الجمان الحسان فی أحکام القرآن

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:موسوی‌دهسرخی‌اصفهانی، محمود، 1305-

عنوان و نام پديدآور:الجمان الحسان فی احکام‌القرآن/محمود الموسوی‌الدهسرخی.

مشخصات نشر:تهران: لاهوت، 1426ق.= 1383.

مشخصات ظاهری:[439]ص.:نمونه.

شابک:964-7762-87-

يادداشت:عربی.

موضوع:قرآن-- احکام و قوانین.

رده بندی کنگره:BP99/6/م8ج8 1383

رده بندی دیویی:297/174

شماره کتابشناسی ملی:1049788

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الجمان الحسان في الأحكام القرآن

آية الله السيد محمود الموسوي الدهسرخي

الناشر: لاهوت

المطبعة: أمير

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 1429 ه-

عدد المطبوع: 1000 نسخة

طهران، تلفون 2-77524540-021

قم، تلفون 7747493 - 0251

شابک -87 - 7762-964

المقدمه

قال النبي صلی الله علیه و آله و سلم : «لا يعذب الله قلباً وَعَى القرآن ».

اهدت سليمان يوم العرض نملتة * رجل الجراد التي قد كان في فيها

ترنمت بفصیح القول واعتذرت * أن الهدايا على مقدار مهدیها

الحمد لله ربّ العالمين والصلوة على خير خلقه محمد و آله صلوات الله عليهم أجمعين و لعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين .

أما بعد ؛ فيقول العبد الجاني محمود بن السيد مهدي الموسوي الده سرخي الاصفهاني أصلا والنجفي مسکنا و مدفنا إن شاء الله :

إن أفضل الأعمال هو تحصيل الكمال بالعلم والعمل وأفضل العلوم هو العلم بالأحكام الشرعية وهو يحتاج إلى مقدمات عمدتها حفظ الآيات المتعلقة بها والبحث عنها ولهذا أفردها العلماء رضوان الله عليهم بالبحث وخصّوها بالتصنيف إلا أن استفادة المبتدئين من هذه التصانيف لامتزاج الشرح والمتن متعسرة وحفظ آیاتها لتشتتها متعذرة فاحببت ان أجمع الآيات في كتاب مستقل بعنوان المتن حتى يكون حفظها میسورا لهم وبالأخص للولد الأعز السيد محمد علي جعله الله من العلماء العاملين وجعلت في حواشيه بعض الشروح المقتبسة من كتاب ( قلائد الدرر

في بيان آيات الأحكام بالأثر) لشيخ الفقهاء المتبحرين رئيس المجتهدين وتاج المحققين العلامة الشيخ أحمد بن اسماعيل الجزائري قدس سره و من کتب سائر العلماء قدس الله أسرارهم وسميته ب- « الجمان الحسان في أحكام القرآن ».

وهو باعتبار العنوان مشتمل على ثلثمائة وثمانية وأربعين (348) آيةً وباعتبار المعنون على أربعمائة وسبعة وستين آيةً (467)(1)ونبدأ بكتاب الطهارةونختم بالقضاء والشهادة .


1) (1) مثلا قلنا كتاب الطهارة وفيها آية فهو بحسب العنوان ولكن يذكر فيها 8 آية وهكذا سائر العناوين.

كتاب الطهارة

وفيها 12 آیة :

الأولى: في سورة الفرقان الآية 48 - 49، قوله تعالی :

(وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا )(1)

في الصحاح الطهور ما يتطهر به کالسحور.

ونقل جماعة كثيرة من المفسرين وغيرهم أن طهورا يستعمل في لغة العرب على وجهين : أحدهما صفة وثانيهما اسم.

فالصفة ماء طهور كقولك ماء طاهر ، والاسم كقولك لما يتطهر به طهور کالوقود والفطور والسحور.

ونقل عن سيبويه انه يستعمل مصدرا أيضاً مثل قولهم تطهرت طهورا حسنا.

ومنه قوله صلى الله عليه وآله: «لا صلوة إلا بطهور» أي بطهارة .

وفي القاموس : الطهور المصدر واسم ما يتطهر به أو الطاهر المطهر . انتهى .

وقد استدل بهذه الآية أكثر علمائنا وغيرهم على طهارة مطلق الماء ومطهريته،

واعترض على هذا الاستدلال بوجهين :

الأول: ان الطهور من أسماء المبالغة في الطاهر ولا يدل على كونه مطهرا بوجه ، وذلك لأن فعولا انما يفيد المبالغة في فائدة فاعل ولا يفيد شيئا مغایر له، فلو كان الطهور بمعنى المطهر لافاد غير ما افاد طاهر وذلك خلاف القانون، ولأنه يستعمل فيما لا يفيد ذلك كقوله تعالى : ( شَرَاباً طَهُورًا) ، وكقوله (شعراً):

عذب الثنايا ريقهن طهور

الوجه الثاني: انه ليس في الكلام ما يدل على العموم وإنما تدل على ان ماء من السماء مطهر .

والجواب عن الأول بوجوه :

الأول: منع الحصر فيما ذكر .

الثاني: أنه يكون من قبيل اثبات اللغة بالترجيح وهو باطل .

الثالث: أنه يلزم على ما ذكرتم أن يكون مطردا فيه، مع انه ليس كذلك اذ لا يقال ثوب طهور.

