ghaemiyeh.com
أمير المؤمنين عرض میسر لسيرة الإمام علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام»
بقلم الشهيد عبد الزهراء عثمان محمد (عز الدين سليم) للطباعة والنشر والتوزيع جميع الحقوق محفوظة
دار الهادی للطباعة والنشر والتوزيع
جمیع الحُقوق محفُوظة الطبعَة الأولی
1426ه - 2005م
دار الهادی للطباعة والنشر والتوزیع
هاتف:550487/ 1-896329/ 03-
فاكس: 541199
ص.ب: - 286/ 25 غبيري - بيروت - لبنان
Tel.:03/896329 01/550487
Fax: 541199- P.O.Box: 286/25 Ghobeiry - Beirut - Lebanon
E-Mail: daralhadl@daralhadi.com
URL: http: //www. daralhadi.com
« إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ». (الأحزاب / 33)
«لايحبك ألّا مؤمن، ولا يبغضك إلّا منافق»
رسول الله (صلی الله علیه و آله)
صحیح مسلم 11:61
سنن النسائي 271:2
وصحيح الترمذي 177:13
«ما كنّا نعرف المنافقين إلّاببغض علي بن أبي طالب »
الصحابي أبو سعيد الخدري (رض)
الصحابي جابر ابن عبدالله الانصاري (رض)
الصحابي عبدالله بن عباس (رض)
الترمذي 167:13
تاریخ بغداد 153:3
الاستيعاب لابن عبدالبر 2: 464
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »
الى الوالد العزيز رحمه الله
حيث تمر الذكرى السنوية الأولى، على رحيلك المفجع، فلم أجد خيراً من ثواب هذه الأوراق التي اختزلت في كتابتها، واعدادها ساعات طويلة من عمري، لأهديه إلى روحك الطاهرة، التي كانت مفعمة بحب أمير المؤمنين، وآله عليهم الصلاة والسلام، حتى حملك حبك لهم، واعجابك بهم أن تحفظ الكثير الكثير من آدابهم، وقيمهم ومبادئهم، وكان «نهج البلاغة» وردك اليومي الذي لا تفارقه، حتى حفظت منه اكثره عن ظهر قلب..
فالى روحك الطاهرة، أهدي ثواب هذا الكتاب المتواضع الذي عكست فيه صوراً مشرقة في سيرة الوصي المظلوم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام.
ولدک
«مالقي أحدٌ في هذه الأمةِ مالقِيتُ..»(1).
علي بن ابي طالب (علیه السّلام) .
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمّد
رسول الله الخاتم، وعلى الهداة المهديين من آله وبعد:
فلم يتعرض عظيم من عظماء التاريخ الإنساني عبر مراحله، المختلفة، إلى ما تعرض له وصي الرسول الخاتم (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وهارون هذه الأمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاه والسلام، من ظلم، وعدوان في حياته، وبعد موته!!
فإذا كان وصی رسول الله الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، قد عانى، ما عاني أيام حياته المليئة بالمآثر، والأمجاد، من الحاسدين، والظالمين، فإنّ ظلم الأعداء، قد
1) انساب الأشراف: البلاذري 2: 177.
لاحقه بعد وفاته...
ولقد كانت الفتره الأموية من تاريخ المسلمين التي امتدت بين عام 41 ه حتى عام 132 ه من أسوأ مراحل التاريخ الإنساني في ارتكاب أبشع الجرائم بحق الرسالة الألهية، ورموزها الهداة.
فقد أخضعت عدة أجيال من المسلمين لعملية مسخ ثقافي مخطط طوال تلك المرحله، كان من أبرز مهماتها القذرة، أن تشوه الصورة المشرقة لسيرة أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، في أذهان الأجيال، من خلال سياسة التجهيل، والتعمية، والتشويه، وقلب الحقائق، حتى لاتجد الأجيال من خلال ذلك، أي نصيب لعلي ابن أبي طالب (علیه السّلام) في بناء الحياة الإسلامية، وارساء قواعد الإسلام الحنيف.. وتستطيع أن تقدر حجم المأساة اذا علمت أنَّ عشرات من السنين قد سخرت فيها المنابر - وهي أكثر الأجهزة التربوية والاعلامية تأثيراً لدى المسلمين يومذاك - في سب علي (علیه السّلام) وتشويه تاريخه الفذ.. حقداً على الإسلام، وثأراً لمشركي بدر..
فكانت «خطبة الجمعة في العهد الأموي - مثلاً - تفتتح بالنيل من الإمام (علیه السّلام)، بكلمات يأبى التاريخ أن تسطر على صفحاته(1)وكانت تسند تلك العملية قوىً، وأجهزة حكم، ورواة ومحدثون مأجورون، ومؤرخون، يعملون تحت إمرة السلطان، و.. و.. محاولة منها لطمس معالم تاريخ إمام الهدى (علیه السّلام) وأمجاده بید أن تاريخ الإمام علي (علیه السّلام)، وان كان تعرض لذلك اللون المخجل من الطمس والتزوير والتجهيل، فان أحداً،
1) راجع نماذج من ذلك في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 4 ص 569 وما بعدها ط دار احياء الكتب العربية 1959. انظر الوثيقة رقم(1)، والوثيقة رقم (2) في الملحق.
كائناً من كان، ليس بمقدوره أن يطمس معالمه الأساسية، لارتباطها العضوي بالإسلام الحنيف، وقيمه وهداه، ومجده.. فحبل الكذب قصير.. ولا يحيق المكر السيء إلّا بأهله.
وهكذا، فان الاقلام المأجورة، وتشكيلة المرتزقة، التي حاولت أن تكتب لوصي النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) تأريخاً على هواها، ووفقاً لمصالحها، وما تملك من خلفيات ومرامي منخفضة، قد أخطأت التقدير، وجهلت أن الحق لا يمكن أن يحجب طويلاً، وأن الزبد لا بد أن يذهب جفاء...
وشعوراً منا بالمسؤولية الشرعية في توعية الأمة، وتبصيرها بحقائق دينها وحملة هداها ووقائع تاريخها المجيد، ونفض تراب التعمية والتضليل عن حقائق أحداث المسيرة التاريخية لهذه الأمة منذ بدايات تاريخها.. شعوراً منا بهذه المسؤولية العظيمة نضع هذه الدارسة حول سيرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) ودوره في حركة الإسلام التاريخية بين ايدي المسلمين و عموم الناس.
وللضرورة الفنية قسمت هذه الدراسة إلى فصول ثلاثة:
وفي الفصل الثاني: ينصب البحث على دراسة حياة الإمام (علیه السّلام)، بعد ما انتهت إليه «الخلافة» لأدارة شؤون المسلمين، ومواقفه البطولية النبيلة، فيمجالات السياسة، والادارة والاقتصاد، والاجتماع، وشؤون الحرب والسلم وامثال ذلك.
أما الفصل الثالث: فيخصص لأبراز الملاع الأساسية لشخصية أمير
المؤمنين (علیه السّلام) من حيث علاقته بالله تعالى، وعلاقته بالناس من حوله، وعطائه الثقافي والفكري، الذي أسداه للأمة الإسلامية والناس أجمعين.
والله نسأل التسديد والتأييد، والهداية والتوفيق للعمل من أجل تكريس كل الطاقات، والامكانات المتاحة في أطار الصراع الفكري القائم بين امتنا الإسلامية المجاهدة، وبين خصومها الألداء، من أجل أن تسود شريعة الإسلام العظيم في الحياة، واستلهام هدى الله عزوجل الذي حمله أهل بیت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) عن الله عزّ وجلّ انه سميع مجيب.
المؤلف
ربيع الأول 1421ه حزيران 2000 م
في يوم الجمعة، الثالث عشر من شهر رجب المبارك، وقبل بعثة محمد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بأثنتي عشرة سنة، أشتد المخاض على فاطمة بنت اسد (علیها السّلام) وهنا يذكر المؤرخون وثیقتين بهذا الشأن:
وتقول الوثيقة الثانية: أن أبا طالب حين بلغ بفاطمة بنت أسد الكعبة، دعت الله تعالى عندها، فأنشقَّ ظهر الكعبة فدخلت فاطمة فيها من ظهرها، فعلم الناس أن ذلك من أمر الله عزوجل (2).
على أن الوثيقة الثانية في نظري أدل على الواقع من الوثيقة الأولى، لأن الثانية تعبر عن تدخل الغيب في هذا الحادث كرامة للوليد المبارك المختار للوصية ووزارة النبوة الخاتمة، كما في النصوص الصحيحة، وإلا فإن الرواية للواقعة بذلك الشكل الذي سردته الوثيقة الأولى لا يشكل كرامةفرضها الغيب على الواقع، اذ بأمكان أي من النساء بعد هذه الحادثة أن يدخلن إلى الكعبة، عند المخاض، بانتظار الولادة!!
ولذا فإن تسجيل الحادثة المذكورة على انها كرامة لعلي(علیه السّلام) ، انما كانت لحدوثها بالشكل الذي روته الوثيقة الثانية، لا غير!!
و بعد حين من الزمان أعلنت فاطمة بن أسد (علیها السّلام) أنها قد ولدت ذکراً، فكان أول مولود ولد في الكعبة المشرفة ولم يولد فيها بعده سواه تعظياً له من الله سبحانه واجلالاً(1)، وأسرع البشير إلى أبي طالب وأهل بيته، فأقبلوا مسرعين والبشر يعلو وجوههم..
وتقدم من بينهم محمد المصطفی (2)(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فضمه إلى صدره وحمله إلى بيت عمه أبي طالب، حيث كان الرسول في تلك الآونة، يعيش مع زوجته خديجة، في دارهما منذ زواجه منها بعد أن قضى عقدين من عمره الشريف في دار عمه.
1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 485 والكفاية للحافظ الكنجي الشافعي وشرح الخريدة الغيبيه في شرح القصيدة العينية لشهاب الدين السيد محمود الآلوسی ص 15 ونور الابصار للشبلنجي ص 76 ومطالب السؤول ص 11 لمحمد أبي طلحة الشافعي والمناقب للأمير محمد صالح الترمذي وغيرهم نقلاً عن الغدير ج 6 ص 22 - ص 38 لعبد الحسين الأميني ط 3 سنة 1967 بيروت.
2) الفصول المهمة في معرفة الأئمة /لابن الصباغ المالكي / الفصل الأول ص 13.
وألهم الله أبا طالب(علیه السّلام) ، أن يسمي ولیده «علياً»، وهكذا كان وأقام أبو طالب وليمة، على شرف الوليد المبارك، ونحر الكثير من الأنعام(1).
وقد حضر وليمته جمع حاشد من الناس: قدموا التهاني، وعاشوا ساعات من البهجة، وأبدوا فيها مشاعرهم الفياضة، وأحاسيسهم السامية، نحو عمیدهم شیخ الابطح، ووليده المبارك..
ومرت الأيام سريعة، والوليد المبارك يتقلب بين أحضان والديه: أبي طالب، وفاطمة، وابن عمه الرسول محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، الذي كان دائم التردد على دار عمه، التي نال فيها دفء المودة، وشرب من ينابيع الاخلاص والوفاء الصافية فيها طوال سنوات صباه وشطراً من شبابه.
أجل كان المصطفى (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يتردد كثيراً على دار عمه، بالرغم من زواجه من خديجة، وعيشه معها في دار منفردة، وكان يشمل علياً بعواطفه، وحبه ويحوطه بعنايته: - يناغيه في يقظته، ويحمله على صدره.. ويحرك مهده عند نومه، إلى غير ذلك من مظاهر العناية والرعاية.
وبعد مضي ست سنوات على ولادة علي (علیه السّلام) تعرضت قریش
1) البحار ج 35 ص 18.
لأزمة اقتصادية خانقة، وقد كانت وطأتها شديدة على أبي طالب، اذ كان رجلا كثير العيال وكهفاً يلوذ به المحتاج والفقير، بحكم مرکزه الاجتماعي في مكة... أيرضى المصطفى (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وبنو هاشم، أن تقسو الحياة على عميدهم؟!
أقبل الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) على عمه العباس بن عبد المطلب، وهو أثرى بني هاشم يومها، فخاطبه بقوله: «.. یاعم، أن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ماتری فانطلق بنا إلى بيته لنخفف من عياله، فتأخذ أنت رجلاً واحداً، وآخذ أنا رجلاً فنكفلها عنه..»(1).
وحظي رأي المصطفي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالتأييد والرضا من لدن عمه العباس، فأسرعا إلى أبي طالب، وخاطباه بالأمر، فاستجاب لما عرضا علیه قائلاً: «اذا تركتها لي عقيلاً وطالباً، فاصنعا ما شئتا..»(2).
فأخذ العباس جعفراً...
وأخذ رسول الله الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) علياً (علیه السّلام) ، وكان عمره يومئذ ستة أعوام (3)وقد أعلن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بعد أن اختار علية (علیه السّلام): «قد اخترت من اختاره الله لي عليكم - علياً (4)»
1) الفصول المهمة / لابن الصباغ الفصل الأول ص 14 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 15، والطبري 2: 57 - 58.
2) سيرة ابن هشام ج1 باب ذكر أن علي بن أبي طالب أول ذكر أسلم ص 284، بحار الانوار ج 35 ص 44 وشرح النهج ج 1 ص 15.
3) في رحاب علي / خالد محمد خالد ص 46 ط دار الأندلس بیروت وشرح النهج ج 1 ص 15.
4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 15 نقلاً عن البلاذري والاصفهاني.
وهكذا عاش علي (علیه السّلام) منذ نعومة أظفاره في كنف رسول الله محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : نشأ تحت رعايته، وشرب من ينابيع مودته وحنانه، ورباه وفقاً لما علَّمه ربه تعالى(1)، ولم يفارقه منذ ذلك التاريخ، حتى لحق الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بربه الأعلى..
أشار الإمام علي (علیه السّلام) إلى أبعاد التربية والأعداد التي حظي بها من لدن استاذه وقائده الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ومداها وعمقها، وذلك في خطبته المعروفة بالقاصعة، اذ جاء فيها مانصه: «وقد علمتم موضعي من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره، وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيءثم يلقمنيه وما وجد لي كذبة في قول، ولاخطلة في فعل.
«ولقد قرن الله به (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، من لدن آن کان فطياً، أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به.
«ولقد كان يجاور في كل سنة (بحراء) فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بیت واحد يومئذ في الإسلام، غير رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وخديجة، وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة»(2).
والذي يستقریء هذا النص، بإِمعان، يتجلى له أن علياً (علیه السّلام) قد حظي برعاية الرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وحدبه، وایثاره منذ أيام طفولته، فكان يمضغ الشيء ثم يضعه في فمه، ويضعه في حجره، ويضمه إلى صدره، ويعامله كما لو كان ولده الحبيب...(1).
أما في صباه، وشبابه، فقد انصب جهد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) على تكوين شخصيته: إذ كان يأمره بالاقتداء به، وسلوك سبيله، وفي كل يوم يرفع له من أخلاقه علماً وعليٌ (علیه السّلام) هو الآخر كان يتبع أثره، أولاً بأول، ويقتفي خطوه كما يصف ذلك في حديثه.
ولهذا وذاك، فان من خطل الرأي، أن لا يعتقد امرؤ أن مسألة اختيار على (علیه السّلام) من لدن الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) كانت هادفة مخططة ابتداء لکی يأتي صورة مكررة لرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) له في فكره ومواقفه وشتى ألوان سلوکه، بل حتى في مشيته(2)وطريقة حياته، واسلوب عيشه.
فلقد كان الإمام (علیه السّلام) من الصفاء الروحي والاستقامة النفسية، وفقاً لما علمه رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وربّاه بحيث كانت تتكشف له الكثير من أسرار الغيب المستور، فها هو يقول: «ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزول الوحي عليه، صلوات الله عليه، فقلت: يارسول الله ما هذه الرنة؟ فقال: «هذا الشيطان قد أيس من عبادته، انك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلّا أنك لست بنبي، ولكنك وزیر، وانك لعلى خير..(3).
فان الشوط الذي قطعه في مضمار الهدى والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى وامتثال أوامره، وتجسيد متطلبات رسالته، رشحه لأن يكون وزيراً للنبوة، وهو مقام، لا يناله إلّا من ألهمه الله هداه، وحباه بمعرفته، وحبه، فعاد لم يفصله عن الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلّا درجة النبوة، فارتقی منصة الوزارة بحق وجدارة، وهكذا كان علي...
واذا كان الإمام (علیه السّلام) قد عاش ست سنوات، في أحضان والديه واخوته، وكان لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) دور مميز في رعايته، طوال تلك السنوات الندية من عمره (علیه السّلام) فأن رعاية علي وتربيته، صارت من اختصاص المصطفى (صلّی الله علیه وآله وسلّم) دون منازع، منذ السنة السادسة، منذ انتقل (علیه السّلام) إلى داره (صلّی الله علیه وآله وسلّم) على أثر الضائقة المالية التي ألمت بأبیه أبي طالب کما ذكرنا -.
ومنذ تلك السن المبكرة عاش علي (علیه السّلام) مع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في بيته قبل أن يصدع بدعوته، حيث قضى تحت رعايته سنوات الصبا وسنوات التفتح على الحياة، وخلالها عاش الإمام (علیه السّلام) كل التطورات التي اكتنفت حياة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ..
فعلي لم يحظَ بالتربية المألوفة، التي يحظى بها غالباً طفل من قبل أبيه، أو صغير من لدن أخيه الأكبر، وانا كان اعداده وتربيته من نوع خاص، وحسبك أنه كان يصحب الرسول الخاتم (صلّی الله علیه وآله وسلّم) حتى في ساعات اختلائه في غار حراء.. ويشهد التطور الروحي والفكري الذي كان
رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يمر فيه، وها هو (علیه السّلام) يستذكر تلك الأيام الخالدة وذلك الشطر الحساس من حياته، فيقول: «... لقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه، ولا يراه غيري»(1)- كما ألمحنا إلى ذلك - أجل كان (علیه السّلام) يعيش التحول الروحي الهائل، الذي شهدته نفس المصطفي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، حتى أشرق علیه وحي السماء المبارك.
ولقد كان للمستوى الروحي والخلقي البعيد المدى الذي سمت إليه نفس علي (علیه السّلام)، أن شهد التحول الكبير، الذي جرى في عالم الغيب، من انهزام للشيطان، بعد يأسه من أن يُعبد، فور بعثة المصطفي بالرسالة الخاتمة... فلقد شهد وزير النبوة علي(علیه السّلام) ، ارهاصات النبوة التي شهدها أستاذه ومعلمه الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وعاشها كما عاشها بملء كيانه، ثمَّ واكبها حين سطع الهدى،وتلقى رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أول بيان من السماء، لتكليفه بجمل الرسالة، ثم تبني دعوة الناس اليها:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( «الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ».
(العلق 1 - 5)
«يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ *وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ »...
(المدثر1 - 4)
1) الخطبة القاصعة من نهج البلاغة ص 301 تبويب د. صبحي الصالح.
حين تلقي الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بيان التكليف الإلهي، بحمل الرسالة والدعوة الألهية كان علي (1)(علیه السّلام) أول الناس علماً بأمره، وتصديقاً لدعوته، كذلك فعلت خديجة الكبرى، فانبثق من أجل ذلك أول نواة المجتمع المتقين في الأرض.
وما أجمل الحالة الرمزية التي تحملها روايات بعض المؤرخين حول لقي علي (علیه السّلام) لامر الدعوة الإلهية(2). فقد روی جابر بن عبدالله الأنصاري (رض) قال: بعث النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يوم الأثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء
وروى زيد بن أرقم (رض)، قال: أول رجل صلى مع رسول
1) اضافة إلى كتب التاريخ التي تصرح بأن علياً أول الناس إسلاماً فهناك عدة أحاديث عن رسول الله (ص) تجسد هذه الحقيقة راجع المستدرك ج 3 ص 136 والخطيب البغدادي في تاريخه ج 2 ص 81 ومناقب الخوارزمي وحلية الأولياء ج 1 ص 285 وسيرة زيني دحلان في هامش الحلبية ج 1 ص 188: نقلاً عن الغدیر ج 3 ص 220 - 242 ط 1967/3 بیروت.
2) أوردها الطبري في تاريخه 2: 55 - 56 فلاحظ.
الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) علي... وقال ابن عباس (رض): أول من صلى علي.
ويقول على (علیه السّلام): «أنا عبد الله، وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولهابعدي إلّا كاذب مفترٍ، صليت مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين». .
ويجدر بنا، أن نعي أن علياً (علیه السّلام) لم يذعه الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى الإسلام كما دعا غيره فيما بعد، أبداً، لأن علياً (علیه السّلام) كان على فطرة الله تعالى، مُسَلّماً لأمر الله، لم تصبه الجاهلية بأوضارها، ولم يتفاعل مع شيء من سفاسفها، وكل الذي کان: أن علياً (علیه السّلام) قد أطلعه الرسول القائد (صلّی الله علیه وآله وسلّم) على أمر دعوته ومنهج رسالته، فأعلن تصديقه وأيقن بالرسالة الخاتمة، وبادر لتلقى توجيهاته المباركة تلقي تنفيذ وطاعة وتجسيد.. ولهذا اعتاد المؤرخون أن يقولوا: (کرم الله وجهه) أي كرّمهُ الله عن طاعة غيره والسجود لسواه.
فان علياً (علیه السّلام) كان مؤهلاً - كما بينا في مطلع الحديث - لأتّباع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في دعوته، لأنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كان قد أنشأ شخصيته، وأرسى لبناتها الأساسية.
ولا أظنني أضيف جديداً اذا قلت : إنَّ الإمام (علیه السّلام) لم يفاجأ بأمر الدعوة المباركة، طالما عاش في كنف رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يتفيأ ظلاله، فالمصطفي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) -كما نعلم - كان يعبد ربه تعالى وينأى عن الجاهلية في مفاهيمه وسلوكه وعلاقاته، قبل أن يتنزل عليه وحي السماء، بأول سورة من القرآن الكريم (1)إذ كان (صلّی الله علیه وآله وسلّم) منذ طفولته نبياً ثم صار رسولاً
1) يراجع کتابنا، سيرة المصطفی (ص) ط بيروت ولاحظ الملحق، وثيقة رقم (5).
للعالمين.
وعلي (علیه السّلام) كان مطلعاً على عبادة أخيه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وممارساته وتحولاته الروحية والفكرية فكان يتعبد معه، وينهج نهجه، ويسلك سبيله، في تلك السن المبكرة من عمره بل كان يرافقه حتى في غار حراء، وهو منقطع لعبادته.
اما حين اطلعه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بأمر الدعوة الإلهية، فقد لبى النداء بروحه ووعيه وكل جوارحه، دون أن يباغت في الأمر، وان كان هناك من جدة في المسألة، فانما هي في الكيفية التطبيقية للرسالة ودرجة المسؤولية الواجب تحملها او في تفاصيل الاحکام.. وحين بلغ رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بأمر التكليف الإلهي لحمل الدعوة المباركة، بلّغه الله عزوجل كذلك، أن تنصب دعوته أولاً على الخاصة من أهل بيته (علیهم السّلام)، وقد أشار ابن هشام في سيرته لذلك بقوله: «فجعل رسول الله الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يذكر ما أنعم الله عليه، وعلى العباد به، من النبوة سرة إلى من يطمئن اليه من اهله...»(1)ومن أجل ذلك أخبر علياً وخديجة بأمر الرسالة - كما ذكرنا - وبعدها زید بن حارثة، وبقي أمرها طي الكتان لا يعلمه غير هؤلاء، وبعض الخاصة من أهل البيت (علیه السّلام).
وقد اشار الإمام علي بن الحسين (علیه السّلام) في حديث له حول إسلام جده على بن أبي طالب (علیه السّلام) إلى ذلك بقوله: «... ولقد آمن بالله تبارك وتعالى وبرسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وسبق الناس كلهم إلى الإيمان بالله وبرسوله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)
1) ج 1 ص 259 مصطفى الحلبي وأولاده بمصر 1963 تحقیق مصطفى السقا وجماعة.
وإلى الصلاة ثلاث سنين»(1).
ونترك هنا وثائق التاريخ، لتتحدث بشكل طليق، مکشوف عن هذه المسألة من سيرة أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فقد روى الطبري في تأريخه (2)مايلي حدثني محمد بن عبيد حدثنا سعید بن خُثَيم عن أسد بن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف عن عفيف قال جئت في الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبدالمطلب قال: فلما طلعت الشمس وحَلَّقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شابٌ فرمی بصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه قال فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفها فركع الشابُّ فركع الغلام والمرأة فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجداً فسجدا معه فقلت یا عباس أمر عظيم فقال أمر عظيم أتدري من هذا؟ فقلت لا قال هذا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن أخي أتدري من هذا؟ معه قلت لا قال عليٌّ بن أبي طالب بن عبدالمطلب ابن أخي أتدري من هذه المرأة التي خلفهما قلت لا قال هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي وهذا حدثني إن ربك رب السماء أمرهم بهذا الذي
1) الروضة من كتاب الكافي ج 8 حديث إسلام علي(ع) وهناك أحاديث بهذا الصدد يرويها كل من النسائي وابن ماجة والحاكم والطبري في تاريخه والریاض النضرة ج 2 ص 158 وكتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 100 أو غيرها راجع 221 - 240 ج 3 من الغدير على أن تلك الرويات تشير إلى أن إيمان علي وعبادته قد سبق فيها الناس بسبع أو تسع سنين، وهي لا تخالف القول بثلاث سنين أبداً فان المراد بأنه سبق بالتصديق بالإسلام بعد الدعوة بثلاث سنين وسبق سواه بالإيمان والتعبد مع الرسول (ص) في مرحلة الاعداد التي اشار اليها في خطبة القاصعة بسنوات أخرى والله اعلم..
2) الطبري 2: 56 وللمزيدراجع وثيقة رقم (5) في الملحق.
تراهم عليه وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحداً على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.
ولأسبقيته في حمل الدعوة اشار الإمام (علیه السّلام) في حديث جاء فيه «.. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وخديجة وانا ثالثهما، أری نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة..».
وبعد أن تخطت الدعوة الالهية مرحلة دعوة الخاصة من أهل البيت (علیهم السّلام) جاءت مرحلة دعوة من يتوسم رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فيهم القبول لدعوته، فانخرط عدد من الناس في سلك الدعوة، كان أغلبهم من الشباب، وكانت لقاءاتهم من أجل قراءة القرآن الكريم، والتعرف على أحكام دين الله تعالى تتم بصورة سرية نأياً عن عدوان المشركين .
ثم أذن الله عزوجل لرسوله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بدعوة عشيرته الأقربين من بني هاشم، ليوسّعَ من مدار الدعوة بذلك، فقال تعالى:
«وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ »
الشعراء / 214 - 216)
فلما تلقى رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أمر ربه الأعلى بانذار عشيرته الأقربين، أمر علياً (علیه السّلام) أن يدعوهم إلى طعام عنده، فحضروا إلى دار رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وكانوا أربعين رجلاً.
وبعد أن تناولوا طعامهم، بادرهم الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بقوله «.. يا بني عبدالمطلب، ان الله بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني اليكم خاصة، فقال:
«وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »، وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان، تملكون بها العرب والعجم، وتنقاد لكم بها الأمم وتدخلون بها الجنة، وتنجون بها من النار، شهادة أن لا اله إلّا الله وأني رسول الله فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني عليه، وعلى القيام به يكن أخي ووصي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي..»(1).
وبين تنديد أبي لهب، وتحذيره للرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) من الاستمرار بالدعوة من جهة، وتأييد أبي طالب له ومخاطبته الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بقوله: «فامضِ لما أمرتَ به، فواللهِ لا أزال أحوطك وأمنعك»(2).
أقول: من خلال التأييد، الذي أعلنه أبو طالب، والتنديد البليد الذي أعلنه أبو لهب، وقف علي بن أبي طالب (علیه السّلام) وكان أصغر الحاضرين سناً فقال: «أنا یارسول الله أؤازرك على هذا الأمر، فأمره الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالجلوس، ولما لم يجبه أحد نهض عليٌ ثانية والرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يجلسه...
وأعاد الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) دعوته إلى قومه، فلم يجبه أحد، وكان صوت
1) اخرج الحديث كل من: ابن اسحاق، وابن جریر، وابن أبي حاتم، وابن مردویه، وأبي نعيم، والبيهقي في سننه وفي دلائله، والثعلبي، والطبري في تفسير هما لسورة الشعراء من تفسيريهما الكبيرين، وأخرجه الطبري في تاريخ السيرة الحلبية ج 1 ص 381، والطحاوي، والضياء المقدسي في المختارة، وأحمد بن حنبل ج 1 ص 111 ص 159، و النسائي في خصائصه ص6، وکنز العمال ج6 الحديث رقم 6008، والمفيد في ارشاده في مناقب علی (ع) وغير هؤلاء كثير وكلهم أوردوه بألفاظ متقاربة وللمزيد من المصادر لاحظ المراجعات للسيد شرف الدین ص 124 وما بعدها.
2) صور من حياة محمد، أمين دويدار ص 140، وفقه السيرة / للغزالي ص 102 - 103، ويراجع الهامش السابق كذلك.
علي (علیه السّلام) وحده يلبي الدعوة، ويهدر بالمؤازرة والنصرة، فمزق صمتهم بصلابة إيمانه، وقوة يقينه، وحيث لم يجب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أحد للمرة الثالثة.. التفت إلى مجيبه الوحيد، قائلاً: «أجلس فأنت أخي ووصي ووزیري ووارثي وخليفتي من بعدي»(1).
فنهض القوم من مجلسهم، وهم يخاطبون أبا طالب: «ليهنئك اليوم أن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميراً عليك»(2).
وهكذا غرست الوصية لعلي (علیه السّلام) بعد الشهادة لله بالوحدانيه ولمحمد بن عبد الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالرساله الخاتمة.
ودخلت الدعوة إلى الله مرحلة المواجهة - بعد انذار العشيرة - وأول من قاد ردّ الفعل المضاد كان أبا لهب وزوجته، فكانا يعترضان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ويزرعان المشاق في طريقه، لأثنائه عن دعوته المباركة، ولكن دعوة الله سبحانه مضت تشق طريقها في المجتمع الجاهلي المتحجر ذاك، فقد انتقلت بعد ابلاغ العشيرة إلى الدعوة العامة، حيث وقف رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) على «الصفا»، وخاطب الجموع الغفيرة بأنه رسول الله، وسفيره اليها(3)..
وبعد تلك الدعوة تزايد عدد المؤمنين وكان أغلبهم من الشباب
ومن شتى قطاعات المجتمع المكي..
وكان لتزايد عدد المؤمنين برسالة الله تعالى أثر بالغ على موقف الجاهليين،فقد سلكوا أسلوب الارهاب للرعيل الأول من المؤمنين، فكانت كل قبيلة وكل بيت يتصدى لمن فيه من المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد(1)، والمؤمنون يزدادون صمودة وإيماناً بصوت الحق والهدى، الذي دوی به صوت محمد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فرددته النفوس الظأي إلى الخير والانعتاق.. .
وبسبب التعذيب الجسدي الوحشي، الذي صبَّ على المؤمنين، كانت هجرة الحبشة التي قادها جعفر بن أبي طالب (علیه السّلام) الذي يكبر علياً (علیه السّلام) أخاه بعشر سنين وكان لجعفر وحكمته الأثر الفعال في إفشال مخطط قريش في إثارة ملك الحبشة على المهاجرين لطردهم من بلاده (2).
واذا كانت قريش قد تصدت للسابقين من المؤمنين بالعنف والاضطهاد، فانها ليست قادرة على التصدي لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، قائد الدعوة ورسولها، بنفس المستوى، لعلمها أن أبا طالب شیخ الابطح، يحول دون تحقيق أي لون من ألوان التصدي والارهاب لرسول
الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
فأبو طالب، رجل مرهوب الجانب، ذو سطوة ونفوذ، ليس في بني
هاشم وحدهم، وانما في قبائل مكة كلها.
وقد كان الرجل سند الدعوة وجدارها الشامخ، الذي تستند إليه
منذ تباشير فجرها الزاهر.. وقريش، كانت تدرك ذلك تماماً.
ومن أجل ذلك، سلكت أسلوب المفاوضة، والمساومة
والاغراء: تفاوض الدعوة الألهية في شخص الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) مرة، وفي شخص أبي طالب مرة أخرى.. فحين كانت تعرض المال والسلطان على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، مقابل ترکه للدعوة، والتنازل عن الرسالة، فانها كانت تفاوض أبا طالب، وتحاوره بشأن دعوة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، طالبة أن يستعمل نفوذه، بالضغط عليه، لترك رسالته، وتهدده باحتدام الصراع بينه وبين قریش كلها، اذا لم يخلِّ بينهم وبين رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ويكف عن اسناده له.
بيد أن أبا طالب، كان يعلن اصراره على التزام جانب رسول
الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، والذود عنه، مهما غلا الثمن، وعظمت التضحيات (1).
ولما استبد اليأس بقریش، من أن أبا طالب لن يفرط برسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ودعوته، عقد زعماؤها اجتماعاً طارئاً في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب، التي اعتادت قريش أن تجتمع فيها للتشاور في
1) راجع کتاب: ابو طالب الصحابي المفترى عليه: للمؤلف.
القضايا المصيرية من حياتها فتوصل المجتمعون إلى قرار، يقضي بحصار بني هاشم، ومن يلوذ بهم، حصاراً اقتصادياً واجتماعياً، ينصب على عدم مبايعة بني هاشم أو الشراء منهم، أو تزويجهم، أو التزوج منهم، وقد ذیل قرار المقاطعة ذلك بأربعين توقيعاً لزعماء قریش.. .
ودخل بنو هاشم شعب أبي طالب، بناء على أوامر من عميدهم أبي طالب ذاته، حماية لأنفسهم من سطوة قريش وغدرهم وأصبح من المتعذر عليهم الخروج إلى مكة، إلا في موسم العمرة في رجب، وموسم الحج في ذي الحجة من كل عام. وبالنظر لتفاقم الموقف بين بني هاشم وقریش، شدد أبو طالب الحراسة على الشعب، بعد تحصينه، خشية هجوم قریشي مباغت.. .
لقد وضع أبو طالب (رض) خطة حكيمة لحماية النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ذاته من أية محاولة لاغتياله من المتسللين إلى الشعب الذين يبغون شراً برسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، حتى اذا نام رسول الله في موضع معلوم، غيّر مكانه بعد أن تنام العيون، وأنام ولده علياً(علیه السّلام) في مكانه، احتیاطاً للأمر وتفويتاً للفرص على قریش وحلفائها.
واستمر الحال ببنی هاشم - بما فيهم رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وعلي ابن أبي طالب (علیه السّلام) هكذا ثلاث سنين - وقیل اربعاً - وقد عانوا من شظف العيش، والحرمان والفاقة، وما يدمي القلب، ويحز في النفس.
ولك أن تقدر حجم ما عانى المحاصرون من ضيق، اذا علمنا أن
قريشاً قد شدّدَت عليهم الحصار بشكل كامل، فقطعت عنهم التموين ووصول الأرزاق، وكانت غالباً ما تضاعف أمان البضائع، ليعجز بنو هاشم عن شرائها بشكل أدى بهم إلى المجاعة الحقيقية، حتى أن صراخ اطفالهم وتضورهم جوعاً كان يسمع من بعيد.. .
وبعد ان تصرمت السنون الثلاث، بعسرها وآلامها وفاقتها، أخبر
رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) عمه أبا طالب أن صحيفة المقاطعة التي كتبتها قریش قد أتت دودة الارضة على ما فيها من ظلم وقطيعة فأكلتها، إلّا عبارة «باسمك اللّهم» فأسرع أبو طالب إلى قريش وأخبرهم، قائلاً:
«.. ان ابن أخي أخبرني أن الله قد سلط على صحيفتكم الارضة فأكلتها، غير اسم الله، فإن كان صادقاً نزعتم عنه سوء رأيكم، وان كان كاذباً دفعته اليكم..»(1).
قالوا: قد أنصفتنا.. ثم فتحوا صحيفة المقاطعة فإذا هي كما قال الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووقع نزاع حاسم بين قريش، نتج عنه تمزيق الصحيفة وانتهاء المقاطعة، ورفع الحصار عن بني هاشم، وقد كان لافشال مشروع الحصار بذلك الشكل الاعجازي الجلي أثره في كسب الدعوة الألهية للمؤيدين، والأنصار في مكة..
1) بحار الأنوار ج 19 باب دخول الشعب، طبقات ابن سعد ج 1 ص 173، 192، سيرة ابن هشام ج 1 ص 399 - 404 وعيون الاخبار لابن قتيبة ج 2 ص 151، تاریخ ابن کثیر ج 3 ص 84، 96، 97، السيرة الحلبية ج 1 ص -357 - 367 الكامل لابن الاثیر ج 2 ص 36 والغدير ج 7 ص 367- 366.
أرأيت كم من التضحيات في سبيل رسالة الله، بذل بیت
علي (علیه السّلام) ؟
فاذا كان علي أول من لبى صوت الحق، وظل مجاهداً في الصف الأمامي من الجبهة الإسلامية طوال حياته، فان أباه قد ضحّی حتى مكانته الاجتماعية التي كان يحظى بها في قريش، وذاق المحن من أجل رسالة الله تعالى، حتى كان بحق الدرع الواقي للرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، والدعوة في حين كانت المكانة الاجتماعية: حلم الرجال ومبتغاهم في ذلك المجتمع
القبلي المادي..
وهكذا كان جعفر بن أبي طالب، الأخ الشقيق لعلي (علیه السّلام) الذي دشن حياته الإسلامية بقيادة موكب الهجرة الأولى إلى الحبشة وتوَّجها بالشهادة في غزوة مؤتة.. ففاز بلقب الطيار مع الملائكة في الجنة كما اخبر رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بذلك(1)...
ومن المناسب أن نشير أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كان عظيم الحب لجعفر حتى أنه حين قدم المدينة المنورة من الحبشة، وذلك يوم فتح خیبر، استقبله الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وقبل ما بين عينيه، وهو يقول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «ما أدري بأيهما انا اشد فرحاً بقدوم جعفر؟ أم بفتح
خیبر»(2).
وفي خضم الصراع العنيف، الناشب بين الدعوة الالهية المباركة،
والجاهلية الرعناء، فجع الإسلام بفقد مؤمن قريش: أبي طالب (علیه السّلام) فاهتز رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) للحادث الأليم، وعلم أن قريشاً ستعمل كل وسعها على تصعيد حملتها على المؤمنين، وعلى شخصه الكريم بالذات..
واذا كانت قريش تخشى أبا طالب، ومركزه الاجتماعي، فيما مضى، فقد صفا لها الجو بعد موته، وها هو رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يفقد سنده الشاخ، ويصاب بعده بفاجعة أخرى لا تقل في تأثيرها عليه من الأولى، فقد توفيت زوجته الوفية أم المؤمنين خديجة، حتى دعا العام الذي فقدهما فيها «عام الحزن». .
وللأهمية البالغة، التي يحتلها أبو طالب، في سير الحركة التاريخية لدعوة الله تعالى، صرح رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بقوله:
«مازالت قریش کاعةً عني حتى مات أبو طالب»(1).
وصعدت قریش حملتها على رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) والسابقين من المؤمنين بشكل واسع خطير، فاتجه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) للبحث عن أرض غير مكة، تستقر عليها دعوة الله، فتنمو عليها شجرة الهدى، وراح يتصل بالقبائل، ويعرض أمره على الناس في أطراف مكة... ثم زار
1) تأريخ الطبري ج 2 ص 222، تاریخ ابن عساکر ج 1 ص 284، مستدرك الحاكم ج 2 ص 622، تاریخ ابن کثیر ج 2 ص 122: «نقلاً عن الغدير ج 7 ص 376» وكشف الغمة في معرفة الأئمة ج 1 ص 162... وغيرها.
الطائف، واتصل بزعماء قبائلها، فلم يستجب له أحد ذو أثر اجتماعی، بيد أن اليأس لم يتسرب إلى نفسه، أبداً، فاستمر في عرض دعوته على الناس خارج مكة، حتى التق في موسم الحج بنفر من أهل يثرب، وعرض عليهم رسالته، فاستجابوا له، ولبوا دعوة الله، وعادوا يحملون كلمة الله إلى قومهم.
وفي العام التالي قدم منهم اثنا عشر رجلاً فبايعوه على الإيمان وحمل الرسالة، فأرسل لتعليمهم احکام دین الله تعالى: مصعب ابن عمير، فمكث فيهم سنة كاملة يدعوهم إلى الله ويؤدبهم بتعاليم رسالته، ويقرئهم القرآن الكريم فدخل الكثير من الناس في الإسلام، واستجابوا لنداء الدعوة الألهية المباركة..
وفي موسم الحج حضر منهم إلى مكة وفد كبير يقوده مصعب بن عمير، فالتقوا برسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وبايعوه على النصرة ان هو هاجر إلى بلدهم..
وتنزل أمر الله تعالى يدعو المسلمين إلى الهجرة، فزحفت مواكب المهاجرين صوب الدار الجديدة مخلفين وراءهم المال والوطن وعلائق الدم والقربی من اجل الله، ورسالته العظمی.
ولئن كانت الدعوة قد أوشكت على الدخول في مرحلة جديدة
من مراحل مسيرتها العتيدة، فأن قريشاً، قد اجتمعت في دار الندوة للتشاوربشأن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالذات، فتوصل قادتها إلى قرار يقضي باغتيال جماعي لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يتولاه من كل قبيلة رجل منها كما وينفذ ذلك العمل الجبان المفترض تحت جنح
الظلام
و ببیان سماوي مبارك کشف جبریل (علیه السّلام) لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أوراق الجريمة التي أجمعت قريش على اقترافها.
«وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ».
(الانفال /30)
وأبلغ جبرئیل(علیه السّلام) رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بأمر الله تعالى بضرورة هجرته إلى المدينة المنورة. وحين أنتشر الظلام، أسرع المتآمرون لتطويق بيت الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) للحيلولة دون افلاته من قبضتهم!.. وعندها جاء دور على (علیه السّلام) ليلتحف ببردته، وينام في فراشه، وخرج رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) من بين الكائدين وهو يتلو قوله تعالى:
«وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ » (یس /9)
فلم يشاهده أحد من المشركين، ولم يشعر بخروجه من بينهم؛ وعندالساعات الأخيرة من الليل اقتحم المتآمرون الغادرون دار رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لتنفيذ جريمتهم، واتجهوا لغرفته، فوثب علي (علیه السّلام) في وجوههم قائلاً: ما شأنكم؟ قالوا: أين محمد؟
قال: «أجعلتموني عليه رقيباً ؟ ألستم قلتم نخرجه من بلادنا فقد
خرج عنکم»(1).
فانقلبوا خاسرين وباءوا بالفشل الذريع... وقد كان واضحاً عند الجاهلين ان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) - لتميز علاقته به - لا يمكن أن يغادر مكة دون على (علیه السّلام) أبداً، ولذا فأن الأمر قد اختلط عليهم ووقعوا في حيرة شديدة حين وجدوا علياً مضطجعاً في فراش رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) :
فقد روى ابن الأثير في أسد الغابة مايلي: أن النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال لعلي ليلة الهجرة: أن قريشاً لم يفقدوني ما رأوك، فلا أصبح، ورأوا علياً قالوا: لو خرج محمد الخرج بعلي معه (2). وهكذا كانت هجرة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وابقاء علي (علیه السّلام) في فراشه جزءً من خطة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لأرباك قریش، وافشال مكائد دار الندوة!!
ثم بدا لهم بعد ذهول طويل أن يبحثوا عن الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ويجدوا في طلبه في الجبال والوديان، واصطحبوا لذلك أبا کرز، وهو رجل شهير بعلم معرفة الأثر، وبالفعل استطاع أبو كرز أن يتابع أثر الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) حتى أوصل القوم إلى غار جبل «ثور» مؤكداً لهم أن محمداً (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قد وصل في نهاية شوطه إلى ذلك الغار، واذن فلابد أن يكون قد عرج إلى السماء أو اختفي تحت الأرض (3)، وحيث أن الله سبحانه وتعالى قد بعث عنکبوتاً فنسجت بيتاً لها على باب الغار، فان المتآمرين لم يخطر ببالهم أنالرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في داخل الغار الذي يقفون على بابه، وهكذا صرف
الله عقولهم فولوا الأدبار وعادوا خائبين.
وعند حلول الليلة الثانية أسرع على (علیه السّلام) وهند بن أبي هالة إلى الغار للاتصال بالرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) تحت جنح الظلام(1)فدار بين رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وعلي (علیه السّلام) حديث حول مستلزمات الهجرة وشؤونها... فأوصاه رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بأداء الأمانات إلى أهلها، وباللحوق به (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بعد اداء تلك المهمة، وأوصاه أن يحمل معه فاطمة الزهراء (علیها السّلام) ومن معها من نساء أهل البيت..
وبعد أيام من مسيرة الركب وصل الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى «قبا» حيث نزل عند كلثوم بن الهدم أحد زعماء بني عمرو بن عوف (2)، وهناك أقام الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومكث ينتظر قدوم علي بن أبي طالب(علیه السّلام) (3)، إذ كتب إليه كتاباً يأمره بالمسير إليه، وقد حمل الكتاب أبو واقد الليثي، وحيث أن علياً(علیه السّلام) قد أدى ما أوصاه به رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قبل هجرته وأعاد الأمانات التي كانت لدي الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى أهلها، فقد عجل باللحاق بأخيه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فبادر إلى اعداد ركائب لحمل النساء، فكنَّ: فاطمة بنت رسول الله، وفاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت حمزة وفاطمة
بنت الزبير بن عبدالمطلب.
ثم أمر ضعاف المؤمنين أن يتسللوا ليلاً إلى ذي طوى وخرج هو
والفواطم وأيمن وأبو واقد الليثي نهاراً(1).
ولم تمضِ غير أيام قليلة حتى وصل ركب علي والفواطم إلى قبا، فاستقبلهم رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وعانق علياً (علیه السّلام) وبکی رحمة به وذلك لما ألم به من ارهاق وأذی -.
وبعد مقدم علي (علیه السّلام) على رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بيومين ارتحل الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وبصحبته علي (علیه السّلام) ومن معه من المهاجرين إلى المدينة المنورة...
وكان الركب النبوي يستقبل استقبالاً مهيباً عند كل حي يمر به..
حتى إذا وصل الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى المكان الذي أقيم مسجده فيه توقفت راحلته عن المسير فنزل عنها، وأقام ضيفاً عند أبي أيوب الأنصاري (رض).. ثم بادر إلى بناء المسجد والدور الخاصة به وبأهل بيته، وفي طليعتهم علي (علیه السّلام) إذ أقيمت حجرته بجنب حجرة عائشة(2).
استقبلت المدينة عهداً جديداً من تاريخها بوصول رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إليها حيث أرسی (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قواعد دولة القرآن، وعمل على تحصينها لتكون مناراً يشع نور الحق إلى الآفاق فيبدد ظلام الجاهلية الحالك..
