اسرار الحسین علیه السلام بحث خاص حول بعض جوانب أسرار الامام الحسین علیه السلام

ghaemiyeh.com

اشارة

اسرار الحسین علیه السلام

بحث خاص حول بعض جوانب أسرار الامام الحسين عليه السلام

لسماحة الشيخ محمد قاسم مصري العاملي

الطبعة الأولى

دار بلال للطباعة والنشر

بیروت، لبنان 2018 م

اشارة

اسرار الحسین علیه السلام

منشورات

الجمعية العاملية لإحياء التراث

www.amililb.net

الطبعة الأولى

دار بلال للطباعة والنشر

بیروت، لبنان 2018 م

تقدیم

هذا الكتاب...

منذ قرابة العقدين من الزمن دون سماحة الوالد.. هذه الخواطر ..

فأضيفت إلى عشرات المخطوطات على مدى عقود من الزمن، كتب فيها أبحاثا عن الآيات التي تتناول خلق الانسان، والغيب، والنفس، والقلب،والتقوى، والصبر، والأرض، وغير ذلك ضمن عنوان خواطر.

منذ عام ونيف تولدت رغبة في نشر واحدة من هذه الخواطر ، وهي عن أسرار الحسين علیه السلام لتكون باكورة النتاج المطبوع، فتولى ولدي الحبيب الشيخ محمد مهمة المراجعة والتصحيح والإخراج لكتاب جده، ليتم إنجازه في هذه الحلة في الليلة الأولى من شهر رمضان المبارك 1439.

ما يميز هذا الكتاب.. هو أن ما تم تدوينه فيه هو عبارة عن مجموعة خواطر وأفكار مترابطة بموضوع واحد.. فيمكن للقارئ أن يصل إلى معنى من خلال فقرة أو عنوان، وفي نفس الوقت فإن جميع العناوين والفقرات توصل إلى معنی مشترك واحد.

للكتاب نمط خاص، فهو کما ورد في مقدمته على لسان المؤلف:

عند محاولتنا للكتابة حول الأسرار نقتطف من هنا زهرة ومن هناك وردة، ومن هنالك نظرة لنروي ظماءً لنفوس ترنو نحو المعرفة، لذلك لم يكن لكتابتنا منهج أو أسلوب محدد، بل نجول هنا مرة ونحتار مراراً..

لذا قد تجد تكرارا في بعض العبارات لأنها لم تكتب لتكون ضمن منهجية تأليف الكتب، وقد قال المؤلف:

وكتابتنا هنا ما هي الا إشارات لمن يدرك حل رموزها.

کربلاء المقدسة، في غرة شهر رمضان المبارك 1439

الموافق 17 أيار 2018

الشيخ مصطفى محمد مصري العاملي

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما نتأمل في هذا الوجود نجدُ الكثير من الأسرار، وهذا لم يعد سرّاً خفيّاًخاصّةً بعد أن اكتشفت العلوم ما نراه محسوساً ظاهراً.

بَدَأ الإنسان على هذه الأرض سرّاً من أسرار الوجود، ولم يبق هذا السرُّ في عالم الغيب، بل شاء الله سبحانه أن يظهره من عوالم الغيوب إلى واقع الوجود.

وعندما نحاول التعرف على حقيقة ذواتنا نجدُ ما نَعجَزعن بيانه وإظهاره مع أننا لا نجهلُ حقيقةَ وجودنا.

وعندما نبحث عن أفراد الإنسان نتلمس الفوارق بين شخص وآخر، وهي فوارق متقاربة تارةً ومتباعدة أخرى، مع أن الجميع يجمعهم جنس واحد وهو: التكوين البشري(1).

وقد عرف أن في الإنسان نموذجاً لكل ما في الأكوان من أمور ظاهرةومستترة..

هذا عن المحسوس، أما الأسرار الكامنة بذات الإنسان فلم تكتشف بعد! ومن هذه الإشارة ندخل إلى بعض الجوانب وهي:

أولاً: أن ابتداء الخلق راجع الى الله عزوجل.


1) الناس من جهة التمثال أكفاء * أبوهم آدم والأم حواء.

ثانياً: أن الإنسان هو أرقى وأسمى المخلوقات.

ثالثاً: أن الإنسان هو الصفوة والغاية القصوى من وجود سائر الأكوان(1).

وقد أوجب سبحانه على خلقه التسبيح والتقديس: فسبحانه من إلهٍ تجلى بذاته لذاته، وأظهر الأشياء بمشاهدتها في غيب وجوده، وجعلهامظاهر ذاته وأسمائه، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته(2).

وأول مخلوق هو النور، وهو النبي محمد صلی الله علیه واله، وقد ثبت ذلك بكثير من الأحاديث الشريفة نذكر بعضها اختصاراً .

قال:كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث(3).

وعظمة سر الحسين عليه السلام من جده رسول الله صلی الله علیه و اله حيث تجمعت أنوارالأئمة عند الحسين علیه السلام.

منذ أن بدأت الوعي والإدراك كان لدي رغبة في التوغل بكل ما هو مجهول لدي، حتى يسر لي طلب العلم، فبدأت من الألف.. إلى.. ما شاء الله لي حصوله، فكنت أخشى كثيراً من التوغل في أبحر الحسين عليه أفضل التحية والسلام.

وفي هذا العام قبل هلال محرم (عاشوراء)(4)جال الفكر: باذا أتكلم حول هذه المناسبة؟

ارتأيت بتوفيق أن أحوم حول الإمامة والإمام، فساقني الفكر إلى شواطئ


1) راجع المظاهر الإلهية لصدر المتألهين ص 119.

2) المصدر السابق، ص53: مقدمة التحقيق.

3) الطبقات الکبری ج 1 ص 149، ينابيع المودة 2:99.

4) محرم 1422 ه - 2001م.

الحسين علیه السلام، وعند هذه الشواطئ وقفت مرتعشاً، حيث لكل ابتداء رهبة، فكيف بلجج الأسرار؟!

وأحاول الآن أن أتعلم على ضفاف هذه الشواطئ، لعلي أتوفق لخوض اللجج، والتي دونها خوض المهج!

وعندما نحاول أن نكتب حول أسرار الحسين عليه السلام نجد هذا السر متصلاً إلى أبعد الحجب، وخصوصاً فيما يتعلق بالأنوار من عوالم الأسرار، ونجد أيضاً جهلاً وتجاهلاً حول معرفة ذلك في هذه الأزمنة.

ونجد مع ذلك في هذا الزمن عقولاً تبحث عن الحقائق المختبئة في بطون الكتب، وما نذكره هنا ما هو إلا إشارة وأعلام للسائرين، فمن عرف عظمة الخالق يعرف أنه سبحانه أودع في المخلوقات أسراراً، ومستودع الأسرار عند النبي المختارصلی الله علیه واله .

إن ما يتعلق بالحسين عليه السلام هو أشمل من كل ظاهرة على وجه الأرض، وهذه الظاهرة بالذات لا بد أن تنبه العقل البشري نحوهذا الدين.

فكأنها الروح التي تتحرك في أجسام البشرية قاطبة، وسوف تأخذ دورها الرائد لكل طبقات وأجناس الشعوب على وجه الأرض.

فعاشوراء نداء لأهل الأرض من صوت السماء!

وعندما نحاول التعرف على بعض الجوانب من أسرار الحسين عليه السلام فإننا لم نتجاوز ما هو محسوس وموجود و ملموس.

وفي الحقيقة إن ذلك ليس من الأسرار، وإن كان لفظ الحروف مؤداه سر، فالحسين عليه السلام هو ثمرة من ثمرات سيد الكائنات، وقد خصه الله بخصوصیات

ظاهرة وباطنة، لأنه علیه السلام حجة من حجج الله في هذه الحياة، وهو سفينة نجاة، ولذا جاء التعبير أنها أوسع وأسرع وما شابه ذلك من الألفاظ التي تشير إلى جوانب من معاني الأسرار، فالسر هو وجود، وله وجود، وليس بخفاء مطلق، بل لأن عقولنا لم تصل إليه نقول لكل غائب عنا سراً، فلفظ السرليس ذات السر.

وكل مخلوق قبل اظهاره كان في عوالم الأسرار، فالوجود أشمل من الظاهر والباطن، والملائكة عليهم السلام بالنسبة لبني البشر أسرار الله في الكون، ولهم آثار وأسرار في هذا الوجود، لذلك نؤمن بهم ولا نشاهدهم، ولا يشك عاقل بهم.

إن كل ما ظهر من مواقف الحسين عليه السلام ما هو إلا خيط من أنوار وأسرار کربلاء، فإنا نهيب بالعلماء والأدباء أن لا يحاولوا تحجیم شعائر کربلاء، فإن كثيراً من المظاهر والظواهر لم ندرك بعد أبعاد أسرارها، فقد یمارس بعض الناس شيئاً من المظاهر بدون إدراك أبعادها ومعانيها، ومما لا شك فيه أنه ستأتي أجيال من الناس تستكشف أسرار تلك المظاهر وأبعاد تلك الشعائر، لأن مسيرة كربلاء هي أكبر وأوسع من زمن أو جيلٍ محدود.

عند محاولتنا للكتابة حول الأسرار نقتطف من هنا زهرة ومن هناك وردة ومن هنالك نظرةً لنروي ظماءً لنفوس ترنو نحو المعرفة، لذلك لم يكن لكتابتنا منهج أو أسلوب محدد، بل نجول هنا مرة ونحتار مراراً..

والتعرف على هذه الأنوار يتم بقدر صفاء البصيرة، وما نرسمه من حروف هنا ما هو إلا إشارات تأخذ بأبصارنا وعقولنا نحو الهدف المقدر للإنسان التابع بالاهتداء إلى هذه الأنوار، ونستشف ذلك من بعض الأحاديث الشريفة، وقد يتكرر ذكر بعضها لحكمة لا تخفی.

وليس للمعرفة حدود، فكلما بحث الإنسان كلما تحققت المعرفة عنده، لذلك يجد القارئ في أبحاثنا مواضيع متعددة على خلاف ما تعارف من الحصر..

إن من يجاهد نفسه في مدة حياته قد يدرك شيئاً من هذه الأنوار، وإن كانت الحروف والكلمات عاجزة عن بيان حقائق المعاني، فالحروف ما هي إلا إشارات ورموز لمعاني الحقائق، ونحن عندما نرسم ذلك نأمل أن يبعث الله سبحانه أجيالاً قد تدرك ذلك، فالعجز عن الإدراك إدراك..

محمد قاسم مصري العاملي

الجمعة 5 محرم 1422 ه

الموافق 30 آذار 2001م

حديث لذوي الألباب

روى عبد العزيز بن كثير أن قوماً أتوا إلى الحسين عليه السلام وقالوا: حدثنا بفضائلكم.

قال: لا تطيقون، وانحازوا عني لأشير إلى بعضكم، فإن أطاق سأحدثكم ،فتباعدوا عنه فكان يتكلم مع أحدهم حتى دهش ووله وجعل يهيم ولا يجيب أحداً وانصرفوا عنه(1).

ونذكر ههنا حديثاً عن الأصبغ بن نباتة قال: سألت الحسين عليه السلام فقلت: سيدي، أسألك عن شيء أنا به موقن و أنه من سرالله، وأنت المسرور إليه ذلك السر.

فقال: يا أصبغ، أتريد أن ترى مخاطبة رسول الله لأبي دونٍ(2)يوم مسجد قبا؟

قال: هذا الذي أردت .

قال: قم.

فإذا أنا وهو بالكوفة، فنظرت فإذا المسجد من قبل أن یرتد إلي بصري، فتبسم في وجهي فقال: يا أصبغ إن سليمان بن داود أعطى الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأنا قد أعطيت أكثر مما أعطي سلیمان.

فقلت: صدقت والله يا ابن رسول الله .


1) مناقب آل ابي طالب لابن شهر آشوب، ج 4 ص 51، وعنه البحار ج 44 ص 184، ومثله في کتاب الواعظ ج1 ص52 عن كتاب الخرائج للراوندي.

2) الدون: الخسيس، واللفظ المذكور رمز یعبر به تقية عن أول ظالميهم عليهم السلام .

فقال: نحن الذين عندنا علم الكتاب وبيان ما فيه، وليس لأحد من خلقه ما عندنا لأنا أهل سر الله، فتبسم في وجهي ثم قال: نحن آل الله وورثة رسوله .

فقلت: الحمد لله على ذلك.

ثم قال لي: ادخل، فدخلت فإذا أنا برسول الله صلی الله علیه واله محتب في المحراب بردائه، فنظرت فإذا أنا بأمير المؤمنين قابض على تلابيب الأعسر، فرایت رسول الله صلی الله علیه واله يعض على الأنامل وهو يقول: بئس الخلف خلفتني أنت وأصحابك عليكم لعنة الله ولعنتی(1).

وههنا ملاحظة لكل من يقرأ كتابي هذا أنني أكتب لذوي الألباب ولنفسي، فلا عجب!

ونذكر حديثاً آخرفيه إشارات، فعن ابن عباس قال: رأيت الحسين قبل أن يتوجه إلى العراق على باب الكعبة وكف جبرئيل في كفه وجبرئیل ینادي: هلموا إلى بيعة الله عزوجل.

وعنف ابن عباس على ترکه الحسين فقال: إن أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً و لم يزيدوا رجلاً نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم.

وقال محمد بن الحنفیه و أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم(2).

وعن حذيفة قال: سمعت الحسين بن علي عليهما السلام يقول: والله ليجتمعن على قتلي طغاة بني أمية، ويقدمهم عمر بن سعدٍ. وذلك في حياة النبي (صلى الله عليه


1) مناقب آل ابي طالب لابن شهر آشوب، ج 4 ص 52.

2) المصدر السابق.

وآله)، فقلت له: أنبأک بهذا رسول الله؟

فقال لا.

فاتیت النبي فأخبرته، فقال: علمی علمه، وعلمه علمي، وإنا لنعلم بالكائن قبل کینونته(1).

نوع من بیان

إن كل مخلوق في الكائنات يحمل في ذاته نوعاً من الأسرار، ولا بدلنا عندما نحاول التعرف على جانب من أسرار الحسين عليه السلام من رسم کلماتٍ و أحرف تدل على شيء من تلك الأسرار، فقد اجتمعت في الحسين عليه السلام جميع أسرار الكائنات، منها ما هو ظاهر للعيان ومنها ما هو کامن بذاته المقدسة.

ونشير أولاً لما هو ظاهر: ينقل المجلسي عن بعض الكتب المعتبرة عن الطبري عن طاووس اليماني: أن الحسين بن علي عليه السلام كان إذا جلس في المكان المظلم یهتدي إليه الناس ببياض جبينه ونحره، فإن رسول الله صلی الله علیه واله كان كثيراً ما يقبل جبينه ونحره، وإن جبرئیل علیه السلام نزل يوماً فوجد الزهراء علیها السلام نائمةً و الحسين في مهده يبكي فجعل يناغيه ویسلیه حتى استيقظت فسمعت صوت من يناغيه فالتفتت فلم تر أحداً فأخبرها النبي صلی الله علیه واله أنه كان جبرئیل علیه السلام(2).

إن أسرار الحسين عليه السلام عند أهل السماء أعظم منها عند أهل الأرض، وهذا معلوم و معروف عند أهله.


1) دلائل الإمامة ص183.

2) بحار الأنوار ج 44 ص 187.

وقد روي أنه: لما ولد الحسين عليه السلام أمر الله تعالی جبرئيل أن يهبط في ملإٍ من الملائكة فيهنئ محمداً فهبط فمربجزيرةٍ فيها ملك يقال له فطرس بعثه الله في شيء فأبطأ فكسرجناحه وألقاه في تلك الجزيرة فعبد الله سبعمائة عام.

فقال فطرس لجبرئيل: إلى أين؟

قال: إلى محمد.

قال: احملني معك إلى محمد لعله يدعو لي، فلما دخل جبرئيل وأخبرمحمداً بحال فطرس قال له النبي : قل له يمسح بهذا المولود جناحه.

فمسح فطرس بمهد الحسين علیه السلام فأعاد الله عليه في الحال جناحه ثم ارتفع مع جبرئيل إلى السماء فسمي عتيق الحسين علیه السلام (1).

الإمام الحسين سر من أسرار الله

تارةً نقرأ عن هذا السر في الحروف والكلمات، وتارة نقرأه في مسيرة وواقع الحياة.

ونقف هنا لنقرأ عن الحسين عليه السلام، ونسأل لماذا يذكرالحسين عليه السلام في كل بقاع الأرض؟ وما هو السر في ذلك؟

لنبدأ أولاً بما هو ظاهر من جانب النسب والوراثة: فجده النبي محمد صلی الله علیه واله ، وجدته خديجة الكبرى عليها السلام، ووالده علي بن ابي طالب عليهماالسلام ، ووالدته فاطمة الزهراء عليها السلام ، وأخوه الإمام الحسن علیه السلام ، وأولاده الأئمة المعصومون علیهم السلام .

من هنا تعجز الأفهام وتقف الأقلام عن شرح وبيان هذه السلسلة الذهبية


1) الخرائج والجرائح ج1 ص252.

التي خصها الله بالإصطفاء والصفوة، فالحسين علیه السلام خامس أهل الكساء، وما اجتمع في الحسين عليه السلام لم يجتمع في غيره قط، فقد امتاز بهذا الجانب عن كل مخلوق، وقد اشترك مع حلقات السلسلة بكل الفضائل.

وبناء على ذلك فهو الثمرة المصفاة بكل ما ترمز إليه الحروف والكلمات .

وقفة مع حديث: علمه علمي

لقد أوقفني كثيراًحديث تقدم عن النبي صلی الله علیه واله في الحسين عليه السلام حيث قال صلی الله علیه واله : علمه علمي وعلمي علمه.. .

وقد قرأت هذا الحديث على كثير ممن يفد ويستمع منا، وفي يوم الأحد 14 محرم 1422 ه بعد الظهر أسمعته للأخ المهندس عبد الله عاصي، فقال لي: ماذا تجيب لو سألك أحد بجوابٍ مقنع فيه دلالة؟

فكان جوابي في تلك اللحظة بتوفيق سريع ما يلي:

أولاً: أن العلم علمان، علم کسبي وعلم لدني، وأوضح دلیل ما جرى بين النبي موسى علیه السلام والخضر عليه السلام في قصة العلم، وهي واضحة بظواهرها في القرآن الكريم، فالخضر علیه السلام ليس نبياً، ولم يخاطبه الوحي، وهو تابع لموسى عليه السلام في التكليف.

ثانياً: أن نور الحسين عليه السلام هو من ذات النور للنبي صلی الله علیه واله ، وهذا في عالم الأنوار وعالم الذر، فضلاً عن الأحاديث بحق الحسين عليه السلام ومكانته الرفيعة بنصوص صريحة.

ألم يثبت عن النبي صلی الله علیه واله ما مضمونه أنه وعلي من نور واحد؟ ثم انقسم هذا

النور عند ابي عبد الله وعند أبي طالب(1).

ومن هنا يحسن القول أنه قد اجتمع في الحسين عليه السلام القسمان، ويكفي أنه خامس أهل الكساء.

وحتى لو أردنا الدخول في تفاصيل عالم الوراثة، فالحسين عليه السلام هو مجمع نقطة الارتكاز للسلسلة النورانية بكل الأبعاد.

لذلك لا غرابة ولا عجب أن يكون علم الحسين عليه السلام معه من عوالم التكوين الابتدائية، وهي عالم النور، والأشباح قبل الظهور لعالم الدنيا المحسوس، وهذا له تفاصيل تأتي في محلها إن شاء الله.

وهنا حاولت الإشارة لا أكثر، وأذكر حديثاً مقتضباً من حديث طويل للإمام الحسن عليه السلام لأخيه محمد بن الحنفية بوصيته له:.. سمعت أباك يوم البصرة يقول: من أحب أن يبرني في الدنيا والآخرة فليبر محمداً ولدی.

یا محمد بن علي لوشئت أن أخبرك وأنت نطفة من ظهر أبيك لا خبرتک.

یا محمد بن علي أما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جشمي إمام من بعدي، وعند الله في الكتاب الماضي وراثة من النبي أضافها الله له في تراثة أبيه وأمه، علم الله أنكم خيرة خلقه فاصطفی منکم محمداً واختارمحمد علياً واختارني علي للإمامة واخترت أنا الحسين.

فقال له محمد بن علي: أنت إمامي وسيدي ألا وإن في رأسي كلاماً لا تنزفه الدلاء ولا تغيره نغمة الرياح کالكتاب المعجم في الرق المنمنم أهم بإبدائه فأجدني


1) معاني الأخبار ص 56.

سبقت إليه سبق الكتاب المنزل وما جاءت به الرسل وإنه لكلام يكل به لسان الناطق وید الکاتب حتى لا يجد قلماً ويؤتوا بالقرطاس حمماً ولا يبلغ فضلك وكذلك يجزي الله المحسنین ولا قوة إلا بالله.

الحسين أعلمنا علماً وأثقلنا حلماً أقربنا من رسول الله رحماً، كان إمامنا قبل أن يخلق، وقرأ الوحي قبل أن ينطق، ولو علم الله أن أحداً خيراً منا ما اصطفی محمداً، فلما اختار محمداً اختار علياً إماماً واختارك علي من بعده واخترت الحسين عليه السلام من بعدک سلمنا ورضينا بمن هو الرضى وبمن نسلم به من المشكلات(1).

وفي الكافي هذه العبارة: سلمنا ورضينا من هو بغيره يرضى ومن غيره كنا نسلم به من مشکلات أمرنا(2).

العلم قسمان: علم لدني وعلم كسبي

قد مرت کلمات تدل على العلم اللدني، منها: كان إماماً قبل أن يخلق .وفي الكافي : كان فقيهاً قبل أن يخلق(3).

في مثل هذه العبارة إشارة إلى أن أرواحهم عليهم السلام كانت في عوالم الغيوب والعرش قبل تعلقها بأجسادهم الطاهرة، فكانت أرواحهم عالمة بالعلوم اللدنيةومعلمة للملائكة(4).


1) إعلام الوری بأعلام الهدی ج 1 ص 23.

2) الكافي ج 1 ص 302.

3) الكافي ج 1 ص 302.

4) تفاصيل هذه المعاني في مكان آخر، راجع مثلاً البحار ج 44 ص179.

إن أسرار أهل بيت النبي صلی الله علیه واله لا تتحملها عقولنا التي خيمت عليها شهوات الدنيا، بل حتى عقول الكثير ممن عايشهم وسمع منهم ومن جدهم عليهم السلام جميعاً.

وقد تقدم الحديث عندما قال الحسين عليه السلام لقوم أتوه وقالوا: حدثنابفضائلكم، قال علیه السلام : لا تطيقون. وهذا يدل على ضعف الإدراك، فليس كل انسان قادر على حمل الأسرار، إذ ذلك مختص بالأبرار.

في كل كائن سر من الأسرار

من المعلوم أن أسرار الكائنات تجمعت في حقيقة الإنسان، وهنا نشير إشارة إلى مكامن الأسرار، فقد جاء في مضامين الأحاديث أن: للعلماء سر، وللخلفاء سر، وللأنبياء سر، وللملائكة سر، والله تعالى من وراء ذلك سر.

فلو اطلع الجهال على سير العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لخالفوهم، ولو اطلع الملائكة على سرالله لطاحوا حائرین و بادوا بائدین(1).

وقد قيل: إذا عرف السبب زال العجب!


1) ذكره الملا صدرا في شرح أصول الكافي ج 2 ص 547، والفخر الرازي في تفسيره ج2 ص3، ولكن لم نعثر على الحديث في مجاميعنا الروائية، وظاهره أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وهو مخالف للمقطوع به عندنا من أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وظاهره أيضاً أن مرتبة الأنبياء مما لا يمكن للأوصياء أن يتحملها وهذا مخالف لما ثبت من كون علي عليه السلام نفس النبي صلی الله علیه واله.

ومنه أيضاً: والسبب في ذلك أن العقول والاذهان لا يحتمل الاسرار القوية کما لا يحتمل الابصار الضعيفة كابصار الخفافيش نور الشمس، وكذلك كل مرتبة من النور القوي لا يحتمل ما هو اقوى منه وأشد كثيراً فيضمحل في مشهده، وكذلك في قوله: «إِنَّا أَعْطَیْنَاکَ الْکَوْثَرَ»، فالكوثر صورته صورة الماء وحقيقته حقيقة العلم(1).

فعندما نحاول التعرف على بعض الجوانب من أسرار الحسين عليه السلام نجد أنفسنا أضعف من الخفافيش في مقابل هذا النور، فقد تحققت في مقام الحسين عليه السلام الأنوار والأسرار فكان ملتقى السابقين وذخيرة الباقين.

وبعد أن حمل آدم علیه السلام النور واستمر من صلب إلى صلب في قافلة الأنبياء عليهم السلام وانشطر من عبد المطلب عاد واجتمع في الحسين عليه السلام، فكان الحسين عليه السلام منتهی مجمع الأنوار ومستودع الأسرار.

وعندما نحاول التعرف على ضياء الأنوار من الأسرار، لا بد لنا من أن نتعرف على مقام الإمامة والإمام، فمعرفة الإمام هي المعرفة التامة لكل معارف الحياة، لأن هذه المعرفة تتضمن أسرار الوجود بكل أبعاده وتفاصيله، ولذا نقول: معرفة الحسين عليه السلام معرفة للجميع، لأنه عليه السلام نقطة الارتكاز بكل أبعادها.


1) المصدر السابق، وفي العبارة جهة اشتراك مع ما نقله الفخر الرازي وجهة اختلاف، وليس لذكر الكوثر أثر في كلمات الرازي، على أن هذا الكلام للملا صدرا نفسه بحسب الظاهر، وإن قيل بأنه ينقله عن بعض العلماء استكمالاً لما نقله قبل أسطر، ورغم تصريحه بأنه غير منكر للظاهر وأنه طريق للباطن يرد عليه أن معرفة البواطن مقصورة على السمع من آل محمد عليهم السلام، وما لم يرد ما يؤيد أو يشير إلى هذا المعنى يبقى محتملاً كسائر الاحتمالات لا وجه لإثباته والجزم به .

وإذا ما حاولنا معرفة الابتداء نجد أنه علیه السلام نور من الأنوار على ساق العرش، وعندما نسير إلى منتهى سلسلة الأنوار والأسرارنجده ملتقاها، لذلك كانت معرفته معرفة الابتداء والانتهاء، بنص صريح عنه علیه السلام حيث قال: دخلت أنا وأخي على جدي رسول الله صلی الله علیه واله فأجلسني على فخذه وأجلس أخي الحسن على فخذه الأخرى ثم قبلنا وقال: بأبي أنتما(1)من إمامين صالحین اختارکما الله منی ومن أبیکما و امکما واختار من صلبك يا حسین تسعة أئمة تاسعهم قائمهم وکلكم في الفضل والمنزلة عند الله تعالى سواء(2).

من هذا الحديث الشريف ندرك اختيار الله للإمامة، وليس وراء اختيار الله اختيار، فهو الخالق الموجد المقدر.

وفي الأحاديث الشريفة الكثير من هذه الأبعاد والمعاني حول الإمامة والإمام.

ومنها ما روي عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: دخلت على رسول الله صلی الله علیه واله وعنده أبي بن كعب فقال لي رسول الله صلی الله علیه واله : مرحباً بك يا أبا عبد الله یا زین السماوات والأرضين.

قال له أبي: وكيف يکون يا رسول الله صلی الله علیه واله زين السماوات والأرضين أحدغيرك؟


1) لا يقال : كيف يفدي النبي صلی الله علیه واله الحسنين عليهما السلام بأبيه؟ وهل يتناسب هذا مع بر الوالدين؟ فإنه يقال أنها عليهما السلام أئمة لكافة البشر بمن فيهم عبد الله والد النبي صلی الله علیه واله ، ولا شك بلزوم فداء المفضول للفاضل کما یحکم به العقل السليم والفطرة غير الملوثة.

2) کمال الدین و تمام النعمة ج 1 ص 269.

قال: يا أبي، والذي بعثني بالحق نبيا إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله عزوجل ومصباح هدى وسفينة نجاة وإمام غير وهن، وعز وفخر وعلم وذخر.

وإن الله عزوجل رکب في صلبه نطفةً طيبةً مباركةً زکیةً، ولقد لقن دعوات ما يدعو به مخلوق إلاحشره الله عزوجل معه وكان شفيعه في آخرته وفرج الله عنه کربه وقضي بها دينه یسر أمره وأوضح سبيله وقواه على عدوه ولم يهتك ستره.

فقال له أبي بن كعب: وما هذه الدعوات یا رسول الله صلی الله علیه واله ؟

قال: تقول إذا فرغت من صلاتك وأنت قاعد: اللهم إني أسألك بکلماتک ومعاقد عرشك وسکان سماواتک وأنبيائك ورسلک أن تستجيب لي فقد رهقني من أمري عسراً فأسألك أن تصلي على محمدٍ وآل محمدٍ وأن تجعل لي من أمري

یسراً.

فإن الله عزوجل يسهل أمرك ویشرح صدرک ویلقنک شهادة أن لا إله إلا الله عند خروج نفسك.

قال له أبي: یا رسول الله فما هو النطفة التي في صلب حبيبي الحسين ؟

قال: مثل هذه النطفة کمثل القمر وهي نطفةً تبيين وبیان يكون من اتبعه رشيداً ومن ضل عنه هويا.

قال: فما اسمه وما دعاؤه؟

قال : اسمه علي ودعاؤه یا دائم یا دیموم يا حي يا قيوم يا كاشف الغم ويا فارج الهم ويا باعث الرسل ويا صادق الوعد

من دعا بهذا الدعاء حشره الله عزوجل مع علي بن الحسين وكان قائده إلى الجنة(1).

إن الحديث عن الإمام الحسين عليه السلام أبعد من تقييمات عقولنا وأفهامنا، فالذي اجتمع في ذاته وكيانه كل أسرار الكون من محسوس وما فوق المحسوس هو فوق ادراكنا!

ومن يتتبع مراحل سيرته يدرك أن له علیه السلام ميزات لم يشاركه فيها أحد، ولم يتوفر من الصفات الرفيعة لغيره ما توفر له من بدء تكوينه في العوالم إلى مراحل مسيرته في هذا الكون، فهو فريد بكل ما للكلام من أبعادٍ ومعانٍ.

فكأن كل انسانية الإنسان قد تحققت بذاته، ويكفي ما تظافرت النصوص به عن عظيم شأنه، ومن أراد فليبحث، وهو بلا شك فوق إدراك الباحثين.. هو ثارالله في الأولين والآخرين.

الله يختص بفضله من يشاء

میز الله الإنسان عن بقية المخلوقات، فعندما نلقي نظرة فاحصة نجدأن أعظم ميزة وفضل هي العلم والتعلم.

وقد خص الله سبحانه الإنسان بالعلم بعد تكوينه:«وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا »(2)، وبالعلم امتازعن الملائكة.

وللعلم الرباني حملة، فقد اختص به الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، وكان الحظ


1) عيون أخبار الرضا عليه السلام ج1 ص 59.

2) البقرة: 31

الأوفر من العلوم لسيد الأنبياء صلی الله علیه واله.

ويمكن حصر علم الأنبياء عليهم السلام بقسمين أساسيين:

الأول: ما جاء به الملائكة وحياً، وهو علم للتبليغ والتشريع.

والثاني: بينهم وبين الله عزوجل قد خصهم به، ويصح اطلاق العلم اللدني عليه من باب التعريف بالحروف، فعندما ندرك أن هناك علماً أبعد من الظواهر والحروف ندرك نوعاً ما إشماماً من العلم اللدني(1).

وندرك أيضا أن للأنبياء والأوصياء علما فوق علوم التبليغ للناس التابعين في هذه الدنيا، فالمخلوقات عموماً تابع ومتبوع، فالعالم متبوع وما دونه تابع، وعلى هذا قامت السماوات وتفاوتت المخلوقات.

وبعد أن ثبت دون شك أن خاتم الأنبياء صلی الله علیه واله هو الأول والآخر من مخلوقات الكائنات، وأن علوم الأولين والآخرين قد انتهت إليه، وقد خصه الله تعالى بما تعجز العقول والأفهام عن إدراكه ومعرفة حقيقة ذاته، ندرك أن ذریته صلی الله علیه واله نسخة عنه وقد تمثلت بالحسين عليه السلام .

وعندما نقرأ عن الحسين علیه السلام من أقوال الصادق الأمين: إنه مني وأنا منه،


1) قد يقال بأن العلم اللدني هو العلم الحضوري عند المعصوم عليه السلام، ويقابله العلم الكسبي، وبهذا يكون كل علمهم لدنيا إذ لم يتعلم الأنبياء والأئمة عند أحد من الخلق، وعلى هذا التفسير يدخل الوحي في العلم اللدني، أما لو فرقنا بين العلم الموحی به والعلم اللدني الذي قد ينزله الله تعالى على الأنبياء دون توسط الملائكة تتم القسمة المذكورة. على أن نزول الملائكة على الأنبياء لا يعني جهل الأنبياء بها كان الملائكة قد علموه ونزلوا به عليهم، فإن الأنبياء أفضل من الملائكة بلا شك وريب وأعلم منهم، سيما سیدنا محمد صلی الله علیه واله، ولنزول الملائكة بالوحي عن الله تعالى معاني وتفاسير لا تتنافى مع ما ذكرناه ليس هذا محل ذكرها.

أو: وعلمي علمه وعلمه علمي، لا يبقى مجال للتأويلات والتخيلات التي نتخيلها، ذلك أنه قد اجتمع في ذات وكيان الحسين علیه السلام كل ما يمكن أن يكون الجده صلی الله علیه واله سواء من علوم التبليغ أو من العلم اللدني، وقد اجتمعت فيه علیه السلام الأنوارالتي تفرعت و لم تنشطر فيها بعده علیه السلام بل استمرت من واحد لآخر، وهذا ليس من علوم الغيب التي قد يعترض عليها معترض!

لكل إنسان مقدار معين من التحمل

ومن هنا تفاوت الناس وتفاضلوا، فليس حمل العلم مقدوراً لأي كان، والأسرار مبثوثة في ذرات هذا الكون، والإنسان مكون من هذه الذرات.

ومهما قيل أو يقال في دنيا العلوم والخلايا وعلم الأجنة والوراثة وما شابه، ورغم تقدم العلوم الحديثة فإنها تقر بعجزها عن إدراك الكثير مما لم يكتشف بعد من الأسرار(1).

ويمكن القول بلغة الحروف أن العلوم لم تتجاوز حدود حرف(الألف) وتنتقل الى حرف (الباء) بعد:«وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»(2).

وفي حديث يشبه ما مر: أتى رجل الحسين بن علي عليه السلام فقال: حدثني بفضلكم الذي جعل الله لكم.

قال: إنك لن تطيق حمله.

قال: بلى حدثني يا ابن رسول الله إني أحتمله .


1) يحسن مراجعة كتابنا حول مراحل خلق الإنسان من تراب (مخطوط)

2) الإسراء: 85.

فحدثه بحديث فلما فرغ الحسين عليه السلام من حديثه حتى ابيض رأس الرجل ولحيته وأنسي الحديث.

فقال الحسين علیه السلام: أدركته رحمة الله حيث أنسي الحديث (1).

وهنا يمكن القول أن العلوم تتوارث من مصدرين محسوسين هما: الكسب بواسطة الحروف والكلمات، والثاني من عوالم الوراثة والذرات التي تتكون منها الخلايا والجينات.

ألم تقر العقول الباحثة بكسبية العلوم کا أذعنت لعالم الوراثة من جيل الآخر وبحثت في عالم الأجنة؟

ابتداء خلق نور الحسين عليه السلام

لقد تعددت أقوال الحكماء والفلاسفة حول ابتداء الخلق، وليس هذا بحثنا هنا، وإنما نحاول الاشارة الى ابتداء خلق أنوار الحسين عليه السلام في عوالم الحجب قبل ایجاد هذه المحسوسات، لأن ذلك يرسم أمامنا خريطة ما قبل الدنيا، فقد ثبت أن هذا الكون محدث، ولم يكن فكان كما أراده الله سبحانه، وقد تساءل العقل البشري عن أول مخلوق ما هو؟

فكانت الاجابات مختلفة ومتعددة ومتنوعة، وهذا التساؤل لم يحسم وبقي من جيل لأخر وسيستمر.

وحيث ساقنا البحث إلى الاشارة لابتداء المخلوقات نذكر بعضاً من ذلك.


1) الخرائج والجرائح ج 2 ص 795.

سئل أمير المؤمنين علیه السلام عن أول ما خلق الله فقال عليه السلام: خلق النور(1).

والمراد بالنور نور النبي صلی الله علیه واله والأئمة عليهم السلام، وقد ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وهناك أقوال حول ذلك منها أن أول ما خلق الله العقل، وهو أول خلق خلقه من الروحانيين. وقال صلی الله علیه واله : أول ما خلق الله نوري(2).

وهذه المعاني واردة في أحاديث كثيرة وضمن موارد متنوعة، منها قوله صلی الله علیه واله: إن أول ما خلق الله عز وجل أرواحنا فأنطقها بتوحيده و تحمیده ثم خلق الملائكة(3).

تنبية وإرشاد

عندما يغوص الباحث في بحار الأحاديث والآثار وحقائق الأخبار يجد من الروايات الجمة تعابير قد لايدرك أبعادها ومضامين معانيها، خصوصاً في هذه الأزمنة التي كادت أن تفقد فيها علامات ومعايير الميزان.

ليس ذلك لبعدنا عن زمن الأنبياء عليهم السلام كما يقال، بل لأنا توغلنا في عالم الماديات منالمحسوسات،واشتبه علينا الفارق الكبير بين ما هو مدرك بالبصر وما يعرف بالبصيرة. والفرق بينهما أبعد بكثير من الفرق بين السماء والأرض!

وحتى عندما نقرأ حروف النور، أصبحنا ندرك من النور هذه المحسوسات، ولكن الحقيقة ليست هذهالأنوار المصنوعة ، ولا أنوار القمر وضياء الشمس فإنهما من المحسوسات، إذ أن موازين أنوار العرش لیست


1) بحارالأنوار ج 5 ص 73.

2) بحار الأنوار ج 1 ص97.

3) بحار الأنوار ج 1 ص 58.

کموازين أنوار الأقمار، سواء السماوية أو غيرها.

فعندما نقرأ حديثاً عن أنوار النبي صلی الله علیه واله والأئمة عليهم السلام قد لا نحسن تطبيق ذلك لأننا ألفنا ما هو محسوس، وقد استعملنا البصر أكثر من الاهتداء بالبصيرة.

وقفة مع نصوص الأحاديث

الحديث الأول: عن سلمان الفارسي رحمة الله قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله : یاسلمان، خلقني الله من صفاء نوړه فد عاني فأطعته، فخلق من نوري علياً فدعاه فأطاعه، فخلق من نوري ونور على فاطمة فدعاها فأطاعته، فخلق مني ومن علي ومن فاطمة الحسن والحسين فدعاهما فأطاعاه، ثم خلق من نورالحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله سماء مبنية أو أرضاً مدحية أوهواءً أو ماءً أو ملكاً أو بشراً وكنا بعلمه أنواراً نسبحه و نسمع له و نطیع(1).

نقول: معاني مثل هذه الأحاديث الشريفة فوق ادراکاتنا، خاصة أنا نعيش في عوالم المحسوسات، لذلك قد لا ندرك حقائق هذه الأنوار.

وقد جاء التعبير بالنور لكونه ألطف وأشرف ما ندرك من الأجسام والجسمانیات، فأنوارالنبي صلی الله علیه واله والأئمة عليهم السلام فوق الزمان والمكان بل هي أرفع بكثير(2).

وأحاديث النور والطين وما شابه رموز لأنا أهل اللغة، والكلمات قوالب للمعاني.


1) بحار الأنوار ج54 ص 169، والنور هنا لا يحتاج الى مكان، بل نور مجرد.

2) راجع حاشية الحديث 117 في بحار الأنوار ج 54 ص 170.

الحدیث الثاني: عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله صلی الله علیه واله : أول شيء خلق الله تعالى ما هو؟

فقال: نورنبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير(1).

وعن أحمد بن حنبل عن رسول الله صلی الله علیه واله أنه قال:کنت أنا وعلي نوراً بين یدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربعة عشر ألف عام(2).

وفي حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام : إن الله خلق نورمحمد صلی الله علیه واله قبل المخلوقات بأربعة عشر ألف سنة وخلق معه اثني عشر حجابا(3).

إشارة وبيان: لا بد لمن أراد أن يتعرف على أسرار الأنوار للأئمة الأطهارأن يتعرف على الخالق عز وجل، وهو الواحد القهار، فعظمة ست الحسين عليه السلام من جده رسول الله صلی الله علیه واله حيث تجمعت أنوار الأئمة عند الحسين علیه السلام واستقرت عند الإمام المنتظرعجل الله تعالی فرجه الشریف ، وهذه المعاني والأبعاد مبثوثة في عشرات الأحاديث، ومن يتبصر ويبحث يجد ذلك، وقد ورد الكثير مما ذكرنا فيها.

لقد حددت آيات القرآن والنصوص النبوية أن النبي صلی الله علیه واله والأئمة عليه السلام هم خير الخلائق.

والحديث عن أسرار وأنوار الحسين عليه السلام لا يقف عند رسم الحروف والكلمات، بل يتجاوز لما قبل خلق الكائنات، ولذا كثيراً ما نقف حائرین عند


1) بحار الأنوار ج 5 ص 170.

2) نقله السيد المرعشي في إحقاق الحق ج 5 ص 246 عن كتاب فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ح985.

3) بحار الأنوار ج 54 ص170.

بیان بعض العناوين.

فالباحث أو الكاتب يرسم ما لديه، وأما ما قبل الخلق وعند ابتدائه فعقولنا قاصرة عن إدراك ذلك، وإنما نحاول أن نهتدي بخيوط من نور وصلت إلينا عن الأوائل، وعن المصادر المسلم بها، لعلنا نوصل منها بعض الأسلاك لأجيال قادمة تبصر الحقائق على وجه أكمل، ,ورب حامل علم لمن هو أعلم منه.

ومما وصل إلينا وننقله لأحفادنا ما ورد عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلی الله علیه واله قال: إن الله خلقني وعلياً وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام.

قلت: فاين کنتمم یا رسول الله ؟

قال: قدام العرش نسبح الله ونحمده نقدسه ونمجده.

قلت:على أي مثال؟

قال: أشباح نور(1).

ويوجد الكثير من هذه النماذج حول ابتداء الخلق، وذلك بتعابيرمتنوعة بظواهرها ملتقية بمضامينها.

معرفة أهل السماء بهم أكثر من معرفة أهل الأرض

من خلال بحثنا حول أسرار الحسين عليه السلام نتعرف على كل ما يتعلق بأهل البيت عليهم السلام، لأن الحسين عليه السلام كما تقدم ملتقى الأنوار ومستودع الأسرار، وعنده اجتمعت كل خصائص الأنبياء والمرسلين من الأولين والآخرين، وقد عرف


1) بحار الأنوار ج 54 ص 69 عن علل الشرائع ج1 ص209.

ذلك أهل السماء قبل أهل الأرض، وهذا ما تدل عليه بوضوح أخبار المعراج لسيد الكائنات المصطفی صلی الله علیه واله ، وهنا نذكر طرفاً من الحديث الطويل عن أبي ذررحمة الله عن رسول الله صلی الله علیه واله قال: قلت: يا ملائكة ربي هل تعرفونا حق معرفتنا؟

فقالوا: يا نبي الله وكيف لانعرفكم وأنتم أول ما خلق الله؟

خلقكم أشباح نور من نوره وجعل لكم مقاعد في ملكوت سلطانه وعرشه على الماء قبل أن تكون السماء مبنية والأرض مدحية ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم رفع العرش إلى السماء السابعة فاستوى على عرشه وأنتم أمام عرشه تسبحون و تقدسون وتكبرون ثم خلق الملائكة من بدو ما أراد من أنوار شتی(1).

إشارة لذوي الألباب: نذكر في بحثنا نماذج دون استقصاءٍ لكل ما جاء به الأمناء، حيث أن البحث يتعلق بجانب من جوانب أسرار الحسين علیه السلام ولا مجال للإحصاء لأحد، ومن يريد الهداية تكفيه الإشارة، وقليل من الماء يروي غليل العطشان، و خيط من النور يبدد الظلام، والهداية تحتاج إلى توفيق،والعلم يحتاج إلى البصيرة، وللهداية أسباب!

منذ أن بدأت الوعي والإدراك كان لدي رغبة في التوغل بكل ما هو مجهول لدي، حتى یسر لي طلب العلم، فبدأت من الألف.. إلى.. ما شاء الله لي حصوله، فكنت أخشى كثيراً من التوغل في أبحر الحسين عليه أفضلالتحية والسلام.

وفي هذا العام قبل هلال محرم (عاشوراء)(2)جال الفكر: بماذا أتكلم حول


1) بحار الأنوار ج 5 ص 176 عن تفسیر فرات.

2) محرم 1422 ه - 2001م.

هذه المناسبة؟

ارتأيت بتوفيق أن أحوم حول الإمامة والإمام، فساقني الفكر إلى شواطئ الحسين علیه السلام، وعند هذه الشواطئ وقفت مرتعشاً، حيث لكل ابتداء رهبة، فكيف بلجج الأسرار؟!

وأحاول الآن أن أتعلم على ضفاف هذه الشواطئ، لعلي أوفق لخوض اللجج، والتي دونها خوض المهج!

روي عن الإمام الصادق عليه السلام : إني أمرنا هو الحق، وحق الحق، وهو الظاهر وباطن الباطن، وهو السرو سر السر، وسر المستسر وسر مقنع بالسر(1).

لم أدرك المعاني من هذا الحديث مع أن سنده مقطوع، وهذا راجع لأهل المعرفة(2).


1) بصائر الدرجات ج1 ص 49.

2) سند الحديث في البصائر: (وروي عن ابن أبي محبوب عن مرازم) والراوي في الحديث الذي سبقه هو هو (زید بن المعدل) ولم يذكر في كتب الرجال والتراجم، أما ابن ابي محبوب فقد ورد في نسخ أخرى كما في البحار عن البصائر (ابن محبوب) وهو من أصحاب الإجماع على قول، ومرازم هو ابن حکیم الأزدي، إمامي ثقة، فيكون الحديث ضعيفاً بزيد بن المعدل. لكن وردت روایات قريبة منها بأسانيد صحيحة على بعض المباني، منها ما في البصائر أيضاً ص 48: حدثنا محمد بن الحسين (بن أبي الخطاب: إمامي ثقة جليل) عن محمد بن سنان (مختلف فيه فضعفه بعض ووثقه بعض) عن عمار بن مروان (اليشكري: إمامي ثقة) عن جابر( بن یزید الجعفي : إمامي ثقة وإن ضعفه بعضهم) عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إن أمرنا سر في سر، وسر مستسر، وسر لا يفيد الا سر، وسر على سر، وسر مقنع بسر. نعم ما ورد في الروايات من كون أمرهم صعباً ومن أن عندهم سر قد بلغ حداً من الكثرة لا يحتاج معه إلى البحث في الأسانيد.

وهنا نذكر حديثاً طويلاً وفيه جوانب عديدة:

عن أنس بن مالک قال: بينا رسول الله صلی الله علیه واله، صلى صلاة الفجر ثم استوى في محرابه کالبدر في تمامه فقلنا: یا رسول الله، إن رأيت أن تفسر لنا هذه الآية قوله تعالى«فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ»(1).

فقال النبي صلی الله علیه واله : أما النبيون فانا، وأما الصديقون فعلي بن أبي طالب، وأما الشهداء فعمي حمزة، وأما الصالحون فابنتي فاطمة وولداها الحسن والحسين .

فنهض العباس من زاوية المسجد إلى بين يديه صلی الله علیه واله وقال: یا رسول الله ألست أنا وأنت وعلي وفاطمه الحسين الحسين من ینبوع واحد؟

قال صلی الله علیه واله : وما وراء ذلك یا عماه؟

قال: لأنك لم تذكرني حين ذکرتهم و لم تشر فني حین شرفتهم.

فقال رسول الله صلی الله علیه واله : يا عماه أما قولك: أنا وأنت وعلي والحسن والحسين من ينبوع واحدٍ فصدقت، ولكن خلقنا الله نحن حيث لا سماء مبنية ولا أرض مدحیة ولا عرش ولا جنة ولا نار.

کنا نسبحه حين لا تسبیح ونقدسه حين لا تقديس.

فلما أراد الله بدء الصنعة فتق نوري فخلق منه العرش فنور العرش من نوري ونوري من نور الله وأنا أفضل من العرش.

ثم فتق نور ابن أبي طالب فخلق منه الملائكة فنور الملائكة من نور ابن أبي


1) النساء: 69.

طالب، ونور ابن أبي طالب من نور الله ونور ابن أبي طالب أفضل من الملائكة .

وفق نور ابنتي فاطمة منه فخلق السماوات والأرض فنور السماوات والأرض من نورابنتي فاطمة ونور فاطمة من نور الله وفاطمة أفضل من السماوات والأرض.

ثم فتق نور الحسن فخلق منه الشمس والقمر فنور الشمس والقمر من نور الحسن ونور الحسن من نور الله والحسن أفضل من الشمس والقمر.

ثم فتق نور الحسين فخلق منه الجنة والحور العين فنور الجنة والحور العين من نور الحسين ونور الحسين من نور الله والحسین أفضل من الجنة والحور العين (1).

عندما نحاول أن نتحدث عن أسرار الحسين عليه السلام نجد هذا السر متصلاً إلى أبعد الحجب، وخصوصاً فيما يتعلق بالأنوار من عوالم الأسرار، ونجد أيضاً جهلاً وتجاهلاً حول معرفة ذلك في هذه الأزمنة، ونجد مع ذلك في هذا الزمن عقولاً تبحث عن الحقائق المختبئة في بطون الكتب، وما نذكره هنا ما هو إلا إشارة وأعلام للسائرين، فمن عرف عظمة الخالق يعرف أنه سبحانه أودع في المخلوقات أسراراً، ومستودع الأسرار عند النبي المختارصلی الله علیه واله.

حديث ذو أبعاد

وهو طويل جداً، نشير إلى بعض المقاطع منه حرفياً دون تصرف.

ينقل المجلسي: وقال أبو الحسن البكري أستاذ الشهيد الثاني رحمة الله في كتاب


1) بحار الأنوار ج 25 ص17.

الأنوار: روي عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال: كان الله ولا شي ء معه فأول ما خلق نور حبيبه محمد صلی الله علیه واله قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والأرض واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة وآدم وحواء بأربعة وعشرين أربعمائة ألف عام.

فلماخلق الله تعالى نور نبينا محمد صلی الله علیه واله بقي ألف عام بين يدي الله عزوجل واقفا يسبحه ویحمده والحق تبارك وتعالى ينظر إليه ويقول: يا عبدي أنت المراد المريد، وأنت خيرتي من خلقي، وعزتی وجلالي لولاك ما خلقت الأفلاك، من أحبك أحببته ومن أبغضك أبغضته فتلا لا نوره و ارتفع شعاعه فخلق الله منه اثني عشر حجابا(1).

لكل شيء حملة وأرباب هم أهله

لا بد لنا عندما نبحث حول ما يتعلق ببعض جوانب الحسين عليه السلام من معرفة الأسس لدين الله على هذه الأرض،فالدين قائم على العلم الحقيقي من الله عزوجل، وهذا الدين لا بد له من حملة وأرباب، وليس لأي مخلوق القدرة على حمل العلم، فقابليات المخلوقات معروفة عند خالقها، وهذه المعاني يدركها أهل الصفاء والطهارة، فالعلم الحقيقي مخزون عند أهله.

ومما هو معلوم لدى العقلاء أن الدين من عند خالق الأرض والسماء، وليس للمخلوقات دور فيه إلا الإدراك والطاعة، فواجبها الإطاعة لما یأمر به الخالق سبحانه، ولا تتحقق الطاعة إلا بإدراك حقيقة العلم. من هنا بدأ دور الإنسان على هذه الأرض، لأنه مؤهل أكثر من بقية المخلوقات.


1) بحار الأنوار ج54 ص 198.

وعندما ننظر على أرض الواقع نجد تفاوتاً حتى بين أفراد الإنسان، ومن حدود هذا التفاوت بين أفراد البشر امتاز بعضهم عن بعض، فكان العلم رافعاًلقوم، والجهل خافضاً لآخرين، مع أن أفراد البشر متقاربون في أصل التكوين.

ومن هذا الواقع ندرك البون الواسع بين فرد وآخر، فحكمة الخالق أودعت بالأسباب العلوم عند أهلها.

والإنسان مؤهل لكثير من العلوم، بدء من الأمور البسيطة وانتهاء بما وراء الكون، وكل فرد يسعى للحصول على قسط معين.

وعندما نبحث في المراحل الأولى للإنسان على هذا الكوكب من الكون نجد ونتلمس أنه مؤهل لحمل العلم(1).

فالعلم معجون في ذرات وخلايا هذا المخلوق المميز. وليس العلم من فراغ أو من جهل، بل هو من عالم خبیرحکیم.

وليس للعلم شبيه في مقدار المحسوسات، بل إن العلم يعطي الميزان للمحسوسات وما فوقها، فلمقادير المحسوسات حدود وانتهاء، ولكن حقيقة العلم لا حدود لها ولا انتهاء، لأن ابتداء العلم من فيض لا ينتهي، ولا يحد بحدودمادية.

فالماديات والمحسوسات مظهر من مظاهر الوجود.

وقد تمثل في الإنسان أكثر من جانب، وعندما نضع میزان للمحسوسات والماديات يكون محدوداً ضمن مقاييس معينة، وعندما نأخذ ميزان العلوم الحقة


1) «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا..»[البقرة : 31]

بتحديده و حدوده لا يمكن حصره بمقدار معین، اوانتهاؤه بمدة معينة، بل هو أبعد من ذلك، فللإنسان ابتداء من جانب المظهر والظهور، ولكن لا يمكن تحديده في العلم والانتهاء.

وفي كل ذرة من خلايا ترابه أسرار. والذي أودع في الإنسان أسراراً وأنواراً هو وحده يعلم ذلك.

وحتى الإنسان نفسه قد لا يحيط بما يمتلك، لأنه لم يوجد ذرات ترابه وكيان وجوده، فالإنسان يدرك ما هو خاضع لموازينه، وهو لا يعلم شيئاً قبل التعليم من خالقه، وبعد التعليم انفتحت أمامه أبواب السماوات والأرض فأصبح عالماً.

وبدأ التعليم للإنسان من العالم العليم.

ومن هنا بدأت تظهر حكمة التجلي على الإنسان، إذ بدأ بامتثال الأمربعد التعليم عندما تلقى قوله تعالى:«أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ»(1).

فتلقى كل بحسبه وبمقدار استعداداته، ونظافة وطهارة ذاته، وسلامة خلاياه و جيناته، وليس كل من ألقي عليه علم أصبح عالماً، ولا كل من أمر امتثل الأمر، وليس كل من حقق الطاعة أتى بها على الوجه الأكمل، ومن هنا يتفاوت الأفراد.

وقد قالت الملائكة علیهم السلام : «سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ»(2)

وقد بدأ التعليم لجميع المخلوقات من سماوية وأرضية وما بينهما، فعندما


1) يمكن مراجعة الآیات 30 وما بعدها من سورة البقرة.

2) البقرة: 32.

نقرأ حديثاً عن عوالم الأنوار قد لا تدرکه عقولنا التي ألفت الأرض والمحسوسات، و نتوهم التخيلات، ونقول: كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ وما شابه ذلك دون أن نركن إلى ركن وثيق!

مع العلم أنا نسلم بجهلنا كثيراً مما نراه على هذه الأرض!

فعندما قرأت الحديث المتقدم عن الحسين علیه السلام حيث قال النبي صلی الله علیه واله: علمي علمه وعلمه علمي.. لم أسمع منهم إلا الإشكالات أو الاعتراضات، رغم أنهم من أهل العلم الدنيوي أو من أهل العلم الديني.. إلا القليل..

وهنا يحسن القول أن الإلقاء والتعليم من خالق الأكوان شامل لجميع المخلوقات من الملائكة المقربين ومن الجن والإنس أجمعين، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الالقاء والتعليم لمن في السماوات ولمن في الأرضين. وسواء كان التعليم للكبير وللطفل الصغير، ولا مانع أيضاً من كون التعليم في عوالم الأنوار، أو في ظلمات الأرحام، فكل كائن يأخذ بقسط معين، أي بحسبه .

وقد ورد في الزيارة الجامعة: خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين(1).

ثم نرى التصرفات في تلك العوالم بعيدة ونحن في هذا العالم الأرضي، لجهلنا الرضي، ولم نقرأ قوله تعالى :«وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا»(2).

من الذي علمنا الرضاعة ؟ من هو المعلم في بطون الأمهات؟


1) من لا يحضره الفقیه ج 2 ص 613، تهذیب الأحکام ج6 ص

2) النحل: 78.

فسبحانك ما عبدناك.. حيث ما عرفناك!

فبالمعرفة تعبد، وبالعلم تعرف، ولا علم لنا إلا ما علمتنا.

ليس العلم بالحرف فقط، وليست العبادة بالجوارح فحسب.

بل هناك علم أبعد من الحروف، وهناك عبادة أرقى من المظهر المكشوف!

أول الخلق أهل البيت عليهم السلام

وهم أول من حمل أمانة العلم والدين، فالنبي صلی الله علیه واله وعلي والحسن والحسين عليهم السلام أول من خلق الله في عوالم الغيب والأسرار، وهم أول المقرين لله سبحانه بالوحدانية، ولذا حملهم العلم والدين فكانوا لذلك أهلاً.

وأودع الله عز وجل علمه في الأنبياء علیهم السلام وشاء سبحانه أن يكون خاتمهم النبي محمد صلی الله علیه واله، وهذه الحكمة بالغة لم تخف على ذوي الألباب في عصرنا هذا، ومما يمكن لعقولنا ادراکه هو التدرج لبني البشر، وهذا المعنى (وهو التدرج) اتمام للحجة البالغة، وتحقيق لمنتهی کمال الدين حيث لا نبي ولا رسالة بعد محمد صلی الله علیه واله وبعد دين الإسلام.

وكل ما جاء به الأنبياء السابقون عليهم السلام كان من باب التدرج في المعرفة لبني البشر، ويدل واقع الدنيا على هذه المعاني، وهنا نذكر من باب الإشارة أن الكمال لكل شيء يتحقق عند الانتهاء منه، حتی براعم الأثار.

وعندما ننظر في مسيرة البشرية عموماً نجد أنها تسير نحو الأفضل باستمرار، مهما رأينا من جوانب سلبية. ولا يقاس هذا الزمن بالأزمنة السابقة، فكل زمن لاحق يأتي بما هو أرقى وأتم من سابقه، وهذا من الأمور الواقعة

ومنه أيضاً: والسبب في ذلك أن العقول والاذهان لا يحتمل الاسرار القوية کما لا يحتمل الابصار الضعيفة كابصار الخفافيش نور الشمس، وكذلك كل مرتبة من النور القوي لا يحتمل ما هو اقوى منه وأشد كثيراً فيضمحل في مشهده، وكذلك في قوله: «إِنَّا أَعْطَیْنَاکَ الْکَوْثَرَ»، فالكوثر صورته صورة الماء وحقيقته حقيقة العلم(1).

فعندما نحاول التعرف على بعض الجوانب من أسرار الحسين عليه السلام نجد أنفسنا أضعف من الخفافيش في مقابل هذا النور، فقد تحققت في مقام الحسين عليه السلام الأنوار والأسرار فكان ملتقى السابقين وذخيرة الباقين.

وبعد أن حمل آدم علیه السلام النور واستمر من صلب إلى صلب في قافلة الأنبياء عليهم السلام وانشطر من عبد المطلب عاد واجتمع في الحسين عليه السلام، فكان الحسين عليه السلام منتهی مجمع الأنوار ومستودع الأسرار.

وعندما نحاول التعرف على ضياء الأنوار من الأسرار، لا بد لنا من أن نتعرف على مقام الإمامة والإمام، فمعرفة الإمام هي المعرفة التامة لكل معارف الحياة، لأن هذه المعرفة تتضمن أسرار الوجود بكل أبعاده وتفاصيله، ولذا نقول: معرفة الحسين عليه السلام معرفة للجميع، لأنه عليه السلام نقطة الارتكاز بكل أبعادها.


1) المصدر السابق، وفي العبارة جهة اشتراك مع ما نقله الفخر الرازي وجهة اختلاف، وليس لذكر الكوثر أثر في كلمات الرازي، على أن هذا الكلام للملا صدرا نفسه بحسب الظاهر، وإن قيل بأنه ينقله عن بعض العلماء استكمالاً لما نقله قبل أسطر، ورغم تصريحه بأنه غير منكر للظاهر وأنه طريق للباطن يرد عليه أن معرفة البواطن مقصورة على السمع من آل محمد عليهم السلام، وما لم يرد ما يؤيد أو يشير إلى هذا المعنى يبقى محتملاً كسائر الاحتمالات لا وجه لإثباته والجزم به .

وإذا ما حاولنا معرفة الابتداء نجد أنه علیه السلام نور من الأنوار على ساق العرش، وعندما نسير إلى منتهى سلسلة الأنوار والأسرارنجده ملتقاها، لذلك كانت معرفته معرفة الابتداء والانتهاء، بنص صريح عنه علیه السلام حيث قال: دخلت أنا وأخي على جدي رسول الله صلی الله علیه واله فأجلسني على فخذه وأجلس أخي الحسن على فخذه الأخرى ثم قبلنا وقال: بأبي أنتما(1)من إمامين صالحین اختارکما الله منی ومن أبیکما و امکما واختار من صلبك يا حسین تسعة أئمة تاسعهم قائمهم وکلكم في الفضل والمنزلة عند الله تعالى سواء(2).

من هذا الحديث الشريف ندرك اختيار الله للإمامة، وليس وراء اختيار الله اختيار، فهو الخالق الموجد المقدر.

وفي الأحاديث الشريفة الكثير من هذه الأبعاد والمعاني حول الإمامة والإمام.

ومنها ما روي عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: دخلت على رسول الله صلی الله علیه واله وعنده أبي بن كعب فقال لي رسول الله صلی الله علیه واله : مرحباً بك يا أبا عبد الله یا زین السماوات والأرضين.

قال له أبي: وكيف يکون يا رسول الله صلی الله علیه واله زين السماوات والأرضين أحدغيرك؟


1) لا يقال : كيف يفدي النبي صلی الله علیه واله الحسنين عليهما السلام بأبيه؟ وهل يتناسب هذا مع بر الوالدين؟ فإنه يقال أنها عليهما السلام أئمة لكافة البشر بمن فيهم عبد الله والد النبي صلی الله علیه واله ، ولا شك بلزوم فداء المفضول للفاضل کما یحکم به العقل السليم والفطرة غير الملوثة.

2) کمال الدین و تمام النعمة ج 1 ص 269.

قال: يا أبي، والذي بعثني بالحق نبيا إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله عزوجل ومصباح هدى وسفينة نجاة وإمام غير وهن، وعز وفخر وعلم وذخر.

وإن الله عزوجل رکب في صلبه نطفةً طيبةً مباركةً زکیةً، ولقد لقن دعوات ما يدعو به مخلوق إلاحشره الله عزوجل معه وكان شفيعه في آخرته وفرج الله عنه کربه وقضي بها دينه یسر أمره وأوضح سبيله وقواه على عدوه ولم يهتك ستره.

فقال له أبي بن كعب: وما هذه الدعوات یا رسول الله صلی الله علیه واله ؟

قال: تقول إذا فرغت من صلاتك وأنت قاعد: اللهم إني أسألك بکلماتک ومعاقد عرشك وسکان سماواتک وأنبيائك ورسلک أن تستجيب لي فقد رهقني من أمري عسراً فأسألك أن تصلي على محمدٍ وآل محمدٍ وأن تجعل لي من أمري

یسراً.

فإن الله عزوجل يسهل أمرك ویشرح صدرک ویلقنک شهادة أن لا إله إلا الله عند خروج نفسك.

قال له أبي: یا رسول الله فما هو النطفة التي في صلب حبيبي الحسين ؟

قال: مثل هذه النطفة کمثل القمر وهي نطفةً تبيين وبیان يكون من اتبعه رشيداً ومن ضل عنه هويا.

قال: فما اسمه وما دعاؤه؟

قال : اسمه علي ودعاؤه یا دائم یا دیموم يا حي يا قيوم يا كاشف الغم ويا فارج الهم ويا باعث الرسل ويا صادق الوعد

من دعا بهذا الدعاء حشره الله عزوجل مع علي بن الحسين وكان قائده إلى الجنة(1).

إن الحديث عن الإمام الحسين عليه السلام أبعد من تقييمات عقولنا وأفهامنا، فالذي اجتمع في ذاته وكيانه كل أسرار الكون من محسوس وما فوق المحسوس هو فوق ادراكنا!

ومن يتتبع مراحل سيرته يدرك أن له علیه السلام ميزات لم يشاركه فيها أحد، ولم يتوفر من الصفات الرفيعة لغيره ما توفر له من بدء تكوينه في العوالم إلى مراحل مسيرته في هذا الكون، فهو فريد بكل ما للكلام من أبعادٍ ومعانٍ.

فكأن كل انسانية الإنسان قد تحققت بذاته، ويكفي ما تظافرت النصوص به عن عظيم شأنه، ومن أراد فليبحث، وهو بلا شك فوق إدراك الباحثين.. هو ثارالله في الأولين والآخرين.

الله يختص بفضله من يشاء

میز الله الإنسان عن بقية المخلوقات، فعندما نلقي نظرة فاحصة نجدأن أعظم ميزة وفضل هي العلم والتعلم.

وقد خص الله سبحانه الإنسان بالعلم بعد تكوينه:«وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا »(2)، وبالعلم امتازعن الملائكة.

وللعلم الرباني حملة، فقد اختص به الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، وكان الحظ


1) عيون أخبار الرضا عليه السلام ج1 ص 59.

2) البقرة: 31

الأوفر من العلوم لسيد الأنبياء صلی الله علیه واله.

ويمكن حصر علم الأنبياء عليهم السلام بقسمين أساسيين:

الأول: ما جاء به الملائكة وحياً، وهو علم للتبليغ والتشريع.

والثاني: بينهم وبين الله عزوجل قد خصهم به، ويصح اطلاق العلم اللدني عليه من باب التعريف بالحروف، فعندما ندرك أن هناك علماً أبعد من الظواهر والحروف ندرك نوعاً ما إشماماً من العلم اللدني(1).

وندرك أيضا أن للأنبياء والأوصياء علما فوق علوم التبليغ للناس التابعين في هذه الدنيا، فالمخلوقات عموماً تابع ومتبوع، فالعالم متبوع وما دونه تابع، وعلى هذا قامت السماوات وتفاوتت المخلوقات.

وبعد أن ثبت دون شك أن خاتم الأنبياء صلی الله علیه واله هو الأول والآخر من مخلوقات الكائنات، وأن علوم الأولين والآخرين قد انتهت إليه، وقد خصه الله تعالى بما تعجز العقول والأفهام عن إدراكه ومعرفة حقيقة ذاته، ندرك أن ذریته صلی الله علیه واله نسخة عنه وقد تمثلت بالحسين عليه السلام .

وعندما نقرأ عن الحسين علیه السلام من أقوال الصادق الأمين: إنه مني وأنا منه،


1) قد يقال بأن العلم اللدني هو العلم الحضوري عند المعصوم عليه السلام، ويقابله العلم الكسبي، وبهذا يكون كل علمهم لدنيا إذ لم يتعلم الأنبياء والأئمة عند أحد من الخلق، وعلى هذا التفسير يدخل الوحي في العلم اللدني، أما لو فرقنا بين العلم الموحی به والعلم اللدني الذي قد ينزله الله تعالى على الأنبياء دون توسط الملائكة تتم القسمة المذكورة. على أن نزول الملائكة على الأنبياء لا يعني جهل الأنبياء بها كان الملائكة قد علموه ونزلوا به عليهم، فإن الأنبياء أفضل من الملائكة بلا شك وريب وأعلم منهم، سيما سیدنا محمد صلی الله علیه واله، ولنزول الملائكة بالوحي عن الله تعالى معاني وتفاسير لا تتنافى مع ما ذكرناه ليس هذا محل ذكرها.

أو: وعلمي علمه وعلمه علمي، لا يبقى مجال للتأويلات والتخيلات التي نتخيلها، ذلك أنه قد اجتمع في ذات وكيان الحسين علیه السلام كل ما يمكن أن يكون الجده صلی الله علیه واله سواء من علوم التبليغ أو من العلم اللدني، وقد اجتمعت فيه علیه السلام الأنوارالتي تفرعت و لم تنشطر فيها بعده علیه السلام بل استمرت من واحد لآخر، وهذا ليس من علوم الغيب التي قد يعترض عليها معترض!

لكل إنسان مقدار معين من التحمل

ومن هنا تفاوت الناس وتفاضلوا، فليس حمل العلم مقدوراً لأي كان، والأسرار مبثوثة في ذرات هذا الكون، والإنسان مكون من هذه الذرات.

ومهما قيل أو يقال في دنيا العلوم والخلايا وعلم الأجنة والوراثة وما شابه، ورغم تقدم العلوم الحديثة فإنها تقر بعجزها عن إدراك الكثير مما لم يكتشف بعد من الأسرار(1).

ويمكن القول بلغة الحروف أن العلوم لم تتجاوز حدود حرف(الألف) وتنتقل الى حرف (الباء) بعد:«وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»(2).

وفي حديث يشبه ما مر: أتى رجل الحسين بن علي عليه السلام فقال: حدثني بفضلكم الذي جعل الله لكم.

قال: إنك لن تطيق حمله.

قال: بلى حدثني يا ابن رسول الله إني أحتمله .


1) يحسن مراجعة كتابنا حول مراحل خلق الإنسان من تراب (مخطوط)

2) الإسراء: 85.

فحدثه بحديث فلما فرغ الحسين عليه السلام من حديثه حتى ابيض رأس الرجل ولحيته وأنسي الحديث.

فقال الحسين علیه السلام: أدركته رحمة الله حيث أنسي الحديث (1).

وهنا يمكن القول أن العلوم تتوارث من مصدرين محسوسين هما: الكسب بواسطة الحروف والكلمات، والثاني من عوالم الوراثة والذرات التي تتكون منها الخلايا والجينات.

ألم تقر العقول الباحثة بكسبية العلوم کا أذعنت لعالم الوراثة من جيل الآخر وبحثت في عالم الأجنة؟

ابتداء خلق نور الحسين عليه السلام

لقد تعددت أقوال الحكماء والفلاسفة حول ابتداء الخلق، وليس هذا بحثنا هنا، وإنما نحاول الاشارة الى ابتداء خلق أنوار الحسين عليه السلام في عوالم الحجب قبل ایجاد هذه المحسوسات، لأن ذلك يرسم أمامنا خريطة ما قبل الدنيا، فقد ثبت أن هذا الكون محدث، ولم يكن فكان كما أراده الله سبحانه، وقد تساءل العقل البشري عن أول مخلوق ما هو؟

فكانت الاجابات مختلفة ومتعددة ومتنوعة، وهذا التساؤل لم يحسم وبقي من جيل لأخر وسيستمر.

وحيث ساقنا البحث إلى الاشارة لابتداء المخلوقات نذكر بعضاً من ذلك.


1) الخرائج والجرائح ج 2 ص 795.

سئل أمير المؤمنين علیه السلام عن أول ما خلق الله فقال عليه السلام: خلق النور(1).

والمراد بالنور نور النبي صلی الله علیه واله والأئمة عليهم السلام، وقد ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وهناك أقوال حول ذلك منها أن أول ما خلق الله العقل، وهو أول خلق خلقه من الروحانيين. وقال صلی الله علیه واله : أول ما خلق الله نوري(2).

وهذه المعاني واردة في أحاديث كثيرة وضمن موارد متنوعة، منها قوله صلی الله علیه واله: إن أول ما خلق الله عز وجل أرواحنا فأنطقها بتوحيده و تحمیده ثم خلق الملائكة(3).

تنبية وإرشاد

عندما يغوص الباحث في بحار الأحاديث والآثار وحقائق الأخبار يجد من الروايات الجمة تعابير قد لايدرك أبعادها ومضامين معانيها، خصوصاً في هذه الأزمنة التي كادت أن تفقد فيها علامات ومعايير الميزان.

ليس ذلك لبعدنا عن زمن الأنبياء عليهم السلام كما يقال، بل لأنا توغلنا في عالم الماديات منالمحسوسات،واشتبه علينا الفارق الكبير بين ما هو مدرك بالبصر وما يعرف بالبصيرة. والفرق بينهما أبعد بكثير من الفرق بين السماء والأرض!

وحتى عندما نقرأ حروف النور، أصبحنا ندرك من النور هذه المحسوسات، ولكن الحقيقة ليست هذهالأنوار المصنوعة ، ولا أنوار القمر وضياء الشمس فإنهما من المحسوسات، إذ أن موازين أنوار العرش لیست


1) بحارالأنوار ج 5 ص 73.

2) بحار الأنوار ج 1 ص97.

3) بحار الأنوار ج 1 ص 58.

کموازين أنوار الأقمار، سواء السماوية أو غيرها.

فعندما نقرأ حديثاً عن أنوار النبي صلی الله علیه واله والأئمة عليهم السلام قد لا نحسن تطبيق ذلك لأننا ألفنا ما هو محسوس، وقد استعملنا البصر أكثر من الاهتداء بالبصيرة.

وقفة مع نصوص الأحاديث

الحديث الأول: عن سلمان الفارسي رحمة الله قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله : یاسلمان، خلقني الله من صفاء نوړه فد عاني فأطعته، فخلق من نوري علياً فدعاه فأطاعه، فخلق من نوري ونور على فاطمة فدعاها فأطاعته، فخلق مني ومن علي ومن فاطمة الحسن والحسين فدعاهما فأطاعاه، ثم خلق من نورالحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله سماء مبنية أو أرضاً مدحية أوهواءً أو ماءً أو ملكاً أو بشراً وكنا بعلمه أنواراً نسبحه و نسمع له و نطیع(1).

نقول: معاني مثل هذه الأحاديث الشريفة فوق ادراکاتنا، خاصة أنا نعيش في عوالم المحسوسات، لذلك قد لا ندرك حقائق هذه الأنوار.

وقد جاء التعبير بالنور لكونه ألطف وأشرف ما ندرك من الأجسام والجسمانیات، فأنوارالنبي صلی الله علیه واله والأئمة عليهم السلام فوق الزمان والمكان بل هي أرفع بكثير(2).

وأحاديث النور والطين وما شابه رموز لأنا أهل اللغة، والكلمات قوالب للمعاني.


1) بحار الأنوار ج54 ص 169، والنور هنا لا يحتاج الى مكان، بل نور مجرد.

2) راجع حاشية الحديث 117 في بحار الأنوار ج 54 ص 170.

الحدیث الثاني: عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله صلی الله علیه واله : أول شيء خلق الله تعالى ما هو؟

فقال: نورنبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير(1).

وعن أحمد بن حنبل عن رسول الله صلی الله علیه واله أنه قال:کنت أنا وعلي نوراً بين یدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربعة عشر ألف عام(2).

وفي حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام : إن الله خلق نورمحمد صلی الله علیه واله قبل المخلوقات بأربعة عشر ألف سنة وخلق معه اثني عشر حجابا(3).

إشارة وبيان: لا بد لمن أراد أن يتعرف على أسرار الأنوار للأئمة الأطهارأن يتعرف على الخالق عز وجل، وهو الواحد القهار، فعظمة ست الحسين عليه السلام من جده رسول الله صلی الله علیه واله حيث تجمعت أنوار الأئمة عند الحسين علیه السلام واستقرت عند الإمام المنتظرعجل الله تعالی فرجه الشریف ، وهذه المعاني والأبعاد مبثوثة في عشرات الأحاديث، ومن يتبصر ويبحث يجد ذلك، وقد ورد الكثير مما ذكرنا فيها.

لقد حددت آيات القرآن والنصوص النبوية أن النبي صلی الله علیه واله والأئمة عليه السلام هم خير الخلائق.

والحديث عن أسرار وأنوار الحسين عليه السلام لا يقف عند رسم الحروف والكلمات، بل يتجاوز لما قبل خلق الكائنات، ولذا كثيراً ما نقف حائرین عند


1) بحار الأنوار ج 5 ص 170.

2) نقله السيد المرعشي في إحقاق الحق ج 5 ص 246 عن كتاب فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ح985.

3) بحار الأنوار ج 54 ص170.

بیان بعض العناوين.

فالباحث أو الكاتب يرسم ما لديه، وأما ما قبل الخلق وعند ابتدائه فعقولنا قاصرة عن إدراك ذلك، وإنما نحاول أن نهتدي بخيوط من نور وصلت إلينا عن الأوائل، وعن المصادر المسلم بها، لعلنا نوصل منها بعض الأسلاك لأجيال قادمة تبصر الحقائق على وجه أكمل، ,ورب حامل علم لمن هو أعلم منه.

ومما وصل إلينا وننقله لأحفادنا ما ورد عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلی الله علیه واله قال: إن الله خلقني وعلياً وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام.

قلت: فاين کنتمم یا رسول الله ؟

قال: قدام العرش نسبح الله ونحمده نقدسه ونمجده.

قلت:على أي مثال؟

قال: أشباح نور(1).

ويوجد الكثير من هذه النماذج حول ابتداء الخلق، وذلك بتعابيرمتنوعة بظواهرها ملتقية بمضامينها.

معرفة أهل السماء بهم أكثر من معرفة أهل الأرض

من خلال بحثنا حول أسرار الحسين عليه السلام نتعرف على كل ما يتعلق بأهل البيت عليهم السلام، لأن الحسين عليه السلام كما تقدم ملتقى الأنوار ومستودع الأسرار، وعنده اجتمعت كل خصائص الأنبياء والمرسلين من الأولين والآخرين، وقد عرف


1) بحار الأنوار ج 54 ص 69 عن علل الشرائع ج1 ص209.

ذلك أهل السماء قبل أهل الأرض، وهذا ما تدل عليه بوضوح أخبار المعراج لسيد الكائنات المصطفی صلی الله علیه واله ، وهنا نذكر طرفاً من الحديث الطويل عن أبي ذررحمة الله عن رسول الله صلی الله علیه واله قال: قلت: يا ملائكة ربي هل تعرفونا حق معرفتنا؟

فقالوا: يا نبي الله وكيف لانعرفكم وأنتم أول ما خلق الله؟

خلقكم أشباح نور من نوره وجعل لكم مقاعد في ملكوت سلطانه وعرشه على الماء قبل أن تكون السماء مبنية والأرض مدحية ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم رفع العرش إلى السماء السابعة فاستوى على عرشه وأنتم أمام عرشه تسبحون و تقدسون وتكبرون ثم خلق الملائكة من بدو ما أراد من أنوار شتی(1).

إشارة لذوي الألباب: نذكر في بحثنا نماذج دون استقصاءٍ لكل ما جاء به الأمناء، حيث أن البحث يتعلق بجانب من جوانب أسرار الحسين علیه السلام ولا مجال للإحصاء لأحد، ومن يريد الهداية تكفيه الإشارة، وقليل من الماء يروي غليل العطشان، و خيط من النور يبدد الظلام، والهداية تحتاج إلى توفيق،والعلم يحتاج إلى البصيرة، وللهداية أسباب!

منذ أن بدأت الوعي والإدراك كان لدي رغبة في التوغل بكل ما هو مجهول لدي، حتى یسر لي طلب العلم، فبدأت من الألف.. إلى.. ما شاء الله لي حصوله، فكنت أخشى كثيراً من التوغل في أبحر الحسين عليه أفضلالتحية والسلام.

وفي هذا العام قبل هلال محرم (عاشوراء)(2)جال الفكر: بماذا أتكلم حول


1) بحار الأنوار ج 5 ص 176 عن تفسیر فرات.

2) محرم 1422 ه - 2001م.

هذه المناسبة؟

ارتأيت بتوفيق أن أحوم حول الإمامة والإمام، فساقني الفكر إلى شواطئ الحسين علیه السلام، وعند هذه الشواطئ وقفت مرتعشاً، حيث لكل ابتداء رهبة، فكيف بلجج الأسرار؟!

وأحاول الآن أن أتعلم على ضفاف هذه الشواطئ، لعلي أوفق لخوض اللجج، والتي دونها خوض المهج!

روي عن الإمام الصادق عليه السلام : إني أمرنا هو الحق، وحق الحق، وهو الظاهر وباطن الباطن، وهو السرو سر السر، وسر المستسر وسر مقنع بالسر(1).

لم أدرك المعاني من هذا الحديث مع أن سنده مقطوع، وهذا راجع لأهل المعرفة(2).


1) بصائر الدرجات ج1 ص 49.

2) سند الحديث في البصائر: (وروي عن ابن أبي محبوب عن مرازم) والراوي في الحديث الذي سبقه هو هو (زید بن المعدل) ولم يذكر في كتب الرجال والتراجم، أما ابن ابي محبوب فقد ورد في نسخ أخرى كما في البحار عن البصائر (ابن محبوب) وهو من أصحاب الإجماع على قول، ومرازم هو ابن حکیم الأزدي، إمامي ثقة، فيكون الحديث ضعيفاً بزيد بن المعدل. لكن وردت روایات قريبة منها بأسانيد صحيحة على بعض المباني، منها ما في البصائر أيضاً ص 48: حدثنا محمد بن الحسين (بن أبي الخطاب: إمامي ثقة جليل) عن محمد بن سنان (مختلف فيه فضعفه بعض ووثقه بعض) عن عمار بن مروان (اليشكري: إمامي ثقة) عن جابر( بن یزید الجعفي : إمامي ثقة وإن ضعفه بعضهم) عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إن أمرنا سر في سر، وسر مستسر، وسر لا يفيد الا سر، وسر على سر، وسر مقنع بسر. نعم ما ورد في الروايات من كون أمرهم صعباً ومن أن عندهم سر قد بلغ حداً من الكثرة لا يحتاج معه إلى البحث في الأسانيد.

وهنا نذكر حديثاً طويلاً وفيه جوانب عديدة:

عن أنس بن مالک قال: بينا رسول الله صلی الله علیه واله، صلى صلاة الفجر ثم استوى في محرابه کالبدر في تمامه فقلنا: یا رسول الله، إن رأيت أن تفسر لنا هذه الآية قوله تعالى«فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ»(1).

فقال النبي صلی الله علیه واله : أما النبيون فانا، وأما الصديقون فعلي بن أبي طالب، وأما الشهداء فعمي حمزة، وأما الصالحون فابنتي فاطمة وولداها الحسن والحسين .

فنهض العباس من زاوية المسجد إلى بين يديه صلی الله علیه واله وقال: یا رسول الله ألست أنا وأنت وعلي وفاطمه الحسين الحسين من ینبوع واحد؟

قال صلی الله علیه واله : وما وراء ذلك یا عماه؟

قال: لأنك لم تذكرني حين ذکرتهم و لم تشر فني حین شرفتهم.

فقال رسول الله صلی الله علیه واله : يا عماه أما قولك: أنا وأنت وعلي والحسن والحسين من ينبوع واحدٍ فصدقت، ولكن خلقنا الله نحن حيث لا سماء مبنية ولا أرض مدحیة ولا عرش ولا جنة ولا نار.

کنا نسبحه حين لا تسبیح ونقدسه حين لا تقديس.

فلما أراد الله بدء الصنعة فتق نوري فخلق منه العرش فنور العرش من نوري ونوري من نور الله وأنا أفضل من العرش.

ثم فتق نور ابن أبي طالب فخلق منه الملائكة فنور الملائكة من نور ابن أبي


1) النساء: 69.

طالب، ونور ابن أبي طالب من نور الله ونور ابن أبي طالب أفضل من الملائكة .

وفق نور ابنتي فاطمة منه فخلق السماوات والأرض فنور السماوات والأرض من نورابنتي فاطمة ونور فاطمة من نور الله وفاطمة أفضل من السماوات والأرض.

ثم فتق نور الحسن فخلق منه الشمس والقمر فنور الشمس والقمر من نور الحسن ونور الحسن من نور الله والحسن أفضل من الشمس والقمر.

ثم فتق نور الحسين فخلق منه الجنة والحور العين فنور الجنة والحور العين من نور الحسين ونور الحسين من نور الله والحسین أفضل من الجنة والحور العين (1).

عندما نحاول أن نتحدث عن أسرار الحسين عليه السلام نجد هذا السر متصلاً إلى أبعد الحجب، وخصوصاً فيما يتعلق بالأنوار من عوالم الأسرار، ونجد أيضاً جهلاً وتجاهلاً حول معرفة ذلك في هذه الأزمنة، ونجد مع ذلك في هذا الزمن عقولاً تبحث عن الحقائق المختبئة في بطون الكتب، وما نذكره هنا ما هو إلا إشارة وأعلام للسائرين، فمن عرف عظمة الخالق يعرف أنه سبحانه أودع في المخلوقات أسراراً، ومستودع الأسرار عند النبي المختارصلی الله علیه واله.

حديث ذو أبعاد

وهو طويل جداً، نشير إلى بعض المقاطع منه حرفياً دون تصرف.

ينقل المجلسي: وقال أبو الحسن البكري أستاذ الشهيد الثاني رحمة الله في كتاب


1) بحار الأنوار ج 25 ص17.

الأنوار: روي عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال: كان الله ولا شي ء معه فأول ما خلق نور حبيبه محمد صلی الله علیه واله قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والأرض واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة وآدم وحواء بأربعة وعشرين أربعمائة ألف عام.

فلماخلق الله تعالى نور نبينا محمد صلی الله علیه واله بقي ألف عام بين يدي الله عزوجل واقفا يسبحه ویحمده والحق تبارك وتعالى ينظر إليه ويقول: يا عبدي أنت المراد المريد، وأنت خيرتي من خلقي، وعزتی وجلالي لولاك ما خلقت الأفلاك، من أحبك أحببته ومن أبغضك أبغضته فتلا لا نوره و ارتفع شعاعه فخلق الله منه اثني عشر حجابا(1).

لكل شيء حملة وأرباب هم أهله

لا بد لنا عندما نبحث حول ما يتعلق ببعض جوانب الحسين عليه السلام من معرفة الأسس لدين الله على هذه الأرض،فالدين قائم على العلم الحقيقي من الله عزوجل، وهذا الدين لا بد له من حملة وأرباب، وليس لأي مخلوق القدرة على حمل العلم، فقابليات المخلوقات معروفة عند خالقها، وهذه المعاني يدركها أهل الصفاء والطهارة، فالعلم الحقيقي مخزون عند أهله.

ومما هو معلوم لدى العقلاء أن الدين من عند خالق الأرض والسماء، وليس للمخلوقات دور فيه إلا الإدراك والطاعة، فواجبها الإطاعة لما یأمر به الخالق سبحانه، ولا تتحقق الطاعة إلا بإدراك حقيقة العلم. من هنا بدأ دور الإنسان على هذه الأرض، لأنه مؤهل أكثر من بقية المخلوقات.


1) بحار الأنوار ج54 ص 198.

وعندما ننظر على أرض الواقع نجد تفاوتاً حتى بين أفراد الإنسان، ومن حدود هذا التفاوت بين أفراد البشر امتاز بعضهم عن بعض، فكان العلم رافعاًلقوم، والجهل خافضاً لآخرين، مع أن أفراد البشر متقاربون في أصل التكوين.

ومن هذا الواقع ندرك البون الواسع بين فرد وآخر، فحكمة الخالق أودعت بالأسباب العلوم عند أهلها.

والإنسان مؤهل لكثير من العلوم، بدء من الأمور البسيطة وانتهاء بما وراء الكون، وكل فرد يسعى للحصول على قسط معين.

وعندما نبحث في المراحل الأولى للإنسان على هذا الكوكب من الكون نجد ونتلمس أنه مؤهل لحمل العلم(1).

فالعلم معجون في ذرات وخلايا هذا المخلوق المميز. وليس العلم من فراغ أو من جهل، بل هو من عالم خبیرحکیم.

وليس للعلم شبيه في مقدار المحسوسات، بل إن العلم يعطي الميزان للمحسوسات وما فوقها، فلمقادير المحسوسات حدود وانتهاء، ولكن حقيقة العلم لا حدود لها ولا انتهاء، لأن ابتداء العلم من فيض لا ينتهي، ولا يحد بحدودمادية.

فالماديات والمحسوسات مظهر من مظاهر الوجود.

وقد تمثل في الإنسان أكثر من جانب، وعندما نضع میزان للمحسوسات والماديات يكون محدوداً ضمن مقاييس معينة، وعندما نأخذ ميزان العلوم الحقة


1) «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا..»[البقرة : 31]

بتحديده و حدوده لا يمكن حصره بمقدار معین، اوانتهاؤه بمدة معينة، بل هو أبعد من ذلك، فللإنسان ابتداء من جانب المظهر والظهور، ولكن لا يمكن تحديده في العلم والانتهاء.

وفي كل ذرة من خلايا ترابه أسرار. والذي أودع في الإنسان أسراراً وأنواراً هو وحده يعلم ذلك.

وحتى الإنسان نفسه قد لا يحيط بما يمتلك، لأنه لم يوجد ذرات ترابه وكيان وجوده، فالإنسان يدرك ما هو خاضع لموازينه، وهو لا يعلم شيئاً قبل التعليم من خالقه، وبعد التعليم انفتحت أمامه أبواب السماوات والأرض فأصبح عالماً.

وبدأ التعليم للإنسان من العالم العليم.

ومن هنا بدأت تظهر حكمة التجلي على الإنسان، إذ بدأ بامتثال الأمربعد التعليم عندما تلقى قوله تعالى:«أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ»(1).

فتلقى كل بحسبه وبمقدار استعداداته، ونظافة وطهارة ذاته، وسلامة خلاياه و جيناته، وليس كل من ألقي عليه علم أصبح عالماً، ولا كل من أمر امتثل الأمر، وليس كل من حقق الطاعة أتى بها على الوجه الأكمل، ومن هنا يتفاوت الأفراد.

وقد قالت الملائكة علیهم السلام : «سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ»(2)

وقد بدأ التعليم لجميع المخلوقات من سماوية وأرضية وما بينهما، فعندما


1) يمكن مراجعة الآیات 30 وما بعدها من سورة البقرة.

2) البقرة: 32.

نقرأ حديثاً عن عوالم الأنوار قد لا تدرکه عقولنا التي ألفت الأرض والمحسوسات، و نتوهم التخيلات، ونقول: كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ وما شابه ذلك دون أن نركن إلى ركن وثيق!

مع العلم أنا نسلم بجهلنا كثيراً مما نراه على هذه الأرض!

فعندما قرأت الحديث المتقدم عن الحسين علیه السلام حيث قال النبي صلی الله علیه واله: علمي علمه وعلمه علمي.. لم أسمع منهم إلا الإشكالات أو الاعتراضات، رغم أنهم من أهل العلم الدنيوي أو من أهل العلم الديني.. إلا القليل..

وهنا يحسن القول أن الإلقاء والتعليم من خالق الأكوان شامل لجميع المخلوقات من الملائكة المقربين ومن الجن والإنس أجمعين، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الالقاء والتعليم لمن في السماوات ولمن في الأرضين. وسواء كان التعليم للكبير وللطفل الصغير، ولا مانع أيضاً من كون التعليم في عوالم الأنوار، أو في ظلمات الأرحام، فكل كائن يأخذ بقسط معين، أي بحسبه .

وقد ورد في الزيارة الجامعة: خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين(1).

ثم نرى التصرفات في تلك العوالم بعيدة ونحن في هذا العالم الأرضي، لجهلنا الرضي، ولم نقرأ قوله تعالى :«وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا»(2).

من الذي علمنا الرضاعة ؟ من هو المعلم في بطون الأمهات؟


1) من لا يحضره الفقیه ج 2 ص 613، تهذیب الأحکام ج6 ص

2) النحل: 78.

فسبحانك ما عبدناك.. حيث ما عرفناك!

فبالمعرفة تعبد، وبالعلم تعرف، ولا علم لنا إلا ما علمتنا.

ليس العلم بالحرف فقط، وليست العبادة بالجوارح فحسب.

بل هناك علم أبعد من الحروف، وهناك عبادة أرقى من المظهر المكشوف!

أول الخلق أهل البيت عليهم السلام

وهم أول من حمل أمانة العلم والدين، فالنبي صلی الله علیه واله وعلي والحسن والحسين عليهم السلام أول من خلق الله في عوالم الغيب والأسرار، وهم أول المقرين لله سبحانه بالوحدانية، ولذا حملهم العلم والدين فكانوا لذلك أهلاً.

وأودع الله عز وجل علمه في الأنبياء علیهم السلام وشاء سبحانه أن يكون خاتمهم النبي محمد صلی الله علیه واله، وهذه الحكمة بالغة لم تخف على ذوي الألباب في عصرنا هذا، ومما يمكن لعقولنا ادراکه هو التدرج لبني البشر، وهذا المعنى (وهو التدرج) اتمام للحجة البالغة، وتحقيق لمنتهی کمال الدين حيث لا نبي ولا رسالة بعد محمد صلی الله علیه واله وبعد دين الإسلام.

