خطاک إلی أجلک

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

خطاک إلی أجلک

الكاتب: آية الله العظمى الشيخ محمد اليعقوبي

لسان: العربية

الناشر: دار الصادقين - النجف اشرف - العراق

سنة النشر: 1434 هجري قمري|2013 میلادي

اشارة

الفصل الأول: الأعمال تعرض على الأئمة (عليهم السلام)

اشارة

احذروا عرض أعمالكم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

احذروا عرض أعمالكم على رسول الله(1)(صلى الله عليه وآله وسلم)

ورد في رواية معتبرة عن الإمام الصادق أنه قال: (ما لكم تسوؤن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال رجل: كيف نسوؤه؟ فقال: أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى معصية ساءه ذلك، فلا تسوؤا رسول الله وسروه).

وفي رواية أخرى عنه قال: (تُعرض الأعمال على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعمال العباد كلَ صباح أبرارها وفجارها فاحذروها وهو قول الله تعالى: «اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ» وسكت)(2).

أقول مادام الأمر كذلك وتعرض أعمالنا أولا بأول على رسول الله والأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم)، فماذا سيجدون في أعمال أمتهم اليوم؟ وكم يكون الالتفات إلى هذه الحقيقة مؤثراً على مراقبتنا لأنفسنا والمحاسبة على ما يصدر منها؟ لا شك إن أعمال الأمة


1) من حديث سماحة الشيخ اليعقوبي مع ثلة من طلبة جامعة الصدر الدينية / فرع بغداد الجديدة الذين ارتدوا الزى الديني يوم 22 ع 1429 2 المصادف 2008/4/29.

2) أصول الكافي /ج 1 / كتاب الحجة / باب عرض الأعمال على الله والأئمة (صلوات الله عليهم).

اليوم سيئة تؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يطلع عليها ويرى فيها كيف غلب حب الدنيا على أمته حتى انتهكت المقدسات وارتكبت المحرمات.، وهذه مدينة الصدر ببغداد أحد الشواهد حيث بلغ عدد ضحايا المواجهات(1)المستمرة منذ أكثر من شهر أكثر من ألف قتيل وثلاثة آلاف جريح وشرِدت آلاف الأسر ويعاني مليونا إنسان الأمرّين.

الحذر من الاغترار بالدنيا:

يقول أمير المؤمنين في أحدى مواعظه

(عِبَادَ اللَّهِ إِنَّكُمْ وَ مَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا أَثْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ وَ مَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ أَجَلٌ مَنْقُوصٌ وَ عَمَلٌ مَحْفُوظٌ فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعٌ


1) إشارة إلى المعركة التي قادها رئيس الوزراء نوري المالكي وبمساعدة الأمريكان للقضاء على الجماعات المسلحة المنتمية إلى بعض التيارات السياسية وأطلق عليها اسم (صولة الفرسان) وقد بدأت من البصرة يوم الثلاثاء 17 ربيع الأول 1429 المصادف 2008/3/25 وكان مع رئيس الوزراء في قيادة العمليات وزراء الدفاع والداخلية والأمن الوطني والعدل وكالة والقادة العسكريون، وامتدت المعارك مباشرة إلى العديد من المدن العراقية وحصلت مواجهات عنيفة بين المسلحين والقوات الأمنية دفع فيها الأبرياء من المدنيين ثمناً باهظاً من الأرواح والممتلكات وكانت الأعنف والأطول في مدينة الصدر ببغداد ولم تتوقف إلا في يوم 12 جمادى الأولى 1429 المصادف 2008/5/18 بعد اتفاق من عدة نقاط بين ممثلي كتلة الائتلاف العراقي الحاكم والتيار الصدري.

وَ رُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ وَ قَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إلا إِدْبَاراً وَلا الشَّرُّ فِيهِ إلا إِقْبَالا وَ لا الشَّيْطَانُ فِي هَلَاكِ النَّاسِ إلا طَمَعاً فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ وَ عَمَّتْ مَكِيدَتُهُ وَ أَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ).

ثم يصنف الناس إلى عدة أصناف فيقول

(اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ فَهَلْ تُبْصِرُ إلا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً أَوْ بَخِيلا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً).

ندرة الصالحين:

ثم يتأسف لندرة الصالحين في الأمة ويهزأ بمن يمنّي نفسه بالجنة من دون عمل صالح فيقول (عليه السلام)

(أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وَ صُلَحَاؤُكُمْ وَ أَيْنَ أَحْرَارُكُمْ وَ سُمَحَاؤُكُمْ وَ أَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ وَ الْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ أَ لَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ وَ الْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ وَ هَلْ خُلِقْتُمْ إلا فِي حُثَالَةٍ لا تَلْتَقِي إلا بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ وَ ذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ظَهَرَ الْفَسَادُ فلا مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ وَلا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ أَ فَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ وَ تَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ هَيْهَاتَ لا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ وَلا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إلا بِطَاعَتِهِ لَعَنَ اللَّهُ الآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ وَ النَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ).

ونجد كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) صادقة على المجتمع اليوم والناس هم الناس والتصنيف منطبق عليهم. فنسمع أن في البصرة بعد أن منَّ الله عليهم بالخلاص من سطوة العصابات المسلحة وجرائمها انتشرت الخمور على أرصفة الشوارع وأصبحت علامة النصر المزعوم المجاهرة بمعصية الله تبارك وتعالى وسبّ العلماء والمباهاة بفعل المحرمات فهذا نموذج لمن بدّلو نعمة الله كفراً، قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ» (إبراهيم: 28-29).

الفصل الثاني: النية تزكي العمل وتنمّيه

اشارة

النية تزكي العمل وتنمّيه

النية تزكي العمل وتنمّيه(1)

يستطيع الإنسان تنمية عمله وتزكيته وتكثيره بالنية، وهذا أحد معاني الحديث الشريف (نية المؤمن خير من عمله)(2)لأن العمل واحد ولكن النية تكثره وتنوّعه وتضاعفه، فتكون النية حينئذٍ خيراً من العمل نفسه.

خذ لذلك مثلاً حينما يريد الشاب أن يتزوج، فإنه عمل مبارك يقيم به سنة الله تبارك وتعالى وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (النكاح سنتي)(3)فيؤجر على ذلك، ولكن أجره يمكن أن يزداد بإضافة نية أخرى وهي أنه بزواجه وإنجابه سيزيد من عدد النسمات الصالحة في البشرية وعدد الموحدين الذين يثقلون الأرض بكلمة (لا إله إلا الله) ويكون مشمولاً بشكل من الأشكال بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

(يا عليُّ، لا تُقاتلن أحداً حتى تدعوه، وأيمُ الله لَأن يهدي الله على يديك رجلاً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس وغربت ولك


1) من حديث سماحة الشيخ اليعقوبي مع حشد من المواكب المتوجهة إلى كربلاء المقدسة من عدة مدن في الجنوب لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) مشياً على الأدام يوم الاثنين 11 شعبان 1430 المصادف 2009/8/6.

2) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (نية المؤمن خيرٌ من عمله، ونية الكافر شرٌ من عمله، وكل عامل يعمل على نيته). الكافي: ج 2 ص 84.

3) البحار: ج 103 ص 222.

ولاؤه يا عليُّ(1)لأن إنجاب ولد صالح إسهامة في زيادة عدد الصالحين كما لو أصلح رجلاً فاسداً ومنحرفاً.

ويمكن أن يزيد أجره بإضافة نية أخرى وهي إدخال السرور على قلب المؤمنة التي يتزوجها حيث أنها بالزواج تجد نفسها وتعزّز مكانتها وتزيد من قيمتها، والزوج يوفر لها هذه الفرصة ويحقق أمنيتها ويدخل السرور عليها، فيحصل على ما وعد به المعصومون (سلام الله عليهم) من الثواب العظيم على هذا العمل بحيث ورد في بعض الأحاديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله:

(لا يرى أحدكم إذا أدخل على مؤمنٍ سوراً أنه عليه أدخله فقط، بل والله علينا، بل والله على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(2).

ويمكن أن يضيف نية أخرى بأنه من خلال التزويج يساهم في إصلاح المجتمع وعلاج مفاسده الأخلاقية لما في الزواج من إحصان واطمئنان واستقرار ففي الحديث (إلا تفعلوه أي التزويج - تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)(3).

بذكر الله تعالى نلتفت الة النية:

وهكذا نلاحظ أن عملاً واحداً - وهو الزواج في


1) الكافي: ج 5 ص 28.

2) الكافي: ج 2 ص 189.

3) انظر الكافي: ج 5 ص 347.

المثال - كيف ضاعفت النية الصالحة ثوابه وعظمت شأنه فإذا استطعنا أن نلتفت إلى هذا اللطف الإلهي في كل أعمالنا فإنه سيكون سبباً لنيل مزيد من الثواب ورضا الله تبارك وتعالى ونعوّض بذلك قصر أعمارنا في هذه الدنيا وعدم استيعابها لكثير من فعل الخيرات، وهذه كلها من ثمرات ذكر الله تبارك وتعالى في أغلب الأحوال والحياة في حضرته المقدّسة، فإن المؤمن لا يستطيع أن يستحضر كل هذه النيات إذا لم يكن ذاكراً لله تبارك وتعالى وحاضراً عنده تبارك وتعالى.