وإذا كانت الرسالة الألهية بعد الهجرة قد امتلکت دولة وفرت لها الكثير من شروط الحماية والتحصين، فأن ذلك لا يعني بحال أن مکر الأعداء وخططهم لاطفاء نور الإسلام قد انتهى بل العكس هو الذي کان، فالجاهلية بقواها المتعددة وواجهاتها الكثيرة قد أجمعت على حرب الإسلام ودولة الإسلام، وقد دخلت فصائل كثيرة إلى الميدان لغير صالح الإسلام، بعد أن أدركت عملياً أن وجودها في خطر بعد امتلاك الإسلام الدولة التي ترعاه ويحقق أهدافه الكبرى من خلالها..
وهكذا كانت مرحلة ما بعد الهجرة قد وضعت المسلمين أمام مسؤوليات أوسع ميداناً وأبعد خطراً، حيث بناء الدولة وحمايتها وبناء المجتمع و ترصينه، وصدالأعداء ونشر العقيدة وغير ذلك من مهام کبری...
والصراع بطبيعته قد تحول من صراع أفراد أو ارهاب قبائل،
وأصحاب وجاهات ضد أفراد عزل لا يملكون غير دينهم وثقتهم بالله تعالى.. إلى صراع عسكري منظم بين قوى جمعتها المصالح والأهواء ولو آنياً لحرب الإسلام العظيم باعتباره - وبتقديرهم - الخطر الماحق الوجودهم الفكري والعملي.. وقد تفجر الصراع العسكري بشكل لم يشهد له تاريخالجزيرة العربية مثيلاً! .
وحسبك أن دولة القرآن قد شهدت عبر عشر سنوات عاشها الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بعد هجرته إلى المدينة عشرات من الأعمال العسكرية بين حروب دفاعية أو هجومية أو غزوات أو سرايا أو غيرها.. قدم المسلمون خلالها الكثير من الضحايا ولاقوا صنوفاً من البلاء، بيد أنهم قد أنهوا الوجود العملي للجاهلية العربية بعون إلهي مشهود.. فشملت دولة الإسلام الجزيرة العربية دون منازع..
وإذا تتبعنا تلك المرحلة الدقيقة من عمر الرسالة الخاتمة لوجدنا أن دور علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فيها لم يرقَ إليه دور قط.. فهو في جميع حروب الإسلام ضد أعدائه كان يفوز بقصب السبق لا من باب اشتراكه في الحرب أو قتاله فيها، وانا ما قدمه من بطولة وتضحية يسبق بها سواه.
ومن المناسب هنا أن نذكر طرفا من بطولته(علیه السّلام) : بعرض موجز سريع.
كان عدد المسلمين - في تلك المعركة - يساوي ثلث جيش عدوهم وكانت العدة لدى المسلمين ليست ذات بال فعلى سبيل المثال كانوا لقلة
ركائبهم يركب منهم الاثنان والثلاثة والأربعة على بعير واحد، ولم يكن منهم فارس غير المقداد بن الأسود الكندي، وكانت أسلحة بعضهم من جريد النخل ونحوه.. .
حتى إذا اضطر مت نار الفتنة تقدم بطل المسلمين علي (علیه السّلام) وكان يحمل لواء الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)
(1)فخاض غمار معركة حامية غير متكافئة، كان المسلمون خلالها يستغيثون ربهم طلباً للنصر فاستجاب لهم وأمدهم بالملائكة، وقد انتهت المعركة بمقتل سبعين رجلاً من المشركين كان مقتل حوالي نصف عددهم بسيف على (علیه السّلام) (2).
كان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قد أعطي لواء المهاجرين لعلي (علیه السّلام) ولمّا اشتبك الطرفان كان النصر ابتداء للمسلمين، بيد أن حماة جبل أحد الذين أمرهم الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)بعدم مفارقته تركوا أماكنهم بعد فرار المشركين بدافع الطمع في الغنائم، فصعدت احدى فرق المشركين بقيادة خالد بن الوليد الجبل فتغير الموقف لصالح المشركين، فخسر المسلمون الكثير من الشهداء.. وأصيب الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بجروح في وجهه الكريم كسرت رباعيته، وحيث لم يبقَ مع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في ذلك الموقف الرهيب بعد فرار المسلمين غير علي (علیه السّلام) وأبي دجانة وسهل بن حنیف، استبسل علي (علیه السّلام) كعادته في الدفاع عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومجد الرسالة الإلهية،
وقتل حملة اللواء من المشركين واحداً بعد الآخر، وكانوا تسعة رجال ثمانية من بني عبدالدار وتاسعهم عبدهم(1). مما أربك العدو فاضطر
للفرار.
طوقت المدينة بعشرة آلاف من المشركين(2)بشتى فصائلهم، و نقض بنو قریظة صلحهم مع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وانضموا إلى صفوف الغزاة، فتغير ميزان القوى لصالح العدو، وبلغ الذعر في نفوس المسلمين أيما مبلغ، فقد زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وزلزلت نفوس، وظنت نفوس بالله الظنون -كما حدثنا القرآن (3).
وبدأ العدو هجومه بعبور عمرو بن عبد ود العامري أحد أبطال الشرك الخندق مع بعض رجاله، فهددوا المسلمين في داخل المدينة بل في داخل تحصيناتهم.. وراح ابن عبد ود يصول ويجول، ويتوعد المسلمين ويتفاخر عليهم ببطولته، ويستعلي وينادي:
هل من مبارز؟
فقام علي (علیه السّلام) وقال: أنا له یا رسول الله.
قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : أجلس انه عمرو؛
وكرر ابن عبد ود النداء وجعل يوبخ المسلمين، ويسخر بهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون، أن من قتل منكم يدخلها، أفلا تبرزون لي رجلاً؟
ولما لم يجبهُ أحد من المسلمين، كرر علي (علیه السّلام) طلبه: أنا له یا رسول الله.
فقال (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أجلس انه عمرو؛
فأبدى علي عدم اكتراثه بعمرو وغيره، قائلاً: وان كان عَمراً!
فأذن رسول الله لعلي(علیه السّلام) ، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وألبسه درعه، وعممه بعمامته..
ثم قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «اللهم هذا أخي وابن عمي، فلا تذرني فردا، وأنت خير الوارثين»(1).
ومضى علي (علیه السّلام) إلى الميدان، وخاطب ابن عبد ودّ بقوله:- يا عمرو انك كنت عاهدت الله، أن لا يدعوك رجل من قريش إلى احدی خلتين إلّا قبلتها..
قال عمرو: أجل
فقال علي(علیه السّلام) : فاني أدعوك إلى الله وإلى رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وإلى الإسلام.
فقال: لا حاجة لي بذلك.
قال له الإمام: فاني أدعوك إلى البراز.
فقال عمرو: اني أكره أن أهريق دمك، وان أباك كان صديقاً لي.. فرد عليه الإمام (علیه السّلام) قائلاً: لكني والله أحب أن أقتلك، فغضب
1) السيرة النبوية، أحمد زيني دحلان ج 2 ص 6-7، غزوة الخندق.
عمرو، وبدأ الهجوم على علي (علیه السّلام) فصده الإمام برباطة جأشه المعتاد، وأرداه قتيلاً، فعلا التكبير، والتهليل في صفوف المسلمين (1).
ولما عاد الإمام (علیه السّلام) ظافرة استقبله رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهو يقول: «لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ، أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة»(2).
وبعد مقتل ابن عبد ودّ بادر علي (علیه السّلام) إلى سد الثغرة التي عبر منها عمرو ورجاله الخندق ورابط عندها(3)، مزمعاً القضاء على كل من تسول له نفسه العبور، ولولا ذلك الموقف البطولي لاقتحم جيش المشركين المدينة على المسلمين، بذلك العدد الهائل.
وهكذا كانت بطولة علي (علیه السّلام) في غزوة الأحزاب أهم عناصر النصر للمعسكر الإسلامي، وانهزام المشركين.
عجز علية القوم عن الصمود أمام اليهود، ولما بان ضعف الجميع عن اقتحام حصون خيبر حتى تأخر فتحها أياما قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، کراراً غیرَ فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه..»(4)حتى تطلع بعض
1) المصدر السابق.
2) مستدرك الصحيحين 3 ص 32 عن سفيان الثوري ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج 3 ص 19.
3) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6-7، غزوة الخندق، وارشاد المفيد ص 58.
4) أنساب الأشراف ج 2 ص 93 - 94 عن أبي هريرة وابن عباس بلفظ متشابه، وخصائص علي بن أبي طالب للنسائي ص 9 وما بعدها ط 1 19751 بيروت وفي الاصابة والاستيعاب وحلية الأولياء ومسلم في الصحيح بألفاظ متقاربة.
الصحابة أن يكون هو المقصود بهذه الكرامة!
ولما كان الغد أعطاها علياً فاقتحم حصون خيبر ودخلها عليهم عنوة، وقتل بطلهم «مرحباً» ثم فتح الحصون جميعاً وتحقق نصر الله على يديه..
فوجئ المسلمون - وكانوا أثني عشر ألفاً - بكمائن المشركين في الجبال ونبالهم، ففروا وذعروا، وخلّوا بين رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأعدائه! فلم يبقَ مع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) غير علي (علیه السّلام) (1)والعباس وبعض أهل البيت (علیهم السّلام) فكان النصر بعد عودة المسلمين لميدان القتال.. وكان الظفر.. .
هذه صورة يسيرة من مواقف الصمود التي سجلها الإمام علي (علیه السّلام) بين يدي رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في أدق الساعات وأكثرها حرجاً (2).
ومن نافلة القول أن نعيد إلى الأذهان أن علياً (علیه السّلام) قد اشترك في غزوات رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)
، وحروبه كلها، غير تبوك (3)وذلك بأمر من
1) سيرة الرسول للسيد محسن الأمين نقلاً عن السيرة الحلبية وابن قتيبة في المعارف، وتفسير الميزان للسيد الطباطبائي ج 10 تفسير آية 25 من التوبة والبحثالروائي، والارشاد للمفيد «غزوة حنين» ص 81.
2) للاستزادة يراجع كتاب الإمام علي، عبد الفتاح عبد المقصود وأعيان الشيعة المجلد الثالث، للسيد محسن الأمين، والارشاد للشيخ المفيد، وسيرة ابن هشام والفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن الصباغ المالكي.
3) راجع أنساب الأشراف للبلاذری ج 2 ص 92 ط 1974، ومستدرك الصحیحین ج3 ص 111، وابن سعد في طبقاته ج3 ص 10 وابن حجر في تهذيب التهذيب ج 3 ص 475 ولمعرفة المزيد من المصادر راجع فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 309.
الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بذاته، وكان له في جميعها القدح المعلي، هذا عدا الغزوات التي قادها بنفسه(علیه السّلام) .
والباحث المنصف حين يتناول حياة الإمام علي (علیه السّلام) بالدراسة، وفي شطرها الجهادي بالذات يقف مذهولاً أمام بطولته الفريدة وتضحياته المعطاءة، لكن البطولة بما هي بطولة ليست هي الميزة الأساسية في جهاد علي (علیه السّلام) وان كان میدانها الواسع وشمولها يبقي سمة من سمات علي امير المؤمين (علیه السّلام) ولكن الأهم فيها انما هو الاخلاص لله تعالى والتضحية في سبيله دون سواه.
فإيان علي (علیه السّلام) بالله تعالى يبقى هو الحافز والمحرك لتلك البطولات العظيمة التي سجلها تاريخ الإسلام في أنصع صفحاته بشكل لم يسجل مثلها لسواه.
وحسبك في ذلك أن كثيراً من المواقف العسكرية كما رأينا۔ يتعرض فيها علِيّة القوم فضلاً عن عامتهم للوهن بل والهزيمة النكراء غير أن التاريخ لم يسجل لعلي (علیه السّلام) إلّا الصمود والفداء والتضحية في كل موقف صمد الناس فيه أم انهزموا، الأمر الذي لا يفسره إلا ما يتمتع به علي(علیه السّلام) من صدق اليقين وعمق الاستعانة والتوكل على الله والعبودية له واللامبالاة بما سواه كبر ذلك أم صغر.
هذا عدا ما يتمتع به علي(علیه السّلام) من علو الهمة وقوة العزيمة ورباطة الجأش وسمو النفس، والشجاعة المتميزة.
لم يحظَ رجل في الإسلام ما حظي به علي بن أبي طالب (علیه السّلام) من ثناء واجلال من لدن الرسالة الإسلامية، وحثها المتزايد لاتباعها لا على تقديره وحبه فحسب، وانا على التزامه، وانتهاج سبيله، واتخاذه مناراً بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
وقد انطوى القرآن الكريم والسنة الشريفة والتاريخ الصحيح على نصوص وروايات تنطق كلها بالثناء على علي (علیه السّلام)، والدعوة إلى التمسك بحبله، والذوبان بحبه!
فمرة تأتي كأوسمة يضعها الإسلام على صدره فيميزه عن سواه
ومرة على شكل أحكام وأوامر تلزم المسلمين على التزام علي (علیه السّلام) اماماً ومنهجاً.
فمن أوسمة التقدير التي نالها علي (علیه السّلام) من الله تعالى و من رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) نذكر منها ما يلي:
1- « إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا ». (الأحزاب - 33)
فقد قطع المفسرون لهذه الآية: إنها نزلت في رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وعلي وفاطمة الزهراء والحسن والحسين (علیهما السّلام) حين دعا رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بكساء وجللهم به، ولما نزلت الآية قالت أم سلمة زوجة الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : هل أنا من أهل بيتك؟
قال: لا ولكنك على خير(1).
وآية التطهير اعظم شهادة من الله عزّ وجل على طهارة الخمسة الهداة، وعصمتهم في القول، والعمل، وما يتبع ذلك من ضرورة التمسك بحبلهم المتين.
2- «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ » (آل عمران /61)
فقد ذكر أهل التفسير من جميع المسلمين أنها نزلت حين خرج رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بعلي وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السّلام) لمباهلة نصاری نجران، فلما رآه النصارى قد خرج بأهل بيته خافوا العاقبة واعتذروا
1) راجع صحيح مسلم في کتاب فضائل الصحابة، والحاكم في مستدرك الصحیحین ج 3 ص 147 والبيهقي في سنة ج 2 ص 149 والسيوطي في الدر المنثور في تفسير الآية، وصحيح الترمذی ج 2 ص 209 وابن حجر في تهذيب التهذيب ج 2 ص 297 وغيرهم نقلاً عن فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 224 وما بعدها، وراجع آية التطهير دراسة في الأهداف والمداليل: للمؤلف لتجد مصادر ذلك بدقة ووضوح.
عن مباهلته، فدفعوا الجزية خضوعاً منهم لسلطان دولته(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(1).
وهذه الآية تكشف بوضوح لا غبار عليه مكانة علي وأهل البيت (علیهم السّلام) عند الله ورسوله حيث يقدمهم رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بين يدي ضراعته إلى الله عزّ وجل، في هذا التحدي النصراني الجاهل لنبوته، فما أجلَّها من مكانة، وما أعظمها من رفعة، وطهر، وسمو.
3- «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا *إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا *إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ». (الدهر 87-11)
وهذه الآية باجماع أهل التفسير نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السّلام).
وكان ذلك عندما مرض الحسنان فنذر علي (علیه السّلام) وفاطمة إن شفي الحسنان، فأن علياً و الزهراء (علیها السّلام) يصومون الله تعالى ثلاثة أيام.
وبعد شفاء الحسنین صام أهل البيت (علیهم السّلام) وفاء بنذرهم.
وعند غروب شمس اليوم الأول طرق الباب عليهم مسكين يشكو
جوعه، فأعطوه ما عندهم من خبز الشعير.
وفي اليوم الثاني استطعمهم يتيم فأطعموه بما عندهم. وفي ثالث أيام النذر سألهم أسير فقدموا له طعامهم، وهكذا بقي
1) صحيح الترمذي ج 2 ص 300 وأحمد بن حنبل في المسند ج 1 ص 185 والسيوطي في الدر المنثور في تفسير آية المباهلة والزمخشري في کشافه والفخر الرازي في تفسير الكبير، والميزان في تفسير القرآن في تفسير الآية، ويراجع كتاب الزهراء فاطمة بنت محمد(ص): للمؤلف.
أهل البيت (علیهم السّلام) ثلاثة أيام لم يذوقوا فيها غير الماء، فأنزل الله فيهم هذه الآيات الكريمة اعظاماً لشأنهم واكباراً لعملهم(1)ليكونوا القدوة وليكونوا المثال.
والآية المباركة شهادة مخلدة على درجة الأخلاص الرفيعة عند آل محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وحبهم للمستضعفين، ورعايتهم للعباد، حتى وان كلفهم ذلك عنت، وخسائر، ثم أن الآية شهادة عظمى على المكانة المميزة التي تنتظرهم في الآخرة، وما أعظمها من شهادة وما أصدقه من قول!
4- ««أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ». التوبة /19)
نزلت هذه الآية عندما تفاخر طلحة بن شيبة والعباس بن
عبدالمطلب: إذ قال طلحة: إنا أولى الناس بالبيت لأن المفتاح بيدي؟
وقال العباس: أنا أولى، أنا صاحب السقاية والقائم عليها.
وفي هذه الاثناء مرّ علىّ بها وسألها: بمَ يفتخران. فذكرا له ما
قالا.
1) يراجع الزمخشري في کاشفه ج 2، والواحدي في أسباب النزول، ومجمع البيان للطبرسي في تفسير سورة الدهر، والحافظ محمد بن جرير الطبري كما في الكفاية، وابن عبد ربه في العقد الفريدج 3 ص 42 - 47، والحاكم النيسابوري ذكره في مناقب فاطمة (عليها السلام) كما في الكفاية، وأبو اسحاق الثعلبي في تفسيره الكشف والبيان، والآلوسي في روح المعاني، والطبري في الرياض النضرة ج 2 ص 207، نقلاً عن الغدير للشيخ الأميني ج 3 ص 107-111.
فقال على (علیه السّلام): أنا أوتيت منذ صغري ما لم تؤتيا.
فقالا: وما ذاك؟
فقال (علیه السّلام): لقد صليتُ قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل الله تعالى الآية المذكورة في الثناء على ما افتخر به علي (علیه السّلام)(1). حيث السابقية إلى الحق والصلاة قبل الناس، وقيادة حركة الجهاد؛
وإذا كان القرآن الكريم يثنى هذا الثناء الجميل على علي (علیه السّلام) فتعالَ معي إلى السنة الشريفة لنقرأ شيئاً منها في هذا الصدد:
1- قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «أنا مدينة العلم وعلي بابها»(2).
2 - وقال (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»(3).
3- وقال(علیه السّلام): مخاطباً علياً (علیه السّلام) «لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق»(4).
1) تفسير الطبري عن أنس ج 10 ص 59. وأسباب النزول للواحدي ص 182، والقرطبي في تفسيره ج 8 ص 91، والرازي في تفسيره ج 4 ص 422، والخازن في تفسيره ج 2 ص 221، وابو البرکات النسفي ج 2 ص 221، والدرالمنثور للسيوطي ج 3 ص 218، وغيرهم مع اختلاف في التفاصيل والألفاظ.
2) مستدرك الصحيحين ج 3 ص 126، ومناقب أحمد بن حنبل وابو عيسى الترمذي في جامعه الصحيح، وکنزالعمال ج 1 ص 401، وأسد الغابة ج 4 ص 22،والخطيب البغدادي في تاريخه ج 4 ص 348: نقلاً عن فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 250 وما بعدها.
3) مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 174، ومسند أبي داود ج 2 ص 28، والبخاري في باب غزوة تبوك ومسلم للترمذي وغير هؤلاء نقلاً عن المراجعات ص 133- ص 136.
4) صحيح الترمذی ج 2 ص 229، وأحمد بن حنبل ج 6 ص 292، والنسائي ومستدرك الصحيحين ج 3 ص 129 وغيرهم راجع فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 207 وغيره.
4 - وقال (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يوم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار مخاطباً علياً (علیه السّلام): «أنت أخي وأنا أخوك فإن ذكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله لا يدعيها بعدك إلا كذّاب»(1).
هذه طائفة من النصوص الخاصة بالثناء على علي (علیه السّلام) ومن شاء المزيد فليراجع فضائل الخمسة من الصحاح الستة (2)وينابيع المودة(3)ومسند أحمد بن حنبل وفضائل أميرالمؤمنين وامامته من دلائل الصدق (4)وغيرها.
أما النصوص الصريحة القاضية بوجوب التزام علي (علیه السّلام) إماماً وقائداً في دنيا المسلمين فنذكر منها ما يلي:
أ- «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ » (المائدة / 55)
قال المفسرون: أن الآية الكرية نزلت في علي بن أبي طالب(علیه السّلام) (1)فأكدت وجوب الالتزام به إماماً ومرجعاً فكرياً واجتماعياً وسياسياً للأمة، وقد كان سبب نزولها: تصدق علي (علیه السّلام) على مسكين بخاتمه اثناء رکوعه، فالآية انما نزلت بهذه المناسبة، وحين امتدح الله عز وجل تلك الصدقة الخالصة لوجه الله تعالى، استثمرت الآية هذه المناسبة لتؤكد في ذات الوقت إمامة علي(علیه السّلام) ، وانه الأولى، بأدارة شؤون العباد و امامتهم وهدايتهم وتولي أمورهم بعد الله ورسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(2).
ب - خطبة الغدير: وهي البيان الذي وجهه الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى المسلمين في غدیر خم بعد آخر حجة له لبيت الله، لنصب علي بن أبي طالب (علیه السّلام) بأمر الله تعالى إماماً للناس وراية هدی بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فعن البراء بن عازب قال:
أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في السنة التي حج، فنزل في بعض الطريق، فأمر: الصلاة جامعة، فأخذ بيد علي فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟».
1) تفسير البيضاوي، ومجمع البيان للطبرسي، وأبو اسحاق الثعلبي في تفسيره، والطبري في تفسيره ج 6 ص 165، والواحدي في أسباب النزول ص 148، والخازن في تفسيره ج 1 ص 496، والرازي في تفسيره ج 3 ص 431، وأبو البرکات النسفي ج 1 ص 496 والنيسابوري في تفسيره ج 3 ص 461، وابن حجر في الصواعق ص 25 وغيرها نقلاً عن: أعيان الشيعة ج 3 ق 1 ص 130 - 134 وخلفاء الرسول الاثنا عشر ص 103 وما بعدها.
2) لدراسة مدلول الآية مفصلاً راجع کتاب: الأمامة في الرسالة الإسلامية: المؤلف.
قالوا: بلى
قال (صلّی الله علیه وآله وسلّم): ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟
قالوا: بلى
قال (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، اللهم عادِ من عاداه»(1)وفي لفظ أحمد بن حنبل أن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: «من کنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه»(2).
ج - قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) «علي مع الحق والحق مع علي لن يفترقا حتى وردا علىَّ الحوض»(3).
وفي حديث آخر لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يخاطب به عمار بن یاسر (رض) جاء فيه: «.. وان سلك الناس كلهم وادياً وسلك علىٌ وادي فاسلك وادياً سلكه عليٌ وخلّ الناس طُرّاً»(4).
1) اللفظ لصحيح ابن ماجة ص 12.
2) مسند ابن حنبل ج 4 ص 281، فقد نص عليه قائلاً رواه ثلاثون صحابياً وأخرجه أيضاً النسائي في خصائص علي بن أبي طالب بعدة طرق والترمذي والطبراني، عن زيد بن أرقم والفخر الرازي في تفسير آية «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك» وکنز العمال ج 1 ص 48، ومستدرك الصحيحين وسواهم، نقلاً عن كتاب الغدیر تاليف العلامة الأمینی (ره)، راجع المجلد الأول منه للاطلاع على مصادر حديث الغدير تفصيلاً، ويراجع کتاب / حديث الغدیر: رواته، ظروفه، قيمته الحضارية: للمؤلف...
3) تاريخ البغدادي: ج 14 ص 321، والهيثمي في مجمعه: ج 7 ص 235، کنز العمال: ج6 ص 157، و تفسير الرازي: ج1 ص 111، وغيرهم مع اختلاف في الألفاظ. نقلاً عن علي والوصية: الشيخ نجم الدين العسكري ص 113.
4) تاریخ الخطيب البغدادي: ج 14 ص 186، والهيثمي في مجمعه: ج 7 ص 236، کنز العمال: ج 6 ص 155، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
د- وقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) :
«لكل نبي وصي ووارث وأن علياً وصيي ووارثي(1).
هذا غيض من فيض من النصوص الإسلامية الموثوقة المجمع على صحتها، ووثاقتها من جميع المسلمين(2).
1) ينابيع المودة، سليمان الحنفي، بأسانیده «باب عهد النبي لعلي وجعله وصياً» والذهبي في میزان الاعتدال والسيوطي في الليالي والديلمي في كنوز الدقائق ومناقب أحمد بن حنبل وکنز العمال: ج6 ص154 والمعجم الكبير للطبراني والمحب الطبري في الذخائر وغيرهم نقلاً عن علي والوصية لنجم الدين العسكري 194.
2) ومن شاء المزيد فليراجع ينابيع المودة، للشيخ القندوزي الحنفي والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي وفضائل الخمسة من الصحاح الستة للفيروز آبادي ومسند أحمد بن حنبل وكتاب المراجعات للسيد عبد الحسین شرف الدين وعلي والوصية، للشيخ نجم الدین العسكري والمناقب: أخطب خوارزم الحنفي ومناقب علي بن أبي طالب (ع) لابن المغازلي الشافعي والمناقب: للنسائي، وغيرها.
.. فاضت نفس رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في حجر علي (علیه السّلام) (1)، ورحل (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى ربه الأعلى، وهو قلق على مستقبل الرسالة والأمة، كما يجسد ذلك بقوة قوله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) عند زيارته لقبور المؤمنين في البقيع في بداية مرضه الذي قضى فيه: «السلام عليكم يا أهل القبور، ليهنئكم ما أصبحتم فيه، مما فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرُها..»(2)
كما يكشف تأكيده المستمر على ضرورة التزام الثقلين: كتاب الله
تعالى والعترة الطاهرة (3).
وطلبه في آخر ساعة من حياته أن يؤتى بدواة وكتف ليكتب للأمة
1) مناقب الخوارزمي عن عائشة، ص 29، ومسند أحمد بن حنبل: ج 2 ص 300، وذخائر العقبى للمحب الطبري: ص 73، وغيرها يراجع علي والوصية: ص206 - 211.
2) أخرجه النسائي وابو داود وابن ماجه وأحمد بن حنبل في مسنده والطبري في تاريخه.
3) أخرجه الترمذي برقم 874، من أحاديث کنز العمال: ج 1 ص 44، ومسند ابن حنبل: ج5 ص 148 وراجع مصادر حديث الثقلين في عبقات الأنوار: السيد حامد حسين والأمامة في الرسالة الإسلامية: للمؤلف.
كتاباً لن تضل بعده أبداً(1)ملخصاً حقيقة الموقف، وطبيعة التكليف الذي ينبغي أن تتمسك به الأمة فشكك الصحابي عمر بن الخطاب بوعي النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وقال: أن النبي يهجر، حسبنا کتاب الله؛ حيث شهر الصحابي القرآن في وجه رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فارتبك وضع الحاضرين فكان بعضهم مع النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في طلبه كتابة الكتاب، وكان بعضهم، يقول: ما قال عمر... فدعاهم رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) للخروج عنه، بعد أن شككوا بوعيه، وجرَّحوا في عصمته..
يقول: الخليفة عمر عن هذه المسألة بعد عقد من الزمان أو يزيد، انه شعر ان النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أراد أن يثبت أمامة علي (علیه السّلام) في كتابه، فمنعته من تنفيذ هذه المهمة، يقول: ولقد أراد في مرضه ان يصرح باسمه، فمنعته من ذلك (2)
السيد شرف الدين في المراجعات مراجعة 106 ص293 - ص 294، واقرأها مفصلة في کتاب: الصديقة الزهراء بين المحنة والمقاومة: للمؤلف ص 21 - ص23.
.إلى غير ذلك من مصادیق توجسه وقلقه (صلّی الله علیه وآله وسلّم) على مستقبل المسيرة الإسلامية، بالرغم من احتياطه لتحصين الأمة وتجنيبها من الوقوع في الفتنة.
وما أن فاضت نفس رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) واشتغل علي (علیه السّلام) وأهل البيت بتجهيزه من أجل مواراة جسده الطاهر في مثواه الأخير، حتى عقدت
الأنصار وبعض المهاجرين اجتماعاً في سقيفة بني ساعدة لتنصيب من يخلف النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في قيادة المسلمين !! خلافاً لما أراد النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وخطط.
وبعد مناقشات حادة وطويلة سادها جو من التوتر والقلق والعنف والخلاف بادر الصحابي القرشي عمر بن الخطاب إلى بيعة الصحابي القرشي ابي بكر بالخلافة(1)، وطلب من الحاضرين ذلك، ولم يكن علي (علیه السّلام) على علم بما حدث، ولكن النبأ قد انساب إلى مسامعه من خلال الضجيج الذي أحدثه خروج القوم من السقيفة، وهم في طریق توجههم للمسجد النبوي.
وحتى تلك الساعة لا يزال على وأهل البيت (علیهم السّلام) مشغولين بتجهيز فقيد الأمة العظيم رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إذ ظل (صلّی الله علیه وآله وسلّم) جثمانه الطاهر ثلاثة أيام (2)دون دفن ليتسنى للمسلمين تودیعه والصلاة عليه.
ولعدم قناعة الإمام (علیه السّلام) بشرعية ما جرى ظل مؤمناً بحقه في الخلافة، وقاوم ما جرى من احداث بما استطاع إلى ذلك سبيلاً ستة شهور، ولم يسمع له صوت في مايسمى بحروب الردة ولا سواها(3).
ولقد استجدت أمور وأحداث خطيرة تتهدد الإسلام وأمته بالفناء فقد قوي أمر المتنبئين بعد وفاة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) واشتد خطرهم في
1) راجع صحيح البخاري: ج 4 ص 194، وتراجع السقيفة، للشيخ محمد رضا المظفر ونظام الحكم والادارة في الإسلام، لمحمد مهدي شمس الدين للتفاصيل والصديقة الزهراء بين المحنة والمقاومة: للمؤلف.
2) تاریخ ابن کثیر: ج 5 ص 271، وتاريخ أبي الفداء: ج 1 ص 152، نقلاً عن الغدیر: ج7 ص 75.
3) السقيفة: ص 160، ط 4- 1973 بیروت، والصديقة الزهراء بين المحنة والمقاومة للمؤلف.
الجزيرة العربية من أمثال: مسيلمة الكذاب، وقبله طلحة ابن خويلد الأفاك وسجاح بنت الحرث الدجالة وغيرهم وصار وجودهم يشكل خطرا حقيقياً على الدولة الإسلامية.
واشتد ساعد المنافقين وقويت شوكتهم في داخل المدينة وكان
الرومان والفرس للمسلمين بالمرصاد(1).
هذا عدا عن ظهور التكتلات السياسية في المجتمع الإسلامي على أثر بيعة السقيقة.
ولقد تعامل الإمام (علیه السّلام) مع الخلافة حسب ما تحكم به المصلحة الإسلامية حفظاً للإسلام وحماية للجامعة الإسلامية من التمزق والضياع، وتحقيقاً للمصالح العليا للمسلمين التي جاهد من أجلها.
وللإمام علي (علیه السّلام) حديث حول عوامل موقفه المعلن من الخلافة بعد النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) جاء فيه: «..فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دین محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخشيت إن لم أنصرالإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به علىّ أعظم من فوت ولايتكم التي انما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين و تنهنه»(2).
بيد أن صوت علي (علیه السّلام) كان يعلو عندما يستشار ويجهر عندما يستفتي، وقد تصدی - في هذا المضمار - لتوجيه الحياة الإسلامية، وفقاً لما تقتضيه رسالة الله تعالى في الحقول التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ومن أجل ذلك فأن الباحث التاريخي في حياة الإمام (علیه السّلام) لا يلبث إلا أن يلتقي مع مئات المواقف والأحداث - في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان - التي لا تجد غير علي (علیه السّلام) مدبراً لها ومعالجاً وقاضياً بأمر الشريعة فيها.
والخلفاء الثلاثة لم يروا بداً من استشارته إذا التبست عليهم الأمور، وهكذا تجده - مرة - مرشداً للحكم الإسلامي الصحيح في أمر ما و مرة تجده قاضياً في شأن من شؤون الأمة، وأخرى موجهاً للحاكم الوجهة التي تحقق المصلحة الإسلامية العليا، بيد أنه مع كل ذلك لم يعمل في منصب من مناصب الدولة أبداً كأحدِ أساليبه في سلب شرعية الحكم المذكور.
وبقدرونا أن نلمس دوره الرسالي إذا طرحنا بعض مفردات منهجه المتبني أيام الخلفاء الذين سبقوه.
1- فكر أبو بكر بغزو الروم فاستشار جماعة من الصحابة فقدموا
وأخروا، ولم يقطعوا برأي مناسب فأستشار علياً (علیه السّلام) في الأمر فقال (علیه السّلام) آن فعلت ظفرت.
فقال أبو بكر: بشّرتَ بخير.
وأمر الناس بالخروج بعد أن أمرَّ عليهم خالد بن سعيد(1).
2- أراد الخليفة أبو بكر أن يقيم الحد على شارب خمر...
فقال الرجل: اني شربتها ولا علم لي بتحريها فأرسل إلى الإمام يسأله عن ذلك فقال(علیه السّلام) : مُر نقيبين من رجال المسلمين يطوفان به على المهاجرين والأنصار وينشدانهم هل فيهم أحد تلا عليه آية التحريم، أو أخبره بذلك عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فان شهد بذلك رجلان منهم فأقم الحد عليه، وان لم يشهد أحد بذلك، فاستَتِيبهُ وخلِّ سبيله».
ففعل الخليفة ذلك، فعلم صدق الرجل فخلى سبيله(2).
3- عن محمد المنكدر أن خالد بن الوليد كتب إلى الخليفة أبي بكر أنه وجد رجلاً في بعض ضواحي العرب، ینکح کا تنكح المرأة، وأن أبا بكر جمع لذلك ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وكان فيهم علي بن أبي طالب أشدهم يومئذ قولاً فقال:
ان هذا ذنب لم تعمل به أمة من الأمم إلا أمة واحدة - يعني قوم لوط . فصنع الله بها ما قد علمتم، أرى أن تحرقوه بالنار، فكتب أبو بكر بذلك إلى ابن الوليد(3).
4- قدم جاثليق النصاري يصحبه مائة من قومه فسأل أبا بكر أسئلة، فدعا علياً (علیه السّلام) فأجابه عنها، ونكتفي منها بسؤال واحد من أسئلة
الجاثليق: أخبرني عن وجه الرب تبارك وتعالى!
فدعا على (علیه السّلام) بنار وحطب، وأضرمه، فلا اشتعلت قال أين وجه هذه النار؟
قال الجاثليق: هي وجه من جميع حدودها.
فقال علي(علیه السّلام) : هذه النار مدبرة مصنوعة، لا يعرف وجهها؟ وخالقها لا يشبهها، ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمَّ وجه الله لا تخفي على ربنا خافية(1).
5 - وأرسل ملك الروم رسولاً إلى أبي بكر يسأله عن رجل لا يرجو الجنة ولا يخاف النار، ولا يخاف الله، ولا يركع ولا يسجد ويأكل الميتة والدم، ويشهد بما لم يرَ ويحب الفتنة ويبغض الحق، فأخبر بذلك علي (علیه السّلام) فقال:
هذا رجل من أولياء الله: لا يرجو الجنة ولا يخاف النار، ولكن يخاف الله ولا يخاف من ظلمه، وانما يخاف من عدله، ولا يركع ولا يسجد في صلاة الجنازة، ويأكل الجراد والسمك، ويأكل الكبد، ويحب المال والولد «إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ» ويشهد بالجنة والنار وهو لم يرَهما، ويكره الموت وهو حق (2).
هذه بعض مصادیق اهتمامات أمير المؤمنين (علیه السّلام) بمسيرة الإسلام التاريخية في عهد أبي بكر، وتوجيهه للحياة الإسلامة العامة.
1- حين اراد عمر بن الخطاب أن يغزو الروم راجع الإمام (علیه السّلام) في الأمر، فنصحه الإمام بإن لا يقود الجيش بنفسه مبيناً علة ذلك قائلاً «..فابعث إليهم رجلاً مجرباً واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فان أظهره الله فذاك ما تحب، وان تكن الأخرى كنت ردءاً للناس، ومثابةً للمسلمين»(1).
2- ورد إلى بيت مال المسلمين مال كثير من البحرين - فقسمه عمر بين المسلمين، ففضل منه شيء، فجمع عمر المهاجرين والأنصار واستفتاهم بأمره قائلاً: ما ترون في فضلٍ، فضلَ عندنا من هذا المال؟
قالوا: يا أمير المؤمنين إنّا شغلناك بولاية أمورنا من أهلك
و تجارتك، وضيعتك، فهو لك.
فالتفت عمر إلى علي قائلاً: ما تقول أنت؟
قال الإمام(علیه السّلام) : قد أشاروا عليك.
قال الخليفة: فقل أنت؟
قال(علیه السّلام) : لِمَ تجعل يقينك ظناً، ثم حدثه بواقعة مشابهة في عهد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
وأخيرا أشار عليه الإمام (علیه السّلام) بتوزيعه على الفقراء، قائلاً: «أشير عليك أن لا تأخذ من هذا الفضل وأن تفضه على فقراء المسلمين».
3- عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إن ترك
1) نهج البلاغة تبويب د. صبحي الصالح: ط 1 ص 192.احفز: ادفع وسق، أهل البلاء: أهل المهارة في الحرب، مثابة: مرجع.
هذا المال في جوف الكعبة لآخذه وأقسمه في سبيل الله وفي سبيل الخير وعلي بن أبي طالب يسمع ما يقول، فقال عمر: ما تقول يا ابن أبي طالب بالله لئن شجعتني عليه لأفعلنّ؟
فقال علي: اتجعله فينا، وصاحبه رجل يأتي في آخر الزمان(1)فاقتنع عمر بضرورة عدم التصرف بحلي الكعبة.
4 - بعث أبو عبيدة بن الجراح وبرة بن رومان الكلبي إلى عمر بن الخطاب: أن الناس قد تتابعوا في شرب الخمر بالشام، وقد ضربت أربعين، ولا اراها تغني عنهم شيئاً، فاستشار عمر الناس.. .
فقال علي(علیه السّلام) : ارى أن تجعلها بمنزلة حد الفِرية «ثمانون جلدة»..
أن الرجل إذا شرب هذى، وإذا هذي، افترى. فجلدها عمر
بالمدينة، وكتب إلى أبي عبيدة.. فجلدها بالشام (2).
5 - وقد ورد أن عمر بن الخطاب رأى ليلة رجلاً وامرأة على فاحشة، فلما اصبح قال للناس: أرأيتم أن إماماً رأى رجلاً وامرأة على فاحشة. فأقام عليها الحد ما کنتم فاعلين؟
قالوا: إنما أنت إمام.
فقال علي بن أبي طالب: «ليس ذلك لك، إذن يقام عليك الحد، ان الله لم يأمن على هذا الأمر اقل من أربعة شهداء» ثم أن عمر ترك الناس
ما شاء الله، ثم سألهم: فقال القوم مثل مقالتهم الأولى.. وقال علي (علیه السّلام) مثل مقالته.
فأخذ عمر بقول الإمام (1).
6۔ عن ابن سیرین أن عمر بن الخطاب سأل الناس قائلاً: کم يتزوج المملوك؟ وقال لعلي: إياك أعني يا صاحب المعافري درداء كان
عليه -
فقال الإمام (علیه السّلام) اثنتين(2).
7- بعد أن فتح المسلمون الشام جمع أبو عبيدة بن الجراح المسلمين واستشارهم بالمسير إلى بيت المقدس أو إلى قيسارية، فقال له معاذ بن جبل: اكتب إلى أمير المؤمنين عمر، فحيث أمرك فامتثله، فكتب ابن الجراح إلى عمر بالأمر، فلما قرأ الكتاب، استشار المسلمين بالأمر.
فقال (علیه السّلام) : مُر صاحبك ينزل بجيوش المسلمين إلى بيت المقدس، فاذا فتح الله بیت المقدس، صرف وجهه إلى قيسارية، فانها تفتح بعدها ان شاء الله تعالى، كذا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال عمر: صدق المصطفى صلى الله عليه (وآله) وسلم، وصدقت
أنت يا أبا الحسن.. ثمَّ كتب إلى أبي عبيدة بالذي أشار به علي(علیه السّلام)(3).
8- بعد انتصار المسلمين على الفرس في خلافة عمر، شاور ابن الخطاب أصحاب رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في سواد الكوفة..
فقال بعضهم: تقسمها بيننا، ثم شاور علياً (علیه السّلام) في الأمر.
فقال: ان قسَّمتَها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء، ولكن تقرها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولمن بعدنا فقال عمر لعلي: وفقك الله... هذا الرأي(1).
9- عن الطبري في تاريخه عن سعيد بن المسيب.
قال: جمع عمر بن الخطاب الناس فسألهم، من أي يوم نكتب
التاريخ؟
فقال علي(علیه السّلام) : من يوم هاجر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وترك أرض الشرك، ففعله عمر (2)، وهكذا وجد التاريخ الهجري ليؤرخ به المسلمون.
هذه بعض ملامح دور الإمام علي (علیه السّلام) الرسالي في خلافة عمر بن الخطاب.
1- تزوج شیخ کبیر بكراً فحملت، فادعى الرجل أنه لم يصل
اليها، فسأل عثمان المرأة: هل افتضك الشيخ؟
قالت: لا فأمر باقامة الحد عليها.
فقال الإمام علي(علیه السّلام) : أن للمرأة سمين: سم الحيض وسم البول، فلعل الشيخ كان ينال منها، فسال ماؤه في سم الحيض، فحملت منه، فقال الرجل: قد كنت انزل الماء في قبلها من غير وصول اليها بالافتضاض.
فقال الإمام علي (علیه السّلام): الحمل له، والولدله، وأرى عقوبته على الانكار له(1).
2- عن موطأ مالك بن أنس عن بعجة بن بدر الجهني: أنه أتي - عثمان - بامرأة قد ولدت لستة أشهر، فهمَّ برجمها، فقال على (علیه السّلام): أن خاصمتك بكتاب الله خصمتك، أن الله تعالى يقول: «وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ثم قال: «والوالدات يرضعن أولادهنحولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة». .
فحولان مدة الرضاعة وستة اشهر مدة الحمل.
فقال عثمان: ردوها(2).
هذه أمثلة يسيرة مما كان ينهض الإمام علي (علیه السّلام) به من مسؤوليات عظيمة في عهد الخلفاء، وكان دافعه في ذلك الاخلاص للرسالة وحفظ الوحدة الإسلامية وحماية المسيرة الإسلامية من الانحراف، والزيف.
ولقد تنبه الخليفة الثاني إلى أهمية ما يقوم به أمير المؤمنين (علیه السّلام) في
هذا المضمار، فصرح مراراً مشيداً بذلك الفضل، ومنوهاً بأهميته في مسيرة الخلافة، ودنيا المسلمين كقوله: «أعوذ بالله أن أعيش في قوم الست فيهم يا أبا الحسن» (1)وغير ذلك.
1) الدر المنثور للسيوطي ج 3 ص 144 وسيرة عمر لابن الجوزي ص 106 والفتوحات الإسلامية لدحلان ج 2 ص 486 و غيرها، نقلاً عن علي والخلفاء للشيخ نجم الدين العسكري ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 2 والغدير ج 6 و ج 7، وعجائب أحكام أمير المؤمنين للمفسر الجليل محمد بن ابراهيم القمي.
في هذا الفصل من دراستنا لحياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، ينصب البحث على دراسة أدق المراحل التي عاشها الإمام (علیه السّلام)، بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
وهي مرحلة اضطلاعه، بمسؤولية القيادة المباشرة للأمة
الإسلامية، في جميع شؤونها الحياتية.
فقد اتسمت هذه المرحلة بأحداث غاية في الأهمية، على الصعيدالفكري، والاجتماعي، والسياسي، -كما سنری -
والتاريخ الإسلامي، قد شهد عبر السنوات الخمسة التي قضاها
علي (علیه السّلام) حاكماً للمسلمين، لونين من الأحداث:
أحدهما: يتعلق بما سجله الإمام (علیه السّلام) على صفحات التاريخ الإنساني - عملياً - من القيم الرفيعة، التي اتسمت بها سياسته الفاضلة، التي تبناها من أجل وضع حدود الله تعالى، وشريعته العظيمة، موضع التنفيذ، كاملة لانقص فيها، ولا تحايل عليها، ولا تفريط، ولا أنصاف حلول، وعلى شتى الأصعدة الحياتية.
وثانيها: ما يتعلق بردود الفعل السياسية الآثمة التي قام بها بعض الناس والتي سجلها التاريخ الإسلامي.
وفي هذه الدراسة التي بين يديك - أيها القارىء العزيز - ستقرأ شطرأ من سيرة أمير المؤمنين(علیه السّلام) ، وهو يعيد لجهاز الدولة مسؤولياته الحقيقية، في حماية رسالة الله تعالى، واقامة حدودها في الحياة، والعمل كل ما من شأنه لتوفير السعادة للإنسان، وبناء شخصيته وتحصينها..
وتقرأ عن علي (علیه السّلام) كذلك، دوره في التصدي، سواء للذين نكثوا أو مرقوا أو قسطوا.. .
ومن خلال هذا الشطر من حياة الإمام أمير المؤمنين(علیه السّلام) ، ستقرأ شواهد من منهاج عدالته الاجتماعية، التي جسدها في الواقع الاجتماعي، ومواقفهالإنسانية وشدة تمسكه بشريعة الله تبارك وتعالى، ومنهاجه خصوصاً في اقامة الحق ودرء الظلم عن الناس.
والأمر الذي نسأل الله تعالى أن يوفق أمتنا الإسلامية للأخذ به، في حياتها العملية، هو الالتزام الكامل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، كما جسدهما واقعاً وعملاً أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ا(علیه السّلام) إمام الهدى، ومنار الخير والبركة في أمة محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان من قبل الجماهير الثائرة أجمعت الأمة على بيعة الإمام علي (علیه السّلام) خليفة لها، وقد اجتاحت النفوس موجة من العاطفة نحوه، ولكنه رد الأمة بقوله: «.. دعوني والتمسوا غيري.»(1).
ان علياً أبى أن يكون أسيراً للعاطفة والعقل الجمعي، فلعل نقمة الناس على عثان هي التي أججت نحوه العاطفة وشدت اليه التيار، وهو يريد من الأمة اقراراً ارادياً لإمامته، وقيادته.
ثم إن علياً ليس ممن تغريه المناصب و تستهوية الكراسي حتى يستجيب فور اقبال الناس عليه، فأن الأمرة كلها لا تساوي لديه جناح بعوضة. بل الدنيا كلها عنده كعفطة عنز - على حد تعبير له - والقيادة لا تساوي عنده شيئاً مذكوراً، أن لم يقم من خلالها الحق ويبطل الباطل، بدعم من الأمة، واقرار.
1) نهج البلاغة ص 136، تبويب الدكتور صبحي الصالح.
