دال علی التغایر بین المعطوف و المعطوف علیه.و لا یمکن أن یکونا تعبیرا عن شیء واحد.
و قد عددت الآیة الثانیة ثلاث أمور من تأثیر السحر:
أولا:سحروا أعین الناس.
ثانیا:استرهبوهم.
ثالثا:جاءوا بسحر عظیم.
و مقتضی التغایر بین هذه العناوین المتعاطفة فی الآیة الکریمة،أن السحر العظیم لیس هو السحر لا عین الناس بل غیره.و لئن کان سحر أعین الناس تخییلیا فإن السحر العظیم لیس تخییلیا بل هو واقعی.و لا أقل من احتمال ذلک،بحیث لا دلیل من الآیة علی خلافه.بل هو ظاهر الآیة،لأنه مقتضی التغایر فی العطف.فإذا اتصف أحد القسمین بالتخییل کان القسم الآخر خالیا منه.
إذن فالآیة الکریمة دالة علی وجود السحر الواقعی،و لیست دالة علی نفیه.کل ما فی الأمر أن هؤلاء السحرة قد یکونوا جاءوا بنوعین من السحر أحدهما تخییلی و الآخر واقعی.
ثانیا:إن التأثیر السحری علی العین أو علی الخیال،تأثیر علی الواقع،لأنها من مصادیق الواقع،علی أی حال.و إذا أمکن التأثیر علی الواقع أحیانا أمکن دائما.
و لا دلیل علی أن التأثیر التخییلی أسهل من التأثیر الواقعی.بل لعله أصعب،لأن النفس حسب ما نعرف صعبة المراس أکثر من الطبیعة،فالتأثیر علیها أقوی و أشد.فإذا أمکن للسحر الأمر الأشد أمکن الأمر الأخف.و إن ناقشنا بکونه أشد فلا أقل من التساوی،فیکون إمکانهما متساویا.
ثالثا:إن الخیال غیر الوهم،و إن استعمله الناس فی معناه عرفا و الطاقة النفسیة التی تؤدی إلی مخالفة الواقع أو إدراک ما یخالفه،هی الوهم و لیست هی الخیال.کما ثبت فی الفلسفة.
و أما الخیال،فهو قوة نفسیة حقة،قال بعض الفلاسفة إنها خلقها اللّه
تعالی لرؤیة الموجودات المجردة عن المادة.بعد أن کانت هذه العین الباصرة الدنیویة قاصرة عن رؤیتها.
و هذا هو ظاهر کلام ابن عربی فی الفتوحات المکیة و صدر المتأهلین (1)
ص 379:ج-2.
فی الأسفار الأربعة.فقد نقل فی الأسفار عبارة عن الفتوحات موافقا لها و معترفا بصحتها،ننقل منها محل الحاجة:فاعلم أن هذه المقامات المذکورة لا یدرک إلا بعین الخیال لا بعین الحس إذا شوهدت.فإن صورها إذا مثلها اللّه فیما شاء أن یمثلها متخیلة فنراها،أشخاصا رأی العین.کما نوی المعانی بعین البصیرة.فإن اللّه إذا قلل الکثیر أو کثر القلیل فما نراه إلا بعین الخیال لا بعین الحسن و هو البصر فی الحالین کما قال:و إذ یریکموهم إذ التقیتم فی أعینکم قلیلا و یقللهم فی أعینهم.و قال:یرونهم مثلیهم رأی العین و ما کان مثلیهم فی الحسن فلو لم یرهم بعین الخیال کانت الکثرة فی القلیل کذبا.
ثم قال:و ما فی الکون أعظم شبهة من التباس الخیال بالحس.
و لولا علمه بنومه و أنه رآه فی حال نومه ما قال أنه خیال.فکم یری فی حال الیقضة مثل هذا.و یقول:إنه رأی محسوسا بحسه.قال:هذا باب واسع المجال و هو عند علماء الرسوم غیر معتبر و لا عند الحکماء الذین یزعمون أنهم قد علموا الحکمة.و قد نقصهم علم شموخ هذه المرتبة علی سائر المراتب و لا قدرها عندهم،فلا یعلم قدرها و لا قوة سلطانها إلا اللّه ثم أهله من أولی العلم.و العلم بها أول مقامات النبوة.
إلی أن قال:و یقع بعض ما یشاء العبد فی الدنیا فی الحس.و أما فی الخیال فکمشیة الحق فی النفوذ.فالحق مع العبد فی هذه الحضرة علی کل حال ما یشاؤه العبد کما هو فی الآخرة فی حکم عموم المشیة لأن باطن الإنسان هو ظاهره فی الآخرة.فلذلک یتکون عن مشیته کل شیء إذا اشتهاه.
إلی آخر ما قال.
1) 1)
و العبارات الدالة علی ذلک عدیدة لا حاجة إلی استقصائها.
فإذا عرفنا ذلک رأینا الآیة الکریمة تقول یُخَیَّلُ إِلَیْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعی .و لم تقل أنه یتوهم ذلک.إذن فهذا الإحساس حق و لیس بباطل.
و هو المطلوب.
و قد یقال:إن فهم الخیال بهذا النحو اصطلاح فلسفی و لا یمکن أن نفهمه من النصوص الإسلامیة الأولی:الکتاب و السنة.و إنما نفهم ما علیه العرف.و الخیال فی العرف غیر مطابق للواقع.
و هذا علی القاعدة صحیح،بمعنی أن القاعدة نفسها صحیحة.إلا أن تطبیقها فی هذا المورد لا یخلو من مناقشة.لأن العرف لا شک یدرک فرقا بین الوهم و الخیال.إلا أنه لا یستوضحه بجلاء.و کل ما یدرکه العرف إجمالا و لا یعرفه تفصیلا،فمن أین نستطیع أن نفهم التفصیل؟ فهنا لا یکون العرف مدرکا له و لا حجة فیه،لأنه لا یعرفه.فمن الطبیعی أن نبحث عنه فی مصادر أخری معمقة.فإن الآیة استعملت لفظ الخیال،و هذه المصادر تعرفنا علی حقیقة الخیال.
إذن،فالقرآن الکریم غیر دال بأی حال،علی أن السحر کله مجرد تخییل أو إیهام باطل،کما یرید الناس أن یفکروا و یقولوا.
بل إن القرآن الکریم دال علی واقعیة السحر فی الآیة الکریمة الأخری و هی قوله تعالی (1)
البقرة(103). [1]
وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّیاطِینُ عَلی مُلْکِ سُلَیْمانَ وَ ما کَفَرَ سُلَیْمانُ وَ لکِنَّ الشَّیاطِینَ کَفَرُوا.یُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ،وَ ما أُنْزِلَ عَلَی الْمَلَکَیْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ.وَ ما یُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّی یَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَکْفُرْ.فَیَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما یُفَرِّقُونَ بِهِ بَیْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ ما هُمْ بِضارِّینَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ.وَ یَتَعَلَّمُونَ ما یَضُرُّهُمْ وَ لا یَنْفَعُهُمْ.وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِی الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ کانُوا یَعْلَمُونَ. وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ خَیْرٌ لَوْ کانُوا یَعْلَمُونَ .1) 1)
و یتم الکلام فی هذه الآیة الشریفة فی عدة جهات:
الجهة الأولی:فی فهم الآیة عموما.
و بحسب ظاهرها تعرب الآیة الکریمة عن حادثتین منفصلتین.
أولاهما:قامت بها الشیاطین.و ثانیتهما:قامت بها الملائکة، و بالأخص:الملکین هاروت و ماروت.و کلا الحادثتین موجبتان أو سببان لتعلم السحر بالنسبة إلی الناس و الظاهر أن کلا منهما مفترقة عن الأخری زمانا و مکانا ببون شاسع.
فالأولی فی فلسطین،محل ملک سلیمان و الأخری ببابل.و الظاهر أنها بابل العراق.و أما زمانهما فالأولی وقعت بعد وفاة سلیمان.و الأخری جاءت مهملة من الزمن،فإن المهم العبرة الموجودة فی الحادثة و لیس تاریخها.
و بابل عاشت،کمجتمع عدة آلاف من السنین،و إن اندثرت الآن، و من هنا قسموها إلی عهود ثلاثة.و لا نعلم ما إذا کان بعض هذه العهود معاصرا مع ملک سلیمان أم لا.و لا أن الحادثة التی فی بابل حصلت خلال ملک سلیمان أم قبله أم بعده.و علی أی حال فلیس هذا مهما الآن بالمرة.
أما الحادثة الأولی:فأوضح ما ینطبق علی ظاهر الآیة الکریمة من الروایات.ما عن الإمام الباقر علیه السلام فی حدیث:قال فلما هلک سلیمان وضع إبلیس السحر و کتبه فی کتاب ثم طواه و کتب علی ظهره:هذا ما وضع آصف بن برخیا للملک سلیمان بن داود من ذخائر کنوز العلم.من أراد کذا و کذا فلیعمل کذا و کذا.
ثم دفنه تحت سریره.ثم استناره لهم فقرأوه.فقال الکافرون:ما کان یغلبنا سلیمان إلا بهذا.و قال المؤمنون بل هو عبد اللّه و نبیه.فقال اللّه جل ذکره وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّیاطِینُ عَلی مُلْکِ سُلَیْمانَ .
و معه یکون معنی الآیة (1)
المیزان [1]ج-1:ص 237.
:إن الکافرین (اتَّبَعُوا) یعنی صدقوا و مشوا فی هذا الطریق. (ما تَتْلُوا الشَّیاطِینُ) .و التلاوة هنا بمعنی القراءة و یراد بها التهمة کذبا.و الشیاطین هو إبلیس و مردته.(عَلی مُلْکِ سُلَیْمانَ) .یعنی ضد ملک سلیمان بحیث یبدو أن ملکه غیر مشروع و قائم علی السحر لا علی المعجزة.و لا یراد بملک سلیمان دولته،بل ممارسته الحکم شخصیا.لکی یکون هو مورد التهمة.و لا یراد به علی عهد ملک سلیمان أو فی عهده.لأن سلیمان کان قد توفی کما سمعنا.
(وَ ما کَفَرَ سُلَیْمانُ) بعصیان اللّه و الخروج عن طاعته (وَ لکِنَّ الشَّیاطِینَ کَفَرُوا) بنفس السبب.
(یُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ) لأن الناس وجدوا ذلک الکتاب المکتوب فی السحر و قرأوه أو سمعوا بالتلاوة و حاولوا أن یصدقوه و أن یطبقوه و أن یتبعوه کما قال فی أول الآیة.
و الحادثة الثانیة تبدأ بقوله تعالی وَ ما أُنْزِلَ عَلَی الْمَلَکَیْنِ .و الظاهر أن ما موصولة و معطوفة مثلها و هی ما الموصولة السابقة فی قوله ما تَتْلُوا .
فیکون المعنی:و اتبع الکافرون أیضا:ما أنزل علی الملکین.و الکافرون هنا نوع الکافرین و لیس مجتمعا معینا.و العطف یقتضی تکرار العامل،و هو اتبعوا.
و لیس معطوفا علی السحر،و إن کان أقرب إلیه لفظا.إلا أن المعنی لا یناسبه أصلا.لأنه یکون المعنی:أن الشیاطین یعلمون الناس السحر و یعلمون أیضا ما أنزل علی الملکین إلی آخر الآیة،بما فیها النصیحة (إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَکْفُرْ) .و هذا لا یقوله الشیاطین بطبیعة الحال.کما أن عمل الملکین کان لرد السحر و لیس لاستحداثه،و هذا ما لا تریده الشیاطین أیضا.
و قد وردت فی هذه الحادثة الثانیة عدة روایات،أوضحها انطباقا علی
1) 1)
ظاهر الآیة الکریمة:روایة علی بن محمد بن سیار (1)
الوسائل أبواب ما یکتسب به:باب 25:حدیث 4. [1]
عن أبویهما عن الحسن بن علی العسکری عن آبائه علیهم السلام فی حدیث:قال فی قوله عز و جل وَ ما أُنْزِلَ عَلَی الْمَلَکَیْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ .قال:کان بعد نوح علیه السلام قد کثرت السحرة المموهون.فبعث اللّه عز و جل ملکین إلی نبی ذلک الزمان یذکر ما یسحر به السحرة و ذکر ما یبطل به سحرهم،و یرد به کیدهم.فتلقاه النبی عن الملکین و أداه إلی عباد اللّه عز و جل.و أمرهم أن یقفوا به علی السحر و أن یبطلوه.و نهاهم أن یسحروا به الناس.و هذا کما یدل علی السم و علی ما یدفع به غائلة السم.
(إلی أن قال) وَ ما یُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ ذلک السحر و إبطاله حَتّی یَقُولا للمتعلم إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ و امتحان للعباد لیطیعوا اللّه فیما یتعلمون من هذا و یبطلوا به کید السحرة و لا یسحروهم. فَلا تَکْفُرْ باستعمال هذا السحر و طلب الإضرار به.و دعاء الناس إلی أن یعتقدوا أنک به تحیی و تمیت و تفعل ما لا یقدر علیه إلا اللّه عز و جل.فإن ذلک کفر.
(إلی أن قال) وَ یَتَعَلَّمُونَ ما یَضُرُّهُمْ وَ لا یَنْفَعُهُمْ .لأنهم إذا تعلموا ذلک السحر لیسحروا به و یضروا به فقد تعلموا ما یضرهم فی دینهم و لا ینفعهم الحدیث.
فقد فسرت هذه الروایة أخذ الناس عن الملکین بأنه عن طریق نبیهم و لیس بالمباشرة.لأن الناس لا یرون و لا یسمعون الملائکة عادة.
و قوله (وَ ما أُنْزِلَ) یعنی أنزله اللّه عز و جل و علمه سبحانه للملکین رحمة بالعباد لرد غائلة السحر الذی کان متفشیا فی زمانهم.فکان یذکران العمل السحری ثم یذکران رده و إبطاله.کما فی من یذکر السم و یذکر طریقة إبطاله.کما مثلت به الروایة.
1) 1)
إلا أن الناس تعلموا نطقهم بالسحر و لم یتعلموا نطقهم بالإبطال.و لا أقل من أنهم تعلموا کلا الأمرین.فحصل أنهم تعلموا السحر علی أی حال.
و النفس أمارة بالسوء و هی إلی الشر أقرب من الخیر و للإضرار أقرب من النفع.فازداد السحر عندهم بدل أن ینقص و یتلاشی.
(وَ یَتَعَلَّمُونَ ما یَضُرُّهُمْ وَ لا یَنْفَعُهُمْ) و هذا له عدة أشکال من الفهم نذکر أهمها:
الشکل الأول:ما أعربت عنه الروایة من أن تعلم السحر من الملکین إضرار بالدین،و من ثم فهو إضرار بالنفس فی الآخرة.
الشکل الثانی:إن تطبیق السحر إضرار بالآخرین.و من أضر بالآخرین فقد أضر نفسه لسوء سمعته فی الدنیا و عذابه فی الآخرة.
الشکل الثالث:إن موضع الضرر هو المجتمع ککل،یعنی:ما یضر به بعضهم بعضا.
و قوله وَ لا یَنْفَعُهُمْ .إما أن یراد به أن السحر یضرهم و لا ینفعهم.أو یراد أنهم یتعلمون ما یضرهم و لا یتعلمون ما ینفعهم و هو رد السحر.فتکون الآیة دالة علی إهمال الناس لهذه الجهة المهمة التی کانت هدفا من إرسال الملکین،و هی رد السحر و إبطاله.فإنهم لم یتعلموه.
(وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ) یعنی تعلمه و شعر بأهمیته.کما أن المشتری لا یشتری شیئا إلا أن یشعر بأهمیته. (ما لَهُ فِی الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) یعنی یبوء بالخسران فی الآخرة.
فهذا هو المعنی الإجمالی للآیة الکریمة.و قد علمنا أن کلتا الحادثتین أوجبت تعلم الناس السحر.و أن السحر علی أی حال وارد إلی البشریة من خارجها:أما من الشیاطین و أما من الملائکة و لیس من بنات أفکار البشر أو تجاربهم المباشرة.
الجهة الثانیة:فی دلالة الآیة الکریمة علی التأثیر الواقعی للسحر،و أنه لیس مجرد خیال أو وهم.
و هی دالة علی ذلک علی عدة مستویات:
المستوی الأول:قوله تعالی وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّیاطِینُ عَلی مُلْکِ سُلَیْمانَ .و ما تلته الشیاطین کذبا علی ملک سلیمان هو السحر،فاتبعه الناس و تعلموه و مشوا فی طریقه.
و لا شک أن سلیمان علیه السلام کان یفعل أمورا واقعیة غریبة و لیست تخییلیة أو وهمیة،فلو کانت تلاوة الشیاطین،أو السحر الذی جاءوا به و همیا،لما کان منطبقا علی ملک سلیمان بأی حال و لما صح تهمته به.
و الناس إنما صدقوه و اتبعوه لأجل أنهم رأوا احتمال الانطباق،و إذا کان وهمیا،فالانطباق غیر محتمل أصلا.
و الناس عاشوا مع سلیمان سنین متطاولة،فی دولة کاملة،فلم یجدوا منه إیهاما و خیالا،و إنما وجدوا منه أمور واقعیة و مصادیق حقیقیة غریبة.و من خطل القول أن یقولوا:إنه کان یوهمنا فی کل ذلک.
المستوی الثانی:قوله تعالی یُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ .
و هو نص فی منطوقه،بعد الالتفات إلی ما قلناه قبل قلیل من أن السحر لو کان وهمیا،لما انطبق علی ملک سلیمان بحال.
المستوی الثالث:قوله تعالی وَ ما یُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّی یَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَکْفُرْ .
فإن من الواضح أن الکفر لا یحصل بمجرد إیقاع السحر،حتی لو کان فیه إبطال السحر أو کان فیه نفع للآخرین.و إنما یحصل الکفر بأحد أشکال أهمها:
1-الإضرار بالآخرین عن طریق السحر.
2 الاعتقاد بأنه یفعل و یمیت و یحیی بالاستقلال عن إرادة اللّه سبحانه.
3-الاتکال علی السحر و الساحر دون الباری سبحانه.
و أی شیء من ذلک لا یحصل بالضرورة إذا کان السحر تخییلیا،إلا ما
یحصل صدفة مع حصول الوهم لدی بعض الناس.و هذا لا یکفی بحال لحصول النتائج السابقة.
المستوی الرابع:قوله تعالی فَیَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما یُفَرِّقُونَ بِهِ بَیْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ .
و لیس من المتعذر أن یحصل هذا التفریق عن طریق الإیهام،إلا أن الإیهام لا یکون فقط بالسحر بل یکون بالنمیمة و غیرها.و أما الإیهام السحری،فإنه یدوم ما دام العمل السحری و یرتفع بارتفاعه،فهو یستمر بمقدار التفات الساحر إلیه و ترکیزه علیه.فإذا أعرض الساحر عه بطلت النتائج کلها.إلا إذا کان مؤثر تأثیرا حقیقیا،فإن ذلک التأثیر یکون قابلا للبقاء.کما لو انکسرت الزجاجة مثلا،فإنها تبقی مکسورة إلی الأبد.
و من المعلوم أن العمل السحری لا یدوم أکثر من نصف ساعة إلی ساعة مثلا.و لا یدوم أیاما و لا أعواما.
و معه من الصعب و البعید جدا أن یؤثر السحر فی هذا التفریق ما لم یکن واقعیا.
و قد یخطر فی البال:أن الآیة الکریمة علی هذا المستوی،أقصی ما تدل علیه هو التأثیر علی العواطف بین الزوجین.و لا تدل علی التصرفات الواقعیة أکثر من ذلک.
و هذا صحیح إلی حد ما.غیر أننا نکون بالتخییر بین أن یکون السحر وهمیا أو واقعیا و لو فی التأثیر علی العواطف.و لا شک أن الآیة تدل علی التأثیر علی العواطف.إذن،فتأثیر السحر فیها واقعی و لیس و همیا.و قد أسلفنا أن الإیهام وحده لیس کافیا فی التأثیر علی العواطف.
و الآیة الکریمة و إن کانت خاصة بالعواطف بین الزوجین،إلا أنه یمکن التعمیم إلی کل أحد بالتجرید عن الخصوصیة،و ذلک:أنه إذا أمکن التأثیر علی العواطف أحیانا أمکن دائما أو غالبا علی الأقل.
الجهة الثالثة:من الحدیث عن الآیة الکریمة فی تحدید الموقف الصحیح من السحر.
و ذلک فی عدة نقاط.
النقطة الأولی:أن السحر کفر.و لا شک أن من ضروریات الشریعة أن السحر عمل محرم و ردیء أخلاقیا و أخرویا.و لکن هل تدل الآیة الکریمة علی أنه کفر.و قد ورد فی السنة أن الساحر کالکافر و لم یقل:الساحر کافر.
و قد ورد لفظ الکفر فی الآیة الکریمة مرتین:
1-قوله تعالی وَ لکِنَّ الشَّیاطِینَ کَفَرُوا یُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ .
2-قوله تعالی إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَکْفُرْ .
و یحتمل فی کلا الآیتین دلالتها علی أن السحر کفر.
أما الآیة الأولی:فقد تستظهر منها أن الشیاطین کفروا لأنهم یعلمون الناس السحر.و إذا کان تعلیم السحر کفرا کان تعلمه و العمل به أولی بهذه الصفة أو مثلها علی الأقل.
غیر أن هذا قابل للمناقشة،لأن الشیاطین فی الآیة موصوفون بوصفین:
أحدهما:أنهم کفروا و ثانیهما:أنهم یعلمون الناس السحر.و لا دلیل علی إحدی الصفتین ناشئة من الأخری.بل أن کفر الشیاطین محرز قبل ذلک و بغض النظر عنه.
و أما الآیة الثانیة:فلعدم وضوح الآیة الکریمة،بأن الکفر ناشئ من تعلم السحر أو تطبیقه.و إنما قد یکون ناشئا من المضاعفات النفسیة و العقائدیة التی تحصل من الاعتقاد بأنه یعمل بغض النظر عن قدرة اللّه و مشیئته و نحو ذلک.
إذن،فالآیة الکریمة غیر دالة علی أن السحر کفر و الساحر کافر.و إنما هی دالة علی تقییمات ردیئة له کما سیأتی الآن:
النقطة الثانیة:قوله تعالی وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِی الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ .
و الضمیر فی (اشْتَراهُ) یعود إلی السحر.بمعنی أن من یرغب بالسحر و یطبقه یخسر الآخرة و لا یکون له فیها أی نتیجة حسنة.و خسارة الآخرة هی الخسارة الحقیقیة و الکبری.أعوذ باللّه تعالی من نتائج السوء.
و قد علموا بذلک عن طریق نصح الملکین لهم علی ظاهر الآیة.
و بالرغم من ذلک فإنهم عملوا به و طبقوه.
و علی أی حال،فهذه الآیة کالنص فی حرمة السحر،إلا أن الظاهر اختصاصه بما (یَضُرُّهُمْ وَ لا یَنْفَعُهُمْ) .لأنه هو الذی یعود إلیه الضمیر فی (اشْتَراهُ) .
و أما رد السحر و إبطاله،فالآیة واضحة فی جوازه،لأن الهدف من إنزال الملکین کان هو ذلک،فالعمل به جائز بلا إشکال.
النقطة الثالثة:قوله تعالی وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ کانُوا یَعْلَمُونَ .
و قوله (شَرَوْا) یعنی باعوا.لأن القیمة الحقیقة للنفس هی الجنة و رضاء اللّه عز و جل.فإذا کان ثمنها هو السحر کان بئس الثمن لا محالة.إلا أنهم جهلوا هذه النتیجة.بدلیل قوله تعالی لَوْ کانُوا یَعْلَمُونَ .غیر أنهم لم یجهلوا حرمته علی أی حال.
النقطة الرابعة:قوله تعالی وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ خَیْرٌ لَوْ کانُوا یَعْلَمُونَ .
و هذا هو البدل الحقیقی لخسران الآخرة.و هو ربحها بالإیمان و التقوی،دون اللهو عن ذکر اللّه بالمحرمات.
1) 1)
العلوم الباحثة عن غرائب التأثیر کثیرة.و القول الکلی فی تقسیمها و ضبطها عسیر جدا.
و أعرف ما هو متداول بین أهلها ما نذکره:
منها:السیمیاء:و هو العلم الباحث عن تمزیج القوی الإرادیة مع القوی الخاصة المادیة للحصول علی غرائب التصرف فی الأمور الطبیعیة، و منه التصرف فی الخیال المسمی بحسر العیون.و هذا الفن من أصدق مصادیق السحر.
و منها:اللیمیاء.و هو العلم الباحث عن کیفیة التأثیرات الإرادیة باتصالها بالأرواح القویة العلیا،کالأرواح الموکلة بالکواکب و الحوادث و غیر ذلک،بتسخیرها أو باتصالها و استمدادها من الجن بتسخیرهم.هو فن التسخیرات.
و منها:الهیمیاء.و هو العلم الباحث عن ترکیب قوی العالم العلوی مع العناصر السفلیة للحصول علی عجائب التأثیر،و هو الطلسمات.
فإن للکواکب العلویة و الأوضاع السماویة ارتباطات مع الحوادث المادیة،کما أن العناصر و المرکبات و کیفیاتها الطبیعیة کذلک.فلو رکبت الأشکال السماویة المناسبة لحادثة من الحوادث کموت فلان و حیاة فلان و بقاء فلان مثلا،مع الصورة المادیة المناسبة أنتج ذلک الحصول علی المراد و هذا معنی الطلسم.
و منها:الدیمیاء:و هو العلم الباحث عن استخدام القوی المادیة للحصول علی آثارها بحیث یظهر للحس أنها آثار خارقة بنحو من الأنحاء، و هو الشعبذة.
و هذه الفنون الأربعة مع فن خامس یتلوها و هو:
الکیمیاء:الباحث عن کیفیة تبدیل صور العناصر بعضها إلی بعض.
کانت تسمی عندهم بالعلوم الخمسة الخفیة.
قال شیخنا البهائی:أحسن الکتب المصنفة التی فی هذه الفنون کتاب رأیته فی هراة اسمه(کله سر).و قد رکب اسمه من أوائل أسماء هذه العلوم:الکیمیاء و اللیمیا و الهیمیا و السیمیا و الریمیا.انتهی ملخص کلامه.
و من الکتب المعتبرة فیها:خلاصة کتب بلیناس و رسائل الخسروشاهی و الذخیرة الإسکندریة و السر المکتوم للرازی و التسخیرات للسکاکی و أعمال الکواکب السبعة للحکیم طمطم الهندی.
و من العلوم الملحقة بما مر علم الإعداد و الأوفاق.و هو الباحث عن ارتباطات الأعداد و الحروف و وضع العدد أو الحروف المناسبة للمطلوب فی جداول مثلثة أو مربعة أو غیر ذلک علی ترتیب مخصوص.
و منها:الخافیة.و هو تکسیر حروف المطلوب أو ما یناسب المطلوب من الأسماء و استخراج أسماء الملائکة أو الشیاطین الموکلة بالمطلوب و الدعوة بالعزائم المؤلفة منها للنیل علی المطلوب.
و من الکتب المعتبرة فیها عندهم:کتب الشیخ أبی العباس التونی و السید حسین الإخلاطی و غیرهما.
و من الفنون الملحقة بها الدائر الیوم:التنویم المغناطیسی و إحضار الأرواح.قال:و قد ألف فیها کتب و رسائل کثیرة.و اشتهار أمرها یغنی عن الإشارة إلیها ههنا.و الغرض مما ذکرنا علی طوله إیضاح انطباق ما ینطبق منها علی السحر أو الکهانة.
أقول:کان هذا کله کلام السید الطباطبائی فی المیزان.
و لنا علیه عدة تعلیقات فی عدة أمور:
الأمر الأول:أنه کما تنقسم العلوم-مثلا-إلی علوم إنسانیة و علوم بحتة.و غیر ذلک من الانقسامات.کذلک هی تنقسم إلی علوم ظاهرة و علوم خفیة.
و أهم فرق بینهما حسب فهمی أن العلوم الخفیة لا یمکن أن تحیط بها
الطاقة البشریة الاعتیادیة أو الساذجة.بخلاف العلوم الظاهرة،فإن أی فرد من البشر یمکن أن یتعلمها إذا تعب علی نفسه فی طریقها.
و إنما لا بد للفرد من إیجاد ریاضات نفسیة و أعمال معقدة،لکی یکون مؤهلا أساسا لتعلم هذه العلوم الخفیة.و من هنا قل عارفوها و قل انتشارها.
و لم یمکن للجیل السابق من علمائها أن یورثوها إلی الجیل الآتی،لأن المتحملین لها فی کل جیل قلیل،أو یکاد أن یکون معدوما.
و لیس الفرق بین الشکلین من العلوم أن العلوم الظاهرة مبتنیة علی ظواهر أو قوانین کونیة واضحة و معروفة،فی الحین أن العلوم الخفیة مبتنیة علی ظواهر أو قوانین کونیة مجهولة.
فإن هذا الفرق و إن کان قائما فعلا،إلا أنه ناتج عن عدم شهرة هذه العلوم،لأنها لو کانت مشهورة،لکانت الظواهر و القوانین التی تبحث عنها مشهورة أیضا.
و لا اعتقد أن خفاء هذه العلوم أو أن نتائجها العجیبة،یجعلها شریفة و مهمة.فإن العلم إنما یکون شریفا و مهما فیما إذا أفاد الناس فی الدنیا أو فی الآخرة.و کلما اتسعت الفائدة کانت العلوم أشرف و أهم.
و لا ننکر أن یکون لهذه العلوم بعض الفوائد الفردیة أو نحو ذلک،إلا أنها من الصعب أن تنتج نتائج واسعة و مهمة فی المجتمع.و یکفینا فی ذلک أن نلتفت إلی أن الفوائد الفردیة من هذه العلوم لا تحصل إلا بصعوبات عدیدة و عظیمة.فکیف إذا أردنا أن نفید عدة أفراد أو مجتمعا بأسره.
الأمر الثانی:إننا بعد أن عرفنا هذا التعداد للعلوم الخفیة،فی کلام السید الطباطبائی.فلنا أن نتساءل عن موضع السحر منها.و قد قال إنه إنما قالها لأجل تمییز السحر عن غیره فهل حصل ذلک؟.
عرفنا من هذا الفصل کله أن السحر کما یمکن أن یکون تخییلیا أو و همیا أحیانا،یمکن أن یکون واقعیا أیضا.و قد أشار الطباطبائی للسحر
الوهمی علی أنه فرع من فروع السیمیاء.فما هو السحر الذی یکون له آثار واقعیة؟ و الظاهر من عبارته حین قال:و هذا الفن من أصدق مصادیق السحر.
انه یوافقنا علی أن السحر لیس وهمیا دائما.کما أن الظاهر أن علم السیمیاء بواقعة و أوهامه هو السحر.إذن فقد تم المطلوب.و لا یجب أن نرجع إلی مصدر آخر.
الأمر الثالث:من هو الساحر الذی یجب قتله فی الشریعة.
لیس هو عالم السحر و لا متعلمه،لأننا وجدنا مفکرین موثوقین ممن یعرف هذه العلوم الخفیة بما فیها السحر و غیره.و لا یصدق عنوان الساحر عرفا بمجرد ذلک.
و لیس هو الذی یبطل السحر بالسحر،لأن هذا جائز فی الشریعة،بل قد یکون واجبا أحیانا إذا کان فیه إنقاذ للنفس المحترمة و نحوها.
و لیس هو الذی ینفع الناس بسحره و لا یضر.و خاصة إذا لم یکن محترفا فی عمله.بل کان یطبقه قلیلا و مجانا.
و إنما الساحر هو المحترف الذی یضر الناس بعلمه و عمله.فهو الذی بمنزلة الکافر و یجب قتله للتخلص من شره.
و لا یبعد،بعد التجرید عن الخصوصیة فقهیا أو عرفیا،أن استعمال العلوم الخفیة أیا کان و خاصة الطلسمات فی الإضرار بالآخرین:سحر، و یجب قتل الفاعل لأنه ساحر.
و کذلک یقتل ممارس أو عالم العلوم الخفیة إذا کان فاسد العقیدة،و لم یتب کالذی یعتقد باستقلال الکواکب أو الأفلاک فی التأثیر عن إرادة اللّه تعالی سواء قال بنفیه أو باعتزاله.إلا أنه إنما یقتل لا بصفته ساحرا بل بصفته فاسد العقیدة.لأننا عرفنا أن غیر المحترف للإضرار بالآخرین بالعلوم الخفیة لیس بساحر و إن کان عالما بها.
الأمر الرابع:إن أکثر هذه العلوم (1)
و هی السیمیاء و اللیمیاء و الهیمیاء و کذلک علم الحروف و استحضار الأرواح دون الریمیاء و الکیمیاء فإنها علوم طبیعیة و إن کانت خفیة.
الخفیة التی سمعناها من کلام السید الطباطبائی،مندرجة فی قوانین المرتبة الثانیة أو القوانین الوسطی التی سبقت ذکرها فی أوائل هذا البحث.و یکفینا دلیلا علی ذلک أنها لیست من القوانین الطبیعیة و هذا واضح.
کما أنها لیست من قوانین المرتبة الثالثة أو العلیا،لوضوح أن مصدر المرتبة الثالثة أعلی و أعمق و أشرف و أنور من المرتبة الثانیة.
کل ما فی الأمر أنه قد یصدر من المرتبتین معا،أو قل:من علماء کل منهما ما یشابه فعل المرتبة الأخری (2).الأمر الذی یجعل نحوا من التشابه و الاختلاط بین أفعال السحر و نحوه،و بین المعجزات.و قد أجبنا علی ذلک ببحث متکامل.و کنا نود إیراد خلاصته هنا إلا أنه یطیل المقام أکثر مما یجب (3).
کما أن تلک العلوم الغریبة لیست من قوانین عالم الظلام الأسفل.
لتفاهة ذلک العالم بالنسبة إلی ما فوقه بما فیها عالم الطبیعة.و لذا ورد السؤال السابق عن کیفیة تأثیره فی عالم الطبیعة مع جوابه.
1) 1)
2) 2) مثاله أن حبال السحرة و عصا النبی موسی علیه السلام کلها انقلبت إلی أفاعی و ثعابین.
3) 3) یکفینا هنا فقط أن نلتفت إلی قوله تعالی (وَ لا یُفْلِحُ السّاحِرُ حَیْثُ أَتی) .إذ لم تأخذ نتیجة واسعة لا فی الدنیا و لا فی الآخرة من أی ساحر مهما کان حاذقا بل من أی شخص یعمل فی العلوم الخفیة و إن لم یکن ساحرا.فی حین أن أهل المرتبة العلیا من الأنبیاء و الأولیاء،کان لهم القدم المعلی،و القدح الأوفی و السیطرة المهمة علی کثیر من حقول الدنیا و درجات الآخرة.
الکهانة
یبدو من مراجعة التوراة المتداولة أن موسی علیه السلام هو أول من أسس الکهانة.و لم تکن یومئذ شیئا غیر صالح،بل کانت تشبه معنی(رجل الدین)أو(سادن)المسجد أو الحرم.
و ذلک أنه بعد العبور و الذهاب إلی فلسطین أرض کنعان،جعل النبی موسی علیه السلام لهم هناک خیمة کبیرة للتعبد العام أو ما یوازی(المسجد) فی المفهوم الإسلامی.و سماها حسب قول التوراة:خیمة الاجتماع.
و الظاهر أنها هی التی ورد اسمها فی دعاء(السمات):قبة الزمان.
و کانت هذه الخیمة تحتاج إلی عنایة لا یتوفر للنبی موسی علیه السلام القیام بها.فأوکلها إلی أخیه هارون.فأصبح منذ ذلک الحین(سادنا)لخیمة الاجتماع،و حسب المعروف فی التاریخ أنها ثانی بیت بنی للعبادة بعد تجدید الکعبة المشرفة من قبل إبراهیم الخلیل علیه السلام.
و منذ ذلک الحین سمی سادن خیمة الاجتماع کاهنا،و کان أول کاهن فی التاریخ هو النبی هارون علیه السلام،و هو رجل صالح بکل تأکید،فهو نبی و رسول بنص القرآن الکریم.غیر أنه کان یشتغل تحت تعالیم أخیه و لیس مخولا بشریعة مستقلة.
و تقول التوراة إن هارون توفی فی حیاة موسی بن عمران سلام اللّه علیهما،قبل التیه،فجعل مکانه فی السدانة ابنه(إلیعازر)و هو ابنه الأکبر أو
الوحید.ثم توفی موسی.و آل الأمر إلی تسلسل هذه السدانة و الکهانة فی ذریة هارون علیه السلام.
و لا یبدو من التوراة أن موسی علیه السلام أعطی تعلیما عاما من هذا القبیل لتسلسل السدانة.و إنما فقط باعتبار إیکالها إلی ابن هارون.و قد کان رجلا صالحا أیضا.فإیکالها إلی الذریة غیر الصالحة مؤکد الفساد.
إلا أن الأرباح التی کانت تأتی إلی الکاهن حدا بالذریة إلی تبنیها.
و إلی تعدد الکهنة أیضا.فلما ذا یکون لخیمة الاجتماع کاهن واحد،فلیکن هناک کهنة متعددون.کلهم لهم صفة(رجال الدین)و کلهم مسیطرون دینیا علی المجتمع و کلهم تردهم الأموال الطائلة.و کلهم یدعون فی الدین مقامات عالیة إلی آخره.و هکذا وجدت بعد موسی علیه السلام فی الیهود طبقة متکاملة هی طبقة الکهان.
و فی هذا الصدد بالذات،فإن الکاهن و الراهب بمعنی واحد.و لذا سماهم القرآن الکریم أحبارا و رهبانا،و انتقدهم بشدة لسوء تصرفهم جعلوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ .و ورد فی تفسیرها أنهم أطاعوهم فی معصیة اللّه سبحانه.
و الذی یبدو أن من جملة المقامات التی کان یدعیها هؤلاء الکهان أو الرهبان.اتصالهم بالملائکة و الجن و أخذ الأخبار عنهم و إعطائها إلی الناس عند عرض مشکلة أو قضاء حاجة.
و من هنا تفشت الکهانة بهذا المعنی الجدید،و هو استلام الأخبار من الجن و الشیاطین و إعطائها للناس.
و لم یعرف العرب قبل الإسلام غیر هذا النوع من الکهانة،و لم یفهموا من الکاهن غیر ذلک.إلی حد أن ابن منظور فی لسان العرب لم یذکر له أی معنی آخر.
و کان هؤلاء الکهنة یدّعون أن الجن و الشیاطین یصعدون إلی السماء
فیستمعون إلی کلام الملائکة الذی قد یکون فیه بعض ما ینفع الناس أو التنبؤ بحوادث المستقبل.ثم یخبرون بها الکهان.و من ثم یخبرون بها غیرهم.
و الذی یظهر من القرآن الکریم أن هذا الاستماع صحیح.و لذا ینص علی منعهم عنه بعد الإسلام لا یَسَّمَّعُونَ إِلَی الْمَلَإِ الْأَعْلی وَ یُقْذَفُونَ مِنْ کُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ، إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ .
و لکن صحة تحقق الاستماع لا یعنی صحة الإخبار التی تصل إلی الناس لعدة أمور:منها:احتمال عدم فهم الجن و الشیاطین لکلام الملائکة بشکل متکامل.و منها:احتمال:الدس و الکذب من قبل الجن و الشیاطین أنفسهم.و منها احتمال الدس و الکذب من قبل الکهنة أنفسهم.
و من هنا أصبحت هذه الأخبار مزیجا مزعجا من الصدق و الکذب،بل ان الکذب علیها أوفر و أغلب.و من هنا جاء النهی فی الأدلة المعتبرة فقهیا عن مراجعة الکهان.و ان(من صدق منجما أو کاهنا فقد کفر بما أنزل علی محمد(صلی الله علیه و آله)).
یعنی بالنسبة إلی الکاهن-:ما أنزل علی محمد(صلی الله علیه و آله)من حجب الجن و الشیاطین عن الاستماع إلی الملإ الأعلی.و من ثم لا یمکن أن یکون کلامهم صحیحا.
و لنسمع الآن بعض ما قاله ابن منظور عن الکهنة.قال:الکاهن الذی یتعاطی الخبر عن الکائنات فی مستقبل الزمان،و یدعی معرفة الأسرار و قد کان من العرب کهنة کشق و سطیح و غیرهما.
فمنهم من کان یزعم أن له تابعا من الجن و رئیا یلقی إلیه الأخبار.
و منهم من کان یزعم أنه یعرف الأمور بمقدمات أسباب یستدل بها علی مواقعها من کلام من یسأله أو فعله أو حاله.و هذا یخصونه باسم العراف الذی کان یدعی معرفة الشیء المسروق و مکان الضالة و نحوهما.
قال الأزهری:و کانت الکهانة فی العرب قبل مبعث سیدنا رسول اللّه (صلی الله علیه و آله).فلما بعث نبیا و حرست السماء بالشهب و منعت الجن و الشیاطین من استراق السمع و إلقائه إلی الکهنة بطل علم الکهانة.و أزهق اللّه أباطیل الکهان بالفرقان الذی فرق اللّه عز و جل به بین الحق و الباطل و أطلع اللّه سبحانه نبیه(صلی الله علیه و آله)بالوحی علی ما شاء من علم الغیوب التی عجزت الکهنة عن الإحاطة به.
و قال-فیما قال-:و إنما ضرب المثل بالکهان لأنهم کانوا یروجون أقاویلهم الباطلة بإسجاع تروق السامعین،و یستمیلون بها القلوب، و یستصغون إلیها الأسماع.
أقول:و علی أی حال،فکلا نوعی الکهانة عند الیهود و عند مشرکی العرب مذمومة فی الإسلام.إلا أن ظاهر لفظ الکاهن هو الکهانة عند العرب لأنها استعملت فی مجتمعهم فلا بد من فهمها بخصوصها عند الإطلاق،ما لم تقید بشیء آخر أو بقرینة معینة.
و یحسن أن نروی هنا ما عن الطبرسی (1)
المکاسب:ص 53.
فی الاحتجاج فی روایة تشرح الموضوع من جهاته المهمة شرحا متکاملا.حیث أن من جملة الأسئلة التی سأل الزندیق عنها أبا عبد اللّه علیه السلام:قال الزندیق:فمن أین أصل الکهانة و من أین یخبر الناس بما یحدث.
قال(علیه السلام):إن الکهانة کانت فی الجاهلیة فی کل حین فترة من الرسل.
کان الکاهن بمنزلة الحاکم یحتکمون إلیه فیما یشتبه علیهم من الأمور بینهم، فیخبرهم بأشیاء تحدث.و ذلک فی وجوه شتی:فراسة العین و ذکاء القلب و وسوسة النفس و فطنة الروح مع قذف فی قلبه.لأن ما یحدث فی الأرض من الحوادث الظاهرة فذلک یعلم الشیطان،و یؤدیه إلی الکاهن و یخبره بما یحدث فی المنازل و الأطراف.
و أما أخبار السماء فإن الشیاطین کانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ
1) 1)
ذاک و هی لا تحجب و لا ترجم بالنجوم.و إنما منعت من استراق السمع لئلا یقع فی الأرض تشاکل الوحی من خبر السماء.فیلبس علی أهل الأرض ما جاءهم عن اللّه تعالی لإثبات الحجة و نفی الشبهة.
و کان الشیطان یسترق الکلمة الواحدة من خبر السماء بما یحدث اللّه فی خلقه،فیختطفها،ثم یهبط بها إلی الأرض فیقذفها إلی الکاهن،فإذا قد زاد کلمات من عنده فیخلط الحق بالباطل.فما أصاب الکاهن من خبر یخبر به(أو:مما کان یخبر به)هو ما أداه إلیه شیطان مما سمعه.و ما أخطأ فیه فهو من باطل ما زاد فیه.
فمنذ منعت الشیاطین عن استراق السمع انقطعت الکهانة.و الیوم إنما تؤدی الشیاطین إلی کهانها أخبار الناس بما یتحدثون و بما یحدثونه.
و الشیاطین تؤدی إلی الشیاطین ما یحدث فی البعد من الحوادث من سارق سرق و من قاتل قتل و من غائب غاب.و هم أیضا بمنزلة الناس صدوق و کذوب.الخبر.
فمن أهم ما نفهم من هذه الروایة عدة نقاط:
أولا:أن حجب الشیاطین عن الاستماع إنما هو لمصلحة عدم اختلاط خبر النبوة بأخبار الکهان.
ثانیا:أن أخبار الکهان لا یجب أن تکون کلها صادقة،فإن الشیاطین أنفسهم یکذبون علی کهانهم فی کثیر من الأحیان.فالکاهن لا یستطیع أن یکون صادقا حتی لو حاول ذلک.
ثالثا:أنه بعد منع الشیاطین عن استراق السمع بقی للکهان أخبار الأرض،و إنما منعت أخبار السماء.إذن فما یحدث فی الأرض یمکن التعرف علیه إجمالا.و هذا ما یحدث إلی حد الآن عند عدد غیر قلیل من الأشخاص.
بقی سؤال واحد لا أجد من ذکره:و هو أنه ما هی مصلحة الشیطان من استراق السمع.و ما هی مصلحته فی أداء الخبر إلی الکاهن.
أما مصلحته لاستراق السمع فواضحة:
أولا:هو نحو من التکامل بالنسبة إلی الشیاطین و هو(فضول)أیضا أعنی حب الاستطلاع من قبلهم.
ثانیا:أن الشیطان کان فی یوما ما مع الملائکة یعبد اللّه عز و جل،حتی طرد من بینهم بعد خلقة آدم علیه السلام فی قصة معروفة.و المهم أن بقی یحترم ذلک المکان و یشتاق إلی و إلی الاستماع إلی أحادیث سکانه و هم الملائکة.
و أما مصلحته بالإلقاء إلی الکاهن،فقد تتلخص فیما یلی:
أولا:لعل فی هذا الإلقاء شکلا من أشکال الإغواء و الشر فیما بین الناس.فیلقی الشیطان إلیهم لکی یقع الشر بینهم.
و هذا لا ینافی کون الخبر حقا،لأن سماع الناس الناقصین للخبر المتکامل،قد لا یکون فیه مصلحة،و قد یترتب علیه بعض المضاعفات.هذا فضلا عن الکذب الذی یضیفه الشیطان نفسه علی الخبر.
ثانیا:إن الشیطان و إن کان عدوا لبنی آدم بنص القرآن الکریم،إلا أن بعض الأفراد أو عدد منهم قد اکتسبوا صداقته فعلا،بمقدار ما أطاعوه و عصوا اللّه سبحانه فی إطاعته.و من هنا یمکن أن تتوثق عری الصداقة و العلاقة بینهما بحیث یوحون إلی أولیاءهم زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً .و لا یری الشیطان بأسا-فی حدود فهمه-من أن یتصل بصدیقه و ولیه و یخبره و ینفعه بالمقدار الذی یستطیع و لعله سیکون واسطته فی إغواء الناس و إخراجهم عن دینهم و إنسانیتهم.
القیافة
القیافة عمل القائف (1)
المکاسب:ص 42. [1]
،و هو کما عن الصحاح و القاموس و المصباح:الذی یعرف الآثار.یعنی یدل علی مکان الغائب من آثار أقدامه و نحو ذلک.
و قد روی عن قریش أنها فعلت ذلک و تتبعت أقدام رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله إلی أن وصلوا إلی الکهف یوم الهجرة.
و عن النهایة و مجمع البحرین إلی جانب ذلک:أنه یعرف شبه الرجل بأخیه و أبیه.
و من هنا تعرف أن القائف ینبغی أن یتصف ببصیرة معینة ینسب بها الأشیاء بعضها إلی بعض.و هو ینسب أثر القدم إلی صاحبه و الرجل إلی أبیه أو ابنه أو أخیه.و لعل هناک وجوه أخری عن النسبة یقوم بها القائف.
و بالطبع إنما نصدق القائف،فیما إذا أنتج نتیجة صحیحة،و أما مع الخطأ أو مجرد الدعوی و التبجح،فهو غیر قابل للتصدیق.
و المشهور بین الفقهاء حرمة الرجوع إلی القائف و حرمة تصدیقه.و قد وردت فیه بعض الأخبار غیر المعتبرة.و مقتضی أصالة البراءة جوازه.و خاصة مع تجربة صدقه،و قد یجب فیما لو کان فیه إنقاذ لنفس محترمة أو مال مهم.
و هناک روایة غیر معتبرة تدل علی جواز ذلک و تقول بأن رسول اللّه صلی
1) 1)
اللّه علیه و علی آله قضی بالقافة و فیها إمضاء الإمام الرضا علیه السلام لهذه الفکرة و إقراره لها.فلو تم سندها کانت دلیلا علی الجواز خلافا للمشهور، غیر أن الأصل کاف فی الجواز.
و لکن الذی ینبغی أن نلتفت إلیه أن جواز الرجوع إلیه،لا یعنی حجیة قوله عن إلحاق النسب،فإن قوله لیس بحجة فی ذلک جزما من الناحیة الشرعیة.
نعم،فیما إذا أمکن للقائف قضاء حوائج أخری،کإرجاع الإنسان الضال أو العروض الضائع،أو نحو ذلک من الأمور،فاستخدامه من هذه الناحیة لا غبار علیه،و الأجر الذی یتقاضاه إن کان عمله مخلصا لا غبار علیه.
نعم،لو تمت تلک الروایة المشار إلیها عن الإمام الرضا(علیه السلام)،کانت دلیلا علی حجیة قول القالف فی إلحاق النسب،إلا أنها غیر معتبرة سندا.
و الحمد للّه رب العالمین.
الغناء
قال ابن منظور:الأصمعی فی المقصود و الممدود:الغنا من المال مقصور و من السماع محدود.و کل من رفع صوته و والاه فصوته عند العرب غناء.و الغناء بالفتح النفع.و الغناء بالکسر من السماع.و الغنا مقصور:
الیسار.
و قال ابن الأعرابی:کانت العرب تتغنی بالرکبانی،إذا رکبت الإبل و إذا جلست فی الأفنیة و عن أکثر أحوالها،فلما نزل القرآن أحب النبی صلی اللّه علیه و علی آله أن یکون هجیراهم بالقرآن مکان التغنی بالرکبانی.
و قال أیضا:و فی الحدیث،لیس منا من لم یتغن بالقرآن.قال أبو عبیدة:کان سفیان بن عیینة یقول:لیس منا من لم یتغن بالقرآن عن غیره و لم یذهب به إلی الصوت.قال أبو عبید:و هذا جائز فاش فی کلام العرب.
تقول:تغنیت تغنیا بمعنی استغنیت و تغنیت تغانینا أیضا.
و أما الحدیث الآخر:ما أذن اللّه لشیء کإذنه للنبی یتغنی بالقرآن یجهر به.قال:فإن عبد الملک أخبرنی عن الربیع عن الشافعی أنه قال:
معناه تحسین القراءة و ترقیقها.قال:و مما یحقق ذلک الحدیث الآخر:«زینوا القرآن بأصواتکم».قال:و نحو ذلک قال أبو عبید.
أقول:فالمحصل من تعریف الغناء هنا هو رفع الصوت و موالاته،لأن کل من رفع صوته و والاه فصوته عند العرب غناء کما عرفنا.و الموالاة بمعنی الاستمرار لا بمعنی الترجیع المبتنی علی نحو من التقطیع فی النفس.
و لا شک أن هذا تعریف باللازم الأعم،یعنی بالصفة غیر المختصة بالغناء،إذ قد یوجد مد الصوت و رفعه و الاستمرار به من دون صدق الغناء کما لو حصل ذلک فی نص نثری غیر موزون و لا مقفی ککلام ابن الأثیر فی الکامل أو فی أسد الغابة مثلا.
و أما تفسیر الغناء بأنه(السماع)أو(الصوت)فهو أسوأ من الناحیة المنطقیة مما سبق،کما هو واضح لمن یفکر.
فعن المصباح أن الغناء الصوت و عن آخر:أنه مد الصوت.و عن الشافعی أنه تحسین الصوت و ترقیقه.و عن مشهور الفقهاء:أنه مد الصوت المشتمل علی الترجیح المطرب و عن القاموس:الغناء ککساء من الصوت ما طرب به.
و لا شک أن أی تعریف مما سبق مما لم یأخذ الطرب شرطا فی مفهوم الغناء،هو أعم منه،لأن قد یتحقق فی غیره،و أما مع أخذ مفهوم الطرب فیه،فیکون بینه و بین الغناء عموما و خصوصا من وجه.إذ قد یصدق الغناء عرفا بدون أن یکون مطربا،کما قد یحصل الطرب بدون غناء،کما فی سماع بعض أنواع الشعر الجید،و إن قرأه الإنسان لوحدة.
فالصحیح أن کل التعاریف إنما هی لفظیة و لیست بحد و لا رسم من الناحیة المنطقیة.و إنما یراد بها تحویل الذهن علی المفهوم العرفی للغناء الذی هو فعلا مما تغلب به هذه الصفات المذکورة و إن لم تکن منحصرة به.
فالحاصل:هو أن الصحیح إیکال مفهوم الغناء إلی العرف کأی مفهوم آخر من الناحیة الفقهیة،فهو کل صوت یتسالم علیه العرف بکونه غناء.
بغض النظر عن أی صفة أخری له.
و لعله لا یختلف فی ذلک بین أن یکون الصوت صادرا من البشر،ذکرا کان أم أنثی،أم من غیر البشر کما سنذکر.و سواء کان الصادر من البشر ذو معنی أم لم یکن.و سواء کان المعنی حقا أم باطلا.
و ما صدر من غیر البشر،قد یکون صادرا بسبب استخدام الآلات الوتریة و الهوائیة و غیرها.و هی الموسیقی.و قد یکون صادرا من الحیوان کزقزقة الطیور.فإنها قد تکون مریحة للنفس أکثر من کثیر من الأغانی البشریة،إلا أن القول بحرمتها غیر محتمل،و تسمیتها بالغناء لا یخلو من مجازیة.فالمهم فی الغناء هو الصوت البشری و الموسیقی.
و قد یخطر فی الذهن:أن الموسیقی لیست غناء.لأننا سمعنا من التعاریف ما هو واضح باختصاصه بالصوت البشری کالذی سمعناه من لسان العرب:أن کل من رفع صوته و والاه فصوته عند العرب غناء.
إلا أننا عرفنا أن هذا التعریف بمجرده غیر تام،و إذا تعدینا عنه،فأین نحطّ؟إنما نحط فی الفهم العرفی کما قلنا.و الفهم العرفی یقتضی بوضوح:
أن یکون الصوت البشری وحده علی طریقة معینة یسمی غناء.و إذا اقترن بالموسیقی کان أولی بالتسمیة کما هو معلوم.کما أن الموسیقی وحدها أیضا غناء عرفا،و هی علی أی حال لا تندرج تحت أی من حقول المعرفة البشریة غیر الغناء.و هی توجب نفس ما یوجبه الغناء من الرحة النفسیة و الطرب و نحوها،بل أکثر أحیانا.فنفی مفهوم الغناء عنها مجازفة سمجة و دفاع عن الباطل.
و نستطیع أن نفهم ذلک من باب آخر:و هو أن أغلب الموسیقی مقترنة بصوت غنائی بشری.و لا شک أنها مع الاقتران به غناء و جزء واقعی منه.و لا یمکن نفی ذلک عرفا.و العرف یری المجانسة النوعیة بین أفراد الموسیقی سواء اقترنت بصوت بشری أم لا.یعنی أن الموسیقی هی الموسیقی فی کلا الحالین.إذن فما دامت غناء عند الاقتران بالصوت البشری فهی غناء دائما، یعنی حتی و إن جاءت مجردة عنه.
کما نستطیع أن نفهم ذلک بتقریب آخر:و هو أن الغناء المنهی عنه فی الروایات المعتبرة عن المعصومین علیهم السلام هو ما کان یقام فی عصرهم فی بیوت الأغنیاء و الأمراء من الحفلات الساهرة و الداعرة،و من المعلوم قطعا
أن الغناء البشری کان مقترنا بالموسیقی،فإن بعض الآلات الموسیقیة کانت متوفرة یومئذ أی قبل ذلک التاریخ أیضا.و لا شک أن هؤلاء کانوا یتمتعون بالصوت البشری تارة و بالموسیقی وحدها تارة أخری و بهما معا ثالثة.و معه فالنهی الوارد عن الغناء بهذا الشکل و بهذا المعنی وارد علی کل هذه الأشکال من الغناء،حتی الموسیقی المجردة عن الصوت البشری.
إذن،فکل حکم یرد علی الغناء،یشمل الموسیقی أیضا.
و بهذا استطعنا أن نحدد مفهوم الغناء إلی أکبر حد ممکن،بغض النظر عن الحانة و أقسامه و لغاته،فإن کل ذلک خارج عن الصدد،للوضوح الفقهی من أنه سألک مسلکا مشترکا،هو الغناء نفسه.
بقی علینا أن ندخل فی بعض التفاصیل المحتملة ضمن الجهات الآتیة:
و ینبغی لنا أولا:أن نعف ما هو الطرب أو ما هو تعریفه.
قالوا فی تعریفه.کما عن الصحاح:أنه خفة تعتری الإنسان لشدة حزن أو سرور.و عن الأساس للزمخشری:خفة لسرور أو هم.قالوا:و هو الذی أراده الشاعر بقوله:
أ طرب و أنت قنّسریّ و الدهر بالإنسان دواریّ
و نقل فی وصف حالات الطرب بأنه قد یؤدی إلی الاهتزاز أو الحرکات العنیفة بالید أو بالرجل أو بالعصا و نحوها.أو مشاکلة المغنی فی إیقاعه إلی غیر ذلک.
فالذی أجده:أن الطرب حالة نفسیة عبروا عنها بالخفة،لأن الإنسان فیها یجد نفسه کأنه یرید أن یطیر،و هذا لا یکون إلا إذا أصبح خفیفا جدا.
و قد تکون الخفة مأخوذة من التبذّل الاجتماعی ضد الرزانة و الرصانة،لأن ما یحدث من حرکات ینافیها بطبیعة الحال.
و المهم الآن،هو أن هذه الحالة النفسیة تحدث عند إجادة الغناء مع إجادة الإصغاء،و لکن قد تجد مجالا للتعبیر عنها بالحرکات،و قد لا تجد، من قبیل الإنسان المریض أو الهرم أو الجالس فی مجلس محتشم و غیر ذلک.
فلا یستطیع أن یعبر عن طربه بالحرکات.
هذا.و هل أن الغناء مفید بحدوث الطرب أم لا.
ظاهر بعض التعریفات السابقة ذلک.و إن کان تفسیره لا یخلو من إجمال لأن فیه عدة احتمالات:
1-ما یحصل فیه الطرب فعلا.
2-ما یکون علة تامة عرفا لحصوله.
3-ما کان سببا فی الجملة لحصوله.
و هذا هو معنی التطریب فی الصوت،یقال:صوت مطرب.و إلا فالمطرب هو المغنی،و لیس الصوت.
إلا أن کل ذلک قابل للمناقشة،لأننا قلنا إن الغناء ما سماه العرف غناء،و لا شک أن العرف لا یشترط حصول الطرب بأی معنی فی الغناء.
فیسمی الغناء غناء و إن لم تکن له أی قابلیة للتطریب.کما فی الصوت الأجش أو الإیقاع غیر المنتظم.
علی أن القول:بأن الغالب فی الأغانی،تحقق الطرب فیها أو قابلیتها لأن تکون مطربة،لا یخلو من صعوبة.فضلا عن أن یکون الصوت المطرب بالخصوص هو الغناء.
و قد رأینا من الناس من یقول بلغة المتشرعة:أننا وجدنا أن الغناء المطرب حرام،و هذا نص معلل،فنتمسک بالعلة و هی الطرب کأنه قال:
الغناء حرام لأنه مطرب.إذن،فالطرب حرام و لیس الغناء.و معه فوجود الطرب بأی شکل هو الحرام.و أما الغناء المجرد عن الطرب الفعلی فهو لیس بحرام.و أکثر الغناء هو کذلک.فأکثر الغناء لیس بحرام.
و هذا یتکلم بلغة المتشرعة،إلا أنه یدافع عن شریعة الشیطان.لأن هذا الکلام قابل للمناقشة من عدة جهات:
أولا:أننا قلنا أن مفهوم الطرب لیس مأخوذا من مفهوم الغناء.بل الغناء یصدق و إن لم یکن مطربا أصلا.فیکون مشمولا للحکم بالحرمة.
ثانیا:ان النصوص الواردة فی الغناء لم تشتمل علی هذا التعلیل، و إنما هذا نص و همی مفتعل لأجل المصالح الخاصة.و تفصیل هذه النصوص موکول إلی الفقه.
إذن،فلیس هناک نص معلل،لکی نتمسک بالعلة،و نتصرف بالحکم المعلل.
ثالثا:ان ما زعموا من حرمة الطرب بعنوانه لیس بصحیح.بل لا دلیل علی حرمته فی نفسه إن حصل بسبب آخر محلل.إذن،فالغناء و إن لم یحصل الطرب حرام و الطرب إذا حصل بدون غناء حلال. (فَأَیْنَ تَذْهَبُونَ) .
و لا یراد باللهو هنا،خصوص ما کان سفهیا عرفا.لوضوح أن أغلب أشکال التغنی المنهی عنه لیس کذلک.بل ما کان للترویح عن النفس و إیجاد السرور أیضا.کما هو مقصود المغنین و السامعین عادة.
فاللهو یراد به أحد معانی:
الأول:أنه ما یکون سببا لنسیان الهموم النفسیة و المشاکل الدنیویة التی یعانیها الفرد فی حیاته الجادة.فیقال:إنه لهی عنها أو نسیها.
الثانی:ما یکون سببا للتبذل العرفی فی مقابل الرزانة و الرصانة کما قلنا سابقا.
الثالث:ما یکون غیر هادف لهدف صحیح کشفاء بعض الأمراض أو سرعة إنتاج الحیوان أو النبات بالموسیقی و نحو ذلک.فإن کان علی غیر مثل هذه الأهداف فهو لهوی.
و لا شک أن الغناء سبب غالبی لکل هذه المعانی من اللهو،و الکلام تارة:من ناحیة اشتراط اللهو فی الغناء موضوعا،یعنی أن الصوت غیر اللهوی لیس غناء بالمرة.و أخری فی اشتراطه حکما یعنی إذا لم یکن لهویا لم یکن محرما.
أما الکلام فیه موضوعا:فقد عرفنا فیما سبق أن تحدید الغناء موکول إلی العرف.و لا شک أن العرف لا یشترط فی مفهوم الغناء کونه لهویا.بل یصدق الغناء عرفا سواء کان لهویا أم لم یکن.
و لکن قد یستدل ببعض النصوص لتلک النتیجة:
منها:ما عن محمد بن مسلم (1)
الوسائل:أبواب ما یکتسب به:باب 99:حدیث 6. [1]
عن أبی جعفر علیه السلام قال:سمعته یقول:الغناء مما وعد اللّه علیه بالنار.و تلا هذه الآیة مِنَ النّاسِ مَنْ یَشْتَرِی لَهْوَ الْحَدِیثِ لِیُضِلَّ عَنْ سَبِیلِ اللّهِ بِغَیْرِ عِلْمٍ وَ یَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِکَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِینٌ .و عن مهران بن محمد (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:سمعته یقول:الغناء مما قال اللّه عز و جل وَ مِنَ النّاسِ مَنْ یَشْتَرِی لَهْوَ الْحَدِیثِ لِیُضِلَّ عَنْ سَبِیلِ اللّهِ .
و عن عبد الأعلی (3)،قال:سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الغناء.
و قلت:إنهم یزعمون أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله رخص فی أن یقال:جئناکم جئناکم حیونا نحییکم.فقال:کذبوا إن اللّه عز و جل یقول:
وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما لاعِبِینَ. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ کُنّا فاعِلِینَ، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَی الْباطِلِ فَیَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَکُمُ الْوَیْلُ مِمّا تَصِفُونَ .ثم قال:ویل لفلان مما یصف.رجل لم یحضر المجلس.
إلی غیر ذلک من النصوص التی تفسر القرآن الکریم أعنی لفظ اللهو فیه بالغناء.و هذا قد یکون دلیلا علی أن الغناء لا یکون إلا لهویا،فلو لم یکن لهویا لم یکن غناء.
إلا أن هذا الاستدلال لیس بصحیح.
أولا:أن غایة ما تدل الآیة علی أن الغناء مصداق للهو،و هذا یدل علی أن نوع الغناء هو کذلک سواء کان لهویا عرفا أو لم یکن.و هذا لا یعنی أن مفهوم اللهو مشترط فی الغناء،کما هو معلوم.
ثانیا:أن مثل هذه التطبیقات،قد تکون لبیّة یعلمها الأئمة علیهم السلام بعلمهم الخاص.و لیست تطبیقا عرفیا.لیقال:إن هذه الأدلة دلیل علی أخذه العرفی فیه.
ثالثا:أنه من المحتمل أن یکون قید اللهو قید حکمی و لیس قیدا موضوعیا،کما هو المطلوب الآن.یعنی أن الغناء إنما یکون حراما إذا کان لهوا.و هذا و إن لم یکن واضحا من النصوص إلا أن مجرد احتماله یدفع الاستدلال.
و کل هذه الأجوبة ترد علی أمثال هذا التطبیق فی الروایات،فإن الغناء کما طبق علی اللهو،طبق أیضا علی قول الزور و علی اللغو و علی الباطل.
و کلها مصادیق تنزیلیة منطبقة فی طول الحکم لا محالة،فتأمل.
و علی أی حال،فأخذ اللهو فی مفهوم الغناء موضوعا،مما لا دلیل علیه،و العرف لا یساعد علیه.
و أما الکلام فی اشتراطه حکما یعنی کونه شرطا فی الحرمة،فإن لم یکن لهویا لم یکن حراما.و هذا بطبعه بحث فقهی،إلا أننا نسطره هنا باختصار و التفصیل موکول إلی الفقه.
و الدلیل الرئیسی علیه هو:أن حرمة الغناء لها مدارک ثلاثة:
1-الإجماع.
2-السیرة المتشرعة.
3-ارتکاز المتشرعة.
و کلها أدلة لبیة،باصطلاح علم الأصول،لیس لها إطلاق لفظی لنتمسک به.
و أما الروایات،فآحادها أو مفرداتها لا تخلو من مناقشة أما سندا و إما دلالة،و لا تصفو لنا و لا واحدة،بدون نقاش.و لکن إذا ادعی کونها مستفیضة أو متواترة،کما هو غیر بعید،فأن التواتر أیضا دلیل لبی لیس له إطلاق.
فیؤخذ من هذه الأدلة بالقدر المتیقن،و هو ما کان من الغناء سببا للهو.
و أما دون ذلک فلا یکون محرما.
و بطبیعة الحال،و مقتضی الاحتیاط أیضا،فإن اللهو بکل أقسامه الثلاثة السابقة یکون مشمولا للحرمة.و یکون ما هو الجائز ما خلی من کل أقسام اللهو علی الأحوط.و هذا هو الصحیح.
و قد یستدل لنفس النتیجة تقریبا،بما استدلوا به:بأن المنهی عنه هو الوضع الذی کان سائدا فی الصدر الأول،بین أهل المجون،من لیال حمراء و نحوها.فإن ذاک،هو الحرام و أما غیره فلا دلیل علی حرمته.
و قد نتوسع قلیلا،و نقول:إن ضمائم الغناء فی تلک اللیالی الحمراء کشرب لخمر و اختلاط الجنسین و غیر ذلک،لیس لها دخل فی حرمة الغناء نفسه،إذن فما هو الحرام هو الغناء،لکن بشرط أن یکون لهویا علی ذلک النحو.و أما ما لم یکن لهویا فلا دلیل علی حرمته.
و هذا الاستدلال.و إن کان لطیفا،إلا أن الصحیح کما عرفنا هو قیام تلک الأدلة اللبیة علی الحرمة.و موضوعها جمیعا عنوان الغناء،بدون أیة ضمیمة.إلا أنها لا إطلاق لها،کما عرفنا فیختص بالغناء اللهوی.
و هذا أیضا لا یفرق فیه بین الصوت البشری و الموسیقی،و اشتراکهما فی الأداء.
کان بعض أساتذتنا یقول بجواز الموسیقی التصویریة
و یفسرها بما مضمونة:أنها ما یکون صوتها مشابها لصوت شیء فی الطبیعة،کصوت العاصفة أو نزول المطر أو تغرید البلبل أو غیر ذلک،و کان یقول:إنک حین تسمعها فکأنک تسمع صوت عاصفة أو صوت نزول المطر.و هذا جائز شرعا.
و هذا بهذا المقدار صحیح،إلا أن الموسیقی التصویریة قد تفسر ببعض التفسیرات الأخری.فإن مقتضی تسمیتها بهذا الاسم:أنها تعطی صورة لما فی الطبیعة من أصوات،فیکون الفهم الذی أعطاه بعض أساتذتنا راجحا و معقولا.
إلا أن المفهوم عرفا لیس هو ذلک،بل الموسیقی التصویریة هی الموسیقی المنفردة الهادیة التی تعزف باستمرار بمناسبة ما،فیکون منها(جو) موسیقی متناغم و مستمر حسب ما یراه العازف مناسبا.و لا تعارض بصوتها حدیثا أو خطابا أو أی شیء آخر.
و الموسیقی بهذا المعنی تکون تابعة للحکم السابق من حرمة الغناء إذا کان لهویا.و لا إشکال أن الموسیقی التصویریة بجمیع إشکالها عادة لهویة، فمن الصعب أن نقول فقهیا بجوازها بطبیعة الحال.
و إذا کان للموسیقی التصویریة أی معنی آخر،غیر ما قاله بعض أساتذتنا،فهی مشمولة لحکم الغناء عموما.
أما جواز الغناء فی الأعراس فظاهر شیخنا الأنصاری (1)
ص:(39).
فی المکاسب المیل إلیه.و لعله فتوی جماعة آخرین.1) 1)
و الدلیل علی ذلک من عدة وجوه:
الوجه الأول:الاستدلال بالروایات:
فعن أبی بصیر (1)
الوسائل أبواب ما یکتسب به:باب 15:حدیث 1. [1]
قال:سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن کسب المغنیات.فقال:التی یدخل علیها الرجال حرام و التی تدعی إلی الأعراس لیس به بأس.و هو قول اللّه عز و جل وَ مِنَ النّاسِ مَنْ یَشْتَرِی لَهْوَ الْحَدِیثِ لِیُضِلَّ عَنْ سَبِیلِ اللّهِ .و عن أبی بصیر (2)أیضا:عن أبی عبد اللّه قال:المغنیة التی تزف العرائس لا بأس بکسبها.
و عنه أیضا (3)،قال:قال أبو عبد اللّه علیه السلام:أجر المغنیة التی تزف العرائس لیس به بأس.و لیس بالتی یدخل علیها الرجال.
و هذه الروایات و إن نصت علی حلیة(الأجر)إلا أنها تدل بلا شک علی حلیة العمل أیضا،للوضوح الفقهی و المتشرعی،علی أن أجر العمل الحرام حرام،و أجر العمل الحلال حلال.
و تکون هذه الروایات أخص من حرمة مطلق الغناء اللهوی،فتقیده لا محالة.إلا أن الکلام فی إسنادها فإنها لا تخلو من مناقشة.
الوجه الثانی:أننا عرفنا أن دلیل حرمة الغناء دلیل لبی یؤخذ منه بالقدر المتیقن.و هنا یکون القدر المتیقن هو الغناء المستعمل فی غیر الأعراس، و أما ما یکون فیها فهو خارج عن القدر المتیقن فیکون جائزا.
غیر أن ذلک لا یخلو من مناقشة:فإن الأخذ بالقدر المتیقن إنما یکون مع الشک فی شمول الدلیل اللبی و عدمه للمورد.و أما مع الإحراز فلا.و لا
یبعد أن یکون سیرة المتشرعة و ارتکازهم قائما علی شمول الحرمة للغناء حتی لو کان فی الأعراس.
اللهم إلا أن یقال:إن أمثال تلک الروایات صالحة للردع عن مثل هذه السیرة،لأنها دالة علی جواز الغناء فی الأعراس.
إلا أنه من الواضح أن هذا فرع صحتها سندا و اعتبارها.و أما إذا لم تکن معتبرة فلا تکون رادعة عن السیرة بحال.
و معه فیبقی الغناء فی الأعراس داخلا فی الحرمة.و لا أقل من الاحتیاط الوجوبی عنده.نعم،الإنشاد بما لا یسمی غناء عرضا لا یکون مشمولا للحرمة،بطبیعة الحال.
الوجه الثالث:أن الغناء فی الأعراس،لیس لهوا عرفا،لأنه متسالم علی صحته اجتماعیا،فیکون خارجا موضوعا عن دلیل الحرمة الدال علی حرمة الغناء اللهوی.
و هذا الوجه أفسد من سابقه،لأن التسالم الاجتماعی علی شیء لا یعنی کونه لیس لهوا.فإن هناک مناسبات یقتضی التقلید الاجتماعی علی وجود اللهو فیه،کالأعیاد و الأعراس و غیرها،و کأن المظهر الأساسی للفرح هو اللهو.و هذا لا یعنی أنه لا یکون لهوا.و إذا کان لهویا کان حراما.
و أما الغناء فی المراثی سواء کان علی المعصومین سلام اللّه علیهم أو غیرهم،مما لا یکون حراما بعنوان آخر،کالکذب أو الاعتراض،أو الکذب علی المعصومین علیهم السلام أو غیر ذلک.
و هذا النوع من الغناء مشمول للوجهین الأخیرین السابقین،مع مناقشتهما.و لعله مشمول أیضا للوجه الأول،بعد تجرید مدلول الروایات السابقة عن خصوصیة الفرح إلی مطلق المناسبات.مع جوابه أیضا.و معه لا یبقی دلیل علی جوازه أیضا،فیکون مشمولا للحرمة.
إلا أنه یکون مشمولا لما قلناه من أن الإنشاد غیر الغنائی لا یدخل فی
الحرمة،و معه یکون ما یعمله الخطباء فی المراثی کله جائز ظاهرا،و هناک من الروایات ما یدل علی جوازه و منها ما هو معتبر سندا و ظاهر دلالة.
فقد یقال بجوازه تمسکا بالروایات الدالة علی رجحان تحسین الصوت بقراءة القرآن الکریم:و هی أخبار عدیدة تبلغ حد الاستفاضة،و قد سبق بعضها فی کتاب الصلاة و نذکر الآن بعضها:
عن أبی بصیر (1)
الوسائل ج-4 أبواب قراءة القرآن فی غیر الصلاة:باب 21:حدیث 4.
عن أبی عبد اللّه فی قوله تعالی وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِیلاً ،قال:هو أن تتمکث فیه و تحسن به صوتک.و عن النوفلی (2)عن أبی الحسن قال:ذکرت الصوت عنده.فقال:إن علی بن الحسین علیه السلام کان یقرأ فربما مر به المار فصعق من حسن صوته.
و عن عبد اللّه بن سنان (3)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:قال النبی صلی اللّه علیه و علی آله:«لکل شیء حلیة و حلیة القرآن الصوت الحسن».
و عن أبی بصیر (4)قال:قلت لأبی جعفر علیه السلام:إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتی جاءنی الشیطان فقال:إنما ترائی بهذا.أهلک و الناس.
فقال:یا أبا محمد اقرأ قراءة ما بین القراءتین تسمع أهلک و رجّع بالقرآن صوتک.فإن اللّه عز و جل یحب الصوت الحسن یرجع فیه ترجیعا.
إلی غیر ذلک من الروایات.إلا أن کل ذلک لا یدل علی جواز الغناء بالقرآن الکریم.لوضوح أن الصوت الحسن أعم من الغناء،و لا یراد به ذلک.و حتی الترجیع المصرح به فی الروایة لا یراد به حد الغناء،و إنما یراد
به المد المناسب لقراءة القرآن،فقد تقتضی المد الطویل کما فی:آلاء و أولئک و نحوها.فیجوز أن یکون ذلک بتقطیع النفس،الذی هو معنی الترجیع کما یجوز أن یکون باستمراره.و لا إشکال فیه.و معه فحمله علی التقیة،کما حاول فی الوسائل (1)
ج-4:ص 859.
بلا موجب.و قد یستدل علی الجواز بنحو ما سبق:من أن الدلیل علی حرمة الغناء دلیل لبی،و القدر المتقین منه غیر ذلک.
و جوابه بنحو ما سبق أیضا:حیث قلنا إن الأخذ بالقدر المتقین إنما هو مع الشک لا مع الإحراز.و لا شک أن دلیل الحرمة من سیرة المتشرعة و ارتکازهم.شامل للغناء بالقرآن بل هو أشنع من کثیر من أنواع الغناء عندهم.و هذا یکفی.
علی أن هناک بعض الأدلة التی تدل فعلا علی حرمة الغناء بالقرآن الکریم:
منها:أن الغناء به احتقار له و ازدراء به،و هو أشد المحرمات.
و منها:بعض الروایات:و هو ما عن عبد اللّه بن سنان (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله:«اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها.و إیاکم و لحون أهل الفسق و أهل الکبائر.فإنه سیجیء من بعدی أقوام یرجعون القرآن ترجیع الغناء و النوح و الرهبانیة،لا یجوز تراقیهم،قلوبهم مقلوبة،و قلوب من یعجبه شأنهم».
إلا أنها لا تخلو من مناقشة سندا و دلالة.و العمدة فی الحرمة ما سبق أن ذکرناه.
و أما تعرضه للرهبانیة التی عرفنا فی فصل سابق أنها من الرهبة،و هی
مرتبة عالیة من الخوف من اللّه تبارک و تعالی.فهو معارض بما دل علی جواز القراءة بالخشوع و التذلل و الحزن فإن القراءة بالرهبانیة لیست غیر ذلک.
منها ما عن ابن أبی عمیر (1)
المصدر أبواب قراءة القرآن:باب 22:حدیث:1. [1]
عمن ذکره عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:إن القرآن نزل بالحزن.فاقرأوه بالحزن.و لا یبعد أن یکون سندها معتبرا.و من الظاهر أنه یراد بها القراءة الحزینة،و لیست القراءة فی حالة الحزن و لو من شیء آخر من مصائب الدنیا.
و عن حفص (2)قال:ما رأیت أحدا أشد خوفا علی نفسه من موسی بن جعفر علیه السلام و لا أرجی للناس منه.و کانت قراءته حزنا.فإذا قرأ فکأنه یخاطب إنسانا.
فهذا هو الکلام فی الغناء بالقرآن الکریم.و إذا کان ذلک فیه حراما، کان فی کل الأدعیة و الأذکار حراما،لنفس الأدلة السابقة إجمالا،و نوکل تفصیلها إلی فطنة القاری.
و قد وردت حولها روایات مانعة و روایات مجوّزة فنذکر أهمها فی طائفتین:
عن إسحاق بن یعقوب (3)فی التوقیعات التی وردت علیه من محمد بن عثمان العمری بخط صاحب الزمان علیه السلام.یقول فیها:و ثمن المغنیة حرام.
و عن إبراهیم بن أبی البلاد (1)
المصدر:حدیث 4. [1]
قال:قلت لأبی الحسن الأول علیه السلام:جعلت فداک إن رجلا من موالیک عنده جوار مغنیات قیمتهن عشر ألف دینار،و قد جعل لک ثلثها.فقال:لا حاجة لی فیها.إن ثمن الکلب و المغنیة سحت.و عنه (2)فی روایة عن أبی الحسن علیه السلام.و فیها عن ثمن المغنیات:أن هذا سحت و تعلیمهن کفر و الاستماع منهن نفاق،و ثمنهن سحت.
و معتبرة الحسن بن علی الوشاء قال:سئل أبو الحسن الرضا علیه السلام عن شراء المغنیة.قال:قد تکون للرجل الجاریة تلهیه.و ما ثمنها إلا ثمن الکلب.و ثمن الکلب سحت.و السحت فی النار.
إلی غیر ذلک من الروایات.
عن عبد اللّه بن الحسن الدینوری (3)قال:قلت لأبی الحسن علیه السلام جعلت فداک:ما تقول فی النصرانیة أشتریها و أبیعها من النصرانی فقال:اشتر و بع.قلت:فأنکح.فسکت عن ذلک قلیلا ثم نظر إلی و قال شبه الإخفاء:هی لک حلال.قال:قلت:جعلت فداک،فاشتری المغنیة و الجاریة تحسن أن تغنی،أرید بها الرزق لا سوی ذلک.قال:اشتر و بع.
و عن الصدوق (4)قال:سأل رجل علی بن الحسین عن شراء جاریة لها.
صوت.فقال:ما علیک لو اشتریتها فذکرتک الجنة.یعنی بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل التی لیست بغناء.و أما الغناء فمحظور.
و یمکن الجمع بین الطائفتین بأحد وجهین:
الوجه الأول:المناقشة فی إسناد کل هذه الروایات إلا روایة الوشاء فإنها معتبرة،و معه یجب الأخذ بها بالخصوص.و هی تنهی عن ثمن الجاریة المغنیة.
إلا أنها قابلة للمناقشة من حیث الدلالة،لأنه علیه السلام یقول:
الجاریة تلهیه.و لا شک أن مطلق اللهو،لیس بحرام.و معه لا بد من التقیید بما هو حرام فی المرتبة السابقة علی هذا النص،یعنی:أنها تلهیه باللهو الحرام.و معه نعود إلی ما دل الدلیل علی حرمته،و هو الغناء اللهوی.و لا تکون هذه الروایة أکثر مدلولا من غیرها.
و علیه،فإن کان المقصود من شراء الجاریة هذا النوع من اللهو حرمت و بطلت المعاملة علیها،و کان ثمنها سحتا،و إلا جاز.
هذا،و نفس الأمر تقریبا نعمله بالنسبة للکلب،إذ من المسلم فقهیا أنه لا یحرم بیع کل کلب،لأن هناک من الکلاب ما یجوز بیعها،ککلب الصید و البستان.فنقیدها بما دل علی الجواز،أو تخصها ضمنا بما دل الدلیل علی حرمته فی المرتبة السابقة.
الوجه الثانی:الأخذ بالقرائن الموجودة فی الروایات،الدالة علی الجواز.کقوله:أرید بها الرزق لا سوی ذلک.و قوله:فذکرتک الجنة، و نحوها.
و هذا دال بوضوح أن استعمالها فی الحلال حلال و فی الحرام حرام.
و معه فلا بد من النظر فی المرتبة السابقة إلی ما هو حلال و ما هو حرام.و قد عرفنا أن الحرام هو خصوص الغناء اللهوی.و یبقی الباقی تحت الحکم بالجواز.
و أما قوله فی الروایة الأخیرة:یعنی بقراءة القرآن و الزهد إلخ.فإنما هو
تفسیر من الصدوق علیه الرحمة،و لیس مرویا عن الإمام علیه السلام،کما هو واضح لمن یدقق فیه.
فهذا مجمل ما أردنا بیانه عن الغناء و تبقی تفاصیل أخری،لا حاجة إلی الإفاضة فیها الآن.
لیس هذا الموضوع من المکاسب المحرمة،لأن الغیبة لیست سببا للکسب و الاسترباح عادة.کل ما فی الأمر أنه لیس هناک مجال آخر فی الفقه تذکر فیه بعض الأبحاث المختصرة نسبیا،و منها هذا البحث.و من هنا الحقوها بالمکاسب المحرمة،کما فعل شیخنا الأنصاری فی المکاسب و غیره.کما ذکر الکذب و عناوین أخری لا تمت إلی الاسترباح بصلة.و إنما نذکر هنا منها خصوص ما فیه شیء من التعقید المفهومی أو الاختلاف الفقهی.فمثلا:الکذب سوف نعرض عنه لأنه واضح مفهوما و حکما.
أما الغیبة ففی تحدید مفهومها شیء من الصعوبة،لأنهم ذکروا لها تعریفین:
الأول:أنها کشف العیب المستور.
الثانی:ذکرک أخاک بما یکره.
و وردت فی کلیهما الأخبار.فلا بد من الحدیث عن کلا التعریفین مستقلا،لنختار الأمر الصحیح بعد ذلک.
إن الغیبة هی کشف العیب المستور.
فعن داود بن سرحان (1)
الوسائل:أبواب العشرة:باب 154:حدیث 1. [1]
قال:سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الغیبة1) 1)
قال:هو أن تقول لأخیک فی دینه ما لم یفعل و تبث علیه أمرا قد ستره اللّه علیه لم یقم علیه فیه حد.
و عن عبد الرحمن بن سیابة (1)
المصدر:حدیث 2. [1]
قال:سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول:الغیبة أن تقول فی أخیک ما ستره اللّه علیه.الحدیث.و عن إبان (2)عن رجل لا نعلمه إلا یحیی الأزرق قال:قال لی أبو الحسن علیه السلام:من ذکر رجلا من خلفه بما هو فیه مما عرفه الناس لم یغتبه،و من ذکره من خلفه بما هو فیه مما لا یعرفه الناس اغتابه،و من ذکره بما لیس فیه فقد بهته.
و بالرغم من أن إسنادها جمیعا لا تخلو من مناقشة،إلا روایة عبد الرحمن بن سیابة،فإنها موثقة عند سیدنا الأستاذ لورود اسم هذا الرجل فی إسناد کامل الزیارات،لابن قولویه.و الصحیح عدم الأخذ بهذه القاعدة، فی غیر مشایخ ابن قولویه مباشرة.فتکون حسنة لأن هذا الرجل من أصحاب الأئمة علیهم السلام الذین لم یعرفوا بسوء أو بذم.إلا أن العمل بالروایات الحسنة مما لا یصحح عادة فی علم الأصول،فإن المهم الوثاقة فی الراوی.
و لا یکفی ما دون ذلک،فلا تکون معتبرة.
إلا أننا مع ذلک ینبغی أن نعطی فکرة عن التعریف،لأنه نافع فقهیا بکل تأکید،ضمن الملاحظات التالیة:
الملاحظة الأولی:العیب هو النقص بالخلقة أو الطبع أو الصحة أو التصرف أو أی جهة أخری اختیاریة کانت أو غیر اختیاریة.
فصفات الطول و القصر و الشیب و نحوها غیر اختیاری،علی حین کون الإنسان مرحا أو غضوبا أو ثرثارا أو انعزالیا،طبع اختیاری،فضلا عن کونه قال الکلمة القبیحة أو تصرف التصرف المشین،فإنه أوضح بالاختیاریة.
و المهم أن ذکر الإنسان بأی عیب یدخل ضمن الغیبة المحرمة.
الملاحظة الثانیة:أخذ فی مفهوم الغیبة أن یکون الشخص المذکور غائبا و من هنا جائت التسمیة.فلو عابه شخص أمامه لا تصدق الغیبة لا محالة،و إن صدقت الأذیة و الاعتداء المحرمة ضد المؤمن.
و قد رمز القرآن الکریم إلی ذلک بالموت قال سبحانه وَ لا یَغْتَبْ بَعْضُکُمْ بَعْضاً أَ یُحِبُّ أَحَدُکُمْ أَنْ یَأْکُلَ لَحْمَ أَخِیهِ مَیْتاً فَکَرِهْتُمُوهُ .
و النهی ظاهر بالحرمة،فالغیبة محرمة بنص الکتاب الکریم مضافا إلی السنة الشریفة و الإجماع و العقل.
و قد مثل الجرأة علی الاغتیاب بالجرأة علی أکل لحوم الآخرین.و مثل الغیاب بالموت،لأن المیت کالغائب و إن کان حاضرا.فالغائب إذن کالمیت و إن کان حیا.و من زاویة أخری قالوها،فإن المیت لا یستطیع أن یدافع عن نفسه ضد أی اعتداء من أی نوع.کذلک الغائب من حیث کونه جاهلا بما صدر ضده لا یستطیع الدفاع أیضا.
إذن،فالمهم حصول الغیاب،أو قل:التکلم ضد شخص غائب لیصدق مفهوم الغیبة.
الملاحظة الثالثة:أن العیب لم یذکر فی هذه الروایات و إنما قالوا:ما ستره اللّه علیه و نحوه:فقد یبدو أن الأمر المستور أعم من کونه عیبا.فقد تکون هناک صفات حسنة مستورة أو صفات عادیة.فإن المهم فی الستر هو عدم معرفة الآخرین به،و هو أمر نسبی یصدق فی حالات کثیرة و لا یخص العیوب بالذات:
و جواب ذلک من زاویتین:
الزاویة الأولی:من جهة الفهم العرفی.
لأن ما یستحق الستر عرفا إنما هو العیب و النقص.أما الفضائل و المکارم.بل حتی الصفات الاعتیادیة،فإنها لا تندرج عرفا فی هذا
المدرج.إذن،فالفهم العرفی من(ما)الموصولة فی قوله،ما ستره اللّه علیه هو العیب بلا إشکال.سواء کان خلقیا أم اختیاریا.
الزاویة الثانیة:من جهة العطاء الإلهی.
فإن الوارد فی الأدلة المستفیضة أن من فضل اللّه سبحانه علی المؤمن هو کشف فضائله و ستر معایبه.و ورد فیما ورد من ذلک:یا من نشر الجمیل و ستر القبیح.و أن اللّه تعالی:یکشف العائدة و یخفی العائبة.و ورد:و کم من ذکر حسن لست أهلا له نشرته،بإزاء قوله:و کم من عیب سترته.إلی غیر ذلک من النصوص العدیدة.
إذن فما یخص بالستر هو العیب.و الساتر هو اللّه سبحانه کما نصت علیه هذه الروایات و کثیر من النصوص غیرها.و لو أراد أن یفضحه لفضحه، و لکنه سبحانه یتفضل بالجمیل،لأنه حلیم کریم جل جلاله و عظمت آلاؤه.
و من هنا ذکرنا فی هذا التعریف للغیبة أنه کشف العیب المستور.
فذکرنا العیب بالرغم من عدم وروده لفظیاً فی النصوص.إلا أنه موجود بالمعنی کما عرفنا.
الملاحظة الرابعة:أن المهم فی الستر هو جهل المخاطب عند التحدث بالغیبة.فمن جهل العیب،کان هذا العیب مستورا عنه.فتکون الغیبة سببا لفضحه و کشفه.و هو الفعل المحرم.
فمعنی ستره اللّه علیه،یعنی أن الناس یجهلون عیوبه،بالرغم من أنه قد لا یوجد إلا أقل القلیل من البشر من لا یتصف بالعیب.إلا أننا نجد فی المؤمن أن الناس یعرفون فضائله و یجهلون عیوبه.و هو معنی نشر الفضائل و ستر العیوب،من قبل الرحمة الإلهیة.