الالتفات الى النية يزيد الهمة:

وهذه الالتفاتة من أسباب زيادة الهمّة في العمل الصالح والمسارعة إليه وعدم الاكتراث بصعوباته ومعوقاته، تذكّروا أيها الأحبة - وأنتم تتوجهون إلى كربلاء المقدّسة مشياً على الأقدام من مدن بعيدة تصل إلى مئات الكيلومترات للتشرف بزيارة الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في ليلة النصف من شعبان وإحياء ذكرى ميلاد المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)، تذكّروا ما أعدّ الله تعالى من الكرامة لمن زار الحسين (عليه السلام) معتقداً بولايته عارفاً بحقه ناصراً له ولقضيته التي خرج من أجلها وهو الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتشملكم بذلك دعوات الإمام الصادق (عليه

السلام) لزائري قبر جدّه.

تركيز النية ومضاعفة العمل:

فإذا كانت هذه الزيارة هي زيارة النصف من شعبان التي ورد فيها أن (من أراد أن يصافحه مئة وأربعة وعشرون ألف نبي فليزر الحسين (عليه السلام) ليلة النصف من شعبان فكم سيتضاعف الأجر؟

وإذا كان الزائر يسير على قدميه ولو لمسافة قصيرة فإن الحديث الشريف يعده بكتابة حسنة كلما رفع قدماً ومحو سيئة كلما وضعها وغيرها من الأجر.

وإذا أضاف لذلك نية تعظيم الشعائر وإظهار عزة أهل البيت (عليهم السلام) وعلو مكانتهم وإظهار حقهم ومظلوميتهم والفرح بميلاد منقذ البشرية من الضلالة ومقيم دولة الحق والعدل فإن قيمة عمله ستزداد بلطف الله تبارك وتعالى.

وله أن يزيد قيمة العمل أكثر بإهدائه إلى المعصومين الأربعة عشر (سلام الله عليهم) فإنهم بكرمهم سيتقبّلون الهدية ويباركونها ويردُّون الفعل الجميل بأجمل وأحسن منه. كما ورد في الدعاء (مني ما يليق بلؤمي ومنك ما يليق بكرمك) وكما قال إخوة يوسف لأخيهم لما وردوا مصراً [وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ] لكنه (عليه السلام) أكرمهم ورفع من شأنهم بما يليق بكرمه وليس بما يليق

بفعلهم.

تداخل النية والعمل:

وهذه الالتفاتة تنفعكم أيها الأحبة - على صعيد الأحكام الشرعية من خلال تداخل الأعمال والنيات، كمن أجنب يوم الجمعة فإنه ينوي بغسله الجنابة والجمعة فيؤجر لهما وقد ينوي أيضاً غسل التوبة أو غسل يوم المبعث النبوي أو الغدير إذا صادفا ذلك وهكذا.

أو على صعيد الصلاة فلو فرضنا أن همّته قصرت عن صلاة أربع ركعات نافلة المغرب وركعتي صلاة الغفيلة بين المغرب والعشاء فيجوز له أن ينوي بصلاة الغفيلة أنها ركعتان من نافلة المغرب، وهذا طبعاً في الموارد القابلة للتداخل.

وهذا الباب الواسع من الألطاف الإلهية يحتاج إلى التفات وحضور وقبل كل شيء يحتاج إلى معرفة لذا ورد في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) (أول الدين معرفته) وبدون معرفة كيف سيلتفت الإنسان إلى مثل هذه الأمور.

النية توجب الثواب:

وزيادة على ما مضى فإن مجرد النية الصالحة لأعمال الخير توجب الثواب للإنسان وإن لم يعمل، كما لو نوى أن لا يظلم أحداً وأضمر في نفسه الخير والرحمة

لكل الناس لذا ورد عن المعصومين (عليهم السلام) أن من أهم الأعمال أن يصبح الإنسان ويمسي وهو لا يهمّ بظلم أحد.

وهكذا ينوي أن يبرَّ والديه وأن يحسن إلى جيرانه وأن يقضي حوائج الناس وغيرها من الأعمال الصالحة فيؤجره الله تبارك وتعالى حتى لو لم تتيسّر له الأسباب لإنجازها ما دام صادقاً في عزمه مخلصاً في نيته.

وقد ورد أن أحد أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) قال بعد نصر الله الحق في معركة الجمل: وددت أن أخي فلاناً كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك.

فقال (عليه السلام): أهوى أخيكَ معنا؟

قال: نعم يا أمير المؤمنين.

قال (عليه السلام): فقد شهدنا، ولقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان.

الفصل الثالث: تحسين العمل والمداومة على حالة الطاعة

اشارة

أهم من العمل أمران:

العمل وحده لا يكفي:

أن الأعمال التي يتقرّب بها إلى الله تعالى لها مدى واسع يستوعب الخلق كلهم، وهنا نقول أن القيام بالعمل الصالح وحده لا يكفي بل يوجد ما يتمّمه ويعطيه قيمته وهو أهم من العمل نفسه لأنه بدونه يبقى عملاً فارغاً وشكلياً لا قيمة له، كما ورد في بعض الروايات إن صلاة بعض الناس تلّف في خرقة يوم القيامة وترمى بها في وجهه، وإنه (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ، وكم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه)(1)

وما ورد في الحج أن أحد أصحاب الأئمة أعجب بكثرة الحجيج وارتفاع أصواتهم بالتلبية والتكبير والحمد لله تعالى فقال له الإمام (عليه السلام): ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج.

فالعمل وحده لا يكفي لنيل رضا الله تبارك وتعالى والفوز عنده، بل قد يكون وبالاً على صاحبه كما ورد في دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة (إلهي كم طاعة بنيتها، وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك بل أقالني منها فضلك) فقد كنت أتصور أن ميزاني


1) نهج البلاغة: 4 / من حكمه (عليه السلام) الحكمة رقم (145) وفيه (وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء، حبذا نوم الأكياس وإفطارهم).

ثقيل بالأعمال الصالحة التي قدّمتها وعوّلت عليها لكنها لما عُرضت على الموازين القسط ليوم القيامة وإذا بها لا قيمة لها، بل صرت أهرب وأتبرأ منها وأطلب الإقالة والعفو عنها.

لنضرب لكم مثالاً:

وقد تستغرب ذلك لكنني أقرّبُ القضية بمثال: فلو أن ملكاً دعا شخصاً حقيراً للقائه وضيافته فلبى الدعوة وكان الملك مقبلاً عليه وهيأ له كل أسباب التكريم والجوائز الثمينة لكن المدعو كان مُعرضاً عنه ولا يلتفت إليه ومتشاغلاً بأمور أخرى، ألا تعد هذه إساءة في الأدب مع الملك ويعاقب عليها؟ فالصلاة دعوة للقاء الله تبارك وتعالى ومناجاة معه فإذا كان المصلي مشغولاً عن ربه وشارد الذهن عن صلاته فهو كهذا الشخص مع حقارة قدره أمام ملك الملوك فماذا سيكون جزاؤه؟ فهذا هو حال صلاتنا التي هي أهم العبادات وعمود الدين فكيف نرجوا الثواب عليها؟ إلا بلطف الله تعالى وكرمه وفضله وصفحه.

اقتران العمل بتحسينه:

فلا بد أن يقترن العمل بأمرين لينتج الغرض المطلوب وهما:

الأول: تحسين العمل، قال تعالى «اَلَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» (الملك: 2) فليس المهم كثرة العمل وإنما حسنه، وقد حثّت آياتٌ كثيرة على حُسن العمل وإن القبول بحسب الإحسان في العمل. قال تعالى «إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» (الأعراف: 56) «إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً» (الكهف: 30).

كيف يمكن تحسن العمل؟

وإحسان العمل يتحقق بجملة أمور:

منها: إخلاص النية لله تبارك وتعالى والإتيان بالعمل لنيل رضاه وليس لأي هدف آخر، فهذا الحج قد يأتي به شخص للمباهاة أو للرياء وليقال له (حاج فلان) أو للسياحة والاطلاع على تلك المشاهد المقدسة وغيرها من النوايا غير المخلصة، فهذا لا يكون عملاً مقرباً إلى الله تعالى وإن كان الحاج لا يحرم الأجر مطلقاً مهما كانت نيته لكن قد يكون أجره في الدنيا كما ورد في بعض الروايات.

ومنها: إتقان الأحكام الشرعية للعمل وحفظ حدوده، فللحج أحكام وتفاصيل لابد من معرفتها وأداء العمل بشروطه لأن الإخلال بها إخلال بالعمل نفسه وقد يقع باطلاً، لذا لابد من اختيار المرشدين العارفين الورعين والآخذ منهم ومتابعتهم وسؤالهم عن دقائق الأمور

، فالعمل التام لا بد أن يقترن بالعلم والإخلاص، ورد في الحديث الشريف (الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطرٍ عظيم)(1).

ومنها: الالتفات إلى أسرار العمل ومعانيه وحقائقه، فإن وراء هذه الأعمال الجوارحية حقائق هي المطلوبة من العمل وليس هذه الحركات الشكلية، كالأمثال التي تُضرب وتراد منها الحقيقة التي صورت على شكل هذا المثل، وكالرؤيا الصادقة في المنام التي لها حقيقة تؤول إليها الرؤيا وترجع إليها لذا سميت تأويل الأحلام فمثلاً ملك مصر رأى في المنام سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وآخر يابسات وكانت حقيقة هذه الرؤيا ما فسرها به يوسف الصديق (عليه السلام).

فيحسن التعرف إلى الأسرار المعنوية لمناسك الحج والأغراض المقصودة من حركاته وأفعاله وهي على مستويات وتحتاج إلى بحث مفصّل كالذي ورد في رواية الإمام السجاد (عليه السلام) مع الشبلي(2).ة.


