ghaemiyeh.com
علامات الظهور دراسة وتحليل بحث مستل من الموسوعة المهدوية
للسيد الشهيد محمد الصدر (قدس سرّه)
اإعداد الشيخ محمد الفرطوسي
دار الجوادين(قدس سرّه) - بيروت - لبنان
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى
2007م - 1428 ه
دار الجوادين(علیه السّلام) الفرع الأول : بيروت - لبنان - حارة حريك - شارع سليم - خليوي : 024591/ 03
الفرع الثاني : سوريا - ريف دمشق - السيدة زينب (علیه السّلام) مقابل الحوزة الزينبية
هاتف : 6470716
علامات الظهور دراسة وتحليل بحث مستل من الموسوعة المهدوية
للسيد الشهيد محمد الصدر (قدس سرّه)
اإعداد الشيخ محمد الفرطوسي
دار الجوادين(قدس سرّه)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِیِّكَ الحُجَةِ بنِ الحَسَن صَلَواتُکَ علَیهِ و عَلی آبائِهِ فِی
هَذِهِ السَّاعَةِ وَ فِی كُلِّ سَاعَةٍ وَلِیّاً وَ حَافِظاً وَ قَائِداً وَ نَاصِراً وَدَلِیلًا وَ عَیْناًحَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَ تُمَتعَهُ فِیهَا طَوِیلا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لِله ربِ العالمين وصلىٰ الله علىٰ محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم علىٰ أعدائهم أجمعين إلىٰ قيام يوم الدين.
نريدُ أن نبين في هذه المقدمة مواضيع ثلاث :
الموضوع الأول : الأمام المنتظر (عج).
الموضوع الثاني : موسوعة الأمام المهدي (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) لآية الله العظمى السيد الشهيد محمد الصدر (قدس سرّه).
الموضوع الثالث : أهمية علامات الظهور.
قم المقدسة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » (1).
1) سورة التوبة: آية 33.
وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) : لو لم يبقىٰ من الدُّنيا ( الدهر) إلَّأ يومٌ واحد لطوَّل الله (عزَّ وجلَّ) ذلك اليوم حتَّىٰ يبعث فيه رجلاً من أمتي ومن أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(1). الحديث حول مسألة وموضوع الأمام المنتظر (عجل الله تعالیٰ فرجه) هو حديث عن مسألة عقائديَّة مهمَّة ولذيذة في نفس الوقت، أمّا كون مسألة الحديث حول الإمام عقائديَّة مهمَّة فباعتبار إنها ترتبط بالإمامة وبالموجود الكامل لهذه الحياة لأنَّه ربما يُسئل: هل أنَّ الله تعالىٰ ترك البشريَّة طيلة هذه الأماد الطويلة دون قائد وإمام؟ وهل أنَّه أغفل البشرية في هذه الأزمنة منذ الأئمَّة المعصومين إلىٰ هذٰا اليوم؟
وثانياً: هل إنَّ اختيار الإمام يرجع إلىٰ البشر أو إلىٰ الله تعالى ؟ لأنَّه من المتّفق عليه إن مسألة القانون الصَّالح يجب أن تُحل عن طريق السَّماء فإنَّ الإنسان لا يتمكَّن أن يشرع ويبتدع دون أن يرجع إلىٰ السَّماء إلىٰ الله تعالی وعلية تكون مسألة الحاكم والقائد الذي ينفذ قانون الله تعالىٰ في الحياة لا بدَّ أيضاً أن يكون وأن يعيّن من قبل الله ومن السماء لا من النَّاس، إذن مسألة الإمام المنتظر (علیه السّلام) مسألة ترتبط بالإمامة من جهة، ولهذا فهي مهمَّة.
ذكرنا إنها مسألة لذيذة في نفس الوقت، وذلك باعتبار إنها تتحدَّث عن المستقبل المشرف والغد السعيد للبشريَّة، وأيُّ منّا لا يحب أن يسمع عن غده المشرق وعن مستقبله السعيد، ولذلك ورد عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) رواية يرويها ابن حجر في الصَّواعق المحرقة ومسند أحمد (ج 3، ص 37) عن سعيد الخدري قال: قال
1) الفصول المهمة أبو داود والترمذي في سننهما منتخب الأثر للطف الله الصافي ص 204.
رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) أبشركم بالمهدي وفي مصدر آخر أوله ابشروا بالمهدي رجل من قریش من عترتي منتخب کنز العمال (ج 6، ص 29) يبعث في أمتي علىٰ اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً يرضيٰ عنه ساكن السماء وساكن الأرض يقسم المال صحاحاً فقال له رجل: ماصحاحا؟ فقال: بالسويّة بين الناس فقال: ويملأ الله قلوب أمة محمد(صلّی الله علیه وآله ) غني ويسعهم عدله حتىٰ يأمر منادياً فينادي فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلّا رجل فيقول ائت السدان يعني الخازن فقل له إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً فيقول له: إحثُ حتى إذا جعله في حجرة وأبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمَّد نفساً أو عجز مني ما وسعهم قال: فيردّه فلا يقبل منه: فيقال له: أنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه فیکون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع ثم لا خير في العيش بعده. فالإنسان الذي يسمع هذه الأوصاف يهيم شوقاً للتطلع والبحث عن هذا الغد المشرق السَّعيد.
ثم إن الاعتقاد بالإمام المنتظر (علیه السّلام) يُعتبر ضرورة عمليَّة، لأن الإيمان بيوم مرتقب للدين يشكل ضرورة عقلانية عند الإنسان المتديَّن، لأن أنبياء الله جاءوا ودعوا إلىٰ عبادة الله ودعوا إلىٰ إقامة العدل الاجتماعي، لأنَّ الله خلق الكون كلَّه والبشر للعبادة، قال تعالىٰ: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » (1)، فكلّ الجهود التَّي بذلها الأنبياء، بل كلّ قوافل الشُّهداء وكلّ الدَّماء التَّي سفكت في سبيل هَدَف واحد وهو أن يكون الإنسان صالحاً يعبد الله تعالىٰ، ولذلك نجد إن ما حقَّقه الأنبياء في الحياة لا يناسب مع درجة الجُهد التي بذلوها في هذا السَّبيل، فكم من شهداء ذهبوا؟ كم من
1) سورة الذاريات: آية 56.
دماء أُريقت، کم تَّحمل الأنبياء من المصائب ؟ ولكن ما تحقَّق الشيء المطلوب كما بریده الأنبياء وعلىٰ ذلك فالعقل يحكم في إطار الدَّين انه لا بدّ من يوم مرتقب تتحقَّق فيه حكمة الله تعالىٰ من إرسال أنبيائه وإلَّا أستلزم إرسال الأنبياء لغواً وخلق البشر عبثاً، فلابدَّ من يوم تُكلّل فيه جهود كلّ الأنبياء وعباد الله الصَّالحين وكلّ الَّذين جاهدوا في سبيل الله تُكلَّل بالنصر والظفر، وإلّا فنصرة مؤقتّة للدَّين في بقعة من البقاع، هذا لا يشكل هدفاً لكلّ تلك الجهود الضّخمة، فلا بَّد من يوم ينتصر فيه الدين، القرآن الكريم بدعم هذه الحقيقة العقلائية، قال تعالىٰ: «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ » (1).
وقال تعالىٰ: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي»(2)، «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ »(3)، «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ » (4).
وقال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ »(5).
فإنَّ الآية تبشّر بأنَّ الإسلام سوف يظهر علىٰ بقيَّة الأديان والمذاهب والعقائد ومعنىٰ الظّهور هو: الغلبة والانتصار، البعض يحاول أن يؤوّل الآية يقول: الظُّهور هنا يعني الحجة والدليل، ولكن هذا خلاف انصراف الآية لأنه في آية أخریٰ يقول الله
تعالى: «إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ »(1)«يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ» ، يعني أن ينتصروا عليكم، فالظهور بمعنى الانتصار المادي، لا بمعنىٰ الانتصار بالحجة والدَّليل، ثمَّ إن الآية بشَّرت بأنَّ الإسلام سينتصر في المستقبل علىٰ كافة العقائد والأديان لأنَّ هذا الظهور والانتصار علىٰ كل المذاهب لم يتحقَّق لا علىٰ يد النَّبي ولا بعد النَّبي، لأنَّ الظروف ما ساعدته علىٰ ذلك، وعليه فلا بدَّ لهذا الوعد الإلهي من الله أن يتحقَّق في المستقبل وترتفع راية الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) في كلّ مكان في العالم إنشاء الله تعالی.
هذا هو الوعد القرآني حيث قال: « لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » . وهناك روايات ونصوص بلغت حد التَواتر، تقول بأنَّ هناك رجلاً من أولاد علي وفاطمة (علیها السّلام) ومن ولد الحسين(علیه السّلام) بالذات وهو اسمه محمَّد المهدي(علیه السّلام) وهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، فالبشارة القرآنية للانتصار بالإسلام لا يتحقَّق إلّا علىٰ يد المنتظر(علیه السّلام) .
ثمَّ أنَّ هناك عدَّة مسائل ربّما تطرح منها: هل أنَّ مسألة المنتظر (علیه السّلام) خرافة من الخرافات ومن الإسرائيليات الَّتي نفذت إلىٰ تاريخنا الإسلامي وأحاديثنا؟ صحيح أنَّ هناك مجموعة من الإسرائيليات الَّتي دخلت في كتبنا وذلك عن طريق بعض اليهود والنَّصارىٰ الَّذين أسلموا قهراً، لأن كثيراً من الصَّحابة مُنِعوا من الحديث وكتابة الحديث عن النَّبي(صلّی الله علیه وآله ) لأغراض سياسيَّة ودنيويَّة لكي يغصبوا حق أهل البيت (علیه السّلام) وأعطيت الفرصة والمجال إلىٰ هؤلاء المنحرفين منهم الوهب بن منبّه
1) سورة الكهف: آية 20 .
وكعب الأحبار وغيرهم أن يحدثوا بأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان وقد أدخلوا الكثير من الإسرائيليات من التاريخ والحديث في الإسلام. وعليه ربّما يسأل البعض: هل إن مسألة المنتظر (علیه السّلام) هي واحدة من الإسرائيليات الَّتي نفذت في تاريخنا؟ وهل إن مسألة المنتظر (علیه السّلام) من مختلقات الشيعة الذين عاشوا الظلم والجور فخلقوا فكرة المنتظر ليطبّبوا جراحاتهم الدامية كبلسم لجراحهم؟ هل إن مسألة المنتظر (علیه السّلام) من مخلتقات ثوار الشيعة حيث أرادوا أن يضفوا قداسة على ثوراتهم؟ هناك بعض من ينكر مسألة المنتظر(علیه السّلام) منهم: ابن خلدون في مقدمة الاشبيلي، وأبو الأعلىٰ الملدودي من المعاصرين واحمد أمين المصري في كتابه المنتظر والمهدوية وغيرهم، وهؤلاء ينكرون مسألة المنتظر (علیه السّلام) يقولون: إن مسألة المهدي ليست صحيحة !
نقول لهم ماذا تقولون بالنسبة للأدلة والأحاديث الَّتي وردت من النَّبي وأهل بیته (علیهم السّلام) الّتي وصلت حد التّواتر من المسلمين، ومعنىٰ التواتر هو اجتماع جماعة علىٰ أمر يستحيل اجتماعهم علىٰ الكذب ثمَّ إن العلماء في التواتر لا يشترطون صحة السَّند بل يكفي التواتر دليلاً علىٰ الموضوع، وعليه فإنَّ حديث الإمام المنتظر(علیه السّلام) متواتر في كتب السنة والمسلمين بل إن الَّذين ألَّفوا وكتبوا في الإمام المنتظر من أهل العامة هم اكثر من الشيعة.
إذن فحديث الإمام المنتظر متواتر وبالإضافة إلىٰ تواتره نض العلماء علىٰ صحَّة أسانيده الآن نذكر بعض النّصوص من أهل العامَّة حتَّىٰ نعرف هل إن مسألة الإمام المنتظر خرافة وأسطورة أو أنَّها مسألة يجب أن يعتقد بها كلّ مسلم ومنكرها کافر مرتد؟.
قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه طبع مصر : قد وقع اتفاق الفرق بين المسلمين أجمعين علىٰ أن الدنيا و التكليف لا ينقضي إلّا عليه، يعني الإمام المنتظر(علیه السّلام) .
وقال ابن حجر في الصَّواعق ص 99، قال أبو الحسن الأبري: قد تواترت الأخبار عن المصطفىٰ بخروج المهدي وأنه من أهل البيت وأنَّه يملك سبع سنین.
وقال ابن خلدون في المقدمة ص 367: اعلم إنَّ المشهور بين الكافة من أهل الإسلام علىٰ ممر الإعصار انَّه لا بَّد في آخر الزَّمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل.
الشبلنجي في نور الأبصار، وزيد دحلان مفتي الشافعيَّة في الفتوحات الإسلامية وآخرون صرَّحوا بالتواتر، وأمَّا ألفاظ الحديث كما ورد في الصّحاح، صحيح الترمذي ص27، عن أبي سعيد الخدري قال: خشينا أن يكون بعد نبيّنا حدث، فسئلنا نبيّنا نبيّ الله فقال(صلّی الله علیه وآله ) : إن في أُمتَّي المهدي يخرج.
صحیح ابن داود (ج 4، ص 87) بسنده عن النَّبي (صلّی الله علیه وآله ) قال: لو لم يبق من الدُّنيا إلّا يوم لطَّول الله ذلك اليوم حتَّىٰ يبعث فيه رجلاً منَّي.
وفي حديث سفيان: لا تنقضي الدنيا حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي. صحیح البخاري (ج 2، ص 158) بسنده قال: قال النبي(صلّی الله علیه وآله ) كيف انتم إذا نزل ابن
مریم فیکم وإمامکم منکم.
قال ابن ماجة في سننه بإسناده إلى ثوبان قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) : يُقتتل عند کنزكم ثلاثة كلّلهم ابن خليفة، ثمَّ لا يصير إلىٰ واحد منهم ثمَّ تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم، ثمَّ ذكر شيئاً لم أحفظه قال: إذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثَّلج فإنَّه خليفة الله المهدي.
قال الشيخ فؤاد عبد الباقي في تعليقه علىٰ سنن ابن ماجة في الزوائد، هذا إسناد صحيح رجال ثقات ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشَّيخين.
روى مسلم في صحيحه(1)عن جابر أنه سمع النبي(صلّی الله علیه وآله ) يقول: لا تزال طائفة من أُمَّتي يقاتلون علىٰ الحق ظاهرين إلىٰ يوم القيامة، قال: فينزل عيسىٰ بن مريم فيقول أميرهم (یعني يقول أمير الأمَّة لعيسىٰ بن مريم) تعال صلَّ بنا فيقول: لا إن بعضكم علىٰ بعض أمراء تكرمة الله لهذه الأُمَّة.
وفي عقد الدُّرر عن الحافظ ابن نعيم وينابيع المودة (ص 488، وص 490) عن حُذيفة اليماني قال: خطبنا رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) فذكر لنا ما هو كائن إلىٰ يوم القيامة ثم قال: لولم يبق مِن الدُّنيا إلّا يوم واحد لطَّول الله عز وجل ذلك اليوم حتّىٰ يبعث الله رجلاً من ولدي اسمه اسمي فقام سلمان وقال: یا رسول الله انه من أي ولدك؟ فقال: هو من ولدي هذا وضرب بيده علىٰ الحسين (علیه السّلام) (2).
ثمَّ إنَّ هناك روايات وردت تُشير إلىٰ أوصاف المنتظر(علیه السّلام) ، فعن أبي داود في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله ): المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف (3)، قال الإمام أمير المؤمنين علي (علیه السّلام) - في خطبة له - « المهدي من ذريتي، يظهر بين الركن والمقام، عليه قميص إبراهيم (علیه السّلام) وحُلِّة إسماعيل(علیه السّلام) ، وفي رجله نعل شيت (علیه السّلام) وهو ابن آدم (علیه السّلام) ) والدليل عليه قول النبي(صلّی الله علیه وآله ) : عیسیٰ بن مریم ينزل من السماء ويكون مع المهدي من ذريتي ...» (4).
وعن نعيم الأصفهاني في حيلة الأولياء: إن المهدي (علیه السّلام) شابٌ أكحل العينين أزج
1) صحیح مسلم ط مصر سنة 1348 ق 1 ج 1 ض 63. منتخب الأثر ص 600.
2) ورواه في كشف الغمة عن أبي نعيم في الأحاديث الأربعين.
3) أجلى الجبهة: واسع الجبهة أو وهو الذي انحسر الشعر عند مقدّم رأسه. اقني الأنف: القنا في الأنف هو طولهُ ورقّة أرنبته، البرهان للمتقي الهندي ص 99 للكنجي الشافعی ص 117.
4) إثبات الهداة للشيخ الحر العاملي: ج 7.
الحاجبين اقنن الأنف، كثّ اللَّحية علىٰ خدّه الأيمن خال.
إسعاف الراغبين أخرج احمد والماوندي إن النَّبي قال: ابشروا بالمهدي إلىٰ ان قال: يرضى عنه، ساكن السَّماء وساكن الأرض ويقسم المال بالسَّوية ويملأ قلوب أمَّة محمَّد غنيً ويسعهم بعدله.
أخرج أحمد ومسلم عن النَّبي (صلّی الله علیه وآله ) قال: يكون في آخر الزَّمان خليفة يحثیٰ المال حثياً ولا يعدّه عدّا.
وجاء في الروايات: إن المهدي يملك الأرض شرقها وغربها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب.
وعن نور الأبصار ص 231 عن علي بن أبي طالب (کرَّم الله وجهه) قال: قلت يا رسول الله أمنَّا آل محمَّد المهدي أم من غيرنا؟ فقال: لا بل منَّا يختم الله به الدَّين كما أفتح بنا وبنا ينقضون من الفتنة كما انقضوا من الشّرك وبنا يؤلّف الله قلوبهم بعد عداوة الفتنة كما ألَّف بين قلوبهم بعد عداوة الشَّرك وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة
أخوان في دينهم واعترفوا بأنَّه حديث عالي السند.
وفي نص آخر عن الإمام الباقر (علیه السّلام) يظهر المهدي في يوم عاشوراء وهو اليوم الَّذي قتل فيه الحسین ابن علي ) وكأنَّي به يوم السبت العاشر من المحرَّم قائم بین الركن والمقام جبرائیل عن يمينه و میکائیل عن يساره وتصير إليه شيعته من أطراف الأرض وتُطویٰ لهم طيّاً حتىٰ يبايعونه فيملأ بهم الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(1).
هذه بعض الأحاديث وهناك كتب كثيرة ألَّفت في المنتظر (علیه السّلام) وكما قلنا إنَّ علماء السنَّة ألَّفوا اكثر من الشَّيعة في المنتظر.
1) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: ب 6 و منتخب الأثر ص 550.
استناداً إلى كلّ ذلك أنه في سنة 1397 وُجِّه سؤال من كينيا إلىٰ رابطة العالم الإسلامي في المدينة المنورَّة سؤال يسئل عن الإمام المنتظر، فجاء الجواب من علماء المدينة والحجاز من طريق سكرتير الرَّابطة الإسلامية في المدينة محمَّد صالح القزّاز قال: إن ابن تیمیه يقر بأحاديث المهدي وقد وقَّع الرّسالة خمسة من علماء الحجاز. ذكرت الرِّسالة التفاصيل الَّتي ذكرناها عن المنتظر وذكرت أنَّه أحد الخلفاء الأثني عشر الَّذي أخبر عنهم النَّبي(صلّی الله علیه وآله ) ، وذكرت الرَّسالة إن آخر الأشخاص الَّذين كتبوا عن الإمام المنتظر بحثاً مفصلاً هو عميد الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وهو عبد المحسن العبّاد ذكر عدَّة مقالات في مجلَّة الجامع وآخر ما صرَّحت به هذه الرِّسالة حيث قالت: إذن يجب علىٰ كلّ مسلم أن يعتقد بالمهدي وهذا الاعتقاد جزءٌ من عقائد أهل السنة ولا ينكره إلّا الجهَّال أو المبدعون.
محمد منتصر الكناني مدير المجمع الفقهي الإداري في المدينة المنورة(1).
فإذن إلىٰ هنا ثبت إن مسألة المنتظر (علیه السّلام) والاعتقاد بها هي مسألة من ضروریات الإسلام ومن صميم الإسلام، كما أنَّ المسلم لا يستطيع أن ينكر الصلاة لا يستطيع أن ینکر مسألة المنتظر لكثرة الروايات الواردة، فلو لم نصدق، بهذه الروايات وهذه الحقيقة، فلانتمكَّن أن نصدّق بكل شيء لا في الصَّلاة ولا في الصَّوم ولا في كل شيء لأن جميع هذه الفروع الدّينيَّة نعتقد بها عن طريق الروايات والأحاديث، فإذا رفضنا جميع هذه الروايات فلا يستقر حجر علىٰ حجر، ولا يقوم للِّدين من قائمة ولا بد أن نرفض جميع الأحكام الشرعية فيما إذا رفضنا هذه الروایات، ثم الروايات
1) البيان في أخبار صاحب الزمان، للحافظ الكنجي الشافعي: ص 163، ط . جماعة المدرسین.
الواردة في الإمام المنتظر (علیه السّلام) يرد جزئها في أحكام الشريعة.
فهؤلاء الَّذين يرفضون مسألة الإمام المنتظر، هؤلاء ينكرون ضرورة من ضروريات الإسلام، ومنکرها کافر مرتد متمَّرد علىٰ الإسلام.
بقيت هناك مسألة أخریٰ وهو: هناك فرق بين العامَّة والشيعة في مسألة الإمام (علیه السّلام) فانَّ العامَّة يقولون: إن الإمام ليس موجوداً الآن وانمِّا يوجد في المستقبل ويظهر، بينما نحن الشِّيعة نعتقد بأنَّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) مولود سنة 255 هجري، وهو الآن موجود يعيش بين ظهرانينا لكنَّه غائب عن أعينا لحكمة ومصلحة من الله تعالىٰ ولقصور عقولنا عن إدراكها وكما قال الشاعر:
العلم للرحمن جل جلاله *وسواه في جهلاته يتغمغم
ماللتراب والعلوم وإنما* يسعى ليعلم أنه لا يعلم
وروي عن الإمام الصادق (علیه السّلام) كما في إكمال الدين وفي علل الشرایع عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال سمعت الصادق (علیه السّلام) يقول: إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها، پرتاب فيها كل مبطل فقلت: ولِمَ جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه، فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالىٰ ذكره، إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره، کمل لا ينكشف وجه الحكمة لِما أتاه الخضر من خرق السَّفينة وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسىٰ (علیه السّلام) إلّا وقد افتراقهما، یا ابن الفضل إن هذا الأمر من أمر الله تعالىٰ، وسّر من سِّر الله، وغيب من غيب الله ومنیٰ علمنا أنَّه عزَّ وجلَّ حكيم صدَّقنا بأنَّ أفعاله وأقواله كلها حكمة وإن كان وجهه غير منکشف لنا.
وقال الصادق (علیه السّلام) : يا ابن آدم لو أكل قلبك طائر لم يشبعه وبصرك لو وضع عليه خرت ابرة لغطاه تريد أن تعرف بها ملكوت السموات والأرض (1).
وأمَّا الدَّليل علىٰ ذلك هناك مجموعة من الأدلة علىٰ ذلك:
منها قول رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) في حديث الثَّقلين: إنَّي تاركُ فيكم الثقلین کتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلُّوا بعدي أبداً، وإنَّهما لم يفترقا حتَّىٰ یردا علىَّ الحوض (2).
وهذا الحديث متواتر بين المسلمين، ومعناه أنَّ الَّنبيَّ(صلّی الله علیه وآله ) يقول: إن القرآن مع أحد من العترة موجودان إلىٰ يوم القيامة لا يفترقان، وعليه لابدَّ أن نعتقد بوجود المنتظر(علیه السّلام) حتَّىٰ يكون قريناً مع القرآن وإلّأ لزم الافتراق بينهما وهذا خلاف قول النَّبي (صلّی الله علیه وآله ) بأنَّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا عليَّ الحوض.
علىٰ ذلك هو قول النَّبي (صلّی الله علیه وآله ) في حديث متواتر بین المسلمين: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليَّة (3)، فإنَّ هذا الحديث يدل بأن لكل زمان إمام
1) منتخب الأثر: ص 330.
2) أخرجه الحاكم في ص 148 من الجزء الثالث من المستدرك ثم قال: « هذا حديث صحيح الإسناد علىٰ شرط الشيخين ولم يخرجاه . وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك معترفاً بصحنه علىٰ شرط الشيخين وهناك مصادر أخرعلىٰ اختلاف المستدرك معترفاً بصحته علىٰ شرط الشيخين وهناك مصادر أخر على اختلاف الفاظ الحدیث راجع المراجعات: ص 19.
3) عن الحميدي أنه أخرج في الجمع بين الصحيحين وعن الحاكم أخرجه عن ابن عمر.
معيَّن من قبل الله تعالى وانَّه قد بلغ إلىٰ درجة من العرفان والاتصال مع الله تعالی بحيث إن الَّذي لم يعرفه يموت علىٰ الجاهليَّة، وهذا لا يتحقَّق إلّا بوجود الإمام الحجة المنتظر (علیه السّلام) وانه حيّ يرزق.
هو النّصوص المتواترة في صحيح مسلم وصحيح البخاري علىٰ ذلك منها:
صحیح مسلم کتاب الأمارة في الباب المذكور عن جابر ابن سَمَرَة قال: سمعت النبي(صلّی الله علیه وآله ) يقول: لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً ثم تكلم النَّبي (صلّی الله علیه وآله ) بكلمة خفيت عليّ فسئلت أبي ماذا قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) ؟ فقال: كلهم من قریش(1).
في مسند أحمد عن مسروق (ج 1، ص 398) قال: كنا جلوساً عند ابن مسعود وهو يقرئنا القرآن فقال له رجل: يا أبا عبد الرَّحمن: هل سئلتم رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) كم يملك هذه الأُمَّة من خليفة، فقال ابن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ثمَّ قال: نعم وقد سئلنا رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) فقال: اثني عشر کعدد نقباء بني إسرائيل، فهذه الأحاديث كلّها لاتنطبق إلّا علىٰ مذهب الشَّيعة الإمامية الأثني عشرية فقط، لأنَّه لا يوجد مذهب يعتقد باثني عشر خلیفة غير الشيعة وأن وجود الأئمة مستمر إلىٰ آخر هذا الدهر.
نعم السّيوطي يقول: نحن أيضاً نعتقد بإثني عشر خلیفة ثمَّ يعددهم يقول: أربعة منهم الخلفاء الرَّاشدون الأربعة، ثمَّ الخامس معاوية، ثمَّ يختار مجموعة من العباسيّين فيصيروا عشرة، ثم يقول: وأمّا الحادي عشر فهو المهدي المنتظر، وأمّا
1) منتخب الأثر للصافي ص 46.
الثاني عشر فلا أكاد أعرفه(1).
فوقفت عنده سفينة المساكين بالنِّسبة للثاني عشر في حين أن النَّبي يقول: أثنى عشر خلیفة متوالين إلىٰ يوم القيامة، فهذه الأحاديث لاتنطبق إلا علىٰ مذهب الإمامية الاثني عشرية وكلهم من قريش ومن عترته إذا لا يمكن أن يحمل هذا الحديث علىٰ الخلفاء بعده من الصحابة لقلتهم عن اثني عشر ولا يمكن أن نحمله علىٰ ملوك الدولة الأموية لزيادتهم علىٰ الاثني عشر ولظلمهم الفاحش ولكونهم غير بني هاشم لأن النبي(صلّی الله علیه وآله ) قال كلهم من بني هاشم ولا يمكن أن نحمله أيضاً علىٰ ملوك الدولة العباسية لزيادتهم علىٰ العدد المذكور ولقلة رعایتهم الآية « قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى » ، فلا بد أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته (صلّی الله علیه وآله ) وكفىٰ بذلك فخراً وإعجازاً لرسول الله(صلّی الله علیه وآله ) .
هو إجماع الشيعة وبالإضافة إلىٰ ذلك ذكر الشيخ لطف الله الصافي في كتابه منتخب الأثير ذكر سبعين عالماً من علماء السنَّة كلّهم يعترفون بأنَّ الأئمَّة الاثني عشر من بعد النَّبي، أوّلهم علي بن أبي طالب (علیه السّلام) وآخرهم محمَّد المهدي (علیه السّلام)(2).
الدليل العقلي وهو نحن نعتقد بأن المنتظر (علیه السّلام) حين يظهر يأتي بالإسلام الواقعي لا الظَّاهري، فإذا لم يكن الإمام (علیه السّلام) مرتبطاً بالمعصومين وبالنبي فكيف يأتي بالإسلام
الواقعي.
فلابدَّ للشخص الَّذي يأتي بالإسلام الواقعي يجب أن يكون من سلسلة مرتبطة بالنَّبي(صلّی الله علیه وآله ) فليس من الممكن أن يكون هذا الشخص منفصلاً عن هذه السلسلة وغير مولود.
وأيضاً من الأدلة علىٰ وجوده (علیه السّلام) أن كثيراً من الذين ساعدهم التوفيق ففازوا بهذا الشرف العظيم وهو التشرف بلقاء الإمام (علیه السّلام) - ممن وصلتنا أخبارهم . فمنهم محمد بن عيسىٰ الدمستاني كما ورد في البحار (ج 52) أنه كانت بلاد البحرين - ولا تزال - آهلة بشيعة أهل البيت (علیهم السّلام) ، وفي القرن السابع الهجري كان والي البحرين من النواصب والأعداء الألداء للشيعة، وكان وزيره أخبث منه، وأكثر بغضاً للشيعة.
وفي يوم من الأيام جاء الوزير للوالي بُرُمَّانة مكتوب عليها: (لا إله إلّا الله محمد رسول الله، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي خلفاء رسول الله) فنظر الوالي إلىٰ كتابة الرمانة، فظن أن تلك الخطوط كتبت بقلم القُدرة، وليست من صُنع البشر،فقال للوزير: هذه آية بينة، وحجة قوية علىٰ أبطال مذهب الرافضة، يقصد الشيعة.
فاقترح الوزير أن يجمع علماء الشيعة وشخصياتهم، ويريهم الرمانة فإن تخلَّوا عن مذهب التشيع واعتنقوا مذهب أهل السنة، تركهم بحالهم، وإن أبوا إلّا التمسك بمذهبهم، خيرهم من بين ثلاثة أمور: الأول: أن يدفعوا الجزية، كما يدفعُها غير المسلمين من اليهود والنصارىٰ والمجوس.
الثاني: أن يأتوا بجواب لردِّ وتفنيد الكتابة الموجودة على الرمانة.
الثالث: أن يقتل الوالي رجالهم، ويسبي نساءهم وأولادهم، ويأخذ أموالهم بالغنيمة.
فأرسل الوالي إلىٰ شخصيات الشيعة وأحضرهم، وأراهم الرمَّانة، وخيَّرهم بين
الأمور الثلاثة المذكورة فطلبوا منه المهلة ثلاثة أيام.
فاجتمع رجالات الشيعة وأهل الحلِّ والعقد، يتذاكرون فيما بينهم حول كيفية التخلص من هذه المشكلة، وبعد مذاکرات طويلة اختاروا من صلحائهم عشرة رجال، واختاروا من العشرة ثلاثة: وتقرر أن يخرج في كل ليلة واحد من الثلاثة إلىٰ الصحراء، ويستغيث بالإمام المنتظر(علیه السّلام) للتخلص من هذه المحنة. فخرج أحدهم في الليلة الأولى، فلم يتشرف بلقاء الإمام ولم تنحل المشكلة، وهكذا حدث للثاني أيضاً، وفي الليلة الثالثة خرج الشيخ محمد بن عيسىٰ الدمستاني (1). وكان فاضلاً تقياً . فخرج إلىٰ الصحراء حافياً حاسراً الرأس، وقضىٰ ساعات من الليل بالبكاء والتوسل والاستغاثة بالإمام المنتظر(علیه السّلام) لكي ينقذهم من هذه الورطة والبلاء وفي الساعات الأخيرة من الليل، حضرالإمام المنتظر(علیه السّلام) وخاطبه: يا محمد بن عیسیٰ مالي أراك علىٰ هذه الحالة؟ ولماذا خرجت إلىٰ هذه البريَّة (2)؟ فامتنع الرجل أن يذكر حاجته إلّا للإمام المنتظر(علیه السّلام).
فقال له الإمام: أنا صاحب الأمر فأذكر حاجتك.
قال محمد بن عیسیٰ. إن كنت صاحب الأمر فأنت تعلم قصتي، ولا حاجة إلىٰ البيان والشرح.
فقال له الإمام: خرجت لما دهمكم من أمر الرمانة، وما کُتِبَ عليها، فلما سمع محمد بن عيسىٰ ذلك؟ أقبل إلىٰ الإمام، وقال نعم يا مولاي، تعلم ما أصابنا، وأنت إمامنا وملاذنا والقادر على كشفه عنا.
فقال الإمام: إن الوزير - لعنه الله - في داره شجرة رُمَّان، فلما حملت تلك الشجرة،
صنع الوزير شيئاً (أي: قالباً) من الطين علىٰ شكل الرمانة، وجعله نصفين، ونحت في داخله تلك الكلمات المذكورة، ثم جعل رمانة من الشجرة في ذلك القالب، وشدَّ القالب علىٰ الرمانة، فلما نبتت الرمانة وكَبُرت، دخل قشرها في تلك الكتابة المنحوتة.
فإذا مضيتم غداً إلىٰ الوالي فقل له: جثتك بالجواب، ولكني لا أبديه إلّا في دار الوزير، فإذا مضيتم إلىٰ داره، فأنظر عن يمينك تریٰ غرفة، فقل للوالي: لا أجيبك إلّا في تلك الغرفة، وسيمتنع الوزير عن ذلك، ولكن عليك بالإلحاح،وحاول أن لا يدخل الوزير تلك الغرفة قبلك، بل أدخل معه، فإذا دخلت الغرفة رأيت كوَّة(1)فيها کیس أبيض، فانهض إليه وخذه، فترىٰ فيه تلك الطينة (القالب) التي عملها لهذه الحيلة، ثم ضعها أمام الوزير، ثم ضع الرمانة فيها حتىٰ ينكشف أن الرمانة علىٰ حجم القالب.
ثم قال الإمام المنتظر (علیه السّلام) يا محمد بن عيسىٰ: قل للوالي: إن معنا معجزة أخرىٰ، وهي أن هذهِ الرمانة ليس فيها إلّا الرماد والدخان(2)فإن أردت صحة هذا الخبر فأمُر الوزير بكسرها فإذا كسرها طار الرماد والدخان علىٰ وجهه ولحينه.
انتهىٰ اللقاء، ورجع محمد بن عيسىٰ وقد غمره الفرح والسرور، وانصرف إلىٰ الشيعة يبشرهم بحل المشكلة.
وأصبح الصباح ومضوا إلى الوالي، ونفذ محمد بن عیسی کل ما أمره الإمام (علیه السّلام) فسأله الوالي: من أخبرك بهذا؟
قال: إمام زماننا، وحجة الله علينا؟
فقال: ومن إمامكم؟
فأخبره بالأئمة الاثني عشر واحداً بعد واحد، حتىٰ انتهىٰ إلىٰ الإمام المنتظر صاحب الزمان (علیه السّلام).
فقال الوالي: مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ الخليفة بعده بلا فصل: أمير المؤمنين علي (علیه السّلام) ثم أقرَّ بالأئمة الطاهرين (علیهم السّلام) وأمر بقتل الوزير، واعتذر إلى أهل البحرين (1).
أيها القارىء الكريم: هذه القصة مشهورة عند المؤمنين وخاصة عند أهل البحرين، وقبر محمد بن عيسى في البحرین معروف يزوره الناس(2).
أغنت هذه الموسوعة المكتبة الإسلامية عموماً والشيعة خصوصاً بما حوته من أجوبة الكثير من الأسئلة التي تدور حول قضية الأمام المنتظر (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) وظهوره. علاوةً علىٰ ما حوتهُ من مناقشة ونقد لبعض الآراء وهي تنمُ عن دقة علمية في الطرح وقد أقر ذلك وأعجبَ بهِ كل من أطلعَ علىٰ هذه الموسوعة الضخمة.
بقي أن نعرف أخي الكريم أن هذهِ الموسوعة صدرت وكان عمر السيد الشهيد الصدر(قدس سرّه) تسع وعشرون عاماً تقريباً.
كما تجدر الإشارة إلىٰ المقدمة الرئيسية لهذهِ الموسوعة التي كتبها آية الله العظمى السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس سرّه) علىٰ شكل بحثٍ موجز حول الأمام المنتظر (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) وقال في نهايته « وسأقتصرُ علىٰ هذا الموجز من الأفكار تاركاً التوسع فيها وما يرتبط بها من تفاصيل إلىٰ الكتاب القيم الذي أمامنا. فأننا بين يدي موسوعة جليلة في الأمام المهدي (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) وضعها أحد أولادنا وتلامذتنا الأعزاء وهو العلامة البحاثة السيد محمد الصدر (حفظه الله) لم يسبق لها نظير في تاريخ التصنيف الشيعي حول المهدي (علیه السّلام) في أحاطتها وشمولها لقضية الأمام المنتظر من کل جوانبها وفيها من سعة الأفق وطول النفس العلمي واستيعاب الكثير من النكات واللغات ما يعبر عن الجهود الجليلة التي بذلها المؤلف في إنجاز هذه الموسوعة الفريدة وأني أحس بالسعادة وأنا أشعر بما تملأه هذهِ الموسوعة من فراغ وماتعبر عنهُ من فضل ونباهه وألمعية وأسأل المولىٰ سبحانه أن يقر عيني به ويريني فيه علماً من أعلام الدين» (1).
الموضوع الثالث: أهمية علامات الظهور (2)
لاشك أنَّ العلامات الظهور أهمية في قضية الإمام المنتظر (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ويمكن تلخيص أهميتها بعدد من النقاط:
1- أنها تشكل محطات التجديد الأمل وبعث الروح في نفوس المظلومين والمستضعفين وكل من ينشد بسط العدل والحرية في جميع الأرض.
2 - إنها تمثل جانبا إعجازية للمعصومين (علیهم السّلام) حيث إنَّهاكانت في حين صدورها إخباراً عن الغيب فتحققها يثبت أنّ مصدرها من الله تعالىٰ.
3 - إنها تدفع المؤمنين بالإمام (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) والساعين إلىٰ نصرته أن يضاعفوا الهمّة في الاستعداد للظهور سواء علىٰ بناء النفس أو إصلاح المجتمع وتشحذ من عزهم في
هذا الاتجاه فإنه المعنى الحقيقي لانتظار الإمام وترقب ظهوره المبارك.
4- أن بعض العلامات تدخل في ضمن الشروط كفتنة الدجال فإنّها مرحلة مهمة من مراحل التمحيص والغربلة التي وعدت بها الروايات كقول الإمام الصادق(عجّل الله تعالی فرجه الشریف):
« إنّ هذا الأمر لا يأتيكم إلّا بعد يأس ولا والله حتىٰ تميزوا ولا والله لا يأتيكم حتیٰ تمحصوا لا والله لا يأتيكم حتىٰ يشقىٰ من يشفىٰ ويسعد من يسعد ».
والآن نترك القارىء الكريم ليقرأ ما كتبه السيد الشهيد الصدر(قدس سرّه) في الموسوعة المهدوية حول علامات الظهور ويحتوي هذا البحث على الابواب التالية:
الباب الأول ويحتوي على العلامات التي ذكرت في كتاب تاريخ الغيبة الكبرىٰ، والباب الثاني ويحتوي علىٰ العلامات التي ذكرت في كتاب تاریخ ما بعد الظهور سائلين المولىٰ عز وجل أن يجعلنا من أنصار الإمام المنتظر (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ويوفقنا لمراضيه ويجنبنا معاصيه والحمدُلله ربِ العالمين وصلىٰ الله علىٰ محمد وآله الطاهرین.
الشيخ محمد الفرطوسي
1 رجب الخير / 1424 ه ولادة الإمام الباقر (علیه السّلام)
قم المقدسة
العلامة الأولى (1)
فمن ذلك: ما أخرجه مسلم في صحيحه(2)عن النبي(صلّی الله علیه وآله ) أنه قال: أنه ستكون هناك هنات وهنات. وأنه (3)قال: ستكون أمراء، فتعرفون وتنکرون، فمن عرف فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم. وأنه قال (4)أنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنکرون.. الحديث.
وعن حذيفة بن اليمان، في حديث... فقلت: هل بعد ذلك الشر من خیر؟. قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغیر سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر. قال: نعم. دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها(5).
وعنه(صلّی الله علیه وآله ) (1): يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي لا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين، في جثمان إنس.
وأخرجت الصحاح الأخرىٰ كالترمذي وابن ماجة والمصادر الأخرىٰ كأحمد والحاكم، مثل ذلك. غير أننا لا نذكر فيما أخرجه الصحيحان أو أحدهما، إلّا عنهما.
وهذا ما حدث بالفعل بعد النبي (صلّی الله علیه وآله ) حين قام الحكم في المجتمع المسلم علىٰ المصلحة والأثرة. وتفاصيل ذلك أشهر من أن يُذكر. واستعمال المقاصف والخمور في بلاط الخلفاء یکاد ان يكون من الواضحات، يذكر في الكثير من المصادر (2).1
وقد اتخذ ذلك في المصادر المتوفرة لدينا عدة أساليب:
في التنديد ببني العباس والطعن فيهم من حيث انحرافهم وفسادهم وخروجهم عن جادة الحق. وقد اختصت المصادر الإمامية بذلك، فيما نعلم.
فمن ذلك: ما رواه النعماني في غيبته(1)عن النبي
(صلّی الله علیه وآله )، أنه التفت إلىٰ العباس فقال: يا عم إلّا أخبرك بما خبرني به جبرائیل؟ فقال: بلا، یا رسول الله قال: قال لي: ويل لذريتك من ولد العباس، فقال: يا رسول الله، أفلا أجتنب النساء. فقال: قد فرغ مما هو كائن.
وفي حديث آخر (2): عن عبد الله بن العباس، قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) لأبي: يا عباس، ويل لولدي من ولدك، ويل لولدك من ولدي، فقال: يا رسولالله، أفلا أجتنب النساء أو قال: أفلا أجب النساء. قال: إن علم الله قد مضىٰ والأمور بیده. وأن
الأمر سيكون في ولدي.
ودولة بني العباس، واضحة للعيان في التاريخ. وما وقع بينها وبين أولاد علي وفاطمة أولاد النبي عليه وعليهم الصلاة والسلام، من الخلاف، وما ذاقوه من بني العباس من التشريد والمطاردة والتعسف، أوضح من أن يذكر وأشهر من أن يسطر. كما أن ما تكبده العباسيون من ثورات العلويين التي تعد بالعشرات خلال تاريخهم الطويل، معروف موصوف. وحسبك انه قد أشغل الجزء المهم من مقاتل الطالبيين الأبي الفرج الأصفهاني والكثير من فصول التاريخ الإسلامي.
وهذا التقابل هو المصداق الواضح لقوله(صلّی الله علیه وآله ) : ويل لولدي من ولدك وویل الولدك من ولدي.
وأمّا قوله(صلّی الله علیه وآله ) : قد فرغ الله مما هو كائن، أو أن علم الله قد مضى، فأوضح ما يراد به هو الإشارة بطرف خفي إلىٰ التخطيط الإلهي لليوم الموعود باعتباره مستلزماً لوجود الانحراف في المجتمع، وليس من مصلحة التمحيص رفعه وتبديله قبل يوم الظهور. أذن فهذا التقابل ينبغي أن يكون قائما ليشارك والتمحيص والتخطيط الإلهيين.
وانما لم يشر إلىٰ ذلك صريحا باعتبار عدم تحمل المستوىٰ الثقافي لذلك العصر، التصريح بمثل هذه القوانين العامة الإلهية. وانما زرقت هذه المفاهيم من خلال الكتاب والسنة تدريجيا.
وأوضح دليل علىٰ كون المراد هو ذلك، قوله(صلّی الله علیه وآله ) : وإن الأمر سيكون في ولدي، وذلك في يوم الظهور، فإن أول من يحكم حكمة عاماً نافذاً علىٰ العالم من ولد فاطمة وعلي عليهم السلام، إنما هو الإمام المهدي(علیه السّلام) . ويحكمه ينتهي ذلك التقابل بين الفريقين.
الإخبار بهلاك بني العباس وزوال ملكهم
كالخبر الذي ورد عن الإمام الباقر (علیه السّلام) في حديث إنه قال: ثم يملك بنو العباس فلا يزالون في عنفوان من الملك وغضارة من العيش، حتىٰ يختلفوا فيما بينهم، فإذا اختلفوا ذهب ملكهم(1).
ودولة العباسيين أسست بعد وفاة الإمام الباقر (علیه السّلام) بثمانية عشر عاما، حيث توفيٰ(علیه السّلام) عام 114 ه (2)، وتولىٰ أبو العباس السفاح، أول خلفاء بني العباس خلافته عام 132 ه.(3)
وقد بدء نجمهم بالأفول عند سيطرة الأُتراك علىٰ الحكم، ثم انعزلوا تماما عن المشاركة الفعلية في الحكم في عصر البويهين وعصر السلاجقة، حتىٰ إذا لم يبق للخلافة أي هيبة أو قيادة، وتضارب المجتمع المسلم في داخله، أصبح طعمة سائغة لهجمات التتار بقيادة هولاكو المغولي. حيث سقط آخر خلفائهم عبد الله المستعصم بالله عام 656 ه (4).
مدح العباسيين والثناء عليهم وتمجيد بعض خلفائهم وقد اختصت برواية هذه الأخبار المصادر العامة، وليس في المصادر الأمامية
منها أثر.
فمن ذلك ما أخرجه الترمذي (1)عن ابن عباس قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) للعباس: إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك حتىٰ أدعو لهم بدعوة ينفعك الله بها وولدك فغدا وغدونا معه. فألبسنا كساء ثم قال: اللهم أغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا، اللهم أحفظه في ولده.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، وقال في الصواعق (2): وصح عن الحاكم عن ابن عباس (رضي الله عنهما): منا أهل البيت أربعة منا السفاح ومنا المنذر ومنا المنصور ومنا المهدي.
وعقب بن حجر عنه بقوله: فإن أراد بأهل البيت ما يشمل جميع بني هاشم، ويكون الثلاثة الأول من نسل العباس والأخير من نسل فاطمة، فلا إشكال فيه. وإن أراد هؤلاء الأربعة من نسل العباس أمكن حمل المهدي في كلامه علىٰ ثالث خلفاء بني العباس، لأنه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، لما أوتيه من العدل والسيرة الحسنة.
ولأنه جاء في الصحيح إن أسم المهدي يوافق أسم النبي (صلّی الله علیه وآله ) وأسم أبيه أسم أبيه، والمهدي هذا كذلك لأُنه محمد بن عبد الله المنصور. ويؤيد ذلك خبر أبن عدي: المهدي من ولد العباس عمي، لكن قال الذهبي: تفردبه محمد بن الوليد مولى بني هاشم، وكان يضع الحدیث(3).
ونحن لنا ثلاثة تعليقات علىٰ هذه الأخبار
إن الحديث الثاني غير مروي عن النبي(صلّی الله علیه وآله ) ، بل عن بن عباس، فلا يكون حجةً أساساً، ولا يصلح للإثبات العقائدي ولا التاريخي.
إن كل هذه الأخبار، مما لا يمكن أن تثبت أمام التشدد السندي، حتىٰ مع وثاقة رواتها. لأن هناك قرينة عامة واضحة تدل علىٰ الوضع فيها جملةً وتفصيلاً وهي ممالأتها لجهاز حاكم إطراؤه والثناء عليه .. وكل ما كان هكذا لا يمكن قبوله، بعد التشدد، فإنه ما أكثر الأحاديث التي وضعت لتأييد الملك وتشييد أركانه وإسباغ صفة الشرعية عليه.. مع شديد الأسف.
إن واضعي الحديثين الأخيرين، يريدان القول بأن المهدي الذي يُبشّر به رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) هو المهدي بن المنصور العباسي، ونریٰ أبن حجر يوافق علىٰ ذلك ويدافع عنه بالأدلة.
وحقيقة الأمر كثرة ما ورد عن النبي(صلّی الله علیه وآله ) في المهدي من أحاديث وشهرتها بين الناس وانتظارهم له (علیه السّلام) كمصلح للعالم. انعكست علىٰ ذوي النفوس المنحرفة علىٰ شكل الطمع في أن ينال هو أو ولده هذا المنصب الإلهي الكبير، وأن ينطبق عليه ثناء رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) وبشارته، فمن هنا كثرت دعاوىٰ المهدوية في التاريخ الإسلامي، ومن هنا أيضاً تصدي المنصور إلى تلقيب ولده بالمهدي إيهاماً لذلك، وخاصة وهو يحتمل أنه سينال الخلافة في يوم من الأيام. ثم إن كل هؤلاء تهاووا علىٰ صخرة الواقع، حين لم يستطيعوا أن يقيموا بالمهمة الأساسية التي يؤمن بها للمهدي
المنتظر كل من يؤمن به، وهو إصلاح العالم بشكل شامل کامل. وقد سبق أن قلنا: إن عدم قيامهم بهذه المهمة وانقراضهم قبل ذلك، أول دليل على كذب دعوىٰ الفرد منهم إنه هو المهدي المنتظر.
وأمّا ما أحتج به أبن حجر من إنه صح أن اسم أبيه اسم أبيه. فهو مما لم يصح ولم يثبت.
ولعل من أوضح عدم صحة ذلك: إمکان ابتداع ذلك من قبل كثيرين، فإن بإمكان كل شخص اسمه عبد الله أن يسمي ولده محمد ويلقبه بالمهدي، لكي تكون لديه أطماع في نيل القيادة أو الرئاسة العامة في المجتمع.
فاللازم ليس هو النظر إلىٰ هذه الصفحة بالتعيين، مما ورد من صفحات المهدي، لكن نطبقها علىٰ الأشخاص. بل اللازم هو توخي مجموعة الصفات والخصائص المتعلقة بالمهدي وتطبيقها علىٰ الفرد المدعي للمهدوية، بما فيهامن كونه من ولد فاطمة (علیها السّلام) وبما فيها السيطرة علىٰ العالم خلال حياته. ولا شك إن هذه الأوصاف لا تنطبق علىٰ أي واحد من مدعي المهدوية إلى الآن في التاريخ.
أخبار النبي (صلّی الله علیه وآله ) عن خروج الرايات السود من خراسان، وجعلها إحدىٰ علائم الظهور. والأخبار في ذلك كثيرة متظافرة بين الفريقين. وسيأتي نقلها وتمحيصها في جهة آتية من هذا الفصل.