و المهم هو أن الستر یتحقق بالجهل.سواء کان الجاهل فردا أو جماعة أو مجتمعا.و کشفه من الغیبة علی أی حال.
و أما إذا لم یکن الفرد جاهلا بالعیب فلا یکون خطابه به غیبة،بناء علی
هذا التعریف،لأنه لا یحتوی علی کشف العیب المستور،بل هو من إعلام المعلوم،و لا ضیر فیه.
و لعله من هنا کان المتجاهر بالفسق ممن تجوز غیبته،لأن عیبه معروف للناس،و مفضوح لدیهم،فلا یکون الإعراب عنه غیبة له.و مهما یکن الأمر فهو مصداق غالبی له.و سیأتی الحدیث عنه فی مستثنیات الغیبة.
و من زاویة هذه الفکرة،ورد فی الروایة الأخیرة:من ذکر رجلا من خلفه بما هو فیه مما عرفه الناس،لم یغتبه.و من ذکره من خلفه بما هو فیه مما لا یعرفه الناس اغتابه.
فالمدار هو معرفة الناس و جهلهم.و قوله:من خلفه،یعنی فی غیابه، کما سبق.
الملاحظة الخامسة:یشترط فی صدق هذا التعریف للغیبة.أن یکون العیب موجودا فعلا،فإذا لم یکن موجودا فهی لیست بغیبة،بل هی بهتان، و هو محرم أیضا بل هو أشد من الغیبة فی الحرمة.
و الروایة الأخیرة نص عن هذه الفکرة حیث قال:و من ذکره من خلفه بما هو فیه مما لا یعرفه الناس اغتابه.و من ذکره بما لیس فیه فقد بهته.
و کذلک یمکن الاستفادة نفسها من الروایات السابقة التی تعرف الغیبة بأنها کشف ما ستره اللّه علیه.و تقریب الدلالة:أن العیب إذا کان متحققا فعلا،کان مستحقا للستر،أو قل:کان مستورا.یعنی موجودا و مستورا.و أما إذا لم یکن موجودا أصلا،فلا یصدق علیه صفة الستر و عنوانه.لأنه بالنسبة إلیه کالسالبة بانتفاء الموضوع.فصدق الستر علیه عندئذ غیر منطقی و غیر عرفی.
إذن،فأخذ عنوان الستر فی الروایات،دال علی اشتراط تحقق العیب یعنی:مما هو فیه فعلا.
و أما قوله فی الروایة الأولی عن الغیبة:هو أن تقول لأخیک فی دینه ما
لم یفعل.فهی مضافا إلی ضعف سندها.أخذت قیدا غیر محتمل فقهیا، و هو أن یکون النقص دینیا لا دنیویا.فإن هذا مما تنفیه الروایات الأخری المستفیضة.
علی أنه یمکن أن یکون هناک مفهوم عام للغیبة یشمل البهتان.فتنقسم الغیبة بهذا المعنی:إلی ذکر ما هو فیه و ما لیس فیه.إلا أنه خلاف الاصطلاح الفقهی و خلاف ظاهر الروایات الأخری.بل خلاف ظاهر الآیة الکریمة المشار إلیها.فإن:أکل اللحم إنما هو فی اللحم الموجود لا فی اللحم غیر الموجود.فتأمل.
و علی أی حال،فالمعول علی الفهم الاصطلاحی للغیبة.
إن الغیبة:ذکرک أخاک بما یکره
و قد وردت فیه عدة نصوص:
منها ما عن أبی ذر (1)
أبواب أحکام العشرة:باب 152:حدیث 9.
عن النبی صلی اللّه علیه و آله فی وصیة له قال:«یا أبا ذر إیاک و الغیبة.إلی أن یقول:قلت یا رسول اللّه و ما الغیبة؟ قال:ذکرک أخاک فیما یکره قلت:یا رسول اللّه فان کان فیه الذی یذکر فیه.قال:إذا ذکرته بما هو فیه فقد اغتبته.و إن ذکرته بما لیس فیه فقد بهته».
و فی حدیث نبوی آخر:قال صلی اللّه علیه و علی آله:«أ تدرون ما الغیبة،قالوا:اللّه و رسوله أعلم.قال:ذکرکم أخاکم بما یکرهه أو بنصّ آخر أنه قال:أ تدری ما الغیبة قال:اللّه و رسوله أعلم.قال:ذکرک أخاک بما یکرهه.و الفرق بینهما فی ضمیر المخاطب».
و هذا هو التعریف الأشهر بین الفقهاء،بالرغم من أننا وجدنا أن الأخبار الدالة علی ذلک التعریف أکثر و أوثق.
و یتم الکلام عن هذا التعریف ضمن عدة ملاحظات:
1) 1)
الملاحظة الأولی:لا فرق عرفا و لغویا،بین قوله یکره،و یکرهه.فإن حذف المفعول به أمر شائع کقوله تعالی فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ .یعنی قاضیه.فالمحصل فقهیا واحد.
الملاحظة الثانیة:أن أهم أشکال علی هذا التعریف یمکن تقریره کما یلی:
أن الکراهة المشار إلیها فی التعریف لها أحد متعلقین محتملین:
الأول:أن تکون الکراهة متعلقة بالذکر نفسه،یعنی أن الفرد یکره تداول شیء معین عنه،فهو یکره التداول نفسه،و إن أحب الصفة التی یتحدثون عنها.
الثانی:أن تتعلق الکراهة بالصفة المذکورة،فیکون المعنی:ذکرک أخاک بصفة یکرهها.
و کلا الاحتمالین لا یخلو من مصاعب فقهیا:
أما الاحتمال الأول:فهو لا یتضمن إلا کراهة الإفصاح و النقل.بغض النظر عن الأمر المنقول.
و من المعلوم أن الأمر المنقول قد یکون صفة حسنة کما قد یکون صفة سیئة،کما قد یکون صفة لغیره کأحد أخوته أو أولاده مثلا.کما قد تکون صفة تکوینیة.و کلها یمکن أن یکون بعض الأفراد کارها لنقلها.
فالصفة الحسنة،کالعبادات،مما یکره کثیر من المتعبدین الإفصاح عنها و إفشاءها،تحاشیا للریاء و نحوه.
و الصفة السیئة،الخلقیة و الخلقیة و الاختیاریة مما یکره صاحبها الإفصاح عنها.و لکن قد لا یکره ذلک أیضا لمصلحة ما،کاشتهار أن یکون فقیرا لیحصل علی بعض المساعدات أو غیر ذلک.
و قد تکون الصفة حسنة أو سیئة لغیره من أسرته أو عشیرته أو صدیقه
و لا یرید الإفصاح عنها.و إن کان ذلک مما یعود إلی عیب نفس الإنسان غالبا.
و قد تکون صفة تکوینیة.کما لو کان یکره أن یتداول الناس:أن السماء أمطرت فی أرضه البارحة،أو أن زرعه وفیر الحاصل و نحو ذلک.
و لیس کل هذه الصفا مما تعلق بها الغیبة فقهیا،و لا حرمة فیها.و إن کانت ثابتة فی بعضها کما سنوضح.
و أما الاحتمال الثانی:فکراهة الصفة لا یقتضی کراهة النقل.و إذا لم یکن الفرد کارها للنقل،و لم یکن له مانع من ذکر الناس له،لم تکن الغیبة صادقة،أو قل:لم یکن التعریف منطبقا.
و فی الغالب أن الصفة المکروهة للفرد نقص معین فی بعض جوانب حیاته،و لکن قد تکون الصفة المکروهة خیرا أو کمالا و لکنه یتضایق من تحققه.کما لو کان الفرد یتصف بطبیة القلب و لکنه یتمنی لو کان خبیثا ماکرا،إذن لکانت حیاته الاجتماعیة أسهل.أو کما لو کان الفرد غنیا و لکنه یتمنی أن یکون فقیرا لیحصل علی الثواب فی الآخرة.و غیر ذلک.
و من المعلوم أن ذکر الصفة الحسنة للآخرین لیست من الغیبة بضرورة الفقه،فلو ذکر الفرد شخص بالصفة الحسنة التی یکرهها،لم یکن مغتابا له.
إلا أن هذه الإشکالات أو الاحتمالات لا تمنع من فهم التعریف فهما عرفیا.فإن المهم فیه هو أن نفهم ما الموصولة فی قوله:بما یکرهه.ما المراد منها.
و الظاهر منها عرفا رجوعها إلی الصفة المنقولة،لا إلی النقل نفسه.
و لذا لو فسرنا التعریف هکذا:ذکرک أخاک بأسلوب یکرهه،لم یکن مطابقا له تماما.
و یدلنا علی هذا الفهم قوله فی الروایة الأولی:یا رسول اللّه.فإن کان فیه الذی یذکر فیه.و هو نص فی أنهم فهم الصفة المنقولة،التی قد تکون صادقة و قد تکون کاذبة.
و الصفة المکروهة غالبا،و بحسب الفهم العرفی،هی العیب و النقص، و لیست صفة الکمال.و لذا خرجت صفة الکمال عن التعریف،و من ثم فهی لیست من الغیبة المحرمة.
و بحسب الفهم العرفی،فإن الغالب أن الفرد یکره نقل عیوبه و تداولها و التحدث بها.فیکون المنقل أیضا مکروها.فقد أصبح بالفهم العرفی:أن النقل و الصفة المنقولة مکروهین للفرد.و هذا هو القدر المتیقن من التعریف أو من الغیبة.
بقیت علینا صورة واحدة،و هی ما إذا لم یکن یکره الفرد نقل بعض نقاصه کما مثلنا فیما سبق.فهل یندرج فی هذا التعریف أم لا.
و نحن إذا استظهرنا من(ما)الموصولة رجوعها إلی الصفة فقط،کان نقل العیب أو النقص غیبة سواء کره صاحبها نقلها أم لا.فالمهم النظر إلی الصفة لا النقل.
کل ما فی الأمر أن النقل یختلف القصد فیه،فقد یکون بنیة حسنة و أخری بنیة سیئة یراد به ثلبه و شتمه.فإن کان بنیة سیئة،فهو مکروه دائما و من قبل کل فرد.و أما إذا کان بنیة حسنة و کان صاحب الصفة غیر کاره للنقل.فقد یقال:إنه لا یصدق عنوان الغیبة عندئذ و إن اندرج فی التعریف.
و السر فی ذلک:أن أمثال هذه المحرمات أحکام إرفاقیة بالناس، جعلت لأجل مصلحتهم.فإذا لم یکن الستر فی مصلحة الفرد،سواء کان الکشف و النقل فی مصلحته أم لم یکن،لم یکن(ملاک)الغیبة متحققا، و الحکم بدون ملاک لا یکون متحققا،فتکون غیبة جائزة،یعنی مندرجة فی التعریف،و لکنها لیست محرمة لرضاء صاحبها بها.و کونها فی مصلحته أحیانا.
و بعد أن تم التحدث عن فهم هذا التعریف و سابقه،بقی علینا أن ننظر إلی النسبة بینهما:
کان التعریف الأول:هو أن الغیبة:کشف العیب المستور.یعنی نقله لمن یجهله.و کان الثانی:ذکرک أخاک بما یکره،یعنی نقل بعض عیوبه و نقائصه،إلا إذا کان النقل برضائه و مصلحته.
و الفرق الرئیسی بین التعریفین،هو أخذ عنوان الستر أو الجهل فی الأول دون الثانی:فیکون نقل العیب التحدث عنه لمن هو عالم به غیبة علی التعریف الثانی و لیس غیبة علی الأول.
و قد یقال:إن عنوان الکراهة أخذت فی التعریف الثانی دون الأول، فإذا لم تکن الصفة مکروهة،کانت غیبة علی الأول دون الثانی.
إلا أن هذا لیس بصحیح لأننا فهمنا من کلا التعریفین،کونهما متعلقان بالعیب،دون صفة الکمال.و رضاء الفرد بالعیب أحیانا،یعنی بأصل وجوده لا یعنی جواز کشفه و ذکره.
نعم،لو کان راضیا بنقله و معرفته،کان جائزا من زوایة کلا التعریفین، لما قلناه من أن حرمة الغیبة أساسا إرفاقی.فترتفع حین لا یکون الإرفاق متحققا.
فالمهم هو الفرق الأول.و یمکن السیطرة علی الموقف بأحد طریقین:
الطریق الأول:تقیید المطلق بالمقید.و التعریف الثانی مطلق من حیث جهل السامع،و الأول یحتوی علی هذا القید،فیکون أخص منه عرفا فیتقدم علیه،فنقید التعریف الثانی بالأول،فیصبح عنوان الجهل کأنه مأخوذ فی کلا التعریفین و هو المطلوب.
الطریق الثانی:أن نختار من التعریفین،ما هو أصح و أوثق سندا، و ندع الآخر.
و لا شک أن التعریف الأول الذی أخذ فیه الجهل هو الأوثق فی
الروایات بل أشهر،لأنه متکرر فی عدة روایات،بحذف الثانی،فإن إسنادها ضعیفة و غیر معتبرة فالترجیح للأول.
و لا یکاد یفرق الأمر شیئا بعد أن فهمنا اتحادهما فی المضمون.إلا من زاویة جهل السامع فی الأول الذی رجحناه.و منه زاویة الکراهة فی الثانی، و التی قلنا إنها تشمل الأول ملاکا.
و بعد التقیید الملاکی هذا،یکون محصل تعریف الغیبة:أنها کشف العیب المستور أو المجهول مع کراهة صاحبه لنقله.و هذه الکراهة هی الحاصلة فی الأعم الأغلب بطبیعة الحال.
فهذا هو الکلام فی تعریف الغیبة.
بقی علینا التحدث عن بعض التفاصیل التی تنفع من الناحیة الفقهیة ضمن عدة جهات:
علی حرمة الغیبة،و لیس الإجماع و السیرة فقط
فمن هنا،کان دلیل حرمتها لفظیا لا لبیا،لکی یجوز لنا أن نأخذ منه بالقدر المتیقن.بل الدلیل اللفظی له إطلاق سار فی کل مصادیق الغیبة، و هی ما ینطبق علیها التعریف.فما دام القول غیبة کان حراما.و کل مورد مشکوک مشمول للحرمة،و لیس کالدلیل اللبی یکون باباً للجواز کما قلنا فی بعض المسائل السابقة.
نعم،هذا الإطلاق قابل للتقیید،و هو ما یسمی بمستثنیات الغیبة،لأنها مما دل الدلیل علی جوازها،و سیأتی الکلام عنها قریبا.
لا یکون مشمولا لحرمتها.
و لکن قد یکون حراما لعنوان آخر،کإیذاء المؤمن و هتکه و غیر ذلک.قد یکون جائزا أیضا إذا کان ذلک الفرد مستحقا.
و المهم الآن بیان موارد خروج التنقیص عن التعریف:
أولا:أخذنا فی مفهوم الغیبة أن یکون الشخص المذکور غائبا.فلو
کان التنقیص بحضوره و التفاته لم یکن من الغیبة.سواء کان هو المخاطب أو غیره،و سواء کان الغیر جاهلا أو عالما بالنقص.
ثانیا:أخذنا فی مفهوم الغیبة أن یکون المخاطب جاهلا بالنقص لیکون الستر صادقا و متحققا،و یکون إخباره فضحا لهذا الستر.فلو کان عالما بالغیب،لم تکن تکراره أمامه غیبة.
ثالثا:أخذنا فی مفهوم الغیبة و تعریفها أن یکون مما یکره المذکور بیانه،فلو لم یکن یکره بیانه عن طیب قلب،لم یکن غیبة.و کان بمنزلة الاستحلال المسبق من الغیبة.سواء کان بیان العیب فی مصلحة المذکور أم لا.
نعم،قلنا إن کل هذه الأمور قد تکون حراما من جهات أخری.
رابعا:لم نأخذ فی التعریف:أن یکون البیان للنقص بالکلام فلو أمکن بطرق أخری،کالإشارة أو النقل أو التخاطر أو غیر ذلک،کان غیبة حراما أیضا.
خامسا:لم نأخذ فی التعریف أن یکون البیان عن ذنب سابق.فلو نبه شخص شخصا علی ذنب حاضر للآخر،بحیث کان حال ارتکابه،و کان المخاطب غافلا جاهلا به،کان تنبیهه علیه من الغیبة المحرمة.
و هذا لا ینافی ما قلناه فی ضرورة کون الفرد المذکور غائبا.إذ المهم فی غیابه،عدم التفاته إلی حصول الغیبة،حتی و لو کان حاضرا ببدنه.
سادسا:أننا لم نأخذ فی مفهوم الغیبة البعد المکانی،بحیث لا یری المتکلم و السامع،الشخص المذکور لا یسمعانه،فإن الغیبة صادقة و منطبقة، سواء کان المذکور بعیدا أم قریبا.لکن المهم عدم التفاته إلی الغیبة حین حصولها.
سابعا:لم نأخذ فی مفهوم الغیبة نسبة هؤلاء الأشخاص بعضهم إلی بعض أو قرابتهم أو عداوتهم و لا غیر ذلک.و من هنا تحرم الغیبة علی کل
حال بین الأب و ابنه أو بنته و الأم کذلک و الزوج و الزوجة و الصدیقین و العدوین و هکذا.
ثامنا:لم نأخذ فی مفهوم الغیبة عمرا معینا و لا جنسا معینا و لا جنسیة معینة ما دام الفرد المذکور بالغیبة مؤمنا بالغا.نعم یجوز اغتیاب الطفل أو ذکر شیء فعله الفرد فی حال طفولته.و إن کان هذا مخالفا للاحتیاط الاستحبابی، کما أن اغتیاب الطفل المؤمن الممیز أیضا کذلک.
تاسعا:لم نأخذ فی مفهوم الغیبة رضاء المذکور من المتکلم إذا ذکر العیب أمامه.بمعنی أنه إذا سبه أمامه لم یغضب لأنه صدیقه الحمیم.و لکنه إذا کان یکره إفشاء ذلک إلی الآخرین صدقت الغیبة علیه و حرمت.
عاشرا:لا بد أن یکون المذکور فی الغیبة معینا فی ذهن المخاطب لیکون کشفا لعیبه.و أما بدون ذلک فلا تصدق الغیبة،لأنه لیس کشفا لعیب معین.
الغیبة کغیرها من المحرمات
یمکن سقوط حرمتها بمسقطات الحرمة الاعتیادیة،من دون حاجة إلی دلیل مقید.کما إذا کان فی ترکها ضرر کبیر أو حرج شدید،أو کان فی وجودها مصلحة فردیة أو اجتماعیة أهم فی نظر الشارع المقدس من الترک،کانت الغیبة جائزة عندئذ.فإن الضرورات تبیح المحظورات.
الإسلامیة
فلو کان فاعلها غیر مکلف لم تحرم کالطفل و المجنون و الغافل.
و إن کان مقتضی الأدب الإسلامی المؤکد ترکها بالنسبة إلی الطفل الممیز.
و المهم الآن،هو أن یکون الفاعل مکلفا،و هو المتکلم بالغیبة،دون المخاطب.فلو کان المخاطب طفلا أو مجنونا،حرمت.نعم لو لم یکن هناک مخاطب.و سمعها شخص صدفة.فإن علم التکلم بوجود سامع لها
لم تجز،لأنها مما ینطبق علیها التعریف.و إن لم یعلم أو لم یلتفت،لم تکن غیبة.کما لو کان یتکلم مع نفسه بصوت مسموع أو مع حیوان أو جماد أو یخاطب غائبا أو میتا مثلا.و لم یلتفت لوجود السامع.
الجملة.
و إن اختلفوا فی بعض التفاصیل کما سیأتی.
و یمکن أن یستدل علی ذلک بوجهین:
الوجه الأول:أن غیبة المتجاهر لیست غیبة أساسا،لأنها غیر مندرجة فی التعریف،لأننا اشترطنا فی التعریف أن یکون العیب مستورا،یعنی أن یکون المخاطب جاهلا به.و المتجاهر بهذه الصفة لا یکون الناس جاهلین به عادة،فذکره بالعیب لیس بغیبة.
و جوابه:أننا لو اقتصرنا علی هذا الوجه،کانت غیبة المتجاهر أمام من یجهل حاله محرمة،أو بتعبیر آخر:تکون داخلة فی التعریف.لأن الأمر یکون نسبیا،بمعنی أن ذکره بالعیب یجب أن یحسب حسابه أمام کل فرد باستقلاله.فیما إذا کان المخاطب عالما به أو جاهلا.و هذا حکم لا یختلف به کل أنواع الغیبة کل ما فی الأمر أن الفرق لیس إلا أن العالمین بعیب المتجاهر أکثر عددا من غیره.و هذا لیس مهما من الناحیة الفقهیة.
اللهم أن یقال:إنه یراد بالستر و الجهل المأخوذین فی تعریف الغیبة، هو الستر و الجهل النوعی و لیس الفردی،یعنی أن یکون الفرد المذکور بالغیبة،مستورا عن أغلب الناس.
و خاصة و أن المستعمل فی أدلة حرمة الغیبة لفظ الستر و لیس لفظ الجهل.و الستر النوعی أمر مفهوم عرفا،فیمکن فهمه من الدلیل.
فإذا تم ذلک،فالمتجاهر یکون ستره النوعی غیر موجود،فیخرج عن تعریف الغیبة أساسا.
و هذا فهم لطیف،إلا أن فهم النوعیة من الدلیل متعذر،و الظاهر
العرفی الأولی هو الصفة الشخصیة و لیس النوعیة،و لا دلیل علی النوعیة فی المقام.فالمفهوم عرفا هو الستر و الجهل الفردیین،و هما قد یکونا متوفرین فی المتجاهر.
اللهم إلا أن یقال:إن الروایات الآتیة ستکون قرینة علی فهم النوعیة، من الستر المأخوذ فی الروایات السابقة التی سمعناها فی التعریف الأول.
و معه فیرجع هذا الوجه إلی الوجه الثانی.
الوجه الثانی:الاستدلال بالروایات الواردة بهذا الصدد:
عن أبان (1)
أبواب أحکام العشرة:باب 154:حدیث 3.
عن رجل لا نعلمه إلا یحیی الأزرق.قال:قال لی أبو الحسن علیه السلام:من ذکر رجلا من خلفه بما هو فیه مما عرفه الناس لم یغتبه.و من ذکره من خلفه بما هو فیه مما لا یعرفه الناس اغتابه.الحدیث.
و عن هارون بن الجهم (2)عن الصادق جعفر بن محمد علیه السلام:
قال:إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غیبة.
و عن أبی البختری (3)عن جعفر بن محمد عن أبیه،قال:ثلاثة لیس لهم حرمة.قال:و الفاسق المعلن بالفسق.
و الروایتین الأخیرتین تعربان عن معنی نفی الحرمة.و نستطیع أن نفهم من الحرمة أنها نوع من الستر،و هو الستر النوعی التشریعی.فإن الستر النوعی قد یکون تکوینیا،و هو ما کان حاصلا فعلا بسبب أسبابه الاعتیادیة.
و قد یکون تشریعیا،فیما إذا أوجبه اللّه عز و جل فی شریعته.و هو منی أوسع و أعمق من حرمة الغیبة،بحیث تکون هذه الحرمة کأنها ناشئة منه.
و هو یتناسب مع حرمة الغیبة تناسبا طردیا.فمن کانت له حرمة حرمت غیبته،و من انتفت حرمته جازت غیبته.
و أما الروایة الأولی،فتعطی مفهوم الستر(مما لا یعرفه الناس).و قد تفهم من الستر النوعی أو الشخصی.
فلو سرنا مع هذه الروایات،عرفنا منها أن المتجاهر بالفسق لا حرمة له.و من لا حرمة له جازت غیبته،و من جازت غیبته،لم یفرق ذلک بین ذنوبه و عیوبه جمیعا،سواء کان هو الذی تجاهر به أو غیره،و سواء کان من جنس العصیان و هو ما سمیناه بالعیب الاختیاری،أو کان من العیوب الخلقیة أو غیر ذلک.لأنه لا حرمة له و اللّه سبحانه رفع عنه الستر النوعی التشریعی،لأنه هتک نفسه بتجاهره بالفسق.
إلا أن الذی یهون الخطب هو إمکان المناقشة فی إسناد هذه الروایات.
و إذا لم تتم إسنادها لم یبق عندنا إلا الإجماع علی جواز غیبة المتجاهر بالفسق.و هو فعلا متحقق.
و قد یقال:إن هذا الإجماع لیس بحجة لأنه لیس تعبدیا بل معتمدا، و لو احتمالا،علی هذه الأخبار،فلا یکون له قیمة أکبر منها.
و جواب ذلک:أن الإجماع أحیانا یکون أوسع و أهم من الأخبار المعتمد علیها،بحیث یکون الفتوی علی خلافه مجازفة فقهیة واضحة،حتی مع احتمال اعتماده علی الأخبار.
و فی مثل ذلک،یکون الإجماع حجة،و لا أقل فإن فی مخالفته مخالفة للاحتیاط الوجوبی.
و هذه القاعدة منطبقة علی المورد تماما،لوضوح أن الفتوی بحرمة غیبة المتجاهر حتی فیما تجاهر فیه،خلاف الاحتیاط جدا،و إن کانت هی فی نفسها موافقة للاحتیاط.
و إذا تم الإجماع،کان الدلیل علی الحکم لبیا،یجب الاقتصار منه
علی القدر المتیقن.و ذلک ینتج جواز اغتیاب المتجاهر فی خصوص ما تجاهر به،لأنه القدر المتیقن من الإجماع.و لا إجماع فی غیره.و أما إذا کان من العیوب التکوینیة،فلا یجوز غیبته بها أمام من لا یعرفها.سواء تجاهر بها صاحبها أم لا.لأن المدار هو التجاهر بالفسق و هو العصیان،و الصفات التکوینیة لا تکون سببا للفسق.
و أما عنوان نفی حرمة المتجاهر،کما نطقت الروایات فلا یثبت بالإجماع،لمجرد التجاهر بذنب واحد أو نحوه.نعم مع کثرة التجاهر بالذنوب و إسقاط الشریعة عن الاعتبار یکون انتفاء الحرمة عنه انتفاء عرفیا، فی ذوق المتشرعة و ارتکازهم.و کل من انتفت عنه الحرمة جازت غیبته، بالإجماع و ارتکاز المتشرعة.
و إذا حصل ذلک،و سقطت الحرمة و الذمة عنه،جازت غیبته فی کل معاصیه و أفعاله.نعم بقیت عیوبه التکوینیة،داخلة فی الحرمة احتیاطا،لأن الدلیل علی الجواز کما عرفنا لبی أیضا.و القدر المتیقن من الجواز هو العصیان.
و استدلوا علیه بعدة أدلة،منها آیات کریمات:منها قوله تعالی لا یُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ .و قوله تعالی وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِکَ ما عَلَیْهِمْ مِنْ سَبِیلٍ. إِنَّمَا السَّبِیلُ عَلَی الَّذِینَ یَظْلِمُونَ النّاسَ وَ یَبْغُونَ فِی الْأَرْضِ بِغَیْرِ الْحَقِّ .
و لا شک أن الغیبة نوع من الجهر بالسوء،و حکمه أنه لا یحبه اللّه،إلا من المظلوم.
و کذلک الآیة الثانیة،فإن السبیل فیها بمعنی استحقاق العقوبة،أیا کان نوعها،ما عدا من کان ینتصر لظلمة.
و ینبغی هنا إلی أن نلتفت إلی بعض الأمور
أولا:ان ما هو جائز فی الآیتین یختص بذکر المظلوم فیما ظلم فیه.
و أما ذکره غیره فلا یجوز.لأن عنوان الظلم منصرف إلی ذلک أولا.و ثانیا:
فإنه لیس بصدد البیان من زوایة الذنوب و العیوب الأخری للظالم.
ثانیا:هناک فرق فی منطوق الآیتین الکریمتین،فالثانیة تأخذ شرط الانتصار قیدا للجواز،فلو لم یکن الکلام أو الغیبة سببا للانتصار،و لو من بعید،لم تخرج عن الحرمة بخلاف الآیة الأولی.
إلا أن الأولی مطلقة،و الثانیة مقیدة،و لا بد من تقیید المطلق بالمقید، فیختص الحکم بما هو منطوق الآیة الثانیة،یعنی مشروط بالانتصار.
و عن أبی عبد اللّه (1)
أبواب أحکام العشرة:باب 154:حدیث 7.
علیه السلام،فی قوله تعالی لا یُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ قال:إن الضیف ینزل بالرجل فلا یحسن ضیافته.فلا جناح علیه أن یذکر سوء ما فعله.و هذه الروایة لا سند لها،فلا تکون معتبرة.و صدق الظلم عرفا بهذا المقدار،محل مناقشة.نعم لو صدق علیه الظلم عرفا،کان مشمولا للآیة الکریمة حتما.
و استدل شیخنا الأنصاری قدس سره بدلیل نفی الحرج.و قال:إن فی منع المظلوم من هذا الذی هو نوع من التشفی حرجا عظیما.و فیه:
أولا:إن صح فإنه یختص بصورة الحرج،و هی حال فورة الغضب.
و أما فی غیر ذلک فلا حرج.و إن حصل الحرج من نواح أخری کالفقر و غیره أمکن تطبیق هذا الدلیل أیضا،بغض النظر عما یأتی.
ثانیا:إن دلیل نفی الحرج دلیل إرفاقی امتنانی.و قد سطرنا و سطروا فی علم الأصول،أنه امتنان علی النوع لا علی الشخص،و الغیبة قد توقع الشخص المذکور فیها بالحرج أو غیره من أنواع الإیذاء.فیکون سیاق
1) 1)
الامتنان دالا علی عدم انطباق هذا المورد علی ذلک الدلیل.
و استدل شیخنا الأنصاری أیضا:بأن فی تشریع الجواز مظنة ردع للظالم.و هی مصلحة خالیة عن المفسدة.فیثبت الجواز لأن الأحکام تابعة للمصالح.
و فیه:
أولا:إذا تم ذلک تقید الجواز بما کان یلزم منه ذلک لا فی المورد الخالی منه،من دون أن یخدع الفرد نفسه.و سیأتی البحث فی جهة آتیة عما إذا استلزم من الغیبة الأمر بالمعروف أو النهی عن المنکر.
ثانیا:إن تشریع الجواز الذی أشار له هل هو من الشارع المقدس أو من الفقیه.
فإن کان من الشارع المقدس،فالدلیل علی کون ذلک علة للجواز یدور الحکم مدارها وجودا و عدما،غیر موجود و ثبوته أول الکلام.إذ لعله حکمة لا علة.
و إن کان هذا التشریع من الفقیه،فهو من قبیل القیاس الباطل،لأن وجود المصالح و مقدارها لا یعلمها إلا الشارع المقدس،و لا یمکن للعقل البشری الإحاطة بها و بکونها خالیة من المفسدة.
نعم،لو تم ما یأتی من جواز الغیبة عند النهی عن المنکر،کان ذلک وجها،إلا أنه لا یختلف عندئذ المظلوم عن غیره.
فالوجه الصحیح فی الاستدلال فی هذا الفرع هو خصوص ظهور الآیتین الکریمتین.
ففی روایة عبد الرحمن بن سبابة (1)
أبواب أحکام العشرة:باب 154:حدیث 2.
قال:سمعت أبا عبد اللّه علیه1) 1)
السلام یقول:الغیبة أن تقول فی أخیک ما ستره اللّه علیه.و أما الأمر الظاهر مثل الحدة و العجلة فلا.و البهتان أن تقول ما لیس فیه.
و فی الحدیث (1)
المکاسب:ص 46. [1]
:جاءت زینب العطارة الحولاء إلی نساء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله.و الروایتان،لا تخلوان من المناقشة سندا.و الأولی تدل علی جواز (الأمر الظاهر)و لیس علی خصوص العیب الممیز.
و القول بالجواز فی هذا الصدد موقوف علی القول بالجواز فی موارد:
أولا:جواز ما لا یکرهه صاحبه.
ثانیا:جواز ما یکون ترکه حرجا.
ثالثا:جواز ما لا یکون بقصد التنقیص.
رابعا:جواز ما کان شائعا ذکره بین الناس.
و الأخیران لا یخلوان من مناقشة.
و قد یستدل بالسیرة علی الجواز فی مثل هذه الصورة.إلا أن ارتفاع السیرة إلی أیام المعصومین علیهم السلام.و ابتنائها علی ارتکاز المتشرعة أو أقوالهم محل مناقشة إلا أن یستدل بهذه الروایات علیها،فتکون راجعة إلیها.
و علی أی حال،فمع حصول مصلحة مهمة أو محرجة فی التعریف.
و انحصار التعریف بذکر العیب کان جائزا.و أما بدون أحد الأمرین فضلا عنهما معا،فالغیبة محرمة.
نذکرها باختصار،و تمام الکلام موکول إلی الفقه:
1-ما کان وجود المغیبة فیه،سببا للأمر بالمعروف و النهی عن المنکر،أو دفع المنکر،أو ارتداع المعتاد للمنکر عن عادته و نحو ذلک.
1) 1)
2-ما کان وجودها سببا لقطع مادة الفساد،کالمبتدع الذی یخاف منه فی إضلال الناس و إفساد أدیانهم و أخلاقهم.فقد تکون الغیبة سببا لفهم الناس لحقیقته.
3-استقضاء الحق فی الشکوی إلی القاضی أو الفقیه،کما إذا امتنع الزوج عن نفقة زوجته و غیر ذلک.
4-جرح الشهود،بمعنی ذکر عدم وثاقتهم أو عدالتهم،فی باب القضاء أو فی الطلاق،أو غیر ذلک.
5-دفع الضرر عن نفسه فیما إذا اغتاب شخصا.
6-إقامة الشهادة أمام القضاء،بأنه رأی المعصیة أو الجریمة من فلان.
7-رد من ادعی نسبا لیس له،و خاصة إذا ادعی کونه علویا أو هاشمیا و لم یکن کذلک.
إلی غیر ذلک من الموارد.
أعنی المذکور فی الغیبة.
عن أنس بن محمد (1)
أبواب أحکام العشرة:باب 156:حدیث 1.
عن أبیه عن جعفر بن محمد عن آبائه علیهم السلام(فی وصیة النبی صلی اللّه علیه و آله لعلی علیه السلام:یا علی من اغتیب عنده أخوه المسلم فاستطاع نصره فلم ینصره خذله اللّه فی الدنیا و الآخرة).و عن أبی الورد (2)عن أبی جعفر قال:من اغتیب عنده أخوه المؤمن فنصره و أعانه نصره اللّه فی الدنیا و الآخرة.و من لم ینصره و لم یعنه و لم یدفع عنه،و هو یقدر علی نصرته و عونه إلا خفضه اللّه فی الدنیا و الآخرة.
و عن أبی ذر (1)
المصدر:حدیث 8.
عن النبی صلی اللّه علیه و علی آله فی وصیة له قال:یا أبا ذر من ذب عن أخیه المؤمن الغیبة کان حقا علی اللّه أن یعتقه من النار یا أبا ذر من اغتیب عنده أخوه المؤمن و هو یستطیع نصره فنصره نصره اللّه عز و جل فی الدنیا و الآخرة.و إن خذله و هو یستطیع نصره خذله اللّه فی الدنیا و الآخرة.و هناک روایات تشمل الغیبة بإطلاقها.
کمعتبرة السکونی (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله:من رد عن عرض أخیه المسلم وجبت له الجنة البتة.
و عن إبراهیم بن عمر الیمانی (3)عن أبی عبد اللّه قال:ما من مؤمن یعین مؤمنا مظلوما إلا کان أفضل من صیام شهر و اعتکافه فی المسجد الحرام و ما من مؤمن ینصر أخاه و هو یقدر علی نصرته إلا نصره اللّه فی الدنیا و الآخرة.
و ما من مؤمن یخذل أخاه و هو یقدر علی نصرته،إلا خذله اللّه فی الدنیا و الآخرة.
و لا إشکال فی مطلوبیة ذلک،و لو استحبابا،مع الإمکان و القدرة،و هی ظرف عدم الحرج و التقیة.أما أخذا بهذه الروایات التی عمل بها المشهور.
و أما أخذا بأدلة التسامح بأدلة السنن.
إلا أن عمل المشهور لیس علی خصوص الاستحباب،بل علی جامع المطلوبیة،و هذا لا یکفی إثباتا للعمل علی القاعدة.
و أما الوجوب،فالإجماع غیر محرز،و لو أحرز فهو مدرکی و مستند إلی هذه الروایات.
و أما هذه الروایات،فهی قابلة للمناقشة سندا أو دلالة.إذ لیس فیها معتبرة إلا روایة السکونی،و هی تدل علی حصول الثواب مع الدفاع عن المؤمن،لا علی العقاب علی ترکه.و نحن نحتاج فقهیا إلی الثانی،لیثبت الوجوب.
و بالطبع،فإن هذا علی واقعه،منوط بالغیبة المحرمة.فلو کان المورد من الموارد الجائزة،لم یجب الرد و لم یحرم الاستماع.لأن المنصرف بوضوح منها ما إذا کانت الغیبة محرمة.
نعم،لا یبعد القول بالاستحباب مطلقا ما لم تحصل مضاعفات غیر محمودة کغبن الحق الثابت للمتکلم أو غیر ذلک.
عن حفص بن عمیر (1)
أبواب أحکام العشرة:باب 155:حدیث 1.
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:سئل النبی صلی اللّه علیه و علی آله:ما کفارة الاغتیاب.قال:تستغفر اللّه لمن اغتبته کلما ذکرته.و عن أبی ذر (2)عن النبی صلی اللّه علیه و علی آله فی وصیة له قال:یا أبا ذر إیاک و الغیبة.فإن الغیبة أشد من الزنا.قلت:و لم یا رسول اللّه.قال:
لأن الرجل یزنی فیتوب إلی اللّه فیتوب اللّه علیه و الغیبة لا تغفر حتی یغفرها صاحبها.
و عن أسباط بن محمد (3)یرفعه إلی النبی صلی اللّه علیه و علی آله:
قال:الغیبة أشد من الزنا.فقیل یا رسول اللّه و لم ذلک.قال:أما صاحب الزنا فیتوب اللّه علیه.و أما صاحب الغیبة فیتوب فلا یتوب اللّه علیه حتی یکون صاحبه الذی یحله.
فقد أعربت هذه الروایات عن أسلوبین لکفارة الغیبة:
الأسلوب الأول:الاستغفار للمذکور فی الغیبة.و لیس مجرد الاستغفار بل تکراره بمقدار ما تکرر ورود اسم ذلک الشخص.
الأسلوب الثانی:الاستحلال من ذلک الشخص.بمعنی مواجهته و الاعتراف أمامه بحصول الغیبة،و طلب أن یسقط حقه الذی حصل له بسببها.فإن اللّه یغفر له عندئذ.
یفترق الأسلوبان،فی صورة تعذر مواجهة الشخص المذکور فی الغیبة،لموت أو غیره،فإن الأسلوب الثانی یکون متعذرا،بینما الأول یکون متعینا.
و لا شک باستحباب کلا الأسلوبین،و لو من باب التسامح فی أدلة السنن.و لا شک أنها خطوة أخلاقیة مهمة.
و أما القول بوجوبه،فمشکل لضعف سند هذه الروایات.و قال شیخنا الأنصاری (1)
المکاسب:ص 43. [1]
و معه الحق:و أصالة بقاء الحق الثابت للمغتاب بالفتح علی المغتاب بالکسر تقتضی عدم الخروج منه إلا بالاستحلال خاصة،لکن المثبت لکون الغیبة حقا بمعنی وجوب البراءة منه لیس إلا الأخبار غیر النقیة السند.و معه یکون مقتضی أصالة البراءة العقلیة و الشرعیة،عدم وجوب الاستحلال.
علی أن الزنا فی الفهم المتشرعی أعظم من الغیبة بکثیر.و لا تقوم بإزائه هذه الروایات الضعیفة السند.و معه فإما أن تقول بعدم وجوب الاستحلال فی کلا الجریمتین،أو نقول بوجوبه فیهما،لأنه کما أن للغیبة طرفا آخر هو المذکور فیها کذلک للزنا طرفا آخر هو المرأة المزنی بها.فلیس
1) 1)
الزنا من حقوق اللّه الصرفة لکی یغفره اللّه قبل الاستحلال.و علی أی حال، فمقتضی أصالة البراءة عدم وجوبه فی کلیهما.
بل إن غیبة المتعدد تنحل عرفا إلی غیبة کل واحد منهم فتکوّن بذلک عددا من المحرمات من دون علم الفاعل.
کما لو انتقص أهل مدینة معینة،أو أسره معینة،أو أولاد شخص معین.
و کذلک لو انتقص أکثرهم،بل کثیر منهم،ما لم یکن فردا مستهلکا فیهم کواحد أو اثنین عن بلدة کاملة.و السبب الفقهی فی ذلک،هو حصول الشک بنحو العلم الإجمالی فی الجمیع فیکونون جمیعا ممن یحتمل أن یوصفوا بالنقص.فتکون الغیبة أشنع و أوسع.
إذا کان عدم البیان موجبا لسریان الذهن إلی أمور عظیمة قد تکون أفضع مما هو المقصود،بحیث یذهب الذهن کل مذهب کما یعبرون.فیکون من أقبح أشکال الغیبة،و هو یحسب أنه ترکها.
کما لو قال:أستجیر باللّه من عمله.أو اللّه أعلم بما فعل.أو ما علینا مما فعل.مع الدلالة ضمنا أنه فعل المنکر.
فلانا کذا أو فعل کذا.و بین بیانه بنحو الظن أو الاعتقاد و الاحتمال
و ذلک علی الأقل-لأنه یؤدی إلی الدلالة الالتزامیة أن ذلک الشخص له قابلیة علی أن یصدر منه ذلک.و هذه الدلالة جزمیة المؤدی و غیر ظنیة.فتکون الغیبة حاصلة بها.
ذلک إن لم نقل أن هذا النحو من الذکر مشمول لتعریف الغیبة مباشرة
ذکرک أخاک بما یکرهه.نعم هو بالنسبة إلی التعریف الآخر:کشف العیب المستور.لیس کشفا جزمیا بل احتمالیا.فإن حصل به الاطمئنان أو الوثوق کان غیبة مندرجا فی التعریف.و إلا توقف علی الدلالة الالتزامیة المشار إلیها.
فیها فی دینه.
و الروایات و إن أخذت عنوان المسلم،إلا أن المتسالم به فقهیا هو صحة عقیدته،فلو کان فاسد العقیدة جازت غیبته.و یمکن أن یستدل علی ذلک مضافا إلی التسالم:
أولا:بأن فاسد العقیدة و إن کان مسلما ظاهرا إلا أنه لیس کذلک فی الواقع و المهم فی حرمة الغیبة هو الإسلام الواقعی لا الظاهری.لأن المتجاهر بالفسق و غیره ممن تجوز غیبته له إسلام ظاهری بلا إشکال.
فالمدار لیس هو الإسلام الظاهری بل الواقعی.
ثانیا:بالروایات:و هی علی طائفتین:
الطائفة الأولی:التی أخذت عنوان المؤمن فیها.
فعن سلیمان بن خالد (1)
-أبواب أحکام العشرة:باب 152:حدیث:1.
عن أبی جعفر علیه السلام و فیها(عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله):و المؤمن حرام علی المؤمن أن یظلمه أو یخذله أو یغتابه أو یدفعه دفعة.الطائفة الثانیة:التی أخذت عنوانا آخر أهم:
فعن سماعة بن مهران (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:قال من عامل الناس فلم یظلمهم و حدثهم فلم یکذبهم و وعدهم فلم یخلفهم،کان ممن حرمت غیبته و کملت مروته و ظهر عدله و وجبت أخوته.
و من المعلوم أن الذی یکون صفته هکذا،لا یکون مجرد مؤمن،بل فی درجة مهمة من درجات الإیمان.إلا أننا من الناحیة الفقهیة یمکن أن نجرد هذه المرتبة عن الخصوصیة و تقتصر علی خصوص عنوان المؤمن،إذ لا یحتمل فقهیا جواز غیبة الآخرین کلهم غیر المذکور فی الروایة.
و طریق الاستدلال منحصر بمفهوم اللقب،إذ نفهم من حرمة غیبة المؤمن جواز غیبة غیره.غیر أن مفهوم اللقب لیس بحجة.
إلا أن النتیجة صحیحة.و لو باعتبار التسالم الفقهی أو الإجماع علی ذلک.
الرشوة
و لا شک بحرمتها إجمالا أعنی بغض النظر عن التفاصیل.و علیه مع السنة و الإجماع و العقل.
ففی صحیحة عبد اللّه بن سنان (1)
الوسائل ج 18 کتاب القضاء أبواب آداب القاضی:باب 8:حدیث 1. [1]
قال:سئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن قاض بین قریتین یأخذ من السلطان علی القضاء الرزق.فقال:ذلک السحت.و عن حسنة سماعة (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:الرشا فی الحکم هو الکفر باللّه.
و عن یزید بن فرقد (3)قال:سألت أبا عبد اللّه علیه السلام:عن البخس فقال:هو الرشا فی الحکم.
و عن یوسف بن جابر (4)قال:قال أبو جعفر علیه السلام:لعن رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله من نظر إلی فرج امرأة لا تحل له.و رجلا خان أخاه فی امرأته،و رجلا احتاج الناس إلیه لتفقهه فسألهم الرشوة.
و عن جابر (1)
المصدر:حدیث 6. [1]
عن النبی صلی اللّه علیه و علی آله أنه قال:هدیة الأمراء غلول.(إذا فهمنا منها الهدیة إلی الأمراء).و عن جراح المداینی (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام:قال:من أکل السحت الرشوة فی الحکم.
و لکن ما هی الرشوة:
قال ابن منظور:الرشو فعل الرشوة.یقال:رشوته.و المراشاة المحاباة.ابن سیده:الرشوة الرشوة و الرشوة معروفة:الجعل.و الجمع رشی و رشی.
قال أبو العباس:الرشوة مأخوذة من رشا الفرخ إذا مد رأسه إلی أمه لتزقه،.و الرائش:الذی یسدی بین الراشی و المرتشی.و فی الحدیث:لعن اللّه الراشی و المرتشی و الرائش.قال ابن الأثیر:الرشوة و الرشوة الوصلة إلی الحاجة بالمصانعة.و أصله من الرشاء الذی یتوصل به إلی الماء.فالراشی من یعطی الذی یعینه علی الباطل و المرتشی الآخذ و الرائش الذی یسعی بینهما یستزید لهذا و یستنقص لهذا.
و أما ما یعطی توصلا إلی أخذ حق أو دفع ظلم فغیر داخل فیه.و روی أن ابن مسعود أخذ بأرض الحبشة فی شیء فأعطی دینارین حتی خلی سبیله.
و روی عن جماعة من أئمة التابعین قالوا:لا بأس أن یصانع الرجل عن نفسه و ماله إذا خاف الظلم.
و عن المصباح (3):هی ما یعطیه الشخص للحاکم أو غیره لیحکم له أو یحمله علی ما یرد.
و یبدو أن المعنی المحدود للرشوة غامض حتی فی أذهان أهل اللغة، فضلا عن غیرهم.إذ کان فیه عدة احتمالات:
أولا:الجعل.و هو الأجرة.و معه تکون أجرة أی عمل یؤدیه أی فرد لآخر،هو من قیل الرشوة.
ثانیا:الوصلة إلی الحاجة بالمصانعة.و هو معنی أضیق من الأجرة.بل بمعنی إقناع الناس برأیه أو بمصلحته،عن طریق المال.
ثالثا:المال الذی یأخذه القاضی أو الحاکم لیحکم فی مصلحة دافع المال.
و کل هذه الاحتمالات الثلاثة قد تکون فی حق و قد تکون فی باطل و ظلم.
و من المؤکد أن المعنی الأول لیس من الرشوة علی سعته و إن ظهر من کلمات اللغویین.لوضوح أنه یشمل أجور العمال جمیعا.و هی لیست برشوة قطعا.نعم،قد یراد به الجعل فی الموردین الثانی و الثالث،فیرجع معناه إلیهما،مضافا إلی أنهم لم یصرحوا بالتقیید،و ظاهرهم مطلق الجعل.
و أما الاحتمال الثانی،فینبغی أن نلتفت أولا:أن المصانعة المأخوذة فیه بمعنی المجاملة،و هذا معناه أن المجاملة ستکون من أقسام الرشوة أحیانا.و لیست منحصرة بالمال.و هذا صحیح تماما.ففتح الوجه و القلب له فضلا عن الولیمة الفاخرة تندرج فی هذا المدرج.و بالأولی أن تندرج فی الاحتمال الثالث أیضا.
و المهم الآن،أن المصانعة،إذا کانت رشوة،کان المال رشوة أیضا.
لوضوح عدم انحصار الأمر بالمصانعة و من هنا ندخل فی التعلیق علی الاحتمال الثانی.
و هذا الاحتمال یختلف باختلاف الحاجات،فقد تکون حاجات
مشروعة،و قد تکون حاجات باطلة و ظالمة.و لا شک فقهیا فی جواز الحاجات المشروعة.
و من أمثلتها الدینارین اللذان أعطاهما ابن مسعود فی الحبشة لدفع الظلم عنه،کما سمعنا فی النقل.و من ذلک حصة: اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فی الزکاة.لکی یستعمل الکفار فی الجهاد أو أن تمیل قلوبهم إلی الإسلام.
و قد وردت فی هذا المعنی العام بعض الروایات:
منها:صحیحة محمد بن مسلم (1)
أبواب ما یکتسب به:باب 85:حدیث 2.
قال:سألت أبا عبد اللّه عن الرجل یرشو الرجل الرشوة علی أن یتحول من منزله فیسکنه.قال:لا بأس به.و حسنة عبد اللّه بن سنان (2)قال:سئل أبو عبد اللّه علیه السلام و أنا أسمع.فقیل له أنا نأمر الرجل فیشتری لنا الأرض و الغلام و الجاریة و نجعل له جعلا.قال:لا بأس.
و غیر ذلک من الروایات.فبالرغم من أنه استعمل مفهوم الرشوة فی الصحیحة،فقد أفتی الإمام علیه السلام بالجواز.باعتبار أن الحاجة المطلوبة حاجة مشروعة.
و أما الحاجة غیر المشروعة،کالإعانة علی القتل أو السرقة،أو أی أنواع الظلم مهما کان،فالأجرة علیها،و المصانعة فی سبیل إنجازها حرام شرعا،لأنه أعانه علی الظلم و یکون أکلها أکلا للمال بالباطل.أی بإزاء الباطل.
و هذا لا یفرق فیه بین أن یکون الدافع أعلی اجتماعیا و أهم من الآخذ أو بالعکس.کما لا یفرق بین أن نسمیها رشوة أو لا.و إن کان المظنون بحسب الوجدان العرفی و تصریح اللغویین صحة هذه التسمیة.
و من هنا قال الفقهاء،و منهم سیدنا الأستاذ:إن الرشوة علی العمل الحق صحیحة و الرشوة علی العمل الباطل باطلة.
و أما الاحتمال الثالث،فالرشوة بتمام إشکالها حرام سواء کانت معنویة أو مادیة و سواء کانت علی حق أو باطل.بل هی المعنی الأساسی و القدر المتیقن من معنی الرشوة.
فإن الحکم إن کان باطلا کان ظلما،و کان أکل المال بإزائه أکلا للمال بالباطل.و إن کان الحکم حقا،کان من واجب القاضی إنجازه علی القاعدة، فیکون أخذا للمال بإزاء لا شیء،لأن النطق بالحق واجب حتی لو لم یأخذ المال.و أخذ المال بإزائه لا أثر له.و إن قلنا بحرمة أخذ الأجرة علی الواجبات مطلقا،کان هذا من أوضح مصادیقها.
و هذا إنما یصدق فیما إذا أخذ القاضی المال من أحد المتخاصمین.
و أما الراتب من الدولة،فلا إشکال فیه،و قد وردت فیه بعض النصوص،و قد ذکرنا فی فصل سابق أن أخذ الأجرة علی الواجبات الکفائیة جائز حتی لو لم یسقط الوجوب و لم یقم به من فیه الکفایة.
و لا بد لنا الآن من التفاتة إلی الروایات التی رویناها فی أول الفصل:
فالروایة الأولی صحیحة ابن سنان تصرح بعدم جواز أخذ القاضی الأجرة من السلطان علی القضاء.
و قد عرفنا جوازه،فالروایة محمولة،أما لأن السلطان سلطان جائر کما هو الغالب فی تلک العصور.و أما لأن السلطان یتدخل فی القضاء إلی جانب أحد الخصمین فیکون المال رشوة لا محالة محرمة.
و تنص الروایتین بعدها،علی حرمة الرشا فی الحکم،و هو علی القاعدة کما عرفنا و کذلک الأخیرة.
و الروایة الرابعة عن یوسف بن جابر یقول فیها:و رجلا احتاج الناس إلی فقهه فسألهم الرشوة.و هی غیر نقیة سندا.و القاعدة تقتضی الجواز إذا
لم یکن الأجر بإزاء الفتوی.بل حتی و إن کانت بإزائها لأننا قلنا إن أخذ الأجرة علی الواجبات الکفائیة جائز.و انتقال الفتوی إلی الوجوب العینی بعد السؤال من المستفتی،مما لا دلیل علیه.
و إن کان الأحوط وجوبا بالنسبة إلی شخص المجتهد الذی یقلده السائل و یستفتیه ترک الأجرة،لاحتمال الانتقال إلی الواجب العینی الذی لا تجوز الأجرة علیه.فتأمل.
بقیت روایة جابر عن النبی صلی اللّه علیه و علی آله أنه قال:هدیة الأمراء غلول.
و المصدر قد یضاف إلی الفاعل و قد یضاف إلی المفعول.و الهدایة هنا هی المصدر.و الأمراء قد یکون فاعلا و قد یکون مفعولا به.
فإن فهمنا منها الفاعل،کان المراد الهدیة التی یعطیها الأمراء للآخرین،و خرجت عن مفهوم الرشوة فی الأغلب.
و یندرج فیما أفتی به المشهور من أن جوائز الظالم المحرمة.إذا فهمنا من الأمراء:الأمراء الظالمین.و أما إذا کانوا عادلین فلا إشکال فی هدایاهم.و الروایة غیر نقیة سندا.
و إن فهمنا منها المفعول،کان المراد منها المال الذی یأخذه الأمراء من الآخرین لأجل مختلف الأغراض.فإن کان فی مورد حاجة باطلة کان رشوة محرمة.و إن کان فی مورد حاجة صحیحة کان جائزا کما عرفنا.و الروایة مطلقة لهما،إلا أنها غیر تامة سندا،فتبقی المسألة طبقا للقاعدة.
التصویر
التصویر هو رسم الصورة.و إنما سمیت صورة لأن لها شکلا من أشکال التشابه مع الطبیعة،ثم اتسعت مجازا لما لا یشبهها أیضا من الصور التجریدیة.
و من هنا قالوا:صورة طبق الأصل.و قالوا:صورة صوتیة.و نحو ذلک.
کله لأجل المشابهة المطلوبة بین الأصل و النقل.
و التصویر ینقسم إلی قسمین رئیسیین:مجسم و غیر مجسم.و لا یهم من الناحیة الفقهیة التقسیمات الأخری،کنوع الألوان أو نوع الصبغ أو أن تکون الصورة یدویة أو بالآلة،أو تقسیم المجسم إلی مجسم کامل أو نصفی طولا أو نصفی ارتفاعا أو أقل من النصفی،بل یمثل خشونة فی السطح.فإن کل ذلک من المجسم فقهیا.علی إشکال سوف نشیر إلیه.
نعم،ینقسم الشیء المصوّر إلی ذی روح کالإنسان و الحیوان،و إلی ما لیس له روح کالنبات و الجماد.و المهم فی الروح هو کون المخلوق متحرکا بالإرادة بخلاف غیره.و قد أفتی المشهور جواز تصویر ما لیس له روح سواء کان تصویرا مسطحا أو مجسما یدویا أو بالآلة.و أفتوا بحرمة تصویر ذی الروح سواء کان مسطحا أم مجسما یدویا أو بالآلة.
و خالف بعضهم فمنعوا من المجسم بکل أشکاله و أجازوا المسطح بکل أشکاله.و بعضهم أفتی بجواز استعمال الآلة دون الید فی المسطح.فیکون
تصویر ذی الروح بالید و بالمجسم حراما و بالآلة،و هی مسطحة التصویر عامة،جائز.
و النتیجة:أن التصویر المجسم تجسیما کاملا أو نصفیا بکلا نوعیه، تحت الإجماع علی حرمته.بخلاف باقی أقسام التصویر.
و یرجع بنا الآن أن نسمع أهم الروایات الواردة بهذا الصدد:
فعن الحسین بن زید (1)
أبواب ما یکتسب به:باب 94:حدیث 6.
عن الصادق علیه السلام عن آبائه علیهم السلام فی حدیث المناهی قال:نهی رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله عن التصاویر و قال:من صورة کلفه اللّه تعالی یوم القیامة أن ینفخ فیها و لیس بنافخ.و نهی عن التختم بخاتم صفر أو حدید و نهی أن ینقش شیء من الحیوان علی الخاتم.و عن محمد بن مروان (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:سمعته یقول:ثلاثة یعذبون یوم القیامة:من صور صورة من الحیوان یعذب حتی ینفخ فیها و لیس بنافخ.الحدیث.
و عن عبد اللّه بن الحسن (3)عن جده علی بن جعفر عن أخیه موسی بن جعفر علیه السلام.قال:سألته عن التماثیل هل یصلح أن یلعب بها.قال:
لا.
و من أخبار الجواز فی غیر الحیوان:
عن أبی العباس (4)عن أبی عبد اللّه قال اللّه عز و جل یَعْمَلُونَ لَهُ ما یَشاءُ مِنْ مَحارِیبَ وَ تَماثِیلَ .فقال:و اللّه ما هی تماثیل الرجال و النساء و لکنها الشجر و شبهه.
و صحیحة زرارة (1)
المصدر:حدیث 2. [1]
عن أبی جعفر علیه السلام:قال:لا بأس بتماثیل الشجر.و صحیحة محمد ابن (2)مسلم قال:سألت أبا عبد اللّه عن تماثیل الشجر و الشمس و القمر.فقال:لا بأس ما لم یکن شیئا من الحیوان.
و علی هذا الضوء یمکن الاستدلال لحرمة المجسم بما یلی:
الدلیل الأول:الإجماع،و هو محرز و لیس منقولا.إلا أنه مدرکی،لأنه مستند إلی هذه الروایات و لیس أوسع منها،فتعود قیمته إلی قیمتها.
الدلیل الثانی:الروایات الناهیة عن المجسم و أنه یؤمر بمن فعله یوم القیامة أن ینفخ فیه و لیس بنافخ.یعنی ینفخ فیه الروح.
إلا أنها کلها غیر تامة سندا.و لو تمت لاختصت بالمجسم الکامل دون النصفی و غیره لأنه لا قابلیة للروح فیه.
الدلیل الثالث:صحیحة محمد بن مسلم التی سمعنا أن الإمام علیه السلام یقول فیها:لا بأس ما لم یکن شیئا من الحیوان.
و هی الدلیل الرئیسی للمشهور لصحة سندها و وضوح دلالتها نسبیا.
غیر أن الاستدلال یکون بمفهومها،کما هو معلوم.و الذی یقول:إذا کان التصویر لشیء من الحیوان ففیه بأس.یعنی قد انتفی عنه الجواز.
إلا أنه،مع ذلک قابل للمناقشة،لأن(ما)هنا لیست شرطیة و إنما هی موصولة أو ظرفیة،و علی کلا التقدیرین،یکون المفهوم من قبیل مفهوم الوصف.لأنه لیس مفهوم الشرط و لا مفهوم الغایة،و لا غیرهما طبعا،و مفهوم الوصف لیس بحجة.
إلا أن الإنصاف أنه من الواضح أن الإمام علیه السلام:بصدد المنع من تصویر الحیوان،مضافا إلی بیان جواز غیره.فیکون ظهورها هذا حجة.
إلا أنه یمکن أن یقال،أنها نصت علی الحیوان دون الإنسان.فإذا کان الإنسان جائزا فی تصویره،کان الحیوان أولی بالجواز فتحمل علی الکراهة.
إلا أن هذا أمر غیر محتمل،لأنها شاملة للإنسان بالأولویة.أو بشمول جنس الحیوان له،أو بالتجرید عن الخصوصیة،و المسألة واضحة و متسالم علیها فی عدم الفرق بین تصویر الحیوان و الإنسان حکما.
و قد یناقش بأن ثبوت البأس أعم من الحرمة،فتحمل علی الکراهة.
إلا أن المفهوم عرفا أن(لا بأس به)دال علی الجواز فیدل ضده أو مفهومه علی ارتفاع الجواز،و هو الحرمة.و الکراهة لا تعنی ارتفاع الجواز علی أی حال.فتأمل.
الدلیل الرابع:مضارعة اللّه سبحانه فی خلقه.و هو استدلال غریب و إن صدر من بعض الفقهاء.فإن استفادته من روایات النفخ و إن کان محتملا،إلا أنها ضعیفة السند.و أما استفادته مستقلا،فهو یختلف باختلاف قصد الفاعل و الأغلب عدم وجود مثل هذا القصد.مضافا إلی أن اللّه عز و جل جعل الجسم متحرکا بالإرادة و لم یفعل المصور ذلک.فلم یکن مضارعا للّه فی خلقه،بل هو أعجز من ذلک بکثیر.
و أعنی بها المسطحة لإنسان أو حیوان.و المشهور و خاصة عند القدماء حرمتها.
و یمکن أن یستدل علیها بما یلی:
الدلیل الأول:التمسک بإطلاق روایات النفخ.فإنه یقول:من صور صورة.و هی أعم من المسطح و المجسم.
إلا أنه واضح الدفع لأن المسطح غیر قابل للنفخ فیه.فیکون ذلک قرینة متصلة علی إرادة خصوص المجسم.
و قد یقال:بأن المسطح هو مجسم فی الخیال إذا تأمل الفرد فی الصورة.و هذا یکفی للأمر بالنفخ فیه.و هو کما تری.
الدلیل الثانی:صحیحة محمد بن مسلم التی سمعنا فیها:لا بأس به ما لم یکن شیئا من الحیوان.
و الصورة المسطحة مشمولة لإطلاقها لا محالة.إلا أن هذا الإطلاق مرهون بأن نفهم من التماثیل أعم من المسطح و المجسم.
إذ قد یقال:إنها أخذت فی السؤول عنوان التماثیل.و هی خاصة بالمجسم و لا تعم المسطح،فیکون الحکم خاصا بها.
و هذا أمر راجح لغة و عرفا.و إن کان الفهم الأولی یقتضی کون التمثال لمجرد التماثل مع الطبیعة.إلا أنهم کانوا یسمون الأصنام و المجسمات بالتماثیل.فیبقی المسطح تحت أصالة البراءة.
إلا أن هذا لا یکاد یتم،لأن فیها قرینة علی إرادة المسطح.فمضافا إلی بعد اتخاذ المجسمات من الجمادات إلا نادرا.فإنه یقول فیها:سألته:
عن تماثیل الشجر و الشمس و القمر.و من الواضح أنه لا معنی لتجسیم الشمس و القمر عرفا.و إنما المراد تصویرها المسطح.فیکون الحکم خاصا بالمسطح و یشمل المجسم بالأولویة القطعیة.
إلا أن الذی یهون الخطب أنه لم ینص السائل علی حکم عملها بل:
عن تماثیل الشجر و الشمس و القمر.و لا نعلم أن مراده عملها أو الاحتفاظ بها أو بیعها أو وجوب إتلافها أو أی شیء آخر أو مجموع هذه الأمور.
بل الظاهر هو غیر العمل لأنه قال:عن تصاویر.یعنی أنه یتحدث عن تصاویر ناجزة و معمولة.و یسأل عن حکمها بعد صنعها.فلا یکون السؤال عن الصنع.
و قد یجاب:بأن الإمام علیه السلام منع ذلک فی الحیوان،فیسری إلی العمل بالأولویة القطعیة.
إلا أن هذا الفهم ناشئ من الارتکاز الفقهی المتأخر،و لا نعلم بوجود مثل هذه الأولویة فی زمن المعصومین.و هذا الکلام شامل للمجسم أیضا.
و تمام الکلام فی الفقه.
سواء کان ثابتا أو متحرکا.و هو لم یکن موجودا قدیما،لنتحدث عن آراء قدماء الفقهاء فیه.إلا أن الفقهاء منذ وجوده أفتوا بحلیته،و لا أعرف من یقول بالحرمة حتی للإنسان و الحیوان،فضلا عن غیره،سواء کان متحرکا أم ساکنا.
و لا یوجد من دلیل علی الحرمة،إلا ما قد یتخیل من أن التصویر إن کان مجسما و همیا،و خاصة المتحرک یکون مشمولا لروایات النفخ.
إلا أنه لیس بصحیح البتة،لضعف سند تلک الروایات أولا، و اختصاصها بما یمکن نفخ الروح فیه.و هو المجسم الکامل.أما ما کان مجسما و همیا کشخص أخرج رأسه من شباک فلا یبدو منه إلا الرأس.و الباقی و همی أو غیر ذلک.فلا یمکن أن یکون مشمولا لتلک الروایات.فضلا عما إذا کان تجسیمه کله و همیا،و کان فی الواقع مسطحا سواء کان ساکنا أم متحرکا.
یبقی الکلام فی بعض التفاصیل ضمن عدة أمور:
الأمر الأول:سبق فی إحدی الروایات أن التماثیل لا یصلح أن یلعب بها،و هی روایة معتبرة سندا علی الأصح.إلا أنها غیر محتملة فقهیا لو حملناها علی الحرمة.إذ من المتسالم علیه جواز اللعب بها لو کان اللعب حلالاً ذاتا.
الأمر الثانی:قد یقال:بأن ما یقال عادة بحرمة صنعة،فإنه یجب
إتلافه لمن وجده کما أفتی به عدد من الفقهاء،طبقا لنصوص بعض الروایات.
منها حسنة علی بن جعفر (1)
الوسائل:أبواب مکان المصلی:باب 32:حدیث 5. [1]
عن أبی الحسن علیه السلام قال:سألته عن الدار و الحجرة فیها التماثیل أ یصلی فیها.فقال:لا تصل فیها و فیها شیء یستقبلک،إلا أن لا تجد بدا فتقطع رؤوسها.و إلا فلا تصل فیها.و صحیحة ابن أبی عمیر (2)عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی التمثال یکون فی البساط فتقع عینک علیه و أنت تصلی،قال:إن کان بعین واحدة فلا بأس و إن کان له عینان فلا.
و حسنة علی بن جعفر (3)عن أخیه موسی بن جعفر علیه السلام قال:
سألته عن مسجد تکون فیه تصاویر و تماثیل یصلی فیه فقال:تکسر رؤوس التماثیل و تلطخ رؤوس التصاویر فیه و لا بأس.الحدیث.
و هی واضحة بوجوب الإفساد و الکسر،إلا أنها واضحة باشتراط ذلک، مقدمة الصلاة لا مطلقا و المنع خاص بما إذا کانت أمام المصلی لا غیر.
علی أن الصحیحة خاصة بالصور المسطحة،بقرینة أنّها تکون علی البساط.و من غیر المحتمل وجوب إتلافها فقهیا،فتحمل علی الکراهة،لو فرض دلالتها علی الإطلاق.
و هناک عدد من الروایات تأمر بإلقاء الثوب علی الصورة إذا صارت أمام المصلی.و هی شاملة للمجسم و غیره،فتکون کالنص بجواز الاحتفاظ بها و عدم وجوب إتلافها.و إذا جاز وجب لأن الإتلاف عندئذ یکون تبذیرا و إسرافا حراما.و تکون هذه الروایات قرینة علی حمل الطائفة السابقة علی الکراهة لو دلت علی وجوب الإفساد مطلقا.و هی غیر دالة کما عرفنا.
منها صحیحة محمد بن مسلم (1)
المصدر:حدیث 1. [1]
قال:قلت لأبی جعفر علیه السلام:أصلی و التماثیل قدامی و أنا أنظر إلیها قال:لا.اطرح علیها ثوبا و لا بأس بها إذا کانت عن یمینک أو شمالک أو خلفک أو تحت رجلک أو فوق رأسک.
و إن کانت فی القبلة فالق علیها ثوبا وصل.
و صحیحة أخری عنه (2)أیضا قال:سألت أحدهما عن التماثیل فی البیت.فقال:لا بأس إذا کانت عن یمینک و عن شمالک و عن خلفک أو تحت رجلک.و إن کانت فی القبلة فالق علیها ثوبا.
و قد یقال:إنها خاصة بالصور المسطحة بقرینة أنها قد تکون تحت الرجل.و الطائفة السابقة خاصة بالصور المجسمة.فتبقی تلک علی دلالتها علی الحرمة.
و جوابه:أولا:أن ظاهر(التماثیل):الصور المجسمة أو ما یشملها و المسطحة.و من الصعب لغة و عرفا أن نخصها بالمسطحة.و معه یختص ما تحت الرجل بالمسطحة لقرینة خاصة به،و یبقی الباقی شاملا لکلا النوعین، فتأمل.
ثانیا:إن الطائفة السابقة لو کانت قد دلت علی وجوب الإفساد مطلقا، لأمکن حملها علی وجوب الإفساد و حرمة الإبقاء.إلا أنها خاصة بالصلاة.
فیبقی ما هو فی غیر الصلاة،تحت أصالة البراءة و أصالة الإباحة.
الأمر الثالث:لا دلیل علی عدم جواز البیع و الشراء و غیر ذلک من المعاملات علی المجسمات فضلا عن غیرها.إلا بعض فتاوی المتقدمین التی لا تشکل شهرة فضلا عن الإجماع.و لذا أفتی مشهور من المتأخرین بالجواز تمسکا بما دل علی إمضاء المعاملات العرفیة من الآیات و السیرة و هو الصحیح.
الأمر الرابع:ذهب بعض أساتذتنا إلی حرمة تصویر ذی الروح بالتطریز،و هو نوع من الخیاطة لإیجاد الأشکال اللطیفة عن طریق استعمال الإبرة و الخیط الملون.فإذا کان صورة ذی روح کان حراما.
و یکون الاستدلال علی ذلک من وجهین:
الوجه الأول:روایات النفخ بصفتها خاصة بالمجسم کما قلنا،فتشمل کل أنواعه،بما فیها محل الکلام.
و جوابه مضافا إلی ضعف إسنادها کما عرفنا،فإنها خاصة بما یمکن النفخ فیه فعلا،کما فهمنا،خلافا لشیخنا الأنصاری فی المکاسب.و من المعلوم أن النوع الذی نتحدث عنه لا یمکن فیه ذلک.
الدلیل الثانی:صحیحة محمد بن مسلم السابقة التی یقول فیها:لا بأس ما لم یکن شیئا من الحیوان.فإنها شاملة للمورد.إلا أننا سبق أن ناقشنا فی دلالتها فلا نکرر.
و قد یقال:إن التصویر بالتطریز تصویر و همی،لأنه ناتج من تسطیر الخیوط علی شکل معین بحیث یری الرائی منه حیوانا أو غیره.و لو فللت الخیوط أو قطعتها لم تبق أی صورة.
و جوابه:أن هذا وحده لا یکفی،لأنها و إن کانت وهمیة بالفهم العقلی،إلا أنها صحیحة بالفهم العرفی بلا إشکال.فإذا فللنا الخیوط ذهبت الصورة العرفیة،کما لو محونا الصورة المسطحة.و لا یدلنا ذلک علی أنها صورة وهمیة عرفا.
و معه فتکون مشمولة للحرمة علی تقدیر ثبوتها.
إلا أن الصحیح هو جواز ذلک.لسقوط الاستدلال بالروایات،فلا یبقی إلا الإجماع علی الحرمة فی المجسمات.و هو دلیل لبی یقتصر منه علی القدر المتیقن،و هو غیر هذا المورد فیبقی المورد تحت الأصل المجوز.
و ینبغی الالتفات إلی أننا لو قلنا بالحرمة،فهی خاصة بما إذا کانت
صورة الحیوان بارزة وحدها علی القماش.و أما لو کان حولها منظر من زرع أو أسماء أو أرض أو غیرها،بحیث أصبحت صورة الحیوان بحیالها مسطحة، لأن ما حولها من صورة غیرها بارتفاعها فلا یجد العرف لها ارتفاعا و یعتبرها مسطحة فتکون جائزة.
الأمر الخامس:إذ کانت المجسمات کاریکاتیریة،أو تجریدیة أو غیر ذلک مما لا یشابه الطبیعة تشابها کاملا.فقد یقال بحرمة صنعها کالتماثیل المشابهة تماما،لأن الموضوع هو مجرد التشابه و إن لم یکن دقّیا.
و لکن التدقیق فی الأمر یقتضی أن نقول:
إن دلیل الحرمة إن کان هو روایات النفخ،فهذا یدور مدار صورة التمثال.و فی الأرجح فإن الصور التجریدیة لا یمکن فیها النفخ بخلاف الصور الکاریکاتیریة.فتبقی هذه تحت الحرمة.إلا أن هذه الروایات ضعیفة السند أساسا،کما عرفنا.
و إن کان دلیل الحرمة هو صحیحة محمد بن مسلم بغض النظر عن مناقشتنا.فیکون المدار هو المشابهة العرفیة بینها و بین ذی الروح:إنسانا کان أو حیوانا.و أما إذا کانت المشابهة قلیلة و غیر عرفیة اندرجت فی الجواز للأصل و لم تکن(علی مثال الحیوان)المنصوص علیه فی الصحیحة.و هذا ما قد یتوفر فی بعض التماثیل التجریدیة السریالیة.
و إن کان دلیل الحرمة هو الإجماع،فکل هذه الموارد خارجة عن القدر المتیقن فتبقی کلها تحت الجواز بالأصل المجوّز.
هذا.و أجد أنی ینبغی أن أنهی التحدث عن فصل التصویر،حتی لا یأخذ الحدیث فیه محل الحدیث عن غیره،فیکون مجحفا علیه إلا بزیادة الحدیث و ضخامة الکتاب.و هذا ما لم نستهدفه بالأساس.
رد التحیة:
وجوب الرد علی التحیة أو جوابها،واضح فقهیا،فی الجملة یعنی بغض النظر عن التفاصیل.و علیه من الأدلة:الکتاب و السنة و الإجماع.
و لکن الإجماع هنا،و إن کان محرزا،إلا أنه لیس له مزید قیمة،بعد کونه عیالا علی القرآن الکریم.فیکون مدرکیا.فیبقی الاستدلال بالدلیلین الآخرین.
و الأهم هو التمسک بالکتاب الکریم،عن طریق الآیة الواردة بهذا الصدد.و هی قوله تعالی وَ إِذا حُیِّیتُمْ بِتَحِیَّةٍ فَحَیُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها .فما هو الفهم العام لفقه هذه الآیة الکریمة.
و یتم ذلک ضمن أمور:
الأمر الأول:أنه لا شک أنها لا تدل علی وجوب الابتداء،و لا تدل علی استحبابه.و إنما ترد مطلوبیة الرد بتقدیر حصول الابتداء بالتحیة.علی أن کلا هذین الحکمین محل إجماع محرز.و استحباب الابتداء علیه سنة مستفیضة لعلنا نسمع بعضها بعد حین إن شاء اللّه.
الأمر الثانی:أنه لا شک أنها تدل علی مطلوبیة الرد بطریقة أفضل من الابتداء و لو لم یقل:أو ردوها،لکان ذلک واجبا.إلا أن هذه العبارة تدل علی التنازل عن اللزوم إلی الرجحان و هو الاستحباب.
الأمر الثالث:أنه لا شک أنها لیس لها مفهوم،و إن استعمل أداة الشرط.لأن من شرائط المفهوم انحفاظ الموضوع الذی فی جانب الشرط.
و مع انتفاء التحیة ینتفی الموضوع.کما فی المثال:إذا رزقت ولدا فاختنه.أو قوله تعالی وَ لا تُکْرِهُوا فَتَیاتِکُمْ عَلَی الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ، و قد یقال بوجود المفهوم لا علی اعتبار أن التحیة لیست هی الموضوع، و إنما الموضوع هو فاعلها المذکور ضمنا.فیکون من قبیل:إذا جاءک زید فأکرمه.فإن المراد إذا حیاک المؤمن فأجبه.
و قد یقال فی جواب ذلک:إن الموضوع و إن کان فاعل التحیة،إلا أن المهم هو النظر إلی فعل الشرط و موضوعیة التحیة لأن المؤدی:إذا حصلت التحیة من المؤمن فیجب ردا.فیکون المفهوم عدم الوجوب عند عدم حصولها،و هو معنی انتفاء الموضوع.
إلا أنه یجاب:أن هذا بنفسه حاصل فی المثال التقلیدی للمفهوم:إذا جاء زید فأکرمه.لأن مؤداه:إذا حصل مجیء زید لک فأکرمه.و معه ینتفی مفهوم الشرط بالمرة،لأن جمیع أمثلته تعود إلی انتفاء الموضوع.و ما تقوله فی الجواب هنا نقوله هناک.
إلا أن فی هذا جهلا فی الضابط الأساسی للفرق بین الموردین:
و حاصله:أنه متی کانت القضیة الشرطیة بحیث إذا انتفی الشرط یعذر حصول جوابه کانت مما لا مفهوم له.کما فی تعذر الختان مع عدم حصول الولد.
و إن لم یتعذر جواب الشرط کان لها مفهوم.کما فی إکرام زید الممکن سواء جاء أم لم یأت.
و القضیة المسوقة فی الآیة الکریمة من قبیل الأول.لأن جواب الشرط هو وجوب الرد.و الرد مبتن مفهوما علی الابتداء و بدونه یستحیل صدقه.فلا یکون للقضیة مفهوم.
الأمر الرابع:إن الرد هو المعنی الفصیح و الصحیح الجواب التحیة عقلا و لغة و عرفا.و أما استعمال لفظ الجواب فهو شطط من القول.لأن
الجواب لا یکون إلا بعد السؤال،و التحیة لیست سؤالا.
و التسمیة بالرد هنا له أحد مناشئ:
المنشأ الأول:منطلق من أن فاعل التحیة أعطاه التحیة حین ابتدأه بها.
و لا بد من الناحیة الأخلاقیة و الشرعیة،أن لا تبقی عنده بل یردها إلی صاحبها.و هذا هو الرد.
المنشأ الثانی:منطلق من أن فاعل التحیة جعل بتحیته حقا فی عهدة الآخر لا بد له من الخروج منه بالجواب أو الرد.و من هنا یسمی ردا لأنه رد الحق إلی صاحبه.
المنشأ الثالث:أن تساق التحیة مساق السؤال و تقاس علیه.فإن جواب السؤال رد أیضا فی اللغة و العرف.و لذا نقول:لم یرد علیه الجواب.فأصبح کل ابتداء کلامی له درجة من استحقاق الرد أو الإسماع المقابل.أسمعه کما أسمعک.
و أفضل هذه الوجوه هو الثانی،و إن کان یمکن إرجاعها جمیعا بالدقة إلی وجه واحد،لیس بعیدا عن المعنی الثانی کثیرا.
الأمر الخامس:أنه قد سمّت الآیة الکریمة الرد تحیة بقوله تعالی:
فَحَیُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها .و إنما هو نوع من الرد و إن کان بالأحسن.
و هذا له أحد منشأین:
المنشأ الأول:إن الرد لو لوحظ بحیال ذاته فهو تحیة و مجاملة و خلق، لا شک فی ذلک.فاستعمال التحیة فیه مناسب جدا.
المنشأ الثانی:فی النظر إلی الفرق بین الرد المساوی و الرد الأحسن، و الآیة الکریمة قد سمت الرد الأحسن تحیة دون المساوی.فقد یکون هذا بلحاظ ما فی الرد من زیادة علی الأصل،فإنه بالدقة یکون ابتداء فی التفضل و لیس ردا مجردا.فبلحاظ هذا الزائد،سماه تحیة.
الأمر السادس:مقتضی الإطلاق عدم جواز التنقیص عن الابتداء مطلقا.بل الآیة کالنص فیه.فلو قال له:السلام علیکم و رحمة اللّه و برکاته.
لم یجز أن یقتصر علی:السلام علیکم أو علیکم السلام بدون قوله:و رحمة اللّه و برکاته.
إلا أن هذا خلافه المشهور جدا،و لعل منشؤه الاستفادة من الروایات، بحیث حملت الآیة علی الاستحباب فی هذا المقام (1)
و قد یقال:إنه یصدق الرد بهذا المقدار.إلا أنه یجاب أن الرد الجزئی و إن کان صادقا إلا أن مقتضی إطلاق الرد بل ظهوره هو رد لکل التحیة لفظا و معنی و هو غیر حاصل.
.و سیأتی الحدیث عن الروایات.إلا أن القاعدة تقتضی عدم العمل بمثل هذا المدلول للسنة لأنه مخالف لظاهر الکتاب.کما أن مقتضی الإطلاق عدم اختصاص التحیة بلفظ السلام.فلو کانت التحیة من أی نوع کان و بأی لفظ کان وجب ردها بمقدارها علی الأقل.و هذا هو ظاهر الآیة الکریمة.و إن کان خلاف المشهور و خلاف ارتکاز المتشرعة أیضا،حیث قالوا:إنه لا یجب رد أی تحیة ما لم یکن فیه لفظ السلام.
نعم،قد یجب الرد لعناوین أخری کأذیة المؤمن مع الإعراض أو التقیة أو غیرها.
و الإنصاف أن ارتکاز المتشرعة واضح فی المقام،إلا أن التنازل عن ظاهر الآیة و تقییدها بالفرد الأقل مشکل.و طریق الاحتیاط واضح.
کما أن مقتضی إطلاق الآیة الاکتفاء برد السلام بأی جواب کان،و لا یجب رد السلام بالسلام،کما علیه المشهور بل الإجماع و ارتکاز المتشرعة أعنی الوجوب.و لا شک أن فی هذا الإطلاق تسهیلا علی طبقات الناس التی لا ترد السلام بالسلام بالتزام.إلا أن الآیة علی أی حال قابلة للتقیید،فلا تکون هذه المسیرة من هؤلاء الناس مشروعة فی الشریعة الإسلامیة.
1) 1)
الأمر السابع:أنه لا إشکال فی ظهور الآیة باستحباب الرد الزائد.
و لکن قد یقال بشمول ذلک لکل مجاملة،سواء کان بالمساوی وجوبا أو بالزائد استحبابا.
غیر أن هذا غیر محتمل فقهیا،أولا.و غیر مطابق لظاهر الآیة ثانیا.لأن المجاملة غیر التحیة.و التحیة إنما تکون عند أول اللقاء.و هی و إن صدق علیها المجاملة إلا أن سائر المجاملات لا یصدق علیها التحیة لیجب ردها بالمساوی فضلا عن الأکثر.أعنی من حیث منطوق الآیة الذی یتحدث عن التحیة لا غیر.نعم،قد یجب و یستحب بعناوین أخری أشرنا إلی بعضها.
الأمر الثامن:قال الفقهاء:إنه یجب إسماع الرد إلی المخاطب فی رد التحیة إلا فی الصلاة.و سیأتی دلالة السنة علیه.غیر أن الآیة الکریمة دالة علیه أیضا.لضرورة صدق الرد.و هو إنما یصدق إذا وصل لشیء المردود إلی الفرد الآخر.و وصول التحیة بسماعها بطبیعة الحال.و لا تکفی الإشارة بالید أو غیرها مع الجواب المنخفض مع التمکن من الإسماع لأنه لیس ردا حقیقة مع عدم الوصول إلی صاحبه المخاطب.
نعم،مع التعذر للبعد أو للصمم أو غیرهما،یجب إیجاد ما یدل علی الجواب.فإنه رد عرفی فی ظرف التعذر.و أعنی به کونه مقدمة للرد الملفوظ.و إلا فالاقتصار علی الإشارة مع کون الابتداء لفظا،یکون ردا ناقصا غیر جائز بظاهر الآیة،کما قلنا.و أما إذا کان الابتداء بصیغة السلام فیکون جوابه بالإشارة فقط حراما بالإجماع،مضافا إلی ظاهر الآیة الکریمة أیضا.
نعم،إذا کان الابتداء بمجرد الإشارة جاز الاقتصار فی الرد علیها أیضا.و یدخل فی بعض ما سبق من التحیة فی غیر لفظ السلام.
فهذا یحمل القول حول الآیة الکریمة.و لا یدلنا الآن من التحول إلی الحدیث عن:
و یمکن الاستدلال بطائفتین من الأخبار.
الطائفة الأولی:ما دل علی وجوب الرد بعنوانه:
کمعتبرة السکونی (1)
الوسائل:أبواب العشرة:باب 33:حدیث 3. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله:«السلام تطوع و الرد فریضة».و صحیحة عبد اللّه بن سنان (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:رد جواب الکتاب واجب کوجوب رد السلام.و البادی بالسلام أولی باللّه و برسوله.
الطائفة الثانیة:ما دل علی وجوب الرد فی الصلاة.و من المعلوم متشرعیا و فقهیا أن الکلام من قواطع الصلاة و مبطلاتها.إلی حد لا یجوز الابتداء بالسلام لأحد.و لکن مع ذلک یجوز الجواب بل یجب،لأن هذا من نوع:ما إذا جاز وجب.لأن جوازه لیس إلا بمعنی رفع المانع عن وجوبه.
منها صحیحة محمد بن مسلم (3)قال:دخلت علی أبی جعفر علیه السلام و هو فی الصلاة فقلت:السلام علیک.فقال:السلام علیک.فقلت:
کیف أصبحت.فسکت.فلما انصرف قلت:أ یرد السلام و هو فی الصلاة.
قال:نعم.مثل ما قیل له.
و موثقة سماعة (4)عن أبی عبد اللّه علیه السلام.قال:سألته عن الرجل یسلم علیه و هو فی الصلاة.قال:یرد:سلام علیکم.و لا یقل:و علیکم السلام.فإن رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله کان قائما یصلی فمر به عمار بن یاسر فسلم علیه فرد علیه النبی هکذا.
و غیرها من الروایات.و سیأتی بعض تفاصیلها.
و الملاحظة الوحیدة التی ینبغی الإلماع إلیها هو قوله فی صحیحة ابن سنان:رد جواب الکتاب واجب کوجوب رد السلام.فما هو جواب الکتاب المشار إلیه.و قد یقال:إننا بعد أن نعرف بضرورة الفقه أن رد جواب الکتاب غیر واجب،یکون الطرف الآخر للتنظیر غیر واجب أیضا.و هو رد السلام، لأنه نظیرة بنص الصحیحة.
و لا تخلو هذه العبارة من إجمال لأن فیها محتملات متعددة و مهما کانت المحتملات،فإنها لا تضر بوجوب رد السلام،لأنه محمل إجماع و العمل بظاهر الآیة بهذا المقدار إجماعی.
و هنا نشیر إلی أهم المحتملات:
أولا:أن یراد بالکتاب الرسالة المرسلة من شخص لآخر،إذا کان من الصعب اجتماعهما وجاها.و قد کان هذا الأسلوب موجودا منذ ذلک الحین و إلی الآن.و البرید قائم علی قدم و ساق منذ ذلک الحین و إلی الآن.
فقد یکون المراد أن رد جواب الرسالة واجب.یعنی أن یرسل الآخر رسالة جوابیة.و هذا الوجوب إما تعبدی مستقل.و إما مفهوم من نفس الآیة الکریمة.لأن الرسالة الأولی نوع من التحیة،فیکون جواب التحیة واجبا فَحَیُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها .
إلا أن الوجوب بهذا المعنی لم یقل به أحد.نعم لا شک باستحبابه فی أغلب الأحیان.و قد یصبح واجبا لبعض العنوانین الثانویة.فیحمل لفظ الوجوب فی الصحیحة علی مطلق المطلوبیة.
ثانیا:أن یراد بالکتاب الرسالة،کما قلنا سابقا.إلا أنه یراد بها فرض أن التحیة و السلام قد کتبا و أدیا فی الرسالة إلی المرسل إلیه.فیجب علی المرسل إلیه رد التحیة.و لا یمکن ذلک من بعد بطبیعة الحال.و من ثم یجب الرد عن طریق رسالة ثانیة.و هذا من الناحیة الفقهیة لطیف جدا.و لا أجد
جوابا علیه،یعنی یوجب التنازل عن الفتوی بالوجوب.
ثالثا:أن یراد بالکتاب:القرآن الکریم،فإنه و إن کان قد أنزل علی نبی الإسلام صلی اللّه علیه و علی آله إلا أنه أنزل للناس جمیعا،کما هو مبین فی عدد من آیاته.قال تعالی (1)
الأنبیاء:(10). [1]
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَیْکُمْ کِتاباً فِیهِ ذِکْرُکُمْ،أَ فَلا تَعْقِلُونَ .و قال سبحانه (2)وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَیْکُمْ آیاتٍ مُبَیِّناتٍ .و قال جل جلاله (3)یا أَیُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَکُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّکُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَیْکُمْ نُوراً مُبِیناً .و هو القرآن الکریم.إذن،فالقرآن الکریم منزل إلی الناس أجمعین،فردا فردا و مجتمعا مجتمعا.فما ذا و کیف یجب علیهم الرد علی هذا الفضل العظیم و الرحمة الواسعة و التحیة الرائعة.
فإذا علمنا أن اللّه سبحانه غنی عن العالمین لا تنفعه طاعة من أطاعه و لا تضره معصیة من عصاه.إذن،لم یبق من رد هذا الإحسان العظیم،إلا تطبیق منهجه القویم و عدله المستقیم.فالرد الأفضل المتوقع من قبل الشارع المقدس إنما هو الطاعة و السیر علی طبق الطریق الذی رسمه لعباده.
و هذا معنی لطیف فی نفسه،إلا أنه واسع و شامل.فتنظیره بوجوب رد السلام بالخصوص،یکون صعب الفهم.إلا من زوایة:أن السلام هو الموضوع الوحید فی الشریعة الذی یجب رده.فی حین لا یصطلح الرد فی أی طاعة أخری.و من هنا اختاره الإمام علیه السلام کطرف للتنظیر.
هذا،و لا ینبغی أن نناقش فی دلالة الروایات علی الوجوب،فإن النقاش مما لا مجال له.و لکن الکلام إن کان فی أصل الوجوب کانت الآیة الکریمة مغنیة عن السنة الشریفة.نعم،تنفع السنة الشریفة فی فهم عدد من
التفاصیل التی أشرنا إلی بعضها عند الحدیث عن الآیة و نشیر الآن إلی البعض الآخر.