1) جامع السعادات: 220/1.

2) راجعها في رسالة مناسك الحج لسماحة الشيخ، صفحة 244 الطبعة الثالثة.

الثاني: المداومة على العمل وحفظه ومواصلته، ولا نعني بهذا الأمر تكرار الحج لأن هذا غير متيسّر إلا نادرٌ فللمداومة أنحاء عديدة ربما نتعرض لشرحها في خطبة مستقلة بإذن الله تعالى.

لكننا نريد الإشارة هنا إلى أن الإنسان قد يوفّق في مثل هذه المواسم الروحية الخالصة إلى أعمال إضافية لم يكن معتاداً عليها فيؤديها بسبب ارتفاع الهمة للطاعة والأجواء المشجّعة ومصاحبة المؤمنين الصالحين والتعلم منهم كصلاة الليل أو تلاوة القرآن (الذي يستحب ختمه في رحلة الحج) أو صلاة جعفر الطيار التي كان السلف الصالح يهتم بها ويواظب عليها، أو الصلاة في أوقاتها ومنها صلاة الصبح وصلاة الجماعة والاستماع إلى التوجيهات الدينية وغيرها، فالمطلوب منه أن يستمر على هذا التقدم ويحافظ على هذا الانتصار الذي حققه على النفس الأمّارة بالسوء فيواظب على هذه الأعمال التي وُفّق إليها وذاق حلاوة أدائها.

وهكذا ينبغي للمؤمن أن يحافظ على كل المكاسب التي يحققها في جهاده مع نفسه مما يُوفّق له في الأزمنة الشريفة كشهر رمضان - أو الأمكنة الشريفة أو المواسم المباركة كالحج.

لاحظوا ما ورد في من حفظ سورة من القرآن الكريم أو آية ثم نسيها وهي عدة روايات معتبرة منها صحيحة أبي بصير قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): من نسي سورة من القرآن الكريم مثلت له في صورة حسنة ودرجة رفيعة في الجنة فإذا رآها قال: ما أنتِ فما أحسنك ليتك لي؟ فتقول: أما تعرفني أنا سورة كذا وكذا ولو لم تنسني رفعتك إلى هذا)(1).

ومن المداومة على العمل إدامة آثاره كالانتهاء عن الفحشاء والمنكر بالنسبة للصلاة قال تعالى «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ» (العنكبوت: 45) فيجعل المؤمن صلاته نصب عينيه ويتذكرها دائماً لتردعه عن الهم بأي معصية أو منكر، فهذه مداومة على الصلاة، وقد وعد الله تعالى بأن (الحاج لا يزال عليه نور الحج ما لم يلمّ بذنب)(2).4.


1) أصول الكافي: كتاب فضل القرآن، باب (من حفظ القرآن ثم نسيه).

2) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب وجوب الحج وشرائطه، باب 38، ح 14.

كيفية إدامة حالة الطاعة كالحج

قلق المؤمن:

ورد في الحديث الشريف (من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان أمسه أفضل من يومه فهو ملعون) وهنا قد يشعر المؤمن المخلص بالقلق باعتبار أنه أنهى أياماً مباركة في جوار بيت الله الآمن والمشاعر المقدسة وزيارة النبي (صلى الله عليه وآله) وتجرد فيها لله تبارك وتعالى وتخلى عن الأهل والمال والموقع والجاه والمنزلة الاجتماعية، وسيعود بفضل الله تبارك وتعالى إلى أهله ووطنه ووضعه الطبيعي ويعود إلى انشغالاته فهل سيكون أمسه الذي قضاه في هذه الأرض المقدسة أفضل من يومه الذي سيعود إليه فيوطنه ويكون مشمولاً بما ورد في الحديث أعلاه؟

وهذا القلق نابع من روح إيمانية صادقة ولكن يمكن دفعه بوجوه:

إن هذه الانتقالة هي بمشيئة الله تبارك وتعالى وإرادته كإرادته انتهاء شهر رمضان ورفع موائد ضيافة الرحمن وغيرها من موارد نزول الألطاف الإلهية، وما دام الأمر كذلك فهو ليس من فعل العبد والحديث الشريف ناظر إلى ما يصدر من العبد.

علماً بأن الله تعالى يرأف بالعبد ويرحمه فلا يجعله في حالة روحية مستمرة لأن بدنه لا يطيق ذلك، كما ورد في بعض الأخبار أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستغرق في بعض الحالات مع ربّه حتى يخشى عليه فيضرب على فخذ إحدى زوجاته ويقول لها كلميني، فهذا الانتقال في الحالات من رحمة الله تعالى بالعباد فلا يقلق منه.

2 - إن العمل وإن لم يستمر لانتفاء موضوعه أو لزوال ظروفه كانتهاء شهر رمضان أو موسم الحج إلا إن نية العود والمواصلة يمكن أن تبقى مستمرة فتكون سبباً لاستمرار الأجر لذلك ورد استحباب نية العود إلى الحج وكراهة نية عدم العود وأن (من رجع من مكة وهو ينوي الحج من قابل زيد في عمره) (ومن خرج من مكة ولا ينوي العود إليها فقد اقترب أجله ودنا عذابه).

ومما ورد في دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة (إلهي إنك تعلم إني وإن لم تدم الطاعة مني فعلاً جزماً فقد دامت محبة وعزماً) وهذا المعنى يريد الإمام (عليه السلام) أن نتأدب به إزاء كل طاعة وليس الحج فقط.

3 - إن تكرار العمل واستمرار هو إدامته تعني أن يقع ذلك في ظرفه المخصص له فإدامة الحج يعني أن يحج كل سنة في أيامه المعدودات وإدامة صوم رمضان يعني صوم هذا الشهر من كل سنة فمن فعل ذلك فهو مداوم على العمل وليس في عمله تراجع.

4 - قد جعل الله تعالى بدائل عن هذه الطاعات المهمة ونزّلها منزلتها لإشباع رغبة التواقين للكمال فجعل مثلاً صوم ثلاثة أيام في كل شهر (أول خميس وأربعاء في العشرة الوسطى وآخر خميس) تعدل صوم الشهر كله فإذا التزم بها فكأنما بقي في حالة صوم مستمر، وجعل زيارة الحسين (عليه السلام) تعدل حجة أو عمرة أو أكثر كتعويض عمّن فاته الحج، وهذا وجه لفهم الروايات الواردة في فضل زيارة الحسين (عليه السلام) نستطيع به مخاطبة العقول التي لا تدرك معنى الولاية ودرجتها وقد أمرنا بمخاطبة الناس على قدر عقولهم والشاهد على هذا المعنى أن الروايات كلها تنزّل زيارة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أو الحسين (عليه السلام) أو الأئمة الآخرين منزلة الحج والعمرة دون العكس ومقتضى القاعدة عدم أفضلية المنزّل على المنزّل عليه.

وهنا أوصي الخطباء والمتحدثين عبر القنوات الفضائية الكتاب بالالتزام بهذه الوصية النبوية الشريفة أعني عدم تحميل الناس فوق طاقتهم وإنما التعامل معهم برفق ومداراة.

ومن البدائل الواردة عن الحج أن

(صلاة الجمعة حج المساكين) وتوجد اليوم بفضل الله تبارك وتعالى صلوات الجمعة جامعة للشرائط كثيرة، بل ورد في صحيحة أبي بصير ويونس بن ظبيان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال

(صلاة فريضة أفضل من عشرين حجة، وحجة خيرٌ من بيت مملوء من ذهب يتصدق به حتى لا يبقى منه شيء).

إننا قلنا أن وراء هذه الأعمال حقائق وأغراض يرجع إليها العمل ويؤول إليها وتكون تلك الحقائق والآثار هي المراد من تلك الأعمال، كالأمثال التي تضرب ويراد منها حقائقها أو تأويل الأحلام ونحوها، والمراد من الحج هو الشخوص إلى الله تبارك وتعالى والتجرد له والتخلي عمّا سواه والحياة في كنفه وذكره، وباختصار فإن الحج فرار إلى الله تعالى من أسر الهوى والشهوات والتعلق بغير الله تعالى مما ذكرته الآية الشريفة «زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ

وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» (آل عمران: 14) ومن الأغلال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية وغيرها التي بُعث النبي (صلى الله عليه وآله) لتحريرهم من أسرها ووضع أوزارها عنهم، قال تعالى «وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» (الأعراف: 157).

ورد في الكافي للكليني ومعاني الأخبار للشيخ الصدوق (رضوان الله تعالى عليهما) بسندهما عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى «فَفِرُّوا إِلَى اللّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ» (الذاريات: 50) قال (حجّوا إلى الله عز وجل).

فيمكن للعبد إدامة الحج بإدامة آثاره وأغراضه التي شُرّع من أجلها بأن يكون العبد متجرداً إلى الله تعالى لا تشغله أمور حياته - وإن اقتضت طبيعته البشرية والتزاماته الخوض فيها - عنه تبارك وتعالى.

ففي الكافي والتهذيب بالإسناد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال

(الحاج لا يزال عليه نور الحج ما لم يلم بذنب) وهذا يعني أن الله تعالى تفضل على الحجاج بإبقائهم في حج مستمر إذا صح التعبير - وفي

رحاب بيته الآمن وإن غادروه إلى أوطانهم إلا أن يشاؤوا هم الخروج منه بارتكابهم الذنب والعياذ بالله تعالى.