والمهم الآن، هوتمحيص وتحقيق هذا الاحتمال وهو أن يكون المراد بهذه الروايات ثورة أبي مسلم الخراساني على الأمويين، تلك الثورة التي مهدت لقيام الدولة العباسية، ومعه فتكون هذه العلامة مما قد تحققت في الخارج، وإن فصل بينها وبين الظهور زمان طويل. فإن ذلك لا ينافي كونها علامة عليه، كما سبق. ويرجع هذا الاحتمال، إن شعار هذه الثورة كان هو السواد وبقي شعار للعباسيين بعدها.
ويرجحه أيضا ما ورد في البحار(1)عن رکاز بن أبي ركاز الواسطي، قال: قبّل رجل رأس أبا عبد الله (الإمام الصادق (علیه السّلام))، فمسّ أبو عبد الله ثيابه وقال: ما رأيت کاليوم أشد بياضاً ولا أحسن منها، فقال: جعلت فداك هذه ثياب بلادنا، وجئتك بخير من هذه. قال: فقال: يا معتب أقبضها منه. ثم خرج الرجل. فقال أبو عبد الله(علیه السّلام) : صدق الوصف وقرب الوقت، هذا صاحب الرايات التي يأتي بها من خراسان. ثم قال: يا معتب الحق به فسله ما أسمه. ثم قال : إن كان عبد الرحمن فهو والله هو. قال فرجع معتب. فقال: أسمي عبد الرحمن. قال: فلما ولي ولد العباس، نظر إليه، فإذا هو عبد الرحمن أبو مسلم.
ومن الصحيح تاريخيا إن أسمَ أبي مسلم (عبد الرحمن)، وإن الإمام الصادق (علیه السّلام) معاصر لثورته. وظاهر قوله: هذاصاحب الرايات السود..... کونه إشارة إلىٰ ما ورد عن النبي (صلّی الله علیه وآله ) بهذا المعنى، وخاصة مع قوله(علیه السّلام) : صدق الوصف وقرب الوقت. والمراد به قرب خروج الرايات السود أو قرب ثورة أبي مسلم الخراساني، لا قرب ظهور المهدي (علیه السّلام) وإن أقترن أخبار النبي (صلّی الله علیه وآله ) بالبشارة بالمهدي(علیه السّلام) .
أذن، فهذا الاحتمال يكون راجحا جدا، لولا مناقشتين:
إن رواة هذا الخبر مجاهیل، فلا يثبت مؤداه، فضلاً عن التشديد السندي الذي التزمناه.
معارضته بما ورد عن النبي (صلّی الله علیه وآله ) إنه قال: « إذا رأيتم الرايات السود قد خرجت من خراسان فأتوها ولو حبوا علىٰ الثلج، فإن فيها خليفة الله المهدي ».
1) ج 11 ص 142.
وفي حديث آخر إنه(صلّی الله علیه وآله ) قال: « إنّا أهل البيت أختار الله لنا الآخرة علىٰ الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بلاءً شديداً تطريداً حتىٰ يأتي قوم معهم رایات سود... حتی يدفعونها إلىٰ رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطاً كما ملئوها جورا. فمن أدرك ذلك فليأتهم ولو حبواً علىٰ الثلج، فإن فيها خليفة الله المهدي» (1).
وكلا هذين الخبرين، واضحان في ارتباط ظهور المهدي (علیه السّلام) بخروج الرايات السود، حتىٰ ان الخبر الأول يصرح أنه موجود ضمن حاملي هذه الرايات. مع إنه من المقطوع به في التاريخ، وجود ما يزيد عن ألف عام بين ثورة أبي مسلم وبين الظهور، ولعله سيزيد علىٰ ذلك بكثير.
إلّا أن كلا هاتين المناقشتين لاتصحان:
أمّا المناقشة الأولىٰ: فلا تصح لأن التشديد السندي الذي التزمناه خاص بأخبار التنبؤ عن المستقبل، وليس عاما لكل الأخبار، ومعه فهذا الخبر الذي نقلناه عن البحار لا يندرج ضمن هذا المنهج، لأنه ليس من أخبار التنبؤ بالمستقبل. أذن فهو قابل إلىٰ حد ما للإثبات التاريخي. وكونه مجهول الرواة لا يضر بذلك، كما برهنا عليه في المنهج الذي أسسناه في أول تاریخ الغيبة الصغرى(2).
وأمّا المناقشة الثانية: فالمعارضة بين الخبرين، في الواقع، تنتج فشل الخبرين الأخيرين وسقوطهما عن قابلية الإثبات التاريخي، وسيكتب البقاء، عندئذ للخبر الذي نقلناه عن البحار.
فإننا عند دوران الأمر بین صدق هذين الخبرين أو ذلك الخبر، بحيث يتعين الالتزام يكذب أحدهما... لابد وأن نحسب حساب القرائن المؤيدة لأحد الخبرين.
والشيء الذي نريد أن نقوله، بهذا الصدد هو: إن الجهاز العباسي الحاكم حين وجد أن هناك ارتباطاً بین خروج الرايات السود وبين ظهور المهدي(علیه السّلام) علىٰ لسان رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) ، كما استفاضت الأخبار عنه (صلّی الله علیه وآله ) على ما سوف نسمع.. أحبّواجعل هذا الارتباط وثيقا وقريبا، فجعلوا هذه الأخبار الدالة علىٰ ذلك، لتكون موحية بأن المهدي المقصود هو المهدي العباسي، لأنه هو المرتبط والقريب من ثورة أبي مسلم الخراساني وراياته السود، بل هو مندرج في ضمنها بشكل وآخر كما جعلوه دالاً علىٰ ذلك.
والذي يدلنا علىٰ وضع هذين الحديثين ما قاله صاحب الصواعق نفسه حين أوردهما. فقد أورد أولاً قوله: « إنا أهل البيت أختار الله لنا» .... الخ.. وعلق عليه بقوله: « وفي سنده من هو سييء الحفظ مع اختلاطه في آخر عمره ». ثم أورد قوله: « إذا رأيتم الرايات السود...». الخ. ثم قال: « وفي سنده ضعيف له مناکیر. وإنما أخرج له مسلم متابعة، ولا حجة في هذا والذي قبله، لو فرض إنهما صحيحان لمن زعم أن المهدي ثالث خلفاء بني العباس» (1).
ولم يطعن أبن حجر في هذين الحديثين، من رواية كونهما دالين علىٰ وجود المهدي المنتظر (علیه السّلام) فإنه أورد الكثير من هذه الأخبار مؤيد غير طاعن فيها. وإنما طعن فيهما لكونهما ضعيفين حفظة لموضوعية البحث.
وأمّا طبقاً للتشدد السندي وقيام القرائن على عدم صحة هذين الحديثين، باعتبار ما فيهما من تأييد للجهاز الحاكم آنذاك، فينبغي إسقاطهما على كل حال، كما عرفنا.
وعليه فالمظنون أن المراد بالرايات السود، رايات أبي مسلم الخراساني فإن ثورته بدأت من خراسان، واتجهت إلىٰ بغداد بأعلامها السود الخفاقة. وقد جعلت
1) الصواعق ص 98.
علامة علىٰ الظهور، باعتبار أهميتها بالتاريخ والفاتها نظر الجيل المعاصر والأجيال التي بعدها. ولا يضر بذلك فعل الزمان الطويل بينها وبين الظهور، كما أسلفنا، شأنها في ذلك العديد من العلائم التي ذكرت للظهور، مما سبقت أو سيأتي الكلام عنها.
ولا يبقى في مقابل هذا الظن إلا احتمال أن يكون المراد بالرايات السود، رايات أخرىٰ تخرج من خراسان في مستقبل الدهر، لا يكون بينها وبين الظهور إلاالقليل. إلّا إن هذا الاحتمال مما لا يمكن إثباته بدلیل.
وعلىٰ أي حال، فقد أصبحت أحاديث الرايات السود من أخبار علائم الظهور وفيها إشارة لدولة العباسيين، وإن انتفىٰ القرب الزمني بينهما. ومن هنا جعلنا هذه الأخبار أسلوباً رابعاً من أساليب التنبؤ بدولة بني العباس.
كالخبر الذي ورد عن الإمام الباقر (علیه السّلام) إنه قال: « يقوم القائم في وتر من السنين تسع، واحدة، ثلاث، خمس ». وقال: « إذا اختلف بنو أمية وذهب ملكهم » الحدیث (1).
وقد عرفنا أن الإمام الباقر (علیه السّلام) قد توفي قبل زوال ملكهم وقيام دولة العباسيين، بثمانية عشر عاما.
1) غيبة النعماني ص 139.
كالذي ورد عن الإمام الباقر (علیه السّلام) أيضاً، في نفس الحديث الأخير، حيث قال: واختلف أهل المشرق والمغرب» (1).
ولهذا الاختلاف أطروحتان، قد يكون المراد أحدهما، وقد يكون المراد كلاهما:
اختلاف أهل المشرق والمغرب في حدود البلاد الإسلامية، وعلىٰ الأساس الإسلامي بشكل عام.
وهذا ما حدث في التاريخ طويلا، حيث كان الشرق يحكمه العباسيون والمغرب - بمعنىٰ الأندلس الإسلامية - يحكمه الأمويون. كما أن المغرب - بمعنىٰ الشمال الأفريقي - حكمه المهدي الأفريقي محمد بن عبيد الله، حتىٰ انتقلت ذريته إلىٰ مصر، وأسسوا الدولة الفاطمية. وفي كلا الحالين، كانوا منفصلينعن خلافة الشرق العباسية، ومناوئين لها.
1) المصدر نفسه.
ما حدث في العصر الحديث، وهو ما زلنا نعيشه منذ الحرب العالمية الثانية إلىٰ الآن.. من وجود الدولتين الكبيرتين في العالم، التي تمثل إحداهما زعامة ما يسمى بالشرق أو الكتلة الشرقية، وتمثل الأخرىٰ زعامة ما يسمى بالغرب.
وإذا نظرنا إلىٰ جذور هاتين الدولتين، وجدنا للفكرتين اللتين تقومان عليهما الرأسمالية والشيوعية، جذوراً تاريخية تمتد حوالي قرنين من الزمن. وعلىٰ أي حال فهما معاً وليدتا المد الحضاري الأوربي الحديث و القائم علىٰ الأساس المادي المحض المناقض للأديان جميعا، كما هو معروف من بحوث العقائد الفكرية عادةً.
وعلىٰ أي حال، فقد جعل هذا الاختلاف بإحدى هاتين الأطروحتين، من علائم الظهور، بصفته ملفتاً للنظر من ناحية، ومشاركاً في الانحراف المنتج للتمحيص، كما عرفنا من ناحية أخرىٰ
فمن ذلك: ما أخرجه الصدوق في الإكمال (1)عن ابن عباس عن رسول الله عن الله عز وجل في بعض كلامه مع رسوله في المعراج، حيث جعل ذلك من علامات الظهور فقال: « وخراب البصرة علىٰ يد رجل من ذريتك يتبعه الزنوج ».
وقال في الإرشاد(2): « قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام الإمام المهدي(علیه السّلام) ، وعدّد عدداً كبيراً منها» ، إلى أن قال: « وخروج العبيد عن طاعة ساداتهم وقتلهم مواليهم».
وكل ذلك مما حدث بالفعل علىٰ يد صاحب الزنج، وكيف أنه عاث في المجتمع المسلم فساداً وكلف الدولة العباسية كثيراً، وكيد البصرة وكثيرا من المدن الأعاجيب من القتل والنهب والتشريد.
اسمه علي بن محمد، زعم أنه علوي. ولم يكن - على ما يذكر التاريخ - كذلك.
فإن نسبه في عبد قيس وأمه من بني أسد بن خزيمة(3).
وعلىٰ أي حال فرواية الصدوق تؤيد كونه علوياً. علىٰ حين نجد الإمام
العسكري (علیه السّلام) برواية أبن شهر آشوب(1)ينفي ذلك ويقول: « وصاحب الزنج لیس منا أهل البيت ».
وعلىٰ أي حال، فمن المحتمل، أن يكون مراد الإمام العسكري (علیه السّلام) نفيه عن أهل البيت عقائدياً. كابن نوح الذي لم يكن من أهله لأنه عمل غير صالح، وإن ارتبط به نسبياً. والله العالم بحقائق الأمور .
1) ج 3 ص 529.
وذلك: فيما أخرجه أبو داود وابن ماجة في صحيحهما(1)بألفاظ متقاربة عن النبي(صلّی الله علیه وآله ) ، واللفظ لأبي داود: « ستصالحون الروم آمناً، فتغزون أنتم وهو عدواً من ورائكم، فتنصرون وتغنمون وتسلمون. ثم ترجعون حتىٰ تنزلوا بمرج ذي تلول. فيرفع رجل من أهل النصرانية (2)الصليب. فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين (3)فيدقه. فعند ذلك تعذر الروم وتجتمع للملحمة »
وأضاف أبو داود(4)بسند آخر: وثور المسلمون إلى أسلحتهم، فيقتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة »
وأمّا ابن ماجة (5)فأضاف إلىٰ الحديث الأول بسندثان: « فيأتون تحت ثمانین غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً ».
وهذا الحديث الشريف مطابق كل المطابقة مع فترة التاريخ الإسلامي. وقد قلنا إن أول دليل علىٰ صحة الأخبار وقوع ما أخبر به. وهذا الحديث من أوضح مصادیق ذلك، لأن مضمونه واقع في التاريخ بالقطع واليقين.
ولئن كانت الأخبار التي أسلفناها في هذا الفصل، قد سجلت في كتب الأخبار بعد وقوع حوادثها. فكان يمكن لبعض الماديين أن يطعنوا بصحة نسبتها إلىٰ النبي (صلّی الله علیه وآله ) ويزعموا إنها وضعت بعد حدوث الحادثة. إلّا أن هذا الحديث الشريف لا يحتمل فيه ذلك علىٰ الإطلاق. لأنه صدر عن النبي في صدر الإسلام، قبل الحروب الصليبية بمئات السنين، وسجل الحديث في المصادر قبل حدوثها بأكثر من قرنين من الزمن.
فإن أبا داود توفي عام 275(1)وابن ماجة توفي عام 273(2). علىٰ حين سقطت
القدس بيد الإفرنج الصليبيين عام 492(3)..
وهذه المصادر الحديثة متواترة عن أصحابها، لا يحتمل الزيادة فيها فوق ما سجله مؤلفوها. وما زال أهل السنة من المسلمين يعتمدون عليها في الفقه والعقائد والتاريخ.
ومن هنا يمكن أن يعتبر ذلك من المعجزات التي تؤيد عقيدة الإسلام، وصدق کلام النبي (صلّی الله علیه وآله ) وأنه لا ينطق عن الهوىٰ إن هو إلّا وحي يوحى.. فضلاً عن إسنادها
لفكرة وجود المهدي، كما سبق أن أشرنا.
ونحن إذا لاحظنا المئة سنة أو الأكثر السابقة على الحروب الصليبية، نجدها خالية عن الفتوحات الإسلامية تقريبا، وهادئة من جانب الروم تماما.. ما عدا حركة
الفتح تجاه الهند(1). وما عدا بعض المناوشات المتقطعة التي تحدث بين المسلمين والروم، والتي تكون فيها المبادءة من الروم عادة، كالذي حدث عام 361(2)وعام 421(3). وفيما سوىٰ ذلك يمكن القول إن السلام أو الهدنة، كانت سارية المفعول بين المعسكرين. ومعه لا يكون هذا الصلح أو الهدنة، قائماً علىٰ أساس الموادة للذين كفروا أو الرضوخ لهم ليكون محرماً في الإسلام. وإنما السر في ذلك: هو أن جذوة الثورة الحرارية التي أوجدها النبي(صلّی الله علیه وآله ) في المجتمع الإسلامي، كما أشرنا أليها، قد بدأت بالتنازل والخمود في تلك العصور. فكان انحراف المسلمين وتناسيهم لتعاليم دينهم، وتفضيلهم لمصالحهم الضيقة، قد أوجب إعراضهم عن الجهاد وتغافلهم عن أحكامه والاكتفاء بواقعهم المرير الذي كان في ذلك الحين يعاني من أشد الأزمات والانقسامات في داخل الدولة الإسلامية الممزقة. وكانت الخلافة العباسية قد بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة.
وقد أدت هذه الهدنة المنحرفة مع الروم إلى تبادل بعض الثقة وحسن الظن بین المعسكرین. مما أوجب لهما معاً أن لا يجدا مانعاً عن الاتفاق أحياناً، بل الاشتراك في عمل عسكري موحد. وهو ما حدث مرة أو أكثر في القرن السابق علي الحروب الصليبية. وهو المصداق الواضح لقول النبي(صلّی الله علیه وآله ) : « فتغزون انتم وهم عدواً من ورائكم، فتنصرون وتغنمون وتسلمون »
ولعل أوضح الحوادث صراحة في ذلك، ما حدث عام 375 علىٰ مايحدثنا التاريخ (4)من انه وقع اختلاف بين ملوك الروم مع بعضهم، فاستنجد بعض منهم
بملوك الإسلام، وذلك البعض هو « ورد » الرومي. وكان من أكابر رؤوسهم وقواد جيوشهم وعظماء بطارقتهم. فطمع في الملك ولا قدرة له علىٰ قتال المتنازعين فكاتب أبا تغلب بن حمدان أمير حلب والموصل نيابة عن الخليفة، واستنجد به وصاهره. فأجابه ابن حمدان واستجاش بالمسلمين من الثغور فحصل له جیش ضخم، فقصد قتال الروم بذلك الجيش. فاخرجوا له جيشاً بعد جيش وهو يهزمهم، فقویٰ جنانه فقصد القسطنطينية، ومع تلك الجيوش ورد الرومي الطالب لتملك القسطنطينية.
فانظر كيف اتفق هذا الحمداني والرومي على حرب بقية الروم وانتصرا عليهم كما قال النبي(صلّی الله علیه وآله ) ، وإن لم يدم هذا النصر طويلاً، فإنه حين أراد فتح مدينة القسطنطينية، جمعوا له جيوشاً كثيرةً وقاتلوه قتالاً شديداً حتىٰ انهزم(1).
ومما يدلنا علىٰ تبادل بعض الثقة بين المعسكرین حوادث أخرىٰ:
منها: إن ورداً الرومي المذكور حين انهزم عن القسطنطينية، فكر بان يستند إلىٰ عضد الدولة بالعراق، فكاتبه ووعده ببذل الطاعة. فأجابه بجواب حسن ووعده بان ينصره. فبلغ ذلك ملوك الروم. وكان ملکان منهما أخوين مشتركين في ملك القسطنطينية، فكاتبا عضد الدولة وبعثا له بهدايا واستمالا.. فقویٰ في نفسه ترجیح جانبهما، واعرض عن نصر ورد الرومي.. إلىٰ آخر الحوادث(2).
وهناك حوادث أخرىٰ تدل علىٰ وجود هذه الثقة المتبادلة، لا تخفىٰ علىٰ المتتبع.
فإن قال قائل: إن ظاهر الحديث النبوي الشريف، إن النصر المشترك الذي يحرزه الروم والمسلمون نصر. حقيقي وأكيد، علىٰ حين عرفناه إن هذه الحروب التي
ذكرناها، كانت نهايتها الفرار.
قلنا: إن كل ما يدل عليه الحديث الشريف، هو انهم ينتصرون ويغنمون ويسلمون. ولا شك إن هذا قد حدث في الحروب السابقة علىٰ هجومهم علىٰ القسطنطينية، وإن انهزموا بعد هذا الهجوم.
وأمّا قوله(صلّی الله علیه وآله ) : ثم ترجعون حتىٰ تنزلوا بمرج ذي تلول. فليس فيه دلالة علىٰ أنهم راجعون بالنصر. والمرج المشار إليه، كأنه كناية عن المنطقة التي صار إليها الجيش المهزوم.
وبعد فترة من ذلك قامت الحروب الصليبية، من قبل أناس جدد غير أولئك المتعاهدين مع المسلمين. ومن هنا نجد الحديث النبوي الشريف يقول: «فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب. ولم يقل رجل منهم أي الروم. لأنّ رادة الحروب الصليبية كانوا غير أولئك الأسبقين، بحوالي قرن وإن كان الجيل المتأخر من الروم البيزنطيين قد اشترك فعلاً في تلك الحروب. ولا يكون بين رفع الصليب والانتصار المشترك أية علاقة مباشرة، وإنما هو مجرد الترتيب الزمني.
ويكون معنىٰ رفع الصليب من قبل أهل النصرانية، وهم الأوروبيون الإفرنج معناه اتخاذ الصليب شعاراً لهم ورمزاً لانتصارهم، واستغلالهم الدين المسيحي لاستعمار المسلمين والتوصل إلىٰ قتلهم واستغلال مواردهمواقتصادياتهم. ويكون قوله: « غُلِب الصليب» ، عبارة رمزية عن هذا الشعار، متضمنا للتفاؤل بالنصر رفعاً لمعنويات الجيش المهاجم.
وهذا بالضبط هو الذي أعلن في ابتداء الهجوم الصليبي. إذ قالوا عند العزم عليه: «وحق الإنجيل هذا جيد لنا ولهم- يعني الأوروبيين والصقالبة. وتصبح البلاد
نصرانية »(1).
وقال أحد زعمائهم: « إذا عزمتم علىٰ جهاد المسلمين فافضل ذلك فتح بیت المقدس، تخلصونه مرن أيديهم ويكون لكم الفخر» (2).
وكان ذلك عام 491، وقد استطاعوا أن يحققوا هدفهم هذا في العام المقبل. فقد احتلوا البيت المقدس بعد سلسلة من المذابح فيها وفي كل مدينة إسلامية مروا بها في طريقهم. حيث لم يكن مرادهم الفتح فقط، بل التشفي من المسلمين، وإبادتهم والانتقام من فتوحهم المظفرة.
ففي بلدة البيت المقدس نفسها كما يقول لنا التاريخ (3): « ركب الناس السيف ولبث الإفرنج في البلدة أسبوعا يقتلون فيه المسلمين... وقتل الإفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد علىٰ سبعين ألفا منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم، ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف. وأخذوا من عند الصخرة نيفاً وأربعين قنديلاً من الفضة وزن كل قنديل ثلاثة آلاف، ستمائة درهم. وأخذوا تنورة من فضة وزنه أربعون رطلاً بالشامي. وأخذوا من القناديل الصغار مائة وخمسين قنديلاً نقرة، ومن الذهب نیفاً وعشرين قنديلاً، وغنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء »
وبقي البيت المقدس تحت الاحتلال المباشر للصليبين ما يقرب من مائة عام، توسعوا من خلالها إلىٰ دمشق وبيروت وعكا ويافا وصيدا وصور وغيرها من المدن المسلمة. حتىٰ سلط الله تعالىٰ عليهم جماعة من عباده الشجعان بقيادة صلاح الدين الأيوبي. فأذاقوهم طعم الفرار والاندحار، ونصر الله تعالیٰ دینه وأعلىٰ كلمته،
بعد دهر من المحنة والتمحيص.
وقد بدا صلاح الدين بالأطراف، فاسترجعها منهم، في حروب قاسية، حتى استطاع فتح بیت المقدس عام 583(1). بالصلح، بعد حصار طويل ومناوشات طويلة، أظهر فيها كل من المسلمين والإفرنج غاية الاستبسال والصمود.
وهذا هو المصداق الحقيقي القطعي لقول النبي(صلّی الله علیه وآله ) - في الحديث الشريف - : « فيغضب رجل من المسلمين، فيقوم إليه فيدقه ». يعني يقوم إلىٰ الصليب فيدقه. وهذا الرجل هو صلاح الدين الأيوبي نفسه، غضبه المشار إليه في الحديث إنما هو لأجل احتلال الصليبيين بلاد الإسلام، وبغاية تنظيفها منهم
وإعلاء كلمة الإسلام فيها. والفكرة في أساسها من اعظم الأفكار الإسلامية شموخاً وإخلاصاً ومشروعيةً، وإن كان التطبيق أحياناً ينطلق من زوايا منحرفة حادة.
وقوله: «يقوم إليه» ، يعني يتصدىٰ لمعارضته ومقاومته ومنازلته، وقوله: « يدقه»، أي يكسر الصليب ويبيده ويفنيه. وهو معنىٰ إخراج الصليبيين من بلاد الإسلام، وإزالة حكمهم واحتلالهم عنها.
ولنا في تفسير هذه الحملات الظافرة، بعد أن كانت جذوة الثورة الحرارية لدىٰ المسلمين قد خمدت منذ قرنين من الزمن، لنا فيها تفسيرات وبيانات، يطولالمقام بعرضها.
وقوله(صلّی الله علیه وآله ) : « فعند ذلك تغدر الروم وتجتمع للملحمة ». كناية عن بدء عصر النهضة الحديثة في أوربا. تلك النهضة التي بدأت جذور جرارتها والتحسس إليها منا خلال الحروب الصليبية نفسها. فبينما كنا نجد الإفرنج يستجيرون بالمسلمين ويتعاهدون معهم ويشتركون معاً في حروب ذات هدف موحد. وهذا معناه إن فكرة
1) الكامل ج 9 ص 182 - 175 ، والفتوحات ج 1 ص520.
الاستعمار الأوربي لم يكن لها وجود، بل كانت أوربا تنظر إلى المجتمع المسلم نظرة الند للند علىٰ أقل تقدير.
ولكن نهضة الحروب الصليبية هي التي أوجبت التحسس الأوربي وأذاقتها طعم الانتصار والإثراء علىٰ حساب الشعوب الضعيفة، وكل ما فعلته أوروبا بعد ذلك إنها جردت نهضتها عن العنصر الديني وأبدلته بالمفهوم المادي العلماني للعالم، وهذا هو الفرق الأساسي بين النهضة الأوربية الحديثة والنهضة الصليبية.
يشير إلىٰ مثل هذا المفهوم بعض المؤرخين(1)ويقول: « إن تلك الحروب وان هلك فيها كثير من النفوس، وذهب فيها كثير من الأموال، من غير حصول علىٰ المقصود، « باعتبار فشل الإفرنج واندحارهم في تلك الحروب . لكنه أعقب نتائج نافعة لهم.
منها: أنهم من ذلك الوقت شرعوا في ترتيب العساكر وتعلموا بمواصلتهم المسلمين صناعة التجارة والزراعة وكثيرا من العلوم العقلية والفلكية. وألفوا التواريخ النافعة وتوسعوا في معرفة علم الفلك وألّفوا فيه، وتخلقوا بأخلاق الحضر. وتعودوا الأسفار برّاً وبحراً لاكتشاف أحوال الأقطار، واكتشفوا أمريكا في أسفارهم سنة 890 هجرية، ولم تكن معلومة لأحد قط.
واكتسبوا أنواع الفروسية واللعب بالخيل والرماح.. وتعلموا أيضاً المشورة في الأحكام وعلموا إن الملك يفسد بالاستبداد وعدم المشورة فدونوا لهم أحكاما وقوانين يرجعون إليها. واستكثروا من جمع کتب الإسلام وترجمتها بلسانهم ليعلموا معانيها، فاخذوا منها ما يكون به صلاح الملك. واتخذوا مدارس لتعليم أنواع الفنون، وعرفوا إن الملك لا ينتظم إلّا بذلك كله ، انتهىٰ كلامه.
1) الفتوحات الإسلامية ج 1 ص366.
أذن فالأساس الذي أيقظ عندهم النهضة الحديثة علىٰ ضخامتها وجبروتها، هو ما أوجبته الحروب الصليبية من الانفتاح علىٰ العالم والشعور بالمسؤولية تجاه الرقي والتقدم، في الاتجاه الذي فهموه وطبقوه.
ونسبة الغدر إلىٰ الروم، باعتبار نقضهم لعهد الهدنة واقرارهم لفكرة الحروب الصليبية.
ومعنىٰ اجتماعها هو محاولة زرع الاتفاق بين شعوبها والشعور بالمسؤولية والهدف المشترك بينهم علمية واقتصادياً وسياسياً، كما سمعنا.
ولعل أوضح والطف عبارة رمزية يمكن أن يعبر بها علىٰ هذا الغدر والاستعمار بما يحمل من تخطيطات فكرية وعقائدية وعسكرية واقتصادية.. ما قاله النبي (صلّی الله علیه وآله ) - برواية ابن ماجة - « فيأتون تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً. وهذه الأرقام ليست للتحديد بل للتعبير عن مجرد الكثرة، مع بيان اختلاف مراتبها، فعدد الأفراد الذين يعملون تحت كل غاية أكثر عدداً من مجموع الغايات.
وهذا هو الذي حصل فعلاً، فقد جاءت أوربا إلىٰ الشرق المغلوب علىٰ أمره، تحت عشرات الشعارات والمصالح بل المئات منها. وأما المؤيدين المغرورين بكل غاية من هذه الغايات، والمتحمسين لها علىٰ اعتبارها الغاية القصوىٰ في الكون بزعمهم.. فأفرادهم يعدون بالآلاف بل بالملايين.
ولكن النبي (صلّی الله علیه وآله ) لم يكن يمكنه التصريح قبل اكثر من ألف عام لا بعشرين ألف. حفظاً لقانون: «كلّم الناس علىٰ قدر عقولهم». ولم يكن المجتمع يومئذ بقادر علىٰ تفهم شيء مما وقع بعد ذلك، بأكثر مما صرح به الحديث الشريف. فإن مجموع الممالئين لأوربا بنص الحديث الشريف مائة وستون ألفاً من الناس.
وأمّا ما أضافه أبو داود إلى الحديث، وهو قوله: « ويثور المسلمون إلىٰ أسلحتهم، فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة.. ، فهو عبارة عن الثورات التي يقوم بها
المسلمون خلال التاريخ، ضد الملحمة الكبرى: الإستعمار والتعبير بالثورة أوضح قرينة علىٰ ذلك.
وقوله: « فيقتتلون »، یعني معسكر المسلمين ومعسكر الروم، أو المستعمرين.
إلّا إن الاستعمار سيكون أقوىٰ من أن يقهر، والمسلمون الثائرون بالرغم من اندفاعهم وإخلاصهم أقل عدداً وعدة من أن يستطيعوا الدفاع الحقيقي البليغ. بل مم لا محالة. على افضل تقدیر- سیتهارون في ميدان الشهادة واحداً بعد الآخر «فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة »
ونحن إذا لاحظنا تاريخ الثورات التي قامت في بلاد الإسلام منذ تاريخ الاستعمار إلىٰ ما بعد بداية القرن العشرين الميلادي... نجدها قائمة علىٰ أساس إسلامي، بشكل وآخر: كثورة الجزائر في بدايتها بقيادة الشيخ عبد القادر الجزائري، وثورة العشرين في العراق بقيادة الشيخ محمد تقي الشيرازي.
وإنما أصبحت الثورات في العالم تقوم علىٰ أساس مادي صرف في العقدين الأخيرين تقريباً. وذلك تحت التأثير الأوربي المادي الذي غزانا في عقر دارنا وسيطر علىٰ أفكارنا وحياتنا، حين لم تجد بلاد الإسلام مقاومة حقيقية وجواباً عسكرياً حاسماً، علىٰ المد المادي الجارف.
أخرج البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه(1)عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) أنه قال: «لا تقوم الساعة حتىٰ تقاتلوا الترك، صغار الأعين حمر الوجوه ذلق الأنوف، كأنّ وجوههم المجان المطرقة...» ، الحديث. وقد عقد الترمذي وأبو داود وابن ماجة في صحاحهم أبواباً بهذا العنوان، فراجع.
وهذا منه(صلّی الله علیه وآله ) في الأرجح إشارة إلى وصول الفتح الإسلامي إلىٰ بلاد الترك. وقد تحقق ذلك بعد وفاة النبي(صلّی الله علیه وآله ) عام اثنين وعشرين للهجرة، بقيادة عبد الرحمن بن ربيعة.
وذُلف الأنوف: صغارها. يقال: ذلف الأنف إذا صغر واستوت أرنبته، فصاحبه أذلف، والمؤنث ذلفاء والجمع ذلف بضم فسكون. والمجان جمع مجن وهو الترس. والمطرقة بضم الميم وتشديد الراء، مأخوذ من الطرق، يقال: طرقالحديد إذا مدده ورققه. وهو كناية عن سعة الوجه.
ومن هنا ورد في بعض الأحاديث وصفهم بكونهم عراض الوجوه، كالذي
1) الفتوحات ج 1 ص 152.
أخرجه ابن ماجة (1): «لا تقوم الساعة حتى تقاتلون قوما صغار الأعين عراض الوجوه » الحديث.
وأخرج مسلم عدة أحاديث بهذا المضمون(2)ولم يذكر فيها اسم الترك، غير انه يمكن أن يكون ما أخرجه البخاري قرينة عليه. فيكون ذلك مما تحقق في التاريخ
الإسلامي.
أخرج مسلم: إن رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) قال: «لا تقوم الساعة حتىٰ ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ» .. إلىٰ أن يقول: «فيفتحون قسطنطينية » .. الخ. الحديث.
وهذا ما تحقق فعلاً، بعد عدة قرون من تسجيله في المصادر الحديثة، فضلاً عن زمن التنبؤ به من قبل النبي(صلّی الله علیه وآله ) . فيكون من هذه الناحية، كما قلنا في التنبوء بالحروف الصليبية، علىٰ مستوى المعجزات.
وفاتح القسطنطينية هو السلطان محمد الثاني بن السلطان مراد، من أوائل الملوك العثمانيين، الذين حكموا البلاد الإسلامية باسم الدين ردحاً طويلاً من الزمن. وقد تم الفتح ودخول المسلمين فيها عام 857 للهجرة(1)وسميت بعدئذ باسلامبول نسبة لها إلىٰ الإسلام بعد النصرانية، وأصبحت العاصمة الرئيسية للدولة العثمانية.
ونكرر هنا القول الذي ذكرناه في موقف صلاح الدين الأيوبي... من أنّ فكرة الفتح أساساً مجيدة وعظيمة في الإسلام، ومن هنا اعتبر النبي (صلّی الله علیه وآله ) الجيش الفاتح «من خيار أهل الأرض يومئذ ». وهذا لا ينافي وجود نقاط ضعف في العقيدة أو
1) الفتوحات ، ج 2 ص 124 وما بعدها.
السلوك من الجهات الأخرىٰ.
لا يبقىٰ بعد هذا الاحتمال أن يكون المقصود من الحديث النبوي هو إن فاتح القسطنطينية هو الإمام المهدي(علیه السّلام) بعد ظهوره، كما ورد في بعض الأخبار(1).
وقد يستدل علىٰ ذلك بإطراء النبي (صلّی الله علیه وآله ) علىٰ الفاتحين، كما سمعنا، فإن أشد انطباقاً علىٰ أصحاب المهدي(علیه السّلام) منه علىٰ الجيش العثماني بطبيعة الحال.
هذا الاحتمال غير صحيح، لصراحة الحديث النبوي، بان القسطنطينية تؤخذ من الروم، وهو ما حدث في الفتح العثماني. وأمّا المهدي (علیه السّلام) سوف يفتحها تارة أخرى، إلّا أنه سوف يأخذها من المسلمين المنحرفين، كما يأخذ سائر البلاد الإسلامية غيرها. وإنما ذكرت في الأخبار لأهميتها الجغرافية واستراتيجيتها العسكرية.
ويؤيد ذلك، قوله في الحديث النبوي عن الجيش الفاتح: « فيقاتلونهم فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً. ويقتل ثلثهم افضل الشهداء. ويفتح الثلث..» الحديث (2). وهذا الانقسام مما لا يمكن حدوثه في جيش المهدي الفاتح للعالم كله، بطبيعة الحال.
وأمّا وصفهم بكونهم من خيار أهل الأرض، وأن شهداءهم أفضل الشهداء.. فقد عرفنا تفسيره الصحيح.
بقيت هناك عدة علامات ذكرها الشيخ المفيد في الإرشاد مختصراً، وقال إنها وردت في الآثار وجاءت بها الأخبار. منها عدد قد تحقق في التاريخ. أو يمكن حمله علىٰ مصادیق مفهومة متيقنة. وإنما عزلناها عن العلامات السابقة لأننا لم نجدها في
الأخبار، فيما عدا رواية المفيد لها مرسلاً بدون سند.
وتكون القاعدة العامة، في التشدد السندي، رفضها ما لم تقم قرائن واضحة علىٰ صدقها. وقد سبق إن قلنا إن أدل دليل علىٰ صدق الرواية تحقق مضمونها في الخارج على مدىٰ التاريخ. وسنختار ما يمكن القول بتحققه فنذكره فيما يلي:
ولا شك إن العشرات من ذرية الإمام الحسن الزكي (علیه السّلام)، ثاروا في أيام الدولة الأموية والعباسية، وواجهوا من القتل والتشريد من قبل السلطات الشيء الكثير... كما هو أوضح من أن ندخل في تفاصيله. ولمن يراجع مقاتل الطالبين لأبي الفرج خير المعرفة بذلك.
وإن في دولة طبرستان التي أسسها الحسن بن زید الحسني العلوي عام 250 والتي استطاعت الصمود ردحاً طويلاً من الدهر، بالرغم من كيد الأعداء، خير دليل علىٰ صمود هذه الذرية الطاهرة واستبسالهم ضد الظلم والطغيان.
نعم، هناك احتمال أن يراد بالحسني: النفس الزكية التي ورد إنها تقتل قبل الظهور لخمس عشرة ليلة. إلّا أنه ليس باحتمال وجيه، لأن الخبر الدال على مقتل النفس
الزكية في مثل ذلك الموعد، غیر مقبول بالتشدد السندي علىٰ ما سيأتي. كما إن كون النفس الزكية التي تقتل في ذلك الحين - لو صح - من أولاد الحسن(علیه السّلام) ، أمر لا دليل عليه.
وحقيقته التاريخية أوضح أيضاً من أن يفاض في تفاصيلها.
وقد عرفنا انطباق ذلك علىٰ ثورة أبي مسلم الخراساني. وفي هذه العلامة أخبار مسندة سوف نرويها فيما بعد.
ولعمري إن مصر قد غزت الشام واستولت عليها، عدة مرات في التاريخ الإسلامي. كالذي فعله ابن طولون ثم المعز الفاطمي ثم إبراهيم باشا. ثم كان اخرما تلك المحاولة التي سميت باسم الجمهورية العربية المتحدة.
إلّا أن المغربي من هؤلاء هو المعز الفاطمي، لأنه من ذرية المهدي العلوي الأفريقي الذي نشر دعوته عام 396(1)في الشمال الأفريقي. وبقيت دولته قائمة حتى انتقل عنها المعز معد بن إسماعيل إلىٰ مصر عام 358(2). وأزال عنها کافوراً الإخشيدي.
وفي نفس العام سارت جيوشه إلىٰ طبرية ومنها إلىٰ دمشق. واستولى عليها قائده ابن فلاج عام 359. وخطب فيها المعز واستقر فيها ملکه(1).
فانظر كيف طهر المغربي بمصر، وملك الشامات، طبقاً لهذه النبوءة
وارض الجزيرة هي ارض العراق فيما بين النهرين، وهو اصطلاح قدیم ومعروف.
وقد بقيت هذه الأرض تحت الحكم العثماني التركي ردحاً طويلاً من الزمن، يبدأ من عام 941 هجرية، ويستمر بقية القرن العاشر والقرون التي تليه حتى القرن الرابع عشر الحالي، حيث سقط حكمهم عام 1335 هجرية، بالاحتلال البريطاني للعراق (2)أثناء الحرب العالمية الأولىٰ.
وهذه من التنبوءات التي حدثت بعد صدور الحديث وكتابته في المصادر بعدة قرون. حيث توفي الشيخ المفيد صاحب الإرشاد عام413(3). وحصل الاحتلال التركي للعراق بعده بخمسمائة وثمانية وعشرين عاماً. إذن فهو من هذه الناحية کعدد مما سبق، تنبوءاً بالغيب علىٰ مستوىٰ المعجزات.
والروم في لغة عصر المعصومین علیهم السلام، هم الأوربيون بشكل عام، والرملة منطقة في مصر ومنطقة في الشام. وعلىٰ كلا الحالين يكون هذا التنبؤ إخباراً
عن الاستعمار الفرنسي، أمّا إلىٰ مصر بقيادة نابليون بونابرت في حملته المشهورة أو إلىٰ سوريا حيث بدا الاحتلال الفرنسي فيها بإخراج العثمانيين عنها بعد الحرب العالمية الأولىٰ.
وعلىٰ أي حال، فالنبوءة واقعة وصحيحة على المستوى التاريخي. وهذه أيضاً من التنبوءات الإعجازية التي سجلت في المصادر قبل حدوثها بقرون.
وهو ما نعيشه في هذا العصر، عصر الثورات في البلاد العربية بقصد التحرر من الاستعمار الأجنبي، وسيطرة أشخاص من أهل البلاد علىٰ الحكم.
وخلع الأعنة تعبير مجازي أمّا عن الثورة أو عن الانحراف عن زمام الدين وأحكامه حلاً وتصريف الأمور تحت شعارات أخرىٰ لا تمت إلىٰ الدين بصلة وكلاهما قد حدث فعلا. والتعبير بالعرب ربما كان قرينة علىٰ ذلك، حيث يمكن أن يدل على أنّ الثورات تقوم علىٰ أساس شعار العروبة لا علىٰ أساس الإسلام.
وتملكها البلاد، یعني سيطرة أناس من أهل البلاد علىٰ الحكم. وخروجها عن سلطان العجم عبارة عن محاولتها التحرر من الاستعمار والخروج عن سيطرته. فإن لفظ العجم غير مختص بالفرس، كما يتخيل العامة، بل يشمل كل شخص غير عربي، مهما كانت لغته.
فانظر إلىٰ هذا التنبوء الذي لم يحدث إلّا بعد ما يزيد علىٰ الألف عام من صدوره وتسجيله في المصادر.
يقال: ثبق النهر، إذا كثر ماؤه وأسرع جريه. وهو عبارة أخرىٰ عن الفيضان. وقد حصلت هذه النبوءة في العديد من السنين، وشاهدت الكوفة مثل هذا الفيضان كثيراً. وقد عاصرنا بعض ذلك.
كان الناس في بغداد، خلال العصر العباسي بشكل عام، يكتفون بجسر أو جسرين بين جانبي دجلة(1)في الأغلب. وأمّا اليوم فبين جانبي بغداد عدة جسور، بعضها تجاه الكرخ وبعضها تجاه الرصافة.
ولم نستطع أن نتبين تاريخيا إن أول جسر عقد إلىٰ جانب الكرخ، كان في أي عام ومن قبل أي سلطة. وليس ذلك مهما في حدود بحثنا.
وإذا كان المراد من العجم، غير العرب من البشر، كما قلنا، كان كل حرب تقع بين معسكرين أو دولتين غير عربيتين، يمكن أن يكون مصداقا لهذه النبوءة.
ويكفينا أن نعرف إن مثل هذه الحروب لم تكن مهمة ولا ملفتة للنظر عالمياً في زمن النبي(صلّی الله علیه وآله ) والأئمة المعصومين (علیهم السّلام). تمخضت هذه الحروب في الأزمنة المتأخرة عن ذلك بعدة قرون.
ولسنا بحاجة إلى تحصيل المثال علىٰ ذلك، من الحروب..... بعد الحروب التي
1) أنظر دلیل خارطة بغداد ، ص 193 -149.
وقعت بين ألمانيا وفرنسا أو بين بريطانيا وفرنسا أو بين تركيا واليونان. أو غير ذلك خلال التاريخ الحديث.
بل يكفينا النظر إلىٰ الحربين العالميتين الواقعتين في النصف الأول من القرن الحالي. فإن كل واحدة منهما تمثل خلافاً دموياً بين عدة دول غير عربية. وقد تسببت إلىٰ إزهاق الملايين من النفوس. وقد كانت أشد تأثيراً علىٰ بلادالإسلام من الحروب الأوربية الداخلية التي كانت تحدث بين الإفرنج في العصور الأسبق منها.
نكتفي بهذا المقدار من التنبوءات المتحققة تاريخياً، وهي بمجموعها تشكل دليلاً قطعياً علىٰ صدق قائليها المعصومين (علیهم السّلام) ذلك الصدق الدال علىٰ صدق سائر أقوالهم بما فيه أخبارهم عن ظهور الإمام المهدي(علیه السّلام) .
وقد يخطر في الذهن هذا السؤال: وهو أننا باستعراض هذه العلامات الواقعة تاريخية، بل حتىٰ العلامات التي لم تقع، مما سنذكره... نرىٰ إن أكثرها تدور حول المنطقة الإسلامية من العالم. وأمّا التعرض إلى حوادث تقع في المناطق الأخرىٰ، فهو في غاية القلة. فلماذا حدث هذا الاختصاص.
فنقول في جوابه: إن لهذا الاختصاص دخلا أساسياً في التخطيط الإلهي ليوم الظهور فإن المخلصين الممحصين الذين يتم إعدادهم لتكفل مسؤولية الظهور مع المهدي (علیه السّلام) هم من المسلمين لا محالة. وهم الذين ينبغي أن تنبههم العلامات - كما قلنا إلىٰ تحقق الظهور. مضافا إلىٰ الأفراد المخلصين من المرتبتين الثانية والثالثة من مراتب الإخلاص التي قلناها.
ومعه فمن المنطق أن تختص هذه العلامات، بالشكل الذي تحقق هذا الهدف... وذلك لا يكون إلّا إذا كانت تحدث في العام الإسلامي، أو تكون ملفتة لنظر المسلمين إن حدثت في الخارج.
وعلىٰ هذا درجت كل العلامات الواردة عن النبي(صلّی الله علیه وآله ) والأئمة (علیهم السّلام) إيفاءٌ لهذا الغرض.
وما يمكن ضبطه من أسباب الشك، كقاعدة عامة، سببان:
أحدهما: الشك في مدلول الرواية، باعتبار العلم برمزيتها، وأن المراد منها مصادیق لا تتضح من اللفظ بصراحة. ومن هنا لا يفهم بوضوح انطباقها علىٰ الحوادث التاريخية الحاصلة.. وعدمه.
ثانيهما: الشك في ما قاله التاريخ، بمعنی احتمال أن يكون المشار اليه في بعض التنبوءات، أمورة أهملها التاريخ، ولم يتعرض لها. وما اكثر ما أهمل التاريخ من الحوادث.
ويتدرج في ذلك عدد من الوقائع والحروب، ونحوها، المذكورة في هذه الروايات. وسنحمل عنها فكرة كافية في الجهة الآتية من الكلام إن شاء الله تعالىٰ..
ولا يوجد ما يحول دون هذا الشك، سوىٰ التدقيق الزائد في فهم الروايات، ومحاولة تنظيمها منطقياً موافقاً لقواعد الإسلام، كما سنحاول في الجهة الأتية. مع التدقيق في المصادر التاريخية، وفهمها فهماً منظماً أيضاً. وما بقي من الشكوكات، لو فرض ثبوتها بالتشدد السندي، فالأفضل إيكال علمها إلى الله عز وجل.
ويكون بأحد السببين السابقين تدارکه بالتدقيق في الروايات وفهمها فهماً منظماً بما في ذلك الروايات التي تتحدث عن الحوادث السابقة علىٰ الظهور أو التي تتحدث عما يحدث بعده.
والضابط الذي يمكن التوصل إليه الآن، قبل الوصول إلى تفاصيل الجهة الآتية: هو إن كل حادثة تدل علىٰ الانحراف أو على بعض نتائجه، فهي متقدمة علىٰ الظهور، باعتبارها مرتبطة بعصر الفتن والانحراف المسبب عن التمحيص الإلهي، كما سبق أن عرفنا.
وكل رواية تدل علىٰ حسن الزمان وحصول الرفاه فيه وتطبيق الإسلام، فهو راجع إلىٰ ما بعد الظهور. وقد أسلفنا ذلك، وأقمنا القرينة علىٰ إن ما دل علىٰ الانحراف غیر مربوط بالحوادث المباشرة لقيام الساعة، بل بالحوادث السابقة علىٰ
الظهور.
إلّا أن ما يندرج ضمن هذا الشك قليل نسبياً، مع تكفل الكثير من الروايات التصريح بهذا التوقيت.
يندرج في ذلك: ما يقع بعد الظهور مباشرة أو ما ينتج عنه، أو ما يقع بعده بتاريخ طويل، أو ما يقع قبل قيام الساعة مباشرة. وكل ذلك قد نفرض قيام الدليل علىٰ تعيينه الزمني، كما هو الأغلب، وقد نفرض الشك في ذلك وتعذر الاستدلال عليه... فيبقى علمه إلىٰ الله عز وجل..
وبهذا تنتهي الناحية الأولى من الجهة الرابعة، في الترتيب الزمني للحوادث.
وهي تنقسم إلىٰ ثلاثة أقسام، يقع الكلام فيها ضمن ثلاث نقاط:
وانما اكتسب علاميته وأماريته عن الظهور، باعتباره حادثاً مهماً ملفتاً للنظر، اختاره النبي (صلّی الله علیه وآله ) أو أحد الأئمة (علیهم السّلام) ، ليكون دالا علىٰ الظهور.
يندرج في ذلك كل ما أسلفناه مما وقع من العلامات في التاريخ، وكل الحوادث التي اكتسبت علاميتها ودلالتها باعتبار دخلها في التخطيط الإلهي كما قلنا. كما يندرج في ذلك كثير من العلامات المروية الأخرىٰ، كقتل النفس الزكية وخروج الدجال، وعدد من الحروب المروية مما عرفناه ومما سنعرفه.
لابد أن نلاحظ، بهذا الصدد، إن المراد من كونه طبيعياً، هو إن الحادث المقصود حقيقة للرواية لم يقع عن طريق المعجزة . وقد تكون الدلالة المطابقية للعبارة القائمة علىٰ الرمز، توحي بوجود المعجزة، كالخبر الذي ورد عن الدجال أن معه جنة ونار فناره جنة وجنته نار، والخبر الذي ورد عن انحسار الفرات عن كنز من ذهب. ونحوه مما سيأتي مع تفسيره في الجهة الأتية..
طبقاً لقانون المعجزات الذي ذكرناه.
ونحن في صدد حساب ذلك، لا بد أن نرجع فيه إلى كل مورد، لنرىٰ مطابقته لهذا القانون وعدمه. وهذا واضح.
وإنما لابد الآن من الإشارة إلىٰ ما سبق أن أشرنا إليه، ولم نعط تفسيره الكامل. من أنّ المستفاد من بعض الروايات قيام بعض العلامات على الإعجاز، خصيصاً لتنبيه المخلصين الممحصين علىٰ الظهور. فما هو تفسير ذلك؟
ولعل أوضحها وأصرحها في ذلك ما روته المصادر الأمامية، بسند یکاد یکون متشابهاً لولا اختلاف في نسخ النساخ، عن أبي جعفر الباقر(علیه السّلام) أنه قال: - برواية الشيخ الطوسي(1)« آيتان تكونان قبل القائم، لم تکونا منذ هبط آدم (علیه السّلام) إلىٰ الأرض. تنکسف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره.
