المجالس الفاخرة فی مآتم العترة الطاهرة

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

بطاقة تعريف: شرف الدین، عبدالحسین، 1958 - 1873

عنوان واسم المؤلف: المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة و بضمنه المقدمة الزاهرة لکتاب المجالس الفاخرة/ تالیف عبدالحسین شرف الدین الموسوي؛ مراجعه و تحقیق محمود البدري

تفاصيل المنشور: قم: مؤسسة المعارف الاسلامية ، 1421ق. = 1379.

مواصفات المظهر: ص 382

ISBN : 964-6289-85-1 ؛ 964-6289-85-1 ؛ 964-6289-85-1 ؛ 964-6289-85-1

حالة الاستماع: القائمة السابقة

لسان : العربية

يادداشت : کتاب المقدمه الزاهره لکتاب المجالس الفاخره در سال 1368 تحت عنوان "مقدمه المجالس الفاخره فی ماتم العتره الطاهره" توسط انتشارات ذکر منتشر شده است.

ملحوظة : الطبعة الثانية: 240001382 ریال :ISBN 964-321-057-x

ملحوظة : فهرس: ص. [373] - 378؛ أيضا مع الترجمة

عنوان آخر: المقدمه الزاهره لکتاب المجالس الفاخره

عنوان آخر: مقدمه المجالس الفاخره فی ماتم العتره الطاهره

مشكلة : چهارده معصوم -- سوگواریها -- احادیث

أحاديث الشيعة -- قرن 14

المعرف المضاف: البدري، محمود، 1956 - ، مصحح

المعرف المضاف: مؤسسة المعارف الاسلامية

ترتيب الكونجرس: BP260/ش‌35م‌3

تصنيف ديوي: 297/74

رقم الببليوغرافيا الوطنية: م‌79-3569

المجالس الفاخرة

في مآتم العترة الطاهرة

وبضمنه

«المقدّمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة»

تأليف

الإمام عبد الحسين شرف الدين الموسوي قدس سره

مراجعة وتحقيق

محمود البدري

مؤسسة المعارف الاسلامية

اشارة

شرف الدين، عبد الحسين، 1873 - 1958 . المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة.

المقدمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة / تأليف عبد الحسين شرف الدين الموسوي ؛ مراجعة وتحقيق محمود البدري - قم : مؤسسة المعارف الاسلاميه، 1421 ق . - 1379 .

382 ص عربی

فهرستنویسی بر اساس اطلاعات فيبا .

ISBN: 964 - 6289 - 85 - 1

كتاب المقدمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة در سال 1368 تحت عنوان «مقدمة المجالس الفاخرة في ماتم العترة الطاهرة توسط انتشارات ذكر منتشر شده است .

کتابنامه به صورت زیرنویس .

.1 چهارده معصوم - - سوگواریها - - احاديث 2 . أحاديث شیعه - قرن 14 .

الف . بدری ، محمود ، 1956 - ، مصحح . ب. بنیاد معارف اسلامی . ج . عنوان . د . المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة . ه- . المقدمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة . 3م 35 ش / 260 BP 74 / 297

کتابخانه ملی ایران 356 / 79م

هوية الكتاب :

إسم الكتاب :... المجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة وبضمنه المقدّمة الزاهرة للمجالس الفاخرة .

تأليف :... الإمام عبد الحسين شرف الدين الموسوي قدس سره

مراجعة وتحقيق :... محمود البدري

نشر :... مؤسّسة المعارف الإسلامية

الطبعة :... الأولى 1421ه ق .

المطبعة:... عترت

العدد:... 1000 نسخه

كافة الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة المعارف الاسلامية

قم - ص . ب 768 - تلفون 732009 - فاکس 743701

بسم الله الرحمن الرحیم

مقدمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل صلواته وسلامه على خير من اصطفى محمد ، وعلى وصيّه المرتضى عليّ ، وأبنائه البررة الأتقياء .

أمّا بعد :

كثيرة هي قضايانا الاسلامية التي حظيت بالأهمية البالغة في البحث والكتابة عند الكتاب والمؤرّخين على مر العصور، ومن تلك القضايا التي تناولتها الأقلام بالدراسة والتحليل هي سيرة الرسول الأكرم وخليفته في أُمّته وآل بيتهما عليهم السلام أجمعين ، وكذا المحن والابتلاءات التي عانوا منها طوال حياتهم المقدّسة حتى قضوا جميعاً بين مسموم وقتيل .

وان قضيّة استشهاد الامام الحسين بن على عليه السلام نالت القسط الأكبر من ذلك الاهتمام ، كيف لا وقد كان له المنزلة الكبيرة عند الله سبحانه وتعالى حيث جعل في زيارته عليه السلام من الثواب ما يعادل العمرة المندوبة المتقبلة . بل ورد في بعض الروايات: «إنّ الله ينظر إلى زوّار قبر الحسين عليه السلام نظر

الرحمة في يوم عرفة قبل نظره إلى أهل عرفات» (1)

وعلى هذا صار لزيارته عليه السلام آثاراً عظيمة لدى الناس وهم يثابون كلّ حسب حاله وبمقدار معرفته وإخلاصه ، وصار التوسل به عليه السلام متنوّعاً ، وذلك إما من خلال زيارة مرقده الطاهر ، أو عقد مجالس العزاء ، أو بذل الطعام باسمه ، ولن يكون ذلك مُتَقَبّلاً إلّا في تحقّق عنصر الاخلاص .

والكتاب الذي بين يديك - عزيزي القارىء - قد ضمّ بين دفتيه طائفة المجالس الفاخرة تناول فيها السيّد المؤلّف قدّس سرّه سيرة وخصائص رسول الله صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام ، وكذا ضمنه سيرة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام من ولادته وحتى استشهاده تتلى صبيحة يوم العاشر من المحرّم بمجلس واحد أو تُتلى في مجالس متعدّدة في سائر أيّام عاشوراء .

ومن دواعي السرور أن تأخذ مؤسّستنا مؤسسة المعارف الاسلامية على عاتقها طبع ونشر هذه التحفة النفيسة سائلين الباري تعالى أن يجعله في حسناتنا و شاكرين للأستاذ المحقق محمود البدري جهوده الرائعة في تحقيق الكتاب ، سيّما وأنّه قد ألحق المقدّمة الزاهرة في أوّل الكتاب والتي كتبها السيد المؤلّف قدّس سرّه وطبعت مستقلة.

وآخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين .


1) ثواب الأعمال : 115 ح 27 ، معاني الأخبار : 291 : 291 ح 36 .

ترجمة المؤلّف

ولادته ونشأته :

هو السيّد عبد الحسين بن السيّد يوسف بن السيّد جواد بن السيّد إسماعيل ابن محمد بن محمد جدّ الا. محمد جد الاسرتين آل شرف الدین» و «آل الصدر بن السيّد إبراهيم الملقب ب- شرف الدين المنتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم عليه السلام .

ولد السيد عبد الحسين في الكاظمية سنة 1290 ه- في دار جدّه لأُمّه السيد «هادي الصدر»، وهو من أبوين علويين كريمين، فأبوه العلامة الحجة يوسف بن الشريف جواد بن الشريف إسماعيل، وأمّه العلوية الجليلة «الزهراء» كريمة المرحوم السيد «الهادي» بن السيد محمد علي ، الذي ينتهي نسبها إلى شرف الدين كذلك .

دراسته العلمية :

في السنة الثامنة من عمره عاد به والده إلى «عاملة» ليؤدّي الأب فيها واجبه الديني بعد أن نال رتبة الاجتهاد، وشبّ السيّد في كنف والده ينتهل من نمير المعرفة في حدود علوم العربية والمنطق والبلاغة وسطوح الفقه والأصول.

وعندما بلغ السيد السابعة عشر من عمره أرسله أبوه إلى العراق لاكمال دراسته، وكان له من ذكائه واجتهاده ما ساعده على المضي في الانتهال العلمي

في مدرسة النجف العلمية وشقّ طريقه على يد اساتذة فطاحل شهد لهم بعلو المقام، فقد درس على يد فحول الحوزة العلمية في النجف وسامراء كالمرحوم الملاكاظم الخراساني، والمرحوم السيد كاظم الطباطبائي وشيخ الشريعة الاصفهاني، والشيخ محمد طه ،نجف، والشيخ حسن الكربلائي والسيد إسماعيل الصدر، والسيد حسن الصدر ، وغيرهم من أعلام الدين و أئمة العلم .

ومرّت عليه مرحلة كان يتنقل خلالها في رياض العلم والفضل والأدب حتى إذا ما استوفى نصيبه من هذه المناهل العلمية والأدبية، كان من أولئك الأفراد الذين لمع نجمهم في الأوساط الدينية بمكانته العلمية .

وكان - رحمه الله- كثير السؤال والمذاكرة والاستفسار عن مشاكل المسائل كلما اجتمع بعالم كبير يبرز منه الدقة وحب المناظرة والافادة.

قال رحمه الله في ترجمته من كتابه «بغية الراغبين» ما نصّه: «أما في العربية فقد كان ممن لا يجارى فيها - ويقصد بذلك جدّه آية الله المرحوم السيد الهادي - ولا سيما في علمي المعاني والبيان، إذ بان شأنه فيهما، كنت استصبح بضوئه فيما لم اعتد إليه من معضلات «المطول للمحقّق التفتازاني فيهديني إليها بنور بيانه وسطوع حجّته، فإذا هي كالشمس في ريعان الضحى، وكم كنت أرجع إليه في مشكلات المنطق والعلوم العربية فيثلج غلتي بما ينفيه عني من معتلج الريب، ويميطه من حجاب الشبهة، وكان على جلالته و شيخوخته يقبل على مباحثتي بانبساطه، ويسترسل إلى مناظرتى بأنسه...»

عودته إلى جبل عامل :

عاد بعد ذلك إلى جبل عامل وهو في الثانية والثلاثين من عمره،و استقبلته مدينته استقبالاً رائعاً، وحط فيها موفور الكرامة، محترم الجانب رفيع المقام،

وأصبح مرجعاً وزعيماً دينياً تمكن من الاصلاح والهداية ونشر المعارف. بما ان استقر به المقام حتى بدأ يعمل ويخطط لأمّته كأي مصلح عظيم، ويرعى الجانب العلمي، كما دعم الجانب الاجتماعي والسياسي وكانت له مواقف مشهودة سجلها التاريخ بكلّ اكبار وتقدير .

ففي الجانب العلمي نظّم السيّد - رحمه الله - في «صور» الدراسة العلمية وهذّبها من كلّ ما يعرقل سيرها، ثمّ كان على اتّصال مستمر بالبحث والمطالعة والكتابة والمناظرة، وكانت حصيلة تلك الجهود العلمية مجموعة كبيرة من المؤلفات القيّمة .

وقام كذلك بفتح مدارس علمية ليوفر عدد طلاب العلوم الدينية ويشجعهم على الاستمرار العلمي، ووضع نواة لكلية جعفرية ، تولى العناية بها من بعده ولده العلامة السيد جعفر شرف الدين .

أما في الجانب السياسي والاجتماعي: فقد كان السيّد - رحمه الله - مثال القائد المصلح الذي يحاول أن يبنى لأمته كياناً ، فكانت له مواقف خالدة ضد الاستعمار الأجنبي في العهد التركي والعهد الفرنسي وذلك لاقامة العدل، ولصموده واستقامته حاولوا اغتياله بيد أحد المرتزقة يعرف ب«ابن الحلاج» ، ولكن الله تعالى كفّ أيديهم عنه لكن بقيت مؤامراتهم متصلة إلى أن أدّت إلى تشريد السيّد بأهله وذويه نحو دمشق وترك مكتبته العامرة تحترق بيد الجيش الفرنسي.

أسفاره :

ولم يدم بقاء السيد طويلاً في دمشق، فقد ضاق الفرنسيون به ذرعاً، إذ

عرفت فيه الشام عالماً وزعيماً ومجاهداً، وكانت معركة «ميسلون» نهاية بقائه في دمشق، فلجأ إلى مصر سنة ألف وتسع وعشرين وثلاثمائة هجرية واجتمع بعلمائها وعلى رأسهم الشيخ سليم البشري المالكي شيخ الأزهر في عصره وانتجت اجتماعاته به ومراسلاته له کتاب «المراجعات».

ولم يمكث طويلاً في مصر ، إذ قصد فلسطين ليكون من هناك على مقربة من بلده يواصل منها جهاده الديني والوطني، وعندما خرج الفرنسيون من لبنان عاد السيد - رحمه الله - إلى بلاده منتصراً ظافراً، وكان يوم عودته مشهوداً، وهو يحمل مشعل النصر .

وللسيد - رحمه الله - سفرات وزيارات أخرى إلى المدينة وفلسطين ومصر والعراق وإيران.

مؤلفاته :

فيها عن مقام الحوراء زينب عليها السلام ومواقفها الخالدة.وللسيد شرف الدين مؤلفات كثيرة تدلّ على علمه وسعة اطلاعه وفيما يلي نذكر جملة منها :

1 - المراجعات وهي آية من الآيات، ومعجزة من المعجزات ببيانها، وقوّة برهانها، وشرف ،هدفها ، طبعت مرّتين فى حياة السيّد والعديد من المرات بعد وفاته وترجمت إلى العديد من اللغات كالفارسية والانكليزية والأوردية .

2 - الفصول المهمة فى تأليف الأمة وهو صرخة مدوية في سبيل جمع الكلمة واتحاد الأمة .

3 - اجوبة مسائل موسى جار الله وهى أجوبة عن عشرين سؤالاً تقدم بها موسى جار الله إلى أعلام الشيعة في البلاد الاسلامية وقد دلّت هذه الاجوبة على

غزير علم و اطلاع واسع يكتفي بها كل من كان رائده الحق .

4 - الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء .

5 - المجالس الفاخرة فى مآتم العترة الطاهرة (وهو هذا الكتاب).

6 - أبو هريرة وقد اقتفى السيد فيه أثر العلامة أبو رية المصري في كتاب الفذ «شيخ المضيرة».

7 - النص والاجتهاد وهو من أعمق الدراسات الاسلامية في العصر الحاضر.

8 - بغية الراغبين: ضمنه تراجم أعلام آل الصدر وشرف الدين مع عرض لتراجم أساتذتهم وتلامذتهم وصور عن عصرهم وهو من الكتب الجليلة التي تعد في طليعة أدب التراجم .

9 - فلسفة الميثاق والولاية .

10 - ثبت الاثبات في سلسلة الرواة: عرض فيه إلى شيوخه من أعاظم أهل المذاهب الاسلامية باسلوب فريد مفيد .

11 - مسائل فقهية موضوع فقهي مقارن عميق البحث . :

12 - إلى المجمع العلمي: حيث رد على بعض الشبهات المثارة حول الشيعة، ووجه نصائحه إلى المجمع العلمي يحثه على الوفاق ونبذ الافتراق .

13 - حول الرؤية رسالة عقائدية تبحث مسألة الرؤية بحثاً علمياً عميقاً يثبت به استحالة الرؤية بأدلّة مقنعة .

14 - زينب الكبرى وهي خطبة خطبها في الصحن الزينبي المطهر تحدّث

فيها عن مقام الحوراء زينب عليها السلام ومواقفها الخالدة.

ومن جملة كتبه التي احترقت ولم تطبع

15 - سبيل المؤمنين (في الإمامة) .

16 - النصوص الجلية (في الإمامة).

17 - تنزيل الآيات الباهرة (في الإمامة) .

18- شرح التبصرة في الفقه.

19 - تعليقة على الاستصحاب .

20 - تحفة المحدّثين فيما أخرج عن الستة المضعفين .

21 - الذريعة (ردّ على بديعة النبهاني) .

22 - تعليقة على صحيح البخاري.

23 - تعليقة على صحيح مسلم .

24 - الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة

25 - المجالس الفاخرة (المجلدات الأربعة).

26 - مؤلفوا الشيعة في صدر الاسلام

27 - زكاة الأخلاق .

وفاته ومدفنه :

توفي رحمه الله يوم الإثنين 8 من جمادي الثانية سنة 1377ه، الموافق 30 كانون الأول سنة 1957، ودفن في النجف الأشرف بجوار جدّه الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام داخل الصحن العلوي في إحدى الغرف المحيطة بالضريح تغمد الله الفقيد العظيم برحمته، ونفع الله الأمّة بآثاره كما نفعها بسيرته .

والحمد لله ربّ العالمين .

عملنا في الكتاب

الكتاب الذي بين يديك - قارئنا العزيز - هو عبارة عن بقايا أثر خالد من آثار العلّامة السيد عبد الحسين شرف الدين، وهو واحد من تلك السلسلة القيمة التي خلّفها للمكتبة الاسلامية والتي كان بها أكبر الأثر في تركيز الجانب الفكري والعقائدي الشيعي في القرن الرابع عشر الهجري .

فقد وضع المؤلف كتاباً سمّاه «المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة»، حيث وضعه في مقدّمة وأربعة أجزاء وكوّن بمجموعه أربعة مجلدات ، وهي كما يلي :

المقدّمة: اقتصر فيها على مطالب خمسة هي :

1 - البكاء على الموتى المؤمنين .

2 - جواز رثائهم .

3- تلاوة مناقبهم ومآثرهم .

4 - إقامة المجالس العزائية حزناً عليهم .

5 - الانفاق عنهم في وجوه البر .

أمّا أجزاء الكتاب فهي :

المجلّد الأوّل: تحدّث فيها عن سيرة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وحياته المقدّسة .

المجلّد الثاني وتحدّث فيه عن الإمام علي وفاطمة الزهراء والإمام الحسن عليهم السلام .

المجلّد الثالث : وقد خصّه بحياة الإمام الحسين عليه السلام.

المجلّد الرابع: وقد جمع فيه سيرة ة الأئمة المعصومين التسعة عليهم السلام.

وقد كان السيّد رحمه الله قد قدم على طبع هذا الكتاب عام 1332 ه ، وما أن أتمّ طبع المقدّمة حتى اندلعت شرارة الحرب العالمية، فمنعت من الاستمرار بالطبع، بل شاء الحظ العاثر أن تخسر المكتبة الاسلامية العديد من آثار السيد الفقيد بعد أن أصدر الاستعمار الفرنسي أمراً بنهب دار السيّد وحرق مكتبته .

ومن جملة الكتب التي احترقت هو هذا الكتاب القيّم .

وبعد مرور مدّة طويلة حاول أحد أولاد عمّ المؤلّف وهو السيّد الجليل على ابن إسماعيل أن يجمع «من أفواه قراء المآتم» بعض المجالس المحفوظة، ويعرضها على سماحة السيّد ويقرأها من أولها حتى نهايتها فأقرّها وحبّذ هذا العمل وباركه منه.

«كما ألقى نظرة على المقدّمة، ورتبها بعض الترتيب وحورها».

وقد طبعت مقدّمة الكتاب في صيدا سنة 1332 ه، واُطلق عليها اسم «المقدّمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة،» ثمَّ أُعيد طبعها في كربلاء المقدّسة سنة 1378 ه ، ثمّ أعيد طبعها في النجف الأشرف سنة 1386 بعد أن اُلحق بها بعض المجالس المتفرقة والتي جمعها السيد على بن إسماعيل.

وقد اعتمدنا في تحقيقنا لهذا الكتاب على النسخة المطبوعة لكتاب المقدمة الزاهرة والتي طبعت عام 1378 ه- ، وكذلك على نسخة المجالس الفاخرة المطبوعة عام 1386 ه- في النجف الأشرف .

ونظراً لكون نسخة «المقدّمة الزاهرة المطبوعة بصورة مستقلة المجالس الفاخرة أكثر تفصيلاً من المقدّمة الموجودة ضمن كتاب المجالس

الفاخرة والمطبوع سنة 1386ه- فقد جعلنا القسم الأوّل من كتابنا هذا هو «المقدمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة»، أما القسم الثاني فسيكون كتاب المجالس الفاخرة بمقدمته المقتضبة .

أما عملنا في الكتاب فكان كالآتي :

1 - ضبط النصّ قدر الوسع والامكان والاشارة إلى بعض الاختلافات مع المصادر الأصلية.

2 - تخريج الروايات الواردة في المتن من المظان المعتمدة.

3 - تثبيت أقوال المؤلف في الهامش بعد كلمة «قال رحمه الله » ، وتمييز تعليقاتنا في الهامش بكلمة «أقول :»

4 - تثبيت التخريجات التي أوردها المؤلف كما هي، مع زيادة العديد من التخريجات والتعليقات ضمن الهامش .

5 - كتبتُ تراجم مختصرة لأغلب الأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب .

6 - ما أضفناه من المصادر أو من عندنا وضعناه بين [ ] دون الاشارة إلى المصدر.

7 - وضعت فهارس فنية في آخر الكتاب لكي تعين الباحث في عمله .

نسأل الله ربّ العالمين أن ينفع به، وأن يجعله في صحائف أعمالنا يوم القيامة «يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ »

محمود البدري

3/ رجب / 1421 ه. ق

ذكرى استشهاد الإمام علي الهادي علیه السلام

المقدمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة

مقدّمة المؤلّف

الحمد لله على جميل بلائه وجليل عزائه، والصلاة والسلام على أسوة أنبيائه وعلى الأئمة المظلومين من أوصيائه ورحمة الله وبركاته ...

أما بعد ؛ فهذا كتاب «المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة وضعته تقرباً إليهم في الدنيا ، وتوسلاً بهم في الآخرة ، سائلاً من الله سبحانه ان يكون خالصاً لوجهه الكريم ، أنه هو الرؤوف الرحيم ...

الأصل العملي (1)يقتضي إباحة البكاء على مطلق الموتى ، ورثائهم بالقريض ، وتلاوة مناقبهم ومصائبهم، والجلوس حزناً عليهم، والانفاق عنهم في وجوه البر ، ولا دليل على خلاف هذا الأصل، بل السيرة القطعية (2)، والأدلّة


1) أي أنّ الحكم الشرعي في مرحلة العمل هكذا يقتضي، وذلك استناداً إلى قول كثير من الأصوليين الذين يرون بأن الأصل في المكلّف أن لا يكون مسؤولاً عن التكاليف المشكوكة أو المجهولة، ويرى هؤلاء انّ العقل هو الذي يحكم بنفي المسؤولية، لأنه يدرك قبح العقاب من المولى على مخالفة المكلّف للتكليف الذي لم يصل إليه، ولأجل هذا يطلقون على الأصل من وجهة نظرهم اسم قاعدة قبح العقاب بلا بيان» أو «البراءة العقلية»

2) وتعني الأمر المتداول عند عموم المسلمين المتشرعين، بشرط أن لا يكون هذا الأمر أمراً مستحدثاً أو عادة من العادات المحلية، بل لا بد أن يرتبط بعصر المعصوم، وهو ما يطلق عليه علماء الأصول ب- «سيرة المتشرعة» على أساس أنّ المتشرعة حينما يسلكون سلوكاً بوصفهم متشرعة، يجب أن يكونوا متلقين ذلك من المعصوم عليه السلام، وقد وصفت هذه السيرة بالقطعية، لأنه بواسطتها سوف يحصل لنا القطع باذن الشارع في مورده .

اللفظية حاكمان بمقتضاه ، بل يستفاد من بعضها استحباب هذه الأمور إذا كان الميّت من أهل المزايا الفاضلة ، والآثار النافعة، وفقاً لقواعد المدنية ، وعملاً بأصول العمران ، لأنّ تمييز المصلحين يكون سبباً في تنشيط أمثالهم ، وأداء حقوقهم يكون داعياً إلى كثرة الناسجين على منوالهم ، وتلاوة أخبارهم تر شد العاملين إلى اقتفاء آثارهم ، وهنا مطالب :

المطلب الأول

فى البكاء

ولنا على ما اخترناه فيه (مضافاً إلى السيرة القطعية) فعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وقوله وتقريره ؛ أمّا الأوّل فأنّه متواتر عنه في موارد عديدة :

منها : يوم أحد ، إذ علم الناس كافة بكائه يومئذ على عمه أسد الله وأسد رسوله حتى قال ابن عبد البر في ترجمة حمزة (1)من استيعابه لما رأى النبي صلّى الله عليه وآله حمزة قتيلاً بكى، فلما رأى ما مثل به شهق (2)

وذكر الواقدي (كما في أوائل الجزء الخامس عشر من نهج البلاغة (3)للعلامةالمعتزلي)، انّ النّبي صلى الله عليه وآله كان يومئذ إذا بكت صفية يبكي ، وإذا نشجت ينشج (4)قال : وجعلت فاطمة تبكي ، فلما [بكت] بكى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (5)

أقول : لأن فعل الزهراء عليها السلام يكفي للاستدلال باعتباره حجة في مثل هذا المقام ، إذ أنّها معصومة ، وهي من الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، وانظر ما الله حول الزهراء فى رسالته القيمة الكلمة الغرّاء فى تفضيل الزهراء عليها السلام).


1) حمزة بن عبد المطلب بن هاشم أبو عمارة سيّد الشهداء، استشهد سنة 3ه- ، عم النبي صلى الله عليه وآله أحد صناديد قريش وسادتهم في الجاهلية والاسلام، هاجر مع النبي صلّى الله عليه وآله إلى المدينة، حضر وقعة بدر وغيرها، استشهد يوم أحد ودفن في المدينة . :انظر تاریخ الاسلام 1 :99 صفوة الصفوة 1 144، الأعلام 2: 278

2) الاستيعاب 1 : 325

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 387.

4) نشج الباكي ينشج نشيجاً : غُص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب . القاموس المحيط 1 : 219.

5) قال له : قد اشتمل هذا الحديث على فعل النبي صلى الله عليه وآله وتقريره ، فهو حجة من جهتين ، على أن بكاء سيّدة النساء عليها السلام كاف كما لا يخفى .

ومنها : يوم نعى زيداً وذا الجناحين وابن رواحة ، فيما أخرجه البخاري في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه (1).

وذكر ابن عبد البر في ترجمة زيد من استيعابه (2)ان النبي صلى الله عليه و آله بكى على جعفر (3)

انظر الإصابة :1 237 ، البداية والنهاية 4 255 تهذيب التهذيب 2 98، أسد الغابة 1: 286 ، الطبقات الكبرى 4 :22 ، حلية الأولياء 1: 114 .

وزيد وقال : أخواي ومؤنساي ومحدّثاي .

ومنها : يوم مات ولده إبراهيم، إذ بكى عليه فقال له عبد الرحمن بن عوف ( كما في صفحة 148 من الجزء الأول من صحيح البخاري) وأنت يا رسول الله(4)


1) -صحيح البخاري :2 : 384 ، صحیح مسلم 5 : 317 ، وانظر : مسند أحمد 2 : 40 .

2) الاستيعاب 2 : 65 .

3) جعفر بن أبي طالب عليه السلام، يكنّى أبا عبدالله، صحابي هاشمي من شجعانهم، أوّل قتیل الطالبيين في الاسلام، ويكنّى أبا المساكين أيضاً، وجعفر هو الثالث من ولد أبيه بعد طالب وعقيل، وبعد جعفر علي عليه السلام، وأمّهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، استشهد سنة 8ه ، حضر وقعة مؤتة، فنزل عن فرسه وقاتل ثم حمل الراية وتقدّم صفوف المسلمين، فقطعت يمناه فحمل الراية باليسرى فقطعت أيضاً،فاحتضن الراية إلى صدره وصبر حتى وقع شهيداً وفي جسمه نحو تسعين طعنة ورمية.

4) قال القسطلاني : أي اتّبع الدمعة الأولى بدمعه أخرى أو اتّبع الكلمة الأُولى المجملة وهو قوله : «أنّها رحمة» بكلمة أخرى مفصلة ، فقال : انّ العين تدمع ...إلخ . انظر : ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري 2 : 398

قال : يا ابن عوف ، انّها رحمه (1)

أقول : قوله صلى الله عليه وآله : أنّها رحمة ؛ أي والرحمة نعم الفعل ، ونعمت الصفة ، ولیست سخطاً لقضاء الله حتى تكون مذمومة ، وما كان ينبغي أن يقال لرسول الله صلى الله عليه وآله ذلك ، وهو القدوة في أقواله وأفعاله وسكوته ومقاله ، والله تعالى يقول : (وَمَا آتَاكُمُ الرَسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [سورة الحشر : 7] .

اتبعها - يعني عبرته - باُخرى ، فقال : ان العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول (2)إلا ما يرضي ربّنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون .(3)

وروي ، بأسانيد وألفاظ متفاوتة، انظر: التعازي للمدائني: 14، سنن ابن ماجة 1: 506 ح ،1589 ، الكامل للمبرد 3 263 ، العقد الفريد 3 234 ، دعائم الاسلام 1: 228 ح 792 تحف العقول : 37، بحار الأنوار 82: 91 و 100 و 101 .

ومنها : يوم ماتت إحدى بناته صلى الله عليه وآله ، إذ جلس على قبرها (كما في صفحة 146 من الجزء الأوّل من صحيح البخاري) وعيناه تدمعان . (4)

فقالت : ما لي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وآله يبكي .

فقال : اني لست أبكي ، ولكنها رحمة .

ومنها: يوم مات صبي لإحدى بناته ، إذ فاضت عيناه يومئذٍ (كما في الصحيحين وغيرهما فقال له سعد : ما هذا يا رسول الله ؟


1) قال صلی الله علیه و آله وسلم: لا يخفى ما في تسميتها رحمة من الدلالة على حسن البكاء في مثل المقام.

2) قال صلی الله علیه و آله وسلم: أراد بهذا ان الملامة والأثم في المقام أنّما يكونان بالقول الذي يسخط الرب عزّ وعلا، كالاعتراض عليه والسخط لقضائه لا بمجرّد دمع العين وحزن القلب

3) صحيح البخاري 2 105 .

4) قال القسطلاني (ارشاد الساري 2 : 425) : هي أم كلثوم زوج عثمان . وأخرج النسائي في سننه (1 (262) عن ابن عبّاس قال : لما حضرت بنت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم صغيرة فأخذها فضمها إلى صدره ثمّ وضع يده عليها، فقضت وهي بين يديه ، فبكت أم أيمن فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلّم : يا أم أيمن ، أتبكين ورسول الله صلّى الله عليه وآله عندك ؟

قال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب (من يشاء من )عباده، وإنّما يرحم الله من عباده الرحماء (1)(2)

ومنها : ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين ، عن ابن عمر قال : اشتكى سعد فعاده رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مع جماعة من أصحابه فوجده في غشية فبكي .

[قال : ] فلمّا رأى القوم بكاءه بكوا... الحديث (3)

أقول : ولكن عندما نقرأ بقية الحديث نجده حجة من ثلاث جهات ؛ فعل النبي صلى الله عليه وآله وقوله وتقريره .

(4)

والأخبار في ذلك لا تحصى ولا تستقصى (5)


1) قال له : دلالة قوله : «وانّما يرحم الله من عباده الرحماء على استحباب البكاء في غاية الوضوح كما لا يخفى .

2) صحيح البخاري :2 100، صحیح مسلم: 2: 635 ح 923، سنن أبي داود 3: 193 1، 923، سنن أبي داود 3: 193 ح 3125، سنن ابن ماجة 1: 506 ح 1588 ، سنن النسائي 4: 22 ، دعائم الاسلام 1: 228 ح 794، مجمع الزوائد 3: 18 بحار الأنوار 82 91

3) قال صلی الله علیه و آله وسلم: لا يخفى اشتماله على كلّ من فعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وتقريره ، فهو حجة من جهتين .

4) أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال : اشتكى سعد بن عبادة شكوى له ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلّم يعوده مع عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود ، فلمّا دخل عليه فوجده في غاشية من أهله فقال : قد قضى ؟ فقالوا : لا يا رسول الله ، فبكى النبي صلّى الله عليه وسلّم ، فلمّا رأى القوم بكاء النبي صلّى الله عليه وسلّم بكوا ، فقال : ألا تسمعون ان الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم . (منه رحمه الله ) .

5) انظر : سنن ابن ماجة :1 506 ح 1589، الكامل للمبرد 3: 263، العقد الفريد 3 234، التعازي للمدائني : 14 .

وأما قوله وتقريره فمستفیضان و موارد هما كثيرة فمنها ما ذكره ابن عبد البر في ترجمة جعفر من استيعابه (1)قال:

لما جاء النبي صلّى الله عليه و آله نعى جعفر (2)أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزّاها.

[قال : ] و دخلت فاطمة وهي تبكي وتقول : واعماه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : على مثل جعفر فلتبك (3)البواكي.

ومنها : ما ذكره ابن جرير (4)وابن الأثير (5)وصاحب العقد الفريد (6)وجميع أهل السير (7)

وأخرج كذلك عن ابن مسعود : ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله باكياً أشدّ من بكائه على حمزة، وضعه في القبلة ، ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشق - أي شهق حتى بلغ الغشى - يقول : يا عم رسول الله ، وأسد الله ، وأسد رسول الله ، يا حمزة ، يا فاعل الخيرات ، يا حمزة ، يا كاشف الكربات ، يا ذابّ ، يا مانع عن وجه رسول الله .

(انظر: السيرة الحلبية 1 : 461 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 387) .

أقول : هذا حال رسول الله صلّى الله عليه وآله عندما رأى حمزة شهيداً ، فكيف به صلوات الله عليه لو نظر إلى ما صنع بولده الحسين وأهل بيته عليهم السلام لكان ذلك المنظر أوجع لقلبه من منظر حمزة ويكون حاله كما قال القائل :

لو أنّ رسول الله يبعث نظرة *** لردّت إلى انسان عين مؤرّق

وهان عليه يوم حمزة عمّه *** بيوم حسين وهو أعظم ما لقي

ونال شجى من زينب لم ينله من*** صفيّة إذ جاءت بدمع مرقرق فكم بين من للخدر عادت مصونة *** ومن سيّروها في السبايا بحلّق

، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر في صفحه

1) الاستيعاب 1 : 312

2) قال صلی الله علیه و آله وسلم: هذا الحديث مشتمل على تقريره صلّى الله عليه وآله على البكاء وأمره به على ان مجرد صدوره من سيّدة النساء عليها السلام حجة كما لا يخفى .

3) قال صلی الله علیه و آله وسلم: هذا أمر منه صلى الله عليه وآله بالبكاء ندباً على أمثال جعفر من رجال الأمة وحسبك به حجّة على الاستحباب .

4) تاريخ الطبري 3 : 27

5) الكامل في التاريخ : 2 : 132. .

6) العقد الفريد 2 : 86

7) قال علي بن برهان الدين الحلبي في السيرة الحلبية 462:1 : وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم نساء الأنصار يبكين على أزواجهنّ وأبنائهنِّ وإخوانهنّ فقال : حمزة لا بواكي له وبكى صلى الله عليه وسلّم - ولعلّه لم يكن له بالمدينة زوجة ولا بنت - فأمر سعد بن معاذ نساءه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله يبكين حمزة بين المغرب والعشاء ، وكذلك أسيد بن خضير أمر نساءه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يبكين حمزة - إلى أن قال : فلما رجع صلّى الله عليه وسلّم من المسجد من صلاة المغرب سمع البكاء فقال : ما هذا ؟ فقال : نساء الأنصار يبكين حمزة ، فقال : رضي الله عنكن وعن أولادكنّ، وأمر أن ترد النساء إلى منازلهن - إلى أن قال : وفي رواية : فلما ذهب ثلث الليل نادى بلال : الصلاة يا رسول الله، فقام من نومه، وخرج وهَنّ على باب المسجد يبكين حمزة فقال لهن : ارجعن رحمكنّ الله ، لقد واسيتن معي رحم الله الأنصار ، فإن المواساة فيهم كما علمت قديماً - إلى أن قال : وصارت الواحدة من نساء الأنصار بعد لا تبكي على ميّتها إلا بدأت بالبكاء على حمزة ثم بكت على ميّتها .

(40) من الجزء الثاني من مسنده قال :

[لما رجع رسول الله صلّى الله عليه وآله [ من اُحد فجعلت نساء الأنصار يبكين على مَنْ قُتِل من أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :] ولكن حمزة لا بواكى له .

[قال : ] ثمّ نام فاستنبه وهن يبكين .

قال : ] فهنّ اليوم إذا بكين يبدأن (1)بحمزة . (2)


1) كذا في الأصل ، والظاهر هو الصحيح ، وفي المصدر : يندبن .

2) مسند أحمد بن حنبل :3 261 .

وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب، نقلاً عن الواقدي قال : لم تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله : «لكن حمزة لا بواكي له إلى اليوم إلّا بدأت (1)بالبكاء على حمزة [ثم بكت ميتها ] (2)

وحسبك تلك السيرة في رجحان البكاء على من هو كحمزة وان بعُد العهد بموته .

ولا تنس ما في قوله صلى الله عليه وآله : «لكن حمزة لا بواكي له من البعث على البكاء والملامة لهن على تركه ، وحسبك به وبقوله : «على مثل جعفر فلتبك «البواكى» دليلاً على الاستصحاب .

وأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عبّاس في صفحة (335) من الجزء الأول من مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وبكاء النساء عليها ، قال : فجعل عمر يضر بهنّ بسوطه ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله : دعهن يبكين .

ثمّ قال : مهما يكن من القلب والعين فمن الله والرحمة [إلى أن قال : ] ، وقعد على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي ، فجعل النبي صلى الله عليه وآله يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها . (3)

وأخرج أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة جاء فيه : أنه مرّ على رسول الله صلّى الله عليه وآله جنازة معها بواك ، فنهرهنّ عمر ، فقال له رسول الله صلّى الله


1) كذا في المصدر ، وفي الأصل : لا بدأن ، وهو تصحيف .

2) الاستيعاب 1 : 275

3) مسند أحمد 1: 335، مشكاة المصابيح 1: 548 ح 1748، مجمع الزوائد 3 17، کنز العمّال 15: 621 ح 42476 .

عليه وآله : دعهنّ ، فإنّ النفس مصابة ، والعين دامعة ، [والعهد قريب ] . (1)

أقول : قوله : «والعهد قريب لا يدلّ على عدم الجواز مع بعد العهد ، فإنّه بمنزلة التعليل لصعوبة الصبر مع قرب العهد : أي لو كان العهد بعيداً لهان عليهنّ ترك البكاء ، وان كان جائزاً أيضاً ، فلا يدلّ على اختصاص الجواز بقرب العهد ، مع أنّ مثل مصيبة الحسين عليه السلام وما اشتملت عليه من الفظاعة التي لم يسبق لها مثيل كلّما بعد عهدها فهو قريب ، وكما قال القائل :

وفجائع الأيام تبقى مدة *** وتزول وهي إلى القيامة باقية

إلى غير ذلك مما لا يسعنا استيفاؤه .

وقد بكى يعقوب ، إذ غيّب الله ولده : ﴿وَقَالَ يَا َأسَفًا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (2)، حتى قيل - كما في تفسير هذه الآية من «الكشاف»: ما جنّت عيناه من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً، وما على وجه الأرض أكرم على الله منه .

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله - كما في تفسير هذه الآي-ة م-ن «الكشاف» أيضاً -: أنه سئل جبرئيل عليه السلام : ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف ؟

قال : وجد سبعين ثكلى .

قال : فما كان له من الأجر ؟

قال : أجر مائة شهيد (3)، وما ساء ظنه بالله ساعة قطّ (4)


1) مسند أحمد :2 : 333 ، وأنظر : سنن ابن ماجة 1 : 247 ، سنن النسائي 1: 263 .

2) سورة يوسف : 84 .

3) قال : هذا كالصريح في استحباب البكاء ، إذ ليس المستحب إلا ما يترتب الثواب على فعله كما هو واضح .

4) الكشاف 2 : 450 ، تفسير الطبري 13 : 32 ، غرائب القرآن - بهامش تفسير الطبري - 13 : 42 ، تفسير الرازي 5: 238

قلت : أيّ عاقل يرغب عن مذهبنا في البكاء بعد ثبوته عن الأنبياء ﴿وَمَنْ يَرْغَبْ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) (1)

وأما ما جاء في الصحيحين (2): من ان الميت يعذب لبكاء أهله عليه .

وفي رواية : ببعض بكاء أهله عليه .

وفي رواية : ببكاء الحي .

وفي رواية : يعذب في قبره بما نيح عليه.

وفي رواية : من يبك عليه يعذب . فانّه خطأ من الراوي بحكم العقل

قال الفاضل النووي : هذه الروايات كلّها من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله . (3)

قال: وأنكرت عائشة (4)

وقد لعبت عائشة دوراً كبيراً في التاريخ الاسلامي، فهي أول امرأة تقود جيشاً كبيراً لمحاربة خليفة المسلمين ، أنّها عصت أمر الله وأمر رسوله لها بالذات وخرجت فقادت حرب الجمل المشؤومة التي انتهكت فيها المحارم، وقتلت الأبرياء وخانت العهد في الكتاب الذي كتبته مع عثمان بن حنيف وعندما جاؤوها بالرجال مكتفين أمرت بضرب أعناقهم صبراً، وكأنها لم تسمع قول النبي صلى الله عليه وآله : «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر» . وقد سجّل لها التاريخ كرهاً وبغضاً للإمام علي لم يعرف له مثيل وصل بها إلى حد أنها لا تطيق ذكر اسمه ولا تطيق رؤيته، وعندما تسمع بأنّ الناس قد بايعوه بالخلافة بعد قتل عثمان تقول : وددت لو أنّ السماء انطبقت على الأرض قبل أن يليها ابن أبي طالب ، وتعمل كلّ جهودها للإطاحة به ، وتقود ضدّه عسكراً جرّاراً لمحاربته ، وعندما يأتيها خبر موته تسجد شكراً لله ! (انظر: صحيح البخاري 1: 162 وج 3: 135 وج 5 : 140) .

عليهما ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه،واحتجّت

1) سورة البقرة : 130

2) صحيح البخاري 1 : 155 ، صحیح مسلم 1 : 359 و 4 : 257 ، سنن ابن ماجة 1 : 173 ، سنن النسائي 213:1

3) صحیح مسلم 5 : 318

4) هي زوج النبي صلّى الله عليه وآله وأُمّ المؤمنين ، تزوّجها النبي صلى الله عليه وآله في السنة الثانية أو الثالثة للهجرة وتوفّي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة على أشهر الأقوال ولقب أمّ المؤمنين هذا لا يختص بعائشة ، فهو يطلق على كلّ امرأة تزوجها الرسول صلى الله عليه و آله ، فيُقال أُمّ المؤمنين خديجة ، وأمّ المؤمنين حفصة ... إلخ .

بقوله تعالى : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (1)... إلخ .(2)

انظر : سنن النسائي 1 : 213 ، صحیح مسلم 257:4 ، الموطأ 1 : 107، والتردد في هذه الأقوال من الراوي .

قلت : وأنكر هذه الروايات أيضاً عبدالله بن عبّاس (3)

انظر: الإصابة ترجمة رقم (4772) ، صفة الصفوة 1 314، حلية الأولياء 1 314، نسب قريش 26 الأعلام 4 95 .

واحتج على خطأ

1) سورة الأنعام : 164 ، سورة الاسراء : 15 سورة فاطر : 18 ، سورة الزمر : 7 .

2) أخرج النسائي ومسلم ومالك في الموطأ : انّ عائشة لما بلغها رواية ابن عمر : ان الميت ليعذب ببكاء أهله ونحوه ، قالت : مرّ النبي صلّى الله عليه وسلّم على قبر فقال : إنّ صاحب القبر ليعذب ، وانّ أهله يبكون عليه ، وقرأت : ﴿وَلَا تَزِرُ) الآية . أو قالت : أنّه لم يكذب ، ولكن نسى أو أخطأ ، انّما مر رسول الله صلى الله عليه وسلّم على يهودية يبكى عليها فقال : أنّهم ليبكون عليها وأنّها لتعذَّب في قبرها . أو قالت : أنّه سمع شيئاً فلم يحفظ ، انما مرت على رسول الله صلى الله عليه وآله جنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال : أنتم تبكون عليه ، وأنّ-ه ليعذب . أو قالت : وهل انّما قال صلّى الله عليه وسلّم : أنّه ليعذب بخطيئته . وبذنبه ، وانّ أهله ليبكون عليه الآن . أو قالت - لما ذكر لها حديث من يبكي عليه يعذب - : انما كان أولئك اليهود. أو لما بلغها قول عمر وابنه قالت : انكم لتحدّثون عن غير كاذبين ولا مكذبين ، ولكن السمع يخطىء

3) عبد الله بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو العباس حبر الأمة، صحابي جليل، ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوة، لازم رسول الله صلى الله عليه وآله وروى عنه، وشهد مع علي عليه السلام الجمل وصفّين، كف بصره في آخر عمره، فسكن الطائف وتوفي بها سنة 68 ه .

راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما ، وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض حتى أخرج الطبري (1)في حوادث سنة 13 من تاريخه بالإسناد إلى سعيد بن المسيب قال : لمّا توفّي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح ، فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهن عن البكاء على أبي بكر ، فأبين أن ينتهين ، فقال عمر لهشام بن الوليد : ادخل فأخرج إليَّ ابنة أبي قحافة . فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر : انّي أحرج عليك بيتي . فقال عمر لهشام : ادخل فقد آذنت لك ، فدخل هشام وأخرج أم فروة أخت أبي بكر إلى عمر فعلاها بالدرّة ، فضربها ضربات ، فتفرّق النوح حين سمعوا ذلك .

قلت : كأنه لم يعلم تقرير النبي صلّى الله عليه وآله نساء الأنصار على البكاء على موتاهنّ ، ولم يبلغه قوله صلى الله عليه وآله : «لكن حمزة لا بواكي له ، وقوله صلّى الله عليه وآله : «على مثل جعفر فلتبك البواكي»، وقوله صلّى الله عليه وآله : «إنّما يرحم الله من عباده الرحماء».

ولعله نسي نهي النبي صلى الله عليه وآله اياه عن ضرب البواكي يوم ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، نسي نهيه إياه عن انتهارهن في مقام آخر مر عليك آنفاً . (2)

ثمّ إذا كان البكاء على الميت حراماً ، فلماذا أباح لنساء بني مخزوم أن


1) تاريخ الأمم والملوك 2 : 49 وفاة أبو بكر ) .

2) انظر مسند أحمد بن حنبل 1 : 335 و 2 : 333 ، سنن ابن ماجة 1 : 247 ، العقد الفريد 2 : .47

يبكين على خالد بن الوليد (1)حتى ذكر محمد بن سلام كما في ترجمة خالد من الاستيعاب (2)- انه لم تبق امرأة من بنى المغيرة إلا وضعت لمتها - أي حلق رأسها - على قبر خالد ، وهذا حرام بلا ارتياب والله أعلم (3)


1) بل ان عمر بكى وحزن على أخيه زيد ورثاه ، ففي الإصابة (1: 565 و 6432) في ترجمة زيد بن الخطاب : أنّه لمّا قتل باليمامة حزن عليه عمر حزناً شديداً .وفي الاستيعاب (1: 543) بسنده عن ابن جابر قال : قال لي عمر بن الخطاب : ما هبت الصبا إلا وأنا أجد منها ريح زيد. وقد بكى عمر أيضاً على النعمان بن مقرن حين قتل في فتح نهاوند واضعاً يده على رأسه علامة على شدة الحزن وعظيم المصاب . ففي الاستيعاب (3 : 547) في ترجمة النعمان : ولما جاء نعيه عمر بن الخطاب ، خرج فنعاه إلى الناس على المنبر ، ووضع يده على رأسه يبكي !

2) الاستيعاب - بهامش الاصابة - 3 : 397 . وانظر : صحيح البخاري 1 : 167 باب ما يكره من النياحة) ، النهاية لابن الأثير 5: 109 ، العقد الفريد 2 : 76

3) فقد روى البخاري في صحيحه (1 : 155 ، كتاب الجنائر) : إنّ النبي صلى الله عليه وسلّم برىء من الحالقة ، وكذا روى النسائي في سننه (1 : 217) .

المطلب الثاني

في رثاء الميّت بالقريض

ويظهر من القسطلاني في شرح [صحيح ]البخاري (1)انّ الجماعة يفصّلون القول فيه ، فيحرمون ما اشتمل منه على مدح الميّت وذكر محاسنه الباعث على تحريك الحزن وتهييج اللوعة ، ويبيحون ما عدا ذلك ، والحق اباحته مطلقاً ، إذ لا دليل هنا يعدل بنا عن مقتضى الأصل ، والنواهي التي يزعمونها انّما يستفاد منها الكراهة فى موارد مخصوصة على أنها غير صحيحة بلا ارتیاب .

وقد رثى آدم عليه السلام ولده هابيل ، واستمرت على ذلك ذرّيته إلى يومنا هذا بلا نكير . (2)

تغيّرت البلاد ومن عليها *** فلون الأرض مغبر قبيح

تغيّر كلّ ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح

وأقرّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أصحابه عليه مع اكثارهم من تهييج الحزن به ، وتفنّنهم بمدائح الموتى فيه ، وتلك مراثيهم منتشرة في كتب الأخبار ،


1) ارشاد الساري :3 : 298 باب رثاء النبي سعد بن خولى .

2) قال الطبري في تاريخه (1 : 37) ما لفظه : وذكر ان قابيل لما قتل أخاه هابيل بكاه آدم فقال فيما حدّثنا ابن حميد قال : ثنا سلمة ، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني قال : قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : لمّا قتل ابن آدم أخاه بکاه آدم فقال :

فراجع الاستيعاب إن أردت بعضها أحوال سيّد الشهداء حمزة (1)، وعثمان بن مظعون (2)

يا عين جودي بدمع غير ممنون *** على رزية عثمان بن مظعون

على امرىءكان في رضوان خالقه*** طوبى له من فقيد الشخص مدفون

طاب البقيع له سكنى و غرقده *** وأشرقت أرضه من بعد تفتين

و أورث القلب حزناً لا انقطاع له *** حتى الممات وما ترقى له شوني

وقد أخرج ابن ماجة في سننه (1 : 329، باب ما جاء في تقبيل الميت) ، عن عائشة قالت : قبل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عثمان بن مظعون وهو ميت ، فكأني انظر إلى دموعه تسيل على خدّيه .

وقال محمد بن عبدالهادى المعروف بالسندي في الحاشية : قوله : على خديه ؛ أي خدّي النبي صلّى الله عليه وسلّم ، أو خدّي عثمان ، ويؤيّد الثاني ما جاء : حتى سالت دموع النبي صلّى الله عليه وسلّم على وجه عثمان ، والله تعالى أعلم .

، وسعد بن معاذ (3)

لقد سجمت من دمع عيني عبرة ***وحُقِّ لعيني أن تفيض على سعد

قتیل ثوى في معرك فجعت به ***ليون ذواري الدمع دائمة الوجد

على ملة الرحمن وارث جنّة *** الشهداء وفدها أكرم الوفد

مع فإن تك قدودّعتنا وتركتنا ***وأمسيت في غبراء مظلمة اللحد

فأنت الذي ياسعد أبت بمشهد***كريم وأثواب المكارم والحمد

بحكمك في حيّي قريظة بالذي ***قضى الله فيهم ما قضيت على عمد

، وشمّاس بن عثمان بن الشريد (4)

يا عين جودى بفيض غير إيساس*** علی کریم من الفتيان لبّاس

صعب البديهة ميمون نقيبته *** حمّال ألوية ركاب أفراس

أقول لمّا أتى الناعي له جزعاً *** أودى الجواد وأودى المطعم الكاسي

وقلت لما خلت منه مجالسه *** لا يُبعد الله عنا قرب شمّاس

فأجابها أخوها أبو الحكم بن سعيد بن يربوع فقال :

اقني حياءك في ستر وفي كرم *** فإنّما كان شمّاس من الناس

لا تقتلي النفس إذ حانت منيته *** في طاعة الله يوم الروع والباس

قد كان حمزة ليث الله فاصطبري*** فذاق يومئذٍ من كأس شماس

انظر : سيرة ابن هشام 3 : 168، الاصابة 2 : 97

، والوليد بن الوليد

1) الاستيعاب 1 : 325

2) جاء في الاستيعاب (3) (89) أنّه لمّا مات عثمان بن مظعون رثته امرأته فقالت :

3) أورد ابن هشام في سيرته (4 : (296) ، عن ابن إسحاق قال: قال حسان بن ثابت يبكي سعد بن معاذ :

4) قالت نعم تبكي زوجها شمّاس بن عثمان الذي أصيب يوم اُحد :

ابن المغيرة (1)

ياعين فابكي الولي *** د بن الوليد بن المغيرة :

قد كان غيثاً في السني *** ن ورحمة فينا وميرة

ضخم الدسيعة ماجداً *** یسمو إلى طلب الوتيرة

مثل الوليد بن الولي *** د أبي الوليد كفى العشيرة

:انظر الاستيعاب 3 : 630

، وأبي خراش الهذلي (2)

فجع أضيافي جميل بن معمّر *** بذي مفخر تأوي إليه الأرامل

طويل نجاد السيف ليس بحيدر*** إذا اهتز واسترخت عليه الحمائل

إلى بيته يأوي الغريب إذا شتا *** ومهتلك بالي الدريسين عائل

تكاد يداه تسلمان رداءه *** من الجود لما استقبلته الشمائل

فأقسم لولاقيته غير موثّق *** لآبك بالجزع الضياع النواهل

وانك لو واجهته ولقيته *** فنازلته وكنت ممّن ينازل

لكنت جميل أسوأ الناس صرعة*** ولكن أقران الظهور مقاتل

فليس كعهد الدار یا أم مالك*** ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل

وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل*** سوى الحق شيئاً فاستراح العواذل

انظر : الاستيعاب 4 : 184 .

، وأياس بن البكير الليثي (3)

ألا يا ليت أُمّي لم تلدني*** ولم أك في الغزاة لدى البقيع

ولم أر مصرع ابن الخير زيد*** وهدته هنالك من صريع

هو الرزء الذي عظمت وجلت*** مصيبته على الحي الجميع

انظر: الاستيعاب 1 : 102 .

، وعاتكة بنت

1) قالت أم سلمة زوجه النبي صلى الله عليه وآله تبكي الوليد بن الوليد بن المغيرة :

2) هو خويلد بن مرّة أبو خراش الهذلي، كان في الجاهلية من فتّاك العرب ثم أسلم ، وكان يعدو على قدميه فيسبق الخيل ، قال وهو يرثي أخاه أو ابن عمّه زهيراً الذي قتله جميل بن معمر الجمحي أسيراً يوم حنين ؛ وقيل : قاله في أخيه عروة بن مرّة :

3) قال أياس بن البكير يرثي زيد بن الخطاب :

زید بن عمرو بن نفيل (1)

قالت وهي ترثي زوجها عبدالله بن أبي بكر المقتول في وقعة الطائف:

رزئت بخير الناس بعد نبيّهم *** وبعد أبي بكر وما كان قصرا

فاليت لا تنفك عيني حزينة *** عليك ولا ينفك جلدي أغبرا

فللّه عيناً من رأى مثله فتى *** أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا

إذا شرعت فيه الأسنة خاضها *** إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا

انظر : الاستيعاب 4 : 365 .

، وغيرهم (2)

ولاحظ من الاصابة أحوال ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب (3)

قال حسان بن ثابت الأنصاري يرثي جعفر بن أبي طالب وأصحاب مؤتة:

فلا يُبعدن الله قتلى تتابعوا *** بمؤتة منهم ذوالجناحين جعفر

فطاعن حتی مال غیر موسّد *** بمعترك فيه قنا متکسّر

فصار مع المستشهدين ثوابه *** جنانٌ وملتقُ الحدائق أخضر

وكنا نرى في جعفر من محمد*** وفاء وأمراً حازماً حين يأمر

فما زال في الإسلام من آل هاشم*** دعائم عزّ لا تزول ومفخر

بهاليل منهم جعفر وابن أمه *** علي ومنهم أحمد المتخير

وحمزة والعبّاس منهم ومنهم *** عقيل وماء العود من حيث يُعصر

بهم تفرج اللأواء في كل مأزقٍ *** عماسٍ اذا ما ضاق بالناس مصدر

هم أولياء الله أنزل حكمه ***عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر

انظر: السيرة النبوية لابن هشام 4 : 384 - 385 .

وأبي

1) وهي التي تزوجت بعدّة أزواج فقتلوا ؛ فقيل عنها من أحبّ الشهادة فليتزوج عاتكة ؟

2) كمراثي الخنساء لأخويها صخر ومعاوية ، ورثاء متمم بن نويرة وغيره أخاه مالكاً الذي قتله خالد بن الوليد ، والمرائي التي قيلت في الإمام الحسين عليه السلام من يوم شهادته عليه السلام إلى اليوم.

3) الاصابة 1 237

زُبيد الطائي ) (1)

إنَّ الكرام على ما كان من خُلق*** رهط امرىء جامع للدين مختار

حبُّ بصير بأصناف الرجال ولم*** يعدل بخير رسول الله أخيار

:انظر الاصابة ترجمة رقم (9971» .

، وأبي سنان بن حريث المخزومي (2)

اقنى حيائك في ستر وفي خفر*** فإنّما كان عثمان من الناس

لا تقتلى النفس إذ حانت منيته***في طاعة الله يوم الروع والباس

قدكان حمزة ليث الله فاصطبري***قد ذاق ما ذاق عثمان بن شمّاس

انظر : الاصابة 2 : 97 .

، والأشهب بن رميلة الدارمي (3)

أعيني قلت عبرة من أخيكما *** بأن تسهرا الليل التمام وتجزعا

و باكية تبكي رباباً و قائل *** جزى الله خيراً ما أعف وأمنعا

فلوكان قلبي من حديد أذابه*** ولو كان من صمّ الصفا لتمصدّعا

انظر : الاصابة 1 : 0494

، وزينب بنت العوام (4)

انظر: الإصابة ترجمة رقم ( 11249»، أعلام النساء: 101.

، وعبد الله بن عبد المدان الحارثي (5)

و لولا أن تعتّفني قريش *** بكيت على بني عبدالمدان

فإنّهم أشد الناس فجعاً *** وكلهم لبيت المجد باني

لهم أبوان قد علمت يمان*** علی آبائهم متقدمان

، وجماعة

1) (1) في الأصل: أبو زيد الطائي، وهو تصحيف، وما أثبتناه هو الصحيح وهو حرملة بن منذر ويقال المنذر بن حرملة بن معد بن يكرب بن حنظلة الطائي، قال يرثي الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لما مات :

2) قال أبو سنان بن حريث المخزومي وهو يرثي شمّاس بن عثمان وهو زوج ابنته :

3) قال الأشهب بن رميلة الدارمي يرثي أخاه رباب بن رميلة :

4) هي زينب بن العوام بن خُويلد بن أسد القرشية الأسدية أخت الزبير بن العوام، شاعرة صحابية، أسلمت قديماً وبقيت وعاشت إلى أن قتل ابنها عبد الله بن حكيم يوم الجمل، فرئته وذكرت حاله.

5) قال ابن حجر في الاصابة (3: 156) : كان عبيد الله بن العباس بن عبدالمطلب صاهر عبدالله عبد المدان - وهو من الصحابة - على ابنته ، فلمّا أمره علي عليه السلام على اليمن ، وسار بسر بن أرطاة إليها من قبل معاوية خرج عنها عبيد الله واستخلف عليها صهره هذا، فقتله بسر وابنه مالكاً وولدي عبيد الله ابني أخت مالك ، فقال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يرثي عبدالله بن المدان وابنه مالكاً وكانا صديقين له :

آخرين لا تحضرني أسماؤهم ، ودونك كتاب الدرة في التعازي والمراثي ، وهو في أوّل الجزء الثاني من العقد الفريد (1)تجد فيه مراثي الصحابة ومن بعدهم شيئاً كثيراً ، وليس شيء مما أشرنا إليه إلا وقد اشتمل على ما يهيج الحزن ويجدد اللوعة بمدح الميّت وذكر محاسنه .

ولمّا توفّي رسول الله صلى الله عليه وآله تنافست فضلاء الصحابة في رثائه ، فرشته سيّدة نساء العالمين عليها السلام بأبيات تهيج الأحزان ، ذكر القسطلاني في ارشاد الساري (2)بيتين منها وهما قولها عليها السلام :

ماذا على من شمَّ تربة أحمدٍ*** أن لا يشم مدى الزمان غواليا (3)

صُبّت عليَّ مصائب لو أنها *** صُبّت على الأيام صرن لياليا

ورثته أيضاً بأبيات تثير لواعج الأشجان ذكر ابن عبد ربه المالكي بيتين منها في العقد الفريد وهما :

إنا فقدناكَ فَقْدَ الأرض وابلها *** وغاب مذ غِبت عنّا الوحي والكتب

فليت قبلك كان الموت صادفنا *** لما نُعيت وحالت دُونك الكُتب (4)

وقال ابن الاثير في النهاية (3: 156) : انّ فاطمة قالت بعد موت النبي صلى الله عليه:

قد كان بعدك أنباء وهنبئة *** لو كان شاهدها لم تكثر الخطب

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها *** فاختل قومك فاشهدهم ولا تغب وقالت أيضا ترثيه صلّى الله عليه وآله كما أورده أحمد بن زيني دحلان في سيرته (3): 392:

إغبرّ آفاقُ السماءِ وكُوّرت *** شمس النهار واظلم العصران

والأرض من بعد النبيّ كئيبةٌ *** أسفاً عليه كثيرة الرجفانِ

فلیبکه شرقُ البلاد وغربها *** ولیبكه مُضرّ وكلّ يمان


1) العقد الفريد 2 27

2) صحيح البخاري :2 : 363 و 390 .

3) الغوالي : جمع غالية ، وهي وهي الطيب .

4) العقد الفريد 3 : 194.

ورثته عمّته صفية بنت عبد المطلب (1)بقصيدة يائية ، ذكر ابن عبد البر في أحوال النبي صلّى الله عليه وآله من استيعابه جملة منها .(2)

ألا يا رسول الله كنت رجاءنا *** وكنت بنا براً ولم تك جافيا

وكنت رحيماً هادياً ومعلماً *** ليبك عليك اليوم من كان باكيا

لعمرك ما أبكي النبي لفقده *** ولكن لما أخشى من الهرج آتيا

كأنّ على قلبي لذكر محمد *** وما خفت من بعد النبي المكاويا

أفاطم صلّى الله ربّ محمد *** على جدث أمسى بيثرب ثاويا

فداً لرسول الله أُمّي وخالتي *** وعمّي وآبائي ونفسي وماليا

صدقت وبلغت الرسالة صادقاً *** ومت صليب العود أبلج صافيا

فلوانّ ربّ الناس أبقى نبيّنا *** سعدنا ولكن أمره كان ماضيا

عليك من الله السلام تحية *** وأخلدت جنّات من العدن راضيا

أرى حسناً يتّمته وتركته *** يبكي ويدعو جدّه اليوم نائيا

انظر :الاستيعاب - بهامش الاصابة - 4 : 312 .

ورثاه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (3)بقصيدة لامية ذكر بعضها


1) انظر ترجمتها في : أسد الغابة 7: 173 ، الطبقات الكبرى :2 : 330 .

2) قالت صفيّة ترثي رسول الله صلى الله عليه وآله :

3) أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، أسلم يوم الفتح وحسن اسلامه فيقال أنّه ما رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حياء منه بعد الذي وقف من رسول الله قبل اسلامه وشهد أبو سفيان حنيناً وأبلى فيها بلاء حسناً، وكان ممن ثبت ولم يفر يومئذٍ انظر ترجمته في الاستيعاب 4: 8584، الاصابة 4: 090

صاحبا الاستيعاب والاصابة في ترجمة أبي سفيان المذكور (1)

أرّقت فبات ليلي لا يزول *** وليل أخي المصيبة فيه طول

فاسعدني البكاء وذاك فيما*** اصيب المسلمون به قليل

لقد عظمت مصيبتنا وجلت*** عشيّة قيل : قد قبض الرسول

وأضحت ارضنا ممّا عراها *** تكاد بنا جوانبها تميل

فقدنا الوحي والتنزيل فينا *** يروح به ويغدو جبرئيل

وذاك أحق ما سالت عليه *** نفوس الناس أو كادت تسيل

نبي كان يجلو الشك عنّا *** بما يوحى إليه وما يقول

ويهدينا فلا نخشى ضلالاً *** علينا والرسول لنا دليل

أفاطم إن جزعت فذاك عذر*** وإن لم تجزعي ذاك السبيل

فقبر أبيك سيّد كلّ قبر *** وفيه سيّد الناس الرّسول

انظر : الاستيعاب 4 : 134 .

ورثاه أبو ذؤيب الهذلي (2)- كما يعلم من ترجمته في الاستيعاب والاصابة - بقصيدة حائية (3)

كسفت لمصرعه النجوم و بدرها*** وتزعزعت آطام بطن الأبطح

وتزعزعت أجبال يثرب كلّها *** ونخيلها لحلول خطب مفدح

انظر : الاستيعاب 4 : 98 .

ورثاه أبو الهيثم (4)

وقيل: هو عبيد بن التيهان ؛ وقيل : عتيك بن التيهان الأنصاري، شهد بدر واحد، وقيل: قتل في أحد قتله عكرمة بن أبي جهل ؛ وقيل : بل قتل بصفين مع علي عليه السلام . :انظر أسد الغابة :5 14 - 16 ، الاصابة 3: 341 و 534 و 574 .

بن التيهان بقصيدة دالية أشار إليها ابن حجر في ترجمة

1) قال أبو سفيان بن الحارث يرثي رسول الله صلى الله عليه وآله :

2) انظر ترجمته في الاستيعاب 4: 97

3) قال أبو ذؤيب الهذلي يرثي رسول الله صلّى الله عليه وآله :

4) هو مالك بن التيهان أبو الهيثم الأنصاري من السابقين وكان أحد الستة الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وأوّل ما لقيه الأنصار، وأول من بايعه ليلة العقبة، شهد صفين واستشهد فيها .

أبى الهيثم من اصابته . (1)

لقد جدعت آذاننا وانوفنا ***غداة فجعنا بالنبي محمّد

انظر الاصابة 4 : 186 .

ورثته اُمّ رعلة القشيرية (2)في قصيدة أشار إليها العسقلاني في ترجمة أُم رعلة من اصابته .(3)

يا دار فاطمة المعمور ساحتها *** هيجت لي حزناً حييت من دار

انظر : الاصابة 4 : 276 .

ورثاه عامر بن الطفيل بن الحرث الأزدي (4)لقصيدة جيمية أشار إليها ابن حجر في ترجمة عامر من الاصابة .(5)

بكت الأرض والسماء على النو*** ر الذى كان للعباد سراج

من هدينا به الى سبل الح*** ق وكنّا لا نعرف المنهاجا

انظر : الاصابة 3 : 054

ومن استوعب الاستيعاب ، وتصفّح الأصابة ، واسد الغابة ، ومارس كتب الأخبار ، يجد مراثيهم المشتملة على تهييج الحزن بذكر محاسن الموتى شيئاً يتجاوز حد الأحصاء (6)


1) قال أبو الهيثم بن التيهان يرثي الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله :

2) انظر ترجمتها في الاصابة 4 : 275

3) قالت أمّ رعلة القشيرية ترثي رسول الله صلى الله عليه وآله :

4) انظر ترجمته في الاصابة 3: 53 .

5) قال عامر بن الطفيل يرثى الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله :

6) للاطلاع أكثر يمكن مراجعة الكتاب القيم إقناع اللائم على إقامة المآتم والذي ألفه الإمام محسن الأمين العاملي الله فيه المزيد من هذه الأخبار ، وهو من تحقيقنا ونشر مؤسسة المعارف الاسلامية في قم .

وقد أكثرت الخنساء (1)وهي صحابية من رثاء أخويها صخر ومعاوية - وهما كافران - وأبدعت في مدائح صخر، وأهاجت عليه لواعج الحزن فما أنكر عليها منكر . (2)

ومن قولها في صخر :

أعينيَّ جودا ولا تجمدا *** ألا تبكيان لصخر الندى ؟

ألا تبكيان الجري الجميل*** ألا تبكيان الفتى السيّدا ؟

طويل النجاد عظيم الرماد*** وساد عشيرته أمردا

وقالت كذلك :

ألا يا صخر إن أبكيت عيني *** فقد أضحكتني دهراً طويلاً

ذكرتك في نساء معولات *** وكنت أحق من أبدى العويلا

دفعت بك الجليل وأنت حي*** فمن ذا يدفع الخطب الجليلا

إذا قبّح البكاء على قتيل *** رأيت بكاءك الحسن الجميلا

انظر : الاصابة 4 : 286 .

وأكثر أيضاً مُتمِّم بن نُويرة من تهييج الحزن على أخيه مالك في مراثيه السائرة حتى وقف مرّة في المسجد هو غاص بالصحابة أمام أبي بكر بعد صلاة الصبح ، واتّكأ على سيّة قوسه فأنشد:

نعم القتيل - إذا الرياح تناوحت (3)*** خلف البيوت - قتلت يا ابن الأزور (4)


1) انظر ترجمتها في : الاصابة 4 : 286 .

2) قال أبو عمر : قدمت (الخنساء) على النبيّ صلى الله عليه وآله مع قومها من بني سليم فأسلمت معهم ، فذكروا انّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يستنشدها ويعجبه شعرها ، وكانت تنشده وهو يقول : هيه یا خناس ، ویومی بیده .

3) تناوحت : تقابلت .

4) هو : ضرار بن الأزور الأسدي، من بني كرز، وهو الذى قتل مالك بن نويرة بأمر خالد بن الوليد. انظر: الأغاني 14: 66 - 73

ثمّ أوماء إلى أبي بكر -كما في ترجمة وثيمة بن موسى بن الفرات من وفیات ابن خلكان - فقال مخاطباً له :

أدعوته بالله ثم غدرته (1)*** لو هو دعاك بذمّة لم يغدر

فقال أبو بكر : والله ما دعوته ، ولا غدرته . ثم قال :

ولنعم حشو الدرع كان وحاسراً*** ولنعم مأوى الطارق المتنوّر

لا يمسك (2)الفحشاء تحت ثيابه*** حلو شمائله عفيفُ المئزر

وبكى حتى عن سيّة قوسه ، قالوا : فما زال يبكى حتى دمعت عينه العوراء ، فما أنكر عليه في بكائه ولا رثائه منكر، بل قال له عمر كما في ترجمة وثيمة من الوفيات - لوددت أنك رثيت زيداً أخي بمثل ما رثيت به مالكاً أخاك ، فرثى متمم بعدها زيد بن الخطّاب فما أجاد ، فقال له عمر : لِمَ لَمْ ترث زيداً كما رثيت مالكاً ؟

فقال : انّه والله ليحرّكني لمالك ما لا يحركني لزيد (3)

واستحسن الصحابة ومن تأخر عنهم مراثيه في مالك ، وكانوا يتمثلون بها كما اتفق ذلك من عائشة ، إذ وقفت على قبر أخيها عبد الرحمن كما في ترجمته من الاستيعاب (4)- فبكت عليه وتمثّلت :

وكُنَّا كَنَدْماني جذيمة حقبةٌ *** من الدهر حتى قيل لن يتصدعا


1) في المصادر: قتلته .

2) في العقد الفريد: لا يُمسك .

3) وانظر : الكامل للمبرد 3 : 162 .

4) الاستيعاب 2 : 497

فلمّا تفرّقَنا كأنّي ومالكاً *** لِطُول اجتماع لم نبت ليلةً معاً (1)

وما زال الرثاء فاشياً بين المسلمين وغيرهم في كل عصر ومصر لا يتناكرونه مطلقاً .


1) تعتبر هذه القصيدة من أشهر قصائد متمّم التي يرثي بها أخاه مالكاً، وتسمى أم المراثي . انظر العقد الفريد 3: 220 .

المطلب الثالث

في تلاوة الأحاديث المشتملة على مناقب الميت ومصائبه.

كما كانت عليه سيرة السلف وفعلته عائشة ، إذ وقفت على قبر أبيها باكية فقالت : كنت للدنيا مذلّاً بإدبارك عنها ، وكنت للآخرة معزّاً باقبالك عليها ، وكان أجل الحوادث بعد رسول الله رزؤك ، وأعظم المصائب بعده فقدك . (1)

وفعله محمد بن الحنفية (2)، إذ وقف على قبر أخيه المجتبى عليه السلام فخنقته العبرة كما في أوائل الجزء الفريد - ثم نطق فقال : يرحمك الله أبا محمد ، فلئن عزّت حياتك فقد هدّت وفاتك ، ولنعم الروح روح ضمّه بدنك ، ولنعم البدن بدن ضمّه كفنك ، وكيف لا تكون كذلك وأنت بقيّة ولد الأنبياء ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، غذتك أكفّ الحق ، وربّيت في حجر الإسلام، فطبت حياً وطبت ميناً ، وإن كانت انفسنا غير طيبة بفراقك ، ولا شاكة في الخيار لك . (3)

ثم بكى بكاءاً شديداً وبكى الحاضرون حتى [علا] نشيجهم


1) العقد الفريد 2 : 37

2) أبو القاسم محمد الأكبر بن علي بن أبي طالب، والحنفية لقب أمه خولة بنت جعفر، كان كثير العلم والورع، شديد القوة، توفي سنة 80 ه- ؛ وقيل : 81 ه- . انظر: تنقيح المقال 3: 115، وفيات الأعيان 5: 91

3) العقد الفريد 2 : 78 .

ووقف أمير المؤمنين عليه السلام على قبر خباب بن الأرت (1)

روى الباوردي أنه أسلم سادس ستة، وهو أوّل من أظهر اسلامه وعُذب عذاباً شديداً لأجل ذلك، شهد بدراً وما بعدها، ونزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين. انظر: الإصابة 416 ترجمة رقم ( 2215»، أسد الغابة 2: 114 - 117.

في ظهر الكوفة (2)، وهو أوّل من دفن هناك كما نص عليه ابن الأثير في آخر تتمة صفين - فقال عليه السلام :

رحم الله خباباً ، قد أسلم راغباً ، وهاجر طائعاً ، وعاش مجاهداً ، وابتلي في جسمه أحوالاً ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً . (3)الله .. ولمّا توفّى أمير المؤمنين قام الخلف من بعد أبو محمد الحسن الزكي عليهما السلام خطيباً فقال كما في حوادث سنة 40 من تاريخ ابن جرير وابن الأثير وغيرهما - فقال :

لقد قتلتم الليلة رجلاً والله ما سبقه أحد كان قبله ، ولا يدركه أحد يكون بعده ، والله إن كان رسول الله صلّى الله عليه وآله ليبعثه في السرية ، وجبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، [الله] ما ترك صفراء ولا بيضاء ... إلخ . (4)

ووقف الإمام زين العابدين على قبر جده أمير المؤمنين عليهما السلام فقال :


1) خباب بن الأرت - بتشديد المثناة - بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم التميمي، ويقال: الخزاعي .

2) الكوفة - بالضم - : المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق ؛ قيل : سمّيت الكوفة لاستدارتها. معجم البلدان 4 222 .

3) الكامل في التاريخ 3: 215 ، وقعة صفين : 283 ، العقد الفريد 2 : 66 .

4) تاريخ الأمم والملوك 5 : 157 ، الكامل في التاريخ ..

أشهد انك جاهدت في الله حق جهاده، وعملت بكتابه ، واتّبعت سنن نبيه صلّى الله عليه وآله ، حتى دعاك الله إلى جواره ، فقبضك إليه باختياره ، لك كريم ثوابه ، وألزم أعداءك الحجّة [في قتلهم اياك] مع ما لك من الحجج البالغة على جميع خلقه (1)

وعن أنس بن مالك كما في العقد الفريد وغيره - قال : لما فرغنا من دفن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم [أقبلت على فاطمة فقالت : يا أنس ، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التراب ؟ ثم ]بكت ونادت : يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه مِن ربّه ما أدُّناه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه . (2)

ولو أردنا أن نستوفى ما كان من هذا القبيل لخرجنا عن الغرض المقصود وحاصله أن تأبين الموتى من أهل الآثار النافعة بنشر مناقبهم ، وذكر مصائبهم ، ممّا حكم بحسنه العقل والنقل ، واستمرت عليه سيرة السلف والخلف ، وأوجبته قواعد المدنية ، واقتضته أصول الترقي في المعارف ، إذ به تحفظ الآثار النافعة ، وبالتنافس فيه تعرج الخطباء إلى أوج البلاغة ، والقول بتحريمه يستلزم تحريم قراءة التاريخ وعلم الرجال ، بل يستوجب المنع من تلاوة الكتاب والسنّة لاشتمالهما على جملة من مناقب الأنبياء ومصائبهم ، ومن يرضى لنفسه هذا الحمق ، أو يختار لها هذا العمى ، نعوذ بالله من سفه الجاهلين.


1) العقد الفريد 2 : 71

2) العقد الفريد 3 : 23 ، وانظر مسند أحمد 3 : 197 .

المطلب الرابع

في الجلوس حزناً على الموتى من أهل الحفائظ والأيادي المشكورة.

وحسبك في رجحان ذلك ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله من الحزن الشديد على عمّه أبي طالب وزوجته الصدّيقة الكبرى أمّ المؤمنين عليهما السلام ، وقد ماتا في عام واحد فسمّي عام الحزن» وهذا معلوم بالضرورة من أخبار الماضين.

وأخرج البخاري - في باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن من الجزء الأوّل من صحيحه - بالاسناد عن عائشة قالت : لمّا جاء النبي صلّى الله عليه وسلّم قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس - أي في المسجد كما في رواية أبي داود (1)- يعرف فيه الحزن .

وأخرج البخاري في الباب المذكور أيضاً عن أنس قال : قنت (2)رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شهراً حين قتل القرّاء (3)فما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حزن حزناً قط أشدّ منه . (4)الحديث.


1) ارشاد الساري 2 : 393

2) القنوت : الإمساك عن الكلام ؛ وقيل : الدعاء في الصلاة ، لسان العرب :2 : 73 .

3) والقُراء هم الذين كانوا يتعلمون القرآن في صفة المسجد أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلّم الى أهل نجد فقتلوا في الطريق .

4) ارشاد الساري 2 : 396 .

والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى أو تستقصى .

والقول بانّه انّما يحسن ترتيب آثار الحزن إذا لم يتقدّم العهد بالمصيبة مدفوع بانّ من الفجائع ما لا تخبو زفرتها ولا تخمد لوعتها ، فقرب العهد بها وبعده عنها سواء.

نعم ، يتمّ قول هؤلاء اللائمين إذا تلاشى الحزن بمرور الأزمنة ولم يكن دليل ولا مصلحة يوجبان التعبد بترتيب آثاره ، وما أحسن قول القائل في هذا المقام :

خلي اُميمة عن ملا *** مك ما المعزّي كالشكول

ما لراقد الوسنان مث *** ل معذّب القلب العليل

سهران من ألم وه *** ذا نائم الليل الطويل

ذوقی اُميمة ما أذو ***ق وبعده ماشئت قولي

على انّ في ترتيب آثار الحزن بما أصاب رسول الله صلّى الله عليه وآله من تلك الفجائع، وحلّ بساحته من هاتيك القوارع حكماً توجب التعبد بترتيب آثار الحزن بسببها على كل حال ، والأدلة على ترتيب تلك الآثار في جميع الأعصار متوفّرة وستسمع اليسير منها ان شاء الله تعالى .

وقد علمت سيرة أهل المدينة الطيبة (1)واستمرارها على ندب حمزة وبكائه مع بعد العهد بمصيبته فلم ينكر عليهم في ذلك أحد حتى بلغنى حتى بلغني أنّهم لا يزالون إلى


1) مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهي يثرب، مساحتها نصف مكة، وهي في حرّة سبخة الأرض، ولها نخيل كثيرة ومياه، والمسجد في نحو وسطها، وقبر النبي في المسجد وللمدينة أسماء كثيرة ، منها : طيبة ويشرب والمباركة . انظر : معجم البلدان 5: 82

الآن إذا ناحوا على ميت بدأوا بالنياحة عليه ، وما ذاك إلّا مواساة لرسول الله صلى الله عليه وآله بمصيبته في عمّه ، وأداءاً لحق تلك الكلمة التي قالها في البعث على البكاء عليه وهي قوله : «لكن حمزة لا بواكي له ».

وكان الأولى لهم ولسائر المسلمين مواساته في الحزن على أهل بيته والاقتداء به في البكاء عليهم ، وقد لام بعض أهل البيت عليهم السلام من لم يواسيهم في ذلك ، فقال : يا الله لقلب لا ينصدع لتذكار تلك الأمور ، ويا عجباً من غفلة أهل الدهور، وما عذر أهل الاسلام والايمان في اضاعة أقسام الأحزان ، ألم يعلموا أن محمداً صلى الله عليه وآله موتور وجيع ، وحبيبه مقهور صريع .

قال وقد أصبح لحمه صلوات الله عليه مجرّداً على الرمال، ودمه الشريف مسفوكاً بسيوف أهل الضلال : فيا ليت لفاطمة وأبيها عيناً تنظر إلى بناتها وبنيها . وهم ما بين مسلوب وجريح ، ومسحوب وذبيح ... إلى آخر كلامه.

ومن وقف على كلام أئمّة أهل البيت عليهم السلام في هذا الشأن ، لا يتوقف في ترتيب آثار الحزن عليهم مدى الدوران ، لكنّا منينا بقوم لا ينصفون ، «فإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ».

المطلب الخامس

في الانفاق عن الميّت في وجوه البر والاحسان

ويكفي في استحبابه عموم ما دلّ على استحباب المبرّات والخيرات على ان فعل النبيّ صلّى الله عليه وآله وقوله ، دالان على الاستحباب في خصوص المقام ، وحسبك من فعله، ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (1)بطرق متعدّدة عن عائشة : ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وآله ما غرت على خديجة (2)وما رأيتها ، ولكن كان النبي صلّى الله عليه وآله يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ، ثمّ يقطعها أعضاء ، ثمّ يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأن لم يكن في الدنيا إلاّ خديجة ، فيقول : انما كانت وكان لي منها ولد .(3)


1) البخاري باب تزويج النبي خديجة ، مسلم : باب فضائل خديجة .

2) خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى من قريش زوج رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت أسنّ منه بخمس عشرة سنة، ولدت بمكة، كانت ذا مال كثير وتجارة تبعث بها إلى الشام، تستأجر الرجال، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله الخامسة والعشرين من عمره خرج في تجارة لها فعاد رابحاً، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله قبل النبوة، دعاها رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الاسلام فكانت أول نساء هذه الأمة إسلاماً، وكانت تصلّي مع النبي صلّى الله عليه وآله سراً، توفيت خديجة بمكة لثلاث سنين قبل الهجرة . انظر:الطبقات الكبرى :8 7 - 11 صفة الصفوة ،2 2 تاريخ الخميس 1: 301، الأعلام ، 2:302

3) صحيح البخاري 4 : 231 باب تزويج النبي صلى الله عليه وآله خديجة، وج 6 : 157 باب الغيرة .

قلت : وهذا يدلّ على استحباب صلة أصدقاء الميّت ، وأوليائه في الله عزّ وجلّ بالخصوص .