وكل ما جاء به الأنبياء السابقون عليهم السلام كان من باب التدرج في المعرفة لبني البشر، ويدل واقع الدنيا على هذه المعاني، وهنا نذكر من باب الإشارة أن الكمال لكل شيء يتحقق عند الانتهاء منه، حتی براعم الأثار.

وعندما ننظر في مسيرة البشرية عموماً نجد أنها تسير نحو الأفضل باستمرار، مهما رأينا من جوانب سلبية. ولا يقاس هذا الزمن بالأزمنة السابقة، فكل زمن لاحق يأتي بما هو أرقى وأتم من سابقه، وهذا من الأمور الواقعة

ولم يزل الله تعالى يخبأ النور تحت الزمان إلى أن فضل محمداًصلی الله علیه واله في ظاهر الفترات، فدعى الناس ظاهراً وباطناً، وندبهم سراً وإعلاناً، واستدعى عليه السلام التنبيه على العهد الذي قدمه إلى الذر قبل النسل، فمن وافقه و قبس من مصباح النور المقدم اهتدى الى سره، واستبان واضح أمره، ومن أبلسته الغفلة استحق السخط.

ثم انتقل النور الى غرائزنا، ولمع في أئمتنا، فنحن أنوارالسماء وأنوار الأرض، فبنا النجاة، ومنا مکنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج، خاتمة الأئمة، ومنقذ الأمة، وغاية النور، ومصدر الأمور، فنحن أفضل المخلوقين، وأشرف الموحدين، وحجج رب العالمين، فليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا، وقبض على عروتنا(1).

حديثنا عن الأسرار والأنوار

تدرک هذه الأنوار من ذوي الأبصار،ويحمل الأتقياء الأبرار الأسرار،ونحن اليوم في الشهر المبارك للنبي المختار(2).

جولة فكر: لقد أودع الله في الإنسان ودائع كثيرة وأعظمها العقل البشري، فهو الحاكم، كما أودع في الكائنات والمخلوقات ودائع لا حصر لها، ولا بد أن يعرض كل ما يجول به الفكر على موازين العقل السليم، ولهذا العقل مراحل للنمو.

لكل مخلوق أوصاف، وله مراحل للنمو والتكامل، ومصدر المخلوقات


1) مروج الذهب للمسعودي ج 1 ص 42.

2) أول ربيع الأول سنة 1422 ه.

بكل أبعادها هو الخالق عز وجل، سواء كانت من المحسوسات أو مما هو وراء ذلك، فاسرارالخلق أبعد مما ألفته أفكارنا.

إن مجال عقولنا تنمو فيما نکتسبه في عالم المحسوسات، وأما ما هو من عالم الأنوار فتبقى عقولنا قاصرة عنه، وهذا القصور لا يخفى على المنصفين لواقع وجودههم، والنمو لكل كائن يحصل بحسب ما يحيط به .

مراحل واطوار الخلق

من المتسالم عليه أن لكل مخلوق ابتداء، وقد ندرك هذا أو ذاك عند ابتداء وجوده في عالمنا المحسوس، ولكن هناك مراحل وأطوار في عوالم الغيوب لا ندرك ابتداء هذا أو ذاك فيها، من هنا نعلم إجمالاً أنه يوجد ابتداء لكثير من المخلوقات في غير عالمنا المحسوس، فعندما نقرأ حديثاً عما وراء المحسوسات نشعر بالحيرة فضلاً عن الإنكار، وهذا ناتج عن التصاق افکارنا بما يخضع للحواس الخمس، بينما ثبت علمياً أن مافوق الحواس لا حصر له، ومنها عوالم النور.

ولأجل تقريب المعاني للأذهان أطلق العلماء مصطلح السنين الضوئية، وأدخل في مناهج التعليم حيث أخذت سرعة الضوء مقياساً .

أشير هذه الاشارة بهذه الكلمات لأنني أحاول رسم بعض الحروف عن عوالم الأنوار التي نأخذها من آيات أو أحادیث و روایات.

المخلوق الأول

قال رسول الله صلی الله علیه واله : أول ما خلق الله نوري، ابتدعه من نوره واشتقه من

جلال عظميه(1).

وهنا نذكر حديثاً آخر تقدم فيه توضیح لذلك، فعن المفضل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف کنتم حيث کنتم في الأظلة؟

فقال: يا مفضل، کنا عند ربنا ليس عنده أحد غيرنا في ظلة خضراء نسبحه ونقدسه ونهلله ونمجده وما من ملک مقرب ولا ذي روح غرينا حتى بدا له في خلق الأشياء، فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم ثم أنهى علم ذلك إلینا(2).

والأحاديث حول هذه المعاني عديدة تدل بمضامينها على أن النبي محمد وآله عليه وعليهم السلام هم أول ما خلق الله من المخلوقات، وعوالم الأنوار لا نعرف عنها شيئاً إلا ما وصلنا عن طريق الأوصاف، فالنور الذي قد نتحدث عنه ليس كالأنوار المعلومة عندنا على هذه الأرض، بل هو من نوع آخر، والتعابير بلفظ النور من باب أوضح المحسوسات.

وقفة وعودة للابتداء

عندما ننظر في هذا الكون ندرك أنه لم يكن فكان، وهذا ما تعارفوا عليه بأنه حادث زماني(3).

وعندما نتدبر ذلك ندرك أيضاً أن خلق الكون كان لغاية، اذ الغايات من وجود كل شيء هي الأسمى.


1) بحار الأنوار ج 15 ص24.

2) الكافي ج 1 ص 441.

3) راجع المظاهر الإلهية ص 108، المظهر السابع .

فالوجدان حاکم قبل البرهان أن غاية الكون ليست لذاته، بل هو لأمرأسمى مما هو موجود.

لأن خلق السماوات والأرض وما بينها وما فيها لما هو أسمى منها، فكل ما فيها يسير إلى غاية ذاتية أصيلة بحد ذاتها، ويمكن القول أنه لا بد من وصول هذا الكون بما فيه الى الخير المحض، وانتهاء الشرور، ورفض النقائص، وارتفاع الظلمة، ولا بد من الوصول إلى نور محض لا ظلمة فيه، والی تمام لا نقص فيه أو معه، وهذا ما يمكن إدراكه من الآية المباركة «ويكون الدين كله لله »والوصول إلى هذا الهدف لا بد لهذا الدين من قيم.

والقيم لا بد أن يكون حجة، لذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون الحجة حاوية للكمال بكل معانية، ومدركة للكون بكل ما فيه، وهذا ما ندر که من مرور أنوار الحجج بكل ما خلق الله من أكوان و مخلوقات في هذه العوالم، بدء من سدرة المنتهى إلى ما لا نهاية لوصفه.

فعندما نقرأ بتدبرابتداء خلق الأنوار، وختام مبعث المختار، نستنبط الهدف الأسمى والغاية الكبرى من خلق هذه العوالم والأكوان.

فالقصور الشامخة غاية لسكانها، والبساتين المثمرة مقصد لزوارها، والأنهار الجارية للناظرين إليها، والنمارق المصفوفة لأهلها، والنعيم والتسنیم جوائز للمتقين، ونحن في هذه الدنيا على شواطئ الأبحر نحتاج إلى سفينة متينة تبحربنا إلى شواطئ النجاة البعيدة لنصل بهاإلى الأمان والاطمئنان، فلابد من اختيار من جعله الله رباناً للسفينة.

السفینة

كثيراً ما نردد هذ العبارة: لكن سفينة الحسين أوسع وأسرع.

هذه السفينة صنع شراعها من ابتداء عالم الأنوار، لذلك كان الجواب لحذيفة من النبي المختارصلی الله علیه واله: فأتیت النبي فأخبرته، فقال: علمي علمه، وعلمه علمي، وإنا لنعلم بالکائن قبل كینونته(1)...

هذا العلم الذي بدأ من ابتداء عوالم الأنوار لتكون الحجة على جميع المخلوقات أبلغ، وهذا ما أقرت به الملائكة بعد خلقها، فعندما يغوص الباحث في عوالم الأنوار للحجج الأطهار يجد لهم نفحات فاضت بحروف الكلمات.

منها هذه التعابير للحسين عليه السلام من دعائه يوم عرفة: أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوک ووحدوك [و وجدوک]، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى يحبوا سواك(2).

من هنا يمكن القول أن الابتداء كان في عالم الأنوار: کنا بعرشه محدقين..

الوجود

كلمات فيها تعاريف: الواجب، الممكن، والمستحيل.

واجب الوجود هو الله الخالق لكل شيء.

هذه الكلمات تصالح عليها الفلاسفة والحكماء، وجعلوا لكل لفظ تعاریف


1) تقدم الحديث عن البحار ج44 ص 185.

2) إقبال الأعمال ج 1 ص349.

معينة من باب تقريب المعاني للأذهان.

ومن هذه التعاريف تعريف (الواجب لذاته): هو الموجود الذي لا تكون ذاته قابلةً للعدم أصلاً مع قطع النظر عن غيره ، بل يكون ضروري الوجود (1).

ولفظ الواجب من الألفاظ المشتركة وله تقسیمات و اعتبارات.

للكون بكل ما فيه ابتداء

وهنا نشير إلى الكون والإنسان، لأن الإنسان هو صفوة الكائنات بكل معانيها مهما قيل أو يقال.

والإنسان سر من الأسرار لا ينكشف إلا بعد إكمال الدورة.

فهو في هذه الدنيا بنصف الطريق تقريباً، وسيره في كل طور من الأطوار له مرحلة ابتداء، وكل مخلوق له ابتداء وهو سائر الى نهاية غايته، وسير الإنسان مميز عن سير غيره، فعندما ننظر الى مراحل حياتنا الدنيوية نجد ابتداءنا من مراحل الولادة، ولكن ليس هو الابتداء الأولي، بل هناك ابتداءللإنسان قبل عالم الأصلاب(2)، وقبل عالم الأرحام، وهذا ما بدأ تقدم العلوم يكتشفه رويداً رويداً، ويبقى هذا الاكتشاف بحدود المحسوسات ضمن دراسة عالم الجينات. وليس لدى العلم المخبري والآلي أكثر مما هو محسوس تحت المختبرات،حتى ولو كانت تحت الأشعة الحمراء.

فالإنسان كلما اكتشف شيئاً ما يبقى أمامه مجاهيل لا حصر لها يحاول


1) شرح المصطلحات الكلامية ص383.

2) راجع کتابنا حول خلق الإنسان من الصلب (مخطوط).

التعرف عليها، سواء كان ذلك بغيب نفسه (أي بذاته) أو مما هو من الكائنات الأخرى في الكون الفسيح.

فناذج الأسرار كامنة بذات الإنسان، وعندما نقول أنه صفوة فمعناه أن كل ذرة وخلية وجينة هي من عصارات جميع الكائنات، بدء من التراب مروراً بالأرواح والنفوس، الى شفافية الأنوار و شعاعها، وانبساط ضوئها.

وهنا نلقي على أنفسنا سؤالاً: هل كان الابتداء من تراب أم من أنوار؟

ومن هذا السؤال تتفرع أسئلة كثيرة لسنا بصدد تفاصيلها، وإنما نحاول التعرف على مراحل ابتداء خلق الأنوار، لعلنا ندرك شيئاً من الاشارة الى ضوء الغاية .

فالله سبحانه خلق الإنسان وأخرجه من مكمن الإمكان، ويظهر من بعض النصوص أن الابتداء كان في السماء، ليتعرف على الكون الأسمى قبل الأدنى، فكان الابتداء: أشباح ثم أرواح مروراً بالملكوت.

نقول وبه نستعين: شاءت حكمة الخالق سبحانه أن تبدأ مسيرة الإنسان على أسس سليمة، فكان الابتداء بالنور، ومن هنا تتجلى العظمة...

ومن النور تظهر خيوط الضياء ليغمر الشعاع والأكوان، ويأخذ كل كائن قسطاً من الضياء، كل بحسب قابلياته، وعندئذ تتجلى الحكمة البديعة من غاية الخلق، لأن قيمة كل كائن بحسب مراتب الغاية، وقد سخر الله للإنسان الأكوان وما فيها، وهذا من أوضح الدلالات على مرتبة الإنسان الرفيعة، وتوجد مؤشرات كثيرة على ذلك، منها: خلق الإنسان بالسماء قبل الأرض.

ومن كرامة الإنسان على الله سبحانه أن خلقه بيده.

ومن هذا الدليل المحسوس كان خلق الحجة في منتهى الكمال، ونقصد هنا الكمال الإنساني لأن الكمال غاية مطلوبة، وبها كان امتیاز الإنسان عن بقية المخلوقات، وامتاز بعض أفراد الانسان عن بعضهم بمقدار النورانية.

من هذه الواضحات يحكم العقل السليم بكمال الحجة، لأن الحجة بكل معانيها يجب أن تكون كاملة بكل أبعادها، سواء كانت أرضية أو سماوية.

وعندما نقرأ حديثاً أو نؤول آية حول خلق أنوار الحجج علیهم السلام يكون ذلك على قاعدة الكمال الإنساني في هذه الحياة، ومسيرة الكون، فلا غرابة أن يكون الابتداء نوراً يجوب هذا الكون الفسيح حتى لا يبقى مجال للغموض في كل أرجاء المعمورة من الملك والملكوت..

وبهذا نستشف بعض المعاني من تعابير الحسين علیه السلام في الدعاء حيث يقول علیه السلام : أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوک(1).

إن منتهى غايات المخلوقات هو الوصول إلى معرفة الخالق، وبالمعرفة تتفاضل المخلوقات، وبها تنال مراتب الدرجات، وبكمالها وتمامها تتزين للفائزين الجنات، فمعرفة النورلاتقاس بمعرفة النار، ولا تصح المقارنة بين الأبرار والفجار.

والنور المخلوق ابتداء طاف حول الحجب المتنوعة، وجاب أرجاء الملكوت، وشاهد بضياء نوره كل مراتب المخلوقات، من ملائكة وملك وسماوات حتى استقر بجبهة آدم علیه السلام حيث اطلع على الملكوت الأعلى ليكون دور الهداية والمعرفة والحجة على الخلق، وللخلق، وقد قيل باختصار:


1) من دعائه يوم عرفة.

ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد

فالحجة جامعة للكمال، واسم النور تبديد للظلام، واسم الامام اقتداء للأنام.. وقد جاء في الأثر : اجعل لنا رباً نئوب إليه وقولوا فينا ما شئتم(1).

وقال عليه السلام : نحن أسرار الله المودعة في الهياكل البشرية(2).

باب حول معاني السر

قال أبو جعفر علیه السلام : ولاية الله أسرها إلى جبرئيل علیه السلام،وأسرها جبرئيل إلى محمد صلی الله علیه واله أسرها محمد إلى علي عليه السلام، وأسرها علي إلى من شاء الله (3).

هذا الحديث الشريف يتضمن أبعاداً كثيرة تتعلق بحياة أهل الإيمان، وله تتمة، ففي أواخره الأمر بالتقوى: فعليكم بتقوى الله، ولا تغرنكم الحياة الدنيا(4).

عندما ننظر في وقائع هذه الحياة نجد كل ما حولنا سر من الأسرار، وهذا موجود في الجمادات والنباتات والحيوانات، ولذلك يعثر العلماء والباحثون كل مدة وفي كل حقل على نوع من الأسرار في هذه الموجودات، والإنسان هو الأسمى في الكائنات، ويحتوي على نماذج من كل عناصر الكون وما فيه، وهذه المعاني أصبحت من البديهيات في مناهج التعليم.

فالأنبياء عليهم السلام هم سر من أسرارالله تعالى، أودعهم الكثير من الأسرار وجعل لهم الولاية، وقد أظهر لنا بعض هذه الأسرار بكثير من نماذج مسيرة الحياة


1) بحار الأنوار ج 25 ص283.

2) راجع المظاهر الإلهية ص 115.

3) بحار الأنوار ج 72 ص 78.

4) الحديث طويل تحسن مراجعته .

لبني البشر، وقد أشار إليها في القرآن المجيد بأكثر من آية ظاهرة، وأبعد من آية ناطقة، وقصص الأنبياء والأولياء لا تخفى على ذوي الأفهام، مروراً من آدم عليه السلام إلى جميع الأنبياء علیهم السلام ، هذا من ابتداء اظهار الإنسان إلى عالم الدنيا.

مع العلم أن هناك عوالم قبل آدم عليه السلام ، كذلك لم تقف بعد مسيرة البشرية على حدود، فضلاً عن العوالم التي سوف نمر بها بعد هذه الحياة، فعندما نحاول التعرف على بعض الجوانب من أسرار الحسين عليه السلام لم نتجاوز ما هو محسوس وموجود و ملموس.

وفي الحقيقة أن ذلك ليس من الاسرار، وإن كان لفظ الحروف مؤداه سر، فالحسين علیه السلام هو ثمرة من ثمرات سيد الكائنات، وقد خصه الله بخصوصیات ظاهرة وباطنة، لأنه علیه السلام حجة من حجج الله في هذه الحياة، وهو سفينة نجاة، ولذا جاء التعبير أنها أوسع وأسرع وما شابه ذلك من الألفاظ التي تشير إلى جوانب من معاني الأسرار، فالسر هو وجود، وله وجود، وليس بخفاء مطلق، بل لأن عقولنا لم تصل إليه نقول لكل غائب عنا سراً، فلفظ السر ليس ذات السر.

وكل مخلوق قبل اظهاره كان في عوالم الأسرار، فالوجود أشمل من الظاهر والباطن، والملائكة عليهم السلام بالنسبة لبني البشر أسرار الله في الكون، ولهم آثار وأسرار في هذا الوجود، لذلك نؤمن بهم ولا نشاهدهم، ولا يشك عاقل بهم.

بينما عندما نقرأ أو نسمع حديثاً عن الأئمة الأطهارعلیهم السلام لا يتلاءم وإدراكنا لمعانيه ننكر ذلك أو نتعجب، أو نقول ما لا يليق !!

وهنا تحسن الإشارة إلى هذا الحديث لذوي الأفهام، قال أبو جعفر عليه السلام : يا أبا حمزة، يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دلیلاً، وأنت بطرق السماء أجهل

منك بطرق الأرض، فاطلب لنفسك دليلاً(1).

فالدليل هم أهل بيت العصمة علیهم السلام، والسر كامن في معرفتهم، وقد عرفهم أهل السماء قبل أهل الأرض، عندما كانوا أسراراً في عوالم الأنوار، ولذا ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام حيث قال: فلانا بطرق السماء أعرف مني بطرق الأرض(2). وفيه إشارة إلى مراحل الأنوار وهم في عوالم الأسرار.

وللإنسان عوالم عديدة لا تقتصر على هذا العالم الدنيوي فحسب، فقد مر بعوالم سابقة وله عوالم لاحقة لا بد من المرور بها، فعالم الدنيا كأنه برزخ بين عوالم سابقة وعوالم لاحقة. فالنفس المؤهلة لقيادة الأمم لا بد من أن تمر في العوالم السابقة.

ابتداء خلق الأنوار

لكل مخلوق ابتداء، وما يظهر من الأحاديث الشريفة أن أول المخلوقات هو النور، وأول نور من المخلوقات هو سيد الكائنات محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله والأئمة أهل بيت العصمة عليهم السلام ، وقد ألمحنا بأحاديث عديدة ومنها هذا الحديث الجامع، قال الإمام الصادق عليه السلام :

إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا(3).


1) شرح أصول الكافي ج 2 ص 549، الكافي ج 1 ص 185.

2) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ج3 ص 538.

3) لهذه الأحاديث معان دقيقة جداً تدرك ببصائر صافية..

فقيل له: يا ابن رسول الله من الأربعة عشر؟

فقال: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال ويطهر الأرض من كل جور وظلم(1).

وفي حديث آخر عن أبي جعفر علیه السلام لجابر الجعفي قال: يا جابر كان الله ولا شيء غيره لا معلوم و مجهول فاول ما ابتدا من خلقه أن خلق محمداً صلی الله علیه واله وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته، فأوقفتا أظلة خضراء بين يديه حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر(2).

بدء مراحل النور المحمدي في العوالم

في عصرنا الحاضر أصبح من البديهيات أن عوالم الكون لا حدود ولا حصر لها، وأن عقول البشر لا تدرك أكثر من التحديد بالوصف، والتعابير بالألفاظ، وجل ما أدرك العلم بعض جوانب كوكب الأرض، وما هو قريب منه تحت فلك الشمس.

وعندما نتحدث عن ابتداء خلق الأنوار التي شاء الله أن يكون أول الأنوار من المخلوقات محمد بن عبد الله سيد الكائنات وآله هداة المخلوقات، نريد التعرف عليها.

والتعرف على هذه الأنوار يتم بقدر صفاء البصيرة، وما نرسمه من حروف


1) بحار الأنوار ج 15 ص23.

2) بحار الأنوار ج 15 ص23، عن رياض الجنان (مخطوط).

هنا ما هو إلا إشارات تأخذ بأبصارنا وعقولنا نحو الهدف المقدر للإنسان التابع بالاهتداء إلى هذه الأنوار، ونستشف ذلك من بعض الأحاديث الشريفة، وقد يتكرر ذكر بعضها لحكمة لا تخفى.

عن أبي حمزة قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: إن الله عزوجل خلق محمداً علياً والأئمة الأحد عشر من نور عظمته أرواحاً في ضياء نوره، يعبدونه قبل خلق الخلق(1).

لهذه الأحاديث الشريفة التي تتضمن إشارات إلى ما وراء المحسوسات أكثرمن نظرة، فعندما نضعها على موازین عقولنا القاصرة قد نستعظم ذلك، وعندما نرجع الأمر للخالق سبحانه تكون القضية واضحة لا لبس فيها، لأننا نؤمن وندرك أن كل ما هو كائن أو يكون هو بقدرة الله سبحانه، وعليه تكون المخلوقات تحت هذا القانون، سواء كانت المخلوقات تحت مجهر المحسوسات أو كانت فوق ذلك مما هو وراء الغيب، من الأنوار السابقة أو اللاحقة، فكل ما في الكون خاضع لقدرته.

إن أنوار النبي صلی الله علیه واله وآله الأطهار علیهم السلام هم ودائع الله في الأكوان، ولا فرق بين ما هو سابق وما هو لاحق، فبهم بدأ المخلوقات و بهم يختم ذلك، فالابتداء والمسير نحو الانتهاء راجع لله سبحانه وهو الخالق، والأحاديث واضحة بذلك، منها ما ورد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله كان إذ لا كان فخلق الکان والمكان وخلق نور الأنوار الذي نورت منه الأنوار وأجرى فيه من نوره الذي نورت منه الأنوار وهو النور الذي خلق منه محمداً وعلياً فلم یزالانورين أولين إذ لا شيء


1) بحار الأنوار ج 15 ص23، باب بدء خلقه، ولهذا الحديث تتمة وأبعاد في معانيه .

کون قبلهما.

فلم يزالا يجران طاهرین مطهرين في الأصلاب الطاهرة حتى افترقا في أطهر طاهرين في عبد الله و أبي طالب علیهما السلام(1).

حتى ختمت سلسلة الأنوار في الحجة المنتظر عجل الله تعالی فرجه .

لمحة فيها إشارات حول أنوار الإمامة

ليس من السهل الحديث عن أنوار الإمام والإمامة مع إدراك حقيقتها، بل نحاول لفت الأنظار إلى هذه الأنوار، لعلنا نستضيء بخيط من النور يبدد لنا الظلام..

وفي الآيات القرآنية إشارات لهذا الموضوع، ولكن حيث أصبح مألوفاً لدينا الجمود الحرفي بما حجب البصيرة من شهوات النفوس وحب الدينا، فقليلاً ما نتجاوز الظواهر لنور البواطن من الآيات والكلمات، وفي الكتابة هنا نتبرك بهذه الآية المباركة، وطبعاً كما أسلفنا لنا نمط خاص قد لا يكون مألوفاً !

قال عز من قائل: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»(2).

ولسنا بصدد ما قاله المفسرون حول هذه الآية، وإنما يستدل من الأحاديث الشريفة أن النور هنا هو نور الأئمة عليهم السلام ، لأن القرآن الكريم له ظاهر وله بواطن، كذلك الإنسان له بصر ظاهر، وله بصيرة باطنة.. وحديث الأنوار يتجاوز إلى


1) الكافي ج 1 ص 442، وتوجد أحاديث الحجب والأبحر في بحار الأنوار ج 15 ص28.

2) التغابن 8.

اشارات الأسرار..

نظرة خاصة حول الآية

تتضمن الآية الأمر بالایمان بتوجيه محدد وهو:

الايمان بالله سبحانه .

الإيمان بالرسول صلی الله علیه واله.

الإيمان بالنور.

والحديث حول ما هو هذا النور الذي وصف أنه نزل من السماء ؟

هذا النور بحسب التفاسير للظواهر هو القرآن المجيد، وعندما نبحث في الأحاديث تدلنا أن هذا النور هو الإمامة والإمام، وليس بين الظاهر والباطن هنا منافاة، وذلك أن الإمام علیه السلام هو القرآن الناطق، ونصوص الأحاديث الشريفة أن الأئمة مع القرآن.

يبقى لفظ (أنزلنا) الذي ينطبق بالظاهرعلى القرآن، وهنا يمكن القول بتدبر : أليست أنوار الأئمة أيضاً مما يصدق عليها هذا الإنزال؟

فالقرآن الكريم أنزله الله آخر رسالة للإنسانية على الأرض، والذين أراد الله سبحانه منهم أن يبلغوا ويطبقوا هذا القرآن عملياً أيضاً كان اظهارهم من الله وكانوا آخر من يأمر باتباعهم، حيث لا مبلغ ولا هادي يأتي بعدهم، وهذا بنص القرآن الكريم أن النبي صلی الله علیه واله خاتم الأنبياء والمرسلين.

وعندما نقرأ الأحاديث حول هذه الآية ندرك معاني الغاية من الآية والأحاديث، فالإيمان بالله وبالرسول ليس مجرداً نظرياً بل لوصول البشرية إلى

ضياء النور من الناحية العملية .

وعندما يسأل الإمام علیه السلام عن هذه الآية يكون الجواب ما يلي لأبي خالدالكابلي : يا أبا خالد النور والله الأئمة من آل محمد صلی الله علیه واله إلى يوم القيامة، وهم والله نور الله الذي أنزل وهم والله نور الله في السماوات وفي الأرض، والله يا أبا خالد لنورالإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار، وهم والله ينورون قلوب المؤمنين ويحجب الله عزوجل نورهم عمن يشاء فتظلم قلوبهم.

والله يا أبا خالد لا یحبنا عبد ويتولانا حتى يطهر الله قلبه ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا ويكون سلماً لنا، فإذا كان سلماً لنا سلمه الله من شديد الحساب وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر(1).

النور الحقيقي ابتداء

إن الحديث عن الحسين علیه السلام هو حديث عن أهل بيت العصمة عليهم السلام وهو مرتبط مباشرة بنور سيد الخلائق النبي المبعوث محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله ، حيث کما عرفنا هو أول نور خلقه الله من الخلائق، والأحاديث الشريفة كثيرة حول ذلك، ومنها قوله صلی الله علیه واله: ان الله خلق نوري من نور عزته(2).

هذا النور اجتمع واستقر بالحسين علیه السلام ، ومن هنا تحقق اتمام النعمة وكمال وبقاء هذا الدين، ذلك أنه بالحسين عليه السلام وبذريته استمر وهج هذا النور المحمدي، ومن هنا كانت مسيرة هذا الدين محفوظة ومصانة بالأئمة الأطهار عليهم السلام ، وقد ظهرت الحكمة الواضحة ببقاء الحجة المنتظر عجل الله فرجه،


1) الكافي ج 1 ص 194.

2) راجع تفسیر ملا صدرا ج 4 ص 384.

وهو من أحفاد الرسول صلی الله علیه واله والحسين عليه السلام ، وهذا معنى: ليظهره على الدين كله.

وهذا الظهور الشامل لا بد أن يتحقق على أيدي الحجة المنتظر الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وبذلك ندرك الحديث القدسي: لولاك ما خلقت الأفلاك(1).

وعندما نقرأ أحاديث النور ونقرأ هذه الآية «يهدي الله لنوره من يشاء »، فنور النبي وأهل بيته عليهم السلام هو من نور عزته، وأول خلقه من جميع المخلوقات، فالهداية منهم و بهم حيث اختارهم الله سبحانه للغاية الكبرى من خلق المخلوقات وهي كمال العبادة، فالكمال لا بد أن يصدر ممن هو في منتهى الكمال.

والنور المحمدي صادر من معدن النور، وهذا النور باق لا ينطفئ ولاينقض ولا يتبدد ولا يضعف، بل يزداد تألقاً في أي موقع كان.

فعندما نتحرى كل مسيرة الحسين علیه السلام نجده امتداداً لهذا النور إلى يوم القيامة، فالنور المشار إليه هنا هو الكاشف لحقائق الوجود ومعاني الحياة، ومن هذا الكشف تظهر معاني الحديث القدسي: کنت کنزاً مخفياً...

فالتعبير بلفظ الكنزله دلالات معينة، ومن أهمها أن الإنسان في هذه الحياة لا بد أن يصل لضياء النور المحمدي الذي جعله الله هداية لجميع المخلوقات.

الانسان مفطور على حب النور

عندما ندقق في خفايا حقائق الإنسان، نجد أن أعظم شيء يتعلق به هو


1) المصدر السابق.

النور، وسواء كان هذا النور ظاهراً محسوساً أو باطناً معنوياً فهو مطلب الإنسان أينما كان، لأن الإنسان بالنور الظاهري يروي المحسوسات الظاهرية، وبالنور الباطني يروي ذواته المعنوية.

ومما لا شك فيه أن المعنويات الباطنية عند الإنسان أهم من المحسوسات الظاهرية، لأن الجوارح الظاهرية تنقل البهجة والسرور إلى الجوانح الباطنية، فما يلتذ به العقل أعظم مما تلتذ به جارحة العين، وما تأنس به النفس أرقی مما يأنس به اللمس، وهكذا بقية الجوارح، فالنور المحمدي هو الغاية المطلوبة للإنسان عندما يهتدي إلى معرفة خالقه والمنعم عليه، ولذلك نجد أن النور هو منتهی ما يحصل عليه الإنسان في هذه الحياة، سواء في الدنيا أو في الآخرة.

فالإنسان يحيا ويهنأ بالنورين معاً: النور الباطني وهو الأهم، والنور الظاهري المسخر للمعنوي، كما أن تكوين الإنسان من هیکل مادي وروح انساني، فبهما معاً تتحقق الغاية المطلوبة، فليس بالروح وحدها وليس بالبدن وحده، لذلك كانت غاية الوجود الإنسان.

فلا تتحقق السعادة للإنسان بالبدن وحده، ولا بالروح وحدها أي بالنفس الانسانية، ولأجل هذه المعاني كانت الآخرة، فالاعادة للإنسان بعد الموت لا بد فيها من عودة النفس لذات البدن، والثواب والعقاب يكون فعلاً بعد اقتران النفس والبدن معاً في الآخرة، ومن هنا تظهر فلسفة المعاد والحساب والثواب والعقاب، قال سبحانه:«بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ»(1).

فالهداية والإيمان والعمل كلها ضمن قوانین محددة، وموازين دقيقة، لذلك


1) من سورة القيامة آية 4.

كان الخلود والبقاء .

وقفة عند لفظ الكنز

کنت کنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف (1).

الغاية هي المعرفة، وهي ليست هنا المعرفة المطلقة، بل معرفة محددة ومخصصة، فلو عرف الإنسان كل أسرار الأكوان ولم يعرف الخالق الديان لم ينفعه شيء من هذه المعرفة، وعندما يعرف الخالق سبحانه يهتدي وينتفع بكل معرفة وصل إليها.

من هنا يحسن القول أنه سبحانه أراد أن يكون ابتداء المعرفة من عنده تعالى برسم مناهج تدل عليه سبحانه، فكان المخلوق الأول من نور عزته، وهذا النورجاب به فيما بعد جميع الأكوان من المخلوقات، وهذا التكريم للإنسان مرتبط بمقدار المعرفة لحقيقة الكنز.

فمعنى لفظ الكنز ما كان في الخفاء عن غيره، فبمقدار ارتباط هذا الغيربحقيقة الكنز تظهر عظمة التكريم للعارف، وترتفع به درجات التقدير، والمعرفة الحقيقية لا تتم إلا بمعرفة النور.

فمن اكتشف بنور المعرفة حقيقة وجوده کشف له ضياء المعرفة أنوارخالقه، لذلك جاء في تفسير الآية:«الله نور السماوات والأرض ».

أي منور قلوب عارفيه، ولا يعرف الا من باب مدينة العلم، وهذا ما تشير إليه الآيات وألفاظ الروايات، قال سبحانه:« سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِ


1) من الحديث القدسي: بحار الأنوار ج 84ص 199.

أَنْفُسِهِمْ »(1).

النور يعرف بالنور

عندما نتأمل في هذا الوجود ندرك ما هو محسوس بل ما فوق المحسوس لذلك يمكن القول أن ابتداء الموجودات هو النور، فالنور سابق على كل ما هو مخلوق، وما نشاهده من المحسوسات لاحق لوجود النور، وليس بحثنا هنا حول مطلق النور، إنما نحاول معرفة نور الحسين عليه السلام ، والمراد به نور الإمامة، فهو محورلمركز الأنوار باعتبارات متنوعة(2).

فالنور الحقيقي المحمدي هو من نور عزته سبحانه، والحسين عليه السلام امتداد لهذا النور، من هنا ندرك الحديث المشهور: حسين مني وأنا من حسين، باعتبار أن ذات النور الممتد من معدن الوجود، فالباري سبحانه ينبوع النور والوجود(3).

النور الحقيقي فوق ادراكنا

كثيراً ما نتكلم أو نكتب لفظ (نور)، ولكن قليلاً ما ندرك مثل هذا النور، لأننا لا نملك قدرة التحمل لمثل ذلك، وهذا راجع للعجز في ذواتنا وقلة قدرتنا، والأنبياء والأوصياء عليهم السلام أيضاً تتفاوت قدراتهم لحمل ذلك، وهذا ما دل عليه الوجدان والبرهان. ويكفي دلالة أنه لم يصعد إلى السماء من الأنبياء والرسل إلا سيد الأنبياء محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله، مع العلم أنهم جميعاً حملة الرسالة، وقد بلغوا


1) فصلت 53.

2) محسن مراجعة ميزان الحكمة، الجزء الأول، من ص 163 (الإمامة).

3) يحسن مراجعة مفاتيح الغيب ص 445.

عن الله سبحانه رسالات ربهم.

وهنا نشير إلى جانب من الدليل حول ذلك لذوي الألباب:

فعن عبد الله بن عباس قال: إن رسول الله لما أسري به إلى السماء انتهى به جبرئيل إلى نهر يقال له النور وهو قول الله عز وجل «جعل الظلمات والنور»فلما انتهى به إلى ذلك النهر قال له جبرئيل عليه السلام: يا محمد اعبر على بركة الله فقد نور الله لك بصرك ومد لك أمامك فإن هذا النهر لم يعبره أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل غير أن لي في كل يوم اغتماسة فيه ثم أخرج منه فانقض أجنحتي(1)...

ومعلوم أن أحاديث الإسراء كثيرة ومتنوعة، والحديث عن النور فوق الأسرار وإن كان لفظه واضحاً.

وقد ورد عن الإمام أبي الحسن موسی بن جعفر عليهما السلام لأحد أصحابه ضمن أسئلة، قال علیه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الأرض إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة والأديان المتضادة.

فمصيب ومخطی وضال ومهتدوسمیع وأصم بصیر وأعمى حيران (2)..

الامامة هي النور

عندما نحاول الكتابة عن الأسرار والأنوار نجد أن النور الحقیق هم الائمة


1) أمالي الصدوق ص 354

2) الكافي ج8 ص 124، والحديث طويل.

بعد الرسول صلی الله علیه واله ، وقد استقر هذا النور بعد المراحل العديدة في الحسين عليه السلام ، واجتمع فيه بكل أبعاده وتفاصيله. .

فعندما نقرأ الحياة من النواحي الواقعية نجد الأئمة علهم السلام وخصوصاً الحسين عليه السلام قد حفظوا الدين، وبالحسين عليه السلام ظهر وبقي النموذج الأمثل، ولم يزل يشع ضياؤه في الكرة الأرضية.

وتوجد ظاهرة محسوسة أن الأمم والشعوب قد تباينت واختلفت بكثير من الحقائق، لكنها لم تتباين أو تختلف على الحسين عليه السلام ، حتى الذين ليس لديهم دین وعقيدة سماوية. فاجتمع في الحسين عليه السلام النور الظاهر والنور والباطن. بل يمكن القول أنه قد اجتمع فيه نور الأولين والآخرين.

وعليه تنطبق الكثير من الآيات، ومنها: «قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ»(1).

وعندما نقرأ ما بعد هذه الآية يظهر لنا الواقع أكثر، لأن الآيات يعضدبعضها بعضاً، وترتبط معانيها بموارد متعددة، خصوصاً عندما نقرأ واقع الحياة ..

قال تعالى :«يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ»(2).

ويمكن القول أن مجمع الأنوار بكل معانيه وأبعاده قد استقر في الحقيقة المحمدية المنورة بنور معرفة الله بلا واسطة.


1) المائدة من آية 15.

2) المائدة آية 16.

من هنا ندرك بعض معاني الحديث من قوله صلی الله علیه واله : لو كان موسى عليه السلام حياً ما وسعه إلا اتباعي (1).

فكل ما كان من نور وعلم للحقيقة المحمدية قد اجتمع عند الحسين علیه السلام ، ولذا امتاز نوره عن بقية الأنوار بكل الأبعاد.

حديث عن الأنوار والاسرار

اشارة

نحاول في أبحاثنا قطف نوع من الأثمار، ليكون ذلك أرقی غذاء للأفكار، خصوصاً فيمايتعلق في بعض الجوانب عن النبي المختار صلی الله علیه واله وأهل بيته حمله الأسرار.

مما لا شك فيه أن الله سبحانه خلقاً من الملائكة المقربين، ونوعية خلق الملائكة مميزة عن بقية المخلوقات التي ندركها، وهناك أقوال وتفاسير حول الملائكة.

ومما هو معلوم ورود ذكر الملائكة في القرآن الكريم بكثير من الآيات، وفي الأحاديث الشريفة.

أولاً: ما قيل حول الملائكة

قد اختلف الناس في حقيقة الملائكة على أقوال:

أحدها: وهو قول المحققين من المتكلمين، قالوا: أن الملائكة أجسام لطيفة نوارنية، إلهية، خيرة، سعيدة، قادرة على التصرفات السريعة، والأفعال الشاقة، والتشكل بأشكال مختلفة، ذوات عقول وأفهام، مسكنها السماوات،وبعضها عند


1) معاني الأخبار لابن بابویه ص282.

الله أقرب من بعض وأكمل درجة، كما قال تعالى حكاية عنهم: «وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ...»(1)، وإلى هذا القول ذهب أكثر المسلمين، وفي الأخبار ما يدل عليه(2)

وجوب الإيمان بالملائكة

عندما ننظر في كائنات هذا الوجود نجد مخلوقات عديدة، منها الجماد ومنها النبات ومنها الحيوان ومنها الإنسان، ولكل كائن من هذه الكائنات خصوصية وصفات. وأمير هذه المخلوقات بحسب إدراكنا وما توصلنا إليه هو الانسان.

وقد دل الوجدان والبرهان أن هناك مخلوقات غير ما أشرنا إليه، وهي الجن في الأرض، والملائكة في السماء.

وعندما نحاول التعرف على هذه المخلوقات لا ندرك إلا ما أشار إليه القرآن المجيد والأحاديث الشريفة.

وحديثنا هنا حول الملائكة، وقد قلنا أن أجسام الملائكة نورانية إلهية خيرة.

ومعلوم أن أجسام بني آدم من تراب، وأجسام الجن من لهيب النار کما ورد في الآيات البينات، وأما الملائكة فهي نورانية.

ومن الآيات القرآنية ثبت وجوب الإيمان بالملائكة، ومن هذه الآيات قوله سبحانه«آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ


1) الصافات، الآية 164.

2) راجع ریاض السالكين ج 2 ص 9، شرح الصحيفة السجاديةالدعاء3.

مَلَائِكَتِهِ..»(1).

وقد ورد الايمان بالملائكة في الأحادیث کما ورد في الروايات، ومنها ما روي عن النبي صلی الله علیه واله حين سئل عن الإيمان أنه قال صلی الله علیه واله : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله(2).

من هنا ندرك أن الإيمان بالملائكة يتضمن معاني عدة، منها التصديق بوجودهم لأن حكم العقل السليم عندما يلزم بالإيمان بشيء لا بد وأن يكون ذلك موجوداً وإلا لا يصح الإيمان بمالا وجود له.

والإيمان بالملائكة مقرون بالإيمان بالله ورسله وكتبه التي جاء بها الأنبياءعليهم الصلاة والسلام.

وأما تفاصيل حقيقة الملائكة فليس مطلوباً بالدقة، بل يكفي الإيمان بهم أنهم مخلوقون بقدرة رب العالمين، وأنهم مكلفون بأنواع من الطاعة والعبادة، وأنهم عباد مکرمون ولهم شأنیات خاصة.

الفرق بين الملائكة وغيرهم

هناك جوانب متقاربة بين المخلوقات وأخرى مختلفة، ومما تختلف به المخلوقات:

أولاً: أن الملائكة ليسوا بذکور ولا إناث، ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون.


1) البقرة 285.

2) کتاب سلیم بن قیس ج 2 ص613.

ثانياً: أن الجن يتوالدون ويموتون، وفيهم ذكور وإناث.

ثالثاً: أن الشياطين ذكور وإناث ويتوالدون، ولا يموتون حتى يموت إبليس(1).

وقد ورد ذكر الملائكة في كثير من الآيات والأدعية، ومن ذلك دعاء خاص بهم في الصحيفة السجادية فيه أوصاف لهم تتضمن الكثير من المعاني والأبعاد التي تعجز عقولنا عن إدراكها، نذكر بعضاً منها لعل أجيالاً تأتي تدرك ذلك، منها ما قاله علي بن الحسين عليهما السلام: اللهم وحمله عرشك الذين لا يفترون من تسبیحک، ولا يسأمون من تقديسك(2).

وقفة عاجز عند حروف العرش

كثيراً ما نقرأ آية أو رواية فنحملها على مقدار ادراكنا القاصر، أو نفسرها بما ألفته أذهاننا من المحسوسات، ولكن تبقى الحقيقة عند الذين اختارهم الله سبحانه لحمل دينه، وهم أهل بيت العصمة ومعدن الرسالة عليهم السلام ، وهم الذين لا يقاس بهم أحد.

ولاية أهل البيت مؤكدة في الميثاق

عندما يتدبر أولو الألباب في هذه الحياةيدركون أن الله تعالى أراد ابداع هذا الخلق، وأراد سبحانه منهم التعبد له.


1) راجع ریاض الصالحين ج2 ص11، عن ربيع الابرار للزمخشري، النسخة المخطوطة ص 23، باب الملائكة.

2) الدعاء الثالث من الصحيفة السجادية للإمام زین العابدین علیه السلام.

فكان هذا الكون وما فيه، وجعل هذه الأرض وما عليها، وخلق خلقاً كثيراً، ومیز بني آدم عن بقية المخلوقات، وخص آدم عليه السلام بكثير عن بقية ما في الأرض.

وقد أخذ العهود والمواثيق على آدم وذريته، فمن أعظم تلك العهود والمواثيق الإقرار لله بالوحدانية، وللنبي صلی الله علیه واله وآله بالنبوة.

وهذه المعاني من المسلمات عند أهل التحقيق، فالنبي صلی الله علیه واله هو الهادي والمنذر والمعلم والشاهد على الخلائق.

فقد أنذرصلی الله علیه واله العباد، وبقيت مهمة الهداية لأهل كل زمان على هذه الأرض، فكان الإمام علي علیه السلام هو الهادي: «وَ لِكُلِّ قَومٍ هاد» .

وكانت السلسلة الذهبية، واستمر سر الهداية من إمام لآخر، ومعلوم أن الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف هو الحامل لهذه الأسرار، وهو الذي يملأ هذه الأرض قسطاً وعدلاً بمشيئة الله سبحانه(1).

في القرآن مخازن الأسرار

عندما نرسم بعض الحروف من كلمات وأسرار، ونور وغیب وهداية وما شابه، نقصد بها ما جاء في القرآن من آیات بینات، ومثل هذه الآيات لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، وهم النبي صلی الله علیه واله والأئمة علیهم السلام ، فلا يتوهم أحدأنه يوجد أسرار بغير القرآن الكريم.

وكل ما جاء من أحاديث على تنوعها ترجع معانيها إلى ما أشار إليه كلام


1) لسنا بصدد بيان ذلك هنا، وما ذكرناه بالعرض.

الله تعالى، حتى الأحاديث القدسية .

من هنا نؤمن ونجزم أن أسرار الكون وأنواره قد أودعها الله عند خاتم الأنبياء صلی الله علیه واله والأئمة من أهل بيت العصمة عليهم السلام.

توضيح ذلك بمقدار ادراكنا وفهمنا:

كل ما نزل إلى أهل الأرض من الأولين والآخرين عند سيد الكائنات وخاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله، وقد أودعه كله عند الأئمة المعصومين عليهم السلام ، بدءاً من علي بن أبي طالب علیه السلام إلى الحجة الغائب عجل الله تعالی فرجه الشریف، لأن المنزل اليه من كلام الله مشتمل على العلم بالله وصفاته وأفعاله و ملائكته وملكوته وقضائه وقدره وبداية الخلق ونهايته(1).

وما من علم حقيقي إلا وفي القرآن أصله وفرعه وبرهانه وتبيانه، ولكن على وجه الإجمال، وأما الكشف عن رموز آياته واسرار بيناته وتأويل متشابهاته وتبيين مجملاته فينحصر بمن هو أهل له ومستحق.. وهذا شأن الأوصياءعليهم السلام ، فلا بد في كل زمان من ولي قائم بحفظ القرآن عارف بر موزه وأسراره(2).

قال تعالى: «إِنَّما أَنتَ مُنذِر وَلِكُلِّ قَومٍ هاد ».

فالنبي صلی الله علیه واله هو المنذر، وعلي عليه السلام هو الهادي، ومن بعده الأئمة عليهم السلام .

فالمنذر واحد وهو النبي المرسل، وبعد الانذار تسير مسيرة الهداية، ولا بد أن تكون الهداية على نهج الإنذار، لأن الهداية نهج واحد وان تفاوتت مراتبها، فالخالق واحد والقرآن واحد والرسول صلی الله علیه واله واحد. وهو المنذر والمبلغ عن الله،


1) هذه العبارات الأخيرة متقبسة من التفسير لشرح الكافي للملا صدرا، ج 2 من ص610.

2) راجع شرح الكافي ج 2 ص 611 لصدر المتألهين.

ولكن تبقى الهداية لكل جيل ولكل قوم.

من هنا ندرك سر البقاء لرسالة سيد الأنبياء صلی الله علیه واله ، فلا بد بحكم العقل المرتكز على أحكام الشرع من استمرار الهادي للأمة وللبشرية في كل زمان ومكان.

وعندما نحاول التعرف على نوع من سيرة وأسرار الحسين علیه السلام ، نجد لهذه السيرة خصوصيات مميزة، فلم يزل يترشح من أسرار سيرة الحسين ما ليس فيه خفاء في كل جوانب الحياة وفي كل زمان ومكان..

هذه السيرةالتي أجمع على واقعها واستمرار بقائها بكل أبعاد الحياة جميع العقلاء على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وأجناسهم، لهي نوع من أسرار هذه الواقعة التي ليس على وجه الأرض لها من مثيل.. وخصوصاً عندما نستكشف أن حب الحسين عليه السلام داخل في جميع القلوب، وكأن العهد في عالم الذرمأخوذ فيه سر الحسين، وهذا ما يثبته الوجدان قبل أدلة البرهان .

استمرار الهداية

يرتكز استمرار كل شيء في هذا الوجود على ركائز ثابتة وأسباب عديدة، ومنها الهداية للإنسان، فقد اهتدى الإنسان على هذه الأرض إلى الحقائق بواسطة الأنبياء عليهم السلام ، فكانت الرسالات والأنبياء يتبع بعضها بعضاً، حتى استقرت بآخر رسالة من السماء وبخاتم الأنبياء سلام الله عليه وعلى آله.

فالحسين عليه السلام قد اجتمعت فيه هداية ظاهرة وأسرار باطنة، فالأسرار الباطنة كلما تعاقبت الأزمان لاح منها ضياء للإنسان.

والهداية الظاهرة أنه قد اجتمع في الحسين عليه السلام ما لم يجتمع في غيره قط،

بدءاً من دائرة النسب ومروراً بالحدث العظيم في كربلاء.

فالبشرية لم تزل مدهوشة مما حدث في واقعة الطف، ولم نزل نحوم حول مفردات تلك الواقعة من يوم وقوعها حتى يومنا الحاضر.

فلم نتعرف على سر استمرار هدايتها بعد، وقد لا ندرك ذلك السر إلاعندما ينادي منادي السماء:«أَتي أَمرُ الله فَلا تَستَعجِلُوه»(1).

فإن الهداية المستمرة ترتكز على إدراك ومعرفة أسرار الحسين عليه السلام ، والسرلا يعرف إلابعدحصول الغاية .

فعندما نقرأ الكثير من وقائع القرآن المجيد لا نعرف أبعاده إلا بعد أن نصل إلى الحكمة والغاية، وهذا موجود بما لا حصرله.

من ذلك قصة الخضر عليه السلام من خرق السفينة وقتل الولد وعمارة الحائط ..

فقبل بيان الحكمة والغرض يبقى العقل البشري حائراً، ولكن بعد البيان ندرك وضوح الحكمة والغاية.

وفي أسرار الآيات والأحاديث الشريفة الكثير من ذلك(2).

فلو أن هذه البشرية اهتدت تماماً بنور خير البرية لما وقعت مصيبة كربلاء.

لذلك يمكن القول أن استمرار الهداية الى يوم القيامة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بجوانب مهمة من أسرار واقعة الحسين عليه السلام في كربلاء.


1) هذا النداء يقع عند ظهور صاحب الأمرعجل الله تعالی فرجه الشریف: یا لثارات الحسين.

2) ولذا قيل: أن صاحب العصر والزمان كأنه يأتي بدين جديد، ولكن الواقع أنه نفس هذا الدين ونفس هذا القرآن ونفس هذه الشريعة.

وإلا فما هو معنى الأخذ والميثاق على الأولين والآخرين بما يتعلق بالحسين عليه السلام ، فكأنه نقطة الربط بين الماضي والمستقبل إلى يوم الدين .

وهنا ينطبق أن الحسين مصباح الهدی و سفينة النجاة.

إشارة إلى العلوم اللدنية

لقد تقدم ضمن حديث طويل حول الحسين عليه السلام : كان إماماً قبل أن يخلق(1).. وقرأ الوحي قبل أن ينطق .. وفي حديث آخر: كان فقيهاً قبل أن يخلق(2).

العلم علمان: علم كسبي لعامة الناس، وعلم لدني من الواهب سبحانه،یهبه الله لمن كان مؤهلاً لحمله، حتى وان كان في عالم الأنوار.

فالحسين عليه السلام كان إماماً من قبل تعلق روحه النورانية بالجسد المطهر في هذه الدنيا، فروحه عالمة وهو بذاك العالم النوراني.

ولذا امتاز الأنبياء والأولياء عن بقية المخلوقات .

وقد كان بدؤهم أنواراً محدقين بعرش رب العالمين، فهم الأنوارالذين تعلمت منهم الملائكة التسبيح والتهليل، فكانت أرواحهم معلمة للملائكة، وهذا يدل أن هذه الأرواح كانت عالم بالعلم اللدني(3).

علم وأسرار

عندما نبحث في ميزات هذا الوجود نجد أن أعظم ما فيه هو العلم، والعلم


1) البحار ج 44 ص 176.

2) الكافي ج 1 ص 302.

3) البحار ج 4 ص 179.

مبكل أبعاده مختص بالإنسان، وقد دل على هذا الاختصاص العقل والنقل. فبالعلم تكشف الاسرار، وعليه قام الوجود، وبالعلم عرف المعبود.

فعندما نحاول التعرف على بعض جوانب الأسرار نجد أنفسنا أمام بحار لا حدود لها، لذلك نأخذ تارة من هنا ونقطف تارة من هناك، ولكن تبقى حقائق الأسرار تلمع على صفحات الأفكار.

ولما لم يكن هناك شيء افضل من العلم، خص الله أول مخلوق بدأه من بني البشر بالعلم،«وعَلَّمَ آدَمَ الأَسماء..»وإكراماً لشأن العلم أسجد له الملائكة.

ولسنا بحاجة للدلالة على هذه الأفضلية للعلم، لأننا إذا أردنا أن نستدل على أمرٍ ما نستدل عليه بنور العلم.

فالنور لا يحتاج إلى دليل فهو دال بذاته على ذاته، ولكن يبقى السؤال: من هو القادر على حمل العلم والأسرار؟

دفع وهم

نتوهم في هذه الحياة أن لدينا علماً، فقد نحسن تركيب الحروف، وقد نقدرعلى سبك العبارات، وقد نجعل مقارنة بين مراحل الطفولة والرجولة، ونقيس أنفسنا على هذه المراحل، لكن هذا ليس من حقائق العلم، بل هو اکتساب بالتجربة والتكرار، وهذا يرجع إلى مقدار سلامة الفطرة، ومقدار المحافظة عليها،أما العلم الحقيقي فهو فوق كل هذا!

إن العلم الحقيقي ما كان قبل التجربة والتكرار، وهو ما قاله الرسول المختارصلی الله علیه واله في جواب حذيفة اليماني عندما أخبر الحسين علیه السلام حذيفة بقتله، فكان جواب النبي صلی الله علیه واله : علمي علمه، وعلمه علمي، فإنا نعلم بالكائن قبل

کینونته(1). ولم يكن عدد سني الحسين عليه السلام ذلك الوقت متجاوزاً للخمسة..

وقد يحاول البعض الأخذ والرد في مثل هذا الحديث على طريقة المباحث الأصولية، أو التشكيك بالأسانید.. فنقول: ليس من مجال هنا للمناظرة.. إذا يمكن القول بأن ما هو ثابت لدى المنصفين أن أول ما خلق الله نور محمد وآله صلوات الله عليهم، فمن ثبت لديه ذلك نقول له: هذا النور وهذه الأسرار بقیت مستمرة واجتمعت بالحسين عليه السلام، فكان علمه علم الرسول صلی الله علیه واله ، ونوره نفس النور.

ويكفي هذالمن كان له قلب سليم وفکر غیر سقيم.

من هنا يتحقق من هم الذين عندهم القابلية والقدرة والصيانة لعلم الله ونوره واسراره.

فعندما نقرأ الحديث أن الحسين عليه السلام كان إماماً قبل أن يخلق وقرأ الوحي قبل أن ينطق(2)، عندئذ يمكن أن ندرك شيئاً من العلم الحقيقي، ومن الأسرار التي تظهر للعيان والأفكار.

هذه الاشارات لذوي الأفهام تشير إلى أبواب العلم ومصادره .

والحديث المتقدم في أوائل البحث أن الرسول صلی الله علیه واله خاطب الحسين عليه السلام:

يا زين السماوات والأرضين (3).

وفي هذا الحديث: وإن الله عز وجل ركب في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية .


1) تقدم الحديث عن البحار ج 44 ص 185.

2) راجع البحار ج 44 ص 179.

3) من حديث طويل في الحار ج 91 ص 184 باب 35.

بهذه المواهب التي خص الله بها الحسين علیه السلام كان إماماً وفقيهاً ونال أسراراًقادراً على حملها بعلم الله تعالى.

وقفة وعودة للعلم

العلم الحقيقي من النور الإلهي، والإنسان هو المؤهل لحمله، قال تعالى:«أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ»(1).

ولا يقدر كل إنسان على حمل هذا النور، ولا يتمكن كل أحد من التخلي عن شهوات هذه الدنيا، حتى وإن كان يرغب بذلك بقرارة نفسه، فالكثير منا مقيد بحبائل زخارف هذه الدنيا .. ومن هنا تتفاوت مراتب الحاملين، حتى عند المؤمنين.

فقد قرأنا الكثير عن الذين مروا في هذه الدنيا على اختلاف الأزمنة والدهور، فلم نجد من الناحية العملية أحداً قد وقف فعلاً مثل لحسين عليه السلام ، ولسان حاله:

تركت الخلق طراً في هواك *** وأيتمت العيال لكي أراك

فلو قطعتني بالحب إرباً ** لما مال الفؤاد إلى سواك

فعندما نقرأ عن الحسين عليه السلام وهو في عالم الأنوار أو في مهد الطفولة يناغيه جبرائیل علیه السلام، أو عندما يغذيه الرسول الأعظم صلی الله علیه واله من ابهامه(2)، أو نقرأ بكل


1) الزمر آية 22.

2) بحار الأنوار ج 44 ص 233: يؤتى بالحسين لجده صلی الله علیه واله فيضع ابهامه في فيه فيمص منها ما يكفيه لثلاثة أيام..

سيرته فلا نجد له مثيلاً..

وهذا وشبهه ليس من باب المديح أو عاطفة الحب، بل من باب الواقع العملي، ومن باب المحاولة لإضاءة القلوب والعقول، وتطهير النفوس بضياء نور الحسين عليه السلام ، بل لعلنا نقف على خيط علم من أسراره.

فيا حبذا لو سعينا لقراءة سيرة الحسين عليه السلام بحروف أنواره، فلا نضل أبداً، لأنه من لم يحسن القراءة لا يخفى عليه مشاهدة الأنوار.

ويا حبذا لو فتحنا بصائرنا على تلك الأنوار لكنا اهتدينا إلى سفينة النجاة الراسية على ضفاف ميناء الحياة، بدءاً من عوالم الأنوار في السماء .. مروراً على رمال كربلاء..

من هنا يحسن القول أنه ليس في العالمين مثيل للحسين عليه السلام بكل الأبعاد..

فقد حاز علیه السلام الفضائل الإنسانية بكل جوانبها، بل خصه الله بمزايا لم يجزها أحد من المخلوقات بعد جده وابيه سواه.

وقد ألمحنا فيما سبق أن نجاة وصلاح انسانية الانسان مرتبطة بأنوار الحسين علیه السلام ، حتى عندما يأمر الله سبحانه بإصلاح البشرية يكون الشعار: یا لثارات الحسين.

وقفة:

للعلم تأثير على النفوس، وهو النور الساطع على كل ما في الأكوان، من ملکٍ و ملکوت وأجسام ونفوس.

وتارة نقرأ عن الحسين عليه السلام بالحروف والكلمات، وتارة بالمناسبات، وطوراً نعرفه بأنه إمام الأرض والسماوات..

مصيبة الحسين عند السابقين

عندما نحاول رسم كلمات عن أسرار الحسين عليه السلام نجد أنفسنا في أعماق وجود لا نعرف له ابتداء، لذا نأخذ من هنا حرفاً ومن هناك حروفاً، وقد لا نحسن التعرف على معاني كثير من هذه الحروف والكلمات.

فعندما نقرأ ما وصل إلينا عبر الأزمان البعيدة نجد ومضات وإشعاعات ورموزٍ تشير إلى أنوار وأسرار الحسين عليه السلام من بدء الخليقة إلى ما بعد القيامة.

ومن خلال هذا وذاك يلوح كأنه قطب الرحى في عوالم الأكوان.

ومن المعلوم أن حياة الإنسان على هذه الأرض بدأت من آدم عليه السلام ، وعندما نقرأ القرآن المجيد نجد آيات عديدة تتحدث عن مسيرة آدم عليه السلام على هذه الأرض(1)، و آیات تشير إلى ما قبل ذلك، وآيات فيها خطاب للملائكة عليهم السلام ، وهناك آيات فيها تفصيل و آیات مجملة.

ولسنا هنا بصدد بيان ذلك، إنما نحاول التعرف حول مدى ارتباط مصيبة الحسين علیه السلام بالأنبياء السابقين على هذه الأرض التي بدأت مسيرة حياة الإنسان عليها.

وهنا نقرأ مطلع قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً...»(2).


1) يحسن مراجعة الآيات حول ذلك ومنها قوله تعالى :«وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ»[البقرة : 30]

2) البقرة 30.

ومن هنا بدأ التعرف والارتباط بين الملائكة المقربين وبين آدم وذريته، وبعد هذه المرحلة في السماء بدأت مسيرة الإنسان على هذه الأرض، وهي منصة الامتحانات، ومعترك البليات، وفيها تفوز النفوس الصالحات .

وقفة وتنبيه:

لقد أسجد الله لآدم الملائكة بعد أن صنع بدنه من ذرات التراب ونفخ فيه وأصبح قابلاً للتعليم ثم علمه الأسماء، قال سبحانه: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا»(1)، وقال تعالى: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا »(2).

وقد أصبح هذا الإنسان المصنوع من التراب بالتعلم مخاطباً ومناجياً رب الأرباب، وقد سكن الجنة ابتداءً ثم أهبط إلى هذه الأرض.

الفارق الكبير بين موقفين لآدم

الموقف الأول: «قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ»(3).

الموقف الثاني: «وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ»(4).

ولسنا بصدد تفسير أو بيان هذه الآيات، إنها بمثابة التمهيد لوصول آدم إلى


1) البقرة: 31.

2) البقرة: 34.

3) البقرة : 33.

4) البقرة : 36.

هذه الأرض، حيث ابتداء المسيرة لغاية الإنسان الكبيرة(1).

وتشير الآيات إلى أن تلقي آدم ابتداء في المرحلة الأولى أي في السماء كان من قبیل: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ »(2)، أما بعد هبوطه إلى الأرض فتشير الآيات النمط جديد: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ»(3).

ابتداء مسيرة الحسين مع آدم عليهما السلام

وأول بكاء لآدم و جبرائیل على الحسين عليهم السلام .

عندما نحاول التعرف على بعض أسرار الحسين علیه السلام نجد أخبار هذه الأسرار منذ ابتداء الخلقة، وعندما نتجاوز عوالم الأنوار نقف عند ابتداء آدم علیه السلام على هذه الأرض.

روی صاحب الدر الثمين في تفسير قوله تعالى : «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ»(4).

وقد وردت تفاسير عدة حول هذه الآيات، ومن الأحاديث حول ذلك ما ورد حول آدم عليه السلام : أنه رأى ساق العرش وأسماء النبي والأئمة علیهم السلام فلقنه جبرئيل: قل: يا حميد بحق محمد يا عالي بحق علی یا فاطر بحق فاطمة يا محسن بحق الحسن والحسين ومنك الإحسا، فلما ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع


1) يحسن مراجعة بحثنا: الإنسان من تراب، وهو بحث مستقل (مخطوط).

2) البقرة 31.

3) البقرة 37.

4) البقرة 37، وهذه الكلمات هي أسماء : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام، راجع بحار الأنوار ج 25 ص 5 حدیث 7.

قلبه، وقال : يا أخي جبرئيل في ذكر الخامس ينکسر قلبي وتسیل عبرتي .

قال : جبرئيل ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب.

فقال: يا أخي وما هي؟

قال: يقتل عطشاناً غريباً وحيداً فريداً ليس له ناصر ولا معين ولو تراه یا آدم وهو يقول وا عطشاه وا قلة ناصراه حتى يحول العطش بينه وبين السماء کالدخان فلم يجبه أحد إلا بالسیوف وشرب الحتوف فیذبح ذبح الشاة من قفاه وينهب رحله أعداؤه وتشهر رءوسهم هو وأنصاره في البلدان ومعهم النسوان كذلك سبق في علم الواحد المان فبکی آدم جبرئيل بكاء الثكلى(1).

وقفة:

كنت أتصور أن سيرة الحسين علیه السلام تبدأ من زمن ولادته وابتداء الرسالة الإسلامية على يد جده صلی الله علیه واله، وكلما كنت أحاول أن أتقدم خطوة إلى الأمام أجد أن سيرة الحسين عليه السلام قد بدأت منذ بدء الخليقة في عوالم الحجب والأنوار، ونجد أن الله سبحانه قد عرف الرسل والأنبياء عليهم السلام بما يجري على الحسين علیه السلام في واقعةکربلاء.

وقد بکی هؤلاء الأنبياء عليهم السلام الحسين عليه السلام قبل وقوع الحدث، بدءً من آدم عند هبوطه على الأرض، ومروراً بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام(2).

وهذه المحاولة حول هذه السيرة هي نقطة من بحر لا حدود لإدراكه، وما هي إلا إشارات لذوي الألباب من الأجيال القادمة التي لم تزل في عوالم الغيب


1) بحار الأنوار ج 4 ص 245.

2) يحسن مراجعة الكتب والأحاديث القديمة ومنها الرجوع إلى بحار الأنوار ومصادره.

في أصلاب الرجال وأرحام الأمهات، بل هي في الخلايا في أسرار الجينات، يخرجها الله من جيل إلى جيل، وهي متدرجة في عوالم المغيبات تحمل أسراراً من الأمانات التي أودعها الله سبحانه في ذرات التراب عندما خلق تعالى آدم من صلصال ونفخ فيه من روحه(1).

الداء والدواء

الحسد هو الداء، وترك التفاضل هو الدواء!

عندما نحاول البحث في أعماق الإنسان نجده قطب الرحى، ونجد أنه يتصف داخلياً بالمتناقضات، ويمتلك الداء والدواء في ذاته وأعماق حياته، وعند البحث والتدقيق نجد الإنسان أرفع من الملائكة من جانب، وأنه يهوي من جانب آخر إلى الحضيض!

ويظهر أن ذلك مرتبط بذرات التراب، فأي جانب غلب في الإنسان تحكم في سيره ومسيرة حياته، ومن هنا كان الصراع في الداخل، ونسبة التفاوت بين الخير والشر داخل الإنسان لا حدود لها.

وعندما يتحكم الحسد تماماً تخمد شعلة الخير في داخله.

ورد في عيون أخبار الرضا باسناده إلى عبد السلام بن صالح الهروي: قال: قلت للرضا عليه السلام : يا بن رسول الله، أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء ما كانت؟ فقد اختلف الناس فيها، فمنهم من يروي انها الحنطة، ومنهم من يروي أنها العنب، ومنهم من يروي أنها شجرة الحسد.


1) راجع بحثنا حول خلق الإنسان من تراب وفيه نوع من التفصيل والأدلة القرآنية .

فقال عليه السلام : کل ذلك حق.

قلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها؟

فقال: يا أبا الصلت إن شجرة الجنة تحمل أنواعاً فكانت شجرة الحنطة وفيها عنب وليست کشجرة الدنيا وإن آدم علیه السلام لما أكرمه الله تعالى ذكره بإسجاد ملائكته، وبإدخاله الجنة، قال في نفسه: هل خلق الله بشراً أفضل مئي ؟

فعلم الله عزوجل ما وقع في نفسه فناداه: ارفع رأسک یا آدم وانظر إلى ساق العرش.

فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلی الله علیه واله، وعلي بن أبي طالب علیه السلام أمير المؤمنين وزوجته فاطمة سيده نساء العالمين والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

فقال آدم عليه السلام : يا رب من هؤلاء؟

فقال عزوجل: هؤلاء من ذریتک وهم خیر منك ومن جميع خلقي ولو لا هم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجک عن جواري.

فنظر إليهم بعين الحسد وتمنی منزلتهم.

فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها وتسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة عليهما السلام بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة کما أكل آدم علیه السلام .

فأخرجهما الله عز وجل عن جنته فاهبطهما عن جواره إلى الأرض(1).

نقول: بغض النظر عن المعاني الكثيرة، يكفي أن داء الحسد و خدع الشيطان يجريان في الخلايا وفي مجاري الدم في العروق.

فمن لم يتنبه ويحذر يقع بالحبائل والشباك، لذلك لا بد من اليقظة في مسيرة الحياة، وتجنب التفاضل والتحاسد، والتعلق بقوة بولاية النبي صلی الله علیه واله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام ، والإبحار في سفينة الحسين عليه السلام وهي الأوسع والأسرع.

فإن آدم عندما أهبط إلى الأرض توسل إلى الله تعالى بهم، وهم الكلمات التي تلقاها فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (2).

ومما توسل به آدم علیه السلام بعد هبوطه إلى الأرض وعلمه إياه جبرائيل قوله:


1) عيون أخبار الرضا ج 1 ص 274، ولا بد من توجيه الحديث بما لا يتنافى مع عصمته علیه السلام، وفي ذلك وجوه ذكر بعضها المجلسي رحمه الله ومنها قوله: المراد بالحسد الغبطة التي لم تكن تنبغي له علیه السلام ، و يؤيده قوله عليه السلام : و تمنی منزلتهم (بحار الأنوار ج 11 ص165)، وقوله: لا يتوهم أن آدم ع صار بتمني منزلتهم من الظالمين المدعين لمنزلتهم على الحقيقة حتى يستحق بذلك أليم النكال فإن في عده من الظالمين في هذا الخبر نوعا من التجوز (بحار الأنوار ج 11 ص 175)، وقوله: لعل المراد بنظر الحسد تمني أحوالهم و الوصول إلى منازلهم و كان ذلك منهما ترك الأولى لأنه مع العلم بأن الله تعالى فضلهم عليهما كان ينبغي لهما أن يكونا في مقام الرضا والتسليم وأن لا يتمنيا درجاتهم صلوات الله عليهم (بحار الأنوار ج 26 ص 273)، أو أي وجه آخر ينسجم مع القول بعصمة الأنبياء عليهم السلام لابتنائها على أدلة قطعية.

2) راجع الآية 37 من سورة البقرة، وبحار الأنوار ج 25 ص 5 وما بعدها حدیث 8 حول ابتداء خلقهم عليهم السلام ، وهو بحث مهم جداً.

سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى حمدك (جدك)(1)، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي، فاغفرلي، انه لا يغفر الذنوب إلا أنت..

اللهم بجاه محمد وآله الطيبين، بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم، لما تفضلت علي بقبول توبتي وغفران زلتي واعادتي من کراماتك إلى مرتبتي(2).

وعندما نبحث نجد توسلاً لجميع الأنبياء والرسل بأهل البيت علیهم السلام .

وليس الأمر مقصوراً على بكاء آدم ونوح عليك علىهما السلام الحسين عليه السلام .

وفي قصة السفينة التي نجا فيها نوح ومن معه الكثير، ومن ذلك أنه عندما تم صنعها وأنزلت المسامير لنوح وسمي له مسمار باسم الحسين عليه السلام فزهر وأنار وأظهر النداوة فقال نوح عليها السلام : يا جبرئيل ما هذه النداوة؟

فقال " هذا الدم، فذكر قصة الحسين علیه السلام وما تعمل الأمة به فلعن الله قاتله و ظالمه و خاذله (3).

فإنا نجد أن سيرة الحسين عليه السلام قد ذكرت في كل العوالم، وعند كل الخلائق،وعند جميع الأنبياء، فكأنها روح للحياة تسري في الوجود؟

الوجود سر وغيب

عندما نحاول التعرف على مسيرة أسرار الحسين عليه السلام نجد في أعماق


1) من قوله تعالى:«وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا»[الجن : 3] .

2) تفسیر کنز الدقائق ج 1 ص 374.

3) بحار الأنوار ج 33 ص 230، باختصار.

الوجود الظاهري ما هو أبعد من إدراكنا، حيث نجد أن أنوار محمد صلی الله علیه واله وآله عليهم السلام قد وجدت قبل إبداع الكائنات، ونجد أن الإنسان قد أخرج من كتمان العدم، وأنه من أسرار هذا الوجود.

ونتلمس المحسوسات بعد هبوط آدم عليه السلام إلى هذه الأرض، ثم ندرك ونؤمن بإرسال الأنبياء والرسل عليهم السلام وإظهار نبي بعد نبي، ورسول إثر رسول.

وتمتد مسيرة حياة الإنسان على هذه الأرض، ويتصارع في هذه المسيرة بنو البشر في إظهار مسیرین متعاكسين، يصح تسميتها بمسيرة خيرٍ ومسيرة شر، ولكل مسيرة أهل وأفراد وأمم وجماعات.

وتشتبه الأمور مع تعاقب الأزمان والأجيال بين ما هو حق حقيقي وما هو عكس ذلك، وإذا أردنا أن نبحث بتجرد موضوعي من أول ابتداء الإنسان أي من آدم عليه السلام لكل حلقات وسلسلة الأنبياء علیهم السلام، نجد أن للإنسان محطات ومنعطفات في ثنايا مسيرة الحياة، ونجد لها نماذج على أرض الواقع، ومن أظهر وأبرز النماذج وجود الأنبياء والرسل عليهم السلام .

ونجد أن للحسين عليه السلام خصوصیات عند الأنبياء والرسل عليهم السلام منذ ابتداء مسيرة هؤلاء، وهذا يستدعي من العقلاء البحث والتنقيب في كل أعماق الوجود عن سر هذه الخصوصيات التي لم نجدها بكل جوانبها عند أحد غيره علیه السلام.

من هنا يمكن القول أن إظهار مثل هذه الأسرار للحسين علیه السلام قبل حدوث ما حدث أمر لا بد من التوقف عنده بتدبر وإدراك من العقلاء .

ونجد في سيرة آدم عليه السلام نماذج وعهود للحسين عليه السلام ، وما يشبه ذلك عند نوح علیه السلام ، وكذلك عند خليل الرحمان النبي إبراهيم علیه السلام ، بل نجد عند حلقة

الأنبياء جميعاً مثل ذلك، مع تباعد الأزمان والدهور، واختلاف الأمم والشعوب، ونجد أن هذا الغيب وهذه الأسرار قد ظهرت فعلاً وواقعاً على أرض كربلاء

وهنا تعجز الأفهام وعقول الأنام عن إدراك حقيقة هذا السر الذي حصل ووقع فعلاً(1).

وقفة مع آية الذبح العظيم

وردت آیات بینات حول أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام، ومنها آية ذبح الكبش عن ولده إسماعيل علیهما السلام:(2)«وَفَدَیناَهُ بِذِبحٍ عَظِیمٍ »(3).

عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: لما أمر الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنى إبراهيم عليه السلام أن يكون يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بيده وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مکانه ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده بیده فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب.

فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم من أحب خلقي إليك؟

قال: یا رب ما خلقت خلقاً هو أحب إلي من حبيبك محمد صلی الله علیه واله.

فأوحى الله عزوجل إليه: يا إبراهيم أفهو أحب إليك أو نفسك؟


1) ملاحظة: لا أريد أن أعقب على الذين لم يعرفوا الحسين علیه السلام حتى الآن !

2) راجع بحار الأنوار ج 44 ص 125.

3) الصافات : 107.

قال: بل هو أحب إلي من نفسي.

قال: فولده أحب إليك أو ولدك؟

قال: بل ولده.

قال: فذبح ولده ظلماً على أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟

قال : يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي.

قال: يا إبراهيم فإن طائفة تزعم أنها من أمة محمد صلی الله علیه واله ستقتل الحسين عليه السلام ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يذبح الكبش فیستوجبون بذلك سخطي.

فجزع إبراهيم علیه السلام لذلك وتوجع قلبه وأقبل يبكي(1)، فأوحى الله عزوجل إليه: يا إبراهيم قد فدیت جزعک على ابنک إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين عليه السلام وقتله وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب.

فذلك قول الله عز وجل «و فَدَیناهُ بِذِبحٍ عَظِیمٍ»ولا حول ولا قوة إلا بالله(2).

من خصوصيات الحسين: العبرة

وهذه الخصوصية سارية من الزمن الأول إلى يوم القيامة، وأخذ العبرة


1) من بكاه الأنبياء قبل حدوث المصاب، ألا ينبغي أن نبكيه بعد کربلاء ؟! ولكن ؟!

2) عیون أخبار الرضا ج1 ص 187.

متفاوت عند أهل الإيمان، فكل يأخذ منها ما يكون له تأثير في مسيرة حياته، وهذا حاصل لا يحتاج إلى برهان، بل يكفي ما يحسه الشعور الذاتي والوجدان.

وعندما نحاول التنقيب في أزمنة ما قبل حدوث عبرة الواقع على أرض کربلاء نجد ذلك عند جميع الأنبياء عليهم السلام ، وقد تقدمت الإشارة إلى بكاء آدم علیه السلام ، وإلى ما حصل مع نوح عليه السلام ، وإلى ما تمناه خليل الرحمان حول ذبح ولده علیهما السلام، وهنا نشير إلى عبد الله زکریا علیه السلام من تأويل بعض الحروف القرآنية.

عن سعد بن عبد الله حينما سأل القائم علیه السلام فقال: أخبرني عن تأویل

«کھیعص» .

قال: هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع الله عليها عبده زکریا ثم قصحا على محمد صلی الله علیه واله وذلك أن زکریا علیه السلام سأل ربه أن يعلمه الأسماء الخمسة فأهبط علیه جبرئیل فعلمه إياها فكان زكریا إذا ذکر محمداً وعلياً وفاطمة والحسن سری عنه همه وانجلى کربه وإذا ذكر اسم الحسين عليه السلام خنقته العبرة ووقعت عليه

البهرة.

فقال ذات يوم: إلهي ما بالي إذا ذکرت أربعاً منهم تسليت بأسمائهم من همومي وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي؟

فانباء الله تبارك وتعالى عن قصته فقال «کهیعص»فالكاف اسم کربلاء، والهاء هلاک العترة، والياء يزيد وهو ظالم الحسين، والعين عطشه والصاد صبره .

فلما سمع بذلك زکریا علیه السلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيام ومنع فيهن الناس من الدخول عليه وأقبل على البكاء والنحيب وكان يرثیه:

إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده؟

إلهي أتنزل بلوى هذه الرزیة بفنانيه؟

إلهي أتلبس علياً وفاطمة ثوب هذه المصيبة؟

إلهي تحل کربة هذه المصيبة بساحتهما.

ثم كان يقول:

إلهي ارزقني ولداً تقر به عيني على الكبر فإذا رزقتنيه قافتني بحبه ثم افجعني به کما تفجع محمداً حبيبک بولده .

فرزقه الله یحیی وفجعه به وکان حمل يحيى ستة أشهر وحمل الحسین كذلك(1).

وقفة عاجز عند الخصوصيات

مما لا شك فيه أن كل كائن من الكائنات يتفرد بخصوصیات معينة، وخصوصيات الكائنات الحية هي أرفع الخصوصيات عموماً، ومن أبرزها ما في الإنسان، وعندما نحاول البحث فيما يتعلق بالإنسان نجد الكثير من التفاضل بين فرد وآخر.

وفي هذا حكمة بالغة من الخالق سبحانه، فعندما نتدبر هذه الحقيقة من الحكمة في تكوين وتخصيص الإنسان نجد أن العجز يلف إدراكنا، فيبقى علينا التسليم لما هو واقع فعلاً، وعندئذ نحاول البحث والتنقيب لمعرفة بعض الخصائص، ولهذه المعرفة آثار على مسيرة حياتنا، بل هي مفتاح لسعادة وجودنا.

وفي محاولة بحثنا حول أسرار وخصوصيات الحسين علیه السلام نجد أنفسنا أننا


1) الاحتجاج ج 2 ص 463 - 464.

أمام مسافة بعيدة عن الوصول لحقائق تلك الأسرار وضياء الخصوصيات من تلك الأنوار.

نظرة خاصة

لقد ألفت أذهاننا بل وعقولنا الخوض في حروف الألفاظ، مع العلم أنهاإشارات وقوالب للمعاني، ولا يقاس اللفظ بالمعنى وإن كان دالاً عليه.

وعندما نقرأ سيرة الإنسان من ابتداء تكوينه وهبوطه إلى هذه الأرض التي تعد من الكواكب الصغيرة نسبياً، فما هي إلا مقدار ضوء صغير لما هو موجود من کواکب و کائنات، والإنسان بالنسبة لها من حيث الحجم كنقطة صغيرة لا تراها العين المجردة، ومع ذلك نجد أن للإنسان خصوصیات ظاهرة نعجز عن الإحاطة بها، فكيف بها وراء الظواهر (1)؟

وعندما بدأ الإنسان مسيرة حياته على هذه الأرض الممزوجة كان ذلك في فردین بالعدد، أي زوج من حيث اللفظ وهو مؤلف من آدم وحواء، لكن تكمن في ذرات وخلايا وجينات هذه الزوجية ما لا حصر له من الأسراروالخصوصيات الظاهرة والباطنة، والنماذج الكونية.

الغاية

خص الله الإنسان الذي عجنت طينته من كل نماذج الكائنات بصنعة مميزة، وحمل ما لا تحمله السماوات والأرضون، وأمر بتكاليف تعود بالنفع عليه، وكلما تعاقبت الأزمان يجنح هذا الإنسان إلى عكس ما خلق له، ويتنكب عما أمر به .


1) وليس على الله بمنكر* أن يجمع العالم في واحد.

فأرسلت العناية الإلهية الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين لإصلاحه، حتى ختمت النبوات بسيد الكائنات صلی الله علیه واله وآله علیهم السلام ، ومع ذلك كله فقد بقي الإنحراف والجاهلية معشعشاً في زوايا القلوب المظلمة، والنفوس المنحرفة، حتى انتهى المطاف إلى الطرف الأخير من أنوار الألطاف من أهل الكساء، وإذ بالجاهلية الجهلاء تحكم قبضتها لإطفاء هذا النور الممتد منذ ابتداء المخلوقات مروراً بالحجب والسماوات إلى ظهوره على هذه الأرض، التي تئن من المعاصي والانحرافات على ظهرها من الجهل والجهلاء!

وقفة عند لمعة الضياء

عندما نقرأ مسيرة التاريخ بكل ما فيه وبكل بتفاصله على هذه الأرض، نجد بالدليل والوجدان أنه لم تبق رسالة لتأتي من السماء لأهل الأرض، ولم يبق مجال لإرسال نبي أو رسول، فقد اكتملت الرسالات وختمت، وبقيت الجاهلية تسعى جاهدة في إطفاء النور.

من هنا يمكننا_ولو بالألفاظ _التعبير أن أنوار الرسالات التي اندكت تحت ضيائها أسرار الكائنات لم تظهر جلية لكل المخلوقات من الجانب الفعلي، وهذا ما ينبغي ويستدعي أن نطرق باب الأسرار التي تجمعت عند الحسين علیه السلام بكل معانيها وأبعادها، حيث لم يبق حامل لها سواه.

ومهما أردنا أن نفلسف الأمور والأحداث، أو نتخيل من هنا أو هناك، أو نقيس كل هذه المسيرات على مقياس إدراكنا، فلا شك أن العجز يبقى لدينا سواء في الجانب المادي المحسوس، أو المعنوي الأبعد من الملموس.

ويبقى الحسين عليه السلام وحيد البشرية حاملاً لذلك الإرث الكبير والسر

الخفي.

ولا بد لنا إذا أردنا التعرف على الأولين وعلى ما يجري على الآخرين من التعلق بحبل من أنوار سفينة الحسين علیه السلام التي تمخر عباب أمواج بحور الحياة ،وإلا فالغرق حاصل لكل أبناء نوح الذين يلجؤون إلى تلة هنا أو جبل هناك ليعصمهم، حيث لا عاصم بعد اليوم إلا من تعلق أو ركب في سفينة النجاة، حيث لا سفينة غيرها ولا نجاة لأحد دونها.

وهناك إشارة مهمة: أن ذلك حيث لا أرض تبلع الماء ولا وقوف لهطل الماء من السماء، لأن البراهين واضحة، وليس هناك آدم جديد ولا نوح يدعو:«رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا»(1).

بل رحمة غمرت كل شيء: ربي اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون(2).

فربان سفينة الرحمة هو الحسين عليه السلام، ولم يجد الزمان بحسين آخر، وإن كان كل حزب في هذه الأزمنة يختار حسيناً خاصاً به !!

فحسين الرحمة هو أعرف برکاب سفينته التي تنتظر ربانها المنتظر عجل الله فرجه، ليوم تشيب فيه الأطفال، ويوم النداء من السماء:«أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ»(3).


1) نوح: 26.

2) إشارة إلى دعاء النبي صلی الله علیه واهل راجع إقبال الأعمال ج 1 ص 384.

3) النحل: 1.

وقفة عند الابتداء

لقد اعتاد الكتاب أن يكتبوا شيئاً من التاريخ بعد الإنتهاء، وهنا أحاول رسم بعض الكلمات من الابتداء، وهذا نمط لم تجر عليه أقلام الباحثين.

روى الصدوق رحمه الله في كتاب المعراج عن رجاله إلى ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وهو يخاطب عليا علیه السلام ويقول: يا علي إن الله تبارك وتعالی کان ولا شيء معه فخلقني وخلقك روحين من نور جلاله فكنا أمام عرش رب العالمین نسبح الله ونقدسه ونحمده ونهلله وذلك قبل أن يخلق السماوات والأرضين.

فلما أراد أن يخلق آدم خلقني وإياك من طينة واحدة من طينة عليين وعجتنا بذلك النورو غمسنا في جميع الأنوار وأنهار الجنة.

ثم خلق آدم واستودع صلبه تلك الطينة والنور فلما خلقه استخرج ذریة من ظهره فاستنطقهم وقررهم بالربوبیه.

فأول خلق إقراراً بالربوبية أنا وأنت والنبیون على قدر منازلهم قربهم من الله عز وجل.

فقال الله تبارك وتعالى : صدقتما وأقررتما یا محمد ویا علی ، وسبقتما خلقي إلى طاعتي وكذلك کنتما في سابق علمي فيکما، فانتما صفوتي من خلقي والأئمة من ذریتکما شیعتکما،وكذلك خلقتكم.

ثم قال البي صلی الله علیه واله: يا علي فكانت الطينة في صلب آدم ونوري ونوک بن عينيه فما زال ذلك النور ينتقل بين أعين النبیین والمنتجبين حتى وصل النور والطينه إلى صلب عبد المطلب افترق نصفین فخلقني الله من نصفه و اتخذنی نبیاً

ورسولاً وخلقک من النصف الآخر فاتخذک خليفةً ووصياً وولياً فلما کنت من عظمة ربي کقاب قوسين أو أذني قال لي: يا محمد من أطوع خلقي لك؟

فقلت : علي بن أبي طالب عليه السلام .

فقال عزوجل: فاتخذه خليفة ووصیاً فقد اتخذته صفیاً وولياً.

یا محمد کتب اسمك واسمه على عرشي من قبل أن أخلق الخلق محبة مني لکما ولمن أحبكبا وتو لاکما وأطاعکما فمن أحبکما وأطاعکما وتو لاکما عندي ومن المقربين، ومن جحد ولايتکما وعدل عنکما كان عندي من الكافرين الضالين.

ثم قال النبي صلی الله علیه واله : يا علي فمن ذا يلج بيني وبينك وأنا وأنت من نور واحد وطينة واحدة، فأنت أحق الناس بي في الدنيا والآخرة، وؤلدك ؤلدي وشيعتکم شيعتي وأولياؤکم أوليائي وأنتم معی غداً في الجنة (1).

قد يتوهم أحد من البشر فيشكك في مثل هذه الأحاديث السابقة لعمارة الإنسان للأرض، ولكن يمكن القول كإشارة لطيفة من المسلمات: أن الجميع يقر ويعترف بهبوط آدم علیه السلام على هذه الأرض، وأن الله قد علم آدم علیه السلام وأنزل عليه المملك جبرائیل عليه السلام، وهو الرسول إلى الأنبياء جميعاً، وهو الذي يحمل العلم لهم من الله سبحانه، ويبلغهم ما یشاء الله من الرسالات السماوية، والأخبار الغيبية على مر العصور والدهور.

ونؤمن أن خاتم الأنبياء هو محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله، ونقطع أنه أسري به إلى السماء:«فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى»(2).


1) بحار الأنوار ج 25 ص 3.

2) النجم: 10.

نقطع بكل ذلك ونؤمن به، وأن النبي محمد صلی الله علیه واله هو أفضل وأعلم وأحب الخلق والأنبياء عند الله تعالى، ونؤمن أنه لا ينطق عن الهوي، وهو الذي أخبرنا عن السماء وما فيها، فلا غرو أن تكون النبوة مصدر أخبار عوالم الأنوار على تنوع ألفاظها، وكثير منها يسمى بالأخبار القدسية.

ومن المعلوم أن عوالم الملكوت فوق تقدير عقولنا، وعوالم الأنوار والحجب هي ما قبل عوالم الملك والملكوت.

لذلك نؤمن بكل ما جاء وثبت بالدليل والبرهان عن أهل بيت العصمة علیهم السلام، ونشير هنا إلى حديث جامع عن أبي جعفر عليه السلام : إن الله تعالى خلق أربعة عشر نوراً من نور عظمته قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام فهي أرواځنا.

فقيل له: يا ابن ولي الله عدهم بأسمائهم فمن هؤلاء الأربعة عشر نوراً؟

فقال : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين وتاسعهم قائمهم ثم عدهم بأسمائهم ثم قال:

نحن والله الأوصياء الخلفاء من بعد رسول الله صلی الله علیه واله .

ونحن المثاني التي أعطاها الله نبينا.

ونحن شجرة النبوة و منبت الرحمة ومعدن الحكمة ومصابيح العلم وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وموضع سر الله ووديعة الله جل اسمه في عباده وحرم الله الأكبر وعهده المسئول عنه، فمن وفى بعهدنا فقد وفى بعهدالله ومن

خفره فقد ذمة الله وعهده، عرفنا من عرفنا وجهلنا من جهلنا.

نحن الأسماء الحسني التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا.

ونحن والله الکلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه.

إن الله تعالى خلقنا فأحسن خلقنا وصورنا فاحسن صورنا وجعلنا عينه على عباده ولسانه الناطق في خلقه ويده المبسوطة عليهم بالرأفة والرحمة ووجهه الذي يؤتى منه وبابه الذي يدل عليه و خزان علمه وتراجمة وحیه وأعلام دينه والعروة الوثقی والدليل الواضح لمن اهتدی.

وبنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار وجرت الأنهار ونزل الغيث من السماء ونبت عشب الأرض.

وبعبادتنا عبد الله ولؤلانا ما عرف الله وايم الله لو لا وصية سبقت وعهد أخذ علينا لقت قولاً يعجب منه أول یذهل منه الأولوين والآخرون(1).

وقفة عند باب المحسوسات

عندما نحاول التعرف في هذه الدنيا على شيء من الأشياء المحسوسة نجد أن لكل شيء ظاهراً وباطناً، وقشراً ولباباً، ونفعاً وضراً، مهما يكن ذلك الشيء حتى الحيوان، وهذا المعنى لا يخفى على إنسان.

فلكل شيء صفوة، ولكل شيء مظهر ومضمر، سواء الأشياء المحسوسة بالحواس الظاهرة أو الأمور المعنوية، وهذا من البديهيات.

وعندما نحاول التعبير عن إظهار شيء من الأمور نستخدم لفظ النور، فنقول: أوضح من نور الشمس، أو نور القمر، أو ضوء النهار، وأمثال ذلك من التعابير والألفاظ.


1) بحار الأنوار ج 25 ص 4 عن المتحضر للحلى ص228.

وعندما نريد المدح نتغنى - تشبيهاً- بالشمس والقمر والدر والجوهر وما شابه من الألفاظ التي تدل على المعاني الرفيعة، فما نقرأه من الأحاديث وإشارات الآيات ما هو إلا رموز للمعاني والحقائق التي أوجدها الخالق سبحانه، من هنا يمكن لإدراكنا وعقولنا فهم المعاني السابقة لهذا الكون وإيجاده.

حديث قبل الخلق

يقر جميع العقلاء أن هذا الكون لم يكن موجوداً ثم أوجده الخالق سبحانه،وهو الذي كون الأكوان، ولا ينكر أحد ذلك حتى لو كان ملحداً(1).

ويقرون بخلق آدم وحواء علیهما السلام قبل هبوطها إلى هذه الأرض.

ومن كتاب الال لابن خالويه رفعه إلى أبي محمد العسكري عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله : لما خلق الله آدم وحواء علیهما السلام تبخترا في الجنة فقال آدم لحواء: ما خلق الله خلقاً هو أحسن منا.

فأوحى الله عز وجل إلى جبرئيل أن ائتني بعبدتي التي في جنة الفردوس الأعلى فلما دخلا الفردوس نظرا إلى جارية على درنوك(2)من درانیک الجنة على


1) ولو في قرارة نفسه، وقد ورد في الحديث حول الجحود عن معرفة قوله عليه السلام : يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق قد استقر عنده، وقد قال الله تر عزو جل «وجدوا بها واستقنتها أنفسهم»(الكافي ج 2 ص 389)، ورغم أن هناك أقساماً تقابل الجحود عن معرفة إلا أنها لا تفيد علماً عند أصحابها وقد قال عنها علیه السلام: وهو قول من يقول لا رب ولا جنة ولا نار.. وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان على غير تثبت منهم ولا تحقيق لشيء مما يقولون، قال الله عزوجل «إن هم إلا يظون»(الكافي ج 2 ص 389).

2) نوع من البسط.

رأسها تاج من نور وفي أذنيها قرطان من نور قد أشرقت الجنان من حسن وجهها.

قال آدم: حبيبي جبرئيل من هذه الجارية التي قد أشرقت الجنان من حسن وجهها؟

فقال: هذه فاطمة بن محمد صلی الله علیه واله نبي من ولدک یکون فی آخر الزمان.

قال: فما هذا التاج الذي على رأسها؟

قال: بعلها علي بن أبي طالب.