فقال رجل: يا ابن رسول الله، تنکسف الشمس في آخر الشهر، والقمر في النصف؟.
فقال أبو جعفر: أنيٰ لأعلم بما تقول، ولكنهما آیتان لم تکونا منذ هبط آدم عليهما السلام ». وروىٰ النعماني في غيبته (2)عن أبي جعفر (علیه السّلام) أيضاً أنه قال: « أن بين يدي هذا الأمر انکساف القمر لخمس تبقى والشمس لخمس عشرة، وذلك في شهر
رمضان، وعنده يسقط حساب المنجمين» .
وبسند آخر عن أبي عبدالله الصادق (علیه السّلام) أنه قال: « علامة خروج المهدي کسوف الشمس في شهر رمضان في ثلاث عشرة وأربع عشرة منه».
ولا شك بإمكان ذلك عقلاً، وليس بمستحيل فالكسوف الشمسي يقع بسبب توسط القمر بين الشمس والأرض. ومن الواضح انه لا فرق في النتيجة وهي اختفاء الشمس، بين أن يكون القمر مظلماً في آخر الشهر أو أن يكون مضيئاً في وسطه.
كما أن خسوف القمر يحدث لتوسط الأرض بينه وبين الشمس. ولا فرق في ذلك أيضاً بين أن يكون هلالاً في أول الشهر أو آخره، وبين أن يكون بدراً في وسطه. غير أن الظل الأرضي إذا صار على القسم المظلم من القمر لم يؤثر فيه شيء ولم يمكن رؤيته. وأمّا إذا صار هذا الظل علىٰ القسم المضيء من القمر، أي الهلال، اثر فيه وذهب ببعضه أو بجميعه .
فبحسب التجريد العقلي ممكن وبقدرة الله تعالى ممكن. وهو الذي خلق الكون، وله التصرف فيه كيف يشاء. وانما الشيء الذي لا بد أن نعرفه هو مطابقته لقانون المعجزات، مع التأكد من كفاية هذه الأخبار للإثبات التاريخي مع التشدد السندي الذي تسير عليه.
أمّا بحسب قانون المعجزات، فلا شك أن في حدوث ذلك تأكيداً وترسيخاً لفكرة المهدي (علیه السّلام) في أذهان الناس، لا عند المخلصين الممحصين فقط، بل عند كل من يعرف بان هذه الآية ستقع قبل الظهور. وسيتحول العديد من الناس إلىٰ اشد المؤمنين بالمهدي (علیه السّلام) والمدافعين عنه، ممن لم يكن قبل ذلك علىٰ هذا الأيمان. أو بتعبير آخر: أنه يوجب صعود درجات الإخلاص في انفس المخلصين لإحدىٰ مراتب الإخلاص السابقة. ولعل ظاهر هذه الروايات، كون هذه الآية من الآيات القريبة من الظهور. ومعه يكون
إيجادها إرشاداً وتنبيهاً للمخلصين الممحصين بالاستعداد للقاء القائم المهدي (علیه السّلام) والجهاد بين يديه. باعتبار أن الفرد منهم لا يشعر بنجاز شرط الظهور وتحققه كما قلنا. ولعله أيضاً يغفل عن عدد العلامات التي تقع وقوعاً طبيعياً أو يجهل ارتباطها بالمهدية (علیه السّلام) ومن هنا كان لا بد للتنبيه القوي أن يقع لكي يهز كل الضمائر المخلصة.
ومن المعلوم أنّ التفات مجموع المخلصين الممحصين إلى قرب الظهور ووقوعه ضروري. لأنّ المفروض أن عددهم بمقدار الحاجة لا اكثر، فإن نقصوا كان ذلك مخلاً بنجاح اليوم الموعود. ومن هنا انبثقت الحاجة إلىٰ هاتين الآيتين.
وأمّا من حيث كفاية هذه الأخبار للإثبات التاريخي، فهي من حيث العدد متعاضدة ومتساندة في إثبات مؤداها. ومعه تكون مقبولة، ما لم تتناف مع قانون المعجزات، وإلّا لزم رفضها. فلو جزمنا بتوقف إقامة الحجة، أو إيجاد اليوم الموعود عليها، فهو، وإلّا كان قانون المعجزات منافياً مع هذه الروايات. ونحن لا نستطيع الجزم بهذا التوقف لكفاية المعجزات الأخرىٰ لإقامة الحجة واضطلاعها بالمهمة، فلا يتعين الحاجة إلى هذه المعجزة التعيين.
نعم، لو لم تكن هذه الظاهرة إعجازية، بل كانت نادرة الوقوع جداً في الكون، بحيث لم توجد في عمر البشرية الطويل وإن كانت لعلها قد وجدت قبلها، كما قد يستشعر من الرواية. ففي مثل ذلك تكون الروايات الدالة على حدوثها كافية الثبات التاريخي.
إلّا أن هذا الفهم بعيد جداً، بعد فرض حدوث الخسوف والكسوف النادرين في شهر واحد، فتبقى الظاهرة إعجازية. ولتدقيق هذه الفكرة مجال آخر.
ولعل مما يندرج ضمن هذه المعجزات: الصيحة والنداء، مما لم نحمله علىٰ محمل طبيعي. ومنها الخسف بالبيداء إذا لم نحمله علىٰ العقاب الدنيوي المستعجل أو علىٰ حماية أهل الحق. وسيأتي التعرض إلىٰ كل ذلك في الجهة الأتية ان شاء الله تعالی.
وأوضح ذلك وأصرحه ما دل علىٰ قيام المعجزات من قبل أنصار الباطل والمنحرفين عن الحق. وذلك أدهىٰ وأمر من مجرد قيام المعجزة بلا موجب، فإن فيه تأييد للباطل وإغراء بالجهل يستحيل صدوره عن الله عز وجل.
فإن قال قائل: أن مبرر مشروعية ذلك هو أنه قائم علىٰ أساس التمحيص والامتحان وسبب له. حيث تدل الأدلة علىٰ أنّ سبب التمحيص منقسم إلىٰ قسمين: طبيعي وإعجازي. ولعمري إنّ السبب الإعجازي اشد تمحیصاً أكدنتيجة. فإن الأيمان بكذب من قامت المعجزة علىٰ يديه من أصعب الأشياء. قلنا: كلا، فإن هذا مما لا يستقيم بالبرهان. فإن التمحيص الموجب للتربية الحقيقية، ليس هو إلّا ما كان عن سبب طبيعي وعن عيش حياتي طويل.
وأمّا التمحيص الإعجازي، فقد يكون ممكنا لو توقف عليه إتمام الحجة. يندرج في ذلك كل معجزات الأنبياء فإنه لا محالة - محك للتمحيص والاختبار إذ یریٰ من يؤمن بنتائجها ممن یکفر بها.
وأمّا المعجزة الموهمة بالباطل والمغررة للجاهل، فغير ممكنة الصدور عن الله عز وجل بالبرهان. والأيمان بكذب من قامت المعجزة علىٰ يديه غير ممكن إلّا على أساس الانحراف. وذلك ليس إلّا للبرهان القائم علىٰ أنّ الله تعالى لا يظهر
المعجزة علىٰ يد الكاذب، كما برهن عليه في محله من العقائد الإسلامية. فكيف يكون الباطل المستحيل طريقاً للتمحيص وإقامة الحق، وتربية المخلصين. ولعمري أن ذلك قائم علىٰ الفهم السيىء لقوانين الإسلام.
إذن، فلابد من استعراض ما ورد من الروايات المتنبئة بحوادث من هذا القبيل، لأجل التخلص عنها في الجهة الآتية. ولا بد أن نلاحظ سلفاً أن ما هو الميزان في الرفض والأخذ بالرواية انما هو مقصودها الواقعي لا عبارتها الرمزية.
وسنذكر الآن عدداً مما خالف قانون المعجزات، فما كاد صریحا في ذلك رفضناه. وما كان رمزياً باعتبار الفهم المتكامل للروايات الذي سوف يأتي في الجهة الاتية، أمكن الأخذ به على تقدير إمكان إثباته بالتشدد السندي.
ويمكن تعداد المهم من ذلك ضمن الصور التالية:
حيث دل ما أخرجه مسلم في صحيحه من الروايات وغيره، علىٰ أن الدجال هو ابن صائد، وانه لم يؤمن برسول الله(صلّی الله علیه وآله ) بالرغم من طلبه شخصياً منه. بل هو ادعىٰ الرسالة، وحاول عمر بن الخطاب قتله، فقال له رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) : « ان يکنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله (1).
1) صحیح مسلم ، ج 8 ص 192.
وفي رواية أخرىٰ: «أن يكن الذي ترى فلن تستطيع قتله» (1).
وفي رواية ثالثة: « فإن يكن الذي تخاف فلن تستطيع قتله »(2).
والمراد: انه لو كان هو الدجال، فهو غير قابل للقتل أساسا، لأنّ الله تعالىٰ قد قدر له طول عمره. وهذا النص، بالرغم من أنّه لا يعطي الجزم بان ابن صائد هو الدجال بالتعين. ولكنه يدل بوضوح بأنه لو كان هو الدجال، فهو ممن لا بد من بقائه إلىٰ حين قيامه وظهوره. وبما يؤيد ذلك ما أخرجه مسلم أيضاً(3)عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله )أنه قال: « ما بين خلق آدم إلىٰ قيام الساعة خلق اكبر من الدجال». لو فهمنا منه طول العمر.
ولا نريد أن نناقش في أنّ ابن صائد هو الدجال أم لا. فقد طعن في ذلك محمد بن يوسف الكنجي في كتابه البيان(4). وأنكره ابن صائد نفسه، فيما أخرجه مسلم عنه (5)قائلاً: « يزعمون أني الدجال، الست سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) يقول، انه لا يولد له قال الراوي: قلت : بلا قال: فقد ولد لي: أو ليس سمعت رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) يقول: لا يدخل المدينة ولا مكة. قلت: بلىٰ قال: فقد ولدت بالمدينة وها أنا ذا أريد مكة».
ومما يدل علىٰ طول عمر الدجال: حديث الجساسة، الذي أخرجه عدد من الصحاح منهم مسلم(6)وفيه يقول: « الرجال أنا المسيح، وإني، أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأسير في الأرض فلا ادع قرية إلّا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة
وطيبة، فهما محرمتان علىّ كلتاهما ، فإذا علمنا أنّه لم يؤذن له بالخروج من حين عصر تميم الداري إلىٰ الآن، وهو ما يزيد علىٰ الألف عام. عرفنا كيف يدل هذا الحديث علىٰ طول عمره.
ولعمري أنّ من العجب أنّ إخواننا أهل السنة والجماعة، يؤمنون به وبالمصادر الحديثة التي دلت عليه. ولكنهم يستبعدون غيبة المهدي (علیه السّلام) وطول عمره. مع قلة الروايات عن الدجال وطول عمره وتكاثرها عن المهدي (علیه السّلام)بالرغم في سببية الإمام المهدي(علیه السّلام) لهداية العالم وتنفيذ الغرض الإلهي الكبير، وليس الدجال كذلك.
فالجماعة يرون الدجال شخصاً طویل العمر، غائباً منعزلاً في جزيرة في البحر، كما يدل عليه حديث الجساسة. وأمّا المهدي(علیه السّلام) فشخص يولد في زمانه. علىٰ حين أنّ الذي ينبغي أن يقال بكونه هو الحق عكس ذلك - لو مشينا على الأطروحة الكلاسيكية لفهم الدجال - وهو إنّ المهدي طويل العمر وغائب عن الأنظار، وأمّا الدجال فشخص يولد في حينه.
فإنّ المهدي (علیه السّلام) مذخور لثورة الحق وتطبيق الغرض الإلهي الكبير. فهل بالإمكان أن بقال: إنّ الدجال مذخور لثورة الباطل وإغراء الناس بالجهل؟ وهل يصح أن يكون هذا غرضاً إلهياً، بشكل من الأشكال !!
وإنما الصحيح، انطلاقاً من هذه الأطروحة، كون الدجال شخصاً اعتيادياً منحرفاً أو كافراً يوفر لانتشار حكمه وسلطته علىٰ رفعه كبيرة من الأرض. فيكون كل من انبعه علىٰ الباطل، وكل من خالفه علىٰ الحق.
وأمّا علىٰ الأطروحة المقابلة، وهي التي تنفي أن يكون الدجال شخصياً بذاته وإنما هو عبارة رمزية عن التيارات الكافرة والمنحرفة فكرياً وسياسياً واقتصادياً.. فهذا ما سنعرضه بشكل تفصيلي في الجهة الأثية. وقد يكون من الدليل عليها ما ورد من طول عمر الدجال علىٰ أي حال.
يدل عليه حديث الجساسة نفسه(1)إذ يقول فيه الدجال: «فلا ادع قرية إلّا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان علن كلتاهما. كلما أردت أن ادخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده سيف صلِيتاً يصدني عنها ».
وهذا الحديث غير صالح للإثبات التاريخي، بعد التشدد السندي الذي اتخذناه.
وهولا يوضح لماذا يحرم علىٰ الدجال دخول مكة والمدينة، ولماذا يمنع عنهما منها إعجازياً. فإن كلا الأمرين لا يصحان.
فإن هذه الحرمة لا يخلو حالها من أحد شکلين:
أن تكون حرمة تكوينية قهرية، يخططها الله تعالىٰ من اجل حفظ احترام البلدين المقدسين من أن يعبث الدجال فيهما فساداً.
وهذه الحرمة غير ثابتة لهذين البلدين جزماً، وإلّا لما أمكن إحراق الكعبة في عهد یزید بن معاوية الأموي (2)، ولا استباحة المدينة ثلاثة أيام في وقعة الحرة (3)ولا هجوم القرامطة علىٰ الكعبة وسفكهم الدماء في المسجد الحرام وخلعهم الحجر
الأسود ونقله إلىٰ هجر(1).
وإذا لم تكن مكة والمدينة محصنتین تحصيناً إلهياً قهرياً ضد هذه الحوادث وأمثالها، فلا معنیٰ لمنع الدجال عنهما بهذا الشكل علىٰ أي حال.
أن تكون الحرمة تكليفية، تشبه في فكرتها حرمة القتل والسرقة، مع إمكان الفعل بحسب أصله. وتنشأ هذه الحرمة من أحد سببين محتملين، إن تم أحدهما فهو، وإلّا كانت هذه الحرمة منتفية أيضاً.
إن الدجال شخص کافر نجس، کالكلب والخنزير في نظر الإسلام. فيحرم عليه دخول الحرمين المقدسين.
ولا نريد أن نناقش في كفر الدجال ونجاسته، إلّا أنّ حرمة دخوله، علىٰ هذا التقدير، من تكليف المسلمين، فيجب عليهم دفعه عنها وصده عن دخولها إن استطاعوا. أمّا هو فلا يشعر بهذه الحرمة، لأنه كافر، وهو خلاف ظاهر الحديث.
أن يكون سبب الحرمة تحصين أهل مكة والمدينة من الغواية والانحراف الذي يعطيه الدجال.
وهذه الحرمة صحيحة، وثابتة لمعطي الانحراف وآخذه. إلّا إنها غير مختصة بأهل مكة، بل شاملة لكل الناس على إنها قد شرعت لأجل وضع الناس تحت التمحيص والاختبار، ومن حيث إطاعة هذا التشريع وعصيانه، بما في ذلك أهل
1) المصدر ، ص 204 وأنظر تاریخ الغيبة الصغرىٰ ص 360.
الحرمین والدجال نفسه، فلا معنىٰ لأن يكون التحصين مكتسباً أهمية وقوة فوق درجة التمحيص الإلهي. ولئن كان الحرمان مقدسين في الإسلام، فإن ساكنيهما كسائر الناس، لم يثبت لهما أفضلية عن الآخرين.
ومعه فالصحيح، إن الله تعالىٰ إذا أراد منع الدجال من دخول مكة والمدينة،بشكل لا يزيد المخطط العام للدعوة الإلهية، فإنه يوجد أحد أمرين:
أن يصرف الله تعالى ذهن الدجال وهمته أساسا عن غزو هاتين المدينتين أو دخولهما، بشكل لا يستلزم الجبر ولا الإعجاز، فمثلا يمكن أن تصبح ظروف الدجال بشكل يدرك بوضوح عدم مطابقة دخول المدينة ومكة مع مصالحة.
أن يمنع الدجال من دخولهما من قبل المسلمين الصالحين، عن طريق الحرب أو غيرها.
هذا كله طبقا للفهم الكلاسيكي للدجال.
فمن ذلك: ما أخرجه مسلم(1)عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) وقد تحدث عن أيام الدجال. قال الراوي: « قلنا يا رسوله الله، وما لبثه في الأرض. قال: أربعون يوماً، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا يا رسول الله، فذلك اليوم الذي
1) ج 8 ص 197.
کالسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا. اقدروا له قدره ».
وكما روی طول الزمان رویٰ قصره أيضاً.
أخرج البخاري(1)عن النبي (صلّی الله علیه وآله ) أنه قال: « يتقارب الزمان.. »الخ.
وأخرج ابن ماجة (2): قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) - وهو يتحدث عن الدجال - : « وأنّ أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والسنة کالجمعة، وآخر أيامه کالشررة، يصبح أحدكم علىٰ باب المدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتىٰ يمسي. فقيل له: یا رسول الله. كيف نصلي في تلك الأيام القصار. قال: تقدرون فيها الصلاة، كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا ».
ويكفينا في بطلان الحديثين، تنافيهما وتعارضهما في المدلول، من حيث دلالة أحدهما علىٰ طول الزمن والآخر علىٰ قصره، في نفس الوقت، وهو عصر الدجال.
فإن قال قائل: ليس الطول والقصر، علىٰ وجه الحقيقة، بل يراد به الكناية عن الجو النفسي الذي يعيشه المسلمون يومئذ. فإنه من المحسوس وجداناً مع الأنس والفرج ينقضي الزمان بسرعة، فكأنه قد قصر، ومع الهم والكمدينقضي ببطء فكأنه قد طال.
قلنا: إن هذا التفسير يبطل الفهم الإعجازي للحديث، ويجعل المسألة نفسية طبيعية. لا أنه لا يحل التعارض، لتهافت الخبرين من حيث الدلالة علىٰ الجوالنفسي يومئذ. والمفروض هو الحديث عن الجو العام لدعم المسلمين، فهل هو جو الفرج لكي يكون الزمن قصيراً كما دل عليه أحد الخبرين، أو هو الحزن والكمد، لكي يكون الزمن طويلاً، كما دل عليه الخبر الآخر. إذن فالتعارض لا زال موجوداً.
فإن قال قائل: لعل حركة الدجال تحدث في بلاد السويد والنرويج التي يختلف فيها نظام الأيام عن نظامنا۔
قلنا: هذا لا يمكن حمل الحديث عليه لوجهين:
إن المفروض في الفهم الاعتيادي للدجال، هو خروجه في بلاد الإسلام، وما أخرجه ابن ماجة صريح في أن المسالة لا تعدو الحجاز والعراق والشام. فراجع، في حين أن البلاد الاسكندنافية ليست من بلاد الإسلام.
إن النظام المعطي في الحديث للأيام فذ في بابه، فالحديث الذي يخبرنا عن طول الزمان يقول: إن يوماً واحداً من أيام الدجال طوله كطول سنة واليوم الذي بعده طوله كطول شهر واليوم الذي بعده طوله كطول أسبوع. وباقي الأيام إلىٰ الآخر كأيامنا اعتيادية.
والحديث الذي يخبرنا عن القصر، يقول: إن السنة نفسها تصغر تدريجا، فتصبح أولاً كطول ستة أشهر، ثم كطول الشهر ثم كطول الأسبوع، وهكذا حتىٰ تبقىٰ الأيام في النهاية كالشرارة الواحدة، وتكون السنة عبارة عن 365 شرارة. قد لا تعدو الساعة الواحدة الزمنية.
ومثل هذا النظام في الطول أو القصر، لا يوجد في أي مناطق العالم كما هو معلوم
فإذا عرفنا إن إيجاد هذا النظام الجديد في أيام الدجال، بالمعجزة، لا مبرر له، بل يكون في مصلحة الدجال نفسه، عرفنا عدم صحة هذه الأخبار. ما لم تدخل في فهم منظم متكامل جدید، سنذكره في الجهة الآتية إن شاء الله تعالی.
فمن ذلك ما أخرجه مسلم(1)عن أبي سعيدالخدري، قال: « حدثنا رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) حديثا طويلاً عن الدجال، فكان فيما حدثنا إن قال: يأتي وهو محّرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلىٰ بعض السباخ التي تلي المدينة. فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس . فيقول له: اشهد انك الدجال الذي حدثنا رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) حديثه ».
فيقول الدجال: « أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، أتشكون في الأمر؟
فيقولون: لا. قال: فيقتله ثم يحييه. فيقول حين يحييه: والله ما كنت فيك اشد قط بصيرة مني الآن. قال: فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه ».
وفي حديث آخر لمسلم (2)عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) يقول فيه: « فإن رآه المؤمن قال: يا أيها الناس، هذا الدجال الذي ذكر رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) . قال: فيأمر الدجال به فیشج، فيقول: خذوه وشجوه، فيوسع بطنه وظهره ضرباً. قال: فيقول: أو ما تؤمن بي؟ قال: فيقول أنت المسيح الكذاب.
« قال: فيؤمر به فيؤشر بالمنشار من مفرقه حتىٰ يفرّق بين رجليه. قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين. ثم يقول له: قم. فيستوي قائماً. قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلّا بصيرة.
«ثم يقول: يا أيها الناس، انه لا يفعل بعدي بأحد من الناس. قال: فيأخذه الدجال ليذبحه، فيُجعل ما بین رقبته إلىٰ ترقوته نحاساً، فلا يستطيع أليه سبيلاً. فيأخذ بيديه
ورجليه، فيقذف به، فيحسب الناس إنما قذفه في النار، وإنما القي في الجنة. فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) : هذا أعظم شهادة عند رب العالمين ».
وهذا المضمون الذي يدل عليه ظاهر العبارة، من أوضح موارد إقامة المبطلين للمعجزات، وقد سبق أن برهنا على فساده.
وقد يمكن الدفاع عن هذا المضمون، بأنّ تمكين الله تعالىٰ للدجال من إقامة المعجزات، يراد به فضحه وكشف كفره وغلظته للناس عن طريق صمود هذا المؤمن أمامه.
إلّا أنّ هذا الدفاع غير صحيح، فإنه إنما يصح علىٰ تقدير انحصار أسلوب فضحه وكشف دجله بذلك. إلّا إنّه من المعلوم عدم انحصاره بذلك. إذ يمكن أن تكشف عنه أفعاله، عن طريق التمحيص الذي يمر به، فيوجب فضح نفسه بنفسه ويجري إلىٰ حتفه بظلفه، كالذي نرى من المبادئ المنحرفة اليوم، ومن بعض الجبابرة السابقين، الذين لم يخلفوا بعدهم إلّا الكراهة، كالحجاج وطغرل بك وتيمورلنك وأضرابهم. ومعه لا حاجة إلىٰ إقامة المعجزات من اجل كشفه.
ويدلنا على ذلك قول المؤمن- في نفس الرواية « يا أيها الناس، انه لا يفعل بعدي بأحد من الناس »، يبشرهم بأنه لن يقتل أحداً بعده. ومعنىٰ ذلك أن قتله للناس معروف فيهم مشهور بينهم، والتذمر من ظلمه عام في المجتمع. حاله في ذلك حال سعید بن جبير الذي دعا حين أراد الحجاج قتله قائلاً. اللهم لا تسلطه علىٰ أحد بعدي في قضيته المشهورة. ومعه فلا حاجة إلىٰ قيام المعجزة لكشفه.
هذا بحسب ظاهر العبارة. وأما حمل هذه الأحاديث علىٰ الرمز، فهو في غاية الإشكال.
وذلك: فيما رواه الصدوق في إكمال الدين(1)عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) يقول فيه: «إنه يخرج علىٰ حمار ما بين أذنيه میل، یخرج ومعه جنة ونار، وجبل من خبز؟ شلال من ماء... » الخ. الحديث.
ومن المعلوم إن ما بين أذني الحمار الاعتيادي لا يعدو عرض الإصبعين أو الثلاثة أصابع. فإذا كان هذا المكان منه بمقدار میل، فكيف بضخامة أجزاء جسده الأخریٰ.
وهذا - بلا شك - من فوارق الطبيعة المنسوبة إلى أحد المبطلين، وقد برهنا علىٰ عدم إمكان الأخذ به أو التصديق به، بحسب القواعد الإسلامية العامة. نعم، يمكن حمله علىٰ الرمز، علىٰ ما سيأتي في الجهة الآتية: عطفاً علىٰ عدد من الأمور التي أخرجها الصدوق من صفات الدجال، مما يمكن حمله على الرمز ويندرج في الفهم المتكامل العام، علىٰ ما سنوضح إن شاء الله تعالی.
وأمّا إن معه جبلاً من خبز ونهراً من ماء، فهو معارض، بما أخرجه الصحيحان (2)
عن المغيرة بن شعبة أنه قال: واللفظ للبخاري: «ما سال أحد النبي(صلّی الله علیه وآله ) عن الدجال ما سألته: وانه قال لي: ما يضرك منه؟ قلت: لأنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء. قال: هو أهون علىٰ الله من ذلك ».
وسيأتي تفسير ذلك، بشكل يرتفع به التعارض بين هذين الخبرين، فانتظر.
ما أخرجه الصحيحان(1)عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) انه قال: «لا تقوم الساعة حتیٰ تخرج نار من ارض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصریٰ ».
ومن الواضح إن ما يدل عليه ظاهر العبارة، حادث معجز لا ربط له بإقامة الحجة، فلا يكون الأخبار عنه قابلا للتصديق.
إلّا أن المظنون أنه يراد به ظهور المهدي (علیه السّلام) نفسه، فإنه يظهر في أرض الحجاز، كما دلت عليه الروايات، وأمّا التعبير عنه بالنار فباعتبار کونه ناراً علىٰ المشركين والكافرين والمنحرفين. مع الإشارة إلى سعة ضوئه ونوره بمعنىٰ عدله ولطفه، بالمقدار الذي يفهمه الناس أيام عصر النبي (صلّی الله علیه وآله ) من سعة الأرض، وأنه بين أرض الحجاز إلىٰ بصرىٰ الشام بون بعيد ومسافة مترامية.
والنص على أعناق الإبل، فيه دلالة علىٰ أن الإبل متوجهة بوجهها وعنقها إلىٰ مصدر النار والنور. ومعنىٰ ذلك: أن المتوجه إلىٰ نور المهدي (علیه السّلام) والمعتقد بهداه هو المستضيء بنوره والمهندي بعدله وحكمه.
وأمّا كون الظهور من أشراط الساعة، فواضح، باعتبار کونه سابقاً عليها، ولو بدهر طويل من الزمن.
1) البخاري ، ج 9 ص 73، و مسلم ج 8 ص 180.
وذلك: فيما أخرجه مسلم(1)عن النبي (صلّی الله علیه وآله ) في تعداد أشراط الساعة، إنه قال: « وآخرها نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلىٰ محشرهم». وفي رواية أخرىٰ: « ونار تخرج من قعر عدن ترحّل الناس ». ونحوه ما رواه الشيخ في الغيبة(2). إلّا إنّه قال: «تسوق الناس إلى المحشر ».
والظاهر، إنّ هذا - علىٰ تقدير صحته . من أشراط الساعة المتأخرة عن الظهور، والقريبة من يوم القيامة. كما تشير إليه الرواية الأولىٰ، مصرحة إنها آخر الآيات. ومعه يخرج عن محل بحثنا، فلا حاجة إلىٰ تمحيصه.
إنه سوف يحسر الفرات عن كنز من ذهب:
أخرج الصحيحان (3)بسند یكاد يكون مشتركاً وبلفظ واحد عن النبي(صلّی الله علیه وآله ) ، إنه قال: « يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حفره فلا يأخذ منه شيئاً ».
وآخرها(4)بسند آخر يقول:عن جبل من ذهب. وأضاف مسلم (5)عليه: « يقتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون. ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا
الذي أنجو»، ومثلها رواية أخرىٰ أيضاً(1). وأخرجت الصحاح الأخرىٰ مثل ذلك، غير إننا لا نروي عنها فيما أخرجاه.
ونحن إذا غضضنا النظر عن عدم إمكان إثبات مثل هذا المضمون، بالتشدد السندي، أمكننا أن نفهمه على عدة أطروحات:
ما هو ظاهر العبارة من أنّ ماء الفرات ينكشف ويزول عن محله، فيظهر تحته أكداس عظيمة من الذهب، فيطمع فيه الناس ويقتتلون على أخذه. والتكليف الإسلامي الواجب يومئذ . كما تصرح به الرواية الأولىٰ - : « أن لا يشارك الفرد في الطمع ولا في الحرب، بل عليه أن ينصرف عن الأخذ من هذا الذهب تماماً ». وهذه الأطروحة لوصحت، فهي لا تدل علىٰ حصول المعجزة، في انحسار الفرات، بل لعله ينحسر تحت ظروف طبيعية معينة، كتغير مجراه، فيرىٰ الناس تحته ذهباً كثيراً لم يكونوا يعلمون بوجوده.
إلّا أنّ حصول ذلك بعيد جداً بالوجدان، لا يكاد يكون محتملاً أصلاً.
أن يفسر هذا الحديث بمقدار الخيرات العظيمة التي ينتجها هذا النهر المبارك... أمّا بحمله علىٰ الخيرات الزراعية التي تحصل علىٰ جانبيه علىٰ مر التاريخ، وقدتحصل في بعض السنين أضعاف ما تحصل في سنوات أخرىٰ. وأمّا بحمل الخبر علىٰ إنه سيُستخرج من مياهه النفط المسمىٰ بالذهب الأسود. ولعل هذا انسب بما
1) المصدر ، ص 175.
يعطيه الحديث من أن الكنز کامن في جوف الفرات أو تحت مائه، وانه لا يمكن استخراجه إلا بإزالة الماء بشكل من الأشكال.
ومعه، يحمل اقتتال الناس على التنافس الإستعماري علىٰ منطقة الفرات طمعاً بكنوزه من قبل الدول الكبرىٰ المتعددة، هذا التنافس الذي كلف الكثير من الأموال والنفوس. وأمّا بقاء الواحد بالمئة من المتحاربين، فلا بد أنّه يحمل علىٰ المبالغة في كثرة القتلى لا على التحديد.
أن يحمل الفرات على معنى الحق أو الدعوة الإلهية، بقرينة قوله عز من قائل: « «وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا » (1). مع تفسير الفرات بالحق والأجاج بالباطل. بقرينة ورودها في سياق الحديث عن الدعوة الإلهية، فيما سبقها من الآيات. قال الله تعالى: «وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا .فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا .وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ »... الخ. ويحمل الحجر المحجور على الفاصل الذاتي البرهاني الذي لا يمكن خلطه بين الحق والباطل.
ويكون معنىٰ انحسار الفرات عن الذهب، اتضاح الحق بمقدار کبیر وزيادةمخلصيه ومؤيديه، في عصر الفتن والانحراف.. فيتصدىٰ لهم جماعة من المنحرفين والكافرين، فيقاتلهم المؤمنون دفاعاً عن أنفسهم فيكثر القتلىٰ حتىٰ يمكن أن يقال: علىٰ وجه المبالغة: انه لم يبق من الناس المتحاربين، إلّا واحداً من المئة ويحمل النهي عن الأخذ من الذهب علىٰ لزوم عدم الاعتداء علىٰ الحق
1) الفرقان: 53/ 25.
والمشاركة في الحرب ضده.
فإن صحت إحدىٰ هذه الأطروحات الثلاث، فهو، وإن لم تصح كلها، ولم يصح الخبر بالتشدد السندي، فقد استرحنا منه، وإن صح سنداً ولم نفهم مدلوله، أوكلنا علمه إلىٰ الله تعالى ورسوله.
أخرج ابن ماجة (1)عن النبي(صلّی الله علیه وآله ) : « بين يدي الساعة مسخ وخسف وقذف» وفي حديث آخر: « يكون في آخر أمتي خسف ومسخ وقذف» ، وبهذا المضمون حديثان آخران. وأخرج المفيد في الإرشاد(2)عن أبي الحسن موسىٰ(علیه السّلام) في حديث قال « والمسخ في أعداء الحق ».
وهذا المضمون لا يمكن أن يصمد للنقد. فإن المسخ وإن كان ممكناً ومتحققاً في التاريخ، كما نص عليه القرآن الكريم، إلّا أنه لا يقع في هذه الأمة، للدليل الدال علىٰ أن العقوبات التي وقعت علىٰ الأمم السابقة لا يقع مثلها علىٰ هذه الأمة، ومن هنا سميت بالأمة المرحومة.
نعم، يمكن أن يحمل المسح علىٰ الرمز، من حيث انتقال الأفراد من الهداية إلىٰ الضلال، وهو أمر صحيح ومتحقق في عدد من الأفراد. إلّا أن حمل الروايات عليه خلاف الظاهر.
اختص بذلك الشيخ المفيد في الإرشاد(1)، حيث رویٰ مرسلاً قائلاً: «قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي(علیه السّلام) وحوادث تكون أمام قيامه وآيات ودلالات.. وعد منها: وأموات ينتشرون من القبور حتىٰ يرجعوا إلىٰ الدنيا، فيتعارفون فيها ويتزاورون ».
وظاهره حدوث ذلك خلال عصر الغيبة الكبرىٰ. ولعله من الآيات الخاصة المنبهة للمخلصين علىٰ قرب الظهور. ولكن مما يهون الخطب ان هذا الخبر مما لا يصلح للإثبات التاريخي، لكونه مرسلاً، ليس له سند.
فإن قال قائل: فإن هذا خبر من أخبار الرجعة، وهي كثيرة. وليس معنىٰ الرجعة إلّا رجوع الإنسان إلىٰ الحياة بعد الموت.
قلنا: ان الرجعة يقال بها عادة بعد الظهور، وليس قبله. وهذا الخبر نص بوقوع قیام الأموات أمام قيام القائم(علیه السّلام) أي قبله، وهو مما لم يقل به أحد.
عد في الإرشاد، في نفس السياق السابق لعلامات الظهور، عد منها: طلوعها من المغرب(2).
وأخرج البخاري (3)عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) أنه قال: «لا تقوم الساعة حتىٰ تطلع
الشمس من مغربها. فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في أيمانها خيراً ».
وأخرج مسلم عدة أحاديث مشابهة لهذا النص(1). وأخرج أيضاً(2): « أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها» .
وروىٰ الشيخ في الغيبة(3)عن رسوله الله (صلّی الله علیه وآله ) إنه قال: « عشر علامات لا بد منها... وعد منها: طلوع الشمس من مغربها ».
والظاهر أنّ هذه الآية من علامات الساعة المباشرة، بدلیل ربطها في الأحاديث بالزمن الذي لا ينفع نفساً إيمانها، إن لم تكن آمنت من قبل. وهو يوم القيامة، علىٰ التفسير المشهور.
ومعه فالشمس تخرج من مغربها عند خراب النظام في المجموعة الشمسية لدىٰ اقتراب يوم القيامة.
وأمّا كونها من علامات الظهور، بحيث تحدث خلال عصر الغيبة الكبرىٰ، فلم يثبت إلّا بخبر الإرشاد الذي قلنا إنه لا يكفي وحده للإثبات التاريخي. وفي بعض الأخبار تفسیر خروج الشمس من مغربها بظهور المهدي(علیه السّلام) بعد غيبته.
أخرج الصدوق في الإكمال(4)بإسناده عن النزال بن سبرة قال خطبنا علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فحمد الله وأثنى عليه وصلى علىٰ محمد وآله ثم قال. « سلوني أيها الناس قبل أن تفقدوني، ثلاثاً. فقام إليه صعصعة بن صوحان فقال: يا أمير المؤمنین متىٰ يخرج الدجال. فتحدث عندئذ أمير المؤمنین (علیه السّلام) وقال فيما قال: يقتله الله عز
رجل بالشام.. علىٰ يد من يصلي عيسىٰ المسيح بن مریم خلفه. وبعد أن انتهىٰ من كلامه قال النزال بن سبرة فقلت لصعصعة بن صوحان: يا صعصعة ماعنیٰ أمير المؤمنين (علیه السّلام) بهذا القول. فقال صعصعة: يا سبرة إنّ الذي يصلي خلفه عیسیٰ بن مریم هو الثاني عشر من العترة التاسع لم من ولد الحسن بن علي (علیه السّلام) وهو الشمس الطالعة من مغربها، يظهر عند الركن والمقام، فيطهر الأرض ويضع میزان العدل فلا يظلم أحد أحداً.. » الحديث. وهذا التفسير أمر محتمل علىٰ أي حال، بعد حمل التعبير علىٰ الرمز لا علىٰ الحقيقة. ولا ينافي ذلك ربطها بالآية الكريمة المشار اليها، فإنها أيضاً مفسرة بالظهور في بعض الأخبار علىٰ ما سوف يأتي التاريخ القادم. لكن يهون الخطب إنّ هذا الخبر الذي أخرجه الصدوق، لا يثبت أمام التشدد السندي.
وهو مما اختصت به المصادر الإمامة، وأكثرت من روايته وأكدت عليه.
فمن ذلك، ما رواه النعماني في الغيبة (1)عن أمير المؤمنین (علیه السّلام) انه كان يتحدث عن بعض العلامات: قلنا: «هل قبل هذا شيء من شيء أو بعده من شيء. فقال: صيحة في شهر رمضان، تفزع اليقظان وتوقظ النائم وتخرج الفتاة من خدرها ».
وفي رواية أخریٰ (2)عنه(علیه السّلام) أنه قال: - فيما قال -: الفزعة في شهر رمضان. فقيل: وما الفزعة في شهر رمضان؟ فقال: أو ما سمعتم قول الله عز وجل في القرآن: « «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ »؟ هي آية تخرج الفتاة
من خدرها وتوقظ النائم وتفزع اليقظان !
وعن (1)أبي عبد الله الصادق (علیه السّلام) إنّه قال: «للقائم خمس علامات... وعد منها: الصيحة من السماء ».
وفي رواية أخریٰ (2)عن الإمام الباقر(علیه السّلام)
وفي الاحتجاج(3)في التوقيع الذي أخرجه السفير الرابع السمري قبل موته عن المهدي (علیه السّلام): - يقول فيه: « فمن ادعىٰ المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذاب مفتر ».
وروى الشيخ الصدوق في الإكمال(4)عن الإمام الباقر (علیه السّلام) في حديث عن المهدي (علیه السّلام)، قال: « ومن علامات خروجه. وعد منها: وصيحة من السماء في شهر رمضان ».
وفي منتخب الأثر (5)عن ينابيع المودة عن أبي عبد الله (علیه السّلام) : « خمس قبل قیام القائم من العلامات... وقال في آخره: فتلوت هذه الآية - يعني قوله تعالى «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ ». الآية - ، فقلت: أهي الصيحة؟ قال نعم، لو كانت الصيحة خضعت أعناق أعداء الله عز وجل). ورواه أيضاً في تفسير البرهان(6)ضمن اثني عشر حديثاً من أخبار الصيحة.1
وهذه الآية من القران، لا تدل علىٰ وقوع الصيحة بالتعيين، بل لا تدل علىٰ وقوع شيء علىٰ التحقيق، لتعليق الحدوث علىٰ مشيئة الله عز وجل. بل قد يقال: إنها تدل علىٰ عدم وقوع ما هو المعلق علىٰ المشيئة. لما أشار إليه الشيخ الطوسي(1)قائلاً أخبره - يعني الله تعالىٰ لنبيه (صلّی الله علیه وآله ) - بأنه قادر علىٰ أن ينزل عليه آية ودلالة من السماء تظل أعناقهم لها خاضعة، بان تلجثهم إلىٰ الأيمان. لكن ذلك نقيض الغرض بالتكليف، لأنه تعالىٰ لو فعل ذلك لما استحقوا ثواباً ولا مدحاً. لأنّ المُلجَأَ لا يستحق الثواب والمدح علىٰ فعله، لأنه بحكم المفعول به. أقول: وأشار إلىٰ بعض هذا المعنى الطباطبائي في تفسير الميزان(2).
إلّا أن ذلك لا ينفي صحة مثل هذه الروايات، لأن الأئمة (علیهم السّلام) لم يستدلوا بالآية للدلالة علىٰ وقوع الصيحة، بل للدلالة علىٰ إمكانها بمشيئة الله عز وجل. وأمّا وصول الأيمان بسببها إلىٰ حد الإلجاء والخضوع القهري، كما قال الشيخ الطوسي، فهو مما لا نسلم به، لوضوح حفظ الاختيار بعدها. إذ يتصور العقل أن ينبري بعض الماديين لتفسيرها علىٰ أساس مادي « علمي » !! فإن الشبهات المادية في عصر الفتن والانحراف أوسع من أن تحصر. فمن آمن بما دلت عليه الصيحة بوضوح من إثبات دعوىٰ المؤمنين، كان مختاراً في فعله وتفكيره.
يكفينا من ذلك استدلال الأئمة (علیهم السّلام) في هذه الأخبار بالآية علىٰ إمكان الصيحة ولو صح كلام الشيخ كان هذا الاستدلال باطلاً، لأنه يستحيل علىٰ الله تعالىأن يلجئ الفرد إلىٰ الإيمان. في حين إن هذه الأخبار كثيرة، وقابلة للإثبات التاريخي.
فإذا بطل الدليل علىٰ بطلانه، كان ممكناً بقدرة الله تعالى، فإذا دلت عليه هذه
الطائفة الكبيرة من الأخبار، كان أمراً صحيحاً وثابتاً، وتكون الصيحة من الدلائل القريبة المنبهة علىٰ الظهور.
هذا، ويبقىٰ السؤال عن مضمون الصيحة. وهل هي مجرد صوت بلا معنىٰ، أو إنها كلام معنى ذو مدلول، وما هو مدلوله، حيث نقيم القرائن علىٰ إن المراد بها النداء باسم المهدي (علیه السّلام) وليست شيئا آخر غيره.
وهو مما استفاضت به أخبار الفريقين.
أخرج مسلم(1)عن أم سلمة عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) : « يعوذ عائذ بالبيت» ، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم. فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن کان کارها؟ قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نينه. وأخرج أيضاً عن حفصة إنها سمعت النبي (صلّی الله علیه وآله ) يقول: «لَيَؤُمَّنَّ هذا البيت جيش يغزونه، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأوسطهم وينادي أولهم آخرهم، ثم يخسف بهم، فلا يبقىٰ إلّا الشريد الذي يخبر عنهم ».
وفي حديث ثالث: إن رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) قال: « سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدة. يبعث إليهم جيش، حتىٰ إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم».
وفي حديث رابع: « إن أناساً من أمتي يؤمنون بالبيت برجل من قريش قد لجا بالبيت، حتىٰ إذا كانوا بالبيداء خسف بهم. فقلنا يا رسول الله، إن الطريق قد يجمع
1) ج 8 ص 167 ، وكذلك الأخبار الذي بعده.
الناس. قال: نعم، فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون شتیٰ، يبعثهم الله علىٰ نياتهم»..
وأخرج ابن ماجة والترمذي وأحمد والحاكم، وغيرهم، أحاديث في ذلك، غير إننا لا نذكر هنا فيما أخرجه الشيخان أو أحدهما، توخياً للاختصار.
ومن المصادر الإمامية، ما رواه النعماني في الغيبة(1)
وأنظر غيبة الشيخ ص267.
عن أبي عبد الله (علیه السّلام) أنهقال: «للقائم خمس علامات، وعد منها: الخسف في البيداء ».
وفي خبر آخر (2)عنه (علیه السّلام) قال الراوي: «قلت له: ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟ فقال: بلى. قلت: وما هي؟ قال: هلاك العباسي.. إلىٰ أن قال: والخسف في البيداء ».
وفي خبر آخر(3)عنه (علیه السّلام) أنه قال: « من المحتوم الذي لا بد أن يكون قبل قیام القائم، خروج السفياني وخسف بالبيداء ».
وذكر الشيخ المفيد (4)مما ذكر من العلامات قال: وخسف بالبيداء.
وفي منتخب الأثر (5)عن تفسير الكشاف في تفسير قوله تعالىٰ: «وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ » . عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في خسف البيداء. وذلك: إن ثمانين ألفا يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء
خسف بهم.
وفيه أيضاً(1)عن مجمع البيان في تفسير الآية نفسها، عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت علي بن الحسين والحسن بن الحسن بن علي يقولان: هو جيش البيداء يؤخذون من تحت أقدامهم.
وفيه أيضاً(2)عن أم سلمة، تقول: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث الله جيشاً حتىٰ إذا كانوا بالبيداء- بیداء المدينة. خسف بهم.
وأخرج في تفسير البرهان عدداً من الأخبار الدالة علىٰ ذلك أيضاً، منها: ما عن أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر(علیه السّلام) قال: « يخرج القائم فيسير..... حتىٰ ينتهي إلىٰ البيداء، فيخرج جیش السفياني، فيأمر الله عز وجل الأرض، أن تأخذ بأقدامهم. وهو قوله عز وجل: «وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ فلا فوت.وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ »... » الحديث.
وهذا الخسف الموعود، وإن كان إعجازياً، إلّا أنه لا منافاة فيه مع «قانون المعجزات» ، بل منسجم معه تمام الانسجام. يتضح ذلك مما تدل عليه هذه الروايات نفسها من أنّ هذا الخسف إنّما يحدث لأجل إنقاذ العائد الذي يعوذبالبيت، أو القوم الذين لا عدد لهم ولا عدة. ويكفينا أن نتصور إن هؤلاء القوم هم ممثلوا الحق الحقيقيون الذين يتوقف عليهم النصر يوم الظهور سواء كان المهدي نفسه أحدهم، كما ربما تدل عليه الرواية الأولىٰ مما ذكرناه والأخيرة، أو لم يكن. يكفينا ذلك لنفهم ضرورة إنقاذهم ولو بالنحو الإعجازي. وقد سبق أن قلنا: إنّ كل ما يتوقف عليه الظهور، فهو مما لا بد أن يحدث لكونه مرتبطاً بالغرض الإلهي الأعلىٰ لهداية البشر. وهو من أهم وأخص أشكال إقامة الحجة، والمطابقة مع قانون المعجزات.
وسيأتي في الجهة الأتية مقدار ارتباطه بعصر الفتن والانحراف، والتخطيط العام للعلامات.
فهذا هو المهم من العلامات الإعجازية التي يحتمل فيها الخروج علىٰ قانون المعجزات والزيادة عليه. وقد ثبت إن عدداً كبيراً منها مما لا واقع له، لو فهمنا منه المعنىٰ المطابقي غير الرمزي. وإنّ حدوث المسخ وإحياء الأمواتقبل الظهور وطول عمر الدجال وضخامة حماره وقتله للمؤمن وإحيائه له، مما لا أساس له. وإنّ انحسار الفرات عن الذهب ليس بإعجاز بل هو أمر طبيعي. وإنّ خروج الشمس من مغربها ليس من علامات الظهور. وإنّ الصيحة والخسف مطابقة لقانون المعجزات غير مخالفة له، وقد نطقت بها الأخبار الكثيرة، فلا بد من الالتزام بها.
هذا تمام الكلام في النقطة الثالثة فيما دل على إقامة المعجزات أكثر مما يقتضيه القانون.
وبه ينتهي الكلام في الناحية الثانية في انقسام علامات الظهور من ناحية المعجزات.
وهو نهاية الكلام في الجهة الرابعة، في بعض التقسيمات العامة لهذه الروايات.
ويقع الكلام فيها ضمن ناحيتين أساسيتين، باعتبار تعداد مفردات العلامات المتبقية بعد الجرد السابق، من ناحية، ومحاولة إعطاء المفهوم العام المنظم المتكامل عن مجموع العلامات أو عن أكثرها، بمقدار الإمكان، من ناحية ثانية.
ولا بد أن نبدأ بالتعداد أولاً، لنحاول أن نفهم كل علامة مروية فهماً مستقلاً منفرداً، لنریٰ في الناحية الثانية الآتية ارتباطها المجموعي مع العلامات الأخرىٰ.
ونحن إذ نحاول هذا التعداد، لا ينبغي أن نتوخى الاستیعاب، فإنه يوجب التطويل بلا طائل، وإنما نذكر العلامات الرئيسية، ونحاول تحديد مفهومها وتوقيتها وخصائصها الرئيسية. نورد هذه العلامات ضمن عدة نقاط:
وقد سبق أن تكلمنا عن مفهومها وحددناه بثورة أبي مسلم الخراساني. فلابد أن
نورد هنا بعض ما يدل عليها من الروايات، كما وعدنا، وبعضها مایحتمل فيه المعارضة مع هذا المفهوم علىٰ ما سنسمع.
فمن ذلك: ما أخرجه الترمذي(1)عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) أنه قال: «تخرج من خراسان رايات سود، فلا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء ». قال الترمذي: «هذا حدیث غریب حسن ».
وروىٰ النعماني في الغيبة(2)عن أمير المؤمنين (علیه السّلام) إنه قال: انتظروا الفرج من ثلاث. فقيل يا أمير المؤمنين، وما هن؟ فقال.. والرايات السود من خراسان.
وعد في الإرشاد(3)من العلامات التي وردت بها الآثار: « إقبال رايات سود من خراسان ».
وروىٰ الشيخ في الغيبة (4)عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال: « تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان إلىٰ الكوفة. فإذا ظهر المهدي (علیه السّلام) بعث إليه بالبيعة».
وهذا الخبر الأخير دال علىٰ قرب ظهور هذه الرايات من ظهور المهدي (علیه السّلام) إلٰا أنّه بمفرده غیر قابل للإثبات التاريخي، مع التشدد السندي الذي سرنا عليه، نعم، لو فرض صحة الخبر لدل علىٰ عدم كون هذه الرايات هي رايات أبي مسلم
الخراساني.
وقد اختصت بذلك المصادر الإمامية أو كادت، ولم يذكر في صحاح العامة ما يدل علىٰ ذلك.
فمن ذلك: ما رواه النعماني (1)عن أبي عبد الله(علیه السّلام) ، أنه قال: «للقائم خمس علامات... وعد منها: قتل النفس الزكية».
وأخرج النعماني أيضاً (2)والمفيد في الإرشاد(3)والشيخ في الغيبة (4)عنه(علیه السّلام)
، في تعداد أمور محتومة. منها: قتل النفس الزكية.
وروى النعماني أيضاً (5)عنه (علیه السّلام) قال الراوي:
«قلت له: ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟ فقال: بلىٰ.
«قلت: وما هي؟ قال: هلاك العباسي... وقتل النفس الزكية ».