ويكفيك من قوله صلى الله عليه وآله ، ما أخرجه مسلم في باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه ، من كتاب الزكاة في الجزء الأوّل من صحيحه ، بطرق متعدّدة ، عن عائشة : أنّ رجلاً أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال : يا رسول الله إنّ أُمّي افتلتت (1)نفسها ولم توص،(وأظنّها لو تكلّمت تصدّقت ] ، أفلها أجر إن تصدقت عنها ؟

قال : نعم . (2)

ومثله : ما أخرجه أحمد من حديث عبدالله بن عبّاس في ص 333 من الجزء الأول من مسنده ، من أن سعد بن عبادة قال : انّ ابن بكر أخا بني ساعدة توفّيت أمّه وهو غائب عنها ، فقال : يا رسول الله انّ أُمّي توفّيت ، وأنا غائب عنها ، فهل ينفعها إن تصدّقت بشيء عنها ؟

قال : نعم .

قال : فانّى أشهدك انّ حائط المخرف صدقة عليها (3)

والأخبار في ذلك متضافرة ، ولا سيما من طريق العترة الطاهرة (4).


1) افتلتت - بالفاء - ، ونفسها - بالضم - نائب فاعل ، أو - بالنصب - مفعول به ؛ أي: ماتت فجأة .

2) شرح النووي لصحيح مسلم - بهامش ارشاد الساري - 4 : 377 .

3) مسند أحمد 1: 33

4) قال له : وربّما كان المنكر عليه فيما تفعله من المبرات عن الحسين عليه السلام ، لا. يقنع بأقوال النبي صلى الله عليه وآله ولا بأفعاله ، وانما تقنعه أفعال سلفه وأفعالهم ، وحينئذ نحتج عليه بما فعله الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي ، إذ مات لبيد بن ربيعة العامري الشا فبعث الوليد إلى منزله عشرين جزوراً ، فنحرت عنه ، كما نص عليه ابن عبد البر ، في ترجمة لبيد من الاستيعاب

فصل

كلّ من وقف على ما سلف من هذه المقدّمة ، يعلم أنّه لا وجه للانكار علينا فى مآتمنا المختصّة بسيد الشهداء عليه السلام، ضرورة أنّه لا تشتمل إلّا في تلك المطالب الخمسة ، وقد عرفت اباحتها بالنسبة إلى مطلق الموتى من كافة المؤمنين وما أدري ، كيف يستنكرون مآتم انعقدت لمواساة النبي صلى الله عليه وآله وأسّست على الحزن لحزنه ؟ أيبكي بأبي هو وأمّي قبل الفاجعة ، ونحن لا نبكي بعدها؟ ما هذا شأن المتأسّى بنبيّه ، والمقتصّ لأثره ، إنّ هذا إلّا خروج عن قواعد المتأسّين ، بل عدول عن سنن النبيّين .

ألم ير و الإمام أحمد بن حنبل من حديث عليّ عليه السلام ، في ص 85 من الجزء الأوّل من مسنده بالاسناد إلى عبد الله بن نجا ، عن أبيه انّه سار مع عليّ عليه السلام ، ، فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفّين نادى : صبراً أبا عبدالله ، صبراً أبا عبدالله بشطّ الفرات.

قال : قلت : وما ذاك ؟

قال : دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت : يا نبي الله ، اغضبك أحد ، ما شأن عينيك تفيضان ؟

قال : قام من عندي جبرئيل قبل ، فحدّثني إنّ الحسين يقتل بشط الفرات . قال : فقال : هل لك إلى أن أشمّك من تربته ؟

قال : قلت : نعم ، فمدّ يده ، فقبض قبضة من تراب ، فأعطانيها ، فلم أملك عيني إن فاضتا (1)

وأخرج ابن سعد ، كما في الفصل الثالث سعد ، كما في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر من الصواعق المحرقة لابن حجر ، عن الشعبي قال : مرّ عليّ رضي الله عنه بكر بلاء (2)بكربلاء عند مسيره إلى صفّين وحاذى نينوى ، فوقف وسأل عن اسم الأرض ؛ فقيل : كربلاء ، فبكى حتى بلَّ الأرض من دموعه.

ثمّ قال : دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو يبكي فقلت : ما يبكيك (بأبي أنت واُمّي) ؟

قال : كان عندي جبرئيل آنفاً ، وأخبرني أنّ ولدي الحسين يقتل بشاطىء الفرات، بموضع يقال له : كربلاء ...(3)الحديث .

وأخرج الملأ ( كما في الصواعق أيضاً )أنّ علياً مرّ بموضع قبر الحسين عليه السلام فقال : ها هنا مناخ ركابهم ، وها هنا موضع رحالهم، وها هنا مهراق دمائهم فتية من آل محمد ، يقتلون بهذه العرصة ، تبكي عليهم السماء


1) مسند أحمد 4 : 242 . :

2) كربلاء - بالمد-: الموضع الذي قتل فيه الحسين عليه السلام في طرف البرية عند الكوفة روي أنه عليه السلام اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل نينوى والغاضرية بستين ألف درهم، وتصدق بها عليهم، وشرط عليهم أن يرشدوا إلى قبره ويضيفوا من زاره ثلاثة أيام. انظر: معجم البلدان 4 249 مجمع البحرين 5: 641 - 642 .

3) الصواعق المحرقة : 193 .

والأرض (1)انتهى .

و من حديث أُمّ سلمة (2)قالت : كان عندي النبي صلّى الله عليه وآله ومعي الحسين ، فدنا من النبي صلّى الله عليه وآله فأخذته ، فبكى فتركته ، فدنا منه ، فأخذته فبكى فتركته ، فقال له جبرئيل : أتحبّه يا محمد ؟ !

قال : نعم .

قال : أما إنّ اُمّتك ، ستقتله وان شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها ، (فبسط جناحيه ، فأراه منها ،) فبكى النّبي صلّى الله عليه وسلّم (3)

وللاطلاع أكثر على روايات أمّ سلمة في هذا الموضوع انظر : مجمع الزوائد 9: 190 ، الخصائص الكبرى 2 : 124 ، الصراط السوي للشيخاني المدني : 91 ، جوهرة الكلام 118 ، ذخائر العقبى : 147 ، طرح التثريب للحافظ العراقي 42:1 ، المواهب اللدنية 2 : 195 ، نظم الدرر : 215 . مسند أحمد 3 : 242 و 265 ، دلائل النبوة لأبي نعيم 3 : 202 ، مختصر التذكرة للقرطبي : 119 ، الصواعق المحرقة : 115 ، ضوء الشمس 1 : 97 ، کنز العمّال 6 : 221 ، جوهرة الكلام : 117 ، شرح بهجة المحافل لعماد الدين العامري 2 : 236 ، مقتل الحسين للخوارزمي 1 : 162 .

وروى الماوردي الشافعي ، في باب انذار النبي صلّى الله عليه وآله بما سيحدث بعده ، من كتابه (أعلام النبوّة) عن عروة ، عن عائشة ، قالت : دخل الحسين بن على على رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو يوحى إليه ، فقال


1) قال له : وهذا الحديث رواه أصحابنا ، بكيفية مشجية ، عن الباقر عليه الصلاة والسلام ورووه عن هر ثمة ، وعن ابن عبّاس ، وان أردت الوقوف عليه ، فدونك ص 108 وما بعدها إلى ص 112 من الخصائص الحسينية .

2) قال له : كما نص عليه ابن عبد ربه المالكي ، حيث ذكر مقتل الحسين في الجزء الثاني من العقد الفريد .

3) العقد الفريد 5 : 132 .

جبرئيل : انّ أُمتك ستفتتن بعدك وتقتل ابنك هذا من بعدك ، ومدّ يده فأتاه بتربة بيضاء ، وقال فى هذه يقتل ابنك اسمها الطف ، قال : فلما ذهب جبرئيل ، خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أصحابه والتربة بيده ، وفيهم : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ،وحذيفة)(1)

روى الحاكم في المستدرك (3: 428 ح (5626)... قال : لمّا حضر حذيفة الموت وكان قد عاش بعد عثمان أربعين ليلة قال لنا: أوصيكم بتقوى الله والطاعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .

، وعثمان (2)، وأبوذر ، وهو يبكي فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله ؟ !

فقال : أخبرني جبرئيل : إن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف ، وجاءني بهذه التربة ، فأخبرني إن فيها مضجعه (3)


1) حذيفة بن اليمان من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وكان من المنقطعين إلى أمير المؤمنين عليه السلام والعارفين بحقه .

2) في المصدر : وعمار .

3) أعلام النبوة : 83 ، وانظر : كامل الزيارات : 61 ، أمالي الطوسي 1 : 321 - 32،المنتخب للطريحي : 63 و 88 ، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر - ترجمة الإمام الحسين - : 167 و 183 ، تاريخ أبي الفداء 2 : 48 ، أخبار النحويين للسيرافي : 89 - 93 ، الكامل لابن الأثير 5 : 364 ، تاریخ ابن كثير 11 : 29 - 30 ، تذكرة الحفاظ للذهبي 2 : 164 . أقول : ولا بد أن يكون الصحابة لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله يبكي لقتل ولده و تربته بيده ، وأخبرهم بما أخبره به جبرئيل من قتله ، وأراهم تربته التي جاء بها جبرئيل ، أخذتهم الرقة الشديدة ، فبكوا لبكائه ، وواسوه في الحزن على ولده ، فإن ذلك مما يبعث أشد الحزن والبكاء لو كانت هذه الواقعة مع غير النبي صلّى الله عليه وآله والصحابة معه ؟! والظاهر انّ هذا أول مأتم أقيم على الحسين عليه السلام يشبه مآتمنا التي على فكيف بهم تقام عليه، وكان الذاكر فيه للمصيبة رسول الله صلى الله عليه وآله، والمستمعون أصحابه.

أخرج الترمذي (1)- كما في الصواعق وغيرها - : إنّ أُمّ سلمة رأت النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيما يراه النائم) باكياً ، وبرأسه ولحيته التراب فسألته، فقال : قتل الحسين آنفاً .

قال في الصواعق : وكذلك رآه ابن عباس نصف النهار ، أشعث أغبر ، بيد قارورة ، فيها دم يلتقطه فسأله ، فقال : دم الحسين وأصحابه ، لم أزل أتتتعه منذ اليوم.

قال : فنظروا فوجدوه قد قتل في ذلك اليوم . (2)

وأمّا صحاحنا فانّها متواترة في بكائه صلّى الله عليه وآله ، على الحسين عليه السلام في مقامات عديدة ، يوم ولادته وقبلها (3)، ويوم السابع من مولده (4)، وبعده في وبعده في بيت فاطمة (5)، وفي حجرته (6)، وعلى منبره (7)وفي بعض (8)أسفاره ) ، تارة يبكيه وحده يقبّله في نحره ، ويبكي ، ويقبّله في شفتیه


1) سنن الترمذي 13 : 193 .

2) الصواعق المحرقة : 193 .

3) انظر ذخائر العقبی : 119 ، مقتل الحسين للخوارزمي 1 : 87 ، الفصول المهمة لابن الصباغ : 154 ، الخصائص الكبرى للسيوطي 2 : 125

4) انظر: المستدرك الصحيح :3: 176 ، دلائل النبوة 1 : 213 ، الصواعق المحرقة : 115 ، الخصائص الكبرى 2 : 125 ، الفصول المهمّة 154 ، كنز العمّال 6: 223 .

5) انظر : مقتل الخوارزمي 1: 163 ، ذخائر العقبى 149 ، الصراط السوي للشيخاني المدني : 93 .

6) انظر : مجمع الزوائد 9: 190 ، الخصائص الكبرى :2: 124 ، الصراط السوي للشيخاني المدني : 91 ، جوهرة الكلام : 118 .

7) انظر: مسند أحمد 3: 242 و 265 ، دلائل النبوة لأبي نعيم 3 : 202 ، طرح التثريب 1 : 41 ، مجمع الزوائد 9 : 187 و 190 .

8) انظر مختصر التذكرة للقرطبي : 119 ، الصواعق المحرقة : 115 ، نظم الدرر : 217 ، ضوء الشمس 1:97 ، المواهب للحافظ القسطلاني 2 : 195 ، الخصائص الكبرى 2 : 125 ، کنز العمال 6 : 221 ، جوهرة الكلام : 117 ، شرح بهجة المحافل لعماد الدين العامري 2 : 236 ، مقتل الحسين للخوارزمي 162:1

ويبكى، وإذا رآه فرحاً يبكى ، وإذا رآه حزناً يبكى ، بل صحّ انّه قد بكاه آدم ونوح ، وإبراهيم وإسماعيل ، وموسى وعيسى ، وزكريا ، ويحيى ، والخضر، وسليمان عليهم السلام ، وتفصيل ذلك كلّه موكول إلى مظانه من كتب الحديث.

وأمّا أئمّة العترة الطاهرة الذين هم كسفينة نوح (1)، وباب حطّة (2)، وأمان أهل الأرض (3)، وأحد الثقلين (4)اللذين لا يضلّ من تمسّك بهما ، ولا يهتدى


1) مجمع الزوائد 9 : 168 ، الصواعق المحرقة : 152 ، تلخيص المستدرك للذهبي : 235 ، ينابيع المودة : 30 ، الصواعق المحرقة : 184 و 234 ، اسعاف الراغبين : 109 ، فرائد السمطين 2 : 246 كفاية الطالب : 378 ، المعجم الصغير 2 : 22 ، حلية الأولياء 4 : 306 ، ذخائر العقبي : 20

2) صحيح مسلم 2 : 261، مجمع الزوائد 9 : 168 ، الصواعق المحرقة : 152 ، نظم الدرر : 232 ، ذخائر العقبى : 17 ، الاصابة 2 : 152.

3) الصواعق المحرقة : 91 ، منتخب كنز العمال - بهامش مسند أحمد - 5: 93 ، ينابيع المودة : 298 ، جواهر البحار 1 : 361 ، ذخائر العقبي : 17 ، نظم الدرر : 112 ، الجامع الصغير 2 : 161 ، الفتح الكبير 3: 267 ، اسعاف الراغبين : 128 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 451 .

4) حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة وقد أخرجه علماء السنة في كتبهم من الصحاح والسنن منها : مسند أحمد بن حنبل 3: 14 و 17 وج 4 : 26 و 59 وج 5 : 182 و 189 ، صحیح مسلم 4 : 1874 ح 37 ، سنن الترمذي 2 : 307 ، خصائص النسائي : 30 ينابيع المودة : ب 4 ص 30 ، فرائد السمطين 2: 142 ح 436 - 441 ، الصواعق المحرقة لابن حجر : 149 و 228 ، مصابيح السنّة 2 : 278 ، نظم الدرر : 231 ، تفسير الخازن 1 : 40 ، تفسير ابن كثير 4 : 113 ، مشكاة المصابيح 3 : 255 ، اسعاف 3: الراغبين : 100 ، 1 ، السيرة النبوية لأحمد زيني دحلان المطبوع بهامش السيرة الحلبية 3: 330، مناقب الإمام علي لابن المغازلي : 236 ح 284 ، الاتحاف بحبّ الأشراف : 6 ، ذخائر العقبى : 16 ، كفاية الطالب : 53 ، بحار الأنوار للمجلسي 23 : 108 ح 11 و 12 وص 134 ح 72 ، وص 147 ح 109 .

إلى الله من صدّ عنهما فقد استمرت سيرتهم على الندب والعويل ، وأمروا أوليائهم بإقامة مآتم الحزن ، جيلاً بعد جيل، فعن الصادق عليه السلام (فيما رواه ابن قولويه في الكامل ، وابن شهراشوب في المناقب وغيرهما ان عليّ بن الحسين عليهما السلام ، بكى على أبيه مدة حياته ، وما وضع بين يديه طعام إلا بكي ، ولا أتى بشراب إلا بكى ، حتى قال له أحد مواليه : جعلت فداك ، يا ابن رسول الله إنّي أخاف أن تكون من الهالكين ، قال عليه السلام : (إِنَّمَا أَشْكُو بَثّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهَ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (1)إنّي لم اذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة ]. (2)

وروى ابن قولويه ، وابن شهراشوب أيضاً ، وغيرهما أنّه لمّا كثر بكاؤه ، قال له مولاه : أما آن لحزنك أن ينقضى ؟

فقال له : ويحك ، إنّ يعقوب النبيّ عليه السلام كان له اثنا عشر ولداً ، فغيّب الله واحداً منهم ، فابيضّت عيناه من كثرة بكائه ، واحد ودب ظهره من الغمّ ، وابنّه حيّ في الدنيا ، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمومتي وسبعة عشر من أهل بيتى مقتولين حولي ، فكيف ينقضي حزني ؟ (3)

وعن الباقر عليه السلام قال : كان أبي علي بن الحسين صلوات الله عليه) يقول : أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن على عليه السلام دمعة حتى تسيل على خدّه ، بوّأه الله [بها ] في الجنّة غرفاً يسكنها أحقاباً .


1) سورة يوسف : 86 .

2) كامل الزيارات : 1،107، المناقب لابن شهر اشوب 4 : 60.

3) كامل الزيارات : 107 ح 1 ، المناقب لابن شهر اشوب 4: 62 ، بحار الأنوار 45: 227 .

وأيّما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فينا ، لأذى مسّنا من عدوّنا في الدنيا بوّأه الله في الجنّة مبوأ صدق.

وأيّما مؤمن مسّه أذى فينا ، فدمعت عيناه حتى تسيل على خده ، صرف الله عن وجهه الأذى ، وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار .(1)وقال الرضا (وهو الثامن من أئمة أهل الهدى، صلوات الله وسلامه عليهم):

إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال ، فاستحلّت فيه دماؤنا ، وهتكت فيه حرمتنا ، وسبيت فيه ذرارينا ونساؤنا ، وأضرمت فيه النار في مضاربنا ، وانتهب ما فيها من ثَقلنا (2)، ولم ترع لرسول الله صلّى الله عليه وآله حرمة في أمرنا .

انّ يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذلّ عزيزنا [بأرض كرب وبلاء ، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ] فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فإنّ البكاء عليه يحطُّ الذنوب العظام .

ثمّ قال عليه السلام : كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يُرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تغلب عليه [حتى تمضي عشرة أيّام منه ] فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، ويقول : هو اليوم الّذي قّتل فيه الحسين عليه السلام]. (3)


1) تفسير القمي 2 : 291 ، كامل الزيارات : 100 ح 1 ، ثواب الأعمال: 108 ح 1 .

2) الثقل : متاع السفر ، وكلّ شيء نفيس مصون .

3) أمالي الصدوق : 111 ح 2 ، بحار الأنوار 44 : 283 - 17

وقال عليه السلام : من تذكّر مصابنا وبكى لما ارتكب منّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة ، ومن ذكر مصابنا فبكى وأبكي ، لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب (1)

وعن الريّان بن شبيب (فيما أخرجه الشيخ الصدوق في العيون) قال : دخلت على الرضا عليه السلام في أوّل يوم من المحرّم ، فقال لي : يا ابن شبيب ، إنّ المحرّم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرّمون فيه الظلم والقتال لحرمته ، فما عرفت هذه الأُمة حرمة شهرها ، ولا حرمة نبيّها صلّى الله عليه وآله ، إذ قتلوا في هذا الشهر ذرّيّته ، وسبوا نساءه ، وانتهبوا ثقله ، [فلا غفر الله لهم ذلك أبداً ] .

يا ابن شبيب ، إن كنت باكياً لشيء ، فابك للحسين عليه السلام ، فإنّه ذبح كما يذبح الكبش (2)

وقد أجمل الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام لما أدى عن الفاجعة وأهميتها بهذا الكلام القصير ، وأشار به إلى معنى جسيم يدركه الباحث المتعمق بعد التحليل والاختبار ، ويندهش - المجموع البشري - لمثل هذه الرزية عندما علم أنّه لم يوجد بين تلك الجموع المحتشدة في كربلاء من يردعهم عن موقفهم البغيض ، ولا أقل من تسائل بعضهم ، لماذا نقاتل الحسين، وبأي عمل استحق ذلك منا ؟ أو هل كان دم الحسين عليه السلام مباحاً إلى حد اباحة دم الكبش ؟! ويذبح - بأبي هو وأمي - بلا ملامة لائم ، ومن دون خشية محاسب !!

، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً (3)

وقال الدميري في حياة الحيوان (1 : (60) أنّهم : (18) رجلاً) ، وفي تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي (255) انّهم : (19 رجلاً) ، ويضيف إليهم اثنين برواية المدائني فيكون المجموع (21) قتيلاً).

وفي تاريخ الطبري (5 : 382) انّهم : ( 21 رجلاً) ، وهذا القول يلتقي مع قول ابن الجوزي برواية المدائني ، ويقترب من قول أبي الفرج في مقاتله (67) حيث يقول : «فجميع من قُتِلَ يوم الطف من ولد أبي طالب سوى من يختلف في أمره اثنان وعشرون رجلاً».

ويكاد يتفق الخوارزمي في مقتله (2) : (47) وابن شهراشوب في مناقبه ( 4 : 112) - وكلاهما من أبناء القرن السادس الهجري - في النسبة إلى الأكثر بأن مجموع القتلى من أهل البيت عليهم السلام لا يتجاوز السبعة والعشرين.

وأخيراً ، فالذي يرجح عندنا - بعد أن استعرضنا الكثير من المصادر المعتبرة - هو القول الوسط - وهو النيف والعشرون ، بل الاثنان والعشرون بالضبط - باستثناء الحسين عليه السلام - إذ القولان المتطرفان في القلة والكثرة لا يساعد عليهما الاعتبار وعامة النصوص التاريخية المعتبرة .

ما

1) عيون الأخبار 1 : 229 ح 48 ، أمالي الطوسي 1 : 117 .

2) قال الله : ان التعبير - كهذا - ممّا يدلّك على غاية همجية القوم وشقائهم وبعدهم عن العطف الانساني بالإضافة على قتلهم ريحانة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وهتكهم حرمته في سبطه روحي فداه .

3) أقول : لقد كثر اختلاف المؤرّخين وأرباب المقاتل في تحديد عدد شهداء الطف من أهل البيت عليهم السلام - كاختلافهم الكثير في تحديد شهداء الأصحاب أيضاً - فيين مقلّ إلى حدّ الثلاثة عشر ، كالمسعودي في مروجه (3) (71) ، وبين مُكثر إلى حد الثلاثين كالأمين في أعيانه ( 4 ق 1 : 250 ) . وفي البحار ( 45: 63) رواية عبد الله بن سنان تؤيد ذلك ، وبين هذين القولين من جانبي القلّة والكثرة أقوال أخرى . فالمشهور بين المؤرّخين وأرباب المقاتل : أنّهم (17) شهيداً) غير الحسين عليه السلام ، كما ورد تعداد أسمائهم في زيارة الناحية المقدسة ، وقد أوردها المجلسي بنصها عن الإقبال في بحاره (45 : (65) ، ويؤيده قول محمد بن الحنفية - من حديث له -: «ولقد قتل مع الحسين سبعة عشر ممّن ارتكضوا في رحم «فاطمة» - ويعني : فاطمة بنت أسد أم علي وجعفر وعقيل ، فإنّ شهداء الطف من أهل البيت ينتمون إلى هؤلاء الثلاثة أولاداً أو أحفاداً . . ذكر ذلك الطبراني في معجمه (1: 140) ، والمقريزي في خططه (2) : (286) ، وابن حجر في تهذيبه ( 1 : 156) .

لهم في الأرض شبيه ، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله - إلى أن قال: يا ابن شبيب ، ان سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى [من الجنان] ،

فاحزن لحزننا ، وأفرح لفرحنا ، وعليك بولايتنا (1).... الحديث.

وقال عليه السلام - فيما أخرجه الصدوق في أماليه -: من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة ، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، جعل الله عزّ وجلّ يوم القيامة يوم فرحه وسروره ، وقرّت بنا في الجنان عينه ...(2)الحديث .

وبكى صلوات الله عليه إذ أنشده دعبل بن علي الخزاعي (3)

راجع ترجمته في الأغاني 15 : 100 و 18 : 20 ، مجالس المؤمنين : 451 .

قصيدته التائية السائرة حتى أغمي عليه في أثنائها مرتين ، كما نص عليه الفاضل العباسي في ترجمة دعبل من معاهد التنصيص (4)وغيره من أهل الأخبار .

وفي البحار ، وغيره : انه عليه السلام أمر قبل انشادها بستر ، فضرب دون عقائله فجلسن خلفه يسمعن الرثاء ، ويبكين على جدهن سيّد الشهداء وانه قال يومئذ : يا دعبل من بكى ، أو أبكى على مصابنا ولو واحداً كان أجره على الله .

يا دعبل ، من ذرفت عيناه على مصابنا حشره الله معنا (5)

فقال عليه السلام : هاتها ، فأنشده :

مدارس آیات خلت من تلاوة *** و منزل وحي مقفر العرصات

فلما بلغ إلى قوله :

أرى فيأهم في غيرهم متقسماً*** وأيديهم من فيئهم صفرات

بكى أبو الحسن الرضا عليه السلام وقال له :صدقت يا خزاعي .فلما بلغ إلى قوله :

إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم*** أكفاً عن الأوتار منقبضات

جعل أبو الحسن يقلّب كفّيه ويقول : أجل والله منقبضات

فلما بلغ إلى قوله :

لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها*** وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي

قال الرضا عليه السلام : آمنك الله يوم الفزع الأكبر .

فلما انتهى إلى قوله :

وقبر ببغداد لنفس زكيّة *** تضمنها الرحمن في الغرفات

قال له الرضا عليه السلام : أفلا الحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك ؟

:قال : بلی یا ابن رسول الله .

فقال عليه السلام:

وقبرٌ بطوس يا لها من مصيبة*** الحَت على الأحشاء بالزفرات

إلى الحشر حتى يبعث الله قائماً*** يفرّج عنا الهم والكربات

فقال دعبل : یا ابن رسول الله ، هذا القبر الذي بطوس قبر من هو ؟

فقال الرضا عليه السلام : قبري ... الحديث .

انظر : عيون أخبار الرضا 2 : 271 ، مقتل الحسين للخوارزمی 2 : 129 ، الحدائق الوردية 2 : 206 ، كشف الغمّة 3 : 108 ، مجالس المؤمنين 451 ، معجم الأدباء 12 : 203 ، دیوان دعبل للدجيلي : 8 . :


1) أمالي الصدوق : 112 ح 5 ، عيون الأخبار 1: 233 . : ،

2) أمالي الصدوق : 112 ح 4 ، زينة المجالس : 554 ، بحار الأنوار 44 : 284 ح 18 .

3) دعبل بن علي بن رزین بن عثمان بن عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، من قبيلة خزاعة القحطانية الأصل ، ولد سنة 158ه-، واستشهد سنة 245 ه- في أيّام المتوكل العباسي ، كان من الشعراء المجيدين والمتفانين في ولاء أهل البيت عليهم السلام ، يقول الشعر كثيراً في مدائح أهل البيت عليهم السلام وفي طعن أعدائهم على غرار التولّي والتبري ، وذكر له المؤرخون أسماء كثيرة ، ولكنه اشتهر بلقب (دعبل ) بكسر الدال .

4) معاهد التنصيص على شواهد التلخيص للشيخ عبد الرحيم بن أحمد العباسي 2 : 90

5) روى الصدوق في عيون أخبار الرضا بسنده عن عبدالسلام بن صالح الهروي قال : دخل دعبل بن علي الخزاعي رحمه الله على أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو ، فقال له : يا ابن رسول الله أني قد قلت فيكم قصيدة ، وآليت على نفسي أن لا انشدها أحداً قبلك .

وحدّث محمد بن سهل (كما في ترجمة الكميت ، من معاهد التنصيص (1)


1) معاهد التنصيص 3: 93

قال : دخلت مع الكميت (1)على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في أيام التشريق (2)

من لقلبٍ مُتيّمٍ مُسهام *** غير ما صبوة ولا أحلام

فلما بلغ قوله :

وقتيل بالطفّ غودر منهم*** بين غوغاء أُمّة وطغام

وأبو الفضل إنّ ذكرهم الحلو*** شفاء النفوس والأسقام

قُتِلَ الأدعياء إذ قتلوه *** أكرم الشاربين صوب الغمام

بكي أبو جعفر عليه السلام بكاء شديداً ، ثمّ قال : يا كميت ، لو كان عندنا مال لأعطيناك . ولكن لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحسّان بن ثابت : لا زلت مؤيّداً بروح القدس ما ذببت عنا أهل البيت ، ثم رفع يديه بالدعاء وقال : اللهم اغفر للكميت ، اللهم اغفر للكميت . انظر : الأغاني 15 : 123 ، مقاتل الطالبيين : 84 ، مروج الذهب 3: 243 ، رجال الكشي : 136 ، اعلام الورى : 158 .

فقال له : جعلت فداك ، ألا أنشدك ؟

قال عليه السلام : أنّها أيّام عظام !

قال : أنّها فيكم .

قال عليه السلام : هات ، وبعث أبو عبد الله إلى بعض أهله ، فقرب فأنشده (في رثاء الحسين عليه السلام) ، فكثر البكاء حتى أتى على هذا البيت :

يصيب به الرامون عن قوس غيرهم*** فیا آخراً أسدى له الغي أوّل

قال : فرفع أبو عبد الله عليه السلام يديه فقال : اللهمّ اغفر للكميت ما قدّم


1) هو أبو المستهل الكميت بن زيد الأسدي ( 60 - 126) من شعراء أهل البيت عليهم السلام قال عنه أبو الفرج في الأغاني : انه شاعر مقدّم عالم بلغات العرب ، خبير بأيامها وألسنتها ، وكان معروفاً بالتشيع لنبي هاشم . (الأغاني 15: 123) .

2) أقول : وفي رواية أخرى أنّ الكميت رحمه الله دخل على الإمام الباقر عليه السلام في أيّام محرم فأنشده قصيدته الميمية التي يقول في مطلعها :

وما أخّر ، وما أسرّ وما أعلن حتى يرضى (1)

بنى لهم الماضون أساس هذه *** فعلوا على أساس تلك القواعد

إلى آخر ما قال . وكأنّ سيّدة نساء عصرها (زينب) عليها السلام أشارت إلى هذا المعنى بقولها مخاطبة یزید : وسيعلم من سوّل لك ، ومكنك من رقاب المسلمين .

بل أشار إليه معاوية ، إذ كتب إليه محمد بن أبي بكر يلومه في تمرده على أمير المؤمنين عليه السلام ، ويذكر له فضله وسابقته فكتب له معاوية في الجواب ما يتضمن الإشارة إلى المعنى الذي نظمه الكميت ، فراجع ذلك الجواب في كتاب «صفين» لنصر بن مزاحم أو شرح النهج الحديدي أو «مروج الذهب» للمسعودي .

وقد اعترف بذلك المعنى يزيد بن معاوية ، إذ كتب إليه ابن عمر يلومه على قتل الحسين فأجابه : أمّا بعد ، فأنا أقبلنا على فرش ممهدة ، ونمارق منضدة ... إلى آخر الكتاب ، وقد نقله البلاذري وغيره من أهل السير والأخبار ، وفي كتابنا سبيل المؤمنين من هذا شيء كثير ، فحقيق بالباحثين أن يقفوا عليه .

أقول : ولكي يطّلع القارىء على مضمون هذه الرسائل نذكرها هنا ، فالرسالة التي كتبها محمد بن أبي بكر فيها حقائق دامغة لكل باحث عن الحقيقة، فهى تصف معاوية بأنه ضال مضل ، وأنه لعين ابن لعين ، وأنه يعمل كل ما في وسعه لإطفاء نور الله ويبذل الأموال لتحريف الدين ويبغي لدين الله الغوائل ، وأنه عدو الله ولرسوله...

والذي يهمنا هنا هو ردّ معاوية بن أبي سفيان على هذه الرسالة ، لتعرف - أيها الباحث - حقيقة وخفايا ودسائس التاريخ ، وتكشف من خلالها خيوط المؤامرة التي أبعدت الخلافة عن صاحبها الشرعي وتسببت في انحراف الأمة، فاليك الرسالة والردّ عليها :

كتاب محمد بن أبي بكر إلى معاوية :

من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر :

سلام على أهل طاعة الله ، ممّن هو سلم لأهل ولاية الله ، أما بعد : فإنّ الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته ... - إلى أن قال : - فكان أوّل من أجاب وأن-اب و آمن وصدق وأسلم وسلم ، أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام صدقه بالغيب الكتوم وآثره على كلّ حميم ، ووقاه بنفسه كل هول وواساه بنفسه في كل خوف ، وحارب حربه واسلم سلمه ...

وقد رأيتك تساميه ، وأنت أنت ، وهو السابق المبرز في كل خير ، أول الناس إسلاماً .

وأصدق الناس نيّة ، وأفضل الناس ذريّة وخير الناس زوجة ... وأنت اللعين ابن اللعين ، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل ، وتجهدان في إطفاء نور الله ، تجمعان على ذلك الجموع ، وتبذلان فيه المال وتؤلبان عليه القبال .

إلى أن قال : فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعلي وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه وأبو ولده ، وأول الناس له اتباعاً وأقربهم به عهداً ، يخبره بسره ويطلعه على أمره ، وأنت عدوه وابن عدوه ؟ ....

ردّ معاوية على محمد بن أبي بكر من معاوية بن صخر إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر . سلام على أهل طاعة الله أما بعد :

فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في عظمته وقدرته وسلطانه ، وما أصفى به رسول الله صلّى الله عليه وسلم مع كلام كثير الفته ووضعته لرأيك فيه تضعيف ، ولأبيك فيه تعنيف، ذكرت فيه فضل ابن أبي طالب وقديم سوابقه و قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته له ومواساته إياه في كلّ هول وخوف ، فكان احتجاجك عليَّ وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك ، فأحمد ربّاً صرف هذا الفضل عنك وجعله لغيرك .

فقد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا نعرف حق ابن أبي طالب لازماً لنا ، وفضله مبرزاً علينا فلما اختار الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ما عنده وأتمّ له ما وعده ، وأظهر دعوته ته ، وأفلج حجته ، وقبضه الله إليه صلوات الله عليه ، كان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزه حقه وخالفه على أمره ، على ذلك اتفقا واتسقا ، ثمّ إنّهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما، فهمابه الهموم وأرادا به العظيم ، ثمّ إنّه بايعهما وسلم لهما ، وأقاما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرّهما ، حتى قبضهما الله وانقضى أمرهما ، ثمّ قام ثالثهما عثمان فهدي بهديهما وسار بسيرتهما ، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي فطلبتما له الغوائل حتى بلغتمأ فيه منا كما .

فخذ حذرك يا ابن أبى بكر ، فسترى وبال أمرك ، وقس شبرك بقترك تقصر عن أن توازي أو تساوي من يزن الجبال حلمه ، ولا تلين على قسر قناته ، ولا يدرك ذو مدى أناته . أبوك مهد له مهاده ، وبنى ملكه وشاده ، فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك أوله ، وإن يكن جوراً فأبوك استبد به ونحن شركاؤه ، فيهديه أخذنا ، وبفعله اقتدينا ، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ، ولسلمنا إليه ، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك من قبلنا ، فاحتذينا مثاله ، واقتدينا بفعاله ، فعب أباك بما بدا لك أو دع ، والسلام على من أناب ورجع من غوايته و تاب .

انظر جمهرة رسائل العرب :1 475 - 477 ، مروج الذهب للمسعودي 3 : 11 - 12. ونستنتج من هذا الرد بأن معاوية لا ينكر فضائل عليّ بن أبي طالب ومزاياه، ولكنّه تجرّاً عليه احتذاء بأبي بكر وعمر ، ولولاهما لما استصغر شأن عليّ ولا تقدم عليه أحد من الناس ، كما يعترف معاوية بأنّ أبا بكر هو الذي مهد لبني أمية وهو الذي بني ملكهم وشاده . ونفهم كذلك من هذه الرسالة بأن معاوية لم يقتد برسول الله صلى الله عليه وآله ولم يهتد بهديه ، عندما اعترف بأنّ عثمان هدى بهدي أبي بكر وعمر وسار بسيرتهما ولتعميم الفائدة لا بأس بذكر الرسالة الثانية والتي ردّ فيها يزيد بن معاوية على ابن عمر وهي على اختصارها ترمي نفس المرمى :

كتاب عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية :

أخرج البلاذري في تاريخه قال :

لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب ، كتب عبدالله بن عمر رسالة إلى يزيد بن معاوية جاء فيها :

أما بعد ، فقد عظمت الرزية وجلّت المصيبة ، وحدث في الاسلام حدث عظيم ، ولا يوم كيوم قتل الحسين .

ردّ يزيد على كتاب ابن عمر :

فكتب إليه يزيد :

أما بعد ، يا أحمق ! فإنّا جئنا إلى بيوت مجددة ، وفرش ممهدة ، ووسائد منضدة ، فقاتلنا عنها فإن يكن الحق لنا فعن حقنا قاتلنا ، وإن كان الحق لغيرنا فأبوك أوّل من سن هذا واستأثر بالحق على أهله .

وفي ردّ معاوية على ابن أبي بكر ، وردّ يزيد على ابن عمر تجد نفس المنطق ونفس الاحتجاج ، وهو لعمري أمر ضروري يقرّه الوجدان ، ويدركه كلّ عاقل ولا يحتاج في الحقيقة إلى شهادة معاوية وابنه يزيد .


1) قال علیه السلام : بخ بخ ، هنيئاً لمن نال من أئمة الهدى بعض ذلك، وأنت تعلم أنّه عليه السلام لم يبتهل بالدعاء للكميت هذا الابتهال إلا لما دلّ عليه بيته هذا من معرفته بحقيقة الحال ، وقد أكثر الشعراء من نظم هذا المعنى ، فنظمه المهيار في قصيدته اللامية ، وقبل ذلك نظمه الشريف الرضي فقال :

وفي كامل الزيارات بالاسناد عن عبدالله بن غالب قال : دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فأنشدته مرثية الحسين بن علي ، فلما انتهيت إلى قولي فيها : ( لبلية ... ) البيت (1)صاحت باكية من وراء الستر يا ابتاه.... (2)

وروى الصدوق في الأمالي وثواب الأعمال، وابن قولويه بأسانيد معتبرة ، عن أبي عمارة قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : يا أبا عمارة ، من أنشدني في الحسين ، فأنشدته فبكى ، ثم أنشدته فبكى ، قال : فوالله ما زلت أنشده وهو يبكي ، حتى سمعت البكاء من الدار ، فقال : يا أبا عمارة ، من أنشد في الحسين بن على عليهما السلام فأبكى خمسين فله الجنّة ، ومن أنشد في الحسين بن علي عليهما السلام فأبكى ثلاثين فله الجنّة ، ومن أنشد في الحسين فأبكى عشرين فله الجنّة ، ومن أنشد في الحسين فأبكى عشرة فله الجنّة ، ومن أنشد في الحسين فبكى فله الجنّة ، ومن أنشد ن أنشد في الحسين فتباكى فله الجنة (3)


1) والبيت هو : لبليّة تسقو حُسيناً ***بمسقاة الثرى غير الشراب

2) كامل الزيارات : 105 ح 3، عوالم الإمام الحسين عليه السلام : 541 ، بحار الأنوار 44 : 286 ح 24 .

3) الأمالي : 121 ح 6 ، ثواب الأعمال : 110 ح 3 ، كامل الزيارات : 105 ح 4 ، بحار الأنوار 29 ح 289:44

وروى الصدوق في ثواب الأعمال ، بالاسناد إلى [أبي](1)هارون المكفوف (2)قال : دخلت على أبي عبدالله الصادق عليه السلام فقال لي : يا أبا هارون ، أنشدني ، فأنشدته في الحسين عليه السلام ، فقال لي : انشدني کما تنشدون - يعني بالرقة (3)

وسها من فسّر «الرقة» هنا بالبلدة التي على الفرات التي هي بفتح الراء

، قال : فأنشدته :

أمرُز على جَدَث الحسي*** ن وقُل لأعظُمه الزكيّة (4)

قال : فبكى ، ثمّ قال : زدني، فأنشدته القصيدة الأخرى (5)

یا مريم قومي واندبي مولاكِ ***وعلى الحسين فأسعدي ببكاكِ

قال : فبكى ، وسمعت البكاء من خلف الستر ، فلمّا فرغت قال : يا أبا هارون ، مَنْ أنشد في الحسين فبكى وأبكى عشرة كتبت له الجنّة إلى أن قال : - ومن ذُكر الحسين عنده فخرج من عينيه مقدار جناح ذبابة ، كان ثوابه على الله عزّ


1) وهو الصحيح .

2) واسمه - على ما احتمله الشيخ المامقاني في تنقيح المقال : موسى بن عمير مولى آل جعدة بن هبيرة الكوفي ، أو ابن أبي عمير على ما في الكافي - وعده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام

3) أقول : قوله : بالرّقة - بكسر الراء المشدّدة - أي بالطريقة التي تستعملونها عند الإنشاد ، التي فيها الرقة والطلاوة، والتي توجب التأثير في القلب ، لا مجرد التلاوة ، وهو المراد بقوله علیه السلام : انشدني كما تنشدون .

4) أقول : هذا البيت للسيد الحميري رحمه الله ، وقد أنشده أبو هارون إنشاداً ولم ينشئه إنشاء ، والظاهر ان مطلق القصيدة للسيد الحميري بدليل قول أبي هارون نفسه - بعد قول الإمام : زدني - فأنشدته القصيدة الأخرى ، فالظاهر من هذا التعبير : الأخرى من قصيدتي السيد الحميري نفسه . راجع القصة والأبيات في الأغاني 7 : 230 تاريخ الاسلام السياسي 2 : 146 .

5) وهي :

وجلّ ، ولم يرض له بدون الجنة (1)

وروى الكشي بسند معتبر عن زيد الشحّام قال : كنا عند أبي عبدالله عليه السلام ، فدخل عليه جعفر بن عفّان (2)

وهو الذي ردّ على مروان ابن أبي حفصة القائل :

خلّوا الطريق لمعشر عاداتهم ***حطّم المناكب كل يوم زحام

ارضوا بما قسم الإله لكم به*** ودعوا وراثة كل أحيد حام

أنى يكون وليس ذاك بكائن *** لبني البنات وراثة الأعمام

فقال جعفر بن عفّان :

لم لا يكون وان ذاك الكائن *** لبني البنات وراثة الأعمام

للبنت نصف كامل من ماله *** والعم متروك بغير سهام

ما للطليق وللتراث وإنما *** صلّى الطليق مخافة الصمصام

ومن مراثيه في الإمام الحسين عليه السلام قوله :

ليبك على الإسلام من كان باكياً *** فقد ضيّعت أحكامه واستحلت

غداة حسين للرماح دريئة *** وقد نهلت منه السيوف وعلّت

وغودر في الصحراء لحما مبدّداً *** عليه عتاق الطير باتت وظلّت

فما نصرته أمة السوء إذ دعا *** لقد طاشت الأحلام منها وضلّت

بلی قد محوا أنوارهم بأكفّهم *** فلا سلمت تلك الأكف وشلّت

و ناداهم جهداً بحق محمّد *** فإنّ ابنه من نفسه حيث حلّت

فما حفظوا قرب النبي ولا رعوا *** وزلّت بهم أقدامهم واستزلّت

اذاقته حرّ القتل أُمّة جدّه *** هفت نعلها في كربلاء وزلّت

فلا قدّس الرحمن أُمّة جده *** وإن هي صامت للإله وصلت

كما أفجعت بنت النبيّ بنسلها*** وكانوا حماة الحرب حيث استقلت

وكانوا سروراً ثم عادوا رزيّةً *** لقد عظمت تلك الرزايا وجلّت

انظر : عيون أخبار الرضا 1 : 188 ، أمالي الطوسي 2 : 24 ،الاحتجاج 1 : 214 ، الأغاني 7 8 و 9 : 45 و 12 : 17 ، أخبار شعراء الشيعة للمرزباني : 115 - 116 ، مقتل الخوارزمي 144 :2

، فقربه وأدناه ، ثمّ قال : يا جعفر .

1) ثواب الأعمال: 108 ح 1 ، كامل الزيارات : 100 ح 3 ، بحار الأنوار 44 : 288 ح 28 .

2) هو أبو عبدالله جعفر بن عفّان الطائي ، من رجال الشيعة المخلصين ، كان معاصراً للإمام الصادق عليه السلام ، وقد أطراه علماء الرجال ووثقوه ، وقد توفّي في حدود سنة 150 ه-،

قال : لبيك ، جعلني الله فداك.

قال : يلغنى انك تقول الشعر في الحسين عليه السلام وتجيد

فقال له : نعم ، جعلني الله فداك .

قال : قل ، فأنشده فبكى ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته ، ثمّ قال : يا جعفر ، والله لقد شهدت الملائكة المقربون قولك في الحسين عليه السلام ، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر - إلى أن قال : ما من أحد قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى به إلّا أوجب الله له الجنّة ، وغفر له . (1)

وروى ابن قولويه فى الكامل بسند معتبر عن الصادق عليه السلام جاء فيه : وكان جدي علي بن الحسين عليهما السلام إذا ذكره - يعني الحسين عليه السلام - بكي حتى تملأ عيناه لحيته ، وحتى يبكي لبكائه رحمة له من رآه .

وان الملائكة الذين قبره ليبكون ، فيبكي لبكائهم كلّ من في الهواء

والسماء ، وما من باك يبكيه إلا وقد وصل فاطمة وأسعدها ، ووصل رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وأدّى حقنا ...(2)الحديث .

وفي قرب الإسناد عن بكر بن محمد الأزدي قال : قال أبو عبد الله

(الصادق عليه السلام لفضيل بن يسار : أتجلسون وتحدّثون ؟

قال : نعم ، جعلت فداك .


1) رجال الكشي : 289 ح 508 ، بحار الأنوار 44 : 282 ح 16 .

2) كامل الزيارات : 117 ح 3 .

قال عليه السلام : انّ تلك المجالس أحبّها ، فأحيوا أمرنا ، فرحم الله من أحيا أمرنا .

يا فضيل ، من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب ، غفر الله له ذنوبه . (1)

وفي خصال الصدوق : عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : إن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض فاختارنا ، واختار لنا شيعة ينصروننا ، ويفرحون الفرحنا ، ويحزنون لحزننا ، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا ، أولئك منا وإلينا (2)

وفي كامل الزيارات بالإسناد إلى أبي عمارة المنشد قال : ما ذكر الحسين عليه السلام عند أبي عبد الله الصادق - عليه السلام في يوم قط فرؤي متبسماً في ذلك اليوم إلى الليل .

قال : وكان أبو عبد الله يقول : الحسين عبرة كلّ مؤمن (3)

وقوله عليه السلام : «عبرة كلّ مؤمن من باب ذكر المسبب وإرادة السبب لقصد المبالغة ؛ أي سبب لاستعباره وبكائه وهو قريب من قول الإمام الحسين عليه السلام : أنا قتيل العبرة .

.

وفيه بالإسناد إلى الصادق عليه السلام قال : قال الحسين عليه السلام : أنا قتيل العبرة ، لا يذكرنى مؤمن إلا استعبر (4)

إلى غير ذلك من صحاح الأخبار المتواترة عن الأئمة الأبرار ، وناهيك بها


1) قرب الإسناد : 18 ، بحار الأنوار 44 : 282 ح 14 .

2) الخصال: 271

3) كامل الزيارات : 108 ح 2 .

4) كامل الزيارات : 108 ح 6 ، أمالي الصدوق : 118 ح 7 ، بحار الأنوار 44 : 284 ح 19.

حجة على رجحان هذه المآتم ، واستحبابها شرعاً ، فإنّ أقوال أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام وأفعالهم وتقريرهم ، حجّة بالغة لوجوب عصمتهم بحكم العقل والنقل ، كما هو مقرّر في مظانه من كتب المتكلّمين من أصحابنا ، والتفصيل في كتابنا «سبيل المؤمنين» (1).

على ان الاقتداء بهم في هذه المآتم وغيرها لا يتوقف - عند الخصم - على في عصمتهم ، بل يكفينا فيه ما اتفقت عليه الكلمة من إمامتهم في الفتوى ، وأنّهم أنفسهم لا يقصرون عن الفقهاء الأربعة، والثوري ، والأوزاعي ، وأضرابهم علماً ولا عملاً.

وأنت تعلم ان هذه المآتم لو ثبتت عن أبى حنيفة ، أو صاحبيه أبي يوسف والشيباني مثلاً ، لاستبق الخصم إليها ، وعكف أيّام حياته عليها ، فلما ينكرها علينا ، ويندد بها بعد ثبوتها عن أئمة أهل البيت يا منصفون ؟ !

أتراه يرى في أئمّة الثقلين أمراً يقتضي الإعراض عنهم ، أو يجد فيهم شيئاً يستوجب الانكار على الأخذ بمذهبهم ، أو انّ هناك أدلّة خاصة تقتصر الإمامة في الفتوى على أئمّة خصومنا ولا نبيح الرجوع إلى غيرهم .

كلا، ان واقع الأمر وحقيقة الحال بالعكس.

هذا حديث الثقلين (2)المجمع على صحته واستفاضته ، قد أنزل العترة منزلة الكتاب ، وجعلها قدوة لأولي الألباب ، فراجعه في باب فضائل عليّ من صحيح


1) أقول : كتاب سبيل المؤمنين - في الإمامة - من كتب العلامة شرف الدين رحمه الله المهمة ، وكان من ضمن الكتب المحترقة عندما أحرق الفرنسيون مكتبته العامرة في صور .

2) تقدمت تخريجاته .

مسلم أو في الجمع بين الصحيحين ، أو الجمع بين الصحاح الستة ، أو في حديث سعيد الخدري من مسند أحمد بن حنبل ، أو خصائص علي للإمام النسائي ، أو في تفسيري الثعلبي والبيهقي، أو في حلية الحافظ الأصفهاني ، أو كتب الحاكم والطبراني ، وغيرها من كتب الحديث .

وأنا أورده لك بلفظ الترمذي (1)

قال : ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه ، وفي بعض تلك الطرق أنّه قال : ذلك في حجة الوداع بعرفة .

وفي أخرى : أنّه قاله بالمدينة في مرضه ، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه .

وفي أخرى : انه قال ذلك في غدير خم .

وفي أخرى : انّه قاله لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف.

قال : ولا تنافي ؛ إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة . انظر : الصواعق المحرقة : 152.

بحذف الإسناد قال : قال رسول الله صلّى (1) الله عليه وآله وسلّم : إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا الثقلين أحدهما أعظم من الآخر ؛ كتاب الله عزّ وجلّ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما .

وقد زاد الطبراني : فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فانّهم أعلم منكم .

قلت : لا يخفى أنّ تعليق عدم الضلال على التمسك بهما ، يقتضي بحكم


1) قال رحمه الله : قال ابن حجر - بعد نقله عن الترمذي - في أثناء تفسيره للآية الثانية من الآية التي أوردها في الفصل الأول من الباب الحادي عشر من صواعقه ما هذا لفظه : ثم اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً .

المفهوم ثبوت الضلال لمن تخلّى عن أحدهما ، وناهيك به في وجوب اتباع العترة والانقطاع في الدين إليها ، وإلى القرآن العزيز .

على ان اقترانهم بالكتاب (وهومعصوم) وجعلهم في وجوب التمسك بهم مثله دليل قاطع على حجية أقوالهم وأفعالهم ، وانّ الرجوع في الدين إلى خلافهم ليس إلا كترك القرآن ، والرجوع إلى كتاب يخالف أحكامه ، ولا تنس دلالة قوله صلّى الله عليه و آله : ولن يفترقا ، على عدم خلو الزمان ممّن يفرغ منهم عن القرآن ، والقرآن يفرغ عنه (1)

أخرجه الملأ . كما في تفسير الآية الرابعة من الآيات التي أوردها ابن حجر في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر من صواعقه ، وفي هذا المعنى صحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة ، بل هو من ضروريات مذهبهم عليهم السلام . انظر : الصواعق المحرقة 236.

ثمّ ان قوله : فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكواولاتعلموهم فانّهم أعلم منكم - نص صريح فيما قلناه كما لا يخفى ، وكم لهذا الحديث من نظير في الدلالة على وجوب الاقتداء بالعترة الطاهرة ، أو المنع من مخالفتها نستلفت الباحثين إلى ما أخرجناه من ذلك من مبحث العصمة من سبيل المؤمنين) وحسبك منه ما أخرجه الحاكم بسند صححه على شرط البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال من جملة حديث «وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف : فإذا خالفتها قبيلة من العرب في بعض أحكام الدين اختلفوا (في فتاويهم) فصاروا حزب ابلیس .


1) قال رحمه الله: ومثله : قوله صلى الله عليه وآله وسلّم : في كلّ خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، ألا وإنّ أئمتكم وفدكم إلى الله عزّ وجلّ ، فانظروا من توفدون .

أليس هذا نصاً في وجوب اتباعهم، وحرمة مخالفتهم، وهل في لغة العرب أو غيرها عبارة أبلغ منه في انذار مخالفيهم ؟

وأخرج أحمد بن حنبل وغيره بالإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال : النجوم أمان لأهل السماء ، فإذا ذهبت ذهبوا ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهبت ذهب أهل الأرض .

وفي رواية : فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا

يوعدون.

وفي هذا المعنى صحاح متظافرة من طريق العترة الطاهرة ومتى كانوا أماناً لأهل الأرض ، فكيف يستبدل بهم ، وأنّى يعدل عنهم وجاء من طرق عديدة يقوّي بعضها بعضاً ( كذا قال ابن حجر ) (1)أنه صلى الله عليه وآله قال : إنّما مثل أهل بيتى فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا .

قال ابن حجر : وفي رواية مسلم : ومن تخلف عنها غرق .

قال : وفي رواية : هلك . وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل ، من دخله غفر له .

قال : وفي رواية : غفر له الذنوب.

ولا يخفى ان المراد من تمثيلهم بسفينة نوح ، أنّما هو الزام الأمة باتباع طريقهم ، والتمسك بالعروة الوثقى من ولايتهم ، وليس المراد من النجاة بذلك إلا رضوان الله عزّوجلّ والجنّة، كما أنّ المراد بغرق المتخلفين عنهم أو هلاكهم إنّما هو


1) الصواعق المحرقة : 151 .

سخط الله سبحانه والنار .

والمراد من تمثيلهم بباب حطّة انّما هو بعض الأمّة على التواضع لله عزّ

وجلّ بالاقتداء بهم والاستسلام لأوامرهم ونواهيهم ، وهذا كله ظاهر كما ترى . قال ابن حجر - بعد إيراد هذه الأحاديث في تفسير الآية السابعة من الآيات التي أوردها في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر من الصواعق - ما هذا لفظه :

ووجه تشبيههم بالسفينة - فيما مرّ - أنّ من أحبّهم وعظّمهم ، شكراً لنعمة مشرفهم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وأخذ بهدى علمائهم ، نجا من ظلمه المخالفات ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم ، وهلك في مفاوز، الطغيان .

إلى أن قال : وبباب حطة - يعني ووجه تشبيههم بباب حطة - ان الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب اريحاء أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة ، وجعل لهده الأمة مودّة أهل البيت سبباً لها .(1)إلى آخر كلامه .

ولو أردنا استيفاء ما جاء من صحاح الستّة في وجوب اتباع أئمّة أهل البيت ، والانقطاع في الدين إليهم عن العالمين لطال المقام، وخرجنا عن موضوع هذه المقدّمة وحاصله : أنّ مآتمنا بما فيها من الجلوس بعنوان الحزن على مصائب أهل البيت ، والانفاق عنهم في وجوه البر ، وتلاوة رثائهم ومناقبهم ، والبكاء رحمة لهم ، سيرة قطعية قد استمرت عليها أئمة الهدى من أهل البيت ، وأمروا بها


1) الصواعق المحرقة : 152 .

أولياءهم على مرّ الليالي والأيام فورثناها منهم ، وثابرنا عليها عملاً بما هو المأثور عنهم ، فكيف والحال هذه - تنكرونها علينا ، وتقولون فيها ما تقولون ؟ والله يعلم أنّها ليست كما تظنون .

دع بكاء الأنبياء والأوصياء ، ودع عنك ما كان من ملائكة السماء ، وقل لي هل جهلت نوح الجن في طبقاتها (1)، ورثاء الطير في وكناتها (2)، وبكاء الوحش في فلواتها (3)، ورسيس حيتان البحر في غمراتها (4)؟ وهل نسيت الشمس وكسوفها ، والنجوم وخسوفها ، والأرض وزلزالها (5)، وتلك الفجائع وأهوالها ؟ أم هل ذهلت عن الأحجار ودمائها ، والأشجار وبكائها ، والآفاق وغبرتها ، والسماء حمرتها ، وقارورة أم سلمة وحصياتها (6)

أيّها القاتلون جهلاً حسيناً ابشروا بالعذاب والتذليل قد لعنتم على لسان ابن داو د وموسى وحامل الإنجيل ، قالت : فبكيت وفتحت القارورة ، فإذا الحصيات قد جرت دماً . أقول : وانظر أيضاً حديث أم سلمة في : المعجم الكبير 3: 130 ، ذخائر العقبی : 150 ، تاريخ الاسلام 2: 249 ، أسماء الرجال 2 : 141، سير أعلام النبلاء 3: 214 ، آکام المرجان : 147 ، نظم الدرر : 217 ، الإصابة 1 : 334 ، مجمع الزوائد 9: 199 ، البداية والنهاية 6 : 231 ، تاريخ الخلفاء : 80 ، وسيلة المآل : 107 ، مفتاح النجا : 144 ، ينابيع المودّة : 320 ، الشرف المؤبد : 68 ، كفاية الطالب : 294 ، التذكرة : 279 ، المختصر من المقتبس : 263 ، تاج العروس 3: 196.

وتلك الساعة وآياتها ؟

1) انظر : الطبقات الكبرى 1 : 23 ، العرائس الواضحة : 190 ، إسعاف الراغبين : 217 ، ينابيع المودة ،330:1 ، كفاية الطالب : 290 ، المعجم الكبير :3 : 127 ، مجمع الزوائد 9: 196 ، إحقاق الحق 567:11 - 568 .

2) انظر : مقتل الحسين 2 : 91 ، الكامل في التاريخ 3: 296 ، الخصائص الكبرى 2 : 126 ، مجمع الزوائد :9 : 196 ، تاريخ الخلفاء : 81 ، إحقاق الحق 11 : 490 .

3) انظر : مقتل الحسين 2 : 91 ، الكامل في التاريخ 3 : 296 ، الخصائص الكبرى 2 : 126 ، 3: مجمع الزوائد :9 : 196 ، تاريخ الخلفاء : 81 ، إحقاق الحق 11 : 490 .

4) انظر : تاریخ دمشق - ترجمة الامام الحسين - 4 : 339 ، مقتل الحسين 2 : 90 90 ، سیر اعلام النبلاء :3: 311 ، المحاسن والمساوىء : 62 ، تاريخ الخلفاء : 80 ، إحقاق الحق 467:11 .

5) انظر: المصادر السابقة .

6) قال رحمه الله : اشرنا بهذا إلى ما وراه الملأ في سيرته ، وابن احمد في زيادة المسند ، كما في الصواعق عن أم سلمة ، قالت - من حديث - ثم ناولني كفّاً من تراب أحمر وقال ان هذا من تربة الأرض التي يقتل بها (ولدي ) فمتى صار دماً فاعلمي أنّه قد قتل ، قالت : فوضعته في قارورة ، وكنت أقول : انّ يوماً يتحول فيه دماً ليوم عظيم . وفي رواية أخرى - كما في الصواعق أيضاً - : ان جبرئيل ج-اء ب-حصيات فجعلهن النسبي صلى الله عليه وآله في قاروة، قالت أُمّ سلمة : فلمّا كانت ليلة قتل الحسين سمعت قائلاً يقول :

ألم يرو الملأ عن أم سلمة (كما في الصواعق (1)وغيرها (2)انها قالت : سمعت نوح الجن على الحسين .

وروى ابن سعد كما في الصواعق أيضاً : أنها بكت حينئذٍ حتى غشي عليها .

وأخرج أبو نعيم الحافظ في الدلائل عنها كما نقله السيوطي - قالت :

سمعت الجن تبكي على الحسين وتنوح عليه .(3)

وأخرج ثعلب في أماليه (كما في تاريخ الخلفاء أيضاً) عن أبي جناب الكلبي (4)قال : أتيت كربلاء، فقلت لرجل من أشراف العرب بها : أخبرني بما بلغني


1) قال : كلّ ما ننقله هنا عن الصواعق موجود في أثناء كلامه في الحديث الثلاثين من الله الأحاديث التي أوردها في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر .

2) البداية والنهاية :6: 231 مجمع الزوائد :9 199، كفاية الطالب: 294

3) دلائل النبوة 2 : 556 . تاريخ الخلفاء : 80 .

4) في الأصل: أبو خباب الكلبي، وما أثبتناه هو الصحيح، وهو يحيى بن أبي حيّة الكوفي ، حدّث عن أبيه والشعبي وأبي إسحاق السبيعي وغيرهم، روى عنه عبد الرحمن المحاربي وغيره. انظر : لسان المیزان :6 789 ، الإكمال :2 134 .

انكم تسمعون من نوح الجن ؟ فقال : ما تلقى أحداً (1)إلّا أخبرك أنه سمع ذلك قلت : فأخبرني بما سمعت أنت ؟

قال : سمعتهم يقولون :

مع الرسول جبينه *** فله بريق في الخدود

أبواه من عليا قري *** شٍ وجدّه خير الجدودِ (2)

أقول : وقد نسب البيهقي في (المحاسن والمساوىء 1 : (49) هذه الأبيات إلى الشاعر كعب بن زهير ، والظاهر أنه كعب بن زهير الصحابي ، ولم أجد الأبيات المنسوبة إليه في غير هذا الكتاب ، فإن صحت هذه النسبة ، فهي مما كتمت في أيام الأمويين والعباسيين .

وأخرج أبو نعيم الحافظ (في كتاب دلائل النبوة) عن نصرة الأزدية قالت : لمّا قتل الحسين بن على أمطرت السماء دماً ، فأصبحنا وحبابنا وجرارنا مملوءة دماً (3)

قال ابن حجر - بعد إيراده في الصواعق - : وكذا روي في أحاديث غير هذه (4)

قال : وممّا ظهر يوم قتله من الآيات أيضاً : انّ السماء إسودّت إسوداداً عظيماً حتى رؤيت النجوم نهاراً .


1) في المصدر: ما تلقى حراً ولا عبداً .

2) مجالس ثعلب :2 339 تاريخ الخلفاء: 81، الملهوف: 226 .

3) دلائل النبوة 2 : 553 ، المناقب لابن شهراشوب 4 : 54 ، العوالم 17 : 466 ح 1 ، بحار الأنوار 45: 215 ح 38 ..

4) الصواعق المحرقة: 194 .

قال : ولم يرفع حجر إلّا وجد تحته دم عبيط . (1)

وأخرج أبو الشيخ كما في الصواعق أيضاً : ان السماء احمرت لقتله عليه السلام وانكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار وظنّ الناس ان القيامة قد قامت .

قال : ولم يرفع حجر في الشام (2)

:انظر معجم البلدان 3 311 - 315

إلا رؤي تحته دم عبيط وأخرج عثمان بن أبي شيبة كما في الصواعق وغيرها --ان الشمس مكثت بعد قتله عليه السلام سبعة ايام ترى على الحيطان كأنّها ملاحف معصفرة (3)شدّة حمرتها وضربت الكواكب بعضها بعضاً . (4)

قال في الصواعق ونقل ابن الجوزي عن ابن سيرين : ان الدنيا أظلمت ثلاثة أيام ثم ظهرت الحمرة في السماء (5)

قال : وقال أبو سعيد : ما رفع حجر من الدنيا إلا وتحته دم الثياب حتى


1) الصواعق المحرقة : 116 و 192، تذكرة الخواص: 284 ، نظم درر السمطين: 220 ، كفاية الطالب: 295، الإتحاف بحبّ الأشراف: 12 .

2) الشام - بالهمزة - ويجوز أن لا يهمز ، فيكون جمع شامة، سميت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها من بعض فشبهت بالشامات حدّها من الفرات إلى العريش المتاخم للديار المصرية وعرضها من جَبَلَي طي من نحو القبلة إلى بحر الروم، وب-ه-ا م-ن أمهات المدن حلب ومنبج وحماة وحمص ودمشق والبيت المقدّس والمعرة وفي الساحل أنطاكية وطرابلس .

3) المعصفرة : التي اصطبغت باللون الأصفر . «المنجد في اللغة : 509» .

4) المعجم الكبير : 146، مجمع الزوائد :9 179، سير أعلام النبلاء 3: 210، تاریخ الخلفاء: 80 إحقاق الحق 465:11 - 466 .

5) الصواعق المحرقة: 116 و 192، تذكرة الخواص: 284 ، تاریخ الاسلام .:2 349

تقطعت .

قال : وأخرج الثعلبي : ان السماء بكت وبكاؤها حمرتها .

وقال غيره : احمرّت آفاق السماء ستّة أشهر بعد قتله ، ثمّ لا زالت الحمرة ترى بعد ذلك .

وانّ ابن سيرين قال : اُخبرنا أنّ الحمرة التي مع الشفق لم تكن قبل قتل الحسين عليه السلام .

قال : وذكر ابن سعد : ان هذه الحمرة لم تر في السماء قبل قتله (1). إلى آخر ما هو مذكور في كتب السنّة ، ممّا يدلّك على انقلاب الكون بمقتله عليه السلام ، وأنّه قد بكته السماء ، وصخور الأرض دماً .

ولو فرض خصمنا جاهلاً بما في تلك الكتب ممّا سمعت بعضه ، فهل يجهل ما قام به ابن نباتة (2)خطيباً على أعواده ، وتركه سنة لخطباء المسلمين في


1) الصواعق المحرقة : 116 و 193 - 195، تذكرة الخواص: 283 وللاطلاع انظر : المعجم الكبير : 145 ، نظم درر السمطين: 220 ، الاتحاف بحبّ الأشراف: 12 ذخائر العقبى: 145 الكامل في التاريخ :3: 296 الأنس الجليل: 252، وسيلة المآل: 98، تفسير القرآن لابن كثير :9 162 تهذيب التهذيب :2 353، كفاية الطالب : 296، تاریخ دمشق 4 339 تاریخ الاسلام 2 348، سير أعلام النبلاء 3 212، مقتل الحسین 2: 89 و 90، العقد الفريد 2: 220 الخصائص الكبرى :2 126 مجمع الزوائد :9 196 ، تاریخ الخلفاء ،80، مفتاح النجا «مخطوط»، نور الأبصار: 123، إسعاف الراغبين: 215

2) هو أبو القاسم الأصبغ بن نباتة المجاشعي التميمي الحنظلي ، من خاصة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ومن شرطة الخميس ، عمر بعد علي عليه السلام طويلاً، وتوفّي بعد المائة ، والظاهر أنه أوّل من كتب مقتل سيّد الشهداء عليه السلام . انظر : الفهرست : 37 - 38 رقم 108 ، الذريعة 22 : 23 - 24 رقم 5838

الجمعة الثانية من المحرم في كلّ سنة ، وإليك ما اشتملت عليه تلك الخطبة - بعين لفظه :

[أيّها الناس إن شهركم هذا استشهد فيه الحسين بن علي بن أبي طالب فنال بذلك أعلى المفاخر والمراتب ، وكان ذلك في أرض يقال لها كربلاء ، أحلّ الله يقاتله كلّ كرب و بلاء ...]

[و] قال : بكت لموته الأرض والسماوات ، وأمطرت دماً ، وأظلمت الأفلاك من الكسوف ، واشتدّ سواد السماء ودام ذلك ثلاثة أيام ، والكواكب في أفلاكها تتهافت ، وعظمت الأهوال حتى ظنّ أنّ القيامة قد قامت .

[ ثمّ] قال : كيف لا وهو ابن السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام وسبط سيد الخلائق دنيا وآخرة ، وكان عليه الصلاة والسلام من حبّه في الحسين يقبل شفتيه ، ويحمله كثيراً على كتفيه ، فكيف لو رآه ملقى على جنبيه ، شديد العطش والماء بين يديه ، وأطفاله يصيحون بالبكاء عليه ؟ لصاح عليه الصلاة والسلام ، وخرّ مغشياً عليه .

[ثمّ ] قال : فتأسّفوا رحمكم الله على هذا السبط السعيد الشهيد ، وتسلّوا بما أصابه عمّا سلف لكم من موت الأحرار والعبيد ، واتقوا الله حق تقواه . قال : وفي الحديث : إذا حشر الناس في عرصات القيامة ، نادى مناد من وراء حجب العرش :

يا أهل الموقف ، غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد ، فتجوز وعليها ثوب مخضوب بدم الحسين ، وتتعلّق بساق العرش، وتقول : أنت الجبّار العدل، اقض بيني وبين من قتل ابني ، فيقضي الله بينها وبينه .

ثمّ تقول : اللّهم شفّعني فيمن بكى على مصيبتي ، فيشفّعها الله تعالى فیهم (1)... إلى آخر كلامه .

فهل - بعد ذلك كلّه - تقول : إنّ البكاء على مصائب أهل البيت بدعة ، وهب أنّك لا ترجو شفاعة الزهراء ، ولا تبكى لبكاء الأنبياء والأوصياء ، فابك لبكاء الشمس والقمر ، ولا يكن قلبك أقسى من الحجر ، إبك لبكاء عمر بن سعد ر (2)، أو عمرو بن الحجاج (3)والأخنس بن يزيد (4)، ويزيد بن معاوية (5)، أو خولى (6)

بقي خولي في أيام المختار متخفياً، إلا ان زوجته الأخرى واسمهاعيوف بنت مالك دلّت عليه أصحاب المختار، وكانت هذه المرأة قد غضبت عليه منذ أن جاء برأس الحسين، فأخذوا خولي وقتلوه. انظر: بحار الأنوار 45: 125، أعيان الشيعة 1: 612، مستدركات علم الرجال 3 344 ، مقتل الحسين للمقرم: 391

.

1) المناقب لابن المغازلي : 355 - 404 ، فرائد السمطين 2 : 265 ، أمالي المفيد : 84 .

2) عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري المدني، سيّره عبيد الله بن زياد على أربعة آلاف لقتال الديلم، وكتب له عهده على الري، ثمّ لمّا علم ابن زياد بمسير الحسين عليه السلام من مكة متجهاً إلى الكوفة كتب إلى عمر بن سعد أن يعود بمن معه، فعاد، فولاه قتال الحسين عليه السلام، فاستعفاه فهده وذكره ولاية الري فأطاع، بعث المختار من قتل عمر بن سعد حين قيامه فقتل . انظر : الطبقات 5: 125 الأعلام 5: 47

3) عمرو بن الحجاج الزبيدي ؛ وقيل : عمر. انظر: الارشاد للمفيد : 38 .

4) وفي بعض المصادر أخنس بن مرتد، وأخنس بن مرثد، وهو ابن علقمة الحضرمي، م-ن العشرة الذين داسوا الحسين عليه السلام بحوافر خيلوهم حتى رضوا ظهره وصدره، وهو من أولاد الزنا .

5) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثاني ملوك الدولة الأموية في الشام، ولد بالماطرون ونشأ فى دمشق وولى الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 60 ه- ولم يبايعه جماعة وعلى رأسهم الحسين عليه السلام لفسقه وفجوره ولهوه ولعبه، خلع أهل المدينة طاعته سنة 63 ه- ، فأرسل إليهم مسلم بن عقبة وأمره أن يستبيحها ثلاثة أيام وأن يبايع أهلها على أنّهم عبيد ليزيد، ففعل بها مسلم الأفاعيل القبيحة، وقتل فيها كثيراً من الصحابة والتابعين، مات يزيد سنة 64 ه- :انظر تاريخ الخميس :2: 300 تاریخ ابن الأثير 4 49، جمهرة الأنساب: 103.

6) هو خولي بن يزيد الأصبحي، من أشقياء الكوفة ومبغضي أهل البيت عليهم السلام، بعد سقوط الإمام الحسين عليه السلام على الأرض تقدّم ليحتزّ رأسه . وذهب هو وحميد بن مسلم الأزدي بالرأس إلى ابن زياد لكن الوقت كان متأخراً وباب القصر مغلقاً فاضطر إلى أخذ الرأس إلى داره واخفائه هناك. كان له زوجتان لما علمت أحداهما بأنّه قد أتى برأس الحسين إلى الدار غضبت عليه ولم تجتمع بعدها وأياه في فراش واحد .

والسالب لحلي فاطمة بنت الحسين (1)عليه السلام ، إبك لبكاء العسكر بأجمعه ، فقد شهدت كتب السير بكائهم ، مع خبث أُمهاتهم وآبائهم ، أيحسن منك - وأنت مسلم - أن يصاب رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الفجائع ، وتحل بساحته تلك القوارع ، ثم تتخذها ظهرياً ، وتكون عندك نسياً ، ما هذا شأن أهل الوفاء ، ولا يهذا تكون المواساة لسيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلّم.

ثمّ انّ الانقلاب الهائل ، وتلك الأحوال المدهشة (من الخسوف والكسوف ورجفة الأرض ، وظلمة الأفق وتهافت النجوم ، وحمرة السماء وبكاء الصخر الأصم دماً ، لم تكن إلا إظهاراً لغضب الله عزّ وجلّ ، وتنبيهاً على فظاعة الخطب ، وتسجيلاً لتلك النازلة في صفحات الأفق ، لئلا تنسى على مر الليالي والأيام ، وفيها من بعث الناس على استشعار الحزن وادثار الكآبة ما لا يخفى على أولي الألباب .


1) فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السلام، تابعية من روايات الحديث، روت عن جدتها فاطمة مرسلاً وعن أبيها، حملت إلى الشام مع أختها سكينة وعمتها زينب وأم كلثوم ؛ قيل: عادت إلى المدينة، فتزوجها ابن عمها الحسن بن الحسن بن علي، ومات عنها فتزوجها عبدالله بن عمرو بن عثمان، ومات فأبت الزواج إلى أن توفيت سنة 110 ه-. انظر: الطبقات 8: 347، مقاتل الطالبيين: 119 و 120 و 202 ، الأعلام 5: 130 .

فصل

علم الباحثون من مدققي الفلاسفة ان في مآتمنا المختصة بأهل البيت عليهم السلام أسراراً شريفة (1)

لم تكن هذه الفرقة ( يعني الشيعة) ظاهرة في القرون الإسلامية الأولى كأختها ، ويمكن أن تنسب قلتهم إلى سببين : أحدهما: ان الرئاسة والحكومة التي هي سبب سبب ازدياد تابعي المذهب كانت من بدء الإسلام بيد الفرقة الثانية .

ثانيهما: أنه كان القتل والإغارة عليهم في كل زمان ومكان ، ولهذا حكم أحد أئمتهم في أوائل القرن الثاني من الإسلام بالتقية واخفاء مذهب الشيعة ، حفظاً لنفوسهم وأمواله- فزادت في قوتهم ، لأنهم حيث لم يكونوا ظاهرين لم تنلهم أيدي أعدائهم القوية بالقتل والغارة ، وأقاموا المآتم تحت الستار يبكون فيها على الحسين فأثّرت هذه المآتم في قلوب هذه الطائفة إلى حد انه لم يمر عليها زمن كثير حتى بلغت الأوج في الترقّي ، ودخل في هذه الطائفة بعض الوزراء وكثير من الملوك والخلفاء ، فبعضهم أخفى ذلك تقيّة ، وبعضهم أظهره جهراً.

من بعد الأمير تيمور الكورگاني و رجوع سلطنة إيران قليلاً قليلاً إلى الصفوية ، اتخذت فرقة الشيعة إيران مركزاً لها، وبمقتضى تخمين بعض سائحي فرنسا أن الشيعة سدس أو سبع المسلمين - ونظراً إلى ترقي هذه الطائفة في مدة قليلة بدون اجبار أصلاً يمكن القول بأنّه لا يمضى قرن أو قرنان حتى يزيد عددها على عدد سائر فرق المسلمين ، والعلة في ذلك ؛ هي إقامة هذه المآتم التي جعلت كلّ فرد من أفرادها داعية إلى مذهبه .

اليوم لا يوجد نقطة من نقاط العالم يكون فيها شخصان من الشيعة إلا ويقيمان فيها المآتم ، ويبذلان المال والطعام. رأيت في بندر (مارسل) في الفندق شخصاً واحداً عربياً شيعياً من أهل البحرين يقيم المأتم منفرداً جالساً على الكرسي بيده الكتاب يقرأ ويبكي ، وكان قد أعد مائدة من الطعام ففرّقها على الفقراء !

هذه الطائفة تصرف فى هذا السبيل الأموال على قسمين ، فبعضهم يبذلون في كلّ سنة من أموالهم خاصة في هذا السبيل بقدر استطاعتهم ما يقدر بالملايين من الفرنكات ، والبعض الآخر من أوقاف خصصت لإقامة هذه المآتم ، وهذا المبلغ طائل جداً، ويمكن القول بأنّ جميع فرق المسلمين منضمة بعضها إلى بعض لا تبذل في سبيل مذهبها ما تبذله هذه الطائفة، وموقوفات هذه الفرقة هي ضعف أوقاف سائر المسلمين أو ثلاثة أضعافها .

كلّ واحد من هذه الفرقة بلا استثناء سائر في طريق الدعوة إلى مذهبه ، وهذه النكتة مستورة عن جميع المسلمين حتى الشيعة أنفسهم ، فإنهم لا يتصوّرون هذه الفائدة من عملهم هذا ، بل قصدهم الثواب الاخروي ، ولكن بما أن كلّ عمل في هذا العالم لا بد أن يظهر له بطبيعته أثر ، فهذا العمل أيضاً يؤثر ثمرات للشيعة ، من المسلّم أن المذهب الذي دعاته من خمسين إلى ستين مليوناً لا محالة يترقى على التدريج ترقياً لائقاً بهم ، حتى أنّ الرؤساء الروحانية ، والملوك والوزراء لهذه الفرقة ليسوا بخارجين عن صفة الدعوة ، فقراء وضعفاء هذه الفرقة بما أنّهم حصلوا ويحصلون على فوائد كلية من هذا الطريق ، فهم يحافظون على إقامة هذه المآتم أكثر من كبرائها ؛ لأنهم رأوا في هذا العمل ثواب الآخرة وأجر الدنيا ، فلهذا ترك جمع غفير من عرفاء هذه الفرقة أسباب معاشهم ، واشتغلوا بهذا العمل ، فهم يتحملون المشاق ليتمكنوا من ذكر فضائل كبراء دينهم ، والمصائب التي أصابت أهل هذا البيت بأحسن وجه وأقوى تقرير على رؤوس المنابر وفي المجالس العامة.

وبسبب هذه المشاقّ التي اختارتها هذه الجماعة في هذا الفن تفوّقت خطباء هذه الفرقة على جميع الطوائف الإسلامية ، وحيث ان تكرار المطلب الواحد يورث اشمئزاز القلوب وعدم التأثير ، فهؤلاء الجماعة يتحمّلون المشاق فيذكرون جميع المسائل الإسلامية العائدة لمذهبهم في هذه الطريقة على المنابر ، حتى آل الأمر إلى أن أصبح الأميون من الشيعة أعرف في مسائل مذهبهم ممن يقرأون ويفهمون من الفرق الإسلامية الأخرى من كثرة ما سمعوا من عرفائهم .

اليوم إذا نظرنا في كلّ نقطة من نقاط العالم من حيث العدد والنفوس نرى أن أليق المسلمين بالمعرفة والعلم والحرفة والثروة هي فرقة الشيعة، دعوة هذه الفرقة غير محصورة أهل مذهبهم أو في سائر الفرق الاسلامية ، بل أي قوم وضع أفراد هذه الطائفة أقدامهم بينهم يسرى في قلوب أهل تلك الملة هذا الأثر .

إنّ العدد الكثير الذي يرى اليوم في بلاد الهند من الشيعة هو من تأثير إقامة هذه المآتم ، فرقة الشيعة حتى في زمان السلاطين الصفوية لم تسع في ترقّى مذهبها بقوة السيف، بل ترقت هذا الترقي المحيّر للعقول بقوّة الكلام الذي هو أشدّ تأثيراً من السيف ، ترقت اليوم هذه الفرقة في إداء مراسمها المذهبية بدرجة جعلت ثلثي المسلمين يتبعونها في حركاتها ، جم غفير من الهنود والفرس وسائر المذاهب أيضاً شاركوهم في أعمالهم ، وهذا أمر واضح بعد مضي قرن تودّع هذه الخيالات بطريق الإرث لأبناء تلك الطوائف ، فيسلّمون بها أو يعتقدون بذلك المذهب ، وحيث ان فرقة الشيعة تعتقد أن جميع مطالبها مرتبطة بكبراء مذهبها ويطلبون المدد منهم في الحوائج والشدائد ، فسائر الفرق أيضاً التي تشاركهم في أفعالهم وأعمالهم تتأسّى بهم كثيراً ، فبمجرّد مصادفة قضاء حوائجهم تزداد عقيدتهم رسوخاً.

من هذه القرائن والأسباب يمكن ان يستدرك أنّه لا يمر زمن قليل على هذه الفرقة حتى تتفوّق من حيث العدد على جميع الفرق الإسلامية ، كان أكثر هذه الفرقة الى ما قبل قرن أو قرنين ما عدا إيران يعملون بالتقيّة في مذهبهم لقلة العدد، وعدم القدرة ، ومن الزمن الذي استولت فيه دول الغرب على الممالك الشرقية وأعطت الحرّية لجميع المذاهب ، تظاهرت هذه الفرقة بمراسم مذهبها في كلّ نقطة ، وهذه الحرّية أفادتهم بدرجة أنّها رفعت من مذهب الشيعة اسم التقيّة.

بمناسبة الأسباب التي ذكرت ، وقفت هذه الفرقة على مقتضيات العصر أكثر من سائر الفرق الإسلامية ، وأقدمت على كسب المعاش وتحصيل العلوم أكثر من الآخرين ، ومن هذه الوجهة فالرجال العاملون الذين يعيشون بكدّ اليمين يوجدون فيهم أكثر من سائر فرق المسلمين ، وحيث ان الغالب عليهم العمل ، فالملازمون لهم وخدامهم يصيرون بالطبع تابعين لهم، وعلاوة على ذلك أنّهم بواسطة الأعمال يحتاج الناس إليهم ، ومحبتهم ومعاشرتهم لسائر الفرق موجبة لاختلاط الآخرين معهم عند مشاركتهم لهم في مجالسهم ومحافلهم ، وحينما يصغى المباشرون لهم إلى سماع أصول مذهبهم وأحاديثهم مرة بعد مرة لا محالة يألفون مشربهم ، وهذا هو عمل الدعاة، والأثر الذي يترتب على هذه الوضعية هو الأثر الذي توخته عرفاء دول الغرب في ترقية دين المسيح مع بذل أموال تحيّر العقول.