یعنی إذا ابتدأک شخص بالتحیة،کان علیک الجواب فورا،و لا یجوز التأخیر مع الإمکان.
و المهم فی ذلک:هو صدق الرد،و فی الحالات الاعتیادیة للسلام مع التقابل فی الطریق مثلا،هو ضرورة الفوریة لیصدق الرد،إذ من التأخیر زمانا مّا لا یکون الرد صادقا عرفا.و تقدیر هذا الزمان راجع إلی العرف،یعرفه کل فرد من وجدانه.
و من نتائج ذلک:أن المخاطب لو عصی و لم یجب لفترة.أو أنه غفل عن الجواب لفترة.لم یجب علیه الرد بعد ذلک لتعذر صدق الرد عندئذ.فما هو الواجب و هو الرد قد تعذر،و غیره غیر واجب.لأنه غیر قابل للقضاء کقضاء الصلاة.أو علی الأقل.لا یجب القضاء فیه.
لکن لا یبعد أن یکون الزمان العرفی للرد فی مثل ذلک لیس ضیقا جدا.بل یبقی العرف یتسامح بصدق الرد لفترة ما.نعم،إذا طال الزمن کربع ساعة و نحوها،کان ما قلناه منطبقا تماما.
و ینبغی التنبیه أن کل فوریة بحسبها،فلو أرسل شخص سلاما فی رسالة أو فی شریط مسجل أو نحوها،وجب رده فورا.لا بمعنی المبادرة رأسا إلی جوابه،لأنه یجب الإسماع و الإیصال إلی الطرف الآخر،و هذا لا یتحقق مع البعد.بل الفوریة هنا تقتضی فوریة المبادرة إلی الجواب فی رسالة أو شریط مسجل مثلا.
و لا یبعد أن الفوریة هنا واسعة،بل قد یقال إنها ساقطة لأن الوجدان العرفی حاکم بصدق الرد متی وصل السلام إلی الطرف الآخر مهما طال الزمن.و المقام لا یستحق أکثر من هذا الکلام.
قال الفقهاء:لو سلمت علی جماعة کفی جواب الواحد منهم.من حیث صدق الرد عندئذ.و أنت لم تذکر إلا سلاما واحدا فلا تستحق أکثر من جواب واحد.
و لکن قد یقال:إن السلام علی الجماعة یکون انحلالیا لا محالة.
فکأنه سلم علی کل فرد منهم.فیکون کل فرد منهم مشمولا للآیة الکریمة، أعنی بوجوب الرد.فیجب الرد علیهم جمیعا فردا فردا.
إلا أن هذا غیر محتمل فقهیا.و تبریره هو أنه لم یصل إلی کل فرد سلام کامل بل جزء انحلالی من السلام.و هذا بمجرده لا یجب رده جزما.
مضافا إلی أن الفرد الذی رد السلام یمکن أن یقال عرفا أنه رده بالأصالة عن نفسه و بالنیابة عن الآخرین،کما یمکن أن یقال فقهیا:أنه تحمل علی ذمته کل الأجزاء الانحلالیة للسلام و ردها بمقدارها لأنه أجاب بسلام کامل علی سلام کامل.فلا یجب علی الغیر الجواب.
قولنا:سلام علیکم و نحوها،یکون المجرور بعلی ضمیر المخاطب للجماعة.و لکن لا شک فقهیا بجواز إبداله بضمائر أخری،و یکون أیضا واجب الرد و مشمولا للآیة الکریمة.
دلتنا علی ذلک صحیحة محمد بن مسلم السابقة:قال دخلت علی أبی جعفر علیه السلام و هو فی الصلاة فقلت:السلام علیک فقال:السلام علیک.فبالرغم أن البادی لم یستعمل ضمیر الجمع إلا أن الإمام علیه السلام أجابه فی الصلاة،الأمر الذی یدل علی وجوب الجواب عندئذ.
و بعد التجرید عن الخصوصیة یعم الحکم لجمیع الضمائر.فإنها تکون تحیة واجبة الجواب.کقولنا:السلام علیکما و السلام علیکن.
إلا أنه یجب الاحتفاظ بصیغة الخطاب.فلو أبدله المتکلم إلی ضمیر
الغائب مثل:السلام علیه أو علیهما و نحوها.لم یجب الجواب.و ذلک:
أولا:لأن خصوصیة الخطاب محتملة الدخل فی الحکم بالوجوب،أو فی ملاکه.فلا یمکن تجریدها عن الخصوصیة للشمول للغائب.
ثانیا:أنه مع استعمال ضمیر الغائب لا تصدق التحیة.إذ مع حضور المخاطب،یکون استعمال ضمیر الغائب استهزاء.و مع غیبته لا یمکن إرسال التحیة إلیه بمجرد النطق.فلا تصدق التحیة عرفا لیجب ردها.
نعم،لو صدقت التحیة مع حضور المخاطب،کما لو کان فی استعمال ضمیر الغائب شکلا من أشکال احترامه أحیانا،وجب الرد.
هذا هو الحدیث فی استعمال الضمائر.
و قد یستعمل اللفظ الظاهر بدل الضمیر،کقولنا السلام علی مولانا أو علی شیخنا أو علی سیدنا أو علی سیادة فلان أو علی جلالة الملک و غیر ذلک کثیر.
و الخطاب هنا و إن لم یکن محفوظا لفظا،إلا أن ذلک،لا ینبغی أن یکون مانعا عن الشمول للحکم بالوجوب.لأن الخطاب محفوظ عرفا،و إن انعدم لفظا.و إنما یتبدل اللفظ لأغراض عرفیة صحیحة کالاحترام أو التودد أو التزلف أو غیرها.فیکون الرد واجبا.
هذا مع حضور المخاطب.و أما مع غیابه فلا یکون الخطاب محفوظا لا لفظا و لا عرفا،کما أشرنا قبل قلیل فی ضمیر الغائب.فلا یکون الرد واجبا.
کان هناک من الناس من مثیری الشبهات فی الأذهان.من یسأل و یقول:نحن نسلم علی الأئمة المعصومین علیهم السلام و نسلم علی الفرد الاعتیادی أیضا،بالتحیة الإسلامیة المتعارفة،فکیف یمکن ذلک و ما الفرق بینهما.
و الواقع:أنه من الناحیة اللغویة لا فرق بینهما.کل ما فی الأمر أننا لو لاحظنا الفرق فی المنزلة بین المعصومین علیهم السلام و غیرهم،فرقا عظیما،و هو الذی لاحظه صاحب هذا السؤال.نکون عندئذ قد أعطینا الأئمة بالسلام علیهم أقل من استحقاقهم أو أعطینا للفرد الاعتیادی أکثر من استحقاقه.و کلا هذین الموقفین لا غبار علیهما من الناحیة الدینیة و الأخلاقیة.
کما یمکن أن نعطی لکل منهما ما یناسبه،باعتبار أن للسلام درجات علی ما سوف نذکر.فینال کل مخاطب ما یستحقه منه.
و من هنا تلجئنا الضرورة إلی التعرض إلی معانی هذا اللفظ:
قال ابن منظور:قال ابن عرفة:قالوا سلاما أی قالوا قولا یتسلمون فیه لیس فیه تعد و لا مأثم.و کانت العرب فی الجاهلیة یحبون بأن یقول أحدهم لصاحبه أنعم صباحا و أبیت اللعن،و یقولون سلام علیکم فکأنه علامة المسالمة و أنه لا حرب هنالک.ثم جاء اللّه بالإسلام فقصروا علی السلام و أمروا بإفشائه.قال أبو منصور:نتسلم منکم سلاما و لا نجاهلکم.و قیل:
قالوا سلاما أی سدادا من القول و قصدا لا لغو فیه.و قوله قالُوا سَلاماً قال:
أی سلموا سلاما و قال:سلام أی أمری سلام لا أرید غیر السلامة.
و قوله عز و جل سَلامٌ هِیَ حَتّی مَطْلَعِ الْفَجْرِ أی لا داء فیها و لا یستطیع الشیطان أن یصنع فیها شیئا.و قد یجوز أن یکون السلام جمع سلامة.و السلام التحیة.قال ابن قتیبة:یجوز أن یکون السلام و السلامة لغتین کاللذاذ و اللذاذة.قال:و یجوز أن یکون السلام جمع سلامة و قال أبو الهیثم:السلام و التحیة معناهما واحد و معناهما السلامة من جمیع الآفات.
الجوهری:و السلم بالکسر السلام.
و قال ابن منظور أیضا:و التسلیم:مشتق من السلام اسم اللّه تعالی لسلامته من العیب و النقص.و قیل:معناه:أن اللّه مطلع علیکم فلا تغفلوا.
و قیل معناه اسم السلام علیک إذ کان اسم اللّه تعالی یذکر علی الأعمال توقعا لاجتماع معانی الخیرات فیه،و انتفاء عوارض الفساد منه.و قیل:معناه
سلمت منی فاجعلنی أسلم منک،من السلامة بمعنی السلام.و یقال:السلام علیکم و سلام علیکم و سلام بحذف علیکم.و لم یرد فی القرآن الکریم غالبا إلا منکرا.کقوله تعالی سَلامٌ عَلَیْکُمْ بِما صَبَرْتُمْ .
و السلام فی الأصل:السلامة.یقال:سلم یسلم سلاما و سلامة.
و منه قیل للجنة:دار السلام.لأنها دار السلامة من الآفات.و قوله تعالی:
لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال بعضهم:السلام ههنا اللّه و دلیله اَلسَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَیْمِنُ .و قال الزجاج:سمیت دار السلام لأنها دار السلامة الدائمة التی لا تنقطع و لا تفنی.و من دار السلامة من الموت و الهموم و الأسقام.
و قال أبو إسحاق:دار السلام الجنة لأنها دار اللّه عز و جل فأضیفت إلیه تفخیما لها.إلی آخر ما قال.
و محصله:أن للسلام عدة معانی:
1-أنه اسم من أسماء اللّه عز و جل.الأسماء الحسنی.
2-السلامة.و یبدو أنها تنطبق علی زوال أی نقص.
3-الهدنة و ترک الحرب.
4-التحیة.
أما المعنی الرابع،فباعتبار أن صیغة السلام هی المستعملة فی التحیة،فأصبحت تحمل معنی التحیة،و هذا لا ینافی الفحص عن أصلها.
و هو منحصر-علی ما یبدو-فی الثلاثة الأولی.و کلها یمکن أن تنطبق فعلا عن هذه التحیة الإسلامیة.
أما المعنی الثالث،فحین تقول:السلام علیکم.یعنی لا حرب بینی و بینک.و لیس المهم خصوص الحرب بل کل عداوة و غضب و متارکة.بل أنا علی صلة بک کصلة الأصدقاء و لیس کعلاقة الأعداء الذین یمکن وقوع الحرب بینهم.
و أما المعنی الثانی:فیکون المعنی الدعاء له بأن یزول عنه کل نقص و عیب و بلاء و یری کل خیر و نعماء.
و أما المعنی الأول:فأوضح تفسیر له هو الدعاء للمخاطب بأن یشمله اللّه سبحانه بالرحمة و اللطف و السلامة و الکرامة.فإن اسم السلام قد یفسر بمعنی الرحیم و الکریم و نحو ذلک.
فهذه فکرة عن معنی السلام.نعود بعدها إلی السؤال الذی طرحناه فی أول هذا العنوان.و قلنا إن للسلام درجات.فمن الواضح،أن کل هذه المعانی الثالثة ذات درجات.فإن العلاقة و الصداقة تختلف أهمیتها و عمقها بین الأصدقاء.کما أن زوال النقص له عدة أشکال و مصادیق و مستویات.
فربما شخص متصف بالغنی غیر متصف بالصحة و ربما شخص متصف بالعلم غیر متصف بالقوة أو الشجاعة.و هکذا.
و کذلک السلام،کاسم للّه عز و جل.فإن درجات الرحمة و اللطف و الکرامة فی الدنیا فضلا عن الآخرة کثیرة جدا لهم درجات عند ربهم.
و للآخرة أکبر درجات و أکبر تفصیلا.
و هذا هو الذی یفسر قولنا:سلام اللّه علیکم.یعنی أننا لاحظنا خصوص هذا المعنی من لفظ السلام.
اختلف الفقهاء فی کیفیة رد السلام فی الصلاة.و المقدار الذی إذا زاد علیه بطلت صلاته.
و الوجوه فی ذلک عدیدة نذکر أهمها:
الوجه الأول:أن یجیب المصلی بمثل ما ذکر المتکلم.لکن من التقییدات التالیة:
أولا:أن تکون التحیة محتویة علی لفظ السلام.و إلا بطلت الصلاة بالجواب،سواء أجاب بالسلام أم بغیره.
ثانیا:مع إسقاط الزائد کقوله:و رحمة اللّه و برکاته.أو غیر ذلک.
و الاقتصار علی لفظ السلام و الضمیر المجرور.و الکلام فی تقدیمه و تأخیره فقط یعنی یقول سلام علیکم أو علیکم السلام.
ثالثا:أن یتقید بالصیغة التقلیدیة،فلا یضیف إلیها شیئا آخر کقوله:
سلام اللّه علیکم.أو السلام علی شیخنا أو مولانا.و لو خالف بطلت صلاته، لأنه یکون من الکلام الزائد.
و یستدل لهذا الوجه بصحیحة محمد بن مسلم السابقة و التی فیها:
قلت:أ یرد السلام و هو فی الصلاة.قال:نعم.مثل ما قیل له.
و یفهم الفقهاء من هذه المماثلة:التقدیم و التأخیر الذی أشرنا إلیه فی (ثانیا)قبل قلیل.مع حفظ التقییدات السابقة،فلو اقتضی التماثل عدمها لم یجب.
غیر أن فی هذا احتیاطا زائدا علی الأدلة،إذ لا شک أن هذه الصحیحة تنص علی جواز التماثل.و إطلاقها شامل لکل صورة.و الآیة الکریمة (رُدُّوها) دال علی ذلک أیضا لما قلناه من أن الرد لا یصدق مع قلة الجواب علی التحیة.إذن فهذا الوجه الأول غیر تام.
الوجه الثانی:ما اختاره بعض أساتذتنا و سیدنا الأستاذ من وجوب المماثلة إذا سلم المتکلم علی المصلی،بصیغة التحیة و جواز غیرها إذا سلم بصیغة الجواب.
قال سیدنا الأستاذ (1)
منهاج الصالحین: [1]ج-1:ص 198.
:یجب أن یکون رد السلام فی أثناء الصلاة بمثل ما سلم.فلو قال المسلّم:سلام علیکم یجب أن یکون جواب المصلی:سلام علیکم.بل الأحوط وجوبا المماثلة فی التعریف و التنکیر و الإفراد و الجمع.نعم إذا سلم المسلّم بصیغة الجواب.بأن قال مثلا:علیک السلام.جاز الرد بأی صیغة کان.
1) 1)
و هذا الوجه غریب من هؤلاء الأجلاء.لأننا إذا أخذنا بصحیحة محمد بن مسلم،لزمنا القول بالمماثلة مطلقا،بعد التجرید عن الخصوصیة.
لأنها و إن کانت واردة فی خصوص صیغة التحیة،إلا أنها لیست ظاهرة بالتقیید بها.لأنها عمل تطبیقی قام به الراوی و الإمام فی السلام و الرد.و إنما العمدة فی ذیل الروایة.قلت:أ یرد السلام و هو فی الصلاة.قال:نعم.مثل ما قیل له.
و المفهوم عرفا ورود الجواب علی عین ما ذکر فی السؤال،فیکون حاصله.نعم،یرد السلام بمثل ما قیل له.و إطلاق السلام شامل لکل أشکال الابتداء.و لا وجه لتخصیصه ببعضها.
الوجه الثالث:أن المصلی یجیب بقوله سلام علیکم فقط.قاصدا به القرآنیة.لأنه وارد فی القرآن الکریم فی قوله تعالی سَلامٌ عَلَیْکُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَی الدّارِ .و یقصد به القرآنیة و لا تبطل صلاته.و هو الذی کان یمیل إلیه أبی رحمه اللّه علیه.
و فی هذا الوجه احتیاط زائد بعد الذی عرفنا من الأدلة التی هی حجة فیما زاد عن ذلک.علی أنه مخالف للاحتیاط من جهة و هو احتمال التنافی بین قصد القرآنیة و قصد الجواب.فلو قصد القرآنیة لم یکن جوابا.فتأمل.
الوجه الرابع:أن المصلی یستطیع شرعا أن یجیب فی الصلاة بما شاء من الصیغ التقلیدیة المتعارفة.
و أهم دلیل علی ذلک وجهان:
الوجه الأول:التمسک بإطلاق الآیة الکریمة.فإنها تدل علی وجوب الرد و استحباب الزیادة فی الصلاة و غیرها،من دون التقید بصیغة معینة، کالتعریف و التنکیر أو الإفراد و الجمع،التی أشار إلیها سیدنا الأستاذ.
و غیرها.
غیر أنهم یجیبون:أن هذا الإطلاق مقید بصحیحة محمد بن مسلم.
لأنه یقول:مثل ما قیل له.فتکون صور الاختلاف مستثناة من ظاهر الآیة الکریمة.
إلا أن هذا فرع دلالة الصحیحة علی المفهوم،أو دلالة المفهوم لو وجد علی الإلزام دون الکراهة.بعد التسلیم بأن کل صیغ التسلیم لیست من الکلام البشری المبطل للصلاة علی القاعدة.و هذا المفهوم لیس إلا مفهوم الوصف أو مفهوم اللقب غیر الصحیحین فی علم الأصول.
و سؤال السائل:أ یرد السلام فی الصلاة قائم علی احتمال الخطر المطلق.فیکون الجواب واردا فی مقام رفع هذا الاحتمال.فلا یکون له دلالة أوسع من ذلک.
فإن قیل:إن الجواب فی غیر التماثل یکون إقرارا للسائل علی الحظر.
و هو حجة.قلنا إن هذا له عدة أجوبة نذکر منها:
أولا:أن السؤال غیر ظاهر بالجزم بالحظر لیکون الجواب إقرارا له.
ثانیا:لعل الجواب مقتصر علی جهة معینة هی المنصوصة فی منطوقه، مع إهمال الجهات الأخری،باعتبار مصلحة ما،و لو من أجل قاعدة:دعوا الناس علی غفلاتهم،أو:خاطبوا الناس علی قدر عقولهم.و خاصة بأن ما یبقی فی خاطر السائل من احتمال المنع موافق للاحتیاط،و لو استحبابا.
و یجیبون أیضا:أن إطلاق الآیة الکریمة مقید بمنطوق موثقة سماعة السابقة.حیث یقول فیها:قال:یرد:سلام علیکم و لا یقل:و علیکم السلام.فإن النهی عن صیغة الجواب واضحة فی الاستثناء من إطلاق الآیة الکریمة.
و جواب ذلک:أن هذه الموثقة تصلح أن تکون دلیلا للوجه الثالث.
فإنها اقتصرت علی صیغة واحدة،لا الوجه الثانی الذی علیه السید الأستاذ.
و هو دام ظله لم یعمل بها،إذ من الواضح أن فتواه مطابق للصحیحة لا للموثقة.
علی أن هذه الموثقة أخذت قیودا لا تکاد تکون محتملة فقهیا:
أولا:قال:یقول:سلام علیکم.بالتنکیر و الجمع و هو بخصوصه غیر محتمل وجوب الاقتصار علیه و لم یفت به السید الأستاذ لو کان الابتداء بخلافه.
ثانیا:قال:و لا یقل:علیکم السلام.إذ لعل هذه الواو لها دخل فی النهی عن هذه الصیغة،و لا حظر بدونها و معه یتعین حملها علی نوع من الکراهة.
هذا هو الدلیل الأول للوجه الرابع.
الوجه الثانی:أو الدلیل الثانی له هو أن(السلام)من أسماء اللّه الحسنی،و لا شک أنه لیس شیء من أسماء اللّه و لا شیء من ذکر اللّه سبحانه مبطل للصلاة.إذن،فالسلام بکل أشکاله نحو من ذکر اللّه سبحانه.فلا یکون مبطلا للصلاة.و بعد أن أسقطنا التقیید بالروایات السابقة یبقی المصلی مخیرا فی أن یجیب بما شاء من صور السلام الواردة.
و قد وردت فی ذلک عدة روایات،أعنی أنها تنص بأن السلام من أسماء اللّه الحسنی.و هی لا تخلو من الخدشة فی إسنادها.إلا أن الأمر أوضح من ذلک،و منصوص فی القرآن الکریم لأنه سبحانه هو (السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَیْمِنُ) .
نعم.یبقی الأحوط،و لو استحبابا،أن لا یفوت المصلی قصد ذلک و لو ارتکازا.کما أن الأحوط وجوبا الاقتصار علی الصیغ المتعارفة عند المتشرعة،فلو أبدل الضمیر إلی الظاهر،کما سبق أن مثلنا لم یجز علی الأحوط.
نعم،لو أضاف:و رحمة اللّه و برکاته جاز.بل لو أضاف أی شیء من ذکر اللّه و الدعاء إلیه جاز أیضا.
و هذا الوجه الرابع هو الصحیح.
قالوا و معهم حق:أن علیکم السلام أحسن من سلام علیکم.فیکون مصداقا لقوله تعالی بِأَحْسَنَ مِنْها .
و ذلک من جهتین:
أولا:تقدیم الجار و المجرور،و هو یفید الاختصاص.و هذا التقدیم مفقود فی الابتداء علی الفرض.
ثانیا:وجود الألف و اللام الذی یفید الجنس.و هو مفقود فی الابتداء علی الفرض أیضا.
أما لو قال السلام علیکم.کانت الألف و اللام متوفرة.فالفرق الثانی یزول و یبقی الفرق الأول.
هذا،و ینبغی الالتفات أنه لا فرق من الناحیة الفقهیة،أن یکون الابتداء بقوله:سلام علیکم أو علیکم السلام.فلو ابتدأ بقوله علیکم السلام وجب الرد.و إن لم یکن متعارفا.
إلا أنه یصبح أکثر عرفیة فیما إذا أبدلنا الضمیر بالظاهر فقلنا:علی مولانا السلام.و نحو ذلک.فإن الجواب یکون واجبا أیضا.
و لا شک أن الجواب عندئذ بعلیکم السلام مجز فقهیا.لأنه رد بالمثل.
و قد یقال:إنه لو قال فی الجواب:سلام علیکم لم یکن مجزیا.لما عرفنا من أن دلالته أقل من اللفظ الآخر.فلا یکون ردا بالمثل.
و هذا صحیح منطقیا.إلا أن الرد بالمثل ینبغی أن نفهمه من ناحیة عرفیة،و لیس دقیّة و ما دام العرف یری التماثل بین التعبیرین،و لا یدرک الفرق بینهما بوضوح،فیکون الرد فیه مجزیا.
و لعل مثله ما إذا کان فی الابتداء یستعمل الاسم الظاهر،فإنه لا یجب الجواب بالظاهر أیضا،و إن کان استعماله أحسن و ترکه أردأ،إلا أن الفرق لیس عرفیا.فیجزی استعمال الضمیر فی الرد.
و قد یقال:إن لمدلول الکلمة الظاهرة دخلا فی تحدید الجواب،فلو کانت اعتیادیة کما لو أورد اسم المخاطب.مثلا:السلام علی مجید.فلا یجب أکثر من الضمیر أو الاسم فی الرد أیضا.و إذ استعمل المدح فی الرد بالاسم الظاهر کان جوابا بالأحسن.
و أما لو استعمل المدح فی الابتداء،مثلا:السلام علی سیدی.فقد یقال:إنه یجب الرد بمثلها،و لا یجوز أن تکون أقل.إلا أن هذا غیر محتمل علی إطلاقه،فقهیا.إذ یجب الحفاظ علی المنزلة الاجتماعیة علی أی حال.
فلو کان المبتدئ بالسلام أقل منزلة لم یکن واجبا علی الآخر أن یجیبه بنفس اللفظ.بل قد یکون هذا محرجا اجتماعیا.
نعم،ینبغی أن یلاحظ الرد الذی یناسبه فی طبقته،بحیث یکون جیدا له،کما لو کان الابتداء جیدا للمخاطب.و هذا واجب من الناحیة المنطقیة.
لأن الرد إن کان أقل عرفا کان مشکلا شرعا.إلا أنه خلاف المشهور،و إن کان مشمولا لإطلاق الآیة فعلا،و العرف یفهم الفرق علی الفرض.فلا أقل من الاحتیاط الوجوبی بذلک.
هذا.و لا ینبغی أن ننسی،فی هذا الصدد أن ما علیه کثیر من الناس من رد السلام بغیره و إن کان أحسن منه بحسب المجاملة العرفیة،إنما هو غیر جائز بالإجماع علی ما قیل و هو علی خلاف الارتکاز و السیرة المتشرعیة قطعا.
غیر أن إطلاق الآیة یقتضی الجواز.لأنها لم تذکر لفظ السلام لا فی الابتداء و لا فی الرد.و مقتضی ذلک،جواز الرد علی السلام بغیره،و وجوب الرد فی غیر السلام أیضا.و کلاهما مما لا یلتزم به المشهور و المتشرعة.
و الجواز الأول قطعی غیر قابل للمناقشة فقهیا،إلا أن المناقشة فی الوجوب المشار إلیه ممکن،إذ لا یوجد فی مقابل ظاهر الآیة إلا المشهور الذی یحملها علی نحو من الاستحباب.و لکن الآیة حجة علیه.
و معه فالأحوط وجوبا،رد التحیة و إن لم تکن بصیغة السلام.و کلما کانت أفضل کانت أحسن.
القمار:
قسم شیخنا الأنصاری قدس سره فی المکاسب:الحدیث عن القمار، أربعة أقسام.لأن اللعب أما أن یکون بالآلات القمار المعدة له کالشطرنج و الدومنة أو أن یکون بغیرها.کما أن اللعب أما أن یکون بالمراهنة،بمعنی أن یعطی للفائز جائزة أو بدون ذلک.
فتکون الأقسام أربعة:
أولا:اللعب بالآلات القمار بالمراهنة.
ثانیا:اللعب بها بدون المراهنة.
ثالثا:اللعب بغیرها بالمراهنة.
رابعا:اللعب بغیرها بدونها.
إلا أننا ینبغی أن نلتفت إلی تقسیمات ممکنة أخری.فإن المهم ملاحظة ثلاث أمور:
الأمر الأول:دفع المال للغالب.و هذا قد یکون من المغلوب و قد یکون من غیره.
الأمر الأول:دفع المال للغالب.و هذا قد یکون من المغلوب و قد یکون من غیره.
الأمر الثانی:أن العمل الذی وقعت فیه المغالبة.هل له نفع عرفی یمت إلی الحاجات الأصلیة للناس بصلة.أو أنه سفهی لا یمت إلی تلک الحاجات بصلة.
الأمر الثالث:إن العمل هل هو علی نحو المغالبة أولا.
فإذا ضربنا اثنین ثلاث مرات کانت النتیجة ثمانیة.صور المراهنة منها أربعة:
أولا:المراهنة علی المغالبة علی الآلات السفهیة بما فیها الآلات القمار،بل مطلق الأفعال السفهیة التی لا تمت إلی حاجات الإنسان بصلة.
ثانیا:المراهنة علی المغالبة علی أمر نافع للناس و للمجتمع،کاختراع جهاز نافع جدید،و تعطی الجائزة للغالب.
ثالثا:اللعب بدون مغالبة(وحده)و لکن بأمور سفهیة.و إذا نجح یعطی جائزة.
رابعا:اللعب وحده بأمور نافعة أو قل:العمل بأمور نافعة،بمال.
و تکون صور المجان(بدون مراهنة)أربعة نذکرها بنفس التسلسل السابق:
خامسا:المغالبة علی أمر سفهی بدون جائزة.
سادسا:المغالبة علی أمر نافع بدون جائزة.
سابعا:اللعب وحده علی أمر سفهی بدون جائزة.
ثامنا:العمل وحده علی أمر نافع بدون جائزة.
و بالطبع فإن عددا من هذه الصور واضح الجواز فقهیا.بما فیها الصور الأربعة الأخیرة کلها.و لا تکون قمارا.لأن المهم فی صدق القمار و انطباق مفهومه هو جعل المال للغالب.فإن لم یکن هناک مال لم یکن هناک قمار.
کما أن العمل بمغالبة أو بدونها فی الأمور النافعة جائزة بل راجحة شرعا.
کما أن اللعب فی غیر آلات القمار جائز فقهیا بمقتضی الأصل المؤمّن (أصالة البراءة).
نعم،یستثنی من(خامسا)المغالبة المجانیة علی الآلات المعدة للقمار.فإنها غیر جائزة علی ما سیأتی.و هو الاستثناء الوحید من هذه الصور کلها.فإن اللعب بها حرام سواء کان بجائزة أم لم یکن.و أما اللعب بها بدون مغالبة،کما لو لعب بها فرد وحده مجانا،فهذا مما لا یتصور،لأن تأسیس هذه اللعب علی المغالبة.کما هو معروف.
و أما الصور الأربعة الأولی،فاثنان منها لا شک بجوازها شرعا،و هو ما یمت إلی النفع بصلة.فإن العمل بأمر نافع جائز بلا إشکال سواء کان بمغالبة أم لم یکن و سواء کان بمراهنة أم لم یکن.و أوضح مصادیق ذلک هو العمل بأجرة بدون مراهنة،بل یعمل(وحده).فإنه العمل الاقتصادی المحلل.
تبقی فقط صورتان من الصور الثمانیة،و هی الأولی و الثالثة:
أما الصورة الأولی:و هی المراهنة بالمغالبة علی الأمور السفهیة،سواء کان بالآلات القمار أم لم یکن.فهی من أوضح موارد الحرمة فقهیا.فإن العمل السفهی مجانا و إن کان جائزا بالأصل،إلا أنه بالمراهنة یکون قمارا محرما.لأن المهم فی تحقق القمار کما قلنا هو الرهان.
بقیت الصورة الثالثة:و هی أخذ الجائزة علی العمل السفهی إذا فعله الفرد وحده بدون مراهنة.و هو حرام إلا أن صدق القمار علیه یتوقف علی نتائج ما سوف نقوله.من صدق القمار مع عدم المغالبة و عدمه.
فالمهم فقهیا أن نبحث الأمور الثالثة لتنجلی لنا أحکام تلک الصور کلها:
أولا:حرمة القمار،و مقدار صدقه و انطباقه.
ثانیا:حرمة اللعب بالآلات القمار و إن کان مجانا.
ثالثا:حرمة المغالبة السفهیة إذا لم تکن مجانا،مع الاعتراف بحلیتها إذا کانت مجانا للأصل،کما أشرنا.
و نذکر ذلک ضمن جهات
و قد عرفوه (1)
المکاسب:ص 147. [1]
:بأنه اللعب بشیء من الآلات المعروفة.و قال جماعة:إنه قد یطلق علی اللعب بها و لو مجانا.و عن بعض:أن أصل المقامرة المغالبة.
و الذی أجده من ناحیة فهم العرف و المتشرعة:أن صدق القمار یدور مدار المال.فمهما وجد المال أو الجائزة علی اللعب کان ذلک قمارا.
و أما اللعب بالآلات القمار بدون مال،فهو قمار،إلا أنه اصطلاح أو إطلاق مجازی بالأصل،و ذلک لأن الأغلب فی هذه الألعاب عند الناس هو أخذ المال بالمراهنة.و من هنا کان الغالب علیها أن تکون قمارا بهذا المعنی.فسمیت عندئذ بذاتها قمارا و إن لم تکن بمراهنة.إلا أن الأصل بالقمار،هو المال.
بقیت بعض التفاصیل فی القمار لا بد من خوض غمارها:
فهل یختص القمار،بما إذا خرج المال من المغلوب إلی الغالب أو یعم ذلک و ما إذا کانت الجائزة من شخص ثالث أو جهة أخری غیر المتغالبین.
لا شک أن القدر المتیقن فی الحرمة هو الأول،و هو ما إذا غرم المغلوب المال.و هو المتعارف غالبا بین المتقامرین.
و لا شک أنه أشد حرمة من الفرض الثانی.لأن فیه ظلما للمغلوب من زوایة تغرمه المال علی غیر رضاه و قناعة نفسه،و لا نفعه اقتصادیا.بخلاف الفرض الثانی أعنی جعل الجائزة من قبل شخص آخر.فإن جاعل الجائزة، مقتنع بها،و یدفعها عن طیب خاطر.
إلا أنها مع ذلک یصدق علیها القمار إذا کانت علی الفعل السفهی، و هو الذی لیس له أثر فی حاجات المجتمع الحقیقة.و من هنا یکون جعلها
1) 1)
حراما و المغالبة حراما و أخذ المال من قبل الغالب حراما.و لا أقل من الاحتیاط الوجوبی.
و من تفاصیل القمار أن نستفهم عما إذا کان صادقا و منطبقا،فی خصوص صورة المراهنة بین شخصین،أو یصدق فیما إذا کانت الجائزة مجعولة لواحد من دون مغالبة إذا نجح فی فعل سفهی معین.
و بحسب الفهم العرفی،فإن الأرجح هو اختصاص القمار بالمغالبة، و لا یشمل الفرض الثانی.فإن القمار عرفا هو المقامرة بین شخصین،مع أخذ المال.و مع الانفراد لا یصدق القمار و المقامرة.
إلا أن هذا لا یعنی جواز الفرض الثانی شرعا،فإنه حرام لسبب آخر، یأتی فی الجهة الثالثة الآتیة.
و من تفاصیل القمار،أن نستفهم عن اختصاصه بالمال أو یشمل الأمور الأخری کالمجاملة و الاحترام أو الدعوة إلی ولیمة فأخره.
و القدر المتیقن من صدق القمار هو دفع المال.و الظاهر شموله لکل مالی،کالعروض کما لو أعطاه دارا أو مقدارا من الکتب أو الطعام مثلا.کما أن الظاهر شموله لکل ما له قیمة عرفا حتی العمل بصفته متمولا عرفا.فلو قامره علی شرط أن یعمل عنده مجانا کان قمارا،و من ثم کان حراما.
و لا شک أن الولیمة الفاخرة أو الهدیة من الأمور المالیة،فتکون قمارا أیضا،و حراما.نعم،لو کان الشرط هو خصوص المجاملة و الاحترام،فهو لیس قمارا عرفا.و إن قالوا فی الرشوة بأنه یصدق کونه رشوة.و ذاک صحیح إجمالا.إلا أنه لا یصدق علیه القمار عرفا علی الأرجح.
و أما التفصیل الآخر و هو الاستفهام عن کون المغالبة التی علیها الجائزة هل هی مغالبة علی لعب سفهی أو علی عمل نافع.فهذا واضح الجواب،لاختصاص القمار علی المال المدفوع بإزاء الفعل السفهی دون النافع.
و من کل ذلک یتضح:أن القمار هو دفع المال أو أی شیء مالی و لو العمل نفسه علی المغالبة علی أمر سفهی.سواء کان بالآلات المعدة للقمار أو غیره،و سواء دفع المال من المغلوب أو من غیره.
و لا شک أن الآلات المعدة للعب کثیرة،إلا أن من الآلات ما تسالم العرف و المجتمع علی أخذ الجائزة علیها عند لعبها.و أن لعبها البعض مجانا،بشکل قلیل أو شاذ.و هذه هی آلات القمار.یعنی الآلات المعدة للجائزة بالمقامرة و المغالبة.و أما سائر آلات اللعب التی لم یتعارف الناس فیها علی ذلک أو لم یکن ذلک غالبا فیها فهی خارجة عن الصدد.و من هنا کان اللعب بها بدون جائزة جائزا بلا إشکال.و لا أقل من جریان الأصل المؤمن.کما قلنا.
و الحرمة هی الواضحة فقهیا،فی اللعب بالآلات المعدة للقمار.نتیجة للإجماع.و السنة الشریفة.و الإجماع ناتج عن السنة إلا أن فی السنة الکفایة،لأنها مستفیضة بل تکاد أن تکون متواترة.
نعم،هی لم ترد بعنوان کلی:کل آلة أعدت للقمار.بل بتسمیة ألعاب معینة کالشطرنج و النرد علی ما سنسمع.إلا أنه بعد التجرید عن الخصوصیة قطعا من الناحیة الفقهیة یشمل الحکم کل لعبة أعدت عرفا لذلک و إن استحدث فی زمان متأخر.فیکون شمولها للطاولی و الدومنة و الورق بالدلالة المطابقیة.
و لا تحتاج إلی ما قاله بعض أساتذتنا من أن النرد لعبة قدیمة و مجهولة الهویة فی زماننا الحاضر،و هی منهی عنها فی السنة الشریفة،و مرددة بین أن تکون هی الطاولی أو هی الدومنة.و من هنا کان یفتی بحرمة کلتا هاتین اللعبتین،بصفتهما مصداقا محتملا للنرد.
إلا أننا عرفنا قبل قلیل أنها آلات معدة للمراهنة عرفا،فیکون اللعب بها حراما و لو مجانا،علی ما سنعرف من الأخبار.
و أما لعب الورق فلم یکن بعض أساتذتنا یعتبره حراما بالعنوان الأولی و الأصلی،و من هنا کان ینهی عن لعبة بالولایة لا بالفتوی،و قد قلنا قبل قلیل أنه من آلات القمار،فیکون حراما کغیره بالعنوان الأولی.
و علینا الآن أن نسمع بعض الأخبار الواردة بهذا الصدد.ننقل منها بعض النماذج المعتبرة.و لا شک فقهیا بکفایة وجود روایة واحدة معتبرة، فضلا عن الأکثر.
عن ابن أبی عمیر (1)
أبواب ما یکتسب به:باب 102:حدیث 3.
عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی قول اللّه عز و جل فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ .قال:الرجس من الأوثان الشطرنج و قول الزور الغناء.
و عن السکونی (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:نهی رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله عن اللعب بالشطرنج و النرد.
و عن أبی الربیع الشامی (3)عن أبی عبد اللّه قال:سئل عن الشطرنج و النرد.فقال:لا تقربوهما.قلت:فالغناء.قال:لا خیر فیه لا تقربه.
و عن حماد بن عیسی (4)قال:دخل رجل من البصریین علی أبی الحسن الأول علیه السلام فقال له:جعلت فداک إنی أقعد مع قوم یلعبون الشطرنج و لست ألعب بها،و لکن أنظر.فقال:ما لک و لمجلس لا ینظر اللّه إلی أهله.
و عن ابن رئاب (5)قال:دخلت علی أبی عبد اللّه علیه السلام فقلت له:
جعلت فداک ما تقول فی الشطرنج.فقال:المقلب لها کالمقلب لحم الخنزیر.الحدیث.
إلی غیر ذلک من الروایات،و هی واضحة فی النهی عن ذلک و شجبه، بل القول بنجاسته المعنویّة و أن اللّه لا ینظر إلی أهله بالرحمة.
و الروایة الأولی معتبرة السند،و هی تطبق الرجس المذکور فی الآیة علی الشطرنج و قول الزور علی الغناء.و هی حجة فی ذلک.فیکون کلا الأمرین منهیا عنه فی القرآن الکریم.بقوله:اجتنبوا فی کلا الموردین، و النهی أو قل:الأمر بالاجتناب ظاهر بالإلزام.غیر أن تطبیقها علی الشطرنج و الغناء مأخوذ من السنة،أعنی هذه المعتبرة.
إذن،فاللعب بالآلات المعدة للقمار عرفا،حرام من الشطرنج و غیره.
و مقتضی الإطلاق تعلق الحرمة بالعنوان،سواء أخذ علیها المال أم لا.
من الآلات أو الأعمال التی تعد سفها عرفا
و المغالبة لا تکون إلا بین اثنین أو أکثر.
و قلنا إن الفعل السفهی هو الفعل الذی لا ینتج شیئا فی مصلحة الفرد و المجتمع،بحسب الحاجات الطبیعیة له.
و هنا لا بد من الإشارة إلی أمرین:
أولا:أننا لا نعنی بالحاجات الطبیعیة خصوص المأکل و الملبس و المسکن و نحوها.بل کل ما یمت إلی علاقة الفرد بنفسه و بربه و بالآخرین.
من حاجات اقتصادیة و اجتماعیة و نفسیة و طبیة و غیرها.
ثانیا:إذا کان العمل خارجا عن هذه الحاجات کان سفها و سمی فی العرف(لعبا)و یراد به عادة مجرد التفریح أو مجرد الانتصار فی المغالبة أو الشهرة فی هذا المجال أو نحو ذلک.
و من هنا یمکن القول بأن الریاضة البدنیة عموما،إن أنتجت نتائج تمت إلی الصحة الجسمیة أو النفسیة و نحوها بصلة حقیقیة،أعنی کانت مشارکة
فی شفاء مرض مثلا.لم تکن سفها و لا مستهجنة،بل کانت ذات هدف نافع و جائز فی الشریعة.
و أما من دون ذلک،کما لو کان الهدف منها الشهوة أو کسب المال أو نحوه.و المفروض جعل الجائزة للغالب.فهذا یدخل فی موضوع القمار، و لیس هناک أی فرق بینها و بین ما أفتی الفقهاء بحرمته من المغالبة بالجائزة علی غیر آلات القمار علی المشهور.و ما دامت الجائزة موجودة فمفهوم القمار صادق.فیشمله الحکم بالحرمة.
و قد یخطر فی الذهن:أنه أخذ عرفا فی القمار أن یکون هناک آلة للمغالبة،سواء کانت من آلات القمار المعدة له أم غیرها.فلو لم تکن هناک أیة آلة کالرکض و الطعن و غیره،لم یکن قمارا عرفا.
و یجاب هذا من وجهین:
أولا:أننا قلنا إن المهم فی مفهوم القمار وجود الجائزة للغالب،مع کون الفعل(لعبا)عرفا خارجا عن الحاجات الطبیعیة.و هذا صادق سواء کان هناک آلة عملیا أم لم یکن.
ثانیا:إن أغلب أنواع الریاضة فیها آلات کالکرة و الزانة و القرص و المتوازی و غیره.و معه تکون مشمولة للمفهوم.
نعم،لو أعطی الفریقان مالا بمقدار متشابه لم یکن قمارا.لأن القمار تکون الجائزة فیه للفائز.فإذا لم یکن کذلک لم یکن قمارا و لم یشمله الحکم.
و من هنا اتضح أن المغالبة بالجائزة علی کل أنواع الآلات حرام حتی علی الآلات الحدیثة کالکومبیوتر المعد للتسلیة.إذا حصلت علیه المغالبة بالجائزة.و أما بدون ذلک.أعنی المغالبة بدون جائزة أو بعطاء متساو أو بلعب فردی بدون مغالبة.فلیس قمارا.نعم،یبقی العطاء المتساوی مشکلا أیضا شرعا،لأنه مشمول لقوله تعالی لا تَأْکُلُوا أَمْوالَکُمْ بَیْنَکُمْ بِالْباطِلِ .و کل
ما کان(لعبا)عرفا فهو من الباطل بلا شک.فیکون حراما.و لا أقل من الاحتیاط الوجوبی.
و مثله فی الحکم ما إذا کان العطاء علی النجاح الفردی فی اللعب أی بدون مغالبة لشخص آخر.فإنه یکون حراما لنفس السبب.و أما إذا کان النجاح فی اللعب الفردی بدون جائزة فلا وجه للقول فقهیا بتحریمه.فیبقی علی أصالة الجواز.
التمثیل
معناه :
للتمثیل عدة مصطلحات،فی عدد من العلوم و الفنون،فی المنطق و فی علم الأصول و الفقه،و یراد به عموما فهم معنی فکرة أو حکمها الشرعی من تنظیرها أو تمثیلها بفکرة أخری.و هو القیاس الذی أخذ به العامة من المسلمین و نفاه الإمامیة ما لم یکن منصوص العلة.و لیس هذا هو المراد الآن.
بل نرید من التمثیل التشبه بأقوال و أفعال شخصیة أخری حقیقیة و مزعومة.و هو ما علیه العمل منذ عشرات السنین فی وسائل الإعلام المسموعة و المرئیة.و تسمی:بالتمثیلیات و المسلسلات.
و التمثیل إما بالصوت أو بالصورة أو بالواقع.و الأول یکون بالإذاعة و الثانیة یکون بالسینما و التلفزیون.و الثالث یکون علی المسرح أو غیره علی ما سنشیر.
کما أن التمثیل ینقسم من حیث کون القصة الممثلة ذات واقع تاریخی أولا.و علی کلا التقدیرین،فأما أن یکون کاتبها و مخرجها قد استهدفا إنجاح فکرة معینة و إنجاز هدف معین نظری أو اجتماعی أو نحوه،و أما لم یکن ذلک.بل کان الهدف اقتصادیا بحتا أو للتنزه و التفریح و ما شاکل.
و فی الواقع أن التقسیم الثلاثی الأول لیس إلی ثلاثة أقسام بل ینحل إلی خمسة أقسام علی الأقل.
أولا:التمثیل بالرادیو صوتیا.
ثانیا:التمثیل بالتلفزیون بالصوت و الصورة.
ثالثا:التمثیل بالسینما بالصوت و الصورة.
رابعا:التمثیل علی المسرح واقعیا.
خامسا:التمثیل علی مسرح الحیاة واقعیا.
و هذا الأخیر له عدة أمثلة،و فکرته العامة بعمل فرد علی غرار أو مثال عمل آخر.فقد یطبق فرد منهج فرد آخر فی زاویة معینة من حیاته.کما قد یمثل صوته أو ضحکه أو شیئا من قوله أو فعله،احتراما له و ثقة به تارة، و استهزاء تارة أخری.و هذا و نحوه،مما یقوم به کثیر منا من حیث یعلم أو لا یعلم.
کما أن التقسیم الثانی ینقسم إلی ثلاثة أقسام:
أولا:أن القصة ذات واقع تاریخی دینی.
ثانیا:أن القصة ذات واقع تاریخی دنیوی.
ثالثا:أن القصة لیست ذات واقع تاریخی.
کما أن التقسیم الثالث ینقسم ثلاثا أیضا:
أولا:أن لا یکون للمخرج هدف اجتماعی و نحوه.
ثانیا:أن یکون له هدف أنسانی و عادل.
ثالثا:أن یکون له هدف منحرف و باطل.
فإذا ضربنا ریاضیا هذین التقسیمین الأخیرین ثلاثة فی ثلاثة کان الناتج تسعة.فإذا ضربناه فی التقسیم الأول.و قد أخذنا منه أربعة-ما عدا الأخیر- کان الناتج ستة و ثلاثون.و لعل هناک تقسیمات أخری.
و یمکن التعرف علی وجهة النظر الدینیة إلی کل هذه التقسیمات،فیما إذا خضنا غمار جهات الکلام الآتیة:
بغض النظر عن تفاصیله.
لا یوجد فی الشریعة الإسلامیة ما یمنع عن فکرة التمثیل بحیال ذاتها، ما لم تقترن بمحرمات إسلامیة کالکذب و الغیبة و رؤیة ما یحرم من الجنس الآخر و الغناء خلالها و نحو ذلک.فلو تجردت التمثیلیة من کل ذلک لم یکن فیها بأس.
فإن قیل فقهیا:إن التمثیل حرام لکونه کذبا.لأن القصة إما أن تکون غیر واقعیة،فکلها کذب.و إما أن تکون واقعیة،فبعضها کذب،لأننا لا نعلم بالضبط کیف کان الواقع التاریخی،و لا شک أن فی هذا النص زیادات و اختلافات عن الواقع التاریخی،فیکون کذبا.
بل الأمر أوضح و أکثر من ذلک،و ذلک:لأن الممثل یدعی شخصیة شخص آخر واقعی أو وهمی و یتحدث عنه.و ینسب لنفسه أعمالا أو أقوالا أو عناوین هو منها براء،فی واقع حیاته،فیکون کل ذلک کذبا.فکیف یکون حلالا.مع أن حرمة الکذب تعتبر من ضروریات الدین و الفقه،و علیه إجماع علماء الإسلام.
إلا أن هذا الکلام غیر تام لأنه موقوف علی تحقیق نکتة واحدة فقهیا، و حاصلها:أن الإنسان إذا تکلم بکلام و أقام قرینة متصلة و دلالة واضحة علی کون کلامه کذبا فعلا،فهل یکون هذا داخلا فی الکذب موضوعا و محمولا.
یعنی من الکذب الحرام أو خارجا عنه موضوعا أو محمولا.
و الصحیح أنه کذب من الناحیة العملیة،فهو داخل فیه موضوعا،لأن الکذب لیس إلا الأخبار بما یخالف الواقع.و هذا کذلک علی الفرض.
إلا أنه خارج عنه محمولا،یعنی لا یشمله الحکم بالحرمة.لأن جمیع الأدلة منصرفة عنه،و مختصة بالکذب الذی یمکن أن یترتب علیه المحذور و المضاعفات خارجا.و من المعلوم أن الفرد إذا أکد علی أن کلامه کاذب بشکل مباشر و سریع،بل کان الکلام نفسه قائما علی ذلک،لم یکن له أیة مضاعفات.
و لعل من أوضح الأدلة بهذا الصدد قوله تعالی یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا أَنْ تُصِیبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلی ما فَعَلْتُمْ نادِمِینَ .
و لعل من أوضح الأدلة بهذا الصدد قوله تعالی یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا أَنْ تُصِیبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلی ما فَعَلْتُمْ نادِمِینَ .
حیث خصت وجوب الفحص عن احتمال الکذب بخصوص احتمال المضاعفات،و أما إذا کان عدم المضاعفات محرزا فلا یجب الفحص.إما لکون الکلام أساسا صدقا أو لکونه کذبا معلوما.
و کما یثبت هذا القید فی وجوب الفحص،یمکن سریانه إلی أصل حرمة الکذب.لا بمعنی جواز الکذب الذی لیس فیه مضاعفات.بل بمعنی أن الإنسان إذا کذب فیجب أن یدفع عن کلامه أو عن نتائج کلامه المضاعفات بکلام متصل أو دلالة واضحة.و أوضح مصادیق ذلک أن یعترف بصراحة کون القول کذبا.
و لا فرق عرفا و شرعا فی هذا الاعتراف بین القرینة المقالیة و الحالیة.
یعنی بین أن یقول:إن کلامی هذا کذب أو سأقول کلاما کذبا.و بین أن یکون مقتضی حاله هو ذلک.و من الواضح أن مقتضی حال القصة علی العموم هو ذلک.إذا لیس المفروض فی القصة مطابقتها للواقع علی أی حال.و مهما یکن من أمر یبقی للاحتیاط مجال راجح جدا.
و التمثیلیات بصفتها قصة،سواء کانت تاریخیة أو وهمیة،لها مثل هذه القرینة الحالیة المتصلة،بلا شک عرفا.لا فرق فی ذلک بین کاتب القصة أو السیناریو و بین الممثل الذی یدعی شخصیة غیره.
و للکلام تفاصیل فقهیة أخری موکولة إلی محلها.
و أعنی بالاعتیادی إخراج المعنی الخامس السابق عن محل الکلام فعلا.و إن کان قد یکون تمثیلا صوتیا.إلا أننا نخص الآن التمثیلات الإذاعیة و نحوها بالکلام.
و الإشکال الفقهی فی إنجازه أحد أمور ثلاثة غالبا:
الأول:حرمة سماع صوت الأجنبیة.
الثانی:الغناء الذی قد یحصل خلال التمثیلیة.
الثالث:الهدف الذی قد لا یکون نظیفا أحیانا.
أما الثالث فینبغی تأجیله إلی جهة مستقلة،و یختص البحث الآن بالأمرین الأولین بدون إسهاب.
أما الأمر الأول،و هو حرمة سماع صوت الأجنبیة،أو حرمة سماع صوت الجنس الآخر إذا کان أجنبیا.یعنی من دون قرابة محللة و لا مصاهرة أو زواج و نحوها.
فلعل من ضروریات الفقه جواز هذا السماع،و إن أبی فقهاؤنا التصریح به.و لا یوجد دلیل علی حرمته بل الدلیل علی جوازه متوفر،کما هو معلوم فقهیا،و لا حاجة إلی تفصیله.
فحتی لو اشترک الجنسان فی تمثیلیة صوتیة،لم یکن من هذه الناحیة حراما.بلا إشکال.
نعم،توجد نکتة لا بد من التعرض لها و الانتباه إلیها،و هو قوله تعالی:
فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَیَطْمَعَ الَّذِی فِی قَلْبِهِ مَرَضٌ .و الآیة دالة علی حرمة دخول المرأة فی تفاصیل مثیرة للفتنة مع الرجل الأجنبی.و إنما یجب أن تقتصر علی الحدیث الهادئ المحتشم.سواء کان ذلک فی معنی کلامها أو طریقة أدائها أو ضحکها أو غیر ذلک کثیر.
و النهی فی قوله فَلا تَخْضَعْنَ .ظاهر بالحرمة،فیجب التقید به.و من المعلوم أن کثیرا من التمثیلیات المسموعة لیست کذلک،إلا أن هذه صفة غالبة و لیست دائمة،بل یمکن تجنبها جهد الإمکان.
و قد یخطر فی البال:بأن ترقیق الصوت و نحوه لیس للفتنة و إنما هو للتمثیل فقط! و جوابه:أن هذا صحیح عملیا من زاویة قصد المرأة المتکلمة و نیتها.
إلا أن المنهی عنه هو إیجاد الفتنة بغض النظر عن القصد.لأن النتیجة
المذکورة فی الآیة و هی الطمع بالمرأة مأخوذة بواقعها لا بقصدها.فیجب علی المرأة أن تتعمد اجتناب ذلک جهد الإمکان.
و أما الأمر الثانی:و هو الغناء،فقد عرفنا فی الفصل الذی عقدنا للغناء،حرمته سواء کان بالصوت الإنسانی أو الموسیقی حتی لو کانت تصویریة ما لم تکن الموسیقی تمثیلا لصوت معین کالبلبل مثلا.
و من هنا یجب أن تخلو التمثیلیة من الغناء و الموسیقی لتکون جائزة شرعا.سواء کان الغناء داخلا فی أصل القصة.أو مما أضیف إلیها کفواصل فنیة أو ترفیهیة.
و خلال الکلام فی هذه الجهة،ینبغی أن نفرغ عن نتائج الجهة السابقة و الجهة الآتیة.یعنی أن نفترض أننا تحددنا بحدود ما هو الجائز فی الجهتین.
أما السابقة فقد عرفناها،و أما الآتیة فسنتحدث فیها عن التمثیل المسرحی.
و هذا یماثل تماما من الناحیة الفقهیة،إنجاز التمثیل عند التصویر.فیشمله حکمه الآتی.
و معه لا یبقی الحدیث الآن إلا عن جواز النظر إلی السینما و التلفزیون، بصفتهما صور متحرکة معروضة.
و الإشکال فی ذلک من عدة جهات،نذکر منها الأمرین التالیین:
الأمر الأول:لزوم النظر بشهوة إلی صور الجنس الآخر.
و لا إشکال بحرمته فقهیا،فإنه و إن لم یکن نظرا إلی الجنس الآخر حقیقة،إلا أنه من المتسالم علیه فقهیا هو حرمة النظر بشهوة إلی أی شیء ما عدا ما أحرز جوازه الشرعی.کالزوجة و الزوج.حتی مثل النظر إلی الطفل أو الحیوان أو أی شیء آخر.فضلا عن النظر إلی الجنس الآخر الأجنبی.
إلا أن هذا لیس بشیء دائم،و لا متساو عند الأفراد.و إن کنت اعتقد أنه غالی جدا بینهم.و خاصة فیمن یتابع قسما من التمثیلیات لأجل جمال
الممثلات أو حسن حرکاتهن أو أدائهن.فإنه واضح من هذه الجهة.و المهم هو تجنب هذه النتیجة جهد الإمکان من قبل کلا الجنسین من المشاهدین سواء فی السینما أو فی التلفزیون.
الأمر الثانی:قد یقال:إنه فی بعض إشکال المشاهدة،یلزم ذلة اجتماعیة یکون الإنسان فی غنی عنها،و ذلک مناف لحال الشخصیات الاجتماعیة المرموقة،کالعلماء و الأثریاء و الصلحاء و غیرهم.
و هذا واضح،فی حضور أمثال هؤلاء فی السینما.فی مشاهدة أفلام مبتذلة أو خلاعیة أو للأطفال و نحوها.
و لا إشکال أن حصول هذه الذلة عمدا.یعنی تعمدها الفرد لنفسه،غیر جائز شرعا،إذ لا ینبغی للمؤمن أن یذل نفسه.کما نصت علی ذلک الروایات المعتبرة.
إلا أن هذا،کالسابق،لیس دائما و لا متساویا بین الأفراد.بل یختلف باختلاف شأنهم و مکانتهم اجتماعیا.کما یختلف باختلاف مناطق الحضور و الأفلام المعروضة أیضا.و المهم،کما قلنا هناک أیضا،تجنب هذه الحالة مهما أمکن.
سواء کان علی المسرح أو عند التصویر السینمائی أو التلفزیونی.أو أی حالة تشبهها فقهیا من جهة الإشکالات الفقهیة التالیة.
و ینبغی أن نفترض تنفیذ ما عرفناه فی الجهتین السابقتین من أحکام شرعیة،لینحصر الکلام هنا فی إشکالات شرعیة محددة أخری.
و أهم إشکال یواجهنا فی هذا الصدد،هو حرمة النظر إلی الجنس الآخر.و ذلک فی عدة أشکال:
الشکل الأول:النظارة أو المتفرجون.کما فی المسرح دائما،و فی حالات التصویر قلیلا.
الشکل الثانی:المخرجین و المصورین و المشرفین،علی مراحل تنفیذ الفیلم أو التمثیلیة.
الشکل الثالث:أناس غیر مربوطین بالفیلم أصلا،قد یکونون موجودین فی الشارع عند التصویر أو فی أی مکان آخر.
الشکل الرابع:الممثلین و الممثلات فیما بینهم.فإنه یری بعضهم بعضا بطبیعة الحال.
بل الأمر أعمق من ذلک کله فی التمثیل،لأنه قد یکون ذلک من ضروریات تنفیذ القصة و تمثیلها،ذلک من حیث أننا لا یمکن أن نتصور المرأة مع الرجل و هی محجبة بالحجاب الشرعی و إلا فسد معنی التمثیلیة تماما.
کما لو کانا یمثلان الأم و ابنها أو الأب و بنته أو الزوج و الزوجة.مما لا یکون عامة بالحجاب الشرعی،و إلا فسد المعنی کما قلنا.
أما الحدیث عن الخلاعة المتزایدة سواء عند النساء أو الرجال.فینبغی الإغماض عنها هنا،لأنها مشمولة علی أی حال لنفس الحکم.و لکن قد یکون فی القصة أساسا وجود مثل ذلک،کحفلة راقصة أو منظر جنسی و غیرها.فالأمر یکون أفسد من الناحیة الشرعیة و یکون أفسد فی القصة إذا حذفناه أو تجنبناه.
و إذا علمنا أن ما نتکلم عنه الآن،هو الجانب الأهم فی أی تمثیلیة أو فیلم أو مسرح،کانت النتیجة أن کل ذلک سیصبح صعبا جدا مع توخی تطبیق الحکم الشرعی و الأدب الدینی.و أن هذه التمثیلیات و نحوها إنما هی بنت مجتمعها التی تمخضت عنه و نمت فیه.ذلک المجتمع البعید عن الدین و المتدینین کل البعد (بُعْدَ الْمَشْرِقَیْنِ فَبِئْسَ الْقَرِینُ) .نعم یمکن نظریا تلافی هذه الصعوبات بأحد نحوین:
النحو الأول:محاولة تلافی المحرمات الشرعیة،و الاقتصار علی ما هو
جائز فی الإسلام.حتی و إن کان من اللازم إدخال بعض التنازل أو التخفیف من أهمیة القصة نفسها.
و أما إذا کانت القصة مکتوبة بشکل لا یوجد فیها ما هو حرام شرعا، فذلک نور علی نور.فإن الأمر نسبی کما هو معلوم و القصص تختلف فیما بینها اختلافا کبیرا.
النحو الثانی:أن نحصل أمرا بالولایة من الولی العادل.بإیجاد التمثیلیات التی فیها بعض الفوائد و الحکم.أما للمجتمع نفسه بحفظ حسن سمعته و رفع رأسه و إثبات جدارته،أو للمجتمعات عموما لأجل بث بعض الأفکار المعینة المستهدفة هدایتها و إیجاد الحیاة الإنسانیة العادلة لها.
و إذا حصل الأمر بالولایة بما هو حرام أصبح جائزا فی حدود الأمر طبعا.و إنما یأتی الأمر بما هو ضروری،لا بالخلاعة و الحفلات الغنائیة.
و إنما تمثیل أدوار الأم و الأب و البنت،و نحوها.و عندئذ یجوز للمرأة أن تمثل و هی سافرة.و أما النظر إلی الصورة التلفزیونیة،فقد تکون جائزة کما أسلفنا.
إلا أن هذا الاتجاه متوقف فقهیا علی عموم الولایة للأمر بالمحرمات، أو عمومها لکل جوانب المجتمع مهما کانت.و هی بالطبع محل إشکال،و لم یقل بها من الفقهاء إلا الشواذ.و الولایة و إن کانت صحیحة فی بعض الأشیاء إلا أن عمومها أو سعتها لکل هذه الموارد مشکل تماما.
علی أن هدایة الناس عن طریق إیجاد المحرمات،یحتوی علی استغلال المقدمات الفاسدة لإنتاج نتائج حقة.و هو نحو من أنحاء انحراف و فساد الذهنیة الدینیة.و لا مجال الآن للدخول فی تفاصیل نقدها.و قد قیل فی المثل(فاقد الشیء لا یعطیه)و إذا کانت المقدمات فاقدة للحق و العدل، فکیف تکون منتجة لهما بین الناس.
فالمهم فی دفع هذه الإشکالات هو النحو الأول من الجواب.
فإن المتعارف عنهم الآن هو إخفاء شخصیاتهم،فلا یوجد عنهم ممثل معین،احتراما لهم و تقدیسا لجانبهم.و هذا من الناحیة الذوقیة و الأخلاقیة جید جدا.و إذا لزم من حصول الممثل لهذه الشخصیات احتقارها کان حراما.و أما إذا لم یلزم ذلک،کان جائزا شرعا.
و إذا حاولنا إخفاء شخصیة النبی أو الولی فی التمثیل،کانت کتابة الحوار صعبا نسبیا.و لا زال الکتاب و المخرجون یتفننون فی الطرق التی تؤدی إلی نفس النتیجة مع تجنب السماجة فی القصة أو العرض.
و من الناحیة النظریة،فإن کتابة القصة أو الحوار،مع هذا الشرط یمکن أن یکون علی نحوین:
النحو الأول:أن نجعل فی التمثیلیة شخص یروی عن النبی أو الولی أقواله.کأن یقول:یقول لکم رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله کذا و کذا.
و هذا النحو إذا طبق بکامله،یعنی فی کل موارد الحاجة کان سمجا لا محالة،و مخالفا للذوق.إلا إذا حصرناه فی موارد الضرورة.
و علی أی حال فالالتفات إلی النحو الثانی الآتی أکثر من ضروری فی جودة الإخراج،و إن کان تألیفها و حوارها صعبا،و ربما اضطر الکاتب إلی حذف بعض المواقف لکی یتجنب ظهور الولی أو النبی علی الصورة.
النحو الثانی:أن تکتسب القصة بحیث یبدو منها:أن إخبار الولی و النبی تنقل من طریق الأشخاص العادیین خلال کلامهم.
و هذا النحو هو الأحسن و الأجمل إلا أن فیه عدة نقاط من الضعف:
أولا:صعوبة الکتابة و التألیف عن أی شکل آخر.
ثانیا:امتناع تنفیذ بعض المواقف التی قد تکون مهمة.
ثالثا:نسبة بعض الکلام أو الأفعال إلی النبی أو الولی من دون أن یکون ذلک واقعیا.و هذا حرام شرعا.بل من الکبائر المهمة.إلی حد جعل من أسباب الإفطار الصوم.
و من الواضح أن التألیف إذا کان علی النحو الأول،أمکن تجنب هذا المحذور بشکل أکثر و أسهل و إن کان یجب تجنب ذلک علی أی حال.و لکن النقل بالمعنی أو عن المعنی لا إشکال فیه مع المطابقة تماما.
رابعا:إضافة بعض المواقف أو الحوادث أکثر من الاعتیادی لأجل تغطیة هذا المعنی و استیعابه.بخلاف النحو الأول،أو کان التمثیل طبیعیا جدا.
هذا کله مع حفظ سائر الأحکام التی عرفناها فیما سبق.
فإنه قد یقال:بأن تصویر الواقع علی خلاف الواقع،من نوع الکذب.
و قد یخطر فی بعض الأذهان أنه من نوع السحر.لأن السحر علی بعض تعاریفه:إظهار الواقع علی خلاف الواقع أو علی خلاف ما هو علیه.
إلا أن الصحیح أن کلا العنوانین:الکذب و السحر،لا ینطبقان فی هذا المجال.
أما عدم انطباق الکذب،فلأن تعریف الکذب هو الإخبار عن خلاف الواقع.و أما التصویر و العرض فلیس إخبارا لکی تشمله الحرمة.مضافا إلی ما سبق من وجود القرینة المتصلة الحالیة علی الکذب،و هو مما قد یقال بجوازه شرعا و إن کان کذبا لغة.
و هذا مما هو متوفر فی الخدع لا محالة،لأنه لا یحتمل وجود الغرائب التی تعرب عنها و تظهرها.فالأمر بالأساس واضح الکذب.و علیه قرینة متصلة بذلک.
و أما کونه سحرا،فالأمر أفسد و أشنع.لعدم احتمال کونه سحرا واقعیا بعد أن کان عدد من الخبراء یعرفون طریقة تنفیذه.و أما کونه سحرا مجازا، فقد یکون صحیحا،إلا أن الأحکام الشرعیة لا تدور مدار التسمیات المجازیة،بل علی الحقیقیة فقط.
التمثیلیات و الأفلام و المسرحیات.
و الجهة الاقتصادیة هی الرئیسیة دائما بطبیعة الحال.و هذه الجهة بالذات لا ضرر منها مع تطبیق الأحکام السابقة لا محالة.إذ لا شک أن لها أثرا فی المجتمع،أو أکثر من أثر،و بعض آثارها لا شک أنه عرفی و عقلائی، و بعضها أنسانی و اجتماعی.فلا یکون أکل المال بإزائها أکلا للمال بالباطل.
بل یکون جائزا شرعا لا محالة.
و أما مع وجود القصد السّیء بغض النظر عن الهدف الاقتصادی أو کان مقصودا معه.مثل:تأیید الأهداف الاستعماریة أو نشر الفساد أو الرذیلة فی المجتمع أو تأیید أی فکرة باطلة أو ظالمة فردیة أو اجتماعیة،فإن إنتاج مثل ذلک یکون حراما شرعا و بذل المال بإزائها سواء من ناحیة المشاهدة أو شراء الأفلام أو المساعدة علی الإخراج أو غیر ذلک،یکون تأییدا للباطل و أکلا للمال بالباطل.
و أما رؤیة الصور مجانا،أعنی من تلک النواحی،فلا ضیر فیه مع حفظ ما سبق من أحکام،ما لم یکن یه تأییدا للفکرة الباطلة أو الظالمة.
الجهة الثانیة:قلنا إن مما یمکن أن یندرج فی مفهوم التمثیل:التمثیل علی مسرح الحیاة تمثیلا واقعیا.و هذا ما یقوم به أکثرنا بل جمیعنا من حیث نعلم أو لا نعلم.فکلنا ممثلون فی الحقیقة و إن أبینا.
و هذا التمثیل ینقسم إلی تقسیمین رئیسیین:
التقسیم الأول:من حیث مقدار ما یمثله الإنسان من عمل غیره أو أقواله.و هو علی شکلین:
الشکل الأول:أن یکون الفرد متخذ المنهج معین عرفه من حیاة شخص آخر،فهو یمثله و یسیر علیه،بعضا من وقته طال أم قصر.
الشکل الثانی:تمثیل الحرکات الفردیة أو الأقوال و نحو ذلک.مثل:
الضحک أو البکاء أو الغلط اللفظی و غیر ذلک کثیر.و منه أن تمشی مثل ما یمشی أو تجلس مثل ما یجلس و نحوها.
التقسیم الثانی:فی الهدف من وراء هذا المثیل:فإنه ینقسم إلی هدف نظیف و هدف غیر نظیف.
فإذا ضربنا اثنین باثنین کانت الأقسام أربعة،لا بأس أن نستعرضها إجمالا لنعرف ما تتصف به من أحکام.
أولا:تمثیل المنهج الحیاتی بهدف نظیف أعنی صالح من وجهة النظر الشرعیة الإسلامیة.و هذا لا غبار علیه بل قد یکون مستحبا بل قد یکون واجبا.و قد قال اللّه سبحانه فی کتابه الکریم لَقَدْ کانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ،لِمَنْ کانَ یَرْجُوا اللّهَ وَ الْیَوْمَ الْآخِرَ،وَ ذَکَرَ اللّهَ کَثِیراً .
ثانیا:تمثیل الحرکات و الأقوال الفردیة أو الوقتیة بهدف نظیف کتعریف الفرد الغائب أو التظلم له و نحو ذلک.فإن هذا لا یدخل فی الغیبة المحرمة فلا یحرم.
ثالثا:تمثیل الحرکات أو الأقوال الفردیة بهدف غیر نظیف،أی بقصد التنقیص و الاستهزاء من الآخرین.و هذا من الغیبة المحرمة لا محالة فیکون حراما بحرمتها أو من إیذاء المؤمن أو غیره من المفاسد المحرمة.
و قد قلنا فی الفصل الخاص بالغیبة إنها لا تنحصر بالأقوال،بل قد تکون بالأفعال أیضا.و کلها محرمة.
رابعا:تمثیل المنهج الحیاتی لآخرین بقصد غیر نظیف.و هذا لا یتصور أن یکون بقصد التنقیص من الفاعلین،کالقسم السابق.فإن تنفیذ المنهج لا یکون إلا مع الإعجاب به نسبیا أو کلیا.
غیر أن عدم نظافة القصد،یتجلی فی کونه منهجا ظلما و باطلا،و أن الالتزام به فیه ضرر للآخرین من قریب أو بعید.
و من هنا یندرج هذا الفاعل أو الممثل فی زمرة الظالمین إنسانیا
و شرعا،أو قل:فی الدنیا و الآخرة.و قد ورد:أن من رضی بفعل قوم کان منهم.فکیف إذا فعله و طبقه فی حیاته.فلعله یکون من أهمهم عندئذ بل قد یفوقهم فی الظلم و الباطلان.
و لعل من نافلة القول الإلماع إلی حرمة هذا الشکل من التمثیل فی الشریعة العادلة المقدسة الإسلامیة.بل یجب التخلی عنه لمن اتصف به قریبا أو بعیدا،فورا،و التوبة إلی اللّه عز و جل من کل أفعاله،و البراءة إلیه سبحانه من کل تبعاته،لیکون من الناجین یوم القیامة الذین فَلا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَ لا هُمْ یَحْزَنُونَ .
قال ابن منظور (1)
لسان العرب. [1]
:و الاستخارة طلب الخیر فی الشیء و هو استفعال منه.و فی الحدیث کان رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله یعلمنا الاستخارة فی کل شیء.و خار اللّه لک أی أعطاک ما هو خیر لک.و الخیرة بسکون الیاء:الاسم من ذلک.و منه دعاء الاستخارة:اللهم خر لی أی اختر أصلح الأمرین و اجعل لی الخیرة فیه.و استخار اللّه طلب منه الخیرة(بفتح الیاء) و خار لک فی ذلک:جعل لک فیه الخیرة(بفتح الیاء).و الخیرة(بسکون الیاء):الاسم من قولک:خار اللّه لک فی هذا الأمر.و یقال:استخر اللّه یخر لک.و اللّه یخیر للعبد إذا استخار.
أقول:و الاستخارة عادة جری علیها المتشرعة فی الإسلام منذ صدر الإسلام إلی العصر الحاضر،و سنسمع بعض النصوص الواردة فی ذلک، الدالة علی ثبوت ذلک من زمن الأئمة المعصومین علیهم السلام بل من زمن رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله.
و الاستخارة کمفهوم یمکن أن یراد به أحد ثلاثة أمور:
الأمر الأول:ما أشار إلیه ابن منظور و هو طلب الخیر،فإذا استخرت
1) 1)
اللّه سبحانه فقد طلبت منه الخیر.یعنی دعوته لکی یختار لک جل جلاله فی مجریات حیاتک و فی قضائه و قدره ما هو خیر لک و أولی.و یدفع عنک السوء و الشر و العدوان.
و هذا المعنی و إن کان صحیحا تماما،إلا أنه لا ربط له بالمعنی الذی نتکلم فیه و الذی عقدنا له هذا الفصل.
الأمر الثانی:طلب الخیرة(بفتح الیاء)من اللّه سبحانه و تعالی علی أن یدلک علی ما هو الأصلح لک فی المستقبل المنظور من حیاتک هل الأفضل أن تفعل أو الأفضل أن تترک.
فهو معنی یحتوی علی طلب الخیر من اللّه سبحانه،إلا أنه یحتوی فی نفس الوقت علی جهة تشریعیة:افعل أو اترک.بحسب الهدایة الإلهیة الموجودة فی أسلوب الاستخارة.فهی فی الحقیقة سؤال من اللّه سبحانه عما ینبغی أن یفعله الفرد أو أن یترکه.و یکون الجواب من اللّه سبحانه تشریعیا بمعنی أنه:یجوز لک أن تفعل أو یجب علیک أن تفعل أو یجوز لک أن تترک أو یجب علیک.
الأمر الثالث من معانی الخیرة:طلب الخیر بمعنی محاولة التوصل إلی معرفة:أن اللّه سبحانه ما ذا أراد لی أو لنا فی المستقبل المنظور من حوادث و مجریات.هل هی حوادث خیر أو هی حوادث شر و سوء.من دون أن تکون له صفة تشریعیة.
و هذا المعنی یحتوی علی محاولة التعرف بالهدایة الإلهیة علی المستقبل أو علی(الغیب)الذی لم یحصل إلی الآن.
و هذا هو المعنی الذی یعتقده الکثیرون من عامة الناس فی معنی الاستخارة و أنها منتجة للکشف عن المستقبل.و سنناقشه بعد ذلک.
و هو و إن لم یکن بمعنی الخیرة التی نحن بصددها إلا أن للناس فیه عادة و هو مرتبط بها فی أذهانهم،فیحسن جدا التعرض إلیه.
و تحتاج الاستخارة إلی الإیمان بما نستطیع أن نسمیه بالتکوین النظری لها،إذ بدونه تکون الطریقة لاغیة و غیر منتجة حتما.
و أول فقرات هذا التکوین هو الإیمان باللّه عز و جل ذی القدرة الواسعة و العلم الواسع و الرحمة الواسعة.بحیث یعلم بحاجة ذی الحاجة و بطلبه الاختیار،و بوجه المصلحة فیما یجهله العبد.و هو قادر سبحانه علی إجابة طلبه و تعریفه وجه المصلحة عن طریق ما اشترطه العبد من طریقة معینة، کإمساک عدد فرد أو زوج من الحبات أو الحصی علی ما سیأتی.و هو تعالی رحیم و کریم لا یغش من استنصحه و لا یکذب علی من سأله سبحانه و تعالی عما یقول الظالمون علوا کبیرا.
و الفقرة الأخری المهمة فی صحة الاستخارة وجود الدلیل علی صحتها،دلیلا معتبرا یرکن إلیه القلب و تطمئن إلیه النفس.و هذا ما سنبحثه فی عنوان مستقل.
الفقرة التی لا بد منها أیضا هی السؤال الذی سأله بعض أساتذتنا عن أحد طلابه:هل تحتمل أن هناک سبب فوق الطبیعة(میتافیزیقی)یدخل الحبات فی یدک.فأجاب الطالب:لا.و کأن هذا ینتج ضعف الدلیل علی الاستخارة.لأنها ما دامت خاضعة لقوانین الطبیعة و غیر مشمولة لما ورائها.
إذن فهی لا تکشف بأی حال عن وجه المصلحة،أو قل:عن الهدایة الإلهیة المطلوبة منها.و لا بد للاستخارة إذا کانت منتجة أن تکون مشمولة لقوانین ما وراء الطبیعة.
و هذا الکلام إن دل علی شیء فإنما یدل علی ضعف الیقین باللّه عز و جل،و بأسمائه الحسنی و صفاته العلیا.و لا ینبغی أن یکون الکلام فی الاستخارة مع المادیین و أضرابهم من أهل الدنیا الذین کانت الدنیا أقصی همهم و مبلغ علمهم یَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ .
و لا شک أن کل قوانین الکون،بما فیها قوانین الطبیعة و القوانین التی فوقها کلها خاضعة لإرادة اللّه عز و جل.و نحن مهما تصورناها قویة و فعالة و مؤثرة،فإنما ذلک بمشیئة اللّه سبحانه و حسن تدبیره،و لیس فی الکون ما هو خارج عن إرادته و علمه.و متی أراد أن یمسک ید القانون عن التأثیر کان له ذلک (وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَیْهِ) .لأن القانون إنما هو قائم به و دائم به،و لیس له أی وجود و تأثیر بدونه.
بل إننا لو غضضنا النظر المباشر عن إرادة اللّه عز و جل.و قصرناه علی الأسباب لکانت النتیجة هی نفسها.لأننا قلنا فی هذا الکتاب و فی غیره أن القوانین الطبیعیة التی تبجح بها المادیون لیس لها أی وجود،و إنما هی أفکار ذهنیة کلیة،أو قل هی مفاهیم عقلیة منتزعة من الواقع.إذن،فموطنها الحقیقی هو الذهن و لیس الخارج.و یستحیل أن یؤثر ما هو ذهنی بما هو خارجی.
و إنما الموجود فی الخارج هو الأسباب الجزئیة،و قد قال الفلاسفة و المناطقة:أن الکلی علی کلیته لا یوجد فی الخارج و إنما الذی یوجد هو الجزئی أو قل:الجزئیات.
فالأسباب المؤثرة هی الأسباب الجزئیة،یعنی أن جزئیات الکون بعضها یؤثر فی بعض.و لا فرق من حیث هذه الفکرة بین القوانین الدنیا أعنی الطبیعیة أو القوانین العلیا أو المیتافیزیقیة.
و إذا آمنا أن هناک قوانین علیا أو قل:أسباب علیا مؤثرة.کما هو المفروض فی المؤمن الحقیقی،و کما هو المبرهن علیه فلسفیا و عرفانیا.فإن تلک الأسباب شاملة التأثیر للعالم الأدنی الطبیعی.و کل ما فی الطبیعة من جزئیات خاضع لتلک الأسباب،و کل ما فیها من تأثیر فهو ناتج فی المدی القریب أو البعید منها.
و إذا کان الأمر کذلک أمکننا أن نفترض أن المؤمن إذا فعل الاستخارة، کان ذلک سببا(فوقیا)للتأثیر علی مقدار الحبات،بحیث یطابق عددها ما هو
المصلحة الواقعیة،و یکون ذلک سببا لعلمه بالواقع.
و هذا الافتراض لیس جزافیا،بل ناتج من الیقین بسعة قدرة اللّه و علمه.
کل ما فی الأمر أننا تارة نفترض أن قدرة اللّه تعالی قد أثرت بالطبیعة مباشرة و أخری نفترض أن قدرته أثرت بتحریک القانون الفوقی علی الطبیعة و ثالثة نفترض أن السبب الفوقی باختیاره أصبحی مؤثرا بالطبیعة.و لیس اختیاره جزافیا و إنما نتیجة لتعالیم إلهیة موجودة عنده.و مهما کان من الصحیح أخذ هذه الافتراضات،فإن النتیج تکون صحیحة لا محالة.و حبات السبحة أو أی طریقة أخری للخیرة تکون مطابقة للمصلحة الواقعیة لا محالة.کل ما فی الأمر أننا نحتاج إلی شیء من الیقین.
یمکن الاستدلال علی ذلک بعدة وجوه:
استنصحه.
فإننا من حیث کوننا مسلمین نعتقد بالضرورة أن اللّه سبحانه و تعالی هو الکمال المطلق لا قصور فی علمه و لا فی إرادته و لا فی قدرته و لا فی کرمه و لیس هناک مصلحة شخصیة تعود إلیه بتفویت طلب الطالبین و دعاء الداعین مضافا إلی قوله تعالی اُدْعُونِی أَسْتَجِبْ لَکُمْ و هو وعد صریح فی الاستجابة للداعین إذا تم منهم الدعاء و اللّه سبحانه لا یُخْلِفُ الْمِیعادَ .
فإذا علمنا إلی جنب ذلک أن الاستخارة إنما هی من قبیل الدعاء إلی اللّه سبحانه و تعالی بأن یعطی عبده النصیحة و المشورة فی ما هو متحیر فیه، إذن فهذا الدعاء یمکن أن یجاب بل یتعین الجواب إذا صح الإخلاص و التوجه و من هنا صدق قولنا إن اللّه لا یغش من استنصحه لأن نتیجة الاستخارة بعد صدق الدعاء إن کانت باطلة فلا تخلو من أحد أمور کلها باطلة لأنها تکون إما عن قصور فی علمه سبحانه أو فی قدرته أو فی کرمه أو لوجود
مصلحة شخصیة له و کل ذلک باطل،إذن،فیتعین استجابة الدعاء و إعطاء النصیحة الواقعیة للعبد الداعی.
الجاریة منذ عصور سالفة و إلی العصر الحاضر علی استعمال الاستخارة فی مهام الأمور و السیرة حجه.إذن،جواز الاستخارة ثابت.
فإن قیل:إن هذه السیرة قد تکون متأخرة عن عصر المعصومین علیهم السلام فلا تکون حجة و لا أقل من احتمال ذلک لأن السیرة إنما تکون حجة بعد إحراز وجودها فی زمنهم علیهم السلام.
و جوابه:أن هذه السیرة کانت موجودة فی زمنهم قطعا و ذلک لتقریبین:
التقریب الأول:الأخبار الآتیة المستفیضة بل المتواترة علی صدق الاستخارة و صحتها و کلها واردة عن المعصومین علیهم السلام بل أشرنا إلی أن هناک ما یدل علی أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله کان ینصح بها و یهدی إلیها.
التقریب الثانی:أننا لو تنزلنا جدلا عن الوجه الأول کفانا الأصل العملی فی إثبات وجود السیرة فی زمنهم علیهم السلام لأن الشک فی وجودها یومئذ و إن کان موضوعا لأصالة العدم إلا أنه مع وجودها الآن یمکن إثبات وجودها یومئذ بالاستصحاب و هذا یکفی و یکون الأخذ به مقدما علی الأخذ بأصالة العدم کما هو محقق فی محله.
حیث دلتنا الحیاة العملیة کما دلت الکثیرین علی أن إطاعة مضمون الخیرة یؤدی إلی الخیر فعلا و عصیانه یؤدی إلی الندامة و السوء بل أحیانا یبدو الأمر و کأنه مستغرب أو کأنه شکل من أشکال الغیب حتی کتب بعضهم کتابا یحاول الاستدلال فیه علی وجود اللّه سبحانه و تعالی بصدق الخیرة مع سرد عدد کبیر من الحوادث التی صدقت فیها و کانت محل تعجب و إعجاب.
و قد یخطر فی الذهن أن هذا الوجه إنما یتم فیما إذا کان صدق الاستخارة مائة بالمائة أولا أقل أن یکون أکثر من تسعین بالمائة و أما حین نری موارد التخلف کثیرة فی الواقع،فهذا الوجه سیکون باطلا بمعنی أنه لیست هناک تجربة فی صدق الخیرة و إنما ذلک نتیجة للصدفة لیس إلا.
بل قد یزعم زاعم أن موارد التخلف أکثر من موارد الصدق و معه یزداد الطین بلة و تکون التجربة علی نفی صدق الاستخارة أدل.
و جواب ذلک أننا ینبغی أن ننتظر الآن عدة صفحات من هذا البحث لکی نتکلم عن الأسباب الحقیقیة لتخلف الخیرة و کذبها فإذا تمت ارتفع موضوع هذا السؤال و لا یفرق عندئذ بین أن تکون موارد التخلف کثیرة أو قلیلة و سنجد أنه لا یوجد أیة موارد للتخلف إذا ارتفعت أسبابه،إذن،فیمکن أن ندعی سلفا أن صدق الاستخارة یکاد أن یکون مائة بالمائة محیلین التفصیل إلی مستقبل هذا البحث.
و الواردة من قبل المعصومین علیهم السلام و هی بمجموعها کما قلنا مستفیضة بل متواترة،و من هذه الناحیة لا یهم فی صدق هذا الوجه من الاستدلال علی الاستخارة وجود بعض المناقشات فی أسانیدها أو مدالیلها و نذکر الآن أوضح ما یمکن أن یقع کمصداق لهذا الوجه من الروایات.
فعن عمرو بن حریث (1)
الوسائل: [1]ج-5:کتاب الصلاة:أبواب صلاة الاستخارة:باب 1:حدیث 1.
قال:قال أبو عبد اللّه علیه السلام:صل رکعتین و استخر اللّه فو اللّه ما استخار اللّه مسلم إلا خار له البتة.و عن هارون بن خارجة (2).عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:من استخار اللّه راضیا بما صنع خار اللّه له حتما.
و عن أبی عبد اللّه علیه السلام (1)
المصدر:حدیث 10. [1]
قال:کنا نتعلم الاستخارة کما نتعلم السورة من القرآن ثم قال ما أبالی إذا استخرت علی أی جنبی وقعت.و عنه علیه السلام (2)قال:کان أبی إذا أراد الاستخارة فی أمر توضأ و صلی رکعتین و إن کانت الخادمة لتکلمه فیقول سبحان اللّه لا یتکلم حتی یفرغ.
و عنه علیه السلام (3)أنه قال:ما استخار اللّه عبد سبعین مرة بهذه الاستخارة إلا رماه اللّه بالخیرة.الحدیث.
و عنه علیه السلام (4)قال:إذا أراد أحدکم أمرا فلا یشاور فیه أحدا من الناس حتی یبدأ فیشاور اللّه تبارک و تعالی.قال:قلت:جعلت فداک و ما مشاورة اللّه قال:تبتدئ فتستخیر اللّه فیه أولا.الحدیث.
إلی غیر ذلک من الأخبار الواضحة فی مضمونها علی المطلوب و هو مشروعیة الاستخارة و صحتها.
بل الأمر أکثر من ذلک فقد وردت الکثیر من الأخبار فی النهی عن مخالفة الاستخارة و عصیانها،مضافا إلی عدم الدخول فی أمر أو مهمة من دون إیجاد الاستخارة.و کلها معان تدعم المطلوب نفسه.نذکر لذلک بعض الأمثلة من الأخبار:
فعن محمد بن مضاب (5)قال:قال أبو عبد اللّه علیه السلام:من دخل أمر بغیر استخارة ثم ابتلی لم یؤجر.
و عنه علیه السلام (1)
المصدر:حدیث 2. [1]
:قال:قال اللّه عز و جل:من شقاء عبدی من یعمل الأعمال فلا یستخیرنی.و عن بعض أصحابه (2)قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:من أکرم الخلق علی اللّه؟قال:أکثرهم ذکرا للّه و أعملهم بطاعته.قلت:من أبغض الخلق إلی اللّه.قال:من یتهم اللّه.فقلت:و أحد یتهم اللّه؟قال:نعم.من استخارة اللّه فجاءته الخیرة بما یکره فسخط لذلک،فذلک الذی یتهم اللّه.
إلی غیر ذلک من الأخبار.
و لا یرد علیها بعد کل الذی قلناه إلا وجه واحد من المناقشة،و هو احتمال أن یراد من الاستخارة فی هذه الأخبار المعنی الأول الذی ذکرناه سابقا لها،و هو الدعاء فی طلب الخیر و حصوله بغض النظر عن الجهة التشریعیة التی ذکرناها فی الوجه الثانی.
و الإنصاف أن عددا قلیلا من الأخبار یمکن أن نفهم منه ذلک فعلا:
فعن مرازم (3)قال:قلا أبو عبد اللّه علیه السلام:إذا أراد أحدکم شیئا فلیصل رکعتین ثم لیحمد اللّه و لیثن علیه و یصلی علی محمد و أهل بیته و یقول:اللهم إن کان هذا الأمر خیرا لی فی دینی و دنیای فیسره لی و قدره و إن کان غیر ذلک فاصرفه عنه.
و هو واضح فی الدعاء فی صرف السوء من دون الجهة التشریعیة.
إلا أن أکثر الأخبار علی خلاف ذلک تماما.و یمکن الاستدلال علی إرادتها للوجه الثانی بعدة وجوه:
الوجه الأول:أنه یمکن أن یقال إن المفهوم من الاستخارة هو ذلک
أعنی الوجه الثانی دون الأول و هذا واضح فی أذهان المتشرعة بلا إشکال، کما أنه واضح من بعض الأخبار أیضا.الأمر الذی یدلنا علی وجود ظهور کاف فی هذا اللفظ و نحوه علی ما هو محل الکلام و هو ما علیه سیرة المتشرعة من الاستخارة المشهورة ذات المعنی التشریعی.
فإذا ثبت ذلک أمکن حمل جمیع الأخبار التی تتحدث عن الاستخارة علی هذا المعنی.
الوجه الثانی:الاستدلال بالأخبار الدالة علی الاستخارة بالرقاع فإنها نص بالجهة التشریعیة أعنی أفعل و لا تفعل.
فمن ذلک ما عن هارون بن خارجة (1)
المصدر:باب 2:حدیث 1. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:إذا أردت أمرا فخذ ست رقاع إلی أن یقول فإن خرج ثلاث متوالیات افعل فافعل الأمر الذی تریده و إن خرج ثلاث متوالیات لا تفعل فلا تفعله.الخبر.
و عنهم علیهم السلام (2)أنه قال لبعض أصحابه عن الأمر یمضی فیه و لا یجد أحدا یشاوره فکیف یصنع قال:شاور ربک إلی أن یقول فإن کان فیها نعم فافعل و إن کان فیها لا لا تفعل هکذا شاور ربک.
الوجه الثالث:أن عددا لا یستهان به من الأخبار ذکرت الطریقة التی یمکن بها استخلاص النتیجة من الاستخارة علی وجوه مختلفة کما سیأتی.
و المهم الآن أنها لو کان المراد مجرد طلب الخیر لما کان لهذه النتیجة معنی فتکون هذه الأخبار نصا بالمعنی الثانی و هو الاستخارة المشهورة.
ففی بعضها (3)یقول:ثم انظر أی شیء یقع فی قلبک فاعمل به.