وأخرج المفيد في الإرشاد(6)عن أبي جعفر الباقر(علیه السّلام) والشيخ في الغيبة(7)
والصدوق في إكمال الدين (1)عن أبي عبد الله الصادق (علیه السّلام) بلفظ متقارب- واللفظ للمفيد -: إنه قال: «ليس بين قيام القائم (علیه السّلام) وقتل النفس الزكية أكثر من خمس عشرة ليلة ».
وعد في الإرشاد (2)مما جاءت به الآثار من العلامات الزمان قيام القائم، قال: « وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين. وقتل رجل هاشمي بين الركن والمقام».
وروىٰ الصدوق أيضاً (3)عن الإمام الصادق (علیه السّلام) قال: « خمس قبل قيام القائم وعد منها قتل النفس الزكية . وعنه(علیه السّلام) أيضاً: « قبل قيام القائم خمس علامات محتومات، وعد منها: قتل النفس الزكية» .. وفي رواية أخرىٰ في تعداد أمور محتومة عن الإمام الباقر(علیه السّلام) قال: « وقتل النفس الزكية من المحتوم».
إلىٰ غير ذلك من الأخبار.
ولا بد أن نتكلم عن النفس الزكية، ضمن عدة أمور:
يراد بالنفس الزكية النفس الكاملة الطيبة، من زكا إذا نما وطاب. ويراد بالنمو في منطق الإسلام التكامل بالعلم والاخلاص والتضحية.
ويمكن أن يراد - بالدقة - من الكمال أحد معنيين:
ما هو المطلوب إسلاميا من الفرد المسلم من قوة الأيمان والإرادة واندفاع
الإخلاص والتضحية. ومعه يكون المراد بالنفس الزكية مع غض النظر عما يأتي في الأمر الثالث - شخصاً من المخلصين الممحصين في الغيبة الكبرىٰ، وأنه يقتل نتيجة للفتن والانحراف.
أن يكون المراد من الكمال في هذا الصدد .: البراعة من القتل. فيكون مأساوياًٰ لقوله عز وجل: « أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا » (1). ولعل التعبير بالنفس الزكية بالقرآن يوحي تماماً بان المراد من الأخبار نفس ذاك المعنى، وهو البراءة من القتل.
غير إن الذي يقرب المعنىٰ الأول، ويكون قرينة عليه، هو إن المنساق والمتبادر من كل واحدة من هذه الروايات، إن المراد بالنفس الزكية رجل معین یکتسب مقتله أهمية خاصة. ولا شك أنّ هذا منسجم مع المعنىٰ الأول، لأنّ مقتل الرجل المخلص الممحص، لا يكون عادة - إلّا علىٰ صعيد عال من مستويات العمل الإسلامي، فيكون ملفتاً للنظر اجتماعياً، ومثيراً أسفاً إسلامياً عميقاً. بخلافه علىٰ المعنى الثاني، إذ مجرد كون المقتول بريئاً من القتل لا يكسبه أهمية خاصة ولا يكون مقتله. ملفتاً للنظر، علىٰ حين ينبغي أن تكون العلامة مما يعرف - عادة - بين الناس، وإلّا سقطت فائدة دلالتها علىٰ الظهور.
علىٰ أنه علىٰ هذا المعنى الثاني، يمكن حمله علىٰ معنی کلي واسع. ويكون المراد: إن من آثار عصر الفتن والانحراف أن يقتل عدد من الناس بدون ذنب. وهذا ما حدث فعلا علىٰ أعداد ضخمة من البشر علىٰ مر التاريخ.
فإن كان المعنىٰ الأول منسجماً مع ما هو المنساق والمفهوم من هذه الروايات،
1) الكهف: 74/ 18.
دون المعنىٰ الثاني، تعين الحمل عليه. ولا تكون الآية قرينة عليه. لإمكان أن يكون المراد من النفس الزكية من الآية المعنىٰ أيضاً، أو أن يختلف معنىٰ الآية عن معنیٰ الرواية.
هل تقتل النفس الزكية بين الركن والمقام؟
لا شك أن المركوز في الأذهان والمتناقل علىٰ الألسن هو ذلك. حتىٰ اعتبره صاحب (منتخب الأثر) من المسلِّمات فقال(1): وقتل النفس الزكية: قتل محمد بن الحسن الذي يقتل بين الركن والمقام.
إلّا إن ذلك لا يكاد يثبت بعد التشدد السندي الذي التزمناه، فقد أورد صاحب البحار حديئين لا يكاد ان يثبتان بعد هذا التشدد. وأمّا الارتكاز الذهني فلا يكفي للإثبات التاريخي أيضاً. فإن حدث ذلك في مستقبل الزمان، كان دليلاً علىٰ صدقه، وإن لم يحدث لم يكن علينا أن ننتظره، فإنه مما لا دليل لنا عليه.
مضافاً إلىٰ معارضته، بما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد من حدوث: قتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين (2)وقد سمعناه. وهذاالخبر وإن لم يكن له قابلية الإثبات، إلّا أنه ليس بأسوأ حالاً من خبر مقتله بين الركن والمقام، فيصلح لمعارضته، ومع المعارضة يتساقطان معاً عن إمكان الإثبات التاريخي.
وأمّا ما ذكره في الإرشاد(3)أيضاً عن حدوث وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام، كما سمعنا. فهو لا يدل علىٰ المقصود. إذ قد لا يكون هذا الرجل الهاشمي ذكياً ممحصاً. مضافاً إلى ضعف الخبر وعدم کفایته للإثبات التاريخي.
إنطباق هذه الروايات علىٰ محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن أبي طالب، أبي عبد الله، الملقب بالنفس الزكية، الثائر في زمن أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي.
ولعمري أن هناك ما يدل علىٰ هذا الإطباق، فلو استطعنا أن ننفي القرائن الدالة علىٰ نفيه تعين الالتزام بإثباته وأنّ النفس الزكية المقصودة، هو هذا الثائر العلوي. ومن هنا يقع الكلام علىٰ مستويين:
في القرائن الدالة علىٰ نفي هذا الانطباق. وأنّ النفس الزكية الموعودة هو غير هذا الثائر العلوي.
وهي عدة قرائن محتملة.
إن النفس الزكية لا بد أن تقتل بين الركن والمقام. وهذا الثائر العلوي لم يقتل هناك.
وهذا علىٰ تقدير ثبوته قرينة كافية، علىٰ نفي هذا الانطباق، إلّا أنه مما لم يثبت كما أسلفنا.
تأخر أخبار الأئمة عليهم السلام بهذه العلامة من علامات الظهور عن مقتل هذا الثائر العلوي. مما يدل علىٰ إن مقتل النفس الزكية يبقىٰ متوقعاً ومنتظراً بعد مقتل النفس الزكية الثائر.
وهذا علىٰ تقدير ثبوته قرينة كافية أيضاً علىٰ نفي الانطباق. إلّا أنه لم يثبت فإن كل ما وجدناه من الروايات الدالة علىٰ هذه العلامة، مروية عن الإمامين الباقر
والصادق عليهما السلام. أمّا الإمام الباقر (علیه السّلام) فعصره سابق علىٰ عصر العلوي الثائر. وأمّا الإمام الصادق(علیه السّلام) فهو معاصر للمنصور العباسي وللنفس الزكية الثائر. وكان (علیه السّلام) ينفي لعبد الله بن الحسن والد النفس الزكية نجاح ثورته وثورة ولديه، ويقطع أمله في نيل الخلافة، ويقول له. « إن هذا الأمر، والله ليس اليك ولا إلىٰ ابنيك، وانما هو لهذا- يعني السفاح- ثم لهذا- يعني المنصور ثم لولده من بعده، لا يزال فيهم حتىٰ يؤمروا الصبيان ويشاوروا النساء. « فقال عبد الله: والله يا جعفر، ما أطلعك الله علىٰ غيبة، وما قلت هذا إلّا حسداً لابني. فقال: لا والله، ما حسدت إبنك. وإنّ هذا ۔ یعني المنصور - يقتله علىٰ أحجار الزيت، ثم يقتل أخاه بعده بالطفوف، وقوائم فرسه في الماء »(1).
وعلىٰ أي حال، فليس هناك أي دليل علىٰ صدور مثل هذه الروايات بعد هذا الثائر العلوي. إن لم يكن المظنون خلافه.
إن هذا الثائر العلوي إن لم يكن زكياً ممحصاً، إذن، فلابد أن نتوقع مقتل مخلص ممحص بعد ذلك، غير هذا الثائر.
والدليل علىٰ انحرافه ادعاؤه المهدوية، فيما يروي عنه في مقاتل الطالبيين. وقد قدمه أبوه علىٰ أنه هو المهدي، بعد زوال الدولة الأموية وقبل تأسيس الدولة العباسية، قائلاً في خطبة له في بني هاشم (2): « وقد علمتم أنّا لم نزل نسمع أن هؤلاء القوم إذا قتل بعضهم بعضاً خرج الأمر من أيديهم فقد قتلوا صاحبهم- يعني الوليد بن یزید فهلم نبایع محمداً، فقد علمتم أنّه المهدي. فقال له الإمام الصادق(علیه السّلام) : « إنها
والله، ما هي اليك ولا إلىٰ بنيك، ولكنها لهؤلاء، وأن ابنيك لمقتولان» (1).
وكان محمد بن عبد الله بن الحسن، منذ كان صبياً، يتواریٰ ویراسل الناس بالدعوة إلىٰ نفسه، ويسمى بالمهدي (2).
ولسنا نريد أن ندخل في مناقشة ذلك، ويكفينا اليقين بأنه قتل قبل أن يملك العالم، وهو دلیل کاف علىٰ كذب المدعي، كما قلنا. ولكن المقصود أنّه علىٰ هذا المسلك لا يكون زكياً بل كذاباً منحرفاً. أذن فلا بد أن نتوقع مقتل شخص آخر يكون زكياً ممحصاً غير هذا الثائر.
والالتزام بانحراف هذا الثائر، لو صح هذا النقل التاريخي، أمر لا مناص منه.
ولكنه لا ينفي كونه هو المقصود بالتنبؤ، في علامات الظهور.
وأمّا تسميته بالنفس الزكية، فقد سماه بذلك من كان يعتقد بكونه زكياً، حتیٰ اشتهر به، وقد استعمل لقبه في الروايات طبقاً لشهرته.
تقدم مقتل هذا الثائر العلوي علىٰ ولادة المهدي المنتظر (علیه السّلام). ومعه لا يصح جعله علامة علىٰ ظهوره. ومعه لا بد أن ننتظر مقتل شخص آخر يسمىٰ أو يوصف بالنفس الزكية.
إلّا إن هذه القرينة لا تصح، لوضوح إمكان جعل العلامة سابقة علىٰ ولادة المهدي(علیه السّلام) بعد أن كان التخطيط الإلهي لليوم الموعود، لا يبدأ ببدء الإسلام فحسب، بل بدء البشرية من أولها. أذن فكل الإرهاصات تشير اليه. وقد سمعنا جعل هلاك الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية وخروج الرايات السود من العلامات... وكل
ذلك مما حدث قبل ولادة المهدي (علیه السّلام).
إن التنبؤ بمقتل النفس الزكية جاء في الروايات، مقترناً أو متأخراً عن بعض ما يعلم بعدم حدوثه إلىٰ الآن. إذن فیکون مقتضى الفهم العام من السياق أنه أيضاً لم يتحقق إلىٰ الآن. ومعه يتبين أن لا يكون مشاراً به إلىٰ قتل ذلك الثائر العلوي، بل إلىٰ مقتل رجل آخر، يقتل في مستقبل الدهر.
فمن ذلك: رواية الخمس علامات، كقول الإمام الصادق (علیه السّلام): «للقائم خمس علامات، السفياني واليماني والصيحة من السماء، وقتل النفس الزكية والخسف بالبيداء (1). ورواية تعداد الأمور المحتومة كقوله (علیه السّلام)
: « النداء من المحتوم والسفياني من المحتوم واليماني من المحتوم وقتل النفس الزكية من المحتوم..... ) الحديث (2).
ومن المعلوم إن خروج السفياني واليماني والصيحة مما لم يحدث، إذن فقتل النفس الزكية، مما لم يحدث أيضاً.
وهذا الكلام غير صحيح، فإن ما يقتضيه السياق هو عدم حدوث كل هذه الأمور عند صدور الرواية. وهذا صحيح. ثم إن بعضها يسرع بالحدوث وبعضها يتأخر. وهذا لا ربط بظهور الكلام وسياقه. وبخاصة إن العطف في الرواية بين العلامات بالواو، وهي ليست دالة علىٰ الترتيب، مثل (أو) أو (ثم)، كما ينص النحاة.
ما سبق أن سمعناه من الخبر القائل: «ليس بين قيام القائم وبين قتل النفس الزكية
إلّا خمس عشرة ليلة ». وحيث نعلم بالقطع واليقين تأخر الظهور عن مقتل ذلك الثائر العلوي لا بخمس عشرة ليلة، بل بأكثر من ألف عام. إذن فيتعين أن لا يكون التنبؤ منصباً علىٰ ذلك، بل علىٰ مقتل رجل آخر.
إلّا إن هذه القرينة غير صحيحة، فإن هذا الخبر وإن تعدد في المصادر فقد رواه المفيد في الإرشاد والشيخ في الغيبة والصدوق في إكمال الدين وغيرهم إلّا إن ذلك يعود إلى راو واحد. فإنه مروي عن ثعلبة عن شعيب عن صالح. وقد وصف ثعلبة في الإرشاد والإكمال بابن سیمون ووصف شعيب في الغيبة والإرشاد بالحداد، ووصف في الإكمال بالحذاء. ووصف صالح في الإرشاد بابن میثم وفي الإكمال بابن مولى بني العذراء.
وعلىٰ أي حال، فإن هذا الخبر علىٰ أحسن تقدیر خبر واحد، وقد رفضنا التمسك بمثله في تشددنا السندي.
إذن فلم يثبت نفي غرزه الفكرة وهي إنّ النفس الزكية الموعود ليس هو النفس الزكية الثائر العلوي، بل يبقىٰ ذلك محتملاً علىٰ أي حال، وسنذكر في المستوىٰ الثاني مثبتاته والقرائن الدالة علىٰ صحته.
فيما بدل من القرائن علىٰ ثبوت هذا الانطباق... وأن التنبؤ منصب علىٰ ثورة ذلك العلوي، ليس إلّا.
فمن ذلك : ما رواه الأصبهاني في المقاتل(1)بسنده عن محمد بن علي الباقر (علیه السّلام) ۔ عن آبائه، قال: « النفس الزكية من ولد الحسن».
وهذا الحديث واضح الدلالة في الإشارة إلىٰ النفس الزكية المعهود التنبؤ بها في
1) ص 184.
الأخبار. وهو لم ينطبق إلّا علىٰ هذا الثائر العلوي، بل قد قيل فيه خصيصاً، كما هو ظاهره حيث أورده الأصفهاني في ترجمته.
ومن ذلك: ما رواه أيضاً (1)بسند إلى عبد الله بن موسىٰ: « إن جماعة من علماء أهل المدينة أتوا علياً بن الحسن، فذكروا له هذا الأمر - يعني المطالبة بالحكم - فقال: محمد بن عبد الله أولى بهذا مني. فذكر حديثاً طويلاً. قال: ثم أوقفني علىٰ أحجار الزيت فقال: ها هنا تقتل النفس الزكية. قال: فرأيناه في ذلك الموضع المشار إليه مقتولاً».
وما رواه أيضاً بسنده عن مسلم بن بشار، قال:
«كنت مع محمد بن عبد الله، عند غنائم خشرم. فقال لي: ها هنا تقتل النفس الزكية . أقول: يعني نفسه. قال: فقتل هناك ».
إذن فالنفس الزكية ليست إلّا ذلك الثائر العلوي، ولعمري إنها علامة مهمة وملفتة للنظر، حيث اتسعت ثورته، حتىٰ خاف منها المنصور، كما يتضح لمنراجع المقاتل ولا نريد أن ندخل في تفاصيله.
1) المصدر والصفحة.
وقد اختصت به المصادر العامة تقريباً، وليس في المصادر الإمامية إلّا النزر القليل. وأمّا في مصادر العامة فالأخبار عنه وعن صفاته اكثر من أن تحصىٰ، وقد نسبت اليه كثيراً من الضرائب، لا بد من تمحيصها بغض النظر عن حملها علىٰ الرمز. وهو ما سنتكلم عنه فيما بعد لنرىٰ ما يتم منها، وما لا يتم. ونتكلم عن ذلك ضمن أمور:
مقتضىٰ القواعد العامة التي عرفناها، لزوم الاعتراف بخروج الدجال، إجمالاً. لأنّ الأخبار الدالة علىٰ وجوده بالغة حد التواتر القطعي بلا شك. لكن صفاته وتفاصيل خصائصه لا تثبت، لأنها واردة- في الأغلب- في أخبار آحاد لا يمكن بالتشدد السندي الأخذ بها. ومعه يكون هناك مجال كبير في حمله وحمل عدد من صفاته علىٰ الرمز، علىٰ ما سوف يأتي.
فيما أخرجته المصادر العامة من صفاته.
ونحن نكتفي بما أخرجه الصحيحان توخياً للاختصار، ما لم تدع حاجة خاصة إلىٰ التوسع.
أولاً: إن النبي (صلّی الله علیه وآله ) حذر أمته منه.
أخرج البخاري (1)عن أنس قال: « قال(صلّی الله علیه وآله ) : ما بعث نبي إلّا أنذر أمنه الأعور والكذاب. إلّا إنه أعور وإنّ ربكم ليس بأعور ». وأخرج مسلم (2)نحوه
ثانياً : إن النبي (صلّی الله علیه وآله ) استعاذ من فتنته:
أخرج البخاري (3)عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «سمعت رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال ».
ثالثاً: أنه كافر: أخرج البخاري (4)في الحديث السابق عن أنس: « وإنّ بين عينيه مكتوب: کافر » وأخرج مسلم (5)في حديث: « مكتوب بين عينيه: كافر.يقرؤه کل مؤمن کاتب وغیر کاتب »
رابعاً: إنه يدعى الربوبية: أخرج ابن ماجة (6)عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) في صفة الدجال. وفيه يقول: « إنه يقول: أنا ربكم ».
وفيما أخرجه الصدوق من خبر الدجال(7)ما يدل علىٰ ذلك. إذ يقول عن الدجال إنه: « ينادي بأعلىٰ صوته يسمع ما بين الخافقين من الجن والأنس والشياطين. يقول: « إليَّ أوليائي، أنا الذي خلق فسوىٰ وقدر فهدیٰ، أنا ربكم الأعلىٰ ».
وقد نوقشت دعواه هذه في الأخبار بعدة وجوه:
قول النبي(صلّی الله علیه وآله ) - فيما روىٰ ابن ماجة - : « ولا ترون ربكم حتى تموتوا». والمراد
الاستدلال برويته في الحياة علىٰ عدم كونه إلها، لأن الله تعالىٰ لا يریٰ.
قول النبي (صلّی الله علیه وآله ) فيما سمعناه: «إنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه کاتب وغیر کاتب»
« إنه يطعم الطعام ويمشي في الأسواق. وإنّ ربكم لا يطعم الطعام ولا يمشي في الأسواق ولا يزول تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً(1).
« إنه أعور، وإن الله ليس بأعور ».
وقد أخرج الشيخان ذلك، وهو مما يؤيد فكرة دعواه للربوبية، بالرغم من أنهما لم يخرجا ما يدل عليها صريحاً. إذ لا تصلح هذه الأخبار إلّا لمناقشة هذه الدعویٰ، وإلّا كان التأكيد علىٰ كونه أعور، أمراً مستأنفاً.
أخرج البخاري(2)عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: «قام رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) في الناس فأثنى علىٰ الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: إني لأنذركموه. وما من نبي إلّا وقد أنذر قومه. ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه. إنه أعور، وإنّ الله ليس بأعور ».
وأخرج في حديث آخر (3)عن صفته إنه: « رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين كأنّ عينه عنبة طافية ».
وأخرج مسلم(4)في حديث: « إلّا إنه أعور وإنّ ربكم ليس بأعور ). وفي حديث
آخر: « الدجال أعور العين اليسرىٰ» . وفي حديثين آخرين: « إنه ممسوح العين ».
وتجد هذا المضمون في سائر الصحاح وفي مسند أحمد ومستدرك الحاكم وغيرها، بشكل مستفيض.
خامساً: طول عمره: وهو مما لم ينص عليه الشيخان في صحيحيهما صراحة.
وقد أخرج مسلم ما يدل علىٰ ذلك بغير الصراحة. وهو أمران:
حديث الجساسة (1)الذي يقول فيه الدجال عن نفسه: « أنا المسيح وأني أوشك أن يُؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلّا هبطتها.. الخ». وحيث نعلم إن الدجال لم يؤذن له بالخروج إلىٰ حد الآن، إذن فهو لا زال باقياً إلىٰ حد الآن، وسيبقىٰ إلىٰ حين يؤذن له بالخروج.
أخبار ابن صیاد التي تدل جملة منها إنه كان معاصراً للنبي (صلّی الله علیه وآله ) ولم يؤمن به. كالخبر الذي أخرجه مسلم (2)عن عبد الله قال: «كنا مع رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) فمررنا بصبيان فيهم ابن صیاد، ففر الصبيان وجلس ابن صیاد. فكأن رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) كره ذلك. فقال له النبي(صلّی الله علیه وآله ) : تربت يداك. أتشهد أني رسول الله فقال: لا بل تشهد أني رسول الله. فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله حتى اقتله. فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) : « إن يكن الذي تري فلن تستطيع قتله ».
وفي حديث آخر (3): « إنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) قال: إن يكنه فلن تسلط عليه وإن لم یکنه، فلاخير لك في قتله».
ومن الواضح دلالة مثل هذا القول علىٰ وجود غرض إلهي في حفظ حياته، والمنع عن قتله، ليكون هو دجال المستقبل !!
وبعض الأخبار التي أخرجها مسلم(1)تدل علىٰ تكذيب ابن صیاد نفسه للشائعة التي تقول إنه الدجال.. وقد سبق أن روینا بعضها.
سادساً: قتله للمؤمن وأحياؤه له. وقد خرّج الشيطان ذلك، وقد سبق أن نقلناه وناقشناه
سابعاً: « إنّ معه ماء وناراً» .
فمن ذلك ما أخرجه البخاري (2)عن النبي(صلّی الله علیه وآله ) أنه قال في الدجال: « إنّ معه ماءوناراً، فناره ماء بارد وماؤه نار ».
وأخرج مسلم(3): « إنّ الدجال يخرج وأنّ معه ماء وناراً. فأمّا الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأمّا الذي يراه الناس ناراً فماء بارد عذب. فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه ناراً، فإنه ماء عذب طیب ».
وأخرج في حديث آخر: « انه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار» ..
ثامناً: « اختلاف نظام الزمان في عهده ». وقد سبق أن رويناه وناقشناه.
تاسعاً: « إنه أهون علىٰ الله من ذلك ».
وظاهره نفي أن يكون معه جبل خبز ونهر ماء. وقد سبق أن رويناه عن كلا الصحيحين.
عاشراً: ما رواه ابن ماجة (1): « إنّ من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت. وإنّ من فتته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقي لهم سائمة إلّا هلكت. وإنّ من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتىٰ تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمدّه خواصراً وأدره ضروعاً. وانه لا يبقىٰ شيء من الأرض إلّا وطئه وظهر عليه، إلّا مكة والمدينة.. » الحديث.
حادي عشر: « إنه ما بين خلق آدم إلىٰ قيام الساعة خلق أكبر من الدجال.أخرجه مسلم. وفي حديث آخر إنه قال: « أمر أكبر من الدجال» (2).
ثاني عشر: « إنه يقتله المسيح عيسى بن مريم عند نزوله».
وقد أخرج مسلم أكثر من حديث دال علىٰ ذلك. فمن ذلك(3)قوله ؟ عن الدجال: « فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح بن مریم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بین مهرودتين.. فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ». وفي حديث آخر قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) : « يخرج الدجال في أمتي أربعين... فيبعث الله عیسیٰ بن مریم، كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلکه ».
فهذه هي المهم من صفات الدجال في المصادر العامة الأساسية.
لا شك إنه بغض النظر عن فهم رمزي شامل لهذه الأخبار، لا يصح شيء من هذه الصفات تقريباً.
فإننا إذا أخذنا بالتشديد السندي، فالأمر واضح، لأنّ هذه الأخبار - في غالبها - آحاد لا يمكن الاعتماد عليها.
منسوبة إلىٰ الدجال وهو من أشد الناس كفراً وطغياناً. وقد سبق أن بينا عدم إمكان ذلك.
ولعمري، إنّ كلتا نقطتي الضعف هاتین: ضعف السند وإيجاد المعجزات المنحرفة، مستوعبتان للأعم الأغلب من هذه الصفات، ما عدا صفات طفيفةككونه أعور العينين !! فإنه مستفيض النقل في الأخبار.
ومعه يدور الأمر بين شيئين لا ثالث لهما، فأمّا أن نرفض هذه الأخبار تماماً وأمّا أن نحملها علىٰ معنی رمزي مخالف لظاهرها. ومن الواضح رجحان الحمل علىٰ المعنى الرمزي علىٰ الرفض التام، وبخاصة وإنّ مجموع هذه الأخبار متواتر عن النبي(صلّی الله علیه وآله ) ، ولا نحتمل فيه. وهو القائد الرائد للأمة الإسلامية - أن يربي الأمة علىٰ مثل هذه العجائب والسفاسف. فيتعين أن يكون المراد الحقيقي معان اجتماعية حقيقية واسعة، عبر عنها النبي (صلّی الله علیه وآله ) بمثل هذه التعابير طبقاً لقانون: حدث الناس علىٰ قدر عقولهم. آخذاً المستوىٰ الفكري والثقافي لعصره بنظر الاعتبار. ومن هنا ينفتح باب الأطروحة الثانية لفهم الدجال. وهي التي ستعرض لها في الناحية الثانية الأتية.
وعلىٰ كل حال، سواء رفضنا هذه الأخبار، أو حملناها علىٰ غير ظاهرها، فإن المفهوم - علىٰ كلا التقديرين أنّ وجود الدجال أمر محق، ولكنه ليس رجلاً معيناً متصفاً بهذه الصفات التي يدل عليها ظاهر هذه الأخبار. ولم يتحقق ذلك فيما سبق، ولن يتحقق في المستقبل. وإنما هو عبارة عن ظواهر اجتماعية عالمية كافرة، سيأتي التعرض لها ان شاء الله تعالىٰ.
وقد اختصت به المصادر الإمامية، وليس له في المصادر الأولى للعامة أي اثر... ولعل فيه تعويضاً عن فكرة الدجال الذي اختص به العامة أو كادوا، لمبررات معينة ستأتي الإشارة اليها.
والأخبار عنه في المصادر الإمامية، وإن كانت كثيرة، إلّا إنها لا تبلغ بأي حال مقدار أخبار الدجال التي حفلت بها المصادر العامة. كما إنها خالية عن نسبة الأمور الإعجازية إلىٰ السفياني، علىٰ ما سنعرف. وبذلك يندفع الاعتراض المهم الذي كان وارداً علىٰ أخبار الدجال، من حيث عدم امکان صدور المعجزة من أصحاب الفعالة والمنحرفين.
وتتم إيضاح فكرة السفياني ضمن أمور:
في الأخبار الدالة علىٰ وجوده وصفاته
أخرج الشيخ في غيبته(1)عن أبي عبد الله الصادق(علیه السّلام) إنّ أبا جعفر الباقر(علیه السّلام) كان يقول: «خروج السفياني من المحتوم». وفي خبر آخر(2)عن أمير المؤمنین (علیه السّلام) قال:
(قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) : عشر قبل الساعة لا بد منها: السفياني ...... الحديث.
وأخرج الصدوق في الإكمال نحواً من هذا الأخير(1). وفي خبر آخر عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «أن أمر السفياني من المحتوم». وفي خبر آخر عنه(علیه السّلام) : «قبل القائم خمس علامات محتومات: اليماني والسفياني » الحديث.
وأخرج النعماني في غيبته(2)عن أبي عبد الله(علیه السّلام) أنه قال: «للقائم خمس علامات: السفياني.....» ثم الحديث.
وأخرج(3)أيضاً عنه(علیه السّلام) ، قال الراوي: قلت له: ما من علامة بين يدي هذا الأمر.
فقال: بلىٰ. قلت: وما هي؟ قال: هلاك العباسي وخروج السفياني... » الحديث.
وفي خبر آخر (4)عنه (علیه السّلام) في تعداد علائم الظهور، قال: « إذا اختلف ولدالعباس... وظهر السفياني.. » الحديث.
وفي البيان الذي ختمت به الغيبة الصغرى، وهو ما أخرجه السمري عن الإمام المهدي (علیه السّلام) يقول فيه(5): « فمن ادعىٰ المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كاذب مفتر ».
إلى غير ذلك من الأخبار... وهي بمقدار تكفي للإثبات التاريخي، ومعه لا بد من الالتزام بوجود السفياني في الجملة.
في خبر (1)عن أمير المؤمنين (علیه السّلام) إنه قال: « يخرج ابن آكلة الأكباد عن الوادي اليابس. إلىٰ أن قال: اسمه عثمان وأبوه عنبسة وهو من ولد أبي سفيان ».
وأخرج الشيخ (2)عن علي بن الحسين (علیه السّلام) في حديث. قال: «ثم يخرج السفياني
الملعون من الوادي اليابس، وهو من ولد عنبسة بن أبي سفيان ».
أخرج الشيخ (3)عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: « خروج الثلاثة: الخراساني والسفياني
واليماني، في سنة واحدة في شهر واحد، في يوم واحد... » الحديث.
وأخرج الصدوق(4)في إكمال الدين عنه(علیه السّلام) ، قال: « إنّ أمر السفياني من المحتوم
وخروجه في رجب ».
أخرج الصدوق(5)عن أبي منصور البجلي، قال: «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عن اسم السفياني، فقال: وما تصنع باسمه، إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق وحمص وفلسطين والأردن وقنسرین، فتوقعوا الفرج. قلت: يملك تسعة أشهر؟ قال: لا. ولكن يملك ثمانية أشهر لا يزيد يوماً» .
وأخرج النعماني(6)عن أبي جعفر محمد بن علي (علیه السّلام) في حديث طويل يقول فيه: «لا بد لبني فلان (7)من أن يملكوا، فإذا ملکوائم اختلفوا تفرق ملكهم وتشتت
أمرهم، حتىٰ يخرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق وهذا من المغرب، يستبقان إلىٰ الكوفة كفرسی رهان هذا من هنا، وهذا من هنا، حتى يكون هلاك بني فلان علىٰ أيديهما. أمّا إنهم لا يبقون منهم أحداً» .
ثم قال: «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة. في شهر واحد، نظام كنظام الخرز، يتبع بعضه بعضا.. الخ». الحديث.
وأخرج أيضاً (1)عن أبي جعفر الباقر (علیه السّلام) إنه قال: «لا بد أن يملك بنو العباس. فإذا ملکوا واختلفوا وتشتت أمرهم، خرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق وهذا من المغرب يستبقان إلىٰ الكوفة كفرسي رهان، هذا من ههنا وهذا من ههنا، حتى يكون هلاكهم علىٰ أيديهما. أمّا إنهما لا يبقون منهم أحداً أبداً» .
يظهر من بعض الأخبار إنه مسيحي، أو من صنائع المسيحيين. كالخبر الذي أخرجه الشيخ في الغيبة(2). قال: « يقبل السفياني من بلاد الروم منتصراً في عنقه صليب، وهو صاحب القوم».
ويظهر من بعض الأخبار إنه من المسلمين المنحرفين المبغضين لأمير المؤمنین علي بن أبي طالب (علیه السّلام) . كالذي أخرجه الشيخ (3)عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: «كأني بالسفياني - أو لصاحب السفياني - قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادىٰ مناديه: من جاء برأس شيعة علي فله ألف درهم. فيشب الجار علىٰ جاره ويقول هذا منهم. فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم. أمّا إنّ إمارتكم يومئذ لا تكون إلّا لأولاد البغايا... » الحديث.
فمن ذلك ما أخرجه النعماني (1)بسنده إلىٰ الإمام أبي جعفر الباقر (علیه السّلام) إنه قال قط حدیث ذكر فيه السفياني: «ويبعث السفياني بعثاً إلىٰ المدينة فينفي المهدي منها إلىٰ مكة. فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلىٰ مكة، فيبعث جيشاً علىٰ أثره، فلا يدركه حتىٰ يدخل مكة خائفاً يترتب علىٰ سنة موسیٰ بن عمران. قال: وينزل أمير جيش السفياني البيداء، فينادي مناد من السماء: یا بیداء أبيدي القوم، فيخسف بهم. فلا يفلت منهم إلّا ثلاثة.. » الحديث.
ومن ذلك: ما رواه في منتخب الأثر(2)عن ينابيع المودة مروياً عن علي كرم الله وجهه في قوله تعالى: («وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ » . قال: «قبيل قائمنا المهدي يخرج السفياني فيملك قدر حمل امرأة تسعة أشهر. ويأتي المدينة جيشه حتىٰ إذا انتهىٰ إلىٰ البيداء خسف الله به،.
وما رواه أيضاً (3)عن البرهان في علامات مهدي آخر الزمان مروياً عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) قال: « السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان.. إلىٰ أن قال: ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرم فيبلغ السفياني، فيبعث اليه جنداً من جنده، فيهزمهم. فيسير اليه السفياني بمن معه. حتى إذا جاوزوا ببيداء من الأرض خسف بهم، فلا ينجو منهم إلّا المخبر عنهم».
إلىٰ غير ذلك من الأخبار.
فإن صحت هذه الأخبار، كانت كل الأخبار التي تتحدث عن الجيش الذي يخسف به في البيداء، والتي هي مستفيضة بين الفريقين، كانت دالة علىٰ بعض
أعمال السفياني. وبخاصة وقد سمعنا من الأخبار التي أخرجتها صحاح العامة من ذلك: إنّ الخسف يكون بسبب تهديد الجيش لعائذٍ يعوذ بالبيت الحرام أو قوم لا عدة لهم يعوذون به. وها نحن نسمع هذه الأخبار تفسر هذا العائذ وهؤلاء القوم بالمهدي (علیه السّلام) وأصحابه. وهو مطلب واضح لا غبار عليه، إذ من يمكن أن يستحق هذا الدفاع الإلهي عنه غيره(علیه السّلام).
إلّا إن صعوبة واحدة تبقىٰ، وهي أنّ هذه الأخبار الأخيرة، هل هي قابلة للإثبات التاريخي مع التشدد السندي أولا. ومهما كان الجواب، فالأمر موافق مع الاعتبار كما رأينا.
فهذه هي أهم الأوصاف التي ذكرت للسفياني في المصادر الإمامية. ولا شك إنّ أكثر ما لا يمكن إثباته تاريخياً بعد التشدد السندي.
نعم، بعد حمل جملة منها على الرمزية، من أجل أن تربط بالمضمون العام لعصر التمحيص والامتحان يكون مضمون أكثرها صحيحة علىٰ ما سنریٰ.
في تمحیص دلالة هذه الأخبار بوجه عام، مع غض النظر عن التشدد السندي والحمل الرمزي.
فإن في هذه الأخبار عدة نقاط ضعف، مما يضعف احتمال صدورها عن المعصومين (علیهم السّلام) ، ومن ثم إمكان الأخذ بها بصفتها صالحة للإثبات التاريخي.
التهافت من ناحية مدة ملك السفياني. إذ نسمع من أحد الأخبار أنّه بمقدار حمل امرأة تسعة أشهر ومن خبر آخر نفي ذلك صراحة، وأنه لا يملك اكثر منثمانية أشهر.
إن من هذه الأخبار ما يدل علىٰ أنّ حركة السفياني مشاركة في زوال ملك بني العباس، مع حركة الخراساني. وهذا يعني إنها قد حدثت وانتهت. لأنّ ملك العباسين قد زال منذ أمد بعيد.
ولكن ينافي ذلك دلالة الأخرىٰ علىٰ ارتباط حركة السفياني بالخسف، فأن الخسف مما لم يحدث بعد قطعاً إلىٰ حد الآن. ومعه يكون السفياني متأخراً عن دولة العباسيين بدهر طويل، بحيث لا يمكن الارتباط بهم بأي شكل من الأشكال.
إنّه دلت بعض هذه الأخبار علىٰ أن زوال ملك بني العباس نتيجة لحركتين مضادتين متعاصرتين هما حركة الخراساني وحركة السفياني. ولم يعرف شيء من ذلك في التاريخ. و إنما الغزو المغولي هو الذي أستأصلهم وأزال دولتهم، وبقي بعدهم منفرداً بالحكم مدة من الزمن، ولا يعرف له قرین آخر في المنطقة. .
التهافت في تعيين عقيدته كما سمعنا. وإنّه هل هو من المسيحيين أو من المسلمين المنحرفين.
وقد يخطر في الذهني: إنّ الخبر الثاني الذي رويناه في عقيدته، لم يدل علىٰ أنّه من المسلمين وإنما دل علىٰ مطاردته لشيعة علي (علیه السّلام) فلعله مسيحي يعمل ذلك اذن فلا تنافي بين الخبرين.
إلّا أنّ هذا لا يصح، لأكثر من جواب:
أولاً: إنّ المسيحي مهما كان شديداً ضد المسلمين، من البعيد جداً أن يخصص عداوته بشيعة علي دون غيرهم. وإنما هذا من عمل المسلمين المنحرفين عادة .
وثانياً: إن الخبر الأول الدال على كونه مسيحياً، غير قابل للإثبات التاريخي، علىٰ
كل تقدير، لأنه ليس مروياً عن معصوم، فإنّ الشيخ أخرجه بسنده عن بشر بن غالب قال: «يقبل السفياني ، الخ. وليس فيه دلالة علىٰ أنه مروي عن أحد المعصومین (علیهم السّلام).
وقد يخطر في الذهن اتحاد شخصيني الدجال والسفياني في رجل واحد. وخاصة بعد التشدد السندي الذي اتخذناه، وإسقاط تفاصيل أوصافهما عن الاعتبار. ولا يبقىٰ من المتيقن إلّا أنّ كلا الاسمين عنوان لرجل منحرف خارج علىٰ تعاليم الإسلام ومفسد في مجتمع المسلمين، ففي الإمكان انطباقهما علىٰ رجل واحد وحركة واحدة.
ومما يؤيد ذلك ما عرفناه، من أنّ التعبير بالدجال هو المتخذ في المصادر العامة عادة، والتعبير بالسفياني هو المتخذ في مصادر الإمامية، ففي الإمكان افتراض أن يكون التعبيران معاً عن رجل واحد، نظر اليه أصحاب كل مذهب من زاويتهم المذهبية الخاصة.
إلّا أنّ هذا لا يكاد يصح، لا علىٰ المستوىٰ الرمزي ولا علىٰ المستوىٰ الظاهر.
أمّا علىٰ المستوي الرمزي، فالأمر فواضح، لأنّ الدجال يمثل حركة الانحراف عن الإسلام أساساً أو الكفر الصریح، بسبب الشهوات واتباع المصالح الخاصة. والسفياني يمثل حركة القلاقل والشبهات في داخل نطاق المجتمعالمسلم. علىٰ ما سنوضح فيما يأتي. ومن المعلوم أنّ هاتين الحركتين مستقلتان لا اتحاد بينهما علىٰ المستوىٰ العام، وإن اتفقنا في بعض النتائج ضد الإسلام.
وأمّا علىٰ مستوىٰ الأخذ بالظاهر، فواضح أيضاً علىٰ مستويين:
فيما إذا أخذنا بالتشدد السندي ورفضنا الأخذ بالصفات المنسوبة إلىٰ هذين الشخصين، فإنه يكفينا ظهور الاسمين في تعدد المسمين وإن جهلنا بصفاتهما، إذ لو كانا شخصاً واحداً لعبر عنه في الأخبار بتعبير واحد.
فيما إذا لم نأخذ بالتشدد السندي، وأخذنا بالصفات المنسوبة إليهما، فيكون الفرق بينهما أوضح وأصرح، والتعدد أبين.
وأهم الفروق بينهما في حدود ما أعطته الأخبار التي سمعناها، ما يلي:
أولاً: إنّ الدجال يفترض فيه طول العمر، دون السفياني.
ثانياً: إنّ الدجال يدعىٰ بابن صائد، والسفياني يدعی بعثمان بن عنبسة.
ثالثاً: إنّ السفياني من أولاد أبي سفيان، دون الدجال.
رابعاً: إنّ الدجال يدّعي الربوبية، دون السفياني.
خامساً: إنّ الدجال کافر. وأمّا السفياني فلانص في الأخبار يدل علىٰ ذلك، إنّ لم يكن الظاهر كونه مسلماً.
سادساً: إنّ الدجال يملك كل قرية ويهبط كل وادي، ماعدا مكة والمدينة.
وظاهر ذلك إنّ حركته أوسع من حركة السفياني علىٰ سعتها۔
سابعاً: إنّ الدجال أعور العينين. وأمّا السفياني فهو ذو عينين سليمتين.
وهذه الفروق، يمكن أن تكون في غالبها فرقاً بين الحركتين علىٰ المستوىٰ الرمزي الذي أشرنا اليه.
وقد اختصت به أيضاً المصادر الإمامية، ووصفت حرکته بأنها حق..... باعتبار کونه داعياً إلىٰ المهدي(علیه السّلام) .
روىٰ النعماني (1)عن أبي عبد الله (علیه السّلام) أنه قال: «للقائم خمس علامات: السفياني
واليماني...» ، الخ الحديث.
وفي رواية أخرى عنه(علیه السّلام) (2)في تعداد أمور محتومة، قال: واليماني من المحتوم. وروىٰ أيضاً (3)عن الإمام الرضا(علیه السّلام) أنه قال: «قبل هذا الأمر: السفياني واليماني... »، الحديث.
وفي رواية أخرىٰ (4)عن أبي جعفر محمد بن علي(علیه السّلام) في رواية طويلة ذكر فيها راية السفياني والخراساني، ثم قال: « وليس في الرايات راية أهدیٰ من راية اليماني هي راية هدیٰ، لأنه يدعو إلىٰ صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح علىٰ الناس وكلهم مسلم. وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإن رايته راية هدیٰ، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك، فهو من أهل النار، لأنه يدعو إلىٰ الحق، والی طریق مستقیم ».
وأخرج الشيخ(1)عن أبي عبد الله(علیه السّلام)، حديث الخمس علامات، وعد منها: خروج اليماني.
وفي رواية أخرىٰ(2)عن أبي عبد الله (علیه السّلام) قال: « خروج الثلاثة: الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد، وليس فيها راية بأهدیٰ من راية اليماني، يهدي إلىٰ الحق».
وفي رواية أخرىٰ(3)عن محمد بن مسلم قال: « يخرج قبل السفياني مصري ويماني ».
إلىٰ غير ذلك من الروايات في مختلف المصادر الإمامية. وهي مستفيضة تقريباً، وصالحة للإثبات التاريخي بالرغم من التشدد السندي الذي اتخذناه، إذ ليس في مقابلها قرينة نافية. إلا أنّ ما يثبت بها هو حركة اليماني في الجملة، وأمّا سائر الصفات، بما فيها كونه علىٰ حق، فهو مما لا يكاد يثبت بالتشدد السندي.
فإذا تم ذلك، أمكن حمله علىٰ بعض الحركات التي حدثت في اليمن، فيكون من العلامات التي حدثت في التاريخ. وهذا هو المطابق لمنهجنا في البحث. لكن لو افترضنا الاعتراف بكونه علىٰ حق، واحتملنا ان يكون قائد الحركة يمانيا وإن لم تكن الحركة في اليمن، أو كان منطلق الحركة اليمن ولم تقتصر عليها، فتكون من الأمور الموعودة التي لا دليل على سبق حدوثها.
وأمّا علىٰ المستوىٰ الرمزي، فهي تمثل حركة أهل الحق في مقابل الانحراف والضلال الموجود في عصر الغيبة.
أخرج مسلم وابن ماجة (1)عن النواس بن سمعان عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) حديثاً مطولاً يذكر في أوله الدجال وبعض صفاته وأفعاله. ثم يذكر نزول عيسىٰ ابن مریم(علیه السّلام) عند المنارة البيضاء شرقي دمشق.
ثم يقول: - واللفظ برواية مسلم: - « فبينما هو كذلك إذ أوحىٰ الله إلى عيسىٰ أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلىٰ الطور. ويبعث الله یاجوج وماجوج، وهم من كل حدب ينسلون. فيمر أوائلهم علىٰ بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ثم يمر آخرهم، فيقولون: لقد كان في هذا ماء مرة.
«ويحضر نبي الله عيسىٰ وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مئة دینار لأحدكم اليوم. فيرغب نبي الله عيسىٰ وأصحابه، فيرسل الله عليهم العنف في رقابهم فيصبحون فرسی کموت نفس واحدة ».
ثم يهبط نبي الله عيسىٰ وأصحابه إلىٰ الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر، إلّا ملأه زهمهم ونتنهم. فيرغب نبي الله عيسىٰ وأصحابه إلىٰ الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت، فتحمله فتطرحهم حيث شاء الله.
ثم يرسل الله مطراً لا يُكُّن منه بیت مدر ولا بر، فيغسل الأرض حتىٰ يتركها کالزلقة. ثم يقال للأرض: انبتي ثمرتك وردي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من
1) ج 2 ص 1356.
الرمانة ويستظلون بقحفها. ويبارك الله في الرسل حتىٰ أنّ اللقحة من الإبل لتكفي ألفاً من الناس. واللقحة من البقر لتكفي القبيلة،واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ ».
وأخرج مسلم بسند آخر (1)عن يزيد بن جابر نحو ما ذكرناه، وزاد بعد قوله: « لقد كان بهذه مرة ماء. ثم يسيرون حتى ينتهوا إلىٰ جبل الخمر وهو جبل بیت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا أهل الأرض، هلم فلنقتل من في السماء. فيرمون بنشابهم إلىٰ السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دماء ».
فهذه هي أفعال يأجوج ومأجوج بعد فتح ردمهم. وهي نهايتهم، لو صح هذا الخبر. وحيث نعلم إنّ نزول عيسیٰ (علیه السّلام) يكون قريباً أو مقارناً لظهور المهدي(علیه السّلام) ، فيكون خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم بدعوات المسيح(علیه السّلام) ، سابقاً علىٰ الظهور، أي في عهد الغيبة الكبرىٰ.
وإذا غضضنا النظر عن التشدد السندي، كان المضمون العام لهذا الحديث أمراً محتملاً، وقابلاً لتفسير قوله تعالىٰ: «حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ »(2).... إذا أمكن تفسير الوعد الحق بظهور المهدي(علیه السّلام) باعتبار ما قلناه من أنّ الغرض الأساسي لله تعالىٰ من إيجاد خلقه، متمثل بتحققه.
وواضح من الآية: أن فتح يأجوج ومأجوج سابق علىٰ الوعد الحق... فيكون سابقة علىٰ الظهور. تماماً كما فهمناه من الحديث. فيكون الحديث والآية متصادقان علىٰ معنی واحد مشترك، مع غض النظر عن تفاصيل الحوادث التي أوردها الحديث.
ونحن لا نريد أن ندخل في تفاصيل المراد من يأجوج ومأجوج وإثبات حقيقتهم وكيفية بناء السد ضدهم وفتحه. فإنّ لذلك مجال آخر. ويكفينا بهذا الصدد ظاهر القران الكريم. وهو خال من العجائب التي نسبت في عدد من المصادر اليهم.
فإنّ ما يدل عليه ظاهر الكتاب الكريم، هو أنّهم قوم بدائيون متوحشون كانوا يعيثون في الأرض الفساد، فكان السد الذي بناه ذو القرنین سبباً لنجاة الناس منهم. وبقي هؤلاء وراء السد، حتى إذا بلغوا من الكثرة في المستوىٰ العقلي والحضاري، ما يستطيعون به السيطرة علىٰ هذا السد، فإنّهم يخرجون إلىٰ العالم مره أخرىٰ ويتجدد فسادهم، ويذوق البشر منهم الأمرين. كيف وهم أصبحوا حاقدين علىٰ البشر الآخرين من بناء السد ضدهم.
وسوف يصادف خروجهم من وراء السد، الزمان السابق علىٰ يوم الظهور بقليل، بمقتضىٰ ما فهمناه من الآية الكريمة، والحديث.
والإشكال المهم الذي يحول دون هذا الفهم هو احتمال أن يراد بالوعد الحق يوم القيامة. ولعمري أنه أمر محتمل وإن كان سياق الآية مناسب تماماً مع افتراض كون المراد به يوم الظهور.
فإنّ الاحتمالات الأولية في الوعد الحق في الآية ثلاثة:
الأول: أن يكون المراد به الوعد الإلهي بفتح يأجوج ومأجوج، من ردمها. كما قد يفهم من قوله تعالىٰ: ( «قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا » (1).
الثاني: أن يكون المراد به يوم القيامة.
الثالث: أن يراد به الوعد بظهور المهدي(علیه السّلام) في اليوم الموعود.
1) الكهف / 98.
أمّا الاحتمال الأول، فهو بعيد عن ظهور الآية التي نتكلم عنها، فإنّ ظاهرها تأخر الوعد الحق عن فتح يأجوج ومأجوج، وإنّ فتحهم يكون عند اقتراب الوعد الحق، لا عند نجازه. ومن المعلوم إنه لو كان المراد بالوعد الحق: الوعد بفتحهم، لكان فتحهم تحقيقاً لذلك الوعد، لا أنه يكون مقترباً.
إذن فالوعد بفتح يأجوج ومأجوج لو كان مرادا من قوله تعالىٰ: « فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ» ... فهو غير مراد من قوله تعالى: «وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ » . بل المراد به وعد آخر متأخر زماناً عن الفتح.
ومعه يبقىٰ هذا الوعد الحق، مراداً بين الاحتمالين الآخرين.
وقد يمكن أن يستدل للاحتمال الثاني، وهو أن يكون المراد من الوعد الحق: الوعد بيوم القيامة.. يستدل عليه من سياق الآيات التي وردت هذه الآية في ضمنها. وحيث يكون السياق متعرضاً إلىٰ حوادث القيامة، فيعرف أنّ الوعد الحق يراد به الوعد بالقيامة أيضاً.
قال الله تعالىٰ: «وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ». وكل ذلك يحدث في يوم القيامة، فيكون دالاً علىٰ ان المراد من الوعد الحق هو ذلك.
إلّا أنه يمكن لهذا المستدل ان يتنازل عن هذا الفهم، إذا علم امکان حمل الوعد الحق علىٰ ظهور المهدي (علیه السّلام) بالرغم من هذا السياق. فإنّ تطبيق الأطروحة العادلة الكاملة بعد الظهور، يصوغ المجتمع البشري بشكل جديد وقویم لا قبل للكافرين والمنحرفين به، ومعه يكون من الطبيعي أن تكون (شاخصة أبصار الذين كفروا). ومن الطبيعي أيضاً أن يقولوا في ذلك المجتمع الكريم: « يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا » في عصر الغيبة الكبرىٰ: عصر الفتن والانحراف: « فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ » فاشلين
في التمحيص الإلهي.