ولهذا لم يستجب لضغط الجمهور في باديء الأمر، حتى وضعهم أمام اختبار ليتأكد من مدى قدرة الناس على تلقي مناهجه الأصلاحية الكبرى، والاستجابة لخططه إذا تسلم زمام الأمر.
فبالرغم من أن العاصمة المقدسة «المدينة المنورة» قد أصرت علىاختياره وتوجهت إليه على شكل تظاهرات جماهيرية حقيقية وتجمعات مكثفة حتى صارت المطالبة بقيادته اجماعية لاجماعية، فانه (علیه السّلام) بق عند موقفه المتريث، بيد أن اصرار الأمة على بيعته جعلته يطرح عليها شروطه لقبول الخلافة، فان بايعته الأمة وفقاً لما يملى من شروط استجاب هو لمطلبها في استخلافه ليكون أقدر على النهوض بمشاريع اصلاح الواقع المرير الذي آلت إليه مسيرة الأمة عموماً..
وحين اذاع بيانه المتضمن لشروطه «. واعلموا أني أن أجبتكم ركبتُ بكم ما أعلم، ولم أصغِ إلى قول القائل وعتب العاتب.(1)
سارعت الأمة مذعنة لشروطه، ومدت يد البيعة على الطاعة اليه، فلبي مطلبها ليواجه مسؤولياته القيادية في الأمة الإسلامية على الصعيد الفكري والعملي.. حيث توفرت لديه الشروط الواقعية للنهوض بتكليفه الشرعي.
وقد كانت من أولى مهامه (علیه السّلام) أن يزيل صور الانحراف التي طرأت على الحياة الإسلامية، وأن يعود بالأمة إلى أصالة المنهج الإلهي الذي بشر به محمد بن عبدالله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
1) المصدر السابق والصفحة ذاتها.
ومن أجل ذلك كان لابد أن يسير وفق منهاج محدد وشامل يلزم ولاته وأجهزة دولته بتطبيقه.. وقد انصبّ منهاج حکومته على مواجهة المشاكل في الميادين الآتية:
لقد حدد الإمام (علیه السّلام) مواصفات ولاة الأمر وموظفي الدولة الذين یرشحهم الإسلام لإدارة شؤون الأمة الإسلامية ببيان أصدره (علیه السّلام) جاء فيه:
«.. أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين: البخيل فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجاني فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة..»(1).
ففي ضوء هذا التحديد الموضوعي لصفات كادر الموظفين الذين يقرهم الإسلام عمد الإمام علي (علیه السّلام) إلى الاستغناء عن خدمات قسم من الولاة الذين كانوا يتولون أقاليم الدولة الإسلامية.. لأنّ علياً (علیه السّلام) لو ساوَمَ - کا یریده بعض المؤرخين - لتعذّر على الأجيال المسلمة التماس الصورة الحقيقية للشريعة التي ابتعث الله بها رسوله العظيم(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
1) نهج البلاغة رقم 131 تبویب صبحي الصالح /نهمته: شهوته الشديدة وحرصه المفرط. الحائف: الجائر، الظالم. الدول المال، والحائف للدول معناه الذي يظلم في توزيع الأموال فيفضل جماعة على أخرى. المقاطع: الحدود التي حددها الله تعالی.
كما تصدى الإمام علي (علیه السّلام) إلى اصلاح الوضع السياسي والاداري كذلك فعل بالنسبة للوضع الاقتصادي فقد بادر فور تسلمه زمام الأمور مباشرة إلى الغاء طريقة توزيع المال التي اعتمدها الخلفاء السابقون، والسياسة الاقتصادية المطبقة قبل عهده.
فقد استدل الإمام طريقة التمييز في العطاء بطريقة المساواة في التوزيع التي مارسها رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم).
فألغى الإمام (علیه السّلام) كل أشكال التمييز في توزيع المال على الناس، مؤكداً أن التقوى والسابقية في الإسلام والجهاد، والصحبة للرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أمور لا تمنح أصحابها مراتب أو مميزات في الدنيا، وانما لتلك المزايا
ثوابها عند الله في الآخرة، ومن كان له قدم في ذلك، فالله تعالى يتولى جزاءه، أما في هذه الدنيا فان الناس سواسية في الحقوق المالية وأمام القضاء الإسلامي وفي الواجبات والتكاليف.
وقد تضمن بيانه التالي هذه الأفكار الجليلة العادلة: «ألا وأیّما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله یری أن الفضل له على سواه لصحبته فإن الفضل النيّر غداً عند الله وثوابه وأجره على الله..
وأیما رجل استجاب الله وللرسول فصدق ملّتنا ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده. فأنتم عباد الله، والمال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين عند الله غداً أحسن الجزاء وأفضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجراً
ولا ثواباً، وما عند الله خير للأبرار..»(1).
وهكذا جد الإمام (علیه السّلام) مفهوم التسوية في العطاء بين جميع الناس الذين يتمتعون بحق المواطنة الإسلامية دون تمييز بينهم او تفضيل لأي سبب من الأسباب.
هذه هي بعض ملاح الخطة الاصلاحية التي قاد الإمام علي (علیه السّلام) عملية تنفيدها في شتى مرافق الحياة الإسلامية، في المال والحكم والادارة وسواها من شؤون..
1) نهج البلاغة: شرح الشيخ محمد عبده: ج 1 ص 269.
منهاج الاصلاح(1)
وضع الإمام (علیه السّلام) خطته الإصلاحية الشاملة، فأنصبَّ جلُّ
آهتامه (علیه السّلام) على اصلاح شؤون الإدارة والاقتصاد والحكم كما قدمنا.
ومن خلال ذلك الانقلاب الإصلاحي الكبير حظيت الأمة عبر مسيرتها الجديدة التي اختطها لها أمير المؤمنين(علیه السّلام) ، بمعطيات جمة ذات مردودات عظيمة لصالح الأمة والمسيرة بشكل عام، نذكر منها ما يلي:
أولاً - استعانة الإمام (علیه السّلام) بجهاز من الولاة والموظفين الإدارة دفةالحياة الإسلامية يعدّ أغلب أفراده نموذجاً رائعاً في مستواهم الروحي والفكري والالتزامي: كعثمان بن حنيف، ومحمد بن أبي بكر، ومالك الأشتر وسواهم.
على أن تلك النماذج الخيرة من الرجال، وان كانوا في مستوى لائق في الفكر والعمل والقدرة الادارية والقيادية، إلا أن الإمام (علیه السّلام) قد زودهم بخطط هادية ومناهج راشدة، يهتدون بها في حياتهم العملية،
1) من أجل التفاصيل تراجع وثيقة رقم (7) في الملحق .
وفي علاقاتهم مع مختلف قطاعات الأمة التي يباشرون قيادتها.
فهو يلزم ولاته بالنصح لعباده الله، واشاعة العدل بينهم ومعاملتهم باللين والحب، والتجاوز عن كل مظاهر الاستعلاء التي يغري بها المنصب غالباً والحيلولة دون تأثير ذوي النفوذ الاجتماعي والمصالح الشخصية في مسيرة العدالة الإسلامية على حساب القطاعات الاجتماعية الأخرى، ونحو ذلك من مستلزمات اشاعة العدل وإقامة الحق والمعروف بين الناس.
وهذه نماذج من خططه في هذا المضمار:
«.. فاخفض لهم جناحك وأين لهم جانبك وأبسط لهم وجهك وآسِ بينهم في اللحظة والنظرة، حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم، ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم، فإن الله تعالى يسألكم معشر عباده عن الصغيرة عن أعمالكم والكبيرة، والظاهرة والمستورة، فان يعذب فأنتم أظلم، وأن يعف فهو أكرم..»(1).
«سعِ الناس بوجهك ومجلسك و حكمك، وإياك والغضب فإنه طَيَرة من الشيطان، واعلم أن ما قربك من الله يباعدك من النار، وما يباعدك من الله يقربك من النار» (2).
هذه صورة من توجيهات الإمام (علیه السّلام) التي ألزم ولاته بالعمل على ضوئها في برامجهم العملية اليومية.
ومن نافلة القول أن نشير إلى أن الإمام (علیه السّلام) بالرغم من اهتمامه بانتقاء العناصر الكفوءة والورعة فإنه كان يحرص على الإحاطة بأساليبهم في معاملة الأمة من خلال مراكزهم القيادية باستعانته بجهاز من الرقباء والعيون ليرى مدى طاعة الولاة وتنفيذهم لقواعد العدالة الإسلامية، فإذا بدا من أحدهم خطأ أو تقصير، بادر الإمام إلى تقويم سلوکه بالوسائل التربوية تارة وبالتهديد أو بالعزل إذا لزم الأمر، وهذه نماذج من وسائله تلك:
فقد بلغه أن عثمان بن حنیف (رض) واليه على البصرة دعاه بعض شخصيات أهل البصرة إلى مأدبة، فخشي الإمام (علیه السّلام) أن تستميله تلك الوسائل أو سواها فينحرف عن خط العدالة الإسلامية المرسوم فیمیل في أحكامه أو يجور في قضائه ومعاملته للأمة، فكتب إليه كتاباً جاء فيه:
«أما بعد، یا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم، عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما أشتبه عليك علمه، فالفِظهُ وما أيقنت بطيب وجوهه، فنل منه..
ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به، ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطرميه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وانكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد..»(1).
وقد كتب إلى مصقلة الشيباني عامله على (اردشير خّرة) مهدداً ومتوعداً «بلغني عنك أمرُ إن كنتَ فعلته، فقد أسخطت إلهك وعصيتَ إمامك: إنك تقسم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم، وأريقت علیه دماؤهم، فيمن اعتاك من أعراب قومك، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لئن كان ذلك حقاً لتجدن لك علىّ هواناً، ولتخفّنَّ عندي ميزاناً، فلا تستهن بحق ربك، ولا تصلح دنياك محق دينك، فتكون من الأخسرين أعمالاً»(2).
1) نهج البلاغة تبويب د. صبحي الصالح ص 416. مأدبة طعام: طعام دعوة أو عرس يستطاب لك: يطلب لك طيبها. الألوان: أصناف الطعام. الجفان: جمع جفنة وهي القصعة. العائل: المحتاج. المجفو: مطرود من (الجفاء). قضم: أكل بطرف أسنانه. المقضم: المأكل. ألفِظه: اطرحه، لا تأكله. الطمر: الثوب البالي طعمه: ما يطعمه ويفطر عليه. قرص: رغيف خبز. السداد: الاحتراز من الخطأ.
2) المرجع السابق: ص 415. اعتامك:اختارك وأصله أخذ العيمة وهي خيار المال .
وكتب إلى أحد عماله يقول: «أما بعد فقد بلغني عنك أمر، إن کنت فعلته فقد أسخطت ربك، وعصيت إمامك، وأخزيت أمانتك، بلغني أنك جردت الأرض فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما تحت يديك، فارفع إلىَّ حسابك، واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس..»(1).
وكما كان الإمام (علیه السّلام) يخطط للولاة ويزودهم بنصائحه الهادية، كان يرسم الخطط كذلك لقيادة جيوشه، ويوضح لهم معالم الطريق، وما ينبغي عليهم فعله عند مواجهة العدو، قبل الحرب، واثناءها، وبعدها.
فكان (علیه السّلام) ينهاهم عن البغي، ويأمرهم بعدم إثارة الحرب من جانبهم، وانما ينبغي التسلح بالصبر وضبط النفس، وأن يكونوا في بداية المواجهة كما لو كانوا مدافعين فحسب، فإذا اعتدي عليهم فقد قامت الحجة لصد العدوان، فإذا قدّر لهم وانتصروا على عدوهم فلا يباح أن تحملهم نشوة الظفر على عدوهم إلى ملاحقة جنوده الهاربين من القتال، أو الذي لا يملك منهم سلاحاً يدافع به عن نفسه، كما لا يجوز قتل الجرحى، أو الاساءة إلى النساء، وإن بدأن الاساءة بسب أو شتم أو نحوه وهذه بعض وصاياه (علیه السّلام) لجيوشه:
«.. لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم فانكم بحمد الله على حجّة وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم عليهم، فإذا كانت الهزيمة بإذن الله، فلا تقتلوا مدبراً ولا تصيبوا معوراً (2)ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء
بأذى، وإن شتمن أعراضكم وسببنَ أمراءكم»(1).
«.. الا وإن لكم عندي ألا أحتجز دونكم سراً إلّا في حرب، ولا أطوي دونكم أمراً إلّا في حكم، ولا أؤخر لكم حقاً عن محله، ولا أقف به دون مقطعه، وأن تكونوا عندي في الحق سواء، فإذا فعلت ذلك وجبت الله عليكم النعمة ولي عليكم الطاعة، وألا تنكصوا عن دعوة ولا تفرطوا في صلاح وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق..»(2).
وبالنظر للأهمية البالغة التي يحتلها جهاز جباية الأموال في الدولة الإسلامية حيث تشكل الحقوق العامة في ملكية الأفراد عنصراً هاماً من عناصر الاقتصاد الإسلامي، فإن حق الجماعة في الملكيات الخاصة يوفر ضمانة كبرى لمساعدة الدولة الأسلامية على تغطية نفقاتها الكبرى على الصعيدالاجتماعي والعسكري وغيرهما من جوانب الحياة العامة..
أقول: بالنظر لأهمية جهاز الجباية هذا فقد أولاه الإمام (علیه السّلام) عناية فائقة لا من أجل أن يجمع أكبر نصيب من المال أبداً، وإنا من أجل أن ينخرط -ذلك الجهاز - في مسيرة العدالة الإسلامية المثلى التي جسدها الإمام (علیه السّلام) في حياة الناس..
فكان الإمام حريصاً على أن يلتزم موظفو ذلك الجهاز بأقصى درجات العدل والفضيلة والنبل، والشعور بالمسؤولية فليست مهمتهم في نظر الإمام (علیه السّلام) أن يجمعوا المال من أجل المال، وإنما ينبغي عليهم أن يلتزموا الحق في تعاملهم مع الأمة وأن يعكسوا عدالة الإسلام لمن يلتقون بهم من الناس، فلا ينبغي أن يغضبوا
أحداً من الناس، ولا يسيؤوا معاملة أحد، ولا يضربوا إنساناً من أجل دِرهَم مثلاً، ولا يجوز أن يعتدوا على مال امرئ من المسلمين أو من غيرهم ممن يتمتع بحق التابعية للدولة الإسلامية.
كما لا يجوز أبداً أن يبيعوا كسوة إنسان أو دابته من أجل استيفاء
ضريبة، ولا يحق لأحد الجباة أن يرهب أحداً أو يستوفي أكثر من حق الله في ماله، ولا ينبغي أن يستعلي على الناس أو يبخل عليهم بالتحية أو اللطف والمرونة في معاملتهم إلى غير ذلك من وصاياه(علیه السّلام) .
وهذه صور من مناهجه في هذا المضمار:
«.. فإنكم خزان الرعية ووكلاء الأمة، وسفراء الأئمة ولا تحسموا أحداً عن حاجته ولا تحبسوه عن طلبته، ولا تبيع للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون عليها ولا عبداً، ولا تضربنّ أحداً سوطاً لمكان درهم ولا تمسنَّ مال أحدٍ من الناس مصلٍّ ولا معاهد..»(1).
«..انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروعنَّ مسلماً ولا تجتازن علیه کارهاً، ولا تأخذنَّ منه أكثر من حق الله في ماله، فإذا قدمت على الحي فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم أمضِ إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم، ولا تخدج (2)بالتحية لهم. ثم تقول: عباد الله، أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم،
فهل الله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه..؟»(1).
ثانياً: تجسيد المخطط الأسلامي للعدالة الاجتماعية بأجلى صوره وأدق تفصيلاته.
إذا كانت جوانب الجهاز الحكومي كلها في الدولة الإسلامية قد تناولتها يد الإصلاح، فحققت أرقي النماذج التي يصبو إليها الإنسان، فإن الإمام (علیه السّلام) قدخطا في سبيل تحقيق أفضل صورة للعدالة الاجتماعية وفقاً للتصورات الإسلامية التفصيلية خطوات رائعة.
فقد شهد المجتمع الإسلامي بجميع قطاعاته وقواه عدالة رائدة
كالتي شهدها ایام رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في منطلقاتها وأبعادها.
وفيما يلي شواهد من تلك التجربة التاريخية المشعة التي تفيأت
الأمة ظلاها:
فقد شهدت قطاعات الأمة جميعاً صوراً من التعاهد لأمرها والرفق بها ورعاية شؤونها، والتسوية في العطاء بين جميع حملة التابعية للدولة الإسلامية التي تجسدها هذه النصوص: «المال مال الله يقسم بینکم بالسوية لا فضل لأحد على أحد».
«وأيمُ الله لأنصفنَّ المظلوم من ظالمه، ولأقودنَّ الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وان كان کارهاً (2).
أقول إلى جانب هذا وذاك، شهدت الأمة التي قادها أميرالمؤمنين (علیه السّلام) بمختلف قطاعاتها من ألوان التدبير لشؤونها، والرعاية لأمورها، والحدب عليها ما حقق لها القوة والسعادة وهذه صورة منها:
عن الحَكَم قال:
شهدت علياً، وأتي له بزقاق من عسل، فدعا اليتامى وقال: ذوقوا، والعقوا، حتى تمنيتُ أني يتيم، فقسمه بين الناس وبقي منه زق، فأمر أن یُسقاه أهل المسجد(1).
وعن هارون بن عنترة عن زاذان قال: انطلقت مع قنبر غلام
على (علیه السّلام) فإذا هو يقول: قم یا أمیرالمؤمنين فقد خبأت لك خبيئاً.
قال(علیه السّلام) : وما هو، ويحك!!
قال: قم معي..
فقام فانطلق به إلى بيته، وإذا بغرارة مملوءة من جامات ذهباً وفضة، فقال: يا أمير المؤمنين، رأيتك لا تترك شيئاً إلّا قسّمته فادخرت لك هذا من بيت المال.
فقال علي(علیه السّلام) : ويحك يا قنبر، لقد أحببت أن تدخل بيتي ناراً عظيمة ثم سلّ سيفه، وضربها ضربات كثيرة، فانتثرت.. ثم دعا بالناس، فقال: اقسموه بالحصص، ثم قام إلى بيت المال، فقسم ما وجد فيه، ثم رأى في البيت إبرة ومسالاً فقال: ولتقسموا هذا..»(2).
وعن الحَكَم قال: أن علياً قسم فيهم الرمّان حتى أصاب مسجدهم
سبع رمانات، وقال: أيها الناس انه يأتينا أشياء نستكثرها إذا رأيناها، ونستقلها إذا قسمناها، وإنا قد قسمنا كل شيء أتانا.
قال: وأتته صفائح فضة فكسرها، وقسمها بيننا.
وعن علي بن ربيعة قال: جاء ابن التیاح إلى علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فقال: يا أمير المؤمنين امتلأ بیت المال من صفراء وبيضاء.
فقال علي: الله أكبر، ثم قام متوكئاً على يد ابن التياح، فدخل بيت المال وهو يقول:
هذا جناي وخياره فيه
وكل جانٍ يده إلى فيه(1)
ثم نودي في الناس، فأعطی - علي - جميع ما في بيت المال وهو يقول: «يا بيضاء، ويا صفراء، غري غيري». .
حتى لم يبق فيه درهم ولا دينار، ثم أمر بنضحه، فصلى فيه
ركعتين(علیه السّلام) .
وكان لشدة حرص الإمام (علیه السّلام) على الأمة لرفع غائلة الفقر والظلم عنها أنه التزم السير - عبر أيام خلافته علیها - وفقاً للنهج الآتي: «..ولو شئت لاهتديتُ الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمعَ له في القرص، ولا عهدَ له بالشبع. أو أبيتُ مبطاناً، وحولي بطون غرئي، وأكباد حری؟
أأقنع من نفسي بأن يقال هذا: أميرالمؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره
1) مثل يضرب: أراد به الإمام (ع) انه لم يصب شيئاً من مال المسلمين بل وضعه في مواضعه.تذکرة الخواص: سبط ابن الجوزي ص117.
الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟»(1).
ولقد كان الإمام علي (علیه السّلام) حريصاً على تجسيد العدالة الاقتصادية في كافة مرافق الحياة الإنسانية ومن أجل ذلك فقد التزم خطة لمراقبة السوق من ناحية أسعار البيع والشراء. وطبيعة ما يعرض للبيع، للحيلولة دون التطفيف في المكاييل أو التلاعب بالأسعار أو الغش، في السلع والمعروض فعن الإمام الباقر (علیه السّلام) قال: «كان أميرالمؤمنين (علیه السّلام) كل بكرة يطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً، ومعه الدرة على عاتقه، وكان لها طرفان، وكانت تسمى السبيبة، فيقف على سوق سوق فينادي:
« یا معشر التجار قدّموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزينوا بالحلم، وتناهوا عن الكذب، واليمين، وتجافوا عن الظلم، وانصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا و«أوفوا المكيال والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الارض مفسدین» (2).
وعن أبي النوار قال: رأيت علياً (علیه السّلام) وقف على خیاط، فقال له: يا خیاط صلّب الخيط، ودقق الدرز، وقارب الغرز، فاني سمعت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: «يؤتى يوم القيامة بالخياط الخائن وعليه قميص ورداء مما خاطه، وخان فيه، فيفتضح على رؤوس الأشهاد».
ثم قال: «يا خياط إياك والفضلات والسقطات فان صاحب الثوب
أحق بها..»(1).
هكذا جسد الإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) المخطط الإسلامي للعدالة الاجتماعية بأدق صورها، وهكذا عامل الأمة بالرفق والحب فعاش آمالها وآلامها حتى قطفت أروع تمرات العدل في تاريخها كما كانت في عهد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) سواء بسواء.
وذلك بالزهد الصادق بكل ما يطمع به الطامعون من مال وملذات وزخرف، فلقد عاش أميرالمؤمنين في بيت متواضع لا يختلف عما يسكنه فقراء الأمة، وكان يأكل الشعير تطحنه، امرأته أو يطحنه بیده سواء في ذلك قبل خلافته، أو بعدها.
وكان يلبس أخشن لباس وابسطه وكان مبدؤه الثابت في هذا
المضمار:
«.. ألا وإن إمامكم قد اكتفي من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه»، «فوالله، ما كنزت من دنیاکم تبراً، ولا ادخرت من غنائها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، ولا حزتُ من ارضها شبراً، ولا أخذت منه كقوت أتانٍ دبرة،وهي في عيني أوهن من عفصة مقرة»(2).
وبمقدورنا
أن نلمس سياسة الإمام (علیه السّلام) هذه مع نفسه من خلال المصادیق التاليه:
عن هارون بن عنترة عن أبيه قال:
دخلت على علي بالخورنق، وهو في فصل شتاء، وعليه خلق
قطيفة.
فقلت: يا أمير المؤمنين أن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال
نصیبة، وأنت تفعل هذا بنفسك!!
فقال (علیه السّلام) والله ما أرزؤكم -أنقصكم - شيئاً، وما هي إلّا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة»(1).
وقد خاطبه عاصم بن زیاد يوماً بقوله: «یا أمیرالمؤمنين هذا أنت
في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك!».
فأجابه علي(علیه السّلام) :
«ويحك اني لست كأنت. ان الله تعالى فرض على أئمة العدل أنيقدروا أنفسهم بضعفة الناس کیلا يتبيغ بالفقير فقره» (2).
وعن سويد بن غفلة قال دخلت على علي (علیه السّلام) يوم وليس في داره
سوی حصير رث وهو جالس عليه.
فقلت: یا أمیرالمؤمنين أنت ملك المسلمين والحاكم عليهم وعلى بیت المال، وتأتيك الوفود وليس في بيتك سوى هذا المصير؟
قال(علیه السّلام) : يا سويد ان البيت لا يتأثث في دار الثقلة وأمامنا دار المُقامة، وقد نقلنا إليها متاعنا، ونحن منقلبون إليها عن قریب(1).
وها هو علي خرج بسيفه ليبيعه في السوق كي يشتري بثمنه ازاراً ، وهو أمير المؤمنين وزعيم الأمة الإسلامية الذي تجبى إليه الأموال من جميع بقاع العالم الإسلامي.
فعن أبي رجاء قال: أخرج علي (علیه السّلام) سيفاً إلى السوق فقال: «من يشتري مني هذا؟ فوالذي نفس علي بيده لو كان عندي ثمن إزار ما بعته»!!!
فقلت له: أنا أبيعك ازار وأنسوؤك ثمنه إلى عطائك، فدفعت إليه
ازارة إلى عطائه، فلما قبض عطاءه دفع إلي من الإزار (2).
ثمَّ ان علياً (علیه السّلام) ألزم نفسه أن لا ينال من حق الناس شيئاً، وان قدر له الخروج من بلدهم، فلا يخرج إلا بالذي جاء به من المدينة المنورة: راحلته ورحله وغلامه.
فعن بكر بن عيسى قال: كان علي (علیه السّلام) يقول: «يا أهل الكوفة، اذا أنا خرجت من عندكم بغير راحلتي، ورحلي وغلامي فلان، فأنا
خائن».
فكانت نفقته تأتيه من غلته بالمدينة بينبع، وكان يطعم الناس منها الخبز واللحم، ويأكل هو الثريد بالزيت.
ولشدة حرصه (علیه السّلام) على سلوك سبیل رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في عدله وزهده اشار عقبة بن علقمة قال دخلت على علي (علیه السّلام) فإذا بين يديه لبن حامض، آذتني حموضته، وكسر يابس.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أتأكل مثل هذا؟ فقال لي: يا أبا الجنوب، كان رسول الله يأكل ایبس من هذا، ويلبس أخشن من هذا، وأشار إلى ثيابه، فان أنا لم آخذ بما أخذ به خفتُ ألّا ألحق به(1).
ولعظيم إيثاره للأمة على نفسه ما رواه عبد الله بن الحسين بن الحسن (علیه السّلام) قال: أعتق علي (علیه السّلام) في حياة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ألف مملوك مما عملت يداه، وعرق جبينه.
ولقد ولي الخلافة، وأتته الأموال فما كان حلواه إلا التمر ولا ثيابه
إلا الكرابيس (2).
وعن سفيان الثوري عن عمر بن قيس قال: رؤي على علي (علیه السّلام) إزار مرقوع، فعوتب في ذلك، فقال: «يخشع له القلب، ويقتدي به المؤمن»(3).
ولقد بلغ في شدة زهده (علیه السّلام) ونكرانه لذاته ابتغاء لوجه الله تعالى ما يتجلى عبر عبارته التالية: «..والله لقد رقعتُ مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قيل لي: ألا تستبدل بها غيرها؟ فقلت للقائل: «ويحك أعزب، فعند الصباح يحمد القوم السرى»(1).
هذه بعض بنود منهاج علي (علیه السّلام) مع نفسه وهي تمثل احدى روافد العدالة الإسلامية التي جسدها الإمام (علیه السّلام) في دنيا الناس أسوة برسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
فأين الباحثون عن العدالة والكرامة والخلاص.. عن منهاج
على (علیه السّلام)؟!.
أما منهاج أميرالمؤمنين (علیه السّلام) الذي سلكه في أهل بيته وقرابته فلم يكن بعيداً عن منهاجه مع نفسه إلا من حيث الدرجة، فقد كان مبنياً على أساس مساواتهم بالأمة في الحقوق والواجبات، بل إن الذي يتحملونه من مهام من أجل حماية الرسالة والمسيرة أكثر بكثير مما ينالون من حقوق...
كان الإمام (علیه السّلام) حريصاً على معاملة ذويه في مسألة الحقوق کا لو كانوا من عامة الناس، فلا يفضلهم بعطاء، ولا يميزهم بحق على أحد، فلقد سلك معهم أسلوب التدريب والاعداد للعمل بمنهاجه معهم، بل
1) المرجع السابق: ص125. المدرعة: ثوب صوفي غليظ.
كان يبدو شديداً مع بعضهم من أجل أن ينتهج الخط الذي رسمه الإمام (علیه السّلام) لمتعلقيه وأهل قرابته.
وهاك صوراً من منهاجه ذلك:
قال مسلم صاحب الحنا:
«لما فرغ علي (علیه السّلام) من أهل الجمل أتى الكوفة ودخل بيت المال، ثم قال: یا مال غرّ غيري، ثم قسمه بيننا، ثم جاءت ابنة للحسن أو للحسين (علیه السّلام) فتناولت منه شيئاً، فسعى وراءها ففك يدها ونزعه منها، فقلنا: يا أمير المؤمنين أن لها فيه حقاً، قال(علیه السّلام) : إذا أخذ أبوها حقه فليعطِها ما شاء»(1).
وروي هارون بن سعيد قال: قال عبدالله بن جعفر بن أبي طالب لعلي(علیه السّلام) : يا أمير المؤمنين، لو أمرت لي بمعونة أو نفقة، فوالله مالي نفقة إلا أن أبيع دابتي!!
فقال الإمام(علیه السّلام) :لا والله ما أجد لك شيئاً إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك.(2).
وقد جاءه أخوه عقیل -وكان ضريراً - يوماً يطلب صاعاً من القمح من بيت مال المسلمين - زيادة على حقه - وظل يكرر طلبه على علي (علیه السّلام) فما كان من الإمام أمير المؤمنين إلا وأحمي له حديدة على النار وأدناها منه، ففزع منها عقيل. ثم وعظه: «يا عقيل أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبِه وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه، أتئن من
الأذى ولا أثن من لظى..»(1).
وعن أبي صادق عن علي(علیه السّلام) : أنه تزوج ليلى، فجعلت له حجلة، فهتكها، وقال:
حسب آل علي ما هم فيه(2).
وعن الحسن بن صالح بن حي قال:
بلغني أن علياً (علیه السّلام) تزوج امرأة فنجدت - زینت - له بيتاً، فأبى أن يدخله (3).
وعن كلاب بن علي العامري قال:
زفت عمتي إلى علي (علیه السّلام) على حمار بأكاف تحتها قطيفة، وخلفها قفة معلقة !!(4).
هكذا كان منهاج علي لا مع أهل بيته وذوي قرابته لا يفرط من أجلهم بحق من حقوق المسلمين، بل يعمل كل ما من شأنه على رفع مستواهم باتجاه مبادئه في الزهد، ونكران الذات في سبيل الله تعالى، ولصالح مجموع الأمة.
ولقد كان منهجه واضحاً كل الوضوح لا لبس فيه ولا غموض ولا يخضع لعاطفة أو مساومة أبداً .. والله لئن أبيت على حسك السعدان
1) بحار الأنوار: ج 40 باب 98 و مناقب آل أبي طالب: ج 1 في المسابقة بالزهد.
2) بحار الأنوار: ج 40 باب 98 و مناقب آل أبي طالب: ج1 في المسابقة بالزهد. حجلة: ستر يضرب للعروس في الليل.
3) بحار الأنوار: د 40 باب 98 و مناقب آل أبي طالب: ج1 في المسابقة بالزهد.
4) نفس المصدر السابق. أكاف: كساء يوضع على ظهر الدابة، القفة: أناء من خوص النخل.
مسهداً أو أجر في الأغلال مصفدأ أحب إليَّ من أن القى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام. وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها..»(1).
وهذا السبيل الذي اختاره الإمام (علیه السّلام) إنما يمثل أعلى مصاديق العدل الاجتماعي الشامل الذي حرص أميرالمؤمنين (علیه السّلام) على تجسيده واقعاً حياً في دنيا الناس.
1) نهج البلاغة: رقم النص 224.
وبسبب ما ألفه رجالات قریش من آثرة وامتیازات لا حصر لها طوال ربع قرن من الزمان فقد كبر عليهم أن ينهج الإمام علي (علیه السّلام) نهج التسوية في الحقوق - كما أمر الله سبحانه -
فقد أنكر الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله على الإمام (علیه السّلام) سیاسته تلك واعتبراها مخالفة للنهج الذي ألفه الناس.
فقال لهما الإمام(علیه السّلام) : ما الذي كرهتا من أمري حتى رأيتها خلافي؟.
قالا: إنك جعلت حقنا في القَسم كحق غيرنا، وسويت بيننا وبين من لا يماثلنا فيا أفاء الله علينا بأسيافنا ورماحنا وأوجفنا عليه بخيلنا ورجلنا وظهرت عليه دعوتنا، وأخذناه قسراً قهراً من لا يرى الإسلام إلّا كرها(1).
فقال الإمام (علیه السّلام) لها: «لقد نقمتها يسيراً وأرجأتها كثيراً ألا تخبراني أي
1) علي بن أبي طالب: نظرة عصرية جديدة، تأليف د. محمد أحمد خلف الله وعدد من الكتاب، ص 32.
شيء كان لكما فيه حق دفعتكما عنه؟ أم أي قسم استأثرت علیکما به؟ أم أي حق رفعه إلىّ أحد من المسلمين ضعفت عنه أم جهلته، أم أخطأت بابه؟
والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية اربة، ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها فلما أفضت إلي نظرت إلى كتاب الله، وما وضع لنا، وأمرنا بالحكم به، فاتبعته، وما استسنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاقتديته، فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما، ولا رأي غيركها ولا وقع حكم جهلته فاستشيركما واخواني من المسلمين، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما، ولا عن غيركما.
وأما ما ذكرنا من أمر الأسوة - التسوية في العطاء - فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي، ولا وليته هویً مني، بل وجدت أنا وأنتا ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - قد فرغ منه، فلم أحتج إليكما فيما قد فرغ الله من قسمه، وأمضى فيه حكمه، فليس لكما، والله، عندي ولا لغيركما في هذا عتبي، أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق، والهمنا وإياكم الصبر..رحم الله آمریء رأى حقاً فأعان عليه، أو رأي جورة، فردّه، وكان عوناً بالحق على صاحبه..»(1).
وهكذا تختلف المنطلقات والمفاهيم، وينطلق على (علیه السّلام) مما يأمر به الله تعالى ورسوله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بينا تنطلق أصحاب المنافع مما توحي به مصالحها.
وشتان بين منطلق يرمي إلى تحقيق متطلبات الرسالة ومصلحة
1) نهج البلاغة: رقم النص 205، تبویب د. صبحي الصالح، ط 1 بیروت 1967.
مجموع الأمة، ومنطلق مادي لا يرى غير المصلحة الذاتية .
وما أن تناقلت الأنباء أمر إستخلاف الإمام علي (علیه السّلام) ونهوضه بأعباء قيادة الأمة إلّا وفزع معاوية بن أبي سفيان فزعاً شديداً معلناً معارضته.
وفي الأثناء ورد عليه كتاب من ابن العاص يطلعه على حقيقةالموقف في عاصمة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
«من عمرو بن العاص إلى معاوية ابن أبي سفيان: أما بعد، ما کنتَ صانعاً فاصنع، إذ قشرك ابن أبي طالب من كل ما تملكه كما تقشر عن العصا لحاها..»(1).
فرأى أمير المؤمنين (علیه السّلام) أن يكتب لمعاوية كتاباً يستقدمه فيه، إلى المدينه المنورة إلّا أن معاویه لم يستجب للإمام (علیه السّلام) بل ولم يرد على كتابه (2). وبعد مضي ثلاثة شهور على مقتل عثمان، وقيام الإمام علي (علیه السّلام) بالأمر يشهر معاوية سلاح المطالبة بدم عثمان، متخذاً منه ذريعة للخروج على إمام زمانه.
وقد بدأت نشاطاته العدوانيه بنشر ثوب عثمان الدامي في مسجد
دمشق وشعيرات من لحيته، وقد جمد عليها الدم، وراح يستثير أهل الشام للنهوض من أجل عثمان والانتقام ممن قتله، ومن ثم أرسل رسولاً إلى الإمام (علیه السّلام) حتى إذا وصل الرسول إلى المدينة المنورة جعل يسير في دروبها، وهو يحمل صحيفة مختومة مكتوباً عليها من «معاوية إلى علي» وهو عنوان يثير الدهشة لدى الناس فهو خالٍ من كل لياقة وكياسة، كما يشير إلى أن مرسله لا يحمل إلى زعيم المسلمين وامامهم أي شعور بالاحترام والتقدير.
وفض الإمام (علیه السّلام) صحيفة معاوية، فوجدها بيضاء لا حرف فيها فسأل رسول معاوية: ما وراءك؟
قال بعد أن استأمن الإمام(علیه السّلام) : اني تركت ورائي أقواماً يقولون لا نرضى إلّا بالقَود.
قال الإمام (علیه السّلام) : ممن؟
قال: يقولون من خيط رقبة علي، وتركتُ ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان، وهو منصوب لهم قد البسوه منبر مسجد دمشق، وأصابع زوجته نائلة معلقة فيه.
فقال الإمام: أمنّي يطلبون دم عثمان، اللهم أني أبرأ إليك من دم
عثمان..»(1).
ثم أمر الإمام (علیه السّلام) رسول الشام أن يغادر بعد أن منحه الأمان.
ومنذ ذلك التاريخ بادر الإمام (علیه السّلام) بتجهيز جيشه لاخماد حركة
1) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ص 51.
البغاة التي قادها معاوية في الشام تحت لافتة المطالبة بدم عثمان بن عفان!؟
ولنا أن نتساءل قبل أن نمضي في حديثنا قدماً، هل كانت الأطراف في كل من الشام والبصرة صادقة في ادعاء المطالبة بدم الخليفة الثالث وهل كانت حريصة فعلاً على عثمان؟
وللاجابة على هذا السؤال الذي يفرض نفسه على الكاتب والقارئ معاً في هذه المسألة: لابدّ من الرجوع إلى مواقف تلك الأطراف جميعاً أيام الثورة الشعبية التي تمخض عنها مقتل عثمان.
فقد كان معاوية يعلم بتفاصيل ما يجري للخليفة في المدينة، وقد استغاث به الخليفة أيام الحصار فلم يغثه بشيء حتى أرسل معاوية جيشاً إلى المدينة بقيادة يزيد بن أسد القسري وقال له: «إذا أتيت ذا خُشُب - منقطة خارج المدينة - فأقم بها ولا تتجاوزها، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فأنني أنا الشاهد وأنت الغائب»(1).
فأقام القسري بجيشه في المكان الذي حدده معاوية، فلما قتل عثمان استدعى معاوية الجيش وقائده إلى الشام.
هذه بعض مواقف معاوية، من عثمان بن عفان أيام حكمه، ومن هنا فان شعار المطالبة بدم الخليفة القتيل من قبله كان مجرد وسيلة
1) شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد، ج16 ص 154 «شرح کتاب الإمام (ع) إلى معاوية، رقم 37.
لآستدرار العطف وتجميع الأنصار: فدوافعه الحقيقية انما تكمن في نقمته على سياسة علي (علیه السّلام) الاصلاحية والتي كانت تمسّ مصالح بعض طبقات المجتمع بشكل أو بآخر وفي طليعتها الطبقات الأرستقراطية في قريش ؟
وقد أفصح الإمام (علیه السّلام) عن موقفه ازاء مقتل الخليفة عثمان بقوله: «اللهم إني أبرأ من دم عثمان، ما نجا والله قتلة عثمان إلّا أن يشاء الله، فإنه إذا اراد أمراً بلغه»(1).
ويتضح موقف الإمام (علیه السّلام) كذلك من کتاب له إلى معاوية حيث جاء فيه: «وقد أكثرت في قتلة عثمان، فأدخل فيها دخل فيه الناس ثم حاکم القوم إلىّ أحملك وإياهم على كتاب الله، فأما تلك التي تريدها فخدعة..»(2).
ومن الضروري جداً أن نشير ولو بشكل مقتضب إلى موقف
الإمام (علیه السّلام) أيام الأزمة التي تعرضت لها الخلافة في عهد عثمان:
فحين هاج الناس في عهد عثمان بسبب سياساته الأرستقراطيه المجانية لروح الأسلام، وعدالته والمعادية لمصالح الجماهير الواسعة حاول الإمام (علیه السّلام) أن يقنع الخليفة بضرورة الاصلاح، وجرى بينها حديث بهذا الشأن، ومانصح به الإمام (علیه السّلام)الخليفة قوله:
«.وإني أنشدك الله ألا تكون إمام هذه الأمة المقتول فإنه كان يقال: يقتل في هذه الأمة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس
أمورها عليها، ويبث الفتن فيها، فلا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجاً ويرجون فيها مرجاً، فلا تكوننّ لمروان سيّقة يسوقك حيث يشاء بعد جلال السن وتقضي العمر..»(1).
فقال له عنان: «كلّم الناس في أن يؤجلوني حتى أخرج إليهم من مظالمهم»(2).
فقال الإمام (علیه السّلام): «ما كان بالمدينة، فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك إليه»(3).
قال الخليفة: نعم ولكن أجلني فيها بالمدينة ثلاثة أيام.
فخرج الإمام إلى الناس، وأخبرهم بما وعد به الخليفة، وكتب بينهم وبين عثمان کتاباً وأشهد عليه قوماً من وجوه المهاجرين والأنصار (4).
وحيث لم يلتزم عثمان بوعده للأستجابة لمطالب الناس بالأصلاح،
وأبدى تنكراً لما كتبه لهم تأزم الموقف مجدداً...
وقد زاد في حراجة الموقف عثور المصريين الثوار على بريد عثمان إلىعامل مصر يأمره بمعاقبة قادة الثائرين بالقتل (5)ومعاقبة كل متظلم
1) نهج البلاغة: تبويب د. صبحي الصالح ص 235 رقم 164.
2) نهج البلاغة: تبويب د. صبحي الصالح ص 235 رقم 164.
3) نهج البلاغة: تبويب د. صبحي الصالح ص 235 رقم 164.
4) الطبري وابن الأثير وغيرهما «نقلاً عن أحاديث أم المؤمنین عائشة للعلامة السيد مرتضى العسكري ص98».
5) الطبري وأنساب الأشراف والمعارف لابن قيبة وسواهم، «نقلاً عن المصدر السابق ص99»
بالسجن ونحو ذلك..
فحوصر الخليفة من قبل الجماهير والطامعين في الخلافة معاً حتى قطع عنه الماء كا قدمنا ۔ فاستنجد بالإمام علي (علیه السّلام) فاسرع لإنقاذه وارغم طلحة وسواه من الثوار، وأدخل إليه الماء(1).
وبعد أن طال حصار الخليفة - أربعين يوماً . طلب بعض الناس من
علي (علیه السّلام) أن يصلي بهم، فأبي.
فتولى طلحة إمامة الصلاة...!
هذه بعض مواقف الإمام (علیه السّلام) من أجل عثمان... وبالرغم من تلك المواقف النبيلة التي وقفها الإمام (علیه السّلام) من أجل الخليفة فإنه لا يعني بحال أن الإمام كان راضياً عن سياسة الخليفة في المال والادارة (2)على وجه الخصوص .
بيد أن الإمام (علیه السّلام) كان يرى في قتل عثمان خطراً يتهدد الأمة بالنظر لما يعقبه من تمزق في الصف الإسلامي، وتجرؤ من لدن المتربصين بالإسلام والمسلمين.
الأمر الذي وقع فعلاً بعد مقتل الخليفة مباشرة.
على الرغم من أن طلحة والزبير كانا من أشد الناقين على سياسة عثمان ومع أنها سبقا الناس في البيعة للإمام علي (علیه السّلام) بعد قتل عثمان، فان الحركة الإصلاحية التي قادها الإمام (علیه السّلام) في الحياة الإسلامية لم تجد هوى في نفسها فبدءا في العمل للخروج على الإمام (علیه السّلام) واثارة المسلمين عليه، فكانت حصيلة ذلك فتنة كبری كبّدت الأمة خسارة فادحة.
وقد بذل الإمام (علیه السّلام) جهداً كبيراً لتحاشي هذه الفتنة خصوصاً، وقد دخلت عائشة، زوجة الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) طرفاً فيها فلم يأل جداً في بذل النصح لهم وتحميلهم مغبة ما سيكون إذا نشبت الحرب، وهذه نصيحته (علیه السّلام) لهما:
«أما بعد با طلحة، ويا زبير، فقد علمتما أني لم أرد الناس حق أرادوني، ولم أبايعهم حق أكرهوني، وأنتا أول من بادر إلى بيعي، ولم تدخلا في هذا الأمر، بسلطان غالب، ولا لعرض حاضر، وأنت یا زبير، ففارس قریش، وأنت يا طلحة فشيخ المهاجرين، ودفعها هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجکما منه بعد اقرارکما، ألا وهؤلاء بنو عثان هم أولياؤه
المطالبون بدمه، وأنتا رجلان من المهاجرين، وقد أخرجتها أمكما من بيتها الذي أمرها الله تعالى أن تقر فيه، والله حسبكما..»(1).
وفي البصرة استمر الإمام (علیه السّلام) يبذل نصحه من أجل حقن الدماء، فأرسل للناكثين رسولا يدعوهم للصلح ورأب الصدع.. .
كما التقى بالزبير وذكره بأمور جرت لها في عهد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) منها: ما حملك على ما صنعت یا زبير؟
قال: حملني على ذلك الطلب بدم عثمان؟
فقال الإمام: إن أنصفت نفسك، أنت وأصحابك قتلتموه، ولكني أنشدك الله يا زبير أما تذكر، قال لك رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : يا زبير أتحب علياً، فقلت، وما يمنعني من حبه وهو ابن خالي.
فقال لك: أما أنك تخرج عليه وأنت له ظالم!
فقال الزبير: اللهم بلى، قد كان ذلك.
فقال الإمام: «أنشدك الله أتذكر يوم جاء رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) من عند بني عوف، وأنت معه، وهو آخذ بيدك فاستقبلته، فسلمت عليه، فضحك في وجهي، وضحكت إليه. فقلت أنت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لك: مهلاً يا زبير ليس بعلي زهو، ولتخرجن عليه يوماً وأنت ظالم له؟
قال الزبير: اللهم بلى، ولكني قد نسيت ذلك، وبعد أن ذكرتنیه
الأنصرفنَّ»((2).
وقد عزم الزبير على اعتزال الناس، غير أن ابنه عبدالله وصفه
بالجبن ان هو أقدم على ذلك.
وهكذا تفجر الموقف واندلع القتال بين المعسكرين. فكانت حرب الجمل، أو حرب البصرة كما يشاء المؤرخون أن يسموها التي قادها الزبير وطلحة بعد أن أخرجا عائشة معها كواجهة «شرعية» للعدوان.
غير أن الإمام ظل ملتزماً بالصبر والأناة وبما امتاز به من الروح الإنسانية الرفيعة، فها هو يخاطب جيشه - بعد اندلاع القتال، وبعد أن ذهبت كل محاولاته لاصلاح الموقف سدی ۔ ملزماً أصحابه بأرفع الأخلاق التي يريد الله سبحانه من المسلم الالتزام بها في ساحة الحرب «أيها الناس أنشدكم الله أن لا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريج، ولا تستحلوا سبياً، ولا تأخذوا سلاحاً، ولا متاعاً (1). طارحاً بذلك أحكام شريعة الله تعالى في البغاة.
ثم دعا ربه الأعلى سبحانه مستجيراً من الفتنة التي فجرها
الناكثون معلناً براءته منها أمام الله الكبير المتعال.
فبعد أن رفع يديه إلى السماء قال: «اللهم ان طلحة والزبير أعطياني صفقة أيديها طائعين، ثم نصبا اليَّ الحرب ظاهرين، اللّهم، فاكفنيهما بما شئت وكيف شئت..»(2).