و فی حدیث (1)
المصدر:حدیث 6.
آخر یقول:ثم انظر أجزم الأمرین لک فافعله فإن الخیرة فیه إن شاء اللّه.و فی آخر یقول (2):ثم تقبض علی قطعة من السبحة تضمر حاجة فإن کان عدد القطعة زوجا فهو افعل و إن کان فردا لا تفعل و بالعکس إلی غیر ذلک من الأخبار.
بقی أن نشیر فی نهایة هذه المجموعة من الأخبار إلی ما أشرنا إلیه من ورود بعض الأخبار عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله فمن ذلک:
عن النوفلی (3)قال:قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله:من استخار اللّه فلیوتر.
و عن أمیر المؤمنین (4)علیه السلام قال:بعثنی رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله إلی الیمن فقال و هو یوصینی یا علی ما خاب من استخار و لا ندم من استشار.
و قد سمعنا فی أول هذا الفصل ما ذکره ابن منظور فی لسان العرب من أن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)کان یعلمنا الاستخارة فی کل شیء إلی غیر ذلک من الأخبار.
ان ما یمکن أن یورد من الإشکالات علی صدق الاستخارة و صحتها وجوه عدیدة ناشئة من مناشئ مختلفة.
فمثلا یحتاج الاستدلال علی صحة الاستخارة إلی الاستدلال علی
صحة العقیدة الإسلامیة فبدون ذلک یصعب الاستدلال علیها سواء کان المنحی الذی یسیر علیه الفرد مادیا أو من بعض الأدیان السماویة فما نذکره من الوجوه الآتیة مبنی علی صدق العقیدة الإسلامیة کما هو مبرهن علیه فی الفلسفة و علم الکلام.
و یمکن أن یورد فی هذا الصدد عدة وجوه:
الوجه الأول:ما ذکره بعض أساتذتنا من أننا لا نحتمل حصول سبب مما وراء الطبیعة یتدخل فی نتیجة الخیرة.أقول:و هذا معناه أن نتیجة الخیرة متوقفة علی حصول معجزة فی أن تأخذ یدک فردا من عدد الحصی أو زوجا.
فإن لم تحتمل حصول المعجزة کما لم یکن هو(قدس سره)یحتمله،و کان الأمر طبیعیا تماما،إذن،فالأمر موکول إلی مجرد الصدفة و لیس فیه تدخل إلهی و هذا ینتج بطلان الاستخارة علی الإطلاق.
و جواب ذلک:أننا لا نحتمل فقط حصول المعجزة أو التدخل الإلهی فی الإنتاج بل نعلم به،و ذلک لأحد وجهین علی الأقل.
الوجه الأول:أن هذا الإشکال أفضل ما یقال فیه إنه ناتج عن حال تعبر عنه الآیة الکریمة.بل حسبوا أن اللّه لا یعلم کثیرا مما یعملون.لأننا إذا علمنا-کما قلنا فی الوجه الأول من الاستدلال علی صدق الاستخارة- بأن اللّه سبحانه و تعالی لا نقص فی علمه و لا فی قدرته و لا فی کرمه مضافا إلی ما دل علیه القرآن و البرهان من علمه بالسرائر و الضمائر و قدرته علی کل شیء و أنه لا یخلف المیعاد بما فی ذلک الوعد بإجابة الدعاء.إذن،تکون کل هذه الأفکار بمجموعها دلیلا کافیا علی صحة التدخل الإلهی لإنتاج الاستخارة.
الوجه الثانی:دلالة الأخبار علی ذلک و هی و إن لم تدل بصراحة علی مفهوم المعجزة أو التدخل الإلهی إلا أننا یمکن أن نفهم منها ذلک بعد تقدیم أمرین:
الأمر الأول:ما سبق أن سمعناه من أسالیب إنتاج الاستخارة کعد الفرد
أو الزوج أو الأخذ بما وقع فی القلب و غیر ذلک مما سیأتی تفصیله.
الأمر الثانی:أن إنتاج الاستخارة هذا یتوقف فعلا علی نفی الصدفة و إثبات التدخل الإلهی إذ مع الصدفة أو إیکال الأمر إلی القوانین الطبیعیة القسریة کما یؤمن بها المادیون لا یکون للخیرة أیة نتیجة.
إذن،فهذه الأخبار و هی مستفیضة کما عرفنا تنقل لنا عن المعصومین سلام اللّه علیهم التعهد بصدق الخیرة و من ثم التعهد بوجود التدخل الإلهی الذی تتوقف علیه.
و قد یخطر فی الذهن أن اللّه تعالی أو کل الأمور إلی أسبابها فهی لا توجد دائما بمعجزة أو بتدخل إلهی مباشر بما فی ذلک الأسالیب المنتجة للاستخارة.
و جواب ذلک:أنه ثبت فی الفلسفة و علم الکلام إنها لا تنافی بین عمل الأسباب و عمل المسبّب سبحانه و تعالی و لیس هنا محل تفصیله،إذن،فنفی التدخل الإلهی فی أی شیء لا وجه له و خاصة بالأمور التی یتوقف صدقها علیه فتکون أولی بالتدخل.
الوجه الثانی:من وجوه الإشکال علی نتیجة الاستخارة ما سبق أن أشرنا إلیه من عدم صدقها الدائم بالتجربة بل لعل التجربة دالة علی عدم صدقها و هذا و المعنی لا ینبغی أن یعود إلی المناقشة فی الحکمة الإلهیة بعد أن کنا نثبتها بالبرهان کمسلمین و إنما ینبغی أن یعود هذا الإشکال إلی المناقشة فی الاستخارة نفسها و عدم صحة دلیلها.
و الجواب عن ذلک یمکن أن یتم علی عدة مستویات:
المستوی الأول:عدم توفر الدعاء أو عدم صدقه عند فاعل الاستخارة.
فإننا قلنا إنها إنما هی دعاء للّه عز و جل فی أن یختار لعبده الطریق الأفضل أو الفعل الأولی من غیره،إذن،فیجب أن تکون الاستخارة مما یصدق علیها أنها دعاء و لیست مجرد لقلقة لسان یقولها الإنسان.
فإن هذا الکلام الذی نسمیه دعاء،لا یکون دعاء إلا تحت شروط معینة نفسیة و خارجیة و لفظیة،و بدونه یخرج عن کونه دعاء بطبیعة الحال و إن کان ظاهر الکلام فی اللغة هو ذلک.و قد شرحت هذه الشروط فی السنة الشریفة و لیس هذا البحث محل سردها.غیر أن الذی أعتقده باختصار أن الدعاء إنما یحصل و یصدق،فیما إذا حصل الطلب بإخلاص و توجه فهذه ثلاث عناصر:
العنصر الأول:الطلب.یعنی أن یرید العبد من ربه شیئا من الأشیاء.
و هذا یتوفر لدی العبد مع شیء من حسن الإیمان.
العنصر الثانی:التوجه.بمعنی أن یدرک العبد أنه یخاطب الخالق سبحانه و أنه أسمع السامعین و أبصر الناظرین.لا أن الفرد الداعی یتکلم فی الفضاء کلاما لا یعلم أین یوجهه.
و التوجه الأهم إنما هو بالقلب،و هو أن یدرک أنه یتکلم بین یدی الخالق العظیم سبحانه.
العنصر الثالث:الإخلاص فی النیة.و هو خلوها من الشک و الاعتراض،سواء کان من قبیل الشک فی الخالق و العیاذ باللّه،أو الشک فی حکمته أو الاعتراض علی القضاء و القدر أو حسبان الفرد نفسه بریئا من الذنوب و العیوب و الأخطاء،حیث یقول:ماذا فعلت لکی أستحق مثل هذه العقوبة؟و هکذا.
فإذا اکتسب الکلام الذی نسمیه دعاء بعض هذه الصفات الدنیئة لم یکن دعاء.و إذا لم یکن دعاء یخرج عن الوعد الإلهی بالإجابة اُدْعُونِی أَسْتَجِبْ لَکُمْ لأن العبد عندئذ لم یدع حقیقة و إن کان قد دعا ظاهرا.
فالدعاء لم یحصل فالإجابة لا تحصل.و هذه قاعدة عامة لکل دعاء بما فیه دعاء الاستخارة.
المستوی الثانی:ان الدعاء إذا حصل بحصول التوجه و الإخلاص،فإن الوعد بالإجابة قطعی فی الآیة الکریمة.إلا أنها مع ذلک لا تخلو من إطلاق
قابل للتقیید.فهی لم تشر إلی المکان الذی یجاب فیه الدعاء و لا الزمان فقد تکون الاستجابة بعد عدة سنوات مثلا أو فی مکان آخر أو نحو ذلک.
کما أن الآیة الکریمة لم تشر إلی صورة التعارض أو التزاحم.و ذلک یتصور فی عدة موارد تکون الاستجابة فیها متعذرة تقریبا أو تحقیقا،إلا أن یشاء ربی شیئا.فمن ذلک:
أولا:حصول الضرر علی الفرد باستجابة دعائه،و هو یحسب أنه یدعو لمصلحة نفسه.
ثانیا:حصول الضرر علی آخرین باستجابة هذا الدعاء.
ثالثا:تعارض الدعائین کما لو کان اثنان أحدهما یدعو بضد ما یدعو به الآخر.و فی المثل أو القصة المشهورة:أن صاحب البستان یدعو بنزول المطر و الحرفی الذی یصنع الخزف یدعو بعدم نزوله.و هکذا.
فهذا المستوی للدعاء أیضا قاعدة عامة لا یخرج الدعاء فی الاستخارة عن حیّزه لا محالة.
المستوی الثالث:أن مصلحة الفرد فی الحکمة الإلهیة قد تکون فی إضراره و إنزاله بعض الشر علیه لکی تحصل بعض النتائج المحمودة.و مثاله المتعارف:التاجر حین یشتری البضائع الکثیرة التی لا یعلم حصول ربحها أو یرکب البحر أو الجو أو أی مخاطرة من أجل الحصول علی الربح فی حین أن الموت أو تلف المال قد یأتیه فی أی ساعة،أذن فتقدیم المقدمات لأجل نیل النتائج الحسنة أمر عرفی و عام بین الناس.
و کذلک الحال فی الحکمة الإلهیة،فإن صنوف البلاء الشخصی و العام،إنما هو لمصلحة الخلق سواء رضوا أم أبوا.
و هذا أیضا قانون عام فی الحکمة لا تخرج الاستخارة عنه.و من هنا وردت هذه الروایة تحذر من هذه الجهة و هو ما فی روایة إسحاق بن عمار (1)
المصدر:باب 1:حدیث 6. [1]
1) 1)
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:قلت له:ربما أردت الأمر یفرق منی فریقان:أحدهما:یأمرنی و الآخر ینهانی.إلی من یقول:و لتکون استخارتک فی عافیة.فإنه ربما خیر للرجل فی قطع یده و موت ولده و ذهاب ماله.
و قوله:خیر للرجل،یعنی الأصلح له فی الحکمة الإلهیة.فإن طلب هو الأصلح أجیب بمثل ذلک،و لکنه إن دعی بالعافیة بمعنی العافیة من البلاء،انصرف عنه البلاء و أجیب بما یناسب رغبته و اتجاهه.
المستوی الرابع:إن الاستخارة قد ترد أو تفشل من أجل عدم حصول شرائطها نفسها،و إن حصلت شرائط الدعاء و نحو ذلک.و سنعرف ما یلی شرائط الاستخارة.فقد یکون الفرد فاقدا لها أو أن تکون استخارته فاقدة لها فلا یکون لها أثر.
إذن،فمن مجموع هذه المستویات الأربعة یمکن أن نفهم،أنه و إن کان الکثیر من الاستخارات فاشلة،بل و إن کان الأکثر منها فاشلا،إلا أن هذا لا یرتبط بصدق دلیلها و صحة سندها و الرکون إلی تجربتها مع توفر شروطها.فإن هذا لا یکون إلا فی الفرد الأصلح و هو الفرد الأقل،بطبیعة الحال.
الوجه الثالث:من وجوه الإشکال علی الاستخارة:
هو المناقشة فی إسناد الروایات الدالة علیها.فإن أکثرها إن لم یکن جمیعها ضعیف السند.لا یوجد فیها المعتبر و الصحیح إلا نادرا.فیکون الاعتماد علیها ضعیفا.
و جواب ذلک فی تقریبین علی أقل تقدیر:
التقریب الأول:أننا لم نقتصر فی الوجوه الدالة علی صحة الاستخارة علی ما دل علیها من الروایات،بل کان هناک وجوه أخری کسیرة المتشرعة و التجربة و غیر ذلک.فإن لم یتم هذا الوجه فلا أقل من تمامیة الوجوه الأخری.
التقریب الثانی:أن هذا الضعف المشار إلیه فی الإشکال یمکن أن یجبر بعده وجوه:
أولا:کثرة الروایات إلی حد الاستفاضة أو التواتر،بحیث یحصل الاطمئنان بصدقها،و مضمونها العام.
ثانیا:عمل المتشرعة بهذه الروایات عن طریق التزامهم بالاستخارة علی طول الأجیال.فلو کانوا قد وجدوا أن هذه الروایات لیست بحجة لما فعلوا ذلک،و فیهم الفقهاء و المفکرون و الأخیار.
ثالثا:وجود بعض هذه الروایات مما یتم سندا و دلالة،أی أنه حجة و معتبر من کلتا هاتین الناحیتین.و لا حاجة للقارئ إلی تعیین ذلک،فلیرجع إلی مصادر الحدیث إن شاء.
أعنی بغض النظر عن شرائط الدعاء،أو بعد افتراض تحققها.إلا أن للاستخارة نفسها شرائط معینة لا بد من فحصها و إقامة الدلیل علیها.و ما قاله المتشرعة من الشرائط المحتملة للاستخارة ما یلی:
یعنی لدیه إجازة مسبقة من شخص آخر بجواز ممارسته للاستخارة.فإن لم یکن مجازا کانت استخارته باطلة علی أی حال.
قالوا:و المجیز للاستخارة إما أن یکون هو فرد له إجازة مسبقة ممن قبله.أو یکون هو مرجع التقلید.و إما یکون هو الوالد.
نتکلم الآن عن أمرین:أحدهما:فی صحة هذا الشرط فی نفسه و هل أن الاستخارة متوقفة علی الإجازة أم لا.و ثانیهما:لو صحت الإجازة،فما هی شرائط المجیز.
الأمر الأول:فی توقف الاستخارة علی الإجازة.
و لعل الأمر الرئیسی أو الوحید الذی یمکن الاستدلال به لهذا الغرض،
هو ما ورد فی الروایات السابقة و غیرها من قبیل قوله:استخار أو یستخیر.
و هی ظاهرة فی أن الإمام علیه السلام یجیز السامع بالاستخارة.فتکون کقولنا:یروی عنی یعنی أجیزه فی الروایة أو یبیع عنی یعنی أجیزه أو أو کله فی البیع و هکذا.و مثل هذا التعبیر موجود فی عدد من روایات الاستخارة کما هو غیر خفی علی المتتبع.
إلا أن هذا الوجه لا یتم لوجود مستویین علی الأقل فی جوابه.
المستوی الأول:أن هذا الفهم إنما یکون متعینا إذا انحصر ظهوره فیه و أما مع عدم الانحصار فضلا عن ظهوره بمعنی آخر کما سنذکر فسوف لن یکون هذا الظهور حجة.
و إذا تعمقنا فی فهم العبارة أعنی قوله:استخار أو یستخیر إذا عرضت علیه مهمة فسنجد لها عدة معان محتملة:
أولا:الإجازة فی الروایة کما ذکرنا فی الوجه.
ثانیا:حجیة الاستخارة بمعنی أنها منتجة و صحیحة أمام اللّه سبحانه و تعالی.
ثالثا:الجواز الشرعی للاستخارة أو الاستحباب الشرعی لها و أنها لیست ممنوعة أو محرمة.
فإذا تمت لدینا هذه المعانی کان هناک ما یکفی لنفی المعنی الأول لصالح المعنیین الآخرین.
أولا:أن إجازة الاستخارة معنی متأخر موضوعا عن جوازها و حجیتها لوضوح أنه لولا الجواز و الحجیة لما جازت الإجازة أصلا و من الواضح أن الأخذ بالمعنی الأسبق رتبة و المتقدم موضوعا أولی من الأخذ بالمعنی المتأخر و هو الإجازة و خاصة فی صدر الإسلام حینما یکون الأئمة علیهم السلام بصدد تعلیم الأحکام للناس بما فیها أحکام الاستخارة و هذا معنی یبتعد بنا عن معنی الإجازة.
ثانیا:أن الثابت فی علم الأصول أن ظاهر کلام الإمام علیه السلام هو التشریع لا غیره و إن کان یحتمل فیه شیء آخر کسرد التاریخ أو الحکم بالولایة أو الإجازة أو التقیة فإنما یحمل الکلام علی مثل ذلک مع وجود القرینة الخاصة علیه و بدونها یکون الحمل علی التشریع هو الأولی.إذن،فلا یمکن أن نفهم من الأخبار معنی الإجازة.
المستوی الثانی:أن عددا من الأخبار واضح جدا فی عموم الحکم بعموم الاستخارة لکل مؤمن بل لکل مسلم کالذی سمعناه فی خبر عمرو بن حریث عن أبی عبد اللّه علیه السلام و فیه فواللّه ما استخار اللّه مسلم إلا خار له البتة،و فی خبر آخر سمعناه من استخار اللّه راضیا بما صنع خار اللّه له حتما، و فی خبر آخر أیضا کما سمعنا:من دخل فی أمر بغیر استخارة ثم ابتلی لم یؤجر،و فی خبر آخر عن المفضل (1)
المصدر:باب 7:حدیث 10. [1]
قال:سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول:ما استخار اللّه عبد مؤمن إلا خار له و إن وقع ما یکره.و من الواضح أن هذه الروایات تشمل کل مؤمن و مسلم و لیست خاصة بمن حصل علی الإجازة.
غیر أنهم قالوا:إن الاحتیاط سبیل النجاة و لا شک أن الخیرة قد تکون لأمور مهمة تتعلق بالنفوس،و الأموال أو المصالح العامة و نحوها.و من هنا کان الأنسب بنحو الاحتیاط الاستحبابی الحصول علی الإجازة قبل ممارسة الاستخارة.و الوجه الفقهی لهذا الاحتیاط هو ما ذکرناه من احتمال أن یکون المراد من بعض الروایات إعطاء الإجازة و إن کان هذا احتمالا مرجوحا علی أی حال.
الأمر الثانی:من الحدیث عن الشرط الأول للاستخارة و هو الإجازة أن نتحدث الآن عن شرائط المجیز لو صحت الإجازة.
و نحن نری أن أول من بدأ بإعطاء الإجازة لو تم الوجه السابق هم
1) 1)
الأئمة المعصومین سلام اللّه علیهم فینبغی أن نلتفت إلی أنهم علیهم السلام بأی من صفاتهم أعطوا هذه الإجازة.إذ لو کانوا قد أعطوها بصفات خاصة بهم کالعصمة،لما أمکن تسلسل الإجازة بعد ذلک،لأننا عندئذ نکون قد اشترطنا العصمة فیمن یعطی إجازة الاستخارة و لیس أحد من المسلمین أو المؤمنین بمعصوم فتنقطع سلسلة الإجازة فی حین أن المفروض فقهیا و تشریعیا استمرارها و تسلسلها بین الناس جیلا بعد جیل.
و بالطبع فإن أرجح الاحتمالات الکثیرة فی صفة الإمام المجیز هو أن یکون مجیزا بصفته ولی الأمر،لا بصفته معصوما أو مشرعا،أو مؤمنا أو غیر ذلک فإن صفة الولایة کافیة و ظاهرة فی ذلک.
إذن،نستنتج من ذلک کفایة أن یکون المجیز ولیا للأمر و هذا هو الذی یرجح أحد المحتملات السابقة و هو وجود أخذ الإجازة من مرجع التقلید الدینی یعنی بصفته ولیا للأمر.
و أما أخذ الإجازة ممن له الإجازة.فهو و إن لم یکن مذکورا فی الروایات علی الإطلاق إلا أنه یمکن أن یکون مشمولا لحکم عام یفهم من عدة موارد کإجازة الروایة و إجازة الولایة علی الوقف و إجازة المشیخة.و غیرها من الإجازات المتسلسلة بین الأجیال.فتکون إجازة الاستخارة ممکنة التسلسل بین الأجیال یعطیها الفرد المجاز لغیره علی أن یتوخی فیه صفة الوثاقة و التقوی و یأخذ من هذه الناحیة جانب الاحتیاط.
هذا.و أما أن یکون المجیز هو الوالد مع فقدانه الصفات السابقة.فهو مما لا أصل له.
علیه الاستخارة محل حیرة و تردد عند الفرد
و قالوا فی هذا الصدد إن کل ما له مرجح فی الدین أو الدنیا فهو مما لا یستخار علیه و إنما تصح فقط فیما لا مرجح فیه علی الإطلاق و هو معنی الحیرة و التردد.
و هذا المعنی هو الظاهر من بعض الأخبار کقوله فی روایة إسحاق بن
عمار (1)
المصدر:باب 1:حدیث 6.
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:قلت له:ربما أردت الأمر یفرق منی فریقان أحدهما یأمرنی و الآخر ینهانی.الحدیث.و فی روایة هارون بن خارجة (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:إذا أراد أحدکم أمرا فلا یشاور فیه أحد من الناس حتی یبدأ فیشاور اللّه تبارک و تعالی قال:قلت:جعلت فداک و ما مشاورة اللّه،قال:تبدأ فتستخیر اللّه فیه ثم تشاور فیه.
و فی بعض الأخبار أن الفرد یأتی إلی الإمام علیه السلام فیسأله عما یرید أن یفعل و هو واضح الحیرة فیه فیعلمه الإمام الاستخارة کروایة علی بن أسباط (3)قال:قلت لأبی الحسن الرضا علیه السلام:جعلت فداک ما تری آخذ برا أو بحرا فإن طریقنا مخوف شدید الخطر.الحدیث.
هذا و قد یجاب عن ذلک بأن المفهوم فی عامة الروایات هو أهمیة الأمر المطلوب و لیس وجود الحیرة فیه.فعن جابر (4)عن أبی جعفر علیه السلام قال:کان علی بن الحسین علیه السلام إذا هم بأمر حج و عمرة أو بیع أو شراء أو عتق تطهر ثم صلی رکعتی الاستخارة.الحدیث.
و کذلک یفهم ذلک من مثل روایة شهاب بن عبد ربه (5)عن أبی عبد اللّه قال:کان أبی إذا أراد الاستخارة فی أمر توضأ و صلی رکعتین الحدیث.
و کذلک صحیحة زرارة (6)قال:قلت لأبی جعفر علیه السلام إذا أردت أمرا و أردت الاستخارة کیف أقول.الحدیث.
و هذا الأمر المشار إلیه فی الروایتین و غیرهما یحمل عرفا و عادة علی الأمر المهم للفرد و لیس علی الأمیر المحیر.
غیر أنه یمکن حمله أیضا علی معنی الحیرة لأن الأمر المهم یکون غالبا محیرا لصاحبه فتکون أمثال هذه الروایات دالة علی اشتراط وجود الحیرة فی موضوع الاستخارة.
و معه فما کان فیه مرجح إلزامی فی الشریعة کالواجبات و المحرمات لم تجز الاستخارة علیه قطعا.و کذلک ما له مرجح إلزامی دنیوی کالاضطرار و الإکراه و یلحق به ما کان له مرجح شرعی غیر إلزامی کالمستحبات و المکروهات فإنه لا معنی لإیجاد الاستخارة لها.
یبقی بعد ذلک ثلاث مستویات من الأمور لا یبعد فیها جواز الاستخارة.
المستوی الأول:ما کان محکوما بالإباحة شرعا سواء منها الإباحة الاقتضائیة أو اللااقتضائیة.
المستوی الثانی:ما لم یکن له مرجح دنیوی أو کان مرجحة ضعیفا جدا.
المستوی الثالث:ما کان موردا للتزاحم بین المصالح و ان کان مهما، کما لو کان فی فعل شیء مصلحة و فی ترکه مصلحة أخری.و قد یصبح الفرد فی هذا الموقف متحیرا فتصح له الاستخارة.
بقی من الحدیث فی نهایة هذا الشرط الثانی أن نشیر إلی أن عدد من الأمور الحیاتیة التافهة مما لا یمکن علیها الاستخارة قطعا کشربة من الماء أو المطالعة فی کتاب فی أوقات الفراغ.
بل الأمر أکثر من ذلک إذ قد یستفاد من الروایات السابقة و غیرها،ان موضوع الاستخارة یجب أن یکون ذو درجة من الأهمیة لا أن یکون تافها فإن تلک الأهمیة هی الموجبة للحیرة،و أما الأمور التافهة فهی قد تکون سببا للحیرة أیضا إلا أنها حیرة تافهة بطبیعة الحال بحیث تکون ملحقة بالعدم عرفا
و عقلانیا فلا تصلح أن تکون موضوعا للاستخارة.
من شرائط الاستخارة أن لا تکون الاستخارة قد تمت علیه أو حصلت
فیه.
و هذا معناه المنع عن تکرار الاستخارة علی موضوع واحد لأن الاستخارة بعد أن تکون منتجة بالتسدید الإلهی فی ترجیح الفعل أو الترک لا یکون هناک معنی معقول للسؤال مرة ثانیة عما ینبغی أن یفعله الفرد! و مثاله فیما إذا سألت شخصا ثقة عن أن هذا أبیض أو أسود فقال لک أبیض فهل یصح منک السؤال منه مرة ثانیة:هل هذا أبیض أم أسود؟ و هذا معناه بطلان الاستخارة الثانیة و ما بعدها علی نفس الموضوع و لزوم الأخذ بالاستخارة الأولی فقط.
نعم.إذا تغیر الموضوع و لو کان حول نفس الأمر الأساسی بحیث تعد الخیرة علیه عرفا و عقلائیا خیرة علی أمر جدید و موضوع ثان.عندئذ یکون للخیرة مجال صحیح.
للاستخارة أنواع رئیسیة ثلاثة:هما الاستخارة بالحصی و الاستخارة بالقرآن و الاستخارة ذات الرقاع.
نتکلم الآن باختصار عن هذه الأنواع و طرق إنتاجها.ثم نتکلم عما إذا کان یمکن الاستخارة بأی أسلوب آخر.و لیس کلامنا عن ذلک مفصلا، بحیث یقتضی تعلیم القاری إیجاد الاستخارة،فإن هذا مما ینبغی أن یرجع فیه إلی مظانه.و لیس الآن محل شرحه.
و کل هذه الأنواع الثلاثة واردة فی الروایات:
فقد وردت بطریق صحیح عن صاحب الأمر
علیه السلام (1)
المصدر:باب 8:حدیث 1.
.و فی نهایتها یقول:ثم تقبض علی قطعة من السبحة تضمر حاجة فإن کان عدد القطعة زوجا فهو افعل و إن کان فردا لا تفعل.و بالعکس.
فیمکن أن یقاس عرفا علی الحصی حبات السبحة کما هو منصوص فی الروایة،أو أی شیء آخر کحب الباقلاء أو الحمص أو الصچم أو الدعبل.
مع توفر القصد الجدی و عدم الاستهزاء.
و هنا ینبغی أن نعرض أمرا لا ینبغی أن نعرض عنه.و هو التساؤل عما إذا کان التحدید بإنتاج الخیرة بالزوج و الفرد حدیا و متعینا.أم أن هناک أسلوب أو أسالیب أخری لذلک؟فمثلا ان بعضهم یسحب أو یعد ثلاثة ثلاثة و بعضهم أربعة أربعة و بعضهم ستة ستة.فما هو الدلیل الشافی علی مثل ذلک مع أن المنصوص فی الروایة الصحیحة هو الفرد و الزوج فقط.
و الذی أراه تبعا لعدد من المتشرعة ذوی المستوی العالی،أن طریقة إنتاج الاستخارة أو أن أی عدد منها یحمل معنی کذا أو کذا ان هذا تابع لقصد الفاعل نفسه بینه و بین ربه.
و أهم دلیل علی ذلک أمران:
الأمر الأول:قوله فی الصحیحة السابقة و بالعکس.یعنی إذا خرجت زوجا فمعناه افعل و إذا خرجت فردا فمعناه لا تفعل.و لیس اختیار أحد الوجهین متعینا فی الروایة.و لیس فیها ذکر الوجه الذی یتعین فیه غیر قصد الفاعل.
فإذا أمکن صحة هذا القصد فی هذین الاحتمالین،أمکن فی غیرهما.
إذا المدار عرفا عندئذ لیس إلا قصد المکلف الفاعل.
الأمر الثانی:علم اللّه سبحانه بالسرائر و الظواهر،و قدرته علی التقدیر
1) 1)
بأی شیء،حتی مما یقترحه الفاعل نفسه.و الإشکال علی ذلک إنما ینبع من مصداقیة قوله تعالی وَ لکِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللّهَ لا یَعْلَمُ کَثِیراً مِمّا تَعْمَلُونَ .
فإذا کان اللّه عالما قادرا کریما فلا مانع أن ینفذ قصدی و قد اشترطت فی قصدی أمرا معینا.فیکون إنتاج الاستخارة علیه.
و أولی من هذین الأمرین الجمع بینهما فی وجه متکامل.کما هو معلوم لمن یفکر.
فقد وردت فی روایة عن الیسع القمی (1)
الوسائل ج 4:أبواب قراءة القرآن فی غیر الصلاة:باب 38:حدیث 1. [1]
قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:أرید الشیء و أستخیر اللّه فیه فلا یوفق فیه الرأی(إلی أن قال)فقال علیه السلام:افتتح المصحف فانظر إلی أول ما تری فخذ به إن شاء اللّه.و الاستدلال بهذه الروایة یحتوی علی عدد من الإشکالات نذکر أهمها مع محاولة الجواب علیها.
الإشکال الأول:ضعف سندها،فلا تکون حجة.
إلا أن هذا لا یضر بصحة الاستخارة بالقرآن الکریم،لعدم انحصار دلیله بهذه الروایة.بل هناک أدلة أخری نذکر أهمها:
أولا:السیرة المتشرعیة المستمرة علی الاستخارة بالقرآن الکریم من زمن المعصومین علیهم السلام إلی زماننا الحاضر.
ثانیا:ما قلناه:من أن الاستخارة یمکن أن تکون بأی قصد قصده الفاعل.و أولی الموضوعات التی یمکن عمل الاستخارة فیها هو القرآن الکریم.
ثالثا:ما دل من الآیات الشریفة من أن القرآن الکریم یحتوی علی کل شیء کقوله تعالی ما فَرَّطْنا فِی الْکِتابِ مِنْ شَیْءٍ .فإنها تدل ضمنا علی
1) 1)
أن حل هذه المشکلة موجود فی القرآن أیضا.و طریقة فهمه أو استخراجه إنما یکون عرفا و متشرعیا عن طریق الاستخارة به.
الإشکال الثانی:معارضة هذه الروایة مع خبر آخر قد یستفاد منه النهی عن الاستخارة بالقرآن.و هو ما عن أبی عبد اللّه (1)
المصدر:حدیث 2.
علیه السلام قال:لا تتفأل بالقرآن.إذ قد نفهم منه النهی عن إیجاد الاستخارة.و الجواب عن ذلک من عدة وجوه:
أولا:ضعف سند هذه الروایة.فإنها أضعف سندا من السابقة.فیکون الأخذ بالأولی أولی.
ثانیا:ان التفأل غیر الاستخارة،و الأولی تثبت صحة الاستخارة و الثانیة تنهی عن التفأل.فلا معارضة بینهما.فیبقی جواز الاستخارة بالقرآن ساریا.
ثالثا:انه قال:لا تتفأل.بخطاب المفرد،و لم یقل لا تتفألوا للمسلمین جمیعا.فلعل الخطاب لشخص معین أو لطبقة معینة أو لمستوی معین دون عموم المسلمین.
رابعا:أن السیرة لا شک منعقدة علی الاستخارة بالقرآن الکریم کما سمعنا.و من هنا تکون السیرة نافیة لصدق هذا الخبر المعارض.فیسقط عن الحجیة.و تکون هی موافقة للخبر الدال علی الجواز فیکون أولی بالعمل علیه.
الاشکال الثالث:فی الاستدلال بروایة الیسع القمی:
فی قوله فیها:أرید الشیء و أستخیر اللّه فیه فلا یوفق فیه الرأی.و هذا- ان صحت الروایة-یدل علی بعض الأمور:
أولا:ان الاستخارة قد تفشل أحیانا.
ثانیا:أن الاستخارة بالقرآن الکریم إنما تجوز بعد فشل خیرة سابقه.
1) 1)
ثالثا:ان الاستخارة الثانیة أو المکررة جائزة و لیست باطلة،کما سبق أن قلنا.
و المهم فی دفع هذا الإشکال عدم اعتبار هذه الروایة سندا.و لکن بغض النظر عن ذلک.فإن هذه الإشکالات الثلاث مندفعة أیضا.
أما ما قلنا(أولا)،فإننا عرفنا فعلا أن الاستخارة لیست دائما ناجحة، و ذلک فی موارد عدم توفر شرائط صحتها.فلعل هذا المورد الذی تحدث عنه الراوی من ذلک.و یکفی احتماله لتصحیح مضمون الخبر.
و أما ما قلناه(ثانیا)،فهو أمر غیر محتمل فقهیا،و السیرة القطعیة المتشرعیة علی خلافه.إذ لا یحتمل اشتراط صحة الاستخارة بالقرآن الکریم بوجود خیرة سابقه علی خلافه.
و أما ما قلناه(ثالثا):فهو ان کان محتملا،فلیس فی کل أنواع الاستخارة قطعا،و ان هو خاص بالاستخارة بالقرآن.نتیجة لأهمیته و الاحترام البالغ العظیم له.إذ یمکن أن یقال،ان الاستخارة بالقرآن ممکنة و مشروعة، حتی لو کانت هی الاستخارة الثانیة.فمن استخار اللّه علی أمره بغیر القرآن الکریم أمکنه أن یستخیر بالقرآن أیضا.و أما إذا کانت کلتا الاستخارتین بغیر القرآن الکریم أو کانتا به معا،فلا مشروعیة للثانیة ما لم یتغیر الموضوع کما سبق ان قلنا.
و هذا،أعنی إعادة الاستخارة بالقرآن بعد الاستخارة بغیره،أمر محتمل لا سبیل إلی نفیه،و خاصة بعد أن نعرف أن الاستخارة بالقرآن ناطقة و بغیره صامتة،فإن آیات القرآن الکریم غالبا تدل علی مقصود الفرد و تنطبق علیه انطباقا واضحا و عجیبا.و هذا معنی کونه ناطقا،و هذه الصفة مما لا یتیسر وجودها فی الاستخارة بغیره بطبیعة الحال.و من المنطقی جدا أن یطمح الفرد بالاستخارة الناطقة بعد الاستخارة الصامتة.و اللّه العالم.
الإشکال الرابع:علی الاستدلال بروایة الیسع
قوله فیها:افتتح المصحف فانظر إلی أول ما تری فیه فخذ به إن شاء اللّه سبحانه.
و هذا یمکن أن یفسر بعدة وجوه أهمها اثنان:
الوجه الأول:ما علیه سیرة أکثر المتشرعة من أنه ینظر إلی أعلی الصفحة الیمنی من الصفحتین اللتین ینفتح بهما المصحف الشریف.باعتباره أول ما یمکن قراءته منهما.فهو مصداق لقوله:أول ما تری فیه.فیقرأ الآیة التی فیه و یعمل علیها.
الوجه الثانی:إن المهم فی ظاهر الروایة هو وقوع النظر علی الآیة عند فتح القرآن الکریم.و هذا ما قد یحصل علی الآیة الأولی من الصفحة الیمنی،و قد یحصل فی غیرها.
و هذا الوجه لا شک أقرب إلی ظهور الروایة،فإن قلنا إن نتیجة الاستخارة تابعة لقصد المکلف کما قلنا أمکن صحة کلا الوجهین حسب قصده.إلا أن المهم أن الروایة تأمر بالوجه الثانی،کما أن السیرة الغالبة علی الوجه الأول.
و إذا کانت الاستخارة تابعة لقصد الفرد،فإن نتیجة الاستخارة بالقرآن یمکن أن تکون علی وجوه أخری غیر ما سبق نذکر وجهین منها،و بعد ضمهما إلی الوجهین السابقین تکون الوجوه أربعة.
الوجه الأول:أخذ المقطع القرآنی الکامل الموجود فی أول الصفحة الیمنی،و العمل به إلی نهایته،و عدم الاقتصار علی الآیة أو الاثنتین الموجودتین فی أول الصفحة،ما لم یکن المقطع مقتصرا علیهما.
الوجه الثانی:الأخذ بأهم آیة فی الصفحة الیمنی أو النصف الأعلی منها،و نعرف أهمیتها من قوة لهجتها أو کونها خلاصة عن المقطع القرآنی کله،أو کونها موافقة لمقصود الفرد.
بقی لنا من الحدیث عن أنواع الاستخارات أمران
الأمر الأول:الاستخارة ذات الرقاع و قد وردت فیها عدة روایات، حتی عقد لها صاحب الوسائل بابا کاملا،و تحمل کل روایة أسلوبا من طریقة الاستنتاج فی هذا الصدد.و کلها مشترکة باستعمال الرقاع و هو جمع رقعة و هو الورقة الصغیرة التی یکتب علیها الفرد أفعل و لا تفعل.و من هنا سمیت بها.
و عمل مشهور المتشرعة علی هذه الروایة فی الاستخارة ذات الرقاع.
و هی روایة هارون بن خارجة (1)
المصدر:باب 2:حدیث 1. [1]
عن أبی عبد اللّه علیه السلام،قال:إذا أردت أمرا فخذ ست رقاع فاکتب فی ثلاث منها:بسم اللّه الرحمن الرحیم خیرة من اللّه العزیز الحکیم لفلان بن فلانة افعل.و فی ثلاث منها:بسم اللّه الرحمن الرحیم خیرة من اللّه العزیز الحکیم لفلان بن فلانة لا تفعل.ثم ضعها تحت مصلاک.ثم صل رکعتین:فإذا فرغت فاسجد سجدة و قل فیها مئة مرة:أستخیر اللّه برحمته خیرة فی عافیة.ثم استو جالسا و قل:اللهم خر لی و اختر لی فی جمیع أموری فی یسر منک و عافیة.ثم اضرب بیدک إلی الرقاع فشوشها و أخرج واحدة واحدة،فإن خرج ثلاث متوالیات افعل،فافعل الأمر الذی تریده.و إن خرجت ثلاث متوالیات لا تفعل،فلا تفعله.و إن خرجت واحدة افعل و الأخری لا تفعل فاخرج من ارقاع إلی خمس فانظر أکثرها فاعمل به.و دع السادسة لا تحتاج إلیها.
و لا یخفی أنه فی هذا الخبر یعبر عن الفرد بأنه فلان بن فلانة.ینسبه لأمه.و هذا مخالف لظاهر القرآن الکریم حیث یقول:ادعوهم لآبائهم ذلک أقسط عند اللّه.و کل خبر مخالف لکتاب اللّه سبحانه فهو مردود.کما نطقت به الروایات و تم تأسیسه فی علم الأصول.مضافا إلی أن النسبة إلی الأم یتضمن بوضوح معنی التشکیک بأبوة الأب.و هو أمر غیر وارد بالنسبة إلی الکثیرین من الشرفاء و الصالحین.
فالأولی فی هذه الروایة إما المناقشة فی سندها أو إیکال علمها إلی أهلها.
1) 1)
الأمر الثانی:أنه وردت روایات عدیدة فی باب الاستخارة تأمر بالأخذ بما یخطر فی القلب بعد قراءة بعض الأدعیة کقوله فی روایة ابن فضال (1)
المصدر:باب 1:حدیث 4. [1]
:ثم انظر أی شیء یقع فی قلبک فاعمل به.و یقول فی روایة إسحاق بن عمار (2):ثم انظر أجزم الأمرین لک فافعله فإن الخیرة فیه إن شاء اللّه تعالی.
و فی روایة أخری (3)یقول:ثم تنظر ما یلهمک تفعله،فهو الذی أشار علیک به.
و هذا الاتجاه مبنی علی أن التوجه و الدعاء یفتح القلب لتلقی العلم بالتسدید الإلهی و الإلهام.و هو غیر بعید إن دلت علیه روایة صحیحة، و خاصة فی مستویات الإیمان العالیة.
إلا أن الأمر مع ذلک لا یخلو فقهیا من إشکال لأمرین:
الأمر الأول:إن الفرد الاعتیادی أعنی المتوسط الإیمان،و من هو دونه بل من هو فوقه أیضا،لا ینحصر ما یجده فی قلبه انه من الإلهام و التسدید، بل هناک الشیطان و هناک النفس الأمارة و هناک الهوی و غیرها من العوامل التی تدع ما یقع فی القلب إما باطلا صرفا،و إما مختلطا لا یعلم الفرد حقه من باطله.
فإذا لم یتعین أنه من الإلهام لا یجوز العمل به.ما لم یحصل الاطمئنان علی ذلک.
الأمر الثانی:ان مشهور علمائنا و سیرة المتشرعة منذ زمن غیر قریب أعرضوا عن هذه الاستخارة للسبب المشار إلیه فی الأمر الأول أو لغیره، فیکون إعراضهم سببا کافیا لإسقاط هذا الأسلوب من الاستخارة عن الحجیة أو جعله خلاف الاحتیاط علی أقل تقدیر.
هذا و لا شک أننا لم نتعرض إلی کل تفاصیل الأفکار المتعلقة بالاستخارة،بل تعرضنا إلی الأهم منها،و التی تعتبر بمنزلة القاعدة الأساسیة لها.بقی علینا فی نهایة المطاف التعویض لبعض الأمور التی وعدنا بذکرها قبل قلیل،و لا بد من إنجاز الوعد فنذکر کلا منها بعنوان مستقل.
إذ قد یقال:إنه بعد الذی قلناه من أن مقصود الفرد فی طریقة إنتاج الاستخارة یکون حجة بینه و بین ربه،فقد نفهم من ذلک إمکان اکتشاف أو اتخاذ أی طریقة للاستخارة مهما کانت ما دامت مقصودة للمکلف.
فإن قصد المکلف علی أحد شکلین:
الشکل الأول:أن یکون قصده فی حدود ما وردنا من أسالیب الاستخارة،و لکن مع شیء من التوسع،کالأخذ بأربعة حبات من السبحة بدل اثنین و کتابة ثمانیة رقاع بدل ستة.و هکذا.و هذا مما لا أری فیه بأسا، کما سبق أن تحدثنا.
الشکل الثانی:أن یکون قصده لطریقة فی الاستنتاج غیر واردة فی الروایات و غیر جاریة فی سیرة المتشرعة.فهذا و إن کانت الفکرة التی قلناها بمعناها العام شاملة له،إلا أن العمل علی ذلک مخالف للاحتیاط جدا،بل یکفی الشک فی حجیة هذه الاستخارة فی نفی حجیتها.
بل هناک من التقریبات ما یکفی لنفی ذلک،إذ کانت هناک أسالیب قبل الإسلام بالاستخارة بالسهام و الاستخارة بالأقلام نفاها الإسلام و شجبها.و لو کانت الفکرة فی نفاذ أی مقصود للمکلف صحیحة إلی هذه الدرجة،لکان العمل علی هذه الأمور صحیحا،مع أنه غیر صحیح،فتأمل.
إذن،فینبغی الاقتصار علی الشکل الأول من هذین الشکلین،و عدم التعرض للشکل الثانی.
قلنا فی أول هذا الفصل بأن من جملة معانی الاستخارة هو التعرف علی ما یحصل فی المستقبل،دون أن یکون له جهة تشریعیة.و قلنا:إن هذا هو الفهم العام لدی سواد الناس.و من هنا کانت الحاجة إلی مناقشة.و قد حصل الآن وقته.
إن استعمال الاستخارة فی ذلک عموما هو سبب للتعرف علی جزء من (علم الغیب)لأن ما یحدث فی المستقبل لا زال جزءا من(الغیب)قبل حصوله و حضوره.و من المعلوم أن التعرف علی الغیب خاص باللّه سبحانه و من یشاء له ذلک من خاصته و لیس عاما بین البشر لا بأسلوب الاستخارة و لا بغیرها.و من هنا کان التفأل و التطیر و فتح الفأل و غیرها من الأسالیب الباطلة فی الإسلام.إذن فالاستخارة لمعرفة المستقبل باطلة.
نعم یمکن أن یخص القرآن الکریم بهذه المزیة،و هی إمکان معرفة المستقبل بالاستلهام من آیاته الکریمة.لأنه لم یغادر صغیرة و لا کبیرة إلا أحصاها،و ما فَرَّطْنا فِی الْکِتابِ مِنْ شَیْءٍ .أذن،فهذا الذی نرید التعرف علیه موجود فی القرآن الکریم.کل ما فی الأمر أننا یعوزنا الطریق إلی استنتاجه و معرفته.
و هذه الطریقة عموما وجیهة إلا أنها خاصة بالقلیل من الناس من ذوی الإیمان العالی و غیر عامة لجمیعهم.إذ تحتاج إلی أمرین أساسیین لا وجود لها بدونهما:
الأمر الأول:أسلوب الاستنتاج أو الدعاء أو الذکر الذی یقوله الفرد لکی یحصل علی هذه النتیجة.و هذا غیر موجود فی الروایات.و أی ذکر یقوله الفرد من نفسه لا دلیل علی حجیته فی ذلک.
الأمر الثانی:أن یفهم الفرد من آیات القرآن ما ینطبق علی الموضوع الذی فی ذهنه.و هذا یعنی أنه یفهم أمر غیر المعنی الظاهر من ألفاظ القرآن.
و هذا لا یکون دائما بل ینحصر وجوبه بحسن التوفیق الإلهی و درجة من درجات التسدید.و هی لا تحصل لکل أحد.
بقی إشکالان حول هذه الفکرة لا بد من عرضهما و محاولة الجواب علیهما:
الإشکال الأول:أنه یمکن أن یقال:إن هناک دلیل علی نفی الاستخارة بالقرآن و هی الروایة السابقة القائلة:لا تتفأل بالقرآن.
و قد سبق أن عرضنا ما یشبه هذا الإشکال بصفته معارضا للروایة الدالة علی جواز الاستخارة بالقرآن الکریم.و أجبنا علیه.
الإشکال الثانی:ان الاستفادة المشار إلیها قبل قلیل من القرآن الکریم،بحیث یکون مطابقا لمقصود المکلف.هذه الاستفادة غالبا بل دائما مخالفة لظهور ألفاظ القرآن الکریم.و من المعلوم کما هو محقق فی علم الأصول أن ظواهر القرآن حجة.و أن ما سواها لیس بحجة.
و جوابه:ان هذه الاستفادة إنما تکون حجة حین تکون ظاهرة من الألفاظ بحیث یکون للفظ أو للجملة ظهوران،أحدهما الظهور الأولی اللغوی.و ثانیهما:ظهور الانطباق علی المورد.و هذان الظهوران غیر متنافیین،و کلاهما مشمول لحجیة أصالة الظهور مطلقا و الظهور القرآنی خاصة.
و إنما قلنا فی الإشکال:بأن الظهور الأولی ینفی أی فهم آخر،فیما إذا کان الظهور الأولی منافیا للفهم الآخر.فیکون هو الحجة و دافعا لغیره.و أما إذا لم یکن بینهما تناف فلا مشاحة فی حجیة کلا الظهورین.و کون الظهور الثانی غیر لغوی بل هو(وجدانی)-لو صح التعبیر-لا یضر بحجیته،لأنه الآن ظاهر من اللفظ فعلا،و حجیة الظهور لا تعنی ما هو أکثر من ذلک.
جرت سیرة المتشرعة منذ زمن غیر معروف،علی الاستخارة بالوکالة
عن الغیر.و قد ناقش فیه بعض العلماء و حاول بعضهم حل الإشکال.و قد نقل عن السید ابن طاوس أنه قال:
إنی ما وجدت حدیثا صریحا:إن الإنسان یستخیر لسواه.لکن وجدت أحادیث کثیرة تتضمن الحث علی قضاء حوائج الإخوان بالدعوات و سائر التوسلات حتی رأیت فی الأخبار من فوائد الدعاء للإخوان مالا احتاج إلی ذکره الآن لظهوره بین الأعیان.
و الاستخارة هی من جملة الحاجات و من جملة الدعوات و استخارة الإنسان لغیره داخلة فی عموم الأخبار الواردة بما ذکرنا لأن الإنسان إذا کلفه غیره من الإخوان الاستخارة له فقد صارت الحاجة للذی یباشر الاستخارات، فیستخیر لنفسه أو للذی یکلفه الاستخارة.أما استخارته لنفسه بأنه هل المصلحة فی القول لمن یکلفه الاستخارة:افعل أم لا.و أما استخارته للذی یکلفه فهی الاستخارة فی الفعل أو الترک.و هذا مما یدخل تحت عموم الروایات بالاستخارات و بقضاء الحاجات.
قال العلامة المجلسی:ما ذکره السید من جواز الاستخارة للغیر لا یخلو عن قوة للعمومات،لا سیما إذا قصد النائب لنفسه أن یقول للمستخیر افعل أم لا.کما أومی إلیه السید.و هو حیلة لدخولها تحت الأخبار الخاصة.
لکن الأولی و الأحوط أن یستخیر صاحب الحاجة لنفسه،لأنا لم نر خبرا أورد فیه التوکیل فی ذلک.و لو کان ذلک جائزا أو راجحا لکان الأصحاب یلتمسون من الأئمة ذلک.و لو کان ذلک لکان منقولا،لا أقل فی روایة.مع أن المضطر أولی بالإجابة و دعاؤه أقرب إلی الخلوص (1)
-مفاتیح الجنان:ص 507 و ما بعدها. [1]
.و نعلق علی هذه الکلمات بتعلیقین:
التعلیق الأول:أن السید ابن طاوس ذکر عدة مبررات للاستخارة عن الغیر.
1) 1)
أولا:أنها من جملة قضاء الحاجات المستحبة للغیر.
ثانیا:أنها من جملة أشکال الدعاء للغیر.
ثالثا:ان الحاجة تکون للفرد نفسه عند ما یکلفه غیره بها.
رابعا:أن یستخیر لنفسه أن یقول للآخر:افعل أم لا.
و لا یخفی أن عدد من هذه المبررات لا تخلو من مناقشة.و إذا انحصر الأمر بین هذه الوجوه،فالوجه الأخیر هو المتعین.
التعلیق الثانی:أنه یکفی فی جواز الاستخارة عن الغیر أدلة صحة الوکالة و التوکیل،و أن ید الوکیل کید الأصیل.و بها تصبح استخارة الوکیل هی استخارة الأصیل صاحب الحاجة.و هذا واضح لا غبار علیه.
و من هنا تصح الاستخارة بعناوین أخری کالولایة للأب أو الجد للأب عن ابنه و حفیده و کالوصایة للقاصرین الذین هو ولی علیهم.و یکفی فی ذلک ما یدل علی صحة هذه العناوین شرعا.کما هو مسطور فی محله.
و من هنا لا تجوز الاستخارة لمن لا یوجد تجاهه وکالة و لا ولایة و لا وصایة.سواء کان طفلا أم کبیرا.بل حتی الأب مع ابنه الکبیر و الزوج مع زوجته،إذ لا توجد تلک العناوین بینهما،فضلا عن غیرهما من الناس.
و من هنا لا تصح الوکالة بالاستخارة من قبل من لا تصح عبارته بالتوکیل.کما لو طلب منک الطفل أو المجنون أن تستخیر له.و لم تکن عنه ولیا و لا وصیا.فی حین لا تحتاج الولایة و الوصایة إلی إضافة التوکیل سواء کانت عن طفل أو مجنون أو سفیه.فی حدود ما یکون للولی أو الوصی التصرف فیه عن هؤلاء القاصرین.
و أما الاستخارة عن الغیر بالولایة العامة،فمما لا یمکن إثباتها بدلیل معتد به،و إن شملته بعض الإطلاقات.إلا أن التزام الولایة بهذه السعة مشکل.
فی الحق و الحکم
یعتبر الفرق بین الحق و الکم فقهیا من المشکلات التی یندر وجود حل متکامل لها،و قد وقع الاختلاف فیها بین الفقهاء اختلافا کبیرا،حتی أنهم لم یتفقوا علی ما ذکروه من الفرق الرئیسی و هو قابلیة الحق للإسقاط دون الحکم.حیث قال بعضهم بعدم قابلیة بعض الحقوق للإسقاط.
و لعل من الفقهاء من یشرع بالکتابة عن مثل هذا الموضوع،و لا زالت الفکرة فی ذهنه مجملة،و إنما تظهر الفکرة من تطور مطاوی الکلام تدریجیا.
مع العلم أنه لیس من حق المؤلف أن یکتب شیئا قبل إیضاح الفکرة فی ذهنه قبل أن یحاول أن ینقلها إلی القاری بأی حرف أو کلمة.
و لعل الحق مع أمثال هؤلاء تقریبا،إذ أن هذا البحث من جملة مباحث عدیدة فی الفقه،یبدأ فیها الإنسان فحصة فیها و هو واضح الفکرة مستریح النفس،و حین یراجع کلمات الفقهاء و المصادر المتوفرة و یجد الاختلافات العظیمة فی ذلک تتحول الفکرة الواضحة إلی مجملة و الراحة النفسیة إلی تعب،و ینعکس لا محالة ذلک علی کتاباته حول الموضوع بطبیعة الحال.
و إنما تتذلل هذه الصعوبة،بحسب فهمی،فی إیجاد تکوین ذهنی متکامل عن الموضوع سابق رتبة علی کل الاختلافات.فإذا صادف أن وقعنا فی بحر الاختلافات بعد ذلک،أخرجناها جهد الإمکان علی ضوء هذا التکوین الفکری المتکامل.و هذا ما سنطبقه الآن کما طبقناه فی بعض الفصول السابقة،بعونه و حسن توفیقه تعالی.
من هنا ینبغی لنا أن نبدأ بتحدید ما نختاره من معنی الحق و الحکم و الفرق بینهما،ثم إذا وجدنا حاجة للتعرض إلی بعض التفاصیل و الاختلافات أشرنا إلیها بعد ذلک.
و بالطبع فإن هذین اللفظین،إنما هو بالأصل لفظان لغویان أولا، و اصطلاحان فقهیان و قانونیان من ناحیة أخری.و إذا کان الاختلاف واقعا فی تحدید مفهومهما و تفاصیلهما إذن،فاللفظان بالأساس مجملان،لا یدلاننا علی شیء محدد.و إنما اللازم الفحص فی الأسس التی ینشأ منها هذان الاصطلاحان.
و أول خطوة یمکن أن نسیرها فی هذا الصدد،هو أننا نلاحظ أن الحق و الحکم یمکن أن ینطبقا بالحمل الشائع علی بعضهما البعض انطباقا تاما.
یعنی أنه من الناحیة العملیة فإن کل حق هو حکم و کل حکم هو حق.و لعل هذا من أهم الأسباب التی أصبحت منشأ لإجمال الفکرة فی أذهان الباحثین.
فهنا عندنا قضیتان:
أولا:کل حق هو حکم.
ثانیا:کل حکم هو حق.
و نحن بعد أن نلتفت إلی أن الشیء الأساسی الذی یجعل الحکم حکما،هو کونه تشریعا مجعولا من قبل الشارع أو المقنن.و أن الشیء الأساسی الذی یجعل الحق حقا،هو کونه مجعولا فی مصلحة المکلف و إرفاقا به.إذن تصح منا کلتا القضیتین:
أما أن کل حق هو حکم،فهذا صحیح تماما،لأن الحقوق کالأحکام مجعولة من المشرع أو المقنن.و لا یمکن أن نتصور حقا لیس له مشرع علی الإطلاق.إذن،لا یمکن للإنسان المطالبة به.کل ما فی الأمر أن المشرع یختلف فقد یکون هو العقل و قد یکون هو الدین و قد یکون هو التقلید و قد بکون هو القانون أو غیر ذلک.
و من الواضح أن الحق الذی لیس له فاعل و مشرع لیس بحق أساسا، و لا معنی لتطبیقه.
إذن،فالحق هو حکم.و بعبارة مختصرة:أنه لا بد أن یحکم المشرّع:
أن الحق ثابت و أن من حق فلان کذا و کذا.و إلا لم یکن الحق متحققا.
إذن،فالحق و الحکم کلاهما تشریعان مجعولان،و هذا معناه أنها کلها أحکام تشریعیة بمعنی عام.
و أما القضیة الثانیة:أن کل حکم هو حق.فینبغی أن نلتفت إلی ما قلناه من أن الحق إنما کان حقا لکونه فی مصلحة المکلف و إرفاقا به.و هذا بنفسه ثابت و وارد فی الحکم أیضا،فإنه أیضا موجود و مشرع فی مصلحة المکلف و إرفاقا به.
فإذا أضفنا إلی ذلک أنه لیست کل الحقوق قابلة للإسقاط،لم یکن هناک فرق عملی بین الحق و الحکم.
فهذا هو معنی ما قلناه من انطباق الحکم و الحق علی بعضهما عملیا أو بالحمل الشائع الصناعی باصطلاح المنطق.و أما بحسب المفهوم أو الحمل الأولی فهما مختلفان بطبیعة الحال.
و الأساس الأهم لفهم الاختلاف بینهما هو الالتفات إلی هذین المفهومین:له أن یفعل و علیه أن یفعل.
فبینما یفید المفهوم الثانی جهة القید و التحمیل و الاضطرار التشریعی أو الإلزام بالعمل.یفید المفهوم الأول التوسعة و الإرفاق و إطلاق السراح.و الأول هو الحکم الثانی هو الحق.
و مفهوم(له أن یفعل)و إن کان مطاطا نسبیا،لأنه شامل للمباحات و بعض الأحکام الوضعیة،لأنه یحتوی جواز الفعل مع جواز الترک لا محالة.
و هذه صفة لکل ما أشرنا إلیه.
و لکن هناک فرقا بین أن یکون مفهوم(له)متعلقا بالجعل أو یکون متعلقا بالمجعول.
و معنی کونه متعلقا بالجعل أن المصلحة التی لاحظها المشرع تقتضی أن یکون المکلف مطلق السراح من جهة کذا کالسیر فی الشارع مثلا.و أن لا یکون الجعل مقیدا له-بالکسر-و ملزما له فی شیء.و هذا معنی الإباحة، و المباحات.
و معنی کونه متعلقا بالمجعول:أن الحکم المجعول نفسه ذو مصلحة متعلقة بالمکلف،من ناحیة إنقاذه من بعض الورطات التی قد تعرض له فی المجتمع.و هذا معنی الإرفاق لأن فیه جهة رحمة و لطف و رفق.و هذا هو معنی الحق.
و لیس الجعل هنا(له)أی اختیاریا و إرفاقیا.لأن الحق مجعول للمکلف رغما علیه،و لا یمکن من هذه الناحیة رفعه و إسقاطه.و إنما الحکم المجعول هو الذی یتصف بهذه الصفات.
و أما ما أشرنا إلیه من اندراج الأحکام الوضعیة.فهذا لیس مهما،لما سوف نعرف من أن أغلب الأحکام الوضعیة،إنما هی من سنخ الحقوق.
خذ إلیک مثلا مما فی محل الکلام حق الشفعة،ففی مرتبة جعله،هو حکم اعتیادی وضعی،و من الناحیة التکلیفیة هو إباحة لا رجحان فیها تشریعا،إذ یجوز له أن یأخذ بالشفعة و أن لا یأخذ بها.و فی مرتبة المجعول، هو حق الشفعة نفسه،لأنه هو الحق المجعول،و هو مجعول إرفاقی فی مصلحة المکلف و إلی جانبه،(له)أن یأخذ به متی ما أراد مصلحة نفسه.
فتحصل أن الفرق المفهومی بین الحکم و الحق،هو أن الحکم یتضمن التحمیل و الضیق-حتی لو کان غیر إلزامی-و أن الحق یتضمن کون المجعول إرفاقیا بالمکلف.فی حین أن الحکم بالإباحة هو کون الجعل کذلک سواء کانت اقتضاء أو لا اقتضائیا،ما دام هناک جعل.
و قد یقال:إن هذا الفرق لیس فارقا بین الحکم و الحق.لما قالوه فی
محله من علم الأصول بناء علی ما هو الصحیح عند العدلیة من وجود المصالح و المفاسد فی الأحکام.فإن المجعول عندئذ هو الذی یکون مرکزا للمصلحة و متعلقا لها،و لیس الجعل.فأصبح المجعول فی الحکم و الحق معا مرکزا للمصلحة.
إلا أن فی هذا جهلا مما هو متعلق المصلحة فی الحکم.فإن متعلقها،کما قالوا هو المتعلق.و یراد به ما یکون تحت الطلب من الأمور یعنی المأمور به و المنهی عنه.مضافا إلی أن بعض الأمور قد تکون المصلحة متعلقة بنفس الجعل.کما هو الصحیح من اختلاف الأحکام فی ذلک.
و المهم أن متعلق المصلحة هو المتعلق و لیس المجعول،لیکون الفرق بین الحکم و الحق منعدما.
فإن قیل:أننا لو لاحظنا الأحکام التکلیفیة،لکان ما قیل صحیحا، و لکن لو لاحظنا الأحکام الوضعیة،کالملکیة و الزوجیة،کان متعلق المصلحة هو المجعول،و هو الملکیة نفسها،فلا یبقی فرق بینها و بین الحق.
و هذا أیضا ناشئ من الجهل فی الأحکام الوضعیة،و عدم التفریق بین المجعول و المتعلق،فإن المجعول هو ذلک کما قیل.و بهذا أصبحت هذه الأحکام حقوقا کما أشرنا فیما سبق.و أما متعلقها فهو انتقال المال أو تبادل الملکیة.أو قل-کما هو الصحیح-هو حکم تکلیفی بإیصال کل عوض إلی صاحبه الجدید.و هو فرع ذلک المجعول و مترتب علیه لا محالة.
کما هو الأمر فی المصالح عموما،و لیست علیة.و هذا معنی ما قلناه من أن الحق مجعول فی مصلحة المکلف و إرفاقا به،بأن یکون إلی جانبه غالبا و اقتضاء.و هذا یعنی أنه مع عدم وجود المانع یرتفع المقتضی إلی درجة العلیة أو قل الفعلیة.فیکون فی مصلحته فعلا،و أما مع وجود المانع،فقد لا یکون العمل بالحق من مصلحة المکلف فعلا.و من هنا کان له أن یعرض
عنه و لا یأخذ به.و هذا هو الجانب الآخر للإرفاق و الرحمة فی جعل الحق و تشریعه،بخلاف الحکم فإن الإعراض عنه غیر جائز.
و الحق.هو أن تشخیص المصلحة فی الحکم بید الشارع،بینما یکون
تشخیصها فی الحق بید المکلف.
أما أن تشخیص المصلحة فی الحکم بید الشارع،فهذا واضح،و من هنا لا یکون للفرد أن یناقش،بل علیه الطاعة التعبدیة،لکل حکم بحسبه إلزامیا کان أو غیر إلزامی.
و أما أن تشخیص المصلحة فی الحق بید المکلف ذی الحق.فإن جعل الحق و تشریعه مصلحته بید الشارع،بصفته حکما من أحکام الشریعة،فإن الحق یحتاج فی ثبوته إلی جعل و تشریع کما قلنا.و لکن فی مرتبة المجعول، أو کل أمر تشخیص المصلحة إلی المکلف.فإن کان الأخذ بالحق إلی جنبه و فی مصلحته أخذ به،و إن منعت دون ذلک الموانع أعرض عنه.
محرکیة فیه،فی حین أن الحکم التکلیفی هو الحکم الذی یحتوی علی
المحرکیة و هو الدفع و الباعثیة علی العمل.
و الحق من الأحکام التی لا محرکیة لها بالنسبة إلی ذی الحق بالذات أو بالدلالة المطابقیة،و إن استلزم فی نتائجه بعض المحرکیات،التی إنما تنشأ من الأحکام التکلیفیة الملازمة له کما سنذکر.فالحق من هذه الناحیة شبیه بالحکم الوضعی،و مفارقا للحکم التکلیفی.
فإن کان الحق،قابلا للإسقاط کما هو الصحیح أمکن تعریفه:أنه الحکم الوضعی القابل للإسقاط.و إن کان بعض الحقوق غیر قابلة لذلک، کان الفرق بینها و بین الحکم الوضعی غیر واضح،لاستلزام أکثر الأحکام الوضعیة بل کلها لحقوق مقترنة معها.فلا یبقی فرق إلا بحسب مؤدیاتها العرفیة التفصیلیة لیس غیر،و هذا ما سنشیر إلیه فی الأمر الآتی.
بمعنی التغاضی عنها و عدم تطبیقها من قبل ذی الحق.أو أکثر من ذلک بمعنی التصریح لفظیا أو عملیا بالإسقاط.و إذا سقط لم یکن قابلا للرجوع فی مورده.
علی حین لا تکون الأحکام التکلیفیة قابلة للإسقاط،کما هو واضح.
و أما الأحکام الوضعیة.فالأمر فیها یتوقف علی أن المجعول فیها بالمطابقة هل هو مصداق من الحق أو لا.فإن کان مصداقا من الحق أمکن إسقاطه أیضا.و إن کان من سنخ آخر.و إن استلزم الحق بدلالته الالتزامیة،لم یکن قابلا للإسقاط.
أما قابلیة الحق للإسقاط فهو واضح علی القاعدة،لأن الحق مجعول إرفاقی فی مصلحة المکلف،و قد أوکلت تشخیص المصلحة و الالتزام بها إلی ذی الحق.و من هنا کان له التنازل عنه،و غض النظر عنه.لا مکان أن یتنازل أی فرد عن مصلحته أحیانا و لو عبثا.
أما غض النظر عنه فلا إشکال فیه.و أما الإسقاط.فلا إشکال فی ثبوته إجمالا عن أکثر الحقوق،و یتمیز بأمرین:
الأمر الأول:إیجابه من قبل ذی الحق.
الأمر الثانی:عدم قابلیته للرجوع بعد ذلک فی مورده.
و کلا الأمرین لا شک بثبوتهما عرفا و قانونا و شرعا بنحو القضیة الجزئیة، و علیه السیرة،بل و بعض الأخبار کما سنسمع بعونه تعالی.و إنما الکلام بثبوت ذلک بنحو القضیة الکلیة.
و نحن إذا لاحظنا أمرین أمکننا أن نجزم أن کل الحقوق قابلة للإسقاط.
الأمر الأول:ان عدم إمکان الرجوع بعد ذلک،أمر یختلف باختلاف کل مورد.فإن کان الحق واحدا بسیطا کان کذلک.و إن کان الحق انحلالیا علی الأفراد أو الزمان أو نحو ذلک،کان إسقاط کل فرد انحلالی لا یعنی
إسقاط الآخر.و من هنا قد یبدو للناظر العرفی إمکان الرجوع أحیانا إلی الحق من قبل ذی الحق.
الأمر الثانی:أن إسقاط الحق،قد یقتضی إسقاط ما فی ذمة الطرف الآخر من مئونة و تکلیف و قد لا یقتضی ذلک.فلو أسقط حقه فی الغیبة فستبقی الغیبة حراما علی الغیر.إلا أن هذا لا یعنی عدم تحقق الإسقاط عرفا.کل ما فی الأمر أن الشارع حال دون النتیجة المتوقعة،و هی حلیة الغیبة.
و بتعبیر آخر:أن الغیبة بصفتها ممنوعة من قبل ذی الحق تکون حلالا، إلا أن بصفتها ممنوعة من قبل الشارع تبقی حراما.
و المهم أننا لا ینبغی أن نتوقع من الإسقاط وجود أثره فی الشخص الآخر.إذ قد یوجد و قد لا یوجد عملیا.
و هنا ینبغی أن نستعرض ما ذکروه من الحقوق غیر القابلة للإسقاط و نتکلم عنه:قال بعضهم (1)
بلغة الفقیه:ص 17 ج 1.
:کحق الأبوة و ولایة الحاکم و حق الاستمتاع بالزوجة للزوج و حق الجار علی جاره و المؤمن علی أخیه.و الواقع أن هذه حقوق منع المانع عن إسقاطها،و بتعبیر آخر:أن هذه الموارد و أمثالها لیست حقوقا بالدلالة المطابقیة بل هی أحکام تکلیفیة متعلقة بالآخرین،فمثلا یجب طاعة الأب و الحاکم و التمکین للزوجة و نحو ذلک.
نعم،هی تستلزم حقوقا بالالتزام لموضوعاتها کأشخاص و حیث أن الحکم التکلیفی غیر قابل للإسقاط،یبقی انتزاع مفهوم الحق دائما ما دام الحکم الشرعی.
و إسقاط الحق هنا،لا یقتضی إسقاط الحکم الشرعی،بطبیعة الحال.
و لا یمکن لذی الحق ذلک،بل یحرم علیه بسبب أکثر من جهة أحیانا.إلا أنه
1) 1)
لا یبعد أن یکون قصد الإسقاط للحق وحده،فی مورد جزئی و نحوه ممکنا فی کل هذه الموارد.و إنما لا یمکن إسقاطه بنحو کلی لاقترانه بالحکم التکلیفی کما قلنا.
إذن،فجمیع الحقوق تکون قابلة للإسقاط.
أن الحق هو المجعول الوضعی الإرفاقی القابل للإسقاط و له طرف
آخر.
فی حین یکون الحکم التکلیفی هو المجعول الذی فیه تحمیل و لیس إرفاقیا و لا قابلا للإسقاط و قد لا یکون له طرف آخر.
و من زاویة أنه لیس إرفاقیا،فقد أوکلت مصلحته إلی الشارع لا إلی المکلف،بخلاف الحق فإن مصلحته أوکلت إلی المکلف.
و الحکم الوضعی،هو المجعول الخالی من المحرکیة و غیر إرفاقی، یعنی أوکلت تشخیص مصلحته إلی الشارع.و لا یکون قابلا للإسقاط و له طرف آخر.و إن کان کل الأحکام الوضعیة تستلزم حقوقا لأصحابها بالالتزام.
إلی حد قد تسمی بأنفسها حقوقا.و قد یؤثر هذا الفرق فی بعض الموارد علی أی حال.
فالملکیة مثلا حکم وضعی،و إذا لاحظنا انتسابه إلی الشارع فهو تحمیلی و قد أوکلت مصلحته إلی الشارع،و لیس للمکلف أن یتنصل عنه بعد حصول سببه کالإرث.
إلا أننا إذا لاحظنا جانب المکلف.وجدناه إرفاقیا.فإن التحمیل لیس إلا بجعل القضیة الکلیة.و أما الأفراد ففی إمکانهم التنازل عن الملکیة،لا ینفی حدوثها فإن فی هذا رفضا للحکم الشرعی الوضعی،و إنما بالإعراض و نحوه من أسباب الخروج من الملکیة بالمجان.
و من هنا قد نقول بأن الملکیة حق مؤکد جعله اللّه سبحانه بین الفرد
و ماله.و قد أوکلت مصلحته فی المرتبة المتأخرة إلی المکلف ذی الحق أو المالک نفسه،و من هنا کان له الخروج عنه.
فی حین أن الاختصاص نحو ضعیف من الملکیة و هو أیضا نحو ضعیف من الحق.و لکن یأتی فیه نفس ما قلناه فی الملکیة،بلحاظ کل من مرتبة الجاعل و مرتبة المکلف.و من هنا نلاحظ أن ضعفه لا یعنی إمکان التنازل عن الجعل الشرعی الثابت فیه.و إنما یعنی التنازل عن مصداقه فی المرتبة المتأخرة.و لیس هذا التنازل أسهل من النازل عن الملکیة التامة.
کل ما فی الموضوع أن الفقهاء،حیث لم یستطیعوا أن یقولوا بالملکیة فی بعض الأمور کالخمر و الخنزیر أسموها اختصاصا.و إلا فالفکرة المنطقیة واحدة فیهما علی أی حال.أو قل:إنهما من سنخ واحد،مع الاختلاف فی الدرجة.
واحدا کان أو متعددا یعنی فردا أو أفراد.
و الواجب هنا حکم تکلیفی یقضی باحترام حقوق الآخرین من قبل الطرف الآخر.و أما کونه إلزامیا أو استحبابیا،فهو راجع إلی مقدار رسوخ الحق و أهمیته فی نظر الشارع.فقد یکون الحق راسخا أو قل:إلزامیا، فیکون الوفاء به و احترامه من قبل الآخرین إلزامیا،و إلا کان استحبابیا.
من هنا کان اصطلاح الواجب المقابل للحق،لیس هو الواجب التکلیفی الإلزامی.بل قد یکون کذلک،و قد یکون استحبابیا.و ینبغی أن نلتفت إلی أنه قد یتعلق بالفعل کتمکین الزوجة وفاء لحق زوجها و قد یکون بالترک کترک الاحتقار و الإهانة لمن له حق الاحترام،کالأب و الولی و غیره.
و ینبغی أن نلتفت أیضا،إلی ما هو المجعول بالمطابقة منهما و ما هو مجعول بالالتزام.فبعضه واضح کحق الزوج من تمکین زوجته مجعول بالمطابقة،و یستلزمه وجوب التمکین من قبل الزوجة.و من هنا کان قابلا للإسقاط لأن الحکم الشرعی فرع جعل الحق و لیس بالعکس.
و مثال العکس:وجوب طاعة الوالی العادل بالمطابقة،و یستلزمه ثبوت حق له بالطاعة.و من هنا لم یمکن إسقاطه،لأنه یعنی إسقاط الحکم الشرعی.نعم قلنا إنه لا یبعد إمکان إسقاطه جزئیا فی بعض المصادیق إذا لم یمس القصد الحکم الشرعی.
إلا أن عدد من الموارد لم تکن واضحة فی أذهان العدید من الفقهاء.
هل هی حقوق أم واجبات أم تکالیف أم أحکام وضعیة إلی غیر ذلک من التشخصیات.و لعل السر فی ذلک کون کل مورد یحتوی علی أکثر من مصداق من هذه الأمور و من غیرها التی أشرنا إلیها فیما سبق و سیتضح ذلک، عند التعرض لتفاصیل أهم الحقوق فیما بعد.
علیه الحق.
یعنی أن الحق من طرف ذی الحق(له)أی فی مصلحته و الحق من حیث الطرف الآخر(علیه)و هو ما عرفناه من الواجب فیما سبق.
و ذلک بخلاف الأحکام التکلیفیة،فإنها لیست دائما ذات طرف آخر کوجوب الصلاة و الصوم.بل من الممکن القول إنها إنما تکون ذات طرف آخر،إذا کان حکما تکلیفیا متعلقا بحق لشخص آخر،یعنی أنه من سنخ الواجب المقابل للحق.کوجوب احترام الأب أو الوالی العادل.و تکون سائر موارد التکالیف الخارجة عن ذلک خالیة من الطرف الآخر.
فتحصل أن الحق لا بد أن یکون له طرف آخر،و التکالیف-نظریا-لا بد أن لا یکون فیها طرف آخر.إلا إذا اقترنت بالحق نعم اقترانها بالحق کثیر،و من هنا کان وجود الطرف الآخر کثیرا أیضا.
و أما الأحکام الوضعیة،فکلها ذات طرف آخر،لأنها من سنخ المعاملات،و هی لا تصدق قطعا من دون طرفین فأکثر.و من هنا کان ما تستلزمه من حقوق ذو طرفین أیضا.أو قل:إنه من هنا أمکن أن تستلزم حقوقا إذ لو کانت ذات طرف واحد،لم یمکن ذلک کما هو واضح.
إلا أننا یجب أن نشخص من هو الطرف الآخر:و یمکن تعریفه بأنه
من یجب علیه القیام بهذا الحق تجاه ذی الحق.و هذا قد یکون فردا و قد یکون جماعة و قد یکون مجتمعا و قد یکون هو البشر أجمعین غیر ذی الحق.
فمثال الفرد حق التمکین للزوج.و مثال المتعدد الملکیة و الاختصاص و نحوها.فإنها حقوق أو تستتبع حقوقا علی المجتمع أو علی کل البشر،أو قل:تستتبع واجبات علیهم فی أن لا یغصبوها و أن یتصرفوا فی المال بإذن مالکه.و بالجملة أن یرتبوا آثار الملکیة علیه للمالک.و کل منا له حقوق و علیه واجبات بالملایین من هذه الناحیة.
و من هنا یتضح خطل القول بأن الحق قد لا یکون له طرف آخر و مثل له بعضهم بحق التحجیر (1)
بلغة الفقیه ج 1 ص 14.
و هذا منه علی اعتبار أن من علیه الحق لا بد أن یکون مشخصا أو محددا.إلا أن هذا و هم واضح کما هو واضح فإن من علیه الحق مشخص علی أی حال،سواء کان فی فرد أو فی جماعة أو فی البشریة کلها کما أوضحنا.یکون متعددا.
و قد یمثل لذی الحق المتعدد،بالورثة الذین لهم حق واحد فی مال میتهم.أو فی الأئمة المعصومین علیهم السلام الذین لهم حق واحد فی طاعة الخلق لهم.
إلا أن هذا لا یخلو من تسامح عرفی لانحلال الحق علی الأفراد لا محالة.فالتعبیر بأن الجماعة لهم حق واحد غیر صحیح.بل لهم حقوق متشابهة فی المضمون متعلقة بکل فرد منهم.فالواحد من الورثة له حق فی أن یرث حصته من المال و کذلک الآخر و هکذا.و النظر إلی مجموع حقوق الورثة کحق واحد نظر مجازی.و إنما الصحیح هو الانحلال.
1) 1)
و کذلک الأمر فی الأئمة علیهم السلام،فإن لکل واحد منهم حق الطاعة علی الآخرین.
و أما من علیه الحق،فقد یکون واحدا و قد یکون متعددا إلی حد قد یشمل کل البشر.و هو انحلالی أیضا بطبیعة الحال.و النتیجة أن تکون فی ذمم الکثیرین(واجبات)علی عددهم تجاه هذا(الحق)أو ذاک.
یکون بشرا أو قل بشریا.بل یمکن أن یکون من سنخ آخر
و أعلی من یذکر فی هذا الصدد هو اللّه سبحانه و تعالی.
فإن للّه عز و جل علی کل خلقه حقا فی أن یطاع و أن یعبد و أن یوحد و أن یشکر إلی غیر ذلک.و علی الخلق(واجبات)فی مقابل ذلک أن یعملوا له هذه الأعمال لکی ینالوا رضاه و الزلفی لدیه.
و الحق هنا ثابت فی المرتبة السابقة،و الواجب جاء باعتبار ثبوت الحق.و لیس العکس صحیحا.لأن معناه:أن اللّه تعالی أوجب علینا عبادته، فانتزاعنا من ذلک مفهوم الحق له.و هو کما تری.
و کذلک من حق الخلق المؤمنین و المقربین صیانتهم من العداء و النصب،کالملائکة و مؤمنی الجن قال اللّه تعالی مَنْ کانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَ مَلائِکَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِیلَ وَ مِیکالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِلْکافِرِینَ .و کذلک من حق کل مؤمن صیانة عرضه عن الشتم و الغیبة و الأذی و نحوها،و یقابلها واجبات علی الآخرین بهذه الأمور.
و هکذا.
مالی إلی الآخرین
لا شک أن الحقوق تختلف فی ذلک اختلافا شدیدا.
فمثلا:منها ما لا یکون قابلا للنقل أصلا،کحق الطاعة للأب أو الوالی العادل.و منها:ما یکون قابلا للانتقال إلی فرد محدد کحق القسم
للزوجة لها أن تنقله إلی الزوجة الأخری خاصة.و منها:ما یکون قابلا للانتقال مطلقا کحق الاختصاص و نحوه.و الخلاف فقهیا فیما هو قابل للانتقال کبیر جدا.
و المهم أن نعرف القاعدة العامة التی نمیز بها قابلیة الحق للنقل و الانتقال.
و ما یمکن أن یقال حول ذلک أمران رئیسیان:
الأمر الأول:أننا ننظر إلی العرف،فما میزه العرف بأنه حق قابل للانتقال جاز نقله فقهیا،لأن ذلک من نوع السیرة العرفیة الممضاة شرعا،إلا أن یرد فیه نهی.و ما میزه العرف بأنه حق غیر قابل للانتقال لم یجز نقله لأن علیه السیرة أیضا،إلا أن یرد فیه أمر.
و هذا صحیح علی القاعدة،ما لم نصل إلی الأمر الثانی.
الأمر الثانی:أننا ینبغی أن ننظر إلی من یرید أو یراد انتقال الحق إلیه.
هل و مشمول لنفس الحق بمعنی أنه هو مصداق له أولا.فإن کان مصداقا له فی المرتبة السابقة علی الانتقال لم یکن معنی لنقل الحق إلیه.لأنه یکون لاغیا و لا أثر له.فبذل المال فی سبیله بذل للمال بالباطل.
و إن لم یکن مصداقا له،جاز نقله،لأنه یصبح بذلک متصفا بصفة جدیدة لم تکن له قبل ذلک و هی ذات نفع له و یبذل العقلاء بإزائها مالا، فیکون الحصول علیه بالمال أو مجانا جائزا.
مثال الأول:حق الطاعة للأب و الأم فإن الأولاد جمیعا علیهم واجبات بإزائه،فلا یؤثر نقل الحق من أحد الأبوین إلی الآخری.
و مثال الثانی:حق القسم فإنه لی لیلة معینة لزوجة معینة دون غیرها فیمکن أن تنقل حقها إلی غیرها من الزوجات.
و من الممکن أن نرکب بین هذین الأمرین معنی جامعا لهما معا.
بمعنی أننا نشترط کلا الشرطین المذکورین من الأمرین السابقین فالحق الذی یمکن نقله یشترط فیه:
أولا:أن یکون منقولا إلی شخص لا حق له.
ثانیا:أن یکون حقا قابلا للنقل عرفا.فإن کان النقل لا مجانا،اشترطنا فیه أن یکون حقا مالیا أیضا عرفا.
و لکن من الضروری ملاحظة شرط ثالث،لأن من ینتقل إلیه الحق،قد لا یکون قابلا للتحمل شرعا أو عرفا.کحق القسم للزوجة إذا نقلناه إلی أجنبیة مثلا.و معه یکون.
ثالثا:أن یکون المنقول إلیه الحق قابلا لتحمله شرعا و عرفا.
و بهذا یمکن الشمول لکل الحقوق.و البت فیما هو مختلف فیه منها بین الفقهاء،و تفاصیل ذلک موکول إلی الفقه،إلا ما قد نتعرض إلی المهم منها فیها بعد.
و ینبغی أن نلتفت أیضا،إلی أن نقل الحق بشروطه،و معاملة اعتیادیة عرفیة،تلحق بما یناسبها من العناوین،فإن کانت مجانا کانت هبة،و إن کانت بمال أو مالی،و کانت بیعا،أو صلحا یجری مجراه.
و من هنا کان العلم و الاختیار دخیلا،فیه،بمعنی أنه تشمله شروط المتعاملین،و لکل معاملة شرائطها فی الطرفین و فی العوضین و غیرهما.
نعم إذا أمکن الإلزام فی المعاملة أحیانا من قبل الحاکم الشرعی أو غیره،أمکن الإلزام هنا،إذا کانت القاعدة شاملة له.
من مواردها و أمثلتها:
فمنها الحقوق المتعلقة بالأحکام الوضعیة کلها أیا کانت.
کحق الملکیة الناتجة عن أی معاملة صحیحة لعین أو منفعة،فإنها إما بنفسها حقا و إما أنها تستتبع حقا فی صیانتها من قبل الآخرین کما قلنا.
و کحق الرهانة للمرتهن و طرفه واحد و هو الراهن.إلا أن للراهن حق ملکیة العین و طرفه متعدد بما فیهم المرتهن نفسه.
و منها الحقوق التی هی من سنخ الملکیة إلا أنها أضعف منها:کحق الاختصاص فیما لا یملک و حق الحیازة و حق التحجیر.فإنها جمیعا من سنخ الملکیة،إلا أن فیها موانع عن رسوخها مثلها.و لها نفس أحکامها.إلا أن نرید من حق الحیازة و حق التحجیر،هو الحق فی إنجاز العمل فی المستقبل،و هذا یعنی حق حریة العمل لأی عامل.و هو مما لا ینقل لأنه متساو عند الجمیع.
و أما الحق فیما قد تم تحجیره و حیازته،فالصحیح أنه ملکیة تامة،لا قصور فیها.
و منها:الحقوق المتعلقة بالحیاة الزوجیة،کحق النفقة للزوجة و القاصرین،و حق الزوج فی الطاعة فی التمکین و الخروج من المنزل.و حق الأب فی الاحترام و حق الأولاد فی حسن التربیة و نحو ذلک.إلا أن هذه الحقوق تختلف فی جعلها الأولی و لزوم الأحکام التکلیفیة لها،أو بالعکس.
کما هو معلوم لمن یفکر و یطبق.
و منها:حق الخیار،بکل أقسامه و لیس فی البیع فقط.بل حتی فی العقود الجائزة.غیر أن الفرق بینهما أن الحق ناشئ فی الخیار الاصطلاحی من الجعل رغم اقتضاء العقد للدوام.بخلاف الحق فی العقود الجائزة فإنه ناشئ من لا اقتضاء تلک العقود للدوام.فتأمل.
و طرف الحق فی الخیار واحد عادة و هو من ینفسخ العقد علیه برغمه.
أو قل:هو الطرف الآخر فی المعاملة.و لکن یوجد طرف آخر من نوع آخر هو البشر أجمعین فی أن یرتبوا آثار الملکیة کما حصلت بعد الفسخ،بالنسبة إلی الغصب من المالک أو الشراء منه مثلا.
و منها:حق السبق إلی الأماکن العامة کالمساجد و غیرها.و هی من سنخ حق الحیازة.إلا أنه حیازة للمکان بشکل لا یعتبر مالیا عرفا،فلا یکون
قابلا للنقل.إلا أن طرفه هو الآخرون عموما.لا یجوز لهم دفعه.و هنا لا یفرق عملیا بین أن یکون الحکم التکلیفی ناتجا من الحق أو بالعکس.
و منها:الحقوق المتعلقة بالدعاوی،فمنها ما یکون ثابتا فی المرتبة السابقة علی الحکم،کحق المدعی فی إقامة الدعوی و المطالبة بحقه.و منها ما هو ثابت فی المرتبة اللاحقة للحکم القضائی کالمطالبة بحقه بصفته ثابتا بهذا الحکم ظاهرا.
و من الحقوق المتعلقة بالدعاوی حق العقاب علی من یستحقه ظاهرا.
و هذا الحق قد یکون خاصا بطرف معین،و هو المدعی،و قد یکون عاما و هو المجتمع و من هنا جاءت فکرة الادعاء العام.لأن الجریمة،کما تضر الفرد تضر غیره من الناس.و المجتمع لا یطالب بحقه من نفسه و إنما عن طریق الادعاء العام.
و حق العقاب غیر قائم بالمعاقب بل بالطرف الآخر،و هو المدعی أو المجتمع.و أما المعاقب فهو من علیه الحق.و هی حقوق لیست مالیة عرفا، و غیر قابلة للانتقال.لأنها إن کانت عامة،کانت مشترکة بین الناس،فلا یحدث لنقلها أثر جدید.و إن کانت خاصة فلا یکون للنقل أثر فی جعل المنقول إلیه هو المجنی علیه بطبیعة الحال.و تمام الکلام موکول إلی الفقه.
و من الحقوق،حقوق ناتجة من الأحکام التکلیفیة،کما لا یبعد فإن وجوب الصلاة و الصوم و إن کان حکما فردیا.إلا أنه مستتبع لحقوق کحق الفرد فی عدم إبطال صلاته أو صومه أو مطلق عباداته حتی لو کانت مستحبة.
و هو ذو الحق و من علیه الحق هو الآخرون مطلقا.بغض النظر عن کون الحق ناتجا عن الحکم التکلیفی أو العکس.و إن کان الأخیر أرجح.
و هو حق غیر مالی،و یختص بالفرد بشکل لا یعقل نقله إلی غیره لا مجانا و لا بالعوض.لأنه لا معنی لأن یکون من حق فرد الحفاظ علی عبادة غیره.نعم،من واجبة ذلک.
و من الحقوق،ما یتعلق بالوفاة سواء حق المیت بالوصیة بثلثه أو
الوصایة علی القاصرین.أو حق الورثة فی تملک أموال مورثهم،أو حق الوصی فی التصرف فی أموال القاصرین الذین هو ولی علیهم.إلی غیر ذلک.و هذه بعضها منتزع و مسبب عن الحکم الشرعی و بعضها بالعکس.و هو موکول إلی فطنة القاری.
إلا أن هذه الحقوق غیر قابلة للنقل،إلا أن نرید بإجراء الصیغة فیما یحتاج إلیها،کالوصیة و الوصایة و أما حق الإرث بالنسبة لغیر الورثة،فلا معنی له لأنه لا یجعل الآخر وارثا.نعم یمکن شراء الحصة من الوارث بعد حصولها فی ملکه.و للتفصیل موضع آخر.
فهذا عدد من مهم الحقوق الشرعیة و العقلائیة.
یجری علی الألسنة خلال عصرنا الحاضر،التحدث عن حقوق أخری عامة و خاصة:منها حق الحریة السیاسیة و حق حریة الرأی و حق حریة العمل و حق حریة الملکیة و حق تقریر المصیر و حق الطبع و حق الاختراع و حق الرقم القیاسی إلی غیر ذلک.
فهل هذه الحقوق ثابتة شرعیا و فقهیا أم لا.و المحک فی ذلک هو أن نبحث عن الأحکام الشرعیة الثابتة بخصوص هذه الموارد من إلزامیة أو غیرها،سواء کانت ناتجة عن هذه الحقوق أو بالعکس.فإن کان شیء من ذلک موجودا صح الحق شرعا و إلا،فهو لیس بصحیح.
و مجرد کون الحق متسالما علیه بین العقلاء.لا یجعله شرعیا،لأن هذه السیرة لا تصل إلی عصر المعصومین علیهم السلام لتکون ممضاة من قبلهم،فإن المناداة بهذه الأمور أو الحقوق.لم یکن فیما سبق و إنما هو حاصل فی العصور المتأخرة.و معه ینحصر المنهج بما سبق قبل قلیل.
هذا و لا ینبغی أن نفیض فیها مفصلا،فإن موطنها الأصلی فی الفقه، و إنما نشیر هنا إلی رؤوس أقلام،بحسب ما هو الممکن من سائر الجهات،
عسی أن ینفتح للقارئ منها ثمرات عدیدة.