والتوبة لا تكون مقبولة من المنحرفين الراسبين في التمحيص، بل سيبادر الإمام المهدي (علیه السّلام) لقتلهم واستئصالهم جملة وتفصيلاً علىٰ ما سيأتي في التاريخ القادم. ومن هنا يذهبون بسرعة إلىٰ جهنم. طبقاً لقوله تعالىٰ: «إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ » من أشخاص ومصالح، كانت مقدسة من عهد الفتن والانحراف «إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ »..
ليس هذا فقط، بل يمكن أن يكون قوله تعالىٰ: «قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا » .. لا يراد به الوعد بفتح يأجوج ومأجوج، بل الوعد بالظهور أيضاً، طبقاً لما فهمناه من الآية والحديث من أن فتح يأجوج ومأجوج يكون قبيل الظهور. ويكون المراد من مجيئه في الآية الكريمة، المشارفة علىٰ المجيء، ولو بقرينة الآية الأخرىٰ.
هذا الذي قلناه كله، بحسب الإمكان والاحتمال. وأمّا صعود هذه الفكرة إلىٰ مرتبة الإثبات التاريخي، فهو متوقف علىٰ استظهارها جلياً من الآية، ولا يكفي كونها مناسبة معها. فإنّ تساوي الاحتمالين في معنى الوعد الحق، لا يعني إمكان استدلال علىٰ المطلوب. ومعه يكون تأييد الآية للحديث الشريف غير متحقق. فيبقىٰ الحديث بدون قرينة. ومعه لا يمكن أن يصمد أمام التشدد السندي ويسقط عن إمكان الإثبات التاريخي. ومعه نبقى جاهلين بتقدم خروج يأجوج ومأجوج علىٰ عهد الظهور.
يبقىٰ التساؤل عن مدىٰ صحة التفاصيل الموجودة في الحديث، ومدىٰ إمكان الأخذ بها. والصحيح إنها لا تكاد تصلح للإثبات التاريخي. وهذا واضح أن أسقطنا الحديث تماماً. وأمّا إذا غضضنا النظر عن ذلك واعتبرنا الآية قرينة عليه، وأخذنا به. فأننا إنما نأخذ بالحديث بمقدار مطابقته للآية، وهو دلالته علىٰ فكرة تقدم خروج
يأجوج ومأجوج على الظهور. وأمّا التفاصيل، فتبقى غير ثابتة طبقاً للتشدد السندي، ومعه لا يكون من المهم أن ننظر في تمحيص هذه التفاصيل.
فهذه جملة مهمة من علائم الظهور، كما وردت في نصوص الأخبار .
ويمكن التعرض إلىٰ العلاقات علىٰ مستويات ثلاثة:
ما يكون مندرجاً في ظواهر الانحراف العام، الناتج عن تمحیص عصر الغيبة الكبرىٰ. سواء ما وقع منه کدولة العباسيين والحروب الصليبية، وما لم يقعكظهور الدجال والسفياني.
ما يكون مندرجاً في ظواهر الانحراف العام، الناتج عن تمحیص عصر تقویمه قبل عصر الظهور. سواء ما وقع منها كثورات الحسنيين في عصر الخلافة، أو مما لم يقع كحركة اليماني والنفس الزكية، لوثبت وجودها.
ما يكون علىٰ مستوىٰ التنبيه الإلهي الإعجازي علىٰ خطورة الانحراف وقرب الظهور، کالصيحة والخسوف في آخر الشهر والكسوف في وسطه.
فلا بد من التكلم علىٰ كل هذه المستويات.
ويندرج في ذلك أكثر العلامات الواردة في الأخبار، سواء ما حدث منها أو مالم يحدث. فإنها تعبر عن أشكال السلوك المنحرفة في المجتمع المنحرف. سواء حملنا هذه العلامات علىٰ وجهها الصريح أو علىٰ وجهها الرمزي.
أمّا إذا حملناها علىٰ صراحتها، فالأمر واضح، ولا يحتاج إلىٰ مزيد من الكلام سواء في ذلك انحراف القيادة الإسلامية، بعد النبي (صلّی الله علیه وآله ) أو حدوث دولة بني العباس أو خروج الرايات السود بقيادة أبي مسلم الخراساني. أو اختلاف أهل المشرق والمغرب أو ثورة صاحب الزنج أو الحروب الصليبية أو مقاتلة الترك أو نزول الترك بالجزيرة أو نزول الروم الرملة أو قتل النفس الزكية أو ظهور الدجال والسفياني، طبقاً للفهم الكلاسيكي لهما.. إلىٰ آخر ماعددناه من أمثال هذه العلامات.
وأمّا إذا حملناها علىٰ أنها مسوقة مساق الرمز، فهو المهم الذي نستطيع به أن نقدم فهما متكاملاً لمجموع العلامات. وإن كان سيكلفنا هذا الفهم الاستغناء عن بعض التفاصيل الواردة في الأحاديث. وقد سبق أن قلنا إنّ شيئاً من التفاصيل لم يثبت بعد التشدد السندي، ولكنه بعد الحمل الرمزي ستكون أكثر التفاصيل قد تحققت في الخارج في التاريخ البشري. وكل ما تحقق في التاريخ فالأخبار عنه صادق كما سبق أن ذكرنا. وكل شيء من التفاصيل لا يدخل في هذا الفهم الرمزي العام، يبقى لا دليل علىٰ ثبوته وصدقه، ومن ثم يقتضي التشدد السندي نفيه.
وإنّ أهم وأعم ما يواجهنا في هذا الصدد، مفهوم الدجال، الذي يمثل الحركة أو الحركات المعادية للإسلام في عصر الغيبة عصر الفتن والانحراف.. بادثاً بالأسباب الرئيسية وهي الحضارة الأوربية بما فيها من بهارج وهيبة وهيمنة علىٰ الرأي العام العالمي، ومخططات واسعة... ومنتهيا إلىٰ النتائج وهو خروج عدد من المسلمين عن الإسلام واعتناقهم المذاهب المنحرفة، وما يعم الأفراد والمجتمعات من ظلم وفساد.
فليس هناك ما بين خلق آدم إلىٰ يوم القيامة خلق منحرف أكبر من الدجال. باعتبار هيبة الحضارة الأوربية وعظمتها المادية ومخترعاتها وأسلحتها الفتاكة وتطرفها الكبير نحو سيطرة الإنسان والإلحاد بالقدرة الإلهية... بشكل لم يعهد له مثيل في التاريخ، ولن يكون له مثيل في المستقبل أيضاً. لأن المستقبل سيكون في مصلحة نصرة الحق والعدل.
ويؤيد هذا الفهم قوله في الخبر الآخر: «ليس ما بين خلق آدم إلىٰ يوم القيامة أمر أكبر من الدجال» (1). والتعبير بالأمر واضح في أنّ الدجال ليس رجلاً بعينه وإنما هو اتجاه حضاري معاد للإسلام.
وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، وأن يأمر الأرض أن تنبت فتنبت (2). وكل هذا وغيره مما هواهم منه من أنحاء السيطرة علىٰ المرافق الطبيعية مما أنتجته الحضارة الأوربية .
ولا يخفىٰ ما في ذلك من الفتنة، فأنّ أعداداً مهمة من أبناء الإسلام حين يجدون جمال المدنية الأوربية، فأنهم سوف يتخيلون صدق عقائدها وأفكارها وتكوينها الحضاري بشكل عام. وهذا من أعظم الفتن والأوهام التي يعيشها الأفراد في العصور الحاضرة. وهي غير قائمة علىٰ أساس صحيح. إذ لا ملازمة بين التقدم التكنيكي المدني والتقدم العقائدي والفكري والأخلاقي.. يعني لا ملازمة بين الجانب الحضاري والجانب المدني في المجتمع فقد يكون المجتمع متقدماً إلىٰ درجة كبيرة في الجانب المدني ومتأخراً إلىٰ درجة كبيرة في الجانب الحضاري... كما عليه المجتمع الأوربي. كما قد يكون العكس موجوداً أحياناً في مجتمع آخر.
«وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقي لهم سائمة إلّا هلكت، وإنّ من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه، وأمدّه خواصراً وأدرّه ضروعاً» (1).
وهذا يعني على وجه التعيين: أنّ المكذب للمد المادي الأوربي والواقف أمام تیاره يمني بمصاعب وعقبات ويكون المال والقوة إلىٰ جانب السائرين في ركابها المتملقين لها المتعاونين معها. والتعبير بالحي يعني النظر إلىٰ المجتمع على العموم. وهذا هو الصحيح بالنسبة إلىٰ المجتمع المؤمن في التيار المادي، إذ لو نظرنا إلىٰ المستوىٰ الفردي، فقد يكون في إمكان الفرد المعارض أن ينال تحت ظروف معينة قسطا من القوة والمال.
والدجال أيضاً يدعي الربوبية إذ ينادي بأعلىٰ صوته يسمع ما بين الخافقين...
1) ابن ماجة: ج 2، ص 1360 وما بعدها.
يقول: « إلىّ أوليائي، أنا الذي خلق فسوى وقدر فهدىٰ أنا ربكم الأعلىٰ »(1).
وكل ذلك واضح جداً من سير الحضارة الأوربية وأسلوبها. فإنها ملأت الخافقين بوسائل الإعلام الحديثة بماديتها، وعزلت البشر عن المصدر الإلهي والعالم العلوي الميتافيزيقي، فخسرت بذلك العدل والأخلاق والفكر الذي يتكلفه هذا المصدر. وأعلنت عوضاً عن ذلك ولايتها علىٰ البشرية وفرضت أيديولو جيتها علىٰ الأفكار وقوانينها علىٰ المجتمعات، بدلاً عن ولاية الله وقوانينه. وهذا يعني ادعاءها الربوبية علىٰ البشر أي أنّها المالكة لشؤونهم من دون الله تعالىٰ.
ومن الملحوظ في هذا الصدد، أنّ الوارد في الخبر إنّ الدجال يدعي الربوبية، لا أنه يدعي الألوهية.. والربوبية لا تحمل إلّا المعنىٰ الذي أشرنا أليه.
وأمّا دعوتها، لأوليائها من أطراف الأرض، ليتم تثقيفهم الفكري وتربيتهم الأخلاقية والسلوكية تحت إشرافها، ولترتبط مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية بها. فهذا أوضح من أن يذكر أو يسطر.
« ولا يبقىٰ شيء من الأرض إلّا وطئه وظهر عليه» (2)وهو ما حدث فعلا بالنسبة إلىٰ شمل التفكير الأوربي في كل البسيطة. فليس هناك دولة في العالم اليوم لا تعترف بالاتجاهات العامة للفكر والقانون الأوربي. ونريد بأوربا كلي قسميها الرأسمالي والشيوعي. فإن كليهما معاد للإسلام، وممثل للدجال بأوضح صوره ».
وأمّا استثناء مكة والمدينة من ذلك، فقد يكون محمولا علىٰ الصراحة، وقد يكون محمولاً علىٰ الرمز. أمّا حملها علىٰ الصراحة، فيعني أن سكان هاتین المدينتين المقدستين سوف لن يعمهما الفكر الأوربي والمد الحضاري المادي. بل
يبقى سكانها متمسكين بالإسلام، بمقدار ما يفهمونه، صامدين تجاه الإغراء الأوربي إلىٰ حين ظهور المهدي (علیه السّلام).
وأمّا حملها علىٰ الرمزية، فهو يعني أنّ الفكرة الإلهية المتمثلة بمكة، والفكرة الإسلامية المتمثلة بالمدينة المنورة، لا تنحرف بتأثير المد الأوربي، بل تبقى صامدة محفوظة في أذهان أهلها وأيمانهم. وهذا يدل علىٰ انحفاظ الحق في الجملة بين البشر، وأنّ الانحراف لا يشمل البشر أجمعين، وإن كانت نسبة أهل الحق إلىٰ غيرهم، کنسبة مكة والمدينة إلىٰ سائر مدن العالم كله.
وهذا مطابق لما عرفناه من نتائج التخطيط الإلهي، ببقاء قلة من المخلصين الممحصين المندفعين في طريق الحق. وأكثرية من المنحرفين والكافرين. ويكون لأولئك القلة المناعة الكافية ضد التأثر بالأفكار المادية والشبهات المنحرفة. بل أن هذه الشبهات لتزيدهم وعياً وإيماناً وإخلاصاً.
وهذا هو معنىٰ ما ورد في بعض أخبار الدجال من منعه عن مكة والمدينة بواسطة ملك بيده سيف مصلت بصده عنها، وأنّ علىٰ كل نقب ملائكة يحرسونها. فإنّ تشبيه العقيدة الإسلامية بالملك ومناعتها بالسيف مما لا يخفى لطفه. وأمّا كون الملائكة علىٰ كل نقب، فهو يعني الإدراك الواعي للمؤمن بان للإسلام حلاً لكل مشكلة وجواباً علىٰ كل شبهة، فلا يمكن لشبهات الأخرين أن تغزو فكره أو تؤثر علىٰ ذهنه.
والدجال طويل العمر، باق من زمن النبي (صلّی الله علیه وآله ) حين لم يؤمن برسالته من ذلك الحين، بل ادعىٰ الرسالة دونه، ولا زال على هذه الحالة إلىٰ الآن.
فإن الدجال أو المادية، تبدأ أسسها الأولىٰ من زمن النبي(صلّی الله علیه وآله ) حيث كان للمنافقين أثرهم الكبير في اداء أوارها ورفع شأنها. فكانوا النواة الأولىٰ التي حددت تدریجاً سير التاريخ علىٰ شكله الحاضر، بانحسار الإسلام عن وجه المجتمع في العالم وسيطرة المادية والمصلحية عليه.
إذن فالمنافقون الذين لم يؤمنوا برسالة النبي(صلّی الله علیه وآله ) ، أولئك الذين كان مسلك الدجل والخداع مسلكهم إذ يظهرون غير مايبطنون، هم النواة الأولىٰ للمادية المخادعة التي تظهر غير ما تبطن، وتبرقع قضایا بمفاهيم العدل والمساواة. فهذا هو الدجال، بوجوده الطويل.
ومن هنا نفهم معنىٰ ادعائه للرسالة، فإنّ المادية كانت ولا زالت تؤمن بفرض ولايتها علىٰ البشر، غير أنّها كانت في المجتمع النبوي ضعيفة التأثير جداً، لا تستطيع الارتباط بأي إنسان. ولكن حين أُذِنٌ للدجال المادي بالخروج، في عصر النهضة الأوربية، استطاعت المادية أن تفرض ولايتها وسلطتها علىٰ العالم.
ومن هذا المنطلق نفهم بكل وضوح معنىٰ أنه عند الدجال ماء ونار، وماؤه في الحقيقة هو النار، وناره هي الماء الزلال. وقال النبي(صلّی الله علیه وآله ) - في الحديث -: «فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه ناراً فإنه ماء عذب طیب» (1).
فإنّ ماء الدجال هو المغريات والمصالح الشخصية التي تتضمنها الحضارة المادية لمن تابعها وتعاون معها. وناره عبارة عن المصاعب والمتاعب والتضحيات الجسام التي يعانيها الفرد المؤمن الواقف بوجه تيار المادية الجارف، وتلك المصالح هي النار أو الظلم الحقيقي، وهذه المصاعب هي الماء العذب أو العدل الحقيقي. ومن الطبيعي أنّ النبي(صلّی الله علیه وآله ) بصفته الداعية الأكبر للأيمان الإلهي، ينصح المسلم بأن لا ينخدع بماء الدجال وبهارج الحضارة ومزالق المادية، وأن يلقي بنفسه فيما يراه ناراً ومصاعب، فإنه ينال بذلك طريق الحق والعدل.
ونستطيع في هذا الصدد أن نفهم: أنّ نفس سياق الحديث ولهجته دال علىٰ ذلك، فإنّ قوله: « فأمّا الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأمّا الذي يراه الناس ناراً فماء بارد
1) صحیح مسلم: ج 8، ص 196.
عذب» (1). يكاد يكون أيضاً واضحاً في أنه ليس المراد به الماء والنار علىٰ وجه الحقيقة، بل هو ماء ونار علىٰ وجه الرمز. وإلّا لزم نسبة المعجزات إلىٰ المبطلين، وقد برهنا علىٰ فساده.
ومن طريف ما نستطيع أن نلاحظه في المقام: أنّ النبي(صلّی الله علیه وآله ) لم يقل في الخبر: أنّ الناس جميعاً حين يقعون في الماء فإنهم يجدونه ناراً أو حين يقعون في النار، يجدونها ماء. بل يمكن أن نفهم أنّ بعض الناس وهم المؤمنون خاصة هم الذين يجدون ذلك. وإلّا فإن أكثر الناس حين يقعون في ماء الدجال أو بهارج المادية لا يجدون إلّا اللذة وتوفير المصلحة، كما أنّهم حين يقعون في المصاعب والمتاعب لا يجدون إلّا الضيق والكمد.
والدجال أعور، نعم بكل تأكيد، من حيث إنّ الحضارة المادية تنظر إلىٰ الكون بعين واحدة، تنظر إلى مادته دون الروح والخلق الرفيع والمثل العليا. ومن يكون الأعور إلّا غير المدرك للحقائق رباً صالحاً للولاية علىٰ البشرية.. وإنما تكون الولاية خاصة بمن ينظر إلىٰ الكون بعينين سليمتين، بما فيه من مادة وروح ويعطي لكل زاوية حقها الأصيل « وإنّ ربكم ليس بأعور »(2).
والدجال كافر، لأنه مادي ومن أعداء الإسلام وأبعدهم عن الحق والصواب. « مكتوب بين عينيه کافر يقرؤه كل مؤمن کاتب وغیر کاتب» (3)فإنّ هذه الكتابة ليست من جنس الكتابة، وإنما هي تعبر عن معرفة المؤمنين بكفر المنحرفين ونفاقهم، وهذا لا يتوقف علىٰ كون الإنسان قارئاً وكاتباً أو لم يكن. ومن المعلوم اختصاص! هذه المعرفة بالمؤمنين يقرؤه كل مؤمن «لأنهم يعرفون الميزان
الحقيقي العادل لتقيم الناس. وأمّا المنحرفون، فهم لا يقرأون هذه الكتابة، وإن كانوا علىٰ درجة كبيرة من الثقافة. لأنهم مماثلون لغيرهم في الكفر والانحراف. ومن الطبيعي أن لا يرىٰ الفرد أخاه في العقيدة كافراً.
ومن أجل هذا كله حذر النبي(صلّی الله علیه وآله ) منه أمته واستعاذ من فتنته، لأجل أن يأخذ المسلمون حذرهم علىٰ مدىٰ التاريخ من النفاق والانحراف والمادية. بل قد حذر كل الأنبياء أممهم من فتنة الدجال. لما سبق أنّ فهمنا أنّ المادية السابقةعلىٰ الظهور هي من أعقد وأعمق الماديات علىٰ مدىٰ التاريخ البشري « ما بين خلق آدم إلىٰ يوم القيامة» (1)وتشكل خطراً حقيقياً علىٰ كل الدعوات المخلصة للأنبياء أجمعين.
وهو بالرغم من ذلك كله « أهون علىٰ الله من ذلك» (2)باعتباره حقيراً أمام الحق والعدل. مهما كانت هيمنته الدنيوية وسعة سلطته. وليس وجوده قدراً قهرياً أو أثراً تكوينياً اضطرارياً، وإنما وجد من أجل التمحيص والاختبار، بالتخطيط الإلهي العام، وسوف يزول، عندما يقتضي هذا التخطيط زواله، عند الظهور، وتطبيق يوم العدل الموعود.
ومن هنا نفهم أنه لا تعارض بين الخبر الدال علىٰ أنّ معه جبل خبز ونهر ماء، والخبر الدال علىٰ أنه أهون علىٰ الله من ذلك. فإنّ هو أنه عند الله لا ينافي حصوله علىٰ السلطة والإغراء، آخذاً بقانون التمحيص والإمهال الإلهي طبقاً لقوله تعالی:
«حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » (3). فهذه هي الفكرة العامة الرمزية عن الدجال.
وأمِا السفياني، فهو يمثل خط الانحراف في داخل المعسكر الإسلامي، أو الفكرة الإسلامية العامة. يندرج في ذلك كل الحركات والعقائد الخاطئة التي تدعي الانتساب إلىٰ الإسلام، مما كان أو يكون إلىٰ يوم الظهور الموعود.
ومن هنا اعتبر أبو طاهر القرمطي، في بعض الروايات: السفياني الأول، والسفياني الموعود هو الثاني. مع أنّ هذا القرمطي لا ينتسب إلىٰ أبي سفيان بحال. وإنما صفته الأساسية هو أنه قائد لحركة كبيرة من حركات الانحراف في المجتمع الإسلامي. اذن فهو ينتسب إلىٰ أبي سفيان عقيدة وإن لم ينتسب نسباً.
وفي الإمكان معرفة اتجاهه الفكري والعسكري، مستتجا مما نسب إليه في الأخبار من الأفعال والمشاغبات في المجتمع المسلم. يكون آخرها إرساله الجيش ضد الجماعة الممثلين للحق المستجیرین بالبيت الحرام في مكة. وحينما يصل جيشه إلىٰ البيداء يخسف بهم أجمعين، لا ينجو منهم إلّا المخبر.. حفظاً لحرمة البيت الحرام من ناحية، وحفظاً للجماعة الممحصين الذين يجب أن يقوموا بمهام اليوم الموعود. ولعل المهدي (علیه السّلام) نفسه يكون من بينهم يومئذ.
وهذه الحركة بالذات تقوم بها بعض السلطات المنحرفة في المجتمع المسلم، فهي أوضح أشكال الفكرة العامة للسفياني، بالشكل الذي فهمناها.
وخروج السفياني من الوادي اليابس، محمول علىٰ المستوى الفكري الذي يتصف به، فإنه ينطلق فكرياً عن أيديولوجية ممحلة وضحلة وجافة. بمعنىٰ أنها تتجافیٰ الحق وتقوم علىٰ الفهم الخاطيء.
وعلىٰ أي حال، فكل من الدجال والسفياني، طبقاً لهذا الفهم، مما قد حدث في التاريخ فعلا، وليس أمراً منتظراً. نعم، لم تصل حركة السفياني إلىٰ نتائجه النهائية التي هي الخسف.
يندرج في ذلك ما حدث في التاريخ، كالثورات التي كانت تحصل في زمن الأمويين والعباسيين. وهي تعرف بمراجعة التاريخ العام ولسنا الآن بصددتحليلها.
وإنما المهم محاولة فهم ما لم يحدث من ذلك. وهو أمران، بحسب ما حددته الروايات:
خروج اليماني الذي رايته ودعوته قائمة علىٰ الحق، إن ثبت ذلك بالتشدد السندي الذي تسير عليه.
وحينئذ، فأمّا أن نحمله علىٰ المعنى النوعي الرمزي أو نحمله علىٰ المعنى الشخصي الصريح.
فإن حملناه علىٰ المعنى الشخصي، بمعنى وجود شخص معين مناصر للحق منصف بهذه الصفات.. فهو مما لم يعهد حدوثه في التاريخ، فيكون منتظراً. وهذا هو الأقرب إلي ظاهر التعبير، وخاصة مع اتصافه بكونه يمنياً.
وإن حملناه علىٰ المعنى النوعي الرمزي الدال علىٰ وجود حرکات وثورات محقة في عصر الفتن والانحراف، تدعو إلىٰ الحق وتلتزم به، وهذا مما حدث في التاريخ بكثرة.. منها الثورات الداعية إلىٰ الرضا من آل محمد (صلّی الله علیه وآله ) في عصر الخلافة. ولعله يوجد في مستقبل الزمان حركات أخرىٰ بشكل وآخر، تحدث فتزعزع الانحراف، ونثبت معنىٰ البطولة والصمود في سبيل الحق.
وهذا يندرج في الحقيقة، تحت معنى التمحيص الاختياري الذي سبق أن عرفناه، وهو المتضمن للإعلاء الإرادي إلى درجة الإخلاص والصبر في نفس الفرد والمجتمع. والثار للحق دائماً يكون على هذا المستوىٰ الرفيع.
مقتل النفسي الزكية. فإنه أحد الثائرين في وجه الظلم والانحراف والطغيان..ولا تكون ثورته ناجحة، بل يكون ذلك سبباً لمقتله. وقد جعل مقتله علامة للظهور باعتبار أهميته وعمق فکرته.
سواء كان مما حدث فعلاً، كما رجحناه، أو مما لم يحدث، كما هو مقتضىٰ الفهم الكلاسيكي الذي تعضده بعض الروايات التي أخرجها في البحار، كما سمعنا.
فإن كان مما حدث فيما سبق، فقد عرفنا أنه هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وأنه أحد الثائرين بوجه الدولة العباسية في عصورها الأولى.
وإن كان مما لم يحدث، فيكفينا مجرد التنبوء بمقتله وأهميته لنعرف أنّه مقتول بين الظالمين المنحرفين لا محالة. علىٰ أنّ مكان مقتله، وهو ما بين الركن والمقام بدلنا علىٰ أهمية مقتله وخطورته بنظر قاتليه والمعتدين عليه، حيث لا يكون بإمكانهم القبض عليه أو تأجيله أو إخراجه من المسجد الحرام، بل يكون من مصلحتهم استعجال قتله هناك، وهتك الحرمة الإسلامية الكبرىٰ لذلك المسجد المقدس. وما ذلك إلّا لعمق دعوته وصراحتها في الحق، ومجافاتها لمسالك الظلم والانحراف.
وأهم ما يندرج في ذلك: الصيحة والنداء باسم المهدي(علیه السّلام) وكسوف الشمس في وسط الشهر وخسوف القمر في آخره. وهي وإن كان بالإمكان حملها على الرمز، إلّا انه بعيد. والمعتقد أن الدلالة عليها صريحة غير رمزية. وقد سبق أن عرفنا مالها من التأثير في تنبيه المؤمنين الممحصين علىٰ قرب الظهور،ولزوم المبادرة إلىٰ نصرة الإمام المهدي(علیه السّلام) .
وأمّا المعجزات الأخرىٰ المروية، فليست علىٰ هذا المستوىٰ الثالث: أمّا النار التي تخرج من الحجاز تضيء لها أعناق الإبل في بصريٰ، فقد حملناها علىٰ ظهور المهدي(علیه السّلام) نفسه. ومعه لا معنىٰ لإدراجها في العلامات.
وأمّا النار التي تخرج من قعر عدن أو من اليمن، تسوق الناس إلىٰ المحشر، فهي علىٰ تقدير ثبوتها بعد التشدد السندي، من علامات القيامة المتأخرة عن الظهور، لا من علامات الظهور نفسه. وكذلك خروج الشمس من مغربها، إلّا إذا حملنا ذلك علىٰ الرمز إلىٰ ظهور المهدي (علیه السّلام) نفسه، كما سبق أن حاولنا أن نفهمه. علىٰ كلا التقديرين، فهو ليس من علامات الظهور.
وأمّا انحسار الفرات عن كنز من ذهب، فقد تكلمنا عنه، وعرفنا كونه أمراً طبيعياً غير إعجازي.
وأمّا رجوع الأموات إلىٰ الدنيا أو وقوع المسخ، وظهور وجه وصدر في
الشمس(1)وغيرها مما ذكرناه أو مما لم نذكره، فلم يثبت شيء منها بالتشدد السندي، ومعه لا حاجة إلى محاولة حملها علىٰ المعنىٰ الرمزي، وإن كان ذلك في بعضها ممكناً.
1) الإرشاد ، ص 337.
الفصل الأول: الظواهر الطبيعية والسماوية (1)
ونريد بها الحوادث المنقول حدوثها في الطبيعة، وإن كانت صفتها إعجازية. والمنقول منها أُمور عديدة. ونحن نقتصر - اختصاراً للكلام وتمحیصاً للروايات - علىٰ ما كانت متصفاً بشرائط ثلاث:
الشرط الأول: عقدنا من أجله هذا الباب، وهو خصوص الحوادث القريبة من الظهور، بحسب أدلتها دون البعيد منها.
الشرط الثاني: أن تكون الحادثة مما يمكن إثباته، بحسب المنهج الذي اتخذناه مع محاولة تجنب ما لا يمكن إثباته.
الشرط الثالث: أن يكون مما ورد ارتباطه في الأخبار نفسها بظهور الإمام المهدي(علیه السّلام) . وبهذا تختص هذه الحوادث بالمصادر الخاصة الإمامية، وليس في المصادر العامة منها إلّا النادر.
وما يبقىٰ مندرج تحت هذه الشروط، من الحوادث، عدة أُمور، نذكر كلا منها :
1) تاریخ ما بعد الظهور من ص 117 إلىٰ ص 138 ط دار الفقه للطباعة والنشر.
ويراد به حدوثهما بشكل يختلف عن الشكل الاعتيادي له. فبدلاً عن أن يحدث الكسوف في أول الشهر والخسوف في وسطه، كما هو المعتاد، فإن حدوثهما. سوف يكون بالعکس، فيحدث الكسوف في وسط الشهر والخسوف في أوله.. بشكل لم يسبق له نظير منذ أول البشرية إلىٰ حين حدوثه.
وهذا ما تعرب عنه عدد من الروايات، ذكرنا ثلاثاً منها في القسم الأول عن الشيخ الطوسي والشيخ المفيد والشيخ النعماني. وأخرج الشيخ الطوسي في (الغيبة)(1)
أيضاً بسنده عن بدر الأزدي، قال:
قال أبو جعفر الإمام الباقر (علیه السّلام) آیتان تكونان قبل القائم لم تکونا منذ هبط آدم (علیه السّلام) إلىٰ الأرض. تنکسف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخر.. فقال رجل: يا بن رسول الله، تنکسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف. فقال أبو جعفر: إني لأعلم بما تقول ولكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم (علیه السّلام).
وأخرج السيوطي في العرف الوردي (2)عن الدارقطني في سننه عن محمد بن على الإمام الباقر (علیه السّلام)، قال:
إنّ لمهدينا آیتین لم تکونا منذ خلق الله السموات والأرض: ینکسف القمرلأول ليلة من رمضان، وتنکسف الشمس في النصف منه. ولم يكونا منذ خلق الله السماوات والأرض.
وفيما روينا هناك ما يدل عيل أن انکساف القمر يكون في الخامس والعشرين
من رمضان. وأما انكساف الشمس فهو في ثلاث عشرة أو أربع أو خمس عشرة منه. ويدل سياق هذه الرواية وأكثر من رواية أُخرى على قرب هذه العلامة من قيام القائم أعني ظهور المهدي (علیه السّلام).
وهذا العدد من الروايات يكفي للاثبات التاريخي حتىٰ مع (التشدد السندي) الذي سرنا عليه في السابق وطبقناه هنا علىٰ الروايات الناقلة للمعجزات.
وقد أشرنا هناك إلى المبرر الذي دعا إلى إيجاد هاتين الواقعتين في التخطيط الإلهي لما قبل الظهور. وهو - باختصار - : ترسيخ فكرة المهدي (علیه السّلام) عند حدوث هذه العلامة، أولاً. والايعاز إلىٰ المخلصين من الخاصة إلىٰ قرب الظهور ثانياً.
يبقىٰ علينا الآن أن نتكلم عن المبرر الكوني لوجودها. وهل هو بطريق إعجازي أو طبيعي. وإذا كان طبيعياً فكيف يحصل.. وهذا ما لم نفض فيه الحديث في السابق.
إن لحدوث هذه الوقائع عدة أُطروحات لابد من استعراضها ونقدها:
حصول الكسوف والخسوف بسبه (العلمي) الاعتيادي لكن مع اختلاف بسيط هو الاختلاف في الزمان. فإذا ثبت في العلم الحديث أن الكسوف يحصل بتوسط القمر بين الأرض والشمس. وأن الخسوف يحصل، بتوسط الأرض بين الشمس والقمر، أمكن حصول ذلك في زمان آخر جديد.
وهذه الأطروحة هي الأوفق بالظاهر الأولي من الروايات، لو فرض الالتزام بكون هذه الحوادث طبيعية غير إعجازية.
إلّا أنها واضحة المناقشة طبقاً للنظرية العلمية الحديثة، ومن ثم لابد من التنازل عن هذا الظهور الأولي للروايات.
فإن القمر - وهو يستمد نوره من الشمس، والنور يسير بخطوط مستقيمة لا يمكن أن تنعطف انعطافاً كبيراً - أن القمر لا يمكن أن يكسف الشمس حال كونه بدراً في وسط الشهر، لأن انکساف الشمس به، يلازم بالضرورة كون الوجه المظلم من القمر متوجهاً إلى الأرض، وهذا ينافي بالضرورة، كونه بدراً.
كما أن خسوف القمر لا يكون إلّا بوقوع ظل الأرض علىٰ القمر، بعد توسطها بينه وبين الشمس. وهذا معناه: أنّ الأرض أقرب إلىٰ الشمس من القمر. وهذا لا يحدث إلّا في وسط الشهر حين يكون القمر بدراً.
ولا يمكن دفع هذه المناقشة، إلّا بالطعن بالنظرية العلمية، انطلاقاً من زاوية أن النظريات العلمية مهما تأكدت، فإنها قائمة علىٰ الحساب الظني، وإن كان راجحاً ولا تنتج يقيناً تاماً بأي حال. وهذا موکول إلى وجدان القاريء.
أن تكون رؤية الكسوف والخسوف في غير الأرض بل في مناطق أو كواكب أخرىٰ من المجموعة الشمسية.
أما بالنسبة إلىٰ كسوف الشمس، فقد حدث فعلاً عام (1391 ه. 1971 م) حين كان بعض رواد الفضاء علىٰ القمر، فشاهدوا الشمس مكسوفة كسوفاً كلياً بتوسط الأرض بينهم وبينها. وهذا التوسط لا يحدث عادة - إلّا في وسط الشهر.
وأما الخسوف فلم يحدث إلىٰ حد الآن، لكن في الإمكان تصور حدوثه فيما إذا انتقل بعض أفراد الإنسان إلىٰ كوكب آخر من المجموعة الشمسية كالمريخ أو الزهرة، فإنه قد تصبح الأرض ما بين القمر وذلك الكوكب. فيحدث الخسوف في نظرهم. ومن الواضح: أن هذا غير مشروط بحدوثه في وسط الشهرالقمري، بل قد يحدث في أوله أو آخره أيضاً.
ويمكن المناقشة في هذه الأطروحة من أكثر من جهة:
أولاً: أن الظهور الأولي للروايات يقتضي حدوث الكسوف والخسوف بالنسبة إلىٰ ساكني الأرض، لا بالنسبة إلى من في القمر أو المريخ.
غير أنه يمكن الاستغناء عن هذا الظهور، من زاوية أن ظهورها في أن الإنسان هو الذي يرىٰ هاتين الواقعتين، وهو أمر لا يختلف فيه الحال بين الأرض والقمر والمريخ، ما دام الإنسان هو المشاهد.
ثانياً: أن الظهور الأولي للروايات يقتضي حدوث هاتين العلامتين في شهر واحد، هو شهر رمضان، وهذا مما لم يتحقق في الخارج.
ثالثاً: أن الظهور الواضح لهذه الروايات - كما قلنا - يقتضي قرب هذه الوقائع إلىٰ اليوم الموعود، فإذا كان قد حدث أحد الأمرين، إذن فهو لم يحدث قريباً من اليوم الموعود.
أن يحدث الكسوف والخسوف بتوسط جرم آخر طاریء في الفضاء صدفة، من الأجرام التي تعتبر علمياً تائهة في الفضاء، أو ذات مدار ضخم جداً وغير محدد. فيحجب القمر عن الشمس، فيحدث الخسوف، أو يحجب الشمس عن الأرض في وسط الشهر، فيحدث الكسوف. ومن الواضح أن مرور الجرم الطاريء غير محدد بزمان معين من الشهر.
وقد يؤيد ذلك بقوله في أكثر من رواية أنهما آيتان لم تحدثا منذ هبط آدم (علیه السّلام) . فلعل جرماً ما قد أوجد هذه الظاهرة قبل وجود البشرية. ثم يكون وقت مروره بالمجموعة الشمسية منوطاً بتاريخ معين يصادف قبل ظهور المهدي بقليل.
وهذه الأطروحة لا ترد عليها المناقشة الأولى للأطروحة السابقة، لفرض أنها
تريٰ من الأرض.
وأما المناقشة الثانية: فمن حيث حصول الواقعتين في شهر واحد، أمر لا غبار عليه، إذا التفتنا إلىٰ أن جرماً واحداً هو الذي يعمل كلا العملين. فإن المذنب وأمثاله إذا ظهر قريباً من الأرض لا يختفي عادة لليلة واحدة، بل يبقىٰ مدة من الزمن حتیٰ ينتهي عبوره فضاء المجموعة الشمسية، فيمكن أن يحدث خلال وجوده کلا هذين الأمرين.
وأما حدوث ذلك في شهر رمضان دون غيره، فهذا علىٰ تقدير ثبوته، لابد من إيكال علمه إلىٰ أهله. وسيأتي ما يوضحه فيما يلي.
أن يحدث الكسوف والخسوف بتوسط جرم آخر طاريء، ولكنه من الأجرام المنطلقة من الأرض لبعض الأغراض العلمية أو الحربية. إذ لعل البشرية تتطور حتیٰ تصل إلىٰ المستوىٰ الذي يؤهلها لإطلاق الأجرام الضخمة المنتجة لمثل هذه النتائج الكبيرة.
وقد ورد في الذهن: أنه إذا كان ذلك بفعل البشر، فكيف يكون ذلك علامة علىٰ اليوم الموعود؟
أولاً: لعل البشر يطلقون الجرم لا لأجل إحداث الكسوف والخسوف، بل لغرض آخر، فيترتب عليه من حيث لا يعلمون، فإذا كان من الضروري أن تكون العلامة قهرية الوقوع، فهذه بمنزلة العلامة القهرية.
ثانياً : أن البشر حتىٰ لو كانوا ملتفتين إلىٰ إمكان حدوث الكسوف والخسوف من إطلاق الجرم، إلّا أن الذين يطلقونها لا يحملون عن المهدي (علیه السّلام) وعلامات ظهوره
أية فكرة، فتكون هذه العملية بالنسبة إلى فكرة علامينها كالقهرية.
ثالثاً: أن البشر الذين يطلقون الجرم حتى لو التفتوا إلىٰ فكرة العلامية، إلّا أنهم لا يمكن أن يطلقونه إلا بعد بلوغهم مستوىٰ (مدنياً) معيناً، فمن الممكن أن تكون العلامة في الواقع هو هذا المستوىٰ المدني العلمي وإنما ذكرت الروايات وجود الكسوف والخسوف للإشارة إليه، بشكل لا ينافي المستوىٰ الفكري العام لعصر صدور الأخبار.
وأما ورود المناقشات التي أوردناها على الأطروحة الثانية، فهو غير مهم، كما هو واضح لمن يفكر. سویٰ حصول ذلك في شهر رمضان وهو ما سيأتي إيضاحه.
وقد يخطر في الذهن: أن الروايات دالة علىٰ حدوث هاتين الواقعتين قبل وجود البشرية، فكيف ينسجم ذلك مع هذه الأطروحة؟
وجوابه واضح: من زاوية أن الروايات لم تدل علىٰ أكثر من عدم حصوله خلال عمر البشرية (منذ هبط آدم (علیه السّلام)). وأما حصوله قبل ذلك، فليس لها ظهور تام في ذلك، وإن كانت مشعرة به قليلاً. ويمكن الاستغناء عن هذا الإشعار مع تأكد هذه الأطروحة.
فهذه جملة من الأطروحات الطبيعية أعني حدوث هاتين العلامتين بشكل غير خارق لنظام الطبيعة، وهناك بعض الأطروحات الأخرىٰ منها ما هو مبننٍ علىٰ النظرية النسبية، لاحاجة إلىٰ التطويل بذكرها.
ويرد علىٰ هذه الأطروحة إشكال مشترك هو ما أشرنا إليه من التوقيت سواء منه التوقيت بشهر رمضان أو بقرب الظهور. فإنّهما معاً قد يستشكل بعدم اسنجامهما مع الحدوث الطبيعي لهاتين الواقعتين بأي أَطروحة كان.
ويمكن الجواب علىٰ هذا الإيراد من أكثر من وجه واحد، نذكر منها ما يلي:
الوجه الأول: الطعن بصحة هذا التوقيت. والالتزام بأن أقصىٰ مايثبت هو وجود
هاتين الواقعتين في غير أوانهما الطبيعي من الشهر، فإن هذا المعنىٰ تسالمت عليه الروايات، وأما غير ذلك من الصفات فهو مما استقلت به البعض دون البعض، فلا يكون له الاثبات التاريخي الكافي، فلا يكون هذا الإشكال المشترك وارداً.
إلّا أن هذا الوجه لا يتم في بعض الصفات الأساسية كحدوث الواقعتين قرب الظهور... وإن صح الاستغناء عن بعض الصفات الأخرىٰ.
الوجه الثاني: أننا إذا سلّمنا بثبوت التوقيت، لم يبق من إشكال إلّا في أصل جعلها علامة علىٰ الظهور، مع أنها حوادث مستقبلة، وهي مما لا يمكن الاطلاع عليها من قبل أحد. وهذا ما سبق أن ناقشناه في السابق، ومع ارتفاعه وتسليم إمكان التنبؤ بالمستقبل من قبل قادة الإسلام المعصومين(علیهم السّلام) ، وتسلیم ثبوت هذه الصفات - كما قلنا .. لا يبقىٰ لهذا الإشكال مجال.
أن يحدث هذا الكسوف والخسوف علىٰ نحو الإعجاز، بخرق نوامیس الطبيعة. وقد تؤيد هذه الأطروحة ببعض القرائن المؤيدة:
القرينة الأولىٰ: قوله في أكثر من رواية: أنهما آیتان لم تحدثا منذ أن هبط آدم (علیه السّلام) إلىٰ الأرض. إذ لو كانت هذه الحوادث طبيعية لحدثت خلال وجود البشرية أكثر من مرة.
إلّا أن هذه القرينة لا تتم مع ثبوت إحدىٰ الأطروحتين الأخيرتين بل مع مجرد احتمالهما، فإنهما يعطيان التبرير (الطبيعي) لعدم حدوث هذه الوقائع خلال عمرالبشرية، فلا ينحر أن يكون هذا إعجازياً.
القرينة الثانية: أن إعجازية هذه الوقائع هي المناسبة مع جعلها علامة للظهور ومنبهة للمخلصين الممحصين، وأما مع وجودها وجوداً طبيعياً، فتضعف فكرة
جعلها علامة إلى حد كبير.
وهذه القرينة أيضاً قاصرة، لأنها تتضمن غفلة عن معنىٰ جعل العلامة، الذي سبق أن ذكرناه في السابق، وعرفنا هناك أن السر الأساسي فيه ليس منطلقاً من الإعجاز، بل من الإخار نفسه، حيث يختار قادة الإسلام (علیه السّلام) شيئاً مهماً ملفتاً للنظر فيخبرون به مرتبطاً بالظهور، حتىٰ ما إذا وقعت الحادثة ثبت عند الجيل المعاصر لها صدق الإخبار عنها بالوجدان فيثبت بالوجدان أيضاً صدق ما ارتبط بها في الرواية، وهو أصل الظهور إن كانت علامة مطلقة، أو قربه إن كانت علامة قريبة.
وأضفنا هناك، ومن هنا لا معنىٰ لكون بعض هذه الحوادث علامة، إلّا إذا ورد في الروايات ذكره، وجعل منها علامة علىٰ الظهور.
أقول: فالأساس في ذلك هو الإخبار لا الإعجاز، وما دام الإخبار موجوداً وكافياً للاثبات التاريخي، لا يكون حدوثها (الطبيعي) مخلاً بفكرة جعلها علامة.
هذا وينبغي الالماع إلىٰ أن في هذه الأطروحة الاعجازية، نقطة ضعف ونقطة قوة، بالنسبة إلىٰ (قانون المعجزات)، فهي موافقة له من زاوية كون هذه الوقائع واقعة في طريق الهداية، كما أسلفنا في السابق، وهذه نقطة قوته. ولكنها مخالفة له باعتبار عدم انحصار طريق الهداية بها، ولا أقل من الشك في ذلك، ومعه لا تكون موافقة مع هذا القانون من جميع جهاته فلا تكون صحيحة. فإذا انحصر الأمر بالأطروحة الإعجازية، كان اللازم رفض الأخبار الدالة عليها، إلّا أننا عرفنا عدم الانحصار بها، ومعه يتعين رفض هذه الأطروحة والحفاظ علىٰ الأخبار مع حملها علىٰ إحدىٰ الأطروحات الطبيعية.
وهما أيضاً من الحوادث المنقولة في الأخبار، وإنما دمجناهما في عنوان واحد، لاحتمال أن يكون المراد بهما شيء واحد، علىٰ ما سوف نشير.
أخرج الصدوق (1)بإسناده إلىٰ محمد بن مسلم عن أبي جعفر محمد بن علي
الباقر (علیه السّلام) في حديث، قال فيه:
«ومن علامات خروجه(علیه السّلام) .. وصيحة من السماء في شهر رمضان ».
وأخرج أيضاً عن الحرث بن المغيرة، عن أبي عبد الله(علیه السّلام) :
«الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان» .
وأخرج عن عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول: « قبل قيام القائم خمس علامات محتومات.. وعد منها: الصيحة ».
ونحوه أخرج النعماني في (الغيبة)(2)إلّا أنه قال: « والصيحة في السماء ».
وأخرج النعماني أيضاً (3)عن داود الدجاجي، عن أبي جعفر محمد بن علي (علیهما السّلام) قال:
«سئل أمير المؤمنين (علیه السّلام) عن قوله تعالى: «فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ » . فقال: انتظروا الفرج من ثلاث! فقيل يا أمير المؤمنين، وما هن؟!.. فقال.. والفزعة في شهر رمضان. فقيل: وما الفزعة في شهر رمضان؟ فقال: أو ما سمعتم قول الله عزوجل في القرآن: « «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ »، هي آية تخرج الفتاة من خدرها توقظ النائم ويفزع اليقظان ».
وأخرج أيضاً (1)عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السّلام) في حديث قال: «وفزعة في شهر رمضان توقظ النائم وتفزع اليقظان، و تخرج الفتاة من خدرها»
وفي حديث آخر: عن أبي بصير عن أبي جعفر محمد بن علي (علیهما السّلام) ، في حديث أنه قال:
«الصيحة لا تكون إلّا في شهر رمضان شهر الله - وهي صيحة . جبرئيل إلىٰ هذا الخلق. ثم يقول - بعد حديث طويل - إذا اختلف بنو فلان فيما بينهم، فعند ذلك فانتظروا الفرج، وليس فرجكم إلّا في اختلاف بني فلان. فإذا اختلفوا فتوقعوا الصيحة في شهر رمضان وخروج القائم، إنّ الله يفعل ما يشاء » الخبر.
ولعل من أهل ما دل علىٰ وقوع الصيحة من الأخبار، ما ورد في الخطاب الذي أخرجه السفير الرابع عن الإمام المهدي(علیه السّلام) ، والذي أعلن فيه المهدي (علیه السّلام) انتهاء السفارة بموت هذا السفير، يقول فيه:
«ألا فمن ادّعىٰ المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذاب مفتر» (2).
وأخرج القندوزي في ينابيع المودة بعض هذه الأخبار.
ونستطيع أن نعطي لفهم هذه الصيحة، عدة أُطروحات، لنرىٰ ما يصح منها وما لا یصح:
أن الصيحة والفزعة بمعنىٰ واحد، ويراد بهما صوت عظيم يكون في السماء، يوقظ النائم ويفزع اليقظان، ويخرج الفتاة من خدرها خوفاً وفزعاً. ومن هنا سمیت
بالفزعة، ويكون الصوت حادثاً بالمعجزة، ولا يكون له مدلول كمداليل الكلام. وإنما هو صوت كالرعد أو الهدة العظيمة.
إلّا أن هذا مما لا يكاد يصح، فإن أهم ما ينافيه في الروايات، قوله: وهي صيحة جبرئيل إلىٰ هذا الخلق. فإن صيحته تكون - لا محالة - ذات معنىٰ كمعاني الكلام، لا أنها مجرد صيحة صامتة. وسيأتي ما يدل علىٰ ذلك في أخبار النداء).
أن المراد بالصيحة هو النداء الآتي ذكره، وهو نداء جبرئیل علىٰ ما سنسمعه من الأخبار. وفي التعبير بأنها صيحة جبرئیل، ما يؤيد ذلك.
ويكون السبب في هذا الصوت شيء من قبيل المعجزة، فإن سببه صادر من فوق الطبيعة المادية، لأنه صوت أحد الملائكة الكرام کما سمعنا من الأخبار.
وعلىٰ أي من هاتين الأطروحتين، يكون الصوت إعجازياً حادثاً من أجل مصالح معينة، أهمها ما أشرنا إليه من التنبيه علىٰ قرب الظهور، من أجل إيجاد الاستعداد النفسي لدىٰ المخلصين والمسلمين لاستقباله.
أن يكون المراد بالصيحة والفزعة معان طبيعية غير إعجازية فالفزعة تعبير عن وجود رعب عام لسبب من الأسباب كتوقع حرب أو وباء مثلاً، ويكون المراد بالصيحة صوت عظيم صادر من بعض القنابل أو الصواريخ، أو من اختراق إحدىٰ الطائرات حاجز الصوت، أو انفجار بعض المستودعات.. ونحو ذلك.
غير أن الأطروحة بعيدة للغاية عن مداليل هذه الأخبار وسياقها العام، وخاصة مع الاستدلال بقوله تعالىٰ: « «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا
خَاضِعِينَ »(1).
وقد استدل بهذه الآية علىٰ الفزعة، كما سبق أن سمعنا، وعلىٰ الصيحة، فيما رواه الصافي في منتخب الأثر(2)والقندوزي في الينابيع (3)عن أبي عبد الله(علیه السّلام) ، وقال في آخره: فتلوت هذه الآية أي قوله تعالىٰ: «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً »... الآية، فقلت: أهي الصيحة؟ قال: نعم، لو كانت الصيحة خضعت أعناق أعداء الله عزوجل.
وإنما تخضع أعناق أعداء الله عزوجل نتيجة لحادث کوني کبير غير معهود، فيه عنصر إعجازي، لا لحادث بسيط كصوت صاروخ أو طائرة.
ولعل في تفسير الآية تارة بالصيحة وأخریٰ بالفزعة، ما يوحي بالأطروحة الأولىٰ، أو أن تكون الفزعة بمعنىٰ الصيحة، فإنّهما آية واحدة تخضع لها أعناق أعداء الله سبحانه، ويكون ذلك مطابقاً للأطروحة الثانية، ويكون الفزع ناشئاً من صوت جبرئيل الأمين، في قلوب أعداء الله... وأما المؤمنين فيكون الصوت بشارة كبرىٰ لهم عن قرب الفرج وتوقع الظهور.