من جملة الأمور السياسية التي ألبستها روؤساء فرقة الشيعة لباس المذهب من قرون وصارت مورثة جداً لجلب قلوبهم وقلوب غيرهم ؛ هي أصول التمثيل باسم الشييه والتعزية في مأتم الحسين ، التمثيل أدخلته حكماء الهند في عباداتها لعدة أغراض خارجة عن موضوع بحثنا ، الاوربيون بمقتضى السياسة ألبسوا التمثيل لباس التفرّج، وأظهروا في محلات التفرج العمومية لأنظار العام والخاص أموراً سياسية مهمة لاستجلاب القلوب ، وقليلاً قليلاً أصابوا هدفين بسهم واحد ؛ تفريح الطبائع، وجلب قلوب العامة في في الأمور السياسية.

فرقة الشيعة حصلت من هذه النكتة على فائدة تامة فألبست ذلك لباس المذهب ، فيستنبط أنّ فرقة الشيعة أخذت هذا العمل من الهنود ، وعلى كل حال فالتأثير الذي يلزم أن يحصل على قلوب العامة والخاصة في إقامة العزاء والشبيه قد حصل .

من جهة يذكرون في مجالس قراءة التعزية المتواصلة ، وعلى المنابر المصائب التي وردت على روؤساء دينهم ، والمظالم التي وردت على الحسين ، ومع تلك الأحاديث المشوّقة إلى البكاء على مصائب آل الرسول .

فتمثيل تلك المصائب للأنظار أيضاً له تأثير عظيم ويجعل العام والخاص من هذه الفرقة راسخ العقيدة فوق التصوّر ، وهذه النكات الدقيقة صارت سبباً في أنّه لم يسمع بأحد من هذه الفرقة من ابتداء ترقّي مذهب الشيعة أنه ترك دين الإسلام أو دخل في فرقة اسلامية أخرى.

هذه الفرقة تعمل الشبيه بأقسام مختلفة ، فتارة في مجالس مخصوصة ومقامات معينة ، وحيث أنّه في أمثال هذه المجالس المخصوصة والمقامات المعينة يكون اشتراك الفرق الأخرى معهم أقل ، أوجدوا تمثيلاً بوضع خاص، فعملوا الشبيه في الأزقة والأسواق ، وداروا به بين جميع الفرق ، وبهذا السبب تتأثر قلوب جميع الفرق منهم ومن غيرهم بذلك الأثر الذي يجب أن يحصل من التمثيل ، ولم يزل هذا العمل شيئاً فشيئاً يورث توجّه العام والخاص إليه ، حتى أن بعض الفرق الاسلامية الأخرى وبعض الهنود قلدوا الشيعة فيه . واشتركوا معهم في ذلك .

وعمل الشبيه في الهند أكثر رواجاً منه في جميع الممالك الاسلامية ، كما ان سائر ف--رق الاسلام هناك أكثر اشتراكاً مع الشيعة في هذا العمل من سائر البلاد. ويظن أن أصول التمثيل وعمل الشبيه بين الشيعة قد جاءت من جهة سياسة السلاطين الصفوية الذين كانوا أول سلسلة استولت على السلطنة بقوّة المذهب وروؤساء الشيعةالروحانيون شيئاً فشيئاً أيّدوا هذا العمل وأجازوه.

ومن جملة الأمور التي صارت سبباً في ترقي هذه الفرقة وشهرتها في كل مكان هو إرادة أنفسهم بالمرأى الحسن ، بمعنى أن هذه الطائفة بواسطة مجالس المأتم ، وعمل الشبيه واللطم والدوران ، وحمل الأعلام في مأتم الحسين ، جلبت إليها قلوب باقي الفرق بالجاه والإعتبار والقوة والشوكة ، لأنه من المعلوم أنّ كلّ جمعية وجماعة تجلب إليها الأنظار وتوجه إليها الخواطر إلى درجة ما .

مثلاً لو كان في مدينة عشرة آلاف نفس متفرقين ، وكان في محل ألف نفس مجتم كانت شوكة الألف وعظمتهم في أنظار الخاص والعام أكثر من العشرة آلاف ، مضافاً إلى أنه إذا اجتمع ألف نفس انضم إليهم من غيرهم بقدر هم بعضهم للتفرج ، وبعضهم للصداقة والرفاقة ، وبعضهم لأغراض خاصة ، وبهذا الانضمام تتضاعف قوة الألف وشوكتهم في الأنظار.

تعود على الأمة بصلاح آخرتها ودنياها ، أنبهك إليها بذكر

1) قال رحمه الله : نبهك إلى بعضها ، حكيما الغربيين ، فيلسوفا المستشرقين : الدكتور (جوزف) : الفرنساوي في كتابه: «الاسلام والمسلمون ، والمسيو (ماربين) الألماني في كتابه «السياسة الاسلامية ، وقد ترجمت جريدة (الحبل المتين) الفارسية في العدد (82) من أعداد سنة 17 [وقيل : في العدد (28) من السنة الثامنة بتاريخ 7 محرم سنة 1329 ه- 1911 م] فصلين من ذينك الكتابين النفيسين يحتويان على أسرار شهادة الحسين وفلسفة ماتمه عليه السلام ، فكان لهما دوي في العالم الاسلامي وأخذا في الشرق دوراً مهمّاً ، وترجما بالتركية والهندية، وعرّبهما سيّدنا الشريف العلّامة الباحث السيد صدر الدين الموسوي نجل الإمام الكبير حجّة الاسلام ، وآية الله في الأنام ، قدوتنا المولى السيد إسماعيل الصدر أبقاه الله ، فنشرت مجلة العلم أحد الفصلين، ومجلة العرفان نشرت الآخر ، وإليك ما ذكره الدكتور (جوزف) تحت عنوان «الشيعة وترقياتها المحيّرة للعقول قال في جملة كلام له طويل :

بعضها وأوكل الباقي إلى فطنتك :

فمنها : أنّها جامعة اسلامية ، ورابطة إمامية باسم النّبي وآله صلّى الله عليه وآله ينبعث عنها الاعتصام بحبل الله عزّ وجلّ ، والتمسّك بثقلي رسول الله صلّى الله عليه وآله وفيها من اجتماع القلوب على اداء الرسالة بمودّة القربي ، وترادف

العزائم على إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام ما ليس في غيرها .

وحسبك في رجحانها ما يتسنّى بها للحكيم من إلقاء المواعظ والنصائح ، وإيقاف المجتمعين على الشؤون الاسلامية ، والأمور الإمامية ولو إجمالاً ، وبذلك يكون أمل العاملي (1)، نفس أمل اخوانه في العراق وفارس والبحرين والهند وغيرها من بلاد الاسلام .

ولا تنس ما يتهيّأ للمجتمعين فيها من الاطّلاع على شؤونهم ، والبحث عن شؤون اخوانهم النائين عنهم ، وما يتيسر لهم حينئذٍ من تبادل الآراء فيما يعود عليهم بالنفع ، ويجعلهم كالبنيان المرصوص ، يشد بعضه بعضاً ، أو كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضواً أنّت له سائر الأعضاء ، وبذلك يكونون مستقيمين في السير على خطة واحدة يسعون فيها وراء كلّ ما يرمون إليه .

ومنها : أنّ هذه المآتم دعوة إلى الدين بأحسن صورة وألطف اسلوب ، بل هي أعلى صرخة للإسلام توقظ الغافل من سباته ، وتنبّه الجاهل من سكراته ، بما تشربه في قلوب المجتمعين ، وتنفثه في آذان المستمعين ، وثبّته في العالم ، وتصوره قالباً لجميع بني آدم من أعلام الرسالة ، وآيات الاسلام ، وأدلّة الدين ، المسلمين ، والسيرة النبوية ، والخصائص العلويّة ، ومصائب أهل البيت وحجج عليهم السلام في سبيل الله ، وصبرهم على الأذى فى اعلاء كلمة الله .

فاُولوا النظر والتحقيق يعلمون أنّ خطباء المآتم كلّهم دعاة إلى الدين من حيث لم يقصدوا ذلك ، بل لا مبشر بالإسلام على التحقيق سواهم ، وأنت تعلم أنّ الموظفين لهذا العمل الشريف لا يقصرون في انحاء البسيطة عن الألوف المؤلّفة .


1) نسبة إلى جبل عامل في لبنان موطن المصنف رحمه الله

فلو بذل المسلمون شطر أموالهم ليوظفوا دعاة إلى دينهم بعد اُولئك الخطباء ما تيسّر ذلك لهم ، ولو تيسّر من يستمع الدعوة على مرّ الدهور استماع الناس لما يُتلى في هذه المآتم بكل رغبة واقبال .

ومنها : ما قد أثبته العيان ، وشهد به الحس والوجدان من بثّ روح المعارف هذه المآتم ، ونشر أطراف من العلوم ببركتها ، إذ هي - بشرط كونها على أصولها - أرقى مدارس للعوام ، يستضيئون فيها بأنوار الحكم من جوامع الكلم ، ويلتقطوت منها دور السير ، ويقفون بها على أنواع العبر ، ويتلقون فيها من الحديث والتفسير والفقه ما يلزمهم حمله ولا يسعهم جهله ، بل هي المدرسة الوحيدة للعوام في جميع بلاد الاسلام .

وقد تفنّن خطباؤها في ما يصدعون به أولاً على أعوادها ثم يتخلّصون منه إلى ذكر المصيبة وتلاوة الفاجعة ؛ فمنهم من يشنف المسامع ويشرف الجوامع بالحكم النبويّة ، والمواعظ العلوية ، أو يتلو أوّلاً من كلام أئمة أهل البيت عليهم السلام ما يقرّب المستمعين إلى الله ، ويأخذ بأعناقهم إلى تقواه .

ومنهم : من يتلو أوّلاً من سيرة النبي صلّى الله عليه وآله وتارخ أوصيائه عليهم السلام ما يبعث المستمعين على مودتهم ، ويضطرهم إلى بذل الجهد في طاعتهم .

ومنهم من ينبّه الأفكار أوّلاً إلى فضل رسول الله صلّى الله عليه وآله ومقام أوصيائه عليهم السلام بما يسرده من الأحاديث الصحيحة ، والآيات المحكمة الصريحة .

ومنهم : من يتلو أوّلاً الأحكام الشرعية والعقائد الدينية ما تعمّ به البلوى المكلّفين ولا مندوحة من معرفته لأحد من العالمين.

هذه سيرتهم المستمرة ایّام حياتهم ، فهل ترى بجدك للعوام مدرسة تقوم مقامها في جسيم فوائدها وعظيم مقاصدها ؟ لا وسرّ الحكماء الذين بعثوا شيعتهم عليها وحكمة الأوصياء الذين أرشدوا أوليائهم إليها .

ومنها : الارتقاء في الخطابة ، والعروج إلى منتهى البراعة ، كما يشهد الوجدان ، ولا نحتاج فيه إلى برهان .

ومنها : العزاء عن كلّ مصيبة ، والسلوة لكلّ فادحة ، إذ تهون الفجائع بذكر فجائعهم ، وتنسى القوارع بتلاوة قوارعهم ، كما قيل في رثائهم عليه السلام :

رزيّتكم رزايانا التي *** سلفت وهوّنت الرزايا الآتية

ومنها : انعاش أهل الفاقة ، واثلاج أكباد حرّى من أهل المسكنة على الدوام بما نفق في هذه المآتم من الأموال في سبيل الله عزّ وجلّ ، وما يبذل فيها لأهل المسغبة وغيرهم ، وأنت تعلم أنّه لا وسيلة لقراء تلك المآتم في التعيّش غالباً إلا هذه الوظيفة ، وهم من الرجال والنساء - بقطع النظر عمّن يقومون بنفقته ، اُلوف مؤلّفة يعيشون ببركة أهل البيت عليهم السلام ويتنعمون بيمن مآتمهم عليهم السلام.

ومنها : ان المصلحة التي استشهد الحسين عليه السلام - بابي وامّي - في سبيلها ، وسفك دمه الزكى تلقاءها ، تستوجب استمرار هذه المآتم ، وتقتضي دوامها إلى يوم القيامة وبيان ذلك :

إنّ المنافقين حيث دفعوا أهل البيت عليهم السلام عن مقامهم ، وأزالوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها ، ظهروا للناس بمظاهر النيابة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وأظهروا التأييد لدينه ، والخدمة لشريعته ، فوقع الإلتباس ، واغترّ

بهم أكثر الناس ، ولما ملكوا من الأمّة أزمتها ، واستسلمت لهم برمّتها ، حرموا ( والناس في سنة عن سوء مقاصدهم) من حلال الله ما شاؤوا ، وحلّلوا من حرامه ما أرادوا ، وعاثوا في الدين وحكموا فيه القاسطين ، فسمّلوا أعين أولياء الله ، وقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وصلبوهم على جذوع النخل ، ونفوهم عن عقر ديارهم حتى تفرقوا أيدي سبأ ، ولعنوا أمير المؤمنين عليه السلام وكنّوا به عن ، أخيه الصادق الأمين صلّى الله عليه وآله .

فلو دامت تلك الأحوال ، وهم أولياء السلطة المطلقة ، والرئاسة الروحانية ، لما أبقوا للإسلام عيناً ولا أثراً ، لكن ثار الحسين عليه السلام فادياً دين الله عزّ وجلّ بنفسه وأحبائه حتى وردوا حياض المنايا ، ولسان حاله يقول :

إن كان دين محمد لم يستقم*** إلا بقتلي يا سيوف خذيني

فاستنقذ الدين من أيدي الظالمين ، وانكشف الغطاء بوقوع تلك الرزايا عن نفاق القوم حتى تجلّت عداوتهم لله عزّ وجلّ، وظهر انتقامهم من رسول الله صلى الله عليه وآله ، إذ لم يكتفوا بقتل الرجال من بنيه عطاشى والماء تعبث فيه خنازير البر وكلابه ، ولم يقنعوا بذبح الأطفال من أشباله أحياء وقد غارت أعينهم من شدّة العطش ، ولا اكتفوا باستئصال العترة الطاهرة ونجوم الأرض من شيبة الحمد حتى وطأوا جثتهم بسنابك الخيل ، وحملوا رؤوسهم على أطراف الأسنة ، وتركوا أشلائهم الموزعة عارية بالعراء ، مباحة لوحوش الأرض وطير السماء ، ثم أرزوا ودائع الرسالة وحرائر الوحى مسلبات ، وطافوا البلاد بهنّ سبايا كأنّهنّ من كوافر البربر ، حتى أدخلوهنّ تارة على ابن مرجانة ، واخرى على ابن آكلة الأكباد ، وأوقفوهنّ على درج الجامع في دمشق حيث تباع جواري السبي .

فلم تبق بعدها وقفة من عداوتهم الله ، ولا ريبة بنفاقهم في دين الاسلام.

وعلم حينئذ أهل البحث والتنقيب من اّولي الألباب انّ هذه اّمور دبّرت بليل ، وانّها عن عهد السلف بها إلى إلى خلفه ، وما كانت ارتجالاً من يزيد - وما المسبب لو لم ينجح السبب - ثمّ لم تزل أنوار هذه الحقيقة تتجلّى لكلّ من نظر نظراً فلسفياً في فجائع الطف وخطوب أهل البيت عليهم السلام ، أو بَحَثَ بَحْث مدقّق عن أساس تلك القوارع، وأسباب هاتيك الفظائع .

وقد علم أهل التدقيق من اّولى البصائر أنّه ما كان لهذا الفاجر أن يرتكب من أهل البيت ما ارتكب ، لولا ما مهده سلفه من هدم سورهم ، واطفاء نورهم ، وحمله الناس على رقابهم ، وفعله الشنيع يوم بابهم . (1)

فكتب إليه يزيد :

أمّا بعد ، يا أحمق ! فإنّا جئنا إلى بيوت مجدّدة ، وفرش ممهّدة ، ووسائد منضدة ، فقاتلنا عنها ! فإن يكن الحق لنا فعن حقنا قاتلنا ، وإن كان الحق لغيرنا فأبوك أوّل من سنَّ هذا واستأثر بالحقّ على أهله .

وتالله لولا ما بذله الحسين عليه السلام في سبيل إحياء الدين من الزكية ، ونفوس احبّائه بتلك الكيفية ، لأمسى الاسلام خبراً من الأخبار السالفة (2)

ولقد كان هذا العزم أعظم خطأ سياسي صدر من بني أمية الذي جعلهم نسياً منسياً ولم يبق منهم أثر ولا خبر.

وأعظم دلالة على انّ الحسين أقدم على قتل نفسه ، ولم تكن في نظره سلطنة ولا رئاسة هو : أنّه مضافاً إلى ما كان عليه من العلم والسياسة والتجربة التي وقف عليه زمن أبيه وأخيه قتال بني أُميّة كان يعلم أنّه مع عدم تهيئة الأسباب له واقتدار يزيد لا يمكنه المقاومة والغلبة ، وكان يقول : من يوم توفي والده انه يقتل ، وأعلن يوم خروجه من المدينة أنّه يمضي إلى القتل وأظهر ذلك لأصحابه والذى اتبعوه من باب اتمام الحجة حتى يتفرّق الذين التفّوا حوله طمعاً بالدنيا ، وطالما كان يقول : «خير لي مصرع أن-ا م-لاقيه» ، ولو لم يكن قصده ذلك ولم يكن عالماً عامداً لجمع الجنود والسعى في تكثير أصحابه وزيادة استعداده لا أن يفرق الذين كانوا معه ، ولكن لما لم يكن له قصد إلّا القتل مقدّمة لذلك المقصد العالي واعلان الثورة المقدّسة ضد يزيد رأى أنّ خير الوسائل إلى ذلك الوحدة والمظلومية فان أثر هكذا مصائب أشدّ وأكثر في القلوب .

من الظاهر ان الحسين مع ما كانت له من المحبوبية في قلوب المسلمين في ذلك الزمان لو كان يطلب قوّة واستعداداً لأمكنه أن يخرج إلى حرب يزيد جيشاً جرّاراً ، ولكنّه لو وضع ذلك لكان قتله في سبيل طلب السلطنة والامارة ، ولم يفز بالمظلومية التي انتجت تلك الثورة العظيمة ، هذا هو الذي سبب أن لا يبقى معه أحداً ، إلا الذين لا يمكن انفكاكهم عنه ، كأولاده وأخوانه وبني أخوته وبني أعمامه وجماعة من خواص أصحابه ، حتى أنّه أمر هؤلاء أيضاً بمفارقته ، ولكنّهم أبوا عليه ذلك ، وهؤلاء أيضاً كانوا من المعروفين بين المسلمين بجلالة القدر ، وعظيم المنزلة، وقتلهم معه ممّا يزيد في عظم المصيبة وأثر الواقعة .

نعم ، انّ الحسين بمبلغ علمه وحسن سياسته بذل كمال جهده في افشاء ظلم بني أمية واظهار عداوتهم لبني هاشم وسلك في ذلك كلّ طريق ، لما كان يعلم عداوة بني أمية له ولبني هاشم ، ويعرف أنّه بعد قتله يأسرون عياله وأطفاله ، وذلك يؤيّد مقصده ، ويكون له اثر عظيم في قلوب المسلمين - سيما العرب كما وقع ذلك حملهم معه وجاء بهم إلى المدينة .

نعم ، أنّ ظلم بني أُميّة وقساوة قلوبهم في معاملاتهم مع حرم محمد وصباياه أثر في قلوب المسلمين تأثيراً عظيماً لا ينقص عن أثر قتله وأصحابه ، ولقد أظهر في فعله هذا عقيدة بني أمية في الاسلام وسلوكهم مع المسلمين سيما ذراري نبتهم ، لهذا كان الحسين يقول في جواب أصحابه والذين كانوا يمنعونه عن هذا السفر : أني أمضي إلى القتل ، ولما كانت أفكار المانعين محدودة ، و أنظارهم قاصرة لا يدركون مقاصد الحسين العالية لم يألوا جهدهم في منعه وآخر ما أجابهم به ان قال لهم : شاء الله ذلك ، وجدي أمرني به ، فقالوا : ان كنت تمضي إلى القتل فما وجه حملك النسوة والأطفال ؟ فقال: «انّ الله شاء أن يراهن سبايا ولما كان بينهم رئيساً روحانياً لم يكن لهم بد عن السكوت .

ومما يدل على أنّه لم يكن له غرض إلا ذلك المقصد العالي الذي كان في نفسه ولم يتحمل تلك المصائب لسلطنة وامارة ولم يقدم على هذا الخطر من غير علم ودراية كما تصوّره بعض المؤرخين منّا انّه قال لبعض ذوي النباهة قبل الواقعة بأعوام كثيرة على سبيل التسلية : «انّ بعد قتلي وظهور تلك المصائب المحزنة يبعث الله رجالاً يعرفون الحق من الباطل ، يزورون قبورنا ، ويبكون على مصابنا ، ويأخذون بثأرنا من أعدائنا ، وأولئك جماعة ينشرون دين الله وشريعة جدّي ، وأنا وجدي نحبهم وهم يحشرون معنا يوم القيامة .

ولو تأمل المتأمل في كلام الحسين عليه السلام وحركاته يرى أنّه لم يترك طريقاً من السياسية إلا سلكه في إظهار شنائع بني أمية وعداوتهم القلبية لبني هاشم ومظلومية نفسه وهذا ممّا يدلّ على حسن سياسته وقوة قلبه وتضحية نفسه في طريق الوصول إلى المقصد الذي كان في نظره حتى أنّه في آخر ساعات حياته عمل عملاً حيّر عقول الفلاسفة ولم يصرف نظره عن ذلك المقصد العالى مع تلك المصائب المحزنة ، والهموم المتراكمة ، وكثرة العطش والجراحات وهو قصة الرضيع .

فلمّا كان يعلم أنّ بني أمية لا أمية لا يرحمون له صغيراً رفع طفله الصغير تعظيماً للمصيبة على يده أمام القوم ، وطلب منهم أن يأتوه شربة من الماء فلم يجيبوه إلا بالسهم ، ويغلب على الظن ان غرض الحسين من هذا العمل تفهيم العالم بشدّة عداوة بني أمية لبني هاشم وأنها إلى أي درجة بلغت ، ولا يظن أحد ان يزيد كان مجبوراً على تلك الاقدام-ات الفجيعة لأجل الدفاع عن نفسه ، لأنّ قتل الطفل الرضيع في ذلك الحال بتلك الكيفية ليس هو إلا توحش وعداوة سبعية منافية لقواعد كل دين وشريعة ، ويمكن أن تكون هذه الفاجعة كافية في افتضاح بني أمية ورفع الستار عن قبائح أعمالهم ونيّاتهم الفاسدة بين العالم سيما المسلمين ، وأنهم يخالفون الاسلام في حركاتهم، بل يسعون بعصبية جاهلية إلى اضمحلال آل محمد وجعلهم أيدي سباً .

ونظراً لتلك المقاصد العالية التي كانت في نظر الحسين مضافاً إلى وفور علمه وسياسته التي كان لا يشكّ فيها اثنان لم يرتكب أمراً يوجب مجبورية بني أمية للدفاع حتى أنّ-ه م-ع ذلك النفوذ والاقتدار الذي كان له في ذلك العصر ، لم يسع في تسخير البلاد الاسلامية وضمها إليه ، ولا هاجم ولاية من ولايات يزيد إلى أن حاصروه في وادٍ غير ذي زرع ، قبل أن تبدو منه أقل حركة عدائية ، أو تظهر منه ثورة ضد بني أمية .

لم يقل الحسين يوماً : سأكون ملكاً أو سلطاناً ، وأصبح صاحب سلطة ، نعم ، كان يبتّ روح الثورة في المسلمين بنشره شنائع بني أمية واضمحلال الدين أن دام ذلك الحال ، وكان يخبر بقتله ومظلوميته وهو مسرور ، ولما حوصر في تلك الأرض القفراء أظهر لهم من باب اتمام الحجة بأنهم لو تركوه لرحل بعياله وأطفاله ، وخرج من سلطة يزيد ، ولقد كان لهذا الاظهار الدالّ على سلامة نفس الحسين فى قلوب المسلمين غاية التأثير .

قتل قبل الحسين ظلماً وعدواناً كثير من الرؤساء الروحانيين وأرباب الديانات ، وقامت الثورة بعد قتلهم بين تابعيهم ضدّ الأعداء ، كما وقع مكرّراً في بني إسرائيل وقصة يحيى من أعظم الحوادث التأريخية ، ومعاملة اليهود مع المسيح لم ير نظيرها إلى ذلك العهد ، ولكن واقعة الحسين فاقت الجميع .

أقول : واتماماً للفائدة أكثر نذكر بعض عبارات المسيو ماربين الألماني والتي لم يذكرها المصنف رحمه الله هنا :

وقال المسيو ماربين كذلك : الحسين بن على بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف هو سبط محمد المتولد من ابنته وحبيبته فاطمة عليهم السلام ويمكننا القول بأنه كان جامعاً للأخلاق والصفات المستحسنة عند العرب في ذلك الزمان ، ووارثاً للشجاعة من أبيه ، وأعلم المسلمين بأحكام دين جده ، وحاوياً بدرجة كاملة للجود الذي هو أحبّ الصفات ، وكان طلق اللسان ، فصيح البيان للغاية ، اتفق المسلمون بلا مخالف على حسن العقيدة في الحسين حتى أنّ الطوائف التي تذمّ أباه وأخاه تمدحه وتثني عليه ، وكتبهم مشحونة بذكر ملكاته الحسنة ، وسجاياه المستحسنة ، وكان غيوراً صادقاً غير هياب ، وان لغالب فرق المسلمين عقائد عظيمة في الحسين عليه السلام ، ولكن الذي نقدر أن نكتبه في كتابنا بكمال الطمأنينة ، وبلا خوف المعارضة هو أنّ تابعي علي عليه السلام يعتقدون في الحسين أكثر مما تقوله النصارى في المسيح عليه السلام ، فكما أننا نقول إن عيسى تحمّل هذه المصائب لتكفير السيئات ، هم يقولون ذلك في الحسين ، ويعدونه الشفيع المطلق يوم القيامة ، والشيء الذي لا يقبل الانكار أبداً.

إذا قلناه في الحسين هو أنّه كان في عصره أوّل شخص سياسي ، ويمكن أن نقول أنه لم يختر أحد من أرباب الديانات سياسة مؤثرة مثل سياسته ، ومع أن أباه عليّاً هو حكيم الإسلام ، وحكمياته وكليّاته الشخصية لم تكن بأقل ممّا هو لسائر حكماء العالم المعروفين ، لم يظهر منه مثل السياسة الحسينية .

ولأجل اثبات هذه المسألة يلزم الإلتفات قليلاً إلى تاريخ العرب قبل الإسلام ، فنرى أنها كانت قرابة بين بني هاشم وبني أمية ؛ أي أنّهم بنو أعمام لأنّ أُميّة وهاشم أنجال عبد مناف ، ومن قبل الإسلام كان بينهم نفور وكدورة بدرجة متناهية ، وحصل بينهم مراراً مجادلات وقتال ، وكان كلّ من الطرفين طالباً ثأره من الآخر ، وكان بنو هاشم وبنو أمية أعزاء محترمين في قريش ، ولهم السيادة ، بنو أمية من جهة الغنى والرئاسة الدنيوية ، وبنو هاشم من جهة العلم والرئاسة الروحانية ، وفي بدء الاسلام ازدادت العداوة بين بني هاشم وبني أُمية إلى أن فتح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم مكة ، وأدخل في طاعته وتحت أمره عموم قريش وبني أمية ، وفي الواقع استولى على رئاسة الع--رب الدينية والدنيوية فلأجل ذلك ارتفع قدر بني هاشم بين العرب واطاعتهم بنو أمية ، وأضرم هذا التقدّم في الباطن نار الحسد لبنى هاشم في صدور بني أمية ، وكانوا على استعداد للإيقاع ببني هاشم حقداً عليهم .

فلمّا توفّي النبي صلى الله عليه وآله وسلّم اتّسع لهم المجال لذلك ، فسعوا أولاً أن لا يكون الخليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم على أصول ولاية العهد ، بل على أصول أكثرية الآراء ولم تدع شدّة مخالفة بني أمية أن تكون أكثرية الآراء في الخلافة بجانب ب-ن-ي هاشم ، فهنا نال بنو أمية مآربهم، وتغلبوا على بني هاشم .

وبسبب الخلافة تمكّن بنو أمية من الحصول على مقام منيع ، فسهلوا الطريق لمستقبلهم ، وكانوا يسعون في رفعة منزلتهم عند الخلفاء يوماً فيوماً ، وأصبحوا ركناً من أركان السلطنة الإسلامية حتى أصبح الخليفة الثالث منهم ، وأصبح بنو أمية متفوقين تفوّقاً مطلقاً في كل عمل ومكان ، ووطّدوا مقامهم للمستقبل، ونظراً إلى تلك العداوة والثارات التي كانت لبني أمية عند بني هاشم حسب عوائد العرب في ذلك الزمان كان إظهارهم لخلوص العقيدة والنية الصافية للإسلام أقل من سواهم ، وكانوا باطناً يرون من العار أن يتبعوا ديناً يكون ختامه باسم بني هاشم ، ولكثرة المسلمين في ذلك الزمان كان بنو أمية يسيرون وراء مقاصدهم تحت ظلّ هذا الدين ، ولم يعلنوا بمخالفته ، وتظاهروا بمتابعته ، ولما رأوا أنفسهم في المقامات العالية ، ووطّدوا مقامهم في الجاه والجلالة ، أظهروا تمردهم عن أحكام الإسلام حتى أنهم كانوا في المحافل يستهزئون بدین جاء به بنو هاشم.

ولما رأى بنو هاشم انّ الأمر صار الى هذا ، واطلعوا على نوايا بني أمية لم يقعدوا عن العمل ، وأظهروا للناس أعمال الخليفة الثالث بأساليب عجيبة ، فأثاروا المسلمين عليه حتى آل الأمر إلى أن اشترك رؤساء طبقات المسلمين في قتله، وبأكثرية الآراء أصبح عليّ الخليفة الرابع .

من بعد هذه الواقعة تأكد بنو أمية أنها ستكون لبني هاشم السيادة والعظمة كما كانت لهم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم . فلهذا قام معاوية الذي كان حاكماً لبلاد الشام من قبل الخلفاء السابقين ، وكان ذا إقتدار ودهاء ونظر بعيد ناشراً لواء العصيان على علي بدعوى أن قتل عثمان كان بإشارة منه والقى الخلاف بين المسلمين وبتلك الطريقة كانت بين العرب قبل الإسلام شهر السيف بينهم.

ومعاوية وان لم يغلب عليّاً في هذه الحروب العديدة ، لكنّه لم يكن مغلوباً ، ولم يطل زمن تمرّد بني أمية على رئاسة بنى هاشم حتى قتلوا عليّاً عليه السلام وعندئذ تغلّب معاوية ، وصالحه الحسن الذي هو الأخ الأكبر للحسين وهو الخليفة الخامس ، وعادت الخلافة الى بنى أُميّة فكان معاوية من جهة يسعى في تقوية ملكه ، ومن جهة أخرى يسعى في اضمحلال بني هاشم، ولم يفتر دقيقة واحدة عن محوهم وكان الحسين مع أنه تحت نفوذ أخيه الحسن لم يطع بني أمية ، ولم يظهر مخالفتهم وكان يقول علناً لا بد أن اقتل في سبيل الحق ، ولا استسلم للباطل، وكان بنو أمية في اضطراب منه ، وبقي هذا ، الاضطراب إلى أن مضى الحسن ومعاوية وجلس يزيد في مقام أبيه على أصول ولاية العهد ، وابطلت الخلافة بأكثرية الآراء من بعد علي عليه السلام، ولكن بعد تعيينه لولاية العهد استحصل معاوية على صلّ بأخذ البيعة له من رؤساء القوم ، ورأى الحسين عليه السلام من جهة ان حركات بني أمية الذين كانت لهم السلطة المطلقة والرئاسة الروحانية الإسلامية قاربت أن تزعزع عقيدة المسلمين من دين جده ، ومن جهة أخرى كان يعلم أنه إذا أطاع يزيد أو لم يطعه ، فبنو أمية نظراً لعداوتهم وبغضهم لبني هاشم لا يألون جهداً في محوهم ، وإذا دامت هذه الحال مدّة لا يبقى أثر لبني هاشم في عالم الوجود فلهذا صمم الحسين عليه السلام على القاء الثورة بين المسلمين ضد بني أمية ، كما أنه رأى من حين جلوس يزيد في مقام أبيه وجوب عدم اطاعته ، ولم يخف مخالفته له.


1) أقول: أخرج البلاذري في تاريخه قال : لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب ، كتب عبدالله بن عمر رسالة إلى يزيد بن معاوية جاء فيها : أمّا بعد، فقد عظمت الرزية وجلّت المصيبة ، وحدث في الاسلام حدث عظيم ، ولا يوم كيوم قتل الحسين .

2) قال رحمه الله : كما شهد به العظماء من فلاسفة الغرب، وإليك ما ذكره المسيو ماربين الألماني في كتابه «السياسة الإسلامية بعين لفظ المعرب قال من جملة كلام طويل : لا يشك صاحب الوجدان إذا دقق النظر في أوضاع ذلك العصر وكيفية نجاح بني أمية في مقاصدهم واستيلائهم على جميع طبقات الناس وتزلزل المسلمين انّ الحسين قد أحيا بقتله دين جده وقوانين الاسلام وان لم تقع تلك الواقعة ولم تظهر تلك الحسيّات الصادقة بين المسلين لأجل قتل الحسين ، لم يكن الاسلام على ما هو عليه الآن قطعاً بل كان من الممكن ضياع رسومه وقوانين حيث كان يومئذ حديث العهد، عزم الحسين انجاح هذا المقصد واعلان الثورة ضد بني أمية من يوم توفي والده ، فلما قام يزيد مقام معاوية خرج الحسي-ن م--ن المدينة وكان يظهر مقصده العالي ويبثّ روح الثورة في المراكز المهمة الاسلامية كمكة والعراق واينما حلّ فازداد - نفرة قلوب المسلمين التي هي مقدّمة الثورة من بني أُميّة ، ولم يكن يجهل يزيد مقاصد الحسين وكان يعلم ان الثورة إذا أعلنت في جهة والحسين قائدها مع تنفّر المسلمين عموماً من جومة بني أمية وميل القلوب وتوجه الأنظار إلى الحسين عمّت جميع البلاد وفي ذلك زوال ملكهم وسلطانهم فعزم يزيد قبل كلّ شيء من يوم بويع على قتل الحسين .

وأضحى المسلمون أمة من الأمم التالفة ، إذ لو بقي المنافقون على ما كانوا عليه من الظهور للعامة بالنيابة عن رسول الله والنصح لدينه صلّى الله عليه وآله، وهم أولياء السلطة المطلقة والإرادة المقدّسة لغرسوا من شجرة النفاق ما أرادوا وبتّوا من روح الزندقة ما شاؤوا وفعلوا بالدين ما توجبه عداواتهم له وارتكبوا من الشريعة كلّ أمر يقتضيه نفاقهم .

وأمّا وشيبة الحسين عليه السلام المخضوبة بدمه الطاهر ، لولا ما تحمّله سلام الله عليه في سبيل الله ما قامت لأهل البيت عليهم السلام - وهم حجج الله - قائمة ، ولا عرفهم - وهم أولوا الأمر - ممّن تأخر عنهم أحد ، لكنّه - بأبي وأمي - فضح المنافقين، وأسقطهم من أنظار العالمين، واستلفت الأبصار مصيبته إلى سائر مصائب أهل البيت ، واضطر الناس بحلول هذه القارعة إلى البحث عن اساسها ، وحملهم على التنقيب عن أسبابها، والفحص عن جذرها وبذرها واستنهض الهمم إلى حفظ مقام أهل البيت عليهم السلام ، وحرك الحمية على الانتصار لهم ، لأنّ

الطبيعة البشرية ، والجبلة الانسانية تنتصر للمظلومين وتنتقم بجهدها من الظالمين فاندفع المسلمون إلى موالاة أهل البيت عليهم السلام حتى كأنهم قد دخلوا - بعد فاجعة الطف - في دور جديد ، وظهرت الروحانية الاسلامية بأجلى مظاهرها وسطع نور أهل البيت عليهم السلام بعد أن كان محجوباً بسحائب ظلم الظالمين ، وانتبه الناس إلى نصوص الكتاب والسنّة فيهم عليهم السلام ، فهدى الله بها من هدى لدينه ، وضلّ عنها من عمى عن سبيله .

وكان الحسين - بأبي واُمّي - على يقين من ترتّب هذه الآثار الشريفة على قتله ، وانتهاب رحله ، وذبح أطفاله ، وسبي عياله ، بل لم يجد طريقاً لإرشاد الخلق إلى الأئمّة بالحق ، واستنقاذ الدين من أئمة المنافقين - الذين خفي مكرهم ، وعلا في نفوس العامة أمرهم إلا الاستسلام لتلك الرزايا ، والصبر على هاتيك البلايا ، وما قصد كربلاء إلا لتحمّل ذلك البلاء عهد معهود عن أخيه ، عن أبيه ، عن جده ، عن الله عزّ وجلّ ، ويرشدك إلى ذلك - مضافاً إلى أخبارنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة - دلائل أقواله ، وقرائن أفعاله ، فانّها نصٌ فيما قلناه ، وحسبك منها جوابه لأمّ سلمة إذ قالت له كما في البحار وجلاء العيون وغيرهما - : يا بني لا تحزني بخروجك الى العراق فإنّي سمعت جدّك صلى الله عليه وآله يقول : يقتل ولدى الحسين بأرض يقال لها كربلاء .

فقال لها : يا أماه وأنا والله أعلم ذلك ، وأنّي مقتول لا محالة ، وليس لي منه بدّ ، وقد شاء الله أن يراني مقتولاً ، ويرى حرمي مشرّدين وأطفالي مذبوحين (1)

وجوابه لأخيه عمر إذ قال له حين امتنع من البيعة ليزيد : حدثني أخوك أبو


1) تاريخ الطبري :5 : 189 ، دار السلام للنوري 1 : 102.

محمد ، عن أبيه ، ثمّ بكى حتى علا شهيقه ، فضمه الحسين إليه وقال -كما في الملهوف وغيره - : حدّثك أنّى مقتول .

قال : حوشیت یا ابن رسول الله .

فقال : بحق أبيك بقتلي خبّرك ؟

قال : نعم ، فلو بايعت .

فقال عليه السلام : حدّثني أبي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بقتله وقتلي ، وانّ تربتي تكون بقرب تربته ، أتظنّ أنّك علمت ما لم أعلم ؟ (1)

والرؤيا التي رآها في مسجد جده صلى الله عليه وآله حين ذهب ليودعه وقول النبي له فيها كما في أمالي الصدوق وغيره : بأبي أنت كأني أراك مرمّلاً - بدمك بين عصابة من هذه الأمّة ما لهم عند الله من خلاق (2)

وكتابه إلى بني هاشم لما فصل من المدينة ، وقوله فيه -كما في الملهوف نقلاً عن رسائل ثقة الاسلام - : من لحق بي استشهد ، ومن تخلف عنّي لم يبلغ الفتح (3)

وخطبته ليلة خروجه من مكّة (4)

والمك: النقض والهلاك، وسمّي البلد الحرام مكة لأنّها تنقض الذنوب وتنفيها، أو تمك من قصدها بالظلم، أي تهلكه. انظر: معجم البلدان 5: 181 - 188، مجمع البحرين 5: 289 .

، وقوله فيها كما في المهلوف وغيره :

1) المهلوف : 100 ، الأخبار الطوال : 29

2) أمالي الصدوق : 93 المجلس (30) .

3) المهلوف : 129، كامل الزيارات : 75 ، بصائر الدرجات : 141 .

4) ولها أسماء أخرى كثيرة منها أم القرى والنساسة، وأم رحم، وهي بيت الله الحرام .

كأنّى بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس (1)وكربلاء (2)إلى أن قال : - ألا ومن كان باذلاً فينا وهجته ، موطئاً على لقاء الله نفسه ، فليرحل معن-ا ف-اني راحل مصبحاً ان شاء الله تعالى .

وقوله كما في الملهوف وغيره : لولا تقارب الأشياء ، وهبوط الأجل (3)لقاتلتهم بهؤلاء (4)

انظر الملهوف : 125 - 126 .

، ، ولكنّي أعلم يقيناً أن من هناك مصرعي ومصرع أصحابي ، لا ينجو منهم إلا ولدي على (5)

وجوابه لأخيه محمد بن الحنفية إذ قال له كما في الملهوف وغيره : يا ،أخي ، ألم تعدني النظر فيما سألتك : ؟

قال : بلى ، ولكن أتاني رسول الله صلّى الله عليه وآله بعدما فارقتك ، فقال :

يا حسين، أخرج، فإن الله قد شاء أن يراك قتيلاً .

فقال ابن الحنفية : إنّا لله وإنا إليه راجعون ، فما معنى حملك هذه النسوة وأنت تخرج على مثل هذا الحال ؟


1) كانت مقبرة عامة للنصارى قبل الفتح الاسلامي، وتقع في أراضي ناحية الحسينية قرب نينوى. انظر تراث كربلاء: 19

2) المهلوف: 126 ، مقتل الخوارزمي 1 : 186 .

3) كذا في الأصل، وفي الملهوف وحضور الأجل، وفي بعض المصادر : وحبوط الأجر.

4) أي الملائكة. قال الواقدي وزرارة بن خلج لقينا الحسين بن علي عليه السلام قبل أن يخرج إلى العراق، بثلاثة فأخبرناه بضعف الناس بالكوفة ، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه ، فأومأ بيده نحو السماء، ففتحت أبواب السماء، فنزلت الملائكة عدداً لا يحصيهم إلا الله عزّ وجلّ، فقال عليه السلام: لولا تقارب الأشياء ....

5) الملهوف: 131، مقتل الخوارزمی 1 : 185

قال فقال له : قد قال لي : إنّ الله شاء أن يراهنّ سبايا . (1)

وجوابه لابن عبّاس وابن الزبير (2)

انظر تاريخ ابن الأثير 4 135 تاریخ الطبري : 202، تاریخ الخمیس 2 : 301

، إذ أشارا عليه بالإمساك فقال لهما كما

في المهلوف وغيره - : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أمرنى بأمر ، وأنا ماض فيه فخرج ابن عبّاس وهو يقول : واحسيناه . (3)

وجوابه لعبد الله بن جعفر (4)ويحيى بن سعيد إذ حاولا منه الرجوع فأبى وقال لهما كما في تاريخي ابن جرير وابن الأثير وغيرهما -: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام وأمرني ما أنا ماض له .

وقوله - في كلام له مع ابن الزبير : وأيم الله لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم ، ووالله ليعتدن كما اعتدت اليهود


1) المهلوف: 128 ، تاریخ الطبري :5 : 191 ، الكامل في التاريخ 4 : 7

2) أبو بكر عبدالله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، بويع له الخلافة سنة 64 ه عقيب موت يزيد بن معاوية، فحكم مصر والحجاز واليمن وخراسان والعراق وأكثر الشام، وجعل قاعدة ملكه المدينة، وكانت له مع الأمويين وقائع هائلة، سار لمحاربته الحجاج الثقفي في أيام عبد الملك بن مروان، فانتقل إلى مكة وعسكر الحجاج في الطائل، ونشبت بينهما حروب انتهت بمقتل ابن الزبير في مكة بعد أن خذله أصحابه وذلك سنة 73 ه- مدة خلافته 9 سنين .

3) الملهوف : 101 .

4) عبدالله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، صحابي، ولد بأرض الحبشة لمّا هاجر أبواه إليها، وهو أوّل من ولد بها من المسلمين، كان كريماً يسمّى بحر الجود ، وللشعراء فيه مدائح، وكان أحد الأمراء في جيش علي ي--وم صفين، توفي بالمدينة سنة 80ه- ؛ وقيل : غير ذلك . انظر : الإصابة ترجمة رقم 4582 فوات الوفيات 209:1

في السبت . (1)

وقوله في مقام آخر كما في كامل ابن الأثير وغيره - : والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من فرام المرأة ( يعني من خرقة الحيض.

وقوله لأبي هرّة [الأزدي] كما في تاريخ ابن جرير وغيره - : وأيم الله لتقتلنى الفئة الباغية (2)ورؤياه التي رآها لما ارتحل من قصر بني مقاتل (3)كما في تاريخ الطبري وغيره - فقال حين انتبه : انا لله وإنا إليه راجعون ، الحمد لله ربّ العالمين - مرّتين أو ثلاثاً ..

وقالوا : فاقبل عليه ابنه عليّ فقال : يا أبتاه ، جعلت فداك ممّا حمدت الله

واسترجعت ؟

فقال : يا بني ، خفقت برأسي فعنّ لي فارس ، فقال : القوم يسيرون والمنايا إليهم ، فعلمت أنها انفسنا نعيت إلينا ، فقال : يا أبت لا أراك الله سوءاً ، ألسنا على الحق ؟

قال : بلى ، والذي إليه مرجع العباد .

قال : إذاً لا نبالي نموت محقّين !


1) تاريخ الطبري 5 : 191 ، تاريخ ابن الأثير :6 74 .

2) تاريخ الطبري 5: 231 المهلوف : 132.

3) وهو مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس بن إبراهيم بن أيوب الذي نسب إلى قصر مقاتل وكان يقال بعد قصر ابن مقاتل، ويقولون: قصر بني مقاتل انظر: أنساب الأشراف 4: 515 .

فقال له : جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده (1)

وقوله لما اُخبر بقتل قيس بن مسهر الصيدواي (2)

ولما وافى الإمام الحسين الحاجز من بطن ذي الرمة ، كتب كتاباً لشيعته من أهل الكوفة يعلمهم بالقدوم اليهم ، ودفع الكتاب إلى البطل الفذ قيس بن مسهر الصيداوي ، حتى انتهى إلى القادسية فاستولت عليه مفرزة من الشرطة اقيمت هناك وعلى رأسها الحصين بن نمير وهو من قادة جيش الكوفة، وأسرع قيس إلى الكتاب فخرقه لئلا تطلع الشرطة على ما فيه. وأرسل مخفوراً إلى عبيد الله بن زياد، الذي لم ينجح في الحصول على الأسماء الواردة الكتاب .

ولما تناهى خبر استشهاده إلى الحسين استعبر باكياً وقال: «اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً عندك ، واجمع بيننا واياهم في مستقر رحمتك» . انظر : الارشاد للمفيد : 220 تاريخ الطبري :5 394 - 395 ، رجال الشيخ: 79 حياة الإمام الحسين 3 : 62 .

كما في تاريخ الطبري وغيره - فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً . (3)

إلى غير ذلك من أقواله الصريحة بانّه كان على يقين ممّا انتهت إليه حاله ، وأنّه ما خرج إلا ليبذل في سبيل الله نفسه وجميع ما ملكته يده ، ويضحي في احياء الله أولاده واخوته ، وأبناء أخيه ، وبني عمومته وخاصة أوليائه ، والعقائل الطاهرات من نسائه .

إذ لم ير السبط للدين الحنيف شفاً*** إلّا إذ دمه في نصره سفکا

وما سمعنا عليلاً لا علاج له *** إلّا بنفس مداويه إذا هلكا


1) أنساب الأشراف :5 290

2) قيس بن مسهر أسدي من عدنان كان من شجعان الكوفة ومن وجهاء قبيلة بني أسد ، وأحد مبعوثي الكوفة إلى الإمام الحسين سار مع مسلم بن عقيل من مكة إلى الكوفة ، وبعد مدة حمل كتاب مسلم وسار به إلى الحسين بمكة يخبره بمبايعة أهل الكوفة له.

3) تاريخ الطبري :5 488، اعلام الورى : 136 .

بقتله ناح للاسلام طيب هدى *** فكلّما ذكرته المسلمون ذكا

وصان ستر الهدى عن كلّ خائنة*** ستر الفواطم يوم الطف إذ هتكا نفسي الفداء لفاد شرع والده*** بنفسه وبأهليه وما ملكا

قد آثر الدين أن يحيى فقحمها*** حيث استقام القنا الخطي واشتبكا (1)على انّ الأمر الذي انتهت إليه حاله كان من الوضوح بمثابة لم تخف على أحد ، وقد نهاه عن ذلك الوجه (جهلاً بمقاصده السامية ) كثير من الناس ، وأشفقوا عليه وأنذروه بلؤم بني أمية وغدر أهل العراق .

فقال له أخوه محمد بن الحنفية كما في الملهوف وغيره : يا أخي ، إنّ - أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك ، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنّك أعزّ من فى الحرم وأمنعه . [فقال: يا أخي قد خفتُ أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يُستباح به حرمة هذا البيت .

فقال له ابن الحنفية : ] فان خفت فسر إلى اليمن أو بعض نواحي البرّ ، فإنّك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك [أحد].

فردّه الحسين عليه السلام برأفة ورفق ، وقال : أنظر فيما قلت . (2)

وأتاه ابن عبّاس فقال : يا ابن عمّ ، قد ارجف الناس انك سائر إلى العراق فبين لي ما أنت صانع ؟

قال : انّي قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين ان شاء الله تعالى .


1) هذه الأبيات من قصيدة للشريف الفاضل السيد جعفر الحلّي يرثي بها جدّه عليه السلام .

2) الملهوف: 128 .

فقال له ابن عبّاس كما في تاريخي الطبري وابن الاثير وغيرهما -: أعيذك بالله من ذلك، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم ؟ فان كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم وان كانوا انّما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم ، فانّهم أنّما دعوك إلى الحرب والقتال ، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ، وأن يستنفروا إليك ، فيكونون أشرّ الناس عليك.

فردّه الحسين عليه السلام ردّ رحمة وحنان فقال له : أستخير الله وانظر ما یکون.

فخرج ابن عبّاس ، ثمّ جاءه مرّة اُخرى فقال له كما في تاريخي الطبري وابن الاثير وغيرهما -: يا ابن عم أنّي أتصبر ولا أصبر ، إنِّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال ، انّ أهل العراق قوم غدر فلا تقربنّهم أقم بهذا البلد ، فانّك سيّد أهل الحجاز ، فان كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم ، فلينفوا عدوّهم ثمّ أقدم عليهم ، فان أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فانّ بها حصوناً وشعاباً ، ولأبيك بها شيعة ، فتكتب إلى الناس وتبت دعاتك ، فانّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية .

فقال له الحسين عليه السلام : يا ابن عم ، انّي لا علم والله انك ناصح مشفق ، ولكن قد أز معت وأجمعت على المسير .

ودخل عليه عمر بن عبد الرحمن المخزومي (1)فقال له كما في تاريخي الطبري وابن الاثير وغيرهما - : انّي مشفق عليك ، انك تأتي بلداً فیه عمّاله


1) عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. انظر ترجمته في تهذيب الكمال 14: 493 .

واّمراؤه ، ومعهم بيوت وأموال ، وانما الناس عبيد الدينار والدرهم ، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره.

فقال له الحسين عليه السلام : جزاك الله خيراً يا ابن عم ، فقد علمت انك مشيت بنصح وتكلّمت بعقل ، ومهما يقض من أمر يكن (1)

وكتب إليه عبد الله بن جعفر بعد خروجه من مكة كما في تاريخي الطبري وابن الاثير وغيرهما -: أما بعد ، فانّي أسألك بالله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا ، فانّي مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ، وإن هلكت اليوم طفىء نور الأرض ، فانّك علم المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسير فانّي في أثر كتابي والسلام (2)

وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد (وهو عامل يزيد يومئذٍ بمكة فقال له : اكتب للحسين كتاباً تجعل له الأمان فيه ، وتمنّيه فيه البر والصلة ، واسأله الرجوع، ففعل عمر و ذلك، وأرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد وعبدالله بن جعفر فلحقاه وقرأى عليه الكتاب ، وجهدا أن يرجع ، فلم يفعل . وقال له عبد الله بن مطيع إذ إجتمع به في الطريق على بعض مياه العرب - كما في تاريخ الطبري وغيره - اذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنتهك ، أنشدك الله في حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله ، أنشدك الله في حرمة العرب ، فوالله لأن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك ، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً .

والله إنّها لحرمة الاسلام تنتهك ، ورحمة قريش ، وحرمة ،العرب ، فلا تفعل ،


1) تاريخ الطبري 5: 382 ، تاریخ ابن الأثير 6: 238، مقتل الخوارزمي 1 : 197.

2) تاريخ الطبري 5 : 218 تاريخ ابن الأثير 6 321 .

ولا تأت الكوفة ، ولا تعرض لبنى أُميّة .(1)

قالوا : فأبى إلا أن يمضي إنجازاً لمقاصده السامية .

ولقيه أحد بني عكرمة ببطن العقبة كما في تاريخ الطبري وغيره فقال له : أنشدك الله لما انصرفت ، فوالله لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطأوا لك الأشياء ، فقدمت عليهم كان ذلك رأياً ، فأما على هذه الحال فانّي لا أرى لك أن تفعل ، فقال له : يا عبد الله انه ليس يخفي عليَّ ، الرأي ما رأيت ، ولكن الله لا يغلب على أمره (2)

ولقيه بعض بني تميم قريباً من القادسية كما في تاريخ الطبري وغيره -

فقال له : إرجع فانّي لم أدع لك خيراً ارجوه (3)

وكان قد لقيه الفرزدق بن غالب (4)الشاعر في الصفاح (5)كما في تاريخ الطبري وغيره - فقال له : قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بني أمية . (6)وما إلتقى بالطريق بأحد إلا إلتمسه على الرجوع إشفاقاً عليه من لؤم بني


1) الطبقات الكبرى 5 : 144 .

2) تاريخ الطبري 5: 246

3) تاريخ الطبري 5: 239

4) هو: همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي أبو فراس شاعر من النبلاء من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة، كان شريفاً في قومه، وكان أبوه من الأشراف الأجواد، وكذلك جده، توفي في بادية البصرة سنة 110 ه- وقد قارب المائة من عمره. انظر: خزانة الأدب 1: 105 - 108 ، جمهرة أشعار العرب: 163 .

5) اسم منزل فى شمال الطريق بين مكة وكربلاء، بين حنين وانصاب الحرم . ومعنى الصفاح الأرض المجاورة لسفح الجبل . انظر : الأمالي الخميسية 1: 166 .

6) تاريخ الطبري 5 : 218 ، الكامل لابن الأثير 4 : 16 ، تذكرة الحفاظ للذهبي 1 : 338 الأمالي الخميسية 1: 166 .

أميّة وغدر أهل العراق ، وما كان ليخفي عليه ما ظهر لأغلب الناس ، لكنه وهؤلاء كما قيل : - أنت بواد والعذول بوادي .

ما نزل - بأبي وأمي - منزلاً ولا ارتحل منه كما في الإرشاد وغيره ) (1)إلا ذكر يحيى بن زكريا وقتله .

وقال يوماً : من هوان الدنيا على الله إنّ رأس يحيى بن زكريا اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل (2)

وقد انتقم الله لدم يحيى ان سلّط على أولئك القوم «نبوخذ نصّر» فقتل منهم سبعين ألفاً، وأوحى الله تعالى إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله : انني قتلت في مقابل قتل يحيى ألفاً ، وسأقتل لقاء قتل ابن بنتك ضعف هذا العدد. ومثلما وضعوا رأس يحي-ى ف--ي الطشت ، ذبحوا الحسين بن علي أيضاً في كربلاء ، ولعلّ هذا التشابه هو الذي جعل الإمام الحسين يذكر يحيى بن زكريا في كلّ موضع يحلّ فيه أو يرحل عنه ، وقال في أحد الأيام انّ من هو ان الدنيا أن يهدى رأس النبي يحيى إلى بغي من بغايا بني اسرائيل .

انظر المناقب لابن شهر اشوب 3 : 253، بحار الأنوار 45 : 298 - 299 ، عوالم الإمام الحسين : 607 - 608 .

وهناك قصة طريفة يرويها صاحب تفسير البرهان في شرحه للحروف القرآنية المقطعة في أول سورة مريم (كهيعص) فيقول: أنّ هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع عليها عبده زكريا ثم قصها على محمد عليه و آله السلام. وذلك ان زكريا سأل ربه أن يعلمه أسماء الخمسة فأهبط عليه جبرائيل فعلمه إياها، فكان زكريا إذا ذكر محمداً وعلياً وفاطمة والحسن عليهم السلام سري عنه همه و انجلى كربه، وإذا ذكر اسم الحسين خنقته العبرة، فسأل الله عن سبب ذلك فأخبره القصة فقال: كهيعص؛ فالكاف اسم كربلاء، والهاء هلاك العترة الطاهرة، والياء يزيد وهو ظالم الحسين، والعين عطشه والصاد صبره ، فلمّا زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام وأقبل على البكاء والنحيب. وكان يدعو ربه أن يرزقه ولد تقر به عينه على الكبر ، وأن يفتنه بحبّه ، ثمّ يفجعه به كما فجع محمداً بولده، فرزقه الله وفجعه به ، وكان حمله مثل الحسين ستة أشهر . انظر : تفسير البرهان 3 : 3


1) الارشاد: 131، المناقب لابن شهراشوب 3 : 253، بحار الأنوار 45 : 298 - 299 عوالم الإمام الحسين : 607 - 608 ، تاريخ الطبري 5 : 230 .

2) (2) ثمّة أوجه شبه بين شهادة الإمام الحسين عليه السلام وشهادة بعض الأنبياء ، ومن جملة ذلك الشبه بين مقتله ومقتل النبي يحيى بن زكريا عليهما السلام، فرأس يحيى قد وضع في طشت من الذهب وأرسل إلى امرأة بغي وكذلك رأس الإمام الحسين عليه السلام ارسل بعد مقتله إلى ابن زياد وإلى يزيد بطشت من ذهب .

فهل تراه أراد بهذا غير الإشارة إلى أنّ سبيله في هذا الوجه إنما هو سبيل يحيى عليه السلام ؟

وأخبره الأسديان (1)وهو نازل في الثعلبية (2)

وفي هذا الموضع لقي الإمام الحسين عليه السلام الطرماح ودعاه إلى الانضمام إليه، فذهب الرجل ليوصل بضاعته إلى عائلته لكنّه لمّا عاد كان الحسين عليه السلام قد قُتِل، وفيه أيضاً أتاه رجل نصراني مع أمه واسلما على يده ، وفيه كذلك بلغه خبر شهادة مسلم بن عقيل عليه السلام . انظر : مقتل الحسين للمقرّم : 211 .

- كما في تاريخ الطبري وغيره بقتل مسلم بن عقيل (3)، وهاني بن عروة (4)

يا لك حرباً حثها جمالها *** يقودها لنقصها ضلالها

هذا علىٌ حوله أقبالها

كان من أركان حركة حجر بن عدي الكندي ضد زياد بن أبيه، قتله عبيد الله بن زياد في اليوم الثامن من ذي الحجة سنة 60 ه- وبعث برأسه مع رأس مسلم إلى يزيد .

:انظر رغبة الآمل ،2 86 جمهرة الأنساب: 382، الأعلام 8: 68 .

، وأنهما يجرّان بأرجلهما في الأسواق

1) وهما : عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل ، وقد قالا له : أنّه ليس لك بالكوفة ناصر، بل هم عليك . انظر : الكامل في التاريخ لابن الأثير 4 : 16 .

2) الثعلبية - بفتح أوله - من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيميّة، و ثلثا الطريق، وأسفل منها ماء يقال له الضُّويحة على ميل منها مشرف، وإنّما سمّيت بالثعلبية لإقامة ثعلبة بن عمرو بها ؛ وقيل : سمّيت بثعلبة بن دودان بن أسد وهو أول من حفرها ونزلها . انظر: معجم البلدان 2: 78

3) مسلم بن عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، تابعي من ذوي الرأي والعلم والشجاعة، أمّه أمّ ولد اشتراها عقيل من الشام، وج-ه ب-ه الإمام الحسين عليه السلام إلى الكوفة ليأخذ له البيعة على أهلها، فخرج من مكة في منتصف شهر رمضان سنة 60 ه- ، و ودخل الكوفة في اليوم السادس من شهر شوال، وهو أوّل من استشهد من أصحاب الحسين عليه السلام انظر: مقاتل الطالبيين: 80، الطبقات الكبرى 4 29 ، تسمية من قتل مع الحسين (51 ، الأخبار الطوال: 233 تاريخ الكوفة: 59

4) هاني بن عروة المذحجي المرادي الغطيفي: كان صحابياً كأبيه عروة، وكان معمراً، وهووأبوه من وجوه الشيعة، وحضر مع أمير المؤمنين عليه السلام حروبه الثلاث وهو القائل يوم الجمل:

بلا نكير ، فهل يمكن بعد هذا أن يبقى له أمل بنصرة أهل الكوفة ، أو طمع في شيء من خيرهم !

والله ما جاءهم إلا يائساً منهم ، عالماً بكل ما كان منهم عليه . (1)

وقد كتب وهو نازل بزبالة (2)

وفي هذا الموضع سمع الإمام الحسين بخبر شهادة عبدالله بن يقطر مبعوثه إلى أهل الكوفة وإلى مسلم بن عقيل ، وقد استشهد بالتزامن مع شهادة مسلم وهانىء. انظر : مقتل الحسين للمقرّم : 213 ، الحسين في طريقه إلى الشهادة : 87

كتاباً قرىء بأمره على الناس ، وفيه :

بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ؛ فانّه قد أتانا خبر فضيع : قُتل مسلم بن عقيل ، وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر (3)

قبض عليه وهو يحمل رسالة من الحسين بعد خروجه من مكة إلى مسلم بن عقيل، فأمر به عبیدالله ابن زياد فالقي من فوق القصر فتكسرت عظامه وبقي فيه رمق فاجهز عليه عبدالملك بن عمير اللخمي . انظر : أنصار الحسين : 106، تاريخ الطبري 3 359، الاصابة 3 ، وفيه عبدالله بن يقظة .

، وقد خذلتنا شيعتنا ، فمن أحبّ منكم

1) المهلوف : 134 ، الكامل لابن الأثير 4 : 17 .

2) زبالة - بضمّ أوّله - : منزل معروف بطريق مكة من الكوفة ، نزل فيه الحسين عليه السلام. - وزبالة معناه الموضع الذي يجتمع فيه الماء، والموضع المليء بالماء ؛ وقيل : اشتهر الموضع باسم زبالة بنت مسعر ، وكانت زبالة قرية عامرة بها أسواق بين واقصة والثعلبية تسكنها بطون من بني أسد ، وقد بنوا فيه مسجد وقلعة . وقال أبو عبيدة السكوني زبالة بعد القاع من الكوفة وقبل الشقوق فيها حصن وجامع لبني غاضرة من بني أسد. انظر: معجم البلدان 3 129

3) وقيل : عبدالله بن بقطر ، كانت أمّه حاضنة للحسين وكان قد ولد قبل الحسين بثلاثة أيام، كان أبوه يقطر خادماً للرسول صلى الله عليه وآله ، وأمه ميمونة أرضعته سوية هو والحسين في دار علي عليه السلام، وهو من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله .

الانصراف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام (1)

قال محمد بن جرير الطبري - في تاريخ الأمم والملوك - : فتفرق الناس تفرّقاً ، فأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقى فى أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة .

قال : وإنّما فعل ذلك لأنه ظنّ إنّما اتبعه الأعراب لأنهم ظنوا انه يأتى بلداً قد استقامت له طاعة أهله ، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون ، قال : وقد علم أنّهم إذا بين لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموت معه (2)

وذكر أهل الأخبار : إن الطرماح بن عدي (3)

يا ناقتي لاتذعري من زجري *** وشمّري بنا قبل طلوع الفجر

بخير ركبان و خير سفر *** متی تجلّى بكريم النجر

أتى به الله بخير أمر *** ثمّت أبقاه بقاء الدهر

واستأذن الطرماح من الإمام أن يمضي لأهله ليوصل إليهم الميرة ويعود إلى نصرته ، فأذن له ، فانصرف، وعندما رجع ووصل الى عذيب الهجانات بلغه مقتل الامام، فأخذ يبكي على ما فاته من شرف الشهادة مع الحسين . انظر : أنساب الأشراف ( ترجمة الإمام الحسين عليه السلام.178

لمّا اجتمع به في عذيب

1) الحسين في طريقه إلى الشهادة : 87 .

2) تاريخ الطبري 5 247 .

3) التحق الطرماح بن عدي بالامام في اثناء الطريق ، وصحبه بعض الوقت ، و ولمّا سأل الحسين أصحابه ان كان أحد فيهم يخبر الطريق على غير الجادة ، انبرى له الطرماح بن عدي، فقال له : أنا اخبر الطريق، وسار بين أيديهم الى كربلاء، وأخذ يحدو الابل بقصيدة مطلعها :

الهجانات (1)

في هذا المنزل لقى أبو عبد الله عليه السلام أربعة رجال قادمين من الكوفة وفيهم نافع بن هلال وبعد ان كلّمهم الإمام انضموا إليه وقاتلوا معه، وعند حركة قافلة الإمام تحرك الحرّ بجيشه أيضاً ، وفي الاثناء أتى كتاب ابن زياد إلى الحرّ يدعوه فيه للتضييق على الحسين فعمل الحر على منع القافلة من المسير .

دنا منه فقال له كما في تاريخ الطبري وغيره : والله اني لأنظر فما أرى معك أحداً ، ولو لم يقاتلك إلّا هؤلاء الذين أراهم ملازميك - يعني الحرّ (2)

انظر تاريخ الطبري 5 422 رجال الشيخ: 73، البداية والنهاية 8: 172، الأعلام 2: 172، أنصار الحسين: 84 - 85 .

وأصحابه - لكان كفى بهم ، وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر - الكوفة ، وفيه من الناس ما لم تر عيناي في صعيد واحد جمعاً أكثر منه ، فسألت عنهم فقيل : اجتمعوا ليعرضوا ثمّ يسرحوا إلى حرب الحسين ، فانشدك الله إن قدرت أن لا تقدم عليهم شبراً إلا فعلت، فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع ، فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذي

1) اسم لأحد المنازل قرب الكوفة مرّ به سيّد الشهداء، وسمّي بالعذيب لما كان فيه من الماء العذب، وهو لبنى تميم وهو قريب من عذيب القوادس، وعذيب القوادس ماء بين القادسية والمغيثة ، بينه وبين القادسية أربعة أميال، وكان فيه ماء وبئر وبركة ودور وقصر ومسجد، وكانت فيه مسلحة للفرس. (معجم البلدان (4 92 .

2) الحرّ بن يزيد بن ناجية بن سعيد من بني رياح بن يربوع من الشخصيات البارزة في الكوفة، قائد من أشراف تميم، أحد أمراء الجيش الأموي في كربلاء، وكان يقود ربع تميم وهمدان، التقى مع الحسين عليه السلام عند جبل ذي حسم تاب قبل نشوب المعركة لما أُقبلت خيل الكوفة تريد قتل الحسين وأصحابه وأبى أن يكون منهم، فانصرف إلى الحسين، فقاتل بين يديه قتالاً عجيباً حتى استشهد.

يدعى (أجأ) (1)امتنعنا والله به من ملوك غسان وحمير ، ومن النعمان بن المنذر ، ومن الأسود والأحمر ، والله ما دخل علينا فيه ذلّ قط ، فاسير معك حتى أنزلك القرية ، ثمّ نبعث إلى الرجال ممن ب- (أجأ) و (سَلمى) من طيء ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى تأتيك طيء رجالاً وركباناً ، ثمّ أقم فينا ما بدا لك ، فان هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم ، والله لا يوصل إليك أبداً ومنهم عين تطرف.

فقال له : جزاك الله وقومك خيراً ، وأبى أن ينصرف عن مقصده .

وأنت تعلم أنّه لو كان له رغبة في غلبة ، أو ميل إلى سلطان ، لكان لكلام الطرماح وقع في نفسه عليه السلام ، ولظهر منه الميل إلى ما عرضه عليه ، لكنّه - بأبى وأُمّي - أبى إلا الفوز بالشهادة ، والموت في احياء دين الاسلام ، وقد صرّح بذلك فيها تمثل به ، إذ قال له الحر : اذكرك الله في نفسك ، فانّي أشهد لئن قاتلت لتقتلن.

فقال عليه السلام كما في تاريخ الطبري وغيره (2):

سأمضي وما بالموت عار على الفتى*** اذا ما نوى حقاً وجاهد مسلماً و واسى الرجال الصالحين بنفسه *** وفارق مثبوراً وخالف مُجرماً وحسبك في إثبات علمه من أوّل الأمر بما انتهت إليه حال ما سمعته من إخبار النبي صلى الله عليه وآله بقتله في شاطىء الفرات بموضع يقال له : كربلاء وبكائه عليه ، ونداء أمير المؤمنين عليه السلام لمّا حاذى نينوى وهو منصرف إلى


1) قال الزمخشري : أجأ وسلمى جبلان ... و«أجأ » سمّي باسم رجل وسمّي «سلمى» باسم امرأة، وقد تغنّى الشعراء بقصّة حبّهما. (معجم البلدان (1 : 94 - 99) .

2) تاريخ الطبري: 5: 238. تاریخ ابن الأثير 6: 213

صفين : صبراً أبا عبدالله ، صبراً أبا عبدالله بشاطىء الفرات (1)

وقوله إذ مرّ بكربلاء : هاهنا مناخ ركابهم، وهاهنا موضع رحالهم ، وها هنا مهراق دمائهم .

وقول الحسين عليه السلام لأخيه عمر : حدثني أبي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بقتله وقتلى ، وإن تربتي تكون بقرب تربته.

وقول الحسن للحسين عليهما السلام كما في أمالي الصدوق وغيرهما - من جملة كلام كان بينهما : ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل ، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك ، وانتهاب ثقلك ، فعندها يحلّ الله ببنى أُميّة اللعنة (2)

إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على ان قتل الحسين عليه السلام كان معروفاً عند أهل البيت منذ أخبر الله به نبيه صلى الله عليه وآله ، بل صريح أخبارنا ان ذلك مما أوحى إلى الأنبياء السابقين ، وقد سمعت ما أشرنا إليه من بكائهم عليهم السلام ، ويظهر من بعض الأخبار انّ قتل الحسين عليه السلام كان معروفاً عند جملة من الصحابة والتابعين حتى أنّهم ليعلمون ان قاتله عمر بن سعد.

وحسبك ما نقله ابن الأثير حيث ذكر مقتل عمر بن سعد في كامله عن عبدالله بن شريك قال : ادرك أصحاب الأردية المعلمة ، وأصحاب البرانس السود من أصحاب السواري إذا مرّ بهم عمر بن سعد ، قالوا : هذا قاتل الحسين عليه السلام ، وذلك قبل أن يقتله.

قال : وقال ابن سيرين : قال على لعمر بن سعد : كيف أنت إذا قمت مقاماً


1) الصواعق المحرقة : 193.

2) أمالي الطوسي 1 : 323.

تخيّر فيه بين الجنة والنار ، فتختار النار . (1)

أترى الحسين عليه السلام كان جاهلاً بما عليه أصحاب السواري ؟

كلاً ، والله ما علم أصحاب البرانس السود ذلك إلا منه ، أو من أخيه ، أو من جده ، أو من أبيه .

وقد أطلنا الكلام في هذا المقام ، إذ لم نجد من وفاه حقه ، وخرج من عهده التكليف بإيضاحه ، والحمد لله على التوفيق لتحرير هذه المسألة ، وتقرير شواهدها وأدلّتها على وجه تركن النفس إليه ، ولا يجد المنصف بداً من البناء عليه ، بل لا أظن أحداً يقف على ما تلوناه، ثمّ يرتاب فيما قررناه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


1) تاريخ ابن الأثير :6 316 ، الطبقات 5: 125 الأعلام 5: 47 .

المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة

اشارة

التعريف الكتاب

الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على خاتم رسله ، وأهدى سبله ، محمّد سيد الأنبياء ، وأفضل من أقلته الأرض ومن عرج به إلى السماء، وعلي آله المعصومين المظلومين، الذين افترض الله تعالى مودتهم وولايتهم وسلم تسليماً كثيراً .

وبعد : فيقول العبد الجاني علي بن إسماعيل بن جواد بن إسماعيل بن محمد بن محمد بن إبراهيم - الملقب بشرف الدين - الموسوي العاملي غفر الله ذنوبه ، وستر عيوبه : انّ سيّدنا ومولانا سماحة الامام وآية الله الملك العلّام السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي رفع الله درجته كان قد ألف سنة 1330 هکتاب «المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة ، فجعله عبارة عن مقدمة وأربعة أجزاء في مجلدات أربعة وفي سنة 1332ه- شرع في طبعه ، فما تم طبع المقدّمة حتى طرقت العالمين طوارق الحرب العامة (1)فمنعت من إكمال الطبع . وفي سنة 1338 ه- مُني قدس الله سرّه في سبيل الله بما مُني به أجداده الطاهرون ، فشرّد في الله عزّ وجلّ، ونُهبت داره ، وتمزقت - بعين الله تعالى كتبه كلّ ممزّق ، فكان هذا الكتاب ممّا أُصيبت الأمة بفقده يومئذ.

وكان المجلد الأوّل منه : في هدي النبي وسيرته صلى الله عليه وآله منذ نشأ


1) أي الحرب العالمية الاولى والتي اندلعت سنة 1917م.

حتى اختار الله له دار كرامته ، وقد تتبّع خصائصه المقدّسة قبل البعثة وبعدها، فمثلها أعلاماً لنبوّته ، وآيات بينات على صدق ،دعوته ، فكانت شؤونه بمجرّدها أدلّ على رسالته من سائر معجزاته الباهرة ، وآياته الظاهرة ، وقد أقام قدّس سرّه أفعال النبيّ وأقواله صلى الله عليه وآله أدلّة محسوسة ، وبراهين ملموسة ، على طرز حديث، واسلوب جديد، يألفه فلاسفة العصر ولا يسعهم أن يقفوا أمامه إلا موقف التسليم طوعاً أو كرهاً .

المجلد الثاني : في أحوال أمير المؤمنين ، وسيّدة نساء العالمين ومجتباهما أبي محمد السبط الأكبر سيّد شباب أهل الجنّة ، وقد اشتمل على سيرتهم ومناقبهم وفضائلهم ، وقد أوردها - أعلى الله مقامه - على وجه الاستدلال على عصمتهم وإمامتهم عليهم السلام .

المجلّد الثالث : خاص بسيّد الشهداء أرواحنا له الفداء .

المجلّد الرابع : في التسعة من أبنائه المعصومين عليهم السلام ، وقد اشتمل : على ما لم يأت به أحد من الاستدلال على إمامة التسعة بمجرّد هديهم وسمتهم ، وأفعالهم وأقوالهم ، وقد أبرز أسراراً مكنونة ، وحكماً في أفعالهم بالغة .

وتخلص في كلّ مجلس من مجالس الأجزاء الأربعة إلى مصائب أهل البيت عليهم السلام الدالة على جلالة قدرهم ، وعظيم صبرهم ، فأسفاً على فقد هذا الكتاب الذي لم يبق منه إلا مقدّمته المطبوعة كرسالة على حدة ، وهي في بابها ممّا لا نظير له ، وقد أثبت فيها بالأدلة الشرعية، والفلسفة العقلية، حسن المآتم الإمامية ، والمظاهرات الحسينية، بما لم يسبق إليه ، ولا يلحق فيه . وقد التقطت من أفواه قرّاء المآتم بعض المجالس المحفوظة، وهي غير مرتبة ، ولا واقعة في مواقعها التي أوقعها فيها المؤلّف أعلى الله مقامه

وجمعتها في حياته قدّس الله نفسه الزكية، وقرأتها عليه من أوّلها حتى انتهائها ، فأقرها ، وحبّذ عملى هذا وباركه.

وإنّا خسرنا كما خسرت الأمّة الاسلامية قائداً حكيماً ، ومصلحاً عظيماً ، وبطلاً معلماً من أبطال الفكر والقلم ، والعلم والعمل، والإصلاح والبناء ، تغمده الله برحمته ورضوانه ، وأسكنه الفسيح من جنانه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وكان أعلى الله مقامه قد ألقى نظرة على المقدّمة، ورتبها بعض الترتيب وحوّرها مجالس نثبتها كما هي بلا نقيصة ولا زيارة .

مقدمة الكتاب

(1) الأصل العملي يقتضي إباحة البكاء على مطلق الموتي من المؤمنين ، ورثائهم بالقريض ، وتلاوة مناقبهم ومصائبهم ، والجلوس حزناً عليهم ، والانفاق عنهم في وجوه البر ، ولا دليل على خلاف هذا الأصل ، بل السيرة القطعية ، والأدلّة اللفظية حاكمان بمقتضاه ، بل يستفاد من بعضها استحباب هذه الأمور إذا كان الميت من أهل المزايا والآثار النافعة، وفقاً لقواعد المدنية ، وعملاً بأصول العمران ، لأنّ تمييز المصلحين يكون سبباً في تنشيط أمثالهم ، واداء حقوقهم يكون داعياً إلى كثرة الناسجين على منوالهم ، وتلاوة أخبارهم ترشد العالمين إلى اقتفاء آثارهم، وذكرى ما أصاب الائمة في سبيل مصالح الأمة ، تبعث فيها إلى روح الايمان والهدى، وتأخذ بأعناقها وقلوبها إليهم ، وإن طال العهد وبعد المدى ..... وهنا مطالب خمسة :

الأول : في البكاء.

الثاني : في الرثاء.

الثالث : فى تلاوة مناقب الميّت ومصائبه.

الرابع : في الجلوس حزناً عليه .

الخامس : في الانفاق عنه في وجوه البر .


1) ذكرت هذه المقدمة بالتفصيل في «المقدّمة الزاهرة التي تجدها في أول كتابنا هذا، وقمنا هناك بذكر مصادر جميع الروايات التي وردت فيها ، ولذا سوف لا نعيد تخريج الروايات هنا إلا تلك التي لم تذكر في «المقدمة الزاهرة». المحقق.

وهذه المطالب الخمسة هي كلّ ما تقوم به الشيعة في مجالسها الحسينية . ونحن في هذه المقدّمة تثبت استحبابها شرعاً ، وإنا مقتدون فيها بأهل بيت العصمة ، ومعدن الهدى والرحمة ، وانّ الحكم فيها بين الرجال والنساء سواء ، وانّ الفلسفة الصحيحة تقتضي رجحان هذه المآتم عقلاً، وتفصيل ذلك كله في مجالس .

المجلس الأوّل : في البكاء

لاريب في جواز البكاء على موتى المؤمنين ، بدليل فعل النبي صلى الله علیه وآله .

أما فعله فمتواتر في موارد عديدة :

أحدها : يوم مات عمه وكافله أبوطالب . (1)

ثانيها : يوم استشهد عمّه الحمزة في أحد . (2)

وسائر من أرّخ مقتل حمزة في غزوة اُحد ، وترى ندبة النّبي ونياحته هذه قد عدد فيها محاسن عمّه بما يهيج الحزن واللوعة عليه .

وقال ابن عبد البر في ترجمة حمزة من الاستيعاب : لما رأى النبي صلى الله عليه وآله حمزة قتيلاً بكى ، فلما رأى ما مثل به شهق . وذكر المؤرخون : انّ النبي صلّى الله عليه وآله كان يومئذ إذا بكت صفية يبكي ، وإذا نشجت ينشج ، قالوا : وجعلت فاطمة تبكي ، فلما بكت بكى رسول الله.

وهذا الحديث حجّة من جهة جواز البكاء من جهة أنّه بكى صلى الله عليه وآله ، ومن جهة أنّه أقرّ صفيّة والزهراء على بكائهما ، على ان مجرّد بكاء سيدة النساء حجّة قاطعة.


1) قال الله :... روي عن عليّ عليه السلام قال : لما مات أبو طالب أخبرت النبي صلى الله عليه و آله بموته ، فبكى وقال : اذهب فاغسله وكفنه وواره ، غفر الله له

2) قال رحمه الله : فعن ابن مسعود : ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله باكياً أشد من بكائه على حمزة ، وضعه في القبلة ، ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشق - أي شهق حتى بلغ الغشى - يقول : يا عم رسول الله ، يا حمزة ، يا أسد الله ، وأسد رسول الله ، يا حمزة ، يا فاعل الخيرات ، يا حمزة ، يا كاشف الكربات ، يا ذاب عن وجه رسول الله ... إلى آخر نياحته وندبته ... (انظر : السيرة الحلبية 1 : 461 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 387) .

ثالثها : يوم استشهد ابن عمه جعفر، وزيد بن حارثة ، وعبد الله بن رواحة في مؤتة . (1)

وأخرج البخاري في أبواب الجنائز من صحيحه : أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم نعى جعفراً وزيداً وابن رواحة وان عينيه لتذرفان .

رابعها يوم مات ولده إبراهيم إذ بكى عليه . فقال له عبد الرحمن بن عوف : وأنت يا رسول الله !

قال : يا بن عوف ، أنها رحمة (2)ثم اتبعها - يعني عبرة - بأخرى فقال صلّى الله عليه وآله : انّ العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون .

خامسها يوم زار صلّى الله عليه وآله قبر اُمّه آمنة ، فبكى وأبكي من


1) قال رحمه الله : ذكر ابن عبد البر في أحوال جعفر من استيعابه : أنّ النبي صلى الله عليه وآله بكي على جعفر وزيد وقال - يندبهما - : أخواي ومؤنساي ومحدّثاي .

2) قال له : أخرجه البخاري في باب قول النبي صلى الله عليه وآله : إنا بك لمحزونون ، من أبواب الجنائز ... ولا يخفى ما في تسميتها رحمة من الدلالة على حسن البكاء ، وأراد بقوله انّ العين تدمع ... إلى آخره: أن لا إثم بدمع العين وحزن القلب ، وأنّما الاثم بقول ما يسخط الربّ ، كالاعتراض عليه عزّ وجل.

حوله (1)

أقول : روى الشيخ الطبرسي في اعلام الورى بأعلام الهدى بإسناده عن بريدة قال : انتهى النبي صلى الله عليه وآله إلى رسم قبر فجلس وجلس الناس حوله ، فجعل يحرّك رأسه كالمخاطب ، ثم بكى ، فقيل : ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال : هذا قبر آمنة بنت وهب ، استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي فأدركتني رقتها فبكيت ، فما رأيت ساعة أكثر باكياً من تلك الساعة .

فانظر - عزيزي القارى - بكاء رسول الله صلى الله عليه وآله على أمّه وإقامته المأتم عليها بعد عشرات من السنين ، حتى بكى وأبكى أصحابه ، وهي باعتقاد أهل السنة كافرة ، لهذا روى مسلم هذا الحديث : استأذنت ربّي في أن استغفر لها ، فلم يأذن لي ؟!

انظر : اعلام الوری : 316 ، ارشاد الساري - الهامش - 4 : 325 ، كتاب الجنائز .

سادسها يوم ماتت احدى بناته صلى الله عليه وآله ، إذ جلس على قبرها وعيناه تدمعان.

سابعها : يوم مات صبي لأحدى بناته إذ فاضت عيناه يومئذ ، فقال سعد : ما هذا يا رسول الله ؟

قال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وانما يرحم الله من عباده الرحماء . (2)

ثامنها : يوم اشتكى سعد بن عبادة فأتاه النبي صلّى الله عليه وآله ومعه بعض أصحابه ، فوجده في غاشية أهله ، فقال صلّى الله عليه و آله : قد قضى ؟

قالوا : لا يا رسول الله ، فبكى النبي صلّى الله عليه وآله ، فلما رأى القوم


1) قال الله : وهذا الحديث يشتمل على فعله وتقريره صلّى الله عليه وآله ، فهو حجّة من جهتين .