قال: فما القرطان اللذان في أذنيها؟

قال : ولداها الحسن والحسین.

قال: حبيبي جبرئيل أخلقوا قبلي؟

قال: هم موجودون في غامض علم الله عزوجل قبل أن تخلق بأربعة آلاف سنة(1).

وأكرر أنها وقفة عاجز.. فلو أخذنا من هذه الأحاديث الشريفة هذه العبارة فقط، لأدركنا ميادين العجز عندنا وفي إدراکاتنا، وهي قوله: هم موجودون في غامض علم الله عز وجل.

فهذا الوجود سابق لكل هذه المخلوقات، وعليه: هل لأي إنسان القدرة على بيان كيفية ومعاني وأبعاد وجودهم علیهم السلام ؟!

أليس قصور عقولنا عن تلك العوالم هو الذي جعلنا نقيس هؤلاء الأبراربغيرهم؟!


1) بحار الأنوار ج 25 ص 5، المحتضر للحلى ص 232.

ومن هنا وقعنا بعدم التسليم لهم عليهم السلام ، وخاصة زين السماوات والأرض، الحسين عليه السلام ، الذي جاء هذا التعبير فيه على لسان الرسول الأعظم صلی الله علیه واله ، عندما دخل عليه الحسين عليه السلام وهو في أول نشأته في هذه الدنيا كما تقدم في الحديث مع أبي(1)، فقال صلی الله علیه واله : مرحباً بك يا أبا عبد الله يا زين السماوات والأرضين.

قال له أبي: وكيف يكون یا رسول الله صلی الله علیه واله زين السماوات والأرضين أحد غيرك؟

قال: يا أبي، والذي بعثني بالحق نبياً إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل مصباح هدى وسفينة نجاة(2)...

وقفة تأمل

هل يصح أن نقول أنا عرفنا القرآن وما فيه إن قرأنا آية أو آيات منه؟

وكما أنه لا يجوز أن نحكم على ما في القرآن من آية، كذلك عيناً لا يصح أن نتعرف على أسرار الكائنات من رواية، فلا بد من الإحاطة والتدبر بكثير مما ورد ووصل إلينا حتى لا نصبح مصداقاً للحديث المشهور: قطع ظهري اثنان، عالم متهتك و جاهل متنسك(3).


1) راجعه مفصلاً في بداية الكتاب تحت عنوان (في كل كائن سر من الأسرار)، وهو مروي عن عيون أخبار الرضا عليه السلام ج1 ص 59.

2) عیون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 ص 59.

3) عوالي اللئالي ج4 ص 77، وعنه بحار الأنوار ج 1 ص 208، والحديث عن الإمام الصادق عليه السلام .

فلا بد من التعبد بعلم ناضج، وإحاطة العلم من المهد إلى اللحد، لنصل إلى مصداق الآية الشريفة:«يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ»(1).

والعلم الذي يرفع صاحبه مخزون عند الحسين عليه السلام ، فهو سر الهداية ومنه وإليه النهاية، بمعنى أنه هو المجمع كما أسلفنا، وهو زين السماوات والأرضين کما عرفنا، ومن هنا تلمع معاني الحديث الشريف: وأنا من حسین، وندرك معاني الحديث: يا سلمان، خلقني الله من صفاء نوره.. فسمانا الله بخمسة أسماء من أسمائه .. محمد.. علي.. فاطمة الحسن.. الحسين(2)..

أنواع الخلق

بعد البحث والتدقيق نجد أن كيفية الخلق على أكثر من نوع، فهناك خلق ظاهر محسوس، وهناك خلق باطن غير محسوس، وإن كان مدركاً بالإدراك العقلي، ولكل نوع من المخلوقات کيفية خاصة تميزه عن غيره.

فعندما ننظر إلى خلق الإنسان المحسوس نجد أن ابتداء خلق الله له كان من تراب، ونجد بعد ذلك أن الله خلقه من نطفة في أبوين، ونجد نوعاً آخر خلقه الله من طرف واحد كخلق النبي عیسی علیه السلام .

وعندما نحاول البحث أكثر نجد نوعاً من الخلق أبعد من المحسوس


1) المجادلة: 11.

2) الحدیث مفصل في العديد من المصادر منها المحتضر ص 267، وبحار الأنوار ج 25 ص6، وهو حديث طويل.

والمعلوم سواء التراب أو النطفة(1)، وهذا النوع من الخلق يسمى بعوالم الأنوار السابقة لجميع هذه المخلوقات التي نراها ونشاهدها في هذه الدنيا، وسابق الوجود الكائنات المحسوسة، وهذا ما يصعب على الكثير إدراکه.

ولو تأملنا بنوع من الصفاء لعرفنا أن الله لا يعجزه شيء، لا قبل ولا بعد،فكل نوعية وكيفية تحت قدرته سبحانه.

يقول الإمام الصادق عليه السلام : إن الله خلقنا من نور عظمته صور خلقنا من طينة محزونة مكونة من تحت العرش فأسکن ذلك النور فيه.

فکنا نحن خلقا وبشراً نورانيین لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه تصیباً .

وخلق أرواح شیعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلک الطينة و يجعل الله لأحد في مثل الذي خلقهم منه نصیباً إلا للأنبياء، ولذلك صرنا نحن وهم الناس، وصار سائر الناس همجا للنار وإلى النار(2).

وقفة عند أسرار تكوين الإنسان

الإنسان مكون من تراب ونفس وروح: فمن التراب تتولد الخلايا المادية المحسوسة، وللنفس التصرف بكل ما يتعلق بالإنسان، وتسري الحياة من الروح بكل معانيها وأبعادها، وهذه الثلاثة مجتمعة هي المكونات لحقيقة الإنسان.


1) راجع کتابنا حول خلق الإنسان من تراب، ففيه تفاصيل ودليل، لمن ليس عقله عليل!

2) الكافي ج 1 ص 389، بصائر الدرجات ص40، وعنه بحار الأنوار ج 25 ص 13 وغيرها من المصادر.

ولا يزال يبحث الإنسان منذ أن أهبط على هذه الأرض عن أسرار ذاته، فبعد أن اهتدى إلى أنه مخلوق بدأ ينظر تارة لتكوين ذاته، وتارة ينظر ويتأمل في بقية المخلوقات، وقد انشغل واهتم بأكثر ما لديه من مواهب بظواهر کیانه، ووجد أن نفسه مفتقرة لكثير من الأمور كتحقیق مشتهياته وشهواته ومظهر تكوينه.

وقد سخر معظم مواهبه للماديات والمحسوسات، ومن هنا وجد نفسه شبه حائرعن معرفة تفتح له أبواب ما هو سابق عليه وما هو سائر إليه.

وعندما يغفل الإنسان عن نفسه واقعاً يقع في ظلام دامس قد لا يهتدي معه إلى أين يذهب وإلى أي جهة يسير، وهذا كله ناتج عن اللهو واللعب، ووقوفه عند ظواهر المحسوسات فقط، مع العلم أنه مكون من تراب محسوس، وجوهر غير ملموس.

ولا بد من إدراك ومعرفة كلا القسمين ليتمكن من معرفة الابتداء الأساسي ومعرفة اللانهائي، لأنه ليس له انتهاء(1)في هذا الكون بعد إظهاره إلى عالم الوجود، ومن هنا ندرك معاني البقاء والخلود، وما يتبع ذلك من آثار لها تعابير عديدة: كالسعادة والشقاء والسرور والبقاء.

وعندما نقرأ بعض ما أنتجه العقل البشري عموماً نجد محاولات للتعبيرعن ذات الإنسان وعن صفاته، ونجد تفاوتاً بين عالم وآخر، وبين فيلسوف ومنكرعليه، وبين هذا أو ذاك، ولكن تبقى الحقائق غير واضحة حتى عند مثل


1) بل للإنسان مراحل و محطات عديدة.

هؤلاء(1)، مع التقدير والاحترام، حيث يبقى السؤال دون جواب !!

وقفة متكررة عند باب السماء

ضمن محاولتي معرفة الأسرار حاولت أن أطرق باباً من أبواب السماء، ومثل هذا الباب بيد الأنبياء عليهم السلام ، ومن هنا أحاول أخذ الجواب إن كان لدي القدرة على السمع، لأن أسماعنا بني البشر قد لا تتحمل قرع مثل هذا الباب، لأنه لا بد للقارع بعد ولوج الباب من استماع الجواب، والحقائق تعرف بنتائجها، والشجر يعرف بثماره، وقد عرف الإنسان عموماً العلم والحقائق من الأنبياء الذين جاءتهم الأنباء من عوالم السماء.

لنقرأ أولاً هذا الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام : إن الله خلقنا من عليين وخلق أرواحنا من فوق ذلك وخلق أرواح شيعتنا من عليين وخلق أجسادهم من دون ذلك فمن أجل ذلك القرابله بيننا وبينهم وقلوبهم نحن إلينا(2).

إشارات حول ابتداء الخلق

لم تزل عقول البشر عاجزة عن إدراك كيفية ابتداء خلق الإنسان، وهو نقطة الارتكاز بين جميع المخلوقات، ولا تمتلك العقول البشرية أدلة ههنا إلا ما جاء على لسان الأنبياء من إخبار السماء.

وهذه النقطة بالذات وهي الابتداء لم تبحث في ميادين الأبحاث إلا قليلاً، فلم يزل ابتداء خلق الإنسان لغزاً وسراً من أسرار الوجود، مع العلم أن الإنسان


1) ولا أقصد هنا جيلاً أو زمناً بعينه، بل إشارة لإنتاج العقول دون تحديد.

2) الكافي ج 1 ص 389، بصائر الدرجات ص40 وعنه بحار الأنوار ج 25 ص13.

من أرقى وأوضح واضحات المخلوقات.

لذلك نحاول ولو من باب التطفل أن نرسم بعضاً من الإشارات المأخوذة من أنباء السماوات.

وعندما نقرأ حديثاً هنا أو هناك نجد أن التعابير كانت تارة بلفظ النور وتارةبلفظ الطين أو التراب وأوصافه، وما شابه ذلك من الرموز، وهي التي نجهل الكثير من معانيها وأبعادها.

مع العلم أن تكوين الإنسان الموجود المؤلف من خلايا كثيرة ومتفرعاتها أصبح اليوم تحت آلة المجهر، فيكتشف الكثير من الموروثات التي كانت مخفية حتى من نقطة الدم والجينات التي فيه.

ورغم التقدم العلمي والأبحاث الدقيقة في المختبرات، يقول الباحثون والعلماء المتخصصون أنه لم يعرف عن أسرار وخلايا وعوارض ودورة الجسم بكل ما فيه إلا النزراليسير، وهناك ما هو أبعد من ذلك مما لم يكتشفه العلم و المختبرات.

وقد أصبح لكل عضو وخلية في الإنسان ألوف مؤلفة من ذوي الاختصاصات في عالم الطب وفروعه الكثيرة، وفي كل حقل يتعلق بالتشريح والمداواة وأدوار كل خلية من خلايا أعضاء هذا الإنسان.

من هنا لا بد من طرق الباب، وهو: هل تؤثر خصائص الطينة وذرات التراب في الإنسان؟ أم أنه يتأثر بالعوامل الطبيعية في هذه الدنيا؟ وهل هناك دور للعلم والتعلم؟ وهل الانعكاسات راجعة لحالاته النفسية؟

لم نحصل على أجوبة ثابتة لكل هذه التساؤلات، فقد يكون لكل هذه

الأمور تأثیرات معينة على سلوك و صفات و آثار الإنسان.

حدیث جامع

كثيراً ما يتحدث علماء التشريع وعلماء الطب عموماً عن الوراثة، سواء فيما يتعلق بالصفات أو بالأمراض الصعبة، وهنا يمكن لنا طرح سؤال: هل تعود الوراثة إلى التكوين الابتدائي للإنسان؟

لذلك نورد هذا الحديث، وإن كان الجواب باقياً في عوالم الغيب.

عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله خلقنا من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا، وخلق أبدانهم من دون ذلك.

فقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا ثم تلا هذه الآية«كلاإن کتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون ».

و خلق عدونا من سجين، وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم لأنها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية «كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * وما أدراك ما سجین* كتاب مرقوم»(1).

إن تكوين خلق الإنسان ابتداء سر من الأسرار، ويرمز هذا السر إلى ما يحمله الإنسان، وعندما يتدبر العقل البشري في حقيقة هذا الإنسان من كل جوانبه يدرك الرموز الخفية في تكوين الإنسان ظاهراً وباطناً.

وهذه الجوانب لم تبق خافية بعد اكتشاف العلم كثيراً من أسرار ما يحمله الإنسان في أصل تكوينه.


1) الكافي ج 1 ص 390، بحار الأنوار ج 25 ص10.

إن العقل البشري قد تقدم خطوات مهمة في أبحاثه العلمية، وقد بحث في كثير من المحسوسات وغيرها، وقد أفلح في كثير مما تحت المجهر من المحسوسات، ولم يزل العقل البشري يبتكر الوسائل العلمية أملاً في اكتشاف الحقائق الثابتة في كيان وتكوين هذا الإنسان، حتى أنه اكتشف في خلايا الإنسان نماذج لمعظم مناجم الأرض، ولم يزل يحلل الخريطة ومن ذلك الجينات والخلايا وقانون الوراثة وما شابه من مصطلحات، ويسعى لتحديد كل خلية ودورها في مسيرة حياة الإنسان وعافيته(1).

الأنوار الأربعة عشر

لقد تكرر هذا الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام:

ان الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشرنوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا(2).

فقيل له: يا ابن رسول الله ومن الأتربعة عشر ؟

فقال: محمد و علی و فاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال ويطهر الأرض من کل جور وظلم(3).

وقد ورد هذا الحديث بألفاظ وتعابير متنوعة، ونأخذ منه خيطاً من أنوار


1) لسنا بصدد البيان حول هذه الجوانب، إنما إشارات الأسرار التكوين.

2) لهذه الأحاديث معان دقيقة جداً تدرك ببصائر صافية ..

3) بحار الأنوار ج 15 ص23.

الحسين عليه السلام ، فعندما نقرأ ما ورد حول الإمام الحسين عليه السلام نجد كل أطراف الحياة من الابتداء والانتهاء والوسط، ونتلمس من أسراره، حيث نجد عند قراءة أحاديث خلق النور أنه من أوضح الأنوار(1).

وعندما نقرأ ما قاله صلی الله علیه واله للحسين عليه السلام: يا زين السماوات والأرضين، وعندمانقرأ في مراحل حياته في الدنيا - وهي الوسطى - نجد ما لا يخفى من ميزاته علیه السلام فقد حوى مسيرة كل الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، وهذه الجوانب تعجز الأفهام والأنام عن حصرها، وعندئذ ندرك ومضات ولمعات وبصيص أنوار

حول تلك الأسرار التي لا يعلم مقدارها وعظمتها إلا الخالق جل وعلا.

وقد أودع الله سبحانه كل الأسرار عند سيد الكائنات ووصي الأوصياء، فكانت مفاتيحها عند سيدة النساء الزهراء عليها السلام، فكيف بنا إذا قرأنا ما هو آت حول صلاح البشرية في آخر الزمان تحت شعار: یا لثارات الحسين.

فكيف يكون تحقيق عدل الله على الأرض ورفع الظلم تحت راية الحسين علیه السلام ؟

من هذه الإشارات يمكننا أن نلتمس بعضاً من الأسرار، ومن يفتح بصيرته جيداً يدرك من سيرة الحسين عليه السلام الظاهرة أن كل حركة من حركاته مليئة بالأسرار لذوي الألباب، فكيف لمن يفتح له مصرع من الباب؟

الحسين هو الوديعة

نؤمن أن الله تعالى قد أودع في تكوين الإنسان ما هو كائن أو يكون، وذلك


1) إشارة إلى أنه من نور الله تعالى، راجع بحار الأنوار ج 25 ص17.

من خلال ما نتلمس في حقيقة الإنسان من أسرار الوجود الكائن في واقع الإنسان وما هو ظاهر في تكوينه.

وسوف يكتشف الإنسان الكثير من تلك الأسرار في مسيرة وجوده مع مرور الزمن، وتقدم العلوم الإنسانية، وعندما يهذب النفس ويغذی العقل ويصون الروح.

فيمكن القول أن الحياة لم تستكمل دورتها على هذه الأرض بعد(1).

لنقرأ هذا الحديث بتأمل: قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام : يا جابركان الله ولا شئ غیره لا معلوم ولا مجهول فأول ما ابتدأ من خلقه أن خلق محمداً صلی الله علیه واله و خلقنا أهل البيت معه من نور عظمته، فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر يفصل نورنا من نور ربنا کشعاع الشمس من الشمس نسبح الله تعالى ونقدسه و نحمده ونعبده حق عبادته(2).

وقفة

ماذا يكتب الباحثون؟ وأي مقدار يعرف العالمون؟

لقد كان ابتداء المخلوقات بعد خلق أهل بيت العصمة عليهم السلام ، وهداية الخلق موكولة إليهم، وسعادة الخلائق معهم، لذلك قصرت عقول المقصرين عن معرفتهم، وعجزت أفهام الكثير عن مدارك شأنهم، ووقفت أذهان أسماع


1) لهذا البحث موضوع مستقل

2) بحار الأنوار ج 25 ص17 حدیث 31، وهذا جزء من الحديث وهو طويل ومهم جداً.

المضلين عن أ قوالهم، ولذلك ساد الجور في الأرض وانتشر الظلام، وحارت الأفئدة وتاه الأنام، وعجزت عن نيل السعادة الأفهام(1).

أسرار الحياة كامنة في خلق الإنسان

من المتسالم عليه أن لكل مخلوق بداية، وهناك مراحل نراها واضحة في كيفية خلق بعض المخلوقات، لكنا نجد الخفاء في بداية خلق الإنسان.

لا يقال أن خلق الإنسان يعود لمراحل النطفة، فإن ابتداء خلق الإنسان يعود لما قبل ذلك.

وحيث أننا لا نشاهد ولا نتأمل إلا مراحل النطفة أصبحنا لا نفكر بغير هذه المرحلة إلا قليلاً وبخواطر عابرة، مع العلم أن البداية ترجع للمراحل السابقة للنطفة.

ومعرفة ابتداء خلق الإنسان أساسية في كل مراحل وجوده وحياته إلى ما لا نهاية، وهنا نحاول التعرف على تلك المراحل ولو إجمالاً.

أما من الآيات: فإن الآيات التي تنص على بداية خلق الإنسان قد أشارت إلى التراب والطين والصلصال (2)، وفي هذه الآيات المباركة إشارة إلى تكوين وخلق البدن، ولكن خلق النور والروح غير ذلك.

وقد تقدمت الإشارة إلى ابتداء خلق النور، حيث أن النور أوضح شيء عند عقل و حواس الإنسان، وقد عرفنا أن الإنسان هو نقطة الارتكاز في المخلوقات،


1) يحسن مراجعة خطبة جامعة لأمير المؤمنين عليه السلام في بحار الأنوار ج 25 ص26.

2) تفاصيل هذه الآيات في كتابنا حول خلق الإنسان من تراب، فراجع.

ومما يحكم به العقل أن لكل شيء صفوة، وصفوة المخلوقات هو الإنسان .

وقد ثبت أن هذه الصفوة والابتداء هم أهل بيت العصمة عليهم السلام ، ويظهرذلك من خلال الأبحاث الموضوعية بغض النظر عن الاعتقادات الخاصة.

وهذا ما أثبته الواقع العملي للإنسان على هذه الأرض من خلال كون صفوة الخلائق هم الأنبياء عليهم السلام ، وصفوة الأنبياء أهل بيت العصمة عليهم أفضل الصلاة.

ومن يبحث جيداً في كل ما جاء عن السماء يدرك ذلك، وليس ذلك بخاف عما جاء في رسالات الأنبياء، وخصوصاً ما ورد في القرآن الحكيم، قال تعالى : «إنَّا سَنُلقی عَلَیکَ قَولاً ثَقِلاً»(1).

وليس هذاالتفضيل من باب الجبر، بل هو - والله العالم - من باب القدرة على تحمل ما يلقيه سبحانه عليهم، ولا شك أن هذا سابق في علم الله تعالى، وهو الخبير العليم.

فعندما نقرأ بعض الآيات ندرك هذه المعاني، قال سبحانه:«إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا»(2).

وهناك أحاديث صحيحة ومشهورة، منها ما ورد عن الرسول صلی الله علیه واله: ما أوذي نبي مثل ما أوذيت(3).


1) الإسراء: 55.

2) المزمل: 5.

3) مناقب آل أبي طالب ج3 ص 42.

وآيات الأمر بالصبر لخصوص النبي صلی الله علیه واله كثيرة(1).

والأحاديث الشريفة لا تخفى، ومنها ما دل على ابتداء الخلق والنور .

قال أبو جعفر عليه السلام : فنحن أول خلق الله، وأول خلق عبد الله وسبحه، ونحن سبب خلق الخلق وسبب تسبيحهم وعبادتهم من الملائكة والآدمیین.

فبنا عرف الله وبنا وحد الله و بنا عبد الله وبنا أكرم الله من أکرم من جميع خلقه، وبنا أثاب من أثاب وبنا عاقب من عاقب، ثم تلا قوله تعالى «و إنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون»وقوله تعالى «قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدین »

فرسول الله صلی الله علیه واله ، أول من عبد الله تعالى وأول من أنكر أن يكون له ولد أو شريك، ثم نحن بعد رسول الله.

ثم أودعنا بذلك النور صلب آدم عليه السلام فما زال ذلك النور ينتقل من الأصلاب والأرحام من صلب إلى صلب ولا استقر في صلب إلا تبين عن الذی انتقل منه انتقاله وشرف الذي استقر فيه حتى صار في صلب عبد المطلب، فوقع بأم عبد الله فاطمة فافترق النور جزء ين جزء في عبد الله وجز في أبي طالب، فذلك قوله تعالى «وتقلبک في الساجدين»يعني في أصلاب النبيین وأرحام نسائهم، فعلى هذا أجرانا الله تعالى في الأصلاب والأرحام وولدنا الآباء والأمهات من لدن آدم عليه السلام(2).

وهنا نذكر هذا الحديث عن ابن عباس أنه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام :


1) راجع بحثنا المفصل حول الصبر الجميل لكل آیات الصبر (مخطوط).

2) بحار الأنوار ج 25 ص20، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.

قال: فقلت: يا أمير المؤمنين كيف ينظر بنور الله عز وجل؟

قال عليه السلام : لأنا خلقنا من نور الله وخلق شيعتنا من شعاع نورنا فهم أصفياء أبرار أطهار متوسمون نورهم يضيء على من سواهم کالبدر في الليلة الظلماء(1).

وههنا تنبيه لذوي العقول، فقد يتوهم البعض أن أحاديث النور مختصة بالشيعة، ولكن نقول أنها مروية عند جميع المسلمين، ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل عن رسول الله صلی الله علیه واله أنه قال: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الرحمن قبل أن يخلق عرشة بأربعة عشر ألف عام(2).

ومن ذلك ما رواه ابن بابویه مرفوعا إلى عبد الله بن المبارك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين عليهم السلام أنه قال: إن الله خلق نور محمد صلی الله علیه واله قبل المخلوقات بأربعة عشر ألف سنة وخلق معه اثني عشر حجاباً والمراد بالحجب الأمة علیهم السلام(3).

وهناك أحاديث أخرى مفصلة وجامعة .

وقفة متأمل حول الإنسان

عندما يحاول أحدنا أن يكتب في موضوع معين تتزاحم في فكره مواضيع


1) بحار الأنوار ج 25 ص 21ح 32.

2) نقله عنه المجلسي في بحار الأنوار ج 25 ص21ح 35، ونقله عنه أيضاً ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 9 ص 171 ، ورواه الحنفي في نظم درر السمطين ص79، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 67، وغيرهم .

3) بحار الأنوار ج 25 ص21 ح 36.

عديدة، وخاصة عندما يكون متوجهاً لموضوع يتعلق بها فوق المحسوسات، ومن أصعب هذه المواضيع الإنسان، لأنه وإن كان محسوساً وظاهراً من جانب فإنه خفی وباطن وغائب من معظم الجوانب.

وليس التعرف على حقيقة وأسرار الإنسان بالأمر الهين، فقد يكتب الباحثون والعلماء حول الإنسان، لكن يبقى هناك غموض في البيان، إذ ليس لدينا سوى إشارات ورموز.

وكل واحد منا يحلل هذه الرموز بقدر ما ينتجه هذا الفكر، أو يشطح به ذاك القلم، أو يلملم من هنا أو هناك مما قيل، وتبقى أسرار الكون في الإنسان!

وكل ما قدر العلم والعلماء على بيانه هو الهيكل المحسوس، وأما حقيقةالإنسان من روح ونفس وعقل فإنها لم تزل مورد الأخذ والرد، إلا ما نأخذه من مصادر الأنبياء والرسل وأهل بيت العصمة علیهم السلام(1).

ويبقى العجز حليفنا حتى ينكشف الغطاء في يوم الجزاء.

وعندما نحاول التعرف على حقيقة الإنسان نجد أنه سر من الأسرار التي خفيت علينا، وهذا الخفاء ناتج عن غرور الإنسان بنفسه، فإنه إذا أراد الحصول على أمر من الأمور يباشره قبل أن يتدبر العواقب، ولذا نجد في أنفسنا التراجع عن كثير مما كنا نسعى إليه ونهواه، فقد نحب ما لا يحب، والعكس صحيح، فلو تدبرنا ذلك قبل الإقدام لوضعنا كل شيء في موضعه.

إن التدبر قبل المباشرة يوصلنا إلى نور الحقائق، وعندما نتدبر في أسرار أنفسنا ندرك الكثير من أسرار الحياة، ومن هنا تضيء للإنسان أنوار الأسرار، ولذا


1) راجع بحار الأنوار ج 58 من ص10، وفيه أقوال حول النفس والروح.

قيل: دواؤك فيك وما تشعر.

فالداء والدواء کامن في ذات الإنسان، فإن أحسن استعمال الدواء قضى على الداء، وإلا كان الداء قاتلاً ولا ينفع حمل الدواء دون حسن استعماله.

فلا بد من إدراك ومعرفة أن الكون وما فيه كامن في ذرات التراب والماء الذي جبل به الإنسان(1)

دواؤك فيك وما تشعر ***وداؤك منك وما تنظر

وتحسب انک جرم صغير*** وفيك انطوى العالم الأكبر

.

وقفة

لقد تكرر مني أني أكتب لنفسي، وليس معنى ذلك أن الآخرين لا يعنوني، بل العكس صحيح، فإن اهتمامي بالآخرين لا يقل عن نفسي، وإنما أقصد أن نمط کتابتي ليست كما هو مألوف ومتعارف عليه عند الآخرين، أو ما تسالم عليه الباحثون أو ما شابه .

فموضوع کتابتي هنا هو خيط لنورٍ من أسرار الحسين عليه السلام، وقد عرفنا أن ابتداء الخلق كان أنوار أهل بيت العصمة عليهم أفضل الصلاة والسلام.

وتداعي الأفكار ينقلنا من موضوع لآخر، فعندما نقرأ هذا الوجود بكل ما فيه من ظاهر و باطن نجد أن أسرار الحياة تتكشف باستمرار من جيل لآخر، ومن شخص لشخص، وهكذا.

فليس معنى السر أن يبقى في عوالم الكتمان، بل أن يتدرج بالظهور، فقد


1) وليس الإنسان مجهولاً كما قيل أو كتب عنه، بل هو متجاهل!

أراد الله سبحانه إظهاره، فالأنوار قد خلقها قبل خلق الكائنات في عوالم متعددة .

ونجد أنه قد اجتمعت في الحسين عليه السلام كل هذه الأنوار، والسر أنها لم تفترق عنه، ولم تتفرع لغيره قط.

وعندما نمعن النظر في كل مسيرة الحياة نجد أن الجهل دون العلم قد غلب على الإنسان عموماً، وقد تأثر بذرات التراب أكثر مما استضاء بالنور، مع العلم أن الغاية هي ضياء النور، وليس ظلام التراب.

وحتى عندما صنعه الله سبحانه من التراب والطين والصلصال والسلالة كان الغالب عليه نور العلم، ولذا أنبأهم بأسمائهم، فالحياة قائمة ابتداء على نور العلم، وليس على قواعد الظلام والجهل.

بل يصح القول أن النور أصيل، وأن الظلام عارض، وأن العلم أساسي، وأن الجهل طارئ، وأن الحياة هي الغاية دون الموت، وأن البقاء هو المطلوب دون الفناء.

ومن هنا ندرك أبواب السعادة، من أبواب الشقاء، ومن هنا يبدأ سر الاختيار في مسيرة الحياة، وقد جمع الحسين علیه السلام سر الأسرار، ففي السماء كان في وسط النور، وفي الأرض كان بأجلى الظهور، وأما في الآخرة فهو السيد.

ومن هذه الإشارات يتكشف لذوي البصائر سر الأنوار، فعندما نقول: سر يكون مسايرة للعرف العام، وإلا ما قيل يوماً من الأيام للنور سر!

فلا يقال عن الشمس التي تغمر بضيائها الكواكب والأفلاك وما تحت

ذلك أنها سر، أو أنها خافية، إلا عند من لا يمتلك بصراً سليماً(1).

فنفس الوجود هو نور وإن تفاوتت الأنوار، والسر ظاهر وإن خفي عن الأنظار.

وعندما نحاول التعرف على حقيقة الإنسان نجد أن الله سبحانه قد خلق الكائنات وأودع فيها ما أودع، وندرك أنه قد خص الإنسان الكامل بأسرار الحياة ونماذج الكائنات.

وعندما نبحث بكل مراحل الإنسان نجد أن أكمل المخلوقات هو سيد الكائنات محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله ، وقد شاء الله تعالى أن يختم به الأنبياء والرسل (2)، بدء من آدم علیه السلام ومروراً بجميع الأنبياء إلى عيسى عليه السلام .

حدیث جامع

إن إكمال الدين وأسرار النبيين تمت عند سيد المرسلين صلی الله علیه واله ، ونذكر هنا حديثاً جامعاً، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله : لما عرج بي إلى السماء السابعة ومنها إلى سدرة المنتهى، ومن السدرة إلى حجب النور ناداني ربي جل جلاله: يا محمد أنت عبدي وأنا ربك فلي فاخضع وإياي فاعبد وعلي فتوکل وبي فثق فإني قد رضيت بك عبداً حبيباً ورسولاً ونبیاً وبأخيك علي خليفة باباً. فهوحجتي على عبادي وإمام لخلقي، به یعرف أوليائي من أعدائي وبه یميزحزب الشيطان من حزبي وبه یقام ديني و تحفظ حدودي وتنفذ أحکامی.


1) قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم .

2) من المعلوم أن الله أرسل ماءة وأربعة وعشرين ألف نبي.

وبک به وبالأئمة من ولده أرحم عبادي وإمائي.

وبالقائم منکم أعمر أرضي بتسبيحي وتهليلي وتقديسي وتكبيري وتمجیدی، وبه أطهر الأرض من أعدائي وأورثها أوليائي وبه أجعل كلمة الذين کفروابي السفلى وکلمتى العليا.

وبه أحيي عبادي وبلادي بعلمي وله [به] أظهرالکنوز والذخائر بمشيتي، وإياه أظهرعلى الأسرار والضمائر بإرادتي وأمدة بملائکتي لتويده على إنفاذ أمري وإعلان ديني ذلک ولیي حقاً ومهدي عبادي صدقاً(1).

ندرك من هذا الحديث الشريف الكثير من الحقائق الثابتة التي لا خلاف ولا نزاع حولها، والتي يدل عليها القرآن الحكيم أيضاً:

الأولى: الإسراء بالنبي صلی الله علیه واله إلى السماء .

الثانية : الإشارة إلى سدرة المنتهى.

الثالثة: النص الواضح على الأئمة علیهم السلام . الرابعة: إعمار الأرض بالعدل على يد القائم المنتظر عجل الله فرجه .

الخامسة: إظهار الكنوز والأسرار والضمائر. السادسة: إمداد الأئمة عليهم السلام بالملائكة.

هذه الحقائق لا تحتاج إلى تأويلات وتحليلات، فهي ثابتة بالنصوص


1) أمالي الصدوق ص 731، وعنه بحار الأنوار ج23 ص 128.

القرآنية، والقرآن هو الميزان، وهنا يلتقي الصامت والناطق (1).

من أحاديث المعراج

إن الحديث عن السماء وما فيها لا يقاس بأحاديث أهل الأرض، لأن الأرض وما عليها لا تساوي حبة رمل على شواطئ بحر، ولا نقطة ماء في محيطات، وكل ما على الأرض من فيض السماء.

وأحاديث المعراج والإسراء فوق قدرة العقلاء والعلماء، وحتى لا يحرم الناس من هذا الفيض رشح علينا من سيد الأنبياء صلی الله علیه واله، وهذا يشير إلى نوع الارتباط بين الأرض والسماء(2).

ففي الحديث عن أبي ذر الغفاري قال: كنت جالساً عند النبي صلی الله علیه واله ذات يوم في منزل أم سلمة ورسول الله صلی الله علیه واله يحدثني وأنا أسمع إذ دخل علي بن أبي طالب صلی الله علیه واله فأشرق وجهه نوراً فرحاً بأخيه وابن عمه، ثم ضمه إليه وقبل بين عینیه ثم التفت إليه فقال : يا أباذر تعرف هذا الداخل علينا حق معرفته؟

قال أبوذر: فقلت یا رسول الله هذا أخوك وابن عمك وزوج فاطمة البتول وأبو الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة.

فقال رسول الله صلی الله علیه واله: يا أبا ذر هذا الإمام الأزهرورمح الله الأطول وباب الله الأكبر، فمن أراد الله فليدخل الباب.


1) إشارة لما ورد في الحديث أن الإمام هو القرآن الناطق، من ذلك ما رواه القندوزي الحنفي في ينابيع المودة ج 1 ص 214 عن أمير المؤمنين علیه السلام: أنا القرآن الناطق.

2) يحسن مراجعة أجزاء من البحار حول عوالم السياء.

يا أبا ذر هذا القائم بقسط الله والذاب عن حريم الله والناصر لدين الله و حجه الله على خلقه، إن الله تعالى لم يزل يحتج به على خلقه في الأمم کل أمة يبعث فيها نبياً.

يا أبا ذر إن الله تعالى جعل على كل ركن من أرکان عرشه سبعين ألف ملک ليس لهم تسبيح ولا عبادة إلا الدعاء لعلي وشيعته والدعاء على أعدائه .

یا اباذر لو لا علی ما بان الحق من الباطل ولا مؤمن من الكافر ولا عبد الله لأنه ضرب رءوس المشركين حتى أسلموا وعبدوا الله، ولولا ذلك لم يكن ثواب ولا عقاب، ولا يستره من الله ستر ولا يحجبه من الله حجاب وهو الحجاب والستر.

ثم قرأرسول الله صلی الله علیه واله :«شرع لكم من الدين ما وصی به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبرعلى المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ینیب ».

و یاباذر إن الله تبارك وتعالى تفرد بملكه ووحدانیته فعرف عباده المخلصين لنفسه وأباح لهم الجنة فمن أراد أن يهديه عرفه ولايته ومن أراد أن يطمس على قلبه أمسک عنه معرفته.

يا أباذر هذا راية الهدي وكلمة التقوى والعروة الوثقى وإمام أوليائي ونور من أطاعني وهو الكلمة التي ألزمها الله المتقين، فمن أحبه كان مؤمناً ومن أبغضه کان کافر ومن ترك ولايته كان ضالاً مضلاً ومن جحد ولايته کان مشركاً.

يا أباذر يؤتى بجاحد ولاية علي يوم القيامة أصم وأعمى وأبکم فيكبکب

في ظلمات القيامة ينادي: يا حسر تى على ما فرطت في جنب الله، وفي عنقه طوق من النار لذلك الطوق ثلاثمائة شعبة على كل شعبة منها شيطان يتفل في وجهه ویكلح من جوف قبره إلى النار.

قال أبو ذر : فقلت فداك أبي وأمي يا رسول الله ملأت قلبي فرحاً وسروراً فزدني.

فقال: نعم، إنه لما عرج بي إلى السماء الدنيا أذن ملك من الملائكة وأقام الصلاة فأخذ بيدي جبرئيل صلی الله علیه واله فقدمني فقال لي: يا محمد صل بالملائكة فقد طال شوقهم إليك.

فصلیت بسبعین صفاً من الملائكة الصف ما بين المشرق والمغرب لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، فلما قضيت الصلاة أقبل إلي شرذمة من الملائكة يسلمون علي ويقولون: لنا إليك حاجة.

فظننت أنهم یسألوني الشفاعة لأن الله عزوجل فضلني بالحوض والشفاعة على جميع الأنبياء فقلت: ما حاجتکم ملائكة ربي؟

قالوا: إذا رجعت إلى الأرض فأقرئ علياً منا السلام وأعلمه بأنا قد طال شؤقنا إليه.

فقلت: ملائكة ربي تعرفوننا حق معرفتنا؟

فقالوا: يا رسول الله لم لا نعرفكم وأنتم أول خلق خلقه الله خلقکم الله أشباح نور في نور من نور الله وجعل لكم مقاعد في ملكوته تسبیح وتقدیس وتكبير له ثم خلق الملائكة مما أراد من أنوار شتی.

وکنا نمر بکم وأنتم تسبحون الله وتقدسون وتكبرون وتحمدون وتهلللون

فنسبح ونقدس ونحمد ونهلل ونكبر بتسبیحکم وتقديسکم و تحمید کم وتهلیلکم وتكبيرکم، فما نزل من الله تعالى فإليكم وما صعد إلى الله تعالى فمن عندكم فلم لا نعرفكم (1)؟..

هذا من ملائكة السماء الأولى وهي السماء الدنيا، وهناك أقوال من بقية ملائكة السماوات إلى السابعة، وبعدها سدرة المنتهي، وما لا يعلمه إلا الله.

من هنا ندرك ونؤمن أن أهل بيت العصمة علیهم السلام معروفون في السماء وعند ملائكة السماوات أكثر من سكان أهل الأرض!

وعندما نحاول التعرف على أسرار الحسين عليه السلام نجد أن ذلك ممتد إلى معرفة الملائكة في السماء ما قبل الأرض، ويدل على ذلك ما لا حصر له، وإنما نشير هنا إلى رحلة من المعراج والإسراء لسيد الأنبياء، وقد تقدم حديث عن ملائكة السماء الدنيا وهي الأولى، ونشير هنا إلى بقية المحطات في سائر السماوات، وهذا يستدعي أبحاثاً موضوعية ليتم البيان للأجيال القادمة، ولئلا تجهل أنوار واسرار أهل بيت العصمة عليهم السلام ، فالجهل يعمي عن الحقائق.

يقول صلی الله علیه واله: ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقالت الملائكة مثل مقالة أصحابهم فقلت: ملائكة ربي هل تعرفوننا حق معرفتنا؟

قالوا: ولم لا نعرفكم وأنتم صفوة الله من خلقه وخزان علمه والعروة الوثقى والحجة العظمى وأنتم الجنب والجانب وأنتم الكراسی وأصول العلم فأقرئ علياً منا السلام.

ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فقالت لي الملائكة مثل مقالة أصحابهم فقلت:


1) بحار الأنوار ج 4 ص 55 وما بعدها.

ملائكة ربي تعر فوننا حق معرفتنا؟

قالوا: و لم لا نعرفكم وأنتم باب المقام و حجة الخصام وعلي دابة الأرض وفاصل القضاء وصاحب العصا قسيم النار غداً وسفينة النجاة من ركبها نجا ومن تخلف عنها في النار تردی يوم القيامة، انتم الدعائم ونجوم الأقطار فلم لا نعر فكم. فأقرئ علياً منا السلام.

ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فقالت لي الملائكة مثل مقالة أصحابهم فقلت: ملائكة ربي تعرفوننا حق معرفتنا؟

فقالوا و لا نعرفكم وانتم شجرة النبوة وبيت الرحمة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة وعلیکم ينزل جبرئيل بالوحي من السماء فأقرئ علياً منا السلام.

ثم عرج بي إلى السماء الخامسة فقالت لي الملائکة مثل مقالة أصحابهم فقلت: ملائكة ربي تعرفونناحق معرفتنا؟

قالوا: ولم لا نعرفكم ونحم نمر عليكم بالغداة والعشی بالعرش وعليه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله وأيده بعلي بن أبي طالب فعلمنا عند ذلك أن علياً ولی من أولياء الله تعالى فأقرئ علياً منا السلام.

ثم عرج بي إلى السماء السادسة فقالت الملائكة مثل مقالة أصحایهم فقلت: ملائكة ربي تعرفوننا حق معرفتنا؟

قالوا: ولم لا نعرفكم وقد خلق الله جنة الفردوس وعلى بابها شجرة وليس فيها ورقة إلا وعليها حرف مكتوب بالنور لا إله إلا الله ومحمد رسول الله وعلي بن أبي طالب عروة الله الوثقى وحبل الله المتين وعينه على الخلائق أجمعين فأقرى

علياً منا السلام.

ثم عرج بي إلى السماء السابعة فسمعت الملائكة يقولون: الحمد لله الذي صدقنا وعده فقلت بما ذا وعدکم .

قالوا: يا رسول الله لما خلقكم أشباح نور في نور من نور الله تعالى عرضت علينا ولا يتکم فقبلناها وشكونا محبتكم إلى الله تعالى فأما أنت فوعدنا بأن يریناك معنا في السماء وقد فعل.

وأما علي فشكونا محبته إلى الله تعالى فخلق لنا في صورته ملكاً وأقعده یمین عرشه على سرير من ذهب مرصع بالدر والجوهر عليه قبة من لؤلؤة بيضاء یری باطنها من ظاهرها وظايرها من باطنها بلا دعامة من تحتها ولا علاقة من فوقها.

قال لها صاحب العرش: قومي بقدرتي فقامت، فکلما اشتقنا إلى رؤية علي نظرنا إلى ذلك الملک في السماء فأقرئ علياً منا السلام(1).

ملاحظة وتنبيه: ما ورد في الحديث المتقدم قد ذكر في أكثر من رواية ومصدر مع بعض الكلمات، ومن ذلك ما روي في تفسير فرات عن جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعنا عن أبي ذر الغفاري رحمه الله قال:

کنت عنذ رسول الله صلی الله علیه واله ذات يوم في منزل أم سلمة رضي الله عنها وساق الحديث نحواً ممامر إلى قوله لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم.

فلما انفتلت من صلاتي وأخذت في التسبيح والتقديس أقبلت إلي شرذمة


1) تتمة الحديث السابق، وقد رواه المجلسي عن كنز جامع الفوائد وهو مخطوط.

بعد شرذمة من الملائكة فسلموا علي وقالوا: يا محمد لنا إليك حاجة هل تقضيها یا رسول الله ؟

فظننت أن الملائكة يسألون الشفاعة عند رب العالي لأن الله فضلني بالحوض والشفاعة على جميع الأنبياء، قلت: ما حاجتکم یا ملائکة ربی؟

قالوا: يا نبي الله إذا رجعت إلى الأرض فأقرئ علي بن أبي طالب منا السلام وأعلمه بأن قد طال شوقنا إليه.

قلت:یا ملائكة ربي هل تعرفوننا حق معرفتنا؟

فقالوا: يا نبي الله وكيف لا نعرفكم وأنتم أول ما خلق الله خلقکم أشباح نور من نور في نور من سناء عزه ومن سناء ملکه ومن نور وجهه الكريم وجعل لکم مقاعد في ملكوت سلطانه وعرشه على الماء قبل أن تكون السماء مبنيةً والأرض مدحیة، ثم خلق السماوات والأرضين في ستة أيام ثم رفع العرش إلى السماء السابعة فاستوى على عرشه وأنتم أمام عرشه تسبحون وتقدسون وتكبرون، ثم خلق الملائكة من نور ما أراد من أنوار شتی وکنا نمر بکم وأنتم

تسبحون وتمحمدون وتهللون وتكبرون وتمجدون وتقدسون فنسبح ونقدس ونمجد ونكبر(1).

أسرار حول خلق الإنسان

قد تقدم البحث في بعض الجوانب حول أسرار الحسين علیه السلام، وقد ذكرنا بعض الإشارات حول ابتداء خلق الأنوار، ومعنى ذلك أن الخلق يمر بمراحل


1) بحار الأنوار ج 40ص 58.

ومحطات، وعرفنا فيما تقدم أن الإنسان هو الأرقى والأسمى من جميع المخلوقات، وعندما نحاول إلقاء الضوء على هذه الحياة نجد أن الإنسان هو النموذج الأرقی من بقية الخلائق.

وقد حمل الله تعالى الإنسان أمانات في هذه الدنيا، وهو مسؤول عنها ومطالب بها، ومن هنا تتفاوت مراتب الأفراد والأشخاص من بني البشر، لذلك ظهر التمييز بين فرد وآخر فيما يتعلق بأداء الأمانات وحملها(1).

وبعد أن خلق الله الإنسان وعبر مراحل النشوء كان التكليف من الله تعالى، ودل هذا التكليف على مرتبة ونتائج ذات أبعاد، ولذا لا بد من البحث حول مراحل حياة الإنسان، وبعد التدقيق وجدنا أن المراحل التي يمر فيها الإنسان تحمل في طياتها حقائق الحياة، وقد بدأت المرحلة الأولى لوجود الإنسان والصنع من تراب، وأما المرحلة الثانية فهي حياته على هذه الأرض، وفي كل من المرحلتين أطوار للإنسان، تكمن فيها أسرار كثيرة، ولذا نجد أن مراحل الإنسان أبعد بكثير من إدراكنا.

وكلما تقدم العقل البشري وجد أسراراً جديدة في تكوين الإنسان وليس السر واحداً، ولذا لا بد من التدقيق في المعرفة حول الإنسان.

وأخفى ما نراه هو امتیاز هذا عن ذاك، والامتیاز حاصل بالوجدان قبل الدليل والبرهان.


1) إشارة للآية الشريفة: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا»[الأحزاب : 72]

وعندما نحاول إلقاء نظرة سريعة على الإنسان نجد أن هناك أسراراً كامنة في ذاته وتكوينه، وهي تبدأ من الظهور منذ تكونه في عوالم الأصلاب(1).

وقد بحث علماء التشريح وأهل الاختصاصات في علم الأجنة الكثير حول تكوين الجنين، وكذلك علماء الفلسفة والأخلاق في جميع الطبقات، وليس بحثنا حول ذلك هنا وإنما نشير للوصول إلى بحث خاص، ومعلوم أن الخاص داخل تحت العموم، ونجد ضمن الخاص خصوص الخاص.

بمعنى أن لكل شيء ممیز صفوة يمتاز بها عن أترابه أو جنسه أو نوعه، فإطلاق لفظ الإنسان يصدق عموماً على كل من توفرت فيه المكونات الإنسانية، لكن يبقى نوع من خصوصيات بين هذا وذاك، بين فرد وآخر، بين جيل وجيل، بين عوامل مرحلية وغير ذلك من الصفات وجهات التمايز، مع اشتراك الجميع في الإنسانية.

الشعاع يدل على مصدر النور

عندما ننظر إلى جميع المحسوسات نجد أن هناك أثراً ومؤثراً ونجد أن المسبب راجع إلى سبب، وهذ أمر وجداني.

ووجود الإنسان من الأمور المشاهدة في هذه الدنيا.

ودون الخوض في الفلسفة فإن لكل موجود موجد ،ووجود الإنسان أوضح دليل على قدرة خالقه.


1) يحسن مراجعة بحثنا حول خلق الإنسان من تراب (مخطوط)، وفيه نوع من التفصيل.

ومهما قيل في غابر الأزمان، أو يقال ما دام الحدثان(1)، فإن كل إنسان هو مخلوق، سواء كان من أسمى أفراد هذا النوع، أو من أدناها.

فالإنسان نوع من أنواع المخلوقات التي لا حد لها ولا حصر، ولكنه نوع مميز، ونجد ضمن أفراده أفراداً ممیزون بخصوصيات لم تتوفر في غيرهم، وإذا أردنا التعرف على هذه الخصوصيات فلا بد لنا من التعرف على بعض الجوانب التي ميزت مثل هؤلاء.

وهنا يمكن القول أن تفاصيل هذه الجوانب أعمق بكثير مما نراه في عوالم المحسوسات.

وقفة عند آية

عندما نقرأ آيات القرآن الكريم نجد الكثير من الآيات التي تتحدث عن الإنسان، ومنها هذه الآيات المباركة:«فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَخُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ»(2).

نقول: لسنا في مجال التفسير أو بيان البلاغة أو تحليلات المختبرات حول ذلك، وإنما نحاول الإشارة إلى ابتداء إظهار الإنسان من عوالم الكتمان إلى مسيرة الحياة في هذه الدنيا.

وتشير الآية المباركة إلى المرحلة الأولى من الأصلاب، وهذه المرحلة تكوينية محسوسة، مع العلم أن هناك مراحل سابقة قبل مجمع التكوين في مستقر


1) إشارة إلى الليل والنهار.

2) الطارق:5-7.

الأصلاب(1).

ومن هذه المرحلة أصبح الإنسان تحت آلات المجهر من المحسوسات، ومن هنا بدأ العلماء من ذوي الاختصاصات باکتشاف أسرار هذا المخلوق کلما تقدم العلم خطوة إلى الأمام، وستبقى هذه الاكتشافات مستمرة طالما أن العقل البشري يبحث عن كنه ذاته.

وهنا نسجل هذه العبارة: سيبقى الإنسان والقرآن متلازمان.

وليس هذا التلازم من باب الإجبار والإلزام القهري، بل هو من باب تطور العقل البشري، حيث لا مناص لإنارة عقل الإنسان إلا ما ورد في القرآن الحکیم، لأن الإنسان امتاز بالعقل وهدايته، وهداية الإنسان محصورة بما جاء في القرآن

الكريم، ومن هنا ورد الأمر في الآية: «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ»(2).

وليس النظر هنا بالعين الباصرة، بل بالبصيرة الباطنة.

وعندما نقرأ الآيات حول خلق الإنسان نتلمس ومضات من أنوار الأسرار،وهي مخبأة تحت رموز الحروف، وتحتاج إلى أشعة كاشفة عن تلك الرموز.

فالآيات حول خلق الإنسان متنوعة الموارد، وفي آيات الصلب إشعاعات ضوئية للفكر والعقل والوجدان، وفيها الخطابات الواضحة بظواهرها للإنسان، ومنها آية بحثنا هنا: «يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ»(3).


1) إشارة إلى عوالم سابقة من تراب وغيره.

2) الطارق: 5.

3) الطارق: 7.

ومن المعلوم أن خروج شيء من شيء فرع وجوده، وهذا يدل بوضوح أن للإنسان وجود ما في عوالم الأصلاب، ومن هذا الوجود يخرج إلى وجود آخر، وهكذا يتدرج من وجود لآخر حتى يتم إنشاؤه خلقاً آخر، محسوساً متكاملاً بكل معاني التكامل.

وهذا ما وردت الإشارة إليه في الأحاديث والروايات: من أصلاب طاهرة.. إلى أرحام مطهرة.

وهنا ندرك الحماية والصيانة من عوالم الأصلاب إلى مراحل خلق الإنسان في الأرحام، فلصيانة هذا المخلوق بهذه الدقة والعناية أبعاد وآثار تظهر عندما يمتلك الإنسان القدرة على التصرف بنفسه ولو بمقدار.

ومن هنا ندرك ما هو أبعد من المحسوسات، حيث تحافظ عناية الخالق على الإنسان طالما أنه لا يمتلك القدرة على التصرف بكل أبعاده، وذلك من عوالم الأسرار إلى عوالم الأنوار، إلى عوالم الأصلاب، فيبقى الإنسان محفوظاً بهذه

العناية .

ويمكن القول حول الإنسان والصلب:

أولاً: لست هنا بصدد التفسير للآيات.

ثانياً: المراد هو معرفة الإنسان عندما يصبح من المحسوسات.

ثالثاً: الإنسان جوهر مستقل، وليس مما تكون منه - کما قیل -، أي أنه ليس من الماء أو صفوة الغذاء أو ما شابه، بل هو من عالم الأمر، وإن كان لهذه الأشياء دور في تكامل جوارحه، فإن الجواهر الثمينة لا بد وأن توضع في أماكن تتناسب معها، والإنسان هو صفوة الأكوان.

وكثيراً ما نجد عند المفسرين والمتخصصين أقوالاً وتحليلات أن الإنسان مكون من كذا وكذا، وقوفاً عند معاني الحروف الجامدة، حيث ذكر الكثير من العلماء أن الإنسان مكون من الغذاء والماء ومن خلايا الأصلاب وما شابه ذلك، لكنا نقول أن هذه الأقوال التي أخذت من تحليلات المختبرات مقصورة على ما هو محسوس وملموس، أما جوهرية الإنسان فليست خاضعة للمختبرات.

نعم نحن نقرأ آیات خلق الإنسان من تراب، وكذلك آيات الاصلاب والأرحام، لكن هذه الآيات المباركة إشارات لتكوين البدن المحسوس، لا جوهر الإنسان.

فإن الإنسان الكامل ليس البدن أو الجسم، بل هو الجوهر المكنون الذي لم تدرك عقولنا حقيقة جوهريته بعد، وإن كنا ندرك بعض آثارها.

ويكفي هنا الإشارة من هذه الآية:«سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ»(1).

فلا يبعد أن يكون مقر الإنسان في الصلب هو محطة من المحطات التي يمر بها الإنسان، وليس کما قيل من أن مصدر خلق الإنسان هو الصلب والترائب(2).

وليس الأمر كما قال أهل التفاسير أيضاً من أنه ماء النطفة(3).

فما نراه من هذه المحسوسات - والله العالم - ما هو إلا وعاء لإظهار هذا المخلوق الذي ظهرت آثاره، وعرفت بعض عوارضه، وليس حقيقة جوهريته،


1) فصلت: 53

2) راجع كتاب أسرار خلق الإنسان للدكتور داوود السعدي من ص 42.

3) راجع نفس المصدر من ص 31.

وإن كان هذا الجوهر يتأثر بما يعرض عليه من الأوعية ومراحل المحطات.

لمحة خاطفة عن ولادة الحسين عليه السلام

بعدما تقدم بيانه، نعود إلى ما يرتبط بالحسين عليه السلام بماله من خصوصية.

لقد دأبت الأقلام ونهج الباحثون أثناء الكتابة على عرضها ضمن مقدمات وأبواب وفصول، لكون ذلك سهلاً على القراء.

ولم نستعمل هذا الأسلوب هنا، لذلك قد ننتقل من موضوع لآخر، وهذا الأسلوب هو أسلوب خاص، ومن هنا نشير إلى أن الكتابة حول الإمام الحسين عليه السلام ليست تحديد موضوع بعينه، لأن ما يتعلق بأهل بيت العصمة علیهم السلام لا يمكن حصره أو تحديده كبقية المواضيع.

وقد تقدم أن الله سبحانه وتعالى قد خلق أهل بيت العصمة قبل جميع الخلائق، وذلك في غامض علمه وفي عوالم الأنوار، ومن هنا كانوا مستودعاً الخزائن الأسرار، وما كان يقاس بهم أحد(1).

وعندما نحاول أن نرسم بعض الكلمات أو الحروف عن الحسين عليه السلام ندرك ونؤمن أن الله تعالى قد خصه بخصائص لم تكن لغيره قط، مع العلم أنهم جميعاً من مصادر النور وخزائن الأسرار، وهم المعصومون الأربعة عشر، سیدهم النبي صلی الله علیه واله مروراً بأبي الأئمة علیه السلام وسيدة نساء العالمين علیها السلام ، إلى بقية الله في أرضه، الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف.


1) إشارة إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام : نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد، راجع مثلاً عيون أخبارالرضا ج 2 ص 71، ومعاني الأخبار ص 179.

وقد ورد في الحديث عن صفية بنت عبد المطلب قالت: لما سقط الحسين علیه السلام من بطن أمه وکنت وليتها قال النبي صلی الله علیه واله: يا عمة هلمي إلى ابني .

فقلت: یا رسول الله إنا لم ننطفه بعد.

فقال له : يا عمة أنت تنظفينه؟ إن الله تبارك وتعالى قد نظفه طهره(1).

نقول: هذه الخصوصية عامة وشاملة لكل أهل بيت العصمة عليهم السلام ، ولهم خصوصیات عديدة أخرى.

وعن صفية بنت عبد المطلب أيضاً، قالت: لما سقط الحسین صلی الله علیه واله من بطن أمه فدفعته إلى النبي صلی الله علیه واله فوضع النبي لسانه في فيه [فمه] وأقبل الحسين على لسان رسول الله يمصه.

قالت: وما کنت أحسب رسول الله یغذوه إلا لبناً أو عسلا.

قال: قال الحسين عليه فقبل النبي بين عينيه ثم دفعه إلي وهو يبكي ويقول: لعن الله وقوماً هم قاتلوك يا بني، يقولها ثلاثاً.

قالت: فقلت: فداك أبي وأمي ومن يقتله؟

قال: بقية الفئة الباغية من بني أمية لعنهم الله(2).

إن الحديث عن سيدي شباب أهل الجنة فوق إدراك أهل الأرض مهما قدرت عقولنا، لأنه لا يمكن لعقل بشري على هذه الأرض معرفة أسرار الذين اختارهم الله قبل ابتداء الخلائق إلا بمقدار ما يترشح علينا من أنوارهم، ومن هنا


1) أمالي الصدوق ص 199، وعنه بحار الأنوار ج43 ص 243.

2) المصدر السابق.

نقف عاجزين.

وينبغي أن نتعرف ولو بمقدار ما نملك على مدى ارتباط الانسان بين الأرض والسماء.

إن المسيرة الحياة على هذه الأرض ما يناسب طبيعتها، وأما وجود الإنسان في السماء فله نمط آخر، فإن إظهار الولادة على هذه الأرض مما يتناسب وطبيعة هذه الدنيا التي يمتحن فيها الإنسان، سواء فيما يتعلق بفكره أو اعتقاده أو ممارسة عمله .

من هنا ينال الإنسان ما يستحقه بعمل ضمن موازين ومناهج رسمها له خالقه سبحانه.

وقد نشأ الحسين عليه السلام في مراحل الطفولة في حضن جده صلی الله علیه واله ، كذلك كان في بيت يزوره جبرائيل والملائكة عليهم السلام .

وقد نقف حيارى عندما نقرأ ما جاء حول الحسين عليه السلام ، ونشير هنا إلى بعض الأحاديث.

عن الإمام الصادق عليه السلام : إن الحسين بن علي لما ولد أمر الله عزوجل جبرئيل أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنی رسول الله صلی الله علیه واله من الله عزوجل ومن جبرئيل(1).

وروي عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: ولد الحسين بن علي لخمس ليال


1) بحار الأنوار ج43 ص 243، والحديث طويل وفيه قصة شفاء فطرس.

خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة(1).

وهناك الكثير من الأحاديث حول ولادته علیه السلام ، وهنا نكتفي بالإشارة .

نماذج من فضائله عليه السلام

من كانت الأنوار من فضائله، كيف تحصيها الأقلام عددا؟

ومن كانت الأسرار من معادنه، كيف تدركه أفكار محبيه؟

ولكن نحاول هنا رسم بعض الحروف، لعلها تكون لنا حاجزاً يوم الحتوف.

عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلی الله علیه واله وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم وعلى فخذه الأیمن الحسين بن علي وهو تارة یقبل هذا وتارة يقبل هذا إذ هبط جبرئيل بوحي من رب العالمين.

فلما سری عنه قال أتاني جبرئيل من ربي فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: ست أجمعها لك فافد أحدهما بصاحبه فنظر النبي صلی الله علیه واله إلى إبراهيم فبکی ونظر إلى الحسين فبکی وقال: إن إبراهیم أمه أمة و متى مات لم يحزن عليه غيري وأم الحسين فاطمه وأبوه علي ابن عمي لحمي ودمي ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمي وحزنت أنا عليه وأنا أوثر حزني على حزنهما یا جبرئيل يقبض إبراهيم فديته للحسين.

قال فقبض بعد ثلاث فكان النبي صلی الله علیه واله : إذا رأى الحسين علیه السلام مقبلاً قبله


1) المصدر ص260.

وضمه إلى صدره ورشف ثناياه وقال فدیت من فديته بابني إبراهيم(1).

هذه النماذج من الأحاديث التي يجب على كل مؤمن في هذه الدنيا أن يتبصر بها ويتفهم مضامينها الرفيعة التي تدل على مضامين الأسرار التي استؤمن على حملها الحسين عليه السلام، وهي تدل بوضوح على حمل الأمانات التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام، فإن الواقع العملي للحسين عليه السلام في كل المراحل والأدوار والمنعطفات التي مر بها علیه السلام هي منارات هداية مرسومة من ابتداء الخلائق إلى يوم القيامة.

وهنا نقرأ هذا الحديث الشريف: قالت فاطمة علیها السلام : یا رسول الله هذان ابناك فانحلها.

فقال رسول الله صلی الله علیه واله : أما الحسين فنحلته هيبتي وسؤددي وأما الحسين فنحلته سخائي وشجاعتي (2).

وعندما نبحث في سيرة الحسين علیه السلام ونقرأ الواقع العملي، نجد أن كل ما قيل في الأحاديث الشريفة قد حصل على أرض الواقع، ونجد ضمن هذه الأحاديث عمومات و خصوصیات

منها ما عن الإمام الرضا عن آبائه علیهم السلام قال: قال النبي صلی الله علیه واله: الحسین والحسین خير أهل الأرض بعدي وبعد أبيها وأمهما أفضل نساء أهل الأرض(3).

من هنا نجد أن كل الفضائل قد تجمعت في الحسين عليه السلام واستمرت الى يوم


1) بحار الأنوار ج43 ص 261 عن مناقب ابن شهر آشوب.

2) الخصال ص 77، وعنه بحار الأنوار ج43 ص 264.

3) عيون أخبار الرضا ج 2ص 67، وعنه بحار الأنوار ج43 ص 264.

النشور.

وعن حذيفة بن اليمان، قال: رأيت النبي صلی الله علیه واله آخذاً بيد الحسين بن علي عليه السلام وهو يقول: يا أيها الناس هذا الحسين بن علي فاعرفوه فو الذي نفسي بيده إنه لفي الجنة ومحبيه في الجنة ومحبي محبیه في الجنة(1).

وعندما نتأمل ونتدبر مثل هذا الحديث الشريف عمن لا ينطق عن الهوى، وعن تلقي وهو في سدرة المنتهى، وخطابه لجمیع الناس، وكان الحسين لم يتجاوز السنوات الخمس تقريباً، ويعرف بالحسين عليه السلام إلى يوم القيامة، ويوم الفصل والحشر، يوم يحشر الناس إلى الجنة زمرا، ويحشر أفواج إلى جهنم زمراً ويدخل الجنة محبي محب الحسين.

فأي أسرار يحملها الحسين عليه السلام ؟ وأي أنوار تضيء الجنة؟

نتمثل بقول أبي الحسنين: إليک عني يا دنيا .. أين الأمم الذين فتنتهم بز خارفك.. لأقمت عليک حدود الله في عباد غررتهم بالأماني وأمم ألقيتهم في المهاوي وملوك أسلمتهم إلى التلف(2).

وقفة متيم عند باب الحسين

كلما أردت أن أسير ولو خطوة إلى الأمام أجدنفسي مشدوداً إلى الابتداء .

وإن كثيراً ممن كتب عن الحسين عليه السلام كتب عما بعد مسيرته الغراء، ولكن يشدني الشوق الى الابتداء.


1) الأمالي للصدوق ص 693، وعنه بحار الأنوار ج 43 ص 262.

2) يحسن مراجعة النهج لمن يسلك النهج القويم، ج3 ص74.

ومن هنا يلفنا العجز، ونجد كل الصعوبات في باب الابتداء.

وحاولت تكرار السؤال على نفسي: هل تكون نتائج الحياة عن الانتهاء ام عند الابتداء ؟

وقفت عاجزاً عن الجواب!

ما المراد من الابتداء

عندما نقرأ بعض الجوانب من خريطة الحياة، نجد أن الابتداء جاء من عوالم السماء وخاصة ابتداء خلق الإنسان، ونجد أن كل ما في الأكوان مسخر - بشكل ما- للإنسان، وقد أهبط الإنسان للأرض بعد أن أصبحت مهيأة لحياته عليها.

من هنا ندرك أن ابتداء الإنسان لم يكن على هذه الأرض، إنما كانت ممارسة حياته العملية عليها.

وابتداء الإنسان بمثابة الأساس الذي يبنى عليه، وبقدر متانة الأساس يثبت البنيان، ویهنا الإنسان.

لذا لا بد من إدراك متانة الابتداء حتى لا يفاجأ العقلاء عند الانتهاء، وليس بناء الإنسان كبناء سائر المحسوسات، بل هو بناء فريد مميز ليس له مثيل مهما قال المحللون، فلا بد من وقفة فيها شيء من التدبر حول ما هو الابتداء، وهذه العبارات يدرك معانيها العقلاء، وليست للذين أخبر الله عنهم: «ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ»(1).

فالعلم الحقيقي هو معرفة الابتداء قبل الوصول إلى حافة الانتهاء .


1) النجم: 30.

ونكرر ههنا الوقوف عند باب الحسين عليه السلام، بين الابتداء ومسيرة الحياة والانتهاء، ويتضح المرام عندما نرسم حروف هذا الحديث، فعن عبد الرحمان بن كثير الهاشمي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، من أين جاء لولد الحسين الفضل على ولد الحسن وهما يجريان في شرع واحد؟

فقال: لا أراکم تأخذون به، إن جبرئيل عليه السلام نزل على محمد صلی الله علیه واله وما ولد الحسين بعد قال له: يولد لك غلام تقتله أمتک من بعدك.

فقال: يا جبرئيل لا حاجة لي فيه.

فخاطبه ثلاثاً ثم دعا علياً فقال له: إن جبرئيل عليه السلام یخبرني عن الله عزوجل أنه يولد لك غلام تقتله أُمتك من بعدک.

فقال: لا حاجة لي فيه يا رسول الله .

فخاطب علياً عليه السلام ثلاثاً ثم قال: إنه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخرانة، فأرسل إلى فاطمة عليه السلام أن الله يبشرک بغلام تقتله أمتي من بعدی.

فقالت فاطمة : ليس لي حاجه فيه يا أبه.

فخاطبها ثلاثاً ثم أرسل إليها: لا بد أن يكون فيه الإمامة والوراثه و الخزانة.

فقالت له: رضيت عن الله عزوجل، فعلقت وحملت بالحسين فحملت ستة أشهرثم وضعته ولم يعش مولود قط لستة أشهر الحسين بن علي وعیسی ابن مريم علیه السلام فکفلته أم سلمة.

وكان رسول الله يأتيه في کل يوم فيضع لسانه في فم الحسين عليه السلام فيمصه حتى يروى فأنبت الله تعالى لحمه من لحم رسول الله صلی الله علیه واله ولم يرضع من

فاطمة علیهما السلام ولا من غيرها لبنا قط فلما أنزل الله تبارك وتعالى فيه:«وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي»(1)فلو قال أصلح لي ذریتی کانوا کلهم أئمة لكن خص هكذا(2).

عندما نقرأ بعض الأحاديث وبعض الآيات فلا ينبغي أن نجعل أنفسنا میزاناً لها، لأنا لا ندرك العلل والأسباب والنتائج البعيدة.

لذلك يمكن القول أن حقائق الابتداء وما يترتب عليه من نتائج للإنسان العادي فوق تقديراتنا وأبعد من تفسيراتنا، وليس كل من عرف ظواهر شيء أو أمر من الأمور عرف بواطنه وأسراره وعلله ونتائجه، فالأكوان كلها أسرار وإن ظهر منها لمعات وإشارات، ويكمن وراء كل ما نشاهد من الظواهر أسرار وبواطن بدءً من الذرة إلى المجرة.

وعند التأمل جيداً نجد أن ابتداء هذا الانسان المكون من لحم وعظم وماء وغير ذلك كان من الأسرار، وكل ظواهر الوجود دالة على الواحد المعبود.

وعندما نتلمس خصوصية أو خصوصیات في مخلوق معين نعلم أن ذلك الحكمة بالغة خص بها، وقد ندرك جانباً من الحكمة وقد لا نعرف عنها شيئاً.

فکل میسر لما خلق له(3)..«قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ»(4).. وكل إناء


1) الأحقاف: 15.

2) علل الشرائع ج1 ص206، وعنه بحار الأنوار ج 43 ص 245.

3) التوحيد للصدوق ص 356.

4) الإسراء 84.

بالذي فيه ينضح.. فسبحان الذي يخص من يشاء..« وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ»(1)...

ونعود للإبتداء..

يقول ذوو الاختصاصات أن جودة الثمرة تعود إلى عذوبة وصفاء الماء، فعندما تغرس في تربة صالحة، وعندما تصان بالعناية المطلوبة، وعندما يتوفر المناخ الجيد الملائم، ومع توفر الشروط والتوفيق تصبح الشجرة ثابتة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، عندئذ تؤتي أكلها كل حين بإذن بارئها وغارسها.

وقد اجتمعت في تكوين ذرات تراب هذا الإنسان وخلايا تكوينه كل ما يمكن أن يقال حول خواص التراب والماء، وما يحمل قبل التصفية والاصطفاء، فما نراه في عوالم المحسوسات عائد إلى غلبة تكوين ابتدائه، سواء من معادن متنوعة وأشجار شتی وحيوان وإنسان، فكلها تعود إلى ابتداء البنيان، وما بني على صحيح فهو صحيح، والعكس أيضاً.

وقد قيل في المثل الشعبي: الديك الفصيح، من البيضة يصيح.

وهنا يحسن القول: أن التاريخ يكتب من الابتداء وليس من الانتهاء، فالانتهاء نتيجة حاصلة، فيا حبذا لو بحثنا وكتبنا عن أساس الابتداء لكل ظاهرة من ظواهر الحياة.

ونورد ههنا هذا الحديث، ولكل حديث من أحاديث أهل بيت العصمة عليهم السلام أبعاد فيها إشارات ومعطيات ترسم لنا الكثير من مسيرة الحياة، لأنه ليس لوجود الإنسان انتهاء، وإن كان يمر ضمن محطات من مرحلة لأخرى،


1) فصلت 46.

ومن منعطف لآخر.

وقد ألمحنا أكثر من مرة إلى أن بدء تكوين الإنسان كان من ذرات، وتنقل من صلب لآخر حتى استقر مدة على هذه الأرض، وهو يمتلك نوعاً من قدرة ويتصرف بنوع من اختيار، وليست هذه الدنيا هي محطته الأخيرة، بل ثبت أنه ينتقل بعد حياته في هذه الدنيا إلى عالم آخر يسمى عالم الآخرة، وتلك هي مرحلة الثواب والعطاء.

من هنا نحاول التعرف على حقائق الابتداء قبل الوصول لجوائز العطاء.

وقد ورد في الحديث في تأويل قوله تعالى: «وَوَصَّينَا الإنسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحسَاناً»(1)قال: الاحسان رسول الله صلی الله علیه واله وقوله«بوالديه»إنما عنى الحسن والحسين عليهما السلام ثم عطف على الحسين عليه السلام فقال:« حملته أمه کرها ووضعته کرها»وذلك أن الله أخبر رسول الله صلی الله علیه واله وبشره بالحسين عليه السلام قبل حمله، وان الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة، ثم اخبره بما يصيبه من القتل والمصيبة في نفسه وولده، ثم عوضه بان جعل الإمامة في عقبه، وأعلمه انه يقتل ثم يرده إلى الدنيا وينصره حتى يقتل أعداءه ويملكه الأرض، وهو قوله «ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض»الآية، قوله:«ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ».

فبشر الله نبيه صلی الله علیه واله أن أهل بيتك يملكون الأرض ويرجعون إلى الدنيا ويقتلون أعداءهم، وأخبر رسول الله صلی الله علیه واله فاطمة عليها السلام بخبر الحسين وقتله


1) الأحقاف:15، وقد تقدم جانب من الآية وهنا مطلعها، وتتضمن أسراراً بليغة إضافة إلى المعنى الظاهر.

فحملته کرها.

ثم قال أبو عبد الله علیه السلام : فهل رأيتم أحداً يبشر بولد ذكر فتحمله کرها أي انها اغتمت وكرهت لما أخبرها بقتله، ووضعته کرها لما علمت من ذلك وكان بين الحسن والحسين عليهما السلام طهر واحد، وكان الحسين عليه السلام في بطن أمه ستة اشهر وفصاله أربعة وعشرون شهرا وهو قول الله :«وحمله وفصاله ثلاثون شهرا»(1).

من نماذج الأسرار الواقعية

عندما أحاول أن أرسم بعضاً من الحروف والكلمات حول أسرار الحسين علیه السلام أجد في سيرة الحسن والحسين عليهما السلام ما لا حصر له في بطون الكتب والأحاديث، ويجد الباحث لهذه الأسرار واقعاً عملياً عبر الأزمان، خاصةً عندما يتابع التنقيب والبحث فيما ورد عن سيد الكائنات صلی الله علیه واله في حق الحسن والحسين عليهماالسلام، وما نذكره ليس إلا نموذج وإشارات لمن يريد النجاة، فسيرتهما غنية عن التعاريف.

وإنما نحاول الربط بين القلوب المؤمنة وصمام الأمان، وهم أهل بیت العصمة، ومصدر هذا الارتباط ما جاء عن سيد الأنبياء صلی الله علیه واله وخاصة في المراحل المتقدمة.

وتظهر حقائق الأسرار عندما نقرأ المراحل المتأخرة التي حصلت وتحققت على أرض الواقع فعلاً، فعندما نقرأ بتدبر ما قاله صلی الله علیه واله عن الأئمة عليهم السلام نجد أن ذلك قد حصل بالفعل، وليس مجرد مدح أو حب.. وهذا يستدعي أن نتبصر


1) تفسير القمي ج 2 ص 297، وعنه بحار الأنوار ج43 ص 246.

ونبحث بتدبر لئلا يتيه بنا الخيال والأهواء النفسية أو الضلالية .

ونقرأ هذا الحديث - وأقصد قراءة القلوب والأرواح والعقول - أما قراءة اللسان فلم يحرم منها أحد حتى الأمي.

عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خرج علينا رسول الله صلی الله علیه واله آخذا بید الحسن والحسين عليهما السلام فقال: إن ابني هذين ربيتهما صغيرين، ودعوت لهما كبيرين وسألت الله تعالى لهما ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدةً.

سألت الله لهما أن يجعلها طاهرين مطهرين زكيين فأجابني إلى ذلك.

وسألت الله أن يقيهما وذريتهما وشيعتهما النار فأعطاني ذلك.

وسألت الله أن يجمع الأمة على محبتهما فقال: يا محمد إني قضیت قضاءً وقدرت قدراًوإن طائفةً من أمتک ستفي لك بذمتك في اليهود والنصاری والمجوس وسيخفرون ذمتك في ولدك، وإني أوجبت على نفسي لمن فعل ذلك ألا أحله محل کرامتي ولا أسكنه جنتي ولا أنظر إليه بعين رحمتی إلى يوم القيامة(1).

وقفة على أبواب الأسرار

يظهرها الليل والنهار .. .

فإن أسرار أهل بيت العصمة لا تلامسها الأفكار، وقد تأتي أجيال عبر الزمن تكتشف ذلك فعلاً لا قولاً.

إن أفكارنا في هذه الأزمنة قد انغمست في أوحال هذه الدنيا، إلا من عصمه


1) الأمالي للمفيد ص79، بحار الأنوار ج43 ص276، وينبغي على ذوي العقول أن يقرؤوا الواقع بتجرد.

الله، وهنا يحسن القول: إن العصمة من الذنوب تفتح للفكر اسرار القلوب.

هنا نرسم حروف و کلمات هذا الحديث، والحديث باختصار وتصرف.

قال الإمام الحسن والحسين عليهما السلام لأمهما عندما أدركها العيد: قد زینوا صبيان المدينة إلا نحن فما لك لا تزينينا؟

فقالت:ثیابکما عند الخياط فإذاأتاني زینتکما.

فلما كانت ليلة العيد أعادا القول على أمهما فبكت ورحمتهما فقالت لهما ما قالت في الأولى فردا عليها.

فلا أخد الظلام قرع الباب قارع فقالت فاطمة من هذا؟

قال: يا بنت رسول الله أنا الخياط جئت بالثياب .

ففتحت الباب فإذا رجل ومعه من لباس العيد، قالت فاطمة : والله لم أر رجلاً أهيب شيمةً منه فناولها مندیلاً مشدوداً ثم انصرف.

فدخلت فاطمه ففتحت المنديل فإذا فيه قميصان ودراعتان و سرالان ورداءان وعمتان وخفان أسودان معقبان بمحرة، فأيقظتهما وألبستهما ودخل رسول الله وهما مزينان فحملهما وقبلهما.

ثم قال : رأيت الخياط؟

قالت: نعم يا رسول الله، والذي أنفذته من الثياب .

قال: يا بنية ما هو خياط إنما هو رضوان خازن الجنة .

قالت فاطمة : فمن أخبرک یا رسول الله ؟

قال: ما عرج حتى جاءني وأخبرني بذلك(1).

نقول: إن رشحات الأسرار يتلمسها الأتقياء الأبرار، وإن الأحاديث التي وصلت إلى هذه الأمة من الرسول و آله الكرام ما هي إلا رشحات من فيض لا حدود لأطرافه، ومع ذلك فهي تجل عن الحصر، وفوق أرقام الأعداد .

وعندما نشير بحديث هنا أو هناك نحاول تنبيه عقولنا، فما نراه من الآيات والروايات ما هو إلا إعطاء دروس لهذه الأمة لئلا تتلهى بزخارف هذه الدنيا، و آیات سورة الإنسان مثلاً والتي منها: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا*إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا»(2)

وغيرها من الآيات في القرآن المجيد، ما هي إلا ومضات لتضيء أمام القلوب والأفكار طريق الحياة.

فالأسرار التي تشير إليها ما هي إلا ربط للإنسان بين واقع الأرض وفيض السماء، ليقتدي الإنسان بالأبرار، لعله ينجو من عذاب النار، ولقد قيل :

تشبهوا إن لم تكونوا مثلهم * إن التشبه بالكرام فلاح

وعن الحسن البصري وأم سلمة: أن الحسن والحسين دخلاعلى رسول الله صلی الله علیه واله وبين يديه جبرئيل فجعلا يدوران حوله یشبهانه بدحية الكلبي فجعل جبرئيل يومي بيده کالمتناول شيئاً فإذا في يده تفاحة وسفرجلة ورمانة فناولهما وتهلل وجهاهما وسعيا إلى جدهما فأخذ منها فشمهما ثم قال: صيرا إلى أمکما بما معکما وابداءَا بأبیکما


1) راجع مناقب ابن شهر آشوب ج3 ص 391، وعنه بحار الأنوار ج43 ص 289.

2) الإنسان: 8-9.

فصارا کما أمرهما فلم يأکلوا حتى صار النبى إليهم فأكلوا جميعاً فلم يزل کلما أكل منه عاد إلى ما كان حتى قبض رسول الله صلی الله علیه واله.

قال الحسين عليه السلام : فلم يلحقه التغيير والنقصان ایام فاطمة بنت رسول الله حتى توفيت فلما توفيت فقدنا الرمان وبقي التفاح والسفرجل أيام أبي.

فلما اشتشهد أمير المؤمنين فقد السفرجل وبقي التفاح على هيئه عند الحسن حتى مات في سمه.

وبقيت التفاحة إلى الوقت الذي وحوصرت عن الماء فكنت أشمها إذا عطشت فيسکن لهب عطشی.

فلما اشتد علي العطش عضضتها وأيقنت بالفناء.

قال علي بن الحسين عليه السلام : سمعته یقول ذلك قبل مفتله بساعة فلما قضى نحبه وجد ريحها في مصرعه فالتمست ولم ير لها أثر فبقي ريحها بعد الحسین.

ولقد زرت قبره فوجدت ريحها تفوح من قبره.

فمن أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر فيلتمس ذلك في أوقات السحر فإنه يجده إذا كان مخلصا(1).

إن للحسين عليه السلام خصوصيات لم تدركها الأفكار ولا العقول بعد، ومن ذاق عرف، ومن غاص اغترف.

فإن النار ليس تمس جسماً* عليه غبار زوار الحسين

فكيف بمن يشم؟ وروحه تذوق؟ وعينه تدمع؟!


1) راجع مناقب ابن شهر آشوب ج3 ص 391.

خير الخلائق

يؤخذ الحديث عن الفضائل من مصدره، وكلما توغلنا في البحث عن أسرار بيت العصمة عليهم السلام نجد ما لا حصر لحدوده، والحديث عن أسرار الحسين عليه السلام هو حديث عن أهل بيت العصمة جميعهاً، وليس في الوجود قط خير منهم، وذلك ثابت بنصوص لا تنتهي، منها ما قاله صلی الله علیه واله عندما وجد الحسن والحسين في حظيرة بني النجار وهما طفلان(1)، ثم قال صلی الله علیه واله في حق الحسن والحسين علیهما السلام قولاً جامعاً في الدنيا والآخرة:

والله لاشرفنهما اليوم بما شرفهما الله، فخطب فقال: يا أيها الناس أ الا أخبركم بخير الناس جداً و جدة؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: الحسن والحسين جدهما رسول الله وجدتهما خديجه بنت خویلد .

ألا أخبركم أيها الناس بخير الناس أباً وأما؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: الحسن والحسين أبوهما علي بن أبي طالب وأمهما فاطمه بنت محمد.

ألا أخبركم أيها الناس بخير الناس عماً عمة؟

قالوا: بلى يا رسول الله .

قال: الحسن والحسین عمهما جعفر بن أبي طالب وعمتهما أم هاني بنت أبي طالب.


1) والقصة مشهورة عندما ناما هناك.

ألا يا أيها الناس ألا أخبرم بخير الناس خالا وخالة؟

قالوا: بلی یا رسول الله.

قال: الحسن والحسين خالهما القاسک بن رسول الله وخالتهما زينب بنت رسول الله صلی الله علیه واله.

ألا إن أباهما في الجنة وأمهما في الجنة وجدهما في الجنة وجدتهما في الجنة وخالهما في الجنة وخالتهما في الجنة وعمهما في الجنة وعمتهما في الجنة وهما في الجنة ومن أحبهما في الجنة ومن أحب من أحبهما في الجنة(1).

وهنا تكفي هذه الإشارة: قال رسول الله صلی الله علیه واله: ليلة عرج بي إلى السماء رأيت إلى باب الجنة مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله صلی الله علیه واله على حبيب الله الحسن والحسين صفوة الله فاطمة أمة الله على باغضيهم لعنه الله(2).

الأسباب والمسببات

من الثابت عند أصحاب الإدراك وذوي العقول أن لكل ما في هذه الأرض من نبات و حیوان وإنسان سبب من السماء، والسماء مصدر العطاء والصفاء، ومن الثابت أيضاً أن النبي صلی الله علیه واله قد عرج إلى السماء، وقد تغذى من أثمار الجنة كما يتناول الغذاء كل إنسان على هذه الأرض، وللغذاء دور في دورة حياة الإنسان، وبقدر جودته يكون الإنسان سليماً.

وقد أصبحت هذه المعاني من البديهيات، خاصة بعد تقدم العلوم ونتائج


1) بحار الأنوار ج 43 ص 302.

2) بحار الأنوار ج 43 ص 303.

المختبرات، وقد أثبت العلماء والباحثون أن النطفة تتكون في أصلاب الرجال من الغذاء، وتحمل الكثير من خصائص الوراثة، وقد أصبح علم الوراثة من أدق وأجل العلوم، ولم يبق هذا العلم في غياهب المجهول.

من هنا نجد أن العلوم السماوية التي جاء بها الأنبياء والرسل والأولياء عليهم الصلام والسلام قد تعرضت لتعاليم حول الغذاء ونوعياته وشروطه، صوناً وحفاظاً على النطفة، حتى يتكون بسببها بدن الإنسان، وتحمل المورثات في مسيرة الحياة.

ولذا نجد أن التعاليم الدينية السماوية الحقة قد ركزت كثيراً على الصون والصيانة والحفظ والمحافظة، لأجل أن يأتي أفراد الإنسان إلى هذه الدنيا بأرقی أنواع السلامة من العاهات والانحرافات.

وبعد التدقيق والأبحاث المتنوعة يتبين أن سلامة الإنسان أو تشوهاته تبدأ من ابتداء تكوين النطفة، لذلك كان لا بد من العناية الفائقة من الأبوين، وقد ورد في ذلك ما لا حصر له حول الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة.

حتى أن الإرضاع الجنين وتغذيته - فضلاًعن تكوينه - دوراً مهماً في نشوء الطفل الرضيع.

إذاً لا بد من العناية واختيار الغذاء منذ بدء تكوين النطفة ومروراً في الأصلاب والأرحام، ليصبح الإنسان سليماً معافیً نظيفاً، ثم مروراً بالتصرفات، إكمالاً لدورة الحياة.

ولا شك أن غذاء الجنة من فواكه وأشجار لا يقاس بما في الأرض.

وقفة عند حديث من أحاديث المعراج

إن أحاديث المعراج مميزة عن أحاديث الأرض، وهذا التميز راجع لخصوصیات کل کوکب بما فيه من طبيعة خاصة، وقد يأتي يوم تتعرف فيه عقول البشر على طبيعة كل كوكب يدور في الأكوان التي لا حدود لها، ولذلك نجد أن كثيراً من الناس يصعب عليهم إدراك المضامين في كثير من أحاديث الإسراء والمعراج.

حكي عن عروة البارقي قال: حججت في بعض السنين فدخلت مسجد رسول الله صلی الله علیه واله فوجدت رسول الله جالساً وحوله غلامان يافعان وهو يقبل هذا مرة هذا أخرى.

فإذا رآه الناس يفعل ذلك أمسکواعن کلامه حتى يقضي وطره منهما وما يعرفون لأي سبب حبه إياهما.

فجئته وهو يفعل ذلك بهما فقلت: يا رسول الله هدان ابناک ؟

قال: إنهما ابنا ابنتي وابنا أخي وابن عمي وأحب الرجال إلي ومن هو سمعي وبصري ومن نفسه نفسي ونفسي نفسه، ومن أحزن لحزنه ويحزن لحزني.

فقل له: قد عجبت یا رسول الله من فعلک بهما وحبک لهما.

فقال لي: أحدثك أيها الرجل: إني لما عرج بي إلى السماء ودخلت الجنة انتهيت إلى شجرة في رياض الجنة فعجبت من طيب رائحتها فقال لي جبرئيل: یا محمد لا تعجب من هذه الشجرة فثمرها أطيب من ريحها، فجعل جبرئيل يتحفني من ثمرها ويطعمني من فاكهتها وأنا لا أمل منها، ثم مررنا بشجرة أخرى فقال لي جبرئیل، یا محمد کل من هذه الشجرة فإنها تشبه الشجرة التي أكلت منها الثمر

فهي أطيب طعماً واذکی رائحةً.

قال، فجعل جبرئيل يتحفني بثمرها ويشمني من رائحتها وأنا لا أمل منها، فقلت: يا أخي جبرئيل ما رأيت في الأشجار أطيب ولا أحسن من هاتین الشجرتين، فقال لي: يا محمد تدري ما اسم هاتین الشجرتين؟

فقلت: لا أدري.

فقال: إحداهما الحسن والأخرى الحسین فإذا هبطت يا محمد إلى الأرض من فؤرك فأت زوجتک خديجة وواقعها من وقتک وساعتك فإنه يخرج منك طيب رائحة الثمر الذي أكلته من هاتين الشجرتین فتلد لک فاطمة الزهراء.

ثم زوجها أخاك علياً فتلد له ابنين فسم أحدهما الحسن والآخر الحسين.

قال رسول الله صلی الله علیه واله: فعلت ما أمرني أخي جبرئيل فكان الأمر ما کان فنزل إلي جبرئيل بعد ما ولد الحسن والحسین فقلت له: يا جبرئيل ما أشوقني إلى تينك الشجرتين، فقال لي: يا محمد إذا اشتقت إلى الأكل من ثمر تينك الشجرتين فشم الحسن والحسين.

قال: فجعل النبي صلی الله علیه واله کلما اشتاق إلى الشجرتين یشم الحسن والحسين ویلثمهما وهو يقول: صدق أخي جبرئيل عليه السلام، ثم يقبل الحسن والحسين ويقول:

يا أصحابي إني أو دأني أقاسمها حياتي لحبي لهما فهما ریحانتای من الدنيا.

فتعجب الرجل من وصف التي صلی الله علیه واله للحسن والحسين فكيف لو شاهد النبي صلی الله علیه واله من سفك دماء هم وقتل رجالهم ذبح أطفالهم ونهب أموالهم وسبی حريمهم؟

أولئك عليهم لعنه الله والملائكة والناس أجمعين «وَ سَيَعلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا

أيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون »(1).

وقفة عند باب حب الحسنين

كلما قرأت هنا أو هناك أقف متأملاً فيما لا حصر له مما ورد عن النبي صلی الله علیه واله حول حبه للحسن والحسين عليهماالسلام، وعندما يجد العاقل هذا الكم الهائل من الأحاديث والمواقف حول حبهما فلا بد له أن يقف ليتدبر سر ذلك.

ويظهر أننا لا ندرك هذا السر بكل أبعاده إلا عندما ينكشف عن بصائرنا الغطاء، وهنا نرسم حروفاً لهذا الحديث الشريف - بحذف الأسانيد - :

عن الإمام الكاظم عليه السلام قال: أخذ رسول الله صلی الله علیه واله بيد الحسن والحسين فقال من أحب هذين الغلامين وأباهما وأمهما فهو معي في درجتي يوم القيامة(2).

وفي حديث آخر: عن سلمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول في الحسن والحسين عليه السلام : اللهم إني أحبهما فأحبها وأحب من أحبهما.

وقال عليه وآله السلام: من أحب الحسن والحسين عليه السلام أحببته ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله عزوجل أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله خلده في النار(3).


1) بحار الأنوار ج43 ص314.

2) کامل الزیارات ص 117 وعنه بحار الأنوار ج43، ص271، أمالي الصدوق ص 299.

3) الإرشاد للمفيد ج2 ص28، وعنه بحار الأنوار ج 43 ص 275، ووردت بعض فقراته في مصادر العامة، من ذلك ما رواه النووي وحسنه في المجموع ج 15 ص353، والشوكاني في نيل الأوطار ج 6 ص 139بل نقل البخاري عن النبي صلی الله علیه واله: انه كان يأخذه (الحسين) والحسن ويقول: اللهم إني أحبها فأحبها، راجع صحيح البخاري ج 4 ص 216، بل تواتر هذا المعنى وما هو أعظم منه عند جميع المسلمين بمختلف مذاهبهم.

من هنا نتلمس - ولو قليلاً - أن أسرار السعادة عند أبواب الحسين علیه السلام .

ولما كانت الخلائق قد عرفت الحقائق من الأنبياء، أمكن لنا أن نتلمس الأسرار من النبي المختار صلی الله علیه واله ، وقد ظهرت هذه الأسرار واقعاً فيما بعد، فعندما نقرأ بعضاً من الأحاديث ندرك شيئاً من تلك الأسرار.

عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: دخلت على النبي صلی الله علیه واله، فإذا الحسين بن علي على فخذه وتفرس في وجهه وقبل بين عينيه وقال: أنت سيد ابن سيد، أنت إمام ابن إمام أخو إمام، أبو أئمة، أنت حجة الله ابن حجة الله، وأبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم(1).

یدلنا هذا الحديث مع عدد غفير من الأحاديث بمعانيه على كثير من أنوار الأسرار التي استقر مجمعها عند باب الحسين عليه السلام، وهو الباب الأوسع، ومنه تدخل الإنسانية لحفظها في الدارين، فهو السيد واقعاً، وهو أبو السادة فعلاً، وأبو الأئمة نصاً، وأبو الحجج نجاةً، وباسمه يكون صلاح الأرض، وعدالته على يدي القائم المنتظر عجل الله فرجه.

من هنا نتلمس جوانب الأسرار، من أحاديث النبي المختار، وسلام الله عليهم في كل ليل ونهار، وإظهار وأستار.

للحسين عليه السلام سير في القلوب

ولهذا السر آثار على أهل السماء قبل أهل الأرض، وقد نطق بهذا المعنى


1) کتاب سلیم بن قیس ص 460، الخصال للصدوق ص 475، بحار الأنوارج43 ص 295.

المخالف والمؤالف، وهنا نذكر حادثة تتضمن الكثير من واقعة أهل الأرض.

عن الرضا عن آبائه علیهم السلام : قال رسول الله صلی الله علیه واله: من أحب أن ينظر إلى أحب أهل الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى الحسين.

رواه الطبریان في الولاية والمناقب والسمعاني في الفضائل بأسانيدهم عن إسماعیل بن رجاءٍ وعمرو بن شعيب أنه مرالحسين على عبد الله بن عمرو بن العاص فقال عبد الله: من أحب أن ينظر إلى أحب أهل الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى هذا المجتاز، وما كلمته منذ ليالي صفين فأتی به أبو سعيد الخدري إلى الحسين عليه السلام فقال الحسين: أتعلم أني أحب أهل الأرض إلى أهل السماء وتقاتلني وأبي يوم صفين؟ والله إن أبي لخیر مني.

فاستعذر وقال إن النبي صلی الله علیه واله قال لي: أطع أباك.