أما حق الحریة السیاسیة من الاستعمار الکافر،فهو ثابت،باعتبار أنه یحرم علی الکفار السیطرة علی بلاد المسلمین،علی ما هو الصحیح من تکلیف الکفار بالفروع.کما یحرم علی المسلمین تقبّل الغزو الکافر،و یجب دفعه بحسب الإمکان و لا أقل من جواز ذلک فقهیا،إلا إذا خیف الدمار الشامل فیحرم و اختلاف هذه الأحکام ناتج من اختلاف إمکانیات المجتمع فی أی زمان و مکان،فکلما زادت إمکانیاته زادت ضرورة دفعه للاستعمار لا محالة.
و أما حریة الرأی و العمل،و هما من باب متشابه فقهیا،لأنه یتضمن أن الإنسان یجوز له أو یحق له أن یقول ما یشاء أو یفعل ما یشاء و القول من جملة أعمال الإنسان علی أی حال إلا أن العمل الاقتصادی یختص بأهمیة زائدة بطبیعة الحال.
و الحکم التکلیفی المتعلق به أنه لا یجوز الحجر علی فرد أو مجتمع ظلما و بدون مبرر شرعی من أی من النواحی السابقة.و أما متی یصدق الظلم فهذا فعلا خارج عن الموضوع.
إلا أنه فی الوقت نفسه لا یجوز علی الفرد أن یستغل حریته فی قوله أو فعله الاجتماعی أو الاقتصادی فی ظلم الآخرین.إذ کما أن من حقه أن یعیش براحة و حریة،فمن حق الآخرین نفس الشیء.ما عدا أمور لم یقل الفقهاء بمنعها منها التنافس فی التجارة و إن لزم التأثیر علی بعض التجار.
و أما حق التملک أو حریة التملک،فلا یجوز الحجر علی تملک ما یشاء ظلما.إلا أنه فی الوقت نفسه لا یجوز استغلال هذه الحریة لظلم الآخرین أو القیام بمعاملات باطلة شرعا أو تملک أشیاء غیر قابلة للملکیة.أو إجبار أی شخص آخر علی نقل ما عنده من باب حریة التملک للطرف الآخر.کل ذلک لا یجوز و للقارئ التوسع فی ذلک إلی حیث یرید.
و أما حق تقریر المصیر،فإن کان بمعنی أن المصیر للمجتمع المسلم
یخطط من قبل الکافرین أفرادا أو دولا أو مجتمعات،فهذا مرفوض تماما و حرام کما أسلفنا.و أما بمعنی أن یختار المجتمع لنفسه ما یشاء من الأنظمة، فهذا لیس حقا دائما،إذ لا یجوز له فردا و جماعات،أن یختار لنفسه ما یخالف الشریعة الإسلامیة.من وجهة نظر إسلامیة بطبیعة الحال.
و أما الحقوق الشخصیة التی أشرنا إلی بعضها فیما سبق کحق الطبع و حق التألیف و حق الاختراع و حق الرقم القیاسی إذا سجله أحدهم.و غیرها مما هو سائر فی أیامنا هذه.
فالاعتراف بها شرعا،ناتج من الاعتراف بأن لها أو لموضوعاتها نحوا من الاختصاص بالأفراد،و أنه لا یجوز للآخرین مزاحمتهم علیها،و هذا مما لا دلیل علیه شرعا.لأن السیرة علیه متأخرة.و لیس من جنس المعاملات العرفیة لکی یشمله الإطلاقات فی نحو قوله تعالی إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ .و صحة التعامل علیها فرع ثبوتها و لیس معاملة مستقلة لیکون مشمولا للإطلاق.
نعم،الاعتراف بها کحقائق جاریة فی المجتمع لا ضیر فیه،یعنی لا یکون الفرد کاذبا إذا قالها و قصد ذلک.
کما أن نقلها إلی الآخرین غیر حق الطبع مجانا أو بالعوض،غیر معقول و غیر جائز.لأنه یستلزم الکذب.إذ قد ینتج جواز أن یقول المشتری:
أنا المؤلف و أنا المخترع،فیکون کذبا حراما.
و أما استحقاقه للجائزة بدل المؤلف و المخترع،فهذا مما لا معنی له ابتداء.نعم إذا صحت ملکیة المؤلف و المخترع لها جاز شراؤها منه.
و أما حق الطبع،فهو تابع لما قلناه من وجود حکم تکلیفی بعدم جواز المزاحمة.و هو غیر ثابت.إن کان بنسخة أخری مملوکة للطابع أو الناشر، غیر نسخة المؤلف.
و التوسع فی ذلک له مجال آخر بعونه و حسن توفیقه تبارک و تعالی.
إسقاط الحق هو التنازل عنه بدلالة مفهومة.فإن کان المجعول ابتداء هو الحق،و کان الحکم الشرعی التکلیفی تابعا له،زال بزواله.کالإعراض الذی یسقط حق الملکیة،فتسقط الأحکام التکلیفیة التی حولها،من وجوب احترام الآخرین لها،و غیر ذلک.
نعم،هذا ثابت فیما عدا ما استثنی،کحق الاحترام بترک الغیبة،فإنه مع سقوطه لم تجز الغیبة للآخرین،علی الشخص الذی أسقط حقه.
و إن کان الحکم التکلیفی هو المجعول أولا.و کان الحق تابعا له،لم یمکن إسقاط الحکم التکلیفی بطبیعة الحال.إنما یمکن إسقاط الحق فیما لا یمس الحکم التکلیفی لو أمکن و لو باعتبار الغفلة عن التلازم بینهما أو بزعم تقدم الحق رتبة و نحو ذلک.
و الإسقاط شأنه شأن سائر المعاملات یحتاج إلی مظهر لفظی أو فعلی أعنی عملی أو معاطاتی،یعرف به الآخرون وقوعه،فمجرد العزم علیه فی داخل النفس لا یکفی لسقوطه و لذی الحق السکوت و الالتزام به إن حصل ذلک.
نعم،إذا أبرز ذی الحق إسقاط حقه بقول أو فعل سقط.و الأحوط أن لا یکون من باب الکذب أو المکابرة،کما لو قال:لا حق لی و نحوه.بل یقول:أسقطت حقی أو ألغیته أو حقی ساقط أو ملغی و نحوها.
و یمکن إسقاط الحق المحتمل ثبوته من دون یقین،سواء کان مالیا أو أخلاقیا أو غیره،فیقول:إن کان لی حق فقط أسقطته.أو أسقطت حقی المحتمل.أو أسقطت حقی بقصد الواقع.و نحو ذلک.و لا یکون ذلک من التعلیق الفاسد حتی لو کان بعبارته،لأنه إن لم یکن الحق ثابتا فلا أثر له.
و إن کان ثابتا کان من الشرط علی الأمر الثابت فیلحقه حکمه.و إن لم یکن معلوما عند الإسقاط.و الأحوط اختیار غیر الألفاظ المحتویة علی التعلیق.
و إن کان الکل ذا مؤدی واحد عرفا.
یبقی أن نسأل عما إذا کان الإسقاط دائما أو مؤقتا.فإذا أسقط الفرد حقه لم یکن من حقه أن یعود له تارة أخری.أو له الحق فی ذلک.
و الأمر فی ذلک تابع لوحدة الحق و انحلاله،فإن کان واحدا عرفا،سقط بالإسقاط،و لا یمکن العودة إلیه کخیار المجلس،و لا یشفع له انحلاله الزمانی،بعد أن کان واحدا عرفا.
و بتعبیر آخر:إن ثبوت الحق فی الآن الثانی فرع ثبوته فی الآن الأول، و قد فرض سقوطه فی الآن الأول فیسقط فیما بعده من الآنات.
و کذلک لا یکون الحق قابلا للرجوع فی الحقوق الطولیة المترتبة، کحق الطاعة المترتب علی حق الاحترام المترتب علی حق الأبوة.لو صح إسقاطه.فلو أسقط الحق الأخیر لم یسقط الحق السابق،و لکنه إذا أسقط السابق سقط ما بعده.
نعم،إذا کانت هناک حقوق متماثلة،و غیر طولیة ذاتا،و لکنها طولیة زمانا أو مختلفة مکانا أو متعلقا.لم یک إسقاط بعضها ملازما لإسقاط الآخر.
فله الالتزام بالباقی مع إسقاط غیره.
مثاله:حقوق الطبع المتعلقة بکتب متعددة،فلو قال إجمالا:تنازلت عن حق الطبع انصرف إلی الکتاب الذی یقصده،و لم یشمل الباقی،و إن ظهر من العبارة إجمالا شمولها لها.هذا بغض النظر عن صحة حق الطبع أساسا،و قد سبق أن بحثناه.
و المحصل:أن الحق إن کان واحدا لم یرجع،و إن کان متعددا عرفا، و لو من سنخ واحد،أمکن التمسک بالباقی.و هذا لا یعنی رجوع ما هو ساقط کما هو معلوم.
و قد یبدو:أن هناک،فی مقابل الإسقاط.تثبیت الحق.فإذا أثبته لم یکن قابلا للإسقاط بعد ذلک.
إلا أن هذا لیس بصحیح لأنه لیس بعرفی أولا.و یکفی الشک فی تأثیره
لجریان استصحاب عدمه ثانیا.و یکفی فی التثبیت للحق التمسک به و عدم إسقاطه.
و معه لا یکون التثبیت مانعا للإسقاط المتأخر.فلو أثبته أمکن له إسقاطه.کما لا یکون سببا للرجوع فی الإسقاط المتقدم علیه،لو کان له حق ذلک،فضلا عما إذا لم یکن،کما هو الصحیح علی ما عرفنا.فلو أثبته بقصد رفع الإسقاط و نفی أثره لم یثبت و کان الإسقاط جاریا،و مع الشک مستصحبا.
قاعدة الید
و هی من القواعد الفقهیة المسلمة فقهیا و قانونیا و عقلائیا و متشرعیا، و علیها إجماع علماء المسلمین فی الجملة أعنی بغض النظر عن التفاصیل.
و یمکن،مع ذلک،الاستدلال بعدد من الأخبار علی مضمون هذه القاعدة،کما یلی:
منها معتبرة مسعدة بن صدقة (1)
الوسائل کتاب التجارة:أبواب ما یکتسب به:باب 4: [1]حدیث 4.
عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:سمعته یقول:کل شیء هو لک حلال حتی تعلم أنه حرام بعینه فتدعه من قبل نفسک،و ذلک مثل الثوب یکون علیک قد اشتریته و هو سرقة.و المملوک عندک لعله حر قد باع نفسه،أو خدع فبیع قهرا.أو امرأة تحتک و هی أختک أو رضیعتک،أو الأشیاء کلها علی هذا،حتی یستبین لک غیر ذلک أو تقوم به البینة.
و صحیحة جمیل بن صالح (2)قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:
رجل وجد فی منزله دینارا.قال:یدخل منزله غیره.قلت:نعم کثیر:قال:
هذا لقطة.قلت:فرجل وجد فی صندوقه دینارا قال:یدخل أحد یده فی صندوقه غیره أو یضع فیه شیئا قلت:لا،قال:فهو له.
و صحیحة محمد بن مسلم (3)عن أبی جعفر علیه السلام قال:سألته
عن الدار یوجد فیها الورق.فقال:إن کانت معمورة فیها أهلها فهی لهم.
و إن کانت خربة قد جلا عنها أهلها،فالذی وجد المال أحق به.و نحوها صحیحة أخری له.
و صحیحة إسحاق بن عمار (1)
-المصدر:حدیث 2. [1]
قال:سألت أبا إبراهیم علیه السلام عن رجل نزل فی بعض بیوت مکة فوجد فیها نحوا من سبعین درهما مدفونة.فلم تزل معه.و لم یذکرها حتی قدم الکوفة کیف یصنع.قال:یسأل عنها أهل المنزل لعلهم یعرفونها.قلت:فإن لم یعرفوها.قال:یتصدق بها.و صحیحة العیص بن القاسم (2)عن أبی عبد اللّه علیه السلام:قال:
سألته عن مملوک ادعی أنه حر و لم یأت ببینة علی ذلک.أشتریه؟قال:نعم.
و موثقة یونس بن یعقوب (3)عن أبی عبد اللّه علیه السلام:فی امرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة:قال:ما کان من متاع النساء فهو للمرأة و ما کان من متاع الرجل و النساء فهو بینهما.و من استولی علی شیء منه فهو له.
و روایة حمزة بن حمران (4)قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:أدخل السوق و أرید أشتری جاریة فتقول:إنی حرة.فقال:اشترها إلا أن تکون لها بینة.
و إنما ذکرنا هذا العدد من الروایات،لکی نستخرج منها بعض التفاصیل لهذه القاعدة،غیر ثبوت أصل وجودها.فکن علی ذکر منها لنستفید منها بعد الآن.
لا شک أن العرف و العقلاء یفهمون من الید المستعملة فی لفظ
القاعدة،حین تقول:قاعدة الید.یفهمون منه مفهوما محددا،و یستعملونه فی کثیر من الموارد أوضحها دلالة الید علی الملکیة،و یرتبون الأثر علی ذلک بلا شک.
و لا شک أنه بالأصل معنی مجازی لأن الحقیقة الأولیة للید هو الید الجارحة التی تبدأ بالکف و تنتهی بالکتف.إلا أن تداولها بکثرة فی المعنی المأخوذ من القاعدة أوجب صیرورته استعمالا حقیقیا بلا إشکال.
و أمثال هذه الاستعمالات،أعنی استعمال الید فی غیر الجارحة،کان منذ الزمن القدیم و له تطبیقات فی القرآن الکریم.فعن ابن الأعرابی:الید النعمة و الید القوة و الید القدرة و الید الملک و الید السلطان و الید الطاعة و الید الجماعة و الید الأکل.و قول اللغوی یدل علی الاستعمال،و لا یدل علی الحقیقة إلا بنحو من جریان الأصل.إن أمکن.
و الید فی اصطلاح الفقه و القانون،لیس إلا السلطان.بمعنی التسلط علی الشیء و القدرة تکوینا علی التصرف فیه إجمالا.
و بذلک یفترق عن الملک بالکسر.لأن المالک قد لا یکون متسلطا علی ماله کما لو کان بید الوکیل أو الغاصب.کما أن المتسلط علی المال لیس بالضرورة أن یکون مالکا،و إن کان یدل ظاهرا علیه.کما لو کان المال بید غاصب یعترف بالغصب.
بل من الممکن القول بصدق الید لمجرد حیازته،و إن لم یکن له القدرة تکوینا علی التصرف فیه لعجز أو إکراه و نحوه.
و الحیازة هو الدخول فی الحوزة یعنی فی سلطة الفرد،و یعنی تحت الید،فالحیازة سبب للدخول تحت الید.و لیس معناهما مترادفان.اللهم إلا أن یلحظ استمرار الحیازة فتکون یدا.
و المراد بالسلطنة هنا،السلطنة التکوینیة،لا التشریعیة،و یراد بالسلطنة التکوینیة کون الشیء قریبا منه عرفا و فی حیازته،و فی مثل ذلک یصدق أن له
ید علیه.و یراد بالسلطنة التشریعیة قدرته علی إجراء المعاملات الصحیحة علی المال،و مجرد ذلک لا یبرر صدق الید،لوضوح أنه قد یکون قادرا علی ذلک،مع أنه خارج عن یده،بأن کان تحت ید وکیل أو غاصب.
کما أنه قد یکون المال تحت یده تکوینا،و لا یستطیع التصرف به تشریعا،کما لو کان مکرها علی الترک،أو کان مفلسا أو محجورا،و نحوه.
و لا یشترط فی صدق الید صدق المال أو المالیة،فلو کان الشیء فی حوزته و سلطنته،کان تحت یده،و إن لم یکن مالا لقلته کالقشة أو لحرمته کالخمر و الخنزیر أو لکونه حرا کالأطفال.
و ینبغی الالتفات إلی أن السلطنة هنا لیس بمعنی الملک بالضم و الحکم.فإن السلطان أو الحاکم و إن کان مسیطرا علی البلاد و مسلطا علیها، إلا أنه لا یصدق عرفا أنها تحت یده بالمعنی الذی نتحدث عنه،و لیس تحت یده إلا ما کان تحت سلطنته العرفیة أو قل الشخصیة.و لعل هذا الضیق ناشئ من ضیق النظر العرفی إلی الید،و عدم تصور ید بهذه السعة.
و من هنا لو کان لشخص من الأملاک ما تساوی دولة مترامیة الأطراف، لم یعتبر کله تحت یده،لوضوح عدم السیطرة شخصیا و تکوینا علی جمیعها دفعة واحدة،و إنما یوکل الأماکن البعیدة إلی أشخاص متعددین لا محالة.
کالمزارعین و الصناع و غیرهم.فتکون تلک الأماکن تحت یدهم بالوکالة.
و بالجملة فالسلطنة بالملک بالضم و الحکم،لا تنتج بمجردها یدا، حتی لو کانت المنطقة صغیرة،فمدیر المعمل قد لا یکون له ید علی جمیع المعمل،لمجرد أنه یشتغل فیه عدة ساعات کل یوم و یؤدی عمله الروتینی فیه،بالرغم من أنه یعتبر الحاکم أو المسؤول الأعلی فیه.و کذلک مدیر المدرسة و نحوها.
و یمکن القول عرفا فی أمثالها أن الید هنا نسبیة الصدق.فلو جاء شخص من خارج المعمل إلی مدیره صدق أن المدیر ذو ید و هذا الغریب
لیس ذو ید.علی حین لو قسنا المدیر بکل عامل علی حدة،فی حدود ما تحت حیازته،لکان هذا العامل ذو ید و لیس المدیر ذو ید.
خذ إلیک مثلا:لو مات شخص له أسره و عشیرة:فالمعزّی مباشرة هو أولاده.حتی أخوه ینبغی له أن یعزی الأولاد.إلا أن الأخ یتلقی التعزیة به من قبل الأبعد و الغریب.و ذلک یعنی أن الانتساب الأسری نسبی و الید نسبیة.
لکن العمل علی الید النسبیة،بعد صدق السلب عرفا،یعنی:أنه لا ید له علیه حقیقة و مباشرة،مشکل.إلا أن یحرز موافقة العرف علی ذلک.
تحصل مما سبق أن الید المصطلحة عرفا و فقهیا و قانونیا هی السلطنة التکوینیة الشخصیة علی الشیء.
و هی فی الفقه أمارة من الأمارات،و یراد بالأمارة ما کان دلیلا عند الشک.و هو معنی الحکم الظاهری ببعض إطلاقاته (1)
لأن الحکم الظاهری قد یطلق و یراد به السبب لحکم إثباتا کالید و البینة و الخبر الواحد،فحجیتها أحکام ظاهریة.و قد یراد به المسبب أی الأحکام الناتجة عن ذلک کالأحکام بالملکیة عند الشک أو الزوجیة أو بوجوب السورة بعد الفاتحة مثلا.
.و بذلک تفترق عن صورة الیقین،و لو بشکله العرفی فلو کان لنا یقین بشیء موضوعا أو حکما لم نحتج إلی الأمارة بما فیها قاعدة الید و غیرها.بل یکون الیقین هو الحجة و المعتبر سواء کان موافقا لهذه القاعدة أو مخالفا لها.و تختلف أیضا عن الأصل العملی سواء کان تنزیلیا أم لم یکن،فی اصطلاح الأصولیین.لأنهم أخذوا فی الأصل العملی:وجوب الجری العملی من دون الدلالة علی الواقع دلالة نوعیة،کما فی الأمارة.مع اختلاف التنزیلی عن غیره،ببعض الأمور التی هی مسطورة فی علم الأصول.
فالید أو قاعدة الید،هی أمارة لها دلالة نوعیة و عرفیة علی الواقع،
1) 1)
و بذلک تکون حاکمة علی الأصل العملی و مقدمة علیه،لو تعارضت معه،بل حتی مع الموافقة،لا یکون للأصل أی أثر.کما هو مسجل فی علم الأصول.
و من هنا نعرف:أن الید موضوع و حکم.فموضوعها،وجود الید تکوینا و تحققها خارجا.یعنی کون الفرد ذو ید و سلطة علی شیء.و حکمها هو الحجیة،بصفتها أمارة دالة دلالة نوعیة علی مؤداها،الذی هو غالبا الملکیة بالکسر.
و هذا هو أثرها أو نتیجتها الأهم،و هو أننا لو شککنا بملکیة شیء مما هو تحت ید أی فرد،حکمنا أن ملکه لدلالة الید علیه.و هذا هو الأثر الأول.
و الأثر الثانی،هو قبول قول ذی الید علی ما تحت یده،فلو قال:هو ملکی أو هو طاهر أو نجس أو أیة صفة أخری مما یقبلها العرف عادة،فإنها تکون مقبولة منه أساسا و لا نکلفه إثباتا آخر کشاهد أو یمین أو بینة إلا إذا وجد له مزاحم یکذبه،بحیث تصبح المسألة دعوی قضائیة.
و الأثر الثالث:أن ذو الید هو المنکر فی الدعوی القضائیة.لأن المدعی من خالف قوله الأصل و المنکر من وافق قوله الأصل،علی ما هو المشهور و الصحیح من تعریف المدعی و المنکر.
و الأصل فی هذا التعریف هو کل قاعدة شرعیة حجة،غیر الیقین،إذ مع الیقین لا مجال للدعوی القضائیة إطلاقا.و قد عرفنا أن الید من جملة القواعد الشرعیة،فتکون هی الجاریة فیما صدقت عنده،یعنی کان الشیء الذی یتداعون علیه تحت یده.فیکون هو المنکر،لأنه وافق قوله الأصل و یکون صاحبه المدعی.
و أوضح الأمثلة علی ذلک،ما لو کانت دار یسکنها شخص فرافعه شخص آخر عند القاضی العادل مدعیا أن الدار داره.فالشخص الآخر یکون مدعیا،لأنه یخالف قوله الأصل و هو الید،لأن الید تدل علی أن الدار لمن هی تحت یده و هو الساکن.فقوله إنها له علی خلاف ذلک.و یکون ساکن
الدار منکرا لأنه یوافق قوله الأصل و هو الید.
و قد ثبت فی کتاب القضاء بالسنة و الإجماع:أن علی المدعی البینة و علی المنکر الیمین.فإذا استطاع المدعی و هو الذی لا یسکن الدار و یدعی ملکیتها أن یقیم بینة،شاهدین عادلین،یشهدان علی صدقه أعنی ملکیته للدار،کانت الدار له فی ظاهر الشریعة.و إلا کان الیمین متوجها إلی ساکن الدار بأنها له فیحلف علی ذلک.و یکون الحکم له فی ظاهر الشرع أیضا.
و تفصیل الکلام عن ذلک فی کتاب القضاء.
و قد یقال:إن من آثارها و نتائجها أثرین آخرین:
الأول:الغیبة:و هو ما إذا رأیت مسلما قد تصرف فی ملکه تصرفا یدل علی الطهارة کما لو صلی فی ثوب أو أکل طعاما بعد غیاب سابق لم تره فیه.
و کان الثوب نجسا و تحتمل أنت أنه قد طهره حال غیابه عنک.فیدل تصرفه ذاک علی الطهارة.
فقد یقال:إن هذا ناشئ من قاعدة الید،لأنه کما تکون هذه القاعدة سببا لقبول القول کذلک تکون سببا لقبول الفعل.لو صح التعبیر.
إلا أن الصحیح أن ذلک و إن کان صحیحا إلا أن سببه لیس هو قاعدة الید،بل حمل المسلم علی الصحة فی أفعاله،و هی قاعدة أخری مسجلة فی الفقه.و من هنا قد تفترق عن الید،فیما لو لم یکن للشیء الذی تصرف فیه ید علیه بل کانت الید لغیره.فإنه ینتج القول بالطهارة مع ذلک.
الثانی:سوق المسلمین:الدال حسب ما نطقت به الروایات المعتبرة، علی صحة ما یباع فیه،و جواز شرائه و استهلاکه.علی تفصیل لیس هنا محله،و لعلنا نعقد له فصلا مستقلا.
و المهم الإشارة إلی أن هذا أیضا لیس بقاعدة الید،بل إن قاعدة:
سوق المسلمین،قاعدة منصوص علیها بحیالها،و إن کانت ملازمة للید غالبا،إلا أن الحکمة فی ذلک هو-حسب فهمنا-حمل فعل المسلم علی الصحة کما فی الأثر الأول و لیس لوجود الید أثر یذکر.
إذن،فالمهم فی الید،هو الآثار الثلاثة السابقة.مع بعض الفروق بینها مما قد یتضح فیما یلی من البحث،کما قد تتضح بعض التفاصیل،فیما کان ذکرها مجملا فیما سبق،أو لم نشر إلیه إطلاقا.
و هو دلالة الید علی الملکیة.فبالرغم من أنه أوضح أحکامها.إلا أننا ینبغی أن نشیر إلیه إجمالا.
فإنه مما یوافق علیه عرف العقلاء و سیرة المتشرعة،و علیه الإجماع فقهیا.مضافا إلی دلالة الروایات السابقة علیه و أکثر مما هو معتبر سندا.
و أوضحها فی العموم قوله فی موثقة یونس بن یعقوب:و من استولی علی شیء منه فهو له.بعد التجرید عرفا عن خصوصیة المورد.و الاستیلاء عبارة عن السلطنة و الید،و حکمها هو الملکیة المدلول علیها بقوله(فهو له).
و لا یضر ذلک:أن الروایة تتحدث عن الموتی،و الموتی لا ید لهم علی أموالهم.فإن جوابه:أنها تتحدث عنهم حال حیاتهم و حال وجود یدهم بطبیعة الحال.فقوله-مثلا:ما کان من متاع النساء فهو للمرأة.یعنی ما کان تحت ید المرأة فی حیاتها من متاع النساء فهو محکوم شرعا أنه(للمرأة)أو ملک لها،فیکون لورثتها بعد موتها.و کذلک الحال فی الرجل.
و الحکم بالملکیة نتیجة لتحقق الید مطبق فی عدد من هذه الروایات.
کقوله فی معتبرة مسعدة بن صدقة:و ذلک مثل الثوب یکون علیک قد اشتریته و هو سرقة.فهذا من جریان هذه القاعدة إما علی نفسه أو علی بائع الثوب له.
و قوله فی صحیحة جمیل بن صالح(فهو له)عن الدینار الذی یجده الرجل فی صندوقه بدون أن یکون تحت تصرف أحد غیره.
و قوله فی صحیحة محمد بن مسلم:قال:سألته عن الدار یوجد فیه
الورق.فقال:إن کانت معمورة فیها أهلها فهی لهم.
إلی غیر ذلک من التعابیر.
و هو قبول قول ذی الید کأمارة نوعیة معتبرة أو حجة شرعا.و هذا متسالم علیه فقهیا و متشرعیا إلی حد یحرز وجود الإجماع فیه،و لا نعرف أن فیه مخالفا.بل لعله إجماع علماء المسلمین.و علیه العرف و السیرة العقلائیة أیضا.
مضافا إلی قوله فی صحیحة إسحاق بن عمار:یسأل عنها أهل المنزل لعلهم یعرفونها.و هو فی المال الذی وجده الفرد فی منزل غیره فإنه کانت تحت یدهم قبل أن یأخذه.
إلا أن الاستدلال بهذه الصحیحة لا یخلو من مناقشة:
أولا:أن المال کان مذخورا فی الأرض أو بعض نواحی الدار بدون علم ساکنیها علی الظاهر.و مع عدم علمهم یشک فی صدق الید علی عرفا.
و الشک فی علمهم شک فی ذلک أیضا.فالأمر مشکوک کبری و صغری.و ما لم یحرز حصول الید لم تترتب آثارها.بل یکون مقتضی الأصل عدمها.
ثانیا:ما ذکره بعضهم من أنه لو کان ذلک إعمالا لقاعدة الید لکان اللازم دفعه إلیهم بدون أن یسألهم لأن حکم الید هو الحکم بالملکیة، و مقتضاه وجوب التسلیم لا السؤال.
ثالثا:معارضتها بصحیحة العیص بن القاسم السابقة،قال:سألته عن مملوک ادعی أنه حر و لم یأت ببینة.أشتریه.قال:نعم.
فإن مقتضی یده علی نفسه قبول قوله فیها بدون أن یحتاج الأمر إلی بینة.الأمر الذی یدل علی عدم قبول قول ذی الید أحیانا.فتأمل.
و من هنا أمکن القول بأن سؤال أهل الدار عن المال الذی فی دارهم
لیس من باب کونهم ذوو ید علیه،بل من باب الفحص عما هو ضائع.و هم أولی الناس بالسؤال و لو لاحتمال کونهم قد ذخروا المال عن علم و عمد.
و قد یقال:بأن صحیحة العیص مثلها روایة حمزة بن حمران السابقة، ستکون دلیلا علی عدم قبول قول ذی الید فیما کانت تحت یده.
إلا أن هذا لیس بصحیح لوجوه منها:
أولا:أن العبد الذی ادعی الحریة یتصور له شکلان من الید:
أحدهما:یده علی نفسه و الأخری:ید البائع علیه.
و من الممکن القول عرفا أن یدل الإنسان علی نفسه لیست یدا عرفیة، بل إن حصل قبول قوله فی نفسه فلقواعد أخری فقهیة غیر قاعدة الید، کالإخبار فیما لا یمکن أن یعرفه غیره.و إلا فید الفرد علی نفسه غیر متحققة.
و هذا ثابت عقلا أیضا لاستحالة اتحاد ذی الید مع ما له ید علیه.فتأمل.
و إذا انتفت ید العبد علی نفسه،بقیت الید الأخری لمولاه،أو بائعه، و هو یدعی أنه عبد مملوک له.فتقبل دعواه بقاعدة الید أو بسوق المسلمین.
ثانیا:أنه مع التنزل عن الإشکال الأول،تصبح المسألة مسألة تعارض بین دعوی العبد و دعوی مولاه.و إن لم تعرض علی القاضی.
فإذا أخذنا بقاعدة الید فی الجانبین،کانت المسألة من التداعی.لأن دعوی کلا منهما موافق لقاعدة الید فیتحالفان إن لم یکن لأحدهما بینة.
و إن أخذنا بقاعدة الید من جانب المولی فقط،کان قوله خلاف الأصل،فعلیه البینة لا علی العبد.إلا أن یقال:إنه لم یدع شیئا فی الفرض.بل الکلام کان من قبل العبد فقط،و کل شیء یدعی فالأصل عدمه،فیصبح العبد مدعیا.و علیه البینة.
و علی أی حال،فالروایة أقرب لإجراء قاعدة الید من جانب المولی فقط،دون عبده،فلا تکون معارضة لما سبق.
فهذا هو حاصل الدلیل علی الحکم الثانی.مضافا إلی أدلة دالة علی قبول قول ذی الید فی مختلف الموارد،کالطهارة و النجاسة و دفع الزکاة و الکیل و الوزن و نحوها کثیر مما لا مجال للتوسع فیه.
و أما الحکم الثالث،و هو المتعلق بالمدعی و المنکر،فمجاله کتاب القضاء،و لیس الآن.
یحسن بنا أن نعرض بعض الأسئلة حول بعض الروایات السابقة و نحاول الجواب علیها،ضمن الأمور التالیة:
الأمر الأول:أن معتبرة مسعدة بن صدقة،تؤسس قاعدة غیر قاعدة الید فلما ذا استدللنا بها علیها.
و تلک قاعدة هی قاعدة الحلیة أو أصالة الحل،و قد فهم منها الفقهاء إنها بدرجة الأصل و لیست بدرجة الأمارة.و لیس هنا محل بحثه.
و إنما المهم الآن هو أننا لو سرنا فی الأمثلة الثلاثة التی ذکرها الإمام علیه السلام لقاعدة الحل،لم تکن منها منطبقة علی الید إلا المثال الأول.
و لم یذهب إلی الجواز نتیجة لها بل نتیجة لأصالة الحل.و معه لا یثبت إجراؤه لقاعدة الید فی المثال.
و جوابه:أننا إما أن نقول:إن للفرد ید علی نفسه بحیث یقبل قوله فی نفسه بصفته ذو الید أو لا نقول بذلک.
فإن قلنا بذلک کانت جمیع الأمثلة منطبقة علی قاعدة الید،لأن الحر إن ادعی أنه عبد أو المرأة ان ادعت أنها أجنبیة و لیست أختا و لا بنتا مثلا.
کان قولهما مقبولا.
و أما الاحتمالات الأخری فی الروایة،کاحتمال سرقة الثوب و قهر العبد،فهی مجری لقاعدة الید نفسها.
و إذا تم ذلک،لم یبق دلیل علی تحقق قاعدة الحل خارج قاعدة الید.
إلا إطلاق(کل شیء حلال)الذی یمکن تقییده أو إجماله نتیجة للقرینة المتصلة بهذه الأمثلة.
و إن لم نقل بثبوت ید الفرد علی نفسه،کانت بعض الأمثلة خارجة عن قاعدة الید.و لکن یمکن الاستدلال بالصحیحة علی هذه القاعدة بأحد تقریبین:
التقریب الأول:أن الأمثلة المحتواة علی قاعدة الید،ممضاة من قبل الإمام علیه السلام.لأنها مذکورة کأمثلة للحل و نحن نعلم أن السبب الرئیسی للحل فیها هو الید.لما ثبت فی محله من تقدم الأمارة علی الأصل حتی فی مورد التصادق.فلا یبقی لأصالة الحل من الأمثلة إلا الموارد الأخری.
التقریب الثانی:أن القاعدة العامة للحل لیست قاعدة محددة،إنما المهم هو وجود الحل إجمالا ما لم یثبت التحریم.و لذا یقول:و الأشیاء کلها علی هذا.و من المعلوم أن عددا من الأشیاء یکون السبب فی الحکم بالحلیة لها قواعد فقهیة عدیدة منها أمارات و منها أصول عملیة.
نعم،إذا لم توجد أیة قاعدة،کانت قاعدة الحل وحدها محکمة.و معه فالحدیث عن حلیة عامة قد تندرج فیها قاعدة الید و غیرها.إذن فقاعدة الید مذکورة فی الجملة کدلیل علی الحلیة،و هو المطلوب.
هذا،و لکن کلا التقریبین،لا یخلوان من إشکال.الأمر الذی قد یسقط هذه الصحیحة عن الدلالة علی حجیة قاعدة الید.
الأمر الثانی:یقول فی روایة مسعدة:و المملوک عندک لعله حر باع نفسه.فکیف یبیع الفرد نفسه.
قد یسلم الفرد نفسه إلی بائع الرقیق لیبیعه مع الرقیق،لقاء مال یستلمه منه،و یکون الثمن للبائع،و الفرق بین المالین له.فیکون قد باع نفسه، و یکون المال الذی یأخذه له حسب زعمه عادة،أو لأبیه بصفته ولیا له حسب
زعمه.أو یصرف المال فی هدف معین کان قد أخذه هذا الفرد بنظر الاعتبار حین حاول بیع نفسه.
إلا أن الحر لا ثمن له و یحرم أخذ المال بإزائه،سواء له أو لغیره.إلا أن یکون کافرا قد أسره الجیش المجاهد،و حکم الولی باسترقاقه،و هو السبب الوحید للاسترقاق فی الإسلام،کما سبق فی مضمون هذا الکتاب.
و معه تکون عملیة بیع النفس باطلة.و هو محل الشاهد فی الروایة الآن.
الأمر الثالث:قال فی صحیحة جمیل بن صالح:رجل وجد فی منزله دینارا.قال:یدخل منزله غیره.قلت:نعم کثیر.قال:هذا لقطة.
و هذا قد یعنی اشتراط أن لا یکون معه غیره لجریان قاعدة الید.إذ لو کان هذا الشرط غیر متحقق أمکن جریانها رأسا و أحکم بأن الدینار له علی کل حال.و لما کان هذا الشرط غیر متحقق،حکم الإمام علیه السلام،بکونه لقطة.و مثله السؤال عن الصندوق الذی یضع فیه المال،إلا أن الراوی السائل افترض حصول الشرط فیه،و هو أنه لا یشارکه فیه أحد.فحکم الإمام علیه السلام بکون الدینار له.
و یزید فی الطین بلة،ظهور الروایة بأن الکثرة و القلة،لیس لها دخل فی الشرط و إنما المهم وجود الغیر إجمالا.فإن وجد و لو واحدا معه،لم یمکن جریان قاعدة الید.و هذا هو المستظهر من قوله:یدخل منزله غیره.
و قوله:یدخل أحد یده فی صندوق غیره.فالمهم وجود الغیر و لو کان واحدا.
و هذا یعنی إلغاء قاعدة الید مع الکثرة و انحصار أثرها مع الوحدة.إذ مع عدمها أصلا،لا یکون الدینار له حتی مع الوحدة.
و هذا مبنی علی حجیة القاعدة من باب الظن النوعی،أو حساب الاحتمالات،الکاشف عنه وجود الغیر.و حین یضعف احتمال تأثیر الید، یکون حکمها ملغیا.و من الواضح أنه لو شارک واحد فقط،یعود الاحتمال
إلی 50% و هو خال من الظن فضلا عن العلم.هذا فضلا عما إذا شارکه المتعددون.
و الروایة معتبرة السند،و قابلة للتجرید عن الخصوصیة،إلا أنه یکون فقط من زاویة اختلاف الأزمنة و الأمکنة.و أما تجریدها عن صورة التعدد إلی کل صور ضعف الاحتمال،فهذا مما لا یمکن لجریان العرف علی جریانها حتی فی مثل ذلک.لا نخرج به إلا فی مورد الروایة.و هو أمثال تلک الحادثة.
فإن قیل:إن هذا التجرید إن کان مستظهرا من الروایة کان مخصصا للفهم العرفی و السیرة.
قلنا:إن هذا المقدار من المخصص لا یکفی للنهی عن السیرة.فإن النهی عنها یحتاج إلی دلیل واضح و معتبر بحیث یستطیع أن یقاوم السیرة و یردع عنها:فلو بقینا نحن و هذه القاعدة،أمکننا أن لا نعمل بالروایة إطلاقا، إلا أن مقتضی حجیتها هو ذلک،و أما تعمیمها إلی غیر موردها،فمما لا سبیل إلیه.
و یهون الخطب أیضا،ما قد یقال من معارضتها بصحیحة محمد بن مسلم السابقة:سألته عن الدار یوجد فیها الورق.فقال:إن کانت معمورة فیها أهلها فهی لهم.من دون أن یفصل أو یقید بصورة دخول الغیر.جریا مع قاعدة الید.فیمکن أن تحمل صحیحة جمیل علی ضرب من الاستحباب أو الاحتیاط الاستحبابی.
إلا أن الصحیح،هو أن صحیحة جمیل قابلة لتقیید صحیحة محمد بن مسلم.فتختص الأخیرة،بما إذا لم یدخل أحد غیر أهل الدار.
و قد یقال:إن صحیحة جمیل خاصة بما إذا کان واجد الدینار صاحب الید،و هذه عامة،فتقید بها،و معه یختص شرط الانفراد بهذه الصورة،و هو ما إذا کان الواجد صاحب الید نفسه.
و هذا کلام وجیه،إلا أن العرف لا یکاد یجد فرقا بین الموردین.إلا أن
یناقش بجریان قاعدة الید عرفا علی نفس الواجد.فتکون صحیحة جمیل ذات حکم تعبدی خارج العرف حتی فی صورة کونه له،و فی مثله لا تکون مقیدة لقاعدة الید العرفیة،و لا متعرضة لها.إلا أن هذا أیضا علی خلاف الفهم العرفی.فالصحیح هو اشتراط عدم الکثرة فی مورد الروایة.
الأمر الرابع:قال فی صحیحة محمد بن مسلم:و إن کانت خربة قد جلا عنها أهلها،فالذی وجد المال أحق به.
فقد یقال:إن مقتضی قاعدة الید هو دفعه إلی الأهل السابقین،لأنهم کان لهم ید علی ذلک المال أو سؤالهم عنه علی الأقل.و کلا الأمرین غیر مذکورین فی الروایة،الأمر الذی قد یدلنا علی إلغاء قاعدة الید أساسا أو فی بعض الصور.
إلا أن الصحیح خلاف ذلک،إذ لا حکم لقاعدة الید إلا مع إحرازها.
و هی غیر محرزة فی المورد کما هو واضح لاحتمال تقدم وجود المال علی تلک السکنی السابقة و احتمال تأخره عنها.و احتمال عدم علمهم به أصلا، الأمر الذی استشکلنا معه بصدق الید.و إذا لم تکن الید محرزة فلا حکم لها،و کان الواجد أحق بالمال.
ینبغی أن لا ننسی بعض التفاصیل الأخری لقاعدة الید،و نحن بصدد البحث عنها،و یخطر لی فعلا أن أذکر هذه التفاصیل ضمن أمور متسلسلة حسب الترقیم السابق.و قد سبق قبل هذا العنوان أمور أربعة.
الأمر الخامس:إن الید قد تکون سببا للملک أحیانا.إلا أن هذا الحکم غیر قاعدة الید المبحوث عنها کما سنوضح و إن اشترکت معها فی عنوان الید.
فإن الید تکون سببا للملک،فی حیازة غیر المملوک و إدخاله تحت الید.فی عدة موارد
المورد الأول:فی المباحات الأصلیة المنقولة،کالأخشاب و الأحجار و غیرها.فإن حیازتها مع قصد الملک و لو ارتکازا،کاف فی حصول التملک.
نعم لو لم یوجد له هذا القصد أصلا،أشکل الحکم بحصول الملک، و مقتضی الاستصحاب عدمه.إلا أنه لو ادعی القصد وجب القبول منه لأنه مما لا یعرف إلا منه.
المورد الثانی:فی الأراضی الموات.فإنها تکون ملکا لمن أحیاها.
و أما مجرد الحیازة.فلا تکفی فی الملکیة عند مشهور الفقهاء و إنما تفید حق الاختصاص.و استفادته من قوله(من أحیا أرضا فهی له)متوقف علی استفادة الشرطیة ذات المفهوم،أو القول بمفهوم الوصف،و هو کما تری.
و علی أی حال،فالید أنتجت حق الاختصاص.الذی قلنا فی فصل سابق أنه من نوع الملکیة إلا أنه فاقد لرسوخها و کمالها.حتی یمکن المعاوضة علیه،و لکن یکون للمشتری ما للبائع من الحق دون زیادة.
المورد الثالث:ما أعرض عنه المالک،فخرج بذلک عن الملکیة، و أخذه غیره فدخل فی ملک الثانی.
و هذا یدلنا علی أمرین:
أحدهما:أن انتفاء الید عن علم و عمد،یکون سببا لانتفاء الملک،بناء علی ما هو الصحیح من أن الإعراض سببا لذلک.فللإنسان أن یفک یده عن ملکه و إذا حصل ذلک خرج المملوک عن ملکه.
ثانیهما:أن حصول الید سبب لحصول الملکیة.و هذا محل الشاهد الآن،لأنه یشبه المباحات العامة،إذ المال بالإعراض أصبح من المباحات العامة.و بالحیازة یدخل فی الملکیة.
و لو کان المحاز هنا مما أسقط الشارع المقدس ملکیته ثبت للحائز حق الاختصاص.
المورد الرابع:المال المجهول المالک.و هو المال الذی له مالک إلا
أنه لا یتعین فی فرد معین،بل ملک مجموعة ضخمة من الناس لا علی التعیین،بحیث لا یعقل إرجاعه إلیهم أو سؤالهم عنه.
و سبب حصوله و إن کان هو الغصب بالأصل،إلا أن عدم تعیین المالک تحت أی عنوان محدد یمکن الفحص عنه من دون حرج،جعله یختلف حکما عن الغصب الفردی لکون مالکه محدد أ یمکن الفحص عنه بدون حرج.بخلاف مجهول المالک.
إلا أن حیازة مجهول المالک،وحدها لا تکفی للتملک و لو مع نیة التملک.لأن الحائز یعلم أن هذا المال مملوک لغیره و إن کان المالک مجهولا،فکیف یصح منه نیة التملک علیه.
و بهذا یختلف عن الصور السابقة،إذ فی هذه الصورة یحتاج حصول التملک بالقصد إلی شرط معین و هو إذن الولی العام بالحیازة و قصد التملک.
لأن هذا المال بعد أن انفک عن مالکیة غصبا،لم یکن له ولی إلا الولی العام،و هو الغائب و المالک هنا غائب أو بحکمه.فتکون له الولایة فیه.فله أن ینوی هو التملک علیه،کما یمکن أن یأذن بنیة التملک لغیره،و هذا هو المتبع الآن فی العصور الحاضرة مع کثرة هذا النوع من الأموال فیها.
الأمر السادس:فی عموم قاعدة الید و شمولها،لغیر الأعیان المملوکة، مما یکون تحت الید.کالمنافع من ناحیة و من یکون تحت یده من البشر کالزوجة و الأولاد و العمال و غیر ذلک.و هذا ینتج ترتب آثار قاعدة الید الثلاثة السابقة کل بحسبه.
فلو کان الشیء قابلا للملک کالمنافع المحللة أمکن الحکم بملک ذی الید و إن لم تکن محللة کان له فیها حق الاختصاص،إلا إذا کان الانتقال إلیه بمعاملة فاسدة.
و من ناحیة البشر یمکن قبول قوله فیهم من ناحیة عدالتهم و بلوغهم و انتسابهم إلیه و غیر ذلک.کما یکون تعیین المدعی من المنکر طبقا لقاعدة
الید،کما لو تداعی اثنان صبیا ساکنا مع أحدهما،کان ذو الید منکرا و الآخر مدعیا.
و الظاهر:أن علی کل ذلک حکم العرف و سیرة المتشرعة و العقلاء.أما بالنسبة إلی المنافع فواضح،لأنها من جملة المالیات التی یمکن دخولها تحت الید عرفا،و دخولها تحتها بدخول العین.
و أما بالنسبة إلی البشر،فلا ینبغی أن یشک فی قبول قول ذی الید فیهم.لا من باب الوثاقة،بل من باب التعبد بقوله بهذه الصفة.الأمر الذی یدلنا علی أنه صاحب ید عقلائیا،فیکون تشخیص المدعی و المنکر فقهیا مترتب علی ذلک،سواء رتبه العقلاء فعلا فی محافلهم أم لا.
الأمر السابع:فی الید العادیة.
فلو کان شخص غاصب جعل تحت یده أموالا مسروقة،و هو معنی الید العادیة،یعنی بسبب.العدوان فهل یکون قوله مقبولا فیها أم لا.
المشهور و الصحیح هو ذلک فیما یصح منه ذلک.و إنما یصح فی غیر الملکیة بعد العلم بکونه غاصبا.فلو قال:هو ملکی أو تحت إجارتی أو آجرته لغیری لم یقبل حتما.و أما لو قال:هذا طاهر أو نجس أو هو ملک فلان أو عمر الولد أو البنات مثلا کذا و کذا،مما له أثر شرعی و یمکن تعرفه علیه،کان حجة.
و الدلیل علی الحجیة،هو السیرة العقلائیة غیر المنهی عنها شرعا،بل یمکن أن یقال بوجود سیرة المتشرعة علیه و إذا تم ذلک،أمکن أن تطبق قاعدة المدعی و المنکر علیه،لا علی المالک لغرض أن المالک لیس ذو ید فی ذلک الحین.
إذن فأثران من الآثار الثلاثة القاعدة الید یمکن أن تترتب،دون الأول، و هو الحکم بالملکیة،لأن المفروض العلم بعدمها أو قیام الحجة علی العدم بأمارة سابقه رتبة علی قاعدة الید.
هذا،و لا شک،أننا إلی هنا لم نستوعب جمیع تفاصیل قاعدة الید،إلا أن تعریفها و المهم من شرائطها و تفاصیلها،قد تم المرور علیه،و الحمد للّه، و هذا یکفی فیما یناسب موضوع هذا الکتاب.
سوق المسلمین
(سوق المسلمین)من القواعد الفقهیة الظاهریة،بمعنی أنها حجة فی حال الشک،کحال أی حکم ظاهری آخر.
و مؤداها جواز الشراء من المسلم أو من سوق المسلمین و إن کان المشتری یحتمل ضمنا أن المبیع فیه جانب من جوانب الحرمة،کما لو کان مغصوبا أو کان اللحم میتة أو کان الطعام متنجسا بحیث یتعذر تطهیره و نحو ذلک من الإشکالات.
و مقتضاها أو حکمها أن یحمل المسلم البائع علی الصحة و أنه لا یعرض المتاع للبیع إلا محللا من جمیع الجهات.
و الشک فی ذلک یتصور علی أقسام:
القسم الأول:الشک فی کون المتاع مسروقا،أو مغصوبا أو مجهول المالک أو فیه خمس أو زکاة غیر مدفوعة،أو من المال الحلال المختلط بالحرام و نحوه.
و هذا کله مدفوع بقاعدة الید التی بحثناها فی الفصل السابق.و هی جاریة و أثرها تحلیل المتاع و صحة المعاملة،سواء کانت بیعا أو أی شیء آخر.ما لم یعلم المشتری بوجود الحرام فیه،کله أو بعضه،فیشمله حکمه.
و الحکم إجمالا فی الحرام هنا،هو وجوب إیصاله إلی مستحقه فإن کان مغصوبا وجب إرجاعه إلی صاحبه أو الفحص عن صاحبه و لا یجوز إرجاعه إلی البائع.
و إن کان فیه خمس أو زکاة،وجب علی المشتری دفعها،و له أن یرجع بها علی البائع.
و إن کان المال مجهول المالک،فمن الناحیة العملیة یجب دفعه إلی الحاکم الشرعی أو قبضه بإذنه.
و إن کان من المال الحلال المختلط بالحرام.فإن کانت النسبة هی الخمس فأقل یعنی 20%.حلّ بدفع خمسه.و إن کانت أکثر وجب الدفع حتی نعلم بالحلیة أعنی حلیة الباقی.فیجزی هنا دفع الأقل لو تردد الأمر بین نسبتین مثل 40%أو 45%و یجزی دفع 40%من المال إلی المستحق و هو إما الحاکم الشرعی أو الفقراء أو المصلحة الإسلامیة العامة للمجتمع.
و أما مع الشک بوجود الحرام و عدم وجوده أساسا،فیجوز الشراء و لا یجب السؤال من البائع للتحقق من وجوده.و ذلک لحجیة قاعدة الید،الدالة علی الملکیة الصحیحة لما یبیعه و لیس هذا من قاعدة(سوق المسلمین)کما سنشیر،و إن ارتبطت بالسوق عملیا.
القسم الثانی:الشک فی الحیوان الذی نشتریه بقصد أکل لحمه،هل هو مأکول اللحم أم لا کبرویا أم صغرویا.
و المراد من الشک کبرویا،هو أن نعرف نوع الحیوان إلا أننا نشک أنه مما یؤکل لحمه أم لا کالزرافة و الکنغر مثلا.
و المراد من الشک صغرویا،هو أن لا نعرف نوع الحیوان فإن کان جملا جاز أکل لحمه و إن کان زرافة أو حیوان اللاما مثلا لم یجز و هکذا.
إلا أن هذا الشک فی حلیة الأکل لا دخل له فی صحة المعاملة.بل المعاملة صحیحة علی أی حال،و لیس لقصد المشتری أن یأکل من لحمه دخلا فی ذلک،بعد أخذ أمرین بنظر الاعتبار.
الأمر الأول:لو کان الحیوان حرام اللحم یقینا و کان المشتری قاصدا أکله یقینا أو اشترط ذلک ضمن العقد،کانت المعاملة باطلة.
و المراد بالیقین:الیقین العرفی أو قیام الحجة الشرعیة علیه.فإن حصل الیقین الکامل،کان ذلک أشد ثبوتا.
الأمر الثانی:أننا لو شککنا فی نوع الحیوان المباع،بالنحو الثانی، کان من بیع المجهول الذی لا یصح.فلا بد من التأکد من نوعیته قبل بیعه لیصح البیع.
القسم الثالث:من أشکال الشک فی المبیع:الشک فی حصول الحرمة العرضیة علی المبیع قبل البیع،کالنجاسة غیر القابلة للتطهیر أو کون الطعام مضرا بحیث یحرم أکله أو شربه کبرویا أو صغرویا.
و نرید بالکبری أننا قد نجهل أن هذا النوع من النبات أو ذاک مضرا أو غیر مضرر.و بالصغری:أن نعرف نوع البیع و أنه سلیم بطبعه،إلا أنه لعله تعفن بشدة أو أضیفت إلیه مادة مضرة أو نحو ذلک،فأصبح حرام التناول.
و علی العموم،فإن هذه الشکوک لا تؤثر علی صحة المعاملة إذا أخذنا بعض الأمور بنظر الاعتبار.
الأمر الأول:أنه إذا کان الطعام حراما،و لکن المشتری أخذه بعنوان أن یأکله أو اشترط ذلک فی العقد،بطلت المعاملة.
الأمر الثانی:ان الطعام إذا کان مضرا سقط عن القیمة.فإذا لم یکن له قیمة،کان دفع الثمن بإزائه أکلا للمال بالباطل.
الأمر الثالث:إذا علم البائع أو شک فی عروض أی نقصان خفی علی المشتری و خاصة ما کان من المحتمل أن یؤدی إلی الحرام کأکل النجس أو أکل المضر.وجب علیه أن یبین ذلک للمشتری.فإن بینها له،صحت المعاملة بعد أخذ الأمرین السابقین بنظر الاعتبار.و سقط تکلیف البائع أمام اللّه تعالی أیضا ببیانه.و انتقل تکلیف الحرمة إلی المشتری إذا أراد أن یورط نفسه بها.
و کلا هذین القسمین الأخیرین،کالأول،لیس من قاعدة سوق
المسلمین.فإذا عرض المسلم المادة لا یدل ذلک علی جواز استعمالها أو أکلها،بأی سبب من الأسباب السابقة أو غیرها.
القسم الرابع:الشک فی التذکیة،بعد الیقین بقابلیة الحیوان للتذکیة و حلیة أکل لحمه.
و یشمل ذلک،حلیة اللحم و الشحم و العظم و الجلد و کل ما یتنجس علی فرض کونه میتة.
و هذا من موارد قاعدة سوق المسلمین.فلو شک المشتری بصحة تذکیة القصاب کان له البناء علی الصحة و لا یجب علیه السؤال و الفحص عن کیفیة الذبح مثلا.
و تعتبر هذه القاعدة من الأمارات المتقدمة أو الحاکمة علی الأصول العملیة،کأصالة عدم التذکیة.لأننا لو بقینا و الأصول العملیة کان اللازم الاجتناب عن اللحم لأصالة عدم التذکیة الناشئة من استصحاب عدمها من حال الحیاة أو من العدم الأزلی،کما هو مبحوث فی علم الأصول علی أشکال سنذکره.
إلا أن هذا الأصل محکوم لقاعدة سوق المسلمین،التی هی أمارة حاکمة علیه.
إلا أن أصالة عدم التذکیة فی نفسها محل إشکال،و إن تسالموا علی صحتها و کان الأحوط تطبیقها،إلا أن أساسها النظری لا یخلو من نقاش.إذ قد یقال:إن جریان الاستصحاب من حین الحیاة غیر تام لتغیر الموضوع، کما أن استصحاب العدم الأزلی غیر جار کما هو محقق فی علم الأصول، و حتی لو جری استصحاب عدم التذکیة.فإن غایة ما یثبته هو عدم حصول التذکیة و هو لا یثبت عنوان المیتة المحرمة إلا بالأصل المثبت.أی اللازم العقلی،و هو لیس بحجة.
یضاف إلی ذلک استصحاب الحلیة فی حال الحیاة،إذ لم یثبت حرمة
أکل الحی،و الأصل الجواز و هو أصل لفظی مضافا إلی الأصل العملی، فنستصحب أثره إلی ما بعد الموت و المفروض أننا لا نعلم بموضوع الحرمة و هو عدم التذکیة،فتأمل.
القسم الخامس:من الشک فی المبیع:أنه من نوع الحیوان غیر المأکول اللحم.أما بالنسبة إلی ما یؤکل من الحیوان،أو مما یلبس یعنی الوبر و الجلد و نحوه.بعد إحراز التذکیة أو بدونه.
فلو شککنا أن اللحم من مأکول اللحم کالبقر أو غیره کالفقمة،کان مقتضی قاعدة سوق المسلمین هو البناء علی الحلیة،بالرغم من جریان أصالة عدم الحلیة کما قیل.
و کذلک لو شککنا فی قماش أو حزام أو أی شیء آخر أنه من جلد أو شعر أو وبر أو ریش مما یؤکل لحمه أو من غیره،بنحو الشک صغرویا.یعنی مثلا لا نعلم أنه ریش الحمام أو ریش الصقر.کان مقتضی قاعدة سوق المسلمین هو البناء علی الحلیة،بالرغم من جریان أصالة عدم الحل،کما قیل،و جریان استصحاب اشتغال الذمة مع الصلاة فیها.إلا أن الصلاة فیها تکون مجزیة لقاعدة سوق المسلمین.
و أما لو کان هذا الشک کبرویا.کما لو علمنا أن الریش ریش الهدهد مثلا،و شککنا أنه مما یؤکل أو لا.لم یکن لذة القاعدة أثر.و إنما یجب السؤال من المجتهد عن هذه الجهة.
و لو صح حمل البائع فی مثل ذلک علی الصحة،و أنه لم یأت بهذا الریش مثلا،إلا بعد أن تأکد أن الهدهد مما یؤکل لحمه.إلا أن هذا تابع لما یعرفه اجتهادا أو تقلیدا،فالبناء علی ما یعتقده غیر صحیح،ما لم یعلم المشتری باشتراکهما فی الاجتهاد أو التقلید.
و یشمل هذا القسم من الشک و القسم السابق ما یعمل من أجزاء الحیوان من المأکولات فی المطاعم أو الأطعمة المستحضرة إذا کانت من صناعة المسلمین.و مثاله:ما إذا احتملنا أن المنفحة الموضوعة فی الجبن
غیر مذکاة،و هو ملحق بالقسم الرابع من الشک.أو أنها مأخوذة من حیوان غیر مأکول اللحم،و هو القسم الخامس.و علی أی حال،یمکن البناء علی حلیته و أکله بدون وجوب السؤال.و قد عرفنا أن هذین القسمین الأخیرین من الشک هما مورد القاعدة التی نتحدث عنها.
و لا ینبغی أن یفوتنا أن نستشهد ببعض الأخبار الدالة علی ذلک:
منها صحیحة محمد بن أبی نصر (1)
أبواب النجاسات:باب 50:حدیث 1.
،قال:سألته عن الرجل یأتی السوق فیشتری جبة فراء لا یدری أ ذکیة هی أم غیر ذکیة.أ یصلی فیها.فقال:نعم.لیس علیکم المسألة.أن أبا جعفر کان یقول:إن الخوارج ضیقوا علی أنفسهم بجهالتهم.إن الدین أوسع من ذلک.
و عن ابن أبی حمزة (2):أن رجلا سأل أبا عبد اللّه علیه السلام:و أنا عنده عن الرجل یتقلد السیف و یصلی فیه.قال:نعم.فقال:الرجل إن فیه الکیمخت قال:و ما الکیمخت.قال:جلود دواب منه ما یکون ذکیا و منه ما یکون میتا.فقال:ما علمت أنه میتة فلا تصل فیه.أقول:معناه:أنه مع الشک تجوز الصلاة فیه کما سنوضح.
و صحیحة إسحاق بن عمار (3)عن العبد الصالح علیه السلام أنه قال:
لا بأس بالصلاة فی الفراء الیمانی و فیما صنع فی أرض الإسلام.قلت:فإن کان فیها غیر أهل الإسلام.قال:إذا کان الغالب علیها المسلمین فلا بأس.
و صحیحة أحمد بن محمد بن أبی نصر (4)،عن الرضا قال:سألته عن الخفّاف یأتی السوق فیشتری الخف.لا یدری أ ذکی هو أم لا.ما تقول فی
الصلاة فیه،و هو لا یدری.أ یصلی فیه.قال:نعم.أنا أشتری الخف من السوق و یصنع لی و أصلی فیه و لیس علیکم المسألة.
و عن إسماعیل بن عیسی (1)
المصدر:حدیث 7.
قال:سألت أبا الحسن علیه السلام عن جلد الفراء یشتریها الرجل فی سوق من أسواق الجبل.أ یسأل عن ذکاته إذا کان البائع مسلما غیر عارف.قال:علیکم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأیتم المشرکین یبیعون ذلک.و إذا رأیتم یصلون فی فلا تسألوا عنه.إلی غیر ذلک من الأخبار و هی عدیدة.
و ینبغی التعلیق علی ذلک بعدة أمور:
الأمر الأول:فیما یدل علی عموم القاعدة من هذه الروایات.
و الدلالة علی ذلک بعدة وجوه نذکر أهمها:
الوجه الأول:قوله علیه السلام:ما علمت أنه میتة فلا تصل فیه.و هو واضح بعد ضم السؤال إلی الجواب،بالقول بأنه إذا لم یحصل العلم لا یحصل الحکم و هو النهی عن الصلاة.سواء کان معلوم التذکیة أو مشکوکا.
بل مورد السؤال هو الشک فیکون هو أیضا مورد الجواب.فکأنه قال:إذا کان مشکوک التذکیة فلا بأس بالصلاة فیه.
الوجه الثانی:النص علی عدم وجوب السؤال فی عدة روایات مما سبق.و معناه جواز ترتیب الأثر علی الجواز و الصحة بدون السؤال،إذ لا معنی عرفا لإلغاء السؤال إلا ذلک.
لأن المتشرع إذا کان شاکا بحصول شیء من الحرام کعدم التذکیة، فإنه یمیل نفسیا إلی السؤال.فقد یحصل فی نفسه تخیل وجوب هذا السؤال، و الروایات تنهی عنه،و هو نهی فی مورد تخیل الوجوب فیدل علی الإباحة أو
1) 1)
جواز الترک.و معناه عدم وجوب ترتیب الأثر علی ما یحصل من الشک فی النفس.
الوجه الثالث:التحویل علی صفة الإسلام،و أنه إذا کان الغالب المسلمون،یعنی الأکثریة بشکل واضح.فلا بأس.
و هذا ینتج عدة نتائج:
الأولی:أنه یشترط فی جریان هذه القاعدة إسلام البائع.فلو اشترینا ممن نعلم أنه غیر مسلم فإنها لا تجری و لذا یقول فی روایة سابقه:علیکم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأیتم المشرکین یبیعون ذلک.
الثانیة:إن هذه القاعدة جاریة ما جرت عاصفة الإسلام.علی إشکال سوف یأتی تحقیقه بعون اللّه.
الثالثة:أنه إذا کان الغالب المسلمون جاز الشراء ممن تشک بإسلامه، إذ أنه ملحق بالأعم الأغلب،یعنی أنه من المسلمین بحساب الاحتمالات، سواء طابق الواقع أم لا.
بل الصحیحة ظاهرة بجواز الشراء من الکافر إذا کان الغالب المسلمون.ممن نعلم بکفره من الباعة.و علیه المشهور لصدق سوق المسلمین عندئذ.و لولا نص الصحیحة لکانت المسألة مشکلة إلا أنه لا بد من الفتوی علی طبقها و هی الحجة.
و ما قاله بعضهم (1)
المستمسک:ج 1:ص 328. [1]
من جواز الشراء من الکافر دون المشکوک غریب تماما.لأن المشکوک یجوز الشراء منه علی التقدیرین یعنی سواء کان مسلما أو کافرا.علی أن صورة الشک من موارد سؤال السائل،کما هو واضح لمن یتأمل سؤاله.فیکون مشمولا للجواب أیضا.و تمام الکلام موکول إلی الفقه.الأمر الثانی:أن الأخبار السابقة دالة علی جواز شراء الفراء و الجلود.
1) 1)
إلا أن قاعدتها العامة شاملة لکل ما یشک فیه.و خاصة الشک فی التذکیة أو فی القابلیة لها.و لعلها شاملة لبعض الشکوک الأخری التی ذکرناها فیما سبق،فیما لم تکن هناک قاعدة فقهیة أخری جاریة فیها،غیر هذه القاعدة.
و المهم الآن أن القاعدة کما تشمل الجلود تشمل اللحوم.بعد التمسک بعموم القاعدة،أو التجرید عن الخصوصیة.إلا أن اللحوم اختصت بروایة صحیحة:
و هی ما عن الفضلاء الثلاثة:الفضیل و زرارة و محمد بن مسلم أنهم سألوا أبا جعفر علیه السلام:عن شراء اللحوم من الأسواق و لا یدری ما صنع القصابون.فقال علیه السلام:کل.إذا کان فی سوق المسلمین و لا تسأل عنه.
و قوله(کل)و هو أمر فی مورد احتمال الحظر،فیدل علی الجواز.
واضح فی ترتیب جمیع آثار التذکیة إذ لا یحتمل فقهیا جواز الأکل من دون جواز الصلاة فیه.إلا أن مورد هذه الصحیحة هو الشک فی التذکیة لا الشک فی قابلیتها.
الأمر الثالث:أن الروایات السابقة تدل علی الجواز حتی مع الشک فی القابلیة علی التذکیة و غیره،لوضوح أنه یسأل عن الجلود و عن الفراء و نحوها، و لم یعلم أنه مأخوذ من أی حیوان هل هو قابل للتذکیة أم لا،و هل هو مأکول اللحم أو لا.و هل هو من الحشرات عرفا أم لا إلی غیر ذلک من الاحتمالات.و کلها یمکن البناء فیها علی الصحة و الجواز.بالرغم من الأصول النافیة الجاریة فی موردها،کما قلنا فیما سبق.
یترتب علی اشتراط الإسلام فی السوق عدة نتائج،سبق أن أشرنا إلی بعضها،و نرید هنا أن نتعرض إلی تفریعین:
التفریع الأول:ان المسلم إذا کان علی غیر حق أو کان متهاونا فی
دینه،و عرفنا بشخصه کذلک،فهل یجوز جریان القاعدة فیه أم لا.
التفریع الثانی:ان المسلم إذا کان قد اشتری اللحم أو الجلد أو نحوه من الکافر،و نعلم أنه قد عمله الکافر و باعه أیضا،فهل تجری فی مثل ذلک هذه القاعدة أم لا،عند ما نشتریه من المسلم الذی أصبح مجرد واسطة بیننا و بین الکافر،بدون أی احتمال فی تغییر المادة أو التصرف فیها.
أما التفریع الأول،فلا إشکال من جریان الحکم فی کل مسلم بمختلف المذاهب الإسلامیة،و فی جریانه فی من حکم بکفره ممن یدعی الإسلام إشکال.
فإن قبلنا فی جریان القاعدة فی الکافر مع صدق سوق المسلمین،کما قربنا فیما سبق،ففی من یدعی الإسلام أولی بالصحة،و إن لم نقبله،للطعن فی الدلالة أو لإعراض الأصحاب.عاد الإشکال إلی محله.و کان جریان هذه القاعدة مخالف للاحتیاط.
و بالأخص إذا استشکلنا،کما یأتی بعد قلیل فی المتهاون بالدین، فمثل هذا الذی حکم بکفره،یکون أولی بالمنع.
و أما الحدیث عن المتهاون فی الدین،فقد وردت فیه بعض الروایات التی قد یستدل فیها علی المنع.
فعن عبد الرحمن بن الحجاج (1)
الوسائل أبواب النجاسات:باب 61:حدیث 4. [1]
قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:إنی أدخل سوق المسلمین أعنی هذا الخلق الذین یدعون الإسلام.فأشتری منهم الفراء للتجارة.فأقول لصاحبها:أ لیس هی ذکیة فیقول:بلی.فهل یصح لی أن أبیعها علی أنها ذکیة؟فقال:لا بأس أن تبیعها و تقول:قد شرط لی الذی اشتریتها منه أنها ذکیة.قلت:و ما أفسد ذلک؟قال:استحلال أهل العراق للمیتة و زعموا أن دباغ جلد المیتة ذکاته.ثم لم یرضوا أن یکذبوا فی ذلک إلا علی رسول اللّه صلی اللّه علیه و علی آله.
1) 1)
و عن أبی بصیر (1)
المصدر أبواب لباس المصلی:باب 61:حدیث 2. [1]
،قال:سألت أبا عبد اللّه علیه السلام:عن الصلاة فی الفراء.فقال:کان علی بن الحسین علیه السلام رجلا صردا لا یدفؤه فراء الحجاز،لأن دباغها بالقرظ.فکان یبعث إلی العراق فیؤتی ممّا قبلکم بالفرو فیلبسه.فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقی القمیص الذی یلیه.فکان یسأل عن ذلک:فقال:إن أهل العراق یستحلون لباس الجلود المیتة،و یزعمون أن دباغه ذکاته.إلا أن هاتین الروایتین لا تخلوان من المناقشة سندا و دلالة.فإنها من حیث الدلالة مختصة بصورة الاختلاف بالاجتهاد،و إن النهی إنما ورد لأن أهل العراق کانوا یزعمون أن الجلد المدبوغ بحکم المذکی و أن(دباغه ذکاته)و ان کان میتة بالأصل.و بالتجرید عن الخصوصیة تشمل کل اختلاف فی الاجتهاد و إن کانوا علی مذهب واحد،إن کان علی هذا المستوی بحیث یری أحدهم النجاسة و الآخر الطهارة.أو یری أحدهم الحلیة و الآخر الحرمة.
و لا یمکن شمول مثل هذه النصوص لمطلق التسامح فی الدین.فتبقی صورة التسامح مشمولة لقاعدة سوق المسلمین کما أسسناها.إلا مع حصول العلم العرفی.أی الوثوق و الاطمئنان بعدم تطبیق القاعدة الشرعیة علی الإطلاق من قبل البائع.فیکون الناتج ملحقا بالحرمة لا محالة.
هذا مضافا إلی بعض المناقشات الأخری فی الدلالة،لا حاجة إلی ذکرها.غیر المناقشة فی السند التی تسقطها عن الحجیة،و یبقی ما قلناه علی القاعدة صحیحا.
و أما التفریغ الثانی:و هو احتمال حجیة سوق المسلمین حتی لو کان مسبوقا بید الکافر قطعا.
و قد بنی فی المستمسک (2)علی الجواز و الحجیة،و قال:فالظاهر کونها
امارة أیضا،کما یقتضیه إطلاق کلماتهم،و صرح به غیر واحد.و حاول أن یستدل علیه.
و ینبغی أن نلتفت أولا إلی أن حجیة السوق إنما تکون مع احتمال التذکیة،و أما مع الاطمئنان بعدمها فلا حجیة لها کما عرفنا.و من المعلوم أن ما یؤخذ من أیدی الکفار نعلم بالیقین أنهم لم یطبقوا أحکام الإسلام علیه أصلا،فکیف نحتمل التذکیة فی اللحوم و الجلود المستوردة منه.
بل حتی مع احتمال التذکیة،لفرض عدم تأثیر ید المسلم علی الإطلاق فیه قطعا.ففی الواقع،فإن المتاع خارج من سوق الکفار رأسا،و ما کان کذلک لا یمکن القول فیه بالحلیة.
و بعبارة أخری:إن سوق المسلمین أخذت حجیته بصفته حکما طریقیا إلی التذکیة المشکوکة أو المحتملة کما هو المستفاد من الروایات السابقة و غیرها.و من غیر الممکن أن یستفاد منها کونها حکما نفسیا تعبدیا قائما بذاته،بغض النظر عن الأیدی السابقة علیه.
و ما قاله (1)
المصدر ص 331.
:من أنه لا مجال للاحتمال المذکور للعلم بوجود الکفار فی بلاد المسلمین و تداول ذبحهم للحیوانات و أکلهم لها،و بیع جلودها.فهو غریب منه،لأنه یؤدی إلی دعوی السیرة بجواز ذبح الکفار.مضافا إلی ظهور الروایات بعدم هذه السیرة و أن القصابین من المسلمین کانوا محل استشکال المتشرعة فضلا عن الکفار و کثرة الأسئلة تدل علی ذلک قطعا.
و إذا سرنا علی طریقه لم یبق لسوق المسلمین دخل أصلا،فأما أن نقول بحجیة کل سوق أو نقول بجواز ذبح الکفار و نحو ذلک.و کلها مما لا یمکن المصیر إلیه.
1) 1)
إذن،فسوق المسلمین لیس بحجة فیما جلب من الکفار مما لا أثر لید المسلم علیه.
نعم،لو کان لید المسلم أثرا علیه فی الحلیة،کانت القاعدة جاریة، کما لو أخذ المسلم خمرا فخلله و باعه أو اشتری جلدا و دبغه و قلنا إنه کاف فی الطهارة.
و أما مجرد القول:بأن جلب المواد الخام و صناعتها لدی المسلمین کاف فی حلیتها،لأن صناعتها بعد البناء علی حرمتها و العلم بحرمتها بصفته مجلوبة من الکفار،لا تؤثر فی الحلیة،بل یکون الشیء المصنوع کله حراما.
و الاسم المتداول لهذه القاعدة هی(سوق المسلمین).و قد ورد هذ العنوان فی صحیحة الفضلاء الثلاثة قال:کل.إذا کان ذلک فی سوق المسلمین،و لا تسأل عنه.
فقد یخطر فی البال ضرورة وجود سوق متکاملة لتکون حجة.إلا أن ذلک غیر محتمل،بل المهم الشراء من المسلم فی أی مکان و فی أی زمان.
بل المراد بالسوق هو ذلک،فإن اصطلاح السوق عند الصناع غیره عند غیرهم.فإن السوق عندهم هو ما کان من تداول بضاعة معینة بحیث قد توجب ربحا متزایدا و قد لا توجب.و من هنا نقول:إنه راجت سوقه.و إن باعوه فی منازلهم.
فالسوق عبارة عن مطلق التجارة،و إن کان الأغلب اجتماع التجار فی سوق واحد.إلا أن هذا غیر محتمل الاشتراط فقهیا.و من هنا عبر عدد من الفقهاء عن هذه القاعدة بید المسلم لأن المهم هو کونه البائع.
و إن کان هذا التعبیر لا یخلو من تسامح،لأن المهم هو أن یکون المسلم بائعا لا أن یکون صاحب ید.و بهذا تختلف هذه القاعدة عن قاعدة
الید.فلو کانت المادة تحت ید الکافر،و هی ملک المسلم و باعها المسلم کانت قاعدة سوق المسلمین جاریة.
و أما لو باعها المسلم بالوکالة عن الکافر أو بالفضول عنه،و کانت المادة ملکا للکافر و تحت یده لم تکن حجته.لأن البائع حقیقة فی مثل هو المالک لا مجری الصیغة.
نعم،لو کانت تحت ید المسلم،کانت یده حجة فی الصحة دون قاعدة سوق المسلمین.
قاعدة ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده
هذه القاعدة من القواعد الفقهیة المشهورة جدا بین الفقهاء المتوسطین و المتأخرین من علمائنا و لا یکاد یکون لها أثر فی ما هو قبل العلامة الحلی قدس سره علی ما ذکره الشیخ الأنصاری (1)
المکاسب ص 101. [1]
فی المکاسب مرورا بالشیخ الطوسی و ابن إدریس و المحقق الحلی و غیرهم من العلماء السابقین.و لعل السر فی عدم تعرض السابقین لها بل هو السبب بالتأکید عدم ورودها فی النصوص الأصلیة فی الکتاب و السنة علی الإطلاق و إنما هی عبارة متصیدة من مجموعة من القواعد الفقهیة الصحیحة فی نفسها،و من هنا لم یکن ذهن المتقدمین متفتقا عن مثل هذا النص حتی استطاع بعض علمائنا المتوسطین کالعلامة الحلی أو غیره التوصل إلیه.
و ینتج عدم ورود هذه القاعدة فی الأدلة عدم حجیتها بکل صورة حتی لو صحت بکل تطبیقاتها و مواردها.لأن معنی صحتها عندئذ هو صحة القواعد الأخری التی یمکن انطباق هذه الموارد علیها و لیس معناه صحة نص هذه القاعدة و إن مال بعض الفقهاء إلی الدفاع عنها و الأخذ بسعة مدلولها.
کما ینتج من عدم حجیتها سقوط قیمة الإطلاق و حصول الإجمال فیها.
فلا یمکن تمسک بإطلاقها أو عمومها فإن مورد التمسک إنما یصح إذا انطبق علی قاعدة أخری غیرها.کما لا یمکن تقیید الأدلة المعتبرة بها أو تقییدها
1) 1)
بالأدلة المعتبرة.فإن التقیید إنما یکون من شؤون تلک الأدلة و لا یشمل النصوص غیر المستخرجة منها کما فی هذه القاعدة.
و لا یتوهم أن مدرک هذه القاعدة و دلیلها هو الإجماع لأننا عرفنا أن المتقدمین لم یتعرضوا لها علی الإطلاق،و إجماع المتوسطین و المتأخرین غیر محرز و إن کان محرزا فهو لیس بحجة إلا علی بعض المبانی الأصولیة غیر التامة.و من هنا لم أجد من ادعی الإجماع أو الشهرة علی هذه القاعدة أو تمسک بأحدها کدلیل علیه.
نعم،وجد فی کلام المتقدمین (1)
المکاسب ص 101. [1]
ما یمکن أن یکون تطبیقا من تطبیقاتها کما فی کلام الشیخ الطوسی حیث علل الضمان فی غیر واحد من العقود الفاسدة بأنه دخل علی أن یکون المال مضمونا علیه.أقول إلا أنه لا ینبغی أن یتوهم أخذ الشیخ بهذه القاعدة و إنما هو حکم استفادة من قاعدة أخری،و إن أصبح فی نظر المتأخرین مندرجا ضمن هذه القاعدة.و معه فإنما یصح التعرض لهذه القاعدة احتراما لمن ذکرها من الفقهاء و تثبیتا للفقه الموروث بین یدینا عنهم و إن لم یکن لها أثر عملی کما قلنا.
ینبغی الالتفات أولا لی أنهم ذکروا أن هذا النص یصدق إیجابا و سلبا و عبروا بالقاعدة و عکسها.فالقاعدة الموجبة تقول ما یضمن بصحیحة یضمن بفاسده و عکسها یقول ما لا یضمن بصحیحه لا یضمن بفاسده.و من المنطقی أن یکون شرح المعنی للطرد و العکس متشابها ما لم تحصل عوائق خلال التحقیق.
و القاعدة تحتوی علی ما الموصولة و علی مادة الضمان و علی التعبیر بالصحیح و الفاسد و علی الضمیر الغائب المضاف إلی الصحیح و الفاسد.فلا بد من تحلیل هذه التعابیر حسب ما هو الممکن فی هذا الکتاب.
1) 1)
أما ما الموصولة فأوضح ما یراد بها المعاملات من عقود و إیقاعات.و لا یخفی لدی القاری معنی العقود و الإیقاعات فإن المعاملة إن أمکن صحتها شرعا من فرد واحد فهو إیقاع کالعتق و الطلاق و ان احتاجت صحتها إلی طرفین فأکثر فهی عقد و ما الموصولة تشمل لفظیا کلا النوعین من المعاملات.
و لکننا ینبغی أن نأخذ أمرین بنظر الاعتبار:
الأمر الأول:اننا إذا أدخلنا العقود و إیقاعات تحت القاعدة خرج من تحتها ما لا یکون عقدا و لا إیقاعا کإحیاء الموات و اللقطة.
الأمر الثانی:ان القاعدة بعد أن أخذت مفهوم الضمان فی مضمونها و هو معنی یحتاج إلی طرفین،أمکن أن یقال إنها تختص بالمعاملات ذات الطرفین و هی العقود و لا تشمل الإیقاعات بصفتها ذات طرف واحد.
إلا أنه لا ملازمة بین الأمرین إذ یمکن أن یکون طرفی الضمان غیر طرفی المعاملة.فطرف الإیقاع و إن کان واحدا إلا أنه یکون أحد طرفی الضمان علی بعض التقادیر.
و مثاله ما إذا اعتبرنا مکاتبة الرق من الإیقاع أو یمکن أن تکون إیقاعا بمعنی أن للمولی أن یجبر عبده علی الالتزام بالمکاتبة فقد تکون المکاتبة عندئذ مشمولة لهذه القاعدة لأنها إیقاع معاوضی فإذا فسدت وجب رد العوض إلی المولی.و بتعبیر آخر أن المولی لو أعطی لعبده مالا یشتغل به لیتمکن من دفع مال الکتابة کان مضمونا علی العبد علی تقدیر بطلانها.
نعم،قد یقال إنه فی الإیقاعات الخالیة من العوض لا یکون مدلول القاعدة ساریا کالطلاق و العتق،إلا أن ذلک موقوف علی أن یکون معنی الضمان ما کان مذکورا فی نص المعاملة.إلا أن ذلک مما لا دلیل علیه فیمکن أن تشمل القاعدة ما تستلزمه المعاملة من أموال و ضمانات و إن لم یکن مذکورا بنصها کاستلزام الطلاق لضمان المهر أو نصفه بالرغم من کونه فی نفسه إیقاعا مجانیا.
فهذا هو الحدیث عن معنی ما الموصولة فی القاعدة.
و أما الحدیث عن معنی الضمان المأخوذ بمادته فی القاعدة فالصحیح فی معناه هو تحمل العهدة و المسؤولیة لشیء ما الذی قد یکون مالا کالدین أو ثمن المبیع و قد یکون غیره کالکفالة للشخص الحر فإنه بالکفالة یصبح مضمونا علی الکافل.و مفهومه العام هو التحمل فی العهدة و المسؤولیة.
و أما تفسیر الضمان بدفع الدرک أو البدل علی تقدیر التلف.فهو و إن کان صحیحا عملیا إلا أنه من الناحیة النظریة یکون متفرعا علی تحمل العهدة المشار إلیه.فإن المال المضمون الذی فی العهدة لا بد من دفعه إلی مستحقه فإن فرض تآلفا رجعنا إلی بدله بطبیعة الحال و إن کان موجودا وجب دفعه بنفسه.
و لا یستغرب فقهیا من ضمان المال الموجود قبل تلفه فإن له فی الفقه أمثلة کالمال الموهوب مع فسخ الهبة و المال المعار عند انتهاء مدة العاریة و کذلک لو قبض البائع الثمن و کان البیع فاسد أو مفسوخا أو مقالا و کان الثمن موجودا بنفسه فإنه یکون فی عهدة البائع إرجاعه إلی صاحبه.و لیست العهدة خاصة بالتلف.
و أولی من ذلک مفهوم الکفالة إذ لو کان الکفیل حاصلا علی الفرد المکفول وجب دفعه إلی المکفول له فهو فی عهدته من هذه الناحیة و إن لم یکن تالفا بطبیعة الحال.
و کذلک حصص المستحقین فی الخمس و الزکاة فإنه فی العهدة بإیصالها إلی مستحقیها سواء کانت موجودة أو تالفة.
إلا أنهم اصطلحوا علی ضمان الموجود بالعهدة و علی ضمان التآلف بالذمة.و هذا مجرد اصطلاح توضیحی لا حجیة فیه،مضافا إلی أن القاعدة لم یؤخذ فیها عنوان الذمة و لا العهدة و إنما أخذ فیها عنوان الضمان و هو یشمل کلتا الجهتین بلا إشکال.
فتفسیر الضمان فی القاعدة بخصوص مورد الذمة،و هو التلف،بلا موجب.علی أنه حتی فی مورد التلف،لا یکون متعلق الذمة هو الدرک أو البدل،بل العقلاء یرون أن المال ما دام موجودا فهو فی العهدة،و إذا تلف انتقل إلی الذمة.و معناه:أن المال بنفسه أو قل بمالیته الکلیة انتقل إلی الذمة،و هی عقلائیا نفس المالیة التی کانت متجسدة فیه حال وجوده.
إذن،فالموجود فی الذمة من التآلف هو نفس المال.أو قل مالیة المال.و لیس بدله،إلا أنه حیث لا یمکن دفع المالیة بشکلها الکلی أو غیر المحدد،لزم إیصالها بحد خارجی إضافی غیر داخل فی الذمة،بطبعه،و هو معنی الانتقال إلی البدل.
و أما ما قد یقال،من إنهم خصوا القاعدة بالذمة دون العهدة،لعدم صدقها بالنسبة إلی العهدة أو مثاله:أن الکفالة الصحیحة موجبة للضمان دون الفاسدة.إذن فهی مختصة بخصوص التالف.أعنی موارد الذمة.
إلا أن هذا لمجرد حسن الظن بالقاعدة التی قلنا إنها لا حجیة لها فی نفسها،و موارد النقض،کما سنسمع علیها عدیدة،حتی فی مورد الذمة.فإذا أردنا أن نخصها بما هو الصحیح فقهیا،لزم تقییدها أکثر من قابلیاتها.و من الواضح أننا إذا لاحظنا النص المشهور للقاعدة و حاولنا فهمه لم نکن مقصرین کل ما فی الأمر أن نقوضها ستکون أکثر،و هو أمر غیر مستغرب علی أی حال.
و الحدیث عن الضمان یجرنا إلی الحدیث عن الضامن،فمن هو الضامن فی طرد القاعدة،و ماذا یضمن.
لا شک أن الضامن هو طرف المعاملة،أی من الطرفین کان،و أحیانا کلیهما.سواء قصدنا الذمة أو العهدة.
ففی معاملة البیع مع صحته،یکون البائع ضامنا للمشتری دفع المبیع مع وجوده و بدله مع تلفه.و هو ما قالوه من القاعدة:تلف المبیع قبل قبضه من مال بائعه.و یکون المشتری ضامنا للبائع الثمن مع وجوده و بدله مع تلفه.
و فی حال بطلان البیع،فإن لم یکونا قد تقابضا،فلا ضمان.و کذلک من لم یقبض منهما.و أما القابض فیضمن عین المقبوض مع وجوده،و بدله مع تلفه.و البدل هنا هو البدل السوقی لا المسمی،لفرض بطلان العقد.و هو مورد القاعدة التی تحدثوا عنها:ضمان المقبوض بالعقد الفاسد.
فاتضح أنه مع صحة المعاملة،إن کان التقابض قد حصل قبلها،فلا ضمان،و مع فسادها إن لم یکن التقابض قد حصل قبلها أو بعدها فلا ضمان.لأن المال علی أی حال موجود لدی مستحقه عندئذ و إنما ینتج الضمان حین وجود المال لدی غیر مستحقه.
و أما سبب الضمان شرعا،فلیس هو هذه القاعدة،لما قلناه من أنه لا حجیة لها بحیال ذاتها و إنما سببه فی العقد الصحیح هو صحة العقد،أو قل إمضاء الشارع لما اتفق علیه المتعاملان،کما عبروا.و یکون المضمون هو (المسمی)یعنی الثمن المذکور فی المعاملة أو المثمن کذلک،إن کان موجودا و إن کان کلیا،کان علیه دفع مصداقه و هو ما علیه حدیث الفقهاء عادة فی هذه القاعدة.
و إن کان تألفا کان علیه دفع بدله سواء کان بائعا أو مشتریا.لأن العین المباعة کما هو مضمون مع تلفها من قبل البائع،کذلک الثمن إذا کان عینیا یکون مضمونا علی المشتری.
فقاعدة:تلفت المبیع قبل قبضه من مال بائعه.شاملة للمشتری لفظا أو ملاکا.و إنما خصوها بالبائع.لأن الغالب فی المبیع کونه عینا و الغالب فی الثمن أن یکون کلیا.و من الواضح أنه لیس بفرق مهم فقهیا،من هذه الناحیة.
و أما سبب الضمان فی العقد الفاسد.فلیس هو هذه القاعدة،کما قلنا،و لیس هو فساد المعاملة،و إن کان جزء العلة.إلا أن الجهة الفقهیة المهمة هو عدم انتقال المال عن مالکه الأول.فحصوله عند الآخر،بلا موجب و لا بد من إرجاعه إلی مالکه.
و لیس هذا خاصا بالعقد الفاسد،بل یشمل ما إذا حصل الفسخ علی العقد أو الإقالة.إذ یکون ذلک سببا لرجوع کل بدل إلی صاحبه الأول،علی الخلاف بین الکشف و النقل.و المهم الآن هو حصوله بید غیر مالکه فیجب إرجاعه إلیه.
و من الواضح أن هذا المورد غیر داخل فی مضمون القاعدة،فکأنهم لم یستطیعوا أن یصوغوا لها اللفظ الشامل له.اللهم إلا إذا قلنا بشمول(ما) الموصولة فیها للفسخ و الإقالة.إلا أن فی هذا ما فیه،و من هنا لم یحتمله أحد من الفقهاء.
هذا،و ینبغی أن نلتفت أنه لیس کل عقد فاسد موجب للضمان،و إن أوجب الضمان صحیحة.کما لو کان طرف المعاملة عالما بالفساد و مقدما علی دفع المال،لم یجب إرجاعه إلیه،لأن رضاه بدفعه عندئذ مطلق و غیر مشروط بالعوض و لا بصحة المعاملة.
و أما إذا لم یکن عالما بالفساد،فالمال ملک لصاحبه بلا إشکال.إلا أن ضمانه فقهیا موقوف علی کونه من قبیل الغصب عند ذی الید،بحیث یکون مضمونا حتی مع عدم التعدی و التفریط.و هذا لیس بصحیح علی أی حال.
بل هو أمانة شرعیة لا تضمن إلا مع التعدی و التفریط.فإن تسامح مع مالکها بالمطالبة بها أو عرف من لفظه أو فحواه هذا التسامح انقلبت إلی أمانة مالکیة.
نعم،لا یبعد أن التسامح فی الأمانة الشرعیة من قبل ذی الید،نوع من التفریط،لوجوب دفعها فورا،إلا أننا نفترض قیام ذی الید بهذا الواجب،فلا یکون ضامنا إلا بتفریط آخر.
و معه لا تبقی القاعدة،علی إطلاقها،کما هو واضح،بل لا بد من تقییدها بالتعدی و التفریط.
و أما المال المضمون،فقد أشرنا إلی أنه یکون علی أشکال
أولا:الثمن المسمی و العروض المسمی مع صحة العقد و شخصیة العوضین.
ثانیا:الثمن و العروض الکلیین أو یکون أحدهما کلیا،فیکون مصداقه فی العهدة مع صحة العقد.
ثالثا:مع تلف أحد العوضین و کونه شخصیا،ینتقل به إلی القیمة السوقیة،و التی قد تکون مثله تماما عرفا،کما فی تلف الثمن.
رابعا:إذا فسدت المعاملة و کانا قد تقابضا أو أحدهما.ضمنه بنفسه مع وجوده و بدله مع عدمه.
و هنا یحسن الإشارة إلی أمرین:
الأمر الأول:إن هذه القاعدة تکون فاقدة لوحدة المال المضمون علی تقدیری الصحة و الفساد و علی تقدیری البقاء و التلف.إذ یکون المضمون أشکالا متعددة.و هذا یعنی عدم الترکیز فی صیاغتها.فإن المفروض فیها لو تمت أن یکون المضمون فیها علی نحو واحد.علی کلا التقدیرین.و لا یمکن أن یکون کذلک فقهیا.
