سند العروه الوثقی کتاب الحج جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

پدیدآوران:یزدی، محمدكاظم بن عبدالعظیم (نویسنده)، سند، محمد (نویسنده)

عنوان‌های دیگر: العروه الوثقی. برگزیده. كتاب الحج. شرح كتاب الحج

عنوان و نام پدیدآور: سند العروة الوثقی (كتاب الحج) الجزء الأول / تالیف محمد سند

ناشر:مؤسسة ام القری للتحقیق و النشر

مكان نشر:بیروت - لبنان

تعداد جلد:4ج

سال نشر:1426 ق

یادداشت:عربی

عنوان دیگر:العروة الوثقی. شرح

موضوع:یزدی، محمدكاظم‌بن عبدالعظیم، ۱۲۴۷؟ - ۱۳۳۸؟ق. العروة الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع:فقه جعفری -- قرن ۱۴

شناسه افزوده:یزدی، محمدكاظم ‌بن عبدالعظیم، ۱۲۴۷؟ - ۱۳۳۸؟ق. العروة الوثقی. شرح

رده بندی كنگره:1384 402359ع4ی-5-183 BP

رده بندی دیویی:۲۹۷/۳۴۲

شماره كتابشناسی ملی:م‌۷۴-۶۶۲۸

اشارة

سند العروة الوثقی (كتاب الحج) الجزء الأول

تالیف محمد سند

بِسْمِ اللّه الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ

مقدّمة

الحمد للّه الذي جعل بیته مثابة للناس و أمنا، و الصلاة و السلام علی سید رسله و أشرف بریته الذي جعل له «أَوَّلَ بَیْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُديً لِلْعالَمِینَ: و علی آله المصطفین الأطهار الذين جعل لهم البیت «فِیهِ آیاتٌ بَیِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِیمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً».

و بعد...فهذه مجموعة بحوث أملیتها علی جمع من الأفاضل علی متن كتاب الحج من العروة خلال أیام التعطیل فجاءت بقلمهم بصورة التعلیق علی المتن و قد اشتمل هذا الجزء علی عدّة قواعد هي:

الأولی:في شرطیة اذن الأب في اعمال الصبي.

الثانية:عمد الصبي خطأ.

الثالثة:من أدرك احد الموقفین فقد أدرك الحج.

الرابعة:في شرطیة أو جزئية الاحرام في الحج.

الخامسة:العدول في الاحرام و وحدة طبیعة الندب و الواجب.

السادسة:تقدیم حق الناس علی حق اللّه تعالی.

السابعة:تكلیف الكفار بالفروع.

الثامنة:عدم صحة عبادات الكافر و المخالف.

التاسعة:الجب الصغیر في المخالف.

العاشرة:في تعیین من یملك ما یقابل الدین و الوصية من التركة.

الحادیة عشرة: اقرار أحد الشركاء بحق مشاع أو معین.

و من المؤمّل ان ینتفع بها أهل التحقیق و الغور الفقهي، و منه تعالی نرجوا التوفیق لا تمام ما بقي.

11 ذي القعدة الحرام المصادف لمیلاد أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) 1419/ هـ ق

فصل من أركان الدین الحجّ

اشارة

الفصل الأوّل من أركان الدین الحجّ (1).

و هو واجب علی كلّ من استجمع الشرائط الآتية من الرجال و النساء و الخناثي بالكتاب و السنّة و الإجماع من جمیع المسلمین. بل بالضرورة، و منكره في سلك الكافرین (1) و تاركه عمدا مستخفّا به بمنزلتهم (3).

(1) الحجّ بني علیه الإسلام، و یدلّ علیه جملة من الأخبار، كصحیحة زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:بنی الإسلام علی خمسة أشیاء:علی الصلاة و الزكاة و الحجّ و الصوم و الولایة (1)، و بهذا المضمون أخبار كثیرة.

(2) كما هو المعروف بلا خلاف بینهم إلاّ في كلمات غیر واحد من متأخّري هذا العصر حیث أنّهم التفتوا إلی أنّ المسألة مبنیّة علی منكر الضروري و حیث-أنّهم ذهبوا إلی أنّ منكر الضروري لیس بنفسه موجبا للكفر إلاّ بالاستلزام-علّقوا الكفر في المسألة علی العلم بالاستلزام، و حیث أنّ الصحیح الذي حرّرناه في تلك المسألة في بحث الطهارة هو ما ذهب إلیه المشهور من كون منكر الضروري بنفسه موجبا للكفر عند التقصیر، بل قد ذكرنا هناك أنّ الضروري الذي عدّ من الأركان في الأدلّة یقتضي إنكاره الكفر مطلقا؛ إذ هو مقتضی الركنیّة المعبّر عنها ببناء الإسلام علیه كما في تقوّم ماهیّة شيء بأركانها، المكنّی عنه و المدلول علیه ببناء ماهیّته علی تلك الخمسة التي منها الحجّ.

و الظاهر من التنزیل إرادة الكبیرة لا ما قد یوهم احتمال العبارة، نعم ما یتلوه من الفرض الآخر و هو التارك من دون الاستخفاف حیث حكم علیه أنّه من الكبائر یكون قرینة علی إرادة الكفر الاصطلاحي حینئذ قرینة علی إرادته الكفر الاصطلاحي.

و علی أیّة حال فقد یفسّر الاستخفاف تارة بالاستخفاف بالدین و اخری بالتهاون في الترك عمدا بغیر داع إلاّ إرادة الترك أو بداع آخر من رغبات و ملاذ مزاحمة، و قد یفسّر


1) أبواب مقدّمات العبادات، ب 1، ح 2.

..........

إنكار أهمیّة وجوب الحجّ أو الاعتقاد بأنّه في غیر محلّه.

و أمّا الأقوال في المسألة:فالمشهور كما یظهر من الجواهر في أوّل بحث الصلاة و في مسألة فورية الحجّ علی أنّ الاستخفاف من الكبائر إذا كان بمعنی التهاون بقسمیه بخلاف ما إذا كان بمعنی الأوّل و الحريّ بالبحث هو هذا المعنی دون البقیة فإنّها و إن كانت من الاستخفاف إلاّ أنّه من الظاهر إیجابها للكفر لانطباق عنوان الهتك أو إنكار الضروري، و یستدلّ للمشهور بمعتبرة الفضل بن شاذان-علی الأصحّ-عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كتابه إلی المأمون قال:«الإیمان هو أداء الأمانة و اجتناب جمیع الكبائر و هي قتل النفس...و الاستخفاف بالحجّ» (1)و مثلها روایة الأعمش (2).و مفادهما ظاهر في أنّه من الكبائر.

و بذلك تحمل الطائفة الثانية من الروایات الواردة في ترك الصلاة مستخفّا أنّه موجب للكفر مع أنّه كفر الطاعة لا الكفر الاصطلاحي مثل موثقة مسعدة بن صدقة أنّه قال:

سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما بال الزاني لا نسمّیه كافرا و تارك الصلاة نسمّیه كافراً، و ما الحجّة في ذلك، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«لأنّ الزاني و ما أشبهه إنّما یفعل ذلك لمكان الشهوة لأنّها تغلبه و تارك الصلاة لا یتركها إلاّ استخفافا بها...فإذا نفیت اللذة وقع الاستخفاف، و إذا وقع الاستخفاف وقع الكفر» (3).

و صحیحة عبید بن زرارة (4)عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)-في حدیث الكبائر-قال:«إنّ تارك الصلاة كافر یعني من غیر علّة» (5).و غیرها.


1) باب 46، جهاد النفس، ح 33.

2) باب 46، جهاد النفس، ح 36.

3) باب 11، أبواب أعداد الفرائض، ح 2.

4) باب 11، أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

5) باب 11، أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

..........

مع أنّه لو كنّا نحن و هذه الروایات فقط لأشكل الجزم بحملها علی الكفر الاصطلاحي لكون الكفر استعمل كثیرا في الآیات و الروایات بمعنی مطلق الكفر لا الاصطلاحي بحیث لو ارید الاصطلاحي منه خاصّة لاحتیج إلی نصب قرینة خاصّة لا ما قد یشكل علیها من أنّ الالتزام بكفر مطلق تارك الفریضة لا یمكن الالتزام به أو أنّها واردة في خصوص تارك الصلاة، و ذلك لأنّها لیست واردة في مطلق تارك الصلاة أو الفریضة و إنّما في خصوص التارك عن عمد بداعي نفس الترك دون الداعي الشهوی و نحوه كما أنّ التعلیل فیها یعمّ مطلق الفرائض و علی ذلك تكون دلالتها تامّة علی التحریم من الطائفة الثانية الواردة في ترك مطلق الفریضة أیضا.

و أمّا ما في بعضها من التعبیر:«برئت منه ملّة الإسلام» (1)فهذا محمول علی ما لو كان الاستخفاف راجعا إلی الدین؛إذ الاستخفاف ذو درجات تشكیكیة كما لا یخفی، و محل الكلام في مجرّد التهاون لا الراجع إلی نحو الاستهزاء و الهتك و الردّ و الانكار علی اللّه و رسوله، و یشیر إلی ذلك حسنة-كالمصحّحة-عن جابر عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏):«ما بین الكفر و الایمان إلاّ ترك الصلاة» (2)من مقابلته مع الإیمان الظاهر في كونه كفرا مقابل الإیمان لا مقابل الإسلام قرینة علی ذلك.

و أمّا الاستدلال علی الكفر الاصطلاحي بما ورد من روایات تارك الحجّ من أنّه یموت نصرانیا أو یهودیا (3)فمن الظاهر أنّها بمعنی الحرمة لا الكفر الاصطلاحي و أنّه من الكبائر.و تقریب ذلك أنّ المذكور في الروایة هو حكم الكبیرة حیث إنّ المقیم علی الكبیرة یكون بمنزلة الكافر عند موافاة الموت و في عالم الآخرة كما تشیر إلیه العدید من الروایات


1) باب 11، أبواب أعداد الفرائض، ح 5.

2) باب 11، أبواب أعداد الفرائض، ح 7.

3) باب 7، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

و تركه من غیر استخفاف من الكبائر (1) و لا یجب في أصل الشرع إلاّ مرّة واحدة (2) ...الخ.

الاخری من أنّه بمنزلتهم في الابتلاء بأصل العذاب، إذ لو كان المراد منها هو كفره في الدنیا لما علّق التنزیل علی ما بعد الموت، و یشهد لما ذهب إلیه المشهور من أنّه كبیرة لا كفر اصطلاحي ما في روایة داود بن كثیر الرقي (1)و كذلك ما في مصحّحة عبید بن زرارة (2)من جعل هذا الكفر في مقابلة الإیمان لا مقابل الإسلام.و من كل ذلك یندفع ما قد یشكل من أنه مجرد عدّة من الكبار لا یدل علی أنه غیر موجب للكفر؛إذ عدّ الشرك الاصطلاحي من الكبار أیضا كما لا یخفی.

(1) لا خلاف في ذلك كما حكاه غیر واحد، و یدلّ علیه الروایات الواردة (3)أنّ من تركه فلیمت یهودیا أو نصرانیا، حیث انّ ذلك هو حكم الكبائر دون الصغائر فإنّها معفوّ عنها.هذا فیما لو تركه من الأصل أمّا لو كان التأخیر بمعنی تأخیر الفورية فسیأتي الكلام في مسألة 1.

(2) كما هو المشهور، بل ادّعی علیه الإجماع عدا الصدوق حیث قال في العلل الذي اعتمده و أفتی به أنّ الحجّ علی أهل الجدة في كلّ عام فریضة (4).و یدلّ علی صحیحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«ما كلّف اللّه العباد إلاّ ما یطیقون إنّما كلّفهم في الیوم و اللیلة خمس صلوات-إلی أن قال:-و كلّفهم حجّة واحدة و هم یطیقون أكثر من ذلك» (5)، و معتبرة الفضل و مصحّحة ابن سنان (6).


1) الكافي ج 2، ص 383، ح 1.

2) الكافي ج 2، ص 384، ح 5.

3) باب 7، أبواب وجوب الحجّ.

4) العلل، ص 405، ح 5.

5) باب 3، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

6) باب 3، أبواب وجوب الحجّ، ح 2 و 3.

..........

و استدلّ الصدوق بروایات الجدة (1)كصحیحة علی بن جعفر، و مصحّحة حذیفة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض الحجّ علی أهل الجدة في كلّ عام»، و حسنة ابن جریر، مصحّحة حذیفة الثانية، و أقرب الاحتمالات في مفادها أنّها من قبیل الجمع في مقابل الجمع أي استغراق أهل الجدة في مقابل استغراق الأعوام و السنین لا أنّه من الفرد مقابل مجموع السنین أي ذو الجدّة الشخص الواحد في كلّ عام، فیكون مفادها نظیر اغسلوا وجوهكم لا اغسل وجوههم، و لعلّ منشأ بیان ذلك ما ذكره في المستند من أنّ النسيء كان رافعا للحجّ في بعض الأعوام فیوهم أنّه في سنة النسيء لا حجّ فتصبح سنة خالیة من الحجّ و یوكل إلی عام آخر، فهذه الروایات لدفع ذلك الوهم إن كان یناقش فیه بأن النسيء رفع من صدر الإسلام فلا یبقی ذلك التوهّم في عصر الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) أو یكون مفادها لبیان فورية الحجّ في كلّ عام.

و أنّ هناك وجوب مستجدّ و علی أیّة حال فهذا الاستظهار قریب من الظنّ جدّا و لیس بتمحل في دلالة الروایات كبقیّة الوجوه المذكورة و إن كانت بقیّة الوجوه متینة في نفسها مثل أنّ وجوب الحجّ كفائي في كلّ عام لأجل إقامة الشعیرة كما دلّت علیه الروایات المعتبرة (2).و كذا الإقامة في الحرمین الشریفین.

و الذي منه یظهر أنّ الحكم كذلك في زیارة بقیّة المشاهد المشرّفة للمعصومین (عَلَيهِم السَّلَامُ) كما اشیر إلیه في روایات المزار كذلك.

و یشهد لهذا الاحتمال و أنّه قریب المراد من ظهورها الاستشهاد في تلك الروایات بالآیة الكریمة و إنّ إنكار مضمونها موجب للكفر حیث أنّ الظاهر الأوّلی بمقتضی الآیة هو صرف الوجوب لكلّ فرد من أفراد الاستغراقیة للموضوع فحینئذ یكون مفاد تلك


1) باب 2، أبواب وجوب الحجّ.

2) باب 4، أبواب وجوب الحجّ.

مسألة 1:لا خلاف في أنّ وجوب الحجّ بعد تحقّق الشرائط فوري

(مسألة 1):لا خلاف في أنّ وجوب الحجّ بعد تحقّق الشرائط فوري (1).بمعنی أنّه یجب المبادرة إلیه في العامّ الأوّل من الاستطاعة، فلا یجوز تأخیره عنه، و إن تركه فیه ففي العام الثاني، و هكذا، و یدلّ علیه جملة من الأخبار، فلو خالف و أخّر مع وجود الشرائط بلا عذر یكون عاصیا.

الروایات إشارة إلی نفس الآیة و هو الجمع المقابل للجمع الذي ذكرناه.و من ذلك یظهر أنّه لو بني علی تعارض هذه الروایات و الروایات الاولی و وصلت النوبة إلی التعارض فیكون ظهور الآیة مرجّح للطائفة الاولی أو بني علی التساقط، فمقتضی التمسّك بالظهور الفوقاني و هو الآیة هو عین مفاد الروایات الاولی؛إذ ظهور الآیة في رتبة متأخّرة عن ظهور الطائفتین من حیث النصوصیة.

(1) و لا خلاف فیه كما في المتن إلاّ عند متأخّري هذا العصر في وجه دلیل المسألة لا في البناء علی الحكم فتوی، و الحكم من حیث الاحتمالات البدویة یحتمل أربعة وجوه:

الأوّل:كونه حكما عقليا ظاهریا من جهة احتمال الفوت كما في الواجبات الموسّعة الاخری.

الثاني:انّه وجوب شرعي طریقي لمراعاة عدم فوت أصل الفعل، و هذا هو الظاهر من طائفة من الروایات التي قیّدت مبغوضیة الترك و العقوبة و ذیلته بإذا انجرّ بترك أصل الحجّ.

الثالث:أن یكون وجوبا نفسيا واقعیا شرعيا، و هو الظاهر من طائفة اخری من الروایات كما سیأتي.

الرابع:أن یبنی علی السعة و لم یفت به أحد، فتكون الفورية مستحبّة عامّة.

أمّا وجه القول الأوّل فقد استدلّ له أنّ ترك الحجّ لیس كترك الصلاة كما استدلّ به السیّد الخوئي (قدّس سرّه) من أنّ الأوّل یمتدّ زمانه فاحتمال الفوت فیه أقوی من الثاني، لكن هذا الوجه مضافا إلی كونه مثبتا للحكم بالمعنی الأوّل ممنوع صغری.

و أمّا الوجه الثاني فیدلّ علیه تلك الروایات المشار إلیها منها صحیحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):قال:«إذا قدر الرجل علی ما یحجّ به ثمّ دفع ذلك و لیس له شغل یعذره

..........

فقد ترك شریعة من شرائع الإسلام» (1).و صحیحة محمّد بن الفضیل (2)قال:سألت أبا الحسن عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ كانَ في هذِهِ أَعْمی فَهُوَ في الْآخِرَةِ أَعْمی وَ أَضَلُّ سَبِیلاً فقال:«نزلت فیمن سوّف الحجّ حجّة الإسلام و عنده ما یحجّ به، فقال العامّ أحجّ العام أحجّ حتی یموت قبل أن یحجّ».و غیرها من روایات الباب ممّا قیّد النهي كنایة عن التسویف و التأخیر و الترك بترك أصل الحجّ و بحلول الموت، بقرینة إطلاق الشریعة علی هذا الترك بعد عدم كون الفورية من الشرائع الأركان، فالمراد ترك أصل الفعل و وجه دلالة هذه الروایات علی المعنی الثاني هو مراعاة و ملاحظة ترك أصل الفعل في حكم الفورية المنفهم منها، فیفهم من ذلك أنّها طریقية و إنّما العقوبة تسجلّ علی ذي الطریق.

لكن قد اشكل علی دلالتها بأنّها إنّما تسجّل العقوبة علی ترك الفعل لا ترك الفورية و هي إرشاد إلی حكم العقل أي بمعناه الأوّلی. لكنّه یندفع بأنّه مع سعة الحكم لا وجه للعقوبة و هو مصادفة الترك؛إذ الجواز العقلي التبعي لسعة المتعلّق معذّر في موارد عدم احتمال الفوت بالدرجة المعتدّ بها، فلا وجه للعقوبة حینئذ إلاّ الالزام بالفورية القاطعة لعذر المكلّف، أضف إلی ذلك أنّه لا یدفع انفهام ذمّ التأخیر بلحاظ الحیطة من الفوت.

و أمّا ما یدلّ من الروایات علی الوجه الثالث مثل صحیحة معاویة بن عمّار (3)عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«قال اللّه تعالی: «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلاً» قال:هذه لمن كان عنده مال و صحّة و إن كان سوّفه للتجارة فلا یسعه، و إن مات علی ذلك فقد ترك شریعة من شرائع الإسلام إذا هو یجد ما یحجّ به».


1) باب 6، أبواب وجوب الحجّ، ح 3.

2) نفس المصدر و الباب، ح 8.

3) نفس المصدر و الباب، ح 1.

بل لا یبعد كونه كبیرا (1) كما صرّح به جماعة و یمكن استفادته من جملة من الأخبار.

و وجه الدلالة فیها هو نفي السعة في التسویف كشقّ مغایر إلی الشقّ الثاني الذي فیه ترك أصل الفعل و الذي فیه العقوبة مشدّدة.و كذا صحیحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:قلت له:أ رأیت الرجل التاجر ذا المال حین یسوّف الحجّ كلّ عام و لیس یشغله عنه إلاّ التجارة أو الدین، فقال:«لا عذر له یسوّف الحجّ إن مات و قد ترك الحجّ فقد ترك شریعة من شرائع الإسلام».

و رواه الحلبي في الصحیح (1)، و وجه الدلالة فیهما هو ما تقدّم.

و قد یشكل بأنّ المتعیّن حمل روایات الوجه الثالث علی روایات الوجه الثاني فیكون المحصّل أنّ الحكم طریقي لا نفسي.

و فیه أنّ دلالة الطائفة الثانية أقوی من ظهور الاولی في الطریقية لمكان المقابلة و التشقیق الصریح في البینونة؛إذ التفصیل قاطع للشركة، بینما دلالة الطائفة الاولی هو علی دخل الفورية في تنجیز ترك الفعل، و هو كما ینسجم مع الطریقية ینسجم مع النفسية و یلائمها و لا ینافیها، بل قد یكون أوكد، غایة الأمر حیث انّ الطائفة الاولی غیّیت من دون تفصیل بترك أصل الفعل كان ذلك معینا للظهور في كون الحكم طریقيا.و تحصّل أنّ الفورية واجب نفسي شرعي.

و نسب ذلك إلی غیر واحد كما في الجواهر، و استدلّ علیه:

أوّلا:بالآیة الكریمة «وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّه غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِینَ» بتقریب أنّ إطلاق الكفر علی الترك دالّ علی كبر المخالفة فتكون كبیرة، و لكن یرد علیه أنّ ظاهر الآیة و كذا الروایات المفسّرة لها هو في ترك أصل الفعل لا الفورية، مضافا إلی أنّ الكفر بمعنی الخروج عن الطاعة و هو أعمّ من الكبیرة بناء علی أنّها خصوص ما توعّد علیها.

الثاني:معتبرة الفضل بن شاذان علی الأصحّ:عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) حیث عدّ فیها الكبائر و قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«و الاستخفاف بالحج»، بتقریب أنّ الاستخفاف كما یحصل


1) نفس المصدر و الباب، ح 4.

..........

بالإبزار الإنشائي یحصل أیضا بالعمل و هو تركه من غیر عذر كما ذهب إلیه في المستمسك و المستند، لكن یرد علیه أنّه و إن بنینا علی اعتبار السند كما هو الصحیح إلاّ أنّ الدلالة أخصّ من المدّعي، و ذلك لأنّ الاستخفاف من العناوین التشكیكیة فقد یحصل بالتحقیر و الاهانة الشدیدة و المتوسطة، و قد یحصل بعدم الاعتناء أو عدم المبالاة أو قلّة الاهتمام، و لقد ذكرنا مرارا أنّ (1)العناوین التشكیكیة ذات المصادیق غیر المتواطیة إذا كانت متعلّقة بحكم إلزامي، سواء الحرمة أو الوجوب كما في طاعة الوالدین و غیرها من العناوین و الأمثلة في الفقه، لا تكون حینئذ بكلّ مراتبها متعلّقة بالحكم، بل یكون متعلّق الحكم هو القدر المتیقّن من تلك المصادیق أبرزها، و وجه ذلك أنّه لو بني علی الاستغراق للزم الالزام بذلك الحكم حتی في المصادیق الضعیفة جدّا علی نسق تعلّق الحكم بمصادیق ضعیفة و شدیدة علی نسق واحد، و هم لا یلتزمون به لفرض تشكیكیة الطبیعة المستلزم لتشكیكیة الملاك الدالّ علی أنّه إلزامي في الشدید و طلبي غیر إلزامي فیما عداه، إلاّ أن تقوم قرینة علی غیر ذلك كما في و «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ» فمن ثمّ حینئذ لا یمكن البناء علی أنّ الاستخفاف بالحجّ بكل مراتبه أنّه من الكبائر، بل لا حرمة في المراتب النازلة الخفیفة و إن كانت مكروهة مبغوضة، و یشهد لذلك في خصوص المقام أنّه قد ورد في الصلاة أنّ من أخّرها عن أوّل الوقت فقد استخفّ بها، أو أنّ من لم یتوضأ قبل الوقت لها فقد استخفّ بها، مع أنّه من المقطوع أنّ ذلك لیس من الاستخفاف المحرّم بل انّ الاستخفاف صادق علی من یؤدّی الحجّ من دون اهتمام بنحو الأداء كأن یقصر علی الواجبات مع عدم الشاغل عن المستحبّات و مع قلّة شوق و كثرة اهتمام بالتجارة مثلا و ما شابه ذلك فإنّه استخفاف بالحجّ و لا یلتزم بأنّه محرّم فضلا عن كونه من الكبائر، و كثیرا ما یحصل الترك بمعنی التأخیر لأغراض معاشیة و إن لم یكن عذرا شرعيا فلیس هو من باب


1) راجع سند العروة - صلاة المسافر.

مسألة 2:لو توقّف إدراك الحجّ بعد حصول الاستطاعة علی مقدّمات من السفر و تهیئة أسبابه

(مسألة 2):لو توقّف إدراك الحجّ بعد حصول الاستطاعة علی مقدّمات من السفر و تهیئة أسبابه وجب (1) المبادرة إلی إتیانها علی وجه یدرك الحجّ في تلك السنة (2).

الاهانة و التحقیر بل هو قلّة اعتناء.

و من ثمّ كان المحصّل حینئذ من هذه الروایة هو كون الترك كبیرة إذا كان استخفافا بالابراز الإنشائي و نحوه لا مطلقا.

وجب وجوبا مقدمیا عقليا أو شرعيا علی القول به امّا من باب المفوتة أو الواجب المعلّق أو الواجب المشروط بشرط متأخّر، و الأظهر هو الثالث في المقام و إن كان الوجهان الأوّلان ممكنین ثبوتا، و ذلك لما یطفح من مفاد الأدلّة من فعلیة الوجوب بمجرّد الاستطاعة المالية و إن لم یحن الوقت الذي هو قید للحكم أیضا، بل سیأتي في أنّ الوقت قید عقلي في الحكم لا شرعي.

علی ما هو المعروف في العبائر من كون الاستطاعة المالية بحسبها، و ذهب السیّد الخوئي (قدّس سرّه) -كما سیأتي-أنّ الاستطاعة المالية لا تفید الوجوب في تلك السنة بل یمكن أن تشمل السنة اللاحقة، أي بمعنی أنّ الاستطاعة المالية في السنة الاولی مع تخلیة السرب في السنة الثانية محقّق لموضوع الوجوب، و ذهب السیّد الشاهرودي (قدّس سرّه) في التقریرات إلی أنّ الاستطاعة المالية یحتمل أن تكون محقّقة للموضوع حتی و إن كان تخلیة السرب في السنة الخامسة، و هذه المسألة محل ابتلاء في هذه الأعصار في البلاد التي یكثر تعدادها السكاني، حیث انّ الذهاب للحجّ یكون بتسجیل النوبة ضمن نظام خاصّ و اقباض للمال للحصول علی تلك النوبة بعد سنین، و قد أفتی السیّد الگلپایگاني (قدّس سرّه) بالوجوب و لو إلی خمسة عشر سنة. و إن كانت فتواه تحتمل وجها آخر و هو عدم تعطیل الحجّ في قطر من الأقطار بالنسبة لأهله.

و الحاصل أنّ البحث یجب أن ینعقد حول تقیّد الاستطاعة المالية بالمقارنة الزمنية لبقیة أجزاء الموضوع، و سیأتي البحث مفصّلا حول ذلك و انّ الأقوی عدمه.

و لو تعدّدت الرفقة و تمكّن من المسیر مع كلّ منهم اختار (1) أوثقهم سلامة و إدراكا.

و لو وجدت واحدة و لم یعلم حصول اخری أو لم یعلم التمكّن من المسیر و الادراك للحجّ بالتأخیر فهل یجب الخروج مع الاولی أو یجوز التأخیر إلی الاخری بمجرّد احتمال الادراك أو لا یجوز إلّا مع الوثوق؟أقوال، أقواها الأخیر (2).

و علی أي تقدیر إذا لم یخرج مع الاولی و اتّفق عدم التمكّن من المسیر أو عدم إدراك الحجّ بسبب التأخیر استقرّ علیه الحجّ (3) و إن لم یكن آثما بالتأخیر؛لأنّه كان متمكّنا من الخروج مع الاولی إلاّ إذا تبیّن عدم ادراكه لو سار معهم أیضا.

هذا الوجوب عقلي لا شرعي لأنّه من باب المقدّمة العلمیة لا الوجودیة و هو وجوب إحراز الامتثال، و الظاهر كما ذكره غیر واحد من الأعلام عدم إلزام العقل بالأوثق إحرازا للامتثال بل یكتفي بما یوثّق و یطمئن بحصول الامتثال به.

و هو الصحیح كما یعلم وجهه من التعلیقة السابقة حیث أنّه من باب لزوم إحراز الامتثال العقلي فلا یكتفي باحتمال الامتثال.

هذا مبني علی كون موضوع حكم استقرار الحجّ مطلق الترك مع التمكین لا الترك الاهمالي مع التمكّن.و بعبارة اخری انّ لدینا في المقام حدوث حكم وجوب الحجّ و هو یكون بمجرّد الاستطاعة و هذا الوجوب قد یكون عزیمة و قد یكون رخصة مع وجوبه كما في موارد الحرج و المشقّة الشدیدة التي ذكروها، و ستأتي لاحقا. و لدینا حكم بقاء الحجّ و استقراره في الذمّة و موضوعه بالإضافة إلی موضوع الحدوث، ینضاف إلیه جزء آخر و هو الترك، و قد اختلف في كونه الترك المطلق حتی في موارد الرخصة الشرعية و العقلية أو في ما عدا الرخصة الشرعية أو في خصوص الترك الاهمالي؟

و تحریر الكلام فیه بجملة مختصرة-و التفصیل سیأتي لاحقا - أنّه قد استدلّ علی بقاء وجوب الحجّ - أي الحكم الثاني-أوّلا:بأدلّة التسویف المتقدّمة و تقریبها لیس

..........

بلحاظ ما بعد الموت؛لأنّها بلحاظ ذلك المقطع غایة ما تدلّ علیه إنّما هو تسجیل العقوبة لا بقاء الحجّ في الذمّة لیقضي عنه، بل وجه دلالتها هو أنّها منطبقة علی من سوّف مرّة واحدة ثمّ انتفت عنه الاستطاعة في السنة الثانية ثمّ أراد في العام الثاني أن یدرأ عن نفسه العقوبة قبل حلول الموت علیه في العام الثالث أو ما یأتي من عمره فإنّه بإتیانه للحجّ في العام الثاني أو ما بعده تسقط عنه العقوبة لانتفاء موضوعها المأخوذ في الدلیل و هو الترك إلی الموت أي أنّ موضوع العقوبة في أدلّة التسویف جزءان: الاستطاعة و التسویف بترك الحجّ فعند ما یحجّ ینتفی الجزء الثاني و یتحصّل من ذلك أنّ دلالة روایات التسویف علی العقوبة بتوسط الجزءین المزبورین تكون دالّة أیضا علی استقرار الحجّ في الذمّة و لزوم الآتيان، فرارا من العقوبة الشدیدة بعد الموت بتحقّق الجزء الثاني و علی ذلك تكون دالّة علی أنّ موضوع استقرار الحجّ هو الترك الاهمالي لا موارد الرخصة الشرعية و الرخصة العقلية؛ لأنّها مختصّة بالتسویف العصیاني، أي المقترن بترك الفورية اللازمة.ثمّ انّه لا یشكل علی دلالتها بأنّ هذا المدلول الالتزامي لتسجیل العقوبة في الروایات مدلول التزامي لبعض الأفراد فلا یكون حجّة.

و ذلك لأنّ الفرض الذي ذكرناه لیس هو أحد أفراد العموم بل هو أحد حالات الأفراد اللازمة لكلّها و إن لم تكن كلّ حالات الأفراد، و بعبارة اخری:انّ كلّ فرد من الغالب اللازم تطرأ علیه تلك الحالة ثمّ تطرأ علیه حالة الموت فتلك الحالة إذن لازمة لكلّ الأفراد لا لبعضها دون بعض عدا ما لو فرضنا فرضا ما و هو الذي سوّف و مات في العام الثاني و هو لا ینفی الغالب الذي یتمّ به حجّیة الدلالة الالتزامية.

و المحصّل أنّ أدلّة التسویف بلسان تسجیل العقوبة باعثة و محرّكة لافراغ الذمّة و لو بعد عام الاستطاعة في من ترك مهملا.

و ثانیا:قد استدلّ علی بقاء وجوب الحجّ ثانیا بروایات وجوب إخراج حجّة

..........

الإسلام من أصل تركة المیّت الصرورة بتقریب:

انّ الحجّ لو لم یكن مستقرّا قبل الموت علی المیّت الصرورة لما كان دینا یخرج من أصل المال و لا یشكل علی ذلك بأنّ الإخراج من أصل المال.

لعلّه من قبیل إخراج ثمن التجهیز مع عدم كونه لازما قبل الموت.

و ذلك لورود التعبیر بالدین في الروایات الدالّة علی أنّه مستقرّ في الذمّة قبل ذلك، أي أنّ التعبیر بالدین هو بنفسه دالّ علی الاستقرار بغضّ النظر عن الإخراج من نفس التركة كما أنّه سیأتي في محلّه أنّ الصرورة الذي تحقّقت استطاعته بعد الموسم مثلا و مات قبل الموسم الآخر لا تشمله تلك الروایات.

و حینئذ یقع البحث في تلك الروایات مضافا إلی كیفیّة دلالتها تفصیلا عن المحمول و الحكم، و عن تحدید الموضوع فیها. و تلك الروایات:

منها: صحیحة معاویة بن عمّار قال:سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل مات فأوصی أن یحجّ عنه؟قال:«إن كان صرورة فمن جمیع المال، و إن كان تطوّعا فمن ثلثه» (1).

و تقریب دلالتها:أمّا من جهة المحمول فبما تقدّم من أنّ الإخراج من أصل التركة دالّ علی ذلك إجمالا فلاحظ، و أمّا من جهة الموضوع فقد یقال بالإطلاق، لإطلاق طبیعة الموضوع حیث انّ الصرورة یصطلح علیه في الشرع و الروایة بـ(من لم یحجّ)، سواء كان مستطیعا أو لا، ترك بالاهمال أو لا-غایة الأمر لا بدّ من تقییده بمن كان مستطیعا لأنّه الذي یستقرّ علیه الحجّ و هو قضیة الاخراج من أصل التركة- أي بلحاظ شغل الذمّة ما قبل الموت بالواجب المالي- لا أنّها في مقام تأسیس الایجاب بالموت-كما هو الحال في التجهیز، فإنّ ذلك یحتاج إلی مئونة، هذا و لكن التمسّك بالإطلاق في الموضوع قد یتأمّل فیه لعدم كونها في صدد الاطلاق من حیث حالات الموضوع، بل هي في أصل المقابلة.


1) باب 25، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

..........

و منها:صحیحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حدیث قال:«یقضي عن الرجل حجّة الإسلام من جمیع ماله» (1).

و التقریب فیها كتقریب ما تقدّم، بل إطلاق الموضوع فیها أخفی حیث لم یرد فیه تعبیر (الصرورة). نعم كلمة (یقضی) فیها دالّة علی استقرار السابق و قضاء ما هو فائت لا مطلق الصرورة و إن لم یستطع.

و منها:صحیحة معاویة بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل توفّی و أوصی أنّ یحجّ عنه قال:«إن كان صرورة فمن جمیع المال؛إنّه بمنزلة الدین الواجب، و إن كان قد حجّ فمن ثلثه، و من مات و لم یحجّ حجّة الإسلام و لم یترك إلاّ قدر نفقة الحمولة و له ورثة فهم أحقّ بما ترك فإن شاءوا أكلوا و إن شاءوا حجّوا عنه» (2).

فالاستشهاد بصدر الروایة.أمّا الذيل فلا یعارض ما سبق لأنّه في فرض غیر المستطیع مالا لأنّ لیس له إلاّ النفقة الحمولة لا أزید.

و أمّا الصدر فتقریب إطلاق الموضوع فیها أنّه الصرورة كما تقدّم استعماله و وضعه لمطلق من لم یحجّ غایة الأمر لا بدّ من بیان أنّ الروایة في صدد إطلاق الموضوع، مضافا إلی الإطلاق الطبیعي و القرینة علی ذلك أي الإطلاق اللحاظي الآلي.

قد یقال:إنّ التعبیر بإیصاء المیّت قبل موته دالّ علی أنّ الحجّ قد استقرّ في ذمّته بتفویته و إهماله فوصایته به خوفا من العقوبة و تفریغا للذمّة كالعادة في موارد الوصية أنّها في الامور التي تترك و تفوّت و حینئذ یكون التقسیم الذي في الجواب إنّما هو في ذلك المورد (أي الذي فوّت فیه الحجّ).

و فیه:منع الانصراف إلی تلك الموارد فاعتبر الحال في الدیون المالية فإنّها كثیرا ما یوصي بها للترك العذري الشرعي و العقلي و مع ذلك یوصي بها لبراءة الذمّة، و كذلك في الصلوات الفائتة بعذر في الأداء و القضاء، بل لقائل أن یقول إنّ البعض یوصي


1) نفس الباب، ح 3.

2) نفس الباب، ح 4.

..........

بالحجّ و إن لم یخلّي له السرب في حیاته أو لم یكن صحیحا في بدنه و لم یحجّ عن نفسه أو كانت الاستطاعة المالية في اخریات حیاته رغبة منه في أداء تلك الفریضة، كلّ ذلك لأجل الخوف من اشتغال الذمّة في الآخرة، مضافا إلی ما أیّدنا به الإطلاق من معتبرتي ضریس و برید الآتيتین.

بل انّ في ذیل صحیحة معاویة (1)بن عمّار كفرض ثالث في المقسم- و هو المیّت الموصي - و هو من مات و لم یحجّ حجّة الإسلام و لم یترك إلاّ قدر نفقة الحمولة انّه لا یحجّ عنه المحمول علی من لم یستقرّ علیه الحجّ في كلمات الأصحاب بقرینة مقتضی القاعدة ممّا یدلّ علی أنّ الوصية أعمّ من التفویت.

و انّ جوابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صدد الإطلاق من ناحیة الموضوع-هو إیقاعه المقابلة بین الصرورة و بین من حجّ من دون أن یقیّد الصرورة بكون الترك إهمالیا أو الأعمّ منه، فحینئذ تدلّ علی أنّ استقرار الحجّ بتوفّر الاستطاعة و الترك بمطلقه.

و كذلك التقریب في دلالة روایة حارث بیاع الأنماط (الروایة الخامسة في الباب)، و كذا تقریب الدلالة في الروایة السادسة و التي هي نفس الواقعة في الروایة الرابعة إلاّ أنّها روایة اخری لها.ثمّ انّه قد یشكل علی دلالة هذه الروایات علی حكم الاستقرار باحتمال أنّها في صدد بیان حكم آخر و هو ایجاب الحجّ النیابي عن الصرورة المیّت ذي المال و إن لم یكن مستقرّا علیه الحجّ من قبل و انّه یخرج من أصل المال كوجوب الدفن و التكفین فیما إذا استلزم مالا مع أنّه لم یكن وجوب التكفین دینا علی المیّت من قبل إلاّ أنّه یخرج من أصل التركة، و قد تعرّضنا لهذا الاحتمال من قبل مع الاجابة عنه، إلاّ أنّه قد یستشهد له بمعتبرة ضریس عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)في رجل خرج حاجّا حجّة الإسلام فمات في الطریق، فقال:«إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجّة الإسلام، و إن مات دون الحرم فلیقضي عنه ولیّه حجّة الإسلام».


1) باب 25، أبواب وجوب الحجّ، ح 4.

2) باب 26، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

..........

و أیضا صحیحة برید العجلي (1)قال:سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل خرج حاجّا و معه جمل له و نفقة و زاد فمات في الطریق، قال:«إن كان صرورة ثمّ مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجّة الإسلام، و إن كان مات و هو صرورة قبل أن یحرم جعل جمله و زاده و نفقته و ما معه في حجّة الإسلام، فإن فضل عن ذلك شيء فهو للورثة إن لم یكن علیه دین».

و تقریب دلالة هذه الروایات علی هذا الاحتمال أنّ الروایة في مورد الصرورة الذي انتفت قدرته البدنیة علی الحجّ قبل الاعمال فلا یكون ممّن استقرّ علیه الحجّ فتكون الروایتان دالتين علی الحكم الآخر المزبور.

و یدفع هذا التوهّم بأنّ الروایتین من هذه الجهة و إن لم یتعرّض الأصحاب لها في كلماتهم، بل تعرّضوا الجهات اخر فیها، إلاّ أنّ الصحیح في مفادهما هو دلالتهما علی أنّ الصحّة البدنیة و القدرة علی تمام الاعمال لیست قیدا شرعيا في وجوب أصل الحجّ الأعمّ من النیابة و المباشرة و إنّما هي قید شرعي في الحجّ المباشري، أي أنّه یكفي في وجوب الحجّ و الإحجاج نیابة عن المستطیع قدرته المالية كما هو الحال نصّا و فتوی في الذي أقعد أو شاخ و هرم أو مرض مرضا یئس من البرء بعده، فالمسألتان من وادي واحد. أضف إلی ذلك استبعاد أن تكون الروایتان في صدد جعل وجوب آخر لا یتكفّله عموم التشریع في الآیة، و علی هذا فلا یتوهّم دلالة الروایتین المزبورتین علی كون الاستطاعة المأخوذة في الوجوب بكلّ أجزائها (المالية و البدنیة و السربیة) هو صرف الحدوث لا البقاء إلی آخر الأعمال، بل غایة الدلالة هو تقیید بعض الأجزاء و هو السربیة و البدنیة في فرض خاصّ و هو عدم اعتبار حصولها في إیجاب الحجّ النیابي عن المكلّف.فیتحصّل من روایات الإحجاج عن المیّت أنّ حكم استقرار الحجّ موضوعه مطلق المستطیع حتی التارك برخصة عقلية أو شرعية، إلاّ أن یقوم دلیل علی تخصیص موضوع حكم الاستقرار كما لا


1) نفس الباب، ح 2.و مثلها صحیحة زرارة في الباب المزبور.

..........

یبعد، و سیأتي في بعض الرخص الشرعية.

بل یستفاد من الروایتین الأخیرتین و إن كانتا في الحجّ النیابي التأیید بكون موضوع الاستقرار مطلق الترك و إن لم یكن إهمالا، و وجه التأیید للاستشهاد المزبور أنّ الروایتین علی ما فسّرناهما لیس من استقرّ علیه الحجّ و إنّما هما في صدد الوجوب النیابي أداء كالمقعد و المریض الذي یئس من البرء، و إن احتملتا أنّهما في الاستقرار، و یستدلّ علیه بلفظ من استطاع في الآیة الشریفة (1)ببیان أنّ موضوع الحكم تارة یؤخذ كصفة مشبهة لفعل قابل للبقاء فحینئذ ظاهر الدلیل أنّ الموضوع من القسم الثالث (المادامي) (2)

الثاني:حدوث الموضوع و بقاؤه دخیل في كلّ من حدوث الحكم و بقائه كاستطاعة الحجّ.

الثالث:حدوث الموضوع دخیل في حدوث الحكم و بقائه في بقائه و یسمّی ما دامي كالخمر.

الرابع: الحدوث و البقاء دخیل في الحدوث دون بقاء الحكم.

الخامس: الحدوث و جزء من البقاء دخیل في الحدوث و البقاء الطویل كما قد یدّعی في الحجّ حدوث و بقاء الموضوع في العام الأوّل دخیل في حدوثه و بقائه لكلّ الأعوام.ثمّ لتنبّه أنّه كما ذكرنا ذلك التقسیم بلحاظ موضوعات الأحكام یجري ذلك التقسیم أیضا بلحاظ الأجزاء المتعدّدة للموضوع الواحد فانتبه، فدخل الاجزاء للموضوع الواحد في الحكم لیست علی وتیرة واحدة غالبا.ثمّ إنّه لیتنبّه أیضا أنّه قد تختلف دخالة أجزاء الموضوع الواحد في نمط متعلّق الحكم الواحد بأن یكون الاجزاء قیدا في مطلق نمط الوجوب كالاستطاعة المالية في الحجّ، و بعضها الآخر في خصوص نمط معیّن من الحكم كالصحّة البدنیة فإنّها قید في الوجوب المباشري في الحجّ لا الأعمّ منه و من النیابي كما هو الحال في المقعد و نحوه.

، و أمّا إذا كان بنحو الفعل أو الصفة المشبهة المأخوذة من الفعل الدفعي لا البقائي فظاهره أنّ الموضوع بحدوثه موجد لحدوث الحكم و بقائه، فكلمة من استطاع في الآیة دالّة علی بقاء وجوب الحجّ و حدوث الاستطاعة لأنّ (استطاع)

1) «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلاً» .

2) دخل الموضوع في حدوث و بقاء الحكم علی أنحاء خمسة: الأوّل:حدوث الموضوع دخیل في حدوث الحكم و بقائه مثل صیغة النذر أو القتل.

..........

فعل حدثي لم یؤخذ كصفة مشبهة أي المستطیع، بل الآیة أخذت جانب الحدوث غایة الأمر أنّ الجانب الحدوثي من الاستطاعة لا مانع من الالتزام بكونه مقیّد بقدر من الامتداد الزمني حتی آخر الاعمال بنحو مسمّی الوجود لطبیعي فعل الحجّ الصادق علی العامّ الأوّل، أو غیره كما لو كانت الاستطاعة المالية سابقة علی القدرة علی الوصول إلی المشاعر بعامین كما في بعض البلدان النائیة في الزمن الأوّل أو في البلدان ذات التعداد السكاني الكثیر حیث انّ الذهاب فیها بالنوبة و ذلك فیما لو دلّ الدلیل كما سیأتي فیكون المحصّل من الآیة أنّ وجوب الحجّ بقاء موضوعه عین وجوب الحجّ حدوثا، لا أنّه هناك موضوعان لحكمین أحدهما وجوب الحجّ حدوثا بالاستطاعة و الآخر استقرار الحجّ في الذمّة بالاستطاعة مع الترك كي یبحث حینئذ انّ الترك المأخوذ هل هو الاهمالي أو الأعمّ فیتحصّل حینئذ أنّ وجوب الحجّ بقاء هو بمطلق الترك بدلالة الآیة بل في الحقیقة بالاستطاعة مجرّدة من دون امتثال كأي تكلیف آخر.و یعضد ذلك أنّ الحجّ لم یوقّت في الأداء بوقت غیر قابل للتكرّر لكي یكون قضاء غایة الأمر أخذت فیه الفورية كما دلّلنا علیها. فحینئذ رفع الید عن استقرار الحجّ بقاء محتاج إلی دلالة خاصّة كما لو كانت الرخصة في الترك شرعية و استفیدت ملازمتها لعدم استقراره.

ثمّ انّه قد یقال:إنّ موضوع استقرار الحجّ و إن كان هو الترك المطلق و لو عن عذر أو أنّه عین الوجوب حدوثا أي یكفي فیه تحقّق الموضوع حدوثا في العام الأوّل مع عدم امتثاله مطلقا إلاّ أنّه یبقی إشكال عدم تحقّق أصل الاستطاعة حدوثا فضلا عن الاستقرار و البقاء فلا یصحّ حینئذ ما ذهب إلیه الماتن و تقریر الإشكال ببیان أنّ العلم بالموضوع و العلم بالحكم و العلم بالمتعلّق المأخوذ و إن كان مقتضی القاعدة فیه إن لم یؤخذ شرعا أن یكون مقدّمة علمیة أي لأجل إحراز الامتثال فقط أو لأجل تحقّق التنجیز لأصل الحكم إلاّ أنّه في بعض الموارد یكون مندرجا في المقدّمات الوجودیة

..........

للامتثال كما مثّلوا بتعلّم القراءة في الفاتحة و السورة و تعلّم أجزاء و شرائط الصلاة و الصوم و الحجّ حیث إنّه بدون ذلك لا تتحقّق القدرة من رأس علی إتیان تلك المتعلّقات. و كذا الحال في ما نحن فیه حیث إنّ الجهل بخصوص القافلة الموصلة إلی الحجّ و عدم العلم بها موجب للعجز و عدم القدرة كمن یكون في بریة و لا یهتدي إلی الجهة و الطریق المفضية إلی مكّة حینئذ یكون عاجزا عن الوصول لا سیّما مع الالتفات إلی أنّ في الآیة دلالة خاصّة علی الاستطاعة السربیة حیث عبّرت و قیّدت الاستطاعة بحرف الجر (إلی) الدالّ علی الجهة و كذا عنوان (السبیل) فمع انتفاء تلك القدرة لا تحقّق للوجوب حدوثا فضلا عن البقاء.

و فیه: أنّ الجهل المفروض في المقام لیس هو في الطریق المفضي إلی الحجّ و إنّما هو في تخیّل انطباق طبیعي الطریق المفضي علی غیر المفضي و إلاّ فأصل انطباق و تواجد الطبیعي علی الطریق الموصل لم ینتف العلم به في فروض المسألة لأنّه وجدانا یعلم بأنّ خصوص ذلك الطریق المفضي في الواقع أنّه أحد الطرق فكیف یفرض العجز؟هذا فضلا عن ما إذا قلنا إنّ الاستطاعة في الآیة هي علی اتّخاذ الطریق لا سلوكه بجعل حرف الجرّ متعلّقا بـ(سبیلا) فالأمر أوضح حینئذ.

و من ثمّ یظهر أنّ ما ذهب إلیه الماتن من استقرار الحجّ تامّ.

فصل في شرائط وجوب حجّة الإسلام

اشارة

فصل في شرائط وجوب حجّة الإسلام

و هي امور:

أحدها:الكمال بالبلوغ و العقل

اشارة

أحدها: الكمال بالبلوغ و العقل فلا یجب علی الصبي (1) و إن كان مراهقا.

الكلام في الصبي یقع تارة بمقتضی القاعدة و تارة في الروایات بحسب المقام، فأمّا حسب مقتضی القاعدة فالأقوال في مشروعیة عبادة الصبي المهمّ منها ثلاثة:

الأوّل: ما ینسب إلی المشهور من كون البلوغ شرط التكلیف، و علیه یكون عدم إجزاء حجّه عمّا لو بلغ مقتضی القاعدة.

الثاني: و الذي یظهر من الشهیدین و بعض المواضع من صاحب الجواهر و بعض مشایخنا (قدّس سرّه) من أنّ البلوغ قید التنجیز و القلم المرفوع هو قلم التنجیز و المؤاخذة و علیه یكون الأجزاء علی مقتضی القاعدة و عدمه لو دلّت الروایات الخاصّة في الباب علی خلاف مقتضی القاعدة.

الثالث: و هو المختار أنّه قیّد الفعلية التامّة فتكون التكالیف في حقّه اقتضائیة أي فعلیة ناقصة، و علی هذا القول یفصل في الاجزاء و إن كان في خصوص المقام یقال بالإجزاء.

أمّا الروایات الخاصّة الواردة في المقام (1)فموثّق إسحاق بن عمّار (2)قال:سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ابن عشر سنین یحجّ قال:«علیه حجّة الإسلام إذا احتلم، و كذا الجاریة علیها الحجّ إذا طمثت»، و مثله معتبرة شهاب (3)-علی الأصحّ-، و هذه الروایة تحتمل في الدلالة بدوا معنیین:


1) مستدرك الوسائل، باب 11-12، أبواب وجوب الحجّ.

2) الوسائل، باب 12، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

3) باب 12، أبواب وجوب الحجّ، ح 2.

..........

الأوّل:أن یكون السائل قد سأل عن صبي قد حجّ و هو ابن عشر سنین فیجیبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوجوب إعادة الحجّ علیه بعد البلوغ فیكون صریحا في شرطیة البلوغ في وجوب الحجّ كقید اتّصاف.

الثاني:انّ السائل أراد بـ(یحجّ) أي یلزم بالحجّ و یكلّف بالحجّ، أي عن وجوب الحجّ، فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) انّ وجوب الحجّ مقیّد بالبلوغ و علی ذلك فیحتمل المفاد أنّ التنجیز و الالزام بالحجّ بعد البلوغ فلا ینفی كون الحجّ مشروعا عند غیر البالغ أو أنّ حجّه غیر مجز.

إلاّ أنّ الصحیح المعنی الأوّل لكونه المتبادر أوّلا مع أصالة عدم التقدیر المحتاج إلیها في المعنی الثاني، و یشهد أیضا لذلك أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد غایر بین عنوان الحجّ الذي فرض فیه ابن عشر سنین ممّا یبین أنّ الحجّ قد فرض وقوعه من ابن عشر سنین من السائل إلاّ أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بیّن أنّ الطبیعي الواقع من الصبي لیس هو متّصف بالعنوان الخاصّ و هو حجّة الإسلام.

و یشهد لذلك بما لا استرابة فیه صدر الروایة الثانية التي قطّعها صاحب الوسائل حیث انّ فیها السؤال عن العبد و أمّ الولد یحجّان أ یجزي حجّهما عن حجّة الإسلام بعد عتقهما، و السؤال عن غیر البالغ واقع في سیاق ذیل ذلك أي أنّ السؤال من حجّ غیر واجد لشرائط الحجّ هل یجزي عن حجّة الإسلام بعد تحقّق الشرائط حینئذ فتدلّ الروایة علی أنّ البلوغ شرط كقید اتّصاف في الملاك.

و باسناد الصدوق عن أبان عن الحكم بن حكیم، و في بعض النسخ ابان بن الحكم و الظاهر وقوع السهو من الناسخ.و استبعاد روایة ابان عن الحكم لعدم روایته عنه في غیر هذا المورد لیس بمعتمد.قال:سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) یقول:«الصبي إذا حجّ به فقد قضی حجّة الإسلام حتی یكبر» (1)، و في ذیلها في العبد كذلك و هذه الروایة بمضمونها


1) باب 13، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

و لا علی المجنون (1) و إن كان ادواریا إذا لم یف دور إفاقته بإتیان تمام الاعمال و لو حجّ الصبي لم یجزأ عن حجّة الإسلام و إن قلنا بصحّة عباداته و شرعيتها كما هو الأقوی و كان واجدا لجمیع الشرائط سوی البلوغ ففي خبر مسمع عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو أنّ غلاما حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كان علیه فریضة الإسلام.و في خبر إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن عن ابن عشر سنین یحجّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«علیه حجّة الإسلام إذا احتلم و كذا الجاریة علیها الحجّ إذا طمثت».

وردت عند العامّة عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) (1).

و هذه الروایة غیر معارضة لما تقدّم لأنّها قد غییت الاجزاء بالبلوغ، و یكون مفادها حینئذ انّه یعطی ثواب و ملاك الواجب تفضّلا كما لو مات قبل البلوغ، و علی أي تقدیر ففي هذه الروایة إشارة لا تخفی علی صحّة القول الثاني بل الثالث الذي حرّر في مقتضی القاعدة.

و روایة مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حدیث قال: «لو أنّ غلاما حجّ عشر حجج ثمّ احتلم فعلیه حجّة الإسلام» و المسألة بحمد اللّه واضحة بذلك.

أمّا المجنون فإن كان جنونه مطبقا لا یعقل و لا یدرك شیئا من رأس فهذا لیس موردا للرفع و لا للوضع الشرعي كما في الصبي الغیر ممیّز، أمّا إذا كان جنونه ممزوجا بدرجة من الادراك و هو علی درجات كما هو ملاحظ، فالشأن في رافعیة حدیث القلم بالنسبة إلیه شأن الدرجات التشكیكیة في موضوع قاعدة الحرج و الدرجات التشكیكیة في موضوع قاعدة الضرر، و الأقوال فیه-أي في المورد الذي یكون الرفع رفعا تشریعیا امتنانیا قابلا للوضع- هو الأقوال المارّة آنفا في الصبي الممیّز.

فعلی القول الثاني و الثالث في المجنون المطبق من رأس یجب علیه الحجّ بعد الافاقة، أي الذي الرفع فیه عقلي لا شرعي كما هو كذلك في القول الأوّل. و أمّا


1) المغنی لابن قدامة، ج 3، ص 162.

مسألة 1:یستحبّ للصبي الممیّز أن یحجّ

(مسألة 1):یستحبّ للصبي (1) الممیّز أن یحجّ و إن لم یكن مجزیا عن حجّة الإسلام، و لكن هل یتوقّف ذلك عن إذن الولي أو لا؟المشهور بل قیل لا خلاف فیه انّه مشروط بإذنه لاستتباعه المال في بعض الأحوال للهدي و للكفّارة و لأنّه عبادة متلقّاة من الشرع مخالف للأصل فیجب الاقتصار فیه علی المتیقّن.و فیه أنّه لیس تصرّفا مالیا و إن كان ربّما یستتبع المال و أنّ العمومات كافیة في صحّته و شرعيته مطلقا فالأقوی عدم الاشتراط في صحّته و إن وجب الاستئذان في بعض الصور، و أمّا البالغ فلا یعتبر في حجّه المندوب إذن الأبوین إن لم یكن مستلزما للسفر المشتمل علی الخطر الموجب لأذیّتهما و أمّا في حجّه الواجب الواجب فلا إشكال.

المجنون المخالط بإدراك علی درجات كما قلنا فمقتضی القولین الأخیرین هو الاجزاء لا سیّما و أنّ الرفع امتناني، و لعلّ وجه ورود الروایات الخاصّة في الصبي بلسان مغلظ بأنّه یأتي بحجّ الإسلام و إن أتی بعشر حجج لعلّ وجهه هو لدفع ما قد یستفاد و یستظهر من عدم اقتضاء حدیث الرفع رفع المشروعیة و الاجزاء لكونه امتنانیا.

و یشیر إلی الدرجات التشكیكیة في الجنون و أنّ المرفوع في كلّ منها بحسبه، و من ثمّ كان الرافع للفعلیة التامّة و المؤاخذة لا لأصل المشروعیة تغایر التعابیر الواردة في رفع القلم أو عدم كتابة السیّئات و تغایر تلك التعابیر عن الموضوع تارة بعنوان الجنون و المجنون و تارة بالسفیه و ثالثة المعتوه و رابعة فاقد العقل.

قاعدة في شرطیّة إذن الأب في أعمال الصبي و یدلّ علیه نفس عمومات مشروعیة الحجّ و استحبابه بناء علی القول الثاني و الثالث في حدیث رفع القلم عن الصبي من أنّه رفع الفعلية التامّة أو التنجیز و المؤاخذة لا أصل المشروعیة، و یرشد إلی ذلك ما تقدّم من الروایات في المسألة

..........

السابقة من لزوم إعادة حجّه بعد بلوغه الدالّ علی ارتكاز مشروعیة الحجّ للصبي لدی الرواة، و أیّا ما كان فالروایات المزبورة هي وجه مستقلّ في الدلالة علی الاستحباب، كما یمكن الاستدلال علی المشروعیة بما ورد من روایات عدیدة من استحباب احجاج الأولیاء للصبيان (1)بضمیمة أنّ الاعمال یأتي بها الممیّز بنفسه لا بحمل الولي له علیها كما هو الحال في الرضیع و غیر الممیّز.هذا كلّه في أصل الاستحباب.

أمّا اشتراط إذن الأب في حج الصبي فقد یستدلّ بوجوه:

الأوّل:استلزام الحج للتصرّف المالي، أو أنّه بنفسه تصرّف مالي، و هو ضعیف كما أشار إلی وجه ضعفه في المتن.

الثاني:كون مشروعیة الاستحباب هي القدر المتیقّن من الأدلّة، و هو ضعیف أیضا لأنّ الأدلّة كما تقدّمت الإشارة إلیها مطلقة بحمد اللّه.

الثالث:أولویة اشتراط الإذن في حج الصبي منه في البالغ و حیث انّ في البالغ یشترط ذلك للنصّ المعتبر الوارد و هو معتبرة هشام (2).و فیه أنّه سیأتي ضعف الاستشهاد بتلك الروایة في البالغ.

الرابع:دعوی أنّ مقتضی ولایة الأب علی الصبي في أمواله بل و كافّة اموره من نكاحه و تربیته و تأدیبه مقتضاها أنّ حركات الطفل و سفره و ترحاله یكون بید الأب؛إذ هو المسئول عن أمن الصبي و مصیره، فجعل مثل تلك السلطة و الولایة العامّة ینافیها كون الصبي مالك الاختیار بنحو مطلق لا سیّما في فعل مثل الحجّ المستلزم للسفر حتی لحاضري المسجد الحرام لا العبادة المحضة كالصوم و الصلاة من حیث هما اللتان لا تستلزمان كون الصبي مطلق الاختیار في ما یكون الأب مولی فیه بخلاف ما إذا كثرت صلاته الندبية و كثر صومه.


1) باب 17، أبواب أقسام الحجّ.

2) باب 10، الصوم المحرّم، ح 3.

..........

إلاّ أنّ المحصل من هذا الوجه لیس هو شرطیة إذن الأب علی وزان شرطیة الشروط في الماهیّات كشرطیة الطهارة في الصلاة بل هو من قبیل العناوین الطارئة أو المزاحمة الرافعة للرخصة في الفعل، و علی هذا فلو حجّ الصبي من دون إذن أبیه لكان فساد حجّه من جهة المبغوضیة المجتمعة مع المحبوبیة نظیر اجتماع الأمر و النهي، و علی هذا نخرج بقاعدة فقهیة كلّیة و هي اختلاف الحال في غیر البالغ عن البالغ من اشتراط إذن الأب في امور الأوّل مطلقا دون الثاني.فلا یوقع البحث في تصرّفات غیر البالغ من زاویة العقوق و البرّ فقط كما في البالغ بل یجب الالتفات و التفطّن إلی ولایة الأب عموما علیه في ذلك.

و المحصّل من هذه القاعدة كون الإذن بمقتضی ولایته شرطا طارئا لا علی نسق شروط الماهیة الوضعية بل علی وزان الشرط التكلیفي المتولّد من ولایة الأبّ الوضعية و التكلیفية علی الصبي، و یشهد له ما ذكروه من الفراغ في موجبات الضمان في القصاص من ضمان الآمر للصبي بالركوب علی مركب في موضع الخطر حیث قیّدوا الضمان بكونه من دون إذن الأبّ.

الأوّل:وجوب طاعة الأبوین و هو عنوان ثانوي طارئ ملاكه مقدّم علی المستحبّات، إلاّ أنّ المسلم بین غیر المتقدّمین من الفقهاء هو حرمة عقوقهما أي وجوب الطاعة بالدرجة التي یلزم من عدمها العقوق لا مطلق طاعتهما و برّهما فإنّه أمر راجح لكن لیس بلازم، و من ثمّ إذا فرض التزاحم بین برّهما و إطاعتهما بالقدر المستحبّ و بقیّة المستحبّات العبادية التي منها الحجّ بنحو یتعیّن التزاحم أي لم یتمكّن من إرضائهما بها حینئذ ینظر إلی الأهمّ ملاكا فیكون من الأولی مراعاته لا تعیّنه.

فمن ذلك یتحصّل عدم لزوم إذنهما في مشروعیة و رجحان الحجّ المستحبّ إلاّ إذا استلزم عقوقهما فإنّه حینئذ یحرم العقوق، و أمّا صحّة الحجّ علی فرض العصیان

..........

فلا إشكال فیها لأنّه لیس الفعل الغیر المرضي سبب للعقوق كما حرّر في محلّه بشهادة أنّه یمكن إتیان الحجّ المستحبّ مع إغفالهما فلا یحصل عقوق ممّا یدلّ علی انفكاكهما و عدم السببیة التولیدیة بینهما، و المحرم من المقدّمات خصوص المقدّمة السببیة التولیدیة.

الثاني:ما استدلّ به صاحب الحدائق من معتبرة هشام عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال:

«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ):من فقه الضیف أن لا یصوم تطوّعا إلاّ بإذن صاحبه...إلی أن قال:و من برّ الولد أن لا یصوم تطوّعا و لا یحجّ تطوّعا و لا یصلّی تطوّعا إلاّ بإذن أبویه و أمرهما و إلاّ كان الضیف جاهلا و كانت المرأة عاصیة و كان العبد فاسقا عاصیا و كان الولد عاقّا» (1).و السند و إن كان فیه أحمد بن هلال العبرتائي إلاّ أنّا قد ذكرنا مرارا أنّ انحرافه كان في الغیبة الصغری و أنّ التوقیعین الصادرین هما من الناحیة المقدّسة لا من العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أنّ الطائفة قد قاطعته بعد انحرافه فما ترویه عنه هو أیام استقامته كما هو الحال في عليّ بن أبي حمزة البطائني، و أمّا الدلالة فهي و إن بنی صاحب الحدائق و غیره من أعلام متأخّري العصر علی كون دلالتها علی اللزوم تامّة و انّ خدش الثاني فیها بوجوه ثلاثة:

ضعف السند و قطعیّة بطلان المضمون لدلالتها علی توقّف الصلاة المستحبة علی إذن الأبوین، و توقّف صحّة الصوم و الصلاة المستحبّین علی أمرهما لعدم قول قائل بالأوّل و عدم توقّف الصحّة علی الأمر و إنّما علی الإذن و الرضا لو قیل به.

و الصحیح عدم دلالة الروایة علی ذلك بل هي إمّا محمولة علی الاستحباب نظرا للتعبیر بالبر و هو أمر ندبي عموما، و أمّا العقوق المعتبر في الروایة فهو درجة تنزیلیة لا العقوق الحقیقي كما ورد التعبیر بالعقوق في ترك الابن لإهداء الثواب لوالدیه المیّتین مع أنّه من الواضح أنّه لیس بمرتبة الحرمة؛إذ قد عرف العقوق في اللغة (بالشقّ) فاستعیرها هنا بمعنی شقّ عصی الطاعة و الإحسان و البرّ أو قطع الصلة فلا


1) باب 10، من الصوم المحرّم، ح 3.

مسألة 2:یستحبّ للوليّ أن یحرم بالصبي غیر الممیّز بلا خلاف

(مسألة 2):یستحبّ(1) للوليّ أن یحرم بالصبي غیر الممیّز بلا خلاف لجملة من الأخبار بل و كذا الصبية (2) و إن استشكل فیها صاحب المستند.

یصدق حقیقة من دون ذلك، إلاّ إذا علم للشارع تعبّد تنزیلي إلحاقي في مصداق معیّن بتلك الماهیة و لا یمكن دعواها هاهنا لأنّ التنزیل في الروایة صالح أن یكون بعنایة الاستحباب، أو أنّها تحمل علی موارد حصول العقوق كما لو كانا یتأذان بذلك و إن كان الوجه الأوّل أظهر لارداف الصلاة و الصیام بذلك مع أنّه من الواضح عدم حصول العقوق حقیقة كما لا یراد تنزیلا في هذه الروایة فالسیاق و الارداف للحجّ معهما قرینة علی تعیّن الوجه الأوّل.

و أمّا الخدشة في السند فقد عرفت حالها، و أمّا دعوی القطع ببطلان توقّف الصلاة علی الأمر فمدفوعة بأنّ دلالة الروایة لیست توقّف مشروعیّة الصلاة المستحبّة علی أمرهما و إنّما دلالتها هو ما ذكرناه من كون طاعتهما أو عقوقهما عنوان تكلیفي طارئ لا شرط وضعي كما هو الحال في قاعدة ولایة الأب علی الصبي المتقدّمة آنفا، و إنّما هو عنوان طارئ كما لو طرأ عنوان العقوق علی الصلاة المستحبّة من البالغ.

و أمّا الخدشة الثالثة فضعیفة للغایة؛إذ المراد من الأمر هاهنا الكنایة عن الإذن و الرضا.

كما تدلّ علیه روایات عدیدة في أبواب متفرقة (1)سیأتي استعراض نماذج منها و حدود دلالتها في الجهات اللاحقة و لم یحك خلاف في ذلك.

كما هو المحكيّ عن المشهور و أشكله النراقي و استدلّ له بصحیحتین متقدّمتین في المسألة السابقة التي فرض فیها حجّ الصبية و لكنّه مخدوش بأنّ فرض الروایتین هو في الصبية الممیّزة لمكان إسناد الحجّ بنحو الإطلاق إلیها.


1) باب 17، أبواب أقسام الحجّ، و الباب 47 من أبواب الطواف، و الباب 17 من أبواب رمي جمرة العقبة، و الباب 3 من أبواب الذبح.

و كذا المجنون (1) و إن كان لا یخلو عن إشكال لعدم نصّ فیه بالخصوص فیستحقّ الثواب علیه.

و یستدلّ له أیضا بما ورد في بعض الروایات (1)من عنوان (الصبية) الذي هو جمع مكسر للصبي إلاّ أنّه یطلق في الاستعمال علی موارد الجمع من الجنسین.و كذا عنوان الصغار (2)و لا یبعد ذلك حتی في عنوان (الصبيان) و لا یتوهّم أنّ مرادنا من ذلك إطلاق (الصبيان) علی جمع (الصبيات) من دون وجود (صبیة ذكور) معهم، بل مرادنا إطلاقه في الاستعمال العرفي علی موارد الاجتماع من الجنسین تغلیبا لجانب الذكور.

و قد درج الفقهاء في استظهار الأعمّ من الجنسین في موارد الخطاب بضمیر الجمع المذكر كما في قوله تعالی: «كُتِبَ عَلَیْكُمُ الصِّیامُ» و قوله تعالی: «مَنِ اسْتَطاعَ» ممّا یراد في مثل هذه الموارد جنس المكلّف و یؤتی بلفظ المذكّر من باب التغلیب.

نسب ذلك إلی الأصحاب و هو-كما تقدّم في صدر البحث عن الشرط الأوّل- ذو درجات و تلك الدرجات التي یبقی معها شیئا من التمییز و الادراك هي موضع الرفع الشرعي و أنّ الرفع علی ثلاثة أقوال و أنّ أقواها الثالث، و هو كون القلم قلم الفعلية و بالتبع المؤاخذة لا رفع قلم التكلیف.فالمشروعیة ستكون بعموم الأدلّة الأوّلیة و أمّا المجنون الذي لا یبقی معه تمییز من رأس فهو محل كلام و الانصاف أنّ ما حكي عن المنتهی من الاستدلال بمساواته للصبي غیر الممیّز لا سیّما المولود، في محلّه و لیس من القیاس الظنّي كما قد قیل.

و الوجه في ذلك ما علم من أدلّة التكلیف من أنّه تكتب له الحسنات و إن لم تكتب علیه السیّئات (3)فهو مع غیر الممیّز سیّان.


1) باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 7.

2) باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 5.

3) باب 4، أبواب مقدّمات العبادات، ح 11، و باب 13، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

و المراد بالاحرام به جعله محرما (1) لا أنّ یحرم عنه.

و حكی في كشف اللثام عن المبسوط (1):أنّ من أتی المیقات و لم یتمكّن من الإحرام لمرض أو غیره أحرم عنه ولیّه و جنّبه ما یتجنّبه المحرم.

هذا و قد عنون الأصحاب في بحث المیقات أنّ من عرض علیه مرض أو اغماء أو فقد عقل یحرم عنه ولیّه، كما ذكر ذلك المحقّق في المعتبر تبعا لما رواه الشیخ بسند صحیح إلی جمیل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما علیهما السّلام:في مریض اغمی علیه فلم یعقل حتی أتی الوقت (أو الموقف) فقال:«یحرم عنه رجل» (2).

و ما رواه الكلیني بسند صحیح عن جمیل عن بعض أصحابنا عن أحدهما علیهما السّلام -في حدیث-قال في مریض اغمی علیه حتی أتی الوقت فقال:«یحرم علیه» (3).

و یستفاد من هاتین الروایتین بوضوح أنّ ما أفتی به الشیخ الطوسي عامّ یشمل حتی مثل المجنون.

هكذا ورد التعبیر في كثیر من كلمات الأصحاب و الروایات.و لتنقیح الحال في فعل الاحرام و نیّته و كذا التلبیة و بقیّة أفعال الحجّ لا بدّ من ذكر امور:

الأمر الأوّل:

انّ الأفعال العبادية یتصوّر الآتيان بها نیابة علی أربعة صور:

الاولی:أن یأت النائب بمجموع العمل عن المنوب عنه كما في الحجّ أو العمرة أو الصلاة النیابية.

الثانية:أن یأت النائب بجزء من العمل عن المنوب عنه لا مجموعه، كما في الطواف نیابة أو السعي أو الرمي أو الذبح كذلك، نیابة عمّن عجز عن الطواف أو


1) المبسوط، ج 1، ص 313.

2) باب 20، أبواب المواقیت، ح 4.

3) باب 20، باب المواقیت، ح 1.

..........

السعي أو الرمي أو الذبح دون بقیّة الأعمال في الحجّ.

الثالثة:أن یوقع النائب العمل كفاعل و موجد في بدن المنوب عنه فیكون المنوب عنه قابلا للعمل و الفعل و یسند إلیه إسناد القابل، كما في غسل المیّت أو تیمّمه و كذا في توضئة المریض أو تیمیمه.و كذا في احجاج الصبي و إحرامه و الإطافة به و السعي به كما سیتّضح.و في هذا القسم قد یقال بلزوم نیّة كلّ منهما أو نیّة خصوص المنوب عنه-فیما إذا أمكنه-و إلاّ فنیّة النائب.و سیأتي أنّ مقتضی القاعدة في النیابة لزوم نیّة كلّ منهما فیما إذا أمكن ذلك من المنوب عنه، ثمّ إنّ في هذا القسم الأقوی أن ینوی النائب أیضا لأنّه نائب حقیقة للجهة الفاعلية للفعل عن المنوب عنه فلا بدّ من نیّته كما لا بدّ من نیّة المنوب عنه إن أمكن لكونه قابلا أیضا.ثمّ إنّ بحث لزوم واجدیة النائب في هذا القسم لشرائط الأداء أو عدم لزومها كما هو الصحیح سیأتي لاحقا.

الرابعة:أن ینوب النائب في الشرط العبادي للعبادة دون نفس العبادة المشروطة و هو و إن لم نجد له مثالا لكنّه ممكن ثبوتا.

و یمكن أن یستفاد من روایتي جمیل بن درّاج السابقتین (1):أنّ من تعذّر علیه الاحرام لمرض أنّه یحرم عنه، فإذا أفاق أتی ببقیّة الأعمال.نعم في إجزاء ذلك عن حجّة الإسلام فیما لو كان مستطیعا قبل طروّ المرض كلام أفتی المحقّق بعدم إجزائه في بحث المواقیت و سیأتي الحدیث عنه إن شاء اللّه تعالی.

و لكن الصحیح أنّ هذا مثال للقسم الثالث لا الرابع فتدبّر.

الأمر الثاني:

انّ الصبي غیر البالغ علی ثلاث درجات:


1) باب 20، أبواب المواقیت، ح 1-4.

..........

الاولی: الصبي الممیّز و قد عرّفوا التمییز بادراكه و استشعاره لقبح كشف العورة، و مرادهم كون العقل العملي-فضلا عن النظري-قد صار بالملكة و قریب من الفعلية.

الثانية:غیر الممیز و لكنّه یحسن التلفّظ و یدرك معاني الكلمات في الجملة، فهذا صار عقله العملي بالقوّة و عقله النظري بالملكة القریب من الفعلية و القوّة المحرّكة له العملية لیست هي العقل العملي بل الغرائز السفلیة الاخری.

و من ثمّ یقع الكلام في مثل هذه الدرجة من الصباوة أنّه هل تتأتّی منه النیّة و التلبیة في الحجّ و نیّة غیره من الأفعال العبادية أو لا؟

قد یقال بتأتّیها منه نظرا لأنّه یدرك معناها كما هو الفرض، و التحریك و إن لم یكن بعقله العملي، بل یكون بغرائزه الاخری، إلاّ أنّ ذلك لا ینافي كون حركته العملية الغریزیة هي باتّجاه اللّه تعالی فتكون قربیّة.نظیر من یأتي من البالغین بصلاة اللیل لزیادة الرزق أو من یعبد اللّه لأجل الفوز بالجنة أو الخلاص من النار فإنّ محركیة مثل هذه المحرّكات لا تنافي القرب؛لأنّ القرب علی درجات و إن كان قد یفرّق بأن في البالغ القوّة العاقلة العملية هي المحرّكة نحو تلك الدواعي بخلاف الصبي غیر الممیز إلاّ أنّه لیس بفارق حیث انّ التحریك في المآل یسند إلی العلّة الغائیة التي هي غایة الغایات و یكون دور قوّة العقل العملي مجرّد الوساطة في العلیة، و علی أیّة حال فیستفاد من صحیحة زرارة عن أحدهما علیهما السّلام قال:«إذا حجّ الرجل بابنه و هو صغیر فإنّه یأمره أن یلبي و یفرض الحجّ فإن لم یحسن أن یلبّي لبّوا عنه و یطاف به و یصلّی عنه» الحدیث (1).

فإنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد فرض أمر الأب للابن بأن یلبّي الابن و یفرض الحجّ، و فرض الحجّ نیّته، و إنشاء النیّة فهي من الصغیر.و الظاهر من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمومه لغیر الممیّز بشهادة


1) باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 5.

..........

استثناء خصوص من لم یحسن التلبیة أي التلفّظ بها، فتكون هذه الروایة مفسّرة لروایات الباب و مقیّدة للاطلاقات الواردة بالاحرام عن الصبيان، أي المطلقة للأمر بجعل الصبيان محرمین بایقاع الاحرام فیهم مع النیابة عنهم في النیّة و التلبیة.

و لذلك عبّر بلفظه (عنه) حیث أنّه بقرینة تجریده من الثیاب و غسله و إلباسه ثوبي الاحرام یكون المراد من (عنه) هاهنا النیابة من القسم الثالث الذي تقدّم في الأقسام الثلاثة في الأمر الأوّل.

فالحاصل:انّ متن صحیحة زرارة یكون مقیّدا لتلك الاطلاقات و مفصّلا مؤلّفا بینها و بین الاطلاقات الاخری الواردة في الباب الآمرة باحرام الصبيان أنفسهم.و حینئذ یكون هذا التفصیل لیس في خصوص نیّة الاحرام و الاحرام و التلبیة، بل في كلّ أفعال الحجّ.

نعم الأحوط مع كلّ ذلك نیّة الولي، بل هو الأقوی فیما یوقعه الولي من الأفعال في الصبي.

الثالثة:الصبي الذي لا یدرك معاني الألفاظ و لا الكلام، أي أنّ عقله النظري بالقوّة فضلا عن العملي، و هذا القسم لا إشكال في أنّ الوليّ یوقع الاحرام فیه و ینوی عنه نیابة و یلبّي عنه كذلك و كذا بقیّة أفعال الحجّ.

الأمر الثالث:

انّ الاجزاء و الشرائط المأخوذة في الماهیّة العبادية یتصوّر أخذها علی نحوین-كما ذكروا كلّ ذلك في بحث مقدّمة الواجب في مسألة الطهارات الثلاث-.

النحو الأوّل:أن تؤخذ عبادية، و المراد من الأخذ تقیّدا لماهیة بها و تقوّمها بها، كما أنّ الشيء المأخوذ جزءا أو شرطا قد یكون في نفسه عباديا و قد یكون توصّليا، كالركوع الذي هو ذاته عبادي و كیفیّة أخذه في الصلاة أیضا عبادية أي یجب أن یؤتی

..........

به بقصد الصلاة مع أنّه خضوع في نفسه.و القیام الذي هو ذاته غیر عبادي لكن كیفیّة أخذه عبادية أي یجب أن یؤتی به بقصد الأمر و إن كان هو في نفسه لیس بعبادة.

النحو الثاني:أن تؤخذ توصّليا أي تقیّدا لماهیة به و كیفیّة أخذه فیها، فلا یجب إتیانه بقصد أمر تلك الماهیة أعمّ من كونه هو في نفسه عباديا أو توصّليا كالطهارة و الستر في الصلاة حیث انّ الأوّل في نفسه عبادي لكنّه إذا أتی به لعبادة اخری یكتفي به في عبادة مغایرة لكون أخذه توصّليا.

و أمّا الستر و التستّر فهو في نفسه لیس بعبادي و لا یجب إتیانه بداعي الأمر.

و تظهر فائدة هذا البحث في القسم الثاني من النائب و مثاله احجاج الولي للصبي في الأفعال التي ینوب فیها الولي عن الصبي بالنیابة التي من القسم الثاني كأن یطوف عنه أو یرمي عنه فیما إذا لم یتمكّن، أو یصلّی عنه حیث انّ تلك الأفعال مشروطة بالاحرام، و الاحرام و إن كان في نفسه تعبّديا إلاّ أنّ أخذه في الحجّ توصّلي فحینئذ یكفي إحرام الوليّ لحجّ نفسه لوقوع تلك الأفعال النیابية عن الصبي وقوعا مع الشرط و إن لم یوقع الشرط بقصد الأمر النیابي.هذا مع كون الصبي محرما أیضا، و ما ینسب إلی المشهور في المسألة الثالثة من عدم لزوم كون الوليّ محرما إنّما یتمّ في النیابة التي من القسم الثالث لا القسم الثاني، فإطلاق كلامهم-الموهم-محمول علی القسم الثالث من النیابة.

الأمر الرابع:

الشرائط و الاجزاء المأخوذة في الماهیة العبادية علی قسمین:

الأوّل: هي شرائط و اجزاء الماهیّة بما هي هي، فتعمّ أصناف المكلّفین.

الثاني: هي شرائط و اجزاء المؤدّي، أو یعبّر عنها بشرائط الأداء، و تستعلم إثباتا في لسان الأدلّة بتوسّط أخذ عنوان صنف خاصّ من المكلّف في موضوع ذلك الشرط،

..........

كما إذا ورد في اللسان الرجل یجهر في صلاة الصبح، أو الرجل یلبس ثوبي الاحرام، و المرأة تتستّر في حال الصلاة، بخلاف لسان نمط الأوّل فإنّه أخذ الشرط في الماهیة بما هي هي.

و من قبیل لسان الأوّل اشتراط الاحرام في الحجّ و العمرة حیث انّه من شرائط الماهیة لا من شرائط المؤدّي، و علی ذلك یشترط في الولي عن الصبي إذا أتی بالنیابة عن الصبي من القسم الثاني من أفعال الصبي یشترط أن یكون محرما و من ثمّ حكمنا بلزوم كون الذابح عن البالغ محرما مضافا إلی شرط الإیمان؛لأنّ الذبح من المباشر عبادة نیابیة عن المذبوح عنه.نعم غایة الأمر بمقتضی ما قدّمناه في الأمر الثالث أنّ الاحرام و إن كان عباديا إلاّ أنّ أخذه في الحجّ توصّلي فیكتفي الولي باحرام حجّ نفسه في تحقیق شرط الاحرام المأخوذ في الفعل النیابي كالطواف عن الصبي أو یرمي عنه.

و أمّا النیابة من القسم الثالث و هو أن یوقع النائب العمل في المنوب عنه كما في احجاج الصبي فمن الواضح عدم عموم أدلّة شرائط الماهیة و لا شرائط الأداء لهذا النائب؛لأنّ شرائط الماهیة و أجزائها المفروض تحقّقها بواجدیة الصبي لها، و أمّا شرائط الأداء فلسانها فیما كان المؤدّي فاعلا و قابلا للفعل.

الأمر الخامس:

انّه قد استشكل السیّد الشاهرودي (قدّس سرّه) في تقریراته في الصبي الذي لم یثغر حیث انّه ورد في صحیح محمّد بن الفضیل عن أبي جعفر الثاني (عَلَيهِ السَّلَامُ):عن الصبي متی یحرم به قال: «إذا أثغر» (1)، و استظهر أنّه في مقام التحدید فیقیّد المطلقات، و تنبّه إلی معارضته بصحیح عبد الرحمن بن الحجّاج (2)حیث انّ فیه الصبي المولود و هو الذي


1) باب 14، أبواب أقسام الحجّ، ح 8.

2) باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 1.

فلیلبسه ثوبي الاحرام و یقول:اللّهمّ إنّي أحرمت هذا الصبي...و یأمره بالتلبیة بمعنی أن یلقّنه إیّاها و إن لم یكن قابلا (1) یلبّي عنه في كلّ ما لا یتمكّن و یطوف به لم یثغر، ثمّ بعد ذلك ذهب إلی استحكام التعارض و حیث انّ الاثغار مردّد بین من یقرب من ستّة أشهر أو ستّ سنین لكون الثغر هو إنبات القواطع أو سقوط الثنایا، و حیث انّ الاثغار مردّد تكون دائرة المعارضة إلی الصبي ذي الستّ سنین فیحجّ به رجاء.

و فیما أفاده نقاط مواضع للتأمّل:

الأوّل:انّ الصحیح في باب المستحبّات لا یرتكب التخصیص و لا التقیید و لا حمل المطلق علی المقیّد و العام علی الخاصّ لكون بابها موضوعا علی تعدّد المطلوب، بل انّهم یرتكبون ذلك في الدلیل الواحد و اللسان الواحد المشتمل علی الماهیة التركیبیة أنّهم یجعلون القیود مع المقیّد من باب تعدّد المطلوب فهذه قرینة عامّة في باب المستحبّات فمن ثمّ لا تقیّد المطلقات بصحیح ابن الفضیل، كما لا معارضة مع صحیح عبد الرحمن بن الحجّاج.

ثانیا:لو بني في المستحبّات كما یبنی في الإلزاميات من نحو الجمع بین الأدلّة لكان مقتضی القاعدة عند تعارض الخاصّتین هو الرجوع إلی العموم الفوقاني أي مطلقات المشروعیة للصبي.

ثالثا:لو أعرض عن ما سبق أیضا لكان مقتضی القاعدة هو كون التعارض في القدر المتیقّن من صحیح الفضیل و هو من لم یبلغ الستّة أشهر فهو مقدار التعارض لا الأكثر؛ لأنّ الفرض أنّ صحیح الفضیل خاصّ منفصل مجمل فلا یكون حجّة في نفسه إلاّ بمقدار القدر المتیقّن.

قد تقدّم في الأمر الثاني أنّ ضابطة قابلیّته كونه یحسن الكلام و یلتفت إلی معنی الكلام و إن لم یكن ممیّزا كما دلّت علی ذلك صحیحة زرارة المتقدّمة و هو مقتضی القاعدة كما بیّنا، لا سیّما في التلبیة.نعم في النیّة قد ذكرنا أنّ الأقوی هو نیّة كلّ من

و یسعی به بین الصفا و المروة و یقف به (1) في عرفات و منی و یأمره بالرمي و إن لم یقدر یرمي عنه، و هكذا یأمره بصلاة الطواف و إن لم یقدر یصلّي عنه و لا بدّ من أن یكون طاهرا متوضّئا و لو بصورة الوضوء و إن لم یمكن فیتوضّأ هو عنه (2) و یحلق رأسه و هكذا جمیع الأعمال.

النائب و المنوب عنه حتی في القسم الثالث من النیابة، بل في كلّ أقسام النیابة یجب الجمع بین النیّتین، و وجه ذلك في خصوص الثالث ما تقدّم في الأمر الأوّل و هو أنّ النائب فیه و إن كان فاعلا لا قابلا إلاّ أنّ الحیثیّة الفاعلية في الفعل حیث انّها عبادية أیضا فیجب نیّة النائب فیها و من ثمّ یجب علی الموضئ للمریض أو التيمّم للمریض النیّة مضافا إلی نیّة المریض و لیس ذلك من باب الاحتیاط، بل في غسل المیّت لیس من الجزاف القول بأنّ الغاسل یجب علیه إیقاع النیّة نیابة عن المیّت في كلا الحیثیّتین.

لا بدّ من التنبیه هاهنا علی أنّ الوقوف بالصبي في المشعر غیر الممیّز یجب علی الولي النیّة؛لأنّه نائب عنه من القسم الثالث حیث انّه یوقع الوقوف فیه بخلاف الممیّز، غایة الأمر الصبي الممیّز إن أحسن الكلام و النیّة فیكون حاله حال المریض الذي یوضئ، و إن كان لم یحسن الكلام و النیّة كالمولود فحاله حال المیّت في النیّة الذي ذكر آنفا، و أهمّیة التنبیه علی النیّة في هذا الموضع لركنیّة الوقوف.

قد اختلفت كلمات الأصحاب في توضّئة الصبي لأجل الطواف، فمنهم من ذهب إلی جمع الوليّ بین وضوئه و توضئة الصبي، و من ذاهب إلی وضوء الوليّ دون الصبي إن لم یمكن توضّئه بنفسه، و من قائل بلزوم أمر الولي للصبي بأن یتوضّأ إن أمكن و إلاّ فیسقط الوضوء كما ذهب إلیه السیّد الخوئي قدّس سرّه، و من قائل بلزوم توضّؤ الصبي إمّا بنفسه أو بتوضئة الوليّ له، و عبّروا عن ذلك بصورة الوضوء و هو الأقوی كما سیتّضح.

مسألة 3:لا یلزم كون الوليّ محرما في الاحرام بالصبي

(مسألة 3):لا یلزم كون الوليّ محرما في الاحرام بالصبي بل یجوز له ذلك و إن كان محلاّ (1).

و تنقیح الحال في المقام یتّضح من الالمام بالامور الأربعة المتقدّمة في صدر المسألة و ملخّصه:انّ شرائط الماهیة أو شرائط الأداء لا تشمل النائب من القسم الثالث؛لأنّ ظاهرها هو في المؤدّي الذي یكون قابلا مضافا إلی كونه فاعلا لا ما إذا كان فاعلا فقط كما في النیابة من القسم الثالث، فلا وجه لاشتراط الوضوء في الولي إذا طاف بالصبي و لو كان مولودا، و أمّا توضئة الوليّ للصبي الذي لا یحسن الكلام كالمولود، أي النیابة في الوضوء من القسم الثالث فهي و إن كان علی خلاف القاعدة إلاّ أنّه یستفاد مشروعیّتها في المقام بوجهین:

الأوّل:انّ مقتضی العنوان الوارد في المقام و هو الإحجاج بالصبي أو الحجّ بالصبي هو كون مجموع أفعال الحجّ یشرع فیها النیابة من القسم الثالث.

الثاني:خصوص صحیحة عبد الرحمن بن الحجّاج في حدیث عن أبي عبد اللّه أنّه قال:«...إذا كان یوم الترویة فأحرموا عنه و جرّدوه و غسّلوه» (1)حیث انّه من الظاهر في الروایة أنّ تغسیل الصبي غسل الاحرام هو من النیابة من القسم الثالث مع أنّ غسل الاحرام في الحجّ لیس شرطا في صحّة الاحرام و لا یتوهّم الخصوصیة في غسل الاحرام دون طهارة الطواف لما ذكرناه في الوجه الأوّل، و من ذلك یظهر الحال في الحلق.

قد اتّضح من الامور الأربعة السابقة أنّ الوليّ إن كان نائبا من القسم الثالث فلا یشترط فیه الاحرام بخلاف ما إذا كان نائبا من القسم الثاني، أي لا یوقع العمل في الصبي و إنّما یأتي به هو نیابة عن الصبي في فرض عجزه.


1) باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 1.

مسألة 4:المشهور علی أنّ المراد بالوليّ في الاحرام بالصبي الغیر الممیّز الولي الشرعي

(مسألة 4):المشهور علی أنّ المراد بالوليّ في الاحرام بالصبي الغیر الممیّز الولي الشرعي من الأبّ و الجدّ و الوصيّ لأحدهما و الحاكم و أمینه أو وكیل أحد المذكورین لا مثل العمّ و الخال و نحوهما و الأجنبي.نعم ألحقوا بالمذكورین الامّ و إن لم تكن ولیّا شرعيا للنصّ الخاصّ فیها قالوا لأنّ الحكم علی خلاف القاعدة فاللازم الاقتصار علی المذكورین فلا یترتّب أحكام الاحرام إذا كان المتصدّي غیرهم و لكن لا یبعد كون المراد الأعمّ منه و ممّن یتولّی أمر الصبي و یتكفّله و إن لم یكن ولیّا شرعيا (1) لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«قدّموا من كان معكم من الصبيان إلی الجحفة أو إلی بطن مر...الخ» فإنّه یشمل غیر الولي الشرعي أیضا.

و هو الصحیح، و قد اختلف في كیفیّة تحریر هذه المسألة ففي بعض العبائر حرّرت بأنّها نحو ولایة علی الصبي لكون الإحجاج به تصرّف فیه، فاستظهر من لسان الأدلّة الواردة أنّها جعل للولایة المزبورة و من ثمّ خصّوا لسانها علی القدر المتیقّن من الأولیاء الشرعيین، و حرّرت بنحو آخر بأنّ لسان الأدلّة الواردة هو في مشروعیة النیابة من القسم الثالث و الثاني من البالغ، سواء كان ولیّا شرعيا أو عرفیا، بالإضافة إلی الصبي، و من ثم استظهر من لسان الأدلّة عموم مشروعیة نیابة البالغ عن الصبي بنحوي النیابة.

نعم، ذهب بعض من حرّر المسألة بالنحو الثاني إلی عدم التعمیم لكون الأصل في النیابة و العبادة عدم المشروعیة و الاقتصار علی القدر المتیقّن و الصحیح هو تحریر المسألة علی النحو الثاني؛لأنّه لا نظر في روایات الباب إلی جعل الولایة، و إنّما هي ناظرة إلی تشریع الإحجاج بالصبي بنحوي النیابة، و من الظاهر حینئذ أنّ مثل تلك المشروعیة لا خصوصیة فیها للوليّ الشرعي لأنّها لیست غایتها التأدیب و التمرین كي یكون الخطاب مختصّا به، بل مفادها رجحان العمل لكلّ من البالغ و الصبي كما في صحیحة عبد اللّه بن سنان قال:سمعته یقول:«مرّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) برویثة و هو حاج فقامت إلیه امرأة و معها صبي لها فقالت:یا رسول اللّه، أ یحجّ عن مثل هذا؟قال:نعم

و أمّا في الممیّز فاللازم إذن الولي الشرعي إن اعتبرتا في صحّة إحرامه الإذن (1).

و لك أجره» (1).و هي و إن وردت في خصوص الامّ إلاّ أنّ مسألة الامّ ظاهر منها أنّها لیس عن الحكم كأدب شرعي و وظیفة ملقاة علی الوليّ، بل سؤالها عن مشروعیة الحجّ و الإحجاج للصبي و الإحجاج به، و كذا مفاد الذيل:«و لك أجره» الظاهر في الأجر الخاصّ للحجّ المشروع.

و یستدلّ له أیضا بالعموم في صحیحة معاویة بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:

«انظروا من كان معكم من الصبيان فقدّموه إلی الجحفة أو إلی بطن مر و یصنع بهم ما یصنع بالمحرم و یطاف بهم و یرمی عنهم» الحدیث (2).

حیث انّه من الظاهر البیّن أنّ الصبية التي معهم في المعتاد و المتعارف خارجا و استعمالا لیس بمختصّ بالصبية الصلبیّین للمخاطب، بل كلّ من یتكفّلهم من صبیة الأقرباء و نحوهم، بل لو سلم اختصاصها بالصلبیّین فحیث انّ الروایة كما ذكرنا أنّ لسانها في المشروعیة لا جعل الولایة فلا تختص بالولي الشرعي، و كذا یظهر من صحیحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدّمة حیث فیها احرام حمیدة رضوان اللّه علیها بالصبية، و مثلها ما رواه یونس بن یعقوب عن أبیه قال:قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

إنّ معي صبیة صغار...الحدیث (3).

غایة الأمر هذه الروایات لا تتعرّض إلی لزوم الاستئذان من الوليّ الشرعي فیما لو حجّ به غیره فلا بدّ من الاستئذان.

تقدّم الكلام في ذلك في حجّ الصبي الممیّز أنّه یشترط فیه ذلك تكلیفا اقتضائیا.


1) باب 20، أبواب أقسام الحجّ، ح 1.

2) باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 3.

3) باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 7.

مسألة 5:النفقة الزائدة علی نفقة الحضر علی الوليّ لا من مال الصبي

(مسألة 5):النفقة الزائدة علی نفقة الحضر علی الوليّ لا من مال الصبي إلاّ إذا كان حفظه موقوفا علی السفر به أو یكون السفر مصلحة له (1).

مسألة 6:الهدي علی الوليّ

(مسألة 6):الهدي علی الوليّ (2).

البحث في هذه المسألة علی مقتضی القاعدة من أنّ تصرّف الولي في مال الصبي إنّما یكون بحسب المصلحة للصبي في ماله أو بشرط أن لا یكون مضرّة علی الاختلاف المحرّر في محلّه في أحكام الصبي، هذا من جهة و من جهة اخری نفقة العیال تكون من أموالهم إذا كانوا واجدین و حینئذ یفصل في المقام بینما إذا كان السفر بالصبي من مصلحته أم لا.

أمّا الكلام في النفقات الزائدة علی أصل السفر و لو كانت مصلحة التي یستلزمها الحجّ فسیأتي الكلام عنها.

كما هو المشهور، و خالف في ذلك في التذكرة فأوجبه من مال الصبي.

و البحث یقع تارة بحسب مقتضی القاعدة و اخری بحسب الروایات الخاصّة الواردة، كما أنّ الكلام تارة یقع في الصبي غیر الممیّز و اخری في الممیّز.

أمّا بحسب القاعدة فلا بدّ من ذكر عدّة من النقاط:

الأولی:أنّ مقتضی القاعدة في الواجب الذي فیه مقدّمة مالیة أن تكون المقدّمة وجودیة فیجب تحصیلها.

الثانية:أنّ الأمر بمتعلّق ذي مقدّمة مالیة یرجع نفعها إلی الغیر بحیث كان ذلك الأمر لیس من باب النفقة الواجبة المعهودة، و لا من الصدقة الواجبة و نحوها فحینئذ تكون تلك المقدّمة المالية قید وجوب في الأمر لا مقدّمة وجود كما هو الحال بالأمر بتغسیل المیّت بالماء و تكفینه بالكفن و تحنیطه بالحنوط.

الثالثة:أنّ النفقات الواجبة علی ذي الرحم إنّما هي في المسكن و اللباس و الغذاء و نحوها من الحاجیات الضرورية المعاشیة دون الواجبات المالية المتعلّقة بذي الرحم ككونه مدیونا في الخمس أو الزكاة أو الكفّارات و نحوها كالغرامات المالية فی

..........

غیر المئونة فحینئذ أي واجب مالي یتعلّق بذي الرحم العادم للمال-أي غیر الواجد للمال-لا یجب علی ذي الرحم الغني النفقة علیه بلحاظه.

الرابعة: انّ التسبیب موجب للضمان في الغرامات المالية المحضة كالاتلاف و التلف و نحوها دون التسبیب في الواجبات المالية، كأن یسبّب شخص لآخر تعلّق الخمس به أو الزكاة أو غیرها من الواجبات المالية فإنّه لا یوجب الضمان علی المسبّب.

الخامسة:أنّ استحباب الإحجاج الوارد في روایات المقام إنّما هو بلحاظ الصبي غیر الممیّز أو الممیّز العاجز عن الاستقلال في الأفعال، و أمّا الصبي الممیّز الذي یستقلّ بالفعل فلا یكون أمر الولي له بالحجّ احجاجا أو حجّا به، أي لا یكون نیابة من القسمین الثاني و الثالث. نعم قد یستظهر من الأمر الوارد بتوقیتهم عن تروك الاحرام أنّ ذلك نحو من احجاج الولي للممیّز، و أیّا ما كان فإنّ في صورة استقلال الصبي الممیّز بالحجّ لا یكون ذلك من باب الإحجاج.

السادسة: أنّ مقتضی الأمر بالاحجاج هو عین مقتضی الأمر الاستحبابي بالبذل لبالغ آخر لیحجّ من كون مقتضاهما هو وقوع نفقات الحجّ من السفر و الهدي و ثوبي الاحرام و غیرها من المؤن المالية و غیرها هي علی المأمور بالاحجاج و البذل؛إذ الأمر تعلّق بمجموع ماهیّة الحجّ و الذي فیه یكون مال الهدي مقدّمة وجودیة لا سیّما و أنّ هذین الأمرین هما بعنوان الإحسان إلی الصبي و البالغ، و هذا بخلاف ما إذا لم یخاطب المكلّف أو الولي بالاحجاج كما إذا استقلّ الصبي الممیّز بالعمل فإنّ مقتضی القاعدة إذا خوطب بالذبح عنه بمقتضی ما تقدّم في النقطة الثانية هو علی الصبي دون الولي.

فیظهر ممّا تقدّم من النقاط أنّ مقتضی القاعدة هو تحمّل الولي مال الهدي في غیر الممیّز دون الممیّز المستقلّ بأعمال الحجّ.

..........

نعم، بالنسبة إلی الصبي الممیّز قد اتّضح من المسألة السابقة أنّ نفقة الحجّ و السفر إنّما تكون من مال الصبي إذا كان مصلحة له، و أمّا إذا لم یكن مصلحة له فیكون الولي ضامنا لتلك النفقات من باب التسبیب لتصرّف الصبي أو الولي في المال في غیر المورد المرخّص، و هذا هو المحمل الصحیح لما ذكره الفقهاء من أنّ الولي ضامن لمال الهدي لأنّه المسبّب، فإنّ المراد من التسبیب هو ذلك لا ما تقدّم في النقطة الرابعة من التسبیب للواجب المالي، بل التسبیب للتصرّف في مال الصبي في غیر ما هو مصلحة له.

ثمّ انّه لا بدّ أن یحرّر الحال في المصلحة التي هي شرط في التصرّفات المالية في أموال الصبي هل هي خصوص المصلحة المالية أو الأعمّ الشاملة لمثل الآداب الشرعية المعتدّ بنفعها للصبي، و لا یبعد الثاني و تحریره في محلّه.كما أنّه بحسب مقتضی القاعدة في الصبي الممیّز المستقلّ في الحجّ بناء علی المشروعیة أن یكون الخطاب بالذبح متوجّها إلیه.و هذا لا ینافي عدم جواز صرف مال الصبي في الهدي فیما لم یكن الحجّ مصلحة له؛إذ غایة الأمر أنّ الصبي لو امتثل ذلك في ماله یكون الغرم علی الولي، أو أنّ الولي یبذل له ذلك.نعم لو مانع الولي من تصرّف الصبي في ماله و لم یبذل له مقتضی القاعدة حینئذ هو خطاب الممیّز بالصوم بدلا عن الهدي، هذا كلّه بحسب مقتضی القاعدة.

أمّا بحسب الروایات الخاصّة الواردة الاولی صحیحة معاویة بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«انظروا من كان معكم من الصبيان فقدّموه إلی الجحفة أو إلی بطن مر و یصنع بهم ما یصنع بالمحرم، و یطاف بهم و یرمی عنهم و من لا یجد الهدي منهم فلیصم عنه ولیّه» (1).

و مفاد الصحیحة من حیث الموضوع و إن كان قد یتراءی أنّه مطلق الصبي إلاّ أنّه بقرینة التعبیر و یصنع بهم یكون في خصوص الإحجاج لا حجّ الصبي بالاستقلال و إن


1) باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 3.

..........

عبّر في الروایة ما یصنع بالمحرم ممّا قد یوهم أنّ المراد من الصنع بهم هاهنا الأمر بالاحرام كأمر البالغ المحرم، حیث انّ المراد بالمحرم هاهنا أنّه یفرض محرما.أمّا المحمول في الروایة فظاهرها ابتداءً تعلیق وجوب الصوم علی الولي عن الصبي علی عدم وجدان الصبيان للهدي بناء علی رجوع الضمیر المجرور (منهم) إلی الصبيان فتكون حینئذ دالّة علی أنّ الهدي یجب في مال الصبي فإن لم یجد فیجب علی الوليّ الصوم عنه لا سیّما و أنّ ضمیر الجمع هنا ضمیر الغائب حیث انّه لو ارید منه الأعمّ من الصبيان و من الكبار الأولیاء لأتی بضمیر المخاطب كما في صدر الروایة، لكن قد یحتمل عود الضمیر إلی المجموع بقرینة التعبیر بولیّه بعد ذلك الذي هو في قوّة الغائب فیكون من الغیبة بعد الالتفات الذي سبق في الصدر، لكن الأوجه الأوّل.

و ما في المستمسك من تفسیر عدم وجدان الصبيان للهدي بعدم وجدان الكبار الهدي لهم لأنّ مال الصبي إنّما یكون من مال ولیّه لتعارف ذلك التعبیر عرفا و إن كان لا یخلوا من وجه إلاّ أنّ الأوجه أخذ الاسناد حقیقیا فیما هو قید لموضوع حكم صیام الولي عنه.

و أمّا مفاد صحیحة زرارة عن أحدهما علیهما السّلام قال:«إذا حجّ الرجل بابنه و هو صغیر فإنّه یأمره أن یلبّي و یفرض الحجّ، فإن لم یحسن أن یلبّي لبّوا عنه و یطاف به و یصلّی عنه، قلت:لیس لهم ما یذبحون، قال:یذبح عن الصغار، و یصوم الكبار، و یتّقی علیهم ما یتّقی علی المحرم من الثیاب و الطیب، و إن قتل صیدا فعلی أبیه» (1).

و هذه صحیحة من حیث الموضوع أعمّ من الممیّز و غیره، أي أعمّ من الحجّ حجّ الصبي و إحجاجه، و أمّا المحمول فالظاهر من ضمیر الجمع أنّه عائد لضمیر الجمع السابق في لفظة (لبّوا عنه) أي العائد للكبار، فیكون مفادها أنّه إن لم یكن للكبار ما


1) باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 5.

..........

یذبحون عن الجمیع أي عن أنفسهم و عن الصغار، فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) یذبح عن الصغار.

و لكن یحتمل عود الضمیر إلی الصغار كما هو متعیّن ذلك في (و یتّقی علیهم) لا سیّما و أنّ في نسخة الكافي لم یتقدّم ضمیر الجمع (لبّوا )بل عبّر فیها (لبّی عنه) فیتّفق مفادها علی هذا الاحتمال مع مفاد صحیحة معاویة بن عمّار، غایة الأمر أنّ في هذه الصحیحة قد أوجبت الذبح عن الصغار و صوم الكبار عن أنفسهم و كأنّه للتزاحم بین الواجبین المخاطب بهما الولي فیقدّم غیر ذي البدل علی ذي البدل و علی أیّة حال إیجاب الذبح علی الولي في هذه الصحیحة و إیجاب الصیام علیه في صحیحة معاویة المتقدّمة بعد تقیید إطلاق الاولی بالثانية دالّ علی أنّ الهدي للصبي واجب علی الولي في الجملة فإن لم یتمكّن من الهدي فیصوم عن الصبي، فلو بني علی إجمال مرجع الضمیر في الروایتین الذي أخذ موضوعا لوجوب الهدي أو بدله علی الولي فیكون المحصّل من هاتین الصحیحتین كقدر متیقّن هو وجوب الهدي علی الولي عند عدم وجدان الصبي له أعمّ من كونه ممیّزا أو غیر ممیّز إلاّ أنّ مقتضی القاعدة في الإحجاج علی الولي مطلقا و لا ینافیه الإجمال في الصحیحتین، بخلاف ما لو بني علی ظهورهما في تقیید الوجوب المزبور بقید عدم وجدان الصبي فإنّه یرتكب التخصیص في مقتضی القاعدة في خصوص الإحجاج.

و أمّا موثّق إسحاق سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن غلمان لنا دخلوا معنا مكّة بعمرة و خرجوا معنا إلی عرفات بغیر إحرام، قال:«قل لهم:یغتسلون ثمّ یحرمون و اذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم» (1).

فالظاهر أنّه في المملوك المبذول له الحجّ كما وردت روایات عدیدة في ذلك (2)، و لا أقلّ من إجمال المراد فیها.


1) باب 17، أبواب أقسام الحجّ، ح 2.

2) الاستبصار، باب المملوك یتمتّع بإذن مولاه، ج 2، ص 263.

و كذا كفّارة الصید إذا صاد الصبي، و أمّا الكفّارات الاخر المختصّة بالعمد فهل هي أیضا علی الوليّ أو في مال الصبي أو لا یجب الكفّارة في غیر الصید (1)لأنّ عمد الصبي خطأ، و المفروض أنّ تلك الكفّارات لا تثبت في صورة الخطأ؟وجوه (1) لا یبعد قوّة الأخیر، أمّا لذلك و أمّا لانصراف أدلّتها عن الصبي، لكن الأحوط تكفّل الوليّ، بل لا یترك هذا الاحتیاط، بل هو الأقوی؛لأنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«عمد الصبي خطأ» مختصّ بالدیات و الانصراف ممنوع و إلاّ فیلزم الالتزام به في الصید أیضا.

لكن بقرینة ما في صحیح زرارة من إطلاق ثبوت كفّارة الصید علی الولي أعمّ من كونه ممیّزا أو غیر ممیّز مع أنّ الكفّارة لیست من أجزاء الحجّ في الإحجاج و لذا یلزم بها الباذل في الحجّ البذلي یظهر قرینیة هذا الاطلاق علی عود الضمیر في (لهم) إلی الكبار و كذا كفّارة الصید كما تفید ذلك صحیحة زرارة التي هي في مطلق الصبي كما تقدّم و لا یعارضه ما في مصحّحة علي بن جعفر (2)لأنّ مفادها نفي تعلّق الكفّارة علی الصبي لا مطلقا فلا تنافي صحیحة زرارة (3).

یقع الكلام تارة بحسب مقتضی القاعدة في كلّ من الصبي الممیّز و غیر الممیّز و اخری بحسب الروایات الخاصّة.

أمّا الكلام بحسب مقتضی القاعدة فمضافا إلی ما تقدّم في النقاط الستّ لا بدّ من الالتفات إلی نقاط اخر:

قاعدة عمد الصبي خطأ الاولی:

حیث انّ الكفّارات في غالب تروك الاحرام مترتّبة علی الآتيان العمدي فلا بدّ من


1) نسب الأوّل إلی جماعة بل إلی المشهور، و نسب الثاني إلی أنّه مقتضی كلام التذكرة في الهدي، و نسب الثالث إلی ابن إدریس.

2) باب 18، أبواب المواقیت، ح 2.

3) التهذیب، باب زیادات في الحجّ، ص 483، ح 5.

..........

البحث عن وجود عمد الصبي في أفعاله فنقول:قد ذهب المشهور-كما هو المعروف نسبة في الكلمات-إلی عدم تحقّق العمد من الصبي ما لم یبلغ، و ذهب الشیخ و جماعة بتحدید ذلك بعشر سنین لا بالبلوغ و أنّه حینئذ تقام علیه الحدود و یقتصّ منه و استند في نفي العمد عنه إلی ما ورد في الروایات المعتبرة من أنّه عمد الصبي و خطأه واحد-كما في صحیحة محمّد بن مسلم (1)-و قد ذیّل هذا العموم في بعض تلك الروایات بـ(تحمله العاقلة) (2)، و من ثمّ نفوا عنه الإرادة و حكموا بسلب عبارته في مطلق الإنشائيات من العقود و الایقاعات و تحریر الحال في مفاد هذا الحدیث الذي هو كالقاعدة أنّ مفاده یحتمل وجوها.

الأوّل:ما ذهب إلیه المشهور من سلب الإرادة و العبارة و أنّه كالبهیمة.

الثاني:عدم سلب الإرادة مطلقا، بل قصورها و كونها بمنزلة الإرادة الخطائیة، ففي الموارد التي یترتّب الأثر علی خصوص الإرادة القویة العمدیة لا یترتّب علی إرادته فكان إرادته من باب الاشتباه في التطبیق.

الثالث:تنزیل إرادته العمدیة منزلة الإرادة الخطائیة فیما كان لكلّ من العمد و الخطأ أثر، سواء في باب الدیات و غیره، فهذا التنزیل لا یعمّ الموارد التي یكون الأثر مختصّا بالعمد.

الرابع:انّه تعبّد خاصّ في خصوص الدیات.

و الأظهر من هذه الوجوه هو الثاني و ذلك لأنّه لو ارید من هذا الحدیث سلب إرادة الصبي مطلقا كي یعمّ حتی إنشائياته و عبارته لما استند القتل إلیه و لو خطأ و لما حملت العاقلة الدیة؛لأنّ الفعل لا یستند إلاّ بالإرادة أیّا ما كان من أقسام الفعل فحینئذ هذا ممّا یشهد بوجود إرادته.غایة الأمر هذه الإرادة لیست إرادة كاملة تامّة


1) كتاب الدیات، باب 11، أبواب العاقلة، ح 2-3.و باب 36، أبواب قصاص النفس، ح 2.

2) أبواب العاقلة، ح 3.و باب 36، أبواب قصاص النفس، ح 2.

..........

مستقلّة، بل ناقصة لا یعتدّ بها منفردة، و من ثمّ كانت بمنزلة الإرادة الخطائیة و لا یخصّ مفاد هذه القاعدة بباب الدیات لما تقدّم من صحیح محمّد بن مسلم الذي لم یذیّل بذلك الذيل فلا وجه لتخصیصه و حمله علی باب الدیات لأنّه من قبیل المثبتین مع ما ذیل فیه كما لا یخصّ مفاد هذا الحدیث بموارد ترتّب الأثر علی الخطأ أیضا كما قد ذكر ذلك في الوجه الثالث؛لأنّ عبارة الروایة لیس (عمد الصبي خطأ) بل (عمد الصبي و خطأه واحد) مع أنّه لو فرض ذلك التعبیر لكان التنزیل یصحّ بلحاظ نفي الأثر أیضا.هذا مضافا إلی أنّ الوجه الثاني موافق للاعتبار العقلائي حیث انّه لا یعتدّون بإرادة الصبي مستقلّة بل ناقصة لا تتمّ إلاّ بإرادة الولي لا سیّما في الصبي غیر الممیّز حیث أنّ غیر الممیّز كما ذكرنا سابقا لا عقل عملي بالفعل له یزجره و إن كان له عقل نظري یدرك و یحسن الكلام.

و علی ضوء هذه النقطة لا تترتّب الكفّارات علی الصبي بعد أخذ قید العمد فیها و یشهد علی ذلك ما ورد في روایات المقام من أنّ الصبي إذا حجّ أو حجّ به ینهی و یوقی عن تروك الاحرام من قبل الكبار، الظاهر ذلك في كون إرادة الصبي ناقصة محتاجة إلی التتمیم و لك أن تجعل هذا المفاد في روایات المقام بنفسه دلیلا آخر علی عدم ترتّب الكفّارة علی الصبي كما لك أن تجعل دلیلا ثالثا علی عدمها علی الصبي و هو ما ورد في حدیث رفع القلم عن الصبي كما في صحیح البختري (1)و غیرها من الروایات (2)و لو كان الرفع بلحاظ الفعلية التامّة كما هو المختار و هذه الوجوه تعمّ الصبي الممیّز و غیره بل في الصبي الذي لا یحسن الكلام لا یتعقّل توجیه خطاب التروك إلیه أصلا و لا إرادة خطائیة له أصلا.و هذا مطابق لمفاد مصحّح علی بن جعفر المتقدّم (3)من نفي الكفّارات عن الصبي مطلقا.


1) باب 36، أبواب قصاص النفس، ح 3.

2) باب 4، أبواب مقدّمات العبادات.

3) باب 18، أبواب المواقیت، ح 2.

..........

النقطة الثانية:

انّ مقتضی القاعدة في الوليّ في حجّ الصبي الممیّز المستقلّ بالأعمال عدم تعلّق الكفّارات علی ذمّة الولي أمّا لعدم ترتّب الكفّارة علی فعل الصبي و أمّا لعدم كون الوليّ مسبّبا لغرامة مالیة في البین، و كذا الحال في احجاج الصبي حیث انّ الفرض أنّ الصبي لا كفّارة علی فعله أو لأنّ الإحجاج بمنزلة البذل و كفّارات البذل و كفّارات الاحرام لا تتعلّق بالباذل، لكن قد یقال بأنّ مقتضی الإحجاج و كذا أمر الولي بایقاع أفعال الحجّ، أجزاءا و شرائط في الصبي و التي منها تروك الاحرام و إن كانت هي آثارا للاحرام الذي هو شرط في ماهیة الحجّ.