فقال له الحسين علیه السلام: أما سمعت قول الله تعالى «و إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما»وقول رسول الله صلی الله علیه واله : إنما الطاعة في المعروف، وقوله: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق(1).

ماذا ندرك من هذا الحديث؟

نقول وبه نستعين: لقد تضمن الحدیث جوانب مهمة جداً ولسنا بصدد شرحها ههنا، وإنما نقف عند جانب يتعلق بمسيرة حياتنا، وهو أنه ليس كل من عرف شيئاً التزم بتطبيقه، وهذا ما نجده على مر العصور والدهور.

إن عمرو بن العاص يعرف أن الحسين عليه السلام هو الإمام المفترض الطاعة،


1) مناقب آل أبي طالب ج3 ص 228، وعنه بحار الأنوار ج43 ص297.

وهو حبیب الله في السماء والأرض، ومع ذلك لم نجده وقف يوماً مع أهل الحق، وقصة عبد الله بن عمر مشهورة عندما بايع الحجاج.

والجانب الآخر أنه لا بد من أخذ العبرة مما قاله الحسين عليه السلام : إنما الطاعة في المعروف، وقوله: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

من هنا ندرك بالوجدان أن الله تعالى قد اختار أهل البيت عليهم السلام لهداية البشرية على وجه الأرض، وندرك أيضاً أن النبي صلی الله علیه واله عندما يأخذ الحسنين عليهما السلام بيديه ويخاطب الناس بفضلهما وعلو شأنها وإظهار حبه لهما، كل ذلك لتوجيه الناس إلى التمسك بهما في حياة الأمة. وقد شهد بذلك الأعداء، والفضل ما شهدت به الأعداء(1).

علم وأسرار

إن للبحث والتنقيب حول أسرار الحسين عليه السلام ارتباط بالابتداء والانتهاء، والمقصود ابتداء خلق الأنوار، وانتهاء هداية الإنسان، ولا تعرف هذه المعاني ولا تكتشف بغير العلم، ونقصد بالعلم ما يحرز من علام الغيوب، حيث ثبت بالوجدان فضلاً عن البرهان أن عوالم السماء هي مصدر كل شيء بما في ذلك المخلوقات، لذلك نجد أن أسرار الحسين علیه السلام قد بدأت من تلك العوالم واستمرت الى ما شاء الله محصورة بالحسين علیه السلام.

وهنا نشير إلى بعض هذه الأحاديث حول ذلك، فقد روي مرفوعا إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله : ليلة عرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنة


1) كل العداوة قد ترجى أمانتها * إلا عداوة من عاداك عن حسد

مکتوبا لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلی الله علیه واله، على حبيب الله، الحسن والحسين صفوة الله، فاطمة أمة الله، على باغضيهم لعنة الله.

وعن عمر: سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول: إن فاطمة وعلیاً والحسن والحسين فی حظيرة القدس، في بقة بيضاء سقفها عرش الرحمن عز وجل(1).

وعن جابر قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله : إن الجنة تشتاق إلى أربعة من أهلي قد أحبهم الله وأمرني بحبهم علي بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدي صلوات الله علیهم الذي يصلي خلفه عیسی بن مریم علیه السلام (2).

ندرك من هذا الحديث استمرار أسرار الحسين عليه علیه السلام، حيث يكون اصلاح البشرية في آخر الزمان على يد المهدي المنتظر عجل الله فرجه، الذي يكون شعاره یا لثارات الحسين.

فإن إدراك العلم في ابتداء أنوار الحسين علیه السلام وأنه وأخوه الإمام الحسن عليه السلام صفوة الله على باب الجنة، وفي ذلك إشارة إلى أن أسرار الحسين عليه السلام مستمرة من الناحية العملية إلى آخر الحياة.

من هنا وجب علينا معرفة العلم وتلمس الأسرار، لأنه لا يمكن معرفة أنوار الأسرار دون علم، ولا نقصد هنا العلم المصطلح عليه بحسب العرف، وإنما نقصد ما أراده الله للإنسان من العلم الموصل إليه من باب مدينة العلم، وغيره ليس بعلم.


1) بحار الأنوار ج 43 ص 303.

2) بحار الأنوار ج43 ص 304.

علم الأئمة من علم الله تعالی

كثيراً ما تمر في أذهاننا أحاديث حول العلم، وقد نتعجب من بعضها وقد نتوقف في البعض الآخر، ولكن عندما نمعن النظر بتدبر قد يزول مثل هذا التعجب، وذلك عندما ندرك أن الله سبحانه وتعالى قد أودع علوم الأولين والآخرين عند نبيه صلی الله علیه واله ، فإن ذلك يسهل على أذهاننا.

فإن الله سبحانه وتعالى لا يباشر التعاطي مع العباد، وإنما أوكل ذلك للأنبياء والرسل والأولياء علیهم السلام، وهذا أمر حاصل وواقع، وقد أودع النبي محمد صلی الله علیه واله أبواب هذه العلوم عند الحجج عليهم السلام ، وبهذا أصبح الأئمة حججاً .

وبمعنی - بسیط - فإنهم حجة على الخلائق بين يدي الله سبحانه(1)، ولولا ذلك لم يكن لهم حجة، والله سبحانه - بحكم العقل - لا يعبد بالجهل والخطأ، ولولا العلم الحقيقي لم يكن حجة على هذا أو ذاك، بل لم يصح الثواب والعقاب، فلا بد أن يكون الحجة عالماً، وعلمه من الله تعالى وشامل لكل ما يحتاجه العباد، وكل ما يجري في الليل والنهار، بل بكل ما هو كائن أو يكون(2).

وقد روي عن عبد الغفار الجازي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسن بن


1) وفي القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تشير إلى هذه المعاني، منها مثلاً خطابه تعالى للنبي عيسى عليه السلام: «وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ»[المائدة : 116].

2) يحسن الرجوع للحديث الذي ذكر في بداية الكتاب وفيه من جواب النبي صلی الله علیه واله لحذيفة: نعلم بالكائن قبل كينونته، عن دلائل الإمامة ص 183.

علي عليه السلام كان عنده رجلان فقال لأحدهما: إنك حدثت البارحة فلاناً بحدیث كذا وكذا، فقال الرجل الآخر: إنه ليعلم ما کان، وعجب من ذلك.

فقال علیه السلام: انا لنعلم ما يجري بالليل والنهار.

ثم قال: إن الله تبارك وتعالى علم رسوله صلی الله علیه واله الحلال والحرام والتنزيل والتأويل فعلم رسول الله صلی الله علیه واله علياً علمه کله(1).

إن علوم الأسرار من العلم اللدني، وعلم خصه الله للأبرار، وسيد هذا العلم النبي المختار، وقد نهل الأئمة علیهم السلام ذلك من جدهم صلی الله علیه واله ، وهذا ما ثبت عنهم عليهم السلام، ويكفي للإشارة ما تقدم من أن النبي صلی الله علیه واله كان يتولى الحسن والحسين من لحظة ولادتهما، وقد تغذيا من علوم الوحي فضلاًعن العلم اللدني ،وقد ورد الكثير حول ذلك منذ طفولتهما، وهما اللذان نشئا ضمن مدينة العلم وأبوابها(2).

وقد روي أن الحسن بن علي عليهما السلام كان یحضر مجلس رسول الله صلی الله علیه واله وهو ابن سبع سنين فیسمع الوحي فيحفظه فیأتي أمه فيلقي إليها ما حفظه فلما دخل علی ع وجد عندهما علماً فیسألها عن ذلك فقالت من ولدک الحسن.

فتخفى يوماً في الدار وقد دخل الحسن وقد سمع الوحي فأراد أن يلقيه إليهافأرتج عليه فعجبت أمه من ذلك فقال لا تعجبين يا أماه فإن كبيراً یسمعني


1) الخرائج والجرائح ج 2 ص 574، وعنه بحار الأنوار ج43 ص 330، وهذا تأويل الآية: «ومن عنده علم الكتاب »«ما فرطنا في الکتاب من شيء ».

2) من الجد للأب والأم، مع عناية الخالق بها.

واستماعه قد أوقفني فخرج علي فقبله، وفي رواية : يا أماه قل بياني وكل لساني لعل سیداً یرعاني(1).

نقول: إن علوم الحسن والحسين عليهما السلام فوق الحصر والبيان، وإنما نحاول رسم نماذج لكل منهما من باب إضاءة خيط نور أمام طریق حياتنا، وعندمانذكر أسرار الحسين عليه السلام غالباً لا يعني ذلك أنها مختصة به فقط، فكلاهما نور واحد، فلا يتوهم متوهم غير ذلك، فهما سيدا شباب أهل الجنة(2).

الله أعلم حيث يجعل رسالته

إن معرفة الله تعالى من أعظم الأمانات، وليس كل مخلوق مؤهلاً لحفظها وصيانتها، ولا يملك كل أحد القدرة على تبليغها، ومن هنا نتلمس عظمة حملة هذه الأسرار، وتتضمن هذه الأمانات حقائق كل شيء في هذا الوجود، ولمعرفة الحقائق موازین تدرك بها، وهي ليست مجرد أمور نظرية، بل لا بد أن يكون لها مصادیق واقعية عملية على أرض الواقع يظهرها حملتها بما هو مطلوب رضاءً للمحبوب.

ولا بد لنا عندما نحاول التعرف على حملة الأمانات من التعرف على شيء من فيضهم، فالنور لا يعرف عند مکفوف النظر، والشهد لا يعرف عند فقدان المذاق، والحق لا يعرف عند الجهل، فما أحوج أن ينصف الإنسان نفسه، وأحوج من ذلك أن لا يلج أبواب الغرور، فلا بد أن يسعى جاهداً لمعرفة من يقتدي به،


1) مناقب آل أبي طالب ج3 ص175، وعنه بحار الأنوار ج 43 ص 338.

2) وكل من دخل الجنة يصبح شاباً، أي في غضارة الشباب .

لأن الاقتداء بمن اختارهم الله هو باب الهداية(1).

وقفة ملتمس على باب الحسين

عنوان بحثنا هنا هو أسرار الحسين عليه السلام ، وقد أودع الله سبحانه هذه الأسرار عند النبي المختارصلی الله علیه واله وآله الأطهار علیهم السلام، فلا يتوهم متوهم أننا عندما نذكر فضيلة أو منقبة للحسين علیه السلام لا تكون ثابتة للحسن علیه السلام ، بل هما بمنزلة العينين للوجه، وبمنزلة الروح للبدن، والقلب للجسم، فقد خصهما الله بخصائص لم تكن لغيرهما من الناس، ومن هذا التخصيص ندرك المهمة الكبرى لحملة أمانات الله على هذه الأرض، وندرك أيضاً بعض معاني الآية: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ»(2).

ومن باب التنبيه نذكر هنا هذا الحديث الشريف: عن جعفر بن محمد علیهما السلام قال : قال علي بن أبي طالب علیه السلام للحسن: يا بني قم فاخطب حتى أسمع كلامک.

قال: يا أبتاه كيف أخطب وأنا أنظر إلى وجهك أستحيي منك؟

قال: فجمع علي بن أبي طالب عليه السلام أمهات أولاده ثم توارى عنه حيث یسمع كلامه.

فقام الحسين عليه السلام فقال: الحمد لله الواحد بغير تشبيه، الدائم بغير تكوين، القائم بغيرکلفة،الخالق بغير منصبة، المؤصوف بغير غاية، المعروف بغير محدودية، العزيز لم يز قديماً في القدم، ردعت القلوب لهیبته، وذهلت العقول


1) قال تعالى: «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي»[الأعراف : 178].

2) الأنعام: 124.

لعزته، وخضعت الرقاب لقدرته.

فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته، ولا يبلغ الناس کنه جلاله، ولا يفصح الواصفون منهم لکنه عظمته، ولا تبلغه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكر تدبير أمورها.

أعلم خلقه به الذي بالحد لا يصفه، يدرك الأبصار ولا يدركه الأبصار وهواللطيف الخبير .

أما بعد فإن علياً باب من دخله كان مؤمناً ومن خرج منه كان كافراً، أوقول قولی هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

فقام علي بن أبي طالب علیه السلام وقبل بين عينيه ثم قال:«ذریتة بعضها من بعض والله سميع عليم»(1).

بهذه الكلمات تستضيء العقول الناضجة، والقلوب الطاهرة، والنفوس العالية، والأرواح المطهرة .

أدوار ومحطات الإمام الحسن مع الأمة

للجهل والجهلاء مداخلات سيئة في كل عصر وزمان، ويظهر ذلك عندما يكون للعقلاء والأولياء دور على وجه الخصوص، من هنا أخذ الله سبحانه العهد والميثاق على العلماء، لئلا تنطمس الحقائق ويتحكم الجور والظلم، فكان الصراع دائماً بين نهجين متعاكسين على هذه الأرض.

وعندما نقرأ سيرة الأنبياء والأولياء والصلحاء من العلماء نجد هذا الصراع


1) بحار الأنوار ج43 ص 351، عن تفسیر فرات الكوفي ص 79.

مستمراً، ويستدل من هذا الصراع على قسمين من الناس:

قسم يسعى جاهداً لإقامة العدل والحق، وقسم آخر يناهض ذلك لتغرق الأمة بالظلم والجور.

وعندما نحاول التعرف على بعض جوانب الإمام الحسن علیه السلام نجد أنه قد عاني من هذه الأمة منذ بدء نشأته، ونذكر هنا هذه الحادثة التي تدلنا على كثير من الأسرار:

قيل: طعن أقوام من أهل الكوفة في الحسن بن علي عليه السلام فقالوا: إنه عي لا يقوم بحجة.

فبلغ ذلك أميرالمؤمنين عليه السلام فدعا الحسن فقال : يا ابن رسول الله إن أهل الکوفة قد قالوا فيک مقالة أكرهها.

قال: وما يقولون يا أمير المؤمنين؟

قال : يقولون إن الحسن بن علي عي اللسان لا يقوم بحجة وان هذه الأعواد فأخبر الناس.

فقال: يا أمير المؤمنين لا أستطيع الكلام وأنا أنظر إليك.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إني متخلف عنک فناد ان الصلاة جامعة فاجتمع المسلمون فصعد عليه السلام المنبر فخطب خطبة بليغة وجيزة فضج المسلمون بالبكاء ثم قال: أيها الناس اعقلوا عن ربکم، إن الله عزوجل اصطفی آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، فنحن الذرية من آدم والأسرة من نوح والصفوة من إبراهيم والسلالة من إسماعیل وال من محمد صلی الله علیه واله.

انحن فیکم کالسماء المرفوعة والأرض المدحوة والشمس الضاحية، وکالشجرة الزیتونة لا شریقة ولا غربية التي بورک زیتها، النبي أصلها وعلي فرعها ونحن والله ثمرة تلك الشجرة، فمن تعلق بغضن من أغصانها نجا ومن تخلف عنها فإلى النار هوی.

فقام أمير المؤمنين من أقصى الناس يسحب رداءه من خلفه؛ حتى علا المنبر مع الحسن علیه السلام فقبل بين عينيه ثم قال: یا ابن رسول الله أثبت على القوم حجتك، أوجبت عليهم طاعتك فویل لمن خالفک(1).

يعرف الحق من أهله

لا بد لنا عندما نريد التعرف على قوم أو جماعة أو أفراد من الرجوع للمصدر ليكون ذلك مأخوذاً من منبعه، وقد اعتاد الناس أن يتعرفوا على من يريدون معرفته عبر غيره، وهكذا لا تكون الصورة صحيحة، لذلك نحاول التعرف على أهل بيت العصمة من النبع الصافي.

لقد كتب بعضهم تحليلات وظواهر عن الإمام الحسن علیه السلام ، لكن لا بد من الإشارة إلى أن التعرف على الإمام يكون مما عرفه هو بنفسه علیه السلام .

عن حبيب بن عمرو قال: لما توفي أمير المؤمنين علیه السلام وكان من الغد قام الحسن علیه السلام خطيباً على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس في هذه الليلة نزل القرآن، وفي هذه الليلة رفع عیسی بن مریم، وفي هذه الليلة نزل القران، وفي هذه الليلة رفع عیسی بن مریم ،وفی هذه اللیلة قتل یوشع بن نون ،وفی هذه اللیلة مات ابی امیر المومنین.


1) بحار الأنوار ج 43 ص 358 عن العدد القوية للمطهر الحلى ص31.

والله لا يسبق أبي أحد كان قبله من الأوصياء إلى الجنة ولا من يكون بعده، وإن كان رسول الله صلی الله علیه واله لیبعثه في السرية فيقاتل جبرئيل عن يمینه ومیکائيل عن يساره، وما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه کان يجمعهاليشتري بها خادماً لأهله(1).

وللإمام الحسن عليه السلام كلام آخر حول الحق وأهله، فعن هشام بن حسان قال : سمعت أبا محمد الحسن بن عليهما السلام يخطب الناس بعد البيعة له بالأمر، فقال:

نحن حزب الله الغالبون وعترة رسوله الأقربون وأهل بيته الطيبون الطاهرون و أحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلی الله علیه واله في أمته، والتالي كتاب الله فيه تفصيل كل شيء«لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» .

فالمعول علينا في تفسيره لا نتظنی(2)تأويله بل نتيقن حقائقه فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله عزوجل ورسوله مقرونة.

قال الله عز وجل «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسوك وأولي الأمر منکم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول»«و لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم»(3).

ملاحظة وتنبيه: لست هنا بصدد بيان ما يتعلق بالإمام الحسن علیه السلام، وإنما ذكرت هذه الإشارات من باب التنبيه، ولعلنا نتوق لبيان شيء من أنوار الإمام


1) بحار الأنوار ج43 ص 359، عن أمالي الصدوق ص 397.

2) أي نقول بالظن في تأويله، فما عندهم علم ويقين عن الله عز وجل .

3) أمالي المفيد ص349، وعنه بحار الأنوار ج43 ص 359.

الحسن عليه السلام خاصة، وهنا نشير إلى بعض المحطات لأجل الرجوع إليها عند الكتابة حول ذلك، وتذكيراً..

ومضات: روي أنه: لما قتل أمير المؤمنين عليه السلام رقي الحسن بن علي عليه السلام المنبر فأراد الكلام فخنقته العبر فقعد ساعة ثم قام فقال: الحمد لله الذي كان في أوليته وحدانياً في أزليته، متعظماً بإلهیته متكبراً بكبر یائه وجبروته، ابتدا ما ابتدع وأنشأ ما خلق على غير مثال کان سبق مما خلق، ربنا اللطيف بلطف ربوبيته وبعلم خبره

فتق، وبأحكام قدرته خلق جميع ما خلق، فلا مبدل لخلقه ولا مغير لصعه ولا معقب لحکمه، ولا راد لأمره ولا مستراح عن دعوته .

خلق جميع ما خلق لا زوال لملکه ولا انقطاع لمدته فوق كل شيء علا ومن كل شيء دنا فتجلى لخلقه من غير أن يكون یری وهو بالمنظر الأعلى.

احتجب بنورو وسما في علوه فاستترعن خلقه وبعث إليهم شهيداً عليهم، وبعث فيهم النبيين مبشرين ومنذرين ليهلك من هلك عن بينة ویحیی من حي عن بينة، ولیعقل العباد عن ربهم ما جهلوه فيعرفوه بربوبيته بعد ما أنكروه.

والحمد لله الذي أحسن الخلافة علينا أهل البيت، وعنده نحتسب عزانا في خير الآباء رسول الله صلی الله علیه واله، وعند الله نحتسب عزانا في أمير المؤمنين، ولقد أصيب به الشرق والغرب، والله ماخلف درهما ولا ديناراً إلا أربعمائة درهم أراد أن يتباع لأهله خادماً.

ولقد حدثني حبيبي جدي رسول الله صلی الله علیه واله أن الأمر يملکه اثنا عشر إماماً من أهل بيته وصفويه، ما منا إلا مقتول أو مسموم .

ثم نزل عن منبره فدعا بابن ملجم لعنه الله فأتي به قال: يا ابن رسول الله

استبقني أکن لك و أکفيك أمر عدوک بالشام.

فعلا الحسين عليه السلام بسيفه فاستقبل السيف بيده فقطع خنصره ثم ضربه ضربةً على يافوخه فقتله لعنة الله عليه(1).

الحكمة الواقعية عند الأئمة

لا بد أن يكون لكل ما في الحياة حكمة، وهذه الحكمة تارة تكون واضحة لدينا، وتارة تكون خافية علينا، من هنا يجب على العقلاء البحث، وينبغي أن يكون لكل بحث مهما كان هدف وأن تكون فيه حكمة.

وعندما نحاول التعرف على بعض جوانب الأسرار التي ترتبط بالأئمة الأطهار عليهم السلام تكون الغاية إدراك قسط من الحكمة، لأنها تبدد أمامنا الظلام الحالك في مسيرة الحياة.

فقد نقرأ بعض الوقائع ولا نعرف فيها وجه الحكمة، وقد نتنکر لبعضها عندما نجهل وجه الحكمة فيه، بينما نؤمن بها عندما تظهر لدينا ملامح الحكمة ولا تبقى خافية علينا.

وأعظم میزان للإنسان هو القرآن الكريم، فنقول من باب الإشارة إن قصة الخضر ونبي الله موسى أوضح إشارة لهذه المعاني، ومنها ندخل لكل أبواب المعرفة.

حديث يتضمن قواعد الحكمة

عن أبي سعيد عقيصا قال: قلت للحسين بن علي بن أبي طالب: يا ابن رسول


1) بحار الأنوار ج43 ص 363.

الله لم داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه؟ وأن معاوية ضال باغ؟

فقال: يا أبا سعيد الست حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماماً عليهم بعد ابی علیه السلام؟

قلت: بلی.

قال: ألست الذي قال رسول الله صلی الله علیه واله لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟

قلت: بلی.

قال : فأنا إذن إمام لوقمت وأنا إمام إذ لو قعدت.

یا أبا سعید علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله صلی الله علیه واله لبني ضمرة وبني أشجع ولاهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئک کفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه کفار بالتأويل.

يا أبا سعيد إذا کنت إماماً من قبل الله تعالى ذکره لم يجب أن يسفة رأيي فيماأتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً.

ألا ترى الخضر علیه السلام لما خرق السفینة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه السلام فعله لإشباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي؟

هكذا أنا سخطتم علي بجهلکم بوجه الحكمة فيه ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل(1).


1) علل الشرائع ج 1 ص 211، وعنه بحار الأنوار ج 44 ص 1.

عود على بدء

عرضنا فيما مضى لأبحاث تحت عنوان: من أسرار الحسين عليه السلام، والسر خلاف العلانية، ومصاديق الأسرار عديدة، ولذا قيل: سر كل شيء خالصه، فلان في سر قومه أي في صميمهم وشرفهم(1).

وعندما نحاول الحديث عن جوانب من أسرار الحسين عليه السلام يجذبنا الحديث إلى جوانب كثيرة لها ارتباط بذلك، لأن الحسين علیه السلام لم يكن يمثل شخصاً بعينه ، بل هو مجمع للأولين والآخرين كما تقدم ضمن متفرقات عديدة، خاصة أنه من أهل الكساء.

وعندما نتمشى مع الظواهر فضلاً عن الأسرار نجد أن الحسين علیه السلام قد انتهت اليه نقطة الارتكاز بكل معانيها وأبعادها وظواهرها وأسرارها، ويعرف ذلك مما هو واقع على أرض مسيرة الحياة.

فقد عرفنا أولا أنه علیه السلام قطب في عوالم الأنوار، وثانياً أن جميع الأنبياء قد أخبروا عنه منذ آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء صلی الله علیه واله، وثالثاً أنه امتاز بخصوصیات(2).

فعندما ننظر في هذه الحياة نجد أن لكل شيء خصائص وخصوصیات، ولخصائص الإنسان وخصوصياته أبعاد ولها معاني و آثار ونتائج، ولذلك ترتب على فعل الإنسان مبدأ الثواب والعقاب، وهذا المبدأ -الثواب والعقاب - يكون على موازين الأعمال في هذه الدنيا، التي يمتحن فيها الإنسان.


1) التحقيق في كلمات القرآن، ج 5 ص 103: السر.

2) راجع کتاب خصائص الحسين عليعلیه السلام للشيخ جعفر التستري.

فيمر الإنسان في مواطن ثلاثة أساسية، وهي موطن ما قبل الدنيا، وموطن الدنيا، وموطن ما بعدها.

وليس هنا تفصيل هذه المواطن الثلاثة، ولكن من باب الإشارة: ليس في الأولى أي تكليف، وفي الثانية الامتحانات والاختبارات، وفي الثالثة الجزاء والعطاء.

وقد تقدم في بحثنا هذا الإشارة إلى عوالم الأنوار والأصلاب، وهنا نشير ولو باختصار إلى جانب من عوالم ومراحل الدنيا حيث تتم فيها التكاليف.

تجلي حكمة الله

ان ظهور جوانب الحكمة في هذه الدنيا تبرز في الإنسان أكثر من أي مخلوق، ونجد عند النظر في هذه الحياة أن التكاليف والتشريعات مختصة به أكثر من كل مخلوق غيره، وعندما نمعن النظر أكثر ندرك مدى الاهتمام المميز بالإنسان من خالقه، فكأن الحكمة من وجود الكون بكل ما فيه ترجع للإنسان بشكل من الأشكال.

ويمكن القول كأنه قطب الرحى ونقطة الارتكاز(1).

ومما لا شك فيه أن في نوع الإنسان صفوة وأصفياء، فعندما نتدبر الكثير من الآيات والروايات نجد أن الله سبحانه قد اختارمن بني البشر أصفياء فضلهم لعلمة بهم، ومن هؤلاء - كما هو معلوم و معروف - الأنبياء والرسل والأولياء.

فكان سيد الكائنات الرسول المسدد محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله ومعه ذرية ابنته


1) وتفاصيل ذلك في أبحاثنا حول خلق الإنسان من تراب، وقد قيل : وفيك انطوى العالم الأكبر.

سيدة نساء العالمين وهم الأئمة الاثني عشر عليهم السلام .

وننقل ههنا حديثاً من أحاديث السلسلة الذهبية، وفيها نصوص خاصة تمتاز عن بقية أحاديث التشريعات حول الحلال والحرام.

عن محمد بن سنان، عن سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: قال أبي لجابر بن عبد الله: لي إليك حاجة أريد أخلو بك فيها، فلما خلا به في بعض الأيام، قال له: أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة عليها السلام .

قال جابر: أشهد بالله لقد دخلت على فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله لأهنئها بولدها الحسين علیه السلام ، فإذا بيدها لوح أخضر من زبر جدة خضراء، فيه كتاب أنور من الشمس وأطيب من رائحة المسك الأذفر.

فقلت: ما هذا، یا بنت رسول الله؟

فقالت: هذا لوح أهداه الله (عز وجل) إلى أبي، فيه اسم أبي واسم بعلي واسم الأوصياء بعده من ولدي، فسألتها أن تدفعه إلي لأنسخه ففعلت، فقال له: فهل لك أن تعارضني به؟

قال: نعم.

فمضى جابر إلى منزله وأتي بصحيفة من كاغد فقال له: انظر في صحيفتك حتى أقرأها عليك، وكان في صحيفته مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا کتاب من الله العزيز العليم، أنزله الروح الأمين على محمد خاتم النبيين.

یا محمد، عظم أسمائي، واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي، ولا ترج سواي، ولا تخش غيري، فإنه من يرجو سواي ويخشى غيري أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين.

یا محمد، إني اصطفيتك على الأنبياء، وفضلت وصيك على الأوصياء، وجعلت الحسن عيبة علمي من بعد انقضاء مدة أبيه، والحسين خير أولاد الأولين والآخرين، فيه تثبت الإمامة، ومنه تعقب علي زين العابدین، و محمد الباقر لعلمي والداعي إلى سبيلي على منهاج الحق، وجعفر الصادق في العقل والعمل تنشب من بعده فتنة صماء.

فالويل كل الويل للمكذب بعبدي وخيرتي من خلقي موسى، وعلي الرضا يقتله عفریت کافر يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلق الله ، ومحمد الهادي إلى سبيلي الذاب عن حريمي والقيم في رعيته حسن أغر، يخرج منه ذو الاسمين علي (والحسن)، والخلف محمد يخرج في آخر الزمان على رأسه غمامة بيضاء تظله من الشمس، ينادي بلسان فصيح يسمعه الثقلين والخافقين، وهو المهدي من آل محمد، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً(1).

من خصائص الحسين أن مصيبته من أعظم المصائب

عندما نحاول البحث حول أسرار الحسين علیه السلام نجد أنفسنا أمام بحور من المعرفة وأسرار الوجود، وحيث العجر يلفنا قد لا نحسن الخوض في هذه الأسرار، ولذا نحاول رسم بعض الأحاديث لعل أجيالاً تأتي يكون لها القدرة أكثر مما نحن عليه.

وقد ورد عن الأئمة عليهم السلام أن أعظم مصيبة من جميع سائر الأيام هي مصيبة الحسين علیه السلام .


1) هذا الحديث الشريف ورد في مصادر عديدة متنوعة، تارة بإيجاز وتارة بتفصيل، وهنا عن أمالي الطوسي ص291، وعنه بحار الأنوار ج 36ص 202.

عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام : يا بن رسول الله، كيف صار يوم عاشوراء يوم مصيبة وغم وجزع وبكاء دون اليوم الذي قبض منه رسول الله صلی الله علیه واله ؟ واليوم الذي ماتت فيه فاطمة علیهما السلام؟ واليوم الذي قتل فيه أمير المؤمنين علیه السلام ؟ واليوم الذي قتل فيه الحسن عليه السلام بالسم؟

فقال: إن يوم الحسين عليه السلام أعظم مصيبة بين جميع سائر الأيام وذلك أن أصحاب الكساء الذي كانوا أکرم الخلق على الله تعالی کانوا خمسةً، فلما مضى عنهم النبي صلی الله علیه واله بقي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين علیهم السلام فكان فيهم للناس عزاء وسلوة.

فلما مضت فاطمه علیها السلام كان في أمير المؤمنين والحسن والحسين للناس عزاء وسلوة.

فلما مضى منهم أمير المؤمنين عليه السلام كان للناس في الحسن والحسين عزاء وسلوة.

فلما مضى الحسن علیه السلام كان للناس في الحسين علیه السلام عزاء وسلوة.

فلما قتل الحسين عليه السلام لم يکن بقي من أهل الکساء أحد للناس فيه بعده عزاء وسلوة، فكان ذهابه کذهاب جميعهم کما كان بقاؤه کبقاء جميعهم، فلذلك صار يومه أعظم مصيبة.

قال عبد الله بن الفضل الهاشمي: فقلت له: يا ابن رسول الله لم يكن للناس في علي بن الحسين عزاء وسلوة مثل ما كان لهم في آبائه علیهم السلام؟

فقال: بلى إن علي بن الحسين كان سید العابدين وإماماً و حجة على الخلق

بعد آبائه الماضين، ولكنه لم يلق رسول الله صلی الله علیه واله ولم يسمع منه، وكان علمه وراثةعن أبيه عن جده عن النبي صلی الله علیه واله ، وكان أمير المؤمنيين وفاطمة والحسن والحسین عليهم السلام قد شاهدهم الناس مع رسول الله صلی الله علیه واله في أحوال في آن يتوالى، فكانوا متی نظروا إلى أحد منهم تذكروا حاله مع رسول الله صلی الله علیه واله وقول رسول الله له وفيه .

فلما مضوا فقد الناس مشاهدة الأكرمين على الله عز وجل ولم يكن في أحد منهم فقد جميعهم إلا في فقد الحسين علیه السلام لأنه مضى آخرهم فلذلك صار يومه أعظم الأيام مصیبة(1).

إشارة وتنبيه: هذه الأحاديث ترسم لنا كل منهاج الحياة، وليست مجرد سرد قصة، بل تتضمن كيفية ولوج الأسرار عند ذوي الألباب.

وإننا في هذه الأزمان نتلمس بعضاً من أسرار الحسين عليه السلام، لأنه لولا وجود مصيبة الحسين عليه السلام العظمى لما عرف الناس حقائق الإيمان ولم يكن طريق حق التحرير الأوطان، بل لم تكن صيانة لإنسانية الإنسان.

وقد بدأت شعوب الأرض تسعى للتعرف على مواقف الحسين عليه السلام وما جرى له في كربلاء، وما هو معنی عاشوراء، حيث أصبحت رمزاً لتحرير شعوب الأرض، فهي تمثل كل ما يمكن أن تصل إليه البشرية، خصوصاً في هذه الأزمنة حيث أن البث الفضائي وتفاعل المعرفة والحضارات وتقارب ما هو بعيد قد أسهم في الأبحاث عن الحقائق، بينما كان التدليس هو السائد في العصور الغابرة.

ومما نراه ونشاهده في هذه السنوات الأخيرة أنه على امتداد الكرة الأرضية تقام عاشوراء، وقد أصبح إحياؤها- فضلاً عن الأماكن العامة - في معظم الأحياء


1) علل الشرائع ج1 ص225، وعنه بحار الأنوار ج 44 ص 269.

والبيوت، مع العلم أن مصيبة الحسين عليه السلام داخلة في القلوب کالروح في الحياة.

تتمة وشاهد: قال عبد الله بن الفضل الهاشمی فقلت له (للإمام الصادق عليه السلام): يا ابن رسول الله فكيف تسمعت العامة يوم عاشوراء يوم بركة؟

فبكى عليه السلام ثم قال: لما قتل الحسين عليه السلام تقرب الناس بالشام إلى يزيد فوضعوا له الأخبار وأخدوا عليه الجوائز من الأموال، فكان مما وضعوا له أمر هذا اليوم وانه یوم بركة لیعدل الناس فيه من الجزع والبكاء والمصيبة والحزن إلى الفرح والسرور والتبرک والإستعداد، فيو حكم الله ما بيننا وبينهم.

قال: ثم قال علیه السلام : يا ابن عم وإن ذلك لأقل ضررا على الإسلام وأهله وضعه قوم انتحلوا مودتنا وزعموا أنهم يدینون بموالاتنا ويقولون بإمامتنا(1).

أسرار ووقائع

ليس لأسرار هذه الحياة حدود.. والإنسان في الحياة هو قطب الرحى، أي أنه نقطة الارتكاز لمعاني الحياة، وعندما ننظر إلى أطراف الوجود ندرك نقطة ابتداء، ولكن لو طرحنا على أنفسنا سؤالا: هل هناك نقطة انتهاء؟

ههنا يصعب على العقل البشري الجواب، لأنه لا بد لكل جواب من دلیل واضح، وكل ما أدركه العقل البشري هو المحسوسات، والمحسوساتليست كل ما في الوجود، بل هناك أسرار وراء المحسوسات في كل جوانب الحياة.

وعند التأمل ولو قليلاً نجد هذه المعاني في كل ما نلامسه و نتصرف به، ومن هنا نقول عما هو غائب عنا أنه سر، ولكنه في واقع الأمر ليس بسر، فكون الإنسان


1) علل الشرائع ج 1 ص 226، وعنه بحار الأنوار ج 44 ص 270.

جاهلاً بهذا الشيء أو ذاك لا يعني أن الشيء الذي نجهله هو سر بذاته، بل هو سر بالنسبة لنا(1).

وعندما نقرأ ما جاء به الأنبياء والرسل عليهم السلام نجد أن أنفسنا تأخذ ما تدرکه، وكثيراً ما نترك ما لا ندركه، ولكن ادراكنا لهذا أو ذاك لا يغير حقيقة الشيء بذاته .

من هنا عندما نقرأ عن أحاديث الطينة، وأحاديث الأصلاب، وأحاديث الأنوار، لا نتعامل معها مثل أحاديث الصلاة والصوم وما شابه من أحاديث الحلال والحرام، فإنا لا نجد في هذه الأحاديث والتكاليف أسراراً نعجز عن إدارکها، بل نراها كما نتناول طعاماً أو شراباً من ماء وغذا، بينما قد نقف أو حتى نعرض عن أبسط المعاني في أحاديث الأنوار والاصلاب والطينة!

إن معاني الأنوار والأصلاب والطينة ليست أسراراً بذاتها، ولكن لجهلنا بإدراكها نراها أسراراً ..

لقد رسمنا في مطلع هذه الأبحاث حروف حدیث مهم يتعلق بالأصلاب، وهو أن الله عز وجل ركب في صلب الحسين عليه السلام نطفة طيبة مباركة زكية(2).

وفي هذا الحديث أسرار عديدة، وقد ظهرت و تحققت في الوجود الخارجي، والحديث واضح بنصوصه عن الأئمة الذين هم من صلب الحسين علیه السلام، وقد ذكرنا حديث جابر الأنصاري وهو من أحاديث السلسلة الذهبية، عن اللوح


1) ولقد قيل: صفو الحياة كسرها مجهول * وبحبلها حبل الشقا موصول.

2) الحديث طويل والمتن منه: أن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض... وان الله عز وجل ركب في صلبه نطفة طيبه مبارکه زكية؛ راجع عيون أخبار الرضا ج1ص62، وعنه بحار الأنوار ج 36 ص205.

الذي شاهده مع سيدة نساء العالمين عليها السلام ، وفيه أساء الأئمة عليهم السلام واحداً بعد آخر، وبيان لكل إمام بخطوط عمله من قبل الله سبحانه(1).

كل هذا وشبهه يدلنا بوضوح أن الله تعالى قد اختار الحسين علیه السلام ليكون مجمع أسرار الحياة بكل معانيها وأبعادها، بدء من أسرار ولادته، مروراً بنشأته، إلى محطة استشهاده، وبدأت الأسرار تظهر بعد شهادته .

أسرار الحسين مستقبلاً

لا شك أن ما هو آت من ظهور أسرار الحسين عليه السلام أعظم مما تقدم وحصل، ومن هنا ندرك بعض الجوانب من القول المعروف: إن سفينة الحسين أوسع، وهذه السفينة التي بدأت تمخر وتجوب بحار الحياة لتنجي الغرقى من بني البشر قد تحركت بعد حادثة كربلاء.

فإذا كانت الحياة بكل ما فيها وبكل خصوصياتها ما هي إلا بحور متلاطمة، فلا نجاة لأحد دون السفينة، والمفروض أن هناك سفينة واحدة أيا كان ربانها، وربانها ممن تقدم من الإمام زين العابدين إلى القائم المنتظر عجل الله فرجه كلهم ينادي: يا لثارات الحسين.

حتى عندما تمتلأ هذه الأرض قسطاً وعدلاً، وحتى ما هو أبعد من ذلك: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا»(2)، يكون الحسين عليه السلام هو سيد شباب أهل الجنة.


1) تقدم ذكره، راجع أمالي الطوسي ص 291، وعنه بحار الأنوار ج 36 ص 202.

2) مریم: 85.

فإن الأسرار التي تجمعت وانضوت داخل السفينة تظهر بالتدرج ضمن خريطة كاملة عندما يصبح لكل عصر مقدار من الإدراك(1).

ماذا نجد لو بحثنا بتجرد من آخر ساعة مما حصل في كربلاء إلى يومنا هذا؟ من هنا ينبغي أن ندرك قول الإمام الصادق عليه السلام : أن يوم الحسن عليه السلام أعظم مصيبة من جميع سائر الأيام(2).

وهنا ينبغي فهم هذه التعابير، فللفظ (مصيبة) أكثر من مدلول، وهو أوسع من كل دليل، لأن المصيبة الكبرى للإنسان هي خسرانه حقيقة الدين الذي فيه نجاته وسعادته، وإن كنا تسالمنا على أن المصيبة هي الخسارة هنا أو هناك، ونقول عندما نفقد عزيزاً أنها مصيبة، فهذا نوع من مصائب بسيطة أمام المصيبة الكبرى التي تقع عندما نمتنع عن الصعود إلى سفينة النجاة، وهل لكل فرد منا خسارة أعظم من فقدان نجاته وسعادته؟!

ألم يجعل الله تعالى أسرار الحسين في ذرات التراب ؟!

ألم يجعل زيارته باباً للنجاة؟

ومهما أردنا أن نعدد يبقى الحسين علیه السلام معدن الأسرار .

وقفة عند ضوء الأسرار

حدیث مبارك قد أوقفني كثيراً، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله جعفر


1) إن البشرية تسير باستمرار نحو الأفضل، حتى نهاية المطاف، ولنا نوع من بيان لهذه النقطة في محلها.

2) تقدم ذكره، راجع علل الشرائع ج1 ص225، وعنه بحار الأنوار ج 44 ص 269.

بن محمد عليهما السلام قال: نفس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمه لنا عبادة، وكتمان سرنا جهاد في سبيل الله(1).

نقول وبه نستعين: عندما نحاول البحث في أقوال ومسيرة أهل بیت العصمة عليهم السلام نجد أن النهج الواضح يلمع من أسرارهم إلى ما هو أبعد من المحسوسات، وأوضح من الشمس والبينات، حيث أن أسرار كلماتهم مأخوذة عن أستار المغيبات..

لنتدبر النقطة الأولى من الحديث، وهي: (نفس المهموم لظلمنا تسبيح).

مما هو معلوم أن التسبيح لله وحده، وقد جعل الله سبحانه ثواباً لا حدود له لمن قبل تسبيحه، من هنا ندرك أبعاد الظلم الذي وقع على أهل بيت العصمة عليهم السلام ، وإذا أردنا التعبير عنه فلا شك مثل هذا الظلم لم يتحمله الأولون ولا الآخرون(2).

والنقطة الثانية في الحديث: وهمه لنا عبادة.

ولا يمكن إدراك هذه النقطة بالحروف والكلمات، ولا يمكن حصرها بالتعابير، لأن العبادة الحقيقية هي غاية ما يصل إليه الإنسان، بل هي منتهی المطاف في مسيرة الدارین.

وأما النقطة الثالثة، فلفظها دال على معانيها، ولكن يبقى في مخبمات الحروف ما نعجز عن ادراکه، وهو كتمان السر.


1) أمالي المفيد ص 338، وعنه بحار الأنوار ج 44 ص 278.

2) وله ربط بأعظم مصيبة وهي التي وقعت على الحسين علیه السلام .

فكأن هذه العبارة تحمل كل أسرار الوجود.

ومما أدركته العقول النيرة أن أسرار الوجود لا تنتهي مهما طال الزمن، ومهما تقدم العلم والعلماء، وقد ورد كثيراً أن الله أسراراً قد خص بها خاتم الأنبياء الذي ختمت برسالته رسالات السماء، وسيد الأوصياء؛ اختصه بخصوصیات الأسرار، وأطلعه الله على كل ما حوته الأرض والسماء:«فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى»(1).

وأما لفظ الجهاد في هذا الحديث، ففيه أكثر من إشارة ومعنى، لأن الجهاد ليس هو الجهاد المتعارف عليه فقط، بل هناك جهاد أكبر وأكبر، ولا تخفي الآية على ذوي الدراية حيث قال تعالى:«وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ»(2).

فالجهاد هنا يعم الظاهر والباطن، ومنتهى الهداية الوصول إلى أهل البيت عليهم السلام، ولا شك أن للهداية مراحل حتى الوصول إلى منتهاها، وقد ورد في الحديث: من عمل بها علم، ورثه الله علم ما لم يعلم (3).

إن معاني الأحاديث دالة على أسرار العلوم، والعلم هو الذي يكشف الأسرار، فبمقدار ما يعلم الإنسان يستطيع إظهار الأسرار، فإن كل ما في الدارين يتضمن أسراراً لا حدود لها، وهنا نذكر الحديث السابق من مصدر آخر عن أبي


1) النجم: 10، ويحسن مراجعة بحثنا المفصل حول ابتداء الوحي.

2) العنكبوت: 69، ويحسن مراجعة وسائل الشيعة ج 11 ص 122، حول أبواب جهاد النفس.

3) هذا النص ورد في كنز الدقائق ج 7 ص 553، وورد الحديث بصيغ متعددة في الكثير من المصادر الأخرى.

عبد الله عليه السلام: نفس المهموم لظلمنا تسبیح، وهمه لنا عبادة، وكتمان سرنا جهادفي سبيل الله (1). وهذا الحديث يكتب بماء الذهب.

لم نفقه أبعاد كثير من الأحاديث

مهما حاولت أن أبحث حول الستر والأسرار، يبقى الستر سراً وإن رسمته الأفكار، وكثيراً ما ترسم الأفكار عن المعاني ولكن يبقى ما هو أشمل بعيداً عن أفكارنا، وليس ذلك لكون معاني الأسرار لم تعرف، بل لأن أفكارنا قد داخلها محب الدنيا من رغبات وشهوات.

ولا شك أن رغبات الدنيا تصرفنا عن إدراك الحقائق، وخصوصاً ما جاء به الأنبياء والأولياء عليهم الصلاة والسلام.

وهنا أرسم حروف هذا الحديث: قال أبو عبد الله عليه السلام : أمرالناس بخصلتين فضيعو هما فصاروا منهما على غير شيء: الصبر (2)والكتمان (3).

عندما نقرأ مثل هذه الأحاديث الشريفة قد لا نحسن تطبيق المصادیق حيث أن معانيها عديدة ومتنوعة، ومعرفتنا قليلة ومحدودة، ومجرد معرفتنا بآية أو رواية لا يعني إدراكنا الحقائق أو تعرفنا على الدقائق، فللآية والأحاديث معاني عدة وإليكم أحبتي حروف هذا الحديث: عن عبد الأعلى قال: سمعت أبا عبد الله صلی الله علیه واله يقول: إنه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله، فأقرئهم السلام وقل لهم: رحم الله عبداً اجتر


1) الكافي ج 2 ص 226، وعنه بحار الأنوار ج 72 ص 83.

2) يحسن مراجعة بحثنا المطول حول آیات الصبر وعنوانه: الصبر الجميل.

3) الكافي ج 2 ص 222، وعنه بحار الأنوار ج 72 ص 72.

مودة الناس إلى نفسه.

حدثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما ينكرون.

ثم قال: والله ما الناصب لنا حرباً بأشد علينا مئونة من الناطق علينا بما نكره، فإذا عرفتم ين عبد إذاعة فامشوا إليه وردوه؛ عنها فإن قبل منکم وإلا فتحموا عليه بمن يثقل عليه ویسمع منه، فإن الرجل منکم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتى تقضى له فالطوا في حاجتي کما تلطفون في حوائجكم فإن هو قبل منكم وإلا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم ولا تقولوا إنه يقول ويقول فإن ذلك يحمل علي وعليكم.

أما والله لو کنتم تقولون ما أقول لأقررت أنکم أصحابي، هذا أبو حنيفة له أصحاب وهذا الحسن البصري له أصحاب، وأنا امرؤ من قريش قد ولدني رسو الله صلی الله علیه واله وعلمت كتاب الله وفيه تبیان کل شيء بدء الخلق وأمر السماء وأمر الأرض وأمر الأولين وأمر الآخرين وأمر ما كان وأمر ما يكون كأني أنظر إلى ذلك نصب عيني(1).

إن هذا الحديث يتضمن نوعاً من الأسرار لعترة النبي المختار، وفي أواخره عبارات تدل على أن الله تعالى قد أودع أسراره عند النبي صلی الله علیه واله وآل بيته عليهم السلام ، وفيه إشارة واضحة لنفس المعنى المتقدم في أوائل البحث - في حديث حذيفة - عن الحسين عليه السلام حيث قال: علمي علمه وعلمه علمي لأنا نعلم بالكائن قبل کینونته(2).


1) الكافي ج 2 ص 223، وعنه بحار الأنوار ج 72 ص 74.

2) تقدم في أول الكتاب، راجع بحار الأنوار ج 44 ص 186.

وفي الحديث السابق تفاصيل أكثر، منذ بدء الخلق إلى ما يكون، ونجد في هذه الأحاديث علوماً عن الأسرار.

الأسرار تعرف بعد الإظهار

عندما نتأمل في الأكوان وفي الإنسان نجد أن الله تعالى قد أظهرها من عوالم الأسرار، فالابتداء لكل مخلوق کان سراً، وبعد تكوينه بما يتناسبه أصبح ظاهراً، حيث لم تكن الأكوان فكانت، ولم يكن الإنسان فظهر، وقد اجتمع في الإنسان السر والكتمان، والظهور والإعلان، فكأنه النموذج لكل ما خلق الله تعالى.

وعندما نتدبر جيداً في تكوين الإنسان نجد أن مكامن الأسرار أكثر من مكامن الإظهار، ومن المعلوم أن للإنسان جانباً ملموساًَ محسوساً، ولكنه من جانب آخر سر، وقد لا يعرف كل شيء عن أسرار ذاته، ومن هنا تعثر كثيراً في مسيرة حياته، ولذلك لا بد من البحث حول أسرار الإنسان، وإلا قد يستمر في مجهول مصيره، والجهل ظلام والعلم نور.

خلق الإنسان للنور

ما هو سر الإنسان؟

عندما نلفظ كلمة سر قد يتبادر أن المراد منها ما لا يعرف، ولكن معرفة الأسرار ليست مستحيلة، بل هي قابلة للظهور عند أربابها، فقد بدئ الإنسان سراً، ثم عرف ظاهراً، ولكن وقف الإنسان عموماً عند الظواهر، ولم يسع جاهداً لمعرفة الأسرار والبواطن، ومن هنا تتجلى بعض جوانب الحكمةلاختيار نماذج الأنبياء والأوصياء والأولياء سلام الله عليهم.

وهؤلاء على مراتب، وبينهم تفاضل، ومن هنا يمكن القول أن الله عز وجل قد خص الحسين عليه السلام بالم يخص به غيره، وقد ندرك بعض هذه الخصوصيات وما يغيب عن إدراكنا أكثر.

فنحن ندرك بقدر ما لدينا من قوة بصر وإبصار، ويبقی ما خفي عنا في عوالم الأسرار، لأنا نعجز عن بيان ما تلمسناه من خصائص الحسين عليه السلام .

وهنا نشير إلى بعض الآيات التي تحتاج إلى نور البصيرة، قال تعالى: «أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا»(1).

وقال عز من قائل:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ »(2).

مما لا شك فيه أن العلم هو الذي يدل على أسرار الحياة بل على أسرار الوجود، ولذا كان مثل العلم مثل النور، وحقيقة النور هنا تدرك بالبصيرة، وإن كان الحرف يقرئ بالبصر، وفي الآيتان إشارة واضحة إلى نورالبصيرة وهو الذي يمشي به في مجاهيل الحياة، وتوضح لنا هذه المعاني الأحاديث الشريفة التي هي فوق الحصر، ومنها أحاديث العلم والتعلم.

عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام لبعضهم: ليس العلم بالتعلم، إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يهدیه، فإن أردت العلم فاطلب أولاً في


1) الأنعام: 122.

2) الحدید: 28.

نفسک حقيقة العبودية، واطلب العلم باستعماله، واستفهم الله يفهمك(1).

والحديث طويل جامع أخذنا منه مقدار الحاجة، وهنا نشير إلى ما ورد في أواخر الحديث عنه علیه السلام : أوصيك بتسعة أشياء فإنها وصیتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى، والله أسأل أن يوفقك لإستعماله: ثلاثة منها في رياضة النفس وثلاثة منها في الحلم وثلاثة منها في العلم فاحفظها وإياك والتهاون بها.

قال عنوان: ففرغت قلبي له فقال:

أما اللواتي في الرياضة (2): فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه فإنه يورث الحماقة والبله، ولا تأكل إلا عند الجوع، وإذا أكلت فكل حلالاً وسم الله واذکر حديث الرسول صلی الله علیه واله: ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، فإن كان و لا بد فثلت لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه.

وأما اللواتي في الحلم: فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشراً، فقل:إن قلت عشراً لم تسمع واحدة.

ومن شتمك فقل له: إن کنت صادقاً فيما تقول فاسأل الله أن يغفر لي وإن کنت کاذبا فيما تقول فالله أسأل أن يغفر لك.

ومن عدك بالخنا فعده بالنصيحة والرعاء.

وأمااللواتي في العلم فاسأل العلماء ما جهلت وإياك أن تسألهم تعنتاً وتجربةً، وإياك أن تعمل برأيك شيئاً، وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلاً،


1) بحار الأنوار ج 1 ص225.

2) والمراد رياضة النفس في تصرفاتها فلا بد من تهذيبها بكل معاني التهذيب.

واهرب من الفتيا هربک من الأسد، ولا تجعل رقبتک للناس جسراً.

قم عني يا أبا عبد الله فقد نصحت لك ولا تفسد علي وردي فإني امرؤ ضنین بنفسي والسلام على من اتبع الهدی(1).

السرائر

إن الحديث عن السر والسرائر هو أبعد من رسم الحروف والكلمات، والبحث عن أسرار الحسين عليه السلام فوق التقديرات، لكن المعاني الغائبة عن الظهور والإظهار تعرف - إلى حد ما - برسم الحروف والتعابير ولو بالإشارة لأهل الفطنة، من هنا نطرق هذا الباب لذوي الألباب حول الإنسان وصلاح سرائره.

من الواقع المتسالم عليه أن الإنسان ذو جهتين: ظاهرية وباطنية، فظاهره أصبح بمعظم ما فيه تحت مجهر المحسوسات، وأما باطنه وهو المعبر عنه بلفظ السر، فهو لم يزل ضمن عوالم الغيب والسرائر، ومع ذلك فقد وردت آيات مباركة كثيرة حول السرائر وكان فيها تصریح تارة وتلميح تارة أخرى، ولكل أمر فيه تلميح أبواب ترشد إلى إدراكه ومعرفته.

لذلك نحاول الدخول لمثل هذا الباب وإن كان يصعب علينا ولوجه لنقرأ بعض الآيات البينات، قال عز من قائل:«وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ»(2).

والآية بحسب الظواهر واضحة في أمور ثلاثة : سر الإنسان، وجهره،


1) يحسن مراجعة الحديث بتمامه، ففيه الدروس البليغة لمن شاء، راجع بحار الأنوار ج 1 ص 225.

2) الأنعام: 3.

وعمله، ولسنا بصدد بيان الثاني والثالث، إنما المراد هو الأول، لأن كل ما يتعلق بالإنسان هو سره وأسراره، فالإنسان تكون في مواطن الأسرار، ولكنه تلهى في حياته بالظواهر، وكأنه قد تجمد عندها، ولذا أصبح - بالعموم - لا يألف ولا يقبل إلا ما هو ظاهر محسوس، ومن هنا جاء التنديد بذلك في أكثر من آية ورواية، وتكفي الإشارة في قوله تعالى: «ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ..»(1).

وأوضح من ذلك إنكارهم ما جاء به الأنبياء والرسل والأولياء عليهم السلام .

سعادة الإنسان في إصلاح سريرته

بعد البحث والتدقيق يتبين أن ليس للإنسان نجاة إلا في إصلاح وصلاح سريرته، وقد قال إمام المتقين علیه السلام : صلاح السرائر برهان صحة البصائر(2).

ويقول علیه السلام : طوبى لمن صلحت سريرته، وحسنت علانيته، وعزل عن الناس شره(3).

تنبیه و اشارات: لست هنا في مجالات التحليل وتوضيح البینات، إنما تنبيةوإيقاظ للغافلين والغافلات لعلنا نصل إلى النجاة، لذلك لا بد لنا من قرع الأفكار، والبحث عن سر ذواتنا وإصلاح الأسرار.

لأن ذلك يحتاج إلى الجد والاجتهاد ليل نهار، حيث أننا في الزمن الذي أخبرنا عنه، وهو ما قاله الرسول المختار صلی الله علیه واله : سيأتي على الناس زمان تخبث فيه


1) النجم: 30.

2) عيون الحكم والمواعظ ص301.

3) الأمالي للشيخ الطوسي ص 539، بحار الأنوار ج 74 ص 91.

سرائرهم تحسن فيه علانيتهم طمعاً في الدنيا، لا يريدون به ما عند ربهم، یکون دینهم ریاءً ، لا يخالطهم خوف، يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجیب لهم(1).

ألا نرى إذا قرأنا بتجرد واقع الناس في هذه الأزمنة أن معاني هذه الأحاديث منطبقة على واقع حياتنا؟! وان كان لهذه المعاني نماذج في كل زمن وعصر،ولكنها في هذا الزمن أوضح وأشمل، لذلك لا بد من نداء قوي ينبه الضمائر التي أسكرها حب الدنيا دون مسکر، حتى أصبح الناس وكأنهم قد خلقوا لها، مع أنها دار ممر وليست دار مقر.

لنقرأ أيضاً هذا الحديث: عن علي بن الحكم، عن عمر بن يزيد قال: إني لأتعشى مع أبي عبد الله عليه السلام إذا تلا هذه الآية «بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره»یا أبا حفص ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم الله منه؟ إن رسول الله صلی الله علیه واله كان يقول: من أسر سريرة ألبسه الله رداءها إن خيراً فخير وإن شراً فشر(2).

وقفة عند باب من أبواب السريرة

قد رکبت في الإنسان أسرارقد لا تنالها الأفكار، من هنا نحاول دق الباب لعلنا نقف على بصيص نور يضيء الطريق.

فعندما يؤتى بالإنسان إلى هذا الكون المحدود يتلمس الظواهر ابتداءً،


1) الكافي ج 2 ص 296، وعنه بحار الأنوار ج 69 ص290، ولهذه الأحاديث مصادرعديدة، ونذكر البحار لسهولة تداوله وإلا فالمصادر أقرب بكثير للقرون الأولى.

2) الكافي ج 2 ص 296، وعنه بحار الأنوارج69، ص291.

ويتدرج نحو المعرفة، وقد يلمع له ضوء، وقد يتكرر الأمر عنده، وقد لا يلتفت إلى شهاب أو ضياء.

وعندما تنقضي الأيام ينتقل إلى عالم آخر غير الكون الذي قضى به الأيام والشهور والسنوات، فيرى نفسه بكون آخر، وفي عالم ليس فيه ظاهر و باطن، وهو الذي كانت تشير إليه الآيات البينات، كقوله سبحانه:«يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ»(1).

وقد سبق هذه الآية آيات مرتبطة بمعانيها، وتتبعها آيات فيها إشارات لمخبات السرائر، وهي الآيات التي فيها الأمر الإلهي: «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ»(2).

وهذه السرائر التي في داخل الإنسان تكشفها الآية:«إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا»(3)، ولست هنا في مجال التفسير..

وقد ابتكرالإنسان في هذا الزمن الكثير الكثير مما لم يكن سابقا، وابتكر آلة صغيرة جداً يضعها تحت يده أو حتى تحت جلده فتسجل عليه كل حرکاته وسكناته، حتى لا يشذ عنها همسات کلماته، ومع ذلك يبقى في داخل الإنسان أسرار لا تكشفها الآلات المحسوسة، ولا الابتكارات الملموسة، ومن هنا ندرك بعض الجوانب من الآية:«يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ»(4).


1) الطارق: 9.

2) الطارق: 5.

3) الطارق: 15.

4) الطارق: 9.

ويوضح هذا الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام شيئاً آخر وهو: ما من عبد أسر خيراً فذهبت الأيام أبداً حتى يظهر الله له خيراً، وما من عبدٍ يسر شراً فذهبت الأيام أبداً حتى يظهر الله له شراً(1).

تتضمن هذه الأحاديث الشريفة معاني الإخلاص في كل عمل يكون خالصاً لوجه الله تعالى، وليس لمآرب دنيوية، من هنا أرشدت الآيات والأحاديث الإنسان إلى حقائق الأمور.

وكان لا بد من إخلاص السرائر حتى في إضمار الأفكار والضمائر .

إن الأبواب السرائر مفاتیح غير مفاتيح أبواب الظواهر، لذلك لا بد من میزان حق، قال رسول الله صلی الله علیه واله: من أسر ما يرضي الله (عز وجل) أظهر الله له ما يسره، ومن أسر ما يسخط الله (تعالى) أظهر الله له ما يحزنه(2).

فمیزان الظواهر والسرائر هو رضا الله سبحانه، ومصدر الرضا صفاء السريرة، من هنا كان لا بد لكل إنسان أن يسعى لنقاء سريرته بكل جهد مع التوسل لخالقه.

إن لصفاء السريرة موازين، ونشير هنا إلى ميزان يدرك أبعاده العقلاء، وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام : کانت الفقهاء والحكماء إذا كاتبوا بعضهم بعضاً كتبوا بثلاث ليس معهن رابعة :

من كانت الآخرة همه كفاه الله همه من الدنيا .


1) الكافي ج 2 ص 294.

2) الأمالي للطوسي ص 182، بحار الأنوار ج 68ص 365.

ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته.

ومن أصلح فيما بينه وبين الله عزوجل أصلح الله له فيما بينه وبين الناس (1).

وقفة لا بد منها لكل عاقل

قد تقدم أن لكل شيء ظاهر و باطن، والإنسان كذلك، وهو في الباطن أخفى من غيره، حيث يمكن معرفة باطن سائر المخلوقات بسهولة، أما كشف باطن وسرالإنسان فليس سهلاً، من هنا ينبغي الوقوف حول ذلك، لئلا يقع الإنسان في محاذير لا حدود له.

وبإمكان كل فرد منا معرفة وإدراك سره، لذلك لا بد له من إصلاح باطنه وداخله، فصلاح السريرة متوقف على الشخص بذاته، لأن الإنسان بعد انقضاء عمره في الدنيا لا تبق له قدرة على التصرف، ولذا يتمتي الرجوع إلى الدنيا، ولكن هيهات!

والآيات في ذلك واضحة، منها قوله تعالى:«لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(2).

فباطن الإنسان يدل على ظاهره، وان تخيل أن فساد باطنه قد يخفی، فكثيراً ما ينعكس الباطن على الظاهر.

عن الإمام الصادق عليه السلام : فساد الظاهر من فساد الباطن، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن خاف الله في السر لم يهتك ستره في العلانية،


1) الأمالي للصدوق ص 87، وعنه بحار الأنوار ج 68 ص 181.

2) المؤمنون: 100.

وأعظم الفساد أن يرضى العبد بالغفلة عن الله، وهذا الفساد يتولد من طول الأمل والحرص والكبر کما أخبر الله عز وجل في قصة قارون في قوله«ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين»(1).

وأول ما تنعكس آثار الفساد على نفس الإنسان وذاته، وقد أمر بالطاعة والصلاح، يقول أمير المؤمنين عليه السلام : طوبى لمن صلحت سريرته، وحسنت علانيته، وعزل عن الناس شره(2)91.

فصلاح السريرة من أوجب الواجبات، بل من أعظم المعاملات للإنسان مع ذاته ونفسه، وعن الإمام الصادق عليه السلام : إن السريرة إذا صحت (3)قویت العلانية(4).

علة الامتحان والابتلاء

عندما نتأمل في هذه الحياة وأبعادها وآثارها نجد أن الإنسان هو قطب الرحى فيها، وقد تجمعت في تكوين هذا المخلوق البديع نماذج لكل شيء، حتى ما ترمز إليه الصفات، فضلاً عن حقائق الذوات، ومن لصفات: الخير ومعانيه، والشر وآثاره وما يحويه، لذلك كان لا بد من الامتحان، من هنا عجزت أقوام عديدة عن ادراك حكمة الامتحانات الربانية، ومما لا شك فيه أن لكل نوع من الابتلاءات حكمة.


1) بحار الأنوار ج 70 ص 395، عن مصباح الشريعة.

2) الأمالي للشيخ الطوسي ص 539، بحار الأنوار ج 7 ص

3) وفي بعض النسخ: صلحت.

4) الكافي ج 2 ص 295، وعنه بحار الأنوار ج 69 ص 289.

وقفة لإلقاء نظرة: يميل الإنسان في هذه الدنيا إلى الراحة، وقليلاً ما يرغب في الجد والاجتهاد، وأقل من ذلك من يتحمل التعب والعناء، حيث أنه يميل إلى الكسل والارتخاء، ومن هذه الظاهرة يتفاوت الناس بين مجد وهامل، بين باحث عن الحقائق وبين غافل في أحضان الشهوات، ولذا قيل: بقدر الجد تكتسب المعالي(1).

فعندما نحاول البحث في أعماق تاريخ البشرية نجد أن نوعية إدراك الإنسان على امتداد مسيرته على هذه الأرض على قسمين: قسم استكان للدنيا وشهواتها، وقسم نظر إليها واعتبر مما مر ولم تخدعه زينتها، ولم يرتضيها غاية، بل يراها طريقاً ينتهي وممراً فيه صعوبة، فيختار قطع المسافة ولو بشق الأنفس، بل لا يعبأ بالمصاعب أو المتاعب مهما بلغت(2)، فوطن نفسه على كل مشقة.

وإذا أردنا أن نبحث بدقة أكثر نجد أن الذين اختاروا تحمل المسؤوليات في هذه الحياة هم الصفوة من بني البشر، وأسمى هؤلاء وأعلاهم منزلة هم الأنبياء والأوصياء ومن اقتدى بهم على مر العصور وتعاقب الدهور، وبهؤلاء استنارت أفواج البشرية في كل زمن من الأزمنة، وفي كل عصر من العصور، وهؤلاء هم الذين حفظوا إنسانية الإنسان على هذه الأرض التي جبل الإنسان من ذرات ترابها، وتغذى على نباتها.

من هنا نقف لنقرأ حقائق الوقائع قراءة متدبر لا قراءة عابر، لأن التدبر للإنسان يفتح لفكره نافذة لما بعد الدنيا، فيكون هذا بدء الطريق وليس نهايتها،


1) شطر من قصيدة طويلة.

2) وقد قيل: لأستسهلن الصعب أو أدرك المني * فما انقادت الآمال إلا لصابر.

ومهما قيل أو يقال نجد أن الصراع في هذه الدنيا بين قسمين من بني البشر: قسم عشق الدنيا ودافع عنها، وقسم اختار المبادئ والقيم ودافع عنها، وبعبارة أبسط : قسم اختار الدنيا، وقسم اختار الآخرة، ولا يمكن أن يجتمع هذان القسمان والمسلكان، وإن كان معيشهما على وجه هذه الأرض، وهنا نورد هذه الحادثة والتعابير من أعماق التاريخ هذه الأمة، وهي أفكار تجول عند الكثير .

عن محمد بن إبراهیم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه قال کنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه مع جماعة فيهم علي بن عيسى القصري فقام إليه رجل فقال له: أريد أسالك عن شيء .

فقال له: سل عما بدا لك.

فقال الرجل: أخبرني عن الحسين بن علي عليه السلام هو ولي الله ؟

قال: نعم.

قال: أخبرني عن قاتله لعنه الله هو عدو الله ؟

قال: نعم.

قال الرجل: فهل يجوز أن يسلط الله وعدوه على وليه؟

فقال له أبو القاسم قدس الله روحه: افهم عني ما أقول لك، اعلم أن الله تعالى لا يخاطب الناس بشهادة العيان و لاشافههم بالكلام ولکنه عزوجل بعث إليهم رسولاً من أجناسهم وأصنافهم بشراً مثلهم فلو بعث إليهم رسلاً من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم ولم يقبلوا منهم.

فلما جاء وهم وكانوا من جنسهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق قالوا

لهم أنتم مثلنا فلا نقبل منکم حتى تأتون [تأتونا ]بشيء نعجز أن نأتي بمثله فنعلم انکم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه.

فجعل الله تعالى لهم المعجزات التي یعجز الخلق عنها فمنهم من جاء بالطوفان بعد الإنذار والإعذار فغرق جميع من طغى وتمرد، ومنهم من ألقي في النار فكانت عليه برداً وسلاماً، ومنهم من أخرج من الحجر الصلد ناقة وأجرى في ضرعها لبناً، ومنهم من فلق له البحر وفجر له من الحجر العيون وجعل له العصا اليابسه ثعباناً ف«تلقف ما یأفکون»، ومنهم من أبرأ الأکمه والأبرص وأحيا المؤتى بإذن الله تعالى وانباهم بما يأکلون وما یدخرون في بيوتهم، ومنهم من انشق له القمر وكلمته البهائم مثل البعير والذئب وغیرذلك.

فلما أتوا بمثل ذلك وعجز الخلق من أممهم عن أن يأتوا بمثله كان من تقدير الله تعالى ولطفه بعباده وحكمته أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال غالبين وفي أخرى مغلوبين، وفي حال قاهرين وفي حال مقهورين.

ولو جعلهم عزوجل في جميع أحوالهم غالبین وقاهرين ولم يبتلهم ول یمتحنهم لاتخذهم الناس الهة من دون الله تعالى ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن والإختبار.

ولکنه عز وجل جعل أحوالهم في ذلك کأحوال غيرهم ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين في حال العافية والظهور على الأعداء شاکرين يكونوا في جميع أحوالهم متواضعين غير شامخين ولا متجبرين.

وليعلم العباد أن لهم عليهم السلام إلها هو خالقهم ومدبرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله وتكون حجة الله تعالى ثابتة على من تجاوز الحد فيهم وادعى لهم التربوبية أو عاند

وخالف وعصى وجحد بما أتت به الأنبياء والرسل وليهلك من هلك عن بينة ویحیی من حي عن بينة.

قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق رضی الله عنه فعدت إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه من الغد وأنا أقول في نفسي: أتراه ذکر ما ذکر لنا يوم أمس من عند نفسه؟

فابتدأني فقال لي يا محمد بن إبراهيم لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوی بي الريح في مكان سحيق أحب إلي من أن أقول في دين الله تعالى ذكره برأيي ومن عند نفسي، بل ذلك عن الأصل مسموع عن الحجة عجل الله تعالی فرجه الشریف(1).

حفظ الأسرار من صفات الأخيار

إن الحديث عن الأسرار أشمل وأبعد مما يدور عليه الليل والنهار، وإنما نحاول رسم بعض الكلمات لنهج الأخيار، فالأسرار في الحياة هي نقطة ارتكاز الكون، والإنسان مؤهل لإدراك وحمل ما تنتجه الأفكار، لذلك ننتقل في أبحاثنا من موضوع لآخر، ومن باب إلى أبواب، ومنها حفظ السر وكتمانه.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام : من تود سرک من لا أمانة له(2).

وعنه علیه السلام: لا تودعن سرک من لا أمانة له(3).

إن كتم الأسرار من خصال المؤمن الحميدة، وهذا المعنى قد ورد بكثير من


1) علل الشرائع ج 1 ص 241، وعنه بحار الأنوار ج 44 ص 273.

2) الأمالي للصدوق ص 380، وعنه بحار الأنوار ج 71 ص 187.

3) عيون الحكم والمواعظ ص517.

الأحاديث الشريفة، منها ما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام : لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال: سنة من ربه، وسنة من نبيه، وسنة من وليه.

فأما السنة من ربه فكتمان سره، قال الله عز وجل :«عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا*إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ»(1).

وأما السنة من نبيه فمداراة الناس فإن الله عز وجل أمر نبيه صلی الله علیه واله بمداراة الناس فقال:«خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»(2).

وأما السنة من وليه فالصبر في البأساء والضراء، يقول الله عز وجل :«وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ»(3).

إن خير الدنيا والآخرة يجتمع في التدبر في هذه السنن الثلاث، وخصوصاً الثالثة، التي هي بمثابة الثمرة لما تقدم، فالأولى: كتمان سره تعالى، وفي الآية أكثر من هداية :

الأول: أن الغيب والسر المطلق لله وحده .

الثاني: أن هذا الغيب يمكن الإطلاع عليه لمن يختاره الله .

الثالث: أن الذي ارتضاه الله لهذا الاطلاع هو الرسول صلی الله علیه واله، ومن هذا الفيض والعطاء قد ترشح للأولياء عليهم السلام ، ومن هنا كان علم الكتاب كله عند


1) الجن:26-27.

2) الأعراف: 199.

3) البقرة: 177، والحديث في أمالي الصدوق ص408، وعنه بحار الأنوار ج 2 ص 39.

الأئمة عليهم السلام ، « وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ»(1).

وقد أودع الله أسرار الكون عند من أعطاهم علم الكتاب، وعندهم أسرار السماء وأنوار الحجاب، فإن إظهار غيبه(2)قد تحقق على يدي رسوله المرتضى، ومن هنا بدأ إظهار الغيب، ومن حكمته تعالى أنه قد أظهره لخلقه بالتدرج، وهذا التدرج من باب اللطف في بقية المخلوقات التي لا تستطيع التحمل دفعة واحدة، وذلك لقصور وعجز المخلوقات.

وهنا نشير إلى نقطة مهمة وهي أن الله تعالى قد تلطف - وهو اللطيف - بخلقه حيث أرسل لهم الرسل بالتدريج بدء من آدم، إلى نوح، إلى غيرهم، حتى أصبح لدى البشرية قدرة على التحمل، فكان خاتم الأنبياء صلی الله علیه واله.

وقد استمر هذا التدرج من سيد الرسل إلى الأئمة عليهم السلام كما تقدم، ولكل إمام مهمة تتناسب وكل وقت من أوقات الزمن، ومنها تظهر الحكمة في الحجة المنتظر عجل الله فرجه، وهو الذي يتمم مسيرة الأسرار.

وأما السنة الأولى : من نبيه صلی الله علیه واله، فإنها تتعلق بمعاملة الناس، ورأس هذه المعاملة مداراتهم، ومنها ندرك أن: الدين المعاملة(3).

وما أحوجنا دائماً لمضمون الآية الواردة حول سنة نبيه، وهي قوله سبحانه :«خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»(4)


1) الرعد: 43.

2) يحسن مراجعة بحثنا حول موضوع آیات الغيب، وهو بحث مستقل.

3) لا يظهر ان الحديث وارد بهذا النص وان ورد بمضمون قريب منه .

4) الأعراف: 199.

في هذه الآية المباركة أمور ثلاثة: الأمر بالعفو، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين، وهذه الأمور الثلاثة هي من مكارم الأخلاق، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : العفو تاج المكارم(1)

وفي حديث آخر: شيئان لا يوزن ثوابهما: العفو والعدل(2).

عندما نتأمل جيداً بثمرات العفو نجد أن له آثاراً لا تقدر، وهذا يدل على مدى انسانية الإنسان، من هنا تظهر المعادن الصافية، وبذلك يمتثل أمر الله وأمر رسوله صلی الله علیه واله حيث يقول صلی الله علیه واله: عليكم بالعفو فإن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فتعاقوا يعزکم الله (3).

الأمر الأول: العفو عند المقدرة

العفو من الصفات الرفيعة، ويكفي أنها تاج المكارم، وهي صفة أحبها الله لعباده وأمرهم بالتحلي بها، وهي صفة من صفاته تعالى، وفي الآية أمر بأخذ العفو، ومن هذا الأمر ندرك أنها عظيمة الأثر

وقد قال الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام : ألا وإن مكارم الدنيا والآخرة في ثلاثة أحرف من كتاب الله (عزوجل): «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»(4).

وعندما نبحث في هذه الصفات نجد أنها صفات من سنن المرسلين عليهم السلام


1) عيون الحكم والمواعظ ص19.

2) عيون الحكم والمواعظ ص297.

3) الكافي ج 2 ص 108، وعنه بحار الأنوار ج 68 ص 401.

4) الأعراف: 199، والحديث في أمالي الطوسي ص 644، بحار الأنوار ج 68 ص426.

والمتقين، وهي الصفات التي يسعد بها الإنسان، وعليها يدور محور الإنسانية، وهي المعذبة في هذه الأزمان، وقد يأتي زمن تتحقق فيه هذه الصفات عملياً،حيث أننا نتكلم بها نظرياً في هذا الزمن، وقد يكون لها أهل لم نعرفهم في هذا

العصر.

يقول الإمام الصادق عليه السلام : العفو عند القذرة من سنن المرسلين والمتقين، وتفسير العفو أن لا تلزم صاحبك فيما أجرم ظاهراً، وتنسى من الأصل ما أصبت منه با طناً، وتزيد على الإختيارات إحساناً، ولن يجد إلى ذلك سبيلاًإلا من قد عفا الله عنه وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وزینه بکر امته وألبسه من نور بهائه، لأن العفو والغفران صفتان من صفات الله عز وجل أودعهما في أسرار أصفيائه ليتخلقوا مع الخلق بأخلاق خالقهم وجعلهم كذلك.

قال الله عز وجل «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(1)ومن لا يعفو عن بشر مثله كيف يرجو عفو ملک جبار(2).

وفي حديث عنه صلی الله علیه واله : من كثر عفوه مد في عمره (3).

العفو سر من الأسرار

يمتاز الإنسان بصفاته، وتظهر حقائقه بأعماله، والعفو سر من أسرار القلوب، وعندما نقرأ ما جاء به الأنبياء والأولياء نجد أنهم كانوا ممثلين لأوامر الله سبحانه و آمرين بالعفو، ويعرف ذلك من سيرتهم ومقدارعفوهم عن الناس،


1) النور: 22.

2) بحار الأنوار ج68ص 423.

3) کنز الفوائد ص56.

ومن يتصفح التاريخ يجد مقداراً لا حصر له من ذلك.

لنقرأ هذا المقطع من كتاب أمير المؤمنين علیه السلام لمالك الأشتر لا ولاه على مصر، ففيه الدرر التي تضيء للعقول على مر الدهور .

قال عليه السلام: ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أکلهم، فانهم صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق.

يفرط منهم الزلل وتغرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطإ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ... ولا تند من على عفو ولا تبجحن بعقوبة(1).

الأمر الثاني: الأمر بالمعروف

إن الأمر بالعرف هو صفة عالية اختص بها الأنبياء والرسل والأولياء والصلحاء، وأول ذلك أن يكون الأمر مؤتمراً بما يأمر به من المتابعة، ومن ذلك أن يكون نفسه أمره بنحو معروف غير منکر(2).

ولهذا الموضوع ربط في المجتمعات والأفراد، وقد بحث مطولاً في الفقه، كذلك له أبحاث عند علماء الأخلاق وغيرهم من علماء الاجتماع، ولسنا بصدد بیانه هنا وإن كان ضمن الآية .


1) نهج البلاغة، من الكتاب رقم53، كتبه للأشتر النخعي لما ولاه مصر وأعمالها: أمره بتقوى الله وإيثار طاعته .. وهو من أهم القوانين في حسن التعامل.

2) ذكر هذا المعنى بعض المفسرين، راجع تفسير الميزان ج8 ص 397.

الأمر الثالث: وأعرض عن الجاهلين

إن موضوع الجهل والجهلاء من أصعب المواضيع بحثاً وبياناً، وإن كان ظاهراً، وفي الإعراض عن الجاهلين أسرار خفية تشبه أسرار الموت، وقد يدرك العقل البشري هذه الأسرار في الدنيا، لأن حقيقة الموت لم تدرك إلا بعد مرحلة الحياة في الدنيا، كذلك الجهل المعبر عنه بالموت والظلام وما شابه.

فالجهل وإن كان بديهياً إلا أنه داء لا يحس به صاحبه، من هنا كانت الصعوبة في المعالجة، وقد عرف بتعاریف عديدة، منها ما قاله إمام العارفين علیه السلام:

الجهل مميت الأحياء ومخلد الشقاء .

الجهل داء وعياء .

الجهل في الإنسان أضر من الآکلة في البدن .

الجهل معدن الشر.

الجهل فساد کل أمر.

ما أعز الله بجهل قط.

لا يردع الجهوك إلا حد الحسام(1).

وقفة لطرد الجهل

عندما ننظر إلى الجهل وآثاره على أرض الواقع نجد أنه الظلام الحالك المخيم على كثير من عقول البشر، ويكفي دلالةً أنه جعل في مقابلة العلم، فكما أن


1) راجع میزان الحكمة، باب الجهل والكفر.

العلم نور مضيء كاشف للحقائق، فالجهل هو الظلام الدامس والمخيم والخافي للحقائق عن عقول البشر ونفوسها، وهذا الداء الذي عجزت عنه الأطباء، ولا يمكن للإنسان أن يشفى منه إلا بدواء من العلماء والحكماء.

الجهلاء والدواء

لقد وصف الإنسان بالجهل، ولهذا الوصف دلالات وأبعاد في حياة الإنسان، فعندما نقرأ أكثر من آية في القرآن نجد أن هذا الوصف خاص بالإنسان، وقد جاء في موارد الذم دون المدح، كما ورد أن الجهل نقيض العلم، وكثيراً ما تظهر الأشياء بأضدادها، من هنا يمكننا توضيح بعض المعاني الآثار الجهل، فالآية المتقدمة تتضمن المعاني الخفية حول الجهل، وهي:«وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»(1).

وهناك آية جامعة، قال تعالى:«إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا»(2).

لست في مقام بیان معاني التفسير، إنما ندرك من هذه الآية بعض الجوانب، وأهمها أن الإنسان - دون غيره من المخلوقات - يحمل النقيضين، وهما: الجهل والعلم، ويسمو الإنسان بالعلم إلى أعلى المراتب، ويتسافل بالجهل إلى أخس الدرجات، وهنا تكمن الأسرار .


1) الأعراف: 199.

2) الأحزاب: 72

وقفة عاجز عن البيان

إن أسرار الحياة ومعاني الوجود مبثوثة في خلايا الإنسان، وقد وجد الإنسان على مفترق الطرق في هذه الحياة، فهو قد حمل الأمانة من جانب، ووقع في الهاوية من جانب.

وعندما نقرأ مسيرة حياة الإنسان نجد أنه سار باتجاهين متعاكسين متضادين هما: اتجاه طريق العلم، واتجاه مسلك الجهل.

مما لا شك فيه أن حمل الأمانة لدى الإنسان دليل على أهمية الحامل والمحمول، فالأمانة من الله سبحانه هي أمانة العلم، والذي حملها هو الإنسان، فكلاهما ذات أبعاد في هذا الوجود.

وعندما يتخلى الإنسان عن العلم يقع في خضم الجهل، وعندئذ يكون ظلوماً، «وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون».. وكان من نتائج ذلك الجهل والكفر والجحود.

يقول الإمام أبو عبد الله عليه السلام : لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا لم يجدوا ولم یكفروا(1).

من هنا ندرك أن آثار الجهل ونتائجه هي الكفر، فالكفر ناتج عن الجهل، وقد ورد عن الرسول صلی الله علیه واله أنه قال: إ ن العاقل من أطاع الله وإن كان ذميم المنظر


1) الكافي ج 2 ص 288، وفي المحاسن ج1 ص216 رواه عن أبي جعفرعلیه السلام ،وعنه بحار الأنوار ج2 ص 120.

حقير الخطر وإن الجاهل من عصى الله وإن كان جميل المنظر عظيم الخطر(1).

فقد جاء الوصف هنا لقسمين من الناس، وهما عاقل و جاهل، فالعاقل من أطاع الله، والجاهل من عصى الله، ويترتب على المعاصي الكفر، ولذا قيل: الجاهل میت وإن كان حياً(2).

وقد ورد الكثير في ذم الجهل والجهلاء، من ذلك ما روي عن أمير المؤمنين علیه السلام : الجاهل صخرة لا ينفجر ماؤها وشجرة لا يخضرعودها وأرض لا يظهر عشبها(3).

ويقول علیه السلام : عمل الجاهل بال وعلمه ضلال(4).

من هذه الدرر من الأحاديث والآيات ندرك مخاطر الجهل وعاقبة الجهلاء، ومما قاله الإمام الحسن عندما سئل: ما الجهل؟

قال: سرعة الوثوب على الفرصة قبل الاستمكان منها والإمتناع عن الجواب (5).

عودة حول الأمر الثالث: وأعرض عن الجاهلين

لنقف عند جانب من معاني الإعراض، يقول الإمام علیه السلام: الجاهل


1) کنز الفوائد ص 13، وعنه بحار الأنوار ج 1 ص160.

2) عيون الحكم والمواعظ ص 45.

3) عيون الحكم والمواعظ ص 63.

4) عيون الحكم والمواعظ ص 342.

5) معاني الأخبار ص 401، وعنه بحار الأنوار ج 75 ص 101.

یستوحش مما يأنس به الحكيم.

ويقول عليه السلام: الجاهل لا يرتدع وبالمواعظ [بالموعظة] لا ينتفع .

ويقول عليه السلام : للجاهل في كل حالة خسران(1).

إن للإعراض عن الجاهلين دلالات على أهمية واقع الحياة، ذلك لأن الحياة لا تستقر عند الجهل، والإنسان الجاهل بمنزلة الداء في نعيم الحياة، لأن الحياة سعادة للإنسان. والجهل شقاء بكل معانيه وأبعاده، فالإعراض عن الجاهل بحسب المعنى والواقع هو إعراض عن الداء الذي فيه خسران لسعادة الإنسان، وهذا يعرف من واقع الممارسة العملية.

من صفات الجاهل: لقد امتاز الانسان بحسن تعامله، وبما ينتفع وينفع في مسيرة حياته، بينما نجد الجاهل عكس ذلك تماماً، فلا ينتفع ولا ينفع، بل يصبح بمثابة الداء العضال، وقد ورد عن رسول الله صلی الله علیه واله : وصفة الجاهل: أن يظلم من خالطه ويتعدى على من هو دونه، ويتطاول على من هو فوقه، کلامه بغير تدبر(2).

إن كثيراً من الأسماء و المسميات تعرف بالصفات، وبها يتميز هذا عن ذاك، وقد تتحد الصفات بالذات، فتصرفات الإنسان هي التي تدل عليه، فعندما نقول: جاهل، معناه أنه متلبس بالجهل، كذلك عندما نقول: هذا عاقل أو عالم، فمعنى ذلك أنه متلبس بالعلم ومتصف بالتعقل، والتعقل والتعلم من أرفع صفات الإنسان، وقد لا يطلق إلا في مورد الصفات المميزة.


1) راجع میزان الحكمة، باب الجاهل.

2) تحف العقول ص 29، وعنه بحار الأنوار ج 1 ص 129.

وقد يتعلم الإنسان الجاهل فتنتفي عنه صفة الجهل، ولكن الأجهل هو الذي لا يسعى لطلب العلم، وأعظم من ذلك جهلاً جهل الإنسان أمر نفسه.

يقول الله : رأس الجهل الجو ر(1)، ومن هنا ندرك ما قيل: الناس أعداء ما جهلوا(2).

يقول الإمام علیه السلام : لا تعادوا ما تجهلون، فإن أکثر العلم فيما لا تعرفون(3).

وقفة عند الحديث: عندما نقف مع أنفسنا بتأمل وإنصاف نجد أننا غير منصفين لها، فإن ما نجهله أكثر بكثير مما ندعي معرفته، ومن هنا لا بد من إعادة النظر في كل ما نعرفه، لأن الإنسان غالباً ما يجعل نفسه میزاناً، وهذا نوع من الجهل، وإن كان الإنسان عالماً في الظاهر.

فلا بد للعالم أن يعرف نفسه أولاً، وإلا كان جاهلاً وإن قرأ الحروف.

من جهل شيئاً عابه: يعيش الإنسان في هذه الحياة بين نهجين متعاكسين : وهما الجهل والعلم، ولكل أهل ونتائج، فنتاج الجهل الشر، ونتاج العلم الخير، ومن هنا كان الافتراق في مسيرة حياة الإنسان بين الخير والشر، ويختص الإنسان بهذين الوصفين، ومنه يصدر الخير بأسبابه، والشر بوسائله، وعندما يسير تحت مظلة الجهل يصدر الشر منه حتماً، وعندما يسير تحت جناح العلم يفيض منه الخير، ولذا لا بد للإنسان أن يحقق الميزان لنفسه، لأن السير عائد له مهما قيل أو


1) عيون الحكم والمواعظ ص 263، میزان الحكمة، باب تفسير الجهل.

2) نهج البلاغة ج4 ص 42، وعنه بحار الأنوار ج 1 ص 219.

3) عيون الحكم والمواعظ ص521، میزان الحكمة، باب الإنسان عدو لما يجهل.

یقال.

ولذا نقرأ ما جاء عن الرسول صلی الله علیه واله : العلم رأس الخير کله، والجهل رأس الشرکله(1).

ويقول أمير المؤمنين علیه السلام: الجهل موت(2)، وعنه علیه السلام : الجهل أصل کل شر(3).

وعندما يبقى الإنسان جاهلاً في هذه الحياة يغرق بنار الشر.

ومن أروع ما قيل حول ذلك هو قول أمير المؤمنين عليه السلام : ابن آدم أشبه شيء بالمعيار : إما ناقص بجهل، أو راجع بعلم(4).

فكلما ازداد الإنسان جهلاً تسافل نحو النقص، وكلما اتقن العلم رجحت كفة ميزانه، من هنا ندرك عظمة العلم ورفعة شؤون العلم، والفضائل حول العلم لا تحصيها أقلام العلماء، ولا تنالها أيدي الجهلاء، وكيف ينال الإنسان علماً يعاديه، وقد ورد عن الإمام علیه السلام : الجهل بالفضائل من أقبح الرذائل (5).

ونحاول إلقاء نظرة حول الجهل والجهالة، لعلنا نتدارك شيئاً في بقية حياتنا، ولا نقف عند الجهل الذي هو موت قبل الموت، بل هو داء وليس له دواء غير طرده بالعلم، وهو عدو لدود يسري في خلايا وطينة الإنسان، بمثابة الدم في


1) بحار الأنوار ج 74 ص 175.

2) مستدرك الوسائل ج12 ص67.

3) میزان الحكمة، باب الجهل والكفر.

4) تحف العقول ص 150، بحار الانوار ج 75 ص50.

5) عيون الحكم والمواعظ ص20.

الجسم الحي.

وقفة باحث عن مصدر الجهل

أقول إنها محاولة لمعرفة الجهل، وهل أنه ذاتي أم أنه عرض أم ماذا؟ إلى هنا لا أدري، وإنما أحاول البحث.

لنظر أولاً إلى المخلوقات الحية، فهي أرضية وسماوية، من ملائكة وجن وإنسان و حیوان، وللملائكة شأن خاص، وليس الجن من موارد بحثنا، و الحيوان لا يوصف بالعلم والجهل والعقل، فيبقى المقصود هو الإنسان، وهو الذي يوصف بأنه جاهل أو عالم.

والعلم والجهل نقیضان كما هو معروف، والإنسان واحد مركب من مادیات و معنویات.

والإنسان ثانياً هو آخر هذه المخلوقات على هذه الأرض، وعندما أهبط إليها ابتداءً كان متسلحاً بالعلم بنص الآية المباركة:«وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ »(1).

ولكن هذا التعليم للأسماء كلها كان في السماء، ومن ذلك ندرك أن العلم المطلوب عند الإنسان كسب وليس ذاتياً (2).

ونلاحظ ثالثاً أن الإنسان لا يرضى أن يوصف بالجهل وإن كان جاهلاً ، ويفرح إذا وصف بالعلم وإن لم يكن عالماً، ويدل هذا بالوجدان على إدراك الفطرة


1) البقرة: 31.

2) وفي هذا الموضوع أبحاث كثيرة حول العلم اللدني والكسبي، والقابلية والفطرة، وما شابه ذلك، وليس هذا محلها.

عند الإنسان لما هو منبوذ أو محبوب بذاته، فالعلم محبوب و الجهل مبغوض، ومع ذلك نجد أن الكثير من بني البشر ينغمسون في بحور الجهالة مع بغضهم للجهل، ويحبون العلم وإن لم يذوقوه.

رابعاً: يوصف الإنسان أيضاً بالعقل كما يوصف في المقابل بالجهل، وهنا نقول أن العلم والعقل متلازمان و متحدان، لا ينفك أحدهما عن الآخر في حقيقة الإنسان، وإنما يفرق بينهما في التفاصيل العلمية أثناء التوضيحات والموارد، فالعلم حقيقة هو للإنسان، سواء كان على هذه الأرض أو على كوكب آخر، فالإنسان بدون علم هو أقل من الحيوان، وليس هو إنساناً بالمعنى الحقيقي، لأنه خلق للعلم، ولا نجاة له دون العلم.

وقفة عند حديث

قال الإمام الصادق عليه السلام : الجهل صورة ركبت في بني آدم، إقبالها ظلمة وادباها نور، والعبد متقلب معها كتقلب الظل مع الشمس.

ألا ترى إلى الإنسان تارةً تجده جاهلاً بخصال نفسه حامداً لها عارفاً بعيبها في غير ساخطاً، وتارةً تجده عالماً بطباعه ساخطاً لها حامداً في غيره، فهو متقلب بين العصمة والخذلان.

فإن قابلته العصمه أصاب إن قابله الخذلان أخطا.

ومفتاح الجهل الرضا والإعتقاد به، ومفتاح العلم الإستبدال (1)مع إصابة موافقة التوفيق.


1) كأن المراد أن مفتاح العلم طلبه، وهو استبدال الجهل بالعلم.

وادنی صفة الجاهل دعوا العلم بلا استحقاق، وأوسطه جهله بالجهل، وأقصاه جحوده العلم.

ولیس شي إثباته حقيقه نفيه إلا الجهل والدنيا والحرص فالكل منهم کواحد و الواحد منهم كالكل(1).

وهذا الحديث يحتاج إلى تفسير وتوضيح .

حدیث جامع

لقد أوقفني كثيراً حديث جامع منسوب للإمام الصادق عليه السلام: اجتهد في تعلم علم السر، فإن بركته كثيرة.. ومن تعلم علم العلانية وترك علم السر ، يهلك ولا يسعد(2).

من هذا الحديث الشريف ندخل إلى أبواب واسعة تتعلق بكل ما يدور حول الإنسان:

الأول: تكوين الإنسان.

الثاني: صفاته ومميزاته .

الثالث: غايته ودوره.

الأول: لقد أصبح واضحاً أن الإنسان مكون من جانب مادي محسوس،


1) بحار الأنوار ج 1 ص 93، عن مصباح الشريعة.