وقد أسفرت المعركة عن إنتصار ساحق لمعسكر الإمام (علیه السّلام) فأعلن قرار العفو العام عن جميع المشتركين في حربه.
«ألا لا يجهز على جريح، ولا يتبع مول، ولا يطعن في وجه مدبر، ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه، فهو آمن، ولا يستحلن فرج ولا مال، وانظروا ما حضر به الحرب من آنية فاقبضوه، وما كان سوى ذلك، فهو لورثته، ولا يطلبن عبد خارج من المعسكر، وما كان من دابة أو سلاح فهو الكم، وليس لكم أم ولد - الأمة استولدت ذكراً أو أنثي - والمواريث على فريضة الله، وأي امرأة قتل زوجها، فلتعتذ أربعة أشهر وعشراً.
فقال بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا
نساؤهم؟
فقال(علیه السّلام) : كذلك السيرة في أهل القبلة(1).
بيد أن بعضاً من جيشه كانوا يرغبون الحصول على مغائم أكبر مما
حدده الإمام (علیه السّلام).
فقام إليه رجل قائلاً: يا أمير المؤمنين، والله ما قسمت بالسوية ولا عدلت في الرعية!
قال الإمام(علیه السّلام) : ولم؟ ويحك!!
قال: لأنك قسمت ما في العسكر وتركت الأموال والنساء والذرية!! فقال له الإمام موضحاً فلسفة ذلك الموقف الإنساني الذي التزمه:
یا أخا بکر: انك امرؤ ضعيف الرأي أو ما علمت أنا لا نأخذ الصغير
1) أحاديث أم المؤمنين عائشة: ق 1 ص 181، نقلاً عن اليعقوبي وکنز العمال.
بذنب الكبير، وأن الأموال كانت لهم قبل الفرقة وتزوجوا على رشد، وولدوا على الفطرة، وانا لكم ما حوى عسكرهم، وما كان في دورهم، فهو میراث لذريتهم، فان عدا علينا أحد منهم أخذناه بذنبه، وان كفّ لم نحمل عليه ذنب غيره.
یا أخا بكر: لقد حكمت فيهم بحکم رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في أهل مكة: قسم ما حوى العسكر، ولم يعرض لما سوى ذلك وانما اتبعت أثره..
یا أخا بكر: أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها؟ وأن دار الهجرة
يحرم ما فيها الا بحق..»(1).
هذه بعض مصاديق الموقف الإنساني الفريد الموافق لأمر الله والمطابق لشريعته الغراء الذي التزم به الإمام علي (علیه السّلام) في معاملة المنهزمين من خصومه.. انه موقف لا ترى فيه للعاطفة والاندفاع والتشفي أثراً.. انه موقف جسد فيه الإمام حكم الله تعالى.
وهل غير علي (علیه السّلام) جدير بتجسيد حكم شريعة الله فيها يشجر بين الناس؟
وواصل الإمام (علیه السّلام) خطواته الإنسانية ازاء الناكثين.
وهكذا حسم الموقف لصالح الإمام (علیه السّلام) في فتنة البصرة فتسلح الإمام (علیه السّلام) خلاله وبعده بأنبل المشاعر وأصدقها نحو المغرر بهم محاولاً بذلك رأب الصدع وجمع الشمل واعزاز الأمة.
أما موقف أميرالمؤمنين علي (علیه السّلام) من عائشة التي قادت حرب
1) المصدر السابق: 182 نقلاً عن كنز العمال ومنتخب الكنز.
الجمل، وكانت واجهتها «الشرعية»!! فكان من أنبل المواقف التي شهدتها الإنسانية عبر التاريخ، فقد جهزها بعد هزيمتها بكل ما تحتاج إليه من مركب، وزاد، ومتاع، وشملها بكل رعاية، وحدب، وسيّر معها أخاها محمد بن أبي بكر وأربعين امرأة من فضليات نساء البصرة، وفي يوم رحيلها من البصرة إلى الحجاز شیعها أميرالمؤمنين (علیه السّلام) أميالاً، وسار أبناؤه في موكبها العائد يوماً كاملاً...
هذا ومن الجدير بالذكر أن علياً (علیه السّلام) حين هزم أهل الجمل أمر نفراً من أصحابه أن يحملوا هودج عائشة من بين القتلى، وأمر أخاها محمد بن أبي بكر (رض) أن يضرب عليها قبة حتى لا يراها أحد، وان يتولى هو شأنها... فلما جنّ الليل أدخلها أخوها إلى البصرة، وأنزلها في أشرف دور أهل البصرة على صفية بنت الحرث(1)كل ذلك اكراماً لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وترفع على تجاوزات الخاطئين.. وهكذا عامل أمير المؤمنين (علیه السّلام) عائشة ومن معها بالصفح والرعاية، والنفس المترفع والقلب الواسع الكبير رغم كل ما جرى منها، ومنهم من أخطاء يقل نظيرها في التاريخ.
انها نفس علي (علیه السّلام) التي لا تعرف إلا الحب، والرحمة والتعالي، و تنأى عن العدوان، والتشني بأحد مهما بدر منه عدوان أو سوء أو جهل.
1) انظر هذه الوقائع مفصلة في الكامل في التاريخ: ابن الأثير الجزري: ج 3 ص 254 - 258، ط 1965. دار صادر بیروت.
بعد أن أتمَّ الله تعالى لعلي (علیه السّلام) النصر عاد بجيشه إلى الكوفة، وبعد أن عزز قواته، عزم على التوجه إلى الشام لتصفية الفتنة التي يقودها معاوية بن أبي سفيان هناك..
وسار الإمام (علیه السّلام) على رأس جيشه، غير أن أنباء مسير الإمام (علیه السّلام) نحو الشام قد بلغت البغاة القاسطين هناك، فقرروا ملاقاة الزحف الإسلامي فتلاقي الجيشان في أعالي نهر الفرات..
وبدأ الإمام (علیه السّلام) ببذل مساعيه لاصلاح الموقف بالوسائل السلمية، فأرسل وفداً ثلاثياً إلى معاوية، يدعوه إلى تقوى الله والحفاظ على وحدة الصف والدخول في اجماع الأمة «..اذهبوا إلى هذا الرجل - معاوية - وادعوه إلى الله تعالى، وإلى الطاعة والجماعة، لعل الله تعالى أن يهديه، ويلتئم شمل هذه الأمة»(1).
والتق الوفد بقائد الفتنة، وأبلغوه بنوايا الإمام (علیه السّلام) ووضعوه أمام
1) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ص 7.
الله تعالى وحذروه مغبة ما يقدم عليه، غير أن معاوية أبدی اصراراً، حتى ختم رده على الوفد بهذه الألفاظ المتكبرة المتغطرسة: «انصرفوا عني فليس عندي إلا السيف»(1).
على أن الموقف الأموي ذاك لم يصرف الإمام (علیه السّلام) عن التسلح بالصبر والاناة أبداً، ولم يثر فيه روح التعجيل بالمواجهة الصارمة حقناً للدماء، وحفاظاً على نفوس الأمة...
بيد أن الموقف الإنساني الذي التزمه الإمام (علیه السّلام) لم يزد القوی الباغية إلّا اصراراً، فعملوا من جانبهم على الحيلولة دون حصول جیش الإمام (علیه السّلام) على الماء، حيث سبق أن تحرك فيلق لهم واتخذ مواقعه عند نهر الفرات ليمنع جند الإمام من الماء...
وبالنظر لأهمية الماء في الاستراتيجية العسكرية ولعدم توفر مصدر آخر لجيش الإمام غير الفرات، فان الإمام (علیه السّلام) قد التزم الأناة أيضاً في معالجة الموقف.
فأرسل رسولاً إلى معاوية ليبلغه «أن الذي جئنا له غير الماء، ولو
سبقنا إليه لم نمنعك عنه». .
فرد عليهم معاوية بكلمة لا ترعى الله في دماء المسلمين: «لا والله ولا قطرة حتى تموت ظمأً»!(2)
الأمر الذي اضطر الإمام (علیه السّلام) إلى استعمال العنف في الحصول على
الماء لجيشه، حيث لا بديل للعنف..
وهكذا حرك الإمام (علیه السّلام) فرقة من جيشه لانهاء الحصار المضروب عليهم، فانهزم فيلق معاوية شر هزيمة.. .
وبعد أن صار الماء في نطاق نفوذ جيش الإمام (علیه السّلام) أذن للباغين بالتزود منه متى شاؤوا، مجسداً بذلك بنداً من أخلاق الإسلام العظيمة في هذا المضمار.
فأعظم بعلي من محارب نبيل، وأكرم به من صاحب قلب كبير!!
وحيث أن همّ الإمام (علیه السّلام) أن يحقن دماء المسلمين ويصونهم من التمزق، ويدرأ التصدع عن صفهم، فقد طلب من معاوية أن ينازله إلى میدان القتال فيتقاتلا دون الناس لكي تكون امامة الأمة لمن يغلب «یا معاوية علام يُقتَلُ الناس؟ ابرز اليّ ودع الناس، فيكون الأمر لمن غلب»(1).
إلّا أن معاوية قد رفض خوفاً من بطش الإمام (علیه السّلام) وبسالته.
وبالرغم من أن الجيش الأموي قد بدأ القتال من جانبه، فان الإمام (علیه السّلام) قد التزم بضبط النفس كذلك وحاول أن يحصر القتال في حدود المبارزة المحدودة(2).
ولما لم تلقَ محاولات الإمام (علیه السّلام) لرأب الصدع -الذي أوجده معاوية في صف الأمة - استجابة، تفجر الموقف بجرب واسعة النطاق استمرت أسبوعين دون هوداة.
وقد لاحت تباشير النصر لصالح معسكر الإمام (علیه السّلام) وأوشكت القوى الباغية على الانهزام، فدبروا «خدعة المصاحف» فرفعوا المصاحف على رؤوس الرماح والسيوف.. مما نجم عن تلك الخطة الماكرة تغير جوهري في الموقف العام.
ولقد كان لرفع المصاحف من قبل معسکر معاوية صدیً عميق في معسكر الإمام (علیه السّلام) إذ سرعان ما صارت كثرة كاثرة من جيشه تطالبه بايقاف القتال.. فكثر اللغط بين الصفوف وآثر الآلاف ترك الحرب..
ومع أن الإمام تصدى لكشف خلفيات رفع المصاحف واستعمل كل وسائله الاقناعية في البرهنة على كونها خدعة يراد بها عرقلة تحقيق النصر الذي بات وشيكاً لصالح جيش الإمام (علیه السّلام). إلّا أن المطالبين بايقاف القتال لم يستجيبوا لنداءاته المتكررة في هذا المضمار، ولعل بعضهم استعمل لغة التهديد للإمام (علیه السّلام) ...(1).
واضطروه أن يبعث الاشعث بن قيس إلى معاوية للتعرف على ما يريد من وراء رفعه للمصاحف، فعاد يحمل رغبة معاوية في التحكيم بين الجبهتين.. ثم تلى ذلك، الفصل الثاني من المأساة، فاختارت الغوغاء أبا موسى الأشعري لتمثيل معسكر الإمام (علیه السّلام) بينما اختار معاوية عمرو ابن العاص.
على أن الإمام (علیه السّلام) قد رفض فكرة تمثيل الأشعري لمعسكره باعتبار أن الأشعري كان معتزلاً للإمام (علیه السّلام) ولم يكن يرى في الإمام أهلاً
1) تذکرة الخواص لسبط ابن الجوزي: ص 1. 3.
لتولي الخلافة بعد عثمان (1)- هو وآخرون ممن اعتزلوا الإمام (علیه السّلام) . وكان يخذل الناس عن نصرة الإمام، مما حمل أميرالمؤمنين على عزله من ولاية الكوفة (2).
وقد رجح الإمام (علیه السّلام) أن يكون الممثل لمعسكره في التحكيم عبدالله بن عباس، غير أن الغوغاء أصروا على اختيار أبي موسى الأشعري بالرغم من تأكيد الإمام على ضعفه ووهن رأيه اضافة إلى مرتكزاته الفكرية وموقفه من حكومة الإمام(علیه السّلام) .
وها هو الإمام (علیه السّلام) يخاطب المخدوعين بقوله «قد عصيتموني في أول لأمر - يشير إلى قبول التحكيم وايقاف القتال - فلا تعصوني الآن، لا أرى أن تولوا أبا موسى الحكومة فانه ضعيف عن عمرو ومكائده»(3).
إلا أنهم أصروا على اختيار الأشعري.
ومن هنا فإن الباحث البصير لا يمكن أن يركن إلى الاعتقاد بأن تلك الأمور قد جرت بشكل عفوي أبداً.. فإن سير الأحداث لا يدل على ذلك.. إذ أن رفع المصاحف كان قد جرى بتوقيت وتنسيق بين معاوية وحركة موالية له داخل جيش الإمام (علیه السّلام) لابدّ أن يكون له اتصال معها....
فما أن ارتفعت المصاحف حق استجاب اولئك لايقاف القتال مستفيدين من سأم الناس من الحرب فوسعوا قاعدتهم في صفوف
معسكر الإمام (علیه السّلام) وفرضوا عليه التحكيم، وممثل معسكره في التحكيم فيما بعد...
وهكذا فاني لا أعتقد بحال أن لا تكون حركة التمرد في جيش الإمام (علیه السّلام) بذلك الشكل الذي ذكره المؤرخون لا تعتمد على تخطيط أموي أبداً.. .
وقد جاءت نتائج التحكيم - كما توقع الإمام (علیه السّلام) - لصالح معاوية حيث بدأ الأمر يستتب له شيئاً فشيئاً !!
فان عمرو بن العاص قد دبَّر حيلة لأبي موسى الأشعري مفادها أن يخلع كل منهما ممثله عن الخلافة، ليختارا غيرهما! فانطلت اللعبة على أبي موسى، فخلع الخليفة والإمام الشرعي والمنتخب من الأمة علياً (علیه السّلام) كما يخلع خاتمه من يده!! فما كان من عمرو بن العاص، إلّا وأعلن تثبیت ممثله معاوية كما
يثبت هو خاتمه في يده.
وهكذا ساد الهرج والمرج في صفوف المسلمين وظهرت فرقة
الخوارج في جيش علي (علیه السّلام) بعد هذه الحادثة حيث طالبت برفض التحكيم، وأدانت علياً(علیه السّلام) لموافقته على التحكيم، وايقاف الحرب بينما لم يكن هو صاحب الفكرة - كما رأينا - ولا هو راضٍ عنها ابتداءً، وانا فرضت عليه فرضاً!!
بعد واقعة التحكيم عاد الإمام (علیه السّلام) بجيشه إلى الكوفة... ففوجئ بخروج طائفة من جيشه يبلغ تعدادها أربعة آلاف، معلنة تمردها على الإمام (علیه السّلام) فلم تدخل معه الكوفة.. وانما سلكت سبيلها إلى حروراء، فاتخذت مواقعها هناك..
ومن الجدير بالذكر أن الفئة التي خرجت على الإمام (علیه السّلام) كان أغلبها من الفئات التي أرغمته على التحكيم في حرب صفين (1).
فعند تمرد تلك الفئة وخروجها من جيش الإمام (علیه السّلام) أعلنت مبررات خروجها تحت شعار «لا حكم إلّا لله، لا نرضى بأن تحكم الرجال في دين الله، قد أمضى الله حكمه في معاوية واصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا معنا في حكمنا عليهم، وقد كانت منا خطيئة وزلة حين رضينا بالحكمين، وقد تبنا إلى ربنا، ورجعنا عن ذلك، فارجع - يقصدون الإمام (علیه السّلام) - كما رجعنا، وإلّا
1) يوليوس فلهوزن: الخوارج والشيعة ترجمة عبدالرحمن بدوي: ط 2، 1976 کویت ص 32.
فنحن منك براء(1).
بيد أن الإمام (علیه السّلام) أوضح لهم حينئذ أن الخلق الإسلامي يقتضي الوفاء بالعهد - الهدنة لمدة عام - الذي أبرم بين المعسكرين قائلاً «ويحكم، بعد الرضا والعهد والميثاق أرجع»؟
أوليس الله يقول: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ »(2).
إلا أن هذه الجماعة لم تصغ إلى توجيهات الإمام (علیه السّلام) واستمروا في غيهم، وتعاظم خطرهم بعد انضمام أعداد جديدة لمعسكرهم، وراحوا يعلنون القول بشرك المنتمين إلى معسكر الإمام (علیه السّلام) - بالاضافة للإمام - ورأوا استباحةدمائهم.. وهكذا أسس هؤلاء ثقافة تكفير المسلمين التي لا تزال في بعض اوساط الأمة منذ ذلك التاريخ!
ولقد كان الإمام (علیه السّلام) عازماً على عدم التعرض لهم ابتداءً ليمنحهم فرصة التفكير جدياً بما أقدموا عليه، عسى أن يعودوا إلى الرأي السديد، ولكي يتفرغ كلياً لاستئناف القتال مع البغاة في الشام، بعد فشل التحكيم بعد اللقاء الثاني بين الحكمين، حيث تمت خديعة عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري التي أدت إلى عدم تحقيق التحكيم بشكل المناسب.
غير أنهم بدأوا يشكلون خطرا حقيقاً على دولة الإمام (علیه السّلام) من الداخل. وبداً خطرهم يتعاظم فقتلوا بعض الأبرياء، وهددوا الآمنين،
فقتلوا الصحابي الجليل عبدالله بن خباب وبقروا بطن زوجته وهي حامل مقرب دون مبرر.. وقتلوا نسوة من طي.
فلما بلغ أمرهم أمير المؤمنين (علیه السّلام) ارسل إليهم الحارث بن مرة العبدي، ليتعرف على حقيقة الموقف غير أنهم قتلوه كذلك(1).
فلما علم الإمام (علیه السّلام) بالأمر كرَّ راجعاً من الأنبار - حيث كان قد اتخذها مركزاً لتجميع قواته المتجهة نحو الشام - وعندما اقتربت قواته منهم بذل مساعيه من أجل اصلاح الموقف دون اراقة للدماء، فبعث إليهم أن يرسلوا إليه قتلة المؤمنين عبدالله بن خباب والحارث العبدي وغيرهما وهو يكف عنهم، ولكنهم أجابوه: انهم كلهم قتلوهم..
وبعث الإمام (علیه السّلام) إليهم الصحابي الجليل قیس بن سعد فوعظهم، وحذرهم مغبة موقفهم الأحمق... وأهاب بهم للرجوع عما يرون من جواز سفك دماء المسلمين وتكفيرهم دون وجه حق..(2).
وتابع الإمام (علیه السّلام) موقفه الإنساني الرشید، فأرسل إليهم أبا أيوب الأنصاري (رض) وبعد أن وعظهم، رفع راية ونادی: من جاء هذه الراية - ممن لم يَقتلُ - فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة أو المدائن فهو آمن لا حاجة لنا به بعد أن نصیب قتلة اخواننا(3).
وقد نجحت المحاولة إلى حد كبير حيث تفرقوا شيئاً بعد شيء حتى انخفض عددهم إلى أربعة آلاف إذ كان قد بلغ عددهم اثني عشر ألفاً.
وقد بدأ الباقون منهم العدوان من جانبهم على جيش الإمام (علیه السّلام) فأمر أصحابه بالكف عنهم حتى يبدؤوا بالقتال. فلما بدأ الخوارج القتال، طوقتهم قوات الإمام (علیه السّلام) فأبادت المارقين البلداء، وتحقق الظفر لراية الحق.
وهكذا قضى الإمام (علیه السّلام) في حرب النهروان على حركة الذين سبق الرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أن سماهم المارقين حين أشار إليهم في حديث رواه ابو سعيد الخدري قال: «سمعت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول يخرج في هذه الأمة قوم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»(1).
1) أخرجه البخاري في صحيحه نقلاً عن الفصول المهمة: ص 94 والبلاذي في أنساب الأشراف ج 2، ص 376، عن علي (ع) بلفظ آخر، وخصائص النسائي: ص 71.
أنهى الإمام (علیه السّلام) مقاومة المارقين، فشمر عن ساعديه لاستئناف قتال القاسطين في الشام بعد أن فشل التحكيم عند اللقاء الثاني بين الحكمين.
وقد أمر الإمام (علیه السّلام) بتعبئة جيشه، وأعلن حالة الحرب لتصفية قوى البغي التي يقودها معاوية، وجاء أعلان الحرب من خلال خطبة الأميرالمؤمنين (علیه السّلام) خطبها في الكوفة - عاصمة الدولة الإسلامية - فضمنها دعوته للجهاد.
«...الجهاد، الجهاد عباد الله! ألا واني مُعسِكر في يومي هذا.. فمن أراد الرواح إلى الله، فليخرج!»(1).
ثم بادر الإمام (علیه السّلام) إلى عقد الوية الحرب، فعقد للحسين راية ولأبي أيوب الأنصاري أخرى، ولقيس بن سعد ثالثة.
وبينما كان أميرالمؤمنين يواصل تعبئة قواته من أجل أن ينهي حركة
1) نهج البلاغة: رقم الخطبة 182.
الانفصال التي يقودها معاوية في بلاد الشام كان يجري في الخفاء تخطيط لئيم من أجل اغتيال الإمام (علیه السّلام) !!
فقد كان جماعة من الخصوم قد عقدوا اجتماعاً في مكة المكرمة،
وتداولوا في أمر حركتهم، التي انتهت إلى أوخم العواقب.
فخرجوا بقرارات كان أخطرها قرار اغتيال أميرالمؤمنين (علیه السّلام) وقد أوكل أمر تنفيذه للمجرم الأثيم (عبدالرحمن بن ملجم المرادي)، وفي ساعة من أحرج الساعات التي يمر بها الإسلام والمسيرة الإسلامية، وبينما كانت الأمة تتطلع إلى النصر على عناصر الفرقة التي يقودها معاوية بن أبي سفيان، امتدت يد الأثيم المرادي إلى على(علیه السّلام) فضرب الإمام (علیه السّلام) بسيفه وهو في سجوده عند صلاة الفجر، في مسجد الكوفة الشريف، وذلك في صبيحة اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام 40 هجرية.
لقد اغتيل الإمام (علیه السّلام) وهو في أفضل ساعة حيث يقوم بين يدي الله في صلاة خاشعة.
وفي أشرف الأيام إذ كان يؤدي صوم شهر رمضان.
ثم هو (علیه السّلام) في أعظم تکليف إسلامي حيث كان في طريقه لخوض غار حرب جهادية، كما كان في بقعة من أشرف بقاع الله وأطهرها «مسجد الكوفة». .
فطوبى لعلي وحسن مآب.
ولكن جريمة قتل على (علیه السّلام) تبق أشرس جرية وأكثرها فظاعة ووحشية، لأنها جريمة لم تستهدف رجلاً كباقي الرجال، انما استهدفت
القيادة الإسلامية الراشدة بعد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
واستهدفت كذلك اغتيال الرسالة الألهية، وقيمها العظيمة،
وأهدافها العليا وكلّها تتمثل في شخص على أميرالمؤمنين(علیه السّلام) .
وبهذا خسرت الأمة الإسلامية مسيرة وحضارة وأروع فرصة
وأطهرها في حياتها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.
ولقد بقي الإمام(علیه السّلام) يعاني من علته ثلاثة أيام، عهد خلالها بالإمامة إلى ولده الحسن السبط (علیه السّلام) ليمارس بعده مسؤولياته في قيادة الأمة الفكرية والاجتماعية.
وكان (علیه السّلام) طوال الأيام الثلاثة -كما كان طول حياته - لهجاً بذكر الله، والثناء عليه والرضا بقضائه، والتسليم لأمره، كما كان يصدر الوصية تلو الوصية، والتوجيه الحكيم أثر التوجيه، مرشداً للخير، دالاً على المعروف، محدداً سبل الهدى، مبيناً طريق النجاة، داعياً لاقامة حدود الله تعالى وحفظها، محذراً من الهوى والنكوص عن حمل الرسالة الإلهية.
وهذه واحدة من وصاياه بهذا الشأن مخاطباً بها الحسن والحسين
سبطی رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأهل بيته وأجيال الأمة:
«أوصيكما بتقوى الله، وألّا تبغيا الدنيا وان بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زُوي عنكما، وقولا بالحقّ، واعملا للأجر وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً.
أوصيكما، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه کتابی، بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فأني سمعت جدکہا - صلى الله عليه وآله وسلم۔
يقول: «صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام».
الله الله في الأيتام، فلا تَغِبُّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم.
الله الله في جيرانكم، فأنهم وصية نبيكم. ما زال يوصي بهم، حتى ظننا انه سيورثهم.
الله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم.
الله الله في الصلاة، فانها عمود دینکم.
الله الله في بيت ربكم، لا تخلوه ما بقيتم، فانه أن ترك لم تناظروا. الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله.
وعليكم بالتواصل والتباذل، وایاکم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم.
ثم قال:
يا بني عبد المطلب، لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً، تقولون:«قتل أميرالمؤمنين» ألا لا تقتلنّ بي إلّا قاتلي.
أنظروا إذا أنا متُّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثلوا بالرجل، فاني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «ایاکم والمثلة ولو بالكلب العقور»(1).
وهكذا كانت النهاية المؤلمة لهذا الرجل العظيم..
فلقد كانت خسارة الرسالة والأمة بفقده من أفدح الخسائر التي
1) نهج البلاغة: تبویب د. صبحي الصالح، ص 421، رقم النص 47.
أصيبت بها الأمة بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
فبموت على (علیه السّلام) فقدت الأمة.
بطولة غدت أنشودة للزمان..
وشجاعة ما حلم التاريخ بمثلها..
وحكمة لا يعلم بعدها إلا الله..
وطهراً ما اكتسبی به غير الأنبياء..
وزهداً في الدنيا ما بلغه إلا المقربون..
وبلاغة كأنما هي رجع صدى لكتاب الله..
وفقهاً وعلماً وتضلعاً بأحكام الرسالة الألهية جعلت منه باب
مدينة علم الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومرجعاً للأمة الإسلامية في جميع شؤونها.
فسلام على أميرالمؤمنين يوم ولد ويوم قضی شهیداً في محرابه ويوم يبعث حياً..
كنا قد تناولنا في الفصل الأول من دراستنا هذه الحياة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) دور رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في اعداد شخصية الإمام علي (علیه السّلام) والاشراف المباشر على تشكيل عناصرها، منذ طفولته.. حتى صارت شخصية الإمام (علیه السّلام) نسخة مكررة لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فكراً وعقيدة وسلوكاً فيما عدا النبوة ومستلزماتها.. .
ولقد وصف الإمام (علیه السّلام) طبيعة خضوعه لذلك اللون من الاعداد الرسالي وصفاً دقیقاً بقوله «.. وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره، وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه،وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل.
ولقد قرن الله به - صلى الله عليه وآله - من لدن ان كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم: ليله ونهاره.
ولقد كنت أتبعه: اتباع الفصيل اثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علية، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة، وأنا ثالثهما، أری نور الوحي، واشم ريح النبوة.
ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه - صلى الله عليه وآله -.
فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة؟
فقال: «هذا الشيطان قد أيس من عبادته، انك تسمع ما أسمع، وتری ما أرى، إلا أنك لست بنبي، ولكنك لوزير وانك لعلى خير..»(1).
فهذا النص الكريم اضافة إلى ما حفظه لنا التاريخ من سيرة الإمام (علیه السّلام) يجسد لنا بعمق وقوة المدى الذي كان الإمام (علیه السّلام) قد حظي به في مضمار الأعداد الرسالي المخطط الذي خصه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) به. تهيئة له للنهوض بأعباء الأمامة الشرعية والمرجعية الفكرية والسياسية في الأمة.
وقد بدأ ذلك الاعداد الرسالي من لدن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لعلي (علیه السّلام) منذ نعومة أظفاره فهو ربيبه الذي فتح عينيه في حجره، وهيأ له من فرص التفاعل معه وسلوك نهجه في الحياة ما لم يتوفر لأحد سواه.
وبالإضافة إلى ما كان قد خُصَّ به الإمام (علیه السّلام) من لدن الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ايام الطفولة والصبا من رعاية وتبنَّ وتربية، الأمر الذي ألمحنا إليه في
1) نهج البلاغة: تبويب د. صبحي الصالح، خطبة رقم 192 المسماة بخطبة «القاصعة».
الفصل الأول من هذه الدراسة فان الاعداد الرسولي للإمام (علیه السّلام) منذ الدعوة المباركة، وحتى آخر ساعة من حياة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قد اتسع مداراً وازداد شمولاً واصبح أكثر تركيزاً.
والشواهد من حياة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) متظافرة في هذا المضمار، فضلاً عن حرص الإمام (علیه السّلام) على الاقتداء به بأقصى درجات الاقتداء وأصدقها وأكثرها أمانة، فان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) كان يخصه بفكر الرسالة وحقائقها ومتطلباتها، ويمده بالمزيد من الثقافة الإلهية.
وكان(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يختلي بالإمام (علیه السّلام) الساعات الكثيرة آناء الليل والنهار ليعمق وعيه المفاهيم الرسالة ومشاكل المهمة التغييرية التي بدأها رسول الله في الواقع الإنساني، واساليب العمل من أجل اكمال ما بدأه الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
روى النسائي عن عبدالله بن عمرو بن هند الجملي عن علي (علیه السّلام) قال: «كنت إذا سألت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أعطيت، وإذا سكتُ ابتدأني(1).
وعن ابن عباس عن علي(علیه السّلام) قال: «كان لي من النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) مدخلان: مدخل بالليل، ومدخل بالنهار». .
وعن أبي سعيد الخدري قال: «كانت لعلي من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) دخلة لم تكن لأحد من الناس». .
وعن عبدالله بن يحيى عن علي (علیه السّلام) قال: «كنت أدخل على نبي الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) كل ليلة، فان كان يصلي سبح، فدخلت، وان لم يكن يصلي إذن
1) خصائص الإمام علي بن أبي طالب: للنسائي ط 1. بیروت 1975، وأنساب الأشراف: للبلاذری، ج 2 ص98.
لي فدخلت(1).
وعن أم سلمة قالت: «و الذي تحلف به أم سلمة أن أقرب الناس عهداً برسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) على (علیه السّلام).. لمّا كان غدوة قبض رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فأرسل إليه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) - قالت : «وأظنه بعثه في حاجة» فجعل يقول: جاء علي؟ - ثلاث مرات - فجاء قبل طلوع الفجر فلما أن جاء عرفنا أن له إليه حاجة، فخرجنا من البيت وكنّا عند رسول الله يومئذ في بيت عائشة، وكنت في آخر من خرج من البيت، ثم جلست من وراء الباب، فكنت أدناهم إلى الباب، فأكب عليه علي (علیه السّلام)، فكان آخر الناس به عهداً، فجعل يسارُهُ ويناجيه»(2).
ولقد كانت حصيلة ذلك الاعداد الرسالي الخاص من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لعلي أن هيَّأت الرسالة الإلهية الإمام علياً (علیه السّلام) لاحتلال موقع المرجعية الفكرية والسياسية للأمة الإسلامية.
وقد عبر الإسلام الحنيف عن ذلك التحديد بشتى الوسائل التعبيرية المباشرة، مجسدة مؤهلات علي (علیه السّلام) لإمامة الأمة المسلمة تارة، ومعلنة تارة أخرى اسناد الإمامة الشرعية له رسمياً:
وهذه بعض مؤهلات الإمام (علیه السّلام) کما تعكسها النصوص الصحيحة:
1- قال رسول الله (ص) مثل علي فيكم كمثل الكعبة..»(1)فحيث توحد الكعبة وجهة الأمة عند ساعات الوقوف بين يدي الله تعالى في الصلاة أو أداء شعائر الحج والعمرة، كذلك يفعل التزام على (علیه السّلام) والأخذ عنه في دنيا المسلمين.
2- والإمام (علیه السّلام) هو الصراط المستقيم الذي تستلهم الأمة منه العلم الإلهي و معارف التشريع بعد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) دون سواه من الناس:
قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «علي باب علمي ومبيِّن لأمتي ما أرسلت به من بعدي: حبه إيمان، وبغضه نفاق...»(2).
وقال (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنا مدينة العلم وعلي بابها..»(3).
3- وأن علياً رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في اقامة العدل بين الناس فكفه ككفه (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «يا أبا بكر: كفى وكفُ على في العدل سواء»(4).
4 - ويصف الرسول علياً (علیه السّلام) بأنه كنفسه، فقد أخرج أحمد بن
1) جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء: ج 1 ص96، وابن عساكر منن حديث أبي بكر وعثمان وعائشة وسواهم، وأخرج الحديث الكنجي الشافعي في الكفاية والخوارزمي في المناقب، نقلاً عن مقام أمير المؤمنین ص6-7 مطبعة الأعلمي - كربلاء.
2) أخرجه أبو نعيم في الحلية، ورواه الديلمي في فردوس الأخبار، والحمويني في الفرائده وغيرهم نقلاً عن المصدر السابق ص7.
3) أخرجه أحمد بن حنبل والترمذي في جامعه الصحيح، وانظر مصادره الكثيرة في: فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي، للحافظ أحمد بن محمد الغماري ط 1969.
4) أخرجه جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء وابن عساكر في تاريخه الكبير والمناقب للخطيب الحنفي نقلاً عن مقام أمير المؤمنین ص 12.
حنبل في مسنده عن عبدالله بن حنطب قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لوفد ثقيف - حين جاؤوه - «لتسلمُنَّ أو لأبعثنَّ إليكم رجلاً كنفسي ليضربنَّ أعناقكم وليسبينَّ ذراریكم، وليأخذنَّ أموالكم - فالتفتَ إلى علي وأخذه بیده - فقال: هو هذا، هو هذا»(1).
5 - وأن الإمام (علیه السّلام) أدرى المسلمين قاطبة بشؤون القضاء بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فعن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «أقضى أمتي علي»(2)، وهو اشارة من الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى أن الإمام علي (علیه السّلام) أقدر من سواه على ادارة شؤون الأمة وحسم ما يشجر في حياتها العملية.
6- وقال المصطفى(صلّی الله علیه وآله وسلّم) «علي مع الحق والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علىَّ الحوض يوم القيامة»(3).
7- وحيث أن علياً (علیه السّلام) صنو الحق الذي هدى الله عباده إليه، فلا يفترق أحدهما عن الآخر، فقد دعا رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أمته لسلوك منهجه والاندماج بخطه لينقذها من الزيغ، ولكي لا تتبع السبل فتضل عن سبيل الله تعالى قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «ستكون من بعدي فتنة، فاذا كان ذلك،
1) وأخرجه ابن حنبل في المناقب أيضاً، وأخرجه كذلك أبو نعيم في الحلية، والترمذي وغيرهما، نقلاً عن علي والوصية: ص 236 - 347، بألفاظ متشابهة.
2) الرياض النضرة: ج 2 ص198، والكنجي الشافعي في الكفاية والفصول المهمة - لابن الصباغ المالكي، وأنساب الأشراف للبلاذري، نقلاً عن مقام أمير المؤمنین، ص 32، ط الأعلمي .
3) الخطيب البغدادي في تاريخه الكبير: ج 4 ص 321، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة وكنز العمال والزمخشري في ربيع الأبرار والحمويني في فرائد المسطين وغيرهم، نقلاً عن علي والوصية: ص 113.
فالزموا علي بن أبي طالب، انه أول من يراني، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو مني في السماء العليا، وهو الفاروق بين الحق والباطل»(1).
8- وحول إيان علي (علیه السّلام) ومداه يقول رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): «لو أن السماوات والأرض موضوعتان في كفة وإيان علي في كفة لرجح إيمان على»(2).
هذه بعض مؤهلات علي (علیه السّلام) كما بينها رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
أما النصوص التي تسند إليه أمر إمامة الأمة فكرياً وسياسياً
بشكل صريح کا اشرنا فيما مضى فنذكر منها:
1- آية الولاية:
«إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ». (المائدة: 55 - 56)
فقد ذكر المفسرون والمحدثون أن آية الولاية هذه قد نزلت في علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، حيث تؤكد بلا أدنى شك أنه يجب على الأمة
الإسلامية الالتزام به إماماً ومرجعاً فكرياً وسياسياً بعد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة أن سائلاً دخل مسجد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يسأل المسلمين المعونة فأشار الإمام (علیه السّلام) إلى السائل أن يتناول خاتم علي (علیه السّلام) من إصبعه وهو راكع فانتزع السائل خاتم الإمام من إصبعه إذ تصدق الإمام به وهو راكع فنزلت فيه هذه الآية(1).
2- خطبة الغدير التي ألقاها رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في حجة الوداع بعد أدائه فريضة الحج الأكبر، ومناسکه.
فعن البراء بن عازب قال: أقبلنا مع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) سنته التي حج فيها، فنزل في بعض الطريق فأمر:
الصلاة جامعة، فأخذ بيد علي، فقال: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟»
. قالوا: بلى
قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟».
قالوا: بلى
قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «فهذا ولي من أنا مولاه، أللهم والِ من والاه، اللهم عادِ من
1) راجع تفسير الآية في كل من: تفسير البيضاوي، ومجمع البيان للطبرسي، وأبو اسحاق الثعلبي في تفسيره، والطبري في تفسيره، والواحدي في أسباب النزول، وأبو البركات النسفي في تفسيره، والنيسابوري في تفسيره، والشبلنجي في نور الأبصار، وابن حجر في صواعقه المحرقة، وغيرهم. نقلاً عن الفضائل الخمسة من الصحاح الستة وأعيان الشيعة: ج3 ق 1 ص13. وما بعدها، وراجع مدلولها في كتاب: الأمامة في الرسالة الإسلامية: للمؤلف.
عاداه»(1).
وفي لفظ أحمد بن حنبل أن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: «من کنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه» (2).
3- وعن أم سلمة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «إنّ الله اختار لكل نبي وصياً، وعلي وصيي في عترتي وأهل بيتي وأمتي بعدي»(3).
هذه بعض النصوص الإسلامية الصحيحة التي أسندت أمر المرجعية الفكرية والسياسية في هذه الأمة لعلي بن أبي طالب (علیه السّلام). ولمن يريد المزيد من تتبع نصوص الإمامة مراجعة المصادر المختصة بالموضوع (4).
1) لفظ صحیح ابن ماجه: ص12.
2) مسند أحمد بن حنبل: ج 4 ص 281، وقد نص على أن الحديث رواه ثلاثون صحابياً. وقد أخرج الحديث غيره كالنسائي في الخصائص والطبراني عن زيد بن أرقم، والفخر الرازي في تفسير آية «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ » وکنز العمال: ج 1 ص 48 ومستدرك الصحيحين، وقد رواه من الصحابة مائة وعشرة لاحظ مصادر تواتر الحديث كما نص عليها الشيخ الأميني في الغدير المجلد الأول.
3) الموفق بن أحمد الحنفي في مناقبه، والحمويني الشافعي في فرائد السمطين، وفي مسند أحمد بن حنبل حديث الوصية يشبهه، وللثعلبي في الكشف والبيان، وابن المغازلي مثله، نقلاً عن علي والوصية ص 235.
4) ككتاب «الغدير» للشيخ عبدالحسين الأميني، و«دلائل الصدق» للشيخ محمد حسن المظفر و«احقاق الحق» للقاضي التستري، و«عبقات الأنوار» للسيد مير حامد حسین، و«المراجعات» للسيد عبدالحسین شرف الدين.. وغيرها.
*علاقة الإمام علي بالله تعالی
شواهد من عبادة أميرالمؤمنين (علیه السّلام)
المنهج العبادي في خطوطه الأساسية
إذا كانت حصيلة الاعداد الإلهي المباشر لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أن صار خلقه (صلّی الله علیه وآله وسلّم): القرآن بكل ما فيه من فضائل وقيم روحية رفيعة مجسداً حياً في دنيا الواقع(1)، فان حصيلة الاعداد الرسالي من لدن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لعلي بن أبي طالب (علیه السّلام) أن صار علي (علیه السّلام) صورة مكررة للرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فكراً وهدياً ومواقف.. .
ولقد قرأنا بين ثنايا النصوص الكريمة التي مرت بنا خلال هذه
الدراسة (2): تلك النصوص التي تكشف بقوة عما لعلي(علیه السّلام) من مكانة في دنيا الإسلام فضلاً عن الموقع الذي احتله في ميزان الرسالة:
فهو: المظهر من الرجس، وهارون الأمة، والذي كفه ككف النبي المصطفي، في العدل، وهو رفيق الحق لا ينفك أحدهما عن الآخر، وهو باب العلم الإلهي، وفاروق الأمة(3)و... و...الخ.
وكل هذه الأوسمة التي زين بها الإسلام صدر علي (علیه السّلام) كانت ذات مدالیل عملية في دنيا الواقع في حياة علي (علیه السّلام).
فهذه الصفات السامية جاءت ترجمة لواقع صار إليه الإمام (علیه السّلام) كثمرة للاعداد الرسولي له منذ نعومة أظفاره حتى آخر يوم من أيام المصطفي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
ولعلنا لا ندرك أهمية تلك الأوسمة التي زين بها صدر الإمام (علیه السّلام) ما لم نسلط أحزمة من الضوء على المقومات العامة لشخصيته سلام الله عليه في هذه الصفحات:
سبق أن أشرنا في حديثنا عن شخصية رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى أن علاقة المسلم بالله تبارك وتعالى، ليست محدودة في احدى زوايا حياته أبداً، وانما هي كماحدد الله سبحانه أبعادها لعباده من خلال شريعته التي ارتضى لهم: تجرد کامل للعزيز المتعال عز وجل بكل خلجات النفس، وبكل حركة في الحياة: في الصلاة والصيام والحج والاعتکاف، بشعائر التعبد وبالعلاقات الأسرية والاجتماعية عامة بالحكم والقضاء بالمحيا والممات وما بعد الموت(1).
وقد جسد القرآن الكريم حجم العلاقة بين العبد وربه الأعلى وطبيعتها بقوله تعالى «قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ
1) الفصل الثالث من کتاب سيرة المصطفی (ص) للمؤلف.
الْعَالَمِينَ » (الانعام / 162)
على أن شعائر الإسلام الكبرى: كالصلاة والصوم والحج وسواها وان كانت جزءاً من الهيكل العام للعبودية لله تعالى التي تشمل الحياة الإنسانية كلها إلّا أن هذه الشعائر تختص بسمات خاصة «توقيفية» کكيفية الاداء والوقت والعدد، فهي في هذه المجالات محددة من قبل الله تبارك وتعالى فلا مجال فيها لتبديل أو تحوير أو نقص أو زيادة.
ثم انها تمتاز في كونها وقفات خالصة لله سبحانه ليس فيها غايات أخرى غير رضوان الله والاستجابة لأمره، ومن أجل ذلك تفقد هذه الفرائض طابعها العبادی إذا دخل اطارها رياء أو نحوه.
وهي ميزة لا تتحقق في أمور الحياة الانسانية الأخرى وان كانت سابحة في اطار من العبودية لله تعالی.
فالزواج والنشاط الاقتصادي مثلا ونحوهما من العقود وان كانت شريعة الله تعالی تضعها في مسار العبودية لله، والمرء من خلالها يؤدي عبادة لله عز وجل إذا هو التزم بأحكام الشريعة الإسلامية في تحديد وجهتها وابعادها و مستلزماتها إلا أنها تبقى حاملة لأغراض أخرى.
فالزواج مثلاً ان كان يحقق غاية إسلامية من ناحية تحصين الفرد المسلم عن الوقوع في المحرم، حتى أن الإسلام يعتبر عملية الزواج من قبل المسلم احرازاً لنصف الدين - كما في الحديث الشريف . كما أن الالتزام بأحكام الشريعة الخاصة في حقول التعامل بين الزوجين ونحوها يعتبر أمراً مفروضاً على المؤمنين..
أقول: إلى جانب هذه الأمور التي ترافق عملية الزواج، فان الميل
للجنس يبقى خلفية أساسية من خلفيات حمل الفرد على تعاطيه.
وهكذا تظهر خلفيات أخرى غير الخلفية العبادية في مثل هذه
الأمور..
ومن هنا نرى أن أمر الزواج والنشاطات الاقتصادية في مثالنا أمور توجد في كل مجتمع في الماضي والحاضر، قبل عصير التنزيل وبعده بالنظر لارتكازها على حاجات طبيعية لدى الكائن الإنساني، ومهمة شريعة الله تعالی ترتكز على اضفاء الصبغة الشرعية عليها بعد تهذيبها وتحديد مسارها ووضع مخطط إسلامي لصوغها وفقاً لمتطلبات الفطرة البشرية.
وبناء على هذا التحديد لطبيعة علاقة المسلم بالله تبارك وتعالى فسنستعرض علاقة الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام) بالله تعالى من خلال الفرائض والسنن الإسلامية الإلهية والنشاطات الاجتماعية اليومية.
كحصيلة للاعداد الرسالي الذي حظي به الإمام (علیه السّلام) من لدن استاذه الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) - الأمر الذي تناولناه في مدخل هذه الرسالة - فقد طبعت شخصية الإمام (علیه السّلام) بشخصية المصطفي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في جميع مقوماتها: عبادة وفكراً ومواقف:
يسلك سبيله، يقتني سنته ويقفو أثره، ومن أجدر بتجسيد سنة الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) كاملة في دنيا الواقع سوى علي (علیه السّلام)؟ الذي صنع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) شخصيته وشکل جميع عناصرها وطبعها بالطابع الإلهي منذ
نعومة أظفاره..
وإذ نعقد هذا الفصل للحديث عن عبادة الإمام (علیه السّلام) ووسائل تعلقه بالله سبحانه، فسنعرض شواهد منها، لندرك السمو الشاهق الذي بلغه الإمام (علیه السّلام) في مضمار الانشداد إلى الله واستلهام سنة الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) المطهرة في هذا المضمار:
فلكثرة تعاهد أمير المؤمنين (علیه السّلام) لأمر الصلاة والتضرع إلى الله سبحانه تعالى يشير عروة بن الزبير في حديث له عن أبي الدرداء:
قال: «شهدت علي بن ابي طالب بشويحطات(1)النجار، وقد اعتزل عن مواليه، واختفى
ممن يليه، واستتر بمغیلات (2)النخل، فافتقدته، وَبعُد عني مكانه، فقلت: الحقُ بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغم شجي، وهو يقول: «إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك.
إلهي ان طال في عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك». .
فشغلني الصوت، واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي طالب (علیه السّلام) بعينه، فاستترت له وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغامر، ثم فرغ إلى الدعاء والبكاء، والبث والشكوى، فكان مما ناجی
به الله تعالى أن قال: «إلهي أفكر في عفوك، فتهون علي خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك، فتعظم عليَّ بليتي». .
ثم قال: «آه إن أنا قرأتُ في الصحف سيئة أنا ناسيها، وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته ولايرحمه الملا إذا أذن فيه بالنداء». .
ثم قال: «آهٍ من نار تنضج الأكباد والكلى، أهٍ من نار نزاعة للشوی، آهٍ من لهبات لظى».
قال أبو الدرداء: ثم أمعن في البكاء، فلم أسمع له حساً، ولا حركة.
فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر، فأتيته،
فاذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته، فلم يتحرك، وزويته فلم ينزوِ.