2) قال له : تأمل في قوله صلى الله عليه وآله : هذه رحمة ، وقوله صلّى الله عليه وآله : وانّما يرحم الله من عباده الرحماء ، يتضح لك استحباب البكاء .

بكاءه بكوا، فقال صلّى الله عليه وآله : ان الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ... الحديث (1)

والصحاح الدالة على بكائه على الموتى ممّا لا يكاد يحص.

وأما قوله صلّى الله عليه وآله وتقريره الدالان على جوازالبكا فمستفیضان ومواردهما كثيرة .

احدها يوم استشهد جعفر الطيار ، إذ جاءت النبي صلى الله عليه وآله امرأته أسماء بنت عميس فعزّاها ، ودخلت فاطمة عليها السلام وهي تبكي و تقول : واعماه .

فقال النبي صلى الله عليه وآله : على مثل جعفر فلتبك البواكي. (2)ثانيها : يوم رجع رسول الله صلى الله عليه و آله من أحد ، وجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من رجالهن.

فقال - بعد أن أقرهنّ على البكاء : ولكن حمزة لا بواكي له ، ثم نام فانتبه وهن يبكين حمزة فهن إلى اليوم إذا بكين يندبن حمزة (3)

وأما ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم من ان الميت يعذب ببكاء أهله عليه. وفي رواية : ببعض بكاء أهله عليه . وفي رواية : ببكاء الحيّ . وفي رواية : يعذب في قبره بما ينح عليه . وفي رواية : من يبك عليه يعذب . فانّه خطأ من الراوي بحكم العقل والنقل .

قال الفاضل النووي - عند ذكر هذه الروايات في باب الميت - ما هذا لفظه : هذه الروايات كلّها من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله.

[قال :] وأنكرت عائشة عليهما ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه، واحتجت بقوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى إلى آخر كلامه .

وأنكر هذه الروايات أيضاً ابن عبّاس واحتج على خطأ راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما ، وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض حتى أخرج الطبري في حوادث سنة 13 من تاريخه عند ذكر وفاة أبي بكر في الجزء الرابع من تاريخه بالإسناد إلى سعيد بن المسيب قال : لمّا توفّي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح ، فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهن عن البكاء على أبي بكر ، فأبين أن ينتهين ، وقال عمر لهشام بن الوليد : ادخل فأخرج إليَّ ابنة أبي قحافة . فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر : أنّي أحرج عليك بيتي . فقال عمر لهشام : ادخل فقد أذنت لك ، فدخل هشام وأخرج أمّ فروة أخت أبي بكر إلى عمر فعلاها بالدرّة ، فضربها ضربات ، فتفرق النوح حين سمعوا ذلك.

قلت : كأنّه لم يعلم تقرير النبي صلى الله عليه وآله نساء الأنصار على البكاء على موتاهنّ ، ولم يبلغه قوله صلى الله عليه وآله : لكن حمزة لا بواكي له ، وقوله صلّى الله عليه : على مثل جعفر فلتبك البواكي»، وقوله صلى الله عليه وآله : «إنّما يرحم الله من وآله عباده الرحماء».

ولعله نسي نهي النبي صلى الله عليه وآله اياه عن ضرب البواكي يوم ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، ونسي نهيه إياه عن انتهار هن في مقام آخر.


1) قال رحمه الله: وهذا الحديث حجّة من ثلاث جهات ؛ فعل النبي صلى الله عليه وآله وقوله و تقريره .

2) قال رحمه الله: هذا الحديث مستفيض وطرقه صحيحة ، وقد ذكره ابن عبد البر في ترجمة جعفر من الاستيعاب ، وهو مشتمل على تقرير النبي صلى الله عليه وآله على البكاء وأمره به ، على أنّ مجرّد بكاء الزهراء حجّة بالغة .

3) قال رحمه الله: ولا تنس كلمة النبي صلّى الله عليه وآله في طلب البكاء على حمزة وما فيها الدلالة على الاستحباب ، وحسبك بها ، وبقوله : على مثل جعفر فلتبك البواكى دليلاً على ذلك ...

ثالثها: يوم ماتت رقية بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله حيث بكت عليها النساء فجعل عمر يضربهنّ بسوطه - مع ان النبي صلى الله عليه وآله أقرّهنّ على البكاء ، فقال صلّى الله عليه وآله : دعهن يبكين .

ثمّ قال صلّى الله عليه وآله : مهما يكن من القلب والعين فمن الله والرحمة ... وقعد صلّى الله عليه وآله على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي

فجعل صلّى الله عليه وآله يمسح دمعها بثوبه رحمة لها.

رابعها يوم مرّت جنازة على رسول الله صلّى الله عليه وآله ومعها بواکی فنهرهنّ عمر ، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله : دعهنّ يا عمر ، فان النفس مصابة والعين دامعة .

إلى غير ذلك ممّا لا يسعنا استيفاؤه ....

وقد بكي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، إذ غيّب الله ولده .

وقال: ﴿وَقَالَ يَا أَسَفًا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (1)قيل : ما جفت عيناه من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً ، وما على وجه الأرض أكرم على الله تعالى منه .....

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله : أنه سأله جبرائيل عليه السلام ما بلغ وجد يعقوب على يوسف ؟

قال : وجد سبعين ثكلى .

قال : فما كان له من الأجر ؟

قال : أجر مائة شهيد.

أقول : أي عاقل يرغب عن مذهبنا في البكاء : بعد ثبوته عن الأنبياء ﴿وَمَنْ يَرْغَبْ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (2)، وقد استمرّت سيرة الائمة على الندب والعويل ، وأمروا أولياءهم بإقامة مآتم الحزن على الحسين جيلاً بعد جيل.

قال الصادق عليه السلام : إنّ علي بن الحسين عليهما السلام بكى على أبيه


1) سورة يوسف : 84 .

2) سورة البقرة : 130 .

مدة حياته ، وما وضع بين يديه طعام إلّا بكى ولا أوتي بشراب إلّا بكى ، حتى قال له بعض مواليه : جعلت فداك يا بن رسول الله ، إنّي اخاف أن تكون من الهالكين.

قال عليه السلام : (إِنَّمَا أَشْكُو بَنّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهَ مَا لَا تَعْلَمُون) (1)(2)

وفي رواية اّخرى قال : ويحك ان يعقوب عليه السلام كان له اثنا عشر ولداً فغيّب الله واحداً منهم فابيضت عيناه من كثرة بكائه عليه ، واحدودب ظهره من الغم وابنه حتي في الدنيا، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمومتي وسبعة عشر (3)

ص: 61 .

من أهل بيتي مقتولين حولي.

وكان إذا أخذ إناء ليشرب بكى حتى يملأها دماً ؛ فقيل له في ذلك ، فقال : كيف لا أبكى وقد منع أبي الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش ... وعن الصادق عليه السلام : البكّاؤون خمسة : آدم بكى على الجنّة ، ويعقوب بكى على يوسف، ويوسف بكي على يعقوب ، وفاطمة بكت على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قيل لها : آذيتنا بكثرة بكائك ، وعلي بن الحسين بكى على أبيه حتى لحق بربّه ، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى، وكان يقول : انّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك العبرة ... (4)

وقال الصادق عليه السلام : وكان جدّي علي بن الحسين عليهما السلام إذا ذكره - يعني الحسين بأبي وأمي - بكى حتى يبكى لبكائه رحمة له من رآه [قال]: وان الملائكة الذين عند قبره ليبكون فيبكي لبكائهم كل من في الهواء والسماء.


1) سورة يوسف : 86 .

2) كامل الزيارات : 107 ح 1 .

3) انظر تعليقتنا حول عدد الشهداء من أهل البيت عليهم السلام في المقدمة الزاهرة

4) كامل الزيارات : 107 ح 1 .

وما من باك يبكيه إلا وقد وصل فاطمة وأسعدها ، ووصل رسول الله صلّى الله عليه وآله وأدّى حقّنا.

وقال الرضا عليه السلام : إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه الظلم والقتال فاستحلّت فيه دماؤنا ، وهتكت فيه حرمتنا، وسبيت فيه ذرارينا ونساؤنا ، وأضرمت النار في مضاربنا ، وانتهب ما فيها من ثقلنا ، ولم ترع لرسول الله صلى الله عليه وآله حرمة فى أمرنا.

إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذلّ عزيزنا ، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فانّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام .

ثمّ قال عليه السلام : كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يرى فيه ضاحكاً ، وكانت الكآبة تغلب عليه ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ..

وقال عليه السلام من تذكّر مصابنا وبكى لما ارتكب منّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة ، ومن ذكر مصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون ، ومن جلس مجلساً يحيى فيه فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.

وعن الريّان بن شبيب قال : دخلت على الرضا عليه السلام في أول يوم من المحرّم فقال لي : يا بن شبيب ، ان المحرّم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته ، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ، ولا حرمة نبيّها صلّى الله عليه وآله ، إذ قتلوا فى هذا الشهر ذرّيّته ، وسبوا نساءه ، وانتهبوا ثقله .

يا بن شبيب ، إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين عليه السلام ، فانّه ذُبح كما يُذبح الكبش ، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض من

شبيه ، ولقد بكت السماوات السبع لقتله - إلى أن قال : - يا بن شبيب ، ان سرّك أن تكون معنا فى الدرجات العلى، فاحزن لحزننا،

وافرح لفرحنا ، وعليك بولايتنا .

وقال عليه السلام : من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة ، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، جعل الله عزّ وجلّ يوم القيامة يوم فرحه وسروره ، وقرّت بنا في الجنان عينه وعن الباقر عليه السلام قال : كان أبي يقول : أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام دمعة حتى تسيل على خدّه ، صرف الله عن وجهه الأذى ، و آمنه يوم القيامة من سخطه والنار ...

وقال الصادق عليه السلام لفضيل بن يسار : أتجلسون وتتحدثون ؟ قال : نعم ، جعلت فداك .

قال عليه السلام : إن تلك المجالس أحبّها ، فأحيوا أمرنا ، فرحم الله من أحيا أمرنا .

يا فضيل ، من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ....

وعن أبي عمارة المنشد قال : ما ذكر الحسين عليه السلام عند أبي عبدالله الصادق عليه السلام في يوم قط فرؤى فيه مبتسماً إلى الليل. قال : وكان أبو عبد الله عليه السلام يقول : الحسين عبرة كل مؤمن ... وعن الصادق عليه السلام قال : قال الحسين عليه السلام : أنا قتيل العبرة ،

لا يذكرني مؤمن إلّا استعبر (1)

وكنّا فصلنا القول فيه فى كتابنا الكبير «سبيل المؤمنين»، على أنّ الاقتداء بهم لا يتوقف عند الخصم - على عصمتهم ، بل يكفينا فيه ما اتفقت عليه الكلمة من إمامتهم في الفتوى وانهم في أنفسهم لا يقصرون عن الفقهاء الأربعة وأضرابهم كالثوري ، والأوزاعي علماً ولا عملاً.

وأنت تعلم ان هذه المآتم لو ثبتت عن أبي حنيفة ، أو صاحبيه أبي يوسف والشيباني . لاستبق الخصم إليها ، وعكف أيام حياته عليها ، فلم ينكرها علينا ، ويندد بها بعد ثبوتها عن أئمّة أهل البيت يا منصفون ؟ !

.... جعلت فداك

يا بن النبي المصطفى ووصيه *** وأخا الزكى ابن البتول الزاكية

تبكيك عيني لا لأجل مثوبة *** لكنما عيني لأجلك باكية

تبتلّ منکم کربلا بدم ولا *** تبتل منّي بالدموع الجارية

أنست رزيّتكم رزايانا التي *** سلفت وهوّنت الرزايا الآتية

ولقد يعزّ على رسول الله أن *** تسبى نساءه إلى يزيد الطاغية

ویری حسيناً وهو قرّة عينه *** ورجاله لم تبق منهم باقية

وجسومهم تحت السنابك بالعرى*** ورؤوسهم فوق الرماح العالية ويزيد يقرع ثغره بقضيبه *** مترنّماً منه الشماتة بادية (2)

قد أوهنت جلدي الديار الخالية *** من أهلها ما للديار ومالية

ومتى سألت الدار عن أربابها *** يعد الصدى منها سؤالى ثانية

ومعالم أضحت مآتم لا ترى *** فيها سوى ناع يجاوب ناعية

كانت غياثاً للمنوب فأصبحت*** فلجميع أنواع النوائب حاوية

ورد الحسين الى العراق وظنهم*** تركوا النفاق اذ العراق كما هية

قست القلوب فلم تمل لهداية *** تباً لها تيك القلوب القاسية

ما ذاق طعم فراتهم حتى قضى*** عطشاً فغسل بالدماء القانية

لابن النبي المصطفى ووصيه ***وأخي الزكي ابن البتول الزاكية

تبكيك عيني لا لأجل مثوبة *** لكنّما عيني لأجلك باكية

تبتل منکم کربلا بدم ولا *** تبتل مني بالدموع الجارية

أنست رزيتكم رزايانا التي *** سلفت و هونت الرزايا الاتية

وفجائع الأيام تبقى مدةً *** وتزول وهي الى القيامة باقية

لهفي لركب صرّعوا في كربلا*** كانت بها آجالهم متدانية

نصروا ابن نبيهم طوبى لهم*** نالوا بنصرته مراتب سامية


1) قال له : إلى غير ذلك من صحاح الأخبار المتواترة بمعناها عن الأئمة الأبرار ، وناهيك بها حجة على رجحان المآتم الحسينية، واستحبابها شرعاً ، فإنّ أقوال أئمة الثقلين وأفعالهم وتقريرهم ، حجة لوجوب عصمتهم بحكم العقل والنقل ، كما هو مقرّر في مظانه من كتب المتكلّمين من أصحابنا .

2) وهي للشيخ عبد الحسين الأعسم، وهو ابن الشيخ محمد علي بن الحسين بن محمد الأعسم الزبيدي النجفي، وف-د ف-ي حدود 1177 وتوفي سنة 1247 ه- بالطاعون الع--ام ف--ي النجف، كان فقيهاً عالماً محققاً أديباً وشاعراً. انظر أدب الطف للسيد المجاهد جواد شبر 6 289

المجلس الثاني : في الرثاء

لا ريب في جواز رثاء موتى المؤمنين ، لأصالة الإباحة، وعدم الدليل على خلافها (1)وقد رثي آدم ولده هابيل ، واستمرت على ذلك ذرّيّته إلى يومنا هذا بلا


1) قال رحمه الله : لكن الذي يظهر من القسطلاني - في باب رثي النبي سعد بن خولي ص 318 من الجزء 30 من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري - انّ جماعة يفصلون القول في الرثاء فيحرمون منه ما اشتمل على مدح الميّت وذكر محاسنه الباعث على تحريك الحزن وتهييج اللوعة ، ويبيحون منه ما عدا ذلك ، والحق إباحته مطلقاً إلّا إذا اشتمل على الباطل إذ لا دليل على الحرمة ، والنهي الذي يزعمون أنّما يستفاد منه الكراهة في موارد أخر ليست موضوع بحثنا ، على ان النهي غير صحيح عندنا.

نكير.

وأقرّ رسول الله صلّى الله عليه و آله عليه اصحابه مع اكثارهم من تهيج الحزن ،به ، وتفنّنهم في ذلك بذكر مدائح الموتى فى أخلاقهم وأفعالهم (1)

ولاحظ من «الإصابة» أحوال ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب ، وأبي زيد الطائي ، وأبي سنان بن حريث المخزومي ، والأشهب بن رميلة الدارمي ، وزينب بنت العوام ، وعبد الله بن عبد المدان الحارثي ، وجماعة آخرين لا يحضرني أسمائهم ، ودونك كتاب الدرّة في التعازي والمراثي وهو في أوّل الجزء الثاني من العقد الفريد تجد فيه مراثي الصحابة ومن بعدهم شيئاً كثيراً .

وإذا تتبعت كتاب «أسد الغابة» تجد الكثير من مراثي الصحابة ، وليس شيء مما أشرنا إليه إلا وقد اشتمل على ما يهيج الحزن ، ويجدّد اللوعة بمدح الميّت بالحق ، وذكر محاسنة بالصدق .

أقول : وقد فصلنا الكلام في كلّ ما ذكره المصنف رحمه الله في مقدمة الكتاب ، فيمكنك مراجعة ذلك للاطلاع أكثر على تلك المراثي وغيرها .

.

ولمّا توفّي رسول الله صلى الله عليه وآله تنافست فضلاء الصحابة في رثائه .

فرثته بضعته الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام بأبيات تهيج الأحزان، ذكر القسطلاني منها هذين البيتين :

ماذا على من شمّ تربة أحمد*** أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا

صبت عليَّ مصائب لو أنها *** صبّت على الأيام صرن لياليا


1) قال رحمه الله: تلك مراثيهم في كتب الأخبار ، فراجع «الاستيعاب» أن أردت بعضها أحوال سيد الشهداء حمزة ، وعثمان بن مظعون ، وسعد بن معاذ ، وشمّاس بن عثمان بن الشريد والوليد بن الوليد بن المغيرة ، وأبي خراش الهذلي ، واياس بن بكير الليثي ، وعاتكة بنت زید بن عمرو بن نفيل وغيرهم.

ورثته أيضاً بأبيات تثير الأشجان ، ذكر ابن عبد ربّه منها هذين البيتين :

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها ***وغاب مذغبت عنّا الوحي والكتب

فليت قبلك كان الموت صادفنا*** لما نعيت وحالت دونك الكتب

ورثاه كلّ من عمّته صفية ، وابن عمه أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وأبي ذؤيب الهذلي ، وأبي الهيثم بن التيهان ، وأمّ رعلة القشيرية ، وعامر بن الطفيل وغيرهم .

ومن استوعب الاستيعاب، وتتبع طبقات ابن سعد واسد الغابة والاصابة يجد من مراثي الصحابة شيئاً كثيراً . (1)

وقد أكثرت الخنساء - وهي صحابية ذات شأن - من رثاء أخويها صخر ومعاوية - وهما كافران - وابدعت في مدائح صخر ، وأهاجت عليه لواعج الأحزان ، على أنّها كانت من الصالحات، وقد بذلت أولادها الأربعة في نشر الدعوة الإسلامية ، وسرّها قتلهم في هذا السبيل، وما برحت ترثى أخويها حتى ماتت ، فما أنكر عليها في ذلك أحد .

وأكثر أيضاً متمم بن نويرة من تهيج الحزن على أخيه مالك في مراثيه السائرة حتى وقف مرّة في المسجد وهو غاص بالصحابة ، واتكأ على سيّة قوسه أمام أبي بكر بعد صلاة الصبح فأنشد :

نعم القتيل إذ الرياح تناوحت ***خلف البيوت قتلت يا بن الأزور

ثم أوماً إلى أبى بكر فقال مخاطباً له :

أدعوته بالله ثم غدرته *** هو لو دعاك بذمة لم يغدر


1) وللاطلاع أكثر على هذه المراثي . انظر : المقدمة الزاهرة لهذا الكتاب .

فقال أبو بكر : والله ما دعوته ، ولا غدرته ، ثمّ قال متمّم :

لنعم حشو الدرع كان وحاسراً *** ولنعم مأوى الطارق المتنوّر

لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه *** حلو شمائله عفيف المأزر

وبكي حتى انحط عن سية قوسه .

قالوا : فما زال يبكى حتى دمعت عينه العوراء، فما أنكر عليه في بكائه ، ولا في رثائه منكر ، مع ما في بكائه ورثائه من المغازي السياسية ، بل قال له عمر : لوددت انك رثيت زيداً أخي بمثل ما رثيت به مالكاً أخاك ، فرثي متمم بعدها زيداً فما أجاد .

فعاتبه عمر بقوله : لِمَ لم ترث أخي كما رثيت اخاك ؟

فقال : إنّه والله ليحرّكني لأخي ما لا يحرّكني لأخيك.

واستحسن الصحابة والتابعين ومن بعدهم مراثيه في مالك ، فكانوا يتمثلون ها إذا اقتضى الأمر ذلك ، كما فعلته عائشة إذ وقفت على قبر أخيها عبد الرحمن فبكت عليه وتمثلت بقول متمّم :

وکنا كندماني جذيمة حقبة *** من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفرّقنا كأنى ومالكاً *** لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

وما زال الرثاء فاشياً بين المسلمين في كل عصر ومصر لا يتناكرونه . وحسبنا دليلاً على استحبابه فى مآتمنا ما رواه أصحابنا عن زيدالشحّام قال : كنّا عند أبي عبدالله الصادق عليه السلام نحن وجماعة من الكوفيين ، فدخل جعفر بن عفّان فقر به الإمام وأدناه ، ثمّ قال : يا جعفر بلغني انّك تقول الشعر في الحسين وتجيد

قال : نعم جعلت فداك .

قال : قل ، فأنشدته :

ليبك على الإسلام من كان باكياً *** فقد ضيعت أحكامه واستحلّت غداة حسين للرماح دريئة *** وقد نهلت منه السيوف وعلّت

وغودر في الصحراء شلواً مبدداً *** عليه عتاق الطير باتت وظلّت

فما نصرته أُمّة السوء إذ دعا *** لقد طاشت الأحلام منهم وظلّت

وما حفظت قرب النبي ولا رعت *** وزلّت بها أقدامها واستزلّت أذاقته حرّ القتل أمة جدّه *** فتبت أكف الظالمين وشلّت

فلا قدّس الرحمن أُمّة جده *** وإن هي صامت للإله وصلت

كما فجعت بنت الرسول بنسلها*** وكانواكماة (1)الحرب حين استقلت

فبكي الصادق عليه السلام ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته ثمّ قال : يا جعفر والله لقد شهدك الملائكة المقربون ، وأنهم لهاهنا يسمعون قولك في الحسين ، ولقد بكواكما بكينا وأكثر ، وقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعتك الجنّة وغفر لك .

ثم قال عليه السلام : ألا ازيدك ؟

قال : نعم يا سيدي .

قال عليه السلام: ما من أحد قال في الحسين شعراً ، فبكى وأبكى إلا أوجب الله له الجنّة وغفر له .

وقد نسج جعفر بن عفّان في هذا الرثاء على روي سليمان بن قتّة


1) كذا في الأصل ، وفي المصدر : حماة .

العدوي (1)

وانّ قتيل الطف من آل هاشم*** أذلّ رقاب المسلمين فذلّت

وهو مولى بني تيم بن مرّة ، توفّي بدمشق سنة 126 ه- ، وينبغي أن يكون أوّل من رثى الحسين عليه السلام ، لأنه مرّ بكربلاء بعد قتل الحسين عليه السلام بثلاث ليال، فنظر إلى ،مضاربهم ، واتّكأ على قوس له عربية وأنشأ يقول : مررت...

وقيل : إن هذه المرثيّة لأبي الرميح (الزميج) الخزاعي.

انظر : سير أعلام النبلاء 4 : 596 ( وذكر انّ قتّة اسم أمّه) ، الجرح والتعديل 4 : 136 ، المعجم الأوسط 2 : 457 ، طبقات القراء 1 : 314 ، تهذيب الكمال 6 : 477 .

، إذ مرّ بكربلاء لثلاث بعد قتل الحسين وأصحابه ، فنظر إلى مصارعهم ومضاربهم، فأنشأ يقول ويبكي:

مررت على أبيات آل محمّد*** فلم أرها أمثالها (2)حين حلّت

فلا يبعد الله الديار و أهلها *** وإن أصبحت منهم برغمي تخلّت وانّ قتيل الطف من آل هاشم*** أذلّ رقاب المسلمين فذلّت

وكانوا غياثاً ثم أضحوا رزية *** ألا عظمت تلك الرزايا وجلّت

ألم ترأن الشمس أضحت مريضة*** لقتل حسين والبلاد اقشعرت

وقد أعولت تبكى السماء لفقده*** وأنجمها ناحت عليه وصلت (3)


1) في القاموس : قتة : كضبّة ، اسم (أمّ سليمان بن حبيب المحاربي (التابعي) المشهور يعرف بابن قتّة ، وهو القائل في رثاء الحسين عليه السلام:

2) في بعض المصادر : كعهدها، وقد صحفت فى مصادر أخرى ، فقد ورد ، فقد وردت في تهذيب الكمال وأنساب الأشراف: «فألفيتها أمثالها... وهذا التصحيف متعمّد من أشياع آل أبي سفيان لعنهم الله .

3) قال رحمه الله : أنشد هذه الأبيات أبو تمام في الحماسة ، والمبرد في الكامل لسليمان بن قتّة ونسبها ابن الأثير في آخر وقعة الطفّ من كامله إلى التيمي تيم مرّة قال : وكان منقطعاً إلى بني هاشم، والظاهر أنه أراد سليمان بن قتة لأنه تيمي بالولاء . وقال الخطيب التبريزي في شرح الحماسة : رواها البرقي لأبي زميج الخزاعي ، وأوردها ابن عبد البر في ترجمة الحسين من الاستيعاب ، فنسبها إلى سليمان بن قتة الخزاعي ، وقيل : انها لأبي الزميج الخزاعي .

ورحم الله الحسين بن الضحاك (1)إذ نسج على هذا الروي والقافية ، فقال :

ومما شجا قلبي وأسبل (2)عبرتي *** محارم من آل النبي استحلّت ومهتوكة بالطف عنها سجوفها *** كعاب كقرن الشمس لما تبدت

إذا حفزتها وزعة من منازع *** لها المرط عادت بالخضوع ورنّت

وربّات خدرٍ من ذؤابة هاشم *** هتفن بدعوى خير حي وميت

أردّ يداً منّي إذا ما ذكرتها *** على كبد حتى و قلب مفتّت

فلا بات ليل الشامتين بغيظه (3)*** ولا بلغت آمالها ما تمنّت (4)

ولله درّ عواطف الامام محمد بن إدريس الشافعي (5)حيث يقول من أبيات له في رثاء الحسين عليه السلام (6)

تزلزلت الدنيا لآل محمد *** وكادت لهم صمّ الجبال تذوب

فمن مبلغ عنّي الحسين رسالة *** وان كرهتها أنفس وقلوب

قتیل بلا جرم كأن قميصه *** صبيغ بماء الأرجوان خضيب (7)

أقول : وأورد هذه الأبيات ابن شهر اشوب في مناقب آل أبي طالب :

تأوّب غمّي والفؤاد كئیب *** وأرّق نومى فالرقاد غریب

وممّا نفى نومي وشيّب لمّتي*** تصاريف أيّام لهنّ خطوب

فمن مبلّغ عني الحسين رسالةً *** وإن كرهتها أنفس وقلوب

قتيل بلاجرم كأنّ قميصه *** سبيغ بماء الأرجوان خضيب

وللسيف أعوال و للرمح رنّة *** وللخيل من بعد الصهيل نحيب

لزلزلت الدنيا لآل محمّد *** وكادت لهم صمّ الجبال تذوب

و غارت نجوم واقشعرت كواكب*** وهتك أستار وشقّ جيوب

يصلّى على المبعوث من آل هاشم*** ويغزی بنوه إنّ ذا لعجيب

لئن كان ذنبي حبّ آل محمد*** فذلك ذنب لست عنه أتوب

هم شفعائي يوم حشري وموقفي*** إذا ما بدت للناظرين خطوب

وقال الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودّة: قال الحافظ جمال الدين مدني في كتابه (معراج الوصول) ان الامام الشافعي أنشد:

تأوه قلبى والفؤاد كئيب *** وأرق نومي فالسهاد عجيب

فمن مبلغ عني الحسين رسالةً *** وإن كرهتها أنفس وقلوب

ذبیح بلا جرم كأن قميصه *** صبيغ بماء الارجوان خضيب

الأبيات


1) هو أبو علي الحسين بن الضحاك بن ياسر الباهلي المعروف بالخليع أو الخالع، ولد سنة 162 ومات سنة 250 فيكون عمره 88 سنة ؛ وقيل : بل عمّر أكثر من مائة سنة، وكانت ولادته بالبصرة. انظر أدب الطف 1 310

2) في أدب الطف: وأوكف .

3) في أدب الطف بغبطة

4) الدر النضيد : 126 .

5) هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، ولد سنة 150 ه- وتوفي سنة 204 بمصر، وهو أحد أئمة المذاهب الأربعة السنّية .

6) انظر : ينابيع المودة 2 : 356 ، بحار الأنوار 45: 274 ، فرائد السمطين 2 : 266 .

7) قال رحمه الله : هذا الرثاء نقله عن الإمام الشافعي جمال الدين الحافظ الزرندي المدني كما في الله كتاب معارج الأصول، ونقله الفاضل البلخي في ينابيعه .

وروى الصدوق في أماليه وفي ثواب الأعمال ؛ وابن قولويه في كامله بالإسناد إلى أبي عمارة قال : دخلت على أبي عبدالله الصادق عليه السلام فقال : أنشد في الحسين ، فأنشدته فبكى ، ثمّ أنشدته فبكى ، قال : فوالله ما زلت أنشده وهو يبكى حتى سمعت البكاء من الدار .

فقال : يا أبا عمارة من أنشد في الحسين فأبكى فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين فتباكى فله الجنّة ...

وروى الصدوق فى ثواب الأعمال ، وابن قولويه في كامله بالإسناد إلى هارون المكفوف قال : دخلت علی ابی عبدالله الصادق عليه السلام ، فقال : يا

أبا هارون ، انشدنى فى الحسين ، فأنشدته - فلم يعجبه الانشاد لخلوّه من الرقّة المشجية وكأنّه تركها حياء من الإمام عليه السلام -

فقال : لا ، يعني لا تنشد بهذه الطريقة ، بل كما تنشدون ، وكما ترثيه عند قبره .

قال : فأنشدته (1)حينئذٍ :

أمرر على جدث الحسين *** قل لأعظمه الزكية

يا أعظماً لا زلت من *** وطفاء ساكبة رويّة (2)

وإذا مررت بقبره *** فأطل به وقف المطيّة

وابك المطهّر للطه *** ر والمطهّره التقيّة

كبكاء معولة أتت *** يوماً لواحدها المنيّة

:قال : فبكي، ثمّ قال : زدني ، فأنشدته القصيدة الأخرى:

یا مريم قومي واندبي مولاك *** وعلى الحسين اسعدي ببكاك

قال : فبكي الصادق وتهايج النساء من خلف الستر ، فلما أن سكتن قال : يا أبا هارون ، مَن أنشد فى الحسين فبكى وأبكى عشرة كتبت لهم الجنة - إلى أن قال : - ومن ذُكر الحسين عنده فخرج من عينه مقدار جناح ذبابة كان ثوابه على الله ولم يرض له بدون الجنّة .

ودخل عبدالله بن غالب على الإمام الصادق عليه السلام فأنشده مرثیّته في الحسين عليه السلام، فلما انتهى إلى قوله : لبلية ... البيت ،صاحت باكية من وراء


1) قال رحمه الله : أنشد أبو هارون هذه الأبيات وهي للسيد إسماعيل الحميري .

2) وطفاء - كحمراء - منهمرة ، من قولهم : وطف المطر : انهمر ؛ ويقال : سحابة وطفاء ، أي مسترخية لكثرة مائها .

الستر : یا ابتاه.(1)

وللإمام الثامن الضامن عليه السلام مع دعبل الخزاعى قضية مشهورة (2)

أمّاً أبيات القصيدة التي أنشدها دعبل فمنها :

مدارس آیات خلت من تلاوةٍ *** ومنزل وحي مقفر العرصاتِ

لآل رسول الله من خيف من منى*** وبالبيت والتعريف والجمراتِ

ديار علي والحسين وجعفر *** وحمزة والسجاد ذي الثفناتِ

منازل كانت للصلاة وللتقى *** وللصوم والتطهير والحسناتِ

إذا لم نناج الله في صلواتنا *** بأسمائهم لم يقبل الصلواتِ

فيا رب زدني في هواي بصيرةً*** وزد حبهم يا رب في حسناتي

سأبكيهم ما حج الله راكب *** وما ناخ قمري على الشجراتِ

سقى الله قبراً بالمدينة غيثه *** فقد حلَّ فيه الأمن والبركاتِ

قبور ببطن النهر من جنب كربلا*** معرسهم منها بشط فراتِ

توفّوا عطاشا بالفرات فليتني *** توفيت فيهم قبل حين وفاتي

الى الله أشكو لوعة عند ذكرهم*** سقتني بكأس الشكل والفظعاتِ

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً *** وقد مات عطشاناً بشط فراتِ

اذاً للطمت الخدّ فاطم عنده *** وأجريت دمع العين في الوجنات

أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبی*** جوم سماواتٍ بأرض فلاةِ

دیار رسول الله أصبحن بلقعاً *** و آل زیاد تسكن الحجراتِ

وآل زياد في القصور مصونةً*** وآل رسول الله في الفلواتِ


1) انظر كامل الزيارات : 105 ح .3 .

2) قال رحمه الله : أشار إليها الفاضل العباسي في أحوال دعبل من معاهد التنصيص في شرح شواهد التلخيص في أوّل ص 373 ، ، وذكرها الصدوق في عيون أخبار الرضا، والعلّامة الأربلي في کشف الغمّة ، والمجلسي في بحار الأنوار ، وأبو الفرج الأصفهاني في أغانيه ، وغير واحد من المحدثين والمؤرخين . أقول : وقد ذكرنا القصة مفصلة في الهامش أثناء تعليقنا على ذكرها في المقدّمة الزاهرة .

وذلك لما وفد عليه بعبقريته التائية تلك القصيدة التاريخية الرنانة ، التي تجاذبت بها أندية الأدب ، وانتشرت في أقطار العرب ، وقامت بتلاوتها في دار الرضا قيامة الأحزان ، وقرعت ساحته الشريفة بنوح دعبل بها الأشجان ، فبكى الإمام أحرّ بكاء، وعلا من وراء الستر صراخ النساء ، وكان لأطفاله رنين ومأق ورغاء (1)حتى استولي عليه الاغماء ، واشترك في البكاء معه جنّة الأرض وملائكة السماء. وقد علم الناس أنّ الإمام زين العابدين عليه السلام قد أمر بشراً (2)

انظر: الملهوف: 226 .

برثاء سيّد الشهداء حيث قال :

یا بشر ، رحم الله أباك لقد كان شاعراً ، فهل تقدر على شيء منه ؟

قال : نعم يا بن رسول الله .

قال عليه السلام : ادخل المدينة وأنع أبا عبدالله .

قال بشر بن حذلم فركبت ،فرسي ، وركضت حتى دخلت المدينة ، فلمّا بلغت مسجد النبي صلى الله عليه وآله رفعت صوتي بالبكاء ، وأنشأت :

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها *** قتل الحسين فأدمعي مدرارُ

الجسم منه بكربلاء مضرج *** والرأس منه على القناة يدار (3)


1) قال رحمه الله: المأق : ما يأخذ الصبي بعد البكاء من الشهيق الشبيه بالفواق ، ورغاء الصبي : هو أشد ما يكون من بكائه

2) وهو بشر بن حذلم ؛ وقيل أيضاً: ان اسمه بشير بن جذلم ، وهو من أصحاب الإمام السجاد علیه السلام ، رافق عيال الإمام الحسين عليه السلام عند عودتهم من الشام إلى المدينة .

3) حياة الإمام الحسين 2 : 423 ، الملهوف : 227

المجلس الثالث : في تلاوة الأحاديث

لا ريب في رجحان تلاوة الأحاديث المشتملة على مناقب الموتى المؤمنين ومصائبهم ، إذ تكون كذكرى لحياتهم ، تنتفع الأمة بها على قدر مكانتهم في محامد الصفات، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال .

وان أُمّة تهتم بتاريخ عظمائها الممتازين في دينهم ودنياهم، لتعد حافظة مجدها ، ناصحة لمن بعدها ، وقد جرت سيرة الخلف والسلف على ذكر مناقب الموتى ومصائبهم ، كتابة وخطابة ، نظماً ونثراً ، والعقل والنقل يحكمان بحسن ذلك ، وقواعد المدنية تقتضيه ، وأصول الترقى فى المعارف والفضائل توجبه ، إذ به تحفظ الآثار النافعة ، وتخلّد الأرواح الشريفة ، وبالتنافس فيه تعرج أبطال المنابر إلى أوج البلاغة ، وتستوي رجال المحابر بيراعتها على عرش البراعة .

وما أحوج الأمّة إلى ذكرى ما أصاب سلفها من النوائب أيّام بؤسهم، وما اكتسبوه من المآثر والمناقب أيام عزّهم (إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ) (1)

وهذا كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة رسوله صلّى الله عليه وآله يمثّلان مناقب الأنبياء ومصائبهم بأجلى مظاهر التمثيل، ويصوّران مثالب أعداء الله وأعداء أنبيائه بأوضح التصوير، ولولا الكتاب والسنة ، ما عرفنا فضائل أنبياء الله ، ولا رذائل أعدائه ، وأنّى لنا - لولا الكتاب والسنة - بالوقوف على نصح الأنبياء الله تعالى ولعباده ، والصبر على الأذى الذي نالهم في سبيل الحق من النماردة


1) سورة الزمر : 21 .

والفراعنة والعمالقة ، وأصحاب الرس والأخدود وغيرهم.

فالقول بتحريم تلاوة مناقب أهل المناقب من الموتى ومصائبهم يستلزم تحريم تلاوة الكتاب والسنّة ، وقراءة التاريخ وعلم الرجال، ومن يرضى لنفسه هذا الحمق ! ويختار البصيرته هذا العمي ! نعوذ بالله من سفه الجاهلين .

وقف أمير المؤمنین علیه السلام علی قبر خباب بن الأرت في ظهر الكوفة .

وهو أول من دفن هناك فقال عليه السلام - في تأبينه : رحم الله خباباً ، لقد أسلم راغباً ، وهاجر طائعاً ، وعاش مجاهداً ، وابتلي في جسمه أحوالاً ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً .

ووقف الإمام زين العابدين على قبر جده أمير المؤمنين عليهما السلام فقال :

أشهد انك جاهدت في الله حقّ جهاده ، وعملت بكتابه ، واتبعت سنن نبيّه صلى الله عليه وآله ، حتى دعاك الله إلى جواره ، فقبضك إليه باختياره ، لك كريم ثوابه ، وألزم أعداءك الحجّة في ظلمهم اياك مع ما لك من الحجج البالغة .

ووقف الإمام الصادق عليه السلام على قبر جدّه الإمام الحسين عليه السلام فقال :

أشهد أنّك قد أقمت الصلاة وآتيت ،الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، وأطعت الله ورسوله ، وعبدته مخلصاً ، وجاهدت في سبيله صابراً محتسباً حتى أتاك اليقين ، فلعن الله أُمّة قتلتك ، ولعن الله أُمّة ظلمتك ، ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به (1)


1) العقد الفريد 2 147 .

ووقف الحسين على قبر أخيه الحسن عليهما السلام فقال :

اادهنُ رأسي أم تطيب مجالسي*** وخدك معفور وأنت تريب

وليس حريباً من أصيب بماله*** ولكن من وارى أخاه حريب

غريب وأطراف البيوت تحوطه ألاكلّ من تحت التراب غريب

بكائي طويل والدموع غزيرة *** وأنت بعيد والمزار قريب (1)

أأدهنُ رأسي أم أطيب مجالسي*** ورأسك عفور وأنت سليب

أو استمتع الدنيا بشيء أحبُّه *** ألا كل ما أدنى إليك حبيب

فلا زلت أبكي ما تغنّت حمامة*** عليك وما هبت صبا وجنوب

وماهملت عيني من الدمع قطرة***وما أخضرفي دوح الحجاز قضيب

بكائي طويل والدموع غزيرة *** وأنت بعيد والمزار ق قريب

غريب وأطراف البيوت تحوطه *** ألا كلّ من تحت التراب غريب

فلا يفرح الباقي خلاف الذي مضى *** فكلّ فتى للموت فيه نصيب

وليس حريباً من أصيب بماله *** ولكن من وارى أخاه حریب

نسيبك من أمسى يناجيك طرفه*** وليس لمن تحت التراب نسيب

انظر مناقب ابن شهراشوب ،4 45 تسلية المُجالس وزينة المجالس 2 65 ، بحار الأنوار 44 160 ذح 29 .

ووقف محمد بن أمير المؤمنين - المعروف بابن الحنفية - على قبر أخيه ، وخليفة أبيه أبي محمد الحسن الزكي المجتبى عليه السلام فخنقته العبرة فقال :

يرحمك الله أبا محمد ، فلئن عزّت حياتك فقد هدّت وفاتك ، ولنعم الروح ضمّه بدنك ، ولنعم البدن بدن ضمّه كفنك ، وكيف لا تكون كذلك وأنت بقيّة ولد الأنبياء ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، غذّتك أكفّ الحقّ ، وربّيت في حجر الإسلام، فطبت حيّاً وطبت ميتاً ، وإن كانت أنفسنا غير طيّبة


1) قال محمد بن أبي طالب في تسلية المُجالس وزينة المجالس : ولما وضع الحسن عليه السلام في قبره أنشأ سيدنا ومولانا أبو عبدالله الحسين عليه السلام :

بفراقك ، ولا شاكَّة فى الخيار لك .

ثمّ بكى بكاءاً شديداً وبكى الحاضرون حتى علا نشيجهم وفيهم الحسين واخوته وابن عبّاس وسائر الهاشميين .) (1)

ولما توفى أمير المؤمنين عليه السلام قام الخلف من بعده أبو محمد الحسن الزكي عليهما السلام فقال :

لقد قتلتم الليلة رجلاً والله ما سبقه أحد كان قبله ، ولا يدركه أحد يكون بعده ، [ الله ] إن كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليبعثه في السرية ، وجبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، [الله] ما ترك بيضاء ولا صفراء إلى آخر كلامه . (2)

ووقف أمير المؤمنين عليه السلام على الضريح الأقدس ، ضريح النبي صلى الله عليه وآله ساعة دفنه فقال :

إن الصبر لجميل إلا عنك ، وان الجزع لقبيح إلّا عليك ، وان المصاب بك الجليل ، وأنه بعدك لقليل .(3)

وعن أنس بن مالك قال : لما فرغنا من دفن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أقبلت فاطمة عليها السلام فقالت :

[ يا أنس ، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التراب ؟


1) تاريخ الأمم والملوك (حوادث سنة 40) ، العقد الفريد 2 : 78 .

2) تاريخ الأمم والملوك 5 : 157 .

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد :: 194 ، العقد الفريد 2: 102.

ثم بكت ونادت : يا أبناء أجاب رباً دعاه يا أبتاه من ربِّه ما أدْناه ، يا أبتاه مِن ربّه ناداه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه ، يا أبتاه لست بعد اليوم أراه .(1)

وكأنّى بها وقد أصلى ضلعها الخطب ، ولاع قلبها الكرب ، ولج فؤادها الحزن ، واستوقد صدرها الغبن ، حين ذهبت كاظمة ، ورجعت راغمة ، ثم انكفأت إلى قبر أبيها باكية شاكية قائلة :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة *** لو كان شاهدها لم تكثر الخطب

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها *** فاختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا (2)

فليت بعدك كان الموت صادفنا *** لمّا قضيت وحالت دونك الكتب (3)

ولم تزل - بأبي هي واُمّي - بعد أبيها صلى الله عليه وآله ذات غصّة لا تساغ ودموع تترى من مقلة عبرى، قد استسلمت للوجد، واخلدت في بيت أحزانها إلى الشجون ، حتى لحقت بأبيها صلّى الله عليه وآله معصبة الرأس، قد ضاقت عليها الأرض برحبها .

فلمّا فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من دفنها في ظلام الليل ، ورهقه من الحزن عليها ما عيل به صبره ، وضاق به صدره، استقبل بوجهه ضریح رسول الله صلّى الله عليه وآله يشكو إليه بته وحزنه ، وقد جاشت في صدره غصص الهموم


1) المصنف لعبد الرزاق 3: 553 6673 ، الطبقات الكبرى :2 311، صحيح البخاري 6: ح 18، سنن ابن ماجة 1: 522 ح 1630 ، سنن النسائي 4 13، العقد الفريد 3: 230 المستدرك على الصحيحين 1: 382

2) قال له : الموجود في شرح النهج : واختل قومك فاشهدهم ولا تغب ، لكن الصحيح ما أثبتناه ، وهو المأثور عندنا ، ومعنى نكبوا : عدلوا .

3) العقد الفريد :3: 194 ، النهاية لابن الأثير :3: 156 .

واعتلجت فيه حزازات الغموم ، فقال وهو يجرض بريقه ، ويميد به شجوه ، وقد انحلت عقود دموعه ، وتناثرت لآلىء جفونه :

السلام عليك يا رسول الله ، وعلى ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة اللحاق بك ، قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري ، ورق عنها تجلّدي ، ألا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك ، وفادح مصيبتك موضع تعز ، فلقد وشدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون ، فلقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة ، وأما حزنى فسرمد ، وأمّا ليلى فمسهد ، أو يحتار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، وستنبؤك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها ، فأحفّها السؤال ، واستخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهد ، ولم يخلق منك الذكر . (1)

فلأي الأمور تدفن سراً *** بضعة المصطفى ويعفى ثراها

فمضت وهى أعظم الناس شجواً*** في فم الدهر غصة من جواها

وكأنّى بأمير المؤمنين عليه السلام واقفاً على قبرها وهو شجي بغصصه، لا يملك دمعه ولا قلبه ، وکانی به ینشد:

لكُل اجتماع من خَليلين فُرقةٌ *** وكلُّ الذي دون الممات قليل

وإن افتقادي واحداً بعد واحد*** دليل على أن لا يدوم خليل (2)


1) قال له : هذا الكلام من الثابت عنه عليه السلام المأثور في كتاب نهج البلاغة

2) العقد الفريد 3: 198.

المجلس الرابع : في الجلوس حزناً على الموتى

لا ريب في أن النبي صلّى الله عليه وآله حزن حزناً شديداً على شيخ الأباطح وبيضة البلد ، عمّه وكافله أبى طالب ، وعلى صديقته الكبرى أم المؤمنين ، وقد ماتا في عام واحد ، فسماه النبي صلّى الله عليه وآله عام الحزن، ولزم (1)وأقلّ من الخروج حزناً عليهما ، وكان إذاتهجمت عليه قريش يندب عمّه فيقول: «يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك (2)

بيته وصح جلوسه في المسجد حزناً على ابن عمه جعفر وصاحبيه زيد وابن رواحة (3)

وصح أيضاً أنه حزن حزناً شديداً ، لم ير أشدّ منه حين قتل القراء من أصحابه وقنت شهراً يستغفر لهم، ويدعو على قاتليهم في قنوته .

والعقل يحكم برجحان الجلوس حزناً على فقد المصلحين من أهل الحفائظ والأيادي المشكورة ، لأن تمييزهم بذلك يكون سبباً في تنشيط أمثالهم، وأداء حقهم بعد موتهم ، ويكون داعياً إلى كثرة الناسجين على منوالهم .


1) انظر: السيرة النبوية 1 : 108 الكامل في التاريخ 1 : 462 ، السيرة الحلبية 1: 462 باب وفاة أبي طالب وخديجة .

2) السيرة النبوية 1 : 108 .

3) قال رحمه الله : والحديث هذا ثابت في باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن ص 154 من الجزء الأول من صحيح البخاري ، وفي باب التشديد في النياحة ص 345 من الجزء الأول من صحيح مسلم ، وثابت في صحيح أبي داود أيضاً

أمّا الجلوس لذكرى ما أصاب الأئمة في سبيل مصالح الأمة ، فيبعث فيها روح الايمان والهدى ، ويأخذ بقلوبها إليهم ، وان بعد العهد وطال المدى .

وقول اللائمين : بأنّه لا يحسن الجلوس حزناً على الميت إذا تقادم العهد بموته (1)

وروى ابن ماجة وأبو يعلى عنه هذا الحديث أيضاً كما في ترجمته عليه السلام من الاصابة .

لا يتمّ في فجائعنا بأهل البيت، حيث لا يتلاشى الحزن عليهم مهما تقادم العهد بهم ، بل لا تخبو زفرة تلك الفجائع ، ولا تخمد لوعة هاتيك القوارع ، ما بقي الزمان ، وكرّ الجديدان ، فقربُ العهد بها وبعده عنها سيان ، وما أولى هذا اللائم ، بقول بعض الأعاظم :

خلى اّميمة عن ملا *** مك ما المعزّي كالثكول

ما الراقد الوسنان مث*** ل معذب القلب العليل

سهران من ألم وه *** ذا نائم الليل الطويل

ذوقی أميمة ما أذو *** ق وبعده ما شئت قولي

ورحم الله القائل :

ويل قلبي الشجى ممّا يعاني *** من ملام الخلي طعناً ووخزا

ولو علم اللائم الأحمق بما في حزننا على أهل البيت من النصرة لهم ، والحرب الطاحنة لأعدائهم ، لخشع أمام حزننا الطويل ، ولأكبرالحكمة المقصودة من هذا النوح والعويل ، ولأذعن للأسرار في استمرارنا على ذلك في كل جيل


1) قال رحمه الله : أخرج الإمام أحمد في ص 201 من الجزء الأول من مسنده من حديث الحسين الله عليه السلام عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله : ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فیذکرها وان طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعاً إلّا جدّد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها .

وما أولاه وإيانا بقول القائل:

لوكنت تعلم ما أقول عذرتني *** أو كنت أجهلُ ما تقول عذلتكا

لكن جهلت مقالتي فعذلتني *** و علمت أنك جاهل فعذر تكا

على أنّ الأوامر المتواترة عن أئمّة العترة الطاهرة تستوجب التعبد بترتيب آثار الحزن على الدوام ، ولو ثبّت هذه الأوامر عن أئمّة المذاهب الأربعة لعمل اللائمون بها ، فلماذا إذن يلوموننا بعد ثبوتها عن أئمّة العترة، وسفينة نجاة الأمة ، وباب حطّة ، وأمان أهل الأرض ، وأعدل كتاب الله ، وعيبة رسوله ، لو كانوا ينصفون ؟؟

ولم يلومنا اللائمون في حزننا ، مع تقادم العهد بمصيبتنا ، ويحبّذون استمرار أهل المدينة على ندب حمزة كلّما ناحوا على ميّت منهم؟

فإن كان بكاؤهم على حمزة مواساة لرسول الله صلى الله عليه وآله بمصيبته في عمّه ، وأداء لواجب قوله صلّى الله عليه وآله : «لكن حمزة لا بواكي له» ، فانّ بكاؤنا انّما هو مواساة له فى مصيبته بريحانته من الدنيا ، وقرّة عينه ، واداء لواجب بكائه عليه.

أيبكي رسول الله صلّى الله عليه وآله على الحسين - بأبي هو وأمّى - قبل الفاجعة ونحن لا نبكيه بعدها ؟؟

ما هذا شأن المتأشي بنبيّه، والمواسي له ! ؟

ألم يرو الإمام أحمد : انّ عليّاً لما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفّين نادى : صبراً أبا عبدالله ، صبراً أبا عبدالله بشطّ الفرات ، فسئل عن ذلك فقال :

دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم وهو يبكي ، فسألته

فقال : قام من عندي جبرئيل فحدثني إنّ الحسين يقتل بشط الفرات .

قال : فقال : هل لك إلى أن أشمّك من تربته ؟

قال : قلت : نعم ، فمد يده ، فقبض قبضة من تراب ، فأعطانيها .

وأخرج ابن سعد، عن الشعبي قال : مرّ عليّ رضي الله عنه بكربلاء عند مسيره إلى صفّين ، فوقف وسأل عن اسم الأرض ؛ فقيل : كربلاء ، فبكى حتى بل الأرض من دموعه.

ثمّ قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي فقلت ما يبكيك ؟

قال : كان عندي جبرئيل آنفاً ، وأخبرني أنّ ولدي الحسين يقتل بشاطىء الفرات ، بموضع يقال له : كربلاء ... .

وأخرج الملأ : انّ علياً مرّ بموضع قبر الحسين عليه السلام فقال : ها هنا مناخ ركابهم ، وها هنا موضع رحالهم ، وها هنا مهراق دمائهم فتية من آل محمد ، يقتلون بهذه العرصة ، تبكي عليهم السماء والأرض ....

ومن حديث أم سلمة قالت: كان عندي النّبي صلّى الله عليه وآله ومعي الحسين ، فدنا من النبي صلى الله عليه وآله فأخذته ، فبكى فتركته ، فدنا منه ، فأخذته ، فبكى فتركته ، فقال له جبرئيل : أتحبّه يا محمد ؟ !

قال : نعم .

قال : أما إنّ اُمّتك ستقتله، وان شئت أريتك الأرض التي يقتل بها ، فبكى النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وروى الماوردي الشافعي ، عن عائشة ، قالت : دخل الحسين بن علي

على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يوحى إليه ، فقال جبرئيل : انّ أمّتك ستفتتن بعدك وتقتل ابنك هذا من بعدك ، ومدّ يده فأتاه بتربة بيضاء ، وقال : في هذه يقتل ابنك اسمها الطف .

فلما عرج جبرئيل عليه السلام ، خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى أصحابه والتربة بيده ، وفيهم : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وحذيفة ، وعمار ، وأبو ذر ، وهو يبكى فقالوا : ما يبكيك يا رسول الله ؟ !

فقال : أخبرني جبرئيل : إن ابنى الحسين يقتل بعدي بأرض الطف ، وجاء هذه التربة (1)، فأخبرني إن فيها مضجعه.

فإذن أوّل من بكى في هذه الأمة على الحسين ، وأوّل من أهدي إليه تربته ، وأوّل من شمّها ، وأوّل من تلا على الناس مقتل الحسين بأرض الطف لهو رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأوّل من سمَّع حديث مقتله لأصحابه الكرام، ولا احتمل إلّا أنّهم واسوا يومئذٍ رسول الله صلّى الله عليه وآله في حزنه وبكائه و (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) (2)، (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (3)

وأخرج الترمذي : إنّ أمّ سلمة رأت النبي صلى الله عليه و آله - فيما يراه النائم - باكياً ، وبرأسه ولحيته التراب فسألته ، فقال : قتل الحسين آنفاً .

قال في الصواعق : وكذلك رأه ابن عباس نصف النهار ، أشعث أغبر ، وفي


1) قال له : ان تربة يحملها الروح الأمين إلى سيّد النبيين والمرسلين لحقيقة بالاحترام وجديرة بأن تدخر وتحمل وتُهدى بكلّ إجلال وإعظام .

2) سورة الأحزاب: 21 .

3) سورة الحديد: 24 سورة الممتحنة: 6 .

يده قارورة فيها دم يلتقطه فسأله ، فقال : دم الحسين وأصحابه ، لم أزل أتتبّعه منذ اليوم.

قال : فنظروا فوجدوه قد قتل في ذلك اليوم .

وأما صحاحنا فانّها متواترة فى بكائه صلّى الله عليه وآله ، على سبطه وريحانته في مقامات عديدة ، يوم ولادته وقبلها ، ويوم السابع من مولده ، وبعده في بيت الزهراء ، وفي حجرته ، وعلى منبره ، وفي بعض أسفاره ، تارة يبكيه وحده ، ومرّة هو والملائكة ، وأحياناً هو وعلي وفاطمة ، وربّما بكاه هو وبعض أصحابه ، وربّما قبله في نحره وبكى ، وربّما قبّله في شفتيه فبكى ، وربّما بكى إذا راه فرحاً أو رآه حزناً .

والله درّ السيّد الرضي حيث يقول :

لو رسول الله يحيا بعده *** قَعَد اليوم عليه للعزا

جزر وا جَرْزَ الأضاحى نَسلَهُ *** ثُمَّ سَاقُوا أهلَهُ سَوْقَ الإما

ليس هذا الرَسُولِ الله يا *** اُمّة الطغيان والبغي جزا

يا رسولَ اللهِ لو أبصرتهم(1)*** وهم ما بينَ قَتْلَى وَسِبَا

مِنْ رَمِيضٍ يُمنعُ الظَّلَّ ومَن *** عاطش يُسقَى أنابيب القَنا

ومسوقٍ عارٍ يُسعى به *** خلف محمول على غير وطا

لرأتُ عيناك منهم منظراً *** للحَشَى شَجُواً وَللعَين قذا

لا أرى حُزنكُم يُنسى ولا*** رُزء كم يُسلى وإِن طالَ المَدَى (2)


1) كذا في الأصل، وفي ديوان الرضي: عاينتهم

2) هذه الأبيات من قصيدة رائعة للشريف الرضي ألقاها و هو بالحاير الحسيني وهي بعنوان کربلا کرب وبلا . انظر: ديوان الرضي 1 44 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 386.

المجلس الخامس : في الانفاق صدقة عن الميت

لا ريب في استحباب الانفاق صدقة عن موتى المؤمنين ، وقد فعل النبي صلّى الله عليه وآله ذلك وأمر به .

ففي الصحيحين بطرق متعدّدة عن عائشة قالت : ما غرت على أحد من نساء النبي [مثل] ما غرت على خديجة وما رأيتها ، لكن كان النبي صلّى الله عليه وآله يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ثمّ يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربّما قلت له : كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة ، فيقول لي : أنّها كانت وكانت وكان لى منها ولد . (1)وأخرج مسلم : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله إن أُمّي اقتلت نفسها ولم توص، أفلها أجر إن تصدقت عنها ؟

قال صلّى الله عليه وآله : نعم.

وأخرج الإمام أحمد في مسنده : انّ سعد بن عبادة قال : إن ابن بكر أخا بني ساعدة توفيت أمه وهو غائب عنها ، فقال : يا رسول الله إنّ أُمّي توفّيت وأنا غائب عنها ، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها ؟

قال : نعم .

قال : فاني أشهدك أن حائط المخرف صدقة عليها .(2)


1) قال الله : هذا الحديث يدلّ على استحباب صلة أصدقاء الميت وأوليائه صدقة عنه

2) قال الله : ربّما كان المنكرون علينا فيما نفعله في مجالسنا من الصدقة عن الحسين عليه السلام لا يقنعون بأقوال النبي ولا بأفعاله صلى الله عليه وآله إلا أن يكون ذلك مأثوراً عن سلفهم ، وحينئذٍ نحتج عليهم بما فعله الوليد بن أبي معيط الأموي ، إذ مات لبيد بن ربيعة العامري الشاعر ، فبعث الوليد إلى منزله عشرين جزوراً فجزرت عنه . نقل ذلك ابن عبد البر في ترجمة لبيد من الاستيعاب .

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعوله.

وفى خصال الصدوق بالإسناد إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال : إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض فاختارنا ، واختار لنا شيعة ينصروننا ، ويفرحون لفرحنا ، ويحزنون لحزننا ، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا ، أولئك منا وإلينا.

بأبى أنتم واُمّى أهل بيت الرحمة ، أسبغتم على العالمين آلاءكم ، وأفضتم على أهل الأرض سجال نعمائكم ، فأياديكم تسترقّ الأعناق ، ومننكم تستعبد قلوب الأحرار ، وما رأى الراؤون أعطى لجزيل عن ظهر يد منكم (1)، أنشأتم الهدى ، وكافحتم الكفر والضلال، والبغى والفساد والعمى ، وسنّيتم في الأرض صراطاً مستقيماً ، وقاسيتم من الناس فى سبيل هدايتهم بلاءً عظيماً .

سلبوكم بشبا الصوارم أنفساً *** قام الوجود بسرّها المكنون

فما خطر أموالنا وأنفسنا في جنب أموالكم وأنفسكم التي بذلتموها فينا ، وكيف نستكثر أموالاً وأنفساً نقابل بها تلك الأموال والأنفس ، وانّ الجرأة عليكم من بسلب عقال من أموالكم المقدّسة ، أو مسيل قطرة من دمائكم الزكية لأفظع اجتياح أموال العالمين وأنفسهم كافة ، فالويل لمن قتلكم وسلبكم ، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ، تبت أيديهم ولعنوا بما ارتكبوا ، إذ قتلوا عترة رسول الله وبقيته فيهم .

أمّة قاتلت امام هداها *** یا ترى أين زال عنها حياها

ويحهم أخزاهم الله ، كيف سلبوه حتى ثيابه ، فأخذ قميصه - بأبي واُمّي -


1) قال له : أي تفضّلاً من غير مكافأة ولا قرض .

إسحاق بن حوية (1)

و بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام عصر يوم عاشوراء نادى عمر بن سعد في أصحابه من ينتدب إلى الحسين فيوطئه بفرسه ؟ فانتدب منهم عشرة، حيث داسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا صدره وظهره، وهم: إسحاق بن حوية الحضرمي الذي سلب الحسين عليه السلام قميصه ، وأخنس بن مرثد ، وحكيم بن طفيل السبيعي، وعمر بن صبيح الصيداوي ، ورجاء بن منقذ العبدي ، وسالم بن خيثمة الجعفي، وواحظ بن ناعم ، وصالح بن وهب الجعفي، وهاني بن ثبيت الحضرمي ، وأسيد بن مالك لعنهم الله.

وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد، فقال أحدهم وهو أسيد بن مالك :

نحن رضضنا الصدر بعد الظهر*** بكلّ يعسوب شديد الأسر

فقال ابن زياد لعنه الله : من أنتم؟ قالوا: نحن الّذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنا حناجر صدره. قال: فأمر لهم بجائزة يسيرة.

قال أبو عمرو الزاهد فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدناهم جميعاً أولاد زنا .

وهؤلاء أخذهم المختار رحمه الله فشدّ أيديهم وأرجلهم بسلاسل الحديد، وأوطأ الخيل ظهورهم حتّى هلكوا . انظر : الملهوف : 183، زينة المجالس: 459 .

، وأخذ سراويله أبجر بن كعب (2)

انظر : اثبات الهداة 5 : 201 ، عوالم الإمام الحسين : 297 ، بحار الانوار 57:45 .

، وأخذ عمامته أخنس بن

1) وهو : إسحاق بن حوية (حيوة) الحضرمي ، أحد المجرمين في جيش الكوفة ممن شارك في واقعة كربلاء ، حيث قام بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام بسلبه قميصه، وهو من جملة من تطوّع - بأمر عمر بن سعد - لرضّ جسد الإمام الحسين عليه السلام بالخيل، حيث تعتبر هذه الجريمة من الجرائم المفجعة التي ارتكبها جيش ابن زياد بحق الإمام الحسين وكانت هذه الجريمة قد تمّت بتحريض من شمر بن ذي الجوشن لابن زياد، فالكتاب الذي بعثه عمر بن سعد إلى ابن زياد كان كتاباً عادياً، لكن ابن زياد ردّ عليه بكتاب يعنّفه فيه وكتب إليه : إنّي لم ابعثك إلى الحسين لتكفّ عنه، ولا لتمنّيه ، ولا لتطاوله ، ولا لتقعد له ،شافعاً ، انظر فان نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم الي سلماً ، وإن أبو فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم ، فإنّهم لذلك مستحقون ، فان قتل الحسين فاوطىء الخيل صدره وظهره ، فانّه عاق شاق قاطع ظلوم ، فان أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع ، وان أنت أبيت فاعتزل جندنا ، وخلّ بين شمر وبين العسكر ، فأتى شمر بالكتاب وسلّمه لعمر بن سعد.

2) وقيل اسمه : أبحر بن كعب ، حيث قام بتجريد الإمام من ثيابه بعد قتله، وترك جسد الحسين عارياً على رمضاء كربلاء، وقد يبست يدا هذا الشخص فيما بعد حتى اصبحتا كالخشبتين، وجاء في خبر آخر إنّه أصيب بعد ارتداء السروال بشلل في رجليه أقعده عن الحركة تماماً.

مرثد ، وأخذ سيفه رجل من بنى دارم ، وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله ، وسلبوا نساءه وهنّ عقائل النبوّة ، وخفرات بين الوحي والتنزيل .

قال حمید بن مسلم (1)

وفي مستدركات علم الرجال :3: 289: حميد بن مسلم الكوفي، عد من مجاهيل أصحاب السجاد عليه السلام وهو ناقل جملة من قضايا كربلاء على نحو يظهر منه أنّه كان في وقعة الطف... وكان من جند سليمان بن صرد الخزاعي من طرف المختار في مقتل عين الوردة في حرب الشام لطلب ثأر الحسين عليه السلام .

أقول : يحتمل أن يكون أكثر من شخص بهذا الاسم، فأحدهما كان في وقعة الطف ونقل بعض الوقائع وأرسل عمر بن سعد رأس الحسين معه ومع جماعة إلى عبيد الله بن زياد، ممّا يدل على أنه كان من أعوان عمر بن سعد، والثاني إمامي من أصحاب الإمام السجاد ومن جند سلیمان بن صرد.

: فو الله لقد كنت أرى المرأة من نساءالحسين وبناته وأهله تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها .

قال : ثمّ انتهينا إلى علي بن الحسين عليهما السلام وهو منبسط على فراش ، وهو شديد المرض ، ومع شمر (2)جماعة من الرجالة فقالوا له : ألا نقتل هذا


1) في تنقيح المقال :1 380 حميد بن مسلم الكوفي، لم أقف فيه إلا على عدّ الشيخ الله إيّاه في رجاله من أصحاب السجاد عليه السلام، وظاهره كونه إمامياً، إلا أن حاله مجهول .

2) شمر بن ذي الجوشن - واسمه شرحبيل - بن قرط الضبابي الكلابي، أبو السابغة، من كبار قتلة ومبغضي الحسين عليه السلام، كان في أول أمره من ذوي الرئاسة في هوازن موصوفاً بالشجاعة، وشهد يوم صفين مع عليّ عليه السلام، سمعه أبو إسحاق السبيعي يقول بعد الصلاة اللّهم إنّك تعلم أني شريف فاغفر لي!! فقال له: كيف يغفر الله لك وقد أعنت على قتل ابن رسول الله ؟ ! فقال : ويحك كيف نصنع إن أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم ولو خالفناهم كنّا شرّاً من هذه الحمر؟ ثم أنّه لما قام المختار طلب الشمر، فخرج من الكوفة وسار إلى الكلتانية - قرية من قرى خوزستان - ففجأه جمع من رجال المختار، فبرز له-م الشمر قبل أن يتمكن من لبس ثيابه فطاعنهم قليلاً وتمكن منه أبو عمرة فقتله وألقيت جثته للكلاب. انظر: الكامل في التاريخ :4 92 میزان الاعتدال 1 44، لسان الميزان 3: 152 .

العليل ؟ !

[قال حمید : فقلت : سبحان الله أيقتل الصبيان ! إنّما هذا صبي وأنّه لما به ، :] فلم أزل حتى دفعتهم عنه .

قال : وجاء عمر بن سعد فصاح النساء في وجهه وبكين ، فقال لأصحابه : لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النسوة ، ولا تتعرّضوا لهذا الغلام المريض ، وسألته النسوة ليسترجع ما أخذ منهنّ ليسترن به ، فقال : من أخذ من متاعهنّ شيء فليرده عليهنّ .

[قال : فوالله ما ردّ أحد منهم شيئاً .

وروی حميد بن مسلم أيضاً قال: رأيت امرأة من بكر بن وائل كانت زوجها في أصحاب عمر بن سعد ، فلما رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين عليه السلام فسطاطهنّ ، وهم يسلبونهنّ أخذت سيفاً وأقبلت نحو الفسطاط ، وقالت : يا آل بكر بن وائل أتُسلب بنات رسول الله ؟ لا حكم إلا لله ، يا لثارات رسول الله .

قال : فأخذها زوجها وردّها إلى رحله .

أأنسى هجوم الخيل ضابحة (1)على خیام نساكم بالعواسل والقضب


1) ضبحت الخيل في عدوها : أسمعت من أفواهها صوتاً ليس بصهيل ولا حمحمة :

عشية حنّت جزعاً خفراتكم *** بأوجهها ندباً لحامي الحمى الندب

صرخن بلاليّ وما زال صوتها *** يغضّ ولكن صحن من دهشة اللب

فا برزن من حجب الخدور تودّ لو***قضت نحبها قبل الخروج من الحجب

وسيقت سبايا فوق أحلاس هزل*** إلى الشام تطوي البيد سهباً على سهب

يسار بها عنفاً بلا رفق محرم*** بها غير مغلول يحن على صعب

ويحضرها الطاغي يناديه شامتاً ***بما نال أهل البيت من فادح الخطب

ويوضع رأس السبط بين يديه كي ***تدار عليه الراح في مجلس الشرب

بسمع آل الله شتم خطيبه *** أبا الحسن الممدوح في محكم الكتب

يصلّي عليه الله جلّ وتجتري *** على سبّه من خصّها الله بالسّبّ

الفصل الأول

اشاره

فيما يُتلى بتمامه صبيحة العاشر من المحرم ويتلى مجالس متعدّدة في سائر أيام العشر أو في باقي أيام السنة ، فهو ليوم العاشر مجلس واحد ، ولغيره اثنا عشر مجلساً .

فلينتبه القارىء في غير يوم عاشوراء - بوقوفه عليها ، وليذكرني بأدعيته فانّي مضطر إليها ، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[المجلس الأول ]

كان مولد الحسين عليه السلام لخمس [ليال] خلون من شعبان سنة أربع للهجرة، وروى غير ذلك (1).

ولما ولد هبط جبرئل عليه السلام في ألف ملك يهنئون النبي صلى الله عليه وآله ، وقد سر به وسمّاه حسيناً .

وعن أُمّ الفضل (2)قالت : رأيت في منامي قبل مولد الحسين عليه السلام (3)كأنّ قطعة من لحم رسول الله صلّى الله عليه وآله قُطعت فوضعت في حجري ، فقصصت ذلك على رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فقال : رأيتِ خيراً ، إن


1) وقيل : اليوم الثالث منه ؛ وقيل : في أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة

2) لبابة بنت الحارث الهلالية الشهيرة بامّ الفضل، زوجة العباس بن عبد المطلب، ولدت من العباس أسلمت بمكة بعد إسلام خديجة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يزورها ويقيل في بيتها، توفيت نحو 30 ه-. انظر: الإصابة: ترجمة رقم 942 و 1448 ، الجمع بين الصحيحين: 612 ، الأعلام 239

3) قال رحمه الله : وأخرج أحمد بن حنبل من حديث أمّ الفضل زوجة العباس ، قالت : كأن في بيتي عضواً من أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم فجزعت من ذلك فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم فذكرت له ذلك ، فقال : خيراً تلد فاطمة غلاماً فتكفلينه بلبن ابنك قثم ، قالت : فولدت حسيناً فأعطيته حتى تحرك أو فطمته ثم جئت به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأجلسته في حجره فبال ، فضربت بين كتفيه ، فقال : ارفقي بابني رحمك الله أو أصلحك الله أوجعت ابني ... الحديث في ص 339 من الجزء السادس .

صدقت رؤياك فإنّ فاطمة تلد غلاماً ، وأدفعه إليك لترضعينه»

قالت : فجرى الأمر على ذلك .

فجئت به يوماً إليه فوضعته في حجره ، فبينما هو يقبله بال ، فقطرت من بوله قطرة على ثوب النبي صلّى الله عليه وآله ، فقرصته، فبكى ، فقال النبي كالمغضب : «مهلاً يا أُمّ الفضل ، فهذا ثوبي يُغسل، وقد أوجعتِ ابني» .

قالت : فتركته في حجره وقمت لآتيه بماء ، فجئت إليه فوجدته يبكي ،

فقلت : مم بكاؤك يا رسول الله ؟

فقال : «انّ جبرئيل أتاني فأخبرني أنّ أُمّتي ستقتل ولدي [هذا]، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة». . (1)

ولمّا أتت على الحسين من مولده سنة كاملة هبط على رسول الله صلّى الله عليه وآله اثنا عشر ملكاً محمرّة وجوههم ، باكية عيونهم ، وهم يقولون : إنّه سينزل بولدك الحسين ما نزل بهابيل من قابيل ، وسيعطى مثل أجر هابيل ، ويحمل على قاتله مثل وزر قابیل.

[قال : ] ولم يبق في السماوات ملك مقرب إلا ونزل إلى النبي صلّى الله عليه وآله يقرؤه السلام ، ويعزّيه عن الحسين ، ويخبره في ثواب ما يُعطى ، ويعرض


1) المستدرك :3: 176 ، دلائل النبوة 1 : 213 ، الصواعق المحرقة : 115 ، الخصائص الكبرى 2 : 125 الفصول المهمة 154 ، كنز العمّال 6: 223) باختلاف يسير في الألفاظ).

عليه تربته (1)

قال : قلت : نعم .

قال صلّى الله عليه وسلّم : فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني ان فاضتا.

والنبى يقول : «اللهم اخذل من خذله ، واقتل من قتله ، ولا تمتعه بما طلبه .

[قال: ] فلما أتى على مولده سنتان خرج النبي صلّى الله عليه وآله في سفرٍ له، فوقف في بعض الطريق، واسترجع ودمعت عيناه .

فسئل عن ذلك ، فقال : «[هذا] جبرئيل يخبرني عن أرض بشط الفرات يقال لها كربلاء ، يقتل فيها ولدي الحسين بن فاطمة .

فقيل له: مَن يقتله يا رسول الله ؟

فقال: «رجل اسمه يزيد ] وكأني أنظر إلى مصرعه ومدفنه»

ثمّ رجع صلّى الله عليه وآله من سفره مهموماً مغموماً ، فصعد المنبر فخطب، والحسن والحسين بين يديه ، ثم نزل فوضع يده اليمنى على رأس الحسن ويده اليسرى على رأس الحسين ، وقد رفع رأسه إلى السماء فقال : «اللّهم إنّ محمداً عبدك ونبيك ، وهذان أطائب عترتي وخيار ذريتي [وأرومتي (2)ومن اُخلفهما في أُمتي ، وقد أخبرني جبرئيل عليه السلام أنّ ولدي


1) قال رحمه الله : وقد أخرج أحمد بن حنبل من حديث علي عليه السلام في ص 85 من الجزء الأول من مسنده حديثاً في هذا الموضوع طويلاً جاء في آخره : ان جبرائيل عليه السلام حدث النبي صلى الله عليه وسلّم بقتل الحسين بشط الفرات وأنّه قال له : هل لك إلى أن أشمّك من تربته ؟

2) الأرومة : الأصل .

هذا مخذول مقتول اللّهمَّ بارك له في قتله ، واجعله من سادات الشهداء ، اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله».

[قال : ] فضج الناس في المسجد بالبكاء.

[فقال النبيّ: «أتبكون ولا تنصرونه؟! اللهم فكن له أنت وليّاً وناصراً ] (1)

ثم رجع صلّى الله عليه وآله فخطب خطبة أخرى موجزة وهو متغيّر اللون عيناه تهملان دموعاً فقال:

«أيها الناس ، إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي أهل بيتي ، وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، ألا وإنّي أنتظرهما ، وإنّي لا أسألكم في ذلك إلا ما أمرني ربي المودة في القربى.

ألا وإنّه سترد علىَّ [يوم القيامة ] ثلاث رايات من هذه الأمة :

الأولى : سوداء مظلمة قد فزعت لها الملائكة، فتقف عليَّ، فأقول : مَن أنتم ؟

فينسون ذكري ، فيقولون : نحن أهل التوحيد من العرب.

فأقول لهم ] : أنا أحمد نبي العرب والعجم .


1) مقتل الخوارزمي 1: 163 ، ذخائر العقبى : 149 ، الصراط السوي للشيخاني المدني : 93 ، الملهوف 94.

فيقولون : نحن من اُمتَّتك .

فأقول لهم : كيف خلّفتموني في عترتي وكتاب ربّي ؟

فيقولون (1): أمّا الكتاب فضيعناه ، وامّا عترتك فحرصنا على أن نبيدهم عن آخرهم.

فاُولّي عنهم وجهي ، فيصدرون عطاشاً مسودة وجوههم.

ثمّ ترد عليَّ راية اُخرى أشدّ سواداً من الأولى، فأقول لهم : كيف خلّفتموني في الثقلين الأكبر والأصغر: كتاب ربّي وعترتي ؟

فيقولون : أمّا الأكبر فخالفناه، وأمّا الأصغر فخذلناهم ومزّقناهم (2)كلّ ممزّق.

فأقول : إليكم عنّي ! فيصدرون ظماءً عطاشاً مسودة وجوههم.

ثم ترد عليَّ راية اُخرى تلمع وجوههم نوراً ، فأقول لهم : من أنتم ؟ فيقولون : نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى ، نحن أُمّة محمد المصطفى ، ونحن بقية أهل الحق ، حملنا كتاب ربّنا فأحللنا حلاله وحرمنا حرامه ، وأحببنا


1) قال رحمه الله : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النور : 24]، ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) [فصلت [21 - 19:

2) في الأصل: فخذلناه ومزقناه .

ذرّيّة نبيّنا فنصرناهم وقاتلنا معهم .

فأقول لهم : أبشروا فانّي نبيكم محمد ، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم ، ثمّ أسقيهم من حوضي فيصدرون مرويين مستبشرين ، ثمّ يدخلون الجنّة خالدين فيها أبد الآبدين» . (1)

ورو الشيخ في الأمالي بأسانيده إلى الرضا ، عن آبائه عليهم السلام ، عن أسماء بنت عميس قالت : لمّا ولدت فاطمة الحسين عليهما السلام كنت أخدمها في نفاسها به ، فجاء النبي صلى الله عليه وآله فقال : هلمي ابني يا أسماء ، فدفعته إليه في خرقة بيضاء ، فأخذه وجعله في حجره ، وأذّن في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى .

قالت : وبكى رسول الله صلى الله عليه وآله ثمّ قال : إنّه سيكون لك حديث ، اللّهمّ العن قاتله ، لا تعلمي فاطمة بذلك .

قالت أسماء : فلما كان يوم السابع من مولده جاء النبي صلى الله عليه وآله فعقّ عنه كبشاً أملح، وأعطى القابلة الورك ورجلاً ، وحلق رأس الحسين وتصدّق بوزن الشعر ،ورقاً ، وخلق رأسه بالخلوق.

قالت : ثمّ وضعته في حجره ، فقال : يا أبا عبدالله ، عزيز عليّ ، ثمّ بكى .

[قالت أسماء :] فقلت : بأبي أنت وأُمى ممّا بكاؤك في هذا اليوم وفي اليوم


1) الملهوف 95-96 .

الأول ؟ !

قال صلى الله عليه وآله : أبكي على ابني هذا تقتله فئة باغية كافرة من بني أمية لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة.

ثمّ قال : اللّهمّ انّي أسألك فيهما ما سألك إبراهيم عليه السلام في ذرّيّته :

اللهمّ أحبّهما وأحبّ من يحبّهما ، والعن من يبغضهما ملء السماء والأرض . (1)

اشدد يداً بحب آل أحمد *** فانّها عقدة فوز لا تحلّ

وابعث لهم مراثياً ومدحاً *** صفوة ما راض الضمير ونخل

وما الخبیثان ابن هند وابنه *** وان طغى أمرهما بعد وجل

بمبدعين للّذي جاءا به *** وانّما تقفيا تلك السبل


1) أمالي الشيخ الصدوق: 362 ، وانظر : ذخائر العقبي : 119 ، مقتل الحسين للخوارزمي 1 : 87 ، الفصول المهمة لابن الصبّاغ : 154 ، الخصائص الكبرى للسيوطي 2 : 125 .

[ المجلس الثاني ]

كانت إمامة الحسين بعد أخيه الحسن عليهما السلام ثابتة ، وطاعته على جميع الخلق فريضة ، بنص أبيه وجده عليهما السلام عليه ، وعهد أخيه الحسن ووصيّته إليه ، وكانا سيدي شباب أهل الجنة (1)بشهادة جدّهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وهما سبطاه بالاتفاق الذي لا مرية فيه ، وريحانتاه من الدنيا (2)وحبيباه من جميع أهله ، وهما حجّتا الله لنبيه صلى الله عليه وآله فى المباهلة (3)

فقد أجمع الجمهور على أن هذه الآية الشريفة نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وذلك لما أراد المباهلة مع نصاری نجران راجع : شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني الحنفي 1 : 155 - 166 ح 168 - 176 ، المستدرك للحاكم 3 : 150 ، أسباب النزول للواحدي : 58 - 59 ، صحیح مسلم 4 : 1871 ح 32 ، سنن الترمذي 5: 210 - 2999 ح 2999 إحقاق الحق للتستري 3: 46 - 62 ، مجمع الزوائد 7 : 110 ، فضائل الصحابة لابن حنبل 2 : 571 ح 966 و ص 593 ح 1008 ، الكتاب المصنف لا بن أبي شيبة 12 : 85 ح 12186 ، المطالب العلية لابن حجر 4 : 56 ح 3949 :

، وحجّتا

1) راجع : المعجم الكبير للطبراني : ج 3 ص 25 - 30 ح 2598 - 2618 ، مجمع الزوائد : ج 9 ص 182 - 184 ، حليةالأولياءللأصبهاني : ج 5 ص 71، مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ص 92 ، ترجمة الإمام الحسين عليه السلام من تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر : ص 72 ح 129 وص 74ح 132 وص 76 ح 133 وص 77 ح 134 وص 79 ح 138 وص 80 - 83 ح 139 - 143 ، فرائد السمطين للجويني : ج 2 ص 41 ح 374 ، وص 98 - 99 ح 409 و 410 و ص 129 ح 428 ، بحار الأنوار: ج 11 ص 164 ح 9 وج 16 ص 362 ح 62 وج 22 ص 280 ح 33 وج 25 ص 360 ح 18 .

2) کنز العمال : ج 13 ص 667 ح 37699 ، تهذیب تاریخ دمشق لابن عساكر : ج 4 ص 207 .

3) إشارة إلى آية المباهلة وهي قوله تعالى : (فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُلْ تَعَالَوا نَدعُ أَبْنَاءَنَا وأَبْنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعَنَةَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ) [آل عمران : 61] .

الله بعد على الأمة في الدين والملّة .

وإنّ من برهان كمالهما ، وحجّة اختصاص الله لهما بفضله : بيعة رسول الله صلّى الله عليه وآله لهما ، ولم يبايع صبياً غيرهما ، وكان من عناية الله الخاصة بهما الدالّة على تفضيلهما نزول القرآن بإيجاب الجنّة ثواباً على عملهما أيام طفولتيهما حيث كانوا : (يُوفُونَ بالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُون الطَّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا تُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَومِ وَلَقَّاهُمْ نَظْرَةً وَسُرُوراً وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) (1)ولم ينزل قرآن بذلك في طفلين سواهما .

وقد نص رسول الله صلّى الله عليه وآله على إمامتهما بقوله : ابناي هذين إمامان قاما أو قعدا (2)

ودلّت وصيّة الحسن إلى الحسين على إمامته ، كما دلّت وصية أمير المؤمنين إلى الحسن على إمامته ، ووصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين عليه السلام على إمامته من بعده وتفصيل هذا في مظانه من كتب الأعلام من علمائنا رضي الله عنهم ورضوا عنه (3)

فالحسين إمام بعد صنوه المجتبى ، وإن لم يدع إلى نفسه أيام معاوية (4)

انظر: تاريخ الطبري 6: 180 تاريخ ابن الأثير 4 2، البدء والتاريخ 6: 5 .