2) کتاب الحياة لمحمد رضا حکیمي ج 1 ص 153، فصل 16، وبحر المعارف لعبد الصمد الهمداني ج2 ص 329، ولم نعثر عليه في أمهات المصادر، فيما نسبه أحمد بن علي الرفاعي الكبيرالمتوفي في القرن السادس إلى محمد بن الفضل السمرقندي (حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى ص 46).

ومن جانب روحي معنوي، ولكلا الجانبين تفاصيل لا حصر لها، ولسنا هنا بصددها، وإنما نحاول الإشارة للصفات والغايات، فنقول وبه نستعين:

الإنسان بما هو إنسان نقطة ارتكاز في هذا الكون، وهو مرتبط به ارتباطاً وثيقاً لا ينفك عنه، وليس بإمكانه الخروج من الكون وما فيه، وقد أوجده خالقه بترکیبات مميزة جداً.

إشارة حول خلق الإنسان

لقد جنحنا كثيراً في هذه الأزمان عن واقع الإنسان، وحصل هذا الجنوح والانحراف عندما لم نتخذ المنهج القويم لسيرنا، فالإنسان يرجع من جهة تكوينه إلى أصل واحد ولا فوقية لأحد على غيره، وليس أحدهم أفضل أو أشرف بل هم من جهة أصل الخلقة سواء، كلهم من آدم وآدم من تراب، لا فضل لأبيض على أسود، وهذا أصل أساسي وبديهي.

يقول القرآن الكريم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»(1).

تشير الآية إلى أن الأصل واحد، والغاية التعارف والتآلف وليس التفاخر والاستكبار، قال صلی الله علیه واله يوم فتح مكة: أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب: إن الله تبارك وتعالى قد أذهب عنکم بالإسلام نخوة الجاهلية والتفاخر بآبائها وعشائرها.

أيها الناس أنکم من آدم وآدم من طين، ألا وان خيركم عند الله وأكرمكم


1) الحجرات: 13.

عليه اليوم اتقاکم وأطوعکم له(1).

فليس للإنسان دخل في التكوين، وإنما له دخاله فيما يتعلق بالاكتساب، ومن ذلك التقوى التي يمتاز بها الإنسان عن غيره، وهي ترجع للأمر الثاني المعبر عنه بالصفات، من هنا يمكن القول أن أرقى صفة تجب على الإنسان هي صفة العلم، والحث على العلم في شريعة الله لا حصر له، بدءً من حكم العقل ومن القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وهي صفة رفيعة، وهذه الصفة هي المنطلق الصحيح لكل معرفة، وبعبارة مختصرة أن الإنسان قد وجد للعلم، وعندما لا يسعى له يكون قد استجاب للجهل، والجاهل دائم كأنه لم يكن!

يقول الإمام الصادق عليه السلام: من تعلم الله (عز وجل) و عمل لله وعلم لله ، دعي في ملكوت السماوات عظيماً، وقيل: تعلم الله وعمل لله علم لله(2).

والتعلم الله يشمل علم الظاهر والباطن، وهنا يكمن علم الأسرار، ومن هنا ندرك القول المتقدم: اجتهد في تعلم علم السر، فإن بركته كثيرة(3).

فالعلم طريق للسعادة بكل معاني الكلمة، والجهل طريق الشقاء بكل أبعاده ومعانيه، وعن النبي صلی الله علیه واله: العلم علمان علم على اللسان فذلک حجة على ابن آدم، وعلم في القلب فذلك العلم النافع(4).

والأحاديث حول العلم لا حصر لها، ومن أقوال الإمام الصادق عليه السلام :


1) کتاب الزهد ص 56، وعنه بحار الأنوار ج 21 ص 138.

2) الأمالي للطوسي ص 47، وعنه بحار الأنوار ج 2 ص 29، وقريب منه في الكافي ج1 ص35.

3) تقدم ذكره قريباً قبل صفحتين.

4) عوالي اللئالي ج 1 ص 274، وعنه بحار الأنوار ج 2 ص 33.

العلم أصل كل حال سني، ومنتهی کل منزلة رفيعة، ولذلك قال النبي صلی الله علیه واله: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، أي علم التقوى واليقين.

وقال علي علیه السلام : اطلبوا العلم ولو بالصين وهو علم معرقة النفس وفيه معرفة الرب عز وجل(1).

الثالث: دور الإنسان وغايته

تقدم في الحديث: اجتهد في تعلم علم السر، فإن بركته كثيرة..

وقد ألمحنا إلى أمرين هما: تكوين الإنسان وبعض صفاته، ونقول: أن الأهم فيما يتعلق بالإنسان هو الغاية التي يصل وينتهي إليها، والغاية بالنسبة للإنسان بمثابة الثمرة للشجرة.

فالثمرة تمر بأدوار ومراحل حتى تصل لكمال نضوجها، فغاية وجود الإنسان هو الكمال، وهنا نحاول الإشارة إلى ما يوصل إلى الكمال المنشود.

وللإنسان كمال محسوس وكمال أبعد من ذلك، ومن هنا يفترق عن بقية المخلوقات، فجميع المخلوقات تقف عندما تصل إلى منتهی کمالها، أما الإنسان فهو ذو کمالین: کمال يتعلق ببدنه المادي بكل جوانبه، وكمال يسير إلى ما هو أسمى من بدنه ومادياته، وهو کمال نفسه الإنسانية، وهي التي لا تقف عند حد محدود بذاتها.

علم السر والنفس

عندما نقول: علم السر فلا نعني أن السر أمر لا يعرف، بل هو کام بذات


1) مصباح الشريعة ص13، وعنه بحار الأنوار ج 2 ص 31.

الإنسان، وليس شيئاً غائباً يبحث عنه، بل هو معه لا يفارقه بدءً من تكوينه مروراً بكل مراحل وجوده وسيره، وعندما يبحث الباحثون حول الإنسان عموماً، من وجوده إلى مسيرة حياته إلى بقائه يجدون ترابطاً بخطوط عريضة، لذلك تشابهت الأمور.

وقفة متأمل: عندما نقرأ حول الإنسان وجوانب حياته في هذا الكون نجد مسالك ومناهج عديدة للباحثين، ونجد أقوالاً وتحاليل من جميع الطبقات، من حکماء وفلاسفة وعلماء، قدماء ومتأخرين.. كل هؤلاء حاولوا البحث عن جانب أو أكثر، لكن لم نجد إلا قليلاً من تعرض لجوانب علم الأسرار.

ولعلنا لن نعثر على مثل هؤلاء القلة القليلة، لذا فإنا نحاول أن ندلي بدلو صغير، لعلنا نضع فيه قطرة ماء من ماء الحياة.

ما هو علم الأسرار

بسم الله نبدأ، ومنه المبدأ..

إن أسرار الأبرار مبثوثة في آيات القرآن الحکیم، وأمثالنا لا يعرف منها سوى الإسم وبعض المعاني التي يرسمها لنا الفكر المحدود، أو بعض الأفكار.

من هنا أحاول أن أقف على جوانب هذا البحر لعلي أحسن شيئاً من الخوض.. ويبقى الأمل باباً للطموح، مع يقيني أنه بحر غير البحور!

أولاً: إن موقع الإنسان في هذه الدنيا بين وصفين متضادين: وصف الفضائل، ووصف الرذائل.

ثانياً: تكمن الصعوبة في تحديد هذين الوصفين، فعندما نقرأ أقوالاً لعلماء

الأخلاق يقولون أن الفضيلة واقعة بين رذيلتين، فالكرم مثلاً واقع بين رذيلة البخل ورذيلة الإسراف، وهكذا هناك تعاريف كثيرة للحكماء والعلماء والفقهاءوغيرهم من الفلاسفة وأهل النظر.

كل هذه العناوين والتعاريف تبقى في عوالم الألفاظ والمعاني المحسوسة، مع العلم أن بحثنا هنا يتعلق بلفظ الأسرار، والاسرار هي أول المخلوقات، وهي التي بدأت تتكون الحياة بعدها، فللمخلوقات من حيث الوجود مراحل و مراتب، ولها أصل، وقد قال علماء الحكمة أن الوجود أصيل، ولست هنا في مقام الأبحاث الفلسفية، بل نحاول التعرف، ومرادنا من التعرف أن يكون لدينا بصيص خيطٍ من نورٍ نسير على هدى ضيائه، حتى لا نبقى مع النظريات والعموميات التي تحمل الكثير من المعاني والتحليلات، فكل آية أو رواية تتضمن جوانب من الأسرار.

وقد بدأنا هذا البحث من الأسرار إلى عوالم الأنوار، فعوالم الأنوار منها تتدرج نحو الأسرار، وأسرار الأكوان قد بدأت بعد وجود النبي وآله الأطهارعلیهم السلام.

حدیث شریف: وهو من الباب الأول: باب العقل والجهل، عن أبي جعفرعلیه السلام قال : لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل، فأقبل.

ثم قال له: أدبر، فأدبر.

ثم قال : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك، ولا أکملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر وإياك أنهي وإياك أعاقب وإياك أثيب (1).


1) الكافي ج1 ص10.

يتضمن هذا الحديث الشريف الكثير من الأسرار والإعلان، منها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن، وفيه معاني لا حصر لعدها، وفيه من الألفاظ : الخلق، والعقل، الإقبال والإدبار، القسم، الحب، الإكمال، الأمر والنهي، العقاب والثواب.

من يدرك أبعاد معاني هذه التعابير؟ ومن ينال مراميها؟ بل من يقدر على إظهار أسرارها؟

مما لا شك فيه أنه لا يعرف أسرار هذه المعاني سوى أهل بیت العصمة عليهم السلام ، وأما بقية البشر فكل يأخذ من هذه البحور بمقدر وعاء قلبه، ويبصر من هذه الأنوار بقدر صفاء بصيرته، مع شروط عديدة أهمها التوفيق من خالقه.

ومن غاص في بحور الأحاديث الشريفة أمكن له إدراك بعض المعاني، لأن الأحاديث يعضد بعضها بعضاً، كما تظهر الآيات معاني بعضها من بعض، فقد ورد عن النبي صلی الله علیه واله: أول ما خلق الله نوري، وفي رواية: أول ما خلق الله روحي، وفي حديث: أول ما خلق الله القلم(1).

وهذه النماذج كثيرة في الأحاديث الشريفة حول أول ما خلق، والحديث هنا أشار إلى العقل، وقد تنوعت التعاريف اللفظية في ماهية العقل، ومما عرف به: أنه جوهر لا تعلق له بالأجسام بوجه لا وجوداً کالأعراض ولا فعلاً وتصرفاً


1) شرح أصول الكافي ج 1 ص216.

کالنفوس ولا بالجزئية والامتزاج کالمادة والصورة(1).

الألفاظ إشارات للمعاني: ورد في الحديث هنا: ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك، ولا أكملتك إلا فيمن أحب.

ولفظ (حب) موجه هنا للعقل، وعندما ننظر للمخلوقات نجد أن من يتصف منها بالعقل: الملائكة والإنسان، والمراد هنا - والله العالم - الإنسان لا سواه، وعندما نتدرج في المعرفة وما دل عليه البرهان والوجدان نجد أن أول مخلوق هو محمد صلی الله علیه واله ، وعندما نبحث فيما جاء عن الله سبحانه ندرك أن أحب المخلوقات إلى الله عز وجل هو محمد وآله الأطهار عليهم السلام ، فمن الدليل والبرهان والإدراك والوجدان أن أهل بيت العصمة علیهم السلام هم أول ما خلق الله، وهم الأحب عند الله تعالى، وهذا لا خلاف عليه عند جميع الأنبياء والرسل وعند جميع العقلاء الأتقياء ممن آمن برسالات السماء، فمحمد صلی الله علیه واله أول مخلوق في عوالم الأنوار(2).

ومحمد صلی الله علیه واله هو آخر مبعوث من الأنبياء والرسل، وفي هذا الابتداء والانتهاءدلالات كثيرة، وفيه معاني رفيعة، بل فيه حصر لنبع العطاء والفضائل، ومصدر بث الخيرات، بل أكثر من ذلك فهو مستودع الأسرار ومظهر الأنوار للخالق الجبار.

وهنا يمكن القول أن إظهار الحقائق من كتمان أسرار الوجود يحتاج لحامل


1) من تعاريف الفيلسوف الفذ صدر المتألهين، الملا صدرا، راجع شرح أصول الكافي ج1 ص216.

2) راجع بداية البحث تجد أن أحاديث الأنوار دالة على ذلك.

لها، ومهما كانت التعابير بحروف الألفاظ تبقى قاصرة عن الإحاطة بالمعاني، ولكن لا بد من الإشارة لذوي الأفهام...

فإن الحقائق تتجلى بالظهور عند أربابها، وقد قيل: الوجود خير محض.

فلا بد أن يكون أول المخلوقات من الموجودات هو الأكمل في كل معانيه، وليس في المخلوقات شيء أكمل من سيد الكائنات صلوات الله عليه وعلى آله، فهو الخير المحض، والأشرف في المخلوقات.

حبیب الله : حب الخالق ليس كحب المخلوق، وهو صلی الله علیه واله أحب الخلق إلى الله تعالى، من هنا تبدأ مظاهر الأسرار بمصابيح الأنوار، فمنور السماوات والأرض وما بينهما هو المظهر للكنز المخفي، وهنا إشارة إلى الحديث القدسي: کنت کنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف (1)..

وحتى لا نسبح كثيراً في لجج الأنوار يحسن القول أن أحب الخلق له تعالى هو الأقرب، ولذا سمي صلی الله علیه واله: حبيب الله.

وبهذا الحبيب والحب كان ترابط الكون، وما فيه من المخلوقات منجذب الحبيب محبوب الله، الأول من المخلوقات من السرادقات (2).

وأوضح ما يمكن أن يكون شاهداً:«فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى*فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى»(3).


1) بحار الأنوار ج 84 ص 344.

2) السرادقات هي الحجب.

3) النجم:9-10.

لذلك كان صلی الله علیه واله هو الأحب والأكمل، فكمال المخلوق مستمد من کمال خالقه، حيث لا يصدر الكامل إلا مما هو أكمل: ولا أكملتك إلا فيمن أحب(1).

وقفة عند باب العقل

عندما نحاول التعرف على بعض جوانب أسرار الإنسان، نقف عاجزين عن الخوض في ذلك، لأننا لا نملك المفتاح الحقيقي إلا ممن اختارهم الله سبحانه لهداية الخلق، وقد انحصرت الهداية بخاتم الأنبياء وآله الأوصياء علیهم السلام، من هنا ندرك أن ابتداء المعرفة لكل موضوع يتعلق بالإنسان لا بد أن يكون المصدر من کنوز علمهم(2).

قال رسول الله صلی الله علیه و اله : إن الله عز وجل خلق العقل من نور مخزون مکنون في سابق علمه التي لم يطلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب، فجعل العلم نفسه والفهم روحه والزهد رأسه والحياء عينيه والحكمة لسانه والرأفة همه والرحمة قلبه، ثم حشاه وقواه بعشرة أشياء: باليقيين والإيمان والصدق والسکینة والإخلاص والرفق والعطية والقنوع والتسليم والشکر(3).

العقل والإنسان

من أكبر النعم التي اختص بها الإنسان هي نعمة العقل، وبهذه النعمة تحققت سعادة الإنسان في هذه الدنيا، فالوجود وان كان هو أعظم نعمة إلا أنه لا


1) تقدم ذكر الحديث.

2) إشارة إلى أن مصدر كل علم من النبي وآله الأطهار عليهم السلام ، فعن أبي جعفرعلیه السلام : شرقا وغربا لن تجدا علماً صحيحاً إلا شيئاً يخرج من عندنا أهل البيت (بصائر الدرجات ج 1 ص10).

3) الخصال ص 427، وعنه بحار الأنوار ج 1 ص107، والحديث طويل فيه تفاصیل، فراجع.

قيمة لوجود الإنسان دون العقل، وهذا العقل هو الحجة الباطنة، وتقابلها الحجة الظاهرة، فالباطنة العقل والظاهرة الرسل والأنبياء عليهم السلام ..

وعندما يستجيب الإنسان للحجتين ينال الفوز، ومن هنا ندرك العناية الإلهية بالإنسان، التي خصته بما يحقق له السعادة في الدارين، وهما الرسول الباطني وهو العقل، والرسول الظاهري وهو الرسول المبلغ.

من هنا ندرك مدى الترابط بين الرسول الباطني والرسول المبلغ الظاهري، وهذا الترابط لا ينفك بينهما، فبالعقل يدرك الإنسان الحقائق التي يأتي بها المبلغ، وبدون تطبيق هذه الحقائق لا يتحقق المطلوب.

الإنسان والدنيا

عندما نحاول معرفة الحقائق في هذه الحياة، نجد أن واقعنافي هذه الدنيا لا يحتاج إلى كثير من الأدلة عليه، فوجود الإنسان واقع ملموس، وما يبقى الإنسان خائفاً منه هو مصيره بعد هذه الدنيا، فإنه يشاهد القوافل من البشر تنتقل من هذه الحياة فوجاً بعد فوج، وجيلاً بعد جيل، كما تأتي الأفواج إلى هذه الدنيا.

وهذا الواقع لا يحتاج إلى نظريات وتحليلات، حيث يدركه أبسط إنسان ويراه الصغير والكبير، وحتى الجاهل، فضلاً عن العاقل والعقلاء.

وقد أوضح الرسل والأنبياء والأئمة والأولياء للقاصي والداني أن هناك حياة بعد هذه الدنيا، وقد أحسنوا البلاغ والبيان، وحذروا العواقب للإنسان، فاستجاب قسم من العقلاء وآمن والتزم، كل بقدر همته وعقله.

وعندما نبحث في الأمم السابقة والحاضرة نجد قسمين من الناس: قسم آمن وتجاوب، وقسم أنكر وتمرد، من هنا ندرك عواقب ونتائج الفعلين .

لنقرأ هذه الكلمات عن إمامنا الكاظم عليه السلام : يا هشام إن لقان قال لابنه:

تواضع للحق تكن أعقل الناس ... يا بني إن الدنيا بحر عمیق قد غرق فيهاعالم كثير، فلتكن سفینتک فيها تقوى الله، وحشؤها الإيمان، وشراعها التوکل، وقیمها العقل،ودليلها العلم، وسکانها الصبر(1).

نوع من توضيح:

أولاً، وتواضعاً للحق، فإن كل ما نجده في هذه الدنيا هو من الحجة الظاهرة وهم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، فالتواضع للحق هو الالتزام العملی به، وليس فقط الإقرار باللسان، فالأعمال ثمرة للأقوال، والغاية من كل شجرة هي الثمر.

ثانياً: حول قوله: تكن أعقل الناس، فهذا التعقل حصل بالامتثال للحق والعمل به.

ثالثاً: جاء البيان واضحاً: الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير.

وقد كان هذا الغرق باختيارهم بعدم الالتزام بالحق، لأنهم لم يتجاوبوا مع الحجة الظاهرة، فالعقل هنا قد استعمل هذه الدنيا فقط، وأما الذين أخضعوا عقولهم للحجة الظاهرة فقد ربحوا الدنيا والآخرة، من هنا ندرك مدى الترابط الوثيق بين الحجة الباطنية وهي العقل، وبين الحجة الظاهرية وهم الأنبياء والأوصياء عليهم أفضل الصلاة والسلام.

ولنقرأ العبارة التالية لعلنا ندرك شيئاً من معانيها، وهي قوله عليه السلام: يا


1) الكافي ج1 ص16، تحف العقول ص 386، وعنه بحار الأنوار ج 1 ص 136، من حديث جامع حول العقل من وصية الإمام الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم.

شام: إن لكل شيء دليلاً ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، ولكل شيء مطيةً مطية العقل التواضع، وكفى بك جهلاً أن ترکب ما نهيت عنه(1).

إن أهل بيت العصمة عليهم السلام قد وضعوا للإنسانية مناهج سعادة وهناء عندما يتحقق التطبيق من العقلاء.

الحجة

عندما نحاول الحديث عن العقل والعقلاء هنا لا نقصد ما هو نظري فقط، بل نحاول الإشارة إلى الجوانب العملية، ولذا نجد في هذه الوصية: یا هشام إن الله على الناس حجتين: حجةً ظاهرةً حجةً باطنةً، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأمة عليهم السلام ، وأما الباطنة فالعقول(2).

إن في هذا الحديث أكثر من قاعدة يرتكزعليها الإنسان، وأهم ما فيه معرفة الإنسان الأنبياء والرسل، والعقل.

من هنا ندرك أهمية وغاية الأنبياء، ونتائج استعمال العقل، لما لها من ارتباط ثمرة الحياة، وللتلازم بين الحجتين دلالات، حيث لا ينتفع الإنسان إلا بمعرفة وتطبيق أوامر الحجتين معاً، من هنا كان التلازم بينهما ضرورياً، لذلك نحاول الإشارة لكل منهما معاً، أي الباطن والظاهر .

حدیث جامع: إن أسرار الوجود کامنة وراء العلم، بل هي ممزوجة بجوهرالعلم، ولذا كان حياة القلوب، وقد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام في أقواله


1) من الوصية البليغة التي تقدم ذكرها، فراجعها بتمامها.

2) من الوصية التي تقدم ذكرها، راجع الكافي ج1 ص16، وراجع شرح الكافي جص ص 252 للملا صدرا، وفيه شروح رفيعة حول الحديث بتامه و آیاته و مشاهد معانیه .

البليغة حيث قال: تعلموا العلم فإن تعلمه حسنه ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد و تعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وهو عند الله لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبیل الجنة .

وهو أنیس في الوحشة واجب في الوحدة وسلاح على الأعداء وزين الأخلاء، يرفع الله به أقواماً يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم وتقتبس آثارهم وترغب الملائكه في خلتهم يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم.

لأن العلم حياة القلوب ونور الأبصار من العمى، وقوة الأبدان من الضعف، ينزل الله حامله منازل الأبرار ویمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا والآخرة.

بالعلم يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله ویوحد.

بالعلم و توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل والعقل تابعه، يلهمه الله السعداء ويحرمه الأشقياء(1).

الإنسان والطاعة

لقد أصبح معلوماً بل من البديهيات أن الإنسان ينظر إليه بحسب علمه، وغاية العلم الطاعة لله سبحانه وتعالى، والعقل لا يحيط بكلشيء، وقد خاطب الأنبياء عليهم السلام العقلاء، لذا يوجد لدى الإنسان ترابط بين هذه العناوين، من الحصول على العلم، واستعمال العقل، وطاعة الأنبياء عليهم السلام .


1) الأمالي للصدوق ص 713، وعنه بحار الأنوار ج 1 ص 166، وهذا الحديث الشريف يحتاج إلى شروح مفصلة، وهنيئاً للعاملين به .

وقفة عند حاجات الإنسان الأساسية: وهي عقل، وعلم، وطاعة .

والإنسان ينال العلم بالعقل، وينال الرضا بالطاعة، والعقل منحة وعطاء، والعلم يحصل بالجد والعناء، والطاعة تعرف من الأنبياء.

ولهذه الأمور تعاريف كثيرة، وإنما ندرك أبعادها مما جاء حول معانيها، يقول أمير المؤمنين عليه السلام : يا کميل العلم دین بدان به. به یكسب الإنسان الطاعة في حياته، و جميل الأحدوثة بعد وفاته(1).

الإنسان هو قطب الرحى في هذا الكون، وعندما نحاول البحث عن الأسراروعن الأكوان وعن واقع الإنسان نجد كأنه نقطة الارتكاز، وقد امتاز الانسان بالعقل الذي يعد بحد ذاته سراً من الأسرار، وقد حمل الإنسان العلم الذي هو كل شيء، وقد أمر الإنسان بالطاعة التي فيها النجاة والسعادة على هذه الأرض، وقد اختص الإنسان بالرسالات السماوية، وقد بعث الأنبياء والرسل عليهم السلام من قبل الله تعالى للإنسان، و خلق الله الجنة والنار للإنسان.

من هذه الأسس وغيرها يظهر أن الإنسان هو قطب رحى الكونين، وهذه المعاني لا تختصر بکلمات و ألفاظ محدودة جامدة، فلا تدرك إلا بالعقول، ولذا كان أعلى الأوصاف في القرآن الحكيم هو ذوي الألباب، وهم المخاطبون بآيات رفيعة من رب الأرباب.

ما قسم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل: یتعرف على آثار العقل من واهب العقول، وممن هم أعقل المخلوقات، وهم الأنبياء والأوصياء علیهم السلام.


1) هذه الدرة من كلام له علیه السلام لكميل حول تقسيم الناس إلى ثلاثة: عالم رباني و متعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع، وهي خطبة بليغة طويلة، راجع نهج البلاغة ج4 الحكمة 147.

وعندما نقرأ الآيات البينات والأحاديث الواضحات نجد خصائص للعقل تدللنا على كثير من الحقائق التي تجب معرفتها، ويجب على الإنسان إحرازها، من أهمها إحراز العلم، ومنه تتفرع مكارم الأخلاق، ومنه أيضاً معرفة أبواب الطاعات، وقد خص الله الإنسان بهذا التفضيل منذ بدء تكوينه، وقد جعله الله بهذه الخصوصية خليفة(1).

لنقرأ هذا الحديث عن الإمام الصادق علیه السلام : خلق الله تعالى العقل من أربعة أشياء: من العلم والقدرةوالنور و المشيئة بالأمر، فجعله قائماً بالعلم دائماً في الملكوت(2).

وكأن هذه الأمور من لوازم العقل، وهي تتضمن أبعاداً تتعلق بحياة الإنسان (3).

العقل والدين

يظهر لنا الخالق المعبود أسرار الوجود، وبعد أن أهبط أبانا آدم علیه السلام إلى الأرض، وقد علم في السماء علم الأسماء، وأسجد له الملائكة، ولم يكن على الأرض مسلك حياة للإنسان بعد، وليس على وجه الأرض سوى آدم وزوجه، فكانت أول خطوة للإنسان على هذه الأرض، ومعلوم أن الحياة على هذه الأرض هي غير الحياة في السماء، وهذا الابتداء للإنسان يحتاج إلى أن نتدبره جيداً، والتدبر يكون دائماً من ثمرات العقل، لأن الإنسان دون عقل وتدبر لا ينال في هذه الحياة


1) إشارة للآية المباركة: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»[البقرة : 30]

2) الاختصاص ص 244، وعنه بحار الأنوار ج 1 ص 98.

3) راجع الحاشية في بحار الأنوار، المصدر السابق.

إلا الخسارة والشقاء .

لنقرأ هذا الحديث، قال أمير المؤمنين عليه السلام : هبط جبرئيل على آدم علیه السلام

فقال: يا آدم إلي أمرث أن أخيرک واحدةً من ثلاث فاخترها ودع اثنتين.

فقال له آدم: يا جبرئيل وما الثلاث؟

قال: العقل والحياء والدين.

فقال آدم: إني قد اخترت العقل.

فقال جبرئيل للحياء والدين: انصرفا دعاه.

فقالا: يا جبرئیل أنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان.

قال: فشانکما، وعرج(1).

نترك التحليلات والتفسيرات لمن يقرأ من الأجيال القادمة حول عوالم الأسرار، وإنما نشير هنا إلى جانب يحتاج إلى كثير من الأبحاث وهو: أن الدين الحق ملازم للعقل السليم الذي يسلم من أسر الهوى(2).

فعلامة العقل بقدر التزامه وتطبيقه للدين، ولذا ورد في كثير من الأحاديث الشريفة هذا المعنى، منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام عندما سئل: ماالعقل؟

قال: ما عبد به الرحمن واکتسب به الجنان .


1) أصول الكافي ج 1 ص10.

2) في نهج البلاغة ج 3 ص 5عن أمير المؤمنين علیه السلام : شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى وسلم من علائق الدنيا .

قال( الراوي): قلت: فالذي كان في معاوية؟

فقال : تلك النكراء، تلك الشيطه، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل(1).

وعن أبي عبد الله علیه السلام : من كان عاقلاً كان له دين ومن كان له دین دخل الجنة(2).

حدیث جامع شامل

وهو وصية من وصايا الإمام موسی بن جعفر عليهما السلام، وهذا الحديث يتضمن أسراراً من العلوم والمعارف التي تدل على جانب مهم من العلوم الإلهية، وترشد الإنسان العارف إلى بعض جوانب تهذيب النفس الإنسانية، وفي هذه المضامين إشارات قرآنية، تتفتح منها أبواب إلى حقائق واقعية، وينتفع بها ذوو الأفهام العقلية، والنفحات العلوية.

وندرك من هذا الحديث الكثير من التعاريف للعقل، فعن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسی بن جعفر عليهما السلام : يا هشام إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال:«فَبَشَّر عِبادِ*الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ»(3).

لقد جاءت البشارة من خالق الإنسان، وهي ذات أبعاد تتعلق بمصير الإنسان، وهي بشری مخصصة لذوي العقل والفهم، من هنا ندرك أن العقل


1) أصول الكافي ج 1 ص 11.

2) المصدر السابق.

3) الزمر: 18، والحديث في الكافي ج 1 ص 13، وهو حديث کبیر جامع نتدرج في بيانه .

الممنوح للإنسان هو نقطة الارتكاز في مصير وجوده وحياته، وندرك أيضاً أن الهداية تتوقف على أمور لا بد من تحقيقها، ومن هنا يستدل على أهمية الجوارح الظاهرة والباطنة في الإنسان(1)، ومنها السمع والاستماع.

وقفة عند الإستماع : فالسمع نعمة كبيرة مما أعطي الإنسان، وقد أرشدنا أمير المؤمنين علیه السلام إلى الانتفاع بالسمع والاستماع، حيث يقول عليه السلام : رحم الله امرأً سمع حکما فوعی، ودعي إلى رشاد فدنا، وأخد بحجزة هادٍ فنجا.

راقب ربه وخاف دنبه، قدم خالصاً عمل صالحاً، اكتسب مذحوراً واجتنب محذوراً، ورمی غرضاً وأحرز عوضاً، کابر هواه و کذب مناه ، جعل الصبر مطية نجاة والتقوى عدة وفاته، رکب الطريقة الغراء ولزم المحجة البيضاء، اغتنم المهل وبادر الأجل وتزود من العمل(2).

هذه المواعظ الشافية التي يتزود بها الإنسان العاقل بالسمع والاستماع هي نعمة جليلة، لأن السمع آلة مهمة للوعي والإدراك، وقد أشار الإمام علیه السلام في موقع آخر له ارتباط بالسمع الواعي والقلب الزاكي: فيا لها أمثالاً صائبة ومواعظ شافيةً، لو صادفت قلوباً زاکیةً وأسماعاً واعيةً وآراءً عازمةً والباباً حازمةً، فاتقوا الله تقية من سمع فخشع، واقترف اعترف ووجل فعمل وحاذر فبادر فاحسن عبر فاعتبر(3).

ثم أشار عليه السلام إلى التذكير بالنعم فقال: جعل لکم أسماعاً لتعي ما عناها


1) من الجوارح الحواس الخمس، وأولها السمع.

2) نهج البلاغة ج 1 ص125، الخطبة 76.

3) نهج البلاغة ج 1 ص 137، الخطبة 83،وهي الخطبة التي تسمى الغراء.

وأبصاراً لتجلو عن عشاها، وأشلاءً جامعةً لأعضائها، ملائمةً لأحنائها في ترکیب صورها ومدد عمرها بأبدان قائمة بأرفاقها، وقلوب رائدة لأرزاقها في مجللات نعمه وموجبات مننه وحواجزعافيته، وقدر لكم أعماراً سترها عنكم، وخلف لكم عبراً من آثار الماضين قبلكم.

ونجد في هذه الخطبة الغراء المواعظ الشافية والدرر المضيئة الوافية في بيان النعم وحقائق الكلم، ما لا تناله الأفهام أو يضارعه کلام.

منها في صفة خلق الإنسان، يقول علیه السلام: أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام وشغف الأستار نطفةً دهاقاً، وعلقةً محاقاً، وجنيناً وراضعاً ووليداً ويافعاً.

تم منحه قلباً حافظاً ولسانا لافظاً بصراً لاحظاً، ليفهم معتبراً ويقصر مزدجراً، حتى إذا قام اعتداله واستوى مثاله نفر مستكبراً(1).

قد أخذنا من هذه الخطبة الغراء درراً تضيء لنا طريق الحياة لعلنا نؤدي جانباً من الشكر على هذه النعم التي وهبنا إياها ربنا، ومنها السمع والاستماع،فالسمع عطاء، والاستماع يتوقف منا على مقدار عقولنا.

لذلك تبدأ الآية المباركة بالبشرى للذين يستمعون القول، وهنا يظهر المعنى الثاني وهو استماع الأحسن في القول، والأحسن هو كلام الله الواجب اتباعه ، فالاستماع والأتباع لما هو أحسن يوصل للهداية، ولا شك أن هدى الله هو الهدى، لذلك وصفهم سبحانه بأسمى الأوصاف «وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ»(2)،أي


1) المصدر السابق

2) الزمر: 18.

العقول.

أسرار الإستماع: إن مضامين الآيات أعمق من ظواهرها، فقد جمعت الظواهر والبواطن في آن واحد، والاستماع إلى القول الأحسن راجع إلى جوهر النفس التي ينعكس عليها من نور العقل، وهي قابلة لاستماع النقيضين، الحسن والقبيح، ويترتب على اختيار الأحسن الهداية الكبرى، ولذا جاء الوصف بأنهم ذوو الألباب، واللباب هو الصفوة، والاستماع لما هوأحسن دليل على حسن البصيرة، حيث يقول أمير المؤمنين عليه السلام : ألا إن أبصر الأبصار ما نفذ فی الخير طرفه، ألا إن أسمع الأسماع ما وعى التذكير وقبله(1).

ويقول الإمام الحسن الزکی عليه السلام : إن أبصر الأبصار ما نفذ في الخير مذهبه، وأسمع الأسماع ما وعى التذكير وانتفع به، أسلم القلوب ما طهر من الشبهات(2).

فالسمع مدخل من مداخل القلوب، وقد قال الله سبحانه: «لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ»(3).

إن حقائق الوعي والإدراك لا ينالها إلا قسم من الناس، إما من يكون عالماً أو مستمعاً، ولذا قال أمير المؤمنين عليه السلام : إذا لم تكن عالماً ناطقاً فكن مستمعاً واعياً(4).


1) نهج البلاغة ج 1 ص 201، خطبة 105.

2) تحف العقول ص 235، بحار الأنوار ج 75 ص 109.

3) الحاقة: 12.

4) عيون الحكم والمواعظ ص136.

ومعروف أن العلم يبدأ بحسن الاستماع، قسم من أفراد الإنسان يستمع وقسم يسمع .

وقسم له أسماع ولكن بسوء اختياره لا يسمع، قال سبحانه مخبرا عن هؤلاء بقوله الحكيم: «لَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا»

هذه الاية المباركة ترسم لنا أبعاداً واقعية في مسيرة حياة الانسان ومصيره.

لنقرأها بتمامها لذوي الأفهام قال تعالى:«وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ»(1).

من هذه الاية المباركة ندرك الغاية لهذه الجوارح، ولكل جارحة في الانسان أكثر من غاية.

وقد ورد في الآية إشارات وافية لذوي الدراية، وهي: «لَهُمْ قُلُوبٌ»«لَهُمْ أَعْيُنٌ »«لَهُمْ آذَانٌ»وهذه الجوارح لم تخلق عبثاً، بل خلقها الله لكمال سعادة الانسان، فعندما يستعملها الانسان لغير ما خلقت له تصبح النتائج على الانسان عکس المطلوب.

والآية تفسر بعضها، ويكفي ختامها بياناً:«أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ»وهذا الضلال ناتج عن الغفلة للإنسان بنص الآية:«أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ»

وهنا نشير إلى ما أوضحه أمير المؤمنين عليه السلام : وما كل ذي قلب بلبيب، ولا


1) الأعراف 179.

کل ذي سمع بسمیع و لا کل [ذي] ناظر ببصير.

فيا عجباً ما لي لا أعجب من خطا هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصون أثر نبي، ولا يقتدون بعمل وصي، ولا يؤمون بغيب ولا يعفون عن عيب.

يعملون في الشبهات ویسیرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا.

مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، وتعويلهم في المهمات على آرائهم، كان كل امرئ منهم إمام نفسه قد أخذ منها فيما یری یری بعری ثقات و أسباب محکمات(1).

هذه الكلمات تشع منها أنوار الهداية لأهل الدراية .

الفات نظر لذوي البصر:

لست بصدد التفاسير للآيات أو الأحاديث الواضحات، وانما نستشهد بفقرات فيها تنبيهات لاستعمال الجوارح، التي هي جنود للعقل، ومداخل للقلب مثل: السمع والبصر وما شابه .. لأن هذه الجوارح خلقت وجعلت لأهداف وغايات تصون الانسان عن الانزلاق في متاهات الحياة..

ووصية الامام علیه السلام لهشام بدأت بالبشارة:«الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ»(2).


1) النهج من خطبة 84 ص 188 ج1

2) الزمر 18.

اضرب بطرفك حيث شئت

ان حديث الاستماع لما هو أحسن أوسع من الكلمات والحروف، ولكن الانسان بما وهبه الله يمتلك أن يستوعب مما هو أبعد من هذه الدنيا.

وأعمق مما هو محسوس، ولكن نجد أنه قد وقف عند حدود المحسوسات ولم يتجاوز هذه الحدود الا قليلا.

لنقف ولو هنيئة عند کلمات تدلنا على الكثير من الواقع الممارس عند كثيرمن الناس، وهي كلمات تضئ الطريق للسالكين.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام: اضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلا فقيراً يكابد فقراً أو غنياً بدل نعمة الله کفراً أو بخيلاً اتخذ البخل بحق الله وفراً(1).

ان الاستماعات لنداء الحق والعمل بها يوصل الانسان الى مراتب الجنان.. وهذه الخطبة لها تتمة مهمة.

الانسان انسان بعقله

أن وصايا الامام عليه السلام لهشام فيها الكثير من الأسرار التي لو عقلناها وتعقلناها لسعدنا في الدارين، فانها جامعة لكل ما يمكن أن يناله الانسان العاقل .

فقد أوضح الامام علیه السلام بعد البشارة حقائق تدلنا على الوقائع التي يدركها العقلاء، يقول علیه السلام :


1) نهج البلاغة ج 2 ص 78 من خطبة 125.

یا هشام إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول ونصر النبين بالبيان ودلهم على ربو بيته بالأدلة، فقال« وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ۖ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ»(1)،«إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»(2).

العقول والأدلة

تعرف الانسان على الحقائق بما دل عليه العقل، وبواسطة العقول توسع بالمعارف التي لا حدود لها، فعندما ننظر إلى ما هو محسوس تسهل علينا المعرفة وبقدر ما نبحث بها ندرك ما هو أبعد من المحسوسات، حتى أبسط الأشياء نجد وراءها حقائق کامنة، منذ بدأت عقول البشر تتوسع وتشرق في اكتشاف ما هو وراء المحسوسات، ولذلك تقدمت الاكتشافات.

لأن العقل البشري له مجال واسع جدا، وفي خوض المجالات تفاضلت العقول: في مجال الادراكات لحقائق الأشياء.

من هنا يصح القول أن العقول تتدرج نحو الكمال، والكمال طبعاً نسبي عند أفراد البشر، لأن الكمال المطلق لله وحده، وهو الواهب المعطي، وكل موهوب يحمل بحسب قدرته، لشروط ليس مجالها هنا، أي:«قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى


1) البقرة من آية 163 - 164.

2) الحديث من أصول الكافي ج 1 ص 13، وشرحه في شرح الكافي لصدر المتألهين، ج1 ص254.

شَاكِلَتِهِ»(1)

ابتداء الحديث

لنكرر قراءة الحديث، قال عليه السلام : يا هشام إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول(2).

مطلع الحديث تضمن أمور ثلاثة :

1.کمال العقول.

2.

انتصار الأنبياء علیه السلام.

3.

الأدلةوالبراهين.

فعندما نلقي نظرة على واقع الانسان نجد قطب الرحى لكل فرد هو: جوهر إنسانيته، وانسانيته بمقدار کمال عقله، ونجد إقرار العقول عند بيان الحق من الأنبياء وعند قيام الأدلة.

الانسان وكماله

الانسان تميز من بين المخلوقات أنه يتكامل باستمرار، وقد رافقه ذلك من نشوئه، وهذا التكامل مستمر على أكثر من صعيد، وأرقى ما في هذا التكامل هو: تكامله العقلي.

فكلما ازداد هذا التكامل تعرف الانسان على أسرار الحقائق في هذه الحياة


1) الإسراء 84.

2) أصول الكافي ج 1، ص13، من حديث کبیر جامع .

وما بعدها.

من هنا أقر الناس بكمال عقول الأنبياء والمرسلين عليهم السلام .

انتصار الأنبياء

تحقق انتصار الأنبياء عليهم السلام عند تحقيق رسالاتهم على أرض الواقع، فكان ختام الرسالات على يد خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله فكانت هذه الرسالة متضمنة كل ما يمكن أن يصل ويتكامل اليه العقل البشري.

لذلك نجد الآيات القرآنية تمجد العقل والعقلاء فوق كل اعتبار، وحتى فضل وأهمية العلم ترجعه الآيات إلى العقلاء، فالحقائق المحسوسة وغير المحسوسة يرجع ادراكها إلى العقل.

وقد جاء في الحديث: إن العقل عقال من الجهل(1).

فعندما يتفاعل العلم مع العقل تكون الثمرة معرفة الحقائق، وعندما ينسلخ العلم عن العقل والعقلاء تحصل الكوارث والبلاء .

وكان أمير المؤمنين علیه السلام يقول: أصل الإنسان لبه، وعقله دينه، ومروته حيث يجعل نفسه، والأيام دول، والناس إلى آدم شرع سواء(2).

سر البقاء

إن سر بقاء الأنبياء راجع الى ادراك الحقائق عند العقلاء، لذلك نجد في


1) البحار، ج 1، ص 117.

2) البحار ج 1، ص 82، راجع المصدر بيان معاني الحديث.

مضامين الحديث نوعاً من الأسرار عندما قال علیه السلام: ونصر النيين بالبيان ودلهم على ربوبيته بالأدلة(1).

ثم نبه العقول بالآية «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ»، فالبيان والأدلة يدركها العقلاء، ولا يجدي البيان والأدلة مع الجهلاء، ولذا كان ختام الآية «لَآیاتٍ لِقَومٍ یَعقِلُن»(2).

ان التعقل لما جاء به القرآن يوصل الى التدبر بمضامينه وأول ما يدعو اليه القرآن هو: توحيد الخالق، وذلك بنص الكثير من الآيات البينات.

ومن ركيزة التوحيد ينطلق الانسان الى تفاصيل الحياة والوجود والأدلة والبراهين.

وبدون معرفة التوحيد الحقيقي لا قيمة لكل المعارف والعلوم، لأن التوحيد هو الأساس الذي يقوم عليه بناء الحياة والوجود.

أعقل الناس

أن الحديث عن العقل والعقلاء هو أبعد من رسم الحروف والكلمات وانما نحاول الاقتراب من الضياء، لأن العقل سر من الأسرار، يعرف بلمعات عند الانسان في ميادين التصرفات، فيقال هذا عاقل وذاك جاهل.

قال رسول الله صلی الله علیه واله في خطبة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها

القلوب:


1) الكافي، ج 1، ص 13.

2) من آية 163، سورة البقرة.

ألا وان أعقل الناس عبد عرف ربه فأطاعه، وعرف عدوه فعصاه، وعرف دار إقامته فاصلحها، وعرف سرعة رحيله فتزود لها.

ألا وإن خير الزاد ما صحبه التقوى، وخير العمل ما تقدمته النيه، وأعلى الناس منزلةً عند الله أخوفهم منه(1).

ان أعقل الناس من عرف ربه وأطاعه فيما أمر، واجتنب عما نهاه(2).

المقطع الثالث من الوصية

1.

المقطع الأول: حول البشارة لأهل العقل.

2.

المقطع الثاني: إشارة لاكمال العقول.

3.

المقطع الثالث: فيها الإشارة إلى الأدلة والمعرفة .

وهنا نقف عند الآيات التي أشار اليها الامام علیه السلام حول الدليل على معرفته وهي آيات ثلاثة:

|الأولى: «وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»(3).

الآية الثانية:«حموَالْكِتَابِ الْمُبِينِإِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ»(4).


1) راجع البحار ج74ص 179.

2) من يتأمل في الآيات والأحاديث يدرك آثار العقل، راجع میزان الحكمة ج 6 ص 423.

3) النحل الآية 12 ج14.

4) الزخرف الآيات 1-4 ، ج 25.

الآية الثالثة:«وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»(1)

هذه الآيات المباركة فيها الإشارات لما هو محسوس وملموس عند أبسط الناس، وفي ختامها تنبيه للعقلاء وتتضمن الكثير من أسرار الكون.

أسرار الكون تكشف بالعقل

منذ أن وجد الانسان على هذه الأرض بدأ ينظر ويشاهد ما هو ملموس ومحسوس، وفي بعض الفترات من مسيره في الحياة عبد الشمس والقمر والنجوم..

بینما هذه الكواكب خلقها الله سبحانه وسخرها لفوائد الانسان وما هي الا أجرام كونية لها دلالات على أن هناك خالقاً وصانعاً لها، وقد سخرها لأكرم مخلوقاته وهو الانسان، والانسان جزء من أجزاء هذا الكون.

وعندما نبحث في كل أجزاء هذا الكون نجد كل ما فيه بشكل أو آخر هو لأجل فائدة ومنفعة الانسان، من هنا ندرك مدى شأنية العقل في مسيرة الانسان.

قال النبي صلی الله علیه واله : لکل شی وآلة عدة و آلة المؤمن وعدته العقل، ولکل شيء مطية ومطیة المرء العقل، ولکل شيء غايه غايه العبادة العقل، ولکل قوم راع وراعي العابدين العقل، ولكل تاجر بضاعة وبضاعة المجتهدين العقل، ولکل خراب عمارة وعمارة الآخرة العقل، ولكل سفرٍ فسطاط يلجئون إليه وفسطاط


1) الروم الآية 24 ج21، راجع البحار الجزء الأول ص 133.

المسلمین العقل (1).

وقال صلی الله علیه واله : سيد الأعمال في الدارين العقل ولکل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته لربه(2).

وقال أمير المؤمنين علیه السلام : العقول ذخائر، والأعمال کنوز(3).

أن الأحاديث الشريفة تتضمن المعاني الرفيعة بأسلوب سهل لأجل إدراك المعاني، والغاية من الحديث النظر في مطلعه: لكل شيء آلة وعدة وآلة المؤمن وعدته العقل.

من هنا ندرك أن العقل آلة لأعظم غاية، وهذه الغاية نعرفها من الآية الثانية:«إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»(4)«وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ»(5)

هذا القرآن الكريم فيه ميادين العقول وبه إشارة لعالم البقاء.

القرآن وبقاؤه

لست في مجال التفسير لأنني أعجز من الخوض في هذا البحر الذي لا حدود له، وإنما أحاول أن أتلمس من الآية مقداراً من أنوارها، لعل عقلنا المحدود يتغذى بمقدار طاقته، ويأخذ خيطا من هذه الأنوار الى دار القرار .


1) البحار ج 1 ص 95.

2) البحار ج 1 ص 96.

3) البحار ج 1 ص 96.

4) الزخرف آية 3.

5) الزخرف آية 4.

نکرر قراءة الآية: «إنا جعلناه قرآناً عربیًا لعلكم تعقلون».

من ظواهر الآية ندرك أن الغاية التعقل، ولا شك أن التعقل في كل شيء يحتاج إلى أسبابه، ومن أعظم الأسباب العلم، لأن انتاج العقل بدون علم واف يبقى ضئيلاً جدا، لذلك ورد مدح العلم كثيرا، کما ورد مدح العقل.

قال رسول الله صلی الله علیه واله :العلم رأس الخير کله والجهل رأس الشر کله(1).

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: العلم أصل کل خير .. الجهل أصل کل شر(2).

فالعلم قام عليه كل شيء في هذا الوجود وبالعلم قامت السماوات والأرض.

القرآن مصدر العلم

عندما نقول: (علم) فمعناه إدراك حقائق معينة، والحقائق تدرك وتعرف بالعقل.

من هنا نجد الآيات القرآنية قد ركزت على العقل والتعقل بما يدل أنه هو الميزان في كل شأن رفيع، وحتى العلم الذي هو نور الوجود والحياة قائم بالعقل والتعقل.

والقرآن الحکیم بکل مضامينه وآياته واشاراته يدلنا على العلم، والتعقل، وبهما تقوم الحياة، لذلك لا بد من التعرف ولو بمقدارٍ على ما جاء حول العلم في


1) میزان الحكمة ج 6 ص 451.

2) غرر الحكم ص48.

القرآن وما جاء حول العقل.

ومن هنا ندرك أن القرآن قد جمع في آياته كل ما في الوجود ولقد أحسن من قال: أن القرآن له وجود علمي ووجود عيني(1).

وقد أوضح بيان كلا القسمين: العلمي والعيني، ضمن تفاصيل جيدة، ونحن هنا نحاول التعرف لما أشارت اليه الآية الثانية: «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا»(2).

لعلكم تعقلون

التعقل والتعلم من أسمى صفات الإنسان.

إن الإنسان يترقى بها إلى أعلى مراتب النجاة والكمال، ودونهما يتنزل إلى أسفل السافلين، ومن يتدبر في آيات القرآن يدرك ذلك بوضوح.

وللقرآن الكريم وجود علمي، ووجود عيني، ومن هذين الوجودين يمكن للإنسان أن يترقی ويبصر الحقائق بأنوار القرآن، لأن القرآن المجيد صادر عن خالق الإنسان، ومن هنا يتبين للإنسان حقيقة وجوده في هذا الكون، لأن لهذا الوجود غاية كبيرة منها: إقامة القسط والعدل.

وقد ورد في القرآن آیات بینات حول ذلك، قال سبحانه:«لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ»(3).


1) راجع کتاب علی بن موسی الرضا والقرآن الحكيم، الفصل الأول من ص 7 بحث رائع جداً .

2) الزخرف ج 25 آية 3.

3) الحديد: 25.

إن إقامة القسط وتطبيق العدل غاية كبيرة جداً، وهدف رفيع.

وهناك غاية أعظم تتعلق بمنتهى الغايات من وجود الإنسان، وهي خروج الإنسان من الظلمات إلى النور، ومن هنا تظهر العناية الكبيرة من الله سبحانه بالإنسان، حيث أن الوجود العلمي لهذا القرآن لأجل الإنسان، والإنسان هو المطالب بتحصيل العلم من القرآن. فإنزاله ليس لأجل أن يقرأ على الأموات، بل لأجل إحياء القلوب الساكنة في ظلام الجهل.

وقد أخبرنا سبحانه بكثير من الآيات حول ذلك، قال تعالى :«الر ۚ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ»(1)

وفي آية:«وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّ»(2).

ونظير هذه الآيات كثيرة جداً، ويكفي قوله تعالى في سورة إقرأ:«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ..عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»(3).

القرآن حبل الله

هذا القرآن الحكيم هو كلام الله سبحانه، وكتابه الذي تجلى لعباده من غير أن يكونوا رأوه(4)، والقرآن هو حبل الله المتصل به تعالى، وقد أمر الناس أن


1) إبراهيم: 1.

2) إبراهيم: 5.

3) العلق: 1- 5، ويحسن مراجعة هذه السورة، وهي أول سورة نزلت .

4) مفردات ألفاظ القرآن، ص:131.

يتمسكوا به ويعتصموا، لأنه بهذا التمسك بشرطه وشروطه يتحقق للناس الخير والسعادة في الدارين، ومن هنا تبرز حقيقة التمسك.

وهذه الحقيقة يدلنا عليها القرآن الحکیم، بنصوص و آیات بینات، والتي فيها ضياء النور للعقول.

قال تعالى : «وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ»(1).

للقرآن طرفان

إن التدبر بخصوص الآيات المتقدمة يفتح للعقول أبواباً من الأنوار للدخول في الهداية، فآية (واعتصموا) وآية (ومن يعتصم) وآية (اتقوا الله) تدلنا على أن حبل الإعتصام ذو طرفين، طرف بيد الله سبحانه وهو الأعلى، وطرف ممدود للناس وهو الأدني.

ونزوله للخلائق له دلالات، ونتائج، لسعادة الناس.

وتتضح هذه المعاني عندما يتعلق الإنسان بهذه الآيات ويتمسك بالحبل الممدود من أعلى نزولاً إلى هذه الأرض التي أهبط عليها هذا الإنسان.

وقد يتخيل إنسان هذه الأرض خيوطاً من هنا أو خيوطاً من هناك، ولكن


1) آل عمران: 101-103، وتراجع هذه الآيات في أبحاثنا المفصلة حول آیات التقوی.

عناية الله ورحمته الشاسعة جعلت للإنسان حبلاً متيناً بيد أمناء مبشرین ومنذرين.. وتكليف ملائكة مقربين أوصلوا طرف الحبل للعالمين.

قال تعالى:«يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا*فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا»(1).

هذا النور الذي اعتصم به ذووا الألباب، الذين تعقلوا التمسك بطرف الحبل المتين الذي لا ينقطع ولا يبلى ولا نجاة لأحد دونه.

«إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ»(2)

يقول الإمام الرضا عليه السلام: كلام الله لا تتجاوزوه ولا تطلبوا الهدى في غيرفتضلوا(3).

وقال عليه السلام : هو حبل الله المتين وعروته الوثقى وطريقة المثلى المؤدي إلى الجنة والمنجي من النار لا يخلق على الأزمنة ولا يغث على الألسنة لأنه لم يجعل لزمان دون زمان بل جعل دليل البرهان والحجة على كل إنسان لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد(4)


1) النساء: 174-175.

2) الزخرف: 3-4.

3) أمالي الصدوق ص 546

4) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 130.

المقطع الرابع: وعظ

إن التدبر والتعقل في الوصية لهشام يدل على معظم مفاصل الحياة للإنسان، فبعد الإشارة إلى الأدلة والبرهان أشار عليه السلام إلى مسيرة الحياة في الدارين، فقال علیه السلام: يا هشام، ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة، فقال: «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ»(1).

هذه الآية المباركة لها ارتباط بآيات سابقة تتحدث عن مصير الإنسان المتعلق بالدنيا، والمنكر للآخرة.

وقال: «وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ»(2).

عندما نتدبر في مثل هذه الآيات ندرك أن نجاة الإنسان تتحقق عندما يحسن التعقل علماً وعملاً، ولا ينخدع باللعب واللهو، ويقطع هذا العمر فيما يعود عليه بالخسران، ولذلك جاءهم التحذير والإنذار: یا هشام، ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه فقال :«ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَوَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَوَبِاللَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ»(3)

العقل مع العلم

يستكشف العقل بواسطة العلم، وبالعلم تنال المراتب، ولذا يقول الإمام


1) الأنعام: 32.

2) القصص: 60.

3) الصافات: 138.

الصادق عليه السلام : أفضل طبائع العقل العبادة وأوثق الحديث له العلم وأجزل حظوظه الحكمة وأفضل ذخائره الحسنات(1).

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام : العلم مصباح العقل(2).

وقد جاء في الوصية : يا هشام، ثم بين أن العقل مع العلم، فقال تعالى :«وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ»(3).

الخير كله لذوي العقول

يرجع السبب في كل موقع فضل فيه الإنسان للعقل، حتى عندما نمجد العلم ونقدرحامله ونمدح المطيع والعابد، كل ذلك راجع للعقل والتعقل عند الإنسان.

وقد جاء المدح والتفضيل بكثير من الآيات البينات وبما لا حصر له من الأحاديث التي وردت حول العقل والعقلاء.

يقول الإمام موسی بن جعفر عليه السلام في الوصية الجامعة لنماذج رفيعة حول أولي الألباب: یا هشام ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر وحلاهم بأحسن الحلية فقال«يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ»(4)


1) الاختصاص ص 244.

2) عيون الحكم والمواعظ ص50.

3) العنكبوت: 43.

4) البقرة: 269، والحديث في الكافي ج 1 ص 15.

هذا المدح الرفيع له دلالات على شأنية ذوي العقول، وإعطاء الحكمة لهم يجمع خير الدنيا وسعادة الآخرة.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام: الحكمة روضه العقلاء ونزهة النبلاء(1).

وعنه علیه السلام: من خزائن الغيب تظهر الحكمة(2).

ما هي الحكمة؟

لقد قيل الكثير الكثير حول الحكمة، ومما قيل: الحكمة تحقيق العلم وإتقان العمل.

وقيل : ما يمنع من الجهل.

وقيل : هي الإصابة في القول.

وقيل: هي طاعة الله .

وقيل : هي الفقه في الدين .

وقال ابن دريد: كل ما يؤدي إلى مكرمة أو يمنع من قبيح.

وقيل: ما يتضمن صلاح النشأتين.

ومعظم تفاسير الحكمة متقاربة وهي: ضياء المعرفة(3).

وهنا ننقل حديثاً جامعاً عن منابع و مصادرأهل العصمة والحكمة .

قال الإمام الصادق عليه السلام : الحكمة ضياء المعرفة وميراث التقوى وثمرة


1) عيون الحكم ص52.

2) عيون الحكم ص 467.

3) بحار الأنوار ج 1 ص215.

الصدق وما أنعم الله على عبد من عباده نعمة أنعم وأعظم وأرفع وأجزل وأبهی من الحكمة.

قال الله عز وجل «يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذکر إلا أولوا الألباب»أي لا يعلم ما أودعت وهيات في الحكمة إلا من استخلصته لنفسي و خصصته بها والحكمة هي الثباث وصفه الحكيم الثباث عند أوائل الأمور والوقوف عند عواقبها وهو هادي خلق الله إلى الله تعالى.

قال رسول الله ص لعلي ع : لأن يهدي الله على يديک عبداً من عباد الله خير لك مما طلعت عليه الشمس من مشارقها إلى مغاربها(1).

وعن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراًکثیراً»قال : معرفة الإمام واجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار(2).

العقل والأدب

إن موضوع العقل موضوع شامل لكل جوانب الحياة، بل هو الروح التي تسري في كل الكائنات، وكل شيء قائم وراجع للعقل، وقد ورد حول العقل ما لا تحصيه الأفهام، ولا تقف إلى منتهاه الأقلام، ولا يحد أبعاده الأنام، وإنما نحاول الإشارة في كل باب يتعلق بصلاح الإنسان .


1) بحار الأنوار ج 1 ص216.

2) بحار الأنوار ج 1 ص215.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام : نعم قرين العقل الأدب(1).

ويقول علیه السلام : الأدب والدین نتيجة العقل (2).

ويقول عليه السلام : كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى الأدب(3).

وعن الحسن بن علی ع قال: لا أدب لمن لا عقل له ولا مروة لمن لا همة له ولا حياء لمن لا دين له ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل وبالعقل تدرک الداران جميعاً ومن حرم من العقل حرمهما جميعاً(4).

لا غنى أكبر من العقل

يتصف الإنسان في هذا الوجود بصفات كثيرة، ويمتلك صفات عديدة، وجميع الصفات تتفاوت، وهذا التفاوت يميز الإنسان.

وهنا نرسم حروف حديث ينبغي أن يرسم في القلوب قبل أن يرسم على الورق.

عن الإمام الحسن الزكي علیه السلام : دخلت على أمير المؤمنين وهو يجود بنفسه لما ضربه ابن ملجم فجزعت لذلك فقال لي: أتجزع؟

فقلت: وكيف لا أجزع وأنا أراك على حالك هذه .

فقال: ألا أعلمك خصالًا أربع إن أنت حفظتهن نلت به النجاة وإن أنت


1) غرر الحكم ص716.

2) غرر الحكم ص 87.

3) عيون الحكم ص 377.

4) بحار الأنوار ج 75 ص 111.

ضيعتهن فاتک الداران؟

يا بني لا غنى أكبر من العقل ولا فقر مثل الجهل ولا وحشة أشد من العجب ولا عيش أل من حسن الخلق(1).

إن هذه الأحاديث تضيء الطريق للسالكين وتنبه الغافلين وتغذي قلوب العارفين، فهي بمثابة رصيد لا ينفد.

من أروع ما قيل

عن عامر الشعبي قال: تكلم أمير المؤمنين عليه السلام بتسع کلمات از تجلهن ارتجالا فقأن عيون البلاغة وأيتمن جواهر الحكمة وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن: ثلاث منها في المناجاة وثلاث منها في الحكمة وثلاث منها في الأدب.

فأما اللاتي في المناجاة فقال: إلهي كفى لي عزا أن أكون لك عبداً وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً أنت كما أحب فاجعلني کما تحب.

وأما اللاتي في الحكمة فقال: قيمه كل امرئ ما يحسنه وما هلك امرو عرف قدره والمرء مخبوء تحت لسانه.

وأما اللاتي في الأدب فقال : امنن على من شئت تكن أميره واحتج إلى من شئت تكن أسيره واستغن عمن شئت تكن نظيره(2).


1) کشف الغمة ج 1 ص 572.

2) الخصال ج 2 ص 420.

العاقل والمعقول

عندما ننظر إلى كل موجود في هذا الكون ندرك أشياءً محسوسة وأشياء فوق المحسوسات.

أما المحسوسات فتتلسمها بالحواس الخمسة(1).

وأما ما فوق المحسوسات فندرکه بالعقل، وهنا لا ندخل في التعاريف الفلسفية إلا بحسب ما يستدعي البيان.

والمعقول يعرف بالعقل، والمحسوس بالحواس.

ولذا سمي ما هو معقول لأن الوصول إليه يكون عن طريق العقل، وهو على أصناف(2).

ومن أصناف المعقولات: العلم.

والعلم هو حقيقة واقعية محققة، ووجود العلم أشبه شيء بالبديهيات، وهو من المسلمات، وقد عبر عن العلم أنه نحو من الموجود و نوع من الكائن، وقد ذكر لذلك براهين على وجوده .

فالعلم صفة يتلبس بها الموصوف، وبهذه الصفة يمتاز حاملها، ولتوضيح ذلك ذكر أهل المعرفة أموراً:

الأول: أن التمايز البين بين العالم والجاهل بديهي ملموس لكل واحد، وذلك يكشف عن وجود صفة للعالم وحصول معنى فيه يفقده الجاهل، وليست


1) وهي السمع والبصر واللمس والذوق والشم.

2) راجع الفلسفة العليا للمقدس السيد رضا الصدر ص229 .

تلك الصفة إلا العلم، فالعلم كائن محقق مسلوب عن الجاهل.

من هنا ندرك أن وجود العلم بوجود العالم، وسرالعلم ينكشف بظهوره لدى العالم.

يقول الرسول صلی الله علیه واله: العلم رأس الخير كله والجهل رأس الشر کله(1).

فالعلم سر من الأسرار، فكما أن الإنسان أودع الله سبحانه فيه اسرار الحياة فقد أودع في العلم أسرار الكائنات، ولذا كان رأس الخير.

وإذا أردنا الإشارة لما هو أبعد نذكر ما قاله الشهيد الثاني في كتابه منية المريد، قال : إعلم أن الله سبحانه جعل العلم هو السبب الكلي لخلق هذا العالم العلوي والسفلي طرا، وكفى بذلك جلالة وفخرا، قال الله تعالى في محكم الكتاب تذكرة وتبصرة لأولي الألباب: «الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بکل شيء علما».

وكفى بهذا الآية دليل على شرف العلم، لا سيما علم التوحيد الذي هو أساس كل علم، ومدار کل معرفة(2).

وينبغي التدبر في هذه الآية (لتعلموا).

من هنا يمكن القول أن أسرار الكائنات تعرف بالعلم الذي هو ستر من الأسرار بين الإنسان ومعرفة الأكوان.

ولذا يقول قدس سرہ: وجعل سبحانه العلم أعلى شرف، وأول منة امتن


1) بحار الأنوار ج 74 ص 175.

2) منية المريد ص93.

بها على ابن آدم بعد خلقه وإبرازه من ظلمة العدم إلى ضياء الوجود فقال سبحانه في أول سورة أنزلها على نبيه محمد صلى الله عليه وآله:«اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم »(1).

فليتأمل ذووا الألباب في عظمة وفضل ومراتب العلم.

وبعد التحقيقات والأبحاث لم نجد نعمة أعظم بعد الإيجاد من العلم.

ولذا قيل: من حظر عليه العلم وصف بالرذالة.

يقول أمير المؤمنين علیه السلام: إذا أرذل الله عبداً حظر عليه العلم(2).

وفي حديث: اغد عالماً أو ممتعلماً ولا تكن الثالث فتعطب(3).

يقول الإمام أبو الحسن عليه السلام : الغوغا قتله الأنبياء، والعامة اسم مشتق من العمى، ما رضی الله لهم أن شبههم بالأنعام حتى قال: «بل هم أضل »(4).

البرهان الثاني على وجود العلم

عندما ننظر إلى الأشياء الموجودة وننظر إلى معرفتنا بها نجد فارقاً ملموساً واضحاً بين جهلنا بالشيء وبين علمنا به، وهذا يكشف عن حصول معنى فينا بعد أن كنا فاقدين له، وليس ذلك إلا العلم.


1) منية المريد ص 94.

2) نهج البلاغة ص 526.

3) کنز الفوائد ج 2 ص 109.

4) أمالي الطوسي ص613.

فالعلم وجوده قائم في العالم .

البرهان الثالث

إن المعرفة هي الغاية المرموقة للإنسان بحسب طباعه وبحسب عقله، فالغاية أمر وجودي، والوجود مطلوب و مرغوب فيه.

وهنا نلفت النظر إلى أن العدم لا يكون غاية للإنسان، بل على العكس، نجد أن الإنسان ينفر من العدم، وذلك مما يدركه كل عاقل بل تدركه حتى الحيوانات.

لذلك يستحيل صيرورة العدم غاية مرموقة للإنسان.

البرهان الرابع

من البراهين على وجود العلم هو الصلة بين الكون والإنسان.

يقول المقدس الصدر في الفلسفة العليا: لا ريب في تحقق الصلة بين كل إنسان وبين عالم الكون، وذلك أمر محقق، وتلك الصلة ليست إلا العلم دون غيره، فالعلم كائن موجود(1).

العلم سر من الأسرار

تكشف عن جوانبه الآثار.

والوجود محسوس وغير محسوس، وعرفنا أن المحسوس يدرك بالحواس، وأما غير المحسوس فلا يدرك إلا بالعلم، والعلم موجود غیر محسوس وإنما


1) يحسن مراجعة الفلسفة العليا للسيد رضا الصدر قدس سره ص130.

تعرف حقيقته بالإنكشاف.

وقيل حول العلم الكثير، ولكن كل ذلك كان من جوانب الوصف والمدح. وكثير من العلماء والحكماء بحث حول حقيقة أمور عديدة ومنها العلم.

وممن بحث بتفاصيل أدق هم الفلاسفة.

العلم وحقيقته

وهنا نقف نتلمس ما قاله العلماء الأبرار، والفلاسفة الأخبار .

قال صاحب الفلسفة العليا قدس سره: العلم هو الانشکاف الذي يزيل الستار عن وجوه عرائس الحقائق(1)..

ويشير قدس سره إلى أن تعاريف العلم تعاريف لفظية، لأن التفسير الحقيقي للعلم غير ممكن(2).

فالعلم لا يفسر بالجهل، لأن العلم يقابله بالضد والجهل نقيض العلم، فالنور لا يعرف بالظلمة.. .

الفيض للعلم

العلم حقيقة من الحقائق الكونية، وهذه الحقيقة من أسمى الحقائق التي ينبغي البحث في كل جوانبها، ولو بمقدار الادراك البشري، لأن الإنسان بدون معرفة العلم أشبه شيء بالمعدوم، والمعدوم لا وجود له.


1) الفلسفة العليا ص 231، وينبغي مراجعة الأسفار ج3 من ص 284 حول تفسير العلم.

2) وهنا تفاصيل وأقوال وردود..

وحيث أن العلم كائن موجود فلا بد له من موجد، من هنا فإن العلم بحاجة إلى العلة ليكون موجوداً(1).

وقد تسالم العقلاء أن خروج الشيء من العدم إلى الوجود مستحيل دون علة.

وهنا سؤال دقیق : ما هي علة الوجود لهذا الكائن اللطيف الشريف وهو العلم؟

لا شك أن العلم من أشرف الكائنات، وقد استفاضت الآيات والأحاديث حوله، ويكفي ما قاله القرآن الحكيم:«يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»(2).

ويكفي توضيحاً لشأن العلم ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام: رأس الفضائل العلم(3).

غاية الفضائل العلم.. العلم أفضل هداية..

وقفة عند باب العلم

إن الحديث عن العلم يحتاج إلى علم ! والنفس الإنسانية أو البشرية خالية عن العلم ابتداء، فهي تكتسب العلم بالتدرج، فليست النفس موجدة للعلم، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وليس المعدوم واجداً للمعلوم، والمفروض أن العلم


1) راجع الفلسفة العليا ص 223 حول تفاصيل ذلك.

2) المجادلة: 11.

3) میزان الحكمة ج6 ص 447.

موجود، فمن الذي أوجد العلم؟

لأن كل موجود يحتاج إلى علة توجده في هذه الحياة وفي هذا الكون.

إذا فلا الجهل يعطي العلم، ولا الفاقد للشيء يعطيه.

لذلك لا بد لمعطي للعلم أن يكون غير محسوس، لأن العلم من الجواهر غير المحسوسة، بل هو فوق المحسوسات، وحول ذلك يقول صاحب الفلسفةالعليا: إن العلة المفيضة للعلم تعطيه في جميع الأوضاع والأحوال على سبيل الدوام، ويجب أن تكون تلك العلة عالماً في نفسه، إذ الفاقد لا يعطي، ويجب أن يكون دائم الإفاضة لا يمل ولا يكل، لأجل إمكان الوصول إلى العلم في كل زمان و مکان(1).

الإنسان وقابليته

الفيض يستقر عند المفاض علیه بشروط عديدة، ولسنا في مجال بيانها هنا، وإنما نشير إلى أن الإنسان الأول عندما أصبح مهيئاً للفيض وتكاملت قابلیته أفاضت عليه العلة الدائمة من العلم ما يجعله مستعداً للارتقاء، وهنا نشير إلى ما قاله صاحب الفلسفة العليا قدس سره: فأينما تحقق الطلب ومتى يجد الطالب بتفكير أو بحث أو تأمل أو قابلية أو فهم، يفاض عليه – إليه - من جانب المفيضة للعلم(2).

من هنا يحسن القول بما جاء في القرآن المجيد: وعلم آدم الأسماء...


1) راجع الفلسفة العليا من ص 234، مع الأسفار الأربعة.

2) المصدر السابق.

فالعلم الذي أفيض من الأعلى ينبغي على الإنسان أن يصونه صيانة تتناسب وشأنيته، ولا يصح أن يكون العلم وسيلة لأمور أدنى، بل لا بد أن يكون لأموررفيعة ليتناسب ومرتبة العلم الرفيعة، حيث يقول قدس سرہ: وطلب العلم لنفسه أداءً لحقه، فإن طلبه لغيره حط لمقامه الشامخ(1).

العلم الحضوري والحصولي

عندما ننظر إلى واقع العلم نجد أن له أقساماً عديدة، ولكن تصالحوا على تسميته ابتداءً أنه حضوري أو حصولي.

ولهذا الابتداء أبعاد حيث يطلق تارة ويقيد أخرى.

ومن هنا بدأ الإنسان يدرك حقائق الأشياء، وذلك عندما أصبح متكاملاً بالقابلية، وهذا هو ابتداء التمييز عن بقية المخلوقات، ومن هنا امتاز بالتقسيم بين المحسوسات وغيرها، ومن هنا بدأت معرفة أسرار الموجودات.

فالأسرار يكشف عنها العلم للإنسان، والإنسان يعلم نفسه وذاته ويعلم ما هو خارج عن نفسه وذاته، وهذه النقطة سر من أسرار القابلية عند الإنسان.

وفي بحثنا هنا لا نقف عند حدود الاعتبار لدى المناطقة أو لدى الفلاسفة ،لأنا نحاول التعرف على بعض جوانب الأسرار، والعلم هو الأساس لكشف ذلك، مهما حاولنا التفتن بالتعابير(2)..


1) المصدر السابق.

2) لا شك أن العلم بالمنطق والعلم بالفلسفة وغيرهما يفتح لنا أبواباً وجوانب عديدة، ومنها تبدأ معرفةالأسرار.

العلم حياة

إن الإنسان بعد وجوده وتشخصه في هذا الكون له قابلية البقاء والاستمرارية، بمعنى أوضح أنه بعد وجوده فإنه لا يعدم، بل هو باق ببقاء علته وموجده، لذلك ندرك عظمة العلم والحث عليه، بل جاءت الأوامر بالوجوب كما لا يخفى: اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد(1).

وقد قال أمير المؤمنين علیه السلام: اكتسبوا العلم يكسبکم الحياة.

وفي أحاديث أخرى: ما مات من أحيا علماً.. بالعلم تکون الحياة.. العلم محيي النفس، ومنير العقل، ومميت الجهل (2).

ما هو العلم الكامن في طياته سر الحياة؟

كل أصناف البشر تمدح العلم، وتحترم العلماء، بل حتى الحيوانات، ولكن السؤال: ما هو علم الحياة؟

نقول: صحيح أن للعلم قيمة رفيعة، بل هو نور الوجود.

ولكن في هذه الأزمان لم يبق بين الناس میزان لمعرفة العلم النافع من العلم الضار للبشرية.

ومعلوم أن الابتكارات حتى للأسلحة المدمرة تسمى بالعلم، كذلك وسائل الفساد والتضليل تسمى بالعلم.

ولكن يبقى للعلم النافع مصدر آخر، وهذا ما نقصده هنا من العلم، وليس


1) نهج الفصاحة ص218.

2) میزان الحكمة ج6 ص 452 عن غرر الحكم.

مطلق العلم.

عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه واله: يقول طلب العلم فريضة على كل مسلم، فاطلبوا العلم من مظانه، واقتسوه من أهله، فإن تعليمه لله حسنة وطلبه عبادة والمذاكرة به تسبيح، والعمل به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى، لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل الجنة والمونس في الو حشة والصا حب في الغربة والوحدة والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء والسلاح على الأعداء والزین عند الأخلاء.

يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادةً، تقتبس آثارهم ویهتدی بفعالهم وينتهي إلى رأيهم وترغب الملائكه في خلتهم وبأجنحتها تمسهم وفي صلاتها تبارك عليهم، يستغفر لهم كل رطب ویابس حتى حيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه.

إن العلم حياة القلوب من الجهل وضياء الأبصار من الظلمة و قوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار و مجالس الأبرار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة.

الذکر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام، به يطاع الرب ويعبد و به توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام.

العلم إمام العمل والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء فطوبی لمن

لم يحرمه الله منه حظه (1).

علم الأسرار سعادة للأبرار

إن العلم الممدوح من جميع الخلائق هو الذي يوصل حامله إلى النجاة والسعادة، فأبواب العلوم كثيرةً جداً، والإنسان واقف على تلك الأبواب، وحقيقة العلم هي للإنسان.

من هنا ندرك أن مسيرة حياة الإنسان في الدنيا بين حياتين، وسیره الحقيقي لواحدة من الطريقين، فمن تعلم لخصوص الدنيا خسر الحياتين، لأنه ليس باقٍ في الدنيا فهو ضاعن عنها.

ومن تعلم علم الآخرة ربح الدارين، وذلك هو المعبر عنه بعلم الحياة، لأن معنى الحياة البقاء، وبقاء الإنسان في الآخرة، وهذا البقاء لا يسعد به الإنسان إلا بالعلم، ومراحل حصول العلم وکسبه هي الدنيا، لأن الآخرة تكون نتيجة وليس فيها عمل وكسب، بل هي ثواب أو عقاب، أي سعادة أو شقاء، لذلك جاء التحديث والإنذار، وقد أعذر من أنذر.

وهذا حديث شريف يختصر كل المعاني:

قال أمير المؤمنين عليهالسلام: يا مؤمن إن هذا العلم والأدب ثمن نفسك فاجتهد في تعلمهما فما يزيد من علمك وأدبك يزيد في ثمنك وقدرك فان بالعم تهتدي إلى ربك وبالأدب تحسن خدمة ربك وبأدب الخدمة يستوجب العبد ولايته وقربه


1) بحار الأنوار ج 1 ص 171 عن أمالي الطوسي ص 488، وفي هذا الحديث من الأسرار ما ينكشف للأبرار، ويحسن مراجعته والبحث في تفاصيل معانيه.

فاقبل النصيحة كي تنجو من العذاب(1).

من هذه الحديث وشبهه فلينظر العقلاء لأنفسهم، وليحدد كل مؤمن مطلبه، وليتدبر لنفسه قبل رمسه(2).

وقفة عند باب من أبواب العلم

كثيراً ما ننخدع أو نخدع أنفسنا، وذلك عندما ينفتح لدينا باب من أبواب علم الدنيا، ونطلق على هذا أو ذلك أنه عالم.

وقد نتبجح عندما نستعمل ما وهبنا الله إياه من عقل وطاقة في إنجاح أمور دنيوية، ونغفل أو نتناسى أموراً أخروية، ونسلي أنفسنا بما هو سائد لدى العوام بالقول: ليوم الله يهون الله !

العلم میزان بين الحق والباطل

لم يكن في هذا الوجود شيء مطلوب إلا لغاية،فعندما نجد الحث على طلب شيء من الأشياء لا بد أن يكون ذلك لما يترتب عليه غاية من الغايات، وهذا ما تقره العقول ويأمر به العقلاء، فالعلم هو أسمى ما يطلب ولكن ينبغي أن نعرف أسمى الغايات منه:

أولاً: يطلب العلم لذاته، لأنه نور لذاته وضياء لغيره. ومن أهم ميزات العلم أنه يكشف لنا عن الحقائق(3).


1) بحار الأنوار ج 1 ص180 عن روضة الواعظين.

2) واللبيب تكفيه الإشارة.

3) راجع الفلسفة العليا ص 231.

لنقرأ هذا الحديث و نتدبر مضامينه: عن رسول الله صلی الله علیه واله قال: من خرج یطلب باباً من علم لیرد به باطلاً إلى حق أو ضلالةً إلى هدًی کان عمله ذلک کعبادة متعبدٍ أربعين عاماً(1).

فعندما ننظر لواقع الحياة في هذه الدنيا نجد مزجاً مستحکماً بين الحق فيها وبين الباطل، وهذا المزج لا يفصل بينه غير العلم الحقيقي .

ما هي حقيقة العلم؟

إن حقيقة العلم لم تكن خافية على أحد من العلماء، وإنمايطلب من الذي يعلم تطبيق العلم، لأجل الوصول إلى ثمرته، وعندئذ يكون التفاضل في مراتب التطبيق، وليس التفاضل بمقدار الحصول والوصول فقط، ولذا فإن الثبات على الحق أصعب من الوصول إليه.

فحقيقة العلم ارجاع الحق لنصابه، وابطال الباطل عند استفحاله، لأنه لولا انکشاف حقيقة العلم لساد الظلم(2).

وسيبقى العلم هو الحكم في الفصل بين حقائق الأشياء، مهما رأينا مخالفاً هناأومتجاوزاً هناك، وقد جاء مدح العلم بما لا حصر له.

قال أمير المؤمنين عليه السلام : كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذانسب إليه وكفى بالجهل ذما يبرأ منه من هو فيه(3).


1) بحار الأنوار ج 1 ص 182.

2) فالإنسان يظلم نفسه ويظلم غيره .

3) بحار الأنوار ج 1 ص 185.

وعن الإمام زين العابدين عليه السلام : لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفک المهج وخوض اللجج.

إن الله تعالى أوحى إلى دانيال أن أمقت عبيدي إلي الجاهل المستخف بحق أهل العلم التارك للاقتداء بهم، وأن أحب عبادي عندي التقني الطالب للثواب الجزيل اللازم للعلماء التابع للحكماء [للحلماء ] القابل عن الحكماء(1).

من هذه العبائر والأنوار المضيئة للعقول ندرك أن تحصيل العلم وتطبيق مضامينه يرفع الإنسان إلى أعلى مراتب الجنان، وندرك أيضاً أن ليس من مرتبة فوق مرتبة العلم، وهذا ما تشير إليه الآيات والروايات:

قال صلی الله علیه اوله : من جاءه المؤت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة واحدة في الجنة(2).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام : العلم أفضل من المال بسبعة :

الأول: أنه ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة .

الثاني: العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص بها.

الثالث: يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه.

الرابع : العلم يدخل في الكفن ويبقى المال.

الخامس: المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمومن خاصة.


1) بحار الأنوار ج 1 ص 185.

2) بحار الأنوار ج 1 ص 184.

السادس: جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال.

السابع : العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه(1).

العلم الحضوري والحصولي

عندما نحاول الحديث عن أقسام العلم نجد في المصطلحات أقساماً عديدة ضمن اعتبارات متنوعة، وهنا نشير إلى قسمين مهمين: الحضوري والحصولي، والمقسم بينهما الانكشاف، وهذا الانكشاف راجع بحسب المعلوم لدى العالم.

يقول صاحب الفلسفة العليا قدس سرہ: فإن كان المعلوم بنفسه منکشفاً لدى العالم فالعلم به حضوري، وإن كان بصورته منکشفاً لديه، فالعلم به حصولي، وهو المقصود من العلم عند الإطلاق، وإذا قصد منه العلم الحضوري يقيد به(2).

وقد عرف العلم الحصولي بأنه: العلم بالشيء بواسطة، وهي الصورة الحاضرة في الذهن.

ولكن المعلوم بالذات في العلم الحضوري هو نفس الشيء لا صورته، فالمعلوم بالذات في العلم الحضوري موجود خارجي، وفي العلم الحصولي موجود ذهني(3).


1) بحار الأنوار ج 1 ص 185.

2) الفلسفة العليا ص235.

3) المصدر السابق.

ولذا قال: الوجود خارجي وذهني، ويوجد تفاصيل أخرى في محلها .

سر العلوم من عالم القدس

المخلوقات تستقبل العلوم بحسب قابلياتها، ولذا قالوا: استعدادات النفوس متفاوتة(1).

إن أرقى المخلوقات لتقبل العلوم والمعلومات هو الإنسان، وضمن أفراد الإنسان يوجد تفاوت كبير جداً، من هنا يرتفع هذا وينخفض ذاك، وهذا التفاوت لا يتوقف على جانب فقط، لأن الإنسان يحتاج لتكامل جوانب عديدة .

أولاً: الإنسان مفطور على تلقي العلوم.

ثانياً: أنواع العلوم لا حصر لها.

ثالثاً: للعلوم أسرار، وكشف هذه الأسرار ليس بالأمر الهين، وذلك لأن الكشف والانكشاف له أسس يبتنى عليها. وليس ذلك بالتمني أو التصورالابتدائي، بل لا بد من توفير مناخ يتعلق بالنفس.

وهذا من أهم الأسس التي لا بد من الاعتناء بها كي يتمكن الإنسان من قبول الفيض.

أسرار الأكوان مبثوثة في الإنسان والقرآن

في بحثنا حول أسرار الحسين عليه السلام نجد معادن الأسرار كامنةً في تكوين الإنسان، وفي عموم آيات القرآن.


1) راجع الأسفار ج3 ص 384 فصل 19.

وهذه الأسرار تتجلى بكثير من الحقائق، وهذا التجلي يتمظهر بالمحسوسات والمعقولات، وقطب الرحى لادراكه ومعرفته هو الإنسان، ومن هنا ندرك عظمة نزول القرآن، و آیات بیان نزوله جامعة بين الظاهر المحسوس وبين الباطن في الغيب المحبوس.

لنقرأ هذه الآية، قال تعالى :«لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»(1).

تنبيه: لست هنا في مجال التفسير، وإنما نشير إلى أن في القرآن المجيد أسرار الكونين: الدنيا والآخرة، وعندما ننظر في هذه الدنيا ندرك أنها مدرسة خصصت للإنسان، فيها كل مناهج الدارين بكل معانيها المتكاملة.

أولاً: أن القرآن نزل للإنسان.

ثانياً: أن آياته قد تضمنت أسراراً وأسرار.

ثالثاً: أن في القرآن شفاء لكل عليل، من داءالجهل.

رابعاً: أن القرآن هو الحبل الممتد من السماء إلى أهل الأرض.

خامساً: أن حروف القرآن وكلماته ميسرة لكل من يحسن القراءة .

من هنا ندرك أن نزوله على هذه الأرض للامتحان، لأن الامتحان يكون للإنسان:«»(2).

وقفة عند باب من أبواب القرآن :


1) الحشر 21.

2) الأنفال 42.

مما لا شك فيه أن أسرار القرآن عند أهل بيت العصمة عليهم الصلاة والسلام، ومن دونهم من ذوي العقول والأفهام يأخذ كل واحد منهم بقدر التوفيق ومقدار نظافة وسعة وعائه، والقرآن هو الدواء.

وكل واحد من الخلائق يحتاج إلى نوع من الدواء، واستعمال الدواء يرتكز على قوانين وشروط، وعلى حسن التطبيق، وليس كل من عرف الدواء نال الشفاء.

القرآن نزل لهداية الإنسان

قد أوضحنا في أبحاثنا ضمن آيات التقوى والمتقين أن القرآن لجميع الخلائق، ولكن الذي ينتفع منه هم المتقون(1)، فالقرآن كما هو نور فهو هدى وشفاء، وهو الحبل الممتد من الأرض إلى السماء، حيث أن فيه النجاة من الغرق في أوحال الدنيا، ويكفي من أسرار الآيات:«وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»(2).

هذه الآية يعضد معانيها ما في الأحاديث من أني خلقت العالم لكم وخلقتكم لأجلي، والأحاديث بهذه المعاني كثيرة، ويكفي منها حديث: لولاك لما خلقت الأفلاك..

يقول صاحب مفاتیح الغيب قدس سره: فخلق الله الأفلاك والأركان لأجل الإنسان(3).


1) يحسن مراجعة الأبحاث من آية: هدى للمتقين، بحث خاص حول المتقين (مخطوط).

2) الذاریات 56.

3) راجع مفاتیح الغیب ص 14.

القرآن مدرسة الإنسان

لقد شاء حكمة الخالق أن يعمر الأرض بمراحل من حياة الإنسان، وهي المرحلة الدقيقة التي يمر بها الإنسان في وجوده، لأن هذه المرحلة عليها تترتب سعادة الإنسان، ولا بد لنيل مثل هذه السعادة أن يمر الإنسان في أدق امتحان، حيث لا مجال بعد الحياة الدنيا لأي فرصة للعمل، ولا عودة إلى قاعة الامتحانات، فكان القرآن هو المنهاج الجامع لكل ما ينبغي أن يقوم به الإنسان.

هذه المدرسة الكبرى يقوم على تعليمها حقاً الذين اختارهم الله ونزههم عن كل تقصير، وهم آل بيت العصمة عليهم السلام، وقد قال صلی الله علیه واله: أدبني ربي فأحسن تأديبي.. وأنا أؤدب أمتي(1).

من هنا بدأ التعليم وهو سبحانه القائل لعباده: «اقرا وربک الاکرامالذی علم بالقلمعلم الا نسان ما لم یعلم»(2).

من هنا بدأ سر العلم، فكان خلق الإنسان من عوالم الغيب، وكذلك تعليمه(3).

الإنسان والأسرار

إن الله سبحانه قد خلق الإنسان من أسرار الغيب، وقد أودع فيه أيضاً أسراراً، ومن أهم الأسرار في مكنون الإنسان هي قابليته للارتقاء والكمال


1) المصدر السابق.

2) سورة العلق.

3) راجع أبحاثنا حول خلق الإنسان من تراب .. بحث مفصل.

الإنساني.

هذه القابلية التي إذا توفرت لها الشروط ترتقي بالإنسان إلى أسمى المراتب، ومن أعلاها علم القرآن، لذلك يقال للإنسان يوم القيامة : إقرأ وارق. وهذه أيضاً في الدنيا، فالدنيا هي المدرسة : من جد في مناهج دروسه نال الجوائز، ومن تلهى في ملعبها فقط وقع بالخسران.

فسر نجاح الإنسان كامن بذاته، ومرافق لنفسه .

فأسرار الكونين أظهرها الله سبحانه للإنسان في حروف القرآن، ولذا أجمع المفسرون على أن الحروف المقطعة في أوائل سور القرآن هي من الأسرار التي خص الله بها أنبياءه ورسله، وقيل: القرآن في البسلمة.

والمطلوب من الإنسان أن يكتشف بعض أسرار الوجود لما له من قابلية، ولما أودع في ذاته وكيانه من أسرار الكون، وخصه الله بشيء من الملكوت.

فأول ما هو مطلوب من الإنسان معرفة نفسه، وإن وصل إلى هذه المعرفة ينتقل منها إلى الكثير من الأسرار، فكأنها مفتاح السر، وهذا معنی أحاديث كثيرة: من عرف نفسه عرف ربه.. معرفة النفس أنفع المعارف(1).

ويوجد هنا أسرار لم نلتفت إليها، مع العلم أنا نمارسها ولا ندرك أبعادها، منها مثلاً الأذان في أذني الطفل، وهو مما أمربه الأبوان عندما يولد لهما طفل أن يؤذن ويقام بأذنيه.

ومنها أن يعلم آيات من القرآن الحکیم


1) میزان الحکمة ج6 ص140.

ومن الأذان وتعليم الآيات ندرك الكثير من الأسرار التي يمكن إدراكها ومعرفتها هنا نشير ببساطة لذلك:

فعندما يولد الطفل ويأتي إلى هذا الوجود، يكون قد مر بمراحل من الأسرار، وقطع عوالم خفية من عوالم الأستار، وظهر إلى هذه الدنيا بعد عناء وأخطار، فأول ما يدخل إلى عوالم فكره وخلايا رأسه هو كلمة: الله أكبر.

فترتسم في تلافيف ذهنه و صفحات نفسه النقية، ويسمع نداءً قد مر عليه وهو في عالم الذر(1).. وعهد السماء..

فهذه الحروف فيها إشارات وأسرار ليهتدي إليها الانسان، وهذا هو ابتداء المعرفة المعادن الأسرار، التي بمعرفتها ينال كل فرد مراتب الأبرار.

فالطفل يختزن بفكره كل ما يسمع وكل ما يرى وإن لم يعبر عن ذلك، فعندما ينمو ويتجاوز الطفولة يبدأ بإظهار لما لديه، فإذا تغذى على حسن المعرفة ينتقل من الظواهر إلى البواطن، ومن الحروف والكلمات إلى معانيها وأسرارها(2).إن لكل شيء سراً، وسر الحروف کامن في معانيها، فمن أحسن القراءة بصفاء توجه نحو المراد، ولم يقف عند اللفظ فقط، بل يسعى لفهم معانيه، وهذا ما تشير إليه الآيات، قال تعالى :« وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ»(3).

إن نزول القرآن وإظهاره من اللوح المحفوظ إلى هذه الدنيا ليس لمعرفة حروفه الجامدة، بل لأجل إظهار الأسرار الكامنة وراء عوالم الغيب إلى عقول


1) إشارة إلى آية العهد في عالم الذر قبل خروج الإنسان إلى الدنيا .

2) فإن الأسرار كامنة وراء الحروف.

3) القصص 51.

الأبرار.

من هنا لا بد من البحث حول أسرار الوجود، وهي كامنة في معرفة آیات القرآن.

قال تعالى:«فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ»(1).

الأمر بالقراءة موجه للإنسان، لأن القراءة مدخل أساسي للمعرفة، ودلالة الأمر بها لغاية كبرى، لأن الإنسان ما لم يصل إلى شيء من أسرار الكون والحياة يبقى في الجهل والظلمات، والمفروض أن القرآن نور.

الدنيا مظهر من مظاهر الأسرار

نشير هنا إلى أن الإنسان نشأ في غوامض الأستار، وبدأت مسيرته على هذه الأرض وهي الدنيا، وقد جهزت بكثير من الزينة ووسائل الرغبة فيها، وهي لم تکن فکانت، ومسيرة الإنسان فيها لغاية كبيرة، فإذا لم يتمكن من إدراك أسرارها يبقى محبوساً في ظلماتها.

من هنا نقول: لم يخلق الإنسان لها، وإنما جيء به إليها ليدرك كامل أسرار وجودها، فمن ينخدع في مظهرها ويعشق مفاتنها لا شك أنه يبقى مقيداً بحبائلها، ومن أدرك أنه ضاعن غداً عنها لم ينخدع بظاهرها ولا بمظهرها.

وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام عن الدنيا: فالبصير منها شاخص والأعمى إليها شاخص(2).


1) المزمل 20.

2) نهج البلاغة ص 192.

فلكل من الدنيا والإنسان والقرآن أبعاد.. للدنيا ظاهر و باطن، وكذلك الأمر في الإنسان أوضح، أما القرآن فباطنه عمیق(1).

لذلك نجد أن الكثير من بني البشر قد قصرت هممهم عن تجاوز الظاهر فأخلدوا إلى الأرض، وقد جاءهم التنديد: اتخذوا هذا القرآن مهجوراً.

وفي آية: «فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا»(2).