فقلت: انا لله وإنا إليه راجعون مات والله علي بن أبي طالب، فأتیت منزله مبادراً أنعاه إليهم.
فقالت فاطمة (علیه السّلام) : يا أبا الدرداء ما كان من شأنه ومن قصته؟
فأخبرتها الخبر.
فقالت: «هي والله يا أبا الدرداء - الغشية التي تأخذه من خشية
الله».
ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه، فأفاق، ونظر اليّ وأنا أبكي فقال:
مما بكاؤك يا أبا الدرداء؟
فقلت: ما اراه تنزله بنفسك.
فقال: يا أبا الدرداء، فكيف لو رأيتني، ودعي بي إلى الحساب، وايقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ،
فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد أسلمني الأحباء ورفضني أهل الدنيا، لکنتَ أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية». . فقال أبو الدرداء: «فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول
الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)» (1).
هذا شاهد من شواهد تعلق الإمام (علیه السّلام) بالله تعالى وشدة انشداده إليه ورهبته منه.
وكان هذا دیدن علي (علیه السّلام) كما يتجلى من قول الزهراء (علیها السّلام) لأبي الدرداء: «هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله». .
وهذه مزيته ( عليه الصلاة والسلام) عند التوجه إلى الله تعالى في صلاته وضراعته، الأمر الذي الفه أهل البيت (علیهم السّلام) في علي(علیه السّلام) .
ومن أجل ذلك لم يفزعوا حين أنبأهم أبو الدرداء بموته -كما ظن
هو - بل استفسروا عما رأي، فأعلمته الصديقة (علیها السّلام) أن ما رآه هو المألوف من على (علیه السّلام) كل آن حين تأخذه الغشية الله تبارك وتعالى أثناء قيام الليل.
ولكثرة قيامه للعبادة ليلا يحدثنا عبد الأعلى عن نوف البكالي..
قال: «بتُ ليلة عند أميرالمؤمنين (علیه السّلام) فكان يصلي الليل كله، ويخرج ساعة بعد ساعة، فينظر إلى السماء، ويتلو القرآن، فمرَّ بي بعد هدوء من الليل فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق؟
قلت: بل رامق أرمقك ببصري يا أمير المؤمنين.
1) بحار الأنوار: ج 42 ص 11 - 12، نقلاً عن أمالي الصدوق، والأنوارالعلوية للشيخ جعفر النقدي ط 2 ص 115، ومناقب آل أبي طالب: ج 1 ص 389.
قال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، أولئك الذين اتخذوا الأرض بساطاً، وترابها فراشاً، وماءها طيباً، والقرآن دثاراً، والدعاء شعاراً، وقرضوا من الدنيا تقريضاً على منهاج عیسی بن مريم..»(1).
وهكذا كان علي (علیه السّلام) في شدة تعلقه بالله، وعظيم تمسكه بمنهج الأنبياء (علیه السّلام). أنه ترجمة صادقة لعبادة رسول الله محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وزهده ويقينه..
أرأيت كيف يندك وجوده على عتبة الخضوع لله والاستكانة له
وطلب رضوانه؟
وحول التزامه بقيام صلاة الليل طول عمره الشريف يروي لنا أبو يعلى في المسند - عنه (علیه السّلام) قال: «ما تركتُ صلاة الليل منذ سمعت قول النبي صلى الله عليه وآله: صلاة الليل نور.. فقال ابن الكواء: ولا ليلة الحرير!؟
قال(علیه السّلام) : ولا ليلة الهرير»(2).
ولعظیم اقباله على الله تعالى يشير القشيري في تفسيره:
أنه كان (علیه السّلام): إذاحضر وقت الصلاة تلوَّن و تزلزل. فقيل له: مالك؟
فيقول: جاء وقت أمانة عرضها الله تعالى على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان على ضعفه، فلا أدري أُحسِن إذا حملت أم لا(1).
ولكثرة صلاته ما ورد عن الإمام الباقر (علیه السّلام) أنه قال: كان علي بن الحسين (علیه السّلام) يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، كما كان يفعل أميرالمؤمنین(علیه السّلام) (2).
وعن سليمان بن المغيرة عن أمه قال: سألت أم سعيد سرية علي (علیه السّلام) عن صلاة علي (علیه السّلام) في شهر رمضان.
فقالت: رمضان وشوال سواء، يحيي الليل كله (3).
وعن الإمام الصادق (علیه السّلام) قال: «إنّ علياً في آخر عمره يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة»(4).
ولقد عظم المعبود عز وجل في نفس الإمام (علیه السّلام) فصارت عبادته تعبيراً عن الحب له والشوق إليه، واستشعار أهليته للعبادة دون سواه،
ومن أجل ذلك كان علي (علیه السّلام) يعبد الله خوفاً من عذابه، ولا طمعاً في جنته ولا فيا أعده من نعيم للمتقين، وانما سما الإمام (علیه السّلام) في علاقته بالله تعالي إلى أعلى الدرجات أسوة باستاذه الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
وقد كشف الإمام (علیه السّلام) عن جوهر علاقته بالله تعالى وطبيعتها بقوله:
إلهي ما عبدتك خوفاً من عقابك ولا طمعاً في ثوابك ولكن وجدتك
أهلا للعبادة فعبدتك»(1).
فأعظم به من يقين، وأكرم به من إيمان!!
ولقد حدد الإمام (علیه السّلام) ألوان العبادة في كلمة له خالدة:
«إن قوماً عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا الله رهبة، فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شکراً، فتلك عبادة الأحرار»(2).
وكانت عبادته (علیه السّلام) أعلى نموذج لعبادة الأحرار، حيث كانت تصدر کحصيلة للشعور بأهلية المعبود للعبادة واستحقاقه لها.
أما ايقاف العبادة على حصول الثواب فحسب، فهي عبادة من وصفهم الإمام (علیه السّلام) بالتجار، الذين يبتغون الثمن وينتظرون التعويض.. وشتان بين هدف الشاکرین، وهدف التجار في ميزان الله تعالى وحسابه.
ولقد كانت صلاة علي (علیه السّلام) - اسوة بسائر نشاطاته - كصلاة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في كيفية الأداء والخشوع والانشداد والتعلق بالله تعالى، فعن مطرف بن عبدالله قال: «صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب.. فلما انصرفنا أخذ عمران بيدي فقال: لقد صلى صلاة محمد، ولقد ذكرني صلاة محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (1).
وإلى جانب تعاهد الإمام (علیه السّلام) لأمر الصلاة فقد كان كثيراً ما يوصي أتباعه بتعاهد أمرها، وأدائها في أوقاتها وتعريفهم بأهميتها وأثرها في شخصية المسلم: «تعاهدوا أمر الصلاة، وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقربوا بها فانها « كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا »، ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا «ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نكُ من المصلين». .
وانها لتحت الذنوب حت(2)الورق، وتطلقها اطلاق الربق(3)وشبهها رسول الله صلى الله عليه وآله بالحمَّة(4)، تكون على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات، فما عسى أن يبق
عليه من درن(1)؟
وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا يشغلهم عنها زينة متاع، ولا قرة عين من ولد ولا مال.
يقول الله سبحانه:
«رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ...». (النور / 37)
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله نَصِباً بالصلاة بعد التبشير له
بالجنة لقول الله سبحانه «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ».
فكان يأمر بها أهله ويصبر عليها نفسه»(2).
وإلى منهجه العبادي الملتزم أشار الإمام الباقر (علیه السّلام) بقوله:
«.. وما ورد عليه أمران قط كلاهما الله رضىً إلا أخذ بأشدهما على بدنه»(3).
وقد ورد عن الإمام علي (علیه السّلام) ذاته «..وانما هي نفسي أروّضِها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر»(4)
وفي حديث ضرار بن ضمرة لمعاوية بن أبي سفيان حول شخصية
الإمام (علیه السّلام) تجسيد لهذه الحقيقة، فما جاء في حديثه «..كان والله صواماً بالنهار قوّاماً بالليل..».
وحيث أن التوكل على الله تعالى زاد المتقين، واليقين بالله شعار المؤمنين الصادقين يملأ قلوبهم بالثقة والاطمئنان والعزة والارتفاع على جميع عقبات الحياة.
فقد كان أميرالمؤمنين (علیه السّلام) قائداً لأهل اليقين بعد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ويعسوباً للمتوكلين.
وهذه سيرته تتحفنا بالعديد من الشواهد في هذا المضمار: فعن الإمام الصادق (علیه السّلام) قال: كان لعلي (علیه السّلام) غلام اسمه قُنبرُ، وكان يحب علياً حباً شديداً، فإذا خرج علي خرج (علیه السّلام) أثره بالسيف فرآه ذات ليلة فقال له: يا قُنبرُ مالك؟
قال: جئت لأمشي خلفك، فان الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين
فخفتُ عليك.
قال: ويحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الأرض؟
قال: لا بل من أهل الأرض.
قال(علیه السّلام) : أن أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئاً إلا بإذن الله عز وجل فارجع. فرجع(1).
1) بحار الأنوار: ج 1 ص 1 نقلاً عن التوحيد للشيخ الصدوق.
وعن أبي عبدالله (علیه السّلام) قال: «ان أمير المؤمنين جلس إلى حائط يقضي بين الناس.
فقال بعضهم: لا تقعد تحت هذا الحائط فانه معور، فقال أمير المؤمنين: حرس أمرؤ أجلُه. فلما قام أمير المؤمنين (علیه السّلام) سقط الحائط.
وكان أميرالمؤمنين (علیه السّلام) مما يفعل هذا واشباهه، وهذا اليقين»(1).
وعن سعيد بن قيس الحمداني قال: «نظرت يوماً في الحرب إلى رجل عليه ثوبان، فحرکت فرسي فاذا هو أميرالمؤمنين (علیه السّلام).
فقلت: يا أمير المؤمنين في مثل هذا الموضع؟
فقال: نعم يا سعید بن قيس، انه ليس من عبد إلّآ وله من الله عز وجل حافظ وواقية، معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر، فإذا نزل القضاء خلّيا بينه وبين كل شيء»(2).
هذا هو علي (علیه السّلام) في قوة يقينه بالله، وشدة توكله علیه سبحانه.
ولقد كان الزهد معلماً بارزاً من معالم شخصية الإمام (علیه السّلام)، وسمة مميزة زينه الله تعالى بها، فعن عمار بن یاسر (رض) قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لعلي. «ان الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب منها، هي زينة الأبرار عند الله: الزهد في الدنيا، فجعلك لا ترزا - تُصيب - من الدنيا ولا ترزأ الدنيا منك شيئاً، ووهبك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم
أتباعاً، ويرضون بك إماماً»(1).
وقد كان من شواهد تلك الصفة التي حباه الله تعالى بها:
أن زهد الإمام (علیه السّلام) بكل لذات الحياة، وزينتها، وتوجه بكل وجوده نحو الآخرة، وعاش عيشة المساكين، وأهل المتربة من رعیته!
لقد زهد الإمام (علیه السّلام) بالدنيا وزخرفها زهداً تاماً وصادقاً: زهد في المال والسلطان، وكل ما يطمع به الطامعون.
ولقد عاش في بيت متواضع لا يختلف عما يسكنه الفقراء من الأمة، وكان يأكل الشعير تطحنه امرأته أو يطحنه بنفسه قبل خلافته و بعدها، حيث كانت تجبي الأموال إلى خزانة الدولة التي كان يضطلع بقيادتها من شرق الأرض وغربها. وغالباً ما كان يلبس أبسط أنواع الثياب، فكان ثمن قميصه ثلاثة دراهم.
وقد بقي ملتزماً بخطه في الزهد طوال حياته، فقد رفض أن يسكن القصير الذي كان معداً له في الكوفة حرصاً منه على التأسی بالمساكين (2).
وهذه بعض المصادیق کا ترويها سيرته العطرة:
فعن الإمام الصادق (علیه السّلام) يقول: «كان أمير المؤمنين أشبه الناس طعمة برسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يأكل الخبز والخل والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم»(3).
وعن الباقر (علیه السّلام) قال: «ولقد ولي خمس سنين وما وضع آجرة على
آجرة ولا لبنة على لبنة، ولا أقطع قطيعاً ولا أورث بیضاً ولا حمراً»(1).
وعن عمر بن عبدالعزيز قال: «ما علمنا أن أحداً كان في هذه الأمة بعد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أزهد من علي بن أبي طالب، ما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة»(2).
وعن الأحنف بن قيس قال: «دخلت على معاوية، فقدم إلي من الحلووالحامض، ما كثر تعجبي منه، ثم قال: قدموا ذاك اللون، فقدموا لوناً ما أدري ما هو....!
فقلت: ما هذا؟
فقال: مصارين البط محشوة بالمخ ودهن الفستق قد ذرَّ عليه
السكر!!
قال الأحنف: فبكيت. فقال معاوية: ما يبكيك؟
فقلت: لله در ابن أبي طالب، لقد جاد من نفسه بما لم تسمع به أنت ولا غيرك!
قال معاوية: وكيف؟
قلت: دخلتُ عليه ليلة عند افطاره.
فقال لي: قم فتعش مع الحسن والحسين، ثم قام إلى الصلاة، فلما فرغ دعا بجراب مختوم بخاتمه، فأخرج منه شعيراً مطحوناً، ثم ختمه.
فقلت: يا أميرالمؤمنين لم أعهدك بخيلاً، فكيف ختمت على هذا
الشعير.
فقال: لم أختمه بخلاً، ولكن خفتُ أن يبسَهُ الحسن والحسين بسمنأو أهالة؟
فقلت: أحرام هو؟
قال: لا، ولكن على أئمة الحق أن يتأسوا بأضعف رعيتهم في الأكل واللباس، ولا يتميزون عليهم بشيء لا يقدرون عليه ليراهم الفقير، فيرضى عن الله تعالى بما هو فيه، ويراهم الغني فيزداد شكراً وتواضعاً»(1).
وعن سويد بن غفلة قال: دخلت على علي (علیه السّلام) بالكوفة، وبين يديه رغيف من شعير، وقدح من لبن، والرغيف يابس، فشق علىّ ذلك.
فقلت: لجارية له يقال لها فضة: إلا ترحمين هذا الشيخ، وتنخلين له هذا الشعير؟
فقالت: .. انه عهد إلينا ألا ننخل له طعاماً قط..!
فالتفت الإمام اليَّ وقال: ما تقول لها يا ابن غفلة؟ فأخبرته..
وقلت: يا أمير المؤمنين ارفق بنفسك. .
فقال لي: ويحك يا سوید؟ ما شبع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأهله من خبز بُرٍ ثلاثاً تباعاً حتى لقيَ الله، ولا نخل له طعام قط..»(2).
وعن سفيان الثوري عن عمرو بن قيس قال: رؤي على علي (علیه السّلام) إزار مرقوع، فعوتب في ذلك.
فقال: يخشع له القلب ويقتدي به المؤمن(1).
وعن الغزالي يقول: «كان علي بن أبي طالب يمتنع من بيت المال حتى يبيع سيفه، ولا يكون له إلا قميص واحد، وفي وقت الغسل لا يجد غيره» (2).
هذا هو علي في شدة زهده ورغبته عن الدنيا وزخارفها، وفي عظیم اقتدائه برسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وفي مواساته لأهل المتربة من أمته(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فهل حدثك التاريخ عن زعيم كعلي (علیه السّلام)؟ تجبى إليه الأموال من الشرق والغرب، وعاصمته الكوفة - تقع في أخصب أرض الله وأكثرها غنىً يومذاك، بيد أنه يعيش أبسط عیش، مواسياً لأقل الناس حظاً في العيش في هذه الحياة.. يأكل خبز الشعير دون أن يخرج نخالته.. ويكتفي بقميص واحد لا يجد غيره عند الغسل.. ويحرم على نفسه الأكل من بیت المال.. ويرقع مدرعته حتى يستحيي من راقعها(3)مجسداً بذلك أرفع شعار للزاهدين «..فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، ولا حزتُ من أرضها شبراً، ولا أخذتُ منه كقوت أتانٍ دبرة، وهي في عيني أو هي وأوهن من
عفصة مِقرة»(1).
ولا نريد أن نذهب بعيداً في طرح الشواهد على تعاهد الإمام علي (علیه السّلام) لأمر الصدقة، قبل أن نستقي من القرآن الكريم نماذج من صدقة الإمام (علیه السّلام) عطرتها آيات الله تعالى بالثناء الجميل، ورسمت أبعاد الثواب الإلهي العظيم الذي لا يعلم مداه غير الله الذي أعده تبارك وتعالى لأميرالمؤمنين(علیه السّلام) :
ففي حادثة اطعام علي (علیه السّلام) وأهل بيته (علیهم السّلام) للمسكين واليتيم والأسير على مدى ثلاثة أيام وایثارهم لهم على أنفسهم، واكتفائهم بالماء وهم في أيام صوم متتالية.. تنزلت آيات الله تعالى مسجلة أعظم مآثر علي (علیه السّلام) في ضمير الوجود حيث ستبقى ترددها الآفاق والألسنة وصفحات المجد ما شاء الله تعالی.
«وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا *إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا *إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا *فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ». (الإنسان: 8- 12)
1) کتابه إلى عثمان بن حنيف: رقم النص في نهج البلاغة 45، باب الرسائل التبر، فتات الذهب والفضة قبل الصياغة. الوفرة المال. الطمر: الثوب الخلق البالي. اتان دبرة: التي عقر ظهرها فقل أكلها. مقرة: أي مرّة.
وليس المهم في الأمر حجم ما قدمه الإمام (علیه السّلام) لأولئك المحتاجين، فان الكثير من الناس يبذلون أضعاف ذلك.
ولكن شتان بين من ينفق لوجه الله خالصاً دون شائبة، وبين من ينفق من أجل غرض دنیوي أو جاه أو ذکر يشاع بين الناس. كما أنه شتان بين من ينفق كل ما لديه وهو أحوج ما يكون إليه وبين من ينفق بعض ما لديه..
وهكذا يختلف التقويم عند الله تعالى بين ذا وذاك؟
وفي حادثة تصدق علي (علیه السّلام) بخاتمه على مسكين استبدت به الحاجة، فطاف على الناس فلم يجد من يسد خلته، فأشار إليه علي (علیه السّلام) وهو يصلي في مسجد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومنحه خاتماً في يده.
فنزل القرآن الكريم على رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) مبيناً فضل ما أقدم عليه الإمام (علیه السّلام) واستثمر القرآن المناسبة لارشاد الأمة إلى أن علياً (علیه السّلام) إمامها ومرجعها الفكري والعملي بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
«إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ». (المائدة: 55 - 56)
وهذه الآية الكريمة من أكثر النصوص دلالة على أن العمل الصالح
في منظور الله تبارك وتعالى أنما هو بدوافعه لا بحجم منافعه.
فليس المهم أن تعطي كثيراً، ولكن الاساس في الأمر نية العطاء فالتقييم الرباني انما يدور مدار النية حيث تدور، فكلما اقتربتَ من الله تعالى وابتغيتَ رضوانه كان ثوابكَ أعظم وأجل..
ومن المناسب أن نطرح اضافة إلى ذلك مصادیق من سيرة
الإمام (علیه السّلام) في هذا المضمار ما روته كتب التاريخ:
فعن أبي عبدالله الصادق (علیه السّلام) قال: «كان أميرالمؤمنين يضرب الُمرِ - المسحاة - ويستخرج الأرضين، وأنه اعتق ألف مملوك من کدّ یډِه»(1).
وعن أيوب بن عطية الحذاء قال: سمعت أبا عبدالله (علیه السّلام) يقول: «قسم نبي الله الفيء، فأصاب عليٌ أرضاً، فاحتفر فيها عيناً، فخرج ماء ينبع کهيئة عنق البعير، فسماها ينبع، فجاء البشير يبشر. فقال 7: بشر الوارث هي صدقة بتة بتلاء في حجيج بیت الله، وعابري سبيل الله لا تباع، ولا توهب ولا تورث فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً» (2).
وعن أحمد بن حنبل في الفضائل: «أنه كانت غلة علي أربعين ألف دینار فجعلها صدقة»(3).
والحديث عن حرص الإمام (علیه السّلام) على تعاهد أمر الصدقة في سبيل الله تعالى يذكرنا بالنفس السخية التي يمتاز بها أمير المؤمنين (علیه السّلام).
فكثرة أدائه للصدقة وشدة بذله لها وان كان يعكس صورة صادقة عن جود الإمام (علیه السّلام) وسخائه، إلا أن سيرته العطرة تكشف إلى جانب ذلك وجهاً آخر من شخصية الإمام(علیه السّلام) .
فقد كان (علیه السّلام) أسخي من الغيث على الأمة التي عايشها، لا أقصد بهذا جوده بنفسه من أجل حفظ الرسالة ومسيرة الإسلام التاريخية، ذاك الذي يتجلى عبر البطولات التي أبداها (علیه السّلام) في حروب الإسلام كلها، فحديث كهذا.. يتطلب بمفرده سفراً كاملاً(1)وانما نقصد ما يتعلق بالسخاء بالمال.
فلقد اعترف بجود الإمام (علیه السّلام) وسخائه أشد الناس عداوة له: معاوية بن أبي سفيان الذي ما برح ينسج الأكاذيب والافتراءات التشويه سمعة الإمام (علیه السّلام) غير أنه لم يستطع أن ينكر فضيلة الجود عند علي (علیه السّلام) فقد قال له يوماً محفن ابن ابي محفن الضبي: جئتك من عند أبخل الناس فقال ابن أبي سفيان: ويحك كيف تقول: إنه أبخل الناس؟ لو ملك بيتاً من تبر - ذهب - وبيتاً من تبن لأنفد تبره قبل تبنه (2).
ويقول الشعبي يصف الإمام (علیه السّلام): كان أسخي الناس، كان على الخلق الذي يحبه الله: السخاء والجود، ما قال لا لسائل قط (3).
وحياة علي أميرالمؤمنين (علیه السّلام) كلها جهاد في سبيل الله تعالى في مرحلة الدعوة الألهية، وبعد قيام الدولة الإسلامية، وإذا كان قد وقی
الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بنفسه وفداه بوجوده وتعرض لأخطر تآمر جاهلي على حياة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) عند مبيته على فراشه في ليلة الهجرة المباركة، من أجل أن يصرف عنه شر عتاة الجاهلية. فأن علياً قد تحولت حياته بعد الهجرة إلى المدينة المنورة إلى حلقات متسلسلة من ذلك النوع الجهادي العظيم، فقد كان حامل لواء الزحف الإسلامي في كل غمرات أخيه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وطليعة المجاهدين في ساحات الجهاد، وكلها حزبت الأمور وحمي الوطيس انتدبه رسول الله الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لكشف زحف العدو عن حياض المسلمين..
وكانت كل مواقفه الجهادية من النوع المصيري الذي يحمي الرسالة ويكشف عنها خطر التصفية المحقق والاجهاز الخطير على وجودها، تجلى ذلك في معركة بدر حين صفّى الكثير من رؤوس الوثنيين وملأ بها ساحة المعركة.
وفي «أحد» حين أطبق جیش الضلال على معسكر الإيمان وكانت الغلبة للعدو في الجولة النهائية، نهض الإمام (علیه السّلام) بدور عرقلة تقدمهم حيث بادر إلى تصفية حملة الألوية من بني عبدالدار واحداً تلو الآخر.
وفي غزوة الأحزاب حين بلغت القلوب الحناجر وبلغ الضيق والهلع بالمسلمين كل مبلغ نهض الإمام (علیه السّلام) بالأمر وأرهب العدو وأعاد للمسلمين الثقة بالنفس حين قتل أبرز قوادهم عمرو بن عبدود العامري.
حيث كان قتل العامري حداً فاصلاً بين المعسكرين إذ تلاه انهزام
جیش الأحزاب مع ما امتاز به من ضخامة في العدد والعدة.
وعلي (علیه السّلام) هو الذي اقتحم حصون خيبر ودخل عليهم عنوة، ففتح الله على يديه حصون اليهود الرهيبة.
وكم أسطر لك من بطولات على (علیه السّلام) وصفحات جهاده المشرقة التي تشع بالمجد والعزة والاخلاص(1).
فدونك تاريخ الإسلام في عصره الأول: في عهد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فأنعم النظر في صفحاته کي تحدثك بفضل علي (علیه السّلام) على الإسلام رسالة وأمة، وتاريخاً.
على أن الجانب العبادي في جهاد علي (علیه السّلام) ليس في حجم البطولات وعدد المعارك التي خاض غمارها. فحسب، وانما في صدق النية وحجم الاخلاص الذي امتلأ به قلب علي (علیه السّلام) وهو يخوض تلك الحروب ببسالة فائقة وشجاعة نادرة وصمود لا يرد.
ومن أجل ذلك كان القرآن الكريم يثني على تلك الروح التي كان
يحملها أمير المؤمنين عبر كفاحه من أجل اعلاء كلمة الله في الأرض.
فها هو القرآن الكريم يثني على علي (علیه السّلام) يوم فدى بنفسه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ » (البقرة: 207)
ويكشف بعمق عن صدق نية الإمام(علیه السّلام) (2).
وها هو كتاب الله العزيز يقطع بأن جهاد علي (علیه السّلام) وبطولاته
وتضحياته كانت من أجل الله واعلاء کلمته في دنيا الناس، ولا يمكن أن تقرن بأي لون من ألوان العمل الآخر. فبسبب الثمن الباهظ الذي يتطلبه الجهاد، وبسبب الدافع الإيماني المخلص الذي لا تشوبه شائبة راحت آيات الله تعالى تحدد الموقع الرفيع الذي يحتله علي (علیه السّلام) في دنيا المتقين.
«أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ». (التوبة: 109)
فعلى أثر حوار تفاخري بين طلحة بن شيبة والعباس بن عبدالمطلب، قال فيه طلحة: أنا أولى الناس بالبيت لأن المفتاح بيدي.
فقال العباس: أنا أولى، أنا صاحب السقاية والقائم عليها!
وفيما كانا يتفاخران مرَّ الإمام (علیه السّلام) فافتخر عليها بقوله: «لقد صليت قبل الناسوأنا صاحب الجهاد»، فنزل قول الله تعالى في ذلك كاشفاً عن المستوى العظيم الذي يتبوأه علي (علیه السّلام) بسبب ما ينهض به من عمل متميز: نوعاً، وحجماً واخلاصاً(1)، بعداً وجوهراً.
1) لمعرفة هذه الحقيقة راجع تفسير الطبري عن أنس: ج 10 ص59، وأسباب النزول للواحدي: ص 182، والقرطبي في تفسيره: ج8 ص 91، والرازي في تفسيره والنسفي والسيوطي وسواهم، نقلاً عن فضائل الخمسة: ج 1 ص 279.
*تواضع الإمام
*حلم الإمام
التورع عن البغي
شواهد من صبر الإمام
بمقدور المتتبع أن يتخذ من وصف ضرار بن ضمرة لأميرالمؤمنين (علیه السّلام) منطلقاً للدخول إلى عالمه الرحيب.
فقد دخل ضرار على معاوية أيام استكان الناس وأسلموا المعاوية القياد . فألح على الرجل أن يصف له علياً (علیه السّلام) فتردد ضرار كثيراً، فلما مضى معاوية في اصراره قال ضرار:
أما إذا كان لابدّ: «فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته.
كان والله غزير الدمعة، كثير الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب.
كان والله كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا
دعوناه.
ونحن والله مع قربه منا، ودنوّهُ إلينا لا نكلمه هيبة له، ولا نبتديه
العظمته، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم.
يعظّم أهل الدين، ويحب المساكين، ولا يطمع القوي في باطله، ولا پیاس الضعيف من عدله.
فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ليلة، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل قائماً في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم(1)، ويبكي بكاء الحزين، وكأني اسمعه وهو يقول:
«يا دنيا غري غيري أبي تعرضت أم إلىَّ تشوَّفت، هيهات، هيهات!! قد أبَنتُك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كبير. آهٍ من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق»(2).
وهذا الوصف للإمام (علیه السّلام) على وجازته یکشف بعمق عن الاطار العام لشخصية الإمام (علیه السّلام) في شتى ملامحها: في الحقل الروحي والاجتماعي، في علاقته بربه، وعلاقته مع نفسه، وكيفية تعامله مع الناس من حوله.
وحيث قد عقدنا هذا الفصل للحديث عن الأخلاق الاجتماعية التي التزم بها (علیه السّلام) في حياته العملية، فان حدیث ضرار يضع في أيدينا رأس الخيط الذي يوصلنا إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية التي سلكها أمير المؤمنين في حياته «كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع قربه منّا ودنوه إلينا لا نكلمه هيبة له، ولا نبتديه لعظمته.. يعظّم أهل الدين، ويحب المساكين، ولا يطمع
القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله..».
ويبدو أن هذا اللون من علاقة أميرالمؤمنين مع قومه انما كان في أيام حكمه، مما يطرح بين أيدينا تصوراً ناضجاً عن عظمة أميرالمؤمنين (علیه السّلام) وبلوغه القمة في مدارج الكمال والفضيلة، فمع أن الإمام (علیه السّلام) كان يحتل موقع القيادة في دنيا الناس، وبيده أزِمَّة حياتهم الفكرية والاجتماعية، نراه كواحد من عامة الناس، وكأنَّ موقعه ليس في أعلى مركز قيادي فهو يلغي الحواجز والألقاب، ويعامل الأمة كما لو كان واحداً من عامتها بقلبٍ حاڼٍ، ونفسٍ متواضعة، وحب صادق عمیق... وهي روح لم يألفها التاريخ الإنساني منذ الآماد الموغلة في القدم حتى اليوم في قيادة غير قيادة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ووصيه علي(علیه السّلام) .
وقد وفق الإمام (علیه السّلام) توفيق عظياً في قيادة الواعين لأهمية قيادته وضرورتها في دنيا المسلمين على الأقل.
فقد كانت قيادته مبنية على الحب والاجلال معاً وبقدر ما كان يبذل من دفء وده للأمة، كان أتباعه يمنحونه الكثير من الود والتعظيم..
الأمر الذي يذكرنا بسياسة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ويطرحها واقعاً حياً في دنيا الناس (1)، فالتجربة واحدة في هذا المضمار وسواه، وان تغير الموقع التاريخي.. ورحم الله صعصعة ابن صوحان حيث يقول في وصفه للإمام (علیه السّلام) «كان فينا كأحدنا لينُ جانب، وشدةُ تواضع، وسهولة قياد، وكنّا
1) راجع الفصل الثالث من سيرة المصطفی (ص) للمؤلف
نهابُه، مهابةَ الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه»(1)، وتتجلى عظمة الإمام (علیه السّلام) في أخلاقه الاجتماعية من خلال المبادئ الآتية:
جاءت الخلافة للإمام (علیه السّلام) في ظروف بالغة الخطورة والتعقيد، فذوو النفوذ من الناس قد ألِفوا الاستئثار و استراحوا إليه، وليس يسيراً أبداً أن يذعنوا لأية محاولة اصلاحية تضر بمصالحهم الذاتية.
ثم أن المطامع قد تنبهت لدى الكثير من الرجال، بعد أن أصبحت الخلافة - منذ رحيل النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) - مغنماً لا مسؤولية لحماية الشريعة والأمة، ولقد كان الإمام (علیه السّلام) مدركاً لحقيقة الموقف بدقائقه وخفاياه بشكل جعله يعتذر عن قبول الخلافة حين أجمعت الأمة على بيعته بعد مقتل الخليفة عثمان قائلاً: «دعوني والتمسوا غيري فانّا مستبقلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وان الآفاق قد أغامت والمحجة تنكرت»(2)ولكن جماهير المدينة المنورة، وجماهير الثوار من العراق ومصر أصروا على استخلافه عليهم، فنزل الإمام عند رغبتهم، ولكن وفقاً لشروطه الخاصة هو «واعلموا أني أن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغِ إلى قول القائل وعبت العاتب»(3).
ولقد كانت أولى مهام الإمام (علیه السّلام) أن يجسد العدالة الاجتماعية في دنيا الناس ويمنح المنهج الإسلامي فرصة في البناء والتغيير على شتی الأصعدة، فدشن (علیه السّلام) خططه الاصلاحية، بالغاء السياسة المالية والاجتماعية والادراية التي كانمعمولا بها في عهد من سبقوه في الخلافة ليوفر الجو المناسب لتطبيق المخطط الإسلامي في العدالة الاجتماعية:
أ- دعا إلى استرجاع الأموال التي تصرف بها بنو أمية من بيت
المال.
ب - واستغنى عن كثير من الولاة الذين أساؤوا التصرف، وخالفوا
أمر الله تعالى، وتخطوا منهجه الأقوم الذي ارتضاه لعباده..
ج - ثم بادر إلى تبني سياسة المساواة في توزيع المال والحقوق، منهياً بذلك دور الطبقية والتمييز والأثَرَة:
«المال مال الله، يقسم بینکم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد»(1).
«ألا لا يقول رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا فامتلكوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيل، واتخذوا الوصائف المرققة، إذا منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، حرمنا ابن أبي طالب حقوقَنا!»(2).
وتبنى الإمام سياسة العدل الشامل:
وفي منهج الحقوق.
وفي توزيع المسؤوليات.
وكان منهج الإمام (علیه السّلام) في العدل لا يناظره إلّا منهج رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ان لم نقل إنه منهج الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالذات.
فهلم نصغ إلى منهاجه المتبنى في سياسة الأمة بالعدل من خلال حديثه (علیه السّلام) التالي: «.. والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهداً، وأجرُّ في الأغلال مصفداً، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام.. والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وأن دنیاکم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي، ونعيم يفنى ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين»(1).
«الذليل عندي عزيز حتى آخذَ الحقَ له»(2).
«وأيم الله لأنصفنَّ المظلوم من ظالمه، ولأقودنَّ الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وان كان کارها...»(3).
ولم تكن هذه المبادئ التي يتحدث عنها الإمام (علیه السّلام) ذاته، أمنياتٍ وأفكاراً طرحها في دنيا المبادئ والأفكار، وانما جسدها واقعاً حياً قبل أن يطرحها فكراً..
وهي خصيصة من خصائص علي (علیه السّلام) فالقول عنده يعقب العمل أو يجري من طبيعته.
ومن أجل ذلك ملأ الإمام (علیه السّلام) دنيا المسلمين قسطاً وعدلاً وحقق انقلاباً في واقع المسلمين على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وفقا لمقتضيات العدل الإلهي فأعاد بذلك أيام رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في صفائها واشراقها وعدلها الشامل..
فحسبك أن أميرالمؤمنين (علیه السّلام) كان يرتدي القميص المرفوع(1)ويبالغ في رقع مدرعته کلما تمزق جانب منها حتى يبلغ الأمر بالإمام (علیه السّلام) أن يستحي من راقعها(2).
وكان يخرج إلى السوق ليبيع سيفه کي يشتري بثمنه إزاراً(3)وهو هو في علو شأنه وعظمة مركزه الذي يحتل في دنيا المسلمين حيث تجبی إليه الأموال من أقاليم الدولة الإسلامية جميعها، وثروات الدولة تحت تصرفه..
وكان يأكل خبز الشعير بنخالته وكان غالب أدامه اللبن أو الملح
والماء..
ولم يكن للإمام (علیه السّلام) غير قميص واحد لا يجد غيره عند غسله(4).
ومع شدة زهد الإمام (علیه السّلام) في الدنيا، فقد كان حريصاً على توفير
الرفاه الاقتصادي للأمة التي اضطلع بقيادتها، فكان يقسم الذهب والفضةبين الناس، ويطعمهم اللحم والخبز(1)ويعمل كل ما في وسعه
الرفع غائلة الفقر عنهم..
وكان بیت المال لا يكاد ترد إليه الأموال حتى يبادر الإمام (علیه السّلام) إلى توزيعها على الناس، لاعطاء كل ذي حق حقه.
وكان منهاجه في توزيع المال التزام أقصى درجات العدالة..
فها هو يخاطب الزبير وطلحة حينما كبر عليها منهاج المساواة في العطاء «..فوالله ما أنا وأجيري هذا إلا بمنزلة واحد» (2).
وها هو سهل بن حنيف يخاطبه: يا أمير المؤمنين قد أعتقتُ هذا
الغلام، فأعطاه ثلاثة دنانير مثل ما أعطى سهل بن حنیف (3).
ويأتيه عاصم بن میثم -وكان الإمام (علیه السّلام) يقسم أموالاً - فقال:
فقال الإمام (علیه السّلام):
والله ما هي بكدِّ يدي ولا بترائي عن والدي، ولكنها أمانة
أوعيتُها(4).
وجاءه عبدالله بن زمعة -وهو من شیعته - يطلب منه مالاً.
فقال له الإمام(علیه السّلام) :
ويدخل عليه عمرو بن العاص ليلة وهو في بيت المال يتولى بعض شؤون المسلمين، فأطفأ الإمام (علیه السّلام) السراج وجلس في ضوء القمر(2)فالسراج ملك الأمة، فلا يصح أن يستضيء به ابن العاص، وهو في زيارة خاصة للإمام (علیه السّلام)!
حرصٌ فريدٌ على أموال الأمة، وسهر دائم على مصلحتها وعمل
دائب من أجل اسعادها وهدايتها واصلاح شأنها.
على أن تعاهد أمر الأمة من لدن على (علیه السّلام) ليس محصوراً في اطار المال وتوزيعه وانما يمتد لكي يشعر الإنسان بكرامته ويعيد وعيه بحقه في الحياة الحرة الكريمة، ويعلِّمه أن يتمرد على الظلم والكبت وسلب الارادة:
«لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا»
«أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وامامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيظلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول، فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم، فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع،
ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة»(1).
وتمتد ظلال العدالة في عهد أمير المؤمنين (علیه السّلام) فيرعى أسواقهم من ناحية المكاییل والمعروض من السلع وطبيعة المعاملات فيها، فيخرج كل يوم يتفقد أسواق المسلمين بنفسه فيرشد الضال، ويهدي المقصر إلى طريق الحق، ويأمر بكل معروف، وينهى عن المنكر (3).
ولشدة حرص الإمام (علیه السّلام) على تطبيق العدالة الإسلامية بأروع صورها في دنيا الناس، وعلى شتى الأصعدة أنه وجد درعه عند رجل نصراني، فوقف معه أمام القاضي ليقاضيه في الأمر.
فقال الإمام(علیه السّلام) : انها درعي، ولم أبغ، ولم أهت، فسأل القاضي الرجل النصراني: ما تقول فيها يقول أميرالمؤمنين؟
قال الرجل: ما الدرع إلا درعي وما أمیرالمؤمنين عندي بكاذب. فالتفت القاضي للإمام (علیه السّلام) طالباً بينة تشهد أن له الدرع.
فضحك الإمام (علیه السّلام) معلناً أنه لا يملك بينة من ذلك النوع. فقضى القاضي بأن الدرع للنصراني، فأخذها ومضى، والإمام ينظر إليه.
إلا أن الرجل عاد وهو يقول: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء،
أميرالمؤمنين يديني إلى قاض يقضي عليه..
ادعیت (1).
وحصيلة الأمر أن يعلن الرجل اسلامه ويخلص في الوقوف تحت
راية الإمام (علیه السّلام) مؤمناً مجاهداً ذائداً عن رسالة الهدى.. .
وبقدر ما كان الإمام (علیه السّلام) حريصاً على تجسيد روح العدالة التي صدع بها رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لاخراج الإنسان من ظلام الظلم والقهر والكبت، كان حريصاً كذلك على الزام ولاته وقضاته وقادة جيوشه، وجباة الأموال بالتزام العدل في معاملة الناس، وتحري الحق في الحكم والقضاء واعطاء الحقوق، وفي جمع المال وحتى في حالات الحرب وسواها..
وهذه بعض وصاياه في هذا المضمار:
«سع الناس بوجهك ومجلسك و حكمك، وإياك والغضب فانه طَيَرة منالشيطان، واعلم أن ما قربك من الله يباعدك من النار، وما باعدك من الله يقربك من النار» (2).
«أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك
فيه هویً من رعیتك، فانك الّآ تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده»(1).
«.. انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروعنَّ مسلماً، ولا تجتازنَّ علیه کارهاً، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله، فاذا قدمت على الحي، فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم أمضِ - السكينة والوقار حتى تقوم بينهم، فتسلم عليهم، ولا تخدع بالتحية لهم.
ثم تقول:
عباد الله، أرسلني إليكم ولي الله، وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل الله في أموالكم من حق، فتؤدوه إلى وليه..»(2).
«إياك أن تضرب مسلية أو يهودياً أو نصرانياً في درهم خراج، أو تبيع دابة عمل في درهم، فانما أُمرنا أن نأخذ منهم العفو»(3).
ولقد كان (علیه السّلام) يوصي جنوده في حالات الحرب بألا يبدأوا بقتال
العدو، حتى يبدأهم بالحرب، ولا يقتلوا من ولى دبره عن قتالهم، ولا يقتلوا الجريح ومن عجز عن حماية نفسه اثناء الحرب، ولا يؤذوا النساء بشيء حتى وان بدأنَ بسب أو شتم(1).
ونحو ذلك من وصاياه(علیه السّلام) .
أرأيت عدة رفيعاً كهذا العدل؟
بل هل حدثك التاريخ الإنساني عن رجل يحب الخير حتى
لخصومه الذين ناصبوه العداء؟
انه علي (علیه السّلام) صاحب القلب الكبير، الذي شمل الناس بحب غامر، فبسط لهم العدل في حياتهم، وأشعرهم بحقيقة الكرامة الإنسانية ووفر لهم غطاء من الأمن والاستقرار في جو الشعور بالمساواة والحياة الحرة الكريمة.
خلق التواضع في معاملة الناس، يقدر ما يكون عبادة إسلامية يندب الشرع الإلهي إليها، كذلك يعبر عن احدى صيغ التعامل الفاضل بين أبناء الأمة، فهو من وسائل توحيد الكلمة وجمع الشمل، واشاعة المودة والغاء التفاوت الطبقي.
ولقد كان الإمام علي (علیه السّلام) مثلاً أعلى في تواضعه كما كان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) من قبل.
1) راجع نهج البلاغة: رقم النص 14 وغيره.
وسيرته العطرة تجسد المزيد من الشواهد على ذلك الخلق
الإسلامي الرفيع:
فعن الإمام الصادق (علیه السّلام) يقول: «كان أميرالمؤمنين يحطب ويستسق ویکنس، وكانت فاطمة تطحن وتعجن وتخبز»(1).
وكان الإمام (علیه السّلام) يشتري حاجته وحاجة اسرته الكريمة من السوق بنفسه، ويحملها بيده، وهو أميرالمؤمنين، وزعيم المسلمين ويحظى باحتلال أرفع مركز في حياة المسلمين، ولقد كان الناس يسرعون إليه لحمل أشيائه حين يرون ذلك منه، ولكنه يأبى عليهم ويقول: رب العيال أحق بحمله (2).
وكان (علیه السّلام) يسير في الاسواق وحده، لا يصحبه حشم ولا خدم، ولا جند، فيرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبقالين والتجار ويأمرهم بالتواضع وحسن المعاملة ويتلو عليهم قوله تعالى: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(3).
ومن عظيم تواضعه (علیه السّلام) أنه خرج يوماً على أصحابه وهو راكب فمشوا خلفه، فالتفت إليهم فقال:
لا يا أميرالمؤمنين، ولكنا نحب أن نمشي معك.
فقال لهم:
وقد استقبله زعماء الأنبار وترجلوا وأسندوا بين يديه فقال(علیه السّلام) : - ما هذا الذي صنعتموه؟ قالوا:
فقال(علیه السّلام) :
ومن تواضعه الجم أكله خبز الشعير واللبن، ولبسه أبسط أنواع اللباس، وترقيعه لثوبه البالين وبساطته في مسكنه (3)ووقوفه بين يدي القاضي مع رجل من عامة الشعب الذي يضطلع الإمام (علیه السّلام) بقيادته (4).
ومن أدبه الكامل تسليمه على النساء (5)من قومه، ومشيه مع المرأة القضاء شأن من شؤونها حتى وان جلب له الأمر مشقة، فعن الإمام الباقر (علیه السّلام) قال:
1) البحار: ج 41، ص 55، عن المحاسن والكافي عن الصادق (ع) .
2) المناقب، ص 372 والبحار: ج 41 ص 55.
3) للتفاصيل راجع الفصل الثاني من هذه الدراسة وبعضاً من صفحات هذا الفصل: کزهد الإمام (ع) واقرار العدل.
4) بحار الأنوار: ج 41 ص 56، وعلي وحقوق الإنسان، جرداق: ص87.
5) الكافي: ج 5 باب التسليم على النساء حديث رقم 3.
«رجع الإمام (علیه السّلام) إلى داره في وقت القيظ، فاذا امرأة قائمة تقول:
فقال الإمام(علیه السّلام) :
فقالت:
فطأطأ الإمام (علیه السّلام) رأسه ثم رفعه وهو يقول:
ووقف الإمام (علیه السّلام) على باب المنزل فقال:
فقال له الإمام (علیه السّلام):
فقال الفتى:
-وما أنت وذاك؟ فقال أمير المؤمنين:
المعروف؟
فأقبل الناس يلقون التحية على الإمام(علیه السّلام) :
فأسف الشاب على ما كان منه وهو يقول:
فالتفت الإمام إلى المرأة قائلاً
وشبهه»(1).
وكان الإمام (علیه السّلام) قريباً سهلاً هيناً يلقي أبعد الناس وأقربهم بلا تصنع ولا تكلف، ولم يحط نفسه بالألقاب ولا زخرفة الملك، بل كان يتعامل مع الأمة كفرد منها، يعيش مشاكل الضعفاء، ويحب المساكين، ويتودد للفقراء، ويعظم أهل التقوى من الناس.
ولقد كان من شواهد رفقه بالأمة وتواضعه في المعاملة وسهولته، ومرونته: مقابلته لمن يلقاه بالبشر وطلاقة المحيا والابتسامة الحلوة وبشر الوجه، الغاءً منه للحواجز والرسميات بين القيادة والأمة، وانهاء الدور الزخرفة والألقاب التي يحيط بها الأمراء والقادة أنفسهم عبر تعاملهم مع الناس.
ولاشتهاره بتلك الروح الاجتماعية السمحة مع عامة الناس حاول أعداؤه أن يشوهوا تلك الصورة المشرقة للإمام (علیه السّلام) ويحولوها إلى عيب ينبزونه فيه امعاناً منهم في تشويه واقع سیاسته وجميل صفاته الشخصية والاجتماعية.
فعمرو بن العاص يحدث أهل الشام عن علي (علیه السّلام) فيقول: أنه ذو دعابة شديدة(2)محاولاً الانتقاص من شأن الإمام (علیه السّلام) والامعان في تغطية فضائله، والعمل على كل ما من شأنه تضليل الناس هناك لكي
يحال بينهم وبين التطلع لواقع الإمام (علیه السّلام) وحقيقته.
حتى أن الإمام (علیه السّلام) حين بلغه افتراء ابن العاص قال: «عجباً لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن فيَّ دعابة واني امرؤ تلعابة»(1).
ولقد كان معاوية بن أبي سفيان يشيع ما يشيعه ابن العاص كذلك في مناسبة وأخرى.