فعلينا أيها الإخوة والأخوات أن نحترم حجتنا ونعطيها أكبر قيمة ممكنة ونحافظ على آثارها بمراقبة النفس وأن نتذكر دائماً أننا ضيوف الرحمن ومن حجاج بيته ولا يمكن أن يكون حال الإنسان بعد الحج كحاله قبله فإذا خاض الجالسون في غيبة أو انتقاص من مؤمن أو عرضت معاملة مشبوهة أو محرمة أو مالت النفس إلى نظرة خائنة أو فعل محرم فتذكر أيها الأخ والأخت أن كحاج وحاجة وهذا لا يناسبكما.

الفصل الرابع: الإمام السجاد (عليه السلام) يدعونا الى استثمار الوقت

اشارة

الإمام السجاد (عليه السلام) يدعونا إلى استثمار الوقت

الإمام السجاد (عليه السلام) يدعونا إلى استثمار الوقت(1)

المعاني الإيجابية والسلبية من إثارة العاطفة:

هذه الأيام أيام الإمام السجاد (عليه السلام) بامتياز لأن فيها ذكرى استشهاده، ولأنها أيام مصائبه وآلامه التي عجزت الجبال الرواسي عن تحملها، ولأنها أيام مكارمه ومآثره ومواقفه العظيمة في الكوفة والشام والمدينة التي شابهت مواقف جديه رسول الله وأمير المؤمنين وأبيه الحسين (صلوات الله عليهم أجمعين).

وبهذه المناسبة نقول: عندما يتناول الخطباء والمتحدثون ذكر الإمام السجاد (عليه السلام) فإنهم يركزون على جانب المأساة في حياته أي قضية كربلاء وما تلاها من أحداث، وهي لعمري صفحة مؤلمة في تأريخ الإنسانية اهتزت لها مشاعر الأعداء قبل الموالين كما تشهد بذلك جملة من الروايات التأريخية في كربلاء وما بعدها مما


1) كلمة ألقاها سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد اليعقوبي على طلبة البحث الخارج يوم الأحد 29 محرم 1433 المصادف 2011/12/25 وتحدث ببعض أفكارها في لقائه مع وفد كلية الطب في جامعة البصرة وطلبة إعدادية الفجر في ناحية الفجر يوم الجمعة 27 /محرم / 1433.

اضطر يزيد اللعين أن يتبرأ مما جرى ويرمي بمسؤوليته على ابن زياد.

أي المحاجر لا تبكي عليك دماً *** أبكيتَ والله حتى محجر الحجرِ

فهذا النمط من تناول الأحداث مشكور ومأجور وضروري لإبقاء الوهج والزخم للحادثة ولتوسيع قاعدة المتأثرين به واندفاعهم بسبب ذلك إلى الإيمان بمبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) ومدرسة أهل البيت (سلام الله عليهم) عموماً، على أن يخلو من الإسفاف الذي لا يليق بالمقام المقدس للأئمة المعصومين (عليهم السلام) كإنشادهم عن حال الإمام السجاد (عليه السلام):

ويصيح واذلاه أين عشيرتي *** وسراة قومي أين أهل ودادي

في حين أن الله تعالى يقول رداً على المنافقين: «يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَ لِلّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» (المنافقون: 8) ويقول الإمام السجاد (عليه السلام) في بعض أدعية الصحيفة السجادية

(فأولياؤه بعزته يعتزون) وما خرج الإمام الحسين (عليه السلام) إلا لرفض الذلة وتحصيل

العزة حتى أصبحت كلمته شعاراً

(هيهات منا الذلة) وقال (عليه السلام):

(لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ لكم إقرار العبيد).

فإثارة العاطفة أمر محمود ومنتج بشرط تهذيبه وتصحيحه، وهو من جملة الأمور التي يجب تنزيه المنبر الحسيني عنها.

مضافاً إلى أن الاقتصار عليه يحرمنا الكثير مما ينبغي أن نتعلمه ونتزود به لديننا ودنيانا وآخرتنا، فحياة الإمام السجاد (عليه السلام) حافلة بالعطاء في مختلف شؤون الحياة وكان له تأثير فاعل في حياة الأمة جميعاً وليس فقط في شيعته ومواليه، ففي الحادثة المعروفة التي أنشأ فيها الفرزدق قصيدته الميمية المشهورة، حينما انكشف الناس جميعاً عن الحجر الأسود وأصبحوا صفين ومشى الإمام السجاد (عليه السلام) بهدوء وسكينة ووقار ليلثم الحجر الأسود في حين عجز الملك الأموي بكل جبروته وبطشه وعدته العسكرية وجيوشه أن يتقدم نحو الحجر، وربما لم يكن في ذلك الجمع من الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) إلا القليل كما هو المعروف على مرّ السنين، لكن هيبة الإمام السجاد (عليه السلام) فُرضت على الجميع وحبّه ومودته ألقيا في قلوب الجميع فلم يتمالكوا أنفسهم، وهذا شاهد على سعة عطائه وعمق تأثيره في الأمة كلها.

هذا ما يجب إظهاره من حياة الإمام السجاد (عليه السلام)، وإن حالة واحدة من حالاته (عليه السلام) وهي الدعاء تملأ مجلدات من الشرح والبيان، فضلاً عن حالاته المباركة الأخرى سلام الله عليه.

الإمام السجاد (عليه السلام) واستثمار الوقت:

ولنقف الآن عند فقرة من دعائه (عليه السلام) في طلب مكارم الأخلاق المملوء بالمبادئ والأخلاق وبرامج العمل للحياة الإنسانية المثلى التي تجلب السعادة في الدنيا والآخرة، وهي فقرة تعالج مشكلة خطيرة تعاني منها كل المجتمعات حتى المتحضرة فضلاً عن المتخلفة والجاهلة وهي مشكلة الفراغ وتضييع الوقت وملئه بأي شيء بلا تخطيط لجعله منتجاً هادفاً، قال (عليه السلام):

(اللهم صلّ على محمد وآله واكفني ما يشغلني الاهتمام به، واستعملني بما تسألني غداً عنه، واستفرغ أيامي فيما خلقتني له).

فالإمام (عليه السلام) يبين أهمية الوقت ويدلنا على ما يجب أن نملأ أوقاتنا به، وهو ما يحقق الغرض الذي خلقنا لأجله «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ» (الذاريات: 56) بالمعنى الواسع للعبادة الذي لا يقتصر على العبادات المعروفة، بل ليجعلوا محور حياتهم في كل حركاتهم وسكناتهم ما يرضي الله تبارك وتعالى ويقرّبهم

إليه ويسمو بهم، وهي رسالة الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم) جميعاً «وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ» (هود: 61) هذه رسالتهم باختصار التي بلغوها لأقوامهم، توحيد الله تعالى الذي طلب منكم إعمار الحياة وفق المنهج الإلهي لأن فيه سعادتكم وفوزكم وفلاحكم.

هذا ما يجب أن نكرّس له أوقاتنا في حياتنا كلها.

وفقني لما ينفعني:

من دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) المعروف بدعاء كميل (يا ربّ أسألك بحقك وقدسك وأعظم صفاتك وأسمائك أن تجعل أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة) وفي دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) يوم الثلاثاء

(واجعل الحياة زيادة لي في كل خير والوفاة راحة لي من كل شر) وفي دعائه (عليه السلام) ليوم السبت

(وتوفقني لما ينفعني ما أبقيتني).

ثمن المؤمن:

قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

(واعلموا أنه ليس لأنفسكم

ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها(1).

إن الجنة التي عرضها السماوات والأرض والتي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ثمنها أن تستثمر هذه اللحظات وهذه الساعات، عن أمير المؤمنين (عليه السلام):

(إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، ويأخذان منك فخذ منهما) ويقول (عليه السلام):

(إن المغبون من غبن عمره، وإن المغبوط من أنفد عمره في طاعة ربه).

رأس مال الإنسان:

فرأس مال الإنسان في هذه التجارة التي لن تبور: عمره ووقته وإضاعة أي جزء ولو للحظة - بغير تحصيل الغرض المطلوب خسارة توجب الندامة؛ لأن اللحظة يمكن أن تكون فيها تسبيحة تغرس له بها شجرة في الجنة كما في بعض الأحاديث الشريفة، أو أي حسنة ترجّح كفّة حسناته يوم تنصب الموازين بالقسط.

عن أمير المؤمنين (عليه السلام):

(احذروا ضياع الأعمار في ما لا يبقى لكم، ففائتها لا يعود).


1) نهج البلاغة: الكلمة 456.

عمرك أهم من دينارك:

تجد الكثير من الناس يحزن لضياع مال أو تلفه أو فوت فرصة فيها ربح وفير مع أنه يمكن أن يعوضه وأن فائدته هو ما يرتبط بحياته الزائلة، ولا يكترث لفوت شيء من عمره في غير طاعة الله تبارك وتعالى فيه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:

(بادروا العمل وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق) ومن وصايا النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر رضى الله عنهم:

(يا أبا ذر كن على عمرك أشحَّ منك على درهمك ودينارك).

هذا إذا لم نفترض أن الكثير من الوقت يقضى في معصية الله تبارك وتعالى فتباً لها من صفقة خاسرة.