و لك أن تقول:إنّ مقتضی ما ورد من أمر الولي بتوقیة الصبي ما یتّقی المحرم كما في صحیح زرارة و مصحّح علی بن جعفر هو كون الولي مخاطبا بالتروك لا الصبي، غایة الأمر هو مخاطب بها في مورد الصبي فإذا صدرت من الصبي بتقصیر من الوليّ یكون بمنزلة ارتكابها عمدا، و یشهد لترتّب الكفّارة علی كونه مخاطبا بها في الصبي ما في صحیح زرارة من ترتّب و تفریع ثبوت-كفّارة الصید علی الوليّ-علی خطابه بتوقیة الصبي.غایة الأمر أنّه في كفّارة الصید تثبت مطلقا، و هذا لا یخلو من وجه و قوّة.

و لا یشكل بأنّ في كفّارة الصید خصوصیة و هو ثبوتها حتی في الخطأ الذي هو دائما في فعل الصبي بخلاف بقیّة الكفّارات و لذا خصّص بالذكر في الروایة فإنّه یقال علی ذلك یجب الالتزام بعدم كون التروك مخاطب بها الولی؛لأنّ المفروض أنّ ما یجترحه الصبي هو من باب الخطأ و هو كما تری. كما قد یشكل بأنّ الدلیل إنّما دلّ علی ترتّب الكفّارة في التروك التي یخاطب بها المكلّف نفسه لا ما یخاطب بها بایقاعها في غیره.

و فیه:أنّ ذلك بعینه جار في كفّارة الصید، و تقدّم أنّ ظهوره في صحیح زرارة تفرّع

..........

و ترتّب ثبوت كفّارته علی الخطاب المزبور.

فرع قد ذكر الشیخ في المبسوط أنّه لو أفسد الصبي حجّه لما كان علیه وجوب القضاء لعدم كون الموجب إفسادا للحجّ؛لكون عمده خطأ، بینما قوّي في الجواهر الافساد و تعلّق الوجوب به بعد البلوغ نظیر الجنابة و الغسل و استشهد علی كون قاعدة عمد الصبي خطأ مختصّة بالدیات هو أنّه یلزم من عمومها عدم مبطلیة موانع الصلاة و بقیّة العبادات فیما لو أتی الصبي بها عمدا، و هو كما تری.

إلاّ أنّ الصحیح ما ذهب إلیه الشیخ من عموم القاعدة و لا یرد ما نقض به في الجواهر؛لأنّ مورد تطبیق القاعدة هو في الفعل الذي یلزم صدوره عند إرادة تامّة و تناط صحّته بالإرادة الكاملة.و أمّا في الفعل الذي یكتفي فیه بمطلق الإرادة كما دلّ الدلیل في مورد عبادات الصبي علی صدورها منه فإنّه لا تطبّق فیه تلك القاعدة لأنّ مفروض القسم الثاني في الأفعال التي لا اختلاف فیها بین الإرادة التامّة و الناقصة.

و بعبارة اخری:أنّه في القسم الثاني من الأفعال كما أنّ صدور الاجزاء بإرادة ناقصة صحیحا لدلالة الدلیل فكذلك صدور المانع و المبطل مفسدا لكونه صادرا عن إرادة هي عین درجة الإرادة في الاجزاء.

و الحاصل:أنّه من الأفعال ما یؤخذ في صدورها الإرادة التامّة الكاملة لترتیب الآثار علیها، و منها ما یكفي فیه مطلق الإرادة كما في الإنشاءات المجرّدة في العقود و الایقاعات دون تولّیها بتمامها، فإنّ الإنشاء المجرّد یتأتّی من الوكیل أو من الفضولي في الصیغة فقط الذي هو ذو إرادة ناقصة لكونه یكفي فیه مطلق الإرادة و لو غیر التامّة المستقلّة، و هذا بخلاف تولّي تمام العقد أو في قتل العمد المترتّب علیه القصاص دون القتل الخطأ الذي یكفي فیه الإرادة الناقصة.

..........

و الحاصل أنّه لا بدّ من الالتفات إلی أنّ العموم الوارد-في صحیح محمّد بن مسلم و عمد الصبي و خطأه واحد-من أمّهات الأدلّة في شئون أحكام الصبي لأنّه بحسب ما یستظهر منه في الوجوه الثلاثة الاول یكون حاكما علی أدلّة جهات البحث في أحكام و شئون الصبي، فلا یخصّ مفاده بالإنشائيات و عبادة الصبي أو یخصّ باب الضمانات، بل یعمّ مفاده باب التكالیف العامّة و العبادات أي یكون مفاده عین مفاد وضع كتاب السیّئات عن الصبي، بل انّ مفاده زاد علی مفادها حیث انّه دلّ علی قصور إرادة الصبي لا سلبها كما هو المختار، ممّا یدلّ علی قصور توجیه الخطاب إلیه لا رفع المشروعیة أي دالّ علی عدم الفعلية التامّة و الباعثیة و الزاجریة التامّتین.

فبملاحظة نسبته مع أدلّة التكالیف و العبادات العامّة یری أنّها تختلف دائرة عن نسبة حدیث الرفع مع تلك الأدلّة.هذا كما لا یخصّ مفاده بذلك أیضا بل یعمّ الأحكام الوضعية و معاملات الصبي المستقلّة حیث أنّ قصور الإرادة یستلزم عدم استقلاله في المعاملات فیكون مفاده مفاد آیة ابتلاء الیتامی حتی إذا بلغوا مرتبة النكاح: «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَیْهِمْ أَمْوالَهُمْ» (1).

فهذا العموم قاعدة من أمّهات الأدلّة في أحكام الصبي.

إن قلت:هذا التفصیل لا ینفي ما ذكره صاحب الجواهر من عدم تطبیق القاعدة في المقام حیث انّ أجزاء الحجّ المشروع للصبي اكتفی فیها بالإرادة الناقصة فكذا في الموانع و المبطلات المفسدة.

قلت:إنّ ذلك تامّ في حجّ الصبي لو كنّا نحن و القاعدة دون الإحجاج للصبي فإنّه في الثاني المفروض فعل الولي في الصبي بل الأوّل أیضا لا یلتزم بوجوب القضاء علیه بالالتفات لحدیث الرفع.

و أمّا استشهاد صاحب الجواهر بالغسل و الجنابة فهو مع الفارق حیث انّ ترتّب


1) النساء، 6.

مسألة 7:أنّه لو حجّ الصبي عشر مرّات لم یجزئه عن حجّة الإسلام

(مسألة 7):قد عرفت أنّه لو حجّ الصبي عشر مرّات لم یجزئه عن حجّة الإسلام، بل یجب علیه بعد البلوغ و الاستطاعة.لكن استثنی المشهور من ذلك ما لو بلغ و أدرك المشعر فإنّه حینئذ یجزئ عن حجّة الإسلام.بل ادّعی بعضهم الإجماع علیه، و كذا إذا حجّ المجنون ندبا ثمّ كمل قبل المشعر، و استدلّوا علی ذلك بوجوه:

أحدها:النصوص الواردة في العبد علی ما سیأتي بدعوی عدم خصوصیة للعبد في ذلك، بل المناط الشروع حال عدم الوجوب؛لعدم الكمال، ثمّ حصوله قبل المشعر.

و فیه:انّه قیاس مع أنّ لازمه الالتزام به فیمن حجّ متسكعا ثمّ حصل له الاستطاعة الجنابة علی الاحتلام أو الجماع وضعي و هو غیر مرفوع بحدیث الرفع كبقیّة الامور الوضعية.غایة الأمر التكلیف المترتّب علی الأمر الوضعي و هو الجنابة یصبح فعلیا بعد البلوغ ببقاء موضوعه.و هذا بخلاف ما نحن فیه فإنّ وجوب القضاء مترتّب علی مخالفة النهي المرفوع بحدیث القلم.نعم الذي أوجب الوهم في المقام تعبیر الفقهاء بكون وجوب القضاء مترتّبا علی فساد الحجّ و هو عنوان وضعي، إلاّ أنّ هذا عنوان انتزاعي و إن ورد في بعض الروایات حیث انّ وجوب الحجّ في القابل مترتّب علی مخالفة النهي.هذا كلّه فضلا عمّا قلنا من انّ وجوب الحجّ في القابل هو كفّارة من أفسد حجّه لا أنّه قضاء.

تنبیه:

قد اتّضح أنّ المراد من الوليّ في الإحجاج أو حجّ الصبي مع الرفقة هو الأعمّ من الشرعي و العرفي، فهو الذي یخاطب بتوقیة الصبي و تحمّل كفّاراته و هدیه، و أمّا لو حجّ الصبي الممیّز من دون إذن الولي الشرعي و لا بكفالة ولي عرفي فمقتضی القاعدة حینئذ تعلّق مال الهدي علیه. غایة الأمر حیث فرض عدم إذن الوليّ یكون عاجزا عن التصرّف في ماله، فمقتضی القاعدة أن یخاطب بالصوم حینئذ كما لا كفّارة علی الوليّ و لا علی الصبي حینئذ.

قبل المشعر و لا یقولون به.

الثاني:ما ورد من الأخبار من أنّ من لم یحرم من مكّة أحرم من حیث أمكنه، فإنّه یستفاد منها أنّ الوقت صالح لإنشاء الاحرام فیلزم أن یكون صالحا للانقلاب أو القلب بالأولی، و فیه ما لا یخفی.

الثالث:الأخبار الدالّة علی أنّ من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ.

و فیه:أنّ موردها من لم یحرم فلا یشمل من أحرم سابقا لغیر حجّة الإسلام، فالقول بالاجزاء مشكل، و الأحوط الإعادة بعد ذلك إن كان مستطیعا، بل لا یخلو عن قوّة.

و علی القول بالاجزاء یجری فیه الفروع الآتية في مسألة العبد من أنّه هل یجب تجدید النیّة لحجّة الإسلام أو لا؟و أنّه هل یشترط في الاجزاء استطاعته بعد البلوغ من البلد أو من المیقات أو لا؟و أنّه هل یجري في حجّ التمتّع مع كون العمرة بتمامها قبل البلوغ أو لا؟إلی غیر ذلك (1).

نسب إلی المشهور الاجزاء إلحاقا له بما ورد في العبد، لكن عن المحقّق في المعتبر و العلاّمة في بعض أقواله التردّد في الاجزاء، و استشكله في الحدائق و أكثر متأخّري هذا العصر، و ذكر في المتن ثلاثة وجوه و أشكل علیها إلاّ أنّ الصحیح أنّ للاجزاء وجهین تامّین:

الأوّل:

و یترتّب في مقدّمتین:

المقدّمة الاولی:هي توسعة موضوع وجوب الاستطاعة و بقیّة شرائط الوجوب إلی أو عند أحد الموقفین بمقتضی توسعة الواجب بقاعدة من أدرك أحد الموقفین فقد أدرك الحجّ، كما أشار إلی ذلك كاشف اللثام.

المقدّمة الثانية:في كیفیّة أداء الواجب مع كون الصبي الذي بلغ مرتهن باحرام لحجّ مستحبّ، و ذلك أمّا بدعوی بطلان إحرامه السابق أو جواز العدول به إلی الحجّ

..........

الواجب أو كونه مجزئا عن الواجب من دون عدول وجوه، و ما ورد في العبد من الروایات الخاصّة بعد حملها علی مقتضی القاعدة لما تقدّم في المقدّمة الاولی تكون دالّة علی عدم إعاقة و عدم معارضة الاحرام السابق لأداء الواجب.

أمّا بیان المقدّمتین تفصیلا فنقول إنّه یستدلّ علی المقدّمة الاولی بما حرّر في الاصول من أنّه توسعة الواجب یلزمه توسعة الوجوب-أي موضوعه-كما في من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت فإنّه یوسّع الوجوب للحائض التي حصل لها النقاء من الحیض و اقتدرت علی أداء ركعة، فكذا الحال فیما نحن فیه حیث انّ دلیل «من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ» موسّع لأداء الواجب و هو یوسّع الوجوب و موضوعه بتبع ذلك في تمام قیوده، و ما أشكله غیر واحد من النقض بحجّ المتسكّع الذي تحدث لدیه الاستطاعة عند أحد الموقفین من أنّه لا یجزأ عن حجّة الإسلام غیر مسلّم، مع أنّهم قد ذهبوا إلی الاجزاء في من حجّ متسكّعا و أحرم من المیقات ثمّ تجدّدت له الاستطاعة و كان أمامه میقات آخر كما سیأتي من الماتن في مسألة (6) في شرط الاستطاعة، و لا خصوصیة للمیقات الآخر في فرضهم؛لأنّ المضطرّ میقاته حیث أمكنه فینطبق حینئذ كبری تلك المسألة علی ما نحن فیه أیضا، و العمدة في وجه الالتزام بتلك المسألة هو كون الاستطاعة المشروطة في وجوب الحجّ هي بلحاظ كون المكلّف لا من بلده، و بلحاظ إمكان أداء الواجب و المفروض تحقّق ذلك في المسألة المزبورة و في المقام أیضا حیث انّه في المقام قد تحقّقت جمیع شرائط الوجوب من الاستطاعة و البلوغ و الحریة، كما أنّه یمكنه أداء الواجب ببركة من أدرك أحد الموقفین فقد أدرك الحجّ، و من ثمّ قلنا إنّ تلك القاعدة الموسّعة للواجب موسّعة لموضوع الوجوب أیضا، و من ذلك یظهر (وجه) تعدّي المشهور من الروایات الخاصّة الواردة في العبد إلی غیره من الصبي و غیره من المكلّفین إذا استتمّت لدیهم الشرائط كمن حجّ حجّا تطوّعا أجیرا في خدمة أحد القوافل فتجدّد له حصول

..........

الاستطاعة بعد إحرامه قبیل أحد الموقفین (حیث) انّهم حملوا ما ورد في العبد علی الإشارة لمقتضی القاعدة بالبیان المتقدّم لا أنّه تعبّد خاصّ في حدوث الوجوب في مورد العبد خاصّ به كي یستشكل بما ذكره أكثر متأخّري العصر بأنّ التعدّي قیاس من غیر علّة مصرّح بها في الروایات، فنكتة حمل تلك الروایات علی القاعدة هي هذه المقدّمة الاولی التي بیّناها، و قد أشار إلیها كاشف اللثام.

و أمّا إشكال الماتن علی قاعدة من أدرك أحد الموقفین فقد أدرك الحجّ من أنّ هذه القاعدة إنّما هي واردة في من لم یحرم لا في من أحرم كما في المقام، و أجاب غیر واحد عنه بأنّ القاعدة واردة في الأعمّ من الذي أحرم أو من لم یحرم لكن الظاهر أنّ نظر الماتن في الإشكال هو ما سنتعرّض له في المقدّمة الثانية من وجود المانع عن أداء الواجب و هو التلبّس بالاحرام السابق و لو فرض تحقّق موضوع الوجوب بمقتضی المقدّمة الاولی و إلاّ فلا یخفی علی مثل الماتن أنّ روایات قاعدة من أدرك أغلبها ورد في من أحرم.

و الحاصل:أنّ ما ورد في روایات العبد لیس تعبّدا خاصّا بلحاظ حدوث الوجوب.

أمّا المقدّمة الثانية:و هي في التخلّص من الاحرام الذي تلبّس به و النسك الذي أنشأه و عقده و فرضه علی نفسه بالتلبیة فیمكن بیان الحلّ و العلاج لذلك ببیان إجمالی و آخر تفصیلي علی مقتضی إحدی قواعد عدّة علی نحو البدل:

أمّا الجواب الإجمالي:فهو ببركة الروایات الواردة في العبد حیث انّها دلّت إجمالا علی عدم ممانعة ما تلبّس به من إحرام و نسك عن أداء الواجب الذي تجدّد وجوبه، و ظاهرها كما سیأتي في مسألة العبد كما في صحیح شهاب (1)بطریق الصدوق و الكلیني (قدّس سرّهما) أنّ ما وقع من إحرام یجزأ عن الواجب و أنّ ما وقع من أعمال العبد مجز عن الواجب كذلك، أي أنّ طبیعة المستحبّ المأتي بها تنطبق علیها طبیعة الواجب


1) باب 17، أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، ح 1 و 4.

..........

عند حدوث الوجوب في الأثناء عند أحد الموقفین، (و ما أشكله) البعض في مفاد هذه الروایات من أنّها غیر دالّة علی تلبّس العبد بالاحرام؛إذ من المحتمل أنّه أعتق و لم یكن محرما ثمّ أدرك أحد الموقفین (فخلاف) ظاهر الصحیح المتقدّم حیث انّ التعبیر (ب) یجزي عن العبد حجّة الإسلام دالّ علی تحقّق عمل في الخارج یكون هو مجزیا عن أداء الواجب، كما أنّ التعبیر فیها بأنّ للسیّد ثواب الحجّ دالّ علی مفروغیة بذل السیّد الحجّ للعبد-أي قبل العتق-.

و الحاصل:أنّ هذه الروایات صرّح فیها بكبری من أدرك أحد الموقفین الدالّ علی أنّ حكم العبد في المقام هو بمقتضی تلك الكبری، بل انّ هذه الروایات هي بعض روایات تلك الكبری.غایة الأمر انّ ما تلبّس به من إحرام تطوّعي یقع مجز عن الواجب لانطباق الماهیّة.

ثمّ انّه علی ذلك (لا یشكل) علی الاستدلال بتلك الروایات علی المقدّمة الثانية بأنّها خاصّة في العبد و أنّه الذي یقع إحرامه التطوّعي مجز عن الواجب، (و ذلك) لأنّ كیفیّة أداء الواجب من جهة ممانعة التلبّس بالنسك التطوّعي لا فرق فیه بین المكلّف الذي كان عبدا أو الذي كان صبیا أو غیر مستطیع بعد فرض تحقّق جمیع شرائط الوجوب عند أحد الموقفین علی استواء في الموارد الثلاثة و كون الاحرام السابق لهم تطوّعي، و بعبارة اخری:انّ التعبّد فیها لیس بلحاظ موضوع الوجوب كیف و هي تعلّل بالكبری المزبورة، و إنّما التعبّد فیها بلحاظ كیفیّة أداء الواجب للوجوب المتجدّد بانطباق طبیعة الواجب علی طبیعة التطوّع، و لك أن تقول إنّ التعلیل فیها بكبری من أدرك شاهد علی العموم في كیفیّة أداء الواجب مع الابتلاء بذلك المحذور.فحینئذ نخرج بكبری اخری من الروایات الواردة في العبد و ذلك بقرینة تعلیلها بحدوث الوجوب بتوسعة الواجب، هي أنّ طبیعة الحجّ التطوّعي ینطبق علیه طبیعة الحجّ الواجب إذا تحقّق موضوع الوجوب قبل انقضاء أحد الموقفین، و سیأتي

..........

أیضا في الوجه الثاني في المقام أنّ روایات اجزاء حجّ الصبي المتقدّمة خاصّة بما بعد الموقفین فیستفاد منها هذه الكبری أیضا.

أمّا البیان التفصیلي في المقدّمة الثانية بمقتضی إحدی القواعد علی نحو البدل و هو أن یتمسّك بذیل، أمّا قاعدة أنّ الأمر الندبي لا یشرع مع وجود الأمر الوجوبي فیقتضي ذلك في العبد أو الصبي أو غیر المستطیع أنّ ما أتوا به من إحرام لنسك تطوّعی یقع باطلا، فحینئذ لا یكون المكلّف الذي تجدّدت له شرائط الوجوب مبتلا بمانع الاحرام و نسكه، و سیأتي في مسألة (6 و 26 و 110) ما ینفع في هذه القاعدة و أنّ الأظهر مشروعیة التطوّع لعموم أدلّة استحباب الحجّ و مشروعیّته و رجحانه، بناء علی أخذ الاستطاعة قیدا في الوجوب و الملاك كما هو قول المشهور، و أمّا علی أنّ الاستطاعة قید في التنجیز فلا یختلف موضوع مشروعیة الوجوب حینئذ عن موضوع الندب فلا یتعقّل أمرین بموضوع واحد علی متعلّق واحد بنحو الدوام فلا یكون في البین إلاّ أمر مشروعیّة الفریضة هذا بالنسبة للبالغین بلحاظ قید الاستطاعة و أمّا بلحاظ قید البلوغ فیتصوّر الأمرین لاختلاف الموضوعین كما لا یخفی.

نعم سنبیّن في المسالتين الأوّلیتین انطباق الواجب علی ما أتی به من التطوّع بدلالة ما ورد في العبد.

القاعدة الاولی:جواز العدول بالاحرام في نسك إلی نسك قبل التلبّس بجزء النسك.

لكن سیأتي في محلّه أنّ الأقوی وجوب إتمام النسك المنوي عند التلبیة لما ورد في روایات التلبیة من التعبیر فیها بإنشاء الحجّ بالتلبیة و عقد الحجّ و النسك أو فرضه و لكنّها دالّة علی أنّ التلبیة مع نیّة أحد النسك سبب و صیغة لإیجاب أحد النسكین كصیغة النذر مع وجوب النذر فیجب علیه إتمام ذلك النسك.

..........

القاعدة الثانية:كون الاحرام شرطا في نسك و الشرط أخذه توصّلي، بخلاف الجزء فإنّ أخذه تعبّدي، و هذا لا غبار علیه كما سیأتي في مواضع متعدّدة و إن ذهب جماعة كثیرة إلی أنّه جزء في مسألة كیفیّة الاحرام و رتّبوا علی ذلك نیّة النسك حین تلبیة الاحرام كما في الجواهر و أكثر المتأخّرين في هذا العصر-كما سیأتي في فصل كیفیّة الاحرام-الشرط الثالث في نیّة تعیین النسك للاحرام.

و لكن الظاهر من المبسوط و الوسیلة و المهذّب و التذكرة أنّه شرط فیجوز إنشاء الاحرام من دون تعیین، ثمّ صرفه إلی نسك معیّن و هكذا في كشف اللثام.

و یترتّب علی هذا البحث (شرطیة الاحرام أو جزئيته) فوائد عدیدة في مسائل الحجّ:

1-لزوم تعیین النسك المتقدّم.

2-لزوم كون النائب في بعض أعمال الحجّ أداء أو قضاء، محرما كالنائب في الطواف أو السعي أو الرمي أو الذبح، بناء علی الشرطیة بخلافه علی الجزئية فإنّه لا یشترط كونه محرما.

3-لزوم إتیان النسك مهما طالت المدّة بین عقد الاحرام و النسك بناء علی الشرطیة بخلافه علی الجزئية فإنّه یبطل بعدم تعقّب بقیّة الاجزاء بمدّة طویلة و هذه الفائدة یترتّب علیها أكثر فروعات الخلل في الحجّ و العمرة.

4-بقاء الاحرام مع فساد النسك أو عدمه.

5-كون أخذ الاحرام توصّليا علی الشرطیة لا تعبّديا في المركب كما هو علی القول بالجزئية.و غیرها من الموارد.

و استدلّ للشرطیة:

أوّلا:بما ذكره العلاّمة الحلّي من أنّ النسكین غایتان للاحرام و لذا لم تختلف

..........

ماهیّته في النسكین.

و یمكن تفسیر ذلك بما تقرّر في علم الاصول في بحث مقدّمة الواجب من أنّ الأشیاء التي تؤخذ عنوانا وصفیا للمكلّف أو كوصف لموضوع أو لمتعلّق التكلیف، كمستقبل القبلة أو المتطهّر أو طهارة ما یسجد علیه، أنّها تكون شروطا في المركّب لا أجزاء؛لأنّ المفروض أخذ تقیّدها، أي أخذها بنحو الوصف و ما نحن فیه في المقام كذلك، حیث انّ الاحرام أخذه وصفا للمكلّف، أي عنوان المحرم.

مضافا لما ذكروه هناك في نیّة العبادات من أنّها شرط لمقارنتها و اتّصالها مع كلّ الاجزاء بنحو مستمرّ و هو من خواص الشرط لا الجزء و الأبعاض المتعاقبة بعضها البعض و كذلك في الاحرام في المقام.

ثانیا:بما ذكره العلاّمة أیضا-مع بسط منّا-من أنّ الاحرام في الحجّ یغایر الاحرام في بقیّة العبادات كالصلاة؛فإنّ فیها الاحرام بالتكبیرة یبطل بعدم تعقّب بقیّة الاجزاء الصلاتیة لها مدّة طویلة لجهة الارتباط، ممّا یدلّ علی جزئية الاحرام في الصلاة.

و هذا بخلاف الاحرام في الحجّ فإنّه إذا فسد الحجّ لم یفسد الاحرام، كما أنّه إذا عجز عن إدراك الموقفین في الحجّ لم یفسد الاحرام كما في المصدود و المحصور حیث انّ إحرامهما بقاء یتحلّلان منه بالذبح و إن امتنع أدائهما للنسك.

ثالثا:بما ذكره صاحب الجواهر من أنّهم لم یكتفوا بنیّة المركب و النسك عن نیّة الاحرام تفصیلا مع أنّ مقتضی القاعدة أنّه یكتفي بنیّة الماهیّة عن نیّة الاجزاء و إن كانت أجزاء ماهیّة الحجّ تختلف عن بقیّة المركبات من أنّ لها صورا مستقلّة متباعدة زمنا بعضها عن البعض في عین ارتباطيتها.

رابعا:بما ورد في النصّ و الفتوی من صحّة من حجّ ناسیا للاحرام في كلّ أعمال الحجّ و عدم لزوم إتیان الاحرام بعد الاعمال في ذلك الفرض بخلاف بقیّة الاجزاء فإنّها تتدارك مع الخلل.

..........

خامسا:بما ورد في المصدود و المحصور و من لم یدرك الموقفین و غیرهم من أنّهم یتحلّلون أمّا بالهدي أو بعمرة ممّا یدلّ علی عدم بطلان الاحرام فإنّ حاله حال التيمّم الذي أوقع للصلاة ثمّ قرأ به القرآن دون الصلاة؛إذ صحّة الشرط مستقلّة عن صحّة المشروط و إن بني علی المقدّمة الموصلة كما أوضحناه.

و استدلّ للجزئية:

أوّلا:بما ورد في أبواب الاحرام (1)من الروایات الدالّة علی لزوم التعیین و اشتراط العدول حیث أنّ ظاهرها لزوم قصد ماهیّة النسك عند الاحرام ممّا یظهر منها أنّ الاحرام جزء؛إذ هذه خاصّیة الجزئية لا الشرطیة فإنّها حیث كانت توصّلية، لا تلزم نیّة المشروط عند إتیان ذات الشرط و إن كان تعبّديا كالوضوء و الغسل.

ثانیا:بأنّ عبادية الاحرام متوقّفة علی قصد أمر النسك أي أنّه لا أمر به في نفسه كما هو الحال في الوضوء و الغسل ممّا یدلّ علی أنّ الأمر به ارتباطي ضمني.

و یخدش فیهما بأنّ لزوم قصد الأمر بأحد النسكین و إن كان لا بدّ منه لكي یقع الاحرام عباديا، لكن ذلك أعمّ من الجزئية و الشرطیة كما هو الحال في التيمّم حیث أنّه لم یؤمر به في نفسه فلا یقع عباديا إلاّ بقصد الأمر بالمشروط.

و بعبارة اخری:انّهم قد ذكروا في بحث مقدّمة الواجب أنّ المقدّمة العبادية إذا لم یكن لها أمر مستقل في نفسها فلا بدّ حینئذ من قصد الأمر بذیها.و هذا لا یقلبها عن كونها شرطا. بل مع القول بكون المقدّمة الواجبة هي مطلق المقدّمة دون التوصّلية تصحّ و تقع المقدّمة عبادية و إن لم یأت بالمشروط بالآتيان بمشروط آخر لوقوعها عباديا بقصد الأمر بالمشروط الأوّل. بل تقع عباديا حتی علی المختار من المقدّمة التوصّلية حیث انّ الواجب علی ذلك القول و إن كان هو خصوص المقدّمة الموصلة


1) باب 16، 17، 21، 22، 23.

..........

و إنّ غیر الموصلة لا أمر بها إلاّ أنّ المقدّمة بلحاظ المشروط ذي المقدّمة الآخر حیث كان تقیّده به توصّليا فیمكن وقوع المقدّمة عبادية بالإضافة إلیه.

و بعبارة اخری أنّهم ذكروا أنّ العبادة إذا تعلّق بها أمران و قصد أحدهما فإنّه یكون امتثالا له و أداء للآخر غیر المقصود و هذا ما یقال من أنّ الواجب العبادي في عین كونه عباديا، إلاّ أنّه بلحاظ أمره، لو أمكن تحقّق عباديته بغیره توصّلي.

و الحاصل:إنّ لزوم قصد النسك في نیّة الاحرام لا یدلّ علی الجزئية و لا یبطل الاحرام فیما لو لم یأت بالنسك المنوي.

هذا كلّه في بیان قاعدة أنّ الاحرام شرط لا جزء، لكن مع ذلك هذه قاعدة مع تمامیّتها لا تفید في المقام بمفردها؛لأنّها تحلّ جهة الإشكال في المقدّمة الثانية في المقام من زاویة الاحرام أنّه لیس جزءا بل شرطا صالحا بأن یتعلّق بأیّ نسك.

و أمّا الزاویة الاخری من الإشكال من المقدّمة الثانية في المقام من اشتغال الذمّة بإنشاء نسك و عقده و فرضه فیجب علیه الاتمام فلا تنفع شرطیة الاحرام في حلّه.

و امّا یحلّ الاشكال في المقدّمة الثانية بالقاعدة الثالثة عدم وجود إتمام النسك للتلبّس به فیعدل في المقام من النسك المستحبّ إلی الواجب عند البلوغ و الحریة في أحد الموقفین. لكن الصحیح هو وجوب إتمام النسك بإنشائه لفظا و نیّة و عقده و فرضه لورود هذا التعبیر في روایات أبواب الاحرام المشار إلیها فیما تقدّم.

و مقتضی هذا التعبیر كون الإنشاء اللفظي لنسك أو الإنشاء لنیّة أنّه سبب لوجوبه و فرضه فیكون محقّق الصغری لكبری قوله تعالی: «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّهِ» (1)و ظاهر الروایات و الآیة هو الاختصاص الوضعي لذلك الاحرام بذلك النسك المنوي فضلا عن وجوب الاتمام التكلیفي.

و إمّا یحلّ ب القاعدة الرابعة كون الحجّ المستحبّ مع الحجّ الواجب طبیعة و حقیقة


1) البقرة:196.

..........

واحدة منطبق أحدهما علی الاخری في تمام أجزاء الماهیّة و شرائطها أم لا. غایة الأمر یقصد أمر كلّ منهما لأجل التمییز في الامتثال كما هو الحال في ركعتي نافلة الصبح و فریضته و حینئذ فهل یكون ما أتی به العبد و الصبي و غیرهما من الحجّ التطوّعي مصداقا للطبیعة الواجبة بعد تجدّد شرائط الوجوب عند الموقفین.

لكن الأظهر-بالنظر لما ورد في روایات العبد كما في صحیح شهاب المشار إلیها سابقا و الروایات الواردة في نفي اجزاء حجّ الصبي عن حجّة الإسلام المختصّة بما إذا لم یبلغ عند أحد الموقفین-بقرینة عموم (من أدرك أحد الموقفین فقد أدرك الحجّ) الدالّ علی تحقّق موضوع الوجوب، مضافا إلی انصرافها عن فرض المقام باختصاصها بغیره كما سنبیّنه في الوجه الثاني.

انّ طبیعة الحجّ التطوّعي متّحدة مع الواجب فیما إذا فرض تحقّق موضوع الوجوب و لو عند أحد الموقفین لا ما إذا تحقّق بعدهما فإنّ طبیعة الحجّ المستحبّ مباینة بمقتضی تلك الطائفتین من الروایات و علی ذلك فینجع في حلّ الإشكال في المقام و هو ظاهر من روایات العبد و محملها.

هذا تمام الكلام في المقدّمة الثانية من مقدّمتی الوجه الأوّل لإجزاء حجّ الصبي بالبلوغ قبل أحد الموقفین، و إنّما أطلنا في بیان المقدّمة الثانية مع أنّ الوجه الإجمالي كان مجزئا لما في التفصیل من تحریر قواعد یبتني علیها أكثر فروعات الحجّ و شرائط وجوبه.

أمّا الوجه الثاني فبناء علی التمسّك بالعمومات المشروعة للعبادات و أنّها یستدلّ بها لمشروعیة حجّ الصبي و أنّه واجد لعین ملاك حجّ الكبار في فرض توفّر بقیّة الشرائط من الاستطاعة و غیرها كما تقدّم بیانه في نسبة حدیث الرفع إلی العمومات الأوّلیة. غایة الأمر أنّه قد دلّت الروایات الخاصّة (1)علی عدم إجزاء حجّ الصبي


1) المتقدّمة في مقدّمة الفصل الثاني.

مسألة 8):إذا مشي الصبي إلی الحجّ فبلغ قبل أن یحرم من المیقات و كان مستطیعا.

(مسألة 8):إذا مشي الصبي إلی الحجّ فبلغ قبل أن یحرم من المیقات و كان مستطیعا لا إشكال في أنّ حجّه حجّة الإسلام (1).

مسألة 9:إذا حجّ باعتقاده أنّه غیر بالغ ندبا فبان بعد الحجّ أنّه كان بالغا فهل یجزی عن حجّة الإسلام أو لا؟

(مسألة 9):إذا حجّ باعتقاده أنّه غیر بالغ ندبا فبان بعد الحجّ أنّه كان بالغا فهل یجزي عن حجّة الإسلام أو لا؟ وجهان أوجههما الأوّل، و كذا إذا حجّ الرجل باعتقاد عدم الاستطاعة بنیّة الندب ثمّ ظهر كونه مستطیعا حین الحجّ (2).

كدلیل مخصّص رافع للید عن العمومات إلاّ أنّ المقدار المخصّص بها فیما إذا استمرّ صباه إلی ما بعد الموقفین أو ما بعد الحجّ و لا یخفی انصرافها إلی ذلك لمن تدبّر، بل لك أن تقول إنّ قاعدة من أدرك أحد الموقفین فقد أدرك الحجّ الدالّة علی توسعة موضوع الوجوب كما تقدّم مقیّدة لتلك الروایات الخاصّة بغیر ما إذا بلغ قبل الموقفین.

و الحاصل أنّ الصبي و المتسكّع و العبد و كلّ من كان غیر واجد الشرائط فتوفّرت لدیه الشرائط عند أحد الموقفین فإنّ ذلك یجزیه عن حجّة الإسلام.

و الوجه في الإجزاء هو مقتضی القاعدة، مضافا إلی ما تقدّم، و من ثمّ یظهر الحال فیما لو بلغ بعد إحرامه مباشرة قبل الاعمال، و قد ذكرنا هذا الفرع من المسألة السابقة.

و الوجه في الإجزاء مبتن علی وحدة طبیعة المندوب و الواجب بناء علی القول بعدم تبیان الطبیعتین، و الصحیح هو ما قدّمناه في المسألة السابعة عند الكلام عن القاعدة المزبورة من دلالة روایات العبد علی الاتّحاد فیما إذا تحقّق موضوع الوجوب عند أحد الموقفین و علی التباین فیما إذا تحقّق موضوع الوجوب بعد الموقفین، فلاحظ.فالصحیح التفصیل في القاعدة إلاّ أنّ فروض المتن كلّها هي من شقّ الوحدة بین الطبیعتین فیجزي في فروض المتن.

نعم علی القول بالتباین مطلقا یأتي حدیث كون الداعي من قبیل الداعي أو

..........

التقیید و إن كان في تأتیه بناء علی التباین نظر؛لأنّ التباین مبني علی أنّ أحد القصدین منوّع للماهیة فكیف یمكن أن یكون من قبیل الداعي.

و لتحریر الحال علی مقتضی القاعدة بعد غضّ النظر عمّا ذكرناه من مفاد الروایة أنّ في البین ثلاثة امور، قاعدة تداخل الأسباب و المسبّبات و قاعدة تباین الطبائع و وحدتها، و قاعدة إتیان الفعل بنحو الداع أو التقیید.

و مورد قاعدة عدم تداخل الأسباب و المسبّبات أنّ الأصل الأوّلی فیها عدم التداخل إنّما هي في ما إذا كانت الطبائع متّحدة بحسب الماهیة كإطعام ستّین مسكینا، أو صیام ستّین یوما فیما إذا تكرّر موجب الكفّارة، و كما في رباعیة الظهر و العصر، و ركعتي النافلة و الفریضة في الصبح علی أحد الوجوه في المثالین الأخیرین، و أمّا لو كانت الطبائع في نفسها متباینة ماهیّة كثلاث المغرب و أربع العشاء فهو لیس موردا لأصالة عدم التداخل المزبورة؛لأنّ عدم التداخل هاهنا ضروري.

غایة الأمر أنّه في الماهیّة المتّحدة بناء علی الأصل المزبور إذا تعدّد السبب بتعدّد المسبّب في الذمّة بتقیّد كلّ عدد بوجود مغایر عن الوجود الآخر، فمثلا في ركعتي نافلتي الصبح و ركعتي فریضة الصبح لیس التباین ماهوي في الذمّة و لا في التشریع.

غایة الأمر لا بدّ في مقام الامتثال من قصد النفل أو الوجوب لتمییز المأتي به كمصداق لأحد الأمرین دون الآخر، و كذلك الحال في رباعیة الظهر و العصر، و من ذلك یتّضح الحال في الحجّ المندوب و الحجّ الواجب أنّ التمایز بین الطبیعتین و التباین بینهما لیس في مقام الذمّة و التشریع بل هناك الماهیة واحدة و إنّما التمایز و التغایر و التباین بینهما یوقع في مقام الامتثال لأجل أن یكون المأتي به مصداقا لأحدهما دون الآخر فیقع امتثالا له دون الآخر، و یحصل ذلك التمییز بقصد الوجوب أو الندب أو الظهریة أو العصریة، فالتمییز في مقام الامتثال بذلك شرط عقلي لتحقّق الامتثال.

..........

و بعد اتّضاح ذلك حینئذ یتأتی مورد القاعدة الثالثة و هي التفرقة بین موارد الداعي و هي الاشتباه في التطبیق و موارد التقیید حیث إنّها في موارد اتّحاد الطبیعة و أنّ قصدها إذا كان بنحو الداعي و الاشتباه في التطبیق فیقع مصداقا للأمر، و إذا كان بنحو التقیید بغیر ذلك الأمر فلا یقع مصداقا له، لكنّه لا بدّ من التنبیه علی أمر لم یصرّح به في كلمات الأعلام عند حدیثهم عن هذه القاعدة، و هي أنّ هذه القاعدة إنّما تتأتّی فیما إذا كان الأمر و المسبّب في الذمّة غیر متعدّدة، حینئذ ینطبق التفصیل المتقدّم الذي هو مفاد القاعدة المزبورة، و الوجه فیه أنّه مع وحدة الأمر یكون قصده للعنوان المخالف للمأمور به بنحو الداعي غیر موجب لعدم انطباق المأمور به علی المأتي به؛لأنّ مطلق الطبیعة مقصود فالانطباق قهري، فحینئذ یكون قصد الخلاف غیر مخصّص و لا موجب لتباین المأتي به مع المأمور به و أمّا مع تعدّد الأمر كالوجوب و الندب فقصد العنوان المخالف كالندب و لو بنحو الداعي یكون موجبا لانطباق المندوب علی المأتي به لفرض القصد و لو بدرجة الداعي فتكون ممیّزة و مخصّصة و صارفة للمأتي به عن الواجب إلی المندوب، فما ذكره غیر واحد من الأعلام في المقام و الماتن في المسألة الآتية (1)من بناء المسألة علی الداعي و التقیید مع قولهم بمشروعیة المندوب و تحقّق الأمر به في ظرف الوجوب في غیر محلّه.

نعم من بنی علی عدم مشروعیّة المندوب في ظرف الواجب یصحّ منه التفصیل في القاعدة المزبورة.

هذا تمام الكلام في مقتضی القاعدة، و قد عرفت أنّ ما ورد من الروایات الواردة في العبد دالّة علی الاكتفاء و الاجتزاء بالمندوب عن الواجب فیما إذا تحقّق موضوع الوجوب عند أحد الموقفین، و تلك الروایات مطلقة لما إذا التفت العبد باجزاء حجّه ذلك أو لم یلتفت أو علم بعتقه أو لم یعلم ممّا یدلّ علی أنّه لو استمر قصده للندبیة


1) في المسألة 6 و 26.

الثاني من الشروط:الحریة

اشارة

الثاني من الشروط:الحریة، فلا یجب علی المملوك (1) و إن أذن له مولاه و كان مستطیعا من حیث المال، بناء علی ما هو الأقوی من القول بملكه (2) أو بذل له مولاه الزاد و الراحلة، نعم لو حجّ بإذن مولاه صحّ بلا إشكال (3)، و لكن لا یجزیه عن حجّة الإسلام، فلو أعتق بعد ذلك أعاد؛للنصوص، منها خبر مسمع:«لو أنّ عبدا حجّ عشر حجج كانت علیه حجّة الإسلام إذا استطاع إلی ذلك سبیلا»، و منها:«المملوك إذا حجّ و هو مملوك أجزأه إذا مات قبل أن یعتق، فإن أعتق أعاد الحجّ»، و ما في خبر حكم بن حكیم:«أیما عبد حجّ به موالیه فقد أدرك حجّة الإسلام» محمول علی إدراك ثواب إلی آخر أعمال الحجّ یجزئه عن حجّة الإسلام، فما ذكر عدّة من الأعلام ككاشف اللثام و العلاّمة و الشهیدین من البحث في تجدید النیّة عند أحد الموقفین فیما لو بلغ الصبي أو أعتق العبد إنّما یلزم لو التفت و إلاّ فیجزؤه بمقتضی الروایات.

الحاصل:أنّ كلّ من استتمّت لدیه الشرائط عند أحد الموقفین و لم یكن ملتفتا إلی ذلك و أتی بالحجّ بنیّة الاستحباب فإنّه یجزئه عن حجّة الإسلام للروایات الواردة في العبد بعد كونها من حیث موضوع الوجوب علی مقتضی القاعدة، و من حیث الأداء هي تعبّد خاصّ بالاجزاء إمّا لوحدة الماهیة أو للانقلاب القهري أو لغیره من الوجوه المتقدّمة في المسألة السابعة.

ضرورة عند المسلمین و للنصوص (1).

و هو الصحیح لإمكان اعتبار ذلك عقلائيا و إمضاء ذلك بالنصوص الواردة (2).

لما في النصوص من مشروعیة حجّه بمقتضی التعبیر بأنّه لو حجّ عشر حجج غایة الأمر أنّه لا یجزئه عن الواجب.


1) باب 51، 16، 17، أبواب وجوب الحجّ.

2) باب 24، 15، أبواب العتق، و باب 28 أبواب الوصایا، و باب 4 أبواب وجوب الزكاة، و ب 10 أبواب الهبات.

الحجّ أو علی أنّه یجزیه عنها ما دام مملوكا لخبر أبان «العبد إذا حجّ فقد قضی حجّة الإسلام حتی یعتق» فلا إشكال في المسألة.نعم لو حجّ بإذن مولاه ثمّ انعتق قبل إدراك المشعر أجزأه (1) عن حجّة الإسلام بالإجماع و النصوص.

و یبقی الكلام في امور، أحدها هل یشترط في الاجزاء تجدید النیّة للاحرام بحجّة الإسلام بعد الانعتاق فهو من باب القلب أو لا (2) بل هو انقلاب شرعي قولان مقتضی إطلاق النصوص الثاني، و هو الأقوی.فلو فرض أنّه لم یعلم بانعتاقه حتی فرغ، أو علم و لم یعلم الاجزاء حتی یجدّد النیّة كفاه و أجزأه.

لما بیّناه في المسألة السابعة في بلوغ الصبي عند أحد الموقفین من أنّ الروایات الواردة في العبد هي علی مقتضی القاعدة بالالتفات إلی قاعدة من أدرك أحد الموقفین فقد أدرك الحجّ، بتقریب أحد الوجهین السابقین في تلك المسألة.

قد تقدّم في المسألة السابعة أنّ مضمون الروایات في المقام لاجزاء حجّه هو علی مقتضی القاعدة حیث إنّ ما هو الركن في الحجّ هو أحد الموقفین، هذا من ناحیة المتعلّق، و من ناحیة موضوع الوجوب بلحاظ تمام قیود الموضوع اللازم فیها هو تحقّقها في المكلّف مقارنة لأحد الموقفین كي یتمكّن من أداء الواجب بإدراك الركن.غایة الأمر أنّ ما تلبّس به من إحرام لحجّ مستحبّ یكتفی به في أداء الواجب إمّا لوحدة الماهیة و الطبیعة، أو للانقلاب في صورة الغفلة إلی آخر العمل، فمقتضی القاعدة عند الالتفات هو قصد الوجوب لكي یقع المأتي به مصداقا له لا للمندوب بعد البناء علی مشروعیة الحجّ المندوب في سنة الاستطاعة.

نعم لو بني علی عدم مشروعیة المندوب في عام الاستطاعة لكان مفاد الروایات أنّه من الانقلاب القهري التفت أو لم یلتفت بعد عدم كون قصد الندب بنحو التقیید و وحدة المطلوب.

فالمحصّل أنّه إن التفت فیجب أن یقصد الوجوب بناء علی مشروعیة المندوب، و إن لم یلتفت فإطلاق روایات المقام دالّة علی الاجتزاء لوحدة الطبیعة.

الثاني:هل یشترط في الإجزاء كونه مستطیعا حین الدخول في الاحرام أو یكفي استطاعته من حین الانعتاق، أو لا یشترط ذلك أصلا (1)، أقوال، أقواها الأخیر لإطلاق النصوص و انصراف ما دلّ علی اعتبار الاستطاعة عن المقام.

الثالث:هل الشرط في الاجزاء إدراك خصوص المشعر، سواء أدرك الوقوف بعرفات أیضا أو لا، أو یكفي إدراك الموقفین، فلو لم یدرك المشعر لكن أدرك الوقوف بعرفات معتقا كفی قولان (2) الأحوط الأوّل.كما أنّ الأحوط اعتبار إدراك الاختیاری من المشعر فلا یكفي إدراك الاضطراري منه، بل الأحوط اعتبار إدراك كلا الموقفین و إن كان یكفی الانعتاق قبل المشعر لكن إذا كان مسبوقا بإدراك عرفات أیضا و لو مملوكا.

الرابع:هل الحكم مختصّ بحجّ الأفراد و القران، أو یجري في حجّ التمتّع أیضا، و إن كانت عمرته بتمامها حال المملوكیة، الظاهر الثاني (3) لاطلاق النصوص خلافا بعد تبیّن أنّ روایات المقام هي علی مقتضی القاعدة من حیث موضوع الوجوب و تحقّقه عند ما هو الركن في المتعلّق الواجب یظهر الحال في لزوم تحقّق الاستطاعة. غایة الأمر أنّ المقدار اللازم منها إنّما هو بالالتفات إلی المكان المتواجد فیه المكلّف بالفعل لا من بلده و موطنه و إن لم یكن هو متواجد فیه بالفعل، فلا یحدّ مقدار الاستطاعة بالمواقیت البعیدة أیضا، فلو كان هو في المشعر محلاّ و تحقّقت لدیه الاستطاعة مع ضیق الوقت لأجزأه الاحرام في المشعر للحجّ و اجتزأ به عن الواجب.

هذا البحث مبتني علی ما یحرّر في قاعدة إدراك أحد الموقفین الاضطراريین أو الاختیاریّین كلیهما أو أحدهما و لا خصوصیة في مفاد الروایات في المقام للعبد بعد ظهور أنّها مقتضی القاعدة، و الصحیح لدینا هناك هو إجزاء اضطراري المشعر وحده للمتمتّع دون عرفات بمفرده.

الكلام تارة في نوع الواجب و اخری في كیفیّة أداء الواجب، كمن وظیفته

لبعضهم فقال بالأوّل؛لأنّ إدراك المشعر معتقا إنّما ینفع للحجّ لا للعمرة الواقعة حال المملوكیة، و فیه ما مرّ من الإطلاق و لا یقدح ما ذكره ذلك البعض لأنّهما عمل واحد.

هذا إذا لم ینعتق إلاّ في الحجّ، و أمّا إذا انعتق في عمرة التمتّع و أدرك بعضها معتقا فلا یرد الإشكال.

مسألة 1:إذا أذن المولی لمملوكه في الاحرام فتلبّس به لیس له أن یرجع في إذنه

(مسألة 1):إذا أذن المولی لمملوكه في الاحرام فتلبّس به لیس له أن یرجع في إذنه (1) لوجوب الاتمام علی المملوك، و لا طاعة لمخلوق في معصیة الخالق.

التمتّع هل یأتي بالحجّ منفردا لوقوع عمرته السابقة مستحبّة قبل فعلیّة الوجوب، أو أن یكتفی بما أتی به من عمرة التمتّع المندوبة عن التمتّع الواجب.

أمّا الكلام في الجهة الاولی فإطلاق الروایات دالّ علی العموم و لا منشأ لتوهّم الاختصاص یدلّ علیه إلاّ ما یأتي في الجهة الثانية، و الصحیح فیها هو عدم انقلاب وظیفة التمتّع النائي إلی الأفراد و اكتفاءه بعمرة التمتّع التي أتی بها مندوبة عن التمتّع الواجب، و ذلك لأنّ العبد المعتق المتلبّس باحرام الحجّ المستحبّ مرتهن بأمرین الأوّل:إتمام حجّ التمتّع بسبب عمرة التمتّع، و الثاني:ارتهانه بإحرام الحجّ و التحلّل منه، فدلالة روایات المقام علی وقوع عمله مصداقا للواجب یقتضي عدم ممانعة كلا السببین السابقین و وقوعهما مصداقا للواجب.

فتحصّل:انّه ما ورد في العبد حیث كان علی مقتضی القاعدة فتكون سائر أحكامه في طرفي الوجوب و الواجب هو الشرائط الأوّلیة.

كما ذهب إلیه المشهور بل حكی الإجماع، و الكلام في المقام تارة علی مقتضی القاعدة و تارة بحسب الروایات الخاصّة.

أمّا بمقتضی القاعدة فقوله تعالی: «عَبْداً مَمْلُوكاً لا یَقْدِرُ عَلی شيء» (1)یستفاد منه نفي قدرة العبد في المعاملات الإنشائية و الحجر علیه و أمّا في الأفعال المجرّدة


1) النحل:75.

..........

التكلیفية التي منها العبادات فیستفاد منه الحجر التكلیفي لا الوضعي بمعنی شرط إذن المولی المالك في صحّة ماهیّة العبادات و یشهد لذلك ما ورد من روایات في صوم العبد (1)كمعتبرة هشام بن الحكم، حیث فیها:«أنّ صوم العبد كصوم المرأة من دون إذن السیّد و الزوج معصیة و خلاف لمقتضی الطاعة» كما هو الحال في الصبي في ذیل الروایة، و قد تقدّم في حجّ الصبي أنّ مفادها الشرط التكلیفي لا الوضعي و من ثمّ التزمنا في صوم المرأة بكون إذن الزوج شرطا تكلیفيا لمكان دلالة هذه الروایة و الروایات في الباب المزبور من (أنّ لیس لها أن تصوم) لا أن (لا صوم لها) كشرط وضعي في الماهیة، نعم الشرط التكلیفي یوجب الفساد من باب اجتماع الأمر و النهي، كلّ علی حسب مبناه و المختار هناك تبعا لصاحب الكفایة و الشیخ و المشهور هو البطلان في صورة العمد و الجهل التقصیری دون القصوري. و ظاهر هذه الروایات في الصوم الإشارة إلی الآیة الكریمة التي هي قاعدة في باب المملوك.

نعم ما ورد في باب النذر و الیمین و العهد (2)مقتضاه الشرط الوضعي لوجوب النذر و صحّته، لكنّه خاصّ بتلك الأبواب و لیس فیه إشارة إلی كون ذلك مقتضی القاعدة.

و الحال في صلاة النافلة للعبد كحال الصوم المندوب و بقیّة العبادات.

إذا عرفت هذا یتّضح لك أنّ دوران شرطیة إذن المولی للعبد بین كونها شرطا وضعيا أو تكلیفيا حدوثا أو مع البقاء، الصحیح منه كونه شرطا تكلیفيا.أمّا كونه حدوثا أو مع البقاء فتحریر الحال فیه أن مقتضی مملوكیة أفعال و منافع العبد المالية لمولاه هو استمرار الشرط التكلیفي. غایة الأمر أنّه یتصادم هاهنا مع وجوب الاتمام العارض بسبب إنشاء الحجّ المندوب فیجب تنقیح الحجّ بتحقّق الاستطاعة بعد النذر، من أنّ تدافع الحكمین هل هو ورود من طرف أو توارد من طرفین أو تزاحم؟


1) باب 10، أبواب الصوم المحرّم و المكروه.

2) باب 10، أبواب الأیمان، و باب 15، أبواب النذر و العهد.

..........

كما یحرّر الحال أیضا في موارد الرجوع عن الإذن:

منها:دفن المیّت في أرض المالك الآذن.

و منها:الصلاة المأذون بها في بیت الآذن.

و منها:الصلاة في الثوب المأذون.

و تعیین أحد الاحتمالات الثلاثة في حقیقة التدافع هو بما ذكر في مبحث الضدّ و الترتّب، من أنّ أحد الحكمین إن كان تعلیقیا في موضوعه و قیوده و الآخر تنجیزیا أي كان الثاني معدما بوجوده لموضوع الأوّل دون الأوّل، كان هذا التدافع ورودا.

و إن كان التعلیق في الموضوع و الاعدام من كلّ منهما للآخر كان تواردا.

و إن لم یكن هناك تعلیق و إعدام من أحدهما للآخر كان تزاحما.

و ما نحن فیه من سلطنة المولی علی عبده مقیّد بعموم (لا طاعة لمخلوق في معصیة الخالق) (1)و هذه القاعدة یقضي بها حكم العقل، سواء في الشخص الذي له مقام ولایة علی آخر كالأب و الزوج أو في الشخص الذي له سلطنة ملكیة فكلّ من السلطنة الولویّة التكلیفية أو الوضعية التكلیفية محدودة بمقتضی العقل بغیر مورد ولایة مالك الملوك التكلیفية أو الوضعية فلا وجه لتوهّم اختصاصها بالأوّل و هو الشخص الذي له ولایة الطاعة لا ولایة الملك.

هذا كلّه بالنسبة إلی سلطنة المالك علی عبده و الشرط التكلیفي في الحجّ و أمّا بالنسبة إلی وجوب الاتمام بسبب إنشاء الحجّ المندوب فقد قیل بتعلیقیّته أیضا أوّلا:

علی القدرة. و ثانیا:علی إباحة الأفعال. و ثالثا:لكون شرطیة الإذن في الحجّ حدوثا و بقاء. و رابعا:ذلك نظیر من حجّ علی دابة الغیر بعد إحرامه فرجع المالك عن إذنه فإنّه لا یجب علیه الاتمام. و خامسا:استدلّ أیضا بأنّ شرط صحّة الاحرام مشروطة بشرط متأخّر و هو بقاء الإذن لأعمال الحجّ و إلاّ ینكشف عدم انعقاده. و سادسا:عجزه


1) باب 59، أبواب وجوب الحجّ، و كتاب الأمر بالمعروف، باب 11، باب 3، جهاد النفس.

..........

عن إتیان بقیّة الأعمال یوجب انبطال الاحرام من حینه.و سابعا:أنّ (لا طاعة لمخلوق في معصیة الخالق) إنّما مورده في ما كان معصیة و هناك وجوب بالفعل و الفرض انتفاء الوجوب لعدم القدرة علی العمل الصحیح و في هذه الوجوه و الاحتمالات جمیعها نظر و أنّ الصحیح أنّ وجوب الاتمام موضوعه لیس بتعلیقي سوی قید انعقاد الاحرام الصحیح و إنشاء الحجّ.

بیان ذلك:

أوّلا:اشتراط وجوب الاتمام بالقدرة فلیس اشتراطا شرعيا، بل قیدا عقليا للتنجیز، و إنّما القدرة هي قید شرعي في وجوب حجّة الإسلام، و في اتّصاف الحجّ بذلك؛إذ لو فرض انتفاء الاستطاعة في أثناء الاعمال فهو و إن كشف عن عدم وجوب حجّة الإسلام حینئذ إلاّ أنّ وجوب الاتمام علی حاله؛إذ سببه إنشاء الحجّ و الاحرام.

ثانیا:أمّا إباحة الأفعال فهي الاخری أیضا لیس قید وجوب الاتمام، و إنّما هي شرط صحّة المتعلّق و القدرة علی هذا الشرط قید عقلي لا شرعي في وجوب الاتمام كما هو الحال في القدرة علی سائر الاجزاء و شرائط المركب.

ثالثا:دعوی شرطیة الإذن حدوثا و بقاء فقد تقدّم أنّه یرجع إلی الشرط التكلیفي لملكیّة المولی لأفعال العبد حدوثا و بقاء، إلاّ أنّ تلك الملكیة و السلطنة محدودة بـ«لا طاعة لمخلوق في معصیة الخالق» فالشرطیة حدوثا و إن كانت مسلّمة إلاّ أنّها بقاء، حیث تنافی الوجوب الشرعي ذي الموضوع و القیود المنجزة غیر التعلیقية فتكون منتفیة.

رابعا:النقض بمثال الدابة فهو مع الفارق لأنّ فیما نحن هناك وجوب متوجّه إلی العبد فعلی منجز موضوعه و قیوده فلا تعمّ ملكیة و سلطنة المالك للعبد لمثل الفعل الواجب علی العبد؛إذ هو ملك للشارع في التشریع، بخلاف مورد الدابة فإنّه لا

..........

وجوب متوجّه للدابة كي تقصر ملكیة مالك الدابة علی شمول المنافع بقاء، و وجوب الاتمام علی الراكب لا ربط له بعین الدابة و منافعها المملوكة للمالك، غایة الأمر أنّ الراكب إذا عجز عن الوصول إلی المشاعر و أداء الأعمال عقلا فإنّ وجوب الاتمام، و صحّة الاحرام و إن لم تبطل، إلاّ أنّه قد تتبدّل وظیفته في التحلّل إلی وظیفة المصدود أو یناب عنه، و نحو ذلك.

خامسا:دعوی شرطیة الإذن بقاء كشرط متأخّر لصحّة الاحرام فیدفعها أنّ التصرّف في مال الغیر یشترط في حلّیته و جوازه الإذن المقارن لا بقاء الإذن بعد انصرام الفعل و لا شرطیة عدم رجوعه عن الإذن، فلو حلّل أمته لغیره فوطأها ثمّ بعد ذلك رجع عن إذنه في الوطء فإنّه لا ینقلب من الحلال للحرام، و النطفة المنعقدة في رحم الأمة حرّة إن كان الواطي حرّا، و كما لو رجع عن إذنه بعد تمام أعمال الحجّ.

نعم لو كانت شرطیة الإذن لیست تكلیفية بل وضعية بمقتضی روایة خاصّة في المقام أمكن أن یدّعی استظهار ذلك منها باعتبار أنّ الشرط الوضعي ظهوره الأوّلی أنّه شرط حدوثا و بقاء.و المنشأ لإیهام شرطیة الإذن بقاء هو حسبان أنّ الاحرام جزء تتوقّف صحّته علی صحّة بقیّة الأجزاء اللاحقة.

سادسا:دعوی انبطال الاحرام بالعجز العقلي عن الأعمال بقاء ففیه:

إنّ العبد غیر عاجز عن الأعمال بقاء برجوع المولی عن إذنه بما تبیّن من محدودیة سلطنة المالك.

و أنّ الاحرام-كما حرّرناه في المسألة السابعة من شرط البلوغ المتقدّم، و سیأتي إن شاء اللّه تعالی أیضا في فصل كیفیّة الاحرام- شرط لا جزء فلا تكون صحّته مرهونة و لا متوقّفة علی صحّة بقیّة الأعمال كما هو الحال في الجزء، و إن كان الأمر المصحّح لعبادية الاحرام هو أمر النسك كما هو الحال في التيمّم و الصلاة، و حصّته غیر مرهونة بذي المقدّمة و إن قلنا إنّ المقدّمة المأمور بها هي خصوص الموصلة فلاحظ ما

..........

ذكرناه سابقا، و من ثمّ ما ورد في النصوص في بعض الموارد كالمحصور و المصدود أو من فاته الموقفین أنّه یتحلّل من إحرامه ببعث الهدي مع التقصیر أو بالعمرة شاهد علی أنّ الاحرام شرط و صحّته مستقلّة عن بقیّة الاجزاء و الأعمال، فإذا لم یقع لها یقع لغیرها، كما في التيمّم لأجل الصلاة یقرأ به القرآن دون الصلاة.

سابعا:و هو دعوی انتفاء موضوع عموم «لا طاعة لمخلوق في معصیة الخالق» لانتفاء الوجوب لعدم القدرة فقد تبیّن فساده لعدم كون القدرة قیدا شرعيا في وجوب الاتمام، و إن كان قیدا في وجوب حجّة الإسلام حدوثا و بقاء.

فتحصّل:أنّ التدافع و التنافي بین وجوب الاتمام و سلطنة المالك علی العبد مرتفع بورود الحكم الأوّل علی الثاني دون العكس و لیس بتزاحم و لا توارد دوري. و لو فرض رفع الید عن كلّ ذلك و بني علی القول الآخر فلا وجه للقول ببطلان الاحرام كما عرفت، غایة الأمر یلزمه التحلّل بعمرة لكون البقاء علی الاحرام مشقّة عظیمة علی العبد فلا یتوهّم شمول سلطنة المولی لمثل ذلك و لو بالالتفات لقاعدة الحرج.

هذا كلّه بحسب القاعدة، و أمّا بحسب الروایات الواردة في المقام (1)فهي ذات لسانین، لسان نفي الحجّ و العمرة علی المملوك و هو ظاهر في نفي وجوب حجّة الإسلام علی العبد لا نفي مشروعیة الحجّ المندوب، و لا نفي وجوب الاتمام بسبب التلبّس و إنشاء الحجّ المندوب، إلاّ بدعوی توهّم الإطلاق لعموم النكرة في سیاق النفي، لكنّه من الواضح أنّ المراد منه هو وجوب حجّة الإسلام بقرائن لا تخفی.

و اللسان الآخر هو صحیحة یونس بن یعقوب، قال:قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):إنّ معنا ممالیك لنا و قد تمتّعوا علینا أن نذبح عنهم؟قال:فقال:«إنّ المملوك لا حجّ له و لا عمرة و لا شيء» (2)بتقریب أنّ نفي ماهیّة الحجّ له أي أنّه لا توجد منه ماهیة الحجّ و لا تصحّ له


1) باب 15، أبواب وجوب الحجّ، باب 2 أبواب الذبح.

2) باب 15، أبواب وجوب الحجّ، ح 3.

..........

و كذا العمرة و كذا كلّ شيء كأنّه إشارة إلی مفاد الآیة النافي لقدرة العبد علی شيء فیكون مفاد الآیة بتقریب هذه الروایة هو الحجر علی العبد حتی في الأفعال المجرّدة التكلیفية.غایة الأمر أنّ المملوك إذا أذن له مولاه یصحّ منه ذلك كما في المعاملات.

و مورد الروایة و السؤال یحتمل ذلك أي أن یكون حجّ الممالیك من دون إذن موالیهم لاسناد التمتّع للممالیك فكأنّهم قد أتوا به بمحض رأیهم و إرادتهم لا باستیذان موالیهم، و لا أقلّ من احتمال مورد سؤال السائل لكلا التقدیرین لا خصوص ما إذا استأذنوا كي یسقط مضمون الجواب عن الحجّیة لورود الروایات المستفیضة علی صحّة الحجّ و سائر الأفعال بإذن مولاه.

نعم حمل الشیخ مفاد الروایة (إمّا علی عدم إذن المولی أو علی نفي الوجوب) و علی الثاني یكون مفاد (اللام) بمعنی (علی)، و مناسبته للسؤال حینئذ هو حیث إنّ العبد لا قدرة له علی شيء فلا یجب علیه الحجّ و لا العمرة و لا الذبح و إن صحّ منه حجّ التمتّع لأنّه عاجز عن مال الهدي، فوظیفته حینئذ الصوم، و قد ورد بهذا المضمون عدّة روایات في باب الذبح (1)، لا سیّما موثّق حسن العطّار (2)فإنّ فیها استشهاد بنفس الآیة لنفي الوجوب، بل في موثّق سماعة أنّه لو بذل المولی للعبد مال الهدي فصام العبد و لم یضح أجزأ عنه صومه بناء علی عدم وجوب الهدي علیه بمجرّد بذل مال الهدي.

و یعضد الاحتمال الثاني أیضا أنّ التعبیر في السؤال «إنّ معنا ممالیك» أنّ الممالیك كانوا بمعیّة مع الموالي بمرأی منهم و مسمع قد تمتّعوا، و أنّ سؤال السائل هو عن وجوب الذبح عنهم فقط، كما یعضد هذا الاحتمال أیضا أنّ هذه الروایة فیها إشارة إلی الآیة كتطبیق لها، و قد عرفت أنّ مفادها و الذي هو قاعدة في باب الحجر لیس


1) باب 2، أبواب الذبح.

2) باب 2، أبواب الذبح، ح 3.

نعم لو أذن له ثمّ رجع قبل تلبّسه به لم یجز له أن یحرم إذا علم برجوعه (1)، و إذا لم یعلم برجوعه فتلبّس به، هل یصحّ إحرامه و یجب إتمامه، أو یصحّ و یكون للمولی حلّه، أو یبطل؟وجوه (2)، أوجهها الأخیر لأنّ الصحّة مشروطة بالإذن المفروض سقوطه بالرجوع. و دعوی أنّه دخل دخولا مشروعا فوجب إتمامه فیكون رجوع المولی كرجوع الموكل قبل التصرّف و لم یعلم الوكیل، مدفوعة:بأنّه لا تكفي المشروعیة الظاهرية و قد ثبت الحكم في الوكیل بالدلیل و لا یجوز القیاس علیه.

علی الحجر الوضعي في غیر الأفعال الوضعية كالمعاملات بالمعنی الأعمّ، بل یعمّ مفادها الحجر التكلیفي في الأفعال التكلیفية المجرّدة التي منها العبادات، و قد استشهدنا لها فیما تقدّم بروایات صوم العبد بغیر إذن مولاه.

فتحصل:أنّ مفاد الروایة الخاصّة أیضا هو عین مفاد مقتضی القاعدة و هو الشرط التكلیفي، و هذه الصیاغة للشرط نظیر صیاغة إباحة المكان للمصلّی كشرط في صحّة الواجب لا علی نسق الشروط الوضعية فلاحظ.

لانتفاء الشرط التكلیفي فیكون إنشائه للاحرام محرّما منجّزا فلا یصحّ عباديا.

هذا البحث مبتني علی ما تقدّم من كون إذن المولی شرطا وضعيا أو شرطا تكلیفيا، فعلی الأوّل یبطل لانتفاء الشرط في الواقع بعد كونه شرطا واقعیا لا علمیا، بناء علی ما هو الصحیح من الفرق بین الوكالة العقدية و الوكالة الاذنیة، حیث أنّ الاولی لا تنفسخ إلاّ بعلم الوكیل بفسخ الموكل كما في النصّ الصحیح، بخلاف الثانية فإنّ الإذن و إن كان إیقاع إلاّ أنّه من الایقاعات القابلة لرفع الید عنها بقاء كما هو محرّر كلّ ذلك في باب الوكالة و أمّا علی كون شرطیة الإذن تكلیفية فیكون من باب اجتماع الأمر و النهي في موارد الجهل القصوري لأنّ العبد في موارد الجهل القصوري بحسب الظاهر یحلّ له العمل، و الأقوی في هذا التقدیر تبعا للمشهور صحّة العبادة لكونه من التزاحم الملاكي كما ذكر ذلك في الكفایة.

مسألة 2:یجوز للمولی أن یبیع مملوكه المحرم بإذنه

(مسألة 2):یجوز للمولی أن یبیع مملوكه المحرم بإذنه و لیس للمشتري حلّ إحرامه (1).نعم مع جهله بأنّه محرم یجوز له الفسخ، مع طول الزمان الموجب لفوات بعض منافعه.

مسألة 3:إذا انعتق العبد قبل المشعر فهدیه علیه

(مسألة 3):إذا انعتق العبد قبل المشعر فهدیه علیه، و إن لم یتمكّن فعلیه أن یصوم، و إن لم ینعتق كان مولاه بالخیار بین أن یذبح عنه أو یأمره بالصوم للنصوص و الاجماعات (2).

هذه المسألة عین ما تقدّم في المسألة السابقة باعتبار أنّ المشتري مالك للعبد بقاء فالكلام حینئذ فیه كالكلام السابق علی اختلاف الأقوال، و أمّا بالنسبة فیه إلی خیار فسخ البیع فمع طول مدّة أعمال الحجّ بناء علی عدم انحلاله یكون فیه فوات لوصف في المبیع و منافع معتدّ بها حینئذ یثبت له الخیار بسببها.

أمّا إذا انعتق قبل الموقفین بل و بعدهما قبل الذبح فهو حرّ یتّجه تكلیف الوجوب علیه بین الذبح و الصیام عند العجز، بل انّ الحال قبل عتقه أیضا كذلك من أنّ وجوب الذبح أو الصوم عند العجز هو مخاطب به لأنّ وجوب الذبح من أعمال الحجّ الواجب إتمامها تكلیفا علی العبد بسبب إنشاء الحجّ و لو المستحبّ، كما نبّه علی ذلك السیّد الخوئي (قدّس سرّه) لم یفرّق بین ذلك أي بین ما یجب بإنشاء الحجّ و ما یجب بالاستطاعة وجوب حجّة الإسلام.

و النصوص الواردة في أبواب الذبح لیست تخالف مقتضی القاعدة المزبورة بل فیها التنبیه علی تعیّن الصوم علی العبد و عدم لزوم الذبح علی المولی لكون وظیفة العبد مع عجزه المالي لفرض عبودیّته هي الصوم، فما في بعضها من إیهام أنّ وجوب الذبح علی المولی لكونه الآذن و الباذل لحجّ العبد محمول علی الاستحباب و أنّها استنابة من العبد، لا أنّ الولي مخاطب هنا بالذبح كما في الولي عن الصبي، و لیس كوجوب بذل مال الهدي علی الباذل لكلّ الحجّ كما سیأتي لأنّ ذلك في المستطیع و حجّة الإسلام لا في بذل الحجّ الندبي الواجب إتمامه بسبب إنشاء الحجّ.

مسألة 4:إذا أتی المملوك المأذون في إحرامه بما یوجب الكفّارة فهل هي علی مولاه

(مسألة 4):إذا أتی المملوك المأذون في إحرامه بما یوجب الكفّارة فهل هي علی مولاه، أو علیه و یتّبع بها بعد العتق أو تنتقل إلی الصوم فیما فیه الصوم مع العجز، أو في الصید علیه و في غیره علی مولاه؟وجوه (1) أظهرها كونه علی مولاه لصحیحة حریز.

خصوصا إذا كان الآتيان بالموجب بأمره أو بإذنه. نعم لو لم یكن مأذونا في الاحرام بالخصوص بل كان مأذونا مطلقا احراما كان أو غیره لم یبعد كونها علیه. حملا لخبر عبد الرحمن بن أبي نجران النافي لكون الكفّارة في الصید علی مولاه علی هذه الصورة.

نعم لو بنینا علی أنّ وجوب بذل مال الهدي علی الباذل لكلّ مال الحجّ.

أعمّ من الحجّ الواجب حجّة الإسلام و المندوب لبنینا هاهنا علی أنّ خطاب الهدي عن العبد موجّه إلی المولی، و لخرجنا هذه الروایات الآمرة المولی بالذبح عن العبد علی ذلك، و لكانت هذه الروایات هي أحد شواهد التعمیم في حكم المسألة في الباذل.

و لكن الروایات الاولی المشار إلیها في المقام الدالّة علی العدم شاهدة علی عدم تعمیم الحكم في مسألة الباذل، لا سیّما و أنّ هذه الروایات تشیر إلی أنّ عدم ذلك بمقتضی القاعدة لعجز العبد.

ذهب الشیخ في التهذیب و المحقّق في المعتبر إلی كونها علی مولاه مطلقا و في كلتا النسبتین نظر لأنّ الشیخ في التهذیب في صدد الاستدلال علی فتوی المفید الخاصّة بالصید لا التعمیم و المحقّق بجنایته علی مولاه الظاهرة في موارد الضمان الوضعي الذي هو الصید و كذا استدلاله بصحیحة حریز بالصورة المقیّدة بالصید، و ذهب المفید إلی كونها في الصید علی مولاه و ذهب صاحب الجواهر إلی كونها علی العبد مطلقا و ذهب السیّد الخوئي إلی التفصیل بین الصید و غیره، ففي الصید علی العبد و في غیره علی مولاه و في المتن تفصیل آخر.

و الكلام تارة بحسب مقتضی القاعدة و اخری بحسب الروایات الخاصّة في المقام.و قبل تحریر القاعدة لا بدّ من الالتفات إلی أنّ العبد تارة یوقع إحرامه بإذن

..........

المولی كما في الحجّ المندوب و العمرة المندوبة و اخری لا یوقعه بإذنه كما في الاحرام الواجب لدخول حرم مكّة فحیث كان إحرامه للدخول واجبا و یتحلّل منه بعمرة مفردة فلا یشترط في صحّة انعقاده حینئذ إذن المولی فما نفاه و استبعده غیر واحد من الأعلام من فرض صحّة الاحرام من دون الإذن، في غیر محلّه و كما لو أذن المولی لعبده أن ینذر نذر شكر فنذر العمرة و الاحرام لها مثلا.

أمّا تحریر القاعدة في المقام:فقیل:بأنّ مقتضی كون المخاطب بتروك الاحرام هو العبد أنّ الكفّارة علیه، قضیة تكفیره لذنب عصیان الخطاب، لكنّه قد ینتظر فیه و یخصّ هذا التحریر بما إذا أحرم العبد من دون إذن مولاه و قد تقدّم فرض إمكانه فحینئذ یستقلّ العبد بالخطاب و أمّا إذا أحرم بإذن مولاه فالمخاطب و إن كان العبد، إلاّ أنّ إرادته حیث كانت قاصرة لا یقدر علی شيء و إنّما تتمّم بإرادة و سلطة المولی كان الخطاب في التروك حینئذ و الأعمال لكلّ منهما، العبد بالأصالة و المولی بلحاظ ولایته علیه و تكمیله لإرادته و تصرّفه فیه، و لعلّ هذا مراد المحقّق الحلّي حیث عبّر بأنّه من توابع إذنه.

و بعبارة اخری:إنّما حرّر في علم الاصول من تقسیم الواجب إلی العیني و الكفائي هناك واجب متوسّط برزخ بینهما أي لا هو عیني و لا كفائي، نظیر الأحكام المتوجّهة إلی الولي في ولایته علی المولی علیه فإنّ أحكام و وظائف المولی علیه و إن كانت متوجّهة إلیه بالأصالة إلاّ أنّها متوجّهة أیضا إلی الولي كالأب و الجدّ و الزوج و السیّد و الوالی الشرعي بلحاظ أنّ إرادته و ولایته متمّمة لإرادة المخاطب بالأصالة و هو المولی علیه فإرادة الولي للتحفّظ علی إرادة المولی علیه و نظیر ذلك أیضا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و وجوب توقیة الأهل عن المعاصي فإنّ مثل هذه الأوامر دالّة علی أنّ الأغراض الشرعية في الخطابات التي توجّه إلی الآخرین تكون في مسئولیة و عهدة غیر المخاطبین بالأصالة أیضا فغیر المخاطبین و هم الآمرون

..........

بالمعروف و الناهون عن المنكر تكمّل إرادتهم و تتحفظ علی إرادات المخاطبین بالأصالة و أیّا ما كان فسنخ هذا الخطاب لیس هو بالعیني و لا الكفائي بل مزیج من خواصهما أي البرزخي من باب التولیة و مسئولیة الولي.و إذ قد تبیّن سنخ هذا الخطاب نقول إنّ في الاحرام الذي هو بإذن السیّد حیث كانت إرادة العبد ناقصة مكملة بولایة المولی لم یكن الخطاب متمحّض في توجّهه إلی العبد فقط بل إلی المولی أیضا لا بالأصالة بل بالتكمیل و مقتضی القاعدة حینئذ في الكفّارة لسنخ هذا الخطاب هو إمّا كونها علیهما معا كفّارة واحدة لكون مسئولیة الخطاب في عهدتهما معا أو علی المولی لكون إرادته مستعلیة.

هذا كلّه في الكفّارات المتمحّضة في التكلیف.

و أمّا في ضمان الصید و نحوه في بعض موارد ارتكاب التروك فهو ضمان وضعي شأنه شأن بقیّة موارد الضمان الوضعي التي یتحمّلها السیّد أمّا في مالیة العبد و ملكیّته أو أن یبذل الضمان كما ورد من أنّ جنایة العبد علی المولی (1)و كما في الضمان في موارد المعاملات الاخری و الاتلاف كاتلاف الدابة المملوكة أنّ الضمان علی مالكها.

و لعلّ لما ذكرنا في الكفّارة التكلیفية المحضة من كون سنخ الخطاب هو للاثنین كانت كفّارات الصبي و هدیه علی ولیّه و انّ روایات الباب هي علی مقتضی القاعدة حینئذ.غایة الأمر رفعنا الید في هدي العبد للنصوص الواردة بتخیّر المولی بین الهدي و بین صیام العبد و لك أن تقول إنّ التخییر المزبور یتلائم مع مقتضی سنخ هذا الخطاب الثالث لأنّ الفرض أنّ الواجب له عدل فكذلك نلتزم في المقام في تلك الكفّارات التي لها صیام.

نعم لو انتفی العدل و هو الصیام و عجز العبد عن الكفارة المالية تعیّنت الكفّارة علی المولی و هذا مضمون روایة علیّ بن أبي حمزة البطائني (2)فی العبد الذي لم


1) باب 8 و 9 و 10، أبواب دیات النفس.

2) باب 2، أبواب الذبح، ح 4.

..........

یقدر علی الهدي و لم یصم أیام التشریق أنّه یذبح عنه مولاه.

أمّا بحسب الروایات الخاصّة:فقد وردت روایتان (إحداهما) صحیحة حریز و قد رواها المشایخ الثلاثة في الكافي و الفقیه و التهذیب عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):«كلّ ما أصاب العبد و هو محرم في إحرامه فهو علی السیّد إذا أذن له في الاحرام» (1).

نعم روی في الاستبصار عن حریز بنفس السند بصورة أخری (2)مقیّدة بخصوص الصید و تبدیل عنوان العبد بالمملوك فإمّا أن یبنی علی تعدّد الروایة فلا یختلّ عموم الصورة الاولی للروایة و أمّا أن یبنی علی الاتّحاد فالصورة الاولی أرجح أیضا لتوافق المشایخ الثلاثة في كتبهم علیها و هي دالّة علی مقتضی القاعدة المتقدّمة دون ما إذا كان إحرام العبد بدون إذن مولاه الذي تقدّم فرض صحّة وقوعه.

الثانية:صحیحة عبد الرحمن بن أبي نجران-علی الأصحّ-سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن عبد أصاب صیدا و هو محرم هل علی مولاه شيء من الفداء؟فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«لا شيء علی مولاه» (3).

و هذه الروایة معارضة بالاولی و ذكر للجمع بینهما وجوه:

الأوّل:حمل الاولی علی مورد الإذن للتقیید فیها و حمل الثانية علی مورد عدمه حیث إنّ الثانية مطلقة، و قد عرفت إمكان الإطلاق لصورة عدم الإذن و هو متین لتقیّد الاولی بذلك إلاّ أنّه یبقی الإشكال في كون الاولی أخصّ مطلقا من الثانية حیث أنّ مورد الاولی علی صورة المتن الصحیحة هو في الأعمّ من الصید و (دعوی) -استظهار الصید من لفظة (أصاب) و إن لم یقیّد به تصریحا-(لها وجه) لورود هذا التعبیر في موجب كفارات الصید دون غیرها و حینئذ تتّفق صورتا الروایة في المفاد،


1) التهذیب، ج 5، ص 382، ح 1334.الفقیه، ج 2، ص 430، ح 2886.الكافي، ج 4، ص 304، باب حجّ الصبيان و الممالیك، ح 7.

2) الاستبصار ج 2، ص 216، ح 741.

3) الوسائل، باب 56، أبواب كفّارات الصید، ح 3.

..........

و لعلّ هذا منشأ ورود الروایة بالصورتین و أنّ الشیخ في التهذیب و إن روی صورة المتن الاولی إلاّ أنّه جعلها أخصّ مطلقا من صحیحة ابن أبي نجران و كان استدلاله علی خصوص كفّارة الصید و من ذلك یظهر وجه الخلل في بقیّة الوجوه من حمل الروایة الاولی علی غیر الصید و الثانية علی خصوص الصید بعد دعوی عدم إطلاق في الروایة الثانية لصورة عدم الإذن، و منها حمل الروایة الاولی علی الإذن بالخصوص و الثانية علی الإذن بالعموم، و غیرها من الوجوه التبرّعیة المبتنیة علی استظهار غیر تامّ.

نعم هنا روایة ثالثة هي جواب الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مجلس المأمون لیحیی بن أكثم في المحرم الذي یقتل صیدا و قد رواه مرسلا في الاحتجاج عن الریان بن شبیب (1)و فیه:«و الكفّارة علی الحرّ في نفسه و علی السیّد في عبده» و هي و إن كانت من حیث اللفظ مطلقا إلاّ أنّ ما قبله و ما بعده كلّه في الصید فیكون قرینة علی خصوص الصید.و قد رواها المفید في الإرشاد كذلك.

لكن روی في تحف العقول هذا الجواب بتفصیله و فیه هكذا (2):«و كلّ ما أتی به المحرم بجهالة أو خطأ فلا شيء علیه إلاّ الصید فإنّ علیه فیه الفداء بجهالة كان أم بعلم بخطإ كان أم بعمد، و كلّ ما أتی به العبد فكفّارته علی صاحبه مثل ما یلزم صاحبه و كلّ ما أتی به الصغیر الذي لیس ببالغ فلا شيء علیه فإن عاد فهو ممّن ینتقم اللّه منه» و قد رواها بهذه الصورة علی بن إبراهیم في تفسیره عن محمّد بن الحسین (الحسن) عن محمّد بن عون النصیبي و هذه الصورة الثانية ظاهرها العموم لا خصوص الصید كما هو مفاد الجمل المتقدّمة علیها.

و هي مطابقة لمفاد القاعدة التي ذكرناها من التعمیم لغیر الصید في الاحرام المنعقد بإذن السیّد.


1) باب 3، أبواب كفّارات الصید، ح 1.

2) نفس الباب، ح 2.

..........

مضافا إلی إمكان استظهار العموم من لفظة (أصاب) المطلقة الواردة في صورة المتن للروایة الاولی بإرادة معنی (ارتكب المحظور في إحرامه) و خدش في إحرامه فتكون عامّة في مطلق الكفّارات كأن أصاب من النساء كما في الروایة (من أحرم دون الوقت و أصاب من النساء و الصید فلا شيء علیه) (1)و نظیر مصحّح علی بن جعفر حیث فیه (لكلّ شيء خرجت-جرحت-من حجّك فعلیه-فعلیك-فیه دم تهریقه حیث شئت) حیث أنّه علی نسخة جرحت تقرب من عنوان الاصابة و هي بمعنی الارتكاب لا سیّما و أنّ في الروایة بعد وصف العبد باسم الفاعل كحال له حین الاصابة قد ذكر قید «في إحرامه»، أي أصاب في إحرامه و هي علی ذلك ظاهر جدّا في معنی الارتكاب للمحظورات في إحرامه، أي العموم، و نظیر ذلك موثّقة إسحاق في الرجل یحجّ عن آخر فاجترح في حجّه (2).

و الوجه في ذلك أنّ تعدیة الفعل بالحرف الجار هو لأجل جعل المجرور معمولا مفعولا به للفعل فالمصاب و المجترح هو الاحرام حینئذ، أي نقصه و خدش فیه فتكون عامّة، و علی ذلك فتكون النسبة بین الروایتین من وجه و مادّة الاجتماع هو في الصید في الاحرام المأذون فیه.لكن لا یبعد استظهار عموم موضوع النفي في معتبرة ابن أبي نجران بعد كون الصید في سؤال السائل لا في جوابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و استظهار عدم خصوصیة الصید، بل أولویة الحكم فیه من بقیّة الكفّارات كما استظهر ذلك جماعة كثیرة و علی ذلك تعود النسبة بین الروایتین العموم و الخصوص المطلق فیصحّ التفصیل بقول مطلق في صورة الإذن و عدمه.

هذا و لو وصلت النوبة إلی الشكّ فقیل إنّ مقتضی العلم الإجمالي بكون الكفّارة علی أحدهما و إن لم یكن منجزا كلّ منهما البراءة من دون معارضة، إلاّ أنّ هناك علم من الخارج بلزوم أداء الكفّارة و عدم سقوطها نظیر الواجب الكفائي في تغسیل


1) الكافي، ج 4، ص 322.

2) باب 15، أبواب النیابة، ح 2.

مسألة 5:إذا أفسد المملوك المأذون حجّه بالجماع قبل المشعر

(مسألة 5):إذا أفسد المملوك المأذون حجّه بالجماع قبل المشعر فكالحرّ في وجوب الاتمام و القضاء (1) و أمّا البدنة ففي كونها علیه أو علی مولاه، فالظاهر أنّ حالها حال سائر الكفّارات علی ما مرّ (2) و قد مرّ أنّ الأقوی كونها علی المولی الآذن له في الاحرام و هل یجب علی المولی تمكینه من القضاء لأنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه أو لا، لأنّه من سوء اختیاره؟قولان (3) أقواهما الأوّل، سواء قلنا إنّ القضاء هو حجّه أو أنّه عقوبة و أنّ حجّه هو الأوّل هذا إذا أفسد حجّه و لم ینعتق و أمّا ان أفسده بما ذكر ثمّ انعتق فإن انعتق قبل المشعر كان حاله حال الحرّ في وجوب الاتمام و القضاء و البدنة الخنثی، لكن هذا القول قیاس مع الفارق إذ لا علم من الخارج كما ادّعی في المقام إلاّ بتقریب مقتضی القاعدة الذي ذكرنا من الواجب البرزخي من باب التولیة و مسئولیة الولي بین الكفائي و العیني.لكن لیس مقتضی العلم بهذا السنخ من الواجب اشتغال ذمّة كلّ منهما بل اشتغال ذمّة الولي و جریان البراءة بالنسبة إلی العبد، نظیر دوران وجوب تجهیز المیّت علی الولي أو علی كافّة المسلمین فإنّ الاشتغال علی الولي ثابت للعینیّة أو الكفائية، و البراءة جاریة بلحاظ الآخرین عن الكفائي فغایة ما یرفع الید عن مقتضی الأصل العملي حینئذ هو في الاحرام الذي لیس بإذن المولی الذي تقدّم فرضه و تصویره.

لعموم الأدلّة و التكلیف حیث لم یقیّد بالحریة.و ما قد یوهمه صحیح یونس بن یعقوب من أنّه (لا حجّ له) قد تقدّم مفاده.

قد یقال إنّ الكفّارة هاهنا لیست عقوبة لارتكاب تروك الاحرام و إنّما هي عمل و شرط لتصحیح أعمال الحجّ فحالها كالهدي فحینئذ تكون علی العبد و هذا في نفسه نكتة ظریفة إلاّ أنّها خلاف ظاهر الأدلّة حیث إنّها ثابتة حتی فیما لو ارتكب الجماع بعد المشعر فیما یدلّ علی أنّها كفّارة ارتكاب المحظور لا شرط تصحیح عمل الحجّ.

الحال في المقام بعینه هو الحال في وجوب الاتمام مع رجوع المولی عن إذنه

و كونه مجزیا عن حجّة الإسلام إذا أتی بالقضاء علی القولین (1) من كون الاتمام عقوبة، و أنّ حجّه هو القضاء أو كون القضاء عقوبة، بل علی هذا إن لم یأت بالقضاء أیضا أتی بحجّة الإسلام و إن كان عاصیا في ترك القضاء و إن انعتق بعد المشعر فكما ذكر إلاّ أنّه لا یجزیه عن حجّة الإسلام.

فیجب علیه بعد ذلك إن استطاع و إن كان مستطیعا فعلا ففي وجوب تقدیم حجّة و قد تقدّم أنّ الأقوی الوجوب فلاحظ، و سواء في ذلك كانت الاولی هي الحجّة و الثانية عقوبة أو العكس.

أمّا إذا كان الحجّ هو الأوّل كما هو الصحیح بمقتضی صحیح زرارة (1)و ضعف وجه القول الآخر-فحینئذ یكون مشمولا للعبد لا سیّما و أنّه بمقتضی قاعدة (من أدرك) نعم لو بني علی الروایات الخاصّة لكان للتأمّل مجال من جهة أنّها واردة في الحجّ الصحیح لكن یمكن دفعه بعد البناء علی هذا القول من كون ما بیده هي الحجّة و أنّ فساد ما بیده بمعنی نقصه بارتكاب المحظور كما في بقیّة ارتكاب المحظورات الواردة فیه أنّ الارتكاب ینقص الحجّ و أنّها خداج و اجتراح فیه، یمكن التمسّك بإطلاقات تلك الروایات و أمّا علی القول الثاني ففي التأمّل مجال حیث أنّ ما بیده لیست حجّة بل عقوبة و أنّ القابل قضاء للمستحبّ الفاسد لا حجّة الإسلام و لا دلیل علی رفع الید عن وجوب القضاء المزبور و الاعتداد به كحجّة الإسلام لا بحسب مقتضی قاعدة (من أدرك) و لا بحسب الروایات الخاصّة بعد عدم الاطلاق بناء علی أنّ الاولی عقوبة لأنّها في مورد الاعتداد بما في الید عن حجّة الإسلام و حینئذ إذا تحقّقت الاستطاعة فیكون الحكم فیه ما سیأتي فیما إذا انعتق بعد المشعر و كان قد أفسده بالجماع قبله.


1) باب 3، أبواب كفّارات الاستمتاع، ح 9.

الإسلام أو القضاء وجهان (1) مبنیّان علی أنّ القضاء فوري أو لا، فعلی الأوّل یقدّم لسبق سببه و علی الثاني تقدّم حجّة الإسلام لفوريتها دون القضاء.

مسألة 6:لا فرق فیما ذكر بین القن و المدبّر و المكاتب و أمّ الولد و المبعّض

(مسألة 6):لا فرق فیما ذكر-من عدم وجوب الحجّ علی المملوك و عدم صحّته إلاّ بإذن مولاه و عدم إجزائه عن حجّة الإسلام إلاّ إذا انعتق قبل المشعر-بین القن و المدبّر و المكاتب و أمّ الولد و المبعّض، إلاّ إذا هایاه مولاه و كانت نوبته كافیة مع عدم كون السفر خطریا، فإنّه یصحّ منه بلا إذن لكن لا یجب و لا یجزیه حینئذ عن حجّة الإسلام و إن كان مستطیعا لأنّه لم یخرج عن كونه مملوكا و إن كان یمكن دعوی الانصراف عن هذه الصورة فمن الغریب ما في الجواهر من قوله:(و من الغریب ما ظنّه بعض الناس من وجوب حجّة الإسلام علیه في هذا الحال ضرورة منافاته الاجماع المحكی عن المسلمین الذي یشهد له التتبّع علی اشتراط الحریة المعلوم عدمها في المبعض...) إذ الحال في المقام بعد فورية وجوب أداء العقوبة لظاهر الدلیل هو كون المقام من التزاحم لا الورود بناء علی ما سیأتي من أنّ الاستطاعة لم یؤخذ فیها عدم الاشتغال بواجب آخر و حینئذ یقع التزاحم بین الفوريتین تارة و ذلك فیما إذا استطاع أن یأتي بكلّ منهما بعد الآخر و اخری لا یقتدر إلاّ علی الحجّ مرّة واحدة فیكون التزاحم بعد الحجّین.

أمّا الصورة الاولی فإن صدق عنوان التسویف فتقدّم فورية الحجّ علی فوريته لأنّ فیها من التهدید ما لیس في وجوب العقوبة لكن الظاهر أنّ التسویف هاهنا غیر صادق لكون تركه عن عذر و إن وجبت فورية حجّة الإسلام.

و قد یرجّح بكون فورية حجّة الإسلام هي من توابع ما ثبت بالآیة بخلاف فورية العقوبة و هو تامّ لما بیّناه في محلّه من أنّ قوّة الدلیل دالّة علی أهمّیة الملاك لكونها كاشفة عن اهتمام المولی في الدلالة علی ذلك الحكم و من ذلك یعلم الحال في الصورة الثانية.

لا غرابة فیه بعد إمكان دعوی الانصراف مع أنّ في أوقات نوبته یجري علیه جمیع آثار الحریة (1).

تنقیح الحال في هذه المسألة أنّ مقتضی عمومات وجوب الحجّ هو وجوب الحجّ علی كلّ من الحرّ و العبد غایة الأمر قد خصّص هذا العموم في العبد بعنوان «المملوك» لا بأخذ «الحریة» فی الوجوب بل أخذ مانعیة عنوان «العبد» أو «المملوك» و إن كان قد یقال إنّ المخصّص في المقام منوع للعموم و دالّ علی أنّ الخارج نوع و الباقي نوع آخر و هو الحرّ فیكون دالاّ علی أخذ الحریة في الوجوب و هذا و إن كان تامّا إلاّ أنّ الشأن في أنّ المخصّص و العنوان الخارج هل هو «العبد القن» أو «مطلق العبد» كي یكون علی الثاني منوعا دون الأوّل و الظاهر من بعض ألسنة المخصّص حیث علّل فیها عدم وجوب الحجّ في سیاق عدم قدرة العبد علی شيء و هو حكم مجعول یصلح لأن یكون مدارا و علّة لعدم الوجوب و من ثمّ یوجب ضیق المخصّص و عنوان الخارج بالمورد الذي لا یملك العبد نفسه أي في الوقت المضروب لمولاه بالمهایاة لا في الوقت الذي یملك أمر نفسه، و هذا هو منشأ الانصراف بنحو مدلّل، لا سیّما و أنّ العبد عینه مبعّضة و أنّ بعضها مملوك لا كلّها، لكن قد یقال:إنّ بقیّة ألسن المخصّص لم یرد فیها هذا التعلیل، بل التعبیر الوارد فیها نظیر «المملوك إذا أعتق وجب علیه الحجّ» حیث أنّ فیها التعلیق علی العتق بقول مطلق، لا مطلق العتق و الأوّل ظاهر في أخذ الحریة التامّة و الكاملة شرطا في وجوب الحجّ و التعلیل في بعض الألسنة غیر متعیّن في كونه علّة للحكم بل المحتمل أن یكون حكمة، فحینئذ یتمسّك بإطلاق بعض الألسنة و لا یسقطها إجمال بعضها كما أنّه لا بدّ من الالتفات في المقام إلی أنّ عنوان الخارج أو الداخل المأخوذ في وجوب الحجّ هل هو بنحو المشتقّ و الوصف للذات بما هي هی أو أنّه وصف بنحو الفعل أو المصدر للذات بلحاظ المنافع و القدرة علی الأفعال فعلی الأوّل یكون الخارج «مطلق المملوك» لصدق الوصف علی الذات بما هي هي بخلافه علی الثاني فإنّ الظاهر أنّ الخارج هو

..........

خصوص «المملوك القن» أو «المملوك في المدّة المختصّة لمالكه» في المبعّض.

و بهذه الضابطة یجب أن تحرّر الأحكام و الآثار في الأبواب و یفصل بینها بلحاظ ذلك لا ما قد أطلقه الماتن من أنّه یجري علیه جمیع آثار الحریة في المدّة المختصّة بنفسه في كل الأبواب و لا ما أطلقه جماعة من محشي المتن من منع و عدم جریان آثار الحریة كلّها في الأبواب فیجب لحاظ كلّ باب بحسبه و إلاّ فكیف یمنع عقد الإجارة في المدّة المختصّة به و هذا بخلاف باب الجنایة فإنّ الظاهر أنّه علی التقدیر الأوّل لا الثاني.

و الانصاف أنّ القرائن علی كلا الطرفین متعدّدة حیث إنّ التعبیر بـ(أیما عبد حجّ به موالیه) ظاهر في التقدیر الثاني لا الأوّل حیث أنّ الفعل في ظرف الحجّ تحت ولایة و تصرّف المولی فالحجّ الذي یكون تحت ولایة مولاه لا یجزأ عن حجّة الإسلام فلو فرض بقاء الشك لتدافع القرائن فالوجه فیه التمسّك بعمومات الوجوب و في نهایة المطاف لا یرفع الید عن إطلاق المخصّص بعنوان «مطلق العبد» بقرینة اختصاص اللسان الآخر منه لعدم ظهوره في وحدة المطلوب.غایة الأمر أنّ بعض ألسنة المخصّص خاصّة و بعضها أوسع فالصحیح ما علیه المشهور.

هذا و قد وردت روایات (1)في كتاب المكاتب دالّة علی أنّ المولی بمكاتبة عبده یعتق منه بنحو التبعيض كما أنّه تحرّر بنحو التبعيض ممّا یدلّ علی استعمال أعتق في الأعمّ بل قد وردت روایة رواها الكلیني بسند صحیح فیه ابن محبوب عن عليّ بن حمزة عن أبي بصیر عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«المكاتب لا یجوز له عتق، و لا هبة و لا نكاح و لا شهادة و لا حجّ حتی یؤدّی جمیع ما علیه إذا كان مولاه قد شرط علیه إن هو عجز فهو ردّ في الرقّ» (2)حیث أنّ الظاهر منها أنّ صحّة حجّه إنّما تكون مشروطة بإذن مولاه فیما إذا


1) باب 4، أبواب العتق «أنّ المكاتب المطلق ینعتق منه بقدر ما أدّی...»، ح 5 و غیره.

2) باب 6، أبواب العتق «أنّ المكاتب لا یجوز له التزویج و لا الحجّ»، ح 2.

مسألة 7:إذا أمر المولی مملوكه بالحجّ وجب علیه طاعته

(مسألة 7):إذا أمر المولی مملوكه بالحجّ وجب علیه طاعته و إن لم یكن مجزیا عن حجّة الإسلام كما إذا آجره للنیابة عن غیره فإنّه لا فرق بین إجارته للخیاطة أو للكتابة و بین إجارته للحجّ أو الصوم (1).

الثالث:الاستطاعة

اشارة

الثالث:الاستطاعة من حیث المال و صحّة البدن و قوّته و تخیله السرب و سلامته وسعة الوقت و كفایته بالإجماع و الكتاب و السنّة.

مسألة 1:لا خلاف و لا إشكال في عدم كفایة القدرة العقلية

(مسألة 1):لا خلاف و لا إشكال في عدم كفایة القدرة العقلية (2) في وجوب الحجّ بل یشترط فیه الاستطاعة الشرعية و هي:

كان تبعّضه متزلزلا أمّا لو كان مستقرّا فلا یشترط.نعم هي بهذا المقدار من الدلالة لیست في صدد التفصیل في وجوب الحجّ و إنّما التفصیل في صحّة مطلق الحجّ. إلاّ أنّ هذا لسان یضاهي بعض ألسنة ما ورد من نفي الوجوب عن العبد حیث أنّه بانتفاء قدرته ینتفي الوجوب و بثبوتها یثبت.

تحریر الكلام أنّ أفعال العبد مملوكة بقدر اتّصافها بالمالية و أمّا مطلق فعله كالفعل الجانحي أو الجارحي الذي لا یعتدّ به في المعاوضات المالية فلا دلیل علی شمول الملكیة المالية له، و حینئذ فقد یقال إنّ الحجّ النیابي من قبل العبد له مالیة فهو مملوك لمولاه و للمولی أن یعاوض عنه أو أن یتبرّع به عن میّت أو حيّ آخر أو عن نفس المولی و أمّا حجّ العبد عن نفس العبد فلیس له مالیة فلا یجب علی العبد الائتمار لمولاه.

لكن الصحیح أنّ هذه المنفعة أیضا لها مالیة بعد كونها ذات مدّة نظیر من یؤاجر الحرّ للصلاة عن نفس الأجیر فإنّهم قد صحّحوا ذلك، فإنّ المنفعة المملوكة لا یشترط في مالیّتها و التعاوض علیها أن یعود نفع تلك المنفعة إلی المالك نفسه في صرف تلك المنفعة.

أنّ البحث عن الاستطاعة و اجزائها یقع في جهات:

..........

الاولی:في كون أخذ الاستطاعة علی وزان أخذ البلوغ و الحریة قیدا في الملاك في فریضة حجّ الإسلام أو أنّها قیدا في العزیمة و التنجیز.

الثانية: في كون اجزاء الاستطاعة ثلاثة أو أكثر.

الثالثة:حدّ الاستطاعة هل هو المكنة و القدرة المتولّدة من الأجزاء السابقة أم السعة و الیسار؟

الرابعة: في أخذها حدوثا أو مع البقاء؟

الخامسة: في أخذ عدم الابتلاء بواجب آخر في اجزائها.

السادسة:في كون أخذها من بلد المكلّف أو من المیقات أو من المشعر أو من حیث هو كائن.

السابعة: في المبدأ الزماني لتحقّقها.

الثامنة: في كون أخذها بقاء مقابل التلف الخاصّ لا الاتلاف و لا مطلق التلف أي مقابل التلف الموجب للعجز في المئونة.

التاسعة: في أخذ اجزاء اخری وقع النزاع فیها.

تحقیق الحال من جهة الاولی:حیث إنّ الباقي یتأثّر بها و یتفرّع علیها.ظاهر الكلمات أنّ الاستطاعة الخاصّة الشرعية هي الموضوع لفریضة حجّة الإسلام حیث أنّهم ذكروها في ردیف البلوغ و الحریة، كما أنّ الأكثر ذكر في المسألة الآتية و هي ما إذا تكلّف النائي الحجّ مع عدم الاستطاعة الشرعية أنّه لا یجزیه عن الفریضة إلاّ أنّه خالف جماعة فذهبوا إلی الاجزاء كالشهید في الدروس و صاحب المدارك و كاشف اللثام و صاحب الحدائق و المستند.

حیث قال في الدروس عند تعداده شرائط الوجوب الثمانیة قال:«و لو حجّ فاقد هذه الشرائط لم یجزئه و عندي لو تكلّف المریض و المعضوب و الممنوع بالعدو و ضیق الوقت أجزأه لأنّ ذلك من باب تحصیل الشرط، فإنّه لا یجب و لو حصله

..........

وجب و أجزأه.نعم لو أدّی ذلك إلی الاضرار بالنفس یحرم انزاله و لو قارن بعض المناسك احتمل عدم الاجزاء» (1)إلی أن قال:«فانقسمت الشرائط إلی أربعة:الأوّل ما یشترط في الصحّة خاصّة و هو الإسلام، الثاني:ما یشترط في المباشرة و هو الإسلام و التمییز، الثالث:ما یشترط في الوجوب و هو ما عدا الإسلام، الرابع:ما هو شرط في الاجزاء و هو ما عدی الثلاثة الأخیرة و في ظاهر الفتاوی كلّ شرط في الوجوب و الصحّة شرط في الاجزاء» (2).

أقول:صریح عبارته الثانية أنّ الاستطاعة البدنیة و الاستطاعة السربیة و السعة الزمانية لیست قیودا في ملاك الفریضة و المشروعیة و إنّما هي قیود العزیمة بینما ظاهر الفتاوی أنّ كلّ اجزاء الاستطاعة هي قیود في الملاك و مشروعیة الفریضة و إلی ذلك نبّه في المستند (3)في ذیل عبارة الشهید الاولی «أنّ الحاصل بالتكلّف الحجّ أو السیر إلیه لا الصحّة و أمن الطریق مثلا اللذان هما الشرط».

و أشكل في المدارك في ذیل العبارة الاولی بقوله: «و في الفرق نظر المتّجه أنّه إن حصلت الاستطاعة الشرعية قبل التلبّس بالاحرام ثبت الوجوب و الاجزاء لما بیّناه من عدم اعتبار الاستطاعة من البلد، و إن حصل التلبّس قبل تحقّق الاستطاعة انتفی الأمران معا، سواء كان عدم الاستطاعة بعدم القدرة علی تحصیل الزاد و الراحلة أو بالمرض المقتضی لسقوطه الحجّ أو بخوف الطریق أو غیر ذلك، لأنّ ما فعله لم یكن واجبا فلا یجزئ عن الواجب، كما لا یجزئ فعل الواجب الموقّت قبل دخول وقته» (4)انتهی.

إلاّ أنّه أشكل في شرطیة الزاد و الراحلة بقوله:«و بالجملة و المسألة قویّة الإشكال إذ المستفاد من الآیة الشریفة تعلّق الوجوب بالمستطیع، و هو القادر علی الحجّ،


1) الدروس، ج 1، ص 314.

2) نفس المصدر السابق، ص 316.

3) المستند، ج 11، ص 66-68.

4) المدارك، ج 7، ص 61.

..........

سواء كانت استطاعته بالقدرة علی تحصیل الزاد و الراحلة، أو بالقدرة علی المشي، كما اعترف به الأصحاب في حقّ القریب و الأخبار غیر منافیة لذلك، فإنّ الاستطاعة مفسّرة في صحیحة محمّد بن مسلم و حسنة الحلبي المتقدّمتین بأن یكون له ما یحجّ به، و روایة محمّد بن یحیی الخثعمي المتضمّنة لاعتبار الراحلة یمكن حملها علی من یشقّ علیه المشي كما هو شأن البعید غالبا و كیف كان فلا ریب في اعتبار الراحلة إذا شقّ المشي مطلقا» (1).

و ظاهر كلامه أنّ القدرة المأخوذة هي قریبة من الحدّ العقلي لا سیّما مع الالتفات إلی ما ذكروه سابقا في ذیل عبارة الشهید الأوّل من أنّ الاستطاعة لا یشترط فیها أن تكون من البلد فلو تكلّف من بلده و تحقّقت لدیه الاستطاعة عند المیقات أجزأه و تابعه في كلّ ذلك صاحب الحدائق (2)حیث بنی في عدّة موارد علی الاجزاء فیما لو تكلّف بعناء.

و قال في صدر كلامه في شرطیة الاستطاعة «أنّ الآیة قد دلّت علی أنّ شرط الوجوب الاستطاعة، و الاستطاعة لغة و عرفا القدرة و تخصیصها بالزاد و الراحلة یحتاج إلی دلیل واضح» (3)كما قد تنظر صاحب الحدائق في ما استشكله صاحب المدارك علی عبارة الشهید الاولی برجوع كلامه إلی كلام الشهید حیث إنّه لم یأخذ استطاعة المسیر دخیلة في الاجزاء و إنّما اكتفی بالاستطاعة علی أعمال الحجّ بداء من الاحرام في المیقات علی أنّ الأصحاب لا یقولون بالتفكیك بین استطاعة المسیر و استطاعة الأعمال.

و في كشف اللثام قال:«و لو تكلّفه مع أحد هذه الأعذار-من الخوف أو مرض أو ضیق الوقت المفتقر إلی حركة عنیفة-فالأقرب الاجزاء كما في الدروس و إن أطلق


1) المدارك، ج 7، ص 37.

2) الحدائق، ج 14، ص 82-94، 130-139.

3) نفس المصدر السابق.

..........

الأصحاب أنّ حجّ غیر مستكمل الشرائط لا یجزئ (لا یجوز) لأنّ ذلك من باب تحصیل الشرط فإنّ شرط وجوب الحجّ الزاد و الراحلة و إمكان المسیر و إذا تكلّف المسیر فقد حصله و إذا حصّله حصل إمكانه و إذا حصل الشرط حصل الوجوب كما إذا حصل الزاد و الراحلة بخلاف ما لو تكلّف المسیر و هو لا یملك الزاد و الراحلة فإنّه لم یحصل الشرط نعم...و یحتمل عدم الاجزاء مطلقا بناء علی أنّ شرط الوجوب انتفاء الخوف و المشقّة عند المسیر و لم ینتفیا إلاّ بعده مع عموم النصوص علی الوجوب علی من استطاع» (1).

أقول:قد نبّه بما احتمله من الاجزاء علی التفكیك بین الاستطاعة علی المسیر و الاستطاعة علی أعمال الحجّ و أنّ هناك وجهین لأخذ الاستطاعة للمسیر تارة في وجوب السعي و المسیر للحجّ و أخری في أخذها في وجوب الحجّ نفسه نظیر التفكیك بین شرائط وجوب السعي لصلاة الجمعة و بین شرائط صحّة صلاة الجمعة و اجزائها فكلّ من اكتفی بتجدّد الاستطاعة عند المیقات و الاحرام بالاستطاعة علی إتیان الأعمال كانت استطاعة المسیر عنده قید عزیمة لا قید المشروعیة.

و قال في المستند (في المسألة-4):لو حجّ من هذا شأنه و رضي بالضرر لم یكف عن حجّ الإسلام و یجب علیه الحجّ ثانیا إذا ارتفع المانع بلا تضرّر إلاّ إذا كان تحمّل الضرر قبل أحد المواقیت و لم یكن بعده عدوّا لحصول الاستطاعة بعد» (2)و قال في ذیل كلام الشهید الأوّل بعد ما أشكل علیه بما تقدّم سابقا:«نعم لو حصلت لغیر المستطیع الاستطاعة قبل المیقات كمن یحصل له من السؤال ما یكفي له منه إلی تمام المناسك أو كان له من حاله هذا المقدار أو سهل المشي منه إلی مكّة...یجزئ عنه حجّة الإسلام و لأجل ذلك یشبّهه أن یكون خلاف الدروس مع المشهور لفظا...

و هل یشترط في وجوب الاجزاء لمن حصلت له الاستطاعة قبل المیقات-بالسؤال


1) كشف اللثام، ح 5، ص 122-123.

2) المستند، ج 11، ص 64.

..........

أو بوجود قلیلا من المال بالاقتراض-نفقة العیال أو الكفایة أو نفقة العود أم لا؟الظاهر أنّه لو لم یتفاوت الحال للعیال و الكفایة و العود یصرف ما في یده للحجّ و یجزئ و إن توقّف أحد الثلاثة علیه لا یجب» (1).

أقول:ظاهر كلامه أنّ المشهور لا یذهبون إلی أخذ استطاعة المسیر قیدا في مشروعیة الفریضة بخلاف استطاعة أعمال الحجّ و إنّما یأخذون الاستطاعة الاولی قید التنجیز و العزیمة و انّ أخذ نفقة العیال و الرجوع إلی كفایة و نفقة العود في الاستطاعة كقید في مشروعیة الفریضة فیما إذا لم یكن الحجّ و تركه سیان بالإضافة إلی حاله في الامور الثلاثة و إلاّ فإذا كان سیان و لم یتفاوت حاله فیجب علیه الحجّ و یكون مجزئا كما لو تكلّف المسیر مع الجهد إلی المیقات أو إلی المشاعر أو بحیث ساغ له الاحرام عندها لضیق الوقت مثلا أي كان میقاته عند أحد المشاعر لذلك كان حجّه مجزئا بعد كون العود لا محالة منه سواء حجّ أم لا.

و في الخلاف اشترط الزاد و الراحلة مطلقا حتی علی من أطاق المشي مستدلاّ بالآیة و إجماع الفرقة و نقل أنّ هذا أكثر قول العامّة عدا مالك و الزبیر و الضحّاك (2).

نعم ذكر أنّ أكثرهم قالوا بالإجزاء لو حجّ مع ذلك و كذا ظاهر الوسیلة.

و تنقیح الحال في المقام:

إنّ الاستطاعة الشرعية الخاصّة یحتمل أن تكون مأخوذة في مشروعیة الفریضة كما هو ظاهر المشهور في كثیر من المواضع و یحتمل أن تكون قیدا في عزیمة الفریضة أمّا الآن الاستطاعة المأخوذة في مشروعیة الفریضة هي العقلية و تفسیرها بذلك أو للتفكیك في استطاعة المسیر و استطاعة أعمال الحجّ و كون استطاعة المسیر قید وجوب السعي و قید عزیمة لوجوب اعمال الحجّ و استطاعة الأعمال قید وجوب


1) المستند، ج 11، ص 64-68.

2) الخلاف، كتاب الحجّ، مسألة 3، 4.

..........

الحجّ أو لأنّ المدار في الاستطاعة الدخیلة في أجزاء الحجّ هو تحقّقها عند أحد الموقفین و إن لم تتحقّق من قبل نظیر ما تقدّم في عتق العبد و بلوغ الصبي عند أحد الموقفین من أنّ الاجزاء فیهما علی مقتضی القاعدة.

و العمدة التعرّض للأدلّة في المقام.

تارة بحسب الآیات و اخری بحسب الروایات.

أمّا الآیات:فقوله تعالی: «وَ أَذِّنْ في النّاسِ بِالْحَجِّ یَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلی كُلِّ ضامِرٍ یَأْتِینَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِیقٍ» (1)، و قوله تعالی: «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّهِ...» (2)، و قوله تعالی: «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلاً» (3)و مقتضی الآیتین الاولتین إطلاق الوجوب لا سیّما مفاد یَأْتُوكَ رِجالاً الذي هو جمع و هو ممّن خوطب بهذا الخطاب فالتأذین في الاولی هو الإعلام بأنّه قد كتب علیهم الحجّ و كتابة فریضة و هو معنی إعلان الأمر بالحجّ، غایة الأمر قد دلّ الدلیل المرخّص فیما عدا المرّة الاولی فما فوق، كما یمكن تقریب الآیة أیضا بأنّ مفاد یأتوك حیث جعل غایة الأمر بالتأذین فهو مطلوب شرعا و غایة الواجب واجب فالحاصل أنّ التأذین هاهنا لأجل التبلیغ و الظاهر أنّ المخاطب بالتأذین في الآیة هو رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ ‏) كما هو مورد نزول الآیة حینما أراد حجّة الوداع و إن ورد تفسیرها بأنّ المخاطب هو النبي إبراهیم (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ لا منافاة أن یكون إبراهیم (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد خوطب بذلك أیضا، مضافا بأنّ إبراهیم (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد خاطب في تأذینه الناس إلی یوم القیامة و قد أمرنا بمتابعة في قوله تعالی: وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِیمَ حَنِیفاً... (4)، مع أنّه قد ورد أیضا أنّ المخاطب هو الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏).

و كذا مفاد الأمر بـ«أتمّوا» أي آتوا بهما تامین كما هو مورد نزول الآیة في المدینة


1) الحجّ:27.

2) البقرة:169.

3) آل عمران:97.

4) آل عمران:67.

..........

لفرض العمرة معتضدا ذلك بمفاد الآیات في ذیل الآیة (1).