الأمر الثانی:قال الفقهاء أنه لا بد بعد التلف من ضمان المثلی بالمثل و القیمی بالقیمة.و عرفوا المثلی بما تتساوی أجزاؤه کالحنطة و الشعیر، و القیمی ما لا تتساوی أجزاؤه کالحیوان و الأراضی.
و هذا هو ظاهر الأخبار أیضا،و لا إشکال فی إجزائه،عند دفع المثلی بالمثل و القیمی بالقیمة.إلا أن ظهور هذه الأخبار فی تعین المثلی بالمثل، محل إشکال.بل یمکن فقهیا غرامة المثلی بالقیمة،إذا کان السوق متباینا علی ذلک،کما فی أیامنا الحاضرة.و هو ناتج من النظر إلی کل شیء مما یقع تحت التجارة بمالیته مثلیا کان أو قیمیا،فی حین أن مفهوم المثلی مستبطن للنظر إلی النوع أیضا.و هذا و إن کان هو السائد فی العصور السابقة،غیر أن تغیر السوق یحقق لنا موضوعا جدیدا للتبادل.و هو ممضی شرعا لأن النظر إلی المالیة أمر مفروض دائما عند العقل و العقلاء.
و لعل الحال قد وصل فی عصورنا إلی أن ضمان المثلی بالمثل محل سخریة أو تعجب،بعد أن کان المیزان هو المالیة فی کل شیء.و عندهم أن هذا أسلوب أقرب إلی مفهوم المقایضة منه إلی شیء آخر.و هو أسلوب قدیم قد ألغاه السوق من زمان بعید.
و علی أی حال،فضمان المثلی بالقیمة لا إشکال فیه فقهیا اما لما قلناه من إمضاء السیرة المعاصرة.و إما للتراضی بین الطرفین بذلک،بأن یدفع بدل المضمون فی الذمة نقدا.فإن المضمون فی الذمة و إن کان هو المثل إلا أنه یدفع إلی صاحبه ثمنه بالتراضی.
و أما ضمان القیمی بالمثل،فهذا غیر ممکن،لفرض أنه لا مثل له أولا.و کذلک.فإن السیرة منذ القدیم و إلی الآن قائمة علی ضمانه بالقیمة، فیکون ضمانه بالمثل،بعد إحراز المثلیة فرضا.تشریعا محرما.و إن کان التراضی بعنوان التعویض،لا أری فیه بأسا.و الکلام فی المثلی و القیمی مفصلا لیس هذا محله.
ذکروا لهذه القاعدة طردا أو عکسا بعض الأدلة،و خاصة أولئک المتحمسون لإتمامها و تصحیحها.و فی الواقع أن تلک الأدلة أحکام شرعیة أو قواعد فقهیة أخری لها مواردها،و هی تنطبق علی بعض موارد هذه القاعدة بالحمل الشائع.و قد ألمعنا فیما سبق أنها حتی لو تمت بجمیع مواردها،فلا یمکن التمسک بإطلاقها،و إنما هو تمسک بإطلاق تلک القواعد أو أدلة الأحکام التی کانت کدلیل علیها.
و بعض تلک الأدلة عامة لکثیر من موارد القاعدة،و بعضها خاص ببعضها أو بعکس القاعدة.و لا ینبغی أن نستوعب تلک الأدلة الآن،و إنما نشیر إلی أهمها:
و أهم تلک الأدلة و أعمها بالنسبة إلی القاعدة هو قاعدة احترام مال
المسلم.قال بعضهم (1)
بلغة الفقیه:ج 1:ص 71.
:فإن المسلم محترم فی نفسه و عرضه و ماله و حرمة ماله کحرمة دمه،و عمله محترم أیضا.و هو من ضروریات الدین و مدلول علیه بالکتاب و السنة و إجماع المسلمین.و معنی احترام ماله حرمة مزاحمته و الأخذ منه بالقهر علیه.هذا الذی قاله صحیح،إلا أن الأدلة التی ساقها علی حرمة مال المسلم و عمله،لا یعنی کونها أدلة علی القاعدة.نعم هی أدلة علی الضمان،بکل تأکید.للتلازم بین الاحترام و الضمان.و لکن القاعدة لیست مقتصرة علی مفهوم الضمان بل الأهم فیها هو الملازمة بین صدرها و ذیلها إذ تقول:ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده.و ما لا یضمن بصحیحه لا یضمن بفاسده.
و إذا ثبت ضمان مال المسلم،لا یکون ذلک سببا لمعرفة أسباب الضمان.بل تحتاج الأسباب إلی أدلة أخری.و أما هذا وحده فغیر کاف،کما هو غیر خاف.
نعم،لو کانت تشمل الأسباب لصحت فی کثیر من موارد هذه القاعدة کما أشرنا،لأن العقد قد یوجب الضمان بصحیحه و بفاسده،و قد لا یوجب الضمان،کالعقود المجانیة.هذا.فی غیر موارد النقوض علی القاعدة التی یرجع جملة منها إلی الضمان فی صورة فساد العقود المجانیة.و سنتعرض إلی المهم منها.
و من هنا غیروا الدلیل علی هذه القاعدة،من مجرد احترام مال المسلم إلی ما هو أخص منه،و هو ما یسمی بقاعدة الإقدام.و هی من متفرعات ذلک الاحترام عرفا.و إن کان بینهما عموم من وجه منطقیا.لأن قاعدة الإقدام معناها تحکیم رأی المالک فی ماله عدا ما استثنی.و هذا کما یعنی حقه فی منع غیره من التصرف الذی هو معنی الاحترام یعنی أیضا الإذن لغیره به و هو
1) 1)
لا یدخل فی معنی الاحترام بالمطابقة،و إن کان شاملا له عرفا،لأن الاحترام لیس هو احترام المال بمجرده بل احترام المالک،و هو یستلزم عرفا فی قبول رأیه فی ماله مهما کان.
و معه فإن أقدم المالک علی نقل ماله مجانا لم یضمنه الآخر.و إن أقدم علی نقله بعوض لزم الضمان.
و هذا المعنی هو السبب للضمان وجودا،بلا إشکال إلا أن ما أشرنا إلیه هناک یبقی هنا أیضا،و هو الملازمة بین صدر القاعدة و ذیلها طردا أو عکسا.إذ معناه:ان ما کان من العقود أو المعاملات سببا للضمان بصحیحه یکون سببا للضمان بفاسده أیضا.و ما لا یکون سببا للضمان بصحیحه لا یکون سببا له بفاسده.
و هذه الملازمة لا تثبت بمجرد حصول الإقدام.أما فی عکس القاعدة فواضح،لأن الإقدام علی المجانیة بالعقد الصحیح لا یلازم الإقدام علی المجانیة فی الفاسد.بل إن المالک عرفا و عادة یرید ماله ان عرف بطلان المعاملة و لیس رضاه بالمجانیة شاملا حتی لصورة الفساد.
و أما فی طرد القاعدة،فالإقدام علی التعویض و اللامجانیة،یلازم الضمان عند صحة العقد المعاوضی،دون صورة الفساد،و ألا لزم ضمان أقل الأمرین من القیمة السوقیة و المسمی.و لم یقل به أحد.
و إنما-فی صورة الفساد-یکون المال الذی عند المشتری ملکا للبائع و بالعکس،الأمر الذی یکون موضوعا لوجوب إیصال المال إلی مالکه،بغض النظر عن وجود أی معاملة علیه.فلو کان البیع فاسدا أو مفسوخا،کان وجوده کعدمه،و لا دخل لعنوان الفساد فی الإرجاع،إلا بقاء المال علی مالکه الأول.و خاصة بعد کون الفقهاء لم یتحدثوا عن الفسخ و الإقالة هنا،کما أسلفنا (1)
فإن الفسخ یؤثر فی إعادة المالکیة أو نقل الملکیة من جدید بناء علی(النقل)الذی هو الصحیح.و أما بطلان العقد أساسا فلیس له أی أثر.فاعتبار المعاملة الفاسدة شیئا یمکن التحدث عنه فقهیا أو عن آثاره،أمر غیر معقول.
.1) 1)
بقی أن نشیر فیما یلی إلی عدة أمور:
الأمر الأول:تساءل الفقهاء عن معنی الباء فی قولهم:بصحیحه و بفاسده.فکأنهم یتعاملون مع النص بصفته مما قام علیه دلیل معتبر فقهیا.
و المهم أننا یحسن أن نتابعهم فی هذا التساؤل:و أجابوا بأحد احتمالین:
الاحتمال الأول:أن یکون الباء بمعنی السببیة.و هذا یصح فی جانبی الصحة من القاعدة و عکسها،لأن العقد الصحیح المعاوضی یوجب الضمان و غیر المعاوضی یسقطه.إلا أنه لا یصح فی جانبی البطلان من القاعدة و عکسها،لما أشرنا إلیه من أن المعاملة الباطلة لا توجب الضمان بصفتها معاملة باطلة،بل هی ملحقة بالعدم تماما.مضافا إلی مناقشات أخری.
الاحتمال الثانی:أن یکون الباء بمعنی مع،و یراد بها الظرفیة دون السببیة.و بهذا اندفع الإشکال السابق.لأن العقد الباطل یکون ظرفا للضمان فی المعاملة المعاوضیة.
إلا أننا ینبغی أن نعتبر الظرفیة أعم من السببیة لیشمل صورة وجود فی طرف صحة المعاملة التی تکون سببا للضمان أو عدمه.و أما لو اعتبرناها مغایرة لها،کان اللازم اعتبار الباء سببیة فی طرف الصحة،و ظرفیة فی طرف البطلان.و هو کما تری.
و قد یعبر عن الظرفیة التی قلناها فی الاحتمال الثانی:بأن الباء فی القاعدة بمعنی(فی)کما نص الشیخ الأنصاری فی المکاسب.و محصلهما الفقهی أعنی:فی و مع واحد فی هذا المقام.لأن الاقتران المفهوم من لفظ (مع)لا یزید أثره علی الظرفیة المستفادة من لفظ(فی)بهذا الصدد،و من هنا کان الاحتمالان واحدا لبّا و إن کانت اثنین لفظا.
الأمر الثانی:لا شک أن الضمیر الغائب فی قولهم:بصحیحه و بفاسده،یعود إلی(ما)الموصولة فما ذا یراد بهما معا و ما هو مرجعهما الحقیقی.
و المحتملات فی ذلک بالنظر الأوّلی عدیدة:جنس العقد،و نوع العقد و صفته و شخصه.
أما جنس العقد،یعنی مفهومه،فهو غیر محتمل،لأن العقود تختلف فی الضمان و عدمه أو قل بالمجانیة و عدمها.فمن غیر المستطاع القول:إن العقد بصفته عقدا یضمن بصحیحه أو لا یضمن.فلا تنطبق القاعدة و لا عکسها.
و أما نوع العقد،و هو النظر إلی تفاصیل العقود الفقهیة،کعقد البیع و عقد الإجارة و عقد الرهن و غیرها.
فهذا هو الذی یبدو للنظر،و قد یستظهر من لفظ القاعدة،لأن بعض هذه الأنواع معاوضی و بعضه مجانی،و منه ما یکون صحیحا و منه ما یکون فاسدا.
إلا أن المدافعین عن القاعدة استشکلوا فی ذلک من ناحیة أن الصلح من أنواع العقود.و هو یختلف فی نتائجه فقد یکون معاوضیا و قد یکون مجانیا،تبعا لما یماثله من المعاملات و یقوم هو مقامها.و معه فیکون انطباق القاعدة و عکسها،علی نوع(الصلح)متعذرا.
و لذا قالوا:إنه لا بد من الانتقال إلی(الصنف).و هو التقسیم الذی یکون دون النوع،فکما أن نوع الإنسانیة تنقسم إلی إنسان أبیض و إنسان أسود،کذلک عقد الصلح ینقسم إلی مجانی و معاوضی.فإذا لاحظنا الصنف انطبقت القاعدة.و هذا هو مرادهم لبّا،بتعبیر منا.
و قد یفید ذلک فائدة أخری،فإن من العقود ما یتوقف الضمان فیه علی القبض کالصرف و السلم،و هی أصناف من عقد البیع،فیندرج کل واحد
بحیالة فی القاعدة.و یکون المراد من(ما)الموصولة حصول العقد و القبض أحیانا.
إلا أن هذا غیر تام،لوجوه منها:
أولا:ان أکثر العقود لیس لها أصناف،فتکون النتیجة أننا نقصد الأصناف من بعض العقود و الأنواع من العقود الأخری.و هو و ان أمکن فی التصور،إلا أنه خلاف التعبیرات البلیغة.
ثانیا:ان مرجع الموصول عندئذ یکون علی أشکال عدیدة،لا تکاد تندرج تحت مفهوم(جامع)معین.
1-الإیجاب و القبول.
2-الإیجاب و القبول و القبض.
3-العقود ذات الأطراف الثلاثة کرضا الورثة فی تصرف المریض بثلثه، و کرضا العمة فی الزواج من بنت أخیها و غیر ذلک.و بیع العین المرهونة الموقوفة علی رضا الراهن و المرتهن و المشتری،و غیر ذلک کثیر.
4-الإیقاعات المعاوضیة کالمکاتبة لو اعتبرناها إیقاعا،کما سبق أن أشرنا.
فإذا عممنا المعنی للقاعدة و عکسها،بحیث أردنا أن یکون مرجع الموصول واحدا فی الجمیع کانت الاحتمالات أکثر کما هو معلوم فتحتاج القاعدة عندئذ إلی قیود إضافیة،و لا تصح بمجردها.
الأمر الثالث:فی أهم النقوض التی أوردها الشیخ الأنصاری و غیره علی القاعدة.
و قد کان الترکیز من هذه الناحیة علی عکسها أکثر.لأنهم اعتبروا الضمان هو انشغال الذمة.و لم یتعرضوا إلی اشتغال العهدة بما هو موجود قبل التلف.و لکننا سبق أن قلنا إن معنی الضمان شاملا لکلا المعنیین.
و المراد من النقض،کون المورد مندرجا فی موضوع القاعدة من دون أن یکون مندرجا فی حکمها،کما سیتضح من الأمثلة.و النقض تارة علی القاعدة و أخری علی عکسها.
أما النقوض علی طرد القاعدة:
أولا:ما قلناه فی الکفالة:فإنها سبب للضمان بصحیحها.دون فاسدها.سواء کان متعلقها إنسان أو غیره.
ثانیا:النکاح،فإنه سبب لضمان المهر بصحیحه،و لیس کذلک الفاسد ما لم تقبضه الزوجة.فیکون القبض هو السبب دون العقد.
ثالثا:الجعالة الشخصیة،أعنی التی یکون طرفها محددا أو شخصیا.
فإنها سبب للضمان بصحیحها للضال و للأجرة.و لا تکون کذلک الفاسدة، و خاصة بالنسبة إلی الضال،و أما الأجرة فالقبض یکون سببا لإرجاعها دون العقد.
و أما النقوض علی عکس القاعدة.
أولا:الصید الذی استعاره المحرم من المحل،بناء علی فساد العاریة.فإنهم حکموا بضمان المحرم له بالقیمة مع أن صحیح العاریة،لا یضمن به.
ثانیا:نماء المبیع غیر المستوفی،حیث لا یکون مضمونا فی الصحیح، و لکنه مضمون فی الفاسد.
ثالثا:ما ذکره الشیخ الأنصاری (1)
المکاسب:ج 1 ص 103. [1]
:الشرکة الفاسدة بناء علی أنه لا یجوز التصرف بها،فأخذ المال المشترک حینئذ موجب للضمان.و معناه:أن الشرکة الصحیحة غیر موجبة للضمان بخلاف الفاسدة.و یمکن أن یراد:أن الإذن الصحیح بالتصرف غیر موجب للضمان دون الإذن الفاسد،فإنه موجب له،و هو أمر صحیح فی الشرکة و غیرها.أما النقوض الثلاثة الأولی،فهی مما لم نسبق إلیه،لنجد من یدافع عنها.و أما الثلاثة المتأخرة،فقد دافع عنها بعضهم،و أصبحت فی مجال النقض و الإبرام،مما هو خارج عن مجال الکلام فی هذا الکتاب.
1) 1)
الصحة و اللزوم فی المعاملات
هناک ما یسمی فقهیا بأصالة الصحة،بمعنی أن الأصل فی العقد و الإیقاع إذا حصل،هو الصحة،ما لم یثبت البطلان.و هناک ما یسمی فقهیا بأصالة اللزوم،بمعنی أن الأصل فی العقد أو الإیقاع إذا حصل أن یکون لازما ما لم یثبت الخلاف،و خلاف اللازم هو(الجائز)فی اصطلاحهم.
و هاتان القاعدتان،متشابهتان نسبیا فی المضمون و فی الدلیل،و لذا أدرجناهما فی فصل واحد.و إنما اللزوم عرفا شکل مؤکد و مرکز من أشکال الصحة.
و قاعدة الصحة أصل ظاهری یثبت حال الشک فی الصحة و البطلان بما وقع من المعاملات فنقول:إن اللازم هو البناء علی صحتها،ما لم یثبت البطلان بدلیل معتبر.
و أما قاعدة اللزوم فقد تکون أصلا ظاهریا،یرجع إلیه حال الشک،فیما إذا شککنا فی نوع بعض العقود أنه لازم أو جائز.فینبغی أن تنبنی علی اللزوم،بمعنی عدم تمکن أحد الطرفین أو الأطراف من نقض المعاملة و فسخها أو إلحاقه بمجموعة العقود اللازمة دون العقود الجائزة کما سنوضح.
و قد تکون قاعدة اللزوم حکما واقعیا،أو صفة ثابتة لبعض العقود شرعا،و لذا قسموا المعاملات أو العقود إلی لازمة و جائزة.و قالوا إن البیع و الإجارة و الوقف و النکاح عقود لازمة،و أن العاریة و الهبة و الودیعة عقود جائزة کما سنوضح.
کما قد تکون الصحة صفة واقعیة أیضا،و هی حکم واقعی ثابت للعبادات و المعاملات الجامعة للشرائط و الفاقدة للموانع شرعیا و فقهیا.إلا أن هذا خارج عن محل الکلام فعلا.و إنما محل کلام الفقهاء هو أصالة الصحة الظاهریة و صفة اللزوم الواقعیة،فیما عدوه من العقود اللازمة.و لم یتعرضوا لی أصالة اللزوم کما تعرضوا بها إلی ذینک الأمرین.
و نحن فیما یلی نتعرض للأمور الثلاثة جمیعا:1-أصالة الصحة.
2-أصالة اللزوم.3-صفة اللزوم الواقعیة و نحاول إیضاح مواردها و أهم أدلتها.
إذا شککنا فی أی عقد أو إیقاع بعد وقوعه فی أنه جامع لشرائط الصحة و فاقد لموانعها،أم أنه باطل لوجود خلل فی شروطه،لزم البناء علی الصحة طبقا لأصالة الصحة التی نتحدث عنها.
و مثاله إذا اشترط الفقیه لزوم تقدم الإیجاب علی القبول أو اللفظ العربی فی العقد.و شککنا بحصول أحد هذین الشرطین أو کلیهما،و احتملنا تقدم القبول علی الإیجاب أو العقد بغیر اللغة العربیة ألزمنا القول بالصحة، مع التسلیم أنه لو لم یکن جامعا للشرائط کان باطلا لا محالة.
و هذا من قبیل الشک الصغروی بطبیعة الحال بعد إحراز الکبری،یعنی الشک فی التطبیق بعد إحراز الحکم الکلی.و أما لو کان الشک فی أصل الحکم فلا مورد لأصالة الصحة،بل یکون موردا لقواعد أخری کأصالة عدم الشرطیة المنتجة للصحة أو استصحاب بقاء الملک علی مالکه المنتج للبطلان.
و یمکن أن یستدل لها بعدة أدلة نذکر أهمها:
الدلیل الأول:بعض آیات القرآن الکریم،کقوله تعالی أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله تعالی إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ .
و تقریب الاستدلال بها:أنها أخذت فی موضوعها عنوان التجارة و عنوان العقود.و هی عناوین عرفیة یجب أن نأخذها من السوق.إذن فموضوع الآیات الکریمة هی هذه العناوین العرفیة.فمتی صدق عرفا کون المعاملة عقدا أو تجارة وجب الوفاء بها و صحت.
نعم،إذا کانت المعاملة من الفساد بحیث لا یصدق علیها ذلک عرفا، لم تدخل فی موضوع الآیة و لم تصح.
ینتج من ذلک کله أننا إذا أحرزنا وقوع العقد أو الإیقاع بالشکل العرفی،و شککنا فی صحته الشرعیة،کفی ذلک فی صحته،و هو معنی أصالة الصحة.
و یمکن أن یناقش:بأن المفروض هو الشک فی تخلف بعض الشرائط، و معه یکون الشک فی الصدق الشرعی للعقد قائما،فکیف یکون مشمولا للآیة الکریمة.و بتعبیر آخر:إن الصدق العرفی مما ألغاه الشارع فی المقام، بعد التقیید المفروض ثبوته.فیکون الشک فی تخلف القید شکا فی صدق العقد.
إلا أن هذا لا یتم لأن التقیید الشرعی لا یتضمن إلغاء ما سواه عرفا.
بل لیس من حق الشارع التصرف فی الأمور العرفیة.إذن،فالمعاملة عقد عرفی.فیدخل فی موضوع الآیة وجدانا و إن شککنا فی تحقق شرطه الشرعی.فیمکن ترتیب آثار الصحة علیه.
الدلیل الثانی:الإجماع بین الفقهاء علی صحة أصالة الصحة و حجیتها.و لا شک أنها مشهورة جدا بین الفقهاء حتی المتقدمین منهم.إلا أن الإجماع بشکله المعتبر لم یحرز علی أی حال.
الدلیل الثالث:السیرة العقلائیة،إذ لا شک أن العقلاء یرتّبون الأثر علی العقود التی یعملونها حتی و إن کانت فاقدة للشرط الشرعی،فضلا عن الشک فی ذلک.و هم یبنون علی الصحة فی مورد وقوع العقد،بلا إشکال، حتی لو کان الشرط المشکوک تخلفه،عقلائیا لا شرعیا.
و هذا و إن کان ناتجا من التسامح العرفی،إلا أنه عمل قائم فعلا بلا إشکال.
نعم،لو شکوا فی سقوط المعاملة تماما عن الاعتبار لم یبنوا علی الصحة.و علی أی حال،فالشروط فی أنظارهم مختلفة،إلا أننا نفترض الشک فی الشرط الشرعی مع إحراز الشرط العقلائی.و عندئذ فأصالة الصحة العقلائیة جاریة بلا إشکال.
بل حتی لو کان الشک فی الشرط العقلائی،مع انحفاظ صورة المعاملة عقلائیا،کانت أصالة الصحة جاریة.
بقی إن نلتفت إلی أن العقد لو کان فاسدا لم یترتب أثره.فالشک فی فساده شک فی ترتب الأثر،فیشمله استصحاب عدم ترتب الأثر و أصالة البطلان.فینبغی أن نتصور أصالة الصحة فقهیا بحیث تکون واردة علی هذا الأصل.
و ذلک بأحد وجهین:
الوجه الأول:ان أصالة الصحة امارة و لیست أصلا عملیا،و الأمارة متقدمة علی الأصل العملی کما حقق فی علم الأصول.و ما یجری لإثبات البطلان هو أصل عملی محکوم لهذه الأمارة.
و الأمارة عندهم هی الدلیل الذی یقام عند الشک،و یکون له قابلیة إثبات الواقع تعبدا.فإذا قامت الأمارة فکأننا علمنا بالواقع،و إن بقینا وجدانا شاکین.و الأصل العملی عندهم لا یستلزم أکثر من ترتیب آثار المدلول کالصحة مثلا،و البناء علیها عملیا،فی السلوک الخارجی،من دون أن یکون له قابلیة الإثبات للواقع.
فهنا نحتاج إلی الدلیل،بأن أصالة الصحة لها قابلیة إثبات الواقع.
لتکون أمارة متقدمة علی الأصول النافیة لصحة العقد،کما أسلفنا،و هو غیر
بعید بعد أن استطعنا أن نثبت بالآیة کون المعاملة عقد أو تجارة.و تمام الکلام فی محله.
الوجه الثانی:أن الأصول النافیة للصحة،و إن کانت بمجردها متقدمة رتبه علی أصالة الصحة و حاکمة علیها،لکونها جاریة فی موضوعها،لأنها تثبت کون العقد ناقصا،و الناقص لا یکون صحیحا.
إلا أن هذه الأصول لا تثبت کونه لیس عقدا عرفیا.و قد عرفنا أنه بعد إحراز عرفیته یکون مشمولا للآیة الکریمة،و ان کان محتمل النقصان.و هذه الأصول النافیة لیست امارة لیکون لها قابلیة إحراز الواقع.بل یبقی الشک بالرغم من جریانها ثابتا و إحراز العرفیة متحققة،فلا یکون لها أثر فی تغییر موضوع الآیة.فتأمل.و تمام الکلام فی محله.و الوجه الأول هو المعتمد.
تشمل أصالة الصحة کل العقود بلا إشکال.لقوله تعالی أَوْفُوا بِالْعُقُودِ کما سبق أن استفدنا منها.و تشمل الإیقاعات التی لها مضمون تجاری لقوله تعالی إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ .
و یمکن القول أیضا إن الإیقاعات مندرجة فی مفهوم الآیة الأولی،لأن تقسیم المعاملات إلی عقود و إیقاعات إنما هو اصطلاح متأخر فی الفقه،و لم یکن فی صدر الإسلام حتی تحمل الآیة الکریمة علیه.فالعقود هی مطلق المعاملة،حتی و إن کانت إیقاعا،فتکون الإیقاعات مندرجة ضمنها لا محالة.
و أما ما لیس من العقود و الإیقاعات کإحیاء الموات،و غیره،فلا یکون مشمولا لأصالة الصحة،لأنه غیر مشمول لدلیلها.فإذا شککنا فی حصول الإحیاء ببعض الأعمال البسیطة فی الأرض مثلا،کان استصحاب عدم حصول الملکیة جاریا.إلی أن یصدق حصول الإحیاء عرفا.
یبقی الالتفات إلی الإیقاعات التی لیست من قبیل التجارة،کالوقف
و العتق.و قد عرفنا اندراجه فی مفهوم العقود.و لو تنزلنا عن ذلک لم یکن مندرجا فی آیة التجارة،لفرض أنه لیس تجارة.بل یکون مندرجا فی الحدیث المشهور (1)
الوسائل ج 12:کتاب التجارة:أبواب الخیار:باب 6:حدیث 1 و 5.
:المسلمون عند شروطهم.و المعاملات کلها شکل من أشکال الشروط لغة و عرفا،فیندرج الوقف و العتق و ما کان من قبلها فی ضمنها.ینبغی لنا فیما یلی أن نتحدث عن صفة اللزوم الواقعیة،للعقود اللازمة أولا.لکی یکون الحدیث عنها کمقدمة للحدیث عن أصالة اللزوم الظاهریة بعد ذلک.
فقد قسموا العقود بل مطلق المعاملات إلی جائزة و لازمة.فمن العقود اللازمة کما سمعنا البیع و الإجارة و النکاح.و من الإیقاعات اللازمة:العتق و الطلاق و الوقف.و من العقود الجائزة الودیعة و العاریة و الهبة،و من الإیقاعات الجائزة الإباحة و الإذن.
و قد قالوا فی معنی اللزوم إنها صفة للمعاملة تجعلها غیر قابلة للفسخ أو النقض،ما لم یدل دلیل خارجی علی وجود خیار الفسخ أو الاتفاق علی الفسخ و هو الإقالة.و أما الجواز فی المعاملة فهو القابلیة الذاتیة لها للفسخ بإرادة فاعلها،من دون أن نحتاج إلی دلیل خارجی علی خیار الفسخ.
و قد اختار الشیخ (2)فی معنی اللزوم للبیع:أن وضع البیع و بنائه عرفا و شرعا علی اللزوم و صیرورة المالک الأول کالأجنبی.و إنما جعل الخیار فیه حقا خارجیا لأحدهما یسقط بالإسقاط و بغیره.و لیس البیع کالهبة التی حکم الشارع فیها بجواز رجوع الواهب بمعنی کونه حکما شرعیا له أصلا و بالذات بحیث لا یقبل الإسقاط.
قال:و من هنا ظهر أن ثبوت خیار المجلس فی أول أزمنة انعقاد البیع لا ینافی کونه فی حد ذاته مبنیّا علی اللزوم،لأن الخیار حق خارجی قابل للانفکاک.إلی أن قال:فالأصل هنا کما قیل نظیر قولهم:إن الأصل فی الجسم الاستدارة،فإنه لا ینافی فی کون أکثر الأجسام علی غیر الاستدارة لأجل القاسر الخارجی.
و لنا أن نعلق علی هذا الکلام بعدة أمور تتعمق بها تدریجا فکرتنا عن اللزوم و الجواز:
الأمر الأول:یتحصل من کلام الشیخ الأنصاری قدس سره.أن للبیع و العقود اللازمة علی العموم صفتان إحداهما حکمیة و هی اللزوم.و أخری حقیة و هی(الجواز)بالخیار.و الأولی ذاتیة و الأخری خارجیة أو عرضیة.
و الصفة العرضیة لا تنافی الصفة الذاتیة.و الأولی بصفتها حکما غیر قابلة للإسقاط و الثانیة بصفتها حقا قابلة للإسقاط.
و هذا التکوین الفکری هو الذی أصبح تقلیدیا موروثا منذ قاله الشیخ و إلی الآن.و هو أمر مرتب إلی حد کبیر و متکامل.إلا أن الأمر المهم هو إمکان استفادته من الأدلة.
أولا:أنه من الناحیة العرفیة العملیة،لا فرق بین الجواز الحکمی و الجواز الحقی،لأن العرف لیس لدیه نظریات و إنما یعیش سیرة عملیة دائما،و من حیث هذه السیرة،فهو یعلم بأن العقد أو المعاملة قابلة للفسخ.
و لا یتساءل عندئذ هل هی قابلیة حکمیة أو حقیة.فیکون الاستدلال بالسیرة علی لزوم العقود اللازمة مع کونها قابلة للفسخ عملیا-و لو بالخیار-لا یخلو من تسامح.
ثانیا:اننا یمکن أن نعرف اللزوم من نظائره فی الفقه،فالمثال الأمثل للزوم هو العتق.إذ لا یمکن فقهیا فسخ العتق لا حقا و لا حکما لإعادة الحر فی الرقیة.فهل البیع و الإجارة کذلک.إن الوجدان الفقهی و المتشرعی یحکم بالاختلاف.
و لیس هذا لمجرد عدم وجود الخیار فیه،بل إن الوجدان حاکم بلزوم بعض العقود بشکل استثنائی کالوقف و العتق و النکاح،و هذا الوجدان مدرک أنها تختلف عن غیرها من العقود و الإیقاعات،و أن البیع و الإجارة لیست مثلها لا ذاتا و لا عرضا.
ثالثا:إن الأدلة التی استدلوا بها علی خیار المجلس،صالحة للدلالة علی تزلزل البیع و جوازه من حین وقوعه،و هو أمر یعترفون به عملیا،إلا أنهم یحملونه علی الجواز الحقی دون الحکمی.فمن أین و کیف یمکن استفادة ذلک من هذه الأدلة.
خذ مثالا إلیک:صحیحة زرارة (1)
الوسائل أبواب الخیار:باب 1:حدیث 2. [1]
:البیعان بالخیار حتی یفترقا.الحدیث:و الخیار لغة و عرفا لیس خاصا بالخیار الحقی،لأنه اصطلاح متأخر،لا یمکن حمل النصوص السابقة علیه.فالصحیحة دالة علی انعقاد البیع فی حالة جواز و تزلزل.أعنی ممکن الفسخ.و لا یمکن استفادة أحد السببین بالتعیین منها.
و أوضح من ذلک صحیحة الحلبی (2)عن أبی عبد الله علیه السلام:أنه قال:إن أبی اشتری أرضا یقال لها:العریض.فلما استوجبها قام فمضی.
فقلت له:یا أبه عجلت القیام.فقال:یا بنی أردت أن یجب البیع.
و الوجوب لغة هو اللزوم و الضرورة،فلا لزوم قبله.فمن أین لنا الحدیث عن اللزوم الذاتی إذا لم تساعد علیه الأدلة.و تمام الکلام فی محله.
رابعا:کیف یمکن لهم البرهنة علی ما قالوه من أن الجواز فی العقود الجائزة غیر قابل للإسقاط.فلعله قابل للإسقاط باشتراط اللزوم فی العقد، و خاصة فی مثل الودیعة،إذ یکون علی المالک التأخر إلی حین انتهاء الأمد.
و لیس التصرف هنا فی الحکم الشرعی،کما لیس الفسخ بالخیار الحقی تصرفا بالحکم أیضا،فإن الحکم غیر قابل للإسقاط،و محاولة ذلک تشریع محرم.و قد قلنا فی الفصل الخاص بالحق،إن الحق یحتاج إلی حکم بجعل الحق و لولاه لا یکون الحق ثابتا.و الإسقاط لیس لهذا الحکم بل لصغراه و تطبیقه و هو الحق الثابت فی مورد معین.فکذلک الحال فی العقود إذا کانت جائزة حکمیا،فإن تحویلها إلی اللزوم بالحق لا بالحکم لیکون تصرفا بالحکم الشرعی.
خامسا:إن الأمر قد یقال:إنه أکثر من ذلک:لأن البیع یحتوی علی تزلزل من حین وجوده،فی حین أن هذا التزلزل غیر موجود فی الهبة و الودیعة و نحوها.إذ لیس فیها خیار مجلس و خیار حیوان و نحوها.فاللازم اعتبارها أشد ثبوتا و لزوما من البیع.و خاصة بعد أن عرفنا أن الفهم العرفی لا یفرق بین التزلزل الحقی و الحکمی.
و دعوی التفریق بین الصنفین من المعاملات:بأن العقود الجائزة لا یمر علیها أی وقت لا تکون فیه قابلة للفسخ.علی حین یکون البیع بعد سقوط الخیارات کذلک.
هذه الدعوی لیست صحیحة،لأمرین:
أحدهما:أنه یمکن دعوی اللزوم فی کل العقود،غیر أن بعضها جعل لها خیار موقت و بعضها جعل لها خیار دائم.و لعل هذا الخیار قابل للإسقاط أیضا صغرویا،کما عرفنا،فی العقود الجائزة.
ثانیهما:أن العقود اللازمة عندهم دائمة القابلیة للفسخ أیضا،کلما فی الأمر أن الخیارات إذا سقطت.کانت المقابلة کافیة فی فسخها.فی حین أنه فی العتق و الوقف و نحوها،لا یکون للمقابلة أی أثر،کما هو معلوم.
و مهما أمکن هنا أن نناقش فی هذه التقریبات بالدقة المنطقیة،فإنها بلا إشکال تدعم الفهم العرفی(العملی)من ناحیة و(الساذج)من ناحیة أخری، و الخالی من تعقیدات الفقهاء.فإذا کان هذا العرف هو الذی نفهم به الکتاب
و السنة فمن أین لنا أن نستفید اللزوم فیما یعدّونه من العقود اللازمة کالبیع و الإجارة.
الأمر الثانی:سمعنا أن الشیخ الأنصاری نظّر لزوم البیع بأمر تکوینی خارج عن باب المعاملات و قال:نظیر قولهم إن الأصل فی الجسم الاستدارة،فإنه لا ینافی کون أکثر الأجسام علی غیر الاستدارة لأجل القاسر الخارجی.
و هو قدس سره یعلم أن قیاس التشریع بالتکوین و بالعکس،أمر شطط.
لأن لکل واحد منهما اتجاهه و قوانینه التی لا یشبه بها الآخر.
و من هنا لا یمکن أن نفهم من ذلک إلا مجرد تقریب الفکرة إلی الذهن أو أنه مجرد مثال.و هذا أیضا غیر صحیح لعدة أمور نذکر أهمها:
أولا:أنه ذکر ذلک بعد التأکد من فکرته حول لزوم البیع،و هذا ما جعلناه الآن محل مناقشة.و لا یراد إثبات ذلک بالمثال.
ثانیا:ان اللزوم حسب فهمه للبیع صفة ذاتیة و الاستدارة للجسم صفة عرضیة،یقتضیها وجوده النوعی التکوینی حسب زعمهم.فلیس هذا مثالا لذاک.و إنما کان الأنسب له ذکر لوازم الماهیة مثالا کالزوجیة للأربعة،لأنه اعتبر اللزوم ذاتیا،یعنی من لوازم الماهیة.و لکنه إن کان قال ذلک لم یکن للخیار مجال لاستحالة انفکاک لازم الماهیة عنها کما هو مبرهن فی محله.
ثالثا:فساد المثال فی نفسه،لأنهم قالوا:إن العناصر تتجسم علی شکل کرات بطبعها الأولی.و لذا عبروا بکرة الماء و کرة النار.و تخیلوا أن الکواکب و النجوم إنما أصبحت کرات لأنها تبعت طبعها الأصلی،فهی:کرة التراب.و الهواء کرة أیضا حول الأرض.فهذه هی کرات العناصر الأربعة.
و هذا کله و هم خال من الدلیل،بل الدلیل علی خلافه،کما هو جلی لکل مفکر فی هذه العصور.
رابعا:لو تم الوجه فلسفیا،فقد صرح الشیخ نفسه بأنه لا ینافی وجود
أکثر أفراد الجسم غیر دائری.إلا أننا لا نجد فردا للبیع أصلا،خالیا عن الخیار،إلا مع الاشتراط خلال العقد.إذن،فیمکن القول:إن القاسر الخارجی هو الذی یجعله لازما،لا أنه هو الذی یجعله جائزا.
الأمر الثالث:قوله إن الخیار حق خارجی قابل للانفکاک.لیس بصحیح:
أولا:أن کونه خارجیا إن أرید به ثبوته بالحکم الشرعی،فاللزوم أیضا یجب أن یثبت بالحکم الشرعی أو الدلیل المعتبر و إلا کان قولا بلا علم.
و إن أرید به کونه من العوارض الخارجة عن الماهیة:فهذا مما لا دلیل علیه کما أسلفنا،بعد أن نجد أن کل أفراد البیع لا توجد عادة لازمة.و لعل الأمر بالعکس،باعتبار أن اللزوم هو الطاری بعد ارتفاع الخیار.
ثانیا:ان کونه قابلا للانفکاک،لا یکون بإسقاط الحکم الشرعی بثبوت الخیار،بل بإسقاط الخیار نفسه،فلو أسقط کل الخیارات خلال العقد، انفک البیع عن الخیار.و لعل إلی هذا کان نظره قدس سره.
إلا أن هذا الإسقاط هو الحالة الطارئة و الاستثنائیة عرفا،بعد انعقاد طبیعی الأفراد مع الخیار.
و بتعبیر آخر:إن الإسقاط لا یفرق فیه بین أن یکون بعد العقد أو خلاله،إذ یکون الإسقاط حالة ثانویة عرفا و فی المرتبة المتأخرة عن ثبوت الحق عقلا،فلا ینافی بناء البیع أصلا علی انعقاده خیاریا.
و سنسمع أدلة اللزوم و نناقشها و نجد مقدار صدقها.فإذا سقطت،سقط القول باللزوم تماما.
الأمر الرابع:قال الشیخ الأنصاری بالنسبة إلی العقد(الجائز)إن جوازه:بمعنی کونه حکما شرعیا له أصلا و بالذات،بحیث لا یقبل الإسقاط.
و قد عرفنا بعض ما فیه.
أولا:اننا لا ندعی إسقاط الحکم بل إسقاط الحق المرتب علیه.
و کونه غیر قابل للإسقاط و لو بالاشتراط بالعقد نفسه أو فی عقد لازم آخر، أول الکلام.
ثانیا:ان هذه القابلیة للإسقاط هی حق و لیست حکما.و إنما الحکم هو سبب جعل الحق.لما عرفنا من أن الحکم فیه صفة التحمیل و الإلزام و الحق فیه صفة الإرفاق و الاختیار.و لا شک أن العقود الجائزة من ناحیة حق فسخها کذلک.و قد حققنا أن کل حق قابل للإسقاط.فیکون هذا قابلا للإسقاط،بصفته حقا لا حکما.
ثالثا:سنری أن بعض أدلة لزوم البیع و غیره شاملة للعقود الجائزة أیضا.کالاستصحاب و غیره.فإذا فهمنا من أدلة جواز الفسخ فی الهبة و نحوها شکلا من أشکال حق الخیار.فمن أین یمکن استفادة الجواز الذاتی؟.
بزعم أن أغلب أفراد البیع ینعقد لازما.
و هذا أمر مطعون کبری و صغری:
أما کبری،فلأن الغلبة لا تصلح دلیلا،ما لم تکن موجبة للیقین،و لو بالمستوی العرفی،من باب إلحاق الفرد النادر بالأعم الأغلب.أو یقوم علیها دلیل شرعی تعبدی.و کلا الأمرین غیر متحقق فی المقام.
و أما صغری و هو الأهم:فلما ذکره الشیخ نفسه من أن أغلب أفراد البیع ینعقد جائزا لأجل خیار المجلس و الحیوان و الشرط.
و قال:و إن أراد غلبة الأزمان،فهی لا تنفع فی الأفراد المشکوکة.
و مراده أن إلحاق الفرد المشکوک بالزمن الذی یکون فیه البیع لازما،من قبیل
1) 1)
التمسک بالعام فی الشبهة المصداقیة أو إلحاق بلا دلیل مضافا إلی کونه خلاف استصحاب الجواز الثابت کلیا حال العقد.
عند الشک فی بعض الأفراد أو بعض الأحوال
و علق علیه الشیخ:و هذا حسن لکن لا یناسب ما ذکره فی التذکرة من الوجه.
و یرید بالعمومات الآیات و الروایات الدالة علی صحة المعاملات کقوله تعالی أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله علیه السلام:المؤمنون عند شروطهم.
و القواعد المستفادة منها لیست إلا أصالة الصحة السابقة و أصالة اللزوم الآتیة.
اللهم إلا أن یرید من العمومات ما یشمل دلیل الاستصحاب و قاعدة الید و نحوها،مما یستفاد منها فی بعض الفروع الفقهیة من المعاملات.
و أوضح ما یرد علی هذا الاستدلال کونه یحوّل اللزوم فی البیع و غیره من الحکم الواقعی الذی کنا نتحدث عنه إلی الحکم الظاهری،الثابت حال الشک،کما سمعنا من الشیخ نفسه.
و سننظر فیما بعد أنه هل یمکن الاستدلال بهذه العمومات علی اللزوم کصفة واقعیة بغض النظر عن الشک أم لا.
و مرجعه إلی أصالة عدم ارتفاع أثر العقد بمجرد فسخ أحدهما.قال الشیخ:و هذا أحسن.
و تکون المناقشة فیه من وجهین أو أکثر:
الوجه الأول:أنه لو تم تتحول الصفة الواقعیة للزوم،کما یراد إثباتها إلی صفة ظاهریة ثابتة عند الشک.
الوجه الثانی:ان هذا الاستصحاب لیس له حالة سابقه،بالمعنی المبحوث عنه.لاعترافهم بأن العقد من حین وجوده کان متزلزلا.فکیف نستصحب؟.
الوجه الثالث:ان الأمر أصبح بالعکس،إذا الحالة السابقة هی التزلزل و لیس اللزوم.
الوجه الرابع:أنه لا یخلو الأمر من احتمالین:إما أن یقوم دلیل معتبر علی ثبوت حق الخیار أولا.و علی التقدیرین لا یجری الاستصحاب إذ مع ثبوته یکون تأثیر الفسخ قطعیا،و مع عدمه یکون عدمه قطعیا.و مع الشک فی أصل الخیار یکون الأصل عدمه.
غیر أن ما یشک فیه من الخیارات ما کان من قبیل خیار الشرط أو الاشتراط،لا ما کان من قبیل خیار المجلس و الحیوان التی توجد مع ولادة البیع نفسه.
و قد أشرنا قبل قلیل:إلی أن الثابت فی خیار المجلس مثلا،هو الخصوصیة،إلا أن کلی التزلزل ثابت فیها أیضا،و مع ارتفاع خیار المجلس، ترتفع الخصوصیة و نحتمل بقاء التزلزل فنستصحبه.و یکفی سببا لهذا الاحتمال عدم الدلیل علی اللزوم،کما سمعنا و نسمع.إذ نحتمل عندئذ أن یکون التزلزل صفة ذاتیة،کما قال الشیخ فی اللزوم.
الوجه الخامس:شمول الاستصحاب للعقود الجائزة،بعد عدم وجود الدلیل علی الجواز کما سنعرف.إذ یقال إن العقد منذ وجد لم یکن فیه خیار حقی و الآن کما کان.و أما التزلزل الحکمی فهو مما لا دلیل علیه علی ما سنسمع.
و یمکن جریان الاستصحاب فی طول ما سنقوله فی الدلیل الرابع من شمول أدلة اللزوم للعقد،فیستصحب مع حصول الفسخ المشکوک أثره.
التی أشرنا إلیها فی الدلیل الثانی،کدلیل علی الصفة الواقعیة للزوم العقد.
و المستفاد منها عموما فی نظر الشیخ الأنصاری (1)
المکاسب ص 215. [1]
:أنه لا یجوز1) 1)
التصرف بأموال أحد إلا بإذنه،و لا یجوز فسخ المعاملة إلا تحت إرادته.و لا یجوز الفسخ قهرا عنه.و نحو ذلک،مما یستلزم القول باللزوم الذاتی للعقد.
إلا أن هذا الدلیل قابل للمناقشة من عدة وجوه منها:
أولا:انه یکون من قبیل التمسک بالعام فی الشبهة المصداقیة،إذ بعد تقیید العقد بالدلیل المعتبر،بحصول الخیار فیه،فی الرتبة السابقة علی وجوب الوفاء به،لا یبقی من وجوب الوفاء،إلا وجوبه بمقدار ما هو ثابت شرعا.و کون الثابت فی المرتبة السابقة هو اللزوم منفی بأدلة الخیار،و خلاف الاستدلال بالعمومات فی هذه المرتبة.
و بتعبیر آخر:أنه بعد الفسخ،ان شککنا فی تأثیره کما هو المفروض فی الاستدلال،نشک أن هذا المال من أموال المشتری مثلا،فیکون التمسک بأمثال قولهم علیهم السلام الناس مسلطون علی أموالهم تمسکا بالعام فی الشبهة المصداقیة.
ثانیا:ان هذه العمومات موضوعها شامل لا محالة حتی للعقود التی اعتبروها جائزة.بل هی أولی بالشمول،لتصریحهم بعدم وجود الخیار الحقی زائدا علی التزلزل الحکمی فیها.فیکون هذا التزلزل منفیا بالعمومات، و الخیار الحقی غیر موجود باعترافهم أو بالاستدلال بالعمومات نفسها.علی أن الخیار الحقی متحقق جزما فی البیع.و أما إذا أخذ الشیخ مسلما کون هذه العقود متزلزلة ذاتا،فهو غیر مسلم.
علی لزوم العقود اللازمة، بالمعنی الذی تحدث عنه الشیخ و جواز العقود الجائزة.
إلا أن الشهرة لیست بحجة کبرویا،أو أساسا،إلا تحت شروط معینة لم تحرز تحققها فی هذا المجال.و أما الإجماع فالمحرز منه غیر محرز، و المنقول لیس بحجة،مضافا إلی أن الشهرة و الإجماع فی مثل المقام، مدرکیان،لأنهما قائمان علی الأدلة الواردة و التی سبق أن سمعناها فلا یکون لها قیمة زائدة علیها.
أعنی ما یرونه من صفة الجواز الواقعیة للعقود و الإیقاعات الجائزة.
و هم لم یتعرضوا إلی ذلک بالمرة،و قد عرفنا أن شمول عمومات اللزوم لها ممکن.بل شمول الاستصحاب الدال علی اللزوم أیضا لها ممکن،و نتیجته، کما سمعنا من الشیخ الأنصاری،عدم ترتب الأثر علی الفسخ مع الشک فی تأثیره.
فإن قیل،إننا لا نشک فی تأثیره بل نعلم به.نقول:هناک أیضا نعلم بتأثیره،علی تقدیر وجود الحق،کما سبق أن أشرنا فراجع.فما یقال فی جواب ذلک هنا-لو وجد-یقال هنا أیضا.
إلا أن ما یمکن أن یکون دلیلا علی الجواز ما یلی:بعد الالتفات إلی أنها إذا لم تتم،کانت أدلة اللزوم المشار إلیها أولی بالجریان،أو جاریة علی أقل تقدیر.و نکون عندئذ بانتظار ما سنسمعه من معنی اللزوم و الجواز بعدئذ.
إلا أن مرجع ذلک إلی وجود حق الفسخ الدائم فی المعاملة بشکل غیر قابل للإسقاط.و هذا المعنی و إن کنا نشعر به الآن،إلا أن صعوده إلی عصر الأئمة علیهم السلام غیر ثابت.و لو کان ثابتا فی البعض،فهذا مما ینبغی النظر فیه فردا فردا من حالات العقود و الإیقاعات،و لا یمکن إعطاء نظرة عامة.مضافا إلی ما سبق من احتمال إمکان إسقاط هذا الحق نظریا علی الأقل.
و هو تعبدی و لیس مدرکیا، لعدم وجود الأدلة الواضحة بالجواز.فیکون حجة.
إلا أن من المحتمل استنادهم علی بعض الأدلة التی نذکرها بهذا الصدد و إن لم تکن من قبیل الأخبار،کالسیرة و الاستصحاب.و هذا یکفی فی سقوط حجیة الإجماع،و إن کان محرزا.
الجائزة.
و قلنا فیما سبق إن هذه السیرة لیس فیها جانب نظری،بل هی عملیة خالصة،و من الناحیة العملیة لا نری إلا التزامهم بالفسخ فی أی وقت حصل.و أما اعتبارهم العقد(جائزا)فهذا جانب نظری لا یتحصل من السیرة.علی أن قیام السیرة نفسها لا یخلو من إشکال لقلة ممارسة أمثال هذه المعاملات فی السوق.
یعنی استصحاب الجواز و لو بنحو العدم الأزلی للزوم.فیثبت أنه عقد أو إیقاع غیر لازم،و إن لم تثبت صفة الجواز بعنوانها لأنها لازم عقلی.
و لیس للاستصحاب تقریب آخر لعدم حالة سابقه للعقد منذ أول وجوده.إلا أن هذا:
أولا:معارض باستصحاب العدم الأزلی للجواز.و کلاهما ذو أثر شرعی،فیتساقطان،و نرجع إلی العمومات الفوقانیة.
ثانیا:ان استصحاب العدم الأزلی أساسا لا یخلو من خدشة فی علم الأصول.و الصحیح عدم جریانه علی أی حال.
ینتج من کل هذه الجولة أنه لم یتم لدینا شیء من أدلة اللزوم فی العقود اللازمة،و لا شیء من أدلة الجواز فی العقود الجائزة.و هذا إنما ینطلق من الفهم التقلیدی الفقهی الذی قدمه الشیخ الأنصاری قدس سره للّزوم و الجواز.و أما لو قدمنا فهما آخر للزوم و الجواز فلعلنا نستطیع أن نحصل له أدلة کافیة.
و إذا أردنا أن نقدم فهما جدیدا و متکاملا للزوم و الجواز،لزمنا أن نأخذ الأمور التالیة بنظر الاعتبار:
الأمر الأول:أن هناک من المعاملات ما هو لازم جزما فی کل حالاته، للیقین بعدم موافقة الشارع المقدس بالعود إلی الحالة السابقة و هی منحصرة ظاهرا بالعتق و الوقف.
فإن العتق منتج للحریة،و لا سبیل إلی رجوع العبد إلی الرق،بعد الحریة.و الوقف منتج لانفکاک ملکیة المالک الواقف عن نفسه،و لا سبیل إلی رجوعها بعد ذلک.و هذا ثابت بالإجماع و ضرورة الفقه.
و علی هذا النحو تکون المرأة المطلقة تسعا،و سنشیر إلیها فی الأمر الثانی.
الأمر الثانی:إن من المعاملات ما هو لازم بطبعه و فی أغلب حالاته بحیث لولا شروط معینة لا یکون العود إلی الحالة السابقة ممکنا.
و من أمثلته النکاح و الرهن و الإعراض.فالنکاح لا یمکن فسخه بطبعه إجماعا و احتیاطا للفروج.إلا إذا حصلت ما یسمی بعیوب السنة،و هی أمراض معینة توجد فی أحد الزوجین توجب الفسخ لا حاجة إلی ذکرها الآن.
و إذا حصل جواز الفسخ بها خرج النکاح عن کونه لازما إلی کونه جائزا،علی ما سنعرف من معنی الجواز.
و أما الطلاق فهو معاملة جدیدة و لیست فسخا للنکاح.
و أما الرهن،فهو یتضمن الاستیثاق علی الدین بالعین المرهونة،و ما دام الدین موجودا،فمن حق الدائن المرتهن استدامة العین المرهونة تحت الرهن،و لیس من حق الراهن المالک و هو المدیون،أن یسحب عینه المرهونة.فالرهن إذن لازم من جانب الراهن جزما.و هو محل الشاهد فعلا.
و إن کان من جانب المرتهن متزلزلا لأنه حق ارتفاق له یمکن له إسقاطه و لیس تحمیلا علیه.
و أما الإعراض فهو-علی الصحیح-مخرج عن الملکیة.و هو غیر قابل للفسخ،و لا یؤثر فیه أصلا.و أما الحیازة للعین من جدید،فهو سبب جدید للملکیة،و لیس عودا للملکیة السابقة و إن کانت مثلها عرفا.
و مثله الإبراء،فإنه نظریا یشبهه،غیر أن الإعراض یکون عن العین الخارجیة،و الإبراء یکون عن المالیة الکلیة الثابتة فی الذمة.و کلاهما یتضمن إعراض المالک عن ماله و إسقاطه له.
و لیس فی الإبراء حیازة جدیدة کالإعراض.فإذا حصل الإبراء،لم یمکن العود أصلا.و من هنا یمکن إلحاق الإبراء بما ذکرناه فی الوجه الأول، غیر أن مناسبته للإعراض اقتضی ذکره هنا.
و من أشکال براءة الذمة أیضا ما یسمی بالتهاتر،سواء حصل قهرا بحکم الشارع أو باتفاق الطرفین،و هو یحصل عند ما تکون کمیة متساویة فی ذمة اثنین لأحدهما علی الآخر،و نتیجته أن لا یدفع أی منهما إلی الآخر شیئا،بل یسقط ما فی ذمة أحدهما بإزاء سقوط ما فی ذمة الآخر.
فالمهم هنا،هو أنه بعد هذا السقوط لا سبیل إلی رجوع ما فی الذمة أصلا.
و من أمثلة هذا النحو من اللزوم فی المعاملات الطلاق البائن.فإنه غیر قابل للإسقاط أو الفسخ.لو فهمنا من حق الرجوع فی العدة،شکلا من أشکال الفسخ للطلاق.فإنه لا یمکن الرجوع إلی المطلقة إلا بعقد جدید.
و لا یصح فیه حتی المقابلة و هی اتفاق الطرفین علی الإسقاط.
و قد یکون الطلاق أشد من ذلک کالمطلقة ثلاثا التی لا تحل إلا بأن تنکح زوجا غیره،و المطلقة تسعا لا تحل أبدا.
و هنا لنا أن ننبه الشیخ الأنصاری قدس سره و الفکر الموافق له.هل أن البیع الذی لا ینعقد إلا خیاریا،یمکن أن نقول بثبوت صفة اللزوم له بهذا الشکل أو الشکل السابق الذین عرفنا هما فی هذین الأمرین.کلا ثم کلا.
إذن،فهذه هی العقود التی تستحق أن تکون لازمة،و الدلیل علیها تام بالسیرة و الإجماع و السنة.
الأمر الثالث:بعد التسلیم عرفا و عقلائیا بعدم التفریق بین الجواز الحقی و الجواز الحکمی.لأن السیرة کما قلنا عملیة و لیس فیها جانب نظری،و من الناحیة العملیة،یری العقلاء تسلط الطرف علی الفسخ فی کلا الموردین.
و ما قد یقال:إن النقض یسمی فی الجواز الحقی فسخا،و فی الجواز الحکمی إبطالا أو تنازلا.و هو دلیل الفرق بینهما.
فجوابه:أنه و هم غریب و ضحل.لأن تحدید هذه الألفاظ بهذه النتائج إنما هی من اصطلاح الفقهاء و لیس لها عند العقلاء أی أثر.بل حتی الفقهاء لا یستشکلون من استعمال أحد الألفاظ السابقة فی الفسخ،لوضوح کونها واحدة عرفا و عقلائیا.
إذن،ینتج من عدم التفریق بین الجوازین المشار إلیهما،عدة نتائج.
النتیجة الأولی:ان المعاملة التی فیها جواز حقی و هو خیار الفسخ هی معاملة جائزة و لیست لازمة،و اللزوم الحکمی مع ثبوت الجواز الحقی،و هم فقهی لا دلیل علیه.و قد سبق أن ناقشنا جمیع الأدلة التی سردها الشیخ الأنصاری و غیره،و أوضح موارد انتقاضها هو هذا المورد بالذات،فراجع.
النتیجة الثانیة:إن الجواز الحکمی إنما هو من قبیل الخیار الثابت للفرد بحکم الشارع،فإن الخیار لیس إلا فرصة اختیار الفسخ.و هو کما قد یکون بحکم الشارع،کما فی خیار المجلس و الحیوان،قد یکون بحکم المتعاقدین.
و من مصادیق حکم الشارع حق الفسخ المجعول فی العقود الجائزة، کالهبة و الودیعة و العاریة.
فإن قیل:إن الفسخ فی هذه العقود یعود إلی تسلط المالک سحب
ملکه من المعاملة أو قل من طرفها الآخر.
قلنا:إن هذا لا یزید علی الاستدلال بدلیل أن الناس مسلطون علی أموالهم.و هو جار فی الخیار الحقی أیضا،کما هو معلوم.و لولا الجعل الشرعی لما استطاع المالک لهذا التصرف.فالمهم هو الجعل الشرعی لا إمکان الفسخ أو حقه،فی کلا الموردین الحقی و الحکمی،بعد عدم التفریق بینهما عرفا کما قلنا.
و قد یقال:إن جواز الفسخ فی هذه العقود لا یمکن إسقاطه فقهیا، فکیف یکون حقا،مع العلم أننا علمنا أن الحق قابل للإسقاط.
قلنا:إن هذا یلازم أحد أمرین لا بد من أحدهما:
أولا:إما أن نقول-کما سبق-أنه قابل للإسقاط.و لیس کما قالوا بعدم إمکانه.و قد أشرنا إلی أن القابل له هو الحق الجزئی و لیس الحکم الکلی،و هو کذلک دائما فی أی حق.
ثانیا:انه قد یمکن القول بأنه حق غیر قابل للإسقاط.فإن قابلیة الإسقاط أیضا بید الشارع فیمکن للشارع المنع عنه.فیکون الأمر هنا کذلک، لو تم الدلیل علیه بإجماع و نحوه.
أما القول:بأنه لیس بحق و إنما هو حکم،فهذا شطط من القول.لأن الحکم بجواز الفسخ أنتج حقا ارتفاقیا فی مصلحة الطرف.فینطبق علیه تعریف الحق الذی سمعناه من دون الحاجة إلی إمکان الإسقاط.
لأننا ذکرنا هناک أن الحکم فیه جنبة تحمیلیة و الحق فیه جنبة إرفاقیة، و الحکم قد یکون متعلقا بشخص واحد و الحق لا یکون إلا متعلقا بطرفین و هو ینطبق علی المورد تماما.
فإذا تم کونه حقا،رجعنا إلی الصفة الذاتیة للعقد أو الإیقاع،کما یرید الشیخ الأنصاری أن یفهمه،بعد أن قال إن الحق صفة خارجیة للعقد.
فإن بنینا علی ما ذکرناه من وحدة المعنی العرفی بین التزلزل الحکمی
و الحقی.کان هذا العقد جائزا لأن حق الفسخ فیه دائمی علی الفرض.و إن لم نبن علیه،لم نستطع أن نتعرف علی حقیقة العقد إلا بمجرد الاحتمال.
و قد سبق أن عرضنا احتمالا یقول:إن العقود کلها لازمة ذاتا،کما هو مقتضی العمومات،کما یفهمها المشهور.و لکنها قد تشاب بطرو حق الفسخ دائمیة أحیانا و موقتة أخری.
النتیجة الثالثة:إن المعاملة قد لا تکون دائمیة التزلزل،بل تکون لازمة أحیانا و متزلزلة أحیانا.فقد تکون متزلزلة فی أول انعقادها،فإذا لم تنفسخ رجعت إلی اللزوم بإسقاط الحق أو انتهاء مدته،و أوضح أمثلته هو البیع.
و قد تکون لازمة من أولها متزلزلة بعد ذلک أو قل:متزلزلة فی آخرها.
کما لو لم یکن لها خیار مجلس لإسقاطه،و انکشف فی المبیع عیب أو غبن.
أو حصل اشتراط الخیار.فإن فسخ کان الخیار فی آخرها،بناء علی النقل دون الکشف کما هو الحق.و إن لم یفسخ و ارتفع الخیار کان التزلزل فی الوسط.
و أکثر ما یسمیه الفقهاء بالعقود اللازمة من هذا القبیل.و لیس البیع أقواها و أثبتها بل هو أردؤها و أکثرها تزلزلا،لو صح التعبیر،لوضوح أنه ینعقد من أوله خیاریا،و قد یستمر الخیار فیه إلی نهایته إذا فسخ أو إلی مدة طویلة.
علی حین لیست الإجارة من هذا القبیل.
النتیجة الرابعة:انه یمکن بالاشتراط تحویل المعاملة اللازمة فی نظر الفقهاء إلی جائزة،بعد أن قلنا إنه لا فرق عرفیا و عملیا بین الجواز الحکمی و الخیار الحقی.
فلو اشترطا فی البیع أو فی الإجارة أو نحوها،بقاء الخیار لهما أو لأحدهما باستمرار بحیث لا یسقط بالتصرف غیر الناقل و لا بإحداث عیب أو حدث فیها،جاز ذلک،و تحولت المعاملة إلی جائزة.
فإن قیل:إن هذه من مسقطات الخیار شرعا،کما دلت علیه الأدلة الصحیحة الصریحة،فکیف نشترط بخلافها،فلا یکون الشرط نافذا لأنه خلاف الکتاب و السنة.
قلنا:إن التصرف و نحوه لیس مسقطا لکل خیار،بل خصوص الخیارات الثابتة بحکم الشارع،کالمجلس و الحیوان و العیب و الغبن و تخلف الشرط.و أما الخیار الثابت بالاشتراط،لمدة قصیرة أو طویلة فلا دلیل علی شمول تلک الأدلة(الصحیحة الصریحة)له.فإنها صریحة فی موردها،و لا تشمل مثل هذه الصورة.
و معه یمکن جعل الخیار المستمر،من دون التصرف الناقل.بل حتی معه،مع غرامة بدله.نعم،لا یمکن القول بجواز اشتراط عدم قابلیة هذا الحق للإسقاط.لأنه علی خلاف طبع الحقوق،و ما دلت الأدلة علیه من خصائصها.ما لم یحکم الشارع بعدم إمکان الإسقاط کما فی العقود الجائزة،لو تم فیها ذلک.
و أما عدم قابلیة الإسقاط فی العقود الجائزة،فهل یمکن تبدیله بالاشتراط علی خلافه فی المعاملة،أو لا یمکن.مبنی علی تمامیة الدلیل علی کون الحکم بالجواز و حق الفسخ غیر قابل للتبدیل.و بالرغم من عدم العثور علی مستند غیر الإجماع غیر المحرز.إلا أن الخروج عنه فقهیا فی غایة الصعوبة.و إن کان قوله:المؤمنون عند شروطهم مما یصحح هذا الاشتراط،بالعنوان الأولی.
نعم،إذا ثبت الإجماع،دخل المورد فی المستثنی و هو قوله:إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا.
بعد أن تم الکلام عن صفة اللزوم الواقعیة،لا بد أن نتکلم عن صفة اللزوم الظاهریة التی تثبت عند الشک.
و الشک هنا إما کبروی و إما صغروی.فالکبروی نحو أن نشک أن عقدا أو إیقاعا معینا کالمضاربة مثلا،هل هو لازم أو جائز.و الصغروی أن نتحدث عن التطبیق الخارجی.بأحد أشکال
الشکل الأول:أن نشک أن السبب هل هو سبب للخیار أو لا.فإذا حدث الفسخ بموجبه نشک بارتفاع المعاملة.
الشکل الثانی:أن نشک فی مدة الاشتراط مثلا،و یقع الفسخ فی المدة المشکوکة.
الشکل الثالث:أن هذه المعاملة کانت لازمة،فهل حدث سبب لتحویلها إلی التزلزل أم لا.و فرقه عن الأول،حدوث السبب بعد العقد کظهور العیب.
الشکل الرابع:أن سببا موجودا لا نعلم أنه سبب کاف للخیار أو لا.
و قد حصل الفسخ بموجبه أو لم یحصل.
الشکل الخامس:أن یشترط الفاسخ کون فسخه عمل بالحق دون الحکم،یعنی کونه إعمالا للخیار فی معاملة لازمة بالأصل فی نظر الفقهاء لا فی معاملة جائزة.و شککنا فی نوع المعاملة شکا کبرویا.
و نحو ذلک من الإشکال.
أما الشک الکبروی فبناء علی المسلک التقلیدی للفقهاء لا شک أن المعاملة ستکون مشمولة للعمومات الدالة علی اللزوم.و هی نفسها التی ذکرنا کونها دالة علی الصحة،بفهم معین یقرّبها إلی الدلالة علی اللزوم.
و من هنا ذکر الشیخ الأنصاری فی المکاسب أن من معانی أن الأصل فی المعاملة اللزوم:کونها مشمولة لهذه العمومات.
و إذا أصبحت مشمولة لهذه العمومات،کانت صفة اللزوم فیها واقعیة لا ظاهریة.و أصبح من المعاملات اللازمة عندهم.
و أما بناء علی ما اخترناه من عدم التفریق بین الخیار الحکمی و الحقی أو قل:التزلزل الحکمی و الحقی.فیبتنی لزوم المعاملة علی عدم وجود خیار فیها للفسخ أو قل:علی عدم إمکان فسخها شرعا،إلا بالتقابل.و وجود
الخیار و عدمه تابع لدلیله و حدوده معروفة من شروطه و لیس هنا محل تفصیلها.
و أما الشکل الصغروی فکثیر من هذه الإشکال أو الشکوک مجری استصحاب أثر المعاملة حتی بعد الفسخ.کما لو حصل الفسخ فعلا،فی أی واحد من هذه الأشکال الخمسة و شککنا فی تأثیره للأسباب المدرجة هناک، کان مقتضی الاستصحاب عدم تأثیره و بقاء المعاملة علی حالها.و هو معنی ثبوت اللزوم بالاستصحاب أو أصالة اللزوم الظاهریة.
و أما کبریات هذه الأشکال،فلها أدلتها خارجا عن مفهوم أصالة اللزوم.
إلا أننا یحسن أن نعددها للقارئ واحدا واحدا:
ففی الشکل الأول:إذا شککنا أن سببا ما هل هو سبب للخیار أم لا.
فإن دل دلیل علیه من نص أو سیرة فهو المطلوب،و إلا لزم الحکم بکونه لیس بسبب للفسخ.و أن الفسخ معه غیر مؤثر.و فی هذا و نحوه قالوا:إن عدم الدلیل دلیل علی العدم.
و فی الشکل الثانی:إن وجدنا دلیلا کالبیّنة،أو الاطمئنان فی تحدید مدة الاشتراط،فهو،و إلا کان الأصل عدم الزیادة.فنأخذ بأقل الزمنین المحتملین،و ندع الباقی.فإن وقع الفسخ فیه لم یکن مؤثرا.
و أما الشکل الثالث:فهو مجری الاستصحاب،لفرض علمنا السابق بعدم حق الخیار،أو باللزوم،فهل حصل حق الخیار و ارتفع اللزوم لظهور سبب ما أو منشئ ما للشک کبعض العیوب البسیطة.و مقتضی الاستصحاب استمرار اللزوم و عدم تأثیر الفسخ.
و أما الشکل الرابع:فیکون منشأ للشک فی تسلط الطرف علی الخیار و عدمه،و الأصل عدمه.إما لأصالة البراءة من هذا الشرط الذی کان منشأ للخیار،أو لاستصحاب عدم منشأ السبب الموجب للخیار،أو استصحاب عدم تسلط الطرف علی الخیار،للعدم الموجود قبل المعاملة أو بعدها إن وجد،أو للعدم الأزلی،إن قیل به.
و أما الشکل الخامس:فیمکن إثبات کون المعاملة لازمة،کما تحدثنا فی الکبری،فإن ثبت ذلک،کان الفسخ نافذا لکونه مشروطا به علی الفرض.و إذا کان مشروطا بالعکس،کان الفسخ لاغیا و غیر مؤثر.
و من المعلوم أن الأدلة الجاریة فی کبریات هذه الأشکال،بما فیها الاستصحابات الجاریة فی الوجهین الثالث و الرابع،متقدمة و حاکمة علی الاستصحاب الجاری فی الصغری و المفید للزوم کما قلنا.سواء کان موافقا له أم مخالفا.
و علی أی حال،فأصالة اللزوم الظاهریة الثابتة بالاستصحاب،لها عدد من أشکال الشکوک التی تکون فیها صحیحة و ثابتة.و مؤداها عدم تأثیر الفسخ فی إبطال المعاملة.
هناک وحدات لکثیر من المعارف البشریة،بعضها القدیم و بعضها الحدیث،و منها البسیط و منها الدقیق.و منها المشهور و الخاص،و منها السائد و المنقرض.
و علی سبیل المثال:نذکر للوحدات المجالات التالیة:
و هی قد تکون خلقیة تکوینیة،کالأیام و اللیالی و أجزائها الطبیعیة کالصبح و المساء،و قد تکون مجعولة اجتماعیا أو اصطلاحا عرفیا،کتسمیة المائة سنة قرنا و العشر سنوات عقدا و الثلاثین سنة جیلا.و کذلک انقسام الیوم الکامل إلی أربع و عشرین ساعة و الساعة إلی ستین دقیقة و الدقیقة إلی ستین ثانیة،و الثانیة إلی أجزائها.فإن کل هذا مجعول اجتماعی،و لیس موجودا فی أصل الطبیعة،ألا تری أن الساعة السادسة مثلا یتغیر وقت وجودها فی اللیل و النهار.
و السنة قد تکون طبیعیة کالسنة القمریة،و قد تکون جعلیة اصطلاحیة، کالسنة الشمسیة.کما أن عدد أیام الشهر الواحد قد یکون طبیعیا،کالشهر القمری،و قد یکون جعلیا کالشهر الشمسی و غیره من أنواع التواریخ.
و أما التاریخ،فکله جعلی و لیس فیه طبیعی.إذ یأخذ الناس أحد
الحوادث المهمة فی التاریخ فیعتبرونها أول تاریخهم کالهجرة النبویة عند المسلمین،و میلاد المسیح عند المسیحیین أو سلطنة کورش عند الفرس، و هکذا.
و هی المساحة.و کلها جعلیة غیر طبیعیة،کالفرسخ و المیل و الکیلومتر.و غیرها.
نعم،قد یکون بعضها مأخوذا من مقادیر طبیعیة،کالشبر و الذراع،و قد یکون بعضها مبتنیا علی أسس من هذا النوع.کما سنشیر بعد ذلک.إلا أن هذا لا ینافی کونه جعلیا.إذ لیس هناک تقدیر تلقائی و تکوینی فی المکان سوی تشبیهه ببعض المسافات المحددة،من جسم الإنسان و الحیوان مثلا.
فالالتزام بهذا التشبیه أمر جعلی و إن کان الأمر المشبه به طبیعیا.
و هی الأوزان کالحقة و الکیلو و الصاع و الرطل،و نحو ذلک،مما هو مختلف فیه بین البلدان کثیرا علی ما سوف نشیر.و إن کان الاتجاه الأغلب الآن إلی اعتبار الکیلو کوحدة متفق علیها.
و هی الکیل.کالکر و الصاع،علی بعض تفاسیره و القفیز و الأردب.أو تقول:ملأ شاحنة(لوری)من الرمل أو الحصی مثلا.
و هناک وحدات للتیار الکهربائی و السحب المغناطیسی و الوزن الذری و الفضاء الخارجی،و غیر ذلک،مما هو خارج عن غرضنا فعلا.
کما أن وحدات الزمان خارجة عن غرضنا فی هذا الفصل،و إنما ذکرناها لأجل تنسیق الوحدات و توضیحها،و هی تحتاج إلی بحث مستقل.
هناک إشکال عام علی کل المقادیر السوقیة الساریة فی المجتمع،و هو ما یسمی فی علم المنطق،بلزوم الدور.فإنک قد تسأل کم هو الکیلو فیجیبک:هو ألف غرام.ثم تسأل کم هو الغرام فیجیبک:هو جزء من ألف من الکیلو.فتکون القضیة تکراریة،و یتوقف فهم أحدهما علی فهم الآخر، فلا نعود بنتیجة حقیقیة واضحة.فإننا إذ نفسر الکیلو بالغرام و الغرام بالکیلو فإنما نفسر الکیلو بالکیلو و الغرام بالغرام.و هذا معنی الدور منطقیا.فإذا جهلنا أحدهما جهلنا الآخر بالضرورة.
و قد أجاب عقلاء الناس عن هذا الإشکال بأحد طریقین:
الطریق الأول:إیجاد شیء معین کحدیدة أو نحاس یشبه تماما ثقل الکیلو أو طول المتر المتعارف علیه فی المجتمع.و تکون هذه الحدیدة هی المرجع الأساسی و المثالی عند الشک أو الترافع القضائی،أو لأجل مقایسة بعض الأوزان ببعض،أو صناعة قطع جدیدة مثلها للتداول فی المجتمع.إلی غیر ذلک من الأغراض.
غیر أن هذا الطریق یواجه مشکلة مستعصیة،و هو التآکل القهری الذی یحدث خلال السنین للمقادیر(المثالیة)المحفوظة فی المتاحف للمتر و الکیلو و الپاوند و غیرها.و هذا لا بد من حدوثه و إذا حدث،فلا بد من صناعة مقدار مثالی آخر،و عندئذ فأی میزان عقلی أو عرفی یشهد لنا علی أن هذا الجدید إنما هو بمقدار القدیم فی حالته قبل التآکل.
هذا مضافا إلی تمدد المادة بالحرارة،و التقلص بالبرودة،و التأکسد بالرطوبة،مضافا إلی أن مناطق الکرة الأرضیة لا تتفق فی الوزن ذاته،فهو عند القطبین غیره عند خط الاستواء.
الطریق الثانی:الرجوع إلی الانتسابات الطبیعیة:
و ذلک باتباع أحد أسلوبین
الأسلوب الأول:الأسلوب التسامحی.و هو أنهم أرجعوا المقادیر الکبیرة للمساحة إلی الشبر و الذراع و القدم،عند الإنسان.
إلا أن هذا-کما أشرنا-لا یخلو من تسامح،إذ إنه یواجه بعض المصاعب.
أولا:أن الأشبار تختلف بین الناس،إلی حد قد لا یتفق اثنان فی الخلقة.کما لا یتفق اثنان فی مقدار انفتاح الید و انبساطها عند محاولة أخذ المقدار.و هکذا.
ثانیا:أن لحم الید بصفته قابلا للضغط و الارتخاء،لا یکون قابلا للضبط التام.
ثالثا:ان هذا خاص لو تم،بالمساحة،و لا یشمل الوزن،کما هو واضح،فما ذا نقول فی مقادیر الأوزان،و یبقی الإشکال الأساسی السابق فیها ساری المفعول.
الأسلوب الثانی:الرجوع إلی شیء أکثر ضبطا فی الطبیعة.
و أحسن ما وجدت فی ذلک هو الرجوع إلی حبات الشعیر فإنها متشابهة إلی حد بعید من ناحیتین:أولا،الوزن.و ثانیا:المساحة،یعنی مسافة المقدار العریض من وسطها.فإذا تم التحویل علی حبة الشعیر انضبط الأمر إلی حد کبیر.
و اعتقد أن المراد بحبة الشعیر،هی مع قشرها الذهبی و هو الشکل المتعارف الذی یتم به تسویق الشعیر،بخلاف الحنطة فإنها تسوق مقشرة عادة.کما أن لها أنواع عدیدة،تختلف فی أحجامها و أوزانها.و لیس الشعیر کذلک.
و فی هذا الأسلوب نقطة قوة،و هو الشمول للوزن و المساحة معا.
بخلاف الأسلوب الأول.کما أن صلابة حبة الشعیر و عدم إمکان ضغطها عادة،نقطة قوة أخری.
و هناک تحویل آخر علی الطبیعة فی المساحات و هو التحویل علی شعر البرذون،یعنی عرض الشعرة و یراد به الفرس الرشید أی المتقدم فی العمر نسبیا.و قیاسه أضبط من التحویل علی شعر الإنسان أو وبر الإبل مثلا.
و من هذا المنطلق،قیل:إن عرض الشعیرة(حبة الشعیر)یساوی سبع شعرات برذون.
أقول:و إذا بقی بعد ذلک تسامح،و هو لا شک باق.فهو یشکل فروقا دقیة جدا،بحیث لا یعتنی بها السوق عرفا و عادة.
و من الواضح أیضا أن أشکال التآکل لا یأتی علی مثل هذا الأسلوب، لوضوح أن أی شعیرة أو شعرة برذون تآکلت أو تلفت،نأخذ بدلها غیرها لنتمم بها القیاس.
و مقدار الضبط فی المقادیر،أیا کانت،یمکن أن یکون علی عدة مستویات أو إشکال:
المستوی الأول:الضبط العقلی أو الفلسفی الذی یقدم البرهان الدقّی الحقیقی علی صدقه.و هذا ما ینبغی الاعتراف سلفا علی کونه متعذرا بل مستحیلا تماما.
إلا أن استحالته لا تضر بالتعامل السوقی بالمرة،بل إن التسامحات السوقیة و العرفیة،قد تعود علی المستوی الآتی أیضا.
المستوی الثانی:الضبط بالشکل الدقیق الکامل.کالجزء بالألف و المائة ألف،بحیث لا یفوت شیء من العروض أصلا،و إن فات شیء منها،فهو مما لا یدخل تحت الحس البشری لضآلته.
و هذا هو المتوقع فعلا من کل المقادیر المضبوطة بالأسلوبین المشار إلیها سابقا.و هذا هو الموجود فعلا،إذا تمکنا من السیطرة جهد الإمکان علی الإشکالات الواردة علی ذینک الأسلوبین.
المستوی الثالث:الضبط بمقدار الحاجة.
فإن کان المطلوب الضبط العالی و الدقیق،کما فی علوم الفیزیاء و الکیمیاء و الطب و الفضاء و نحوها من العلوم التجریدیة،کانت الحاجة ماسة إلی الضبط الکامل.
و السر فیه،هو أن التخلف القلیل،مهما تضاءل یحدث أو قد یحدث فسادا فی النتیجة المطلوبة.فدرءا لاحتمالات التخلف و الفساد لا بد من الضبط المتزائد.
و إن کان المطلوب الضبط بالمقدار السوقی،کان الضبط بالمقدار الاعتیادی کافیا.لأن النتیجة الکافیة و الصحیحة عرفا و اجتماعیة متوفرة و متیسرة فیه،و لا یحتاج الناس إلی ضبط أکثر ذلک اجتماعیا.
و یکفی مثالا للضبط السوقی،ما کان یذکره أحد أساتذتنا فی مجلس درسه:من أنک إذا اشتریت(ماسکة)شباک،فإنک ستتوخی أن تکون متینة و کاملة.و أما إذا اشتریت شبکا کاملا،و کان فی ما سکتة شیء من النقصان، فهو أقل أهمیة من الصورة السابقة،و إن کان بدوره عیبا عرفیا قابلا لحق الفسخ.
فإن اشتریت عشرة شبابیک مثلا مرة واحدة،و کان فی أحدها ماسکة ضعیفة أو فاسدة،لم یکن ذلک فی المجموع عیبا عرفیا.و أما إذا اشتریت دار کاملة یوجد فی شباک واحد من شبابیکها عطل فی ماسکته،فسیکون من المضحک أن تشکو من وجود هذا العطل للبائع.
و کذلک من الواضح:أن الفرق بمقدار غرام و نحوه لا یعتنی به سوقیا فی الطن و نصف الطن و الوزن و نحوها.فی حین قد یعتنی به فی الکیلو غرام الواحد،فضلا عما هو أقل منه.
و المقدار غیر المعتنی به سوقیا،یسمی فقهیا بالمقدار الذی(یتغابن به الناس)عادة.یعنی لا یعتبرونه غبنا و ضررا یوقعه بعضهم علی بعض،بل
یعتبرونه شیئا عادیا و مفروضا.بخلاف الأکثر،فإنه غبن عرفی.
و لا یبعد أن النسبة إن کانت أقل من واحد بالألف کان ذلک جائزا عرفا،و إذا کان جائزا عرفا کان جائزا شرعا.بخلاف ما هو أکثر من ذلک من التسامح.علی أن المواد قد تختلف و الأسواق تختلف،و کذلک أغراض الحصول علی المواد،و کذلک المستوی الحضاری و الثقافی للمتعاملین.
و هذا المقدار من التسامح السوقی الذی یتغابن فیه الناس،هو الذی یشفع فی دفع الإشکالات السابقة علی المقادیر،سواء فی الطریق الأول أو الثانی السابقین،إذ مهما کان الفرق کبیرا(تقریبا)فإنه لن یزید علی المقدار المتسامح به سوقیا.
شعر الإنسان منذ العهود القدیمة إلی ضرر الجزاف فی البیع و المبادلات،و أنه یؤدی إلی خسارة حتمیة فی أکثر الأحیان.و من ثم تنبثق الحاجة إلی تقدیر مقدار المبادلات فی الأجسام کالطعام و المساحات کالأراضی و القماش.
و الانتباه إلی ذلک فی البشریة غیر محدد تاریخیا،و إن کان یظن رجوعه إلی عدة آلاف من السنین.فهو موجود فی عصر الفراعنة بل فیما قبله.و لا حاجة لنا إلی استعراض تطور هذا التحدید.
و إنما المهم الآن هو الألماع إلی أن البلاد القدیمة حیث کانت متباعدة جدا،و کانت وسائط النقل صعبة و بطیئة،و وسائل الإعلام العامة منعدمة، و الحاجة إلی التبادل السوقی کثیرة و سریعة.فمن هنا استقلت کل منطقة فی العالم بشکل من أشکال التقدیر و التحدید فی الوزن و المساحة.و هذا ما له أثره إلی یومنا هذا.
و بعض التحدیدات القدیمة معروفة لحد الآن،و بعضه مندثر.بل إن جملة من الأوزان و المقادیر المعاصرة،فی عدد من المجتمعات غیر معروف،
و علی الأقل لا توجد فی المصادر العربیة،ما یشیر إلیه.
و علی أی حال،فقد تفتق الفکر البشری عن إمکان التحدید فی غیر المساحة بثلاثة أشکال:
الشکل الأول:الوزن بإزاء ثقل معین(عیار)متسالم علیه فی المجتمع.و کذلک أجزاؤه و مضاعفاته إن وجدت.
الشکل الثانی:الکیل بإزاء(ظرف)معین یملأ بقیمة معینة،و کذلک أجزاؤه و مضاعفاته إن وجدت.
الشکل الثالث:العد مما هو قابل للعد.کالبرتقال و البیض.فیباع الفرد منه بکذا من المال.و من الواضح أن هذا لا زال ساری المفعول کثیرا فی العصر الحاضر،کما فی الأجهزة الکهربائیة و السیارات و الأسلحة و غیرها کثیر.فإنها تباع عددا لا وزنا طبعا!! هذا و قد کانوا سابقا،و ربما إلی الآن،قد یجعلون الکیل طریقة لمعرفة العدد،فإذا کان البرتقال کثیرا جدا بحیث یتعذر عدّه،أخذوا ظرفا و عدوا به مئة برتقالة مثلا بحیث أصبح مملوءا.فیصبح ملؤه کل مرة معدودا بمئة برتقالة.و إذا حصل فیه تسامح بفرد أو أکثر،فهو مغتفر عرفا،و مما یتغابن به الناس عادة.
و بالرغم من أن المعروف عادة هو عدم استعمال الکیل فی السوق المعاصرة،إلا أننا نستعمله کثیرا کبیع السوائل فی زجاجات ذات حجم معین.و بیع التراب و الرمل و الحصی و الجص و نحوها فی شاحنات(لوری) و غیر ذلک.
و لکن بالرغم من هذه الحاجة إلی الکیل فإن الفکر البشری قد تفتق تدریجا عن ضرر الإکثار منه فی المواد و رجحان استبداله بالوزن لأنه أکثر ضبطا و من ثم فهو أکثر ربحا.
و قد تفتق الفکر البشری إلی ضرورة توحید الوزن فی العالم کله و هو
أمر راجح فعلا و قد حددوه بوزن الکیلو و أجزائه و مضاعفاته.کما حددوا المساحة بالمتر و أجزائه و مضاعفاته و سنذکر جانب القوة و الضعف فی هذه التقدیرات بعد ذلک.
نحتاج إلی هذه المعرفة وصولا إلی عدة أغراض:
الغرض الأول:مجرد الثقافة.فإن العلم بالشیء خیر من الجهل به کما قال المثل العربی القدیم و هی ثقافة لا تخلو من دقة و وجاهة.
الغرض الثانی:ضبط مقایسة الأوزان و المساحات ببعضها البعض حینما نحتاج سوقیا إلی تبدیل بعضها ببعض أو نظریا إلی إرجاع بعضها إلی بعض.
الغرض الثالث:غرض فی الفقه الإسلام،فإن کثیرا من أبواب الفقه ورد فیها الحاجة إلی ضبط الوزن و المساحة کالزکاة و الخمس و البیع و الرهن و الوقف و الإجارة و غیرها.و قد ورد فی النصوص الفقهیة ذکر الأوزان و المقادیر علی الطریقة القدیمة التی کانت ساریة المفعول فی صدر الإسلام و تعن الحاجة لدینا إلی معرفة مقادیرها لغیرها من الأوزان و خاصة الأوزان الحدیثة.
لکی یکون موضوع الحکم الشرعی الفقهی واضحا فی الذهن.
الغرض الرابع:أن هناک تشابها فی أسماء کثیر من المقادیر:فبالرغم من اختلاف المقدارین أو المقادیر فی الوزن أو المسافة أو الکیل فإنها مسماة باسم واحد.و یرجع ذلک إلی اختلاف المجتمعات فی بعدها الزمانی و المکانی کما سبق إن قلنا و من المعلوم أن الضبط من هذه الناحیة ضروری جدا.
فمثلا نری أن للمثقال و الدرهم و الأوقیة و المن و الصاع و الرطل و الطن و المیل و الذراع و غیرها من المقادیر معان مختلفة و مصادیق متباینة،الأمر الذی یحدونا سوقیا إلی إرجاع بعضها إلی بعض و تحدیدها إلی أکبر قدر ممکن.
تنقسم المقادیر فی طریقة ضبطها إلی ثلاثة أشکال:
الشکل الأول:شکل الانقسام الرباعی أی أن الجزء هو جزء المقدار الأکبر منه.کالحقة المتکونة من أربع أوقیات و الوقیة المتکونة من أربعة أرباع و الصاع المتکون من أربعة أمداد.
الشکل الثانی:شکل الانقسام العشری.و مثاله الأفضل هو الکیلو و مضاعفاته و أجزاءه مع الغرام و أجزاءه حتی أوصلوه إلی جزء من مئة ملیون جزء من الغرام و جعلوا له اسما.
و هذا کما هو صادق علی الکیلو فی الوزن صادق علی المتر فی المساحة.کما یمکن أن یکون صادقا علی کل أشکال الوزن إلا أن الذهن البشری لم یتفتق عن ذلک فی غیرها و من ثم کانت انقساماتها بهذا الشکل غیر عملیة و غیر معروفة و إنما ینبغی أن نتعامل مع کل قیاس کما تعامل معه أهله.
و من ثم کان الکیلو و المتر من هذه الناحیة هی أدق التقدیرات السوقیة المعروفة لحد الآن.و لکنها علی أی حال تحتوی علی الإشکالین اللذین المعنی إلیها فی عنوان سابق.
و لا یوجد لدینا تقدیر عشری ذو أساس طبیعی متعارف علیه فی السوق.بعد أن عرفنا أن الکیلو و المتر لیس لها أساس طبیعی.نعم فی بعض تقادیر المساحة قد یقرب الأمر من ذلک أحیانا کما سنشیر إلی ذلک.
الشکل الثالث:المقدار الذی لیس له ضبط معین غیر مجرد التسالم علیه و الرکون إلیه اجتماعیا.فإذا أردنا معرفة کمیاتها بالتقدیرات الأخری فلا بد أن نأخذ المقدار و نزنه أو نقدره بالتقدیر الآخر.
إلا أن هذا لیس نقطة ضعف علی مستوی السوق بعد أن تم التسالم علی صحتها اجتماعیا.و کلما لم یندرج فی الشکلین الأولین فهو مندرج فی
هذا الشکل الثالث کالطن الإنکلیزی و المن الفارسی و الفدان و غیرها.
من أجل أن لا یکون النقل کاذبا فی الموازین و المقادیر و أن لا یکون تطبیق بعضها علی بعض خاطئا فلا بد من اتباع أحد الخطوات التالیة:
أولا:الأخذ بأخبار الثقات بالمعنی المتعارف علیه فی الفقه.و هذا ینفع فی کثیر من المقادیر و خاصة فی المقادیر التی کانت معروفة فی صدر الإسلام لأنها نقلت إلینا عن طریق الروایات الموثوقة عن المعصومین علیهم السلام.
و هذا الطریق لا زال ساری المفعول فیها یعنی من النقل الموثوق لأی مقدار معاصر.
ثانیا:الأخذ بأخبار أهل السوق أنفسهم بمعنی أننا نعتمد فی کل وزن أو تقدیر علی المصادر الصادرة من ذلک البلد المستعمل للوزن.لأنهم إنما ینشرون تلک المصادر من أجل أنفسهم و لنفع مجتمعهم فإذا وقع فی أیدینا شیء من ذلک کان موثوق الصحة و ان کان المخبر به غیر موثوق بمعنی أنه لو أخبرنا عن شیء آخر لما أخذنا بقوله.