قصة وعبرة:

أذكر لكم باختصار حكاية لنأخذ منها العبرة رواها أحد الفضلاء الأساتذة عن أبيه وهو أحد مراجع الدين في كربلاء المقدسة عن شخص ثري تعرّض لسجن واضطهاد في بعض البلدان وكانت له أموال وتجارات فهاجر مع أهله إلى كربلاء قبل سبعين عاماً تقريباً وبسبب تلك الضغوط والآلام أصيب بلوثة في عقله فكان إذا أراد أن يسخّن الماء ليصنع قدحاً من الشاي يحرق الدنانير كان كل دينار يعادل مثقالاً من الذهب يومئذٍ - في الموقد إلى أن ينضج

الشاي، ثم يحتسي القدح فرحاً منتشياً ويقول هذا القدح من الشاي قيمته عشرة آلاف دينار.

ربما نسخر من هذا ونستقبح فعله ولا نعلم وشر البلية ما يضحك - أننا أسوأ حالاً منه لأننا نحرق ساعاتنا وأيامنا وليالينا التي هي رأس المال في التجارة التي لن تبور مع الله تعالى ويمكن أن نحصل بها على الدرجات العليا في الجنان والنعم العظيمة ومصاحبة النبي وآله الكرام (صلوات الله عليهم أجمعين) نحرقها في ما لا قيمة له، بل أحياناً في ما يسخط الله تبارك وتعالى ويوجب عقابه والعياذ بالله.

الأهم فالمهم:

وإذا كنا دقيقين أكثر فإن علينا أن نقدّم الأهم على المهم والأعلى رتبة على الأقل رتبة وإن كان كل منهما طاعة، تصوروا لو أن شخصاً مريضاً ويجب عليه تناول دواء معين وعنده ثمنه لكنه لا يفعل ذلك بل صرف الثمن على شراء أكلة يشتهيها وترك نفسه عرضة للأوجاع وتداعيات المرض مع أن الأكل في نفسه مفيد، قال أمير المؤمنين (عليه السلام)

(من اشتغل بغير المهم ضيع الأهم) وفي غرر الحكم عن أمير المؤمنين (عليه السلام):

(من شغل نفسه بما لا يجب ضيّع من أمره ما يجب)، ومن أمثلتها عندنا نحن الحوزة

العلمية - اشتغال البعض بمطالب علمية ترفية لا دخل لها في وظيفتنا الإلهية.

الوقت والهوايات:

هذه هي أهمية الوقت، لكننا نشهد أن أتفه شيء عند الإنسان هو الوقت وآخر ما يحرص عليه وقته، بل إنه يقوم بأفعال عبثية ولهوية كثيرة مما يسمى بالهوايات أحياناً كتربية الطيور أو جمع الطوابع أو حل الكلمات المتقاطعة أو بعض الألعاب المسلية ويقول بصراحة ووضوح إنه يفعل ذلك لقتل الوقت أو حرق الوقت وفي الحقيقة فإنه إنما يقتل نفسه ومستقبله الحقيقي وما يقوم به أسوأ من هذا الرجل الذي حكينا قصته في حرق الدنانير.

ومما يزيد الحالة سوءاً أن البعض لا يكتفي بتضييع وقته وهدر عمره، بل يقوم بتضييع أوقات الآخرين بالأحاديث الفارغة والأعمال العبثية ويدفع الآخرين ليكونوا مثله.

مسؤولية الوقت:

أيها الأحبة:

إننا إذن أمام مسؤولية كبيرة وهي إدراك أهمية عمرنا وما يجب أن نستثمره فيه لنحصل على أرقى الدرجات

وهذه حقيقة تكشف لنا واقعنا المؤلم لأن العمر يجري مع كل نفس ولا ينتظرنا، ويمر بسرعة قال تعالى: «وَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ] (الروم: 55) وقال تعالى: [كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها» (النازعات: 46) وفي قصص الأنبياء أن النبي نوح (عليه السلام) وهو الأطول عمراً شبّه عمره الطويل بانتقالته لحظة من الشمس إلى الظل.

وهذا ما يعلمنا إياه الإمام السجاد (عليه السلام) في فقرة من دعاء مكارم الأخلاق فيدعونا إلى أن نصرف أوقاتنا بما نحن مسؤولون عنه يوم القيامة «وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» (الصافات: 24) وأن نستفرغ أيامنا بالسير في الاتجاه الصحيح نحو الهدف.

التوجه نحو الغاية:

ويعلمنا (عليه السلام) كيف يمكننا تحقيق ذلك مع كثرة الخطوط والمسارات وتعدد الخيارات وتداخل الاتجاهات والرؤى والبرامج فيقول (عليه السلام): (واكفني ما يشغلني الاهتمام به) فالطريق أن تصفي ذهنك وبرامج حياتك من كل شيء زائد عما يشغلك الاهتمام به عن السير نحو الغاية، وإلا سيضيع وسط هذه الفوضى ولا يصل إلى

النتيجة المطلوبة، وفي غرر الحكم لأمير المؤمنين (عليه السلام) (اشتغال النفس بما لا يصحبها بعد الموت من أكبر الوهن).

لنكن مباركين معطائين:

لاحظوا الفرق بين ما نحن عليه، وما يريد الله تبارك وتعالى منّا، إننا نضيّع رأس مالنا بما يضرّ ولا ينفع، والله تعالى يريد لنا أن لا نقف عند حدود استثمار أعمارنا بل يدعونا إلى أن نكون مباركين معطائين حتى بعد وفاتنا فنحصل على عمر مديد من العطاء أو قل لنحصل على رأس مال إضافي كالشيخ الطوسي قدس سره الذي مر على وفاته ألف عام تقريباً وهو يزداد تألقاً وعطاءً، وكالشيخ الحر العاملي الذي مرّت على وفاته قرون ولا يستطيع فقيه أو عالم الاستغناء عن كتابه وسائل الشيعة، وهذا ما دعانا إليه الحديث النبوي الشريف

(إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).

وفي الحديث الشريف المشهور

(من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) ومن هذا الباب تفضل الله تعالى بكتابة الحسنة لمن نواها ولم يوفَّق لفعلها، وكذلك ما ورد من أن من أحبّ عمل قومٍ أُشرك في أجورهم وحشر معهم.

كل ذلك من أجل مضاعفة الربح لهذه التجارة النفيسة مع الله تبارك وتعالى لمن استثمر عمره ووقته.

الفصل الخامس: الاحتفال في رأس السنة لمن استثمر وقته خلالها

اشارة

الاحتفال في رأس السنة لمن استثمر

وقته خلالها

وقته خلالها(1)

لنستحضر الموعظة في كل الأوقات:

من كلمات الإمام الحسن السبط المجتبى (عليه السلام) وقد مرّ في يوم فطر بقومٍ يلعبون ويضحكون، فوقف على رؤوسهم فقال:

(إنّ الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه فيستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وقصّر آخرون فخابوا، فالعجب كل العجب من ضاحك لاعبٍ في اليوم الذي يُثابُ فيه المحسنون ويخسرُ فيه المبطلون، وأيم الله لو كشف الغطاء لعلموا أنّ المحسن مشغولٌ بإحسانه والمسيء مشغولٌ بإساءته) ثمّ مضى (عليه السلام).

علينا أن نستحضر هذه الموعظة في كل لحظات حياتنا، لأنّها كلّها مضمار للتنافس واستباق الخيرات لنيل أفضل الدرجات عند الله تعالى وها نحن اليوم في نهاية سنة ميلادية 2011 وفق حساباتهم - وعلى أبواب سنة جديدة 2012 بإذن الله تعالى وقد كانت السنة المنقضية مضماراً


1) من حديث سماحة الشيخ دام ظله مع طلبة جامعة الصدر الدينية فرع الكرخ الثانية في بغداد/ حي المعارف يوم الثلاثاء 2 /صفر/ 1433 الموافق 2011/12/27 ومع فرع كربلاء وحشد من ابنائها يوم الأحد 7 /صفر/ 1433 الموافق 2012/1/1.

تسابق فيه الخلق فالعجب كل العجب مما يشهده العالم من شرقه إلى غربه من احتفالات صاخبة بمناسبة يسمونها رأس السنة الميلادية، وتهدر فيها المليارات من الدولارات، وتُعطّل فيها الأعمال عدة أيام في بعض الدول، وهذه خسائر إضافية، وتعرض الفعاليات المنوّعة كالألعاب النارية والرقص والغناء والحفلات الماجنة، ويشارك فيها المسلمون أيضاً من دون مراعاة لأخلاقهم وتعاليم دينهم ووصايا أئمتهم، وفي مثل هذه السنة 2012 سيكون أولها يوم استشهاد الإمام الحسن السبط المجتبى (عليه السلام).

وقد توسّع الاحتفال ليشمل كل شخص بعيد ميلاده السنوي.

الفرح المذموم:

وبغضّ النظر عن الأخطاء المتعددة في التاريخ الميلادي الذي بيّناه في بعض محاضراتنا السابقة من حيث السنة والشهر واليوم، فإننا نريد أن نتساءل عن معنى هذا الاحتفالات والفرح والسرور، وهل لها واقعية أم لا؟

إذ إننا نجد أن الأحرى بهم أن يحزنوا ويندموا ويتأسفوا لأن سنة مرّت عليهم ونقصت من أعمارهم، مما يعني أنهم اقتربوا من آجالهم من دون أن يستعدوا لها، بل عملوا على عكس ما يراد منهم وضيّعوا هذا الرصيد

الذي تُشترى به الجنة ورضا الله تبارك وتعالى، واشتروا به سخط الله تعالى والنيران إلا من شملهُ الله تعالى بلطفه ورعايته الخاصة، فكانت الحياة لمثله زيادة له في كل خير كما في أدعية الإمام السجاد (عليه السلام)، ومع ذلك فإنه (عليه السلام) يقف بين يدي ربّه ذليلاً متواضعاً ويقول

(ويلي كلما كبر سني كثرت معاصيّ! ويلي كلما طال عمري كثرت ذنوبي).