و أمّا قوله تعالی في آیة الاستطاعة فإنّ مفاد التعبیر فیها قد اشتمل علی حرفي جرّ الاختصاص و الاستعلاء و الظاهر مغایرة التركیب المزبور مع التركیب بالصورة التالیة:

للّه حجّ البیت من استطاع إلیه سبیلا أو للّه حجّ البیت ممّن استطاع إلیه سبیلا فإنّ التعبیر بهذه الصورة یفید الوجوب لمكان إطلاق الاختصاص المنفهم من اللام فیفید ملكیة الفعل للّه فیجب علی المكلّف فزیادة حرف الاستعلاء و جعل الاستطاعة قیدا له مشعر بأنّ الاستطاعة قید العزیمة حیث انّ الاستعلاء بمعنی التنجیز لا قید مشروعیة الفریضة الذي هو مفاد اللام و قد یجعل إطلاق مفاد الآیتین السابقتین قرینة علی أنّ الاستطاعة قید الكلفة و الالزام لا قید كتابة و تشریع الفریضة، فعلی هذا التقریب لا تكون آیة الاستطاعة مقیّدة لإطلاق الآیتین السابقتین كما أنّه قد یجعل من القرائن علی ذلك هو أنّ الاستطاعة المأخوذة هي استطاعة المسیر بحسب ظاهر لفظ الآیة-لأنّ الاستطاعة مخصوصة بحرف الانتهاء فتكون بمعنی الافضاء و كذا تخصیصها بالسبیل إذ هو معمول للفعل كتمییز له - و هي مغایرة للاستطاعة علی العمل و قد عرفت من غیر واحد كصاحب المدارك و المستند نسبة الاكتفاء إلی المشهور فالاجزاء هو بالاستطاعة علی أعمال الحجّ الدالّ علی فهمهم أخذ الاستطاعة في المسیر قیدا في العزیمة لا في أصل المشروعیة في الآیة.ثمّ إنّ المراد بالاستطاعة لغة هو المكنة بیسار أو سعة من دون عسر أو حرج و إن احتمل أن یكون بمعنی مطلق القدرة العقلية علی الشيء إذ ظاهر جماعة من اللغويین الأوّل، ففي اللسان:قال الطوع نقیض الكره طاعة یطوعه مطاوعة و الاسم الطوع و طواعیة و لتفعلنه طوعا أو كرها و طائعا أو كارها و جاء فلان طائعا غیر مكره، و في التهذیب و قد طاع له یطوع إذا انقاد له.


1) الوسائل، باب 1، أبواب وجوب الحجّ.

..........

قال ابن سیّده:و طاع یطاع و أطاع لان و انقاده، «و أطاع له المرتع» إذا اتّسع له المرتع و أمكنه الرعی «ناقة طوعة القیاد و طیّعة القیاد لیّنة لا تنازع و قائدها «و طوّعت له نفسه قتل أخیه» قال الأخفش:مثل طوّقت له و معناه رخصت و سهلت.حكی الأزهری عن الفراء معناه فتابعت نفسه «و قال المبرد «فطوّعت له نفسه» فعلت من الطوع و روی عن مجاهد قال: فطوعت له نفسه شجّعته» قال أبو عبید:عني مجاهد أنّها أعانته علی ذلك و أجابته إلیه، قال الأزهری:و الأشبه عندي أن یكون معنی طوعت سمحت و سهلت له نفسه قتل أخیه أي جعلت نفسه بهواها المردي قتل أخیه سهلا و هویته.و قال الراغب:الطوع الانقیاد و یضادّه الكره «قال اِئْتِیا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً...» و تطوّع في الأصل تكلّف و هو الطاعة و الاستطاعة استفالة من الطوع و ذلك وجود ما یصیر به الفعل متأتّیا و هي عند المحقّقین اسم للمعانی التي بها یتمكّن الإنسان ممّا یریده من إحداث الفعل و هي أربعة أشیاء بنیّة مخصوصة للفاعل و تصوّر للفعل و مادة قابلة لتأثیره و آلة إن كان للفعل آلیا كالكتابة و الاستطاعة أخصّ من القدرة و قد یقال فلان لا یستطیع كذا لما یصعب علیه فعله لعدم الریاضة. و ظاهر جماعة منهم الثاني قال الجوهری:و الاستطاعة الطاقة، قال ابن برّ:هو كما ذكر إلاّ أنّ الاستطاعة للإنسان خاصّة و الاطاقة عامة تقول: «...الجمل مطیقا لحمله و لا یقل:

مستطیعا» فهذا الفرق ما بینهما و الاستطاعة القدرة علی الشيء، قال ابن سیّده:

و الاستطاعة الاطاقة و تطاوع للأمر و تطوّع به و تطوّعه تكلّف استطاعة و في التنزیل:

«و من تطوّع خیرا فإنّ...».

و الظاهر أنّ المراد المعنی الأوّل في الآیة بقرینة أنّ هذا العنوان قید احترازي احترز به عن الفاقد له و لو كان المراد القدرة العقلية كان الأكثر واجدا له مضافا إلی أنّ التقیید بالمعنی الثاني هو علی وزان التقیّد العقلي في كلّ التكالیف و هو خلاف ظاهر التقیید في الخصوصیة و إلی ذلك تشیر معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): سأله

..........

رجل من أهل القدر فقال: یا ابن رسول اللّه، اخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ...» أ لیس قد جعل اللّه لهم الاستطاعة، فقال:«ویحك إنّما یعنی الاستطاعة الزاد و الراحلة لیس استطاعة البدن» (1)، و إنّما أطلنا في تحریر المعنی المستفاد من الاستطاعة في الآیة كي یكون بمثابة المرجع الفوقاني لموارد النزاع في أجزائها و كي یتبیّن أنّ ما ورد من أجزائها هل هو بنحو الحصر أو التمثیل، سواء بنینا علی أنّ الاستطاعة هي موضوع الفریضة و المشروعیة أو قید عزیمة كما هو الأصحّ حیث انّه علی الثاني أیضا یثمر ذلك في معرفة تحقّق العزیمة و استقرار الحجّ بالترك.

هذا كلّه بحسب الآیات الشریفة.

أمّا الروایات: فهي علی طوائف؟أمّا التي تدلّ علی ظاهر المشهور ففی:

الطائفة الاولی:

و هي الآخذة الزاد و الراحلة موضوعا للفریضة و هي كثیرة كصحیحة محمّد بن یحیی الخثعمي قال:سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أنا عنده عن قول اللّه عزّ و جلّ:

«وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ...» ما یعنی بذلك؟ قال: «من كان صحیحا في بدنه مخلّی سربه له زاد و راحلة فهو ممّن یستطیع الحجّ» أو قال:«ممّن كان له مال فقال له حفص الكناي:فإذا كان صحیحا في بدنه مخلّی سربه له زاد و راحلة فلم یحجّ فهو ممّن یستطیع الحجّ؟قال:نعم» (2).

و هي تقرب من اثنتی عشر (3)روایة فیها الصحیح و في عدّة منها جعل الزاد و الراحلة تفسیر السبیل كما أنّ الملحوظ في كلّها أنّه تفسیر لآیة الاستطاعة.

الطائفة الثانية:

الاخذة لعنوان الیسار كحدّ للاستطاعة كمصحّح عبد الرحیم القصیر عن أبی


1) باب 8، أبواب الحجّ، ح 5.

2) باب 8، أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، ح 4.

3) باب 8 و 9، أبواب الحجّ.

..........

عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:سأله حفص الأعور و أنا أسمع عن قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ..» قال:ذلك القوّة في المال و الیسار قال:فإن كانوا موسرین فهم ممّن یستطیع؟قال:نعم...» الحدیث (1).و مثلها صحیحة سماعة (2)و صحیحة الفضل بن عبد الملك (3)و صحیح علی بن جعفر (4)و صحیح الحلبي (5)و مصحّح علی بن أبي حمزة (6)و روایة حفص الأعور (7)و قویة أبي بصیر (8).

و مفاد هذه الروایات أنّ الاستطاعة المأخوذة حدّها الصحّة و الیسار المالي و لا یخفی عموم هذا العنوان إلی أجزاء اخری لا تدلّ علیها الطائفة الاولی.

و دعوی بعض الأعلام أنّ الیسار عنوان تشكیكي فیكون مهملا لا یعلم أخذ أي درجة منه مدفوعة بتبادر درجات معیّنة منه في الإطلاق العرفي و إن كان المعنی أمرا تشكیكیا إضافیا و الدرجة المتبادرة منه هو توفره علی الزاد و المركوب و نفقة العیال و الرجوع إلی الكفایة و بنحو لا یقع في الضیق في قبال العسر و الحرج لأنّهما عنوانان متقابلان مع أنّ لازم الإشكال المزبور عدم إمكان التمسّك بقاعدة العسر و الحرج في الأبواب و نظیر هذا الإشكال في ما ذكر في شرط الرجوع إلی الكفایة من أنّه أمر مجمل مجهول غیر منضبط إلی یوم أو شهر أو سنة أو عشر سنین إذ المعتبر منه ما یقتدر به علی استمرار عیشه السابق بحیث لا یجحف به الحجّ، و من ثمّة تدرّج في هذه الطائفة كلا من معتبرتي أبي ربیع الشامي (9)-علی الأصحّ-المعروفة و مثله صحیح ذریح المحاربي (10)و إن كان فیه دلالة علی تقیّد الیسر بعدم لزوم العسر بنحو


1) باب 9، أبواب وجوب الحجّ، ح 3.

2) باب 28، أبواب وجوب الحجّ، ح 4.

3) باب 10، ح 6.

4) باب 16، أبواب وجوب الحجّ، ح 10.

5) باب 24، أبواب وجوب الحجّ، ح 2.

6) باب 21، ح 5.

7) باب 8، ح 13.

8) باب 6، ح 7.

9) باب 9، ح 1 و 2.

10) باب 7، ح 1.

..........

الاجحاف.

و هذه الطائفة في بعضها كروایة أبی ربیع الشامی جعل ذلك تفسیرا للسبیل و في بعضها الآخر جعل تفسیرا للاستطاعة.و في واحدة منها جعل تفسیرا لآیة العقوبة و العمی في الآخرة.

الطائفة الثالثة:

الاخذة لعموم عنوان ما یحجّ به كصحیحة محمّد بن مسلم، قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله تعالی: «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ...» قال:«یكون له ما یحجّ به» الحدیث (1)و هي ما یقرب من سبع (2)روایات إلاّ أنّ بعضها تفسیرا لآیة الاستطاعة و بعضها الآخر تفسیرا لآیتي عقوبة العمی في الآخرة (3).

و هذه الروایات دالّة علی حرمة التسویف و مقتضاها أنّ الاستطاعة المأخوذة في الحكم هي وجودها لو لا الاتلاف و أنّ الاتلاف لا یعدم موضوع الوجوب إذ قد دلّت علی أنّ المستطیع لو دفع الحجّ و سوّفه فتنجیزه باقیا علیه و إن أدركه الموت و لمات یهودیا فالاتلاف لها غیر رافع للوجوب، و هذه الروایات في الدلالة علی ذلك أوضح من أدلّة استقرار الحجّ علی من أهمل فإنّ استقرار الحجّ مأخوذ فیه بقاء الوجوب و الموضوع في العام الأوّل فلا نظر فیها لكیفیّة الموضوع و بقائه في العام الأوّل بخلاف أدلّة حرمة التسویف و دفع الحجّ فإنّها ناظرة لذلك في العامّ الأوّل أیضا و لما إذا أتلف الاستطاعة فیه قبل الأعمال.

الطائفة الرابعة:

و هي الروایات (4)الاخذة لعنوان أهل الجدة مثل مصحّح حذیفة بن منصور عن أبي


1) باب 8، ح 1.

2) باب 6 و 8.

3) الإسراء:76، طه:124.

4) باب 2، أبواب وجوب الحجّ.

..........

عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال:«إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض الحجّ علی أهل الجدة في كلّ عام» و غیرها.

و هي تقارب في الدلالة عنوان الیسار المتقدّم، بل هي الوفرة.

أدلّة قیدیّتها في التنجیز:

أمّا التي تدلّ علی أنّ الاستطاعة قید عزیمة لا قید مشروعیة الفریضة أو الدالّة علی أنّ استطاعة المسیر قید وجوب السعي دون وجوب الحجّ فهی:

الطائفة الاولی:ما دلّ علی وجوب الحجّ علی من أطاق المشي كصحیحة محمّد بن مسلم في حدیث قال:«قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإن عرض علیه الحجّ فاستحیی؟قال:هو ممّن یستطیع الحجّ و لم یستحیی؟و لو علی عار أجدع أبتر، قال:فإن كان یستطیع أن یمشي بعضا و یركب بعضا فلیفعل» (1)و مثله صحیح الحلبي (2)و مثله روایة أبي بصیر (3)و روایة أبی اسامة (4)و صحیح معاویة بن عمّار قال:«سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل علیه دین أ علیه أن یحجّ؟قال:نعم إنّ حجّة الإسلام واجبة علی من أطاق المشي من المسلمین و لقد كان من حجّ مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) مشاة و لقد مرّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) بكراع الغمیم فشكوا إلیه الجهد و العناء، فقال:شدّوا أزركم و استبطنوا ففعلوا ذلك فذهب عنهم» (5).

و ظاهرها عدم مانعیة الدین عن الاستطاعة و هو خلاف مفاد عنوان الیسار المأخوذ في بعض الطوائف المتقدّمة كما أنّ مفادها تشریع فریضة حجّة الإسلام لمن أطاق المشي و أنّ أكثر من حجّ مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) هم من المشاة مع شكواهم الجهد و العناء و هذا قد وقع بلا ریب فظاهر الجواب كون الاستطاعة قید عزیمة و أنّ الاستطاعة العقلية هي قید المشروعیة هذا مع اعتضاد مضمونها باستبعاد عدم


1) باب 10، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

2) باب 10، ح 5.

3) باب 10، ح 9.

4) باب 10، ح 1.

5) باب 11، ح 1.

..........

اجزاء حجّ أكثر من حجّ مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) عن حجّة الإسلام.

و علی هذا فأمّا أن یكون موضوع الفریضة ما هو صریح الروایة المتقدّمة ذكره أو یحمل علی أنّ تحقّق الاستطاعة عند الموقفین كاف في تحقّق موضوع الوجوب لعدم الحاجة إلی الراحلة عند المشعر مع توفّر الزاد حینئذ و مثلها مصحّحة أبي بصیر (1)و فیها قلت:لا یقدر علی ذلك أعنی المشي قال:یخدم القوم و یخرج معهم و قد تحمل دلالتها علی أنّ ظاهرها الأمر بإیجاد الاستطاعة و هي موضوع الوجوب و هو موضوع الاستطاعة لكن ظاهر الروایة في صدد وجود الاستطاعة العقلية بالأنحاء و الطرق المختلفة.

الطائفة الثانية:الدالّة علی عدم مسقطیة المهانة و ذلك مثل صحیحة محمّد بن مسلم المتقدّمة في الطائفة الاولی و مثلها صحیحة معاویة بن عمّار حیث فیها «فإنّه لا یسعه إلاّ (أن یخرج) و لو علی حمار أجدع أبتر» (2)و مثله صدر صحیح الحلبي المتقدّم و صحیح أبي بصیر (3)و صحیحة العلاء بن زرین (4)و غیرها من الروایات و ظاهر الروایات عدم مسقطیة الاستحیاء و المهانة و إن اشتدّت في المركوب ممّا یشیر إلی أنّ المدار علی القدرة العرفية الأعمّ من وجود الراحلة.

الطائفة الثالثة:ما ورد من روایات (5)وجوب الاستنابة للمتمكّن مالیا غیر المتمكّن بدنیا أو سربیا لصد أو حصر ممّا یدلّ علی ثبوت حجّة الإسلام في الذمّة بمجرّد المكنة المالية و لا ریب أنّ الاستنابة في قبال المباشرة رخصة لا عزیمة فلو تكلّف المباشرة لأجزأه كما في الشیخ العاجز و مقتضاه أنّ الاستطاعة البدنیة و السربیة قید عزیمة لوجوب مباشرة الحجّ لا قید مشروعیة، و قد ذكر غیر واحد من الأصحاب أنّ


1) باب 11، ح 2.

2) باب 11، ح 3.

3) باب 10، ح 7.

4) باب 8، ح 2.

5) باب 24، أبواب وجوب الحجّ.

..........

القیدین المزبورین هما للوجوب المباشري لا لأصل الحجّ.

و من ذلك تبیّن دلالة طائفة اخری من الروایات (1)الواردة في من خرج حاجّا و مات دون الحرم بأمر ولیّه بالقضاء عنه، و هي مطلقة لمن لم یستقرّ علیه الحجّ، كما أفتی بذلك المفید و الشیخ و بعض متأخّري الأعصار و مفادها متطابق مع روایات الاستنابة في أنّ وجوب الحجّ الأعمّ من المباشرة و الاستنابة هو بالمكنة المالية، فإذا تبیّن ذلك ظهر أنّ الاستطاعة المالية كذلك قید عزیمة لوجوب الحجّ الأعمّ كجزئي الاستطاعة الآخرین في كونها قید عزیمة المباشرة لا مشروعیّته بعد كون الجمیع اجزاء الاستطاعة.

و من ذلك یتّضح الاستشهاد بطائفة اخری (2)الواردة في من مات و لم یحجّ حجّة الإسلام و ترك مالا أنّه یقضیا عنه من أصل المال بخلاف ما إذا كان قد حجّ و أوصی بالحجّ فإنّه یخرج من ثلثه و هي مطلقة من غیر تقیید باستقرار الحجّ علیه و مفادها كالطائفتین المتقدّمتین من أنّ المدار في وجوب الحجّ الأعمّ علی المكنة المالية فإطلاقها علی مقتضی القاعدة.

الطائفة الرابعة:و هي الروایات المصرّحة بكون موضوع الفریضة هي الاستطاعة العقلية كصحیحة ذریح المحاربي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«من مات و لم یحجّ حجّة الإسلام لم یمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا یطیق فیه الحجّ أو سلطان یمنعه فلیمت یهودیا أو نصرانیا» (3)و هذه الروایة مرویة بسبعة طرق عنه، و ظاهرها استثنی خصوص المجحف من الحاجة المالية عن وجوب أو تنجیز الحجّ و إلاّ فذي الحاجة غیر المجحفة غیر مستثناة، كما أنّها تستثنی خصوص المرض المعجز عن أعمال الحجّ لا مطلق المرض من موضوع الفریضة و تستثنی خصوص الممانعة القاهرة كسلطان لا


1) باب 26، أبواب وجوب الحجّ.

2) باب 28، 29، 30، 31، أبواب وجوب الحجّ.

3) باب 7، ح 1.

..........

مطلق الممانعة فیقارب الموضوع حینئذ الاستطاعة العقلية مضافا إلی أنّ ظاهر هذه الاستثناءات من التنجیز و العقوبة لا من موضوع الفریضة كصحیحة معاویة بن عمّار قال:سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل علیه دین أ علیه أن یحجّ؟قال: «نعم، إنّ حجّة الإسلام واجبة علی من أطاق المشي من المسلمین و لقد كان من حجّ مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مشاة و لقد مرّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) بكراع الغمیم فشكوا إلیه الجهد و العناء فقال:شدّوا أزركم و استبطنوا ففعلوا ذلك فذهب عنهم» (1)، و هذه و إن تقدّمت باعتبار ذیلها في الطائفة الاولی إلاّ أنّ صدرها من هذه الطائفة و تقدّم شرحها فلاحظ.

و كذا مصحّح أبي بصیر المتقدّم بلحاظ ذیله:«قال:یخدم القوم و یخرج معهم» (2)و الروایة في تفسیر آیة الاستطاعة بحدّ الاستطاعة العقلية كما لا یخفی.

أمّا تحقیق الحال:

في دلالة هذین القسمین من الطوائف فقد یقال باستحكام التعارض بین دلالة القسمین لا سیّما مع الالتفات إلی أنّ كلاّ من القسمین یتعرّض إلی آیة الاستطاعة و إلی ما في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:سأله رجل من أهل القدر فقال:

یا ابن رسول اللّه اخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ...» أ لیس قد جعل اللّه لهم الاستطاعة فقال:«ویحك إنّما یعني بالاستطاعة الزاد و الراحلة لیس استطاعة البدن» (3)و كذا ما في معتبرة أبي الربیع الشامي عند ما ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) تفسیر الاستطاعة في الآیة بالزاد و الراحلة فقال:هلك الناس إذن فإن كان من كان له زاد و راحلة قدر ما یقوت عیاله و یستغنی به عن الناس ینطلق إلیهم فیسلبهم إیّاه فلقد هلكوا إذن فقیل فما السبیل قال:فقال:السعة في المال إذا كان یحجّ ببعض و یبقی بعضا لقوت عیاله أ لیس قد


1) باب 11، ح 1.

2) باب 11، ح 2.

3) باب 8، ح 5.

..........

فرض اللّه الزكاة فلم یجعلها إلاّ علی من یملك مائتي درهم» (1).

فإنّها صریحة في عدم جعل الفریضة علی غیر المستطیع بالاستطاعة الخاصّة لكن الصحیح عدم استحكام التعارض و عدم صحّة ما صنعه الشیخ من حمل القسم الثاني علی الاستحباب المؤكّد إذ صریح مدلولها تفسیر الآیة كما صرّح بحجّة الإسلام فیها و بأنّه ممّن یستطیع الحجّ.بل الوجه في الجمع بینها هو إرادة العزیمة و التنجیز من القسم الأوّل و أصل مشروعیة الفریضة من القسم الثاني أو بأن یقرّر الجمع بإرادة أخذ الاستطاعة الخاصّة في وجوب السعي للحجّ من القسم الأوّل و عدم أخذها في وجوب أعمال الحجّ من القسم الثاني و إن كانت قید عزیمة و تنجیز لا قید ملاك للوجوب الثاني و یشهد لهذین الجمعین عدّة قرائن:

الاولی:أنّ القسم الأوّل في صدد تفسیر آیة الاستطاعة و قد تقدّم مفاد آیات الحجّ أنّ الاستطاعة في الآیة قید تنجیز لا قید مشروعیة.

الثانية:أنّ القسم الأوّل في أغلب طوائفه أخذ الاستطاعة الخاصّة في العقوبة أو كتفسیر للسبیل و قد نبّهنا علی ذلك في مواضعها تشیر إلی هذین الجمعین.

الثالثة:أنّ القسم الأوّل صریح في بعض مدلوله و ظاهر في بعض مدلوله و الثاني كذلك بنحو العكس فیأخذ صریح كلّ منهما و یترك الظاهر فالأوّل صریح في أخذها في التنجیز و العزیمة و ظاهر في إناطة العزیمة أیضا بها.

الرابعة:ما قدّمنا في حجّ العبد إذا انعتق عند أحد الموقفین و حجّ الصبي إذا بلغ عندهما أیضا من أنّ اجزاء حجّهما علی مقتضی قاعدة من أدرك أحد الموقفین فقد أدرك الحجّ» الدالّة علی أنّ الاستطاعة اللازم تحقّقها لموضوع الفریضة یكفی فیها و في بقیّة قیود موضوع الفریضة التحقّق عند الموقفین و هذا كاشف علی أنّ استطاعة السیر لیست مأخوذة في وجوب أعمال الحجّ بل في وجوب السعي و في تنجیز


1) باب 9، ح 1.

..........

وجوب الحجّ.

و قد تقدّم أنّ المشهور أفتوا بكفایة تحقّق الاستطاعة عند المیقات بل أنّ بعضهم في حجّ العبد و الصبي نبّه علی كفایة تحقّقها قبل الموقفین و لازم فتواهم تلك كما ذكره صاحب الحدائق هو عدم كون استطاعة السیر قیدا في وجوب الاعمال بل قیدا في وجوب السعي لا سیّما مع ضمّ قرینة اخری و هي بنائهم علی وجوب الحجّ في كلّ مورد كان إتیانه و تركه سیّان في تكلفة المئونة بما استفادوه من روایات الحجّ البذلي الدالّة علی الاجزاء من دون أخذ نفقة العیال و الرجوع إلی الكفایة فیها، فی ما لم یؤثر علی نفقة العیال؛إذ الشخص الكائن في المشاعر علی أي تقدیر إتیان الحجّ بالنسبة له و تركه سیّان في تكلفة مئونة العود و العیال و الرجوع إلی الكفایة.

و من ذلك یظهر أنّ روایات الحجّ البذلي تخرج طائفة اخری من القسم الثاني.

الخامسة:أنّ ما ورد في القسم الأوّل من روایات الیسار كحد للاستطاعة.و هو عین مفاد قاعدة رفع الحرج بمقتضی المقابلة بین الیسر و العسر و لذلك تری استدلالهم لنفي الاستطاعة برفع الحرج تارة، و بعدم الیسار اخری.مع أنّ مفاد الرفع هو للعزیمة لا المشروعیة كما هو المشهور المنصور.

فذلك قرینة علی أنّ حدّ الاستطاعة الخاصّة قید عزیمة و أنّ أخذها في الآیة بمقتضی قاعدة الحرج لا الجعل الخاصّ.

السادسة:تأیید الجمع المزبور بطوائف اخری منها:

1-ما ورد من الأمر بالحجّ مع وجود الدین (1)ففي بعضها أنّ علیه الحجّ، و في اخری أنّ الحجّ واجب علی الرجل و إن كان علیه دین.

2-ما ورد في وجوب الحجّ مرّة واحدة في العمر (2).و في بعضها «ما كلّف اللّه العباد


1) باب 50 و 11 و 6، أبواب وجوب الحجّ.

2) باب 3، أبواب وجوب الحجّ.

..........

إلاّ ما یطیقون»..و كلّفهم حجّة واحدة و هم یطیقون أكثر من ذلك» (1).

فإنّ ظاهر عنوان الطاقة القدرة العقلية، سواء لتكلیف الصلاة أو الحجّ.

و في بعضها الآخر و إنّما امروا بحجّة واحدة لا أكثر من ذلك لأنّ اللّه وضع الفرائض علی أدنی القوّة كما قال: «فَمَا اسْتَیْسَرَ مِنَ الهدي» یعني شاة لیسع القوي و الضعیف و كذلك سائر الفرائض إنّما وضعت علی أدنی القوم قوّة فكان من تلك الفرائض الحجّ المفروض واحدا، ثمّ رغّب (بعد أهل القوّة بقدر طاقتهم) (2).

و هذه أصرح إذ لا معنی للتعلیل بقید الوحدة مع قید الاستطاعة الشرعية، بخلاف ما إذا كانت مشروعیّة الفریضة بالاستطاعة العقلية؛فإنّ لقید الوحدة حینئذ فائدة.

إذ بدونه سوف یكون أدنی القوم تاركا للفریضة للمرّات اللاحقة و لن یكون وضع الفریضة (3)(و إن لم تكن عزیمة) علی نسق أدنی القوم قوّة.

و هذا التعلیل و إن كان بنحو الحكمة إلاّ أنّه لا بدّ فیه من الموجبة الجزئية، بل في بعضها أنّ المندوب الزائد وضع علی أهل القوّة علی قدر طاقتهم ممّا یشیر إلی عدم أخذ الاستطاعة الخاصّة في المرّة الاولی.

3-ما ورد في إجزاء الحجّ التبرّعي عن المیّت الذي لم یحجّ و أنّها تحسب له حجّة تامّة غیر ناقصة و هي مطلقة لمن لم یكن له مال حتی مات أي لم یفرض فیها استقرار الحجّ علیه، بل مجرّد عدم إتیانه لحجّة الإسلام ممّا یدلّ علی أنّ الفریضة مشروعة في حقّه و إن لم تكن عزیمة.

4-الروایات الواردة فیمن نذر الحجّ و أتی به أنّه یجزئه عن حجّة الإسلام (4)و قد


1) باب 3، ح 1.

2) باب 3، ح 2.

3) باب 31، ح 1-باب 25، ح 4، و بقیّة الباب-و باب 28.

4) باب 27، ح 1، 3.

..........

عنون الأصحاب الفرض في الروایة كمسألة مستقلّة و حملوا الروایات و قیّدوها بفروض مخالفة لإطلاقها و لظاهرها، فإنّ ظاهرها من نذر نذرا مطلقا و أتی بالحجّ، سواء تحقّقت الاستطاعة الخاصّة أم لا، إن لم نقل أنّ تساؤل الراوی ظاهر في عدم تحقّقها فكان نذره هو الملزم له للسعي لا تنجیز الفریضة.

و بالجملة فهي دالّة علی المطلوب و إن حمل النذر فیها علی المشي إلی البیت لا علی الحجّ.

السابعة:قرائن اخری مؤیّدة منها:

1-ظهور روایات الیسار في قیدیة التنجیز لا المشروعیة.

2-ما ورد من الأمر بالاعادة لمن حجّ بالبذل إذا أیسر حیث أنّ البذل لا یحقّق عنوان الیسار و إن حقّق عنوان الاستطاعة ممّا یشعر أنّه قید تنجیز.

3-ما یظهر من روایات التسویف من تقیید العقوبة بعدم المانع فإنّه ظاهر في عدم نفي الملاك و المشروعیة بتحقّق المانع.

4-ما التزمه جماعة من الاجتزاء بالحجّة عند تلف الاستطاعة بعد الاعمال بل بعضهم و لو في الأثناء، و كذا ما التزم به بعض بالاجزاء عند تلف ما یستغنی به و ما یرجع به إلی الكفایة بعد الاعمال معلّلا ذلك بأنّ إتیان الحجّ و تركه سیان المقتضی لكون الاستطاعة قید وجوب السعي كما تقدّم بیانه، و أنّ المأخوذ منها لو لا التلف قبل الاعمال و علّل ثالثا بكونه خلاف الامتنان المستفاد في رفع الحرج ممّا یدلّ علی ارتكاز أنّ أخذها بمقتضی قاعدة الحرج.

5-ما یظهر من اختلافهم في أجزاء الاستطاعة و عدم اقتصارهم علی المذكور في الروایات ممّا یأتي تفصیله في المسائل اللاحقة معلّلین ذلك بكلا من نفي الحرج و عدم تحقّق الاستطاعة ارتكازا منهم بوحدة مفاد التعلیلین.

و بالجملة فمقتضی تحكیم النظر بین الأدلّة بعضها لبعض هو كون مشروعیة حجّ

كما في جملة من الأخبار الزاد و الراحلة فمع عدمهما لا یجب و إن كان قادرا علیه عقلا بالاكتساب و نحوه و هل یكون اشتراط وجود الراحلة مختصّا بصورة الحاجة إلیها لعدم قدرته علی المشي أو كونه مشقّة علیه أو منافیا لشرفه أو یشترط مطلقا و لو مع عدم الحاجة إلیه (1)، مقتضی إطلاق الأخبار و الإجماعات المنقولة الثاني و ذهب جماعة من المتأخّرين إلی الأوّل لجملة من الأخبار المصرّحة بالوجوب إن أطاق المشي بعضا أو كلا بدعوی أنّ مقتضی الجمع بینها و بین الأخبار الأوّلة حملها علی صورة الحاجة مع أنّها منزلة علی الغالب بل انصرافها إلیها، و الأقوی هو القول الثاني؛لإعراض المشهور عن هذه الأخبار مع كونها بمرأی منهم و مسمع، فاللازم طرحها أو حملها علی بعض المحامل، كالحمل علی الحجّ المندوب و إن كان بعیدا عن سیاقها، مع أنّها مفسّرة للاستطاعة في الآیة الشریفة، و حمل الآیة علی القدر المشترك بین الوجوب و الندب بعید، أو حملها علی من استقرّ علیه حجّة الإسلام سابقا، و هو أیضا بعید، أو نحو ذلك، و كیف كان فالأقوی ما ذكرنا و إن كان لا ینبغي ترك الاحتیاط بالعمل بالأخبار المزبورة، خصوصا بالنسبة إلی من لا فرق عنده بین المشي و الركوب، أو یكون المشي أسهل، لانصراف الأخبار الاولی عن هذه الصورة، بل لو لا الاجماعات المنقولة و الشهرة لكان هذا القول في غایة القوّة.

الإسلام غیر منوطة باستطاعة المسیر الخاصّة و إنّما المنوط هو كلّ من وجوب السعي و تنجیز فریضة الاعمال و علی هذا یكون البحث عن حدود الاستطاعة الخاصّة ثمرته في تحدید قیود التنجیز و العزیمة و من ثمّة ترتّب استقرار الحجّ عزیمة و لزوم القضاء عن المیّت في أصل المال فلا تنتفي الثمرة عن البحث عن حدودها.

و قد اتّضح ممّا تقدّم مبسوطا أنّ الاستطاعة الخاصّة هي قید عزیمة فهل هي بحدّ مفاد قاعدة نفي العسر و الحرج و علی أي تقدیر قد اتّضح لك أنّ وجه الجمع بین الروایات الخاصّة المشترطة للزاد و الراحلة مطلقة و بین الأخبار الاخری المصرّحة للوجوب لمن أطاق المشي بعضا أو كلاّ هو حمل الثانية علی مشروعیة الفریضة دون

مسألة 2:لا فرق في اشتراط وجود الراحلة بین القریب و البعید

(مسألة 2):لا فرق في اشتراط وجود الراحلة بین القریب و البعید حتی بالنسبة إلی أهل مكّة لإطلاق الأدلّة فما عن جماعة من عدم اشتراطه بالنسبة إلیهم لا وجه له (1).

مسألة 3:لا یشترط وجودهما عینا

(مسألة 3):لا یشترط وجودهما عینا عنده بل یكفي وجود ما یمكن صرفه في تحصیلهما من المال من غیر فرق بین النقود و الأملاك من البساتین و الدكاكین و الخانات و نحوها، و لا یشترط إمكان حملها الزاد معه بل یكفي إمكان تحصیله في المنازل بقدر الحاجة و مع عدمه فیها یجب حمله مع الامكان من غیر فرق بین علف الدابة و غیره (2) و مع عدمه یسقط الوجوب.

العزیمة المحمول علیها الأخبار الاولی أخذا بصریح كلاّ منهما في مقابل الظاهر من الآخر. و علی ذلك فحدّ الاستطاعة التي هي قید عزیمة هو وجودها مطلقا، مع أنّ ما افترضه الأعلام من عدم وجود المشقّة في المشي بعضا أو كلاّ للبعید كأنّه لا صغری له و أمّا القریب سیأتي الكلام فیه.

ظاهر الروایات أنّها في صدد آیة الاستطاعة و مورد الآیة كما تقدّم هي في من یحتاج إلی طي و سلوك السبیل و الطریق إلی البیت الحرام لا في القریب غیر المحتاج إلی ذلك كأهالي مكّة و أطرافها، مضافا إلی أنّ أحد طوائف الروایات المفسّرة للاستطاعة بعضها قد أخذ حدّ السعة و الیسار، و قد تقدّم أنّها مشتملة علی روایات عدیدة معتبرة و هو في قبال العسر و الحرج كما أنّ في بعض طوائف عنوان ما یحجّ به و نحوه ممّا یفید أنّ أخذ الزاد و الراحلة و نحوها كسبب لحصول المكنة بیسر فإذا فرض حصولها بدون الراحلة فلا وجه لأخذها إلاّ إذا كانت مشقّة.

كلّ ذلك لحصول القدرة الخاصّة و هي التمكّن بیسر و سعة و الذي تقدّم أنّ أخذ الأجزاء من ملكیة الزاد و الراحلة كسببین لتحقّق ذلك المسبّب و الواجد للمال بأي نحو تحقّق له ذلك الیسر و السعة.

مسألة 4:المراد بالزاد هنا المأكول و المشروب و سائر ما یحتاج إلیه المسافر

(مسألة 4):المراد بالزاد هنا المأكول و المشروب و سائر ما یحتاج إلیه المسافر من الأوعیة التي یتوقّف علیها حمل المحتاج إلیه و جمیع ضروريات ذلك السفر بحسب حاله قوّة و ضعفا و زمانه حرّا و بردا و شأنه شرفا و ضعة و المراد بالراحلة مطلق ما یركب و لو مثل السفینة في طریق البحر و اللازم وجود ما یناسب حاله بحسب القوّة و الضعف (1).

بل الظاهر اعتباره من حیث الضعة و الشرف (2) كمّا و كیفا فإذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنیسة بحیث یعدّ ما دونها نقصا علیه یشترط في الوجوب القدرة علیه و لا یكفي ما دونه و إن كانت الآیة و الأخبار مطلقة و ذلك لحكومة قاعدة نفي العسر و الحرج علی الاطلاقات، نعم إذا لم یكن بحدّ الحرج وجب معه الحجّ و علیه یحمل ما في بعض الأخبار من وجوبه و لو علی حمار أجدع مقطوع الذنب.

إذ أنّ المكنة و القدرة بیسر تشكیكیة تصدق بحسب الظرف المكاني و الزماني و بحسب الأشخاص فقد یكون نمطا من الراحلة و الزاد محقّقا للیسر و السعة لشخص دون آخر.

قد یقال (كما هو ظاهر ذیل متن المسألة) أنّ الأدلّة التي دلّت علی التقیید بالاستطاعة المالية مطلقة و إن لم یبنی علی إطلاقها فقد وردت طائفة من الروایات دالّة علی عدم مسقطیة المهانة مطلقا أو في خصوص المركوب كصحیحة محمّد بن مسلم (1)و معاویة بن عمّار (2)و العلاء بن رزین (3)و أبي بصیر (4)و روایة أبي اسامة (5)حیث أنّ السائل لم یخصّص الاستحیاء من المركوب بل ظاهره الاستحیاء من نفس البدل فنفی (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسقطیّته الوجوب و إزالته للاستطاعة لو كانت المهانة في المركوب فتكون هذه الطائفة مفسّرة لدرجة الیسار المعتبرة في الاستطاعة أو مخصّصة لها فی


1) باب 10، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

2) باب 10، ح 3.

3) باب 8، ح 2.

4) باب 10، ح 7.

5) باب 10، ح 10.

مسألة 5:إذا لم یكن عنده الزاد و لكن كان كسوبا

(مسألة 5):إذا لم یكن عنده الزاد و لكن كان كسوبا یمكنه تحصیله بالكسب في الطریق لأكله و شربه و غیرهما من بعض حوائجه هل یجب علیه أو لا؟الأقوی عدمه، و إن كان أحوط (1).

خصوص المهانة في المركوب و من ثمّة یظهر أنّ بین هذه الطائفة و عموم قاعدة العسر و الحرج هو بتقدیمهما تخصیصا هذا و قد یجاب بأنّ الطائفة المزبورة مطلقة لمن یكون ذلك علیه مشقّة و لغیره فتقدّم قاعدة العسر و الحرج علیها.

و فیه نظر لدلالة الترفّع علی بیان الفرض كمصداق للمشقّة إلاّ أنّ الصحیح علی المختار عدم تمامیة القول المزبور لما عرفت في صدر بحث الاستطاعة من أنّ هذه الطائفة معدودة من القسم الدالّ علی عدم شرطیة أصل الاستطاعة الخاصّة في مشروعیة الفریضة و إنّما هي دخیلة في العزیمة جمعا بینهما و بین روایات الیسار فلا یأخذ بظاهرها في العزیمة مقابل صریح روایات القسم الأوّل، إذ الیسار في المال هو بحسب توفّر ما یتناسب مع درجة الشخص مضافا إلی وجود قرائن عدیدة علی تطابق حدّ الاستطاعة مع مفاد القاعدة؟و قد تقدّم.

ذهب إلی تحقّق الاستطاعة بذلك في المستند و مال إلیه في التذكرة، و قد یوجّه بأنّ الاستطاعة التي هي الموضوع إنّما هي القدرة و المكنة الخاصّة و ما ذكر في الروایات من الزاد و الراحلة إنّما هي أسبابا لتحقّقها لا أنّها هي الاستطاعة كأجزاء حدّیة و لذلك لو تملّك الزاد و الراحلة و لم یقدر علی التصرّف لبعدها عن متناول یده لم تتحقّق، و من ثمّة تتحقّق بالبدل مع أنّه لیس بملك فالمدار علی المسبّب حصل الملك بالفعل أو لا؟فلا حاجة لتقریب مالیة منافع الكسوب بالفعل كما ذكروه في البیع في ضمان منافع الكسوب من الحابس له و ما ذكروه في كیفیّة وقوع المعاوضة علی منافع الحرّ غیر الكسوب من أنّ مالیّتها بالمعاوضة بخلاف الكسوب فإنّ مالیّته قبل المعاوضة و إن كان ذلك الفرق شاهدا علی تحقّق المكنة و القدرة في المقام لكون الكسوب متّصفة منافعه المالية بالفعل؛إذ لو بنینا علی عدم مالیة بالفعل فإنّه

مسألة 6:إنّما یعتبر الاستطاعة من مكانه لا من بلده

(مسألة 6):إنّما یعتبر الاستطاعة من مكانه لا من بلده فالعراقي إذا استطاع و هو في الشام وجب علیه و إن لم یكن عنده بقدر الاستطاعة من العراق بل لو مشي إلی ما قبل المیقات متسكّعا أو لحاجة اخری من تجارة أو غیرها و كان له هناك ما یمكن أن یحجّ به وجب علیه (1) بل لو أحرم متسكّعا فاستطاع و كان أمامه میقات آخر أمكن أن یقال بالوجوب علیه (2) و إن كان لا یخلو عن إشكال.

یبقی فارقا بین الكسوب و غیره بصدق المكنة القریبة بیسر و قد عرفت أنّها الموضوع و إن لم یتحقّق الملك هذا و لا یخلو التقریب المزبور من قوّة لا سیّما من الكسوب الذي تعدّ منافعه بأموال طائلة بخلاف ما إذا كانت یسیرة، فإنّه قد یقال فیه بأنّ المكنة المأخوذة موضوعا هي بنحو أقرب فعلیة من ذلك.

بتقریب أنّ الاستطاعة المأخوذة إنّما هي بلحاظ المكلّف و اقتداره فعلا و هي منوطة بظرفه المكاني الفعلي فتلحظ بالمكان الذي هو فیه، سواء كان موطنه أو غیره، و إن فرض المیقات نفسه و قد التزم به المشهور و لازمه-كما ذكر ذلك صاحب الحدائق-كون استطاعة المسیر قیدا في وجوب السعي لا في وجوب الاعمال كما بنینا علی ذلك في صدر البحث عن شرطیة الاستطاعة و تشیر إلیه طائفة من الروایات (1).

جهة الإشكال في الفرض هو تلبّسه باحرام لنسك أنشأه یجب إتمامه فلا یقع إذا أتی به للفریضة إلاّ بأخذ الوجوه و هي أمّا القول بعدم مشروعیة المندوب مع تحقّق موضوع الوجوب فیكشف عن بطلان ما أنشأه من نسك و تلبّس به من احرام، و أمّا بالعدول أو الانقلاب أو الفسخ أو بالاجتزاء بالمندوب عن الواجب و قد حقّقنا الصحیح من هذه الوجوه في مسألة بلوغ الصبي عند أحد الموقفین أثناء الحجّ.

و مجمله أمّا الأوّل:فالمندوب مشروع مع الفریضة فلا یبطل لعموم الأدلّة في كلّ


1) باب 22، أبواب وجوب الحجّ، ح 2.

مسألة 7:إذا كان من شأن ركوب المحمل أو الكنیسة و لم یوجد سقط الوجوب

(مسألة 7):إذا كان من شأن ركوب المحمل أو الكنیسة و لم یوجد سقط الوجوب، و لو وجد و لم یوجد شریك للشقّ الآخر، فإن لم یتمكن من اجرة الشقّین سقط أیضا و إن تمكّن فالظاهر الوجوب؛لصدق الاستطاعة.فلا وجه لما عن العلاّمة:من التوقّف فیه؛ لأنّ بذل المال له خسران لا مقابل له.نعم، لو كان بذله مجحفا و مضرّا بحاله لم یجب كما هو الحال في شراء ماء الوضوء (1).

عام، و أمّا الفسخ فلا وجه له لعدم التحلّل مع الاحرام إلاّ بالنسك أمّا العدول فلیس هو علی مقتضی القاعدة؛لأنّ النسك یجب إتمامه بالإنشاء، نعم ما ورد في العبد إذا أعتق عند أحد الموقفین من التعلیل بأنّ من أدرك أحدهما فقد أدرك الحجّ یظهر منه جواز العدول من النسك المندوب إلی الواجب كما یظهر منه الاجتزاء بالاحرام و الأعمال السابقة علی الموقفین بالطبیعة الندبية عن الواجب كما یظهر منه أنّ اللازم في تحقّق موضوع الوجوب هو عند أحد الموقفین لا خصوص ما افترضه الماتن في مقام من فرض میقات آخر أمامه و لك أن تقول إنّ المضطرّ لضیق الوقت میقاته حیث أمكنه فهو میقات آخر له.لكن قد عرفت وقوع إحرامه السابق للوجوب المتجدّد فلا مجال لانعقاد إحرام آخر لكن ذلك كلّه بناء علی أخذ الاستطاعة الخاصّة قید المشروعیة أمّا علی كونها قید عزیمة كما هو صحیح فلا حاجة إلی أحد هذه الوجوه لأنّه وقع مصداقا للفریضة من الأوّل، غایة الأمر أنّ ما قصده اشتباه في التطبیق بل لا تباین بین الطبیعتین علی المختار و منه یظهر الحال في حجّ المتسكّع.

أمّا الكلام في الشأنیة فقد تقدّم.و أمّا بذل المال الزائد فنظیر المسألة اللاحقة من غلاء الأسعار فعن العلاّمة في التذكرة الإشكال و عن الشهید الأوّل و في الحدائق الوجوب ما لم یكن مجحفا، و الكلام تارة بحسب القاعدة و اخری بحسب الأدلّة الخاصّة.أمّا الأوّل فإنّ الأحكام التي بطبعها ضرریة كالجهاد و الزكاة و الحجّ إنّما یصحّ التمسّك بلا ضرر فیها بلحاظ الضرر الزائد علی طبیعتها و طبیعة كلّ مكلّف بحسبه كما أنّ رافعیة لا ضرر و العناوین الثانویة وفاقا للآخوند و لمشهور الفقهاء هي لبّا من

مسألة 8:غلاء أسعار ما یحتاج إلیه أو اجرة المركوب في تلك السنة لا یوجب السقوط

(مسألة 8):غلاء أسعار ما یحتاج إلیه أو اجرة المركوب في تلك السنة لا یوجب السقوط، و لا یجوز التأخیر عن تلك السنة مع تمكّنه من القیمة بل و كذا لو توقّف علی الشراء بأزید من ثمن المثل و القیمة المتعارفة، بل و كذا لو توقّف علی بیع أمكنه بأقلّ من ثمن المثل، لعدم وجود راغب في القیمة المتعارفة فما عن الشیخ من سقوط الوجوه ضعیف.نعم لو كان الضرر مجحفا بماله مضرّا بحاله لم یجب و إلاّ فمطلق الضرر لا یرفع الوجوب بعد سقط الاستطاعة و شمول الأدلّة.فالمناط هو الاجحاف و الوصول إلی حدّ الحرج الرافع لتكلیف (1).

مسألة 9:لا یكفي في وجوب الحجّ وجود نفقة الذهاب فقط

(مسألة 9):لا یكفي في وجوب الحجّ وجود نفقة الذهاب فقط، بل یشترط وجود نفقة العود إلی وطنه إن أراده، و إن لم یكن له فیه أهل و لا مسكن مملوك و لو بالاجارة باب التزاحم الملاكین فیجب ملاحظة درجة الضرر الطارئة مع درجة ملاك الحكم لا أنّه بأی درجة طارئة یرفع الید عن الأحكام الأوّلیة فبلحاظ أهمّیة الحجّ إنّما یكون الرافع له هو الضرر المجحف لا مطلق زیادة السعر.أمّا بحسب الأدلّة الخاصّة فكذلك كما في صحیحة ذریح المحاربي حیث فیها عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«من مات و لم یحجّ حجّة الإسلام و لم یمنع من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا یطیق فیه الحجّ أو سلطان یمنعه فلیمت یهودیا أو نصرانیا» (1)فإنّه قد قیّد الاستطاعة المالية بخصوص الاعدام المجحف أي بحیث لو بذل ماله في الحجّ لاجحفت به الحاجة.

و الحال فیها كحال المسألة السابقة و إن لوحظ في بعض الكلمات الضرر من حیث البیع أو الشراء بما هو هو من زیادة القیمة لكنّه في غیر محلّه لأنّهما من باب المقدّمة الوجودیة للحجّ و في مثل هذا التزاحم إنّما یلحظ ما بین ذي المقدّمة و ذات المقدّمة.و قد عرفت أنّ الضرر و نحوه من العناوین الثانویة لبّا من باب التزاحم الملاكي مع العناوین الأوّلیة.


1) باب 7، ح 1.

للحرج في التكلیف بالإقامة في غیر وطنه المألوف له، نعم إذا لم یرد العود أو كان وحیدا لا تعلّق له بوطن لم یعتبر وجود نفقة العود لإطلاق الآیة و الأخبار في كفایة وجود نفقة الذهاب و إذا أراد السكنی في بلد آخر غیر وطنه لا بدّ من وجود النفقة إلیه إذا لم یكن أبعد من وطنه و إلاّ فالظاهر كفایة مقدار العود إلی وطنه (1).

مسألة 10:أنّه لا یشترط وجود أعیان ما یحتاج إلیه من نفقة الحجّ من الزاد و الراحلة

(مسألة 10):قد عرفت أنّه لا یشترط وجود أعیان ما یحتاج إلیه من نفقة الحجّ من الزاد و الراحلة، و لا وجود أثمانها من النقود، بل یجب علیه بیع ما عنده من الأموال لشرائها لكن یستثنی من ذلك ما یحتاج إلیه في ضروريات معاشه فلا تباع دار سكناه اللائقة بحاله.و لا خادمه المحتاج إلیه و لا ثیاب تجمّله اللائقة بحاله فضلا عن ثیاب مهنته، و لا أثاث بیته من الفراض و الأواني و غیرهما ممّا هو محلّ حاجته بل و لا حلي

تارة یستدلّ لنفقة العود بقاعدة الحرج و اخری بالأدلّة الخاصّة. و من البیّن أنّه علی الأوّل یكون القید تنجیز و عزیمة لا مشروعیة، و علی الثاني یكون قید الملاك -علی مسلك ظاهر المشهور-بخلافه علی المختار فیكون سیان، و لیس في الكلمات التركیز علی الفرق المزبور و كأنّه لارتكاز قیدیّة الاستطاعة في العزیمة.

و أیّا ما كان فقد استدلّ بما في الأدلّة الخاصّة بإطلاق الزاد و الراحلة ذهابا و إیابا بل المتبادر من لزوم الدابّة لسفر بلد معیّن كونها وسیلة لهما معا و هو غیر بعید.نعم ظاهر الآیة یقیّد السبیل بالانتهاء إلی الحجّ و البیت المعیّن أي أخذ استطاعة الذهاب فقط دون الإیاب و لكن غیر بعید دعوی ظهور الآیة أیضا في ذلك من یخاطب بالسؤال مثلا أ لك قدرة علی السفر إلی المدینة أو الموضع الكذائی؟فإنّه منه القدرة علی الذهاب و الایاب معا، نعم تختلف هي بحسب عزم الشخص علی العود إلی وطنه أو الاستیطان في موضع آخر كلاّ بحسبه.

و بالجملة علی المختار من كونها قید عزیمة لا فرق في استفادة هذا القید من الأدلّة الخاصّة أو من قاعدة الحرج. و علی المشهور فإنّه تمییز بین كونه مأخوذا في المشروعیة أو العزیمة، و قد عرفت أنّ الصحیح استفادته من الأدلّة الخاصّة.

المرأة مع حاجتها بالمقدار اللائق بها بحسب حالها في زمانها، و لا كتب العلم لأهله التي لا بدّ له منها فیما یجب تحصیله؛لأنّ الضرورة الدینیة أعظم من الدنیویة، و لا آلات الصنائع المحتاج إلیها في معاشه.و لا فرس ركوبه مع الحاجة إلیه، و لا سلاحه و لا سائر ما یحتاج إلیه لاستلزام التكلیف بصرفها في الحجّ العسر و الحرج و لا یعتبر فیها الحاجة الفعلية فلا وجه لما عن كشف اللثام من أنّ فرسه إن كان صالحا لركوبه في طریق الحجّ فهو من الراحلة و إلاّ فهو في مسیره إلی الحجّ لا یفتقر إلیه بل یفتقر إلی غیره و لا دلیل علی عدم وجوب بیعه حینئذ كما لا وجه لما عن الدروس من التوقّف في استثناء ما یضطرّ إلیه من أمتعة المنزل و السلاح و آلات الصنائع.فالأقوی استثناء جمیع ما یحتاج إلیه في معاشه ممّا یكون إیجاب بیعه مستلزما للعسر و الحرج، نعم لو زادت أعیان المذكورات عن مقدار الحاجة وجب بیع الزائد في نفقة الحجّ و كذا لو استغنی عنها بعد الحاجة كما في حلي المرأة إذا كبرت عنه و نحوه (1).

مسألة 11:لو كان بیده دار موقوفة تكفیه لسكناه و كان عنده دار مملوكة

(مسألة 11):لو كان بیده دار موقوفة تكفیه لسكناه و كان عنده دار مملوكة فالظاهر وجوب بیع المملوكة إذا كانت وافیة لمصارف الحجّ أو متمّمة لها، و كذا في الكتب المحتاج إلیها إذا كان عنده من الموقوفة مقدار كفایته فیجب بیع المملوكة منها.و كذا وجه استثناء المذكورات في المتن ما أشار إلیه من قاعدة العسر و الحرج لكنّها علی المشهور مقتضاها أن یكون قید التنجیز ما لو استدلّ بالأدلّة الخاصّة كطائفة الروایات الآخذة لعنوان السعة و الیسار المتقدّمة.و یمكن الاستدلال بحسنة (كالمعتبرة) أبي الربیع الشامي (1)حیث فیها «لئن كان من كان له زاد و راحلة قدر ما یقوت عیاله و یستغنی به عن الناس ینطلق إلیهم فیسلبهم إیّاه لقد هلكوا إذا».

و منها یظهر رجوع المستثنیات في هذه المسألة إلی ما سیأتي من اشتراط نفقة العیال و أمّا علی المختار فلا فرق بین الدلیل الخاصّ و القاعدة بعد كونه قید تنجیز علی أیّة حال.


1) باب 9، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

الحال في سائر المستثنیات إذا ارتفعت حاجته فیها بغیر المملوكة لصدق الاستطاعة حینئذ إذا لم یكن ذلك منافیا لشأنه و لم یكن علیه حرج في ذلك.نعم لو لم تكن موجودة و أمكنه تحصیلها لم یجب علیه ذلك فلا یجب بیع ما عنده و في ملكه و الفرق عدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة بخلاف الصورة الاولی إلاّ إذا حصلت بلا سعی منه أو حصّلها مع عدم وجوبه فإنّه بعد التحصیل یكون كالحاصل أوّلا (1).

مسألة 12:لو لم تكن المستثنیات زائدة عن اللائق بحاله بحسب عینها لكن كانت زائدة بحسب القیمة

(مسألة 12):لو لم تكن المستثنیات زائدة عن اللائق بحاله بحسب عینها لكن كانت زائدة بحسب القیمة و أمكن تبدیلها بما یكون أقلّ قیمة مع كونها لائقا بحاله أیضا، فهل یجب التبدیل للصرف في نفقة الحجّ أو لتتمیمها؟قولان من صدق الاستطاعة و من عدم زیادة العین عن مقدار الحاجة و الأصل عدم وجوب التبدیل و الأقوی الأوّل إذا لم یكن فیه حرج أو نقص علیه و كانت الزیادة معتدّا بها، كما إذا كانت له دار تسوی مائة و أمكن تبدیلها بما یسوی خمسین مع كونه لائقا بحاله من غیر عسر فإنّه یصدق الاستطاعة.نعم لو كانت الزیادة قلیلة جدّا بحیث لا یعتنی بها، أمكن دعوی عدم الوجوب و إن كان الأحوط التبدیل أیضا (2).

مسألة 13:إذا لم یكن عنده من أعیان المستثنیات لكن كان عنده ما یمكن شرائها به من النقود أو نحوها

(مسألة 13):إذا لم یكن عنده من أعیان المستثنیات لكن كان عنده ما یمكن شرائها به من النقود أو نحوها ففي جواز شرائطها و ترك الحجّ إشكال.بل الأقوی عدم جوازه إلاّ أن یكون عدمها موجبا للحرج علیه فالمدار في تلك هو الحرج و عدمه قد فصّل في بعض الكلمات بین الوقف الخاصّ و الوقف العامّ و كأنّه التفاتا إلی حصول الملكیة في الوقف الخاصّ دون العام.و فصّل أیضا كونه في معرض الزوال و عدمه و هو التفات إلی صدق الاجحاف به في الأوّل دون الثاني.و لعلّ التفصیل الثاني یرجع إلی الأوّل كما أنّه في الوقف الخاصّ لا بدّ من تقییده بعدم الشین و المنّة.

لصدق السعة في المال و الیسار مع فرض عدم الحاجة بلحاظ زیادة القیمة المالية و إن كان التبدیل بما یكتفي به في المعاش بحسب شأنه.و كذا الحال في الزیادة القلیلة لو كانت متمّمة.

و حینئذ فإن كانت موجودة عنده لا یجب الحرج في تركه و لو كانت موجودة و باعها بقصد التبدیل بآخر لم یجب صرف ثمنها في الحجّ فحكم ثمنها حكمها و لو باعها لا بقصد التبدیل وجب-بعد البیع-صرف ثمنها في الحجّ إلاّ مع الضرورة إلیها إلی حدّ الحرج في عدمها»(1).

مسألة 14:إذا كان عنده مقدار ما یكفیه للحجّ و نازعته نفسه إلی النكاح

(مسألة 14):إذا كان عنده مقدار ما یكفیه للحجّ و نازعته نفسه إلی النكاح صرّح جماعة بوجوب الحجّ و تقدیمه علی التزویج (2) بل قال بعضهم:و إن شقّ علیه ترك التزویج و الأقوی وفاقا لجماعة اخری عدم وجوبه مع كون ترك التزویج حرجا علیه أو موجبا لحدوث مرض أو للوقوع في الزنا و نحوه.نعم لو كانت عنده زوجة واجبة النفقة و لم یكن له حاجة فیها لا یجب أن یطلقها و صرف مقدار نفقتها في تتمیم مصرف الحجّ لعدم صدق الاستطاعة عرفا.

لا فرق مع وجود الحاجة لصرف النقود في أوّلیّات مرافق معیشته لعدم صدق السعة و الیسار المأخوذة في الاستطاعة.

و كیف یفرق الماتن هاهنا بین المقام و بین ما یأتي من أخذ كلّ من نفقة العیال و الرجوع إلی الكفایة؟و من ثمّ لا فرق في بقیّة التفصیلات التي ذكرها.

قد ورد في المقام موثقة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) [عن أبي إبراهیم (عَلَيهِ السَّلَامُ)] قال:قلت:رجل كان علیه حجّة الإسلام فأراد أن یحجّ فقیل له تزوّج ثمّ حجّ، فقال:إن تزوّجت قبل أن أحجّ فغلامي حرّ، فتزوّج قبل أن یحجّ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«اعتق غلامه».فقلت:لم یرد بعتقه وجه اللّه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«إنّه نذر في طاعة اللّه و الحجّ أحق من التزویج و أوجب علیه من التزویج» قلت:فإنّ الحجّ تطوّع قال:«و إن كان تطوّعا فهي طاعة للّه قد أعتق غلامه».

و هذه الروایة و إن أوهمت الإلزام بالحجّ بقول مطلق و بتحقّق الاستطاعة مع الحاجة للتزویج إلاّ أنّ صدرها قد افترض فیه استقرار الحجّ علیه من قبل العام الذي أراد أن یحجّ فیه و احتاج إلی التزویج فیه، و أمّا الذيل الذي في الحجّ التطوّعي فلا بدّ

مسألة 15:إذا لم یكن عنده ما یحجّ به و لكن كان له دین علی شخص بمقدار مئونته أو بما تتمّ به مئونته

(مسألة 15):إذا لم یكن عنده ما یحجّ به و لكن كان له دین علی شخص بمقدار مئونته أو بما تتمّ به مئونته فاللازم اقتضاؤه و صرفه في الحجّ إذا كان الدین حالا و كان المدیون باذلا لصدق الاستطاعة حینئذ، و كذا إذا كان مماطلا و أمكن إجباره بإعانة متسلّط أو كان منكرا و أمكن إثباته عند الحاكم الشرعي و أخذه بلا كلفة و لا حرج بل و كذا إذا توقّف استیفاؤه علی الرجوع إلی الحاكم الجور بناء علی ما هو الأقوی من جواز الرجوع إلیه مع توقّف استیفاء لحقّ علیه لأنّه حینئذ یكون واجبا بعد صدق الاستطاعة لكونه مقدّمة للواجب المطلق، و كذا لو كان الدین مؤجّلا و كان المدیون باذلا قبل الأجل لو طالبه.و منع صاحب الجواهر حینئذ بدعوی عدم صدق الاستطاعة محل منع و أمّا لو كان المدیون معسرا أو مماطلا لا یمكن إجباره أو منكرا للدین و لم یمكن إثباته أو كان الترافع مستلزما للحرج أو كان الدین مؤجّلا مع عدم كون المدیون باذلا فلا یجب، بل الظاهر عدم الوجوب لو لم یكن واثقا ببذله مع المطالبة (1).

من حمله علی عدم العسر و الحرج الشدیدین أو خوف الوقوع في المعصیة و إلاّ لكان متعلّق النذر مرجوحا.

فمقتضی القاعدة حینئذ هو بالتفصیل بین ما إذا كان حرجیا یشقّ علیه و عدمه، و قد تقدّم أنّ المشقّة الرافعة في باب الحجّ لا بدّ أن تكون درجتها متناسبة مع أهمّیة الحجّ لكون تحكیم القاعدة كما تقدّم من باب التزاحم الملاكي.

و أمّا الوقوع في الزنا فإن كان بسبب حرجیة ترك التزویج فهو راجع إلی ما تقدّم و أمّا إن كان لا لذلك بل لخشیته في الوقوع في طریق الحجّ فلا تزاحم في البین و لا حرج رافع للحجّ و لا لحرمة الزنا بل اللازم علیه ترك المعصیة.

الظاهر من الأدلّة أنّ الاستطاعة أمر مسبّبي یحقّقها تارة ملك الزاد و الراحلة و اخری بذل الباذل كما في الاستطاعة البذلية و ثالثة بالقدرة البدنیة؛لقربه من المشاعر كما في أهل مكّة و القریبین منها، و كلّ ذلك یدلّل علی أنّ مجرّد الملك لا یحقّق الاستطاعة بل لا بدّ من القدرة علی التصرّف فیه، و كذا هو مقتضی طائفة

..........

الروایات المتقدّمة الواردة بعنوان (ما یحجّ به) فإنّها ظاهرة لمكان (الباء) في الاستعانة و القدرة الفعلية، هذه جهة.

و من جهة اخری:هناك فرق بین الاستطاعة و القدرة علی الحجّ و بین الاستطاعة علی الاستطاعة علی الحجّ و القدرة علی القدرة علی الحجّ، فإنّ الاستطاعة و القدرة الثانية الطولیة متوفّرة لدی غالب الناس لكنّها لیست بملزمة للحجّ إذ الملزم له هو الاستطاعة و القدرة الأولی كما هو مقتضی عنوان ما یحجّ به المتقدّم في الطائفة المزبورة في الروایات و إلاّ لكان التعبیر (القدرة علی ما یحجّ به) و ما في بعض الروایات من ورود هذا التعبیر محمول علی التعبیر الآخر (كان عنده ما یحجّ به) أو بتقدیر (قدر بما یحجّ به) لا سیّما و أنّها في صدد تفسیر الآیة الآخذة للاستطاعة الأولی لا الثانية.و من ثمّ لا بدّ من تنقیح الحال في الموارد و الأمثلة المختلفة و تبیّن حال تحقّق القدرة هل أنّها هي الاولی أو الثانية؟

لا سیّما بعد ما عرفت في الجهة السابقة من أنّ مجرّد الملك لیس هو الموضوع و الاستطاعة المأخوذة بل هي الأمر المسبّبي و القدرة علی التصرّف في المال القریبة.

ففي المثال الأوّل في المتن من الظاهر أنّه من القدرة الفعلية علی الحجّ القریبة.

و أمّا المثال الثاني-و هو المماطل-فقد قیّد الماتن حصول الاستطاعة و القدرة الاولی بقید عدم الكلفة، سواء بإعانة متسلّط أو بحاكم شرعي أو حاكم الجور-لجوازه عند التوقّف-بخلاف ما إذا كان في البین كلفة و تفصیله في محلّه لما عرفت من أنّ مجرّد الملك غیر محقّق لذلك و مع فرض الكلفة فلیست القدرة الاولی متحقّقة و إنّما القدرة الثانية لتحصیل القدرة الاولی متحقّقة.

و أمّا المثال الثالث-و هو الدین المؤجّل مع كون المدیون باذلا قبل الأجل-معلّقا بذله علی طلب الدائن فالظاهر أنّ ما ذهب إلیه صاحب الجواهر متین لأنّ الدائن المالك ممنوع من التصرّف في ماله لثبوت حقّ المدیون في التأخیر.غایة الأمر

مسألة 16:لا یجب الاقتراض للحجّ إذا لم یكن له مال

(مسألة 16):لا یجب الاقتراض للحجّ إذا لم یكن له مال و إن كان قادرا علی وفائه بعد ذلك بسهولة لأنّه تحصیل للاستطاعة و هو غیر واجب.نعم لو كان له مال غائب لا یمكن صرفه في الحجّ فعلا أو مال حاضر لا راغب في شرائه أو دین مؤجّل لا یكون المدیون باذلا له قبل الأجل و أمكنه الاستقراض و الصرف في الحجّ ثمّ وفائه بعد ذلك فالظاهر وجوبه لصدق الاستطاعة حینئذ عرفا إلاّ إذا لم یكن واثقا بوصول الغائب أو حصول الدین بعد ذلك فحینئذ لا یجب الاستقراض لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة (1).

مسألة 17:إذا كان عنده ما یكفیه للحجّ و كان علیه دین

(مسألة 17):إذا كان عنده ما یكفیه للحجّ و كان علیه دین ففي كونه مانعا عن وجوب الحجّ مطلقا-سواء كان حالا مطالبا به أو لا، أو كونه مؤجّلا-أو عدم كونه مانعا إلاّ مع الحلول و المطالبة أو كونه مانعا إلاّ مع التأجیل أو الحلول مع عدم المطالبة أو كونه مانعا إلاّ مع التأجیل وسعة الأجل للحجّ و العود أقوال و الأقوی كونه مانعا إلاّ مع التأجیل و الوثوق بالتمكّن من أداء الدین إذا صرف ما عنده في الحجّ و ذلك لعدم صدق الاستطاعة في غیر هذه الصورة و هي المناط في الوجوب لا مجرّد كونه مالكا للمال یمكنه الالتماس من المدیون باسقاط حقّه فهي مكنة و قدرة ثانیة لا القدرة الاولی.

و أمّا المثال الرابع و هو المعسر و المماطل أو المنكر-فهو واضح في كونه من انتفاء القدرة الثانية فضلا عن الاولی و أمّا المثال الأخیر و هو فیما لم یكن واثقا لبذل المدیون-فتارة یكون في المؤجّل و تارة في المعجّل، أمّا في المؤجّل فقد عرفت أنّه من القدرة القریبة و لو شكّ في الكلفة مع ذلك یلزم الفحص و لو بنینا علی مسلك المشهور في كون الاستطاعة قیدا للملاك لما حرّرناه في صلاة المسافر من أنّ الفحص في الموضوعات یجب علی تفصیل ذكرناه هناك و من موارد الموضوعات المقدرة التي لا تستعلم إلاّ بالفحص كما في الزكاة و الخمس و مسافة القصر و كما فیما نحن فیه و أمّا علی المختار من كونها قید عزیمة فمقتضی القاعدة عند الشكّ في قید التنجیز -حتی الشرعية-هو لزوم الفحص بعد فرض فعلیة الملاك.

قد عرفت ممّا تقدّم أنّ المحقّق لموضوع الالزام هو القدرة الاولی لا القدرة

و جواز التصرّف فیه بأي وجه أراد و عدم المطالبة في صورة الحلول أو الرضا بالتأخیر لا ینفع في صدق الاستطاعة.نعم لا یبعد الصدق إذا كان واثقا بالتمكّن من الأداء مع فعلیة الرضا بالتأخیر من الدائن و الأخبار الدالّة علی جواز الحجّ لمن علیه دین لا تنفع في الوجوب و في كونه حجّة الإسلام و أمّا صحیح معاویة بن عمّار عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):عن رجل علیه دین أ علیه أن یحجّ؟قال:«نعم إنّ حجّة الإسلام واجبة علی من أطاق المشي من المسلمین» و خبر عبد الرحمن عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال:«الحجّ واجب علی الرجل و إن كان علیه دین» فمحمولان علی الصورة التي ذكرنا أو علی من استقرّ علیه الحجّ سابقا و إن كان لا یخلو من إشكال كما سیظهر فالأولی الحمل الأوّل و أمّا ما یظهر من صاحب المستند من أنّ كلا من أداء الدین و الحجّ واجب فاللازم بعد عدم الترجیح التخییر بینهما في صورة الحلول مع المطالبة أو التأجیل مع عدم سعة الأجل للذهاب و العود و تقدیم الحجّ في صورة الحلول مع الرضا بالتأخیر أو التأجیل مع سعة الأجل للحجّ و العود و لو مع عدم الوثوق بالتمكّن من أداء الدین بعد ذلك حیث لا یجب المبادرة إلی الأداء فیهما فیبقی وجوب الحجّ بلا مزاحم.

ففیه أنّه لا وجه للتخیّر في الصورتین الاولیّین و لا لتعیین تقدیم الحجّ في الأخیرتین بعد كون الوجوب تخییرا أو تعیینا مشروطا بالاستطاعة الغیر الصادقة في المقام خصوصا مع المطالبة و عدم الرضا بالتأخیر مع أنّ التخییر فرع كون الواجبین مطلقین و في عرض واحد و المفروض أنّ وجوب أداء الدین مطلق بخلاف وجوب الحجّ فإنّه الثانية أي القدرة علی القدرة و الاقتراض في كلّ هذه الصور بطبعه من القدرة علی القدرة إلاّ أن یفرض أنّ هناك باذلا للقرض لا كلفة في الاقتراض منه فتأمّل، فإنّ القبول للقرض فیها أیضا من القدرة علی القدرة و من ثمّ لم یذهبوا إلی وجوب قبول الهدیة بخلاف البذل و الإذن في الانتفاع، كما أنّ في الصور المفروضة في المتن كالمال الغائب و نحوه إن أمكن التصرّف فیه بتوسّط الوكیل أو ببیعه بثمن حاضر و لو كان أقلّ فقد عرفت أنّه من تحقّق القدرة الاولی لا الثانية.

مشروط بالاستطاعة الشرعية (1).نعم لو استقرّ علیه وجوب الحجّ سابقا فالظاهر التخییر لأنّهما حینئذ في عرض واحد و إن كان یحتمل تقدیم الدین إذا كان حالا مع المطالبة أو مع عدم الرضا بالتأخیر لأهمّیة حقّ الناس من حقّ اللّه لكنّه ممنوع و لذا لو فرض كونهما علیه بعد الموت یوزّع المال علیهما و لا یقدّم دین الناس و یحتمل تقدیم تارة یقع الكلام بحسب عمومات أدلّة الاستطاعة و اخری بحسب الروایات الخاصّة في الدین، أمّا الكلام بحسب مقتضی القاعدة، سواء علی المشهور من أخذ الاستطاعة قیدا في الملاك أو علی المختار من كونها قیدا في التنجیز-فإنّه یثمر في استقرار تنجیز الحجّ و معرفة عزیمة الموجبة لكون تركه كبیرة-فإنّه قد عرفت أنّ ألسنة (طوائف الروایات في) الاستطاعة و إن تعدّدت فبعضها آخذ للزاد و الراحلة و بعضها آخذ لعنوان ما یحجّ به و بعضها لعنوان السعة و الیسار و بعضها دالّ علی الاستطاعة البذلية إلاّ أنّ كلّها بلحاظ تحقّق المسبّب و هو القدرة و المكنة و الاستطاعة الخاصّة الحاصلة من تلك الأسباب فلا وجه لتحكیم إطلاقات واجدیة الزاد و الراحلة و إن لم یتحقّق عنوان السعة و الیسار لأنّ المفروض أنّ الموضوع في الحقیقة هو المسبّب بدرجة خاصّة یتحصّل من الجهة المشتركة في الأسباب مضافا إلی صریح حسنة (كالمعتبرة) أبي الربیع الشامي المتقدّمة في نفي الاستطاعة عن واجد الزاد و الراحلة مع عدم السعة و الیسار.و علی هذا فلو كنّا نحن و طائفة السعة و الیسار المتقدّمة في أوائل البحث-و قد عرفت أنّها ما یقرب من ثمانیة روایات أو تزید، جلّها من المعتبرات-لكان الدین مطلقا معدما للسعة و الیسار، لعدم صدق أنّه في سعة مالیة و یسار مع ثقل ذمّته بالدین إلاّ أن یكون الدین مؤجّلا بأجل بعید جدّا أو أنّ صاحبه خامل في المطالبة إلی أمد بعید و آذن في التأخیر كذلك.إلاّ أنّ هناك صحیحة ذریح المحاربي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«من مات و لم یحجّ حجّة الإسلام لم یمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا یطیق فیه الحجّ أو سلطان یمنعه فلیمت یهودیا أو

..........

نصرانیا» و قد رویت بسبعة طرق (1)مضافا إلی روایتها مرسلا بطریق المفید في المقنعة و المحقّق في المعتبر و هذه الروایة هي من القسم الأوّل من طوائف الروایات المتقدّمة الآخذة بظاهرها للاستطاعة في الوجوب لا القسم الثاني فهي تكون محدّدة لدرجة السعة و الیسار بنحو لا یكون الصرف في الحجّ مجحفا به، و علی ذلك فلا یكون مطلق الدین معدما للاستطاعة إلاّ خصوص المجحف بالحالة المالية له ففي موارد الوثوق بأداء الدین المؤجّل أو المأذون في تأخیره و إن لم یكن الدین من الدیون المیتة-باصطلاح هذا العصر-التي استثنیناها سابقا، تكون السعة و الیسار بالدرجة المزبورة متحقّقة و لا تنعدم الاستطاعة بعد عدم الاجحاف به مالیا.و من ثمّ تبیّن أنّ في موارد التدافع في القدرة علی أداء الدین أو الحجّ لا تكون الاستطاعة متحقّقة لأنّ التدافع المزبور و عدم القدرة شاهد علی الاجحاف بوضعه المالي مع فرض مطالبة الدائن بالدین و إلاّ لم یكن تدافع.

هذا و قد تقدّم دفع إشكال بعض المحقّقین من أنّ عنوان الیسار تشكیكي مجمل لا یصلح جعله حدّا لدرجة الاستطاعة بأنّ العناوین التشكیكیة لها منصرف عرفی إلی درجة متعارفة منها.هذا كلّه بحسب عمومات أدلّة الاستطاعة أمّا الروایات الخاصّة الواردة في المقام فمتعدّدة و بعضها مطلق شامل للحجّ الواجب و المستحبّ إلاّ أنّ بعضها الآخر في خصوص الواجب و مؤدّاها عدم ممانعة الدین مطلقا للحجّ.

منها:صحیحة معاویة بن عمّار قال:سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل علیه دین أ علیه أن یحجّ؟قال:«نعم إنّ حجّة الإسلام واجبة علی من أطاق المشي من المسلمین و لقد كان (أكثر) (2)من حجّ مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) مشاة» (3).

و منها:معتبرة (علی الأقوی ) عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):الحجّ


1) باب 7، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

2) فی نسخة الفقیه.

3) باب 50 و 11، أبواب وجوب الحجّ، ح 2 و 1.

..........

واجب علی الرجل و إن كان علیه دین (1).

و ظاهرهما صریح في عدم الممانعة.

و منها:صحیحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«قلت:أ رأیت الرجل التاجر ذا المال حین یسوّف الحجّ كلّ عام و لیس یشغله عنه إلاّ التجارة أو الدین فقال:لا عذر له یسوّف الحجّ إن مات و قد ترك الحجّ فقد ترك شریعة من شرائع الإسلام» (2).

إلاّ أنّ في قبالها روایات اخری:

منها:روایة موسی بن بكر الواسطي قال:«سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل یستقرض و یحجّ فقال:إن كان خلف ظهره مال (3)إن حدث به حدث ادّی عنه فلا بأس» (4).

و الروایة مطلقة شاملة للمستحبّ و الواجب.

و رویت الروایة عن موسی بن بكر بطرق اخری باختلاف في الألفاظ و اتّحاد في المضمون و لیس في سندها من یتوقّف فیه إلاّ موسی بن بكر الواقفي و هو صاحب كتاب و روی عنه الثقات و قابل للاعتبار.

و منها:مصحّحة عبد الملك بن عتبة قال:«سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل علیه دین یستقرض و یحجّ؟قال:إن كان له وجه في مال فلا بأس» (5).

و قد یقال في الجمع بین الطائفتین بأنّ الطائفة الثانية مطلقة و الاولی خاصّة بالواجب فنخصّصها.و فیه:أنّ المستحبّ لا یمانعه الدین كما في روایات اخری خاصّة الورود في المستحبّ و إن أمكن تفسیر الممانعة في المستحبّ بخفّة الاستحباب و عدم شدّته. و علی أیّة حال انّ النسبة بین الطائفتین حینئذ من وجه حیث أنّ الثانية خاصّة في الدین الذي یقضی و الاولی خاصّة في الواجب فمن ثمّ لا


1) باب 50، أبواب وجوب الحجّ، ح 4.

2) باب 6، أبواب وجوب الحجّ، ح 4.

3) في نسخة من الكافي (ما) و كذلك في التهذیب.

4) باب 50، أبواب وجوب الحجّ، ح 7.

5) باب 50، ح 5.

الأسبق منهما في الوجوب لكنّه أیضا لا وجه له كما لا یخفی (1).

بدّ من وجه آخر في الجمع.

و الصحیح:هو أنّ الاولی هي من طوائف الروایات الدالّة علی عدم أخذ الاستطاعة قیدا في الملاك كما هو صریح معاویة بن عمّار-أي من القسم الثاني المتقدّم في صدر شرطیة الاستطاعة-فلا یقوی ظهورها في معارضة صریح القسم الأوّل ذي الطوائف العدیدة الدالّة علی أخذها قیدا في العزیمة و أمّا صحیحة أبي الصباح الكناني فلیست صریحة في كون الدین في سنة الاستطاعة بل الظاهر أنّه طارئ فیما بعد بل الظاهر أنّه ممّا یقضی.

قاعدة تقدیم حقّ الناس علی حق اللّه قد قیل بتقدیم الدین علی الحجّ الواجب بمقتضی القاعدة من تقدیم حقّ الناس علی حقّ اللّه، المنسوبة إلی المشهور، و قیل بالتخییر لعدم ثبوت القاعدة بعد احتمال الأهمّیة في كلّ من الطرفین فلا بدّ من البحث أوّلا بحسب مقتضی القاعدة المدّعاة أو بحسب الأصل العملي و اخری بحسب الروایات الخاصّة.

أمّا الكلام بحسب قاعدة تقدیم حقّ الناس علی حقّ اللّه فقد عرفت نسبتها إلی المشهور، و قیل إنّه من مرتكزات المتشرّعة، و قیل بالتسالم علی عدم وجوب الحجّ و الصلاة أو الصوم إذا توقّف علی التصرّف في مال الغیر كما ذكروا ذلك عند التوسّط في دار غصبیة و لا یخدش في دلالة هذا التسالم علی المطلوب و بالتسالم علی عدم وجوب أداء الزكاة أو الكفّارات أو الخمس إذا توقّفت علی ذلك لأنّ هذه الأمور الثلاثة لیست من حقّ الناس ابتداءً بل هي متفرّعة علی الحكم الشرعي بخلاف ما هو مورد البحث فإنّه فیما یتفرّع الحكم الشرعي علی حقّ الناس.

و استدلّ لهذه القاعدة بروایات:

..........

الاولی:طائفة الروایات الواردة في الكبائر (1)فإنّ فیها تعداد حقوق الناس من الكبائر في مصاف الشرك أكثر من بقیّة الذنوب فلاحظ.

الثانية:ما رواه الصدوق (2)باسناده في عیون أخبار الرضا (3)-عن الرضا عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ)-قال:«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏):إنّ اللّه عزّ و جلّ غافر كلّ ذنب إلاّ من أحدث دینا أو اغتصب أجیرا أجره أو رجل باع حرّا».

الثالثة:روایة سعد بن طریف عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«الظلم ثلاثة:ظلم یغفره اللّه، و ظلم لا یغفره اللّه، و ظلم لا یدعه اللّه؛فأمّا الظلم الذي لا یغفره فالشرك، و أمّا الظلم الذي یغفره فظلم الرجل نفسه فیما بینه و بین اللّه، و أمّا الظلم الذي لا یدعه فالمداینة بین العباد» (4).

و رویت في نهج البلاغة (5)عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) و نظیرها مصحّحة أبي عبید الحذّاء (6)قال:

قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ):قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ):من اقتطع مال مؤمن غصبا بغیر حقّه (حلّه) (7)لم یزل اللّه معرضا عنه ماقتا لأعماله التي یعملها من البرّ و الخیر لا یثبتها في حسناته حتی یتوب و یردّ المال الذي أخذه إلی صاحبه.

الرابعة:روایة دعائم الإسلام (8)روینا عن جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ رجلا أتاه فقال:

أبي شیخ كبیر لم یحجّ فاجهّز رجلا یحجّ عنه؟فقال:نعم إنّ امرأة من خثعم سألت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أن تحجّ عن أبیها لأنّه شیخ كبیر فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ):نعم فافعلي إنّه لو كان علی أبیك دین فقضیته عنه أجزأه ذلك.

و مثلها الروایة الثالثة في نفس الباب إلاّ أنّها مذیّلة بقوله:(فدین اللّه أحقّ)، و لكن قد


1) الوسائل:باب 46، أبواب جهاد النفس.

2) باب 79، أبواب جهاد النفس، ح 2.

3) عیون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ):ج 2، ص 32، ح 60.

4) باب 78، أبواب جهاد النفس، ح 1.

5) خطبة 176.

6) باب 78، ح 6.

7) فی نسخة عقاب الأعمال.

8) مستدرك، باب 18، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

..........

یتنظّر في دلالة هذه الروایات علی أهمّیة حقّ الناس علی حقّ اللّه حیث أنّ الطائفة الاولی لیست متعرّضة لعموم حقّ الناس بل لموارد خاصّة منه، بل هي متعرّضة أیضا لبیان أن بعض حقوق اللّه هو بدرجة من الأهمّیة یفوق بعضه حقوق الناس و یساوي بعضه الآخر بعض حقوق الناس المذكورة في الروایة و بعبارة اخری، ظاهر أدلّة الكبائر أنّ ملاك كلّ حكم بحسبه من الأهمّیة بغضّ النظر عن كونه من حقوق اللّه أو حقوق الناس و لذا ذكر فیها بعض حقوق اللّه و بعض حقوق الناس و بترتیب خاصّ فهي دالّة علی أنّ مقتضی القاعدة في تزاحم الحقّین اتباع أهمّیة الملاك لا جهة اخری.

و أمّا الروایة الثانية فمضافا إلی عدم ذكر عموم حقوق الناس بل خصوص بعضها -و إن كان قد یقال إن غصب الأجیر أجره كنایة عن مطلق المال-أنّ عدم الغفران هو لما یشترط في غفران التوبة و هي یشترط فیها في حقوق الناس ردّ حقوقهم و رضاهم، فلیست هي في صدد بیان أهمّیة ملاك حقوق الناس كما في الشرك، بل لبیان إناطة الغفران برضا الغیر كما هو صریح مفاد الروایة الثالثة أیضا.

مع أنّه قد وردت في خصوص بعض أعمال البرّ أنّ اللّه عزّ و جلّ یرضی خصوم العامل بذلك البرّ یوم القیامة، فتأمّل.

و أمّا الرابعة فهي قد تقرب بأنّ المشبه به أقوی من المشبه و لكن ما في بعض الطرق من مضمون هذه الروایة في ذیلها انّ دین اللّه أحقّ بالقضاء (1)فإنّها بصدد بیان إخراج حجّة الإسلام من أصل التركة كما في الدیون المالية لا من الثلث، لا في صدد بیان أهمیة ملاك الدیون.مع أنّ التعبیر ب(أحقّ بالقضاء) و إن فسّر بغیر مقام المزاحمة مع دیون الناس بمعنی أنّه كما تقضی دیون الناس فكذلك دیون اللّه هي تقضی بل هي أولی بأن تقضی.


1) المستدرك، ب 18، أبواب وجوب الحجّ، ح 3.

..........

إلاّ أنّه لا یخلو من دلالة أیضا عل الترجیح في مقام المزاحمة.

فتحصّل:أنّ المدار في التقدیم هو علی أهمّیة الملاك كما هو مقتضی القاعدة الأوّلیة و كما دلّت علیه طائفة روایات الكبائر.نعم لو فرض في مورد العلم بتساوي الملاكین حینئذ قد یقال بترجیح حقّ الناس بمقتضی أنّه لا یترك و لعموم أدلّة حرمة حقوقهم.لا سیّما مع ما ثبت في بعض الموارد من أنّ الحرمة التكلیفية لحقوقهم و إن ارتفعت بالمزاحم الأهمّ إلاّ أنّ الحرمة الوضعية باقیة كما في أخذ المشرف علی الهلاك في وقت المجاعة من مال غیره و مع الالتفات إلی أنّ التصرّف في حقوقهم یحتاج إلی جعل الولایة و قد لا یتكلّفها مجرّد فرض التزاحم.و لعلّ إلی هذا الوجه الأخیر نظر المشهور فیما نسب إلیه من تقدیم حقوق الناس عموما و لا یخلو من قوّة فیما سوی الموارد التي یبلغ فیها حقّ اللّه درجة من الأهمّیة یعلم بعدم رفع الشارع یده عنها و لو بالابتلاء بالمزاحم.

فالنكتة هي أنّ مجرّد المزاحمة لا یسوّغ التصرّف في حقوق الغیر لتوقّفه علی الولایة أو الإذن الشرعي الخاص.نظیر ما ورد من أنّ التقیّة إنّما شرعت لتحقن بها الدماء فإذا بلغت الدم فلا تقیّة، حیث استفاد منها المشهور أنّه لو دار الاكراه من الظالم بین قتل نفسه و دم الغیر أنّه یحرم علیه دم الغیر لكون النفي هنا لمشروعیة التقیّة و مؤدّاه حرمة دم الغیر علیه و إن كانت نفسه في معرض الهلكة.هذا مؤیّد-إن لم یكن شاهدا-لما أسلفنا من النكتة.فلاحظ ما ذكروه في فروعات التقیة إذا استلزمت اتلاف مال الغیر أو عرضه و نحو ذلك من لزوم أن یكون الطرف المقابل هو حفظ نفسه و نحو ذلك.و كذا لاحظ ما ذكروه من فروعات كتاب المشتركات عند تعارض الضررین و تزاحم الحقوق بین الشخص و جاره، فإنّه نافع في المقام.

فتحصّل:قوّة ما ینسب إلی المشهور فیما سوی حقوق اللّه التي ثبتت أهمّیتها بنحو لا یرفع الشارع الید عنها.هذا إذا لم یثبت قاعدة أنّ دین اللّه أحقّ بالقضاء، فتأمّل.

..........

كما یمكن توجیه هذه القاعدة المنسوبة إلی المشهور بأنّ حقوق اللّه التي هي من التكالیف المحضة مقیّد تنجیزها عقلا بالقدرة و أمّا حقوق الناس فالمفاد الوضعي فیها غیر مقیّد بالقدرة كما أنّ المفاد التكلیفي فیها لا یرتفع تنجیزه إلاّ بالاضطرار المعیّن إلیه بدرجة تفوق في الملاك و مع ذلك لا ینتفي الحكم الوضعي حین الاضطرار المعیّن.

و بالجملة فما علیه المشهور تامّ فیما عدی حقوق اللّه التي ثبت عدم رفع ید الشارع عنها ممّا كان علی درجة من أهمّیة الملاك العالیة.

و من ثمّ یتّضح ما حكی من تسالمهم المتقدّم في صدر القاعدة.

فحینئذ في المقام إن ثبتت أهمّیة الحجّ بنحو لا یرفع الشارع یده فیكون من مستثنی القاعدة المزبورة.و إلاّ فتحكّم القاعدة.

و لو غضضنا النظر عن تلك القاعدة فهل مقتضی القاعدة حینئذ التخییر أو تعیین أحدهما؟

قال في المستمسك (1):انّ توزیع التركة علی الحجّ و الدین بعد الوفاة یدلّ علی عدم الأهمّیة للدین و إلاّ لزم تقدّم الدین علی الحجّ و في بعض الحواشي الإشكال علی ذلك:بأنّ الدین و الحجّ لما تعلّقا-بعد الموت-بأعیان التركة لم یبق لرعایة الأهمّیة موقع.و فیه:أنّه إذا كان الدین أهم كان اللازم أن لا یتعلّق الحجّ بالتركة مع المزاحمة بالدین كما لم یتعلّق المیراث مع المزاحمة للوصیة و لا الوصية مع المزاحمة للدین و لا الدین مع المزاحمة لتجهیز المیّت فتعلّق الحجّ و الدین معا مع المزاحمة یدلّ علی عدم أهمّیة الدین من الحجّ، انتهی.

أقول:في ما استشكله قدّس سرّه علی المحشي نظر، أنّه قد وقع الخلط بین علل الجعل و علل المجعول و الأهمّیة في المقام الأوّل مع الأهمّیة في المقام الثاني.


1) ج 10، ص 99.

..........

بیان ذلك:أنّ تأخّر الوصية و الإرث من الدین لیس للأهمّیة في باب التزاحم و هي الأهمّیة في مقام المجعول بل لتقیّد الموضوع شرعا بعدم الدین فتأخّرهما من باب ورود الدین علیهما.غایة الأمر هو كاشف عن أهمّیة الدین في علل الجعل؛إذ لم یقیّد موضوعه الشرعي بشيء بخلاف الوصية و الإرث.و أین هذا ممّا نحن فیه من التزاحم و عدم ورود أحدهما علی الآخر.نعم لو بنی في باب الوصية و الإرث علی عدم تقیّد موضوعهما بعدم الدین كما هو قول بعض، و أنّ للورثة أن یؤدّوا دین المیّت من أموالهم و یرثوا تركة المیّت فلهم نحو حقّ في التركة مع فرض الدین.غایة الأمر حقّ الغرماء مقدّم علی حقّهم في الأهمّیة كان استشهاد الماتن و إشكال المستمسك علی المحشي في محلّه، و لعلّ الماتن یبنی علی الثاني و كذا المستمسك.

هذا و من ثمّ یتّضح تمامیة إشكال المحشي علی الماتن علی القول الأوّل حیث إن قبل الموت لم یتعلّق الواجبان بعین المال فتعیّن ملاحظة الأهمّیة إن كانت و إلاّ فالتخییر، و أمّا بعد الموت فكلّ منهما قد تعلّق بالعین بنحو الشركة و لا یلحظ في المشاع المشترك الأهمّیة التي في باب التزاحم؛لأنّ سنخ التعلّق واحد في الشركاء و هو تعلّق حقّ مالي أو إضافة ملكیة.

و علی أیّة حال فمقتضی القاعدة عند الشكّ حینئذ التخییر للشكّ أو التخییر للتساوي في الأهمّیة.

أمّا الروایات:الخاصّة في المقام فقد یستشهد لتقدیم الحجّ بما تقدّم من روایات في الشقّ الأوّل من المسألة لا سیّما صحیحة أبي الصباح الكناني الظاهرة في طروّ الدین بعد استقرار الحجّ.لكن قد ینتظر في دلالتها بأنّها في مورد من یستطیع أداء الدین بعد الحجّ أو لتقدّم الحجّ زمانا في فرض الروایة و هو مرجّح في باب التزاحم عند بعض.

لكن الانصاف أنّه لا تخلو الصحیحة من دلالة حیث أنّ الظاهر فرض الراوي كون

مسألة 18:لا فرق في كون الدین مانعا من وجوب الحجّ بین أن یكون سابقا علی حصول المال بقدر الاستطاعة أو لا

(مسألة 18):لا فرق في كون الدین مانعا من وجوب الحجّ بین أن یكون سابقا علی حصول المال بقدر الاستطاعة أو لا.كما إذا استطاع للحجّ ثمّ عرض علیه دین بأن أتلف مال الغیر مثلا علی وجه الضمان من دون تعمّد قبل خروج الرفقة أو بعده قبل أن یخرج هو أو بعد خروجه قبل الشروع في الأعمال فحاله حال تلف المال من دون دین فإنّه یكشف عن عدم كونه مستطیعا (1).

الدین معجّلا و من ثمّ مانع ذهابه لأداء الحجّ و إن كان هو یقدر علی وفائه فیما بعد إذ لا فرق في التزاحم في فرض المقام بین فرض الروایة و فرض عدم تمكّنه من الوفاء بعد الحجّ؛إذ المراد منه أیضا عدم تمكّنه من الوفاء به إلاّ بعد مدّة غیر معلومة لا القطع بعدم التمكّن إلی آخر العمر.

لا سیّما ما في دلالة بقیّة الروایات من تعلیل تقدیم الحجّ بأنّه سبب لقضاء الدین فكأنّه جمع بین الأداءین و لو مع تأخیر أحدهما.و هي و إن كانت في موارد الندب لكن دلالتها علی المقام بالأولویة.

إن قلت:لازم ذلك تقدیم الحجّ علی الدین حتی في عام الاستطاعة و رفع الید عن الروایات المعارضة المقیّدة للحجّ بالوثوق بأداء الدین بعد الحجّ.

قلت:فرق بین الفرضین كالفرق بین الورود و التزاحم و الروایة المعارضة واردة في الفرض الأوّل، أي في عام الاستطاعة، بینما صحیحة أبي الصباح واردة في الثاني و الروایات الاخری الموافقة لها في المضمون عامّة یرفع الید عنها في خصوص عام الاستطاعة للمعارضة دون مورد المزاحمة بعد الاستطاعة.

و علی أیّة حال ففي الصحیحة كفایة و غنی.

فتحصّل:أنّ الحجّ نظرا للصحیحة المزبورة و لسان الوعید بالكفر فیها یكون المورد من مستثنیات قاعدة تقدیم حقوق الناس.

لا إشكال في ذلك في ما عدا الصورة الأخیرة، سواء بني علی أنّ الاستطاعة قید الملاك أو قید التنجیز لكشفه عن عدم الموضوع.و أمّا في الصورة الأخیرة فی

مسألة 19:إذا كان علیه خمس أو زكاة و كان عنده مقدار ما یكفیه للحجّ لولاهما

(مسألة 19):إذا كان علیه خمس أو زكاة و كان عنده مقدار ما یكفیه للحجّ لولاهما، فحالهما حال الدین مع المطالبة لأنّ المستحقّین لهما مطالبون فیجب صرفه فیهما و لا یكون مستطیعا، و إن كان الحجّ مستقرّا علیه سابقا یجیء الوجوه المذكورة من التخییر أو تقدیم حقّ الناس أو تقدّم الأسبق، هذا إذا كان الخمس أو الزكاة في ذمّته و أمّا إذا كانا في عین ماله فلا إشكال في تقدیمهما علی الحجّ، سواء كان مستقرّا علیه أو لا، كما أنّهما یقدّمان علی دیون الناس أیضا و لو حصلت الاستطاعة و الدین و الخمس و الزكاة معا فكما لو سبق الدین (1).

مسألة 20:إذا كان علیه دین مؤجّل بأجل طویل جدّا

(مسألة 20):إذا كان علیه دین مؤجّل بأجل طویل جدّا-كما بعد خمسین سنة- فالظاهر عدم منعه عن الاستطاعة و كذا إذا كان الدیان مسامحا في أصله كما في مهور نساء أهل الهند فإنّهم یجعلون المهر ما لا یقدر الزوج علی أدائه كمائة ألف روبیة أو خمسین ألف لاظهار الجلالة و لیسوا مقیّدین بالإعطاء و الأخذ فمثل ذلك لا یمنع من الاستطاعة و وجوب الحجّ (2)، و كالدین ممّن بناؤه علی الابراء إذا لم یتمكّن المدیون خصوص ما إذا عرض علیه الدین أو تلف المال في المیقات أو أثناء الأعمال و كان الحجّ و تركه بالنسبة إلیه سیان من دون لزوم مئونة زائدة معتدّة بها فانتفاء الاستطاعة حینئذ محلّ إشكال بل منع كما تقدّم في صدر بحث الاستطاعة، سواء بني علی أنّها قید الوجوب أو قید العزیمة.كما نبّه علی ذلك جماعة أشرنا إلیهم فلاحظ، و تقدّم أنّ هذا الفرض شاهد علی كونها قید عزیمة لا قید ملاك.

و سیأتي بعض الفروض في المسائل الآتية المنطبقة علی هذه الصورة و قد التزموا فیها بعدم انتفاء الاستطاعة.

حال البحث في الخمس حال بقیّة الدیون حتی لو بني علی أنّ المستحقّین لیسوا بمالكین بل مجرّد مصرف؛فإنّ الوجوب التكلیفي و الوضعي فوري كالدین أیضا، بل أولی من الدین فیما إذا تعلّق بالعین.

كما تقدّم التفصیل في الدین فیما سبق، فلاحظ.

من الأداء أو واعده بالابراء بعد ذلك (1).

مسألة 21:إذا شكّ في مقدار ماله و أنّه وصل إلی حدّ الاستطاعة أو لا

(مسألة 21):إذا شكّ في مقدار ماله و أنّه وصل إلی حدّ الاستطاعة أو لا هل یجب علیه الفحص أو لا؟ وجهان أحوطهما ذلك، و كذا إذا علم مقداره و شكّ في مقدار مصرف الحجّ و أنّه یكفیه أو لا (2).

مسألة 22:لو كان بیده مقدار نفقة الذهاب و الایاب و كان له مال غائب لو كان باقیا یكفیه في رواج أمره بعد العود

(مسألة 22):لو كان بیده مقدار نفقة الذهاب و الایاب و كان له مال غائب لو كان باقیا یكفیه في رواج أمره بعد العود لكن لا یعلم بقاءه أو عدم بقاءه فالظاهر وجوب الحجّ بهذا الذي بیده استصحابا لبقاء الغائب فهو كما لو شكّ في أنّ أمواله الحاضرة تبقی إلی ما بعد العود أو لا فلا یعد من الأصل المثبت (3).

تحقّق الاستطاعة في هذا الفرض محلّ تأمّل كما أشار إلیه عدّة من المحشین إذ الابراء تعلیقي مقیّد غیر فعلي غیر معدم لوجوب أداء الدین حالا و هذا التأمّل جار حتی في صورة الوثوق بالابراء المعلّق علی العجز إذ لیس هو بإبراء مطلق مع أنّ تحصیل الابراء المطلق غیر المعلّق قد ینزل منزلة تحصیل الاستطاعة.نعم لو وثق بالابراء المطلق و لو لم یمتنع من أداء الدین لصدق علیه الاستطاعة بلا إشكال.

وجه عدم فتواه بالوجوب ما اشتهر عند متأخّري الأعصار من عدم لزوم الفحص في الشبهة الموضوعیة و عدم اشتراط الفحص في جریان البراءة فیها لكن التحقیق-كما بسطنا القول فیه في المسألة الخامسة من بحث صلاة المسافر عند الشكّ في تحقّق المسافة-هو التفصیل في الشبهات الموضوعیة بین موضوعات الأحكام الإلزامية المقیّدة بمقادیر معیّنة-بأی نوع من التقدیر كالعددي و الوزني و غیرهما-و بین غیرها بلزوم الفحص في الأوّل قبل إجراء البراءة دون الثاني لا سیّما في تلك الموضوعات ذات الأغراض المهمة أو التي لا یتبیّن حال وجودها إلاّ بالفحص و لو بالإضافة إلی أغلب المكلّفین.

بل هو من الأصل المثبت، سواء بنینا علی أنّ الموضوع هو عنوان الاستطاعة

مسألة 23:إذا حصل عنده مقدار ما یكفیه للحجّ

(مسألة 23):إذا حصل عنده مقدار ما یكفیه للحجّ یجوز له قبل أن یتمكّن من المسیر أن یتصرّف فیه بما یخرجه عن الاستطاعة و أمّا بعد التمكّن منه فلا یجوز و إن كان قبل خروج الرفقة و لو تصرّف بما یخرجه عنها بقیت ذمّته مشغولة به، و الظاهر صحّة التصرّف مثل الهبة و العتق و إن كان فعل حراما لأنّ النهي متعلّق بأمر خارج.نعم لو كان قصده في ذلك التصرّف للفرار من الحجّ لا لغرض شرعي أمكن أن یقال بعدم الصحّة و الظاهر أنّ المناط في عدم جواز التصرّف المخرج هو التمكّن في تلك السنة، فلو لم یتمكّن فیها و لكن یتمكّن في السنة الاخری لم یمنع عن جواز التصرّف فلا یجب إبقاء المال إلی العام القابل إذا كان له مانع في هذه السنة فلیس حاله حال من یكون بلده بعیدا عن مكّة بمسافة سنتین (1).

و السعة و الیسار المسببة من واجدیة المال و التمكّن منه بالملك أو البذل أو غیرهما أو بني علی أنّ الموضوع هو نفس المال أیضا و ملكیّته.أمّا علی الأوّل فكونه مثبتا ظاهر لأنّ مجری الاستصحاب لیس عین الموضوع و إنّما لازمه التكویني و أمّا علی الثاني فكذلك أیضا؛لأنّ الموضوع لیس صرف ملك المال بل تمكّنه من التصرّف فیه و هو لا یحرز بمجرّد استصحاب بقاء المال إلاّ بنحو اللازم و فرق بین المال الحاضر و المال الغائب في هذه الجهة كما نبّه علیه غیر واحد من المحشّین.فالمدار لیس علی الاستصحاب بل علی الوثوق بوجوده و لذلك لا یری العرف غیر الواثق أنّه ذو یسار و سعة مالیة.نعم الفحص عنه قد تقدّم حكمه في المسألة السابقة.

تنقیح الحال في المسألة یتمّ في جهات:

الاولی: في جواز اتلاف الاستطاعة بعد فرض تحقّق فعلیة الوجوب.

الجهة الثانية: في وقت تحقّق الوجوب أي المبدأ الزماني للاستطاعة المحقّقة للحكم.

الجهة الثالثة:حكم تصرّفه في مال الاستطاعة تكلیفا و وضعا.

..........

أمّا الجهة الاولی:

فقد یقال إنّ مقتضی القاعدة هو الجواز؛لأنّ الحكم لا یدعو إلی حفظ موضوعه، فلا یكون تركا للواجب و تعجیزا عنه، مع فرض الوجوب، بل من العجز مع عدم الحكم لتلف الموضوع و لكن الصحیح أنّ موضوعات الأحكام علی أنحاء كما قدّمناه فیما سبق فقد یكون العنوان المأخوذ موضوعا، سواء كان جزء الموضوع أو تمام الموضوع، مأخوذا حدوثا لا بقاء، أو مع البقاء و قد یكون مأخوذا بحصة خاصّة منه لا ینافیها الاتلاف كما لو أخذ وجود القدرة الباقیة بطبعها، من دون تلف فلا ینافیها الاتلاف.

و بعبارة أصح:انّ إتلاف و إعدام الموضوع حینئذ غیر ممكن لأنّ المفروض أخذه بمقتضی طبعة بأن یبقی هو لو خلّي و نفسه فلا یكون الاتلاف معدما لهذه الصفة فیه و مقتضی القاعدة في هذا القسم من الموضوعات كما في القسم الأوّل عدم تأثیر الاتلاف الخارجي في إعدام موضوع الحكم، فلا بدّ من تنقیح ما هو موضوع الحكم في المقام:

و الظاهر هو الأخیر لوجوه:

الأوّل:روایات التسویف فمثل ما في صحیح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«إذا قدر الرجل علی ما یحجّ به ثمّ دفع ذلك و لیس له شغل یعذره به، فقد ترك شریعة من شرائع الإسلام» (1).ظاهر في ذلك بتقریب أنّ عنوان (قدر علی ما یحجّ به) ظاهر في الحدوث و التمكّن حدوثا ممّا یمكن صرفه لأداء الحجّ بطبعه.و هذا العنوان صادق حتی مع الاتلاف إذ یقال عنه أنّه (قدر علی ما یحجّ به) إلاّ أنّه أتلفه و یكون ذلك نحوا من الدفع لأداء الحجّ فلا یرد الإشكال بأنّ الدفع محرم لا اندفاع الحكم بنفسه بعدم موضوعه نظیر ما یقال في إبطال الصلاة المغایر لانبطالها بنفسها و ذلك لأنّ عنوان الدفع ظاهر


1) باب 6، أبواب وجوب الحجّ، ح 3.

..........

فی النظر إلی الممانعة عن الحجّ و لو بالتعجیز.

مضافا إلی ما ذكرنا من ظهور (قدر علی ما یحجّ به) في ذلك.

الثاني:روایات البذل الدالّة علی الوجوب بمجرّد البذل و لو امتنع المبذول له عن الاستجابة بحیث انصرف الباذل بعد ذلك عن البذل مثل ما في صحیحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ):فإن عرض علیه الحجّ فاستحیي قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):هو ممّن یستطیع الحجّ (1).

و هذه الروایات صریحة في عدم انتفاء الاستطاعة بالآباء و الاستحیاء و انصراف الباذل بسبب ذلك.

الوجه الثالث:ظهور الفعل في الآیة الكریمة في أخذ الحدوث في الاستطاعة بخلاف ما لو كان العنوان صفة اسمیة و إن لم یكن هذا الاستظهار بمعنی أخذ حدوث الاستطاعة فقط بل هي مأخوذة بقاء أیضا، إلاّ أنّ المراد من ظهور الفعل في الحدوث هو اتّفاق حدوثها بنحو باق لها ممكن من أداء الأعمال و هذه الحصّة صادقة و متحقّقة حتی لو أقدم المكلّف علی الاتلاف.و كذا طائفة روایات الآخذة لعنوان (ما یحجّ به).

الوجه الرابع:مقتضی كون الاستطاعة مقدّمة وجوبية و وجودیة نظیر ما یقال في الوقت للصلاة هو كون أصل وجودها و انوجادها قید وجوب و التصرّف فیها بقول مطلق قید واجب أي یتعیّن علیه صرفها في الواجب فمقتضی ذلك أخذ الحصّة منها بنحو لا ینافیها الاتلاف.

هذا كلّه في الجهة الاولی و لا یخفی أنّه إنّما یحرم التصرّف و اتلاف المال فیما إذا انحصر و توقّف السفر و أداء الأعمال علی خصوص المال المستطاع به و إلاّ لو أمكن التسكّع أو الاستقراض و نحو ذلك فلا یحرم الاتلاف لأنّه لیس بتعجیز.

و الحرمة في الفرض المزبور أیضا حرمة تبعیّة للأمر بالحجّ لا لنفسه مستقلاّ.


1) باب 10، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

..........

الجهة الثانية في وقت وجوب الاستطاعة المبدأ الزمني لها

فقد حكی الإجماع أو الشهرة علی أنّه وقت خروج أوّل قافلة، و قیل:إنّه أوّل وقت التمكّن من السیر، و قیل:إنّه أشهر الموسم الثلاثة، و قیل:إنّه أوّل سنة الاستطاعة من شهر محرم الحرام أو من بعد الحجّ السابق، و قیل:إنّه من مطلق تحقّقها، وجوه و أقوال.و لا بدّ من الالتفات تمهیدا-أنّ الحجّ من الواجب المعلّق بناء علی الصحیح من إمكانه و لظهور الآیة في تقدّم وقت الوجوب عن وقت الواجب؛إذ الوجوب قد انیط بالاستطاعة من دون أخذ قید الزمان فیه بخلاف الواجب، كما أنّه لا بدّ من الالتفات في المقام إلی أنّ البحث تارة في تحقّق الاستطاعة المالية قبل تحقّق أجزاء الاستطاعة الاخری و تارة في تحقّق الأجزاء جمیعا قبل الموسم و قبل أوان القوافل فتحقّق مثلا كافّة الشرائط في أوّل سنة الاستطاعة إلاّ أنّه لا یسافر لتراخي وقت الأعمال بمدّة طویلة.و ثالثة في تقدّم الاستطاعة المالية علی الاجزاء الاخری لطبیعة بلد المكلّف المقتضیة لذلك لكون تسجیل الذهاب للحجّ المأذون فیه من الدول الوضعية بالنوبة الذي قد یطاول سنین قبل تحقّق بقیّة أجزاء الاستطاعة.

و رابعة:بتقدّم المبدأ الزمني للاستطاعة علی الأعمال بسنین لاقتضاء طبیعة حركة السفر بسبب المسافة البعیدة ذلك.

أمّا وجوه الأقوال المتقدّمة:

فقد یستدلّ للأقوال:

الاولی:بعدم الاطلاق في الأدلّة من جهة المبدأ الزمني و القدر المتیقّن لوقت الوجوب حینئذ هو ما ذكر في تلك الأقوال الاولی، مضافا إلی ظهور أجزاء الموضوع الواحد المأخوذة في الحكم في التقارن الزمني فیما بینها، كما قد یستدلّ للقول

..........

الأخیر و ما قبله بصدق الاستطاعة للحجّ؛لأنّ استطاعة كلّ شخص بحسبه و مكانه و زمانه كما هو الحال في الصور الثلاثة الأخیرة صدقا عرفیا و عقليا.

و كما في حجّ أهالي الصین و من ورائهم في القرون السابقة؛فإنّ استطاعتهم هي بتقدّم الاستطاعة المالية و خروج القوافل بسنین قبل الموسم.مضافا إلی التمسّك بإطلاق ما دلّ علی أخذ الزاد و الراحلة من دون تقیید بحدّ زمني و لو تقدّمت سنین علی بقیّة الأجزاء و علی ظرف الأعمال.كما أنّ الاستطاعة قد اضیفت إلی السبیل و لم تضف إلی أعمال الحجّ فلا وجه للتقیید بأشهر الموسم.

و یشهد لذلك أیضا الروایات الواردة (1)في من مات و لم یحجّ-أي كان صرورة- في القضاء عنه الشاملة لمن استطاع مالیا و قدر علی المباشرة أو علی الاستنابة ممّا یدلّ علی أنّ المدار في الموضوع هو الاستطاعة المالية و هي تمام الموضوع لوجوب الحجّ.

غایة الأمر الوجوب الأعمّ من المباشرة و النیابة من دون تقیید بزمان.

و تحقیق الحال:هو التفصیل بین لزوم الحجّ المباشري و لزوم الحجّ النیابي.

و بیان ذلك:أنّه بعد أخذ الاستطاعة المركّبة من أجزاء في المباشري یكون مقتضی ذلك ظهور الأجزاء في التقارن مضافا إلی ما قیل من أنّ الاستطاعة و إن اضیفت إلی السبیل إلاّ أنّ السبیل مضاف أیضا إلی الحجّ أو إلی البیت بلحاظ الأعمال و هو إنّما یتحقّق بحلول الوقت المتعارف للحركة إلی الحجّ.نعم لیس هو أضیق من أشهر الموسم؛لأنّها وقت الأعمال و لا یكون وقت الوجوب أضیق من وقت الواجب.

فالاستطاعة بالتالي مضافة إلی أوان السیر إلی الحجّ و هذا وجه أخذ القید الزماني فیها إذ لیست الاستطاعة المأخوذة في الموضوع غیر مضافة إلی شيء لكونها من مقولة القدرة، أي من الصفات الحقیقة ذات الاضافة أي مضافة إلی متعلّق ما و لیس


1) باب 25 إلی 28، أبواب وجوب الحجّ.

..........

هو لطبیعي الحجّ دون الافراد فما قیل حینئذ من الإطلاق في الاستطاعة المالية لیس في محلّه.

و یؤیّد ذلك ما في موثقة إسحاق بن عمّار قال سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) یقول:«لو أنّ أحدكم إذا ربح الربح أخذ منه الشيء فعزله فقال هذا للحجّ و إذا ربح أخذ منه و قال هذا للحجّ جاء إبّان الحجّ و قد اجتمعت له نفقة عزم اللّه له فخرج و لكن أحدكم یربح الربح فینفقه فإذا جاء إبّان الحجّ أراد أن یخرج من رأس ماله فیشقّ علیه» (1)و كذا ما في روایة عیسی بن أبي منصور قال:«قال لي جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ):یا عیسی إنّی احبّ أن یراك اللّه فیما بین الحجّ إلی الحجّ و أنت تتهیّأ للحجّ» (2).

وجه التأیید في هاتین الروایتین هو أنّه قد جعل في الموثّق الأوّل وقت للسیر إلی الحجّ تتحقّق فیه عزیمته و أنّ العزل السابق علی ذلك من باب تحقیق الاستطاعة و دفع المشقّة و إن كان مورد الموثّق في الحجّ الأعمّ من الندبي و الواجب و كذا ما في الروایة الثانية فإنّه جعل فیها وقت ما بین الحجّین وقتا لتحقیق و تهیئة الاستطاعة في وقت الحجّ.

و لا ینقض ذلك بحجّ أهالي الصین و من ورائهم في القرون السابقة بأنّ استطاعتهم لیست في عام الاعمال مع أنّه لا ریب في تحقّق الوجوب حینها.

وجه ذلك:أنّ في المثال فرض اقتران أجزاء الاستطاعة هو بنحو یتقدّم علی عام الاعمال سنتین أو سنین، أي أنّ فرض تحقّق الاستطاعة المالية المقترنة بالاستطاعة السربیة التي هي ذات امتداد زمني یبلغ سنین مع بقیّة الأجزاء هو بنحو یفارق فیه عالم الوجوب عن عام الواجب.

و لیس یعني ذلك رفع الید عن تقیّد الموضوع بالوقت المستفاد من إضافة الاستطاعة للعمل الموقت، بل انّ إضافة الاستطاعة في كلّ شخص بتمام أجزاءها


1) باب 51، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

2) باب 56، ح 2.

..........

إلی العمل الموقت تختلف من مورد إلی آخر.

و من ثمّ یلتزم أیضا بتحقّق الاستطاعة بتمام أجزاءها في مثل ضرب النوبة في البلاد ذات التعدّد السكاني الكبیر في الزمن الحاضر و إن كانت النوبة بعد عشر سنین، كما أفتی بذلك بعض أعلام العصر حیث أنّ تعیین النوبة بمنزلة تخصّص السرب و الطریق بنحو معیّن، كما في سرب أهالي الصین و بعبارة اخری نحو اقتران الاستطاعة المالية مع الاستطاعة السربیة هو بهذا النحو في مثل تلك البلدان ذات النوبة.

أي أنّ من خرجت نوبته بعد سنین لاحقة یصدق علیه أنّ السرب بالإضافة إلیه یستغرق سنین، فطول زمن السرب إمّا لطول المسافة أو (لازدحام) الطریق بالناس، كما لو فرض أنّه سلك الطریق بالحركة و السعي إلاّ أنّه یطول به سنین لازدحام الذاهبین.

و لك أن تمثّل بمثال آخر و هو بأنّ مكلّفان من أهالي الصین أحدهما یستطیع السفر بالطائرة و الآخر مكنته المالية في العصر الحاصر أن یسافر بالدابة كالجمل، فإنّ نحو اقتران أجزاء الاستطاعة بین الشخصین تختلف.و لا ینافي ذلك اختلاف زمن تحقّق الاستطاعة بالنسبة إلی كلّ منهما بتمام الاجزاء.