إن هجر القرآن فيه دلالة على ترك أبعاده وأسراره، وعدم فقهه دال على التمسك بظاهر هذه الدنيا. لأن لفظ (فقه الرجل) معناه أدرك معانيه، وتذوق حلاوة سره، ونظر إلى ما هو أبعد من الظاهر، ولذلك نجد على مر التاريخ أن الذين فقهوا القرآن وفهموا أبعاد معانيه لم تخدعهم الدنيا بزخارفها ولم تقيدهم بحبائلها، بل: صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى(3).

إن من أهم أسرار القرآن أن يصل به الإنسان إلى اليقين، ومن مركز اليقين يشرف على أسرار الكلام المبين، ومن هنا تبدأ مسيرة الإنسان لفهم القرآن.

العقل والإنسان

عندما ننظر للمخلوقات نجد لكل مخلوق خصوصیات، ومعلوم أن الإنسان هو أرقى المخلوقات، وهذا الترقي نجده بخصوصيات العقل، لذلك نحاول إلقاء نظرة مقتضبة حول هذا السر.


1) إشارة إلى ما ورد حول القرآن أن ظاهره أنيق وباطنه عمیق.

2) النساء 78.

3) إشارة إلى فقرة من خطبة في النهج الشریف.

والعقل سر من الأسرار الدقيقة.

لقد قال العلماء والفلاسفة الكثير حول العقل، وهذه الأقوال عند الباحثين والعلماء قد تفرع منها الكثير من العلوم والأبحاث.

وأبحاث الباحثين حول العقل وأسراره لم تكن وقفاً على جنس أو نوع أو دين أو أقوام معينين، بل هي أبحاث من كل عاقل، على تنوع مستويات بني البشر.

لقد قيل الكثير حول تعاريف العقل، وحول آثاره وأحكامه وما يتبع، ولا شك أنه سر من أسرار المخلوقات، وقد اختص به بعضهم، ومن أوفرهم حظاً هو الإنسان..

قسم من تعاريف العقل:

أولاً: لست من ذوي الاختصاص في هذا الباب الواسع، وإنما أنقل بعض العبائر لذوي البصائر .

ثانياً: نشير إلى كلمات ذوي الاختصاصات، يقول صاحب الفلسفة العليا قدس سره(1): ومن أصناف المعقول: العقل، وهو كائن لا محسوس، ووجوده من البديهي، فلا حاجة إلى إقامة برهان لوجوده، وهو يغاير العلم، لأن العلم موجود ذهني والعقل موجود خارجي.

ويقول قدس سره: ونزيدك البرهان فنقول: إن امتیاز العاقل عن المجنون يكشف حصول معنی للعاقل يفقده المجنون، كما أن الامتياز البيني للإنسان عن


1) وهو السيد رضا الصدر، الأخ الأكبر للسيد موسى الصدر، من ص 247 في الفلسفة العليا.

الحيوان يدل على وجوده، فالعقل مشرف إنساني على أفعال البشر، تلك التي تصدر عن غرائزهم الحيوانية .

ثم للعقل مراتب ودرجات، كما أن له قوة وضعفاً، والشرف لمن له کمال العقل(1).

وأن المعرفة البشرية لم تصل حتى الآن إلى حقيقة العقل، وان غاية ما عرف منه أنه كائن موجود، وأنه المشرف والمرشد والموجه والرادع، والداعي في البشر، وهو غير الفهم، لأنه يتولى في بلده منصب القضاء والأمر، فهو الموجه إلى ما يفيد والناهي عما يضر.

وأما عن استخدام العقل للعلم والفهم، فيقول قدس سرہ: وتحصيل معرفة النفع والضرر إنما هو بالعلم والفهم، وإن العقل يستخدمها ولكن الحكم له بعدما رأى التقرير الصادر من كل منهما، فهو الحاكم المطلق في بلد الإنسانية، فاستخدامه للوصول إلى مطالب الغرائز إهانة له وحط لمنزلته(2).

وينبغي مراجعة هذا المطلب، حيث توجد تفاصيل لكثير مما يمتلکه الإنسان، وهي موجودة غير محسوسة، ويحكم بها العقل، تحت عنوان: اتحاد العاقل والمعقول(3)..

إن التعاريف ما هي إلا إشارات لحقائق معينة، وقد تعددت وتنوعت


1) المصدر السابق ص248.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق ص242.

بالألفاظ، فقد دأب العلماء على تعاريف الحقائق الثابتة، ومنها: جوهر العقل، الذي هو سر من الأسرار، ومما قالوا حوله: العقل هو الجوهر المحيط بجميع الأشياء المبروزة فيه، والحاكم والقاضي بينها(1).

وفي تعريف آخر: إنما هو شيئية الأشياء كلها، وشيئية الأشياء كلها هوالعقل(2).

وقيل: العقل الذي هو مناط التكليف هو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات(3).

وقد عرف العقل عند الفلاسفة بأنه: جوهر بسيط .

ومن التعاريف: هو الجوهر المفارق للأجسام، المدرك للكليات بذاته، والجزئيات بالآلة.

وقال آخر: هو جوهر مجرد قائم بذاته، مجرد عن المادة .

وفي تعريف آخر: جسم لطیف نوراني، هو آلة العلم(4).

العقل سر من أسرار الوجود

لقد بحث العقلاء من فلاسفة وحكماء وباحثين وعلماء حول العقل وحقائقه الكثير، وقد سطرت أقلامهم أدق التعابير، ولم تقف العقول عند حد


1) کتاب شرح المصطلحات الكلامية ص219، الطبعة الأولى 1415 ه في إيران، مشهد، الرضوية المقدسة.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

4) هذه التعاريف من كتب عديدة ومن علماء الكلام والفلسفة.

محدود. وكل جيل يحوم حول هذا النور المشع، وشعاعه منه وإليه، ومعلوم أن النور مضيء لذاته ومضيء لغيره، وليس في المخلوقات نور وضياء مثل نور العقل وضيائه، لذلك لم يكن البحث حول موضوع العقل كغيره من المواضيع، مهما قيل أو يقال، ومهما تعاقبت الأزمان والأجيال.

وإنما نحاول التنبيه على الأخذ مما أنتجته العقول النيرة حول الإشارة إلى نور العقل.

يقول صاحب الفلسفة العليا قدس سره في أبحاثه النيرة تحت عنوان: عالم العقول، ما يلي:

ومن أصناف اللامحسوس: العقل المجرد، وهو موجود مجرد عن المادة والهيولى، وكائن منزه عن الزمان والمقدار، ومفارق عن جميع لوازم المادة وحاجياتها، فهو غني عنها أشرف الغني، وأفضل الممكنات وجوداً، وأشرفها حقيقة.

ثم إن العقول متعددة، وإن عالم العقول أشرف العوالم بلا کلام، ويسمى بالجبروت(1).

ويقول قدس سره عن أدلة ماهية العقل:

وكل ماهية عقلية نوعها محصور في فرد واحد، ولا تكثر لها من حيث الأفراد، لأن الكثرة العارضة لكل ماهية إما ذاتية أو عرضية، ولا سبيل إلى الأول إذ يلزم منه استحالة وجود مثل هذه الماهية، فإن الكثرة من وحدات، ويستحيل تحقق الكثرة من غير وحدة، والمفترض أن الكثرة ذاتية لماهية العقل، وتفكيك


1) الفلسفة العليا ص272.

الذاتي عن الذاتي مستحيل.

إذن يستحيل تحقق ماهية واحدة للعقل من أجل ذاك الانفكاك، فإذا استحالت الوحدة استحالت الكثرة، وإن شئت قلت: يستحيل صيرورة الكثرة ذاتية لكل ماهية بنفس البرهان، ولا سبيل إلى الثاني، لأن كل عرضي معلل، بمعنى افتقار المعروض في ما يعرضه إلى علة، إذ المفترض أن نفس ماهية المعروض لم تكن بعلة مقتضية لها(1)..

إلى هنا يطرح قدس سره سؤالاً لعروض الكثرة لماهية العقل؟

يقول: فما هي تلك العلة الموجبة لعروض الكثرة لماهية العقل؟

والجواب: أن العلة الموجبة لعروض الكثرة في كل ماهية هي المادة دون غيرها، فكل ماهية متكثرة الأفراد فهي مادية بلا کلام، وأنها متكثرة بالجسم.

وتنعكس هذه الكلية بعكس النقيض، أن الماهية الخالية عن المادة ليست بمتكثرة الأفراد، إذاً كل ما هو مجرد عن المادة والجسم فنوعه محصور في فرد واحد(2).

وعندما يريد الباحث أن يقرب المعاني إلى الأذهان يشير بالأمثلة لما هو محسوس بالفطرة، وقد تقدم أن كل ما هو مجرد عن المادة والجسم محصور في فرد واحد.

ولتوضيح ذلك ذكر قدس سره مثالاً واضحاً، قال: مثلاً، إذا كانت ماهية الإنسان غنية عن البدن بحيث كانت موجودة من دون جسد لم يكن الإنسان


1) الفلسفة العليا ص273.

2) المصدر السابق.

الموجود إلا فرداً واحداً، فتعدد أفراد الإنسان إنما حدث من جانب احتیاج ماهية الإنسان إلى البدن، لما عرفت أن النفس حقيقة متعلقة، ويستحيل وجود مثل هذه الحقيقة من دون ما تتعلق به، وقس عليها جميع الأحياء الكونية في العالم(1).

أسرار الحياة كامنة في ثناياها

مما هو معلوم أن لحياة الانسان ابتداء وانتهاء، ومسيرة حياة الإنسان بينهما، أي بين الابتداء والانتهاء، ويترتب على هذه المرحلة كل معاني الحياة، بكل أبعادها ومعطياتها و جوانب متعلقاتها، فعندما نحاول التعرف على بعض الأسرار نجد بعض الجوانب التي يمكن اكتشافها ومعرفة مضامينها، وكلما توغل الإنسان بالمعرفة من أبوابها وحقائقها ينكشف له من الأسرار ما يمكن إدراكه، ومن أسرار الحياة خصوصيات الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، ومن هنا نحاول التعرف على بعض الجوانب من هذه الأسرار.

أولاً: آثار زيارة الحسين

ومن أدق الأسرار التي ظهرت في الحياة خصوصيات الحسين عليه السلام ، ومن خصوصياته علیه السلام آثار الزيارة، وهذه الآثار ليست خافية على عقول الأبرار، وليست مجرد نظرية بل أصبحت واقعاً موجوداً في كل عصر من العصور وكل جيل من الأجيال، وخصوصاً أن زيارته علیه السلام لم تتوقف على الإطلاق، وهي باقية ليوم القيامة.


1) الفلسفة العليا، من ص273، وتراجع مطالب هذا الكتاب ففيه تفاصيل واضحة لمن يريد.

وقد ورد حول زيارة الحسين عليه السلام ما تعجز العقول عن إدراكه(1)، وعندما نبحث فيما جاء حول زيارة الحسين علیه السلام نجد شروطاً ذات أبعاد في حياتنا، والأمر الأول فيها هو الإخلاص والشوق.

وكلمة الإخلاص أبعد من اللفظ والتقديرات، فالإخلاص سر من الأسرار.

وقال صلی الله علیه واله مخبراً عن جبرئيل عليه السلام عن الله عزوجل أنه قال: الإخلاص سر من أسراري استودعه قلب من أحببت من عبادي(2).

وعن النبي صلی الله علیه واله قال: من أخلص لله أربعين يوماً فجر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه .

وعن أبي جعفر الجواد عليه السلام قال: أفضل العبادة الإخلاص.

وعن سيدة النساء صلوات الله عليها قالت: من أصعد إلى الله خالص عبادته أهبط الله عزوجل إليه أفضل مصلحته (3)

وقفة:

عندما نقرأ صحيفة حياة الكون وما فيه نجد أن أسرار الحياة قد انتهت إلى سيد الكائنات محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله ، وهذه الأسرار بكل معانيها وأبعادها وأنوار حقائقها قد استقرت عند الحسين بن علي عليهما أفضل الصلاة والسلام، من هنا كانت خصوصية الحسين عليه السلام متضمنة واقعاً الأسرار الحياة.


1) راجع بحار الأنوار ج 98: المزار .

2) بحار الأنوار ج 67 ص249.

3) المصدر السابق .

لنقرأ هذا الحديث عن زيارة الحسين عليه السلام: عن أبي عبد الله علیه السلام قال: من زار الحسين محتسباً لا أشراً ولا بطراً ولا سمعة محصت عنه ذنوبه کما يمضض الثوب في الماء، فلا يبقى عليه دنس، ويكتب له بكل خطوة حجة وکلما رفع قدماً عمرة(1).

وهذا السر نتلمس شعاع نوره من هذا الحديث، عندما سألوه عن زيارة الحسين عليه السلام، قال أبو عبد الله علیه السلام : حدثني أبي عن جدي أنه كان يقول: من زاره یرید به وجه الله أخرجه الله من ذنوبه کمولود ولدته أمه، وشيعته الملائكة في مسيره فرفرفت على رأسه قد صفوا بأجنحتهم عليه حتى يرجع إلى أهله.

وسألت الملائكه المغفرة له من ربه وغشيته الرحمة من أعنان السماء، ونادته الملائكه طبت وطاب من زرت وحفظ في أهله(2).

ثانياً: الشوق والمحبة لآل الحسين

إن الشوق والمحبة ينبعان من المعرفة، وبمقدار المعرفة يشتد الشوق، وقد جاء بكثير من الأحاديث معاني المعرفة: من أتى قبر الحسين علیه السلام زائراً له عارفاً بحقه، يريد به وجه الله والدار الآخرة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر(3).

المعرفة: أنه إمام مفترض الطاعة، ولا شك أن حقه حق لرسول الله صلی الله علیه واله. إنشوق الزائر للحسين عليه السلام فيه سر من الأسرار، وهذا الشوق يحمل


1) بحار الأنوار ج 98 ص19، عن كامل الزیارات ص 144.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

الموالي من كل أقطار الأرض، بل التاريخ حدثنا عن تسابق الزائرين لكي يفدي أحدهم الآخرين بنفسه لأجل الزيارة(1).

فهو شوق فوق التقديرات، وأبعد من حروف الكلمات، فإننا نجد الزائرين يسعون من أقطار الدنيا مهما كانت التكاليف والمخاطر، ولم نجد في أي زمن انقطاعاً للزائرين.

بالإخلاص تتفاضل مراتب المؤمنين

إن الإخلاص القائم على المعرفة الحقة لا يمكن تقديره عند المخلوقين، بل هو رصيد عند الخالق، وهذا ما يشير إليه أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: إن الله عباداً عاملوه بخالص من سره فشکرلهم بخالص من شکره، فأولئك تمر صحفهم يوم القيامة فرغاً فإذا وقفوا بين يديه ملأها لهم من سرما أسروا إليه(2).

ونرسم هنا بعض الأحاديث حول ميزان المخلص والإخلاص، لعلنا نأخذ منها بقدر.

ورد في الحديث: المخلص الذي لا يسأل الناس شيئاً حتى يجد وإذا وجد رضي وإذا بقي عنده شيء أعطاه في الله فإن من لم یسال المخلوق فقد أقر الله عزوجل بالعبودية، وإذا وجد فرضي فهو عن الله راض والله تبارك وتعالى عنه راض، وإذا أعطى الله عز وجل فهو على حد الثقة بربه عز وجل (3).


1) في زمن المتوكل العباسي فرض على كل عشرة من زوار الحسين عليه السلام قتل واحد منهم.

2) بحار الأنوار ج 75 ص 64.

3) بحار الأنوار ج 7 ص 21.

من هنا ندرك معاني الحديث المشهور: العلماء کلهم هلکی إلا العاملون والعاملون کلهم هلکی إلا المخلصون، والمخلصون على خطر(1).

وكل معاني الإخلاص يراد بها مضمون هذا الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: أين الذين أخلصوا أعمالهم الله وطهروا قلوبهم لمواضع نظر الله(2).

حديث في قضية موسی وشعيب

إن أسرار الحياة مبثوثة من الأزل في جميع الكائنات، وفي كل عصر من العصور يوجد أهل للإخلاص، وهذا منهج سار عليه من سار من الأبرار، وتخلف عنه من غرته الدنيا وظن أنها الدار..

فلما دخل (موسى عليه السلام ) على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ، فقال له شعيب: اجلس یا شاب فتعش.

فقال له موسى: أعوذ بالله.

قال شعيب: ولم ذاك؟ ألست بجائع؟

قال: بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بیت لانبيع شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً.

فقال له شعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام.


1) میزان الحكمة ج3 ص60.

2) المصدر السابق.

قال فجلس موسی يأكل(1).

انما يتقبل الله من المخلصين

تقدم فيما سبق أن الإنسان مفطور على العمل، وسر الأعمال كامن في الإخلاص، لأن الإخلاص ضمان للأعمال، بل هو روح الأعمال، وقد قال أمير المؤمنين علیه السلام : في الإخلاص يكون الخلاص.

ويقول عليه السلام: غايه اليقين الإخلاص(2).

والإخلاص ضمان من الله تعالى عن الإغواء.

لقد أخبرنا سبحانه بكتابه المجيد عن ذلك، قال عز من قائل: عندما جعل إبليس من المنظرين:«»(3).

ويقول صلی الله علیه واله: طوبي للمخلصين أولئك مصابيح الهدی تنجلي بهم كل فتنة ظلماء(4).

من هذه الآيات المباركة والأحاديث الشريفة ندرك بعضاً من معاني الإخلاص وأبعاده .


1) بحار الأنوار ج13 ص21، فالعمل الخالص يكون الله خالصاً مصفی .

2) میزان الحكمة ج3 ص 57.

3) سورة ص الآية 83.

4) کنز العمال خبر 5268.

حقيقة الإخلاص

عندما نحاول التعرف على صفات المتقين وعلاماتهم نجد بحراً زاخراً حول صفاتهم، وخصوصاً ما ذكر في نهج البلاغة وخطبة المتقين، وهي التي تضمنت الأبعاد الحقيقية لحقيقة الإنسان، ومنها تأخذ موازين الأسرار، وهو الباب الموصد أمام الأحرف والكلمات.

وإنا نجد أبواب أسرار الأكوان في الإنسان والقرآن.. وفي أبحاثنا نقطف ثمرة من هنا، وبرعما من هناك .. وزهرة نتنسم منها أريجاً من أسرار الأبرار.. فالكنوز موجودة وهي سر من الأسرار، والإنسان واضح وهو سر الأكوان، والقرآن المجيد مرتلاً ترتيلاً هو مفاتيح لهذه الأسرار.

وليس معنى السرأنه لا يعرف، بل إن إنسان الأرض لم يحسن فتح أبواب الأسرار.

إن حقيقة الإخلاص لدى الإنسان هي مفتاح من مفاتيح الأكوان، فبلوغ حقيقة الإخلاص ليس بالتمني، وليست أمراً يؤخذ من هنا او هناك، بل هي بذات الإنسان، وقد قال صلی الله علیه واله: إن لکل حق حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يجب أن يحمد على شيء من عمل لله(1).

والتأمل في هذا الحديث الشريف يعطي الجواب لكل من يسأل.

وقد قال الحواريون لعيسى عليه السلام: یا روح الله، من المخلص لله؟

قال عليه السلام : الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده أحد على شيء من عمل الله عز


1) بحار الأنوار ج 69 ص304.

وجل(1).

وفي حديث عن الرسول صلی الله علیه واله : وأما علامة المخلص فاربعة: يسلم قلبه ويسلم جوار حه وبذل خيره وكف شره(2)...

سلامة القلب

نحاول هنا الإشارة إلى سلامة القلب عند الإنسان، لأن سلامة القلب يرتكز عليها الكثير من قبول الأعمال، ومنها يستدل على الإخلاص، والقلب هو مخزن من مخازن الاسرار، وقد جاء في القرآن أن فيه نجاة للإنسان، قال تعالى :

«»(3)(4).

فسلامة القلب قد أوضحها لنا أهل بيت العصمة عليهم السلام، وعند سؤال الصادق علیه السلام قال: القلب السليم الذي يلقى الله وليس فيه أحد سواه(5).

وقد جاء في التفاسير أنه سليم من الشرك والشك، وسليم من الفساد والمعاصي، وإنما خص القلب بالسلامة لأنه إذا سلم القلب سلمت سائر الجوارح(6).


1) میزان الحكمة ج3 ص 63.

2) تحف العقول ص 21.

3) الشعراء89-91.

4) راجع أبحاثنا حول صفات المتقين: حب الدنيا رأس كل خطيئة .

5) بحار الأنوار ج 17 ص 54.

6) بحار الأنوار ج 67ص 239.

زيارة الحسين سر من الأسرار

عندما نحاول التعرف على جوانب من الأسرار نجد ملتقاها بكل أبعاد الحياة مخزونة عند سيد الشهداء الحسين علیه السلام ، ولم نجد تكامل حصرها عند سواه، ويعرف ذلك من الأبحاث التي لا حدود لها فيما يتعلق بمضامين الأسرار، فالباحث مهما بلغ يجد نفسه محاطاً بالعجز.

ونتلمس ذلك حتى بالامور الظاهرة، فكيف ما هو في بواطن الوجود وأسرار الحياة.

لنقرأ هذا الدعاء المختصر جداً عندما يتوفق أحدنا للزيارة وهو من المقدمات وأوائل المستحبات: الغسل.

عن أبي عبد الله علیه السلام أنه كان يقول بعد غسل الزيارة إذا فرغ: اللهم اجعله لي نوراً وطهوراً وحرزاً وكافياً من کل داء وسقم ومن كل آفة وعاهة وطهر به قلبي وجوارحي ولحمي ودمي وشعري وبشري ومخي وعظامي وعصبي وما أقلت الا رض مني واجعله لي شاهداً يوم القيامة ويوم حاجتي وفقري وفاقتي(1).

وفي حديث آخر عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إن لله ملائكة موکلين بقبر الحسين عليه السلام، فإذا هم الرجل بزيارته فاغتسل ناداه محمد صلی الله علیه واله: یا وفد الله أبشروا بمرافقتي في الجنة.

وناداه أمير المؤمنين علیه السلام : أنا ضامن لقضاء حوائجکم ودفع البلاء عنکم في الدنيا والآخرة.


1) بحار الأنوار ج 98 ص 146.

ثم اكتنفهم النبي صلی الله علیه واله وعلي علیه السلام عن أيمانهم وعن شمائلهم حتى ينصرفوا إلى أهاليهم(1).

إن أحاديث أهل البيت عليهم السلام تحمل أسرار الحياة كما تتضمنها معاني الآيات، فمن يتدبر هذه المعاني يتلمس أسرار المباني وأسرار الحسين عليه السلام هي السفينة التي ينجوا بها ركابها.

وعندما نكتب حول هذه الأسرار نحاول أن نتعلق بحبال العروة الوثقی التي اهتدى إليها الأبرار الأخيار، ومن هذه الأحاديث نأخذ موازين لمسيرة حياتنا القصيرة لعلنا نصل إلى شاطئ الأمان، ومن هذه الموازين ما وصل إلينا عن أهل بيت العصمة علیهم السلام.

عن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إذا أتيت الحسين علیه السلام فما تقول؟ قلت: أشياء أسمعها من رواة الحدیث ممن سمع من أبيك.

قال: أفلا أخبرك عن أبي عن جدي علي بن الحسين عليه السلام كيف كان يصنع في ذلك؟

قال: قلت بلى جعلت فيداك .

قال: إذا أردت الخروج إلى أبي عبد الله علیه السلام فصم قبل أن تخرج ثلاثة أيام يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة، فإذا أمسيت ليلة الجمعة فصل صلاة الليل ثم قم فانظر في نواحي السماء واغتسل تلك الليلة قبل المغرب ثم تنام على طهرفإذا أردت المشي إليه فا غستل ولا تطيب ولا تدهن ولا تكتحل حتى تأتي


1) بحار الأنوار ج 98 ص 147.

القبر(1).

وقفة:

عندما أحاول أن أكتب ما أتمكن حول أسرار الحسين عليه السلام ، معنى ذلك أن الحسين عليه السلام قد اجتمع فيه أسرار الأولين والآخرين، من جده النبي صلی الله علیه واله إلى أبيه وأخيه عليهم السلام ، صعوداً إلى آدم علیه السلم ونزولاً لذرية الحسين من أبنائه المعصومين عليهم السلام ، وهذه المعاني قد تقدمت عند ابتداء البحث، وهنا نذكرأنه علیه السلام هو نقطة الارتكاز من السابقين واللاحقين، وهذه المعاني يعضدها هذا الحديث الشريف وهو:

قال الحسین علیه السلام لرسول الله : يا أبتاه ما لمن زارك؟

فقال رسول الله صلی الله علیه واله: يا بني من زارني حياً أو ميتاً او زار أباک او زار أخاك أو زارک کان حقاً علي أن أزوره يوم القيامة وأخلصه من ذنوبه(2).

وفي حديث آخر قال صلی الله علیه واله: من أتاني زائراً کنت شفيعه يوم القيامة(3).

نجد كل ما جاء حول الحسين عليه السلام سار إلى أهل بيت العصمة علیهم السلام، ونجد شمول الأحاديث للحسين عليه السلام وفيها ما قاله صلی الله علیه واله: حسين مني وأنا من حسين(4).

بغض النظر عن أحاديث النور والطينة والبنوة، وما شابه من الأحاديث


1) تهذيب الأحكام الشيخ الطائفة الطوسي ج6 ص76.

2) الكافي ج 4 ص 548.

3) تهذیب الأحکام ج 6 ص 4 حدیث 7.

4) کامل الزیارات ص 52.

الشريفة حول الحسين عليه السلام، فحب الحسين علیه السلام هو حب للنبي صلی الله علیه واله، وزيارته كذلك فهم جميعاً من نور واحد، ولكل خصوصية.

وقفة عند مصدر الأنوار

قد نقرأ كثيراً من الآيات والأحاديث ولا ندرك أبعاد معانيها الحقيقية، فقد نحملها على مقدار فهمنا وحدود تعقلنا، وخصوصاً عندما نكون غارقين بأوحال هذه الدنيا، فالدنيا لا شك أنها تأخذ القسط الأولى من حياتنا ومعظم أفكارنا، مع العلم أنا لم نخلق للبقاء فيها، بل نمر بها كما يمر التلميذ بمراحل المدرسة.

وعندما تمر علينا أحاديث النور لاندرك من أبعادها إلا النزر القليل، ولكن يأتي جيل من الأجيال يمتلك عقولاً أسمى وبصائر أصفى، فيدرك أكثر وأكثر .

إن أحاديث الأسرار والأنوار ترسم إشارات لذوي الأفكار، من هنا نقف لعلنا نتدبر بمقدار ما يتيسر لأن الإنسان قد أمر بالتدبر(1).

لقد ورد في الأحاديث الشريفة الكثير عن الرسول صلی الله علیه واله : علي أخي.

وهنا نرسم طرفاً من حديث طويل يتضمن ذلك :

قال أنس : فقلت یا رسول الله علي أخوک؟

قال نعم علي أخي.

قلت: يا رسول الله صف لي كیف علی أخوك .

قال: إن الله عز وجل خلق ماء تحت العرش قبل أن يخلق آدم بثلاثة آلاف عام وأسكنه في لؤلؤة خضراء في غامض علمه إلى أن يخلق آدم، فلما أن خلق آدم


1) قال تعالى: أفلا يتدبرون..

نقل ذلك الماء من اللؤلؤة فأجراه في صلب آدم إلى أن قبضه الله، ثم نقله في صلب شيت فلم يزل ذلك الماء ينتقل من ظهر إلى ظهر حتى صار في عبد المطلب.

ثم شقه الله عز وجل نضفين فصار نصفه في أبي عبد الله بن عبد المطلب ونصفه في أبي طالب، فأنا من نصف الماء وعلي من النصف الآخر فعلی أخي في الدنيا والآخرة.

ثم قرأ رسول الله صلی الله علیه واله: «وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً»(1).

نقول: الأحاديث حول هذه المعاني كثيرة جداً، وإنما نكرر بعضها لما فيه من تعابير ونکات واضحة أكثر لذوي الألباب (2).

وهنا نذكر حديثاً جامعاً يتضمن الكثير من أسرار الحياة، بل فيه إشارات منذ البداية إلى إتمام النهاية والبقاء والسعادة والهناء، وفيه من الأسرار والأنوار ما يغمر الأفكار.

عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلی الله علیه واله قال: إن الله عز وجل خلقني و علياً وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام.

قلت: فاین کنتم یا رسول الله؟

قال: قدام العرش نسبح الله عز وجل ونحمده و نقدسه ونمجده .


1) بحار الأنوار ج 35 ص 32 الباب الأول من تاريخ ولادة أمير المؤمنين ح29، عن أمالي الطوسي

2) تنبیه: بحثنا حول أنوار وأسرار الحسين عليه السلام، وعنده اجتمع عامود النور.

ثلت: على أي مثال؟

قال: أشباح نور حتى إذا أراد الله عزوجل أن يخلق صورنا صیرنا عمود نورثم قذفنا في صلب آدم ثم أخرجنا إلى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ولا يصيبنا نجس الشرک ولا سفاح الكفر يسعد بنا قوم ويشقی بنا آخرون.

فلما صیرنا إلى صلب عبد المطلب أخرج ذلك النور فشقه نصفین فجعل نصفه في عبد الله ونصفه في أبي طالب.

ثم أخرج النصف الذي لي إلى آمنة والنصف الذي لعلی إلى فاطمة بنت أسد فاخرجتني آمنه وأخرجت فاطمة علياً.

ثم أعاد عزوجل العمود إلى فخرجت مني فاطمه ثم أعاد عزوجل العمود إلى علي فخرج منه الحسن والحسین يعني من النصفین جميعاً فما كان من نور علي فصار في ولد الحسين وما كان من نوري فصار في ولد الحسين فهو ينتقل في الأئمة من ولده إلى يوم القيامة(1)

هذا الحديث وشبهه يوضح لنا الكثير من الأحاديث التي قد تحمل معانيها على غير أبعادها، مع ثبوت مصادرها، ونصوص ألفاظها، وقد نحتار كيف نوجهها، مثل الحديث المشهور: حسين مني وأنا من حسين.

فهذا الحديث يدلنا أن مصدر النور واحد، فتارة يكون عموداً واحدا(2)ً، وتارة ينشطر شطرين حتى استقر بتمامه عند الحسين عليه السلام إلى الحجة المنتظر عجل الله فرجه .


1) بحار الأنوار ج 35 ص 34 ح 32 عن علل الشرائع ج1 ص209.

2) هذه إشارات ورموز لمعاني الأسرار والأنوار.

الأسرار يعرفها الأخيار

عندما نتأمل بتدبر الأحاديث الشريفة نجد أنفسنا بعوالم غيرعوالم الأرض! وندرك ارتباط أهل الأرض بالسماء، فالإنسان على هذه الأرض كان امتداده من السماء وهدايته منها.

وقد وجد الإنسان نفسه على هذه الأرض ممهدة له، وقد نزل وهبط عليها وهو متكامل بكل ما يحتاج إليه، وقد شاءت عناية الخالق سبحانه أن تكون مرحلة الأرض للإنسان مرحلة اختبار، لحكمة بالغة لم ندرك بعد منتهی غایتها .

ويمكن القول أن اسرار الوجود في مراحلها الأولى للإنسان على هذه الأرض، وليس كما يتبادر لأذهاننا أن حياتنا في الدنيا هي منتهى المطاف، بل هي نقطة ابتداء وليس الموت مرحلة انتهائها.

فعندما نقرأ أحاديثاً فيها الإشارة إلى ابتداء المخلوقات نقف عاجزين عن إدراك معانيها، وتشتاق نفوسنا إلى معرفة مراميها، ومن هنا هلك خلق كثير، ونجا قليل قليل..

لنقرأطرف الحديث المتقدم عن حذيفة عن الرسول صلی الله علیه واله : فما كان من نورعلي فصار في ؤلد الحسين، وما كان من نوري فصار في ولد الحسين فهو ينتقل في الأئمة من ولده إلى يوم القيامة.

من هذه الإشارات نتلمس أن خصوصيات الحسين عليه السلام أبعد بكثير مما نتداولهأو ندرکه، فمن ظاهر العبارة أن نور صاحب الرسالة صلی الله علیه واله قد استقر عند الحسين علیه السلام ، وهذا الاستقرار جامع لكل الإشارات ومعاني الأخبار، وهو نوع من التوضيح لكل ما قيل أو يقال حول نور وأسرار الحسين عليه السلام .

وخصوصاً عندما نقرأ هذا الحديث من أحاديث اللوح:

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟

قال له جابر: في أي الأوقات شئت.

فخلا به أبي عليه السلام فقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يدي أمي فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله وما أخبرتك به أمي أن في ذلك اللوح مكتوباً؟

قال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة في حياة ولي الله صلی الله علیه واله أهنئها بولادة الحسين عليه السلام فرأيت في يدها لوحاً أخضر ظننت أنه زمرد، ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه نور الشمس، فقلت: لها بأبي أنت وأمي يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟

فقال: هذا اللوح أهداه الله عزوجل إلى رسوله فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني وأسماء الأوصياء من ولدي فأعطانيه أبي ليسرني بذلك.

قال جابر: فأعطتنيه أمک فاطمه فقرأته وانتسخته.

فقال أبي علیه السلام: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟

قال: نعم، فمشى معه أبي عليه السلام حتى انتهى إلى منزل جابر، فأخرج إلى أبي صحيفةً من رق.

قال جابر: فأشهد بالله أني هذا رأيته في اللوح مكتوبً:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز العليم لمحمد نوره وسفيره وحجابه و دلیله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين .

عظم يا محمد أسمائي واشکر نعمائي ولا تجحد آلائي إني أنا الله لا إله إلا أنا قاصم الجبارين ومذل الظالمين وديان الدين .

إني أنا الله لا إله إلا أنا فمن رجا غير فضلي أو خاف غيرعدلي عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين فإياي فاعبد وعلي فتوکل.

إني لم أبعث نبياً فأکملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيا وإني فضلتك على الأنبياء وفضلت و صیک علی الأوصياء وأکرمتک بشبلیک بعده وبسطیک حسن و حسين.

فجعلت حسناً معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه وجعلت حسينا خازن وحيي وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة.

جعلت کلمتي التامة معه والحجة البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب أولهم على سيد العابدين وزین أولياء الماضين وابنه شبيه جده المحمود محمد الباقرلعلمي والمعدن لحکمی.

سهل المرتابون في جعفر، الراد علیه کالراد علی، حق القول مني لأکرمن مثوی جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه.

انتجب بعده موسی وانتجب بعده فتنة عمياء حندس لان خيط فرضي لا ينقطع، و حجتي لا تخفى وأن أوليائي لا يشقون.

ألا ومن جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي، وويل للمفترين الجادين عند انقضاء مدة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي.

إن المكذب بالثامن مکذب بکل أوليائي وعلي ولیي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمنحه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبريدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح (1)إلى جنب شر خلقي(2).

حق القول مني لأقرن عينه بمحمد: ابنه وخليفته من بعد؛ فهو وارث علمی ومعدن حکمی وموضع سري و حجتي على خلقي جعلت الجنة مثواه وشفعته في سبعين ألفاً من أهل بيته کلهم قد استوجبوا النار.

وأختم بالسعادة لإبنه علي ولیي وناصري والشاهد في خلقي و أميني على وخيي. أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن.

ثم أکمل ذلك بابنه رحمة للعالمین، علیه کمال موسى وبهاء عیسی وصبر أيوب، سيذل أوليائي في زمانه ويتهادون رءوسهم كما تتهادی رءوس الترک والديلم فيقتلون ويحرقون ويكونون خائفين مر عوبين وجلين.

تصبغ الأرض بدمائهم ويفشو الويل والرنين في نسائهم أوليك أوليائي حقاً، بهم أدفع كل فتنة عمیاء حندس وبهم أكشف الزلازل وأدفع الآصار والأغلال «أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ».

قال عبد الرحمن بن سالم : قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لکفاک فصنه إلا عن أهله(3)..


1) هو ذو القرنين لأنه من بنی طوس.

2) هارون الرشید.

3) بحار الأنوار ج 3 ص 196، والحديث وارد بمصادر عدة وألفاظ متنوعة ومتفاوتة، بين مفصل و مختصر.. منها ما في الكافي ج 1 ص 527 وغير ذلك.

وقفة:

هذه الأسرار التي هي من مكنونات علام الغيوب، قد أظهرها الله لخاصة أوليائه، ومعانيها وأبعاد حكمتها نراها تظهر بالتدرج لحكمة ربانية فيما يتعلق بصلاح النفوس البشرية، فالحسين عليه السلام قد ظهر طرف من أسراره، ولم يزل هذا النور من الأسرار يمتد عبر الزمن، ونراه ينتقل من جيل لآخر، ويمتد في كل بقاع الأرض، ونجد أن هذا النور يزداد كل يوم شعاعاً.

فلو نظرنا بما هو ملموس و ظاهر فيما يتعلق بمسيرة الحسين عليه السلام لوجدنا أنه كلما تقدمت وسائل العلوم لدى البشر كلما شع خيط هذا النور أكثر.

والآن لا نجد عاقلاً منصفاً على امتداد تواجد العقلاء إلا ونراه يمجد مسيرة الحسين عليه السلام، وهذا ما نشاهده ونسمعه كل يوم، رغم أن الكثير من هؤلاءليسوا بمسلمين ولا مجبرين على ذلك.

ولست هنا بصدد البيان لهذا الموضوع، وإنما من باب الإشارة والتأمل لما يتحقق في مسيرة الحسين عليه السلام ، حيث ندرك الآن بعضاً من معاني الحديث المتقدم في أول هذه الأبحاث، وهو في جواب لحذيفة قاله صلی الله علیه واله عن الحسين عليه السلام: علمي علمه، وعلمه علمي، لأنا نعلم بالكائن قبل كينونته(1).

فما تحقق من أسرار إلى هذا التاريخ هو نزر قليل، وأسرار ذلك تنكشف عند ظهورالحجة صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه.

وإنما نحن أدركنا الجزء اليسير جداً، وانا نتظر ما هو أكبر وأكبر في إصلاح


1) بحار الأنوار ج 44 ص 186، دلائل الإمامة ص183.

مسيرة البشر، وهذا الإصلاح لا يتحقق إتمامه إلا على منهاج أسرار سيرة الحسين عليه السلام ، وبوادر ذلك بدأت تلوح في الأفق(1).

وقد تظافرت الأدلة والبراهين عند العقلاء أن الأرض ما خليت من حجة، بمعنى أن أول إنسان على هذه الأرض قد تزود بالعلوم الحقيقية، حيث شاء الله سبحانه أن يعبد على هذه الأرض بالحق، ومعلوم أن العبادة الحقة ترتكز على العلم بها، ومعلوم أيضاً أن ابتداء العلم من الخالق، كما أن ابتداء الخلق منه سبحانه.

وعندما نبحث حول ذلك نجد أن سلسلة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام بدأت من آدم عليه السلام ولم تنقطع عن هذه الأرض قط، بل استمرت متصلة بدون انقطاع، من نبي إلى وصي حتى وصلت إلى خاتم الأأنبياء صلوات الله عليه وعلى آله.

من هنا نحاول الإشارة الواضحة للنصوص التي وصلت إلينا بأمانة وصيانة، لذلك نرسم بعضاً منها:

عن علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عليه السلام قال: دخلت على رسول الله صلی الله علیه واله وهو متفكر مغموم فقلت: يا رسول الله مالي أراك متفكراً؟

فقال: يا بني إن الروح الأمين قد أتاني فقال یا رسول الله العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول لك إنك قد قضيت نبؤتك واستکملت أيامك فاجعل الإسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب فإني لا أترک الأرض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي وتعرف به ولایتي، فإني لم أقطع علم النبوة من الغيب من ذريتك کما لم أقطعها من ذریات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين

ًً


1) وآمل ممن يبقى لذلك الوقت أن يخصني بالترحم والتسليم.

أبيك آدم.

قلت: یا رسول الله فمن يملك هذا الأمر بعدک؟

قال: أبوک علي بن أبي طالب أخي وخليفتي ويملك بعد علي الحسن ثم تملکه أنت وتسعه من صلبك يملكه اثنا عشر إماماً ثم يقوم قائمنا یملا الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً و ظلماً يشفي صدور قوم مؤمنين ممن شيعته(1).

وهذا الحديث يتضمن أسراراً وأسرار، ويمكن تفصيل مضامينه بأبواب مستقلة.

حديث عن أنوارهم عليهم السلام

عندما نبحث في سيرة الأنبياء عليهم السلام نجد أن الإسراء إلى طبقات السماء مما اختص به سيد الأنبياء صلی الله علیه واله، وقد ثبت أنه صلی الله علیه واله أسري به إلى السماء مرات عديدة، وقد ذكر الإسراء ضمن آیات بینات و منها سورة الإسراء: سبحان الذي أسرى بعبده.(2).

والإسراء ثابت بلا خلاف وإن تنوعت تفاصيل الكيفية، وهنا نذكر هذا الحديث عن أمير المؤمنين علیه السلام ، قال : قال رسو الله صلی الله علیه واله: لما أسري بي إلى السماء أوحي إلي ربي جل جلاله فقال : يا محمد إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبياً و شققت لك اسماً من أسمائي فأنا المحمود وأنت محمد.

ثم اطلع الثانية فاخترت منها علياً وجعلته وصيك وخليفتك وزوج


1) بحار الأنوار ج 36 ص 345 عن كفاية الأثر.

2) راجع تفصايل الإسراء في بحثنا: ابتداء المبعث الشريف (مخطوط).

ابنيك و ابا ذريتك وشققت له اسماً من أسمائي فأنا العلي الأعلى و هو علي .

وجعلت فاطمة والحسن والحسين ع من نورکما ثم عرضت ولایتهم على الملائكة من قبلها كان عندي من المقربين.

یا محمد لو أن عبداً عبدني حتى ينقطع ويصير کالشن البالي ثم أتاني جاحداً لولايتهم ما أسكنته جنتي ولا أظللته تحت عرشی.

یا محمد أتحب أن تراهم؟

قلت: نعم يا رب.

فقال عز وجل: ارفع رأسك.

فرفعت رأسي، فإذا أنا بأنوار علي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين و محمد بن علي وجعفر بن محمد و موسی بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والحجة بن الحسن القائم في وسطهم كأنه کوکب دري.

قلت: یا رب من هؤلاء؟

قال : هؤلاء الأئمة، وهذا القائم الذي یحل حلالي ويحرم حرامي و به انتقم من أعدائي، وهو راحة لأوليائي وهو الذي يشفي قلوب شیعتک من الظالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللات والعزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذٍ أشد من فتنة العجل و السامری(1)..


1) بحار الأنوار ج 3 ص 245 عن كمال الدين ص 150.

وعنه صلی الله علیه واله: يا علي لا يحبك إلا من طابت ولادته(1).

وقفة:

إن الحديث عن الأسرار والأنوار ذات أبعاد في حياة الإنسانية، حيث يوجد ترابط بين السماء والأرض، ومعلوم أن أنوار السماء ليست مثل أنوار الأرض، والتعابير عن الأنوار وكلمة الأسرار لتقريب المعاني إلى أذهاننا، ولأجل توجه أفكارنا نحو عوالم رفيعة، لئلا نخلد إلى هذه الأرض وغرورها، فالنور للعقول، والأسرار للقلوب(2).

كيف نتعرف على ميزان الإيمان؟

عندما ننظر في هذه الحياة ندرك أن لكل شيء میزاناً مما هو أدنى إلى ما هو أعلى، والموازيين کما تكون في المحسوسات كذلك تكون في الدلالات على المعنويات، وأقصد هنا إيمان القلوب، وأسرار الأفكار.

فالحياة بكل معانيها تتضمن الكثير من أسرار الوجود، وما هو موجود في عوالم الأسرار قد يكون الكثير منه غائباً عن إدراك الأفكار.

فالعقول على فطرتها أدركت وجود خالقها ولكنها عاجزة عن معرفة رضا مبدعها، فمعرفة الرضا تحتاج إلى بيان من الخالق، لذلك كانت بعثة الأنبياء والرسل حكمةً بالغة، لوصول الغاية المنشودة وهي طاعة ورضا الخالق.

فعندما نبحث في آيات القرآن وفي أحاديث النبي وآله الأطهار نجد أننا


1) المصدر السابق ص246.

2) يحسن مراجعة أبحاثنا المفصلة حول آیات الغيب.

بحاجة ماسة إلى الكشف عن أسرار موازين الاعتقاد والأفكار، لأن معرفة الرضا قطعاً مبثوثة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية .

والآيات القرآنية تشير بوضوح إلى ذلك، منها: «منه آیات محکمات »، ومنها:«من يطع الرسول فقد أطاع الله» ومنها: ما آتاه الرسول فخذوه»، إلى كثير من هذه المحكات الواضحات.

ومن هنا يأتي دور الأبحاث والأدلة وما شابه من الإشارات.

ويمكن القول أن أسرار الوجود ومعرفة الحقائق والحدود هي عند الخالق المعبود، وقد أطلع عليها سيد الأنبياء صلی الله علیه واله، حول كل ما يتعلق بالإنسان على هذه الأرض، بل وكل ما هو في عوالم السماء، من ابتداء الخليقة إلى أدوار الانتهاء.

حدیث جامع

نقول: مثل هذا الحديث لا يفقهه إلا من طهرت ولادته، وصفت نفسه، وسلم قلبه، ونضج عقله، وطابت سريرته، وزان أفكاره، وخلصت نيته .

هذه التعابير من السهل علينا كتابتها وقراءتها، ولكنا نجاهد أنفسنا للحصول على معانيها.

هيهات هيهات.. وكل آت آت.

فالحذر الحذر من يوم الآزفة.. والخطر .. رحماك يا رب البشر.

روي عن النبي صلی الله علیه واله أنه قال لعلي بن أبي طالب علیه السلام: يا علي لا يحبك إلا من طابت ولادته ولا يبغضك إلا من خبثت ولادته، ولا يواليك إلا مؤمن ولا يعاديك إلا کافر .

فقام إليه عبد الله بن مسعود فقال: يا رسول الله، قد عرفنا خبيث الولادة والكافر في حياتك ببغض علي وعداوته، فما علامة خبیث الولادة والكافر بعدک إذا أظهر الإسلام بلسانه وأخفى مکنون سريرته؟

فقال صلی الله علیه واله: یا ابن مسعود، إن علي بن أبي طالب إمامكم بعدي وخليفتي عليكم فإذا مضى فالحسن ثم الحسين ابناي إمامکم بعده وخليفتي عليکم ثم تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد أئمتکم وخلفائي عليكم تاسعهم قائمهم قائم أئمتي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً و جوراً.

لا يحبهم إلا من طابت ولادته ولا يبغضهم إلا من خبث ولادته ولا یواليهم إلا مؤمن ولا يعاديهم إلا کافر.

من أنكر واحداً منهم فقد أنكرني ومن أنكرني فقد أنكر الله عزوجل، ومن جحد واحداً منهم فقد جحدني ومن جحد فقد جحد الله عزوجل.

لأن طاعتهم طاعتي وطاعتي طاعة الله ومعصيتهم معصيتي ومعصيتي معصية الله عزوجل.

يا ابن مسعود إياك أن تجد في نفسك حرجاً مما أقضي فتکفر، فبعزه ربي ما أنا متكلف ولا ناطق عن الهوى في علي والأمة من ولده..

ثم قال صلی الله علیه واله وهو رافع يديه إلى السماء: اللهم وال من والى خلفائي وأئمة أمتي من بعدي وعاد من عاداهم وانصر من نصرهم واخذ ل من خذلهم ولاتخل الأرض من قائم منهم بحجتک ظاهر مشهور أو خاف مغمور لئلا يبطلوا دینک وحجتک وبیناتک.

ثم قال صلی الله علیه واله: يا ابن مسعود قد جمعت لكم في مقاومي هذا ما إن فارقتموه

هلكتم وإن تمسكتم به نجوتم والسلام على من اتبع الهدی(1).

من عوالم الأنوار

إن الحديث عن عوالم الأسرار والأنوار هو فوق إدراك العقول والأفكار، لأن تلك العوالم هي غير عوالم أفلاك الطبيعة التي نعيش فيها على هذه الأرض.

في هذه الأنوار ما وصل إلينا من الأخبار:

روي عن علي عليه السلام قال سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول: إن الله تبارك وتعالى خلقني وعلياً وفاطمة والحسن والحسين من نورواحد(2).

وروي ميرفوعاً إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال:سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول: إن الله عزوجل خلقني وعلياً وفاطمة والحسن والحسين من نورفعصر ذلك النور عصرةً فرج منها شيعتنا فسبحنا فسبحواا وقدسنا فقد سوا وهللنا فهللوا ومجدنا فمجدوا ووحدنا فوحدوا.

ثم خلق السماوات والأرضين وخلق الملائكة فمكثت الملائكه مائة عام لا تعرف تسبيحاً ولا تقديساً فسبحناً فسبحت شيعتناً فسبحت الملائكة وكذلك في البواقي.

فنحن الموحدون حيث لا موحدغيرنا، وحقيق على الله عز وجل کما اختصنا واختص شيعتنا أن ينزلنا وشيعتنا في أعلى عليين.

ان الله اصطفانا واصطفى شيعتنا من قبل أن تكون أجساماً فدعانا فأجبنا


1) بحار الأنوار ج 36 ص 246 عن الاحتجاج .

2) بحار الأنوار ج 37 ص 81.

فغفر لنا ولشيعتنا من قبل أن نستغفر الله تعالی(1).

عندما نتابع أحاديث النور نجد ألفاظاً متنوعة، تدل بمعانيها ومضامينها أن نور أهل البيت واحد، وخصوصاً أهل الكساء.

أهل الكساء

أهل الكساء هم معدن الأنوار، وعندهم مخازن الأسرار، وهم الذين خلق الله الخلائق إكراماً لهم، ومنهم صدرت الحقائق للخلائق، فكان صدور المخلوقات بعدهم، ولذا هم الأول من المخلوقات، وبهم تختم الحياة، واليهم تهفوا القلوب، ومن فيض أنوارهم تهتدي العقول، وهم السبيل إلى النجاة.

فكان الحسين عليه السلام نقطة الدائرة في الكونين: الآخرة والدنيا، فعند الحسين عليه السلام تجمعت الأنوار، فهو علیه السلام كان نقطة الارتكاز بعد أهل الكساء، ومنه استمر امتداد أهل بيت العصمة.

ولذا جاء في الحديث: فالجنة والحور العين من نور ولدي الحسين ونور ولدي الحسين من نور الله فولد ي الحسين أفضل من الجنة والحور العين(2).

وقال علي عليه السلام : أنا من أحمد كالضوء من الضوء(3).

إن البحث حول أسرار وأنوار الحسين عليه السلام يأخذ بنا إلى مصادر الأنوار والأسرار، ومصدر ذلك المخبر لعباده في قرآنه : «الله نور السماوات والأرض ».


1) بحار الأنوار ج 37 ص80.

2) بحار الأنوار ج 37 ص 83 من حديث طويل تحسن مراجعته، فهو حدیث جامع لكثير من الأنوار، فراجع.

3) بحار الأنوار ج 38 ص80، من حديث طويل فيه أسرار الحيدر الكرار علیه السلام .

وهو سبحانه منور الأنوار، وهادي العقول المخازن الأسرار، فالأبحاث حول ذلك مأخوذة ممن اختارهم الله لحمل هذه الأسرار التي تلمع لعقول الأبرار.

فالحديث عنها ليس كما هو متعارف من الأبحاث، بل هو تنقيب من هنا وأخذ من هناك، ولذا نحاول رسم بعض الحروف لعلنا نبصر طريق النور قبل الحتوف.

فمن يقرأ بعدنا يكون طرف خيط الأنوار بين يديه، وقد ألمحت أكثر من مرة أنني أكتب لأجيال لاحقة لعلها تبصر الطريق وتأخذ زاداً ليوم الضيق.

عن عبد الجبار بن كثير التميمي اليماني قال: سمعت محمد بن حرب الهلالي أميرالمدينة يقول: سألت جعفر بن محمد عليه السلام فقلت له: يا ابن رسول الله في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها.

فقال: إن شئت أخبرتك بمسالتک قبل أن تسألني وإن شئت فاسال .

قال قلت له: يا ابن رسول الله، وبأي شيء تعرف ما في نفسي قبل سؤالي ؟ فقال: بالتوسم والتفرس.

أما سمعت قول الله عزوجل «إن في ذلك لآيات للمتوسمين»؟

وقول رسول الله صلی الله علیه واله: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله؟

قال: فقلت له: يا ابن رسول الله فأخبرني بمسالتي.

قال: أردت أن تسألني عن رسول الله لم لم يطق حمله علي عليه السلام عند حط الأصنام من سطح الكعبة مع قوته و شدته ومع ما ظهر منه في قلع باب القوم

بخیبر والرمي به إلى ورائه اربعين ذراعاً، وكان لا يطيق حمله أربعون رجلاً، وقد کان رسول الله صلی الله علیه واله يركب الناقة والفرس والحمار، وركب البراق لليلة المعراج، وكل ذلك دون علي في القوة والشدة.

قال: فقلت له: عن هذا و الله أردت أن أسألك يا ابن رسول الله فاخبرني.

فقال: ان علياً برسول الله تشرف وبه ارتفع وبه وصل إلى أن أطفأ نار الشرک وأبطل کل معبود من دون الله عزوجل.

ولو علاه النبي صلی الله علیه واله لحط الأصنام لكان بعلي مرتفعاً وشريفاً واصلاً إلى حط الأصنام ولو كان ذلك کذلك لكان أفضل منه.

ألا ترى أن علياً قال: لما علوت ظهر رسول الله شرفت وارتفعت حتى لو شئت أن أنال السماء لنلتها؟

أما علمت أن المصباح هو الذي يهتدي به في الظلمة وانبعاث فرعه من أصله؟

وقد قال علی علیه السلام: أنا من أحمد کالضوء من الضوء.

أما علمت أن محمداً وعلياً صلوات الله علیهما کانا نوراً بين يدي الله عزوجل قبل خلق الخلق بألفي عام؟

وأن الملائكة لما رأت ذلك النور رأت له أصلاً قد تشعب منه شعاع لامع فقالت: إلا وسيدنا ما هذا النور أوحى الله تبارك الله و تعالى إليهم هذا نور من نوري أصله نبوه وفرعه امامة:

اما النبوة فلمحمد عبدی ورسولي .

وأما الإمام فلعلي حجتي وولیي، ولولاهما ما خلقت خلقي.

أما علمت أن رسول الله صلی الله علیه واله رفع يد علي عليه السلام بغدير خم حتى نظر الناس إلى بياض إبطيهما فجعله ولي المسلمين وإمامهم، وقد احتمل الحسن والحسين عليه السلام يوم حظيرة بني النجار؟

فلما قال له بعض أصحابه ناولني أحدهما يا رسول الله قال: نعم الراكبان وأبوهما خير منهما.

وأنه كان يصلي بأصحابه فأطال سجدة من سجداته فلما سلم قيل له: يا رسول الله لقد أطلت هذه السجدة.

فقال صلی الله علیه واله: إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعاجله حتى ينزل، وإنما أراد بذلك رفعهم وتشريفهم،فالنبی صل الله علیه واله إمام نبي، وعلي إمام ليس بنبي ولا رسول فهو غير مطيق لأثقال النبوة(1)...

أي لحمل أثقال النبوة.

أسرار.. وأسرار

للأسرار درجات، وليس لكل مخلوق القدرة على حملها أو إدراكها، ومن هنا ندرك معنى ما ورد: الله أعلم حيث يجعل رسالته.

فأسرار النبوة فوق إدراك البشر، ومن هنا يكمن سر التابع والمتبوع، فكيف بختام النبوات؟

ولذا كان صلی الله علیه واله سيد الكائنات بكل أبعادها ومعانيها، وليس لعقل بشري


1) بحار الأنوار ج 38 ص 79، والحديث طويل تحسن مراجعته .

القدرة على حملها بالتمام والكمال سوی خاتم الأنبياء وسيد أهل الأرض والسماء .وحمل الشيء تارة يكون مادياً محسوساً وتارة يكون روحياً ومعنوياً، وهذا يحتاج لأبحاث مستقلة.

فنور الرسالة وحمل الأسرار ليس لكل مخلوق، وليس بالأمر السهل، فخصوصیات النبوة فوق التقديرات، وهنا تكمن الأسرار وموازين الأنوار.

من إرث أسرار النبوة

مما لا شك في أن للنبوة أسراراً، وكل نبي من الأنبياء عليهم السلام قد ورث ذلك الأوصيائه، ومنتهی و تمام و کمال الأسرار استقرت عند النبي المختارصلی الله علیه واله، وهذه الأسرار قد توارثها الأئمة الأطهار عليهم السلام، وأول الأئمة حيدرالكرار علیه السلام .

وهذه المعاني من الإشارات لا تحتاج إلى أدلة وبراهين، فهي من الأمور المعروفة عند هذه الأمة، وهنا نشير إلى حادثة بسيطة من إظهار بعض الأسرار، وهي باختصار أن عمر بن الخطاب قد حمل إليه مال من ناحية المشرق عندما تولى أمر المسلمين، ولم يعلم بذلك المال أحداً، وقد عزم أن يحتبسه، فبعث علي عليه السلام سلمان له فقال له:

يقول لك علي: أخرج إليك مال من ناحية المشرق ففرقه على من جعل لهم ولا تحبسه فأفضحك.

قال سلمان: فأدیت إليه الرسالة .

فقال : حيرني أمر صاحبک، من أين علم به؟

فقلت: وهل يخفى عليه مثل هذا؟

فقال لسلمان: اقبل مني ما أقول لك، ما علي إلا ساحر، وإني لمشفق عليك منه والصواب أن تفارقه وتصيرفي جملتنا.

قلت: بئس ما قلت، لكن علياً ورث من أسرار النبوة ما قد رأيت منه وما هو أكبر منه.

قال: ارجع إليه فقل له: السمع والطاعة لأمرك.

فرجعت إلى علي عليه السلام فقال: أحدثك بما جری بینکما؟

فقلت: أنت أعلم به مني.

فتكلم بكل ما جرى به بيننا ثم قال: إن رعب الثعبان في قلبه إلى أن يموت(1).

ولا يسع المقام إلا ما قالوا: يا أبا الحسن.. جلت منا قبك عن التحديد وكثرت آثار نعتك عن التعديد(2).

سبحان الواهب والمقدر..

في أبحاثنا حول الأسرار والأنوار توقفت أطالع بعض الجوانب حول ولادة الحسين عليه السلام، وأثناء المطالعة تأملت بحديث ذات أبعاد وهو: عن صفية بنت عبد المطلب قالت لما سقط الحسين من بطن أمه وکنت وليتها علیها السلام قال النبي صلی الله علیه واله: يا عمة هلمی إلى ابني.

فقلت: يا رسول الله إنا لم ننظفه بعد.


1) بحار الأنوراج 41 ص 256، وحديث الثعبان لم نذكره هنا.

2) المصدر السابق ص258.

فقال: يا عمة أن تظفينه؟! إ الله تبارك وتعالى قد نظقه وطهره.

وفي حدي آخر قالت صفية بنت عبد المطلب: لما سقط الحسين علیه السلام من بطن أمة فدفعته إلى النبي صلی الله علیه واله فوضع النبي صلی الله علیه واله لسانه في فيه وأقبل الحسین على لسان رسول الله صلی الله علیه واله يمصه.

قالت: فما کنت أحسب رسول الله يغذوه إلا لبنا أو علسلا(1).

وقفة :

من هذا الحديث الشريف نتلمس بعضاً من أسرار الحسين عليه السلام، وهي من الأسرار الظاهرية التي بدأ الحسين عليه السلام يتلقاها من أول لحظة على هذه الأرض:

الأول: لامسته يد النبي صلی الله علیه واله عندما سطع نوره في أوائل شهر الخيرات المتشعب منه كل خير وبركة(2)، وحضنته الأيدي الطاهرة وخصه من نور فمه الطاهر ..

إن معاني هذه الخصوصية فوق إدراكنا، وأرفع من التحليلات مهما قيل من أوصاف أو يقال من نعوت، لأن مضغ اللسان من أول لحظة في هذا الوجود هو من الأسرار فوق إدراكنا وعقولنا وتفاسيرنا، وإن قيل: عسل ولبن، فهو غذاء سماوي رباني.

الثاني: كان الجواب: إن الله تبارك وتعالى قد نظفه و طهره.

فالتطهير ومضغ اللسان فوق إدراك الإنسان، مع العلم أن وفود الملائكة


1) بحار الأنوار ج 43 ص 243.

2) إشارة لحديث شريف عن شهر شعبان.

نزلت إلى الأرض لتهنئه بمولد الحسين عليه السلام.

جاء في الحديث: إن الحسين بن علي لما ولد أمر الله عزوجل جبرئيل أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنی رسول الله صلی الله علیه واله من الله عزوجل ومن جبرئيل(1).

إن مولوداً ينزل جبرائيل مع الملائكة للتهنئة بولادته هو فوق رسم الحروف، وأبعد من معاني الكلمات، وإنما نحاول الإشارة لذوي الألباب، لعل الأبواب تفتح لأحد.

وقفة ثانية عند الخصوصيات

عندما نبحث في ثنايا الأحاديث والكلمات نجد للحسين علیه السلام میزات وخصوصیات تعجز أذهاننا عن إدراك معانيها، وإن كانت هناك إشارات لأهل الصفاء الذين سلكوا طريق الوفاء، ولعل أجيالاً قادمة من ودائع الأصلاب(2)وأرحام الأمهات آتية تدرك جوانباً من خصوصيات وأسرار الحسين علیه السلام.

لذلك، ولغيره، نرسم هنا بعض الأحاديث..

عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : جعلت فداك من أين جاء لولد الحسين الفضل على ولد الحسين وهما يجريان في شرع واحد؟

فقال: لا أراکم تأخذون به، إن جبرئیل علیه السلام نزل على محمد صلی الله علیه واله وما ولد


1) بحار الأنوار ج 43 ص 243، وللحديث تتمة اختصرناها منه .

2) راجع کتابنا حول خلق الإنسان من تراب ومعاني الأصلاب.

الحسين بعد فقال له: يولد لك غلام تقتله أمتک من بعدک.

فقال: یا جبرئيل، لا حاجة لي فيه .

فخاطبه ثلاثاً ثم دعا علياً عليه السلام فقال له: إن جبرئيل يخبرني عن الله عزوجل أنه يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك .

فقال: لا حاجة لي فيه يا رسول الله .

فخاطب علياً عليه السلام ثلاثاً، ثم قال: إنه يکو ن فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخرانة، فأرسل إلى فاطمة عليها السلام : أن الله يبشرک بغلام تقتله أمتي من بعدي.

فقالت فاطمة: ليس لي حاجه فيه يا أبت، فخاطبها ثلاثاً ثم أرسل إليها: لابد أن يكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة.

فقالت له: رضيت عن الله عزوجل، فعلقت وحملت بالحسين عليه السلام فحملت ستة أشهر ثم وضعته، ولم يعش مولود قط لستة أشهر غير الحسين بن علي وعیسی بن مريم عليه السلام.

فكفلته أم سلمة وكان رسول الله صلی الله علیه واله يأتيه في كل يوم فيضع لسانه في فم الحسين فيمصه حتى يروى فأنت الله عزوجل لحمه من لحم رسول الله صلی الله علیه واله ولم يرضع من فاطمة علیها السلام ولا من غيرها لبنا قط(1)..

عجز وتنبيه

مهما كانت الكلمات والحروف تبقى أذهاننا وأفكارنا وعقولنا عاجزة عن إدراك المعاني و كليلةً عن إظهار المباني، فكيف بنا إن كانت الكلمات عن الأسرار؟


1) بحار الأنوار ج43 ص 245.

وعن الحسين من سلالة الأطهار، حيث عند ولادته نزلت الأملاك، وتزینت الجنان، وتزاورت حور العين، وفرح أهل السماء قبل أهل الأرض.

من هنا لا بد من التدبر في حقائق المخلوقات، ولا بد من التعرف ولو بمقدارعلى خصوصيات الحسين عليه السلام ، هذه الخصوصيات الظاهرة جعلت ذوي الألباب حائرة، فعندما نتابع سيرة الحسين علیه السلام من عوالم الأنوار إلى عوالم الأسرار مروراً بعوالم الأصلاب، إلى عوالم الأرحام، إلى ظواهر الدنيا، نقف شبه حائرین.

وقفة وتأملات

من يتابع سيرة الحسين عليه السلام في ظواهر حياته يقف عاجزاً، فكيف يمكن لنا الغور في أسرار نشأته؟!

فالحسين عليه السلام قد تغذى من فم الرسول صلی الله علیه اله من اللحظة الأولى، وهذه تكفي أن يكون سر الحسين علیه السلام فوق إدراك عقولنا.

وأما أسرار الودائع والعلوم التي تشير إليها الأحاديث الشريفة ففيهارموز(1)تبقى لأجيال قادمة.

ويكفي ما ورد من الأخبار: أن الله أخبر رسول الله صلی الله علیه واله وبشره بالحسين قبل حمله، وأن الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة ثم أخبره بما يصيبه من القتل والمصيبة في نفسه وولده ثم عوضه بأن جعل الإمامة في عقبه وأعلمه أنه يقتل ثم


1) منها: حسين مني وأنا من حسين..

يرده إلى الدنيا وينصره حتى يقتل أعداءه ويملكه الأرض (1)وهو قوله«وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ»(2)

من أسرار الخصوصيات الظاهرة

ليس لخصوصيات الحسين عليه السلام حدود، وإن كنا نقول: هذه ظاهرة وتلك باطنة، فتبقى أسرار الحسين عليه السلام فوق الحصر وأبعد من التعداد.

لنقرأ هذا الحديث لعلنا نتلمس خيطاً من نور.

عن أم سلمة أنها قالت رأيت رسول الله صلی الله علیه واله يلبس ولده الحسين علیه السلام حلة ليست من ثياب الدنيا فقلت له: يا رسول الله ما هذه الحلة؟

فقال: هذه هدیة أهداها إلى ربي للحسين عليه السلام ، وإن لحمتها من زغب جناح جبرئيل، وها أنا ألبسه إياها وأزینه بها، فإن اليوم يوم الزينة وإني أحبه (3).

لنقف مع ظواهر هذا الحديث: إن ثوب الحسين هدية، ونسجه وخيوطه من زغب جبرائيل، وهو حبیب الرسول.

مثل هذه الخصوصيات التي تأتي للحسين عليه السلام هي:

1.

من الله تعالى.

2.

ويحملها جبرائيل عليه السلام .

3.

ويوصلها سيد الكائنات صلی الله علیه واله.


1) إشارة إلى الرجعة.

2) الآية 4 من سورة القصص، والحديث في بحار الأنوار ج 43 ص 246.

3) بحار الأنوار ج43 ص 271.

ونجد في معظم الأحيان الشريفة من أقوال الرسول نجد تركيز الحب للحسين عليه السلام ، هذا التركيز وهذه الخصوصيات المميزة لم تكن لأحد قط سوى الحسين عليه السلام .

بدءاً من البشارة قبل ولادته مروراً بخصوصيات الغذاء(1).

وتركيزاً على جوانب الحب.. مع مرور الزمن.. وتبشيراً بالكرة، وإلهاماً بحبه للقلوب..

كل ذلك يرسم أمامنا خريطة فيها رموز وأسرار وإشعاعات أنوار تدل بوضوح أن الحسين علي ه السلام قطب رحاها ومجد منتهاها.

وتكفي الإشارة فيما تقدم أن الله نظفه، وأن فيه الإمامة والوراثة والخزانة .

وقفة على باب من أبواب الخصوصيات

عندما نقرأ مراحل ما قبل ولادة الحسين علیه السلام وكيف كانت البشائرمن السماء بولاداته إلى سيد الأنبياء صلی الله علیه واله ونجد أثناء حمله في بطن سيدة النساء علیه السلام وإخبارها عن الحسين عليه السلام وهو في الأحشاء، وأقوال الرسول صلی الله علیه واله : إنک ستدلین حجة لهذا الخلق (2)..

وأن للحسين عليه السلام في بواطن المؤمنين معرفة مكتومة..

ندرك من كل ذلك وغيره أن الحسين عليه السلام سر من أسرار الله في هذه الحياة، وخصوصاً عندما نقرأ الواقع في الحياة الدنيا، نجد أن كل ما ورد حول هذا الدين


1) كان النبي صلی الله علیه واله يغذیه من يده الشريفة.

2) يحسن مراجعة الحديث الطويل في بحار الأنوار ج 43ص 272.

قد تقلص من هنا أو هناك ما عدا سيرة الحسين علیه السلام ، نجدها تزداد إنارة وتتوهج شعاعاً. وكلما جاد الزمن بجيل من الأمانات(1)يتعلق بالحسين أكثر .

الحسين هو صفوة من الصفوة

عندما نحاول التعرف على حقائق الأشياء نجد لكل شيء صفوة خالصة، وهذا معنى جار في جميع المخلوقات، من جماد ونبات وحيوان وإنسان.

ولا شك أن الإنسان هو صفوة المخلوقات.

وقاعدة الصفوة سارية ضمن أفراد الإنسان في الدارين، في الدنيا والآخرة، وهذا الميزان سار على الجميع، ونتلمس ذلك بالوجدان بين أفراد الإنسان.

وهذا القانون سار أيضاً في الملائكة علیهم السلام ، فصفوة الخلائق كلها هم الأنبياء عليهم السلام ، وصفوة الأنبياء عليهم السلام سيدهم محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله ، وفيه ختمت النبوة.

وعندما نبحث بحثاً موضوعياً نجد أن هذه الخصوصيات وهذه الصفوة قد تجمعت بالحسين عليه السلام من كل جوانبها باستثناء النبوة، فالنور واحد، وبعد انشطاره اجتمع بالحسين علیه السلام(2).

وقفة عند باب الصفات

يتمايز أفراد الإنسان عن بعضهم البعض في تفاضل الصفات، وبها تتفاوت


1) المراد أمانات الله في خلق الإنسان جيلاً بعد جيل.

2) يحسن مراجعة أوائل البحث حول النور، ومراجعة البحار ج 43 من ص279 حول الآية 74 من سورة الفرقان: «رب هب لنا من أزواجنا ذرية»..

المراتب، سواء في الدنيا أو في الآخرة، وهذا المعنى من الأمور الوجدانية، وقد تسالم عليها جميع العقلاء.

ولذا كان التقدير لكل فرد بحسب ما يمتلك من الفضائل، ومعلوم أن الفضائل درجات، ولها مراتب، ولأعلى مراتبها ما كان مقبولاً عند الله.

فعندما نبحث أبحاثاً موضوعية واقعية نبحث عن فضائل الصفات العملية، ومنها تأخذ الموازين، وعليها تترتب الأحکام، سواء في الأمور الظاهرية أو الأمور المعنوية.

لنقرأ جانباً من حديث .. قالت فاطمة عليها السلام: يا رسول الله هذان ابناك فانحلهما.

فقال رسول الله صلی الله علیه واله: أما الحسن فنحلته هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فنحلته سخائی وشجاعتي (1).

عندما نقرأ حول جوانب من سيرة الحسين عليه السلام نجد كلا من الصفتين : السخاء والشجاعة، لم تكونا في أحد بعد الحسين عليه السلام بالمرتبة التي تحققت به علیه السلام.

وهنا ندرك مغزى ما نحله إياه النبي صلی الله علیه واله، حيث لم يحدث التاريخ عن أحد مثل ما حصل مع الحسين عليه السلام، من سخاء وشجاعة(2)، باستثناء النبي صلی الله علیه واله وعلي عليه السلام.


1) بحار الأنوار ج 43 ص 264.

2) والحديث عن الشجاعة والسخاء فوق رسم الحروف والكلمات .

ومن يتابع هذه السيرة تظهر له أسرار وأسرار.

ويكفي ما قاله صلی الله علیه واله: الحسن والحسین خير أهل الأرض بعدي وبعد أبيهما وأمهما أفضل نساء أهل الأرض(1).

فعندما نغوص في التنقيب حول الفضائل نجد جميع الفضائل السامية قد تجمعت عند الحسين علیه السلام، من كل الجوانب الظاهرية منها والباطنية، النظرية والعملية، وهي التي استمرت وتبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

إن سيرة الحسن والحسين علیهما السلام قد حارت بها العقول، بل أصبحا میزاناً للدنيا والآخرة، ويكفي معنى هذا الحديث الشريف عن على عليه السلام قال: يا على لقد أذهلني هذان الغلامان يعني الحسن واحسین أن أحب بعدهما أحداً إن ربي أمرني أن أحبهما وأحب من يحبهما(2).

إن الأحاديث حول حبها من الرسول صلی الله علیه واله فوق الحصر وفوق العد، وليس لعقولنا مجال لإدراك ما ورد بحقهما، والأمر بحبهما.

لم يبق جانب من جوانب التعبير حول أرقى الأوصاف إلا وجاء حول الأمر بالاقتداء بسيرة الحسن والحسين عليهما السلام، ولا شك أننا نعجز عن الأبعاد الحقيقية لمعاني ما ورد بحقهما. وبالحسين خصوصاً: حسين مني وأنا من

حسين.

وقفة:

عندما نقرأ أو نبحث حول الظواهر فقط، نجد ما هو أبعد من إدراك


1) بحار الأنوار ج 43 ص 264.

2) بحار الأنوار ج43 ص 269.

العقول:

عند الولادة .. التنظيف من الله..

وعند اللباس.. من ثياب الجنة..

والخياط .. رضوان خازن الجنان..

وعند التهنئة.. أفواج الملائكة..

وعند المناغات.. جبرائیل علیه السلام..

وعند المشي.. على أكتاف النبي..

فهل بقي شيء فوق ذلك؟ من هنا تكمن الأسرار .

إن لأهل البيت علهم السلام أسراراً فوق المحسوسات، ومن يتابع من البداية إلى النهاية يتلمس شيئاً من حقائق الأسرار.

هذه الحقائق النورانية يحتاج النظر إليها إلى بصائر صافية، وإلى عقول نيرة، وإلى نفوس لم تتلوث بأوحال الدنيا، لأن الأسرار والأنوار لم يحملها أو يتحملها أي مخلوق، لأن هذا الكون ليس ما هو مادي فحسب، بل هو قائم على أسرار وأنوار.

الأسرار والأنوار

عندما نقرأ لفظ نور أو سر .. يتبادر إلى أذهاننا فوراً المحسوسات، ولكن في الواقع هذه الألفاظ ما هي إلا إثارات لما هو أبعد من المحسوسات، والإنسان مهما حاول أن يتعرف على حقائق الوجود يبقى العجز حليفه، بل حتى لو عرف شيئاً ما في هذه الدنيا لا يعدو أن يكون ومضة من إشعاعات.

وهنا نقف لنقرأ بهدوء هذه الآية :«اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ»(1).

هذا الاصطفاء ليس لأي مخلوق دور فيه، ولا ندرك منه إلا ما هو الظاهر، أما ما هو أبعد من الظاهر فلا ندرك منه شيئاً.

فالرسل من الملائكة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والرسل من الناس البقية المخلوقات، ونقطة الارتكاز تدور حول الإنسان، فالإنسان في هذا الكون أو جده الله سبحانه لحكمة بالغة، وجعله ملتقى لكل ما هو مخلوق، وحيث أن الإنسان مركب من جوانب عديدة، ومنها الجوانب السلبية، شاء الله سبحانه أن يرسل الرسل للعباد مبشرين ومنذرين لهدايتهم إلى الطريق القويم، لذلك اختار سبحانه من مخلوقاته أصفياء قد اصطفاهم على علم ليكونوا أدلة وشهوداً ونموذجاً رفيعاً ليقتدي بهم بقية العباد.

فالاصطفاء من الملائكة خاص للرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأنبياء عليهم السلام يرشدون الناس إلى الصراط المستقيم.. فالحسين عليه السلام قد تجمع فيه كل ما تقدم من الصفوة، ومنه استمرت في الأئمة عليهم السلام(2).

إشارة من النصوص حول الأئمة

ثبت بما لا شك فيه نص النبي صلی الله علیه واله على إمامة الإثني عشر علیهم السلام(3).


1) الحج 75.

2) بمعنى أن الصفوة لم تنقطع فالأئمة علىهم السلام امتداد للهداية .

3) من أراد التفاصيل فليراجع كتب الفريقين من المسلمين يجد الكثير من النصوص.

عن ابن عباس في قوله تعالى «»(1)قال هم أهل بيت رسول الله صلی الله علیه اوله:

علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وأولادهم إلى يوم القيامة هم صفوة الله وخيرته من خلقه(2).

وهنا نرسم هذا الحديث لذوي النهى، وهو:

عن سعيد بن جبير في قوله تعالى« والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا و ذریاتنا»الآية، قال: نزلت هذه الآية والله خاصة في أمير المؤمنين عليه السلام .

قال: كان أكثر دعائه يقول:« ربنا هب لنا من أزواجنا»يعني فاطمة «وذریاتنا»الحسن والحسين قرة أعين.

قال أمير المؤمنين عليه السلام : والله ما سألت ربي ولداً نضیر الوجه، ولا سألته ولداًحسن القامة، ولكن سالت ربي ؤلداً مطيعين لله خائفين وجلين منه، حتى إذا نظرت إليه وهو مطيع لله قرت به عيني.

قال:«واجعلنا للمتقين إماماً»قال: نقتدي بمن قبلنا من المتقين فيقتدي المتقون بنا من بعدنا.

وقال الله:«أؤلئک يجزون الغرفة بما صبروا»يعني علي بن أبي طالب والحسن والحسين وفاطمة «ويلقون فيها تحية وسلاماً خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاماً».


1) النحل 59.

2) بحار الأنوار ج43 ص 279.

وقد روي أن «والتين والزيتون»نزلت فيهم.

وعن الصادق علیه السلام : في قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم کفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به »قال: الکفلين الحسن والحسين والنور علي.

وفي رواية سماعة عنه علیه السلام: «ونوراً تمشون به »قال: إماما تأتمون به في محبة النبي صلی الله علیه واله لهما(1).

وعن أبي هريرة: قال النبي صلیالله علیه واله: من أحب الحسن والحسين فقد أحبني ومن أبغضهما فقد ابغضني(2).

وفي جامع الترمذي وفضائل أحمد وشرف المصطفى وفضائل السمعاني وأمالي ابن شريح وإبانة ابن بطة أن النبي صلی الله علیه واله أخذ بيد الحسن والحسين فقال : من أحبني وأحب هذين وأبا هما وأمهما كان معي في درجتي في الجنة يوم القيامة .

وقد نظمه أبو الحسين في نظم الأخبار فقال

أخذ النبي يد الحسین و صنوه*** يوماً وقال وصحبه في مجمع

من و دنی يا قوم أو هذین أو*** أبویهما فالخلد مسکنه معي(3)

ومثل هذه النماذج من الأحاديث لا حصر لها في مجامع الأحاديث الشريفة(4).


1) بحار الأنوار ج43 ص 279.

2) بحار الأنوار ج43 ص 280.

3) بحار الأنوار ج 43 ص 280.

4) فلتراجع کتب الأوائل.

الحسن والحسين صفوة الله

لكل شيء في هذا الوجود مصدر يرتكز الباحث عليه، ومصادر ما في الكون تنتهي إلى الأنبياء عليهم السلام، وعندما نحاول أن نبحث في موضوع يتعلق بالسر والأسرار لا بد لنا من الرجوع والأخذ مما ورد عن النبي المختار صلی الله علیه واله، حيث لم يسر إلى السماء سوى سيد الأنبياء صلی الله علیه واله، وقد جاب السماوات وما فيها، وقد أخبرنا عن كثير مما شاهد في ذاك العالم، ومعلوم أن أخبار السماء من الأنبياء.

ومماورد مرفوعاً إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله : ليلة عرج بي إلى السماء رأیت إلى باب الجنة مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلی الله علیه واله، علي حبیب الله، الحسن والحسين صفوة الله، فاطمه أمة الله، على باغضيهم لعنه الله(1).

الإصطفاء سر من الأسرار

عندما يبصر العقل الإنساني في هذا الوجوديري لكل شيء سراً من الخالق المعبود، ومن هذه الأسرار ما هو ظاهر للحواس، ومنها ما لا يزال كامناً في عوالم الغيب، ومنها ما نعرف منه الإسم فقط، مثل اسم الجنة..

كل هذه الأشياء قد دل عليها العقل تارةً والشرع تارة أخرى، والشرع يعرف من الرسل والأنبياء عليهم السلام، ومن هنا نحاول أخذ إشارات ترمز إلى الكثير من أسرار هذا الكون الذي جعل الله سبحانه بإزائه العقل..

فالعقل الكامل أودعه الله تعالى عند الذين اصطفاهم واختارهم، وخصهم بخصائص في الدارين..


1) بحار الأنوار ج 43 ص 303.

لنقرأ هذا الحديث بتدبر، قال صلی الله علیه واله: إ ن الجنة تشتاق إلى أربعة من أهلي قد أحبهم الله وأمرني بحبهم: علي بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدی صلوات الله علیهم الذي يصلي خلفه عیسی بن مریم ع(1).

وقفة:

الجانب الأول: الجنة سر من الأسرار، وكل ما نعرف عنها أنها موجودة نؤمن بها، وأنها جزء من وجود الكون الفسيح الذي بدأ العلم يكتشف المعات وإشارات عن الأبعاد الواقعية له.. وهو الكون المليء بالأسرار.

الجانب الثاني: وأمر آخر ذكر في الحديث وهو: حب الله..

هذا الحب تكمن فيه كل أسرار الوجود، وعندما نقول: حب، فمعنى ذلك أن هناك محبوب يستحق هذا الحب من علام الغيوب .

حيث الحقائق الكامنة مكشوفة هنا، فهو الصانع والمبدع والخالق والمكون، فيقع الحب على ذوي شأن رفيع، ومعنی بدیع، والمخبر عن كل ذلك «لا ينطق عن الهوى»(2).

الجانب الثالث: في الحديث وهو الأمر بحبهم عليهم السلام ، وهذا الأمر إلزامي، بل هو فوق الواجبات، لأنه ليس فوق وبعد الحب الحقيقي أمر آخر، بل منتهی الحب فوق كل اعتبار.

وعندما نتدبر الآمر وحقيقة المأمور و متعلق الأمر بالحب تتضح لنا الكثير من أسرار هذا الوجود، ومن هذه الأسرار ندرك أن هؤلاء الأربعة أركان لمستودع


1) بحار الأنوار ج43 ص 304.

2) وتفاصيل هذا البحث ليست هنا، إنما ساقه التداعي، فأمل أن يكون القارئ متنبها لذلك.

الأسرار من العليم المختار.

الجانب الرابع: أن المهدي عجل الله فرجه، الذي انتهت إليه أمانات الأسرار هو الذي يصلي خلفه نبي من أنبياء الله سبحانه، بقيت رسالته متصلة برسالة سيد الأنبياء صلی الله علیه واله ، وهذه أبعاد ومعان جامعة لكل المبدأ والمنتهى في مسيرة الأنبياء علیهم السلام ، فهذه الصفوة التي اختارها الله سبحانه قد مهدت الطريق للإمام المهدي عجل الله فرجه.

سلسلة الأنوار

إن البحث حول الأسرار والأنوار هو فوق تقدير الأفكار، فلا بد من التبصر في الحقائق الواقعة على الأرض، فقدنقرأ حديثاً ما ولا ندرك الإشارات والتنبيهات بمعاني حروفه، فالحسين عليه السلام هو نقطة الارتكاز والارتباط بكل مسيرة الحياة(1). فعندما نقرأ الواقع نجد أنه علیه السلام قطب الرحى، فالحسين عليه السلام كما أنه قد اجتمعت فيه سلسلة الأنوار، كذلك استمر هذا النور إلى السلسلة الذهبية من الأئمة عليهم السلام،إلى صاحب العصر عجل الله فرجه.

ومن هنا تبدأ المسيرة للحياة الجديدة على هذه الأرض، والتي تتحقق فيها مسيرة القسط والعدل(2).

لنقرأ هذا الحديث مع قراءة الواقع، ومنه تنفتح كوة نور لذوي الأبصار، وندرك ومضات للمستقبل...


1) وقد تقدم انتهاء النور للحسين عليه السلام، ونشير هنا إلى المستقبل.

2) إشارة لما هو معروف مشهور من أنه علیه السلام يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.

عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال الحسين عليه السلام : التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق المظهر للدين الباسط العدل.

قال الحسين عليه السلام: فقلت: يا أمير المؤمنين، وإن ذلک لکائن؟

فقال عليه السلام: إي والذي بعث محمداً بالنبوة واصطفاه على جميع البرية، ولكن بعد غيبة وحيرة لا تثبت فيها على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين، الذين أخذ الله ميثاقهم بولايتنا وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه(1).

فعندما نقرأ الواقع بإنصاف نجد أن سيرة الحسين عليه السلام قد تجاوزت أتباعه ومحبيه إلى كل بقاع الأرض، بل أصبح الحسين علیه السلام رمزاً عالمياً لجميع شعوب الأرض، وقد بدأت شرارة الصراع بين الحق والباطل.

قد نقرأ بعضا من آيات أو بعضا من أحاديث، ولكن قليلا ما نقرأ ما يحصل على أرض الواقع، أو ما فيه إشارات للمستقبل.

فقد نشرق ونغرب في المواعظ، ولكن كثيراً ما لا نحسن ربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ومن هنا وقعت البشرية في حيرة من أمرها، وخصوصاً في هذه الأمة التي تنكبت عن الصراط، وتاهت کما تاه في سيناء من تاه..

لنقرأ هذا الحديث: عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال :زاد الفرات على عهد أمير المؤمنين علیه السلام فرکب هو وابناه الحسن والحسين علیهم السلام فمربثقيف فقالوا: قد جاء علي یرد الماء.

فقال علي علیه السلام: أما والله لأقتلن أنا وابناي هذان وليبعثن الله رجلاً من


1) بحار الأنوار ج 51 ص110.

ولدي في آخر الزمانييطالب بدمائنا وليغيبن عنهم تمييزاً لأهل الضلالة حتى يقول الجاهل: ما لله في آل محمد من حاجة(1).

حديث جامع

عندما نحاول الكتابة حول الأسرار كثيراً ما تجنح بنا الأفكار، وها نحن نجدد عهدنا بالكتابة بعد أن كنا في ظلال القرآن في شهر رمضان، ونبدأ بحديث يتعلق بصاحب الزمان عجل الله فرجه.

عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله :

علي بن أبي طالب علیه السلام إمام امتي وخليفتي عليهم بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي يملا الله عزوجل به الأرض عدلا وقسطاً کما ملئت جوراً وظلماً.

والذي بعثني بالحق بشيراً، إن الثابتين على القول به في زمان غيبته لأ عزمن الكبريت الأحمر.

فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: یا رسول الله، وللقائم من ولدک غیبة؟

فقال: إي وربي، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين.

يا جابر إن هذا الأمر من أمر الله و سرمن سر الله مطوي عن عباده؛ فإياك والشك في أمر الله فهو کفر(2).

إن الأحاديث الأسرار إشارات ومعاني رفيعة عند أفكار الأخيار، لذلك


1) بحار الأنوار ج 51 ص 112.

2) بحار الأنوار ج 51 ص 73.

جعلت عند أهلها، ويعرف ذلك من المواقع على مر العصور والدهور، ويظهر الأمر في هذه الأزمنة أكثر مما مضى، وخصوصاً عصر العولمة، وهنا نتوجه لذوي العقول بحديث أجمعت الأمة على مضامينه ومعانيه وهو قول الرسول صلی الله علیه واله : من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني(1).

وفي حديث آخر: من أنكر القائم من ولدي في زمان غبيه مات ميتة جاهلية(2).

إن مسيرة الحياة مليئة بكثير من الأسرار، وأدق ما فيها كامن في الإنسان، فعندما نخوض في لجج التاريخ نجد ما كان سراً وخافياً قد ظهر وتحقق، ومنها مسيرة الأنبياء والأولياء عليهم السلام، فقد أخبر هؤلاء عن حقائق لم تكن ظاهرة وموجودة في أزمنتهم، ولكن فيما بعد ظهرت إلى عالم الوجود الخارجي.

فعندما تقرأ أحاديث عن النبي محمد صلی الله علیه واله فيها إخبارات عما هو قادم نجد أن ذلك قد تحقق وحصل تماماً، ومثل هذا لا ينكره عاقل منصف.

ومما جاء في الأخبار عما جرى للحسين عليه السلام في كل مراحل حياته، نجد أن ذلك قد وقع بالفعل، ومن الأخبار ما جاء حول القائم المنتظر عليه السلام، وأنه سوف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.

عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه واله يقول على المنبر: إن المهدي من عترتي من أهل بيتي يخرج في آخر الزمان، تنزل له السماء قطرها وتخرج


1) بحار الأنوار ج 51، ص 73.

2) بحار الأنوار ج 51 ص 73.

له الأرض بها فيملا الأرض عدلاً وقسطاً کما ملأها القوم ظلماً وجوراً(1).

مثل هذا الحديث أحاديث أخرى متواترة متفق عليها بين جميع علماء وعقلاء الأمة، وهي كثيرة جداً ومتنوعة، وهي سر من الأسرار، و جميع الأسرار قد تجعت عند الحسين عليه السلام، وهو قطب رحاها.

ومن هذه الأسرار ما قد ظهرت وتحقق، ومنها ما لم يزل في عوالم الغيب، ومنها ما تظهر بوادره في هذه الأزمنة، ونحن نرى تباشير العلامات قريبة، وإن كان يرى الآخرون أنها بعيدة، فالبصر والبصيرة تتفاوت بين الناس، والحق يعرف عند أهله، والأسرار في مخزن الأبرار.

طرف من حديث

قال رسول الله صلی الله علیه واله لفاطمة: يا بنية، إنا أعطينا أهل البيت سبعاً يعطها أحد قبلنا:

نبينا خير الأنبياء وهو أبوك.

ووصینا خير الأوصياء وهو بعلک.

و شهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيک حمزة.

ومنا من له جناحان كان خضيبان يطير بهما في الجنة وهو ابن عمک جعفر .

ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناک الحسن والحسين.

ومنا والله الذي لا إله إلا هو مهدي هذه الأمة الذي يصلي خلقه عيسى ابن


1) بحار الأنوار ج 51 ص74.

مریم.

ثم ضرب بيده على منكب الحسين عليه السلام فقال : من هذا، ثلاثاً(1).

من هنا ندرك أن الحسين عليه السلام هو نقطة الارتكاز لما سبق ولما هو آت، وعنده معادن أسرار الكائنات، وهذه الأسرار لا بد من إظهارها وتحقيق معانيها.

إن التعرف على أسرار الحسين عليه السلام يؤخذ من أحاديث السماء، وهي التي جاء بها جبرائيل إلى النبي صلی الله علیه واله، وكثيراً ما نرسم مثل هذه الأحاديث دون الخوض بتفاسير معانيها، لأنا نرى أنها دالة على خصوصيات لأهل البيت علیهم السلام ، حيث أنهم لا يقاس بهم أحد، وهم صفوة الخلائق، وإن الحديث عن الأسرار هو فوق معادلات الأفكار، وإنما ندرك بعض ما تحقق من تلك الأحاديث التي هي بمثابة إشارات لذوي العقول.

وهنا نرسم هذا الحديث الجامع لأسمى الفضائل لأربابها:

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج النبي صلی الله علیه اوله ذات يوم وهو مستبشر يضحك سروراً، فقال له الناس: أضحك الله سنك يا رسول الله وزادک سروراً.

فقال رسول الله صلی الله علیه واله: إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا ولي فيهما تحفة من الله،ألاوإن ربي أتحفني في يومي هذا بتحفة لم يتحفني بمثلها فيما مضى.

إن جبرئيل علیه السلام أتاني فأقرأني من ربی السلام وقال: يا محمد ان الله جل وعز اختار من بني هاشم سبعة لم يخلق مثلهم فيم مضي ولا يخلق مثلهم فيمن بقي:

أنت يا رسول الله سيد النبیین .


1) بحار الأنوار ج 51 ص 76.

وعلي بن أبي طالب وصيك سيد الوصيين.

والحسن والحسين سبطاك سيدا الأسباط .

وحمزة عمك سيد الشهداء .

وجعفر ابن عمک الطيار في الجنة يطير مع الملائكة حيث يشاء.

ومنکم القائم يصلي عيسى ابن مريم خلقه إذا أهبطه الله إلى الأرض من ذربة علي وفاطمة ومن ولد الحسين علیه السلام(1).

من هذا الحديث ندرك الأسرار التي استقرت عند الحسين عليه السلام ، حيث كانت البداية تشير إليه، والنهاية تكون باسمه، لأن القائم عجل الله فرجه الشريف يصلح العالم بسيرة الحسين عليه السلام، ويأخذ الثأر من كل من ظلم الحسين عليه السلام، وليس للبشرية صلاح وإصلاح إلا بمسيرة الحسين عليه السلام ، وهنا الأسرار.

عندما نحاول البحث في الأحاديث الشريفة نجد بعضها مفصلاً وبعضها مختصراً.

ومنها ما قاله رسول الله صلی الله علیه واله: نحن بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة أنا وأخي علی وعمي حمزة وجعفر والحسن والحسين والمهدي (2).

من مصدر الأسرار

إن الحياة لدى الإنسان كلها أسرار، بدءً من وجوده، مروراً بكل حياته،


1) بحار الأنوار ج 51 ص 78.