و هذا ینفع فی الموازین عموما،و خاصة تلک الموازین و التقادیر المأخوذة من الأجانب کالفرنسیة و الإنکلیزیة و عموم المقادیر التی تؤخذ من مصادر غیر إسلامیة.
ثالثا:الأخذ بنتائج الحاسبات الألکترونیة فإنها توصل إلی التعرف علی مقدار کثیر من الأوزان و المقادیر المجهولة بعد مقایستها بمقادیر أخری معروفة کما سوف نشیر فی العنوان التالی.
و یمکن التقلیل من احتمال خطأ الحاسبات و تأیید صحة الاستنتاج بعدة أمور:
أولا:استخدام حاسبة قویة التیار الکهربائی لأنها مع ضعف التیار قد
تخطئ أحیانا و کذلک استخدام حاسبات متطورة مضمونة النتیجة.
ثانیا:استخدام حاسبتین أو أکثر فی مسألة واحدة فإن خرجت النتائج نفسها کانت محرزة الصحة.
ثالثا:استخدام طریقة اختبار معینة کمحاولة استنتاج المقدار من طریقتین حسابیتین لا من طریقة واحدة فإن کانت النتائج نفسها کانت محرزة الصحة.
یحتاج الاستخراج بشکل رئیسی إلی وجود مواد خام أو قضایا مسلمة تکون مقدمة لاستنتاج المجهول.إذ لولاها لم یمکن أی استنتاج کما هو واضح و هذه القضایا المسلمة تکون مأخوذة من أحد الأسالیب التی ذکرناها فی المقدمة السابقة.
فإذا تمت لدینا قضایا مسلمة سابقه فی حاسبة إلکترونیة،بما فیها الأمور التی استخرجناه،فی عملیة سابقه أمکن مباشرة الاستنتاج من جدید.
و لعل هناک بعض نقاط الضعف فی الحاسبات الألکترونیة المتوفرة سوقیا.
النقطة الأولی:عدم وجود الاستنتاج من الکسر الاعتیادی فی کثیر من الحاسبات و اقتصارها علی الکسور العشریة الأمر الذی یلزم منه وجود ما یسمی ریاضیا بالخطإ الدائم فی کثیر من الأحیان.و بخاصة فی تلک التی تکون(مسلماتها)قائمة علی الکسر الاعتیادی.
و مثاله أن الحقة البقالیة تساوی حقة و ثلث من الحقة العطاریة،و الثلث لا وجود له فی الکسر العشری و کذلک السبع و التسع.و تحویلها إلی الکسر العشری یستلزم وجود الخطأ الدائم بالضرورة.مضافا إلی کثرة الأرقام و عدم إمکان التحویل عکسیا مع وجود هذا الخطأ لأنه لا یرجع إلی حالته الأولی ابدأ.
النقطة الثانیة:أنه قد یصادف وجود الاختلاف فی بعض الکسور فی نفس النتیجة عند استعمال حاسبتین و طریقتین فی الاستنتاج.و هذه نقطة ضعف قائمة،و لکن قد یکون سببها راجعا إلی إحدی النقطتین السابقة و الآتیة.
النقطة الثالثة:احتمال الخطأ فی(تطعیم)الحاسبة عن صناعتها فإن ملایین المسائل الریاضیة المطعمة فیها قد تحتوی علی الخطأ القلیل أحیانا.
و هذا الاحتمال قائم و لا دافع له بدلیل حقیقی.غیر أنه یقلل من أهمیته أمران:
الأمر الأول:ما أشرنا إلیه فی العنوان السابق وجود طرق لتصحیح الاستنتاج.
الأمر الثانی:ما أسلفناه من کفایة الضبط السوقی المتعارف بین الناس و هذا یتوفر تماما لو تم لنا استنتاج الجزء من الألف بشکل صحیح من أیة حاسبة.
و لکن مع ذلک یرد علی ذلک إشکالان:
الإشکال الأول:أنه ما العمل إذا احتجنا إلی الضبط المتزائد و الدقیق و قد یحصل هذا فی السوق أحیانا،فضلا عن الحاجة المسابة إلیه فی العلوم الصرفة.
الإشکال الثانی:أن الحسابات قد تخطئ فی الکسر من الألف و المائة أیضا بالشکل الذی لا یغتفر سوقیا.
و الحق أنه لا دافع لهذین الإشکالین إلا باستعمال طرق الضبط السابقة بحیث یحصل الوثوق بالنتیجة.و الوثوق هو الحجة فقهیا و شرعا فی هذا المجال.
و هی التی کانت متعارفة و سائدة فی صدر الإسلام و هی عدیدة منها
الرطل و الصاع و الوسق و المد و الکر (1)
هناک إشکال لا یخلو من أهمیة یحسن ذکره مع محاولة الجواب علیه: و هو أنه قد یقال:إن هذه الأسماء أو العناوین هی من قبیل(الکیل)و لیست من قبیل (الوزن).کما صرح به فی کثیر منها أکثر الفقهاء و أکثر اللغویین.فکیف یمکن إدراجها ضمن الأوزان؟. و جواب ذلک ممکن بعدة وجوه: الوجه الأول:أن هذه العناوین السوقیة،کما أنها قد استعملت بصفتها کیلا، کذلک قد استعملت فی زمان متأخر عن ذلک نسبیا بصفتها وزنا.و یکفینا من الحجة الشرعیة فقهیا الاطمئنان بأنها کانت فی بعض عصور أئمتنا المعصومین سلام اللّه علیهم مستعملة بوصفها وزنا.لأنها تکون عندئذ مقرّة من قبلهم و إقرار المعصوم حجة.و الاطمئنان بذلک حاصل فعلا. یبقی السؤال عن أن المجتمع العربی کیف طبّق الکیل علی الوزن.ثم هل أن لهذا السؤال أهمیة فقهیة أم لا.فهذا ما سنذکره بعد الانتهاء من الوجوه التی بأیدینا. الوجه الثانی:خبر محمد بن عبد الجبار عن أبی القاسم الکوفی أنه جاء بمد و ذکر أن ابن أبی عمیر أعطاه ذلک المد و قال:أعطانیه فلان رجل من أصحاب أبی عبد اللّه علیه السلام.و قال:أعطانیه أبو عبد اللّه علیه السلام و قال:هذا مد النبی صلی اللّه علیه و علی آله فعیرناه فوجدناه أربعة أمداد و قفیز و ربع بقفیزنا هذا. (الوسائل ج 6:کتاب الزکاة:أبواب زکاة الفطرة:باب 7:حدیث 6). و محل الشاهد قوله:فعیرناه.و هو دال علی استعمال الوزن لا الکیل.قال ابن منظور:قال الجوهری:فرّق اللیث بین عایرت و عیرت فجعل عایرت فی المکیال و عیرت فی المیزان.أقول:فیکون واضحا فی المطلوب،لأنه لم یقل عایرناه لیکون مستعملا للکیل. و إذا صح استعمالهم للوزن،دل ذلک علی أن مد النبی صلی اللّه علیه و علی آله من الوزن لا الکیل و کذلک العناوین الأخری الموجودة فی الروایة نفسها کالقفیز. و کذلک إذا ثبت أن المد هو وزن و لیس کیلا ثبت أن الصاع کذلک لأنهم صرحوا بوضوح أن المد ربع الصاع.فهو مثله فی النوعیة لصعوبة تحویل الکیل إلی وزن. و وضوح عدم کون هذا جزءا من هذا. إلا أن هذا الوجه لا یتم لمناقشتین: الأولی:ضعف سند هذه الروایة. الثانیة:أنه لم یثبت لغویا أن(عیّر)خاص بالمیزان بل هو یشمل المکیال أیضا. کما صرح به أیضا ابن منظور و غیره.فلا دلیل من استعمال هذه الکلمة فی الروایة علی کونه وزنا. إذن،فهذا الوجه الثانی لا یتم. الوجه الثالث:أننا نسمع من اللغویین و الفقهاء تطبیق العناوین الکبیرة(من الأوزان و المکاییل)علی الصغیرة.و من الواضح:أنه إذا کانت الکبیرة إنما هی من المکاییل أو مشترکة الانطباق علیها و علی الأوزان،فإن العناوین الصغیرة هی من الأوزان قطعا کالدرهم و المثقال و الحبة و الدانق و غیرها.و لا یحتمل إطلاقا أن تکون من نوع المکاییل. إذن،فتطبیق هؤلاء لهذه العناوین علی العناوین الکبیرة یدل علی أحد أمرین:فإما أن تکون العناوین الکبیرة أیضا أوزانا و لیست مکاییل.و هذا هو المطلوب و الذی جرینا علیه فی المتن.و یقرّ به صعوبة تطبیق الکیل علی الوزن بل یکاد أن یکون ممتنعا عرفا،کما سنذکر.إذن فیتعین أن تکون کل العناوین صغیرها و کبیرها أوزانا. و هو المطلوب کما قلنا. و أما أن یکون هؤلاء المفکرون قد تجشموا صعوبة تطبیق الکیل علی الوزن.بما فیها من نوع من التعذر العرفی و المسامحة العرفیة أیضا کما سنذکر. و قبل أن ندخل فی هذا التطبق أود أن أورد بعض عبارات ابن منظور فی(لسان العرب)یدل علی تطبیق العناوین الصغیرة علی الکبیرة.قال:المکوک:مکیال معروف لأهل العراق و الجمع مکاکیک و مکاکی.و هو صاع و نصف و هو ثلاثة کیلجات و الکیلجة من و سبعة أثمان المن.و المن رطلان و الرطل اثنا عشر أوقیة و الأوقیة أستار و ثلثا أستار(بکسر الهمزة)و الأستار أربعة مثاقیل و نصف و المثقال درهم و ثلاثة أسباع الدرهم.و الدرهم ستة دوانیق و الدانق قیراطان.و القیراط طسّوجان و الطسوج حبتان.و الحبة سدس ثمن الدرهم.و هو جزء من ثمانیة و أربعین جزءا من درهم.زاد ابن بری:الکر ستون قفیزا و القفیز ثمانیة مکاکیک و المکوک صاع و نصف و هو ثلاثة کلیجات.إلی آخر ما قال ابن منظور. و لا یحتمل أن تکون کل هذه العناوین من المکاییل لوجهین: الوجه الأول:ما قلناه:من أن العناوین الصغیرة کالقیراط و الحبة و الدرهم لا یحتمل أن تکون مکاییل.بل هی أوزان قطعا. الوجه الثانی:ما قاله ابن منظور نفسه عن بعض الأوزان الصغیرة.قال:الدانق و الدانق من الأوزان.و قال:المثقال وزن معلوم قدره.و قال:القرّاط و القیراط من الوزن معروف و هو نصف دانق.(راجع کلا منهما فی مادته من لسان العرب). إذن،فقد طبق ابن منظور ما هو(وزن)یقینا علی ما هو(کیل)یقینا و هو المکوک الذی قال عنه أنه مکیال معروف لأهل العراق. و موقفنا من ذلک أحد أمرین: الأمر الأول:أن نحمل ابن منظور و أشباهه علی الاشتباه للیقین بکون العناوین الصغیرة أوزانا و الشک أن الکبیرة هل هی أوزان أو مکاییل:فیکون تطبیق الصغیرة علیها دلیلا علی أنها أوزان و لیست مکاییل.أو أنها قد استعملت فعلا لحقبة طویلة بصفتها أوزانا کما أشرنا.و هذا یکفی. الأمر الثانی:أن ابن منظور و أشباهه قد طبقوا الموازین علی المکاییل بالرغم من صعوبتها و کونها ذات مسامحة عرفیة کما سنری. و هنا لا بد من الإشارة باختصار إلی معنی هذا التطبیق و کیفیته. إذ من المعلوم أن الکیل أو المکیال یستعمل فی کثیر من المواد و المواد تختلف فی وزنها النوعی،فلا یمکن أن یکون لمادتین ذات کیل واحد أن یکون لهما وزن واحد.کما أن العکس صحیح بمعنی أنه لا یمکن أن تکون لمادتین ذات وزن واحد:کیل واحد.و هذا واضح.و من هنا تنطلق صعوبة تطبیق الکیل علی الوزن و عکسه. غیر أن هذا التطبیق إما أن یقوم به المجتمع نفسه فیحول عنوانا أو عدة عناوین للکیل إلی أوزان أو یسمی عدة أوزان بأسماء مکاییل سابقه.و أما أن یقوم به المفکر بینه و بین نفسه بغض النظر عن المجتمع. فإن قام به المجتمع نفسه،کما أشرنا إلیه أنه من المطمأن به أنه قد حصل فعلا فی بعض عصور أئمتنا سلام اللّه علیهم.أقول:فإن قام به المجتمع فلا إشکال فیه من الناحیة الفقهیة. أولا:لأنه یکون ممضی من قبل المعصومین سلام اللّه علیهم. ثانیا:لأنه یصبح سیرة عرفیة سوقیة یمکن القیاس علیها لأی فرد. و لا علینا بعد ذلک فی الأسلوب الذی اتبعه فی هذا التحویل.فقد یکون هو مجرد تسمیة للأوزان بأسماء المکاییل.و قد یکون هو للمادة الغالبة فی المجتمع کالحنطة أو التمر یومئذ و اعتبارها هی الأساس فی الوزن ضمن مکیال معین.و بعد التوصل. إلی وزن معین یکون انقسامه إلی أوزان أخری ممکنا بطبیعة الحال. هذا،و أما إذا قام به المفکر من تلقاء نفسه،فلا حق له فی ذلک و سیکون فاشلا قطعا،لاستحالة انطباق المواد فی الکیل و الوزن علی بعضها البعض کما أسلفنا. فإن طبق المفکر بعض المواد الغالبة کما أشرنا و أخذ بوزنها فهذا یکون خطأ لأکثر من مناقشة المناقشة الأولی:أن هذا التطبیق یکون شخصیا و لیس اجتماعیا فلا یکون له حجیة فقهیة. المناقشة الثانیة:أن عددا من الموازین لا ینطبق علی المادة التی استعملها. فمثلا:أن الحنطة توزن بالصاع و لکنها لا توزن بالمثقال و الدرهم.فإذا صدق الصاع علیها لا یلزم منه صدق الموازین الصغیرة.فیکون التطبیق خاطئا. و علی أی حال،فإننا من وضوح فقهی فی منهجنا و هو کون کل هذه العناوین أوزانا للوجه الأول السابق،و بعض ما ذکرناه فی الوجه الثالث،کما هو واضح لمن یفکر.
.و قد کان الرطل منقسما إلی ثلاثة أقسام:
أ-الرطل العراقی و هو أصغرها.
ب-الرطل المکی و یساوی ضعف العراقی.
ج-الرطل المدنی و یساوی ثلثی الرطل المکی.
و أما الصاع فهو أربعة أمداد و المد ربع صاع و هو أعنی الصاع یساوی تسعة أرطال بالعراقی و ستة أرطال بالمدنی.
و الوسق یساوی 60 صاعا.
و أما الکر فهو یساوی 1200 رطل بالرطل العراقی علی الأصح فیکون بالرطل المکی 600 و بالرطل المدنی 900.
و معه تصح هذه القائمة الرقمیة:
الوسق 60 صاعا.
الصاع 4 أمداد.
الصاع 9 أرطال عراقیة.
الصاع 6 أرطال مدنیة.
الصاع 5،4 أرطال مکیة.
الرطل العراقی 5،0 رطل مکی.
الرطل المکی 2 رطل عراقی.
الرطل المدنی 2/3 رطل مکی.
الکر 1200 رطل عراقی.
الکر 600 رطل مکی.
الکر 900 رطل مدنی.
1) 1)
هذا مضافا إلی أوزان أخری تعرف من الهامش الطویل الذی ذکرناه.
فلا حاجة للتکرار.
و لأجل فتح الطریق إلی تطبیق هذه الأوزان علی الأوزان الحدیثة نشیر إلی ما عرفناه فی فصل الکر من کتاب الطهارة من أن الصاع یساوی ثلاث کیلو غرامات إلا کسرا ضئیلا جدا.و بعد إمکان تطبیق الکیلو علی أی نوع آخر من الوزن یمکن تطبیق هذه الأوزان القدیمة علی أی نوع آخر أیضا.
و هی الأوزان التی کانت سائدة فی العراق قبل فترة غیر طویلة و قبل أن یسود استعمال الکیلو و له شکلان من الوزن متشابهان فی التسمیة و مختلفان فی المقدار.و یسمی القسم الکبیر بالبقالی لأنه کان یستعمل عند البقالین و هم بائعو البقل و الخضار.و یسمی القسم الأصغر بالعطاری لأنه کان مستعملا لدی العطارین و هم بائعو الحبوب و نحوها.
و الظاهر أن الوزن العطاری واصل إلینا من الأتراک من لدن الحکم العثمانی و کان سائدا فی ترکیا خلال تلک الفترة.و لذا یسمی فی بعض المصادر بوزن اسطنبول و هی عاصمة الحکم العثمانی یومئذ.
و الوزن البقالی یحتوی علی المقادیر التالیة.نذکرها بدءا بالأکبر:
الوزن و المن و الحقة و الأوقیة و الربع،کما یلی:
الوزنة 4 أمنان.
الوزنة 24 حقة.
المن 6 حقق.
الحقة 4 أوقیات.
الوقیة 4 أرباع.
و ینقسم الربع إلی(نصف ربع)و إلی نصف هذا المقدار و یسمی(ستة دراهم)أی أن ربع الربع یساوی ستة دراهم فیکون الأمر کما یلی:
الربع 24 درهم.
نصف الربع 12 درهم.
الوقیة 48 درهم.
و هذا هو(الدرهم البقالی)و هو غیر اصطلاح الدرهم المستعمل فی وزن الذهب.
و أما الوزن العطاری فیحتوی علی الحقة و الأوقیة و الربع و أحیانا یستعمل لفظ المن و انقسامه بنفس الطریقة کما یلی:
المن 6 حقق.
الحقة 4 أوقیة.
الأوقیة 4 أرباع.
و لأجل تطبیق أحد هذین الشکلین من الوزن علی الآخر قالت المصادر الموثوقة أن:
الحقة البقالی 1/3 3 حقة عطاری.
الوزنة البقالی 80 حقة عطاری.
و قد عرفنا أن الوزنة البقالی 24 حقة بقالی و 80 حقة عطاری،کما أن الحقة العطاری 280 مثقالا صیرفیا فإذا عرفنا أن المثقال یساوی (884،4)غرام أمکننا استنتاج نسب هذه الأوزان من الکیلو غرامات و غیرها من أنواع الأوزان.
قیل فی بعض المصادر (1)
الدرة البهیة فی الأصول الحسابیة:محمد اریدسبک:ج 2:ص 85.
أن وحدة الموازین هناک هی الدرهم و هو ثقل جزء من ألف ینقسم إلیها مکعب من الماء ضلعه ربع الذراع البلدی.و له جزئان فجزئاه هی القیراط و هو 1/16 من الدرهم و القمحة هی 1/4 من القیراط أو 1/64 من الدرهم.و مضاعفات الدرهم هی:
المثقال و هو 5،1 درهم.
و الأوقیة و هی 12 درهما.
و الرطل و هو 12 أوقیة أو 144 درهما.
و الأوقة و هی 7/9 2 رطلا أو 1/3 33 أوقیة أو 400 درهما.
و قد (2)کانت المکاییل متعارفة جدا فی السوق المصریة و قد قالوا إن وحدة المکاییل هی الأردب و هو عبارة عن مکعب ضلعه ذراع بلدی و ینقسم الأردب إلی ست و یبات و الویبة إلی کیلتین و الکیلة إلی ربعین و الربع إلی ملوتین و الملوة إلی قدحین و القدح له نصف و ربع(یعبر عنه بالربعة)و ثمن (یعبر عنه بالثمنة)و نصف ثمن(بالخروبة)و ربع ثمن(و یعبر عنه بنصف خروبة).
و تعدادها کما یلی:
الحبة کرین Gr n الدهم درام Dr الرطل باوند P nd الأوقیة أونس Ounce
المن ستون Stone الربع کوارتر Qu ter القنطار هندردوایت H dredweight الطن تن T و تطبیقها کما یلی:
1 کرین 0648،0 غرام 1 درام 772،1 غرام 16 درام 1 أونس 350،28 غرام 16 أونس 1 پاوند 453592،0 کیلو غرام 14 پاوند 1 ستون 350،6 کیلو غرام 28 پاوند 1 کوارتر 70،12 کیلو غرام 100 پاوند 1 سنتل 359243،45 کیلو غرام 4 کوارتر(112 پاوند) 1 هندردوایت 8022،50 کیلو غرام 200 هندروایت 1 طن 044،1016 کیلوغرام 1 هندردوایت 8 ستون 8022،50 کیلو غرام یبقی لدینا تطبیق کرین علی درام و نعرفه عن طریق تقسیم الغرامات فیکون درام 345،27 کرین.
و لأجل الدقة فی تطبیق الأوزان الإنکلیزیة علی الفرنسیة ینبغی أن نعرف أن الطن الفرنسی یساوی 1000 کیلو غرام و هو فرنسی أیضا،و أن الطن الإنکلیزی یساوی 605،1 طن فرنسی و هی نفس النسبة السابقة من الکیلوغرامات التی عرفناها للطن الإنکلیزی.
و هی الکیلو غرام و مضاعفاته و أجزاءه و الوحدة الرئیسیة فیه هو الغرام غیر أنهم جعلوا أسماء معینة للمضاعفات و الأجزاء بحیث یکون المضاعف ألف مرة یسمی کیلو و من هنا یسمی کیلو غرام أی ألف غرام و کیلومتر أی ألف متر.
و ینبغی أن نحمل أولا فکرة عن أسماء المضاعفات و الأجزاء و هی کما یلی:
000،000،000،1000(ملیون ملیون)تیرا Ter 000،000،1000(ألف ملیون)گیگا gig 000،1000(ملیون)میگا Mig 1000(ألف)کیلو Kilo 100(مئة)هکتو Hict 10(عشرة)دیکا Dec 1(واحد)الوحدة Unit 1،0(واحد بالعشرة)دیسی Deci 01،0(واحد بالمئة)سنتی Centi 001،0(واحد بالألف)ملی Milli 001،000،0(واحد بالملیون)مکرو Micro 001،000،000،0(واحد بالألف ملیون)نانو N o 001،000،000،000،0(واحد بالملیون ملیون)دیکو Dic 001،000،000،000،000،0(واحد بالألف ملیون ملیون)فمنو کemto و المفروض أن هذه القائمة تنطبق علی کل الوحدات.مهما کان نوعها.و لا یخلو ذلک من دقة و من منطقیة،و قد تعن له الحاجة.و قد نستطیع أن نطبقها بعد ذلک علی بعض المقادیر و إن کانت شرقیة.إلا أنها ستصبح غریبة سوقیا.فإنهم لم یطبقوه إلا علی الغرام و المتر و اللتر،حتی أنهم لم یطبقوه علی الکیلو نفسه،لأن المفروض أن الکیلو بنفسه هو مضاعف الغرام فلا یمکن أن یکون له مضاعفات خاصة به.
و علی أی حال فمشیا مع هذا القرار،و بعد أن اعتبروا الوحدة الرئیسیة للوزن هی الغرام،یکون الأمر کما یلی:
10 غرام دیکا غرام 100 غرام هکتو غرام
1000 غرام کیلو غرام 000،1000 غرام میگا غرام 000،000،1000 غرام گیگا غرام 000،000،000،1000 غرام تیرا غرام هذا فی المضاعفات و أما فی الأجزاء فکما یلی:
1،0 دیس غرام 01،0 سنتی غرام 001،0 مللی غرام 001،000،0 میکرو غرام 001،000،000،0 نانو غرام 001،000،000،000،0 بیکو غرام 001،000،000،000،000،0 فیمتو غرام و أما تطبیقها علی الأوزان الأخری کالشرقیة و البریطانیة،فهو معروف مما سبق،و لا یحتاج إلا إلی عملیات حسابیة بسیطة.
و هی علی أقسام:
القسم الأول:الکیل القدیم الذی کان متعارفا فی صدر الإسلام، و هی:الکر و الرطل و الصاع،باعتبارها أکیلا.و الظاهر أن هذه الألفاظ استعملت للوزن تارة و للکیل أخری.و فیما سبق فی فصل الکر من کتاب الطهارة و کتاب الزکاة و هذا الفصل ما یکفی لاستخراج کمیاتها فلا نعید.
القسم الثانی:المکاییل المصریة،و قد سبق أن ألحقنا ذکرها مع الأوزان المصریة فیما سبق.
القسم الثالث:و هو ما لا یکون له ضابط معین،غیر أنه مفهوم عرفا و متعارف سوقیا.فإن کل الصناعات التی تباع بالأمتار أو السنتی مترات المکعبة کالأدویة و السوائل و العطور و الأتربة و غیرها،کلها من أشکال الکیل.
کما أن ما یباع بالقنینة المتعارفة أو فی صفائح معدنیة هو من الکیل
أیضا،ما لم یصرح بوزنه.کما أن ما یباع بالسیارات الشاحنة الصغیرة أو الوسطی أو الضخمة،کله من قبیل الکیل،ما لم ینضبط وزنه.فإذا انضبط وزنه کان وزنا لا کیلا.
کما أن ما یباع بالقطرات،کبعض الأدویة و العطور و السوائل النادرة، من الکیل أیضا.فإن لکل سائل قطرته المعینة التی تکون ذات مقدار کافی للانضباط سوقیا،و إن کانت قابلة للفرق بالدقة العقلیة.
القسم الرابع:الکیل الإنکلیزی.و هی کما یلی:
Gill (جل) 142،0 لتر فرنسی.
Pint (بنت) 568،0 لتر.
Qu t (کوارت) 137،1 لتر.
G lon (کالون) 54596،4 لتر.
P k (پاک) 092،9 لتر.
Bushel (باشل) 3687،36 دیسیمتر مکعب.
Qu ter (کواتر) 29095،0 متر مکعب.
و أما نسبها فیما بینها:
1 کواتر 8 باشل.
1 باشل 4 پاک.
پاک 2 کالون.
1 کالون 4 کوارت.
1 کوارت 2 بنت.
1 بنت 4 جل.
القسم الخامس:الکیل الفرنسی.
و وحدته الرئیسیة هی اللتر و له مضاعفات و أجزاء کالغرام و المتر.فإذا طبقناه علی قائمة الوحدات السابقة کان الأمر کما یلی:فالمضاعفات هی:
10 دیکا لتر
100 هکتو لتر 1000 کیلو لتر 000،1000 میکا لتر 000،000،1000 گیگا لتر 000،000،000،1000 تیرا لتر و أما إجزاؤه فکما یلی:
1،0 دیسی لتر 01،0 سنتی لتر 001،0 مللی لتر 001،000،0 مکرو لتر 001،000،000،0 نانو لتر 001،000،000،000،0 بیکو لتر 001،000،000،000،000،0 فیمتو لتر و لا بد أن نحمل فکرة عن تطبیقه علی نوع آخر من الکیل لیسهل تطبیقه علی الأنواع الأخری.فنأخذ الکیل الإنکلیزی کما یلی:
1 سنتی لتر 704،0 جل 1 دیسی لتر 17598،0 بنت 1 لتر 219975،0 گالون 1 دیکا لتر 19975،2 کالون 1 هکتو لتر 9975،21 کالون 1 کیلو لتر 975،219 کالون و تقول المصادر الموثوقة:أن السانتی متر المکعب الواحد من الماء المقطر،یساوی غرام واحد وزنا.
أو التقدیر بالمساحة،و هی علی أقسام
القسم الأول:التقدیر بالأشیاء الطبیعیة و أغلبها من أجزاء جسم الإنسان.و یمکن حصر المعروف منها مما یلی:شعر البرذون.حبة الشعیر.
الإصبع.الفتر.الشبر.القدم.الذراع.الخطوة.
و قد حملنا فیما سبق فکرة عن الشعرة و حبة الشعیر.و یرد بها القیاس من مسافة عرضها الأکبر من وسطها.
و یراد بالإصبع عرضه عند بسط الکف علی الأرض و نحو ذلک.و هو لیس مضبوطا بالدقة لاختلاف الإصبعین الطرفین من الکلف فی الجسم عن الباقی.و لکن لا شک أن ضم الأصابع الثلاثة الوسطی تشکل مسافة مضبوطة بدرجة کافیة.
و یراد بالفتر،ما کان من المسافة بین رأس الإصبع(الإبهام)و رأس الإصبع(السبابة)عند فتحهما.
و یراد بالشبر:المسافة بین رأس الإبهام و رأس الخنصر،أی الإصبعین الطرفین فی الکف عند فتحها تماما.
و المراد من القدم طوله من رأس الإبهام إلی أقصی الکعب من الخلف.
و المراد من الذراع المسافة ما بین الکوع و هو خلف الذراع الأوسط إلی رؤوس الأصابع و بخاصة الإصبع الوسطی.
و یراد بالخطوة معنیین:
المعنی الأول:الخطوة الصغیرة.و هی ما یخطوه الإنسان فی مشیه العادی.و هی-مع استمرار المشی و تکرر الخطوات-تشکل قدما واحدا فارغا بین القدمین الماشیین.
المعنی الثانی:الخطوة الکبیرة.و هی أقصی ما یمکن أن یخطوه الإنسان عند فتح رجلیه واقفا.و هی و سابقتها أیضا،تعنی قدما واحدا مع ما بین القدمین،و لا تحسب القدم الأخری،لأنها عندئذ سوف تحسب مع کلتا الخطوتین.
و قد سبق الإشکال علی القیاس بهذه الأمور،و بیان التسامح فیه.
و القیاس بالخطوات أکثر تسامحا،و من ثم کاد أن یکون مهملا سوقیا.بخلاف التقدیرات الأخری.
و نطبقها فیما یلی علی السنتی مترات و أجزائها و مضاعفاتها،لکی یتسنی لمن یرید أن یطبقها علی المقاییس الأخری.
و إنما نتحدث هنا عن المعدل العام للحجم الاعتیادی لجسم الرجل البالغ.فیکون کما یلی:
الشعر 387714،0 مللیمتر.
الحبة 2174 مللیمتر 7 شعرات.
الإصبع 19 أو 1/2 19 مللیمتر 7 حبات.
الفتر 5،21 سنتیم.
الشبر 5،23 سنتیم.
القدم و هو الفوت 48،30 سنتیم.
هکذا حددت المصادر مقدار القدم.و إن کنت اعتقد أنه لا یخلو من مبالغة،لأنه أکبر من الخلقة الاعتیادیة،إلا أنه متسالم علیه عالمیا فلا یمکن تغییره.
الذراع 24 إصبع 456 مللیما 6،45 سنتیما.
الخطوة الصغیرة قدمین 96،60 سنتیما.
الخطوة الکبیرة 4 أقدام 2 خطوة صغیرة 95،121 سنتیما.
و تقدیر الخطوة الکبیرة قائمة علی أن ما بین القدمین ثلاث أقدام فارغة.فتکون مع إحدی القدمین الموجودین أربعة.فی حین أن الخطوة الصغیرة یتخللها قدم واحد فارغ کما قلنا.فتکون مع إحدی القدمین الموجودین قدمان.و قد حسبناها بحساب القدم السائدة،أعنی الفوت، و الذی قلنا إنه مبالغ فیه.
القسم الثانی:
التقدیرات القدیمة التی کانت سائدة منذ صدر الإسلام إلی عهد قریب فی بلاد الشرق الأوسط،و هی:الفرسخ و المیل و البرید و الذراع و غیرها.
و حسب التقدیرات فی المصادر فإن:
ذراع معماری 75 سنتیمترا.
ذراع عادی 70 سنتیمترا.
المیل 4000 ذراع ید 1824 مترا.
الفرسخ 3 أمیال 472،5 مترا.
البرید 4 فراسخ 12 میل.
و بالنسبة إلی المقادیر المربعة فی المساحة و التی لا زالت مستعملة إلی الآن:
ذراع معماری 75،0 متر مربع.
ذراع عادی 70،0 متر مربع.
قصبة 81،23 متر مربع آر 100 متر مربع.
فدان خطاط 5713 متر مربع.
هکتار 000،10 عشرة آلاف متر مربع.
فدان رومانی 137170 متر مربع.
القسم الثالث من المسافة:
التقدیرات الإنکلیزیة و هی کما یلی مع تطبیقها علی التقدیر الفرنسی بالمتر و أجزائه و مضاعفاته:
الإنج Inch 2504 مللیمتر.
الفوت أو القدم toک 12 أنج 304،0 متر.
الیاردة Y d 3 فوت 9144،0 متر.
پول Pole 5،5 یاردة 0292،5 متر.
فورلونج کurlong 40 پول 201168،0 متر.
المیل Mile 8 فورلونج 609344،1 متر.
و المیل أیضا 5280 فوت.
و هذا المیل الإنجلیزی غیر المیل الذی سبق الکلام فیه فی القسم الأول من التقدیر بالمسافة،و الذی کان مستعملا فی القدیم.فإن القدیم کان 1824 مترا و هذا المیل 1609 مترا.أی أنه یصغر عن الآخر بمقدار 215 مترا.فلا ینبغی الخلط بینهما سوقیا و فقهیا و فکریا.و هذا من مصادیق و تطبیقات ما سبق ان قلناه من إنه قد یکون لتقدیرین مختلفین نفس الاسم و العنوان.و قد أشرنا إلی منشأ مثل هذا الخلط هناک.
القسم الرابع:
التقدیرات الفرنسیة للمسافة و وحدتها الرئیسیة المتر.و له مضاعفات و أجزاء کالتی رأیناها فی الغرام و اللتر.
و قد زعم بعض الکتاب (1)
الدرر البهیة فی الأصول الحسابیة ج 2 ص 84.
أن المتر هو جزء من عشرة ملایین جزء منقسم إلیها ربع محیط دائرة نصف النهار الأرضیة.و هو قائم علی زعم أن دائرة نصف النهار طولها أربعون ملیونا من الأمتار.و هو یرید بذلک أن یرجع المتر إلی تقدیر أو أساس طبیعی.إلا أنه دجل واضح،لأننا لا نعلم مقدار قطر دائرة نصف النهار و أن محیطها هل یمر علی الرؤوس لإنسان قائم.أو علی رؤوس الأشجار أو بمقدار ارتفاع السحاب أو غیر ذلک.و لیس لها تقدیر حقیقی علی الإطلاق.لأنها إنما یستفاد من محل وجودها بین الشرق و الغرب،لا من ارتفاعها.
و إذا لم نعرف ارتفاعها لم نعرف قطرها و لا محیطها،فیکون هذا
1) 1)
التقدیر جزافا محضا.و لذا قلنا قبل فترة من هذا الفصل.إن هذه التقدیرات لا تعود إلی أمور طبیعیة إطلاقا.
و طبقا للقوائم السابقة فإن مضاعفات المتر کما یلی:
10 دیکا متر.
100 هکتو متر.
1000 کیلو متر.
000،1000 میکا متر.
000،000،1000 گیگا متر.
000،000،000،1000 تیرا متر.
و أما إجزاء المتر فکما یلی:
1،0 دیسی متر.
01،0 سنتی متر.
001،0 مللی متر.
001،000،0 میکرو متر.
001،000،000،0 نانو متر.
001،000،000،000،0 بیکو متر.
001،000،000،000،000،0 فیمتو متر.
و نحتاج الآن إلی تطبیقها علی بعض الأطوال الإنجلیزیة:
1 مللیم 03037،0 انج.
1 سانتیم 393701،0 انج.
1 دیسیمتر 937011،3 انج.
1 متر 093614،1 یاردة.
أی أن المتر أطول من الیاردة بمقدار حوالی تسعة بالمائة من الیاردة.
و یساوی یاردة و تسعة بالمائة منها:
1 دیکا متر 936143،10 یاردة.
1 هکتا متر 36143،109 یاردة.
أی أن المائة متر یساوی 109 یاردات و ثلث تقریبا.
1 کیلو متر 621371،0 میل.
1 کیلو متر أیضا 6143،1093 یاردة.
و یکون المیل 1760 یاردة.
لأن المیل 5280 فوت کما سبق.
و الیاردة 3 فوتات.
فیکون المیل 3/5280 1760 یاردة.
و بذلک یتسنی لمن یرید تطبیق هذه المسافات علی المسافات الإنکلیزیة الأخری،و المسافات فی التقدیرات الأخری.و لا حاجة بناء الآن إلی التطویل.
بقی إمکان التعرض إلی المساحات المربعة و الحجوم.غیر أنی أجد أنه لا ضرورة إلیه.و خاصة بعد أن تعرضنا لمختصر عن المساحات،و إلی حجم السوائل و هو اللتر.
توجد مجموعة من المصطلحات الفقهیة التی تخص کتاب البیع و قد تشمله و غیره،و المفروض أن نعقد لکل واحد منها فصلا مستقلا،إلا أنها لاختصار الحدیث نسبیا عنها،فیما یناسب مستوی هذا الکتاب،لا تصلح أن تشکل کلا منها فصلا،و إن کان الحدیث عنها فی الکتب الفقهیة المفصلة مفصلا.
فمن هنا صار الأرجح لأجل أن لا یبقی الحدیث عنها متروکا هنا، و لکی نحیط القاری بها فی الثقافة الفقهیة المعمقة التی نتوخاها فی هذا الکتاب،صار الأرجح أن نعقد لها جمیعا فصلا واحدا.
و کان المفروض أنها تکون مرتبة علی الحروف علی شکل(قاموس)إلا أن الملاحظ أن المصطلحات تکون علی شکل مجموعات،و بعضها منفرد.
فکان الأرجح ضم المجموعات إلی بعضها و الاستغناء عن الترتیب القاموسی.
و سیکون الحدیث عن کل منها له شیء من التفصیل فی حدود الممکن فی هذا الکتاب.
عرفوه بعدة تعاریف منها:مبادلة مال بمال.أو مبادلة مال بعوض.أو مبادلة عین بعوض.
و المفروض أن تعریف البیع لا یشمل المنفعة لکی لا یشمل الإجارة،
لأنها دفع المال بإزاء المنفعة،و لا الحقوق،لأنها و إن کانت قابلة للمبادلة بالمال،إلا أنها لا یصدق علیها البیع.و لا عمل الحر،لأن العمل عرفا إنما هو من الإجارة و لیس من البیع.
و من هنا اشترطوا أن یکون أحد الطرفین عینا،لیصدق البیع،علی أن تعم العین،کل ما یکون قابلا للبیع عرفا.حتی مثل الغاز و الکهرباء و نحوها.
کما أن العوضین معا یجب أن یکونا مالیین،فلو لم یکن لها مالیة لم یصدق البیع.لأنهم قالوا:إن الملکیة فی أمثالها لا تصدق کالخمر و الخنزیر و ما کان قلیلا جدا کحبة القمح.و ما لم یکن مالکا لا یصدق البیع.و إنما له فیه حق الاختصاص.و هو لا یصدق فیه البیع و إن کان یصح فیه التعامل شرعا و عرفا.
و من هنا کان لا بد للإیضاح أن تکون المالیة المشترطة منصوصة فی التعریف.فتقول:البیع مبادلة عین مالیة بعوض مالی.و نحو ذلک.
و هنا لا بد من الالتفات إلی أن صور استعمال النقد و العروض فی العوضین یکون علی أشکال کلها یصدق علیها البیع،و إن خالف فی بعضها سیدنا الأستاذ.و الصحیح هو الشمول لصدق لفظ البیع علیها عرفا و شموله للتعریف.
أولا:بیع عروض بثمن یعنی الثمن النقدی.و هو الشیء المتعارف عادة فی عصورنا الحالیة.
ثانیا:بیع عروض بعروض.و هو المقایضة.و هو شکل البیع الذی کان سائدا فی العصور السابقة قبل أن تسود العملة فی الأسواق.
ثالثا:بیع عملة بعملة.و هو الذی أنشأت له أسواق البورصة فی العالم الیوم.و إذا کانت العملة من الذهب أو الفضة کان لبیعها بعض الشرائط الشرعیة و سمیت(صرفا).
رابعا:بیع العوض بالمنفعة.و لیس هذا من الإیجار إذا اعتبرنا المنفعة
ثمنا.و کان الشیء الرئیسی فی المعاملة هو العروض.نعم،لو کان الشیء الرئیسی مالیا کالذهب و الفضة.تصبح إیجارا لا محالة.
و لو کان أحد العوضین هو التنازل عن الحق إذا کان قابلا للتعویض،لم یکن بیعا سواء کان طرفه الآخر مالا أو عروضا.
المفروض فقهیا و المشهور جدا بین الفقهاء جریان عقد لفظی فی البیع،و کل المعاملات من عقود و إیقاعات.یکون أحد الطرفین و هو الرئیسی عرفا(موجبا)بمعنی أن المبادرة إلی المعاملة تکون منه،و الآخر(قابلا)لیس له إلا القبول و هو الرضا بما قاله الأول بإیجابه.
ففی البیع یکون الموجب هو البائع و فی الإیجار صاحب الملک أو مالک العین و فی الرهن الراهن و فی النکاح الزوجة إلی غیر ذلک.
و قد اشترط المشهور فی عقد البیع الصراحة فی الإنشاء یعنی أن لا یکون من قبیل الأخبار،و الماضویة یعنی أن یکون بصیغة الفصل الماضی.
و التنجیز،یعنی أن لا یکون معلقا علی شرط مجهول.و تقدم الإیجاب علی القبول.و اللفظ بالعربیة و غیر ذلک.
إلا أن الصحیح و المشهور بین المتأخرین صحة المعاطاة،و هو ما إذا حصل التعاطی عملیا بین الاثنین،یعنی دفع أحدهما إلی الآخر بدون عقد، و لکن بنیة البیع.و ذهب المتقدمون من الفقهاء إلی عصر قریب بأن المعاطاة لیس بیعا و أنها إنما تفید الإباحة أو البیع المتزلزل أو نحوه.
إلا أن المتأخرین بما فیهم بعض أساتذتنا و سیدنا الأستاذ و هو الصحیح أن المعاطاة بیع لازم اعتیادی،لا ینقص عن اللفظی فی شأنه العرفی أصلا،و یشترط فیه ما یشترط فی العوضین و المتبایعین من الشروط.
و لیس معنی المعاطاة أن یتقابض الطرفان سکوتا،و إنما بمعنی أنهما یتشاوران و یتفقان علی البیع و الشراء ثم یتبادلان القبض بالمعاطاة،مبنیا
علی ذلک الاتفاق.و هذا یکفی عرفا.
حتی الوقف أجازه بعض أساتذتنا بالمعاطاة،و هو الصحیح.لا یبقی إلا المعاملات المرتبطة بالزواج،فإن الأحوط فیها وجوبا،هو اللفظ،و لا یقول أحد من الفقهاء بجواز المعاطاة فیه.کالتزویج نفسه و الطلاق و الخلع و المباراة و نحوها.و لعله یجب أن نعطف علی ذلک بیع الرقیق عند ما یجوز بیعها فقهیا.لأنها من الفروج أیضا.
و لعله لذلک استشکلوا أیضا فی إیقاع العتق،فإنه یعود إلی الفروج فی نتائجه کما هو واضح.فالعتق بالمعاطاة غیر نافذ علی الأحوط وجوبا.
و لکن یشترط فی المعاطاة،حصول هذا المعنی:أعنی المعاطاة نفسها عرفا.فلو لم یتبادل المتبایعان شیئا علی الإطلاق لم تحصل المعاطاة و من ثم لم یحصل البیع المطلوب.
و قد یکفی أن نرید بالتبادل تبادل الأشیاء البسیطة،فمثلا یکفی فی قبض الدار کما یأتی قبض مفتاحها أو دخولها بنیة التملک.و أما لو کان العروض بعیدا مکانا و الثمن مؤجل زمانا لم تحصل المعاطاة.
ففی مثل ذلک:إما أن یحصل العقد اللفظی أو لا نقول بحصول البیع إلا عند قبض أحد العوضین عرفا.و المهم فقهیا حصول العطاء و لو من أحد الطرفین بشکل منجز و سریع عرفا.
بقیت لنا کلمة عن تقدم الإیجاب علی القبول فی العقد اللفظی.فإن اشتراطه مما نفاه المتأخرون،إلا أن تقدم القبول،لیس بمعنی أن یبدأ المشتری بقوله:قبلت أو رضیت.و إنما أن یذکر صفة المعاملة مفصلة.
و للبائع عندئذ أن یقول اشتریت أو رضیت بنیة الإیجاب.حتی لو قال قبلت جاز له ذلک.
و یمکن القبول المعاطاتی،یعنی من دون لفظ،بل بأن یکون الدال عملا،کالقبض،أو حتی الابتسامة.
کما لا بد أن نعرف أن المعاطاة بالرغم من أنها غیر لفظیة،إلا أنها فیها إیجاب و قبول.لأننا قلنا إن الموجب طرف معین عرفا لا یمکن تغییره کالبائع فی البیع،سواء باع لفظیا أو معاطات و سواء تقدم کلامه علی صاحبه أم تأخر.
یتفرع اصطلاح البیع الفضولی من شرط المالکیة فی البیع بمعنی أن یکون الطرفان مالکین للثمن و المثمن فإن کانا کذلک کان الشرط متحققا و إن کان أحدهما أو کلاهما غیر مالک و لا مربوطا به بوکالة أو ولایة أو وصایة أو إذن،فیکون البیع فضولیا علی أن نأخذ بنظر الاعتبار أن البائع لیس منهیا عن البیع قبل ذلک من قبل المالک أیضا.
فالبیع الفضولی هو بیع غیر المالک أو شراؤه.و بطبیعة الحال لا یکون البیع نافذا إلا بإجازة المالک حیث قال المشهور من الفقهاء أنه لا فرق فی إجازة المالک بین أن تکون متقدمة علی البیع،أو متأخرة عنه فإن حصلت الإجازة صح البیع و انتسب البیع إلی المالک و لیس إلی البائع الفضولی فکأن المالک هو البائع حقیقة،و شذ من الفقهاء من قال ببطلان البیع الفضولی علی الإطلاق و إن تعقبته الإجازة.
و مفهوم الفضولی لیس خاصا بالبیع بطبیعة الحال فإن غیر المالک قد یتصرف فی مال غیره بغیر البیع کالإجارة و الرهن و الوقف و العتق و کلها صحیحة بإذن المالک.حتی النکاح الفضولی إن أجازه من بیده عقدة النکاح الذی هو الزوج أو الزوجة أو ولیهما.
و البیع الفضولی لا یعنی التصرف الحقیقی بمال المالک بمعنی أن البائع یأخذ العروض و یبیعه فی السوق فان هذا التصرف حرام شرعا.و إنما الفضولی بمعنی إجراء عقد البیع علی مال الغیر و هو المسمی بالتصرف الاعتباری و لیس حراما و لکنه موقوف علی الإجازة.
و الذی أراه أن معنی الفضولی شامل لکلا الوجهین یعنی سواء کان فیه
تصرف حقیقی أو لم یکن،فإن حرمة النقل لمال الغیر غیر مانعة عن صحة بیع الفضولی علی أنه قد یکون النقل جائزا إذا کان مجازا من قبل المالک.
و صحة الفضولی فقهیا تنطلق من أحد منشأین:
المنشأ الأول:صحته عرفا فإن هذا النوع من البیع و إن کان قلیلا عادة إلا أنه مما لا ینکره العرف و یجد صحته مع التعقب بالإجازة.و هذا لا ینافی أن أکثر المالکین لا یقنعون أو لا یجیزون بیع أملاکهم فضولة إذ مع الإجازة ینتسب البیع إلی المالک عرفا فلا یبقی هناک مانع من صحته.
المنشأ الثانی:بعض الروایات الدالة علی صحة البیع الفضولی.
کروایة عروة البارقی (1)
المکاسب:ص 125. [1]
الذی دفع إلیه النبی صلی اللّه علیه و آله دینارا و قال له اشتری لنا به شاتا للأضحیة،فاشتری به شاتین ثم باع أحدهما بالطریق بدینار فأتی النبی صلی اللّه علیه و علی آله بشاة و الدینار فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله.بارک اللّه لک فی صفقة یمینک.و هی واضحة فی صحة بیع الفضولی بغض النظر عن سندها و عن بعض المناقشات التی قیلت فی وجه الاستدلال بها،و ذلک أن شراء الشاتین فضولی بالنسبة إلی الشاة الثانیة و بیع الشاة بعد ذلک فضولی کما أن القبض فضولی أیضا و إنما أصبح هذا کله نافذا بإجازة المالک و هو النبی صلی اللّه علیه و علی آله.
و دلالتها واضحة فی صحة الفضولی سواء کان بائعا أو مشتریا.فإنه أولا کان مشتریا و فی المعاملة الثانیة کان بائعا و کلتا المعاملتین وقعا تحت إجازة المالک بعد ذلک.
بقی الکلام أن هناک خلافا وقع بین الفقهاء فی أن الإجازة هل هی کاشفة أو ناقلة،و القول بالکشف یعنی أن الإجازة تؤثر من حین البیع و القول
1) 1)
بالنقل یعنی أنها تؤثر من حین حصولها و أثر ذلک فقهیا ما إذا کان المبیع شاة حامل مثلا و ولدت ما بین البیع و الإجازة فإن الولد یکون ملک للبائع علی النقل لأنه لم یکن موجودا حین الإجازة و هی ناقلة من حین حصولها و لکنه یکون ملکا للمشتری علی الکشف لأن العقد یکون قد وقع علی الجنین قبل میلاده و المفروض صحة العقد من حینه بناء علی الکشف.
و هنا ینبغی التنبیه علی أمرین:
الأمر الأول:أن فکرة الإجازة غیر منحصرة بالبیع بل تشمل کثیرا من المعاملات،بل غیر مختصة بالمالک إذ قد تکون بعض المعاملات موقوفة علی إذن الآخرین شرعا،و إجازتهم کالزواج من الزوجة الثانیة بإذن خالتها أو عمتها إذا کانت هی زوجة أولی.و مثل إذن المولی فی معاملات عبده إذا قلنا بملکیة العبد کما هو الصحیح.
الأمر الثانی:أن فکرة الکشف و النقل غیر خاصة بالإجازة بل تشمل موارد أخری أوضحها الفسخ فإنهم اختلفوا أیضا فی کونه کاشفا أو ناقلا.فلو باع الشاة الحامل و ولدت عند المشتری ثم حصل الفسخ فبناء علی الکشف یکون المولود للبائع لأن معنی الکشف فی الفسخ هو أنه یکشف عن إزالة الملکیة من الأصل أو من حین وقوعها إذن فلم ینتقل الولد إلی المشتری.
و أما بناء علی النقل فیکون الولد للمشتری لأن معنی النقل هو تأثیر الفسخ من حین وقوعه و هو خاص بما وقع علیه البیع و هو الأم فترجع إلی مالکها،و أما الولد فهو زیادة منفصلة فکأنه لم یکن موجودا حین العقد فیبقی ملکا للمشتری.أو لم یکن موجودا حقیقة کما لو کانت مدة خیار الفسخ طویلة و فسخ بعد سنة مثلا.
فإذا جمعنا بین هذین الأمرین کانت صور الکشف و النقل فی الإجازة و غیرها عدیدة.و باختصار فإن الصحیح هو النقل فی الإجازة و فی الفسخ.
و أما فی مثل إجازة المالک لعبده و العمة لبنت أخیها،فالصحیح هو الکشف، لکون الإذن فیها شرطا فی صحة المعاملة أساسا،و لیس فی فعلیتها کالفضولی.
و قد اختلف القائلون بالکشف فی معناه قال الشیخ الأنصاری (1)
المکاسب:ص 133.
:أنه علی وجوه ثلاثة قال بکل منها قائل:أحدها:و هو المشهور:الکشف الحقیقی و التزام کون الإجازة فیها شرطا متأخرا.
قال:و الثانی:الکشف الحقیقی و التزام کون الشرط هو تعقب.العقد بالإجازة لا نفس الإجازة.فرارا عن لزوم تأخر الشرط عن المشروط.و التزم بعضهم بجواز التصرف قبل الإجازة لو علم تحققها فیما بعد.
الثالث:الکشف الحکمی،و هو إجراء أحکام الکشف بقدر الإمکان مع عدم تحقق الملک فی الواقع إلا بعد الإجازة.انتهی.
الخیار مأخوذ من الاختیار،و قد حملنا عنه فی الفصول السابقة فکرة کافیة،غیر أننا تحت هذا العنوان نعطی بعض التفصیلات.
فالخیار عبارة عن حق الفسخ المعطی بید أحد المتعاملین أو بید من له حق الإجازة کالعمة فی نکاح بنت أخیها علی الأحوط.
فالخیار لا یختص بالبیع و لا بالمعاملات السوقیة بل یشمل النکاح أیضا.و هو لا یقترن مع حق الإجازة دائما بل قد یجتمعان و قد یفترقان.
و مورد افتراقهما هو مورد عدم الحاجة إلی الآخر.فلو لم یفسخ صاحب الحیوان بخیار الحیوان کان البیع نافذا بأصل العقد و لا یحتاج إلی إجازة.کما أن المالک فی بیع الفضولی إذا لم یجز کان البیع باطلا و لا یحتاج إلی فسخ.
و یجتمعان فی صورة الاحتیاج إلیهما معا و لو احتیاطا،کالعمة فی نکاح بنت أختها فإن أجازت صح النکاح و إن فسخت بطل.و أما إذا سکتت
1) 1)
فمقتضی القاعدة البطلان،و إن کان الأحوط هو انتظارها أو إجبارها أو تولی الحاکم الشرعی عنها ذلک.
و الفسخ هو إعمال حق الخیار و تنفیذه بإبطال البیع،و هو مثل سائر المعاملات العرفیة،لیس له لفظ معین و إنما یکفی فیه اللفظ الدال علی المعنی مثل الفسخ و النقض و الإبطال و غیرها.
و یختلف الفسخ عن الإقالة،بأن الفسخ یکون من صاحب حق الفسخ نافذا و إن لم یرض صاحبه.فیقوم بإبطال المعاملة رغما عنه،لحقه الشرعی فی ذلک.و أما الإقالة،فهی اتفاق الطرفین فی فسخ المعاملة.و هی إنما تأتی فی مورد لا یکون للمستقیل حق الخیار سواء کان لصاحبه ذلک أولا، لوضوح أنه لو کان له ذلک الحق،لم یحتج إلی الاستقالة.
و هی لیست خاصة بالبیع أیضا،بل تشمل سائر العقود المالیة،و أما الإیقاعات،فلا معنی لإقالة فیها،لأنها لا تحتاج إلی طرفین کما سنسمع، و الإیقاع ذو طرف واحد.
کما أنها لا تأتی فی المعاملات الحاصلة فی الزواج و الفروج عموما، و إن کانت عقود کالنکاح و الخلع.
و الطرف المستقیل هو الطرف المحتاج إلی نقض المعاملة.فیطلب الإقالة من صاحبه قائلا:أقلنی.فیقول الآخر:أقلتک.و لا تحتاج عادة إلی قبول.أو أن قبولها مسبق کما هو واضح.
و الإقالة لا تحتاج إلی سبب،فمتی اتفق الطرفان علی النقض ارتفعت المعاملة.و هی علی النقل أیضا کالفسخ،یعنی تبطل المعاملة من حین الإقالة لا من أصلها.و حتی لو اتفقا علیها بدون أی سبب صحت فقهیا و شرعا،و لا دلیل علی بطلانها.
و أما حق الخیار فیحتاج إلی سبب.و السبب إما شرعی أو جعلی.
و الشرعی هو المجعول من قبل الشارع المقدس و الجعلی هو الذی اتفق علیه
الطرفان فی العقد،و نذکر الآن المهم من أقسام الخیار:
القسم الأول:خیار المجلس المجعول بحکم الشارع.کما ورد:
البیعان بالخیار حتی یفترقا.و هو خاص بالبیع و إن کان معاطاتیا،دون غیره.
و الافتراق یحصل بالابتعاد عن بعضهما و لو لعدة أقدام.و التفاصیل موکولة إلی الفقه.
القسم الثانی:خیار الحیوان،المجعول بحکم الشارع.فمن اشتری حیوان کشاة أو بقرة أو أی حیوان کان له الخیار إلی ثلاثة أیام.و الیوم لغة هو بیاض النهار من طلوع الشمس إلی غروبها.فإن وقع البیع فی اللیل حسبنا ثلاثة أیام کاملة بعد تلک اللیلة.و إن وقع فی النهار أخذنا من النهار الرابع بقدر ما فات من النهار الأول.
و هو یشمل الإنسان فی بیع الرقیق،بصفته مندرجا،فی العائلة الحیوانیة.
و القدر المتیقن و الواضح هو شراء الحیوان.یعنی فیما لو کان صاحب الحیوان هو المشتری.و أما لو کان صاحب الحیوان أو من یصل إلیه الحیوان نتیجة للمعاملة هو البائع.بأن کان الحیوان(ثمنا)لا مثمنا.کما لو بأدلة دارا بعدة حیوانات.و کان المبیع هو الدار و الثمن هو الحیوان.فالصحیح فی مثل ذلک هو أن الخیار ثابت للبائع بصفته ممن وصل له الحیوان،و کذلک لو کانت المبادلة بین حیوانین أو نوعین من الحیوان،فیکون الخیار للطرفین.
نعم،لو کان الحیوان أجرة فی إجارة کسکنی دار أو بستان أو عمل عامل أو غیرها،أشکل القول بالخیار هنا،لأن الأرجح اختصاصه بالبیع دون غیره.فضلا عما إذا کان الحیوان بإزاء الخلع أو إسقاط الحق و نحوه.
القسم الثالث:خیار العیب.و هو ما إذا وجد أحد الطرفین ما وصل إلیه معیبا اما الثمن و إما المثمن،فیکون له حق الفسخ.و قد یکون لهما،أیضا.
لأن العیب لیس إلا النقص عن الخلقة الطبیعیة إن کان طبیعیا کالحیوان و النبات،أو النقص عن المعتاد المتعارف إن کان غیره.فقد یکون لکلا
الطرفین خیار،لأن النقص موجود عندهما معا.و لا معنی فی مثله للتهاتر.
کما لا معنی لإنتاجه عدم وجود الخیار.
القسم الرابع:خیار الغبن.و هو ما إذا وجد أحد الطرفین نفسه مغبونا بشکل لا یغتفر سوقیا،کان له حق الفسخ.فإن کان مشتریا فقد دفع أکثر من القیمة السوقیة.و إن کان بائعا فقد أخذ أقل منها.
و هذا لا یتصور فی الطرفین،لأن القلة فیهما تعود إلی تساویهما تارة أخری.إلا أن یعود الأمر إلی خیار آخر،کخیار تخلف الشرط و نحوه.
القسم الخامس:خیار التأخیر.و هو ما إذا تأخر وصول أحد العوضین إلی صاحبه تأخرا غیر مشروع.
فإن المفروض مع عدم التعرض لأی أمر من هذا القبیل خلال البیع أن التقابض یکون فوریا نسبیا أو عرفا.فإن تأخر عن ذلک کان الطرف الذی تأخر عنه مخیرا بالفسخ.و إن اشترطا التأخیر لأحدهما أو لکلیهما،لم یثبت الخیار خلال المدة.نعم لو تأخر القبض بعد تمامها،کان الخیار متحققا.
و هذا الخیار کما قد یثبت لأحد المتبایعین یثبت لهما معا،إذا حصل سببه.
القسم السادس:خیار تخلف الشرط.
و هو ما إذا کان قد اشترط أحدهما علی الآخر أو کلاهما فی ضمن عقد البیع،شرطا فی المبیع و لم یکن هذا الشرط متحققا.و هذا له عدة صور:
الصورة الأولی:أن یکون المبیع کلیا ککیلو من الحنطة الموصوفة، فأعطاه غیرها،فما علیه إلا أن یبدل ما أعطاه.و لو أبی کان الخیار ثابتا.
الصورة الثانیة:أن یکون المبیع عینیا،و أصبح الاطلاع علی کل أوصافه صعبا.فذکر له شرطا و لم یکن متحققا،کان هذا الخیار ثابتا.و هذا فی صورة المشتری الأعمی و الأصم یکون أوضح.
الصورة الثالثة:أن یکون المبیع عینیا و لکنه بیع بالوصف.لأنه بعید
مکانا أو لغیر ذلک من الأسباب.فکان الوصف علی خلاف ما شرطه.کان له الخیار.و لکن هذا قد یسمی بخیار تخلف الوصف.و فکرتها واحدة علی أی حال فقهیا.
الصورة الرابعة:أن یشترط ضم شیء إلی المبیع أو الثمن،من عروض أو عمل.و لا یکون ذلک متحققا.فلو کان عملا و أبی فعله،تسلط الآخر علی الخیار.
و قد یکون هذا الخیار بکل صورة ثابتا لهما معا.
القسم السابع:خیار الاشتراط.
و هو ما إذا اشتراط أحدهما أو کلاهما الخیار مدة مضبوطة أو لشخص آخر.کان الشرط نافذا و الخیار متحققا.
القسم الثامن:خیار تبعض الصفقة.و یکون فیما لو ظهر بعض المبیع مما لا ینتقل إلی المشتری،أو أن بعض الثمن لا ینتقل إلی البائع لمانع.کما لو لم یکن ملکه أو کان مما لا یملک کالحر و الخمر و الخنزیر.فیکون له حق الفسخ فی الباقی.
القسم التاسع:خیار تعذر التسلیم.و یکون فیما لو باع شیئا لاحتمال أو لرجاء إمکان تسلیمه،فتعذر تسلیمه.أو باعه مع الیقین بالتسلیم فأصبح متعذرا.فیکون الطرف متسلطا علی الفسخ.
القسم العاشر:خیار ما یفسد لیومه،کما لو اشتری شخص من بائع خضرا أو نحوها و لم یأت لاستلامها.و هی سریعة الفساد.فإن کان البیع فی النهار انتظر البائع إلی أول اللیل.و إن کان البیع فی اللیل انتظر إلی أول النهار.و کان له فسخ البیع و التصرف فیما باعه.
و هناک أقسام أخری من الخیار یذکرها الفقهاء بعضها یعود إلی ما ذکرناه و بعضها لا یعود کخیار تخلف الرؤیة و خیار التدلیس و خیار التصریة و خیار التفلیس و غیرها،فمن أرادها فلیراجع المصادر الفقهیة.
بقی أن نشیر إلی أن کل هذه الخیارات ابتداء من القسم الثالث لا اختصاص لها بالبیع بل قد تشمل غیره،علی تفصیل و تدقیق لیس هنا محله.
إذا حصل البیع بین اثنین.فإما أن یتفقا علی ثمن معین،بدون تعرض لرأس المال.فهو بیع(المساومة)و هو المتعارف الأغلب بین الناس.
و إما أن یذکر البائع ما تکلف علیه هذه العروض.اما رأس المال فقط و هو الثمن الذی اشتراه به أو مجموع ما خسره علیه،کأجرة النقل و غیرها، کما هو المفروض.فیذکره للمشتری صادقا فیما یقول.فإن ثبت أنه کان کاذبا أو واهما أو ناسیا ثبت للمشتری حق الفسخ.
و صورة الإعلام بالکلفة تنقسم إلی ثلاثة أقسام:
القسم الأول:أن یزید علی مقدار الکلفة ربحا،کما هو المتعارف و المفروض.فیقول:تکلف علی بکذا و أرید علیه کذا من الربح.و یتم البیع علی ذلک.فهذا هو بیع(المرابحة).
القسم الثانی:أن یخیر بالکلفة،و لکنه لا یرید ربحا بل یبیع العروض بمقدار کلفته.فهو بیع(التولیة).و له أن یقول:ولیتک هذا المبیع.بمعنی بعتک برأس ماله.بعد الإخبار بمقدار الکلفة علی المفروض.
القسم الثالث:أن یخبر البائع مشتریه بالکلفة و یرید أن یخسر علیه، إما اختیارا کما لو کان المشتری صدیقه أو اضطرارا کما لو کان محتاجا إلی المال للمرض أو غیره،و کما لو نزلت القیمة السوقیة عن یوم اشتراه بحیث لا یسوی مع ربحه بمقدار رأس المال.و أما لأن بائعه کان مغبونا بشرائه و لم یفسخ.إلی غیر ذلک من الأسباب.
فیقول:تکلف علیّ بمئة و أبیعه لک بتسعین:فهذا هو بیع (المواضعة).
و الظاهر أن هذه الألفاظ لیست اصطلاحات فقهیة فقط،و إن کانت الآن
کذلک لعدم اعتیاد هذه الأمور فی السوق،فقد اختصت بالفقه.إلا أنها کانت فیما سبق فی صدر الإسلام و ما قبله.و وردت فی السنة الشریفة،فلو لم تکن قائمة سوقیا یومئذ لما حصل التعرض لها فی الأخبار عادة.
هذا و من الواضح أن جمیع هذه الأقسام من شغل البائع،و هو یبیع عینا خارجیة أو نحوها کالکلی فی المعین.فمن هنا نعرف:
أولا:أن المشتری إن دفع ثمنا نقدا کلیا أو عینیا،لا یکون له ربط بهذه المصطلحات.و إنما هی من شغل البائع فقط.نعم إن دفع عروضا عینیا،أمکن فیه ذلک علی إشکال.
ثانیا:أن المبیع إذا کان کلیا موصوفا،یتعین فیه المساومة و لا معنی للأقسام الأخری فیه.لأن حصول الکلفة إنما یکون فی عین خارجیة دون العین الکلیة.
نعم،لو کان کلیا فی المعین،کواحد من هذه الأکیاس المتساویة الصفة و الوزن من السکر أو الطحین،أو کیلو من هذا الکیس من الشای مثلا.أمکن تصور الأقسام فیه.و یذکر الکلفة للمبیع فقط بعد عملیة تقسیم بسیطة الکلفة المجموعة و نسبته إلی المبیع.
یمکن فی إعطاء الثمن أو المثمن أو تأخیر أحدهما أو کلاهما أربعة أقسام ممکنة فی التصور:
القسم الأول:أن یکون کلاهما نقدا،أی مدفوعا فورا بالشکل المناسب مع وضعه عرفا.فیتم التقابض بین المتعاملین،و تنتهی المعاملة.
القسم الثانی:أن یکون العروض مدفوعا فورا و الثمن مؤجل.و هذا هو بیع(النسیئة)من الإنساء و هو التأخیر.
القسم الثالث:أن یکون الثمن مدفوعا فورا و العروض أو المبیع مؤجلا،و هو بیع(السلف)أو(السلم).
و المبیع هنا کلی موصوف مؤجل،فیجب أن یکون معلوم الصفة و معلوم الأجل بتفاصیل لیس هنا محلها.
و هو ینفع فی المبیعات التی لا تکون عادة تحت الید فورا کثمار الأشجار و استخراج المعادن و غیر ذلک.
القسم الرابع:أن یکون کل من الثمن و المثمن مؤجلا.و یسمی بیع دین بدین أو بیع الکالی بالکالی من کلأ إذا انتظر.فیکون علی هذا کلا الطرفین منتظر الحلول وقت القبض.
و هو بیع باطل شرعا إجماعا.و لذا اشترطوا فی القسمین السابقین و بخاصة السلف أن یکون التقابض فی المجلس حاصلا.لئلا یکون من بیع دین بدین،فیکون باطلا.
تحدثنا فی بعض الفصول السابقة عن هذین المصطلحین،باختصار.
و هنا نرید التعرض لهما بشیء من التفصیل.
هذا المصطلحان مستعملان فی مجال الضمان،فیما إذا أتلف شخص علی آخر شیئا و ضمنه فی معاملة أو فی غیر معاملة.فإن الفقهاء قالوا:إن المثلی یضمن بالمثل و القیمی بالقیمة.
و الصور المتصورة أربعة،کما هو معلوم:
أولا:ضمان المثلی بالمثل مع تیسره و توفره.و هی جائزة شرعا بلا إشکال.بل متعینة علی المشهور،و سیأتی بعض الکلام فیه.
ثانیا:ضمان المثلی بالقیمة.و هو إنما یکون عند المشهور مع تعذر المثل،فینتقل إلی القیمة.و أما لو ناقشنا تعین ضمان المثلی بالمثل،أمکن أن نقول بصحة هذه الصورة مطلقا.یعنی سواء تعذر المثل أو لم یتعذر.
ثالثا:ضمان القیمی بالقیمة.و هو المتعین إجماعا و نصا.و معه لا تنتقل إلی الصورة الرابعة.
رابعا:ضمان القیمی بالمثل.و هو غیر جائز إلا إذا تصورنا معنی لتعذر قیمة القیمی،مع توفر المثل فیجوز اللجوء إلیه.
و من ناحیة الصورة الثانیة یحسن أن نعطیها بعض الکلام.قال الشیخ الأنصاری (1)
المکاسب:ص 105. [1]
قدس سره:إذا تلف المبیع فإن کان مثلیا وجب مثله بلا خلاف إلا ما یحکی من ظاهر الإسکافی.أقول:و هذا یعنی أن الشهرة حاصلة بشکل یعتبر خلافها شذوذا.و النص فی ظاهر الکتاب و السنة علی ذلک معدوم.إلا ما قد تخیّلوه من الاستدلال بقوله تعالی: فَمَنِ اعْتَدی عَلَیْکُمْ فَاعْتَدُوا عَلَیْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدی عَلَیْکُمْ .و الصحیح أن الآیة أجنبیة عن محل الشاهد تماما.و لا حاجة إلی تفصیله الآن.
و مع وجود الشهرة بهذا المقدار و انعدام النص،تکون هذه الشهرة حجة،علی الأصح.إلا أننا مع ذلک یمکن أن نقول بإمکان ضمان المثلی بالقیمة بالتقریب الآتی.
و ذلک بعد الالتفات إلی أمرین:
الأمر الأول:أن الأسواق فی الأزمان المتفرقة و الأماکن المختلفة، تختلف فی أسالیبها فی الضمان من هذه الناحیة.فقد یتعین لدی السوقیین ضمان المثلی بالمثل.و خاصة أولئک الذین کانوا یمارسون بیع العروض بالعروض و لم یکن عندهم النقد شائعا أو لم یکن معروفا.
و قد یکون المتعارف سوقیا،إمکان کلا الوجهین و أجزائهما عرفا.فلو أتلف المثلی یصح أن یقدم بدله لمالکه مثله أو قیمته.
و قد یکون المتعارف سوقیا:أنه یتعین ضمان کل شیء بالقیمة و لا معنی للالتفات إلی المثلی أصلا.کما هو الحال فی الأسواق فی عصورنا
1) 1)
الحاضرة،فی کل العالم،إلی حد یمکن أن یقال:إن توقع ضمان المثل دون القیمة مثیر للاستغراب أو السخریة.
ففی حدود التجارة،لا یکون النظر إلا إلی المالیة،دون الخصوصیة أو النوعیة،بأی حال من الأحوال.نعم فی جانب الاستهلاک یکون النظر إلی النوعیة،لأن مجرد المالیة لا تکون نافعة فی إرجاء الحوائج و إشباعها کالطعام و الشراب و اللباس و الزینة و غیرها.و الضمان إنما یفهم سوقیا فهما تجاریا لا فهما استهلاکیا،کما هو معلوم.باعتبار أن هذا هو شأن الذمة دائما.
الأمر الثانی:ان الشهرة من الأدلة اللبیة التی لا لسان لها و لا إطلاق لها.فإذا شککنا فی شیء منها.لم تکن دلیلا إلا فی القدر المتیقن منها دون صورة الشک.و کان مورد الشک مشمولا لأی قاعدة أخری.
فینتج من هذین الأمرین.أن القدر المتیقن من هذا المشهور و هو ضمان المثلی بالمثل إنما هو فی السوق التی توافق علی ذلک و لا تستنکره.
و أما فی السوق التی لا تراه صحیحا،فهو خارج عن القدر المتیقن،فلا تکون الشهرة فیها حجة،و نرجع إلی دلیل آخر،و الدلیل هو السیرة السوقیة نفسها.
و السیرة نفسها صغرویا،و إن لم تکن متحققة فی زمن المعصومین علیهم السلام.إلا أن حجیة السوق کبرویا،مما هو محرز الحجیة بلا جدال.و صغراها فی أسواقنا هو ضمان المثلی بالقیمة فیکون الأمر متعینا.
و قد یسوق ما قالوه من ضمان المثلی بالمثل،إلی بعض المضاعفات بل الکوارث الاقتصادیة،کما لو أصبح المثل بأضعاف قیمته یوم التلف،فهل یجب أن یشتریه و یدفعه إلی غریمه.نعم،هم أفتوا بذلک،إلا أنهم قالوه تحت طائلة أدلتهم التی لم نوافق علیها.
و کذلک لو أصبح المثل أقل قیمة بکثیر مما سبق،أو قد تنعدم قیمته، کما لو اقترض ثلجا فی الصیف،و أراد الوفاء فی الشتاء.فهل یجب علیه تأجیله إلی الصیف أو یدفع من الثلج أضعاف کمیته لیساوی قیمة الدین
السابق.أو یدفعه بغض النظر عن قیمته،و هو ما أفتوا به،إلا أنه قد تحدث بإزائه مضاعفات اقتصادیة غیر قلیلة.و المهم هو الدلیل کما قلنا.
هذا مضافا إلی بعض المناقشات التی ستأتی عند الحدیث علی تعریف المثلی و القیمی.
و هذا هو الذی ینبغی أن ندخل به الآن،بعد أن نعرف أن المهم هو تعریف المثلی.و أما القیمی فهو کل ما لا یکون مثلیا.فإذا استطعنا ضبط مفهوم المثلی تعین معنی القیمی تلقائیا.
و قد اختلفوا کثیرا فی تعریف المثلی،و حصلت هناک مناقشات و إشکالات،إلی حد یمکن أن یقال إنهم لم یعینوا معنی المثلی بأی حال.
قال الشیخ الأنصاری،و نحن ننقل عبارته بشیء من التوضیح:قال الشیخ الطوسی و ابن زهرة و ابن إدریس و المحقق الحلی و تلمیذه و العلامة الحلی و غیرهم قدس اللّه أرواحهم،بل هو التعریف المشهور:أن المثلی ما یتساوی أجزاؤه من حیث القیمة.
و المراد بأجزائه ما یصدق علیه اسم الحقیقة و هی الجنس.و المراد بتساویها من حیث القیمة تساویها بالنسبة بمعنی لحاظ قیمة کل بعض بالنسبة إلی قیمة البعض الآخر.قال:و لذا قیل فی توضیحه أن المقدار منه إذا کان یستوی قیمة فنصفه یسوی نصف تلک القیمة.
ثم بدأ الشیخ الأنصاری (1)
المکاسب:ص 105. [1]
بالإشکال علی هذا التعریف،و نذکر عبارته موضحة:قلت:و هذا یوجب أن لا یکون الدرهم الواحد مثلیا إذا لو انکسر نصفین نقصت قیمة نصفه عن نصف قیمة المجموع.قال:و من هنا یظهر أن کل نوع من أنواع الجنس الواحد بل کل صنف من أصناف نوع واحد مثلی بالنسبة إلی أفراد ذلک النوع و الصنف.بالرغم من أنهم أخذوا فی التعریف الحقیقة الجنسیة.1) 1)
قال:و إطلاق لفظ المثلی علی الجنس باعتبار أنواعه و أصنافه و إن لم یکن بعیدا.إلا أن انطباق التعریف علی الجنس بهذا الاعتبار بعید جدا إلا أن یهملوا خصوصیات الأصناف الموجبة لزیادة القیمة و نقصانها.
و قال:مضافا إلی أنه یشکل اطراد التعریف بناء علی هذا بأنه إن أرید تساوی الأجزاء من صنف واحد من حیث القیمة تساویا حقیقیا فقلما یتفق ذلک فی الصنف الواحد من النوع لأن أشخاص ذلک الصنف لا یکاد یتساوی فی القیمة لتفاوتها و اختلافها بالخصوصیات الموجبة لزیادة الرغبة و نقصانها، التی هی المدار فی زیادة القیمة و نقصانها.
و إن أرید تقارب أجزاء ذلک الصنف من حیث القیمة و إن لم یتساو حقیقة،تحقق ذلک فی أکثر القیمیات،فإن لنوع الجاریة.و هی قیمیة عندهم جزما-أصنافا متقاربة فی الصفات الموجبة لتساوی القیمة،و بهذا یصح المسلم فیها.فتکون مثلیة بهذا المعنی.قال:و قد عد الشیخ الطوسی فی المبسوط:الرطب و الفواکه من القیمیات مع أن کل نوع منها مشتمل علی أصناف متقاربة فی القیمة.
فهذا هو إشکال الشیخ الأنصاری قدس سره علی تعریف المشهور للمثلی،و هو إشکال صحیح.
ثم ذکر قدس سره (1)
المصدر:ص 106. [1]
تعاریف أخری للمثلی منها:1-انه المتساوی الأجزاء و المنفعة المتقارب الصفات.
2-انه ما قدر بالکیل أو الوزن.
3-نفس التعریف السابق مع زیادة جواز بیعه سلما.
4-نفس التعریف السابق مع زیادة جواز بیع بعضه ببعض.
ثم قال الشیخ الأنصاری (2):ثم أنه لا یخفی أنه لیس للفظ المثلی
حقیقة شرعیة و لا متشرعیة،و لیس المراد معناه اللغوی.إذ المراد بالمثل فی اللغة المماثل،فإن أرید به من جمیع الجهات فغیر منعکس و إن أرید من بعضها فغیر مطرد.و لیس فی النصوص حکم یتعلق بهذا العنوان حتی یبحث عنه.
نعم وقع هذا العنوان فی معقد إجماعهم علی أن المثلی یضمن بالمثلی و غیره بالقیمة.و من المعلوم أنه لا یجوز الاتکال فی تعیین معقد الإجماع علی قول بعض المجمعین مع مخالفة الباقین.
و یرید بکونه غیر منعکس أنه لا یوجد مثلی أصلا إذا أرادوه من جمیع الجهات.و إن أرادوه من بعض الجهات،کانت أکثر القیمیات فی نظرهم مثلیة.
و من الواضح من حدیثه أنه لا یوجد نص بهذا الخصوص أصلا،و إنما هو الإجماع.و هذا أیضا غیر صحیح،و إنما هی الشهرة لوجود الخلاف الذی سمعناه.و إنما قال فیما سبق:علی ظاهر الإسکافی لاستبعادهم أنه یفتی بخلاف فتواهم.
و لم یناقش الشیخ الأنصاری التعاریف التی سردها أخیرا،لوضوح فسادها،و ورود نفس الجواب علی التعریف الأول علیها.
و إذا لم نحصل مفهوما محددا للمثلی،کان موضوع الحکم الذی أفتوا به مجملا،فیکون من غیر الممکن تطبیقه.و المهم هو ما ذکرناه أولا من الدلیل.
و هو لغة الأخذ أو الأخذ بالید أو الأخذ بجمیع الکف.و قد أصبح فی الشریعة موضوعا لأحکام عدیدة.منها:قبض البائع الثمن و قبض المشتری الثمن،و کذلک کل من ملک شیئا بأی معاملة،و کان ذلک الشیء عند صاحبه أو عند غیره فله قبضه و علی الآخر إقباضه.
و کذلک قبض الزوجة مهرها،و قبض الغاصب للمال لیتحقق الغصب و قبض المالک للمال عند إرجاع الغاصب و غیر ذلک کثیر.فما هو القبض فی اصطلاحهم؟ و المتحصل من مجموع کلمات الفقهاء،بعد اختلافهم فی تعریفه أنهم یرجعونه إلی عدة معانی:
أولا:القبض بالید.
ثانیا:التخلیة.
ثالثا:النقل من مکان إلی مکان.
رابعا:إیجاد الکیل و الوزن فیما یصح فیه.
خامسا:سلطنة القابض و جعل یده علیه.
و هنا ینبغی الالتفات إلی أمور:
الأمر الأول:لا یخفی أن القبض من حق من له حق الاستیلاء علی العین إن کانت العین عند غیره بدون إذنه.و هو غالبا المالک أو صاحب الاختصاص فی الأعیان غیر القابلة للملکیة.و قد یکون هو غیر المالک کما هو المرتهن فی العین المرهونة أو الموقوف علیه الخاص إن قلنا إنه غیر مالک.
فإن أصبحت العین بمعاملة ما موصوفة بهذه الصفات:ملکا أو رهنا أوقفا و نحوها،و لم تکن عند أصحابها و من لهم الحق فیها،وجب إیصالها إلیهم.سواء کان وجودها عند غیرهم بالحق أو بالباطل.و مثال الباطل هو الغصب.و مثال الحق أنها کانت موجودة عند مالکها إلی أن باعها و أصبحت ملکا للمشتری فیجب دفعها أو کانت العین عند شخص بإذن مالکها ثم طالبه بها.أو کانت ملک شخص فمات،فیجب دفعها إلی الورثة،و هکذا.
و المهم هو أن الأمثلة کثیرة یجمعها وجود حق شرعی فی السلطنة علی العین و جعلها تحت الید.و هو حق یشمله تعریف الحق کما عرفناه فی فصل
سابق،و یمکن إسقاطه و التنازل عنه من قبل صاحبه و عندئذ یسقط حقه فی القبض.
الأمر الثانی:ان القبض فعل شخصین لا شخص واحد.أحدهما فاعل و هو الدافع و الآخر منفعل و هو الآخذ أو القابض.
فإذا وجب الدفع علی الدافع،لم یکن فعل الشخص الآخر باختیاره طبعا،لأن کل شخص یختار فعل نفسه و غیر مسلط علی فعل غیره.فهو لا یستطیع أن یجعل الآخر یقبض باختیاره.
و معه فإن مکّن الآخر من نفسه و قبض المال،فهو المطلوب.و إن لم یقبض المال،کان أقصی ما یستطیعه الدافع هو التخلیة بین المال و بین صاحبه.و من هنا انبثقت الحاجة إلی تعریف القبض بالتخلیة.و لم یقل أحد بوجوب إکراه القابض علی الأخذ،لأن القبض حق له،و له إسقاطه،فإن کره القبض کان من قبیل إسقاط حقه فیه.و من الممکن عندئذ أن یبقی المال أمانة شرعیة عند الآخری.و هو و إن کان لا یخلو من إحراج أحیانا،إلا أنه لا یجب الدفع إلیه عندئذ.
الأمر الثالث:ان الأعیان المقبوضة أو التی یجب قبضها علی أشکال، فمنها المنقول الخفیف کعلبة الکبریت و منها المنقول الثقیل کأطنان من الحدید،و منها ما یتمکن من السیر کالحیوانات و السیارات.و منها غیر منقول و هو علی قسمین:غیر المنقول بأصل الخلقة،و هو العقارات و النباتات حال ثباتها و قبل قطعها.و غیر المنقول بالعارض کالمسمار المدقوق فی الحائط، و الرحی المبنیة فی الأرض.
و المنقول إما أن یحتاج إلی وزن و نحوه کالکیل و العد،و إما أن لا یحتاج.و لا شک أن هذه الأمور تختلف عرفا فی أسالیب القبض.و المهم هو إیجاد القبض بالفهم العرفی.
فمثلا یکون القبض فی المنقول الخفیف أو القلیل،هو القبض بالید،
و فیما یکون قابلا للسیر هو الإیصال إلی ید الآخر.و القبض مع رفض صاحبه یکفی فیه مجرد التخلیة و هکذا.
و لا یراد بالتخلیة هنا مجرد تفریغ المکان مما کان یشغله قبل البیع، و إن کان ضروریا،بل یراد بها أن یخلی بین المبیع و المشتری.بمعنی رفع الید عنه.و إما أن یأخذه الآخر فعلا،فهذا خارج عن اختیار الدافع،و داخل فی اختیار للآخذ،و ما لیس بالاختیار لا یشمله أی تکلیف.
و سیأتی الأمر الذی نعقده لمناقشة التعاریف،ما یوضح بعض ما نحتاجه فی هذا الأمر أیضا.
الأمر الرابع:هل القبض واجب أم لا.
هذه العبارة معناها:هل الإقباض ممن عنده العین إلی الآخر واجب أم لا.و معناها أن یعمل أقصی ما استطاع فی ذلک.
و موارد الاستحقاق تختلف فی هذا الجواب.فالغاصب یجب علیه إرجاع المغصوب إلی مالکه و الإقباض واجب علیه بذلک المعنی.و کذلک الأمانة الشرعیة حیث قالوا:إنه یجب ردها فورا ففورا.و کذلک الأمانة المالکیة و الودیعة و العاریة مع المطالبة بها باستحقاق.
و أما فی مورد البیع و الإیجار و الرهن و الوقف و نحوه.فالتخلیة بمعنی رفع الید أو بمعنی رفع المانع عن استیلاء الآخر واجب،و إلا کان الفرد مانعا عن سلطنة المالک و هو حرام.
و أما الإقباض بمعنی الإیصال إلی الآخر و الدفع إلیه،فلا دلیل علی وجوبه،و الأخبار غیر دالة علیه بالذات،و إنما تحدثت بعضها عن عدم جواز البیع قبل القبض.و هذا من تکلیف المشتری فی المعاملة الأولی لا من تکلیف البائع فیها.
و سیکون للمشتری أو المؤجر أو الموقوف علیه و نحوهم همه فی أخذ العین،فیکون القبض الفعلی موکولا إلیهم،و لا یجب علی الدافع،إلا رفع
المانع عن ذلک.فإن لم تحصل هذه الهمة،فمعنی ذلک هو التنازل عن هذا الحق و تأجیل الأخذ به.و کلاهما ممکن شرعا له،و لا یجب التحمیل علیه و إکراهه.
نعم،لو کان لحفظ العین عند غیر المالک،مصروف کطعام الحیوان أو غیر ذلک،وجب علی المالک دفعه،أو دفع غرامته بعد ذلک.
ینتج مما قلناه إنه لو کان القبض متوقفا علی النقل بأجور.فإن کان واجبا کما فی إرجاع المغصوب و غیره،کان الأجر علی الدافع،و إن لم یکن واجبا کما فی المبیع،کان الأجر علی الآخذ.
الأمر الخامس:فی شیء من مناقشة التعاریف التی أوردناها فی أول هذا العنوان.
أما المعنی الأول و هو القبض بالید،فهو من أوضح مصادیق القبض بلا إشکال.إلا أن کثیرا من أسالیب القبض العرفی غیر متوقف علیه بلا إشکال أیضا،حتی فی المبیع القلیل فضلا عن الکثیر.فلو أدخل البائع المبیع إلی دار المشتری کان المشتری قابضا له بلا إشکال.و إن لم یضع یده علیه.
و أما المعنی الثانی و هو التخلیة،فهی بالوجدان لیست قبضا و لا إقباضا،و إنما قلنا إنها غایة ما یستطیعه الدافع من عمل،حین لا یکون عمل الآخر تحت اختیاره،کما هو کذلک دائما.
و هی أحیانا تکفی فی صدق الإقباض عرفا،کما عرفنا،کما لو رفض الآخر القبض.
و أما المعنی الثالث،و هو النقل من مکان إلی مکان.و قد اختاره عدد من الفقهاء فیما هو قابل للسیر کالحیوان،فمن الواضح أن هذا المعنی بمجرده لیس إقباضا،إلا أن تقید العبارة بأن المراد نقله إلی سلطة المالک أو المشتری،أو محل وجوده.و عندئذ فالنقل لا یکون قبضا و إنما هو مقدمة للقبض.و إنما یتحقق القبض عند الدخول فی سلطنة المشتری و تحت یده.
فیجب ذلک إن کان واجبا و لا یجب أحیانا کما سبق أن فصّلنا.
و أما المعنی الرابع،و هو إیجاد الکیل و الوزن،فمن الواضح أنه بمجرده لیس قبضا و لا مقدمة للقبض.لوضوح إمکان إیجاد ذلک من دون دفعه إلی أحد.
و إنما أخذ هؤلاء السیرة الغالبیة السوقیة.بأن یزن البائع و یعطی إلی المشتری ما طلبه.و حتی فی مثل ذلک لا یکون الوزن دخیلا فی القبض أصلا.نعم،هو مقدمة لتحدید الکمیة المطلوبة و المشتراة.و إنما دفعه بعد الوزن هو الإقباض.فیشمله الأحکام السابقة التی عرفناها.
و أما المعنی الخامس،و هو سلطنة البائع و جعل یده علیه،و هو الذی اختاره الشیخ الأنصاری قدس سره.فلا شک أنه مصداق للقبض.و لعله من أوضح مصادیقه مع القبض بالید،بل أوضح منه.إذ لعل القبض بالید لا یکون مع السلطنة التامة أحیانا إذا کان القابض مقهورا علی أمره.
و من هنا یکون أحسن التعاریف،لو أردنا تحدید المعنی بلفظ معین، و لم نوکل الأمر إلی العرف،کما أسلفنا.غیر أنه-مع ذلک-یبقی ما قلناه من عدم تمکن الدافع دائما من إیجاد سلطنة القابض علی العین المدفوعة.بل عدم وجوبه أحیانا.و فی مثل ذلک لا بد من المصیر إلی التخلیة.لا بمعنی أنها هی مصداق للقبض یعنی الإقباض،فإنها لیست کذلک بالضرورة،بل لأنها أقصی ما یجب علی الدافع أو أقصی ما یمکن له.
الأمر السادس:أنه لا یبعد وجوب قبض المالک لعینه عند استحقاقها.
لأن فی رفضها إضرارا بالآخر أو الآخرین و اعتداء علیه أو علیهم،و هو محرم.
و هذا لا ینافی ما قلناه،من إننا لو لاحظنا تکلیف الدافع فقط،لم یجب علیه الإیصال إلی المالک مع رفضه.إلا أننا لو لاحظنا تکلیف المالک، کان من الواجب علیه قبضها مع صدق الاعتداء علی الآخر بإبقائها عنده.
نعم،فی المورد الذی لا یصدق ذلک.کما لو لم یکن للدافع مانع من
استمرارها تحت یده،یکون هذا الوجوب ساقطا.و لکن یجب علیه دفع غرامة ما یصرف علیها،کما قلنا إلا أن یبرأ الآخر ذمته أیضا.
و ما تمسک به الشیخ الأنصاری قدس سره (1)
المکاسب:ص 306.
کدلیل للوجوب من دلیل الضرر فهو بمجرده غیر کاف،لوضوح عدم حرمة کل إضرار.و لا دلیل علی أن هذا الإضرار من الإضرار المحرم صغرویا.و لذا أبدلناه بصدق الاعتداء، فإن الاعتداء علی المؤمن بل علی المسلم قلیله و کثیره حرام.و هو من المصطلحات الذائعة فی الفقه،بالنسبة إلی الضمانات الناتجة من البیع أو غیره،و یعنی عندهم إجمالا:دفع الفرق بین الصحیح و الفاسد.