فالشخص الذي یعیش في البلاد المزدحمة السكان سعي سبیله للحجّ-و لو بخروج النوبة له بعد سنین، بمقتضی طبیعة ذلك البلد بتهیئة المقدّمات الإداریة- تستغرق سنین، و لذا یقال في حقّه:إنّ طریق الحجّ مفتوح له و التمكّن من الذهاب حاصل لدیه و إن استغرق سنین فظهر من ذلك أنّ مسلك المشهور لا ینافي تحقّق الاستطاعة في مثال ضرب تعیین النوبة في عصرنا الحاضر.كما ظهر أنّ المدار في تحقّق الوجوب هو تحقّق المكنة من مجموع أجزاء الاستطاعة و إن اختلفت المدّة الزمانية للسرب من كلّ شخص بحسبه، إلاّ أنّ البدء في السعي في مقدّمات السرب لا

مسألة 24:إذا كان له مال غائب بقدر الاستطاعة-وحده أو منضمّا إلی ماله الحاضر

(مسألة 24):إذا كان له مال غائب بقدر الاستطاعة-وحده أو منضمّا إلی ماله الحاضر-و تمكّن من التصرّف في ذلك المال الغائب یكون مستطیعا و یجب علیه الحجّ و إن لم یكن متمكّنا من التصرّف فیه و لو بتوكیل من یبیعه هناك فلا یكون مستطیعا إلاّ بعد التمكّن منه أو الوصول في یده و علی هذا فلو تلف في الصورة الاولی بقی وجوب الحجّ مستقرّا علیه إن كان التمكّن في حال تحقّق سائر الشرائط و لو تلف في الصورة الثانية لم یستقرّ و كذا إذا مات مورثه و هو في بلد آخر و تمكّن من التصرّف في حصّته أو لم یتمكّن فإنّه علی الأوّل یكون مستطیعا بخلافه علی الثاني (1).

بدّ أن تكون مقترنة مع الاستطاعة المالية و البدنیة التي بلحاظ ظرف العمل و الحركة.

و قبل اقتران تحقّق الاجزاء لا تحقّق للزوم الوجوب بمجرّد الاستطاعة المالية.

و أمّا وجوب الحجّ النیابي فسیأتي تفصیل الحال فیه في وجوب الاستنابة عن الحيّ أو عن المیّت.

الجهة الثالثة حكم تصرّفه في مال الاستطاعة تكلیفا و وضعا أمّا التكلیفي فإنّما یحرم اتلاف مال الاستطاعة فیما إذا انحصر اقتداره علی السعي للحجّ و أدائه علی ذلك المال الذي هو مقدّمة وجودیة و حرمته تبعیّة لا أصلیة من جهة عصیان ترك امتثال الحجّ أو فوريته.

و من ذلك یتّضح الكلام في الوضعي فإنّ الحرمة تبعیة عقلية لا نفسية شرعية كي یتأتّی فیها بحث أنّ النهي التكلیفي عن المعاملة یقتضي الفساد أم لا؟

مع أنّ الصحیح في تلك المسألة في النهي الطارئ عدم اقتضائه الفساد.

الوجه في شقوق هذه المسألة اتّضح ممّا سبق.

و وقت التلف في الصورة الاولی الموجب لاستقرار الحجّ هو بحسب الأقوال في المسألة السابقة.

مسألة 25:إذا وصل ماله إلی حدّ الاستطاعة لكنّه كان جاهلا به أو كان غافلا عن وجوب الحجّ علیه ثمّ تذكّر بعد أن تلف ذلك المال

(مسألة 25):إذا وصل ماله إلی حدّ الاستطاعة لكنّه كان جاهلا به أو كان غافلا عن وجوب الحجّ علیه ثمّ تذكّر بعد أن تلف ذلك المال فالظاهر استقرار وجوب الحجّ علیه إذا كان واجدا لسائر الشرائط حین وجوده و الجهل و الغفلة لا یمنعان عن الاستطاعة (1).

إذ لم یؤخذ فیها العلم بالحكم و لا العلم بالموضوع وصفا بل أخذ فیها عین واجدیة المال و تخلیة السرب و القدرة البدنیة و یشهد لذلك ما في روایات البذل من فرض السائل اباء المبذول له البذل حیاء مع ظهوره في جهله بتحقّق الاستطاعة و الوجوب إلاّ أنّه مع ذلك قد ذكر في تلك الروایات أنّ الاستطاعة قد تحقّقت و هو ممّن یستطیع الحجّ أي أنّ الحجّ قد استقرّ علیه، و حدیث الرفع للغفلة في موارد الجهل المركّب و إن لم یكن رفعا ظاهریا، إلاّ أنّ لیس تخصیصا للحكم الواقعي بنحو یرفع إنشائيته و فعلیّته، بل غایة الأمر یرفع التنجیز و من ثمّ یكون الرفع في الفقرات التسع علی نسق واحد بعناوین طارئة مختلفة، إذ كیف یتناسب مع الامتنان رفع مشروعیة الملاك و فعلیة الحكم.و بهذا یتّضح رفع الایهام في موارد و أبواب عدیدة توهّم فیها رفع مشروعیة الحكم بسبب الفقرات الاخری غیر فقرة (ما لا یعلمون) في حدیث الرفع.

و توهّم عدم الحكم بالغفلة و الجهل المركّب ناشئ من حسبان أنّ الحكم ذو مرحلتین فقط، الإنشائية و التنجیز، فإذا امتنع تنجیزیة الحكم و فاعلیّته و بعثه امتنعت فعلیته و بالتالي إنشائيته.

و من ثمّ ارجعت القیود العقلية إلی فعلیة الحكم علی حذو القیود الشرعية للملاك، إلاّ أنّه بفضل التحقیقات الاصولیة الأخیرة الممیّزة لمراحل الحكم الإنشائية و الفعلية و فاعلیة الحكم و تنجیزیّته عن بعضها البعض، اتّضح أنّ القیود العقلية راجعة إلی مرحلتین أخیرتین بل أنّ القیود الشرعية في الأدلّة العامّة لیست علی حذو القیود الشرعية في الأدلّة الخاصّة، حیث أنّ الأولی قیود في المراحل اللاحقة-أي في غیر

..........

الملاك-و الثانية قیود في الملاك و الفعلية.

إذا اتّضح ذلك كلّه تبیّن تحقّق الموضوع فیما نحن فیه و عدم رفع الغفلة و الجهل المركّب فضلا عن الجهل البسط-سواء تعلّق بالحكم أو بالموضوع-للحكم الواقعي.

و هذا كلّه واضح علی مسلك المشهور الآخذین للاستطاعة كقید وجوب في الملاك و أمّا علی كون الاستطاعة قیدا شرعيا في التنجیز لا في أصل المشروعیة، فقد یتوهّم حینئذ أنّ الغفلة تكون علی حذو الاستطاعة المأخوذة في التنجیز إذ لا تنجیز حینئذ سواء بسبب عدم الاستطاعة أو بسبب الغفلة و لكن هذا تامّ بالنسبة إلی التنجیز لا بالإضافة إلی استقرار لزوم وجوب الحجّ، فإنّه بعد ارتفاع الغفلة یعود التنجیز إذ یكفي فیه تحقّق الاستطاعة سابقا في الواقع.

فیقع الكلام حینئذ في استقرار الحجّ، و قد عرفت فیما مضی- في المسألة الثانية- من الفصل الأوّل من هذا الكتاب أنّ استقرار الحجّ هو عین وجوب الحجّ حدوثا بدلالة آیة الاستطاعة الدالّة علی بقائه بمجرّد حدوث الاستطاعة علی إتیان الحجّ في عام ما.و أنّ بقائه لترك الامتثال فلا یحتاج إلی دلیل علی البقاء وراء ذلك؛لعدم أخذ الموضوع كوصف بالصفة المشبهة كي یتوهّم بقاؤه ببقاء الوصف و بناء علی دلالة الآیة كما هو مرتكز الأعلام في هذه المسألة أیضا حیث أنّهم اكتفوا في بقاء الوجوب بالتدلیل علی مجرّد تحقّق الاستطاعة في عام واحد.

و من ثمّ لا حاجة للبحث عن أنّ موضوع استقرار الحجّ هل هو مطلق الترك أو الترك غیر المرخّص فیه شرعا أو الترك الاهمالي؟إذا الاستقرار كما عرفت هو لمطلق ترك الامتثال.

نعم لو كان الدلیل علی استقرار الحجّ هو روایات التسویف المتقدّمة في المسألة الثانية كحكم ثان غیر وجوب الحجّ حدوثا لكان موضوعه الترك الاهمالي أو بغیر عذر واقعي و كذا لو استدلّ بروایات الاستنابة عن المیّت-المتقدّمة-لكان موضوع

..........

الاستقرار هو الترك أیضا، إلاّ أنّا قد بیّنا فیما سبق أنّ دلالة تلك الروایات علی استقرار الحجّ لمطلق الترك.

هذا و قد یقال:إنّ المشهور قد تمسّكوا لقیود الاستطاعة أو لعدم لزوم الحجّ برفع الحرج و المشقّة في موارد و فروعات كثیرة، و لم یفتوا باستقرار الحجّ بعد تلف الاستطاعة المالية في تلك الموارد مع أنّ اللازم ممّا تقدّم هو استقرار الحجّ، حیث أنّ الرفع لیس رفعا لفعلیّة الحكم و لا لموضوعه، بل لتنجیزه.فتدلّ الآیة حینئذ علی استقرار الحجّ.

مضافا إلی نقض آخر و هو:

أنّ روایات التسویف قد قیّدت بعدم العذر و إنّما الغفلة عذر شرعي و لا یصغی إلی ما یقال من أنّ العذر المتقدّم ظاهر في المانع الواقعي؛إذ قد وصف العذر في روایات التسویف بأنّه (یعذره).

لكن الصحیح عدم ورود مثل هذا الإشكال و إن كانت مقایسة المستشكل بین رافعیة الحرج و رافعیة الغفلة من جهة كونهما عنوانا ثانویا متینة و في محلّها عموما، إلاّ أنّ في خصوص المقام-أي باب استطاعة الحجّ-قد ألفتنا في صدر شرطیة الاستطاعة إلی أنّه قد أخذ في الأدلّة الخاصّة عنوان الیسار و السعة و هو في قبال العسر و المشقّة فتكون موارد العسر و الحرج معدمة للاستطاعة لا أنّه تمسّك بحدیث الرفع فقط مع انحفاظ الموضوع كما قد یتخیّل الناظر في كلماتهم.

و تمسّكهم بالحدیث یكون بیانا لانتفاء الموضوع فخصوصیة المقام أوجبت انعدام الموضوع في موارد الحرج و من ثمّ لم یشیروا إلی استقرار الحجّ في موارد العسر و الحرج فقط.

و أمّا روایات التسویف فالذي ورد فیها هو التعبیر بـ(لیس له شغل یعذره) أي العذر نعت للشغل، و من الواضح أنّ الغفلة لیست شغلا و إن كانت عذرا.

غایة الأمر أنّه معذور في ترك ما وجب علیه و حینئذ فإذا مات قبل التلف أو بعده وجب الاستئجار عنه إن كانت له تركة بمقداره (1).

و كذا إذا نقل ذلك المال إلی غیره-بهبة إلی صلح-ثمّ علم بعد ذلك أنّه كان بقدر الاستطاعة فلا وجه لما ذكره المحقّق القمّي في أجوبة مسائله من عدم الوجوب لأنّه لجهله لم یصر موردا و بعد النقل و التذكّر لیس عنده ما یكفیه فلم یستقرّ علیه لأنّ عدم التمكّن من جهة الجهل و الغفلة لا ینافي الوجوب الواقعي و القدرة التي هي شرط في التكالیف القدرة من حیث هي و هي موجودة و العلم شرط في التنجز لا في أصل التكلیف.

مضافا إلی أنّ روایات التسویف لیست في مقام بیان موضوع وجوب الحجّ ابتداءً، بل و لا في مقام بیان موضوع وجوب الاستقرار، لما عرفت من أنّ موضوعه هو موضوع الوجوب حدوثا بمقتضی الآیة.

نعم یستفاد منها الموضوع باللازم، بل هي في حدود بیان العقوبة و فورية الحجّ و حرمة تسویفه.

و لیعلم أنّ البحث في استقرار الحجّ من أنّه هل هو حكم آخر أو عین الحكم الأوّل و البحث عمّا هو موضوع له، لا یفترق الحال فیه علی القول بكون الاستطاعة قیدا شرعيا في الملاك أو في التنجیز؛إذ غایة الأمر یكون معنی الاستقرار حینئذ هو استقرار لزوم الحجّ لا أصل مشروعیّته علی القول الثاني.

كما سیأتي في بحث الاستنابة عن المیّت من دلالة الروایات علی ذلك، بل سیأتي أنّ لزوم الاستنابة لیس متفرّعا علی خصوص استقرار الحجّ، بل مطلق من مات صرورة و كان ذا مال یلزم الاستنابة عنه من أصل التركة، لكفایة مجرّد الاستطاعة المالية في وجوب النیابة، بخلاف الوجوب المباشري، كما ذكر ذلك غیر واحد من المتقدّمین.

مسألة 26:إذا اعتقد أنّه غیر مستطیع فحجّ ندبا

(مسألة 26):إذا اعتقد أنّه غیر مستطیع فحجّ ندبا فإن قصد امتثال الأمر المتعلّق به فعلا و تخیّل أنّه الأمر الندبي أجزأ عن حجّة الإسلام لأنّه حینئذ من باب الاشتباه في التطبیق و إن قصد الأمر الندبي علی وجه التقیید لم یجزأ عنها و إن كان حجّه صحیحا و كذا الحال إذا علم باستطاعته ثمّ غفل عن ذلك و أمّا لو علم بذلك و تخیّل عدم فوريتها فقصد الأمر الندبي فلا یجزي (1) لأنّه یرجع إلی التقیید.

قد فرّق الماتن بین موارد الداعي و التقیید أي بین الاولی و الأخیرتین و فرّق بعض (1)بین الأوّلیتین و الثالثة بالصحّة فیهما دون الثالثة؛لدعوی تأتّی الترتّب في الثالثة دونهما فیكون القصد في الثالثة منوعا أي تقییدا دونهما حیث لا تعدّد للأمر بل هو وحداني فلا یكون القصد منوعا بل من قبیل الداعي.

و فرّق بعض آخر:بین البناء علی مشروعیة المندوب مع الواجب فیكون القصد تقییدیا و مضرّا مطلقا و بین البناء علی عدم مشروعیة المندوب في ظرف الواجب، فیصحّ مطلقا.

و تحقیق الحال یتمّ بنقاط:

الاولی:في مشروعیة المندوب في ظرف و عام وجوب الحجّ.

و قد قدّمنا الحدیث عنها في حجّ الصبي و قلنا إنّ إطلاق أدلّة مشروعیة المندوب شاملة لعام الاستطاعة أیضا، لكن ما قدّمناه من قاعدة مشروعیة المندوب في ظرف الواجب بناء علی مسلك المشهور من أخذ الاستطاعة قیدا في الملاك و أمّا بناء علی المختار من أنّها قید في التنجیز فلا یكون هناك اختلاف بین موضوع الأمر الندبي و مشروعیة الوجوب فلا یتعقّل حینئذ أمران دائمیان علی متعلّق واحد.

غایة الأمر أنّه بدون الاستطاعة هناك تكون الفریضة مشروعة مرخّصة في تركها و مع الاستطاعة تكون بنحو العزیمة.

الثانية:في التقیید و الداعي:


1) معتمد العروة، ج 1، ص 138.

مسألة 27:هل تكفي في الاستطاعة الملكیة المتزلزلة للزاد و الراحلة و غیرهما

(مسألة 27):هل تكفي في الاستطاعة الملكیة المتزلزلة للزاد و الراحلة و غیرهما، كما إذا صالحه شخص ما یكفیه للحجّ بشرط الخیار له إلی مدّة معیّنة أو باعه محاباة كذلك وجهان أقواهما العدم؛لأنّها في معرض الزوال إلاّ إذا كان واثقا بأنّه لا یفسخ و كذا قد تقدّم في المسألة التاسعة (فی شرطیة البلوغ) أنّ في موارد اتّحاد الأمر الذي في الذمّة لا مجال للتردید بین الداعي و التقیید، حیث أنّ انطباق المأمور به علی المأتي به قهري و لم یؤخذ عنوان ما في متعلّق الطبیعة بحسب مقام تعلّق الأمر و لا المأتي به محتاج إلی تخصیص بعنوان في وقوعه مصداقا للمأمور به، فمن ثمّ ما ینوی من عناوین لا محالة تكون بنحو الداعي.

و أمّا في موارد تعدّد الأمر في الذمّة و وحدة الطبیعة سنخا، فلا محالة لا یتخصّص المأتي به في انطباق أحد المأمور بهما علیه، إلاّ بالقصد و حینئذ لا محالة یكون القصد بنحو التقیید و لو كان قصده أنّه لو لم یكن هذا العنوان لأتی بالعنوان الآخر.

الثالثة:قد تقدّم في مسألة حجّ العبد إذا أعتق قبل أحد الموقفین ما یستفاد منها أنّه عند تحقّق شرائط الوجوب عند أحد الموقفین فإنّه یكتفي لما اتی به ندبا عن الواجب.

و یتحصّل من هذه النقاط الثلاث:أنّه علی المختار من كون الاستطاعة قید التنجیز و أنّ لا أمر في البین إلاّ مشروعیّة الفریضة فما یأتي به في الصور الثلاثة یقع مصداقا -للواجب-بمقتضی النقطة الثانية.

مضافا إلی ما یستفاد من النقطة الثالثة.

و أمّا علی المشهور:

من تعدّد الأمر فبمقتضی النقطة الثانية یكون مقتضی القاعدة حینئذ عدم الاجزاء عن الواجب في الصور الثلاث.لكن بلحاظ النقطة الثالثة یرفع الید عن مقتضی القاعدة بالاجزاء فیها، و توجیه ذلك التعبّد بأحد الوجوه الثلاثة التي تقدّمت في حجّ الصبي و العبد فراجع.

لو وهبه و أقبضه إذا لم یكن رحما فإنّه ما دامت موجودة، له الرجوع و یمكن أن یقال بالوجوه هنا حیث أنّ له التصرّف في الموهوب فتلزم الهبة (1).

قیل:بأنّ تزلزل الملكیة غیر مانع عن صدق الاستطاعة، سواء في البیع و المعاوضة الخیاریة أو في الهبة الجائزة لواجدیّته للمال.غایة الأمر أنّه إذا فسخ البیع أو استردّت العین الموهوبة كشف عن عدم الاستطاعة.

و قیل:بأنّ تزلزل الملك موجب للشكّ في وجود الاستطاعة و بقاء الملكیة إلی تمام الأعمال و إن لم یكن ممانعا عن تحقّق الاستطاعة في متن الواقع في ما لو یحصل الفسخ إلاّ أنّ إحراز الملكیة لا یكون إلاّ بالوثوق كما ذكره الماتن.

و قیل:إنّه لا تحقّق للاستطاعة في البیع أو المعاوضة الخیاریة لتعلّق حقّ ذي الخیار في العین المملوكة فتكون العین محقوقة نظیر العین الموهونة.

و أمّا في الهبة الجائزة فالتصرّف و إن أوجب لزومها إلاّ أنّه من باب تحقیق الاستطاعة و تحصیلها.

و الصحیح أنّه لو بني علی كون العین الخیاریة ممنوعا صاحبها من التصرّفات فهذا مانع من التصرّف في العین بحسب الفرض، فلا تحقّق للاستطاعة نظیر العین الموهونة.

و أمّا لو بني علی عدم ذلك فتزلزل الملكیة في العین الخیاریة و الهبة الجائزة لیس ممانعا عن تحقّق الاستطاعة، كما أنّه لیس بمانع عن إحرازها أیضا، و ذلك لما ورد في روایات البذل؛إذ الحال في المقام أشبه ما یكون به.فكما أنّ عدم اللزوم هناك لا یمانع الاستطاعة ثبوتا و لا إثباتا فكذلك في المقام.

كما أنّه علی المختار لو تحقّق الفسخ أو الرجوع أثناء الاعمال أو بعدها یكون ما أتی به مجزئا عن حجّة الإسلام بعد عدم كون الاستطاعة دخیلة في المشروعیة، بل علی مسلك المشهور من أنّ من كان في المشاعر و تلف ماله و كان إتیانه للحجّ و عدمه سواء في المئونة فإنّه یجب علیه حینئذ الحجّ؛لأنّه مئونة الرجوع و نفقة العیال

أتلفه عمدا فالظاهر كونه كإتلاف الزاد و الراحلة عمدا في عدم زوال استقرار الحجّ (1).

مسألة 29:إذا تلف بعد تمام الاعمال مئونة عوده إلی وطنه أو تلف ما به الكفایة من ماله في وطنه

(مسألة 29):إذا تلف بعد تمام الاعمال مئونة عوده إلی وطنه أو تلف ما به الكفایة من ماله في وطنه بناء علی اعتبار الرجوع إلی كفایة في الاستطاعة.فهل یكفیه عن حجّة الإسلام أو لا؟ وجهان:لا یبعد الاجزاء و یقرّ به ما ورد من أنّ من مات بعد الإحرام و دخول الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام، بل یمكن أن یقال بذلك إذا تلف في أثناء الحجّ أیضا (2).

و الرجوع إلی الكفایة لا یخلّ بها إتیان الحجّ، كما صرّح بذلك جماعة فراجع.

هذا بناء علی المشهور، و أمّا علی المختار فالاشتراط في العزیمة و التنجیز، بل في البقاء بلحاظ أثناء الأعمال و بعدها الصحیح أنّها لیست شرطا علی القولین في فرض كون إتیانه للاعمال و عدمه سواء في المئونة فلا یخلّ ذلك بأجزاء حجّته كما أوضحناه في المسألة السابقة و بسطنا ذلك في صدر بحث شرطیة الاستطاعة.

هذا بناء علی المشهور، و أمّا علی المختار فلا تردید في الاجزاء كما عرفت مرارا.

كما أنّه علی المشهور أیضا قد عرفت في المسالتين المتقدّمتین تصریح جماعة بأنّه في فرض استواء إتیانه للحجّ و عدمه-عند التلف في الأثناء أو بعد ذلك-أنّ التلف حینئذ لا یخلّ بالاستطاعة.و هذا كلّه بناء علی أخذ الرجوع إلی الكفایة و مئونة العود بدلالة الأدلّة الخاصّة، و أمّا لو بني علی أنّها مقتضی رفع الحرج فالاجزاء أوضح لعدم رفع القاعدة للمشروعیة.و أمّا استشهاد الماتن بأجزاء من دخل الحرم فمات فأشكل علیه بأنّه أجنبي عن فرض المقام لأنّه من اجزاء العمل الناقص عن التامّ مع فرض تحقّق الموضوع بخلاف ما نحن فیه حیث أنّ العمل تامّ إلاّ أنّ الموضوع قد انعدم نظیر صلاة أربع ركعات الظهر قبل الزوال بخلاف مثال الماتن فإنّه

مسألة 30:الظاهر عدم اعتبار الملكیة في الزاد و الراحلة

(مسألة 30):الظاهر عدم اعتبار الملكیة في الزاد و الراحلة، فلو حصلا بالإباحة اللازمة كفی في الوجوب لصدق الاستطاعة.و یؤیّده الأخبار الواردة في البذل، فلو شرط أحد المتعاملین علی آخر في ضمن عقد لازم أن یكون له التصرّف في ماله بما یعادل مائة مثلا وجب علیه الحجّ و یكون كما لو كان مالكا له (1).

نظیر الآتيان بصلاة الظهر ناقصة الاجزاء بعد الزوال المجزیة عن الصلاة التامّة.

أقول:ما نظّر له المستشكل من التفرقة و إن كان متینا إلاّ أنّ كون مثال الماتن من القسم الأوّل في التنظیر ممنوع.

و بعبارة أدقّ:أنّ الماتن أراد التنظیر فیما بین أجزاء الاستطاعة فكما أنّ الاستطاعة المالية هي جزء الاستطاعة فكذلك الاستطاعة البدنیة.و حیث اكتفی في الثانية بالتحقّق إلی مقدار من الأعمال لا إلی تمام الأعمال فذلك یؤیّد عدم أخذ المالية إلی آخر الأعمال، بعد كون الموضوع مركّبا من أجزاء متقارنة، فمحطّ نظر الماتن في الاستشهاد هو ذلك لا اجزاء العمل الناقص عن التامّ.

الوجه في تحقّق الاستطاعة أنّ الموضوع-كما قدّمنا-لیس هو واجدیة و مالكیة الزاد و الراحلة، بل المسبّب منهما، و هو القدرة و من ثمّ كان في لسان روایات البذل تكرّر التعبیر منهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنّ المبذول له ممّن یستطیع أي طبق علیه الموضوع و تحقّق فیه العنوان و لیس جامع بین الموردین إلاّ المسبّب؛إذ لا یتوهّم أنّ الموضوع متعدّد بعد كون تشریع الوجوب بالآیة ذات الموضوع الواحد و كون ألسنة الروایات شرحا لذلك الموضوع.

و من ثمّ لم یحكم بتحقّق الموضوع في المالك للمال الذي لا یستطیع التصرّف في ماله لكونه غائبا أو نحو ذلك.

و أمّا النقض بالمباحات الأوّلیة شرعا فضعیف لكونها من المعدّات البعیدة للقدرة القریبة بخلاف فرض المقام و یشهد لاستظهار أنّ الموضوع هو المسبّب تعدّد ألسنة الروایات حیث ورد في بعضها (ما یحجّ به) و في آخر (مع السعة و الیسار).

مسألة 31:لو أوصی له بما یكفیه للحجّ

(مسألة 31):لو أوصی له بما یكفیه للحجّ فالظاهر وجوب الحجّ علیه بعد موت الموصی خصوصا إذا لم یعتبر القبول في ملكیة الموصی له و قلنا بملكیّته ما لم یرد فإنّه لیس له الردّ حینئذ (1).

مسألة 32:إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن یزور الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلّ عرفة ثمّ حصلت

(مسألة 32):إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن یزور الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلّ عرفة ثمّ حصلت لم یجب علیه الحجّ، بل و كذا لو نذر إن جاء مسافره أن یعطي للفقیر كذا مقدارا فحصل له ما یكفیه لأحدهما بعد حصول المعلّق علیه، بل و كذا إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن یصرف مقدار مائة لیرة مثلا في الزیارة أو التعزیة أو نحو ذلك، فإنّ هذا كلّه مانع عن تعلّق وجوب الحجّ به، و كذا إذا كان علیه واجب مطلق فوري قبل حصول الاستطاعة و لم یمكن الجمع بینه و بین الحجّ ثمّ حصلت الاستطاعة، و إن لم یكن ذلك الواجب أهمّ من الحجّ؛لأنّ العذر الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب.و أمّا لو حصلت الاستطاعة أو لا ثمّ حصل واجب فوري آخر لا یمكن الجمع بینه و بین الحجّ یكون من باب المزاحمة فیقدم الأهمّ منهما، فلو كان مثل انقاذ الغریق قدم علی الحجّ و حینئذ فإن بقیت الاستطاعة إلی العام القابل وجب الحجّ فیه و إلاّ فلا، إلاّ أن یكون الحجّ قد استقرّ علیه سابقا فإنّه یجب علیه لو متسكّعا (2).

قیل:بعدم الوجوب لعدم الاستطاعة لتوقّف الوصية التملیكیة علی القبول بخلاف ما لو كانت كالعهدیة بأن أوصی بالبذل أو الاباحة.

و قیل:بالوجوب للبناء علی أنّ الردّ في الوصية التملیكیة مانع لا شرطیة القبول.

و الصحیح أنّ وجه المسألة في المقام لو بني علی لزوم القبول في الوصية یتّحد مع المسألة الآتية (37) من الهبة فإنّه یجب علیه القبول أو لا؟و سیأتي أنّ الصحیح هو وجوب القبول.

لتنقیح المقام لا بدّ من المعرفة أنّ التدافع بین الحكمین هاهنا هل هو حالة التزاحم أو حالة الورود من أحدهما علی الآخر أو حالة التدافع بینهما بالتوارد.

ضابطة الأوّل:عدم إعدام كلّ منهما لموضوع الآخر.

..........

و الثاني:إعدام أحدهما المعیّن لآخر.

و الثالث:إعدام كلّ منهما لموضوع الآخر، أي أحدهما غیر المعیّن للآخر.

و لمعرفة أنّ صور المقام مندرجة تحت أي قسم من الأقسام الثلاثة لا بدّ من تنقیح ما هو موضوع وجوب النذر و ما هو موضوع وجوب الحجّ.

أمّا موضوع وجوب النذر فلا ریب في أخذ رجحان العمل ذاتا فیه.

و أمّا أخذ الرجحان بالإضافة إلی غیره فقد اختلف فیه حیث أنّه قد ورد في الیمین (1)أخذ ذلك في موضوعها، حیث ورد أنّه إذا رأیت ما هو خیر منها فدعها -بناء علی اتّحاد شرائط الیمین و النذر-.

أو لما ورد في النذر أیضا من أنّه في المعصیة (2)-بناء علی شموله لموارد تسبیب إتیان الفعل المندوب لترك واجب آخر-.

و تفصیل الحال أنّ النذر-علی المشهور-لا ینعقد إلاّ فیما هو راجح، بل قیّده بعض بالرجحان في الدین بینما متعلّق الیمین قد اكتفی فیه بالمباح، فمن ثمّ تتحقّق الأولویة لما أخذ في الیمین بأخذه في النذر، أي أنّ ما ورد فیها من انحلالها فیما إذا كان ترك متعلّقها أرجح من فعله لطروّ طارئ.

و یدلّ علیه ما ورد في النذر كموثّق زرارة (3)قال:قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):أي شيء لا نذر في معصیته؟قال:فقال:«كلّ ما كان لك فیه منفعة في دین أو دنیا فلا حنث علیك فیه» حیث أنّ المنفعة الدنیویة أو الدینیة في الترك لا تكون فیه من حیث هو أمر عدمي، بل من حیث ملازمة الترك مع فعل آخر بأن یكون الفعل الآخر لا یتحقّق إلاّ مع ترك هذا الفعل فهو أرجح بلحاظ الفعل الآخر فتكون نصّا فیما نحن فیه أو لا أقلّ من أنّها تعمّ ما نحن فیه، و لا تختصّ بالرجحان الذاتي للشيء في نفسه.


1) باب 18، أبواب الأیمان.

2) باب 17، كتاب النذر.

3) باب 17، كتاب النذر و العهد، ح 1.

..........

و یمكن أن یؤیّد أیضا.

بما ذكروه في نذر المعصیة نظیر موثّق سماعة قال:سألته عن امرأة تصدّقت بمالها علی المساكین إن خرجت مع زوجها ثمّ خرجت معه فقال:«لیس علیها شيء».

بناء علی أنّ عدم انعقاده لكون الفعل و إن كان في نفسه راجحا إلاّ أنّه قد قیّد بفعل آخر یكون مرجوحا بلحاظه فیكون الترك أرجح بخلاف ما لو بني علی أنّ عدم انعقاده بناء علی أنّ نفس إنشاء النذر معصیة؛لأنّه زجر عن الطاعة فلا یكون ممّا نحن فیه.

و فیما تقدّم من الاستدلال كفایة.

نعم هاهنا بحث یقام من أنّ انحلال النذر فیما نحن فیه للمزاحمة لما هو أرجح هل بمعنی عدم الوجوب و إن بقیت مشروعیّة النذر ندبا بخلاف موارد نذر المعصیة فإنّه لا مشروعیة للنذر من رأس، أو أنّ معنی انحلال النذر و عدم الحنث هو خصوص نفي التنجیز لا نفي الوجوب و لازم الثاني أنّه لو لم یأت بالفعل الأرجح یكون قد حنث في النذر فمن ثمّ قد یؤیّد هذا الاحتمال الثاني بما یظهر من الروایات من تخصیص نفي الحنث في صورة إتیان فعل الآخر الراجح لكن قد یقال إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موثّق زرارة كان في صدد تفسیر (لا نذر في معصیة) أي لنفي مشروعیة النذر إلاّ أن یجعل وصف المعصیة وصفا للنذر لا للمنذور، أي بمعنی أي وقت لا عصیان و لا حنث للنذر؟و قد یرتّب علی الاحتمالین السابقین أنّه في موارد المخالفة مع عدم الحنث لا یسقط النذر بقاء كما لو كان غافلا.

و أمّا الإشكال علی ذلك بأنّه یلزم منه عدم انعقاد النذر إلاّ إذا تعلّق بأرجح الأفراد و الأفعال المأمور بها؛لأنّ كلّ شيء مرجوح بالإضافة إلی ما فوقه، فضعیف؛لظهور هذا القید في موارد المزاحمة الفعلية، أي بنحو یكون كلّ من المنذور و الغیر محلاّ لابتلائه غیر قادر علی الجمع بینهما بنحو یكون الغیر في نفسه خیر من الفعل

..........

المنذور في نفسه فینحلّ النذر حینئذ بمقتضی ذلك التقیید، أي لكان المورد تزاحمیا لو لا هذا القید.

و أمّا وجوب الحجّ فقد اختلف في موضوعه أیضا في تقیّده بعدم ترك واجب آخر زائد علی الاستطاعة المالية و البدنیة و السربیة.

و قد استدلّ لذلك بوجوه:

الأوّل:إطلاق عنوان الاستطاعة فإنّه یقتضي دخل مطلق القدرة و لو بالإضافة إلی عدم المنع الشرعي الآتي من لزوم صرف القدرة في الواجب الآخر.

و فیه:أنّه بعد تفسیر الاستطاعة بأجزاء محدودة لا مجال للتمسّك بإطلاق العنوان حینئذ.

الثاني:ما في صحیحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«إذا قدر الرجل علی ما یحجّ به ثمّ دفع ذلك و لیس له شغل یعذره به فقد ترك شریعة من شرائع الإسلام» (1).

و صحیحة زید الشحّام قال:قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):التاجر یسوّف الحجّ؟قال:

«لیس له عذر، فإن مات فقد ترك شریعة من شرائع الإسلام» (2).

و أشكل علی دلالتهما بأنّ العذر الذي أخذ قیدا في الروایتین مجمل فلا یعلم المعذر ما هو؟كي یكون وجوب النذر أو غیره واردا علیه.

و فیه:أنّ ذلك تسلیم بأخذ قید زائد في وجوب الحجّ، و أمّا إجماله فحیث لم یرد له تفسیر شرعي فیحمل علی التفسیر العرفي أو العقلي و كفی بفعلیة وجوب النذر و غیره عذرا.

فالصحیح في الإشكال علی دلالة هاتین الروایتین هو قید (عدم العذر) قد أخذ قیدا في التنجیز لا في الوجوب، فلا یدلّ علی أخذه في الوجوب، أي أنّه قد أخذ في التنجیز الذي قد تحقّقت معه العقوبة الخاصّة المتوعّد بها.و من الواضح أنّها لا


1) باب 6، أبواب وجوب الحجّ، ح 3.

2) باب 6، أبواب وجوب الحجّ، ح 6.

مسألة 33:النذر المعلّق علی أمر قسمان

(مسألة 33):النذر المعلّق علی أمر قسمان:تارة یكون التعلیق علی وجه الشرطیة، كما إذا قال:إن جاء مسافریپي فللّه علیّ أن أزور الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عرفة، و تارة یكون علی نحو الواجب المعلّق كأن یقول:للّه عليّ أن أزور الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عرفة عند مجيء مسافري، فعلی الأوّل یجب الحجّ إذا حصلت الاستطاعة قبل مجيء مسافره و علی تتحقّق مع فقدان القیود العقلية للتنجیز و إن تحقّقت القیود الشرعية لكلّ من الفعلية و التنجیز فعلی مسلك المشهور من أخذ القدرة في الفعلية، و علی المختار من أخذها في التنجیز، لا دلالة لتقیّد العقوبة الفعلية بعدم العذر لأخذ ذلك القید شرعا في التنجیز لأنّه لا یكفي في التنجیز و العقوبة الفعلية تحقّق القیود الشرعية، بل لا بدّ من تحقّق العقلية أیضا.

لا سیّما و أنّ عنوان العذر یناسب القیود العقلية.

فعلی هذا یتّضح أنّ وجوب الحجّ و كذا تنجیزیّته لیست تعلیقیة بالإضافة إلی امتثال واجب آخر بخلاف النذر، كما عرفت.

و لو بنی علی أنّ النذر لیس تعلیقیّا فمن الواضح أنّ أهمّیة الحجّ محرزة بالإضافة إلی النذر و إن كان بعض الأعلام قد فصل بین مزاحمة فورية الحجّ للنذر و مزاحمة أصل الحجّ للنذر، كما لو كان تركه للحجّ في عام المزاحمة یؤدّی إلی ترك أصل الحجّ.

و ما أفاده له وجه فیما لو كانت المزاحمة بین الفورية و النذر، كما لو اطمئن بالقدرة علی إتیان الحجّ في الأعوام القابلة و بنینا علی اختصاص حرمة ترك الفورية لموارد الاهمال و التسویف و علی أنّ وجوب النذر غیر مقیّد.

و أمّا قوله:و أمّا لو حصلت الاستطاعة ف

قد اتّضح الحال في الشقّ الثاني ممّا سبق حیث أنّه لم یؤخذ في موضوع الحجّ عدم الابتلاء بواجب آخر، و لو بنی علی أخذ القید المزبور لما اثمر تقدّم الحجّ في مقابل الواجب المتأخّر المطلق، كما أنّه علی المختار لا أثر للتقدّم الزماني في المتزاحمین و إنّما المدار علی الأهمّیة.

الثاني لا یجب فیكون حكمه حكم النذر المنجز في أنّه لو حصلت الاستطاعة و كان العمل بالنذر منافیا لها لم یجب الحجّ، سواء حصل المعلّق علیه قبلها أو بعدها.

و كذا لو حصلا معا لا یجب الحجّ، من دون فرق بین الصورتین، و السرّ في ذلك أنّه وجوب الحجّ مشروط و النذر مطلق فوجوبه یمنع من تحقّق الاستطاعة (1).

مسألة 34:إذا لم یكن له زاد و راحلة و لكن قیل له:حجّ و عليّ نفقتك و نفقة عیالك

(مسألة 34):إذا لم یكن له زاد و راحلة و لكن قیل له:حجّ و عليّ نفقتك و نفقة عیالك، وجب علیه و كذا لو قال:حجّ بهذا المال و كان كافیا له ذهابا و إیابا و لعیاله فتحصل الاستطاعة ببذل النفقة كما تحصل بملكها من غیر فرق بین أن یبیحها له أو یملكها إیّاه و لا بین أن یبذل عینها أو ثمنها و لا بین أن یكون البذل واجبا علیه بنذر أو یمین أو نحوهما أو لا، و لا بین كون الباذل موثوقا به أو لا علی الأقوی.

و القول بالاختصاص بصورة التملیك ضعیف كالقول بالاختصاص بما إذا وجب علیه أو بأحد الأمرین:من التملیك أو الوجوب.و كذا القول بالاختصاص بما إذا كان موثوقا به كلّ ذلك لصدق الاستطاعة و إطلاق المستفیضة من الأخبار و لو كان له بعض النفقة فبذل له البقیّة وجب أیضا، و لو بذل له نفقة الذهاب فقط و لم یكن عنده نفقة العود لم یجب، و كذا لو لم یبذل نفقة عیاله إلاّ إذا كان عنده ما یكفیهم إلی أن یعود أو كان لا یتمكّن من نفقتهم مع ترك الحجّ أیضا (2).

الحال في هذه المسألة بناء علی المختار لا یختلف، سواء كان النذر بنحو الواجب المشروط أو المعلّق، كما أنّك قد عرفت أنّه بناء علی القول الآخر لا یفید تقدّم الحجّ زمانا علی النذر المشروط بعد كونه مشروطا بعدم مزاحمة واجب آخر و كون النذر علی القول الآخر لیس مأخوذا فیه الراجحیة بالإضافة إلی الغیر بل الرجحان النفسي.نعم، لو أخذ فیه الرجحان بالإضافة إلی الغیر قبل وقت العمل، أي حین انعقاد الوجوب الفعلي لا حین انعقاد الصیغة، لتمّ تفصیل الماتن و إلاّ لو كان المأخوذ فیه الرجحان حین الصیغة لما تمّ تفصیله.

الظاهر أنّه لا خلاف في تحقّق الاستطاعة بالبذل إجمالا بیننا بعد ورود

..........

النصوص (1)المعتبرة بألسنة مختلفة كـ(عرض علیه الحجّ) أو (حجّ به ) و (أن یكون له ما یحجّ به) بل انّ الروایات الواردة في تفسیر الاستطاعة أیضا دالّة علی ذلك كما هو الصحیح لأنّ لسان (له زاد و راحلة) أو عنده ذلك أعمّ من الملكیة بل مطلق الاختصاص كما هو الصحیح، و المستعمل لغة في الأعمّ و یناسبه عنوان الاستطاعة لأنّها تتحقّق بكلّ من تلك المصادیق؛إذ هي القدرة و لها أسباب متعدّدة.

و لا یفرق في صدق عنوان العرض و بقیّة العناوین الواردة بین الاباحة و التملیك و بذل الثمن أو العین، بل حتی في مورد الایهاب أي الایجاب للهبة بقصد التمكین من الحجّ فیجب القبول لذلك.

و أمّا الوثوق ببقاء الباذل علی بذله فقد یقال إنّ حاله حال الاستطاعة بالملكیة في أنّه لا یشترط فیها إحراز بقاء المال و عدم تلفه في وجوب المبادرة.

و قد یشكل بالفرق بینهما بأنّ في الثاني یوثق بحسب العادة ببقاء المال بخلاف الأوّل و الصحیح أنّه تجب المبادرة في الاستطاعة بالملكیة حتی لو شكّ شكّا معتدّا به في بقاء المال و تلفه، فالحال في الاستطاعتین واحد، و الوجه في وجوب المبادرة و إن كان مقتضی القاعدة عند الشكّ في قید الوجوب عدم التنجیز، هو ما حرّرنا مفصّلا في لزوم الفحص عن الموضوع المأخوذ قیدا للوجوب كما في نصاب الزكاة و مقدار الخمس و المسافة في التقصیر و غیرها من الموضوعات المأخوذة بتقدیر، فلاحظ (2).

فههنا لزوم المبادرة بمنزلة لزوم الفحص و وجه استفادته في المقام أیضا هو أنّ ظاهر الروایات هو لزوم المبادرة، مضافا إلی وجوب الحجّ بمجرّد العرض.نعم، لو كان یحتمل بنحو المظنّة رجوع الباذل في أثناء الذهاب عن بذله بنحو یعرّضه لهلكة


1) باب 10 و 6، ح 1 و 3 و 9 و باب 8، أبواب وجوب الحجّ، ح 3.

2) سند العروة، صلاة المسافر، م 5.

مسألة 35:لا یمنع الدین من الوجوب في الاستطاعة البذلية.

(مسألة 35):لا یمنع الدین من الوجوب في الاستطاعة البذلية.نعم لو كان حالا و كان الدیّان مطالبا مع فرض تمكّنه من أدائه لو لم یحجّ و لو تدریجا ففي كونه مانعا أو لا وجهان (1). .

النفس و نحوها فلزوم المبادرة منفي بالحرج و الضرر، و نظیر ما ذكرنا في الشكّ في أصل تحقّق الاستطاعة فراجع.

و أمّا بذل بعض النفقة أو نفقة الذهاب أو نفقة العیال فهو كما حرّرنا في صدر الاستطاعة أنّها من اجزاء الاستطاعة، و لكن قد ذكرنا ثمّة أنّه یلزم توفّرها في الاستطاعة فیما لو كان لبقائه في وطنه دخل في إیجادها، و أمّا لو كان بقاؤه و ذهابه إلی الحجّ سیان في نفقة عیاله أو الرجوع إلی الكفایة فلا دخالة لها في الاستطاعة فلا یشترط حینئذ شمول البذل لها و لا تحقّقها معه.

نعم، نفقة العود قد تقدّم أنّها بمقتضی عنوان السبیل، فلاحظ.

و لكن لو رجع بعد اعمال الحجّ أو في أثناء الاعمال بنحو یكون إتیانه للاعمال و عدمها سیان فلا یؤثّر ذلك في تحقّق الاستطاعة كما بسطناه في صدر البحث فلاحظ.و أمّا لسان بعض روایات البذل من لزوم الحجّ و لو علی حمار أجدع أبتر فقد ذكرنا وجهها في صدر الاستطاعة من أنّها دالّة علی تحقّق الملاك بالقدرة المطلقة فلا تنافي الأدلّة الدالّة علی أخذ عدم الحرجیة كقید في التنجیز الواردة في نفس الباب.

أمّا الدین غیر الحال فلا یعدم تحقّق القدرة و الاستطاعة الخاصّة بالبذل بعد كون المبذول مخصوصا صرفه بالحجّ فذهاب الحجّ و عدمه سیان بالإضافة إلی الدین بعد فرض كونه مؤجّلا.

و أمّا الدین الحال:فبناء علی عدم أخذ عدم الابتلاء بواجب مطلق في موضوع الدین یكون المورد من باب التزاحم لا محالة و لا وجه لقیاس الفرض بالاستطاعة بالملكیة مع الدین. و قد یقال إنّ الدین أهمّ حینئذ لأنّه حقّ الناس.و قد تقدّم وجه ذلك في مسألة 17.

مسألة 36:لا یشترط الرجوع إلی كفایة في الاستطاعة البذلية

(مسألة 36):لا یشترط الرجوع إلی كفایة في الاستطاعة البذلية (1).

مسألة 37:إذا وهبه ما یكفیه للحجّ لأن یحجّ

(مسألة 37):إذا وهبه ما یكفیه للحجّ لأن یحجّ وجب علیه القبول (2) علی الأقوی، بل و كذا لو وهبه و خیّره بین أن یحجّ به أو لا، و أمّا لو وهبه و لم یذكر الحجّ لا تعیینا و لا تخییرا فالظاهر عدم وجوب القبول كما عن المشهور.

اتّضح حاله ممّا تقدّم.

أمّا في الشقّین الأوّلین فصدق عرض الحجّ و إنّ له ما یحجّ به و غیرها من العناوین فلا تحدید فیه بمجرّد الإیجاب، و إن كان قد یشكل بأنّه قبل القبول لا جواز تكلیفا شرعيا و لا مالكیّا بالتصرّف في الأموال بخلاف الإذن و الاباحة و مع عدم تحقّق الجوازین (الشرعي و المالكي) فلا قدرة في البین لحرمة التصرّف، و فیه:

إنّ ذلك لا ینفی عنوان العرض لو سلم عدم تحقّق عنوان الاستطاعة و القدرة فیكون من باب الإلحاق بموضوع الاستطاعة بأدلّة البذل الخاصّة.

مع أنّ الصحیح تحقّق القدرة العرفية و إن سلم عدم فعلیة الجواز المزبور بعد عدم المئونة في القبول.بل هي تعدّ اعمالا للقدرة لا إیجادا لها كمقدّمة الواجب.و أمّا الإشكال في الشقّ الثاني بأنّ ظاهر أدلّة العرض في العرض التعیین أو أنّ البذل فیها في الجامع أو أنّ تحقّق البذل في الحجّ مشروط بترك صرف المبذول في العدل فغیر وارد؛لأنّ إطلاقات العرض أعمّ، مضافا إلی ما قلناه من أنّ الاستطاعة البذلية علی مقتضی القاعدة في تحقّق القدرة و البذل للجامع بذل للحجّ أیضا أمّا توهّم الشرط المزبور فواضح الضعف؛لأنّه من قبیل المصرف و المورد و عدلي الواجب.

أمّا الشقّ الثالث:فالمعروف-بل حكی التسالم-علی عدم الوجوب إلاّ أنّه یشكل علی من استدلّ علی الشقّ الأوّل بصدق اللام في عنوان (له ما یحجّ به) إذ فسّرت بمطلق الاختصاص العرفي الصادق في الشقّ الثالث حیث أنّ الإیجاب مختصّ به لا لغیره و تحقّق التملیك التعلیقي بالإضافة إلیه لا لغیره، لا الاختصاص الشرعي أو الملكي و أنّه یصدق علیه الاباحة العرفية-أي أنّه مباح له أن یتملّك-و هو نحو

..........

اختصاص و انتساب قریب للانتفاع بالمال، نظیر ما فرق بین الاباحة من المالك الخاصّ أنّها قدرة قریبة مع الاباحة العامّة الشرعية في المباحات العامّة أنّها غیر محقّقة للقدرة من جهة بعدها مع صدق العرض علیه أیضا لا سیّما و أنّ في بعض ألسنة الروایات لم یقیّد العرض بكون غایته الحجّ و إن كان بعض الألسنة الاخری مقیّدة إلاّ أنّه لا یوجب حمل المطلق علی المقیّد بل عرض ما یحجّ به أي عرض مال بقدر یقتدر به علی الحجّ بل یمكن أن یدّعی صدق البذل بحسب العرف؛إذ لیس المراد منه البذل الاصطلاحي الشرعي بمعنی الإذن، بل الإذن المالكي الخاصّ بباب العاریة و نحوه.فلا یبعد حینئذ تحقّق القدرة القریبة و لا یكون القبول إلاّ استفادة و انتفاعا من هذه الفرصة المعروضة، لا أنّه محقّق للقدرة، و من ثمّ ذهب صاحب الحدائق و النراقی في المستند إلی وجوب القبول في كلّ من البذل و الهبة المقیّدتین و المطلقتین.

و قد یظهر ذلك من صاحب المدارك و الذخیرة.

و ذكر أنّ عدم الوجوب في الشقّ الأخیر ظاهر جملة من الأصحاب و مشهور المتأخّرين لا أنّه إجماع في البین.

هذا مع أنّ تعلیل من نفي الوجوب مختلف بین الكلمات فكثیر علّل بوجود المنّة و بعض علّل بأنّ القبول تحقیق لمقدّمة الوجوب و لا یخفی تباین التعلیلین، فإنّ الأوّل تمسّك بنفي الحرج متضمّن للاعتراف بتحقّق القدرة بخلاف الثاني، فدعوی الإجماع التعبّدي في البین في غیر محلّه.

تنبیه:قد ذكر كاشف اللثام أنّ المنّة في البذل للحجّ غیر رافعة للتنجیز و تبعه بعض محقّقي هذا العصر معمّما عدم مسقطیة المنّة لمورد الاستطاعة المالية من حیث الراحلة، أو مطلق الاستطاعة المالية.

و أمّا لسان بعض روایات البذل من لزوم الحجّ و لو علی حمار أجدع أبتر، فقد ذكرنا

مسألة 38:لو وقف شخص لمن یحجّ-أو أوصی أو نذر كذلك-فبذل المتولّي أو الوصي أو الناذر له

(مسألة 38):لو وقف شخص لمن یحجّ-أو أوصی أو نذر كذلك-فبذل المتولّي أو الوصي أو الناذر له وجب علیه لصدق الاستطاعة بل إطلاق الأخبار، و كذا لو أوصی بما یكفیه للحجّ بشرط أن یحجّ فإنّه یجب علیه بعد موت الموصي (1).

مسألة 39:لو أعطاه ما یكفیه للحجّ خمسا أو زكاة و شرط علیه أن یحجّ به

(مسألة 39):لو أعطاه ما یكفیه للحجّ خمسا أو زكاة و شرط علیه أن یحجّ به فالظاهر الصحّة و وجوب الحجّ علیه إذا كان فقیرا، أو كانت الزكاة من سهم سبیل اللّه (2).

وجهها في صدر الاستطاعة من أنّها دالّة علی تحقّق الملك بالقدرة المطلقة فلا تنافي الأدلّة الدالّة علی أخذ عدم الحرجیة كقید في التنجیز الوارد في نفس الباب.

قد تبیّن الحال في هذه الشقوق ممّا مرّ فلا نطیل.

لتحریر تحقّق الاستطاعة في الفرض لا بدّ من تنقیح الحال في الاشتراط المفروض في المسألة فهل لمعطي الزكاة أو الخمس الاشتراط علی الآخذ بصرفها في مورد معیّن أم لا؟

و الظاهر أنّه لا إشكال في ذلك فیما إذا كان المعطي یدفع ذلك بعنوان مصرف سبیل اللّه حیث أنّ المكلّف أو الحاكم له ولایة تعیین المصرف و فرده و مصداقه بحسب العناوین الثمانیة أو بحسب فرد العنوان الثامن-أي عنوان سبیل اللّه- فاشتراطه بمعنی التعیین فلیس للآخذ أن یصرفه في غیر ذلك، و أمّا إذا كان الإعطاء بعنوان الفقیر أو المساكین أو الغارمین و نحو ذلك فهل للمعطي أن یقیّد جهة الصرف زائدا علی أحد العناوین الثمانیة كأن یشترط علی الفقیر أن یصرفه في الحجّ أو الزیارة أو في المأكل و الملبس دون السكن أو علی الغارم في دین معیّن دون دین آخر، و من هذا القبیل قد عنون هذا البحث أیضا في المكلّف بالخمس أو الزكاة، هل له أن یقیّد علی الفقیه مصرفا معیّنا من المصارف التي هي مجزئة بنظر الفقیه و الشرط هذا یحتمل إمّا بمعنی إنشاء الالتزام-أي المعاملي بالمعنی الأعمّ-و إمّا بمعنی الشرط العقدي-أي التقیید-أمّا الأوّل فهو و إن كان متصوّرا لما حرّرناه في محلّه من إمكان

..........

ربط الایقاع بشرط التزامي كما هو منصوص في باب عتق الأمة فلا فساد للشرط من هذه الجهة.مع أنّ الاقباض علی قول هو نحو من المعارضة أیضا.

بل انّ وجه فساد الاشتراط عدم ولایة المعطي علی مثل إنشاء هذا الاشتراط كما سیأتي توضیحه.

و أمّا الاشتراط بمعنی التقیید فقد ذكر في تصویره بتقیید المعطي قصده للزكاة أو لعنوان الخمس- أي قصد تعیینه الواجب من الخمس و الزكاة في المصداق الذي یملكه هو-لا بنحو التعلیق كي یشكل بل بنحو ضیق الخناق و التخصیص و التقیید، كما هو الحال في المقدّمة الموصلة بحیث لو لم یتحقّق الایصال أو ما عینه المعطي من جهة الصرف یكشف عن عدم قصد الزكاة.

و أشكل مع ذلك علیه:

أوّلا:بأنّ الآخذ متشخّص و جزئي حقیقي غیر قابل للتقیید.

و فیه:أنّ فعل الإعطاء كلّی كما أنّه لیس بتكویني محض أیضا؛لأنّه متعنون بعنوان اعتباري، فالتقیید فیه أوضح كما في المقام بعنوان التعظیم أو بعنوان الخروج و نحو ذلك.

و ثانیا:بأنّ هذا التقیید نحو ولایة للمعطي لم یدلّ علیها دلیل؛لأنّ غایة ما دلّ علیه الدلیل هو ولایة المعطي في تعیین أحد العناوین الثمانیة لا الزائد علی ذلك.و بعد أن یمتلك الفقیر المال بعنوان الزكاة و الخمس یكون مالكا له بملكیة مطلقة بحسب مقتضی الأدلّة في البابین.

و أشكل علی ذلك بأنّ:مقتضی عدم ولایته لیس هو وقوع قصد الزكاة و الخمس و لا تحقّقهما؛لأنّ الفرض في التقریب المزبور هو تقیید القصد تكوینا فمع عدم تحقّق القید، و لو لعدم إمضاء الشرع للقید أو لعدم عمل الآخذ به للقید لا تحقّق للقصد حینئذ فغایة الأمر حینئذ بقاء شغل ذمّة المعطي و بقاء المال علی ملك

..........

المعطي و عدم تبدّله للزكاة و الخمس.

أقول:لكن هذا الجواب لا یفقد الإشكال عن ورود علی التقریب المسبوق غایة الأمر هو محتاج إلی تتمیم.

و أشكل علیه ثالثا:بأنّ هذا القید (و هو صرف المال في الحجّ أو في الزیارة أو في مورد معیّن) هو من آثار و المعالیل المتأخّرة و المترتّبة علی تحقّق الزكاة و الخمس و تملّك الفقیر فكیف یؤخذ قیدا مضیّقا للعلّة؛إذ لا یعقل أن یكون المعلول قیدا لعلّته.

و قد یجاب:بأنّ هذا التقیید لیس بنحو التعلیق أو التوصیف كي یأتي محذور الدور، بل هو بنحو الحصّة التوأمیة التي ذكرها المحقّق العراقي في مثل هذا نمط من القیود المتأخّرة رتبة، أو القید المشیر و هو الحلّ الآخر للمحقّق الأصفهاني في مثل هذه القیود، أو من باب ضیق الملاك و الغرض و هو حلّ المحقّق النائیني.

و فیه:أنّ هذه الحلول و إن كانت تامّة في موارد القیود المتأخّرة إلاّ أنّا قد ذكرنا في محلّه من علم الاصول أنّها إنّما تعالج محذور الدور أو الخلف أو التقدّم و التأخّر الرتبي و نحو ذلك فیما لو كان المحذور مقتصرا علیها لكنّها لا تعالج محذور أجنبية القید أو الوصف فتبقی الطبیعة المتقدّمة للمتقدّم أو العلّة علی إطلاقها الذاتي، فما أن یقصد الزكاة و الخمس یتحقّق هذان العنوانان و لا یتضیّقان عمّا هما علیه من الطبیعة المرسلة المطلقة لكون القید كما ذكرنا أجنبيا.

و بعبارة اخری إنّ حلول الاعلام الثلاثة إنّما تتأتّی في تلك الموارد التي یكون فیها الغرض و الملاك ضیقا و بتبعه الملحوظ ذهنا حین الانشاء بخلاف سنخ ما نحن فیه حیث أنّ الغرض في باب الزكاة مطلق شرعا، فما أنّ تقصد الطبیعة تتحقّق و یكون قصد القید غیر مفید لنتیجة التقیید لفرض أجنبيته لا لفرض تأخّره.

هذا و یمكن تتمیم الإشكال الثاني المتقدّم بأنّه لو فتح باب اشتراط و تقیید

مسألة 40:الحجّ البذلي مجز عن حجّة الإسلام

(مسألة 40):الحجّ البذلي مجز عن حجّة الإسلام فلا یجب علیه إذا استطاع مالا بعد ذلك علی الأقوی (1).

المعطي زیادة علی تعیین أحد العناوین الثمانیة لساغ ذلك فیما إذا قیّد المعطي الآخذ بإتیان عمل یعود نفعه للمعطي و نحو ذلك و هو ینافي الفرض من باب الزكاة و الخمس كما لا یخفی.

إذا اتّضح كلّ ذلك تبیّن عدم صحّة الشرط الذي ذكره الماتن و قد التزم هو بعدم الصحّة في ختام مسائل الزكاة حیث لم یجوّز إعطاء الزكاة للفقیر لیصرف في الزیارة و القربات.

فیكون ذكر الشرط لغوا لكن قیل إنّ ذلك الشرط و إن كان لغوا إلاّ أنّه عرض للحجّ بالنظر العرفي، و قد عرفت فیما تقدّم عدم لزوم تخصیص البذل أو التملیك بعنوان الحجّ في تحقّق الاستطاعة فلاحظ.

كما دلّت علیه الروایات العدیدة في العدید منها أنّه ممّن یستطیع الحجّ، أي أنّ البذل محقّق للاستطاعة نفسه لا من باب البدل، و من الواضح أنّها في المقام هو بیان لفرد موضوع و قیود الوجوب لا بیان لفرد الواجب كي یكون بدلا عن المبدل عنه كي یكون إجزاؤه مراعا.

مضافا إلی ورود التعبیر أیضا بأنّها حجّة تامّة و هي حجّة الإسلام.

نعم في قبال ذلك وردت روایتان:إحداهما موثقة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«سألته عن رجل لم یكن له مال حجّ به لناس من أصحابه أقضی حجّة الإسلام؟ قال:نعم، فإن أیسر بعد ذلك فعلیه أن یحجّ.قلت:هل تكون حجّته تلك تامّة أو ناقصة إذا لم یكن حجّا من ماله؟قال:نعم، قضی عنه حجّة الإسلام و تكون تامّة و لیست بناقصة و إن أیسر فلیحجّ» (1)و في ذیله السؤال عن غناء و تمامیة حجّة المكاري إلی مكّة و حجّة التاجر


1) باب 10، أبواب وجوب الحجّ، ح 6.

..........

بتجارة إلی مكّة أن حجّتهما تامّة (1).

و الاخری روایة أبي بصیر عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال له:إنّ رجلا معسرا أحجه رجل كانت له حجّة فإن أیسر بعد ذلك كان علیه الحجّ (2)و كذلك الناصب إذا عرف فعلیه الحجّ و إن كان قد حجّ (3).

و یقرب الاستدلال أنّ دلالتهما كدلالة الروایات الواردة في الصبي و العبد أنّ حجّته تامّة إلی أن یبلغ أو یعتق فالتعبیر بالتمامیة لا ینافی لزوم الإعادة و لكن الصحیح وجود عدّة قرائن علی الاستحباب.

الاولی:إنّ في روایات البذل قد عبّر عن المبذول إلیه أنّه ممّن یستطیع الحجّ، أي مندرج في موضوع الوجوب و أنّ الحجّ علیه إلزامي لیس كحال الصبي و العبد و لو ارید التنظیر له فالأولی التنظیر بالمریض الذي ینیب عن نفسه في الحجّ فإنّه إذا عوفی حجّ بنفسه و مع ذلك لیس ما نحن فیه مثله أیضا حیث إنّه لا خلل في الواجب إذ لم یذهب قائل إلی أنّ من شرائط صحّة الحجّ كشرط للواجب الصرف من ماله نفسه.

الثانية:أنّ في الروایة الاولی یظهر أنّ منشأ سؤال السائل في اجزاء الحجّ و عدمها هو كون الحجّ و الصرف من غیر ماله مع أنّه من البیّن أنّ الاستطاعة لو تحقّقت بمال الإنسان نفسه لما لزم الصرف من مال نفسه أي لیس من شرائط الصحّة كما بیّنا.

الثالثة:أنّه قد ذكر في ذیل كلّ من الروایتین حجّ المكاري و التاجر في الاولی، و حجّ الناصب في الثانية، و قد عبّر عن إجزاء حجّتهما بالتمام نظیر المبذول له و في الثانية أیضا قد ورد الأمر بإعادة الناصب بل التعبیر فیها:(و كذلك الناصب) أي تشریك حكمه بحكم المبذول له مع أنّ الحال في الناصب هو استحباب الإعادة.


1) باب 22، ح 5.

2) باب 21، أبواب وجوب الحجّ، ح 5.

3) باب 23، ح 5.

مسألة 41:یجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الاحرام

(مسألة 41):یجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الاحرام و في جواز رجوعه عنه بعده وجهان و لو وهبه للحجّ فقبل فالظاهر جریان حكم الهبة علیه في جواز الرجوع قبل الاقباض و عدمه بعده، إذا كانت لذی رحم أو بعد تصرّف الموهوب له (1).

الرابعة:إنّ السائل أعاد السؤال عن تمامیة الحجّ في الروایة الاولی بعد ما أمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحجّ، و أقرّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) علی ذلك مرّة اخری و إن كرّر الأمر بالحجّ أیضا، لا سیّما و أنّ تقریره (عَلَيهِ السَّلَامُ) للسائل لذكر أنّها حجّة الإسلام فیحمل الأمر حینئذ علی الاستحباب.

ذهب المشهور إلی عدم وجوب الوفاء في الشروط الابتدائیة، و الفرض في المقام كذلك.

و مقتضی القاعدة في المقام یتّضح بتحریر عدّة امور:

الأوّل:في وجوب إتمام الحجّ علی المبذول له بعد رجوع الباذل و فرض جواز الرجوع.

و هذا لا إشكال فیه و إن بنی في بعض الكلمات غفلة علی عموم قاعدة حرمة إبطال العمل و ذلك لوجوب إتمام النسك في باب الحجّ و العمرة لقوله تعالی:

وَ أَتِمُّوا و للنصوص الكثیرة الدالّة علی وجوب إتمام النسك بمجرّد إنشاء الإحرام و أنّه لا یتحلّل منه إلاّ بأدائه، سواء كانت النسك المنشأة ندبیة أو وجوبية مع أنّه علی المختار لا إشكال في إجزائه عن حجّة الإسلام و إن انتفت الاستطاعة بقاء بل هي كذلك علی المشهور فیما كان إتیانه لبقیّة الأعمال و عدمه سیان بالإضافة إلی حاله من حیث القدرة المالية.

الثاني:إنّ قاعدة الغرور قد حرّر في محلّه في بیع الفضولي و باب الضمان أنّها قاعدة عقلائية تؤول لبّا إلی إقوائیة السبب من المباشر في الاتلاف، و قد ورد إمضاؤها في أبواب التدلیس من كتاب النكاح (1).


1) باب 7 و 8، أبواب العیوب و التدلیس.

..........

ثمّ إنّه قد أوقع البحث هناك في اختصاص القاعدة بما إذا كان الغار عالما أو الأعمّ؟و مبنی الوجهین هو التردید في أنّ مادة الغرور هل هي بمعنی الحیلة و نصب الخدعة أو هي بمعنی التسبیب لوقوع الغیر في الجهالة و الخطر، و یشهد للأوّل التبادر و الانصراف و للثاني ورود الاستعمالات العدیدة به كما في قوله تعالی: «فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَیاةُ الدُّنْیا» و نظائره كثیرة في الكتاب العزیز، و كما في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) نهی النبيّ عن الغرر، أي عن البیع الذي فیه جهالة.

بل لو سلم الغرر بمعنی الحیلة و الخداع فأخذ العلم و العمد فیه ممنوع لما ذكر في مفردات الراغب في معنی الخدعة:خدع الضبّ أي استتر في حجره و المخدع بیت في بیت و الخداع إنزال الغیر عمّا هو بصدده بأمر یبدیه علی خلاف ما یخفیه.

مع أنّ الغرر و الغرّة و الغرور هو الوقوع في الغفلة و الجهالة بسبب الغیر أعمّ من كونه قاصدا أم غیر قاصد.

ثمّ لو سلم مع كلّ ذلك اختصاص الغرر في النصوص لمورد الحیلة و التحایل و عمد الغار إلاّ أنّ قاعدة أنّ السبب أقوی من المباشر جاریة في موارد عدم العمد نظیر ما لو دعا رجل آخر إلی طعام ظنّ الداعي أنّ الطعام طعامه.

الثالث:ثمّ إنّه لا یشكل في المقام تطبیق قاعدة الغرور من جهة انّ المبذول له الحجّ نفع راجع إلیه لا إلی الباذل أو أنّ الحجّ لیس بنفسه ضرر مالي و ذلك لعدم اشتراط عدم نفع المغرور في قاعدة الغرر، بل الذي یشترط فیها هو عدم إقدام المغرور علی الانتفاع بعوض فإنّ الغار إنّما یضمن المقدار الذي لم یتعهّد المغرور بضمانه نظیر ما لو باعه عین الغیر بثمن مسمّی فإنّ الغار یضمن للمغرور الزیادة في القیمة للعین التي لها بحسب الواقع، هذا إذا كان ثمن المسمّی دون ذلك لا أنّه یضمن له أصل المسألة.

و من ثمّ مثّلوا أیضا بتقدیم الغار طعاما للمغرور فأكله أو تقدیمه له شاة لیذبحها

مسألة 42:إذا رجع الباذل في أثناء الطریق

(مسألة 42):إذا رجع الباذل في أثناء الطریق ففي وجوب نفقة العود علیه أو لا وجهان (1).

مسألة 43:إذا بذل لأحد اثنین أو ثلاثة

(مسألة 43):إذا بذل لأحد اثنین أو ثلاثة فالظاهر الوجوب علیهم كفایة، فلو ترك الجمیع استقرّ علیهم الحجّ فیجب علی الكلّ لصدق الاستطاعة بالنسبة إلی الكلّ نظیر ما إذا وجد المتیمّمون ماء یكفي لواحد منهم فإن تیمّم الجمیع یبطل (2).

و هي علی ملك المغرور، و كما هو مورد نصوص القاعدة في تدلیس النكاح حیث إنّ الزوج قد انتفع بالوطی و لكن الغار یضمن له المهر الكامل یعطیه الزوجة الموطوءة.

نعم في مورد النصوص تعبّد علی خلاف القاعدة و هو ضمان الغار تمام المهر للزوج مع أنّ مقتضی القاعدة هو ضمان التفاوت فقط.فمن ثمّ یظهر أنّ الصحیح في المقام جواز رجوع الباذل تكلیفا لكنّه یضمن للمبذول له قیمة إتمام الحجّ و كذا نفقة العود في المسألة الآتية.و أمّا دعوی كونه لیس بضرر مالي ففیه ما لا یخفی لتسبّبه في الضرر المالي.

ظهر حكمه ممّا تقدّم.

تنظیر الماتن بالوجوب الكفائي منظور فیه حیث أنّ في الواجب الكفائي الغرض وحداني و لا خصوصیة في الفاعل الآتي به كما في دفن المیّت و غسله و الجهاد، و قد حرّر في محلّه أنّ الكفائية و العینیّة و إن لم تكن حدودا مجعولة بجعل الأمر و الحكم إلاّ أنّ سنخ الغرض في الكفائي یختلف عن العیني.مثلا لو كان المیّت قد أوصی بقضاء صلواته الفائتة علیه إلی وصی معیّن غیر الولد الأكبر فإنّ قضاء الصلاة لا یكون من نمط الواجب الكفائي حینئذ علیه، و علی أیّة حال ما نحن فیه وجوب الحجّ لیس الغرض فیه قائما في الفعل من دون خصوصیة الفاعل كي یكون كفائيا، و لعلّ مراد الماتن هو أنّ موضوع الحجّ غیر متحقّق للجمیع و إنّما هو متحقّق لأحدهم لا علی التعیین، لعدم كون القدرة في الخارج وافیة لحجّ الجمیع و هذا

..........

المورد اصطلح علیه أخیرا في علم الاصول بالتوارد، أي أنّ الموضوع الخارجي صالح لتحقیق أحد الحكمین، سواء بالإضافة إلی شخص واحد أو إلی أشخاص.

كما هو الحال أیضا في مثال التيمّم و ما عن بعض الأعلام من التفرقة بینهما في غیر محلّه بعد أخذ القدرة في كلّ من الوضوء و الحجّ، و إن كان الصحیح تبعا للمحقّق العراقي عدم أخذ القدرة في وجوب الوضوء كما حرّرناه في محلّه بل عدمها مأخوذ في التيمّم.

ثمّ إنّ المحدّد من تحقّق القدرة لأحدهم لا لجمیعهم هو علی مقتضی أنّ البذل محقّق للاستطاعة بمقتضی القاعدة و روایاته تشیر إلی ذلك لا أنّه إلحاق تعبّدي یقتصر فیه علی خصوص ما إذا كان البذل تعیینیا كي یقال إنّ الأدلّة لا إطلاق فیها لمثل فرض المقام.

ثمّ إنّه هل اللازم علی كلّ منهم المبادرة و السبقة في المقام، و كذا في التيمّم، أو أنّه یستریحون بینهم إلی أحدهم ذكر غیر واحد أنّ مقتضی القاعدة في مثل هذه الأمثلة لزوم المبادرة.نعم قد فرق جماعة في الأمثلة بین المقام و التيمّم معلّلا بدعوی أنّه في المقام القدرة مشروطة بعدم مبادرة الآخرین بالموضوع و استفادتهم منه لكن الصحیح عدم التفرقة بین الأمثلة التي اخذت القدرة فیها موضوعا لحكم كلّ منهم، كما أنّ الصحیح هو عدم لزوم المبادرة و إن كان مقتضی استقلالیة كلّ حكم عن الآخر و عینیّته هو ذلك، حیث انّ باب التزاحم الذي حرّره في الأصول إنّما هو بلحاظ الأحكام المتوجّهة إلی المكلّف الواحد و عجزه عن إتیان الجمیع أو في الأحكام المتوجّهة في وظائف الوالي بأن یرجّح حقوق جماعة علی حقّ فرد آخر بالأهمّیة أي أنّ التزاحم و معالجة تدافع الأحكام بنحو التزاحم و غیره أیضا ترد في الأحكام السلطانیة إلاّ أنّهم لم یعمّموها إلی الحكمین المتوجّهین إلی فردین، لكن یظهر من الروایات الواردة في المحدث بالحدث الأكبر و المیّت و المحدث بالحدث الأصغر

..........

إذا اجتمعوا و لم یكن ماء وافیا بالثلاثة كیف یصنعون؟أنّه یقدّم الجنب في الغسل لأنّه فریضة غسل المیّت لأنّ سنّة و لا الوضوء لأنّه قد شرع فیه التيمّم و مضمون هذه الروایات، سواء حملناها علی یتعیّن ذلك أو علی الأولویة، دلالتها صریحة في أنّ الراوي مرتكز لدیه-و كذلك جوابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مبنی علی - الموازنة و الترجیح بین الحكمین أو الأحكام المتوجّهة إلی أفراد متغایرة و أنّه یقدّم الأهمّ منها ممّا یدلّ علی أنّ الحال في ما لو لم یكن أهمّ هو التخییر لا المسابقة و المبادرة علی كلّ منهم المبنیّة علی عدم التزاحم و عدم التدافع في الأحكام المتوجّهة لأفراد متعدّدة، فمقتضی القاعدة أنّ المكلّف یرجّح و یعالج التزاحم أو الورود أو التوارد بین حكمه و حكم الفرد الآخر عند تنازع الحكمین في موضوع واحد كما أنّ مفاد هذه الروایات المعتبرة هو تحقّق الموضوع لأحد الأفراد و إن لم یتخصّص بأحدهما.

ثمّ إنّه لو ترك الجمیع فهل یستقرّ الحجّ علیهم أجمعین أو علی أحدهم من دون تعیین؟نظیر ما یبحث في الترتّب من أنّ المكلّف إذا ترك كلاّ من الأهمّ و المهمّ أو المهمّین عند التخییر هل یعاقب عقوبتین لجمعه الترك لا الترك الجمع أو أنّه یعاقب العقوبة الأشدّ فیما كان أهمّ أو عقوبة واحدة فیما إذا كان متساویین كما هو الصحیح عندنا؟

و كذا یقال في بطلان تیمّم الجمیع بوجدان الماء الوافي لأحدهم، و قد ذهب الأكثر إلی الاستقرار علیهم لعدم تخصّص القدرة لأحدهم و استوائها بالنسبة إلیهم و صدق القدرة لكلّ واحد منهم إلاّ أنّه من الجانب الآخر لا معنی للحكم بوجود قدرات متعدّدة متعلّقة بالماء الواحد و من ثمّ تعدّد أحكام.و من ثمّ التزمنا في التوارد بالتخییر لا في التنجیز بل في الجعل نظیر الترتّب في الجعل (1)المغایر للترتّب في التنجیز أي أنّ التخییر هناك في أصل الوجوب و من ثمّ لا تكون الموارد من التعارض


1) الذي ابتكره السیّد الخوئي (رَحمهُ اللّه).

مسألة 44:الظاهر أنّ ثمن الهدي علی الباذل

(مسألة 44):الظاهر أنّ ثمن الهدي علی الباذل، و أمّا الكفّارات فإن أتی بموجبها عمدا اختیارا فعلیه و إن أتی بها اضطرارا أو مع الجهل أو النسیان فیما لا فرق فیه بین العمد و غیره ففي كونه علیه أو علی الباذل وجهان (1).

بل هو من التوارد و إذ لم یكن هناك مخصّص في البین لا یبعد التوصّل بالقرعة عند فرض تركهم أجمعین؛لتعیین من استقرّ علیه الحجّ بناء علی أنّها لكلّ أمر مشكل مبهم و إن لم یكن متعیّنا في الواقع.

و دعوی الأعلام بتحقّق الموضوع لكلّ منهم ینافي امتناع انتساب الموضوع بالفعل لكلّ منهم بنحو الاستغراق لا البدلي، بحیث یكون محقّقا لموضوعات في عرض واحد و كذلك الحال في بطلان التيمّم إلاّ أن یستفاد من دلیل الحكم أنّه یكفي فیه القدرة البدلية لتحقیق عدّة أفراد منه.

و ذلك غیر ما نحن فیه فمن ثمّ ما التزمه الماتن من كفایة الحكم مع استقراره علی الجمیع عند فرض الترك متدافع بل ما نحن فیه نظیر من عقد علی أحد بنات رجل معیّن فإنّه یقرع بینهنّ كما ورد في ذلك النصّ.

قد یتأمّل في قوله:(الظاهر أنّ ثمن الهدي علی الباذل) لأنّ له بدلا مع عدم التمكّن فلا یتحقّق التسبیب و الغرور في ذلك، و هذا ظاهر إلاّ إذا كان المبذول له متمكّنا من ثمن الهدي من ماله فیصدق التسبیب حینئذ أو الغرور، فیلزم الباذل بالثمن، سواء صرّح بذلك في الابتداء أو رجع في الأثناء.

و لو صرّح الباذل بالبذل ما سوی الهدي فالأقوی تحقّق الركوب، كما لو استطاع بالمال المملوك الذي لا یفی بثمن الهدي.و من الغریب الالتزام بكون حجّ المبذول له حجّة الإسلام في ما لو امتنع الباذل و رجع عن بذل ثمن الهدي في الأثناء مع الالتزام بكون ثمن الهدي جزء الاستطاعة و العمدة أنّ القدرة عند ما تضاف إلی فعل فظاهرها الأعمّ من الفعل الاختیاری و الاضطراري-أي الجامع بین صنفي الطبیعة- أمّا الكفّارات فالظاهر عدم ثبوت التسبیب و الغرور فیها في غیر العمد فضلا عن

مسألة 45:إنّما یجب بالبذل الحجّ الذي هو وظیفته علی تقدیر الاستطاعة

(مسألة 45):إنّما یجب بالبذل الحجّ الذي هو وظیفته علی تقدیر الاستطاعة، فلو بذل للآفاقي بحجّ القران أو الأفراد أو لعمرة مفرد لا یجب علیه، و كذا لو بذل للمكّي لحجّ التمتّع لا یجب علیه (1)، و لو بذل لمن حجّ حجّة الإسلام لم یجب علیه ثانیا، و لو بذل لمن استقرّ علیه حجّة الإسلام و صار معسرا وجب علیه، و لو كان علیه حجّة النذر أو نحوه و لم یتمكّن فبذل له باذل (2) وجب علیه، و إن قلنا بعدم الوجوب لو وهبه لا للحجّ لشمول الأخبار من حیث التعلیل فیها بأنّه بالبذل صار مستطیعا و لصدق الاستطاعة عرفا.

العمد حتی في الاضطرار لأنّ الفرض ارتكابه بالاختیار و لیس ملجئا علی ارتكابها، إلاّ إذا فرض الضرر المحرم.

نعم لو كان النسیان و الغفلة لا بسوء الاختیار قد یكون له وجه.

إذا كان المراد تقیید الباذل إذنه في صرف المال في الحجّ أو العمل الذي هو غیر الواجب علی المكلّف فیما لو استطاع فعدم الوجوب تامّ لعدم تحقّق الإذن بإتیان الحجّ الواجب بالمال، و أمّا إن كان المراد عدم بذل الباذل مالا بمقدار یوفي بالحجّ الواجب بل بذل دون ذلك كمقدار ما یوفي لعمرة مفردة فقط أو حجّ الافراد دون التمتّع فعدم الوجوب حینئذ مشكل بناء علی ما تقدّم من عدم جزئية مال الهدي في الاستطاعة، و لما قدّمناه في صدر بحث الاستطاعة من أنّه مع التمكّن من المسیر إلی المشاعر و الإیاب تتحقّق الاستطاعة.

لتحقّق القدرة، و التفرقة بینه و بین الاستطاعة كما ذكره غیر واحد من المحشین فیما لو وهبه هبة مطلقة في غیر محلّها لأنّه مع تحقّق القدرة العقلية تتحقّق الاستطاعة أیضا.

غایة الأمر أنّ حدود القدرة العقلية قد تختلف عن حدود القدرة الشرعية إلاّ أنّه في المقام لیس كذلك لما ذكرناه من أنّ المراد بـ(له ما یحجّ به) أدنی الاختصاص

مسألة 46:إذا قال له:بذلت لك هذا المال مخیّرا بین أن تحجّ به أو تزور الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ)

(مسألة 46):إذا قال له:بذلت لك هذا المال مخیّرا بین أن تحجّ به أو تزور الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجب علیه الحجّ (1).

مسألة 47:لو بذل له مالا لیحجّ بقدر ما یكفیه فسرق في أثناء الطریق

(مسألة 47):لو بذل له مالا لیحجّ بقدر ما یكفیه فسرق في أثناء الطریق سقط الوجوب(2).

مسألة 48:لو رجع عن بذله في الأثناء

(مسألة 48):لو رجع عن بذله في الأثناء(3) و كان في ذلك المكان یتمكّن من أن یأتي ببقیّة الأعمال من مال نفسه أو حدث له مال بقدر كفایته وجب علیه الإتمام و أجزأه عن جهة الإسلام.

و الاضافة و لو حاصلة بتخصیص إیجاب الموجب له دون غیره و اختصاص جواب القبول به دون غیره.و أمّا العبارة اللاحقة في المتن فظاهر كما ذكره بعض الأعلام أنّها من اشتباه النسّاخ و هي ذیل للمسألة الآتية.

قد تقدّم أنّ الباذل مخیّرا-سواء بینه و بین غیره من الأشخاص و بین الحجّ و غیره-لا ینافي تحقّق القدرة و الاستطاعة علی الحجّ، أي التمكّن من الزاد و الراحلة أو ما قد ذكر من صدق عنوان البذل للحجّ و هو یرجع إلی التقریر السابق كما حرّرناه في بحث البذل.

لانتفاء الاستطاعة في ما لو كان قبل المیقات بمسافة معتدّ بها و أمّا لو كان عند المیقات أو ما بعده أي أثناء الاعمال بحیث یكون إتیانه للاعمال و عدمه سیان في تكلفته المالية فقد تقدّم من غیر واحد من متأخّري المتأخّرين عدم انتفاء الاستطاعة بذلك فلاحظ ما حرّرنا في صدر بحث الاستطاعة.

أي امتنع عن دفع ما بقی- سواء قلنا بالجواز أم لا؟-فإنّه لا تنتفي الاستطاعة مع فرض وجود مال له یقتدر به علی ما بقی، و قد ذكرنا في المسألة السابقة أنّه لو لم یكن له مال أیضا لكن كان إتیان ما بقي من الاعمال و عدمه سیان بالنسبة إلی تكلفته المالية لكان الفرض من بقاء الاستطاعة أیضا، كما أنّه قد تقدّم في شرطیّة الرجوع إلی

مسألة 49:لا فرق في الباذل بین أن یكون واحدا أو متعدّدا

(مسألة 49):لا فرق في الباذل بین أن یكون واحدا أو متعدّدا، فلو قالا له:حجّ و علینا نفقتك وجب علیه (1).

مسألة 50:لو عیّن له مقدارا لیحجّ به و اعتقد كفایته فبان عدمها

(مسألة 50):لو عیّن له مقدارا لیحجّ به و اعتقد كفایته فبان عدمها وجب علیه الإتمام في الصورة التي لا یجوز له الرجوع، إلاّ إذا كان ذلك مقیّدا بتقدیر كفایته (2).

كفایة أنّ الشرط المزبور بمعنی عدم استلزام الحجّ للاخلال بوضعه المعیشي، فلو لم یكن عنده ما به الكفایة للرجوع، لكن لا بسبب تكلفة الحجّ لما انتفت الاستطاعة.

كلّ ذلك لصدق عنوان البذل المأخوذ مطلقا في الأدلّة أي تحقّق عنوان الاستطاعة.

تارة:یكون تعبیر الباذل:(حجّ و عليّ نفقة الحجّ) غایة الأمر أنّه قد أعطی المقدار المزبور لتخیّله كفایته فوجوب الاتمام حینئذ لأنه من مصادیق عدم جواز الرجوع عن البذل.

و اخری:یعیّن المقدار في منطوق كلامه و یكون ظاهر كلامه مآله الصورة السابقة أي أنّ ما صرّح به من المقدار إنّما هو من باب التطبیق فیما یفهم عرفا من كلامه.

و ثالثا:لا یفهم ذلك منه كما لا یفهم تعلیق و تقیید منه فوجه وجوب الإتمام حینئذ بعد فرض تلبّسه بالعمل هو تسبیب أو تغریر فیما لو تحقّق الثاني و إن لم یكن الباذل عالما بذلك.

و رابعا:یقیّد البذل بشرط كفایته بمعنی التصریح بعدم الزیادة، فلو استلزم الحجّ أكثر من ذلك فحینئذ ینتفي التسبیب و التغریر، فلا یجب علیه بذل الزائد.

و الحاصل:أنّ وجوب الاتمام في البذل تارة یكون من مصادیق الرجوع في البذل و اخری لا یكون كذلك، و لكن یشترط معه في وجه الحكم و ثالثة لا دلیل علیه مع التقیید.و أمّا الاستطاعة فهي مرهونة بالبذل الخارجي عن أیة حال.

مسألة 51:إذ قال:(اقترض و حجّ و عليّ دینك) ففي وجوب ذلك علیه نظر

(مسألة 51):إذ قال:(اقترض و حجّ و علیّ دینك) ففي وجوب ذلك علیه نظر؛لعدم صدق الاستطاعة عرفا.نعم لو قال:(اقترض لي و حجّ به) وجب مع وجود المقرض كذلك (1).

مسألة 52:لو بذل له مالا لیحجّ به فتبیّن بعد الحجّ أنّه كان مغصوبا

(مسألة 52):لو بذل له مالا لیحجّ به فتبیّن بعد الحجّ أنّه كان مغصوبا ففي كفایته للمبذول له عن حجّة الإسلام و عدمها وجهان:أقواهما:العدم.

أمّا لو قال:(حجّ و عليّ نفقتك) ثمّ بذل له مالا فبان كونه مغصوبا فالظاهر صحّة الحجّ و إجزاؤه عن حجّة الإسلام؛لأنّه استطاع بالبذل و قرار الضمان علی الباذل في الصورتین عالما كان بكونه مال الغیر أو جاهلا (2).

یشكل الفرق بین مثالي الماتن و بین المثال الآتي بأن قال له:(اعتقد الإجارة مع الحملدار و أنا ضامن) فإنّ المثال الأخیر معهود لدینا كنحو من أنحاء البذل للحجّ مع أنّه لیس بذلا لعین المال و إنّما هو بذل الذمّة، سیّما مع كون الباذل لذمّته اعتبار مالی فالصحیح هو التفصیل في ما لو كان المقرض كما في المصارف البنكیة و كون الباذل ذا اعتبار مالي معتدّ به أي أنّ ذمّته المالية معتدّ به كالمال النقدي و یصدق علیه أنّه (عرض علیه مال یحجّ به) كما في دفع الصكوك و الشیكات في عصرنا هذا فإنّها وثیقة للحوالة أو تملیك ذمّه المدین.

أمّا علی ما ذهبنا إلیه من كون الاستطاعة قیدا في التنجیز لا في أصل المشروعیة و ملاكه، فعلیه لا غبار في صحّة حجّه أمّا بالنسبة للهدي فیتوقّف علی شرائه من المال المغصوب أو كلّي في الذمّة، فعلی التقدیر الأوّل-الشراء بعین الثمن-یتبیّن الخلل في بترك الهدي و یأتي الكلام في محلّه.

لكن لو بنینا علی أخذ الاستطاعة قیدا في المشروعیة فقد یقرب تحقّقها بأنّ حرمة الغصب الواقعية غیر منجزة علی المبذول له بجهله، فلا یكون المنع الشرعي بمنزلة المنع العقلي، كما أنّ قرار الضمان كما سیأتي هو علی الباذل إذ لیس مدار القدرة و الاستطاعة المتحقّقة في البذل علی عدم كون المال مضمونا، بل علی عدم

..........

كونه قرار الضمان علی المبذول له.

و بعبارة اخری:كون المال مضمونا علی المبذول له لا ینافي تحقّق الاستطاعة البذلية؛لأنّ قرار الضمان لمّا كان علی الباذل فلا یكون التغریم و الخسارة علی المبذول له.

و الصحیح عدم تحقّق الاستطاعة البذلية بذلك.

و ذلك لظهور أدلّة البذل في تمكین المال المباح واقعا، و كذا أدلّة الاستطاعة العامّة ظاهرها التمكّن من المال المباح له التصرّف فیه واقعا، و الفرض عدمه في المقام.

فلیست هي مطلق القدرة العقلية كي یقال الحرمة الواقعية غیر منجزة لا تستلزم العجز تكوینا و أنّه و إن سلم ذلك إلاّ أنّه غیر الموضوع الشرعي.

هذا بالنسبة لعدم تحقّق الاستطاعة قبل المیقات.و أمّا الكلام عن تحقّقها بعد المیقات فإن كان إتیان الاعمال لا یتوقّف علی مقدار مالی و الاستطاعة بغیر المال المغصوب فلا إشكال في صحّة حجّه حینئذ.

فتحصّل:أنّ للصحّة وجها علی مسلك المشهور في هذه الصورة، و من ثمّ یظهر عدم صحّة تفصیل الماتن؛إذ القدرة لیست بإنشاء البذل و كأنّ الماتن بنی علی الإنشاء المزبور من قبیل التملیك للكلّی و الاستطاعة حاصلة به و لا یخفی ما فیه.

و أمّا قرار الضمان فهو علی الباذل و إن كان جاهلا و إن بنینا علی حصول التغریر بجهله و ذلك لما تقدّم من أنّ تسبیب الباذل موجب للضمان.نعم ذلك غیر كون قرار الضمان علی الباذل، أي أنّ المبذول له یرجع علی الباذل في ضمان المال المغصوب لا لأنّ الضمان علی الباذل بل بعنوان أنّ ما غرمه للمال المغصوب هو قدر نفقة الحجّ المضمون علی الباذل.و یمكن تقریب كون قرار الضمان علی الباذل بوجه آخر مبني علی تعریف الضمان في باب الغرامات بمعنی معاوضة قهریة بحیث یتلف

مسألة 53:لو آجر نفسه للخدمة في طریق الحجّ باجرة یصیر بها مستطیعا

(مسألة 53):لو آجر نفسه للخدمة في طریق الحجّ باجرة یصیر بها مستطیعا وجب علیه الحجّ و لا ینافیه وجوب قطع الطریق علیه للغیر؛لأنّ الواجب علیه في حجّ نفسه أفعال الحجّ و قطع الطریق مقدّمة توصّلية بأيّ وجه أتی بها كفی و لو علی وجه الحرام أو لا بنیّة الحجّ و لذا لو كان مستطیعا قبل الاجارة جاز له إجارة نفسه للخدمة في الطریق بل لو آجر نفسه لنفس المشي معه بحیث یكون العمل المستأجر علیه نفس المشي صحّ أیضا، و لا یضرّ بحجّه. نعم لو آجر نفسه لحجّ بلدي لم یجز له أن یؤجّر نفسه لنفس المشي كإجارته لزیارة بلدیة أیضا. أمّا لو آجر للخدمة في الطریق فلا بأس و إن كان مشیه للمستأجر الأوّل فالممنوع وقوع الإجارة علی نفس ما وجب علیه أصلا أو بالاجارة (1).

المضمون آنا ما قبل التلف في ملك الضامن في قبال تغریمه للضمان فتغریم الباذل عن التالف في ملك الضامن.فعلی هذا المبنی في الضمان یكون الباذل ضامنا للمال المغصوب للمبذول له؛لأنّ المبذول له قد تملّكه بدفع الضمان.

أشكل في المستمسك علی تحقّق الاستطاعة في المقام بتقریب أنّ السعي إلی البیت الحرام من المیقات من الواجبات النفسية الضمنیة الارتباطية من أعمال الحجّ و إذا كان مملوكا للغیر فكیف یتقرّب الأجیر بما هو خارج عن ملكه كما أنّه لو أتی المكلّف بالسعي بداعي الإجارة و كان داعیه للحجّ تبعي، أشكل حصول التقرّب حینئذ.و استدلّ علی ذلك بظاهر قوله تعالی: «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ».

بتقریب أنّ الحجّ في اللغة القصد و هو مضاف إلی البیت، فیكون ظاهرا في السعي، و قد أیّد كلامه بروایة الفضل بن عبد الملك حیث سئل عن حجّ المكاري هل تكون حجّة تامّة أو ناقصة أو لا یكون حتی یذهب به إلی الحجّ و لا ینوی غیره أو یكون ینویهما جمیعا، أ یقضی ذلك حجّه؟قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):(نعم حجّته تامّة) (1).


1) باب 22، أبواب وجوب الحجّ، ح 5.

..........

ثمّ دفع استدلال صاحب الجواهر بروایات واردة في كون حجّ الجمّال أو الأجیر أنّ حجّته تامّة، بأنّها غیر صریحة في كون داعي الجمّال و الأجیر بنحو التبعية؛إذ لعلّه بنحو لو استقلّ لكان صالحا للداعویة فلا یرفع الید عن ظاهر الآیة بإطلاق الروایات لصورة كون الحجّ تبعیّا.

و فیه:

أوّلا:أنّ الروایات الصحیحة المزبورة (1)التي مفادها تمامیّة حجّ الجمال و الأجیر و المكاري صریحة في كون سعیهم مملوك للغیر، فلو كان السعي واجبا جزء الحجّ فكیف یتقرّب بملك الغیر علی ما قرّره (قدّس سرّه).

و ثانیا:لفظة «حجّ البیت» لیست علی معناها اللغوي بل هي منقولة قطعا إلی الحقیقة الشرعية من النسك و الأفعال الخاصّة.

و ما یقال:من أنّ المنقول لا بدّ من وجه مناسبة و بقاء جهة مشتركة بین المنقول منه و المنقول إلیه، أي یقرب دعوی الباقلاني في كون هجر المعنی الأوّل في المنقول دائما بنحو الاطلاق و التقیید، ففي المقام الحجّ هو قصد البیت للنسك لا سیّما و أنّ اللفظة في الآیة قد اضیفت إلی البیت:

ضعیف؛لأنّ المراد من المناسبة في النقل لیس أخذ المعنی السابق كجنس في ماهیّة المعنی اللاحق، بل یكفي في المناسبة أن یكون المعنی السابق جزءا من الأجزاء الخارجية المباینة لبقیّة الأجزاء، لا أن یكون جزءا ذهنیا كجنس أو نوع للمعنی اللاحق فیكون المعنی اللاحق مباینا للمعنی السابق أو أن یكون المعنی اللاحق ملازما لبعض أفراد المعنی السابق إلی غیر ذلك من مناسبات النقل. و علی هذا فلا یجوز كون السعي هو المراد من لفظه في الآیة بأن یكون المستعمل فیه هو النسك الخاصّة المرتبطة بالبیت الحرام و مكّة و المشاعر.


1) باب 22، أبواب وجوب الحجّ.

..........

ثالثا:إنّه عند مراجعة الأخبار البیانیة (1)كما في صحیحة معاویة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال في القارن:«لا یكون قران إلاّ بسیاق الهدي و علیه طواف بالبیت...و أمّا المتمتّع بالعمرة إلی الحجّ فعلیه ثلاثة أطواف بالبیت و سعیان بین الصفا و المروة».

و قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):«التمتّع أفضل الحجّ، و به نزل القرآن و جرت السنّة، فعلی المتمتّع إذا قدم مكّة طواف بالبیت و أمّا المفرد للحجّ فعلیه طواف بالبیت...».

و لم یذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ السعي جزء من الحجّ.

و كذا صحیحته الاخری التي یحكي فیها عن حجّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) و في صحیح محمّد بن قیس قال:سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) یحدّث الناس بمكّة فقال:إنّ رجلا من الأنصار جاء إلی النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) یسأله فقال له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏):إن شئت فاسأل و إن شئت اخبرك عمّا جئت تسألني عنه. فقال:اخبرني یا رسول اللّه، فقال:جئت تسألني مالك في حجّتك و عمرتك، فاعلم أنّك إذا توجّهت إلی سبیل الحجّ ثمّ ركبت راحلتك ثمّ قلت: بسم اللّه و الحمد للّه ثمّ مضیت راحلتك لم تضع خفّا و لم ترفع خفّا إلاّ كتب لك حسنة و محی عنك سیّئة، فإذا أحرمت و لبّیت كان لك بكلّ تلبیة لبّیتها عشر حسنات و محی عنك عشر سیّئات، فإذا طفت بالبیت الحرام اسبوعا كان لك بذلك عند اللّه عهد و ذخر یستحیی أن یعذّبك بعده أبدا...الحدیث.

و ظاهر الصحیح عدم تخلّل السعي كجزء في اعمال الحجّ بعد عقد الاحرام.

أمّا ذكر الثواب للسعي قبل عقد الاحرام فهو نظیر ذكر الثواب للسعي لزیارة المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أنّه لیس جزء الزیارة.

هذا مع أنّه لو سلّمنا جزئية السعي في الحجّ فلما لا یكون السعي من الموقفین إلی نهایة اعمال مني كما في الروایات المشیرة إلی أنّ اللّه قد أوقف ضیوفه المحرومین في الموقفین كالآذن للدخول في بیته.


1) باب 2، أبواب أقسام الحجّ.

..........

رابعا:لو سلّم وجوب السعي و فرض وقوع الإجارة علیه كما في المكاري و الجمّال و نحوهما فعدم التقرّب به إلی اللّه محلّ نظر.

و دعوی:أنّ فعل الغیر لا یمكن التقرّب به.

ینطوی:علی نحو إجمال، فإنّه فعل للغیر الذي یصدر من الغیر و لا یمكن التقرّب إذا أصدره الغیر عن نفسه من دون تسبیب المكلّف.

و أمّا إذا ارید من فعل الغیر كون الفعل الذي یوجده المكلّف مملوكا بملكیّة اعتباریة للغیر، فمانعیّة مجرّد ذلك عن التقرّب عین المدّعی كیف...؟و قد ارتضوا وقوع الإجارة علی العبادات علی أقسامها، سواء یأتي الأجیر بها عن نفسه أو نیابة، فإنّ غایة ما ذكر من أنّ ملكیة المستأجر في طول التقرّب إلی اللّه و هذه الطولیة لو سلّم بها لا تدفع مملوكیة الفعل للمستأجر أي أنّ الفعل أیضا متّصف بأنّه ملك للغیر.غایة الأمر أنّ الفعل جزء المملوك بضمیمة النیّة القربیة علی نحو الشرط أو الجزء أو علی نحو العلّة.

بل قد یقال:إنّ جعل التقرّب بالفعل مملوكا للغیر أكثر إشكالا من التقرّب بالفعل المزبور لأنّه من إضافة فعل القربة-من تسلیطه و كشریك-للغیر في تقرّب نفسه كفعل قربی.

و بعبارة اخری:إذا كان تضادّ بین ملكیة الغیر و نیّة القربة بحیث لا یتعلّقان بمحلّ واحد و هو الفعل الخارجي فعدم اجتماعهما في موطن وجود أحدهما و هو الفعل القلبي و هو عین التقرّب بطریق أولی و حلّ الإشكال في كلا المقامین هو ما حرّره غیر واحد من الأعلام كالمحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) في رسالته في الإجارة علی الواجبات العبادية من أنّ الإیجاب التكلیفي لا مضادّة له مع الملكیة الوضعية كما أنّه لیس لازم اللابدیة التكلیفية اعتبار ملك أو حقّ وضعي له تعالی كي یضاد الملكیة الوضعية للغیر كما أنّه لیس لازم الملكیة الوضعية للغیر اللابدیة التكلیفية كي یقع التضادّ.

مسألة 54:إذا استؤجر أي طلب منه إجارة نفسه للخدمة بما یصیر به مستطیعا

(مسألة 54):إذا استؤجر أي طلب منه إجارة نفسه للخدمة بما یصیر به مستطیعا لا یجب علیه القبول و لا یستقرّ الحجّ علیه، فالوجوب علیه مقیّد بالقبول و وقوع الإجارة و قد یقال بوجوبه إذا لم یكن حرجیا علیه.

لصدق الاستطاعة و لأنّه مالك لمنافعه فیكون مستطیعا قبل الاجارة كما إذا كان مالكا لمنفعة عبده أو دابّته و كانت كافیة في استطاعته و هو كما تری إذ نمنع صدق الاستطاعة بذلك لكن لا ینبغي ترك الاحتیاط في بعض صوره كما إذا كان من عادته إجارة نفسه للأسفار (1).

و الصحیح أن یقال:إنّ الملكیة الاعتباریة للغیر و إن كان یعبّر عنها ملكیة مطلقة بلحاظ الآثار الاعتباریة إلاّ أنّها في المعنی لیست مطلقة مطلقا حقیقیا، بل بحسب دائرة الاعتبار كما أنّ مجرّد اللاّبدیة التكلیفية لیست تعنی إیقاع الفعل مجّانا و من دون تقاضی مالا علیه و لذلك لا یسلم ملازمة المجانیّة للوجوب التكلیفي إلاّ في موارد خاصّة بدلالة دلیل الوجوب في تلك الموارد علی نحو مجاني.

و تمام الكلام في مسألة الاجرة علی الواجبات العبادية.

هذا كلّه فیما إذا وقعت الإجارة علی نفس السعي، و أمّا إذا وقعت علی ما یقارن السعي أو یلازمه فلا مجال لتوهّم الإشكال كما هو واضح.

قد یتخیّل أنّه بناء علی ما تقدّم من كون البذل محقّقا للاستطاعة بمقتضی القاعدة لكون المراد من (اللام) في لسان الروایات (له زاد و راحلة) هي مطلق الاختصاص فمن ثمّ ذهبنا إلی أنّ الهبة المطلقة أیضا من محقّقات الاستطاعة و إن لم یخصّصها الواهب بالحجّ، فبناء علی ذلك یكون طلب الاستئجار و عرضه أیضا محقّقا للاستطاعة لا سیّما إذا كان عمل مورد الإجارة حرفة للمكلّف لكنّه مدفوع:

لأنّ التمكین الذي في الإجارة تعلیقي بخلافه في الموردین السابقین فإنّه فعلی منجز حتی في الهبة؛إذ لا یتوقّف إلاّ علی انتفاع المكلّف بالمال المعروض علیه بذلا أو هبة بینما التمكین الذي في الإجارة معلّق علی تمكین المكلّف منافعه للمستأجر

مسألة 55:یجوز لغیر المستطیع أن یؤجّر نفسه للنیابة عن الغیر و إن حصلت الاستطاعة بمال الإجارة

(مسألة 55):یجوز لغیر المستطیع أن یؤجّر نفسه للنیابة عن الغیر و إن حصلت الاستطاعة بمال الإجارة قدّم الحجّ النیابي، فإن بقیت الاستطاعة إلی العام القابل وجب علیه لنفسه و إلاّ فلا (1).

و هذا هو الفارق فیما نحن فیه من القدرة القریبة علی تحصیل المال لا عین القدرة المالية.نعم لو بنی علی أنّ منافع الحرّ و عمله مطلقا أو خصوص الكسوب و ذي الحرفة مال بالفعل اتّجه وجوب القبول بل یجب علیه عرض نفسه للاجارة لأنّ الفرض أنّه مالك للمال قبل الإجارة.و لكن هذا خلاف التحقیق لما یذكر في اصطلاح الماليین أنّ الأعیان مال بالفعل لأنّه عمل خارجي قد تحقّق بخلاف الأعمال المستقبلیة فإنّها بالقوّة.

لأنّ الاستطاعة لیست صرف القدرة المالية بل لا بدّ من عدم المزاحمة بواجب فعلی مطلق آخر لكن التقریب بهذا المقدار قد یتأمّل فیه؛لأنّه علی ذلك لا یكون وجوب الإجارة معدما لموضوع الحجّ الواجب؛إذ موضوعه خصوص القدرة المالية و هي حاصلة و مع حصولها یلحظ الأهمّ و كون وجوب الإجاري أهمّ أوّل الكلام إلاّ علی مبني تقدیم حقّ الناس علی حقّ اللّه.

فقد یقال في تقریب آخر إنّ تقدیم وجوب الإجارة من قبیل الورود لأنّ المال إنّما تملكه بالإجارة فیكون وجوب الحجّ متوقّفا علی الإجارة لا في عرضها كي یتحقّق التزاحم.

و فیه:أنّ ملكیّة المال بصحّة الإجارة لا بلزومها و وجوب الوفاء فبعد تحقّق صحّة الإجارة تتحقّق الملكیة للمال مضافا إلی أنّ غایة هذا التقریب هو السبق الزمني لوجوب الإجارة لا السبق الرتبي. نعم لو فسخ المؤجر عقد الإجارة بسبب عدم وفاء الأجیر لاوجب انعدام موضوع الحجّ، فالعمدة هو ما تقدّم من تقدیم حقّ الناس علی حقّ اللّه لا سیّما إذا كان مال الإجارة قد اشترط و لو ضمنا ارتكازا علی إیقاع الحجّ النیابي به كما إذا كان الأجیر لا مال له كما هو الفرض.

مسألة 56:إذا حجّ لنفسه أو عن غیره، تبرّعا أو بالإجارة، مع عدم كون مستطیعا فلا یكفیه عن حجّة الإسلام

(مسألة 56):إذا حجّ لنفسه أو عن غیره، تبرّعا أو بالإجارة، مع عدم كون مستطیعا فلا یكفیه عن حجّة الإسلام فیجب علیه الحجّ إذا استطاع بعد ذلك في بعض الأخبار من إجزائه عنها محمول علی الاجزاء ما دام فقیرا، كما صرّح به في بعضها الآخر، فالمستفاد منها أنّ حجّة الإسلام مستحبّة علی غیر المستطیع و واجبة علی المستطیع، و یتحقّق الأوّل بأي وجه أتی به و لو عن الغیر تبرّعا أو بالإجارة، و لا یتحقّق الثاني إلاّ مع حصول شرائط الوجوب (1).

مسألة 57:یشترط في الاستطاعة-مضافا إلی مئونة الذهاب و الإیاب-وجود ما یموّن به عیاله حتی یرجع

(مسألة 57):یشترط في الاستطاعة-مضافا إلی مئونة الذهاب و الإیاب-وجود ما یموّن به عیاله حتی یرجع، فمع عدمه لا یكون مستطیعا.و المراد بهم من یلزمه نفقته لزوما عرفیا و إن لم یكن ممّن یجب علیه نفقته شرعا علی الأقوی، فإذا كان له أخ صغیر أو كبیر فقیر لا یقدر علی التكسّب و هو ملتزم بالانفاق علیه أو كان متكفّلا لإنفاق یتیم في حجره و لو أجنبي یعدّ عیالا له فالمدار علی العیال العرفي (2).

قد تقدّم البحث عن أخذ الاستطاعة قیدا في التنجیز دون الوجوب و المشروعیة في حجّ الإسلام و ذلك في صدر بحث الاستطاعة و تعرّضنا لمجمل طوائف الروایات الواردة فلاحظه.

و علیه فإتیان غیر المستطیع عن نفسه تقع عنه حجّة الإسلام فضلا عمّا لو كان إتیانه للاعمال و عدمه حینما أوصل نفسه إلی المشاعر سیان في الكلفة المالية فإنّه مجزئ عنه حتی علی ملك ظاهر المشهور فراجع ما تقدّم.

ثمّ إنه تعبیر الماتن في أنّ حجّة الإسلام تكون مستحبّة علی غیر المستطیع الظاهر أنّه من سهو قلمه الشریف فكان الأولی الصحیح التعبیر بغیر حجّة الإسلام.

لا خلاف فیه، و قد یدّعی فیه الإجماع، و یدلّ علیه من النصوص معتبرة أبي الربیع الشامي. و قد تقدّم الكلام في كلّ من (خلید بن أوفی) و (ابن جریر) الراوي عنه و لا أقلّ من حسن حال الأوّل إن لم نبن علی جلالته و وثاقته.

قال:سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ

..........

اِسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلاً» فقال:ما یقول الناس؟قال:فقلت له:الزاد و الراحلة.قال:فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):قد سئل أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذا فقال:هلك الناس إذا لئن كان من كان له زاد و راحلة قدر ما یقوت عیاله و یستغنی به عن الناس ینطلق إلیهم فیسلبهم إیّاه لقد هلكوا إذا فقیل له فما السبیل؟قال:فقال:السعة في المال إذا كان یحجّ ببعض و یبقی بعضا لقوت عیاله أ لیس قد فرض اللّه الزكاة فلم یجعلها علی من یملك مائتی درهم» (1).

بل التدبّر في هذه الروایة یقضی لیس بمئونة العیال فحسب بل بالرجوع للكفایة لأنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):(له زاد و راحلة قدر ما یقوت علیه و یستغنی به عن الناس) جملة مطلقة، و كذا الاستغناء عن الناس أي لا یكون فقیرا، و من ثمّ حدّد بعض في المسألة الآتية الكفایة إلی سنة و إن كان محلّ تأمّل كما سیأتي.

و في نسخة المقنعة زاد فیها بعد قوله: (و یستغنی به عن الناس) (یجب أن یحجّ بذلك ثمّ یرجع فیسأل الناس بكفّه؟لقد هلك إذا) و هي علی هذه الزیادة أصرح في الدلالة علی مسألة الرجوع إلی الكفایة.

و منها:روایة الأعمش في حدیث شرائع الدین عن جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«و حجّ البیت واجب علی من استطاع إلیه سبیلا، و هو الزاد و الراحلة مع صحّة البدن و أن یكون للإنسان ما یخلفه علی عیاله و ما یرجع إلیه من حجّه» (2).

و هي و إن كانت ضعیفة السند إلاّ أنّ مضمون هذا الحدیث الحاوي لامّهات شرائع الدین اصولا و فروعا غالبه أو كلّه مطابق مضامین الروایات في الأبواب، بل الأعمش قابل للاعتبار فإنّه و إن كان من وجوه العامّة إلاّ أنّ فیه تشیّع لا یخفی علی من لاحظ ترجمته عندهم و هذا الحدیث دالّ علی ذلك أیضا.

منها:معتبرة عبد الرحیم القصیر عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:سأله حفص الأعور و أنا أسمع عن قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلاً» قال:


1) باب 9، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

2) باب 9، أبواب وجوب الحجّ، ح 4.

مسألة 58:الأقوی وفاقا لأكثر القدماء اعتبار الرجوع إلی كفایة

(مسألة 58):الأقوی وفاقا لأكثر القدماء اعتبار الرجوع إلی كفایة من تجارة أو زراعة أو صناعة أو منفعة ملك له من بستان أو دكان أو نحو ذلك بحیث لا یحتاج إلی التكفّف و لا یقع في الشدّة و الحرج و یكفی كونه قادرا علی التكسّب اللائق به أو التجارة باعتباره و وجاهته و إن لم یكن له رأس مال یتّجر به.نعم قد مرّ عدم اعتبار ذلك في الاستطاعة البذلية و لا یبعد عدم اعتباره في من یمضی أمره بالوجوه اللائقة به كطلبة العلم من السادة و غیرهم فإذا حصل لهم مقدار مئونة الذهاب و الإیاب و مئونة عیالهم إلی حال الرجوع وجب علیهم، بل و كذا الفقیر الذي عادته و شغله أخذ الوجوه ذلك القوّة في المال و الیسار، قال:«فإن كانوا موسرین فهم ممّن یستطیع؟قال:

نعم» الحدیث (1).

و نظیرها مرسلة العیّاشي (2).

و تقریب الدلالة فیها أنّه مع فرض الحاجة لمئونة العیال أو التسبیب الحجّ للوقوع في تعسیر المعیشة فضلا عن الإذهاب بها لا یصدق حینئذ الیسار و الإشكال بأنّ الیسار عنوان تشكیكي فلعلّه بلحاظه توفّر الزاد و الراحلة لا ما زاد علی ذلك بل في مقابل الافتقار إلی ذلك ضعیف بأنّ الیسار في الصدق العرفي لا إجمال فیه و إن كان عنوانا تشكیكیا و لكنّه علی أي حال یقابل العسر و الضیق.

و الغریب ممّن التزم بهذا الإشكال تمسّك في كلتا المسالتين بأدلّة العسر و الحرج و من ذلك یتّضح أنّ من تزاحم و لو بحسب العادة العرفية داخل في فرض المسألة و لا یتوهّم أنّه من تزاحم المستحبّ للواجب بل من باب ورود المستحبّ و إزالة موضوع الوجوب كما هو الحال في مدافعة المستحبّ الأهمّ لمتعلّق النذر لأنّه یوجب انحلال النذر.

و بمضمون هذه الروایة عدّة روایات تشكّل طائفة في أخذ عنوان الیسار في الاستطاعة، و قد تقدّمت في صدر بحث الاستطاعة فلاحظ.


1) باب 9، أبواب وجوب الحجّ، ح 3.

2) باب 8، أبواب وجوب الحجّ، ح 12 و 13.

و لا یقدر علی التكسّب إذا حصل له مقدار مئونة الذهاب و الإیاب له و لعیاله و كذا كلّ من لا یتفاوت حاله قبل الحجّ و بعده إذا صرف ما حصل له من مقدار مئونة الذهاب و الإیاب من دون حرج علیه (1).

مسألة 59:لا یجوز للوالد أن یأخذ من مال ولده و یحجّ به

(مسألة 59):لا یجوز للوالد أن یأخذ من مال ولده و یحجّ به كما لا یجب علی الوالد أن یبذل له، و كذا لا یجب علی الولد بذل المال لوالده لیحجّ به، و كذا لا یجوز للوالد الأخذ من مال ولده للحجّ، و القول بجواز ذلك أو وجوبه كما عن الشیخ ضعیف، و إن كان یدلّ علیه صحیح سعید بن یسار، قال:قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):الرجل یحجّ من مال ابنه و هو صغیر؟قال:نعم، و یحجّ منه حجّة الإسلام، قلت:و ینفق منه قال:نعم ثمّ قال:

إنّ مال الولد لوالده، إنّ رجلا اختصم هو و والده إلی رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) فقضی أنّ المال و الوالد للوالد، و ذلك لإعراض الأصحاب عنه مع إمكان حمله علی الاقتراض من ماله مع استطاعته من مال نفسه أو علی ما إذا كان فقیرا، و كانت نفقته علی ولده و لم یكن نفقة السفر إلی الحجّ أزید من نفقته في الحضر؛إذ الظاهر الوجوب حینئذ (2).

قد تقدّم وجه هذه المسألة، و قد ذهب إلیه جماعة من القدماء و عن الخلاف و الغنیة نسبة الإجماع إلیهم.

لا ریب بأنّ النفقة الواجبة علی كلّ من الولد و الوالد علی الآخر الفقیر لا تتناول البذل لنفقته في الحجّ؛لأنّها مختصّة بالامور الضرورية المعاشیة من كسوة و طعام و سكنی و نحوها.

نعم قد ذهب الشیخان إلی وجوب حجّ الأب من مال ولده أو إلی وجوب إعطاء الولد نفقة الحجّ لوالده و تبعهما في ذلك جماعة تمسّكا بصحیحة سعید بن یسار، قال:«قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):الرجل یحجّ من مال ابنه و هو صغیر؟قال:نعم یحجّ منه حجّة الإسلام، قلت:و ینفق منه؟قال:نعم، ثمّ قال:إنّ مال الولد لوالده، إنّ رجلا اختصم هو و ولده إلی

..........

النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقضی أنّ المال و الولد للوالد» (1).

و أشكل علی ذلك بإعراض المشهور و هو محلّ نظر لأنّ العبرة في الإعراض إعراض القدماء و هو غیر متحقّق.

و الصحیح أنّ الروایة المزبورة قد تضمّنت تعلیل كل من الحجّ أو أخذ النفقة بالتعلیل المعروف المتكرّر في الروایات الواردة في تصرّف الوالد في مال ولده فمفادها مرتبط بمفاد مال الولد لوالده و في تلك المسألة قد وردت طائفتان من الروایات (2).

أحدهما:مجوّزة في تصرّف الأب في مال ابنه و جاریته و نحو ذلك.