ومن أجل هذا يحصل الاهتمام الكبير بهذا الصوت، يستيقظ منه النائم ويفزع اليقظان، وتخرج الفتاة الحيية المخدرة من خدرها، ولا تتحدث عن الفتيات غير المنصفات بالحياء.
هذا، والظاهر من سياق هذه الأخبار، وخاصة مثل قوله: فتوقعوا الصيحة وخروج القائم.... أن تكون الصيحة قبل الظهور بزمن قليل نسبياً. وهو المقصود.
والأخبار عن ذلك علىٰ ثلاثة أشكال:
ماکان دالاً على وجود النداء إجمالاً، وأنه من المحتوم.
أخرج الصدوق (1)بسنده إلىٰ ميمون البان عن أبي عبد الله الصادق (علیه السّلام) قال:
«خمس قبل قيام القائم... وعد منها: المنادي ينادي من السماء» وروى المفيد (2)بسنده عن أبي حمزة الثمالي، قال: «قلت لأبي جعفر(علیه السّلام) :
خروج السفياني من المحتوم؟ قال: نعم، والنداء من المحتوم. الحديث.
وأخرج النعماني (3)بسنده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السّلام) أنه قال:النداء من المحتوم... » الحديث.
النداء بالحق والباطل، ويكون النداء بالحق أولا، ثم النداء بالباطل. أخرج الصدوق (4)بسنده إلىٰ ميمون البان في حديث عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال: «ثم قال: ينادي مناد من السماء: أن فلان بن فلان هو الإمام باسمه، وينادي إبليس لعنه الله من الأرض، كما نادىٰ برسول الله (صلّی الله علیه وآله ) ليلة العقبة ».
وأخرج النعماني في الغيبة (5)عن أبي بصير عن أبي جعفر محمد بن علي (علیه السّلام) في حديث طويل، قال فيه: « ينادي مناد من السماء باسم القائم، فيسمع من
بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقىٰ راقد إلّا استيقظ ولا نائم إلّا قعد ولا قاعد إلّا قام علىٰ رجليه فزعاً من ذلك الصوت، فرحم الله عبداً اعتبر بذلك الصوت فأجاب، فإنّ الصوت صوت جبرئيل الروح الأمين » وقال(علیه السّلام) : « الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة، ليلة ثلاث وعشرين، فلا تشكوا في ذلك، واسمعوا وأطيعوا.
وفي آخر النهار صوت إبليس اللعين ينادي: ألا إنّ فلاناً قتل مظلوماً، ليشكك الناس ويفتنهم، فكم ذلك اليوم من شاك متحير، قد هوىٰ في النار.
فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان، فلا تشكوا فيه أنه صوت جبرئیل وعلامة ذلك أنه ينادي باسم القائم واسم أبيه(علیه السّلام) ، حتىٰ تسمعه العذراء في خدرها، فتحرض أباها وأخاها علىٰ الخروج.
إلىٰ أن قال: فاتبعوا الصوت الأول وإياكم والأخير أن تفتنوا به.. » الحديث.وأخرج السيوطي في العرف الوردي (1)قال: أخرج نعیم عن علي، قال: « إذا نادىٰ مناد من السماء: إنّ الحق في آل محمد، فعند ذلك يظهر المهدي علىٰ أفواه الناس، ويشربون حبه، ولا يكون لهم ذكر غيره» .
وأخرج أيضاً(2)عن نعیم بن حماد أيضاً، عن أبي جعفر، قال: « ينادي منادٍ من السماء: إنّ الحق في آل محمد، بنادي مناد من الأرض: إنّ الحق في آل عيسیٰ - أو قال: العباس شك فيه . وإنما الصوت الأسفل كلمة الشيطان، والصوت الأعلىٰ كلمة الله العليا»..
وأخرج القندوزي في الينابيع شيئاً من ذلك.
النداء باسم القائم(علیه السّلام) بدون أن يكون في الأخبار تعرض إلىٰ نداء آخر:
أخرج الصدوق (1)بسنده إلىٰ محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر (علیه السّلام) ، في .
حدیث، قال: «ومن علاماته خروج السفياني... ومنادٍ ينادي باسمه واسم أبيه ».
وأخرج النعماني (2)بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله(علیه السّلام)، قال: «قلت له: جعلت فداك، متیٰ خروج القائم؟ فقال: يا أبا محمد، إنا أهل بيت لا نوقت... إلىٰ أن قال: ولا يخرج القائم حتىٰ يناديٰ باسمه في جوف السماء، في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، ليلة جمعة، قلت: بم بنادیٰ؟ قال: باسمه واسم أبيه، ألا إنّ فلان بن فلان قائم آل محمد، فاسمعوا له وأطيعوه.
فلا يبقىٰ شيء من خلق الله فيه الروح، إلّا سمع الصيحة، فتوقظ النائم ويخرج إلى صحن داره، وتخرج العذراء من خدرها، ويخرج القائم مما يسمع، وهي صيحة جبرئیل (علیه السّلام) ».
وأخرج الشيخ في الغيبة (علیه السّلام) بسنده عن محمد بن مسلم، قال: « ينادي منادٍ من السماء باسم القائم، فيسمع ما بين الشرق إلىٰ الغرب، فلا يبقيٰ راقد إلّا قام ولا قائم إلّا قعد ولا قاعد إلّا قام علىٰ رجليه من ذلك الصوت، وهو صوت جبرئیل الروح الأمين ».
وأخرج أيضاً (3)عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله(علیه السّلام) : « إن القائم صلوات الله علیه ینادیٰ اسمه ليلة ثلاث وعشرين... » الحديث.
إلىٰ غير ذلك من الأخبار .
والمعنىٰ المفهوم من مجموع هذه الأخبار وأخبار الجهة السابقة: أنّ أخبار الصيحة والفزعة وأخبار النداء بأقسامها تشير إلىٰ معنىً مشترك وحادثة واحدة، لا اختلاف فيها، وإن تعددت أساليب الأخبار. ولا تعارض بينها في الحقيقة، كما أنها لا تدل علىٰ كثرة النداءات أكثر من صوتين، لو تم القسم الثاني من الأخبار.
وعلىٰ ذلك عدة قرائن، من هذه الأخبار نفسها:
منها: أن الصيحة والنداء معاً نسبا إلىٰ جبرئيل (علیه السّلام) بشكل مستفيض.
ومنها: أن وقتهما معا في ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان.
ومنها: أنها جميعاً تورث الاهتمام الكبير، يستيقظ النائم ويقوم القاعد وتخرج العذراء من خدرها.
ومنها: أن الصيحة والنداء من المحتوم، إلىٰ غير ذلك مما لا يخفىٰ علىٰ المتتبع.
وبعد حمل المطلق على المقيد والمجمل علىٰ المفصل، ما يلي: 1- إنّ المراد من النداء الذي هو من المحتوم هو نداء جبرئیل باسم القائم.
2 - إنّ المراد من النداء بالحق ليس إلّا ذلك.
3 - إنّ صيحة جبرئيل هي هذا النداء أيضاً.
4 - إنّ الآية التي تخضع لها أعناق أعداء الله هو ذلك أيضاً.
5- إنّ الفزعة التي تخرج الفتاة من خدرها هو ذلك أيضاً.
6 - إنّ التوقيت في الثالث عشر من شهر رمضان، توقيته أيضاً.
فإنّ القسم الثالث من أخبار النداء، أعني النداء باسم القائم واسم (أبيه) هي أخص هذه الأخبار جميعاً، بما فيها أخبار الصيحة والفزعة... فتصلح أن تكون مفسرة لها وشارحة لمدلولها. كما ستكون الصفات الأخرىٰ المعطاة في تلك الأخبار، صفة للنداء أيضاً، كالتوقيت والحتمية وغيرها.
وإذا تمّ هذا الفهم العام كانت الأخبار الدالة علىٰ هذا المعنىٰ المشترك متواترة بل
تزيد على التواتر، فإنّ أخبار النداء وحدها مستفيضة، فإذا أضفنا إليها أخبار الفزعة والصيحة كانت متواترة.
كما أن بعض الخصائص المذكورة لها مستفيضة، كحصول الاهتمام المتزاید، والتوقيت الذي عرفناه، وكونها من المحتوم، وكونها صوت جبرئيل الأمين، وأنها تكون بالحق وضد أنصار الباطل.
لا يبقىٰ بعد ذلك مجال للنقد إلّا في مستويين:
ما هو محتوىٰ النداء؟ هذا ما بيَّتهُ الروايات التي سمعناها علىٰ شكلین:
الشكل الأول: النداء باسم المهدي واسم أبيه.
الشكل الثاني: النداء بأن الحق في آل محمد.
فقد تحصل المعارضة بين هذه الروايات، ويبقىٰ محتوىٰ النداء خالياً من الدليل الصالح للاثبات.
والصحيح هو عدم التعارض، باعتبار احدىٰ نقاط:
النقطة الأولىٰ: إن افترضنا أنّ كلاً من الندائين ذو دليل كاف لإثباته، إذاً، فينبغي أن نلتزم بوجود نداء واحد يحتوي علىٰ كلا المدلولین، فهو يقول إن الحق في أل محمد وإن إمامكم فلان بن فلان، ولا تنافي بين الأمرين.
النقطة الثانية: أن نفهم أن الشكل الثاني للنداء راجع إلى الشكل الأول منه، وأن الأول علىٰ شكلین، هما نفس الشكلين اللذين أشرنا إليهما، فيكون ما دل علىٰ أن النداء هو من الشكل الأول قرينة على فهم معين لما دل على أن النداء هو من الشكل الثاني، وأنه صدر في ظروف معينة.
النقطة الثالثة: أننا لو تنزلنا عن كلا النقطتين السابقتين، وافترضنا حصول التنافي
بين الندائين، للعلم بأن أحدهما غير حاصل، إذاً، يتعين الأخذ بالشكل الأول من النداء، ورفض الشكل الثاني، لوفرة الأخبار الدالة علىٰ أنه ينادي باسمه واسم أبيه، لأن منها ما ورد مستقلاً وهو القسم الثالث من الأخبار، ومنها ما ورد مع عطف النداء الباطل عليه، وهو أغلب القسم الثاني، فلا يكون ما دل من الأخبار على الشكل الثاني للنداء معارضاً، لقلة عدد الأخبار فيه. فيكون مرفوضاً.
هل الأخبار الدالة علىٰ النداء بالباطل كافية للاثبات أو لا؟
هناك بعض المقدمات الفكرية التي يمكن أن تنتج رفضها:
المقدمة الأولىٰ: أن عدد الأخبار الدالة علىٰ النداء بالباطل أقل بكثير من الأخبار الدالة علىٰ النداء بالحق، فبينما نرىٰ الأخبار الدالة علىٰ النداء بالحق أو باسم المهدي (علیه السّلام) عديدة فإذا ألحقنا بها أخبار الصيحة والفزعة، كما سبق -أصبحت متواترة. نرىٰ أن الأخبار الدالة علىٰ النداء بالباطل ذات عدد قليل، تمثل قسماً من أخبار النداء فقط.
المقدمة الثانية: أننا إذا سرنا علىٰ الفهم التقليدي لهذه الأخبار المطابق مع ظهورها الأولي، وهو صدور النداء بالباطل بشكل إعجازي أو ميتافيزيقي، فيكون هذا معجزة صادرة في جانب الباطل، وقد برهنا علىٰ استحالة ذلك في السابق، لما فيه من التغرير بالجهل والدفع إلىٰ الفتنة والانحراف وهو مستحيل علىٰ الحكيم المطلق جل وعلا.
فإذا تمت هاتان المقدمتان لزمنا رفض هذه الأخبار، لأنها أخبار قليلة نسبياً ودالة علىٰ أمر مستحيل، فيكون الأخذ بمضمونها مستحيلاً.
وهذا لا يعني إسقاط القسم الثاني من أخبار النداء كله، بل الساقط هو الجزء الدال علىٰ وجود النداء بالباطل فقط، وأما الجزء الدال منها علىٰ النداء بالحق فيبقىٰ ساري
المفعول، معتضداً بالأخبار الأخرىٰ الدالة علىٰ ذلك، وقد سبق أن برهنا علىٰ إمكان التبعيض في الأخذ بمدلول الخبر.
نعم، لو ناقشنا بالمقدمة الثانية، وأمكننا حمل النداء عموماً أو النداء بالباطل خصوصاً، علىٰ معنیٰ (طبیعی) غير إعجازي، أمكن الأخذ بالأخبار الدالة عليه غير أن هذا سوف يكون قابلاً للمناقشة علىٰ ما سيأتي.
وإذا نحاول تكوين فهم متكامل عن هذين الندائين، نواجه عدة أُطروحات منها الطبيعي ومنها الإعجازي.
أن نفهم من (جبرئیل) المنادي بالحق و (پلیس) المنادي بالباطل، أن نفهم منهما - ولو بنحو الرمز أو المجاز - التعبير عن أنصارالحق وأنصار الباطل، فجبرئیل کناية عن (المهدي) نفسه، ونداوه نداء الحق. وإبليس عبارة عن أعداء المهدي والمنحرفين من البشر عموماً.
ويكون المراد بسعة الصوت وانتشاره إلى الشرق والغرب أو إلىٰ كل إنسان، كونه مبثوثاً عن طريق وسائل الإعلام الحديثة، كالاذاعة والتلفزيون وما ورد من أن الصوت من السماء، فباعتبار أن البث الإذاعي والتلفزيوني لا يكون التقاطه، إلّا من الفضاء، وخاصة مع وجود الكواكب الصناعية للبث الإذاعي والتلفزيوني.
ومعه يكون من السهل بل من الطبيعي أن نتصور أن (جبهة) الإمام المهدي (علیه السّلام) تنادي باسمه بطريق هذه الوسائل الحديثة. و (جبهة) أعدائه تنادي بنداء مضاد سوف نعرف مدلوله، تريد به الفتنة وصرف الناس من الحق إلىٰ الباطل.
ويكون السبب في التأثير النفسي البالغ، والاهتمام
الذي يحدثه الصوت الحق في العالم، ليس هو ارتفاع الصوت، بل هو أهمية المضمون، فإن الإعلان العام عن
ظهور المهدي (علیه السّلام) لأول مرة، وإعطاء المفهوم الواضح لثورته العالمية، مع كون المسلمين عامة، بل أكثر البشر ممن يتوقع حدوث دولة الحق، سوف يحدث ردود فعل عنفية مختلفة في الناس، بلا شك.
وهذه الأطروحة، وإن كانت واضحة منطقياً، غير أنه يرد عليها بعض الإشكالات التي من أهمها: أن ما يستفاد من سياق هذه الأخبار من أن النداء وصوت الحق وصوت الباطل، إنما يكون قبل ظهور المهدي (علیه السّلام) وليس بعده.. وهذا يكون منافياً مع مضمون هذه الأطروحة، لأنها تنظر إلىٰ دعوات الحق والباطل بعد الظهور.
أن نلتزم - طبقاً لظاهر الأخبار - بأن هذين الصوتين يوجدان قبل ظهور المهدي (علیه السّلام) لكن بطريق طبيعي أيضاً، عن طريق وسائل الاعلام الحديثة، ويكون السبب في هذين الصوتين وجود حركتين متناحرتين في العالم الإسلامي، إحداهما مجقّة، تهدي الناس إلىٰ الإسلام الصحيح، والأخرىٰ حركة مبطلة، تغوي الناس وتخدعهم وتثير فيهم الشبهات.
ويكون التأييد لحركة الحق في أول قيامها تأثير كبيراً في الناس، حتىٰ أن المرأة تحث أباها وأخاها علىٰ نصرة هذه الحركة وتأييدها، ولكن هذه الحركة لن تدوم طويلاً، بل تكون ضدها حركة مبطلة تعلن عن رأيها وتصرح بمقاصدها فتوقع الناس في بلبلة وشبهات في العقيدة الإسلامية أو ما يمت لها بصلة.
ويكون من نداءاتها وشعاراتها المهمة: أن فلان قتل مظلوماً، والمراد به - والله العالم - ذلك الشخص الذي قتلته وقضت علىٰ حكمه الحركة الأولىٰ المحقة. ومن هنا تصرح الحركة الثانية بمظلوميته وانتهاج سبيله، والاحتجاج علىٰ قتله.
ولعل التعبير يكون نداء الحركة الأولىٰ صادراً من السماء ونداء الحركة الثانية
صادراً من الأرض، باعتبار احترام النداء الأول، وكونه محقاً، وانتقاص النداء الثاني باعتباره باطلا وزخرفاً.
إلّا أن هذه الأطروحة لا تصح، لوضوح أن نداء الحركة المحقة سوف يكون هو الدعوة إلىٰ مبادئها وتأييدها، لا النداء باسم القائد المهدي واسم أبيه كما صرحت به الأخبار العديدة، ومعه يبقىٰ هذا النداء بلا تفسير من زاوية هذه الأطروحة.
وأما احتمال: أن يكون المراد من لفظ القائم: قائد الحركة المحقة باعتبار أنه قائم بالسيف وناصر للحق بالسلاح، في الجملة، وإن لم تكن حركته عالمية فهذاالاحتمال غير صحيح، فإن الأخبار صرحت بكونه قائم آل محمد وأنه المهدي، وفي بعضها وجود الصلاة والسلام عليه، وهو مما لا ينطبق إلّا علىٰ المهدي الموعود.
وهي المطابقة مع ظاهر الأخبار وسياقها العام. وهو أن نفهم الأسلوب الإعجازي للنداء بالحق، باسم القائم واسم أبيه، ويكون ذلك من المنبهات للاستعداد النفسي للظهور، كما قلنا.
وهو في عين الوقت يضفي أهمية عظمىٰ مسبقة علىٰ يوم الظهور، ويعين اسم القائد العظيم فيه، ويكفي أن يقال بعد الظهور، الذي يبدو أنه سوف لن يتأخير کثيراً بعد النداء: أن هذا القائد العظيم هو الذي هتف الهاتف باسمه وحدثت المعجزة الضخمة آمرة بإطاعته والتسليم لأمره، وسوف يكون لذلك أعظم الأثر في نصره وانتشار دعوته، وقد عرفنا أن يوم الظهور هو نتيجة جهود الأنبياء والأوصياء والصالحين والشهداء، وهو الغرض الأسمىٰ من خلق البشرية، فلا عجب أن يمهد الله تعالىٰ بمثل هذه المعجزات.
وهو مما دلت الأخبار المتواترة عليه، كما عرفنا، وهو غير مناف مع قانون
المعجزات، لوقوعه في طريق الهداية؛ إذاً فلابد من التسليم به والاعتراف بوقوعه.
ويكون هذا الصوت في شهر رمضان في ليلة ثلاث وعشرين، التي هي - الأرجح - ليلة القدر، وهي أفضل ليالي السنة، ويكون التوجه الديني في ذلك الحين لدىٰ المسلمين وتقبل المفاهيم الدينية والأمور الروحية قد بلغ ذروته، فإنّه يزداد في مناسبات العبادة وخاصة في شهر رمضان، وبالأخض في ليلة القدر.
وسيكون رد الفعل بالاهتمام والفزع لهذا النداء، ناشئاً من عوامل ثلاثة مقترنة:
العامل الأول: ارتفاع الصوت وانتشاره بحيث يسمع الأفاق كلها. العامل الثاني: جانبه الإعجازي، الذي لا يكاد يمكن تفسيره تفسیراً مادياً.
العامل الثالث: مضمونه، من حيث كونه مشيراً إلىٰ القائد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت ظلماً وجوراً.
وأود أن ألاحظ علىٰ النداء بعض الملاحظات:
الملاحظة الأولىٰ: هناك فهم تقليدي للنداء، بأنه يقع في لحظة الظهور إعلاناً عنه وايذاناً بوقوعه، وهذا ما لم نجد شيئاً من الروايات دالاً عليه، ومن هنا لا يمكن الالتزام بصحته.
ولكن لا يمكن مع ذلك رفع اليد عن فكرة الإيذان والإعلان عن الظهور إلّا أن هذا كما يمكن أن يحصل عند إيجاد النداء مع الظهور، كذلك يمكن أن يحصل مع إيجاد النداء قبله بقليل، ويبدو كأن الظهور قائم علىٰ أساس النداء ومنطلق منه، وإن كان الأمر - في الواقع - بالعکس.
ولا يبعد القول بإمكان البرهنة علىٰ تقدم النداء على الظهور، بفترة زمنية، وذلك أن النداء إذا حصل مع الظهور كان المتعين عالمياً انطباقه علىٰ المهدي (علیه السّلام) الذي لا زال في أول ظهوره غیر راسخ الملك والقوة، ومن هنا ينفتح احتمال توجه الأسلحة العالمية ضده، وهو خلاف بعض الضمانات التي سنذكرها لانتصاره.
بخلاف ما لو حصل النداء قبله، فإن حركة المهدي (علیه السّلام) في أول عهدها سوف لن تكون ضرورة الانطباق علىٰ ذلك النداء، عالمياً، وسوف لن يلتفت إلىٰ ذلك إلّا المؤمنين به والمنطقة التي تعاصر حركته الأولىٰ، وهذا هو الأنسب مع بعض الضمانات التي سنذكرها.
وحيث إن النداء باسم المهدي (علیه السّلام) مع ظهوره مخلاً بانتصاره، إذاً فيتعين عدم حصوله ساعتئذ، وحيث ثبت وجود النداء إجمالاً، إذا فهو يحصل قبل الظهور،بزمن قليل لا يضر مع وجود فكرة الإعلام والتنبيه.
الملاحظة الثانية: إن حصول النداء قبل الظهور، معناه حصوله في عصر الغيبة طبقاً للمفهوم الإمامي عن المهدي.
وهذا النداء عندئذ، لا ينافي الغيبة الحاصلة في الفترة المتخللة بين النداء والظهور، لأنّ المعنىٰ الأساسي للغيبة، كما عرفناه في تاريخ الغيبة الكبریٰ(1)، هو الجهل المطلق بحقيقة شخص المهدي(علیه السّلام)، فبالرغم من أن الناس يرون الإمام ويعاشرونه، إلا أنهم يعرفونه باسم آخر غير صفته الواقعية، ومن الواضح أن هذا المعنىٰ لا يتغير بوجود النداء ما لم يطبقه المهدي نفسه علىٰ نفسه عند ظهوره.
وكذلك الحال مع الأطروحة الأخرىٰ التي رفضناها هناك، وسميناها ب (أطروحة خفاء الشخص)، إذ يمكن استمرار خفاء الشخص حتى مع وجود النداء ولا يرتفع إلّا مع الظهور.
الملاحظة الثالثة: كم هي الفترة المتخللة بين النداء والظهور؟ دلت الروايات السابقة علىٰ وقوع النداء في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان (2)، ولعله هو
الشهر الذي يقع فيه الكسوف والخسوف على غير المألوف، أو رمضان آخر قریب منه نسبياً، والملاحظ أن هذا التوقيت في روايات النداء مستفیض صالح للاثبات التاريخي، إلّا أن هذا التوقيت لم يبلغ إلىٰ هذه الدرجة من الكثرة في روايات الخسوف والكسوف.
وسوف يأتي أن الروايات تدل علىٰ حصول الظهور في مساء اليوم العاشر من محرم الحرام.. فإذا استطعنا أن نبرهن - كما سبق - علىٰ قصر المدة بين النداء والظهور، تعين القول: إن المحرم الذي يتم فيه الظهور هو المحرم الذي يأتي بعد ذلك الرمضان الذي يوجد فيه النداء، ويفصل بينهما . في كل عام - ثلاثة أشهر من الأشهر القمرية، فتكون المدة المتخللة ثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً، إن كان شهر رمضان تاماً.
وستكون هذه المدة المتخللة كافية لتنبيه المؤمنين، واجتماعهم لاستقبال إمامهم وقائدهم عند ظهوره، كما سيأتي.
فهذه الملاحظات، عن النداء بالحق، وهو الصالح للاثبات كما عرفنا، وأما النداء بالباطل فهو غير صالح للاثبات، فلا يهم التعرض إلىٰ تفاصيله.
أخرج الطبرسي في اعلام الوریٰ (1)عن عبد الكريم الخثعمي عن أبي عبد الله الصادق(علیه السّلام) ، في حديث عن القائم يقول فيه: « وإذا آن قيامه، مطر الناس في جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير مثله. » الحديث.
وذكر المفيد في الإرشاد(2): قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي(علیه السّلام) ، وحوادث تكون أمام قيامه، و آیات ودلالات ثم إنه (عليه الرحمة)ذکر العديد منها إلىٰ أن قال: « ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة تتصل فتحيیٰ بها الأرض بعد موتها وتعرف بركاتها ».
وأخرج الشيخ في « الغيبة» (3)بإسناده عن سعيد بن جبير قال: « السنة التي يقوم فيها المهدی تمطر أربعاً وعشرين مطرة يرىٰ أثرها وبرکاتها ».
ولا تخفيٰ الحكمة من هذا المطر، وهو الاستعداد للظهور، بإنعاش الأرض إنعاشاً كافياً لتوفير الزراعة، ذلك التوفير العظيم الذي سنسمع عنه فيما يلي من الفصول:
وهذا التقديم خیر من نزول المطر بعد الظهور بغزارة، بحيث قد يعيق عن جملة من الأعمال التي يريد القائد المهدي (علیه السّلام) انجازها، ففي تقدمه علىٰ الظهور جني
الفوائد المطر مع تفادي مضاعفاته.
ونزول المطر ليس إعجازياً، بطبيعة الحال، إلّا أن توقيته وکمیته، يبدو من سياق الروايات أنها بقصد إعجازي خاص من قبل الباریء الحكيم، توصلاً للنتائج المطلوبة من ورائها.
غير أن عدة نقاط ضعف تبرز في هذا الصدد.
النقطة الأولىٰ: ضعف الروايات من حيث السند، فإن روايتي الطبرسي والمفيد مرسلتان، ورواية الشيخ منقولة عن سعيد بن جبير لا عن أحد الأئمة المعصومين، فلا تكون صالحة للاثبات التاريخي.
النقطة الثانية: قلة عدد الروايات الدالة على ذلك، فإن منهجنا في هذا الكتاب وإن كان قائماً عن أساس قبول الخبر الواحد، غير أننا أشرنا إلىٰ لزوم تطبيق (التشدد السندي) في روايات المعجزات، وهذه منها بلحاظ ما قلناه من التوقيت الإعجازي، فلا تكون هذه الروايات كافية للاثبات حتىٰ ولو لم تكن مرسلة.
النقطة الثالثة: أن هذه الروايات لا تدل علىٰ أمطار ضخمة جداً، فإن أربعاً وعشرين مطرة موزعة علىٰ شهر أو شهرين مما يحدث في البلاد المتوسطة المطر فضلاً عن الغزيرة الباردة، ومعه لا يمكن أن يكون هذا المطر علامة علىٰ الظهور، الأن فكرة العلامة منطلقة من الإخبار عن شيء مهم وملفت للنظر في التاريخ، وليس هذا المطر كذلك.
النقطة الرابعة: أن هذه الروايات لا تدل علىٰ مكان حدوث هذه الأمطار، فقد تكون بلاداً باردة ممطرة وقد تكون بلاداً جافة... كل ما يمكن قوله: إن المطر سوف يحدث في بلاد الشرق الأوسط الإسلامية، إلّا أن هذه البلاد نفسها تحتوي علىٰ كلا القسمين من المناخ، فهناك الباردة الممطرة كيران ولبنان، وهناك الجافة الممحلة كالحجاز ونجد على العموم.
نعم، يمكن أن يقال ك (أُطروحة) من أجل اكتساب هذا المطر الأهمية ومن ثم تصدق عليه فكرة العلامية: أن مكان هذا المطر يمكن أن يكون علىٰ شكلین:
الشكل الأول: أنه ينزل في الأماكن المقدسة: مكة والمدينة المشرفتين وهي من البلاد الجافة الممحلة، فيكون وجود هذه الكمية من المطر فيها مهماً جداً.
الشكل الثاني: أنه ينزل في منطقة الشرق الأوسط برمتها، وبشكل مشترك.... بالعدد والزمان المحددين السابقين، فيكتسب أهمية كبيرة أيضاً.
غير أن هذين الشكلين إنما يكتسبان الأهمية، لو تم إثباتهما التاريخي، وقد عرفنا في النقطتين الأوليتين عدم صلاحية الروايات للاثبات التاريخي.
وإذا لم يثبت ذلك، كان العديد مما ذكر في المصادر من الحوادث والعلامات القريبة للظهور غير قابل للاثبات التاريخي أيضاً، لأنه ليس أحسن حالاً في النقل من هذه الحادثة علىٰ أي حال، ومن ثم يكون الأحجیٰ أن نعرض عنها، وندع العلم بها إلىٰ أهله.
فهذا هو الكلام عن العلامات (الطبيعية) أعني الكونية الخارجة عن المجتمع البشري، وعرفنا أن أهمها وأوضحها اثنان فقط هما النداء باسم القائد واسم أبيه، ويليه الكسوف والخسوف، وليس هناك ما يمكن اثباته من الحوادث والعلامات (الطبيعية) غير ذلك، إذا مشينا علىٰ منهجنا في التمحيص التاريخي.
الفصل الثاني: الظواهر الاجتماعية (1)
أعني الظواهر التي تنطلق من المجتمع وتصرفات الناس وهي عدة علامات، نذكر كلاً منها بعنوان لدجّال
وقد سبق أن عرضناه مفصلاً في السابق، وقدمنا هناك الفهم المتكامل عنه،والمناسب مع كل ما ورد وثبت عنه من الخصائص والصفات.
وإنما كررنا العنوان في هذا الفصل باعتبار ما دلت عليه بعض الأخبار، مما سيأتي من قرب ظهور الدجال إلىٰ ظهور المهدي(علیه السّلام) ، فيكون من العلامات القريبة للظهور، التي نحن بصددها، وهذا ممكن الصدق على كلا الفهمين اللذين قدمناهماللدجال في السابق.
وسوف لن نكرر ما ذكرناه هناك، بطبيعة الحال، وإنما المهم هنا أن نسير خطوات أخرىٰ إلىٰ الأمام في فهم الدجال، ونؤكد علىٰ مدىٰ علاقة الدجال بالمهدي والمسيح (علیهما السّلام) ، وإيراد ما ورد في ذلك من الأخبار ونحوها من الخصائص التي لم
1) تاریخ ما بعد الظهور: من ص 139 إلىٰ ص 186 ، ط دار الفقه للطباعة والنشر.
تتوفر علىٰ عرضها في التاريخ السابق.
الناحية الأولىٰ: موقف الدجال من الأمة الإسلامية، ومدىٰ تأثيره فيها، ذلك التأثير الذي نستطيع أن نفهم استمراره إلىٰ حين الظهور.
ويواجهنا بهذا الصدد عدد من الأخبار، نذكر ما أورده الشيخان من العامة وبعض الإمامية.
أخرج مسلم(1)بسنده عن حذيفة قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) : « لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجریان، أحدهما: رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فأما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه ناراً، وليغمض،ثم ليطأطيء رأسه فيشرب منه، فإنّه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين، عليها ظَفُرة غليظة، مکتوب بين عينيه: كافر، يقرأه کاتب وغیر کاتب ».
وفي حديث آخر أخرجه أيضاً(2)عن النواس بن سمعان، قال: ذکر رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) الدجال، إلىٰ أن قال: « إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، یا عباد الله فانبثوا، إلىٰ أن قال: فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحنهم أطول ما كانت ذراً واسبغه ضروعاً وأمده خواصر.
ثم يأتي القوم، فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم.. » الخ. وأخرج البخاري (3)عن أنس بن مالك، قال: قال النبي(صلّی الله علیه وآله ) : « يجيء الدجال حتىٰ ينزل في ناحية المدينة، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل
کافر و منافق ».
وأخرج الصدوق(1)بإسناده عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) يتحدث عن الدجال ويقول عنه: « ينادي بأعلىٰ صوته يُسمع ما بين الخافقين.. يقول: إليّ أوليائي، أنا الذي خلق فسوىٰ وقدر فهدىٰ أنا ربكم الأعلىٰ، وكذب عدو الله، إنه أعور بطعم الطعام ويمشي في الأسواق، وإن ربكم ليس بأعور ولا يطعم ولا يمشي في الأسواق، ولا يزول تعالىٰ الله عن ذلك علواً كبيراً.
ألا وإنّ أكثر أتباعه يومئذ أولاد الزنا، وأهل الطيالسة الخضر... الخ »الحديث. وغير ذلك من الأخبار .
وقد أعطينا في السابق أطروحتين لفهم الدجال: إحداهما: تقليدية تقول إن الدجال شخص معین طویل العمر، سيظهر في آخر الزمان من أجل ضلال الناس وفتنتهم عن دينهم، ويدل عليه قليل من الأخبار (2)، والأخرىٰ: أن الدجال عبارة عن مستوىٰ حضاري ايديولوجي معین معاد للإسلام والإخلاص الإيماني ككل.
وقد سبق هناك أن ناقشنا الأطروحة الأولىٰ ورفضناها بالبرهان، ولابد من طرح ما دل عليها من قليل الأخبار، ودعمنا الأطروحة الثانية وهي التي ستكون منطلق کلامنا الآن.
ونحن نعلم، فيما يخص الحضارة المادية المعاصرة، كيف استطاعت غزو المجتمع المسلم فكرياً وعسكرياً ونادت بأعلىٰ صوتها فأسمعت ما بين الخافقين، عن طريق وسائل الإعلام الحديثة، فجمعت إليها أولياءها، وهم كل من يؤمن بعظمتها وصدقها وأغراه العيش بين أكنافها.
ونرىٰ كيف أنها أمدت هؤلاء بالخير الوفير والمال والقوة والسيطرة، فتروح سارحتهم) أي أغنامهم، وهو كناية أو رمز عن كل مصدر للمال والقوة (أطول ما كانت ذراً واسبغه ضروعاً وأمده خواصر) یکنیٰ بذلك عما ينال المنحرفون من خير الحضارة المادية وما تستطيع هذه الحضارة أن تضمنه لهم من مستقبل عريض.
علىٰ حين نریٰ الخاصة المخلصين، الذين شجبوا هذه الحضارة، وأنكروا عليها مادیتها ولا أخلاقينها وظلمها، يعيشون في الضيق والضرر (يصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم) كما يقول الخبر.
(يجيء الدجال) ممثل هذه الحضارة (حتىٰ ينزل في ناحية المدينة) أي مدينة ليس له فيها إلّا مرکز واحد غیر ملفت للنظر، قد يكون هو سفارة وقد يكون مرکز تبشير وقد يكون مدرسة أو مستشفىً، ولكن بمضي الأيام والليالي (ترجف المدينة ثلاث رجفات) خلالها، وهو كناية أو رمز عن المصاعب والمحن التي تمر بها المجتمعات، وهي محن لتمحيص دائماً (فيخرج إليه كل كافر ومنافق) فاشل في التمحيص.
وقد ذكرنا في السابق معنىٰ ادعاء الدجال للربوبية، وأن له نهرین طبقاً لهذه الأطروحة... فلانعيد.
(أكثر أتباعه أهل الطيالسة الخضر) وهم - حسب ما يبدو - أهل الأموال والسمعة والسيطرة الاجتماعية في المجتمع المسلم المنحرف، و (أولاد الزنا) يمكن أن يراد بذلك أحد معنيين:
المعنىٰ الأول: أولئك الذين انقطعوا عن آبائهم عقائدياً ومفاهيمياً. وأصبحوا أولاداً للناس الآخرين الذين آمنوا بربوبيتهم وولايتهم ومبادئهم.
المعنىٰ الثاني: أن الإيمان بالاتجاه المادي الحديث، ينتج إنكار عقد الزواج وتكوين الأسرة بدونه، كما عليه عدد من الناس في البلاد الإسلامية الآن، فينتجون
ذرية تكون لقمة سائغة في شدة السبع المادي الهائل.
وليس هذا موقف الحضارة المادية المعاصرة فقط، بل موقف كل حضارة مادية علىٰ مدىٰ التاريخ، وخاصة فيما إذا استمرت في المستقبل عدداً مهما من الأجيال، ومفهوم (الدجال) شامل لمجموع الحضارة المادية علىٰ مدىٰ التاريخ، لا خصوص حضارتنا المعاصرة المحترمة!!!
وإذا كان للدجال أن يعاصر ظهور المهدي ونزول المسيح، أو أن يوجد قبل ذلك بقليل، ليكون من علاماته القريبة.. فمعنىٰ ذلك استمرار الحضارة المادية إلىٰ ذلك الزمان، مهما كان بعيداً، لكي يستمر التمحيص ويتعمق بالتدريج، حتىٰ ينتج نتيجته المطلوبة المنتظرة.
والدجال يقتله المسيح والمهدي (علیهما السّلام) ، كما سنسمع، لأن نظامهما سيقضي تماماً علىٰ الحضارة المادية وما ملأت به الأرض من الظلم والجور والانحراف، ويتبدل إلىٰ القسط والعدل والإنصاف والرفاه
الناحية الثانية: علاقة الدجال بالمسيح (علیه السّلام) عند نزوله.
أخرج مسلم (1)من حديث عن النواس بن سمعان قال: ذکر رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) الدجال.. إلىٰ أن يقول: « فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسیح ابن مریم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بین مهر ودتين، واضعاً كفيه علىٰ أجنحة ملكين... فيطلبه حتىٰ يدركه بباب لد، فيقتله. ثم يأتي عيسىٰ ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة.. » الحديث.
وفي حديث آخر لمسلم (2)قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) : « يخرج الدجال في أمتي
فيمكث أربعين... فيبعث الله عيسى ابن مريم، كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه. ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة... » الحديث.
وهناك في المصادر العامة الأخرىٰ أخبار أخرىٰ بهذا المضمون، ولكننا نقتصر علىٰ ما أخرجه مسلم.
والمصادر العامة اقتصرت علىٰ ذكر العلاقة بين الدجال، بأي معنىٰ فهمناه، وبين المسيح (علیه السّلام) علىٰ حادثة قتله، كما اقتصرت في قاتل الدجال علىٰ المسيح(علیه السّلام) ولم تتعرض للمهدي (علیه السّلام) علىٰ ما سنسمع ذلك ونناقشه
ومنطلق الأشياء يقتضي أن يسبق مقتل الدجال حرب سجال بينه وبين المسيح، يكتب فيها النصر للمسيح فيقتله، وأما فوزه عن طريق المعجزة، كما يظهر من البرزنجي في (الاشاعة)(1)، فهو مخالف لما قلناه من أن أسلوب الدعوة الإلهية غير قائم علىٰ المعجزات، ما لم ينحصر بها الأمر، وإلّا كان نبي الإسلام(صلّی الله علیه وآله ) في نصره علىٰ قريش أولىٰ بالمعجزات، ولاستطاع السيطرة علىٰ كل العالم بين عشية وضحاها، ومن هنا لا نقول بوجود المعجزات في طريق نصر المهدي (علیه السّلام) إلّا بمقدار الضرورة التي لا بديل عنها.
وقد سمعنا في هذه الأخبار عدة خصائص من حيث إن قتل الدجال سيكون في دمشق، وهو أمر يصعب اثباته تاريخياً، ولكنه لو تم فهو يدل علىٰ أن هذه البلدة ستصبح مسرحة مهماً ومركزاً رئيسياً للدجال، بأي معنىٰ فهمناه. ولا يخفىٰ أنه طبقاً للاطروحة التي فهمناها للدجال، لا يكون لقتل الدجال هناك أكثر من هذا المعنىٰ، أعني تحويل دمشق من الانحراف إلىٰ الإيمان.
وهذا مما يفسر لنا ما سيأتي من وجود عدد من المخلصين الممحصين
1) أنظر ص 135.
الراسخين في الإيمان في دمشق، علىٰ ما دلت عليه الأخبار، وسيأتي في محله من هذا الكتاب، فإن انحراف المجتمع كلما تزاید والظلم كلما تضاعف أوجب ذلك عمق التمحيص ودقته، الأمر الذي يوجب زيادة عدد المؤمنين وزيادة إخلاص الموجود منهم.. حتىٰ وصفوا في هذه الأخبار بالأولياء والأبدال.
وهؤلاء وأمثالهم هم الذين يأتي إليهم عيسىٰ ابن مریم (فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة)، كما سمعنا في الحديث.
غير أن ظاهر الحديث أنه يأتي إليهم بعد أن يتم قتل الدجال على يديه، لا أنه يرتكز عليهم في قتاله. والصحيح أن الحديث دال علىٰ أنه (علیه السّلام) يأتي إليهم ويبشرهم بالجنة بعد قتل الدجال، ولكنه لا يدل علىٰ عدم مشاركة هؤلاء في قتله أو قتاله، بل لعل الدرجات التي استحقوها في الجنة ناشئة إلى حد كبير من هذه الأعمال الكبرىٰ.
الناحية الثالثة: في علاقة الدجال بالمهدي(علیه السّلام).
وهذا ما وجدناه في المصادر الخاصة، دون العامة.
أخرج الشيخ الصدوق(1)بإسناده عن النزال بن سبرة قال: خطبنا علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، فحمد الله عزوجل وأثنىٰ عليه وصلىٰ علىٰ محمد وآله، ثم قال: « سلونی قبل أن تفقدوني ثلاثاً، فقام إليه صعصعة بن صوحان، فقال: يا أمير المؤمنین متیٰ يخرج الدجال؟ فقال له: اقعد فقد سمع الله كلامك وعلم ما أردت.. إلىٰ أن يقول بعد حديث طويل: يقتله الله عزوجل وجل بالشام علىٰ عقبة تعرف بعقبة أفيق، لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة علىٰ يد من (2)يصلي عيسىٰ ابن مریم خلفه... » الحديث.
أقول: والذي يصلي عيسىٰ ابن مریم خلفه هو المهدي (علیه السّلام) كما وردت بذلك الآثار المستفيضة. ومنها ما في الصحيحين (1): «كيف بكم إذا نزل عيسىٰ ابن مریم نیکم وإمامكم منكم ».
وأخرج الصدوق(2)أيضاً بإسناده عن المفضل بن عمر، قال: قال الصادق جعفر بن محمد(علیه السّلام) : « إنّ الله تبارك وتعالىٰ خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا، فقيل له: يابن رسول الله، ومن الأربعة عشر؟ فقال: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، والأئمة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبة فيقتل الدجال(3)ويطهر الأرض من كل جور و ظلم ».
وفي منتخب الأثر (4)في حديث عن الإمام علي بن الحسین زین العابدین(علیه السّلام) يقول فيه: « ومنا رسول الله ووصية وسيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة، وسيطا هذه الأمة، والمهدي الذي يقتل الدجال ».
ومن الغريب أن الصحاح تذكر أحاديث في علاقة الدجال بالمسيح، وأحاديث في علاقة المسيح بالمهدي(علیه السّلام) ، ولا تورد أي خبر في علاقة المهدي بالدجال، مع أنه تفهم من تينك العلاقتين معاصرته له، ومن المعلوم کون المهدي(علیه السّلام) هو رائد الحق في العالم فكيف لا يكون له اليد الطولى في قتله وقتاله.
ولو نظرنا من زاوية أخرىٰ، رأينا أن تأخر نزول المسيح(علیه السّلام) عن ظهور المهدي (علیه السّلام) بفترة من الزمن، علىٰ ما سنسمعه عن المصادر العامة، ينتج لنا: أنّ السبب الرئيسي الوحيد في زوال الدجال هو عمل القائد المهدي(علیه السّلام) ضده وتخطيطه للقضاء عليه،
ومن المقطوع بزيفه وبطلانه باليقين أن يظهر الإمام المهدي (علیه السّلام) فلا يحارب الدجال - بأي معنىٰ فهمناه - ویرجیء قتاله إلىٰ حين نزول المسيح من السماء، فإن ذلك خالف تکلیفة الإسلامي ووظيفته الإلهية في قمع الكفر والانحراف ونشر الهداية في العالم.
كما أن المقطوع ببطلانه: أن يفترض أن المهدي (علیه السّلام) يحارب الدجال فيندحر أمامه، وينتصر الدجال ويحاصر المهدي (علیه السّلام) ورجاله، كما يظهر من البرزنجي في الاشاعة(1)وكيف يمكن أن يتحقق ذلك؟ وقد ثبت بضرورة الدين وتواتر الأخبار وعن طريق البرهان علىٰ التخطيط العام الذي عرفناه، كون الإمام المهدي(علیه السّلام) منصوراً مؤيداً حتىٰ يفتح العالم بأجمعه، ويجمع البشر علىٰ الحق والعدل.
إذاً، فاليد الطولىٰ في الإجهاز علىٰ الدجال ونظامه، للمهدي(علیه السّلام) نفسه. نعم، يمكن أن نفترض مشاركة المسيح (علیه السّلام) من قتل الدجال ضمن إحدىٰ أطروحتين:
أنّ المسيح (علیه السّلام) يقتل الدجال بالمباشرة، والمهدي (علیه السّلام) يقتل الدجال بالتسبيب أعني بصفته قائداً أعلىٰ لاتصدر التعليمات الأساسية إلّا منه، فيكون اسناد القتل إلىٰ المهدي(علیه السّلام) من قبيل قولنا: فتح الأمير المدينة، يعني بأمر منه، والفاتح المباشر هو الجيش بطبيعة الحال.
وهذه الأطروحة، كما تناسب الفهم الكلاسيكي للدجال، وهو كونه شخصاً يعينه كذلك تناسب مع الفهم الرمزي الذي دعمناه، ويكون الإجهاز علىٰ الدجال من قبل المسيح (علیه السّلام) بصفته أحد القادة الرئيسيين في دولة المهدي العالمية.1
1) أنظر ص 135 .
أن المسيح (علیه السّلام) إذا كان يتأخر نزوله عن ظهور المهدي (علیه السّلام)، فقد نتصور أن المهدي (علیه السّلام) عند ظهوره يقاتل الدجال، بأي فهم فهمناه وبعد نزول المسیح يوكل هذه المهمة إلىٰ المسيح(علیه السّلام) .
ولا تنافي بين هاتين الأطروحتين، كما هو واضح لمن يفكر، وبها نجمع بين الأخبار الدالة علىٰ أن المسيح يقتل الدجال والأخبار الدالة علىٰ أن المهدي يقتله فإن كلا هذين القسمين من الأخبار صادقاً، ولا تنافي بينهما.
وهذا ما ورد الإخبار عنه في القرآن الكريم، في أكثر من موضع.. وتطاحنت التفاسير فيه، حتىٰ لم تكد ترسو علىٰ أمر مشترك، وذكر لهم بعضها صفات غريبة، وليس المهم الآن الدخول في تفاصيل ذلك، وإنما المقصود هو معرفة مدىٰ ارتباطه بالظهور ومدىٰ ما يمكن أن يكون مدىٰ تأثيره لو كان له ارتباط.
وقد ذكر في السابق شيئاً من الأخبار عن يأجوج ومأجوج، وتكلمنا عما إذا كان القرآن الكريم بضمه إلىٰ الأخبار دالاً علىٰ تقدم خروج يأجوج ومأجوج علىٰ الظهور، ولم نستطع أن نتميز ظهور القرآن في ذلك، بل بات الأمر محتملاً غیر قابل للاثبات التاريخي، وإن كان محتملاً جداً.
وقد روينا هناك ما أخرجه مسلم ، نكرر منه هذه الفقرة:
«ثم يسيرون حتىٰ ينتهوا إلىٰ جبل الخمر، وهو جبل بیت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا أهل الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلىٰ السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوية بالدم».
وأخرج ابن ماجة (1)عن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) ، قال:
« تفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون، كما قال الله تعالىٰ: « وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ » فیعمون الأرض وينحاز منهم المسلمون، حتىٰ تصير بقية المسلمين في
1) انظر السنن: ج 2، ص 1363.
مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، حتىٰ إنهم ليمرون بالنهر فيشربونه، حتىٰ ما يذرون فيه شيئاً، فيمر آخرهم علىٰ أثرهم، فيقول قائلهم: لقد كان بهذا المكان مرة ماء.
ويظهرون علىٰ الأرض، فيقول قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، ولتنازل أهل السماء، حتىٰ أن أحدهم ليهز حربته إلىٰ السماء فترجع مخضبة بالدم، فيقولون: قد قتلنا أهل السماء.
فبينما هم كذلك إذ بعث الله دراب کننف الجراد، فتأخذ بأعناقهم، فيموتون موت الجراد، يركب بعضهم بعضاً.
فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حساً، فيقولون: من رجل يشري نفسه وينظر ما فعلوا؟ فينزل منهم رجل قد وطن نفسه علىٰ أن يقتلوه، فيجدهم موتىٰ، فيناديهم: ألا أبشروا، فقد هلك عدوكم، فيخرج الناس ويخلون سبيل مواشيهم،فما يكون لهم رعي إلّا لحومهم، فتشكر عليها، كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قط».
وأخرج الصحيحان(1)وغيرهما بالاسناد عن زينب بنت جحش قالت: إن النبي (صلّی الله علیه وآله ) استيقظ من نومه وهو يقول: «لا إله إلّا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعند سفیان بيده عشرة، قلت: يا رسول الله، أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث »، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحیح، جوّد سفيان هذا الحديث.
وأخرج أبو داود(2)بإسناده عن حذيفة الغفاري في حديث قال فيه: فقال رسول
الله(صلّی الله علیه وآله ) : «لن تكون أو لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات: وعدّ منها: خروج يأجوج ومأجوج ».
وينبغي أن نتكلم حول هذه الأخبار في عدة نواحي:
أنه لا يمكننا الأخذ بالدلالة (الصريحة) لهذه الأخبار الأمر الذي يعين علينا الالتزام بالفهم (الرمزي) لها، وذلك لوجود عدة موانع عن الأخذ بصراحتها، نذكر منها ما يلي:
المانع الأول: وجود التهافت بين بعض مدلولاتها، الأمر الذي يسقطها عن قابلية الإثبات التاريخي.
فإنّ الخبر الذي أخرجه مسلم ورويناه في السابق، يدل على وجود نبي الله عيسىٰ ابن مریم (علیه السّلام) بين المسلمين عند انتشار يأجوج ومأجوج، وقد أعرضت عنه سائر الأخبار الأخرىٰ، فتكون دالة علىٰ عدم وجوده، لأن وجوده ليس بالواقعة البسيطة التي يمكن إهمالها.
كما أن ذاك الخبر دال علىٰ أن زوال يأجوج ومأجوج كان بدعاء المسيح وأصحابه، وأن إزالة جثثهم كان بدعائه أيضاً، والأخبار الأخرىٰ خالية عن ذلك، ويدل خبر ابن ماجة علىٰ أنهم يهلكون بإرادة مباشرة من الله عزوجل.