وما يضير أميرالمؤمنين (علیه السّلام) إذا عابه معاوية وابن العاص، فلقد كان (علیه السّلام) يقتفي أثر رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في ساحة أخلاقه وطلاقة محياه سواء.
وكان (علیه السّلام) يعمل على الالتصاق بالناس للتعرف على ما يعانون حتى انه كان يمشي في الأسواق ويتابع الحركة التجارية من ناحية الوزن والأسعار ونوعية المعروض من السلع -كا المحنا إليه قبل قليل -
وكان الإمام (علیه السّلام) حريصاً على متابعة تصرفات الولاة في البلدان، والقادة وجباة الأموال، ويأمرهم بالرفق والتواضع في معاملة الناس.
وما أروع روح التواضع عند علي (علیه السّلام) كما يصفها ضرار ابن ضمرة في حديثه لمعاوية الذي افتتحنا به هذا الفصل - «يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب... كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه.. يعظم أهل الدين، ويحب المساكين»(2).
ولقد كان الإمام (علیه السّلام) قمة في حلمه وعفوه عمن يسيء الأدب معه، فهو لايعرف الغضب إلا حين تنتهك للحق حرمته أو تتعدى حدود الله تعالى، أو يُعتدي على حقوق الأمة أو تضر مصلحتها.
وخلق الإمام (علیه السّلام) في الحلم والصفح عن المسيء ظل هو هو لم يتغير، فعلي (علیه السّلام) في صفحه وحلمه قبل خلافته، كعلي في صفحه وعفوه أيام قيادته المباشرة للأمة، على أن عظمة الإمام (علیه السّلام) تزداد قوة وجلاء حين يظل يصفح ويمعن في عفوه حتى عن أشد خصومه في وقت يمتلك القدرة على العقاب والقصاص والقتل.
فهو في أيام خلافته في مركز يؤهله أن يقتص من خصومه، فهو رئيس الدولة، والمطاع الأول بين أتباعه غير أنه مع هذا وذاك ظل يحمل نفس الروح من العفو والتجاوز کا کان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) سواء بسواء
ومروان هو، هو في حقده على الإسلام والإمام (علیه السّلام)، وهو هو في دسائسه ومكره، ودوره الخبيث في تأجيج الفتن في وجه الإمام (علیه السّلام)
1) المناقب: ج 1 ص 38، ونهج البلاغة: نص 73.
أشهر من أن نذكره، فهو الذي عارض البيعة للإمام (علیه السّلام) وهرب من المدينة المنورة بعد البيعة مباشرة، وهو الذي ساهم في فتنة البصرة، والهب حماسة الناكثين وأغراهم بالتعجيل بها.. إلى غير ذلك من مواقفه الخسيسة.
ولقد عفا الإمام (علیه السّلام) كذلك عن عبدالله بن الزبير(1)بعد اسره يوم الجمل، وعبدالله بن الزبير هو الذي كان يقود الفتنة في حرب الجمل.
وجيء بموسى بن طلحة بن عبيد الله، وكان طرفاً في فتنة الجمل فلما وقف بين يدي الإمام (علیه السّلام) خلى سبيله، ولم يعنفه عن دوره في الفتنة، وانما طلب منه أن يستغفر الله ويتوب إليه ثم قال:
« اذهب حيث شئت، وما وجدت لك في عسكرنا من سلاح أو
کراع فخذه، واتق الله فيها تستقبله من أمرك وأجلس
في بيتك»(2).
ومن عظيم عفوه ما رواه الإمام الباقر (علیه السّلام) قال: «كان على (علیه السّلام) إذا أخذ أسيراً في حروب الشام أخذ سلاحه ودابته واستحلفه أن لا يعين عليه»(3)ثمّ يشمله بعفوه!
أرأيت موقفاً انسانياً كهذا الموقف؟
لقد كان الإمام (علیه السّلام) مدركاً أن الذين يقاتلونه من أهل الشام انما يقاتلونه وهم عن حقيقته غافلون، فقد أغراهم معاوية بالمال، وسدَّ
عليهم منافذ التفكير والوعي على الحقائق بما استخدمه من وعاظ سوء وواضعي حديث ممن باعوا ضمائرهم للانحراف صوب الجاهلية.
وبناءً على هذا الوعي العلوي الحقيقة مقاتليه من أغراهم معاوية وغرر بهم، فقد سبق حلم الإمام (علیه السّلام) عدله في معاملتهم فلم يعاقب من أخذ منهم أسيراً، وانما يجرده من أداة الشر، ويضعه أمام الله والضمير کي لا يعود لقتال معسكر الحق الذي يقوده الإمام (علیه السّلام).
ويذكرنا هذا الموقف الكريم بموقف معاوية وعمرو بن العاص اللذين كانا يصران على قتل الأشراف من جيش الإمام (علیه السّلام)، بيد أنهما خشيا الفضيحة إذا أقدما على ذلك بعد أن خلى الإمام (علیه السّلام) عن أسراهم ابتداء فعدل معاوية وصاحبه عن موقفها لا لطيب خلق منها، وانما خشية نقمة الرأي العام الإسلامي(1)عليهم.
ولِمَ نذهب بعيداً وتلك معركة صفين تحمل أحداثها الكثير الكثير من مواقف الصفح العلوي... فحين سبق جیش معاوية إلى ماء الفرات أصر على منع الماء عن جيش علي(علیه السّلام) .. فأوفد الإمام (علیه السّلام) لمعاوية وفداً کي يغير موقفه. ولكنه مضى في اصراره وموقفه اللاأخلاقي...
فاضطر الإمام (علیه السّلام) لتحريك قوة من جيشه لفك الحصار. وكانت النتيجة أن سيطر جيش الإمام (علیه السّلام) على الماء.. ولكن علياً حمله حمله الرفيع وكرم نفسه على بذل الماء لخصمه قائلاً لجنوده:
«خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا إلى عسكركم. وخلوا عنهم
1) الإمام علي بن أبي طالب - محمد رضا: ص 223.
فان الله عز وجل قد نصرکم عليهم بظلمهم وبغيهم»(1).
ولقد كان مقدر للإمام (علیه السّلام) أن يذيقهم الهزيمة الشاملة لو أنه منعهم الماء، وحال بينهم وبينه، ولكنها الأخلاق الإلهية التي يتمسك بها ويجسدها حية في دنيا الناس تأبي عليه ذلك اللون من المواقف.. حتى يقع التمييز الحاسم بين منهج الهدى والصراط المستقيم في الفكر والعمل الذي يمثله علي (علیه السّلام) وبين سبيل الانحراف والالتواء واللاأخلاق التي يجسدها معاوية بن أبي سفيان.. .
ولنا أن نعرض شواهد من حلم الإمام (علیه السّلام) وعظيم صفحه في حياته الخاصة كذلك:
«دعا الإمام (علیه السّلام) غلاماً له مراراً فلم يجبه، فخرج فوجده على باب البيت فقال: كسلتُ عن اجابتك، وأمنتُ عقوبتك. فقال(علیه السّلام) : الحمد الله الذي جعلني ممن يأمن خلقه، امضِ فأنت حر لوجه الله»(2).
وقد خاطبه رجل من الخوارج بقوله: «قاتله الله كافراً ما
أفقهه!».
فوثب أصحاب الإمام (علیه السّلام) ليقتلوه.. فقال الإمام (علیه السّلام): رويداً انما هو سبٌ بسبٍ أو عفوٌ عن ذنب(3).
وهكذا شمل الرجل بعفوه، وحال بين القوم وبين معاقبته.
هذا وفي سيرة الإمام (علیه السّلام) الكثير من مثل هذه المواقف التي تعبر
عن خلق إلهي کريم أُطرت به شخصية علي(علیه السّلام) .
على أننا لو أغضضنا الطرف عن كافة مواقف الحلم التي اصطبغت بها حياة علي (علیه السّلام) بالنسبة إلى المسيئين له أو أعدائه لكان في موقف الإمام (علیه السّلام) من قاتله ابن ملجم المرادي أعظم شاهد على تمتع الإمام (علیه السّلام) بنمط من الأخلاق السامية لم يتمتع بها سوى الأنبياء والمقربين من البشر، فهل أبناك التاريخ عن إنسان عامل عدوه بنفس الروح التي عامل بها علي (علیه السّلام) قاتله، لقد شدد الإمام (علیه السّلام) على أهل بيته أن يطعموا قاتله ويسقوه ويحسنوا إليه فعن الإمام الباقر (علیه السّلام) وهو بصدد ذكر احدى وصايا الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في آخر حياته يقول:
إن علي بن أبي طالب(علیه السّلام) .. قال للحسن والحسين (علیهما السّلام): «احبسوا هذا الأسير - يعني ابن ملجم المرادي - وأطعموه واسقوه، وأحسنوا أساره فان عشتُ فأنا أولى بما صنعَ فيَّ، ان شئت استقدتُ وإن شئت صالحتُ، وان متُّ فذلك إليكم، فإن بدا لكم ان تقتلوه فلا تمثلوا به»(1).
والتورع عن البغي أصل من أصول نفسية الإمام (علیه السّلام) وخلق من أخلاقه الكريمة، وهو مظهر من مظاهر التقوى التي يمتاز بها، فهو يتحاشى البغي حتى على اشد الناس خصومة له وللحق الذي هو عليه، وحتى إذا بغى عليه يبق مصراً على التزام خطه في النأي عما له صلة بأي لون من الوان البغي..
1) بحار الأنوار: ج 1، ص206 باب 127.
ومن أجل ذلك كان الإمام (علیه السّلام) داعية السلم الأكبر، رغم كثرة الشغب والفتن التي أثارها بعض الناس في طريق مسيرته الاصلاحية:
بذل كل ما في وسعه أن يجنب الأمة المسلمة سفك الدماء وتمزق الصف، حين ألح على الزبير وطلحة أن يعدلوا عن موقفهما، سواء من خلال المراسلة، أو الوفود أو اللقاءات الشخصية المباشرة مع الزبير وطلحة(1).
ولقد بلغ الأمر بالإمام (علیه السّلام) حين التق الجيشان في البصرة أن يدعو الزبير فيخرج الإمام (علیه السّلام) بلا سلاح، ويعانقه طویلاً؟! وربما بکی علي (علیه السّلام) في ذلك الموقف، ثم عاتب الزبير على خروجه لقتاله، وذكره بعلائق المودة القديمة بينهما كما ذكره بقول رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فيها: «أنشدك الله يا زبير أما تذكر، قال لك رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يا زبير أتحب علية، فقلتَ وما يمنعني من حبه، وهو ابن خالي؟». .
فقال (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : أما أنك ستخرج عليه وأنت له ظالم.
فقال الزبير: اللهم بلى، قد كان ذلك(2).
وحين أفلت الزمام واصير الناكثون على اشعال نار الحرب بقي الإمام (علیه السّلام) عند موقفه الرافض للبغي والعدوان فلنصغِ إليه وهو يخاطب جنوده: «أيها الناس أنشدكم الله أن لا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تستحلوا سبياً ولا تأخذوا سلاحاً، ولا متاعاً (3).
وحتى بعد انتهاء المعركة بقي الإمام (علیه السّلام) عند موقفه النائي عن العدوان فأعلن العفو العام عن جميع المشتركين في حربه: القيادات والقواعد على حد سواء(1).
وذاك الحلق العلوي المتميز تجلى في حوادث صفين من بدايتها إلى نهايتها: يقطع البغاة عنه طريق الوصول إلى الماء وهو في حيويته الجيش مقاتل كبير فلا يبادر لاستعمال العنف، بل يرسل الوفود، ويبذل المحاولات لتغيير الموقف بالتي هي أحسن.. لكي لا تراق للمسلمين دماء.. ولكن البغي الأموي الحاقد الذي يجسده قولهم «ولا قطرة حتى تموت ظمأ» (2)حمله على اصدار أوامره لقواته بالتحرك لكسر الحصار، وهكذا كان.. وحين امتلك الماء أباحه الجيش عدوه منذ الساعة الأولى من سيطرة قواته عليه.
ومع أصحاب النهروان بذل الإمام (علیه السّلام) كل مسعیً لأجل ابعاد الناس عن القتال، ولكن اصرار البغاة على قتال الإمام (علیه السّلام) حال دون بلوغهم الصراط المستقيم فعاثوا في الأرض فساداً وقتلوا نفوساً بريئة، واثاروا البلبلة في البلاد مما اضطر علياً (علیه السّلام) إلى قتالهم، ولكن بعد محاولات عديدة أيضاً لجمع الصف، ودعوات مستمرة لاقرار السلم والقاء السيف (3).
وفي وصايا الإمام (علیه السّلام) لجيوشه وجباة المال والولاة مؤشرات
أخرى على التزام أمير المؤمنين (علیه السّلام) لمنهاج اللابغي واللاعدوان على أحد كائناً من كان ما ذكرنا منه طرفاً في الصفحات الماضية من هذا البحث.
أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك هویً فيه من رعیتك، فانك أن لا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان خصمه دون عبادة، ومن خاصمه الله دحض حجته، وكان الله حرباً حتى ينزع، ويتوب»(1).
ولم يكن منهاج علي (علیه السّلام) هذا خاصاً بأهل مصر، وانما هو منهاجه الشامل لكل البلاد التي رفرفت راية دولته الكريمة عليها.
ولقد رأينا بعضاً من وصاياه للولاة فيما مضى من حديث.
1) عهد الإمام (ع) إلى مالك الأشتر حين ولاه مصر - نهج البلاغة، رقم النص 53 ص 426.
وقوة الإرادة والروح العالية في مواجهة مصاعب الحياة ركن أساس في شخصية علي (علیه السّلام) وقد لا نغالي إذا اعتبرناها قاعدة للكثير من مواقف الإمام (علیه السّلام) في حياته العملية، مما ذكرناه أو مما لم نذكره، فشدة تعلقه بالله وكثرة عبادته، وتورعه عن البغي وزهده في الحياة الدنيا، وصفحه عمن يسيء إليه وغيرها مؤشرات ضخمة على تسلح الإمام (علیه السّلام) بصبر لا يعرف الهزية ولا النكوص عن القصد بشكل جعل الإمام (علیه السّلام) وكأنه الصبر صار إنساناً.
ومع أن تلك المواقف والممارسات تمنح الدليل تلو الدليل على حجم الصبر الذي يتمتع به الإمام (علیه السّلام) فانه من المناسب أن نذكر إلى جانب ذلك مواقف وأحداثاً جرت في حياة علي (علیه السّلام) وقد أثر الصبر، ورباطة الجأش التي امتاز الإمام (علیه السّلام) في تجسيدها في دنيا الواقع...
حين أجمع رؤوس الشرك على تدبير ذلك الجرم، أنبأ الله تعالى
رسوله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بأمرهم:
«وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ». (الأنفال: 30)
وأمره تعالی بوجوب الهجرة إلى دار الإسلام «یثرب» فخرج (صلّی الله علیه وآله وسلّم)
مهاجراً بعد أن ترك علياً (علیه السّلام) في فراشه ملتحفاً ببردته فقضى الإمام (علیه السّلام) ليلته في فراش رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) دون أن يكترث بما حوله من مكر مبيت. فلقد كان محتملاً أن ينقض أولئك الأوغاد على الإمام (علیه السّلام) بسيوفهم دون رحمة، مدفوعين بالحقد الجاهلي الأسود البليد، دونما أقل اكتراث، ظناً منهم أنه الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، والإمام (علیه السّلام) كان يتوقع ذلك منهم، ولكن ارادة علي (علیه السّلام) ورباطة جأشه المعروفة المستمدة من الثقة المطلقة بالله والايمان الكامل بقدره وقضائه تعالى وقوة صبر الإمام (علیه السّلام) على مواجهة المصاعب والأحداث قد حملته على أن يسخر ما يبيتون، حتى إذا طلع الفجر هجم القوم على حجرة الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وعلي (علیه السّلام) فيها وهم يظنون أنه رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .. فواجههم الإمام (علیه السّلام) بصلابة ارادته المعهودة:
ما شأنكم؟ قالوا: أين محمد؟ قال: أجعلتموني عليه رقیباً؟ ألستم قلتم نخرجه من بلادنا، فقد خرج عنكم!!
هكذا يخاطب الإمام (علیه السّلام) المتآمرين بمنتهى الصبر والاباء والصرامة ساخراً بأولئك الأوباش.
انه موقف شجاع تتصاغر أمامه ارادة الأبطال من الرجال!
وبتلك الارادة بقي الإمام (علیه السّلام) في مكة بعد هجرة رسول الله یه يواجه مسؤولياته في تنفيذ وصايا الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) واداء كافة المهمات المناطة به.
تحمله للعقبات أفشلت المحاولة، فلم يعبأ بالفرسان الثمانية الذين أرسلوا الاعتراض سبيله، فواجههم بسيفه، وأهوى به على قائدهم بضربة قاضية، تحول الرجل بعدها إلى جثة هامدة يخور بدمه في تلك الفلاة من الأرض، ففر الباقون مخلفين قائدهم في الميدان(1)..
-وفي دار الهجرة واجه الإمام (علیه السّلام) مسؤولياته العظيمة كجندي للرسالة في الرعيل الأول، فأبدي (علیه السّلام) من قوة الإرادة ومضاء العزيمة والقدرة على مواجهة المصاعب ما يعد مفخرة يعتز بها إنسان الإسلام بامتداد وجوده التأريخي، فالإمام (علیه السّلام) عبر المعارك الهجومية والدفاعية -التي خاضها رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) من أجل نشر الرسالة الإلهية أو حماية وجودها العملي في حياة الناس - كان قطب رحاها الخائض المقدام الغمراتها الذي لا تأخذه في الله لومة لائم من أجل اخماد طغيان الشرك والمشركين وكافة أعداء الرسالة المتربصين، فما من حرب تسعَّر، وما من معركة تدور رحاها إلا دعي علي (علیه السّلام) لاخماد فتنتها وتنکیس رايات الجاهلية فيها: في بدر، وأحد، والأحزاب، وحنين، وخيبر..و...
وفي كثير من المواقف يسود الهلع في معسكر المسلمين، ويستبد الوهن والنكوص عن مواجهة العدو، فيعيد سيف علي (علیه السّلام) الثقة للنفوس ويجدد في معسكر الإيمان روح القدرة على المواجهة وصد العدوان..
الأمر الذي يكشف عما يتمتع به الإمام (علیه السّلام) من نفس
كبيرة تعلو
1) الإمام علي رجل الإسلام المخلّد - عبدالمجيد لطفي: ص 53، وأعيان الشيعة: ج 3 ق 1 ص 156 - 157.
على كل وهن، وتسخر بكل ضعف، وترتفع فوق كل ذلة وهوان.. انها قوة الارادة... ومضاء العزيمة وشدة الصبر على المكاره مقرونة باليقين العميق بالله تعالى، والاستمداد منه والتوكل عليه دون سواه.
وقد تولى الأمام (علیه السّلام) الخلافة في ظروف صعبة دقيقة على مضض، وبعد محاولات عديدة من الرفض لها من قبله(1)، وما أن عقدت له البيعة حتى نکث قوم و قسط آخرون، ومرق غيرهم، كل ذلك من أجل أن يحال بين الإمام (علیه السّلام) وبين استئناف المسيرة الإسلامية التي بدأها رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
ولقد تحمل أميرالمؤمنين (علیه السّلام) ما تحمل من الآلام والمشقات في سبیل اخماد الفتن السوداء التي أثارها أصحاب المنافع الشخصية وأصحاب المصلحة الذاتية المستفيدين من سياسة الانحراف، وما وضعوه من عقبات في طريق مسيرته الاصلاحية، فقابل كل ذلك بالصبر الجميل، وبالتسليم
لقضاء الله تعالى، حتى رحل إلى ربه الأعلى شهیداً مثقلاً بالمتاعب والآلام.
وها هو يخاطب رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهو يلي غسله وتجهيزه بكلمات حزينة تدمي القلب وتزرع الأسى: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد انقطع موتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبار السماء. خصصت حتى صرت مسلياً عمن سواك؟ وعممت حتى صار الناس فيك سواء. ولو لا أنك أمرت بالصبر، ونهيتَ عن الجزع، لأنفدنا عليك ماء الشؤون ولكان الداء مماطاً، والكبد محالفاً، وقلاً لك، ولكنه ما لا يملك رده، ولا يستطاع دفعه! بأبي أنت وأمي أذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك»(1).
وإذا أعدنا إلى الأذهان ما يحظى به رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) من حب وتعظيم في نفس اميرالمؤمنين (علیه السّلام) لأدركنا حجم الاسي الذي صبّ على الإمام (علیه السّلام) بفقده (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فعلي (علیه السّلام) قد حظي بتربية الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ورعايته واعداده و مصاحبته منذ الصبا حتى فارق رسول الله الدنيا.
ولقد كانت تلك التربية وتلك الأخوَّة بينهما مليئة بضروب الود والحنان والوفاء والاخلاص مما ليس له نظير(2).
على أن الإمام (علیه السّلام) التزم جانب الصبر راضياً بقضاء الله المحتوم في رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
الفترة، ألمت بالزهراء سيدة نساء العالمين العلة التي توفيت على أثرها فلحقت بالراحل العظيم أبيها حيث كان الإمام (علیه السّلام) طوال فترة المرض الذي عانت منه فاطمة (علیها السّلام) يعيش ما تعاني بملء كيانه، فهي وديعة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومدرسة الإمامة التي خرّجت قادة الأمة الهداة (علیه السّلام) وهي الصابرة المحتسبة، التي صبَّ عليها ظلم الأعداء بشكل لا نظير في تاريخ النبوات (1)، وهي بعد ذلك زوجه الوفية التي عاشت معه آماله وآلامه طوال حياتها معه.
لقد رأى الإمام (علیه السّلام) زهراء الإسلام، بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : وهي تعيش مرارة الأسي، ثم وهي تستسلم الفراش المرض فيشحب لونها، وتتردي أوضاعها الصحية يوماً بعد يوم، ثم يراها وهي تفارق الدنيا، فيباشر تغسيلهاوتجهيزها ودفنها(علیها السّلام) ، ثم يقف على شفير قبرها مودعاً بعبارات تذيب القلوب الحديدية: -
«السلام عليك يا رسول الله عني، وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللّحاق بك! قلّ یا رسول الله عن صفيتك صبري، ورقَّ عنها تجلدي، إلا أن في التأسي لي بعظيم فرقتك، وفادح مصيبتك، موضع تعزٍ، فلقد وسَّدتُك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك فإنا الله وإنا إليه راجعون، فلقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة! أما حزني فسرمد، وأما ليلي فسهَّد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هظمها فأحفها السؤال، واستخبرها
1) اقرأ محنة الصديقة الزهراء (ع) وحجم الظلم الذي صبَّ عليها بعد رسول الله(ص)، وأسباب وفاتها، في كتاب: الصديقة الزهراء بين المحنة والمقاومة: للمؤلف.
الحال، هذا ولم يطل العهد، ولم يخلُ منك الذكر، والسلام علیکا سلام مودع، لا قال، ولا سئم، فان انصرف، فلا عن ملالة، وان أقم فلا عن سوء ظنٍ بما وعد الله الصابرین»(1).
فرغم حجم المأساة فإنَّ الإمام (علیه السّلام) استسلم لقضاء الله تعالى واستعان على الأسى بجميل الصبر.
وکا صبر الإمام (علیه السّلام) لفقد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) والصديقة الزهراء (علیها السّلام) ، تجمل بالصبر كذلك لفقد اخوة له في الله، انقطعوا إليه في الوفاء وبذلوا أرواحهم وكل ما يملكون في سبيل رسالة الله تعالى، وقد تصدوا لهدم الباطل، وواجهوا الانحراف، فاستشهدوا في ساحات الجهاد کعمار بن ياسر ومالك بن التيّهان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت الأنصاري ومالك الأشتر، ومحمد بن أبي بكر وسواهم.
وها هو الإمام (علیه السّلام) يذكرهم قبل نیله الشهادة بأيام في خطبة له جاء فيها:
1) نهج البلاغة رقم النص 201. التأسي: الاعتبار. الفادح المثقل.. التعزي: التصبر. ملحودة القبر: الجهة المشقوقة من القبر. مسهد: اشتد به الأرق. هضم: ظلم. احفاء السؤال: الاستقصاء فيه. القالي: المبغض. السئم: الضجر.
«..این اخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار، وأين ابن التيهان، واین ذو الشهادتين وأين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة.
ثم أطال البكاء وقال:
أوهٍ على اخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنة، وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوه..»(1)
ومن شواهد صبر الإمام (علیه السّلام) كذلك رفضه للدنيا ولذاتها وتحمله لأذى الجوع،والتقشف وزهده بالمال حتى يبلغ به الحال أحياناً أن يشد حجر المجاعة (2)، على بطنه، ولقد رأيت في حديثنا عن زهده وعدالته (3)ما يغنيك عن تعداد شواهد أخرى من قوة تحمله وارادته في مواجهة المشقات وعقبات الحياة.
وهكذا عاش الإمام (علیه السّلام) حياة مليئة بالكدح والآلام، زاخرة بالرزايا، حافلة بالمحن، غير أنه واجهها جميعاً بقوة صبره، وعظيم ارادته التي لا تقهر.
صور من علم الإمام
مصنفات الإمام
*طرف من مواعظ الإمام
*قبس من حكم الإمام
آن محاولة للحديث عن دنيا المعرفة عند أميرالمؤمنين (علیه السّلام) مهما أعطيت من التوفيق يستحيل عليها أن تحدد الفكر العلوي العظيم، وتحيط بأبعاد المعرفة التي طرحها الإمام (علیه السّلام) في ساحة الفكر الإنساني، وحسبك أن كل مدرسة فكرية ظهرت في دنيا المسلمين، كل منها تدعي انتماءها فكرياً للإمام (علیه السّلام) حتى وان كانت مخالفة للواقع والحق،
كأن ادعاءها الاستعداد من على (علیه السّلام) يعطيها صفة الشرعية وحق الحياة، فالأشاعرة نسبوا أنفسهم له، والمعتزلة ادعوا الانتهاء إليه، وزعمت مدرسة الرأي في الفقه انتماءها إليه، وذهب المتصوفة إلى أن إمامهم أميرالمؤمنين فيها ذهبوا، وسوى هؤلاء كثير(1).
هذا فضلاً عن حملة مبادئه من الذين التزموا مذهب أهل البيت (علیهم السّلام) : الثقل الثاني بعد القرآن الكريم الذي ألزمت الشريعة بالتمسك بها وسلوك دربهما على لسان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «اني مخلف فیکم
1) شرح نهج البلاغة: ج 1 ص17، وما بعدها، ط1، 1959 ط دار احياء الكتب العربية.
الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً وانهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»(1).
فادعاء جميع المدارس الفكرية والفقهية انتهاءها للإمام (علیه السّلام) وانتهالها من بحر علمه مؤشر كبير على عظمة الإمام (علیه السّلام) وعلو شأنه في دنيا الفكر الإسلامي .
الأمر الذي لم يكن لأحد من المسلمين بعد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) طوال التاريخ الإسلامي أبداً.
فعلي (علیه السّلام) قد تنازعته كل الحركات الفكرية والفقهية التي ولدت في تاريخ المسلمين، بل قال بالانتساب إليه أصحاب النشاطات الفكرية والثقافية والعلمية من نحويين وأهل القراءات وعلماء التفسير وأهل الحديث والفقه وسواهم، على أن الانتساب لعلي (علیه السّلام) في الحقل المعرفي أو ادعاء الانتساب إليه لم يأتِ عفواً أبداً، وانما هو شاهد قوي على أن علياً(علیه السّلام) لم يترك حقلاً من حقول المعرفة الصحيحة إلا ووضع أسسه وحدد معالمه وترك الباب مفتوحاً لرواد المعرفة أن ينتهلوا منه.
ولم يكن العطاء الفكري العظيم الذي أسداه الإمام (علیه السّلام) للإنسان إلا حصيلة طبيعية للاعداد الخاص الذي توفر للإمام (علیه السّلام) من لدن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) منذ طفولة الإمام (علیه السّلام) حتى آخر ساعة من حياة الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) اضافة إلى انفتاح روحه وقلبه على الملأ الأعلى تسديداً من
1) روى هذا الحديث باختلاف يسير في اللفظ: مسلم في الصحيح، والحاكم في مستدرك الصحيحين وأحمد بن حنبل في المسند، والمتقي الهندي في کنز العمال، وغيرهم وقد أحصی مصادره السيد حامد حسین في عقبات الأنوار: المجلد الأول، والمجلد الثاني.
الله تعالى، له، والهاماً (1)..
الأمر الذي تسالم المؤرخون على حقيقة وقوعه.
ولقد أشار الإمام (علیه السّلام) ذاته إلى ذلك الاعداد الذي وفره له رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وكشف عن أهميته وابعاده في حياة الإمام (علیه السّلام) بقوله:
«..وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره، وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه: ويمسني جسده، ويشمني عَرَفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل.. ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه، ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وخديجة، وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، واشم ريح النبوة»(2).
ولاستمرارية ذلك الاعداد الخاص لعلي (علیه السّلام) يشير الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري (رض) بقوله: «كانت لعلي من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) دخلة لم تكن لأحد من الناس»(3).
1) راجع اصول الكافي 1: کتاب الحجة ص 168 - ص 277، وعلم اليقين: الفيض الكاشاني 1: ص 366 - 375، وغيرها من المصادر.. راجع وثيقة رقم (8) في الملحق، وسترى في الوثيقة المذكورة آن الأئمة من أهل البيت (ع) علاوة على وراثتهم العلم من رسول الله (ص)، فأنهم محدّثون، مسددون من الله عزّ وجلّ، ولا نبي بعد محمّد بن عبدالله (ص)، وهذا النمط من الثقافة والفهم يوجد مثله عند اخواننا من أهل السنة حيث أوردوا روایات تفترض أن بعض الخلفاء محدّثون / راجع معالم المدرستين 2: 328 مثلاً.
2) نهج البلاغة الخطبة القاصعة. رقم 192.
3) انساب الأشراف: ج2 ص98 - البلاذري.
وعن ابن عباس (رض) عن علي (علیه السّلام) قال: «كان لي من النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) مدخلان: مدخل بالليل ومدخل بالنهار»(1).
ولقد كان ذلك الاعداد الرسولي منصباً على جميع جوانب شخصية الإمام (علیه السّلام) من أجل تأهيله فكرياً ونفسياً لاحتلال موقع المرجعية الفكرية والسياسية للأمة الإسلامية بعد غياب رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) عن مسرح الحياة..
وحيث أن حديثنا هذا يهدف إلى دراسة العطاء الفكري الثر الذي طرحه الإمام (علیه السّلام) في الساحة الإنسانية فلابدّ من أن نشير إلى أن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) حين أكمل بناء الجانب الفكري من شخصية الإمام (علیه السّلام) وأهله لخلافته في هذا المضمار، أخذ(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يبلغ الأمة بحقيقة ما وصل إليه الإمام (علیه السّلام) من مستوى متميّز عظيم في ميدان المعرفة:
قال (صلّی الله علیه وآله وسلّم):
وعن ابن مسعود قال: كنت عند النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فسئل عن علم
وللتفاصيل يراجع: فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي للحافظ أحمد بن محمد الصديق الغماري ط 2، 1966
3) أبو نعيم في حلية الأولياء والديلمي في فردوس الأخبار وغيرهما نقلاً عن مقام أمير المؤمنين ط الأعلمي: ص7.
علی(علیه السّلام)؟
فقال:
وهناك أحاديث شريفة بهذا الشأن لا تكاد تحصى كثرة، وهي تهدف جميعاً إلى بيان المكانة التي يحتلها الإمام (علیه السّلام) في الجانب المعرفي، وتدعو الأمة صراحة إلى وجوب أخذ معارف التشريع الإلهي عن طريقه (2)، فمنه تستمد الهدى، وهو الصراط المستقيم الموصل إلى الله تعالى بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
ولقد أدرك الكثير من معاصري الإمام (علیه السّلام) ما يحظى به الإمام (علیه السّلام) من علو شاهق في مجالات المعرفة بشتى حقولها وجوانبها، وما يتبوؤه من مقام رفيع في ركب الإسلام الخالد:
فها هو ابن عباس (رض) يقول:
بالعشر الباقي (3).
وعطاء بن أبي رباح يقول: حين سئل هل تعلم أحداً بعد
رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أعلم من علي؟!
وعمر بن الخطاب يقول:
سدس، ولقد شاركَنا في السدس حتى هو أعلم به منّا(1).
ولَكَم كان الخلفاء الذين سبقوه تاريخياً يرجعون إليه في مسائل القضاء والحكم والادارة، حتى أن عمر ابن الخطاب كان يردد «لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن» أو يقول: «أعوذ بالله من معضلة لا علي لها»(2).
وعائشة تقول:
وغير هؤلاء كثير..
على أن أميرالمؤمنين (علیه السّلام) قد أفصح مراراً وفي مناسبات شتی عما يحمل من علم شامل غزير.
فتراه يخاطب أصحابه بأن صدره يحمل علماً عظيماً تلقاه من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ولو وجد له حملة أمناء يتصدون لحمله وتبليغه لأودع بعض علمه لديهم:
لأودعتهم بعضه..»(1).
ثم يكشف في مناسبة أخرى عن حجم ذلك العلم الذي يحمل ويبين أبعاده و مساحته:
فعن ابن نباته قال:
لما بويع أميرالمؤمنين (علیه السّلام) بالخلافة خرج إلى المسجد معتَمِّاً بعمامة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لابساً بردته فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ، وأنذر، ثم جلس متمكناً، وشبك بين أصابعه، ووضعها أسفل سرته ثم قال:
ثم قال:
سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن آية آية لأخبرتكم بوقت نزولها، وفيمَ نزلت، وأنبأتكم بناسخها ومنسوخها، وخاصها من عامها، ومحكمها من متشابهها، ومکيّها من مدنیّها، والله ما من فئة تضل أو تهدي إلّا وأنا أعرف قائدها وسائقها وناعقها(2).
«سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن کتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهلٍ أم في جبلَ»(1).
ولو قدر أن علياً (علیه السّلام) لم يتسنَّ له أن يساهم بما ساهم به من علم جم الأمر -الذي سنتناول خطوطه العريضة في هذا الفصل - في المجالات الفكرية فأن نداءاته الملحة في مناسبة وأخرى: سلوني قبل أن تفقدوني: آية جلية على قدراته الفائقة المتميزة في حقول المعرفة بشتى ضروبها وامتدادتها.
ولو قدر كذلك أن الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لم يكشف عما لعلي (علیه السّلام) من سابقة في العلم وعلو شاهق في المعرفة، لكان اصرار علي (علیه السّلام) على دعوة الناس بتلقي العلم منه شاهداً قوياً لايرد على ما له (علیه السّلام) من علم غزير، فأن ثقته العالية بنفسه في مضمار العلم هي التي تدفعه لتكرار ذلك النداء الفريد، الذي ما حدثنا التاريخ أن رجلاً قدم عليه قبل علي (علیه السّلام) خوف الفضيحة والنكوص عن الاجابة!
ولقد تنبه الكثير من أصحاب العقول إلى ما ينطوي عليه ذلك النداء العلوي: « سلوني»، من أهمية بالغة، فقد قال سعيد ابن المسيب:
ما كان أحد من الناس يقول سلوني غير علي بن أبي طالب»(2).
وعن ابن شبرمة يقول: «ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر سلوني إلّا علي بن أبي طالب»(1).
فالنداء المذكور بكثرة الحاحه وحرارته يحمل بين ثناياه ما حواه الإمام (علیه السّلام) من علم شمولي يمد الإنسان بالغني والخير والهدى والسداد.
1) نفس المصدر عن نهج البلاغة.
بمقدورنا بعد ایراد تلك التوطئة المتعلقة بالحقل المعرفي عند أمير المؤمنين أن نقول إنَّ تصور قد تكامل لدينا حول عمق المعرفة وشمولها عند الإمام (علیه السّلام) فهو وريث رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) والمبين للأمة ما بعث به، ومرجعها في كل تساؤلاتها الفكرية الملحة كل ذلك حصيلة لاعداد مسبق من لدن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أشرنا لبعض مصادیقه فيما مضى من حديث، وتسديد إلهي خاص.
بقي أن نشير في هذا الفصل إلى ابعاد المعرفة التي أسداها الإمام (علیه السّلام) للإنسان المسلم منه وغير المسلم.
ففكر علي (علیه السّلام) وان كان رسالياً هادفاً إلى خدمة الرسالة الالهية وحملتها وعاملاً على دفع عجلة مسيرة الإسلامة التاريخية إلى الأمام، فانه يبقى منهلاً عذباً لتصيب منه الإنسانية بشتى نحلها واتجاهاتها الفكرية، وهو كفيل بهدايتها إلى الحق وإلى صراط مستقيم.
وقبل أن نعرض الخطوط العامة للجانب المعرفي عند الإمام (علیه السّلام) جدير بنا أن نشير إلى أنه (علیه السّلام) بالرغم مما طرحه في دنيا الفكر الإنساني
من أبواب المعرفة المتعددة فاننا نظل عند قناعتنا من أن الإمام (علیه السّلام) لم تسعفه الظروف الاجتماعية والسياسية على حد سواء أن يبوح للإنسان بكل ما عنده من معارف، وعلوم!!
فاذا أهملنا أثر الظروف السياسية - التي ألمت بالإمام (علیه السّلام) ومنعته من اداء مهماته على الشكل المرجو من أجل مصلحة الرسالة والإنسان، - فان الظروف الاجتماعية لاتقل خطراً عن تلك الظروف، فالمجتمع الذي عايشه الإمام (علیه السّلام) لم يكن في مستواه من ناحية الوعي قادراً على ادراك الإمام وأهميته ودوره الرسالي الخطير في حياة الناس، ولعل أبلغ شاهد على ذلك ما كان يواجهه الإمام (علیه السّلام) من تساؤلات فجة واعتراضات تافهة حين يدعو قومه للأفادة مما يحمل من علم جم تلقاه من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، عن الله عز وجل.
ونذكر بهذا الصدد بعض تلك المواقف التي تقطر سخفاً وبلادة: - فقد خاطب الناس مرة بقوله: سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة أو تهدي مائة إلّا نبأتكم بناعقهاء وسائقها، ولو شئت لأخبرت كلواحد منكم بمخرجه ومدخله وجميع شأنه:
فقام اليه سنان بن أنس النخعي قائلاً:
أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر(1)!!
1) شرح النهج ج 2 ص 286 - ونفس الرواية في البحار ج 40 باب 93 ص 192 ولكنه يروي أن الرجل كان تميم بن أسامة التميمي.
المستقبل كبر على أعشى باهله - عامر بن الحارث - ما تحدث به الإمام (علیه السّلام) فقال له:
يا أمير المؤمنين ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة(1).
هذه بعض تلك المواقف التي اتخذها البعض من الناس الذين عاصروا الإمام (علیه السّلام) فأضاعوا أثمن فرصة مرت بالأمة بعد رسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم).
وبالرغم من ذلك كله فاننا ينبغي ألّا نغفل ما كان ينطوي المجتمع عليه من طلاب المعرفة من اجل الوصول إلى الهدى والخير.
وكانت تلك الفئة واعية لحقيقة الإمام (علیه السّلام) مؤمنة بقدرته الفائقة على طرح شتى أنواع الفكر الإسلامي في العقائد والتشريع وفي مختلف أبواب المعرفة الضرورية لمسيرة الإنسانية.
وقد قابل أمير المؤمنين (علیه السّلام) أولي الألباب بنفس الثقة التي أولَوها له، فخصهم بالكثير من ألوان الاعداد والتوجيه والتثقيف ليواصل المسيرة التي بدأها رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) والتي يقودها خط الامامة عبر التاريخ الإسلامي ابتداء بعلي (علیه السّلام) وانتهاء بأبي القاسم الإمام المهدي من آل محمد (صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
وقد بلغ بالإمام (علیه السّلام) ان يكشف الكثير من أسرار المعرفه وحقائقها لأولئك المتقين الأفذاذ من الرجال، وقد تعاهد أمير المؤمنين (علیه السّلام) أمر اعداد الحملة الحقيقيين للرسالة الالهية من بدأ الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) عملية
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 2 ص 289.
اعدادهم أوغيرهم(1)من التابعين..
على أن الذي توفر للإمام (علیه السّلام) طرحه من آراء ومبادىء وحکم ومفاهيم في ساحة الفكر الإنساني كفيل بعضه دون جميعه لأبراز عظمة الإمام (علیه السّلام) وقدراته العلمية الفائقة المتميزه .
وها نحن أولاء، نقدم صوراً من المعرفة عند الإمام (علیه السّلام).
1) للتعرف على التفاصيل راجع شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد 2: 286 وما بعدها.
للإمام (علیه السّلام) باع طويل في طرح الصيغ المحددة للعقائد الإسلامية من خلال ما طرحه من خطب، ورسائل، ومواعظ، ومناقشات، والباحث فيا خلفه الأمام (علیه السّلام) من ثروة فكرية عظيمة يتجلى لهُ بعمق أن أمير المؤمنين (علیه السّلام) قد اعطى للعقيدة الإسلامية، وركائزها الأساسية على وجه الخصوص الكثير من الاهتمام والعناية، واغلق الباب بوجه اي شذوذ وانحراف وعدول عن مضامينها الحقيقية بأسلوب واضح وجلي لا يمكن صرفه أو تأويله لأي معنئ آخر غيرما أراده الإمام (علیه السّلام) .
فالله تعالى وأسماؤه الحسنى وصفات ذاته وصفات أفعاله،
والرسالة والنبوة والوحي، والملائكة والإمامة والقضاء والقدر، والبعث والنشور وفلسفة الدنيا والجنة والحساب وسواها من أسس العقيدة الإسلامية قد بلورها الإمام (علیه السّلام) في صيغ محددة نابضة بقوة الحجة والبرهان والوضوح.
ولو قدر للأمة المسلمة بجميع فرقها أن تنهل من المنهل العذب الرقراق الذي فجره علي (علیه السّلام) في دنيا الفكر الإسلامي، لاجتمعت
الكلمة وتوحد الصف والهدف، وما شهدت دنيا المسلمين أي لون من ألوان الشطحات والانحرافات المضلة التي جنح اليها الكثير من اتباع المدارس الفكرية عند المسلمين.
وبقدر ما تسمح به محاولتنا لدراسة الخطوط العامة لما خلفه لنا الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) من ثروة فكرية سنعرض نماذج من الفكر العقائدي الذي زين الإمام (علیه السّلام) بها صفحات الفكر الإنساني بشكل عام.
الحمد الله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصى نعماءه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود، فطر الخلائق بقدرته ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور مَيَدان أرضه(1).
أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وکال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة: فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه، فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار اليه، ومن أشار اليه فقد حدَّه، ومن حدَّه فقد عدَّه، ومن قال «فيم» فقد ضمنه، ومن قال «علام» فقد أخلى منه.
1) فطر الخلائق: ابتدعها على غير مثال سابق، وتد: ثبت، الميدَاَن التحرك بالتمايل.
كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم.
مع كل شيء لابمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير اذ لا منظور اليه من خلقه متوحد اذ لا سکن يستأنس به، ولا يستوحش لفقده، أنشأ الخلق انشاء، وابتدأه ابتداءً، بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها، أحال الأشياء لأوقاتها، ولأم بين مختلفاتها، وغرز غرائزهای وألزمها أشباحها، عالماً بها قبل ابتدائها، محیطاً بحدودها وانتهائها، عارفاً بقرائنها واحنائها...»(1).
«الأول لا شيء قبله، والآخر لا غاية له، ولا تقع الأوهام له على صفة، ولا تقعد القلوب منه على كيفية، ولا تناله التجزئة والتبعيض، ولا تحيط به الأبصار والقلوب..»(2).
«لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركاً، ولم يلد فيكون موروثاً هالكاً، ولم يتقدمه وقت ولا زمان، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن، والقضاء المبرم»(3).
«الحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش أو سماء أو أرض أو جان أو إنس، لا يدرك بوهم ولا يقدر بفهم ولا يشغله سائل، ولا ينقصه
1) نهج البلاغة رقم الخطبة 1. لاعن حدث: لاعن ایجاد موجد، المزايلة: المفارقة والاختلاف، الروية: التفكير، أجال: ردد أو أدار، همامة: اهتمام بالأمر وانشغال بال، لأم: قرن، غرز الغرائز: أودع فيها الطباع، قرائن: جمع قرونة وهي النفس، الأحناء: الجوانب، لا تعقد القلوب منه على كيفية: أي ليست له كيفية فتحكم بها.
2) نفس المصادر رقم 58.
3) نهج البلاغة رقم 182. يتعاوره: تطرأ عليه الزيادة والنقصان.
نائل، ولا ينظر بعين، ولا يُجَدُ بأين، ولا يوصف بالأزواج ولا يخلق بعلاج، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس»(1).
هكذا حدد أمير المؤمنين (علیه السّلام) مفهوم وحدانية الله سبحانه وتعالى، وهكذا عرف علي (علیه السّلام) الله رب العالمين، ووصفه كما أراد الله سبحانه أن يوصف به، فقد نزهه عن التشبيه والتجسيم، والمكان والتجزئة والتبعيض وكل نقص، وأخرجه بوصفه عن كل صفة من صفات مخلوقاته، كما شاء الله سبحانه وتعالى أن يوصف، وكما علم أولياءه أن ينعتوه.
1) نفس المصدر والخطبة. وهم: تفكير وتوهم، النائل: العطاء، أين: اشارة للمكان.
وكما حدد الإمام أبعاد التوحيد وحقيقته، أعطى (علیه السّلام) التحديد الموضوعي الشامل للنبوة والرسالة مبيناً فلسفتها وأهدافها، وموضحاً أن اللطف الإلهي بالعباد اقتضى ارسال الأنبياء (علیه السّلام) إلى الناس ليأخذوا بأيديهم إلى حيث الهدى والرشاد وسبيل الحق، بعد أن تنكروا لعهد الله اليهم، وخرجوا عن مقتضى الفطرة التي فطرهم الله عليها، قال أمير المؤمنين (علیه السّلام):
«واصطفی سبحانه من ولده - من ولد آدم - أنبياء أخذ على الوحي میثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لمّا بدّلَ أكثر خلقه عهد الله اليهم، فجهلوا حقه، واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله، وواتر اليهم أنبياءه، ليستأدوهم میثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا له دفائن العقول، ویروهم الآيات المقدرة: من سقف فوقهم مرفوع، ومهادٍ تحتهم موضوع،ومعایش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم، ولم يخلِ الله سبحانه خلقه من نبي مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة(1)أو محجة قائمة. رسل لا تقصر بهم قلة عددهم، ولا
1) الميثاق: العهد، الأنداد: الامثال وهم المعبودون من دون الله، اجتالتهم: ابعدتهم عن هدفهم، واتر: جعل بين كل نبي وآخر فترة، ليستأدوهم: ليطلبوا الأداء منهم، وصب: تعب.
كثرة المكذبين لهم: من سابق سمي له من بعده، أو غابر عرفه من قبله: على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء وخلفت الابناء.