و الاخری:مانعة و مقیّدة لجواز التصرّف إمّا بالحاجة أو كونه بالمعروف و بغیر سرف أو لكونه معاوضة كاستقراض أو ابتیاع و لا تعارض بینها عند التدبّر و التأمّل، لا سیّما مع الالتفات إلی صحیحة الحسین بن أبی العلاء الحاكمة دلالة علی الطائفتین و المفسّرة لهما و إن استظهره جماعة، بل هي تتّسق و تتوافق علی إثبات ولایة التصرّف للأب في مال الابن، أمّا أن یأكل منه في موارد النفقة أو أن یجری معاوضة علیه في غیر حاجة النفقة و لا یسوغ مطلق التصرّف في خصوص الجاریة كما هو المنصوص علیه لوضوح أنّ ما ورد فیها معلّل بالتعلیل المزبور و أنّه علی مقتضی الحكم في صلاحیة تصرّف الأب في مال ولده بالنحو المزبور، فعلی ذلك یحمل مفاد الروایة في المقام علی أنّه استقراض من مال الولد و به تتحقّق الاستطاعة مع فرض قدرة الوالد علی إیفاء الدین.

و یعضد ذلك أنّ سؤال السائل عن الجواز و عدم الحصر بالتصرّف في مال الغیر فالجواب في مورد توهّم الحصر و معنی الجواز في مفاد الروایة مع كون الحجّ حجّة الإسلام هو جواز تحقیق موضوع الوجوب.


1) باب 36، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

2) باب 78 و 79، أبواب ما یكتسب به.

مسألة 60:إذا حصلت الاستطاعة لا یجب أن یحجّ من ماله

(مسألة 60):إذا حصلت الاستطاعة لا یجب أن یحجّ من ماله، فلو حجّ في نفقة غیره لنفسه أجزأه و كذا لو حجّ متسكّعا بل لو حجّ من مال الغیر غصبا صحّ و أجزأه.نعم إذا كان ثوب إحرامه و طوافه و سعیه من المغصوب لم یصحّ و كذا إذا كان ثمن هدیه غصبا (1).

مسألة 61:یشترط في وجوب الحجّ الاستطاعة البدنیة

(مسألة 61):یشترط في وجوب الحجّ الاستطاعة البدنیة، فلو كان مریضا لا یقدر علی الركوب أو كان حرجا علیه و لو علی المحمل أو الكنیسة لم یجب، و كذا لو تمكّن من الركوب علی المحمل لكن لم یكن عنده مئونته، و كذا لو احتاج إلی خادم و لم یكن عنده مئونته (2).

هذا و من یبنی علی جواز تصرّف الأب في مال ابنه مطلقا من دون قید كان علیه الالتزام بالجواب في مفاد الصحیح المزبور لما ذكرناه من ارتباط صدره بذیله المذكور فیه عنوان مال الولد لوالده.

أمّا عدم لزوم حجّه في المال الذي تحقّقت فیه الاستطاعة فلأنّه قید وجوب كما في ظاهر كلمات المشهور لا قید واجب فضلا عمّا ذهبنا إلیه من كونه قید تنجیز.

نعم قد یكون مقدّمة عقلية للواجب فیما إذا توقّف أداء الواجب علیه، و أمّا الحجّ بمال المغصوب فلو كان ثوبي الإحرام من مغصوب فإنّها تشكل في الإحرام و الطواف و السعي بناء علی شرطیة الستر فیه لاستلزام اجتماع الأمر و النهي حینئذ فیما إذا كان عالما أو مقصّرا، أمّا لو بنی علی عدم الشرطیة في الأوّل و الثالث لصحّ حینئذ و إن استلزما مقارنة حرام آخر أمّا الهدي فإن اشتراها بعین الثمن المغصوب فیبطل حینئذ، و أمّا لو اشتراها بالذمّة فیصحّ و إن أثم في عدم الوفاء بالدین إلاّ أن یكون قاصدا للمعاملة جدّا.

هذا هو المعروف بین الأصحاب للنصوص المتعدّدة الدالّة علی ذلك مثل صحیحة محمّد بن یحیی الخثعمي قال:سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أنا

مسألة 62:و یشترط أیضا الاستطاعة الزمانية

(مسألة 62):و یشترط أیضا الاستطاعة الزمانية، فلو كان الوقت ضیّقا لا یمكنه الوصول إلی الحجّ أو أمكن لكن بمشقّة شدیدة لم یجب و حینئذ فإن بقیت الاستطاعة للعام القابل وجب و إلاّ فلا (1).

عنده عن قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلاً» ما یعنی بذلك؟قال:«من كان صحیحا في بدنه مخلّي سربه له زاد و راحلة فهو ممّن یستطیع الحجّ»، أو قال:«ممّن كان له مال»، فقال له حفص الكناسي:فإذا كان صحیحا في بدنه مخلّي في سربه له زاد و راحلة فلم یحجّ فهو ممّن یستطیع الحجّ؟قال:«نعم» (1).

و أخبار اخری في نفس الباب، و قال الشهید في الدروس:و لو حجّ فاقد هذه الشرائط-و یشیر إلی شرائط الاستطاعة-لم یجزئه و عندي لو تكلّف المریض و المعضوب و الممنوع بالعدو و ضیق الوقت أجزأ لأنّ ذلك من باب تحصیل الشرط و أنّه لا یجب و لو حصله وجب و أجزأ.نعم لو أدّی ذلك إلی إضرار في النفس یحرم إنزاله و لو قارن بعض المناسك احتمل عدم الاجزاء-إلی أن یقول-فنقسمه الشرائط إلی أربعة أقسام:

الأوّل: ما یشترط في الصحّة خاصّة و هو الإسلام.

الثاني: ما یشترط في المباشرة و هو الإسلام و التمییز.

الثالث: ما یشترط في الوجوب و هو ما عدا الإسلام.

الرابع:ما هو شرط في الاجزاء و هو ما عدا الثلاثة الأخیرة و في ظاهر الفتوی كلّ شرط في الوجوب و الصحّة شرط في الاجزاء و تابعه علی ذلك في الجملة صاحب المدارك و الحدائق و المستند فلاحظ ما ذكرناه في كلماتهم في صدر الاستطاعة، كما أنّ هذه القیود قیود في التنجیز دون المشروعیة فلاحظ.

و وجهها كما ذكر النراقي حكم العقل فیما إذا ارید من السعة الزمانية مقدار ما یتمكّن به من الوصول إلی ملكه أمّا إذا ارید به السعة الزمانية المقدار الذي لا یكون


1) باب 8، أبواب وجوب الحجّ، ح 4.

مسألة 63:و یشترط أیضا الاستطاعة السربیة

(مسألة 63):و یشترط أیضا الاستطاعة السربیة بأن لا یكون في الطریق مانع لا یمكن معه الوصول إلی المیقات أو إلی تمام الأعمال و إلاّ لم یجب.و كذا لو كان غیر مأمون بأن یخاف علی نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله و كان الطریق منحصرا فیه أو كان جمیع الطرق كذلك و لو كان هناك طریقان أحدهما أقرب و لكنّه غیر مأمون وجب الذهاب من الأبعد المأمون أو لو كان جمیع الطرق مخوفة إلاّ أنّه یمكنه الحجّ بالدوران في البلاد، مثل ما إذا كان من أهل العراق و لا یمكنه إلاّ أن یمشي إلی كرمان و منه إلی خراسان و منه إلی بخاري و منه إلی الهند و منه إلی بوشهر و منه إلی جدّة و منه إلی المدینة و منها إلی مكّة فهل یجب أو لا؟ وجهان أقواهما عدم الوجوب؛لأنّه یصدق علیه أنّه لا یكون مخلّي السرب (1).

معه مشقّة في طي الطریق فدلیله حینئذ رافعیة العسر و الحرج إذا فرض أنّه شدید و التقیید بالشدید في هذا الفرض و في الموارد الاخری من مسائل الحجّ لما هو مقرّر من أنّ رافعیة الحرج إنّما تكون رافعة الحرج الزائد عن طبیعة الواجب في نفسه و الحجّ بطبعه مبني علی المشقّة.

كما دلّت علیه النصوص المشار إلیها سابقا (1).

نعم وقع البحث في ما لو خاف من عدوّ إلاّ أنّه انكشف بعد ذلك خلافه هل یستقرّ علیه الحجّ حینئذ أم لا؟

قیل إنّ حرمة الاضرار بالنفس و إن كانت ظاهریة إلاّ أنّها معدمة للاستطاعة لأنّ المنع الشرعي و لو في الظاهر یسلب القدرة و من ذلك یظهر أنّه في موارد تخیل الضرر من دون منشأ عقلائي للخوف یكون من تخیّل الحرمة و قیل إنّ الحرمة من حیث أنّها ظاهریة فلا تعدم الاستطاعة الواقعية.

و قیل إنّ رافعیة الضرر واقعیّة بعد كون الخوف طریقا عقلائيا لإحراز الضرر


1) باب 8، أبواب وجوب الحجّ.

..........

و لانكشاف الخلاف حینئذ نظیر التيمّم في موارد الخوف لاستعمال الماء فإنّه لو انكشف الخلاف بعد الوقت أنّه لا یعید الصلاة.

و التحقیق في المقام:أنّ أمثلة الممنوع سربه علی أنحاء:

فتارة:یتخوّف علی نفسه و سلامة أعضائه.

و اخری:یعتقد أنّه مصدود عن السبیل و إن لم یكن في هلكة إلاّ أنّه یمانع عن الذهاب إلی الحجّ.

و ثالثة:یعتقد و یحسب أنّه یستأخذ منه العشار و نحوه مبلغا طائلا له بالمرور.

فأمّا الحال في الصورتین الأخیرتین فمن الواضح أنّ الاستطاعة متحقّقة عند كشف الخلاف و لا حكم تكلیفي في البین كي یعدم الاستطاعة.

فأمّا الصورة الاولی فما قیل من كون لا ضرر رفعا واقعیا لوجوب الحجّ في موارد خوف الضرر محل نظر؛لأنّه (لا ضرر) موضوعها الضرر الواقعي لیس هو خوف الضرر و غایة ما في الباب أنّ خوف الضرر طریقا عقلائيا في إحراز موارد الضرر البالغ الأهمّیة فهو كأمارة موضوعیة محرزة ظاهریا لموضوع لا ضرر فإذا انكشف الخلاف ینكشف عدم موضوع لا ضرر و أمّا عدم إعادة التيمّم في المثال المتقدّم فللنصوص الخاصّة الواردة.

هذا و الصحیح أنّ حرمة الاضرار التكلیفية في هذه الصورة لیست ظاهریة كما قیل بل هي حرمة واقعیة نفسية و إن كان ملاكها التحفّظ و الحیطة بمقتضی القاعدة المستفادة من قوله تعالی: «وَ لا تُلْقُوا بِأَیْدِیكُمْ إِلَی التَّهْلُكَةِ» (1)فإنّ التهلكة كما ذكر الراغب في مفرداته هي ما یؤدّی إلی الهلكة كما أنّ الالتفات إلی لفظة (إلی) یفید السوق و التأدیة أیضا كما أنّ الالتفات إلی نقطة مادة (الالقاء) أیضا هي الاخری تفید التأدیة و السوق و تحصل من هذا التركیب حینئذ أنّ المنهي عنه هو تعریض النفس


1) البقرة:190.

..........

و إیقاعها في ما یتسبّب و یسوق إلی الهلكة.

و یعضد ذلك ما ورد في سبب نزول و سیاق الآیات المحتفة بها أنّ مورد النزول هو النهي عن الانفاق ببسط الید كلّ البسط المؤدّی إلی الفقر و خوف الهلكة أو ما قیل في مورد النزول الآخر من الإقامة في الأموال و رعایتها و ترك سبل الخیر في سبیل اللّه و كذا ما وردت من روایات في ذیلها فلاحظ.

كما یؤیّد بأنّ التعبیر في الآیة یختلف عن التعبیر بـ(لا تهلكوا) أو ب(لا تقتلوا) و كذا یغایر التعبیر بـ«لا تُلْقُوا بِأَیْدِیكُمْ إِلَی التَّهْلُكَةِ» و غیرها من التعبیرات ممّا یدعم و یركّز الدلالة علی كون الحرمة منصبّة علی متعلّقها الذي هو التعریض و المعرضیة إلی هلكة.هذا من حیث المتعلّق و أمّا من حیث النهي و الحكم فالظاهر كونها حرمة نفسية واقعیة لا ظاهریة و إن كان ملاكها التحفّظ عن الهلكة كما هو مقتضی الظاهر الأوّلی للنهي فعلی ذلك في موارد خوف الهلكة للنفس أو الأعضاء كون الحرمة نفسية معدمة للموضوع بناء علی أخذ عدم المانع الشرعي قیدا في الاستطاعة و الصحیح أنّه لم یأخذ فیما كان الخوف ناشئا من منشأ عقلائي و إلاّ فلا حرمة في البیان و إن تخیّلها المكلّف و تكون الاستطاعة متحقّقة.ثمّ إنّ الظاهر أنّ دلیل تخلیة السرب أنّه وصف لذات الطریق في نفسه لقولهم (عَلَيهِم السَّلَامُ): (مخلّي سربه) و في صحیحة المحاربي (أو سلطان یمنعه) مقتضی كلا التعبیرین ذلك فالشرط هو خلوّ الطریق في نفس الأمر لا الظنّ بذلك عند المكلّف كعنوان عدم الخوف أو عدم احتمال الضرر.

من ثمّ ذكرنا أنّه إذا انكشف الخلاف مع عدم وجود حرمة تكلیفية في طي الطریق أنّ الاستطاعة متحقّقة.ثمّ إنّ تحقّق طبیعي الشرط المزبور بأي فرد من أفراد الطریق إلی مكّة لا أنّ لازم تخلیة السرب طریق خاصّ كالأقرب إلی مكّة أو الطریق المعتاد لأهالي هذا البلد.نعم فیما إذا كان الطریق منحصرا فلا بدّ من تحقّق القدرة المالية لحصول الاستطاعة و یلزمه بذل للزاد إلاّ إذا كان مجحفا لوضعه المالي.

مسألة 64:إذا استلزم الذهاب إلی الحجّ تلف مال له في بلده معتدّ به لم یجب

(مسألة 64):إذا استلزم الذهاب إلی الحجّ تلف مال له في بلده معتدّ به لم یجب، و كذا إذا كان هناك مانع شرعي من استلزامه ترك واجب فوري سابق علی حصول الاستطاعة أو لا حقّ مع كونه أهمّ من الحجّ كإنقاذ غریق أو حریق و كذا إذا توقّف علی ارتكاب محرم كما إذا توقّف علی ركوب دابة غصبیة أو المشي في الأرض المغصوبة (1).

مسألة 65:أنّه یشترط في وجوب الحجّ مضافا إلی البلوغ و العقل و الحریة الاستطاعة المالية و البدنیة و الزمانية

(مسألة 65):قد علم ممّا مرّ أنّه یشترط في وجوب الحجّ مضافا إلی البلوغ و العقل و الحریة الاستطاعة المالية و البدنیة و الزمانية و عدم استلزامه الضرر أو ترك واجب أو فعل حرام، و مع فقد أحد هذه لا یجب فبقي الكلام في أمرین:

أحدهما:إذا اعتقد تحقّق جمیع هذه مع فقد بعضها واقعا (2) أو اعتقد فقد بعضها و كان متحقّقا فنقول:إذا اعتقد كونه بالغا أو حرّا، مع تحقّق سائر الشرائط-فحجّ ثمّ بان أنّه كان صغیرا أو عبدا، فالظاهر-بل المقطوع-عدم إجزائه عن حجّة الإسلام و إن اعتقد كونه غیر بالغ أو عبدا مع تحقّق سائر الشرائط و أتی به أجزأه عن حجّة الإسلام كما مرّ سابقا و إن تركه مع بقاء الشرائط إلی ذي الحجّة فالظاهر استقرار وجوب الحجّ علیه فإن فقد بعض الشرائط بعد ذلك كما إذا تلف ماله وجب علیه الحجّ و لو متسكّعا.

و إن اعتقد كونه مستطیعا مالا و إنّ ما عنده یكفیه فبان الخلاف بعد الحجّ ففي إجزائه عن حجّة الإسلام و عدمه وجهان:من فقد الشرط واقعا، و من أنّ القدر المسلّم من عدم إجزاءه حجّ غیر المستطیع عن حجّة الإسلام غیر هذه الصورة و إن اعتقد عدم كفایة ما عنده من المال و كان في الواقع كافیا و ترك الحجّ، فالظاهر الاستقرار علیه و إن اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحجّ فبان الخلاف فالظاهر كفایته و إن اعتقد المانع من قد تقدّم في المسألة (32) تفصیل الكلام في ذلك فراجع، نعم لا عبرة في التزاحم بالسبق الزماني لو بنی علیه في المقام.

قد ذكر الماتن في هذه المسألة موارد:

المورد الأوّل:إذا اعتقد تحقّق الشرائط فبان فقدها كالبلوغ و الحریة فقد تقدّم في

العدو أو الضرر أو الحرج فترك الحجّ فبان الخلاف فهل یستقرّ علیه الحجّ أو لا؟ وجهان:

و الأقوی عدمه؛لأنّ المناط من الضرر الخوف و هو حاصل إلاّ إذا كان اعتقاده علی خلاف رویّة العقلاء و بدون الفحص و التفتیش و إن اعتقد عدم مانع شرعي فحجّ فالظاهر الاجزاء إذا بان الخلاف و إن اعتقد وجوده فترك فبان الخلاف فالظاهر الاستقرار.

ثانیهما:إذا ترك الحجّ مع تحقّق الشرائط متعمّدا أو حجّ مع فقد بعضها كذلك، أمّا الأوّل فلا إشكال في استقرار الحجّ علیه مع بقائها إلی ذي الحجّة، و أمّا الثاني فإن حجّ مع عدم البلوغ أو مع عدم الحریة فلا إشكال في عدم اجزائه إلاّ إذا بلغ أو انعتق قبل أحد الموقفین علی إشكال في البلوغ قد مرّ.و إن حجّ مع عدم الاستطاعة المالية فظاهرهم مسلّمیة عدم الاجزاء و لا دلیل علیه إلاّ الإجماع و إلاّ فالظاهر أنّ حجّة الإسلام هو الحجّ الأوّل و إذا أتی به كفی و لو كان ندبا كما إذا أتی الصبي صلاة الظهر مستحبّا-بناء علی شرعية عباداته-فبلغ في أثناء الوقت، فإنّ الأقوی عدم وجوب إعادتها و دعوی:أنّ المستحبّ لا یجزي عن الواجب ممنوعة بعد اتّحاد ماهیّة الواجب و المستحبّ.

صدر بحث الاستطاعة و شرطیة البلوغ و الحریة، و تبیّن الفرق بین أجزاء قیود الوجوب فمثل البلوغ و الحریة قیدان في فعلیة و مشروعیّة الوجوب فمع تخلّفهما في الواقع یتبیّن عدم الاجزاء، بخلاف تخلّف أجزاء الاستطاعة فانّها علی ما ذهبنا إلیه قید في التنجیز فلا یضرّ تخلّفها في مشروعیة الحجّ الواجب و صحّته.نعم علی المشهور یكون حكمها حكم البلوغ و الحریة.

المورد الثاني:إذا اعتقد فقد بعضها و كان متحقّقا.

فقد تقدّم في مسألة (2) من الفصل الأوّل أنّ الاستقرار یدور مدار تحقّق الاستطاعة و قیود الحكم في الواقع-علم بها أو لم یعلم، اهمل أو لم یهمل-و یستثنی من ذلك فیما إذا كان هناك رخصة شرعية في الترك، استفید منها بالملازمة عدم الاستقرار و ذلك لأنّ مدرك استقرار الحجّ علیه هو نفس آیة الاستطاعة كما تقدّم،

نعم لو ثبت تعدّد ماهیّة حجّ المتسكّع و المستطیع تمّ ما ذكر، لا لعدم اجزاء المستحبّ عن الواجب، بل لتعدّد الماهیة و إن حجّ مع عدم أمن الطریق أو مع عدم صحّة البدن مع كونه حرجا علیه أو مع ضیق الوقت كذلك، فالمشهور بینهم عدم اجزائه عن الواجب.و عن الدروس:الاجزاء إلاّ إذا كان إلی حدّ الاضرار بالنفس و قارن بعض المناسك فیحتمل عدم الاجزاء ففرق بین حجّ المتسكّع و حجّ هؤلاء، و علّل الاجزاء بأنّ ذلك من باب تحصیل الشرط فإنّه لا یجب لكن إذا حصّله وجب.

و كذا الروایات الواردة في وجوب إخراج حجّة الإسلام من أصل تركة المیّت الصرورة.نعم لو اعتمدنا في الاستقرار علی طائفة روایات التسویف، لاختصّ موضوع استقرار الحجّ بمن ترك الحجّ بإهمال.

ثمّ إنّ معنی استقرار وجوب الحجّ علی ما ذهبنا إلیه من كون الاستطاعة قیدا في التنجیز، المراد منه استقرار تنجیز الوجوب.هذا كلّه بلحاظ كلّیة الموردین في المتن.

أمّا الأمثلة التفصیلية فالمثال الأوّل-و هو تخلّف الحریة و البلوغ-قد اتّضح حالهما ممّا تقدّم.

و بعض الأمثلة یقع في موارد أخری غیر هذین الموردین.

فالمثال الثاني مورد ثالث مستقلّ عن هذین الموردین و هو:إذا اعتقد خطأ كونه غیر بالغ أو عبدا مع كونه مستطیعا و أتی بالحجّ فقد حكم الماتن بالاجزاء و استشكل بعض المحشین بأنّ ما قصده هي الماهیة المستحبّة فلا تقع مصداقا للواجبة لتباینهما.

لكن قد تقدّم في المسألة السابعة من الفصل الثاني و هي بلوغ الصبي أثناء الحجّ عند الموقفین و إجزاءه و كذا مسألة عتق العبد عندهما، أنّ الروایات الواردة في اجزاء الحجّ الثاني الملحق بالأوّل أیضا دالّة علی عدم تباین ماهیة المستحب مع ماهیّة الواجب في فرض تحقّق الوجوب و اقترانه مع مشروعیة المستحبّ.

المورد الرابع:و هو في الحقیقة ملحق بالمورد الثاني-فهو عین المورد السابق في

و فیه:أنّ مجرّد البناء علی ذلك لا یكفی في حصول الشرط مع أنّ غایة الأمر حصول المقدّمة التي هو المشي إلی مكّة و منی و عرفات.و من المعلوم أنّ مجرّد هذا لا یوجب حصول الشرط الذي هو عدم الضرر أو عدم الحرج.نعم لو كان الحرج أو الضرر في المشي إلی المیقات فقط و لم یكونا حین الشروع في الاعمال تمّ ما ذكره و لا قائل بعدم الاجزاء في هذه الصورة.هذا و مع ذلك فالأقوی ما ذكره في الدروس لا لما ذكره بل لأنّ الضرر و الحرج إذا لم یصلا إلی حدّ الحرمة إنّما یرفعان الوجوب و الالزام لا أصل الطلب فإذا تحملهما و أتی بالمأمور به كفی.

المتن إلاّ أنّه ترك الحجّ، و قد حكم الماتن باستقرار الحجّ، و استشكل فیه بأنّه معذور في الترك فلا استقرار علیه.

لكنّك عرفت في المورد الثاني أنّ الاستقرار یدور مدار تحقّق الموضوع واقعا لا خصوص ما إذا اهمل.

المورد الخامس:إذا اعتقد كونه مستطیعا فبان الخلاف بعد إتیان الحجّ و قد اتّضح حكم هذا المورد ممّا ذكرنا في المورد الأوّل.

المورد السادس:إذا اعتقد عدم كفایة ما عنده من المال خطأ و ترك الحجّ فقد اتّضح ممّا ذكرنا في المورد الثاني.

المورد السابع:إن اعتقد عدم الضرر أو الحرج فحجّ فبان الخلاف فقد حكم الماتن بالكفایة، و قد أشكل علیه فیما إذا كان الضرر علی النفس، و كذا الحرج علی النفس و كذا الضرر المالي البالغ حدّ الحرج المقارن للاعمال؛لعدم الاستطاعة مع الحرج و الضرر.

و الصحیح علی ما ذهبنا إلیه من كون الاستطاعة قید التنجیز، فلو سلّم انعدامها فلا یضرّ بصحّة الحجّ.

و أمّا مقارنة أعمال الحجّ للضرر المحرم فمع عدم تصادق الأعمال معه و عدم كونها سببا بعینها للضرر فلا إشكال في صحّة الاعمال حینئذ.

..........

و أمّا لو بنینا علی أخذ الاستطاعة في المشروعیة-كما هو ظاهر المشهور-فلا یتأتّی الإشكال في صحّة الحجّ من جهة رافعیة الضرر و الحرج لأنّ رافعیّتهما-علی التحقیق-إنّما هي للتنجیز لا لمشروعیة الحكم الضرري أو الحرجي.

نعم یصحّ الإشكال من جهة أخذ عدمهما قیدا في الاستطاعة، لكنّه لا دلیل علیه إذ أجزاء الاستطاعة هو الزاد و الراحلة و صحّة البدن و تخلیة السرب، و هي متحقّقة في الفرض.

أمّا الإشكال من جهة حرمة الضرر المقارن للاعمال فقد عرفت التفصیل.نعم لو بنی علی أنّ حرمة الضرر-أي المانع الشرعي-مأخوذ في الاستطاعة لتمّ إشكال المحشّین و لكنّك عرفت في المسألة (32) أنّه لم یؤخذ عدم المانع الشرعي قیدا في الاستطاعة.

المورد الثامن:إذا اعتقد المانع من العدو أو الضرر أو الحرج و ترك الحجّ فبان الخلاف، ذهب الماتن إلی عدم استقرار الحجّ إلاّ إذا كان خوفه من دون منشأ عقلائي.

و ذهب غیر واحد من المحشین إلی تحقّق الاستطاعة لأنّ رافعیة الحرج و الضرر منوطة بتحقّقهما واقعا و الفرض خلافه و إن كان الخوف طریقا معتبرا لاحراز الضرر إلاّ أنّه لم یكن مصیبا في الفرض.

و أمّا حرمة إلقاء النفس في الهلكة فهي و إن كانت نفسية كما اخترناه في مسألة (63) السابقة إلاّ أنّه مبتنیة علی أخذ عدم المانع الشرعي قیدا في الاستطاعة و إلاّ فالاستطاعة متحقّقة، كما هو الصحیح.

فإنّ الصحیح انّه لم یؤخذ عدم المانع الشرعي قیدا في الاستطاعة و هل یستقرّ علیه الحجّ أم لا؟لعلّ الأقوی هو الثاني في مورد خوف الضرر و الهلكة لا خوف الحرج؛لكون المانع الشرعي معذّرا في الترك شرعا، و مقتضاه عرفا رفع التنجیز بقاء

..........

و لو بقرینة أنّ لسان الآیة و الروایات التي تمسّكنا بها في استقرار الحجّ هي في موارد عدم المسوّغ الشرعي بدلالة ذیل الآیة: «وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّه غَنِیٌّ عَنِ الْعالَمِینَ» .

و أمّا في مورد اعتقاد الحرج فلا عذر شرعي في الترك و إن كان العذر عقليا فلا ینفي الاستقرار.

المورد التاسع:إذا اعتقد عدم المانع الشرعي فحجّ فحكم الماتن بالاجزاء إذا بان الخلاف و استشكل بعض المحشین فیما إذا اتّحد الحرام مع أعمال الحجّ و لم یكن معذورا في جهله و هو متین إذا فرض الاتّحاد مصادقا.و أمّا الإجزاء فلتحقّق الاستطاعة لما عرفت من أنّ عدم المانع الشرعي لم یؤخذ في الاستطاعة.

المورد العاشر:إذا اعتقد وجود المانع فترك الحجّ فبان الخلاف فحكم الماتن بالاستقرار و هو الصحیح لما عرفت من أنّه في موارد العذر العقلي لا ینفي استقرار الحجّ مع فرض تحقّق الاستطاعة.

المورد الحادي عشر:إذا حجّ مع عدم الاستطاعة المالية فذكر الماتن مسلّمیة عدم الاجزاء عند الأصحاب و أنّ دلیلهم منحصر في الاجماع و لولاه لكان مقتضی القاعدة الاجزاء لاتّحاد ماهیّة المندوب و الواجب في الحجّ نظیر ما إذا أتی الصبي بصلاة الظهر ندبا ثمّ بلغ في الأثناء فأشكل علیه بوجود دلیل آخر غیر الإجماع و هو روایة مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«لو أنّ عبدا حجّ عشر حجج كانت علیه حجّة الإسلام أیضا إذا استطاع إلی ذلك سبیلا و لو أنّ غلاما حجّ عشر سنین ثمّ احتلم كانت علیه فریضة الإسلام، و لو أنّ مملوكا حجّ عشر حجج ثمّ أعتق كانت علیه فریضة الإسلام إذا استطاع إلیه سبیلا» (1)و ضعفها منجبر بالإجماع علی العمل بها، بل الحكم مطابق للقاعدة من عدم إجزاء امتثال متعلّق حكم عن متعلّق حكم آخر و لا اتّحاد في الماهیة في المقام؛إذ هو نظیر ما إذا صلّی الصبي في یوم ثمّ بلغ في یوم آخر.مع أنّه لو بنی علی الاتّحاد


1) باب 19، أبواب وجوب الحجّ، أوردناه بتمامه من الاستبصار 2:141.

..........

لكان تعدّد السبب یقتضي تعدّد المسبّب و عدم التداخل في المسبّبات، فیتعلّق السبب الثاني بوجود ثان للماهیة الواحدة.

و الصحیح:ما قدّمناه في صدر بحث الاستطاعة من وجود خلاف جماعة في ذلك مضافا إلی أنّ التزام المشهور ببعض الفروع المشار إلیها آنفا لا تتطابق مع ظاهر تصریحهم بأخذ الاستطاعة المالية قیدا في مشروعیة الوجوب، فراجع.

و أمّا روایة مسمع بن عبد الملك فهي لا تنهض قبال الطوائف المتعدّدة و دلالة الآیات علی أنّ الاستطاعة قید التنجیز كما بسطنا القول في ذلك سابقا. مضافا إلی أنّ ظاهرها نظیر موثقة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الواردة في من لم یكن له مال فحجّ به اناس من أصحابه، أنّه:(فإن أیسر بعد ذلك فعلیه أن یحجّ) (1).

و روایة أبي بصیر عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال له:إنّ رجلا معسرا، أحجّه رجل كانت له حجّة فإن أیسر بعد ذلك كان علیه الحجّ (2)، و كذلك الناصب إذا عرف فعلیه الحجّ و إن كان قد حجّ» (3)المحمولتین علی الاستحباب.

و عبارة الشیخ في التهذیب قد یستظهر منها ذلك في ذیل الروایة التي ذكرها بعد هذه الروایة.

علی أنّ التعبیر بلفظة و عنوان (العبد) منسبق إلی الرقّ، و إن كان قد یحمل علی (الحرّ) بقرینة (المملوك) فیپي الفقرة الثالثة من الروایة، لكنّه لا یخلو من إبهام، لعلّه واقع من اشتباه الراوي.

نعم ما ذهب إلیه الماتن من الاجزاء مع بنائه علی قیدیة الاستطاعة للمشروعیة غیر تامّ لتباین الماهیّتین إلاّ إذا اقترن الحكمان في عام واحد فلاحظ ما حرّرناه من القاعدة في حجّ الصبي و بلوغه في الأثناء.


1) باب 10، أبواب وجوب الحجّ، ح 6.

2) باب 21، أبواب وجوب الحجّ، ح 5.

3) باب 23، ح 5.

مسألة 66:إذا حجّ مع استلزامه لترك واجب أو ارتكاب محرم لم یجزه

(مسألة 66):إذا حجّ مع استلزامه لترك واجب أو ارتكاب محرم لم یجزه (1) عن حجّة الإسلام و إن اجتمع سائر الشرائط، لا لأنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه لمنع أوّلا، و منع بطلان العمل بهذا النهي ثانیا، لأنّ النهي متعلّق بأمر خارج، بل لأنّ الأمر مشروط بعدم المانع و وجوب ذلك الواجب مانع، و كذلك النهي المتعلّق بذلك المحرم مانع و معه لا أمر بالحجّ.نعم لو كان الحجّ مستقرّا علیه و توقّف الآتيان به علی ترك واجب أو فعل حرام دخل في تلك المسألة و أمكن أن یقال بالاجزاء لما ذكر من منع اقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضدّه و منع كون النهي المتعلّق بأمر خارج موجبا للبطلان.

مسألة 67:إذا كان في الطریق عدوّ لا یندفع إلاّ بالمال فهل یجب بذله و یجب الحجّ أو لا؟

(مسألة 67):إذا كان في الطریق عدوّ لا یندفع إلاّ بالمال فهل یجب بذله و یجب الحجّ أو لا؟أقوال ثالثها:الفرق بین المضرّ بحاله و عدمه فیجب في الثاني دون الأوّل (2).

المورد الثاني عشر:إذا حجّ مع عدم أمن الطریق أو مع عدم صحّة البدن أو مع كونه حرجا علیه أو مع ضیق الوقت، و قد فصّلنا الكلام فیه في مسألة (36) المتقدّمة.

قد تقدّم الحال مرارا في هذه المسألة أنّه لم یؤخذ عدم المانع الشرعي قیدا في الاستطاعة فیكون من باب التزاحم.

حكی عن جماعة من المتقدّمین و المتأخّرين عدم الوجوب مطلقا، أمّا لكونه إعانة علی الظلم أو لكون ذلك تلفا للمال و ضررا مرفوعا.

و أیّد بعض محشي العروة ذلك بأنّ هناك فرقا بین أن یبذل المال في مئونة الحجّ و بین أو یؤخذ بعنوان النهب أو السرقة فیكون ضررا لیس من مئونة الحجّ و هو مرفوع و أیّد بعض آخر ذلك بالتفصیل بین أن یكون العدوّ مانعا عن الطریق و لكن یمكن دفعه ببذل المال الیسیر و بین ما إذا كان طالبا للمال ابتداءً فإنّه في الصورة الاولی لیست تخلیة السرب متحقّقة بالفعل بل هي من القدرة علی تحقیق قید الوجوب-أي القدرة علی تحقیق التخلیة-فلیس موضوع الوجوب متحقّقا.

مسألة 68:لو توقّف الحجّ علی قتال العدو لم یجب حتی مع ظنّ الغلبة علیه و السلامة.

(مسألة 68):لو توقّف الحجّ علی قتال العدو لم یجب حتی مع ظنّ الغلبة علیه و السلامة.

و قد یقال بالوجوب في هذه الصورة (1).

مسألة 69:لو انحصر الطریق في البحر وجب ركوبه

(مسألة 69):لو انحصر الطریق في البحر وجب ركوبه إلاّ مع خوف الفرق أو المرض خوفا عقلائيا أو استلزامه الاخلال بصلاته أو إیجابه لأكل النجس أو شربه و لو حجّ مع هذا صحّ حجّه؛لأنّ ذلك في المقدّمة و هي المشي إلی المیقات كما إذا ركب دابة غصبیة إلی المیقات (2).

مسألة 70:إذا استقرّ علیه الحجّ و كان علیه خمس أو زكاة أو غیرهما من الحقوق الواجبة وجب علیه أداؤها

(مسألة 70):إذا استقرّ علیه الحجّ و كان علیه خمس أو زكاة أو غیرهما من الحقوق الواجبة وجب علیه أداؤها و لا یجوز له المشي إلی الحجّ قبلها و لو تركها عصی و أمّا و اجیب:بالفرق بین أخذ المال قهرا ابتداءً و بین أخذه باختیار المالك لیسمح له بالعبور فإنّه في الأوّل یكون ضررا فأمّا في الثاني فإنّه من القدرة القریبة علی تخلیة السرب بل هو من التحقّق الفعلي له بحیث لا یقال في العرف أنّه مصدود فیكون من المئونة المالية في الحجّ.

و یؤیّد ذلك أنّه ما الفرق بین أن یمنع المانع منعا مطلقا من دون طلبه للمال مع التمكّن من رفع منعه بالمال و بین المنع المعلّق علی عدم دفع المال الذي طلبه فإنّه في كلا الصورتین هناك منع عن جواز الطریق.غایة الأمر أنّ هذا المنع لا یعدّ معدوما لتخلیة السرب عرفا مع القدرة علی بذل المال.

نعم لو كان المال المحتاج إلی بذله مجحفا بحاله أو حرجیا علیه كان من باب عدم الاستطاعة المالية، كما أنّ الانصاف أنّ مصادیق المنع تشكیكیة فبعضها و إن أمكن رفعه ببذل المال إلاّ أنّ نحو المنع و نمطه یعدّ عرفا صدّا، و بعضها ممّا یتخفّف المنع و لم یكن القصد عدوانیا بحتا فلا یعدّ صدّا.

لم یجب لأنّه من القدرة البعیدة علی تخلیة السرب.

تقدّم الحال في شقوق هذه المسألة من الفروعات السابقة فلا حاجة للتكرار.

حجّه فصیح إذا كانت الحقوق في ذمّته لا في عین ماله.و كذا إذا كانت في عین ماله و لكن كان ما یصرفه في مئونته من المال الذي لا یكون فیه خمس أو زكاة أو غیرهما أو كان ممّا تعلّق به الحقوق و لكن كان ثوب إحرامه و طوافه و سعیه و ثمن هدیه من المال الذي لیس فیه حقّ بل و كذا إذا كانا ممّا تعلّق به الحقّ من الخمس و الزكاة إلاّ أنّه بقي عنده مقدار ما فیه منهما بناء علی ما هو الأقوی من كونهما في العین علی نحو الكلّي في المعین لا علی وجه الاشاعة (1).

مسألة 71:یجب علی المستطیع الحجّ مباشرة

(مسألة 71):یجب علی المستطیع الحجّ مباشرة فلا یكفیه حجّ غیره عنه تبرّعا أو بالإجارة إذا كان متمكّنا من المباشرة (2).

لا إشكال في صحّة الحجّ إذا أتی به بالمال المتعلّق بالخمس و الزكاة فإنّ غایته أن یكون مغصوبا، و قد تقدّم أنّه لا یخلّ بصحّة الحجّ إلاّ إذا اشتری ثوب الاحرام بعینه و أوقع طوافه فیهما أو اشتری الهدي بعینه أیضا كما تقدّم ذلك في مسألة (52) و أمّا تقدّم أداء الخمس علی الحجّ في فرض استقرار الحجّ فلیس لأجل الأهمّیة من باب المزاحمة بل من باب أنّ مقدار الخمس و الزكاة مال الغیر أو محقوق للغیر و الأصحّ أنّه بنحو الاشاعة و من ثمّ لا یجوز التصرّف إلاّ أن یخرج خمسه.

هو مقتضی الظهور الأوّلي من الأوامر المباشرية و هو ما یسمّی بأصالة التعبّد بالمعنی الثاني، مضافا إلی تواتر دلالة النصوص علی ذلك سوی المریض و الشیخ الهرم.

النیابة

مسألة 72:إذا استقرّ الحجّ علیه و لم یتمكّن من المباشرة لمرض لم یرج زواله

(مسألة 72):إذا استقرّ الحجّ علیه و لم یتمكّن من المباشرة لمرض لم یرج زواله أو حصر كذلك أو هرم بحیث لا یقدر أو كان حرجا علیه، فالمشهور وجوب الاستنابة علیه.بل ربّما یقال:بعدم الخلاف فیه و هو الأقوی و إن كان ربّما یقال لعدم الوجوب و ذلك لظهور جملة من الأخبار في الوجوب، و أمّا إن كان موسرا من حیث المال و لم یتمكّن من المباشرة مع عدم استقراره علیه ففي وجوب الاستنابة و عدمه قولان، لا یخلو أوّلهما عن قوّة لإطلاق الأخبار المشار إلیها و هي و إن كانت مطلقة من حیث رجاء الزوال و عدمه لكن المنساق من بعضها ذلك، مضافا إلی ظهور الإجماع علی عدم الوجوب مع رجاء الزوال و الظاهر فورية الوجوب كما في صورة المباشرة و مع بقاء العذر إلی أن مات یجزئه حجّ النائب فلا یجب القضاء عنه و إن كان مستقرّا علیه و إن اتّفق الارتفاع بعد ذلك فالمشهور أنّه یجب علیه مباشرة و إن كان بعد إتیان النائب، بل ربّما یدّعی عدم الخلاف فیه لكن الأقوی عدم الوجوب؛لأنّ ظاهر الأخبار أنّ حجّ النائب هو الذي كان واجبا علی المنوب عنه فإذا أتی به فقد حصل ما كان واجبا علیه و لا دلیل علی وجوب مرّة اخری، بل لو قلنا باستحباب الاستنابة فالظاهر كفایة فعل النائب بعد كون الظاهر الاستنابة فیما كان علیه و معه لا وجه لدعوی أنّ المستحبّ لا یجزئ عن الواجب إذ ذلك فیما إذا لم یكن المستحبّ نفس ما كان واجبا و المفروض في المقام أنّه هو بل یمكن أن یقال إذا ارتفع العذر في أثناء عمل النائب بأن كان الارتفاع بعد إحرام النائب أنّه یجب علیه الاتمام و یكفي عن المنوب عنه.

بل یحتمل ذلك و إن كان في أثناء الطریق قبل الدخول في الاحرام و دعوی أنّ جواز النیابة ما دامي كما تری بعد كون الاستنابة بأمر الشراع و كون الاجارة لازمة لا دلیل علی انفساخها خصوصا إذا لم یمكن ابلاغ النائب الموجر ذلك و لا فرق فیما ذكرنا من وجوب الاستنابة بین من عرضه العذر من المرض و غیره و بین من كان معذورا خلقة

و القول بعدم الوجوب في الثاني و إن قلنا بوجوبه في الأوّل ضعیف و هل یختصّ الحكم بحجّة الإسلام أو یجري في الحجّ النذري و الافسادي أیضا؟قولان و القدر المتیقّن هو الأوّل بعد كون الحكم علی خلاف القاعدة و إن لم یتمكّن المعذور من الاستنابة و لو لعدم وجود النائب أو وجوده مع عدم رضاه إلاّ بأزید من اجرة المثل، و لم یتمكّن من الزیادة أو كانت مجحفة سقط الوجوب و حینئذ فیجب القضاء عنه بعد موته إن كان مستقرّا علیه، و لا یجب مع عدم الاستقرار و لو ترك الاستنابة مع الإمكان عصی بناء علی الوجوب و وجب القضاء عنه مع الاستقرار، و هل یجب مع عدم الاستقرار أیضا أو لا وجهان؟أقواها نعم لأنّه استقرّ علیه بعد التمكّن من الاستنابة و لو استناب مع كون العذر مرجوّ الزوال لم یجزئ عن حجّة الإسلام فیجب علیه بعد زوال العذر و لو استناب مع رجال الزوال و حصل الیأس بعد عمل النائب فالظاهر الكفایة و عن صاحب المدارك عدمها و وجوب الإعادة لعدم الوجوب مع عدم الیأس فلا یجزئ عن الواجب و هو كما تری و الظاهر كفایة حجّ المتبرّع عنه في صورة وجوب الاستنابة و هل یكفي الاستنابة من المیقات كما هو الأقوی في القضاء عنه بعد موته وجهان؟لا یبعد الجواز حتی إذا أمكن ذلك في مكّة مع كون الواجب علیه هو التمتّع، و لكن الأحوط خلافه لأنّ القدر المتیقّن من الأخبار الاستنابة من مكانه كما انّ الأحوط عدم كفایة التبرّع عنه لذلك أیضا (1).

بحث في النیابة المعروف في تحریر هذه المسألة ما في المتن من جعل وجوب الاستنابة كبدل عن وجوب الحجّ مباشرة، و لكن في كلمات عدّة من المتقدّمین كالشیخ و ابن البرّاج و ابن حمزة، و قد یظهر من الشهید أیضا تقسیم قیود الاستطاعة إلی قسمین فجعلوا الاستطاعة المالية قیدا لأصل وجوب الحجّ أعمّ من المباشرة و النیابة و جعلوا الاستطاعة السربیة و البدنیة قیدا للوجوب المباشري.

..........

و من ثمّ قد یظهر من بعضهم البناء علی لزوم الاستنابة عن المیّت الموسر مطلقا و إن لم یستقرّ الحجّ المباشري أو الاستنابي علیه و هو حيّ.

كما یظهر ذلك من الروایات الواردة في النیابة عن المیّت (1)، و قد تقدّمت الإشارة إلیها في صدر بحث الاستطاعة.

و من ثمّ تكون هذه الطائفة المستفیضة جدّا هي من أدلّة المسألة في المقام، و إن لم یوردها الأصحاب في ذیل هذه المسألة.

و لكن ما تقدّم من كلام الجماعة المتقدّمین مشعر بالاستشهاد بهذه الطائفة لهذه المسألة، و سیأتي تقریب دلالتها بعد استعراض ما ذكر من الروایات الخاصّة فیها.

و بحسب نطاق دلالتها سوف یتّضح الحال في الصور الثلاث التي ذكرها الماتن و كذا الحال في الرابعة.

فأمّا الروایات الخاصّة بها فالاولی من الطائفة الاولی صحیحة معاویة بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«إنّ علیّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأی شیخا لم یحجّ قطّ و لم یطق الحجّ من كبره فأمره أن یجهّز رجلا فیحجّ عنه» (2).

و تقریب الدلالة فیها أنّها مختصّة بما إذا كان المانع عن الحجّ مباشرة هو الشیخوخة و الهرم مع فرض كونه موسرا فالمتحقّق من اجزاء الاستطاعة هو المال و لم یقیّد في فرض الروایة استقرار الحجّ علیه سابقا، و هو یدلّ علی الإطلاق و دعوی أنّها قضیة في واقعة فلا یستفاد منها الإطلاق.

مدفوعة بأنّ كون الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صدد الحكایة لتلك الواقعة قرینة علی التمثیل للقضیة الحقیقية بسرد تلك الواقعة، فلو كانت ثمّة شيء دخیلا في وجوب الاستنابة لحكاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخلاف ما إذا روی أحد الرواة تلك الواقعة عن أمیر المؤمنین (عَلَيهِ السَّلَامُ).

و هناك ما یدعم الاطلاق و هو تعبیره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ«لم یطق الحجّ من كبره» أداة لنفي ما


1) باب 25 إلی 31، أبواب وجوب الحجّ،

2) باب 24، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

..........

سبق ممّا یدلّ علی عدم استقرار المباشري علیه سابقا لحصول مانع الكبر عند حصول الاستطاعة المالية فإن لم یكن الحدیث مختصّا بغیر من استقرّ علیه الحجّ فهذا التعبیر ناصّ علی التعمیم لمن لم یستقرّ علیه الحجّ.

و قد یقال أیضا برفع الخصوصیة عن الشیخوخة إلی مطلق المانع المستمرّ عن المباشرة كالمرض المزمن أو الاقعاد، حیث انّ الشیخوخة مانع غیر مرتفع.بل قد یقال بشمول الدلالة لمثل المعضوب-أي الممنوع خلقة-و شبهه إذ ما هو الفارق بین الشیخ الذي لم یستطع مالیا للحجّ إلاّ بعد شیخوخته و بینه.

أمّا صحیحة الحلبي(الروایة الثانية)

عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«إذا قدر الرجل علی ما یحجّ به ثمّ دفع ذلك و لیس له شغل یعذره به فقد ترك تشریعة من شرائع الإسلام، و إن كان موسرا و حال بینه و بین الحجّ مرض أو حصر أو أمر یعذره اللّه فیه، فإنّ علیه أن یحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له، و یقضي عن الرجل حجّة الإسلام من جمیع ماله» (1).

و تقریب الدلالة فیها:أنّ ظاهر عنوان (المرض) مطلق بل انّ عنوان (الحصر) في الروایة التي هي بطریق الشیخ في التهذیب دون طریق الصدوق و الكلیني (و متن الروایة مقطّع في طریقهما دون الشیخ كما هي عادة الشیخ في إیراد متن الروایة كاملا) أقوی دلالة في عموم المرض لما یقبل الزوال غیر المستمرّ.

و كذلك إطلاق (أمر یعذره اللّه فیه) فیكون نطاق هذه الصحیحة أوسع من الصحیحة السابقة.

أمّا تقریب الاجزاء بعد ارتفاع العذر فسیأتي في نهایة محصّل الروایات.


1) باب 24، أبواب وجوب الحجّ، ح 2.و باب 6، ح 3، أورد كلّه في التهذیب ج 5، ص 446، ح 1405، طبعة مكتبة الصدوق.

..........

و أشكل علی الإطلاق فیها بأنّ العذر المانع اضیف إلی طبیعة الحجّ و هي ذات أفراد زمانیة إلی آخر العمر؛إذ انّ المكلّف لو سوّف و ترك الفورية لا یكون ما یأتي به في السنین القابلة قضاء بل أداء للطبیعة الواجبیة فبقرینة كون المانع مانعا عن طبیعة الحجّ یكون محصّل الدلالة تقیید إطلاق الموضوع بخصوص المرض المستمرّ إلی آخر العمر، فلو ارتفع قبل آخر العمر و إن كان قد استناب من قبل یكشف عن عدم الاجزاء و یلزم علیه المباشرة كما نسب إلی المشهور.

و فیه:إنّ إطلاق طبیعة أفراد الحجّ إذا لوحظت من حیث هي تستوعب تمام أفراد سنيّ العمر لكنّه قد حرّر في مقدّمة الواجب في الاصول أنّ إطلاق الطبیعة یضیق بضیق الموضوع و هو مقتضی ما قالوا من أنّ كلّ قید وجوب قید الواجب-لا كقید الواجب المبعوث إلیه-بل بمعنی قصر الطبیعة المطلقة الوجبة في موارد توفّر و فرض وجود قید الوجوب فمع انتفاء قید الوجوب لا إطلاق في طبیعة الواجب حینئذ و مقتضی ذلك حینئذ هو لزوم ضمّ لحاظ حصول قیود الوجوب و بتبع نطاق حصولها یكون لطبیعة الواجب سعة، فمع بناء المشهور المنصور من كون الاستطاعة لكلّ عام تقتضی وجوب الحجّ في ذلك العام لا لمطلق الأعوام، یكون الواجب حینئذ هو في خصوص ذلك العام.

نعم لو ترك الحجّ في عام الاستطاعة یستقرّ علیه الوجوب من دون تقیید بعام، إلاّ أنّ الكلام لیس في وجوب الحجّ المستقرّ و لیس في من قد استقرّ علیه الحجّ؛إذ الصحیحتین كما عرفت في من تحقّقت لدیه صرف الاستطاعة المالية مع توفّر المانع.

بل لو بنینا علی وحدة الوجوب حدوثا و استقرارا كما هو الصحیح فمع ذلك لا نلتزم بسعة الطبیعة ما دام العمر في الفرض لأنّ الفرض أنّها تابعة للوجوب و المفروض في خصوصیة المقام أنّ الوجوب منتف لانتفاء موضوعه بعدم

..........

الاستطاعة البدنیة.

مضافا إلی أنّ ظهور عنوان (المرض) بل و خصوص عنوان (الحصر) في المرض غیر المستمرّ لا یمكن إنكاره، أي أنّه لو لم یكن مختصّا به فهو شامل له بظهور قویّ جدّا.

و یعضد ذلك صدر الروایة المتعرّض لحرمة التسویف و هي بلحاظ العام الواحد -أي عام الاستطاعة-أیضا.و من ثمّ ذهب جماعة كثیرة إلی ظهور الروایات في استحباب الاستنابة

و ذلك لما استظهروه من عموم الروایات لموارد رجاء الزوال أیضا.

ثمّ إنّ ظهور هذه الصحیحة و التي قبلها في وجوب الاستنابة لمكان استعمال مادّة الأمر في الاولی و التعبیر بـ(علیه) في الثانية كما أنّه قد جعل فیهما متعلّق الأمر الاستنابة لا الإحجاج و البذل للغیر كما احتمله بعضهم، إذ قیّد الحجّ بـ(عنه)، أمّا تقیید النائب-بالصرورة الذي لا مال له - فلو بنی علی الاستحباب فیه فلا دلالة له علی استحباب أصل الاستنابة لأنّ رفع الید عن لزوم ذلك القید لشاهد یخصّه (1)علی تقدیر التسلیم به لا یعمّ أصل الأمر بالاستنابة.

مضافا إلی ما سیأتي في طائفة وجوب الاستنابة عن المیّت من ورودها في مطلق من مات و له تركة و إن لم یستقرّ علیه الحجّ سابقا، بل و إن لم یتمكّن من الاستنابة أیضا و أنّ بعضها خاصّ في من عزم علی الحجّ و مات أثناء الطریق الدالّ علی أنّ لزوم الاستنابة یتحقّق بالاستطاعة المالية.

و إشكال صاحب المدارك في ذلك بأنّه یقتضي عدم اعتبار الاستطاعة السربیة في أحد المكلّفین في وجوب الحجّ و لأجل ذلك استظهر الجواهر الندبية في الاستنابة.

لا مجال له لأنّ جزئي الاستطاعة الآخرین قیدان في الوجوب المباشري البدني.


1) باب 6، أبواب النیابة، و الباب 28، أبواب وجوب الحجّ، ح 8.

..........

و الروایة الثالثة روایة سلمة أبي حفص

عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّ رجلا أتی علیّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) و لم یحجّ قطّ، فقال:إنّی كنت كثیر المال و فرّطت في الحجّ حتی كبرت سنّي فقال:«فتستطیع الحجّ؟» فقال:لا، فقال له عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ):«إن شئت فجهّز رجلا ثمّ ابعثه یحجّ عنه» (1).

و هذه الروایة موردها من استقرّ علیه الحجّ و الظاهر منها وحدة الواقعة مع صحیحة معاویة بن عمّار، فمن ثمّ یستشكل في إطلاق الصحیحة المتقدّمة لغیر من استقرّ علیه الحجّ.

و فیه:مضافا إلی عدم امتناع تعدّد الواقعة و تعدّد بیان الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) للراویین أنّ معاویة بن عمّار الدهني هو من أوحدي الرواة في باب روایات الحجّ فإنّ غالبها مرويّ بروایته عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فالأضبطیّة له.

و أمّا تعلیق الاستنابة فیها علی المشیة فهو نظیر ما ورد في كثیر من الأبواب من بیان طریق أداء الوظیفة و الامتثال بمعنی المشیة لتفریغ الذمّة.

أمّا الروایة الرابعة:مرسلة المفید في المرأة الخثعمیة

فهي دالّة علی جواز نیابة المرأة عن الرجل، و في دلالتها علی وجوب خفاء لأنّ الأمر قد وجّه إلی البنت فمن ثمّ حملها بعض علی موت الأبّ و استقرار الفریضة علیه فلزوم الاستنابة حینئذ علی الوارث و هو البنت و لكنّه تكلّف.

الروایة الخامسة:صحیحة محمّد بن مسلم

عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«كان عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) یقول:لو أنّ رجلا أراد الحجّ فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم یستطیع الخروج فلیجهّز رجلا من ماله ثمّ لیبعثه مكانه» (2).


1) باب 24، أبواب وجوب الحجّ، ح 3.

2) باب 24، أبواب وجوب الحجّ، ح 5.

..........

و ظاهرها الاطلاق لكلّ من الواجب و المستحبّ فمن ثمّ احتمل بعض أنّ الأمر فیها هو بالاحجاج و البذل للغیر لیحجّ، لكنّه خلاف ظاهر التعبیر ب(مكانه)بل قیل بأنّها خاصّة في المستحبّ لتقیید الفرض فیها بإرادة الحجّ، و هو في خصوص المستحبّ.

و لكنّه كما قد عرفت متكرّر في الروایات كثیرا، و المراد منه مجرّد بیان الفرض لا التعلیق علی الإرادة.

و علی أیّة حال فالروایة دالّة علی مشروعیة الاستنابة و علی تقدیر اختصاصها بحجّة الإسلام الواجبة، فإنّ الموضوع فیها قد نصّ فیه علی المانع المرجوّ الزوال كما هو مقتضی (السقم).

ثمّ إنّ البدلية المستفادة فیها بناء علی عموم الحجّ لكلّ من الواجب و المستحبّ و سواء كان عقوبة أو غیره، یستفاد منها مشروعیة الاستنابة في حجّ القضاء و العقوبة و المنذور فحینئذ قد یقرب لزوم الاستنابة و ذلك من الالتفات إلی أنّ الروایة في صدد بدلیة الاستنابة عن المباشرة نظیر بدایة التيمّم عن الوضوء في طبیعي الصلاة بغضّ النظر عن كون صنف الطبیعة لازما أو ندبیا، أي أنّ كلاّ بحسبه ففي موارد لزوم المباشرة یلزم الاستنابة و في موارد الندبية تندب النیابة.

فلا یشكل حینئذ بأنّ الأمر الواحد كیف یستفاد منه الندب تارة و الوجوب اخری؛ إذ هذا شأن الأدلّة الوضعية الواردة في المركبات و أبدالها فمثل لا صلاة إلاّ بالطهور في صدد الوجوب الشرطي التكلیفي كي یختصّ بالصلاة الواجبة و لا الندبي كي یختصّ بالصلاة الندبية بل هو في صدد بیان ماهیّة المركّبات أو أبدال الاجزاء.

و لا ینافي ما قرّرناه من كون الاستنابة في الحجّ الندبي غیر مقیّدة بالعجز عن المباشرة، و ذلك لكونه نظیر الصلاة من جلوس الندبية مع الصلاة من قیام فیها.

..........

أمّا صحیحة عبد اللّه بن سنان (1)فدلالتها كصحیحة معاویة بن عمّار المتقدّمة.

و أمّا حسنة عبد اللّه بن میمون فدلالتها أیضا كصحیحة معاویة.

و أشكل في الدلالة بتعلیق الاستنابة علی المشیة كما تقدّم و هي دالّة علی استحباب استنابة من لم یستقرّ علیه الحجّ.

أمّا الطائفة الثانية:و فیها أنماط:

فهي ما ورد من الصحاح المتعدّدة في لزوم الاستنابة عن المیّت الذي لم یحجّ و كانت له تركة فلم تقیّد باستقرار الحجّ لا المباشري و لا استقرار الاستنابة علیه نظیر صحیحة معاویة بن عمّار قال:سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل مات فأوصی أن یحجّ عنه، قال:«إن كان صرورة فمن جمیع المال» (2).و هذا هو النمط الأوّل من هذه الطائفة.

و ما في صحیحته الاخری (3)من التعلیل أنّه بمنزلة الدین الواجب لا ینافي ما ذكرنا بدعوی أنّ الظاهر الدین هو الحجّ الذي یستقرّ علیه كذلك هو مقتضی الظهور الایصاء حیث انّها في مورد المشغول ذمّته فلا إطلاق فیها في مثل روایات هذا الباب و فیه:أنّه علی ما ذكرنا أیضا یكون بمنزلة الدین حیث أنّه تتحقّق الاستطاعة المالية و لو في آن آخر عمره و یتوجّه الوجوب في ذمّته وجوب الحجّ الاستنابي إذ الفرض عدم الاستطاعة البدنیة مع تعقّب الموت و كذا الحال في الایصاء فإنّ الوصية بالحجّ أعمّ و من ثمّ فصّل (عَلَيهِ السَّلَامُ) (في روایات الباب) بین ما إذا كان صرورة و في قباله من قد حجّ ممّا یدلّ علی أنّ الوصية عامّة.

و بعبارة اخری:انّ الصرورة المأخوذة شرطا لم یقیّد بتحقّق الاستطاعة للحجّ المباشري فیها بل أخذ فیها صرف كونه صرورة و له مال، و یعضد ذلك ما سیأتي من


1) نفس الباب، ح 6.

2) باب 25، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

3) باب 5، أبواب وجوب الحجّ، ح 4.

..........

النمط الثاني ممّا ورد في المیّت كصحیحة زرارة و ضریس و برید العجل» و مرسلة المقنعة (1)الواردة في من كان محرما أو خرج حاجّا فمات في الحرم، فإن یجزأ عنه و إن كان دون الحرم فیقضي عنه ولیّه، و تلك الروایات مطلقة من حیث استقرار الحجّ سابقا و عدمه.و قد التزم بإطلاق وجوب القضاء المفید و الشیخ و إن خالفهما أكثر من تأخّر عنهما، و وافقهما بعض متأخّري الأعصار و هو الصحیح من إطلاق الأمر.

و مقتضی القاعدة بعد ما عرفت من أنّ الاستطاعة المالية تمام موضوع الوجوب -للاستنابة في الحجّ-للممنوع بدنیا عن الحجّ فلیس القضاء هاهنا في الروایات من المعنی الاصطلاحي أي القضاء عمّا وجب علیه مباشرة؛إذ انتفاء الاستطاعة البدنیة قبل الاعمال بالموت كاشف عن عدم وجوب الحجّ المباشري لا عدم الحجّ الاستنابي بعد فرض بقاء مال المیّت الذي هو تمام الموضوع للحجّ الاستنابي.

النمط الثاني:

أمّا صحیحة ضریس عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ):قال في رجل خرج حاجّا حجّة الإسلام فمات في الطریق فقال:«إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجّة الإسلام، و إن مات دون الحرم فلیقض عنه ولیّه حجّة الإسلام» (2).

و إطلاق الذيل واضح، و كذا صحیحة برید العجلي قال:سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل خرج حاجّا و معه جمل له و نفقة و زاد فمات في الطریق، قال:«إن كان صرورة ثمّ مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجّة الإسلام، و إن كان مات و هو صرورة قبل أن یحرم جعل جمله و زاده و نفقته و ما معه في حجّة الإسلام، فإن فضل من ذلك شيء فهو للورثة إن لم یكن علیه دین»، قلت:أ رأیت إن كانت الحجّة تطوّعا ثمّ مات في الطریق بل أن یحرم لمن یكون جمله و نفقته و ما معه؟قال:«یكون جمیع ما معه و ما ترك للورثة إلاّ أن یكون علیه دین


1) باب 26، أبواب وجوب الحجّ.

2) باب 26، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

..........

فیقضی عنه أو یكون أوصی بوصیّة فینفذ ذلك لمن أوصی له و یجعل ذلك من ثلثه» (1).

و مثلها صحیحة زرارة و مرسلة المقنعة (2).

النمط الثالث:

صحیحة معاویة بن عمّار قال:سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل یموت و لم یحجّ حجّة الإسلام و یترك مالا؟قال:«علیه أن یحجّ من ماله رجلا صرورة لا مال له» (3)زاد:«أن یحجّ عنه» في التهذیب المطبوع لا في الوسائل.

و مورد الروایة هو صرف الموت و توفّر المال و إن لم یوص و مطلقة من حیث الاستقرار و عدمه، و ظاهر (علیه) الوجوب، و حیث أنّ المشهور أو الأكثر بنوا علی أنّ الحجّ الواجب بالأصل هو المباشري و أنّ الاستنابي بدل و حملوا الأمر بالاستنابة في هذه الروایات علی ما لو استقرّ علیه الحجّ المباشري أو أنّه یحمل علی الاستحباب أو أنّه خاصّ بالمیّت و كلّ هذه تكلفات بعد ما عرفت من اتّفاق هذه الطوائف من الروایات علی معنی واحد و هو تكون الاستطاعة المالية تمام موضوع وجوب الاستنابة.

حیث انّ ظهور هذه الروایات الواردة في المیّت أنّ وجوب الاستنابة كان علیه و هو حي أي قد شغل ذمّته بمجرّد المال مع فرض عدم تمكّنه البدني لفرض موته بعد تملّكه للمال فهي متّحدة الوجه مع الطائفة الاولی.

و مثلها صحیحة محمّد بن مسلم و موثّقة سماعة (4).

و هي:سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل یموت و لم یحجّ حجّة الإسلام و لم یوص بها و هو موسر فقال:«یحجّ عنه من صلب ماله لا یجوز غیر ذلك».


1) باب 26، أبواب وجوب الحجّ، ح 2.

2) نفس الباب، ح 3 و 4.

3) باب 28، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

4) نفس الباب، ح 2 و 3.

..........

و ذیلها:«لا یجوز غیر ذلك» یعیّن الوجوب، فتدبّر.

و كذا صحیحة محمّد بن مسلم الاخری و مثلها صحیحة رفاعة (1).

هذا و قد استدلّ بما دلّ علی قیدیة تخلیة السرب و الاستطاعة البدنیة في وجوب الحجّ علی استحباب الاستنابة المتقدّمة في الروایات جمعا بین الأدلّة.

و فیه:إنّما ورد من قیدیة الاستطاعة السربیة و البدنیة إنّما أخذ في الأمر بالحجّ الموجبة للمكلّف نفسه المخاطب به هو مباشرة، فلا تنافي لها مع مورد روایات وجوب الاستنابة، فلا تنافي بین الأدلّة كي یجمع بینها.

كما قد یستدلّ علی استحباب الاستنابة في مورد المیّت الذي لم یستقرّ علیه الحجّ بصحیحة معاویة بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«من مات و لم یحجّ حجّة الإسلام و لم یترك إلاّ بقدر نفقة الحجّ فورثته أحقّ بما ترك إن شاءوا حجّوا عنه و إن شاءوا أكلوا» (2).

و كذا صحیحة معاویة بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل توفّی و أوصی أن یحجّ عنه قال:«إن كان صرورة فمن جمیع المال إنّه بمنزلة الدین الواجب، و إن كان قد حجّ فمن ثلثه، و من مات و لم یحجّ حجّة الإسلام و لم یترك إلاّ قدر نفقة الحمولة و له ورثة فهم أحقّ بما ترك فإن شاءوا أكلوا و إن شاءوا حجّوا عنه» (3).

و مثلهما روایة هارون حمزة الغنوي (4).

و فیه:إنّ مفاد هذه الروایات لیس إلاّ اشتراط السعة في المال بنحو یوفّر علی عیاله مئونتهم.


1) نفس الباب ح 5 و 6.

2) تهذیب الأحكام، الزیادات في فقه الحجّ، ح 58، الرقم 1412.الوسائل، الباب 14، أبواب وجوب الحجّ.

3) الكافي، باب الرجل یموت صرورة، ح 1.

4) باب 14، أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

..........

و بعبارة اخری:هی في مورد خاصّ و هو اعواز مال المیّت بخلاف تلك الروایات المتقدّمة فإنّها في (ما ترك مالا) أعمّ من أن یكون قاصرا أو بحدّ نفقة العیال.

إن قلت:إنّه لو كان الحجّ علیه مستقرّا من قبل في حیاته فیكون بمنزلة الدین فیخرج من صلب التركة و إن لم یبق للورثة شيء، فهذا ممّا یدلّ علی حمل الروایات المتقدّمة في المیّت علی الاستحباب أو الوصية و نحو ذلك غیر النافذة فیما زاد علی الثلث.

قلت:إنّ هناك فرقا بین الحجّ المستقرّ علیه في حیاته المباشري أو الاستنابي في فترة كان یمكنه الاستنابة و بین ما لم یستقرّ علیه و إنّما حدث الوجوب عند آخر عمره بتملّكه للمال و إن انتفت عنه القدرة البدنیة بالموت و القدرة علی الاستنابة فحینئذ لا بدّ من كون ماله بحیث یحقّق الاستطاعة المالية هو بما یزید عن مئونة العیال، كي یتحقّق وجوب الاستنابة و یخرج من ماله فالتفصیل في الروایات بلحاظ ذلك، فتدبّر.

ثمّ إنّه لا ریب في دخول العدید من الصور المذكورة في المتن في نطاق الأدلّة و هي صورة من استقرّ علیه الحجّ و یئس عن المباشرة لشیخوخة أو مرض أو إقعاد، بل و كذا لو لم یستقرّ علیه و لكنّه تمكّن و أیسر مالیا و من ثمّ عرفت دخول المعذور خلقة عن المباشرة إذا أیسر، و كذا الحال في ما إذا كان الممنوع لمرض مرجو الزوال و استناب الحجّ ثمّ إنّه طرأ علیه الیأس عن الزوال، إمّا بناء علی الممنوعیة بحسب الواقع و هي حاصلة و إمّا بناء علی إطلاق المرض و السقم و العذر و الحصر في الروایات المتقدّمة.

و أمّا من عرضه مرض مرجوّ الزوال یعلم بزواله فقد عرفت أنّ المنسوب إلی المشهور هو عدم الوجوب و علّل ذلك إمّا بانصراف الإطلاقات عنه أو بعدم صدق المنع عن الحجّ؛لكون الطبیعة شاملة للأفراد المقدورة فیما بعد أو لكون المنسبق من الأدلّة الاضطرارية لما كان عدم استیفاء الملاك كان اللازم فیها علی الاقتصار علی

..........

الاضطرار المستوعب، و لكن في هذه الوجوه نظر، أمّا الأوّل فلا منشأ للانصراف بعد عدم كون لسان الأدلّة من المطلق الذي یتأتّی فیه الانصراف بل بعضها المتقدّم ظاهر ظهورا قویا في العذر الطارئ غیر المستمرّ.و أمّا الثاني فقد تقدّم أنّ ذلك في وجوب الحجّ المستقرّ، و من ثمّ كان الأقوی فیه أي فیما إذا كان مستقرّا و المانع مرجوّ الزوال هو عدم وجوب الاستنابة و تعیّن الوجوب المباشري، و أمّا في غیر المستقرّ فلا یفرض بقاء الوجوب ما دام العمر كي تفرض سعة الطبیعة بذلك فمن ثمّ كان الاحتیاط في هذه الصورة علی بعض التقادیر هو الاستنابة لأنّه یحتمل أن لا تتوفّر لدیه الاستطاعة المالية في مستقبل أیامه و إن توفّرت الاستطاعة البدنیة بأین طبیعة الواجب المفروض سعتها و الملحوظ المانع المستوعب لذلك؟

و أمّا الثالث:فهو مبيی علی الثاني كما لا یخفی و إن اختلف عنه لبّا حیث إنّه مع فرض عدم امتداد طبیعة الواجب ما دام العمر لما تقدّم فذلك نحو استیعاب للاضطرار و أیضا فمن ثمّ كان مقتضی الأدلّة وجوب الاستنابة في هذه الصورة، و إن كان الأحوط بعد ارتفاع المانع و تحقّق الاستطاعة البدنیة و المالية مرّة اخری هو إتیان الحجّ المباشري لذهاب المشهور.و دعوی الإجماع أو لدعوی عدم استیفاء البدل الاضطراري تمام الملاك-هذا لو بنینا علی أنّه بدل-.

و من ذلك یتّضح الكلام في القضاء، و انّ الأحوط القضاء في ما لو ارتفع العذر و توفّرت الاستطاعة المالية-بعد ما عرفت من دلالة صحیحة محمّد بن مسلم علی البدلية-و إن كان الأقوی بمقتضی واقعیة الأمر الاستنابي و إطلاقه و مسلّمیته أنّ حجّة الإسلام واجبة مرّة في العمر بحسب الروایات، هو الاجزاء و عدم القضاء بإتیانه مباشرة.

ثمّ إنّه ظهر من إطلاق صحیحة محمّد بن مسلم الظاهرة في البدلية قوّة ما ذهب إلیه الشهید الأوّل في الدروس عن موضع النراقي في المستند بل حكی فیه عدم

..........

الخلاف و سیأتي في فصل الحجّ النذري (مسألة 11) حكایة ذهاب الشیخ و أتباعه إلی ذلك من وجوب الاستنابة في الحجّ النذري و الافسادي لا لأنّ الاستنابة هي عن النذر كي یستشكل في دلیل ذلك أو عن وجوب الحجّ العقوبي كي یستشكل في عدم وجود الدلیل الخاصّ علی ذلك، بل لدلالة صحیحة محمّد بن مسلم علی بیان بدلیة الاستنابة عن الحجّ المباشري في كلّي الطبیعي للحجّ، سواء كان ندبیا أو إلزاميا، واجبا بالأصالة أو بالعقوبة، كما في بدلیة التيمّم عن الوضوء أو الصلاة من القعود عن الصلاة من قیام، و سیأتي في مسألة (8-9-10-11) من فصل الحجّ النذري ما یدلّ علی قضاءه و الاستنابة عن المیّت.

أمّا الاستنابة فقد عرفت أنّها واجبة و لو بنی علی استحبابها و أنّ الأدلّة في صدد أصل المشروعیة، فالأقوی الاجزاء و لا مجال لتوهّم أنّ المستحبّ كیف یجزي عن الواجب؟لأنّ مصبّ الاستحباب حینئذ هو فردیة هذا الحجّ لا الطبیعة المضمنة فیه.

ثمّ إنّ الظاهر أیضا من الأدلّة هو فورية الاستنابة كما هو مقتضی القاعدة الأوّلیة في الأوامر أو في باب الحجّ.

و قد عرفت أنّه مطابق الاحتیاط علی بعض التقادیر التي یفرض فیها انتفاء الاستطاعة المالية إلی آخر العمر.

أمّا التبرّع الذي تعرّض له الماتن فإن كان مراده منه هو عدم لزوم الاستئجار و كفایة استنابة المكلّف نائبا مجّانا عنه فلا إشكال في الصحّة لعدم لزوم بذل المال في الحجّ المباشري أیضا للموسر بأن یتسكّع.

و أمّا إن أراد-كما هو الظاهر-إتیان الغیر الحجّ نیابة عن المنوب من دون استئماره فلا وجه للاجزاء، لما سیأتي في بحث الهدي من تحریر في حقیقة النیابة و كذلك في فصل النیابة من أنّ الواجب العبادي في مورد النیابة لا یكفي في عباديته نیّة النائب فقط بل لا بدّ من نیّة المنوب عنه أیضا و تقرّبه بالاستنابة مضافا إلی أنّ نحو توجّه

مسألة 73:إذا مات من استقرّ علیه الحجّ في الطریق

(مسألة 73):إذا مات من استقرّ علیه الحجّ في الطریق، فإن مات بعد الإحرام و دخول الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام فلا یجب علیه القضاء عنه، و إن مات قبل ذلك

الوجوب الجامع بین المباشر و النیابة مع كون النیابة فعل لغیر هو بعدلیة الاستنابة للایجاد المباشري و الأصل الأوّلی في الأوامر هو التعبدیة بمعنی إیقاعها عن اختیار و تسبیب.

نعم في خصوص المیّت دلّ الدلیل علی إجزاء التبرّع من دون تسبیب الورثة (1)، و من ثمّ كان الأقوی في الحيّ عند احتضاره إذا كانت له مكنة مالیة بناء علی ما قدّمناه من إطلاق وجوب الاستنابة و إن لم یستقرّ علیه الحجّ عن المیّت و هو وجوب إیصائه بالحجّ كي یتحقّق التسبیب.

أمّا الإجارة فالصحیح كما ذهب إلیه الماتن من عدم بطلانها في ما إذا أوقعت علی الاستنابة للحجّ من دون تقیید بتفریغ الذمّة حیث أنّ الاستنابة مطلقا مشروعة، سواء كانت عن الحجّ الواجب أو المندوب، فانتفاء مشروعیة الاستنابة عن الحجّ الواجب لا یرفع مشروعیّة مطلق طبیعي الاستنابة المتحقّق عن المندوب، فموضوع الإجارة باق.

نعم، لو أوقع الاجارة علی تفریغ الذمّة انتفی موضوعها.

نعم الأقوی خلافا للماتن عدم الاجزاء عن الواجب في ما ارتفع العذر قبل الاعمال فضلا عمّا إذا كان قبل الاحرام لعدم الإطلاق في الأدلّة.

ثمّ إنّك عرفت أنّ وجوب الاستنابة عن المیّت وفاقا للمفید و الشیخ لا یختصّ بمن استقرّ علیه الحجّ بل مطلق من توفّرت له الاستطاعة المالية.

و الحاصل:أنّ وجوب الاستنابة مطلق في من استقرّ علیه أو لم یستقرّ و أنّ المدار في الاستنابة هو تحقّق الاستطاعة المالية دون البدنیة، و سواء لمرض أو لموت.و إنّ الاستنابة بدل لطبیعي الحجّ أعمّ من أقسام الواجب و الندب.


1) باب 31، أبواب وجوب الحجّ.

وجب القضاء عنه، و إن كان موته بعد الإحرام علی المشهور الأقوی، خلافا لما عن الشیخ و ابن إدریس فقالا بالإجزاء حینئذ أیضا و لا دلیل لهما علی ذلك إلاّ إشعار بعض الأخبار كصحیحة برید العجلي حیث قال فیها بعد الحكم بالإجزاء إذا مات في الحرم «و إن كان مات و هو صرورة قبل أن یحرم جعل جمله و زاده و نفقته في حجّة الإسلام» فإنّ مفهومه الإجزاء إذا كان بعد أن یحرم لكنّه معارض بمفهوم صدرها و بصحیح ضریس و صحیح زرارة و مرسل المقنعة مع أنّه یمكن أن یكون المراد من قوله قبل أن یحرم قبل أن یدخل في الحرم كما یقال أنجد أي دخل في نجد و أیمن أي دخل في الیمن فلا ینبغي الإشكال في عدم كفایة الدخول في الإحرام، كما لا یخفی الدخول في الحرم بدون الإحرام كما إذا نسیه في المیقات و دخل الحرم ثمّ مات؛لأنّ المنساق من اعتبار الدخول في الحرم كونه بعد الاحرام و لا یعتبر دخول مكّة و إن كان الظاهر من بعض الأخبار ذلك؛لإطلاق البقیّة في كفایة دخول الحرم.و الظاهر عدم الفرق بین كون الموت حال الإحرام أو بعد الإهلال كما إذا مات بین الحرمین.و قد یقال بعدم الفرق أیضا بین كونه بعد الإحرام و دخول الحرم و هو مشكل لظهور الأخبار في الموت في الحرم.و الظاهر عدم الفرق بین حجّ المتمتّع و القران و الافراد كما أنّ الظاهر أنّه لو مات في أثناء عمرة التمتّع أجزأه عن حجّه أیضا بل لا یبعد الاجزاء إذا مات في أثناء حجّ القران أو الافراد عن عمرتهما و بالعكس لكنّه مشكل لأنّ الحجّ و العمرة فیهما عملان مستقلاّن بخلاف حجّ التمتّع فإنّ العمرة فیه داخلة في الحجّ فهما عمل واحد ثمّ الظاهر اختصاص حكم الاجزاء بحجّة الإسلام فلا یجري الحكم في حجّ النذر و الافساد إذا مات في الأثناء بل لا یجري في العمرة المفردة أیضا، و إن احتمله بعضهم و هل یجري الحكم المذكور فیمن مات مع عدم استقرار الحجّ علیه فیجزیه عن حجّة الإسلام إذا مات بعد الإحرام و دخول الحرم و یجب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك وجهان، بل قولان، من إطلاق الأخبار في التفصیل المذكور و من أنّه لا وجه لوجوب القضاء عمّن لم یستقرّ علیه بعد كشف موته عن عدم الاستطاعة الزمانية و لذا لا یجب إذا مات في البلد إذا مات قبل الذهاب أو إذا فقد بعض الشرائط الاخر مع كونه موسرا.و من هنا ربّما

یجعل الأمر بالقضاء فیها قرینة علی اختصاصها بمن استقرّ علیه و ربّما یحتمل اختصاصها بمن لم یستقرّ علیه و حمل الأمر بالقضاء علی الندب و كلاهما مناف لإطلاقها مع أنّه علی الثاني یلزم بقاء الحكم فیمن استقرّ علیه بلا دلیل مع أنّه مسلّم بینهم و الأظهر الحكم بالإطلاق إمّا بالتزام وجوب القضاء في خصوص هذا المورد من الموت في الطریق كما علیه جماعة و إن لم یجب إذا مات مع فقد سائر الشرائط أو الموت و هو في البلد و أمّا بحمل الأمر بالقضاء علی التقدیر المشترك و استفادة الوجوب فیمن استقرّ علیه من الخارج و هذا هو الأظهر فالأقوی جریان الحكم المذكور فیمن لم یستقرّ علیه أیضا فیحكم بالإجزاء إذا مات بعد الأمرین و استحباب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك (1).

قد اتّضح ممّا تقدّم في المسألة السابقة شطر وافر من شقوق هذه المسألة.

و قد اتّضح من صحیحة ضریس أنّ شرط الاجزاء هو الدخول في الحرم و أمّا ما في صحیحة برید العجلي من مفهوم الشرطیة الثانية من قوله:(و إن كان مات و هو صرورة قبل أن یحرم...فلا یجزیه) الظاهر مفهومه الاجزاء لو أحرم فمن الظاهر أنّ المراد هو دخول الحرم بقرینة الشرطیة الاولی في صدر تلك الصحیحة و الصحاح الاخر، كصحیحة ضریس و صریح صحیحة زرارة إذ فرض فیها أنّه مات و هو محرم-و أنّه یقضي عنه-المقیّد إطلاقها بما إذا لم یدخل الحرم خلافا لابن إدریس و الشیخ كما أنّه قد ظهر ممّا تقدّم إطلاق وجوب القضاء عن المیّت إذا أیسر و إن لم یستقرّ علیه الحجّ، فلاحظ.

و ظاهر الجماعة التي التزمت بوجوب القضاء علی من مات في الطریق قبل الاحرام هو عدم الاختصاص بذلك بل الإشارة إلی كون الاستطاعة المالية مطلقا محقّقة لوجوب الاستنابة.

ثمّ إنّه مقتضی الإطلاق بدخول الحرم الاجزاء في ما ذكره الماتن من الصور كالموت أثناء العمرة أو بین الإحرامین، بل و لو كان في الحلّ في الصورة الأخیرة

مسألة 74:الكافر یجب علیه الحجّ إذا استطاع

(مسألة 74):الكافر یجب علیه الحجّ إذا استطاع لأنّه مكلّف بالفروع (1) لشمول الخطابات له أیضا، و لكن لا یصحّ منه ما دام كافرا، كسائر العبادات و إن كان معتقدا لوجوبه واتیا به علی وجهه مع قصد القربة لأنّ الإسلام شرط في الصحّة.

خلافا للماتن لأنّ الظاهر من ذكر دخول الحرم-و إن كان قیدا-لكنّه بمعنی المشارفة علی البدء في الأعمال، كما أنّه لا فرق بین كون الاحرام في حجّ التمتّع أو القران أو الافراد نعم لا یجزي عن عمرتهما لأنّهما عمل مستقلّ و الاجزاء إنّما كان منصبّا علی العمل الذي بیده.

و أمّا الحجّ النذري فلا إطلاق في الأدلّة بل فیها تقیید بحجّة الإسلام فلا شاهد علی التعدّي.

قاعدة تكلیف الكفّار بالفروع كما نسب إلی المشهور المنصور لإطلاق الخطابات و إن قیّد بعضها بـ( الذينَ آمَنُوا ) أو بكاف الخطاب إلاّ أنّ هناك ما یماثلها من الأمر بتلك المتعلّقات.

بنحو مطلق نظیر الخطاب في هذا المقام «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ» المؤكّد عمومه بذیل الآیة «عَنِ الْعالَمِینَ» و كذلك «أَذِّنْ في النّاسِ بِالْحَجِّ یَأْتُوكَ رِجالاً» و هي بنحو القضیة الحقیقية التي لم یخصّص الخطاب فیها بخصوص الكافر كي یستشكل بمانعیة الغفلة مع أنّه لو تمّ فهو وارد في العصاة من المسلمین الغیر المباین بالدین كما یستشهد لعموم التكلیف بالعدید من الآیات الدالّة علی مؤاخذة الكفّار بالفروع كالاصول (1).

و كذا العدید من الروایات (2)الدالّة علی كون التكلیف للعباد بمجموع الأركان و من


1) سورة الأنفال:38.التكویر:8.الحجر:92-94.القیامة:31-32.فصّلت:6-7.المدّثّر:42 -46.و أیضا قوله تعالی: وَ مَنْ یَبْتَغِ غَیْرَ الْإِسْلامِ دِیناً فَلَنْ یُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ في الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِینَ آل عمران:85، ممّا یدلّ علی مؤاخذتهم بالدین مجموعا لا خصوص الشهادتین.

2) باب 1، أبواب مقدّمات العبادات، ح 12 و 17 و 38.و أبواب الأشربة المحرّمة، باب 10

..........

ضمنها الشهادتین أو بما دلّ علی حدیث الجبّ (1)ممّا یقتضي ثبوت التكالیف علیه في السابق.

و كذا الروایات الواردة من أنّ الناصب و الضالّ لا یعید اعماله السابقة و ما قد سمّاه بعض مشایخنا من السادة الجبّ الصغیر مع أنّ الناصبي كافر واقعا و ظاهرا، فهذه الأحادیث الدالّة علی الجبّ بعد استبصاره دالّة بالالتزام علی فعلیّة التكالیف بالفروع.

و یدلّ علی ذلك أیضا الإجماع المنقول علی أنّ المرتدّ مكلّف بالفروع، مع أنّ القول بأنّ الكفّار مكلّفین بالشهادتین فقط دون الفروع لا محصل له بالتدبّر؛لأنّ الإلزام بالإقرار برسالة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) و بما جاء به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) لیس إلاّ إلزاما بكلّ ما جاء به و لا محصّل للتفكیك بین الالزام بالاقرار بما جاء به إجمالا و تفصیلا مع عدم إلزامه بما جاء به.

و أمّا ما استدلّ بما یعارض ذلك أوّلا:من الروایات الواردة (2)الدالّة علی أنّ الكافر لا یؤمر بأركان الفروع إلاّ بعد أن یؤمر بالتوحید و الشهادة الثانية و أنّه لا یجب علیه الفروع إلاّ بعد إیجاب الاصول و امتثاله للاصول و ثانیا أنّه كیف یخاطب بها و أنّه لم یسلم، و ثالثا بأنّ روایات وجوب التعلّم مقیّدة بالمسلم و فیه أنّ غایة تلك الروایات علی الترتّب في الخطاب بلحاظ الترتّب في الامتثال لا تقیّد الخطاب بالفروع بمن امتثل خطاب الاصول نظیر ترتّب الخطاب بصلاة العصر علی من امتثل صلاة الظهر


1) المستدرك، أحكام شهر رمضان، باب 15، و بحار، ح 4، ص 320.

2) الكافي، ج 1، ص 180، ح 3.تفسیر القمّي، ج 2، ص 162.الاحتجاج، ص 379 في احتجاج أمیر المؤمنین (عَلَيهِ السَّلَامُ) علی زندیق عند قوله:إنّما أعظكم بواحدة.

و لو مات لا یقضي عنه (1) لعدم كونه أهلا للإكرام و الإبراء، و لو أسلم مع بقاء استطاعته وجب علیه، و كذا لو استطاع بعد إسلامه، و لو زالت استطاعته ثمّ أسلم لم یجب علیه علی الأقوی لأنّ الإسلام یجبّ ما قبل (2) لقضاء الصلاة و الصیام حیث أنّه واجب علیه حال كفره كالأداء، و إذا أسلم سقط عنه.و دعوی أنّه لا یعقل الوجوب علیه؛ أو ترتّب الخطاب بالركعات المتأخّرة في الصلاة علی من أتی بالركعات الاولی و القرینة علی ذلك أنّ العلّة المذكورة في تلك الروایات من عدم قدرته لعدم معرفته أو من عدم إلزامه بما یتفرّع علی شيء لم یلتزم به انّ الترتّب واقع بین الشهادة الثانية و الاولی أیضا ممّا یدلّل علی أنّ المحظور في عدم عرضیة الخطاب هو لزوم اللغوية و نحوا من القیود العقلية للحكم لا الشرعية.

و أمّا روایات التعلّم التي بعضها بلسان (هلا تعلّمت) لم تقیّد بمسلم، هذا و لا بدّ من الالتفات إلی أنّ النزاع في تكلیف الفروع لا یشمل الأحكام الشرعية الموازیة للأحكام العقلية المستقلّة و الظاهر عدم النزاع في تكلیفه بها.

و ما قد یعبّر عنه بأنّه یؤاخذ بأحكام الدین التي هي من أحكام الفطرة.

و لا یبعد أیضا عدم الخلاف في شمول الأحكام المرتبطة بباب الجنایات و لواحقها و باب المعاملات أیضا، كما أنّ الظاهر لا خلاف في اختصاص أحكام النكاح و نحوها بالمسلم بعد ورود (لكلّ قوم نكاح).

و بعبارة:أنّ النزاع إنّما هو في التكالیف الفردیة كالعبادات و أمّا التكالیف الاجتماعیة و السیاسیة فأمّا معلومة الشمول أو معلومة الاختصاص، و لك أن تقول:

بأنّ الأحكام الشرعية الفرعیة المرتبطة بالآخرة هو مورد النزاع، و أمّا الأحكام الشرعية الفرعیة التي ترتبط بعقد المدینة فلا تردید فیها.

سیأتي الكلام عن مشروعیة النیابة عن الكافر بأقسامه في فصل النیابة.

قد أشرنا في ما تقدّم من التعلیقة إلی مصادر هذا الحدیث (1)فإن بنی علی


1) و كذا في المستدرك، باب 15، أبواب أحكام شهر رمضان، ح 2-3، و كذا في المستدرك، باب

..........

تمام السند و لو بالانجبار بعمل القدماء، و قیل إنّه لم یرد في ألفاظ عبائرهم فإن تمّ و إلاّ فالسیرة القطعیة علی عدم مؤاخذة من أسلم بقضاء ما فات من الأعمال حتی في مثل الزكاة و الخمس.نعم بالنسبة إلی الأبواب الاخری من نمط التكالیف غیر الفردیة المرتبطة بالمعاملات بالمعنی الأعمّ ثبوتها محلّ تأمّل سوی الحدود فإنّها أیضا ملحقة بالتكالیف الفردیة في عدم استتباعه بها (1).سوی ما استثنی.

نعم الكلام یقع في أنّ حدود ما هو في السیرة هو عدم الاستتباع بقضاء الفوائت فقط أم عدم استتباعه بكلّ سبب تكلیف وقع في حال كفره و لم یبق إلی ما بعد إسلامه نظیر ما ذكرناه من قیامها في عدم استتباعه بالزكاة و الخمس، و لعلّ الأقوی كون السیرة علی الثاني أیضا و لا یتوهّم من شمول ذلك للأحكام الوضعية؛إذ هي خارجة عن مقتضی الجبّ كما لا یخفی.

إذ الموضوع في الأحكام الوضعية قائم بحاله بالإضافة إلی ما بعد إسلامه، و من ثمّ یتأمّل في استقرار الحجّ علیه بعد فرض انتفاء الاستطاعة و إن أشكل بعض المحشین من أنّ وجوب الحجّ بعد الاستطاعة هو نظیر ما إذا أسلم في وقت الفریضة الیومیة، فإنّه یلزم بأدائها إذ لا وقت محدّد للحجّ و إن كان فوريا.

و ما أفید متین لو لا الالتفات إلی أنّ استقرار الحجّ بعد فرض انتفاء الاستطاعة إنّما هو في موارد عدم كون الترك عذریا شرعيا و المفروض أنّه بإسلامه یعذر فیما قد ترك.فبانتفاء الاستطاعة ینتفي الوجوب حینئذ، و إن كان حكم استقرار الحجّ لیس حكما آخر قضائیا بل بقاء نفس الحكم لكنّه في المقام لا بقاء له لما ذكرناه.


1) لا یخفی أنّ أغلب طرق هذا الحدیث من العامّة و لم نعثر علی طریق مسند من طرقنا، و الحدیث بمعناه العامّ الشامل محلّ مظنّة حیث أنّ دواعي بنی أمیّة و غیرهم في تبییض ما سلف منهم ظاهرة في ذلك.

إذ لا یصحّ منه إذا أتی به و هو كافر و یسقط عنه إذا أسلم مدفوعة (1)بأنّه یمكن أن یكون الأمر به حال كفره أمرا تهكمیا لیعاقب لا حقیقیا لكنّه مشكل بعد عدم إمكان إتیانه به لا كافرا و لا مسلما و الأظهر أن یقال:أنّه حال استطاعته مأمور بالآتيان به مستطیعا و إن تركه فمتسكّعا و هو ممكّن في حقّه لإمكان إسلامه و إتیانه مع الاستطاعة و لا معها إن تركها فحال الاستطاعة مأمور به في ذلك الحال و مأمور علی فرض تركه حالها بفعله بعدها و كذا یدفع الإشكال في قضاء الفوائت فیقال إنّه في الوقت مكلّف بالأداء و مع تركه بالقضاء و هو مقدور له بأن یسلم و یأتي بها أداء مع تركها قضاء و توجّه الأمر بالقضاء إلیه إنّما هو في حال الأداء علی نحو الأمر المعلّق فحاصل الإشكال أنّه إذا لم یصحّ الآتيان به حال الكفر و لا یجب علیه إذا أسلم فكیف یكون مكلّفا بالقضاء و یعاقب علی تركه و حاصل الجواب أنّه یكون مكلّفا بالقضاء في وقت الأداء علی نحو الوجوب المعلّق و مع تركه الإسلام في الوقت فوّت علی نفسه الأداء و القضاء فیستحقّ العقاب علیه و بعبارة اخری:كان یمكنه الآتيان بالقضاء بالإسلام في الوقت إذا ترك الأداء و حینئذ فإذا ترك الإسلام و مات كافرا یعاقب علی مخالفة الأمر بالقضاء و إذا أسلم یغفر له و إن خالف أیضا و استحقّ العقاب.

نعم من ذلك یظهر أنّ تمثیل الماتن المقام بقضاء الصیام و الصلاة لیس في محلّه.

هذا الإشكال ذكره في المدارك لامتناع التكلیف بالقضاء للفوائت مع فرض الجبّ عنها ما بعد الإسلام، كما بیّنه الماتن و أجیب عنه بوجوه:

الأوّل:هو ما ذكرناه من أنّه لا امتناع للتكلیف من ناحیة القدرة و إن سقط عنه بعد إسلامه حیث أنّه نحو من التخفیف لا امتناع الامتثال.هذا إذا كان المراد عدم صحّة التكلیف لعدم القدرة و إن كان المراد من الإشكال لغویة التكلیف فهي مدفوعة بترتّب تسجیل العقوبة علیه في ما لو لم یسلم (1).و لكن یتوهّم أنّ الغرض من التكلیف هو


1) و لعلّه مراد الماتن من الأمر التهكمي و لا یرد علیه ما أورده في المتن.

مسألة 75:لو أحرم الكافر ثمّ أسلم في الأثناء

(مسألة 75):لو أحرم الكافر ثمّ أسلم في الأثناء لم یكفه و وجب علیه الإعادة من المیقات (1) و لو لم یتمكّن من العود إلی المیقات أحرم من موضعه و لا یكفیه إدراك أحد الوقفین مسلما لأنّ إحرامه باطل.

البعث و التحریك، و في المقام ممتنع فإنّه یجاب بأنّ البعث و التحریك اللازم في التكلیف هو بنحو الإمكان لا بدرجة الفعلية و إلاّ لانتقض في عصاة المسلمین أیضا.

و كفی تحریكا في المقام أنّه یدعو إلی امتثال مقدّمات الواجب و هو الاقرار بالإسلام و إن خفّف عنه بالسقوط فیما بعد ذلك.

الثاني:ما ذكره السیّد البروجردي (قدّس سرّه) في الحاشیة من أنّ قاعدة الجبّ بعد جریانه بلحاظ التكالیف الفائتة فلا یتحقّق موضوع لوجوب قضاء الفوائت.

و بعبارة اخری:أنّ جریان الجبّ بلحاظ أداء التكالیف یتدارك الفوت فلا یجب القضاء.و لا یخفی أنّه مع تمامیة هذا الجواب لا تصل النوبة إلی سائر الأجوبة.

الثالث:ما ذكره السیّد الخوئي قدّس سرّه في المستند من أنّ الامتناع بالاختیار لا ینافي الاختیار فإنّه في ظرف الأداء التكالیف كان قادرا مختارا علی أدائها و امتثالها إلاّ أنّه بترك امتثال الأداء أوقع نفسه بالاختیار في ذلك الامتناع الذي ذكره المستشكل فتصحّ العقوبة علیه.

الرابع:ما ذكره الماتن من كون وجوب القضاء بنحو الواجب التعلیقي أو المشروط بشرط متأخّر أي أن یؤخذ الفوت إمّا قیدا في الواجب المعلّق أو شرط الوجوب شرطا متأخّرا و هو مع أنّه خلاف الظاهر من أدلّة القضاء من أنّ كون الوجوب بنحو الشرط المقارن لا یدفع الإشكال ما لم یرجع إلی الجواب الثالث.

قاعدة عدم صحّة عبادات الكافر و المخالف كما هو المشهور و المعروف و استدلّ علیه بالقاعدة المعروفة أنّ العبادة لا تصحّ من الكافر، و یستدلّ لهذه القاعدة بوجوه:

..........

الأوّل:عدم إمكان تمشّي قصد القربة منه و الآتيان بداعي الأمر فلا تقع منه عبادة و محصّل هذا الوجه دعوی الامتناع في مرحلة الوقوع.

و اجیب عنه:بأنّه لیس مطلق الكافر ملحدا بالتوحید، فمثل أهل الكتاب و الفرق المنتحلة للإسلام ممّا قد حكم بكفرها كالنواصب و الخوارج یتأتّی منهم داعویة قصد الأمر، لكنّك ستعرف تمامیة هذا الوجه و عدم ورود هذا الإشكال و إن اشتهر عند متأخّري المتأخّرين.

الثاني:عدم حسن الفعل منه من حیث الاصدار و صدور الفعل عقلا، و هو شرط في صحّة العبادة؛إذ لا یكفي فیها الحسن الذاتي للفعل، بل لا بدّ من الحسن في جهة الصدور، حیث أنّ العبادة تتقوّم بالنیّة، كما أنّ مقتضاها طوعانیة المكلّف لمولاه و كون ما یأتي به مقتضي للزلفي إلیه.هذا من جهة الكبری.

أمّا انتفائها صغرویا و عدم تحقّق الشرط في عبادة الكافر فیقرب أمّا بأنّ وصف الكفر و الجحود و العناد یضادد تحقّق الطوعانیة و الانقیاد اللازم في حیثیّة صدور الفعل و من ثمّ لا تكون جهة صدور الفعل حسنة عقلا.

و إمّا یقرّب:بأنّ الامتثال لا عن حجّة و محرز معذر و من دون أمارة منصوبة من قبل المعبود و لو بحكم العقل، یستلزم عدم تحقّق الانقیاد التامّ في الفعل الصادر، و إن كان الفعل في نفسه مطابقا للمأمور به في الواقع، أي أنّ بدون الحجّة المحرزة لمحبوب المولی لا یكون هناك انقیاد تامّ في صدور الفعل.

و هذا نظیر ما التزم به المیرزا النائیني تبعا للمیرزا القمّي من عدم صحّة عبادة تارك طریقي الاجتهاد و التقلید بما ذكره من تعدّد مراتب الامتثال و عدم تسویغ المرتبة اللاحقة مع إمكان المرتبة السابقة.

هذا و ستعرف مزید بیان و عمق لهذا الوجه في الوجه الروائي.

الثالث:ما دلّ علی عدم صحّة عبادات المخالف، أي علی شرطیة الولایة فی

..........

الصحّة فیدلّ علی بطلان عبادات الكافر حینئذ لفقدان عبادته الشرط المزبور بالأولویّة.

و قد ذهب إلی اشتراط الصحّة جملة من المحدّثین و نسب إلی الشهرة العظیمة.

و ستعرف أنّ في الروایات الواردة التعرّض لشرطیة الإسلام في صحّة العبادة أیضا.

كما أنّ الروایات مشتملة علی الإشارة إلی عدّة وجوه للبطلان.و بعبارة اخری:أنّ تقریب دلالتها علی المطلوب مختلف.

و هي علی ألسنة مختلفة:

منها:ما كان بلسان نفي القبول (1).

و هي مستفیضة بل متواترة ففي صحیح زرارة:«ما كان له علی اللّه حقّ في ثوابه»، و في صحیح یونس قول أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعبّاد بن كثیر:«اعلم أنّه لا یتقبّل اللّه منك شیئا حتی تقول قولا عدلا».

و فیها:ما یتقبّل اللّه منهم، كما فیها الحدیث المعروف:«إنّ أفضل البقاع ما بین الركن و المقام و أعظمها، و لو أنّ رجلا عمّر ما عمّر نوح في قومه ألف سنة إلاّ خمسین عام یصوم النهار و یقوم اللیل في ذلك المقام ثمّ لقي اللّه بغیر ولایتنا لم ینفعه ذلك شیئا».

و تقریب الاستدلال فیها إجمالا:أنّ الظاهر من نفي القبول لیس نفیا للصحّة لتغایرهما و تعدّدهما، كما قد ورد أنّ شارب الخمر لا تقبل منه صلاة أربعین یوما، و كذا عاقّ والدیه، و كذا المرأة المسخطة لزوجها، و كذا أنّ الصلاة التي لا یقبل المصلّی فیها


1) أبواب مقدّمات العبادات، باب 29، و أیضا بحار الأنوار، ج 27، كتاب الإمامة، ص 166 -202، باب أنّه لا تقبل الأعمال إلاّ بالولایة و أبواب النصوص علی أمیر المؤمنین و النصوص علی الأئمّة الاثنی عشر، ج 36 و 37 من البحار، و جامع أحادیث الشیعة، باب 20، أبواب المقدّمات.

..........

بقلبه علی ربّه لا تقبل، و لكن الصحیح تمامیّة دلالتها بتقریبین:

الأوّل:بالفرق بین نفي القبول المستند لوصف في العمل و بین نفي القبول بسبب عمل آخر ذي ماهیة مباینة، فإنّه في الأوّل دالّ بطبعه علی مانعیّة ذلك الوصف من الصحّة أو فاقدیّته للشرط بخلاف الثاني، فإنّه لا محصّل لاحتمال أخذ ماهیّة في ماهیّة اخری مباینة، و من ثمّ بنوا علی دلالة ما ورد في الریاء علی البطلان مع أنّه بلسان نفي القبول مثل ما في معتبرة أبی الجارود:«لا یقبل اللّه عمل مراء» (1)و «من عمل للناس كان ثوابه علی الناس» (2)و إلاّ لانتقض ذلك في الریاء أیضا.

و لا یتوهّم أنّ استفادة البطلان في الریاء لارتباط الریاء بالنیّة و شرائط قصد القربة، لا من جهة نفي القبول لوصف مانع في العمل.

و ذلك لأنّ انضمام البطلان في الریاء لارتباط الریاء بالنیّة و شرائط قصد القربة، لا من جهة نفي القبول لوصف مانع في العمل.

و ذلك لأنّ انضمام داعي الریاء مع داعي القربة لیس إلاّ كانضمام الدواعي المباحة مع داعي القربة في قبول الاجتماع و إمكانه.غایة الأمر أنّ مثل تلك النیّة استفید عدم صحّتها بعدم القبول المدلول علیه في تلك الروایات.

الثاني:ما ذكره السیّد الشاهرودي في التقریرات من أنّ الصحّة مرتبة من مراتب القبول، فالنفي المطلق للقبول-أي نفي مطلق القبول-ناف للصحّة أیضا.

أمّا أنّ الصحّة مرتبة من مراتب القبول فلحكم العرف و العقل بما هم عقلاء من أنّ العبد إذا أتی بالمأمور به العبادي صحیحا و كان صحیحا عند مولاه یترتّب علیه الحكم بحصول درجة من الزلفی و القبول عند المولی، و أنّها درجة من الطوعانیة.

هذا و یمكن أن یضمّ إلی ما ذكروه أنّ مقتضی العبادة حیث أنّها الماهیة المأتي بها


1) باب 11، أبواب مقدّمات العبادات، ح 13.

2) باب 12، أبواب مقدّمات العبادات، ح 4.

..........

بلون العبادة، أي الماهیة التي أوجدت بنیّة الخضوع و المتابعة.فالصحّة في العبادة مشتملة علی الخضوع و هو مرتبة من مراتب القرب و الزلفی ففي مطلق القبول نفي للصحّة.

فلا یقاس الصحّة في العبادات بالصحّة في التوصّليات لكون بعض مراتب القبول لازم ذاتی للصحّة فیها بخلافه في التوصّليات.

نعم قد یدلّ دلیل خاصّ علی أنّ نفي القبول إذا كان لوصف في العمل كما في عدم التوجه أثناء الصلاة بمبطل للعمل، و هذا لا ینافي ما ذكرناه إذ هو لأجل القرینة الخاصّة الدالّة علی عدم انتفاء مطلق القبول، بل انتفاء القرب التامّ حیث علّل بما مضمونه في المثال بأنّه شدید و لا یطیقه أكثر الناس.

و أمّا اللسان الثاني:

ما دلّ علی وجود النقص في العمل مثل صحیح محمّد بن مسلم عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حیث فیه «فأعمالهم التي یعملونها كرماد اشتدّت به الریح في یوم عاصف لا یقدرون ممّا كسبوا علی شيء ذلك هو الضلال البعید» فإنّ التمثیل بالرماد فیه عنایة عدم المنفعة و عدم السلامة و كذلك المشار إلیه في اسم الإشارة، أمّا حالهم بلحاظ تلك الأعمال أو الأعمال و علی كلا التقدیرین:فهو دالّ علی أنّ الأعمال قد أتی بها علی غیر الجادة الصائبة لوصف في ذات العمل نظیر اللسان الذي ورد في العمل الریائي، و هذا التعبیر متكرّر في الروایات و نظیر هذا التعبیر ما ورد في الصحیحة المزبورة أیضا «و اللّه شانیء لأعماله» حیث أنّ الشنئان هو التوصیف بالنقص و إن كان یستعمل بمعنی البغض لملازمته للنفرة من النقص، و علی التقدیر الثاني أیضا فإنّ منشأ البغض اسند إلی نفس العمل ممّا یدلّ علی وجود وصف نقص في العمل الریائي لا من مثل عدم قبول الصلاة بدون الزكاة.

..........

اللسان الثالث:

ما ورد بلسان نفي ماهیّة العمل مثل لسان روایة إسماعیل بن نجیح:«الناس سواد و أنتم الحاج» و لسان روایة الكلبي «ما یحجّ أحد للّه غیركم» و روایة مفضل بن عمر «لیس له صلاة و إن ركع و إن سجد و لا له زكاة و لا حجّ و إنّما ذلك كلّه یكون بمعرفة رجل منّ اللّه علی خلقه بطاعته».

و دعوی أنّ النفي هاهنا-و إن اسند إلی الماهیة-إلاّ أنّه في التقدیر (القبول) بقرینة الروایات الاخر كما في «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد» مدفوعة بأنّ نفي القبول لو سلم أنّه أعمّ كما هو مبني المستشكل فلا یعیّن مدلول الأخصّ بل یحمل علی ما یكون أخصّ دلالة لا سیّما و أنّ النفي هنا لیس بندبي.

اللسان الرابع:

ما دلّ علی أنّ ولایتهم و معرفتهم قید تحقّق العبادة للّه مثل مصحّح جابر قال:سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) یقول:«إنّما یعرف اللّه عزّ و جلّ و یعبده من عرف اللّه و عرف إمامه منّا أهل البیت، و من لا یعرف اللّه و ما یعرف الإمام منّا أهل البیت فإنّما یعرف و یعبد غیر اللّه هكذا و اللّه ضلالا».

و نحوه روایات اخری لا حظها في البحار، و لعلّ هذا اللسان هو أقوی ما ورد حیث إنّه یجعل الولایة نظیر الخلوص قواما في عبادية العبادة و النیّة العبادية، و سیأتي التدلیل بالبیان العقلي علی ذلك في اللسان اللاحق.

اللسان الخامس:

ما قیّد فیه العمل أن یكون بدلالتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) و الأخذ عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) مثل صحیح زرارة «لو أنّ رجلا قام لیله و صام...و لم یعرف ولایة وليّ اللّه فیوالیه و یكون جمیع أعماله بدلالته إلیه ما كان

..........

له علی اللّه حقّ في ثوابه».

و مثل صحیح عبد الحمید بن أبي العلاء عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ):«فلن یقبل اللّه لهم عملا و لم یرفع له حسنة حتی یأتوا اللّه من حیث أمرهم و یتولّوا الإمام الذي امروا بولایته و یدخل من الباب الذي فتحه اللّه و رسوله لهم».

و مثلها روایة مفضل بن عمر:«و إنّما ذلك كلّه یكون بمعرفة رجل منّ اللّه علی خلقه بطاعته و أمر بالأخذ عنه».

و مثلها روایة محمّد بن مسلم عن أحدهما علیهما السّلام حیث فیه «إنّ عبدي أتايی من غیر الباب الذي اوتی منه إنّه دعاني و في قلبه شكّ منك، فلو دعاني حتی ینقطع عنقه و تنتشر أنامله ما استجبت له...كذلك نحن أهل البیت لا یقبل اللّه عمل عبد و هو یشكّ فینا».

و تقریب دلالة هذا اللسان بالبیان العقلي هو:أنّه من الثابت المقرّر في محلّه من مباحث النفس في العقليات أنّ أي عمل هو متفرّع من مبدأ نظري و أنّ العمل نحو متابعة من القوي العمالة للقوي النظرية هذا من جانب.

فمقتضی ذلك أنّ أي عبادة بحدّها الصحیح المرسوم في التشریع الإلهي لا یمكن إصابتها إلاّ بدلالة النبيّ(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) و الأوصیاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمن لا یبنی علی وساطتهم-و لو إجمالا لا تفصیلا، و لو رجاء و احتمالا و احتیاطا-فإنّه سوف لن یذعن و لن یبن نظريا علی لزوم تلك الحدود لماهیة العمل العبادي فلن یأت بها، و بالتالي فهناك تلازم بین البناء و لو الرجائي الخوفي الاحتیاطي الذي هو أضعف الإیمان-علی وساطتهم و بین الآتيان بماهیة العمل العبادي بحدودها و هو التلازم الذي بین تفرّع العمل علی النظر كما أنّ النظر قد یتفرّع عن نظر أسبق منه، فمن ثمّ أشیر في روایات هذا اللسان إلی تفرّع الأخذ عنهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) و العمل بدلالتهم علی تولیتهم و معرفتهم و یترتّب علی ذلك أنّ ما قد افترض في الكلمات في نظائر المقام من البحث عن صحّة عبادة الكافر و أنّه هل یحصل منه التقرّب أو لا؟فرض ممتنع فإنّه مع فرض مجیء الكافر بالعمل العبادي

..........

علی حدوده المستلزم لاحتماله وساطة النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) حیث هو الدالّ علی تلك الماهیة، یكون ذلك عین فرض إیمانه و لو بدرجة الخوف الاحتمالي، الباعث له علی الاحتیاط في العمل هذا بحسب القلب.

و أمّا بحسب القول و المبرز فإنّه یكتفی بما یتلفّظه من الشهادتین إن فرض أنّها صلاة أو یكتفي بمبرزیّة العمل الجارحي العبادي كإنشاء عملي للالتزام بالرسالة علی من بنی علی الاكتفاء بمطلق المبرز في الإسلام كما هو الحال في أولاد المسلمین عند البلوغ فإنّه قد اكتفی فیهم بمطلق المبرز العملي الدالّ علی التزامهم بالرسالة.

و هو ینسجم مع عموم تعریف «الإیمان ما وقّرته القلوب و صدّقته الأعمال» أو «إنّه إقرار باللسان و عقد بالقلب و عمل بالأركان» لو فسّر الاقرار بمطلق المبرز المؤدّی مؤدّي الشهادة و الرسالة، و لذلك صحّحوا عبادة المرتدّ إذا تاب لقبول توبته بحسب الواقع و إن لم تقبل بحسب الظاهر و لم یحكم علیه بالإسلام.و لو بنی علی قیدیة الشهادتین اللفظية فإنّ عمله هذا إنشاء عرفي للإسلام بناء علی ثبوت الواسطة بین الإسلام و الكفر كما علیه الشهید الثاني.

و علی أیّة حال فمع التحفّظ علی فرض الكفر و العناد یمتنع تأتي العبادة منه تقرّبا بحدودها و كذا الحال بنفس التقریب في ماهیّة العمل العبادي بحدودها عند ما یأتي بها المخالف للحقّ المسلم بدلالتهم و احتمال وساطتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) حیطة فإنّه نحو من الإیمان بولایتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ).

إن قلت:إنّه قد یفرض أنّ الكافر القاصر قد أطلعه أحد الأشخاص علی صورة العبادة من دون أن ینسبها إلی النبيّ(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) و كذا المخالف لو أتی بالعبادة علی طبق أحد المذاهب التي قد اتّفقت مطابقة صورة العمل في فتواه لمذهب الإمامیة فإنّ العمل العبادي حینئذ بحدوده، یكون قد فرض الآتيان به من دون البناء علی وساطة الحجج (عَلَيهِم السَّلَامُ) من العامل و هذا هو محلّ فرض المسألة.

..........

قلت:إنّ هناك جانبا آخر ینضمّ إلی ما قدّمناه فیستوفی شقوق الفرض و هو لزوم الحسن العقلي في صدور الفعل العبادي؛إذ في العبادة لا بدّ من حسنها الفعلي النفسي الذاتي و هو یتمّ بواجدیّتها لحدود الشرائط و الأجزاء و هو الجانب الأوّل الذي قدّمناه آنفا.

كما لا بدّ من توفّر الحسن من جهة الصدور لا بمعنی الحسن الفاعلي كصفة من صفات الفاعل بل المراد الحسن الفاعلي في حیثیّة فاعلیة و إیجاد الفاعل الذي هو عین فعله من جهة نسبة الفعل إلی الفاعل و مع فرض الآتي بالعبادة معاندا أو غر مسلّم لمعبوده فلا یكون فعله العبادي خضوعا و طوعانیة لمولاه.

و بعبارة اخری:إنّ الامتثال للفعل العبادي إن لم یكن بوساطة حجّة معتبرة، أي مع بناء المكلّف علی عدم الاعتماد علی حجّة معتبرة في فراغ ذمّته، یكون حینئذ قائما مقام المتجرّي غیر الخاضع المستكین المتابع لطاعة مولاه، و من ثمّ استشكل غیر واحد من الأعلام في عبادة غیر الموالین التاركین لطریق الاجتهاد و التقلید و الاحتیاط التامّ.هذا مع الالتفات إلی اختلاف حجّیة الحجج شدّة و ضعفا و سبقا و تأخّرا، كما في الفرق بین حجّیة النبوّة و حجّیة الإمامة و حجّیة فتوی الفقیه و إلی هذا الجانب الثاني یشیر بعض تعابیر هذا اللسان «حتی یأتي اللّه من الباب الذي أمره» فإنّ قوام العبادية به.

إن قلت:هذا في ما إذا كان الكافر أو المخالف مقصّرا و ما ذا لو فرض قاصرا؟

قلت:إن القصور إنّما یستلزم العذر، و قد حرّرنا في محلّه أنّ الأحكام العقلية كالأحكام الشرعية تتعدّد فیها المراحل الإنشائية و الفعلية و التنجیزیة فغایة قصور القاصر عدم تنجیز القبح الفاعلي أي القبح في جهة الصدور علیه لا عدم فعلیة ذلك القبح الفاعلي فإنّ من جعل الوسیط بینه و بین مولاه من هو عدوّ المولی الصادّ عنه المتكبّر عنه اللاحظ لنفسه باستقلال المستغنی بنفسه عن باریه تعالی، یكون متابعا

..........

حقیقة لذات الواسطة فیكون خاضعا و منصاعا لعدوّ المولی من حیث لا یشعر فهو و إن كان معذورا إلاّ أنّه قد أتی بالقبح من جهة الصدور و الایجاد الفاعلي و إن كان الفعل هو علی الحدود التي رسمها المولی نظیر ما إذا اعتقد القاصر حسن الریاء فأتی بالعمل ریاء فإنّ ما أتی به لیس عبادة صحیحة و إن كان معذورا.

و نظیر أیضا ما إذا اعتقد قصورا أنّ فعلا محرّما هو حسن عند المولی فإنّ الفعل لا ینقلب عن قبحه الذاتي و إن كان معذورا.لا سیّما مع شدّة القبح كما هو الحال في الواسطة و الحجّیة المتّبعة للدلالة علی العبادة فإنّ الواسطة إن لم تمحض في العبودیة و كانت منصوبة من قبل ربّ العزّة فإنّ المتابعة لتلك الواسطة هي خضوع للكبر الموجود في تلك الواسطة الذي هو جذر الشرك لدعوی المتكبّر الاستقلال عن الباري تعالی.