1) الدهر : 7 - 12 .

2) بحار الأنوار: ج 43 ص 291 ح 5 وج 44 ص 1 ح 2 .

3) للاطلاع على هذه الوصايا، انظر الارشاد للمفيد

4) معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، مؤسّس الدولة الأموية فى الشام ولد بمكة وأسلم يوم فتحها، ولي قيادة جيش تحت إمرة أخيه في خلافة أبي بكر، وصار والياً على الاردن في خلافة عثمان، ثمّ ولاه ،دمشق، وجاء عثمان فجمع له الديار الشامية كلّها وجعل ولاة أمصارها تابعين له، وبعد قتل عثمان وولاية علي عليه السلام وجّه له لفوره بعزله، وعلم معاوية قبل وصول البريد فنادى بثأر عثمان واتهم علياً بدمه ونشبت الحروب الطاحنة واستعمل معاوية الخديعة والمكر، مات معاوية في دمشق سنة 60 ه- وعهد بالخلافة إلى ابنه يزيد .

للتقية التي كانوا عليها ، والحال التي آل أمرهم بعد النبي صلّى الله عليه وآله إليها ، فهو في ذلك كأبيه أمير المؤمنين حيث يقول : وصفقت أرتئى بين أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء - إلى أن قال : - فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شذى ، أرى تراثى نهباً .(1)

يقول الإمام علي عليه السلام : «أما والله لقد تقمصها فلان وفي نسخة ابن أبي قحافة) وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحا . ينحدر عنّي السيل ، ولا يرقى إليّ الطّير ، فسدلت دونها ثوباً ، وطويت عنها كشحاً . وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربِّه فرأيت أنّ الصبر على هاتا ،أحجى فصبرت وفي العين قذي، وفي الحلق شجاً ، أرى تراثي نهباً ، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان ( وفي نسخة ابن الخطاب بعده. ثم تمثل بقول الاعشى:

شتان ما يومي على كورها *** ويوم حيان أخى جابر فيا عجبا

بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته - لشدّ ما تشطرا ضرعيها ! - فصيرها فى حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم ، فمني النّاس - لعمر الله - بخبط وشماس . وتلوّن و اعتراض ، فصبرت على طول المدة . وشدّة المحنة ، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أحدهم في الله وللشورى ! متى اعترض الرّيب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر !

لكنّى أسففت إذ أسفوا . وطرت إذ طاروا ، فصغا رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ، إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث عليه فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته !

فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي ، ينثالون علي من كل جانبِ ، حتى لقد وطىء الحسنان ، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كرييضة الغنم . فلمّا نهضت بالأمر نكشت طائفة، ومرقت أخرى وقسط آخرون : كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول : «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا فى الأرض ولا فساداً، والعاقبة للمتقين بلى ! والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها !

أما والّذي فلق الحبة ، وبرأ النّسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كفّة ظالم ولا سعب مظلوم، لا لقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ! انظر: شرح نهج البلاغة لمحمد عبدة 1 34 الخطبة الشقشقية).


1) فلقد صبر أمير المؤمنين عليه السلام على اغتصاب الخلافة وظلم الزهراء عليها السلام وتحريف دين الله وسنّة نبيه، ولذا جاءت خطبته الشقشقية تعبيراً عن حالة الظلم التي تعرض لها البيت النبوي بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله، ونظراً لأهمية الخطبة نحن نوردها كاملة .

وعلى هذا المنوال نسج الحسن - بأبي وأمي - أيام الهدنة ، إذ تغلب عليه ابن آكلة الأكباد ، وهم جميعاً على سنن النبي في أول أمره حيث لم يتمكن صلّى الله عليه وآله من دعوة أحد إلى الله حينئذ أصلاً ، وحال أوصيائه من بعده كحاله حين كان في الشعب محصوراً ، وفى الغار مستوراً ، ولئن كانت هذه الحال منافية للنبوّة فهى غير منافية للإمامة بطريق أولى كما يعلمه أولوا الألباب.

ولمّا هلك معاوية وانقضت الهدنة التي كانت تمنع الحسين عليه السلام من الدعوة إلى نفسه ووجد فى ظاهر الحال من الأنصار ما يتسنّى له القيام بالدعوة إلى الله تعالى ، نهض بأعبائها ، وتوجّه بولده وأهل بيته من حرم الله تعالى وحرم رسوله إلى العراق للإستنصار على الظالمين ، بمن دعاه إلى ذلك من أهل الكوفة ، وقدّم أمامه ابن عمّه مسلماً للدعوة إلى الله عزّ وجلّ ، والبيعة له على الجهاد في اعلاء كلمته تعالى ، وانقاذ الدين والمسلمين من أولئك المنافقين ، فبايعه أه--ل الكوفة على ذلك وعاهدوه ، وضمنوا له النصرة والنصيحة وواثقوه ، ثمّ لم تطل المدّة حتى نكثوا البيعة ، وأسلموا مسلماً فقتل بينهم غريباً مظلوماً ، وحيداً شهيداً ، وخرجوا إلى حرب الحسين عليه السلام ففعلوا به ما لم يفعلوه

بالخوارج، وقابلوه بما لم يقابلوا به أهل الخنا والريب.

جعجعوا (1)به ومنعوه المسير إلى بلاد الله ، وحالوا بينه وبين ماء الفرات ، حتى قضى شهيداً ظمآناً ، مظلوماً مهموماً ، مجاهداً مكابداً ، صابراً محتسباً ، قد نكثت بيعته ، واستحلّت حرمته ، ولم يوف له بعهد، ولا رعيت فيه ذمة وعقد وانتهبوا أمواله ، وسبوا عياله ، فلهفى لآل الرسول ، وللخفرات من عقائل البتول وقد ضاقت بهم المذاهب ، وارتجت عليهم المسالك ، مولهين مدلهين ، خائفين مترقبين .

كانت بحيث عليها قومها ضرب *** سرادقاً أرضه من عزّهم حرم

یکاد من هيبة أن لا يطوف به ***حتى الملائك لولا أنّهم خدم

فغودرت بين أدي القوم حاسرة *** تسبى وليس لها من فيه تعتصم

نعم لوت جيدها للعتب هاتفة *** بقومها وحشاها ملؤه ضرم

عجت بهم مذ على أبرادها اختلفت*** أيدي العدو ولكن من لها بهم

قومي الأولى عقدوا قدماً مآزرهم*** على الحمية ما ضيموا ولا اهتضموا

ما بالهم لا عفت منهم رسومهم*** قرّوا وقد حملتنا الأنين الرسم


1) كتب ابن زياد إلى عمر أن جعجع بالحسين ؛ أي أنزله بجعجاع وهو المكان الخشن الغليظ ، وهذا تمثيل لالجائه إلى خطب شاق وإرهاق ؛ وقيل المراد إزعاجه، لأن الجعجاع مناخ سوء لا يقر فيه صاحبه، ومنه جعجع الرجل قعد على غير طمأنينة. انظر : الفائق: 364 .

[ المجلس الثالث ]

لما اختار الله تعالى للإمام أبي محمد الحسن السبط عليه السلام دار كرامته ومأوى أصفيائه ، كتب الشيعة في العراق إلى الحسين عليه السلام يعرضون عليه البيعة (1)ويبذلون له النصرة فأبى عليهم ، وذكر أن بينهم عليهم السلام وبين معاوية هدنة لا يجوز لهم نقضها ، فلما هلك معاوية وذلك للنصف من رجب سنه ستین.(2)

قام من بعده ولي عهده يزيده المتهتك ، وسكيره المفضوح ، وهو صبي يشرب الشراب ، ويلعب بالكلاب ، ولا يعرف من الدين موطىء قدمه ، ولا يرقب إلاّ ولا ذمّه.

فكتب إلى ابن عمه الوليد بن عتبة (3)

:انظر مرآة الجنان 1: 140، نسب قريش: 133 و 433 الأعلام 8: 12 .

- وكان والياً على المدينة - يأمره بأخذ البيعة له من الناس عامة ، ومن الحسين خاصة ، ويقول له : «إن أبى عليك الحسين فاضرب عنقه ، وابعث إليّ برأسه» (4)

1) ارشاد المفيد : 200 ، المهلوف : 96

2) انظر: تاريخ الطبري 6: 180 تاريخ ابن الأثير 4 2 البدء والتاريخ 6: 5 ، الأعلام 7: 261 - 262 .

3) الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ابن حرب الأموي، أمير من رجالات بني أمية، ولى المدينة سنة 57 ه- أيام معاوية، ومات معاوية فكتب إليه يزيد أن يأخذ له البيعة عزله يزيد سنة 60 ه- واستقدمه إليه، فكان من رجال مشورته بدمشق، ثمّ أعاده سنة 61 ه- وثورة عبد الله بن الزبير في أبانها بمكة، وظل في المدينة إلى ان توفى بالطاعون سنة 64ه

4) الملهوف: 97 .

فاستشار الوليد (مروان (1)في ذلك ، فقال له : إنّه لا يبايع ، ولو كنت مكانك لضربت عنقه .

ثمّ بعث إلى الحسين عليه السلام، فجاءه - بأبي واُمّى - في ثلاثين رجلاً من أهل بيته ومواليه ، فنعى [الوليد ] إليه معاوية، وكلّفه بالبيعة (2). فقال له عليه السلام : إنّ البيعة لا تكون سرّاً ، فإذا دعوت الناس غداً فادعنا معهم .

فقال مروان : لا تقبل أيها الأمير عذره ، فان بايع الآن وإلا فاضرب عنقه . فغضب الحسين عليه السلام ثمّ قال : ويل بك يا بن الزرقاء، أنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله وأثمت .

ثم أقبل على الوليد فقال : «إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ، وبنا فتح الله وبنا ختم ویزید رجل [فاسق] شارب الخمور ، قاتل النفس المحرّمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله» ، ثمّ خرج عليه السلام فقال مروان للوليد : عصيتني .

فقال : ويحك أنك أشرت عليّ بذهاب ديني ودنياي ، والله ما أُحبّ أنّ الدنيا بأسرها تكون لي وأنّني قتلتُ حسيناً أن قال : لا ابايع ، والله ما أظن أن


1) مروان بن الحكم بن أبي العاص ولد بمكة وسكن المدينة جعله عثمان من خاصته واتخذه كاتباً له، وبعد قتل عثمان خرج مروان مع عائشة إلى البصرة، وشهد صفين مع معاوية ولي المدينة سنة في ولاية معاوية، وهو أوّل من ملك من بني الحكم بن أبي العاص (طريد رسول الله)، مات سنة 65 بالطاعون ؛ وقيل : قتلته زوجته أم خالد. :انظر: أسد الغابة 4 348 ، تاريخ ابن الأثير :4: 74 تاريخ الطبري 7: 34 .

2) أي البيعة ليزيد .

أحداً يلقى الله بدم الحسين عليه السلام إلّا وهو خفيف الميزان يوم القيامة ، لا ينظر الله إليه ولا يزكّيه وله عذابٌ أليم .

فأقام الحسين عليه السلام في منزله تلك الليلة ، وهي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستّين .

فما أصبح - بأبي وأمي - خرج يستمع الأخبار فلقيه مروان فقال : يا أبا عبد الله إنّني لك ناصح ، فاطعني ترشد.

فقال الحسين عليه السلام : وما ذاك ؟ قل حتى أسمع .

فقال : إنّي آمرك ببيعة يزيد فانّه خير لك في دينك ودنياك !

فقال عليه السلام : إنّا للّه و إنّا إليه راجِعُونَ على الاسلام السلام إذا قد بليت الأمة براع مثل يزيد .. وطال الحديث بينهما حتى ولى مروان وهو غضبان. فلمّا كان آخر يوم السبت بعث الوليد برجاله إلى الحسين ليحضر فيبايع . فقال له الحسين عليه السلام : أصبحوا ثم ترون ونرى .

فكفّوا عنه ولم يلحّوا عليه .

فخرج - بأبي وأُمّي - من تحت ليلته وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجهاً نحو مكة ومعه بنوه وبنو أخيه واخوته وجلّ أهل بيته ، سار من المدينة وهو يقرأ : (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَومِ الظَّالِمِينَ) (1)ولزم الطريق الأعظم ، فسئل أن يتنكب الطريق كما فعل ابن الزبير كي لا يلحقه الطلب فأبى وقال : لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو قاض ، وكان دخوله


1) سورة القصص : 21 .

مكّة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان دخلها وهو يقرأ : ﴿وَلَمَّا تَوَجَّه تِلْقَاءَ مَدينَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيْنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) (1)

فأقام فيها باقي شعبان وشهر رمضان وشوال وذي القعدة وثمان ليال من ذي الحجة ، ثمّ لم يأمن على نفسه ، ولم يتمكن من تمام حجه مخافة أن يقبض عليه بمكة فينفذ به إلى يزيد بن معاوية فأحل من احرامه وجعلها عمرة مفردة وخرج من مكة وهي حرم الله الذي يأمن فيه الوحش والطير ، كما خرج من المدينة وهي حرم جدّه رسول الله خائفاً يترقب ...

فوالهفتاه و واجز عاه عليك يا وديعة المصطفى ، وريحانته من الدنيا .

وواحر قلباه لك يا خامس أصحاب الكساء ، وقرّة عين سيّدة النساء .

يا بن مكّة ومنى ، وابن زمزم والصّفا خفت على نفسك في الحرم ، وأنت أمن الخائفين ، وفررت منهم لما خفتهم بأطفالك وعيالك ، وأنت ملجأ الهاربين.

فيا للّه من هذه الفادحة التي أثكلت جبرائيل ، ووامصيبتاه من هذه النازلة إذ عظمت على الربّ الجليل .

مثل ابن فاطمة يبيت مشرّداً ***ویزيد في لذاته متنعّم

ويضيق الدنيا على ابن محمد*** حتى تقاذفه الفضاء الأعظم

خرج الحسين من المدينة خائفاً*** كخروج موسى خائفاً يتكتم

وقد انجلى عن مكة وهو ابنها ***وبه تشرفت الحطيم وزمزم

لم يدر أين يريح بدون ركابه ***فكأنما المأوى عليه محرم

فمشت تؤم به العراق نجائب*** مثل النعم به تخب و ترسم


1) سورة القصص : 22

[ المجلس الرابع ]

ولما نزل الحسين عليه السلام مكّة أقبل أهلها ومن كان فيها من المعتمرين وأهل الآفاق يختلفون إليه ، وجاءه ابن عبّاس وابن الزبير فأشارا عليه بالامساك فقال: «ان رسول الله صلى الله عليه وآله أمرنى بأمر وأنا ماض فيه».

فخرج ابن عباس وهو يقول : «واحسيناه» (1)وجاءه ابن عمر فأشار عليه بالصلح .

فقال عليه السلام : «يا أبا عبد الرحمن أما علمت أن من هوان الدنيا الله أن رأس يحيى بن زكريا أهدي الى بغي من بغايا بني إسرائيل ، أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوعى الفجر والشمس سبعين نبياً ، ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنّهم لم يصنعوا شيئاً فلم يعجل الله عليهم ثمّ أخذهم أخذ عزيز ذي انتقام اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعنّ نصرتی (2)

وبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية فأرجفوا بيزيد ، وعرفوا بامتناع الحسين من بيعته ، ومجيئه إلى مكة (3)


1) الملهوف : 101 ، أنساب الأشراف للبلاذري، ترجمة الإمام الحسين عليه السلام: 166 .

2) أنساب الأشراف ( ترجمة الإمام الحسين عليه السلام): 166 - 167 .

3) الإرشاد للمفيد : 206 .

فاجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي (1)

بعد موت معاوية كان من جملة من كتب إلى الحسين يدعوه للقدوم إلى الكوفة ، وقف إلى جانب مسلم بن عقيل عند وثوبه فيها ، لكن ابن زياد ألقاه في السجن ؛ ولهذا لم يحظ بالمشاركة في معركة الطف.

وبعد واقعة كربلاء ، حين استشعر أهل الكوفة الندم لنكولهم عن نصرة الحسين ، اضطلع هو بقيادة ثورة التوابين الذين أعلنوا ثورتهم عام 65 للهجرة ، وكان شعارهم ( يا لثارات الحسين»، حيث اشتبكوا مع جيش ابن زياد في موضع يُقال له عين الوردة واستشهد في هذه المعركة هو وعدّة من أصحابه ، قتله الحصين بن نمير ؛ وقيل : أنه استشهد اثناء الاشتباك مع القوات التي كانت موفدة من الشام إلى الحجاز . كان عمر سليمان بن صرد عند استشهاده 93 سنة ، وبعد استشهاده أرسلوا رأسه إلى مروان بن الحكم في الشام ، انظر : الإصابة ترجمة رقم 3450، أسد الغابة 2: 449، تاريخ الاسلام 3: 17، الأعلام 3: 127.

، فلمّا تكاملوا قام سليمان فقال : إن معاوية قد هلك ، وان حسيناً قد تقبض على القوم ببيعته ، وخرج إلى مكة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فان كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوّه، ونقتل أنفسنا دونه فاكتبوا إليه ، وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل .

قالوا : لا ، بل نقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه .

قال : فاكتبوا إذاّ إليه . فكتبوا اليه :

بسم الله الرحمن الرحيم

للحسين بن على عليهما السلام.


1) أبو مطرّف سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون عبد العزى بن منقذ السلولي الخزاعي، صحابي كان اسمه في الجاهلية «يسار» وسمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله باسم «سليمان»، شهد الجمل وصفّين مع أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو من أوائل من سكن الكوفة من المسلمين ، كان من وجهاء الشيعة فيها ، وله مكانة جليلة عندهم ، قاد ثورة التوابين التي انطلقت من الكوفة للمطالبة بدم الحسين عليه السلام.

من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة (1)

كان المسيب من أشد الناس حسرة على عدم شهادته بين يدي ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد أعلن ندمه في خطابه الذي ألقاه على جموع التوّابين، وقد أسف كثيراً على عدم نصرته له بعدما وصله كتاب الإمام ومبعوثه . انظر : الإصابة ترجمة رقم 8424، مروج الذهب 3 94 ، تاريخ الاسلام للذهبي 5: 248 ، الأعلام 7: 225 - 226 .

ورفاعة بن شداد (2)

مظاهر (3)

بني أما قصة حواره مع ميثم التمار فهي مشهورة، وذلك أنّهما مرًا في مجلس لبني أسد قبل عاشوراء بسنوات، وتحدّث كلّ منهما عن الكيفية التي سيستشهد بها الآخر ، وكان ذلك مدعاة لتعجب الحاضرين كان يرتجز يوم الطف ويقول :

أنا حبیب وأبي مُظهّر *** فارس هيجاء وحرب تسعر

في كربلاء كان حبيب بن مظاهر مستبشراً بقرب استشهاده و رواحه الجنّة ، فكان يمزح مع برير بن خضير ، ولما قتل حبيب هدَّ ذلك حسيناً فقال عليه السلام: أحتسب نفسي وحماة أصحابي . قتله بديل بن صريم الغفقاني، وكان عمره آنذاك 75 سنة ، وطافوا برأسه أيضاً بالكوفة مع سائر رؤوس الشهداء. :انظر تاريخ الطبري :5 352 - 440 لسان المیزان :2 173، الأعلام 2 166.

وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة.

1) هو : المسيب بن نجبة (نجية) بن ربيعة بن رياح الفزاري، تابعي كان من وجوه أصحاب علي عليه السلام وشارك معه في مشاهده كلها ، شهد القادسية وفتوح العراق، شارك في ثورة التوابين الذين خرجوا للمطالبة بدم الحسين وشهداء كربلاء ، بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي ولما قتل سليمان ، أخذ الراية وقاتل بشجاعة حتى قتل .

2) رفاعة بن شداد البجلي قارىء من الشجعان المقدمين من أهل الكوفة، من شيعة علي عليه السلام، قتل سنة 66ه . انظر: الأعلام 3 29 .

3) حبيب بن مظاهر - أو مظهّر أو مطهّر - بن رئاب بن الأشتر بن حجون الأسدي الكندي ثمّ الفقعسي تابعي، من القوّاد الشجعان، نزل الكوفة، صحب عليّ عليه السلام في حروبه -ه كلّها. قال أصحاب السير : ان حبيباً نزل الكوفة وصحب علياً عليه السلام وكان من خاصته وحملة علومه ، وكان من «شرطة الخميس» التي أوجدها الإمام علي عليه السلام في الكوفة ، وكان ممن سعى لأخذ البيعة لمسلم بن عقيل عند دخوله الكوفة ، وهو أحد الزعماء الكوفيين الذين كتبوا إلى الحسين عليه السلام، وكان معظماً عند الحسين عليه السلام وعند التعبئة للقتال جعله الحسين على ميسرة أصحابه، وكان قد بذل محاولة لاستقدام أنصاراً من أسد ، وحال الجيش الأموي دون وصولهم معسكر الحسين عليه السلام.

سلام عليك ، فانّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو .

أما بعد : فالحمد لله الّذي قصم عدوّك الجبّار العنيد ، الّذي انتزى على هذه الأمّة فابتزّها ،أمرها ، وغصبها فيئها ، وتأمّر عليها بغير رضاً منها ، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها ، فبعداً له كما بعدت ثمود ، وإنه ليس علينا إمام، فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحق: والنعمان بن بشير (1)

انظر جمهره الأنساب : 345، أسد الغابة 5: 22 الأعلام 8 36

في قصر الامارة، ولسنا نجتمع معه في جمعة [ولا جماعة]، ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء الله تعالى ، والسلام عليك يا بن رسول الله وعلى أبيك من قبلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ثمّ سرّحوا الكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمداني ، وعبد الله بن وال ، وأمروهما بالنجاء (2). فخرجا مسرعين حتى قدما على الإمام عليه السلام بمكة لعشر مضين من شهر رمضان.

وبعد يومين من تسريحهم بالكتاب (3)أنفذوا قيس بن مسهر الصيداوي وعبدالله وعبدالرحمن ابني شداد الأرحبي، وعمارة بن عبدالله السلولي ، ومعهم نحو مائة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة .


1) النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري أبو عبدالله أمير ،شاعر، من أهل المدينة. وجهته نائلة - زوجة عثمان - بقميص عثمان إلى معاوية، فنزل الشام وشهد صفين مع معاوية، وولي القضاء بدمشق، وولي بعده اليمن لمعاوية، ثم استعمله على الكوفة، وعزل عنها وصارت له ولاية حمص، واستمر فيها إلى أن مات يزيد، فبايع النعمان لابن الزبير، وتمرّد أهل حمص فخرج هارباً، فأتبعه خالد بن خلي الكلاعي فقتله سنة 65 ه-

2) النجاء : الاسراع والسبق .

3) الارشاد : 203 ، الملهوف : 65 .

ثمّ لبثوا يومين آخرين وسرّحوا اليه عليه السلام هاني بن هاني السبيعي(1)وسعيد بن عبد الله الحنفى (2)

:انظر تاريخ الطبري 5: 419 ، مقتل الحسين للخوارزمي 1 195.

وكتبوا إليه :

بسم الله الرحمن الرحيم

للحسين بن علي عليهما السلام.

من شيعته من المؤمنين والمسلمين.

أما بعد : فحىّ هلا فانّ الناس ينتظرونك، لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل ثمّ العجل العجل .

ثم كتب شبث بن ربعي (3)

وقيل: إنّه لمّا قبض على شبث قال له إبراهيم أصدقني ما عملت يوم الطف؟ قال: ضربت وجهه الشريف بالسيف !! فقال له ويلك يا ملعون ما خفت من الله تعالى ولا من جده رسول الله، ثم جعل يشرح أفخاذه حتى مات .

انظر: الإصابة ترجمة رقم 3950، تهذیب التهذيب :4 303 میزان الاعتدال 1: 440 .

، وحجار بن أبجر (4)، ويزيد بن الحارث (5)

1) هاني بن هاني الهمداني الكوفي، روى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهنه أبو إسحاق السبيعى أنظر تهذيب التهذيب 11 : 22 - 23 ولم ينعته كلّ من ترجمه بالسبيعي، والسبيعي بطن من بطون همدان .

2) وروي كذلك باسم سعد، وهو من بني حنيفة بن لجيم من بكر بن وائل، وهو أحد الرسل الذين حملوا رسائل الكوفيين إلى الحسين عليه السلام، من أعظم الثوار تحمّساً .

3) شبث بن ربعي التميمي اليربوعي أبو عبد القدوس، شيخ مصر وأهل الكوفة في أيامه أدرك عصر النبوة، ولحق بسجاح المتنبئة، ثم عاد إلى الاسلام ثار على عثمان قاتل الحسين عليه السلام بعد أن كتب إليه يدعوه إلى المجيء، مات بالكوفة نحو سنة 70ه-

4) حجار ككتان وككتاب - بن أبجر الكوفي، يقال فيهم يروي عن أمير المؤمنين، روى عنه السماك بن حرب. انظر: الرجال في تاج العروس 2 25 .

5) يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني، أدرك عصر النبوة، وأسلم على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وشهد اليمامة، ونزل بالبصرة، قتل في الري سنة 68 ه الإصابة ترجمة رقم 9398 تهذيب التهذيب :8 163 ، جمهرة الانساب: 305 .

وعروة بن قيس (1)، وعمرو بن الحجاج الزبيدي ، ومحمد بن عمرو التميمي (2)

أما بعد : فقد اخضرّ الجناب (3)، وأينعت الثمار،وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار، فإذا شئت فاقبل على جند لك مجندة والسلام.

وتواترت عليه الكتب حتى اجتمع عنده في نوب متفرّقة اثنا عشر الف كتاب ، وهو مع ذلك يتأنّي ولا يجبهم.

فورد عليه في يوم واحد ست مائة كتاب ، وتلاقت الرسل كلّها عنده فسألهم عن الناس ، وقال لهاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي : خبّراني من اجتمع على هذا الكتاب ؟

فذكرا له وجوه أهل الكوفة ، وأولى الرأى منهم .

فقام بأبي وأُمِّي - عند ذلك فصلى ركعتين بين الركن والمقام ، ثم كتب مع هاني وسعيد :

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن علي.

الى الملأ من المؤمنين والمسلمين :

أما بعد : فان هانياً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم ، وكانا آخر من قدم عليَّ من


1) ظاهراً الصحيح عزرة بن قيس. راجع تاريخ الطبري 5: 353، أنساب الأشراف 3: 158.

2) محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي الدارمي من أهل الكوفة له مع الحجاج وغيره من أمرائها أخبار، كان أحد أمراء الجند في صفّين مع عليّ عليه السلام، توفي نحو 85ه-. أنظر: المحبر : 154 و 338 و 339 لسان الميزان 3305

3) في بعض المصادر اخضرت الجنّات والجناب الفناء، وما قرب من محلّة القوم .

رسلكم ، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم ، ومقالة جلّكم : «إنه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحق والهدى».

وإني باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل . فان كتب إليَّ أنه قد اجتمع رأى ملئكم ، وذوي الحجي والفضل منكم على ما قدمت به رسلكم ، وقرأت في كتبكم ، فانّي أقدم إليكم وشيكاً ان شاء الله تعالى فلعمري ما الإمام إلّا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط ، الداين بدين الحق ، الحابس نفسه على ذات الله ، والسلام .

ودعا سلام الله عليه مسلم بن عقيل فسرّحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبدالله السلولي وعبد الله وعبد الرحمن الأرحبتين ، وأمره بالتقوى وكتمان أمره واللطف ، فان رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه بذلك . فأقبل مسلم رضوان الله عليه حتى أتى المدينة فصلّى في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وودع أهله ومن يحب .

وسار حتى وصل الكوفة فنزل في دار المختار بن [أبي] عبيدة الثقفي(1)وأقبلت الشيعة تختلف إليه ، وكلّما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين عليه السلام وهم يبكون .


1) المختار بن أبي عبيدة ابن مسعود الثقفي أبو إسحاق، من زعماء الثائرين على بني أمية، من أهل الطائف، انتقل إلى المدينة مع أبيه، وبقي المختار في المدينة منقطعاً إلى بني هاشم، تزوج عمر بن الخطاب أخت المختار صفية، وكان المختار مع على عليه السلام بالعراق، وسكن البصرة بعد علي عليه السلام قبض عليه عبيد الله بن زياد في البصرة وحبسه ونفاه بشفاعة ابن عمر إلى الطائف ذهب إلى الكوفة بعد موت يزيد لأخذ الثأر من قتلة الحسين واستولى على الكوفى والموصل وتتبع قتلة الحسين عليه السلام قتله مصعب بن الزبير بعد حرب بينهما سنة 67 ه- انظر: الإصابة ترجمة رقم 8545 الفرق بن الفرق: 31 - 37 ، الكامل في التاريخ :4: 82 - 108 تاريخ الطبري 7: 146

وبايعه الناس حتى بايعه منهم ثمانية عشر الفاً .

فكتب مسلم إلى الحسين بذلك ، وطلب منه القدوم عليهم .

وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم بن عقيل ، حتى علم النعمان بن بشير بذلك - وكان والياً على الكوفة من قبل معاوية فأقرّه يزيد عليها - وعلم بمكان مسلم فلم يتعرّض له بسوء.

فقام إليه عبدالله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي حليف بني أمية فقال له : إنّه ما يصلح ما ترى أيّها الأمير إلا الغشم - أيّ الظلم - وانّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك لرأي المستضعفين .

وكتب إلى يزيد كتاباً فيه : أنّ مسلم بن عقيل قدم الكوفة وبايعت الشيعة للحسين ، فان يكن لك فيها حاجة فابعث إليها قويّاً ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك ، فانّ النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعّف .

كتب كل من عمارة بن عقبة وعمر بن سعد بنحو من ذلك .

وبعد وصول كتبهم إلى يزيد كتب إلى عبيد الله بن زياد - وكان والياً على - البصرة (1)- بأنّه قد ولّاه الكوفة وضمّها إليه ، وعرّفه أمر مسلم بن عقيل وشدّد عليه في تحصيله وقتله .

فأسرع اللعين إلى الكوفة ، واستخلف أخاه عثمان على البصرة ، وكان دخوله إلى الكوفة ليلاً ، فظنّ أهلها أنّه الحسين عليه السلام فتباشروا بقدومه ودنوا منه ، فلمّا عرفوا أنه ابن مرجانة تفرّقوا عنه . فدخل قصر الامارة وبات فيه إلى الغداة ، ثم خرج فأبرق وأرعد، ووعد وتوعّد.

فلمّا سمع مسلم بن عقيل بذلك خاف على نفسه ، فقصد هاني بن عروة


1) البصرة بلدة اسلامية بنيت في خلافة عمر في السنة 18 من الهجرة، سمّيت بذلك لأنّ البصرة الحجارة الرخوة، وهي كذلك، فسمّيت بها ، والبصرتان البصرة والكوفة. مجمع البحرين 3: 225 - 226 .

فآواه وأكرم مثواه ، وكثر اختلاف أصحابه إليه يبايعونه على السمع والطاعة.

لكنّهم نقضوا بعد ذلك بيعته ، واخفر وا ذمّته ، ولم يثبتوا معه على عهد، ولا وفوا له بعقد ، وكان - بأبي هو وأُمّي - من أسود الوقائع ، وسقاة الحتوف ، وأباة الذلّ، وأولي الحفائظ ، وله - حين أسلمه أصحابه ، واشتد البأس بينه وبين عدوّه - مقام كريم ، وموقف عظيم ، إذ جاءه العدو من فوقه ومن تحته ، وأحاط به من جميع نواحيه ، وهو وحيد فريد لا ناصر له ولا معين ، فأبلى بلاء حسناً ، وصبر الأحرار على ضرب سيوفهم ، ورضخ أحجارهم (1)و ما ناله من ضياتهم الشحيذة ، وأطنان قصبهم الملتهبة ، التي كانوا يرمونه من فوق البيت عليه ، حتى وقع في أيديهم أسيراً ، بعد أن فتك بهم ، وأذاقهم وبال أمرهم ، ثم قتلوه ظمئاناً ، وهو يكبر الله ويستغفره ، ويصلّى على رسوله صلّى الله عليه وآله ، وصلبوا جثته بالكناسة ، وبعثوا برأسه إلى الشام .

رعي الله جسماً بالكنائس مصلباً *** و رأساً له فوق السنان مركبا

لقد سامه الأعداءخفضاً فما ارتضى ***سوى الرفع فوق السمهرية منصبا

وقفت بمستنّ النزال فلم تجد *** سوى الموت فى الهيجا من الضيم مهربا

إلى أن وردت الموت والموت سنة ***لكم عرفت تحت الأسنة والضيا

ولاعيب في الحرّ الكريم إذا قضى *** بحد الضبا حراً كريماً مهذّبا


1) وضع راسه بالحجر : رضَه

[ المجلس الخامس ]

لما جاء عبيد الله بن زياد (1)الى الكوفة (2)، وضع المراصد ، وبثّ الجواسيس فيها على مسلم ، حتى علم أنّه في دار هاني ، فدعامحمّد بن الأشعث (3)وأسماء بن خارجة (4)وعمرو بن الحجاج ، فقال:

ما يمنع هانياً من إتياننا ؟

فقالوا : ما ندري، وقد قيل: إنّه يشتكي .

فقال : بلغنى ذلك ، ثم علمت أنه قد برىء وأنه يجلس على باب داره ولو أعلم أنه شاكٍ لعُدته ، فألقوه ومروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقنا، فإنّي لا أحبّ أن يفسد عندى مثله [لأنّه]من أشراف العرب.


1) عبیدالله بن زياد بن أبيه، ولد بالبصرة، وكان مع والده لما مات بالعراق، قصد الشام فولاه عمه معاوية خراسان سنة 53 ه- وبقى فيها سنتين، ونقله معاوية إلى البصرة أميراً عليها سنة 55، وأقره يزيد على امارته سنة 60ه- ، وكانت فاجعة الطف في أيامه وعلى يده، وبعد هلاك يزيد بايع أهل البصرة لعبيدالله ثمّ لم يلبثوا أن وثبوا عليه، فهرب متخبّئاً إلى الشام، ثم عاد يريد ،العراق، فلحق به إبراهيم الأشتر فاقتتلا وتفرّق أصحاب عبیدالله فقتله ابن الأشتر فى خازر من أرض الموصل، ويدعى عبيد الله بابن مرجانة، وهي أُمّه كانت معروفة بالفسق والفجور. انظر: تاريخ الطبري 6: 166 و 7: 18 و 144 ، الأعلام .1934

2) الارشاد : 208 ، الملهوف : 114 .

3) محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، أبو القاسم من أصحاب مصعب بن الزبير، قتل سنة 67 ه- انظر ترجمته في الاصابة رقم 8504 الأعلام 6 39

4) أسماء بن خارجة بن حصين الفزاري تابعي من رجال الطبقة الأولى من أهل الكوفة، توفى سنة 66 ه انظر ترجمته في تاريخ الاسلام 2: 372 الأعلام 1: 305

فأتوه ووقفوا عشيّةً على باب داره ، فقالوا له : ما يمعنك من لقاء الأمير فإنّه ذكرك وقال : لو أعلم أنّه شاكٍ لعُدته ؟

فقال : الشكوى تمنعنى .

فقالوا : [إنّه] قد بلغه جلوسك كلّ عشيّة على باب دارك ، وقد استبطأك والإبطاء والجفاء لا يتحمّله السلطان من مثلك، لأنك سيّد قومك ، ونحن نقسم عليك إلّا ركبت معنا .

وما زالوا به حتى غلبوه على رأيه ، فدعا بثيابه فلبسها ، ثم دعا ببغلته فركبها ، فلما دنا من القصر أحس ببعض الذي كان ، فقال لحسّان بن أسماء بن خارجة :

يا بن أخي إنّي والله لخائف من هذا الرجل فما ترى ؟

فقال : والله يا عم ما أتخوّف عليك شيئاً ، فلا تجعل على نفسك سبيلاً ، ولم يكن حسّان يعلم الذي أضمر ابن مرجانة لهاني .

فجاءه رحمه الله تعالى والقوم معه حتى دخلوا جميعاً على ابن زياد ، فلمّا رأى هانياً قال : أتتك بخائن (1)رجلاه . ثمّ تمثّل فقال :

أريد حياته ويريد قتلي *** عذيرك من خليلك من مراد (2)


1) كذا في الأصل والمصادر، والظاهر أنّ الصحيح حائن، وهو الذي حان حينه وهلاكه، راجع مجمع الأمثال للميداني.

2) هذا البيت ل عمرو بن معدي كرب الزبيدي وهو فارس اليمن وصاحب الغارات المذكورة وفد على (( المدينة سنة 9 ه- في عشرة من بني زبيد فأسلم وأسلموا يكنى أبا ثور، توفي على مقربة من الري سنة 21 ه- ؛ وقيل : قتل عطشاً يوم القادسية. انظر: الاصابة رقم (5972) خزانة الأدب 1 425 - 426 الأعلام 5: 86

فقال له هانى : وما ذاك يا أمير ؟

فقال : إيهاً يا هانى ما هذه الأمور التى تُربصُ في دارك لأميرالمؤمنين وعامة المسلمين ؟ جئت بابن عقيل فأدخلته دارك ، وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك ، وظننت أن ذلك يخفى عليّ .

فقال : ما فعلتُ .

قال : بلى قد فعلتَ.

فلمّا كثر ذلك بينهما وأبى هانى إلّا الانكار ، دعا ابن زیاد بمعقل (1)مولاه حتى وقف بين يديه - وكان عيناً له على أخبارهم من حيث لا يدرون ، وقد عرف كثيراً من أسرارهم ، إذ كان يظهر لهم الاخلاص لأهل البيت والتفاني في حبهم - فلما رآه هاني علم أنّه كان عيناً عليهم ، وأنّه قد أتاه بأخبارهم ، فأسقط في يده ، ثم راجعته نفسه فقال:

أصلح الله الأمير والله ما بعثت إلى مسلم بن عقيل ، ولا دعوته ، ولكن جاءني مستجيراً فأجرته ، واستحييت من ردّه ، ودخلني من ذلك ذمام ف--ضيفته وآويته ، والآن فخلّ سبيلى حتى أرجع إليه وأمره بالخروج من داري إلى حيث شاء من الأرض لأخرج بذلك من ذمامه وجواره، ثمّ ارجع إليك حتى أضع يدي في يدك .

فقال له ابن زياد : والله لا تفارقنى حتى تأتینی به .

فقال : والله لا آتيك به أبداً ، آتيك بضيفى تقتله !

فقال : والله لتاتینی به .


1) لم يذكروه، وهو ملعون خبيث .

فقال : والله لا آتيك به ، فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمر و الباهلي (1)

فقال : أصلح الله الأمير خلنى وإيَّاه حتى أكلّمه .

فقام فخلى به ناحية وهما بحيث يراهما ابن زياد ويسمع كلامهما فبينما هما يتناجيان إذ رفعا أصواتهما ، فقال الباهلي :

يا هاني أنشدك بالله لا تقتل نفسك ، ولا تدخل البلاء على عشيرتك فوالله انّي لأنفس بك عن القتل ، ان هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضائريه ، فادفعه إليهم فانّه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة وانما تدفعه إلى السلطان. فقال هاني : والله ان عليّ في ذلك الخزي والعار أن أدفع جاري وضيفي ورسول ابن رسول الله وأنا صحيح الساعدين كثير الأعوان ، والله لو لم أكن إلا واحداً ليس لى ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه ، فأخذ يناشده وهو يقول :

والله لا أدفعه أبداً .

فسمع ابن زیاد ذلك فقال : ادنوه منّي فأدنى منه ، فقال : والله لتأتيني لاضربنّ عنقك.

فقال هاني : إذاّ تكثر البارقة حول دارك.

فقال ابن زياد : والهفاه عليك أبا البارقة تخوّفني ؟ وهاني يظن أنّ عشيرته يمنعونه ، ثم قال : ادنوه مني فادني منه ، فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يصرب أنفه وجبهته وخده حتى كسر أنفه وسال الدماء على ثيابه ونثر لحم خده وجبينه على لحيته الشريفة فانكسر القضيب وضرب هاني يده على قائم سيف شرطي فجاذبه ذلك الرجل ، فصاح


1) في بعض المصادر مسلم بن عمر، وفي أخرى مسلم بن عمير الباهلي. لم يذكروه .

اللعين ابن مرجانة : خذوه ، فجروه حتى ألقوه في بيت من بيوت الدار ، وأغلقوا علیه بابه وجعلوا عليه حرسا.

فقام حسّان بن أسماء بن خارجة إلى ابن زياد فقال : أرسل غدر - نحن - سائر اليوم أيّها الامير ، أرسلتنا الى الرجل ، وأمرتنا أن نجيئك به ، حتى إذا جئناك به هشمت وجهه ، وأسلت دماءه وزعمت أنك تقتله ؟

فغضب ابن مرجانة وقال : وانك لها هنا ، ثم أمر به فضرب وقيد وحبس فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون إلى نفسي انعاك يا هاني .

وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانياً قد قتل ، وكان هاني صهره على بنته رويحة (1)، فأقبل عمرو في مذحج كافة حتى أحاط بالقصر ، ونادى : ، أنا عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم تخلع طاعة ، ولم تفارق جماعة ، وقد بلغنا أن صاحبنا قد قتل .

فأتاهم القاضي شريح (2)- وكان مع ابن زياد في القصر حين دخل عليه هاني وفعل معه ما فعل - فأخبرهم بسلامته فرضوابقوله وانصرفوا.

تباً لهم وترحاً ، لقد خطمهم (3)ابن مرجانة بالذل ، وقادهم ببرة ) الهوان ، وعفر وجوههم إذ هشم وجه سيدهم ، وأرغم أنا فهم إذ كسر أنفه ، وألقاهم في


1) رويحة ابنة عمرو، كانت أمّ ولد للأشعث بن قيس الكندي، وقد كان لها ابن من غيره يقال له بلال بن أسيد، أعتقها الأسيد الحضرمي. انظر: الكامل في التاريخ : 31 اعلام النساء المؤمنات: 363 - 364

2) شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، أبو أميّة، توفي سنة 78ه- ، أصله من اليمن، ولي قضاء الكوفة في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، واستعفى في أيام الحجاج فأعفاه سنة 77 ه- . انظر : الطبقات :6 90 - 100 ، وفيات الأعيان 1 224 .

3) من خطم البعير : وهو أن يشدّ على أنفه حبل يقاد به (4) البرّة : حلقة تجعل في لحم انف البعير ويشدّ إليها الزمام .

مراغة (1)الذل إذ ألقاه في الحبس ، ومرّغهم في حمأة (2)الهوان إذ جروه قتيلاً برجله في الاسواق .

أمّا هانى فقد فاز بالشهادة ، وختمت أيامه بالسعادة .

وواسى الرجال الصالحين بنفسه*** وفارق مثبوراً وخالف مجرما

وقد ثارت به الحمية الله عزّ وجلّ ، وعصفت في رأسه لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وأخذته حفائظ الولاية لآله الطيبين الطاهرين ، فبذل نفسه ، ووقاهم بمهجته .

فوا لهفاه ما أعزّ جانبه .

وأسفاً عليه ما أمنع حوزته .

وحزناً لوجهه الميمون المشرق وقد شوّهه اللعين ضرباً بعصاه .

ونفسي الفداء لذلك الأنف الحمي وقد كسر في سبيل الله .

والله تناثر اللحم من جبينه الوضاح ، وخده الزاهر ، وجبهته المباركة على كريمته الشريفة .

وفي عين الله خضّبت تلك الشيبة العزيزة بدماء ذلك الأغر ، دون أن يهتضم جاره أو يستباح ذماره .

كريم أبى شم الدنية أنفه *** فأشممه شوك الوشيج المسدّد

وقال : قفی یا نفس وقفة واردٍ*** حياض الردى لا وقفة المتردّ


1) المراغة : الموضع تتمرغ فيه الدواب .

2) الحمأة : الطير الأسود المنتن

[المجلس السادس ]

لما بلغ مسلم بن عقيل ما فعل ابن زياد بهاني بن عروة، خرج بمن بايعه لانقاذ هانی و حرب ابن زیاد (1)فتحصّن اللعين عنه بقصر الامارة واقتتل أصحابه وأصحاب مسلم ، وجعل أصحابه الذين معه في القصر يشرفون منه ويحذرون أصحاب مسلم ويتوعدونهم بأجناد الشام.

فلم يزالوا كذلك حتى جاء الليل، فجعل أصحاب مسلم يتفرّقون عنه ويقول بعضهم لبعض : ماذا نصنع بتعجيل الفتنة ، وينبغي أن نقعد في منازلنا وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم .

وما زالوا يتفرّقون حتى أمسى ابن عقيل وصلّى المغرب وما معه إلا ثلاثون نفساً في المسجد.

فلمّا رأى ذلك خرج متوجهاً نحو أبواب كندة ، فما بلغها إلا ومعه منهم عشرة.

ثم خرج من الباب فإذا ليس معه انسان يدلّه ، فالتفت فإذا لا يحس بأحد،فمضى على وجهه متلدّداً في أزقة الكوفة لا يدري كيف يصنع ولا أين يذهب. ومشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها : (طوعة) أم ولد كانت للأشعث ابن قيس فأعتقها ، فتزوّجت أسيد الحضر مى فولدت له بلالاً ، وكان بلال قد خرج مع الناس وأمه قائمة تنتظره - فسلّم عليها مسلم فردت عليه ، ثمّ طلب منها


1) الارشاد : 210 ، الملهوف : 82 .

ماء فسقته ، وأدخلت الاناء ، ثم خرجت فوجدته جالساً ، فقالت له : ألم تشرب الماء ؟

قال : بلی

قالت : فاذهب إلى أهلك فسكت.

ثم أعادت عليه القول . فكست .

فقالت له في الثالثة : سبحان الله يا عبد الله قم عافاك الله إلى أهلك فانّه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أحله لك .

فقام وقال : يا أمة الله ما لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة، فهل لك من أجر ومعروف ولعلى مكافيك بعد اليوم.

قالت : يا عبد الله وما ذاك ؟

قال : أنا مسلم بن عقيل كذَّبني هؤلاء القوم وغروني وأخرجوني.

قالت : أنت مسلم ؟

قال : نعم ؟

قالت : ادخل ، فدخل بيتاً في دارها غير البيت الذي تكون فيه ، وفرشت له ، وعرضت عليه العشاء فلم يتعشّ.

وجاء ابنها وعرف بمكان مسلم فوشى به إلى ابن زياد.

فأحضر محمد بن الأشعث، وضمّ إليه قومه ، وبعث معه عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين رجلاً من قيس ، حتى أتوا الدار التي فيها مسلم ، فلما سمع وقع حوافر الخيل، وأصوات الرجال علم أنّه قد اتي فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار فشدّ عليهم فضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ، ثم

عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك ، فاختلف هو وبكر بن حمران الأحمري (1)فضرب بكر لعنة الله فم مسلم فقطع شفته العليا وأسرع السيف في السفلى ، وفصلت ثنيتاه ، وضربه مسلم على رأسه ضربة منكرة ، وثنى بأخرى على حبل عاتقه كادت تطلع من جوفه ، وجعل يحارب أصحاب ابن زياد حتى قتل منهم جماعة ، فلمّا رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت فأخذوا يرمونه بالحجارة ، ويلهبون النار في أطناب القصب، ثمّ يلقونه عليه من فوق السطح، فخرج عليهم مصلّتاً بسيفه فناداه محمد بن الأشعث : لك الأمان لا تقتل نفسك ، وهو يقاتلهم ويقول :

أقسمت لا أُقتل إلا حراً *** وإن رأيت الموت شيئاً نكرا

أكره أن أخدع أو أغرّاً *** أو أخلط البارد سخناً مُرّا

کلّ امرىء يوماً يلاقي شرّاً *** أضربكم ولا أخاف ضرا

فناداه ابن الأشعث: انك لا تكذب ولاة.

وكان قد أثخن بالحجارة ، وعجز عن القتال ، فأسند ظهره إلى الحائط.

فأعاد ابن الأشعث عليه القول : لك الأمان.

فقال : أنا آمن ؟

قال : نعم .

ثم قال للقوم : ألى الأمان ؟

قالوا : نعم .

فقال : أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم ، وأوتي ببغلة فحمل عليها، فاجتمعوا حوله، وانتزعوا سيفه ، فكأنّه عند ذلك يأس من نفسه فدمعت


1) بكر بن حمران الأحمري، خبيث ملعون قاتل مسلم بن عقیل انظر: مستدركات علم الرجال :502

عيناه ، ثمّ قال :

هذا أوّل الغدر أين أمانكم ؟ إنا لله وإنا إليه راجعون ، وبكى .

فقال له عبيد الله السلمي : إن من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذى نزل بك لم يبك .

قال : انّي والله ما لنفسي بكيت ولا لها من القتل أرثي ، وإن كنت لا أحب لها طرفة عين تلفاً ، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إلي ، أبكي للحسين وآل الحسين عليه السلام .

ثمّ أقبل على ابن الأشعث فقال : انك ستعجز عن أماني ، فهل عندك خير ؟

تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لساني يبلغ الحسين - فانّي لا أراه إلا قد خرج اليوم ، أو هو خارج غداً بأهل بيته - فيقول له : إن ابن عقيل بعثني إليك ، وهو أسير في أيدي القوم لا يرى أنه يمسي حتى يقتل ، وهو يقول : إرجع فداك أبي وأمي بأهل بيتك، ولا يغرك أهل الكوفة فانهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل ، إن أهل الكوفة كذَّبوك ، وليس لمكذوب رأي .

وأقبل ابن الأشعث بمسلم إلى باب القصر ، فدخل على ابن زياد فأخبره الخبر، وقد اشتد العطش بمسلم وعلى باب القصر جماعة ينتظرون الإذن ، وإذا قلّة باردة على الباب . فقال :

اسقوني من هذا الماء.

فقال مسلم بن عمر و الباهلي أتراها ما أبردها، والله لا تذوق منها قطرة أبداً حتى تذوق الحميم في نار جهنم .

فقال له ابن عقيل : لأمّك الثكل ما أجفاك وأفضّك وأقسى قلبك ، أنت يا بن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم .

ثمّ تساند إلى حائط وجاء عمرو بن حريث (1)

انظر: سیر اعلام النبلاء 3: 417 - 419 ، الأعلام 5: 76 .

بقلّة عليها منديل وقدح فصبّ فيه ماء وقال له : اشرب .

فأخذ كلّما شرب امتلأ القدح دماً من فيه ، ففعل ذلك مرّتين ، فلما ذهب الثالثة ليشرب سقطت ثنيتاه في القدح .

فقال : الحمد لله لو كان لي من الرزق المقسوم شربته . ثمّ أدخل على ابن مرجانة فلم يسلّم عليه .

فقال له الحرس : سلّم على الأمير .

فقال له : اسكت ويحك والله ما هو لى بأمير .

فقال له ابن زياد إيهاً يا بن عقيل ! أتيت الناس وهم جميع ، فشتت بينهم وفرّقت كلمتهم ، وحملت بعضهم على بعض .

قال : كلّا لست لذلك أتيت ، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل، وندعوا إلى حكم الكتاب.

فقال ابن زياد وما أنت وذاك ، ثم قال عليه اللعنة : يا فاسق إن نفسك تمنيك ما حال الله دونه ولم يرك له أهلاً .

فقال مسلم : من أهله إذا لم نكن نحن أهله ؟

فقال ابن زياد أهله أمير المؤمنين يزيد .


1) عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبدالله المخزومي، روى عن أبي بكر وابن مسعود، وروى عنه ابنه جعفر والحسن العربي والمغيرة بن سبيع وغيرهم كانت داره مأوى لأعداء أهل البيت، ولي الكوفة الزياد بن أبيه ولابنه عبيد الله مات سنة 85ه.

فقال مسلم : الحمد لله على كل حال رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم. فقال له ابن زياد : قتلني الله إن لم اقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الاسلام.

فقال مسلم : أما أنّك أحق من أحدث في الاسلام ما لم يكن ، وانك لا تدع سوءالقتلة ، وقبح المثلة ، وخبث السريرة ، ولؤم الغلبة لأحد أولى بها منك .

فأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين وعلياً وعقيلاً عليهم السلام . فأخذ مسلم لا يكلّمه ، ونظر الى جلساء ابن زياد وفيهم عمر بن سعد فقال : يا عمر ان بيني وبينك قرابة ، ولي إليك حاجة ، وقد يجب عليك نجح حاجتي ، وهي سرّ بيننا ، فامتنع اللعين أن يسمع منه ، فأمره ابن مرجانة بذلك ، فقاما إلى ناحية في المجلس وابن مرجانة يراهما ، فقال :

انّ علىّ سبعمائة درهم لبعض أهل الكوفة فبع سيفي ودرعي واقضها عنّي ، وإذا قتلت فاستوهب جثتي ،فوارها وابعث إلى الحسين عليه السلام من يردّه، فانّى كتبت إليه أنّ الناس معه ، ولا أراه إلا مقبلاً.

فقال ابن سعد : أتدري أيها الأمير ما قال ؟ إنّه ذكر كذا وكذا وكذا .

فقال ابن زياد إنه لا يخونك الأمين، ولكن قد يؤتمن الخائن.

وأمر لعنة الله أن يصعدوا به فوق القصر ويضربوا عنقه ، ثمّ يتبعوه جسده ودعا بكر بن حمران فقال له :

إصعد وكن أنت الذي تضرب عنقه ، فصعد به وهو يكبّر الله ويستغفره ،ويصلّى على رسوله ويقول :

اللَّهمَّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا وخذلونا، فأشرف على موضع الحذاتين فضرب عنقه وأتبع جسده رأسه .

ثم أمر ابن زياد بهاني في الحال فقال :

اخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه، فأّخرج وهو مكتوف فجعل يقول:

وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم، يا مذحجاه يا مذحجاه ، وأين مذحج؟ فلما رأى أن أحداً لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف وهو يقول : أما عصا أو سكين أو حجر يحاجز بها رجل عن نفسه ؟

فوثبوا إليه فشدّوه وثاقاً ثمّ قيل له : مد عنقك .

فقال : ما أنا بها ،سخى، وما أنا بمعينكم على نفسي.

فضربه مولى لابن مرجانة - تركي - بالسيف فلم يصنع شيئاً ، فقال هاني : إلى الله المعاد، اللّهمَّ إلى رحمتك ورضوانك ثمّ ضربه أخرى فقتله شهيداً محتسباً.

وفي مسلم وهاني يقول عبد الله بن زبير الأسدي (1)

فإن كنتِ لاتدرين ماالموت فانظري*** إلى هانيء في السوق وابن عقيل

إلى بطل قدهشّم السيف وجهه *** و آخر يهوى من طمار (2)قتيل أصابهما أمر اللعين فأصبحا *** أحاديث من يسري بكلّ سبيل

ترى جسداً قد غيّرالموت لونه ***و نضح دم قد سال کل مسیل

فتى كان أحيى من فتاة حييّة*** وأقطع من ذي شفرتين صقيل (3)


1) زبير - بفتح الزاي المعجمة كحبيب - ، وعبد الله بن زبير الأسدي بن الأعشى، واسمه قيس بن بجرة بن قيس بن منقذ بن طريف بن عمرو بن قعين الأسدي، من بني أسد بن خزيمة، وكان يتشيع. انظر أدب الطف 1: 143 .

2) فى بعض المصادر جدار .

3) ويقال ان هذه القصيدة للفرزدق، وقال بعضهم إنّها لسليمان الحنفي أنظر: تاريخ الطبري 3: 32، مقتل الخوارزمي 1 : 214 ، أدب الطف 1: 143 .

[المجلس السابع ]

لما عزم الحسين عليه السلام على الخروج إلى العراق قام خطيباً ، فكان ممّا قال :

وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّى بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ، فيملأن مني أكراشاً جوفاً ، وأجربة سغباً ، لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أجر الصابرين ، لن تشذَّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس ، تقرّ بهم عينه ، وينجز بهم وعده ، ألا ومن كان باذلاً فينا مهجته ، وموطئاً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا ، فانّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى . (1)

وجاءه تلك الليلة أخوه محمد بن الحنفية فقال له :

يا أخى إنّ أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك،وقدخفت أن يكون حالك كحال من مضى ، فان رأيت أن تقيم فانّك أعزّ من في الحرم وأمنعه . فقال عليه السلام : يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد في الحرم فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت.

فقال له ابن الحنفية : فان خفت ذلك فسر إلى اليمن ، أو بعض نواحي البر ، فانّك أمنع الناس به ، ولا يُقدر عليك .


1) مقتل الخوارزمي 1 : 186

فقال عليه السلام : أنظر فيما قلت .

فلما كان في السحر ارتحل عليه السلام ، فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ زمام ناقته التي ركبها .

فقال له : يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟

قال : بلى .

قال : فما حداك على الخروج عاجلاً ؟

قال : أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما فارقتك ، فقال : يا حسين اخرج ، فان الله قد شاء أن يراك قتيلاً.

فقال له ابن الحنفية : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك على مثل هذه الحالة .

فقال له : قد قال لي : إن الله شاء أن يراهن سبايا .

ولقيه أبو محمد الراقدي وزرارة بن خلج قبل أن يخرج عليه السلام إلى العراق فأخبراه ضعف الناس بالكوفة ، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه ، فأوماء بيده نحو السماء ففتحت أبوابها ، ونزلت الملائكة عدد لا يحصيهم إلا الله عزّ وجلّ فقال : لولا تقارب الأشياء ، وهبوط الأجل لقاتلتهم بهؤلاء ، ولكن أعلم يقيناً أنّ هناك مصرعي ، ومصرع أصحابي لا ينجو منهم إلا ولدي . (1)

وخرج - بأبي وأُمّي - يوم الثلاثاء لثمانٍ مضين من ذي الحجة سنة ستين (2)


1) تاريخ الطبري :5 : 191 ، الكامل في التاريخ 4 : 7 ، دلائل الإمامة: 74 اللهوف: 61 .

2) وقيل لثلاث مضين من ذي الحجة وقيل يوم الأربعاء لثمان مضين من ذي الحجة. انظر: الملهوف: 124

قال معمر بن المثنى - في كتاب مقتل الحسين : فلما كان يوم التروية قدم عمر بن سعد بن أبي وقاص إلى مكة في جند كثيف ، قد أمره يزيد أن يناجز الحسين القتال إن هو ناجزه ، أو يقتله إن قدر عليه .

فخرج الحسين عليه السلام يوم التروية ، حين يُخرج إلى عرفة إذ لم يتمكن من تمام حجّه ، مخافة أن تستباح حرمات بيت الله الحرام ، ومشاعره العظام ، فأحلَّ - بأبي وأمي - من إحرامه ، وجعلها عمرة مفردة.

وقد انجلى عن مكة وهو ابنها وبه تشرفت الحطيم وزمزم ولم يدر أين يريح بدن ركابه فكأنّما المأوى عليه محرّم وعن الصادق عليه السلام - فيما رواه المفيد (1)باسناده إليه - قال : لمّا سار الحسين صلوات الله عليه من مكة لقيه أفواج من الملائكة المسومين والمردفين في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنّة ، فسلّموا عليه وقالوا : يا حجة الله على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه ، إن الله عز وجل أمد جدّك رسول الله صلّى الله عليه وآله بنا فى مواطن كثيرة ، وانّ الله أمدّك بنا فقال لهم : الموعد حفرتي وبقعتي التي استشهد فيها وهي كربلاء ، فإذا وردتها فأتوني. فقالوا : يا حجة الله إن الله أمرنا أن نسمع لك ونطيع ، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك .

فقال : لا سبيل لهم عليّ ، ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي .

وأنته أفواج من مؤمني الجن فقالوا له :


1) الارشاد: 172 ، الملهوف: 116 .

يا مولانا نحن شيعتك وأنصارك فمرنا بما تشاء ، فلو أمرتنا بقتل كلّ عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك . فجزاهم خيرا.

وقال لهم : أما قرأتم كتاب الله المنزل على جدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله في قوله : (قُلْ لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضاجِعِهِمْ (1)فإذا أقمت في مكاني فبماذا يمتحن هذا الخلق المتعوس ، وبماذا يختبرون ، ومن ذا يكون ساكن حفرتي ، وقد اختارها الله تعالى لي يوم دحى الأرض ، وجعلها معقلاً لشيعتنا ومحبّينا ، تقبل فيها أعمالهم وصلواتهم ، ويجاب دعاؤهم ، وتسكن إليها شيعتنا ، فنكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة ، ولكن تحضرون يوم عاشوراء الذي في آخره اُقتل ، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلى ونسبي واخوتي وأهل بيتي ، ويسار برأسي إلى يزيد بن معاوية.

ساروا (2)برأسك يا بن بنت*** محمد متز ملاً بدمائه تز ميلا (3)(وكأنما بك يا بن بنت محمد*** قتلوا جهاراً عامدين رسولا]

قتلوك عطشاناً ولمبا يرقبوا *** في قتلك التأويل والتنزيلا

ويكبرون بأن قتلت وإنّما *** قتلوا بك التكبير والتهليلا (4)



1) سورة آل عمران : 154 .

2) في بعض المصادر: جاؤا .

3) في بعض المصادر: مترملاً بدمائه ترميلا .

4) القصيدة من مراثي أبومحمدعبد السلام بن رغبان بن عبدالسلام بن حبيب الكلبي المعروف ب- «ديك الجن»، المولود بسلمية سنة 161ه- والمتوفّى سنة 235 . انظر : زينة المجالس: 487، سير أعلام النبلاء 11: 163 ، أعيان الشيعة :38 40 .

رأس ابن بنت محمد ووصيّه*** للناظرين على قناة يرفعُ

والمسلمون بمنظرٍ وبمسمعٍ *** لا منكر منهم ولا متفجّعُ

كحلت بمنظرك العيون عماية*** وأصمَّ رزؤك كلّ أُذن تسمعُ(1)

قال ابن طاووس في الملهوف 203 : ويحق لي أن أتمثل هنا أبياتاً لبعض ذوي العقول، يرثي بها قتيلاً من آل الرسول صلى الله عليه وآله فقال :

رأس ابن بنت ...

أيقظت أجفاناً وكنت لهاكرى*** وأنمت عيناً لم تكن بك تهجعُ

ما روضة إلا تمنت أنّها *** لك حفرة ولخط قبرك مضجعُ

(1)


1) هذه الأبيات لشاعر أهل البيت دعبل الخزاعي صاحب القصيدة التائية المشهورة. انظر: معجم الأدباء 110:10

[ المجلس الثامن ]

كان توجّه الحسين عليه السلام من مكّة إلى العراق يوم خروج مسلم للقتال بالكوفة (1)، وهو يوم التروية ، واستشهد مسلم في الثامن من خروجه وهو يوم عرفة ، وكان قد اجتمع إلى الحسين نفر من أصحابه من أهل الحجاز والبصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه ولما أراد التوجه إلى العراق طاف وسعى وحلّ من احرام جعلها عمرة مفردة وخرج مبادراً بأهله وولده ، ومن انضم إليه من شيعته .

وروي عن الفرزدق الشاعر انّه قال :

حججت بأمّى سنة ستين فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم ، إذ لقيت الحسين عليه السلام خارجاً من مكة في أسيافه وأتراسه ، فقلت : لمن هذا القطار ؟

فقيل : للحسين بن على عليهما السلام .

فأتيته فسلمت عليه وقلت : أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب بأبي أنت وأمى يا بن رسول الله ما أعجلك عن الحج ؟

فقال : لو لم أعجل لأخذت ، من أنت ؟

فقلت : امرؤ من العرب ، فوالله ما فتشني عن أكثر من ذلك .


1) الارشاد : 218

ثمّ قال : أخبرني عن الناس خلفك ؟

فقلت : الخبير سألت قلوب الناس معك ، وأسيافهم عليك ، والقضاء ينزل من السماء .

فقال : صدقت الله الأمر وكلّ يوم هو في شأن ، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه ، وهو المستعان على اداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من كان الحق نيته والتقوى سريرته.

فقلت : أجل بلّغك الله ما تحب ، وكفاك ما تحذر ، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها ، وحرّك راحلته وقال : السلام عليك ، ثم افترقنا . وكان سلام الله عليه لما خرج اعترضه يحيى بن سعيد وجماعة أرسلهم عمرو بن سعيد بن العاص - والي يزيد يومئذٍ على مكة - فأبى عليهم الحسين عليه السلام وامتنع منهم هو وأصحابه امتناعاً قوياً، وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط .

وسار - بأبي واُمي - حتى أتى التنعيم (1)

قال الطبري :(4) (289) : ولمّا نزل فيه الإمام الحسين عليه السلام في مسيره الكوفة لقي قافلة قادمة من اليمن تحمل بضائع ليزيد فاستولى عليها ، ويبدو ان هدفه كان الاضرار الاقتصادي بالعدو. امّارجال القافلة فقد خيّرهم الإمام بين المسير معه إلى كربلاء أو ان يدفع لهم اُجرة الطريق ليسيروا حيث ما شاءوا، وقد سار معه جماعة منهم.

فلقي عيراً قد أقبلت من اليمن

1) بالفتح ثمّ السكون وكسر العين وياء ساكنة وميم، موضع بمكة في الحل، وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة ؛ وقيل : على أربعة ، وهو احد المواقيت التي يحرم فيها الحجاج للعمرة . كان فيه عين ماء ومسجد . وعرف بهذا الاسم لوجود جبل إلى يمينه يقال له نعيم وآخر عن شماله يقال له ناعم والوادي نعمان ، وبالتنعيم مساجد حول مسجد عائشة وسقايا على طريق المدينة منه يحرم المكيون بالعمرة. انظر: معجم البلدان 49:2 .

فاستأجر من أهلها جمالاً لرحله وأصحابه .

وألحقه عبد الله بن جعفر (1)

وماكنت كالأغر بن جعفر*** رأى المال لا يبقى فأبقى له ذكرا

انظر: الاصابة :2: 2892 - 290، أسد الغابة 3: 199.

بابنيه عون ومحمد وكتب معهما إليه كتاباً يقول فیه:

أما بعد : فانّي أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي فانّي مشفق عليك من الوجه الّذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ، وإن هلكت اليوم طفيء نور الأرض ، فانّك علم المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل في المسير فانّي في أثر كتابي والسلام .

وذهب عبد الله إلى عمرو بن سعيد فسأله أن يكتب للحسين أماناً ليرجع عن وجهه ، فكتب إليه عمرو في ذلك ، وأنفذ كتابه مع أخيه يحيى وعبد الله بن جعفر ، ودفعا إليه الكتاب ، وجهدا به في الرجوع.

فقال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام ، وأمرني بما أنا ماضٍ فيه.

ولمّا يأس عبد الله بن جعفر أمر ابنيه عوناً ومحمداً بلزومه والمسير معه ، والجهاد دونه ، ورجع مع يحيى بن سعيد إلى مكة . (2)

وتوجّه الحسين عليه السلام نحو العراق مغذاً لا يلوي على شيء ، حتى


1) عبدالله بن جعفر بن أبي طالب بحر الجود وأخباره في الجود والكرم والحلم لا تحصى، وفيه يقول عبد الله بن قيس الرقيات :

2) تاريخ الطبري 5: 218.

نزل ذات عرق (1)

وقال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق، وعرق هو الجبل المشرف على ذات عرق . انظر : معجم البلدان 4: 107 - 108 . وهو من المنازل التي مر بها سيّد الشهداء بعد وادي العقيق، وتوقف فيه يوماً أو يومين، ثمّ شدّ رحاله وواصل المسير، وفي هذا المنزل لقي الإمام بشر بن غالب وكان قادماً من العراق، وسأله عن وضع العراق ، فقال له : القلوب معك والسيوف عليك . وسار الإمام إلى المنزل التالي وهو «غمرة». ومن هذا المنزل بعث كتاباً إلى أهل الكوفة يخبرهم فيه بنبأ قدومه إليهم ، وأنفذه إليهم بواسطة قيس بن مسهر الصيداوي . انظر : مقتل الحسين للمقرّم : 204 .

فلقي بشر بن غالب (2)وارداً من العراق ، فسأله عن أهلها .

فقال : خلفت القلوب معك ، والسيوف مع بني أميّة.

فقال : صدق أخو بني أسد إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (3)ولما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين عليه السلام من مكّة : بعث صاحب شرطته الحصين بن نمير (4)حتى نزل القادسية ، ونظم الخيل ما بين


1) ذات عرق مُهَلّ أهل العراق، وهو الحدّ بن نجد وتهامة. اسم لمنزل بين مكة والعراق ، يبعد عن مكة مسافة منزلين ، وهو ميقات إحرام القادمين من شرقي مكة ؛ وقيل : عرق جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق.

2) في مستدركات علم الرجال (2: (33): بشر بن غالب الأسدي الكوفي، من أصحاب الحسين والسجاد قاله الشيخ في رجاله، والبرقي عده من أصحاب أمير المؤمنين والحسنين والسجاد عليهم السلام، وأخوه بشير، رويا عن الحسين دعاءه المعروف يوم عرفة بعرفات... وله روايات عن الحسين ذكرت في عدّة الداعي، ويروي عنه عبدالله بن شريك.

3) مثير الأحزان : 21

4) الحصين بن نمير بن نائل أبو عبد الرحمن الكندي ثمّ السكوني، وهو من قادة الأمويين القساة ، من أهل حمص كان مبغضاً لآل علي ؛ ففي معركة صفّين كان إلى جانب معاوية ، وفي عهد يزيد كان قائداً على قسم من الجيش، وفي واقعة مسلم بن عقیل سلطه ابن زياد على دور أهل الكوفة ، ليأخذ مسلم ويأتيه به ، وهو ، وهو الذي أخذ قيس بن مسهر رسول الحسين عليه السلام فبعث به إلى ابن زياد فأمر به فقتل ، وهو الذي نصب المنجنيق على جبل أبي قبيس ورمى به الكعبة لما تحصن ابن الزبير في المسجد الحرام ، وهو قاتل سليمان بن صرد أثناء ثورة التوابين، وهو الذي سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن شعر رأسه بعد قوله عليه السلام: «سلوني قبل أن تفقدوني» ، وفي عهد يزيد شارك في الهجوم الذي امر يزيد بشنّه على المدينة المنوّرة، مات في عام 68ه- متأثراً بجراح أصابه بها إبراهيم بن الأشتر في الوقعة التي جرت على ضفاف نهر الخازر، وجاء في بعض الأخبار أنّه أخذ رأس حبيب بن مظاهر بعد مقتله وعلّقه في رقبة فرسه ودار به في الكوفة مفتخراً ، فكمن له فيما بعد القاسم ب--ن حبيب وقتله ثاراً لدم أبيه ، وجاء في مصادر أخرى أنّه قتل على يد أصحاب المختار الثقفي عام 66 ه- قرب الموصل في وقت حركة المختار . انظر : مروج الذهب :3 71 ، التهذيب لابن عساكر 4 371 الأعلام 2 262

القادسية (1)إلى خفان ، وما بين القادسية الى القطقطانية (2).

ولمّا بلغ الحسين عليه السلام الحاجز (3)

وفي معجم البلدان: بطن الرمة واد معروف بعالية نجد وقال ابن دريد الرمة قاع عظيم بنجد تنصب إليه أودية .

وفي هذا المنزل تسلّم الإمام الحسين كتاب مسلم بن عقيل من الكوفة ، وكتب الجواب إلى أهل الكوفة وأرسله مع مبعوثه قيس بن مسهر . انظر : معجم البلدان 1: 666 مراصد الاطلاع 2: 634

من بطن الرمة بعث قيس بن مسهر الصيداوي - وقيل بل بعث أخاه من الرضاعة عبد الله بن يقطر - إلى الكوفة ، ولم

1) اسم موضع قبل الكوفة ويبعد عنها خمسة عشر فرسخاً ( وعن بغداد 61 فرسخاً). وفي هذا المكان وقعت المعركة المعروفة باسم القادسية بين الجيش الاسلامي والفرس في زمن الخليفة الثاني ، وانتصر فيها المسلمون ، وفي هذا المكان قبض الحصين بن نمير رئيس شرطة ابن زياد في تلك المنطقة) على مبعوث الحسين ، قيس بن مسهر الصيداوي وأرسله إلى ابن زياد وكان قيس يحمل كتاباً من الحسين إلى أهل الكوفة ، ولما قبض عليه مزق الكتاب باسنانه لكي لا تقع أسماء المخاطبين بيد العدو. انظر: الحسين في طريقه إلى الشهادة : 49 .

2) موضع قرب الكوفة في جهة البرية بالطف، وهو أحد المنازل من القادسية إلى الشام، كان به سجن النعمان ، وقد كانت المنطقة بين القادسية والقطقطانية قد نظم فيها ابن زياد قوات الاستطلاع لمنع الناس من الالتحاق بالحسين عليه السلام انظر الحسين في طريقه إلى الشهادة : 50 .

3) وقيل : الحاجر، اسم ارض ومنزل على الطريق من مكة إلى العراق، وملتقى طريقى الكوفة والبصرة عند المسير إلى المدينة ، ومعناه : الموضع الذي يحجز فيه الماء.

يكن عليه السلام علم بخبر ابن عقيل وكتب معه إليهم:

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسين بن علي.

إلى اخوانه من المؤمنين والمسلمين :

سلام عليكم فانّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو .

أما بعد : فانّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبر ف-ي-ه ب-حسن رأيكم ، واجتماع ملأكم على نصرنا ، والطلب بحقنا، فسألت الله أن يحسن لكم الصنع ، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقدشخصت إليكم من مكة لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدوا فانّى قادم عليكم في أيامى هذه والسلام.

وكان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة ، وكتب إليه أهل الكوفة : أن لك هنا مائة الف سيف فلا تتأخّر .

وأقبل قيس بن مسهر إلى الكوفة بكتاب الحسين عليه السلام حتى انتهى إلى القادسية ، أخذه الحصين بن نمیر فبعث به الی ابن زياد فأمره اللعين أن يسبّ الحسين وأباه وأخاه على المنبر ، فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال :

أيّها الناس إنّ هذا الحسين بن على خير خلق الله ، وابن فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وأنا رسوله إليكم فأجيبوه ، ثمّ لعن عبيد الله بن زياد وأباه ، واستغفر لعلي بن أبي طالب وصلّى عليه .

فأمر ابن زياد أن يرمى به من فوق القصر ، فرموا به فتقطّع.

وروي : أنه وقع إلى الأرض مكتوفاً فتكسرت عظامه وبقي به رمق

فجاءه عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه .

وأقبل الحسين عليه السلام من الحاجز يسير نحو الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي ، فلمّا رأى الحسين عليه السلام قام إليه فقال :

بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله ما أقدمك ؟ واحتمله فأنزله .

فقال له الحسين عليه السلام : كان من موت معاوية ما قد بلغك ، فكتب إلى أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم .

فقال ابن مطيع : اذكرك الله يا بن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنهتك ، أنشدك الله في حرمة قريش ، أنشدك الله في حرمة العرب ، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أُميّة ليقتلنك ، ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحداً ، والله أنّها لحرمة الاسلام تنهتك ، وحرمة قريش ، وحرمة ،العرب ، فلا تفعل ، ولا تأت الكوفة ، ولا تعرض نفسك لبني أمية .

فأبى الحسين عليه السلام إلّا أن يمضى انجازاً لمقاصده السامية.

وكان ابن زياد أمر فأخذ ما بين واقصة (1)إلى طريق الشام إلى طريق البصرة فلا يدعون أحداً يلج ولا أحداً يخرج.

وأقبل الحسين عليه السلام فلقي الأعراب فسألهم فقالوا: ما ندري ، غير انّا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج ، فسار - بأبي وأمي - تلقاءوجهه.


1) اسم أحد المنازل بين مكة والكوفة ويبعد عن الكوفة مسير ثلاثة أيام، وقد مرّ به الحسين بن علي عليه السلام في مسيره إلى كربلاء ، وهنالك مواضع أخرى بهذا الاسم في طريق مكة وفي اليمامة ، وفي واقصة منارة مبنية من قرون وأضلاف صيد الصحراء بناها ملك شاه السلجوقي . انظر : آثار البلاد : 336

وحدّث جماعة من فزارة وبجيلة ، قالوا : كنا مع زهير بن القين البجلي(1)

وتحدث في يوم عاشوراء معلناً عن موقفه القاطع في مناصرة الحسين ، واستعداده للبذل في سبيله وقال : لو اقتل ألف مرّة ما تركت نصرة ابن رسول الله .

وفي يوم العاشر من محرّم جعله الحسين عند تعبئة عسكره على الميمنة، وزهير أول من خطب بالقوم بعد الحسين ، وهو يحمل سلاحه ، وابلغ لهم في النصح ، فرماه الشمر بسهم، وجرى حوار بينه وبين الشمر .

وفي ظهيرة يوم العاشر وقف هو وسعيد بن عبد الله يقيان الإمام من السهام حتى ينهي صلاته . وبرز بعدها إلى القتال، وقاتل قتال الأبطال وكان حينها يرتجز قائلاً:

انا زهير و انا ابن القين*** ازودكم بالسيف عن حسين

ان حسيناً أحد السبطين*** من عترة البرّ التقي الزين

ذاك رسول الله غيرالمين*** اضر بكم ولا ارى من شين

يا ليت نفسي قسمت قسمين

انظر : تاريخ الطبري 5: 396 - 397 و 6: 42 و 422، رجال الشيخ: 73، أنصار الحسين: 88، أعيان الشيعة 7: 72 .

حين أقبلنا من مكة فكنا نساير الحسين عليه السلام ، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن ننازله في منزل فإذا نزل منزلاً لم نجد بداً من أن تنازله فيه ، كنا ننزل في جانب غير الجانب الذي ينزل فيه الحسين عليه السلام.

فبينا نحن جلوس نتغذّى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين عليه السلام حتى سلّم ، ثمّ قال:


1) زهير بن القين البجلي وبجيلة هم بنو أنمار بن أراش بن كهلان من القحطانية، شخصية بارزة ف-ي المجتمع الكوفي ، وكان له يوم عاشوراء شرف القتال إلى جانب الحسين بن علي عليه السلام. وقد أبدى شجاعة منقطعة النظير في سوح الوغى ، كان في بداية أمره مؤيّداً لأنصار عثمان . إلا ان حسن حظه جعل له حسن العاقبة ليكون من شهداء كربلاء الأجلاء. ولمّا اغلق جيش الحرّ الطريق على الإمام ، استأذن زهير الإمام الحسين وتكلّم معهم، ثمّ عرض على الإمام مقاتلتهم إلّا أنّه لم يوافق على رأيه .

یا زهير إن أبا عبدالله الحسين عليه السلام بعثني إليك لتأتيه .

فطرح کلّ انسان منّا ما في يده حتى كأنّ على رؤوسنا الطير، فقالت له امرأته - وهى ديلم بنت عمر (1): سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله ثمّ لاتأتيه ؟! فلو أتيته فسمعت من كلامه.

فمضى إليه زهير فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه،فأمر بفسطاطه وثقله و رحله ومتاعه فحوّل إلى الحسين عليه السلام . ثمّ قال لامرأته:

أنت طالق ، إلحقي بأهلك، فانّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلا خيراً، وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بروحي ، وأقيه بنفسي ، ثمّ أعطاها ما لها وسلّمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها .

فقامت إليه وبكت وودعته وقالت : خسار الله لك، اسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين عليه السلام.

ثم قال لأصحابه : من أحبّ منكم أن يتبعني ، وإلا فهو آخر العهد بی.

انّي سأحدثكم حديثاً : إنا غزونا البحر ففتح الله علينا ، وأصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان الفارسي(2):


1) أو ديلم بنت عمرو، وهي التي قالت لغلام لزهير بعد شهادته انطلق فكفّن مولاك، قال: فجئت فرأيت حسيناً ملقى، فقلت: أكفن مولاي وأدع حسيناً ! فكفنت حسيناً، ثم رجعت فقلت ذلك لها، فقالت: أحسنت، وأعطتني كفناً آخر، وقالت: انطلق فكفن مولاك، ففعلت . :انظر أعلام النساء المؤمنات: 341 ، ترجمة الإمام الحسين من كتاب الطبقات المطبوع في مجلة ،تراثنا، العدد 10 ص 190.

2) سلمان الفارسي: صحابي أشهر من أن يعرّف، ومن الأربعة الذين أمر الله تعالى نبيه الكريم صلى الله عليه وآله بحبّهم، وقال فيه صلّى الله عليه وآله: «سلمان منّا أهل البيت»، وحاله في الولاء لأمير المؤمنين عليه السلام مشهور. انظر: أسد الغابة 2 417 .

أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم ؟

قلنا : نعم .

فقال : إذا أدركتم سيّد شباب آل محمد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه ممّا اصبتم اليوم، فأمّا أنا فأستودعكم الله ، ثمّ لحق بالحسين عليه السلام ففاز بنصرته .

وروى عبدالله بن سليمان، والمنذر بن مشعل الأسديان، قالا : لما قضينا حجنا لم تكن لنا همّة إلّا اللحاق بالحسين عليه السلام في الطريق لننظر ما يكون من أمره ، فأقبلنا ترفل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود (1)

ولمّا نزل الحسين في زرود نزل بالقرب منه زهير بن القين البجلي ، فدعاه الإمام إلى نصرته والمسير معه ، فلبّي الدعوة، والتحق بقافلة الحسين ، وقدّم معهم إلى كربلاء وقتل فيها .

وفي زرود اخبر بقتل مسلم بن عقيل ، وهاني بن عروة ، اخبر بذلك رجلان قادمان من الكوفة يريدان الحج ، فبكى وترحم عليهما ، وبكى بنو هاشم وباتوا ليلتهم هناك، وفي الصباح حملوا الماء وساروا إلى الثعلبية .

، فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين عليه السلام فوقف سلام الله عليه كأنه يريده ، ثم تركه ومضى .

ومضينا نحوه حتى انتهينا إليه ، فقلنا : السلام عليك .

فقال : وعليكم السلام.

قلنا : من الرجل ؟


1) اسم منزل على طريق الكوفة نزل فيه سيّد الشهداء، وهو رمال بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة ، ولما كانت ارضها رملية فهي تبتلع مياه الأمطار التي تهطل عليها ، ولهذا السبب سمّيت «زرود» أي البالوعة، وهو موضع مشهور تنزل فيه القوافل القادمة من بغداد، وهو ملك لبني نهشل وبني أسد .

قال : أسدي .

قلنا له : ونحن أسديان . فمن أنت ؟

قال : أنا بكر بن فلان وانتسبنا له ، ثمّ قلنا له :

أخبرنا عن الناس وراءك ؟

قال : نعم لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ورأيتهما يجران بارجلهما في السوق .