إنما أنت عدد أيام:

إن الإنسان عبارة عن رصيد من السنين والأيام يقدرها الله تبارك وتعالى فكلما انقضى يوم أو مرّت سنة فانه يعني أنه فقد جزءاً منه حتى ينتهي بالموت ويصبح بلا قيمة إلا بمقدار ما قدّم لآخرته، مثل رصيد الهواتف المحمولة الذي يساوي عدداً من الدقائق فكل دقيقة من الاتصال تعني ذهاب جزء منه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام)

(إنما أنت عدد أيام فكل يوم يمضي عليك يمضي ببعضك فحفّض في الطلب وأجمل في المكسب) وفي غرر الحكم لأمير المؤمنين (عليه السلام) (العمر أنفاس معدودة) وعنه (عليه السلام)

(نفس المرء خطاه إلى قبره).

اهتمام الشارع المقدس بالوقت:

وقد تحدثنا في كلمة سابقة عن أهمية الوقت وضرورة اشغاله بما يحقق رضا الله تبارك وتعالى ويقرّبنا منه لأنه هو الثمن الوحيد الذي يستحق صرف العمر فيه.

وقد اهتمّ الشارع المقدس بالوقت وربط به أغلب فعالياته ليكون الانسان ملتفتاً إليه ومراقباً له حتى لا يضيع منه، فالصلاة التي هي عمود الدين لها أوقات خمسة محددة يومياً تجب مراعاتها وفي ذلك قول الإمام الصادق (عليه السلام) (امتحنوا شيعتنا في أوقات الصلاة) أي ليس المطلوب منه المحافظة على أصل الصلاة فقط بل على أوقاتها الخمسة، وهكذا بقية الطاعات فالصوم مرتبط بشهر رمضان في عدد أيامه وبالفجر والغروب يومياً، والحج مرتبط بأشهر الحج وأيامه، والخمس والزكاة مرتبطان بالحول، وهناك الشعائر الدينية والمناسبات والأدعية والزيارات المرتبطة بالأوقات، حتى جعل لكل يوم من أيام الأسبوع دعاء وكل يوم من أيام الشهر دعاء بل لكل ساعة من ساعات الليل والنهار دعاء، وكانت بعض الأوقات تعرف ببعض الأوراد المقرّرة لها، كالذي نقل عن بني الحسن (عليه السلام) في سجن المنصور العباسي أنهم كانوا يعرفون أوقات الصلاة بأوراد مرتبة لعلي بن الحسن المثلث حفيد الإمام السبط (عليه السلام).

الوصية بالاهتمام بالوقت:

وللقيمة الكبرى للوقت فقد وردت الوصايا باغتنامه واستثماره، كما في وصية النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر رضى الله عنهم (يا أبا ذر: اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك) وفيها (يا أبا ذر نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).

إنما أنت ابن ساعتك:

قد يتصوّر الإنسان صعوبة الاستمرار على الطاعة وان ادامتها شاقة لا تطاق وهذا نابع من غفلته، ويهوّل الشيطان له هذا الأمر، اما الواقع فهو خلاف ذلك لأنه لا يعيش عمره كله في هذه اللحظة حتى يستحضر كل الصعوبات فيها، بل هو يعيش لحظته وهي مما لا يعسر تحمّل العمل فيها، أما الزمان السابق فقد مرّ وانتهى، والزمان اللاحق لم يأت بعد فلماذا يحمل همَّه، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) (إن عمرك وقتك الذي أنت فيه) وقال (عليه السلام) (المرء ابن ساعته). وفي الحديث الشريف (العمر ثلاث ساعات، ساعة مضت لست بقادر على إرجاعها، وساعة تأتي لست بضامن لها و ساعة أنت فيها فعليك بها) وفي حديث آخر (الطاعة صبر ساعة).

مضيعات العمر:

ولأن الله تعالى يعلم إن الإنسان تعتريه الغفلة والنسيان والكسل مما يضيع عليه كثيراً من رأسماله الثمين وهو عمره ووقته، مضافاً إلى النوم الذي هو ضروري للبدن لكن كثرته مذمومة وهو من أوسع أسباب تضييع العمر فإنه يستغرق ثلث العمر أو أكثر أي عشرين سنة ممن عمره ستون سنة، لذا ورد عن الإمام الكاظم (عليه السلام)

(إن الله يبغض العبد النوّام) وفي غرر الحكم لأمير المؤمنين (عليه السلام)

(اربعٌ القليل منها كثير: النار والنوم والمرض والعداوة) وفيها

(بئس الغريم النوم يفني قصير العمر ويفوّت كثير الأجر).

مزيدات العمر:

أقول لأن الله تعالى يعلم ذلك من الإنسان فقد دلّه بكرمه على ما يحوّل هذا النوم إلى وقت مثمر بأن ينام على طهور حتّى ورد في الحديث (ان من نام متطهراً كان فراشه مسجده، ومن مات في نومه على طهور مات شهيداً) خصوصاً إذا سبقه بتلاوة بعض الآيات والأدعية المباركة وان لا يتجاوز المقدار اللازم لتجديد نشاط البدن، وورد في نوم الصائم في شهر رمضان (ونومكم فيه عبادة).

كما ورد التطمين بلطف الله تعالى وكرمه أن من ضيّع جزءاً من عمره بما لا ينفع وقد يضرّ فإن الله تعالى سيكتبه عمراً صالحاً إذا رجع إلى ربّه والتفت وأصلح حاله فيما استقبل من عمره، عن النبي صلى الله عليه وآله (من أحسن فيما بقي من عمره لم يؤاخذ بما مضى من ذنبه، ومن أساء فيما بقي من عمره أخذ بالأول والآخر)(1)، قال تعالى (إِلاّ مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان/ 70) هذا كله مضافاً إلى ما ذكرناه في المحاضرة السابقة من إعطاء عمر جديد فوق العمر الطبيعي يستزيد فيه من الخيرات بعد الموت ولا ينقطع عمله به.

العمر الطويل:

ولأهمية حياة الإنسان وعمره في اكتساب الطاعات وإنه كلما زاد عمره كثرت فرص الطاعة عنده وتحقيق السعادة قال النبي صلى الله عليه وآله:

(خير الناس من طال عمره وحسن خلقه) (سنن الترمذي/ 2330) وفي غرر الحكم لأمير المؤمنين (عليه السلام) (من سعادة المرء أن يطول عمره ويرى في أعدائه ما يسرّه)، قدّم لنا الأئمة المعصومون الأسباب المادية والمعنوية لإطالة العمر.


1) بحار الأنوار: 113/77.

مطولات العمر المادية:

وأعني بالمادية: ما يحفظ صحة البدن ويجنّبه ما يضرّه ويديم قدرته على القيام بالطاعات كالتوازن في الطعام والشراب كما وكيفا قال تعالى «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» الأعراف 31.

وفي الحديث الشريف (ما ملأ ابن آدم وعاءاً شراً من بطنه) والوصية بالصوم كقوله (عليه السلام) (صوموا تصحوا) واستحباب صيام ثلاثة أيام في الشهر وهو عين ما توصل إليه العلم الحديث تواً حيث نصحوا بالامساك عن الطعام يوماً كل عشرة أيام للحفاظ على الصحة، مضافاً إلى الوصايا الكثيرة في تناول أطعمة وأشربة معينة وتجنب غيرها وكذلك الأمر ببعض الحالات والفعاليات الحياتية وتجنب غيرها مما لسنا بصدده(1).


1) راجع كتاب (مكارم الأخلاق) للطبرسي وكتاب الأطعمة والأشربة من وسائل الشيعة.

مطولات العمر المعنوية:

وأما الوصايا المعنوية فمنها الدعاء باطالة العمر في خير وعافية وسعة رزق وسلامة في الحواس وأن يكون كل ذلك مكرساً لطاعة الله تعالى وطلب رضاه

(اجعل قوتي في طاعتك ونشاطي في عبادتك) (سلامة أقوى بها على طاعتك)(1)ومن المعنوية لإطالة العمر ما ذكرته الأحاديث الشريفة كقول النبي (صلى الله عليه وآله)

(اكثر من الوضوء يزيد الله في عمرك)(2)وقوله صلى الله عليه وآله

(من سرّه أن يُبسَط في رزقه ويُنسأ له في أجله فليصل رحمه)(3)وفي غرر الحكم لأمير المؤمنين (عليه السلام)

(من أراد البقاء فليباكر الغذاء وليقل غشيان النساء) وعن الإمام الصادق (عليه السلام)

(من حسنت نيته زيد في عمره)(4)وعن الإمام الصادق (عليه السلام)

قال (من حسن بره بأهل بيته زيد في عمره)(5)

الطريق الأمثل لاستثمار الوقت:

إن الطريق لتحقيق الاستثمار الأمثل للوقت هو في المبادرة إلى العمل وعدم التسويف والتأجيل لأن الفرص تمرّ مرّ السحاب ومن وصية النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر

(إياك و التسويف بعملك فإنك بيومك و لست بما بعده فإن يكن غد لك فكن في الغد كما كنت في اليوم و إن لم يكن غدا لك لم تندم على ما فرطت في اليوم).


1) من دعائي الأربعاء والخميس في الصحيفة السجادية.

2) بحار الأنوار: 396/69.

3) بحار الأنوار: 89/74.