فتحصّل من هذا اللسان أنّ العبادة لا بدّ فیها من الحسن الفعلي بأن تكون مأتی بها علی حدودها كما أشارت إلیه عدّة من الروایات و أن یكون فیها حسنا من جهة الصدور الفاعلي الذي لا یتحقّق إلاّ بمتابعة الحجّة المنصوبة من قبل المولی، كي یكون حینئذ عبادته أي خضوعه و تسلیمه في خصوص ذلك الفعل تامّا و إلاّ فلا تتحقّق العبادية بل تكون ممزوجة مع الجرأة علی المولی أو متابعة ندّ مزعوم له.

اللسان السادس:

ما ورد في نفي استحقاق الثواب علی العمل مثل صحیح زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) «ما كان له علی اللّه حقّ في ثوابه و لا كان من أهل الإیمان» حیث أنّ هناك فرقا بین نفي الثواب الفعلي-أي نفي الإثابة الفعلية و هو معنی عدم القبول الفعلي إجمالا-و بین نفي استحقاق الثواب حیث أنّ الصحیح في تعریف استحقاق الثواب أنّه تفضّل من اللّه بمعنی قابلیة و أهلیة المحلّ للإثابة.

..........

فنفي استحقاق الثواب یلازم نفي الامتثال لأنّ التلازم بنیهما ذاتي و إن لم یكن هناك تلازم ذاتي بین الامتثال و الاثابة الفعلية لا بمعنی خلف وعد اللّه لأنّ وعده تعالی بالاثابة الفعلية مشروط بشرط زائد و هو عدم المجیء بالمحبطات التي اشترطها في كتابه و علی لسان نبیّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏).

فتحصّل أنّ ولایتهم و ولایة النبيّ(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) (1)و الاقرار برسالته شرط في صحّة العبادة فلا تصحّ من المخالف و لا الكافر في فرض فعلیة هذین الوصفین، بلا فرق بین القاصر و المقصّر.

قاعدة الجبّ الصغیر في المخالف هذا كلّه بالنظر إلی مقتضی الأدلّة الأوّلیة أنّ ما یأتیانه من العبادات صورة باطلة و أمّا لو فرض استبصاره حیث قد وردت الروایات بعدم إعادة المخالف أعماله العبادية السابقة (2).

مثل ما ورد في صحیحة برید بن معاویة العجلي قال:سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل حجّ و هو لا یعرف هذا الأمر ثمّ منّ اللّه علیه بمعرفته و الدینونة به هل علیه حجّة الإسلام؟أو قد قضی فریضته؟فقال:«قد قضی فریضته و لو حجّ لكان أحبّ إلیّ».

قال:و سألته عن رجل حجّ و هو في بعض هذه الأصناف من أهل القبلة ناصب متدیّن ثمّ منّ اللّه علیه فعرف هذا الأمر یقضی حجّة الإسلام؟فقال:«یقضی أحبّ إلیّ؟» و قال:«كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمّ منّ اللّه تعالی علیه و عرفه الولایة فإنّه یؤجر علیه إلاّ الزكاة فإنّه یعیدها؛لأنّه وضعها في غیر مواضعها؛لأنّها لأهل الولایة، و أمّا


1) الروایات التي تشیر إلی أخذ ولایته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) هي في البحار ج 27، ص 170، ح 10.و ص 185، ح 43.و ص 187، ح 46.و ص 192، ح 49، 50.و ص 201، ح 67.

2) باب 31، أبواب مقدّمة العبادات.

..........

الصلاة و الحجّ و الصیام فلیس علیه قضاء» (1).

و صحیحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه علیهما السّلام أنّهما قالا في الرجل یكون في بعض هذه الأهواء الحروریة و المرجئة و العثمانیة و القدریة ثمّ یتوب و یعرف هذا الأمر و یحسن رأیه أ یعید كلّ صلاة صلاّها أو صوم أو زكاة أو حجّ أو لیس علیه إعادة شيء من ذلك؟قال:«لیس علیه إعادة شيء من ذلك غیر الزكاة لا بدّ أن یؤدّیها لأنّه وضع الزكاة في غیر موضعها و إنّما موضعها أهل الولایة» (2).

و مثلهما صحیح ابن اذینة (3)و غیرها من الروایات، و فیه جهات من البحث:

الجهة الاولی:إنّ مفادها نفي الإعادة و القضاء و كتابة الأجر و الثواب علی أعماله السابقة، و لكن هل هو من باب صحّة ما سبق أو التفضّل بالثواب مع عدم صحّته، وجهان:تظهر الثمرة في الأعمال اللاحقة و الآثار المترتّبة علی الوجود الصحیح السابق. فعلی الأوّل تترتّب و علی الثاني لا، فلا بدّ من إعادته كما لو توضّأ بوضوء أهل الخلاف أو اغتسل ثمّ استبصر فعلی الثاني لا بدّ من إعادة الوضوء للصلاة و إن كتب له الأجر علی الوضوء السابق.

نعم قد یقال بالتفصیل علی القول الثاني، ففي الأعمال اللاحقة التي اشترط فیها وجود العمل السابق كالعصر المشروط فیها الظهر، فإنّه لا إعادة لإطلاق نفي الإعادة في الروایات، و أمّا في الآثار الاخری اللاحقة التي لا یلزم بالآتيان بها فلا تترتّب.

و قد یدلّل علی القول الثاني بما رواه الشهید في الذكری نقلا من كتاب الرحمة لسعد بن عبد اللّه مسندا عن رجال الأصحاب عن عمّار الساباطي قال:قال سلیمان


1) باب 31، أبواب مقدّمات العبادات، ح 1، و أوردناه بتمامه من التهذیب باب وجوب الحجّ من كتاب الحجّ، و هو الباب الأوّل من ذلك الكتاب، ح 23.

2) باب 3، أبواب مستحقّین الزكاة، ح 2.

3) باب 3، أبواب مقدّمات العبادات، ذیل الحدیث 1، و باب 3، أبواب مستحقّین الزكاة، ح 3.

..........

ابن خالد لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أنا جالس، إنّی منذ عرفت هذا الأمر اصلّي في كلّ یوم صلاتین، أقضی ما فاتني قبل معرفتي، قال:«لا تفعل فإنّ الحال التي كنت علیها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة» و رواها الكشّي بإسناده المتّصل إلی عمّار الساباطي (1).

الجهة الثانية:أنّ الظاهر انصراف هذه العمومات لنفی القضاء الاصطلاحي و إن كانت لفظة (القضاء) فی الروایات تستعمل في الأعمّ من الأداء و القضاء إلاّ أنّه في المقام حیث أنّ محطّ السؤال هو علی ما تقدّم من أعمال في عمره الذي مضی تكون قرینة علی ما قد انقضی وقته فالعمل فیها قد قیّد بكونه في حال نصبه بـ«ثمّ منّ اللّه علیه» و طبیعة هذا القید متراخي الوجود.و بعبارة اخری:أنّ الإطلاق حیث أنّه قیّد بهذا القید الذي هو لا أقلّ مجمل من حیث الوقوع دفعة أو التراخي ففي مثل الوضوء لا بدّ من إعادته لبقاء وقت الصلوات اللاحقة و كذا الغسل.

الجهة الثالثة:أنّ الظاهر شمول القاعدة للكافر المنتحل للإسلام كالناصبي و الخارجي و المجسّم و المشبّه، كما تشمل المخالف المحكوم بإسلامه الظاهري و هل تشمل المرتدّ أو الكافر الأصلي في العبادات التي أتیا بها؟ذهب الجواهر إلی عمومها في المرتدّ، و لعلّ وجهه أنّ هذه الفروق المذكورة في الروایات من الناصبی و نحوه كفرها من باب الارتداد.

أمّا الكافر الأصلي فلا مقتضی في الدلالة للشمول بعد كون محطّ الأسئلة و الأجوبة في استبصار من كان من الطوائف الإسلامیة و أنّ الكافر الأصلي له حدیث الجبّ الكبیر.

الجهة الرابعة:هل تقیّد الصحّة أو عدم الإعادة بما إذا لم یخل بما هو ركن عندنا أو بما هو ركن عندهم؟

و بعبارة اخری أنّ لعمله صورا فتارة یأتي بالعمل بما هو صحیح عندهم و لیس


1) باب 31، أبواب مقدّمات العبادات، ح 4.

..........

بصحیح عندنا للاخلال بالركن، و تارة یأتي بالصحیح عندنا و إن أخلّ بالركن عندهم، و ثالثة یأتي بما هو لیس صحیحا لا عندنا و لا عندهم.

ظاهر عبارات الأصحاب (كما سیأتي في المسألة 78) تقیید الصحّة بما إذا لم یخل بالركن عندنا إلاّ أنّ الجواهر و جماعة حملوا عبارتهم علی خصوصیّة باب الحجّ؛للاتّفاق في الأركان بیننا و بینهم حیث أنّه إذا أخلّ بالركن عندنا یكون قد أخلّ بالركن عندهم أیضا، لا أنّه یشترط في الصحّة عدم الاخلال بالركن عندنا، كیف و أنّ الأركان في بقیّة العبادات یخلّ بها حسب ما هم یأتون بها و لازم ذلك خروج أكثر الموارد من هذه الروایات.

هذا و یحتمل تقییدهم في المقام بسبب أنّ ما یأتي به العامّة من الحجّ هو الإفراد أو القران و لیس بحجّ التمتّع فیتأمّل حینئذ في إجزائه عنه بشمول الروایات لا سیّما بالالتفات إلی أنّ حجّ الإفراد أو القران بمجرّده لا یجزأ عندهم عن العمرة الواجبة.

نعم لن افترض أنّه أتی بالعمرة المفردة أیضا لكان لاحتمال الاجزاء حینئذ مجال لا سیّما و أنّ العامّة في هذا النصّ یندر أو یقلّ فیهم الآتي بحجّ التمتّع، و منه یقوی التفصیل في الحجّ.

أمّا الكلام في الصور فلا ریب في تناول الروایات المزبورة فیما لو أتی بالعمل صحیحا عندهم، و كذا لو أتی بالعمل بالصورة الصحیحة عندنا و إن كانت فاسدة عندهم للأولویّة القطعیة، مضافا إلی ما یستفاد من لسان الروایات أنّها في صدد التصحیح أو نفي الإعادة من جهة الخلل في التولّی لهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، و إنّما استفید معالجة الخلل في الشرائط الاخری بدلالة الاقتضاء لا بالمفاد المطابقي، و یشیر إلی ذلك اللسان الوارد في روایة عمّار الساباطي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حیث فیها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لسلیمان بن خالد:«فإنّ الحال التي كنت علیها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة» حیث أنّ المراد ترك شرائطها، و فحواه أولویّة الصحّة مع عدم ترك الشرائط سوی التولّی.

مسألة 76:المرتدّ یجب علیه الحجّ

(مسألة 76):المرتدّ یجب علیه الحجّ، سواء(1) كانت استطاعته حال إسلامه أمّا الصورة الأخیرة و هي فیما إذا كان فاسدا عندنا و عندهم فقد یقال بانصراف الروایات عنه و أنّه القدر المتیقّن فیها هو ما إذا أتی بالعمل صحیحا عندهم، و لكن الأقوی هو الصحّة و شمول الروایات له أیضا بالالتفات إلی أنّ منشأ توهّم الانصراف هو جعل لسان هذه الروایات نظیر لسان لكلّ قوم نكاح أو لسان الزموهم بما ألزموا به أنفسهم، حیث أنّ موضوع تلك القاعدتین هو الصحیح عندهم، لكن لسان المقام لیس كذلك بل هو مطلق بلفظ كلّ عمل عمله مع افتراض أنّه فاسد و مختلّ أمّا من جهة التولّی أو منه و من بقیّة الشرائط و لم یؤخذ للصحّة عندهم أي اعتبار في التصحیح أو نفي الإعادة، و ینبّه علی ذلك فرض ما لو صلّی صلاة بوضوئهم مع إخلاله أو نفي الإعادة، و ینبّه علی ذلك فرض ما لو صلّی صلاة بوضوئهم مع إخلاله بترك شرط عندهم و هو مانع عندنا فتكون الصلاة فاسدة عندنا لكون الوضوء باطل عندنا، و فاسدة عندهم لتركه الشرط مع أنّ ذلك الترك ترك للمانع عندنا فهذه الصلاة أولی بالصحّة فیما لو أتی بها مقرونة بالشرط الذي هو عندهم و مانع عندنا.

الجهة الخامسة:قد استثنی من هذه الروایات خصوص الزكاة، و في بعضها الآخر الحجّ أیضا، و قد ورد أیضا فیها ما ینفي إعادته و سنحرّر العلاج لهذا التعارض في المسألة 78.

و قد تمّ الكلام في هذه القاعدة.

هذا و علی ضوء القاعدتین المتقدّمتین یتّضح أنّ إحرام الكافر مع فرض كفره لا یصحّ و إن أسلم في الأثناء فیجب علیه الإعادة من المیقات مع التمكّن و إلاّ یرجع ما أمكنه أو من موضعه علی ما سیتّضح في بحث المواقیت إن شاء اللّه.

أمّا حال إسلامه السابق فقول متّفق علیه، و أمّا حال ارتداده فلأنّه مكلّف بالفروع كما عرفت، بل قد یظهر اختصاص عدم التكلیف بالفروع بالكافر الأصلي عند من ذهب إلی ذلك.

السابق أو حال ارتداده و لا یصحّ منه (1)، فإن فمات قبل أن یتوب یعاقب علی تركه و لا یقضي عنه علی الأقوی لعدم أهلیّته للإكرام و تفریغ ذمّته كالكافر الأصلي (2) و إن تاب وجب علیه و صحّ منه، و إن كان فطریا علی الأقوی من قبول توبته (3) سواء بقیت استطاعته أو زالت قبل توبته فلا تجري فیه قاعدة جبّ الإسلام لأنّها مختصّة بالكافر الأصلي بحكم التبادر (4)، و لو أحرم في حال ردّته ثمّ تاب وجب علیه الإعادة كالكافر الأصلي.و لو حجّ في حال إسلامه (5) ثمّ ارتدّ لم یجب علیه الإعادة علی الأقوی (6) ففي خبر زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كان مؤمنا فحجّ ثمّ أصابته فتنة ثمّ تاب یحسب له كلّ عمل صالح عمله و لا یبطل منه شيء، و آیة الحبط مختصّة بمن مات علی كفره بقرینة الآیة الأخری و هي قوله تعالی: «وَ مَنْ یَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِینِهِ فَیَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ»، و هذه الآیة دلیل علی قبول توبة المرتدّ الفطري فما ذكره بعضهم من عدم قبولها منه لا وجه له.

كما تقدّم في المسألة السابقة.

سیأتي البحث في عدم مشروعیّة النیابة عن الكافر.

قد حرّرنا في كتاب الطهارة أنّ توبته بحسب الواقع تقبل لا بحسب الظاهر، و صحّة الأعمال إنّما هي بحسب الواقع، كما أنّ قاعدة عدم صحّة عبادة الكافر المتقدّمة بیّنا فیها أنّها في الكافر بحسب الواقع لا بحسب الظاهر.

كما تقدّم في قاعدة الجبّ في مسألة 74.

و في بعض النسخ و لو حجّ في حال إحرامه ثمّ ارتدّ إلاّ أنّه خطأ من النسّاخ إذ مضافا إلی تدافع و ركاكة العبارة حینئذ ستكون هذه المسألة هي عین المسألة الآتية.

قاعدة في أنّ الارتداد بعد العمل أو في أثنائه لا یبطله

أقول:مقتضی القاعدة تارة یحرّر بحسب الصحّة و الفساد الفقهیّان و الإعادة و عدم الإعادة و اخری من حیث الأجر و الثواب الاخروي، فأمّا الأوّل فإنّ مقتضی القاعدة

..........

بلحاظ الاصول اللفظية و إطلاقات ماهیّات الأعمال و الأوامر عدم مانعیة الارتداد المتأخّر أو الذي في الأثناء عن صحّة العمل ما لم یستلزم الارتداد في الأثناء الإخلال بالاجزاء أو بالنیّة فیما لو افترض كون ماهیّة العمل اتّصالیة كالصوم.و كذا مقتضی القاعدة الصحّة بلحاظ الاصول العملية عند الشّك في المانعیة و لأجل ذلك لم یبن المشهور علی بطلان الریاء المتأخّر عن العمل فإنّه و إن وردت روایات بحبط الأجر و الثواب إلاّ أنّ ذلك لیس بمعنی المانعیة في ماهیّة العمل؛إذ الأجر الاخروی أمر و تمام الماهیة التي هي متعلّق الأمر أمر آخر، و إن كان الأجر الاخروی ملاك العمل ممّا یولّد الشكّ أو توهّم لزوم إعادة العمل لعدم سقوط الأمر بعد فوات ملاكه.

لكنّه مندفع بما قرّر من أنّ المدار في الاجزاء و سقوط الأمر علی إتیان حدود ماهیّة المتعلّق لا علی الملاك الذي لا تناله الإدراكات و لا یعرف كیفیّة منشئیّته لجعل الأمر.و یدلّ علی الصحّة أیضا خصوص موثّقة زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:من كان مؤمنا فحجّ و عمل في إیمانه ثمّ أصابته في إیمانه فتنة فكفر ثمّ تاب و آمن قال:

«یحسب له كلّ عمر صالح عمله في إیمانه و لا یبطل منه شيء» (1).

و إسناد الشیخ إلی الحسین بن علی البزوفری و إن لم یذكره الشیخ في مشیخة التهذیبین و في الفهرست إلاّ أنّ للنجاشي سندا عن أحمد بن عبد الواحد المعروف بابن عبدون عنه و هو إسناد مشترك للشیخ و النجاشي.

و قد روی في الدعائم مثله (2).

ثمّ إنّه ببركة الروایة یتّضح عدم بطلان أجر الاخروي أیضا.

و منه یتّضح دلالة الآیة أیضا «وَ مَنْ یَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِینِهِ فَیَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ».


1) باب 30، أبواب مقدّمات العبادات، ح 1.

2) مستدرك الوسائل، باب 28، أبواب مقدّمات العبادات، ح 1.

مسألة 77:لو أحرم مسلما ثمّ ارتدّ ثمّ تاب لم یبطل إحرامه علی الأصحّ

(مسألة 77):لو أحرم مسلما ثمّ ارتدّ ثمّ تاب لم یبطل إحرامه علی الأصحّ (1) كما هو كذلك أو ارتدّ في أثناء الغسل ثمّ تاب، و كذا لو ارتدّ في أثناء الأذان و الإقامة أو الوضوء ثم تاب قبل فوات الموالاة بل و كذا لو ارتدّ في أثناء الصلاة ثم تاب قبل أن یأتي بشيء أو یفوت الموالاة علی الأقوی من عدم كون الهیئة الاتصالیة جزءا فیها.نعم لو ارتدّ في أثناء الصوم بطل و ان تاب بلا فصل.

فهي تدلّ علی الصحّة بكلا المعنیین أي الصحّة الفقهیة و الكلامیة.

قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ الارتداد، سواء كان في الأثناء أو بعد العمل، فلا دلیل علی مانعیّته للصحّة إلاّ إذا استلزم الإخلال بجزء أو بالاتّصال في العمل في ما لو أخذ من الماهیّة فمن ثمّ یقع الكلام في الاحرام أنّه هل هو من قبیل الصوم أو من قبیل الغسل حیث لم یعتبر فیه الاتّصال.

و كذا وقع الكلام في الأكوان المتخلّلة في الصلاة و الاستشكال في الصلاة له وجه من جهة اعتبار الأكوان الصلاتیة المدلولة علیه بجعل القاطعیة لبعض الموانع الدالّ علی أخذها من الماهیّة التزاما.

و كذلك یستفاد من اعتبار مبطلیة الحدث في الأكوان و إن اعتبرت الطهارة في الاجزاء، فكلّ ضدّ أخذ في غیر ما اخذ فیه الضدّ الآخر.نعم قد یقال بأنّ أكوان الهیئة الاتّصالیة و إن كانت مأخوذة في الماهیّة أنّها مأخوذة بنحو الشرط لا بنحو الجزء، فتكون توصلیة فلا یبطلها الارتداد في أثنائه.

نظیر ما لو توضّأ ثم ارتدّ ثم تاب ثم صلّی فان الطهارة لا تبطل و ان كانت مأخوذة من الصلاة إلاّ أن اشتراط الصلاة بها توصّلي بناء علی عدم إبطال نجاسة الكافر للطهارة.

فیقع الكلام في أن الاحرام هل ماهیته حقیقة اتصالیة أو انّه نظیر الوضوء و الطهارة فالطهارة و ان كانت امرا مستمرا إلا أنها معنی وضعي اعتباری له بقاء و لیس هو من ماهیة الفعل المأتي به الذي هو الوضوء و انما هو مسبب عنه و سیأتي في بحث

مسألة 78:اذا حج المخالف ثم استبصر لا یجب علیه الاعادة

(مسألة 78):اذا حج المخالف ثم استبصر لا یجب علیه الاعادة بشرط أن یكون صحیحا في مذهبه و ان لم یكن صحیحا في مذهبنا من غیر فرق بین الفرق لاطلاق الأخبار و ما دلّ علی الاعادة من الاخبار محمول علی الاستحباب بقرینة بعضها الآخر من حیث التعبیر بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«یقضي أحبّ إلیّ»، و قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«و الحج أحبّ إلیّ»(1).

مسألة 79:لا یشترط اذن الزوج للزوجة في الحج اذا كانت مستطیعة

(مسألة 79):لا یشترط اذن الزوج للزوجة في الحج اذا كانت مستطیعة

الإحرام أنّ الصحیح أنّه من قبیل الوضوء و الطهارة فالوضوء و ان كان عباديا إلا أن الطهارة و بقائها توصلي.

قد تقدّم اكثر الكلام في قاعدة جبّ الصغیر في مسألة (75) و قد أشرنا أنّه في خصوص الحج قد ورد ما یدل علی الاعادة و ما ینفیها.

ففي مصحح علی بن مهزیار قال:كتب ابراهیم بن محمد بن عمران الهمداني الی أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ):اني حججت و أنا مخالف و كنت صرورة فدخلت متمتعا بالعمرة الی الحج قال:فكتب إلیّ:«أعد حجّك» (1).و مثلها معتبرة أبي بصیر عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«لو أن رجلا معسرا أحجه رجل كانت له حجة فان أیسر بعد ذلك كان علیه الحج و كذلك الناصب اذا عرف فعلیه الحج و ان كان قد حجّ» (2).

و لكن كلا الروایتین یقابلهما صحیحة برید بن معاویة الدالة علی عدم لزوم الاعادة.و هذه الصحیحة و ان اسقطت لفظة الحج في طریق الكلیني إلا أن المعتمد ثبتها لأصالة عدم الزیادة.

و كذا روایات أخری معاضدة و ان لم تكن معتبرة السند.

مضافا الی أن روایة أبي بصیر لیس مفادها الوجوب حیث أنّ صدرها في الحج البذلي و لا یلزم فیه الاعادة إلا علی نحو الندب و قد جعل الحكم فیهما واحدا.


1) باب 31، ابواب مقدمات العبادات، ح 3.

2) باب 21، أبواب وجوب الحج، ح 5، و الباب 23، ح 5.

و لا یجوز له منعها منه (1) و كذا في الحج الواجب بالنذر و نحوه اذا كان مضیقا (2) و أما في الحجّ المندوب فیشترط اذنه (3) و كذا في الواجب الموسع قبل تضیقه علی الأقوی و صدر صحیحة برید بن معاویة العجلي (1)قد صرّح فیها بأنها قد قضی حجّة الاسلام و أن الاعادة ندبیة و مثله صحیحة عمر بن أذینة (2).

قوله «و لا یجوز له منعها منه» لا خلاف في ذلك كما هو مقتضی القاعدة من حصر ولایته أو لزوم طاعته علی الزوجة في اقامتها في بیته و بذل نفسها له في غیر المعصیة و ترك الواجبات للقاعدة المقررة «لا طاعة للمخلوق في معصیة الخالق» عقلا و نقلا بعد كون حجة الاسلام فورية، و یدل علیه خصوص النصوص المتعددة في المقام (3).

قد اشكل علی الماتن في الحاق الحج النذري بحجة الاسلام حیث أن النذر مشروطا باذن الزوج اما حدوثا و بقاء أو حدوثا فقط و ان متعلق النذر یشترط فیه الرجحان فمع منعه ینحل النذر و فسر العبارة بعض آخر بأن مراد الماتن فرض الحج النذري الواجب بعد حصول تمامیة شرائطه و لكنه مبني أیضا علی عدم انحلاله بقاء بمنع الزوج و سیأتي تفصیل ذلك في الحج النذري إن شاء اللّه تعالی....

و من ثمّة یتضح الحال في بقیة أقسام الحج الواجب من أنها ان كانت وجوباتها مطلقة حكمها حكم حجّة الاسلام و ان كانت معلقة مشروطة علی ما ینتفي بمنع الزوج فتكون كالحج النذري.

بلا خلاف اجمالا لما هو مقتضی القاعدة في المشار إلیها آنفا من عدم خروج الزوجة من بیت زوجها إلا باذنه اما مطلقا كما هو المشهور المنصور لاطلاق قوله تعالی «الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَی النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللّه بَعْضَهُمْ عَلی بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ


1) ابواب وجوب الحج، الباب 23، ح 1.

2) ابواب وجوب الحج، الباب 23، ح 2.

3) ابواب وجوب الحج، الباب 29.

بل في حجة الاسلام یجوز له منعها من الخروج مع أول الرفقة مع وجود الرفقة الاخری قبل تضیّق الوقت (1).

أَمْوالِهِمْ» (1).و لما ورد من النهي عن خروجها إلا باذن زوجها كما حررناه في صلاة المسافر في سفر الزوجة، أو اذا زاحم استمتاع الزوج كما حمله في المدارك و مال إلیه بعض متأخري هذا العصر.

و یدل علیه مضافا لذلك خصوص النصوص الواردة في المقام مثل معتبرة اسحاق بن عمار عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حیث سأل أله أن یمنعها من ذلك قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«نعم، و یقول لها حقي علیك أعظم من حقك عليّ في هذا» (2).

و قد یستظهر منها عدم لزوم الاذن مطلقا بل خصوص ما اذا نافی حق الاستمتاع الزوج.

و فیه:أن الحق الذي قرر للزوج في باب النكاح هو لزوم طاعتها له في عدم الخروج من البیت إلا باذنه و الی ذلك یشیر التعلیل في الروایة بلفظة «اعظم» حیث أن المقرّر في حقوق الزوج الثابتة علی الزوجة ما یجعله قوّاما علیها دون الحقوق التي لها علیه.

و ذلك لأن المقدار الخارج عن عموم طاعته هو خصوص ما اذا كانت متابعتها له معصیة لله تعالی و الفرض أنه لا یلزم في الموسع بترك الفرد معصیة.نعم قد یقال ان أداء طبیعي الواجب مستثنی علی أي حال فسواء أتت به في أي فرد یصدق علیه أنه الواجب و طاعة اللّه.

و فیه:أن الحال بلحاظ الطبیعي و ان كان كذلك إلا أنه في الخصوصیات المفردة لا الزام شرعي فیها فیعمّها حق الزوج.

إن قلت:ان التكلیف بالطبیعي یستلزم عقلا الالزام بأحد المصادیق و الافراد لا


1) النساء:34.

2) ابواب وجوب الحج، الباب 59، ح 2.

و المطلقة الرجعیة كالزوجة في اشتراط اذن الزوج ما دامت في العدّة (1).

علی التعیین فالافراد یتعلق بها الزام لا بعینه.

قلت:ان الفرد لا بعینه یؤول الی الطبیعي لا الی التردید في المشخصات و إلا كان محالا.

لأنها زوجة بمقتضی قوله تعالی «إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ... فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» (1)و قوله تعالی: «اَلطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِیحٌ بِإِحْسانٍ» (2)و قوله تعالی: «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» (3)حیث أن مقتضی تعلیق التسریح و المفارقة علی انتهاء أجل العدة، كما أن مقتضی جواز الامساك فیها عدم كون الفرقة و البینونة فعلیة و اذا كانت زوجة یترتب علیها بقیة احكامها كما نص علی بعضها في الآیات و الروایات و كذلك في المقام هذا كله بناء علی جواز خروج المطلقة رجعیة باذن زوجها كما هو الاظهر و الأقوی.

و أما لو احتمل حرمة خروجها مطلقا و ان اذن الزوج باستظهار أن ذلك مفاد الآیة الشریفة «و إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ... لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُیُوتِهِنَّ وَ لا یَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ یَأْتِینَ بِفاحِشَةٍ مُبَیِّنَةٍ» فلا یجوز لها الحج الندبي أیضا و لكن المعتمد هو الأول بقرینة ان الاخراج قیّد بـ(من البیت) و هو بمعنی ازالتهن عن السكنی و من ثم یكون ذلك قرینة علی أن (لا یخرجن) اي بمعنی لا یتحولن عن دار سكناهن لا أن نجعل لفظة (لا یخرجن) المطلقة قرینة علی اطلاق (لا تخرجوهن) بمعنی مطلق الاذن في الخروج أو الاخراج عن دار السكنی و یشهد للجواز الروایات العدیدة الواردة في أبواب العدد حیث أن بعضها (4)الاشارة الی أن الاستثناء (ان یأتین بفاحشة مبینة) قرینة علی أن المراد تحویلهن من دار


1) الطلاق:1-2.

2) البقرة:229.

3) البقرة:213.

4) ابواب 18، 19، 22، 23 من ابواب العدد.

..........

السكنی لا مطلق الخروج لقضاء الحاجة و نحوه.

نعم كون السكنی حكما لا حقّا كي یجوز لها الانتقال عن بیت الطلاق كما نسب الفاضل الجواد في المسالك ذلك، الی الأكثر.

ثم انه یدلّ علی جواز حجّها بالخصوص روایات كخبر منصور بن حازم قال سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المطلقة تحجّ في عدّتها قال:«إن كانت صرورة حجّت في عدّتها و إن كانت حجّت فلا تحجّ حتی تقضي عدّتها» (1)و في صحیحة معاویة بن عمار قال:

«لا تحجّ المطلقة في عدّتها» (2).

و في قبالهما صحیحة محمد بن مسلم:«المطلقة تحجّ في عدّتها» (3).

و كذا حسنة أبی هلال عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التي یموت عنها زوجها تخرج الی الحج و العمرة و لا تخرج التي تطلق لأنّ اللّه تعالی یقول: «وَ لا یَخْرُجْنَ» إلا أن تكون طلقت في سفر (4).

و كذا موثقة سماعة سأله عن المطلقة أین تعتد قال:«فی بیتها لا تخرج و ان أرادت زیارة خرجت بعد نصف اللیل و لا تخرج نهارا و لیس لها أن تحجّ حتی تقضي عدّتها» (5).

إلا أنّ هناك روایة مفصلة و هي موثقة معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال سمعته یقول:«المطلقة تحجّ في عدّتها ان طابت نفس زوجها» (6).

و قد یشكل بأنّ موثقة سماعة صریحة في عدم مشروعیة الحج لها و لو بالاذن حیث أنها تعرضت لخروجها للزیارة بعد منتصف اللیل و هو لا یسوغ إلا بالاذن بینما اطلق النهي عن حجّها فتكون معارضة لموثقة معاویة بن عمار أیضا مضافا الی أن الحج حیث یستغرق مدة طویلة لا سیما في عهد النص فهو قد یأتي علی تمام مدة


1) باب 6، ابواب وجوب الحج، ح 2.

2) الحدیث الثالث في الباب.

3) الحدیث الأول، نفس الباب.

4) نفس الباب، ح 4.

5) ابواب العدد، الباب 22، ح 3.

6) ابواب العدد، الباب 22، ح 2.

..........

العدة و یكون ذلك نحو اخراج من بیت السكنی فتعارض الروایات الواردة الدالة علی عدم جواز اخراجهن من بیت السكنی بل و كذا تكون معارضة لمفاد الآیة.

و فیه أنه مبني علی عدم احتمال جواز خروجها مطلقا باذن الزوج و لا یتم علی القول المعروف المسوغ خروجها مع اذن الزوج، و مع غض النظر عن ذلك ان الاذن للخروج للحج تارة یكون بداعي كراهة الزوج لاقامتها في بیته فیصدق حینئذ الاخراج من بیوتهن، و اخری لا بسبب الكراهة بل بسبب المداراة و اللین في المعاملة فلا یصدق علیه أنه اخراجهن من بیوتهن و من ثمة قیدت موثقة ابن عمار ذلك بطیب نفس الزوج و لیس بالبعید دعوی أن متعلق الاخراج و الخروج هو ما اذا كان بسبب الكراهة و الفرقة سواء بالآیة أو الروایات لا ما اذا كان بسبب الحاجة و الضرورة الاعتیادیة كما یشیر الی ذلك مكاتبة الصفار أنّه كتب الی أب محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) في امرأة طلقها زوجها و لم یجري علیها نفقة العدة و هي محتاجة هل یجوز لها أن تخرج أو تبیت عن منزلها للعمل أو الحاجة فوقّع (عَلَيهِ السَّلَامُ):«لا بأس بذلك اذا علم للّه الصحة منها» (1).

فالحاصل أن المدار علی صدق الخروج بمعنی الانتقال عن بیت السكنی فلا یسوغ لها ذلك و لو باذن الزوج و بینما لم یكن كذلك.

و هو الذي یشیر إلیه كلام الفضل بن شاذان الذي حكی عنه الكلیني في الكافي (2)ان معنی الخروج و الاخراج لیس هو الخروج الی أبیها أو في حاجة لها أو في حق باذن زوجها مثل مأتم أو ما شابه ذلك انما الخروج و الاخراج هو أن تخرج مراغمة أو یخرجها زوجها مراغمة فهذا الذي نهی اللّه عنه فلو أن امرأة استأذنت أن تخرج الی أبویها أو تخرج الی حق لم نقل أنها خرجت من بیت زوجها و لا یقال ان فلانا أخرج زوجته من بیتها انما یقال ذلك اذا كان ذلك علی الرغم و السخط و علی أنها لا ترید العود الی بیتها فامسكها علی ذلك و فیما بیّنا كفایة.


1) ابواب العدد، الباب 55، ح 5.

2) الكافي:ج 6، ص 90.

بخلاف البائنة (1) لانقطاع عصمتها منه و كذا المعتدة للوفاة (2) فیجوز لها الحج واجبا كان أو مندوبا و الظاهر أن المنقطعة كالدائمة (3) و لا فرق ثم قال:«قیل له:إنّ فیما بیّنا كفایة من معنی الخروج و الاخراج ما یجتزأ به عن هذا القول لأن أصحاب الاثر و اصحاب الرأی و أصحاب التشیع قد رخصوا لها في الخروج الذي لیس علی السخط و الرغم و أجمعوا علی ذلك»

فلیست هي زوجة و لا لها سكنی و لا نفقة بل هي أجنبية عنه و لدلالة النصوص.

و یدلّ علیه النصوص (1)حیث أنها لیست في عصمة الزوج و لا حكمها الاقامة في منزلها كالرجعیة و الحداد علی الزوج لا ینافي سفر الحج كما یجوز لها الخروج علی الأقوی.

قد اشكل بعض المحشین الحاق المنقطعة بالدائمة و ان كانت زوجة فیما اذا لم یناف خروجها حق الزوج، و استدل للماتن بإطلاق ما دلّ علی لزوم طاعة الزوجة للزوج و المنقطعة زوجة فیشملها.

و لكن اطلاق الروایات (2)لا یخلو من اشكال فانّ المتصفح لها یشرف علی قرائن عدیدة موجبة لانصرافها الی الدائمة اذ هي في سیاق احكام اخری كالنفقة و غیرها مما هي مختصة بالدائمة.

أو أن ما له من الحقوق اكثر مما لها و نحو ذلك مما هو غیر شامل للمنقطعة و یشهد لذلك أیضا أنّ قوامیة الرجل علی المرأة جعل في مقابل النفقة و أیضا یؤید ذلك ما في معتبرة السكوني (3)من سقوط النفقة بخروج المرأة من بیت زوجها الدال علی


1) أبواب وجوب الحجّ، ب 61، و أبواب العدد، ب 29، ح 2، و ب 33.

2) ابواب مقدمات النكاح، باب 79، و 91.

3) الباب 6، ابواب النفقات، ح 1.

في اشتراط الاذن بین أن یكون ممنوعا من الاستمتاع بها لمرض أو سفر أو لا (1).

مسألة 80:لا یشترط وجود المحرم في حج المرأة اذا كانت مأمونة علی نفسها و بضعها

(مسألة 80):لا یشترط وجود المحرم (2) في حج المرأة اذا كانت مأمونة (3) علی المقابلة.

و یعضد ذلك أیضا أن المنقطعة و ان كانت زوجة الا أنها بحكم الأجیرة كما في الآیة «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِیضَةً» فغایة ما له علیها الاستمتاع و منفعة البضع.

و من ثم قد ورد انه ینقص من مهرها بقدر ما تخلّفت من المدة (1).

فوحدة الحكم محلّ اشكال اذا لم یكن الفرق أظهر.

اشارة الی نفي التفصیل الذي حكینا و تمایل صاحب المدارك إلیه.

خلافا للعامة حیث ذهبوا الی كونه شرطا في الوجوب.

هذا القید قد یفسّر تارة بتوفر القدرة علی السلوك مع الرفقة الامنة فیكون قید وجوب.و اخری یفسّر بالفعل الذي یحصل معه الامان فیكون مقدمة وجودیة لا شرطا في الوجوب، و علی الأول یكون خلاف العامة معنا في تخصیصهم القدرة المزبورة بالحاصلة مع المحرم، أما علی الثاني فیحتمل إرادة ما یساوق تخلیة السرب و الأمن من الاعتداء علی عرضها، و یحتمل ضم إرادة الأمن من الوقوع في الفتنة و الحرام في العرض، و بتبع هذا التردید یحصل التردید في القدرة المتقدمة المضافة الی ذلك، أي تختلف مقدار القدرة المأخوذة قیدا للوجوب بعد كون القدرة من الصفات الاضافیة التعلقیة بالإضافة الی المقدور علیه، و العبائر في المقام ظاهرها المعني الأول و لكن یظهر من عبارة صاحب الجواهر في التنازع شمول المعني للثاني، و التنازع أو الممانعة من المحارم للمرأة الذي قد افترض في بعض الروایات الآتية یلوح منه الشمول أیضا، و إلا فعلی إرادة المعني الأول لا یكون البحث فی


1) الباب 27، ابواب المتعة،

..........

المقام في شرط زائد عن شرط تخلیة السرب بل یكون من قبیل التنبیه علی الصغری و دفع توهم ما ذهب إلیه العامة.و الروایات الواردة في المقام (1).

منها صحیحة صفوان قال:قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):قد عرفتني بعملي، تأتیني المرأة أعرفها باسلامها و حبّها إیّاكم، و ولایتها لكم لیس لها محرم، قال:«إذا جاءت المرأة المسلمة فاحملها، فان المؤمن محرم المؤمنة، ثم تلی هذه الآیة: «وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِیاءُ بَعْضٍ» (2).

و في صحیح سلیمان بن خالد في المرأة لیس معها محرم...نعم اذا كانت مأمونة.

و كذا في صحیح معاویة بن عمار «لا بأس تخرج مع قوم ثقات» (3).

و في صحیح آخر لمعاویة بن عمار قال:سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المرأة تحج بغیر ولی؟قال:«لا بأس، و ان كان لها زوج أو أخ أو ابن أخ فابوا أن یحجوا بها و لیس لهم سعة فلا ینبغي لها أن تقعد، و لا ینبغي لهم أن یمنعوها» (4)الحدیث، و في معتبرة أبي بصیر «ان كانت مأمونة تحج مع أخیها المسلم» (5).

و في صحیحة عبد الرحمن بن الحجاج فیها اضافة «و لم تقدر علی محرم فلا بأس» (6).

و في موثقة الحسین بن علون «مع قوم صالحین اذا لم یكن لها محرم و لا زوج» و یمكن ان یستظهر من التعبیر الوارد بالثقات أو الصالحین أو أن المؤمن محرم المؤمنة و كذا كون السؤال في صحیح سلمان بن خالد بلفظ «هل یصلح لها».

و ما في صحیح معاویة بن عمار من نفي ممانعة المحارم لها اذا لم یكن لهم سعة یستظهر من كل تلك القرائن الشمول للمعنی الثاني.


1) باب 58، أبواب وجوبه و شرائطه، ح 1.

2) باب 58، أبواب وجوبه و شرائطه، ح 2.

3) باب 58، أبواب وجوبه و شرائطه، ح 3.

4) باب 58، أبواب وجوبه و شرائطه، ح 4.

5) باب 58، أبواب وجوبه و شرائطه، ح 5.

6) باب 58، أبواب وجوبه و شرائطه، ح 6.

نفسها و بضعها كما دلت علیه جملة من الاخبار و لا فرق بین كونها ذات بعل أو لا.

و مع عدم أمنها یجب علیها استصحاب المحرم و لو بالأجرة مع تمكنها منها (1) و مع عدمه لا تكون مستطیعة و هل یجب علیها التزویج تحصیلا للمحرم؟ وجهان و لو كان ذات زوج و ادعی عدم الأمن علیها و انكرت قدم قولها مع عدم البیّنة أو القرائن الشاهدة و الظاهر عدم استحقاقه للیمین علیها (2).

إلا أن ترجع الدعوی الی ثبوت حق الاستمتاع له علیها بدعوی ان حجها حینئذ مفوّت لحقّه مع عدم وجوبه علیها فحینئذ علیها الیمین علی نفي الخوف و هل للزوج مع هذه الحالة منعها عن الحج باطنا اذا امكنه ذلك؟ وجهان في صورة عدم تحلیفها و اما معه فالظاهر سقوط حقه و لو حجت بلا محرم مع عدم الأمن صح حجها ان حصل الأمن قبل الشروع في الاحرام و إلا ففي الصحة اشكال و ان كان الاقوی الصحة.

لما تقدم من أن القدرة علی سلوك ما یحصل معه الا من قید الوجوب و امّا اتیان المقدمات التي یتحقق بها الأمن فهي مقدمات وجودیة.

و منه یظهر الحال في ما فرضه الماتن بعد ذلك من تزوجها تحصیلا للامن فانه ان كان بنحو یعدّ من تحصیل القدرة علی الأمن فلیس بواجب، و اما ان كان بنحو لا یستلزم المئونة كعقد المنقطع لغایة المحرمیة فهو من المقدمات الوجودیة.

للمسألة صور عدیدة و العمدة فیها:

ان النزاع إما یرجع الی دعوی الحق و سقوطه كحق الاستمتاع و ولایة الزوج.و أما ان یرجح الی مجرد ثبوت الوجوب و عدمه.

فأما الشق الأول:فان بنی علی أن من خالف الدلیل المعتبر فهو المدعي و من وافقه فهو المنكر سواء كان من ظاهر الحال أو أمارة أو أصل عملي فكذلك في المقام.و سواء كان مقتضی ذلك الدلیل مع الزوج أو مع المرأة.و المرأة و ان كان قولها یرجح الی سقوط حق الزوج و ولایته فتكون بحسب ذلك مدعیة إلا أن حق الزوج لما كان مقید بغیر مورد الحج الواجب علیها المفروض كان ظاهر الحال أو الامارة دالاّ

..........

علی توفر موضوع الحكم فتكون هي منكرة و هو مدع.

نعم قد یقال انه لیس علی القاضي تحري الحال و حینئذ یكون الزوج منكرا لموافقة قوله للاصل العملي و اللفظي المقتضیان لثبوت حقه و ولایته و عدم ثبوت موضوع وجوب الحج.

نعم، ذلك اذا لم یظهر الحال و إلا فكما سبق اذ قد یكون النزاع في كونها مأمونة الطریق و ظاهر الحال یقتضي ذلك، و قد یكون الحال مجمل و حینئذ قد یقال ان الزوج منكر و هي مدعیة اما لاستصحاب عدم الاستطاعة أو استصحاب عدم الوجوب لكن في كلا الأصلين نظر حیث ان الاستطاعة المركبة من اجزاء محرزة سوی شرط الأمن، و الأمن لیس له حالة سابقة عدمیة إلا علی استصحاب العدم الازلي و هو أیضا لا یخلو من اشكال في المقام.

و أما اصالة عدم الوجوب فغیر جاریة للشك في تبدل الموضوع، و علی هذا فیكون الزوج مدعی لثبوت ولایته و حقه و هي منكرة في ذلك و تكون هي مدعیة في وجوب الحج و سقوط حقه و هو منكر لذلك فیكون من باب التداعی و للمسألة صور اخری یعلم حالها مما ذكرنا؟

أمّا الشق الثاني:فظاهر رجوعه للأول بناء علی عموم ولایته علی المرأة سواء في الاستمتاع أو الاستقرار في بیته لانه یكون خروجها حینئذ عند وجوب الحج مسقطا لولایته تلك.

نعم لو بنی علی تقید ولایته و حقه بخصوص ما اذا كان متمكنا من الاستمتاع و فرض عدم قدرته علی ذلك لمرض أو سفر و نحوهما فیكون هذا الشق مستقلا عن الأول إلا أن النزاع حینئذ لیس في حق كي یسمع و یترافع الی القاضي بل حسم مادة النزاع لو فرض وقوعه یكون بید الحاكم بما انه والي و في الفرض المزبور هل یجوز للزوج الممانعة أم لا؟الظاهر انه داخل في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

مسألة 81:اذا استقر علیه الحج بأن استكملت الشرائط و اهمل حتی زالت أو زال بعضها

(مسألة 81):اذا استقر علیه الحج بأن استكملت الشرائط و اهمل حتی زالت أو زال بعضها صار دینا علیه و وجب الآتيان به بأي وجه تمكن (1).و ان

أو باب وجوب حفظ العرض و حینئذ یلحق بالزوج بقیة المحارم بل مطلق ذوي الرحم.

و أما صحة حجها مع عدم المأمونیة فعلی ما ذهب إلیه الشهید و جماعة أو علی المختار من كون الاستطاعة قید عزیمة فیصح بخلافه علی المشهور.

تنبیه:بناء علی استفادة شمول (المأمونة) للمعنی الثاني فتكون الاستطاعة مقیدة بعدم استلزام الحج للمعرضیة القریبة من الوقوع في الحرام.

كما نسب الی المشهور و قد یحكی علیه الاجماع.

و اشكل بعض متأخري العصر علی الفورية لو كانت حرجیة لا في اصل بقاء الوجوب في الذمة تمسكا بعموم قاعدة الحرج و ان ما دل علی حرمة التسویف مما یستفاد منه التزام الفورية هو أیضا مشمول لعموم الحرج بقاء و اما المقدار السابق منه فعقوبة عصیانه یسقط بالتوبة.

و یندفع أولا:بان شمول قاعدة الحرج لموارد سواء الاختیار الذي من قبیل المعصیة فیه تأمل؟لما یلوح من الآیة فَمَنِ اضْطُرَّ غَیْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَیْهِ المستفاد منها تخصیص رفع الاضطرار بموارده التي لم تتسبب بسوء اختیار المعصیة أو لقرینة ما قد یقال من أن شمول ادلة الرفع الامتنانیة للعناوین الثانویة اذا تسبب لوجودها بالمعصیة نحو اغراء بالمعصیة و هذا المقدار كاف في الانصراف مضافا لما سنذكره في الوجه الثاني.

ثانیا:ان أدلة التسویف المسجلة لعقوبة التأخیر بانه یموت یهودیا أو نصرانیا بترك شریعة من شرائع الاسلام (أحد درجات الكفر العملي) لا تحصل التوبة منها كما هو الظاهر بمجرد الندم بل بالاقلاع عن استمرار الترك اذ التوبة في كل ذنب بحسبه كما في الدیون و حقوق الناس فان التوبة بالاداء لا مجرد الندم و من ثمة لا ینجح فیها

مات فیجب ان یقضی عنه إن كانت له تركة، و یصحّ التبرّع عنه.و اختلفوا فیما به یتحقق الاستقرار علی أقوال:فالمشهور مضی زمان یمكن فیه الآتيان بجمیع أفعاله مستجمعا للشرائط و هو الی الیوم الثاني عشر من ذي الحجة، و قیل:باعتبار مضی زمان یمكن فیه الآتيان بالاركان جامعا للشرائط-فیكفي بقاؤها الی مضی جزء من یوم النحر یمكن فیه الطوافان و السعي و ربما یقال باعتبار بقائها الی عود الرفقة.و قد یحتمل كفایة بقائها الی زمان یمكن فیه الاحرام و دخول الحرم و قد یقال بكفایة وجودها حین خروج الرفقة فلو اهمل استقر علیه و ان فقدت بعد ذلك لانه كان مأمورا بالخروج معهم.

و الاقوی اعتبار بقائها الی زمان یمكن فیه العود الی وطنه بالنسبة الی الاستطاعة المالية، و البدنیة، و السربیة (1).

و أما بالنسبة الی مثل العقل فیكفي بقائه الی آخر الاعمال و ذلك لأن فقد بعض هذه الشرائط یكشف عن عدم الوجوب علیه واقعا، و ان وجوب الخروج مع الرفقة كان ظاهریا.و لذا لو علم من الأول أن الشرائط لا تبقی الی الآخر لم یجب علیه، نعم لو فرض تحقق الموت بعد تمام

الندم و لا حرجیة الاداء.

فالاقوی ما علیه المشهور من عدم سقوط الفورية بالحرج بعد استقرار الحج.

الصحیح هو التفصیل في الشرائط بین ما كان مأخوذا بدلالة الادلة الخاصة و بین ما كان مأخوذا بدلیل قاعدة الحرج و نحوها من الأدلة العامة، فإنّ الأولی شرائط شرعية إما دخیلة في ملاك المشروعیة كما هو ظاهر عبارة المشهور أو دخیلة في التنجیز كما قویناه، فالمشروط بأي مرتبة فرض یدور مدارها، هذا بعد فرض أن الاستقرار هو عین الحكم الحادث أولا و بعین دلیله كما قربنا ذلك في آیة الاستطاعة فلاحظ.

نعم استثنینا من هذا الاطلاق الدال علی بقاء الحكم-استقرار وجوب الحج- موارد الترخیص الشرعي و لو بدلیل عام التي یستفاد منها بالملازمة سقوط التنجیز

الاعمال كفی بقاء تلك الشرائط الی آخر الأعمال لعدم الحاجة حینئذ الی نفقة العود و الرجوع الی كفایة و تخلیة السرب و نحوها.و لو علم من الأول بأنه یموت بعد ذلك فان كان قبل تمام الأعمال لم یجب علیه المشي (1) و ان كان بعده وجب علیه هذا

بقاء مضافا للسقوط عند الحدوث.

هذا كله اذا بنینا علی استفادة حكم الاستقرار من نفس الدلیل الدال علی الحكم حدوثا.

و أما لو بنینا علی كون الدلیل علیه هو خصوص الروایات الناهیة عن التسویف و استظهرنا منها ان موردها هو الاهمال بغیر عذر فحكم الاستقرار حینئذ یدور مدار كلا من الشرائط الشرعية و شرائط التنجیز سواء استفیدت من الادلة العامة أو حكم العقل.

هذا كله في استقرار وجوب الحج علیه المباشري، و أما وجوب الحج النیابي بأن ینیب هو أو ورثته فقد تقدم في مسألة (73) أنه یدور مدار الاستطاعة المالية فقط فلا بد من مراعات أحد الوجوبين في الصور التي تفترض في المقام.

كما هو مقتضی القاعدة بالنسبة الی الوجوب المباشري بعد استظهار انصراف الروایات الدالة علی اجزاء دخول المحرم الحرم لحجة الاسلام عن مورد العلم بالموت الی مورد حصول الموت اتفاقا.

و بناء علی ذلك فیجب علیه الاستنابة لتحقق الاستطاعة المالية و لو بأن یوصی بالحجّ یحج عنه لما تقدم في مسألة (73).

نعم قد استظهر بعض محشي المتن ان روایات من دخل الحرم مطلقة غیر منصرفة.

و لكنه مدفوع أولا:بأن التعبیر بـ«فمات» یفید الحصول الاتفاقي و رفع الخصوصیة عنه بعد كونه خلاف القاعدة لا وجه له.

و ثانیا:ان الفرض حینئذ قد یدعی اندراجه في المحصور حینئذ الذي لا یجزئه

اذا لم یكن فقد الشرائط مستندا الی ترك المشي (1) و إلا استقر علیه كما اذا علم انه لو مشي الی الحج لم یمت او لم یقتل أو لم یسرق ماله مثلا فانه حینئذ یستقر علیه الوجوب لانه بمنزلة تفویت الشرط علی نفسه.

و أما لو شك في أن الفقد مستندا الی ترك المشي او لا فالظاهر (2) عدم الاستقرار للشك في تحقق الوجوب و عدمه واقعا، هذا بالنسبة الی استقرار الحج لو تركه.و أما لو كان واجدا للشرائط حین المسیر فسار ثم زال بعض الشرائط في الأثناء فأتم الحج علی العمل الناقص من الاحرام و دخول الحرم و یندرج في مفهوم صحیح زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«اذا احصر الرجل بعث بهدیه فاذا أفاق و وجد من نفسه خفة فلیمضي ان ظن انه یدرك الناس...» قلت فان مات و هو محرم قبل أن ینتهي الی مكة قال:«یحج عنه إن كانت حجة اسلام و یعتمر انما هو شيء علیه» (1).

بل إن مقتضی اطلاق الذيل عدم اجزاء ذلك الحج المباشري و غایة ما خصص المخصص المنفصل من الروایات الاخری في الباب الدالة علی الاجزاء القدر المتیقن منها من دخل الحرم و مات من دون علم.

لأنه لیس من باب عدم الموضوع بل یكون من باب اعدام الموضوع و یجب التحري بامعان في الصور المفترضة في المقام أنها من أي النحوین كي لا تقع الغفلة في ذلك.

بل فیه اشكال و منع لا لدعوی اصالة السلامة و مقایسة المقام بموارد الشك ابتداء في القدرة و بقاء قیود الوجوب لما حرر في تلك المسألة من حكم العقل بالاشتغال في موارد الشك في بقاء القدرة، و ذلك لأن حكم العقل في تلك الموارد ظاهري و لیس اصلا عمليا احرازیا لبقاء الموضوع، و إنما هو صرف وظیفة عملية عقلية، فهو لا ینفع في احراز الموضوع في المقام بل الوجه في ذلك هو استصحاب


1) الكافي:ج 4، ص 370، و في الوسائل:ابواب وجوب الحج، باب 36، ح 3.

ذلك الحال كفی في حجّه عن حجة الاسلام اذا لم یكن المفقود مثل العقل، بل كان هو الاستطاعة البدنیة و المالية و السربیة و نحوها علی الأقوی (1).

مسألة 82:اذا استقر علیه العمرة فقط أو الحج فقط

(مسألة 82):اذا استقر علیه العمرة فقط أو الحج فقط كما في وظیفته حج الافراد و القران ثم زالت استطاعته فكما مرّ یجب علیه بأي وجه تمكن و ان مات یقضي عنه (2).

مسألة 83:تقضي حجّة الاسلام من أصل التركة اذا لم یوص بها

(مسألة 83):تقضی حجّة الاسلام من أصل التركة (3) اذا لم یوص بها سواء كانت

بقاء الموضوع.

إن قلت:أن الاستصحاب في المقام تعلیقی لأن بقاء وجود الموضوع علی تقدیر السفر فرض معلق علی السفر.

قلت:إن هذا لیس من التعلیق في شيء و إلا لكان كل استصحاب استقبالي تعلیقي علی الزمن المستقبل. مضافا الی أنّه لیس كل استصحاب فیه نحو من التعلیق غیر جاري بل الممنوع عن جریانه هو فیما اذا كان التعلیق عقليا لأثر شرعي، أو كان المتیقن في نفسه لیس بأمر فعلي.

كما دللنا علیه في بحث الاستطاعة أنها من قیود التنجیز لا من قیود الملاك.

نعم في القیود الاخری كالحریة و البلوغ و العقل هي من شروط الفعلية.

لإطلاق الأدلة و عدم اختصاصها بالتمتع.و أما قضاء العمرة فبناء علی أن الاستطاعة علیها فقط تجب دون الحج

لم یحك خلاف فیه و هو بمنزلة الدین كما في صحیح معاویة بن عمار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل توفی و أوصی أن یحج عنه، قال:«إن كان صرورة فمن جمیع المال إنه بمنزلة الدین الواجب، و إن كان قد حجّ فمن ثلثه، و من مات و لم یحج حجّة الاسلام و لم یترك إلا قدر نفقة حمولة و له ورثة فهم أحق بما ترك فإن شاءوا أكلوا و إن شاءوا حجّوا عنه» (1).


1) باب 25، ابواب وجوب الحج، ح 4.

حج التمتع أو القران أو الافراد.و كذا اذا كان علیه عمرتها (1).

بل و لا ینافیه ما في الذيل بقرینة أنّ حصر التركة في قدر نفقة الحج دلالة علی عدم تحقق الاستطاعة المالية اذ النفقة علی عیاله لازمة له فلا یتنجّز علیه الحج.

نعم في ذیل الروایة دلالة علی ما ذهبنا إلیه من كون الاستطاعة المالية قید التنجیز لا قید المشروعیة.و كذا فیه دلالة أیضا علی أن الحج النیابي یجب علی المیت بمجرد الاستطاعة المالية و إن لم یستقر علیه سابقا، كما حررناه فیما سلف في مسألة النیابة عن المیت.

و مثلها حسنة الحارث بیاع الأنماط (1)حیث ورد التعبیر فیها «إنما هي دین علیه».

و في بقیة الروایات المعتبرة (2)التعبیر من صلب المال أو من وسط المال.

لأنهما من حجة الاسلام و إن لم یرتبط حج الافراد و القران بالعمرة المفردة في الصحة إلا أن دلیل ایجابهما واحد سواء قوله تعالی «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ» (3)و قوله تعالی «وَ لِلّهِ عَلَی النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلاً» (4)أي أن تقیید العمرة المفردة الواجبة بالاستطاعة هو آیات الاستطاعة كما تشیر الی ذلك صحیحتي معاویة بن عمار (5)و غیرهما.و مفاد آیة الاستطاعة كما هو واضح حجة الاسلام، و لذلك كان الدلیل الدال علی افتراض الحج مرّة واحدة في العمر یشمل العمرة أیضا كما أن في قوله تعالی «یَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» (6)اشارة الی أن العمرة هي الحج الاصغر كما صرحت الروایات بذلك أیضا (7).

فمن كان ذلك یتضح أن ما أخذ في روایات القضاء عن المیت حجة الاسلام أو


1) باب 25، أبواب وجوب الحج، ح 5.

2) باب 25، 26، 28، 29، ابواب وجوب الحج.

3) البقرة:196.

4) آل عمران:97.

5) باب 1، ابواب العمرة، ح 98.

6) التوبة:3.

7) باب 1، ابواب العمرة.

و إن أوصی بها من غیر تعیین كونها من الأصل أو الثلث فكذلك أیضا (1).

حجته شامل لهما، و لا مجال لتأمل بعض المحشین للاخراج من أصل التركة.

كما هو مفاد الروایات المتقدمة كصحیحة معاویة ابن عمار حیث اشتملت علی الوصية بالحج.

نعم قد یقال أن ذلك فیما اذا اطلق الموصي، أما إذا أجمل و حصل التردد أنه من الثلث أو من الأصل فاللازم اخراجه من الثلث للشك في تحقق الوصية بما یساوي الحج من الثلث في غیره.و أن الروایات انما هي في صدد دفع توهم كون الوصية بحجة الاسلام كبقیة الوصایا في أنها تقتصر علی الثلث لا في صدد تعیین الأصل دون الثلث كمورد للاخراج.

و الصحیح أن الوصية بالثلث تارة ككسر مشاع و أخری معین و في كلا من الصورتین تارة تقرن الوصية بامور اخری و تارة لا تقرن.

و أما الصورة الثالثة و هو اذا كان الایصاء بالحج منفردا مع احتمال انه من الثلث المشاع فمن الواضح انه لا ثمرة في التردید لكون الحج لا محالة یخرج سواء كان بقدر الثلث المشاع أو أزید.

و أما الصورة الأخیرة و هي ما اذا كان الایصاء بالحج منفردا مع احتمال انه من ثلث المعین فالاصل عدم تعلق الوصية بالمعین.

و أما الصورة الثانية و هي ما اذا كان الایصاء بالحج مقرونا بغیره مع احتمال إرادة الثلث المشاع.فهاهنا یتم قول القائل بأصالة عدم تعلق الوصية بالامور الاخری بمقدار یساوي الحج من الثلث في غیره و ان اللازم اخراجه من الثلث.

أما الصورة الأولی:اذا أوصی بالحج و بأمور اخری و احتمل انه من الثلث المعین أو الأصل؟فحینئذ فالاصل المتقدم في الصورة الثانية یجري في المقام و لكن یجري أصل اخر أیضا و هو اصالة عدم تعلق الوصية بالحج من الثلث المعین و حینئذ ان كان لدینا علم اجمالي بوصیة احدهما في المقدار المشكوك من الثلث المعین فقد

و أمّا إن أوصی باخراجها من الثلث وجب اخراجها منه، و تقدم علی الوصایا المستحبة (1) و إن كانت متأخرة عنها في الذكر، و إن لم یف الثلث بها أخذت البقیة من

یقرب ان لازم اخرج الحج من الثلث المعین أیضا و ذلك للشك لدوران الشك بین الأقل و الاكثر حیث ان اخراج الحج من غیر الثلث المعین أمر زائد أو لك ان تقول أن تحقق الوصية بغیر الحج في المقدار المشكوك من الثلث المعین امر زائد علی ما قد تیقن به و الاصل العدم.و أما صرف ذلك المقدار المشكوك في الحج فللعلم الإجمالي بالایصاء به مع لزوم اخراج الحج لا محالة فهو الاثر الاقل الذي یؤثره العلم الإجمالي.

أي الوصایا بالأمور المستحبة عند ضیق التركة قدم الوصي الحج الواجب علیها لأنها دینا فتقدم علی الوصية و یشیر الی ذلك صحیحة معاویة بن عمار قال:

سألت أبا عبد اللّه عن امرأة اوصت بمال في الصدقة و الحج و العتق، فقال:«ابدأ بالحج فانه مفروض فان بقی شيء فاجعل في العتق طائفة و في الصدقة طائفة» (1).

و لو قید المیت بكون المجموع من الثلث و ضاق المجموع عنه فكذلك الحال یقدم الحج لكونه دینا كما یشیر الی ذلك صحیحة معاویة بن عمار قال:إن امرأة هلكت و أوصت بثلثها یتصدق به عنها و یحج عنه و یعتق عنها، فلم یسع المال ذلك - الی ان قال- فسألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك، فقال:«ابدأ بالحج فان الحج فریضة، فما بقی فضعه في النوافل» (2)الظاهر من تعلیل الذيل فیها تقدیم مطلق الفریضة علی النافلة عند التزاحم في الوصية و ان لم تكن الفریضة مالیة و هو علی مقتضی القاعدة لكون الوصية المزاحمة للفریضة من الوصية بغیر المعروف فلا تكون نافذة فعلم من ذلك انه عند المزاحمة بالوصایا و الدوران بین الواجب المالي و غیره یقدم المالي و عند


1) الوسائل:ب 30، ابواب وجوب الحج، ح 1.

2) الوسائل:ب 30، ابواب وجوب الحج، ح 2.

الأصل. و الأقوی أن حج النذر-أیضا-كذلك (1)، بمعنی أنه یخرج من الأصل، كما سیأتي الاشارة إلیه.و لو كان علیه دین أو خمس أو زكاة و قصرت التركة فان كان المال المتعلق به الخمس أو الزكاة موجود قدم. لتعلقهما بالعین (2)، فلا یجوز صرفه في غیرهما، و ان كانا في الذمّة فالاقوی ان التركة توزع علی الجمیع بالنسبة كما في غرماء المفلس.و قد یقال بتقدیم الحج علی غیره (3) و ان كان دین الناس لخبر معاویة بن

الدوران بین الواجب غیر المالي و المستحب یقدم الواجب.

و سیأتي الكلام فیه في الحجّ النذري إن شاء اللّه تعالی.

المراد لسبق تعلقهما بالعین قبل الموت و إلا فالحج الواجب یتعلق بالعین بعد الموت لكونه بمنزلة الدین الذي یتعلق استیفاءه بالعین فالمقام نظیر احد الغرماء الذي یجد عین ماله في تركة المیت علی وجه.

و یدل علیه صحیحة معاویة بن عمار قال:قلت له:رجل یموت و علیه خمس مائة درهم من الزكاة و علیه حجة الاسلام و ترك ثلاثمائة درهم فأوصی بحجة الاسلام و ان یقضي عنه دین الزكاة قال:«یحج عنه من أقرب ما یكون و یخرج البقیة في الزكاة» (1).

و موثقه الأخری علی الأصح قال عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل مات و ترك ثلاثمائة درهم و علیه من الزكاة سبعمائة درهم و أوصی ان یحج عنه، قال:«یحج عنه من أقرب المواضع و یجعل ما بقي في الزكاة» (2)و الاصح توثیق سند الثانية أیضا لأن محمد بن عبد اللّه بن زرارة قد وثّقه علی بن ریان في قصة اقرار ابن فضّال بالحق عند مماته بالإضافة إلی روایة الثقات عنه و ظاهرهما في مورد تعلق الزكاة في الذمة حیث جعلت الذمة ظرف الزكاة و لا خصوصیة للزكاة من بین الدیون المالية و ان احتمل التفرقة بین الدیون الشرعية و دیون الناس، لكنه مندفع بأن في الزكاة أیضا حق الناس


1) ابواب مستحقین الزكاة، ح 2.

2) ب 42، ابواب الوصایا، ح 1

عمار الدال علی تقدیمه علی الزكاة، و نحوه خبر آخر لكنهما موهونان باعراض الاصحاب مع أنهما في خصوص الزكاة و ربما یحتمل تقدیم دین الناس لأهمیته و الاقوی ما ذكر من التخصیص، و حینئذ فان وفت حصة الحج به فهو و إلا فإن لم تف (1) إلا ببعض الأفعال كالطواف فقط أو هو مع السعي فالظاهر سقوطه و صرف حصته

و قد یخدش في الروایتین باعراض الاصحاب كما ذكره الماتن تبعا لصاحب الجواهر و یرد علیه ان المحكی عن ابن براج في الجواهر الفتوی بمضمونهما مضافا الی انه یحتمل ان فتوی الكثیر بالتخصیص في المقام لعدم الاطلاع علی الروایة ففي المنتهی في كتاب الحج في فصل النیابة عنون المسألة و لم یتعرض الی الروایتین و إن اشار الی الروایة في التذكرة و ذكر ان بعض الاصحاب أفتی بها.

و في المعتبر في كتاب الحج عنون المسألة، و قال:«مسألة:من مات بعد استقرار الحج علیه و علیه دین فان نهضت التركة بهما صرف فیهما ما یقوم بهما، و إن قصرت التركة قسّمت» ثم ذكر للشافعي أقوالا ثلاثة ثم قال:«لنا أنهما دینان لزما الذمة و لیس أحدهما أولی فوجب قسمت التركة علیهما».

و یدل علیه أیضا في مطلق الدیون صحیحة برید العجلي قال:سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل خرج حاجا و معه جمل له و نفقة و زاد فمات في الطریق، قال:«إن كان صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجة الاسلام، و إن كان مات و هو صرورة قبل ان یحرم جعل جمله و زاده و نفقته و ما معه في حجة الاسلام فإن فضل من ذلك شيء فهو للورثة إن لم یكن علیه دین..» (1).

و من البیّن في هذه الروایة أن الشرطیة في الذيل للفرض الاخیر أي في كون الباقي للورثة ان لم یكن علیه دین.نعم لو لم تكن هذه الروایات في البین لكان مقتضی القاعدة ما في المتن و ما هو المنسوب للمشهور من التخصیص.

و فرض عدم الوفاء إما علی القول بالتوزیع و عدم كفایة حصة الحج له، أو عدم


1) باب 26، من ابواب وجوب الحج و شرائطه، ح 2.

في الدین أو الخمس أو الزكاة، و مع وجود الجمیع توزع علیها و إن وفت بالحج فقط أو العمرة فقط ففي مثل حج القران و الافراد تصرف فیهما مخیّر بینهما و الاحوط تقدیم الحج.و في حج التمتع الأقوی السقوط و صرفها في الدین و غیره.و ربّما یحتمل فیه أیضا التخییر أو ترجیح الحج لأهمیته أو العمرة لتقدمها لكن لا وجه لها بعد كونهما في التمتع عملا واحدا و قاعدة المیسور لا جابر لها في المقام.

كفایة التركة للحج علی القول بتقدیمه علی الدیون فیتعین حینئذ سقوطه و صرف حصته أو التركة في بقیة الدیون، و ذلك بعد انتفاء الموضوع لتقدیم الحج، هذا مع الالتفات الی ان الحصة أو التركة اذا وفت بالحج المیقاتي من بعض المواقیت تعین ذلك.

و یشیر الی ذلك صحیحة علی بن رئاب سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل أوصی ان یحج عنه حجة الاسلام و لم یبلغ جمیع ما ترك إلا خمسین درهم قال:«یحج عنه من بعض المواقیت التي وقتها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) من قرب» و غیرها من الروایات (1)الدالة علی الأمر الثاني.

و كما یشیر الی الأمر السابق و هو السقوط ذیل صحیح ابن أبي عمیر عن زید النرسي علی بن فرقد (مزید) صاحب السابری حیث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند ما تصدق بالتركة الموصی بها للحج قال:«فان كان لا یبلغ ما یحج به من مكة فلیس علیك ضمان» (2)الحدیث.

هذا كله فیما لو لم تفی للحج.اما لو وفت للحج فقط أو العمرة، ففي وجوب حج القران و الافراد أو هل یحكم بالتخییر أو یتعین الحج؟ وجهان بل قولان؟

اما الأول:فبمقتضی التزاحم مع عدم احراز الاهمیة.

و أما الثاني:فللاطمئنان أو الظن بأهمیة الحج حیث انه قد قدم ذكرا في قوله تعالی


1) الوسائل:باب 2، ابواب النیابة، ح 1 و....

2) باب 37، ابواب الوصایا، ح 2.

..........

«وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّهِ...» (1)كما قد وصف بالحج الأكبر في قوله تعالی (2)مضافا الی كون المنسبق من حجة الاسلام الواجبة هو الحج و ان استشهدنا فیما سبق علی اطلاقها علی العمرة أیضا إلا أنه لا یتدافع مع الانسباق الذي هو شاهد الاهمیة.

كما قد وصفت العمرة في الروایات بالأصغر (3).

و كما نزل وجوبها منزلة الحج و التشبیه یقتضي اقوائیة المشبّهة به في وجه الشبهة و هو ما یظهر من الروایة الآتية لعلي بن مزید، مضافا الی كثرة اهتمام الشارع بالحج بكثرة ما ورد من تفصیل تشریعاته و هذا ان لم یوجب الاطمئنان بأهمیة ملاكه فلا أقل من احتمال الاهمیة له فیتعین الآتيان به بحكم العقل عند التزاحم.

و أما في التمتع فقد افترض الماتن (قدّس سرّه) الدوران بین عمرة التمتع و حجه، و لكن الظاهر كونه فرضا محضا لا وقوع له بحسب باب سوق الاجارة و النیابة فان القیمة غیر متفاوتة، و الظاهر أنها كذلك حتی في عهد النص حیث أن عمدة الكلفة كلفة المسیر، كما أن الظاهر أن الحال كذلك في عمرة الافراد و القران لو بنی علی جواز اتیانها بعد الحج في ذي الحجة أو بنی علی جواز اتیانها قبل الحج.نعم لو اشترط اتیانها بعد الحج مع فصل شهر بینها و بینه لاحتمل تفاوت القیمة حینئذ بین اتیانهما معا أو اتیان احدهما فقط، فالأولی في التمتع عدم كفایة التركة لها و كفایتها للافراد لكونها من دون هدی و ان كان التفاوت یسیرا بحسب القیمة المالية.و علی أیة حال فحكم الفرض الأول قیل هو سقوط حج التمتع، و قیل ببقاء وجوب الحج لمنع كونه عملا واحدا بنحو یؤدي إلی العجز عن أحدها سقوط مجموعهما، و لعل القائل یروم الی تشبیه عمرة التمتع و حجه بصلاة العصر المشروط بصلاة الظهر حیث ان صلاة العصر و ان كانت مشروطة صحتها بصلاة الظهر إلا أن كلا منهما عملين مستقلان في الصورة


1) البقرة:196.

2) التوبة 3.

3) باب 1، ابواب العمرة، ح 4.

..........

لذلك لو فرض عدم القدرة علی المجیء بهما و حصل التزاحم بینهما لما بنی علی سقوط صلاة العصر بدعوی عدم مشروعیتها و تقدم صلاة الظهر بل لدار الأمر بالتخییر بینهما فكذلك الحال في عمرة و حجة التمتع.هذا و لعل مراد القائل أیضا بقاء وجوب الحج لا بصورة حج التمتع بل بصورة حج الافراد، و كائن وجه ذلك هو أن الواجب في الأصل كلا من الحج و العمرة لقوله تعالی «أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ..» و كذا آیة الاستطاعة، غایة الأمر قد رفعنا الید عن اطلاق الآیة بأدلة وجوب صورة التمتع من الحج و هذا بالإضافة الی القادر فمع فرض العجز یبقی الاطلاق علی حاله من دون تقیید بالتمتع، و قد یؤید ذلك بموارد انقلاب التمتع الی الافراد كمن ضاق علیه الوقت عن عمرة التمتع أو كالمرأة التي تحیض و لا یسعها اتیان العمرة قبل الموقف، كما قد یستدل لذلك بروایة علی بن مزید قال:اوصی إليّ رجل بتركة و أمرنی أن احج بها عنه فنظرت في ذلك فاذا هو شيء یسیر لا یكون للحج-الی ان قال-فسألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال:«ما صنعت بها؟قلت:تصدقت بها، قال:ضمنت، أو لا یكون یبلغ أن یحجّ به من مكّة، فإن كان لا یبلغ أن یحجّ به من مكّة فلیس علیك ضمان، و إن كان یبلغ أن تحجّ به من مكّة فأنت ضامن» (1)، و الروایة قد رواها المشایخ الثلاثة بأسانید معتبرة عن ابن أبي عمیر عن زید النرسي عن علي بن مزید (فرقد) و تقریب الدلالة فیها أنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«یحجّ به من مكّة» ظاهر في الإفراد؛لأنّ الحجّ الناشئ الذي یبدأ به من مكّة هو الافراد لا سیّما بقرینة أن التركة لم تف بحجّ للأجیر الآفاقي. نعم قد یتأمّل في دلالتها أنّها شاملة للوصیة بحجّ التطوّع و لیست خاصّة بحجّ الفریضة، لا سیّما و أنّ في الوصية مقتضی القاعدة فیها عند تعذّر العمل بها إتیان ما الأقرب فالأقرب إلی مورد الوصية، هذا و یحتمل في مفاد الروایة هو الاحرام للتمتّع من أذی الحلّ لأنّه كما ذكر صاحب الجواهر و غیره اضطرار المیّت في إحرامه هو بعدم سعة ماله فیحرم له من أدنی الحلّ


1) ب 87، كتاب الوصایا، ح 1.

مسألة 84:لا یجوز للورثة التصرف في التركة قبل استیجار الحج اذا كان مصرفه مستغرقا لها

(مسألة 84):لا یجوز للورثة التصرف في التركة قبل استیجار الحج اذا كان مصرفه مستغرقا لها بل مطلقا علی الاحوط الا اذا كانت واسعة جدا فلهم التصرف في بعضها حینئذ مع البناء علی اخراج الحج من بعضها الآخر كما في الدین فحاله حال الدین (1).

أي من الموضع الذي یبلغه ماله، و یعضد هذا الاحتمال ما تقدّم في صحیحة علي بن رئاب و عدّة روایات اخری بلسان «یعطي في الموضع الذي یحجّ به عنه»، بل صحیحة ابن رئاب كادت أن تكون نصّا في ذلك حیث وصفت المواقیت من قرب، و في صحیحة أبي بصیر (1):«یحجّ له من حیث یبلغه» كما أنّه لا یبعد ظهورها في الحجّ الواجب، و علی أیّة حال فما تقدّم من مجموع ذلك إن لم یكن أظهر في بقاء الحجّ فهو أحوط.

لأجل تنقیح الحال في المسألة لا بدّ من الكلام فی:

قاعدة في تعیین المالك لما یقابل الدین و الوصية من التركة حكی في الجواهر اختلاف الأقوال (2)، فمن قائل بأنّ المال للمیّت، و الآخر أنّ المالك هو الورثة، و ثالثا أنّ المقدار المزبور لا مالك له و لكن في حكم مال المیّت و تفاصیل اخری.

ذهب إلی الأوّل:الحلّي في وصایا السرائر و المحقّق و العلاّمة في الإرشاد و في وصایا المختلف و الشهید و محكي المقنع و النهایة و الخلاف و الراوندي و الفخر.

و ذهب إلی الثاني: العلاّمة في القواعد و التحریر و التذكرة و قضاء المختلف و الفخر في الحجر و وصایا الایضاح و حواشي الشهید و قضاء المسالك و مواریثه و مواریث كشف اللثام و هو المنقول عن المبسوط.


1) ب 2، أبواب النیابة.

2) ج 26، ص 84.

..........

و لتنقیح الحال یقع الكلام في جهات:

الاولی:أدلّة الأقوال المتقدّمة، و استدلّ للأوّل:

أوّلا:بظاهر الآیات كقوله تعالی: «یُوصِیكُمُ اللّه في أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَیَیْنِ...»

«مِنْ بَعْدِ وَصِیَّةٍ یُوصِی بِها أَوْ دَیْنٍ» (1).

فإنّ ظاهر البعدیة تقیّد متعلّق الإرث بغیر مقدار الوصية و الدین.

ثانیا:الروایات:كموثّق عبّاد بن صهیب عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):«في رجل فرّط في إخراج زكاته في حیاته، فلمّا حضرته الوفاة حسب جمیع ما فرّط فیه ممّا لزمه من الزكاة ثمّ أوصی أن یخرج ذلك فیدفع إلی من یجب له، قال:فقال:جائز یخرج ذلك من جمیع المال إنّما هو بمنزلة الدین لو كان علیه لیس للورثة حتی یؤدّی ما أوصی به من الزكاة» الحدیث (2).

و صحیحة محمّد بن قیس عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«قال أمیر المؤمنین (عَلَيهِ السَّلَامُ):أنّ الدین قبل الوصية، ثمّ الوصية علی أثر الدین، ثمّ المیراث بعد الوصية فإنّ أوّل القضاء كتاب اللّه» (3).

و صحیحة سلیمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«قضی عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دیة المقتول:انّه یرثها الورثة علی كتاب اللّه و سهامهم إذا لم یكن علی المقتول دین إلاّ الاخوة و الأخوات من الأمّ فإنّهم لا یرثون من دیته شیئا» (4).

و ثالثا:بالسیرة:علی تبعیّة النماء للتركة في وفاء الدین و لو كانت للورثة لما كانت التبعية فهي دالّة علی كون التركة علی ملك المیّت.

و استدل للقول الثاني:كما عن التذكرة:

أوّلا:بأنّ لازم الإجماع علی عدم كون التركة للغرماء كما أنّه لیس للمیّت لكون


1) النساء(11 و 12).

2) باب 40 من أبواب الوصایا، ح 1.

3) نفس المصدر السابق 2/28.

4) ب 10 من أبواب موانع الإرث، ح 1.

..........

الملك صفة وجودیة لا تقوم بالمعدوم، و المال لا یبقی بلا مالك فیتعیّن للوارث.

و ثانیا:بأنّ ابن الابن یشارك عمّه لو مات أبوه بعد جدّه في الإرث بعد حصول الإبراء من الدین إجماعا فلو كانت التركة قبل إبراء الدین علی ملك المیّت لما ورث ابن الابن من أبوه الذي مات قبل إبراء الدین.

و ثالثا:إنّ الوارث یحلف مع الشاهد لإثبات مال المیّت المتنازع فیه و لو لم یكن مالكا لكان للغرماء إذ هو حینئذ أجنبي عن المال لا یقبل حلفه كما لا یكفي في قبول الحلف منهم دعوی أنّ لهم نحو حقّ في المال.

و رابعا:بأنّ الإجماع قائم علی أنّ الورثة أحقّ بأعیان التركة من غیرهم.

الجهة الثانية:تحقیق الحال في الأقوال:

هذا و قد تنظر صاحب الجواهر في أدلّة القول الأوّل بأنّ الإجماع قائم علی أنّ ما زاد علی التركة علی الوصية و الدین هو ملك للورثة بموت المیّت مباشرا و هو قرینة علی أنّ المراد بالبعدیة في الآیة و الروایات لیست بمعنی التقیید الزماني بعد الأداء أو العزل و حملها البعدیة علی الغیریة و التحدید لمورد الإرث لما عدی مورد الوصية و الدین خلاف ظاهر الآیات و الروایات، فالأظهر فیها أنّها لتحدید مورد تقدیر السهام أي أنّ الانتفاع الفعلي للورثة بالتركة المملوكة و إجراء القسمة إنّما هو بعد إخراج الدین فلیست الأدلّة في صدد نفي ملكیّتهم لمقدار ما یقابل الدین و لیس هو ملكا للغرماء إجماعا و لا ملك للمیّت لأنّ ما تركه المیّت لوارثه غایة الأمر أنّه یستوفی منه الدین و استثنی من ذلك الوصية حیث إنّ ظاهر الأدلّة فیها إبقاء الموصي به علی ملك المیّت و استثنائه من الإرث.

أقول:یمكن أن یعضد ما ذكره في الدین بوجهین آخرین:

الأوّل:إنّ المقیّد في آیات الإرث بكونه بعد الوصية و الدین هو تحصیص السهام

..........

و توزیع التركة أي القسمة للتركة، و كذا بعض صریح الروایات المتقدّمة فلیس المقیّد أو المعلّق هو أصل الإرث بل إنّ آیة اولي الأرحام بعضهم لبعض لم تقیّد بذلك و كذا عموم قوله:«ما ترك المیّت فهو لوارثه».

الوجه الثاني:انّه بعد الفراغ عن كون الدیان لا یملكون الأعیان فلا محالة یكون تعلّق حقّهم في الاستیفاء من التركة من قبیل سنخ حقّ الرهن أو الجنایة أو نحو ذلك.

و المفروض أنّ حقّ الرهانة و نحوه لا یمانع الانتقال بالإرث كما لو كانت تركة المیّت قبل موته مرهونة فإنّه لا یمانع الرهن انتقال العین المرهونة إلی الورثة، و كما عبّر المحقّق النائیني (قدّس سرّه) أنّ حقّ الرهانة یمانع تبدیل الإضافة الملكیة لا تبدیل المضاف إلیه أي المالك، ففي المعاوضات تبدیلا للاضافة و في باب الضمانات تبدیلا للأعیان أمّا في الإرث فتبدیلا للمالك دون الملكیة و المملوك، و مراده قدّس سرّه لیس من حیث الدقّة العقلية؛إذ لا یعقل تبدّل أحد الثلاثة من دون تبدّل الإضافة بل المراد بحسب النظر الاعتباري عند العرف و العقلاء و المنظور المهمّ فیه سنخ الآثار فلا یعدّون المملوك و الملك جدیدا في باب الإرث بالنسبة للوارث بعد كونه یتلقاه من مورّثه فحق الرهانة لا یمانع الانتقال بالإرث و لكنّه یمانع الانتقال للعین بالمعاوضة، فالوارث یتلقّی الملكیة المحبوسة القدیمة من مورثه، فكذلك الحال فیما نحن فیه، فإنّ حقّ الدیان في الاستیفاء لا یتدافع مع انتقال المال من إرث المیّت إلی الورثة، غایة الأمر أنّه ملكا محقوق و ذلك بعموم ما ترك المیّت لوارثه و عموم: (أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلی بِبَعْضٍ) في كِتابِ اللّه (1)و قد عرفت في الوجه الأوّل أنّه ما قد یتوهّم كونه مخصّص لهذا العموم لیس مخصّصا و إنّما هو بصدد بیان ارتهان التركة بالدیون فتقدّم في الاستیفاء علی القسمة و التوزیع علی الورثة أي علی الانتفاع الفعلي لهم و لا ما قد یتوهّم أنّ ملك الورثة معلّق علی أداء الدین و لو من الخارج أو أنّه


1) الأنفال.

..........

غیر مستقرّ إلاّ بعد أداء الدین أو أنّ ملكهم مشروط بشرط متأخّر و هو أداء الدین لاحقا و لو من خارج التركة أو بالإبراء، أو أنّ ملك الورثة و حقّ الدیان من قبیل المتزاحمین و الأهمّیة لحقّ الدیان، أو أنّ للورثة حقّ متعلّق بالتركة بأن یتملّكون علی تقدیر فراغ ذمّة المیّت بالإبراء أو أداء الدیون و لو من خارج.

فإنّ كلّ هذه الوجوه و إن كانت ممكنة إلاّ أنّها تكلّفات لا شاهد لها و لا مقتضی من الأدلّة.

و الغریب من البعض الالتزام بالجمع بین التزاحم و الملك المشروط بالشرط المتأخّر، فإنّ مقتضی التزاحم فعلیة كلاّ منهما و فعلیة موضوعه المنجز بینما یقتضي المشروط بالشرط المتأخّر عدم فعلیة الملك و عدم فعلیة الشرط المتأخّر لاحقا.

هذا كلّه لو قلنا إنّ حقّ الدیان متعلّق بملك التركة، و أمّا لو قلنا بأنّه متعلّق بمالیّتها كحقّ الجنایة في العبد فعدم ممانعته حینئذ للانتقال بالإرث أوضح، فإنّ العبد الجاني ینتقل بالمعاوضة فضلا عن انتقاله بالإرث.

ثمّ إنّ الوجه الثالث الذي استدلّ به للقول الأوّل من قیام السیرة بتعلّق حقّ الدیان بنماء التركة لا یشهد ببقاء ملك المیّت؛إذ قد یكون حقّ الدیان من قبیل حقّ الخمس المتعلّق بمالیة العین و بنمائها أیضا، و هو لا یمانع انتقال تمام ملكیة العین.

أمّا الوجوه التي ذكرها العلاّمة:فیتنظر في الوجه الأوّل بأنّه لا مانع من فرض ملك المیّت بقاء و حدوثا كما في الصید المتجدّد في شبكته و قضاء الدین من دیته مطلقا؛ لأنّ الملكیة من الاعتبار و هو خفیف المئونة.

و إن كان المثلین یمكن أن یحملا علی انتقال ملك الشبكة للورثة و أنّ الصید من قبیل النماء لها و أنّ الدیة ملكا للورثة محكومة بحكم التركة.

و أمّا الوجه الثاني و هو إرث ابن الابن مع العمّ بعد موت أبیه ثمّ إبراء الدین فتامّ الدلالة و إن أمكن توجیهه بأنّه یلتئم مع القول بعدم ملك الورثة بل مجرّد استحقاقهم

..........

للتملّك فیرث ابن الابن استحقاق التملّك من أبیه فیتملّك بإبراء الدین، و ذلك لعدم الدلیل علی مثل هذا الاستحقاق إذ أدلّة الإرث كبقیّة أدلّة النواقل إنّما تدلّ علی مجرّد النقل لا علی التصرّف في المنقول و قلبه من الملك إلی الحقّ و العكس.

نعم هناك انتزاع عقلي من قضیة الإرث و لو في حیاة المورث ینتزعه العقل من أدلّة الإرث مفهوم استحقاق الورثة للملك و لكنّه لیس معنی شرعي مجعول.

و من ذلك یتّضح تمامیة ما ذكره في الوجه الثالث و إن بنینا علی صحّة مع وجود الحقّ بل علی ما بیّناه یكون الورثة أسوأ حالا من الغرماء لأنّ الغرماء لهم حقّ الاستیفاء بینما الورثة مع عدم الملك لا دلیل علی ثبوت حق لهم إلاّ المعنی الانتزاعي العقلي غیر المجعول شرعا.

و هكذا الكلام بعینه في الوجه الرابع.

الجهة الثالثة:الظاهر أنّ المقدار الذي یقابل الوصية باقیا علی ملكیّة المیّت سواء كان بنحو الإشاعة أو المعین شخصا أو الكلّي في المعیّن فإنّ ذلك هو ظاهر عدّة من الروایات، كصحیح أبي بصیر قال:«سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل یموت ما له من ماله فقال:له ثلث ماله و للمرأة أیضا» (1).

و روایة أبي بصیر عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) «فی الرجل له الولد أ یسعه أن یجعل ماله لقرابته؟ فقال:هو ماله یصنع به ما شاء إلی أن یأتیه الموت إنّ لصاحب المال أن یعمل بماله ما شاء ما دام حیّا، إن شاء وهبه و إن شاء تصدّق به و إن شاء تركه إلی أن یأتیه الموت، فإن أوصی به فلیس له إلاّ الثلث إلاّ أنّ الفضل في أن لا یضیع من یموّله و لا یضرّ بورثته» (2).

و صحیحة ابن سنان-یعني عبد اللّه-عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«للرجل عند موته ثلث


1) باب 10 من أبواب الوصایا، ح 2.

2) الكافي، ج 7، ص 8.و في الوسائل 10 من أبواب الوصایا، ح 3.

..........

ما له و إن لم یوص فلیس علی الورثة إمضاؤه» (1).

و صحیحة علي بن یقطین:سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ):«ما للرجل من ماله عند موته؟قال:

الثلث و الثلث كثیر» (2).

الجهة الرابعة:الظاهر أنّ حقّ الغرماء في التركة كما قد تقدّم لیس من قبیل الملك أو الحقّ في المالية المشاع بحیث لو طرأ التلف علی التركة ینقص بذلك القدر بل الظاهر من الأدلّة كونه من قبیل الكلّي في المعیّن، و هو مقتضی التعبیر بـ«ثمّ» كما تقدّم في صحیحة محمّد بن قیس.

و كما في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«أوّل شيء یبدأ به من المال الكفن، ثمّ الدین ثمّ الوصية ثمّ المیراث» (3)، فإنّ مقتضاها الاستیفاء و إن طرأ التلف؛إذ لیس هو في عرض ملك الورثة.

امّا الوصية فحكمها أیضا كذلك ما دام في مقدار الثلث إن كانت معیّنة عینا أو قدرا نقدیا و أمّا انّ كانت غیر معیّنة مقدّرة بكسر مشاع فالظاهر ورود النقصان علیها بالنسبة إلاّ أن یكون الكسر المشاع دون الثلث و كان المقصود الإشارة إلی قدر معیّن.

الجهة الخامسة:

الظاهر جواز تصرّف الورثة غیر الناقل للملك بنحو لا یفوّت علی الغرماء إمكان استیفائهم، كأن ینتفع من منافع التركة غیر العینیة كالجلوس في البیت أو استخدام الدابة و نحو ذلك، و كذا الحال بالإضافة إلی الوصية فإنّ غایة ما یستفاد من الروایات المتقدّمة هو منع الورثة من أكل التركة بالتصرّف الناقل أو التوزیع أو القسمة، بل انّ ظاهر صحیحة أبي نصر أنّه سئل عن رجل یموت و یترك عیالا و علیه دین أ ینفق علیهم من ماله؟قال:«إن استیقن إنّ الذي علیه یحیط بجمیع المال فلا ینفق علیهم و إن لم


1) ب 10 أبواب الوصایا، ح 7.

2) ب 10، أبواب الوصایا، ح 8.

3) 28 أبواب الوصایا، ح 1.

..........

یستیقن فلینفق علیهم من وسط المال» (1).

و صحیحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثله إلاّ أنّه قال:«إن كان یستیقن أنّ الذي ترك یحیط بجمیع دینه فلا ینفق علیهم و إن لم یكن یستیقن فلینفق علیهم من وسط المال» (2)جواز التصرّف مطلقا في ما زاد علی الوصية و الدین.

نعم عن السرائر في كتاب الدین:

«إنّ اصول مذهبنا تقتضی أنّ الورثة لا یستحقّون شیئا من التركة دون قضاء جمیع الدیون و لا یسوغ و لا یحلّ لهم التصرّف في التركة دون القضاء إذا كانت بقدر الدین لقوله تعالی: «مِنْ بَعْدِ وَصِیَّةٍ یُوصِی بِها أَوْ دَیْنٍ» فشرط صحّة المیراث و انتقاله أن یكون ما یفضل عن الدین فلا یملك الوارث إلاّ بعد قضاء الدین».و كذا في میراث القواعد و حجر الایضاح و رهنه.

و حكی صاحب الجواهر عن قضاء الایضاح قوله:أجمع الكلّ علی أنّه إذا مات من علیه دین یحیط بجمیع تركته لا یجوز للوارث التصرّف فیها إلاّ بعد قضاء الدین أو إذن الغرماء و نحوه عن المسالك بل في مفتاح الكرامة أنّه كذلك یشهد له التتبّع، قلت:بل التتبّع شاهد بخلافه كما لا یخفی علی من لاحظ القواعد و جامع المقاصد في باب الحجر.و لعلّه یستظهر أنّ الأخبار المتقدّمة قد علّقت قسمة المیراث علی قضاء الدین.

و في صحیح عباد بن صهیب المتقدّم «لیس للورثة شيء حتی یؤدّوا».

و هناك قول ثالث حكاه في الجواهر عن المحقّق الثاني بنفوذ تصرّف الورثة في التركة مطلقا حتی فیما یقابل الدین قال:و لا منافاة بعد ثبوت التسلّط لذي الحق علی الفسخ إن لم یدفع له ففي الصحّة حینئذ جمع للحقّین، و تحتّم الأداء علی الوارث حكمة التعلّق كما أنّ سلطنة الغریم علی الفسخ تنفي الضیاع (للدین) و من هنا قال


1) ب 29، أبواب الوصایا، ح 1.

2) ب 29، أبواب الوصایا، ح 2.

مسألة 85:إذا أقرّ بعض الورثة بوجوب الحجّ علی المورث و أنكره الآخرون

(مسألة 85):إذا أقرّ بعض الورثة بوجوب الحجّ علی المورث و أنكره الآخرون لم یجب علیه لا دفع ما یخصّ حصّته بعد التوزیع و إن لم یف بذلك بالحجّ لا یجب علیه تقسیمه من حصّته، كما إذا أقرّ بدین.

و أنكر في في غیره من الورثة فإنّه لا یجب علیه دفع الأزید فمسألة الإقرار أو الدین مع إنكار الآخرین نظیر مسألة الإقرار بالنسب، حیث إنّه إذا أقرّ أحد الأخوین بأخ آخر أنكره الآخر لا یجب علیه إلاّ دفع الزائد عن حصّته فیكفی دفع ثلث ما في یده و لا یترك

التحقیق بالنفوذ أقوی، قلت:هو كذلك» (1)و یظهر منه المیل لذلك.

هذا و الأقوی-بعد كون المعلّق في آیات الإرث و الروایات هو القسمة و التوزیع كما تقدّم-هو التفصیل الموجود في صحیح عبد الرحمن بن الحجّاج و روایة البزنطي و هو مقیّد لإطلاق المنع عن التصرّف في الروایات المتقدّمة و أمّا في المقدار المقابل الذي یقابل الدین و الوصية فكل من الروایتین مع الروایات المتقدّمة دالّة علی منع التصرّف مطلقا عدی ما ذكرناه من الانتفاعات في السیرة الجاریة غیر المنافیة لحقّ الدیان بل إنّ هذا الاستثناء منقطع إذ لیس مدلول المنع من الروایات السابقة شاملا لمثل هذه الانتفاعات الیسیرة لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«لیس للورثة شیئا»لانسباق العین و نحوها من لفظة شيء و بذلك فلا یبقی ثمرة للبحث عن كون حقّ الدیان في التركة من قبیل حقّ الرهن أو حقّ الخمس أو حقّ أرش الجنابة أو تعلّقا مستقلّ.

فتلخّص:إنّ الآیات و الروایات في صدد الحجر علی الورثة في ما یقابل الدین لا في ما زاد في قبال ظاهر مطلقات الإرث الدالّة علی الملك المقتضي لمطلق التصرّف.

فرع:لو ضمن الورثة أو بعضهم دین المیّت للغرماء انتقل الدین من ذمّة المیّت إلی ذمّة الورثة إذا رضي الدیان بالضمان و كذا الحال لو أذن الغرماء بالتصرّف لأنّهم ذوي الحقّ، سواء كان بمعنی الاسقاط لحقّهم في استیفاء الدین من التركة أو لا.


1) الجواهر ج 26، ص 91.

إقراره علی الإشاعة خلاف القاعدة للنصّ (1).

قاعدة في إقرار أحد الشركاء بحق مشاع أو معیّن و أمثلة القاعدة لا تنحصر في أمثلة الماتن التي ذكرها في هذه المسألة إذ قد یفرض شركاء في عین و مال یقرّ أحدهم بأنّهم قد باعوا مقدارا من المال بنحو الكلّي في المعین أو المشاع لمشتري ما.

و قد یفرض بأن یقرّ أحد الورثة بخمس أو زكاة و غیرها من الصور.

و الجامع بینها ما ذكرناه في عنوان القاعدة إذ قد یكون الإقرار بملك أو بحقّ و كل منهما أمّا بنحو الإشاعة أو كلّی في المعین و قد ذهب المشهور أنّ المقرّ في كلّ تلك الصور إنّما یلتزم بالنسبة أي بنسبة مال المقرّ من ملك في المجموع.

و مستند المشهور في ذلك أخبار سیأتي التعرّض إلیها مفصّلا إلاّ أنّ الكلام یقع في ما هو مقتضی القاعدة إمّا لأجل أنّه لو كان مفادها علی خلاف مفاد الأخبار فاللازم الاقتصار علی موارد النصّ دون بقیّة الموارد.

و إمّا لأجل أنّ الأخبار غیر تامّة دلالة أو سندا.

فیقع الكلام في القاعدة من جهات:

الجهة الاولی:في مقتضی القاعدة فقد یقرب أنّ مقتضاها فیما إذا أقرّ أحد الشركاء في الإرث أو غیره بالدین و هو مثال الإقرار بالملك أو الحقّ بنحو الكلّي في المعیّن أنّه یجب علی المقرّ إعطاء تمام الدین من سهمه لأنّ المفروض أنّ الدین مقدّم علی الإرث في الأدلّة و كذلك الملك بنحو الكلّي في المعیّن فإذا ورد تلف أو غصب علی المال فإنّ دركه یكون علی الورثة دون الدین بالإجماع و كذلك في الأمثلة الاخری كمال المشاع بین شركاء إذا ورد تلف فإنّه لا یرد بنقص علی من له معهم ملك بنحو الكلّي في المعیّن، كما لو

..........

افترضنا أنّ مشتري اشتری منهم صاعا من صبرة فكذلك الحال في المقام حیث إنّ إنكار بقیّة الورثة غایته أن یكون كالغصب أو التلف فلا یرد علی الدین كما هو مقتضی الكلّي في المعیّن.و لك أن تقول إنّ عموم تقدّم الدین و الوصية علی الإرث یقتضي تقدیمه علی إرث الوارث المقرّ به.

و بعبارة ثالثة:أنّ وظیفة المقرّ الواقعية هي إخراج الدین أوّلا ثمّ أخذ ما بقی إرثا إنّ بقی شيء غایة الأمر یكون الورثة المنكرین قد غصبوا من سهم المقرّ من الإرث.

و كذلك الحال فیما كان الإقرار بوارث أو شریك و أنكر ذلك بقیّة الورثة أو الشركاء فإنّ مقتضی الإقرار كون ما بید المقرّ شركة مشاعة بینه و بین المقرّ له من الوارث و الشریك.و أنّ القسمة التي وقعت و الفرز للأسهم باطلة لأنّها إنّما تصحّ برضی جمیع الشركاء و الفرض أنّ المقرّ له لم یأذن بذلك فیكون ما بید المقرّ مالا مشتركا لم یقسم بعد و هذا تقریبا رابعا لمقتضی القاعدة.هذا و قیل إنّ مقتضی القاعدة في هذه الموارد إلزام المقرّ بنسبة ماله من ملك في المال المشترك.

و یقرّب ذلك بوجوه:

الوجه الأوّل:إنّ وجوب أداء الدین أو حقّ الوارث لیس وجوبه كلّه متوجّها للمقرّ فالدین مثلا لیس وجوب إخراجه من التركة متوجّها إلی كلّ واحد من الورثة علی نحو الاستقلال الاستغراقي أو البدلي بل الوجوب فیه مجموعي موزّع بالنسبة.

نعم الواجب المجموعي تارة یكون ارتباطي بحیث یسقط عن البعض بعصیان البعض الآخر و قد یكون استقلالیا لا یسقط عن البعض بترك البعض الآخر.و كذلك الحال في الإرث و فیه أنّ ذلك و إن كان محتملا ثبوتا إلاّ أنّ عمومات من بعد وصیة أو دین و قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«لیس للورثة شیئا حتی یؤدّوا» هو خلاف ذلك فهو من قبیل الواجب الكفائي و البدلي. و هو مقتضی الكلّي في المعیّن كما أنّ مقتضی الإشاعة كذلك هو المشاركة في كلّ جزء جزء.

..........

الوجه الثاني:أن یقال في خصوص الإقرار في المشاع كما في الإقرار بالوارث دون الكلّي في المعیّن أنّ ما بید المقرّ حیث إنّه مشتركا بینه و بین المقرّ له و بین المنكرین فشطر ممّا بیده له و شطر ممّا بیده للمقرّ له و شطر ممّا بیده للمنكرین فللمقرّ له أن یأخذ شطرا ممّا بید المقرّ بالنسبة و للمقرّ أن یأخذ شطره و شطر المنكرین مقاصة لأنّ ما بید المنكرین أیضا یشطر إلی ثلاثة أشطار فشطر منه یعود إلی المقر.

و فیه:أنّ التشطیر إن كان بمعنی القسمة فالمفترض أنّها باطلة لعدم الإذن من المقرّ له لأنّه أحد الشركاء.

و إن لم یكن بمعنی القسمة فالمال مشترك مشاع فلیس المقرّ أولی من المقرّ له به.

الوجه الثالث:إنّ الإقرار بالدین أو الوارث و نحو ذلك من الكلّي في المعیّن أو المشاع لا یثبت تمام الدین و لا تمام إرث الوارث المقرّ له و إنّما یثبته بنسبة ما للمقرّ من ملكیة مع بقیّة الورثة أو الشركاء لأنّ إقراره غیر نافذ علی الآخرین و إنّما ینفذ علی نفسه أي بحسب ماله من نسبة في المال فصورة إقرار المقرّ و إن كان بتمام الدین إلاّ أنّ الدین حیث یفترض فیه تعلّقه بتمام التركة أي یتعلّق بكلّ المال فإنّه لا ینفذ في حصص الآخرین بل ینفذ بنسبة ما للمقرّ من حصّة.

و فیه:أنّ اللازم أوّلا تنقیح وظیفة المقرّ بحسب الواقع بغضّ النظر عن الإقرار و من ثمّة یتنقح مقدار ما یثبته الاقرار و یلزم بذلك المقرّ، و المفروض أنّ وظیفة المقرّ بحسب الواقع بمقتضی عمومات من وصیّة أو دین هو إخراج الدین بتمامه لأنّه مقتضی بعدیة الإرث و هو مقتضی الكلّي في المعیّن و كذلك مقتضی إشاعة الإرث فیما لو أقرّ بوارث آخر و الإقرار یلزم المقرّ بحسب وظیفته التي أقرّ بها فاللازم كون مقتضی القاعدة هو القول الأوّل لا الثاني.

و التحقیق:أنّ مقتضی القاعدة هو القول الثاني دون الأوّل و هو ما ذهب إلیه المشهور دون الأوّل.

..........

بیان ذلك:أنّ القسمة و إن كانت باطلة و الدین و الكلّي في المعیّن و إن كانا متقدّمین علی الملكیة المشاعة إلاّ أنّ إنكار بقیّة الورثة أو الشركاء الذي هو بمنزلة التلف أو الغصب لیس عین التلف و الغصب لأنّهما ضررا و خسارة ترد علی المال بجملته فتردّ علی الملك المشاع دون الكلّي في المعیّن و هذا بخلاف إنكار المنكرین فإنّه غصبا و تلفا و ضررا أو خسارة لا تردّ علی المال بجملته و لا علی نسبة مقدار ما یملك المقرّ في المال و إنّما یرد هذا الضرر و الغصب علی خصوص الدین أو علی إرث الوارث المقرّ له و هذا ممّا یشترك فیه الكلّي في المعیّن و الكلّي المشاع.

و بعبارة اخری:أنّ مجموع المال و إن لم تقع فیه القسمة إلاّ أنّ مقدار مال المقرّ حیث أنّ المفروض ثبوته و عدم تعدّي أحدا علیه بخلاف مال المقرّ له فإنّ إنكار بقیّة الشركاء عدوانا علیه و لیس من الواجب علی المقرّ أن یتحمّل الضرر المتوجّه بالخصوص علی المقرّ له و لیس مقتضی بعدیة الإرث للدین هو تنزیل الضرر المتوجّه للدین بخصوصه و توجیهه إلی الإرث.

و لك أن تسمّی ذلك الضرر المتوجّه إلی المقرّ له بالتلف الحكمي.

الجهة الثانية:في الأخبار الواردة و عمدتها موثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل مات فأقرّ ورثته لرجل بدین قال:یلزم ذلك في حصّته (1).

و خبر أبي البختري وهب بن وهب عن جعفر بن محمّد عن أبیه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:قضی علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل مات و ترك ورثة فأقرّ أحد الورثة بدین علی أبیه أنّه یلزم (یلزمه) ذلك في حصّته بقدر ما ورث، و لا یكون ذلك في ماله كلّه و إن أقرّ اثنان من الورثة و كانا عدلین اجیز ذلك علی الورثة و إن لم یكونا عدلین اُلزما في (من) حصّتهما بقدر


1) باب 26، أبواب الوصایا، ح 4 و 5.

..........

ما ورثا و كذلك إن أقرّ بعض الورثة بأخ أو اخت إنّما یلزمه في حصّته» (1).

و ظاهر الروایة الاولی قابل للانطباق علی كل من قول المشهور و القول الآخر.و قد یقال بانطباقه علی القول الآخر بظهور عبارة یلزمه في لزوم الدین كله لعود الضمیر إلی تمام الدین لا لبعضه.

و أمّا ظاهر الروایة الثانية فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«بقدر ما ورث» استظهر منه الشیخ إرادة الكسر أو النسبة أي بنسبة ما ورث أي یلزمه من الدین بنسبة ماله من الإرث.

و قوله:«و لا یكون في ماله كلّه...» أی لا یكون من ماله الذي ورثه كلّه یمكن تضعیف هذا الاستظهار بأنّ الدین إذا كان مستوعبا أو زاد علی التركة فلا مجال لتقدیر النسبة إذ یلزمه حینئذ دفع تمام ما ورث و من ثمّة یمكن حمل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) علی أنّه یلزم الوارث الدین في حصّته لا في حصص البقیة بالقدر الذي ورثه أي ما ورثه لا في بقیّة أموال الوارث أو بعود الضمیر في ماله إلی المیّت أي لا یكون في مجموع التركة و یعضد هذا الاحتمال ما في ذیل الروایة من فرض إقرار اثنین من الورثة بالتفاصیل بین كونهما عدلین أو غیرهما ممّا هو مسوقا لبیان متی یلزم الجمیع و متی لا یلزمهم.

و لكن الانصاف أنّ الاحتمال الأوّل أظهر و علی فرض الإجمال فالاحتمال الأوّل مطابق لمفاد القاعدة.

و روایة الفضل بن یسار قال:أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل مات و ترك امرأته و عصبته و ترك ألف درهم فأقامت المرأة البیّنة علی خمسمائة درهم، فأخذتها و أخذت میراثها ثمّ إنّ رجلا ادّعی علیه ألف درهم و لم یكن له بیّنة فأقرّت له المرأة فقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) «أقرّت بذهاب ثلث مالها و لا میراث لها تأخذ المرأة ثلثی الخمسمائة و تردّ علیه ما بقی لأنّ إقرارها علی نفسها بمنزلة البیّنة» (2).

و دلالة هذه الروایة نصّ علی ما ذهب إلیه المشهور، حیث إنّ فرض الروایة كون


1) المصدر السابق.

2) ب 26، أبواب الوصایا، ح 9.

..........

الزوجة (المرأة) وارثة مع عصبة المیّت.

مع فرض أنّ المرأة دینها بمقدار نصف التركة، ثمّ إنّها أقرّت بدائن دینه بمقدار التركة كلّها فإنّ مقتضی إقرارها أن لا ترث و لا یرث العصبة و تقسّم التركة ثلثیها للمقرّ له و ثلثا لدینها فحینئذ یكون للمرأة ثلاثمائة و كسر و للمقرّ ستمائة و كسر إلاّ أنّ المرأة إنّما تعطي المقرّ له ما زاد علی قدر ما تأخذه بالنسبة و هو مساوي ثلثی الخمسمائة.

الجهة الثالثة إنّ ما تقدّم من اشتراك الكلّي في المعیّن و الكلّي المشاع في صورة الإقرار بهما من أحد الورثة أو الشركاء و إنكار البقیّة من كون التلف حكمیا یرد علی خصوص الكلّي مطلقا المقرّ به لا ینافی افتراق الكلّي المعیّن و المشاع المقرّ بهما من جهة اخری و هي أنّ نسبة ما للدائن الكلّي في المعیّن في ما ورث المقرّ و إن كانت بنسبة ما ورث المقرّ إلاّ أنّ هذا التعلّق للدین في حصّة المقرّ یظلّ كلّیا في المعیّن و إن لم یكن تمام الكلّي بل نسبة منه و كذا الحال فیما إذا كان المقرّ له وارثا آخر فإنّ نسبة ما للوارث الآخر في حصّته المقرّ كلّي مشاع و إن لم یكن تمام الكلّي فلو ورد تلف جدید علی حصّة المقرّ و ما بیده لو فرضنا أنّ التحاصّ و القسمة واقعة فإنّ هذا التلف المزبور لا یرد علی الكلّي في المعیّن في الصورة الاولی و لكنّه یرد علی الكلّي المشاع في الصورة الثانية و منه یظهر أنّ تمثیل الماتن (رَحمهُ اللّه) و تنزیله للإقرار بالدین منزلة الإقرار بالإرث مطلقا غیر تامّ.

الجهة الرابعة و ممّا تقدّم یتّضح الحال فیما لو كان الإقرار بالحجّ كان ما یجب علی الوارث المقرّ دفعه هو ما یخصّ حصّته بعد التوزیع.

و حینئذ فإن لم یف ذلك بالحجّ كما هو المفروض و لو المیقاتي فاللازم حفظه مع

مسألة 86:إذا كان علی المیّت الحجّ و لم تكن تركته وافیة به و لم یكن دین

(مسألة 86):إذا كان علی المیّت الحجّ و لم تكن تركته وافیة به و لم یكن دین فالظاهر كونه للورثة (1) و لا یجب صرفها في وجوه البر عن المیّت لكن الأحوط التصدّق عنه للخبر عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل مات و أوصی بتركته أن یحجّ بها فنظرت في ذلك فلم یكفه للحجّ فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا:تصدّق بها فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):ما صنعت بها؟ قلت:تصدّقت بها، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):ضمنت إلاّ أن لا یكون یبلغ ما یحجّ به من مكّة فإن كان لا یبلغ ما یحجّ به من مكّة فلیس علیك ضمان» نعم لو احتمل كفایتها للحجّ بعد ذلك أو وجد متبرّع بدفع التتمّة لمصرف الحجّ وجب إبقائها.

رجاء إقرار الورثة أو وجدان متبرّع لأنّ تعلّق الحجّ بذلك المقدار كحقّ و لا یسقط حینئذ بل لو یأس من ذلك فاللازم احتیاطا إعطائه لولي المیّت نظیر بقیّة الحقوق المالية المتعلّقة بالمال و سیأتي لذلك تتمّة في المسألة اللاحقة.

تارة نبنی علی أنّ تعلّق وجوب الحجّ بالتركة أوّلا و بالذات تكلیفي و ثانیا مترتّبا وضعي أي أنّ الوضعي منتزع و مترتّب علی التكلیفي نظیر الوصية العهدیة علی الوصي و حینئذ یتأتی ما یفید في المقام من سقوط الوجوب و انتقال المال للورثة لعدم إمكان التبعيض في الوجوب.

و أمّا إذا قلنا إنّه كبقیّة الدیون المالية أنّه أوّلا و بالذات وضعيا و یترتّب علیه الحكم التكلیفي فتعذّر الأداء في الحجّ لا یسقطه نظیر تعذّر إعطاء الدائن كما لو غاب أو جهل في عدد غیر محصور و لا یبعد من ظاهر الأدلّة الثاني نظیر الخمس و الزكاة مثلا، أمّا الروایة (1)التي تعرّض لها الماتن (قدّس سرّه) فالسند إلی ابن أبي عمیر صحیح و إن كان علی بن فرقد (بن مزید-بن زید) مجهول و مهمل في الرجال إلاّ أنّ المتن لا دلالة له علی المقام حیث إنّه في مورد الوصية و الحكم فیها أنّها تبقی المال علی ملك المیّت و إن تصرّف في الأقرب فالأقرب عند تعذّر الوصية.


1) ب 37، من أبواب الوصایا، ح 2.

مسألة 87:إذا تبرّع متبرع بالحجّ عن المیّت رجعت اجرة الاستئجار إلی الورثة

(مسألة 87):إذا تبرّع متبرع بالحجّ عن المیّت رجعت اجرة الاستئجار إلی الورثة سواء عیّنها المیّت أو لا، و الأحوط صرفها في وجوه البرّ أو التصدّق عنه خصوصا فیما إذا عیّنها المیّت للخبر المتقدّم (1).

لا یقال إنّها دالّة علی سقوط الحجّ بالتعذّر غایة الأمر حیث إنّه من باب الوصية یصرف في الأقرب إلی موردها.

و فیه:أنّه لم یقیّد كون الحجّ الموصي به واجبا إن لم یكن الظاهر أنّه مستحبّ.

فی المسألة صور:

فتارة یكون علی المیّت الحجّ الواجب فإمّا یوصي به و لا یعیّن أو یعیّن قدرا مالیا و ثالثة لا یوصي و رابعة یكون مستحبّا یوصي به المیّت و لا یعیّن، و خامسا:یوصي به و یعیّن.

أمّا الصورة الاولی:فحینئذ ینتفي موضوع الوصية و یكون من قبیل ابراء المیّت عن الدین بعد دلالة النصوص (1)علی إجزاء التبرّع عن المیّت و لو احتمل أنّ بعضها فیمن لم یستقرّ علیه الحجّ لما عرفت من أنّ الاستقرار بلحاظ العزیمة دون أصل مشروعیة حجّ الإسلام فإنّه غیر متوقّف علی الاستطاعة كما اتّضح سابقا.

نعم احتمل المصنّف أنّ مع تعذّر العمل بالوصية یصرف في صدقة و قد خرّجه بعض علی مقتضی القاعدة من تعیّن الصرف الأقرب فالأقرب.