فأقبلنا حتى لحقنا الحسين عليه السلام فسايرناه حتى نزل الثعلبية (1)

اناخ الإمام الحسين في هذا الموضع ومكث فيه ليلة واحدة، وفيه لقي الطرماح ودعاه إلى الانضمام إليه ، فذهب الرجل ليوصل بضاعته إلى عائلته لكنّه لما عاد كان الحسين قد قُتِل ، وفي هذا المنزل أيضاً أتاه رجل نصراني مع أمه واسلما على يده ، وفيه أيضاً بلغه خبر شهادة مسلم بن عقيل .

ممسياً فجئناه حين نزل فسلمنا عليه فرد علينا السلام.

فقلنا له : رحمك الله إن عندنا خبراً إن شئت حدثناك به علانية ، وإن شئت سراً.

فنظر إلينا والى أصحابه ، ثم قال : ما دون هؤلاء سر .

فقلنا له : أرأيت الراكب الذي استقبلته مساء أمس ؟

قال : نعم . وقد أردت مسألته .

فقلنا : قد والله استبرأنا لك خبره ، وكفيناك مسألته ، وهو امرؤ منّا ذو رأي وصدق وعقل، وأنه حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم وهاني


1) اسم منزل قرب الكوفة مرّ به الإمام الحسين في مسيره إلى كربلاء، والثعلبية على اسم رجل من بني أسد اسمه ثعلبة ، سكنها وحفر فيها عيناً.

و رآهما يُجران في السوق بأرجلهما :

فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون رحمة الله عليهما يردّد ذلك مراراً .

ثم انتظر حتى إذا كان السحر ، قال لفتيانه وغلمانه : اكثروا من الماء، فاستقوا وأكثروا ، ثم ارتحلوا (1)فسار حتى انتهى إلى زبالة ، فأتاه خبر عبدالله بن يقطر ، فأخرج إلى الناس كتاباً قرأ عليهم وفيه :

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد : فانّه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبدالله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف في غیر حرج ليس معه ذمام .

فتفرق الناس عنه ، وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقى في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضموا إليه ، وانّما فعل ذلك لأنّه عليه السلام علم أنّ الأعراب الذين اتبعوه إنّما اتبعوه لأنّهم ظنّوا أنّه يأتي بلداً استقامت له طاعة ،أهله ، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون .

ثم صار حتى مرّ ببطن العقبة (2)فنزل عليها ، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له عمر بن لوذان ، فسأله : أين تريد ؟

فقال عليه السلام الكوفة .


1) الكامل لابن الأثير 4 : 16 .

2) اسم منزل على الطريق بين مكة والكوفة، ويقع قريباً من الكوفة وهو لفرع من قبيلة بني أسد، مرّ به الإمام الحسين عليه السلام عند مسيره إلى الكوفة ، وفيه قصرومسجد وماء وعمران تنزل فيه القوافل للاستراحة. انظر الحسين في طريقة إلى الشهادة : 80 .

فقال الشيخ : أنشدك لما انصرفت فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحدّ ، السيوف، وانّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال، ووطّؤا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأياً ، فأما على هذه الحال التي تذكر فانّي لا أرى لك أن تفعل.

فقال له : يا عبد الله لا يخفى عليَّ الرأي، لكن الله تعالى لا يغلب على أمره.

ثمّ قال عليه السلام : والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ فرق الاُمم. (1)

إن يقتلوك فلا عن فقد معرفة ***الشمس معروفة بالعين والأثر

قدكنت في مشرق الدنياومغربها*** كالحمد لم تغن عنها سائرالسور


1) أنصار الحسين : 106، الحسين في طريقه إلى الشهادة : 87.

[ المجلس التاسع ]

سار الحسين عليه السلام حتى صار على مرحلتين من الكوفة ، فإذا بالحر ابن يزيد في ألف فارس ، فقال له الحسين عليه السلام : ألنا أم علينا ؟

فقال : بل عليك يا أبا عبد الله .

فقال عليه السلام : لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .

ثمّ تردّد الكلام بينهما حتى قال الحسين عليه السلام : فان كنتم على خلاف ما أتتني به كتبكم وقدمت به عليَّ رسلكم ، فانّي راجع الى الموضع الذي أتيت منه ، منه ، فمنعه الحر وأصحابه ، وقال : بل خذ يا بن رسول الله طريقاً لا يدخلك الكوفة ، ولا يصلك إلى المدينة لأعتذر الى ابن زياد بانك خالفتني في الطريق. فتياسر الحسين عليه السلام حتى إذا وصل إلى عذيب الهجانات (1)

في هذا المنزل لقى أبو عبد الله عليه السلام أربعة رجال قادمين من الكوفة وفيهم نافع بن هلال وبعد ان كلّمهم الإمام انضموا إليه وقاتلوا معه ، وعند حركة قافلة الإمام تحرك الحرّ بجيشه معه أيضاً، وفي الاثناء أتى كتاب ابن زياد إلى الحرّ يدعوه فيه للتضييق على الحسين فعمل الحر على منع القافلة من المسير.

، فورد کتاب عبید الله بن زياد لعنه الله إلى الحر يلومه في أمر الحسين ، ويأمره بالتضييق عليه ، فعرض له الحر وأصحابه ومنعوه من السير .

فقال له الحسين عليه السلام : ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق ؟


1) اسم لأحد المنازل قرب الكوفة مرّ به سيّد الشهداء ، وسمّي بالعذيب لما كان فيه من الماء العذب ، وهو لبني تميم ويقع بين القادسية والمغيثة، وكان فيه ماء وبئر وبركة ودور وقصر ومسجد ، وكانت فيه مسلحة للفرس.

فقال له الحر : بلى ، ولكن كتاب الأمير قد وصل يأمرني فيه بالتضييق عليك ، وقد جعل على عيناً يطالبني بذلك .

فقام الحسين عليه السلام خطيباً في أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه وذكر جده فصلى عليه ، ثم قال :

إنّه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون ، وانّ الدنيا قد تغيّرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرت هذاء ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ، فليرغب المؤمن في لقاء ربه محقاً ، فانّي لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برما .

فقام زهير بن القين فقال : سمعنا يا بن رسول الله مقالتك ، ولو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنا فيها مخلّدين ، لآثرنا النهوض معك على الاقامة .

وقام هلال بن نافع البجلي (1)

انظر إبصار العين: 86 - 89 تاريخ الطبري 6: 253 البداية والنهاية 8: 184 .

فقال : والله ماكرهنا لقاء ربّنا ، وإنا على نياتنا وبصائرنا نوالى من والاك ونعادي من عاداك.

وقام بریر بن خضیر (2)

وفي كربلاء تحدّث عدّة مرّات مخاطباً جيش العدو، وكلماته في نصرة سيد الشهداء معروفة ، وبرز إلى القتال في يوم الطف وتكلّم في ذمّ جيش عمر بن سعد . برز إلى الميدان من بعد استشهاد الحرّ وقاتل حتى نال الشهادة ، وكان يرتجز ساعة القتال ويقول :

أنا برير وأبي خضير وكل خير فله بريرٌ انظر : تاريخ الطبري 5: 421 و 423، معجم رجال الحديث : 289 ، المناقب 4: 100، بحار الأنوار 45 15

فقال : والله يا بن رسول الله لقد منّ الله بك علينا أن

1) ظاهراً هو نفسه نافع بن هلال بن نافع بن جمل بن سعد العشيرة بن مذحج المذحجي الجملي ويخطىء من يعبّر عنه البجلي كان سيّداً شريفاً شجاعاً قارءاً من حملة الحديث ومن أصحاب أمير المؤمنين، وحضر معه حروبه الثلاثة في العراق، وخرج إلى الحسين فلقيه في الطريق، وأخباره ف--ي واقعة الطف كثيرة، ذكرت في المقاتل الأولى.

2) وفي بعض المصادر: بدير بن حفير، وفي الملهوف برير بن حصين، والظاهر أنّ خضير هو هو سيّد القراء، كان شيخاً تابعياً ناسكاً قارئاً للقرآن ومن شيوخ القراءة في جامع الكوفة، وهو من أصحاب الحسين الأوفياء، من قبيلة «همدان»، وله منزلة مرموقة بينهم ، سافر عام 60 للهجرة من الكوفة إلى مكة والتحق بالامام الحسين وسار معه إلى الكوفة ، وفي يوم التاسع من محرم كان يمازح عبدالرحمن بن عبد ربه من شدّة بهجته بقرب استشهاده، وكان ممّن نهض وتحدّث في ليلة العاشر معلناً عن استعداده للبذل والتضحية في نصرة الحسين عليه السلام.

نقاتل بين يديك ، وتقطع فيك أعضاؤنا ثمّ يكون جدّك شفيعنا القيامة .

يوم ثمّ ان الحسين عليه السلام ركب وسار - وكلما أراد المسير يمنعونه تارة ، ويسايرونه أخرى - وقد عظم رعب النساء ووجل الاطفال حينئذ بما لا مزيد عليه - حتى بلغوا كربلاء في اليوم الثاني من المحرم فسأل الحسين عليه السلام عن اسم الأرض .

فقيل : كربلاء .

فقال : اللَّهمَّ انّى أعوذ بك من الكرب والبلاء، ثمّ قال : هذا موضع كرب وبلاء ، انزلوا ، هاهنا محط ركابنا ، وسفك دمائنا ، وهنا محل قبورنا بهذا حدثني جدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فنزلوا جميعاً ، ونزل الحر وأصحابه ناحية (1)

وجلس الحسين عليه السلام يصلح سيفه ويقول :

یا دهر أفٌّ لك من خليل *** كم لك بالإشراق والأصيل

من طالب وصاحب قتيل ***و الدهر لا يقنع بالبديل

و كل حي سالك سبيل *** ما أقرب الوعد من الرحيل

انّما الأمر إلى الجليل


1) تاريخ الطبري 5: 469 تاریخ ابن الأثير :4 287، زفرات الثقلين 1: 105 .

فسمعت أُخته زينب فقالت : يا أخي هذا كلام من أيقن بالقتل .

فقال : نعم يا أُختاه .

فقالت زينب : واثكلاه ينعى الحسين إلى نفسه ، وبكى النسوة ولطمن الخدود ، وشققن الجيوب ، وجعلت أم كلثوم (1)

راجع مصادر ترجمتها أجوبة المسائل السروية: 226 الاستغاثة: 90 ، الاستيعاب 4 490، أسد الغابة :5 614 ، أعلام النساء المؤمنات: 181 - 220 .

تنادي :

وا محمداه وا عليّاه وا امّاه وا أخاه واحسناه واضيعتنا بعدك يا أبا عبد الله . فعزّاها الحسين عليه السلام وقال لها : يا أختاه تعزي بعزاء الله فانّ سكان السماوات يفنون ، وأهل الأرض كلهم يموتون ، وجميع البرية يهلكون . (2)

وروي من طريق آخر أنّها عليها السلام لما سمعت مضمون الأبيات ، وكانت في موضع منفردة مع النساء والبنات خرجت حاسرة تجرّ ثوبها حتى وقفت عليه فقالت :

وا ثكلاه ، ليت الموت أعدمني الحياة ، اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخى الحسن ، يا خليفة الماضين وثمال الباقين .

فنظر إليها الحسين عليه السلام وقال : يا أختاه ، لا يُذهِبَنَّ بحلمك الشيطان.

فقالت : بأبي أنت وأمي أتستقتل (3)نفسي لك الفداء .


1) أُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام، وأمّها فاطمة عليها السلام، وهي أخت الحسن والحسين وزينب عقيلة بني ،هاشم ومسألة زواجها من عمر من أشدّ المسائل اختلافاً بين المسلمين، وكثيراً ما يقع الخلط عند المؤرخين بينها وبين أختها زينب الكبرى لاتحادهما في الكنية .

2) أنساب الأشراف (ترجمة) الإمام الحسین علیه السلام) 1: 191.

3) في بعض المصادر: أتغتصب نفسك اغتصاباً .

فردّدت عليه غصته ، وتغرغرت عيناه بالدموع ، ثمّ قال : ولو ترك القطا ليلا لنام.(1)

ألا يا قومنا ارتَحِلوا وسيروا *** فلو ترك القطا ليلاً لناما

:انظر مجمع الأمثال العربية للميداني: 322

فقالت : يا ويلتاه افتغتصب نفسك اغتصابا ، فذلك اقرح لقلبي ، واشدّ على نفسى ، ثم أهوت الى جيبها فشقته ، وخرت مغشياً عليها.

فقام عليه السلام فصبّ عليها الماء حتى أفاقت (2)

نادت فقطعت القلوب بشجوها ***لكنما انتظم البيان فريدا

انسان عيني ياحسين اخي يا *** أملي وعقد جماني المنضودا

إن تنع أعطت كلّ قلب حسرة*** أو تدعُ صدّعت الجبال الميدا

عبراتها تحيي الثرى لو لم تكن*** زفراتها تدع الرياض همودا


1) من الأمثال العربية ، يقال في الأمر الخفي قد ظهر ما يدلّ عليه والقطا نوع من الطير يأوي عادة إلى عشه في الليل، فإذا وجد ليلاً طائراً عُرف أن أمراً قد أفزعه . :قالوا: إنّ رجلاً من العرب يسمّى غاطس بن خلاج سار إلى رجل يسمّي الريان في قبائل حمير وخثعم و همدان وغيرهم، ولقيهم الريان في أربعة عشر حيّاً من أحياء اليمن فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثمّ تحاجزوا، ولكن الريّان هرب في الليل مع أصحابه، وساروا يومهم وليلتهم حتى ظنّوا أنّهم بعدوا فعسكروا حيث وصلوا، وأصبح الصبح فغدا غاطس إلى قتلاهم فلم يجدهم في مكانهم فجد في طلبهم، ولم يزل حتى اقترب من المكان الذي عسكر فيه الريان ونظر الريّان وأصحابه فوجدوا القطا يمر بهم طائراً فزعاً، فصاحت ابنة الريان :

2) الملهوف: 140 ، الأمالي الخميسية 1: 177

المجلس العاشر

اشارة

لمّا نزل الحسين عليه السلام بأرض كربلاء،كان نافع بن هلال البجلي من أخص أصحابه به وأكثرهم ملازمة له ، ولا سيّما في مظان الاغتيال ، لأنّه كان حازماً بصيراً بالسياسة.

فخرج الحسين عليه السلام ذات ليلة خارج الخيام حتى أبعد ، فتقلّد سيفه وأسرع في أثره ، فرآه يختبر الثنايا والعقبات والأكمات المشرفة على المنزل فالتفت الحسین علیه السلام فرآه فقال :

من الرجل ؟ نافع ؟

قال : نعم ، جعلت فداك يا بن رسول الله .

فقال : يا نافع ما أخرجك في هذا الليل ؟

فقال : سيدي أزعجني خروجك ليلاً إلى جهة هذا الباغي .

فقال : يا نافع خرجت أتفقد هذه التلعات مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل على مخيمنا يوم يحملون وتحملون .

قال : ثم رجع وهو قابض على يساري وهو يقول : هي هي والله وعد لا خلف فيه.

ثمّ قال : يا نافع ، ألا تسلك بين هذين الجبلين وانج بنفسك فوقع نافع بن هلال على قدميه يقبلهما ويبكى وهو يقول :

إذن ثكلت نافعاً أُمّه ، سيّدي إنّ سيفي بألف وفرسي بمثله ، فوالله الّذي مَنَّ عليَّ بك في هذا المكان لن أُفارقك أبا عبد الله حتى يكلأ عن فري وجري .

قال نافع : ثمّ فارقني ودخل خيمة اخته زينب عليهما السلام ووقفت انتظره، فاستقبلته زينب ووضعت له متكأ وجلس يحدثها سراً فما لبثت أن اختنقت بعبرتها ونادت : وا أخاه واحسيناه ، أشاهد مصرعك وابتلي برعايتي هذه المذاعير من النساء، والقوم يا بن أُمّى كما تعلم ما هم عليه من عليه من الحقد القديم ذلك خطب جسيم يعزّ عليَّ مصرع هذه الفتية وأقمار بني هاشم .

ثمّ قالت : يا بن أُمّي هل استعلمت من أصحابك نياتهم فانّي أخاف أن يسلّموك عند الوثبة واصطكاك الأسنّة ، فبكى الحسين عليه السلام وقال : أما والله لقد بلوتهم فما رأيت فيهم إلا الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل بلبن اُمّه .

قال نافع : فبكيت رقّةً لها ، ثمّ أتيت حبيب بن مظاهر فرأيته جالساً في خيمته وبيده سيف مصلت و هو يقول كانه يخاطبه :

أيّها الصارم استعد جواباً *** لسؤال إذا العجاج اثيرا

والمواضى برق وقد تخذالبا***سل المطهّمات سريرا

قال نافع : فسلّمت عليه فرد السلام ، ثمّ قال : يا أخى ما الّذي أخرجك في هذا الليل؟

فحكيت له القصة من أوّلها إلى ما كان من قوله عليه السلام: «يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطفل بلبن أمّه» .

فقام حبيب قائماً على قدميه وقال : أي والله ، لولا انتظار أمره لعاجلتهم

وعالجتهم الليلة بسيفي هذا ما ثبت قائمه بيدى .

ثمّ قال نافع : يا أخي فارقت الحسين عليه السلام مع أخته زينب في حال وجل ورعب ، واظنّ انّ النساء قد شاركنها في الزفرة والحسرة فهل لك أن أصحابك وتمضي إليهم بكلام يسكن قلوبهنّ ويذهب رعبهنّ، فلقد شاهدت ما لا قرار لى على بقائه.

فقال : أنا طوع إرادتك ، فبرز حبيب ناحية ونافع إلى جنبه وانتدب أصحابه فنادى :

أين أنصار الله ؟ أين أنصار رسول الله صلّى الله عليه وآله، أين أنصار أمير المؤمنين ؟ أين أنصار فاطمة ؟ أين أنصار الحسين ؟ أين أنصار الاسلام ؟

فتطالعوا من منازلهم كالليوث الضارية يقدمهم أبو الفضل العبّاس (1)عليه السلام فلما اجتمعوا قال لبنى هاشم : ارجعوا إلى منازلكم لا سهرت عيونكم ، ثم خطب أصحابه فقال :

يا أصحاب الحمية ، وليوث الكريهة ، هذا نافع بن هلال يخبرني الساعة بكذا وكذا فاخبروني عن نياتكم، فجردوا صوار مهم ، ورموا عمائمهم وقالوا:

أما والله يا بن مظاهر لئن زحف القوم إلينا لنحصدن رؤوسهم ولنلحقهم


1) العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام أُمّه أمّ البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد العامري، وهو أكبر ولدها، ويكنى أبا الفضل، كان وسيماً جميلاً يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطّان الأرض، يقال له قمر بنى هاشم وهو السقاء، كان لواء الحسين عليه السلام معه يوم قتل، هو آخر من قتل من اخوته لأمه وأبيه، قتله زيد بن رقاد الجنبي وحكيم بن الطفيل الطائي النبسي وكلاهما في ابتلى في بدنه. انظر: مقاتل الطالبيين: 84 - 85 رجال الشيخ: 76.

بأشياخهم ، ولنحفظنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله في عترته وذرّيته.

فقال لهم حبيب : معي معي ، فقام يخبط الأرض بهم وهم يعدون خلفه حتى وقف بين أطناب الخيم ونادى :

السلام علیکم یا ساداتنا.

السلام علیکم یا معشر حرم رسول الله صلّى الله عليه وآله .

هذه صوارم فتيانكم آلوا أن لا يغمدوها إلّافي رقاب من يبتغي السوءفیکم.

وهذه أسنّة غلمانكم آلوا أن لا يركزوها إلا في صدور من يفرّق بين ناديكم.

فخرج إليهم الحسين عليه السلام وقال : أصحابي جزاكم الله عن أهل بيت نبيكم خيراً.

رجال تواصوا حيث طابت أصولهم *** وأنفسهم بالصبرحتى قضوا صبرا

حماة حموا خدراً أبى الله هتكه *** فعظّمه شأناً و شرّفه

فأصبح نهباً للمغاوير بعدهم *** ومنه بنات المصطفى أبرزت حسرا (1)


1) الدمعة الساكية : 345

[المجلس الحادي عشر ]

عن مولانا الصادق عليه السلام أنّه قال : سمعت أبي يقول : لما التقى الحسين عليه السلام وعمر بن سعد وقامت الحرب أنزل الله النصر حتى رفرف على رأس الحسين ثمّ خيّر بين النصر على أعدائه الله (1)

ثمّ صاح الحسين عليه السلام :

أما من مغيث يغيثنا لوجه الله ؟ أما من ذابِ يذبّ عن حرم رسول الله ؟

قال : فإذا الحرّ بن يزيد الرياحي قد أقبل إلى ابن سعد فقال :

أمقاتل أنت هذا الرجل ؟

فقال : أي والله ، قتال أيسره أن تطير الرؤوس وتطيح الأيدي .

قال : فمضى الحرّ ووقف موقفاً من أصحابه وأخذه مثل الأفكل (2)فقال له المهاجر بن أوس (3)

فهل المهاجر بن أوس اثنان؟ أم واحد كان في عسكر ابن سعد ثم التحق بمعسكر الإمام الحسين عليه السلام واستشهد معه ؟ الله أعلم .

: والله إنَّ أمرك لمريب ، ولو قيل لي: مَن أشجع

1) الملهوف : 74 .

2) الأفكل - بفتح الهمزة والكاف : الرعدة .

3) لم يرد في كتب التراجم وفي كتاب تسمية من قتل مع الإمام الحسين 155 ذكر من جملة شهداء الأصحاب المهاجر بن أوس من بجيلة .

أهل الكوفة لما عدوتك، فما هذا الذى أرى منك ؟

فقال : والله إنّي أخيّر نفسي بين الجنّة والنار، فوالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وحرّقت .

ثمّ ضرب فرسه قاصداً إلى الحسين عليه السلام ويده على رأسه وهو يقول :

اللّهُمّ إليك أنبت فتب عليَّ، فقد أرعبت قلوب أولياؤك أولاد بنت نبيّك .

وقال للحسين عليه السلام : جعلت فداك أنا صاحبك الذي حبسك عن الرجوع وجعجع بك ، وما ظننت أنّ القوم يبلغون بك ما أرى ، وأنا تائب إلى الله تعالى فهل ترى لي من توبة .

فقال له الحسين عليه السلام : نعم، يتوب الله عليك فانزل.

فقال : أنا لك فارساً خير مني لك راجلاً وإلى النزول يصير آخر أمري.

ثم قال : كنت أوّل من خرج عليك فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك لعلّي أكون ممّن يصافح جدّك محمداً صلى الله عليه وآله غداً في القيامة .

فأذن له فجعل يقاتل أحسن قتال حتى قتل جماعة من الشجعان والأبطال ثمّ استشهد فحمل إلى الحسين عليه السلام فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول:

أنت الحركما سمّتك أمك حرّاً في الدنيا والآخرة (1)

قال : وخرج برير بن خضير وكان زاهداً عابداً فخرج إليه يزيد بن


1) تاريخ الطبري 5: 469، تاريخ ابن الأثير 6 : 287 .

المغفل (1)فاتّفقا على المباهلة إلى الله تعالى في أن يقتل المحقّ منهما المبطل ولم يزل يقاتل حتى قّتل رحمه الله تعالى .

[قال]: وخرج وهب بن حباب الكلبي (2)، فأحسن في الجلاد ، وبالغ في الجهاد، وكانت معه أمرأته ووالدته فرجع إليهما وقال : يا أمّاه أرضيتِ أم لا ؟

فقالت الأُم : ما رضيتُ حتى تقتل بين يدي الحسين عليه السلام.

وقالت امرأته : بالله عليك لا تفجعنى بنفسك.

فقالت له أُمّه : يا بني أعزب عن قول زوجتك وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت نبيّك تنل شفاعة جدّه يوم القيامة.

فرجع ولم يزل يقاتل حتى قُطعت يداه، فأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأمّي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله صلّى الله عليه وآله،فأقبل كي يردّها إلى النساء، فأخذت بجانب ثوبه وقالت : لن أعود دون أن أموت معك .

فقال الحسين عليه السلام : «جُزيتم من أهل بيتٍ خيراً، ارجعي إلى النساء رحمك الله فانصرفت إليهنّ.

ولم يزل الكلبي يقاتل حتى قُتل رضوان الله عليه.

[قال] : ثمّ خرج مسلم بن عوسجة (3)

وكان ساعة البراز يرتجز :

ان تسألوا عني فاني ذو لبد*** من فرع قوم في ذرى بني أسد

فمن بغانا حايد عن الرشد *** و کافرٌ بدين جبّار صمد

وعند القتال لم يتجرّأ أحد من الأعداء على مبارزته ، فرضخوه بالحجارة ولمّا سقط على الأرض وكان به رمق مشى إليه الحسين عليه السلام وحبيب بن مظاهر ، فدعا له الحسين وبشره بالجنّة . ولما اقترب منه حبيب بن مظاهر قال له مسلم : أوصيك بهذا - وأشار إلى الحسين - فقاتل دونه حتى تموت. :انظر رجال الشيخ: 80 تاريخ الطبري 5 : 435، بحار الأنوار 45 69 ، الأخبار الطوال: 249، أنصار الحسين: 108 ، تسمية من قتل مع الحسين: 52 وفيه : مسلم بن عوسجة السعدي من بني سعد بن ثعلبة قتله مسلم بن عبدالله وعبيد الله بن أبي خشكارة .

رحمه الله فبالغ في قتال الأعداء ،

1) وقيل : يزيد بن معقل، وهو خبيث ملعون . انظر : الملهوف: 160 .

2) في ضياء العينين: 35: وهب بن عبدالله بن حباب الكلبي، أمه قمرى، وذكر الكثير من أخباره في واقعة الطف، أخذها من كتاب الملهوف: 161 .

3) مسلم بن عوسجة الأسدي من أبطال العرب في صدر الإسلام أول شهيد من أنصار الحسين بعد قتلى الحملة الأولى كان شيخاً كبير السن وشخصية أسدية كبرى ، وإحدى الشخصيات البارزة في الكوفة . وكان صحابياً ممّن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وروى عنه كان رجلاً شجاعاً وجريئاً شارك في الكثير من حروب المسلمين ، وشهد مع علي عليه السلام كلّ غزواته . كان في الكوفة يأخذ البيعة من الناس للحسين بن علي عليه السلام ، وقد جعله مسلم بن عقيل ثار بالكوفة على رأس طائفة من مذحج وأسد، وكان ينهض بجمع المال والسلاح والأنصار . وفي ليلة عاشوراء لما أوعز الإمام الحسين ان يتخذوا ظلام الليل جملاً وينصرفوا وقف مسلم بن عوسجة موقفاً جريئاً وقام متكلّماً وقال: «والله لو علمت أنّي أقتل ثمّ أُحيى ثمّ أُحرق ثمّ أُذرى ، يُفعل ذلك سبعين مرّة ما تركتك فكيف وأنّما هي قتلة واحدة ثم الكرامة إلى الأبد.»

وصبر على أهوال البلاءحتى سقط إلى الأرض وبه رمق، فمشى إليه الحسين عليه السلام ومعه حبيب بن مظاهر .

فقال له الحسين عليه السلام: رحمك الله يا مسلم، فمنهم مَن قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً ».

ودنا منه حبيب رضي الله عنه وقال : عزّ عليَّ مصرعك يا أخي يا مسلم أبشِر بالجنّة .

فقال له مسلم قولاً ضعيفاً : بشّرك الله بخيرٍ .

ثمّ قال له حبيب :لولا أعلم أنّني في الأثر لأحببتُ أن توصي إليّ بكلّ ما

أهمّك .

فقال له مسلم : فإنّى أُوصيك بهذا - وأشار بيده إلى الحسين عليه السلام - قاتل دونه حتى تموت.

فقال له حبيب : لأَنْعُمَنّك عيناً .

ثمّ مات رضوان الله عليه.

إلى أن [قال :] وحضرت صلاة الظهر فأمر الحسين عليه السلام زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي أن يتقدّما أمامه بنصف من تخلّف معه ثمّ صلّى بهم صلاة الخوف فوصل إلى الحسين عليه السلام سهم فتقدّم سعيد بن عبد الله بهم الحنفي يقيه بنفسه ما زال ولا تخطّى حتى سقط إلى الأرض وهو يقول:

اللّهمّ العنهم لعن عاد و ثمود . اللّهمّ ابلغ نبيّك عنّي السلام وابلغه ما لقيت من ألم الجراح فانّي أردت ثوابك في نصر ذرّيّة نبيّك، ثمّ قضى نحبه فوجد به ثلاثة عشرسهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح ...

[قال :] وتقدّم سويد بن عمرو بن أبي المطاع (1)وكان شريفاً كثير الصلاة فقاتل قتال الأسد الباسل ، وبالغ في الصبر على الخطب النازل حتى القتلى وقد أثخن بالجراح ، فلم يزل كذلك وليس به حراك حتى سمعهم يقولون : قتل الحسين عليه السلام فتحامل واخرج من خفّه سكيناً وجعل يقاتلهم


1) ويعرف أيضاً ب «سويد بن عمر الخثعمي»، والخثعمي: خثعم بن أنمار بن أرش من القحطانية، وهو آخر من قتل في ساحة كربلاء ، قتل بعد الحسين عليه السلام، كان أحد رجلين كانا برفقة الحسين عليه السلام. سقط إلى الأرض جريحاً وكان به رمق ، ولما سمع جيش الكوفة ينادي مستبشراً بقتل الحسين إستفاق وبدأ يقاتل بمديته وسيفه حتى استشهد ، قتله هاني بن ثبيت الحضرمي . انظر : رجال الشيخ: 74، المناقب 4: 102 وفيه: عمرو بن أبي المطاع الجعفي تنقيح المقال 2 : 76 .

به حتى قتل ....

وجعل أصحاب الحسين يسارعون إلى القتل بين يديه فكانوا كما قيل :

قوم إذا نودوا لدفع ملمّة *** والخيل بين مدعّس ومكردس

البسوا القلوب على الدروع كأنّهم*** يتهافتون على ذهاب الأنفس (1)


1) الملهوف: 166 ، زينة المجالس: 444 .

[ المجلس الثاني عشر ]

لمّا زحف القوم نحو الحسين عليه السلام وطلب العبّاس منهم تأجيل القتال إلى غدٍ، أمر الحسين عليه السلام أصحابه أن يقرّبوا بيوتهم ، ويدخلوا الأطناب بعضها ببعض، ويكونوا أمام البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد ، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وشمائلهم .

وقام الحسين عليه السلام وأصحابه الليل كلّه يصلّون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون ، وباتوا ولهم دوي كدوي النحل،ما بين قائم وقاعد،و راكع وساجد ، فعبر عليهم في تلك الليلة من عسكر ابن زياد اثنان وثلاثون رجلاً .

ولما ضيقوا على الحسين عليه السلام ونال منه ومن أصحابه العطش قام واتكأ على قائم سيفه ، ونادى بأعلى صوته فقال ؟

أنشدكم الله هل تعرفوني ؟

قالوا : نعم أنت ابن رسول الله وسيطه.

قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن جدّي رسول الله ؟

قالوا : اللهمّ نعم .

قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن أُمّي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله؟

قالوا : اللّهم نعم.

قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب ؟

قالوا : اللهم نعم.

قال : أنشدكم اللّه هل تعلمون أن جدّتي خديجة بنت خويلد أوّل نساء هذه الأمة اسلاماً ؟

قالوا : اللّهم نعم .

قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيّار في الجنّة عمّي ؟

قالوا : اللَّهمَّ نعم .

قال : أنشدكم الله هل تعلمون ان هذا سيف رسول الله أنا متقلّده ؟

قالوا : اللّهمَّ نعم .

قال : أنشدكم [الله] هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول الله صلّى الله عليه وآله أنا لابسها ؟

قالوا : اللّهمَّ نعم .

قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن علياً عليه السلام كان أوّل القوم إسلاماً،وأعلمهم علماً ، وأعظمهم حلماً ، وأنه ولي كلّ مؤمن ومؤمنة ؟

قالوا : اللَّهمَّ نعم .

قال : فبم تستحلون دمي وأبي الذائد عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادرعن الماء،ولواء الحمد بيد أبي يوم القيامة .

قالوا : قد علمنا ذلك كلّه ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً .

فلمّا خطب هذه الخطبة وسمع بناته وأخته زينب كلامه بكين وندبن ولطمن الخدود وارتفعت أصواتهن، فوجه إليهن أخاه العبّاس عليه السلام وعليّاً ابنه وقال لهما : سكتاهنّ فلعمري ليكثر بكاؤهن .

فلمّا لم يبق معه سوى أهل بيته خرج علي بن الحسين (1)

انظر: مقاتل الطالبيين : 80 - 81، الطبقات الكبرى 15 156 رجال الشيخ : 76 ، البداية والنهاية 8 185 ، الأعلام 4: 227 .

عليه السلام وكان

1) علي بن الحسين الأكبر، يكنى أبا الحسن من سادات الطالبيين وشجعانهم، أمه ليلى بنت أبي مرة (قرة) بن عروة (عمرو) بن مسعود بن مغيث (معبد) الثقفي، وأُمّها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب، كان له من العمر سبع وعشرون سنة، وردت رواية أنه كان متزوجاً من أم ولد هو أوّل من قتل من بني هاشم طعنه مرّة بن منقذ النعمان العبدي وهو يحوم حول أبيه ويدافع عنه ويقيه وانهال أصحاب الحسين على مرّة فقطعوه بأسيافهم ؛ قيل : مولده في خلافة عثمان، وسمّاه المؤرخون الأكبر تمييزاً له عن أخيه زين العابدين على الأصغر .

من أصبح الناس وجهاً ، وأحسنهم خلقاً، فأستأذن أباه في القتال فأذن له، ثمّ نظر إليه نظرة آيس منه، وأرخى عينيه بالدموع وبكى، ثمّ قال : اللهمّ اشهد فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك، وكُنّا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إليه فصاح وقال: يا بن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ، فتقدم نحو القوم وقاتل قتالاً شديداً وقتل جمعاً كثيراً، ثمّ رجع إلى أبيه وقال : يا أبه العطش قد قتلني،وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل إلى شربة ماء من سبيل اَتقوّى بها على الأعداء.

فبكى الحسين عليه السلام وقال : واغوثاه يا بني من أين أتي لك بالماء؟ قاتل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدك محمداً صلى الله عليه وآله فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظماً بعدها أبداً.

فرجع إلى موقف النزال وقاتل أعظم قتال ، فرماه منقذ بن مرّة العبدي (1)بسهم فصرعه فنادی :

يا أبتاه عليك منّي السلام، هذا جدّي يقرؤك السلام ويقول لك: عجّل


1) كذا في الأصل وبعض المصادر، ولكن في تاريخ الطبري 6 625، والكامل 4: 30، والأخبار الطوال: 254 ورد اسمه :هكذا مرة بن منقذ بن النعمان العبدي ثمّ الليثي.

القدوم إلينا، ثمّ شهق شهقة فمات.

فجاء الحسين عليه السلام حتى وقف عليه ووضع خدّه على خدّه وقال:

قتل الله قوماً قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ، على الدنيا بعدك العفا.

قال : وخرجت زينب بنت علي عليه السلام تنادي : يا حبيباه يا بن أخاه، وجاءت فانكبت عليه، فجاء الحسين عليه السلام فأخذها وردّها إلى النساء.

ثمّ جعل أهل بيته يخرج منهم الرجل بعد الرجل حتى قتل القوم منهم جماعة.

فصاح الحسين عليه السلام في تلك الحال:صبراً يا بني عمومتی، صبراً يا أهل بيتي،فوالله لارأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً.

قال:وخرج غلام كأنّ وجهه شقة قمر،فجعل يقاتل فضربه ابن فضيل الأزدي (1)على رأسه، ففلقه، فوقع الغلام لوجهه وصاح: يا عمّاه !

فجلس الحسين عليه السلام كما يجلس الصقر (2)، ثمّ شدّ شدّة ليثٍ أغضب، فضرب ابن فضيل بالسيف، فاتّقاها بالساعد ، فأطنّه من لدن المرفق ، فصاح صيحة سمعه أهل العسكر،و حمل أهل الكوفة ليستنقذوه، فوطأته الخيل حتى هلك .

قال :] ثمّ قام الحسين على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والحسين يقول : «بعداً لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدّك وأبوك» .


1) في مقاتل الطالبيين: 88 ذكر اسمه عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي .

2) كذا في الأصل، وفي المصادر فجلى الحسين عليه السلام كما يجلي الصقر .

ثمّ قال : «عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك صوت، والله كثر واتره وقلّ ناصره ».

ثمّ حمل عليه السلام الغلام على صدره حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته.

[قال] ولمّا رأى الحسين عليه السلام مصارع فتيانه وأحبته، عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى :

هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله صلّى الله عليه وآله ؟

هل من موحّدٍ يخاف الله فينا ؟

هل من مغيثٍ يرجو الله بإغاثتنا ؟

هل من معينٍ يرجو الله في إعانتنا ؟

فارتفعت أصوات النساء بالعويل ، فتقدّم إلى باب الخيمة وقال لزينب عليها السلام : «ناولينى ولدي الصغير (1)حتى اودّعه ، فأخذه وأومأ إليه ليقبله فرماه حرملة ابن كاهل (2)

وقيل : إنّه لما نظرالمختار إلى حرملة قال: الحمد لله الذي مكّنني منك يا عدوّ الله، ثمّ أحضر الجزار فقال له: اقطع يديه ورجليه فقطعهما، ثمّ قال: عليّ بالنار، فاحضرت بين يديه، فأخذ قضيباً من حديد وجعله في النار حتى احمرّ ثمّ أبيضّ، فوضعه على رقبته، فصارت رقبته تجوش من النار وهو يستغيث حتى قطعت رقبته . انظر حكاية المختار: 55 و 59 .

بسهم فوقع في نحره فذبحه .

1) هو عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأمه الرباب بنت امرىء القيس بن عدي بن أوس، وفي اسم قاتله اختلاف ؛ فقيل حرملة ؛ وقيل : عقبة بن بشر.

2) وهو خبيث ملعون، لمّا قُبض على حرملة ورآه المختار بكى المختار وقال: يا ويلك أما كفاك ما فعلت حتى قتلت طفلاً صغيراً وذبحته، يا عدوّ الله، أما علمت أنّه ولد النبي، فأمر به فجعلوه مرمى فرمي بالنشاب حتى مات .

فقال لزينب : خذيه ، ثمّ تلقّى الدم بكفّيه ، فلما امتلأت رمى بالدم نحو السماء ثم قال :

هون عليّ ما نزل بي ، أنّه بعين الله تعالى .

قال الباقر عليه السلام : فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض . (1)

قال الراوي : واشتدّ العطش بالحسين عليه السلام فركب المسنّاة يريد الفرات والعبّاس أخوه بين يديه فاعترضته خیل ابن سعد ، فرمى رجل من بني دارم الحسين عليه السلام بسهم فأثبته في حنكه الشريف، فانتزع السهم وبسط يديه تحت حنكه حتى امتلأت راحتاه من الدم ثمّ رمى به وقال :

اللهم أنّى أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيّك، ثمّ انهم اقتطعوا العبّاس عنه وأحاطوا به من كلّ جانب حتى قتلوه قدس الله روحه ، فبكى الحسين لقتله بكاءً شديداً، وفي ذلك يقول الشاعر (2)

أحق الناس أن يُبكى عليه *** فتىً أبكى الحسين بكربلاء

أخوه و ابن والده على *** أبو الفضل المضرّج بالدماء

ومن واساه لا يثنيه شيء *** وجاد له على عطش بماء (3)

ولما دخل بشير بن حذلم المدينة المنورة لينعى الحسين عليه السلام التقى بأم البنين (4)

نحن بنوأم البنين الأربعة *** الضاريين الهام وسط المجمعة وكانت من بيت كرم وشجاعة وفصاحة ومعرفة.

قال الإمام علي عليه السلام - بعد وفاة الصديقة الزهراء عليها السلام - لأخيه عقيل - وكان نسابة العرب وعرّافة بأحسابها وعاداتها - : «أبغني امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلدني غلاماً فارساً».

فقال له عقيل : أين أنت عن فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية ؟

انظر : تاریخ بغداد 12 : 136 ، عمدة الطالب : 324 .

وهى أمّ العباس» فقال لها :

1) الملهوف: 169 ، كفاية الطالب : 284 ، إحقاق الحق: 454 .

2) وهو: الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن أمير المؤمنين عليه السلام من أعلام القرن الثاني .

3) الملهوف 170 ، مقاتل الطالبيين: 84 ، الغدير 3 3 .

4) هي فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر ، وأمها ثمامة بنت سهيل بن عامر ، وتكنى ب«أُمّ البنين قبل تزويجها بالإمام علي عليه السلام لأنها من بيت (أُمّ البنين العامرية) التي قيل فيها:

عظم الله لك الأجر بولدك عبد الله.

قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين.

قال لها : عظّم الله الأجر بولدك جعفر.

قالت له : أسألك عن سيدي ومولاي الحسين.

قال لها : عظّم الله لك الأجر بولدك عثمان.

قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين.

قال لها: عظم الله لك الأجر بولدك العبّاس .

قالت له : أسألك عن سيدي ومولاي الحسين . فقال :

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها*** قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرّج *** والرأس منه على القناة يدارُ

فصاحت ولطمت خدّها ، وشقّت جيبها ونادت : واحسيناه واسيّداه ، ثمّ

أنشدت :

لا تدعوّني ويك أُمّ البنين *** تذكريني بليوث العرين

كانت بنون لي أدعى بهم*** واليوم أصبحت ولا من بنين

أربعة مثل نسور الربى *** قد واصلوا الموت بقطع الوتين

تنازع الخرصان أشلاءهم *** فكلهم أمسى صريعاً طعين

يا ليت شعري أكما أخبروا *** بأن عباساً قطيع اليمين (1)

ثمّ انّ الحسين عليه السلام دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كلّ من برز إليه حتى قتل مقتلة عظيمة وهو في ذلك يقول :

القتل أولى من ركوب العار*** والعار أولى من ركوب النار

قال بعض الرواة : فو الله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه ، وان كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر،ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول : لاحول ولاقوة إلا بالله.

قال الراوي: ولم يزل يقاتلهم حتى حالوا بينه وبين رحله فصاح :

ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون.

قال : فناداه شمر : ما تقول يا بن فاطمة ؟

فقال : أقول : أنّي أقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً .

فقال شمر: لك ذلك يا بن فاطمة .

فقصدوه بالحرب فجعل يحمل عليهم ويحملون عليه وهو في ذلك يطلب شربة من ماءفلا يجد،حتى أصابه اثنتان وسبعون جراحة فوقف يستريح ساعة


1) انظر : مقاتل الطالبيين : 85 ، إبصار العين : 36 .

وقد ضعف عن القتال ، فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته ، فأخذ الثوب ليسمح الدم عن جبهته ، فأتاه ، فأتاه سهم مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبه فقال :

بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله .

ثمّ رفع رأسه وقال :

إلهي أنت تعلم انهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره ، ثمّ أخذ السهم فأخرجه من وراء ظهره فاتبعث الدم كأنه ميزاب فضعف عن القتال ووقف .

فكلّما أتاه رجل انصرف عنه كراهة أن يلقى الله بدمه، حتى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن النسر فشتم الحسين عليه السلام وضربه على رأسه الشريف بالسيف، فقطع البرنس ووصل السيف إلى رأسه فامتلأ البرنس دماً.

قال الراوي: فاستدعى الحسين بخرقة فشدّ بها رأسه، واستدعى بقلنسوة فلبسها واعتم عليها ، فلبثوا هنيئة ثم عادوا إليه وأحاطوا به.

فخرج عبد الله بن الحسن بن علي (1)وهو غلام لم يراهق من عند النساء يشتد حتى وقف إلى جنب الحسين عليه السلام فلحقته زينب بنت علي لتحبسه فأبى وامتنع امتناعاً شديداً فقال : لا والله لا أفارق عمّي .

فأهوى بحر بن كعب (2)وقيل : حرملة بن كاهل إلى الحسين عليه السلام بالسيف، فقال له الغلام : ويلك يا بن الخبيثة ، أتقتل عمّى ؟ فضربه بالسيف


1) عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأمه بنت السليل بن عبد الله أخي عبدالله بن جرير البجلي : وقيل: أمّه أمّ ولد ؛ وقيل : الرباب بنت امرىء القيس، كان عمره حين قتل إحدى عشرة سنة . انظر : الارشاد : 241 ، مقاتل الطالبيين 89 رجال الشيخ: 76 .

2) وقيل اسمه : أبجر بن كعب.

فاتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هی معلّقة.

فنادى الغلام : يا عماه !

فأخذه الحسين عليه السلام وضمّه إليه وقال : يا بن أخي اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير فان الله يلحقك بآبائك الصالحين .

قال الراوي : فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه وهو في حجر عمّه الحسين عليه السلام .

قال الراوي : ولمّا اُثخن الحسين عليه السلام بالجراح وبقي كالقنفذ ، طعنه صالح بن وهب المري على خاصرته فسقط الحسين عليه السلام عن فرسه إلى الأرض على خده الأيمن وهو يقول : بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله.

وخرجت زينب من باب الفسطاط وهى تنادي : وا أخاه واسيّداه واأهل بيتاه،ليت السماء أطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل.

وكان ما كان ممّا لست أذكره .

يا رسول الله لو عاينتهم ***و هم ما بين قتل و سبا

من رميض يمنع الظل ومن*** عاطش يسقى أنابيب القنا

جز روا جزر الأضاحي نسله *** ثم ساقوا أهله سوق الاما

قتلوه بعد علم منهم *** انّه خامس أصحاب الكسا

ليس هذا لرسول الله يا *** أمة الطغيان والكفر جزا (1)


1) ديوان الرضي 44:1 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 : 386 .

الفصل الثانى

في هدي النبي وسيرته وذكر خصائصه المقدّسة

[ المجلس الثالث عشر ]

إن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قد اتسعت أعلام نبوّته، وتواترت دلائل رسالته ، ونطقت له السماوات قبل بعثته .

نوّهت باسمه السماوات والأر***ض كما نوّهت بصبح ذكاها هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

وهو أحمد الذي بشر به عيسى عليه السلام، وهوالمصطفی والمختار والمحمود ،والماحي الذي يمحو الله به الذنوب، والعاقب والحاشر والمهيمن وكنيته : أبو القاسم، وفي ذلك يقول الشاعر :

للّه ممّن قد برا صفوة *** وصفوة الخلق بنو هاشم

وصفوة الصفوة من هاشم*** محمد النور أبو القاسم

كان مولده المبارك عام الفيل وطير الأبابيل لسبع عشرة خلون من ربيع الأوّل ، وقيل : يوم الثاني عشر منه ، وقيل : لثمان خلون منه قبل الهجرة المباركة بثلاث وخمسين سنة . (1)ولد صلّى الله عليه وآله بمكة المعظمة بدار ابن يوسف التي بنتها بعد ذلك


1) قال له : القول الأول هو المشهو وعليه أكثر علماء الإمامية ، والثاني رواه الكليني في الكافي وعليه أكثر علماء السنّة ، والثالث قال به بعض من شدّ من المخالفين.

الخيزران أمّ الهادي والرشيد مسجداً ، وكان أبوه عبدالله غائباً بأرض الشام ، فانصرف مريضاً فقضى نحبه بالمدينة الطيبة والنبي صلّى الله عليه وآله حمل . أمّا أُمّه صلّى الله عليه وآله : فانّها آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب ... وفي السنة الأولى من مولده رفع إلى حليمة بنت عبد الله ابن الحارث ترضعه فكانت تقول وهي تلاعبه :

الحمد لله الذي أعطاني *** هذا الغلام الطيب الأردان

قدسادفي المهدعلى الغلمان*** أعيذه بالبيت ذي الأركان

فبقى في بني سعد إلى السنة الرابعة من مولده، وفي تلك السنة أرجعته ضعته حليمة إلى أمه آمنة في مستهل السادسة من عمره الشريف ، وبين ذلك وبين عام الفيل خمس سنين وشهران وعشرة أيام.

وفي السنة السابعة من مولده خرجت به أمّه إلى أخواله تزورهم فتوفّيت بالأبواء(1)، وقدمت به أم أيمن إلى مكة بعد خمسة أيام من موت أُمّه .

وفي السنة الثامنة من مولده توفّي جدّه شيبة الحمد - أعني عبد المطلب وضته عمه أبو طالب إليه ، وكان في حجره يؤثره على ولده ونفسه .

وخرج مع عمّه إلى الشام وله ثلاث عشرة سنة، ثم خرج في تجارة لخديجة بنت خويلد ومعه غلامها ميسرة وكان صلّى الله عليه وآله ابن خمس وعشرين سنة ، فنظر تشطور الراهب وهو في صومعته إليه وقد ظلّلته الغمامة


1) الأبواء - بالفتح ثمّ السكون وواو وألف ممدودة ... قال ثابت سمّيت بذلك لتبوء السيول بها، وهي قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجُحفة كما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً ؛ وقيل : هي جبل بين مكة والمدينة. انظر معجم البلدان 1: 79

فقال : هذا نبي وهو آخر الأنبياء وخاتم الرسل. (1)

وكان منه ما قد تواترت به الأخبار واشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار.

ولمّا هدمت الكعبة بالسيل بنتها قريش فرفعت سمكها ، وتأتي لها ما أرادت فى بنيانها من الخشب الذي ابتاعوه من السفينة التي رمى بها البحر إلى ساحلهم ، وكان قد بعث بها ملك الروم من القلزم من بلاد مصر إلى الحبشة لتبني هنالك له كنيسة ، وانتهت قريش إلى موضع الحجر الأسود وتنازعوا أيهم يضعه فاتفقوا على تحكيم الصادق الأمين محمد صلّى الله عليه وآله وكان يعرف عندهم جميعاً بالأمين ، وكانوا على اختلاف مشاربهم ونزعاتهم وضغائنهم ، واعجاب كلّ قبيلة من قبائلهم بنفسها مجمعين على حبّه وأمانته وعدالته في كلّ شؤونه فحكموه فيما تنازعوا فيه ، وانقادوا إلى قضائه .

فبسط رداءه وأخذ الحجر فوضعه في وسطه ، ثمّ قال لأربعة من زعماء قريش ، وأهل الرياسة فيها - وهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبدمناف،والأسود بن عبدالمطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم ، وقيس بن عدى السهم ليأخذ كل واحد منكم بجنب من جنبات هذا الرداء ، فشالوه حتى ارتفع ودنا من موضعه فأخذه صلّى الله عليه وآله ووضعه في مكانه وقريش كلّها حضور.

فقال قائل لمن حضر من قريش متعجباً من فعلهم وانقيادهم إلى أصغرهم سنّاً : «واعجباً لقوم أهل شرف ورياسة كهولاً وشيوخاً عمدوا إلى أصغرهم سنّاً


1) انظر قصة ولادة الرسول صلى الله عليه وآله في الفضائل لابن شاذان 20، تاریخ بغداد 3: 3 - 021 بحار الأنوار 15: 146 ح 8 ، وص 281 - 17 ، وص 341 ح 13 .

فجعلوه عليهم رئيساً وحاكماً ؟! أما واللات والعزّى ليقسمنّ بينهم حظوظاً وجدوداً ، وليكوننّ له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم».

وكان أبو طالب حاضراً ، فلمّا سمع هذا الكلام انشأ يقول :

إنّ لنا أوّله و آخره *** في الحكم العدل لن ينكره

قاتل الله أهل العناد (فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الكَافِرِينَ ) (1)، كذَّبوه وأنّهم ليعلمونه الصادق الأمين ، وأنكروا نبوّته ، وهم منها على يقين (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) (2)، ثمّ لم يألوا جهداً ، ولم يدخروا وسعاً في اطفاء نور الله من مشكاته (وَيَأْبَى الله إِلَّا أَنْ يَتُمَّ نُورَه ... وَلَو

كَرِه الْمُشْرِكُونَ) (3)ظلموه وشتموه وأجلوه عن حرم الله عزّ وجلّ مسقط رأسه ، ومحل أنسه ، ثمّ لم يكتفوا بما كان منهم في مكة المعظمة من فضائع وفجائع ، وأمور تستك منها المسامع ، حتى غزوه وهو في دار هجرته ، ومحل غربته ، فكانت حروب تشيب الأطفال ، وتميد بها الجبال ، لكنّها والحمد لله طحنتهم بكلكلها ، وقرّت الكلاب أشلاءهم ، (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى الله المُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً )(4)بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي يا نبي الرحمة ، كم أسديت لهذه الأمّة من نعمة ، وكم لك عليها من يد بيضاء تستوجب الشكر والثناء.


1) سورة البقرة : 89

2) سورة النمل: 14 .

3) سورة التوبة : 32 - 33 .

4) سورة الأحزاب: 25 .

وحين فتحت مكة بعد أن أجلوك عنها ، وكان من أبي سفيان ما كان من التحريض على قتلك ومحاربتك ، فأمرت مناديك ينادي: من دخل دار أبي سفيان فهو امن.

ثمّ لم يتم على ولدك وسبطك وريحانتك ما تمّ .

ملكنا فكان العفو منّا سجية ***فلمّا ملكتم سال بالدم أبطح

وحللتم قتل الاسارى وطالما*** نمرّ على الأسرى فنعفو ونصفح

وحسبكم هذا التفاوت بيننا *** وكلّ اناء بالذي فيه ينضح

قال عبد الله بن العباس رحمه الله : أنّه لمّا اشتدّ برسول الله صلى الله عليه و آله مرضه الذى مات فيه وقد ضمّ الحسين إلى صدره يسيل من عرقه عليه وهو يجود بنفسه ويقول :

مالي وليزيد لا بارك الله فيه ، اللهم العن يزيد ، ثمّ غشي عليه طويلاً وأفاق وجعل يقبل الحسين عليه السلام وعيناه تذرفان ويقول : أما أن لى ولقاتلك مقاماً بين يدي الله عزّ وجلّ .

وقال ابن عباس أيضاً: كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وآله جالساً ، إذ أقبل الحسن عليه السلام ، فلمّا رآه يبكي وقال له : إلي إليّ ، فأجلسه على فخذه اليمنى.

ثم أقبل الحسين عليه السلام ، فلمّا رآه بكى وقال له : إليّ إليَّ ، فأجلسه على فخذه اليسرى .

ثم أقبلت فاطمة عليها السلام، فلمّا رآها بكى فقال لها : إليّ إليّ . فأجلسها بين يديه

ثمّ أقبل علي السلام فرآه وقال له : إليَّ إليَّ ، وأجلسه إلى جانبه الأيمن.

فقال له أصحابه : يا رسول الله ، ما ترى واحداً من هؤلاء إلّا وبكيت أو ما فيهم من تسر برؤيته ؟

فقال : والذي بعثني بالنبوّة على جميع البرية ما على وجه الأرض نسمة أحب إليَّ منهم ، وانما بكيت لما يحل بهم بعدي وما يصنع بهذا ولدي الحسين به ، وقد استجار بحرمي وقبري فلا يجار ثم يرتحل إلى أرض مقتله صرعه أرض كرب وبلاء تنصره عصابة من المسلمين ، أولئك سادة شهداء أمتي يوم القيامة ، فكأني انظر إليه وقد رمي بسهم فخر عن فرسه صريعاً ثم يذبح كما يذبح الكبش مظلوماً.

ثمّ انتحب صلى الله عليه وآله وسلّم وبكى من حوله وارتفعت أصواتهم بالضجيج ثمّ قام وهو يقول :

اللَّهمَّ إِنِّي أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي .

والمسلمون بمنظر وب- وبمسمع لا منكر منهم ولا متفرّع كحلت بمنظرك العيون عماية وأصم رزؤك كلّ اذن تسمع أيقظت أجفاناً وكنت لها كرى وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع (1)


1) معجم الأدباء 10: 110 .

المجلس الرابع عشر ]

ولد رسول الله صلى الله عليه وآله - أعلى الأنبياء قدراً، وأرفع الرسل في الملأ الأعلى ذكراً الّذي بشّرت الرسل بظهوره ، وخلقت الأنوار بعد نوره يوم السابع عشر من ربيع الأول ؛ وقيل : يوم الثاني عشر منه ، بمكة المشرفة في شعب أبي طالب يوم الجمعة بعد الزوال أو عند الفجر عام الفيل وطير الأبابيل.

وهو أبو القاسم محمد المصطفى بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن مالك عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن ابن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ....

وأمه آمنة بنت وهب .

وأزواجه خمسة عشر ، وفي المبسوط : ثمانية عشر ، سبع من قريش ،

وواحدة من حلفائهم ، وتسع من سائر القبائل وواحدة من بني إسرائيل بن هارون بن عمران.

واتخذ من الاماء ثلاثة عجميتين وعربية .

وله من الأولاد من خديجة : القاسم ، ورقية ، وزينب ، وأم كلثوم-وفي رقيّة وزينب خلاف - وبعد المبعث ولد من خديجة : الطيّب، والطاهر، وسيّدة نساء العالمين، وله ولد أيضاً من مارية القبطية اسمه إبراهيم.

ونزل عليه الوحي صلّى الله عليه وآله ، وتحمل أعباء الرسالة يوم السابع

والعشرين من رجب وهو ابن أربعين سنة .... واصطفاه ربّه بالمدينة مسموماً يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة احدى عشرمن الهجرة المباركة وله ثلاث وستون سنة ، ودفن في حجرته المنورة .

ومات أبوه وهو ابن شهرين ؛ وقيل : سنتان وأربع أشهر ؛ وقيل : مات وهو حمل ، وماتت أمه فى الأبواء وكان صلى الله عليه وآله كما وصفه ولده باقر علوم الأولين والآخرين عليه السلام : أبيض اللون مشرّباً بحمرة ، أدعج العينين، مقرون الحاجبين، عظيم المنكين، إذا التفت التفت جميعاً، سائل الأطراف،كأنّ عنقه ابريق فضّة، وإذا تكفاً كأنّه إلى منحدر، لم ير الراؤون مثل نبي الله قبله ولا بعده.

وأما معاجزه الباهرة، وآياته الظاهرة، فقد قصرت عن حصرها الحساب، وكلت عن سطرها الكتاب، كانشقاق القمر، وتظليل الغمام،وحنين الجذع،وتسبيح الحصى، وتكليم الموتى، ومخاطبة البهائم ، واثمار يابس الشجر، وغرس الأشجار وأثمارها على الفور، وقصة الغزالة مع خشفيها، وخروج الماء من بين أصابعه، وانتقال النخلة بأمره، واخبار الذراع له بالسم، والنصر بالرعب، ونوم عينيه دون قلبه، وعدم طول قامة أحد على قامته واكثار اللبن من شاة أُمّ معبد،ورؤيته من خلفه كما يرى من خلفه كما يرى من أمامه، واطعامه من القليل الجم الغفير، وطى البعيد،له ، وشفاء الأرمد إن تفل في عينيه ، وقصة الأسد، ونزول المطر بدعائه ، ودعائه على سراقة فساخت به الأرض، وأخباره بالمغيبات، كأنبائه عن العترة الطاهرة واحداً بعد واحد، وما يجري عليهم من الأعداء في أرض كربلاء .

ففى البحار وغيره : لمّا ولدت فاطمة الحسين عليهما السلام جاء النبي

صلّى الله عليه وآله فقال :

هلمي إليَّ بابني يا أسماء .

قالت : فدفعته إليه في خرقة بيضاء، ففعل به كما فعل بالحسن يوم ولادته وبكى رسول الله صلى الله عليه وآله ثمّ قال :

إنّه سيكون لك حديث اللهم العن قاتله، لا تعلمى فاطمة بذلك قالت أسماء : فلمّا كان يوم سابعه جاء النبي صلّى الله عليه وآله فقال :

هلمي بابني فأتيته به ، ففعل به كما فعل بالحسن عليه السلام وعقّ عنه كبشاً أملحاً، وحلق رأسه،وتصدّق بوزن الشعر ورقاً ، ثمّ وضعه في حجره، وخلق رأسه بالخلوق، ثمّ قال : يا أبا عبد الله عزّ علىّ ثم بكى (1)

أقول : كأنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله : ذكر حين خلق رأس الحسين عليه السلام بالخلوق أنّ هذا الرأس يهدى إلى يزيد لحّاه الله على رمح طويل من العراق إلى الشام مع سبعة عشر رأساً من العترة الطاهرة، تشرق أنوارها على أطراف الرماح كأنها الأقمار الزاهرة،و جسومهم منبوذة بالعراء، لا مغسّلين ولا مكفّنين، ولا مدفونين ، تصهرهم الشمس ، وبالعزيز عليك يا رسول الله أن يبقى سبطك وريحانتك عارى اللباس .

قطيع الرأس منخمد الأنفا *** س في جندل كالجمرمضطرم

ثوى ثلاث ليال بالعراءبلا ***غسل ولا كفن الله من حكم

وكريمتك يا رسول الله تناديك بصوت حزين ، وقلب كئيب :

يا رسول الله ، يا جدّاه ، صلّى عليك مليك السماء ، هذا حسينك بالعراء،


1) انظر : ذخائر العقبی : 119 ، مقتل الحسين للخوارزمي ،1 : 87 ، الفصول المهمة لابن الصباغ : 154 ، الخصائص الكبرى للسيوطي 2 : 125 .

تسفى عليه الصبا ، قتيل أولاد البغايا، يا حزناه، يا كرباه، اليوم مات جدي رسول الله صلّى الله عليه وآله، يا أصحاب محمداه، هذه ذرّيّة المصطفى، يساقون سوق السبايا، يا محمداه بناتك سبايا، وذريتك مقتلة، وهذا حسينك مقطوع الرأس من القفا

نادت فقطعت القلوب بشجوها*** لكنما انتظم البيان فريدا

انسان عيني يا حسين اخي يا *** أملي وعقدجماني المنضودا

[المجلس الخامس عشر ]

روي عن الحسن سلام الله عليه ، قال : سألت خالي هند بن هالة وكان

وصّافاً عن حلية النبي صلى الله عليه وآله فقال :

كان رسول الله صلّى الله عليه وآله فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذّب، عظيم الهامة، رجل الشعر، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب، بينهما عرق يدرّه الغضب ، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من يتأمله أشم، كنّ اللحية، سهل الخدين، أدعج العينين، ظليع الفم أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضّة، معتدل الخلق، بادناً متماسكاً، سواء البطن والصدر،عريض، بعيدما بين المنكبين، ضخم الكراديس أنور، موصول ما بين الصدر والسرّة بشعر يجري كالخط ، عاري الثديين والبطن ممّا سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين، طويل الزندين، رحب الراحة، شئن الكفين والقدمين (1)، سائل الأطراف، مسبح القدمين ، يخطو تكفئاً، ويمشى هوينا، سريع المشي إذا مشى كأنّما ينحط عن صبب ، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره الى الأرض ، يبدر من لقيه بالسلام، وكان متواصل الأحزان ، دائم الفكرة، لا يتكلّم في غير حاجة، طويل السكوت، يتكلّم بجوامع الكلم ، ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وأن دقّت، ولا يذم منها شيئاً، ولا يذم ذواقاً ولا يمدحه، ولا


1) قال رحمه الله : شئن وشئل بمعنى يقال : شئلت أصابعه أي : خشنت و غلظت . وقدم شئلة : غليظة اللحم .

تغضبه الدنيا ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفّه كلّها ، وإذا تعجّب قلبها ، واذا حدّث أشار بها فضرب براحته اليمنى باطن ابهامه اليسرى وإذا غضب أعرض ، وإذا فرح غضَّ من طرفه ، جلّ ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.

صلّى الله عليك يا رسول الله ، وعلى فرخك وشبل سبطك علي بن الحسين الأكبر الشهيد بن الشهيد، والمظلوم بن المظلوم، أشبه الناس بك خلقاً وخُلقاً ومنطقاً، ولقد يعزّ عليك حين برز إلى ثلاثين ألفا وهو ابن تسع عشرة سنة فرفع الحسين سبابته إلى السماء وقال :

اللَّهمّ أشهد على هؤلاء القوم ، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك ، وكنا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه.

اللهم امنعهم بركات الأرض، وفرقهم تفريقاً، ومزقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فانّهم دعونا لينصرونا، ثمّ عدوا علينا يقاتلوننا.

ثم صاح عليه السلام: يا بن سعد،ما لك ؟ قطع الله رحمك ، ولا بارك لك في أمرك،وسلّط عليك من يذبحك على فراشك، كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله .

ثم رفع صوته وتلى : ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ عُمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِيْنَ ذُرِّيَّةَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيْمٌ) (1).

ثم حمل علي بن الحسين على القوم وهو يقول :


1) سورة آل عمران: 33 .

أنا على بن الحسين بن علي *** من عصبة جدّ أبيهم النبيّ

والله لا يحكم فينا ابن الدعي*** أطعنكم بالرمح حتى ينثني

أضربكم بالسيف أحمي عن أبي*** ضرب غلام هاشمي علوي

ولم يزل يقاتل حتى ضجّ الناس من كثرة من قتل منهم ، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة ، فقال :

يا أباه العطش قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة ماء من سبيل أتقوّى بها على الأعداء ؟

وبكى الحسين عليه السلام وقال : يا بني ، يعزّ على محمّد وعلي وعلى أبيك أن تدعوهم فلا يجيبونك ، وتستغيث بهم فلا يغيثونك ، يا بني هات لسانك فأخذه فمصه، ودفع إليه خاتمه وقال : امسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك، فانّي أرجو أنك لا ترجع حتى يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها ابداّ.

فرجع على بن الحسين عليه السلام إلى موضع النزال ، وقاتل أعظم القتال وهو يقول :

الحرب قد بانت لها الحقائق *** وظهرت من بعدها مصادق

والله ربّ العرش لا تفارق *** جموعكم أو تغمد البوارق

فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين ، ثمّ ضربه منقذ بن مرّة العبدي على مفرق رأسه ضربة ، صرعته ، وضربه الناس بأسيافهم ، ثم اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء ، فقطعوه بسيوفهم إربا إرباً ، فلما بلغت روحه التراقي قال رافعا صوته :

يا أبتاه هذا جدّي قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً ، وهو يقول لك : العجل العجل فان لك كأساً مذخورة حتى تشربها الساعة .

فصاح الحسين عليه السلام : قتل الله قوماً قتلوك يا بني ، ما أجرأهم على الرحمن وعلى رسوله صلى الله عليه و آله،على الدنيا بعدك العفا. كنت السواد لناظري *** فعليك يبكي الناظر

من شاء بعدك فليمت *** فعليك كنت أحاذر

قال حميد بن مسلم : فكأنّي انظر إلى امرأة خرجت مسرعة تنادي بالويل والثبور وتقول :

يا حبيباه، ويا ثمرة فؤاداه، يا نور عيناه .

فسألت عنها فقيل لي: هي زينب بنت علي عليها وعلى أبيها السلام، وجاءت وانكبّت عليه ، فجاء الحسين عليه السلام وأخذها بيدها فردّها إلى الفسطاط وأقبل بفتيانه وقال: احملوا أخاكم ، فحملوه من مصرعه ، فجاءوا به حتى وضعوه عندالفسطاط الّذي كانوا يقاتلون أمامه .

با كوكباً ما كان أقصرعمره*** وكذاك عمر كواكب الأسحار

جاورت أعدائي وجاور ربِّه*** شتان بين جواره وجواري (1)


1) من قصيدة لابن الفارض ينعى فيها ولده .

[ المجلس السادس عشر ]

لما قدم النبي صلّى الله عليه وآله إلى المدينة تعلّق الناس بزمام الناقة

فقال : دعوها فأنّها مأمورة فعلى باب من بركت فأنا عنده .

فأطلقوا زمامها وهى تهفّ في السير ، فبركت على باب أبي أيّوب خالد بن زيد الأنصاري (1)

وروي عن سعيد بن المسيب أنّ أبا أيوب أخذ من لحية رسول الله صلّى الله عليه وآله شيئاً ، فقال له: «لا يُصيبك السوء يا أبا أيوب».

انظر: الإصابة 2: 199 - 201 ترجمة رقم (2168»، تجريد أسماء الصحابة 1: 150، تقريب التهذيب 1 : 213

رضى الله تعالى عنه ، ولم يكن في المدينة أفقر منه، فانقطعت قلوب الناس حسرة على مفارقة النبي صلّى الله عليه وآله، ونادى أبو أيوب:

يا أماه افتحي الباب، فقد قدم سيّد البشر، وأكرم ربيعة ومضر، ففتحت الباب وقالت :

واحسرتاه ، ليت لي عيناً أبصر بها وجه سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت عمياء ، فكان أوّل معجزة للنبي في المدينة أنه صلى الله عليه وآله وضع كفّه الشريفة على وجه أُمّ أيوب فانفتحت عيناها (2)


1) هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف النجار، أبو أيوب الأنصاري، معروف باسمه وكنيته، السابقين، شهد العقبة وبدراً وما بعدها ، ونزل عليه النبي صلّى الله عليه وآله لما قدم المدينة استخلفه الإمام علي عليه السلام على المدينة لما خرج إلى العراق، ثمّ لحق به و شهد معه قتال من الخوارج.

2) مناقب آل أبي طالب 1 : 133، بحار الأنوار 19 : 121 ح 7 .

وروي بسند معتبر أنّ أبا أيّوب أتى بشاة إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله في عرس فاطمة عليها السلام فنهاه جبرئيل عن ذبحها ، فشقّ ذلك على أبي أيوب ، ثمّ أمر بذبجها ، فذبحها ابن جبير الأنصاري بعد يومين ، فلمّا طبخت أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله أن لا تأكلوا إلا بسم الله ، ثمّ قال صلّى الله عليه وآله انّ أبا أيّوب رجل فقير ، إلهى أنت خلقتها وأنت أمتّها ، وانك قادر على إعادتها فاحيها يا حيّ لا إله إلّا أنت، فأحياها الله تعالى، وجعل فيها بركة لأبي أيّوب، وشفاء المرضى في لبنها، وسمّاها أهل المدينة : المبعوثة (1)

وفيها قال عبد الرحمن بن عوف :

ألم يبصروا شاة ابن زيدوحالها*** و في أمرها للطالبين مزيد

وقد ذبحت ثمّ استحر أهابها *** وفصلها فيما هناك يزيد

فأرجعها ذو العرش والله قادر*** فعادت بحال ما يشاء يعود (2)

وفي خبر عن سلمان رضي الله عنه : أنّه صلى الله عليه وآله لمّا نزل دار أبى أيّوب لم يكن له سوى جدي وصاع من شعير، فذبح له الجدي وشواه، وطحن الشعير وعجنه وخبزه وقدّمه بين يدي النبي صلّى الله عليه وآله ، فأمر صلّى الله عليه وآله بأن ينادي: من أراد الزاد فليأت إلى دار أبي أيّوب ، فجعل أبو أيّوب ينادي والناس يهرعون إلى داره حتى امتلأت الدار، فأكل الناس بأجمعهم والطعام باقٍ ، فضجّ الناس بالشهادتين (3)

وعن علي بن إبراهيم ما زال أبو كرز الخزاعي يقفو أثر النبي صلّى الله


1) مناقب آل أبي طالب 1: 131

2) مناقب آل أبي طالب 1: 131

3) مناقب آل أبي طالب 1: 131 - 132.

عليه وآله يوم خروجه إلى الغار حتى وقف على بابه وقال :

هذه قدم محمد ، وهذه قدم ابن أبي قحافة ما جاوزا هذا المكان.

وجاء فارس من الملائكة في صورة الانس فوقف على باب الغ--ار وهو يقول : اطلبوه في هذه الشعاب فليس ها هنا .

وتبعه القوم وكانوا دهاة العرب ، وأمر الله شجرة فنبتت في وجه الغار ، وأمر العنكبوت فنسجت ، وأمر حمامتين بفم الغار .

ولما قربوا منه تقدم بعضهم لينظر ، ثم رجع فقال : رأيت حمامتين بفم الغار فعلمت أنّه ليس فيه أحد (1)

[وفي نهج البلاغة (2)من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة القاصعة أن النبي صلى الله عليه وآله قال :

أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي ، فو الذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها ، وجاءت ولها دوي شديد ، وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدى رسول الله صلّى الله عليه وآله مرفرفة ، وألقت بغصنها الأعلى على رسول الله صلّى الله عليه وآله وببعض أغصانها على منكبه ، وكنت على يمينه ، فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّاً واستكباراً : فمرها فليأتك نصفها .

فأمرها بذلك ، فأقبل إليه نصفها كأعجب اقبال وأشدّه دويّاً ، وكادت تلتف برسول الله صلى الله عليه وآله ، فقالوا كفراً وعلواً :


1) مناقب آل أبي طالب 1 : 127 - 128.

2) نهج البلاغة ، الخطبة 192 (القاصعة) : 285، مناقب آل أبي طالب 1: 129.

فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه ، فأمره فرجع .

لحا الله أهل العناد ، كم رأوا من رسول الله صلّى الله عليه وآله أمثال ذلك ، فلم يقلعوا عن عنادهم ، وكم له عليهم من نعمة جعلوا جزاءها قتل ذرّيّته ، وسبي عترته ، ولقد وقف الحسين عليه السلام متكئاً على سيفه ، ووعظهم فلم يتعظوا ، وذكرهم فضل جدّه وأبيه عليها السلام فلم يذكروا ، فكان من جملة كلامه يومئذٍ :

أنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله ؟

قالوا : اللّهم نعم . قال : أنشدكم [الله] هل تعلمون أنّ أبي علي بن أبي طالب عليه السلام ؟

قالوا : اللَّهمَّ نعم .

قال : أنشدكم الله هل تعلمون أنّ أمّى فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى ؟

قالوا : اللّهم نعم .

إلى أن قال : أنشدكم الله هل تعلمون أنّ هذا سيف رسول الله صلى الله عليه وآله أنا متقلّده ؟

قالوا : اللّهم نعم.

قال : انشدكم الله هل تعلمون ان هذه عمامة رسول الله صلى الله عليه وآله أنا لابسها ؟

قالوا : اللّهم نعم .

قال:فبم تستحلّون دمي وأبي الذائد عن الحوض ، ولواء الحمد بين يديّ

يوم القيامة ؟

قالوا : قد علمنا ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً.

فلمّا سمع بناته وأخواته ذلك بكين وندبن ولطمن وارتفعت أصواتهن ، فوجه إليهنّ أخاه العبّاس وابنه عليّاً وقال : سكتاهنّ فلعمري ليكثر بكاؤهن.

ولمّا رأى الحسين عليه السلام حرص القوم على القتال قال لأخيه العباس : إن استطعت يا أخي أن تصرفهم عنّا هذه الليلة فلعلنا نصلّي لربنا فانه يعلم أنّى أحب الصلاة له ، وتلاوة كتابه .

فسألهم العبّاس ذلك فتوقّف ابن سعد .

فقال له ابن الحجاج : والله لو أنهم من الديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم فكيف وهم آل محمد صلى الله عليه وآله ، فأجابوهم إلى ذلك.

وجلس الحسين عليه السلام فخفق برأسه ثم استيقظ ، فقال : يا أختاه أنّى رأيت الساعة جدي وأبي وأخي وهم يقولون :

يا حسين إنك رائح إلينا عن قريب ، فلطمت زينب وجهها وبكت وصاحت:

و اثکلاه یا جداه يا رسول الله ، وا أخاه واحسيناه ، أشاهد مصرعك وأبتلي برعاية هذه المذاعير وأغمى عليها.

فقال لها الحسين عليه السلام : مهلاً لا تشمت القوم .

وبات الحسين عليه السلام تلك الليلة وأصحابه ولهم دويّ كدويّ النحل ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد.

سمة العبيد من الخشوع عليهم*** لِلّه اِن ضمّتهم الأسحار

وإذا ترجّلت الضحى شهدت *** لهم بيض القواضب أنّهم أحرار

[المجلس السابع عشر ]

عن أنس بن مالك قال : كان إذا فقد رسول الله صلّى الله عليه وآله الرجل سأل عنه ، فإن كان غائباً دعا له ، وإن كان شاهداً ،زاره ، وإن كان مريضاً عاده. (1)

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (2)

انظر: رجال الشيخ: 72 الأعلام 1: 213، تهذيب الأسماء 1: 142 .

، قال : بينا أنا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله في بعض غزواته إذ أعيا ناضحي تحت الليل ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله فى اخريات الناس يلاحظ الضعيف فانتهى إلىّ وأنا أقول :

يا لهف أماه ما زال الناضح بسوء.

فقال : من هذا؟

فقلت : أنا جابر بأبي وأمّي يا رسول الله.

قال : ما شأنك ؟

قلت أعيا ناضحي.

فقال : أمعك عصا ؟

قلت : نعم .

فضر به صلّى الله عليه وآله ثمّ بعثه ، ثمّ أناخه ، ووطىء على ذراعه ، وقال : اركب، فركبت وسايرته فجعل جملي يسبق جمله ، فاستغفر لي تلك الليلة


1) مكارم الأخلاق 1 55 ح 34 ، بحار الأنوار 16: 333 .

2) جابر بن عبدالله بن عمرو بن حزام الخزرجي الأنصاري السلمي المتوفى سنة 78ه- صحابي، روى عن النبي صلّى الله عليه وآله الكثير، وروى عنه جماعة من الصحابة، غزا تسع عشرة غزوة، كانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم .

خمساً وعشرين مرة .

فقال لي : ما ترك عبد الله من الولد - يعنى أباه ؟

قلت : سبع نسوة .

قال : أبوك عليه دين ؟

قلت : نعم .

قال : فإذا قدمت المدينة وحضر جذاذ النخل فآذني ، هل تزوّجت ؟

قلت : نعم . قال : بمَن ؟

قلت : بفلانة ابنة فلان بأيمّ (1)كانت بالمدينة .

فقال : يا جابر ، هلا فتاة تلاعبها وتلاعبك ؟

قلت : یا رسول الله كن عندي نسوة خرق - يعني أخواته - فكرهت آتيهن بامرأة خرقاء ، فقلت : هذه أجمع لأمري.

قال صلى الله عليه وآله : أصبت ورشدت.

بكم اشتريت جملك ؟

قلت : بكذا وكذا - بخمس أواق من ذهب -.

قال : بعنيه ولك ظهره إلى المدينة .

فلما قدم المدينة أتيته بالجمل، فقال: يا بلال اعطه خمس أواق ثمنه وزده ثلاثاً وردّ عليه جمله .

قال جابر فلمّا حضر جذاذ النخل أعلمت رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء فدعا لنا فجذذنا ، فاستوفى كلّ غريم ما كان يطلب تمراً ، وبقى لنا مثل ما كنا نجذ وأكثر .


1) أيم وزان كيس : المرأة التي لا زوج لها ، وهي مع ذلك لا يرغب أحد في تزويجها

فقال صلّى الله عليه وآله : ارفعوا ولا تكيلوا ، فرفعناه وأكلنامنه زماناً. (1)

وفي الصواعق المحرقة لابن حجر (2): أنّ جابراً بن عبد الله الأنصاري قال للإمام الباقر عليه السلام وهو صغير : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله يسلم عليك .

فقيل له : وكيف ذلك ؟

قال : كنت جالساً عنده والحسين في حجره وهو يقبله فقال :

يا یا جابر يولد للحسين مولود اسمه على ، وإذا كان يوم القيامة ينادي مناد : لیقم زين العابدين ، فيقوم علي بن الحسين عليهما السلام ، ثمّ يولد لعلى ولد اسمه محمد عليه السلام فإذا أدركته يا جابر فاقرأه منّى السلام.

وكان جابر هذا من أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين، وأدرك الامام محمد الباقر عليهم السلام ولم يشهد وقعة الطف لكونه إذ ذاك مكفوفاً ، لكنّه أوّل من زار الحسين عليه السلام.

قال السيّد : ولمّا رجع نساء الحسين عليه السلام وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل : مرّ بنا على طريق كربلاء ، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصارى رحمه الله وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل الرسول صلى الله عليه وآله ، فتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد ، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد (3)

قال ابن جناب الكلبى (4): حدثنا الجصّاصون ، قالوا : كنا نسمع الجن


1) الأنوار في شمائل النبي المختار 1: 313 ح 410 ، مكارم الأخلاق 1 : 55 - 35

2) الصواعق المحرقة : 201

3) مقتل الحسين لأبي مخنف : 221 .

4) في الأصل أبي حباب الكلبي ، وما أثبتناه هو الصحيح ، وهو يحيى بن أبي حيّة الكلبي الكوفي حدث عن أبيه والشعبي وغيرهم ، انظر «الإكمال 2 : 134» .

ينوحون عليه فيقولون :

مسح النبیّ جبينه *** فله بريق في الخدودِ

ابواه من عَلْيا قري*** ش وجدّه خير الجدودِ (1)

ثم انفصلوا من كربلاء ، فلمّا قربوا من المدينة ، قال الإمام زين العابدين : يا بشر رحم الله أباك ، لقد كان شاعراً فهل تقدر على شيء منه ؟

فقال : بلی یا بن رسول الله

فقال : ادخل المدينة وانع أبا عبد الله عليه السلام .

قال بشر : فركبت فرسي ، فلمّا بلغت المسجد رفعت صوتي بالبكاء

وأنشأت أقول :

يا أهل يثرب لا مقام لكم*** بها قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرّج*** والرأس منه على القناة يدارُ

ثمّ قلت : هذا عليّ بن الحسين مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم ،

ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم [أعرفكم مكانه].

قال : فما بقيت بالمدينة مخدّرة ولا محجّبة إلّا برزن من خدورهنّ ، مخمّشات وجوههنّ، ضاربات خدودهنّ ، يدعون بالويل والثّبور ، فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم، ولا يوماً أمرّعلى المسلمين منه ، وسمعت جارية تنوح على الحسين وتقول :


1) وقد نسب البيهقي في المحاسن) والمساوىء (1 : (49) هذه الأبيات إلى الشاعر كعب بن زهير ، والظاهر أنّه كعب بن زهير الصحابي ، ولم أجد الأبيات المنسوبة إليه فى غير هذا الكتاب ، فإن صحت هذه النسبة ، فهي مما كتمت في أيام الأمويين والعباسيي

نعى سيدي ناع نعاه فأوجعا *** وأمرضني ناع نعاه فأوجعا

فعيني جودا بالدموع واسكبا *** وجودا بدم بعد دمعكما معا

على من وهي عرش الجليل فزعزعا*** فأصبح هذا المجد والدين أجدعا

على ابن نبي الله وابن صفيه *** وإن كان عنا شاحط الدار أشعا (1)

قال بشر : فضربت فرسي ورجعت ، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع فقربت من باب الفسطاط ، وكان زين العابدين عليه السلام داخلاً فخرج ومعه خرقة يمسح فيها دموعه ، وخلفه خادم ومعه كرسي فوضعها له فجلس عليها وهو لا يتمالك من البكاء ، وارتفعت أصوات الناس ، وضجت النساء بالحنين والصراخ ، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة .

ثمّ خطب الناس خطبة لم يسمع أبلغ منها ، ثمّ رحل إلى المدينة ، فنظر إلى تلك المنازل تنوح بلسان حالها ، وتبكي لفقد حماتها ورجالها ، وتهيج أحزانه على مصارع قتلاه ، وتنادي لأجلهم وا ثكلاه، وا ذلّاه .