كما أن خبر مسلم متضمن لوجود المطر الذي يغسل الأرض من نتنهم بعد زوال جثثهم.. وهذا ما سكتت عنه الأخبار الأخرىٰ، واعتبرته كأنه لا حاجة إليه.
كما أن خبر مسلم دال علىٰ أن الطير تنقل الجثث إلى حيث يشاء الله، ولكن خبر ابن ماجة دال علىٰ أن الأغنام تأكل لحومهافنشكر عليها أي تسمن أحسن من أكلها للنباتات.
المانع الثاني: قيام عدد من الحوادث في نقل هذه الأخبار علىٰ المعجزات، بشكل يتنافىٰ مع (قانون المعجزات) الذي تم البرهان عليه في محله.
منها: موت يأجوج ومأجوج، فجأة بطريق إعجازي، وهذا غير ممكن في قانون
المعجزات، فإن أسلوب الدعوة الإلهية . كما قلنا ۔ قائم علىٰ مقابلة السلاح بالسلاح، وتحصيل النصر بالكفاح، لا عن طريق المعجزات.
وبتعبير آخر: إن كل ما يمكن حصوله بالطريق الطبيعي مهما كان صعباً وبعيداً، لا تقوم المعجزة لتحصيله، ومن الواضح أن تربية وتأديب يأجوج ومأجوج، أو استئصالهم إذا لم يتأدبوا أمر ممكن بالطريق الطبيعي.
ومنها: إزالة آثار نتن الجثث بطريق إعجازي، بشكل وآخر، وإن اختلفت الأخبارفي أسلوبه، ومن الواضح إمكان التنظيف بالطريق الطبيعي.
ومنها: افتراض أكل الماشية للحم، وهو أمر غريب ولا مبرر له في قانون المعجزات، ويزيد غرابة استفادتهم الصحية من أكل اللحم أكثر من أكل النبات.
ومنها: ما ذكر من تصرفات يأجوج ومأجوج أنفسهم، کشربهم بحيرة طبرية حتىٰ تجف، كما في خبر مسلم، أو شربهم من النهر حتىٰ يجف، كما في خبر ابن ماجة، فإن هذا مما لم يتضح فهمه، مهما تزاد عددهم وطال بقاؤهم، ومهما طالت أجسامهم، كما تقول الأساطير.
ومنها: إرسالهم السهام إلى السماء لأجل غزوها.. وليس في هذا غرابة إذا كانوا أغبياء إلىٰ هذه الدرجة... وإنما الغرابة في أن تعود السهام مكسوة بالدم من أجل إيهامهم بأنهم قد قتلوا الناس الموجودين في السماء.. فإنه من الأساطير التي لا يمكن أن يكون لها أي مبرر، فضلاً عن موافقته لقانون المعجزات.
هذا ولكن أغلب هذه الأشياء ستصبح حقائق، عند دمجها في تكوين متكامل من الفهم الرمزي، علىٰ ما سنذكر بعد قليل، ومعه تصبح هذه الاعتراضات واردة علىٰ الفهم التقليدي لمثل هذه الأخبار، لا للمقاصد الحقيقة منها.
في عرض أطروحة متكاملة لفهم يأجوج ومأجوج، منطلقة عن (الفهم الرمزي)
للأخبار.
مرت البشرية، بحسب ما هو المقدر لها في التخطيط الإلهي العام، بشكلين منفصلين من الايديولوجية:
الشكل الأول: الاتجاه الذي ينفي ارتباط العالم بخالقه بالكلية، ونستطيع أن نسميه بالمادية المحضة أو الإلحاد التام.
الشكل الثاني: الاتجاه الذي يربط العالم بوجود لخالقه، بشكل وآخر.
ولكل من هذين الاتجاهين فروعه وانقساماته التي تختلف باختلاف المستوىٰ العقلي والحضاري للمجتمع البشري.
ويمكن القول بأن تاريخ البشرية علىٰ طوله عاش في الأعم الأغلب الاتجاه الثاني، بمختلف مستوياته، نتيجة لجهود الأنبياء وتربية الصالحين، ومهما فسد المنحرفون والمصلحيون فإنهم لم يخرجوا عن الاعتراف الغامض بالخالق الحكيم، ويكفينا مثالاً علىٰ ذلك قوله تعالىٰ علىٰ لسان مشركي قريش: « مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى » (1)فهم بالرغم من تطرفهم في الكفر، مؤمنون بالخالق، ومن ثم مندرجون في الاتجاه الثاني، وعلىٰ هذا الغرار.
يقابل ذلك، الاتجاه الأول الرافض لوجود الخالق تماماً..... والمعطي زمام قيادة الإنسان بيد نفسه، بالرغم من قصوره وتقصيره.
ولم يوجد علىٰ مر التاريخ لهذا الاتجاه وجود مهم، فيما عدا الأفكار الشخصية المتفرقة في التاريخ.. ما عدا مرتين - فيما نعرف .:
المرة الأولىٰ: اتجاه المادية البدائية، المتمثلة بشكل رئيسي في قبائل يأجوج ومأجوج.
1) الزمر: 29 /3 .
والمرة الثانية: اتجاه المادية الحديثة المعاصرة، بمختلف أشكالها وألوانها.
وقد كان المد المادي الأول خطراً وبالغ الضرر، علىٰ ذوي الاتجاه الثاني عموماً، وبخاصة تلك الشعوب الصالحة المتبعة لدعوات الأنبياء. ولعل القسط الأهم من الضرر لم يكن هو الإفساد العقيدي، وإن كان هذا موجوداً من أولئك الملحدين البدائيين.. وإنما الأهم من أشكال الضرر هو الضرر الاجتماعي والاقتصادي وأشكال القتل والنهب الذي كانت توقعه القبائل البدائية الملحدة على المجتمع المؤمن.
ومن هنا، خطط الله تعالى للقضاء الحاسم علىٰ هذا المدّ الواسع، بإيجاد قائدكبير ذو حركة عالمية وقدرة واسعة، وممثل لأفضل أشكال الاتجاه المؤمن، هو الاسكندر ذو القرنين.
وقد شكیٰ المجتمع المتضرر لهذا القائد من حملات أولئك البدائيين: «قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا » (1)أي أجرة، لكي تكفينا شرهم وتكسر شوكتهم.
وقد استطاع هذا القائد الكبير أن يعلن دعوة الله في الأرض، ويحصر نشاط ذلك المد المادي في أضيق نطاق، وأن يعيد المجتمع البشري إلىٰ سابق عهده، من كون الاتجاه المسيطر هو الشكل الثاني للايديولوجية، ويبقىٰ الاتجاه الأول اتجاهاً شخصياً متفرقاً.
وقد اتخذت تدابیر ذي القرنين في هذا الصدد، شکلين أساسيين:
الشكل الأول: بناء السد المصوف في القرآن الكريم المتكون من الحديد والصفر، وهو يحتوي علىٰ الحماية (العسكرية) من هجمات القبائل البداية الملحدة.
الشكل الثاني: بناء السد المعنوي في المجتمع المؤمن، وزرع المفاهيم وقوة الإرادة الكافية ضد الانحراف والفساد.
1) الكهف: 18 / 94.
ولعل في الإمكان مع بعض التوسع في فهم القرآن الكريم، أن نحمل السد الموصوف فيه علىٰ السد المعنوي الذي يفصل بين الحق والباطل، وأن الحديد والصفر عبارة عن مكوناته المفاهيمية، إلّا أننا نعرض ذلك كأطروحة محتملة، علىٰ غير اليقين... وإن كان ذلك ممكناً في لغة العرب، ولكننا سنسير بهذاالاتجاه ريثما تتم هذه الأطروحة.
« قال: ما مکني فيه ربي خير ) مما لديكم من المال والحطام، بعد أن مكنه الله تعالىٰ من الملك والهداية معاً.
وكان السد الذي بناه ذو القرنين ضخماً ومهماً، إلىٰ حد يكفي لكبح جماح البدائيين الملحدين ورد عاديتهم، «فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً» ، فإن الاتجاهات الملحدة تكون دائبة في نشر عقيدتها واختراق السد الإيماني وقهر قوة الإرادة والإخلاص عند المؤمنين، إلّا أن سد ذي القرنين كان منيعاً لا يمكن لهذه الاتجاهات أن تؤثر فيه.
ولكنه علىٰ أي حال، لم يستطع القضاء عليه نهائياً، بل بقي بوجوده الضعيف مؤثراً في المجتمع الإنساني بمقدار ما يستطيع «وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ » ، ولم يكن مقدراً في التخطيط الإلهي استئصاله عن الوجود، لإمكان مشاركته في التمحيص العام الذي حملنا عنه فكرة كافية، ولذا كان لابد من الاقتصار علىٰ كبح جماحه وكسر شوكته فقط، ببناء السد ضده، علىٰ وجه الأرض أو في نفوس المؤمنين.
ومن هنا بقي هذا الاتجاه في التاريخ، لكي ينمحض بعد حوالي ثلاثة آلاف عام عن السيطرة الجديدة للمادية على البشر للمرة الثانية، ولكنها في هذه المرة ليست بدائية، ولكنها مادية (تقدمية) ومعقدة ومفلسفة وذات شعارات براقة، وذات قوة ومنعة بحيث يصعب مجرد التفكير في منازلتها فضلاً عن القضاء عليها، وهو معنیٰ قوله في أحد الأخبار السابقة: لا يدان لأحد في قتالهم.
لقد خرقت السد القديم، ولم يعد كافياً للسيطرة عليهم وكبح جماحهم، إن ذلك السد كان مناسباً مع مستویٰ عصره العقلي والثقافي والعسكري، ولم يعدالآن كافياً «حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ »(1)أي من كل جهة ينتشرون، كذلك انتشرت المادية الحديثة.
وتسيطر الحضارة المادية على خيرات البلاد الإسلامية، في ضمن سيطرتها علىٰ العالم كله، وتستولي مصادرها الطبيعية، فتشرب البحيرات، والأنهار - كما أشارت الأخبار - بمعنىٰ أنها تستغلها تماماً لصالحها، وتمنع أهلها من الاستفادة منها، فيحصل الفقر والقحط في البلاد المحكومة المستعمرة « حتىٰ يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم».
وتأتي الأجيال المتأخرة من اتباع الحضارة المادية، فيقولون: «لقد كان بهذا المكان ماء» ، فإنهم عرفوا من التاريخ أن هذه المنطقة كانت تغل لأملها وتفيدهم، وأما الآن - وبعد سيطرة الحضارة الكافرة - فقد أصبحت الغلات لها، وأصبح وجود الماء کالعدم بالنسبة إلى أهل البلاد.
وأما المسلمون المخلصون فينحازون عنهم ويبتعدون عن ممالأتهم والسير في طريقهم، خوفاً علىٰ إيمانهم من الانهيار، وعلىٰ سلوكهم من التفسخ والانحلال.
وحين يتم للحضارة المادية الملحدة، بسط السيطرة علىٰ الأرض، تتجه أطماعها إلىٰ السماء، ومن هنا نجدهم « يقولون: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، ولننازلن أهل السماء ، وهذا - بمعناه الرمزي - مما حدث فعلاً، فإن الحضارات المادية بعد أن أحكمت قبضتها علىٰ الأرض، طمعت بغزو السماء، بادثة بالأقرب من الكواكب، ومن هنا انبثقت فكرة غزو الفضاء الخارجي والسير بين الكواكب.
1) الأنبياء: 21/ 96.
« فیرمون بنشابهم إلىٰ السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة بالدم »، وهذا ۔ بمعناه الرمزي - مما حدث فعلاً، متمثلاً بإطلاق الاقمار الصناعية والمركبات الفضائية والصواريخ الكونية، فأعجب لمثل هذا التنبؤ الصادق الذي لم يكن للنبي (صلّی الله علیه وآله ) أن يصرح به في عصره إلّا بمثل هذا الرمز، طبقاً لقانون «كلّم الناس علىٰ قدر عقولهم».
ومعنىٰ كونها تعود مخضبة بالدم، هو أنها محاولات ناجحة، تنتج الأثر المطلوب المتوقع.. فكما أن المتوقع من القتل بالحربة أو السهم أن تتخضب بالدم، كذلك من المتوقع للمركبات أن تنتج الخبرات العلمية المطلوبة، وأن تجلب التراب من القمر - مثلاً۔
ولعل في التعبير بأن السهام « ترجع، عليها الدم الذي اجفظ » أي فاض وغزر.... فيه إشارة واضحة إلىٰ ذلك... بعد العلم أن السهم الاعتيادي لا يفيض منه الدم، وإنما يراد بذلك التأكيد علىٰ نجاح الرحلات الفضائية، وسعة ماتتجه من نتائج، من حيث العمق والانتشار في العالم.
وحين يتم لهم ذلك ينالهم الغرور بعلومهم ومدنينهم « فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء» ، وكل حضارة ينالها الغرور، وتفشل في التمحيص الإلهي العام للبشرية، لابد أن يحكم عليها بالزوال، ويكون غرورها نذير فنائها واندثارها.. طبقاً للقانون الذي يعرب عنه قوله تعالىٰ: « حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »(1)
وكما كان للاسکندر ذي القرنين الدور الأهم في منازلة المادية الأولىٰ. سیکون للقائد المهدي (علیه السّلام) الدور الأهم في منازلة المادية الحديثة، ولذا قورن الإمام المهدي (علیه السّلام) بذي القرنين بعدد من الروايات، كما سنسمع بعد ذلك.
1) يونس: 10/ 24.
وسيكون للمسيح (علیه السّلام) مشاركة فعالة في هذا الصدد، تحت قيادة القائد المهدي (علیه السّلام)... إلىٰ حد يمكن أن نعبر عنه بأنه السبب المباشر لذلك، مع شيء من التجوز والتعميم، ومن هنا تسبب موت يأجوج ومأجوج إلىٰ عمله وجهوده، کما سمعنا من بعض الأخبار.
وأما أسلوب موت هؤلاء، فيمن أن نطرح له أطروحتان:
موتهم عن طريق تفشي الأمراض والأوبئة فيهم.. كما هو الموافق مع ظاهر الأخبار، علىٰ المستوىٰ (الصريح) دون الرمزي ففي خبر مسلم: فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم. وفي خبر ابن ماجة: فبينما هم كذلك، إذ بعث الله دراب کنغف الجراد، فتأخذ بأعناقهم فيموتون موت الجراد، يركب بعضهم بعضاً، والنغف دود صغار يكون في الإبل، وكل ما هو حقير عند العرب فهو نغفة(1). ومن هنا يكون الأرجح كونه تعبيراً عن مكونات الأمراض (الميكروبات)، ومن هنا يكون الخبر نبوءة عن هلاك الملايين الجدد عن طريق الأوبئة الفتاكة أو الحرب الجرثومية ونحوها.
أن نفهم من الموت موت الكفر والانحراف، لا موت الأبدان، وهي المهمة الكبرىٰ التي يقوم بها المهدي والمسيح (علیهما السّلام) في العالم، ولئن كان الكفر قاتلاً للإيمان، وهو أشد من موت الأبدان «وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ » (2)، فإنّ الإيمان قاتل للكفر، وهو أفضل شكلي الحياة.
وهذا هو الذي يفسر لنا ما يظهر من الأخبار السابقة، من أن موتهم جميعاً يكون سريعاً وفي زمان متقارب جداً، فإنه طبقاً للاطروحة الثانية - نتيجة للجهود الكبيرة
المركزة في السيطرة علىٰ العالم بالعدل وتربية البشرية باتجاه الكمال، وهو أيضاً - دليل علىٰ النجاح الفوري الأكيد لتلك الجهود في اليوم الموعود.
وستكون مخلفات الحضارة المادية الملحدة، كبيرة جداً من الناحية الصناعية والعلمية، وسيكون لذلك الأثر الكبير في دعم الدولة العالمية العادلة، وترسيخ جذور التربية في المجتمع البشري، « فما يكون لهم(1)رعي إلّا لحومهم، فتشكر عليها كأحسن ما شكرت علىٰ نبات قط» فلحومهم - طبقاً لهذه الأطروحة - مخلفاتهم(2)، ومن المعلوم أن المستوىٰ التكتيكي الرفيع إذا اقترن بمستوىٰ اجتماعي عادل، أنتج أضعافاً مضاعفة من النتائج، مما إذا لم يقترن بالمستوىٰ الاجتماعي العادل.
ولم تنج البشرية، ما بين المادتين: البدائية والتقدمية!!! من جذور وبذور وإرهاصات للتجدد والاشتعال، ومن هنا تأسف نبي الإسلام(صلّی الله علیه وآله ) أسفاً شديداً، لأنّه قد «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد عشراً ، من حيث أن هذا الردم الإيمانی قد بدأ بالتصدع مقدمة لوجود المادية التقدمية!!
غير أن موقف المهدي والمسيح (علیهما السّلام) سيختلف عن موقف ذي القرنين، فلئن اكتفىٰ ذو القرنين ببناء السد، مع الحفاظ علىٰ وجودهم إجمالاً، طبقاً للتخطيط العام، فإنّ المهدي (علیه السّلام) سيتخذ موقف الاستئصال التام لكل العقائد المنحرفة والكفر
1) الضمير في العبارة راجع إلىٰ المواشي، والملحوظ أنه ضمير لمن يعقل، ولو أراد المواشي علىٰ التعيين لقال: لها. ومن هنا يمكن أن نفهم التعميم.
2) وأوضح في الاستفادة من المخلفات ما أخرجه ابن ماجة (ج 2، ص 1359): قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله ) : سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين. أقول: ذلك الشاب الذي سمعنا أنهم يرسلونها إلىٰ السماء.
والضلال، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، «فيموتون موت الجراد، يركب بعضهم بعضاً ».
في الفرق بين يأجوج ومأجوج، والدجال.
فإنه قد يرد إلىٰ الذهن: أننا بعد أن فسرنا الدجال بالحضارة المادية، كيف صح لنا أن نفسر يأجوج ومأجوج بنفس التفسير؟ وهل يمكن أن نعترف أنهما تعبيران عن حقيقة واحدة، مع العلم أن تعدد الأسماء والعناوين دليل على تعدد الحقائق؟
ويمكن أن يجاب ذلك بعدة أجوبة، يصلح كل منها تفسيراً كاملاً للموقف:
الجواب الأول: أن مفهوم (الدجال) ناظر إلىٰ الحضارة المادية ككل، ومستوعب لها علىٰ نحو المجموع، وأما مفهوم (يأجوج ومأجوج) فيقسم تلك الحضارة إلىٰ قسمين متميزين.
فإنه بالرغم من أن للحضارة المادية ككل مميزاتها وخصائصها التي تفصلها عن الاتجاه الآخر بميزاته وخصائصه، ولها فروقها عن الحضارة الإسلامية والمفاهيم الدينية الإلهية، وهذه الحضارة المادية المنظور إليها بهذا الشكل هي التي تمثل مفهوم الدجال.
..... بالرغم من ذلك، فإن للحضارة المادية انقساماتها الداخلية التي تجعلها في معرض الصراع الداخلي، الذي يكون في الأعم الأغلب عنيفاً وعميقاً، وهذا الانقسام هو المعبر عنه بمفهوم (يأجوج) مرة ومفهوم (مأجوج) أخرىٰ.
وهذا الانقسام ليس حديثاً، بل هو قديم قدم المادية نفسها، فالمادية البدائية كانت منقسمة، وكان انقسامها مشوياً بالشعور القبلي، والمادة (التقدمية) منقسمة، ولكن انقسامها أيديولوجي ومصلحي معاً.
الجواب الثاني: إن مفهوم الدجال يمثل المادية الحديثة. ولذا لم ينقل عنه قبل الإسلام أي وجود، وإنما بدأت إرهاصاته - حسب إفادات الأخبار التي عرفناها في
السابق - بعد بدء الإسلام، وكان وجوده الكامل متأخراً عنه بألف عام. وأما مفهوم (يأجوج ومأجوج) فهو يمثل الخط المادي بتأريخه الطويل، ولذا كان له وجود بدائي ووجود حديث، ولم يخل التاريخ المتوسط بينهما من التأثيرات والإرهاصات. وهذا يعني أن الوجود الحديث ليأجوج ومأجوج، هو الدجال نفسه، وليس شيئاً آخر.
الجواب الثالث: إن مفهوم يأجوج ومأجوج، يعني الحضارتين الماديتين بوجودهما الأصيل، وأما عنوان الدجال فلا يعني ذلك بالضبط، وإنما النظر فيه إلىٰ نقطة تأثر المسلمين بتلك الحضارة المادية، فالدجال يعبر عن عملاء تلك الحضارة في البلاد الإسلامية، وهم متصفون بنفس أوصافهم ومتخذون نفس منهجهم في الحياة.. وكثيراً ما مارسوا الحكم وزرعوا الشبهات، وحاولوا فك المسلمين عن دينهم ويعادهم عن طريق ربهم.
ويؤيد ذلك اتخاذ مفهوم الدجال، الدال علىٰ أنه مسلم بالأصل، ولكنه أصبح کافراً ومنحرفاً، يدعو الناس إلىٰ الكفر والانحراف، وقد ينطلق في إثبات أفكاره في الأذهان عن طريق الخداع والتمويه، باستعمال المفاهيم الإسلامية بشكل مشوه و مستغل للمنافع الشخصية والنتائج الباطلة. كما يدل عليه الحديث الذي أخرجه أبو داود(1)، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله ) : « من سمع الدجال قلينا عنه، فوالله إن الرجل
ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات » وهناك أجوبة أخریٰ محتملة للجواب علىٰ السؤال الذي ذكرناه في هذه الناحية،الاحاجة إلىٰ سردها.
وللقارىء أن يختار أيّاً من هذه الوجوه الثلاثة شاء... فإن أيّاً منها كاف في تصحیح تفسيرنا للدجال وليأجوج ومأجوج معاً.
1) أنظر السنن: ج 2، ص 431.
طبقاً للاطروحة التي فهمناها عن يأجوج ومأجوج، فإن انتشارهما من ردمهما سيكون قبل عصر الظهور، وسيظهر المهدي (علیه السّلام) وينزل المسيح عيسىٰ ابن مریم، وهم حلبة العالم، فيتم القضاء عليهم تماماً.
غير أن بعض الأخبار دال علىٰ تأخر انتشارهما عن عصر الظهور.
منها: ما أخرجه الحاكم في المستدرك(1)في حديث يتحدث فيه عن نزول المسيح وسيطرة المسلمين وقتلهم لليهود، ويقول: ويظهر المسلمون فيکسرون الصليب ويقتلون الخنزير ويضعون الجزية، فينما هم كذلك أخرج الله أهل يأجوج ومأجوج.. الحديث.
فإذا عرفنا أن نزول المسيح وكسر الصليب وقتل الخنزير تعبير آخر عن قيام الدولة العالمية المهدوية العادلة... كان الحديث دالاً علىٰ خروج يأجوج ومأجوج بعد تأسيس هذه الدولة.
ومنها: ما أخرجه مسلم (2)ورويناه في السابق في حديث يذكر فيه حادثة نزول المسيح ثم يقول: « فبينما هو كذلك إذ أوحىٰ الله إلى عيسىٰ أني قد أخرجت عباداً لي لا بدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلىٰ الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون... » الحديث.
فإذا استطعنا أن نبرهن - كما سيأتي - علىٰ تأخر نزول المسیح (علیه السّلام) عن ظهورالمهدي (علیه السّلام)، وكان انتشار يأجوج ومأجوج بعد نزول المسيح - كما قال هذا الخبر - إذاً، فسيكون انتشارهم بعد ظهور المهدي(علیه السّلام) .
إلّا أنه يمكن المناقشة في هذه الأخبار من وجهين:
الوجه الأول: وجود الدلالات المعارضة في الأخبار لهذه الدلالة.. تدل علىٰ تقدم ظهور يأجوج ومأجوج علىٰ الظهور.
ولعل أهم ما يدل علىٰ ذلك: ما دل من الأخبار علىٰ خوف المسلمين من فتح يأجوج ومأجوج، وهي عديدة وقد سمعنا بعضها، وهي دالة بوضوح علىٰ تحصن المسلمين منهم وعجزهم عن قتالهم وسحبهم لمواشيهم معهم وهذا الخوف إنما يمكن تحققه قبل تأسيس الدولة العالمية، بل قبل ظهور المهدي (علیه السّلام) أساساً، إذ لا معنىٰ للخوف بعد الظهور، حين يكون النصر محرزاً والأمن مستتباً ..... طبقاً لقوله تعالىٰ: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا »(1).
إذاً، فيتعين أن يكون انتشار يأجوج ومأجوج الموجب للخوف والتحرز بین المسلمین، سابقاً علىٰ الظهور حين لا يكون للمسلمين قوة عليا وهيمنة.
وقد يخطر في الذهن: أن هذه الأخبار دلت علىٰ وجود هذا الخوف بین المسلمين بالرغم من وجود المسيح (علیه السّلام) فيهم، وأنه(علیه السّلام) مأمور بتحصينهم ضد اعتداءات يأجوج ومأجوج، فإذا كان نزول المسیح (علیه السّلام) بعد الظهور كما أسلفنا، إذاً فسيكون فتح يأجوج ومأجوج بعده أيضاً.
والصحيح: أن هذه الرواية إنما تدل علىٰ تقدم نزول المسيح علىٰ الظهور، وأنه ينزل في زمان اضطراب المسلمين وضعفهم ووجود الفتن فيهم.. ويكفينا الآن أن نعلم بوجود عدد من الأخبار دال على تأخر نزوله (علیه السّلام) عن الظهور.
1) النور: 24/ 55.
إذاً، فلابد من الالتزام بأن انتشار يأجوج ومأجوج سابق على النزول والظهور معاً، ونرفع اليد عن دلالة هذا الخبر بهذا المقدار، وهو المطابق مع الأطروحة التي عرفناها قبل قليل.
الوجه الثاني: وجود الدلالات المعارضة من ناحية أخرىٰ. وذلك: أننا سنسمع الروايات الواردة لسرد حوادث ما بعد الظهور، وسنجدها جميعاً خالية من التعرض ليأجوج ومأجوج، وإنما سنجد العالم هو العالم الذي نعرفه خالياً من الغرائب التي نسبت إلى هاتين القبيلتين، يظهر المظهدي(علیه السّلام) وينزل المسيح(علیه السّلام) فيحكمان فيه بالعدل، ومه تكون تلك الأخبار ککل دالة علىٰ عدم انتشار يأجوج ومأجوج يومئذ.
وحيث علمنا من القرآن الكريم والسنة الشريفة، أنهم لابد أن ينتشروا في يوم ما، إذا فهذا واقع قبل الظهور لا محالة.
وهنا لابد لنا أن نتنازل عما دلت عليه بعض الأخبار السابقة عن تأخر انتشار هاتين القبيلتين عن نزول المسیح، تماماً كما قلنا في الجواب السابق.
وينبغي أن نلاحظ أيضاً، أنه طبقاً للأطروحة التي فهمناها لا تكون هناك أية معارضة بين أخبار يأجوج ومأجوج وبين الروايات التي تذكر حوادث ما بعدالظهور، لأن هذه الأطروحة كما تقول بتقدم انتشار يأجوج ومأجوج المادية علىٰ الظهور، تنفي عن هاتين القبيلتين كل الغرائب، وإنما هما يمثلان العالم نفسه كما نعرفه؛ فما عرفناه من دلالة الأخبار علىٰ سيطرة المهدي (علیه السّلام) علىٰ العالم كما نعرفه، يكون منسجماً مع الأطروحة كل الانسجام.
نعم، طبقاً للاطروحة يكون عمل المهدي (علیه السّلام) مكرساً في أول ظهوره للسيطرة علىٰ يأجوج ومأجوج، أو المادية السابقة علىٰ ظهوره، وهذا المفهوم لم يرد في أخبار ما بعد الظهور، وهذا يعني تحول المفهوم في هذه الأخبار وترك التعرض إلىٰ عنوان يأجوج ومأجوج ولا يعني وجود الإشكال في هذه الأطروحة.
وهو من الحركات الاجتماعية التي أكدت عليها المصادر الإمامية تأكیداً كبيراً، وأهملتها مصادر العامة إلىٰ حد كبير، علىٰ العكس من الدجال، كما أشرنا في الباب الأول.
وقد سبق هناك أن ذكرنا العديد من تفاصيل أوصافه وأعماله، وأعطينا عنه فهماً خاصاً، وهو كونه يمثل حركة الانحراف، أو حركة منحرفة واسعة النفوذ، في داخل المجتمع المسلم.
والمهم هنا أن ننظر إلىٰ أعمال السفياني، كشيء سبق علىٰ الظهور بقليل، بحيث يتم الظهور، ولا يزال السفياني يعمل عمله وينشر حكمه ودعوته، كما عليه ظاهر الأخبار.
وينبغي أن نتكلم حول ذلك ضمن عدة نواحي:
في سرد الأخبار التي تفيدنا في حدود الغرض الذي أشرنا إليه، بعد أن سردنا من أخبار السفياني في السابق الشيء الكثير وعرفنا أنها متواترة لا مناص من الأخذ بها إجمالاً.
أخرج الصدوق(1)عن أبي منصور البجلي، قال: سألت أبا عبد الله(علیه السّلام) عن اسم
السفياني، فقال: «وما تصنع باسمه؟ إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق وحمص وفلسطين والأردن وقنسرین، فتوقعوا الفرج، قلت: يملك تسعة أشهر؟ قال: لا، ولكن يملك ثمانية أشهر لا يزيد يوماً».
وأخرج النعماني في الغيبة(2)عن أبي جعفر محمد بن علي (علیه السّلام) في حديث طويل يقول فيه: « لابد لبني فلان من أن يملكوا، فإذا ملكوا ثم اختلفوا تفرق ملكهم أو تشتت أمرهم، حتىٰ يخرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق وهذا من المغرب، يستيقان إلىٰ الكوفة كفرسي رهان، هذا من هنا وهذا من هنا، حتى يكون هلاك بني فلان علىٰ أيديهما، أما إنهم لا يبقون منهم أحداً.
ثم قال: خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد،كنظام الخرز، يتبع بعضه بعضاً... » الحديث.
وأخرج النعماني أيضاً (3)بسنده عن الحارث عن أمير المؤمنین (علیه السّلام) في حديث يقول فيه: « وإذا كان ذلك، خرج السفياني، فيملك قدر حمل امرأة، تسعة أشهر، يخرج بالشام، فينقاد له أهل الشام إلّا طوائف من المقيمين علىٰ الحق، يعصمهم الله من الخروج معه، ويأتي المدينة بجيش جرار، حتىٰ إذا انتهىٰ إلىٰ بيداء المدينة خسف الله به، وذلك قول الله عز وجل في كتابه: «وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ »(4).
وأخرج أيضاً(1)بسنده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال: « السفياني أحمر أصفر أزرق، لم يعبد الله قط، ولم ير مكة ولا المدينة قط، يقول: يارب ثأري والنار، یا رب ثأري والنار ».
وأخرج الشيخ في الغيبة(2)عن بشر بن غالب (قال): « يقبل السفياني من بلاد الروم منتصراً في عنقه صليب، وهو صاحب القول ».
وأخرج أيضاً (3)عن أبي عبد الله(علیه السّلام)
قال: «كأني بالسفياني - أو لصاحب السفياني - قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادىٰ منادیه: من جاء برأس شيعة علي، فله ألف درهم، فيثب الجار علىٰ جاره، ويقول: هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم، أما إن أمارتكم يومئذ لا تكون إلّا لأولاد البغايا ».
ولعل أهم الأخبار التي تحدد حركات السفياني وحروبه، خبران: أحدهما: ما أخرجه الشيخ (4)عن عمار بن یاسر (أنه قال:)
« إن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان، ولها أمارات... إلىٰ أن قال: ويظهر ثلاثة نفر بالشام كلهم يطلب الملك: رجل أبقع ورجل أصهب ورجل من أهل بيت أبي سفيان، يخرج من كلب، ويحضر الناس بدمشق، ويخرج أهل المغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك أمارة السفياني.
ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد، وتنزل الترك الحيرة، وتنزل الروم فلسطين، ويسبق عبدُ الله عبدَ الله حتىٰ يلتقي جنودهما بقرقيسيا علىٰ النهر ويكون قتال عظيم، ويسير صاحب المغرب فيقتل الرجال ويسبي النساء، ثم يرجع في
قيس حتىٰ ينزل الجزيرة السفياني، فيسبق اليماني، ويحوز السفياني مع جمعوا، ثم يسير إلىٰ الكوفة فيقتل أعوان آل محمد(صلّی الله علیه وآله ) ويقتل رجلاً من مسميهم، ثم يخرج المهدي علىٰ لوائه شعيب بن صالح.
وإذا رأىٰ أهل الشام قد اجتمع أمرها علىٰ ابن أبي سفيان، فالحقوا بمكة، فعند ذلك تقتل النفس الزكية، وأخوه بمكة ضيعة، فينادي مناد من السماء: أيها الناس، أميركم فلان، وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً» .
ثانيهما: ما أخرجه النعماني (1)بسنده إلىٰ جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بنعلي (علیه السّلام) في حديث طويل يقول فيه:
«يختلفون عند ذلك علىٰ ثلاث رايات، راية الأصهب وراية الأبقع وراية السفياني، فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون، فيقتله السفياني ومن تبعه، ويقتل الأصهب، ثم لا يكون له همة إلّا الإقبال نحو العراق، ويمر جيشه بقرقيسيا، فيقتتلون بها، فيقتل بها من الجبارين مائة ألف، ويبعث السفياني جيشاً إلىٰ الكوفة، وعدتهم سبعون ألفاً، فيصيبون أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً، فبينما هم كذلك إذ أقبلت رايات من خراسان، وتطوي المنازل طياً حثيثاً، ومعهم نفر من أصحاب القائم.
ثم يخرج من موالي أهل الكوفة في ضعفاء، فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة، ويبعث السفياني بعثاً إلىٰ المدينة، فينفر المهدي (علیه السّلام) منها إلىٰ مكة، فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلىٰ مكة، فيبعث جيشاً علىٰ أثره، فلا يدركه حتىٰ يدخل مكة خائفاً يترتب علىٰ سنة موسیٰ بن عمران.
1) أنظر الغيبة للنعماني: ص 149.
قال: وينزل أمير جيش السفياني البيداء، فينادي مناد من السماء: یا بیداء أبيدي القوم، فيخسف بهم، فلا يفلت منهم إلّا ثلاثة نفر » الحديث.
ثم يبدأ الحديث بشرح حوادث الظهور التي ستسمعها في القسم الثاني.
وسنذكر الأخبار الدالة علىٰ قتال السفياني للمهدي ومقتله علىٰ يده في ناحية آتیة.
في إمكان الاعتماد علىٰ هذه الأخبار في الإثبات التاريخي، طبقاً للمنهج الذي سرنا عليه.
إن الاتجاه العام لهذه الأخبار منطبق على هذا المنهج، لولا بعض نقاط الضعف:
أن الخبر الذي رواه الشيخ عن عمار بن یاسر، لم يرو عن أحد المعصومین (علیهم السّلام) ، بل عن عمار نفسه، وإن كان من الراجح أنه استقى هذه المعلومات عنهم(علیهم السّلام)، إلّا أن الكلام كلامه، بدليل قوله في أول الخبر: إن دولة أهل بیت نبیکم في آخر الزمان.... الدال علىٰ أن المتحدث لم يعتبر نفسه من أهل البيت، وهذا ما لا يحدث لو كان المتحدث أحد المعصومين (علیهم السّلام) ومعه يسقط الخبر عن الإثبات التاريخي، وتكون صحته متوقفة علىٰ القرائن أو اشتراك نقله مع الأخبار الأخرىٰ، أو تحقق ما أخبر به في العالم الخارجي.
وهذا هو الحال في الخبر الذي أخرجه الشيخ عن بشر بن غالب، فإن الظاهر منه أنه هو المتكلم، فلا يكون قابلا للاثبات التاريخي.
أن خبر عمار غیر مترتب من حيث الزمان، فهو يحتوي علىٰ حوادث مختلطة: متقدمة ومتأخرة، وغير محددة علىٰ ما يبدو.
فنزول الترك الحيرة، تعبير عن السيطرة العثمانية علىٰ العراق، ونزول الروم فلسطين هو الغزو الصليبي، وصاحب المغرب هو - علىٰ الأرجح - أبو عبد الله الشيعي الذي مهد بقتاله الواسع في شمال افريقيا لحكم المهدي الافريقي(محمد بن عبد الله)(1)جد الفاطميين الذين حكموا بعدئذ مصر ردحاً من الزمن.
وهذه الحوادث وردت في الحديث علىٰ عكس حدوثها التاريخي تماماً كما ينضح بمراجعة التاريخ الإسلامي، وإذا كانت حوادث الماضي فيه غير مرتبة فلعل حوادث المستقبل فيه كذلك.
أن هناك تهافتاً بين بعض مضامين هذه الأخبار.
فمن ذلك: مدة بقاء حكم السفياني، فبينما يصرح أحد الأخبار أنه يملك قدر حمل امرأة تسعة أشهر، نریٰ خبراً آخر ينفي ذلك بصراحة، وأنه لا يملك إلّا ثمانية.
ومن ذلك: موعد وجود حركة السفياني، فبينما يظهر من بعض هذه الأخبار أن زوال دولة بني العباس يكون علىٰ يده، إذا فهمنا من بني فلان ذلك كما هو الظاهر، ومعنىٰ ذلك أن حركة السفياني قد وجدت وانتهت منذ أمد بعيد.
.. نجد - إلى جنب ذلك - ارتباط حركة السفياني بالخسف، وأن المهدي (علیه السّلام) نفسه هو الذي يقتله. ومعنىٰ ذلك أن حركته لم تحدث لحد الآن، وكم بين هذين
1) أنظر تاریخ الغيبة الصغرى: ص 354.
الموعدين من بعد شاسع.
غير أننا في السابق ناقشنا الخبر الدال علىٰ إزالته لدولة بني العباس.. ومعه يكون هذا الموعد منتفياً، ويتعين الموعد الآخر.
ومن ذلك: تعیین دین السفياني، فبينما نسمع من أحد الأخبار أنه مسيحي بشكل وأخر (في عنقه الصليب) نجد في خبر آخر أنه من المسلمين المهتمين باستئصال شيعة علي(علیه السّلام) ، مع الالتفات إلىٰ أن المسيحي قلما يكون له اهتمام خاص بذلك.
ومن ذلك: أن هناك تشویشاً وتضارباً في تسمية القادة الموجودين قبل الظهور، فإن ظاهر الأخبار تعاصر هذه الحركات تقريبا، وكلها ذات أهمية في المجتمع، إلىٰ درجة يكون إهمال الخبر لذكر بعض قرينة علىٰ عدمه أساساً لعدم إمكان الإعراض عن ذكره - عادة - مع وجوده.
ففي بعض الأخبار لا نجد غير السفياني، وفي بعضها نجد الخراساني والسفياني دون غيرهما، وفي أخبار أخرىٰ نسمع بوجود عدة قواد: أبقع وأصهب وسفياني ويماني.
وقل مثل ذلك في المنطقة التي يحكمها السفياني، فإن المقدار الواضح من الأخبار انطلاقه من دمشق وسيطرته عليها، إلىٰ جنب عدم وصوله إلىٰ مكة والمدينة المشرفتين، وأما بالنسبة إلىٰ باقي البلدان، فالأمر لا يخلو من تشويش.
ولعل من أوضح موارد التشويش هذه: الكوفة، حيث نسمع من بعض الأخبار ارتکازه فيها وسيطرته عليها نجد في بعضها الآخر أن (الخراساني) يحتلها معه أيضاً.
بل إن انطلاقه من دمشق أيضاً لا يخلو من ظلال، نظراً إلى الخبر القائل: بأن السفياني يقبل من بلاد الروم.
غير أن الذي يهون الخطب أن أكثر منطلقات هذه النقطة قابل للتذليل مع شيء من التفكير، كما سوف نطبق بعضه فيما يلي.
من الحديث عن السفياني: في محاولة فهم الحوادث التي تدل عليها هذه الأخبار،ومحاولة ضبطها وترتيبها، انطلاقاً من ظاهرها علىٰ المستوىٰ (الصريح) دون (الرمزي)... مالم تعن الحاجة إلى الحمل علىٰ الرمز أحياناً.
إن منطلق السفياني سيكون هو الشام دون بلاد الروم، وأما الخبر الدال على إقباله من هناك، فسنذكر له فهماً خاصاً في حديثنا عن علاقة السفياني بالدجال.
إن دمشق الشام ستكون في يوم من الأيام مسرحاً لحروب داخلية وصدام مسلح بين فئات ثلاث كلها منحرفة عن الحق، وكل منها يريد الحكم لنفسه، ولا تعبر لنا الأخبار عن اتجاهات هؤلاء وعقائدهم بوضوح، غير أنها توضح وجود الاختلاف بينها عن طريق اختلاف ألوانها.. وهي تعبر عن ألوان الأمراء باعتبارهم مركز الثقل في التوجيه الفكري والعسكري لقواعدهم الشعبية، فأحدهم: أبقع، والآخر: أصهب، والآخر: أحمر أصفر أزرق، وهو السفياني، وهو الذي يكتب له النصر في هذه المعمعة، ويستطيع السيطرة علىٰ الموقف في الشام، ويتبعه أهلها، إلّا عدد قليل من الناس، يعصمهم الله تعالىٰ عن اتباعه، وهم جماعة من المخلصين الممحصين الكاملين، المعبَّر عنهم في بعض الأخبار بالأولياء والأبدال، كما أسلفنا، ويحكم السفياني الكور الخمس: دمشق، وحمص وفلسطين والأردن وقنسرين(1)
ج 2، ص 1112)، وقنسرین کورة بالشام بالقرب من حلب، وهي أحد أجناد الشام. قبل ابن الأثير: وكان الجند ينزلها في ابتداء الإسلام ولم يكن لحلب معها ذکر (تاج العروس: ج 3، ص 508 مادة: قنسر).
إلىٰ جنب ما سوف يملكه من مدن العراق.وحين يستتب له الأمر يطمع بالسيطرة علىٰ العراق، ويفكر في غزوها عسكرياً،
1) الكور جمع کورة، وهي المدينة والبقعة (أنظر أقرب الموارد
فيوجه إليها جيشاً يكون هو قائده، فيلتقي في طريقه جيش أرسله حكام العراق من أجل دفعه، فيقتتل الجيشان في منطقة تسمىٰ بقرقيسيا(1)ويكون قتالهما ضارياً، يقتل فيه من الجبارين حوالي مائة ألف، والجبار العنيد هو كل حاکم منحرف.. وهو كناية عن أن كل من يقتل يومئذ من أي الجيشين هو من الفاسقين المنحرفين. وبذلك تتخلص المنطقة من أهم القواد العسكريين الذين يحتمل أن يجابهوا المهدي (علیه السّلام) عند ظهوره.
وعلىٰ أي حال، فالنصر سوف يكون للسفياني أيضاً، فيدخل العراق، ويضطر إلى منازلة (اليماني) في أرض الجزيرة(2)فيسيطر عليه أيضاً ويحوز من جيش اليماني ما كان قد جمعه من المنطقة خلال عملياته العسكرية.
ثم يسير إلى الكوفة، فيمعن فيها قتلاً وصلباً وسبياً.... ويقتل أعوان آل محمد(صلّی الله علیه وآله ) ورجلاً من مسميهم يعني من المحسوبين عليهم، وقد سمعت ما في أحد الأخبار من أنه ينادي مناديه في الكوفة: من جاء برأس من شيعة علي، فله ألف درهم، فيثب الجار علىٰ جاره، وهما علىٰ مذهبين مختلفين في الإسلام، ويقول: هذا منهم، فيضرب عنقه، ويسلم رأسه إلىٰ سلطات السفياني، فيأخذ منها ألف درهم.
ولا تستطيع حركة ضعيفة وتمرد صغير يحدث في الكوفة من قبل مؤيدي اتجاه أهلها... لا تستطيع التخلص من سلطة السفياني، بل سوف يفشل وسيتمكن السفياني من قتل قائد الحركة بين الحيرة والكوفة، وكأنه يكون قد انهزم بعد فشل حرکته، فيلقي السفياني عليه القبض في الطريق فيقتله.
وفي بعض الأخبار أنه تراق بين الحيرة والكوفة دماء كثيرة، وهو إشارة إلىٰ هذه الحادثة... وفيها الدلالة علىٰ أن لقائد الحركة مركزاً مهماً هناك، لن يستطيع السفياني السيطرة عليه بسهولة. وحين يستتب له الأمر في العراق أيضاً يطمع في غزو الأراضي المقدسة في الحجاز، فيرسل جيشاً ضخماً إلىٰ المدينة لاحتلالها، وظاهر أغلب الأخبار أن السفياني نفسه ليس فيه، فيسير هذا الجيش بعدته وسلاحه متوجهاً نحو المدينة المنورة، ويكون الإمام المهدي (علیه السّلام) يومئذ في المدينة، فيهرب منها إلىٰ مكة، فيعرف السفياني ذلك عن طريق استخباراته، فيرسل جيشاً في أثره متوجهاً نحو مكة محاولاً قتله والإجهاز عليه وعلىٰ أصحابه، وظاهر سياق الأخبار أن الجيش المتوجه إلىٰ مكة هو جزء من الجيش الذي كان متوجهاً إلى المدينة المنورة.
إلّا أن مكة حرم آمن بنص القرآن الكريم، لا يمكن أن يخاف فيه المستجير كما أن الإمام المهدي(علیه السّلام) قائد مذخور لليوم الموعود وهداية العالم، لا يمكن أن يقتل، ولابد من حمايته.. ومن هنا تقتضي الضرورة إفناء هذا الجيش، والقضاء عليه بفعل إعجازي إلهي، فيخسف به في البيداء، ولا ينجو منه إلّا نفر قلیل: اثنين أو ثلاثة يخبرون الناس عما حصل لرفاقهم.
إلّا أن ذلك لا يعني الكفكفة من غلواء السفياني، بعد أن ملك سوريا والعراق والأردن وفلسطين ومنطقة واسعة من شبه الجزيرة العربية، وهدد الإمام المهدي وحاربه.. بل سيبقىٰ حكمه ريثما يظهر المهدي(علیه السّلام) بعد الخسف بقليل ويرد بجيشه إلىٰ العراق، ويناجزه القتال فيسيطر عليه ويقتله، كما سنذكر.
هذا، وقد اعتبرنا في هذا الفهم التسلسل الحوادث أن كل ما ورد في شيء من الأخبار من دون أن يكون له ناف أو معارض في خبر آخر، فهو ثابت، وهذا صحيح في سائر الأخبار، غير الخبرين اللذين عرفنا ورودهما عن غير المعصومين (علیهم السّلام) ،
وهما من نقاط الضعف في هذا الفهم.
كما أنها قد تواجه نقاط ضعف أخرىٰ، ينبغي عرضها ونقدها:
أنه قد يخطر في الذهن: أن هذه التحركات العسكرية وما رافقها من الملابسات، صيغت علىٰ غرار تحركات الجيوش القديمة التي كانت تحارب خلال العصر العباسي -مثلاً- حيث لا يوجد قانون دولي ولا أمم متحدة ولا حدود معترف بها، وأما بعد أن تقدمت الحضارة وأسست هذه الأسس فمن غير المحتمل أن تحدث مثل هذه التحركات.
ويمكن عرض عدة أجوبة علىٰ هذه النقطة، نذكر منها جوابین:
الجواب الأول: أن قيمة القانون وما يستتبعه من الاعتراف بالأمم المتحدة والحدود الآمنة المعترف بها إنما تنطلق من المصلحة الخاصة ليس إلّا، لأنّ الفرد أو الدولة إذا تنازلت عن شيء من المصلحة أمكن تبادل هذا التنازل مع الآخرين، وبذلك تنحفظ مصالح خاصة أهم وأشمل.
وأما في الوقت الذي يحرز الفرد أو الحاكم إمكان سيطرته علىٰ الآخرين وحصوله علىٰ الربح مع إحراز دفع الضرر عن نفسه، فسيكون هو وبنود القانون علىٰ طرفي نقيض.
ومن هنا لم يكن وجود القانون ولا الأمم المتحدة ولا محكمة العدل الدولية مانعاً عن أنواع الاعتداءات وأشكال الغزو والسيطرة علىٰ الشعوب الضعيفة من قبل مختلف الأنظمة، كما نشاهده باستمرار، وليست حركة السفياني بأفضل من أي واحد من هذه الاعتداءات.
الجواب الثاني: أنه من المحتمل - علىٰ الأقل - أن تكون تحركات السفياني ذات طابع (قانوني) مشروع في حدود الفهم الحديث لهذه المشروعية، كما لوكانت
نتيجة لاتفاقيات بين الدول أو اتحاد في شكل الأنظمة فيما بينها، أو إعلان شكل من الاتحاد بين اثنين أو أكثر منها، وغير ذلك مما لا حاجة إلىٰ الدخول في الحديث عن تطبيقاته في عالم اليوم.
وبهذا يرتفع الإشكال الذي قد يرد إلىٰ الذهن، من حيث أن ظاهر الأخبار عدم وجود أية مقاومة ضد جيش السفياني حين يدخل الحجاز... فإن ذلك يكون نتيجة لاتفاقات معينة، أو لضعف الحكم القائم هناك يومئذ تجاه الجيش المحتل ضعفاً شديداً.
أن ظاهر بعض الأخبار التي سمعناها، كون الإمام المهدي (علیه السّلام) قبل ظهوره معروفاً للسفياني، ويبدو أن الهدف الرئيسي للجيش الذاهب إلىٰ الحجاز هو قتل المهدي (علیه السّلام)، ومن هنا يخاف (علیه السّلام) ويهرب من المدينة إلىٰ مكة علىٰ سنة موسی بن عمران(علیه السّلام) حین هرب إلىٰ مدين... ويكون الخسف بالجيش إنقاذاً له، ويفهم السفياني بهرب المهدي (علیه السّلام) فيرسل خلفه جيشاً فيخسف به.
وهذا - بظاهره - مناف لمسلك الغيبة الذي يتخذه الإمام (علیه السّلام) إلىٰ حين ظهوره، وخاصة من الأعداء الذين يحتمل فيهم أن يقتلوه أو يشكلون خطراً عليه ولو انحصر الأمر بذلك وجب رفض دلالة الخبر للجزم بثبوت الغيبة قبل الظهور.
لكننا يمكننا الاستغناء عن هذه النقطة أيضاً، لو التفتنا إلىٰ (أطروحة خفاء العنوان) والتي تقول: إن المهدي (علیه السّلام) خلال غيبته يرىٰ الناس ويرونه ولا يعرفونه، وإنما تكون غيبته باعتبار غفلة الناس مطلقة عن حقيقته.. ويعرفونه بعنوان مستعار وشخصية (ثانوية) يتخذها المهدي (علیه السّلام) في المجتمع.