و فیه:أنّ مورد الروایة یغایر ما نحن فیه من جهات حیث إنّ فیها تعذّر الحجّ بعدم الآتيان كما أنّ في المقام الشكّ غیر منحصر تردیده في التصدّق بل یحتمل بقاء وجوب العمل بالوصية في الإحجاج عنه لكن الإنصاف أنّ الروایة لا تخلو من دلالة لأنّ التصدّق لیس بأمر واجب في نفسه علی المیّت و قد جعل الأقرب لما أوصی به المیّت للحجّ الواجب كما هو ظاهر الروایة حیث فرض انفاق التركة كلّها فیه و إلاّ لو


1) باب 31، من أبواب وجوب الحجّ، باب 26 ح 3، و باب 28.

مسألة 88:هل الواجب الاستئجار عن المیّت من المیقات أو البلد.

(مسألة 88):هل الواجب الاستئجار عن المیّت من المیقات أو البلد.المشهور وجوبه من أقرب المواقیت إلی مكّة إن أمكن، و إلاّ فمن الأقرب إلیه فالأقرب.و ذهب جماعة إلی وجوبه من البلد مع سعة المال و إلاّ فمن الأقرب إلیه فالأقرب و ربّما یحتمل قول ثالث و هو الوجوب من البلد مع سعة المال و إلاّ فمن المیقات و إن أمكن من الأقرب إلی البلد فالأقرب.و الأقوی الأوّل (1)، و إن كان الأحوط القول الثاني لكن لا یحسب الزائد عن اجرة المیقاتیة علی الصغار من الورثة.و لو أوصی بالاستئجار من البلد وجب و یحسب الزائد عن المیقاتیة من الثلث، و لو أوصی و لم یعیّن شیئا كفت المیقاتیة إلاّ إذا كان هناك انصراف إلی البلدیة أو كانت قرینة علی إرادتها كما إذا عیّن مقدارا یناسب البلدیة.

كان تطوّعا للزم استئذان الورثة فیما زاد علی الثلث لكن اللازم حینئذ تقیّد إطلاقها فیما زاد علی الثلث مما یساوي اجرة الحجّ باستئذان الورثة في التصدّق و عدم التقیید في مورد الروایة لعلله لأجل عدم فرض الورثة.

و لا یخفی أنّ الأقرب في المقام-الحجّ الواجب الموصي به-و هو الحجّ المندوب دون التصدّق.

و أمّا الصورة الثانية:فقد ظهر الحال فیها ممّا تقدّم بل تعیّن صرف ما أوصی به في الحجّ المندوب هنا أقوی في ما لم یزد علی الثلث و إلاّ فكما تقدّم.

و أمّا الصورة الثالثة:فیتعیّن فیها رجوع المال للورثة كما هو ظاهر.

و أمّا الصورتان الرابعة و الخامسة:فالأظهر فیهما عدم سقوط متعلّق الوصية لا سیّما في الأخیرة و أمّا التي قبلها فكذلك بناء علی عدم سقوط الوصية في الصورة الاولی.

ذهب إلی الأوّل المشهور و عن الغنیة الإجماع علیه.و عن الشیخ و ابن إدریس و ابن سعید و الشهید الأوّل في الدروس و جماعة انّهم ذهبوا إلی القول الثاني و لكن قد حملت كلماتهم علی القول الثالث بل قد نسب إلی بعض و قد یجعل قولا رابعا و هو لزوم الحجّ بالنیابة من البلد فإن لم تف فمن المیقات.

..........

و یقع الكلام تارة علی مقتضی القاعدة و اخری بحسب الروایات الخاصّة، أمّا علی مقتضی القاعدة:فواجب الحجّ من المیقات حیث إنّ الذي استقرّ في ذمّة المیّت إنّما هو الحجّ كواجب یبتدأ من الإحرام من المیقات و أمّا ما قبل المیقات فلیس داخلا بماهیة الحجّ لا شرطا و لا جزءا.و هذا بیّن بعد ما وقّت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) المواقیت التي هي عزیمة عندنا بلحاظ القبل و البعد و من ثمّة ینقدح تسأل عن معنی فرض المسألة أي معنی الإحجاج عن المیّت من البلد أو الإحجاج من المیقات إذ لا معنی محصّل لقصد النائب النیابة عن المیّت في المسیر من البلد إلی المیقات (1)إذ لا إحرام في البین و لیس طی الطریق قصدیا و كأن المسألة سبب افتراضها هو من العامّة حیث یشرع عندهم الإحرام من بلد فیتأتّی التردید و كأن أسئلة الرواة في الروایات الآتية ذلك و یحتمل معنی فرض المسألة أن یكون قصد النائب عن المیّت قصده إلی المیقات لا بمعنی كون المسیر قصدیا بل هو للإشارة لما ورد أنّ الحاج یثاب علی مسیره إلی المیقات بوعثاء السفر و عنائه.و علی أي تقدیر فهو أمر مندوب خارج عن ماهیة الحجّ و لا تستقرّ في ذمّة المیّت حتی یلزم قضائه، بل إنّ الحال كذلك حتی علی قول العامّة من مشروعیة الإحرام من البلد إذ هي رخصة لا عزیمة و ما یتعلّق في الذمّة إنّما هو طبیعي الإحرام و الحجّ یمكن تحقّقه من المیقات.

و دعوی أنّ ظهور یحجّ عنه «أو یقضی عنه» في الحجّ عن المیّت من بلده و انصرافه إلی ذلك في غیر محلّها لأنّ مفاد القضاء هو تفریغ الذمّة عما اشتغلت به في الأداء و الزیادة علی ذلك یحتاج إلی مئونة و عنایة و قد وردت نصوص في إجزاء من وصل إلی المیقات لا بقصد الحجّ فبدا له أن یحجّ (2).

أمّا الروایات الخاصّة الواردة (3):


1) ب 23، من أبواب وجوب الحجّ.

2) باب 22، أبواب الوجوب.

3) ب 2، أبواب النیابة إلی الحجّ.

..........

كصحیح عليّ بن رئاب قال:«سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل أوصی أن یحجّ عنه حجّة الإسلام و لم یبلغ جمیع ما ترك إلاّ خمسین درهما قال:یحجّ عنه من بعض المواقیت التي وقّتها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِه) من قرب» (1).

و مثله موثّق ابن بكیر عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلاّ أنّ فیه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)«فیعطی من الموضع الذي یحجّ به عنه».

و صحیح ابن البزنطي عن محمّد بن عبد اللّه قال:«سألت أبا الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل یموت فیوصی بالحجّ من أین یحجّ عنه؟قال:علی قدر ماله إن وسعه ماله فمن منزله و إن لم یسعه ماله فمن الكوفة فإن لم یسعه من الكوفة فمن المدینة».

و نظیر موثق ابن بكیر روایة أبی سعید و في روایة عمر بن یزید قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«تجزئ حجّة من دون الوقت في الفرض المزبور».و روایة مستطرفات السرائر عن عدّة من أصحابنا قالوا:«قلنا لأبي الحسن یعنی عليّ بن محمّد (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنّ رجلا مات في الطریق و أوصی بحجّة و ما بقي فهو لك.فاختلف أصحابنا فقال بعضهم یحجّ عنه من الوقت فهو أوفر للشيء أن یبقی علیه و قال بعضهم یحجّ عنه من حیث مات فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):یحجّ عنه من حیث مات».

و تقریب الدلالة فیها:

أمّا الاولی فلیست فیها تعرض للزوم الحجّ ما قبل المیقات أو من البلد الأقرب عدی الإشعار الضعیف.

نعم الروایة الثانية یفهم منها ذلك و هي منطبقة علی القول الثالث بینما الاولی یمكن انطباقها علی القول الرابع.

و أمّا الروایة الثالثة:فهي تنطبق علی القول الثالث كما أنّها غیر مختصّة بالحجّ الواجب و كذا الثانية دون الاولی، و كذا الحال في روایة عمر بن یزید.و أمّا الأخیرة فقد یقال إنّها في فرض آخر.


1) ج 1، نفس المصدر السابق، ح 2 و ح 3.

مسألة 89:لو لم یمكن الاستئجار إلاّ من البلد وجب و كان جمیع المصرف من الأصل

(مسألة 89):لو لم یمكن الاستئجار إلاّ من البلد وجب و كان جمیع المصرف من الأصل (1).

و في قبال هذه الروایات معتبرة زكریا بن آدم و إن كان في سنده سهل بن زیاد قال:

سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل مات و أوصی بحجّة أ یجوز أن یحجّ عنه من غیر البلد الذي مات فیه فقال:«أمّا ما كان دون المیقات فلا بأس» (1).

و صحیحة حریز قال:سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل أعطی رجلا حجّة یحجّ بها عنه من الكوفة فحجّ عنه من البصرة فقال:«لا بأس إن قضی جمیع المناسك فقد تمّ حجّه» (2)و الصحیح هو أنّ الروایات المتقدّمة غیر دالّة علی الوجوب في الحجّ من البلد أو غیر ذلك من التفاصیل و إنّما هي في مورد الوصية بالحجّ سواء كان واجبا أو تطوّعا، حیث أنّ ظاهر الوصية یتناول الاستنابة من البلد؛لأنّ في المسیر إلی المیقات عملا راجحا فیتناوله ظاهر لفظه الوصية فیلزم من باب الوصية لا من باب وجوب القضاء، فمن ثمّة یكون الایصاء بهذا النحو زائدا علی الواجب فیكون من الثلث و هل الحكم تعبّدي في الوصية بالحجّ سواء كان واجبا أو تطوّعا أو أنّه علی مقتضی القاعدة بظهور الوصية في ذلك.

الظاهر هو الثاني و لو بمعونة الروایتین الأخیرتین، هذا و قد یستدلّ علی الوجوب من البلد بظاهر روایات استنابة الحيّ بتجهیز رجل و بعثه في ذلك و لا یشكل بالفرق بعد كون باب النیابة متّحد في قبال المباشرة إلاّ أنّه ضعیف یمنع ظهورها في الإنابة من البلد تعیینا.

فالحاصل أنّه لیس في الروایات مئونة دلالة علی أنّ القضاء علی المیّت یزید عما كانت قد اشتغلت ذمّة المیّت به في الأصل.

لكون فرد الواجب المنحصر مالیته بقیمة الاجرة من البلد.


1) ب 2، أبواب النیابة، ح 4.

2) ب 11، أبواب النیابة، ح 1.

مسألة 90:إذا أوصی بالبلدیة، أو قلنا بوجوبها مطلقا فخولف و استؤجر من المیقات أو تبرّع عنه متبرّع

(مسألة 90):إذا أوصی بالبلدیة، أو قلنا بوجوبها مطلقا فخولف و استؤجر من المیقات أو تبرّع عنه متبرّع برئت ذمّته و سقط الوجوب من البلد (1) و كذا لو لم یسع المال إلاّ من المیقات.

مسألة 91:الظاهر أنّ المراد بالبلد هو البلد الذي مات فیه

(مسألة 91):الظاهر أنّ المراد بالبلد هو البلد (2) الذي مات فیه كما یشعر به خبر زكریا بن آدم سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل مات و أوصی بحجّة أ یجزئه أن یحجّ عنه من غیر البلد الذي مات فیه؟فقال:ما كان دون المیقات فلا بأس به.مع أنّه آخر مكان كان مكلّفا فیه بالحجّ و ربّما یقال أنّه بلد الاستیطان لأنّه المنساق من النصّ و الفتوی و هو كما تری.و قد یحتمل البلد الذي صار مستطیعا فیه و یحتمل التخییر بین البلدان التي كان فیها بعد الاستطاعة و الأقوی ما ذكرنا وفاقا لسیّد المدارك و نسبه إلی ابن إدریس (رَحمهُ اللّه) أیضا و إن كان الاحتمال الأخیر و هو التخییر قویا جدّا.

مسألة 92:لو عیّن بلدة غیر بلده

(مسألة 92):لو عیّن بلدة غیر بلده كما لو قال:استأجروا من النجف أو من كربلاء تعیّن».

مسألة 93:علی المختار من كفایة المیقاتیة لا یلزم أن یكون من المیقات أو الأقرب إلیه فالأقرب.

(مسألة 93):علی المختار من كفایة المیقاتیة لا یلزم أن یكون من المیقات أو الأقرب إلیه فالأقرب.بل یكفی كلّ بلد دون المیقات لكن الاجرة الزائدة علی المیقات

انتفاء موضوع الوصية حینئذ الآتيان بالواجب و أمّا لو كان تطوّعا مع فرض الاستئجار فینتفي موضوع الوصية أیضا إلاّ أنّه یقسّط ثمن الاجرة بحسبه و أمّا التبرّع فقد تقدّم أنّه لا ینفی موضوع الوصية بحجّ التطوّع.

بناء علی ما قوّیناه من كون الحجّ من البلد في الوصية لمقتضی ظهور ألفاظ الوصية في ذلك فیتعیّن المراد في بلد الاستیطان.

و أیا ما كان فقد یفرض قرائن خاصّة محتفة بالوصية فیعمل بها و لو بنی علی ظهور الروایات السابقة في الوجوب لا من باب الوصية لكان الظاهر هو ذلك أیضا إلاّ إذا فرض أنّ موت المیّت في مسیرة الحجّ فیتعیّن من البلد أو الموضع الذي مات فیه كما هو ظاهر خبر زكریا و روایة المستطرفات.

مع إمكان الاستئجار منه لا یخرج من الأصل و لا من الثلث (1) إذا لم یوص بالاستئجار من ذلك البلد إلاّ إذا أوصی بإخراج الثلث من دون أن یعیّن مصرفه و من دون أن یزاحم واجبا مالیا علیه.

مسألة 94:إذا لم یمكن الاستئجار من المیقات و أمكن من البلد

(مسألة 94):إذا لم یمكن الاستئجار من المیقات و أمكن من البلد وجب و إن كان علیه دین الناس أو الخمس أو الزكاة فیزاحم الدین إن لم تف التركة بهما بمعنی أنّها توزّع علیهما بالنسبة.

مسألة 95:إذا لم تف التركة بالاستئجار من المیقات لكن أمكن الاستئجار من المیقات الاضطراري كمكّة أو أدنی الحل

(مسألة 95):إذا لم تف التركة بالاستئجار من المیقات لكن أمكن الاستئجار من المیقات الاضطراري كمكّة أو أدنی الحل وجب(2) نعم لو دار الأمر بین الاستئجار من البلد أو المیقات الاضطراري قدّم الاستئجار من البلد و یخرج من أصل التركة؛لأنّه لا اضطرار للمیّت مع سعة ماله.

مسألة 96:بناء علی المختار من كفایة المیقاتیة لا فرق بین الاستئجار عنه و هو حيّ أو میّت

(مسألة 96):بناء علی المختار من كفایة المیقاتیة لا فرق بین الاستئجار عنه و هو حیّ أو میّت فیجوز لمن هو معذور بعذر لا یرجی زواله أن یجهّز رجلا من المیقات كما ذكرنا سابقا أیضا فلا یلزم أن یستأجر من بلده علی الأقوی و إن كان الأحوط ذلك (3).

و هذا هو مقتضی القاعدة بعد عدم وجوب النیابة من البلد و فرض عدم الوصية بذلك فیتعیّن ما زاد علی اجرة المیقات ملكا للورثة.

و إمّا لفرض أنّه أوصی بالثلث مع عدم ذكر المصرف و عدم وجود علم إجمالی فیسوغ الصرف من الثلث في تلك الزیادة.

كما دلّ علی ذلك صحیح علیّ بن رئاب المتقدّم تقریب دلالته علی ذلك و كذا روایة علی بن مزید فلاحظ و بقیّة الروایات التي بلسان «من حیث یبلغه».

عمدة ما یوهم الاستئجار من بلده هو صحیحة معاویة بن عمّار المتقدّمة في مسألة (72) و الحلبي و ابن سنان حیث أنّ متعلّق الأمر فیها الأمر بالبعث، بل المنصرف إلی ذلك لكنّك قد عرفت في المسألة المزبورة أنّ الاستنابة هي بدل عن

مسألة 97:الظاهر وجوب المبادرة إلی الاستئجار في سنة الموت

(مسألة 97):الظاهر وجوب المبادرة إلی الاستئجار في سنة الموت خصوصا إذا كان الفوت عن تقصیر من المیّت و حینئذ فلو لم یمكن إلاّ من البلد وجب و خرج من الأصل و لا یجوز التأخیر إلی السنة الاخری و لو مع العلم بإمكان الاستئجار من المیقات توفیرا علی الورثة كما أنّه لو لم یمكن من المیقات إلاّ بأزید من الاجرة المتعارفة في سنة الموت وجب و لا یجوز التأخیر إلی السنة الاخری توفیرا علیهم (1).

مسألة 98:إذا أهمل الوصي أو الوارث الاستئجار فتلفت التركة أو نقصت قیمتها

(مسألة 98):إذا أهمل الوصي أو الوارث الاستئجار فتلفت التركة أو نقصت قیمتها فلم تف بالاستئجار ضمن كما أنّه لو كان علی المیّت دین و كانت التركة وافیة و تلفت بالإهمال ضمن.

مسألة 99:علی القول بوجوب البلدیة و كون المراد بالبلد الوطن إذا كان له وطنان الظاهر وجوب اختیار الأقرب إلی مكّة

(مسألة 99):علی القول بوجوب البلدیة و كون المراد بالبلد الوطن إذا كان له وطنان الظاهر وجوب اختیار الأقرب إلی مكّة إلاّ مع رضی الورثة بالاستئجار من الأبعد نعم مع عدم تفاوت الاجرة الحكم التخییر.

المباشر و أنّ الواجب واحد ماهیة كما دلّت علیه بقیّة طواف الروایات ثمّة كان ذلك قرینة علی أنّ الأمر بالتجهیر أو البعث توصّلا للاستنابة لا لجزئية أو شرطیة المسیر في الماهیة و لا لتوهّم لكونه واجبا مستقلاّ.

العمدة في ذلك التعبیر عنه بالدین و بالحقّ و أنّه أولی بالقضاء و الحكم في الدیون و الحقوق الفورية مضافا لما تقدّم في مسألة (72) أنّ حكم ماهیة الحجّ جامع بین المباشرة و الاستنابة واحد فأحكام الماهیّة لكلا النحوین واحدة، غایة الأمر أنّ الورثة یقومون مقام المیّت في الاستنابة، و یدلّ علی ذلك بدلالة الاقتضاء ما دلّ من الروایات (1)المعتبرة علی تضمین الوصي إذا تمكّن من الصرف في وجه موضع الوصية فلم یصرفه فیه، و منه یظهر الحال في المسألة الآتية لأنّ الإهمال یكون مضمّنا و موجبا للتقصیر.


1) ب 36، أبواب الوصایا.

مسألة 100:بناء علی البلدیة الظاهر عدم الفرق بین أقسام الحجّ الواجب

(مسألة 100):بناء علی البلدیة الظاهر عدم الفرق بین أقسام الحجّ الواجب فلا اختصاص بحجّة الإسلام فلو كان علیه نذري لم یقیّد بالبلد و لا بالمیقات عن الاستئجار من البلد بل و كذا لو أوصی بالحجّ ندبا اللازم الاستئجار من البلد إذا خرج من الثلث (1).

مسألة 101:إذا اختلف تقلید المیّت و الوارث في اعتبار البلدیة أو المیقاتیة فالمدار علی تقلید المیّت

(مسألة 101):إذا اختلف تقلید المیّت و الوارث في اعتبار البلدیة أو المیقاتیة فالمدار علی تقلید المیّت و إذا علم أنّ المیّت لم یكن مقلّدا في هذه المسألة فهل المدار علی تقلید الوارث أو الوصي أو العمل علی طبق فتوی المجتهد الذي كان یجب علیه تقلیده إن كان متعیّنا و التخییر مع تعدّد المجتهدین و مساواتهم وجوه.و علی الأوّل فمع اختلاف الورثة في التقلید یعمل كلّ علی تقلیده فمن یعتقد البلدیة یؤخذ من حصّته، بمقدارها بالنسبة فیستأجر مع الوفاء بالبلدیة بالأقرب فالأقرب إلی البلد و یحتمل الرجوع إلی الحاكم لرفع النزاع فیحكم بمقتضی مذهبه نظیر:ما إذا اختلف الولد الأكبر مع الورثة في الحبوة و إذا اختلف تقلید المیّت و الوارث في أصل وجوب الحجّ علیه و عدمه بأن یكون المیّت مقلّدا لمن یقول بعدم اشتراط الرجوع إلی كفایة فكان یجب علیه الحجّ و الوارث مقلّدا لمن یشترط ذلك فلم یكن واجبا علیه أو بالعكس فالمدار علی تقلید المیّت (2).

أمّا تفاوت القیمة السوقیة لا سیّما الفاحش فقد حرّرنا في مسألة تضخّم الأوراق النقدیة توجّه الضمان علی من تكون یده ید ضمان.

إذ بناء علی الاستفادة الوجوب من الروایات مطلقا كما تقدّم و إن كان بعضها مختصّا بحجّة الإسلام.

قد ذكر الماتن اختلاف الوظیفة اجتهادا أو تقلیدا في عدّة مقامات:

فتارة یقع الاختلاف بین المیّت و الوارث و اخری یقع بین الوارث و الوصي و المیّت و ثالثة یقع الاختلاف بین الورثة و رابعة:بین النائب و بین المنوب عنه و الورثة.

..........

أمّا المقام الأوّل:

فقد ذكر له الماتن صورتین:

الأولی:أن یقع الاختلاف في شرائط ماهیّة العمل.

الثانية:أن یقع الاختلاف في أصل وجوب الحجّ.

أمّا الصورة الاولی:

فقد ذكر الماتن هاهنا أنّ المدار علی وظیفة المیّت بینما اختار في فصل الوصية بالحجّ أنّ المدار علی الوارث أو الوصي و في المسألة أقوال و وجوه، و هي متكرّرة في أبواب اخری.

القول الأوّل:أنّ المدار علی وظیفة المیّت حیث إنّه هو الذي اشتغله ذمّته و اللازم تفریغها.

القول الثاني:أنّ المدار علی وظیفة الوارث و تفریغ ذمّة المیّت تكلیف یخاطب به الوارث و لا یسقط عنه هذا الخطاب إلاّ أن یأتي بما هو صحیح عنده و أنّ الواقع و المشغول به ذمّة المیّت شيء واحد لا شیئان بحسب اختلاف الإحراز إذ الأحكام الظاهرية لیست إلاّ طریق لإصابة الواقع و حیث أنّ الطریق الصحیح عند الوارث هو بحسب إحرازه فیتعیّن العمل به و هو یری خطاء طریق المیّت لإحراز الواقع و كأنّ القائل بأنّ المدار علی وظیفة المیّت مبني علی شيء من التصویب.

القول الثالث:هو ما ذهب إلیه سیّدنا الاستاذ الروحاني (قدّس سرّه) من العمل بالجمع بكلا النظرين سواء كان من قبیل الأقل و الأكثر أو المتباین الذي یقضی التكرار.

و دلّل علیه بأنّ إحراز الوارث و إن كان حجّة في حقّه إلاّ أنّه حیث لم یكن إحرازا قطعیا وجدانیا بل كان ظنّا تعبّديا فلا قطع ببطلان إحراز المیّت لا سیّما و ان إحراز المیّت إذا افترض كونه علی الموازین أي أنّ طریقة تقلیده أو اجتهاده صحیحة، فحینئذ كلّ من الاحرازین علی الموازین و لا معنی لإلغاء إحراز المیّت من رأس، لا

..........

للبناء علی تصویب بل لأنّ الحكمین الظاهرين حیث إنّهما واجدان لمیزان الحجّیة فلا یفرض أحدهما كالعدم فلعلّ الواقع هو بحسب ما أدّی إلیه إحراز المیّت فالمفروض هو الجمع في كلّ موارد الاختلاف، فالواقع یحتمل تنجّزه بإحراز كلّ منهما فلا یحصل الفراغ منه إلاّ بالجمع.

أقول:و یعضد ما ذكره قدّس سرّه ما قرّر في حكم الحاكم في القضاء و غیره أنّه لا یردّ ما دام هو طبق الموازین ما لم یقطع ببطلانه بحسب المستند أو الواقع و إن كان یفترق عن المقام بحرمة الردّ.

و كذا ما قرّر و ذهب إلیه المشهور من إجزاء العمل علی التقلید السابق عند تبدّل التقلید، و بعد كون التقلید الأوّل علی الموازین ما لم یقطع بالبطلان.

و نظیر قضاء القاضي بالبیّنة و الیمین، لا بالواقع المقطوع حدسا.

و الوجه في ذلك أنّ الموازین المنصوبة من قبل الشارع سواء في باب القضاء أو الفتیا أو التقلید أو غیرهم و إن لم یكن لها موضوعیة في مقابل الواقع بل هي موازین و حجّة و طریق علی الواقع، إلاّ أنّ الأخذ بها تامّ ما لم ینكشف الواقع بنحو القطع و العلم الوجداني، و لك أن تقول:إنّ صحّة میزان الحجّة عند الوارث لا تعارض صحّة میزان الحجّیة عند المیّت كما أنّه لیس مدلول الطریق عند الوارث تخطئة میزان الحجّیة عند المیّت أي لیس مفاد الحجّة عند الوارث عدم حجّیة الطریق في حقّ المیّت، بل قد یكون ما هو الحجّة عند الوارث ممتنع الحجّیة عند المیّت كأن یكون المیّت مجتهدا أو الوارث مقلّدا أو كلّ منهما یقلّد الأعلم في زمانه و بعبارة ثالثة:أنّه فرق بین تدافع الحجّتین الفعليتین عند شخصین و بین تدافع الحجّتین الاقتضائیتین عند شخص واحد كالخبرین الصحیحین عند مجتهد و بین ما هو طریق حجّة یخالفه طریق حجّة تخیلیة.

و بعبارة رابعة:أیضا أنّ مقام تفریغ الذمّة لیس یراعي فیه الواقع بما هو هو بل

..........

یراعی فیه بما هو محرز بل قد یراعی فیه الاحرازین المختلفین إذا افترض العمل الواحد مرتبط بشخصین فیراعی إحراز كلّ منهما و هذا من باب أنّ بعض الآثار العقلية أو الشرعية نظیر تفریغ الذمّة و حرمة ردّ حكم الحاكم مترّتبة علی إحراز الواقع لا علی الواقع بما هو هو فإنّ الوظیفة الظاهرية هي العمل بالموازین علی الواقع بأی طریق.

و هذا هو الأقوی بمقتضی القاعدة في مثل هذه الموارد التي تكون بلحاظ تفریغ الذمّة بغضّ النظر عن الحیثیات الاخری الطارئة.

أمّا الصورة الثانية

و هو الاختلاف في أصل وجوب الحجّ كأن یكون وظیفة المیّت وجوب الحجّ و إحراز الوارث عدم الوجوب علی المیّت فهو كما سبق إلاّ أنّه قد یضاف في هذه الصورة أنّ المتعیّن فیها عمل الوارث بوظیفته لأنّ التركة حینئذ تكون مال له و إن كانت بحسب تقلید المیّت متعلّقة بحقّ المیّت في استیفاء دینه منها.و لكنّه ضعیف أیضا لأنّه نظیر ما ذكروه في باب القضاء من أنّ الدائن إذا قامت له البیّنة باستدانة المدین منه أو عدم تسدیده للدین و كان للمدین بینة علی الوفاء أو مستصحبا لعدم الاستدانة و نظیره ما لو حاز شخص أحد المباحات و رأی الآخر أنّ فعله هذا لیس مصداقا للحیازة و أراد حیازة الشيء نفسه، و ما لو حجّر شخص أرضا و رأی الآخر أنّ ذلك لیس بتحجیر و أراد أنّ یحییها، فإنّ مثل هذه الموارد لیس الوجه هو عمل كل بحسب وظیفته و إن لم یكن نزاع فعلی فإنّ مقتضی حرمة المؤمن و حرمة ماله هو عدم جواز التصرّف في المال المختلف فیه إلاّ بفصل قضائي أو صلح نحوه.

و لا یتوّهم أنّ هذا من التمسّك بالعموم في موضوع نفسه لأنّ كونه ماله أوّل الكلام و ذلك لأنّ الظاهر من أدلّة حرمته هو الاحترام و الاعتداد بما یبنی علیه في وظیفته الفعلية في ما یرجع إلی حقوقه إلاّ أن یتزاحم مع حرمة مال الشخص الآخر لأنّه أیضا

..........

من حرمة مال مسلم و لیس ذلك من صغریات التعارض لما بیّناه من دفع توهّم الشبهة المصداقیة.

و لك أن تقول:إنّ دلیل حرمة الأموال و نحوها بقرینة أنّه وظیفة نظم اجتماعي فموضوعها لیس الواقع بما هو هو بل بحسب إحراز طرفي الموضوع، نظیر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

هذا و یمكن الاستدلال علی ذلك بدعوی أنّ أدلّة القضاء و وجوب الرجوع إلی الحاكم لیس مختصّة بالنزاع الفعلي بل هي عامّة لمطلق ما هو معرض لنزاع لا سیّما إذا كان بسبب الاختلاف في الشبهة الحكمیة.

هذا كلّه فیما لو لم یفترض وصیّة للمیّت و إلاّ فیجب العمل بوظیفة المیّت لوجوب تنفیذ الوصية و إن بنینا علی أنّ القاعدة تقتضی العمل بوظیفة الوارث.لا یقال أنّ موضوع الوصية منتف بحسب نظر الوارث لو بنی علی أنّ المدار علی نظره.

فإنّه یقال:بأنّ إیصاء المیّت إبقاء للتركة علی ملكه و إذا امتنع مورد الوصية یصرف في الأقرب فالأقرب كالحجّ تطوّعي فیصرف مال الوصية فیه.

المقام الثاني و هو تارة بأن لم یكن المیّت مقلّدا إلاّ أن كان اللازم علیه العمل علی طبق فتوی مجتهد بعینه أو لا بعینه، و اخری بأن كان مقلّدا.

أمّا الصورة الاولی:فإنّ بنینا علی أنّ فتوی المجتهد حجّة فعلیة و إن لم یقلّده المكلّف العامّی فیكون البحث في المقام نظیر ما لو كان مقلّدا و قد تقدّم الحال فیه في المقام الأوّل و أمّا إن بنینا علی أنّ فتواه حجّة من حیث التنجیز لا من حیث التعذیر لعدم استناد المكلّف العامّي إلیها فلا محالة تكون وظیفة المیّت لزوم الاحتیاط فیجمع بینه و بین وظیفة الوارث كما تقدّم.

أمّا حال اختلافهما بلحاظ الوصي أیضا فاللازم علی الوصي و الوارث مراعاة

..........

الجمع بسبب الوصية و إن بنی علی أنّ المدار عند الاختلاف هو علیهما لا علی وظیفة المیّت و لذلك لما عرفت من أنّ العمل بالوصية من غیر تغییر لازم، و لا یتوهم أنّ صورة العمل الموصی به غیر مشروعة في نظرهما فیوقعانه علی حسب ما هو مشروع في نظرهما أو یتوّهم بأنّ المیّت لا نظر له في وصیّته بالحجّ إلی صورة تفصیل العمل، و یدفع كلا التوهّمین بأنّ المدار في مشروعیة الوصية لیس علی نظر الوصي أو الوارث بل علی كون الموصی به مشروع وفق حجّة ما واجدة لمیزان الحجّیة و لو في حقّ المیّت فیكون مثال نظیر حرمة ردّ حكم الحاكم ما دام كونه مستندا لحجّة واجدة للشرائط و لو في حقّ الحاكم فقط مع أنّه في المقام یمكن منع عدم المشروعیة أیضا فإنّه یمكن لهما الآتيان بالعمل مشروعا فیما إذا كان العمل جامعا لوظیفة المیّت و وظیفتهما.

المقام الثالث

و هو أیضا إن بنی علی أنّ الوارث-الذي یری أنّ ماهیة العمل بالصورة التي هي موظّفة في نظره أكثر مالیة-یلزم بالنسبة في حصّته فلا یتصوّر نزاع بین الورثة فإن كلا یعمل علی وظیفته.

و أمّا إن بنی علی أنّ ذلك الوارث یلزم بالمالية الزائدة كلّها لأنّه من باب الكلّي في المعیّن فإنّه یكون الفرض حینئذ محلا للنزاع لأنّ بقیّة الورثة یذهبون بحقّ الوارث كما تبیّن ذلك في مسألة (85) علی ذلك القول.

المقام الرابع فحاله كحال الأوّل كما لا یخفی لا سیّما إذا افترض طرو عنوان الإجارة، فإنّ النائب ملزم بمراعاة نظر الوارث و المیّت بمقتضی الوجوب الإجاري كما یراعی نظره أیضا كي تسلم له مالیة العمل.

مسألة 102:الأحوط في صورة تعدّد من یمكن استئجاره استئجار من أقلّهم اجرة

(مسألة 102):الأحوط في صورة تعدّد من یمكن استئجاره استئجار من أقلّهم اجرة مع إحراز صحّة عمله مع عدم رضی الورثة أو وجود قاصر فیهم سواء قلنا بالبلدیة أو المیقاتیة و إن كان لا یبعد جواز استئجار المناسب حال المیّت من حیث الفضل و الأوثقیة مع عدم قبوله إلاّ بالأزید و خروجه من الأصل كما لا یبعد عدم وجوب المبالغة في الفحص عن أقلّهم اجرة و إن كان أحوط (1).

مسألة 103:قد عرفت أنّ الأقوی كفایة المیقاتیة لكن الأحوط الاستئجار من البلد بالنسبة إلی الكبار من الورثة

(مسألة 103):قد عرفت أنّ الأقوی كفایة المیقاتیة لكن الأحوط الاستئجار من البلد بالنسبة إلی الكبار من الورثة بمعنی عدم احتساب الزائد عن اجرة المیقاتیة علی القصران كان فیها قاصر.

مسألة 104:إذا علم أنّه كان مقلّدا و لكن لم یعلم فتوی مجتهده في هذه المسألة فهل یجب الاحتیاط أو المدار علی تقلید الوصي أو الوارث؟

(مسألة 104):إذا علم أنّه كان مقلّدا و لكن لم یعلم فتوی مجتهده في هذه المسألة فهل یجب الاحتیاط أو المدار علی تقلید الوصي أو الوارث؟ وجهان أیضا (2).

مسألة 105:إذا علم استطاعة المیّت مالا و لم یعلم تحقّق سائر الشرائط في حقّه

(مسألة 105):إذا علم استطاعة المیّت مالا و لم یعلم تحقّق سائر الشرائط في حقّه فلا یجب القضاء عنه لعدم العلم بوجوب الحجّ علیه لاحتمال فقد بعض الشرائط (3).

مسألة 106:إذا علم استقرار الحجّ علیه و لم یعلم أنّه أتی به أم لا

(مسألة 106):إذا علم استقرار الحجّ علیه و لم یعلم أنّه أتی به أم لا فالظاهر وجوب

لزوم الأقلّ اجرة مع عدم رضاهم بالزائد هو علی مقتضی القاعدة فیكون متعیّنا، و أمّا ما ذكره الماتن من جواز مراعاة المناسب بحال المیّت مع عدم رضی الورثة به لا وجه له و دعوی انصراف أدلّة وجوب القضاء عنه ممنوعة.

نعم لو كان بنحو یزري بالمیّت لاتّجه ذلك لظهور أدلّة القضاء في تفریغ ذمّة المیّت مراعاة له.

و أمّا عدم المبالغة في الفحص فلأنّ اللازم في احترام الأموال القدر المتعارف.

قد تقدّم الحال فیها في مسألة (101).

قد تقدّم في مسألة (73) أنّ المدار في وجوب القضاء عن المیّت و استقرار الاستنابة علیه صرف الاستطاعة المالية.

القضاء عنه لأصالة بقائه في ذمّته، و یحتمل عدم وجوبه عملا بظاهر حال المسلم و أنّه لا یترك ما وجب علیه فورا و كذا الكلام إذا علم أنّه تعلّق به خمس أو زكاة أو قضاء صلوات أو صیام و لم یعلم أنّه أدّاها أو لا (1)

قولان و وجهان في المسألة:

أمّا الوجه الأوّل:فاستصحاب بقاء وجوب الحجّ في ذمّة المیّت أو الصیام و نحوها و كذا في الخمس و الزكاة فیما إذا كان عین النصاب باقیا بخلاف ما ذا لم یكن النصاب باقیا فإنّ الوجوب علی تقدیر بقائه لیس هو الوجوب الأوّل بل وجوب البدل و لا یقین سابق بحدوثه و لا یقین بحدوث الضمان، عدی ما إذا كان المال أتلف من قبل المیّت و شك في أنّه موجبا للضمان أم لا فمع استصحاب عدم الأداء و الیقین بالإتلاف یحرز الضمان، و الاستثناء لا یخلو من إشكال علی إطلاقه.

و قد یشكل علی استصحاب بقاء الوجوب:

أوّلا:بأنّه أصل مثبت لعدم احراز الدین الذي هو عنوان وجودي.

و فیه:أنّ عنوان الدین منتزع من بقاء الوجوب في الذمّة فهو عین منشأ انتزاعه مضافا إلی إمكان تقریب الاستصحاب في نفس الدین السابق لأنّ خطاب الحجّ عند حدوثه دین.

و ثانیا:بأنّ لا ذمّة للمیّت و أنّ الحي بموته یستحیل تكلیفه.

و فیه:أنّ المیّت لم ینعدم من رأس فعهدة المطلوبیة قابلة للاعتبار و لغویة أو استحالة تكلیفه تصحّح بلحاظ خطاب الوارث بتفریغ ذمّته.

ثالثا:بأنّ الاستصحاب في خصوص دیون المیّت المالية غیر حجّة لما ورد في مكاتبة محمّد بن الحسن الصفّار إلی أبي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ):و فیها أو تقبل شهادة الوصي علی المیّت مع شاهد آخر عدل فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ) نعم، من بعد یمین (1).و روایة عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و لیس في سندها من یتوقّف فیه إلاّ یاسین الضریر و لا بأس فی


1) باب 28، أبواب الشهادات.

..........

الاعتماد علیه كما ذكرناه في باب الطواف و لا أقلّ من حسنه قال:قلت للشیخ (عَلَيهِ السَّلَامُ) و فیها و إن كان المطلوب بالحقّ قد مات فأقیمت علیه البیّنة فعلی المدّعي الیمین باللّه الذي لا إله إلاّ هو لقد مات فلان و انّ حقّه لعلیه فإن حلف و إلاّ فلا حقّ له...

الحدیث (1).

و تقریب الاستدلال أنّ مضمون و مورد حلف المدّعي هو علی بقاء الدین كما هو ظاهر عبارة الروایة الثانية، ممّا یدلّل علی أنّ مجرّد البیّنة علی الدین لا یكفي في استصحاب بقاء الدین إلی حین الدعوی أي أنّ الاستصحاب ساقط في حقّ المیّت و أنّ المثبت للبقاء هو الیمین و لا یختصّ هذا في الدیون المالية لأنّ المفروض في الدیون الشرعية أنّها نزلت منزلة الدین المالي، بل لا دلیل ملزم بالواجبات الشرعية وراء هذا التنزیل فاللازم بها بحدود المنزّل علیه و لا دلیل علی ما هو أوسع من ذلك.

و فیه:أنّ ظاهر دلیل الروایة (لأنّا لا ندري لعلّه قد أوفاه ببیّنة لا نعلم موضعها أو غیر بیّنة قبل الموت فمن ثمّة صارت علیه الیمین مع البیّنة فإن ادعی بلا بیّنة فلا حقّ لأنّ المدّعی علیه لیس بحيّ و لو كان حیّا لألزم الیمین أو الحقّ أو یردّ الیمین علیه فمن ثمّة لم یثبت الحقّ).

و صریح هذا التعلیل أنّ الیمین جبر لحقّ المیّت في إقامة دعوی سداد الدین إذ له حقّ دعوی وفاء الدین و حقّ مطالبة الدائن بالإنكار لا لأجل سقوط الاستصحاب و علی هذا بنی المشهور في فروعات عدیدة في باب القضاء.

أمّا القول الآخر:فوجهه دعوة أصالة الصحّة لا بما یرجع إلی قاعدة الفراغ و التجاوز اللازم في جریانهما إحراز أصل العمل حتی قاعدة التجاوز في الإجزاء یلزم في جریانها إحراز مجمل العمل و لا بما یرجع إلی حسن الظنّ و الحمل علی الصحّة الذي هو مفاد أخلاقي بل بدعوی جریان السیرة المتشرّعة في بعض الموارد علی


1) ب 4، أبواب كیفیّة الحكم.

مسألة 107:لا یكفي الاستئجار في براءة ذمّة المیّت و الوارث

(مسألة 107):لا یكفي الاستئجار في براءة ذمّة المیّت و الوارث بل یتوقّف علی الأداء و لو علم أنّ الأجیر لم یؤد وجب الاستئجار ثانیا و یخرج من الأصل إن لم یمكن استرداد الاجرة من الأجیر (1).

مسألة 108:إذا استأجر الوصي أو الوارث من البلد غفلة عن كفایة المیقاتیة

(مسألة 108):إذا استأجر الوصي أو الوارث من البلد غفلة عن كفایة المیقاتیة ضمن ما زاد عن اجرة المیقاتیة للورثة أو لبقیّتهم (2).

مسألة 109:إذا لم یكن للمیّت تركة و كان علیه الحجّ

(مسألة 109):إذا لم یكن للمیّت تركة و كان علیه الحجّ لم یجب علی الورثة شيء و إن كان یستحبّ علی ولیّه بل قد یقال بوجوبه للأمر به في بعض الأخبار (3).

البناء علی أصل العمل عند الشكّ في أصل العمل لا في وصفه كما فیما لو شوهد جنازة محمولة أو یراد دفنها أو وضعها في القبر فإنّه یبنی علی مجیئهم بالعمل فمن ثمّة یسقط وجوب المبادرة لإتیان الواجب الكفائي علی الناظر.و هذه سیرة جاریة في أمثال هذه المسألة و إن شكّ في حال المسلم من حیث العدالة و عدمها، نعم لا تشمل المسلم الذي أحرز عدم مبالاته و تهمته و كان متّهما و لعلّ إلی ذلك یشیر الماتن في تعبیره بظاهر حال المسلم فكذلك یقال في المقام بالنسبة للمیّت لا سیّما إذا كان ممّن عرف بالتزامه في أداء الواجبات أو لم یظهر منه التهاون بأدائها و هذه الدعوی متّجه في الجملة عدی بعض الموارد المحتفة بقرائن موجبة للشكّ في الأداء لا من جهة التقصیر بل من جهة القصور مثلا فإنّه غیر مشمول لظاهر الصحّة و ظاهر حال المسلم و لعلّ بقاء العین الزكویة و الخمس من هذا القبیل فیكون المجري الاستصحاب و الاحتیاط لا ینبغي تركه.

كلّ ذلك علی مقتضی القاعدة بعد كون ذمّة المیّت إنّما تفرغ بالأداء خارجا عنه و بالنحو الصحیح بعد كون الأداء المزبور مقدّما علی الإرث.

لأنّه تصرّف في الزائد عن حقّ الدین أي في حقّ الورثة.

حكی الإجماع الشهرة علی الاستحباب، لكن المنسوب لظاهر عبارة أبی

..........

عليّ و ابن الجنید الوجوب و قد یستدلّ للوجوب بإطلاق صحیحة ضریس المتقدّمة في مسألة (73) حیث ورد فیها:«فلیقض عنه ولیّه حجّة الإسلام» و كذلك صحیح زرارة حیث ورد فیها:«یحجّ عنه إن كانت حجّة الإسلام و یعتمر إنّما هو شيء علیه» (1).

و كذا صحیح محمّد بن مسلم قال:سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل مات و لم یحجّ حجّة الإسلام یحجّ عنه؟قال:نعم.

و كذا صحیحة رفاعة قال:سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل و المرأة یموتان و لم یحجّا أ یقضی عنهما حجّة الإسلام؟قال:«نعم» (2).و ذیل صحیحة ضریس صریح في الفرض عن من مات و علیه حجّة الإسلام و حجّ نذري قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«إن ترك مال یحجّ عنه حجّة الإسلام من جمیع المال و أخرج من ثلثه ما یحجّ به رجلا لنذره و قد وفی بالنذر و إن لم یكن ترك مال بقدر ما یحجّ به حجّة الإسلام حجّة عنه بما ترك و یحجّ عنه ولیّه حجّة النذر إنّما هو مثل دین علیه» (3).

إلاّ أنّه قیل بتقیید المطلقات المتقدّمة بما دلّ علی التقیید بكون القضاء من مال المیّت و أمّا خصوص الصحیح الأخیر فیدل علی استحباب حجّ الولي صحیحة ابن أبي یعفور عمّن نذر الحجّ و مات قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«الحجّة علی الأب یؤدّیها عنه بعض ولده.قلت:

هی واجبة علی ابنه الذي نذر فیه قال:هی واجبة علی الأب من ثلثه أو یتطوّع ابنه فیحجّ عن أبیه» (4).

أمّا المقیّدات:فهي ما ورد مثل صحیحة برید العجلي حیث ورد فیها «جعل جمله و زاده و نفقته و ما معه في حجّة الإسلام» (5).


1) ب 26، أبواب وجوب الحجّ، ح 1 و 2.

2) ب 28، أبواب وجوب الحجّ، ح 7.

3) ب 29، من أبواب وجوب الحجّ، ح 1 و 3.

4) ب 29، أبواب وجوب الحجّ، ح 3.

5) (26 من وجوب الحجّ).

..........

و ما ورد في الوصية بحجّة الإسلام أنّها تخرج من جمیع مال المیّت (1)و أنّها دین علیه.

و مثل صحیح الحلبي حیث ورد فیه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«فإن كان موسرا و حال بینه و بین الحجّ مرض أو حصر أو أمر یعذره اللّه فیه فإنّ علیه أن یحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له» و قال «یقضی عن الرجل حجّة الإسلام من جمیع ماله» (2).و مثلها موثّقة سماعة بن مهران في رجل الذي لم یوصی بحجّة الإسلام و هو موسر فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)«یحجّ عنه من صلب ماله لا یجوز غیر ذلك» (3).

و صحیحة معاویة بن عمّار في رجل توفّی و أوصی أن یحجّ عنه و فیها أنّه یحجّ عنه من جمیع ماله ثمّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«و من مات و لم یحجّ حجّة الإسلام و لم یترك إلاّ قدر نفقة الحمولة و له ورثة منهم أحقّ بما ترك فإن شاءوا أكلوا و إن شاءوا حجّوا عنه» (4).

أقول:صرف وجود ما یدلّ علی لزوم إخراج الحجّة من مال المیّت و القضاء عنه منها لا ینافی المطلقات الاولی المثبتة للقضاء علی الولي أیضا فإنّهما مثبتین غایة الأمر أنّه یفصل بلزومها من ماله إن كان له مال و إلاّ فهي علی الولي و كونها دینا علی المیّت لا ینافي خطاب الولي بل كما في الصلوات الفوائت، نعم مثل موثّق سماعة المتقدّم دالّ علی نفي الوجوب من غیر التركة و إن احتمل أنّه بمعنی لا یجوز التفریط في إخراج الحجّة عنه من ماله و كذا صحیح برید من تخییر الورثة في الحجّ عن المیّت مع عدم المال و إن احتمل التخییر لعدم استقرار الحجّ علیه و یعضد ذلك ما ورد من التعبیر «إنّما هي دین علیه» و حكم الدین یلزم به الولي من تركة المیّت لا مطلقا.

و كذا ما یظهر من الصحیح إلی ابن مسكان عن عامر بن عمیرة في من سأل أنّ أبی


1) ب 25 و 29، أبواب وجوب الحجّ.

2) ب 24، أبواب وجوب الحجّ، و ب 28، ح 3.

3) التهذیب ج 5، ص 1406.

4) ب 25، أبواب وجوب الحجّ، ح 4.

مسألة 110:من استقرّ علیه الحجّ و تمكّن من أدائه لیس له أن یحجّ عن غیره

(مسألة 110):من استقرّ علیه الحجّ و تمكّن من أدائه لیس له أن یحجّ عن غیره تبرّعا أو بإجارة و كذا لیس له أن یحجّ تطوّعا و لو خالف فالمشهور البطلان بل ادّعی بعضهم عدم الخلاف فیه و بعضهم الإجماع علیه.و لكن عن سیّد المدارك التردّد في البطلان و مقتضی القاعدة الصحّة و إن كان عاصیا في ترك ما وجب علیه كما في مسألة الصلاة مع فورية وجوب إزالة النجاسة عن المسجد إذ لا وجه للبطلان إلاّ دعوی أنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه و هي محلّ منع و علی تقدیره لا یقتضي البطلان لأنّه نهي تبعي و دعوی أنّه یكفي في عدم الصحّة عدم الأمر مدفوعة بكفایة المحبوبیة في حدّ نفسه في الصحّة كما في مسألة ترك الأهمّ و الآتيان بغیر الأهمّ من الواجبین المتزاحمین.أو دعوی أنّ الزمان مختصّ بحجّته عن نفسه فلا یقبل لغیره و هي أیضا مدفوعة بالمنع إذ مجرّد الفورية لا یوجب الاختصاص فلیس المقام من قبیل شهر رمضان حیث إنّه غیر قابل لصوم آخر، و ربّما یتمسّك البطلان في المقام بخبر سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن موسی (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل الصرورة یحجّ عن المیّت قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):نعم إذا لم یجد الصرورة ما یحجّ به عن نفسه، فإن كان له ما یحجّ به عن نفسه فلیس یجزي عنه حتی یحجّ من ماله، و هي تجزي عن المیّت إن كان للصرورة مال و إن لم یكن له مات و لم یحجّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«إنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) قال:حجّ عنه فإنّ ذلك یجزي عنه» (1)فإنّه یستشعر منها الندبية و إن كانت في صدد أصل المشروعیة و لكن لم یبیّن فیها الالزام مضافا إلی ما یقال إنّ لسان المطلقات (یقضي عنه ولیّه) إنّما هي متعرّضة لأصل الفعل لا لكون كلفة المال علی الولي نظیر الخطاب لتجهیز المیّت فإن الكلفة المالية في تركة المیّت و القرینة علی ذلك هو أنّ الخطاب بالفعل و إن استلزم الأمر بمقدّماته أیضا الوجودیة إلاّ أنّه بقرینة ما دلّ علی أنّه یخرج من تركة المیّت شاهد للخروج عن الظهور الأوّلی لما ذكرناه.نعم، یستفاد الاستحباب من مثل روایة عمیرة المتقدّمة و غیرها و أنّها صلة و بر للرحم و أنّه مراعاة للاحتیاط.


1) ب 31، من وجوب الحجّ، ح 2.

مال، و قریب منه صحیح سعید الأعرج عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هما كما تری بالدلالة علی الصحّة أولی، فإنّ غایة ما یدلاّن علیه أنّه لا یجوز له ترك حجّ نفسه و إتیانه عن غیره و أمّا عدم الصحّة فلا.نعم یستفاد منهما عدم إجزائه عن نفسه فتردّد صاحب المدارك في محلّه بل لا یبعد الفتوی بالصحّة لكن لا یترك الاحتیاط (1) هذا كلّه لو تمكّن من حجّ نفسه و أمّا إذا لم یتمكّن فلا إشكال في الجواز و الصحّة عن غیره بل لا ینبغي الإشكال في الصحّة إذا كان لا یعلم بوجوب الحجّ علیه لعدم علمه باستطاعته مالا أو لا یعلم بفورية وجوب الحجّ عن نفسه فحجّ عن غیره أو تطوّعا، ثمّ علی فرض صحّة الحجّ عن الغیر و لو مع التمكّن و العلم بوجوب الفورية لو آجر نفسه لذلك فهل الإجارة أیضا صحیحة أو باطلة مع كون حجّه صحیحا عن الغیر؟الظاهر بطلانها و ذلك لعدم قدرته شرعا علی العمل المستأجر علیه لأنّ المفروض وجوبه عن نفسه فورا و كونه صحیحا علی تقدیر المخالفة لا ینفع في صحّة الإجارة خصوصا علی القول بأنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه لأنّ اللّه إذا حرّم شیئا حرّم ثمنه و إن كانت الحرمة تبعیّة.

ذكر الشیخ في المبسوط «من وجبت علیه حجّة الإسلام لا یجوز أن یحجّ عن غیره و لا یجوز له أن یحجّ تطوّعا فإنّ تطوّع وقعت عن حجّة الإسلام و إن حجّ عن غیره لم یجزأ عن غیره و لا عنه لأنّ شرط الإجزاء عن الغیر لم یحصل فلا یجزی فلا یستحقّ علیه الاجرة بذلك و شرط الإجزاء عن نفسه من النیّة لم تحصل فلا یجزی عن واحد منهما ثمّ قال أیضا:و الصرورة إذا حجّ عن غیره لعدم الاستطاعة ثمّ وجدها كان علیه إعادة الحجّ عن نفسه...» (1)انتهی.

و قال في النهایة:«و متی عدم الرجل الاستطاعة جاز له أن یحجّ عن غیره-و إن كان صرورة لم یحجّ بعد حجّة الإسلام-و تكون الحجّة مجزئة عمّن یحجّ عنه و هو إذا أیسر بعد ذلك كان علیه إعادة الحجّ» (2).

و قریب منه قول المحقّق في المعتبر؟مع حكایة قول الشافعی:«من لم یحجّ حجّة


1) المبسوط ج 1، ص 302.

2) النهایة و نكتها، ج 1، ص 459.

فإن قلت:ما الفرق بین المقام و بین المخالفة للشرط في ضمن العقد مع قولكم بالصحّة هناك؟

كما إذا باعه عبدا و شرط علیه أن یعتقه فباعه حیث تقولون بصحّة البیع و یكون للبائع خیار تخلّف الشرط.قلت:الفرق إنّ في ذلك المقام المعاملة علی تقدیر صحتها مفوّتة لوجوب العمل بالشرط، فلا یكون العتق واجبا بعد البیع لعدم كونه مملوكا له بخلاف المقام حیث انّا لو قلنا بصحّة الإجارة لا یسقط وجوب الحجّ عن نفسه فورا، فیلزم اجتماع أمرین متنافیین فعلا، فلا یمكن أن تكون الإجارة صحیحة و إن قلنا إنّ النهي التبعي لا یوجب البطلان، فالبطلان من جهة عدم القدرة علی العمل لا لأجل النهي عن الإجارة.نعم لو لم یكن متمكّنا من الحجّ عن نفسه یجوز له أن یؤجّر نفسه للحجّ عن غیره و إن تمكّن بعد الإجارة عن الحجّ عن نفسه لا تبطل إجارته.

الإسلام لا یصحّ أن یحجّ عن غیره و لو حجّ عن غیره أو تطوّع عن نفسه انعقد عمّا وجب علیه سواء كان الواجب حجّة الإسلام أو عن نذر و لو كان علیه حجّة الإسلام فنذر حجّة و أحرم بالنذر انعقد عن حجّة الإسلام و به قال أحمد.لنا أنّ حجّة الإسلام مضیقة فلا یجوز أن یعدل إلی ما یمنع عن أداء الفرض المضیق و لأنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سمع رجلا یقول لبّیك عن شبرمة فقال حججت قال:لا قال:فحجّ عن نفسك ثمّ عن شبرمة و یدلّ علی ذلك ما روی عن أبي الحسن موسی عن الرجل الصرورة یحجّ عن..» الحدیث (1).

و قال في الدروس:و یشترط الخلوّ من الحجّ الواجب في النائب إلاّ أن یعجز عن الوصلة إلیه فیجوز عند ضیق الوقت، و لا یقدح في صحّتها تجدّد القدرة، و كذا لا تنفسخ الاجارة بتجدّد الاستطاعة لحجّ الإسلام» (2).

أقول:ظاهر عبارة الشهید التفصیل في ثلاث صور و ظاهر عبارة من تقدّمه التفصیل في صورتین كما أنّ ظاهر العبارات السابقة هو أنّ الخلاف في جهتین:


1) المعتبر:330.

2) الدروس، ج 1، ص 320.

..........

الاولی:في وقوع ما أتی به نیابة مجزیا عن الواجب الذي علیه.

و الثانية:في وقوع ما أتی به نیابة صحیحا عن المنوب عنه.

و الخلاف في الجهتین واقعا عند العامّة أیضا فقد قال في المغني ما ملخّصه:في مسألة من یحجّ عنه غیره و لم یكن حجّ فقال جماعة الأوزاعي و الشافعي و إسحاق أنّه یقع عن حجّة الإسلام و قال أبو بكر عبد العزیز یقع باطلا لا عنه و لا عن المیّت ثمّ ذكر دلیله عن ابن عبّاس ثمّ قال الحسن و إبراهیم و أیّوب السختیاني و جعفر بن محمّد و مالك و أبو حنیفة في جواز الحجّ عن الغیر و حكی عنه أحمد مثل ذلك و فصل الثوري بین القدرة و عدمها بعدم الصحّة في الأوّل دون الثاني.

و احتجّوا بأنّ الحجّ ممّا تدخله النیابة فجاز أن یؤدّیه عن غیره من لم یسقط فرضه عن نفسه كالزكاة، ثمّ ذكر روایة ابن عبّاس عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) في كلامه مع شبرمة المتقدّم ذكرها، قال رواه الإمام أحمد و أبو داود و ابن ماجة ثمّ ذكر أنّه لا یقع عن الغیر كما في الصبي و یفارق الزكاة فإنّه یجوز أن ینوب الغیر عنه في الباقي علیه.

و قال في مسألة من أحرم بتطوّع أو بالنذر و لم یحجّ حجّة الإسلام انّه یقع عن حجّة الإسلام و قال به ابن عمر و أنس و الشافعي و قال مالك و الثوري و أبو حنیفة و إسحاق و ابن المنذر یقع ما نواه و هو روایة اخری عن أحمد و قول أبي بكر لما تقدّم.

و هاهنا لا یجوز أن یحجّ عن الغیر من شرع في الحجّ قبل إتمامه و لا یطوف عن غیره من لم یطف عن نفسه إذا ثبت هذا فإنّ علیه ردّ ما أخذ من النفقة لأنّه لم یقع الحجّ عنه فأشبه ما لو لم یحجّ» انتهی (1).

ثمّ إنّ مقتضی عمومات النیابة (2)مشروعیة النیابة و إجزائها عن المنوب عنه و عدم وقوعها للنائب فلا تجزئ عن حجّة الإسلام التي علیه.

و أمّا التطوّع في سنة الاستطاعة فقد تقدّم في مسألة (7-8) من حجّ الصبي و عتق


1) المغني، ج 3، ص 198-199.

2) باب 1 و 2 من أبواب النیابة.

..........

العبد قبل الموقفین أنّ عمومات التطوّع شاملة لسنة الاستطاعة و قد استدلّ لعدم مشروعیة النیابة لسنة الاستطاعة أو التطوّع بوجوه عمدتها الروایات الواردة:صحیح سعد بن أبي خلف قال:«سألت أبا الحسن موسی (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل الصرورة یحجّ عن المیّت قال:نعم إذا لم یجد الصرورة ما یحجّ به عن نفسه، فإن كان له ما یحجّ به عن نفسه فلیس یجزئ عنه حتی یحجّ من ماله، و هي تجزئ عن المیّت إن كان للصرورة مال و إن لم یكن له مال» (1).

و صحیح سعید الأعرج أنّه سأل أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الصرورة یحجّ عن المیّت؟ «قال:نعم، إذا لم یجد الصرورة ما یحجّ به فإن كان له مال فلیس له ذلك حتی یحجّ من ماله و هو یجزئ عن المیّت، كان له مال أو لم یكن له مال» (2).

و صحیح معاویة بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل صرورة مات و لم یحجّ حجّة الإسلام و له مال قال:«یحجّ عنه صرورة لا مال له» (3).

و نظیره صحیح الحلبي و روایة عليّ بن أبي حمزة (4)و روایة مصادف (5)قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أ تحجّ المرأة عن الرجل؟قال:نعم، إذا كانت فقیهة مسلمة و كانت قد حجّت» بتقریب أنّ ظاهر النهي أو النفي في الصحیحتین المتقدّمتین هو الوضعي فیفید عدم الإجزاء بعد كون السؤال النیابة عن المیّت، غایة الأمر لا بدّ من حمل الذيل علی ما لا یناقض صریح الصدر بمحامل متعدّدة كأن یقدّر الإجزاء عن المیّت بعد إتیان الصرورة حجته أو یفرض أنّ الصرورة عاجز عن إتیان الحجّ عن نفسه أو غیر ذلك من المحامل.

و بعبارة اخری:أنّ مفهوم إن لم یجد الصرورة ما یحجّ به و منطوق لیس یجزئ عنه


1) ب 5، أبواب النیابة، ح 1 و 5.

2) ب 5، أبواب النیابة، ح 5.

3) نفس المصدر، ح 6.

4) ب 24، أبواب وجوب الحجّ، ح 2 و 7.

5) ب 8، أبواب النیابة.

..........

حتی یحجّ من ماله بعد عود الضمیر إلی المیّت لأنّ مورد السؤال النیابة صریح في عدم صحّة النیابة فلا بدّ من ارتكاب التأویل في ذلك.

و أمّا بقیّة الروایات فهي ظاهرة في الشرطیة الوضعية في صحّة النیابة لكون النائب لا مال له و لا یتوهّم أنّ مضمونها معرض عنه لعدم لزوم استنابة خصوص الصرورة، و ذلك لأنّها متعرّضة لشرطیة عدم المال فیما كان النائب صرورة كما أن كون احجاج الصرورة أمرا ندبیا لا ینافي كون الشرطیة وضعية.

هذا و قد خدش في الاستدلال بها بأنّ الذيل صریح في صحّة النیابة و أمّا الصدر فغیر متعیّن في نفي الإجزاء عن المیّت إذ یحتمل عود الضمیر إلی النائب الصرورة نفسه و تكونا في صدد بیان أنّ حجّ النائب هذا لا یجزئ عن حجّة الإسلام الواجبة علیه فالصحیحتان إمّا صریحتان في صحّة النیابة أو مجملتان و لكن تدفع هذه الخدشة بأنّ السؤال صریح في الاستنابة عن المیّت و لا یرفع الید عن ذلك فیعود الضمیر إلی المیّت مضافا إلی صریح المفهوم «إذا لم یجد ما یحجّ به».

هذا و الصحیح في رفع التدافع بین الصدر و الذيل هو ما تبیّن في كلمات المتقدّمین من الأصحاب و كذا كلمات العامّة من الصدر ممّن عاصر صدور الروایة أن مسألة نیابة الصرورة عن المیّت كان البحث فیها من جهتین:الاولی:و هي العمدة في إجزاء النیابة عن حجّ الإسلام الواجب علیه.الثانية:في صحّة نیابته و وقوع ما أتی به عن المنوب عنه لا عن نفسه و لأجل ذلك اشتمل الجواب في الروایتین عن كلتا الجهتین و ابتدأ بالجواب عن الجهة الاولی فالسؤال و إن كان صریحا في نیابة الصرورة عن المیّت إلاّ أنّ هذه المسألة فیها كلا الجهتین كما عرفت فبهذه القرینة الحالیة یتّضح عدم التدافع بین الصدور و الذيل و أنّ الجواب فیه التعرّض لكلا الجهتین فصدر مفاده وضعي و تكلیفي أي لیس یسوغ للصرورة أن یأتي بالنیابة لأنّه یستلزم ترك الواجب النفسي علیه، كما أنّه لا یجزئ ما أتی به عن حجّة الإسلام الواجبة

..........

علیه.

و أنّ هذا النهي إرشادي عقلي تبعي للأمر النفسي لحجّة الإسلام الواجبة علیه فلا یفسد النیابة.

و نكتة التعرض للجهة الاولی مضافا إلی ما أشار إلیه بعض المحدّثین كما حكاه صاحب الحدائق عنه من ورود روایات من أنّ نائب في نیابته یكتب له ثواب حجّة الإسلام فدفعا لتوهّم سقوطه حجّة الإسلام عنه كان النفي في صدر هاتین الروایتین الصحیحتین في ذلك.

للدلالة علی أنّ مضمون تلك الروایات هو في الثواب التفضّلي لا الثواب الاستحقاقي. و الروایات التي أشار إلیها نظیر صحیحة الحارث بن المغیرة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمّن حجّ عن ابنته فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) حجّ عنها فإنّها لك و لها و كذلك أجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فیمن حجّ عن ابنته و كذلك روایة عمار الساباطي عمّن حجّ عن المیّت قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):فإنّ لك مثل اجره و لا ینقص من اجرة شيء إن شاء اللّه تعالی (1).

و منه یظهر دلالة الصحیحتین علی الاستدلال بالروایات و لعلّ الموجب لاستظهار المشهور من الصحیحتین البطلان مضافا لما قرّبنا عنهم هو بنائهم علی أنّ الأمر بالشيء یقتضي النهي عن ضدّه و النهي عن العبادة یقتضي الفساد و لكنّها ممنوعة كما هو مقرّر في محلّه أو مبني علی انعدام الأمر الذي یزاحم الأهمّ.و قد حرّرنا في مسألة الضدّ أنّه لا ینعدم من دون حاجة للترتّب بل بالتوفیق العقلي الذي حرّرناه كما أنّ فورية حجّة الإسلام لا تقتضي اختصاص سنة الاستطاعة بها كما هو الحال في شهر رمضان و قد بیّنا ذلك في حجّ الصبي و العبد إذا بلغ في الأوّل و أعتق في الثاني قبل الموقفین حیث قد توهّم ذلك هناك بالإضافة إلی حجّ التطوّع.

و یشهد أنّ معتمد المشهور علی معاضدة تلك الوجوه هو تفصیل أكثرهم بین علم


1) ب 1، أبواب النیابة ح 1، 5.

بل لا یبعد صحّتها لو لم یعلم باستطاعته، أو لم یعلم بفورية الحجّ عن نفسه فآجر نفسه للنیابة و لم یتذكّر إلی أن فات محل استدراك الحجّ عن نفسه كما بعد الفراغ أو في أثناء الأعمال (1)، ثمّ لا إشكال في أنّ حجّه عن الغیر لا یكفیه عن نفسه، بل امّا باطل كما هو المشهور أو صحیح عمّن نوی عنه، كما قوّیناه و كذا لو حجّ تطوّعا لا یجزیه عن حجّة الإسلام في الصورة المفروضة، بل إمّا باطل أو صحیح و یبقی علیه حجّة الإسلام فما عن الشیخ من أنّه یقع عن حجّة الإسلام لا وجه له؛إذ الانقلاب القهري لا دلیل علیه.

و دعوی أنّ حقیقة الحجّ واحدة و المفروض إتیانه بقصد القربة فهو منطبق علی ما علیه من حجّة الإسلام.

مدفوعة:بأنّ وحدة الحقیقة لا تجدي بعد كون المطلوب هو الآتيان بقصد ما علیه.

و لیس المقام من باب التداخل بالإجماع كیف و إلاّ لزم كفایة الحجّ عن الغیر أیضا عن حجّة الإسلام؟بل لا بدّ من تعدّد الامتثال مع تعدّد الأمر وجوبا أو ندبا، أو مع تعدّد الواجبین.و كذا لیس المراد من حجّة الإسلام الحجّ الأوّل بأي عنوان كان كما في صلاة التحیّة و صوم الاعتكاف.فلا وجه لما قاله الشیخ قدّس سرّه أصلا.

النائب بتحقّق استطاعته و جهله و بین قدرته علی امتثال الواجب النفسي علیه و بین عجزه.

اختار المصنّف البطلان في خصوص الأمر المنجز السابق لكونه معجزا عن الإجارة فوجه البطلان عنده هو معجزیة الأمر المنجز.

و علی أي حال فقد استدلّ للبطلان بوجوه:

الأوّل:كون الأمر بالحجّ الواجب معجزا عن الآتيان بمتعلّق الإجارة فلا یكون مورد الإجارة مقدورا علیه شرعا.و أشكل علیه بأنّ اللازم في صحّة الاجارة هو القدرة التكوینية علی الفعل و الفرض وجودها لأنّ الأمر الشرعي لا یسلبه القدرة التكوینية أمّا القدرة الوضعية فإنّ الفرض أنّها غیر مسلوبة لعدم استلزام الأمر الحجر علی منافع

..........

المكلّف.

الثاني:أنّ الأمر بحجّة الإسلام یستلزم النهي عن ضدّه فیكون المتعلّق محرّما، و أشكل علیه بمنع الاستلزام، و لو سلّم فیمنع اقتضائه لفساد الإجارة لعدم اقتضاء النهي تبعي إعدام مالیة الشيء.

نعم، النهي المزبور یتعارض مع الأمر الإجاري فیقتضي البطلان من جهة التنافي و لكن الشأن في ثبوت مثل النهي المزبور.

الثالث:التضادّ بین الأمر النفسي بالحجّ و الأمر الإجاري بالنیابة و لا یمكن رفع هذا التضادّ و تقیید هذا الأمر الإجاري بنحو الترتّب؟لأنّ صحّة الإجارة لا بدّ أن تكون مطلقة غیر مقیّدة بتقدیر دون آخر.

و یشكل علیه بتغایر حكم صحّة الإجارة عن الحكم التكلیفي للوفاء بها و أن الأوّل موضوعا للثاني و إن كان استكشاف الأمر الوضعي كمدلول التزامي للتكلیفي من عموم أوفوا بالعقود و كأن هذا الإشكال هو العمدة في إبطال الإجارة و هو مبنی إمّا علی أنّ الحكم الوضعي منتزع من الحكم التكلیفي فإذا فرض التنافي مع الحكم التكلیفي الإجاري فیستلزم التنافي مع الوضعي أو أنّ الوضعي متأخّر رتبة عن التكلیفي و التكلیفي كموضوع له أو أنّ الوضعي متأخّر إثباتا عن التكلیفي لا ثبوتا لأنّ المفاد المطابقي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «المؤمنون عند شروطهم» هو التكلیفي و یستفاد بالدلالة الالتزامية الوضعي.

و علی أي من هذه التقادیر فمع مضادة الحكم التكلیفي الإجاري أو تقیّده بما إذا عصی الحجّ الواجب النفسي یستلزم ذلك تقیید الصحّة و الحكم الوضعي بالتبع و حیث إنّ الصحّة وجودها غیر قابل للتعلیق و التقیید فیستحیل فرض ثبوتها فتبطل الإجارة و لكن لو سلّم تلك التقادیر فلا یلزم منها ذلك أیضا حیث إنّ المضادة للحكم التكلیفي إنّما هي في مرتبة التنجیز و لا توجب انعدام الوجوبي فضلا عن الحكم

نعم، لو نوی الأمر المتوجّه إلیه فعلا و تخیّل أنّه أمر ندبي غفلة عن كونه مستطیعا أمكن القول بكفایته عن حجّة الإسلام، لكنّه خارج عمّا قاله الشیخ ثمّ إذا كان الواجب علیه حجّا نذریا أو غیره و كان وجوبه فوريا فحاله ما ذكرنا في حجّة الإسلام من عدم جواز حجّ غیره و أنّه لو حجّ صحّ أو لا، و غیر ذلك من التفاصیل المذكورة بحسب القاعدة (1).

الإنشائي، فالوضعي علی حاله مطلق في مورد التزاحم و لیس یسری التعاند و التضادّ في التزاحم إلی الجعل كما هو في التعارض فالتكلیفي علی حاله، و من ثمّة الوضعي كذلك مع أنّ الصحیح كما عرفت أنّ الحكم الوضعي متأصّل في الجعل و متقدّم رتبة علی الحكم التكلیفي.

نعم، هو متأخّر إثباتا كمدلول التزامي في مفاد الآیة المتقدّمة و أمّا مثال مخالفة الشرط في ضمن العقد و استلزامه لبطلان التصرّف أو لا؟و أنّ الشرط مؤدّاه تكلیفي محض أو تكلیفي و وضعي فتحریره في محلّه.

و الكلام هاهنا في مقامات یقع تارة في إجزاء الحجّ النیابي عن حجّة الإسلام الواجبة عن النائب و اخری عن المنوب عنه إلاّ أنّه قد تمّ الفراغ منها في المقام الأوّل، و ثالثا في إجزاء حجّ التطوّع عن حجّة الإسلام الواجبة و قد تمّ الفراغ في هذه المسألة في حجّ الصبي إذا بلغ في الأثناء و حجّ العبد إذا أعتق قبل الموقف فإنّه مجزئ فلاحظ، ففي الصورة الاولی منشأ توهّم الإجزاء هو ما تقدّمت الإشارة إلیه من ورود روایات ثواب النیابة من أنّ النائب في نیابته یحسب له من الأجر ما یحسب للمنوب عنه و قد تقدّم أنّ الصحیحتین دالّتان علی نفي التوهّم الذي ذهب إلیه بعض العامّة كما أنّ مقتضی القاعدة عدم الإجزاء.

فصل في الحجّ الواجب بالنذر و العهد و الیمین

اشارة

فصل في الحجّ الواجب بالنذر و العهد و الیمین و یشترط في انعقادها البلوغ و العقل و القصد و الاختیار، فلا تنعقد من الصبي و إن بلغ عشرا و قلنا بصحّة عباداته و شرعيتها لرفع قلم الوجوب عنه، و كذا لا تصحّ من المجنون و الغافل و الساهي و السكران و المكره، (1) و الأقوی صحّتها من الكافر وفاقا للمشهور في الیمین خلافا لبعض و خلافا للمشهور في النذر و وفاقا لبعض، و ذكروا في وجه الفرق عدم اعتبار قصد القربة في الیمین و اعتباره في النذر و لا تتحقّق القربة في الكافر، و فیه أوّلا أنّ القربة لا تعتبر في النذر بل هو مكروه و إنّما تعتبر في متعلّقه حیث إنّ اللازم كونه راجحا شرعا و ثانیا أنّ متعلّق الیمین أیضا قد یكون من العبادات و ثالثا أنّه یمكن قصد القربة من الكافر أیضا و دعوی عدم إمكان إتیانه للعبادات لاشتراطها بالإسلام مدفوعة بإمكان إسلامه ثمّ إتیانه فهو مقدور لمقدوریة مقدّمته فیجب علیه حال كفره كسائر الواجبات و یعاقب علی مخالفته و یترتّب علیها وجوب الكفّارة فیعاقب علی تركها أیضا.و إن أسلم صحّ إن أتی به و یجب علیه الكفّارة لو خالف و لا یجري فیه قاعدة جبّ الإسلام لانصرافها عن المقام.

نعم، لو خالف و هو كافر و تعلّق به الكفّارة فأسلم لا یبعد دعوی سقوطها عنه كما قیل (2).

تعرّض الماتن إلی شرائط الأبواب الثلاثة و هي الشرائط العامّة للتكلیف أو لصحّة العقود و العهود و الالتزامات فأدلّتها هي المقرّرة في تلك الأبواب أمّا في اشتراط البلوغ زیادة علی تمییز الصبي فالكلام فیه هو الكلام في مطلق عبادات الصبي و عقوده.

وقع الخلاف بین المتأخّرين في صحّة نذر الكافر و اخویه و نسبة الأقوال كما ذكرها في المتن و استدلّ علی اعتبار عدم الكفر في صحّة النذر و العهد لأنّ النذر

..........

عبادة و هي لا تصحّ من الكافر و من ثمّة وقع الكلام في وجه عبادية النذر و هل هو في إنشاء النذر أو العمل المنذور ثمّ إنّه لو تمّت العبادية هل تتأتّی من الكافر أم لا، و إن لم تكن عبادته مقبولة و قد نقّحنا الكلام في هذا التردید الأخیر في عبادة الكافر و المخالف و أنّها غیر صحیحة فلاحظ مسألة (75).

أمّا اعتبار العبادية في النذر و العهد فهي بحسب الاحتمالات و الوجوه من كلمات الأصحاب فهي تارة بمعنی القربة الاصطلاحية التي تكون بنحو الداعي و الغایة، و اخری بمعنی أنّ النذر بنفسه عبادة نظیر السجود و الركوع لكونه توجّه و استغاثة و توسّل و نحو ذكر للباري، و ثالثة بمعنی جعل الالتزام للّه و إضافته إلیه تعالی و هو الذي احتمله الشهید الأوّل و مال إلیه الشهید الثاني.فعن الثاني في المسالك لا خلاف بین أصحابنا في اشتراط نیّة القربة في النذر و مقتضی الأخبار جعل الفعل للّه و إن لم یجعله غایة له، بأن یقول بعد الصیغة:«للّه» أو «قربة للّه» و ربّما اعتبر بعضهم ذلك و الأصحّ الأوّل لحصول الغرض علی التقدیرین و عموم النصّ.

و اختاره صاحب الجواهر مستظهرا ذلك من النصوص، و الصحیح هو ذلك لأنّ لسان الروایات هو تخصیص في الإضافة و الجعل و الالتزام للّه في مقابل جعله لغیره و لیست في مقام التقیید للّه بنحو الداعي.و غایة ما یوهم ذلك في المقام موثّق سماعة قال:«عليّ كذا و كذا لشكرا فهذا الواجب علی صاحبه الذي ینبغي لصاحبه أن یفی به» (1).

و نظیرها روایة أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«لیس شیئا هو للّه طاعة یجعله الرجل علیه إلا ینبغي له أن یفي به و لیس من رجل جعل للّه علیه شیئا في معصیة اللّه إلاّ أنّه ینبغي أن یتركه إلی طاعة اللّه» (2).

و لكن لیس في ظاهرهما تقیید للصیغة بالقربة و إنّما هما في صدد تقیید متعلّق


1) ب 17، أبواب النذر، ح 4.

2) ب 17، أبواب النذر، ج 6.

..........

النذر بالرجحان و یشهد لصحّة انعقاده من الكافر الإشارة في قوله تعالی: «وَ جَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَ الْأَنْعامِ نَصِیباً فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا یَصِلُ إِلَی اللّه وَ ما كانَ لِلّهِ فَهُوَ یَصِلُ إِلی شُرَكائِهِمْ ساءَ ما یَحْكُمُونَ» (1)و تحتمل الآیة أنّها في مقام التصدّق كما أنّ التقیید بزعمهم إشارة إلی البطلان من جهة المنذور أو العمل لا من جهة الجعل من قبلهم.

و علی أي تقدیر فماهیّة النذر هي نحو مشارطة و التزام و تعهّد من العبد للّه علی نحو عقد أو إیقاع معاملي جرت علیه سیرة البشریة منذ القدم بین البشر لمن یعظّمونه و یألهونه و لا یعدونه عملا عباديا علی نمط العبادات الاصطلاحية بل هي مشوبة بالمعاملة.نعم حیث كانت مع اللّه عزّ و جلّ كان فیها اقتضاء العبادة قد یصدق علیها الدعاء أو الاستغاثة و الالتجاء و الاستعانة و نحو ذلك لا أنّها بنفسها كذلك، و لك أن تقول أنّ الأفعال منها ما هو عبادة تامّة و من الدرجة العلیا كالصلاة و الصیام و الحجّ و نحوه ممّا كان الداعي و الغایة القربة مضافا إلی تحدید الماهیة من قبل الشارع.

و النمط الثاني من قبیل الزكاة و الخمس فإنّها تتأدّی و إن لم یكن الداعي قربیا و إن أثم المكلّف بعدم قصد القربة فلیس صحّة أدائها مرهونة بالقربة علی أحد القولین المشهورین.

و النمط الثالث:من قبیل الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بناء علی أنّ الثاني عبادي فإنّ هذا النمط كالثاني یتأدّی من دون قصد القربة و إن أثم بذلك كالهجرة أیضا فماهیّته غیر مرهونة وجودها و أدائها بقصد القربة و یفترق عن النمط السابق أن ماهیّته غیر محدودة من قبل الشارع.و هناك نمط رابع ممّا فیه اقتضاء العبادة و لیس فیه عبادة بالفعل مثل ما نحن فیه من المعاهدة و المشارطة مع اللّه فإنّها و إن كانت نحو استجارة به تعالی إلاّ أنّ الاستجارة قابلة للعبادة و إن لم تكن فعلیة كما


1) الأنعام:36.

مسألة 1:ذهب جماعة إلی أنّه یشترط في انعقاد الیمین من المملوك إذن المولی

(مسألة 1):ذهب جماعة إلی أنّه یشترط في انعقاد الیمین من المملوك إذن المولی و في انعقاده من الزوجة إذن الزوج و في انعقاد من الولد إذن الوالد لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«و لا یمین لولد مع والده و لا للزوجة مع زوجها و لا للمملوك مع مولاه.فلو حلف أحد هؤلاء بدون الإذن لم ینعقد و ظاهرهم اعتبار الإذن السابق فلا تكفی الإجازة بعده، مع أنّه من الإیقاعات و ادّعی الاتّفاق علی عدم جریان الفضولية فیها.و إن كان یمكن دعوی أنّ في استجارة إبلیس اللعین في استمهاله إلی یوم یبعثون فلیس من اللوازم الذاتية في المعاهدة معه تعالی الخضوع العبادي و الحال كذلك في التوجّه إلی اللّه فإنّ الساخط علی قضاء اللّه (و العیاذ باللّه) له نحو توجّه إلی اللّه تعالی و لكن لیس نحو خضوع و إن كان في التوجه اقتضاء العبادة.

هذا و أمّا استدلّ به الماتن علی توصیلیة صیغة النذر بكونه مكروها فالمقطوع إنّه لیس كذلك عقلا و لیس ظاهر الروایات الواردة (1)ذلك بل هي مشیرة إلی ثقل التبعة و الإرشاد إلی عدم إیقاع الذمّة في الكلفة.

و أمّا متعلّق النذر فمقتضی ماهیّة النذر كما عرفت من إضافة شيء للّه لزوم كون ذلك الفعل راجحا و إلاّ لا یناسب إضافته للّه.

و بعبارة اخری:إنّما یشترط علی نفسه شرطا لمشروط له فلا بدّ أن یكون الشرط مناسبا للمشروط له لا مضادّا و لا مخالفا له فغایة ذلك كونه راجحا أمّا كونه عبادة بالمعنی الأخصّ فلا تقتضیه ماهیّة النذر كما لا یقتضيه ظاهر الروایتین المتقدّمتین أو و لفظ الطاعة أعم من العبادة، و من ذلك یتّضح صحّة انعقاد النذر و العهد من الكافر و إن تعلّق بعبادة غایة الأمر لا یصحّ منه العبادة و إتیان المنذور به إلاّ بالإسلام و هو قادر علیه و لا یتوهّم أنّ بالإسلام یتحقّق الجبّ و یسقط الوفاء بالنذر لما عرفت أنّه من قبیل غیر المشمولة لقاعدة الجبّ، نعم لو حنث في النذر لفوات السنة المعیّنة للمنذر لكانت الكفّارة مشمولة لحدیث الجبّ و لأنّها من التبعات التكلیفية المحضة.


1) ب 60، أبواب النذر.

القدر المتیقّن من الاتّفاق ما إذا وقع الایقاع علی مال الغیر مثل:الطلاق، و العتق، و نحوهما لا مثل المقام ممّا كان في مال نفسه غایة الأمر اعتبار رضا الغیر فیه.و لا فرق فیه بین الرضا السابق و اللاحق.خصوصا إذا قلنا:إنّ الفضولي علی القاعدة.و ذهب جماعة إلی أنّه لا یشترط الإذن في الانعقاد لكن للمذكورین حلّ یمین الجماعة إذا لم یكن مسبوقا بنهي أو إذن، بدعوی:أنّ المنساق من الخبر المذكور و نحوه أنّه لیس للجماعة المذكورة یمین مع معارضة المولی أو الأب أو الزوج، و لازمه:جواز حلّهم له، و عدم وجوب العمل به مع عدم رضاهم به، و علی هذا فمع النهي السابق لا ینعقد، و مع الإذن یلزم، و مع عدمهما ینعقد و لهم حلّه.و لا یبعد قوّة هذا القول، مع أنّ المقدّر كما یمكن أن یكون هو الوجود یمكن أن یكون هو المنع و المعارضة، أی:لا یمین مع منع المولی مثلا، فمع عدم الظهور في الثاني لا أقلّ من الإجمال، و القدر المتیقّن هو عدم الصحّة مع المعارضة و النهي بعد كون مقتضی العمومات الصحّة و اللزوم.ثمّ إنّ جواز الحلّ أو التوقّف علی الإذن لیس في الیمین بما هو یمین مطلقا كما هو ظاهر كلماتهم، بل إنّما هو فیما كان المتعلّق منافیا لحقّ المولی أو الزوج، و كان ممّا یجب فیه طاعة الوالد إذ أمر أو نهی، و أمّا ما لم یكن كذلك فلا كما إذا حلف المملوك أن یحجّ إذا أعتقه المولی أو حلفت الزوجة أن تحجّ إذا مات زوجها أو طلّقها، أو حلفا أن یصلّیا صلاة اللیل مع عدم كونها منافیة لحقّ المولی أو حقّ الاستمتاع من الزوجة، أو حلف الولد أن یقرأ كلّ یوم جزء من القرآن، أو نحو ذلك ممّا لا یجب طاعتهم فیها للمذكورین فلا مانع من انعقاده و هذا هو المنساق من الأخبار، فلو حلف الولد أن یحجّ إذا استصحبه الوالد إلی مكّة مثلا لا مانع من انعقاده و هكذا بالنسبة إلی المملوك و الزوجة فالمراد من الأخبار أنّه لیس لهم أن یوجبوا علی أنفسهم بالیمین ما یكون منافیا لحقّ المذكورین.

و لذا استثنی بعضهم الحلف علی فعل الواجب أو ترك القبیح و حكم بالانعقاد فیهما، و لو كان المراد الیمین بما هو یمین لم یكن وجه لهذا الاستثناء.

هذا كلّه في الیمین (1).

في المسألة جهات:

الجهة الاولی:

في المقام ثلاثة أقوال أو وجوه:

أوّلها:شرطیة إذن الثلاثة في انعقاد الیمین.

ثانیها:المانعیة بمنعهم فلهم أن یحلّوا الیمین بقاء كما یمانع عن صحّتها ابتداءً.

ثالثها:من باب المزاحمة لحقوق الثلاثة فینحلّ الیمین لمرجوحیّة متعلّق النذر حینئذ فلیس في المقام شرط زائد علی عدم مرجوحیة متعلّق الیمین و لا یخفی ثمرة الفرق بین الثلاثة.فعلی الأوّل مثلا لا بدّ من وجود الإذن كي تنعقد الصحّة بخلاف الثاني و الثالث، و علی الثاني تنعقد صحیحة ثمّ تنحلّ بالممانعة بناء علی إطلاق مانعیة المنع، و علی الثالث تضیّق الدائرة في خصوص الحقوق الواجبة دون غیرها بخلافه علی الأوّلین.

كما أنّه علی الثالث یعمّ كلّ من الأب و الأمّ و إنّ علیا و في الولد و إن نزل بخلافه علی القولین، و قد نسب للمشهور القول الأوّل كما استظهر جماعة من متأخّري الأعصار من عبارته حیث عبّر الكثیر منهم كالشیخ في النهایة قال:«و لا یمین للولد مع والده و لا للزوج مع زوجها و لا للمملوك مع سیّده فمتی حلف واحد منهم علی شيء ممّا لیس بواجب و لا قبیح جاز للأب حمل الولد علی خلافه و ساغ للزوج حمل زوجته علی خلاف ما حلفت علیه و لا تلزمهما كفّارة» (1)و قال المحقّق في الشرائع:

و لا تنعقد من الولد مع والده إلاّ مع إذنه و كذا یمین المرأة و المملوك إلاّ أن یكون الیمین في فعل واجب أو ترك قبیح و لو حلف أحد الثلاثة في غیر ذلك كان للأب و الزوج و المالك حلّ الیمین و لا كفّارة».

و نظیره عبائر كثیر من المتقدّمین و المتأخّرين.و ظاهر صدر عبائرهم القول الأوّل


1) النهایة.

..........

و ذیلها القول الثاني و العمدة هو الاستظهار من الروایات:

منها:صحیح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال:«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏)-فی حدیث-و لا یمین للولد مع والده و لا لمملوك مع مولاه و لا للمرأة مع زوجها و لا نذر في معصیة و لا یمین في قطیعة» (1).و نظیره روایة میمون القدّاح (2)و روایة أنس بن محمّد (3).

و كذا روایة الصدوق في حدیث أربعمائة (4).

و تقریب الدلالة فیها علی الأقوال المتقدّمة تارة بأن یقال إنّ نفي الماهیة مع وجود الثلاثة تعبیر كنائي مستعمل دارج في الموارد التي یراد نفي ولایة الفعل لشخص المولی علیه مع وجود الولي كأن یقال لا زواج للبكر مع والدها أي أنّ المولی علیه لیست له قدرة التصرّف في عرض وجود الثلاثة فكأنّ المنفي هاهنا هو المعیة و الاستواء فالمنفی هي قدرة التصرّف في الفعل مع وجود الثلاثة و هذا یؤدّی مؤدّي الشرطیة.

و یمكن أن یقرّب بأنّ الأصل في التقدیر في الكلام الاقتصار علی الأقلّ و تقدیر لفظة «معارضة» الثلاثة أو «منعهم» أقلّ تقدیرا من التقدیر لإرادة الشرطیة؛لأنّ اللازم علیه تقدیر أداة استثناء و جملة استثنائیة نظیر ما سیأتي في روایات نذر المملوك و الزوجة لكن أولویة هذا التقدیر إنّما هي بالإضافة التي ما هو المعروف في الكلمات من التقریب للقول الأوّل لا ما قرّبناه حیث أنّه لیس فیه أي تقدیر مطلقا، فیكون أولی من تقدیر المانعیة أیضا من هذه الجهة.

و ثالثا:قد یقرّب دلالة الروایة بأنّ سیاق دلالة الروایات حیث ذكر هذا النفي مع نفي نذر المعصیة و نفي یمین القطعیة، دالّ علی وحدة المعنی في هذه الموارد المتعدّدة و أنّها من باب التمثیل لموارد مرجوحیة المتعلّق حین یتزاحم متعلّق الیمین


1) ب 10 أبواب النذر، ح 1.

2) ب 10 أبواب النذر، ح 2.

3) ب 10 أبواب النذر، ح 3.

4) ب 11 أبواب النذر، ح 4.

..........

مع حقوق الثلاثة و قد أشكل علی هذا التقریب الأخیر:

أوّلا:بأنّه لا خصوصیة لحقوق الثلاثة بل إنّ ذلك في كلّ یمین إذا كان متعلّقها مزاحم لذي حقّ. و ثانیا:هو خلاف مقتضی التأسیس في الكلام بأنّ إطلاق النفي یقتضي نفي الصحّة حتی في الأفعال التطوّعية الغیر مزاحمة للحقوق الثلاثة، و هذا هو الفارق بین القولین الأوّلین و الثالث.

و یمكن الإجابة عن الأوّل بأنّ قرینة السیاق كافیة في الخروج عن مقتضی ظهور الأولی في التأسیس لأنّ نفي نذر المعصیة و نفي یمین القطعیة لیس جعلا تأسیسیا بل إشارة إلی لزوم عدم مرجوحیة المتعلّق فیكون من باب مثال العامّ و الخاصّ و أمّا وجه تخصیص ذكر الثلاثة لأكثریة الابتلاء و عظم حقوقهم علی بقیّة ذوي الحقوق نظیر تخصیص یمین القطعیة.

و أمّا علی الثاني:فإنّه یردّ بناء علی حصر المزاحمة مع الحقوق الواجبة فقط و لا یردّ مع فرض التزاحم شاملا لمطلق الطاعة للثلاثة حتی المندوبة إذ قد ورد الندب و الحثّ الشدید علی طاعة الزوجة مطلقا للزوج و الولد للوالد و طاعة المملوك لسیّده حتی في غیر الأفعال و المنافع المالية فمع ثبوت هذه الطاعة المندوبة حتی في أفعال المباحة الغیر مزاحمة لحقوق الثلاثة یستلزم ذلك مرجوحیة المتعلّق مع أمر الثلاثة بخلافه، و إن كان في نفسه راجحا و من ثمّة استثنی المشهور خصوص ما إذا كان فعله واجبا أو ترك قبیح حیث إنّ طاعة الثلاثة الندبية لا تعمّ ذلك.و عبارة الشیخ الطوسي تكاد تكون صریحة في ذلك.

لا یقال:إنّ فعل الراجح في نفسه لا یصیر مرجوحا بأمر الثلاثة بخلافه، فإنّه:

خلاف ظاهر كلماتهم في الأبواب بناء علی مرجوحیة الفعل بسبب المزاحمة مع حقّ طاعة الثلاثة الندبي لا سیّما بعد ما ورد من تعظّم ذلك الحقّ و التأكید علیه كتابا و سنّة و إن كان ندبیا.

..........

فمع كلّ ذلك یصعب استظهار القولین الأوّلین من الروایات المتقدّمة و بقرینة الاستثناء في عبائر المشهور و بتعبیرهم بلفظة أنّ الثلاثة حمل الولد أو الزوجة أو المملوك علی خلاف النذر یكون ظاهر عبارات المشهور هو القول الثالث بالتقریب الذي قدّمناه لا الذي ذكره الماتن.

بل إنّ التقریب الذي ذكرناه في ظهور الروایات للقول الأوّل یكاد یتطابق مع التقریب الذي ذكرناه للقول الثالث حیث إنّه في التقریب الأوّل لوحظ ولایة الثلاثة و إنّ مع وجودها تكون صحّة الیمین مرهونة بها و كذلك الحال في التقریب الثالث حیث یبتني علی الطاعة الندبية للثلاثة و هي نحو ولایة ندبیة لهم.

هذا و لو بنی علی الشرطیة فهل یختصّ الإذن بخصوص السابق أم یشمل اللاحق قد یقرب الاختصاص إمّا لبطلان التعلیق في الایقاعات لظهور الروایات في خصوص الشرط السابق أو استئناسا لما ورد في النذر «لیس علی المملوك نذر إلاّ أن یأذن له سیّده» (1)و نظیره في الزوجة و لكن اختصاص الظهور في السابق في غیر محلّها و التعلیق في الإیقاعات أو العقود قد حرّرنا في محلّه عدم استحالته العقلية إلاّ فیما كان التعلیق علی غیر شرائط الصحّة من الشرائط المقترحة المبتدأة و كذلك الحال في الإیقاعات إلاّ أن یدلّ دلیل خاصّ علی لزوم الاقتران و نحوه.

الجهة الثانية أمّا الكلام في النذر فالحال فیه كما تقدّم أقوال و وجوه و الروایات الواردة منها صحیح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:«لیس للمرأة مع زوجها أمر في عتق و لا صدقة و لا تدبیر و لا هبة و لا نذر في مالها إلاّ بإذن زوجها إلاّ في حج أو زكاة أو برّ والدیها أو صلة رحمها» (2).


1) ب 15 أبواب النذر، ح 2.

2) ب 10 أبواب النذر، ح 1.

و أمّا النذر فالمشهور بینهم أنّه كالیمین في المملوك و الزوجة.و الحقّ بعضهم بهما الولد أیضا.و هو مشكل لعدم الدلیل علیه خصوصا في الولد إلاّ القیاس علی الیمین بدعوی تنقیح المناط و هو ممنوع أو بدعوی أنّ المراد من لا یمین في الأخبار ما یشمل النذر و لإطلاقه علیه في جملة من الأخبار.منها خبران في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و منها أخبار في كلام الراوي و تقریر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) له و هو أیضا كما تری. فالأقوی في الولد عدم الإلحاق. نعم، في الزوجة و المملوك لا یبعد الإلحاق بالیمین لخبر قرب الإسناد عن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبیه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ علیّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان یقول:لیس علی المملوك نذر إلاّ بإذن مولاه، و صحیح ابن سنان عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لیس للمرأة مع زوجها أمر في عتق و لا صدقة و لا تدبیر و لا هبة و لا نذر في مالها إلاّ بإذن زوجها إلاّ في حجّ أو زكاة أو برّ والدیها أو صلة و كذلك معتبرة الحسین بن علوان التي تقدّم الإشارة إلیها.

و قد خدش في الروایة الاولی بالإعراض عن مضمونها و لكن الصحیح هو ما قدّمناه من أنّ النفي هاهنا بلحاظ طاعة و ولایة الزوج الندبية علی الزوجة في غیر موارد حقوقه اللازمة و القرینة علی هذا المفاد في الظهور هي ما دلّ علی ندبیة الطاعة بالأدلّة المنفصلة مضافا إلی التسالم الفقهي و إلی ما تقدّم.

و علی هذا فیكون نفي النذر علی مقتضی القاعدة كما قرّبناه في الیمین فلا تفكّك في مفاد السیاق الواحد و من ثمّ كان الاستثناء في فتوی المتقدّمین علی القاعدة، كما أنّ في أمثلة الاستثناء إشارة إلی أن برّ الوالدین و صلة الرحم لا یزاحمهما طاعة الزوج و كذا الحال في الروایة الثانية و یتأتی التقریب السابق فیها في العبد و حیث كان علی مقتضی القاعدة لزم التعدّي للولد لا سیّما في النذر الذي یشترط فیه رجحان المتعلّق فضلا عن عدم المرجوحیة.

الجهة الثالثة في عموم الحكم في الولد و إن نزل و الوالد و إن علا لا یبعد انصراف أدلّة طاعة الوالدین للمباشرین المربّیین له.

قرابتها، و ضعف الأوّل فنجبر بالشهرة و اشتمال الثاني علی ما لا نقول به لا یضرّ.

ثمّ هل الزوجة تشمل المنقطعة أو لا؟ وجهان، و هل الولد یشمل ولد الولد أو لا كذلك؟ وجهان، و الأمة المتزوّجة علیها الاستئذان من الزوج و المولی بناء علی اعتبار الإذن و إذن المولی للمملوك أن یحلف أو ینذر الحجّ لا یجب علیه إعطاء ما زاد عن نفقته الواجبة من مصارف الحجّ و هل علیه تخلیة سبیله لتحصیلها أو لا؟ وجهان، ثمّ علی القول بأنّ لهم الحلّ هل یجوز مع حلف الجماعة التماس المذكورین في حلّ حلفهم أم لا؟وجهان.

كما قد أخذ هذا القید في بعض أدلّة طاعة الوالدین.

نعم، خصوص الجدّ من الأب حیث قد ثبتت ولایته فیعمّه الحكم لما عرفت إنّها منشأ ذلك.

و أمّا الزوجة فهي أیضا كذلك حیث بنیا علی القول الثالث فلا یعمّ المنقطعة بعد كون عمومات طاعة الزوج الندبية غیر شاملة لها كما في قوله تعالی: «اَلرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَی النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللّه بَعْضَهُمْ عَلی بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا» (1)و هي لا نفقة لها.

الجهة الرابعة الظاهر أنّ للمذكورین التماس حلّ الیمین من الثلاثة إذ هو من إعدام الحكم باعدام موضوعه.نعم، الظاهر أنّه مكروه فیما إذا كان مورد نذره شكرا و نحوه حیث إنّه قد ورد في موارد انحلال النذر المزبور، إنّه یستحب الوفاء به مع ذلك و إلاّ یری الناذر ما یكره.

الجهة الخامسة الظاهر عدم وجوب إنفاق المولی علی العبد المأذون في الحجّ إذ لا تسبیب في البین یقتضي الضمان كما أوضحنا ذلك في إحجاج الصبي و المملوك فلاحظ و إن لم


1) النساء:34.

مسألة 2:إذا كان الوالد كافرا ففي شمول الحكم له وجهان أوجههما العدم

(مسألة 2):إذا كان الوالد كافرا ففي شمول الحكم له وجهان أوجههما العدم للانصراف و نفي السبیل (1).

مسألة 3:هل المملوك المبعض حكمه حكم القن أو لا؟وجهان لا یبعد الشمول،

(مسألة 3):هل المملوك المبعض حكمه حكم القن أو لا؟ وجهان لا یبعد الشمول، و یحتمل عدم توقّف حلفه علی الإذن في نوبته في صورة المهایاة خصوصا إذا كان وقوع المتعلّق في نوبته (2).

مسألة 4:الظاهر عدم الفرق في الولد بین الذكر و الأنثی

(مسألة 4):الظاهر عدم الفرق في الولد بین الذكر و الأنثی و كذا في المملوك و المالك لكن لا تلحق الأمّ بالأب(3).

مسألة 5:إذا نذر أو حلف المملوك بإذن المالك ثمّ انتقل إلی غیره بالإرث أو البیع أو نحوه

(مسألة 5):إذا نذر أو حلف المملوك بإذن المالك ثمّ انتقل إلی غیره بالإرث أو البیع أو نحوه بقي علی لزومه (4).

یكن للسیّد الرجوع عن إذنه بعد الدخول في الإحرام.

منشأ الانصراف مبتنیا علی القول الأوّل و الثاني؛إذ هو إعطاء نوع ولایة للأب علی الولد و كذلك القول الثالث بناء علی الاختصاص في الحقوق اللازمة.أمّا ما قرّرناه في القول الثالث بالطاعة الندبية الظاهر شمولها للكافر و یشیر إلی ذلك الاستثناء في قوله تعالی بخصوص مجاهدتهما له علی الشرك و هي قوله تعالی:

«وَ إِنْ جاهَداكَ عَلی أَنْ تُشْرِكَ بِی ما لَیْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما في الدُّنْیا مَعْرُوفاً» (1).

الظاهر الشمول للمبعض بناء علی القول الأوّل و الثاني لصدق المملوك علیه و إن كان للانصراف وجها وجیه لمناسبة حقّ السیّد علی العبد في تلك الشرطیة و إن كانت تأسیسیة أمّا علی القول الثالث بالتقریب الذي ذكرناه فظاهر أنّه تفصیل الماتن.

و قد تقدّم الكلام فیها في المسألة الأولی.

الكلام في مالك الثاني هو كحكم المالك الأوّل فهل له الرجوع عمّا أذن له أم


1) سورة لقمان:15.

مسألة 6:لو نذرت المرأة أو حلفت حال عدم الزوجیة ثمّ تزوّجت وجب علیها العمل به

(مسألة 6):لو نذرت المرأة أو حلفت حال عدم الزوجیة ثمّ تزوّجت وجب علیها العمل به و إن كان منافیا للاستمتاع بها و لیس للزوج منعها من ذلك الفعل كالحجّ و نحوه.

بل و كذا لو نذرت أنّها لو تزوّجت بزید مثلا صامت كلّ خمیس و كان المفروض أنّ زیدا أیضا حلف أن یواقعها كلّ خمیس إذا تزوّجها فإن حلفها أو نذرها مقدّم علی حلفه و إن كان متأخّرا في الایقاع لأنّ حلفه لا یؤثّر شیئا في تكلیفها.بخلاف نذرها فإنّه یوجب الصوم علیها لأنّه متعلّق بعمل نفسها فوجوبه علیها یمنع من العمل بحلف الرجل (1).

لا؟فعلی القول الأوّل لا وجه للرجوع بعد تحقّق الشرط إذ ظاهر الأدلّة حینئذ اشترطه حدوثا.و أمّا علی القول الثاني فإن لم یكن قد أذن فله أن یمانع و یحلّ العقد بقاء و أمّا إذا كان قد أذن فیكون بمنزلة إسقاط حقّ المنع بناء علی استظهار الحقّیة أو نحو ولایة، و أمّا علی القول الثالث علی التقریب الذي ذكرنا فالظاهر أنّ له أن یحلّ النذر بقاء و إن كان قد أذن سابقا و الوجه في ذلك أن بأمر المولی بخلاف المتعلّق -بما هو-هو یتبدّل وصف المتعلّق إلی المرجوحیة و لا یتوهّم مقایسة و مقابلة طاعة المولی بالإضافة إلی وجوب النذر، و من ثمّ تقدیم وجوب النذر لقاعدة «لا طاعة لمخلوق في معصیة الخالق» و إنّما تضاف الإطاعة إلی العقل بما هو و عدم مرجوحیته موضوعا لوجوب النذر فالطاعة تكون واردة علی وجوب موضوع النذر كما هو الحال في الطوارئ الاخر الغیر الإلزامية فإنّها ربّما توجب انقلاب الفعل و متعلّق النذر إلی المرجوحیة لا بما هو واجب بل بما هو في نفسه.

هذا و لو بنی علی القول الثالث بالتقریب الذي ذكره الماتن في المسألة الاولی فالظاهر عدم إمكان حلّ النذر بقاء و الوجه في ذلك أنّ المالك حیث اسقط حقّه ابتداء فلا حقّ مزاحم بقاء و یكون العبد منتقلا إلی المالك الثاني بنحو العین المسلوبة المنفعة.

الكلام في هذه المسألة كسابقتها و یضاف إلیه بناء علی الشرطیة فالظاهر منها

مسألة 7:إذا نذر الحجّ من مكان معیّن كبلده أو بلد آخر معیّن فحجّ من غیر ذلك المكان لم تبرأ ذمّته

(مسألة 7):إذا نذر الحجّ من مكان معیّن كبلده أو بلد آخر معیّن فحجّ من غیر ذلك المكان لم تبرأ ذمّته و وجب علیه ثانیا، نعم لو عیّنه في سنة فحجّ في تلك السنة من غیر ذلك المكان وجب علیه الكفّارة لعدم إمكان التدارك و لو نذر أن یحجّ من غیر تقیید بمكان ثمّ نذر نذرا آخر أن یكون ذلك من مكان كذا و خالف فحجّ من غیر ذلك المكان برئ من النذر الأوّل و وجب علیه الكفّارة لخلف النذر الثاني، كما أنّه لو نذر أن یحجّ حجّة الإسلام من بلد كذا فخالف فإنّه یجزئه عن حجّة الإسلام و وجب علیه الكفّارة لخلف النذر (1).

مسألة 8:إذا نذر أن یحجّ و لم یقیّده بزمان، فالظاهر جواز التأخیر إلی ظنّ الموت أو الفوت

(مسألة 8):إذا نذر أن یحجّ و لم یقیّده بزمان، فالظاهر جواز التأخیر إلی ظنّ الموت أو الفوت فلا یجب علیه المبادرة إلاّ إذا كان هناك انصراف فلو مات قبل الآتيان به في صورة جواز التأخیر لا یكون عاصیا و القول بعصیانه مع تمكّنه في بعض تلك الأزمنة

الزوج الذي یكون حین النذر و قد یقال أیضا في القول الثاني، و أمّا علی القول الثالث فقد عرفت الحال في المسألة السابقة.

و یضاف في هذه المسألة أیضا الالتفات إلی أنّ رجحان المتعلّق هل یكفي فیه حین انعقاد النذر أو لا بدّ من بقائه إلی حین العمل كما هو صحیح، فمن هذه الجهة یكون النذر موردا لحقوق الزوج، و من جهة اخری حقوق الزوج إنّما تكون مفروضة في المنافع الغیر المسلوبة كما لو آجرت المرأة نفسها قبل الزواج و الظاهر تقدّم حقوق الزوج لأنّ تلك المنافع تكون مسلوبة لو كان الوجوب السابق مطلق غیر مشروط و قد عرفت أنّه مشروط برجحان المتعلّق في نفسه حین العمل.

ثمّ علی تقدیر صحّة نذر المرأة فالظاهر أنّه ینحلّ نذر الزوج و ذلك لأنّ وطئه المخصوص لا یكون من حقوقه.

كلّ ذلك لمخالفة النذر، فإن كان شخصیا معیّنا فیحصل الحنث و إن كان كلّیا فلا بدّ من الامتثال بنحو یطابق المنذور.

و إن جاز التأخیر لا وجه له (1).

و إذا قیّده بسنة معیّنة لم یجز التأخیر مع فرض تمكّنه في تلك السنة فلو أخّر عصی و علیه القضاء و الكفّارة (2) و إذا مات وجب قضاؤه عنه كما أنّ في صورة الإطلاق إذا ذهب المشهور إلی جواز التأخیر في الواجبات الموسّعة خلافا للمحكی عن جماعة أنّهم قالوا بالفور و لعلّه بناء علی دلالة الأمر علی ذلك أو لخصوص المقام حیث ورد في الأدلّة النهي عن التسویف في الحجّ أو لأنّ النذر علی الأصحّ حیث إنّ مفاده وضعي و تكلیفي معا أي أنّ «اللام» للملكیة و الحقّ الوضعي و الأصل في الحقوق عدم جواز التأخیر أو للزوم إحراز الفراغ الیقیني للذمّة بما اشتغلت به.

و في الجمیع نظر، لمنع دلالة الأمر علی الفور و لاختصاص روایات التسویف بحجّة الإسلام و كون الفعل المنذور حقّا أو ملكا لا یلازم كونه كبقیّة الحقوق في الفورية إذ من الحقوق ما یكون الأمر فیها موسّعا و إن كان التأخیر محتاجا للإذن في غیر الموسّع و الحال في النذر بحسب ما یجعله الناذر علی نفسه للّه تعالی تابعا في السعة و عدمها بقصد الناذر و من ثمّة كان له التقیید بزمان متأخّر و أمّا الوجه الأخیر فلازمه جواز التأخیر مع الاطمئنان العادي من التمكّن للأداء أمّا لو شكّ أو ظنّ من غیر اطمئنان فیلزم عقلا المبادرة تحصیلا للفراغ الیقیني.

نعم لو صدق التهاون لأداء الواجب و إن اطمئنّ بالأداء مع التأخیر لزمه المبادرة لحرمة التهاون لكونه نحوا من التجري.

كما أنّ العصیان و عدمه مع فرض فوته یدور مدار جواز التأخیر و عدمه لأنّ التنجیز یدور مدار الظاهر لا الواقع.

أمّا الكفّارة فلحصول الحنث و أمّا القضاء فحكی في الجواهر قطع الأصحاب به و استشكل فیه صاحب المدارك و بعض آخر.

و یستدلّ له بذلك أو بما ورد من القضاء في نذر الحجّ الموسّع أو بأنّ النذر علی الأصحّ حیث كان مفاده وضعيا فمقتضی القاعدة فیه بلحاظ كون الفعل المنذور

مات بعد تمكّنه منه، قبل إتیانه، وجب القضاء عنه و القول بعدم وجوبه بدعوی أنّ القضاء بفرض جدید ضعیف لما یأتي، و هل الواجب القضاء من أصل التركة أو من الثلث؟قولان فذهب جماعة إلی القول بأنّه من الأصل لأنّ الحجّ واجب مالي و إجماعهم قائم علی أنّ الواجبات المالية تخرج من الأصل.و ربّما یورد علیه بمنع كونه واجبا مالیا و إنّما هو افعال مخصوصة بدنیة و إن كان قد تحتاج إلی بذل المال في مقدّماته، كما أنّ الصلاة أیضا قد تحتاج إلی بذل المال في تحصیل الماء و الساتر و المكان و نحو ذلك.

و فیه:أنّ الحجّ في الغالب محتاج إلی بذل المال بخلاف الصلاة و سائر العبادات البدنیة فإن كان هناك إجماع أو غیره علی أنّ الواجبات المالية من الأصل یشمل الحجّ قطعا.و أجاب صاحب الجواهر (رَحمهُ اللّه) بأنّ المناط في الخروج من الأصل كون الواجب دینا و الحجّ كذلك فلیس تكلیفا صرفا كما في الصلاة و الصوم، بل الأمر به جهة وضعية، فوجوبه علی نحو الدینیة، بخلاف سائر العبادات البدنیة فلذا یخرج من الأصل كما یشیر إلیه بعض الأخبار القاطعة بأنّه دین، أو بمنزلة الدین، قلت:التحقیق أنّ جمیع مملوكا و حقّا للّه هو أداء الطبیعي بعد تلف الخصوصیة نظیر بقیّة موارد أبواب الضمان، و نظیر الفعل المضمون بالإجارة و نحوه من المعاوضات فیما إذا لم تكن الخصوصیة و الطبیعة من قبیل وحدة المطلوب بل من قبیل تعدّد المطلوب فیكون ما ورد من الروایات في قضاء صوم المنذور فیما إذا مرض أو سافر في الیوم المعیّن لصومه المنذور علی مقتضی القاعدة لا تعبّد خاص.

و لك أن تقول إنّما ورد في نذر الحجّ الموسّع هو أیضا موقّت بالعمر فإذا وجب قضائه عن المیّت فكذا في الموقّت بسنة مخصوصة.

هذا إن لم یستظهر ممّا ورد في الروایات الآتية أنّ قصد الناذر التعجیل أو لك أن تقول إنّ ظهور قصد الناذر في مثل أمثلة المقام لیس تخصیص الفعل بل من قبیل انحلال النذر إلی أمرین الطبیعة و الخصوصیة.

الواجبات الإلهیة دیون اللّه تعالی، سواء كانت مالا أو عملا مالیا، أو عملا غیر مالي فالصلاة و الصوم أیضا دیون للّه، و لهما جهة وضع فذمّة المكلّف مشغولة بهما، و لذا یجب قضاؤهما فإنّ القاضي یفرغ ذمّة نفسه أو ذمّة المیّت و لیس القضاء من باب التوبة، أو من باب الكفّارة بل هو إتیان لما كانت الذمّة مشغولة به و لا فرق بین كون الاشتغال بالمال أو بالعمل بل مثل قوله «للّه عليّ أن أعط زیدا درهما» دین إلهي لا خلقي، فلا یكون الناذر مدیونا لزید، بل هو مدیون للّه بدفع الدرهم لزید و لا فرق بینه و بین أن یقول «للّه عليّ أن أحجّ أو أن اصلّي ركعتين» فالكلّ دین للّه و دین اللّه أحق أن یقضی كما في بعض الأخبار و لازم هذا كون الجمیع من الأصل.

نعم إذا كان الوجوب علی وجه لا یقبل بقاء شغل الذمّة به بعد فوته لا یجب قضاؤه لا بالنسبة إلی نفس من وجب علیه، و لا بعد موته، سواء كان مالا أو عملا، مثل:وجوب إعطاء الطعام لمن یموت من الجوع عام المجاعة فإنّه لو لم یعطه حتی مات لا یجب علیه و لا علی وارثه القضاء لأنّ الواجب إنّما هو حفظ النفس المحترمة، و هذا لا یقبل البقاء بعد فوته و كما في نفقة الأرحام فإنّه لو ترك الإنفاق علیهم مع تمكّنه لا یصیر دینا علیه لأنّ الواجب سدّ الخلّة، و إذا فات لا یتدارك فتحصل أنّ مقتضی القاعدة في الحجّ النذري إذا تمكّن و ترك حتی مات وجوب قضائه من الأصل لأنّه دین إلهی إلاّ أن یقال:

بانصراف الدین عن مثل هذه الواجبات و هو محل منع، بل دین اللّه أحقّ أن یقضی، و أمّا الجماعة القائلون بوجوب قضائه من الثلث فاستدلّوا بصحیحة ابن أبي یعفور الدالتين علی أنّ من نذر الإحجاج و مات قبله یخرج من ثلثه.و إذا كان نذر الإحجاج كذلك مع كونه مالیا قطعا فنذر الحجّ بنفسه أولی بعدم الخروج من الأصل و فیه:أنّ الأصحاب لم یعملوا بهذین الخبرین في موردهما فكیف یعمل بهما في غیره؟و أمّا الجواب عنهما بالحمل علی صورة كون النذر في حال المرض بناء علی خروج المنجزات من الثلث.

فلا وجه له بعد كون الأقوی خروجها من الأصل.و ربّما یجاب عنها بالحمل علی صورة عدم إجراء الصیغة، أو علی صورة عدم التمكّن من الوفاء حتی مات و فیهما ما لا یخفی

خصوصا الأوّل (1).