مدارس آیات خلت من تلاوةِ*** ومنزل وحى مقفر العرصات

ما ذنب أهل البيت حتى ***منهم أخلوا ربوعه

تركوهم شتى مصا *** رعهم وأجمعها فظيعة


1) زينة المجالس: 534 .

[ المجلس الثامن عشر ]

كانت وقعة بدر التي أظهر الله بها الدين ، وكسر فيها سورة المشركين ، صبيحة الجمعة لسبعة عشر ليلة خلت من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة ، وكان خروج النبي صلّى الله عليه وآله من المدينة المنورة ثالث الشهر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، منهم سبعة وسبعون من المهاجرين ، والباقون من الأنصار ، ولم يكن معهم إلا فرسان ؛ أحدهما للمقداد، وكانت الأبل سبعة في عشر يتعاقبون عليها .

وأقبلت قريش بخيلائها وحيلها وكانوا تسعمائة وخمسين رجلاً ؛ وقيل كانوا ألفاً ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير.

وعبّاً رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه ، وكانت رايته بيد أمير المؤمنين عليه السلام، وتقارب الفيلقان ، فبرز من المشركين عتبة بن ربيعة ، وأخوه شيبة ، وابنه الوليد ، وكانوا عظماء قريش ، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّاً بالبروز إليهم ، وأرسل معه عمّه الحمزة ، وعبيدة بن الحرث.

فشدّ أمير المؤمنين عليه السلام على الوليد فقتله ، وشد الحمزة على عتبة فقتله ، وبارز عبيدة شيبة فاختلف بينهما ضربتان قطعت ضربة شيبة فخذ عبيدة رحمه الله تعالى ، فكرّ أمير المؤمنين وحمزة على شيبة فقتلاه ، فكان قتل هؤلاء الثلاثة أوّل وهن لحق المشركين وذلّ دخل عليهم .

ثم بارز أمير المؤمنين عليه السلام العاص بن سعيد بن العاص - بعد أن

أحجم عنه سواه - فقتله ، وبرز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله ، وبرز إليه طعيمة ابن عدي - وكان من رؤوس الضلال - فقتله ، وقتل بعده نوفل بن خويلد ، وكان من شياطين قريش ، وكانت قريش تقدّمه وتعظمه ، وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة وعذبهما يوماً إلى الليل ، وبرز زمعة بن الأسود والحارث بن زمعة وكانا أشدّ المشركين وطأة على المسلمين فقتلهما ، وقتل بعدهما عمير بن عثمان ابن كعب بن تيم ، وهو عم طلحة بن عبيد الله ، وبرز بعد عمير أخيه ، وهما عثمان ومالك ابنا عبيد الله وكانا أخوي طلحة فقتلهما أمير المؤمنين عليه السلام . وصمد إلى صناديد قريش يقتل كلّ من برز إليه ، حتى أتى ع-ل-ى ن-ص-ف المقتولين من المشركين ، وكانوا سبعين رجلاً ، تولّى جميع من حضر بدراً من المسلمين مع ثلاث آلاف من الملائكة المسوّمين قتل النصف منهم ، وتولّى أمير المؤمنين قتل النصف الآخر وحده بمعونة الله عزّ وجلّ وكان الفتح على يده .

وختم الأمر بكفّ من تراب تناوله النبي صلى الله علیه و آله فرمی به وجوه المشركين قائلاً : شاهت الوجوه .

فلم يبق أحد منهم إلا ولى منهزماً ، ونصر الله عبده ، وأنجز وعده ، فغنم المسلمون أموال المشركين ، وأسروا سبعين من رجالهم ، فكان العبّاس ممّن اسر يومئذٍ وجيء به ه مكتوفاً ، فبات رسول الله صلّى الله عليه وآله تلك الليلة ساهراً ، فقال له أصحابه:

یا رسول الله ، ما لك لا تنام ؟

فقال : سمعت تضوّر العبّاس فى وثاقه فمنعني من النوم.

فقاموا إليه فأطلقوه ، فنام رسول الله صلى الله عليه وآله .

بأبي أنت وأمي يا نبي الرحمة ، أخذك الأرق ، واعتراك القلق ، بوثاق عمّك وقد كان مع المحاربين لك ، على أنه لم يكن عليلاً ولا ظمآناً ، ولا أضره الوثاق ولا كان مفجوعاً بأبيه ، ولا مرزوءاً بجمع أهليه ، ولا كان رأس أبيه في أعلى السنان ، ولا طافوا به وبنسائه سبايا في البلدان ، فكيف بك يا رسول الله لو رأيت مريضك العليل والجامعة في عنقه ، والغل في يديه ، والقيد في ساقيه ، وليتك تراهم وقد اجتمعوا عليه يريدون قتله ، فقلبوه عن نطع مسجى عليه، وتركوه على الرمضاء، وحرارة الشمس ، وحرّ المصيبة ، وألم السقم ، يرى خياماً منهوبة، ونساءً مسلوبة، ورؤوساً على الرماح مرفوعة، وجثثاً تحت سنابك الخيل مرضوضة، يعزّ عليك يا نبي الله إذ ساقوا ثقلك وحرائرك حتى أدخلوهم على يزيد بن معاوية لعنهما الله وهم مقرونون بالحبال ، فلما وقفوا بين يديه قال له سبطك على بن الحسين عليهما السلام :

أنشدك الله يا يزيد، ما ظنّك برسول الله صلّى الله عليه وآله لو رآنا على هذه الصفة ؟

فأمر اللعين بالحبال فقطعت ، ثم وضع رأس ريحانتك بين يديه ، وأجلس النساء خلفه لئلّا ينظرن إليه ، فرأته أم المصائب عليها السلام فأهوت إلى جيبها فشقّته ، ثمّ نادت بصوت حزين يقرح القلوب :

یا حسیناه، یا حبیب رسول الله، يا بن مكّة ومنى، يا بن فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، يا بنت المصطفى، فأبكت والله كلّ من كان حاضراً.

يا ليت عين المصطفى نظرت إلى*** أمّ المصائب حولها أيتامها

ما بين نائحة و صارخة غدت *** ترثي كما يرثي الفراخ حمامها

لهفي لهاتيك الحرائر أصبحت*** يقتاد قسراً للئيم زمامها

[ المجلس التاسع عشر ]

خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أحد يوم الجمعة في شوال سنة من ثلاث من الهجرة في ألف مقاتل ، فرجع منهم قبل الوصول إلى أحد ثلاثمائة المنافقين، وبقي سبعمائة ، فيهم مائة دارع ، ولم يكن معهم إلا فرسان ، وكان المشركون ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ، ومعهم مائة فرس ، وثلاثة آلاف جمل وخمسة عشر امرأة ، وقائدهم أبو سفيان ، خرج لحرب الله ومعه ولده معاوية وزوجته هند، وخرج عمرو بن العاص بزوجته ريطة بنت منبّه ، والتقوا يوم السبت، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبى جهل.

ونزل رسول الله صلّى الله عليه وآله الشعب من أحد وتركه خلفه ، وجعل الرماة وهم خمسون وراءه، ليحموا ظهور المسلمين، وأمرهم أن لا يفارقوا مراكزهم على كل حال .

وأعطى رايته عليّاً عليه السلام ، وسأل عن لواء المشركين فقيل : مع بني عبد الدار ، فأعطى لواءه مصعب بن عمير لاَنّه منهم.

فلمّا استشهد أخذ علي بن أبي طالب عليه السلام في يده الراية واللواء جميعاً ، وحمى الوطيس ، فشدّ أمير المؤمنين على صاحب اللواء وهو طلحة بن أبي طلحة وكان أشجع القوم ، ويعرف بكبش الكتيبة ، فضربه على رأسه ضربة بدرت بها عيناه ، فصاح صيحة منكرة واسقط اللواء ، فكبّر رسول الله صلّى الله عليه وآله تكبيراً عالياً ، وكبّر المسلمون بأجمعهم ، وتضعضع عسكر الشرك

بمقتله ، ولم يزل يقتل كلّ من حمل اللواء من بني عبد الدار حتى تفانوا عليه ، فحمله عبدٍ لهم يقال له : صواب ، وكان من أشدّ الناس ، فقطع أمير المؤمنين عليه السلام يديه ، ثمّ ضربه على أمّ رأسه فسقط صريعاً ، وانهزم المشركون ، وأكبّ المسلمون على الغنائم فطمعت الرماة في الغنيمة ، وفارقوا الشعب الذي أمرهم النبيّ صلّى الله عليه وآله بملازمته .

فأتى خالد بن الوليد في خيل المشركين من ورائهم وهم غافلون ، فكان البلاء ، وقُتل حمزة في سبعين رجلاً ، وفرّ الباقون ، وثبت علي و أبو دجانة (1)وسهل بن حنيف (2).

وقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله قتالاً شديداً، وكسرت يومئذ رباعيته ، وشقت شفته ، وكلم في وجهه الشريف ، ودخل من حلق المغفر في جبهته الشريفة ، وعلاه ابن قمأة لعنه الله بالسيف ، فسقط - بأبي وأمّي - إلى الأرض وصاح المشركون : قتل محمّد ، فأوغل المسلمون للهرب ، وكسر على غمد سيفه ، وشدّ على جموع المشركين شدّة ما سمع السامعون بمثلها ، فكشفهم عن النبي صلّى الله عليه وآله فوجده على الأرض ، والدماء تسيل على وجهه الشريف ، وأبصر النبي صلّى الله عليه وآله جماعة من المشركين فقال : اكفنيهم يا


1) هو سماك بن خرشة من الصحابة الأوائل الذين صمدوا مع الرسول صلى الله عليه وآله في غزوة أحد. عاش حتى شهد مع علي بن أبي طالب عليه السلام صفين؛ وقيل غير ذلك انظر الاصابة :2: 77، أسد الغابة 2 452 ، الاستيعاب 2 83 - 84 .

2) سهل بن حنيف بن واهب بن الحكيم الأوسي الأنصاري، من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين، شهد بدراً والمشاهد كلها مع الرسول صلى الله عليه وآله وثبت يوم أحد حين انهزم الناس وبايع يومئذٍ على الموت، استخلفه علي على البصرة بعد الجمل، وشهد معه صفين وتوفي في الكوفة سنة ثمان وثلاثين وصلّى عليه أمير المؤمنين عليه السلام . :انظر الاصابة :2 87 أسد الغابة 2 470 .

علي ، فحمل عليهم ، وقتل عميدهم ، وتفرّقوا ، ثمّ جاءت كتيبة أخرى ، فقال صلّى الله عليه وآله : احمل عليهم يا على ، فشدّ على عميدهم ، فقتله وفرّقهم .

فقال جبرائيل عليه السلام : هذه المواساة، فقال النبي صلّى الله عليه و إنّه منّي وأنا منه، فقال جبرائيل عليه السلام: وأنا منكما ، ونادى في تلك الحال :

لا سيف إلاّ ذو الفقار*** و لا فتى إلاّ علي

وجعل على عليه السلام ينقل الماء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله درقته من المهراس ليغسل الدم عن وجهه ، ومنع الله نبيه صلى الله عليه وآله يومئذٍ بأخيه ، وبجماعة من المنهزمين ثابوا إليه ، فذهبوا به إلى الجبل فحاصروا وارتفع القتال .

بأبي أنت واُمي : يا غريب أين كان أخوك المواسي، ليمنعك من الأعداء سقطت شلواً مبضّعاً ، كما منع المشركين عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أخوه المواسى له ؟

أم أين كان قمر بني هاشم وأنت مطروح على الرمضاء تخور بدمك ، وتلوك لسانك من العطش لينقل الماء إليك من الفرات ، كما نقله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أخوه المواسى له من المهراس ، لكنّه سقط رسول الله صلى الله عليه وآله وكان أخوه سالم المهجة ، سالم الهامة ، سالم الساعدين ، وكان أخوك إذ سقطت يا قرّة عين الزهراء مرضوخ الهامة، محسوم الزندين، مشحوطاً بالدماء، مبدّد الأعضاء.

وأين عنك يا سيّدى صحبك الّذين ما فروا ، ولا تخطوا حتى تفانوا دونك ليمنعوك كما منع رسول الله أصحابه ؟ ومن أين لهم أن يمنعوك وهم صرعى في هجير ، أشلاءهم الشمس ، قد وزعت أشلاء هم ظباة السيوف ، وطحنتهم سنابك الخيل ، وابتلت بدمائهم أرض الطفوف، ولقد يعزّ عليهم والله وقوفك بين الأعداء وحيداً

فريداً وأنت تنادي :

هل من مغيث يغيثنا ؟

هل من موحد يخاف الله فينا ؟

هل من معين يرجو الله في إعانتنا ؟

فأجابك يا داعى الله مالك بن النسر لعنه الله بالسيف على رأسك الشريف ، وطارح بن وهب (1)بالرمح في خاصرتك ، ولبّاك ابن شريك (2)بالسيف على كتفك اليسرى ، وأجابك آخر بضربة على عاتقك المقدّس فكبيت بها لوجهك .

وجاء سنان (3)

وفي كتاب حكاية المختار: 45 أن إبراهيم قال لسنان عندما قبض عليه يا ويلك أصدقني ما الطف؟ قال: ما فعلت شيئاً غير أنّى أخذت تكة الحسين من سرواله !! فبكى إبراهيم عند ذلك، فعلت يوم فجعل يشرح لحم أفخاذه ويشويها على نصف نضاجها ويطعمه إياه، وكلّما امتنع من الأكل ينخزه بالخنجر ، فلمّا أشرف على الموت ذبحه وأحرق جثته

طاعن بسنانه *** يرى أنّه كان الهزير المشجعا

وأقبل شمريعلن العجب إذ سطا*** على الليث مذ أمسى له الحتف مضجعا

وراح بأعلى الرمح يزهو كريمه ***كبدر دجى قد تمّ عشراً وأربعا


1) وقيل صالح بن وهب المزني، وهو خبيث ملعون انظر مستدركات علم الرجال 4 248

2) وهو زرعة بن شريك التميمي، ملعون خبيث ، ورد ذكره في مستدركات علم الرجال 3: 426 .

3) في مستدركات علم الرجال 4 161 سنان بن أنس النخعي، وهو قاتل مولانا الحسين صلوات الله عليه ؛ قيل : قتله ابن زیاد حين قال: قتلت خير الناس أمّاً وأباً، والمشهور أنه قتله المختار.

[المجلس العشرون ]

نقل ابن أبي الحديد - في أواخر الجزء الرابع عشر من شرح النهج - عن جماعة من المحدثين والمؤرّخين : انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لمّا فرّ أصحابه عنه يوم أحد كثرت عليه كتائب المشركين ، وقصدته كتيبة من بني مناف بن كنانة ، وفيها بنو سفيان بن عويف ، وهم : خالد ، وابو الشعثاء ، وغراب وأبو الحمراء ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله : يا علي اكفني هذه عبد مناف الكتيبة .

فحمل عليها وأنّها لتقارب خمسين فارساً وهو راجل ، فما زال يضربها حتى تفرّقت عنه ، ثمّ تجتمع عليه هكذا مرارا حتى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة وتمام العشرة ، فقال جبرائيل عليه السلام:

يا محمد إن هذه لهى المواساة ، وقد تعجبت ملائكة السماء من هذا الفتى فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وما يمنعه ؟ وهو منّي وأنا منه . فقال جبرائیل عليه السلام : وأنا منكما .

قال : وسمع في ذلك اليوم صوت من قبل السماء لا يُرى شخص الصارخ به ينادي مراراً :

لا سيف إلّا ذو الفقار*** و لا فتى إلّا علي

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هذا جبرائيل ... وكان بأبي هو وأمّي قد جرح فجعل علي عليه السلام ينقل الماء في درقته من المهراس ويغسل جرح النبي فلم ينقطع دمه ، فأتت فاطمة عليها السلام فجعلت تعانقه وتبكي ، وأحرقت

حصيراً وجعلت من رماده على الجرح فانقطع الدم .

ذكرت من بكاء سيّدة النساء حين عانقت أباها صلّى الله عليه وآله وهو مجروح ، ما حال سكينة (1)لمّا استوقفت أباها وقد أثخن بالجراح ، وبقي من كثرة رشق النبال كالقنفذ ، فقالت :

يا أبتاه، قف لى هنيئة لأتزوّد منك ، فهذا وداع لا تلاقي بعده ، وانكبت على يديه ورجليه تقبلهما وتبكي ، فبكى الحسين عليه السلام رحمة لها ، ثم مسح دموعها بكمه ، وأخذها فتركها في حجره ، ومسح دموعها بكفّه وأنشأ مخاطباً لها :

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي*** منك البكاء إذا الحمام دهاني

لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة *** ما دام منّي الروح في جثماني

فإذا قتلت فأنت أولى بالّذي *** تأتينه یا خيرة النسوان

واعتنقت أباها يوم الحادي عشر من المحرم كما اعتنقت جدتها الزهراء أباها يوم أحد ، لكن شتّان بين من اعتنقت أباها وهو حي جالس ، وبين من اعتنقته وهو مطروح على الرمضاء بحرارة الشمس ، عاري اللباس ، قطيع الرأس ، منخمد الأنفاس ، في جندل كالجمر مضطرم .

توى ثلاث ليال بالعراء بلا *** غسلٍ ولا كفن لِلّه من حكم

ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله من أحد يوم الوقعة فمر بامرأة من الأنصار أصيب أبوها وزوجها ، فلمّا نُعيا إليها قالت : ما فعل برسول الله صلّى الله


1) سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام كريمة نبيلة، كانت سيدة نساء عصرها، توفيت سنة 117ه- ، نسب إليها بعض المؤرّخين أمور نقطع بكذبها وافترائها عليها انظر: الطبقات الكبرى 8 348 ، الدر المنثور: 244 ، الأعلام 3: 106 .

عليه وآله ؟ قالوا : هو بحمد الله كما تحبّين .

قالت : أرونيه ، فلمّا نظرت إليه قالت : كلّ مصيبة بعدك جلل .

ولقته حمنة بنت جحش فنعى إليها أخاها عبد الله فاسترجعت ، ثم نعى إليها أخاها حمزة فاستغفرت له ، ثمّ نعى لها زوجها مصعب بن عمير فولولت وصاحت .

ولكن لا كالرباب (1)زوجة أبي عبد الله فانّها بقيت بعده لا تستظل تحت سقف بيت حتى ماتت كمداً ، وكانت تجلس فى هجير الشمس من أول النهار إلى آخره، وتقابلها ابنتها سكينة بالنوح واللطم ، وكانت زينب مع حزنها ترق لها وهي نندب الحسين أشجى ندبة ، فتقول لها : أخية يا رباب قومي إلى الظل .

فتقول لها : يا سيّدتي لا تلوميني فانّي تركت سيدي ومولاي عارياً بالعراء مطروحاً على الرمضاء بحرارة الشمس، وكانت تقول في ندبتها :

وا حبيب المصطفى ، وا ذبيحاً من قفا ، وا قتيلا بالظما .

ثم لا تزال تنادي : واسيّداه واحسيناه ، حتى تتفطر لها القلوب ،ويتصدّع لها الصخر الأصم .

نادت فقطعت القلوب بشجوها *** لكنّما انتظم البيان فريدا

إن تنع أعطت كل قلب حسرة*** أو تدع صدّعت الجبال الميدا

تدعو بلهفة تاكل لعب الأسى *** بفؤاده حتى انطوى مفؤودا


1) الرباب بنت امرىء القيس بن عدي زوجة الحسين عليه السلام كانت معه في وقعة كربلاء، وبعد استشهاده جيء بها مع السبايا إلى الشام، ثم عادت إلى المدينة، فخطبها الأشراف، فأبت، وبقيت بعد الحسين لم يظلّها سقف بيت حتى بليت وماتت كمداً، وكانت شاعرة لها رثاء في الحسين عليه السلام . :انظر المحبر : 13 أعلام النساء 1 378

[المجلس الحادي والعشرون ]

ذكر المؤرخون : أنّ وحشي بن حرب كان عبداً حبشياً لابنة الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف؛ وقيل : كان لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل فقالت له ابنة الحارث : إن أبي قتل يوم بدر، فان أنت قتلت أحد الثلاثة محمّداً أو عليّاً أو حمزة فأنت حر، فانّي لا أدري في القوم كفواً لأبي غيرهم.

فقال : أما محمّد فانّ أصحابه لن يسلّموه ، وأما حمزة فوالله لو وجدته نائماً ما أيقظته ، وأما على فألتمسه .

قال وحشي : فكنت يوم اُحد ألتمسه فبينا أنا في طلبه ، إذ طلع عليّ فطلع رجل حذر مرس ، كثير الالتفات فقلت : ما هذا بصاحبي ، فبينا أنا كذلك إذ رأيت حمزة يفري الناس فرياً ، فكمنت إلى صخرة وهو مكبس له كيت ، فاعترض له سباع بن اُمّ اينار ، فقال له حمزة :

وأنت يا بن مقطّعة البذور ممّن يكثر علينا فاحتمله حتى إذا برقت قدماه بلغ رمی به فبرك عليه فشحط شحط الشاة ، ثمّ أقبل على مكبّاً حين رآني ، فلمّا المسيل وطأ على جرف فزلت قدمه فهززت حربتى حتى رضيت منها ثم ضربت بها في خاصرته حتى خرجت من مثانته ، وكرّت عليه طائفة من أصحابه فأسمعهم ينادونه : أبا عمارة فلا يجيب ، فقلت : والله مات الرجل ، وذكرت هنداً وعداوتها لبني هاشم فأتيتها فقلت : ماذا لي إذا قتلت قاتل أبيك .

قالت : سلبي .

فأخبرتها الخبر فنزعت ثيابها وحليها فأعطتنيه وقالت : إذا جئت مكة فلك عشرة دنانير ، ثمّ قالت : أرني مصرعه فدللتها عليه ، فبقرت بطنه وأخرجت كبده فمضغتها ثم لفظتها ، وقطعت ،مذاكيره ، وجدعت أنفه ، وقصت أذنيه ، ثمّ جعلت ذلك خلخالين ودملجين حتى قدمت بذلك مكّة وقدمت بكبده معها.

قال محمّد بن اسحاق : ومن الشعر الذي ارتجزت به هند يوم اُحد : شفيت من حمزة نفسي بأحد *** حين بقرت بطنه عن الكبد

أذهب عني ذلك ما كنت أجد*** من لوعة الحزن الشديد المعتمد والحرب تعلوكم بشأ بوب برد *** تقدم اقداماً عليكم كالأسد

وجاءت صفيّة فجلست عند رسول الله صلى الله عليه وآله فجعلت إذا بكت يبكي رسول الله، وإذا نشجت ينشج ، وجعلت فاطمة تبكي على عمّها ، فلمّا بكت بكى رسول الله صلّى الله عليه وآله .

يوم جعلت فداك يا رسول الله ، يا نبي الرحمة ، كيف بك لو رأيت عقائلك عاشوراء وقد ذبح نصب أعينهن ثمانية عشر من حماتهن ، وسبعون من أنصارهن ، وليتك ترى كريمتكم زينب إذ وقفت على أخيها الحسين عليه السلام حافية حاسرة ، ووجدته وهو ريحانتك مزملاً بالدماء ، موزّع الأعضاء ، عاري اللباس ، مقطوع الرأس ، مذبوحاً من القفا ، مفطور القلب من الظما ، فنادتك بصوت وقلب كئيب :

یا جدّاه یا رسول الله صلّى عليك مليك السما ، هذا حسينك بالعرا ، مزمّلاً بالدما ، مسلوب العمامة والردا ، ثمّ قالت :

بأبي من لا غائب فيرتجى ، ولا جريح فيداوى ، بأبي من نفسي له الفدا

بأبي المهموم حتى قضى ، بأبي العطشان حتى مضى ، بأبي من شيبه يقطر بالدما بأبي من جدّه رسول إله السما ، فأبكت والله كلّ عدو وصديق .

وشتّان ما بين صفيّة إذ قتل أخوها حمزة ، وزينب إذ قتل أهلوها ، أما صفية فبقي لها رسول الله وأمير المؤمنين، وأبطال بني عبد المطّلب ، وليوث بني هاشم ، وبقي عزّها ، وسرداق مجدها ، والمهاجرون والأنصار يتفانون دون خباها .. ويا لهف نفسي لزينب ، وبقية العقائل من آل الرسول صلّى الله عليه وآله ، إذ أصبحنّ بعد حماتهن غنيمة للقوم الظالمين ، يضربونهن تارة ويسلبونهن أخرى ولقد كانت المرأة منهن تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه ، ولم يبق له-ن م-ن يرتجينه لدفع الأعداء ، إلّا عمر بن سعد لعنه الله ، ولذا صحن في وجهه لما رأينه ، وبكين شاكيات إليه ، فقال لأصحابه : لا يدخل أحد منكم بيوت هذه النسوة ، ولا تتعرّضوا لهذا الغلام المريض ، فسألته النسوة أن يسترجع ما أخذ منهنّ من الملاحف ليستترن به ، فقال : من أخذ منهن شيئاً فليردّه ، فو الله ما ردّ أحد شيئاً .

عجباً لمال الله أصبح مقسماً ***في رائحٍ للظالمين وغاد

عجباً لآل الله صاروا مغنماً *** لبنى الطليق هدية وزياد

عجباً لذى الأفلاك لم لاعطلت*** والشهب لم تبرز بثوب حداد

[المجلس الثاني والعشرون ]

سار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خيبر في المحرم الحرام سنة للهجرة فى ألف واربعمائة مقاتل ، ومعهم مائتا فرس ، وكانت الوقعة في صفر والفتح فيها لأمير المؤمنين عليه السلام بلا ارتياب ، وظهر من فضله في هذه الغزوة ما أجمع على نقله المسلمون ، واختص فيها من المناقب بما لم يشاركه فيه أحد من العالمين ، وذلك أنّه قد اتفقت كلمة أهل الأخبار : على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى الراية فيها أبا بكر أولاً فرجع ، ثم أعطاها عمر ثانياً فرجع ولم يكن فتح .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - كما في غزوة خيبر من صحيح البخاري :

لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله .

قال : فبات الناس يدركون ليلتهم أيهم يعطاها ، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله كلّهم يرجو أن يعطاها .

فقال : أين على بن أبي طالب ؟

فقالوا : هو يا رسول الله يشتكى عينيه

قال : فارسلوا إليه ، فأتي به فبصق رسول الله صلّى الله عليه وآله في عينيه ودعا له فبرىء حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية ... إلى آخر الحديث . (1)

أقول: وقد ورد حديث الراية في خيبر ودور الامام علي عليه السلام في قتل مرحب زعيم اليهود وفتح قلاع خيبر في كثير من المصادر الحديثية والتاريخية المعتبرة عند الفريقين السنّة والشيعة بأسانيد مختلفة ومتون متواترة.

وقد خص العلّامة مير حامد حسين أحد أجزاء كتابه عبقات الأنوار - الجزء التاسع - للبحث والتحقيق في هذا الحديث وأثبت أسانيده ودلالته على خلافة الامام علي عليه السلام للنبي صلّى الله عليه وآله وجمع في كتابه ما بلغه من الحديث المستخرج في مجاميع أهل السنة فيما يمت بهذه الواقعة التاريخية .

وكذلك جمع العلّامة المحقق القاضي التستري في موسوعته إحقاق الحق وملحقاته طرق هذا الحديث فعددها فكانت العشرات من الصحابة وأكثر من مائة مصدر حديثي وتاريخي. فليراجعهما من أراد الإيقان .


1) المناقب للخوارزمي: 170 فصل (16» ح 203 ، کنز العمال 13: 123 - 36393 أخرجه عن :الدارقطني والخطيب البغدادي وابن عساكر وفي ص 116 ح 36377 خرجه مختصراً عن تاريخ أصبهان لابن مندة بريقة المحمودية لأبي سعيد الخادمي 1: 311.

وفي تاريخ ابن الأثير : أنّ علياً نهض بالراية وعليه حلة حمراء فأتى خيبر فأشرف عليه رجل من اليهود فقال : من أنت ؟

قال : أنا علي بن أبي طالب .

فقال اليهودي : غُلبتم يا معشر اليهود .

قال : وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني قد ثقبها مثل

البيضة وهو يقول :

قد علمت خيبر اني مرحب*** شاكي السلاح بطل مجرب

فقال على عليه السلام:

أنا الذي سمتني أُمّي حيدره *** كليث غابات كريه المنظره

أكيلهم بالسيف كيل السندرة

فاختلفا بضربتين ، فبدره علي عليه السلام فقدّ الجحفة والمغفر ورأسه

حتى وقع في الأرض ، وأخذ المدينة قال :

ونقل ابن الأثير ،(1)عن أبي رافع (2)

انظر الاستيعاب بهامش الاصابة 1 86، اسد الغابة 1: 93 .

مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال:

خرجت مع علي عليه السلام حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خيبر فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم ، فضربه يهودي فوقع ترسه من يده ، فتناول علي بابا كان عند الحصن فتترس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله على يديه ، ثمّ ألقاه من يده فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجتهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه . قال ابن الأثير : فلما فتحت خيبر جاء بلال بصفية وأخرى معها على قتلى اليهود ، فلمّا رأتهم التي مع صفية صرخت وصكت وجهها ، وحتّت التراب ع-ل-ى رأسها ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله لبلال : أنزعت منك الرحمة جئت بهما على قتلاهما ؟!

بأبي أنت وأمي يا نبي الرحمة، لم ترض من بلال حين مرّ بيهوديتين على قتلاهما الكفرة والفجرة المحاربين الله ولرسوله ، فكيف بك لو ترى العقائل من خفراتك ، والكريمات من بناتك ، وهنّ على أقتاب الجمال بغير وطاء ولا غطاء ، مكشّفات الوجوه بين الأعداء ، يسوقوهنَّ كما تساق الزنوج والديلم ، فمروا بهنَّ على مصارع قتلاهن ، وفيهم حجة الله ، ونجوم الأرض من آلك الطاهرين ،


1) الكامل في التاريخ 3 160 .

2) أبو رافع القبطي مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله، واسمه أسلم، كان للعباس بن عبد المطلب، فوهبه للنبي صلّى الله عليه وآله، فلما بشر النبي باسلام العباس أعتقه، وشهد أبو رافع مشاهد النبي كلّها، ولزم أمير المؤمنين عليه السلام من بعده وكان صاحب بيت ماله بالكوفة.

فوجدتهم على الرمضاء ، وقد اُسري برؤوسهم إلى الكوفة ، فنادت حينئذٍ عزيزتك بضعة الزهراء عقيلتكم زينب : و امحمداه ، بناتك سبايا ، وذرّيّتك مقتلة تسفى عليهم ريح الصبا ، وهذا حسينك بالعرا ، محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والردا .

وفي بعض المجموعات : أرادت أن ترمي بنفسها عليه ، فناداها الإمام زين العابدين عليه السلام بصوت أضعفته العلّة :

عمتاه ، ارحمي ضعف بدني ، ارحمي الجامعة في عنقي ، ودعي أخاك وأنت على ظهر الناقة .

فجعلت تقول : ودّعتك السميع العليم يا بن أُمّي ، والله لو خيرت المقام عندك والرحيل لاخترت المقام عندك ، ولو ان السباع أكلت لحمي . واعتنقت سكينة جسد أبيها فاجتمعت عليها عدة من الأعراب حتى جروها عنه ، فواحرّ قلباه ، كيف عانقته ونحره منحور ، وصدره مكسور ، ورأسه على القنا مشهور ، ويا لهف نفسي كيف رأته عاري الثياب ، معفراً بالتراب ، أم كيف فارقته مطروحاً بالعراء ، لوحوش الأرض وطير السماء ، لا مغسلاً ولا مكفّناً ولا مدفوناً .

بلى يا رسول الله كان دمه غسله ، والتراب كافوره ، والقنا الخطى نعشه وفي قلب من والاه قبره .

لهفى فى له وحريمه *** من حول مصرعه نوادب

ندبنه بمدامع *** من حر أجفان سواكب

أحسين بعدك لا هنا *** عيش ولا لذّت مشارب

والجسم منك مجدّل *** في الترب منعفر الترائب

هانحن بعدك ياغري *** ب الدار أمسينا غرائب

[المجلس الثالث والعشرون ]

لمّا جهّز رسول الله صلى الله عليه وآله جيش مؤتة جعل الأمير يومئذ ابن عمّه جعفر بن أبي طالب ، وقال صلّى الله عليه وآله : إن اُصيب جعفر فزيد بن حارثة ، فإن اُصيب زيد ، فعبد الله بن رواحة .

وقيل : أنه قدّم زيداً ، فقال :جعفر : ما كنت أرهب أن تستعمل عليَّ زيداً.

فقال صلّى الله عليه وآله : امض فانّك لا تدري أي ذلك خير.

قال ابن الأثير : ثمّ ساروا فالتقتهم جموع الروم والعرب بقرية من البلقاء يقال لها (مشارف) ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها (مؤتة) فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فقاتل زيد براية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى شاط في رماح القوم ، ثمّ أخذها جعفر فقاتل وهو يقول:

يا حبذا الجنّة واقترابها *** طيّبة و بارد شرابها

والروم روم قددنى عذابها*** كافرة بعيدة أنسابها

علي إذ لاقيتها ضرابها

فلما اشتدّ القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ، ثمّ قاتل القوم حتى قتل وكان أول من عقر فرسه في الاسلام - فوجد به بضع وثمانون جرحاً ، ما بين ضربة ورمية وطعنة .

بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله.

بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله

لئن وجدوا في جسد عمّك بضعاً وثمانين جرحاً ، فلقد اصبت يوم الطف

بألف وتسعمائة ، ما بين ضربة بسيف ، وطعنة برمح، ورضخة بحجر . رماك الدارمي يا ريحانة المصطفى بسهم فأثبته في حنكك الشريف . وضربك ابن النسر الكندي على رأسك بالسيف يا حشاشة الزهراء حتى امتلأ برنسك دماً ، فاستدعيت بخرقة شدّدت بها رأسك تحت العمامة . ووقفت يا سيّدي لتستريح ساعة ، وقد ضعفت عن القتال ، فأتاك حجر في جبهتك المباركة، فأخذت الثوب لتمسح الدم عن وجهك فأتاك سهم مسدّد مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبك الطاهر ، فأخرجته من ظهرك ، ظهرك ، فانبعث الدم كأنّه ميزاب .

سهم رمی أحشاك يابن المصطفى*** سهم به كبد الهداية قد رمي

يا أرض ميدي، ياسماء تفطري ***يا شمس غيبي ، يا جبال تقسمي

قال ابن الاثير : فلمّا قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة ، فتردّد بعض التردّد ، ثمّ قال يخاطب نفسه :

أقسمت يا نفس لتنزّلنه *** طائعة أو لا لتكرهنّه

إن أجلب الناس وشدّوا الرنّة*** ما لي أراك تكرهين الجنّة

قد طال ما قد كنت مطمئنّة*** هل كنت إلا نطفة في شنّة

وقال أيضاً:

يا نفس إن لم تقتلي تموتي *** هذا حمام الموت قد صليتي

وما تمنّيت فقد اعطيت *** إن تفعلي فعلهما هديتِ

وتقدّم فقاتل حتى قتل .

ثمّ أن الخبر جاء من السماء في ساعته إلى النبي صلى الله عليه وآله فصعد المنبر وأمر فنودي الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فقال :

ثار خبر - ثلاثاً - عن جيشكم هذا الغازي ، إنّهم لقوا العدو ، ثمّ نعى لهم زيداً وجعفراً وعبد الله ، وقال صلّى الله عليه وآله - بعدها بليلة - مرّ بي جعفر البارحة في نفر من الملائكة ، له جناحان مخضّب القوادم بالدم .(1)

وفي ترجمة جعفر من كتاب الاستيعاب (2): بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله بعثه إلى مؤتة فى جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة ، فقاتل فيها جعفر حتى قطعت يداه جميعاً ، ثمّ قتل ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : انّ الله أبدله بیدیه جناحين يطير بهما في الجنّة حيث يشاء .

وقد لحقه في هذه الفضيلة شبل أخيه قمر بني هاشم فانّه قطعت يداه في سبيل الله تعالى وضرب على هامته بعمود من حديد

ولئن أصيب ذو الجناحين ببضع وثمانين جراحة ، فلقد روي في حديث بني أسد : أنّه لمّا دفنوا العباس عليه السلام كانوا كلّما رفعوا منه جانباً سقط الآخر لكثرة ضرب السيوف، وطعن الرماح ، وامتاز العبّاس بعظيم المواساة ، فانّه لمّا اقتحم المشرعة قال : لا أشرب وأبو عبد الله عطشان.

وهل سمعت بأحد من الأوّلين والآخرين فدى قربة من الماء رجاء أن يشربها أخوه وعياله وأطفاله بنفسه ؟ ووقاها حرصاً على إيصالها إليهم بمهجته؟

وليتك يا ساقي عطاشى كربلاء أرويت كبدك الحرّى بجرعة منها قبل مقتلك ؟ وليتهم إذ قتلوك أبقوا ماءها لغسلك ، وبالعزيز على سكينة عزيزة أخيك أن تراك ذبيحاً دون يسير من الماء توصله إليها ، ويعزّ على عقيلتكم زينب أن


1) الإصابة 1 237 البداية والنهاية 4 255 تهذيب التهذيب :2 98 أسد الغابة 1 286، الطبقات الكبرى 4 22 حلية الأولياء 1 114 .

2) الاستيعاب 1 : 312

تراك مقطعاً نصب عينيها ، وليتك ترى أخاك الوحيد واقفاً عليك وهو ينادي : الآن انكسر ظهري ، الآن تبدد عسكري وقلّت حيلتي ، ثمّ بكى بكاء شديداً .

أحق الناس أن يبكي عليه *** فتى أبكى الحسين بكربلاء أخوه وابن والده عليّ *** أبو الفضل المضرج بالدماء

ومن واساه لا يثنيه شيء *** و جاد له عطش بماء

ونقل ابن الأثير عن أسماء زوجة جعفر ذي الجناحين رضي الله عنها قالت :

أتاني النبي صلى الله عليه وآله وقد غسلت أولاد جعفر ودهنتهم ، فأخذهم وشتهم ودمعت عيناه ، فقلت : يا رسول الله أبلغك عن جعفر شيء ؟

قال : نعم ، أصيب هذا اليوم ، ثمّ أمر أهله أن يصنعوا لآل جعفر طعاماً فهو أوّل طعام عمل في الاسلام .

بأبي أنت وأمي يا نبي الرحمة دمعت عيناك إذ رأيت يتامى اب-ن عمّك جعفر ، مع أنهم كانوا في هيئة حسنة ، وزي بهيج ، وأمرت لهم بطعام ، مع أنّهم لم يكونوا جياعاً ، رأفة منك ورحمة.

فكيف بك لو رأيت يتاماكم يوم عاشوراء جياعاً عطاشى ، حفاة عراة ، مدهوشين والهين ، مربقين بالحبال ، يخافون أن يتخطّفهم الناس من حولهم ، هذا يضربهم ، وهذا يسلبهم ، وذاك يضرم النار في خيامهم ، وآخر ينتزع الملاحف عن ظهورهم ، وظهور أمهاتهم وعماتهم .

وليتك يا نبي الرحمة تراهم ليلة الحادي عشر من المحرم وقد أحاطت بهم الأعداء ، وهم يرون ثمانية عشر من حماتهم ، واثنين وسبعين من شيعتهم جثثاٌ

على الرمضاء ، ورؤوسهم على أطراف الرماح. .

يا رسول الله لو عاينتهم *** وهم ما بين قتل وسبا

من رميض يمنع الظل ومن*** عاطش يسقى أنابيب القنا

و مسوق عاثر يسعى به *** خلف محمول على غير وطا

لرأت عيناك منهم منظراً *** المحشا شجواً وللعين قذى

المجلس الرابع والعشرون ]

ذكر الزبير بن بكّار ، عن محمد بن الحسن المخزومي ، عن عبد الرحمن بن عبدالله ، عن أبيه ، عن أبي وجرة قال :

لمّا حضرت الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية حرب القادسية ،

ومعها بنوها أربعة رجال ، فقالت لهم من الليل :

يا بني إنكم اسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين ، وواللّه الّذي لا إله إلّا هو انّكم لبنو رجل واحد ، كما انّكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم ، ولا غيّرت نسبكم ، وقد تعلمون ما أعدّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل، في حرب الكافرين ، واعلموا أنّ الدار الباقية ، خير من الدار الفانية ، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا واتقوا الله لَعَلَّكُم تُفلحون) (1)، فإذا أصبحتم غداً سالمين ان شاء الله تعالى ، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين ، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها ، وأضرمت لظى عن سياقها ، وجلّلت على أرواقها ، فتيمموا وطيسها ، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها ، تظفروا بالغنم والكرامة ، في دار الخلد والمقامة .

فخرج بنوها قابلين لنصحها ، عازمين على قولها ، فلما أضاء لهم الصبح، باكروا مراكزهم وأنشأ أوّلهم يقول:


1) سورة آل عمران : 200 .

يا أخوتي ان العجوز الناصحة *** قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة

مقالة ذات بيان واضحة *** فباكروا الحرب الضروس الكالحة

وانما تلقون عند الصائحة *** من آل ساسان الكلاب النائحة

قد أيقفوا منكم بوقع الجائحة*** و أنتم بين حياة صالحة

أو ميتة تورث غنماً رايحة

وتقدّم فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ، ثمّ برز الثاني وهو يقول :

إنّ العجوز ذات حزم وجلد *** والنظر الأوفق والرأي السدد

قد أمرتنا بالسداد والرشد *** نصيحة منها وبراً بالولد

فباكرواالحرب حماة في العدد*** إما لفوز بارد على الكبد

أو ميتة تورثكم عز الأبد *** في جنّة الفردوس والعيش الرغد

فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى، ثمّ حمل الثالث وهو يقول :

والله لا نعصي العجوز حرفاً*** قد أمرتنا حزناً وعطفاً

نصحاً وبرّاً صادقاً ولطفا *** فبادروا الحرب الضروس زحفاً

حتى تلاقوا آل كسرى لفّا *** أو يكشفوكم عن حماكم كشفا

إنّا نرى التقصير منكم ضعفا*** والقتل فيكم نجدة وزلفى

فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى،ثمّ برز الرابع وهو يقول :

لست للخنساء ولا للأخرم *** ولا لعمر و ذي الثناء الأقدم

ان لم أردفي الجيش جيش الأعجم*** ماضٍ على الحول خضم خضرم

إمّا لفوز عاجل أو مغنم*** أو لوفاد في السبيل الأكرم

ثمّ قاتل حتى قتل رحمه الله تعالى، فبلغها الخبر فقالت : الحمد لله الذي

شرفني بقتلهم ، وأرجو من ربّي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته. (1)

ذكرت من حال هذه المرأة الصالحة ، حال امّ وهب بن حباب (2)الكلبي يوم عاشوراء حين برز إلى ثلاثين ألفاً فأحسن في الجلاد ، وبالغ في الجهاد ، وكانت معه امرأته ووالدته فرجع إليهما وقال :

يا أمّاه أرضيت أم لا ؟

فقالت : يا بني ما رضيت حتى تقتل بين يدي الحسين عليه السلام.

وقالت امرأته : بالله عليك لا تفجعني بنفسك .

فقالت له اُمّه : يا بني أعزب عن قولها ، وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت

نبيُك تنل شفاعة جدّه يوم القيامة .

فرجع ولم يزل يقاتل حتى قطعت يداه في سبيل الله تعالى ، فأخذت امرأته عموداً. وأقبلت نحوه وهي تقول : قاتل فداك أبي وأمي يا وهب دون الطيبين من حرم رسول الله صلى الله عليه وآله .

فقال لها : كيف كنت تنهيني عن القتال، والآن تأمرينني به ؟


1) الاصابة 4 : 286 .

2) هي بنت عبد ، وزوجة عبدالله بن عمير الكلبي من قبيلة بني عليم، لما عزم زوجها على الخروج من الكوفة لنصرة الحسين، تعلقت به ليصطحبها معه ، والتحقوا ليلاً بأنصار الحسين في كربلاء ، وفي يوم الطف حينما برز زوجها للقتال، تناولت هى عموداً وبرزت إلى القتال، إلا أن الإمام الحسين ردّها وقال : ليس على النساء جهاد ، وبعد مقتل زوجها سارت إليه حتى جلست عند رأسه تمسح التراب عنه وتقول: هنيئاً لك الجنّة، أسأل الله الذي رزقك الجنّة أن يصحبني معك، فقال شمر لغلامه رستم إضرب رأسها بالعمود فضرب رأسها فشدخه فماتت مكانها انظر تاريخ الطبري 3: 323 - 326 .الارشاد 2 101

قالت : لا تلمني يا وهب ، فانّي سمعت من سيدي ومولاي الحسين كلمة كسرت قلبي ، سمعته يقول : أما من ناصر فينصرنا ؟ أما من موحّد يخاف الله فينا ؟

أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله ؟

فأقبل كي يردّها إلى النساء ، فأخذت بجانب ثوبه ، وقالت : لن أعود حتى أموت معك .

فقال الحسين عليه السلام : جزيتم عن أهل بيتي خيراً ، ارجعي إلى النساء رحمك الله ، فانصرفت إليهنّ ، ولم يزل يقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى.

رجال تواصوا حيث طابت أصولهم*** وأنفسهم بالصبرحتى قضوا صبرا

حماة حموا خدراً أبى الله هتکه *** فعظّمه شأناً وشرّفه قدرا

الفصل الثالث

اشارة

في سيرة أمير المؤمنين علیه السلام ومواعظه و ارشاداته

المجلس الخامس والعشرون ]

و من كلام لأمير المؤمنين وسيّد الوصيين صلوات الله وسلامه عليه : ألا وانّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ، ويستضيء بنور علمه ، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دُنياه بطمريه (1)، ومن طُعمه (2)بقُرصيه (3)، ألا وإنكم لا تَقدِرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعِفّة وسداد ف] والله ماكنزت من دنياكم تبراً (4)، ولا ادّخرت من غنائمها وفراً (5)، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ، ولا حُزت من أرضها شبراً ، ولا أخذت منه إلّا كقوت أتانٍ دبرةٍ (6)، ولَهي في عيني أوهى [وأهونُ من عفصة مقرةٍ (7)، بلى!كانت في أيدينا فدك (8)

وجاء في الأخبار كما في رواية الشيخ عبد الله بن حماد الأنصاري - أن واردها - أربعة وعشرون عبدالله ألف دينار في كلّ سنة ، وفي رواية غيره سبعون ألف دينار .

راجع : معجم البلدان للحموي : ج 4 ص 238، بحار الأنوار: ج 17 ص 378 و ج 21 ص 23 وج33 ص 474 ، سفينة البحار للقمّي : ج 2 ص 351 .

وروي عن حماد بن عثمان ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : لما بويع أبو بكر واستقام له الأمر المهاجرين والأنصار بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله منها .

فجاءت فاطمة الزهراء عليها السلام إلى أبي بكر ثمّ قالت : لم تمنعني ميراثي من أبي رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأخرجت وكيلي من فدك ، وقد جعلها لي رسول الله صلى الله عليه وآله بأمر الله تعالى ؟

فقال : هاتي على ذلك بشهود ، فجاءت بأم أيمن فقالت له أم أيمن : لا أشهد يا أبا بكر حتى احتج عليك بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ، أنشدك بالله ألست تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قابل : «أم أيمن امرأة من أهل الجنة».

فقال : بلى .

قالت: «فاشهد : أنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله : فآت ذا القربى حقه) «الروم : (38) فجعل فدكاً لها طعمة بأمر الله .

فجاء علي عليه السلام فشهد بمثل ذلك ، فكتب لها كتاباً ودفعه إليها ، فدخل عمر فقال : ما هذا الكتاب ؟ فقال : إنّ فاطمة عليها السلام ادعت في فدك ، وشهدت لها أم أيمن وعلي عليه السلام فكتبته لها ، فأخذ ، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فتفل فيه ومزقه ، فخرجت فاطمة عليها السلام تبكي فلما كان بعد ذلك جاء علي عليه السلام إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار فقال : يا أبا بكر لِمَ منعت فاطمة ميراثها من رسول الله صلى الله عليه و آله ؟ وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله .

فقال أبو بكر : هذا فيء للمسلمين ، فإن أقامت شهوداً أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله جعله لها وإلّا فلا حق لها فيه.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين قال : لا .

قال : فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه، ثم ادعيت أنا فيه من تسأل البينة ؟

قال : إياك أسأل البينة .

قال : فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يديها ؟ وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه و آله وبعده ، ولم تسأل المسلمين بينة على ما أدعوها شهوداً ، كما سألتني على ما ادعيت عليهم ؟ فسكت أبو بكر فقال عمر : يا علي دعنا من كلامك ، فإنا لا نقوى على حجتك ، فإن أتيت بشهود عدول ، وإلا فهو فيء للمسلمين ، لا حق لك ولا لفاطمة عليها السلام فيه.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : يا أبا بكر تقرأ كتاب الله ؟

قال : نعم .

قال : أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : إنّما يُريدُ الله ليذهبَ عَنكُمُ الرِجسَ أهل البيت ويُطهِّرَكُمْ تطهيراً ) «الأحزاب : 33، فيمن نزلت؟ فينا أم في غيرنا ؟

قال : بل فيكم .

قال : فلو أنَّ شهوداً شهدوا على فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بفاحشة ما كنت صانعاً ؟

قال : كنت أُقيم عليها الحد ، كما أُقيمه على نساء المسلمین.

قال : إذن كنت عند الله من الكافرين.

قال : ولِمَ ؟

قال : لأنك كنت رددت شهادة الله لها بالطهارة، وقبلت شهادة الناس عليها ، كما رددت حكم الله وحكم رسوله ، أن جعل لها فدكاً قد قبضته في حياته ، ثم قبلت شهادة إعرابي بائل على عقبيه ، عليها ، وأخذت منها فدكاً ، وزعمت أنه في للمسلمين ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «البينة على المدّعي ، واليمين على المدعى عليه فرددت قول رسول الله صلى الله عليه وآله : البينة على من ادعى واليمين على من ادعى عليه !

قال : فدمدم الناس وأنكروا ، ونظر بعضهم إلى بعض ، وقالوا : صدق والله عليّ بن أبي طالب عليه السلام ! ورجع إلى منزله.

قال : ثم دخلت فاطمة المسجد وطافت بقبر أبيها وهي تقول :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها *** واختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب

قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا *** فغاب عنا فكل الخير محتجب

وكنت بدراً ونوراً يُستضاء به*** عليك ينزل من ذي العزّة الكتب

نجهَّمتنا رجال واستخف بنا *** تخف بنا إذ غبت عنا فنحن اليوم تغتصب

فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت *** منا العيون بتهمال لها سكب

انظر: الاحتجاج للطبرسي : ج 1 ص 90 - 93، علل الشرائع للصدوق : ج 1 ص 191 ، ب 151 ح،1 ، تفسير القمّي : ج 2 ص 155 - 157 . 1

من كلّ ما أظلّته

1) الطمر - بالكسر : الثوب الخلق البالي .

2) طُعمه - بضم الطاء - : ما يطعمه ويفطر عليه

3) قُرصيه : تثنية ،قرص وهو الرغيف ..

4) التبر - بكسر فسكون - : فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ .

5) الوفر المال .

6) أتان دبرة: هي التي عُقر ظهرها فقل أكلها .

7) مقرة: مرّة .

8) فدك : هي : قرية بالحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، وقيل ثلاثة ، أفاءها الله تعالى على رسوله صلّى الله عليه وآله صلحاً ، فيها عين فوّارة ونخل ، وقد كانت ملكاً لرسول الله صلّى الله عليه وآله خالصة ، لأنها لم يوجب عليها بخيل ولا ركاب ، وقد أعطاها ابنته الزهراء عليها السلام فكانت بيدها في عهده صلى الله عليه وآله ، وروي إنّه صلّى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام : قد كان لأمك خديجة على أبيك محمد صلى الله عليه وآله مهراً ، وأن أباك قد جعلها لك بذلك ، وانحلتكها تكون لك ولولدك بعدك ، وكتب كتاب النحلة علي عليه السلام في أديم ، وشهد عليه السلام على ذلك وأم أيمن ومولى لرسول الله صلّى الله عليه وآله .

السماء، فشحت عليها نفوس قوم ، وسَخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكمُ الله ، وما أصنع بفدك وغير فدك ، والنفس مظانها (1)في غدٍ جدث (2)، تنقطع في ظلمته آثارها ، وتغيب أخبارها، [وحفرة لو زيد في فُسحتها، وأوسعت ي--دا حافرها لاضغطها الحجر والمدر (3)، وسدَّ فُرَجَهَا (4)التراب المتراكم، وإنَّما هى نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت ع--ل-ى ج-وانب المزلق (5)، ] ولو شئت لاهتديت الطريق ، إلى مُصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة - ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع - أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى (6)، وأكباد حرى (7)، أو أكون كما قال القائل:


1) المظان: جمع مظنة، وهو المكان الذي يظنّ فيه وجود الشيء .

2) جدث - بالتحريك - : قبر .

3) المدر جمع مدرة، مثل قصب وقصبة وهو التراب المتلبد، أو قطع الطين

4) فُرجَها : جمع فُرجة، مثال غُرف وغُرفة كل منفرج بين شيئين .

5) المزلق موضع الزلل، وهو المكان الذي يخشى فيه أن تزل القدمان والمراد هنا الصراط

6) غرثي جائعة .

7) حرى - مؤنث حران : أي عطشان .

وحسبك عاراً (1)أن تبيت ببطنة*** (2)وحولك أكباد تحنّ إلى القد (3)أطمع (4)أن يقال أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، وأكون اُسوةً لهم في خشونة (5)العيش ! فما خُلقت ليشغلني أكل الطيبات،كالبهيمة المربوطة، همُّها علفها ، أو المرسلة شُغُلُها تَقمُّمها (6)تكترش (7)من أعلافها وتلهو عمّا يراد بها ! وكأنّى بقائلكم يقول : «إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ، ومنازلة الشجعان» ، ألا وإنّ الشجرة البرّية (8)أصلب عوداً ، والرواتع الخضرة (9)أرقُّ جلوداً ، والنابتات العذية (10)أقوى وقوداً، [ وأبطأ خُموداً، وأنا من رسول الله صلّى الله عليه و آله كالصنو من الصنو (11)والذراع من العَضُد ، والله لو تظاهرت العرب على قتالى لما وليت عنها. (12)بأبي أنت وأمي كم تظاهرت العرب على قتالك ،فظهرت عليها ﴿وَرَدَّ اللهُ


1) كذا في الأصل، وفي المصدر: داءً .

2) البطنة - بكسر الباء - البطر والأشر .

3) القِد - بالكسر : سير من جلد غير مدبوغ .

4) كذا في الأصل، وفي المصدر: أقنع من نفسي بأن يقال: هذا .

5) كذا في الأصل، وفي المصدر: جشوبة

6) تقمّمها : التقاطها للقمامة، أي الكناسة

7) تكترس: تملأ كرشها،

8) الشجرة البرية التي تنبت في البر الذي لا ماء فيه

9) الرواتع الخضرة الأشجار والأعشاب الغضّة الناعمة التي تنبت في الأرض الندية .

10) النابتات العذية التي تنبت عذياً، والعذي - بسكون الذال - الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر

11) كذا في الأصل، وفي المصدر: كالضوء من الضوء

12) نهج البلاغة (شرح الدكتور صبحي الصالح ) : 416 - 420، کتاب رقم (45)، كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة.

الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) (1)بعلى أمير المؤمنين وسيّد المجاهدين .

وهل الجهاد لأحد من الناس إلا له ؟ وهل قامت دعائم الدين ، أو رست قواعد الشرع ، أو علت كلمة التوحيد إلا بجهاده ؟

وهل شهد التنزيل لغيره بأنّه شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ؟

وهل باهى الله عزّ وجلّ ملائكة السماء ليلة المبيت على فراش النبي صلّى الله عليه و آله بغيره ؟

وهل تولّى خدمة النبي وجميع بني هاشم أيّام حصرهم في الشعب غيره ؟

وهل قاسي الخطر ولاقى الأهوال في إيصال القوت إليهم يومئذٍ سواه ؟ وهل نصر الله نبيّه في جميع المواطن إلّا به ؟ وهل قتل عمراً ومرحباً ، وجندل عتبة وشيبة والوليد وغيره ؟

وهل أفنى بني عبد الدار وقتل بنى سفيان بن عوف الأربعة يوم أحد سواه ؟

وهل أذلّ عتاة الشرك وجبابرة الكفرة إلّا صارم سطوته ؟

وهل فتح حصون خيبر ودحا بابها ، وقلع الصخرة عن فم القليب ، وسلب العزّة من جبابرة اليمن ومهّد أمرها إلّا ماضي عزمه ؟

وهل قاتل الناكثين والمارقين والقاسطين غيره ؟

وهل باهل باسم غيره جبرائيل :

لا سيف إلّا ذو الفقار*** و لا فتى إلّا علي

ولقد ورث منه هذه الشجاعة شبله أبو الأئمّة ، وشفيع الأمّة أبو عبد الله


1) الأحزاب: 25 .

الحسين عليه السلام حتى قال بعض الرواة :

واللّه ما رأيت مكثوراً قط قتل ولده ، وأهل بيته وأنصاره أربط جأشاً من الحسين عليه السلام ، وان كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب ، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكمّلوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر ، ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، حتى قتل منهم الفاً وتسعمائة عدا المجروحين ، فناداهم ابن سعد لعنه الله :

الويل لكم يا أهل الكوفة أتدرون لمن تقاتلون ؟ هذا ابن الأنزع البطين ، هذا ابن قتّال العرب ، فاحملوا عليه من كلّ جانب ، وكانت الرماة أربعة آلاف فرموه بالسهام ، حتى حالوا بينه وبين رحله ، فصاح بهم :

ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون .

فناداه شمر لعنه الله : ما تقول يا بن فاطمة ؟

قال عليه السلام : أنا اُقاتلكم وتقاتلونى والنساء ليس عليهن جناح ،

فامنعوا عتاتكم وجهّالكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حياً .

فقال الشمر لعنه الله : لك ذلك يا بن فاطمة ، ثمّ صاح : إليكم عن حرم

الرجل واقصدوه بنفسه فلعمري أنّه كفؤ كريم.

فقصد القوم بالقتال وهو مع ذلك يطلب شربة من الماء ، وكلّما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه حتى أجلوه أجلوه عنه فنادى :

هل من مغيث فيغيثنا ؟

هل من ناصر فينصرنا ؟

ووقف على جثث أهل بيته وأصحابه فناداهم بأسمائهم، فاضطربت أجسامهم اضطراب السمكة في الماء :

فناداهم:قوموا عجالاً فما العرى *** بدار ولا هذا المقام مقام

فماجت على وجه الصعيدجسومهم*** ولو أذن الله القيام لقاموا

[المجلس السادس والعشرون ]

و من كلام له عليه السلام:

واللَّهِ لَأَنْ أبيتَ على حَسَك السَّعدان (1)مُسهدّاً (2)، أو أجَرَّ في الأغلال مُصفّداً ، أحبَّ إليَّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد ، وغاصِباً لشيء من الحُطام ، وكيف أظلم أحداً لنفسٍ يُسرع إلى البِلى قُفُولها (3)، ويطول في الثرى حلولها.

والله لقد رأيت عقيلاً (4)

انظر: الإصابة ترجمة رقم 5630 البيان والتبيين 1 174 ، الطبقات الكبرى 4 28 .

وقد أملق حتى أستماحني (5)من بركم هذا صاعاً .

ورأيت صبيانه شُعث الشعور (6)، غُبر الألوان من فقرهم (7)كأنما سُوِّدَت وجوههم بالعِظلِم (8)، وعاودني مؤكداً ، وكرّر عليَّ القول مردداً ، فأصغيت إليه سمعي ، فظنّ أني أبيعهُ ديني ، وأتَّبع قِيادُهُ مفارقاً طريقتي ، فأحميتُ له حديدة ثمَّ أدنيتها من


1) كأنه يريد من «الحسك» الشوك والسعدان: نبت ترعاه الإبل له شوك تشبه به حلمة الثدي

2) المسهد - من سهد - : إذا أسهره، والمصفّد: المقيد

3) قفولها رجوعها .

4) عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أبو يزيد، أعلم قريش بأيامها ومآثرها ومثالبها وأنسابها، صحابي فصيح اللسان شديد الجواب، وهو أخو علي وجعفر لأبيهما، وكان أسنّ منهما، هاجر إلى المدينة سنة 8 ه- ، عمي في أواخر أيامه، توفي أوّل أيام يزيد ؛ وقيل: في خلافة معاوية .

5) قال الله : أملق : افتقر اشدّ الفقر ، واستماحني : استعطاني .

6) قال رحمه الله : الشعث : جمع أشعثوهو من الشعر المتلبد بالوسخ .

7) قال رحمه الله : الغبر : جمع أغبر ، وهو متغيّر اللون شاحبة .

8) قال رحمه الله : العظلم - كزبرج - سواد يصبغ به ؛ قيل : وهو النيلج .

جسمه ليعتبر بها ، فضح ضجيج ذي دنف (1)من ألمها ، وكاد أن يحترق من میسمها (2)، فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ! أتئنّ من حديدة أحماها انسانها للعبه ، وتجرُّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ؟ أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من لُظى ؟ ! وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفةٍ (3)في وعائها ، ومعجونة شَيْئتُها (4)كأنّما عجنت بريق حيةٍ أو قيئها ، فقلت : أصلةً، أم زكاةٌ، أم صدقةٌ ؟ فكلّ ذلك (5)محرّم علينا أهل البيت (6)

بأبي أنت وأمّي يا أمير المؤمنين كيف بك لو رأيت أطفالك وأيتام ولدك أبي عبد الله وهم في أشر الذلّة ووثاق السبي ، يساقون عطاشى جياعاً مربطين بالحبال ، وأهل الكوفة يتصدّقون عليهم وهم فى المحامل مقرّنين بالأصفاد،فجعلت صبيتكم لشدّة جوعهم يتناولون بعض الخبز والتمر والجوز ، فصاحت خفرتك وعقيلتك أمّ كلثوم :

ويلكم يا أهل الكوفة ، إنّ الصدقة علينا حرام ، وجعلت تأخذ ذلك أيدي الأطفال وترمي به إلى الأرض ، والناس يبكون على ما أصابهم ، فأطلعت رأسها من المحمل وقالت لهم :

مه يا أهل الكوفة ، تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم ؟ فالحكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء.


1) الدنف - بالتحريك - المرض

2) الميسم - بكسر الميم وفتح السين - المكواة .

3) الملفوفة : نوع من الحلواء أهداها الأشعث بن قيس إلى على عليه السلام .

4) شنئتها كرهتها

5) كذا في الأصل، وفي المصدر : فذلك

6) نهج البلاغة (شرح الدكتور صبحي الصالح): 346 رقم (224 ) .

فبينا هي تخاطبهم إذا بضجّة قد ارتفعت ، وإذا هم بالرؤوس قد جاؤوا بها على الرماح ، يقدمهم رأس الحسين عليه السلام ، وهو رأس زهري قمري ، أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله ، ولحيته كسواد السبج ، قد نصل منها الخضاب ، ووجهه دائرة قمر طالع ، والريح تلعب بكريمته الشريفة يميناً وشمالاً، فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل حتى سال الدم من تحت قناعها ، وأومأت إليه بحرقة .

يا هلالاً لمّا استتمّ كمالاً *** غاله خسفه فأبدى غروبا

ماتوهّمت یا شقيق فؤادي *** كان هذا مقدّراً مكتوبا

[المجلس السابع والعشرون ]

المنذر بن الجارودي (1)

انظر: الإصابة ترجمة رقم 8336، جمهرة الأنساب: 279، الأغاني 11: 117

فيما حدّث به أبو حنيفة الفضل بن الحباب روي الجمحي ، عن ابن عائشة ، عن معن بن عيسى ، عن المنذر بن الجارود قال : لمّا قدم علي رضي الله عنه البصرة دخل ممّا يلي الطف فأتى الزاوية فخرجت انظر إليه ، فورد موكب نحو ألف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب ، عليه قلنسوة وثياب بيض ، متقلّداً سيفاً ، معه راية وإذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض والصفرة ، مدججين في الحديد والسلاح ، فقلت : من هذا ؟

فقيل : أبو أيّوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وهؤلاء الأنصار وغيرهم ، ثمّ تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلّداً سيفاً ، متنكّب قوساً معه راية على فرس أشقر فى نحو ألف فارس ، فقلت : من هذا ؟

فقيل : هذا خزيمة بن ثابت الأنصاري (2)

إذا نحن بايعنا علياً فحسبنا *** أبو حسن ممّا نخاف من الفتن

وفيه الذي فيه من الخيركله*** وما فيهم بعض الذي فيه من حسن

انظر ترجمته في أسد الغابة :2 133، الاصابة 1: 425 - 426 .

ذو الشهادتين .

1) المنذر بن الجارود بن عمرو بن خنيس العبدي ولد في عهد النبي وشهد الجمل مع علي عليه السلام وولاه علي إمرة اصطخر، ثمّ بلغه عنه ما ساءه فكتب إليه كتاباً وعزله، ولاه عبيد الله بن زياد ثغر الهند سنة 61 ه- ، فمات فيها آخر سنة 61 ه.

2) خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وشهد بدراً وما بعدها، جعل رسول الله صلى الله عليه وآله شهادته شهادة رجلين شهد الجمل وصفين واستشهد فيها وهو القائل يومئذ:

ثمّ مرّ بنا فارس آخر علی فرس کمیت معتم بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء ، وعليه قباء أبيض مصقول متقلّد سيفاً ، متنكب قوساً في نحو ألف فارس من الناس ومعه راية فقلت : من هذا ؟

فقيل لي : أبو قتادة بن ربعي (1)

انظر: أسد الغابة :6 250، الاصابة 4: 158 .

ثمّ مرّبنا فارس آخر على فرس أشهب عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه ومن خلفه ، شديد الأدمة ، عليه سكينة ووقار ، رافع صوته بقراءة القرآن متقلّد سيفاً ، متنكّب قوساً معه راية بيضاء في ألف فارس من الناس مختلفي التيجان، وحوله مشيخة وكهول وشباب ،كأنّ قد اوقفوا للحساب أثر السجود قد أثّر في جباههم ، فقلت : من هذا ؟

فقيل : عمّار بن ياسر (2)

انظر ترجمته في الاصابة 2 512 أسد الغابة 4: 130 - 135 .

في عدّة من الصحابة من المهاجرين والأنصاروأبنائهم.

ثم مرّ فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء ، متنكب قوساً متقلّد سيفاً ، تخطّ رجلاه في الأرض في ألف فارس من الناس الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض معه رايات صفراء قلت : من هذا ؟


1) أبو قتادة الحارث بن ربعي بن بلدة (بلدمة) الخزرجي الأنصاري من الموالين لأمير المؤمنين عليه السلام، وشهد معه مشاهده كلّها توفي سنة أربعين وكان بدرياً .

2) أبو اليقظان عمار بن ياسر أحد الأركان، وهو جلدة ما بين عين وأنف رسول الله كما ورد في الحديث.

قيل : هذا قيس بن سعد بن عبادة (1)

انظر: أسد الغابة 4: 425، الاصابة 3 249 ، الاستيعاب 3 224 - 231 .

في الأنصار وأبناؤهم وغيرهم من قحطان.

ثمّ مرّ بنا فارس على فرس أشهل ما رأينا أحسن منه عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه بلواء ، قلت : من هذا ؟

قيل : هو عبد الله بن العباس في عدة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله . ثم تلا موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأوّلين ، قلت : من هذا ؟

قيل : قثم بن العباس (2)

أخرج الحاكم في المستدرك (2: 136 ح 4633) بسنده الصحيح عن أبي اسحاق قال: سألت قثم ابن العباس: كيف ورث علي رسول الله صلى الله عليه وآله دونكم؟ قال: لأنه كان أولنا به لحوقاً، وأشدّنا به لزوقاً. انظر: أسد الغابة 4 392 .

، أو سعيد بن العاص (3)

ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً واشتبكت الرماح .

ثمّ ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح والحديد مختلفوا الرايات ، في أوّله راية كبيرة يقدمهم رجل كأنّما كسر وجبر .


1) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي عظيم من العظماء من كرام أصحاب رسول الله، ومن كرماء العرب وأحد الدهاة من الموالين لعلي عليه السلام، واستمر بعد استشهاد أمير المؤمنين في ولائه للامام الحسن ولم يبايع معاوية إلى أن قال له الحسن عليه السلام: أنت في حل من بيعتي .

2) قثم بن العباس بن عبد المطلب استعمله أمير المؤمنين عليه السلام على مكة .

3) هو سعيد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي . انظر الاصابة 3 93 ترجمة رقم (3279)

-قال ابن عائشة : وهذه صفة رجل شديد الساعدين نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق كذلك تخبر العرب في وصفها إذا اخبرت عن الرجل : أنه كسر وجبر كأنّما على رؤوسهم الطير ، وعن ميسرتهم شاب حسن الوجه قلت : من هؤلاء ؟

قيل : هذا على بن أبى طالب عليه السلام ، وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله ، وهذا محمّد بن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى،وهذا الّذي خلفه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وهؤلاء ولد عقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم ، وهؤلاء المشايخ أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية ، فصلّى أربع ركعات ، وعفّر خديه على التربة وقد خالط ذلك دموعه ثمّ رفع يديه يدعو : اللّهمّ ربّ السماوات وما أظلّت والأرضين وما أقلّت ، وربّ العرش العظيم.

هذه البصرة اسألك خيرها ، وأعوذ بك من شرّها . اللّهمَّ انزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين .

اللَّهمَّ هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي وبغوا عليَّ ، ونكثوا بيعني . اللهم احقن دماء المسلمين .

وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء ، وقال : على مَ تقاتلونني ؟

فأبوا إلّا الحرب .

فبعث رجلاً من أصحابه يقال له : مسلم معه مصحف يدعو إلى الله فرموه بسهم فقتلوه فحمل إلى على ، وقالت أمّه :

يا ربّ إنّ مسلماً أتاهم *** يتلو كتاب الله لا يخشاهم

فخضبوا من دمه لحاهم *** و أمّه قائمة تراهم

وأمر على عليه السلام أن يصافّوهم ولا يبدء وهم بقتال ، ولا يرموهم بسهم ، ولا يضربوهم ، ولا يطعنوهم برمح، حتى جاء عبد الله بن بدیل بن ورقاء من الميمنة بأخ له مقتول ، وجاء قوم من الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل .

فقال علي عليه السلام : اللّهمَّ اشهد.

وتواتر عليه الرمي فقام عمّار بن ياسر فقال : ماذا تنظر يا أمير المؤمنين ؟

فقام علي عليه السلام فقال :

أيها الناس ، إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا أسيراً ، ولا تتّبعوا مولّياً ، ولا تهتكوا ستراً ، ولا تمثّلوا بقتيل ، ولا تقربوا من أموالهم إلّا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع . (1)

ولقد يعزّ عليك يا أمير المؤمنين بما فعل القوم الظالمون يوم عاشوراء من تسابقهم على نهب بيوت آل الرسول ، وقرّة عين الزهراء البتول ، يسلبونهنّ وينتزعون الملاحف عن ظهورهنّ ثمّ يضرمون النار في خايمهنّ ، فخرجن حواسر معوّلات، حافيات باكيات ، ينادين : وا محمداه واعلياه ، بناتك سبايا ، وذرّيتك مقتلة ، تسفى عليهم ريح الصبا ، هذا حسينك محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والردا ، بأبي العطشان حتى مضى ، بأبي من جدّه المصطفى ، بأبي من أبوه علي المرتضى .

اعزيك فيهم أنهم وردوا الردى ***بأفئدة ما بلّ غلّتها قطر

وثاوين فى حرّ الهجيرة بالعرى *** عليهم سوافي الريح بالترب تنجر


1) مروج الذهب 2 : 242 .

[المجلس الثامن والعشرون ]

ومن خطبة له عليه السلام :

وكم أكلت الأرض من عزيز جسد ، وأنيق لون ، كان في الدنيا غذي ترف وربيب سرف ، يتعلّل في السرور في ساعة حزنه ، ويفزع إلى السلوة ان مصيبة نزلت به ، ضنّاً بغضارة عيشه ، وشحاً بلهوه ولعبه ، فبينا هو يضحك إلى الدنيا ، وتضحك الدنيا إليه ، في ظلّ عيش غفول ، إذ وطأ الدهر به حسكه ، ونقضت الأيام قواه ، ونظرت إليه في الحتوف من كتب ، فخالطه بثّ لا يعرفه ، ونجي هم ما كان يجده ، وتولّدت فيه فقرات علل ، آنس ما كان بصحته ، ففزع إلى ما كان عوّده الأطباء ، من تسكين الحرّ بالقارّ ، وتحريك البارد بالحار ، فلم يطفىء ببارد إلا ثورة حرارة ، ولا حرّك بحار إلّا هيج برودة ، حتى فنر معلله ، وذهل ممرضه ، وتعايا أهله بصفة دائه ، وخرسوا عن جواب السائلين عنه ، وتنازعوا دونه شجر خبر یکتمونه ، فقائل : هو لما به ، وممن لهم اياب عافيته ، ومصبّر لهم على فقده ، يذكرهم أسى الماضين من قبله ، فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا ، وترك الأحبّة ، إذ عرض له عارض من غصصه ، فتحيّرت نوافذ فطنته ، ويبست رطوبة لسانه .

إلى أن قال عليه السلام : وإنّ للموت لغمرات ، هي أفضع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على عقول أهل الدنيا .(1)


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 152.

وتاللّه لا يهوّن سكرات الموت إلّا ولاء آل رسول الله صلى الله عليه وآله ، فانّ مواليهم ليبشّره ملك الموت ثمّ منكر ونكير بالجنّة ، وإنّ الملائكة لتزفّ أرواح مواليهم إكراماً لهم حتى تدخلها عليهم كما تزفّ العروس الى زوجها ، وأيم الله إنّ من تمام موالاتهم الحزن لحزنهم ، والبكاء على ما أصابهم ، فحدّثوا أنفسكم بمصارع هاتيك العترة ، وتأسفوا على ما فاتكم من الفوز بتلك النصرة ، واذكروا واعية الحسين ، وحاله وهو بين ثلاثين ألفاً وحيداً فريداً ، قد حال السماء كالدخان ، وقد نزف دمه ، والحجارة والسهام تأتيه من كل جانب ، وأهل بيته وأصحابه كالأضاحي حوله ، ونساؤه نوائح ونوادب من خلفه ، وهو تارة يصبّرهم ويعزّيهم ، وتارة يعظ القوم وينذرهم ، ومرة ينعى العطش بينه وبين أصحابه ويرثيهم ، وأُخرى يقف على جثثهم ويمسح الدماء عن وجوههم ....

ولمّا وقف على ولده علي الأكبر وهو ابن تسع عشرة سنة ، وكان أشبه الناس برسول الله صلّى الله عليه وآله خلقاً وخُلقاً ومنطقاً، فوجده مقطعاً إربا إرباً ، نادى بأعلى صوته : قتل الله قوماً قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله ، وعلى انتهاك حرمة الرسول ، على الدنيا بعدك العفا...

ولمّا وقف على ابن أخيه القاسم (1)وهو ابن ثلاث عشرة سنة ووجده يفحص برجليه الأرض،قال : عزّ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا يغني عنك.

ثمّ وضع خدّه على خدّ الغلام واحتمله ورجلاه يخطان الأرض ، ففتح الغلام عينيه ، وتبسّم في وجه عمّه ثم فاضت نفسه الزكية ، فوضعه بين القتلى من


1) هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب أخو أبي بكر بن الحسن لأبيه وأمه المقتول قبله. انظر: مقاتل الطالبيين: 50

أهل بيته...

ولمّا وقف على أخيه العباس ، وهو كبش كتيبته ، وحامل لوائه ، وموضع سرّه ، ووجده مرضوخ الهامة بعمود من حديد، مقطوع الساعدين ، وضع يده على خاصرته ونادى :

الآن انكسر ظهري ، الآن قلّت حيلتي وشمت بي عدوي .

وهوى عليه ما هنالك قائلاً *** الآن بان عن اليمين حسامها

الآن آل إلى التفرّق جمعنا*** الآن حلّ من البنود نظامها

الآن نامت أعين بك لم تنم ***وتسهّدت أخرى فعزَّ منامها

أشقيق روحي هل تراك علمت إذ ***غودرت وانثالت عليك لئامها

من مبلّغ أشياخ مكّة أنّه *** قد قلّ ناصرها وغاب همامها

[المجلس التاسع والعشرون ]

ومن خطبة له عليه السلام :

أمّا بعد : فانّي احذركم الدنيا ، فانّها حلوة خضرة ، حفت بالشهوات ، وتحببت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلّت بالآمال ، وتزيّنت بالغرور ، لا تدوم حبرتها (1)، ولا تؤمن فجعتها ، غرّارة ضرّارة ، حائلة زائلة ، نافذة بائدة ، أكّالة غوالة ، لا تعدو إذا تناهت إلى اُمنية أهل الرغبة والرضا بها ، أن تكون كما قال الله تعالى : (كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلّ شَيءٍ مُقْتَدِراً ) (2)لم يكن امرؤ منها في حبرة ، إلّا أعقبته بعدها عبرة ، ولم يلق من سرائها بطناً ، إلا منحته من ضرائها ظهراً ، ولم تطله فيها ديمة رخاء ، إلّا هتنت عليه مزنة بلاء ، وحريّ إذا أصبحت له منتصرة ، أن تمسي له متنكرة ، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمر منها جانب فأوبى (3)لا ينال امري من غضارتها رغباً ، إلّا أرهقته من نوائبه تعباً ، ولا يمسي منها في جناح أمن ، إلا أصبح منها على قوادم خوف ، غرارة غرور ما فيها ، فانية فانٍ من عليها ، لا خير في شيء من أزوادها إلا التقوى ، من استقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه ، ومن استكثر منها استكثر ممّا يوبقه ، وزال عمّا قليل عنه واثق منها فجعته ، وذوي طمأنينة لها قد صرعته ، وذي ابهة قد جعلته حقيراً،


1) قال رحمه الله : حبرتها : يعني بهجتها وسرورها .

2) سورة الكهف: 45 .

3) قال له : أي كثر فيه الوباء .

وذي نخوة قد ردّته ذليلاً ، سلطانها دول ، وعيشها رنق (1)

أقول : يقال: عيش رئق - بكسر النون - : أي كدر، وماء رنق - بالتسكين : أي كدر، والرنق - بفتح النون - : مصدر قولك: رنق الماء-بالكسر - ورنقته أنا ترنيقاً أي كدرته.

، وعذبها اجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام ، حيها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ، ملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب (2)

هذه أنبياء الله وأصفياؤه تغلبت عليهم الجبابرة ، وتحكمت فيهم أعداء الله حتى كان بنو اسرائيل ربّما يقتلون بين طلوعي الفجر والشمس سبعين نبياً ، ثمّ يجلسون في أنديتهم كأنهم لم يفعلوا شيئاً .

ولما بعث الله إسماعيل بن حزقيل إلى قومه سلخوا جلده ووجهه وفروة رأسه ، فأتاه ملك من ربّه عزّ وجلّ يقرؤه السلام ويقول له : قد أمرني الله بطاعتك ، فمرني بما شئت ، فقال عليه السلام : لى بالحسين أسوة .

بأبي أنت واُمّي يا أبا عبد الله.

بأبي أنت واُمّى يا من تأسّت به أنبياء الله ، لئن سلخت جلدة وجه إسماعيل وفروة رأسه في سبيل الله ، فلقد أصابك في إعلاء كلمة الله من ضرب السيوف ووخز الأسنّة ، ورمي الأحجار ، ورشق النبال ، ووطيء الخيل ، وعسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ما هو أعظم من ذلك .

تأشت بك أنبياء الله لكن لم يبلغوا شأوك، ولا أصيبوا بما اصبت ، وهل مني أحد من العالمين بما منيت به ؟ فررت بدمك من حرم جدّك صلى الله عليه وآله إلى حرم الله عزّ وجلّ حيث يأمن الوحش والطير ، فلم تأمن فيه على نفسك ،


1) قال رحمه الله : الرنق : الكدر.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7: 226.

فقررت منهم لما خفتهم بعيالك وأطفالك وأهل بيتك ، فلاقيت من أعداء الله ما رفع الله به قدرك ، وعظم به أمرك ، ولقد يعزّ على جدّك رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يراك بين ثلاثين ألفاً لا ناصر لك ولا معين ، وأبناؤك واخوتك وأهل بيتك والخيرة من شيعتك مجزرين كالأضاحي نصب عينيك ، ورضيعك يذبح وهو على يديك ، وحرمك نوائح ونوادب من خلفك ينادين : واغربتاه ، واضيعتاه.

وبالعزيز على فاطمة الزهراء أن تراك يا عزيزها بين جموعهم وقد ضعفت عن القتال، ونزف دمك من كثرة الجراح ، وحال العطش بينك وبين كالدخان ، وأنت تنادي :

أما من ناصر فينصرنا ؟

أما من مغيث فيغيثنا ؟

ولیت رسول الله رآهم وقد افترقوا عليك أربعة فرق : فرقة بالسيوف ،

وفرقة بالرماح ، وفرقة بالسهام، وفرقة بالحجارة ، حتى ذبحوك عطشاناً القفا ، وأنت تستغيث فلا تغاث .

ثمّ هجموا على ودائع النبوّة فسلبوهنّ ونهبوا خيامهن ، وأشعلوا فيها النار فخرجن حافيات حاسرات ، معوّلات مسلبات ينادين :

وامحمداه واعليّاه ، وما اكتفوا بذلك حتى أجالوا الخيل على جسدك الطاهر ، ورفعوا رأسك على رمح طويل ، وساقوا نساءك وهن عقائل الوحي سبايا ، كأنهنّ من كوافر الديلم ، حتى أدخلوهن تارة على ابن مرجانة ، وأخرى على ابن آكلة الأكباد.

وأعظم ما يشجي الغيور دخولها*** على مجلس ما بارح اللهو والخمرا

يعارضها فيه الدعي مسبّة *** ويصرف عنها وجهه معرضاً كبرا

[ المجلس الثلاثون ]

و من كلام له عليه السلام

الدنيا دار مني لها الفناء ، ولأهلها منها الجلاء ، وهي حلوة خضراء ، قد عجلت للطالب ، والتبست فارتحلوا منها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد ، ولا تسألوا فيها فوق الكفاف ، ولا تطلبوا فيها أكثر من البلاغ (1)

هذا الكلام كان من على عليه السلام وفق فعله ، فانّه ما شبع من طعام ،قط ، وكان أخشن الناس مأكلاً وملبساً.