2) بحار الأنوار ج 51، ص 83.

وهذه الأسرار تظهر تدریجباً، وهذا التدرج لحكمة من خالق الأكوان والإنسان، ووجه الحكمة يتناسب وطبيعة هذه الحياة.

فعندما نغور في الأبحاث عن مسيرة الإنسان نجد أن الأنبياء عليهم السلام قد بعثهم الله لصلاح وإصلاح الحياة لمسيرة الإنسان، فكان خاتمهم سيد الأنبياء صلی الله علیه واله ، فالأسرار عرفت منهم، وكان كل نبي يخبر أمته بما يأتي، ويبشر بمن يكون الإصلاح على يديه، وهذا ما حصل بالفعل على أرض الواقع، والحياة لم تزل مستمرة ومحورها مسيرة الإنسان.

وعندما نقرأ الواقع المعاش في عصرنا الحاضرنجد أن الفساد قد استفحل في مسيرة البشرية، والظلم قد أطمس الحقائق، والجور قد أعمى الخلائق.

وبحسب قاعدة الحكمة، وأنه لا بد من الصلاح والإصلاح، ندرك بحكم العقل قبل النقل أنه لا بد من مصلح عالمي يصلح مسيرة البشرية، ومثل هذا المصلح متسالم عليه عند جميع العقلاء، وعند أرباب الشرائع والأديان على اختلاف و تنوع مشاربهم ومذاهبهم، والكل يتوقع ظهوره، ولكن كل يتمناه على هواه.

ولكن نقول: لا بد من مصدر لتعيين ذلك، وقد ثبت عن خاتم الأنبياء صلی الله علیه و اله أن المصلح العالمي من ذرية الحسين عليه السلام ، لذلك نقول: مصدر الأسرار عند الأئمة الأطهار، وهذا ثابت بالنص الصريح.

عن علي بن أبي طالب علیه السلام قال: قلت: يا رسول الله صلی الله علیه واله، أمنا آل محمد المهدي أم من غيرنا؟

فقال رسول الله صلی الله علیه واله: لا بل منا يختم الله به الدین کما فتح بنا، وبنا ينقذون

من الفتنة کما أنقذوا من الشرک، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة کما ألف بين قلوبهم بعد عداوة الشرك، وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخواناً کما أصبحوا بعد عداوة الشرک إخواناً في دينهم(1)..

هذه الأحاديث تشير إلى الأسرار الآتية حول إصلاح هذه الأرض وصلاح البشرية في مسيرها الطويل وهو المتوقع حتماً بدون شك.

أسرار الحسين لا نهاية لها

كلما انطوت الأيام والسنون بدأت تبزغ أنوار الأسرار، وكلما لاح لنا خيط من نور كلما انفتحت كوة ينساب منها شعاع ضیاء الحسين عليه السلام ، فكأنه علیه السلام قد اجتمع فيه ما هو سابق وما هو لاحق، فقد عرفنا فيما تقدم أن أنوار الولاية والهداية قد استقرت عند الحسين علیه السلام،والآن نحاول التعرف على ما هو آت لصلاح الأمة وإقامة العدل على هذه الأرض.

عن أمير المؤمنين أنه قال للحسين عليه السلام : التاسع من ولدك يا حسین هو القائم بالحق المظهر للدين الباسط للعدل.

قال الحسين علیه السلام : فقلت يا أمير المؤمنين، وإن ذلک لکائن؟

فقال عليه السلام: إي والذي بعث محمداً بالنبوة واصطفاه على جميع البرية، ولكن بعد غيبة وحيرة لا تثبت فيها على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين الذين أخذ الله ميثاقهم بولايتنا وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه(2).


1) بحار الأنوار ج 51 ص 93 وهو من الأحاديث المتفق على صحتها.

2) بحار الأنوار ج 51 ص110.

عندما نذكر حديثاً هنا وحديثاً هناك نجد في كل كلمة أسراراً تتضمن أبعاداً واقعية تتعلق بأسرار بقاء هذه الرسالة السماوية، التي كان حدوثها على يد سيد الكائنات صلی الله علیه واله، وقد ثبت أن علة بقائها على يد الحسين عليه السلام ، ومن هنا تنساب الأنوار ونتلمس إظهار الأسرار.

فعندما نقرأ واقع الحياة في عصر النبي صلی الله علیه واله إلى وقتنا الحاضر نجد أن إحياء وتجديد وبقاء هذا الدين القويم يعود إلى سر الحسين عليه السلام ، ونجد أيضاً فيما تواترعن النبي صلی الله علیه واله أن الحسين عليه السلام هو قطب رحى هذا الدين بقاءً، وهذه المعاني متضمنة بأسرار من أحاديث النبي المختار، ومنها عن علي حيدر الكرار، مع حذف الأسانید... فكان إذا أقبل ابنه الحسن يقول: مرحباً بابن رسول الله وإذا أقبل الحسین يقول: بأبي أنت يا أبا اين خيرة الإماء.

فقيل: يا أمير المؤمنين ما بالك تقول هذا للحسن وهذا للحسين؟ ومن ابن خيرة الإماء؟

فقال: ذاك الفقيد الطريد الشريد م ح م د بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسی بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين هذا ووضع يده على رأس الحسين علیه السلام(1).

وفي حديث آخر: كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا علم یری يبرأ بعضكم من بعض(2).

وهنا نرسم حديثاً لذوي العقول: زاد الفرات على عهد أمير المؤمنين عليه السلام


1) بحار الأنوار ج 51 ص 110.

2) بحار الأنوار ج 51 ص 111.

فرکب هو وابناه الحسن والحسين عليهم السلام فمر بثقيف فقالوا: قد جاء على يرد الماء.

فقال علي عليه السلام: أما والله لأقتلن أنا وابناي هذان، وليبعثن الله رجلاً من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا، وليغيبن عنهم تمیيزاً لأهل الضلالة حتى يقول الجاهل: ما لله في آل محمد من حاجة(1).

من الأسرار أربعة عشر نوراً

هذه الأنوار قبل خلق الخلق، وهذا الحديث من أسرار الأنوار، وقد تقدم في أوائل الأبحاث جانب من الأنوار، أي قبل أن يخلق الله المخلوقات، وهنا نشير إلى حديث فيه تفاصيل عن القائم عجل الله فرجه، وهو من عوالم الأسرار.

قال الصادق علیه السلام : إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا.

فقيل له: يا ابن رسول الله ومن الأربعة عشر؟

فقال : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين علیهم السلام ، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال ويطهر الأرض من کل جور وظلم(2).

وقد روي عن نبي الله موسى عليه السلام الحديث التالي:

عن وهب بن منبه قال : إن موسى علیه السلام نظر ليلة الخطاب إلى کل شجرة في الطور و کل حجر ونبات تنطق بذکر محمد واثني عشر وصیاً له من بعده، فقال


1) بحار الأنوار ج 51 ص 112.

2) بحار الأنوار ج 51 ص 144.

موسى: إلهي لا أرى شيئاً خلقته إلا وهو ناطق بذکرمحمد وأؤصيائه الإثني عشر فما منزلة هؤلاء عندك؟

قال : يا ابن عمران إلى خلقتهم قبل خلق الأنوار و جعلتهم في خزانة قدسي، یرتعون في رياض مشيتي، ويتنسمون من روح جبروتي، ويشاهدون أقطارملكوتي، حتى إذا شئت مشیتی أنفذت قضائي وقدري.

يا ابن عمران، إنی سبقت بهم استباقي حتى أزخرف بهم جناني.

يا ابن عمران تمسك بذکرهم فانهم خزنة علمي وعيبه حكمتي ومعدن نوري(1)..

عندما يتأمل العاقل بكل سيرة الحسين عليه السلام، يجد أن العلم والحكمة ومعادن النور قد تجمعت عند الحسين علیه السلام، حتى أن ما يأتي به القائم عجل الله فرجه هو شعار: یا لثارات الحسين.

النجاة مضمونة لشيعة آل بيت محمد

عندما نحاول أن نتأمل جيداً في مسيرة هذه الحياة، نجد أن لكل شيء صفوة، بدءًمن النبات، مروراً بالمعادن وصولاً للحيوان، وقوفاً عند واقع الإنسان.

فالصفوة لها خصوصية ميزتها عن غيرها، وأفراد الإنسان متفاوتة باستمرار من جيل إلى جيل، ومن زمان إلى آخر، ومن مكان إلى مكان.

من هنا ندرك الفوارق، فعندما نقرأ سيرة الحياة لبني البشر نجد أن الصفوة


1) بحار الأنوار ج 51 ص 149.

منهم أقل عدداً وأعظم شأناً، بدءً من الأنبياء عليهم السلام مروراً بالأوصياء والأولياء، إلى الأتباع لهم، عليهم السلام جميعاً.

ففي هذه الأزمنة ختمت النبوات والرسالات بسيد الكائنات صلی الله علیه واله ، فماذا جری من بعده؟

الذين ثبتوا على الحق هم دون القليل، واستمرت المسيرة إلى عصر غيبة القائم عجل الله فرجه، والثابتون اليوم أقل من القليل(1)..

سئل الإمام موسی بن جعفر عليه السلام: يا ابن رسول الله أنت القائم بالحق؟

فقال: أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً هو الخامس من ولدي.

له غيبه يطول أمدها خوفاً على نفسه يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون.

ثم قال عليه السلام: طوبى لشيعتنا المتمسکین بحبنا في غيبة قائمنا الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا ائمة ورضينا بهم شيعة، وطوبى لهم، هم والله معنا في درجتنا يوم القيامة(2).

فعندما نقرأ واقع البشرية اليوم نجد نسبة الشيعة الأقل عدداً، وعندما نجري عليهم استطلاعاً نجد أقل القليل ممن هو ثابت على ولاية القائم المنتظر عجل الله فرجه، ومن هؤلاء يتغربل الكثير..

من هذا الحديث وشبهه ندرك مضامين أحاديث الحق الواردة في سياق


1) أي عندما نأخذ نسبتهم من أعداد البشر اليوم.

2) بحار الأنوار ج 51 ص 151.

الثبات، منها ما معناه أن الثبات على الحق أصعب من الوصول إليه، وندرك أيضاً معاني انتظار الفرج.

إن قراءة واقع الحال أبعد وأكبر من قراءة الحروف والكلمات، وخصوصاً في عصرنا الحاضر، حيث تتزاحم الجيوش على حرب المسلمين وخصوصاً في بلاد الرافدين (العراق)، والمؤامرات من كل حدب وصوب(1)..

مواقف الحسين وامتثاله

عندما نحاول أن نقرأ واقع الحياة نجد في كل شيء ظاهراً وباطناً، وكثيراً ما نقف عند ظواهر الأشياء ولا نقف في بواطن الأمور، مع أن الظواهر أثر لما هو باطن.

وهذه المعاني كامنة فيها هو محسوس وفيما هو وراء المحسوس، ولذلك لا يكون التطبيق دائماً واقعاً على حقائق الأمور، وخصوصاً عندما نحاول تقییم أعمال معينة.

ففي هذه الأزمنة نجد كثيراً ممن كتب ويكتب عن مواقف الحسين عليه السلام ، نراه يقف عند ما هو ظاهر فقط، ويقيم هذا الظاهر بمقدار ما يقرأ من واقع الحياة التي يمارسها الناس.

من هنا وقع كثير منهم بتقييمات قاصرة ومشوهة لمواقف الحسين علیه السلام ، وماجرى معه على أرض الواقع، ولكن عندما نحاول أن نقرأ الباطن قبل الظاهر


1) كانت كتابة هذه الأسطر في 23 شباط 2003 الموافق ل 22 ذي الحجة 1423 للهجرة، ونسجل للتاريخ أن الحرب واقعة عن قريب، والفتن تتراكم، والإحباط عند الكثيرين، ولكن نحن نتفاءل... وقد اندلعت فعلاً حرب العراق بعد فترة وجيزة من هذا التاريخ: أقل من شهرين.

يمكن لنا أن ندرك ما هو أبعد مما نراه.

من أسرار خبر اللوح

امتثل الحسين عليه السلام خطاباً خاطبه الله به في صحيفة مكتوبة له خاصة، هذه الصحيفة جاء بها جبرائیل عليه السلام وأودعها عند النبي صلی الله علیه واله، ثم سلمها النبي صلی الله علیه واله إلى علي عليه السلام، ثم سلمها علي علیه السلام إلى الحسن عليه السلام، ثم سلمها الحسن المجتبی علیه السلام للحسين علیه السلام عند وصيته، فامتثل خطاباً خاصاً من تكاليفه الخاصة(1).

وهنا نذكر حرفياً هذه الوصية مما يتوفر لدينا من مصادر ..

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: إن الله عز وجل أنزل على نبیه كتاباً قبل أن يأتيه المؤت فقال: يا محمد هذا الكتاب وصيتك إلى النجيب من أهل بيتک.

فقال: ومن النجيب من أهلي يا جبرئيل؟

فقال: علي بن أبي طالب عليه السلام، وكان على الكتاب خواتيم من ذهب فدفعه النبی صلی الله علیه واله إلى على علیه السلام وأمره أن يفک خاتماً منها ويعمل بما فيه، ففک علیه السلام خاتماً وعمل بما فيه.

ثم دفعه إلى ابنه الحسن علیه السلام ففک خاتماً وعمل بما فيه.

ثم دفعه إلى الحسين عليه السلام ففک خاتماً فوجد فيه أن: اخرج بقوم إلى الشهادة فلاشهادة لهم إلا معك، واشر نفسك لله عزوجل، ففعل.

ثم دفعه إلى علي بن الحسين علیه السلام ففك خاتماً فوجد فيه: اصمت والزم


1) راجع خصائص الحسين عليه السلام للشيخ جعفر التستري من ص 146.

منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، ففعل.

ثم دفعه إلى محمد بن علي علیه السلام ففک خاتماً فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله فإنه لا سبيل لأحد عليك.

ثم دفعه إلى ففكکت خاتماً فوجدت فيه: حدث الناس وأفتهم وانشرعلوم أهل بيتك و صدق آباءك الصالحين ولا تخافن أحداً إلا الله وأنت في حرز وأمان،ففعلت.

ثم أدفعه إلى موسی بن جعفر وكذلك یدفعه موسى إلى الذي من بعده ثم كذلك أبداً إلى قيام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف(1).

إشارة سريعة:

قد تقدم أن الحسين عليه السلام قد انتهت إليه كل جوانب الأنوار، واجتمع لديه كل عوالم الأسرار، وما ظهر من مواقفه ما هو إلا فيوضات إلهية وخيوط نورانية فيها شعاعات للعقول البشرية، لئلا ينطفئ النور عن عوالم الأكوان، ولئلا تبقى في الظلام عقول الأنام، فكان موقف الحسين علیه السلام نوراً انساب من عوالم الأسرار ليضيء الطريق لعباد الله الأخيار.

فكانت حادثة كربلاء بظواهرها محسوسة، ولكنها مخفية بأسرارها، ولذا لم يدرك أبعادها الأوائل في عصره علیه السلام، ولم نزل نحوم حول تلك الأسرار کما تحوم الفراشة حول الضياء.

وعندما نقرأ بعضاً من الأحاديث نقف حائرين لعجزنا عن معرفة الأسرار


1) بحار الأنوار ج 36 ص 192.

وضعف بصائرنا عن إدراك ضیاء الأنوار .

يوم ندعو كل أناس بإمامهم

في مضامين ومعاني كل آية من آيات القرآن الحكيم أسرار وأسرار، وموضوع الأسرار يدرک أبعاد معانيه الأخيار، الذين خصهم الله بخصائص تعرف من معادن الأبرار، وهذه الآية فيها نص واضح عن الإمامة، وقد أجمع العقلاء على وجوب الإمامة، ولكن تتفاوت أقوالهم في تعيين و تشخيص الإمام، فالشيعة الإمامية قد أثبتوا تعيين الإمام، وهذا التعيين قد امتازوا وانفردوا به عن بقية المذاهب، واستدلوا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.

وأهم ذلك قولهم بوجوب العصمة للإمام کعصمة النبي تماماً، حيث أن الإمام المعصوم هو المبين للأحكام بعد النبي صلی الله علیه واله (1)، ولديهم تفاصيل وأدلة كثيرة، لسنا هنا بصددها، وإنما نشير غالباً لما يتعلق بأسرار الحسين وأهل بيته عليهم السلام، وتتضح أسرار معاني هذه الآية المباركة عندما نأخذ معها ما تقدم وتأخر عنها من آیات، حيث تقدمت آية: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، وتلتها آية:«وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا»(2).

هذه الآيات مرتبطة بالانساء ابتداءً وسلوكاً، وانتهاءً ومصيراً.

وكل ذلك يتوقف على معرفة أسرار الإمامة التي بها قبول الأعمال في


1) يحسن مراجعة مقدمة أصول الدين (من منهاج الصالحين) للمرجع الكبير وحيد الخراساني، ويمكن القول أنه وحيد عصره، مع تقديرنا لكل المراجع.

2) الإسراء70-72.

الاالدارين، وهنا نحاول رسم بعض ما ورد حول إمامة الأئمة المعصومين عليهم السلام ، وقد ورد في خطبة شريفة(1)للإمام الصادق عليه السلام، يصف فيها مقام العصمة والإمامة السامي، رواها شيخ المحدثين محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن يحيى (الذي يقول في حقه النجاشي: شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة، عين، روی نحو ستة آلاف رواية )عن أحمد بن محمد بن عیسی (شیخ القميين، ووجههم وفقيههم غير مدافع، ومن أصحاب الرضا والجواد والهادي عليهم السلام) عن الحسن بن محبوب (أحد أربعة هم أركان زمانهم، ومن أصحاب الإجماع الذين أجمعت الطائفة على صحة ما يروى عنهم بسند صحيح، ومن أصحاب الإمام الكاظم والإمام الرضا عليهما السلام) عن إسحاق بن غالب (الذي يضاف إلى توثيقه الخاص رواية أمثال صفوان بن يحيى عنه):

عن أبي عبد الله عليه السلام في خطبة له يذكر فيها حال الأئمة عليهم السلام وصفاتهم: إن الله عزوجل أوضح بأئمة الهدي من أهل بيت نبينا عن دينه وأبلج بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه.

فمن عرف من أمة محمد صلی الله علیه واله واجب حق إمامه وجد طعم حلاوة إيمانه، وعلم فضل طلاوة إسلامه، لأن الله تبارك وتعالى نصب الإمام علماً لخلقه وجعله حجة على أهل مواده وعالمه وألبسه الله تاج الوقار وغشاه من نور الجبار.

یمد بسبب إلى السماء لا ينقطع عنه مواده، ولا ينال ما عند الله إلا بجهة أسبابه، ولا يقبل الله أعمال العباد إلا بمعرفته ، فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الدجی ومعميات السنن و مشبهات الفتن.


1) يحسن مراجعة مقدمة أصول الدين (من منهاج الصالحين) ص 204.

فلم يزل الله تبارك وتعالى يختارهم لخلقه من ولد الحسين عليه السلام من عقب كل إمام يصطفيهم لذلک ويجتبيهم ويرضى بهم لخلقه ویر تضيهم.

کلما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماماً علماً بيناً وهادياً نيراً وإماماً قیماً وحجة عالماً، أئمة من الله یهدون با لحق و به يعدلون.

حجج الله ودعاته ورعاته على خلقه، یدين بهدیهم العباد وتستهل بنورهم البلاد وينمو ببركتهم التلاد.

جعلهم الله حياةً للأنام ومصابيح للظلام ومفاتيح للكلام ودعائم للإسلام، جرت بذلك فيهم مقادير الله على محتومها.

فالإمام هو المنتجب المرتضي، والهادي المنتجى، والقائم المرتجى، اصطفاه الله بذلك واصطلنعه على عينيه في الذر حين ذراه، وفي البرية حين براه ظلاً قبل خلق نسمة عن يمين عرشه.

محبواً بالحكمة في علم الغيب عنده، اختاره بعلمه، وانتجبه لطهره، بقية من آدم عليه السلام، وخيرة من ذرية نوح، ومصطفى من آل إبراهيم، وسلالة من إسماعيل، وصفوة من عترة محمد صلی الله علیه واله .

لم يزل مرعياً بعين الله، يحفظه ویکلؤه بستره، مطروداً عنه حبائل إبليس وجنوده، مدفوعاً عنه وقوب الغواسق ونفوث، کل فاسق مصروفا عنه قوارف السوء، مبرأً من العاهات محجوباً عن الآفات، معصوماً بين الزلات مصوناً عن الفواحش کلها، معروفاً بالحلم والبر في یفاعه، منسوباً إلى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه، مسنداً إليه أمروالده، صامتاً عن المنطق في حياته .

فإذا انقضت مدة والده إلى أن انتهت به مقادیر الله إلى مشيئته وجاءت

الإرادة من الله فيه إلى محبته وبلغ منتهی مدة والده علیه السلام فمضى، وصار أمر الله إليه من بعده وقلده دينه وجعله الحجة على عباده وقيمه في بلاده، وایده بروحه وآتاه علمه وأنباه فصل بيانيه واستودعه سره وانتدبه لعظيم أمره وأنبأه فضل بیان علمه ونصبه علماً لخلقه، وجعله ځجة على أهل عالمه، وضياءً لأهل دينه ، والقيم على عباده، رضي الله به إماماً لهم .

استودعه سره، واستحفظه علمه، واستخباه حکمته، واسترعاه لدينه، وانتبه لعظيم أمره، وأحیا به مناهج سبيله وفرائصه و حدوده.

فقام بالعدل عند تحیر أهل الجهل، وتحيير أهل الجدل بالنور الساطع والشفاء النافع بالحق الأبلج والبيان اللائح من کل مخرج على طريق المنهج الذي مضى عليه الصادقون من آبائه عليهم السلام.

فليس يجهل حق هذا العالم إلا شقي، ولا يجحده إلا غوي، ولا يصد عنه إلا جري على الله جل وعلا(1).

إشارات حول الخطبة :

إن موضوع الإمامة والإمام في شريعة خير الأنام من أدق المواضيع في هذه الأمة، وفيها جوهر الأنوار ومعدن الأسرار، وليس يدرك أبعادها إلا ذوي العقول.

فالإمام المعصوم الذي خصه الله بالإمامة هو الحامل لأعباء الرسالة بعد النبي صلی الله علیه واله، والإمام له خصائص تعجز الأقلام عن بيانها، والأفهام عن كنه


1) الكافي ج 1 ص 204، وفيه ألفاظ ودرر الخطبة، فلينظر ناظر بعقله، ويتدبر بقلبه.

أسرارها.

فعندما نقرأ هذه الخطبة والأحاديث حول الإمام ينفتح لنا كوة من شعاع النور التي تبثها الآيات القرآنية .

إن إمام الأمة لا بد أن يكون إمام الهداية، لأن القدوم على الله بدون هداية يوقع الإنسان في الغواية .

والآية المتقدمة: «يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ»(1)تدل على مدى خطورة القدوم ليوم الحساب.

وقد أودع الله معدن الأسرار في الإمامة بعد النبوة(2)

إن الإنسان هو محور الوجود في هذا الكون الفسيح، وقد خصه الله بخصوصيات مميزة عن بقية المخلوقات، وهذه الخصوصيات منها ما هو مشترك بين جميع أفراد الإنسان، ومنها ما هو خاص بأفراد معينين، وهذا المعنى من بديهيات الأمور في هذه الحياة، فالذين لهم خصوصیات مميزة عن الجميع هم الأنبياء عليهم السلام ، وهم الذين خصصهم بخصائص منذ الخلق الأول.

وقد ختم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بسيد الكائنات النبي محمد صلی الله علیه واله، ومعلوم أن لكل نبي أوصياء يحملون عبء الرسالة من بعده، وهم الأوصياء الذين اختارهم لذلك(3).


1) الإسراء 71.

2) راجع أصول الكافي ج 1 ص 203 حديث 2.

3) راجع بصائر الدرجات حول أسرار الله من ص397.

لمحة موجزة عن الإمام الحسين

1.الحسين علیه السلام هو الإمام الثالث من أئمة أهل بيت العصمة علیهم السلام، و هو أشهر من أن يعرف، ولكن تبركاً نشير إلى بعض الجوانب.

2.

ؤلد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام عام الخندق بالمدينة المنورة، والأشهر أنه ولد لثلاث خلون من شهر شعبان.

3.

شهادته يوم العاشر من المحرم سنة إحدى وستين للهجرة.

4.

وعمره الشريف ست وخمسون سنة وشهوراً.

5.

كنيته أبو عبد الله، وألقابه كثيرة منها: الشهيد السعيد، السبط الثاني، والرشيد، والطيب، والوفي، والسيد، والزكي، والمبارك، والتابع لمرضاة الله، والدليل على ذات الله عز وجل.. ولهذه الألقاب أبعاد ومعان رفيعة تعرف من أسراره(1).

فضائل الحسين

فضائله علیه السلام لا حصرها لها مهما قيل أو يقال، لأن الحسين علیه السلام قد اجتمعت به خصائص وفضائل و مناقب الأولين والآخرين، من بدء الخلائق إلى يوم الدين، وقد ألمحنا سابقاً في بحثنا حول الأسرار أن الحسين عليه السلام هو نقطة الارتكاز من عوالم الأنوار.

وهو الذي اجتمعت فيه جميع صفات أهل بيت العصمة علیهم السلام ، فلا يمكن حصر تلك الفضائل.


1) راجع مقدمة أصول الدين (من منهاج الصالحين) للوحيد الخراساني ص 343.

وهنا يحسن القول أنه يكفي ما قاله سيد الكائنات صلی الله علیه واله من الإشارات حول الحسين علیه السلام، منها ما قاله صلی الله علیه واله: حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسیناً(1)

وقال صلی الله علیه واله: وأما الحسين فنحلته سخائی وشجاعتي (2).

وهنا نقف لنتدبر ونتأمل .. أليس سيد الكائنات محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله هو صفوة الخلائق من الأولين والآخرين؟ وقد اختاره دليلاً ومنذراً..

میزان التفضيل

كثيراً ما نتحدث عن التفضيل والفضائل، وقد لا نلتفت إلى حقائق ذلك من جوانب الأسرار.

وهذه القضية بالذات تحتاج إلى أبحاث وتفاصيل.

نقول: عندما نحاول أن نقرأ وقائع الحياة من الابتداء إلى الانتهاء نجد معادن و كوامن الأسرار التي لا حصر ولا حدود لها.

أولاً: بدأ السر من خلق آدم علیه السلام من تراب، ومن هنا ندرك بعضاً من هذا السر، وأن كل ذرة من التراب تحمل أسراراً(3).

وأسرار التراب التي تكون منها جسم الإنسان وخلاياه تحولت إلى خلق بأحسن تقويم.. وهذا الإنسان هو الكامن بذاته وصفاته، وهو ما نعجز عن بيانه


1) کامل الزیارات ص 52.

2) هذه الأقوال من مصادر العامة والخاصة، وهي مجمع عليها بلا مخالف ولا منازع.

3) يحسن مراجعة بحثنا حول خلق الإنسان من تراب .

وحصره وتحديده، إلا بإشارات وألفاظ قد لا ندرك أبعادها، وإنما نشاهد بالمحسوس آثارها.

فالإنسان حامل لأسرار الوجود، ومن ترکیباته ندرك خلائق المعبود :

ثانياً: الفضائل الكاملة والأسرار الكامنة نجدها في الأنبياء والأولياء عليهم الصلاة والسلام، وهذه من الأسرار التي لم تكتشف لحد الآن، فالأسرار التي أودعها الله سبحانه في خصائص الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام لم تعرف إلا بالآثار التي ظهرت منهم عليهم السلام .

فعندما نحاول أن نقرأ الإنسان عموماً ونبحث بالفضائل خصوصاً، نجد الفوارق بين إنسان وآخر، وهذا المعني بحد ذاته سر من الأسرار.

ورغم أن العلم قد تقدم كثيراً في فهم خصائص الإنسان، ولكن بقي هذا التقدم متوقفاً عند ما هو محسوس من الماديات، من دم وعظم وأعصاب وخلايا و عوارض و ما شابه ذلك.

من هنا ندرك ونتلمس عوارض الجسم المحسوس والخاضع للتحاليل، وأن فيه سلامة وكمالاً، وفيه نقص واضمحلال.

كذلك عيناً يجري هذا الحكم بالفضائل التي لها آثار وهي فوق المحسوسات، لأن آثار الشيء هي غير ذات الشيء.

وعندما نقول عن شيء أن وراءه سر، فمعنى ذلك أننا تلمسنا بعض آثار ذلك السر، فالفضائل تظهر آثارها کما تظهر آثار النفس، ويبقى السؤال المستمر لدى عقول البشر أنه: ما هو سبب الفوارق بين إنسان وآخر في حقائق الأشياء؟ مع أن الجميع متساوون بالخلق.

والجواب أن الإنسان يتمایز بالفضائل وليس بتكوين الجسم المادي المحسوس.

وحتى هذه الفضائل نجدها متفاوتة بين هذا وذاك، ولكن ندرك أن منبعها ومصدرها واحد، لأن التفاوت خاضع لموازيين غير الذات.

لذلك يمكن القول أن جسم الإنسان المادي له منبع خاص و موازین معينة، والنفس التي تصدر عنها الفضائل لها منبع و موازین خاصة.

ثالثاً: الفضائل يمكن حصرها بقسمين أساسيين، هما: الفضائل الذاتية، والفضائل الكسبية.

وفي هذين القسمين مهما قيل أو يقال تبقى الأسرار كامنة وراء كل قول، ومصادر كلا القسمين تبقى خافية على عقولنا مهما بلغت من الارتقاء في هذه الدنيا .

فإذا كان الإنسان هو الإنسان من حيث التكوين المادي، وخلايا الجسم من حيث الإبتداء واحدة، فلماذا نجد على أرض الواقع تبايناً بين هذا وذاك، وكل ما نراه من تفاوت و اختلافات لا بد أن يكون راجعاً إلى مصدر الذات، لأن الآثار تشير إلى منبع المؤثر، من هنا وقفت العقول عاجزة عن إدراك وتحليل آثار ما يصدر عن الإنسان، وان قالوا أنه راجع للوعي واللاوعي، فحتى هذا يحتاج إلى دليل للإثبات، ولكن قد اعتادت أفكارنا أن تقف عندما تعجز عن المعرفة أو التوضيح

الأسرار فوق الأفكار

وقفة خاصة عند أسرار الحسين عليه السلام : في هذه الأزمان وما قبلها قد قيل

الكثير حول أسرار خامس أهل الكساء، ففي كل عصر من العصور الغابرة نجد وجهات متعددة ومتفاوتة، بل نجد أن الناس في كل عصر يأخذون من سيرة الحسين عليه السلام ما يرونه مناسباً لواقعهم، حتى أعداء الدين!

ففي عصرنا الحاضر قد كثر الحديث والتحليلات من أتباع الحسين عليه السلام بحسب ظواهرهم، منهم من يحاول منع شعائر تتعلق بمظاهرة معبرة حول الحسين عليه السلام، ومنهم من يجعل هذه الظواهر والشعائر ذات آثار للأجيال والأفكار.

ولكن لحد الآن لم نجد ولم نعثر على من يبحث عن السر وراء حادثة الحسين عليه السلام عموماً، ووقعة کربلاء خصوصاً، فمن يبحث في مضامين الأحاديث يدرك ضياءً من نور الأسرار، وأنها مرسومة من الخالق سبحانه(1).

وقفة عند لقب من ألقاب الحسين

وهو التابع لمرضاة الله، والدليل على ذات الله .

من هذا اللقب ندرك خيط نور من الأسرار:

الأول: أن كل ما قام به الحسين علیه السلام هو لمرضاة خالق الكون، وهذا يدلنا على مضامين الأحاديث التي تشير أن الحسين عليه السلام من الرسول الأعظم بكل تفاصيل ومعاني الكلمات من الحديث: حسین مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسینً(2).


1) ينبغي مراجعة المصادر التي تتعلق بالأنوار قبل إظهار الخلق.

2) کامل الزیارات ص 52.

فكما أن النبي صلی الله علیه واله قد اجتمع فيه علم الأولين والآخرين، فإن هذا العلم كله قد استقر عند الحسين عليه السلام بكل معانيه وتفاصيله.

الثاني: مما هو معلوم أنه لم يبق من أهل الكساء عليهم الصلاة والسلام إلا الحسين عليه السلام ، لذلك كان الدليل الواضح بكل تصرفاته على ذات الله سبحانه(1)وهذا يعرف من مواقفه في كربلاء التي لا حصر لها، ومنها لسان حاله القائل:

تركت الخلق طرا في هواكا ***وأيتمت العيال لكي أراكا

فلو قطعتني في الحب إربا*** لما حن الفؤاد إلى سواكا

هذا الدليل قد ترجم عملياً في واقعة كربلاء، وهي التي أرست قواعد الدين إلى يوم القيامة، وقد قيل: الدين محمدي الوجود حسيني البقاء.

وسر ذلك أن الإصلاح العالمي وتحقيق العدل والقسط على هذه الأرض سوف يتحقق على يد الحجة المنتظر بسيرة الحسين عليه السلام ، وهذا ما يشير إلى معنی: الدليل على ذات الله..

إن كل ما ظهر من مواقف الحسين عليه السلام ما هو إلا خيط من أنوار وأسرار کربلاء، فإنا نهيب بالعلماء والأدباء أن لا يحاولوا تحجیم شعائر کربلاء، فإن كثيراً من المظاهر والظواهر لم ندرك بعد أبعاد أسرارها، فقد یمارس بعض الناس شيئاً من المظاهر بدون إدراك أبعادها ومعانيها، ومما لا شك فيه أنه ستأتي أجيال من الناس تستكشف أسرار تلك المظاهر وأبعاد تلك الشعائر، لأن مسيرة كربلاء هي أكبر وأوسع من زمن أو جيل محدود.


1) هناك تعابير عظيمة الشأن في أدعيته علیه السلام ، راجع دعاءه علیه السلام في يوم عرفة وغيره

حديث يتضمن أسرار المستقبل

عن یونس بن عبد الرحمن قال : دخلت على موسی بن جعفر عليه السلام فقلت له: يا ابن رسول الله، أنت القائم بالحق؟

فقال: أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً هو الخامس من ولدي.

له غيبه يطول أمدها خوفاً على نفسه یرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون.

ثم قال عليه السلام : طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبنا في غيبة قائمنا الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منا و نحن منهم، قد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، وطوبى لهم هم والله معنا في درجتنا يوم القيامة(1).

في هذه الأحاديث التي تتضمن أسرار المستقبل للمؤمنين، ندرك شيئاً من أبعاد شعائر کربلاء التي أرست قواعد الحق للعلماء .

تنبيه وإشارة:

حصلت واقعة كربلاء عملياً في سنة واحد وستين للهجرة، وولد الإمام القائم الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشریف سنة مائتين وخمس وخمسون للهجرة، فيكون ما بين الواقعة وبين ظهور نور الحجة ما يقارب مائتي سنة.

هذه المقدمة لأجل أن نرسم حديثاً شريفاً له ربط وثيق بين كربلاء وبين الحجة المنتظر عجل الله فرجه، وهذا الربط له أبعاد حول شعائر کربلاء، وهو صادر عن المعصوم علیه السلام.


1) بحار الأنوار ج 51 ص 151.

عن الهروى قال سمعت دعبل بن علي الختزاعی يقول: أنشدت مولاي علي بن موسى الرضا عليه السلام قصيدتي التي أولها:

مدارس آیات خلت من تلاوة ***ومنزل وځي مقفر العرصات

فلما انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج*** يقوم على اسم الله والبركات

يمیز فينا کل حق وباطل ***ويجزي على النعماء والنقمات

بکی الرضا عليه السلام بكاء شديداً ثم رفع رأسه إلي فقال لي: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم؟

فقل: لا يا مولاي، إلا أني سمعت بخروج إمام منکم یطهر الأرض من الفساد ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً.

فقال: يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسين ابنه الحجه القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره.

لو لم یبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملاها عدلاً كما ملئت جوراً.

وأما متى؟ فإخبار عن الوقت، ولقد حدثني أبي عن أبيه عن أبائه عن علي علیه السلام أن النبي : قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟

فقال: مثله من الساعة لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة(1).


1) بحار الأنوار ج 51، ص 154.

الكرامات لمن كرمهم الله

مما لا شك فيه أن كرامات أهل بيت العصمة عليهم الصلاة والسلام لا حصر لها، وهي کرامات بقدرة الله سبحانه قد خصهم بها، تجري على أياديهم بحسب الحكمة، والإمام الحسين عليه السلام قد اجتمعت لديه كل المكرمات، وخصه الله سبحانه بأرقى الخصوصيات، فلا غرابة من الكرامات التي حصلت على يديه.

فهو الذي خصه النبي صلی الله علیه واله بكثير من الأسرار(1)، وقال: علمه علمي.

وهنا يمكن القول أن الكرامات تابعة للعلم، والعلم المكنون واللدني منبعه من الرسول صلی الله علیه واله، ويكفي أن علي بن أبي طالب علیه السلام مخصوص بعلم الكتاب کله(2).

تابع لكرامات الحسين علیه السلام :

مما هو ثابت أن الإنسان قد كرمه الله سبحانه، والإنسان عموماً هو أكرم المخلوقات، وخصوصاً من لهم كرامات حاصلة وواقعة، وهم الأنبياء والأوصياء عليهم الصلاة والسلام، فالحسين عليه السلام قد انتهت إليه جميع کرامات الأولين، وخصه الله منها بما لا يقبل الشك.

والحسين وريث سيد الكائنات صلی الله علیه واله، وهذا الإرث قد ورد بنصوص قد مرت الإشارة إليها، وهنا نذكر كرامةً للحسين عليه السلام قد جرت على يديه بدعاء لله


1) وهنا لا ننسى ما تقدم من أسرار العلم المكنون.

2) إشارة للآية الشريفة«ومن عنده علم الكتاب».

سبحانه، وهي ما نقل عن یحیی ابن أم الطويل قال کنا عند الحسين عليه السلام إذ دخل عليه شاب يبكي، فقال له الحسین: ما يبكيك؟

قال : إن والدتي توفيت في هذه الساعة ولم توص ولها مال وكانت قد أمرتني أن لا أحدث في أمرها شيئاً حتى أعلمک خبرها.

فقال الحسين علیه السلام: قوموا بنا حتى نصير إلى هو الحرة.

فقمنا معه حتى انتهينا إلى باب البيت الذي فيه المرأة وهي مسجاه، فأشرف على البيت ودعا الله ليحیيها حتى توصي بماتحب من وصیتها.

فأحياها الله، وإذا المراة جلست وهي تتشهد، ثم نظرت إلى الحسين علیه السلام فقالت: ادخل البيت يا مولاي ومرني بأمرک.

فدخل وجلس على مخدة ثم قال لها: وصي يرحمک الله .

فقالت: يا ابن رسول الله، إن لي من المال كذا وكذا في مكان كذا وكذا وقد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت من أوليائك والثلثان لإبني هذا إن علمت أنه من مواليك وأوليائك، وإن كان مخالفاً فخذه إليك فلاحق للمخالفين في أموال المؤمنين.

ثم سألته أن يصلي عليها وأن يتولى أمرها، ثم صارت المرأة ميتة کما کانت(1).

أقف عند نقطتين هما:

1. قوله عليه السلام: قوموا بنا حتى نصير إلى هذه الحرة..

1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 246

2. قول المرأة : فلا حق للمخالفين في أموال المؤمنين..

ينبغي التدبر في هذه الكلمات التي تحمل في مضامينها أرقى المعاني والأبعاد في مسيرة الحياة.

إن وصف الإمام علیه السلام للمرأة بالحرة له دلالات دقيقة عند التأمل، وقول المرأة: فلا حق للمخالفين، ذا مغزی بعيد المرمي يدل على نور البصيرة لهذه المرأة(1).

لقطات وكلمات

من هنا وهناك حول سيرة الحسين علیه السلام من ظوهر الحياة .

عندما يتكلم الإنسان أو يكتب قسم المعاني إلى ظواهر وبواطن (أسرار)، ولكن بحسب الواقع لا ينفصل الباطن عن الظاهر، بل لهما ارتباط وثيق بكل أبعاد الحياة لأن إظهار الأمور ناتج عما هو في بواطنها، حتى الأشياء المحسوسة في هذه الدنيا، فنجد المعادن تدل على جوهرها، وجوهر الأشياء حقائق ذاتها.

فالإنسان عندما يصدر عنه أمر من الأمور بالاختيار يدل على بعد جوهر ذاته، مهما يكن هذا الأمر، سواء من تصرفات أو كلمات أو ما شابه ذلك.

من هنا أدرك العقل أن ما هو ظاهر بالأعمال والتصرفات والأقوال والكلمات هو إشارات من تلك الذات، وقد ورد في الحكمة عن أمير المؤمنين عليه السلام: ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه و صفحات وجهه(2).


1) إشارة: ليس هنا موقع البيان لكلا النقطتين.

2) نهج البلاغة: قصار الكلمات.

وقفة تحت شعاع من كلمات للحسين

هنا نغض الطرف عن رسم حروف الأسرار، ونرسم ما هو ظاهر ومعلوم عند الأخبار والأبرار.

عندما أراد الحسين عليه السلام أن يخرج من مدينة جده ومسقط رأسه ونشأة حياته، كتب وصيته لأخيه محمد بن الحنفية، وهو أخوه من أبيه علي أمير المؤمنين علیه السلام، وهذا ما جاء في وصيته وتناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل حتى وصل إلينا، ومما جاء في وصيته علیه السلام :

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله جاء بالحق من عند الحق.

وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.

وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلی الله علیه واله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهی عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب علیه السلام.

فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاکمين(1)..


1) بحار الأنوار ج 44 ص 329.

لمحة ونوع من تحليل

نكتب على هذه الأوراق بعض الكلمات والإشارات عن أسرار الحسين عليه السلام، رغم انشداد الفكر لما يحصل على أرض العراق خصوصاً(1)، ويقصد منها كل أرض مقدسة عموماً.

والعراق بالذات لم يهدأ ولم ينعم منذ أن حصلت ملحمة كربلاء، والله العالم سيبقى حتى ظهور الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشریف.

ولعل الحكمة فيما حصل في هذه الأزمان بالخصوص أن تتعرف كل شعوب الأرض على العراق، وحكمة هذا التعرف إلقاء الحجة الظاهرة لكل الأجيال من بني البشر لئلا يصموا أسماعهم عن النداء الآتي حتماً بين السماء والأرض عند خروج القائم المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف:«أتي أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما یشرکون».

ومن بعد هذا النداء تبدأ مسيرة العدل على الأرض، التي يملؤها قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

والعدل هذا يكون بسيرة الحسين عليه السلام، وهذا الأمر يعتبر من أدق الأسرار التي خص بها الحسين عليه السلام ، فهو معدن الأسرار منذ تكوينه وولادته ومسيرة حياته واستمرار نهجه إلى يوم القيامة، وحتى في الآخرة هو عليه السلام سيد شباب أهل الجنة، بنوره ونور أخيه الحسن عليه السلام تتزين الجنان .

وعندما نتأمل ونتدبر بوصيته وكلماته نتلمس ضياء نور من تلك الأسرار .


1) کتبت هذه الكلمات يوم السبت 12 نیسان 2003 للميلاد الموافق 10 صفر 1پ1424 ه.

دقائق ولطائف:

قد جاء في وصيته علیه السلام إشارات، من معانيها أن مبدأ الوجود هو الحق، ومما لا شك فيه أن كل شيء يعود ويرجع إلى الحق، وما بين المبدأ والمعاد مسيرة حياة المخلوقات، والإنسان هو المخلوق الأسمى من هذه المخلوقات على تنوعها وتعدد أجناسها، فالإنسان قد حمل الأمانة، ولكن يبقى السؤال: ليس كل من حمل أمانة أداها، وأداؤها يتوقف على أمور:

الأمر الأول: معرفة الحق، والثاني: الالتزام به، والثالث: التطبيق العملي بحسب ما هو مطلوب.

لنقرأ الفقرة الأولى من الوصية: أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله جاء با لحق من عند الحق..

آية حول الأمم

«کنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ».

من هذه الآية ندخل لأعظم غاية قام لأجلها الحسين عليه السلام، وهو القائل :

وإنما خرج لطلب الإصلاح في أمة جدي.

نقول وبه نستعين: أن هذه الأمة هي آخر الأمم، ومعلوم أنه قد مرت أمم عديدة على هذه الأرض، من أن خلق الله سبحانه آدم علیه السلام ، وأهبطه على هذه الأرض، فكان أول إنسان صالح ونبي مرسل.

ثم بدأت تتكون أمة بعد أمة، فكل أمة لها نبي يرشدها إلى الحق واتباعه،فكانت هذه الأمم تستقيم تارةً وتنحرف أطواراً، وكلما استفحل الانحراف

وطغى الظلم والجهل يبعث الله سبحانه من يصلح البشر على وجه هذه الأرض، من نبي ووصي.

فكان ختام النبوات والرسالات ما جاء به سيد الكائنات والرسول المسدد محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله.

ومعلوم أيضاً أن الله تعالى قد بعث النبي صلی الله علیه واله والناس في جاهلية جهلاء، لا يقيمون وزناً للحق ولا يسعون لمعرفته، فأسس مناهج الحق وقضى على الجاهلية، وبدأ شعاع النور يضيء الطريق للعقول والنفوس، ويلهم الفطرة في ضمائر البشرية.

وبعد أن تكونت أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وفارق النبي صلی الله علیه واله هذه الدنيا إلى الرفيق الأعلى، عادت الجاهلية تظهر من جديد.

وهنا لا أدخل بسرد تواريخ، وإنما أحاول الإشارة للوصول للغاية التي قام لأجلها الحسين علیه السلام، وهي من أدق الأسرار، وإن كانت ظاهرة بحسب الواقعة والحدث.

هذه الأمة التي بدأت المسيرة في إصلاح البشرية بالتصدي لإصلاح الجاهلية، والإصلاح الثاني (عند أول منعطف وهو إبعاد من اختاره الله سبحانه)، في صون و حفظ تأويل ومعاني الرسالة التي تحققت عند تنزيلها.

وقفة للتدبر:

إن الأمم تصلح وتبقى بصلاح قادتها، فعندما يتولى قيادة الأمة جهلاؤها تنحرف عن مسيرها، وقد تزول عندما يعم انحرافها، وإن لم يبق مجال لأن يوقف عقلاؤها تلك الإنحرافات، فإن الأمم تندثر وتبيد .

وبعد أن سادت هذه الأمة وهي آخر الأمم التي تتحمل مسؤولية ختام الرسالات من رب الأرض والسماء، ثم وصلت الأمة إلى منتهى الإنحراف بمن تولى أمرها من الجهلاء، قام الحسين عليه السلام بالنداء قولاً وعملاً، فحدد الغاية من أول ساعة، وهو القائل : أريد أن آمر بالمعروف وأنهی عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب علیه السلام(1).

من هنا يجب علينا أن نتدبر الأبعاد الحقيقة ونتلمس الإشارات من هذه الوصية لأخيه ابن الحنفية، لتبقى مشعل نور للأمة، ومسيرة حياتها،وللأجيال وصون وجودها، لأنه ليس بعد هذه الأمة رسالة.

عود على بدء:

«كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ»(2)..

هنا يمكن القول أن الإنسان يكون إنساناً بإنسانيته، عندما يكون صالحاً، مهتدياً، عاملاً بالحق، ساعياً لمرضاة خالقه.

ولا يبق الإنسان إنساناً عندما يصبح مفترساً، ضالاً، مغموراً بالجهل، أو متنكباً عن طريق الحق.

فالسر بمواقف الحسين عليه السلام كامن بالغاية التي حددها بقوله: فمن قبلني بقول الحق فالله أولى بالحق.

حيث لن تنزل إلى الأرض بعد هذه الرسالة رسالة قط، وليس بعد أمة


1) بحار الأنوار ج 44 ص 329.

2) آل عمران 110.

محمد صلی الله علیه واله أمة، وليس بعد نبوته نبوة.

فعندما تحفظ هذه الرسالة لهذه الأمة، معناه أن ثمرة الرسالات السابقة ومبادئ الأمم قد انحصرت واجتمعت في هذه الرسالة، وفي هذه الأمة.

ولكي تبقى هذه الأمة (خير أمة)، فلا بد من تضحية ووقفة تصونها، فكانت ملحمة كربلاء، وفعلاً تحققت الغاية واستمرت، وبها يكون صلاح البشرية، رغم ما هو حاصل من السلبيات.

آل البيت هم أهل سر الله

مما لا شك فيه أن في هذه الحياة وهذا الكون أسرار، تظهر منذ الخليقة بالتدرج، بدءً من خلق الأكوان وصولاً إلى خلق الإنسان.

من هنا ندرك أن خزائن الأسرار قد أودعها الله سبحانه في عباده الأبرار، ومعلوم أن الأمانات لله قد استقرت عند النبي المختار صلی الله علیه واله.

هذه الإشارات من المعاني أصبحت من الواضحات، فكلما مرت الدهور تنكشف الحقائق لذوي البصائر. وقد ألمحنا فيها تقدم كثيراً أن الأمانات قد استقرت عند الحسين عليه السلام، ومما لا شك فيه أن هذه الأمانات قد توارثها الأئمة عليهم السلام من علي عليه السلام إلى صاحب الأمر الحجة المنتظر عجل الله فرجه، وعندما نقول أنها لدى الحسين عليه السلام أي أنها لم تنتقل لغير الأئمة من بنیه علیهم السلام.

وهنا نشير إلى حديبي عن الحسين عليه السلام حول تلك الأسرار والخصوصية التي خصهم الله سبحانه بها من جميع المخلوقات، وهذا ثابت الأدلة.

الأصبغ بن نباتة قال: سألت الحسين علیه السلام فقلت: سیدي، أسالک عن شيء

أنا به موقن وأنه من سر الله وأنت المسرور إليه ذلك السر؟

فقال: يا أصبع، أتريد أن ترى مخاطبة رسول الله لأبي دون يوم مسجد قبا؟ قال: هذا الذي أردت .

قال : قم فإذا أنا وهو بالكوفة، فنظرت فإذا المسجد من قبل أن يرتد إلى بصري.

فتبسم في وجهي فقال: يا أصبغ إن سليمان بن داود أعطي الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأنا قد أعطيت أكثر مما أعطى سلیمان.

فقلت: صدق والله يا ابن رسول الله .

فقال: نحن الذين عندنا علم الكتاب وبيان ما فيه، وليس لأحد من خلقه ما عندنا إنا أهل سر الله.

فتبسم في وجهي ثم قال: نحن آل الله و ورثه رسوله(1)..

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي حديث آخر عن الحسين بن علي عليه السلام قال: إن يهوديا من يهود الشام وأخبارهم قال لأمير المؤمنين عليه السلام :

فإن هذا سليمان قد سخرت له فسارت به في بلاده غدوها شهر ورواحها شهر.

قال له علي عليه السلام: لقد كان کذلك، ومحمد صلی الله علیه واله أعطى ما هو أفضل من هذا، إنه سري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر وعرج به في


1) مناقب آل أبي طالب ج4 ص 52.

ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام في أقل من ثلث ليلة حتى انتهى إلى ساق العرش(1)..

الأسرار يحملها الأبرار

عندما تجوب العقول حول الأكوان تدرك أن هناك أسراراً وأسرار، ولكن لا تعرف تلك الأسرار إلا من خالقها ومبدعها، ولذا أدركت العقول السليمة ما جاء به الأنبياء والرسل عليهم السلام ، فالأنبياء والأوصياء هم الذين حملوا أسراراً من وحي الله إليهم، فكانوا الأمناء على ما جاءهم من السماء.

فالسماء بالنسبة للإنسان هي العطاء، بدءً من الوجود مروراً بالمعرفة .

فعندما نقرأ آيات قرآنية أو أحاديث نبوية ندرك أن أسرار الحياة ومعانيها قد أودعها الله سبحانه صفوة عباده، من أنبياء وأوصياء، وهذا ما تدلنا عليه الأحاديث الشريفة.

عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: أسر الله سره إلى جبرئیل وأسره جبرئيل إلى محمد صلی الله علیه واله وأسره محمد صلی الله علیه واله إلى علي وأسره علي صلیالله علیه واله إلى من شاء واحداً بعد واحد(2).

وفي حديث آخر عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن رسول الله صلی الله علیه واله دعا علياً عليه السلام في المرض الذي تؤفي فيه فقال:

يا علي ادن مني حتى أسر إليك ما أسر الله إلي وأئتمنک على ما ائتمنني الله


1) الإحتجاج ص220.

2) بصائر الدرجات ج8 ص 377.

علیه.

ففعل ذلك رسول الله صلی الله علیه واله بعلي عليه السلام وفعله علي عليه السلام بالحسن وفعله الحسن بالحسين وفعله الحسین بأبي وفعله أبي بي(1).

وعن أبي الحسن عليه السلام قال: لا يقدر العالم أن يخبر بما علم، فإن سرالله أسره إلى جبرئيل وأسره جبرئيل إلى محمد صلی الله علیه واله وأسره محمد صلی الله علیه واله إلى من شاء الله(2).

ومضات من أسمى حياة

عندما نحاول أن نرسم حروفاً حول أسرار الحسين عليه السلام نجد أنفسنا بحاجة ماسة إلى استنارة من حياة الإمام الشهيد الحسين عليه السلام، وهذه الاستنارة نتلمسها من جوانب حياته، ومنها تأخذ ضياءً لعقولنا،مع العلم أنا قاصرون عن إدراك تلك الشخصية التي حارت حول معرفتها العقول، حتى الملائكة في السماء.

ولكن نحاول إدراك ما نتوفق لإدراكه، وبمقدار ما يسع وعاء صدورها، وأكثر ما يحيط بنا العجز أننا لم ندرك من أي باب ندخل، ومن أي خيط نور نتلمس، لأن سيرة الحسين علیه السلام هي أوسع من دائرة الأكوان لدى حياة الإنسان.

فكلما تقدمنا نحو جهة يحيط بنا القصور والعجز، ونجد بحوراً من الضياء ينبهر بها العقل، ويكل عن بيانها اللسان.


1) بصائر الدرجات ج8 ص 377.

2) المصدر السابق ص378، والكتاب الشيخ القميين أبي جعفر محمد بن الحسن الصفار، من أصحاب الإمام العسكري علیه السلام.

ولا غرو أن يقال: یا علة الأكوان والسر الخفي..

ية وواقع

غالباً ما تكون الكلمات تحاكي النظريات، وعندما نقرأ في القرآن وواقع الإنسان نجد أن الآيات ترسم لنا واقع الحياة، من هنا تفاوتت المراتب لدى كل عامل وعند كل إنسان، فعندما نقرأ الواقع لكل نماذج البشرية لا نجد مثيلاً جامعاً مثل الإمام الحسين عليه السلام، فهو الجامع لمعاني الآيات، وحقيقة واقع الحياة.

وهذه الإشارة ليست من باب المبالغة، بل هي من الواقعية التي جسدها الإمام الحسين عليه السلام، لقد جسدها نظرياً علمياً وتنفيذاً عملياً.

فعندما نقرأ واقع کلماته نجد أنها فوق كلمات المخلوقات ودون کلمات الخالق، من هنا قد نشأت الحيرة عند العقلاء، ولدى العقل البشري في تقيیم مواقف ومواقع الحسين علیه السلام.

لقد حمل لنا التاريخ كلمات في أعظم واقعة في تاريخ البشرية وهي ليلة العاشر من شهر محرم الحرام سنة إحدى وستين للهجرة(1).

نموذج رفيع في ليلة عاشوراء

عاشوراء بكل معانيها وأبعادها قد أصبحت منهاجاً ومدرسة وسلوكاً لجميع الأحرار من بني البشر.

قال علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام : .. فسمعت أبي علیه السلام يقول لأصحابه: أثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني


1) أي الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة المنورة في الحجاز .

أحمدک على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاًوأبصاراً وأفئدة فاجعلنا من الشاکرين.

أما بعد، فإني لا أعلم أصحاباً ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أصحابي وأهل بيتي فجزاکم الله عني خير الجزاء، ألا وإني لأظن يوماً لنا من هؤلاء، ألا وقد أذنت فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشیکم فاتخذوه جملًا(1)..

والحديث مع أصحابه علیه السلام في ليلة عاشوراء ذو شجون، وفيه الكثير من السر المكنون، وأسرار عاشوراء تضيء الطريق للسالكين إلى يوم اللقاء، ففيها أنوار الضياء.

وقفة عند باب الصبر

عندما نحاول قراءة الواقع العملي لا نجد في كل تاريخ البشرية منذ آدم عليه السلام إلى آخر الدهر إنساناً أصبر من الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء، من هنا ندرك المقام الرفيع لعظمة الإمامة.

لنقرأ هذه الآية بقلب صاف وعقل سلیم، ونقرأ واقعة كربلاء بما حققت في واقع الحياة: قال تعالى:«وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا»(2)

المرتبة التي تعجبت منها ملائكة السماوات هي فوق الحصر والتقديرات، بل فوق كل ما يمكن أن يقال بحروف الكلمات، من هنا عجزت العقول عن


1) روضة الواعظين ج 1 ص 183.

2) السجدة 24.

إدراك أسرار الإمامة، فالحسين عليه السلام وهو خامس أهل الكساء عليهم السلام قد انتهت إليه نقطة الارتكاز حول الإمامة، ولذا نجد كل ما تقدم للبشرية، وكل ما هو مؤخر يتمحور حول الحسين عليه السلام، وهو الجامع لمسيرة الأولين والآخرين(1).

وقفة نتلمس بها الشكر عند الحسين

إن لباب الشكر أبعاداً لدى المخلوقات، وكل مخلوق يؤدي ذلك بحسبه، فالمخلوقات متنوعة ومتفاوتة، والإنسان هو الأرقی، و أرقى الأفراد عموماً هو الواصل لأرفع درجات الشكر، فعندما نحاول أن نتلمس الشكر عند الحسين عليه السلام يقف الفكر عاجزاً لأن الشكر الحقيقي فوق جوارح المحسوسات.

وعندما نقرأ واقعة كربلاء ومقدار عظمة البلاء نجد أن الحسين علیه السلام قد وجد هذا الضراء رحمة وليس بلاءً.. ويكمن في هذا المعنى سر الأسرار،ولذا نجد في دعاءالحسين عليه السلام ليلةعاشوراء:ربنا فاجعلنا من الشاكرين .

وهنا تظهر لدينا معالم الأسرار في تلك الواقعة، عندما يردد علیه السلام هذه الكلمات الخالدة: اللهم إني أحمدک على أن أکرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً، فاجعلنا من الشاکرین(2).

لئن شكرتم لأزيدنكم

الشكر لله من أرفع موازين الأعمال، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية


1) إشارة: البشرية لم تصل إلا بنهج الحسين علیه السلام إلى يوم القيامة .

2) من كلماته علیه السلام المتقدمة آنفاً.

مجمعة على ذلك، ومنها قوله سبحانه: «وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا»(1).

كثير من الناس ينظرون إلى شيعة الحسين علیه السلام أنهم مبالغون في حبه وفي إظهار شعائر کربلاء، وهذا ما نراه في كل عصر من العصور، وحتى في هذه الأزمنة، وهنا لا أدخل في سجال ومناظرة بل أحاول الإشارة لما ندرك بمقدار ما نقدر على بيانه .

الأول: إن الأعمال تدور مدار العلم والإيمان، وهذا ما تنص عليه الآيات القرآنية، قال سبحانه:«یَرفَعِ الله الَّذینَ آمَنو مِنکُم والَّذینَ أُتُوا العلم دَرَجاتٍ»(2)

الثاني: لا بد من معرفة كل عمل وما يترتب عليه، وعندما نضم هذه الآيات من الشكر والدرجات، إلى قراءة واقع الأعمال ومخاطبة الحسين علیه السلام لخالقه عز وجل ندرك خيط الأسرار.

فقرات من دعاء عرفة

العلم، والمعرفة، والإيران: جسدها الإمام الحسين عليه السلام بمواقف كربلاء،وكل ذلك كان يبرز بكلماته ودرره المضيئة التي لا تنفطئ أبداً.

يخاطب علیه السلام الخالق سبحانه بأعز موقف في عرفة، عندما يدعو بدعاء رفيع نعجزعن بيانه، وهو يقول:

يا مولاي أنت الذي أنعمت، أنت الذي أ حسنت، أنت الذي أجملت، أنت


1) الأنعام 132.

2) الأحقاف 19.

الذي أفضلت، أنت الذي أكملت، أنت الذي رزقت، أنت الذي وفقت، أنت الذي أعطيت، أنت الذي أغنيت، أنت الذي أقنيت، أنت الذي آويت، أنت الذي کفیت، أنت الذي هديت، أنت الذي عصمت، أنت الذي سترت، أنت الذي غفرت، أنت الذي أقلت، أنت الذي أعززت ، أنت الذي أعنت، أنت الذي عضدت، أنت الذي أیدت، أنت الذي نصرت، أنت الذي شفیت، أنت الذي عافيت، أنت الذي أكرمت، تباركت وتعاليت، لك الحمد دائماً، ولك الشكر واصباً أبدا(1)..

إيضاح وبیان: هذه الفقرات ورد الخطاب فيها سبعة وعشرين مرة بصيغة الخطاب، وهذا يدلنا على مقام الحضور لدى خالقه ومدبر الأمور.

الإنسان والكمال

الإنسان في هذه الدنيا له أبعاد عديدة، وأرقى ما يمكن الوصول إليه هو الكمال الإنساني، وهذه العبارة لها تفاسير کثيرة عند ذوي الأفهام والأقلام، وهنا نحاول رسم بعض الحروف والكلمات حول ذلك:

الأول: أن معاني الكمال مختلفة ومتفاوتة من شخص لآخر، فقسم من الناس يرون الكمال في الكمال الدنيوي، وقسم يرون الكمال في الكمال الأخروي، وقسم آخر يرونه تابعة للنسبة(2)..

وحديثنا هنا ليس عن الكمال المطلق، فالكمال المطلق للخالق وحده عز اسمه.


1) البلد الأمين ص255، وهذه الفقرات من دعاء كبيرعظیم الشأن والبركات، من دعاء عرفة .

2) توجد تقسيمات كثيرة بحسب الاعتبارات.

والإنسان في هذه الدنيا يسعى جاهداً نحو الكمال المتعلق بالمخلوق، ومما هو معلوم أن لكل مخلوق خصوصیاته، وأيضاً لكل فرد معطياته، فعندما نحاول أن ننظر للإنسان نجد أنه يسعى للوصول إلى المعرفة، ومنها يسعى نحو الكمال.

الثاني: أن الكمال الحقيقي هو معرفة الله سبحانه(1)، ولهذه المعرفة ابتداء ولكن ليس لحدودها انتهاء.

من هنا ندرك معاني التفاوت نحو الكمال، والإنسان قد میز بمراتب المعرفة، فقد يخيل أن المعرفة من الأمور السهلة، ولكن في الواقع هي أشد شيء عند العقلاء، لأن المعرفة هي إدراك حقائق الأشياء، لذلك نرى معظم أبناء البشر يرتعون في الجهل وهو ظلام.

إن إدراك المعارف الحقائق الأمور تحتاج إلى العناء الكثير، بل لا بد من الجهد المتواصل، وهذا كثيراً ما تعرض عنه النفس البشرية، وعندما ننظر في الأمم السابقة والحاضرة نجد أكثر الناس قد استكانت الظواهر الدنيا، ومعلوم أن ظواهر الدنيا من جوارح المحسوسات، وهي من الأمور البسيطة جداً، ومعرفتها لا تحتاج إلى جهد، بل ندركها بحواسنا الطبيعية، بالحواس الخمس(2).

الإنسان أبعد من الحواس

عندما ننظر لأنفسنا نظرة أولية نجد أن حقيقة الإنسان فوق ما هو


1) تفاصيل ذلك في كتب علم الكلام وعلوم الفلسفة.

2) وهي السمع والبصر والشم والحين والذوق.

محسوس، لأن المحسوس أمر مجسد، والإنسان كما قيل: روح و جسد(1).

فكل حواس الإنسان هي وسائل، وليست منتهي حقيقة الإنسان، ولا يقف الإنسان عند المحسوسات إلا بمقدار ما يتناسب وهذه الدنيا، وهذه المعاني يدركها الإنسان وإن عجز عن البيان.

فإن مجرد وجود العجز هو دليل على ما هو أبعد مما وصل إليه الإنسان، ومهما توصل إلى اكتشافات ومخترعات يبقى الإنسان عاجزاً عن اكتشاف ذاته وحقيقة نفسه.

ولذا تأتي قاعدة المعرفة بالحث على معرفة النفس الإنسانية، ولذا قيل :معرف النفس باب الوصول، ومنها تبدأ أمهات المعارف، وقد ورد في الأحاديث: من عرف نفسه عرف ربه(2).

ابتداء المعرفة عند ابتداء النفس

يتدرج الإنسان بالمعرفة عند ابتداء نفسه، والنفس هي نقطة الارتكاز في کیان الإنسان، لذلك يجب الوصول إلى معرفتها، لأن الجهل بواقع النفس الإنسانية هو جهل بكيان ذات الإنسان، والجهل نقيض العلم والمعرفة، فبقدر ما يترقى الإنسان بمعرفة نفسه يمكن أن يصل إلى حقيقة ما يجب عليه .

وهنا يمكن ذكر الحديث المشهور: قيمة كل امرئ ما يحسنه(3).


1) روي عن الإمام زين العابدين عليه السلام: فالروح بغير جسد لا تحس، و الجسد بغیر روح صورة لا حراك بها، فإذا اجتمعا قويا و صلحا (التوحيد للصدوق ص 366).

2) يحسن مراجعة أبحاثنا حول آیات النفس، وهي لا تزال مخطوطة.

3) الأمالي للصدوق ص 447.

فالنفس لها تدرج في نمو كيانها، وكذلك تتدرج في الوصول إلى المعرفة الحقة، ومعرفة الحق هي الغاية لخلق الإنسان، فمن عرف ذلك سلك طريق الوصول، ومن جهل ذلك لم يصل إلى الغاية .

من هذه المعاني يمكن لعقولنا أن تدرك شيئاً من أسرار المعرفة، وخصوصاً فيما يتعلق بأسرار الحسين علیه السلام .

أسرار الحسين فوق ادراكات عقولنا

تمتد بعض خيوط الأنوار والأسرار من کلمات مواقف الحسين عليه السلام .

لنقرأ هذه التعابير من درر الكلمات، لعلنا نتلمس ومضات لمعرفة أنفسنابعد أن وصل علیه السلام إلى أرقى مراتب الكمال.

يكرر عليه السلام هذه التسبيحات بعنوان التهليل اثني عشر مرة، وفيها دلالات واشارات لو أدركتها عقولنا لأضاءت، يقول الحسين عليه السلام :

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لا إله إلا أنت سبحانك إني کنت من المستغفرين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الموحدين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الخائفين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الوجيين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الراجین، لا إله إلا أنت سبحانك إلي کنت من الراغبين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المهللین، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من السائلين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المسبحين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المكبرين، لا إله إلا أنت سبحانك

ربي ورب آبائي الأولين(1)..

وقفة فيها إشارات لأبعاد هذه التحليلات:

الأول: البعد النفسي مع الخالق عز وعلا. وهذا البعد هو نقطة الانطلاق الحقيقة الأبرار، لأن الإنسان لا بد أن يبدأ من ذاته نحو خالقه ومبدعه، وهذا يحتم علينا الإقرار والتوسل والتسبيح والتهليل. فابتدأ عليه السلام بالتهليل الأول: لا إله إلا أنت سبحانك إلي کنت من الظالمين، وهذا دعاء نبي الله يونس، ولا شك أن في ذلك أسراراً.

الثاني: البعد العملي، وهو التربية الخاصة لأهل بيت العصمة علیهم السلام بقوله عند إتمام التهليلات، حيث قال علیه السلام : لا إله إلا أنت سبحانك ربي ورب آبائي الأولين.

نقول وبه نستعين: إن التعابير الواردة في الأدعية الصادرة عن أهل بيت العصمة علیهم السلام ذات أبعاد ومعان رفيعة، فالمقطع الأخير (ربي ورب آبائي الأولين) فيه أبعاد منها:

أولاً: التربية الربانية، وهذه التربية تارة تكون تشريعية وتارة تكوينية، من هنا ندرك الخصوصية لأهل بيت العصمة علیهم السلام..

ثانياً: تربية المعصوم تمتاز عن معاني التربية العامة، لأن خصوصيات المعصوم فوق الإدراكات التي نعرفها عند بقية الأفراد، فالنبي والرسول (2)والإمام عليهم السلام لا بد لهم من خصوصيات تميزهم عن غيرهم، لأن حمل الرسالات


1) البلد الأمين 256.

2) إشارة لاحاديث كثيرة ومنها: أدبني ربي ...

السماوية لها اختيار خاص.

التربية التشريعية: إن التربية التشريعية هي الأساس الواقعي لحياة الإنسان، وبدونها يفقد الإنسان إنسانيته، فكان لا بد من مرب جامع لكل الصفات الحميدة والمعاني الرفيعة، ويحتم حكم العقل أن يكون المربي معصوماً عن كل خطأ أو نقص، وعندما نقول (تشريع) فمعناه أن الإنسان لا بد له أن يتعبد بما هو حق وصحيح، وهذا لا يمكن أن يحصل إلا عن طريق المعصوم.

من هنا كانت حكمة الخالق سبحانه أن يرسل الرسل مبلغين الحق لبني البشر، فالتربية التشريعية هي الميزان للإنسان في الدارين، أي الدنيا والآخرة.

فعندما نبحث في سيرة أهل بيت العصمة عليهم السلام نجد في كل تصرفاتهم وأقوالهم وأفعالهم الزام بتربية النفوس وهداية العقول.

ومنها يصل الإنسان إلى أعلى مراتب التوحيد، وهو الأساس الحقيقي لكل عبادات الإنسان(1).

التوحيد الأسمى

عندما نغور ونتابع سيرة أسرار الحسين علیه السلام نجد أنه عليه السلام وصل إلى أعلى مراتب التوحيد، والتوحيد الحقيقي هو منتهى الغايات، وهو أسمى مراتب العبادات، وعليه تقام معاني الحياة.

لنقرأ هذه الفقرات من درر الأسرار، يقول الله : إن قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عباده التجار، وإن قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عباده العبيد، وإن قوماً عبدوا


1) إشارة للآية ما «خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»

الله شكراً فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة(1).

ونقرأ هذه الإضاءات من بعض الفقرات من دعاء يوم عرفة، يقول علیه السلام :

أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحدوک [ووجدوک]، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائک حتى لم يحبوا سواك، ولم يلجئوا إلى غيرك، أنت المونس لهم حيث أوحشتهم العوالم، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم، [إلهي] ماذا وجد من فقدک، وما الذي فقد من وجدک، لقد خاب من رضي دونک بدلا(2)..

عند محاولتنا للكتابة حول الأسرار نقتطف من هنا زهرة ومن هناك وردة، ومن هنالك نظرة لنروي ظماءً لنفوس ترنو نحو المعرفة، لذلك لم يكن لكتابتنا منهج أو أسلوب محدد، بل نجول هنا مرة ونحتار مراراً..

وهنا نشير إلى طرف حول التوحيد، والتوحيد هو البداية، وإليه وصول النهاية، حيث أن التوحيد أساسي لكل أمر من أمور الحياة، بل هو طريق للفوز والنجاة، وعند فقدانه الخسران للإنسان، من هنا ندرك أن التوحيد قائم على أصول المعرفة، التي هي رأس العلم.

قال الصادق علیه السلام: العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع الله، لؤ سها قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقاً إليه.

والعارف أمين ودائع الله وكنز أسراره ومعدن نوره و دلیل رحمته على خلقه، ومطیعة علومه وميزان فضله وعدله.


1) تحف العقول ص 246.

2) إقبال الأعمال ج 1 ص 249.

قد غني عن الخلق والمراد والدنيا لا مونس له سوى الله، ولا نطق ولا إشارة ولا نفس إلا بالله ولله ومن الله ومع الله، فهو في رياض قدسه متردد، ومن لطائف فضله إليه متزود، والمعرفة أصل فرعه الإيمان(1).

وقفة:

مما لا شك فيه أن للمعرفة أهلاً، وأنها تتوقف على أمور كثيرة أهمها العلم، وفي جوهرها تكمن الأسرار، وبها تنكشف الأستار، وهي رأس العلم.

جاء رجل إلى رسول الله صلی الله علیه واله قال: ما رأس العلم؟

قال : معرفة الله حق معرفته .

قال: وما ك معرفته؟

قال : أن تعرفه بلا مال ولا شبه، و تعرفه إلها واحداً خالقاً قادراً أولا وآخراً وظاهراً وباطناً، لا كفو له ولا مثل له، فذاك معرفة الله حق معرفته(2).

قال النبي صلی الله علیه واله: أفضلكم إيماناً أفضلكم معرفة(3).

وروي عن بعض العلماء علیه السلام أنه قال: في تفسير هذه الآية «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان»ما جزاء من أنعم الله عليه بالمعرفة إلا الجنة(4)..


1) بحار الأنوار ج3 ص14.

2) بحار الأنوار ج3 ص14.

3) بحار الأنوار ج3 ص14.

4) بحار الأنوار ج 3 ص 13.

حديث حول التوحيد

نفتتح ونتبرك برسم هذا الحديث، عن مولانا الإمام علي بن موسی الرضا علیه السلام حيث وفقنا الله سبحانه لزيارته هذا العام (1)مرتين:

عن أبي المفضل عن الليث بن محمد العنبري عن أحمد بن عبد الصمدعن خاله أبي الصلت الهروي قال: كنت مع الرضا عليه السلام لما دخل نیسابور وهو راکب بغلة شهباء وقد خرج علماء نيسابور في استقباله فلما صار إلى المربعة تعلقوا بلجام بغليه وقالوا: يا ابن رسول الله حدثنا بحق آبائك الطاهرين حديثاً عن آبائك صلوات الله عليهم أجمعين.

فأخرج رأسه من الهودج وعلي مطرف خز فقال:

حدثني أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد بن علي عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين سيد شباب أهل الجنة عن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلی الله علیه واله قال:

أخبرني جبرئيل الروح الأمين عن الله تقدست أسماؤه وجل وجهه قال :

إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، عبادي فاعبدوني، وليعلم من لقيني منکم بشهادة أن لا إله إلا الله مخلصاً بها أنه قد دخل حصني، ومن دخل حصني أمن عذابي.

قالوا: يا ابن رسول الله، وما إ خلاص الشهادة لله ؟


1) کتبت هذه الاسطر صباح الأربعاء 10 أيلول 2003 الموافق 13 رجب 1424 ه.

قال: طاعة الله ورسوله وولاية أهل بيته علیهم السلام(1).

عندما نحاول أن نكتب عن أسرار الحسين عليه السلام نجد أن ذلك لا حدود له، ولذا نأخذ من هنا قطعة ومن هناك إشارة، ونجد في أعماق ومضامين الأحاديث ما لا حصر له، ونجد أن الحسين عليه السلام قد حمل من الأسرار منذ عوالم الأنوار إلى عوالم الظهور مروراً بمراحل حياته كلها ما عجزت العقول عن إدراكه.

ولكن لا بد من الإشارات ولو بالنزر القليل من رسم كلمات وأحاديث وإشارات لعل جيلاً يأتي يدرك أبعاد تلك الأسرار.

ومن تلك الدرر نرسم هذه الأحرف، من حديث صحيح عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه كان إذا أقبل ابنه الحسن يقول: مرحباً بابن رسول الله.

وإذا قبل الحسين يقول: بأبي أنت يا أبا ابني خيرة الإماء.

قيل: يا أمير المؤمنين ما بالك تقول هذا الحسين وهذا للحسين؟ ومن ابن خيرة الإماء؟

فقال : الله الفقيد الطريد الشريد م ح م د بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن موسی بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسین هذا.

ووضع يده على رأس الحسين عليه السلام(2).

من هذا الحديث ندرك الأبعاد الواقعية التي حملها الحسين علیه السلام من الأسرار التي تتناقل من جيل إلى جيل، ومن زمن إلى أزمان، و من واقعة إلى إظهار الحقائق.


1) بحار الأنوار ج3 ص15.

2) بحار الأنوار ج 51، ص 110.

فالحسين علیه السلام هو قطب الرحى فيما حمل من أسرار النبوة وأنوار الإمامة،ليبقى هذا النور شعاعاً لمن يهتدي في كل زمان ومكان.

وعندما نقرأ الواقع العملي في هذه الأزمنة نجد أن الحسين عليه السلام بسيرته الوضاءة ينيرالقلوب والعقول للهداية والحق.

إن حديث أمير المؤمنين عليه السلام فيه رموز لكل مراحل و محطات ومنعطفات الحياة، حيث أن الحسين عليه السلام حامل للأسرار التي أودعها الله عند النبي المختار صلی الله علیه واله.

أسرار أشار إليها أمير المؤمنين

من هذه الأسرار ما جاء في بعض خطبه علیه السلام حول إثبات الوصية، قال علیه السلام :

الحمد لله الذي تحود بصنع الأشياء، وفطر أجناس البرايا على غير أصل ولا مثال سبقه في إنشائها، ولا إعانة معين على ابتداعها، بل ابتدعها بلطف قدرته،فامتثلث في مشيته خاضعةً ذليلةً مستحدثة لأمره.

الواحد الأحد الدائم بغير حد ولا أمدٍ ولاأمد زوال ولا نفاد، وكذلك لم يزل ولا يزال، لا تغيره الأزمنه ولا تحيط به الأمکنة ولا تبلغ صفاته الألسنه ولا تأخذه نوم ولا سنة.

لم تره العيون فتخبر عنه برؤية، ولم تهجم عليه العقول فتتوهم کنه صفته ،ولم تدر كيف هو إلا بما أخبر عن نفسه..

ليس لقضائه مرد ولا لقوله مکذب، ابتدع الأشياء بغير تفكر ولا معين ولا

ظهير ولا وزير، فطرها بقدرته وصيرها إلى مشیته، وصاغ أشباحها وبرأ أرواحها واستنبط أجناسها خلقاً مبروءاً مذروءاً في أقطار السماوات والأرضين.

لم يأت بشيء على غير ما أراد أن يأتي عليه ليري عباده آیات جلاله وآلايه، فسبحانه لا إله إلا هو الواحد القهار وصلى الله على محمد و آله وسلم تسليماً.

اللهم من جهل فضل محمد صلی الله علیه واله فإني مقر بأنك ما سطحت أرضاً ولا برأت خلقاً حتى أحکمت خلقه وأتقنته من نور سبقت به السلالة، وأنشأت آدم له جرماً فأودعته منه قراراً مكيناً و مستودعاً مأموناً.

وأعذته من الشيطان وحجبته عن الزيادة والنقصان وحصلت له الشرف الذي يسامي به عبادک.

فاي بشر کان مثل آدم فيما سابقت به الأخبار وعرفتنا كتبك في عطاياك، أسجدت له ملائكتک، وعرفته ما حجبت عنهم من علمك، إذ تناهت به قدرتك وتمت فيه مشيتك.

دعا بما أکننت فيه فأجبته إجابة القبول، فلما أذنت اللهم في انتقال محمد صلی الله علیه واله من صلب آدم ألفت بينه وبين زوج خلقتها له سكنا، ووصلت لهما به سببا، فنقلته من بينها إلى شيت اختياراً له بعلمك، فإنه بشر كان اختصاصه برسالتك.

ثم نقلته إلى أنوش فكان خلف أبيه في قبول کرامتك واحتمال رسالاتك، ثم قدرت المنقول إليه قينان وألحقته في الحظوة بالسابقين وفي المنحة بالباقين، ثم جعلت مهلائيل رابع أجرامه قدرة تودعها من خلقك من تضرب لهم بسهم

النبوة وشرف الأبوة، حتى إذا قبله برد عن تقديرك تناهی به تدبیرك إلى أخنوخ

فكان أول من جعلت من الأجرام ناقلاً للرسالة وحاملاً أعباء النبؤة.

فتعالیت یا رب، لقد لطف حلمك، وجل قدرتک عن التفسير إلا بما دعوت إليه من الإقرار بربوبيتك.

وأشهد أن الأعین لا تدركک، والأوهام لا تلحقك، والعقول لا تصفك، والمكان لا يسعك، وكيف يسع من كان قبل المكان ومن خلق المكان؟

أم كيف تدرکه الأوهام ولم تؤمر الأوهام على أمره؟

وكيف تؤمر الأوهام على أمره وهو الذي لا نهاية له ولا غاية؟

وكيف تكون له نهاية وغاية وهو الذي ابتدأ الغايات والنهايات ؟

أم كيف تدرکه العقول ولم يجعل لها سبيلاً إلى إدراکه؟

وكيف يكون له إدراکه بسبب وقد لطف بربوبيته عن المحاسة والمجاسة؟

وكيف لا يلطف عنهما من لا ينتقل عن حال إلى حال؟

وكيف ينتقل من حال إلى حال وقد جعل الإنتقال نقصاً وزوالًا؟

فسبحانك ملات کل شيء، وباینت کل شيء، فأنت الذي لا يفقدک شي، وأنت الفعال لما تشاء، تبارك يا من کل مدرك من خلقه، و کل محدود من صنعه، أنت الذي لا يستغني عن المكان، ولا نعرفك إلا بانفرادك بالوحدانية والقدرة وسبحانك ما أبين اصطفاءک لإدريس على من سلك من الحاملين، لقد جعلت له دليلاً من كتابك إذ سمیته صديقاً نبياً، ورفعته مكاناً علياً، وأنعمت عليه نعمة حرمتها على خلقك إلا من نقلت إليه نور الهاشمیین، وجعلته أول منذر من

أنبيائك.

ثم أذنت في انتقال محمد صلیالله علیه واله من القابلين له متوشلخ ولمك المفضيين إلى نوح في آلائك يا رب على ذلك لم توله؟ وأي خواص کرامتك لم تعطه ؟

ثم أذنت في إيداعه ساماً دون حام ويافث فضرب لهما بسهم في الذلة، وجعلت ما أخرجت من بينهما لنسل سام خولًا.

ثم تتابع عليه القابون من حال إلى حال ومودع إلى مستودع من عترته في فترات الدهور حتى قبله تارخ أطهر الأجسام وأشرف الأجرام ونقلته ومنه إلى إبراهيم فاسعدت بذلك جده وأعظمت به مجده وقدسته في الأصفياء وسميته دون رسلك خليلاً.

تم خصصت به إسماعيل دون ولد إبراهيم فانطقت لسانه بالعربية التي فضلتها على سائر اللغات، فلم تزل تنقله محظوراًعن الإنتقالي في كل مقذوف من أب إلى أب، حتى قبله کنانه عن مدركة.

فأخذت له مجامع الكرامة و مواطن السلامة وأجلت له البلدة التي قضيت فيها مخرجه.

فسبحانك لا إله إلا أنت أي صلب أسكنته فيه لم ترفع ذكره؟

وأي نبي بشر به فلم يتقدم في الأسماء اسمه؟

وأي ساحة من الأرض سلكت به لم تظهر بها قدسه؟

حتى الكعبة التي جعلت منها مخرجه غرست أساسها بياقوتة من جينات عدن، وأمرت الملكيين المطربين جبرئیل و میکائیل فتوسطا بها أرضك ،وسميتها بيتك واتخذتها معبداً لنبيك، وحرمت وحشها وشجرها، وقدست حجرها ومدرها، وجعلتها مسلكاً لوحيک ومنسكاً لخلقك، ومأمن المأكولات وحجاباً

للأكلات العاديات، تحرم على أنفسها إذعار من أجرت.

ثم أذنت للنضر في قبوله وإيداعه مالكاً، ثم من بعد مالک فهراً، ثم خصصت من ؤلد فهر غالباً، وجعلت كل من تنقله إليه أميناً لحرمک، حتى إذا قبله لؤي بن غالب آن له حركة تقديس فلم تودعه من بعده صلباً إلا جللته نوراً تأنس به الأبصار وتطمن إليه القلوب.

فأنا يا إلهي وسيدي ومولاي المقرلك بانك الفرد الذي لا ينازع ولا يغالب ولا يشارك.

سبحانك لا إله إلا أنت، ما لعقل مولود وفهم مفقود مدحق من ظهر مریج نبع من عين مشيج بمحيض لحم وعلق ودر إلى فضالة الحيض وعلالات الطعم وشاركته الأسقام والتحقت عليه الآلام، لا يقدر على فعل ولا يمتنع من علة ضعيف التركيب والبينة، ما له والإقتحام على قدرتك، والهجوم على إرادتك، وتفتيش ما لا يعلمه غيرك.

سبحانك أي عين تقوم نصب بهاء نورك؟ وترقى إلى نور ضیاء قدرتك؟ وأي فهم يفهم ما دون ذلك إلا أبصار كشفت عنها الأغطية؟ وهتكت عنها الحجب العمية؟

فرقت أرواحها إلى أطراف أجنحة الأرواح، فناجوك في أرکانك وألحوابين أنواربهائک،ونظروا من مرتقى التربة إلى مستوى كبريائك، فسماهم أهل الملكوت زواراً، ودعاهم أهل الجبروت عماراً.

فسبحانك يا من ليس في البحار قطرات، ولا في متون الأرض جنبات، ولا في رتاج الرياح حرکات، ولا في قلوب العباد خطرات، ولا في الأبصار لمحات

ولا على متون السحاب نفحات، إلا وهي في قدرتك متحيرات.

أما السماء فتخبر عن عجائبک، وأما الأرض فتدل على مدائحک، وأما الریاح فتنشر فوائدک، وأما السحاب فتهطل مواهبك.

وکل ذلك يحدث بتحننك، ويخبر أفهام العارفين بشفقتك، وأنا المقر بما أنزلت على السن أصفيائك أين أبانا آدم عند اعتدال نفسه وفراغك من خلق رفع وجهه فواجهه من عرشك وسم فيه : لا إله إلا الله محمد رسول الله فقال : إلهي من المقرون باسمک؟

فقلت: محمد خير من أخرجه من صلبك، واصطفيته بعدک من ولدك، ولولاه ما خلقتك.

فسبحانک لك العلم النافذ والقدر الغالب، لم تزل الآباء تحمله، والأصلاب تنقله، کلما أنزلته ساحة صلب جعلت له فيها صنعاً یحث العقول على طاعته، ويدعوها إلى متابعته.

حتى نقلته إلى هاشم خیر آبائه بعد إسماعيل، فأي أب وجد ووالد أسرة ومجتمع عترة و مخرج طهر ومرجع فخر جعلت یا رب هاشماً، لقد أقمته لدن بيتك وجعلت له المشاعر والمتاجر، ثم نقلته من هاشم إلى عبد المطلب، فانهجته سبيل إبراهيم وألهمته رشداً للتأويل، وتفصيل الحق ووهبت له عبد الله وأبا طالب وحمزة وفديته في القربان بعبد الله کسمتك في إبراهيم بإسماعيل، ووسمت بأبي طالب في ؤلده کسمتک في إسحاق بتقديسك عليهم وتقديم الصفوة لهم.

فلقد بلغت إلهي ببني أبي طالب الدرجة التي رفعت إليها فضلهم في الشرف الذي مددت به أعناقهم، والذکر الذي حلیت به أسماء هم وجعلتهم

معدن النور وجنته، وصفوة الدين وذروته، و فريضة الوحي وسنته، ثم أذنت لعبد الله في نبذه عند ميقات تطهير أرضک من کفار الأمم الذين نسوا عبادتك، وجهلوا معرفتک، واتخدوا أنداداً، وجحدوا ربوبيتک وأنكروا وحدانیتک وجعلوا لك شرکاء وأولاداً وصبوا إلى عبادة الأوثان وطاعة الشيطان.

فدعاک نبینا صلوات الله عليه بنصرته فنصرته بي وبجعفر وحمزة، فنحن الذين اخترتنا له و سميتنا في دينك لدعوتك أنصاراً لنبیک، قائدنا إلى الجنة خيرتک، وشاهدنا أنت رب السماوات والأرضين، جعلتنا ثلاثة ما نصب لنا عزيز إلا أذللته بنا، ولا ملك إلا طحطحته.

«أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم رکعاً سجداً»وصفتنا يا ربنا بذلك وأنزلت فينا قرآناً جلیت به عن وجوهنا الظلم، وأرهبت بصولتنا الأمم، إذا جاهد محمد رسولك عدواً لدينك تلوذ به أسرته، وتحف به عترته، كأنهم النجو الزاهره إذا توسطهم القمر المنير ليلة تمة [تمه].

فصلوا على محمد عبدك ونبیك وصفيك وخيرتك وآله الطاهرين، أي منيعة لتهدمها دعوته؟

وأي فضيلة لم تنلها عترته؟

جعلتهم خيرأئمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويجاهدون في سبيلك ويتواصلون بدينك.

طهرتهم بتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ونسک به لغير الله .

تشهدلهم وملائكتك أنهم باعوك أنفسهم، وابتذلوا من هيبتك أبدانهم،شعثه رءسهم تربةً وجوههم ،تکاد الارض من طهارتهم تقبضهم الیها و من

فضلهم تميد بمن عليها .

رفعت شانهم بتحریم آنجاس المطاعم والمشارب من أنواع المسکر، فأي شرف یا رب جعلته في محمد وعترته؟

فو الله أقولن قولاً لا يطيق أن يقوله أحد من خلقك: أنا علم الهدی وکهف التقى ومحل السخاء وبحر الندى وطود النهی ومعدن العلم، ونور في ظلم الدجا، وخیر من آمن واتقی، و أکمل من تقمص و ارتدی، و أفضل من شهد النجوي بعد النبي المصطفى.

وما أزکي نفسي ولكن بنعمة ربي أحدث.

أنا صاحب القبلتين وحامل الرايتين فهل يوازي في أحد؟

وأنا أبو السبطين فهل يساوي بي بشر؟

وأنا و خير النسوان فهل یفوقنی أحد؟

وأنا القمر الزاهر بالعلم الذي علمني ربي، والفرات الزاخر، أشبهت من القمرنوره وبهاءه، ومن الفرات بذله وسخاءه.

أيها الناس: بنا آثار الله السبل وأقام الميل، وعبد الله في أرضه و تناهت إليه معرفة خلقه، و قدس الله جل وتعالى بإبلاغنا الألسن، وابتهلت بدعوتنا الاذهان فتوفى الله محمداً صلی االه علیه واله سعيداً شهيداً هادياً مهدیاً قائماً بما استكفاه حافظاً استراعاه، تمم به الدين وأوضح به اليقين.

وأقرت العقول بدلالته و آبانت ځجج أنبيائه واندمغ الباطل زاهقاً ووضح العدل ناطقاً و عطل مظان الشيطان وأوضح الحق والبرهان.

اللهم اجعل فواضل صلواتک ونوامي بركاتك ورأفتك ورحمتك على محمد نبي الرحمة وعلى أهل بيته الطاهرين (1).

وقفة عند فقرات هذه الخطبة الحاوية لكثير من الأسرار:

السر الأول: أن الله سبحانه توحد بصنع وإبداء الأشياء. السر الثاني : أنه قد برأ الأرواح في أقطار السماوات.

السر الثالث: بعد خلق آدم عليه السلام أودع الله سبحانه في صلبه أنوار محمد وآله علیهم السلام.

السر الرابع: انتقال هذه الأنوار من نبي إلى آخر حتى وصل إلى هاشم ومنه إلى عبد المطلب(2).

وفي هذه الخطبة أسرار فوق إدراك عقولنا، وتحتاج هذه العقول إلى بصائر صافية لإدراك الحقائق الساطعة التي ظهرت من ابتداء صنع وإنشاء آدم علیه السلام ، إلى إظهار نور سيد الكائنات، وهذا النور من الأسرار لم يزل ينتقل ويظهر على فترات إلى ظهور الحجة المنتظر عجل الله فرجه.

وكل ذلك متصل بأسرار وأنوار الحسين عليه السلام، فمن يبحث يعرف، وليس كل ما يعرف يكتب.

ومن الأسرار ما جاء في هذا الحديث، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله خلقنا من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا


1) بحار الأنوار ج 25 ص 26، عن إثبات الوصية ص127.

2) إشارةإلى أن هاشم الذي كان فيه النور من أبرز أجداد النبي صلی الله علیه واله ، ويحسن مراجعة ابحاثنا حول ابتداء البعثة الشريفة.

وخلق أبدائهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا.

ثم تلا هذه الآية «كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما علیون* كتاب مرقوم *يشهده المقربون».

وخلق عدونا من سجين وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه، وأبدائهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم لأنها خلقت مما خلقوا منه.

ثم تلا هذه الآية «كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * وما أدراك ما سجين * كتاب مرقوم»(1).

أسرار من القرآن

عندما نحاول رسم حروف من أسرار القرآن الحکیم، لا بد من الرجوع لمصدر نزول القرآن المجيد، ومعاني القرآن الكريم تبدأ من عند سيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله.

عن أنس بن مالک قال: بينا رسو الله صلی الله علیه واله صلى صلاة الفجر ثم استوى في محرابه کالبدر في تمامه فقلنا: يا رسول الله إن رأيت أن تفسر لنا هذه الآية قوله تعالى «فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من اللنيين والصديقين والشهداءوالصالحين».