4) بحار الأنوار: 408/69.

5) بحار الأنوار: 70 م 205.

وكذلك في تنظيم الوقت وتوزيعه بدقة على الأولويات بعد تحديدها طبعاً فتبرمج أولاً أوقات الفرائض اليومية وما يتيسر معها من مقدماتها وتعقيباتها وتلاوة القرآن، ووقت العمل والكسب، ووقت العائلة ومسؤولياتها، ووقت المطالعة وتجديد المعنويات والتأمل والتفكير، ووقت الالتزامات الاجتماعية الأخرى وهكذا.

هذا على صعيد وظائفه الفردية، وهناك وظائف اجتماعية لعلها الأكثر إيصالاً إلى رضوان الله تبارك وتعالى كالعمل الإنساني والخدمي وقضاء حوائج الناس وإدخال السرور عليهم وكفالة الأيتام ورعاية المحتاجين والمسنين وإصلاح ذات البين بين الأفراد أو العشائر وغيرها كثير وقد شجّعنا مراراً على تأسيس منظمات المجتمع المدني لبلورة جهد جماعي يغطّي هذه الفعاليات والنشاطات.

وفي وصايا النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر

(وعلى العاقل أن لا يكون ظاعناً أي قاصداً ومتحركاً - الا في ثلاث: تزوُّدٌ لمعاد، أو مرّمة لمعاش، أو لذة في غير محرّم، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه) هذا هو الإطار العام لما يجب أن يكون عليه الإنسان في جميع حالاته ليكون في الاتجاه الصحيح بفضل الله تبارك وتعالى.

الاستفادة من التجارب:

ويُحسن الاستفادة من تجارب وخطط العلماء الأكاديميين المتخصصين في إدارة الوقت (TIME MANAGEMENT) وهم وإن كانوا يقصدون بها وقت العمل والكسب والإنتاج إلا انها في خطوطها العامة يمكن أن تنفع في المجالات الأخرى من حيث كيفية تقسيم الوقت على الأعمال ووضع سقف زمني لإنجاز كل منها وهكذا، وإن كنّا مستغنين عنها لو التزمنا بوصايا أهل البيت (عليهم السلام) وتعليماتهم.

ومن دون تنظيم الوقت ومراقبته يضيع الكثير في الفوضى وعدم التخطيط والارتباك بحيث تفقد القدرة على استثمار الوقت إذا لم تضع برنامجاً، ويتحقق الغبن في العمر الذي تحدّث عنه رسول الله صلى الله عليه وآله.

في بعض الروايات ان أجزاء عمر الإنسان وأوقاته تعرض عليه يوم القيامة على شكل صناديق فما قضاه في خير سرّه منظره، وما قضاه في سوء أفزعه مرآه، والأكثر يراها فارغة ضاعت عليه ولم يستثمرها فتشتد حسرته لكثرة ما ضاع منه وكان يكفيه اليسير منها لو شغلها بالطاعة كتسبيحه في ثوانٍ أو الصلاة على النبي وآله أو قراءة سورة قصيرة من القرآن الكريم أو استماع لموعظة أو

التحدث بأمرٍ مفيد والعاقل هو من اتعظ بهذا وهو في الدنيا ليتمكن من التعويض. في غرر الحكم عن أمير المؤمنين (عليه السلام)

(لو اعتبرت بما أضعتَ من ماضي عمرك لحفظت ما بقي).

إن لقاءنا هذا وحديثنا هو نمط مثمر لما يمكن أن تكون عليه الاحتفالات أي اننا احتفلنا أيضاً لكن بطريقتنا الخاصة كما يقال.

الفصل السادس: المشارطة والمحاسبة في أول السنة وآخرها

اشارة

المشارطة والمحاسبة في أول السنة وآخرها وإحياء الشعائر الحسينية

المشارطة والمحاسبة في أول السنة وآخرها وإحياء الشعائر الحسينية(1)

آليات للوصول الى الاستقامة:

ذكر علماء الأخلاق ثلاث آليات للوصول إلى الاستقامة والثبات عليها التي ندعو الله تبارك وتعالى بالهداية إليها يومياً في صلواتنا، وهي المشارطة والمراقبة والمحاسبة، فالأولى قبل العمل والثانية أثناء العمل والثالثة بعده.

ولنوضّح الفكرة بتطبيقها على مفردة في حياتنا وهو اليوم والليلة، فعندما يقوم الفرد من نومه صباحاً يشارط نفسه على أن لا يفعل إلا خيراً وطاعة ويجتنب كل ما يسخط الله تبارك وتعالى ويتعهد أمام الله تعالى بأن يبذل ما بوسعه لتحقيق ذلك فهذه هي المشارطة.

ثم يأتي دور المراقبة أثناء الفعاليات اليومية بالالتفات إلى كونها مطابقة للشريعة ولا يغفل عن شيء منها، وهكذا في كل مفردات حياته وبرنامجه اليومي وتكون المراقبة أكمل لو لاحظ حتى المستحبات والمكروهات، فيؤدي


1) من حديث سماحة الشيخ اليعقوبي دام ظله مع حشد من طلبة جامعتي ميسان وواسط يوم 29 /ذ. ح/ 1432 الموافق 2011/11/26.

الأولى ويجتنب الثانية، والمراقبة المستمرة تضمن هذه المطابقة والموافقة.

وبعد انتهاء اليوم يأتي دور المحاسبة ليراجع نفسه وما قدّمت خلال اليوم، فإن وجد عملاً صالحاً شكر الله تعالى وسأله القبول والزيادة، وإن وجد سيئة استغفر الله تعالى وعقد العزم على عدم العودة بالاعتصام بالله تبارك وتعالى.

فوائد مراقبة النفس:

وإذا التزم الإنسان بهذه الآليات الثلاث فإنه سيقلّل الفجوات التي ينفذ منها الشيطان فيوقعه في الخطأ، والمطلوب الالتفات إليها يومياً، ولكن هذه المحطات اليومية تتعرض للغفلة والقصور والتقصير لذا أضيفت إليها محطات أخر.

محطات للتزود المعنوي:

إذ يظهر من آداب الشريعة إن الأسبوع والشهر والسنة لها أيضاً كيانات وشخصيات غير كيان اليوم، ولكل واحد منها التزاماته وتطبيق الآليات الثلاث عليه لتكثيفها وغلق المزيد من فرص الغفلة وغلبة الهوى والشيطان, فتوجد مثلاً للأسبوع محطة تجديد ومراجعة وانطلاق للأسبوع المقبل يوم الجمعة منها صلاة ركعتين

بالحمد مرة والتوحيد سبعاً لكل منها ثم دعاء من سطر(1)واحد ليوم الجمعة بين الظهر والعصر وصلاة جعفر الطيار ضحى يوم الجمعة (راجع تفاصيل هذه الأعمال في مفاتيح الجنان/ أعمال يوم الجمعة) وللشهر مثل ذلك من خلال صلاة أول الشهر بالحمد مرة والتوحيد ثلاثين في الأولى، والحمد مرة والقدر ثلاثين في الثانية. فإذا أتمّها تصدق بما تيسّر فإنه يشتري بذلك سلامة الشهر.

وفي ضوء هذا المنهج توجد صلاة(2)

(اللهم ما عملت في هذه السنة من عمل نهيتني عنه ولم ترضه، ونسيُته ولم تنسه، ودعوتني إلى التوبة بعد اجترائي عليك اللهم فإني أستغفرك منه فاغفر لي وما عملت من عملٍ يُقرّبني إليك فاقبله مني ولا تقطع رجائي منك يا كريم).

فإذا قلت هذا قال الشيطان: يا ويلي ما تعبت فيه هذه السنة هدّمه أجمع بهذه الكلمات، وشهدت له السنة الماضية انه قد ختمها بخير).

في اليوم الأخير من ذي الحجة).

1) في مفاتيح الجنان (ص 73 أعمال يوم الجمعة): (قال الشيخ في المصباح: روي عن الأئمة (عليهم السلام) أن من صلّى الظهر يوم الجمعة وصلى بعدها ركعتين، يقرأ في الأولى الحمد والتوحيد سبعاً وفي الثانية مثل ذلك وبعد فراغه يقول: (اللهم اجعلني من أهل الجنة التي حشوها البركة وعمّارها الملائكة مع نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله و أبينا إبراهيم (عليه السلام) لم تضرّه بلية ولم تصبه فتنة إلى الجمعة الأخرى وجمع الله بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله وبين إبراهيم (عليه السلام).

2) في مفاتيح الجنان (أعمال اليوم الأخير من ذي الحجة/ ص 325) (ذكر السيد في الإقبال طبقاً لبعض الروايات، أنه يُصلّى فيه ركعتان بفاتحة الكتاب والتوحيد عشراً وآية الكرسي عشراً ثم يُدعى بعد الصلاة بهذا الدعاء.

باعتباره اليوم الأخير من ذي الحجة باعتباره اليوم الأخير من السنة على المشهور يكون بمثابة مراجعة ومحاسبة ووقفة تأمل فيما صدر من العبد خلال العام، ونقطة انطلاق جديدة لعام جديد، فيسأل الله تعالى أن يغفر له ما سلف في عامه المنصرم وأن يعينه على ملأ الصحائف البيضاء للعام الجديد بما يرضي الله تبارك وتعالى، فإن العبد هو الذي يملي على الملكين ما يكتبان في صحيفة أعماله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» الحشر 18. ومن ثمرات هذه الصلاة والدعاء بعدها أن السنة تشهد عند الله تعالى أن هذا الرجل قد ختمها بخير.