ومعه، فمن الممكن أن السفياني يعرف تلك (الشخصية الثانوية) أعني ما اتخذه المهدي من عنوان مستعار في ذلك العصر، ويتابع أخباره بتلك الصفة، ويرسل
جيشاً لقتله بتلك الصفة أيضاً، وإنما عبر عنه في الأخبار بالمهدي باعتبار حقيقته، وإنما يخسف بالجيش المعادي له باعتبار ذلك أيضاً، إلّا أن السفياني لن يشعر أنه قاصد لقتل المهدي (علیه السّلام) نفسه، ولن يشعر الناس بذلك أيضاً لأنه والناس إنما يعرفونه بشخصيته الثانوية دون الحقيقية.
أنه تبقىٰ عدة فجوات في تسلسل الحوادث لم تنطق بها الأخبار بوضوح.. ومن الصعب استدراكها بطبيعة الحال، نذكر لها بعض الأمثلة:
منها: دور الجماعة المقبلة من خراسان، وفيها بعض أصحاب القائم (علیه السّلام) بقيادة (الخراساني)، ما هو دورها في العراق هل هو عسکري أو فكري أو ليس لها أي دور؟ ما هو موقف السفياني منها حين يسيطر علىٰ البلاد؟
ومنها: دور اليماني عسكرياً وفكرياً وعقائدياً، وإن كان المظنون أنه هو المشار إليه في بعض الأخبار بأن راینه راية هدىً، كما سمعنا في السابق، والسفياني سيجهز عليه وسيخلي الساحة العراقية منه، إلّا أن فجوات أخرىٰ سوف تبقىٰ غير قابلة للجواب.
ومنها: عدد أفراد الجيش الذين يتجهون إلىٰ مكة المكرمة للقبض علىٰ المهدي (علیه السّلام) فهل هو جماعة كبيرة أو صغيرة؟ فبينما يعبر عنه في عدد من الأخبار بالجيش، وهو يوحي بالعدد الكبير، ويؤيده ما في بعض الأخبار من أنهم ثمانون ألفاً.
إلّا أن بعض الأخبار تقول: فيبعث إليه بعث وهو يوحي بالإرسالية الصغيرة نسبياً، إلّا أن الأغلب علىٰ التعبير بالجيش علىٰ أي حال.
أننا فهمنا في السابق من الأخبار التي تذكر خروج الرايات السود من خراسان
فهمنا الإشارة إلىٰ حركة أبي مسلم الخراساني، التي أجهزت على حكم بني أمية ومهدت لحكم العباسيين.. ومعه فقد يخطر في الذهن أن الخراساني المذكور في الأخبار التي ذكرناها هنا هو أبو مسلم أيضاً.
وهذا احتمال معقول لو استطعنا أن نفهم من (بني فلان) في الخبر الذي نقلنا عن النعماني في (الغيبة).. بني أمية دون بني العباس، فكأنه قال: لابد لبني أمية أن يملكوا، فإذا ملكوا خرج عليهم الخراساني فأهلكهم، فيكون واضح الانطباق علىٰ أبي مسلم دون شك.
غير أن هذا الفهم لا يخلو من بعض المصاعب:
أولاً: أن الخبر مروي عن الإمام محمد بن علي الباقر (علیه السّلام)، وهو معاصر لدولة بني أمية.. فلا يكون قوله: «لابد لبني أمية أن يملكوا» ، معنىٰ واضح، بل يتعين حمله علىٰ الدولة التي لم تحدث في زمانه، وهي دولة بني العباس، ومن المعلوم أن أبا مسلم أسس دولة العباسيين لا أنه أهلكها.
ثانياً: أن الخبر كالصريح في تعاصر حركة الخراساني والسفياني، ومن المعلوم عدم تحقق حركة السفياني لحد الآن! إذا فحركة الخراساني لم تتحقق.. إذاً فهي ليست منطبقة علىٰ حركة أبي مسلم علىٰ أي حال.
ومعه، تكون الحركة المشار إليها في أخبار الرايات السود غير الحركة المشار إليها في هذه الأخبار بقيادة الخراساني، غير أننا نخسر بذلك شيئاً ذا بال، وهو: أن الحادثة المشار إليها لو كانت واحدة، لاستعطنا ضم أخبار الرايات السود إلىٰ أخبار
(الخراساني)، فتصبح كثيرة ومستفيضة، إن لم تكن متواترة وهذا غير ممكن مع تعدد الحادثة المقصودة، ولكن هذا لا يعني سقوط كلا الطائفتين من الأخبار عن إمكان الإثبات التاريخي، كل بمقدار قابلیته.
قد ثبت بهذه الأخبار وغيرها، كون الخسف الذي استفاضت به الأخبار في مصادر الفريقين..... إنما يكون بجيش السفياني، حين يقصد قتل الإمام المهدي (علیه السّلام) وهو مستجير بمكة .
وبذلك نحصل علىٰ شيء ذي بال - علىٰ عكس الناحية السابقة . وهو انضمام أخبار الخسف المستفيضة إلىٰ أخبار السفياني، وإن لم تذكر السفياني بالصراحة، فإذا علمنا أن أخبار السفياني مستفيضة، كان ضم المستفيض إلى المستفيض منتجاً للتواتر لا محالة.
بقي علينا التعرض إلىٰ مقتل السفياني على يد الإمام المهدي(علیه السّلام) ، ولا زلنا الآن نتكلم طبقاً للفهم (الصريح) دون الرمزي لمفهوم السفياني، لتتوفر في الناحية الأتية علىٰ عرض الفهم الرمزي له.
وقد وردت في ذلك عدة أخبار
قال في إسعاف الراغبين (1)وهو يعدد ما ورد في الروايات من حوادث ظهور المهدي(علیه السّلام) ... قال:
وإن السفياني يبعث إليه من الشام جيشاً فيخسف بهم بالبيداء فلا ينجو منهم إلّا المخبر، فيسير إليه السفياني بمن معه، فتكون النصرة للمهدي، ويذبح السفياني.
وروي في البحار (2)حديثاً طويلاً عن جابر الجعفي عن أبي جعفر(علیه السّلام) ، يتحدث
فيه عن المهدي (علیه السّلام) وظهوره وما يحدث بعد ذلك، إلىٰ أن قال:
«ثم يأتي الكوفة نيطيل فيها المكث ما شاء الله أن يمكث، حتىٰ يظهر عليها، ثم يسير حتىٰ يأتي العذرا(1)
.924
هو ومن معه، وقد الحق به ناس كثير والسفياني يومئذ بوادي الرملة، حتىٰ التقوا وهم، يوم الإبدال، يخرج أناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد(صلّی الله علیه وآله ) ، ويخرج ناس كانوا مع آل محمد إلىٰ السفياني، فهم من شيعتهحتىٰ يلحقوا بهم، ويخرج كل ناس إلىٰ رايتهم، وهو يوم الأبدال. قال أمير المؤمنین (علیه السّلام): يقتل يومئذ السفياني ومن معه حتىٰ لا يدرك منهم مخبر؛ والخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب(2)... » الحديث.
وفي خبر مطول آخر أخرجه المجلسي في البحار أيضاً(3)عن عبد الأعلىٰ الحلبي قال:
قال أبو جعفر(علیه السّلام) : يكون لصاحب هذا الأمر غيبية... إلىٰ أن يقول لأصحابه سیروا إلىٰ هذه الطاغية، فيدعو إلىٰ كتاب الله وسنة نبيه(صلّی الله علیه وآله ) ، فيعطيه السفانی من البيعة سلماً، فيقول له كلب - وهو أخواله - ما هذا؟ ما صنعت؟ والله ما نبايعك علىٰ هذا أبداً... فيقول: ما أصنع فيقولون: استقبله.. فيستقبله. .
ثم يقول له القائم صلىٰ الله عليه: خذ حذرك، فإنني أديت إليك، وأنا مقاتلك، فيصبح، فيقاتلهم، فيمنحه الله أكتافهم، ويأخذ السفياني أسيراً، فينطلق به يذبحه بید... » الخبر.
ولانجد في هذه الأخبار تنافياً يذكر، مع الأخبار السابقة والفهم العام الذي فهمناها.
عنها، فإن الجو العام لها واحد، فينبغي الآن قصر الكلام على الحوادث الزائدة التي تعرب عنها هذه الأخبار، مما لم يكن موجوداً في الأخبار السابقة، ويكون فهمنا الآن تتمة للفهم العام السابق.
إن مركز حكم السفياني سيكون هو العراق بعد انتقاله عن الشام، ولن يوجب الجيش الذي تفشل مهمته في الحجاز، انتقال مركز حكمه إلى هناك.
ومن هنا سوف يواجه المهدي(علیه السّلام) عند دخوله إلىٰ العراق حكم السفياني بكل جبروته، غير أن السفياني - علىٰ ما يبدو - سوف يكره مناجزته القتال، لأن ذلك سوف يثير ضده مشاكل لا تطاق، ومن هنا يدخل المهدي (علیه السّلام) العراق سلماً ويمكث في الكوفة ما شاء الله له ذلك كزعيم شعبي، حتىٰ ما إذا اجتمع له من الرجال والسلاح ما يكفي للسيطرة علىٰ الحكم استطاع مواجهة السفياني بصراحة.
وطبقاً للقواعد الإسلامية سيبدأ المهدي (علیه السّلام) بعرض العقائد الإسلامية الحقة علىٰ السفياني، فإن قبل بذلك وصار معه فهو.. وإلّا ناجزه القتال.
وطبقاً للاتجاه النفسي لدى السفياني لمجاملة المهدي(علیه السّلام) ، سيعطي للمهدي ما يطلبه من الشهادة، إلّا أن بطانته سوف تحتج علىٰ ذلك وتشجب موقفه، وتلزمه بأن يواجه المهدي(علیه السّلام) في مواجهة كاملة.
ولعل هذا الاتجاه النفسي هو الذي يفسح المجال لتسرب كل المؤمنين المشتغلين في جيش السفياني إلى جيش المهدي (علیه السّلام)، وفي نفس الوقت يميل الفساق الفاشلين في التمحيص من سكان الكوفة قبل الظهور، إلىٰ الالتحاق بجيش السفياني، وهو يوم الإبدال... أي تبادل الأصحاب، ويتم ذلك في الفترة الأولىٰ قبل مناجزة القتال.
وإذ يخضع السفياني لاقتراح بطانته، ينكمش ضد المهدي (علیه السّلام) ويتحداه فينذره المهدي (علیه السّلام) بالقتال، فيضطر السفياني إلىٰ الصمود ضده، فتحدث المعركة بين
المعسكرين، ويكون الفوز للقائد المهدي، وينتهي حكم السفياني، ويؤخذ أسيراً ويقتله المهدي في الأسر، وبذلك تتم سيطرة المهدي علىٰ العراق.
بل سوف تتم سيطرة المهدي (علیه السّلام) علىٰ كل المنطقة التي عرفناها محكومة للسفياني، وهي العراق والشام والأردن وفلسطين، ومن هنا سوف تنفتح الفرصة المؤاتية للغزو العالمي.
في محاولة لإعطاء الفهم الرمزي عن السفياني، مع الإلماع إلىٰ علاقة السفياني بالدجال.
يحتاج الفهم الرمزي إلى شرطين أساسيين، لا يصح إلّا من خلالهما، فإن فقد أحد الشرطين فضلاً عنهما معاً، كان الفهم الرمزي مما لا لزوم له.
الشرط الأول: أن يكون العمل بظاهر الأخبار متعذراً، والفهم (الصريح) منها ممتنعاً باعتبار قيام القرائن علىٰ عدم صحته أو اقتضاء القواعد العامة لنفيه
وهذا ما كنا نواجهه في مفهوم: الدجال أو مفهوم يأجوج ومأجوج، من حيث إن ظاهر الأخبار نسبة الخوارق والمعجزات إلىٰ المنتسبين إلىٰ الباطل، وهو مستحيل، وهو يعطي لهذين المفهومين صورة مخالفة للبشر الاعتياديين، مما يوثق بعدم صدقه، فيكون ذلك سبباً للانطلاق إلىٰ الفهم الرمزي الذي يذلل هذه المصاعب، مع أخذ الشرط الثاني بنظر الاعتبار.
الشرط الثاني: أن يكون الفهم الرمزي أقرب ما يمكن إلى الظواهر، معطياً صورة شاملة ومتكاملة ومتساندة لمجموع الظواهر والمفاهيم الواردة في الأخبار. بحيث لا يند عن ذلك إلّا الخبر الشاذ غير القابل للاثبات التاريخي أساساً.
وهذا ما حاولنا تطبيقه في فهمنا الرمزي لمفهوم الدجال ومفهوم يأجوج ومأجوج.
غير أن مفهوم: السفياني فاقد للشرط الأول، إذ من الواضح بعد استعراض الأخبار السابقة وغيرها مما ورد في السفياني، أنها خالية من أية معجزات وخوارق منسوبة إليه أو إلىٰ غيره من المبطلين، بل هي تخلو من أية معجزة سوىٰ الخسف بالبيداء الذي يحدث دفاعاً عن الحق لا عن الباطل، وقد عرفنا مبرره الكامل فيما سبق.
كما أن هذه الأخبار تعرض البشر علىٰ حالهم في عصر التمحيص والفتن، فهناك الآراء المتعارضة والجيوش المتحاربة والحكام الظالمون، والقلة المدافعة عن الحق، وكل هذه الأمور صفات أساسية للمجتمع المعاصر، وبالتالي فهي لاتعطي صورة مخالفة للبشر الاعتياديين ليكون الوثوق بعدم صدقها موجوداً، ليكون ذلك منطلقة إلىٰ الفهم الرمزي.
إذاً، فالفهم الرمزي الكامل مما لا لزوم له، وإنما الشيء الممكن هو ملاحظة الخصائص والصفات المعطاة حول هذا المفهوم، وإسقاط ما يمكن إسقاطه منها.
فإن أسقطناها جميعاً أو الأعم الأغلب منها، كان (الفهم) الذي ذكرناه في السابق صحيحة وهو أن السفياني يمثل خط الانحراف في داخل المعكسر الإسلامي ككل، فتندرج تحته كل الحركات والعقائد الخاطئة التي تدعي الانتساب إلىٰ الإسلام، مما كان (بعد زوال الدولة العباسية) أو يكون إلىٰ يوم الظهور الموعود.
وأما إذا أخذنا عدداً من الصفات بنظر الاعتبار مما تسالمت الروايات علىٰ صحته، فإن هذا المفهوم الواسع سوف يضيق، وسوف ينحصر في تطبيق واحد من تطبيقاته، فإني أود أن أقول: إن مفهوم السفياني يعبر عن آخر حکم منحرف للمنطقة قبل ظهور المهدي(علیه السّلام) .
ويمكننا أن نصف هذا الحكم بماثبت له من الصفات، کدخول سوريا والعراق تحت حكم واحد أو متشابه، وحقده على أهل الحق، وإرساله الجيش ضد المهدي (أو ضد جماعة من أهل الحق المخلصين يكون المهدي (علیه السّلام) موجوداً فيهم بعنوان
آخر غير حقيقته)، وحدوث الخسف علىٰ هذا الجيش.
والمهدي (علیه السّلام) هو الذي يزيل حكم السفياني، لأنه إذا دخل العراق، فإنه يواجه حکومته لا محالة، فإذا كان الحاكم هو المعبر عنه بالسفياني كان الذي يواجهه بالعراق هو السفياني بطبيعة الحال، ولكنه سوف يقضي عليه علىٰ كل حال، وبذلك سوف يكون آخر الحكام المنحرفين لهذه المنطقة.
وأما الصفات الأخرىٰ، كتسميته بعثمان بن عنبسة، وخروجه من الوادي اليابس، وصفات جسمه وسيطرته علىٰ الأردن وفلسطين، وتفاصيل مواقفه العسكرية، فهي مما ينبغي إسقاطها تحت وطأة الفهم الرمزي، وایکال علمها إلىٰ أهله، وإن كان الوارد من الأخبار في بعض هذه الصفات صالح للإثبات التاريخي، وإن لم يكن أكيداً.
وانطلاقاً من فهمنا هذا تتضح علاقة السفياني بالدجال بالمعنىٰ الذي فهمناه أيضاً، بعد أن برهنا في السابق علىٰ أن هذين المفهومين يعبران عن شيئين لا عن شيء واحد.
فإن للفهمين (الصريحين) التقليديين للسفياني والدجال اتجاه إلىٰ عزل أحدهما عن الآخر عزلاً تاماً، طبقاً للظهور الأولي للأخبار. فالمسيح ينزل فيقتل الدجال في دمشق بدون أن يكون السفياني موجوداً في العالم، والمهدي (علیه السّلام) يظهرفيحارب السفياني بدون أن يكون الدجال موجوداً في العالم.
ولكننا إذا علمنا أن زمن ظهور المهدي (علیه السّلام) ونزول المسيح واحد، حتىٰ أن المسيح بصلي وراء المهدي (علیه السّلام) تكرمة لهذه الأمة كما وردت بذلك الأخبار إذاً سيكون هذا الاتجاه التقليدي مبرهن البطلان، ولابد من أن يكون الدجال والسفياني متعاصرين، ولابد من وجود العلاقة بينهما بشكل من الأشكال.
وإذا كان الدجال عبارة عن الحضارة المادية الحديثة بخطها الطويل، وكان
السفياني آخر الحكام المنحرفين في الشرق، فسوف لن يصعب علينا تصور العلاقة بينهما... بعد أن أصبحنا نعيش بكل حواسنا تطبيقات الدجال والسفياني بكل وضوح.. ونعلم الأشكال الصريحة والمبطنة لعلاقة أحدهما بالآخر بشكل نكون في غنىّ عن عرضه.
وهذا التحديد للعلاقة منطلق من فهمنا لذينك المفهومين، بغض النظر عما اكتسبه مفهوم الدجال من رتوش محتملة عند الحديث عن علاقته بيأجوج ومأجوج، إذ مع الأخذ ببعض الأطروحات التي ذكرناها هناك سوف نحتاج إلىٰ بعض التغيير في تصور العلاقة... وهذا ما نوكله إلىٰ القارىء الذكي.
وهو إنسان قرنت حركته ومقتله بظهور الإمام المهدي(علیه السّلام) ، في أخبار المصادر الخاصة علىٰ الأغلب.
وقد سبق أن بحثنا ذلك وعرضنا الأخبار التي تصرح بأن مقتل النفس الزكية من المحتوم، وغيرها، ولكننا لم نستطع هناك - بما كان لنا من منهج في الإثبات التاريخي - أن ندفع احتمالاً معيناً، هو أن تكون النفس الزكية هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(علیه السّلام) ، وحيث إن مقتله قد حصل في العهد العباسي الأول، فلا ينبغي انتظار حادثة أخرىٰ لمقتل النفس الزكية في مستقبل الدهر.
ولكننا نحاول الآن أن نبحث المطلب بشكل جديد، انطلاقاً من المنهج الذي اتخذناه هنا، وهو التنزل عن التشدد السندي وقبول الخبر الموثوق، وإن لم تقم القرائن على صدقه من الخارج.
وينبغي أن نتكلم عن النفس الزكية) ضمن عدة نواحي:
في سرد الأخبار الواردة في هذا الموضوع، غير ما نقلناه في السابق، إلّا القليل الذي نحتاجه فنكرره.
روينا في السابق عن المفيد في الإرشاد(1)عن أبي جعفر الباقر(علیه السّلام) والشيخ في الغيبة(2)والصدوق في إكمال الدين (3)عن أبي عبد الله الصادق(علیه السّلام) بلفظ متقارب ۔ واللفظ للمفيد - : أنه قال: ليس بين قيام القائم (علیه السّلام) وقتل النفس الزكية أكثر من خمس عشرة ليلة.
وقال في الإرشاد (4): قد جاءت الآثار بذكر علامات الزمان قيام القائم المهدي (علیه السّلام).....وعد منها: ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام.
وأخرج في البحار (5)عن السيد علي بن عبد الحميد بالاسناد إلى أبي بصير عن أبي جعفر(علیه السّلام) ، في حديث طويل، يقول فيه:
«يقول القائم (علیه السّلام) لأصحابه: يا قوم، إن أهل مكة لا يردونني، ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم» .
فيدعو رجلاً من أصحابه، فيقول له: امضِ إلىٰ أهل مكة، نقل: يا أهل مكة! أنا رسول فلان إليكم، وهو يقول: إنا أهل بيت الرحمة ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرية محمد وسلالة النبيين، وإنا قد ظلمنا واضطهدنا وقُهرنا وابتز منا حقنا، منذ قبض نبينا إلىٰ يومنا هذا، فنحن نستنصرکم فانصرونا.
فإذا تكلم هذا الفتىٰ بهذا الكلام، أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهو النفس الزكية... » الحديث.
وأخرج أيضاً(1)عن الكافي بسنده عن يعقوب السراج عن أبي عبد الله (علیه السّلام) في
حديث عن المهدي(علیه السّلام) يقول فيه:
«ويستأذن الله في ظهوره، فيطلع علىٰ ذلك بعض مواليه، فيأتي الحسني فيخبره الخبر، فيبندر الحسني إلىٰ الخروج، فيشب عليه أهل مكة، فيقتلونه، ويبعثون برأسه إلىٰ الشام، فيظهر عند ذلك صاحب الأمر... » الخبر.
وقال الراوندي في الخرائج والجرايح(2): وروي أن النفس الزكية هو غلام من آل محمد اسمه محمد بن الحسن يقتل بلا جرم، فإذا قتل فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد.
أقول: وأرسل الصافي في منتخب الأثر (3)هذا المعنىٰ إرسال المسلمات.
وأخرج الصافي (4)عن غيبة الشيخ بسنده عن سفيان بن إبراهيم الحريري أنه سمع أباه يقول:
«والنفس الزكية غلام من آل محمد، اسمه محمد بن الحسن، يقتل بلا جرم ولا ذنب، فإذا قتلوه لم يبق لهم في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر، فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد.. » الحديث.
فهذا هو كل ما وجدناه من الأخبار بهذا الصدد، وسنمحصها بعد إعطاء الفهم المتكامل عنها.
في محاولة فهم هذه الأخبار ككل، علىٰ تقدير صحتها وكفايتها للاثبات التاريخي، ويكون فهمنا هذا تتمة - بشكل وآخر للفهم العام الذي ذكرناه للسفياني.
إن المهدي (علیه السّلام) مع خاصة أصحابه حين يهربون من وجه جيش السفياني المبعوث ضدهم... من المدينة المنورة إلىٰ مكة المكرمة، يصبح من الواجب علىٰ أهل مكة نصرته، بحسب تكليفهم في نصرة المؤمنين المظلومين ضد الظالمين ممن كان على شاكلة السفياني.
ولكن لن يكون لأهل مكة استعداد للنصرة، إما لأجل اختلاف مذهبهم عن مذهب المهدي (علیه السّلام) في الإسلام، وإما لأجل خوفهم من سطوة السفياني وسلطته، وحسبنا أننا سمعنا أن السفياني دخل الحجاز من دون مقاومة عسكرية، لمدیٰ الرهبة والخوف الذي زرعه في النفوس، ومن هنا يحافظ أهل مكة علىٰ مصالحهم الخاصة وينكمشون ضد المهدي(علیه السّلام) .. أعني: بعنوانه المعلن وإن جهلواحقیقته.
ويعلم الإمام المهدي(علیه السّلام) بعدم استعدادهم لنصرته، فيقول لخاصته: يا قوم، إن أهل مكة لا يريدونني، ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم، بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم.
ويكون هذا الاحتجاج إتماماً للحجة عليهم، ومواجهة صريحة لهم بالموقف حتىٰ لا يبقىٰ منهم غافل أو مماطل.
ومن هنا يفكر المهدي (علیه السّلام) بأن يرسل شخصاً من قبله إلىٰ أهل مكة ليقوم بهذا الاحتجاج، فيدعو بعض أصحابه، وهو من الهاشميين ومن المخلصين الممحصين، علىٰ ما سنعرف الوجه فيه... ويحمله رسالة شفوية معينة، ويأمره أن يخطب بها في المسجد الحرام بين الركن والمقام.
وينبغي هنا أن نلاحظ أنه حين يقول: أنا رسول فلان إليكم.. لا دليل علىٰ أنه
يورد اسم المهدي (علیه السّلام) بحقيقته ويعرف المخاطبين أنه هو المهدي الموعود، بل لعله بورد الاسم أو العنوان المعلن اجتماعياً له (علیه السّلام) في ذلك الحين. .
وما أن يسمع أهل مكة هذه الخطبة حتى يجتمعون عليه ويقتلونه بين الركن والمقام قرب الكعبة المشرفة في بيت الله الحرام، ولعلهم يقطعون رأسه ويرسلونه إلىٰ الشام، إلىٰ السفياني، ليكون لهم الزلفيٰ لديه.
هكذا تقول إحدىٰ الروايات السابقة، ولكننا عرفنا أن مركز السفياني يومئذ لن يكون هو الشام بل هو العراق، وإن كان كلا القطرين تحت سيطرته وهذا له عدة توجيهات، أوضحها: احتمال أن يكون السفياني في ذلك الوقت قد ترك مركزه وسافر إلىٰ الشام لإنجاز بعض المصالح المعينة، ريثما يعود مرة أخریٰ.
وعلىٰ أي حال، فإنهم حين يفعلون ذلك يكونون قد عصوا العديد من أهم أحكام الإسلام وضروريات الدين.
منها: المحافظة علىٰ حرمة البيت الحرام الذي اعتبره القرآن الكريم حرماً آمناً.
ومنها: قتل النفس المؤمنة بدون جرم وبغير نفس.
ومنها: رفض نصرة المستنصرين بالحق.
فيشتد غضب الله تعالىٰ علىٰ أهل الأرض، فيأمر الإمام المهدي(علیه السّلام) نفسه بالظهور لأخذ الحق ودحر الظالمين.
ويكون رسول المهدي (علیه السّلام) هذا هو النفس الزكية الموعود قتلها بين الركن والمقام، وسوف لن يكون بين مقتلها وبين الظهور أكثر من خمس عشرة ليلة.
وهذا هو التصور العام الذي تعكسه هذه الأخبار، لتاريخ تلك الفترة، وهو تصور سليم إلىٰ حد كبير... لا يكاد يرد عليه إلّا المناقشات القليلة الآتية التي لا تغير من جوهره شيئاً، ومعه لا حاجة إلىٰ الحمل علىٰ الرمز، لما قلناه من أنه يتعين ذلك عند قيام الدليل علىٰ بطلان المعنى (الصريح).
إلّا أن ارتفاع هذا الفهم إلى مستوىٰ الإثبات التاريخي منوط بصحة تلك الأخبار وصلاحيتها للاثبات، وهذا ما سنبحثه غير بعيد.
في نقد بعض الاعتراضات التي قد تورد على هذا الفهم العام:
الاعتراض الأول: أنه كيف يتيسر لرجل واحد أن يخاطب أهل بلدة بكاملها، بشكل طبيعي غير إعجازي؟
إلّا أن هذا السؤال يحتوي علىٰ سذاجة واضحة، لوضوح كفاية قيام الفرد خطيباً في المسجد الحرام المحتشد بأهل مكة، مستعملاً الأجهزة البث الصوت وتكبيره، لكي يستطيع الفرد أن يخاطب لأهل مكة جميعاً، ويبلغ الحاضر منهم الغائب في أقل من ساعة من نهار.
وقد يخطر في الذهن أنه من أين للنفس الزكية حصول مثل هذا الجمع، واستعمال المكبرات؟
وجوابه: أننا لم نلاحظ إلىٰ الآن في (النفس الزكية) إلّا جهته الخفية وهو أنه من خاصة الإمام المهدي(علیه السّلام) في أواخر عصر الغيبة، ولم يتيسر لنا ملاحظة الجهة الاجتماعية المعلنة له عادة.
إن اختيار المهدي (علیه السّلام) له لينوب عنه بالتبليغ ليس جزافياً، إلّا بعد إحراز النجاح في ذلك، أعني التبليغ، وله القابلية الفكرية والاجتماعية له، إن الجهة الإجتماعية المعلنة له دخيلة لا محالة في ترجيح اختیاره.
فقد يكون هذا الرجل خطيباً معروفاً أو وجيهاً أو له درجة من المسؤولية والسلطة في المجتمع، ومن الممكن له أن يجمع الناس ويخطب بهم بواسطة أجهزة التكبير.
وخاصة إذا عرفنا أنه سيقول قولته والناس لا زالت مجتمعة بعد الحج، فقد وردت روایات سنسمعها تعرب عن أن الظهور سيتم في العاشر من محرم الحرام، فإذا استثنينا من ذلك خمس عشرة ليلة، كان موعد خطاب النفس الزكية هو اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام، أي بعد انتهاء أعمال الحج بحوالي عشرة أيام.
الاعتراض الثاني: أنه كيف أمكن للنفس الزكية أن يطلع على حقيقة الإمام المهدي(علیه السّلام) في خلال عصر غيبته، ويحمل منه الرسالة إلىٰ أهل مكة، مع أن ذلك متعذر بالنسبة إلى كل أحد، إلىٰ حين حصول الظهور.
والجواب الأولي الواضح لذلك هو أن الإرسال كان من قبل الإمام المهدي (علیه السّلام) نفسه، وهو العالم بالمصالح، ويستطيع أن يكشف حقيقته للفرد، أياً كان، في حدود ما يعرفه من ملابسات وحقائق.
لكننا لو عبرنا عن الاعتراض بتعبير آخر من زاوية كما قلنا في تاريخ الغيبة الكبرىٰ (1)من أن مصلحة الغيبة مقدمة علىٰ كل مصلحة، فكيف جاز للإمام (علیه السّلام) أن يكشف حقيقته أمام هذا الرجل، مهما كان صالحاً؟
ويمكن الجواب علىٰ ذلك من عدة وجوه نلخصها فيما يلي:
الجواب الأول: أن ما عرفناه من تقديم مصلحة الغيبة علىٰ كل مصلحة، وإن كان صحيحاً إلّا أن السر الأساسي فيه هو: أن كشف الغيبة وارتفاعها مناف مع حفظ المهدي (علیه السّلام) لليوم الموعود، ومن ثم تكون مصلحة الغيبة هي مصلحة اليوم الموعود، ومصلحة ذلك اليوم مقدمة علىٰ كل مصلحة.
وهذا البرهان لا يرد في واقعة إرسال النفس الزكية، لأن مصلحة الظهور واليوم
1) تاریخ الغيبة الكبرىٰ: ص 49.
الموعود نفسه أصبحت متوقفة علىٰ انكشاف الغيبة بالنسبة إلى هذا الشخص، وتعرفه علىٰ حقيقة المهدي(علیه السّلام) ..... بغض النظر عن الأجوبة الآتية، فيكون مقتضيٰ تقديم مصلحة هو هذا الانكشاف لا الغيبة.
الجواب الثاني: أننا قلنا في تاريخ الغيبة الكبریٰ(1)أيضاً: إن كل ناجح نجاحاً تاماً في التمحيص الإلهي بحيث يكون مؤهلاً للمشاركة في مهام عصر الظهور يكون في إمكانه رؤية الإمام المهدي (علیه السّلام) خلال عصر غيبته، إذ لا يحتمل أن يكون مورد خطر بالنسبة إليه، وقد دلت كثير من الروايات وعدد من أخبار المشاهدة بأن المجتمعين به (علیه السّلام) في عصر الغيبة متعددون، ممن يعرف هويته وصفته، وأنه يجمع إليه أنصاره ممن بلغ في التمحيص غايته، ونجح فيه النجاح المطلوب، وإن في ذلك من المصالح التي تمت إلىٰ ممارسة هؤلاء للقيادة في اليوم الموعود، ما لا يخفىٰ.
ويبدو من سباق الرواية التي تعرب عن إرسال النفس الزكية أن هذا الرجل إنما هو من هؤلاء الخاصة الذين يجمعهم المهدي(علیه السّلام) ويعرّفهم بحقيقته، ومن هنا لا يكون في اطلاع النفس الزكية علىٰ حقيقة الإمام المهدي(علیه السّلام) علي أي إشكال. وينبغي أن نلاحظ هنا: أن النفس الزكية حتىٰ لو كان مطلعاً علىٰ حقيقة المهدي (علیه السّلام) حين إرساله، فإنه ليس من الضروري أن يسميه في خطبته، بل قد يذكر العنوان المعلن للمهدي (علیه السّلام) ويتجنب ذكر الحقيقة بالرغم من معرفته لها، تبعاً لأمر إمامه وقائده(علیه السّلام) .
الجواب الثالث: أن ننطلق من الزاوية التي تصورنا بها تعرّف السفياني، علىٰ تحركات الإمام المهدي(علیه السّلام) ، وهي اطلاعه عليه بعنوانه المعلن لا بحقيقته.
فمن المحتمل أن لا يكون (النفس الزكية) مطلعاً علىٰ حقيقة الإمام المهدي (علیه السّلام)
1) ص 150 وما بعدها.
الذي أرسله.. بل يذهب لتبليغ الرسالة وهو لا يعلم أكثر من كونها صادرة عن (فلان) الذي يسميه في خطبته، وهذا كاف في إقامة الحجة علىٰ الناس.
كما أنه كاف لتفسير مقتله، إذ لا دليل علىٰ أنهم يقتلونه باعتبار رسالته عن المهدي (علیه السّلام) بالذات، بل باعتبار مضمون خطبته، وقد يكون المهدي بعنوانه العلني مبغوضاً لديهم أيضاً، فينزعجون من تجاوب (النفس الزكية) معه وقبوله لتحمل
رسالته.
الاعتراض الثالث: إن هذا التسلسل التاريخي الذي عرفناه في (الفهم العام) مناف مع ما برهنا عليه من أن شرائط الظهور هي الحكم الفصل في إنجازه عند تحققها، وهذه الأخبار تدل علىٰ أن سبب الظهور هو تهديد السفياني للمهدي(علیه السّلام) بالقتل، وقتل النفس الزكية، فبأيهما نأخذ؟
والجواب: أن كلا الفكرتين صادقتان وكلا السببين سبب صحيح في نفسه، وليس مقتل النفس الزكية وتهديد المهدي(علیه السّلام) إلّا نتيجة من نتائج نجاز شرائط الظهور.
فإن التخطيط العام السابق علىٰ الظهور، بما له من خصائص وصفات، عرفناها في تاريخ الغيبة الكبرىٰ، منتج لعدة نتائج يهمنا الآن منا اثنتان:
النتيجة الأولىٰ: وجود العدد الكافي من الأفراد المخلصين الممحصين، لغزو العالم بالعدل بين يدي الإمام المهدي (علیه السّلام)، وهذا هو الشرط الأخير المتبقي من شرائط اليوم الموعود الثلاثة التي عرفناها في تاريخ الغيبة الكبرىٰ(1)، وبمجرد نجازه يتم الظهور وينجز اليوم الموعود.
النتيجة الثانية: تطرف العدد الأكبر من أفراد المسلمين، فضلاً عن غيرهم، إلىٰ
1) أنظر تاریخ الغيبة الكبرى: ص 475 وما بعدها إلىٰ عدة صفحات.
جانب الإنحراف والضلال، وأخذهم بالأفكار اللا إسلامية وعصيانهم أحكام الإسلام.
وكلما ازداد الزمان ازدادت نتائج التمحيص تركيزاً.. وحصلت كلتا النتيجتين بشكل أوسع وأوضح، فيتكاثر في أحد الجانبين قوىٰ الحق والإخلاص، ويتكاثر في الجانب الآخر انحراف المنحرفين وظلم الظالمين، علىٰ مختلف المستويات الاجتماعية.
حتىٰ يصبح جانب الانحراف والفساد في المجتمع المسلم عاصياً لأوضح أحكام الإسلام، ومنكراً لضروريات الدين، ومهدداً لحرمات الشريعة من أجل مصالحه وشهواته.. الأمر الذي ينتج أفظع النتائج لديٰ احتكاك اجتماعي بين الجانبين.
ومعه تكون كلتا النتيجتين اللتين سمعناهما من الأخبار طبيعية وواضحة، فموقف المهدي (علیه السّلام) من السفياني سوف لن يكون إلّا الشجب والاستنكار، في حدود المقدار الممكن له حال غيبته.. الأمر الذي يولد رد الفعل لدىٰ السفياني بإرسال الجيش وتهديده بالقتل. وأما موقف النفس الزكية فواضح من خطبته، وإن هو إلّا صورة أخرىٰ من صور الشجب والاستنكار، وسيكون رد الفعل هو قتله من داخل بيت الله الحرام.
وستكون ردود الفعل هذه متطرفة إلى درجة إهدارها للأحكام الضرورية في الدين، الأمر الذي يكشف عن تمخض التخطيط والتمحيص الالهيين عن نتائجهما المطلوبة... فيكون موعد اليوم الموعود قد تحقق.
الاعتراض الرابع: إنه قد يخطر في الذهن: أن المستفاد من سباق الأخبار أن سبب الظهور هو إثارة غضب المهدي (علیه السّلام) من الحادثتين المشار إليهما، وهذا غير صحیح، بعد أن قامت الضرورة القطعية لدىٰ كل مؤمن بالمهدي كونه مذخوراً لإصلاح العالم برمته، وأنه ممن لا تهمه مصالحه الشخصية على الإطلاق، فكيف
يصح أن يكون ظهوره ثأراً لهاتين الحادثتين؟!!
والجواب علىٰ ذلك واضح مما سبق، وواضح في ضمير كل مؤمن بعد وجود الضرورة القطعية المشار إليها.
إن هاتين الحادثتين ستغضبان الله تعالى، لا المهدي وحده... بما يستبطنان من إهدار لضروريات الدين، ولكن الظهور سوف لن يكون ثأراً لأي منهما. فإن مهمة المهدي (علیه السّلام) الموعود أوسع وأعمق من هذا المجال الضيق، بالرغم من أهميته، كل ما في الأمر أن ظهوره سيكون قريباً منهما زماناً، باعتبار تحقق شرائط الظهور، وليس الهاتين الحادثتين من صلة بالظهور إلّا ما قلناه من الكشف عن تحقق الشرائط، إلىٰ جانب جعلها علامة عليه في الأخبار... الأمر الذي ينبه المخلصين الممحصين إلىٰ قرب الظهور.
وهذا في واقعه، يمثل إحدىٰ الفروق الجوهرية بين شرائط الظهور وعلاماته.
في محاولة تمحيص تلك الأخبار التي ذكرناها في الناحية الأولىٰ، من حيث قابليتها للإثبات التاريخي وعدمه.
وفي هذا الصدد نواجه عدة نقاط :
النقطة الأولىٰ: أنها روايات قليلة نسبياً وغير مستفيضة، بخلاف ما جاء في السفياني أو الدجال، فإنه كثير، منها ما ذكرناه ومنها ما تركناه.
إلّا أن هذه النقطة غير مضرة، تمشياً مع ميزان الإثبات التاريخي الذي سرنا عليه.. لو كانت الروایات متفقة في المضمون، أو كان بعضها موثوقاً سنداً... ولم نكن نتوخیٰ في الإثبات حصول الاستفاضة في الأخبار.
وقد يخطر في الذهن: أن أخبار (النفس الزكية) الموعودة، كثيرة العدد،
ومستفيضة، كما هو معلوم لمن استعرضها... وليست قليلة كما قلناه.
والحق، أننا إذا نظرنا إلى مجموع أخبار (النفس الزكية) بما فيها الأخبار الدالة علىٰ أن مقتل النفس الزكية من المحتوم وأنه من علامات القائم، كانت الأخبار مستفيضة حتماً.
إلّا أن هذا المجموع لا يثبت إلّا مقتل النفس الزكية إجمالاً، وهذا لا يفيدنا في صدد كلامنا الحاضر ، لاحتمال انطباقها علىٰ محمد بن عبد الله الحسني الملقب بالنفس الزكية. وأما الأخبار التي تتحدث عن التفاصيل، والتي توضح أن هناك شخصاً آخر بهذا اللقب سوف يقتل في المستقبل، وهي ما سمعناه في أول الأمر، فليس مستفيضاً، وإن لم يكن عدم الاستفاضة مضراً.
النقطة الثانية: إن في هذه الأخبار عدداً من جوانب الضعف:
الجانب الأول: ما كان رواية عن غير المعصوم، كالخبر الذي نقله الشيخ عن سفیان بن إبراهيم الحريري عن أبيه.. وكلام الصافي في منتخب الأثر.
الجانب الثاني: ما كان مرسلاً، بدون ذكر أي راوٍ علىٰ الإطلاق، كخبر الإرشاد، وخبر الخرائج والجرايح.
الجانب الثالث: ما كان مرفوعاً مع وجود جزء من السند، أعني بعض الرواة وجهالة الباقي، وهو رواية البحار المتضمنة لخطبة النفس الزكية.. حيث رواها المجلسي عن السيد علي بن عبد الحميد بإسناده إلىٰ أحمد بن محمد الأيادي برفعه إلى أبي بصير عن أبي جعفر (علیه السّلام).
الجانب الرابع: ما كان قاصراً في دلالته أساساً علىٰ ما فهمناه، مثل خبر الإرشاد الذي يذكر من العلامات: ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام، فإنه لايتعين أن يكون هو النفس الزكية المسمىٰ بمحمد بن الحسن في الأخبار الأخرىٰ، وإن كان المظنون هو ذلك، لاستبعاد أن يقتل قبل الظهور بين الركن والمقام شخصان.. مع
قدسية بيت الله الحرام لدىٰ المسلمين ووضوح حرمته.
وكذلك الخبر الثاني للبحار، فإنه يصرح باسم النفس الزكية، وإنما قال: فيبتدر الحسني إلىٰ الخروج، وهو أيضاً غير متعين الانطباق عليه.
الجانب الخامس: وجود التعارض في دلالات بعض هذه الأخبار.
فلو حاولنا أن نعرف أن النفس الزكية هل هو مرسل من قبل المهدي (علیه السّلام) أو لا؟ نجد أن الخبر المطول الأول الذي نقلناه عن البحار يصرح بالايجاب، ونجد الخبر الثاني ينفيه بقوله: فيبندر الحسنى للخروج، وهو واضح في عدم استئذانه من المهدي(علیه السّلام) فضلاً عن تحمل الرسالة عنه - مع افتراض أنه هو النفس الزكية والغض عما سبق ..
النقطة الثالثة: وفي هذه الأخبار بعض جوانب القوة، وإن لم تكن تعدل جميع جوانب الضعف السابقة.
الجانب الأول: أن الخبر القائل: ليس بين القائم وبين قتل النفس الزكية إلّا خمس عشرة ليلة، خبر موثوق قابل للاثبات التاريخي، حسب منهجنا هنا.
فقد رواه الشيخ المفيد في الإرشاد(1)عن ثعلبة بن میمون عن شعيب الحداد عن صالح بن میثم (الجمال)، قال: سمعت أبا جعفر(علیه السّلام) ، وكل هؤلاء الرجال موثقون أجلاء، وكان بودي أن أشير إلىٰ تصريحات العلماء فيهم لولا أنه يطول به المقام، فنوكله إلىٰ القارىء الباحث.
ورواه الشيخ الطوسي في الغيبة(2)عن الفضل بن شاذان عن الحسن بن علي بن فضال عن ثعلبة إلى آخر السند.. وكلاهما من العلماء الثقات.
وعليه فما ذكرناه في تاريخ الغيبة الكبریٰ (1)من المناقشة في سند هذا الحديث مبني علىٰ التشدد السندي الذي التزمناه هناك... وقد رفعنا اليد عن الالتزام به هنا.
الجانب الثاني: أن الخبر الثاني الذي نقلناه عن البحار موثوق أيضاً، فقد نقله(2)عن الكافي لثقة الإسلام الكليني عن محمد بن يحيیٰ عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن يعقوب السراج عن الإمام أبي عبد الله الصادق(علیه السّلام) ، وكلهم ثقات أجلاء.
الجانب الثالث: أنا يمكن أن نستفيد من مجموع هذه الأخبار، ومن كلمات من سمعنا تصريحاتهم كالراوندي والصافي وإبراهيم الحريري، الذين اعتبروا الأمر في عداد المسلمات، فنستفيد وجود التسالم أو الشهرة الواسعة علىٰ أن مقتل النفس الزكية يكون قبل الظهور بقليل بين الركن والمقام، وأنه غير مقتل الحسني الملقب بهذا اللقب.
غير أن هذا الجانب لا يخلو من المناقشة.
أولا: لأنه لم يثبت وجود شهرة وتسالم أوسع من الأخبار الموجودة لتكون قرينة عليها. وكلمات الراوندي والصافي وغيرهما قد تكون اعتمادا علىٰ هذه الأخبار فقط.
ثانياً: أن هذه الشهرة - لوثبتت - تدفع احتمال انطباق مقتل النفس الزكية علىٰ الثائر الحسني السابق، إلّا أنها لا تثبت كل الخصائص المطلوبة، ككونه رسول المهدي (علیه السّلام) إلىٰ الناس وخطبته فيهم، ويكون سبب مقتله بين الركن والمقام مجهولاً.
غير أن الأخذ بهذا الجانب الثالث قريب من النفس، وإن لم يصل إلىٰ درجة الاثبات التاريخي.
فهذه هي النخبة من الحوادث الاجتماعية المروية، لما قبل الظهور، وهناك أمور متفرقة مروية أيضاً أعرضنا عنها، لقصورها عن الاثبات التاريخي فيكون الدخول في تفاصيلها تطويلاً بلا طائل.
والحمد لله أولاً وآخراً وصلىٰ الله علىٰ سيدنا ومولانا سيد الأنبياء والمرسلين وخاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين، وعجل الله فرج مهديهم بقية الله في أرضه أمل المظلومين ونقمة الله علىٰ الظالمين والمطبّق لشريعة سيد المرسلين وجعلنا من المخلصين المعدّين لنصرته في اليوم الموعود.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
*تاريخ الغيبة الكبرىٰ ، السيد الشهيد محمد الصدر(قدس سرّه) - دار الفقه للطباعة والنشر، الطبعة الثانية - 1425 ه.
*زاد الخطباء، الشيخ مهدي تاج الدين، انتشارات الشريف الرضي، الطبعة الثانية .1423 ه.
نحن والغرب، الشيخ محمد اليعقوبي، طبعة مركز الإمام المهدي (علیه السّلام) للدراسات الإسلامية، الطبعة الأولىٰ، 1424 ه.
الإمام المهدي(علیه السّلام) من المهد الى الظهور، آية الله السيد محمّد کاظم القزويني(قدس سرّه) .
المقدمة ....5
الموضوع الأول: الأمام المنتظر (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ......5
الإمام المنتظر (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) والمستقبل السعيد: .....6
ضرورة الاعتقاد بالإمام المنتظر (عجّل الله تعالی فرجه الشریف)........7
الإمام المنتظر (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) حقيقة لا أسطورة: ......9
النّصوص من أهل العامَّة في الإمام المنتظر (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ..... 10
فارق اعتقاد أهل العامة مع الشيعة في الإمام المنتظر (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ......15
الموضوع الثاني: موسوعة الأمام المهدي (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ......22
الموضوع الثالث: أهمية علامات الظهور ...23 علامات الظهور ......25
الباب الأول
العلامة الأولى: إخبار النبي(صلّی الله علیه وآله ) بانحراف القيادة الإسلامية في المجتمع بعده 29
العلامة الثانية: الإخبار عن شؤون دولة بني العباس.......31
العلامة الثالثة: ما ورد من التنبؤ بزوال دولة بني أمية قبل زوالها... 41
العلامة الرابعة: ما ورد من التنبؤ باختلاف أهل المشرق والمغرب ........ 43
العلامة الخامسة: التنبؤ بثورة صاحب الزنج ......... 45 العلامة السادسة: أخبار النبي(صلّی الله علیه وآله )
بوقوع الحروب الصليبية ...... 47
العلامة السابعة: مقاتلة الترك....57
العلامة الثامنة: فتح القسطنطينية ....59
علامات أخرىٰ متحققة.......61
أولاً: مقتل الحسني .........61
ثانياً: اختلاف بني العباس في الملك الدنيوي: .......62
ثالثاً: إقبال رايات سود من قبل خراسان: ......62
رابعاً: ظهور المغربي بمصر وتملكه الشامات: ....... 62 خامساً: نزول الترك الجزيرة....63
سادساً: نزول الروم الرملة: ......63
سابعاً: خلع العرب اعنتها وتملكها البلاد، وخروجها عن سلطان العجم ....64
ثامناً: ثبت في الفرات، حتى يدخل الماء في أزقة الكوفة ........ 65
تاسعاً: عقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة بغداد: .....65
عاشراً: اختلاف صنفين من العجم، وسفك دماء كثيرة فيما بينهم ......... 65
فيما يشك في حدوثه من العلامات:.........67
فيما يشك في تقدمه على الظهور، وتأخره عنه........67
فيما يعلم بتأخره عن الظهور وهو لا يكون من علامات الظهور..........68
في انقسام العلامات من ناحية وقوعها علىٰ الأسلوب الطبيعي أو الإعجازي ...69
النقطة الأولىٰ: في الحادث الطبيعي الذي لا إعجاز فيه .........69
النقطة الثانية: ما كان قائماً علىٰ المعجزة بمقدار إقامة الحجة .... 70
النقطة الثالثة: ما دل من المعجزات اكثر مما يقتضيه قانون المعجزات...... 73
طول عمر الدجال، علىٰ أساس الأطروحة الكلاسيكية المشهورة عنه.....74
ما ورد من منع الدجال دخول الحرمين: مكة والمدينة، بطريق إعجازي.... 77
اختلاف الزمان عما هو عليه الآن ......79
قتل الدجال لمؤمن ثم أحياؤه له ....82
ضخامة الحمار الذي يركبهالدجال....84
النار التي تخرج من أرض الحجاز ..........85
النار التي تخرج من اليمن.......86
انحسار الفرات عن كنز من الذهب........86
وقوع المسخ..........89
رجوع الأموات إلىٰ الدنيا .......90
خروج الشمس من مغربها ...90
الصيحة ..........90
الخسف في البيداء .........95
في تعداد مفردات العلامات، ومحاولة فهمها فهماً منظماً شاملاً.......... 99
خروج الرايات السود من خراسان ........ 99
قتل النفس الزكية ...101
ظهور الدجال ....... 111
ظهور السفياني .........119
ظهور اليماني ....... 129
خروج یاجوج و ماجوج.......... ...131
مستوىٰ الانحراف العام السائد في عصر الغيبة أسباباً ومسببات .........138
تحليل السيد الشهيد الصدر (قدس سرّه) للدجال بأنه اتجاه حضاري معاد للإسلام.. 139
مستوىٰ مكافحة الانحراف وجهاده ومحاولة تقويمه .........147
التنبيه الإلهي الإعجازي علىٰ خطورة الانحراف وقرب الظهور ......... 149
ص: 347
الباب الثاني
الظواهر الطبيعية والسمارية ......153
الخسوف والكسوف.......... 154
الفزعة والصيحة: ....162
النداء: ........166
المطر......178
الفصل الثاني:
الظواهر الاجتماعية .....181
الدجال .......181
يأجوج ومأجوج .....191
السفياني...207
النفس الزكية......229
المصادر ......244
المحتويات.....245