فلو نقصت العین المغصوبة عند الغاصب وجب ردها و دفع أرش النقصان.و لو نقصت العین المشتراة عند البائع وجب دفعها مع أرشها.
و لو نقصت العین المستأجرة أو المودعة أو المستعارة بتعد و تفریط،کان النقص مضمونا بالأرش و هکذا.
و لعلنا نحمل فکرة عن التعدی و التفریط،فإن غیر المالک یجب علیه العنایة بمال غیره کالعنایة بماله،بما یناسبه من أسالیب الحفظ،فإن لم یفعل کان متعدیا أو مفرطا.و التعدی هو فعل ما یجب ترکه فی الحفظ و التفریط هو ترک ما یجب فعله للغایة نفسها.و سیأتی تفصیله فی کتاب الضمان.بعونه تعالی.
و علی أی حال،فینبغی التعرض إلی عدة أمور:
الأمر الأول:عرف الشیخ الأنصاری قدس سره (2)الأرش:بأنه یطلق
فی کلام الفقهاء علی مال یؤخذ بدلا عن نقص مضمون فی مال أو بدن و لم یقدر له فی الشرع مقدر.
و لنا علی ذلک ملاحظات:
الملاحظة الأولی:ظهر من هذا التعریف أن الأرش لا یختص بالنقص فی الجمادات بل یشمل الحیوان و الإنسان أیضا.کما لو جنی شخص علی عبد غیره،فإنه یضمن أرش الجنایة.
و هذا أمر صحیح،غیر أن الإنسان هنا ملحوظ بصفته مالا،فهو یندرج فی مفهوم المال المنصوص علیه فی التعریف.نعم،لو کان أرش الجنایة منصوصا شرعا،کما سنشیر فی الملاحظة الآتیة،کان من باب ملاحظة المجنی علیه إنسانا لا مجرد کونه مالا و إلا کفی ضمان الفرق بین الصحیح و الفاسد.
إلا أن هذا إلی مفهوم الدیة أقرب،و إن سماه الفقهاء أرشا مجازا.
فالصحیح هو اختصاص الأرش بغیر ذلک،إلا أن نعتبره نحوا من الأرش التعبدی المنصوص علیه شرعا.فتأمل.
الملاحظة الثانیة:اشترط الشیخ فی التعریف،أن لا یکون للنقص مقدر شرعی معین یکون عوضا عنه.و قد عرفنا السبب فی هذا التقیید،لأنه مع تعیین المقدر یکون أقرب إلی مفهوم الدیة کما قلنا.
و لا ینبغی أن نفهم من التقدیر الشرعی هنا مطلق التقدیر.إذ لا شک أنه یجب شرعا الغرامة بنسبة النقص کما سنعرف،فإن کان هذا تقدیرا شرعیا،اندرج فی معنی الأرش،و إن شمله التقیید القاضی بإخراجه عنه.
إلا أنه لیس هذا مرادا للشیخ،لأن هذا مما یکون تطبیقه و صغراه بید السوق أحیانا و بید المتعاملین أحیانا،کما سنری،یعنی فی تعیین کمیة المال المدفوع.فی حین یکون الأمر فی الموارد المنصوصة بید الشارع تعیین کمیته،کما فی الدیة تماما.
و لکن بالرغم من وجود هذه الدیة،لا حاجة إلی هذا القید.إلا لدفع التوهم الفقهی باندراجها فی الأرش،إلا أنه واضح الدفع،حیث أنه دیة حقیقة و فقهیا.فیبقی الباقی فی التعریف،أرشا.و خاصة بعد أن أخذنا النقص فی البدن فی تعریفه.فیکون الصحیح فی تعریف الأرش:أنه البدل المالی عن نقص مضمون فی مال أو بدن.
و قد غیرناه عن قوله(یؤخذ)لکون الأخذ غیر دخیل فی مفهوم الأرش، لوضوح أن الضمان بنفسه فی الذمة کاف فی صدق الأرش.فیقال:إنه ضمن الأرش.سواء دفعه و أخذه الآخر أم لا.اللهم إلا أن یرید الشیخ قابلیته للأخذ أو الدفع.و هو یرجع إلی ما قلناه.
الأمر الثانی:أن الأرش إنما یثبت فیما إذا کان التالف مالا.و أما إذا لم یکن مالا لقلته أو لحرمته.لم یکن مضمونا فلا یکون له أرش.و إن حرم إتلافه أحیانا لوجود حق الاختصاص.
کما أن الأرش إنما یکون اتجاه المالک،فلو لم یکن للمال مالک لم یثبت الأرش بإتلافه.کأشجار البراری و الغابات و إن حرم إتلافها بلا مبرر.
هذا،و لم ینص الفقهاء علی المال المضمون بالأرش،هل هو المثل أو القیمة،و کأنه من المسلم عندهم أن المضمون هو المالیة،أو القیمة و لیس المثل.إلا أنه بناء علی ما قالوه من ضمان المثلی بالمثل،لا بد من ضمان الأرش بالمثل،إذ لا یفرق بین ضمان الکل و ضمان البعض فی ذلک.نعم، هذا لو کان التلف فی البعض تاما،و أما لو کان النقص متحققا لکنه مع حفظ ذواتها،کان المضمون هو القیمة لا محالة.
و علی ما قلناه فی الفصل السابق،من ضمان المثلی بالقیمة یکون المضمون هو القیمة أو المالیة دائما.
و المضمون فی الأرش یکون علی شکلین و هما:القیمة السوقیة أحیانا، و الثمن المتفق علیه فی معاملة صحیحة أحیانا أخری.و هذا تابع للضمان فی
تلف الجمیع أو العین کلها.فإن کانت مضمونة بالقیمة السوقیة کان الأرش کذلک و إن کانت مضمونة بالثمن کان الأرش مثله.
و القاعدة فی ذلک أنه إذا لم تکن هناک معاملة بین الطرفین،کان التلف للکل أو البعض مضمونا بالقیمة السوقیة.کالمغصوب و المقبوض بالبیع الفاسد،و المقبوض بالسوم یعنی عند التعامل و قبل استیجاب البیع.و یسمی (ضمان الید).فیکون البعض التالف مضمونا بما یخصه من القیمة علی ما سوف نسمع.
و إن کانت هناک معاملة بین الطرفین،کان الضمان بالثمن المسمی (بالعقد)أو بعضه لأنهما تراضیا علی ذلک فی المعاملة فلا استحقاق أکثر منه لأی منهما.و یسمی(ضمان المعاوضة)کالعین التالفة بعد البیع عند البائع.
طبقا للقاعدة الفقهیة التی دلت علیها الأخبار المعتبرة:کل مال تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه.و هی تشمل کل المبیع و بعضه و صفاته أیضا.
و یکون المضمون فی الضمان المعاوضی عین المال علی الأصح،لأنه المتفق علیه فی المعاملة إذا کان عینیا،سواء کان نقدا أو مقایضة.فإن کان کلیا کان الأرش مصداقا من ذلک الکلی.
الأمر الثالث:کثیرا ما یفتی الفقهاء بدوران الأمر بین دفع الأرش و فسخ البیع.کما لو کان المبیع معیبا قبل العقد أو أصبح معیبا بعده عند البائع.
و المهم هو أن الأرش قد یکون عدلا لغیره و لا یکون هو المتعین وحده.
و التعرض إلی تفاصیل ضمان المعاملة فی محله.
الأمر الرابع:اختلفوا فی أن الأرش هل یمکن أن یستوعب العین کلها،أم یختص ببعضها.
و یبدو من بعض کلمات العلامة الحلی قدس سره إمکان استیعابها للعین کلها،کما فی العبد المجنی علیه بعد بیعه و قبل قبضه.
إلا أن المشهور خلافه،یعنی اختصاص الأرش بالنقص فی بعض
العین و لیس فی جمیعها،و هو المفهوم أیضا من التعریف الذی أخذ مفهوم النقص فیه کما سلف.فالنقص لا یصدق إلا مع حفظ سائر العین أو باقیها.
فإن تلفت کلها لم یکن نقصا عرفا.
إلا أن هذا غیر مهم،لأنه مجرد اصطلاح لا یترتب علیه أثر شرعی.
لأن المهم شرعا هو دفع الغرامة.سواء کان علی کل العین أو علی بعضها.
الأمر الخامس:ان کان الأرش فی ضمان الید،کان المضمون هو القیمة السوقیة للمقدار التالف.و هذا واضح.
و إن کان الأرش فی ضمان المعاوضة أی فی الثمن المسمی فی المعاملة،فالأمر یحتاج إلی أخذ النسبة بین القیمة السوقیة و الثمن و المقدار التالف.و یکون ما یجب دفعه هو نسبة التالف أو الناقص من الثمن المسمی بمقدار نسبته إلی القیمة السوقیة.
و طریقته:أن تسأل عن قیمة العین سوقیا،و عن مقدار النقص سوقیا أیضا،فنسب النقص إلی القیمة:النقص القیمة.و نطبق هذه النسبة علی الثمن المسمی فی العقد.فیکون الواجب دفعه هو ما یقابل النقص.
و هذا ثابت سواء کان النقص فی عین واحدة مبیعة،أو کان عبارة عن تلف بعض الأعیان المبیعة،لو قلنا بصدق الأرش فی مثل ذلک،کما هو الأصح،باعتبار ملاحظة المبیع کلا مترابطا.أو کان النقص فی صفات بعض الأعیان المبیعة لو کانت متعددة.و نحو ذلک.
و عند ملاحظة النسبة لا یختلف الحال،بین ما إذا کان المثمن المسمی بمقدار القیمة السوقیة.کما هو الغالب،أو أقل أو أکثر،بقلیل أو بکثیر أحیانا.
هذا فی الضمان المعاوضی،و لا یأتی فی ضمان الید.إذ هناک تکون القیمة السوقیة وحدها هی الواجب.من دون الحاجة إلی السؤال عن النسبة أحیانا،بل تسأل عن قیمة النقص فقط.غیر أننا یجب أن نلاحظ العین قبل حصول النقص مباشرة لا حال کونها جدیدة مثلا و لو قبل سنة.
هذا،و یدخل فی الضمان المعاوضی،للأرش کما فی ضمان العین نفسها:أن المضمون هل هو قیمة یوم التلف أو قیمة یوم الأداء أو أعلی القیم.و نحو ذلک مما اختلفوا فیه.فأی شیء نقوله هناک یکون الأرش علیه.
و الصحیح هو ضمان قیمة یوم التعدی و التفریط فی غیر الغاصب و أعلی القیم فی الغاصب ما بین یوم النقص و یوم الأداء.
قال اللّه سبحانه و تعالی قالُوا إِنَّمَا الْبَیْعُ مِثْلُ الرِّبا وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَیْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا و یمکن أن نستنتج من ذلک بعض النتائج حسب مقصودنا فی هذا الکتاب.
النتیجة الأولی:أن الربا محرم بنص الکتاب الکریم فیکون محرما بالأدلة الأربعة الکتاب و السنة و الإجماع و العقل مما لا حاجة إلی شرح تفاصیلها إذ یکفینا الآن نص الآیة و قیام ضرورة الدین علی ذلک.
النتیجة الثانیة:أن البیع غیر الربا فی نظر القرآن الکریم و لذا عزله فی التعبیر فقال وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَیْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا فبالرغم من أن شکل المعاملة الاعتیادی قد یکون متشابها إلا أن المضمون التشریعی و الأخلاقی مختلف تماما و لا یمکن أن یکون ذو النتیجة السیئة مشابها لذی النتیجة الحسنة فی النوعیة.
و من هنا عزلنا الحدیث عن الربا عن الحدیث عن البیع کما ورد فی نص الآیة نفسها خلافا للفقهاء الذین تحدثوا عن الربا فی کتاب البیع نفسه و جعلنا للربا کتابا مستقلا نتحدث فیه عن جمیع أقسامه و نتعرض فیه بشیء من التفصیل لأحکام المصارف التی تتعامل بالربا.فإن الحدیث عنها بصفتها موضوعا مندرجا فی هذا الکتاب یعتبر هذا المکان الفقهی هو أنسب الأماکن إلیه.مع بعض الفصول التی نسجلها قبل ذلک تکون بمنزلة المقدمة لفهم و استیعاب ما سوف نتحدث به عن المصارف.
یذکر الربا فی الفقه فی محلین:
أولا:فی کتاب البیع حیث قالوا کما دلت علیه الأدلة المعتبرة إنه لا یجوز بیع المکیل و الموزون بالتفاضل کبیع کیلو من الحنطة بکیلو و نصف منها و إن کان أردأ نوعا.
ثانیا:فی کتاب القرض و هو المال الذی یقترضه أو یستدینه شخص من آخر فیشترط علی الدائن أن یرجعه إلیه مع زیادة فتکون هذه الزیادة ربا و تؤدی إلی بطلان المعاملة و ذلک أن المدین بمعاملة الاقتراض الصحیحة یملک المال المقترض و یتصرف فیه کما یشاء فی حدود المشروع طبعا و تشتغل ذمته بمثله علی أن یؤدیه فی رأس المدة المتفق علیها.و أما إذا کانت المعاملة ربویة کانت باطلة و لم یملک المقترض المال الواصل إلیه و یکون تصرفه فیه حراما و لا یستحق الدائن الفائدة التی اشترطها علیه.
و کذلک الحال فی المعاملة الربویة التی تشبه البیع فإنها تکون باطلة و لا یملک أی من الطرفین:البائع و المشتری ما یصل إلیه فیها و یکون تصرفه بها حراما.
و یمکن أن تستنتج من ذلک عدة نتائج:
النتیجة الأولی:أن الربا الأساسی فی السوق فی عصورنا الحاضرة هو القسم الثانی دون الأول لأن القسم الأول مبنی علی نوع من المقایضة لأنه
من تبدیل المکیل بالمکیل و الموزون بالموزون و ذلک لا یکون إلا إذا کان کلا العوضین عروضا.
و أما فی مثل الاقتراض فهو مما یتوفر سوقیا فی کل العصور عند من لا یطبق هذا الحکم الإسلامی.
النتیجة الثانیة:ان من جملة أنواع المکیل و الموزون الذهب و الفضة فیشملها حکم الربا و هذا له نتیجة مهمة فی أسواقنا الحاضرة أیضا،لأن الذهب هو الأساس فی قیمة الأثمان و النقود.و قد یقال:إننا إذا بدّلنا دینارا ورقیا بدینارین أصبح ربویا و إن لم یکن من الذهب لأن غطاء المصرفی من الذهب فکأننا بدلنا ذهبا بذهب فیکون حراما إلا أن الواقع خلاف ذلک کما سیأتی فی فصل آت.
و الشیء المهم الآن هو أن نلتفت إلی هذین الحکمین الخاصین بالذهب و الفضة و هو ما یسمی فقهیا ببیع الصرف.
الحکم الأول:شمولها لحکم الربا کما سمعنا یعنی عدم جواز المفاضلة بین العوضین.
غیر أن مشهور الفقهاء قالوا إنه لا یجوز المفاضلة فی بیع الذهب بالذهب و الفضة بالفضة و الذهب بالفضة،إلا أن بعض أساتذتنا کان یجیز الشکل الأخیر أعنی بیع الذهب بالفضة أو العکس إذ یعتبرهما من نوعین متباینین لا من نوع واحد لتکون المفاضلة بینهما محرمة و هذا ما یسهل عددا من المعاملات التی قد تکون جاریة فی السوق.
الحکم الثانی:التقابض فی المجلس.فلو لم یحصل التقابض فی المجلس عند بیع الأثمان کانت المعاملة باطلة کما علیه الأدلة المعتبرة و سیأتی الحدیث عما إذا کان هذا الحکم مما یعقد تنفیذ معاملات المصارف أو لا یکون له أثر مهم فیها.
و لا ینبغی أن ننسی فی هذا الصدد قوله تعالی اَلَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبا أضعافا مضاعفة لا یَقُومُونَ إِلاّ کَما یَقُومُ الَّذِی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطانُ مِنَ الْمَسِّ .
و یمکن أن نفهم من ذلک عدة أمور:
الأمر الأول:أن الربا الأساسی هو الربا القرضی لا البیعی لوضوح أن هذه الآیة إنما تعرضت له بالخصوص من دون تقیید لفظی واضح به و سیتضح الأمر أکثر مع ما سنقوله فی الأمر الثانی.
الأمر الثانی:أن الربا إنما یتضاعف أضعافا کثیرة فی الربا القرضی دون البیعی لأن الربا الذی یحدث فی البیع یتم بمعاملة واحدة لا أثر لها فی مستقبل الزمان و لا یوجد فی السوق العقلانیة من یقبل البیع و الشراء بأضعاف کثیرة.
إلا أن الربا فی القرض یتضاعف عادة لأن الدائن و إن جعل علی الدین فائدة بسیطة نسبیا کخمسة بالمئة إلا أنه مع تطاول الزمن سوف تتضاعف الفائدة حتی تستوعب المال کله أو تزید علیه لو لم یدفع المدین دینه و فی الأغلب أنه لا یدفعه لعدم التمکن منه و فی مثل ذلک ستکون الفائدة الربویة علیه ضربة قاصمة.و یقل من المتعاملین بالربا من یقبل بعدم تضاعف الفائدة بل إن هذا غیر منطقی من زاویتهم أصلا لأن الفائدة بعد استحقاقها تعتبر من أصل المال فتستحق علیها فائدة أخری مضافا إلی الفوائد المستحقة علی رأس المال.
مضافا إلی أن المرابین فیما سبق کانوا یأخذون نسبا عالیة من الفوائد نسبیا کعشرة بالمئة أو خمسة عشر بالمائة من أول مرة،فضلا عن مضاعفاتها التی تحدثنا عنها.غیر أن المصارف الحدیثة قللت سعر الفائدة الأمر الذی یکون فی مصلحة المقترضین،إلا أن القاعدة العامة للربا و هو التضاعف بطول المدة تبقی هی نفسها.
الأمر الثالث:عبرت الآیة الکریمة بأکل الربا لا بأخذه و لا بملکیته و نحو ذلک لأن الملکیة مما لا یحدث فی الشریعة الإسلامیة فی المعاملة الربویة کما أن الأخذ بمجرده قد یستتبع الإرجاع إذا حصل إعادة النظر و التوبة.فی حین أن الأکل معناه أن یأخذه المرابی کشیء نهائی و لا یفکر بإرجاعه.
الأمر الرابع:قد یخطر فی البال أن ما هو المحرم شرعا هو الفائدة الربویة دون المعاملة کلها التی یقع فیها الربا لأن الربا قد یکون اسما لنفس الفائدة لا لمعاملة فتختص هی بالحرمة.
و أثر ذلک أنه مع عدم استلام الفائدة یکون رأس المال حلالا و هو مما یسهل عددا من المعاملات الربویة الجاریة فی السوق.
إلا أن هذه الفکرة لیست بصحیحة:
أولا:ان الربا اسم للمعاملة کلها و لیس بخصوص الفائدة و لذا جعله اللّه سبحانه و تعالی مقابلا للبیع فکما أن البیع المسلم للمعاملة کلها کذلک الربا اسم لها أیضا.
ثانیا:اننا حتی لو سلمنا أن الربا اسم لخصوص الفائدة فإن غایة ما ینتج هو أن الآیة الکریمة لا تدل علی حرمة رأس المال وحده إلا أن الأدلة الباقیة من الأدلة الأربعة و خاصة السنة الشریفة و الإجماع قائم علی حرمة رأس المال أیضا لأنه مأخوذ فی معاملة باطلة فیکون غیر مملوک و التصرف فیه حرام.
ثالثا:أن الآیة الکریمة شبهت متعاطی الربا بمن تخبطه الشیطان من المس و هذا یعنی عدة أمور یمکن أن نفهمها:
الفهم الأول:و هو الفهم التقلیدی عند مفسری الآیة الکریمة و هو أن آکل الربا سوف یکون ثریا و سوف یأکل أنواعا من الطعام عدیدة و شهیة فإذا امتلأ کرشه من الطعام أصبح ذلک سببا لصعوبة قیامه و مشیه لثقل جسمه و دوار رأسه و ارتفاع ضغط دمه و مضاعفات أخری قد تحدث له کالسکر و الجلطة القلبیة.
الفهم الثانی:ان الشیطان قد یتخبط الإنسان بمسه بمعنی أن إغواءه له سوف یکثر حتی یستوعب کل أفعاله و أقواله فتترتب علی ذلک نتائج عدیدة غیر محمودة منها ما رکزت علیه الآیة بحسب هذا الفهم و هو کون أعماله و أقواله مشوشة و غیر مرتبة و لا تدخل فی منهج حیاتی معین و قد تکون متناقضة و خالیة
من الترکیز أو خالیة من الهدف و هذا معنی التخبط تخبطا عشوائیا.
فمن یأکل الربا یکون حاله أیضا کذلک عرضة لإغواء الشیطان فهو(لا یقوم)یعنی لا یتصرف أو لا یقوم لأعماله إلا مثل هذا الشخص الذی أشرنا إلیه،و فی الحقیقة أنه یکون مندرجا فی نفس القائمة و مصداقا من مصادیق هؤلاء الناس.
الفهم الثالث:أن الأمر المهم الذی یحدد و یرتب أفعال الإنسان و أقواله و یجعلها منطقیة و هادفة هو الشعور بالمسؤولیة الإنسانیة فإن انعدم هذا الشعور أو تضاءل و لم یکن للفرد ضمیر منبه من هذه الناحیة أصبح ذلک مسببا لأن یکون تصرفه مشوشا و غیر هادف کما یفهم من الآیة الکریمة.
و من الواضح أن أکل الربا یندرج فی هذه القائمة أیضا و خاصة إذ لم یأخذ المدین بنظر الاعتبار من ناحیته الاقتصادیة أو الصحیحة و نحوها و ألزمه بأضعاف مضاعفة من الفائدة،فإن ذلک یعنی أنه لا یشعر بأیة مسئولیة أخلاقیة اتجاه الآخرین و لیس له ضمیر أنسانی الأمر الذی یجعله مندرجا فی نفس القائمة المشار إلیها.
الأمر الرابع:اننا بمراجعة النص القرآنی نعرف أن الآیة نفسها متصلة تتحدث عن الربا طویلا لأنه سبحانه و تعالی یقول اَلَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبا لا یَقُومُونَ إِلاّ کَما یَقُومُ الَّذِی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِکَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَیْعُ مِثْلُ الرِّبا وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَیْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا .
و هذا ینتج منه نتیجة مهمة فی حدیثنا لأننا قلنا إن أکل الربا أضعافا مضاعفة لا یکون إلا فی القرض دون البیع،فیقع السؤال عن الوجه الصحیح فی تبریر ذلک بأن قالوا إنما البیع مثل الربا.
و یمکن نقدم لذلک عدة حلول نذکر أهمها:
الحل الأول:أن قوله تعالی إن البیع مثل الربا یعنی فی الحلیة و الجواز،و یکون المراد أن البیع مثل الربا الذی فی القرض کلاهما جائز و تجیب الآیة علیه أن اللّه تعالی أحل البیع و حرم الربا.
الحل الثانی:أن المقصود بالربا فی الآیة هو مطلق الربا سواء کان فی البیع أو فی القرض و هو المعنی الذی یفهمه الفقهاء عامة و هذا أنسب من المعنی الأول من ناحیة تشبیه الربا بالبیع لأن قسما منه یشبه البیع علی أی حال.
الحل الثالث:أننا یمکن أن ندعی أن المفهوم عرفا و سوقیا من الربا هو الربا القرضی دون الربا البیعی و إنما الربا فی البیع اصطلاح سائر بین المتشرعة باعتبار شیء من المشابهة بین النوعین و هو أخذ الزیادة.و إلا فمن الناحیة المنطقیة فإن المعاملة البیعیة لیست ربا و إنما تکون هذه الزیادة مشابهة للربح الاعتیادی فی أی بیع.غیر أن الشارع الإسلامی حرمها تعبدا و حرمتها غیر مربوطة بالربا یعنی أنها باطلة سواء کان اسمها ربا أو لم یکن.
و أما قولهم إنما البیع مثل الربا فلا یراد به علی هذا الأساس إلا الربا القرضی لأنه کما قلنا هو الربا حقیقة و عرفا و الظاهر دائما محمول علی الحقیقة دون المجاز.کل ما فی الأمر أن وجه التشابه بین الربا و البیع من ناحیة الجواز فی نظرهم مجاز لا حقیقة.
و یمکن أن نفهم التشبیه العکسی من الآیة و هو أن المقصود أن الربا مثل البیع و ذلک لأنه ینتج نفس نتیجته فی نظرهم و هو ربح صاحب المال و قد أجابت الآیة بالتفریق بینهما فی الحکم.
و بهذا الفهم سیختلف هذا الوجه علی الوجه الأول المبنی علی تشبیه البیع بالربا و لیس العکس.و اللّه سبحانه أعلم بما ینزل.
و هذا الفهم هو المتعین ظاهرا من الآیة الکریمة،و ان کان النص بالعکس.إذ لیس المراد بقولهم إِنَّمَا الْبَیْعُ مِثْلُ الرِّبا تشبیه البیع بالربا، لأنه ینتج تحمیل البیع مساوئ الربا،فإنما یصح ذلک،إذا أرادوا القول:إن البیع حرام أو مرجوح أو معیوب مثل الربا.و إنما المراد العکس و هو أن الربا صالح کالبیع،لا نفرق بینهما فی کونهما منشأ للربح.
فإن قیل:إنهم لا یعتقدون أن الربا مرجوح.قلنا:هذا باعتبار ما هو
مرتکز فی الأذهان من مرجوحیة الربا.و إلا لما احتاجوا إلی هذا الکلام أصلا.و هذا إنما یتم منطقیا مع تشبیه الربا بالبیع دون العکس.
فإن قیل:إنه لماذا ورد فی الآیة معکوسا؟ قلنا:إن لهذا عدة تبریرات محتملة:
أولا:أنهم یریدون زیادة التموین من مرجوحیة الربا و سوئه،فلو مثلوه بالبیع،لکانت العبارة اعتیادیة.و أما لو شبهوا البیع به،لکان هذا مبنیا علی الزعم بأن الربا من الصلاح و الرجحان بحیث یمکن تمثیل البیع به علی ما هو علیه(أی البیع)من الوضوح السوقی و العقلائی.
ثانیا:أن المراد بیان تساویهما تماما،بحیث فی نظرهم لا فرق بین تقدیم البیع أو الربا،لأنهما متشابهان تماما.
ثالثا:لو تنزلنا عن الوجهین السابقین،جدلا،کان من التمثیل المعکوس.و هذا لا ضیر منه،و قد ورد فی القرآن الکریم و اللغة عموما، ذلک.أما وروده فی اللغة کقولنا:أدخلت الخاتم فی إصبعی.و إنما ندخل أصبعنا فی الخاتم.
و أما وروده فی القرآن الکریم کقوله لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِی الْقُوَّةِ .حیث قال المفسرون.إن المراد أن العصبة أولی القوة تنوء بالمفاتیح و لیس العکس.إلی غیر ذلک من أمثلة الانعکاس.
الأمر الخامس:فی الإلماع إلی ما قلناه فی الحل الثالث السابق،من أن الربا فی البیع لیس بربا.فأن لنا علیه بعض الملاحظات:
الملاحظة الأولی:اننا لو قلنا بکونه ربا،فقد یلزم الربا فی الآیة بمعنیین مختلفین،و هو خلاف وحدة السیاق الظاهرة من کل بیان عرفی.إذ یکون المراد من الربا فی الأول القرض و فی الثانی البیعی.
إذن،فلا بد من حمله علی معنی واحد.و من غیر المحتمل أن یکون المراد من التعبیر الأول بالربا هو الربا البیعی لأنه لا یتضاعف أضعافا
مضاعفة.إذن،یتعین أن یکون المقصود بهما معا هو الربا القرضی.و هو المطلوب.
الملاحظة الثانیة:أنه ورد فی السنة الشریفة،تسمیة الربا البیعی بالرّبا.و من الممکن القول:أنه اصطلاح متأخر أو أنه مجارات لتسمیة السوق و المتشرعة.و هذا لا یعنی أن ما ورد فی القرآن الکریم هو ذلک.
کما أننا لم نستفد من الآیة الکریمة نفی تسمیته بالربا،لیکون مناقضا لما ورد فی السنة الشریفة.کل ما فی الأمر أن الربا فی الآیة مستعمل بما یحصل فی القرض فقط.
الملاحظة الثالثة:ورد فی القرآن الکریم:وجه الحکمة فی تحریم الربا القرضی،و هو أنه یؤدی إلی الاستغلال،و أکل الربح أضعافا مضاعفة.
و هو إجحاف بعامة الناس بکل وضوح.حتی من کان غنیا منهم فضلا عن غیره و هم الأکثر.
و أما وجه الحکمة فی الربا البیعی،فقد ورد فی السنة الشریفة.
فعن محمد بن سنان (1)
الوسائل:ج 12 أبواب الربا:باب 1:حدیث 11. [1]
أن علی بن موسی الرضا علیه السلام،کتب إلیه فیما کتب من جواب مسائله:و علة تحریم الربا لما نهی اللّه عز و جل عنه،و لما فیه من فساد الأموال.لأن الإنسان إذا اشتری الدرهم بالدرهمین، کان ثمن الدرهم درهما،و ثمن الآخر باطلا.فبیع الربا و شراؤه و کس علی کل حال علی المشتری و البائع.فحرم اللّه عز و جل علی العباد الربا لعلة فساد الأموال.کما حظر علی السفیه أن یدفع إلیه ماله لما یتخوف علیه من فساده حتی یؤنس منه رشد.إلی آخر الحدیث.و الوکس هو التنقیص علی الطرف الآخر و الاستیلاء علی المقدار الزائد بلا مقابل.
هذا و ینبغی الغض عن تفاصیل أحکام الربا من کلا القسمین إلا ما قد نحتاجه أحیانا،فی الفصول الآتیة.
1) 1)
لا شک أن فکرة المال لیست عقلیة أو منطقیة،و إنما هی اجتماعیة و عقلائیة،تبانی علیها المجتمع لأجل أرحاء حاجاته و تسهیل تبادلاته،و لأجل أن یقل الإجحاف بین المتعاملین إلی أکبر قدر ممکن.
و لا نقصد بالمال:النقد،بأی قسم من أقسامه،و إن کان هذا منه.إلا أن فکرته فی الحقیقة أوسع من ذلک.إذ أن کل عروض منقول أو غیره،مما له دخل فی قضاء حاجة من الحاجات مهما کانت تافهة،یشعر العقلاء، عندئذ أن له مالیة بنحو أو بآخر.
فالمالیة مفهوم کلی،قد یتحقق فی النقد بأی قسم من أقسامه،و قد یتحقق فی العروض،و قد یتحقق فی الذمة،مع الدین مثلا.و قد یتحقق فی موجودات الطبیعة،کالنبات أو الحیوان الذی لم تمسه ید لامس.علی اشکال فی هذا الأخیر سوف نناقشه بعونه تعالی.
و لا نستطیع أن نرجع القهقری،لنری موعد أو تاریخ شعور البشریة بالمال أو المالیة،و لعل الحاجة إلی مثل هذا البحث لیس له فائدة عملیة غیر مجرد الاطلاع.
فقد یأتی إلی الذهن:أن الشعور بالمالیة لا ینسجم مع بیع المقایضة الذی کان ساری المفعول آلافا من السنین.إذ لو کانوا یشعرون بها لجعلوا شیئا یمثلها کالنقد الذی جعله المجتمع فی العصور الأخیرة.إذن فالشعور بالمالیة مواکب نسبیا مع جعل النقد و لیس قبله.
إلا أنه یمکن النقاش فی ذلک ببعض الوجوه:
أولا:اننا سنعرف أن الشعور بالمالیة ناتج من الشعور بالحاجة،و لا شک أن هذا الشعور کان موجودا یومئذ:إذن فالشعور بالمالیة کان موجودا، مهما کان غامضا.
ثانیا:لو کان الشعور الاجتماعی بالمالیة منعدما لما تحدد مقدار التبادل فی المقایضة،مع العلم أنه لا شک أن التسالم عندهم علی بیع مقادیر محدد بمقادیر محددة،و لو نسبیا،و هذا یعنی الشعور بالمالیة و لو نسبیا.
نعم،لا شک أن الوضوح التام،للمالیة،و سد الباب أمام التلاعب المحتمل،لم یوجد إلا بعد صدور أو قل:عند صدور النقد.بمعنی أن من عرض فکرة النقد،لا شک أنه کان شاعرا بالمالیة.
غیر أن صدور النقد و تداوله فی المجتمع لیس بالعهد القریب،بل لعله سابق جدا،إلی عدة آلاف من السنین.حیث وجد النقد فی بعض صوره عند الفراعنة،کما قلنا فی فصل سابق،و فی الصین و الهند،و کان فی صدر الإسلام موجودا بکل تأکید،بل قبل ولادة المسیح علیه السلام بکل تأکید أیضا.
و المهم أن هذا کله لمجرد الاطلاع،و لیس له أثر فقهی أو قانونی أو اجتماعی عادة.
و إنما الأهم هو أن نتعرض إلی ما ینفعنا فی المقام ضمن عدة جهات:
و ما قیل و ما یمکن أن یقال من الوجوه فی ذلک عدة وجوه:
الوجه الأول:الندرة النسبیة.و هو الوجه الأشهر بین الاقتصادیین علی المستوی الرأسمالی.
فکلما کان العروض أکثر توفرا،کان أقل ثمنا،و کلما أصبح أقل زاد ثمنه.فالقلة و الغلاء و کذلک الکثرة و الرخص،یتناسبان تناسبا طردیا.
و هذا صحیح نسبیا فی السوق الحرة عن التدخل الحکومی،أو قل:
السوق الرأسمالیة.غیر أننا إذا نسبناه إلی بعض الوجوه الآتیة،لم نجده هو الأساسی.
فمثلا:إذا نسبناه للرغبة أو للطلب،و هما وجهان آتیان،وجدنا أن قلة التوفر قد تقترن بقلة الرغبة أو بقلة الطلب فلا توجب فرقا فی الزیادة،کما أن الکثرة فی التوفر،قد تقترن بالکثرة بالرغبة أو الطلب،فلا توجب فرقا فی نقیصة الثمن.
کما أن الشیء قد ینقص توفّره قلیلا.إلا أن ثمنه یصعد کثیرا،نتیجة لزیادة الرغبة أو الطلب،بشکل غیر معهود و هکذا.
إذن،فالندرة النسبیة،لیست هی السبب الأساسی فی زیادة الثمن و قلته،و لکنها تکون جزء السبب فی کثیر من الأحیان.و سیأتی ما یزید هذه الجهة وضوحا.
الوجه الثانی:العمل البشری.و هو ما قرره المارکسیون فی اقتصادهم.
من زاویة:أن خامات الطبیعة،حال وجودها الطبیعی تبدو تافهة و غیر ذات قیمة،و إنما تبدأ القیمة أو المالیة،من حین حصول العمل البشری علیها و تجسّده فیها.کقطع الأشجار و استخراج المعادن و غیر ذلک کثیر.
عندئذ یکون للمادة الخام شکل من أشکال المالیة.و رتبوا فی ذلک نتائج معینة فی فلسفتهم(المادیة التاریخیة)لا حاجة الآن إلی الدخول فی تفاصیلها.بعد أن ناقشناها بکل تفصیل فی کتابنا:الیوم الموعود بین الفکر المادی و الدینی.
إلا أن هذا وحده أعنی العمل البشری غیر کاف،فی تفسیر وجود المالیة لعدة مناقشات.
المناقشة الأولی:أننا لو اقتصرنا علی هذا المقدار لصعب علینا تعیین مقدار المالیة التی حصلت له.فإن مجرد کونه مالا لا یعنی أننا نعرف
مقدارها.أو قل:إن العمل لا یمکنه أن یعین مقدارها.
و المارکسیة تجیب عن ذلک عادة:أن عمل الیوم للعامل الواحد،یأخذ منه من القوة البدنیة ما یعوضه بواجبات الیوم الواحد.فیکون لما یخرجه خلال الیوم الواحد،ذو قیمة کقیمة ما یأکله فی الیوم الواحد.
و هذا واضح الفساد جدا،لوضوح أن الناس یختلفون فی مقادیر و نوعیات طعامهم من ناحیة و فی مقادیر ساعات عملهم و مقدار نشاطهم و خبراتهم من ناحیة أخری.و قد بحثنا ذلک مفصلا فی الکتاب المشار إلیه فراجع.
المناقشة الثانیة:أننا لو نسبنا هذا الوجه إلی بعض الوجوه الآتیة کالرغبة أو الطلب،وجدنا أن الرغبة قد تکون موجودة فیما لم یحصل علیه عمل کالسمک فی النهر أو الحیوانات فی الصحراء.و هذا یعنی أن تلک الأمور ذات مالیة خلافا لما قالوه.
فإن ضممنا الحاجة إلیه،و هو وجه آخر من أسباب المالیة،کان الأمر واضحا.إذ لا شک أن البشریة تحتاج إلی هذه الخامات حاجة شدیدة، و یکفی إیضاحا لذلک أننا نفترضها قد زالت من الوجود،فلا تستطیع البشریة أن تحیا بعدها إلا أیاما معدودات.
إذن،فقول المارکسیین إن خامات الطبیعة ذات وجود تافه و غیر ملفت للنظر،کلام تافه و غیر ملفت للنظر.
المناقشة الثالثة:أننا لو نسبنا هذا الوجه إلی الوجه الأول و هو الندرة النسبیة،لوجدنا أن الشیء مع حصول ندرته النسبیة ترتفع قیمته بدون أن یکون عمل جدید قد أضیف إلیه.
و کذلک لو نسبناه للرغبة،من زاویة زیادتها فیما هو متوفر فی السوق نسبیا،فإنها تقتضی زیادة القیمة من دون حصول أی زیادة فی العمل.
المناقشة الرابعة:ما ذکره بعض أساتذتنا بإیضاح منا
أنه لو کان العمل هو الأساس،کانت بعض الأمور رخیصة جدا،مع أننا نجدها غالیة و الحرص علیها شدیدا،و کان یمثل برسالة کتبها جد الإنسان مثلا.فإنها غالیة فی نظره و محترمة جدا،بالرغم من أن العمل فیها ضئیل جدا،لا تعدوا أن تکون کتابة صفحة واحدة أو عدة أسطر.
و هذا یشمل الکتب المخطوطة و اللوحات القدیمة.فإن أقیامها أضعاف ما بذل فیها من عمل.یکفی فی ذلک أن نری بوضوح أن:قیمتها یوم کتبت کانت أرخص بکثیر من قیمتها الیوم.بدون حصول أی عمل جدید علیها.
أقول:و هذا شکل من أشکال نسبة الرغبة کسبب فی زیادة القیمة إلی العمل کسبب لها.فإن الرغبة هنا مؤثرة دون العمل.
الوجه الثالث:من أسباب حصول المالیة أو القیمة.(الطلب).و هو الوجه التقلیدی فی علم الاقتصاد حیث قیل:إذا زاد الطلب زاد الثمن.یعنی أن زیادة الطلب تتناسب تناسبا طردیا مع زیادة الثمن،و بالعکس.
و المقصود بالطلب کثرة الذین یبحثون عن المادة فی السوق و یطلبونها.
و هذا الوجه،إن أرجعناه إلی الحاجة أو إلی الرغبة التی هی من بعض الوجوه الآتیة،فهو لیس وجها مستقلا عنها.و إنما یکون مندرجا فیها.و لا یمکن أن تکون مندرجة فیه،لأن الحاجة و الرغبة هی السبب فی الطلب، لوضوح أن الإنسان قلما یطلب ما لا یحتاجه.و النظر إلی السبب،و هو الرغبة أو الحاجة أولی من النظر إلی المسبب و هو الطلب.لأنها سبب أعمق علی أی حالف.
و إن نظرنا إلی الطلب کسبب مستقل،و هو غیر مستقل علی أی حال، فینبغی أن ننسبه إلی الندرة النسبیة،کما نسبنا الندرة إلیه.لوضوح أن زیادة الطلب مع زیادة التوفر لا ینتج ارتفاعا فی القیمة،و لأن قلة الطلب مع قلة التوفر منتج لانخفاضها.
و من هنا اعترف جملة من الاقتصادیین:بأن کلا من الندرة النسبیة و الطلب معا مؤثران فی زیادة القیمة،و لیس أحدهما بحیاله.
و جوابه عندئذ ینحصر فی أن الطلب ناتج لا محالة من الحاجة أو الرغبة،فلا بد من النظر إلی سببه و لا یکون هو الأساسی.
و لا یوجد شخص یتصرف تصرفا معقولا یشتری ما لا یحتاجه أصلا.
إلا إذا کان سفیها تماما.
و أما الندرة النسبیة فلو عزلنا الحاجة و الرغبة عنها،لم یکن لها أی أثر فی القیمة أو فی زیادتها أو نقصا،لأن معناه:أن ما لا یحتاجه الناس إطلاقا هل له قیمة أولا.و من الواضح الجواب بالنفی،سواء کان ذلک نادرا أو متوفرا.
الوجه الرابع:من أسباب القیمة:الحاجة.
فکلما ازدادت الحاجة إلی الشیء ازدادت قیمته،و کلما قلت الحاجة قلت القیمة.
و هذا لا یفرق فیه بین حاجة المجتمع و حاجة الفرد.فکما أن الحاجة لدی الناس الکثیرین ترفع من قیمة الشیء.کذلک الحاجة لدی الفرد.بمعنی أن یکون لدیه استعداد نفسی لبذل المال أکثر اتجاه ما یحتاجه.
و فی الوقاع أن هذا سار أیضا فی الحاجة لدی الکثیرین.لأن الکثیرین یکونون علی استعداد لبذل المال الأکثر،مما یسبب زیادة القیمة.
و من الطریف أننا نلاحظ هنا:أن المقصود من الحاجة،هو الحاجة إلی الحصول علی الشیء،و أما الثمن فتکون الحاجة متوجهة إلی زیادة بذله.
و من هنا نجد أنه بینما تزداد قیمة العروض تقل قیمة النقد.أو قل تختلف القیمة النسبیة بین النقد و العروض أو بین العروضین فی بیع المقایضة.
و الحاجة تکون سببا للطلب،و زیادتها تکون سببا لزیادته و نقصها سبب لنقصه.و هذا هو الذی یفضلها علیه کسبب للتأثیر فی المالیة.
و أما نسبتها إلی الندرة النسبیة و غیرها مما سبق،فهو نفسه الحدیث عن الطلب،لأن الطلب یزداد عادة کلما زادت الحاجة.
إلا أن هذا السبب مع ذلک،لا یخلو من مناقشة:
أولا:أن هذا الوجه یفترض فیه ما هو المعتاد من زیادة الطلب مع زیادة الحاجة.إلا أن هذا لیس دائمیا إذ کثیرا ما یطوی الفرد حاجته فی داخله و یسکت و لا یبحث عن السلعة أصلا،أو یبحث عنها قلیلا و بشکل متناقل لا یمثل مقدار حاجته.
و ذلک لأسباب عدیدة،کعدم التعرف علی طرقات البلد.أو المانع الصحی أو القصور العقلی أو التقدم فی العمر.أو بعض درجات الزهد.إلی غیر ذلک.و فی مثل ذلک أعنی حین یطوی الفرد حاجته فی داخل نفسه و یتحمل صعوبتها.لا یکون لها عندئذ أی مردود اقتصادی بالمرة.
و إذا کان أی سبب من هذه الأسباب المشار إلیها،قلیلا،فإن مجموعها لیس بالقلیل.
غیر أن هذا لا ینافی أننا حین نتحدث عن الطبیعة العامة للبشر نجد أن الطلب یزداد بزیادة الحاجة بلا إشکال.و معه لا تکون هذه المناقشة قویة ضد هذا السبب.
ثانیا:ان الإنسان کثیرا ما یطلب أشیاء لیست فی حاجته.لا بمعنی أن الحاجة منعدمة بالمرة.بل بمعنی ضآلتها و تفاهتها عقلائیا و اجتماعیا،إلی حد قد تثیر الدهشة أو السخریة.و أستطیع القول أن أمثال ذلک فی عصورنا الحاضرة بین الناس کثیر جدا.
و معه فمن المستطاع القول بعد إخراج أمثال هذه الحاجات عن کونها حاجات واقعیة،کما هو الواقع.فمعنی ذلک أن الطلب قد یکون بدون حاجة.و مثل هذا الطلب یؤثر فی زیادة القیمة بدون أن یکون وراءه شیء من الحاجة.و سیأتی فی الوجه الآتی زیادة إیضاح عن ذلک.
الوجه الخامس:من أسباب القیمة(الرغبة).
فکلما ازدادت الرغبة ازدادت القیمة و بالعکس.و یأتی فیها ما قلناه فی
(الحاجة)من الحاجة الاجتماعیة و الحاجة الفردیة.فإن الرغبة کذلک.
و کذلک ما قلناه من أن الحاجة إلی الحصول علی العروض هی حاجة للتنازل عن المال.و کذلک الرغبة.
إلا أن الرغبة تحتوی علی نقطة قوة عن الحاجة بالنسبة إلی الطلب.
فإنها واقعة وسطا بین الحاجة و الطلب.بمعنی أن علتها الحاجة و معلولها الطلب.
فإذا نسبناها إلی الحاجة،وجدنا أن کل رغبة ناشئة من حاجة بالدقة، إلا أنه لیس ضروریا أن تکون کل حاجة منتجة للرغبة کما سبق.
فإذا زدنا علی ذلک ما قلناه من کون بعض الحاجات باعثة علی السخریة،فتکون ملحقة بالعدم عقلائیا.استطعنا القول عندئذ:إنه لیس کل رغبة مع حاجة و لیست کل حاجة مع رغبة.و لکن المهم سوقیا،هو وجود الرغبة لأنها سبب الطلب دون الحاجة التی لا ترافقها رغبة.
و أما إذا نسبنا الرغبة إلی الطلب،وجدناهما متساویان أو متوازیان دائما أو عادة،فکل رغبة تنتج طلبا،لأن الرغبة إنما هی فی الحصول علی الشیء و من ثم الرغبة فی الطلب نفسه.فإذا لم یطلب الفرد فمعناه أنه قد أعرض عن رغبته.
فکل رغبة تنتج طلبا،و کذلک کل طلب،فهو ناتج عن رغبة.و فی ذلک نقطة القوة فی هذا الوجه و هو الرغبة عن الوجه السابق و هو الحاجة.
و قد یخطر فی الذهن:أنه بعد أن عرفنا أن الرغبة و الطلب متساوقان، فلما ذا نتحدث عن الرغبة لا عن الطلب.و قد اعتبر المشهور بین الاقتصادیین أن السبب للقیمة هو الطلب.
و جوابه:ینحصر فی أن الرغبة هی الأسبق و الطلب هو المتأخر فی الرتبة،بمعنی أنها سبب له،و الحدیث عن السبب حدیث عن المسبب.
علی أنهما مهما کانا متساویین،فإن الرغبة تعبر عن جانب نفسی
و الطلب یعبر عن جانب خارجی أو عن تصرف واقعی.و عن المعلوم أن الجانب النفسی مضافا إلی کونه هو المنشأ للفعل الخارجی،فإنه هو الذی یجعل الفرد علی استعداد أن یبذل المال الأکثر فی الحصول علی المرغوب.
فکلما ازدادت الرغبة ازداد هذا الاستعداد.و کلما قلت قل الاستعداد.و هذا المعنی لو لاحظناه بشکل اجتماعی عام هو الذی یکون مؤثرا حقیقیا فی القیمة.
غیر أن الجهة النفسیة،وحدها لا معنی لتأثیرها،إلا بالمقدار الذی تعبر به عن نفسها فی الفعل الخارجی و هو الطلب و قلنا إن الطلب متساوق مع الرغبة،بمعنی أن هذه الجهة النفسیة ملازمة عادة مع الطلب.
نعم،تبقی فکرة نسبتها إلی الندرة النسبیة.و حیث أنها مساوقة مع الطلب،فیکون الحدیث عنه،کما سبق حدیثا عنها بعینه.
و ما ذکرناه من الأشکال هناک یمکن أن یناقش بوجهین:
الوجه الأول:أن المهم أن نلحظ الرغبة المساوقة للطلب،کسبب للقیمة،بغض النظر عن الندرة النسبیة.
الوجه الثانی:أننا ینبغی أن لا نلحظ الرغبة و الندرة کسببین مستقلین، بل السبب هو المحصلة فی النسبة بینهما.
فلو زاد العرض و الرغبة معا،بقیت النسبة محفوظة،فلم یحصل السبب لنقص القیمة.و إذا قل العرض و الرغبة بقیت النسبة هی هی،و لم یحصل السبب لزیادة القیمة.
و إنما السبب فی اختلاف القیمة هی الاختلاف فی هذه النسبة.و ذلک یحدث حین یبقی أحدهما ثابتا و الآخر متغیرا.أو أن یتحرک أحدهما بأسرع مما یتحرک الآخر،فیکون سببا فی تغیر النسبة،فیکون سببا فی اختلاف القیمة.و إذا کان مراد من یقول بأن السبب فی اختلاف القیمة هو الرغبة و الندرة أو الطلب و الندرة معا هو ذلک،فهو لا یعدو الصواب.
غیر أننا توصلنا إلی أن للجانب النفسی تأثیرا عمیقا فی تغیر القیمة أو المالیة.و هذا الجانب النفسی مما یؤثر علیه العلم ببعض الأمور لا محالة علی ما سوف نوضح:
فإنه فی حدود ما ذکرناه،فإن الجانب النفسی للمشتری مع زیادة الرغبة هو أن یبذل مقدارا أقل من المال و یقبض مقدارا أکثر من البضاعة.و الجانب النفسی للبائع عند ما یلاحظ رغبة المشتری هو أن یستغل هذه الرغبة فلا یعطی له المتاع إلا ببذل مقدار أکبر من المال.
و هذا هو السوق الاعتیادیة الموجودة فی الأغلب.إلا أن لهذه الحالة استثناءات واضحة:
منها:ما إذا کان البائع راغبا بالبیع أکثر من رغبة المشتری بالشراء،فإن الأمر یکون بالعکس مع علم المشتری بهذه الرغبة لدی البائع،الأمر الذی یدعو البائع لبیع عروضه بأقل مقدار من الثمن.
و منها:صورة الجهل بقوة الرغبة عند الآخر.فیأخذ الأمر اعتیادیا،و لا یخطر فی باله زیادة القیمة.
و هذا الجانب النفسی هو الباعث علی ما قیل:من أن من مصلحة البائع هو أن یبیع أقل مقدار ممکن بأکبر ثمن ممکن و من مصلحة المشتری هو أخذ أکثر مقدار ممکن بأقل ثمن ممکن.
و هذا الجانب هو الذی یبعث الناس علی الاحتیال فی المعاملات بمختلف الأسالیب.فإنه من جنس الشهوات النفسیة.و الشهوة لا عقل لها، بل ترید الإعراب عن نفسها بکل صورة.فقد تبرز فی صورة الغش أو فی صورة الغبن أو الربا أو التدلیس أو غیرها من صور الاسترباح غیر النظیف.
فلو لم یکن هذا الجانب موجودا أو کان خفیف التأثیر کان الأمر أهون بکثیر.نذکر منه جانبین:
الجانب الأول:أن البائع إذا کان مشفقا علی المشتری،بحیث لا یرید
أن یستغلّ رغبته فی زیادة الثمن بکل حال.کما لو کان صدیقه أو أخوه فی الدین أو نحو ذلک.فإن الموقف و إن اقتضی الزیادة فی الثمن سوقیا،إلا أن الجانب النفسی لا یساعد علی ذلک،فیبقی الثمن محفوظا علی مستواه.
الجانب الآخر:أدرک الإنسان أنه لو استغل کل جهوده فی استغلال الإنسان الآخر.لأصبح هو المتحمل للضرر أیضا،لأنه قد یستغلهم الآخرون کما یستغلهم.و من هنا کان اللازم تنازل کل طرف عن بعض مصلحته و تطرّف شهواته،للالتقاء فی منتصف الطریق،بحیث لا یکون أیا منهما قد ألقی إجحافا کبیرا علی الشخص الآخر.و من هنا جاء التعامل و التراضی علی المعاملة قال تعالی لا تَأْکُلُوا أَمْوالَکُمْ بَیْنَکُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ .
و أما إذا أدرک الإنسان أنه إذا استغل الآخرین،فإنه سیکون فی مأمن من استغلالهم له و إیذائهم إیاه.فإنه من الناحیة النفسیة سوف یزداد سوءا فی الاستغلال.ما لم یکن متصفا بنفس طاهرة و قلب نظیف.
و هذا هو الشأن الذی سار علیه الاستعمار،بل کل أشکال الاستغلال الرأسمالی.و هو النقطة الرئیسیة للضعف فی هذه الفلسفة الاقتصادیة.
ملحوظة:أننا بعد أن عرفنا السبب فی زیادة القیمة و قلتها سوقیا،و هو النسبة بین الندرة النسبیة و الرغبة النفسیة المنتجة للطلب.
ینبغی أن نعرف السبب فی أصل حصول المالیة أساسا،بغض النظر عن ارتفاعها و انخفاضها.
و نحن إن غضضنا النظر عن هذا الارتفاع و الانخفاض،فمعناه أننا غضضنا النظر عن الندرة النسبیة،و قصرناه علی الرغبة المنتجة للطلب.و هی فی الواقع السبب لحصول أصل المالیة،کما کانت هی السبب فی تحرکها زیادة و نقیصة.
فالرغبة الناتجة عن الحاجة أو عن غیرها بخامات الطبیعة،هی التی
تجعلها ذات أهمیة فی نظر البشر،و من ثم ذات قیمة.و لیست تافهة کما قالت المارکسیة،کما أن العمل لیس له دخل فی إیجاد المالیة،و إنما له دخل فی إمکان الاستفادة من المال،إذ مع وجوده فی موطنه الطبیعی قد یتعذر غالبا الاستفادة منه.و لیس ذلک دائمیا أیضا کما سنشیر.
و هذه الرغبة،هی التی تنتج الطلب،و الطلب هنا هو العمل علی حیازة هذه الخامات و نقلها من مواطنها الطبیعیة.فإن الطلب هو البحث عن المواد، فإن کانت المواد فی السوق طلبناها من السوق و إن کانت فی الطبیعة طلبناها من الطبیعة.
و کما قلنا هناک،فإن الرغبة هی السبب و الطلب هو المسبب،و لا یوجد الطلب بدون رغبة،و النظر إلی السبب أولی.و إن کان کلاهما متساوقان عادة.
و فی الموارد التی یمکن أو یراد فیها استغلال الطبیعة بدون حیازة أو قطع أو فصل.کما فی التنزه فی الصحاری أو الغابات أو الأنهار أو التدفؤ بالطاقة الشمسیة أو أکل الثمرة و هی علی شجرتها.فإن الطلب یعنی قصد هذه الأماکن للاستفادة منها.
و قد یخطر فی البال:أنها مجانیة و لیس لها قیمة.إذن،فالمهم هو العمل البشری علی الحیازة لتتخذ قیمتها.
و جوابه:أنها و إن کانت مجانیة عملیا،إلا أنها ذات قیمة.فلو أدفأنا شخصا بمقدار دفء الشمس لاستحق علینا المال طبعا.و هذا معناه تحقق المالیة فی أصل الطبیعة.نعم،لا یمکن أن یستفاد منها فی غیر مواطنها الطبیعیة و لا یمکن تسویقها إلا بالعمل.و هذا شیء آخر غیر معنی الحصول علی المالیة.
فهذا هو الکلام فی الجهة الأولی من هذا الفصل.فی تبریر حصول المالیة للأشیاء و انخفاضها و ارتفاعها.
فإننا عرفنا فی أول هذا الفصل أن المالیة معنی مفهومی أو کلی قد ینطبق علی ما فی الخارج،و قد ینطبق علی ما فی الذمة فإذا بقی هذا المعنی علی کلیته،لا یمکن الاستفادة منه سوقیا.
إذن،فلا بد من إیجاد شیء یکون هو الممثل الرئیسی للمالیة،لکی یکون هو المحک و المعیار فی مالیة سائر الأشیاء.
و قد اتفق العقلاء فی العالم کله،علی حصر هذا المعنی و تعینه فی الذهب.و لا یهمنا البحث عن السبب فی هذا التعیین لأنه لا دخل له اقتصادیا علی الإطلاق.و إن کان المظنون أن أهمیته الجمالیة فی نظرهم و ندرته السببیة فی أسواقهم و عدم قابلیته للصدأ علی ما قیل،هی التی حدت بهم إلی هذا التعیین.مع الإعراض عن أمور نادرة جدا إلی حد قد یصعب قیاس الأشیاء بها کبعض الأحجار الکریمة.
و لیست الفضة محکا للمالیة،و إن صاغوها علی شکل عملة تاریخیا و خلال قرون طویلة.بل بقیت علی أی حال منوطة بالذهب فی تقییمها کسائر الأشیاء.
و الذهب هو المحک بصفته ذهبا بعد تصفیته علی شکل سبائک،سواء حصل علی شکل نقود أم لا.و لا نعلم ما إذا کانت قیمة النقود الذهبیة أغلی من قیمة وزنها ذهبا،بمقدار یزید علی أجور عملها کنقد.بل المظنون عدم کونها کذلک.
هذا مضافا إلی أننا یجب أن نلاحظ أن الذهب الذی کان منظورا لأفراد المجتمع و متداولا بینهم هو النقد و الحلی،و لم یکن للسبائک وجود منظور بشکل عام.و حیث کانت النقود هی الممثل الأصلی للمالیة،إذن،فالمحک عندهم هو الدنانیر الذهبیة،لا الذهب بذاته.و إن کان هذا لا یخلو من تسامح من قبلهم علی أی حال.
و الصحیح هو اعتبار الذهب بذاته،و الدنانیر إنما یکتسب قیمتها بصفتها مصداقا له.و إذا انعدم تداول الدنانیر الذهبیة،کان الذهب هو المحک أیضا.و لیس للدنانیر دخل فی ذلک أصلا.و هو هو الشعور العقلائی العام فی المجتمع الأوسع من تلک التی تستعمل الدنانیر الذهبیة،بحیث تشملها و غیرها.و یکون لها الحکم الأصلی و الرأی الأساسی.بل إنهم لم یختاروا الذهب کمادة لصنع الدنانیر إلا من أجل ذلک.
و مالیة الذهب،کما هو فی مالیة النقد لدینا،یعنی النظر إلیه و إلیها کمال خالص أو تجریدی،لیمثل مفهوم المالیة الکلی تمثیلا تاما.و معنی ذلک غض النظر،فی هذه المرحلة،عن خصوصیته و أوصافه من حجمه و لونه و نحوها.
و یتضح ذلک فی النقود المتداولة حالیا،فإننا نتداولها،بصفتها مالا تجریدیا،لا بصفتها الخاصة،من معدنها و کتاباتها و حجمها.بدلیل علی أنها لو کانت بحجم آخر أو أی صفة أخری لکانت تمثل نفس المقدار من المالیة،علی الفرض.
و قد تفتق الذهن البشری أولا عن صناعة النقد من الذهب نفسه لیکون هو المحک المباشر لقیمة الأشیاء.
إلا أنه بالتدریج ثبت وجود بعض نقاط الضعف فیها:
أولا:ثقل وزنه بصفته معدنا و خاصة إذا تزاید العدد.
ثانیا:صعوبة عده مع الحاجة إلی الکثرة.
ثالثا:عدم إمکان إصدار نقود ضخمة تمثل قیمة عالیة.لأنها سوف تکون سمجة جدا بالذوق العام کما هو واضح.
رابعا:إن أغلب أشکال الدنانیر الذهبیة التی کانت متداولة مغشوشة و مخلوطة بغیرها من المعادن،بشکل قد یکون مضبوطا و قد لا یکون.و نحن بالتالی لا نکون قد تداولنا الذهب بذاته أو بکامله ثمنا للأشیاء.
و صناعة الدنانیر الخالصة لم یکن ممکنا عملیا،لصعوبة السیطرة علی
الصانعین،یومئذ،مضافا إلی أن الذهب بنفسه مادة قلیلة الصلابة بالنسبة إلی غیره من المعادن،فقد یکون ذلک سببا لاعوجاج النقود أو انمحاء کتاباتها، الأمر الذی یسقطها عن التداول،مما احتاج إلی إضافة معادن أخری و خلطها معها.
فلهذه الأسباب و نحوها تفتق الذهن البشری عن صناعة نقود من مواد أخف ثقلا کالورق و القصدیر،و نحوه.لیمکن بها تلافی جمیع نقاط الضعف السابقة.بما فیها إمکان إصدار عملات ذات قیمة عالیة،و إن کانت خفیفة و صغیرة نسبیا فی حجمها الظاهری.
إلا أن هذا الأسلوب اصطدم بإشکال جدیدة و هو أن هذه المواد،إنما ترجع مالیتها إلی الذهب،کسائر الأشیاء،فهل یحدد قیمتها بقیمة مادتها أو بشکل آخر.و کیف تختلف قیمتها عن قیمة مادتها؟و هذا ما حصل!.
فقد سکّت الحکومات النقود الورقیة و المعدنیة،و اختلفت قیمتها عن أ قیام موادها،و هی دائما أکثر منها،و لا یمکن أن تکون أقل بأی حال.
و أما الوجه التحلیلی أو الفنی فی هذه الخطوة،فهو أن الحکومات عند إصدار هذه العملات تتعهد بإبدالها ذهبا إذا أراد أی فرد مالک لها الإبدال.
و بهذا اکتسب النقود قیمة مالیة تملک فکرة مالیة الذهب تماما.
و لکن عدد من الحکومات وجدت أن هذا الاستمرار بهذا التعهد یعنی سحب کثیر من الذهب من المصارف الأمر الذی یضر باقتصادیاتها العامة.
فأصدرت القوانین المانعة من هذا التبدیل.
و من هنا بقیت قیمتها نفسها،و لکنها ممنوعة من التبدیل بالذهب.
و بالرغم من وجود بعض الإشکالات علی هذا الأسلوب،إلا أنه أصبح واقعا فی کل دول العالم،لا بد من التسلیم بوجوده.
فمن هذه الإشکالات:
أولا:أن هذا التعهد لا یعنی إعطاء قیمة حقیقیة للمادة،بعد أن کانت
قیمتها(الجعلیة)أکثر من قیمتها الواقعیة،التی هی قیمة مادتها.فلو لم یکن للفرد(غطاء)من ممتلکاته ما یساوی نقوده،و بالتالی ما یساوی الذهب الذی ینبغی أن یقبضه من المصرف،لم یکن بإزاء النقد أی مقابل.
ثانیا:السؤال عن المقدار الذی یقوم التعهد بإعطائه من الذهب.فإنه لیس مقدارا محددا و إنما هو تابع لقیمة الذهب بالأسواق العالمیة،و هذا یعنی أن قیمة العملة مجهولة عملیا و غیر محددة فی الواقع.
ثالثا:أن هذا الأسلوب یعنی من ناحیة:تحدید سعر الدینار بالذهب، لأنه إنما اکتسب المالیة به.و لکنه من ناحیة أخری:فإن سعر الذهب محدد بسعر الدینار.و إذا اعتمد أحدهما علی الآخر،کان معناه عدم التحدید کما قلنا فی الإیراد السابق،و لکن بشکل أکثر وضوحا.
و السر فیه:هو حصول ما یشبه الدور فی المنطق و الدور مستحیل.فلو فسرنا العین بحاسة البصر و فسرنا حاسة البصر بالعین،لم نرجع إلی محصل عند من یجهلها تماما.
و بالنسبة إلی الدینار،لو لم یکن معتمدا علی قیمته فی الأسواق العالمیة و منسوبا إلیها،لکان اعتماد أحد القیمتین:للذهب و الدینار علی بعضهما منتجا:أننا لا نرجع إلی نتیجة و تحدید لأی منهما.
رابعا:أنه بعد إلغاء هذا التعهد بالتبدیل،ماذا یبقی من القیمة الجعلیة أو الاعتباریة للنقود؟سوف لن یکون لها أی أثر حقیقی سوی حفظ الظاهر فی السوق یعنی القدرة علی تقییم نسبة بعض البضائع إلی بعض.
خذ إلیک مثلا:لو أصدرت إحدی الحکومات أو المصارف النقد ذهبیا و لکن بأکثر من قیمة مادته مرتین مثلا.فما ذا الذی یبرر أن ندفع بإزائه کیلوین من الحنطة بعد أن کانت مادته لا تساعد إلا علی کیلو واحد مثلا.أنه سوف یکون بلا مقابل تماما.
و من المعلوم أن القیمة الاعتیادیة للدینار أضعاف قیمة مادته بألف مرة أو أکثر.فما الذی سوف یقابل هذا الفرق.
و بالرغم من هذه الإشکالات،فمن الناحیة التطبیقیة استطاعت النقود أن تحفظ أسعار المواد و تسهل التبادل فی السوق و تمنع الإجحاف الموجود فی المقایضة،تماما کما کان الدینار الذهبی یفعله.و المجتمع لا یرید أکثر من ذلک و لتذهب هذه الإشکالات إلی الجحیم!! هذا مضافا إلی إشکال آخر،منطلق من ناحیة فقهیة،یتضمن المناقشة فی حجیة التداول بهذه النقود:
و ذلک أن الأصل فی المالیة هو الموجودات الطبیعیة،بما فیها الذهب.
و هذا یکون بالمقایضة بین المعروض منها بما فیها الذهب أیضا الذی هو الأساس فی مالیاتها.
و معه فالانتقال إلی أسلوب استعمال النقد یحتاج إلی حجیته الفقهیة إلی أحد أمرین:
الأمر الأول:أن یکون النقد بنفس قیمة مادته،کما هو الحال فی الدینار الذهبی.و هذا یرجع بفکرته المنطقیة إلی المقایضة بالذهب لا أکثر و لا أقل.
الأمر الثانی:أنه إن لم یتوفر الأمر الأول،و کان النقد أعلی قیمة من مادته،فتداوله یشکل سیرة عقلائیة،و هذه السیرة تحتاج إلی إقرارها من قبل المعصومین لتکون حجة.و هذا متوقف علی ارتقاء هذه السیرة إلی عصر المعصومین علیهم السلام،لتکون تحت نظرهم و إقرارهم.و أما إذا کانت سیرة متأخرة فلا تکون حجة.کسائر أشکال السیرة،کما هو مبرهن علیه فی علم الأصول.
و نحن وجدنا أنا لا نعلم بوجود هذه السیرة فی عصر المعصومین لنعلم بإقرارها.لأننا لا نعلم ما إذا کانت النقود فی عصرهم ذات قیمة أکثر من
مادتها أو بمقدارها.و إذا لم تتم السیرة علیه لم یکن المتداول بها حجة.
و لا یمکن أن یکون ذلک مشمولا للعمومات،لفرض أن القیمة الجعلیة أکثر من الحقیقة بکثیر.فتکون إجحافا و أکلا للمال بالباطل بدلا أن تکون تجارة عن تراض.فتأمل.
و تجرید السیرة التی کانت متحققة یومئذ عن الخصوصیة،لتشمل کل أشکال النقد،حتی ما کانت قیمته أکثر من مادته،غیر ممکن.لأن السیرة دلیل لبی یقتصر فیه علی القدر المتیقن.
غیر أننا یمکن أن نرجع إلی عمومات أوسع مما أشرنا إلیه،مثل قوله:
ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.أو قوله:دعوا الناس علی غفلاتهم.أو قوله:
کلموا الناس علی قدر عقولهم.الشامل للأفعال أیضا و التعامل بنحو من أنحاء التوسع و التجرید.و تمام الکلام فی الفقه.
الصرف هو بیع الأثمان بالأثمان،و یراد بها الذهب و الفضة.و فیه شرطان أساسیان:
أحدهما:تساوی الکمیتین إذا کان ذهبا بذهب أو فضة بفضة.خروجا عن حصول الربا البیعی فیها عند التفاضل.
ثانیها:التقابض فی المجلس.بمعنی أن یحضر کل من المتعاملین ما لدیه و یدفعه فورا قبل التفرق.
فهل یشمل هذان الحکمان نقودنا المتداولة،مما تحدثنا عنه من ذوی القیمة الجعلیة فی أی دولة من الدول أم لا.
قسم بعض أساتذتنا (1)
البنک اللاربوی فی الإسلام:ص 147. [1]
ذلک إلی عدة أقسام:1) 1)
القسم الأول:سماه بالأوراق النائبة عن الذهب.و هی التی تمثل جزءا من رصید ذهبی موجود فعلا فی خزائن الجهة التی تصدر تلک الأوراق النائبة.
القسم الثانی:النقود الورقیة التی تمثل تعهدا من الجهة المصدّرة لتلک الأوراق بصرف قیمتها ذهبا عند الطلب.
القسم الثالث:نفس القسم السابق مع تفسیره بمعنی اشتغال ذمة تلک الجهة بقیمة الورقة من الذهب.
القسم الرابع:نفس القسم الثانی بعد إسقاط التعهد و المنع من التبدیل بالذهب.
أما القسم الأول (1)
المصدر ص 149. [1]
:فقد شرط فیه التساوی فی الکمیة کالذهب نفسه.دون الحکم الآخر و هو التقابض لأن هذا الحکم فی رأیه خاص ببیع الذهب بالفضة،علی حین تمثل الأوراق بیع الذهب بالذهب،فلا یکون مشمولا لهذا الحکم.
و أما القسم الثانی بمقدار ما عرفناه،فهو غیر مشمول لحکم الذهب علی الإطلاق.
و لکن القسم الثالث مشمول للحکم الأول کالقسم الأول.دون الحکم الثانی و هو التقابض أیضا.و استنتج من ذلک قائلا (2):و هذا لا یعنی أنه لا یجوز مواکبة أسعار الصرف لهذه الأوراق التی تتغیر صعودا أو هبوطا نتیجة لعوامل عدیدة.
و أما القسم الرابع (3):فقد قال عنه:فإن کان الإعفاء یعنی إلغاء الدیون
التی کانت الأوراق النقدیة سندات علیها.و تحویلها إلی أوراق نقدیة إلزامیة.
فهذا یؤدی إلی خروج التعامل بها عن نطاق الذهب.
و أما إذا کان قانون الإعفاء یعنی السماح للجهة المصدّرة بعدم وفاء الدین الذی تمثل الورقة النقدیة فی نطاق التعامل الداخلی.مع الاعتراف قانونیا ببقاء الدیون التی تمثلها تلک الأوراق.فلا تخرج بذلک عن حکمها قبل الإعفاء.أقول:و هذا یعنی شمولها لحکم القسم الثالث.
هذا و لم یعین قدس سره أحد هذه المحتملات کرأی یتبناه و یختاره.
بل اقتصر علی تعدادها و تعداد نتائجها.
و السبب الرئیسی فقهیا الذی دفعه إلی شمول حکم الذهب فی بعض الأحیان للنقود الاعتیادیة،هو کون النقود علی بعض المحتملات تشکل سندا لما فی ذمة الجهة المصدرة من الذهب.فالتبادل فی الحقیقة و إن کان بالنقود ظاهرا،إلا أنه بذلک الذهب الموجود فی الذمة واقعا.و من هنا کان مشمولا لحکم الذهب.
و لنا علی ذلک عدة تعلیقات:
أولا:أن هذا تابع لوجود الذمة للجهة المصدرة،و هذا تابع لما سوف یأتی فی الفصل الآتی من تحقیق:ما هی الشخصیة المعنویة التی تکون حجة شرعیا و فقهیا.و سنری هناک:أن أکثر الجهات المعاصرة،بما فیها المصارف لیس جهات معنویة،فلا یکون لها ذمة.
ثانیا:أن الجهة المصدرة إن کان هو المصرف،فهذا الکلام منه قد یکون وجیها.و لکنه خلاف المفروض،فإن الدولة و لیس المصرف هی المصدر للعملة دائما.حتی و إن کانت باسم المصرف نفسه.
و الغطاء الموجود لدی المصرف هو الذهب،و أما الغطاء الموجود لدی الدولة فهو الذهب و غیره،بل الأکثر هو غیر الذهب کالمعادن و الحیوان و النبات و کل ما تستطیع الدولة استغلاله فی إیفاء دیونها و إزجاء حاجاتها.
إذن،لا یکون التبادل بین النقود تبادلا بین الذهب و لا الفضة.
ثالثا:أن المفهوم عرفا من هذا التعهد،لدی وجوده،هو الوعد بإیجاد معاملة جدیدة لشراء الذهب من قبل مالک الدینار.یعنی تمکینه من ذلک و عدم حجب الذهب عنه لو أراده.
و لیس معناه کون النقود غطاء لما فی ذمة الجهة المصدّرة للنقود،فإن هذا لا یخطر فی البال عرفا و سوقیا.و معه لا یکون التعامل بالنقود تعاملا بالذهب علی الإطلاق،مع وجود التعهد فضلا عن صورة إلغائه.
رابعا:أننا لو تنزلنا جدلا عن الإشکالات السابقة،فیکون معنی التبادل فی النقود تبادل بین کمیتین من الذهب المضمون فی الذمة،و لیس بین کمیتین فعلیتین من الذهب.
فهل الذهب الذمی مشمول لحکم الذهب الحقیقی فی الحکم.مع وضوح اختصاص الأدلة بخصوص الذهب الخارجی.و لا أقل عدم شمول حکم التقابض فی المجلس لو قلنا به.
و علی أی حال،فالناتج من البحث فی هذه الجهة:أن التبادل بین العملات غیر الذهبیة و لا الفضیة فی أیة دولة،غیر مشمول بحکم الذهب بکلا حکمیة.
یمثل کل فرد قابل للتعامل معه اقتصادیا و اجتماعیا(شخصیة)محددة.
فالبائع شخصیة و المشتری شخصیة و المستأجر شخصیة و هکذا.بصفتهم أشخاصا قابلین لأن یکونوا طرفا فی المعاملة.و القاصر کالطفل و المجنون لیس له شخصیة.لأنه غیر قابل لأن یکون طرفا فی أی معاملة.
و هذا أمر مفهوم و متفق علیه فقهیا و قانونیا،غیر أن القانونیین یقسمون الشخصیة إلی قسمین رئیسین:هما الشخصیة الحقیقیة و الشخصیة المعنویة.
و یعنون الشخصیة الحقیقیة الفرد الاعتیادی من الإنسان حین یصبح له أیة علاقة بأی معاملة.و یعنون بالشخصیة المعنویة ما لا یکون من قبیل الفرد الإنسانی کالمؤسسات و الوزارات و المصارف و الشرکات و الجمعیات و غیر ذلک کثیر.
و الخصیصة الرئیسیة للشخصیة المعنویة هو عدم قیامها بشخص معین، لأن المشرفین علیها فی تبدل مستمر بین آونة و أخری،و إنما هی کیان عرفی و اجتماعی مستقل عن الأفراد.و بهذا الکیان یمکن أن تکون طرفا للمعاملات.و من هنا سمیت بالشخصیة المعنویة.و یکون تدبیرها الفعلی بید المشرفین علیها.
و هم بذلک لا یقومون بالمعاملة عن أنفسهم بل عن المؤسسة نفسها، و لا یشعرون بأن ملکیة المؤسسة ملکیّة لهم.و إن کانت فی مصلحتهم بحسب النتیجة.
و الشخصیة الحقیقة لا إشکال فی صحتها فی الشرع الإسلام،فإن الفرد یقع طرفا للمعاملات و یتحمل فی ذمته الدیون و فی عهدته المسؤولیات، و تحصل علیه التوقعات و غیر ذلک.فهل الشخصیة المعنویة هکذا.و متی یصح أن تتکون فی نظر الفقه الإسلامی.
و یمکن تقسیم الشخصیة المعنویة إلی قسمین:
القسم الأول:الشخصیة المعنویة التی ترجع إلی الشخصیة الحقیقیة.
کالشرکة المالیة التی یساهم فیها عدد من الأشخاص الحقیقیین اثنین فأکثر.
فهنا بالرغم من أن الشرکة لها عنوان معنوی مستقل،إلا أنها ترجع فی الحقیقة إلی الشخصیات الحقیقیة الموجودین ورائها لو صح التعبیر،و الدین القائم مع الشرکة إنما هو دین معهم.
و کذلک الفرد الواحد،إذا أسس مؤسسة تجاریة،أو معملا أو مصرفا أو نحو ذلک.و أصبحت لها عناوین تجاریة و شخصیة معنویة إلا أن(غطائها)لو صح التعبیر،هو الشخصیة الحقیقیة الواقف ورائها،مالک رأس المال.
القسم الثانی:الشخصیة المعنویة التی لا ترجع إلی شخصیة حقیقیة، و لذلک أمثلة عدیدة.
منها:المصرف الذی لا یکون رأس ماله مملوکا للمشرفین علیه.و إنما هم مجرد موظفین یتقاضون الراتب،و غیر مربوطین بملکیة المصرف علی الإطلاق.و قد لا یکون لرأس المال مالک أصلا،کما لو کان من الأموال العامة،کما فی المصارف الحکومیة.
و منها:الجمعیات و الوزارات و المؤسسات التی لا یشعر أفرادها بملکیة رأس مالها،بما فیها المدیر و الوزیر و غیره.و إنما هم مجرد منفذین للأعمال.
و یشعرون ببقاء المؤسسة أو الوزارة حتی مع تغییر الأشخاص کلهم.و هو معنی وجود الشخصیة المعنویة بدون الشخصیة الحقیقیة الفعلیة.
فإن کانت الشخصیة المعنویة من القسم الأول،فلا إشکال فی صحتها
فی الشرع الإسلامی،ما دام الفرد أو الأفراد المشرفین علیها أو المالکین لرأس المال لم یخالفوا سائر الأحکام الشرعیة.فإن التعامل فی الحقیقة معهم،و لیس للشخصیة المعنویة إلا دخل إعلامی لمجرد الدعایة،أو هی الوجه المستعار للحقیقة التی تحتها.و المهم هو وجود تلک الحقیقة،و هم الأفراد الحقیقیون.
و أما إن کانت الشخصیة المعنویة من القسم الثانی.فقد یقع السؤال أنه من هو الذی یکون طرفا للمعاملات أیا کانت صفتها.و من هو صاحب الذمة:
الدائن و المدین و غیر ذلک.
لیس هو الأفراد طبعا،لأنهم مجرد موظفین أو منفذین،و لا یشعرون بملکیة أموال المؤسسة أیا کانت،و لا أنها قائمة بهم،بمعنی صحة زوالها بزوالهم،بل إنهم قائمون بها راکنون إلیها.إذ لولا عنوانها الاجتماعی،لما کان لدیهم بدورهم عنوان اجتماعی.
و لیس هو المؤسسة أیضا،لأنها مهما کان لها وجود اجتماعی واضح و واسع،إلا أنها من الناحیة المنطقیة و العقلیة،ذات عنوان و همی،أو هی اسم بلا مسمی،إذا غضضنا النظر عن أفرادها العاملین،کما هو المفروض.
و کیانها طبعا من الناحیة القانونیة و الفقهیة،لیس قائما بالبنایة التی تشغلها و لا بالأثاث التی تستعمله و لا بالأفراد الذین یعملون فیها،و لا حتی المسؤول الأعلی فیها،أو المجلس المشرف علیها،لأنهم کلهم قابلون للتغییر فی أی وقت.نتیجة للتعیین الحکومی أو الانتخاب الداخلی أو غیر ذلک إذن فما ذا تکون هذه المؤسسة لو غضضنا النظر عن کل ذلک.
و ما یمکن أن یکون دلیلا فقهیا علی صحة ذلک عدة أمور:
الأمر الأول:لا شک أن السیرة العقلائیة و العرف،یستند علی الاعتراف بمثل هذه المؤسسات و التعامل معها کشخص معنوی قائم بذاته، بکل أشکال التعامل،و یعترفون بوجود الذمة لها و الاعتماد علیها من جمیع الجهات.
و السیرة العقلائیة حجة شرعیا و فقهیا،و هذا یکفی فی ثبوت الصحة و الحجیة لمثل هذه المؤسسات.
إلا أن السیرة إنما تکون حجة،کما هو معلوم فی علم الفقه و علم الأصول،فیما إذا کانت صاعدة إلی عصر المعصومین علیهم السلام و معاصرة معهم بحیث یکون سکوتهم عنها شکلا من الإقرار لها.و لا شک أن هذه السیرة التی نتحدث عنها،و إن کانت موجودة و صحیحة،إلا أنها غیر واصلة إلی ذلک العصر،بلا شک،فإنها إنما وجدت متأخرة فی العصور المتأخرة، فلا تکون حجة.
الأمر الثانی:أن هذه السیرة واصلة إلی عصر المعصومین علیهم السلام،إذا لا شک أن مؤسسات من هذا القبیل کانت موجودة،أو کان المجتمع ینظرها بشکل أوسع من أفرادها العاملین فیها.کالخلافة الأمویة و الخلافة العباسیة،و غیرها من أشکال الحکم الإسلامی الذی کان قائما یومئذ.
هذا مضافا إلی وجود الأحزاب الهادفة التی کانت تعتبر أهدافها أعلی من أشخاصها و کیانها أوسع من وجودها.مهما کان الأمر الذی تدافع عنه و تهدف إلیه.
و ما دامت السیرة موجودة فی ذلک العصر،فستکون حجة،لأنها تکون معترف بها من قبل المعصومین علیهم السلام.
إلا أن الجواب علی ذلک من عدة وجوه منها:
أولا:أن المؤسسات العامة لو صح التعبیر کانت یومئذ تختلف اختلافا جوهریا عما هو علیه الآن.و بالرغم من أن الکیان المعنوی ثابت لها إلا أن العمل عمل فردی أو شخصی علی کل المستویات.فمثلا:لم یکن یقترض الخلیفة علی أن یکون الدین بذمة الخلافة الأمویة أو العباسیة و إنما علی أن یکون الدین فی ذمته شخصیا و نحو ذلک.و کذلک الأحزاب و الجمعیات إن وجدت.
ثانیا:أن هناک شرطا فی الاعتراف بالسیرة لکی تکون حجة،و هو إمکان النهی عنها.فلو کان النهی عنها ممکنا و مع ذلک لم یصدر،کان ذلک دلیلا علی حجیتها.فی حین لو کان النهی متعذرا اجتماعیا،لبعض الأسباب کالتقیة،کان السکوت عن السیرة مسببا عن التقیة أو نحوها،و لم یکن مسببا عن الاعتراف بصحة السیرة نفسها.و فی مثله لا تکون أصالة الجهة تامة کما یعبرون فی علم الأصول.
و لا شک أن أصالة الجهة لم تکن تامة فی تلک الأشکال من السیرة، کما هو محرز تاریخیا،و لا حاجة إلی الدخول فی تفاصیله.
الأمر الثالث:أنه لا شک أن تعامل المعصومین علیهم السلام مع الخلافة المعاصرة لهم کان قائما فی الجملة.و هذا یکفی اعترافا به.و أصالة الجهة إنما اشترطناها فی السکوت عن النهی عن السیرة،أما لو سرت السیرة إلی إعمال المعصومین علیهم السلام و أقوالهم بأنفسهم،فلا شک فی حجیتها.
إلا أن هذا لیس بصحیح کدلیل لما نریده لعدة وجوه منها:
أولا:أن أصالة الجهة لا بد من إتمامها حتی فی هذه الجهة،و لا شک أنها غیر تامة.کما هو معلوم تاریخیا.علی تفصیل و تحقیق لیس هنا محله.
ثانیا:أن الوضع السابق فی الدولة و المجتمع الإسلامیین،کان مبتنیا علی ادعاء الخلافة و تطبیق الإسلام تطبیقا تاما.و هذا معناه،بغض النظر عن المناقشات السابقة:إمکان التجرید عن الخصوصیة فی هذه الحدود،و أما فی الزائد عنها،کما هو الحال فی عصورنا الحاضرة،فلا یکون مشمولا للسیرة.
لأنها من الأدلة اللبیة و لا تشمل إلا ما هو القدر المتیقن.
الأمر الرابع:لحجیة هذه المؤسسات:التمسک ببعض العمومات کقوله فی الخبر:المؤمنون عند شروطهم.و المفروض أن جماعة قد شرطوا و تعاهدوا علی تأسیس المؤسسة.و إذا کانت مؤسسة تجاریة شملها أو شمل معاملاتها مثل قوله تعالی أَحَلَّ اللّهُ الْبَیْعَ و قوله سبحانه إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ .و نحوها من العمومات التی لها إطلاق أزمانی و أفرادی کافی.
الأمر الرابع:لحجیة هذه المؤسسات:التمسک ببعض العمومات کقوله فی الخبر:المؤمنون عند شروطهم.و المفروض أن جماعة قد شرطوا و تعاهدوا علی تأسیس المؤسسة.و إذا کانت مؤسسة تجاریة شملها أو شمل معاملاتها مثل قوله تعالی أَحَلَّ اللّهُ الْبَیْعَ و قوله سبحانه إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ .و نحوها من العمومات التی لها إطلاق أزمانی و أفرادی کافی.
إلا أن هذا الوجه أیضا لا یخلو من مناقشة لأن الکبری التی تعرب عنها العمومات،و إن کانت صحیحة،إلا أن الصغری لیست کذلک لوضوح أن مثل هذا التبانی لا یسمی شرطا عرفا،مضافا إلی إجماع الفقهاء علی عدم نفوذ أی شرط ما لم یکن مشروطا فی معاملة لازمة.و عدم لزوم الشروط الابتدائیة.
إذن،فاللازم فی صحة المؤسسة أن تکون منتسبة إلی الأفراد انتسابا حقیقیا و کاملا،من دون أن یکون لها سعة أکثر من ذلک.لکی یقوم أولئک الأفراد بالمعاملات و یتحملوا الذمم و العهدة و المسؤولیات.بصفتهم أشخاص حقیقیین،و اتجاه أنفسهم لا اتجاه العنوان التجاری أو غیره مما یعملون ضمنه،مما لا یصح أن یکون له ذمة أو عهدة.
و ذلک یصح فقهیا علی عدة أشکال،نذکر منها:
أولا:الشرکة المالیة علی أن یکون المشارکون أو أصحاب الأموال بأنفسهم عاملون فی الشرکة.
ثانیا:الشرکة المالیة التی تعطی الأموال بأیدی آخرین لاستثمارها تجاریا أو بأی نحو آخر.و هو شکل من أشکال المضاربة.
ثالثا:أن یکون المال الواحد،تجاریا أو فی مؤسسة و نحو ذلک.و هو من أشکال المضاربة أیضا.
غیر أن الفقهاء اشترطوا فی صحة المضاربة بهذه الصفة،أن تکون تجاریة و أن یکون جزءا من الربح للعامل.فلو أعطاه راتبا أو مقدارا معینا من المال أو کان العمل لیس بالاسترباح التجاری بل فی معمل أو زراعة مثلا، و یعتبر الفرد مجرد عامل هناک،لم یکن مضاربة إلا أننا لسنا وراء العناوین
الفقهیة،بعد الاعتراف شرعا بصحة کل هذه الأشکال من المعاملات،و هذا الوجه یأتی فی ما ذکرناه(ثانیا)أیضا.
رابعا:أن یأذن الولی العامل العادل لشخص أو جماعة بالتصرف ببعض الأموال العامة و استثمارها علی شکل تجاری اعتیادی أو معمل أو مستشفی أو أی شکل آخر.
و عندئذ سوف یصبح ذلک،أشبه بالمؤسسة التی لا ترتبط بأفرادها ارتباطا مباشرا.إذ قد لا یکون لهم أکثر من مجرد الراتب.إلا أنها مع ذلک تعتبر مؤسسة قائمة بأشخاص حقیقیین.فإن کان العاملون فیها لهم رواتبهم فقط،کان الشخص الحقیقی فیها هو الولی العادل أو من یخوله شخصیا بالإشراف.
و إن کان للعاملین ربح من ریع هذا العمل،فکلهم إذن،مشارکون کأشخاص حقیقیون فی إنجاح العمل و الاسترباح منه،علی اختلاف وضائفهم و أعمالهم.
و قد یرد إلی الذهن:أن المؤسسة قد تبقی حتی و أن تبدل العاملون، بل حتی و ان تبدل الولی العادل.و هذا معناه ما قلناه من کون المؤسسة ذات کیان مستقل عن الأفراد.مع العلم أننا افترضناها شرعیة فقهیا.
و جواب ذلک:أن استمرار أو بقاء العنوان العام للمؤسسة لا یعنی شیئا علی الإطلاق من الناحیة الفقهیة.بل الأمر منوط بالأفراد لا محالة.فلو تبدل الولی العادل،احتاجت المؤسسة إلی إذن جدید من الولی الجدید.و لو تبدل العمال أو بعضهم احتاج أی واحد إلی تعاقد جدید و هکذا.
و قد یخطر فی الذهن:أن المؤسسات من القسم الثانی الذی تحدثنا عنها فیما سبق کلها علی هذا الغرار.فلو کان هذا الأسلوب شرعیا و صحیحا، کان ذلک نافذا فی کل المؤسسات.
و جواب ذلک من عدة وجوه:أوضحها:أن المؤسسات التی أشرنا إلیها
فی القسم الثانی.لا تعتبر أن طرف المعاملة أو صاحب الذمة أو العهدة،هو أی فرد من أفراد المؤسسة و إنما المؤسسة نفسها،و لا یکون للأفراد إلا مجرد العمل فی ضمنها.
فی حین أن المؤسسة بالشکل الذی قلناه أخیرا،یکون طرف المعاملة فیها هو الأفراد أنفسهم.فإن کان العاملون مشمولین للإذن کانوا هم الطرف.
و إلا کان المشرف العام المأذون طرفا لها.و إلا کان الولی العادل نفسه هو الطرف فی المعاملات و یکون هو صاحب الذمة و العهدة فی کل التصرفات و التقلبات.
إذن،فلا بد فقهیا من وجود الشخصیة الحقیقیة،فی المعاملات عموما،سواء کانت وحدها أو فی ضمن مؤسسة.أیا کانت صفتها أو حجمها.و أما إذا انتفی ذلک فمن الصعب القول فقهیا بتنفیذ و صحة المعاملات.
و هذا ما ینبغی حسابه فردا فردا فی المؤسسات العامة التی ذکرناها من القسم الثانی.من حیث أن التبانی العرفی و شعور العاملین،هل هو علی وجود الشخصیة الحقیقیة فیها أو من له حق الإذن الشرعی بالتصرف بالأموال العامة.أو لا.و لا یبعد أن تکون بعض تلک المؤسسات متصفة ببعض هذه الصفات أو الشرائط علی أی حال.