قد حكی قطع الأصحاب أیضا علی وجوب القضاء و استشكل فیه أیضا صاحب المدارك و جماعة منهم بعض متأخّري هذا العصر، نعم وقع الاختلاف في كون القضاء من أصل التركة كما ذهب إلیه المشهور أو من الثلث كما ذهب إلیه الشیخ في التهذیب و ابنا سعید في المعتبر و الجامع و أبو علی و لتحریر الكلام ینبغي عقد جهات:

الجهة الاولی:أنّ الواجبات الموسّعة، سواء كانت بدنیة محضة أم مالیة أم مزدوجة الجهتین أیضا مقتضی القاعدة فیها بقاء اشتغال ذمّة المكلّف بها حتی بعد الموت، و الوجه في ذلك أنّ الخطاب بطبائع تلك الأفعال حیث لم یقیّد بحدّ زمني و بضمیمة أنّ النیابة تشرع فیها في الجملة مع اقتدار المكلّف علی تسبیب فعلها بالاستنابة و لو بنحو الوصية، و من ثمّ ذكروا في باب الوصية وجوب الایصاء بها كقضاء الصلاة و الصیام و الكفّارات و قضاء الحجّ و النذور فضلا عن النذور المالية الشرعية و غیرها.فما حكی عن صاحب المدارك من التأمّل في وجوب القضاء في بعض أمثلتها في غیر محلّه.

الجهة الثانية:أنّ الواجبات تنقسم إلی واجبات تكلیفية محضة و إلی ما كان فیها مفاد وضعي أیضا، و الاولی تنقسم إلی بدنیة محضة كالصلاة و الصیام، أو مالیة محضة كوجوب النفقة علی الأقارب و الكفّارات.أو كلتا الجهتین أي المالية و البدنیة كما هو الحال في الجهاد و الحجّ كما هو الصحیح حیث اشتمل علی بعض الأجزاء المالية كالهدي و الإحرام و المسیر من المیقات إلی آخر الأعمال فضلا عن المسیر إلی المیقات و هذه و إن كانت مقدّمات إلی الأعمال لا نفس الأعمال إلاّ أنّ الأشیاء المالية لیست من اللازم في اتّصافها بالمالية أن تكون هي ذات مئونة بل یسوغ و یصحّح مالیّتها أن تكون مقدّماتها ذات مئونة فتتصف هي بذلك تبعا.

ثمّ إنّ الواجبات المالية علی أي تقدیر یختلف الحال فیها عن اعتبار الوضع من

..........

الملكیة و الحقّ فنفقة الزوجة مثلا ذات اعتبار وضعي و هي ملكیة الزوجة للنفقة في ذمّة الزوج بخلاف نفقة الأقارب فإنّه لیس فیها اعتبار وضعي بل تكلیفي محض.

و تقریب الماتن أنّ كلّ التكالیف هي دیون في ذمّة المكلّف و انّ لها جهة وضع لاشتغال الذمّة بها، غیر تامّ، لأنّ هذا الاطلاق للدین هو بالمعنی اللغوي العام و هو مطلق ارتهان العهدة و الذمّة بالمسئولیة لا من الدین الاصطلاحي بمعنی الاعتبار الوضعي من الملك و الحقّ في قبال اعتبار التكلیف و سقوطه بالأداء أو الامتثال غیر السقوط و الاسقاط في باب الوضعيات.

الجهة الثالثة:أنّ مفاد النذر علی الأصحّ هو مفاد وضعي یترتّب علیه حكم تكلیفي أي أنّ مفاد اللام هي لام إضافة الملكیة فالناذر ینشأ تملیك الفعل للّه و من ثمّة یترتّب علی إنشائه-و التزامه بما أنشأ-یترتّب علیه وجوب الوفاء به فلا یكون النذر حینئذ من الواجبات التكلیفية البحتة (و دعوی) أنّ ملكیته تعالی للعباد تكوینية فلا معنی لاعتبار الملكیة له بل یكون من اللغو المحض، كما هو الحال في ملكیة الإنسان لذمّته و الحرّ لأفعاله فإنّهما یملّكان الذمّة و الفعل للآخرین اعتبارا من دون سبق ملكیة اعتباریة لهما بما ملّكا و ذلك لكفایة الملكیة التكوینية.

(ضعیفة) فإنّ الاعتبار لیس مورده في ما لم یكن هناك وجود تكویني للمعنی الاعتباري فقط بل إنّ تسویغ الاعتبار یدور مدار الحاجة في عالم الاعتبار و تنظیم الآثار فمثلا أنّ الأشیاء لها أربع وجودات تكوینان خارجي و ذهني و اعتباریان كتبي و ذهني و ذلك للحاجة الماسّة للآخرین فلم یغنی الأوّلان عن الوجود الاعتباري و لم یغن الثالث عن الرابع و ذلك لمسیس الحاجة أیضا.

و كذا في الطهارة و النجاسة الاعتباریتین فإنّهما علی مسلك العدلیة تابعان لملاكات واقعیة و هما الطهارة و النجاسة التكوینيتان إلاّ أنّه حین كان في اعتبارهما تنظیم للأفعال اعتبرا في الشرع.

..........

و یشیر إلی ذلك الروایات الآتية، كما أنّ الحال كذلك في حجّة الإسلام كما أشرنا لذلك في آیة الاستطاعة في صدر ذلك المبحث حیث قد فرّقنا بین مفاد اللام و مفاد علی بأنّ الأوّل لإفادة التكلیف و الثاني للتنجیز و لا ینافي ذلك لما قرّرناه هاهنا في صیغة النذر «للّه علیّ» حیث إنّ اللام لمّا كان مفادها وضعيا فیستتبعها المعنی التكلیفي بمقتضی الملك و الحقّ و أمّا الكلفة و الثقل علی ذمّة المكلّف فهو لمرتبة تنجیز التكلیف و علی ذلك یصحّ إطلاق الدین علی المنذور حقیقة.

الجهة الرابعة:قد تبیّن ممّا تقدّم من الجهات أنّ إخراج المنذور من أصل التركة بمقتضی الدینیة الوضعية التي تقدّم بیانها، و من ذلك یكون ما ورد في قضاء حجّة الإسلام بمنزلة دین علیه و أنّها دین الآخرة (1).بمقتضی القاعدة في الحجّ المنذور أن یخرج من أصل التركة لكن استدلّ علی ذلك بوجوه اخر:

الأوّل:ما ذكره الماتن من أنّ الواجبات الإلهیة كلّها دیون لاشتغال الذمّة بها و قد تقدّم أنّ ظاهر الأدلّة (من بعد وصیة أو دین) هو الدین في الاعتبار الوضعي و یترتّب علی هذا الوجه لزوم إخراج الواجبات الموسّعة طرا من أصل التركة.

الثاني:دعوی وقوع الإجماع علی انّ الواجبات المالية و إن كانت تكلیفية تخرج من أصل التركة.و قد تقدّم الاستدلال علی كون الحجّ واجبا بدنیا مالیا إلاّ أنّ الشأن في ثبوت هذا الإجماع بالنحو التعبدي و الأولی و التنقیب عن وجه هذه القاعدة الكلّية و لعلّه لبعض ما تقدّم أو یأتي.

الثالث:الروایات الواردة في المقام.

صحیحة ضریس الكناسي قال:«سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل علیه حجّة الإسلام نذر نذرا في شكر لیحجّنّ به (2)رجلا إلی مكّة فمات الذي نذر قبل أن یحجّ حجّة الإسلام و من قبل أن یفی بنذره الذي نذر قال إن ترك مالا یحجّ عنه حجّة الإسلام من جمیع المال و أخرج من


1) ب 15 أبواب وجوب الحجّ.

2) و في الفقیه:«عنه رجلا».

..........

ثلثه ما یحجّ به (1)رجلا لنذره و قد و في بالنذر و إن لم یكن ترك مالا[إلاّ]بقدر ما یحجّ به حجّة الإسلام حجّ عنه بما ترك و یحجّ عنه ولیّه حجّة النذر، إنّما هو مثل دین علیه» (2).

و صحیحة عبد اللّه بن أبی یعفور قال:«قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):رجل نذر للّه إن عافي ابنه من وجعه لیحجنّه إلی بیت اللّه الحرام فعافي اللّه الابن و مات الأب فقال:الحجّة علی الأب یؤدّیها عنه بعض ولده قلت:هي واجبة علی ابنه الذي نذر فیه؟فقال:هي واجبة علی الأب من ثلثه أو یتطوّع ابنه فیحجّ عن أبیه» (3).

و صحیحة مسمع بن عبد الملك قال:«قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانت لي جاریة حبلي فنذرت اللّه عزّ و جلّ إنّ ولدت غلاما أنّ أحجّه أو أحجّ عنه فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):إنّ رجلا نذر للّه عزّ و جل في ابن له إن هو أدرك أن یحجّه عنه أو یحججه فمات الأب و أدرك الغلام بعد فأتی رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) الغلام فسأله عن ذلك فأمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) أن یحجّ عنه ممّا ترك أبوه» (4).

أمّا تقریب الدلالة فالثالثة فرضها عین ما نحن فیه في فرض السائل كما أنّ إطلاق إخراج الحجّة من التركة ظاهره أنّه یخرج من الأصل إذ لو ارید أنّه من الثلث لقیّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) فهي كالصریحة.

و ما في جوابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الفرض الآخر قد یتراءی منه أنّ ما علق علیه النذر و هو إدراك الغلام قد تحقّق بعد موت الأب الناذر و لم یضرّ ذلك بوجوب تعلّق الفعل بالأب بعد موته و إن لم یبنی علی الواجب المعلّق في النذر أو المشروط بشرط متأخّر مع أنّ مثل هذا الإنشاء للنذر هو تصرّف معلّق لم ینفذ إلاّ بعد موت المیّت فهو أشبه بنحو تصرّف الایصاء حیث إنّ الإیصاء لیس إلاّ التصرّف غیر النافذ قبل الموت لتعلیقه علیه و من ثمّة ذهب جماعة من القدماء إلی أنّ حجّ النذر أو نذر الحجّ یخرج من الثلث لا أنّه من التصرّف الذي لم ینفذ قبل الموت و المفروض أنّ متعلّق التصرّف


1) و فیه:«عنه»زیادة.

2) 29 أبواب وجوب، ح 1.

3) 29 أبواب وجوب، ح 3.

4) 16 كتاب النذر و العهد.

..........

تبرّعي كما وجه بذلك لهم كاشف اللثام و إن كان في هذا التوجیه تأمّل مع لطافته في نفسه حیث أنّ إنشاء النذر و إن كان تصرّفا إلاّ أنّه بهذا التصرّف یتوجّه الوجوب علی الناذر نفسه لا علی الورثة كما في الإیصاء الذي لیس الوجوب متوجّها إلی المیّت و إن كان في اخراج المنذر من التركة وجوب آخر یخاطب به الورثة أیضا فلو ارید التشبیه فالأولی التشبیه بالایصاء بالدین أو الواجب المالي.

و أمّا تقریب الروایتین الاولتین فلدلالتهما علی وجوب اخراج النذر من التركة و إن لم یوص بها المیّت و هما و إن كانا في نذر الإحجاج الذي هو أشبه بالنذر المالي الخاصّ إلاّ أنّهما دالّتان علی أي حال علی لزوم إخراج النذر من التركة.

نعم قد خدش فیهما بأعراض المشهور عن العمل بهما في موردهما، و لكن الخدشة غیر تامّة لعدم التحقّق من الأعراض إذ عبارة صاحب الجواهر عدم العلم بعمل الأصحاب في موردهما، بل قد عرفت ذهاب جماعة من القدماء إلی إخراج نذر حجّ نفسه من الثلث و ظاهرهم الأخذ بمفاد الروایتین تسویة لموارد النذر، بل قد صرّحوا بالتمسّك بهما.

و علی تقدیر التنزّل فالإعراض إنّما هو في تحدید الثلث لا في أصل الإخراج و لا أصل وجوب القضاء فتتبعّض الحجّیة و إن لم یكن من تبعّض الفقرات ففي مفادهما دلالة علی أنّ الواجبات الموسّعة لا تسقط بالموت عن الذمّة لأنّ ظاهر مفادهما أنّ الوجوب بعد الموت بقاء للوجوب الأوّل حیث عبّر في الروایة الاولی أنّه مثل دین علیه.

ثمّ إنّه قد یقرّب في مفادهما أنّهما دالّتان علی القاعدة الكلّية المتقدّم دعوی الإجماع علیها ببیان أنّهما تعلّلان الإخراج من التركة بكون النذر واجبا علی المیّت لا سیّما الثانية فإنّها مرتّبة لأدائها عنه من الثلث لكونها علی الأب و كذلك في الصحیحة الاولی حیث إنّها مثلت الواجب علی المیّت بالدین علیه نظیر ما ورد في صحیحة

..........

عباد بن صهیب (1).المتقدّمة من تمثیل الزكاة علی المیّت التي لم یؤدّها بالدین علیه لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«إنّه بمنزلة الدین علیه» فمن ثمّة یقرّب وجه القاعدة المزبورة بالوجه الأوّل الذي ذكره الماتن بعد الاستدلال علیه بالروایتین.

و هذا التقریب و إن لم یخل عن كونه وجها لتلك القاعدة إلاّ أنّه لا یمكن الاعتماد بمفرده لما قدّمنا من إنّ مفاد النذر وضعي لا تكلیفي محض كي تساوي به الواجبات المالية التكلیفية.

و أمّا تحدید الإخراج من الثلث فهو و إن كان في نذر الإحجاج الذي هو أولی بالدینیة من نذر الحجّ، فقد عرفت أنّه معارض بظاهر صحیحة مسمع بن عبد الملك و أنّ الصحیحة موافقة لمقتضی القواعد، مضافا إلی دعوی إعراض مشهور المتأخّرين عنهما و إن كان قد یقرّب بأنّ الصحیحة ظاهرة في الإخراج من الأصل فیمكن حملها علی صریح الروایتین في الإخراج من الثلث و قد عرفت أنّ القدماء استدلّوا للمقام بهما فدعوی الإعراض في غیر محلّها فلا ینبغي ترك الاحتیاط كما لو كان في الورثة صغار من ملاحظة نسبة الثلث إنّ و في بذلك و إلاّ أخرج الزائد من سهم الكبار.

و قد یقال أنّ صحیحة ضریس كما قد عرفت قد اشتملت علی تنجیز النذر بعد موت المیّت فیمكن حملها-و كذا محتمل صحیحة ابن أبي یعفور-علی كون النذر معلّقا إنشائيا غیر منجّز و یكون بحكم الوصية كما عرفت. فیتعیّن العمل بظاهر صحیحة مسمع لا سیّما و أنّها أوضح دلالة منهما.

فتحصّل:ما هو مقتضی القاعدة و ما هو العمدة في الوجه الثالث.

الرابع:تقریب دلالة روایة الخثعمیة علی أنّ الواجبات الإلهیة سواء كانت بدنیة أو مالیة ذات التكلیف المحض أنّها دیون و أحقّ بالقضاء من دین الناس كما ورد فیها (دین اللّه أحقّ أن یقضی) و یعضد مفادها ما تقدّم من الروایات التي أطلق فیها علی


1) 40 من أبواب الوصایا.

مسألة 9:إذا نذر الحجّ مطلقا أو مقیّدا بسنة معیّنة و لم یتمكن من الآتيان به حتی مات

(مسألة 9):إذا نذر الحجّ مطلقا أو مقیّدا بسنة معیّنة و لم یتمكن من الآتيان به حتی مات لم یجب القضاء عنه، لعدم وجوب الأداء علیه حتی یجب القضاء عنه فیكشف ذلك عن عدم انعقاد نذره (1).

الزكاة و علی حجّة الإسلام و علی نذر الحجّ أنّهنّ بمنزلة الدین، و فیه أنّ الروایة ضعیفة السند المشتملة علی هذه اللفظة، مضافا إلی ما ذكرناه من النقاط في الوجوب السابقة فلاحظ.

ذكر في الجواهر أنّه لا خلاف بینهم إلاّ أنّه حكی قول كاشف اللثام:«و یشكل الفرق بینه و بین الصوم المنذور إذا عجز عنه مع حكمه بقضائه (1)في الأیمان و إن فرّق بوجود النصّ علی قضائه إذا اتّفق عیدا لزمه القول بقضائه حینئذ مع أنّه یقوی عدمه».

و یمكن تقریب الإشكال بأنّ القدرة و إن كانت قیدا في وجوب النذر أو صحّة أنّ متعلّق النذر في نفسه إذا افترض أنّه ذو بدل فلا تنتفي القدرة بمجرّد العجز عن متعلّق نفسه ما دامت القدرة علی البدل موجودة.

فالكلام یجب أن یوقع في الصغری لا سیّما و أنّه قد تقدّمت في مسألة (72) من فصل الاستطاعة أنّ وجوب النیابة في الحجّ یعمّ كلّ حجّ واجب سوی حجّة الإسلام أو الواجب الأعمّ من الفاسد و القضاء كما ذهب إلیه جماعة منهم الشهید فمع فرض بدلیة الاستنابة عن الحجّ المباشري لا یتحقّق فرض العجز عن الحجّ النذري بالعجز عن المباشر، لأنّه له بدل و هو الاستنابة و هي ممكنة و لو بالإیصاء و الوصية فبقی الوجوب في ذمّة المیّت علی حاله من الواجبات الموسّعة ذات البدل فمع تصریح من أشرنا إلیهم من الجماعة في تلك المسألة القائلین بلزوم النیابة مع العجز في الحجّ النذري لا یتحقّق الإجماع في هذه المسألة، و كأنّ وجه من نفي القضاء هو مبني علی


1) أي العلامة.

..........

أنّ القضاء في المقام بأمر جدید.

أقول:عبارة الشهید الأوّل في الدروس «و لو بذل للمعضوب الفقیر مال یكفي للنیابة ففي وجوب قبوله وجهان مبنیان علی قبول الصحیح و أولی بالمنع و یلزم من وجوب قبول المال وجوب قبول بذل النیابة بطریق أولی و لو وجب علیه الحجّ بإفساد أو نذر فهو كحجّة الإسلام بل أقوی» (1).

نعم للشهید عبارة اخری قد یظهر منها غیر ذلك قال:«و لو نذر الحجّ بولده أو عنه لزم فإن مات الناذر استأجر عنه من الأصل و لو مات الولد قبل التمكّن فالأقرب السقوط و لو مات بعد وجب القضاء و الظاهر مراعاة وجوب التمكّن في وجوب القضاء علی الناذر أیضا و لو قیّد الحجّ بعام فمرض أو صدّ فلا قضاء و كذا لو لم یستطع» (2).

فیمكن الجمع بین العبارتین بحمل الاولی علی ما لو استقرّ الحجّ النذري في ذمّته بتمكّنه منه مباشرا سابقا، و لكن یشكل هذا الحمل أیضا بلحاظ منع الشهید الأوّل من لزوم الاستنابة في الحجّ النذري حیث أنّه علی الحمل المزبور الاستنابة لازمة لا محالة و لو قبل الممات فالجمع بین الكلمات متدافع.

و سیأتي في المسألة (11) فیما لو نذر الحجّ و هو معضوب أنّ الشیخ و أتباعه ذهبوا إلی وجوب الاستنابة، و كذا لو أفسد حجّه، حتی أنّه قال في الجواهر بعد ما نقل محاولة كاشف اللثام تأویل عبارة الشیخ في المبسوط علی غیر ذلك، قال:إنّ الانصاف ظهور عبارة المبسوط في النذر معضوبا و لعلّ وجهه فحوی ثبوتها في حجّة الإسلام كذلك بتقریب أنّ مشروعیّته علی الوجه المزبور، فنذر ملزم به علی حسب ما هو مشروع، انتهی كلام الجواهر.

أقول:و هذا عین التقریب الذي ذكرناه من تأتي القدرة علی البدل.ثمّ إنّ ظاهر


1) الدروس، ج 1، ص 313.

2) الدروس، ج 1، ص 319.

مسألة 10:إذا نذر الحجّ معلّقا علی أمر كشفاء مریضه أو مجیء مسافره فمات قبل حصول المعلّق علیه هل یجب القضاء عنه أم لا.

(مسألة 10):إذا نذر الحجّ معلّقا علی أمر كشفاء مریضه أو مجیء مسافره فمات قبل حصول المعلّق علیه هل یجب القضاء عنه أم لا.المسألة مبنیة علی أنّ التعلیق من باب الشرط أو من قبیل الوجوب المعلّق، فعلی الأوّل لا یجب لعدم الوجوب علیه بعد فرض موته قبل وصول الشرط و إن كان متمكّنا من حیث المال و سائر الشرائط و علی الثاني یمكن أن یقال بالوجوب لكشف حصول الشرط عن كونه واجبا علیه من الأوّل إلاّ أن یكون نذره منصرفا إلی بقاء حیاته حین حصول الشرط (1)

تعلیق النذر و اشتراطه علی قید بخصوصیة هو الالتزام بالنذر مطلقا بعد تحقّق المعلّق علیه، سواء كان الناذر حیّا أو میّتا، إذ لم یعلّق التزامه بالقدر علی حیاة نفسه كما هو الحال في الوصية فإنّه التزام بما أنشأه من التملیك معلّق علی موته أي إنّ التزامه مخصوص ما بعد الموت فإذا أمكن الالتزام بعد الموت أمكن الإطلاق بالالتزام في العقود و الایقاعات أعمّ من الحیاة و الممات.

و علی أي تقدیر فمقتضی صحیحة محمّد بن مسلم المتقدّمة في تلك المسألة المشار إلیها هو بدلیة الاستنابة عن المباشري في طبیعي الحجّ كبدلیة الصلاة من جلوس عن الصلاة من قیام.

المائز بین المعلق و المشروط في الصیغة هو أنّ الناذر تارة یأتي بالقید كظرف لمتعلّق النذر كأن یقول:«للّه علیّ حجّ البیت عام برء فلان» و أمّا المشروط فهو أن یأتي بالقید للوجوب و الطلب مقیّد كتقیّد الجزاء بالشرط في الجملة الشرطیة «إن برء فلان فللّه علیّ أن أفعل كذا» هذا إذا أراد من الشرط كما هو ظاهر الجملة بنحو المقارنة أمّا الشرط المتأخّر فیكون بحكم المعلّق.

ثمّ إنّه قد أشكل غیر واحد علی تفصیل الماتن بأنّه في الواجب المعلوم ینكشف بالموت عدم الوجوب لعدم القدرة.

و من ثمّ التزام الماتن في المعلّق متدافع مع المسألة السابقة، و كذا التدافع عند من أمضی تفصیل الماتن من المحشّین، و لكن قد عرفت في مسألة السابقة إمكان توجیه

مسألة 11:إذا نذر الحجّ و هو متمكّن منه فاستقرّ علیه ثمّ صار معضوبا لمرض أو نحوه أو مصدودا بعدوّ أو نحوه

(مسألة 11):إذا نذر الحجّ و هو متمكّن منه فاستقرّ علیه ثمّ صار معضوبا لمرض أو نحوه أو مصدودا بعدوّ أو نحوه، فالظاهر وجوب استنابته حال حیاته لما مرّ من الأخبار سابقا في وجوبها، و دعوی اختصاصها بحجّة الإسلام ممنوعة كما مرّ سابقا و إذا مات وجب القضاء عنه و إذا صار معضوبا أو مصدودا و قبل تمكّنه و استقرار الحجّ علیه أو نذر و هو معضوب أو مصدود حال النذر مع فرض تمكّنه من حیث المال ففي وجوب الاستنابة و عدمه حال حیاته و وجوب القضاء عنه بعد موته قولان، أقواهما العدم و إن قلنا بالوجوب بالنسبة إلی حجّة الإسلام إلاّ أن یكون قصده من قوله:«للّه علیّ أن أحجّ» الاستنابة (1).

مسألة 12:لو نذر أن یحجّ رجلا في سنة معیّنة فخالف مع تمكّنه

(مسألة 12):لو نذر أن یحجّ رجلا في سنة معیّنة فخالف مع تمكّنه وجب علیه القضاء و الكفّارة و إن مات قبل إتیانهما یقضیان من أصل التركة لأنّهما واجبان مالیان بلا إشكال، و الصحیحتان المشار إلیهما سابقا الدالّتان علی الخروج من الثلث معرض عنهما كما قیل أو محمولتان علی بعض المحامل و كذا إذا نذر الإحجاج من غیر تقیید بسنة معیّنة مطلقا أو معلّقا علی شرط و قد حصل و تمكّن منه و ترك حتی مات فإنّه التزام القضاء إلاّ أنّه في المقام في الواجب المشروط یمتاز بنقطة زائدة و هي عدم فعلیة الوجوب و یمكن احتمال لزوم القضاء أیضا بتنظیر المقام بإنشاء الجعالة ثمّ موت الموجب لها عند من بنی علی أنّ الجعالة كالوصية یكفی في إیجابها قول الموجب افعلوا كذا، كما أنّه ظاهر صحیحة مسمع بن عبد الملك المتقدّمة حیث علّق الناذر الأب نذره علی إدراك ابنه و قد فرض موته قبل إدراك ابنه و من ثمّ حمل بعضهم الروایة علی الاستحباب.

قد تقدّم حال الصور الثلاث من هذه المسألة في المسائل الثلاث السابقة مع أنّه في الصورة الثالثة یمكن دعوی انصراف نذره إلی نذر الاستنابة، و قد تقدّم حكایة قول الشیخ و أتباعه في هذه المسألة أنّهم ذهبوا إلی وجوب الاستنابة إذا نذر الحجّ أو أفسده فلاحظ.

یقضي عنه من أصل التركة و أمّا لو نذر الإحجاج بأحد الوجوه و لم یتمكّن منه حتی مات ففي وجوب قضائه و عدمه وجهان أوجههما ذلك.

لأنّه واجب مالي أوجبه علی نفسه فصار دینا.غایة الأمر أنّه ما لم یتمكّن معذور، و الفرق بینه و بین نذر الحجّ بنفسه أنّه لا یعدّ دینا مع عدم التمكّن منه و اعتبار المباشرة بخلاف الإحجاج فإنّه كنذر بذل المال كما إذا قال (للّه عليّ أن اعطی الفقراء مائة درهم) و مات قبل تمكّنه، و دعوی كشف عدم التمكّن عن عدم الانعقاد ممنوعة، ففرق بین إیجاب مال علی نفسه أو إیجاب عمل مباشري و إن استلزم صرف المال فإنّه لا یعدّ دینا علیه بخلاف الأوّل (1).

مسألة 13:لو نذر الإحجاج معلّقا علی شرط كمجيء المسافر أو شفاء المریض فمات قبل حصول الشرط مع فرض حصوله بعد ذلك و تمكّنه منه قبله

(مسألة 13):لو نذر الإحجاج معلّقا علی شرط كمجیء المسافر أو شفاء المریض فمات قبل حصول الشرط مع فرض حصوله بعد ذلك و تمكّنه منه قبله، فالظاهر وجوب القضاء عنه إلاّ أن یكون مراده التعلیق علی ذلك الشرط مع كونه حیّا حینه، و یدلّ علی ما ذكرنا خبر (2) مسمع بن عبد الملك فیمن كان له جاریة حبلي فنذر إن هي ولدت غلاما أن یحجّه أو یحجّ عنه، حیث قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ما سئل عن هذا إن رجلا نذر في ابن له إن هو أدرك أن یحجّه أو یحجّ عنه فمات الأب و أدرك الغلام بعد فأتی رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) فسأله عن ذلك فأمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏) أن یحجّ عنه ممّا ترك أبوه و قد عمل به جماعة و علی ما ذكرنا لا یكون مخالفا للقاعدة كما تخیّله سیّد الریاض و قرّره علیه صاحب الجواهر و قال إنّ الحكم فیه تعبّدي علی خلاف القاعدة.

قد تقدّم الحال في هذا الفرض في المسألة الثامنة عند التعرّض لصحاح ضریس و ابن أبي یعفور و مسمع غیر المعرض عنها فلاحظ، كما أنّه قد تقدّم أنّ مفاد النذر وضعي لمفاد اللام خلافا لما ذكره الماتن بین موارد النذر و المثال الذي ذكره من نذر إعطاء الفقراء مالا أو نذر بذل المال للحجّ مع غضّ النظر عمّا ذكرناه لیس مفاده وضعيا و لا كونه دینا إذ هو أیضا نذر الفعل المتعلّق بالمال لا من نذر النتیجة.

قد تقدّم تخریج مضمون ذیل الروایة و هو فرض الماتن في المسالتين التاسعة

مسألة 14:إذا كان مستطیعا و نذر أن یحجّ حجّة الإسلام

(مسألة 14):إذا كان مستطیعا و نذر أن یحجّ حجّة الإسلام انعقد علی الأقوی و كفاه حجّ واحد و إذا ترك حتی مات وجب القضاء عنه و الكفّارة من تركته و إذا قیّده بسنة معیّنة فأخّر عنها وجب علیه الكفّارة و إذا نذره في حال عدم الاستطاعة انعقد أیضا و وجب علیه تحصیل الاستطاعة مقدّمة إلاّ أن یكون مراده الحجّ بعد الاستطاعة (1).

و العاشرة و أنّ الالتزام بالوجوب هاهنا و بعدمه هناك متدافع.ثمّ إن اشترط الماتن التمكّن من الفعل قبل حصول الشرط المعلّق علیه لا وجه له إذا التمكن المأخوذ هو حین ظرف الفعل الواجب.ثمّ إنّه قد ادّعی إعراض المشهور عن العمل بذیل روایة مسمع لأنّهم تعرّضوا في كتبهم للفرع المفروض في صدر الروایة دون الفرض الذي في الذيل.

و فیه:ما ذكره صاحب الجواهر في كتاب النذر من أنّ ظاهر كلماتهم ذكر فرض الروایة مقتصرین علیه الدالّ علی اختصاص الحكم بالمثال في الروایة إشارة إلی كونه علی غیر مقتضی القاعدة فلاحظ.

حكی عن جماعة منهم المرتضی و الشیخ أبي صلاح و ابن إدریس منع نذر صوم شهر رمضان و منعهم یحتمل وجوها یعمّ بعضها المقام فقد یشكل انعقاده في خصوص نذر حجّة الإسلام نظرا إلی كونها مملوكة للّه كما هو مفاد اللام في آیة الاستطاعة الذي هو عین مفاد اللام في صیغة النذر فیكون من باب تحصیل الحاصل.

نعم، یصحّ انعقاده في ما لو تعلّق بخصوصیة من وقت معیّن أو أجزاء ندبیة معیّنة، و نحو ذلك، و قد یجاب أنّه لیس من تحصیل الحاصل باعتبار أنّ مفاد النذر یلزمه القضاء و الكفّارة غیر ما یلزم الذمّة من أداء أو قضاء حجّة الإسلام لأنّ المفروض أنّ نذر الحجّ سبب للقضاء بما هو نذر بغضّ النظر عن أنّ المتعلّق له قضاء في نفسه، إلاّ أن یتأمّل في ذلك بأنّ الذي یجب في النذر هو أن یأتي به بنفس عنوان متعلّق النذر لا بما هو منذور و هو في المقام عین أداء و قضاء حجّة الإسلام فیتّحد القضاءان.و أمّا

مسألة 15:لا یعتبر في الحجّ النذري الاستطاعة الشرعية

(مسألة 15):لا یعتبر في الحجّ النذري الاستطاعة الشرعية بل یجب مع القدرة العقلية، خلافا للدروس و لا وجه له إذ حاله حال سائر الواجبات التي تكفیها القدرة عقلا»(1).

مسألة 16:إذا نذر حجّا غیر حجّة الإسلام في عامه و هو مستطیع

(مسألة 16):إذا نذر حجّا غیر حجّة الإسلام في عامه و هو مستطیع لم ینعقد إلاّ إذا نوی ذلك علی تقدیر زوالها فزالت و یحتمل الصحّة مع الإطلاق أیضا إذا زالت حملا لنذره علی الصحّة (2).

بالنسبة للاستطاعة فقد عرفت أنّ الأقوی أنّها شرط في تنجیز حجّة الإسلام لا في أصل مشروعیّتها و علی ذلك فلو نذر و هو فاقد للاستطاعة ینعقد نذره مطلقا غیر معلّق علی الاستطاعة إلاّ أن یكون إتیانه به حرجیا فتتبع صحّة انعقاد كیفیّة قصده.

ظاهر عبارة الشهید و إن أوهمت الخلاف إلاّ أنّ الأقرب أنّ مراده غیر ذلك بقرینة أنّه فرض النذر قبل الاستطاعة الشرعية غیر المعلّق علیها و كذا ما فرّعه من صرف الاستطاعة إلی النذر و ما حكاه من خلاف الأصحاب حیث قدّم حجّة الإسلام علیه، ظاهر ذلك كلّه في كون النذر معدم الاستطاعة المأخوذة في حجّة الإسلام فالمفروض أنّ الاستطاعة مأخوذ فیها خلوّ الذمّة من الاشتغال بالنذر.ثمّ إنّه إن بنی علی أنّ أجزاء الاستطاعة الشرعية كلّها بمقدار مؤدی الحرج كان الحجّ النذري كذلك إذ لا یبقی النذر مع فرض الحرج و المشقّة أو الضرر.نعم لو بنی علی أنّ الأجزاء فیها بمقدار أخصّ من مؤدي الحرج لم یعتبر ذلك في نذره.

و الظاهر أنّه من سبق التعبیر و إلاّ فلیس المورد من أصالة الصحّة لعدم فرض المسألة في شكّ الناذر في قصد نذره بما قصد أو شكّ غیره في ذلك بل الكلام في حكم ما قد قصد. ثمّ إنّ تصحیح النذر علی فرض زوال الاستطاعة لا من باب إطلاق المتعلّق في صیغة النذر كما توهّمه عبارة الماتن بل لأجل تصویر تمشي القصد و إلاّ فلیس للمتعلّق بلحاظ الواقع فردان.ثمّ إنّ هذا الفرض یتصوّر فیما إذا نوی حجّ النیابة

مسألة 17:إذا نذر حجّا في حال الاستطاعة الشرعية ثمّ حصلت له

(مسألة 17):إذا نذر حجّا في حال الاستطاعة الشرعية ثمّ حصلت له فإن كان موسّعا أو مقیّدا بسنة متأخّرة قدّم حجّة الإسلام لفوريتها و إن كان مضیّقا بأن قیّده بسنة معیّنة و حصل فیها الاستطاعة أو قیّده بالفورية قدّمه، و حینئذ فإن بقیت الاستطاعة إلی العام القابل وجبت و إلاّ فلا لأنّ المانع الشرعي كالعقلي و یحتمل وجوب تقدیم النذر و لو مع كونه موسّعا لأنّه دین علیه بناء علی أنّ الدین و لو كان موسّعا یمنع عن تحقّق الاستطاعة خصوصا مع ظنّ عدم تمكّنه من الوفاء بالنذر إن صرف استطاعة في حجّة الإسلام (1).

مسألة 18:إذا كان نذره في حال عدم الاستطاعة فوريا ثمّ استطاع و أهمل عن وفاء النذر في عامه

(مسألة 18) إذا كان نذره في حال عدم الاستطاعة فوريا ثمّ استطاع و أهمل عن عن الغیر لا الحجّ المستحبّ عن نفسه لأنّه علی ما قدّمنا لا یشترط الاستطاعة في حجّة الإسلام فیما یوقعه أوّلا و لا یكون مستحبّا بل واجبا و إن لم یكن عزیمة، نعم یصحّ ذلك علی ظاهر المشهور.

قد عرفت من المسألة السابقة ممّا تقدّم في صدر بحث الاستطاعة أنّ الاستطاعة حیث لم تؤخذ في مشروعیة حجّ الإسلام بل في تنجیزه و عزیمته فأوّل حجّة یأتي بها عن نفسه تقع لا محالة عن حجّة الإسلام. و علی ذلك یكون ما نذره معنونا بحجّة الإسلام غایة الأمر بالاستطاعة یتنجز متعلّق النذر في نفسه و یكون ما یأتي به مجزئا عن كل من النذر و عزیمة وجوب حجّة الإسلام و بعبارة اخری:لا فرض لهذه المسألة لأنّه مبتن علی التغایر نعم بناء علی ظاهر مبنی المشهور من أخذ الاستطاعة في حجّة الإسلام الصحیح تقدیم حجّة الإسلام في معظم الفروض كما تقدّم بیان ذلك في مسألة ما إذا نذر زیارة الحسین في یوم عرفة.

نعم هذا إذا أطلق الناذر متعلّق نذره و أمّا إذا قصد غیر حجّة الإسلام أي ما یحجّه ثانیا فیتمّ التغایر حینئذ إلاّ أنّه أیضا یقدّم حجّ الإسلام لما عرفت.

كما أنّ لدینیة النذر وجها في بقاء الحجّ علی ذمّته و إن تعذّر بالعام الذي قیّده به فلاحظ ما تقدّم في مسألة (8).

وفاء النذر في عامه وجب الآتيان به في العام القابل مقدّما علی حجّة الإسلام و إن بقیت الاستطاعة إلیه لوجوبه علیه فورا ففورا فلا یجب علیه حجّة الإسلام إلاّ بعد الفراغ عنه، لكن عن الدروس أنّه كان بعد الحكم بأنّ استطاعة النذر شرعية لا عقلية فلو نذر ثمّ استطاع صرف ذلك إلی النذر فإنّ أهمل و استمرّت الاستطاعة إلی العامّ القابل وجب حجّة الإسلام أیضا و لا وجه له، نعم لو قیّد نذره بسنة معیّنة و حصل فیها الاستطاعة فلم یف به و بقیت استطاعته إلی العام المتأخّر أمكن أن یقال بوجوب حجّة الإسلام أیضا لأنّ حجّه النذري صار قضاء موسّعا ففرق بین الإهمال مع الفورية و الاهمال مع التوقیت بناء علی تقدیم حجّة الإسلام مع كون النذر موسّعا (1).

مسألة 19:إذا نذر الحجّ و أطلق من غیر تقیید بحجّة الإسلام و لا بغیره و كان مستطیعا أو استطاع بعد ذلك فهل یتداخلان

(مسألة 19):إذا نذر الحجّ و أطلق من غیر تقیید بحجّة الإسلام و لا بغیره و كان مستطیعا أو استطاع بعد ذلك فهل یتداخلان فیكفي حجّ واحد عنهما أو یجب التعدّد أو یكفي نیّة الحجّ النذري عن حجّة الإسلام دون العكس؟أقوال(2).

اتّضح الحال في هذه المسألة من السابقة كما أنّ ما فرضه الماتن من إتیانه للحجّ النذري فورا ففورا مبني علی إنشاء الناذر نذورا متعدّدة في صیغة واحدة منحلة إلیها كما في صیغة البیع الواحد للبیوع المتعدّدة من باب الاجتماع في الصفقة لا في المبیع كما أنّ ظاهر الشهید غیر فرض الماتن إذ فرضه إمّا في النذر الموقّت بعام أو في الوجوب الموسّع لا ما افترضه الماتن؟

قد ذكرنا في المسائل السابقة أنّ الاستطاعة حیث لم تؤخذ في مشروعیة حجّة الإسلام كما بیّنا ذلك في صدر مبحث الاستطاعة فحجّة الإسلام حینئذ مشروعة و تنطبق قهریا علی أوّل حج یأتي به عن نفسه من باب صرف الوجود و أنّ النذر المتعلّق بطبیعي الحجّ فیما إذا كان الناذر صرورة یتعلّق قهرا بحجّة الإسلام المشروعة و لیس هذا من باب التداخل في الأسباب أو المسبّبات، بل من باب طروء النذر و تعلّقه بما هو مشروع واجب غیر عزیمة فصرف الوجود لطبیعي كما یكون مصادقا لحجّة الإسلام یكون مصداقا للنذر أیضا و لا حاجة للوفاء بالنذر إلی قصد

..........

النذر عند إتیان المتعلّق إذا كان انطباق متعلّق النذر علی المأتي به قهریا.

نعم، لو كان في ذمّته مسبّبات متعدّدة بحیث لا یتعیّن المأتي به مصداقا للنذر إلاّ بالقصد للزم قصد النذر حینئذ، نظیر ما لو نذر ركعتي شكر مع توجه الخطاب الفعلي لركعتي نافلة الفجر.كما أنّه قد تقدّم عدم لزوم قصد حجّة الإسلام في حجّ الصبي و حجّ العبد في ما لو حجّ و كان مستطیعا و لم یعلم بذلك فلاحظه.

نعم، لو قیّد متعلّق نذره بغیر حجّة الإسلام لكان مقتضی ذلك تعدّد السبب في الذمّة و یقتضي تعدّد المسبّب في مقام الامتثال كما لو كان نذره نذر شكرا و كان قد قصد ذلك.

هذا كلّه علی مقتضی القاعدة و أمّا الروایات في المقام:

فصحیحة محمّد بن مسلم قال:سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل نذر أن یمشي إلی بیت اللّه فمشی، هل یجزیه عن حجّة الإسلام؟قال:نعم.و صحیحة رفاعة قال:

سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل نذر أن یمشي إلی بیت اللّه الحرام، هل یجزیه ذلك عن حجّة الإسلام؟قال:نعم، قلت:و إن حجّ عن غیره و لم یكن له مال و قد نذر أن یحجّ ماشیا أ یجزی عنه ذلك (من مشیه)؟قال:نعم (1).

و قد اختلف في دلالة الروایتین هل هو من نذر المشي للحجّ دون الحجّ أو أنّه من نذر الحجّ ماشیا فعلی الأوّل هو خارج عن فرض المسألة بخلاف الثاني.

كما أنّ مقتضی إطلاقهما علی كلا التقدیرین إجزاء ذلك الحجّ و إن لم تكن استطاعة.

و فیه:أنّ نذر المشي إلی بیت اللّه الحرام مستلزم لنذر الحجّ انضماما إذ المقصود من المشي للبیت المشي ناسكا أو للنسك مضافا إلی توقّف المشي المقصود به البیت علی الإحرام من المواقیت و علی قصد النسك، و ظهور صحیحة رفاعة لا


1) 27 أبواب وجوب الحجّ، ح 1 و ح 3.

أقواها الثاني لأصالة تعدّد المسبب بتعدّد السبب و القول بأنّ الأصل هو التداخل ضعیف و استدلّ للثالث بصحیحتي رفاعة و محمّد بن مسلم عن رجل نذر أن یمشي إلی بیت اللّه الحرام فمشی هل یجزیه عن حجّة الإسلام قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«نعم، و فیه:إنّ ظاهرهما كفایة الحجّ النذري عن حجّة الإسلام مع عدم الاستطاعة و هو غیر معمول به، و یمكن حملهما علی أنّه نذر المشي لا الحجّ ثمّ أراد أن یحجّ فسئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أنّه هل یجزیه هذا الحجّ الذي أتی به عقیب هذا المشي أم لا؟فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالكفایة نعم لو نذر أن یحجّ مطلقا أي حجّ كان كفاه عن نذر حجّة الإسلام بل الحجّ النیابي و غیره أیضا و لأنّ مقصوده حینئذ حصول الحجّ منه في الخارج بأي وجه كان.

مسألة 20:إذا نذر الحجّ حال عدم استطاعته معلّقا علی شفاء ولده مثلا فاستطاع قبل حصول المعلق علیه

(مسألة 20):إذا نذر الحجّ حال عدم استطاعته معلّقا علی شفاء ولده مثلا فاستطاع ینافي ذلك إذ غایة ما تدلّ أنّ النسك المقصود للناذر في نذر المشي أعمّ من الحجّ لنفسه أو لغیره و أمّا إطلاقهما لموارد عدم الاستطاعة فلا خیر فیه لما قدّمنا في صدر مبحث الاستطاعة من كونها مأخوذة في عزیمة الحجّ لا في أصل المشروعیة و إطلاق هاتین الروایتین یخرج شاهدا آخر علی ذلك ینضمّ إلی الشواهد العدیدة التي مرّت.

و الحاصل:إنّ مفادهما علی القاعدة التي ذكرناها.

نعم، قد یظهر من صحیحة ضریس المتقدّمة حیث فیها عن رجل علیه حجّة الإسلام نذر نذرا في شكر...فمات الذي نذر قبل أن یحجّ حجّة الإسلام و من قبل أن یفي بنذره الذي نذر قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):إن ترك مالا یحجّ عنه حجّة الإسلام من جمیع المال و أخرج من ثلثه ما یحجّ به رجلا لنذره و قد و في بالنذر الحدیث (1).

عدم تداخل الأسباب و اشتغال الذمّة بحجّتین:

و فیه:أنّ ظهور فرض سؤال الراوي هو في من استقرّ علیه حجّة الإسلام ثمّ نذر نذرا لشكر و مقتضی ذلك ظهور قصد الناذر بحجّ غیر حجّة الإسلام.بل انّ نذر الشكر بنفسه ظاهر في المغایرة المقصود للناذر كما قدّمنا.


1) 29 من أبواب الوجوب، ح 1.

قبل حصول المعلّق علیه فالظاهر تقدیم حجّة الإسلام و یحتمل تقدیم المنذور إذا فرض حصول المعلّق علیه قبل خروج الرفقة مع كونه فوريا، بل هو المتعیّن إن كان نذره من قبیل الواجب المعلّق (1).

مسألة 21:إذا كان علیه حجّة الإسلام و الحجّ النذري و لم یمكنه الآتيان بهما

(مسألة 21):إذا كان علیه حجّة الإسلام و الحجّ النذري و لم یمكنه الآتيان بهما إمّا لظنّ الموت أو لعدم التمكّن إلاّ من أحدهما ففي وجوب تقدیم الأسبق سببا أو التخییر أو تقدیم حجّة الإسلام لأهمّیتها وجوه، أوجهها الوسط، و أحوطها الأخیر، و كذا إذا مات و علیه حجّتان و لم تف تركته إلاّ لأحدهما و أمّا إن وفت التركة فاللازم استئجارهما و لو في عام واحد (2).

مسألة 22:من علیه الحجّ الواجب بالنذر الموسّع یجوز له الآتيان بالحجّ المندوب قبله

(مسألة 22):من علیه الحجّ الواجب بالنذر الموسّع یجوز له الآتيان بالحجّ المندوب قبله (3).

قد اتّضح ممّا تقدّم في المسائل الحال في فرض المسألة فإن كان ما نذره بنحو مطلق شامل لصرف الوجود و أوّل أفراد الطبیعة فیكون النذر متعلّقا بحجّة الإسلام حینئذ و إن كان ما نذره مقیّدا بكونه ندبیا مغایرا لحجّة إسلام فتتعلّق في ذمّته حجّتان و لا ریب في تقدیم حجّة الإسلام لأهمّیته مع أنّ النذر مأخوذ فیه عدم المزاحمة بواجب أصلي كما تقدمت الإشارة إلیه عند دوران نذر زیارة الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) في یوم عرفة و حجّة الإسلام لحصول الاستطاعة.

تقدّم أنّ حجّة الإسلام أهمّ من النذر أو مقدمة رتبة علیه و كذا الحال في القضاء كما دلّت علیه صحیحة ضریس و ابن أبي یعفور و إمّا لما ورد من تقدیم حجّة الإسلام علی الدیون المالية، أمّا لو استأجر عنهما في عام واحد إذا وفت التركة فیصحّ لإطلاق كلّ من دلیل الاستنابة عنهما و الأمر بها قضاء عن المیّت.

هذا لو فرض عدم شمول متعلّق النذر للحجّ المندوب المأتي به.

مسألة 23:إذا نذر أن یحجّ أو یحجّ انعقد

(مسألة 23):إذا نذر أن یحجّ أو یحجّ انعقد و وجب علیه أحدهما علی وجه التخییر و إذا تركهما حتی مات یجب القضاء عنه مخیّرا، و إذا طرأ للعجز من أحدهما معیّنا تعیّن الآخر و لو تركه أیضا حتی مات یجب القضاء عنه مخیّرا أیضا لأنّ الواجب كان علی وجه التخییر فالفائت هو الواجب المخیّر (1).

أصل الفرض مذكور في صحیحة مسمع المتقدّمة و قد یستظهر منها تعیّن الحجّ عن المیّت مع الفوت و لا تخییر حیث فیه تعبیره (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن یحجّ عنه ممّا ترك أبوه، و لكنّه غیر تامّ لانّ المراد من الحجّ عنه أعم من التخییر أو التعیین و طروّ العجز عن بعض أفراد الواجب المخیّر لیس كالتعین في مقام الإنشاء بل هو من التعیین في مقام الامتثال و هو عقلي و لا یوجب التعیین في المقام الإنشاء و یكفي في القدرة علی الواجب المخیّر القدرة علی أحد العدلین.

و دعوی بعض المحقّقین المحشین علی المتن من أنّ المنذور أحد الأمرین لا خصوص أحدهما المعیّن فإذا تعذّر أحدهما تعذّر ما هو متعلّق النذر و لا یقاس بالتخییر الشرعي بل لو كان حال النذر غیر متمكّن من أحدهما بطل النذر التخییري.

نعم لو قصد مفاد التخییر الشرعي بأن نذر أحد الأمرین أو أحدهما المتعیّن علی تقدیر تعذّر الآخر لتمّ صحّة النذر و بقاء التخییر و ظاهر الماتن عدم انعقاد النذر مع العجز حال الإنشاء لو قصد الناذر أحد الأمرین علی وجه التخییر و بوصفه كونه واجبا تخییریا، لكن الصحیح بعد كون القدرة اللازمة في القدرة علی الواجب التخییري یكفي فیها تعلّقها بأحد العدلین دون كلیهما فلم یكن هناك تخلّف للقدرة اللازمة في صحّة انعقاد النذر و بقائه و الفرق بین العجز الطارئ عن أحد العدلین و ما لو كان ابتداءً و بین العجز عن بعض أفراد الكلّي الطبیعي و بین أحد العدلین في التخییر بین الطبائع و كذا التفرقة بین التخییر العقلي في الجامع الانتزاعي بین أحد الأمرین و بین التخییر الشرعي لیس في محلّها.

لأنّ المدار في هذه الأقسام علی القدرة علی أصل الامتثال و هي متحقّقة فی

و لا عبرة بالتعیّن العرضي فهو كما كان علیه كفّارة الافطار في شهر رمضان و كان عاجزا عن بعض الخصال ثمّ مات فإنّه یجب الإخراج عن تركته مخیّرا و إن تعیّن علیه في حال حیاته في احداها فلا یتعیّن في ذلك المتعیّن نعم لو كان حال النذر غیر متمكّن إلاّ من أحدهما معیّنا و لم یتمكّن من الآخر إلی أن مات أمكن أن یقال باختصاص القضاء بالذي كان متمكّنا منه.بدعوی أنّ النذر لم ینعقد بالنسبة إلی ما لم یتمكّن منه بناء علی أنّ عدم التمكّن یوجب عدم الانعقاد لكن الظاهر أنّ مسألة الخصال لیست كذلك فیكون الاخراج من تركته علی وجه التخییر و إن لم یكن في حیاته متمكّنا إلاّ من البعض أصلا و ربّما یحتمل في الصورة المفروضة و نظائرها عدم انعقاد النذر بالنسبة إلی الفرد الممكن أیضا بدعوی أنّ متعلّق النذر هو أحد الأمرین علی وجه التخییر و مع تعذّر أحدهما لا یكون وجوب الآخر تخییریا بل عن الدروس اختیاره في مسألة ما لو نذر أنّ رزق ولدا أن یحجّه أو یحجّ عنه إذا مات الولد قبل تمكّن الأب من أحد الأمرین، و فیه:انّ مقصود الناذر إتیان أحد الأمرین من دون اشتراط كونه علی وجه التخییر فلیس النذر مقیّدا بكونه واجبا تخییریا حتی یشترط في انعقاده التمكّن منهما.

مسألة 24:إذا نذر أن یحجّ أو یزور الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بلده ثمّ مات قبل الوفاء بنذره

(مسألة 24):إذا نذر أن یحجّ أو یزور الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بلده ثمّ مات قبل الوفاء بنذره وجب القضاء من تركته و لو اختلفت اجرتهما یجب الاقتصار علی أقلّهما اجرة إلاّ إذا تبرّع الوارث بالزائد فلا یجوز للوصی اختیار الأزید اجرة و إن جعل المیّت أمر التعیین إلیه و لو أوصی باختیار الأزید اجرة خرج الزائد من الثلث»(1).

الجمیع مع أنّ التخییر الشرعي علی أحد الأقوال و الوجوه یؤول إلی التخییر العقلي بجامع انتزاعي و لو بنی علی غیر ذلك من الأقوال في تفسیره لما كان الفرق بینه و بین التخییر العقلي الموجود موجب للفرق هاهنا للأثر في المقام.

قد یقرب عدم جواز اختیار الوصي الأزید بأن ما علی المیّت حیث كان بنحو التخییر فیكون من باب تردّد الدّیة بین الأقلّ و الأكثر قیمة لاختلاف قیمة الدرهم و الدینار.و النعم الثلاثة و الحلیة و بین التعیین بید من علیه الدیة و في المقام هو

مسألة 25:إذا علم أنّ علی المیّت حجّا و لم یعلم أنّه حجّة الإسلام أو حجّ النذر

(مسألة 25):إذا علم أنّ علی المیّت حجّا و لم یعلم أنّه حجّة الإسلام أو حجّ النذر وجب قضاؤه عنه من غیر تعیین و لیس علیه كفّارة، و لو تردّد ما علیه بین الواجب بالنذر أو بالحلف وجبت الكفّارة أیضا و حیث إنّها مرددة بین كفّارة النذر و كفارة الیمین فلا بدّ من الاحتیاط و یكفي حینئذ إطعام ستّین مسكینا لأنّ فیه إطعام عشرة أیضا الذي یكفي في كفّارة الحلف (1).

مسألة 26:إذا نذر المشي في حجّه الواجب علیه أو المستحب

(مسألة 26):إذا نذر المشي في حجّه الواجب علیه أو المستحب انعقد مطلقا حتی في مورد یكون الركوب أفضل لأنّ المشي في حدّ نفسه أفضل من الركوب بمقتضی جملة من الأخبار و إن كان الركوب قد یكون أرجح لبعض الجهات فإنّ أرجحیّته لا توجب زوال الرجحان عن المشي في حدّ نفسه و كذا ینعقد لو نذر الحجّ ماشیا مطلقا الوارث و بعبارة اخری:إنّ الدین الذي علی المیّت لمّا كان من قبیل الكلّي في المعیّن في التركة كان أمر تعیینه بید الوارث و مجرّد إیصاء المیّت بإخراج ذلك الدین من التركة لا یعني الوصية بالخصوصیة و لا إعطاء الوصي صلاحیة تعیین الوصية و إنّما هي عهد إلیه بإخراج أصل الدین.نعم لو فهم من إیصائه ذلك تصریحا أو ظهورا كانت الزیادة تخرج من الثلث خلافا للماتن.

أشكل علی الاحتیاط في الكفّارة بجریان البراءة عن الزائد بناء علی أنّ كفارة الیمین مغایرة لكفّارة النذر فیكون مورد الشكر مردّدا بین الأقلّ و الأكثر فتجري البراءة و أجیب بأنّ الأقلّ و الأكثر هاهنا لیس في متعلّق التكلیف بل هو من الأقلّ و الأكثر في مقام الامتثال و أمّا المتعلّقان فهما متباینان، و فیه أنّ الصحیح في جریان البراءة في الأقلّ للأكثر الارتباطي هو لأجل كونه من الأقلّ و الأكثر في التنجیز لا من الأقلّ و الأكثر في المتعلّق و إلاّ فبملاحظة المتعلّق فهما من المتباینین لتباین بشرط شيء مع لا بشرط في مقام الحدّ الماهوي و إن تصادفا في الوجود الخارجي و الامتثال لكن الصحیح عدم جریان البراءة و لا الاحتیاط لا لما ذكر بل لأنّ المقام الأقلّ و الأكثر حیث أنّه في تزاحم الحقوق بین طرفین و المتعیّن فیها القرعة.

و لو مع الاغماض من رجحان المشي لكفایة رجحان أصل الحجّ في الانعقاد إذ لا یلزم أن یكون المتعلّق راجحا بجمیع قیوده و أوصافه فما عن بعضهم من عدم الانعقاد في مورد یكون الركوب أفضل لا وجه له و أضعف منه دعوی الانعقاد في أصل الحجّ لا في صفة المشي فیجب مطلقا لأنّ المفروض نذر المقیّد فلا معنی لبقائه مع عدم صحّة قیده (1).

لهذا النذر صورتان فتارة ینذر المشي إلی الحجّ و اخری ینذر الحجّ ماشیا، و كلّ منهما یمكن أن یفرض مع اختلاف الحالات و الجهات في المشي بالإضافة إلی الركوب و قد حكی التسالم و الاتفاق علی صحّته في الأوّل فضلا عن الثاني و لكن حكی عن الایضاح أنّ في انعقاد النذر قولان مبنیان علی رجحان المشي علی الركوب و عدمه. و قد توحی به عبارة أیمان القواعد و كذا عن كشف اللثام فلا بدّ من تحریر البحث أوّلا بلحاظ الرجحان الذاتي للمشي في نفسه ثمّ في رجحانه بالقیاس إلی الركوب ثمّ في مرجوحیّته بملاحظة الجهات و العناوین الطارئة علیه ثمّ في حصول الوفاء بالنذر بالحجّ راكبا و نكتة الجهات الأربع و هو أنّ النذر یشترط فیه رجحان المتعلّق بالذات كما یشترط في لزومه عدم المرجوحیة الطارئة و یشترط أیضا في عزیمته عدم كونه مزاحما بفعل خیر منه.

أمّا الجهة الاولی فقد وردت فیه أربع طوائف:

الاولی:مفادها أنّه أفضل العبادات و فیها الصحاح المتعدّدة كما فیها أنّ الحسن بن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد حجّ ماشیا عشرین مرّة و قد حجّ أیضا علي بن الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) ماشیا (1)و روی أنّ آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتی البیت ألف (2)أتیة.


1) ب 32 و 33، ح 6 من أبواب وجوب الحجّ.

2) 40 أبواب وجوب الحجّ ح 18 و ح 20 و ح 34.

..........

الثانية:ما دلّ علی أنّ الركوب أفضل من المشي (1)و لأنّه فعل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

الثالثة:ما تضمّن التعلیل بأفضلیة الركوب علی المشي لجهات طارئة أو لتفصیل في الحالات، نظیر صحیح سیف التمار، و فیه:«تركبوا أحبّ إلیّ فإنّ ذلك أقوی علی الدعاء و العبادة» و مثله موثّق عبد اللّه بن بكیر و فیه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):«أنّ الحسن بن علیي(عَلَيهِ السَّلَامُ) كان یمشي و تساق معه محامله و رحاله» و في صحیح أبي بصیر «إذا كان رجل موسرا فمشی لیكون أفضل (أقلّ) لنفقته فالركوب أفضل».

الرابعة:دالّة علی لزوم الوفاء بنذر المشي (2)إلاّ أن یتعب فیركب نعم في بعضها انحلاله إذا كان مجهدا له.

و علی أي تقدیر كلّ هذه الطوائف لیس فیها ما یدلّ علی المرجوحیّة الذاتية بل دالّة علی رجحانیة الذات.

نعم، خصوص الطائفة الثانية توهم خلاف ذلك و لكنّه غیر تام لأنّ أفضلیة الركوب لا تنافي رجحان المشي الذاتي.

إن قلت:إنّ مفادها مرجوحیّته لكونه تركا لسنّة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فتعارض الطائفة الاولی.

قلت:الظاهر عدم المنافاة و ذلك إذا أتی بالركوب تأسّیا بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقد أدرك الفضل و لكن فعله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من الركوب لعلّه لأجل عدم إیقاع الامّة في مشقّة المشي لا أنّ المشي في نفسه أرجح نظیر ما ورد من الاستقاء في ماء زمزم في صحیح الحلبي (3)أنّه قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) «لو لا أنّ أشقّ علی أمّتي لاستقیت منها ذنوبا أو ذنوبین» فإنّه صریح في كون الاستقاء فعلا راجحا و لكنّه لم یفعله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لأجل عدم إیقاع الامّة في المشقّة.


1) 33، ح 1، ح 3، ح 4، ح 5 من أبواب وجوب الحجّ.

2) ب 34 أبواب وجوب الحجّ و باب 35....

3) أبواب أقسام الحجّ، باب 2، ح 4.

..........

و قد روی البرقي بسنده عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:قال ابن عبّاس ما ندمت علی شيء صنعت ندمي علی أنّي لم أحجّ ماشیا لأنّی سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) یقول من حجّ بیت اللّه ماشیا كتب له سبعة آلاف حسنة من حسنات الحرم قیل یا رسول اللّه ما حسنات الحرم قال:حسنة ألف ألف حسنة و قال «فضل المشاة في الحجّ كفضل القمر لیلة البدر علی سائر النجوم و كان الحسین بن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) یمشي إلی الحجّ و دابته تقاد وراءه» (1).

إن قلت:ما الفرق بین فعله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إنشاء للتشریع و بین قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فكلیهما بمفاد واحد فلو كانت هناك مشقّة لما أمر به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

قلت:مفادهما و إن كان واحدا إلاّ أنّ في فعله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) خصیصة زائدة علی الأمر اللفظي و هي عنوان التأسي به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لقوله تعالی: «لَكُمْ في رَسُولِ اللّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» فإنّ هذا العنوان یضیف إلی الفعل ملاكا زائدا عن الملاك الذاتي الذي فیه بل لو كان الفعل من المباحات العادیات و طرأ علیه عنوان التأسّي لكان یحدث فیه ملاكا أیضا.

إن قلت:فعلی ذلك یشمل التأسّي الأفعال العادیة التي كان یأتي بها لا في مقام التشریع و تبلیغ الأحكام الإلهیة بل ینتهي الأمر حینئذ إلی أنّ كلّ أفعاله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لها مدی تشریع.

قلت:إنّه مع الاشتراك في عموم التأسّي هناك فارق بین الأفعال العادیة و الأفعال التي یأتي بها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بقصد الإنشاء و بقصد تبلیغ أحكام اللّه فإنّ العادیات لا إنشاء في إتیانها كما لا رجحان في ماهیّتها بما هي هي بخلاف الأفعال من النمط الثاني كما أنّ العادیات لا یراد بها كلّ فعل یشترك فیها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مع نوع البشر بل ما تمیز به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ممّا یدخل في المكرمات و نحوها.

و أمّا الجهة الثانية فمدرك القول بانحلال أو جواز حلّ النذر إذا قیس متعلّق النذر إلی فعل آخر هو ما


1) 32 من أبواب وجوب الحجّ، ح 9.

..........

ورد (1)في الیمین من أنّ الحالف إذا رأی مخالفتها خیرا من الوفاء بها جاز له أن یدعها و یأتي بالذي هو خیر.

هذا إذا لم تحمل هذه الروایات علی شرطیة عدم مرجوحیة المتعلّق و لو بلحاظ حال المزاحمة بینما الكلام في الجهة الثانية هو عند أفضلیة الفعل المغایر و إن لم یكن مزاحمة في البین.

و أمّا الجهة الثالثة فلا إشكال في دلالة الروایات المشار إلیها في الیمین علی ذلك مضافا إلی دلالة الروایات الواردة في خصوص النذر، بل الروایات الواردة في خصوص المسألة مثل صحیح أبي عبید الحذّاء قال سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل نذر أن یمشي إلی مكّة حافیا فقال إنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) خرج حاجّا فنظر إلی امرأة تمشي بین الإبل فقال من هذه فقالوا اخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلی مكّة حافیة فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) «یا عقبة انطلق إلی اختك فمرها فلتركب فإنّ اللّه غنيّ عن مشیها و حفیها قال:فركبت» (2).

و أمّا الجهة الرابعة فقد یقرب كبرویا بأن امتثال متعلّق النذر بالمصداق الأفضل من طبیعة النذر مجزئ و بأنّه إیجاد للطبیعة الواجبة بالنذر في ضمن أفضل مصادیقها هذا إذا كان الفرد الأفضل من نفس طبیعة النذر نوعا أو صنفا لا ما إذا كانتا متباینتین.كما إذا نذر الصلاة في مسجد المحلّة فأتی بها في المسجد الجامع أو المسجد الحرام لا سیّما مع الالتفات إلی أنّ ما هو متعلّق النذر الأمر الندبي المتعلّق به في نفسه و هو شامل للفرد الأفضل و المفروض أنّ النذر یتعلّق بالمتعلّق بما هو علیه من المشروعیة و لك أن تضمّ مقدّمة ثالثة و هي أنّ ظهور تعلّق النذر في مقام الإنشاء عند التقیّد بفرد هو


1) 18 كتاب الأیمان.

2) الأبواب المتقدّمة في المشي.

..........

خصوصیة التقیّد بفرد بمعنی التحدید بعدم كونه دون ذلك لا التحدید بعدم كونه فوق ذلك الفرد، و إلاّ لكان هذا القید الثاني مرجوحا.و بعبارة اخری إنّ الأمر الندبي قد تعلّق بالطبیعة و لم یتعلّق بالخصوصیة إلاّ في الخصوصیات الراجحة بلحاظه ما دونها لا الخصوصیات التي هي بلحاظ ما فوق من الأفراد.

إن قلت:فعلی ذلك لو نذر الصیام یوما فله أن یأتي به في یوم غیره أرجح منه كصوم یوم النصف من شعبان أو یوم الغدیر مع أنّه خلاف النصّ و الفتوی.

قلت:إنّ مورد الكلام في الطبیعة البدلية ذات الأمر الواحد بحیث یكون امتثال الأفضل لنفس الأمر و هذا بخلاف الطبیعة الاستغراقیة فإنّ لكلّ فرد أمر یخصّه و إنّ تفاضلت الأفراد و یدلّ علی ذلك ما ورد- علی ما ببالي - من أنّ من نذر أن یتزوّج أمة فتزوّج بنت مهیرة أنّ ذلك وفاء.

و حینئذ یقال في المقام بمقتضی الجهة الاولی و إن كان السعي إلی الحجّ مشیا أفضل من الركوب إلاّ أنّه قد تعرّض كما تقدّم جهات للمشي توجب رجحان الركوب علیه فحینئذ یكون السعي بالركوب أفضل من المشي كما مرّ في الجهة الاولی، إلاّ أنّ ظاهر طائفة اخری من الروایات كصحیحة رفاعة بن موسی قال:قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):رجل نذر أن یمشي إلی بیت اللّه قال:فلیمش، قلت:فإنّه تعب، قال:فإذا تعب فلیركب، و صحیح ذریح المحاربي سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل حلف لیحجّن ماشیا فعجز عن ذلك فلم یطقه.قال:فلیركب و یسوق الهدي و نظیرهما روایات اخری (1).و صحیح إسماعیل بن همام عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الذي علیه المشي في الحجّ إذا رمی الجمرة زار البیت راكبا و لیس علیه شيء.و في صحیحته الاخری عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) في الذي علیه المشي إذا رمی الجمرة و زار البیت راكبا.و صحیحة السندي بن محمّد بن صفوان الجمّال قال:قلت:جعلت


1) ب 34 أبواب وجوب الحجّ، ح 1، 2 و...

مسألة 27:لو نذر الحجّ راكبا انعقد و وجب

(مسألة 27):لو نذر الحجّ راكبا انعقد و وجب و لا یجوز حینئذ المشي و إن كان أفضل لما مرّ من كفایة رجحان المقید دون قیده (1).

علی نفسي المشي إلی بیت اللّه الحرام، قال:كفّر عن یمینك فإنّما جعلت علی نفسك یمینا و ما جعلته للّه فف به (1)، و غیرها من الروایات (2)، فإنّ ظاهرها تعیّن المشي في مقام امتثال نذره، و لعلّ وجه عدم أفضلیة الركوب في نفسه علی المشي و إنّما الأفضلیة بلحاظ جهات اخری كالقوّة علی الدعاء و استحباب الانفاق في طریق الحجّ و نحوها من الجهات الأجنبية عن الركوب الملازمة لها اتّفاقا، فلا تتحقّق صغری الامتثال بأفضل الأفراد لأنّها في مورد أفضلیة الفرد في نفسه فتحصل أنّ نذر المشي ینعقد مطلقا إلاّ أن یطرأ علیه جهات مرجوحة بحیث تكون أقوی من رجحانه الذاتي الذي فیه، إلاّ أن یعجز عنه فینحلّ النذر و یستحبّ له أن یكفّر لما تقدّم من الروایات الدالّة علیه، هذا كلّه في شقوق الصورة الاولی و أمّا في الصورة الثانية و هو نذر الحجّ ماشیا فقد حكی الماتن بانعقاده مطلقا، كفایة رجحان المقید و تنقیح الكلام في المقام یتّضح بما قدّمناه من الجهات في الصورة الاولی من أنّ القید إذا كان مباحا أو راجحا ینعقد النذر مقصورا علی تلك الحصّة من الطبیعة أو أنّه بشرط لا ما دونها من الحصص و أمّا بلحاظ ما فوقها من الحصص فهي بنحو لا بشرط.

و دعوی عدم التفكیك بین القید و المقیّد في متعلّق النذر قد تقدّم الجواب عنه.

كما أنّ بقیّة الحالات لهذه الصورة تظهر ممّا تقدّم و یأتي تتمّة في المسألة اللاحقة.

قد تقدّم أنّه لو نذر الطبیعة في ضمن حصّة متشخّصة بأوصاف مباحة أو راجحة فإنّه یجوز له امتثال نذر الطبیعة بصحّة أرجح بخلاف ما لو نذر الخصوصیة الراجحة أي نذر الركوب نفسه و كان راجحا فإنّه لا یسوغ له إتیان ما هو أرجح منه إلاّ أن تفرض المزاحمة.


1) ب 8 أبواب النذر، ح 4.

2) ب 21 أبواب النذر و ب 35 أبواب وجوب الحجّ.

نعم لو نذر الركوب في حجّه في مورد یكون المشي أفضل لم ینعقد لأنّ المتعلّق حینئذ للركوب لا الحجّ راكبا (1) و كذا ینعقد لو نذر أن یمشي بعض الطریق من فرسخ في كلّ یوم أو فرسخین و كذا ینعقد لو نذر الحجّ حافیا و ما في صحیحة الحذّاء من أمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بركوب اخت عقبة بن عامر مع كونها ناذرة أن تمشي إلی بیت اللّه حافیة قضیة في واقعة یمكن أن یكون لمانع من صحّة نذرها من إیجابه كشفها أو تضرّرها أو غیر ذلك (2).

كون المشي أفضل لا یوجب عدم انعقاد النذر للركوب فیما إذا فرض الركوب راجح للقوة علی العبادة و غیر ذلك أي و لو بلحاظ مقدّمته لما هو راجح.

ذهب إلیه الفاضلان و آخرین و توقّف فیه بعض متأخّري العصر، و في الدروس أنّه لا ینعقد نذر الحفاء في المشي للصحیحة المشار إلیها في المتن و هي صحیحة أبي عبیدة الحذّاء قال:سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل نذر أن یمشي إلی مكّة حافیا؟ فقال إنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) خرج حاجّا فنظر إلی امرأة تمشي بین الإبل فقال:من هذه؟ فقالوا اخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلی مكّة حافیة فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«یا عقبة انطلق إلی اختك فمرها فلتركب فإنّ اللّه غنی عن مشیها و حفاها قال:فركبت» (1).و مثلها معتبرة أبي بصیر علی الأصحّ و یعارضها صحیحة رفاعة و حفص قال:«سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل نذر أن یمشي إلی بیت اللّه حافیا؟قال:فلیمش فإذا تعب فلیركب (2)..

و حملت الصحیحة الاولی علی أنّها قضیة في واقعة نظرا إلی كون فرض المسألة في امرأة و هي تمشي بین الإبل فالفعل بلحاظها مرجوح فلا یعارض صحیحة رفاعة و حفص، و أشكل علیه بأنّ حكایة الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في تلك الواقعة هو بیان للحكم الكلّي للنذر المزبور فكیف یكون مخصوص بتلك الواقعة لا سیّما و أنّ أبا بصیر قد سأل الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك فأجاب بنفس البیان مضافا إلی أنّ الجواب في صحیحة رفاعة قد یفهم منه الإعراض عن انعقاد النذر بخصوصیة الحفاء و أنّ


1) ب 34 أبواب وجوب الحجّ، ح 4.

2) ب 8 كتاب النذر و العهد، ح 2.

مسألة 28:یشترط في انعقاد النذر ماشیا أو حافیا تمكّن الناذر و عدم تضرّره بهما

(مسألة 28) یشترط في انعقاد النذر ماشیا أو حافیا تمكّن الناذر و عدم تضرّره بهما فلو كان عاجزا أو كان مضرّا ببدنه لم ینعقد.نعم لا مانع منه إذا كان حرجا لا یبلغ حدّ الضرر لأنّ رفع الحرج من باب الرخصة لا العزیمة، هذا إذا كان حرجیا حین النذر و كان عالما به و أمّا إذا عرض الحرج بعد ذلك فالظاهر كونه مسقطا للوجوب(1).

المنعقد منه هو خصوص المشي و لا یشكل علیه بأن لا یفكّك بین المقیّد و القید في انعقاد النذر إذ قد یفهم من قصد الناذر تعدّد المطلوب فینعقد الطبیعة دون القید لأنّه مرجوح أو أنّه إذا انعقد فلا یلزم إتیان تلك الحصّة بنفسها بل له أن یأتي بحصّة أفضل أن یمشي منتعلا لكن الصحیح عدم التعارض بین الروایات و ذلك لأنّ مفاد الروایتین الاولتین لو ابقی علی ظاهره البدوي لكن دالا علی مرجوحیة المشي في نفسه، مع أنّه قد تقدّم رجحانه الذاتي فذلك قرینة علی كون المرجوحیة في المورد المحكی كونها امرأة بین الرجال و اختلاطها بالإبل ممّا یعرّضها إلی المحاذیر فمن ثمّ اضیف في تعبیر الروایة المشي المستغني عنه و الحفاء إلیها لا مطلق المشي و الحفاء.

و أمّا وجه بیان الصادقین (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في مقام بیان الحكم الكلّي لنذر المشي حافیا فهو إشارة إلی عدم انعقاده مطلقا فیما إذا استلزم المرجوحیة نظیر ما ورد في المشي نفسه من الحث علی الترك و اختیار الركوب في قبال الروایات الآمرة به و الناعتة له بأفضل العبادات و یشیر إلی فضیلة الحفاء في المشي إلی العبادة ما ورد من الندب إلیه في مشي إمام الجماعة إلی صلاة الجمعة كما في فعل الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند ما استدعاه المأمون للصلاة بالناس صلاة الجمعة و كان فعله اقتداء بما فعله النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كما هو مورد الندب إلیه أیضا في الصلاة العیدین و الاستسقاء حتی للمأمومین في الأخیرة مضافا إلی أنّه زیادة في الخضوع و الخشوع و الذلّ في مقام السعي إلی مواطن العبادة و الوفود علی اللّه.

مضافا إلی ما ورد في الحجّ أیضا من استحباب ترك الترفّه فیه.

قد ذكر الماتن ثلاث حالات تارة العجز و اخری الضرر و ثالثة الحرج.

..........

أمّا الاولی:مضافا إلی أنّ أخذها بمقتضی القاعدة إذ لا یتعلّق الالتزام بغیر المقدور قد دلّت الروایات علیه أیضا الواردة في خصوص نذر المشي في الأبواب المشار إلیها آنفا.

و أمّا الثانية و هو الضرر فبعد تحریم الاضرار بالنفس كما علیه المشهور و لو لم یكن إهلاكا و نحوه لها، یكون المتعلّق مرجوحا فینحلّ النذر.

و أمّا الثالثة:فقد فصّل تارة فیها بین الحرج الابتدائي و بین الحرج الطارئ بعد ذلك، و اخری بین الحرج المعلوم و المتوقع للناذر و بین الحرج المجهول فقد ذهب الماتن للتفصیل الثاني بكون المجهول مسقطا دون المعلوم معللا بأنّ الحرج لا ینافي المشروعیة لكن اللازم علی ذلك عدم التفصیل و التزام المشروعیة في كلا الشقّین من دون عزیمة و من ثمّ علّل آخرون هذا التفصیل بأنّه مع العلم لا یكون مشمولا لعموم الحرج لإقدامه علیه بخلاف المجهول و لعلّ التفصیل الأوّل یراد به التفصیل الثاني و إلاّ لا وجه له بخصوصه و قد یقال بمنع شمول قاعدة الحرج للمقام لعدم شمولها للأحكام الإلزامية التي ینشأها المكلّف علی نفسه بالالتزام الحقيّ كما هو الحال في العقود و كما لو انشأ المكلّف العمرة أو الحجّ الاستحبابيین فإنّه یلزم باتمامهما و لو كانا حرجیین.

و بعبارة اخری إنّ في الالتزامات العهدیة و العقدية إنشاء حقّ للطرف الآخر و مفاد دلیل الحرج رفع التكلیف عزیمة لا رفع المفاد الوضعي و لا رفع التكلیف المترتّب علیه لأنّ ظاهر أدلّته هو في التكالیف التي یجعلها اللّه علی المكلّف ابتداءً.

نعم، قد وردت الأدلّة بترخیص ترك النذر مع الحرج الشدید البالغ حدّا كما في روایة الرجل الذي نذر المشي و رآه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) یتهادی بین ابنیه (1)دون الحرج المعتاد الذي هو لازم لطبیعة المشي أو الحفاء، ففي صحیحة رفاعة بن موسی قال:


1) ب 34 أبواب وجوب الحجّ، ح 8.

مسألة 29:في كون مبدأ وجوب المشي أو الحفاء بلد النذر أو...أقوال

(مسألة 29):في كون مبدأ وجوب المشي أو الحفاء بلد النذر أو الناذر أو أقرب البلدین إلی المیقات أو مبدأ الشروع في السفر أو أفعال الحجّ أقوال و الأقوی أنّه تابع للتعیین أو الانصراف و مع عدمها فأوّل أفعال الحجّ إذا قال «للّه عليّ أن أحجّ ماشیا» و من حین الشروع في السفر إذا قال «للّه علیّ أن أمشي إلی بیت اللّه أو نحو ذلك كما أنّ الأقوی أنّ منتهاه مع عدم التعیین رمي الجمار لجملة من الأخبار لا طواف النساء كما عن المشهور و لا الإفاضة من عرفات كما في بعض الأخبار (1).

قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) «رجل نذر أن یمشي إلی بیت اللّه؟قال:فلیمش قلت:فإنّه تعب قال:

فإذا تعب ركب» (1).

مقتضی القاعدة في المبدأ و المنتهي هو بقصد الناذر بحسب المبدأ و المنتهي و لكنّه لیس بحسب القصد التفصیلي فقط بل و لا بحسب القصد الإجمالي بل القصد المراد هو القصد الاستعمالي و التفهیمي علی ما هو علیه و مطوي فیه من اجزاء المعنی.فمثلا لو قصد الناذر أو العاقد في معاوضة أو منشأ لشرط في المعاوضة قصد عنوان بماله من المعنی و المعنون و المسمّی مع الجهل بتفصیل ماهیّة ذلك المعنی، و جهله بتمام آثاره تفصیلا، فإنّ هذا لا یخلّ بحصول القصد و لا یمانع عن مؤاخذته بما للمعنی من مقتضیات.

نعم لو قصد تفصیلا خلاف ما للمعنی من طبیعة أوّلیة و دلّل علی ذلك بقید أو لفظ لتعیّن ما قصد تفصیلا و من ذلك یظهر ما في كلمات الأعلام في المقام و نظائرها من الحوالة علی قصد الناذر أو المنشأ حیث إنّ هذه الحوالة تعلیق لا ینفع في تحدید و بیان ما للمعنی من طبیعة أوّلیة.فالحري هو بیان مقتضی المعنی الدالّ علیه اللفظة إذ هو محل التردید لا القصد التفصیلي للناذر فیما إذا دلّل علیه بألفاظ و قیود خاصّة.

فمن حیث المبدأ نسب إلی الشیخ في المبسوط أنّه من بلد النذر و نسب إلی


1) ب 34 من أبواب وجوب الحجّ، ح 1.

..........

الشهید الأوّل من بلد الناذر و آخرین من أقرب البلدین و في كشف اللثام أنّه من حیث یبدأ المسیر إلی الحجّ و لعلّ الأخیر هو الأقرب إذ یكون كقرینة حالیة غالبا، كما أنّه لا بدّ من الالتفات إلی حال الأعراف الخاصّة التي تشكّل قرائن حالیة مختلفة، فمثلا في زماننا هذا الكائن في الجزیرة العربیة یكون مسیر الحجّ و إمكان المشي من مدینته، و هذا بخلاف القاطن خارجها من الدول الاخری بعد إقامة فواصل الحدود الجمركیة فإنّه قد ینصرف إلی المشي من المدینة المنورة.

و أمّا من حیث المنتهي فتارة ینذر المشي إلی بیت اللّه الحرام و اخری ینذر الحجّ ماشیا و ثالثة ینذر المشي إلی مكّة، و یقصد من تلك الألفاظ مع التدلیل علیها بقرائن هو خصوص منتهي حد معیّن كمشارف مكّة أو الوصول إلی بیت اللّه الحرام و نحو ذلك فیؤخذ بما قصد تفصیلا.و أمّا إذا لم تكن هناك قرائن خاصّة أو الألفاظ الخاصّة بل من قبیل تلك الأمثلة التي ذكرنا ألفاظها المطلقة فهي في نفسها تحتمل المشي إلی مجرّد الوصول إلی مكّة أو زیارة البیت بعد الأعمال أو تمام الأعمال و قد ورد في تحدید المعنی صحاح متعدّدة و أنّه إلی منتهي رمي جمرة العقبة و المراد به أعمال یوم النحر في منی فینقطع المشي حینئذ و یزور البیت راكبا.

ففي بعضها في الذي علیه المشي إذا رمي الجمرة زار البیت راكبا و في بعضها الآخر إذا حججت ماشیا و رمیت الجمرة فقد انقطع المشي و في بعضها زیادة و حلق رأسه و في بعض آخر التقیید برمي جمرة العقبة (1)و لا تنافي بینها لأنّ زیارة البیت إنّما تشرع بعد رمی الجمرة العقبة و إتیان أعمال یوم النحر و ظاهر هذه الروایات هو تحدید المنتهی بحسب مقتضی طبع المعنی لا أنّها محمولة علی ما إذا كان قصد الناذر التفصیلي ذلك فإنّه خلاف ظاهر الروایات فكان العمل بها متعیّن.

نعم في موثّقة یونس بن یعقوب قال سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) متی ینقطع مشی


1) ب 35 من أبواب الوجوب.

مسألة 30:لا یجوز لمن نذر الحجّ ماشیا أو المشي في حجّه أن یركب البحر

(مسألة 30):لا یجوز لمن نذر الحجّ ماشیا أو المشي في حجّه أن یركب البحر لمنافاته لنذره و إن اضطرّ إلیه لعروض المانع من سائر الطرق سقط نذره كما أنّه لو كان منحصرا فیه من الأوّل لم ینعقد و لو كان في طریقه نهر أو شطّ لا یمكن العبور إلاّ بالمركب فالمشهور أنّه یقوم فیه لخبر السكوني و الأقوی عدم وجوبه لضعف الخبر عن إثبات الوجوب و التمسّك بقاعدة المیسور لا وجه له و علی فرضه فالمیسور هو التحرّك لا القیام (1).

الماشي قال:إذا أفاض من عرفات (1).

و هي كما ذكر صاحب الوسائل الشرط فیها مطلق قابل للتقیید و إن أشكل علیه أنّ مدلولها في مقام التحدید فتعارض بقیّة الروایات و لكن كفی بذلك رجحانا لبقیّة الروایات دلالة و عددا.

قد تعرّض الماتن إلی صور في المقام الأوّل:ما إذا نذر المشي و كان بإمكانه ذلك مع وجود طریق بحری فلا یجوز له حینئذ الركوب لأنّه مخالفة للنذر إذ هو كما لو ركب الدابة.

نعم لو كان قد قیّد نذره بالمشي في الطریق المتعارف لأهل بلده و لو بانصراف الصیغة لذلك لكان متعلّق نذره حینئذ هو المشي في المقدار البری للطریق المتعارف كما قد یدّعی ذلك في أهل السودان و الحبشة و هذا استدراك منقطع.

الصورة الثانية:ما إذا اضطرّ إلی ذلك لعروض المانع في سائر الطرق البریة فحكم بسقوط النذر و استدرك علیه بعض المحشّین بسقوط خصوص المشي دون الحجّ و قد یقال بسقوط المشي في خصوص المقدار البحري دون ما تبقّی من المقدار البري كالذي بین المواقیت إلی آخر الأعمال و الوجه في ذلك أنّ النذر تارة یتعلّق بالمشي في ظرف ما إذا حجّ المكلّف فإنّه حینئذ الوجه ما ذكره الماتن لأنّ المنذور


1) ب 35 من أبواب الوجوب، ح 6.

..........

هو خصوص المشي معلّقا علی حجّه و قد تعذّر.و اخری ینذر المشي إلی الحجّ غیر معلّق المشي المنذور علی ظرف الحجّ بل یكون مع نذر الحجّ أیضا كما هو الغالب في مثل هذا الاستعمال فحینئذ یشكل سقوط النذر حیث إنّه بتعذّر صورة المنذور الأوّلیة یعدّ هذا بدل له عرفي و شرعي نظیر ما إذا نذر الصلاة نافلة و تعذّر علیه القیام فیجلس أو الركوع و السجود فیومي و لا ریب أنّ الحجّ ماشیا طوال الطریق یكون الحجّ ماشیا بعض الطریق بدل رتبي له.

و بعبارة اخری:البدلية عرفا بمعنی تعدّد المطلوب.

و یستدلّ له بمعتبرة السكوني عن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبیه عن آبائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ علیّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) سئل عن رجل نذر أن یمشي إلی البیت فعبّر (فمرّ) في المعبر؟قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):فلیقم في المعبر قائما حتی یجوزه (1)و قد أشكل علی سند الروایة بضعف السكوني و النوفلي.

و لكن قد اجیب في الأعصار الأخیرة كما قاله الشیخ في العدّة أنّ العصابة عملت بأخبار السكونی مضافا إلی ما ذكره المیرزا النوري في خاتمة المستدرك من القرائن علی وثاقته عند تعرّضه لكتاب الأشعثیّات (الجعفریات) و منه یستفاد وثاقة النوفلي لأنّ أكثر روایات السكوني هي بتوسّط النوفلی مضافا إلی قرائن اخری علی توثیق حاله.

أمّا الدلالة، فقد یشكل علیها تارة بعدم ظهورها في انحصار الطریق في ذلك و تكون حینئذ مطروحة، و اخری بأنّ ما تضمّنته هو لزوم القیام حال العبور و لا یلتزم بوجوبه؛لأنّه علی تقدیر عدم سقوط النذر و انحلاله فإنّما هو بتقریب خروج هذا المقدار عن المتعلّق انصرافا و نحو ذلك، فلا یجب القیام مع أنّه لیس میسورا للمشي كي یلتزم ببدلیّته.

و یمكن الإجابة عن ذلك بأنّ عموم الروایة لا یشمل موردا یكون فیه قطع الطریق


1) ب 37 من أبواب الوجوب، ح 1.

مسألة 31:إذا نذر المشي فخالف نذره فحجّ راكبا

(مسألة 31):إذا نذر المشي فخالف نذره فحجّ راكبا فإن كان المنذور الحجّ ماشیا من غیر تقیید بسنّة معیّنة وجب علیه الإعادة و لا كفّارة إلاّ إذا تركها أیضا و إن كان المنذور الحجّ ماشیا في سنة معیّنة فخالف و أتی به راكبا وجب علیه القضاء و الكفّارة، و إذا كان المنذور المشي في حجّ معیّن وجبت الكفّارة دون القضاء لفوات محلّ النذر.و الحجّ صحیح في جمیع الصور (1) خصوصا الأخیرة لأنّ النذر لا یوجب شرطیة المشي بذلك مقدارا كبیرا و لذا عبر الراوي بالمعبر و المرور و هذا تتناوله صیغة النذر لا سیّما إذا كان یسیرا جدّا و ظاهر الروایة وجوب القیام كبدل و لیس من اللازم تخریجه كبدل علی مقتضی القاعدة أو من باب قاعدة المیسور.

أمّا الصورة الثالثة:و هو ما إذا كان الطریق منحصر فیه من الأوّل فحكم الماتن بعدم انعقاد النذر و ظاهر المحكی عن العلاّمة أنّه ینعقد في المقدار الممكن مشیه و هو الأقوی لأنّ النذر ینصرف إلی ذلك المقدار.

نعم إذا فرض جهل الناذر بذلك فیكون حكمه حكم الصورة الاولی كما تقدّم.

تعرّض الماتن إلی ثلاث صور للنذر؟

الاولی:إذا نذر الحجّ ماشیا نذرا مطلقا عن التقیید بسنة معیّنة فخالف نذره فحجّ راكبا و حكم المشهور بوجوب الإعادة و عدم الكفّارة لإمكان الامتثال.

نعم، عن المحقّق في المعتبر و العلاّمة في المختلف و التذكرة و التحریر و المنتهی و الإرشاد و ظاهر أیمان القواعد احتمال صحّة وقوع الحجّ عن المنذور و حصول الحنث بترك المشي، و كذا حكموا بسقوط القضاء و حصول الحنث في الصورة الثانية و هي ما إذا كان التقیید بسنة معیّنة حیث ذكر في المختلف:«أن یجري ما ذكر في المطلق لأنّه لما نوی بحجّه المنذور وقع عنه و إنّما اخلّ بالمشي قبله و بین أفعاله فلم یبقی محل للمشي المنذور لیقضی إلاّ أن یطوف أو یسعی راكبا فیمكن بطلانهما فیبطل الحجّ حینئذ إنّ تناول النذر المشي فیهما.و في كشف اللثام أنّه قوی إلاّ أن یجعل المشي شرطا في عقد النذر كما فصل في المختلف و تقریب ما ذكره أنّ نذر

في أصل الحجّ و عدم الصحّة من حیث النذر لا یوجب عدمها من حیث الأصل فیكفي في صحّته الآتيان به بقصد القربة، و قد یتخیّل البطلان من حیث إنّ المنوي هو الحجّ النذري لم یقع و غیره لم یقصد و فیه:أنّ الحجّ في حدّ نفسه مطلوب و قد قصده في ضمن قصد النذر و هو كاف ألا تری أنّه لو صام أیاما بقصد الكفّارة ثمّ ترك التتابع لا یبطل الصیام في الأیام السابقة أصلا و إنّما تبطل من حیث كونها صیام كفّارة؟و كذا إذا بطلت صلاته لم تبطل قراءته و أذكاره التي أتی بها من حیث كونها قرآنا أو ذكرا و قد یستدلّ للبطلان إذا ركب في حال الآتيان بالأفعال بأنّ الأمر بإتیانها ماشیا موجب للنهي عن إتیانها راكبا و فیه:منع كون الأمر بالشيء نهیا عن هذه و منع استلزامه للبطلان علی القول به، مع أنّه لا یتمّ فیما لو نذر الحجّ ماشیا مطلقا من غیر تقیید بسنة معیّنة و لا بالفورية لبقاء محل الإعادة.

الحجّ ماشیا هو النذر لكل من المشي و الحجّ و حیث السعي و المشي لیس من شرائط صحّة الحجّ و إنّما هو من المندوبات في نفسه التي طرفیها قبل الحجّ نظیر السعي لزیارة الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنّ الثواب علی السعي نفسه بذلك القصد مضافا للثواب للزیارة و النذر لا یغیر ماهیّة المنذور في نفسه و لا یتصرّف فیه و إنّما یتعلّق به علی ما هو علیه، و مقتضی ذلك وقوع الحجّ مصداقا للحجّ المنذور نظیر ما إذا نذر صیام ثلاثة أیام و لم یصم الثالث فإنّ الیومین یقع مصداقا للصوم المنذور، و یجب علیه قضاء یوم واحد فقط من ثمّ حكم الشیخ الطوسي و المفید في المحكي عنهما في مسألة ما لو مشي بعضا و ركب بعضا أنّه یصحّ ما أتی به ماشیا مصداقا للنذر و لكن یجب علیه بعد إتیان المشي في المواضع التي ركب فیها مضافا إلی ظاهر الروایات الواردة في نذر مشي الحجّ نذرا مطلقا أنّه مع عجزه عن المشي لا یسقط وجوب الحجّ النذري عنه الدالّ علی التفكیك بینهما في مقام التحقّق.

نعم، في المقام في الصورة الاولی حیث أنّ النذر مطلق فبإمكانه أداء المشي و لو في ضمن الحجّ غیر النذري.

..........

و أمّا صحّة الحجّ في هذه الصور فلما عرفت من أنّ المشي لیس من شرائط صحّة الحجّ و لا النذر یسبّب شرطیه للحجّ.

و ما استدلّ به علی بطلان الحجّ المأتي به امور:

الأوّل:أنّ الأمر بالشيء یقتضي النهي عن ضدّه و قد تقرّر في محلّه عدم الاقتضاء بل لا یقتضي عدم الأمر بضدّه أیضا و إنّما یقتضي عدم تعیّن تنجیز ضدّه.

الثاني:إنّ البطلان من جهة أنّ ما قصد لم یقع و هو الحجّ النذري و ما وقع هو حجّ النافلة ففیه:أوّلا:إنّا نبني وفاقا للفاضلین علی صحّته مصداقا للحجّ المنذور في الصورتین فما قصد قد وقع و ثانیا أنّ قصد الأمر النذري لا ملزم له لأنّ عبادية الحجّ الفاضلة إنّما هو بالأمر الندبي المتعلّق به في نفسه في رتبة سابقة علی الأمر النذري و الأمر النذري توصليّ في نفسه.و من ثمّة لو بنینا علی عدم صحّة ما أتی به عن النذر لكان ما أتی به صحیحا ندبا.

الثالث:أنّ إتیان الحجّ-و لا سیّما في الصورة الثالثة في المتن و هو فیما لو نذر المشي في حجّ معیّن بأن یكون الحجّ المعین ظرفا للمنذور لا جزء المنذور-علّة لتفویت متعلّق النذر و علّة المعصیة و إن لم نلتزم بحرمتها الشرعية إلاّ أن إیجادها قبیح عقلا فلا تصحّ عبادة لأنّ العبادة یشترط فیها أن یكون صدورها حسنا عقلا.

و فیه:أنّ الكبری المزبورة و إن كانت متینة إلاّ أنّها لا صغری لها في المقام حیث أنّه بترك المشي قبل أعمال الحج یكون قد حنث في نذره بإرادته متعمدا لا بأعمال الحجّ كما في تركه للمشي قبل المیقات و بعد المیقات بعد ما أحرم في المیقات.

نعم یظهر من الشیخین فیما تقدّم حكایته من قولهما فیما لو ركب بعضا و مشی بعضا أن نذر المشي استغراقي لا مجموعي و حینئذ لا یسقط الخطاب النذري بالمشي أثناء الأعمال و هذا إنّما یتأتّی في خصوص الصورة الاولی و هي النذر المطلق و أمّا الصورتین الآخرتین فیتحقّق حنث النذر بمجرّد ترك المشي إلی

مسألة 32:لو ركب بعضا و مشی بعضا فهو كما لو ركب الكلّ لعدم الآتيان بالمنذور

(مسألة 32):لو ركب بعضا و مشی بعضا فهو كما لو ركب الكلّ لعدم الآتيان بالمنذور فیجب علیه القضاء أو الإعادة ماشیا و القول بالإعادة و المشي في موضع الركوب ضعیف لا وجه له (1).

المیقات.

و بعبارة اخری أنّ الوفاء بالنذر و عدم حنثه ارتباطي مجموعي لأنّه تعهّد وحداني غایة الأمر أنّ متعلّق النذر إذا كان أفعالا متعدّدة مستقلّة عن بعضها البعض في نفسها بحسب مشروعیّتها في نفسها السابق علی طرو النذر علیها تكون صحّتها بنحو منفك عن بعضها البعض دون مقام الوفاء بالنذر.

هذا مع أنّه في الصورة الاولی و هي النذر المطلق لا وجه للمعصیة بناء علی قول الشیخین بعد إمكان الامتثال فیما بعد تبعیضا.

فقولهما في مقام الامتثال و صحّة الأفعال في نفسها لا في مقام الوفاء بالنذر و لك أن تقول إنّ هناك ثلاث جهات:

الاولی:صحّة الأفعال في نفسها.

الثانية:الوفاء بالنذر و هو مجموعي.

الثالثة:سقوط قضاء النذر و هو لیس بمجموعي أي أنّ سقوط قضاء الحجّ أو نذر الصوم غیر معلّق علی الوفاء بالنذر بل القضاء معلّق علی ترك الصوم النذري و الحجّ النذري و هو لا یصدق مع إتیان الصوم و الحجّ و لو منفردین عن بقیّة الأفعال التي ضمّها إلیهما في نذر الصوم أو نذر الحجّ فمن ثمّة تبیّن انفكاك موضوع القضاء عن عدم الوفاء.

قد اتّضح من المسألة السابقة ما ینفع في المقام:و هو علی صورتین أیضا:

الصورة الاولی:النذر المطلق أو النذر في سنة معیّنة.و في الصورة الثانية التي جعلها الماتن الاولی لا یجب قضاء الحجّ كما عرفت للصحّة.

نعم یتحقّق حنث النذر في الصورة الثانية و الكفّارة.

مسألة 33:لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره لتمكّنه منه أو رجائه سقط

(مسألة 33):لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره لتمكّنه منه أو رجائه سقط و هل یبقی حینئذ وجوب الحجّ راكبا أو لا بل یسقط أیضا، فیه أقوال:

أحدها:وجوبه راكبا مع سیاق بدنه.

الثاني:وجوبه بلا سیاق.

الثالث:سقوطه إذا كان الحجّ مقیّدا بسنة معیّنة أو كان مطلقا مع الیأس عن التمكّن بعد ذلك و توقّع المكنة مع الإطلاق و عدم الیأس.

الرابع:وجوب الركوب مع تعیّن السنة أو الیأس في صورة الإطلاق و توقّع المكنة مع عدم الیأس.

الخامس:وجوب الركوب إذا كان بعد الدخول في الإحرام و إذا كان قبله فالسقوط مع التعیین و توقّع المكنة مع الإطلاق و مقتضی القاعدة و إن كان هو القول الثالث إلاّ أنّ الأقوی بملاحظة جملة من الأخبار هو القول الثاني بعد حمل ما في بعضها من الأمر بسیاق الهدي علی الاستحباب.بقرینة السكوت عنه في بعضها الآخر مع كونه في مقام البیان مضافا إلی خبر عنبسة الدالّ علی عدم وجوبه صریحا فیه من غیر فرق في ذلك بین أن یكون العجز قبل الشروع في الذهاب أو بعده و قبل الدخول في الإحرام أو بعده، و من غیر فرق أیضا بین كون النذر مطلقا أو مقیّدا بسنة مع توقّع المكنة و عدمه و احن و أمّا في الصورة الاولی فیجب علیه إعادة المشي و لو في حجّ إجاری أو غیره بعد فرض تحقّق الحجّ النذري هذا كلّه بناء علی عدم تبعّض المشي و قد تقدّم في المسألة السابقة الإشارة إلی قولی المفید و الطوسي و جماعة تبعیض المشي في مقام الامتثال و الوجوب كأفعال مستقلّة متعدّدة لا في مقام الوفاء بالنذر أي أنّ كلّ خطوة في السعي إلی الحجّ صحّتها كعبادة غیر مرتبطة بالخطوات اللاحقة كما تفید الروایات الواردة في فضیلة المشي و هو متین إلاّ أنّ منصرف التعبیر في صیغة النذر هو المشي المتواصل بقرینة زیادة المشقّة فمن ثمّ یكون المنذور حصّة خاصّة لا مطلق المشي.

كان الأحوط في صورة الإطلاق مع عدم الیأس من المكنة و كونه قبل الشروع في الذهاب الإعادة إذا حصلت المكنة بعد ذلك لاحتمال انصراف الأخبار عن هذه الصورة و الأحوط إعمال قاعدة المیسور أیضا بالمشی بمقدار المكنة بل لا یخلو عن قوّة للقاعدة مضافا إلی الخبر عن رجل نذر أن یمشي إلی بیت اللّه حافیا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):فلیمش فإذا تعب فلیركب، و یستفاد كفایة الحرج و التعب في جواز الركوب و إن لم یصل إلی حدّ العجز و في مرسل حریز إذا حلف الرجل أن لا یركب أو نذر أن لا یركب فإذا بلغ مجهوده ركب(1).

یقع الكلام تارة بحسب مقتضی القاعدة و اخری بحسب الروایات الخاصّة في المقام.أمّا المقام الأوّل:فقد قرّر في الكلمات أنّ مقتضاه سقوط النذر و انحلاله بالعجز عن القید إذ المقیّد ینتفی بانتفاء قیده، و لكن الصحیح أنّ مقتضی القاعدة عدم السقوط في مثل المقام و هو نذر الأفعال المتعدّدة المستقلّة بحسب طبیعتها الأوّلیة و إن كانت مقیّدة مرتبطة في مقام الالتزام و الوفاء بالنذر.

بتقریب أنّ:قصد الناذر عرفا في مثلها هو بنحو تعدّد المطلوب لا كما حكی عن المسالك و الروضة من انحلال النذر إلی نذرین بل بنحو ما ذكروه في الوقف من أنّ الواقف في صیغة الوقف ینشأ عنوانا معیّنا و في طول ذلك ینشأ ما هو جنس لذلك العنوان الخاصّ فیما إذا تعذّر العنوان الخاصّ و هلمّ جرّا بالإضافة إلی جنس الجنس فلو وقف أرضا لأن تكون حسینیة فتعذر ذلك فتبقی وقفا الأقرب فالأقرب إلی قصد الناذر و لیس ذلك من الأوقاف المتعدّدة بل من الوقف الطبیعي الواحد المأخوذ فیه القیود الخاصّة فالأخصّ بشرط القدرة علیها فمع عدم القدرة یبقی الطبیعي للإنشاء الواحد علی حاله و إن كان متعلّقه لبّا بنحو الطولیة فكذلك الحال في إنشاء النذر في مثل نوع المقام فإنّ استقلالیة الأفعال قرینة حالیة عرفیة علی كون قصد الناذر المجموع بشرط القدرة فمع تعذّر بعض المجموع یبقی الباقي مقصودا أو مطلوبا للناذر في التزامه و إنشائه.

..........

نعم لو صرّح بخلاف ذلك لسقط الباقي بسقوط البعض، و من ثمّ یظهر أنّ مفاد الروایات الواردة هو علی مقتضی القاعدة.

و لو لا ذلك لتوجّه الإشكال علی مفادها بأنّها في صدد مشروعیة الركوب لا الالزام بالحجّ و إن كان هو مندفعا بالتأمّل.

و أمّا المقام الثاني: ففي النصوص الخاصّة:

فقد تقدّم صحیحة رفاعة بن موسی في المسألة السابقة و فیها:«قلت إنّه تعب قال:فإذا تعب ركب» و في صحیح ذریح المحاربي «فلیركب و لیسق الهدي» و في صحیح الحلبي زیادة علی صحیح ذریح «فإنّ ذلك یجزي عنه إذا عرف اللّه منه الجهد» و هي ظاهرة في وجوب الحجّ و الهدي معا.

نعم في ما رواه الشیخ في الصحیح عن عنبسة بن مصعب عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و فیها فقلت شيء واحد أفعله؟فقال:«لا من جعل للّه شیئا فبلغ جهده فلیس علیه شيء» یفید استحباب ذلك و كذا هو مفاد معتبرة إبراهیم بن عبد الحمید عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل جعل للّه علیه نذرا علی نفسه المشي إلی بیت اللّه الحرام فمشی نصف الطریق أو أقلّ أو أكثر فقال «نظر ما كان ینفق من ذلك فیتصدّق به» (1)المحمولة علی العجز و هي ظاهرة في الصدقة المالية لا صدقة الهدي فتأمّل فإنّه قد یقال إنّ غایة مفادها مع مفاد الروایات الاخری الواجب التخییري لا الاستحباب و یكفي في المقام موثقة عنبسة حیث إنّه قد روی عنه العدید من أصحاب الإجماع و كذا الثقات مضافا إلی ما یظهر من روایة جمیل في نفقة الزوجة من الاعتماد علیه (2)ثمّ إنّ ظاهر الروایات سقوط المشي بالعجز عن الأخذ و السعي إلی الحجّ و إن كان النذر مطلقا كما هو ظاهر جدّا من الصحاح المشار إلیها سواء في عبارة الراوي أو في ترك الاستفصال في جوابه (عَلَيهِ السَّلَامُ).


1) ب 21 أبواب النذر ح 2.

2) ب 1 من أبواب وجوب النفقات، ح 4.

مسألة 34:إذا نذر الحجّ ماشیا فعرض مانع آخر غیر العجز عن المشی

(مسألة 34):إذا نذر الحجّ ماشیا فعرض مانع آخر غیر العجز عن المشي من مرض أو خوف أو عدو أو نحو ذلك فهل حكمه حكم العجز فیما ذكر أو لا لكون الحكم علی خلاف القاعدة؟ وجهان و لا یبعد التفصیل بین المرض و مثل العدو باختیار الأوّل في الأوّل و الثاني في الثاني و إن كان الأحوط الإلحاق مطلقا (1).

لا سیّما في تعبیر رفاعة «فتعب» و هو غیر العجز المطلق.

قد ظهر من المسألة السابقة أنّ سقوط المشي و بقاء لزوم الحجّ علی مقتضی القاعدة مضافا إلی أنّ عنوان العجز و (لم یطقه) أعمّ من التعب و المرض و نحوه.

بحمد اللّه تم و الحمد للّه ربّ العالمین و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطیّبین قد تمّ تحریره في یوم الحادي عشر من ذي القعدة مولد مولانا ثامن الحجج عليّ بن موسی الرضا سنة 1419 هـ في قم المقدّسة

المحتویات

الفصل الأول تركه من الكبائر 9

الأقوال في المسألة 10

فورية وجوبه 14

كون الترك كبیرة اذا كان استخفافا بالابراز الإنشائي لا مطلقا 16

وجوبه من المشروط بالمتأخر 19

موضوع استقرار الحج 20

یكفي في وجوب الحج و الإحجاج نیابة عن المستطیع قدرته المالية 24

موضوع الاستقرار مطلق الترك 25

فصل:في شرائط و وجوب حجة الاسلام 28

قاعدة:في شرطیة اذن الأب في اعمال الصبي 31

الأمر الاول:الأفعال العبادية 37

الآتيان بها نیابة علی أربعة صور 37

الأمر الثاني:الصبي غیر البالغ علی ثلاثة درجات 38

الأمر الثالث:الاجزاء و الشرائط المأخوذة في الماهیة العبادية یتصور أخذها علی نحوین 40

الأمر الرابع:الشرائط و الاجزاء المأخوذة في الماهیة

العبادية علی قسمین 41

الأمر الخامس:رد علی اشكال الشاهرودي (قدّس سرّه) في الصبي الذي لم یثغر 42

عدم التعارض في المولود 43

حقیقة النیابة في القسم الثالث 45

الإحجاج نیابة لا ولایة 46

الإحجاج و التسبیب الضماني 49

نفقة الحج و الهدي من مال الصبي 58

قاعدة عمد الصبي خطأ 53

تنبیه 59

بلوغ الصبي عند المشعر 60

قاعدة من أدرك 62

الجواب الإجمالي 62

البیان التفصیلي 64

قاعدة في شرطیة أو جزئية الاحرام 65

استدل للشرطیة 67

قاعدة العدول في الاحرام و وحدة طبیعة الندب و الواجب 68

قصد المندوب مع تحقق الوجوب 70

قصد المندوب مع تحقق الوجوب 72

احكام قصد من تمت الشرائط في الاثناء 74

لیس للمولی الرجوع في اذنه بعد تلبس المملوك بالاحرام 76

الكلام بحسب القاعدة 76

و أما بحسب الروایات 81

الواجب البرزخي بین الكفائي و العیني 86

تحریر القاعدة في المقام 86

كفارات العبد 87

أما بحسب الروایات الخاصة 88

افساد العبد حجه 91

استطاعة المبعض 94

الاستطاعة شرط التنجیز 96

تنقیح الحال في المقام 101

أما بحسب الآیات 102

أقوال اللغويین 103

أما بحسب الروایات 105

أدلّة قیدیتها في التنجیز 108

تحقیق الحال 111

المهانة مسقطة للوجوب 118

اذا لم یكن عنده الزاد و لكن كان كسوبا 119

مدار الاستطاعة علی المكان 120

الضرر المجحف رافع للحج 121

صور في القدرة 123

نفقة العود 123

الوقف العام و الخاص 125

الملك دون القدرة علی التصرف لا یحقق الاستطاعة 127

الاستطاعة مع الدین 128

القدرة الأولی محققة بالاستطاعة لا القدرة علی القدرة 130

قاعدة تقدیم حق الناس علی حق اللّه 134

الكلام بمقتضی القاعدة 134

استدل لهذه القاعدة بروایات 134

قد یتنظر في دلالة الروایات 136

فائدة 138

أما الروایات الخاصة 139

فتحصل 140

كون الدین مانعا من وجوب الحج 140

الاستطاعة و الدیون الشرعية 141

موضوع الاستطاعة بقاء 143

الجهة الأولی علی القاعدة 144

الجهة الثانية:في وقت وجوب الاستطاعة المبدأ الزمني لها 146

وجوه الاقوال المتقدمة 146

تحقیق الحال 147

الجهة الثالثة:حكم تصرفه في مال الاستطاعة تكلیفا و وضعا 150

استقرار الحج مع الغفلة 151

نقض آخر 153

اجزاء المندوب مع الاستطاعة 155

الأولی:في مشروعیة المندوب في ظرف و عام وجوب الحج 155

الثانية:في التقیید و الداعي 155

الثالثة:عند تحقق شرائط الوجوب عند أحد الموقفین 156

محصل النقاط الثلاث 156

الاستطاعة مع الملكیة المتزلزلة 159

الاستطاعة عند القدرة القریبة 160

موضوع وجوب النذر 161

الدوران بین النذر و الحج 162

الاستطاعة بمجرد الایهاب 168

تنبیه 169

تحقق الاستطاعة بالبذل 171

الحج البذلي مجزئ 173

في رجوع الباذل 175

تحقق الاستطاعة ببذل ما عدا الهدي 181

صور في الحج البذلي 183

الاستطاعة مع بذل المغصوب 184

السعي لیس جزء الاعمال 187

تقدم الاجارة علی الاستطاعة منها 191

اخذ مئونة العیال في الاستطاعة 193

استطاعة الأب من مال الابن 195

لو حج فاقد الشروط 196

اخذ الاستطاعة السربیة 199

انكشاف تخلف او وجود الاستطاعة 203

المورد الأول:اذا اعتقد تحقق الشرائط 202

المورد الثاني:اذا اعتقد فقد بعضها و كان متحققا 203

المورد الثالث:و هو ملحق بالمورد السابق 204

المورد الرابع:اذا اعتقد كونه مستطیعا 204

المورد الخامس:اذا اعتقد عدم كفایة ما عنده 204

المورد السادس:ان اعتقد عدم الضرر أو الحرج 204

المورد السابع:اذا اعتقد المانع من عدو 206

المورد الثامن:اذا اعتقد عدم المانع الشرعي 207

المورد التاسع:اذا اعتقد وجود المانع 207

المورد العاشر:اذا حج مع عدم الاستطاعة 207

المورد الحادي عشر:اذا حج مع عدم أمن الطریق 209

تعلق الحق الشرعي بالمال 211

بحث في النیابة 213

وجوب الاستنابة 215

قاعدة تكلیف الكفار بالفروع 230

قاعدة الجبّ 232

قاعدة:عدم صحة عبادات الكافر و المخالف 235

اللسان الأول 237

اللسان الثاني 239

اللسان الثالث 240

اللسان الرابع 240

اللسان الخامس 240

تقریب دلالة هذا اللسان بالبیان العقلي 241

اللسان السادس 244

قاعدة الجب الصغیر في المخالف 245

عدم بطلان العمل بالارتداد 249

قاعدة في ان الارتداد بعد العمل أو في أثنائه لا یبطله 250

شرطیة اذن الزوج في النذر 254

حج المطلقة و الزوجة 256

المعتدة و وجوب الحج 259

شرطیة المحرم في حج المرأة 260

تنازع الزوجین في أمن الطریق 262

العلم بالموت قبل الأعمال 265

وجوب القضاء عن المیت 268

قصور التركة عن الحج و ما أوصی به 272

قاعدة في تعیین المالك لما یقابل الدین و الوصية من التركة 277

لتنقیح الحال یقع الكلام في جهات 278

الأولی:أدلة الأقوال المتقدمة 278

الثانية:تحقیق الحال في الأقوال 279

الثالثة:المقدار الذي یقابل الوصية 282

الرابعة:حق الغرماء في التركة 283

الخامسة:جواز تصرف الورثة 283

قاعدة:في اقرار أحد الشركاء بحق مشاع أو معین 289

الجهة الأولی:في مقتضی القاعدة 286

الجهة الثانية:في الاخبار الواردة 289

الجهة الثالثة:ان ما تقدم من اشتراك الكلي في المعین 291

الجهة الرابعة:لو كان الاقرار بالحج كان ما یجب علی الوارث المقر دفعه 291

عدم وفاء التركة بالحج 293

في المسألة صور 293

الحج البلدي عن المیت 294

فروعات الحج البلدي عن المیت 297

الحج النیابي مع اختلاف التقلید 299

اختلاف الوظیفة اجتهادا أو تقلیدا في عدة مقامات 301

أما المقام الأول:ذكر الماتن له صورتین 302

الحج النیابي مع اختلاف في الوظیفة المحرزة 303

المقام الثاني:تارة بأن لم یكن المیت مقلدا..أو كان مقلدا 305

المقام الثالث:ان بنی علی ان الوارث یلزم بالنسبة 306

المقام الرابع:حاله حال الأول 306

الحج عن المیت عند الشك في تفریغه ذمته 307

الشك في اداء المیت الحج الواجب 308

وجوب قضاء الحج عن المیت 310

نیابة الصرورة المستطیع 313

بطلان اجارة الصرورة المستطیع 320

فصل:في الحج الواجب بالنذر و العهد و الیمین 323

انعقاد النذر من الكافر 324

شرطیة الاذن في یمین و نذر الزوجة 328

في المسألة جهات:

الجهة الأولی:في المقام ثلاثة اقوال أو وجوه 328

الجهة الثانية:الكلام في النذر 331

الجهة الثالثة:في عموم الحكم في الولد 332

الجهة الرابعة:للمذكورین حل الیمین 333

الجهة الخامسة:عدم وجوب انفاق المولی علی العبد المأذون في الحج 333

فروع شرطیة الاذن في النذر 335

الجهة الأولی:في الواجبات الموسعة 340

الجهة الثانية:الواجبات تكلیفية محضة و تكلیفية فیها مفاد وضعي 340

الجهة الثالثة:في النذر مفاد وضعي 341

الجهة الرابعة:اخراج المنذور من الأصل 342

قضاء الحج النذري عن المیت 348

اجزاء الحج النذري عن حجة الاسلام 351

انطباق الحج النذري علی حج الاسلام 353

هذا كله علی مقتضی القاعدة و أما الروایات في المقام 355

القدرة في الحج النذري التخییري 359

انعقاد نذر المشي للحج 361

الجهة الأولی:وردت فیه اربع طوائف 361

تعارض الروایات في رجحان المشي 363

الجهة الثانية:مدرك القول بانحلال النذر 363

الجهة الثالثة:في دلالة الروایات 364

الجهة الرابعة:امتثال متعلق النذر 364

جواز امتثال النذر بالأفضل من المتعلق 367

الضابطة في القصد الإنشائي للماهیات 370

عدم سقوط نذر الحج ماشیا بتعذّر المشي 372

اذا حنث في المشي و حج 374

انفكاك القضاء عن عدم الوفاء في النذر 377

كون النذر كالوقف علی الاقرب فالاقرب 379