إلى أن بعث الله سبحانه محمداً رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لأِنجاز عدته، واتمام نبوته، مأخوذاً على النبيين، میثاقه، مشهورة سماته، كريماً ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتة، بين مشبّه الله بخلقه، أو ملحدٍ في اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وانقذهم بمكانِه من الجهالة..»(1).
«بعث الله رسله بماخصهم به من وحيه، وجعلهم حجة له على خلقه، لئلا تجب الحجة لهم بترك الأعذار اليهم، فدعاهم بلسان الصدق إلى سبيل الحق..»(2).
«فبعث الله محمداً (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته، ومن طاعة الشيطان إلى طاعته، وبقرآن قد بينه وأحكمه، ليعلم العباد ربهم اذ جهلوه، وليقروا به بعد از جحدوه وليثبتوه بعد اذ انكروه، فتجلى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته، وخوفهم من سطوته وكيف محق من محق بالمثلاث، واحتصد من احتصد بالنقمات..»(3).
1) نهج البلاغة رقم النص 1 «باب الخطب». نسلت القرون: تتابعت... المحجة: الطريق الواضحة المستقيمة، انجاز عدته: وعده الله تعالی بارسال محمد (ص)، السمات: العلامات التي بشربها النبيون السابقون لرسول الله محمد (ص).
2) نفس المصدر رقم 144.
3) نفس المصدر رقم 147، تجلی: ظهر بآيات لابرؤيته المباشرة، المثلات: العقوبات.
ويجلي الإمام (علیه السّلام) حقيقة خط الإمامة وضرورته في دنيا المسلمين ويحدد مرامي الأمة (علیهم السّلام) ويرشد الأمة المسلمة اليهم باعتبارهم الامتداد الحقيق للرسالة، والحملة الحقيقيين لدين الله تعالى وهديه للعالمين بعد رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، بهم يقام الحق وتحمي الشريعة ويصان الدين، وتحفظ كلمة الله تعالى.. وتبلغ الأمة الهدى والخير، وبسواهم يكون الضلال والانحراف والضياع، يقول(علیه السّلام) :
«ان الأئمة من قریش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة في غيرهم» (2).
وبعد هذا التحديد الدقيق للأمامة وللأئمة، يحذّر (علیه السّلام) من مغبة
نكران الأئمة والتنكر لهم .. وانما الأئمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده، ولا يدخل الجنة إلّا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلّا من أنكرهم وأنكروه..»(1).
ويحذر من مغبة نكرانهم في مسيرة الحياة الإسلامية حيث يوضح بكل جلاء أن الحق لا يُنال بسواهم وأن الهدى لا وجود له الابمتابعتهم «فأين تذهبون، وأتى تؤفكون، والأعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم، وكيف تعمهون، وبينكم عترة نبيكم، وهم أزمّة الحق، وأعلام الدين، وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش..»(2).
ثمَّ يشير الإمام (علیه السّلام) إلى أن خط الإمامة مصاحب لمسيرة الأمة، مواكب لأجيالها، وأرض الله تعالى، لا تخلو من حجة من آل محمد (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، يحمل الهدى للناس، ويدلهم عليه:
«ألا أن مثل آل محمد (صلّی الله علیه وآله وسلّم) كمثل نجوم السماء: إذا خوی نجم طلع نجم، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع وأراكم ماكنتم تأملون»(3).
ونكتفي بهذه النماذج من الفكر العقائدي القويم الذي به الإمام (علیه السّلام) في ساحة الفكر الإسلامي، ومن شاء الاستزادة فدونه نهج البلاغة فانه ينبوع لاينضب محمد المتتبع بشتى ضروب المعرفة في مضمار العقيدة وسواها.
1) نفس المصدر رقم 152.
2) نهج البلاغة رقم النص 87. توفكون: تصرفون عن الحق، الاعلام: الدلائل على الحق، المنار: جمع منارة، يتاه بكم: الحيرة والضلال، تعمهون: تتحيرون، العترة: النسل. ردوهم ورود الهيم العطاش: هلموا إلى بحار علومهم مسرعین کاسراع الأبل العطشي إلى الماء.
3) نفس المصدر رقم 100. خوی نجم: غاب.
بالرغم من قصر المدة التي قضاها أمير المؤمنين (علیه السّلام) في قيادة الأمة اجتماعية وسياسية فان الفكر السياسي الذي عرضه الإمام (علیه السّلام) كفيل بتغطية حاجات الإنسان عبر امتداده التاريخي على هذه الأرض، فقد جاءت خطب الإمام (علیه السّلام) ورسائله وأوامره وارشاداته زاخرة بهذا اللون من الفكر، مجسداً أروع أطروحة وأنضجها لادارة شؤون الحياة الإنسانية.
ففي الحقل الاقتصادي طرح الإمام (علیه السّلام) نظاما متكاملاً لعلاج المشكلة الاقتصادية، وظاهرة الانحراف عن خط العدالة الإسلامية في التوزيع، وحدد برامج واضحة لتجاوز الأخطاء المتراكمة في مسألة توزيع المال بين الناس من خلال منهاج التسوية في العطاء.
ولم يلتمس الإمام (علیه السّلام) المواقف الوعظية في علاج المشكلة الاقتصادية، وإقرار العدالة في المجتمع فحسب وانما سلك إلى جانب مخاطبة الضمائر والاستفادة من رصيد الايمان بالله فيها، سلك سبيل استخدام الضوابط القانونية في تحقيق التوازن والعيش الرغيد، وانهاء
دور الظلم في المجتع.
ومن أجل ذلك استرد الأموال التي تدفقت على جيوب فئة من الناس من غير حق، وسلك سبيل مراقبة طرق جباية الأموال، وكيفية توزيعها على قطاعات الأمة، كما شدد على مراقبة ولاته في الأمصار، واستحدث نظامالمراقبة والتفتيش ليحيط علماً بتصرفاتهم وممارساتهم ومن هنا تجد الكثير من النصوص التي يوجه فيها الإمام (علیه السّلام) والياً أو جابياً للمال باتجاه الطريقة المثلى في عمله المناط به، كما نجد نصوصاً يوبخ فيها الإمام (علیه السّلام) ذلك الوالي أو يستدعيه للحساب أو يعزله عن منصبه لخيانة الأمانة التي أنيطت به (1).
وكما وضح الإمام (علیه السّلام) مناهجه القوية المجسدة لشرع الله تعالى في المال، والاقتصاد كذلك فعل في المجتمع، فبالرغم من كثرة النصوص التي حفظها لنا نهج البلاغة وكتب السيرة الأخرى التي يحدد (علیه السّلام) فيها مسؤولية الولاة والعمال على البلدان، وما ينبغي أن يلتزموا به في حياتهم العملية، يطرح الإمام (علیه السّلام) المواصفات الواجب توفرها في شخصية الحاكم المسلم سواء أكان حاكماً عاماً للأمة أو حاكماً محلياً، ونكتفي هنا بذكر بعض من هدیه بهذا الصدد:
«..وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم، والأحكام، وامامة المسلمين: البخيل فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيظلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون
1) راجع الفصل الثاني من هذا الكتاب.
المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة»(1).
«من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأدیبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم»(2).
«لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع ولا يضارع، ولا يتبع
المطامع». .
وإذا شئنا الرجوع إلى أوسع نص لتحديد مواصفات الحاكم المسلم، ففي عهد الإمام (علیه السّلام) وتوصياته إلى مالك الأشتر حين ولاه مصر غنيً عن طرح أي دليل آخر، حيث اشتمل العهد المذكور على كل مستلزمات القيادة الصالحة، وما ينبغي أن تنهض به من مسؤوليات في حياة الأمة على الصعيد الاجتماعي، والسياسي والاقتصادي، وسوی ذلك من شؤون.
كما حدد العهد بعمق واعٍ كل ما يتطلبه المجتمع وما ينبغي للحاكم المسلم النهوض به عبر مسؤولياته القيادية كي يستجيب لطموحات الأمة التي يدير دفة حياتها(3).
1) نهج البلاغة رقم 129. النهمة: المبالغة في الحرص وشدة الشهوة. الحائف: الظالم. المقاطع: حدود الله. الدول المال. والمراد بالحائف بالدول: الظالم في توزيع المال حيث يفضل قوما على قوم في العطاء.
2) نفس المصدر: رقم 72، في باب المختار من كلامه (ع).
3) یراجع عهد الإمام (ع) إلى مالك الأشتر واليه على مصر في نهج البلاغة: رقم 03 في باب الکتب.
ومن المناسب أن نشير هنا إلى أن عهد الإمام (علیه السّلام) إلى الأشتر قد انطوى على أفكار اجتماعية غاية في الأهمية، فقد تناول الإمام (علیه السّلام) تركيبة المجتمع، والقوى المؤثرة، والقطاعات الضرورية فيه تناول خبير ملم بها، فقد درس الإمام (علیه السّلام) أهمية القطاع الزراعي وأثر التجار والقضاة والولاة والجنود في مسيرة المجتمع وبناء الحضارة، وحدد كيفية التعامل مع تلك القوى الهامة في المجتمع، وحدد مسؤوليات السلطة العليا تجاه كل واحدة من تلك القوي الفاعلة في الحياة العامة، کما ذکر القطاعات الضعيفة من أهل اليتم والشيخوخة وسواهم مايعتبر وجودهم طبيعياً في المجتمعات، فدرس حالهم وحدد العلاج لما يعانون (1).
هذا وقد سبق الإمام (علیه السّلام) علم الاجتماع في دراسته للمجتمع وتحديد المؤثرات فيه بزمن طويل، مما يستحق أن يحمل بجدارة لقب مؤسس علم الاجتماع والواضع للبناته الأولى، مع اختلاف في الرؤية والمنهج - طبعاً -هو الكتب.
1) يراجع عهد الإمام (ع) إلى مالك الأشتر واليه على مصر في نهج البلاغة رقم 53 في باب الكتب، وثيقة رقم (7) في الملحق.
وأمير المؤمنين (علیه السّلام) أول من صنف في دنيا المسلمين، حيث يحصي المؤرخون السيرة الإمام (علیه السّلام) عدداً من مؤلفات الإمام وأعماله العلمية، وتأتي في طليعتها:
وبيّن في ذات الوقت عامه، ومطلقه، ومقيده ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه، وعزائه ورخصه، سننه، وآدابه(1)کما أشار الإمام (علیه السّلام) إلى أسباب النزول لآيات الكتاب العزيز، حتى لقد قال ابن سیرین: لو أصبت ذلك الكتاب لكان فيه العلم (2).
وكان جمع الإمام (علیه السّلام) للقرآن الكريم على النمط المذكور انما هو للتفسير أقرب منه للجمع الخالص، فقد أودع في عمله ذلك علماً كثيراً، الأمة بامتدادها التاريخي في مسيس الحاجة إلى مثله، وهذا العمل المبارك الذي باشره الأمام علي (علیه السّلام)، كان إكمالاً لمهمة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)،
حيث كان يتلقى القرآن الكريم من عند الله تعالى، ثم يتلوه على أصحابه، ويبين مدالیله، ثم يأمر بتدوينه مشروحاً، وهكذا كان مصحف النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، الذي أمر بتدوينه، مفسراً من قبل رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ذاته، كذلك كانت مصاحف بعض الصحابة الذين اهتموا بتدوين القرآن الكريم في عهد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وغيرهم، وهكذا كان المصحف الذي حظي باهتمام أمير المؤمنين(علیه السّلام) ، وجمعه، يحمل وحياً بلفظه ومعناه وهو النص القرآني، ووحياً بمعناه، وهو شرح القرآن الكريم ومعانيه(1).
على أن أمير المؤمنين (علیه السّلام) قد تفرغ لهذا العمل الرسالي الكبير، بعد حادثة السقيفة وما تمخض عنها من استخلاف أبي بكر، فعكف (علیه السّلام) على انجاز هذه المهمة التاريخية في تدوين القرآن في مصحف واحد، ولقد روى عنه بهذاالصدد قوله:
وبمقدور المرء أن يقدر قيمة ذلك العمل إذا وضع نصب عينيه ما يحظى به القرآن الكريم من قيمة عظيمة في دنيا المسلمين من الوجهة الفكرية والتشريعية والحضارية.
هذا ومن الجدير بالذكر أن أمير المؤمنين(علیه السّلام) ، قد عرض هذا المصحف على حكومة الخلافة بعد عملية جمعه، وفق منهج رسول
الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وتوجيهاته، الاّ أن الخلافة لم تتبنَّ المصحف المذكور، ووفرت للمسلمين مصحفاً مجرداً عن شرح النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وتفسيره، وقد اتمت هذه المهمة في عهد الخليفة عثمان بن عفان، الذي تبني - رسمياً - عملية احراق سائر المصاحف التي كانت لدى الصحابة، وهي تحمل تفسيراً سمعوه، ووعوه عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وهكذا جُمِع المسلمون على مصحف رسمي واحد، وزع على الأمصار، وهو الذي يقرأه المسلمون اليوم(1).
وهي كتاب في الديات «وهي الأموال المفروضة في الجناية على النفس أو الطرف أو الجرح أو نحو ذلك وتثبت الدية في موارد الخطأ المحض أو التشبيه بالعمد أو فيما لا يكون القصاص فيه أو لا يمكن»(2).
وهي كتاب في صحائف من الجلود، أملاه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) على أميرالمؤمنين (علیه السّلام) وقد تضمن كل ما يحتاج إليه الناس من حلال وحرام، وقد جاء الكتاب مفصلاً لما جاء في كتاب الله من أحكام وأوامر و نواه.
وقد ورث الأئمة من أهل البيت (علیه السّلام) هذا الكتاب كابراً عن كابر، وكانوا يطلقون عليه تارة اسم الجامعة، وتارة الصحيفة، وأخری کتاب علي، ورابعة الصحيفة العتيقة.
ووردت عن الصادقين (علیهم السّلام) عدة روایات تؤكد أهمية كتاب الجامعة، وكونه أحد مراجعهم في أخذ التشريع الإلهي، وأنهم لا يحتاجون إلى الناس لوجود ذلك الكتاب، فعن أبي عبدالله الصادق (علیه السّلام) قال: «ان عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس، وان الناس ليحتاجون إلينا، وأن عندنا كتاباً أملاه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وخطه على(علیه السّلام) الصحيفة فيها كل حلال وحرام»(1).
ويقول الإمام الصادق (علیه السّلام) أيضاً يصف فيه الجامعة «تلك صحيفة طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالح، فيها كل ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلا وهي فيها حتى أرش الخدش» (2).
ويبدو أن هذه الصحيفة قد دون فيها الإمام (علیه السّلام) قضاءه في المواريث أو غيرها من أبواب القضاء، ومن المرجح أن تكون هذه الصحيفة بعضا من الجامعة (3).
«وهو لغة جلد الماعز أو البعير أو الثور»:
وقد أطلق اسم الجفر على أحد أبواب العلم الذي دونه الإمام
أمير المؤمنين (علیه السّلام) من املاء رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) على جلد، ويبدو أن كتاب الجفر غير الجامعة من ناحية الفكر الذي يتضمنه، فالجفر کا تفيد روايات الأئمة من أهل البيت (علیهم السّلام) ينطوي على حوادث المستقبل، وصحف الأنبياء السابقين والكتب المنزلة قبل القرآن الكريم (1).
يقول السيد شرف الدین (رض) في المراجعات مايلي: « بعد فراغ أمير المؤمنين (علیه السّلام) من جمع القرآن الكريم، ألف لسيدة نساء العالمين كتاباً كان يعرف عند أبنائها الطاهرين، بمصحف فاطمة، يتضمن أمثالاً وحكماً، ومواعظ وعبراً، وأخباراً، ونوادر، توجب لها العزاء عن سيد الأنبياء أبيها صلى الله عليه وآله وسلم »(2).
وتشير الروايات الواردة عن أهل البيت (علیه السّلام) بشأن مصحف الصديقة الزهراء (علیها السّلام) المذكور إلى حقيقة ذلك الكتاب بما يلي (3): عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبدالله (علیه السّلام) يقول: تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين، ومائة، وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة (علیها السّلام)، قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: إنّ الله تعالى لمّا قبض نبيّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، دخل على فاطمة (علیها السّلام)، من وفاته من الحزن، ما لا يعلمه إلّا الله عز وجل، فأرسل الله اليها ملكاً يسلّي غمّها، ويحدّثها، فشكت ذلك إلى أمير
المؤمنين (علیه السّلام)، فقال: «اذا أحسست بذلك، وسمعت الصوت قولي لي فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين (علیه السّلام) يكتب، كلَّ ما سمع، حتى أثبت من ذلك مصحفاً، قال: ثم قال: أما إنّه ليس فيه شيء من الحلال، والحرام، ولكن فيه علم ما یکون ».
هذا وتفيد روايات أخر عن أهل البيت (علیهم السّلام) : أن مصحف فاطمة (علیها السّلام) كان يشتمل على الأحداث التي تمر بها الأمة بعد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وما تراه الأجيال من منعطفات في مسيرتها عبر التاريخ، كما أفاده مطلع هذا الحديث الذي تلوناه، وهو يذكر الزنادقة وخروجهم اعتماداً على ما رأى في مصحف فاطمة(علیها السّلام) ، وأكثر الروايات التي تتعرض لذكر هذه الصحيفة تشير لهذا المضمون..
وهكذا فإن مصحف فاطمة(علیها السّلام) ، ليس فيه من آياتِ القرآن شيئاً، وانما هو صحائف حملت جانباً من علوم أهل البيت (علیهم السّلام) وأسرارهم، وتوارثه أبناؤها الصادقون بعد أبيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام).. .
على أن تاريخ الرسالات السماوية قد شهد هذا النمط من الأحداث، فالملائكة كانت تحدث مريم بنت عمران(علیه السّلام) ، كما يشهد القرآن الكريم بذلك: «وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ».
(آل عمران /2)
وللإمام علي (علیه السّلام) تصانيف أخرى ذكرها المؤرخون ککتاب زكاة النعم، وكتاب في أبواب الفقه، وكتاب في علوم القرآن وغيرها(1).
1) أعيان الشيعة: ج3 ق 2 باب: « مؤلفات أمير المؤمنین (ع)».
وبالرغم من أن الإمام (علیه السّلام) قد دون عدداً من المؤلفات العظيمة فأنه يبدو أن مؤلفاته قد انصبت على ما قضت به الضرورة من حفظ الرسالة الإلهية وتوضيح معالمها للأجيال من خلال شرح القرآن الكريم، وتبیان مقاصده، أو تحديد بعض أبواب الفقه الإسلامي، أمّا آراؤه وأفكاره الأخرى التي تحتل مركز الريادة في الفكر الإسلامي، والتي جاءت انعکاساً لرسالة الله على صفحة ذهنه وعقله، فكانت خطباً ومناقشات وحكماً ومواعظ وتوجيهات ونحوها من أدوات التعبير عن ماهية الرسالة، واهدافها، وخططها، فان الإمام (علیه السّلام) لم يتصدَّ لجمعها في تصانیف محددة، ومن المؤكد أن يكون جزءً كبيراً منها قد اندرس بيد أن بعضاً من تراثه العظيم قد حظي بالتدوین بعد زمن طويل من وفاة الإمام (علیه السّلام) ومن المرجح أن يمثل ذلك البعض نسبة جد قليلة من عطائه الفكري العظيم عبر عمره الشريف.
فقد جمع العلماء بعض ما خلفه الإمام (علیه السّلام) من مبادئ ومفاهيم ومعارف في مؤلفات عديدة نذكر منها:
1- نهج البلاغة، جمعه الشريف أبو الحسن الرضي ابن الحسين الموسوي، المتوفي سنة 404ه ويشتمل الكتاب على ما اختاره الشريف من خطب الإمام (علیه السّلام) وكتبه ورسائله وحكمه ومواعظه، وقد اهتم بالكتاب المذكور جل العلماء والمفكرين ورجال الأدب قراءة واستيعاباً وشرحاً، حتى بلغت شروحه خمسين شرحاً أو يزيد ومن أشهر الشراح للنهج: أبو الحسن البيهقي، والإمام فخر الدين الرازي، والقطب الراوندي، ومحمد ميثم البحراني، وعزالدين بن أبي الحديد المدائني، وغيرهم.
ولقد انطوى (نهج البلاغة) على روائع في الفكر بشتی شعبه ومناحية:
في العقائد والأخلاق ونظام الحكم وطبيعة المجتمع وعلاقة الإنسان بالله تعالى ونحو ذلك من أبواب.
وهو إلى جانب ذلك جاء آية في الأدب الإنساني الرفيع الذي عز
نظيره في أدب اللغة العربية دقة وعمقاً و تصویراً، وجزالة، وبلاغة. 2- مسنده الذي جمعه ابو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي المتوفي سنة 303 ه وأسماه (مسند على)، وقد ضمنه بعض ما أثر عن الإمام (علیه السّلام) من أحادیث و روایات عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) . .
3- غرر الحکم و درر الكلم، جمعه عبدالواحد بن محمد الآمدي،
وهو يشتمل على طائفة من حكم الإمام (علیه السّلام) القصيرة ويقارب في حجمه نهج البلاغة.
4 - مطلوب كل طالب من كلام علي بن أبي طالب: جمعه ابو
اسحاق الوطواط الأنصاري ويحتوي على طائفة من حكم الإمام (علیه السّلام) .
5 - مائة كلمة جمعها الجاحظ
6- نثر اللآلىء جمع أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي صاحب مجمع البيان في تفسير القرآن.
7- ما اشتمل عليه كتاب صفين لنصر بن مزاحم من خطب
الإمام (علیه السّلام) وكتبه، وتوجيهاته.
8- جنة الأسماء: شرحه الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفي سنة 505 هے
9- ما أثر عنه من الأدعية والمناجاة قد طبع بعضه باسم الصحيفة العلوية. جمعها الشيخ عبدالله بن صالح السماهيجي (رض).
10 - قلائد الحكم وفرائد الكلم جمع القاضي أبي يوسف
الاسفرائینی، وغير ذلك من التصانیف(1).
1) راجع أعيان الشيعة: ق 2 ج2 ص 274 ط 2- بیروت، للسيد محسن الأمين.
والمقصود بها هنا ما تحدث به الإمام (علیه السّلام) عن أمور مستقبلية وشيكة الوقوع بعد عصره، منها ما يختص بأفراد معينين، ومنها ما يتعلق بمسيرة الأمة المسلمة كمجموع.
وبطبيعة الحال ان ما طرحه الإمام (علیه السّلام) من هذا القبيل كان قد تلقاه من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) مباشرة، أو وعاه بنفسه بما منحه الله تعالى من خصائص روحية هائلة تمنحه القدرة على استقراء المستقبل والاستشراف على حوادثه وقواه المؤثرة، والجوانب الايجابية فيه والسلبية، كاحدى أدوات من يتبوأ منصب وصي الرسول الخاتم (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بتعيين من الله عز وجل.
ولقد رأينا في بداية هذا الفصل كيف أن الإمام (علیه السّلام) يعلن على المنبر مراراً عن قدرته على كشف الكثير من أحداث المستقبل: «..لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا نبأتكم بناعقها وقائدها، وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل
من أهلها قتلاً ويموت موتاً..»(1).
وإذا تتبعنا الفكر المستقبلي الذي حفظته لنا سيرة أميرالمؤمنين (علیه السّلام) وجدناه - بالرغم من قلته بالقياس إلى غيره من أبواب فكر الإمام (علیه السّلام) وعطائه الثقافي المرتبط بالله تعالی - آية على عظمة الإمام (علیه السّلام) وسمو كيانه الروحي الذي أهَّله لمعرفة الكثير من أسرار المستقبل بما فيها من متغيرات في دنيا الأفراد والجماعات.
وهذه جملة مما حفظ لنا المؤرخون في هذا المضمار:
1- عن سويد بن غفلة أن علياً (علیه السّلام) خطب ذات يوم، فقام رجل من تحت منبره، فقال:
عرفطة قد مات، فاستغفر الله له، فقال (علیه السّلام):
حبیب بن حمار.
فقام رجل آخر من تحت المنبر فقال:
فقال: أي والله!
فقال(علیه السّلام) : أما والله انك لحاملها ولتحملنها، ولتدخلنَّ بها من هذا الباب، «واشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة»، قال ثابت الشمالي الذي
1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ج 2 ص 286، والبحار: ج 4ص 130 عن النهج.
روى الحديث عن سويد بن غفلة.
2- عن اسماعيل بن رجاء قال:
قام أعشى باهلة وهو غلام يومئذ حدث - إلى علي (علیه السّلام) وهو يخطب ويذكر الملاحم، فقال:
یا أمیرالمؤمنين، ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة!
فقال علي(علیه السّلام) : أن کنتَ آثماً فيما قلت یا غلام، فرماك الله بغلام ثقيف، ثم سكت، فقام رجال، فقالوا:
ومن غلام ثقیف یا أمیرالمؤمنين؟ قال:
غلام يملك بلدتكم هذه لا يترك لله حرمة إلا انتهكها، يضرب
عنق هذا الغلام بسيفه، فقالوا:
كم يلك يا أمير المؤمنين؟ قال:
عشرين أن بلغها، قالوا:
فيقتل قتلاً أم يموت موتاً؟ قال:
بل يموت حتف أنفه بداء البطن، يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه.
قال اسماعيل بن رجاء - راوي الحديث - فوالله لقد رأيت بعيني
1) شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة: ج 2 ص 287.
أعشى باهلة، أحضر في جملة الأسرى الذين أسروا من جيش عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بين يدي الحجاج (بن يوسف الثقفي) فقرعه، ووبخه واستنشده شعره الذي يحرض فيه عبدالرحمن على الحرب، ثم ضرب عنقه في ذلك المجلس(1).
3- عن شمير بن سدير الأزدي قال:
قال علي (علیه السّلام) لعمرو بن الحمق الخزاعي.
«يا عمرو انك لمقتول بعدي وأن رأسك لمنقول وهو أول رأس
ينقل في الإسلام، والويل لقاتلك!
أما انك لا تنزل بقوم إلا أسلموك برمتك.
قال الأزدي -راوي الحديث - فوالله ما مضت الأيام حتى تنقل عمرو بن الحمق الخزاعي في خلافة معاوية في بعض أحياء العرب خائفة مذعوراً، حتى نزل في قومه من بني خزاعة، فأسلموه، فقتل، وحمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام، وهو أول رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد (2).
4 - اخبار الإمام (علیه السّلام) عن الضربة التي يضرب في رأسه فتخضبمنها لحيته بسيف ابن ملجم المرادي.
5 - اخباره بامتلاك معاوية لأمر المسلمين بعده.
6- اخباره عن قتل الإمام الحسين (علیه السّلام) في كربلاء.
7 - اخباره عن الحجاج بن يوسف الثقفي وما يكون من فعله.
8- اخباره عن حركة عبدالله بن الزبير وفشله وقتله.
9- وعن هلاك البصرة بالغرق مرة وبسيطرة الزنج عليها أخرى. 10 - واخباره عن مقتل محمد بن عبدالله بن الحسن صاحب النفس الزكية وأخيه ابراهيم بعد ثورتهم على العباسيين في عهد أبي جعفر المنصور.
11 - وعن قيام الدولة العلوية في المغرب، ودولة بني بويه في
العراق.
12- اخباره عبدالله بن العباس عن انتقال الحكم إلى أولاده وقيام
الحكم العباسي.
13 - وعن خروج الإمام المهدي عجل الله فرجه وقيام دولة
الإسلام العالمية المباركة(1).
ومن نافلة القول أن نشير إلى أن نهج البلاغة ينطوي على الكثير من النصوص التي تناول الإمام (علیه السّلام) فيها الحديث عن أمور مستقبلية، وقعت بعد عصره، وأخرى نعيش طرفاً منها(2).
هذا ومن الجدير ذكره أن التراث الإسلامي، والمكتبة الإسلامية،
1) دراسات في نهج البلاغة - محمد مهدي شمس الدين: ط 2 1972 ص186، وما بعدها، وللاستزادة يراجع فصل المغيبات من نفس الكتاب، وج 2 ص 286 وما بعدها من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ط 19591. والارشاد للشيخ المفيد.
2) مثل خطب الملاحم رقم 101، 128، 138، 150، 158، 187، والخطب التي تتحدث عن آخر الزمان مثل 108، 103، 166. الملاحم: الوقائع العظيمة.
تضم أسفارة هامة تحمل اخباراً و روایات، تتحدث عن المغيبات، وأنباء المستقبل، أخبر رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة الهداة (علیهم السّلام) الخواص من أصحابهم عن وقوعها، من أمثال کتاب: اثبات الهداة بالنصوص والمعجزات للعالم المحدث الحر العاملي ت 1104 ه وتندرج تلك المعلومات الهامة تحت عناوين الكرامات، والمعجزات، ويتحدث الحر العاملي (رض) عن قيمتها العلمية، ودرجة وثاقتها، فيؤكد ان روایات الكرامات المذكورة، وأحاديثها تتمتع بنفس درجة الوثاقة التي تتمتع بها روايات الفرائض والأحكام، وبعضهاأكثر منها وثاقة من ناحية السند وسلسلة الرواة(1).
1) اثبات الهداة بالنصوص، والمعجزات: الحر العاملي.. مقدمة الكتاب للمؤلف.
وللإمام باع طويل في عرض المواعظ البليغة التي تحمل الحجج
البالغة، فتهز السامع والقارئ، وتترك أثراً عظيماً في النفس.
والموعظة عند علي (علیه السّلام) تحمل مفاهيم وعطاء ثراً، تحدد للمسلم طريقه إلى الله واساليب تفاعله مع رسالة الله تعالى ومع الناس من حوله.
وفضلاً عما حمله نهج البلاغة من مواعظ لأمير المؤمنين (علیه السّلام) فان كتب الوعظ والارشاد والتوجيه الإسلامي لا يكاد يخلو منها كتاب من ذكر بعض من مواعظ الإمام (علیه السّلام).
ونذكر هنا طرفاً من مواعظه التي ضمنها نهج البلاغة:
«ایها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فان الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير، وجوعها طويل.
ايها الناس: انما يجمع الناس الرضى والسخط، وانما عقر ناقة ثمود رجل واحد، فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضى، فقال سبحانه: «فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ »، فما كان إلّا أن خارت أرضهم بالخسفة خوار السكة
المحماة في الارض الخوارة.
ايها الناس، من سلك الطريق الواضح ورد الماء، ومن خالف وقع في التيه»(1).
«أيها الناس، انما الدنيا دار مجاز، والآخرة دار قرار، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا استارکم عند من يعلم اسراركم، واخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها ابدانكم، ففيها اختبرتم، ولغيرها خلقتم. ان المرء إذا هلك قال الناس: ماترك؟ وقالت الملائكة: ما قدم؛ لله آباؤكم: فقدموا بعضاً يكن لكم قرضاً، ولا تخلفوا كلاً فيكون فرضاً عليكم»(2).
«أوصيكم عباد الله بتقوى الله، التي هي الزاد وبها المعاد: زاد مبلغ، ومعاد منجح، دعا اليها اسمع داعٍ، ووعاها خير واعٍ، فأسمع داعيها، وفاز واعيها.
عباد الله أن تقوى الله حمت اولیاء الله محارمه وألزمت قلوبهم مخافته، حتى اسهرت لياليهم، وأظمات هو اجرهم فأخذوا الراحة بالنصب، والري بالظمأ،واستقربوا الأجل فبادروا العمل، وكذبوا الأمل، فلاحظوا الاجل..»(3).
1) رقم النص 201 (باب الخطب). السخط: الغضب، ثمود: قوم نبي الله صالح (ع)، خارت: من الخوار صوت الثور، أي حين خسف الله ارضهم كان لها صوت كصوت الثور، السكة المحماة: حديدة المحراث، الارض الخوارة: اللينة الهشة.
2) نفس المصدر رقم 203، مجاز: ممر إلى الآخرة.
3) نفس المصدر ص 114، وعاها: فهمها وحفظها، حيت: منعت یعنی التقوی منعت الأولياء من ارتكاب الجرائم، الهواجر: الايام الشديدة الحرو مع شدة حرارتها فقد أظمأ المتقون انفسهم فيها صوماً، النصب: التعب.
ونختم هذا الفصل بایراد اضمامة من حكم أمير المؤمنين (علیه السّلام) اتماماً للفائدة:
1- اذا اقبلت الدنيا على أحد اعارته محاسن غيره واذا ادبرت عنه
سلبته محاسن نفسه.
2 - اعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، واعجز منه من
ضيع من ظفر به منهم.
3- من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
4- ما أضمر أحد شيئاً إلّا وظهر في فلتاتِ لسانه وصفحات
وجهه.
5 - فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها.
6- قيمة كل امرىء ما يحسنه.
7- قال (علیه السّلام) يصف الغوغاء: «هم الذين اذا اجتمعوا غلبوا واذا تفرقوا لم يُعرفوا».
8- عجبت لأقوام يحتمون الطعام مخافة الاذى كيف لا يحتمون
الذنوب مخافة النار؟
9- اربع لو ضربتم فيهن اكباد الإبل، لكان ذلك يسيراً: لا يرجونَ أحد إلّا ربه، ولا يخافنّ إلّا ذنبه، ولا يستحي ان يقول لا أعلم اذا هو لم يعلم، ولا يستكبر أن يتعلم اذا لم يعلم.
10 - اتقوا معاصي الله في الخلوات، فان الشاهد هو الحاكم.
11 - الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق(1)والتقصير عن الاستحقاق عیٌ أو حسد.
12 - عند تناهي الشدة تكون الفرجة، وعند تضايق حلق البلاء
يكون الرخاء.
13 - من اصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته اصلح الله له أمر دنياه، ومن كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ.
14 - الفقيه كل الفقيه من لم يقنّط الناس من رحمة الله ولم يؤيسهم من روح الله (2)ولم يؤمنهم من مكر الله.
15 - ربَّ عالم قد قتله جهله، وعلمه معه لا ينفعه.
16 - عِظمُ الخالق عندك يصغّر المخلوق في عينيك.
17 - لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاث: نكبته، وغيبته، ووفاته.
18 - الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع اتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.
19 - الناس أعداء ما جهلوا.
20 - من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في
عقولها(1).
وهكذا نصل إلى نهاية المطاف في حديثنا عن المقومات العامة الشخصية أمير المؤمنين وصنو النبي وأخيه ووصيه علي بن أبي
طالب(علیه السّلام) .
وفقنا الله تعالى للاخذ بنهجه في الفكر والعمل انه سميع مجيب والحمد الله رب العالمين.
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
1) للمزيد راجع باب المختار من حكم الإمام (ع) في نهج البلاغة، و تحف العقول لابن شعبه الحراني وج 19 وج 20 من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد وغيرها.
«فصل فيا روي من سبّ معاوية وحزبه لعليّ»(1)
المسألة الثانية: في قوله(علیه السّلام) : «يأمركم بسبّي والبراءة مني»، فنقول: إن معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسبّ علي (علیه السّلام) والبراءة منه.
وخطب بذلك على منابر الإسلام، وصار ذلك سنة في أيام بني أمية إلى أن قام عمر ابن عبدالعزيز رضي الله تعالى عنه فأزاله. وذكر شيخُنا أبو عثمان الجاحظ أن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهم إن ابا تراب ألحد في دينك، وصدّ عن سبيلك فالعنه لعناً وبيلاً، وعذبه عذاباً أليما. وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يُشاربها على المنابر، إلى خلافة عمر بن عبدالعزیز.
وذكر أبو عثمان أيضاً أن هشام بن عبدالملك لما حجّ خطب
1) ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: ج 4 ص 56 - 57، ط 2 دار الكتب العربية 1965م.
بالموسم، فقام إليه إنسان، فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا يومٌ كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب، فقال: أكفف، فما لهذا جئنا.
وذكر المبرّد في «الكامل» أن خالد بن عبدالله القسري لمّا كان أمير العراق في خلافة هشام، كان يلعن علياً (علیه السّلام) على المنبر، فيقول: اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم، صهر رسول الله على ابنته، وأبا الحسن والحسين! ثم يقبل على الناس، فيقول هل كنَّیتُ!
وروى أبو عثمان أيضاً أن قوماً من بني أمية قالوا لمعاوية: يا أميرالمؤمنين، إنك قد بلغتَ ما أمّلت، فلو كففت عن لعن هذا الرجلّ فقال: لا والله حتى يربوَ عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكرٌ فضلا!
روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة (1): «ان برئت الذمة من روی شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بیته»، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر، يلعنون علياً ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي (علیه السّلام)، فاستعمل عليهم زیاد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي (علیه السّلام)، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل. وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل،وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبقَ بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: «ألّا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته
1) عام الجماعة هو عام 41ه. الذي تسلم معاوية فيه السلطنة بعد صلحه مع الحسن السبط (ع) و سقوط دولة الخلافة الإسلامية في الكوفة.
شهادة».
وكتب إليهم: «ان أنظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقربوهم واكرموهم واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته». .
ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمال معاوية، فيروي في عثمان أو منقبة إلّا كتب اسمه وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حيناً.
ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية: «فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة الخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فانّ هذا أحبُّ إلي وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته واشد عليهم من مناقب عثمان وفضله». .
فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لاحقيقة لها، وجدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى اشدوا بذكر ذلك على المنابر، والق إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه کما يتعلموا القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم،
فلبثوا بذلك ما شا الله.
ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: «انظروا من قامت عليه البينة أنه يجب علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكلوا به. واهدموا داره». .
فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولاسيما بالكوفة، حتى أن الرجل من شيعة علي (علیه السّلام) ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيلقي إليه سه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الليظة، ليتمكن عليه، فظهر حدیث کثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون والمستضعفون، الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها، وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها.
فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي(علیه السّلام) ، وولي عبدالملك بن مروان، فاشتد على الشيعة، وولى عليهم الحجاج بن يوسف الثقفي، فتقرب إليه أهل النسك. والصلاح والدین ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي من الناس أنهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم وأكثروا من الغض من
علي (علیه السّلام) وعيبه، والطعن فيه، والشنآن له، حتى أن إنساناً وقف للحجاج -يقال انه جد الأصمعی عبدالملك بن قریب - فصاح به: أيها الأمير ان أهلي عقوني فسموني علياً، واني فقير بائس، وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج، وقال: للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا.
وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه - وهو من أكابر المحدثين
وأعلامهم - في تاريخه ما يناسب هذا الخبر.
وقال: أن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم).((1).
1) شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحدید، ج 11 ص 44 - 46.
من مناقب ابن المغازلي، عن محمد بن علي بن محمد بن التبيع، عن أحمد بن محمد بن سلام، عن عمر بن أحمد بن روح الساجي، عن يحيى بن الحسن العلوي، عن محمد بن سعيد المكي الدارمي، عن موسی بن جعفر، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين (علیهم السّلام) قال: كنت جالساً مع أبي ونحن نزور قبر جدنا (علیه السّلام) وهناك نسوان كثيرة، إذ أقبلت امرأة منهن فقلت لها: من أنت رحمك الله؟ قلت: أنا زيدة بنت العجلان من بني ساعدة، فقلت لها:فهل عندك شيء تحدّثينا به؟ قالت: أي والله حدثتني أمي أم عمارة بنت عبادة بن فضل بن مالك بن العجلان الساعدي أنها كانت ذات يوم في نساء من العرب إذ أقبل أبو طالب كئيباً حزيناً، فقلت: ما شأنك یا أبا طالب؟ فقال: إن فاطمة بنت أسد في شدة المخاض، ثم وضع يده على وجهه فبينا هو كذلك إذ أقبل محمد فقال: ما شأنك يا عم؟ فقال: إن فاطمة بنت اسد تشتكى المخاض فأخذ بيده وجاءا، وقمن معه، فجاء بها إلى الكعبة فأجلسها في الكعبة، ثم قال:
اجلسي على اسم الله، قالت: فطلقت طلقة فولدت غلاماً مسروراً نظيفاً منظفاً، لم أر كحسن وجهه، فسماه أبو طالب علياً، وحمله النبي حتى أداه إلى منزلها.
قال علي بن الحسين (علیهما السّلام) : فوالله ما سمعت بشيء قط إلا وهذا أحسن منه (1).
1) بحار الأنوار: الشيخ المجلسي: 35: 3. والحافظ بن المغازلي الشافعي في مناقب علي بن أبي طالب: ص 5، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة.
الدقّاق عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفليّ، عن محمد بن سنان، عن المفضّل، عن ثابت بن دینار، عن سعيد بن جبير(1)قال: قال یزید بن قعنب: كنت جالساً مع العباس بن عبدالمطلب وفريق من عبدالعزی بازاء بيت الله الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أميرالمؤمنين (علیه السّلام) وكانت حاملة به لتسعة أشهر، وقد أخذها الطلق، فقالت: ربِّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنّي مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل، وإنه بني البيت العتيق، فبحق الذي بني هذا البيت وبحق المولود الذي في بطني لما يسّرت عليّ ولادتي. قال یزید بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم
1) بحار الأنوار: الشيخ محمد باقر المجلسي 35/ 8- 9، نقلاً عن العلل: للشيخ الصدوق والمعاني: للصدوق وغيبة النعماني ورواه أبو الفتح الأربلي في كشف الغمة : ج 1 ص 60، ط دار الكتاب - بيروت.
ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمر من أمر الله عز وجل، ثم خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين (علیه السّلام) ثم قالت: إني فضلت على من تقدمني من النساء لأن آسية بنت مزاحم عبدت الله عز وجل سراً في موضع لا يحب أن يعبد الله فيه إلا اضطراراً، وإن مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطباً جنياً، وإني دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأوراقها، فلما اردت أن أخرج هتف بي هاتف، یا فاطمة سمّيه علياً فهو علىّ، والله العلي الأعلى يقول: إني شققت اسمه من اسمي وأدبته بأدبي، ووقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي، ويقدسني ويمجدني فطوبى لمن أحبه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه.
قال أبو جعفر الطبري في تاريخه(1): حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا سعید بن خُثَيم عن أسد بن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف عن عفیف قال جئت في الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبدالمطلب قال فلما طلعت الشمس وحَلّقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمی ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه قال فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجداً فسجدا معه فقلت یا عباس أمر عظيم فقال أمر عظيم أتدري من هذا فقلت لا قال هذا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن أخي أتدري من هذا معه قلت لا قال هذا علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب ابن أخي أتدري من هذه المرأة التي
1) تاریخ الطبري: 2: 56 - 57 ط مؤسسة الأعلمي / بيروت.
خلفها قلت لا قال هذه خديجة بنت خویلد زوجة ابن أخي وهذا حدثني إن ربه رب السماء أمرهم بهذا الذي تراهم عليه وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحداً على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.
حدثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا محمد بن اسحاق قال حدثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي من أهل الكوفة قال حدثني اسماعيل بن أياس بن عفيف عن أبيه عن جده قال كنت أمرءاً تاجراً فقدمت أيام الحج فأتیت العباس فبينا نحن عنده إذ خرج رجل یصلي فقام تُجاه الكعبة ثم خرجت امراة فقامت معه تصلي وخرج غلام فقام يصلي معه فقلت یا عباس ما هذا الدين إن هذا الدين ما أدري ما هو قال هذا محمد بن عبدالله يزعم أن الله أرسله به وأن كنوز کسری وقيصر ستفتح عليه وهذه امرأته خديجة بنت خویلد آمنت به وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به قال عفيف فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون ثالثاً.
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد قال سلمة حدثني محمد بن اسحاق عن يحيى ابن أبي الأشعث قال أبو جعفر وهو في موضع آخر من كتابي عن يحيى بن الأشعث عن اسماعیل بن أياس بن عفيف الكندي وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس الكندي لأمه وكان ابن عمه عن أبيه عن جده عفيف قال كان العباس بن المطلب لي صديقاً وكان يختلف إلى اليمن يشتري العطر فيبيعه ایام الموسم فبينا أنا عند العباس بن عبدالمطلب بمنى فأتاه رجل مجتمع فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلي فخرجت امرأة فتوضأت وقامت
تصلي ثم خرج غلام قد راهق فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلي فقلت ويحك يا عباس ما هذا قال هذا ابن أخي محمد بن عبدالله بن عبد المطلب يزعم أن الله بعثه رسولاً وهذا ابن أخي علي بن ابي طالب قد تابعه على دينه وهذه امرأته خديجة ابنة خويلد قد تابعته على دينه قال عفيف بعدما أسلم ورسخ الإسلام في قلبه يا ليتني كنت رابعاً.
حدثنا ابن حميد قال حدثنا عيسى بن سوادة ابن الجعد قال حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وابو حازم المدني والكلبي قالوا علي أول من أسلم قال الكلبي: أسلم وهو ابن تسع سنين.
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال كان أول کر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب وهو يومئذ ابن عشر سنين وكان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب (علیه السّلام) أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام.
ثم إن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لما رأى ما يصيب اصحابه من البلاء وانه لا يقدر على أن يحميهم وينعهم مما هم فيه، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه.
فخرج عند ذلك المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام. وكان في مقدمة المهاجرين: عثمان بن عفان وزوجته، رقية بنت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وابو حذيفة وزوجته، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير وعبدالرحمن بن عوف... حتى اجتمع في أرض الحبشة من أصحابه (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بضعة وثمانون رجلاً(1).
فلما رأت قريش ذلك، ارسلت إلى النجاشي عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدايا مختلفة كثيرة، إليه وإلى حاشيته وبطارقته، رجاء أن يرفض قبول هؤلاء المسلمين في جواره ويسلمهم مرة أخرى
1) هذا هو الصحيح كما ذكره ابن هشام في سيرته: ج 1 ص 33، وانظر فتح الباري: ج7 ص13.
إلى أعدائهم.
فلا كلا النجاشي في ذلك -وكانا قد كلما من قبله بطارقته وقدما إليهم ما جاءا به من الهدايا - رفض النجاشي أن يسلم أحداً من المسلمين اليها حتى يكلمهم في شأن دينهم الجديد هذا. فجیيء بهم عليه، ورسولا قريش عنده، فقال لهم: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من الملل؟
فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال: أيها الملك: كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم ونهانا عن الفواحش.. فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان.. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، خرجنا إلى بلادك وأخترناك عى من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نُظلم عندك.
فسأله النجاشي أن يتلو عليه شيئاً مما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله.
فقرأ عليه جعفر صدراً من سورة مريم. فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته،ثم قال لهم: إن هذا والذي جاء به عيسی ليخرج من مشكاة واحدة. ثم التفت إلى رسولي قريش قائلاً: انطلقا، فلا والله لا
أسلمهم اليكما، ولا يُكادون.
ثم انهما عادا فقالا للنجاشي: أيها الملك انهم يقولون في عیسی بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون. فأرسل إليهم، في ذلك، فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يقول: هو عبد الله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عوداً. ثم قال: والله ما عدا عیسی بن مريم مما قلت هذا العود.
ثم رد إليها هداياهما، وزاد استمساكه بالمسلمين الذين استجاروا به، وعاد الرسُل إلى قریش خائبين.
وبعد فترة من الزمن بلغهم إسلام أهل مكة، فرجعوا لما بلغهم ذلك حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما قد سمعوه من إسلام أهل مكة باطل، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار، أو مستخفياً وكان جميعهم ثلاثة وثلاثين رجلاً. وكان من بين من دخل بجوار عثمان بن مظعون، دخل بجوار الوليد بن المغيرة، وابو سلمة دخل بجوار أبي طالب (1).