فقال النبي صلی الله علیه واله: أما النبيون فأنا، وأما الصديقون فعلي بن أبي طالب، وأما الشهدا فعمي حمزه، وأما الصالحوين فابنتي فاطمه وولداها الحسن والحسين(2)..


1) الكافي ج 1 ص 390.

2) بحار الأنوار ج 25 ص16، وللحديث تتمة طويلة ومهمة وفيه إشارة للأنوار.

تنبيه:

عندما نرسم حديثاً من هنا أو هناك لا بد من إدراك أن القرآن وما فيه من أسرار ومعان لا تعرف إلا من بيان أهل بيت العصمة عليهم السلام ، والأسرار ومعرفة الأنوار مخزونة عند النبي المختارصلی الله علیه واله .

نموذج من أحاديث النور والطينة

إن أحاديث الأنوار هي مستودع الأسرار، ومما لا شك فيه عند ذوي الألباب أن هذه الأسرار قد أودعها الله سبحانه عند رسوله المختارصلی الله علیه واله، وينبغي علينا أن لا نتعجب ولا ننكر ذلك عندما تعجز عقولنا عن إدراك هذه الحقائق الربانية، لأن عقولنا كثيراً ما تعجز عن هذه المعاني، لأنها انغمست في المحسوسات في هذه الدنيا وألفت ذلك.

ومن يجاهد نفسه في مدة حياته قد يدرك شيئاً من هذه الأنوار، وإن كانت الحروف والكلمات عاجزة عن بیان حقائق المعاني، فالحروف ما هي إلا إشارات ورموز لمعاني الحقائق، ونحن عندما نرسم ذلك نأمل أن يبعث الله سبحانه أجيالاً قد تدرك ذلك، فالعجزعن الإدراك إدراك..

وقد ثبت بالأدلة والبراهين أن الله تعالى قد أودع أنوار محمد صلی الله علیه واله في صلب آدم بعد خلقه، وقد تنقل هذا النور من صلب لآخر بعنايته سبحانه(1).

عن ابن عباس أنه قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.


1) من شاء التفاصيل فليراجع المصادر الموثوقة بنية صافية.

قال: فقلت يا أمير المؤمنين كيف ينظر بنور الله عزوجل؟

قال عليه السلام : أنا خلقنا من نور الله، وخلق شیعتنا من شعاع نورنا، فهم أضفیاء أبرارأطهار متوسمون، نورهم يضيء على من سواهم کالبدر في الليلة الظلماء(1).

وروی صفوان عن الصادق علیه السلام أنه قال: لما خلق الله السماوات والأرضين استوى على العرش فامر نورین من نوره فطافا حول العرش سبعين ،مرة فقال عزوجل : هذان نوران لي مطيعان.

فخلق الله من ذلك النور محمداً وعلياً والأصفياء من ولده علیهم السلام ، وخلق من نورهم شيعتهم، وخلق من نور شيعتهم ضؤء الأبصار(2).

إرشاد وتنبيه:

عندما نقرأ معظم الأحاديث عندها ندرك أن بعضها يوضح بعضاً، ونقترب من المعاني أكثر .

سأل المفضل الصادق علیه السلام: ما کنتم قبل أن يخلق الله السماوات والأرضين؟

قال عليه السلام : کنا أنواراًحول العرش نسبح الله ونقدسه حتى خلق الله سبحانه الملائكة، فقال لهم: سبحوا

فقالوا: يا ربنا لا علم لنا.


1) بحار الأنوار ج 25 ص 21.

2) المصدر السابق.

فقال لنا: سبحوا.

فسبحنا فبحست الملائكة بتسبيحنا.

ألا إنا خلقنا من نور الله وخلق شیعتنا من دون ذلك النور، فإذا كان يوم القيامة التحقت السفلى بالعليا، ثم قرن علیه السلام بين إصبعيه السبابة والوسطى وقال : کهاتين.

ثم قال: يا مفضل أتدري لم سمیت الشيعه شيعة؟

یا مفضل شيعتنا منا ونحن من شيعتنا، أما ترى هذه الشمس أين تبدو؟

قلت: من شرق.

وقال: إلى أين تعود؟

قلت: إلى مغرب.

قال عليه السلام : هذا شيعتنا منا بدءوا وإلينا يعودون(1).

وروى أحمد بن حنبل عن رسول الله صلی الله علیه واله أنه قال: کنت أنا وعلي نوراًبین يدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربعة عشر ألف عام(2).

وفي حديث جامع رواه جابر بن عبد الله في تفسير قوله تعالى «کنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف»

قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله: أول ما خلق الله نوري، ابتدعه من نوره واشتقه من جلال عظمته، فأقبل يطوف بالقدرة حتى وصل إلى جلال العظمة في ثمانين


1) بحار الأنوار ج 25 ص 21.

2) المصدر السابق.

ألف سنة ثم سجد لله تعظيماً ففتق منه نور علي علیه السلام، فكان نوري محيطاً بالعظمة ونور على محيطة بالقدرة.

ثم خلق العرش واللوح والشمس وضوء النهار ونور الأبصار والعقل والمعرفة وأبصار العباد وأسماعهم وقلوبهم من نوري، ونوري مشتق من نوره، فنحن الأولون ونحن الآخرون ونحن السابقون ونحن المسبحون ونحن الشافعون.

ونحن کلمه الله ونحن خاصه الله ونحن أحباء الله ونحن وجه الله ونحن جنب الله ونحن يمين الله ونحن أمناء الله ونحن خزنة وحی الله وسدنه غيب الله ، ونحن معدن التنزيل ومعنى التأويل، و في أبياتنا هبط جبرئيل.

ونحن محال قدس الله، ونحن مصابيح الحكمة ونحن مفاتيح الرحمة ونحن ينابيع النعمة ونحن شرف الأمة، ونحن سادة الأئمة ونحن نوامیس العصر وأخبار الدهر.

و نحن سادة العباد ونحن ساسه البلاد، ونحن الکفاه والؤلاة والحماة والسقاة والرعاة وطريق النجاة.

و نحن السبيل والسلسبيل، ونحن النهج القويم والطريق المستقیم.

من آمن بنا آمن بالله، ومن رد علينا رد على الله، ومن شك فينا شك في الله ، ومن عرفنا عرف الله، ومن تولی عنا تولى عن الله، ومن أطاعنا أطاع الله .

ونحن الوسيله إلى الله والؤصلة إلى رضوان الله، ولا العصمة والخلافة والهدایة، وفينا النبوة والولاية والإمامة، ونحن معدن الحكمة وباب الرحمة وشجره العصمة، ونحن كلمة التقوى والمثل الأعلى والحجه العظمى والعروة

الوثقى التي من تمسك بها نجا(1).

معرفة النفس

لكل ما كتب ويكتب هدف وغاية، فعندما نحاول التعرف على أسرار الحسين عليه السلام وآل بيت النبي صلی الله علیه واله تكون هذه المحاولة للوصول إلى مقدار من المعرفة.

وليس للمعرفة حدود، فكلما بحث الإنسان كلما تحققت المعرفة عنده، وليست معرفة النفس محصورة في باب معين بل يمكن ذلك في كل أبواب الحياة، مع تفاوت في هذه الأبواب، لذلك يجد القارئ في أبحاثنا مواضيع متعددة على خلاف ما تعارف من الحصر، وهنا نحاول الإشارة ولو تلميحاً إلى أساس الإيمان والتوحيد، وهو معرفة الإنسان نفسه.

لأن الإنسان يصل إلى الغاية الكبرى عندما يتلمس معرفة نفسه في واقعها وما يتعلق بها، وقد وردت آيات وأحاديث حول النفس لا حصر لها، ويكفي قوله تعالى:«سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»(2).

من هذه الآية ومثيلاتها ندرك الأبعاد الواقعية لمعرفة النفس الإنسانية .

وقفة عند درر من الأحاديث حول النفس(3): ولنقرأ هذه الآية قبل إيراد الأحاديث، قال عز من قائل:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ


1) بحار الأنوار ج 25 ص 21.

2) فصلت 53.

3) راجع أبحاثنا حول النفس ضمن آیات بینات، أكثرمن مائتي آية .

آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(1)

من ظواهر هذه الآية المباركة ندرك أهمية الهداية، ومعرفة الهداية تتوقف على الدراية وليس مجرد سرد الرواية.

فالمعرفة أساس يرفع عليه صرح البناء الأبراج النفس التي جعلها الله سبحانه نقطة الإرتكاز للإنسان.

يقول أميرالمؤمنين علیه السلام: العارف من عرف نفسه وأعتقها ونزهها من كل ما یبعدها ویوبقها.

ويقول عليه السلام: أفضل العقل معرفة الإنسان نفسه، فمن عرف نفسه عقل ومن جهلها ضل.

ويقول علیه السلام : من عرف نفسه قد انتهى إلى غاية معرقة.

ويقول علیه السلام: نال الفوز الأكبر من ظفر بمعرفة النفس (2).

وقفة

عندما نحاول التعرف على النفس الإنسانية فلا بد من التعرف ولو إجمالاً على معرفة خالقها.

إن الآية المتقدمة «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ


1) المائدة 105.

2) راجع الأنوار الساطعة في شرح الزيارة الجامعة جا من ص 73.

الْحَقُّ»(1)تتضمن أصلين أساسيين للمعرفة، هما الآفاق والأنفس، ومنها ينطلق الفكر إلى أبواب المعرفة التي خلق لأجلها، لأن الجاهل لا قيمة لوجوده، ولذا جاء عن أمير المؤمنين علیه السلام: لا تجهل نفسك في الجاهل بمعرفة نفسه جاهل بکل شيء(2).

فمعرفة الأنفس أنفع المعارف کما ورد في الأخبار، وكما أن معرفة الآفاق لا حدود لها كذلك معرفة الأنفس، أوسع مجالاً وأدق معرفة بما لها من ارتباط مع خالقها سبحانه، ومنها تبدأ مسيرة المعرفة نحو العالم الأكبر:

وتحسب نفسك جرم صغير*** وفيك انطوى العالم الأكبر

وهنا نشير إلى قاعدة أساسية وهي أن معرفة الأنفس ليست أمراً ممتنعاً، بل تحتاج إلى بصائر صافية وعقول رزينة، فالنفس هي الميدان الأوسع، ومعرفتها بالواقع هي الفوز الأكبر، وفي حديث مهم، دخل رجل اسمه مجاشع فقال: يا رسول الله كيف الطريق إلى معرفة الحق؟

فقال علیه السلام: معرفة النفس(3).

تنبية لذوي العقول من الأجيال القادمة:

نكتب هذه المواضيع المتنوعة وخصوصاً حول النفس لأجيال قادمة، تحمل معها معرفةً أكبر، وإدراكاً أوسع، وعلماً قد يكون أنفع، وكتابتنا هنا ما هي إلا


1) فصلت 53.

2) الأنوار الساطعة ج1 ص74.

3) بحار الأنوار ج 67 ص 72 من حديث طويل مهم ذكرناه سابقاً.

إشارات لمن يدرك حل رموزها، ولذا ورد حول النفس الكثير، وعلم الأنفس لا حدود له، وقد قال أمير المؤمنين علیه السلام : من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كل معرفة(1).

من هنا ندرك أن أسرار الحياة والوجود لا تقف عند حدود.

وعندما نحاول رسم حروف حول النفس نجد باباً واسعاً، وأبواب النفس فوق الحصر، فهي قطب الرحى لمسيرة الإنسان.

وتارة نحاول البحث عن ذاتها، وتارة عن مصيرها وصفاتها، ومهما يكن فلا بد من التعرف على بعض جوانبها.

و آیات النفس قد وردت في القرآن الكريم بأكثر من عشرات الآيات، وفي كل آية إشارات من الأسرار، ففي آية الآفاق الواردة لمعرفة الحق:«....وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»(2).

وعندما نقرأ آية خلقها: «ونفسٍ وما سواها»ندرك المعاني التي تتعلق بالسلوك والتقوى «فألهمها فجورها وتقواها»، هذه النفس التي يدور مدارها الإنسان هي نقطة الارتكاز في دائرة الحياة، ولذا نجد أن النبي صلی الله علیه واله والأئمة الأطهارعلیهم السلام قد أوضحوا لنا الكثير حول النفس.

يقول إمام المتقين عليه السلام: إن النفس لجوهرة نفسیة من ضانها رفعها، ومن ابتذلها وضعها(3). ولهذه الجوهرة أسرار وأسرار..


1) میزان الحکمة ج 6 ص 141.

2) فصلت 53.

3) میزان الحكمة ج10 ص125.

صون النفس من أوجب الواجبات

الإنسان في هذه الدنيا قد حمل مسؤوليات عديدة، ولا شك أن بعضها أولى من بعض، وعند التأمل نجد كل ذلك عائداً للنفس الإنسانية، من هنا وجب علينا البحث حولها، وقد رسم لنا أهل البيت علیهم السلام الطريق الواضح لمن أراد نجاة نفسه.

قال الصادق علیه السلام: من رعى قلبه عن الغفلة ونفسه عن الشهوة وعقله عن الجهل فقد دخل في ديوان المتنبهين، ثم من رعى عمله عن الهوى ودينه عن البدعة وماله عن الحرام فهو من جملة الصالحين.

قال رسول الله صلی الله علیه واله: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة وهو علم الأنفس(1)..

من هنا ندرك أن علم الأنفس هو الميزان لكل إنسان، ومن هذا العلم ندخل لجميع العلوم، وندرك أيضاً أن علم الآفاق جعل مع علم الأنفس، وهذا العلم ليس كبقية العلوم، فهو الكنز المخبأ في ذات الإنسان وليس في مكان آخر.

مسلك دقيق للنفس

مما هو معلوم أن هناك مسالك عديدة لإصلاح النفس البشرية، وأهمها ما هو مختص بالقرآن الحكيم، وفيه من أنواع التربية ما يسمو بالإنسان إلى أعلى المراتب، فإن علوم القرآن و معارفه ترفع الرذائل عن النفس، ويتحقق ذلك عندما ندرك ونعمل على حقيقتين أساسيتين، وهما: العزة، والقوة.


1) بحار الأنوار ج 67 ص 68.

وينالها الإنسان عندما يربط هذه النفس بالله سبحانه حيث قال الله تعالى :«إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ»(1)، ويقول عزاسمه: «أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا»(2).

يقول صاحب میزان الحکمة: والتحقق بهذا العلم الحق لا يبقى موضوعا لرياء، ولا سمعة، ولا خوف من غير الله ولا رجاء لغيره، ولا ركون إلى غيره، فهاتان القضيتان إذا صارتا معلومتين للإنسان تغسلان کل ذميمة وصفا أو فعلا عن الإنسان وتحليان نفسه بحلية ما يقابلها من الصفات الكريمة الإلهية من التقوى بالله، والتعزز بالله وغيرهما من مناعة وكبرياء واستغناء وهيبة إلهية ربانية (3).

سبب صلاح النفس

نقف هنيئة عند هذا العنوان، وهو كيف يمكننا إصلاح أنفسنا؟

نقول وبه نستعين: كل مخلوق في هذا الوجود متوقف على سبب أو أسباب، ومما لا شك فيه أن النفس البشرية إذا صلحت يصلح الإنسان، وهذا الصلاح ينعكس على كل أبعاد الحياة، سواء في هذه الدنيا أو في الآخرة التي هي دار البقاء .

يقول أمير المؤمنين عليه السلام : سبب صلاح النفس العزوف عن الدنيا(4).

لذلك نحاول الإشارة إلى هذه الغاية الكبرى،والأحاديث الشريفة تضع


1) يونس 65.

2) البقرة 165.

3) میزان الحكمة ج10 ص140.

4) میزان الحكمة ج 10 ص143.

لنا موازين التطبيق هذه المهمة الكبيرة التي لا يمكن تجاهلها في مسيرة حياتنا.

النقرأ جيداً ما قاله سيد البلغاء وإمام الأتقياء، قال عليه السلام : لاتترک الإجتهاد في إصلاح نفسک، فإنه لا يعينك عليها إلا الجد.

ويقول علیه السلام : صلاح النفس مجاهدة الهوى(1)

والمجاهدة ليست كلاماً يقال، بل هي عمل شاق ومهمة كبيرة خلق الإنسان لأجلها، وعليها تدور سنة الحياة.

وقفة:

النقف أمام أنفسنا وقفة منصف ونضعها في ميزان الواقع العملي، ونحاسبها أدق محاسبة كما يحاسب الشريك شريکه.

إن الميزان الحقيقي عند المعصوم لا عند سواه، فمن عدل إلى غيره فقد وقع في التيه، وهنا نشير إلى ميزان العدل، يقول أمير المؤمنين علیه السلام: فساد الأخلاق بمعاشرة السفهاء، وصلاح الأخلاق بمنافسة العقلاء.

والخلق أشکال ف«کل يعمل على شاکلته » .

والناس إخوان فمن كانت إخوته في غير ذات الله فإنها تحوز عداوة وذلك قوله تعالى «الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين»(2).

سبب صلاح النفس الورع

عندما نحاول التحدث عن صلاح وإصلاح النفس البشرية التي هي نقطة


1) میزان الحكمة ج10 ص143.

2) بحار الأنوار ج 75 ص82.

الارتكاز لسعادة الإنسان في الدارين، نجد من الضروري أن يكون صلاحها من داخلها، ولذا قال أمير المؤمنين علیه السلام : لا تترک الإجتهاد في إصلاح نفسک فانه لایعينک عليها إلا الجد(1).

لإصلاح النفس أبعاد في حياة الإنسان، وهذا المعنى يبدأ من ذات النفس، فالداء والدواء کامن في ذاتها، وقد حدد ذلك أمير المؤمنين علیه السلام بكثير من حکمه وبلاغته، قال عليه السلام : دواء النفس الصوم عن الهوى والحميه عن لذات الدنیا(2).

ومعلوم أن تهذيب النفس يبدأ من داخلها، وهذا التهذيب يرتكز على أسس وقواعد ثابتة، وهذه الأسس تؤخذ ممن حملوا أسرار الوجود ورسالات الحياة، وأمانات الخالق الخلقه، وهم أهل بيت العصمة عليهم السلام ، فقد جاء في خبر الشيخ الشامي: قال أمير المؤمنين علیه السلام : يا شيخ من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن کانت الدنيا همته اشتدت حسرته عند فراقها، ومن كان غده شر يوميه فمحروم، ومن لم يبال ما رزئ من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك، ومن لم يتعاهد النقص من نفسيه غلب عليه الهوى، ومن كان في نقص فالمؤت خير له(3).

وقفة لذوي الأبصار

أقسام العلماء: في كتاب منية المريد عن بعض المحققين قال :

العلماء ثلاثه:

عالم بالله غير عالم بأمر الله فهو عبد استولت المعرفة الإلهیة على قلبه فصار


1) میزان الحكمة ج10 ص143.

2) میزان الحكمة ج10 ص 144.

3) بحار الأنوار ج 8 ص 181.

مستغرقاً بمشاهدة نور الجلال والكبرياء، فلا يتفرع لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بدمنه.

وعالم بأمر الله غير عالم بالله وهو الذي عرف الحلال والحرام ودقائق الحكام لكنه لا يعرف أسرار جلال الله .

وعالم بالله وبأمر الله فهو جالس على الحد المشترک بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، فهو تارة مع الله بالحب له وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم واحد منهم كأنه لا يعرف الله، وإذا خلا بربه مشتغلاً بذكره وخدمته فکانه لا يعرف الخلق.

فهذا سبيل المرسلین والصديقين وهو المراد بقوله صلی الله علییه واله: سائل العلماء وخالط الحكماء وجالس الكبراء.

فالمراد بقوله صلی الله علیه واله : سائل العلماء العلماء بأمر الله تعالى غير العالمين بالله فامر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الإستفتاء .

وأما الحكماء: فهم العالمون بالله الذين لا يعلمون أوامر الله فأمربمخالطتهم.

وأما الکبراء فهم العالمون بها فأمر بمجالستهم لان في مجالستهم ځير الدنيا والآخرة(1)..

ثلاثة عوالم وثلاث مسافرين

مما هو معلوم أن العوالم ثلاثة:


1) منية المريد ص124.

1.

عالم الحين والدنيا .

2.

وعالم الغيب والعقبي.

3.

وعالم القدس والمأوى.

ومما هو واضح لأهله أن المسافرين على أصناف ثلاثة:

1.

صنف يسافر في الدنيا ورأس ماله المتاع والثروة، وربحه المعصية والندامة .

2.

وصنف يسافر إلى الآخرة ورأس ماله العبادة وربحه الجنة.

3.

وصنف يسافر إلى الله تعالى ورأس ماله المعرفة، وربحه الجنة. ومن هنا قالوا: إن المعرفة أصل كل سعادة، والجهل رأس كل شقاوة(1).

وقفه عاجز عند هذه العوالم

إذا أراد الإنسان أن يقرأ مسير وسفر حياته يجد نفسه أنه يبدأ بعوالم المحسوسات، ويقطع المسافة من عالم إلى آخر.

المرحلة الأولى هي رغبة النفس وهواها في المحسوسات، وهذا يتناسب وصورة الطبع والحس، لذلك يتلهى الولد بأبسط المحسوسات، ويرضى ويغضب لها إن وجدت أو فقدت، فقد يشيب ويبقى متلهياً بها، وقد يتجاوزها لما هو أرفع وأسمى، فإذا تجاوز عن هذه المرحلة باختياره يدخل في مرحلة ثانية، وهي صورة النفس، التي هي أول درجات الإنسان، وهذه المرحلة فيها محطات


1) راجع الأنوار الساطعة ج1 من ص 139، بتصرف.

عديدة، بعضها أرقى من بعض.

فإذا تجاوزها ينتقل إلى مرحلة ثالثة، وهي: صورة العقل ومنازله(1)، ومن هنا يصبح مؤهلاً لما هو فوق المحسوسات، وهو الدخول في الأنوار.

النور أو النار

مما هو معلوم أن الألفاظ إشارات وقوالب للمعاني، والإنسان هو المميزعن بقية المخلوقات لإدراكها.

ولفظ النور والنار قد ورد بكثير من الآيات والروايات، حيث لا شيء من المحسوسات أوضح لدى الإنسان من النور، فأقصى ما يمكن إدراكه بالعقل عند الإنسان أن ينعم بالنور، فقد يتخيل بعض الناس أن النور هو الضوء المحسوس، ولكنه أسمى وأعلى من ذلك.

وهذا لا يدرك إلا بنور العقل، وعقل الإنسان دائماً يسعى ويطلب جوهر النور.

من هنا حارت العقول بإدراك ما هو مجهول، فالإنسان بمسيرة حياته قد يتلمس ويصل إلى معدن النور، وقد يضل فيصل إلى جحيم النار، وليس للإنسان الوصول لغيرهما في نهاية المطاف.

و آیات النور من أدق الأسرار ومن أوضح الواضحات.

لنقرأ هذه الآية:«رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا »(2).


1) راجع الأنوار الساطعة ج1 من ص140.

2) التحریم 8.

وتتضمن الآية أسرار ومعاني ومواضيع عديدة، وفيها: «نورهم يسعی بين أيديهم وبأيمانهم ».

هذا النور هو الغاية الكبرى التي يصل إليها الإنسان، ولست هنا في سياق التفسير وإنها أحاول الإشارة لذوي البصائر، لعل جیلاً يأتي يسعى جاهداً نحو هذا النور بالة العقل ونور المعرفة.

فإن اجتماعهما (العقل والمعرفة) ينتج عنه ما لا يكتب على الورق، أو یرسم بالحروف، أو تناله الكلمات.

وقد ورد في الأدعية النبوية ما فيه الإشارات لكل هذه المعاني، منها: اللهم اجعل لي نوراً في قلبي ونوراً في بصري ونوراً في سمعي(1)..

وهنا أرسم حروفا من حدي فيه أسرار: عن علي بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام وهو في الحبس كتاباً أسأله عن حاله وعن مسائل كثيرة فاحتبس الجواب على أشهراً، ثم أجابني بجواب هو نسختة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الأرض إليه الوسيلة بالأعمال المختلفةوالأديان المتضادة فمصيب و مخطئ وضال ومهتد؛ وسمیع وأصم وبصير وأعمى حيران.


1) بحار الأنوار ج 84 ص 355.

فالحمد لله الذي عرف و وصف دينه محمد صلی الله علیه واله(1)..

وقد ورد بدعاء الجوشن الكبير هذه الكلمات: يا نور النور، یا منور النور، يا خالق النور، یا مدبر النور، یا قدر النور، یا نور کل نور، یا نوراً قبل کل نور، یانوراً بعد کل نور، يا نوراً فوق کل نور، یا نوراً لیس کمثله نور(2)..

هذه التعابير والآيات حول النور هي إشارات ولها أبعاد، ومعلوم أن لهذه الألفاظ مراتب ومعاني ودرجات، ويكفي بيانها لأولي الألباب في قوله سبحانه:«قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ»(3).

والنور هنا إشارة إلى النبي صلی الله علیه واله والأئمة عليهم السلام ، والكتاب هو القرآن الكريم، والقرآن الحكيم له ظاهر و باطن، والباطن فيه الأسرار التي يدرك معانيها الأبرار، وليس للأسرار حدود، وعلمها عند الخالق المعبود.

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

عندما نحاول الكتابة عن السر والأسرار، ندرك أننا نخوض في لجج البحار، ولا ضير أن نسبح على الشواطئ حيث كل يغوص بمقدار قدرته.

وتبقى أسرار الحسين عليه السلام هي البحور التي يدور على شواطئها ذوو الأفكار، من هنا نأخذ درة من هذا الجانب ودرة من هناك، حيث لا نتمكن من الغوص الكامل ولا من قطع المسافة، فليعذرنا القارئ الكريم، فيما يجد من لقطة هنا أو هناك.


1) الكافي ج 8 ص 124.

2) البلد الأمين ص 406.

3) المائدة 15.

هذا الحديث الذي وضعناه عنواناً، فيه مناهج حياة، وهو مطابق لكثير من الآيات، والإنسان بحاجة دائماً لمعرفة ما ينجيه وما يسعده في الدارين .

قال تعالى: «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا»(1).

مصباح الشريعة قال الصادق علیه السلام: بر الوالدين من حسن معرفة العبد بالله، إلا عبادة أسرع بلوغاً بصاحبها إلى رضى الله من حرمة الوالدين المسلمين لوجه الله تعالى، لأن حق الوالدين مشتق من حق الله تعالى إذا كانا على منهاج الدين والسنة(2)..

أسرار الآيات والأحاديث يعرف کنهها الذين تحملوا أسرار الوحي والتنزيل، وليس كل ظاهر يؤخذ بلا دلیل و برهان، وعندما نبحث في أعماق الحياة والتاريخ نجد الكثير ممن وقع في المعصية المهلكة.

لنرسم هنا هذا الحديث المتضمن نوعاً من الأسرار التي حاد عنها الكثير من الغابرين، وأكثر منهم من الحاضرين، ولم تزل أجيال من البشر تقع فريسة! مع حذف الأسانيد :

مرالحسین علیه السلام على عبد الله بن عمرو بن العاص قال عبد الله : من أحب أن ينظر إلى أحب أهل الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى هذا المجتاز.

فما کلمته مذن ليالي صفين، فاتی به أبو سعيد الخدري إلى الحسين عليه السللام فقال له الحسین: أ تعلم أني أحب أهل الأرض إلى أهل السماء وتقاتلني وأبي يوم


1) لقمان 15.

2) بحار الأنوار ج 71 ص 77.

صفين ؟ والله إن أبي لخير مني.

فاستعدر وقال: إن النبي صلی الله علیه واله قال لي: أطع أباك.

فقال له الحسين عليه السلام:أما سمعت قول الله تعالى «وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما»

وقول رسول الله صلی الله علیه واله : إنما الطاعة الطاعة في المعروف.

وقوله: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق(1).

من هذا الحديث وشبهه ندرك مدى الانحراف عن معرفة الحق وأهله أثناء التطبيق العملي، فالنظريات والعموميات تدركها معظم الناس، ولكن يبقى الميزان الصحيح عند تحديد المصاديق العملية أثناء مسيرة الحياة، وهنا تكمن الأسرار.

أسرار في زيارة الحسين

قال الصادق عليه السلام : إن أيام زائري الحسين بن علي علیه السلام لا تعد من آجالهم(2).

وفي رواية أيضاٌ: لو أن أحدكم حج دهره ثم لم يزر الحسين بن علي عليه السلام لکان تاركاًحقاً من حقوق رسول الله صلی الله علیه واله، لأن حق الحسين علیه السلام فريضة من الله تعالى واجبة على كل مسلم(3).


1) بحار الأنواج43 ص297.

2) تهذیب الأحکام ج 6 ص 43.

3) تهذیب الأحکام ج6 ص 42.

للحسين عليه السلام أسرار جامعة لكل مسيرة الحياة في الدارين، وهذه الأسرار يعرفها من يبحث في أغوار الكنوز التي تحتاج إلى وسائلها .

أسرار بعض من خطبة الزهراء

عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما حضرت فاطمة علیها السلام الوفاة دعتني فقالت: أ منفذ أنت وصيتي وعهدي؟

قال: قلت: بلى أنفذها.

فأوصت إليه وقالت: إذا أنامت فادفني ليلاً ولا تؤذنن رجلین ذكرتهما.

قال:فلما اشتدت علتها اجتمع إليها نساء المهاجرين والأنصار فقلن: كيف أصبحت یا بنت رسول الله من علتلک ؟

فقالت(1):

.. أصبحت والله عائفة لدنيا کن قاليةً لرجالکن ، لفظتهم بعد أن عجمتهم، وشنأتهم بعد أن سبرتهم .

فقبحاً لفلول الحد، واللعب بعد الجد، وقرع الضفاة وصدع القناة وخطل الآراء وزلل الأهواء، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون.

لا جرم لقد قلدتهم ربقتها وحملتهم أؤقتها وشننت عليهم غارها، فجدعا وعقراً وبعداً للقوم الظالمين.

ويحهم انی زعزعوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة والدلالة ومهبط


1) بحار الأنوار ج43 ص159.

الروح الأمين والطبين بأمور الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبین.

وما الذي نقموا من أبي الحسن؟

نقموا منه والله نكير سيفه وقلة مبالاته بحتفه وشدة طاته ونکال وقعته وتنمره في ذات الله.

وتالله لو مالوا عن المحجة اللائحة وزالوا عن قبول الحجة الواضحة لردهم إليها وحملهم عليها ولساربهم سيراًسجحاً، لا يكل خشاشه ولا يكل سائره ولا یمل راكبه، ولأوردهم منهلًا نميراً صافياً روياً تطفح ضفتاة ولا يترنق جانباه ولاصدرهم بطاناً ونصح لهم سراً وإعلاناً ولم يكن يحلى من الغنى بطائل ولا يحظي من الدنيا بنائل غيرري الناهل وشبعة الكل ولبان لهم الزاهد من الراغب والصادق من الكاذب.

«ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن کذبوا فأخذناهم بما كانوا يکسبون».

«والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين. »

ألا هلم فاستمع، وما عشت أراك الدهر عجباً، وإن تعجب فعجب قولهم.

ليت شعري إلى أي سناد استندوا، وعلى أي عماد اعتمدوا، وبأية عروة تمسکوا، وعلى أية ذرية أقدموا واحتنکوا.

لبئس المولى ولبئس العشير، وبئس للظالمين بدلاً، استبدلوا والله الذنابی بالقوادم والعجز بالکاهل، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا یشعرون.

ويحهم «أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدی فما لكم كيف تحكمون ».

أما لعمري لقد لقحت فنظره ریثما تنتج، ثم احتلبوا ملء القعب دماً عبيطاً وذعافاً مبيداً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما أسس الأولون.

ثم طيبوا عن دنیاکم أنفساً واطمئنوا للفتنة جأشاً وأبشروا بسيف صارم وسطوة معتد غاشم وبهرج شامل واستبدا من الظالمين یدع فيئکمم زهيداً وجمعکم حصيداً، فيا حسرة لكم وأنی بکم وقد عمیت عليكم، أنلزمکموها وأنتم لها کارهون(1)...

وهذا حديث شريف عن رسول الله صلی الله علیه واله فيه إشارات من الأسرار، ننقله بحذف الأسناد: وأما ابنتي فاطمه فانها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين وهي بضعة مني وهي نور عیني وهي ثمرة فؤادي وهي روحي التي بين جنبي وهي الحوراء الإنسيه متى قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهرنورها لملائكتة السماء کما

یزهر نور الكواکب لأهل الأرض، ويقول الله عز وجل لملائكته: يا ملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة امائي قائمة بين يدي ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أشهدكم أني قد آمنت شيعتها من النار(2)..

وقد تقدم الحديث المهم: عن حذيفة بن اليمان قال : رأيت النبي صلی الله علیه واله آخذاً


1) بحار الأنوار ج 43 ص 160.

2) بحار الأنوار ج43 ص 172، والحديث طويل تحسن مراجعته .

بيد الحسين بن علي عليه السلام وهو يقول: يا أيها الناس هذا الحسين بن علي فاعرفوه فوالذي نفسي بيده إنه لفي الجنة ومحبيه في الجنة ومحبي محبيه في الجنية(1).

وقفة مع الأحاديث الشريفة

كما قلنا سابقاً ونكرر دائماً: قد تأتي أجيال تعرف حقيقة أهل بيت النبوة عليهم الصلاة والسلام، وخصوصاً أسرار الحسين علیه السلام، فكلما طال الزمن والأيام كلما انكشف الظلام وبان الحق لذي عينين.

عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله لأمير المؤمنين علیه السلام: اكتب ما أملي عليك.

قال : يا نبي الله أخاف على النسيان؟

فقال: لست أخاف عليك النسيان، وقد دعوت الله لك أن يحفظک ولا ينسيک، ولكن اكتب لشركائك.

قال: قلت: ومن شركائي يا نبي الله؟

قال: الا ئمة من ولدك، هم تسقى أمتي الغیث وهم يستجاب دعاؤهم وهم یصرف الله عنهم البلاء وبهم تنزل الرحمه من السماء، وهذا أولهم وأؤما بيده إلى الحسن عليه السلام ، ثم أومأ بيده إلى الحسين علیه السلام، ثم قال صلی الله علیه واله : الأمة من ولده(2).

إن ما نجده في الأخبار عن الأنبياء عليهم السلام هو من أسرار الحياة، وكل ما أخبروا به نراه يتحقق على أرض الواقع مهما طال الزمن وتعاقبت الدهور، ومن


1) بحار الأنوار ج 43 ص 262.

2) کمال الدین و تمام النعمة ج1 ص207.

يبحث بتجرد يجد ذلك بلا ريب ولا شك، وهذا ما أثبتته الوقائع منذ عصور ودهور، وخصوصاً ما يتعلق بالإمام الحسين عليه السلام منذ ولادته وحتى عصرنا الحاضر.

ومن يبصر بعين الحقيقة يدرك ويعرف ما هو آت، وهذا كله موجود ومغمور في طيات الكتب والأحاديث الصحيحة .. وقل اعملوا.. .

عندما نرسم حديثاً هنا أو هناك نقصد تنبيه العقول نحو الحجج عليهم السلام ، حيث ودائع الأسرار مخزونة لديهم، وإنما أفاضوا علينا منهم بمقدار ما تتحمل عقولنا وتهتدي إلى طريق النجاة، وعندما نتدبر في هذا الوجود وفي حقيقة الإنسان نجد أن كل ذلك قد أفاضه الله تعالى من عوالم الأسرار، بدءً من الخليقة مروراًَ بكل مراحل الإنسان الذي هو قطب رحى المخلوقات .

ولذا عندما نقارن بين القرآن الصامت والقرآن الناطق نجد المطابقة بينهما، والحقيقة واضحة عند ذوي الألباب، وهذا ما نريد التنبه إليه.

وهنا نرسم هذا الحديث، قال الرضا عليه السلام : نحن حجج الله في خلقه وخلفاؤه في عباده و أمناوه على سره، ونحن كلمة التقوى والعروه الوثقی، ونحن شهداء الله وأعلامه في بريته.

بنا يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، وبنا ینزل الغيث وينشر الرحمة، ولا تخلو الأرض من قائم منا ظاهر أو خاف ولؤ خلت يوماً بغير حجة لماجت بأهلهاکما يموج البحر بأهله(1).

عندما نقرأ مثل هذه الأحاديث، لا ينبغي وزن معانيها على عقولنا


1) کمال الدین وتمام النعمة ج 1 ص 202.

القاصرة، بل لا بد من الرجوع إلى موازين الأسرار لدى الأبرار، وهنا نأخذهذه الدرة من العبارة (وأمناؤه على سره).

النتأمل جيداً بلفظ (أمناء) و (سر)..

وعند التدبر ندرك أن منتهى الأمانات ومعدن الأسرار قد أودعه الله عند النبي المختار صلی الله علیه واله، ونأخذ هنا شاهداً من ظواهر هذه الآية القرآنية وهي قوله سبحانه:«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا»(1).

وتظهر بعض معاني هذه الآية عندما نتدبر الآية اللاحقة، وهي: «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا»(2).

نكرر القول أنا لسنا بصدد تفسير الآيات المباركة، وإنما نأخذ منها ما يتلاءم مع الموضوع.

وقد ثبت أن أولي الأمر هم الأئمة المعصومون عليهم السلام ، وهم الذين يستنبطون المعاني الحقيقية من الآيات القرآنية، وهذا الاستنباط لا يستخرج إلا بالعقول المؤيدة بروح القدس.

وعندما نرجع لأصل اللغة أو ما يشير إليه لفظ (الاستنباط ) نجد أن هذه الكلمة تدل على استخراج شيء، واستنبطت الماء استخرجته، والماء نفسه إذا


1) النساء 82.

2) النساء 83.

استخرج نبط، ومعنى ذلك: هو اخراج شيء من باطن شيء أو قعره، ومن مصاديقه : استخراج الماء من قعر البئر أو باطن الأرض، وهنا استخراج المشكل من الأحكام والعلوم من مصادرها(1).

ولذا يقال: استنبط الفقيه، اذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده. ومعلوم أن للاستنباط أهله.

ومن أسرار هذه الآية النهي عن إفشاء الأسرار المربوطة بالحرب والغزوات، فهي تنهی عن إذاعة ما يتعلق بأمور المسلمين خيراً أو شراً بمجرد سماع أو اطلاع من دون علم أو يقين به، بل يجب أن تكون الوظيفة إرجاعه إلى من له إحاطة وبصيرة به وله إمكان التحقيق والاستنباط من مصادره الموجودة عنده، وتخريجها من الخفاء والباطن إلى الظهور، وهنا تقف عقولنا حائرة عند كل آية من كتاب الله، بل عند كل حكم من حلال أو حرام، وفي تعبير الآية لطافة «ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم».

وتكمن في هذه الآية المباركة أسرار، منها الإشارة الواضحة إلى أن هذا القرآن الذي هو كلام الله تعالى ودستوره للعباد لا يعلم ولا يعرف أسرار ما فيه إلا أهل بيت العصمة الذين أمر الله سبحانه باتباعهم، والأخذ بسنتهم، ومن هنا ندرك معنى الاستنباط الحقيقي لمعاني الآيات القرآنية والأحكام الإلهية،حيث يتحقق الإيمان بالتزام معرفة حلال الله وحرامه، وهذا هو الواجب على المؤمنين معرفته .

وعندما نعجز عن إدراك المعاني حقا لا بد من الرجوع إلى الصفوة من أهل


1) راجع التحقيق بكلمات القرآن الجريم ج 12 من ص 27 لفظ: نبط..

بيت العصمة عليهم السلام .

وفي الآية أيضاً إشارات لكل ما مر على الأمم السابقة، فعندما تخلفوا عن إطاعة الأنبياء والرسل عليهم السلام كان هلاكهم، حيث استجابوا لأهوائهم واتباع الشياطين والجهلاء.

وقد ورد في كثير من الأحاديث الشريفة : من وضع ولاة أمر الله عز وجل وأهل استنباط علمه في غير الصفوةمن بيوتات الأنبياء عليهم السلام فقد خالف أمر الله عزوجل، وجعل الجهال ولاة أمر الله، والمتكلفين بغير هدى من الله عزوجل، وزعموا أنهم أهل استنباط علم الله، فقد كذبوا على الله ورسوله ورغبوا عن وصيه علیه السلام وطاعته(1)..

من هنا ندرك أن علم الغيب أودعه الله عند خاتم الأنبياء محمد صلی الله علیه واله، وأهل بيته علیهم السلام ، الذين أمر الله بطاعتهم والرجوع إليهم في كثير من الآيات البينات.

والآية واضحة ظاهراً وباطناً وهي قوله تعالى:«تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ»(2).

وعند التدبر في آيات القرآن الكريم نجد أن الآيات يعضد بعضها بعضاً ويفسر بعضها بعضاً، فأسرار علم الغيب مخزونة عند الذين اختارهم الله عز وجل ليكونوا أدلاء عليه وعلى طاعته، وعلى عبادته التي يرضاها لهم.

والله تعالى يظهر الغيب لرسوله ولأهل بيت العصمة، من آدم إلى يوم


1) الكافي ج8 ص 119.

2) هود 49.

القيامة.

ومما أخبروا به من الأسرار، حديث من الأسرار في عوالم الأنوار.

عن علي بن الحسين عليه السلام يقول: إن الله تبارك وتعالى خلق محمداً وعلياً والأئمة الأحد عشر من نور عظمته أرواحاً في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق یسبحون الله عیز وجل ويقدسونه وهم الأئمة الهادية من آل محمد علیهم السلام(1).

إن أسرار الكائنات في الإنسان والمخلوقات هي أبعد بكثير مما نراه في الحياة، وعلم الأسرار مکنوز عند أهل البيت علیهم السلام .

عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله: ما من أرض مخصبة ولا مجدبة ولا فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا أنا أعلمها وقد علمتها أهل بيتي يعلم کبیرهم وصغيرهم إلى أن تقوم الساعة(2).

من هنا ندرك ما كان يقول أمير المؤمنين علیه السلام : سلوني قبل أن تفقدوني (3).

عن سلمان الفارسي رحمه الله عن أمير المؤمنين عليه السلام قال قال : سلوني عمایکون إلى يوم القيامة، وعن کل فئة تضل مائة وتهدي مائة وعن سائقها وناعقها وقائدها إلى يوم القيامة(4)؟.

لنقرأ هذا الحديث و نتعرف على واقع العلم والأسرار:

عن أبي حمزة عن سوید بن غفلة قال: [بينا] أنا عند أمير المؤمنين عليه السلام إذا


1) کمال الدین و تمام النعمة ج 1 ص 318.

2) بصائر الدرجات ص317.

3) الأصول الستة عشر ص 242، بصائر الدرجات ج1 ص 266.

4) بصائر الدرجات ص318.

أتاه رجل فقال:

يا أمير المؤمنين جئتك من وادي القرى وقد مات خالدن بن عرفطة.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إنه لم يمت.

فأعادها عليه.

فقال له علي عليه السلام : لم يمت، والذي نفسي بيده لا یموت.

فأعادها عليه الثالثة، فقال: سبحان الله، أخبرك أنه مات و تقول لم یمت ؟

فقال له علي عليه السلام : لم يمت، والذي نفسي بيده لا يموت حتى يقود جيش ضلالة يحمل رايته حبيب بن جماز .

قال: فمسع بذلک حبيب فأتی أمير المؤمنين فقال ناشدک في وأنا لك شيعة وقد ذكرتني بأمر لا والله ما أعرفه من نفسي.

فقال له علي علیه السلام : إن كنت حبيب بن جماز فتحملها، فولی حبيب بن جماز، وقال إن کنت حبیب بن جماز لتحملنها.

قال أبو حمزة: فو الله ما مات حتى بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي عليه السلام وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته و حبیب صاحب رایته(1).

وقد ورد الكثير الكثير من هذه الأسرار، ومما قالوه علیهم السلام: .. ولکنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلی الله علیه واله کما يکنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم(2).

وقد استقر علم الأولين والآخرين عند أهل بيت العصمة عليهم السلام ، ويكفي


1) بصائر الدرجات ص318.

2) بصائر الدرجات ص319.

للإشارة لذلك هذا الحديث الشريف الذي يتضمن كل أسرار الوجود.

عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال سمعته يقول إن رسول الله صلی الله علیه واله علمني ألف باب من الحلال والحرام ومما كان وما هو کائن إلى يوم القيامة، كل يوم يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب حتى علمت المنايا والوصايا وفصل الخطاب(1).

وقفة وتنبيه:

في كل زمان وفي كل مكان تتفاوات عقول البشر، وليس عند أفراد البشر شيء ينكرونه كإنكارهم الجهل، وقد ورد: الإنسان عدو ما يجهل.

وعندما بعث الله محمداً صلیالله علیه واله لتبليغ آخر وأعظم رسالة، استنكرها الجهلاء وأصحاب الأهواء، وحاربوه بكل وسيلة حتى نصره الله سبحانه عليهم، فأقروا بعد العجز، وأضمروا العداوة لأهل الصفوة.

ولم تزل هذه السيرة في كل زمان و مکان، منهم المطيع ومنهم المنكر العاصي.

وهنا نشير إلى نقطة أساسية وهي أن هذه الأمة واحدة بحسب الظواهر، ولكن في الواقع الحقيقي ليست كذلك بل يوجد: أمة ضلال، وأمة هدى.

فللهدى أهل يسيرون عليه، وللضلال أهل يتبعونه، وعند التدبر ندرك أن الرسالات السماوية التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام قد حملها وحماها قوم، وأنكرها وحاربها أقوام.

من هنا لا بد من التدبر والتأمل في هذه الأمة، سابقاً ولاحقاً وحاضراً.


1) بصائر الدرجات ص325.

ولا بد من التعرف بإنصاف على الذين حفظوا هذه الرسالة، وهذا الدين، وحافظوا عليه، فإنا نجد أن أسرار هذه الرسالة وحقيقة هذا الدين قد حفظت في منهج أهل بيت الرسول صلی الله علیه واله، وهم المعصومون الذين أودع النبي صلی الله علیه واله أمانة السماء عندهم. وهذا الموضوع يحتاج لبحث مستقل .

وإنما أشرنا إليه هنا من باب التنبيه، ومفتاح الأسرار الذي أودعه صلیالله علیه واله عند علي وأهل بيته عليهم السلام، فالأوصياء هم حملته أسرار العلوم الربانية، التي بلغها الأنبياءعليهم الصلاة والسلام، ولجميع الأنبياء عليهم السلام أمناء وأوصياء(1).

إكمال الدين في الولاية

أسرار الولاية تعرف من مصادرها، وأول ما فرضت الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج، وفي كل ذلك كان الرسول صلی الله علیه واله يعلم المسلمين تفاصيل هذه الفرائض الواجبة، وبعد ذلك فرضت الولاية بكل تفاصيلها وأبعادها، فكما أن هذه الوجابات نزلت بوحي من الله سبحانه كذلك الولاية نزلت بوحي صريح واضح لذي قلب سليم، ونتعرف على ذلك بجانب من حديث مهم عن أبي جعفر عليه السلام:

فرض الله عزوجل على العباد خمساً أخذوا أربعاً وتركوا واحداً.

قلت: أ تسمیهن لي جعلت ذاك؟

فقال: الصلات وكان الناس لا يدرون كيف يصلون، فنزل جبرئیل علیه السلام


1) راجع کتاب کمال الدین وتمام النعمة من ص211، باب 22 حول اتصال الوصية من لدن آدم علیه السلام إلى يوم القيامة.

فقال: يا محمد أخبرهم بمواقيت صلاتهم.

ثم نزلت الزکاه فقال: يا محمد أخبرهم من زکاتهم ما أخبرتهم من صلاتهم.

ثم نزل الصوم فكان رسول الله صلی الله علیه واله: إذا كان يوم عاشوراء بعث إلى ما حوله من القرى فصاموا ذلك اليوم. فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال.

ثم نزل الحج فنزل جبريل عليه السلام قال: أخبرهم من حجهم ما أخبرتهم من صلاتهم وزکاتهم وصومهم.

ثم نزلت الولاية، وإنما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة أن الله عز وجل «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت علیکم نعمتي »وكان كمال الدين بولاية علي بن أبي طالب علیه السلام.

فقال عند ذلك رسول الله صلی الله علیه واله : أمتي حديثو عهد بالجاهلية ومتى أخبرهم بهذا في ابن عمي يقول قائل ويقول قائل.

فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني، فأتتني عزيمة من الله عزوجل بتلة أوعدني إن لم أبلغ أن يعذبني فنزلت: «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين(1)..

وقفة مع آية

وهي قوله سبحانه: «أَمَن یُجیبُ المضطَرَّ إذا دعاه وَیکشف السّوءَ وَیَجعَلُکُم


1) الكافي ج 1 ص 290.

خُلَفاءَ الأآرضِ أَ إِله مَعَ الله قلیلاً ما تَذَکَّرُونَ»(1).

في هذه الآية المباركة أسرار ومعان فوق إدراك عقولنا، وإنا نأخذ منها بمقدار ما هو ظاهر، لأن كل إنسان يأخذ من ظواهر الآيات بمقداره ومقدار علمه، لذلك نجد الآيات تتضمن أكثر من معنی.

وهذا سر من أسرار القرآن أمر الله تعالى باتباعه، سواء أدرك الإنسان معانيه أم لم يدرك، فللإيمان مراتب ودرجات، وأسرار القرآن لا حدود لها، ولا تنتهي عند جيل من الأجيال، بل يوجد في ظواهر القرآن بلاغ وهداية لكل إنسان بل لكل مخلوق من ذوي الإدراك.

نأخذ بعضاً من ظواهر الآية:

1. إجابة الدعاء .

2.کشف السوء.

3. الاستخلاف في الأرض.

وقبل الإشارة إلى ما ورد حول الآية نشير إلى بعض جوانب هذه المواضيع الثلاثة:

مما هو معلوم بالبداهة أن الإنسان يتوسل لقضاء حاجاته عندما يكون عاجزاً عن تحقيق بعض رغباته، فيلجأ إلى من يمتلك القدرة على قضاء غاياته، فتارة يتوسل إلى مخلوق، وتارة يتوسل إلى الخالق سبحانه، وهنا تكمن أسرار المعرفة والإيمان.


1) النحل 62.

فمن لا يرى أن له خالقاً يلجأ إلى المخلوقين ويتوسل إليهم، ولكن من يرى أن له خالقاً قادراً موجداً يسعى إليه بتوسله لقضاء حاجته.

وهذا أول باب لدخول حقيقة الإيمان، ومما لا شك فيه أن سر الدعاء فوق إدراكنا، لأن عقولنا ألفت المحسوسات وكأنها انطبعت على ما هو محسوس لذلك قلما ندرك أسرار ما هو غائب، فالدعاء وسيلة لتحصيل ما هو غائب عنا.

ومن هنا نحاول تقریب معاني الدعاء با ورد من بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومنها نتلمس أسرار الإجابة.

الدعاء

آيات وأحاديث:

قال تعالى:«قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ»(1).

وقال سبحانه:«وقالَرَبُّکُمُ ادعُونی أَستجِب لَکُم إنَّ الّذِینَ سَستَکبِرُونَ عَن عِبادَتی سَیَد خُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِین»(2).

وقال عز وجل:«وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»(3)

من هذه الآيات ومثيلاتها ندرك أهمية أسرار الدعاء، والأحاديث الآتية توضح لنا من أسرار الدعاء ما يجعلنا ندرك أنه مخ العبادة..


1) الفرقان 77.

2) المؤمن 60.

3) البقرة 186.

عن الرضا عن آبائه صلوات الله عليهم قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله: الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض..

وفي حديث مثله وزاد في آخره: فعلیکم بالدعاء وأخلصوا النية(1).

وفي حديث: الدعائ مخ العبادة ولا يهلك مع الدعاء أحد(2).

والدعاء مفتاح الرحمة.

القرآن دواء للإنسان

عندما نحاول الكتابة حول الأسرار نجد أنها كامنة في تكوين الإنسان، وكشفها كامن في آيات القرآن.

وآية بحثنا هنا «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ»(3)ترمز بمضامينها إلى نوع من الارتباط الوثيق بين الدواء والداء الذي يتعرض له الإنسان، وسر هذه الآية سوف يتحقق على هذه الأرض، والبشرية قاطبة تنتظر تحقيق هذا الأمر الموعود من الخالق المعبود، حيث الفطرة الإنسانية والعقول البشرية تتوقع العدل الإلهي .

هذا العدل قد وعد به الإنسان منذ الأزل، من هنا ينبغي البحث الموضوعي حول أسرار القرآن المجيد، ومن هذه الأسرار نرسم هذا الحديث عن الأخيار الأبرار..

وفي تفسير علي بن إبراهيم رحمه الله : وقوله: «أمن يجيب المضطر إذا دعاه


1) بحار الأنوار ج 90 ص 288.

2) بحار الأنوار ج 90 ص300.

3) النمل 62.

ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض »:

فإنه حدثني أبي عن الحسن بن علي بن فضال عن صالح بن عقبة عن أبي عبد الله علیه السلام قال: نزلت في القائم من آل محمد صلی الله علیه واله ، هو والله المضطر إذا صلى في المقام ركعتين، ودعا الله فأجابه ويكشف السوء ويجعله خليفة في الأرض(1).

حديث آخر:

قال أبو جعفر علیه السلام: هو، والله، المضطر في كتاب الله في قوله و«أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ».

فيكون أول من يبايعه جبرائیل علیه السلام ثم الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلا. فمن کان ابتلي بالمسير وافاه، ومن لم يبتل بالمسير فقد عن فراشه. وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام : هم المفقودون عن فرشهم. وذلك قول الله «فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً»، قال : الخيرات الولاية(2)..

وفي شرح الآيات الباهرة: قال محمد بن العباس - رحمه الله - : حدثناإسحاق بن محمد بن مروان، عن أبيه، عن عبيد الله بن خنیس، عن صباح المزني، عن الحرث بن حصيرة، عن أبي داود، عن بريدة قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وعلي علیه السلام إلى جنبه:«أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلکم خلفاء الأرض»قال: فانتفض علي عليه السلام انتفاض العصفور.

فقال له النبی صلی الله علیه واله: لم تجزع، يا علي؟


1) تفسير القمي ج2 ص130.

2) کنز الدقائق ج 7 ص362.

فقال: ألا أجزع وأنت تقول:«ويجعلكم خلفاء الأرض».

قال: لا تجزع، فو الله، لا يبغضك مؤمن ولا يحبك كافر(1).

وفي حديث آخر: يا علي، لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق إلى يوم القيامة.

وفي حديث آخر:

عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إن القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف إذا خرج دخل المسجد الحرام فيستقبل الكعبة، ويجعل ظهره إلى المقام، ثم يصلي ركعتين، ثم يقوم فيقول:

يا أيها الناس، أنا أولى الناس بآدم، يا أيها الناس، أنا أولى الناس بإبراهيم، يا أيها الناس، أنا أولى الناس[بإسماعيل، يا أيها الناس، أنا أولى الناس] بمحمد صلی الله علیه واله. ثم يرفع يديه إلى السماء فيدعو ويتضرع حتى يقع على وجهه، وهو قوله عز وجل: «أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرون»(2).

وفي حديث آخر: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل:«أمن يجيب المضطر إذا دعاه»قال: هذه نزلت في القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف. إذا خرج تعمم وصلي عند المقام وتضرع إلى الله، فلا ترد له راية أبدا(3).


1) کنز الدقائق ج 7 ص 363.

2) کنز الدقائق ج 7 ص 364.

3) المصدر السابق .

آية مباركة من آيات الأسرار

قال عز وجل:«»(1)

هذه الآية المباركة تظهر أسرارها فيما بعد، فكثير من الآيات المباركة ليس العقولنا مجال في إدراك أبعادها، فقد نتلمس بعض الظواهر من الألفاظ ولكن تبقى المعاني في خزائن أسرار هذا القرآن، من هنا لا بد من الرجوع إلى مفاتیح هذه الخزائن، وهم الذين أشار إليهم منزل القرآن الذين أوتوا العلم، بقوله سبحانه:«بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ»(2).

وقد جمعت في معاني وأبعاد هذه الآية المباركة كل ما في القرآن الحکیم، وهنا نقف لنسأل: من هم أولوا العلم؟

بعد التدقيق والأبحاث في كثير من وقائع الأدلة، ثبت لدينا أن الذين کمل العلم عندهم هم أهل بيت العصمة عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين خصهم الله سبحانه بعلم الأولين والآخرين، وهذا الاختصاص واضح أوضح من نور الشمس برابعة النهار لمن يتبصر.

فقد جاء عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن هذا العلم انتهى إلى آي في القرآن، ثم جمع أصابعه ثم قال: «بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم »(3).

وفي حديث آخر: سأل رجل أبا عبد الله علیه السلام عن قوله عز وجل «بل هو


1) النحل 82.

2) العنکبوت 49.

3) بصائر الدرجات ج1 ص206.

آیات بینات في صدور الذين أوتوا العلم »قال : نحن هم.

فقال الرجل: جعلت فداک حتى يقوم القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف .

قال : کلنا قائم بأمر الله، واحد بعد واحد، حتى يجي ء صاحب السيف، فإذا جاء صاحب السيف جاء أمر غير هذا(1)..

وقد لاحت البشائر في هذه الأزمان بقدوم ظهوره لإنقاذ البشرية من الظلم والجور.

إن البحث حول هذه الآية المباركة أبعد من إدراك عقولنا، لأن العلم الذي خصه الله سبحانه لأنبيائه ورسله هو من أسرار السماوات، وهذه الأسرار لا يتحملها إلا من اختارهم عز وجل. ومن هنا ندرك أبعاد القصور لعقولنا، وتكفينا الإشارات في الأحاديث الشريفة.

وقد سئل الإمام الصادق علیه السلام عن هذه الآية، فقال علیه السلام: هم الأئمة من آل محمد - صلوات الله عليهم أجمعين - باقية دائمة في كل حين(2).

وهذا البقاء إشارة لبقية الله في أرضه.

علامات ومبشرات وإشارات

في هذه الأيام قد اتسعت دائرة المعرفة عند الناس، وقد تحققت بعض العلامات والإشارات حول الحجة، وهنا نرسم بعضاً من الأحاديث الشريفة التي أصبح لها مصادیق على أرض الواقع، وهذه الكلمات نقلت عن أمير


1) بحار الأنوار ج23 ص 189.

2) کنز الدقائق ج 7 ص 543.

المؤمنين علیه السلام ، من بعض خطبه التي تكمن في معانيها أسرار وأسرار.

قال أمير المؤمنين علیه السلام لبعض أصحابه صعصعة بن صوحان : الحظ فإن علامة ذلك إذا أمات الناس الصلاة وأضاعوا الأمانة واستحوا الكذب وأكلوا الربا وأخذوا الرشا وشیدوا البنيان وباعوا الدين بالدنيا واستعملوا السفهاء وشاؤروا النساء وقطعوا الأرحام واتبعوا الأهواء واستخفوا بالدماء .

وكان الحلم ضعفاً والظم فخراً وكانت الأمراء فجرة والوزراء ظلمة والعرفاء خونة والقراء فسقة.

وظهرت شهادة الزور واستعلين الفجور وقول البهتان والإثم والطغيان ومحليت المصاحف وزخرفت المساجد وطولت المنارات وأكرمت الأشرار وازدحمت الصفوف واختلقت القلوب ونمضت العهود واقترب الموعود وشارك النساء أزواجهن في التجارة حرصاً على الدنيا وعلت أصوات الفساق واستمع منهم .

وكان زعيم القوم أرذلهم واتقي الفاجر مخافة شره صدق الکاذب واؤتمن الخائن واتخذت القائم والمعازف .

ولعن آخر هذه الأمة أولها ورکب ذوات الفروج السروج وتشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء وشهد الشاهد من غير أن يتشهد وشهد الأخير قضاء للذمام بغير حق عرفه.

وتفقه للغير الدين وآثروا عمل الدنيا على الآخرة ولبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب وقلوبهم أنتن من الجيف وأمرمن الصبر.

فعند ذلك الوحا الوحا ثم العجل العجل.

خير المساکین يؤم بيت المقدس، وليأتين على الناس زمان يتمنى أحدهم أنه من سکانه(1)..

وبعد الآية السابقة آيات أيضاً تتضمن الأسرار، وهي قوله تعالى :«وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ*حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(2).

إن معرفة أسرار القرآن الكريم تحتاج إلى إحاطة بالعلوم، وهذه الآية واضحة بأنكم (لم تحيطوا بها علماً)، فمصدر هذا العلم عنده أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وقد قيل حول هذه الآية وماهية هذه الدابة الكثير، ونحن لا نملك إلا النزر القليل مما ورد من الأحاديث حول معاني الآيات المباركة، وحتى معاني الأحاديث تبقى مجملة لدينا.

من أسرار الأحاديث: الدجال

وقد ورد اسمه في كثير من الأحاديث عند معظم المذاهب، ولا نعرف سوى أوصاف وردت حول معرفته، منها ما ورد في حديث: ألا ان وإکثرأتباعه يومئذ أولاد الزنا وأصحاب الطيالسة الخضر، يقتله الله عزوجل بالشام على عقبة

تعرف بعقبة أفيق لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة على ید من یصلي المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام خلقه.

ألا إن بعد ذلك الطاقة الكبرى.


1) کمال الدين وتمام النعمة ج 2 ص 525، والحديث طويل.

2) النمل84-83.

قلنا: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟

قال: خروج دابة من الأرض من عند الصفا معها خاتم سليمان بن داؤد وعصا موسى عليه السلام يضع الخاتم على وجه كل مؤمن فينطبع فيه هذا مؤمن حقاً ويضعه على وجو کل کافر فینکتب هذا کافرحقاً.

حتى إن المؤمن لینادي الويل لك یا کافر وإن الكافر ینادی طوبي لك يا مؤمن، وددت أني اليوم کنت مثلک فأفوز فوزاً عظيماً.

ثم ترفع الدابة رأسها فيراها من بين الخافقين بإذن الله جل جلاله وذلك بعد طلوع الشمس من مغربها.

فعند ذلك ترفع التوبه فلا توبة تقبل ولا عمل یرفع ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.

ثم قال عليه السلام: لا تسألوني عما يكون بعد هذا فإنه عهد عهده إلي حبيبي رسول الله صلی الله علیه واله أن لا أخبر به غیر عترتي.

قال النزال بن سبرة: فقلت لصعصعة بن صوحان: یا صعصعة ما عنى أميرالمؤمنين عليه السلام بهذا؟

فقال صعصعة : یا ابن سبرة إن الذي يصلي خلقه عيسى ابن مریم عليه السلام هو الثاني عشر من العترة، التاسع من ولد الحسين بن علي عليه السلام وهو الشمس الطالعة من مغربها يظهر عند الركن والمقام فيطهر الأرض ويضع ميزان العدل فلا يظلم احد احداً.

فأخبر أمير المؤمنين علیه السلام أن حبيبه رسول الله صلی الله علیه واله عهد إليه أن لا يخبر بما

يكون بعد ذلك غير عترته الأمة صلوات الله عليهم أجمعين(1)..

تنبيه : هذه الأحاديث تتضمن أسرار لا تنالها أفهامنا، وكثير من الأحادث وصلت إلينا منذ مئات السنين حرفياً، والآن قد كشف الواقع عن حقائق عديدة لم تكن ظاهرة من قبل، ومن يتابع يدرك ذلك.. لمن كان له قلب.

آية مباركة

قال تعالى:«وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا»(2).

في هذه الآية وما يليها أسرار تتعلق بكل مسيرات الحياة والمصير، ويظهر ذلك بإكمال الآيات البينات إلى آخر آية «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»(3)

في هذه الآيات أسرار وإشارات، وفيها ما لا تدرکه حروف الكلمات، وعندما نحاول الكتابة لعل باباً من أبواب المعرفة والهداية يفتح لنا، لأن الإنسان وجد لغاية كبری و هدف سام، وهو معرفة خالقه وطاعته.

من هنا نسعى بقدر طاقتنا المحدودة لطرق الباب من الأسرار.

ولست هنا في محاولة لتفسير الآيات، إنما نتلمس من ظواهرها مقداراً من أنوارها، لأن كل حرف من حروف القرآن المجيد له حقائق کامنة يدركها من نزل عليه القرآن، واختص بأسرار معانيه، وقد أوضح لنا أهل بيت العصمة علیهم السلام


1) کمال الدين وتمام النعمة ج 2 ص 527.

2) الإسراء 13.

3) الإسراء 15.

مقداراً نتحمله ونسير به في حياتنا:

أولاً: الآية الأولى تشير إلى أعمال كل إنسان.

ثانياً: الآية الثانية : كل إنسان يحاسب نفسه بنفسه .

ثالثاً: الآية الثالثة: الهداية والضلال يعودان على فاعلهما.

وفي آية «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه »نوع من الأسرار، وهي تشمل كل أفراد الإنسان.

وتارة نأخذ بظواهر الألفاظ، وتارة نحاول معرفة أسرارها.

أما الظواهر فلا خلاف مهم حولها، ولكن يبقى ما هو كامن في عوالم الغيب، وهذه العوالم مخزونة عند أهل بيت العصمة عليهم السلام ، وبقية الناس تتفاوت أبعادها، وقد اختلف الناس في هذا التفاوت على مر العصور والدهور، ولذا انقسم الناس إلى قسمين أساسيين: قسم لم يؤمن بالغيب، وقسم آمن بالغيب وما هو أسرار وغائب عن ما هو محسوس.

فالآية المباركة وما يليها فيها من أسرار الغيوب وعوالمه ما هو فوق إدراك العقول القاصرة، مع أن الظواهر واضحة كوضوح الشمس المنيرة.

ومن هنا نتلمس إعجاز القرآن الكريم، ففي الحروف معان ظاهرة ومعان باطنة.

كذلك ذات الأنسان، تنطوي فيه الظواهر، وتكمن فيه البواطن والأسرار،ولذا فإن كوامن الأسرار في ذات الإنسان لا يعلمها غير الخالق سبحانه، الذي كون الإنسان، جسمه من التراب، ونفسه وروحه وعقله من الأسرار .

عن سدير الصيرفي قال: دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله الصادق علیه السلام فرأيناه جالساً على التراب و عليه مسح خيبري مطوق بلا جيب مقصر الكمين وهو يبكي بكاء الواله الثکلى ذات الكبد الحري قد نال الحزن من وجنتيه وشاع التغيير في عارضيه وأبلى الدموع محجريه وهو يقول: سيدي غيبتک نفت رقادي وضيقت علي مهادي وابتزت مني راحة فؤادي. .

سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد وفقد الواحد بعد الواحد یفني الجمع والعدد.

فما أحس بدمعة ترقی من عيني وأنين يفترمن صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا إلا مثل بعيني عن غوابر اعظمها وأفضعها وبواقي أشدها وأنكرها ونوائب مخلوطة بغضبك ونوازل معجونة بسخطك.

قال سدیر: فاستطارت عقولنا ولها وتصدعت قلوبنا جزعاً من ذلك الخطب الهائل والحادث الغائل وظننا أنه سمت لمکروهة قارعة أو حلت به من الدهر بائقة، فقلنا: لا أبكي الله يا ابن خيرالورى عينيك، من أية حادثه تستنزف دمعتك؟وتستمطر عبرتك؟ وأية حالة حتمت عليك هذا المأتم؟

قال: فرفر الصادق علیه السلام زفرة انتفخ منها جوفه واشتد عنها خوفه وقال:

ویلكم، نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزایا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خص الله به محمداً والأئمة من بعده علیهم السلام .

وتأملت منه مؤلد قائمنا و غيبته وإبطاء و طول عمره وبلوى المؤمنين في

ذلك الزمان وتولد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينهم وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم التي قال الله تقدس ذکره«وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه»يعني الولاية.

فأخذتني الرقة واستولت علي الأحزان.

فقلنا : يا ابن رسول الله کرمنا وفضلنا بإشراکك ايانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك.

قال: إن الله تبارك وتعالى أدار للقائم منا ثلاثةً أدارها في تلاثة من الرسل عليهم السلام :

1.

قدر مولده تقدير مولد موسى عليه السلام .

2.

وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى علیه السلام .

3.

وقدر إبطاءه تقدير إبطاء نوح عليه السلام .

وجعل له من بعد ذلک عمر العبد الصالح أعني الخضرعلیه السلام دليلًا على عمره.

فقلنا علیه السلام: اکشف لنا یا ابن رسول الله عن وجوه هذه المعاني.

قال علیه السلام: أما مولد موسى عليه السلام: فإن فرعون لما وقف على أن زوال ملکه على يده أمر بإحضار الكهنة فدلوه على نسبه وأنه يکون من بني إسرائيل ولم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل حتى قتل في طلبه نيفاً وعشرين ألف مولود وتعذر عليه الوصول إلى قتل موسى عليه السلام بحفظ الله تبارك وتعالى إياه.

وكذلك بنو أمية وبنو العباس لما وقفوا على أن زوال ملکهم وملک الأمراء والجبابرة منهم على يد القائم ما ناصبونا العداوة ووضعوا سیوفهم في قتل آل الرسول صلی الله علیه واله وإبادة نسله طمعاً منهم في الؤصول إلى قتل القائم.

ویأبي الله عزوجل أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلا أن يتم نوره... ولو كره المشرکون. .

وأما غیبة عيسى علیه السلام: فإن اليهود والنصارى اتفقت على أنه قتل فكذبهم الله جل ذكره بقوله «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ».

كذلك غيبة القائم فإن الأمة ستنکرها ليطولها فمن قائل يهذي بأنه لم يولد وقائل يقول إنه يتعدى إلى ثلاثة عشر وصاعداً وقائل يعصي الله عز وجل بقوله إن روح القائم ينطق في هیکل غيره.

وأما إبطاء نوح عليه السلام : فانه لما استنزلت العقوبه على قومه من السماء بعث الله عز وجل الروح الأمين عليه السلام بسبع نويات فقال:

یا نبي الله إن الله تبارك وتعالى يقول لك إن هؤلاء خلائقي وعبادي ولست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة والزام الحجة فعاود اجتهادک في الدعوة لقومك فإني مثیبک عليه واغرس هذه النوى فإن لك في تباتها وبوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص فبشر بذلك من تبعك من المؤمنين.

فلما نبتت الأشجار وتازرت وتسوقت وتغصنت وأثمرت وزها التمرعليها بعد زمان طويل استنجز من الله سبحانه وتعالى العدة فأمره الله تبارك وتعالى أن يغرس من نوي تلك الأشجار ويعاود الصبر والإجتهاد ويؤكد الحجة على قومه فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به فارتد منهم ثلاثمائة رجل وقالوا:

لو كان ما يدعيه نوح حقاً لما وقع في وعد به خلف.

ثم إن الله تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند کل مرة بأن يغرسها مرة بعد أخرى إلى أن غرسها سبع مرات.

فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتد بينه طائفة بعد طائفة إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلًا.

فأوحى الله تبارك وتعالى عند ذلك إليه وقال : يا نوح الآن أسفر الصبح عن الليل لعينک حين صرح الحق عن محضه وصفا الأمر والإيمان من الكدربارتداد کل من کانت طينه خبيثة، فلو أني أهلکت الكفاروأبقيت من قد ارتد من الطوائف التي كانت آمنت بك لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك واعتصموا بحبل نبوتك بأن أستخلفهم في الأرض وأمکن لهم دينهم وأبدل خوفهم بالأمن لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشك من

قلوبهم.

وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وبدل الخوف بالأمن مني لهم مع ماکنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدوا وخبث طينهم [طينتهم] وسوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق وسنوح الضلالة؟

فلو أنهم تسنموا مني الملك الذي أوتي المؤمنين وقت الإسختلاف إذا أهلكت أعداءهم لنشقوا روائح صفاته ولاستحکمت سرائر نفاقهم [و]تابدت حبال ضلالة قلوبهم ولکاشفوا إخوانهم بالعداوة وحاربوهم على طلب الرئاسة والتفرد بالأمر والنهي.

وكيف يکون التمکين في الدين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن

وإيقاع الحروب کلا واصنع الفلك بأعيننا ووحينا(1).

قال الصادق عليه السلام: وكذلك القائم فإنه تمتد ایام غيبته ليصرح الحق عن محضه ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد کل من کانت طينته خبیثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف(2).

قال المفضل: فقل یا ابن رسول الله فأن هذه النواصب تزعم أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام .

فقال: لا يهدي الله قلوب الناصبة، متى كان الدين الذي ارتضاه الله ورسوله متمكنا بانتشار الأمن في الأمة وذهاب الخوف من قلوبها و ارتفاع الشک من صدورها في عهد واحد من هؤلاء؟

وفي عهد علي عليه السلام مع ارتداد المسلمين والفتن التي تثور في أيامهم والحروب التي كانت تنشب بين الكفار وبينهم؟

ثم تلا الصادق علیه السلام: «حتى إذا استياس الرسل وظنوا أنهم قد کذبوا جاءهم نصرنا(3).


1) من هذا الحديث الشريف تتضح الكثير من أسرار هذا الكون، وحقيقة مضمرات القلوب، وهذه الأبعاد تنير لنا مسيرة وحقائق القائم المنتظر عجل الله فرجه الشریف.

2) من هنا يشير تمام الحديث لهذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن.

3) من هذا الحديث ندرك الكثير من أسرار الأمم السابقة والكثير من أسرار هذه الأمة سابقاًولاحقاً، وخصوصاً في عصرنا الحاضر الذي شاعت فيه الفتن وكثر الهرج والمرج، وأصبح من يسمون بحكام الإسلام يناصرون الكفار ويدعمون إسرائيل بكل ما أمكن.

وأما العبد الصالح أعني الخضر علیه السلام فان الله تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له ولا كتاب ینزله عليه ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء ولا لإمامة يلزم عباده الإقتداء بها ولا إطاعة يفرضها له، بلى إنه الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من عمر القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف في أيام غیبته ما يقدر وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول طول عمرالعبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك إلا لعلة الإستدلال به على عمر القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف ولیقطع بذلك حجة المعاندين لئلا يكون للناس على الله ځجة(1)

وفي مضامين هذا الحديث الشريف أسرار ومعاني وحقيقة أخبار نشاهدها

على أرض الواقع عملياً، وهناك أبعاد لم تقع بعد، وليست بعيدة بمنظار وإشارات الحاضر، وسوف نشاهدها أو يشاهدها الأبناء والأحفاء..

آية

من يتابع الآيات البينات يدرك حقائق کامنة تظهرها الأيام، منها هذه الآية المباركة مع بعض الأحاديث الشريفة.

عن أبي بصير قال : قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام: في قول الله عزوجل «يوم يأتي بعض آیات ربک لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو کسبت في إيمانها خيراً» .

يعني خروج القائم المنتظر منا.

ثم قال عليه السلام: يا أبا بصیر طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته


1) کمال الدین وتمام النعمة، ج 2 ص 352.

والمطيعين له في ظهور أولئك أولياء الله الذي لا خوف عليهم ولا هم يحزنون(1).

تنبيه:

آخر الآية: «قول انتظروا إنا منتظرون»وأولها:«هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو یأتي ربك أو يأتي بعض آیات ربك يوم يأتي بعض آیات ربك ».

من هنا ندرك أن كل حرف وكلمة من الآيات لها معاني ومضامين وأسرار يدركها الأبرار، ومن هنا كانت معاجز القرآن.

من بعض أسرار هذه الآية: عن أبي عبد الله علیه السلام أنه قال: في قول الله عزوجل«يوم يأتي بعض آیات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل »

فقال : الآيات هم الأئمة والآية المنتظر هو القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف(2).

وقد أوقفني حديث مهم حول معاني الحجة في آخر الزمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : أقرب ما يكون العباد من الله عزوجل وأرضى ما يکون عنهم إذا افتقدوا حجة الله عزوجل فلم يظهر لهم ولم يعلموا بمكانه وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجج الله عنهم وبيناته فعندها فتوقعوا الفرج صباحاً ومساءً.

وإن أشد ما يکون غضب الله تعالى على أعدائه إذا افتقدوا حجة الله فلم يظهر لهم وقد علم أن أولياءه لا يرتابون ولو علم أنهم یرتابون لا غيب عنهم حجته طرفة عين ولا يكون ذلك إلا على رأس شرار الناس(3).

وورد من الأسرار والإشارات عن القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف: يغيب غيبة يرتاب فيها


1) کمال الدین و تمام النعمة ج 2 ص 357.

2) بحار الأنوار ج 1، ص 51.

3) کمال الدین وتمام النعمة ج 2 ص 337.

المبطلون ثم يظهره الله عزوجل فيفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها وينزل روح الله عيسى ابن مريم عليه السلام فيصلي خلفه.

وتشرق الأرض بنورربها ولا تبقى في الأرض بقعة عبد فيها غير الله عز وجل إلا عبد الله فيها ويكون الدين كله لله ولو کره المشركون(1).

وفي حديث يتضمن التمحيص، قال أبو عبد الله عليه السلام: يا منصور إن هذا الأمرلا يأتيکم إلا بعد إياس، لا والله لا يأتيكم حتى تمیزوا، لا والله لا يأتيکم حتى تمحصوا، ولا والله لا يأتيکم حتى يشقى من شقي ويسعد من سعد(2).

عندما نحاول الكتابة حول الأسرار نجد كل أسرار الحياة والوجود کامنة في حقيقة الإنسان، وهذه الحقيقة تمر بأدوار فيها ظواهر الأسرار، فكل سر من أسرار الوجود له مظهر من المظاهر التي تشير إليه، ومن أبرز الظواهر إبداع وإنشاء الإنسان حيث تضمن فيه المظهر وأسرار المظهر، ويكفي الإشارة: وفيك انطوى العالم الأكبر.

وغاية بحثنا هنا: «وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا»(3).

من هذه الآية المباركة أحاول الربط مع أول السورة: «سبحان الذي أسری بعبده ليلا».

والتسبيح هو التنزيه عن كل عجز، ومن هنا ندرك بعضاً من الظواهر،


1) کمال الدين و تمام النعمة ج 2 ص 345.

2) کمال الدین و تمام النعمة ج 2 ص 346.

3) الإسراء 13.

و نتلمس بعضاً من فيض البواطن، التي فيها مكمن الأسرار، والأسرار تدرك بالآثار.

فالإسراء لا يخضع لإدراك عقولنا القاصرة وإنا نتلمس ما ورد من أحاديث فيها إشارات لذوي الأفهام التي تظهر من تراكيب الكلام، ولذا قيل : الحروف قوالب المعاني، فقد أوقفني كثيراً حديث شريف وهو: عرج النبي صلی الله علیه واله مائة وعشرين مرة ما من مرة إلا وقد أوصى الله عزوجل فيها النبي صلی الله علیه واله بالولاية لعلي والأمة عليهم السلام أكثر مما أوصاه بالفرائض(1)..

عندما نقرأ بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية ندرك بصيصاً من أنوار الأسرار التي جاءت من السماء لسكان الأرض.

وقد جاء في الأحاديث الشريفة: والله ما جاءت ولايه علي علیه السلام من الأرض ولكن جاءت من السماء مشافهة(2).

وهذه المشافهة بنص واضح: «فأوحى إلى عبده؛ ما أوحي».

من هنا ندرك مخزن الأسرار عند الأطهار الأبرار، أليس كل حق على الأرض قد نزل من السماء؟

ومن أهمها الوحي والأمر بالطاعة ومعرفة الولاية .

ألم نقرأ قوله سبحانه: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(3)


1) الخصال ج 2 ص 600.

2) الكافي ج 1 ص 443.

3) النساء 59.

وهنا تكمن أسرار الطاعة، من هنا وجب على أهل العقول البحث عن أسرار العبودية والطاعة للرسول صلی الله علیه واله ، وآله الأطهار عليهم السلام، الذين هم مستودع الحق ومنارة الأسرار، وهم الذين اختارهم الله سبحانه لحمل الأمانة التي عجزت السماوات والأرض عن حملها.

وقفة مع حمل الأمانة

كلمة أمانة هي أبعد مما تعارف الناس عليها، فإنها تحمل الكثير من المصادیق، فالأمانة من السماء بدأت للأنبياء علیهم السلام ، من هنا لا بد من معرفتها على وجه الحقيقة من البدء، وهذا البحث يأخذ بنا إلى ما قبل المحسوسات التي ألقتها العقول، لأن كل شيء محسوس له سبب ابتداء .

فالإنسان لم يزل يجهل نفسه وذاته، من هنا يسأل الإنسان كيف كان أول الابتداء؟ فعندما ننظر بذاتها للمحسوسات ندرك ذلك، ولكن هناك مرحلة قبل ما هو محسوس، وهناك من هو أول المخلوقات.

من هنا انقسم الناس قسمين: قسم وقف عند حدود المحسوسات مما يقع على اللمس، وقسم حاول التعرف على ما هو فوق ذلك، وهذا الذي ينبغي البحث حوله وما يتبعه.

ونحن نحاول التعرف على ذلك دون الدخول في القواعد الفلسفية التي رسم الكثير من الأوائل قواعد ومصطلحات حولها، بل تكفي الإشارات لمن تكفيه.

وقبل الدخول بالمصاديق والمقدمات والتفاصيل نعتمد على ما هو منالمسلمات بقانون الفطرة السليمة.

ومن المسلمات أن الإنسان لم يكن موجوداً، ولم يكن لديه قدرة على إيجاد ذاته ونفسه، ويدرك بالفطرة السليمة أن كل ما هو موجود يحتاج إلى من أوجده، سواء كان من المركبات أو مما هو بسيط .

كتب للمؤلف

من الأبحاث المخطوطة للمؤلف حول آيات القرآن الكريم :

1.

آیات الصبر.

2.

آیات النفس.

3.

آیات التقوى والمتقين.

4.

آیات الغيب .

5.

آیات خلق الإنسان.

6.

آیات القلب.

7.

آیات الأرض.

8.

أسرار الحسين عليه السلام (وهو هذا الكتاب).

الفهرس

تقدیم...5

مقدمة...7

حديث لذوي الألباب ...13

نوع من بيان ...15

الإمام الحسين سر من أسرار الله ...16

وقفة مع حديث: علمه علمي...17

العلم قسمان: علم لدني وعلم کسبي ...19

في كل كائن سر من الأسرار ...20

الله يختص بفضله من يشاء ...24

لكل إنسان مقدار معين من التحمل ...26

ابتداء خلق نور الحسين عليه السلام ...27

تنبيه وإرشاد ...28

وقفة مع نصوص الأحاديث ...29

معرفة أهل السماء بهم أكثر من معرفة أهل الأرض...31

حديث ذو أبعاد ...35

لكل شيء حمل وأرباب هم أهله ...36

أول الحلق أهل البيت عليهم السلام ...40

وقفة فيها عبرة ...42

العوالم ثلاثة ...43

نموذج من أحاديث ...43

نور البصيرة...45

الإنسان أرقي المخلوقات ...46

وقفة ...47

وقفة عند نوع من الأحاديث ...48

حديث مهم له ظاهر و باطن ...48

وقفة مع الحديث: أنت السيد بن السيد أبو السادة ...49

عرف الحقائق من أهلها ...51

نظرة خاطفة ...52

بيان حول الحجة ...57

حدیث مهم عن مروج الذهب ...59

حديثنا عن الأسرار والأنوار ...61

مراحل واطوار الخلق ...62

المخلوق الأول ...62

وقفة وعودة للابتداء ...63

السفينة ...65

الوجود ...65

للكون بكل ما فيه ابتداء ...66

باب حول معاني السر ...69

ابتداء خلق الأنوار ...71

بدء مراحل النور المحمدي في العوالم ...72

لمحة فيها إشارات حول أنوار الإمامة ...74

نظرة خاصة حول الآية ...75

النور الحقيقي ابتداء ...76

الانسان مفطور على حب النور ...77

وقفة عند لفظ الكنز ...77

النور يعرف بالنور ...80

النور الحقیقی فوق ادراکنا...80

الامامة هي النور ...81

حديث عن الأنوار والاسرار ...83

أولاظً: ما قيل حول الملائكة ...83

وجوب الإيمان بالملائكة ...84

الفرق بين الملائكة وغيرهم ...85

وقفة عاجز عند حروف العرش ...86

ولاية أهل البيت مؤكدة في الميثاق ...86

في القرآن مخازن الأسرار ...87

استمرار الهداية...89

إشارة إلى العلوم اللدنية...91

علم وأسرار...91

دفع وهم ...92

وقفة وعودة للعلم ...94

مصيبة الحسين عند السابقين ...96

الفارق الكبير بين موقفين لآدم ...97

ابتداء مسيرة الحسين مع آدم عليها السلام ...98

الداء والدواء ...100

الوجود سر وغيب ...103

وقفة مع آية الذبح العظيم ...105

من خصوصيات الحسين: العبرة ...106

وقفة عاجز عند الخصوصيات ...108

نظرة خاصة ...109

الغاية ...109

وقفة عند لمعة الضياء ...110

وقفة عند الابتداء ...112

وقفة عند باب المحسوسات ...115

حديث قبل الخلق ...116

وقفة تأمل ...118

أنواع الخلق ...119

وقفة عند أسرار تكوين الإنسان ...120

وقفة متكررة عند باب السماء ...122

إشارات حول ابتداء الخلق ...122

حدیث جامع ...124

الأنوار الأربعة عشر...125

الحسین اولدیعة...126

وقفة ...127

أسرار الحياة كامنة في خلق الإنسان ...128

وقفة متأمل حول الإنسان ...131

وقفة ...133

حدیث جامع ...135

من أحاديث المعراج ...137

أسرار حول خلق الإنسان ...143

الشعاع يدل على مصدر النور...145

وقفة عند آية ...146

لمحة خاطفة عن ولادة الحسين عليه السلام ...150

نماذج من فضائله عليه السلام ...153

وقفة متيم عند باب الحسين ...155

ما المراد من الابتداء ...156

من نماذج الأسرار الواقعية ...161

وقفة على أبواب الأسرار...162

خير الخلائق ...166

الأسباب والمسببات ...167

وقفة عند حديث من أحاديث المعراج ...169

وقفة عند باب حب الحسنين ...171

للحسين عليه السلام سر في القلوب ...172

علم وأسرار ...174

علم الأئمة من علم الله تعالى ...176

الله أعلم حيث يجعل رسالته ...178

وقفة ملتمس على باب الحسين ...179

أدوار ومحطات الإمام الحسن مع الأمة ...180

يعرف الحق منأهله ...182

الحكمة الواقعية عند الأئمة ...185

حديث يتضمن قواعد الحكمة...185

عود على بدء ...187

تجلي حكمة الله...188

من خصائص الحسين أن مصيبته من أعظم المصائب ...190

أسرار ووقائع ...193

أسرار الحسين مستقبلا ...195

وقفة عند ضوء الأسرار ...196

لم نفقه أبعاد كثير من الأحاديث ...199

الأسرار تعرف بعد الإظهار...201

خلق الإنسان للنور...201

السراء...204

سعادة الإنسان في إصلاح سريرته ...205

وقفة عند باب من أبواب السريرة ...206

وقفة لا بد منها لكل عاقل ...209

علة الامتحان والابتلاء ...210

حفظ الأسرار من صفات الأخيار...214

الأمر الأول: العفو عند المقدرة ...217

العفو سر من الأسرار ...218

الأمر الثاني: الأمر بالمعروف ...219

الأمر الثالث: وأعرض عن الجاهلين ...220

وقفة لطرد الجهل ...220

الجهلاء والدواء ... 221

وقفة عاجز عن البيان ...22

عودة حول الأمر الثالث: وأعرض عن الجاهلين ...223

وقفة باحث عن مصدر الجهل ...227

وقفه عند الحدیث...228

حدیث جامع...229

إشارة حول خلق الإنسان ...230

الثالث: دور الإنسان وغايته ...232

علم السر والنفس ...232

ما هو علم الأسرار ...33

وقفة عند باب العقل ...238

الإنسان والدنيا ...239

الحجة...241

الإنسان والطاعة ...242

العقل والدين ...244

حدیث جامع شامل ...246

اضرب بطرفك حيث شئت ...252

الانسان انسان بعقله ...252

العقول والأدلة ...253

ابتداء الحديث ...254

الانسان وكماله...254

انتصار الأنبياء ...255

سرالبقاء...255

أعقل الناس ...256

المقطع الثالث من الوصية ...257

أسرار الكون تكشف بالعقل ...258

القرآن وبقاوه...259

القرآن مصدر العلم ...260

لعلكم تعقلون ...261

القرآن حبل الله ..262

للقرآن طرفان ...263

المقطع الرابع : وعظ...265

العقل مع العلم ...265

الخير كله لذوي العقول ...266

ما هي الحكمة؟ ...267

العقل والأدب ...268

الاغني أكبر من العقل ...269

من أروع ما قيل ...270

العاقل والمعقول ...271

البرهان الثاني على وجود العلم ...273

البرهان الثالث ...274

البرهان الرابع ...274

العلم سر من الأسرار ...274

العلم وحقيقته ...275

الفيض للعلم ...275

وقفة عند باب العلم ...276

العلم الحضوري والحصولي...278

العلم حياة ...279

علم الأسرار سعادة للأبرار ...281

وقفة عند باب من أبواب العلم ...282

العلم میزان بين الحق والباطل ...282

ما هي حقيقة العلم؟ ...283

العلم الحضوري والحصولي ...285

سر العلوم من عالم القدس ...286

أسرار الأكوان مبثوثة في الإنسان والقرآن ...286

القرآن نزل لهداية الإنسان ...288

القرآن مدرسة الإنسان ...289

الإنسان والأسرار ...289

الدنيا مظهر من مظاهر الأسرار ...292

العقل والإنسان ...293

العقل سر من أسرار الوجود ...296

أسرار الحياة كامنة في ثناياها ...299

أولاً: آثار زيارة الحسين ...299

ثانياً: الشوق والمحبة لآل الحسين ...301

بالإخلاص تتفاضل مراتب المؤمنين ...302

حديث في قضية موسی وشعيب ...303

انما يتقبل الله من المخلصين ...304

حقيقة الإخلاص ...305

سلامة القلب ...306

زيارة الحسين سر من الأسرار ...307

وقفة عند مصدر الأنوار ...310

الأسرار يعرفها الأخيار ...313

حديث عن أنوارهم عليهم السلام ...319

كيف نتعرف على ميزان الإيران؟ ...321

حدیث جامع ...322

من عوالم الأنوار ...324

أهل الكساء ...325

أسرار.. وأسرار ...328

من إرث أسرار النبوة ...329

وقفة ثانية عند الخصوصيات ...332

عجز وتنبيه ...333

وقفة وتأملات ...334

من أسرار الخصوصيات الظاهرة ...335

وقفة على باب من أبواب الخصوصيات ...336

الحسين هو صفوة من الصفوة ...337

وقفة عند باب الصفات ...337

الأسرار والأنوار ...340

إشارة من النصوص حول الأئمة ...341

الحسن والحسين صفوة الله ...344الإصطفاء سر من الأسرار ...344

سلسلة الأنوار ...346

حدیث جامع ...348طرف من حديث ...350

من مصدر الأسرار ...352

أسرار الحسين لا نهاية لها...354

من الأسرار أربعة عشر نوراً ...356

النجاة مضمونة لشيعة آل بيت محمد...357

مواقف الحسين وامتثاله ...359

من أسرار خبر اللوح ...360

يوم ندعو كل أناس بإمامهم ...362

لمحة موجزة عن الإمام الحسين ...367

فضائلالحسين ...367

میزان التفضيل ...368

الأسرار فوق الأفكار...370وقفة عند لقب من ألقاب الحسين ...371

حديث يتضمن أسرار المستقبل ...373

الكرامات لمن كرمهم الله ...375

لقطات و کلمات ...377وقفة تحت شعاع من كلمات للحسين ...378

لمحة ونوع من تحليل ...379 آية حول الأمم ...380

آل البيت هم أهل سر الله ...383

الأسرار يحملها الأبرار ...385

ومضات من أسمى حياة ...386

آية وواقع ...387

نموذج رفيع في ليلة عاشوراء ...387

وقفة عند باب الصبر ...388

وقفة نتلمس بها الشكر عند الحسين ...389

لئن شكرتم لأزيدنكم ...389فقرات من دعاء عرفة ...390

الإنسان والكمال...391

الإنسان أبعد من الحواس ...392

ابتداء المعرفة عند ابتداء النفس ...393

أسرار الحسين فوق ادراکات عقولنا...394

التوحيد الأسمى ...396حديث حول التوحيد ...399

أسرار أشار إليها أمير المؤمنين ...401

أسرار من القرآن ...410

نموذج من أحاديث النور والطينة ...411

معرفة النفس ...415

صون النفس من أوجب الواجبات ...419

مسلك دقي للنفس ...419

سبب صلاح النفس ...420 سبب صلاح النفس الورع ...421

وقفة لذوي الأبصار ...422

ثلاثة عوالم وثلاث مسافرین ...423

وقفه عاجز عند هذه العوالم ...424

النور أو النار ...425

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق...427

أسرار في زيارة الحسين ...429

أسرار بعض من خطبة الزهراء ...430

إكمال الدين في الولاية ...441

وقفة مع آية ...442

الدعاء...444

القرآن دواء للإنسان ...445

آية مباركة من آيات الأسرار ...448

علامات ومبشرات وإشارات ...449

من أسرار الأحاديث : الدجال ...451

آية مباركة ...453

آية ...460

وقفة مع حمل الأمانة ...646

كتب للمؤلف ...466

الفهرس ...467