مشاعر المؤمن في رأس السنة:

فالمؤمن في مثل هذا اليوم الأخير من سنة منقضية سيُغلق ملفها ويحفظ إلى أن يعرض يوم النشور ويشهد بما فيه على صاحبه. وعلى مشارف سنة جديدة لم يسوّد صحائفها شيء، تكون له عينان، عين إلى تلك السنة المنصرمة هي عين المراجعة والمحاسبة فيها ندم على ما صدر منه من ذنوب وتقصيرات وشكر على ما وفق له من

طاعات لكنه لا يصل إلى درجة الفرح للقلق من كونه مقبولاً أو لا.

وعين راجيه راغبة إلى السنة المقبلة هي عين المشارطة تسأل الله تعالى أن تكون أفضل من سابقتها وثقيلة الميزان بما يرضي الله تبارك وتعالى. والأمر راجع إلى العبد نفسه فهو الذي بيده قلم العمل يملي به صحائف الليالي والأيام بكامل إرادته.

لطف الله تعالى بنا بأيام الحسين (عليه السلام):

ومن لطف الله تعالى أن سنتنا تفتتح بذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) وفي اجواء التضحية والفداء والعشق الإلهي حيث نحر الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه في محراب الحب والفناء في الله تبارك وتعالى، وهذه الأجواء لها أثرها الذي لا ينكر في تقريب النفوس إلى الطاعة، حتى الفسقة والعصاة يتركون آثامهم في هذه الأيام ببركة الإمام الحسين (عليه السلام)، فتكون هذه الأيام في مفتتح السنة حافزاً لنجاح المشارطة والتعهد أمام الله تبارك وتعالى بأن لا نفعل في سنتنا إلا خيراً مستمدين العزم وقوة الإرادة والتضحية بشهوات النفس وأهوائها وإدامة ذكر الله تعالى من الإمام الحسين (عليه السلام).

ويندرج في ذلك أن يكون إحياؤنا لشعائر الإمام الحسين (عليه السلام) واعياً ملتفتاً إلى الأهداف الإصلاحية التي تحرك الإمام (عليه السلام) لتحقيقها لأن قيمة الأعمال بمضامينها وتحقيق أغراضها وليس بأشكالها، فهذه الصلاة التي هي عمود الدين واستشهد الإمام الحسين (عليه السلام) لإقامتها حق إقامتها (أشهد أنك قد أقمت الصلاة) لا تكون لها قيمة إذا خلت من مضمونها الذي ذكرته الآية الشريفة (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ) العنكبوت 45 وقد ورد في رواية صحيحة عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال

(والله إنه ليأتي على الرجل خمسون سنة وما قبل الله منه صلاة واحدة، فأي شيء أشدُّ من هذا، والله إنكم لتعرفون من جيرانكم وأصحابكم من لو كان يصلي لبعضكم ما قبلها منه لاستخفافه بها، إن الله لا يقبل إلا الحسن، فكيف يقبل ما يستخف به).(1)

شروط القبول في العمل:

فلابد أن نفهم إن المشاركة في الشعائر الحسينية والبكاء على الحسين (عليه السلام) لا يكفي وحده ما لم تجتمع فيه شروط القبول كما قال تعالى (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)


1) وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، أبواب اعداد الفرائض ونوافلها، باب 26 ح 2

المائدة 27 ولن تنال شفاعة الحسين (عليه السلام) وجده وأبيه وأمه وأخيه والأئمة المعصومين من بنيه (صلوات الله عليهم أجمعين) إلا بالتقوى ومن علاماتها الإهتمام بالصلاة في أوقاتها وأن يحسن أداءها، ففي رواية صحيحة عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال (لا تتهاون بصلاتك فإن النبي (صلى الله عليه وآله) قال عند موته: ليس مني من استخف بصلاته لا يرد علي الحوض لا والله) وعنه (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

لكل شيء وجه ووجه دينكم الصلاة فلا يشيننّ أحدكم وجه دينه).(1)

فما يصوّره بعض الخطباء من أن اللطم على الإمام الحسين (عليه السلام) والبكاء عليه ولو جناح بعوضة يدخل الجنة بغير حساب وان ملأ الشخص صحيفة أعماله بالآثام كلام مخالف للقرآن الكريم والروايات الثابتة عن المعصومين (عليه السلام) وانحراف في الفهم وخداع للعامة، وهذا الطرح خطير على الدين لأنه يشوهه ويمحقه، وخطير على المجتمع لأنه يؤدي إلى التمادي في الانحراف ويعطي مشروعية للعكوف على المعاصي ما داموا قد حصلوا على صك الغفران.

فاحذروا أيها الأخوة من هذا الطرح المضلل.,.


1) المصدر السابق، نفس الباب,.

استنكار المنكر:

وهنا أسجل استغرابي واستنكاري من حصول بعض حالات الفساد في المجتمع كالذي ينقل عما يجري في المقاهي من أعمال منكرة وتعاطي مخدرات، أو ما يجري في محلات المساج والعلاج الطبيعي من اختلاط منكر ودعوة إلى الرذيلة، أو انتشار الفساد المالي وهدر الأموال العامة التي هي ملك الشعب، أو وجود مافيات وميليشيات القتل والاختطاف والابتزاز والسرقة، كل ذلك يحصل في مدن وسط وجنوب العراق التي فيها أغلبية ساحقة من الموالين لأهل البيت (عليهم السلام), فإذا كان المشاركون في شعائر الحسين (عليه السلام) ثمانية ملايين أو أكثر بحيث نستطيع ان نقول ان كل شيعي موالي لأهل البيت في هذه المدن يشارك بشكل أو بأخر في الشعائر كالمشي إلى مرقده الشريف أو خدمة الزوار أو المشاركة في مواكب العزاء أو المجالس الحسينية، إذن فمن الذي يقوم بتلك الأفعال المنكرة في المجتمع التي ذكرنا نماذج منها، وماذا استفاد هؤلاء من مبادئ الحسين (عليه السلام) وماذا فهموا من حركته المباركة؟ وهل يتوقعون قبول أعمالهم من الله تبارك وتعالى في ضوء الآيات الكريمة والروايات الشريفة.

إن هذا الذي نقوله لا يقلل من أهمية إقامة هذه الشعائر المباركة وفضلها عند الله تبارك وتعالى وعند النبي

وآله الكرام (صلى الله عليهم أجمعين) ولا من تأثيرها في هداية الناس إلى ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، بل بلغني أن غير المسلمين تأثروا بها من خلال متابعتها على الفضائيات واعتنقوا عقيدة أهل البيت (عليهم السلام) ببركة هذه المسيرة الصامتة التي تتوجه إلى زيارة الأربعين التي لا يمكن تأويلها وتفسيرها بغير المبادئ الانسانية النبيلة التي انطلقت من أجلها تلك الثورة المباركة ولا يمكن التشكيك فيها أو تزييفها.

هل من ناصر؟

إن الحسين (عليه السلام) عندما كان يردد يوم عاشوراء (هل من ناصر) لم يكن يتوقع من أولئك الطغاة الذين طبع الله على قلوبهم هداية ولا صلاحاً وإنما كان يريد لها أن تبقى صرخة مدويّة لجميع الأجيال على مدى الأزمنة والدهور لينصروه في تحقيق أهدافه، ويبقى النداء ما دام الواقع الفاسد والظلم الذي قام الإمام الحسين (عليه السلام) لتغيره وانشاء البديل الصالح عنه فلينصره كلٌ بحسبه ومن موقعه وبما يناسبه من عمل.

فقد يُقبل من البعض شكل من أشكال إحياء الشعائر الحسينية ولا يقبل من آخر لأن المطلوب منه غير ذلك فالتفتوا جيداً.

وبما أنكم من طلبة الجامعات فأذكر لكم شكلاً من أشكال النصرة لله ولرسوله وللإمام (عليه السلام) بأن تنظموا في الأقسام الداخلية أي محل إقامتكم وسكنكم ثلاث محاضرات اسبوعياً على مدى ثلاثة أيام وسط الأسبوع، كل يوم محاضرة بعد صلاة المغرب والعشاء جماعة أحداها في الفقه والأخرى في العقائد والثالثة في السيرة والأخلاق والمعارف القرآنية، ومن يحب يواصل تحصيل العلوم الدينية، وقد أبدى فضلاء الحوزة العلمية استعدادهم للقيام بهذه الخدمة إن شاء الله واعلموا أنكم بذلك تقتربون من معرفة الإمام الحسين (عليه السلام) لينطبق عليكم ما ورد في زيارته (عليه السلام) (عارفاً بحقه) وفقنا الله تعالى وإياكم لأن نكون من أنصار الإمام الحسين (عليه السلام) وممن يدخل السرور على قلبه الشريف بالسعي لتحقيق أهدافه بفضل الله تبارك وتعالى.

الفهرس

الفصل الأول:

الأعمال تعرض على الأئمة (عليهم السلام):........ 3

الفصل الثاني: النية تزكي العمل وتنمّيه............... 11

الفصل الثالث:

تحسين العمل والمداومة على حالة الطاعة............. 23

كيفية إدامة حالة الطاعة كالحج............................ 34

الفصل الرابع:

الإمام السجاد (عليه السلام) يدعونا الى استثمار الوقت:........................................................... 43

الفصل الخامس:

الاحتفال في رأس السنة لمن استثمر وقته خلالها: 62

لفصل السادس:

المشارطة والمحاسبة في أول السنة وآخرها............... 82