1) فقه السيرة: الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: ص 12 - 122، ط 4 1972م، دار الفكر نقلاً عن سيرة ابن هشام وفتح الباري: ج 7 ص13.، ومثله في الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزی ج 1 ص 196.
من كتاب للإمام علي (علیه السّلام) كتبه للأشتر النخعي، لمّا ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمّد بن أبي بكر، وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن (1)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيٌ أَميِرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الاْشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ: جِبْایَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا.
أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ: مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، الَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا، وَلاَ يَشْقَى إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا، وَأَنْ يَنْصُرَ اللهَ سُبْحَانَهُ بَيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنَّهُ، جَلَّ اسْمُهُ، قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ، وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ.
1) نهج البلاغة نص رقم 53 ص 426 - 445.
وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّهَوَاتِ، وَيَزَعَهَا(1)عِنْدَ الْجَمَحَاتِ(2)، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلاَّ مَا رَحِمَ اللهُ.
ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالكُ، أَنِّي قدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلاَد قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْل وَجَوْر، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِى مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاَةِ قَبْلَكَ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ،إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ. فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَامْلِكْ هَوَاكَ، وَشُحَّ(3)بِنَفْسِكَ عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَكَ، فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ[الأنفس] الاْنْصَافُ مِنْهَا فَيَما أَحْبَبْتَ وَكَرِهْتَ.
وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْ-مَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً[ضارباً] تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أو نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ (4)مِنْهُمُ الزَّلَلُ(5)، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ،يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الَعَمْدِ وَالْخَطَاَ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَ وَالِي الاْمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلاَّكَ! وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ(6)،
وَابْتَلاَكَ بِهِمْ.وَلاَ تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللهِ(1)، فَإِنَّهْ لاَيَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ(2)، وَلاَ غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَلاَ تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْو، وَلاَ تَبْجَحَنَّ(3)بِعُقُوبَة، وَلاَ تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَة(4)وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً(5)، وَلاَ تَقُولَنَّ: إِنِّي مُؤَمَّرٌ(6)آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ ذلِكَ إِدْغَالٌ(7)فِي الْقَلْبِ، وَمَنْهَكَةٌ(8)لِلدِّينِ، وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ(9).وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً(10)أَوْ مَخِيلَةً(11)، فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللهِ فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مَنْكَ عَلَى مَا لاَ تَقْدرِ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذلِكَ يُطَامِنُ(12)إِلَيْكَ
1) أراد «بحرب الله» مخالفة شريعته بالظلم والجور.
2) لا يد لك بنقمته : أي ليس لك يد أن تدفع نقمته، أي لا طاقة لك بها.
3) بجح به : کفرح لفظاً و معنی.
4) البادرة : ما يبدر من الحدة عند الغضب في قول أو فعل.
5) المندوحة: المتسع، أي المخلص .
6) مؤمر - كمعظم - أي : مسلط.
7) الإدغال : إدخال الفساد.
8) منهكة: مضعفة، وتقول «نهکه » أي أضعفه.. وتقول: نهكه السلطان من باب فهم أي : بالغ في عقوبته.
9) الغِيَر - بكسر ففتح -: حادثات الدهر بتبدل الدول.
10) الأُبهَة - بضم الهمزة وتشديد الباء مفتوحة -: العظمة والكبرياء
11) الَمخِيلة - بفتح فكسر -: الخيلاء والعجب.
12) يُطامن الشيء: يخفض منه.
مِنْ طِمَاحِكَ(1)، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ(2)،يَفِيءُ(3)إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ(4)عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ!
إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ(5)اللهِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ، فَإِنَّ اللهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّار، وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَال.
أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً(6)مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ!، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ(7)حُجَّتَهُ، وَكَانَ لله حَرْباً(8)حَتَّى يَنْزعَ(9)وَيَتُوبَ. وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَة عَلَى ظُلْم، فَإِنَّ اللهَ سَميِعٌ دَعْوَةَ المضطَهَدِینَ (الْمَظْلُومِينَ)، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ.
وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الاْمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ(10)بِرِضَى الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ
سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ.وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ، أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاَءِ، وَأَكْرَهَ لِلاْنْصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالاْلْحَافِ(1)، وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الاْعْطَاءِ، وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ، وَإِنَّمَا عَمَادُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ(2)الْمُسْلِمِينَ، وَالْعُدَّةُ لِلاْعْدَاءِ، الْعَامَّةُ مِنَ الاْمَّةِ، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ(3)لَهُمْ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ.
وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ، وَأشْنَأَهُمْ(4)عِنْدَكَ، أَطْلَبُهُمْ(5)لِمَعَائِبِ النَّاسِ، فإنَّ في النَّاسِ عُيُوباً، الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا، فَلاَ تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا، فَإنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ، وَاللهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ، فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللهُ مِنْكَ ما تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ. أَطْلِقْ(6)عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْد، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْر(7)، وَتَغَابَ(8)عَنْ كلِّ مَا لاَ يَضِحُ(9)لَكَ، وَلاَ تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ
1) الإلحاف : الالحاح والشدة في السؤال.
2) جِماع الشيء - بالكسر -: جمعه ، أي جماعة الاسلام.
3) الصِغو - بالكسر والفتح -: الميل.
4) أشنوهم: أبغضهم.
5) الأطلب للمعائب : الأشد طلباً لها.
6) أطلق عقدة كل حقد : احلل عقد الأحقاد من قلوب الناس بحسن السيرة معهم.
7) الوِتر - بالكسر -: العداوة.
8) تَغَابَ : تغافَل.
9) يَضِح: يظهر، والماضي وَضَحَ.
سَاع، فَإِنَّ السَّاعِيَ(1)غَاشٌ، وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ.
وَلاَ تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ(2)، وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ(3)، وَلاَ جَبَاناً يُضعِّفُكَ عَنِ الاْمُورِ، وَلاَ حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ(4)بِالْجَوْرِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى(5)يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ.
إِنَّ شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلاْشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الاْثَامِ، فَلاَ يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً(6)، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الاْثَمَةِ(7)، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ(8)، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ(9)وَأَوْزَارِهِمْ(10)وَ آثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ، وَلاَ آثِماً عَلَى إِثْمِهِ، أُولئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَؤُونَةً، وَأَحْسَنُ لَكَ
1) الساعي : هو النمام بمعائب الناس.
2) الفضل - هنا -: الإحسان بالبذل.
3) يَعِدُك الفقر: يخوفك منه لو بذلت .
4) الشّرَه - بالتحريك : أشد الحرص.
5) غرائز : طبائع متفرقة.
6) بِطانة الرجل - بالكسر : خاصته، وهو من بِطانة الثوب خلاف ظهارته.
7) الأثمة: جمع آثم وهو فاعل الاثم أي الذنب.
8) الظّلَمَة: جمع ظالم.
9) الآصار: جمع إصر بالكسر ، وهو الذنب والإثم.
10) الأوزار : جمع وِزر وهو الذنب والإثم أيضاً.
مَعُونَةً،وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً(1)، فَاتَّخِذْ أُولئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلاَتِكَ، ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ، وأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيَما يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللهُ لاِوْلِيَائِهِ، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ.
وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ، ثُمَّ رُضْهُمْ(2)عَلَى أَلاَّ يُطْرُوكَ وَلاَ يُبَجِّحُوكَ(3)بِبَاطِل لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الاْطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ(4)، وَتُدْنِي(5)مِنَ الْعِزَّةِ[الغرّة].
وَلاَ يَكُونَنَّ الْ-مُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَة سَوَاء، فَإِنَّ فِي ذلِكَ تَزْهِيداً لاِهْلِ الاْحْسَانِ فِي الاْحْسَانِ،تَدْرِيباً لاِهْلِ الاْسَاءَةِ عَلَى الاْسَاءَةِ، وَأَلْزِمْ كُلاًّ مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ.وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ وَال بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لهُ قِبَلَهُمْ(6)، فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذلِكَ أَمْرٌ يَجَتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً(7)طَوِيلاً، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلاَؤُكَ عِنْدَهُ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ
سَاءَ بَلاَؤُكَ عِنْدَهُ(1).
وَلاَ تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هذِهِ الاْمَّةِ، وَاجْتَمَعتْ بِهَا الاْلْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ،لاَ تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيء مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الاْجْرُ بِمَنْ سَنَّهَا، وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا.
وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الَعُلَمَاءِ، وَمُنَافَثَةَ الْحُكَمَاءِ، فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلاَدِكَ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إلاَّ بِبَعْض، وَلاَ غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض: فَمِنْهَا جُنُودُ اللهِ،مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، وَمِنهَا عُمَّالُ الاْنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَراجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَمِنهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللهُ سَهْمَهُ(2)، وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ وَفَرِيضَتِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ(صلى الله عليه وآله)عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً.
فَالْجُنُودُ، بِإِذْنِ اللهِ، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَيْنُ الْوُلاَةِ، وعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الاْمْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ. ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ فِي جِهَادِ عَدُوِهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيَما یُصْلَحهُمْ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ(3).
ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِهذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلاَّ
بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ(1)، وَيَجْمَعُونَ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الاْمُورِ وَعَوَامِّهَا.وَلاَ قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، فِيَما يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ(2)، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ(3)بِأَيْدِيهِمْ مَا لاَ يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ.
ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ(4)وَمَعُونَتُهُمْ. وَفِي اللهِ لِكُلّ سَعَةٌ، وَلِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ.
وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللهُ مِنْ ذلِكَ إِلاَّ بِالاْهْتِمامِ وَالاسْتِعَانَةِ بِاللهِ، وَتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيَما خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ.
فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لله وَلِرَسُولِهِ وَلاِمَامِكَ، وَأَنْقَاهُمْ جَيْباً(5)، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً(6)مِمَّنْ يُبْطِىءُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَيَنْبُو عَلَى الاْقْوِيَاءِ(7)، وَمِمَّنْ لاَ يُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَلاَ يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ.
ثُمَّ الْصَقْ بَذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالاْحْسَابِ، وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ، ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّماحَةِ، فَإِنَّهُمْ
1) المعاقد : العقود في البيع والشراء وما شابههما مما هو شأن القضاة .
2) المرافق أي: المنافع التي يجتمعون لأجلها.
3) الترفق أي: التكسب بأيديهم ما لا يبلغه كسب غيرهم من سائر الطبقات .
4) رِفدهم: مساعدتهم وصلتهم.
5) جيب القميص : طوقه ؛ ويقال «نقي الجيب » أي: طاهر الصدر والقلب.
6) الحِلم - هنا -: العقل.
7) ينبو عليه: يتجافى عنهم ويبعد.
جِمَاعٌ(1)مِنَ الْكَرَمِ، وَشُعَبٌ(2)مِنَ الْعُرْفِ(3).
ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُهُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلاَ يَتَفَاقَمَنَّ(4)فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلاَ تَحْقِرَنَّ لُطْفاً(5)تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ.
وَلاَ تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطيِفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لاَ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ.
وَلْيَكُنْ آثَرُ(6)رُؤوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ(7)فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ(8)عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ(9)بِمَا يَسَعُهُمْ يَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ(10)
1) جماع من الكرم: مجموع منه.
2) شُعَب - بضم ففتح -: جمع شعبة.
3) العُرف : المعروف.
4) تفاقم الأمر: عظم، أي لا تعدّ شيئاً قويتهم به غاية في العظم زائداً عما يستحقون، فكل شيء قويتهم به واجب عليك اتيانه، وهم مستحقون لنيله.
5) لا تحقرَنّ لطفاً أي: لا تعد شيئاً من تلطفك معهم حقيراً فتتركه لحقارته، بل كل تلطف - وان قل - فله موقع من قلوبهم.
6) آثر أي: أفضل وأعلى منزلة.
7) وَاسَاهُم: ساعدهم بمعونته لهم .
8) أفضل عليهم أي: أفاض..
9) الجِدَة – بكسر ففتح -: الغني.
10) خلوف أهليهم : جمع خَلف - بفتح وسکون - وهو من يبقى في الحي من النساء والعَجَزَة بعد سفر الرجال.
أَهْلِيهِمْ، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ. وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاَةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ، وَإِنَّهُ لاَ تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلاَّ بَسَلاَمَةِ صُدُورِهِمْ، وَلاَ تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلاّ بِحِيطَتِهِمْ(1)عَلَى وُلاَةِ أُمُورِهِمْ، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ. فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ، وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلى ذَوُوالْبَلاَءِ(2)مِنْهُمْ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ، وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ(3)، إِنْ شَاءَ اللهُ.
ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِىء مِنْهُمْ مَا أَبْلى، وَلاَ تَضُمَّنَّ بَلاَءَ(4)امْرِىء إِلَى غَيْرِهِ، وَلاَ تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلاَئِهِ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِىء إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلاَئِهِ مَا كَانَ صَغِيراً، وَلاَضَعَةُ امْرِىء إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ يَلاَئِهِ مَاكَانَ عَظيِماً.
وَارْدُدْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ(5)مِنَ الْخُطُوبِ، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الاْمُورِ، فَقَدْ قَالَ اللهُ سبحانه لِقَوْم أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاْمْرِ مِنْكُمْ فَإنْ تَنَازَعْتُمْ فِي
شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)، فَالرَّدُّ إِلَى اللهِ: الاْخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ(1)، وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ: الاْخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ.
ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لاَ تَضِيقُ بِهِ الاْمُورُ، وَلاَ تُمَحِّكُهُ(2)الْخُصُومُ، وَلاَ يَتَمادَى(3)فِي الزَّلَّةِ(4)، وَلاَ يَحْصَرُ(5)مِنَ الْفَيْءِ(6)إِلَى الْحَقِّ إذَا عَرَفَهُ، وَلاَ تُشْرِفُ(7)نَفْسُهُ عَلَى طَمَع، وَلاَ يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْم دُونَ أَقصَاهُ(8)، أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ(9)، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً(10)بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الاْمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ(11)عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لاَ يَزْدَهِيهِ
1) مُحكَم الكتاب : نصه الصريح.
2) تمحّکه الخصوم: تجعله ماحقاً لجوجاً. يقال : مَحَك الرجل - کمنَعَ - إذا لجّ في الخصومة ، وأصرّ على رأيه.
3) يتمادي : يستمر ويسترسل.
4) الزَلّة - بالفتح -: السقطة في الخطأ.
5) لا يَحصر: لا يعيا في المنطق.
6) الفيء: الرجوع إلى الحق.
7) لا تشرف نفسه: لا تطلع. والاشراف على الشيء: الاطلاع عليه من فوق.
8) أدنى فهم وأقصاه: أقربه وأبعده .
9) الشبهات : ما لا يتضح الحكم فيه بالنص؛ وفيها ينبغي الوقوف على القضاء حتى يرد الحادثة إلى أصل صحيح.
10) التبرم : الملل والضجر.
11) أصرمهم: أقطعهم للخصومة وأمضاهم.
إطْرَاءٌ(1)، وَلاَ يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ،أُولئِكَ قَلِيلٌ. ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ(تعهّد(2)) قَضَائِهِ، وافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ(3)مَا يُزيِلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لاَ يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذلَكَ اغْتِيَالَ[اغتیاب] الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ. فَانْظُرْ فِي ذلِكَ نَظَراً بِلِيغاً، فَإِنَّ هذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الاْشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا.
ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ، فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَراً،[اختیاراً](4)وَلاَ تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً(5)وأَثَرَةً(6)، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ(7)الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ. وَتوَخَّ(8)مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ[النّصیحة] وَالْحَيَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقَدَمِ(9)فِي الاْسْلاَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلاَقاً، وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً[أغراضاً]، وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً[اسرافاً]، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الاْمُورِ
1) لا يزدهيه إطراء : لا يستخفه زيادة الثناء عليه.
2) تعاهده: تتبعه بالاستكشاف والتعرف.
3) افسح له في البذل أي : أوسع له في العطاء بما يكفيه.
4) استَغمِلهُم اختباراً : ولهم الأعمال بالامتحان.
5) محاباة أي : اختصاصاً وميلاً منك لمعاونتهم.
6) أثَرَة - بالتحريك - أي: استبداداً بلا مشورة
7) فإنهما جماع من شُعَب الجور والخيانة أي : يجمعان فروع الجور والخيانة .
8) توَخّ أي : اطلب وتحرّ أهل التجربة ...
9) القَدَم - بالتحريك : واحدة الأقدام، أي الخطوة السابقة. وأهلها هم الأولون.
نَظَراً. ثُمَّ أَسْبِغْ(1)عَلَيْهِمُ الاْرْزَاقَ، فَإِنَّ ذلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاَحِ أَنْفُسِهِمْ، وَغِنىً لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ(2).ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ(3)مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لاِمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ(4)عَلَى اسْتِعْمَالِ الاْمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ.
وَتَحَفَّظْ مِنَ الاْعْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَة اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ، اكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ[یدیه]، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ، وَ وَسَمْتَهُ بِالْخِيانَةِ، وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ.
وَتفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صلاَحِهِ وَصلاَحِهِمْ صَلاَحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلاَ صَلاَحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ، لاَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ.وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الاْرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ، لاِنَّ ذلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بَالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَة أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً. فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً(5)، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْب(6)أَوْ
بَالَّة(1)، أَوْ إِحَالَةَ أَرْض(2)اغْتَمَرَهَا(3)غَرَقٌ، أَوْ أَجْحَفَ(4)بِهَا عَطَشٌ، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِما تَرْجُو أَنْ يصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ، وَلاَ يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَؤُونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ، وَتَزْيِينِ وِلاَيَتِكَ، مَعَ اسْتِجْلاَبِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ، وَتَبَجُّحِكَ(5)بِاسْتِفَاضَةِ(6)الْعَدْلِ فِيهِمْ، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ(7)، بِمَا ذَخَرْتَ(8)عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ(9)لَهُمْ، وَالثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ فِي رِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الاْمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الاْرْضِ مِنْ إِعْوَازِ(10)أَهْلِهَا،إِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لاِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاَةِ عَلَى الْجَمْعِ(11)،
1) انقِطاع بالّة أي : ما يبل الأرض من ندی ومطر فيما تسقى بالمطر.
2) إحالة أرض - بکسر همزة إحالة - أي: تحويلها البذور إلى فساد بالتعفن.
3) اغتمرها أي: عمها من الغرق فغلبت عليها الرطوبة حتى صار البذر فيها غمقاً - ككتف - أي له رائحة خمة وفساد.
4) أجحف العطش أي: أتلفها وذهب بمادة الغذاء من الأرض فلم ينبت.
5) التبجح: السرور بما یری من حسن عمله في العدل.
6) استفاضة العدل : انتشاره
7) معتَمِداً فضل قوتهم أي : متحداً زيادة قوتهم عماداً لك تستند اليه عند الحاجة.
8) ذَخَرَت: وفَرت.
9) الإجمام: الترفيه والاراحة.
10) الإغوَاز : الفقر والحاجة.
11) إشراف أنفسهم على الجمع: لتطلع أنفسهم إلى جمع المال ، ادخاراً لما بعد زمن الولاية إذا عزلوا.
وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ.
ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ، فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ صَالِحِ الاْخْلاَقِ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ(1)الْكَرَامَةُ، فَيَجْتَرِىءَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاَف لَكَ بِحَضْرَةِ مَلاَ(2)، وَلاَ تُقَصِّرُ بِهِ الْغَفْلَةُ(3)عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ، وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوابِ عَنْكَ، وَفِيَما يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلاَ يُضعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ(4)، وَلاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاَقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ(5)، وَلاَ يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفسِهِ فِي الاْمُورِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بَقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ.
ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ(6)وَاسْتِنَامَتِكَ(7)وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّفُونَ لِفِرَاسَاتِ(8)الْوُلاَةِ
1) لا تُبطِره أي : لا تطغيه.
2) جماعة من الناس تملأ البصر .
3) لا تُقصر به الغفلة أي : لا تكون غفلته موجبة لتقصيره في اطلاعك على ما يرد من أعمالك ، ولا في إصدار الأجوبة عنه على وجه الصواب.
4) عَقداً اعتَقَدَه لك أي : معاملة عقدها لمصلحتك.
5) لا يعجزعن إطلاق ما عُقِد عليك : إذا وقعت مع أحد في عقد كان ضرره عليك لا يعجز عن حل ذلك العقد.
6) الفِراسة - بالكسر -: قوة الظن وحسن النظر في الأمور.
7) الاستنامة : السكون والثقة.
8) يتعرفون لفراسات الولاة أي : يتوسلون اليها لتعرفهم.
بِتَصَنُّعِهِمْ(1)وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، لَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالاْمَانَةِ شَيْءٌ، وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وَلُوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدْ لاِحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وَأَعْرَفِهِمْ بِالاْمَانَةِ وَجْهاً، فَإِنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لله وَلِمَنْ وَلِيتَ أَمْرَهُ.وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْر مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ، لاَ يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا، وَلاَ يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا، وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْب فَتَغَابَيْتَ(2)عَنْه أُلْزِمْتَهُ.
ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً: الْمُقِيمِ مِنْهُمْ، وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ(3)، وَالْمُتَرَفِّقِ(4)بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ(5)، وَجُلاَّبُهَا مِنَ الْمَباعِدِ وَالْمَطَارِحِ(6)، فِي بَرِّكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لاَ يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا(7)، وَلاَ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ(8)لاَ تُخَافُ بَائِقَتُهُ(9)، وَصُلْحٌ لاَ تُخْشَى غَائِلَتُهُ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ
1) بتصنعهم : بتكلفهم إجادة الصنعة.
2) تغابیت : أي تغافلت.
3) المضطرب بماله: المتردد به بين البلدان .
4) المترفّق : المكتسب.
5) الَمرَافِق : ما ينتفع به من الأدوات والآنية.
6) المطارح : الأماكن البعيدة.
7) لا يلتئم الناس لمواضعها أي: لا يمكن التئام الناس واجتماعهم في مواضع تلك المرافق من تلك الأمكنة.
8) أنهم سِلم أي : أن التجار والصناع مسالمون.
9) البائقة : الداهية.
بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بِلاَدِكَ.وَاعْلَمْ - مَعَ ذلِكَ - أَنَّ فِي كَثِير مِنْهُمْ ضِيقاً(1)فَاحِشاً، وَشُحّاً(2)قَبِيحاً، وَاحْتِكَاراً (3)لِلْمَنَافِعِ، وَتَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ، وَذلِكَ بَابُ مَضَرَّة لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلاَةِ، فَامْنَعْ مِنَ الاْحْتِكَارِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ(صلّى الله عليه وآله) مَنَعَ مِنْهُ.
وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً: بِمَوَازِينِ عَدْل، وَأَسْعَار لاَ تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ(4)، فَمَنْ قَارَفَ(5)حُكْرَةً(6)بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ بِهِ(7)، وَعَاقِبهُ فِي غَيْرِ إِسْرَاف(8).
ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ وَالْمَسَاكِين وَالْ-مُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى(9)وَالزَّمْنَى(10)، فإِنَّ فِي هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً(11)
1) الضيق : عسر المعاملة.
2) الشحّ: البخل.
3) الاحتكار: حبس المطعوم ونحوه عن الناس لا يسمحون به إلا بأثمان فاحشة.
4) المبتاع - هنا - : المشتري.
5) قارف أي : خالط.
6) الحُكرَة - بالضم -: الاحتكار.
7) فَنَكَل به أي : أوقع به النكال والعذاب ، عقوبة له .
8) في غير إسراف أي : من غير أن تجاوز حد العدل.
9) البؤسی - بضم أوله -: شدة الفقر.
10) الزَمنَی -: جمع زمين وهو المصاب بالزَمانة - بفتح الزاي بفتح أوله - - أي العاهات، يريد أرباب العامة المانعة لهم عن الاكتساب.
11) القانع: السائل.
وَمُعْتَرّاً(1)، وَاحْفَظْ لله مَا اسْتَحْفَظَكَ(2)مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسمْاً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وَقِسماً مِنْ غَلاَّتِ(3)صَوَافِي(4)الاْسْلاَمِ فِي كُلِّ بَلَد، فإِنَّ لِلاْقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلاْدْنَى، وَكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ، فَلاَ يَشْغَلنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ،[نظر](5)فَإِنَّكَ لاَ تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِ التَّافِهَ(6)لاِحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ.فَلاَ تُشْخِصْ هَمَّكَ(7)عَنْهُمْ، وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ(8)، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لاَ يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ(9)، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ، فَفَرِّغْ لاِولئِكَ ثِقَتَكَ(10)مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُع، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ، ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بَالاْعْذَارِ إِلَى اللهِ(11)يَوْمَ تَلْقَاهُ، فَإِنَّ هؤُلاَءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الاْنصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيهِ.
1) المُغترّ - بتشديد الراء : المتعرض للعطاء بلا سؤال.
2) استَحفَظَك : طلب منك حفظه.
3) غَلّات: ثمرات.
4) صواني الاسلام : جمع صافية، وهي أرض الغنيمة.
5) بَطَر: طغيان بالنعمة.
6) التافه: الحقير.
7) لا تُشخص همك أي: لا تصرف اهتمامك عن ملاحظة شؤونهم.
8) صعّر خدّه : أماله إعجاباً وكبراً.
9) تقتحمة العين : تكره أن تنظر اليه احتقاراً، وازدراءً.
10) فَرِّغ لأولئك ثقتك أي: اجعل للبحث عنهم أشخاصاً يتفرغون لمعرفة أحوالهم يكونون ممن تثق بهم.
11) بالإعذار إلى الله أي: بما يقدم لك عذراً عنده .
وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ(1)مِمَّنْ لاَ حِيلَةَ لَهُ، وَلاَ يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ، وَذلِكَ عَلَى الْوُلاَةِ ثَقِيلٌ، وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللهُ عَلَى أَقْوَام طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللهِ لَهُمْ.
وَاجْعلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ(2)مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً، فَتَتَواضَعُ فِيهِ لله الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ(3)مِنْ أَحْرَاسِكَ(4)وَشُرَطِكَ(5)، حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَعْتِع(6)، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(صلّی الله علیه وآله وسلّم) -يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِن(7): ’’لَنْ تُقَدَّسَ(8)أُمَّةٌ لاَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَعْتِع». ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ(9)مِنْهُمْ وَالْعِيَّ(10)،
1) ذوو الرقّة في السن: المتقدمون فيه.
2) لذوي الحاجات أي: المتظلمين تتفرغ لهم فيه بشخصك للنظر في مظالمهم.
3) تُقعِد عنهم جندك : تأمر بأن يقعد عنهم ولا يتعرض لهم جندك.
4) الأحراس : جمع حرس - بالتحريك . وهو من يحرس الحاكم من وصول المكروه.
5) الشُرَط - بضم ففتح -: طائفة من أعوان الحاكم، وهم المعروفون بالضابطة ، واحدة شرطة - بضم فسكون .
6) التعتعة في الكلام: التردد فيه من عجز وعي ، والمراد غير خائف تعبيراً باللازم.
7) في غير موطن أي : في مواطن كثيرة.
8) التقديس : التطهير ، أي لا يطهر الله أمة ...الخ.
9) الخُرق - بالضم -: العنف ضد الرفق.
10) العِي - بالكسر : العجز عن النطق .
وَنَحِّ(1)عَنْكَ الضِّيقَ(2)وَالاْنَفَ(3)، يَبْسُطِ اللهُ عَلَيْكَ بَذلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ(4)، وَيُوجِبُ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ، وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً(5)، وَامْنَعْ فِي إِجْمَال وَإِعْذَار(6)!
ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لاَ بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا: مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْيَا(7)عَنْهُ كُتَّابُكَ، وَمِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ عِنْدَ وَرُودِهَا عَلَيْكَ مِمَّا تَحْرَجُ(8)بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ.
وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْم عَمَلَهُ، فإِنَّ لِكُلِّ يَوْم مَا فِيهِ، وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ تعالى أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ، وَأَجْزَلَ(9)تِلْكَ الاْقْسَامِ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لله إِذَا صَلَحَتْ فيهَا النِّيَّةُ، وَسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ.
وَلْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ لله بِهِ دِينَكَ: إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتي هِيَ لَهُ
1) نَحِّ : فعل أمر من نحّي يَنحي ، أي ابعِد عنهم.
2) الضيق : ضيق الصدر بسوء الخلق.
3) الأنَف . محركة -: الاستنکاف والاستكبار.
4) أكناف الرحمة : أطرافها.
5) هنيئاً: سهلاً لا تخشنه باستكثاره والمن به
6) امنع في إجمال وإعذار: وإذا منعت فامنع بلطف وتقديم عذر .
7) يعيا: يعجز.
8) حَرِجَ يَخرج . من باب تَعِب -: ضاق ، والأعوان تضيق صدورهم بتعجيل الحاجات، ويحبون المماطلة في قضائها استجلاباً للمنفعة، أو إظهاراً للجبروت.
9) أجزها: أعظمها.
خَاصَّةً، فَأَعْطِ اللهَ مِن بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ، وَوَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ كَاملاً غَيْرَ مَثْلُوم(1)وَلاَ مَنْقُوص، بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ. وَإِذَا قُمْتَ فِي صلاَتِكَ لِلنَّاسِ، فَلاَ تَكُونَنَّ مُنَفّرِاً وَلاَ مُضَيِّعاً(2)، فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ وَلَهُ الْحَاجَةُ. وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الَيمنِ كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ؟ فَقَالَ: «صَلِّ بِهِمْ كَصَلاَةِ أَضْعَفِهِمْ، وَكُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً’’.
وَأَمَّا بَعْدَ هذا، فَلاَ تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاَةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ، وَقِلَّةُ عِلْم بِالاْمُورِ، وَالاْحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دوُنَهُ فَيَصْغُرُ عِندَهُمْ الْكَبِيرُ، وَيَعْظَمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لاَ يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الاْمُورِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ(3)تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنَ: إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ(4)فِي الْحَقِّ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ، أَوْ فِعْل كَرِيم تُسْدِيهِ، أَوْ مُبْتَلَىً بِالْمَنعِ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيِسُوا(5)مِنْ بَذْلِكَ! مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مِمَّا لاَ مَؤُونَةَ فِيهِ
عَلَيْكَ، مِنْ شَكَاةِ(1)مَظْلِمَة، أَوْ طَلَبِ إِنْصاف فِي مُعَامَلَة.
ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وبِطَانَةً، فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَتَطَاوُلٌ، وَقِلَّةُ إِنْصَاف فِي مُعَامَلَة،فَاحْسِمْ(2)مَادَّةَ[مؤونة] أُولئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الاْحْوَالِ، وَلاَ تُقْطِعَنَّ(3)لاِحَد مِنْ حَاشِيتِكَ وَحَامَّتِكَ(4)قَطِيعةً، وَلاَ يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ(5)عُقْدَة، تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ، فِي شِرْب(6)أَوْ عَمَل مُشْتَرَك، يَحْمِلُونَ مَؤُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَيَكُونَ مَهْنَأُ(7)ذلِكَ لَهُمْ دُونَكَ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ.
وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ خَاصَّتِكَ[خواصّک] حَيْثُ وَقَعَ، وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ، فَإِنَّ مَغَبَّةَ(8)ذلِكَ مَحْمُودَةٌ.
1) شكاة - بالفتح : شكاية.
2) فاحسم أي: اقطع مادة شرورهم عن الناس بقطع أسباب تعديهم، وإنما يكون بالأخذ على أيديهم ومنعهم من التصرف في شؤون العامة .
3) الاقطاع: المنحة من الأرض. والقطيعة : الممنوح منها.
4) الحامّة . كالطامّة .: الخاصة والقرابة.
5) الاعتقاد : الامتلاك ، والعقدة - بالضم -: الضيعة؛ واعتقاد الضيعة: اقتناؤها، وإذا اقتنوا ضيعة فربما أضروا بمن يليها، أي يقرب منها من الناس .
6) الشِّرب بالكسر : هو النصيب في الماء.
7) مهنا ذلك: منفعته الهنيئة .
8) المَغَبَّة . كمَحَبّة -: العاقبة.
وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً(1)، فَأَصْحِرْ(2)لَهُمْ بِعُذْرِكَ، وَاعْدِلْ[و اعزل](3)عَنكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ رِيَاضَةً(4)مِنْكَ لِنَفْسِكَ، وَرِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ، وَإِعْذَاراً(5)تَبْلُغُ به حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ.
وَلاَ تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّ كَ لله فِيهِ رِضىً، فإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً (6)لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وأَمْناً لِبِلاَدِكَ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكِ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ(7)، فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَاتَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ.
وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوّ لَكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً(8)، فَحُطْ(9)عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالاْمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ
1) حَيفاً أي : ظلماً.
2) أصحِر لهم بعذرك أي: أبرز لهم، وبين عذرك فيه. وهو من الاصدار : الظهور ، وأصله البروز في الصحراء.
3) عَدَلَ الشيءُ عن نفسه: نحّاه عنه .
4) ریاضةً أي: تعویداً لنفسك على العدل .
5) الإعذار : تقديم العذر أو إبداؤه.
6) الدَعَة . محرّكة -: الراحة.
7) قارَبَ لتغفّل أي : تقرّب منك بالصلح ليلقي عليك عنه غفلة فيغدرك فيها.
8) أصل معنى الذمّة وجدان مودع في جبلة الإنسان، ينبهه لرعاية حق ذوي الحقوق عليه، ويدفعه لأداء ما يجب عليه منها، ثم أطلقت على معنى العهد وجعل العهد لباساً لمشابهته له في الرقابة من الضرر.
9) حُط عهدك : امر من حاطه يحوطه بمعنی حفظه وصانه .
جُنَّةً(1)دُونَ مَا أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ عزوجلّ شَيْءٌ النَّاسُ أَشدُّ عَلَيْهِ اجْتِماعاً، مَعَ تَفْرِيقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشْتِيتِ آرَائِهِمْ، مِنَ تَعْظيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيَما بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا(2)مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ، فَلاَ تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلاَ تَخِيسَنَّ[تَحبِسنَّ] بَعَهْدِكَ(3)، وَلاَ تَخْتِلَنَّ(4)عَدُوَّكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَجْتَرِىءُ عَلَى اللهِ إِلاَّ جَاهِلٌ شَقِيٌّ.
وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ(5)بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماً(6)يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ(7)،يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ(8)، فَلاَ إِدْغَالَ(9)، وَلاَ مُدَالَسَةَ(10)، وَلاَ خِدَاعَ فِيهِ، وَلاَ تَعْقِدْ عَقْداً تَجُوزُ فِيهِ الْعِلَلُ(11)، وَلاَ تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ قَوْلٍ(12)بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْر لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إِلَى
1) الجُنّة - بالضم -: الوقاية ، أي حافظ على ما أعطيت من العهد بروحك .
2) «لِمَا استَوبَلوا من عواقب الغدر» أي: وجدوها وَبيلة، مهلكة.
3) خاس بعهده: خانه ونقضه.
4) الخَتل: الخداع.
5) « أفضاه» - هنا -: بمعنى أفشاه .
6) الحريم : ما حرم عليك أن تمسه.
7) المَنَعَة - بالتحريك : ما تمتنع به من القوة.
8) يستفيضون أي : يفزعون اليه بسرعة.
9) الأدغال: الافساد.
10) المدالسة: الخيانة.
11) العلل : جمع عِلّة، وهي في النقد والكلام، بمعنى ما يصرفه عن وجهه ويحوله إلى غير المراد، وذلك يطرأ على الكلام عند إبهامه وعدم صراحته.
12) لحنِ القول: ما يقبل التوجيه كالتورية والتعريض.
طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَإنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيق تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْر تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طَلِبَةٌ(1)، لاَتَسْتَقِيلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلاَ آخِرَتَكَ.
إِيَّاكَ وَالدَّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَة، وَلاَ أَعْظَمَ لِتَبِعَة، وَلاَ أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَة، وَانْقِطَاعِ مُدَّة، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِىءٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ، فِيَما تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامةِ، فَلاَ تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَم حَرَام، فَإِنَّ ذلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، بَلْ يُزيِلُهُ وَيَنْقُلُهُ، وَلاَ عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللهِ وَلاَ عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمدِ، لاِنَّ فِيهِ قَوَدَ(2)الْبَدَنِ، وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَإ وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ(3)سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بِعُقُوبَة، فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ(4)فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً، فَلاَ تَطْمَحَنَّ(5)بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُول حَقَّهُمْ.
وَإِيَّاكَ وَالاْعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الاْطْرَاءِ(6)، فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ، لِ-يَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ
1) أن تحيط بك من الله فيه طِلبَة أي : تأخذك بجميع أطرافك مطالبة الله إياك بحقه في الوفاء الذي غدرت به.
2) القَوَد - بالتحريك : القصاص، وإضافته للبدن لأنه يقع عليه.
3) أفرَطَ عليك شوطك : عَجّلَ بما لم تكن تريده ، أردت تأديباً فأغقَبَ قتلاً.
4) الوَكزَة - بفتح فسكون -: الضربة بجُمع الكف - بضم الجيم - أي قبضته، وهي المعروفة باللكمة.
5) تَطمَحَنّ بك: ترتفّعَنّ بك.
6) الإطراء: المبالغة في الثناء.
إِحْسَانِ الْ-مُحْسِنِينَ.
وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ، أَوِ التَّزَيُّدَ(1)فِيَما كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الاْحْسَانَ، وَالتَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، وَالخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ(2)عِنْدَاللهِ وَالنَّاسِ، قَالَ اللهُ تعالی: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ)
و إيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالاْمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا، أَوِ التَّسَقُطَ(3)]التَسناقط- التثّبط] فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا، أَوِ الَّلجَاجَةَ فِيهَا إِذا تَنَكَّرَتْ(4)، أَوِ الْوَهْنَ(5)عَنْهَا إذَا اسْتَوْضَحَتْ، فَضَعْ كُلَّ أَمْر مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعْ كُلَّ عَمَل مَوْقِعَهُ.
وَإيَّاكَ وَالاْسْتِئْثَارَ(6)بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ(7)، وَالتَّغَابِيَ(8)عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ، وَعَمَّا قَلَيل تَنْكَشِفُ عَنْكَ
1) التزيّد . كالتقيّد -: إظهار الزيادة في الأعمال عن الواقع منها في معرض الافتخار.
2) المقت: البغض والسخط.
3) التسقط : من قولهم «تسقط في الخبر يتسقط ، إذا أخذه قليلاً، یرید به هنا: التهاون.
4) اللجاجة : الاصرار على النزاع. وتنكّرّت : لم يعرف وجه الصواب فيه.
5) الوَهن: الضعف.
6) الاستئثار: تخصيص النفس بزيادة .
7) الناس فيه أسوة: أي متساوون.
8) التغابي : التغافل.
أَغْطِيَةُ الاْمُورِ، وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ، امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ(1)، وَسَوْرَةَ(2)حَدِّكَ(3)، وَسَطْوَةَ يَدِكَ، وَغَرْبَ(4)لِسَانِكَ، وَاحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ(5)، وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الاْخْتِيَارَ، وَلَنْ تَحْكُمْ ذلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ.
وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ: مِنْ حُكُومَة عَادِلَة، أَوْ سُنَّة فَاضِلَة، أَوْ أَثَر عَنْ نَبِيِّنَا(صلى الله عليه وآله) أَوْ فَرِيضَة فِي كِتَابِ اللهِ، فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا، وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِي اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عهْدِي هذَا، وَاسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْكَ، لِكَيْلاَ تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا، وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَة، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فيهِ رِضَاهُ مِنَ الاْقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ، مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ، وَجَمِيلِ الاْثَرِ فِي الْبَلاَدِ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ، وَتَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ(6)، وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ، إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ[ رَاغِبُونَ]، وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ(صلّی الله علیه وآله وسلّم)- الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِیِن، وَسَلَّمَ تَسلیِماً كثيراً وَالسَّلامُ.
علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن اذينه عن عبدالله بن سلمان عن حمران بن اعين عن أبي عبدالله (علیه السّلام) قال: «إنَّ جبرئیل (علیه السّلام) أتى رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) برمانتين فأكل رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إحداهما، وكسر الأخرى بنصفين فأكل نصفاً وأطعم علياً نصفاً ثم قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يا أخي هل تدري ما هاتان الرمانتان؟ قال: لا قال: أما الأولى، فالنبوّة ليسَ لك فيها نصيب، وأما الأخرى، فالعلم انت شریکی فيه، فقلت اصلحك الله كيف كان يكون شريكه فيه؟ قال: لم يعِلّم اللهُ محمّداً (صلّی الله علیه وآله وسلّم)علماً إلّا وأمره أن يعِلّمهُ عليّاً(علیه السّلام) ».
وروى مثله في نفس الباب زرارة عن الإمام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر(علیه السّلام) ، ومثله عن محمد بن مسلم عن الإمام الباقر(علیه السّلام) أيضاً مع اختلاف في الألفاظ.
محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن اسماعيل عن عمه حمزة بن بزیع عن علي السائي عن أبي الحسن الأول موسی (علیه السّلام) « قال: قال: مبلغ علمناعلى ثلاثة وجوه ماض وغابرٌ وحادثٌ، فأمّا الماضي، فيفسر، وأمّا الغابرُ، فمزبور، وأمّا الحادثُ، فقذفٌ في القلوب ونقرٌ في الاسماع، وهو افضلُ علمِنا ولا نبیَّ بعدً نبِيِّنا».
محمّد بن يحيى عن أحمد بن أبي زاهر عن علي بن موسى عن صفوان بن يحيى عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبدالله (علیه السّلام) قال: قلت: « اخبرني عن علم عالمكم قال: وراثةٌ من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومن علي (علیه السّلام) قال قلت: إنّا نتحدثُ إنّه يقذفُ في قلوبِكم، وينكتُ في آذانكم قال أوَ ذاكَ » - يعني هو كذالك -
علي بن ابراهيم عن أبيه عمن حدثه عن المفضل بن عمر قال قلت لأبي الحسن (علیه السّلام) روينا عن أبي عبدالله (علیه السّلام) انه قال: أن علمنا غابرٌ و مزبور ونكتٌ في القلوب، ونقرٌ في الاسماع، فقال: اما الغابرُ فما تقدم من علمِنا، وأمّا المزبورُ فما يأتينا، وأمّا النكتُ في القلوب فإلهامٌ و أمّا النقرُ في الاسماعِ فأمرُ الملکِ».
علي بن ابراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عن رجل عن محمد بن مسلم قال: ذكر المحدَّثُ عند أبي عبدالله (علیه السّلام) فقال: «انه يسمع الصوتَ ولا يَرى الشخصَ فقلت له: جعلتُ فداك كيفَ يعلمُ أنه کلامُ الملكِ قال: انه يعطي السكينةِ والوقارَ حتى يعلمَ انّه كلامُ ملکٍ ».
محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن الحسن بن سعيد عن حماد بن عيسى عن الحسن بن المختار عن الحارث بن المغيرة عن حمران بن اعين قال قال أبو جعفر (علیه السّلام) أنَّ علياً (علیه السّلام) كانَ محدَّثاً، فخرجتُ إلى أصحابي، فقلتُ جئتُکُم بعجيبة فقالوا وما هي؟ فقلتُ: سمعتُ أبا جعفر (علیه السّلام) يقول: كان علي (علیه السّلام) محدّثاً فقالوا: ما صنعتَ شيئاً ألا سألتَهُ من كانَ يحدّثهُ فُرجعتُ إليه فقلت: إنّي حدثتُ أصحابي بما حدثتَني، فقالوا: ما صنعتَ شيئاً ألا سألتَهُ من كان يحدّثهُ فقال: لي يحدِّثهُ ملكٌ قلتُ تقولُ: إنَّهُ نبيٌ قال: فحرك يدَهُ هكذا أو كصاحبِ سلیمان أو كصاحبِ موسی أو كذي القرنين أو ما بلغكم انه قال وفيكم مثلهُ ».
عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن يحيي الحلبي عن أبي الصباح الكناني عن أبي بصير
قال سألت أبا عبدالله (علیه السّلام) عن قوله الله تبارك وتعالى «وكذلك اوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأیمان»، قال: «خلقٌ من خلقِ الله عز وجلّ أعظمُ من جبرئیلَ و میکائیلَ کانَ معَ رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يخبرُهُ ويسدِّدُهُ وهوَ مع الأئمةِ من بعدهِ ». وروی بمضمونه في نفس الباب خمسة أحاديث أخرى بأسانيد أخرى.
المقدمة ..........................................................................7
الفصل الأول
وليد البيت العتيق...........................................................11
بزوغ الفجر ...................................................................13
في كفالة رسول الله (ص) .............................................15
حصيلة الأعداد النبوي......................................................17
في كنف الوحي..........................................................19
أوَّل المؤمنين .............................................................21
الوصي الوارث ............................................................25
مواجهة الجاهليين .....................................................27
ابو طالب يتصدى لأعداء الرسالة ................................28
رسول الله (ص) وأبو طالب في الحصار ........................29
إلى دار الإسلام .....................................................33
في فراش رسول الله (ص) .....................................35
الانتظار في قبا ....................................................37
مهمات ما بعد الهجرة! ..........................................39
علي في منظار الإسلام ........................................47
علي في عهد الخلفاء ..................................................56
أ- في خلافة أبي بكر ...................................................60
ب - في خلافة عمر بن الخطاب ......................................63
ج - في عهد عثمان .........................................................66
الفصل الثاني
دعوني والتمسوا غيري! ..................................................69
تمهید ...........................................................................71
الإمام خليفة ................................................................73
1- الميدان السياسي ................................................75
2 - الميدان الاقتصادي ..............................................76
منهاج الاصلاح .......................................................78
سیاسة رد الفعل ........ .............................................97
موقف معاوية .............................................................99
خلفيات المطالبة بدم عثمان .........................................101
موقف الإمام علي (ع) أيام الأزمة ...................................102
حرب البصرة..................................................................105
الموقف الإنساني ........................................................107
فتنة صفين..................................................................111
وقعة النهروان...............................................................117
في ذمة الله ... .............................................................121
الفصل الثالث
«.ما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل» .......... 127
توطئة.........................................................................129
فضائل علي من حديث رسول الله (ص) .................. 132
أمرالأمامة في النصوص: .........................................135
شخصية عليّ (ع) من خلال مقوماتها الواقعية .......... 139
علاقة الإمام علي بالله تعالى ...................................142
شواهد من عبادة أميرالمؤمنين (ع) ............................144
المنهج العبادي في خطوطه الأساسية . .....................152
توکل صادق ويقين راسخ............................................153
مصادیق من زهد الإمام (ع) ......................................154
صدقة الإمام (ع)......................................................159
الجهاد في سبيل الله ..............................................162
الأخلاق الاجتماعية ..............................................167
أولاً - اشاعة العدل الاجتماعي بين الناس..................172
وصاياه للولاة ...........................................................179
ومن توجيهاته (ع) لجباة الأموال .................... ..............180
ومن تعليماته لجيوشه ......................................................180
ثانياً - تواضع الإمام ......................................................181
ثالثاً - حلم الإمام................. ......................................187
رابعاً - التورع عن البغي................................................191
خامساً - شواهد من صَبر الإمام ........................ .......195