قال عبيد الله بن أبي رافع : دخلت عليه يوم عيد فقدّم إليه جراب مختوم، فوجدنا فيه خبز شعير يابساً مرضوضاً فأكل منه ، فقلت : يا أمير المؤمنين كيف تختمه ؟

قال : خفت هذين الولدين أن يليناه بسمن أو زيت .

وكان ثوبه مرقوعاً بجلدة تارة ، وبليف اُخرى ، ونعلاه من ليف ، وكان يلبس الكرابيس (2)، فإذا وجد كمه طويلاً قطعه ، وكان يأتدم بخل أو ملح ، فان ترقى فببعض نبات الأرض ، فان ارتفع فبقليل من ألبان الإبل ، ولا يأكل اللحم إلّا قليلاً، وقد طلّق الدنيا ثلاثاً ، وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الاسلام إلّا من الشام ، فيفرّقها ثمّ يقول :


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 152.

2) الكرباس - بالكسر - : ثوب من القطن الأبيض.

هذا جناي وخياره فيه *** إذ كلّ جانٍ يده إلى فيه (1)

ورآه عدي بن حاتم (2)وبين يديه ماء قراح ، وكسيرات من خبز الشعير فقال : لا أرى لك يا أمير المؤمنين أن تظل نهارك صائماً مجاهداً ، وبالليل ساهراً مكابداً ثم يكون هذا فطورك ؟ فقال عليه السلام :

علل النفس بالقليل وإلّا *** طلبت منك فوق ما يكفيها (3)

ولم يزل هذا دأبه ، وهذه سجيّته ، حتى ضربه أشقى الآخرين على رأسه فى مسجد الكوفة صبيحة ليلة الأربعاء لتسعة عشرمضين من شهر رمضان المبارك وهو ساجد لله في محرابه ، فبلغ السيف موضع السجود من رأسه ، فقال : الله وبالله وفى سبيل الله وعلى ملة رسول الله ، فزت ورب الكعبة لا يفوتنكم ابن ملجم، واصطفقت أبواب الجامع ، وهبت ريح سوداء مظلمة ، ونادى جبرائيل السماء والأرض :

تهدمت والله أركان الهدى ، وانطمست والله أعلام التقى ، وانفصمت والله العروة الوثقى، قتل ابن عم المصطفى ، قتل الإمام المجتبى ، قتل على المرتضى ، وجعل الدم يجري على وجهه ، فيخضب به لحيته الشريفة .

واقتدى به ولده أبو عبد الله عليه السلام حيث رماه سنان لعنه الله بسهم


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 : 26 .

2) عدي بن حاتم الطائي: أبو طريف كان من المنقطعين إلى أمير المؤمنين عليه السلام والعارفين بحقه، صاحب المواقف المشهودة في الجمل وصفين وغيرهما، فقئت عينه يوم الجمل، واستشهد ابنه محمد فيها، والآخر يوم النهروان، قال له معاوية يوماً : ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدم بنيك وأخر بنيه؛ فقال عدي بل أنا ما أنصفت علياً إذ قتل وبقيتانظر: الاستيعاب :3 141 ، الاصابة 2: 468 .

3) مناقب ابن شهر اشوب :2 98 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 246 .

فوقع في نحره فسقط عن جواده ، وقرن كفّيه جميعاً فكلّما امتلأتا خضب بهما رأسه ولحيته وهو يقول: هكذا ألقى الله وأنا مخضّب بدمي، مغصوب حقي .

و خرجت زينب عليها السلام حينئذٍ من فسطاطها تنادي : وا أخاه واسيّداه وا أهل بيتاه ، ليت السماء أطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل.

وقال هلال بن نافع : وقفت على الحسين عليه السلام وانّه ليجود بنفسه ، فو الله ما رأيت قتيلاً مضمّخاً بدمائه أحسن منه وجهاً، ولا أنور منه ، ولقد شغلني نور وجهه ، وجمال هيئته عن الفكرة في قتله .

و مجرّح ما غيّرت منه القنا *** حسناً ولا غيّرن منه جديدا

قدكان بدراً فاغتدى شمس الضحى*** مذ ألبسته يد الدماء لبودا

[المجلس الحادي والثلاثون ]

ومن كلام له عليه السلام بعد تلاوته (ألهيكُم التَّكَاثُر * حَتَّى زُرْتُم الْمَقَابِر ) (1)

يا له مراماً ما أبعده ! وزوراً ما أغفله ! وخطراً ما أفظعه ! لقد استخلّوا منهم أي مذكر ، وتناوشوهم من مكان بعيد.

أفبمصارع آبائهم يفخرون ! أم بعديد الهلكي يتكاثرون ! يرتجعون منهم أجساداً خوت ، وحركات سكنت ، ولأن يكونوا عِبراً ، أحق من أن يكونوا مفتخراً، ولأن يهبطوا بهم جناب ذلّةٍ ، أحجى من أن يقوموا بهم مكان عزّة ، لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة ، وضربوا منهم في غمرة جهالة ، ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية والربوع الخالية ، لقالت : ذهبوا في الأرض ضلالاً ، وذهبتم في أعقابهم جهّالاً ، تطؤون في هامهم ، وتستنبتون في أجسامهم ، وترتعون فيما لفظوا ، وتسكنون فيما خربوا ، وانّما الأيّام بينكم وبينهم بواك ونوائح عليكم .

أولا ؤكم سلف غايتكم وفرَّاط مناهلكم ، الّذين كانت لهم مقاوم العزّ ،

وحلبات الفخر ، ملوكاً وسوقاً ، سلكوا في بطون البرزخ سبيلاً ، سلّطت الأرض عليهم ، فأكلت من لحومهم ، وشربت من دمائهم ، فأصبحوا في فجوات قبورهم ، جماداً لا ينمون ، وضماراً لا يوجدون.... لئن بلیت آثارهم، وانقطعت أخبارهم، لقد رجعت فيهم أبصار العبر ، وسمعت عنهم آذان العقول ، وتكلّموا من


1) التكاثر : 1 - 2 .

غير جهات النطق ، فقالوا : كلحت الوجوه والنواضر ، وخوت الأجسام النواعم ولبسنا أهدام البلى ، وتكاّدنا ضيق المضجع ، وتوارثنا الوحشة، وتكهّمت الربوع الصموت ، فانمحت محاسن أجسادنا ، وتنكّرت معارف صورنا ، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا، ولم نجد من كرب فرجاً، ولا من ضيق مخرجاً .(1)

وتالله لا يفرج الكرب ، ولا يؤنس الوحشة إلّا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام ، وبالله لترونّ أمير المؤمنين عليه السلام واقفاً على شفير قبوركم يعلمكم جواب منكر ونكير ، وليبدلنّ الله وحشتكم بواسطته انساً ، وخوفكم برؤيته أمناً ، وليدخلنّ عليكم السرور في أجدائكم ، ولتقومنّ القيامة سيّدة نساء العالمين عليها السلام مقاماّ تغبطون عليه وتدخلون به الجنّة .

فحقيق علينا أن نشاركها في مصيبتها التي أرزأت جبرائيل ، ونواسيها في رزيتها التي عظمت على الربّ الجليل.

فيا ليت لفاطمة وأبيها عيناً تنظر إلى بناتها وبنيها ، وهم ما بين مسلوب وجريح ، ومأسور وذبيح ، وبنات الوحي والنبوة يطاف بهن من بلد إلى بلد حتى وردوا بهن الشام ، فلمّا قربوا من دمشق دنت أُمّ كلثوم من شمر لعنه الله فقالت له :

لي إليك حاجة .

قال : ما حاجتك ؟

قالت : إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل نظاره . (2)

وتقدّم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحونا عنها ،


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11 : 145 .

2) الملهوف 174 ، مثير الأحزان 97 .

ونحن في هذه الحال ، فأمر اللعين في جواب سؤالها : أن تجمل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغياً منه وكفراً، ثمّ سلك بهم الطرق العامة على تلك أتى بهم باب دمشق ، فأوقفوهم على درج باب المسجد ، حيث يقام السبي، وطافوا برأس الحسين عليه السلام سكك دمشق وشوارعها.

جاء وا برأسك يا بن بنت محمد*** متزملاً بدمائه تزميلا

قتلوك عطشاناً و لمّا يرقبوا *** في قتلك التأويل والتنزيلا

ويكبّرون بأن قتلت و انّما *** قتلوا بك التكبير والتهليلا

[المجلس الثاني والثلاثون ]

ومن خطبة له عليه السلام :

ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعماراً ، وأبقى آثاراً ، وأبعد آمالاً ، وأعد عديداً ، وأكثف جنوداً ، تعبّدوا للدنيا أي تعبُّد ، وآثروها أي إيثار ، ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ، ولا ظهر قاطع ، فهل بلغكم أنّ الدنيا قد سخت لهم نفساً بفدية ، أو أعانتهم بمعونة، أو أحسنت لهم صحية، بل أرهقتهم بالفوادح، وأزهقتهم بالقوارع، وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر ، ووطأتهم بالمناسم، وأعانت عليهم ريب المنون ، أفهذه تؤثرون ؟ أم عليها تحرصون ؟ فبئست الدار لمن لم يتّهمها ، ولم يكن فيها على وجل منها ، فاعلموا وانتم تعلمون بأنكم تاركوها ، وظاعنون عنها، واتّعظوا فيها بالذين قالوا من أشدّ منّا قوّة حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً ، وانزلوا فيها فلا يدعون ضيفاناً ، وجعل لهم من الصفيح أجنان ، ومن التراب أكفان ، ومن الرفاة جيران ، فهم جيرة لا يجيبون داعياً ، ولا يمنعون ضيماً ، إن جيدوا لم يفرحوا ، وان قحطوا لم يقنطوا ، قد استبدلوا يظهر الأرض بطناً ، وبالسعة ضيقاً ، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، فجاءوها كما فارقوها حفاةً عراة ، قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة ، والدار الباقية ، حيث لا ينفع الانسان إلّا ما قدّمه من أعماله الصالحة ، وما يرجوه من شفاعة الشافعين. (1)

وانّ أفضل عمل صالح. وأقوى سبب لنيل الشفاعة ، لزوم سنّته ، واتباع


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7: 226 وج 11: 257 .

عترته صلّى الله عليه وآله ، فانّهم أحد الثقلين الذين لا يضل من تمسك بهما ، ولا يهتدي إلى الله من صدف عنهما .

وقد قال صلّى الله عليه وآله من خطبة خطبها يوم يوم غدير خم (1)

قال الذهبي في طبقاته :2 254: «لما بلغ محمد بن جرير ان ابن ابي داود تكلم في حديث غدير خم عمل كتاب الفضائل وتكلم في تصحيح الحديث .

ثم قال : قلت : رأيت مجلداً من طرق الحديث لابن جریر فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق» . و قال ابن كثير في تاريخه 146:11 في ترجمة الطبري: «أني رأيت له كتاباً جمع فيه احاديث غدير خم في مجلدين ضخمين ونسبه إليه ابن حجر في تهذيب التهذيب : 337 (راجع الغدير 1: .(152

وقد اغنانا العلامة الاميني رحمه الله وكفانا البحث عن طرق هذا الحديث ومصادره فقد الف ذلك موسوعته الضخمة التي لم تنم - في احد عشر مجلداً جمع فيها طرقه وأسانيده ومن احتج به أو كلَّم فيه أو قال فيه شعراً . ولكثرة النصوص المنقولة في هذا الحديث يحتار الانسان فيما يختاره من نص فآثرنا أن ننقل النص الذي صدره الاميني رحمه الله به كتابه وهو نص جامع بين مختلف النصوص الا أنا اكملنا أبيات حسان بن ثابت في الأخير .

واليك النص :

أجمع رسول الله صلى الله عليه وآله الخروج إلى الحج في سنة عشرة من مهاجره، وأذّن في الناس بذلك، فقدم المدينة خلق كثير يأتمون به في حجّته تلك التي يُقال عليها حجة الوداع وحجّة الاسلام وحجّة البلاغ وحجّة الكمال وحجّة التمام، ولم يحجّ غيرها منذ هاجر إلى أن توفاه الله فخرج صلى الله عليه وآله من المدينة مغتسلاً متدهناً مُترجّلاً متجرداً في ثوبين صحاريين إزار ورداء، وذلك يوم السبت لخمس ليال أو ست بقين من ذي القعدة، وأخرج معه نساءه كلهم في الهوادج، وسار معه أهل بيته، وعامة المهاجرين والأنصار، ومن شاء الله من قبائل العرب وأفناء الناس.

وعند خروجه صلّى الله عليه وآله أصاب الناس بالمدينة جدري (بضم الجيم وفتح الدال وبفتحهما) أو حصبة منعت كثيراً من الناس من الحج معه صلّى الله عليه وآله، ومع ذلك كان معه جموع لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد يقال: خرج معه تسعون ألف، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، وقيل: مائة ألف وعشرون ألفاً، وقيل: مائة ألف واربعة وعشرون ألفاً، ويقال أكثر من ذلك، وهذه عدة من خرج -ه ، وأما الذين حجوا معه فأكثر من ذلك كالمقيمين بمكة والذين أتوا من اليمن مع عليّ (أميرالمؤمنين) وأبي موسى .

أصبح صلى الله عليه وآله يوم الأحد بيلملم، ثم راح فتعشّى بشرف السيالة، وصلّى هناك المغرب والعشاء، ثمّ صلّى الصبح بعرق الظبية، ثمّ نزل الروحاء، ثم سار من الروحاء فصلى العصر بالمنصرف، وصلّى المغرب والعشاء بالمتعشّى وتعشّى به وصلى الصبح بالأثابة، وأصبح يوم الثلاثاء بالعرج واحتجم بلحى جمل وهو عقبة الجحفة» ونزل السقياء يوم الأربعاء، وأصبح بالأبواء، وصلّى هناك ثمّ راح من الأبواء ونزل يوم الجمعة الجحفة، ومنها إلى قديد وسبت فيه، وكان يوم الأحد بعسفان ، ثم سار فلما كان بالغميم إعترض المشاة فصفّوا فشكوا إليه المشي، فقال: استعينوا بالسلان مشي سريع دون العدو» ففعلوا فوجدوا لذلك راحة، وكان يوم الاثنين بمرّ الظهران فلم يبرح حتى أمسى وغربت له الشمس بسرف فلم يصل المغرب حتى دخل مكة ، ولما انتهى إلى الثنيَّتين بات بينهما فدخل مكة نهار الثلاثاء».

فلما قضى مناسكه وانصرف راجعاً إلى المدينة ومعه من كان من الجموع المذكورات ووصل إلى غدير خم من الجحفة التي تتشعب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة نزل إليه جبرئيل الأمين عن الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) الآية، وأمره أن يقيم علياً علماً للناس ويبلغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كلّ أحد، وكان أوائل القوم قريباً من الجحفة فأمر رسول الله أن يردّ من تقدم منهم ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان ونهى عن سمرات خمس متقاربات دوحات عظام أن لا ينزل تحتهن أحد حتى إذا أخذ القوم منازلهم فقم ما تحتهنّ حتى إذا نودي بالصلاة صلاة الظهر عمد إليهنَّ فصلّى بالناس تحتهنّ، وكان يوماً هاجراً يضع الرجل بعض رداءه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء، وظلّل لرسول الله بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فلما انصرف صلّى الله عليه وآله من صلاته قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الابل وأسمع الجميع، رافعاً عقيرته فقال :

الحمد لله نستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا الذي لا هادي لمن ضلَّ ولا مضلَّ لمن هدى وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله - أما بعد - ايها الناس قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي قبله، واني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني مسؤول وأنتم مسؤولون فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيراً، قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن جنته حق وناره حق وأنّ الموت حق وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور، قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: اللهم اشهد ثمّ قال : ايها الناس ألا تسمعون؟ قالوا: نعم، قال: فاني فرط على الحوض، وأنتم واردون عليَّ الحوض، وإنَّ عرضه ما بين صنعاء وبصرى فيه أقداح عدد النجوم من فضة فانظروا كيف تخلّفوني في الثقلين .

فنادى مناد وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الثقل الأكبر كتاب الله طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا، والآخر الأصغر عترتي، وإن اللطيف الخبير تبأني انهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض فسألت ذلك لهما ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون، فقال: ايها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه، يقولها ثلاث مرات، وفي لفظ أحمد إمام الحنابلة: أربع مرات ثمّ قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار ألا فليبلغ الشاهد الغائب، ثمّ لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة ، ورضى الرب برسالتي ، والولاية لعلي من بعدي ثمّ طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين صلوات الله عليه وممن هنّأه في مقدّم الصحابة: الشيخان أبو بكر وعمر كلّ يقول : « بخ بخ لك ، يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة » ، و قال ابن عباس: وجبت والله في أعناق القوم، فقال حسان: إنذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهن، فقال: قل على بركة الله، فقام حسان فقال: يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادةٍ من رسول الله في الولاية ماضية، ثمّ قال :

يناديهم يوم الغدير نبيّهم *** بخم واسمع بالرسول مناديا

وقال فمن مولاكم ووليكم*** فقالوا ولم يبدوا هناك تعاديا

إلهك مولانا وأنت ولينا *** ولن تجدن منّا لك اليوم عاصيا

فقال له قم يا علي فإنّني*** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فخص بها دون البريّة كلّها*** عليّاً وسماه الغدير أخائيا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه*** فكونوا له أتباع صدق مواليا

هناك دعا اللّهم وال وليه*** وكن للذي عادى معاديا

انظر : مسند أحمد : 281/4 ، فضائل أحمد : 111 ، 164 ، مصنف ابن أبي شيبة : 1267/78/12، تاریخ بغداد : 290/8 ، البداية والنهاية : 210/5 ، مناقب الخوارزمي : 94، كفاية الطالب : 62، فرائد السمطين : 38/1، 71 ، السيرة الحلبية 3: 283 ، سيرة أحمد زيني دحلان 3 3 تذكرة الخواص: 18 دائرة المعارف لفريد وجدي 3 542 .


1) أقول : قد كثر الحديث حول هذا الحديث والف في جمع اسانيده الكتب قديماً وحديثاً ولعل أوّل من الف فيه كما في موسوعة الغدير للعلامة الاميني رحمه الله هو ابو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 210 هجرية صاحب التفسير والتاريخ المعروفين وهو من اكابر علماء العامة الف كتاب الولاية في طرق حديث الغدير .

الا أيّها الناس إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب ، وأنا تارك فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به... وثانيهما أهل بيتى، اذكركم الله في أهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي.

وزاد الطغرائي : فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فانّهم أعلم منكم .

وكان آخر ما تكلم به - فيما رواه الطبراني عن ابن عمر : اخلفوني في أهل بيتي .

وفي رواية : فلا تقتلوهم ولا تقهر وهم ، ولا تقصروا عنهم.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله أين موضع القبول منهم بعهدك إلى أخيك ، ووصاياك ببضعتك الزهراء وبنيك ؟ وقد هدم القوم ما بنيت ، وأضلوا جانباً ممن هديت ، وفعلوا بعترتك ما لا يفعلون بالخوارج، وقابلوهم بما لا يقابلون به أهل الخنا والريب .

أمّا البتول فقد قضت وبقلبها *** من فعلهم قبسات وجد مكمن والمرتضى أردوه في محرابه *** بيمين أشقى العالمين وألعن

وبشربة السم النقيع عداوةً *** من كفّ جعدة قد قضى الحسن السني وإليك عنّى لا تقل حدّث بما *** لاقى الحسين فرزؤه قد شفني

حيث المصائب جمّة لا أدر ما *** منها أقص عليك لو كلفتني

نعم، أقص عليك مصيبته بأطفاله، فعن أبي الفرج الاصفهاني: أنه كان في مخيم الحسين عليه السلام ستة أطفال وقفوا في باب الخيمة وقد أضرّ بهم العطش فاتلعوا برقابهم إلى الفرات، يتموّج كأنّه بطون الحيّات ، فجاءتهم السهام فذبحتهم عن آخرهم ، وكان الحسين قد تناول ولده الرضيع ليودعه أوماً إليه ليقبله رماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه ، فتلقى الحسين عليه السلام دم الطفل بكلتا يديه ، فلما امتلأتا من الدم رمى به نحو السماء ثم قال: هون عليَّ ما نزل بك أنه بعين الله وقيل : أنّ الطفل كان مغمى عليه من شدة العطش، فلمّا أحس بحرارة السهم رفع يديه من القماط واحتضن أباه ..

ولمّا سقط الحسين عليه السلام عن ظهر جواده خرج عبد الله بن الحسن عليه السلام وهو غلام لم يراهق ، واشتد حتى وقف إلى جنب عمه ، فلحقته عمته زينب لتحبسه فأبى وامتنع شديداً وقال : والله لا أفارق عمي .

فأهوى بحر بن كعب ، وقيل : حرملة بن كاهل إلى الحسين بالسيف فاتقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلقة ، فنادى الغلام :

يا أماة ، فأخذه الحسين عليه السلام فضمه إلى صدره وقال :

يا بن أخي اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير ، فانّ الله يلحقك بآبائك الصالحين ، فرماه حرملة لعنه الله بسهم فذبحه وهو في حجر عمّه (1)

هبوا انّكم قاتلتموا فقتلتم *** فما بال أطفال تقاسي نبالها


1) مقاتل الطالبيين : 89 .

[المجلس الثالث والثلاثون ]

ومن خطبة له عليه السلام:

أما بعد : فانّ الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع ، وانّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع ، ألا وانّ اليوم المضمار ، وغداً السباق ، والسبقة الجنة ، والغاية النار ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيته.

ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ، ألا وأنّكم في أيام أمل، من ورائه أجل فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله ، فقد نفعه عمله ، ولم يضره أجله .

ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة .

ألا وانّى لا أرى كالجنّة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها .

ألا وانّكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد ، وأنّى أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل، فتزوّدوا في الدنيا ما تجهزوا به أنفسكم غداً ، وتزوّدوا فانّ خير الزاد التقوى . (1)

وسمعه أبو الدرداء يقول في مناجاته في جوف الليل، وهو مستتر ببعيلات بني النجار :

إلهي أفكر في عفوك فتهون على خطيئتي ، ثم اذكر العظيم من أخذك فتعظم على بليتي .

آه آه ، إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها ، وأنت محصيها ، فتقول :

خذوه ، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته


1) الارشاد للشيخ المفيد: 235، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 91

آه آه ، من نار تنضج الأكباد والكلى.

آه آه ، من نار نزاعة للشوى .

آه آه ، من غمرة من لهبات لظى .

قال أبو الدرداء : ثمّ انغمس في البكاء فلم أسمع له حسّاً ولا حركة ، فأتيته فإذا هو كالخشبة اليابسة ، فحرّكته فلم يتحرّك، وزويته فلم ينزو ، فقلت : إنا لله وإنا اليه راجعون ، مات والله علي بن أبي طالب، فأتيت أهله أنعاه إليهم.

فقالت فاطمة سلام الله عليها : هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله تعالى ، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ، فرآني أبكي فقال ممّ بكاؤك يا أبا الدرداء ؟

فقلت : ممّا تنزله بنفسك .

قال : كيف بك لو رأيتني وقد دعي بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتنى ملائكة غلاظ شداد، ووقفت بين يدي من لا تخفى عليه خافية . (1)

وكان صلوات الله وسلامه عليه : أعبد الناس ، وأكثرهم صلاة وصوماً، منه تعلم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد، وقيام النافلة .

وكانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده ، وما ظنك بمن يبلغ من محافظته على ورده ، أن يبسط له قطع بين الصفين ليلة الهرير، فيصلي عليه السلام ورده ، والسهام تقع بين يديه ، وتمرّ على صماخيه يميناً وشمالاً فلا يرتاع ، ولا يقوم حتى يفرغ من ورده وصلاته . (2)


1) تنبيه الخواطر (مجموعة (ورام) 2: 156 .

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 27

وقد نسج على منواله في ذلك شبله باب الرحمة ، وأبو الائمّة يوم عاشوراء وقد اجتمع عليه ثلاثون ألفاً ، وافترقوا عليه أربع فرق : فرقة بالسيوف ، وفرقة بالرماح، وفرقة بالسهام، وفرقة بالحجارة ، فبينا هو في هذه الحالة ، إذ حضرت صلاة الظهر، فأمر صلوات الله عليه زهير بن القين ، وسعيد بن عبدالله الحنفي أن يتقدما أمامه مع نصف من تخلّف معه ، ثمّ صلّى بهم صلاة الخوف، وتقدّم سعيد بن عبدالله فوقف يقيه السهام بنفسه، ما زال وما تخطى حتى إلى الأرض وهو يقول :

اللهم العنهم لعن عاد وثمود .

اللّهمَّ ابلغ نبيّك عنّي السلام، وابلغه ما لقيت من ألم الجراح ، فانّي أردت ثوابك في نصرة ابن بنت نبيّك ، ثمّ قضى نحبه رضوان الله عليه .

وفي رواية : أنّه لما سقط قال : يا سيّدي يا بن رسول الله هل وفيت ؟

فاستعبر الحسين باكياً وقال : نعم رحمك الله ، وأنت أمامي في الجنّة .

رجال تواصوا حيث طابت أصولهم*** وأنفسهم بالصبرحتى قضوا صبرا

حماة حموا خدراً أبى الله هتكه *** فعظّمه شأناً وشرّفه قدرا

فأصبح نهباً للمغاوير بعدهم *** ومنه بنات المصطفى ابرزت حسری

[المجلس الرابع والثلاثون ]

ومن خطبة له عليه السلام :

فلو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سلّماً ، أو لدفع الموت سبيلاً، لكان ذلك سليمان بن داود عليه وعلى نبينا وآله السلام ، الذي سخر له ملك الجن والانس مع النبوّة ، وعظيم الزلفة ، فلمّا استوفى طعمته ، واستكمل مدته ، رمته قسي الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الديار منه خالية ، والمساكن معطّلة ، وورثها قوم آخرون .(1)

وان لكم في القرون السالفة لعبرة .

أين العمالقة وأبناء العمالقة ؟

أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ؟

أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيّين، وأطفأ وا سنن المرسلين واحيوا سنن الجبّارين ؟

أين الّذين ساروا بالجيوش ، وهزموا الألوف، وعسكروا العساكر، ومدنوا المدائن ؟

أين بنو أُميّة الّذين فعلوا الأفاعيل،ونهضوا بالأباطيل،وشيّدوا قواعد الظلم والعدوان ، وعلوا على أساس أهل الكفر والطغيان، فعاثوا في البلاد، واكثروا فيها الفساد،فساموا عباد الله سوء العذاب، يذبحون أبناءهم ، ويستحيون


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 92 .

نساءهم ، حتى هتكوا المدينة المنورة، وفضحوا نساءها ، وقتلوا رجالها ، ونصبوا على مكّة العرادات والمجانيق ، وفرضوا على عسكرهم عشرة آلاف صخرة يرمونها كلّ يوم ، حتى هدموا الكعبة المشرفة تارة ، وأحرقوها أخرى ، ولما بناها المسلمون بعد ذلك كان بنو أميّة يشربون الخمور على سطحها، وقد مزّقوا ثقل رسول الله صلّى الله عليه وآله كلّ،ممزّق، أما الكتاب فرموه بالنبل حتى مزّقوه، وقال قائلهم يخاطبه :

تهددني بجبّار عنيد *** فها أنا ذاك جبار عنيد

إذاماجئت ربك يوم حشر*** فقل يا رب مزّقني الوليد

وأمّا العترة الطاهرة فقد شتّتوهم في كلّ نادٍ، وطافوا برؤوسهم ونسائهم على رؤوس الأشهاد ، حتى أوقفوهم بين يدي عبيد الله بن زیاد لعنه الله ، فجلست حوراء النساء زينب عليها السلام ،متنكرة، وحفٌ بها أملاؤها، فسأل عنها فقيل:

هذه زينب بنت على عليه السلام.

فأقبل عليها وقال : الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم .

فقالت زينب : انّما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر وهو غيرنا . فقال : كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟

فقالت : ما رأيت إلّا جميلاً، هؤلاء قوم كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم ، فتحاج و تخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذٍ هبلتك اُمّك يا بن مرجانة فغضب اللعين وهمّ أن يضربها .

فقال له عمرو بن حريث : إنّها إمرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها.

فقال لها ابن زياد لقد شفى الله قلبى من طاغيتك الحسين والعصاة المردة

من أهل بيتك .

فرقت عند ذكرها لأخيها وأهل بيتها ، وقالت :

لقد قتلت كهلي ، وقطعت فرعي، واجتثئت أصلي ، فان كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت .

فقال لعنه الله : هذه سجاعة، ولعمري لقد كان أبوها شاعراً سجاعاً .

فقالت : يا بن زياد ما للمرأة وللسجع .

وأعظم ما يشجى الغيور دخولها*** إلى مجلس ما بارح اللهو والخمرا

يقارضها فيه الدعي مسبّة *** ويصرف عنها وجهه معرضاً كبرا


تم بحمد الله وحسن توفيقه ما عثر عليه من كتاب (المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة) للإمام المجاهد السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي قدّس سره في 15 شوال 1386هوقد تم الانتهاء من مراجعة وتحقيق هذا السفر الخالد مع مقدّمته الزاهرة بتاريخ 4 / رجب / 1421 ه بقلم العبد المحتاج إلى رحمة الله الغني المغني محمود البدري المكنّى ب- «أبي ذر البصري» بعيداً عن الأهل والوطن في دار الغربة والهجرة قم المقدّسة، والحمد لله على حسن توفيقه .

الفهارس العامة

اشارة

1 - فهرس الآيات القرآنية

2 - فهرس الأحاديث

3- فهرس الأعلام

4 - فهرس مصادر التحقيق

5 - فهرس الموضوعات

1 - فهرس الآيات القرآنية

الآية رقمها الصفحه

سورة البقرة - 2 -

فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ... 89 256

وَمَنْ يَرْغَبْ عَنْ مِلّهِ إبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ... 130 133،28

سورة آل عمران - 3 -

إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَ آلِ إِبْرَاهِيْمَ وَآلِ عُمْرَانَ... 33 264

قُلْ لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ... 145 210

یَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبَرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا... 200 299

سورة الأنعام - 6 -

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى... 164 30

سورة التوبة - 9 -

ويأبى الله إلا أنْ يَتُمَّ نُورَه وَلَو كَرِه الْمُشْرِكُونَ... 32-33 256

سورة يوسف - 12 -

وَقَالَ يَا أَسَفًا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ ... 84 28،133

إنَّمَا أَشْكُو بَنِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ ... 86 58،134

سورة الاسراء - 17 -

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... 15 30

سورة الكهف - 18 -

كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ... 45 324

سورة النمل - 27 -

وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ... 14 256

سورة القصص - 28 -

فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَومِ... 21 183

وَلَمَّا تَوَجَّه تِلْقَاءَ مَدينَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِينِي... 22 184

سورة الأحزاب - 33 -

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ... 21 159

وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى الله... 25 256 -309

سورة فاطر - 35 -

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى... 18 30

سورة الزمر - 39 -

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى .... 7 30

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ... 21 149

سورة الحديد - 57 -

وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.... 24 159

سورة الممتحنة - 60 -

ومَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ... 6 159

سورة الدهر - 76 -

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً... 7-12 177

سورة التكاثر - 102 -

الهيكم التكاثر له حَتَّى زُرْتُم الْمَقَابِر... 1-2 230

2 - فهرس الأحاديث الشريفة

أدهن نفسى أم تطيب مجالسي... 150

أأطمع أن يقال أمير المؤمنين ولا اشاركهم في مكاره الدهر...309

أبكي على ابني هذا تقتله فئة باغية ... 175

ابناي هذان امامان قاما أو قعدا ... 177

ابيض اللون مشرباً بالحمرة أدعج العينين ... 260

اتاني رسول الله بعدما فارقتك ... 208

اتبكون ولا تنصرونه ؟ اللهم فكن له ... 172

اتجلسون وتتحدثون ... 71، 136

احمل عليهم يا علي ... 282

أخبرني جبرئيل انّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف... 159

اخلفونى في أهل بيتي ... 337

اخواي ومؤنّساي ومحدّثاي... 22

ادخل المدينة وانع أبا عبدالله الحسين ... 275

اذا حشر الناس في عرصات القيامة نادى مناد ... 83

اذا مات الانسان انقطع عمله الا ثلاث : صدقة ... 162

استخير اللّه وانظر ما يكون ... 107

اشهد انّك جاهدت في الله حق جهاده، وعملت ... 47،150

اشهد انّك قد أقمت الصلاة وآتيت ،الزكاة وأمرت... 150

اصبحوا ثمّ ترون ونرى ... 183

اصحابي جزاكم الله عن أهل بيت نبيّكم خيراً ... 233

350

اكفنيهم يا علي ... 282

الا ايها الناس انما أنا بشر يوشك أن يأتيني ... 337

الا وانّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ... 305

الان انكسر ظهری، الان تبدّد عسکری ... 297

الان انكسر ظهري ، الان قلت حيلتي ... 323

ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعماراً ... 323

اللّهمّ اخذل من خذله واقتل من قتله ... 171

اللّهمّ اشهدعلى هؤلاءالقوم فقدبرز إليهم ... 264

اللّهمّ اشهد فقد برز إليهم أشبه الناس خلقاً ... 242

اللّهمّ اغفر للكميت ما قدّم وما أخرّ ... 65

اللّهمّ انّ محمداً عبدك ونبيك، وهذان أطائب عترتي ... 171

اللّهمَ أنّى أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيّك ... 245

اللّهمّ أنّى أعوذ بك من الكرب والبلاء ... 227

اللّهمّ رب السموات وما أظلّت والأرضين وما أقلت ... 319

الم تأمرنا بالعدول عن الطريق ؟ ... 225

النا أم علينا ... 225

الهي افكر في عفوك فتهون عليَّ خطيئتي ... 339

الهي أنت تعلم ان أهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ... 248

اما بعد، فانّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ... 239

اما بعد فانّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبر فيه ... 217

اما بعد، فانّ هانياً وسعيداً قد قدما علي بكتبكم وكانا ... 190

اما بعد ، فانّه قد أتانا خبر فظيع ... 113، 223

اما قرأتم كتاب الله المنزل على جدّي رسول الله ... 210

اما من مغيث يغيتنا لوجه الله ؟ أما من ذاب... 234

اما من ناصر فينصرنا ؟ أما من مغيث فيغيتنا ... 326

اما والله لقد بلوتهم فما رأيت فيهم إلا الأشوس ... 231

امض فانك لا تدري أي ذلك خير ... 294

انّ ابا أيّوب رجل فقير ، الهي أنت خلقتها ... 268

انّ ابني الحسين يقتل بعدي ... 56

انّ استطعت يا أخي أن تصرفهم عنّا هذه الليلة ... 271

انّ اصيب جعفر فزيد بن حارثة فإن أصيب ... 294

انّ اللّه أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة ... 26

انّ اللّه تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض فاختارنا ... 72 ،162

انّ اللّه لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ... 130

انّ البيعة لا تكون سرّاً، فإذا دعوت الناس ... 182

انّ تلك المجاس احبها فأحيوا أمرنا ... 136

انّ جبرئيل أتاني فأخبرني ان أُمتي ستقتل ... 170

ان رسول الله أمرني بأمر وأنا ماض فيه ... 104،185

ان الصبر الجميل إلا عنك، وان الجزع ... 152

ان علياً لما حاذى نينوى وهو منطلق الى ... 157

ان العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول ... 129

ان المحرم شهر كان أهل الجاهلية ... 134،60

انا اقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح ... 311

انا اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ... 182

انا فقدناك فقد الأرض وابلها ... 38

انا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا استعبر 136،72

انا لله وانا إليه راجعون الحمد لله ربّ العالمين ...105

انا لله وانا إليه راجعون رحمة الله عليهما ... 223

انا لله وانا إليه راجعون على الاسلام السلام ... 183

انت الحر كما سمّتك حراً في الدنيا والآخرة... 235

انزعت منك الرحمة جئت بهما على قتلاهما ؟ ... 292

انشد في الحسين ... 145

انشدك الله يا يزيد ما ظنّك برسول الله لو رآنا ... 279

انشدكم الله هل تعلمون ان جدّي رسول الله ... 270

انشدكم بالله هلى تعرفوني ؟ ... 240

انشدني كما تنشدون ... 69

انما اشكو بثي وحزني الى الله ... 133،58

انما كانت وكان لي منها ولد ...51

انما مثل أهل بيتى فيكم كمثل سفينة نوح ... 76

انما يرحم الله من عباده الرحماء ... 31

انه سيكون لك حديث اللهم العن قاتله ... 174

انه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون، وانّ الدنيا ... 226

انه مني وأنا منه... 282

انها ايام عظام ... 64

انها كانت وكان لى منها ولد ... 51

اني اقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح ... 247

اني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا، الثقلين ... 74

انى رأيت رسول الله في المنام ... 214

اني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين... 107

انى لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني ... 134

ايتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر ... 269

اين علي بن أبي طالب ؟ : ... 290

ايها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهّزوا على جريح ... 320

ايها الناس أنّى تارك فيكم الثقلين : كتاب الله... 172

بأبي أنت كأني أراك مرمّلاً بدمك ... 102

بسم الله وبالله ... فزت ورب الكعبة ... 328

بسم الله وعلى ملة رسول الله ... 249

بعداً لقومٍ قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة... 243

البكاؤون خمسة آدم بكى على الجنّة ويعقوب بكى على يوسف...134

بلغني أنك تقول الشعر في الحسين عليه السلام وتجيد... 71

بلى ولكن أتاني رسول الله بعدما فارقتك ... 103

ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئنّ من حديدة ... 314

جزاك الله وقومك خيراً ... 115

جزاك الله يا ابن عم فقد علمت... 108

جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي إلى النساء رحمك الله... 302،236

حدثك أنّي مقتول ... 101

حدثني أبي أنّ رسول الله أخبره بقتله وقتلي ... 116،101

الحسين عبرة كلّ مؤمن ... 72

خفت هذين الولدين أن يليناه بسمن أو زيت ... 327

دخلت على رسول الله وهو يبكي ... 54

دعوها فانها مأمورة فعلى باب من بركت ... 267

دعهن فإنّ النفس مصابة والعين دامعة ... 27

دعهن يا عمر فان النفس مصابة ... 132

دعهن يبكين ...132،27

دم الحسين وأصحابه، لم أزل أتتبعه ...159

الدنيا دار مني لها الفناء ولأهلها منها الجلاء ... 327

رأيت خيراً إن صدقت رؤياك فانّ فاطمة ... 170

رأيت رسول الله في المنام وأمرني ما أنا ماض له ... 104

رجل اسمه يزيد وكأني انظر الى مصرعه ... 171

رحم الله خياباً، قد أسلم راغباً، وهاجر طائعاً ...46، 149

رحمك الله يا مسلم فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ...237

سألت خالي هند بن هالة وكان وصّافاً ...263

سكتاهنّ فلعمري ليكثر بكاؤهن ...241،271

السلام عليك يا رسول الله وعلى ابنتك النازلة ...153

سمعت أبي يقول:لما التقى الحسين وعمر بن سعد وقامت الحرب...234

سمعت تضوّر العبّاس فمنعني من النوم ...278

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي ...285

شاهت الوجوه ...178

صبراً أبا عبدالله بشطّ الفرات ...53

صبراً أبا عبدالله صبراً أبا عبدالله بشاطىء الفرات ...116

صبراً يا بني عمومتي صبراً يا أهل بيتي ...243

صدق أخو بني أسد إن الله يفعل ما يشاء ...115

صدقت الله الأمر وكل يوم هو في شأن ... 213

عزّ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ...322

علل النفس بالقليل وإلّا،طلبت منك فوق ما يكفيها ...328

على مثل جعفر فلتبك البواكي ...25،27،31،131

عمتاه ارحمي ضعف بدني، ارحمي الجامعة ...293

فاذا قدمت المدينة وحضر جذاذ النخل ...273

فان الله قد شاء أن يراك قتيلاً ...208

فان كنتم على خلاف ما أتتني به كتبكم وقدمت ...225

فاني احذركم الدنيا، فانّها حلوة خضرة ...324

فاني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما ...226

فبم تستحلون دمي وأبي الذائد عن الحوض ...241

فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض ...245

فلو انّ أحداً يجد إلى البقاء سلّماً ...342

فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ...106

قال الحسين عليه السلام: أنا قتيل العبرة ...72

قام من عندي جبرئيل فحدّثني انّ الحسين ...157

قام من عندي جبرئيل قبل فحدثني ان الحسين ...53

قتل الحسين آنفاً ...56،159

قتل الله قوماً قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله... 322

قتل الله قوماً قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الرحمن ...266

قتلوا قوماً قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله ...243

قد كان بعدك أنباء وهنبثة لو كان ...152

كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى فيه ضاحكاً ...60،135

كان أبي يقول : أيما مؤمن دمعت عيناه ...136،59

كان جدي علي بن الحسين عليهما السلام اذا ذكره ...71

كان عندي جبرئيل آنفاً وأخبرني أن ولدي الحسين ...54،158

كان من موت معاوية ما قد بلغك، فكتب إليَّ أهل العراق ...218

كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ...102

كيف انت اذا قمت مقاماً تخيّر فيه ...117

كيف بك لو رأيتني وقد دعي بي إلى الحساب ...340

كيف لا أبكي وقد منع أبى الماء ...134

لا افارقه حتى يقضي الله ما هو قاض ...183

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ...225،311

لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله ... 290

لقد قتلتم الليلة رجلاً والله ما سبقه أحد كان قبله ...46،151

لكن حمزة لا بواكى له ...157،131،50،31،27،26

لمّا سار الحسين من مكة لقيه أفواج ...209

لو لم أعجل لأخذت ...212

لولا تقارب الأشياء، وهبوط الأجل لقاتلتهم بهؤلاء ...208،102

لي بالحسين اسوة ...325

ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف ...28

ما دون هؤلاء سر ...222

ما ذكر الحسين عليه السلام عند أبي عبدالله في يوم ...72

ما يبكيك ؟ ...158

ماذا على من شم تربة أحمد ...38،139

مالي وليزيد لا بارك الله فيه ...257

مربي جعفر البارحة في نفر من الملائكة له جناحان ...296

مم بكاؤك يا أبا الدرداء ...340

من أراد الزاد فليأت إلى دار أبي أيوب ...268

من تذكّر مصابنا وبكى لما ارتكب منّا ...135،60

من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء ...136،62

من دخل دار ابی سفیان فهو آمن ...257

من لحق بي استشهد ومن تخلف عني لم ...102

من هوان الدنيا على الله ان رأس يحيى بن زكريا ... 110

الموعد حفرتي وبقعتي التي استشهد فيها وهي كربلاء ...209

مهلاً لا تشمت القوم ...271

مهلاً يا أم الفضل، فهذا ثوبي يُغسل ...170

مهما يكن من القلب والعين فمن الله والرحمة ...132

ناولني ولدي الصغير حتى اودعه ...244

النجومُ آمِنةً لأهل السماءِ فإذا تناثرت دنا من أهل السماءِ ...18

النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت ...76

نعم، اصيب هذا اليوم ...297

نعم رحمك الله ، وأنت أمامي في الجنة ...341

نعم، يتوب الله عليك فانزل ...235

واغوثاه يا بني من أين أتي لك بالماء ؟ ...242

والذي بعثني بالنبوة على جميع البرية ما على وجه الأرض ...258

والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً ...313

والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ...104

وان للموت لغمرات هي أفضع من أن تستغرق ...21

وانما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة ...76

واهل بيتي أمان لأُمّتى ...75

وايم الله لو كنت في حجر هامة من هذه ...104

وايم والله لتقتلني الفئة الباغية ...104

وجد سبعين ثكلى... أجر مائة شهيد ...133

وصفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ...178

وكان جدّي علي بن الحسين عليهما السلام إذا ذكره ...134

وكم أكلت الأرض من عزيز جسد، وأنيق لون ...321

ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبدالله ...116

وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ...207

وما يمنعه ؟ وهو منى وأنا منه ...284

ويحك أنّ يعقوب النبي عليه السلام ...59

ويحك ان يعقوب كان له اثنا عشر ...134

ويل بك يا بن الزرقاء، أنت تقتلني أم هو ؟ ...182

ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ، ان لم يكن لكم دين ...311،247

هاهنا مناخ ركابهم وهاهنا موضع رحالهم ...158،116

هذا جبرئيل يخبرني عن ارض بشطّ الفرات ...284،171

هذا جناي وخياره فيه ، إذ كل جان يده إلى فيه ...328

هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وانّما ...130،23

هكذا ألقى الله وأنا مخضب بدمي ...32

هل من ذاب يذبّ عن حرم رسول الله ؟ ...244

هل من مغيث فيغيثنا ؟ هل من ناصر فينصرنا ؟... 311

هل من مغيث يغيثنا ؟ هل من موحد يخاف الله فينا ؟ ...283

هلمي إليَّ بابني يا أسماء ...261،174

هو اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام ...60

هون عليَّ ما نزل بي، انه بعين الله تعالى ...338،245

هی والله الغشية التي تأخذه من خشية الله ...340

هي هي والله وعد لا خلف فيه ...230

يا ابا عبد الرحمن أما علمت ان من هوان الدنيا ...185

يا ابا عبدالله عزّ عليّ ...261،174

يا ابا عمارة من أنشد في الحسين فأبكى فله الجنّة ...145،68

یا ابا هارون، انشدني في الحسين ...145

يا ابا هارون من أنشد فى الحسين فبكى ...169،69

يا ابتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه ...152،47

يا اختاه أني رأيت الساعة جدّي وأبي ...271

يا اختاه تعزّي بعزاء الله فانّ سكان السماوات يفنون ...228

يا اختاه لا يذهبن بحلمك الشيطان ...228

يا اخي قد خفت أن يغتالني يزيد في الحرم ...107،107

يا اماه وأنا والله أعلم ذلك ...101

یا انس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا ...152،47

یا بشر، رحم الله أباك لقد كان شاعراً ...148

يا بن عم أني لا علم والله انك ناصح مشفق ...108

یا بن عوف انها رحمة ...129،22

يا بن أخي اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك ...338،249

يا بن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ...242

يا بن سعد ، ما لك ؟ قطع الله رحمك ...264

يا بن شبيب ان المحرم هو الشهر الذي كان ...135،60

يا بني خفقت برأسي فعنّ لي فارس ...105

يا بني يعز على محمد وعلي وعلى أبيك أن تدعوهم ...265

يا جابر يولد للحسين مولود اسمه علي ، وإذا كان يوم القيامة ...274

يا جعفر، والله لقد شهدت الملائكة المقربون قولك في الحسين ...142،71

یا حسين انك رائح إلينا عن قريب ...271

يا حسين أخرج فان الله قد شاء أن يراك قتيلاً ...103

يا دعبل من بكى أو أبكى على مصابنا ...63

يا دهر اف لك من خليل ...227

يا عبدالله انه ليس يخفى على الرأي ما رأيت ...109

يا على اكفنى هذه الكتيبة ...284

يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك ...155

يا له من مراماً ما أبعده ، وزوراً ما أغفله ...330

يا نافع ما أخرجك في هذا الليل ...230

يقتل ولدي الحسين بأرض يقال لها كربلاء ...101

3 - فهرس الأعلام

آدم علیه السلام : 5733، 134، 138 -

آمنة بنت وهب : 254 ، 129 ، 259

ابجر بن كعب : 163 -

ابراهيم علیه السلام : 57، 175 -

ابراهيم بن محمد صلی الله علیه و آله وسلم: 32، 129،

ابن ابي الحديد : 284

ابن الأثير : 25، 46 ، 46، 104،--

،294 ،292 ، 117 ، 108 ، 107،

297 ،295

ابن بكر اخا بني ساعدة : 52 ، 161

ابن جبير الأنصاري : 268

ابن جرير : 25، 46، 104

ابن جناب الكلبي : 274

ابن الجوزي : 81

ابن حجر : 40، 41، 54، 274،76

ابن خلكان : 42

ابن رواحة : 22

ابن سیرین : 81، 82، 117

ابن شهراشوب : 58 ، 59

ابن عائشة : 316 ، 319

ابن عبد البر : 21 ، 22 ، 24 ، 39

ابن عبد ربة المالكي : 38 ، 139

ابن فضيل الأزدي : 243

ابن قولویه : 58، 59 ، 68 ، 71، 145

ابن ملجم : 328

ابن نباتة : 82

ابن يوسف : 253

ابو ايوب الأنصاري : 316

ابو بكر بن أبي قحافة : 42 ، 30، 31، ،269 ،290 ،159 ،140 ،55، 278

ابو جناب الكلبي : 79

ابو حذيفة بن المغيرة : 255

ابو الحمراء : 284

ابو حنيفة : 73

ابو حنيفة الفضل بن حباب

الجمحي 316

ابو خراش الهذلي : 35

ابو داود : 48

ابو دجانة : 281

ابو الدرداء : 339، 340

ابوذر : 56 ، 159

ابو ذؤيب الهذلي : 40 ، 139

ابو رافع : 292

ابو زبيد الطائي

ابو سعيد : 81

ابو سعيد الخدري : 74

ابو سفیان : 257 ، 280

ابو سفيان بن الحارث : 39 ، 139

ابو سنان بن حريث المخزومي : 36

ابو الشعثاء : 284

ابو طالب : 48 ، 128، 155، 254، 256

ابو عمارة : 68 ، 72، 136، 145

ابو الفرج الاصفهاني : 338

ابو قتادة بن ربعي : 317

ابو كرز الخزاعي : 268

ابو محمد الواقدي : 208

ابو نعيم الحافظ : 79 ، 80

ابو وجرة : 299

ابو هارون المكفوف : 69 ، 145

ابو هرة الأزدي : 104

ابو هريرة : 27

ابو الهيثم بن التيهان : 40 ، 139

ابو يوسف : 73

احمد بن حنبل : 25، 27، 53،52، 74، 76، 157، 161

اخنس بن مرثد : 164

الاخنس بن يزيد : 84

اسحاق بن حوية : 163

اسماعيل علیه السلام : 57

اسماعيل بن حزقيل : 325

اسماء بنت عميس : 25 ، 131 ،،261 297 ،174،

اسماء بن خارجة : 194

الاسود بن عبد المطلب : 255

اسيد الحضرمي : 200

الاشعث بن قيس : 200

الاشهب بن رميلة الدارمي : 37

ام ايمن : 254

ام ايوب : 267

ام البنين : 245، 246

ام رعلة القشيرية : 41 ، 139

ام سلمة : 55، 56، 78، 79، 101،

159 ،198

ام فروة : 31

ام الفضل : 169

ام كلثوم : 228 ، 314، 331

ام كلثوم بنت محمد صلی الله علیه و آله وسلم) : 259

ام وهب بن حباب الكلبي : 301

انس بن مالك : 47، 48 ، 152، 272

اياس بن البكير الليثي : 35

بحر بن كعب : 248 ، 338

البخاري : 22، 24 ، 48، 51، 75

بریر بن خضير : 226، 235، 236

بشر بن حذلم : 147، 148، 245،

بشر بن غالب : 215 215

205

بكر بن محمد الازدي : 71

بكر بن وائل : 165

بلال : 292

بلال الحبشي : 273

بلال بن اسید : 200

البيهقي : 74

الترمذي : 56 ، 74، 159

تشطور الراهب : 254

تمم بن نويرة : 141

ثعلب : 79

الثعلبي : 74، 81

جابر بن عبدالله الأنصاري : 272 ،

273، 274

جبرئیل : 53، 54، 55، 133 ،169 ،159 ، 157 ،151 ،284 ، 282 ، 2184 ، 68 ، 171 ، 331 ،328

جبير بن مطعم بن عدي : 287

جعفر : 24 ، 25

جعفر اخو العباس) : 246

جعفر بن ابي طالب : 36 ، 48 ، 129 ،295، 296 ، 294 ، 155 ، 131 297

جعفر بن عفان: 70، 71، 141، 142

جعفر (ذا الجناحين) : 22

جعفر الصادق علیه السلام : 58، 64، 65، 133 ،72 ،71 ،69 68 .71 ،134، 136، 141، 142، 145 ، 234 ،209 ، 150 ،146

جعفر الطيار : 241

الحارث بن زمعة : 278

الحارث بن عامر بن نوفل : 287

الحافظ الاصفهاني : 74

الحاكم : 74 ، 75

حبيب بن مظاهر : 187، 231، 232،237،238

حجار بن ابجر : 189

حذيفة : 56، 159

الحر بن يزيد الرياحي : 114، 115، 234،227،225

حرملة بن كاهل : 244 ، 248 ، 249 ، 338

حسان بن اسماء بن خارجة : 195 ، 198

الحسن المجتبى علیه السلام : 45 ، 46، 101 ، 338 ،198 ،171 ،151 ،150 ، 12116، 4 117 ،228 ،181 ،179 ، 177 ، 176 ، 319 ،272، 261 ، 263، 4

الحسين بن الضحاك : 143

الحسين بن علي علیه السلام : 53، 54، 55 ، 56،57،60،61،65،،68،69،71 ،727،80،82،83،93،94

،100،101،107،108،109،116،117 ،136 ،135 ، 134 ، 133 ، 124 ،141، 142، 144، 145، 146 ،158 ،157 ، 148، 150 ، 151 ،171 ،170 ،169 ، 164 ، 159 ،181 ،179 ، 177 ، 171،174 ،189 ،186 ، 185 ،183 ، 182 ،205 ،203 ،192 ،191 ،190 ،214 ،213 ، 212 ،209 ،207 ،219 ،218 ،217 ،216 ، 215 ،225، 226 ،222 ، 221 ، 220 ،231 ،230 ، 229 ، 228 ،227 ،234، 235، 236 ،233 ،232 ،242 ،240 ،239 ،238 ،237 ،243، 244، 245، 246 ، 247 ،248 ، 249، 257 ، 258، 260 ،274 ،271 ، 270 ، 2264 ،301 ،297 ، 288 ،28285 ،319 ،315 ،314 ،311 ،302 ،332 ،329 ،328 ،325 ،322 ، 338، 344 235 ،237 ،232 ، 234 ،227 ،225

الحصين بن نمیر : 215 ، 217

حليمة بنت عبدالله : 254

حمزة بن جحش) : 286

حمزة بن عبد المطلب : 21، 26 ،131 ،128 ،49 ،34 ،27، 289 - 287 ،281 ،277،

حمنة بنت جحش : 286

حميد بن مسلم : 164 ، 165، 266

حنظلة بن أبي سفيان : 278

خالد بن زيد الأنصاري = ابو ايوب : 268،267

خالد بن الوليد : 31 32، 280، 284 ،281

خباب بن الارت : 46 ، 149

خديجة بنت خويلد : 161، 241،254،259

خزيمة بن ثابت الأنصاري : 316

الخضر علیه السلام : 57

الخنساء بنت عمرو: 41، 140، 299،300

خولي : 84

الخيزران (ام الهادي والرشيد) : 254

الدارمي : 295

دعبل بن علي الخزاعي : 62 ، 63 ، 146، 147

ديلم بنت عمر : 220

رباب:286

رفاعة بن شداد : 187

رقية : 27 ، 31

رقية بنت محمد صلی الله علیه و آله وسلم: 132، 259

رويحة (بنت عمرو) : 198

الريان بن شبيب : 60، 61 ، 62 ،

ريطة بنت منبه : 280

زبیر ابن بکار:299

زرارة بن خلج : 208

زكريا علیه السلام : 57

زمعة بن الأسود : 278

زهير بن القين البجلي : 219، 220 ،

زید : 22 ، 155

زيد بن حارثة : 48، 129، 294، 296

زيد بن الخطاب : 43 ، 140

زيد الشحّام : 70، 141

زينب بنت علي بن أبي طالب) علیه السلام : 241، 243 ،232 ،231 ،228 ،245 ، 248، 249، 271،266

،315 ،293 ،289 ،288 ،286 ، 343 ،338 ،329

زينب بنت العوام : 37

زينب بنت محمد صلی الله علیه و آله وسلم : 259

سباع بن ام اینار : 287

سعد : 23، 24

سعد بن عبادة : 52 ، 130، 161

سعد بن معاذ : 34

سعيد بن العاص : 318

سعید بن عبدالله الحنفي : 189 ، 190 ،238، 341

سعید بن المسيب : 30

سفیان بن عوف : 284 ، 310

سنكينة : 285 ، 293

سلمان الفارسي : 220 ، 268

سليمان علیه السلام : 57

سلیمان بن داود علیه السلام : 342

سلیمان بن صرد الخزاعي

،186

187

سلیمان بن قتّة العدوي : 142

سنان بن أنس : 283، 328

سويد بن عمرو بن أبي المطاع : 238

سهل بن حنيف : 281

السيد الرضي : 160

السيوطي : 79

شبث بن ربعي 189 :

شريح القاضي : 198 الشعبي : 54، 158

شماس بن عثمان بن الشريد : 34

شمر بن ذي الجوشن : 164، 247 ، 331 ،311 ،283

الشیبانی :73

شيبة بن ربيعة : 277، 310

صالح بن وهب المري : 249

صخر : 41 ، 140

الصدوق : 60 ، 62 ، 68، 69، 72، 1، 116، 14502

صفية بنت حيي) : 292

صفية بنت عبد المطلب : 21 ، 39 ، 289 ،288 ،139

صواب : 281

طارح بن وهب : 283

الطاهر بن محمد صلی الله علیه و آله وسلم) : 259

الطبراني : 337،74

الطبري : 30، 107، 108، 109،

114، 115

الطرماح بن عدي : 114، 115

طعيمة بن عدي : 278

الطغرائي : 337

طلحة بن أبي طلحة : 280

طلحة بن عبیدالله : 278

طوعة : 200

الطيب بن محمد (9 : 259

عائشة : 29 30 31، 43، 45، 453 ،141 ،55 ،52 51 ، 52، 55 ،48 158، 161

عاتكة بنت زید بن عمرو : 36

العاص بن سعيد بن العاص : 277

عامر بن الطفيل بن الحرث الازدي : 139 ،41

العباس بن عبد المطلب : 278

العباس بن علي علیه السلام : 232، 240 ، 242 ،296 ، 271 ،241، 245، 246،323

عبد الحسين شرف الدین : 123

عبد الرحمن : 43

عبد الرحمن بن أبي بكر : 141

عبدالله بن شداد الأرحبي : 188 ، 191

عبد الرحمن بن عبدالله : 299

عبد الرحمن بن عوف : 22 ، 129 ، 268

عبدالله (اخو العباس) : 246

عبدالله بن ابي رافع : 327

عبدالله بن بدیل بن ورقاء : 320

عبدالله بن جحش) : 286

عبدالله بن جعفر : 104 ، 108 ، 109 ، 319 ،214

عبدالله بن الحسن بن علي : 248، 338

عبدالله بن رواحة : 48، 129، 155، 294 ، 295، 296

عبدالله بن الزبير : 103، 104، 183، 103 183 185

عبدالله بن زبير الأسدى : 206

عبد الله بن سعد : 54 ، 79، 82، 158، 242

عبدالله ابن سلیمان :221

عبد الرحمن بن شداد الأرحبي 188،11

عبدالله بن شريك : 117

عبدالله بن عباس : 27 ، 30 ، 52 ، ،151 ،107 ، 10 ، 103 ،56 ، 318 ،257 ، 185 ، 159

بن عمر : 24 ، 25، 29، 185 ، 337

عبدالله بن مسمع 188 :

عبدالله بن عبد المدان الحارثي : 37

عبدالله بن عبد المطلب) : 254

عبدالله بن عمر :185،29،25،24،337

عبدالله بن غالب : 68 ، 146

عبد الله بن مسلم الحضرمي : 192

عبدالله بن مسمع: 188

عبدالله بن مطيع العدوي : 218 ، 109

عبدالله بن نجا : 53

عبدالله بن وال : 188

عبدالله بن یقطر223،216 ،113

عبد المطلب : 254

عبدالملك بن عمير اللخمي : 218

عبیدالله بن زیاد : 192، 194، 195، ،201 ،200 ، 198 ،197 ، 196 ،204 ، 205، 206 ، 203 ، 202 ،24 ، 3430 ،225 ،217 ، 215 344

عبیدالله بن عباس السلمي : 201

عبيد الله السلمي : 203

عبیده ابن الحرث :277

عتبه:310

عتبه ابن ربیعه :277،255

عثمان :56

عثمان اخو العباس) : 246

عثمان بن أبي شيبة : 81

عثمان بن زیاد : 192

عثمان بن عبیدالله : 278

عثمان بن مظعون : 34

عروة : 55

عدي بن حاتم : 328

عروة بن قيس : 190

العسقلاني : 41

عقيل : 205

عقيل بن أبي طالب : 313

عكرمة بن أبي جهل : 280

علي الأكبر : 241، 264، 265 ،

322 ،271

علي بن ابراهيم : 268

علي بن ابي طالب :46 ، 53 ، ،74، 116 ،73 ،72 ،54، 56 ،124، 149 ، 151، 152 ، 117 ،16، 1620 ،159 ،158 ،153

،228 ،217 ،200 ، 178 ، 177 ،24 ، 241 ، 258، 2690 ، 232 ،281 ،280 ،278 ،277 ،270 ، 291 ،290 ،287 ، 284 ،282 ،320 ،319 ،31292، 305، 6 ، 370 ،328 ،327

عمربن اسماعیل بن جواد : 123

علي بن الحسين علیه السلام : 46 ، 58، 59، ،147 ، 134 ، 133 ، 105 ،71،276 ،275 ،149، 164، 274 293 ،279 2، 21413

علي الرضا : 59، 60، 134، 135، 146، 147، 174

عمار بن ياسر : 159، 320 ، 317

عمارة بن عبدالله السلولي : 188، ،191

عمارة بن عقبة : 192

عمر بن الخطاب : 27 ، 29 ، 30، 31، 159،140،132،55،43،290

عمر بن سعد : ،84، 116، 117 ،234 ،209 ، 205 ،192 ، 165 ، 311 ،289 ،271

عمر بن عبد الرحمن المخزومي : 108

عمر (بن علي) : 101، 116

عمر بن لوذان : 223

عمرو بن الحجاج : 84، 190، 194، 271 ،198

عمرو بن حريث : 204 ، 343

عمرو بن سعيد بن العاص : 109 ،

عمرو بن العاص : 280

عمرو بن عبدود : 310

عمیر بن عثمان : 278

عون بن عبدالله بن جعفر ،214

عيسى علیه السلام : 57

غراب : 284

الفاضل العباسي : 63 191

فاطمة : 21 ، 25، 27 ، 47، 50 ،84، 124 ،83 ،71 ،57 ،152 ،139 ،13 ،132 ،131 ،228 ،217 ، 174 ، 171 ، 160 ،24 ، 247، 257، 2590 ، 232 ،284 ، 279 ، 270 ، 226 ،326 ،320 ،311 ،293 ،288

340 ،337 ،331

فاطمة بنت الحسين : 85

الفرزدق بن غالب : 110 ، 212

فضيل بن يسار : 71، 72، 136

قابیل : 170

القاسم بن الحسن : 322

القاسم بن محمد صلی الله علیه و آله وسلم : 259

قثم بن العباس : 318

القسطلاني : 33، 38

قيس بن سعد بن عبادة : 318

قیس بن عدي : 255

قيس بن مسهر : 105، 188، 191،

216، 217

قيصر : 204

کسری : 204

الكشي : 70

الكميت : 6564

لباك بن شريك : 283

مارية القبطية : 259

مالك بن النسر الكندي : 295، 140 ،

248، 283

مالك بن عبیدالله : 278

مالك بن نويرة : 42 ، 43

الماوردي الشافعي : 55 ، 158

متمم بن نويرة : 42 ، 43 ، 140

محمد صلی الله علیه و آله وسلم : 21 ، 22، 24 ، 25، 26 ،

،39 ،38 ،33 ،31 ،28 ،27، .01 .0 .29 ،53،52، 54، 55، 56،58 ،85 ،76 ،75،، ،، ،71، 6 ، ،101 ،100 ،93 ،92 ،90،،116 ،109 ،104 ، 103 ، 102 ،131 ،130 ،129 ،128 ،123 ، 136 ،135 ،134 ، 133 ، 132 ، 152 ،151 ، 148 ، 139 ،138 ،111 ،159 ،158 ، 157 ، 155 ،171 ،170 ،162، 165، 169 ،177 ،179 ، 174 ، 173 ، 172 ،199 ،197 ،191 ،179 ،178 ،214 ،212 ،210 ، 209 ،208 ،236 ،233 ،232 ،227 ،217 ،24، 241 ، 242، 253، 2550 ،257 ، 258 ، 259 ، 261 ، 263 ،270 ، 2264، 267، 268 ، 69 ، 281 ، 280 ، 278 ،277 ،272 ، 290 ، 288 ،287 ، 284 ، 282 ، 371

،326 ،322 ،295 ،294 ،292 331

محمد بن ادريس الشافعي : 144

محمد بن اسحاق : 288

محمد بن الأشعت : 194، 201 ، 203 ،202 222 ،217

محمد الباقر : 59 ، ، 136، 245،

محمد بن الحسن المخزومي : 299

محمد بن الحنفية : 45 ، 103، 106 ، ،107،151،207،208،319

محمد بن جرير الطبري : 113

محمد بن سلام : 31

محمد بن سهل : 64

محمد بن عبدالله بن جعفر : 214

محمد بن عمرو التميمي : 190

المختار بن أبي عبيدة : 191

مرحب : 291، 310

مروان : 182، 183

مسلم بن عقيل : 24، 51، 5، 75،179 ،161 ،113 ،112 ،76 ،200 ، 199 ،194 ، 192 ،191 212 ،200 ، 203 ،202 ، 201

مسلم بن عمرو الباهلي : 197، 203

مسلم بن عوسجة : 236، 237 ، 238

مسلم (صاحب علي) : 319

المسيب بن نجبة : 187

مصعب بن عمير : 280 ، 286

معاوية : 41، 177، 179 ، 181، ،218 ،192 ، 186 ، 185 ، 182 280 260، 274

معاوية اخو الخنساء) : 140

المعتزلى : 21

معقل : 196

معمر بن المثنى : 209

معن بن عيسى : 316

المفيد : 209

المنذر بن الجارود : 316

المنذر بن مشعل : 221

منقذ بن مرّة العبدي : 242 ، 265

موسی علیه السلام 57 :

المهاجر بن أوس : 234

میکائیل : 151

نافع بن هلال البجلي : 230 - 232

النسائي : 74

نضرة الازدية : 80

النعمان بن المنذر : 115

النعمان بن بشیر : 188 ، 192

نوح علیه السلام : 57، 58، 76

نوفل بن خویلد : 278

الواقدي: 21، 26

وثيمة بن موسى : 42 ، 43

وحشي بن حرب : 287

الوليد بن الوليد بن المغيرة : 35 ، 310

الوليد بن ربيعة : 277

207 ،13 ،133

الوليد بن عتبة : 181 ، 182 ، 183

يوسف الله : 28، 133، 207 236 :

وهب بن حباب الكلبي

هابیل: 33، 138، 170

هاني بن عروة : 112، 113، 192، ،198 ،197 ، 196 ،19194، 5 2، 206، 22205 ،200 ، 199

هاني بن هاني السبيعي : 189، 190

هشام بن الوليد : 31

هلال بن نافع البجلي : 226 ، 329

هند : 280، 287، 288

هند بن هالة : 263

يحيى علیه السلام : 57

يحيى بن زكريا علیه السلام : 110، 185

يحيى بن سعيد : 104، 109، 213، 214

يزيد بن الحارث : 189

يزيد بن المغفل : 236

يزيد بن معاوية : 84، 101، 171 ، ،192 ،185 ، 184 ، 183 ، 181 ،257، 261 ،213 ،209 ، 207 279

يعقوب بن اسحاق علیه السلام : 28، 59، 207 ،134 ،133

یوسف علیه السلام :207،133،28

مصادر التحقيق

1 - القرآن الكريم .

2 - ابصار العين في أنصار الحسين : للشيخ محمد السماوي ، مكتبة بصيرتي قم .

3- اثبات الوصية للمسعودي، منشورات الرضي، قم .

4 - الاحتجاج: للطبرسي انتشارات اسوة ، قم

5 - الاخبار الطوال : للدينوري، القاهرة

6 - الاختصاص : لمحمد بن محمد بن النعمان المفيد، مؤسسة الأعلمي ، بيروت

7 - اختيار معرفة الرجال : لمحمد بن الحسن الطوسي، مطبعة البعثة ، قم

8 - ادب الطف : للسيد جواد شبّر ، دار المرتضى ، بيروت.

9 - ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري للقسطلاني .

10 - الارشاد : للشيخ المفيد ، مؤسسة أهل البيت ، قم .

11 - الاستيعاب - في هامش الاصابة - : لعبد الله بن محمد بن البر ، دار صادر، بیروت .

12 - اسد الغابة لمحمد عبد الكريم الجزري، المطبعة الاسلامية ، طهران .

13 - الاصابة في معرفة الصحابة لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار صادر، بيروت.

14 - الاعلام لخير الدين الزركلي ، دار العلم للملايين، بيروت

15 - اعلام الورى للفضل بن الحسن الطبرسي، دار المعرفة ، بيروت.

16 - اعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، دار التعارف، بيروت

17 - الأغاني : لأبي الفرج الأصفهاني ، مصر

18 - امالي المرتضى : لعلي بن الحسين الموسوي العلوي (ت 436 ه- ) ، بيروت.

19 - الأمالي لمحمد بن الحسن الطوسي ، مكتبة الداوري ، قم.

20 - الأمالي : لمحمد بن علي بن الحسين الصدوق ، مؤسسة الأعلمي، بيروت .

21 - الامام الحسين وأصحابه لفضل علي القزويني، قم.

22 - الامامة والسياسة : لابن قتيبة، دار المعرفة ، بيروت.

23 - انساب الاشراف للبلاذري، دار التعارف، بيروت.

24 - بحار الأنوار المحمد باقر المجلسي، دار الكتب الاسلامية ، طهران 25 - البدء والتاريخ لأحمد بن سهل البلخي، مكتبة الاسدي طهران.

26 - البداية والنهاية لاسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، دار الفكر ، بيروت.

27 - تاريخ الاسلام للذهبي ، مصر

28 - تاريخ الامم والملوك لمحمد بن جرير الطبري، دار ،سویدان، بيروت.

29 - تاريخ الخلفاء : للسيوطي ، مصر

30 - تاريخ دمشق لابن عساكر الدمشقي.

31 - تاريخ النجف والحيرة للسيد عبد الحجة البلاغي طهران.

32 - تتمة المنتهى للشيخ عباس القمي، انتشارات داوري ، قم .

33 - تجارب الامم المسكويه الرازي ، انتشارات سروش، طهران.

34 - تذكرة الحفاظ لمحمد بن احمد الذهبي ، دار احياء التراث العربي ، بيروت

35 - تذكرة الخواص : لسبط ابن الجوزي يوسف بن فرغلي مؤسسة أهل البيت بيروت .

36 - تراث كربلاء : لسلمان هادي طعمة ، مؤسسة الأعلمي، بيروت .

37 - تظلّم الزهراء لرضي القزويني، منشورات الرضي، قم .

38 - تفسير جامع البيان لمحمد بن جرير الطبري، دار المعرفة، بيروت .

39 - تفسير القمي: لعلي بن ابراهيم القمي ، مطبعة النجف ، افست مؤسسة دار الكتب ، قم .

40 - التفسير الكبير للفخر الرازي .

41 - تفسير مجمع البيان للفضل بن الحسن الطبرسي، مطبعة العرفان، صيدا

42 - تنقيح المقال : لعبد الله بن محمد المامقاني ، دار الكتب الاسلامية، طهران .

43 - توضيح المقاصد: لبهاء الدين العاملي مكتبة بصيرتي ، قم.

44 - تهذيب الأحكام لمحمد بن الحسن الطوسي، دار الكتب الاسلامية ، طهران .

45 - تهذيب التهذيب: لاحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت.

46 - الجرح والتعديل : لعبد الرحمن بن ادريس الرازي ، دار احياء التراث العربي، بيروت

47 - جلاء العيون للسيد عبدالله شبر ، مكتبة بصيرتي ، قم .

48 - جواهر الكلام للشيخ محمد حسن النجفي دار الكتب الاسلامية ، قم.

49 - حلية الابرار للسيد هاشم البحراني ، مؤسسة المعارف الاسلامية ، قم .

50 - حياة الامام الحسين الان : الباقر شريف القرشي، دار الكتب العلمية ، قم .

51 - الخرائج و الجرائح للقطب الراوندي، مؤسسة الامام المهدي ، قم .

52 - الخصال لمحمد بن علي بن بابويه ، جماعة المدرسين ، قم . 53 53- خصائص الأئمة للشريف الرضي ، الاستانة الرضوية ، مشهد

54 - الدر المنثور : لعبد الرحمن جلال الدين السيوطي (ت) 991ه-) ، بيروت .

55 - الدمعة الساكبة لمحمد باقر البهبهاني، مؤسسة الاعلمي بيروت.

56 - دلائل الامامة : لمحمد بن جرير الطبري، المكتبة العربية، حلب.

57 - دلائل النبوة: لاحمد بن الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية

58 - ذخائر العقبي : لمحب الدين الطبري ، القاهرة .

59 - رجال النجاشي : لاحمد بن علي بن احمد النجاشي .

60 - رياض الاحزان لمحمد حسن القزويني .

61 - سفينة البحار للشيخ عباس القمي، مكتبة سنائي، طهران.

62 - سنن ابن ماجة : لمحمد بن يزيد القزويني ، دار الفكر، بيروت.

63 - سنن الترمذي : لمحمد بن عيسى بن سورة، دار احياء التراث العربي ، بيروت .

64 - سنن الدارقطني : لعلي بن عمر الدار قطني دار المحاسن القاهرة . 65 - السنن الكبرى : لاحمد بن الحسين بن علي البيهقي ، دار الفكر ، بيروت

66 - سنن النسائي : لاحمد بن شعيب بن على النسائي (ت 303ه-) ، بیروت .

67 - سنن أبي داود : لسليمان بن الاشعث السجستاني ( ت 275ه-) ، بيروت .

68- السيرة النبوية : لعبد الملك بن هشام، دار احياء التراث العربي، بيروت .

69 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، دار احياء الكتب العربية ، بيروت .

70 - الشرف المؤبد لآل محمد : : للنبهاني ، مصر .

71 - الصحاح : لاسماعيل بن حماد الجوهري ، دار العلم للملايين ، بيروت .

72 - صحيح البخاري لمحمد بن اسماعيل بن ابراهيم، دار احياء التراث العربي ، بيروت

73 - صحيح مسلم : لمسلم بن الحجاج القشيري (ت 261ه-)، بيروت. 74 - صفة الصفوة لعبد الرحمن بن الجوزي ، دار الكتب العلمية، بيروت.

75 - الصواعق المحرقة : لاحمد بن حجر الهيتمي ، مصر

76 - الضعفاء المتروكين: للدارقطني ، علي بن عمر (ت 385 ه-)، بيروت.

77 - ضياء العينين في تذكرة أصحاب الحسين لمحمد حسن السبزواري، مشهد.

78 - طبقات الحفاظ لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، دار الكتب العلمية، بيروت.

79 - الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ، دار صادر بیروت.

80 - الطرائف : لابن طاووس .

81 - العقد الفريد : لابن عبد ربه ، مصر .

82 - عوالم العلوم البحراني، مؤسسة الامام المهدي ، قم.

83 - عيون اخبار الرضا عليه السلام لمحمد بن على بن الحسين بن بابويه ، طهران .

84 - عيون الأخبار: لعبد الله مسلم بن قتيبة ، مطبعة دار الكتب المصرية ، القاهرة.

85 - الغدير لعبد الحسين بن احمد الاميني . مطبعة الحيدرية، طهران .

86 - فرائد السمطين: لابراهيم بن محمد بن المؤيد ، مؤسسة المحمودي ، بيروت.

87 - فرحة الغري: لعبد الكريم بن طاووس، المطبعة الحيدرية، النجف

88 - الفصول المهمّة : لابن الصبّاغ المالكي ، مطبعة العدل ، النجف 89 - الفهرست لمحمد بن الحسن الطوسي، المكتبة المرتضوية ، النجف 90 - القاموس المحيط: لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادي دار الفكر ، بيروت.

91 - قرب الاسناد لعبد الله بن جعفر الحميري مكتبة نينوى الحديثة طهران.

92 - قمقام زنّار لفرهاد الميرزا ، انتشارات اسلامية ، طهران .

93 - الكامل في التاريخ: لابن الاثير ، علي بن محمد . دار صادر ، بیروت .

94 - كشف الغمة : لعلي بن عيسى الاربلي ، المطبعة العلمية ، قم .

95 - كفاية الطالب لمحمد بن يوسف الشافعي ، مطبعة الفارابي طهران .

96 - كنز الفوائد لمحمد بن علي الكراجكي ، دار الاضواء ، بيروت. 97 97- لسان العرب لابن منظور (ت 711 ه--) . نشر أدب الحوزة، قم

98 - الملهوف : للسيّد ابن طاووس ، منشورات الشريف الرضي ، قم . 99 - مثير الاحزان لابن نما الحلّي، مؤسسة الامام المهدي ، قم.

100 - مجمع البحرين للطريحي ، انتشارات مرتضوي طهران.

101 - مجمع الزوائد لعلي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب العربي، بيروت .

102 - مراصد الاطلاع: لعبد المؤمن عبد الخالق البغدادي ، دار المعرفة بيروت .

103 - مروج الذهب: لعلي بن الحسين المسعودي، مطبعة الصدر، قم .

104 - مسار الشيعة للشيخ المفيد، مكتبة بصيرتي ، قم .

105 - مستدرك على الصحيحين : للحاكم النيسابوري ، دار الفكر ، بيروت.

106 - مسند الطيالسي لسليمان بن داود بن الجارود، دار المعرفة، بيروت.

107 - مسند أحمد: لاحمد بن محمد بن حنبل ، دار الفكر ، بيروت

108 - مسند يعلى الموصلي: لاحمد بن علي بن المثنى التميمي ، بيروت .

109 - معاني الاخبار : لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه ، دار المعرفة، بيروت.

110 - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص لعبد الرحيم بن أحمد العباسي، بيروت.

111 - معجم البلدان لياقوت الحموي، دار احياء التراث العربي، بيروت 112 - مقاتل الطالبيين : لأبي الفرج الأصفهاني ، دار المعرفة، بيروت .

113 - مقتل الحسين : لأبي مخنف لوط بن يحيى ، المطبعة العلمية ، قم

114 - مقتل الحسين : للسيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم ، دار الكتاب الاسلامي، بيروت

115 - مقتل الحسين : للموفّق بن أحمد الخوارزمي ، منشورات مكتبة المفيد، قم .

116 - المناقب : لأبن شهر اشوب ، انتشارات مصطفوي طهران.

117 - منتخب كنز العمال : للمتقي الهندي في هامش مسند احمد بن حنبل ، بيروت .

118 - ميزان الاعتدال لمحمد بن احمد بن عثمان الذهبي ، دار المعرفة ، بيروت.

119 - ناسخ التواريخ : سبهر ، انتشارات اسلامية ، طهران.

120 - نثر الدر: لمنصور بن الحسين الآبى ، (ت 421ه-)، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة

121 - نظم درر السمطين للزرندي.

122 - نفس المهموم للشيخ عباس القمي، مكتبة بصيرتني ، قم .

123 - نور الأبصار : للشلبنجي ، مصر

124 - النهاية : لابن الاثير المبارك بن محمد الجزري ، المكتبة الاسلامية. ،

125 - وسيلة الدارين للموسوي، مؤسسة الاعلمي ، بيروت

126 - وسيلة المآل : للحضر مي باكثير .

127 - وقعة صفين: لنصر بن مزاحم، مكتبة بصيرتي ، قم.

128 - ينابيع المودة : للقندوزي ، اسلامبول .

المحتویات

مقدمة الناشر ...5

ترجمة المؤلّف ... 7

ولادته ونشأته ... 7

دراسته العلميّة ...7

عودته إلى جبل عامل ...8

أسفاره ... 9

مؤلّفاته ... 10

وفاته ومدفنه ... 12

عملنا في الكتاب ... 13

المقدمه الزاهره لکتاب المجالس الفاخره

مقدمة المؤلّف ... 19

المطلب الأول: في البكاء ... 21

المطلب الثاني: في رثاء الميت بالقريض ... 33

المطلب الثالث: في تلاوة الأحاديث المشتملة على مناقب الميت ومصائبه ... 45

المطلب الرابع: في الجلوس حزناً على الموتى من أهل الحفائظ والأيادي المشكورة... 48

المطلب الخامس: في الانفاق عن الميت في وجوه البر والاحسان... 51

فصل ... 53

فصل ... 7

التعريف الكتاب ... 123

مقدمة الكتاب ... 127

المجلس الأوّل : في البكاء ... 128

المجلس الثاني : في الرثاء... 138

المجلس الثالث : في تلاوة الأحاديث ... 149

المجلس الرابع : في الجلوس حزناً على الموتى... 155

المجلس الخامس: في الانفاق صدقة عن الميّت... 161

الفصل الأوّل

فيما يُتلى بتمامه صبيحة العاشر من المحرم ، ويتلى مجالس متعدّدة

في سائر أيّام العشر ، أو في باقي أيّام السنة ، فهو ليوم العاشر مجلس واحد ، ولغيره اثنا عشر مجلساً

المجلس الأوّل ... 169

المجلس الثاني ...176

المجلس الثالث ...181

المجلس الرابع ...185

المجلس الخامس ...194

المجلس السادس ...200

المجلس السابع ...207

المجلس الثامن ...212

المجلس التاسع ...225

المجلس العاشر ...230

المجلس الحادي عشر... 234

المجلس الثاني عشر...240

الفصل الثاني

في هدي النبي صلی الله علیه و آله وسلم وسيرته وذكر خصائصه المقدّسة

المجلس الثالث عشر ...253

المجلس الرابع عشر ...259

المجلس الخامس عشر ...263

المجلس السادس عشر ...267

المجلس السابع عشر. ...272

المجلس الثامن عشر. ...277

المجلس التاسع عشر. ...280

المجلس العشرون ...284

المجلس الحادي والعشرون ...287

المجلس الثاني والعشرون ...290

المجلس الثالث والعشرون ...294

المجلس الرابع والعشرون ...299

الفصل الثالث

في سيرة أمير المؤمنين علیه السلام ومواعظه وارشاداته

المجلس الخامس والعشرون ...305

المجلس السادس والعشرون ...313

المجلس السابع والعشرون ...316

المجلس الثامن والعشرون ...321

المجلس التاسع والعشرون ...324

المجلس الثلاثون ...327

المجلس الحادي والثلاثون. ...330

المجلس الثاني والثلاثون ...333

المجلس الثالث والثلاثون ...339

المجلس الرابع والثلاثون ...342

الفهارس العامّه

1 - فهرس الآيات القرآنية. ...347

2 - فهرس الأحاديث. ...349

3 - فهرس الأعلام ... 361

4 - فهرس مصادر التحقيق... 373

5 - فهرس الموضوعات ... 379