الرابع: انه قد ذكر كثير من أهل اللغة أن الطهور هو الطاهر بنفسه والمطهر لغيره ونسبه الشيخ في التهذيب إلى لغة العرب ونحو ذلك قال الأزهري حيث قال : الطهور في اللغة الطاهر المطهر .

الخامس: ما ذكره الشيخ في التهذيب انه لا خلاف بين أهل النحو في ان اسم فعول موضوع للمبالغة وتكرر الصفة ألا ترى انهم يقولون فلان ضارب ثم يقولون ضروب اذا تكرر ذلك منه وكثر واذا كان كون الماء طاهرا ليس مما يتكرر ويتزاید فينبغي ان يعتبر في اطلاق الطهور عليه غير ذلك وليس بعد ذلك الاكونه مطهرا .

: السادس: ان هذه الآية ذكرت في معرض الامتنان فالمناسب أن يراد الطهورية، الخ.

قال الأردبیلی قدس سره : قوله : (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) . انتهى.

فيها دلالة على كون الماء طاهرا ومطهرا ويتطهر به ويرفع حدث الجنابة وان الاحتلام من الشيطان.

.

1) (1) قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) . انتهى .

الثانية: في سورة الأنفال الآية 11 قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ (1)

قال في القاموس : الرجز بالكسر والضم القذر وعبادة الأوثان والعذاب والشرك. وفي الصحاح : الرجز القذر مثل الرجس۔ وفي المهذب : الرجز والرجس العذاب .

وهذه الآية على ما نقل نزلت في وقعة بدر وذلك لأن الكفار سبقوا المسلمين إلى الماء فاضطر المسلمون ونزلوا على تل من رمل سیال لا تثبت به الاقدام وأكثرهم خائفون لقلتهم وكثرة الكفار لأن أصحاب النبي صلی الله علیه و آله و سلم كانوا ثلثمأة وثلثة عشر رجلا ومعهم سبعون جملا يتعاقبون عليها وفرسان احديهما للزبير بن العوام والاخرى للمقداد بن الأسود وكان المشركون ألفا ومعهم أربعمأة فرس، وقيل : مائتان ، فبات أصحاب النبي صلی الله علیه و آله و سلم تلك الليلة على غير ماء فاحتلم أكثرهم فتمثل لهم ابليس وقال تزعمون انكم على الحق وأنتم تصلون بالجنابة وعلى غير وضوء وقد اشتد عطشكم ولو كنتم على الحق ما سبقوكم إلى الماء وإذا أضعفكم العطش قتلوكم كيف شاوا فأنزل الله تعالى عليهم المطر وزالت تلك العلل.

والمراد بتطهير الله اياهم بالماء توفيقهم للطهارة بأن يزيلوا النجاسة الحكمية عنهم كالحدث الأكبر والأصغر بالغسل والوضوء ويزيلوا النجاسة العينية كالمني وغيره .

والمراد بالرجز إما الوسوسة التي حصلت لهم من تلك المقالة، أو مطلق الوسوسة التي وسوسها إليهم في هذه الغزوة أو المني أو العذاب والمراد بربط القلوب اشتدادها وتشجيعها وزيادة قوتها ووثوقها بما وعد الله نبيه صلی الله علیه و آله و سلم.

وقيل : وهذا هو المراد بتثبيت الأقدام، وقيل : هو تثبيت الرمل.

وبالجملة الآية الكريمة تدل على طهارة الماء مطلقا ومطهريته لكل شيء من النجاسات الحكمية والعينية .

وَلِيَرْبِطَ عَلَى

1) (1) قوله تعالى : (رِجْزَ الشَّيْطَانِ ) . انتهى .

قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ).

الثالثة: في سورة البقرة الآية 222 قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (1)

وفي سورة التوبة الآية 109 قوله تعالى : (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) (2)

الرابعة : في سورة المائدة الآية 6 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا


1) (1) قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) في تفسير العياشي عن جمیل قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : كان الناس يستنجون بالحجار والكرسف ثم أحدث الوضوء وهو خلق حسن فأمر به رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وأنزله الله في كتابه : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) وهذه الرواية نقلها في الكافي بسند صحيح أو حسن، الخ.

2) (2) قال الأردبيلي قدس سره: فيه رجال أي في مسجد قبا وفي سبب النزول دلالة على استحباب الجمع بين الأحجار والماء في الاستنجاء والمبالغة في الاجتناب عن النجاسات.

قُمْتُمْ (1)

اشتملت الآية الشريفة على مسائل :

الأولى: أن تخصيص الخطاب بالمؤمنين يقتضي بمفهوم التوصيف انهم هم المكلفون بهذه الأحكام الفروعية دون الكفار كما قاله كثير من العامة.

والجواب : ان ذلك باطل بالاجماع.

المسئلة الثانية: قوله تعالى : (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ) المراد به ارادته والتوجه اليه اطلاقا للملزوم على لازمه أو المسبب على سبيه اذ فعل المختار تلزمه الارادة ويتسبب عنها كقوله تعالی (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) .

وقيل : المراد بالقيام إليها قصدها . والعلاقة هي اللزوم أو السببية لأن القيام إلى الشيء والتوجه إليه يستلزم القصد إليه ويتسبب عنه.

وقيل : المراد القيام المنتهي إلى الصلوة.

هذا ويجوز أن يكون المراد القيام من النوم كما سيجيء إن شاء الله .

المسئلة الثالثة: هذه الآية تقتضي بظاهرها تعميم هذا الحكم لسائر المكلفين المحدثين وغيرهم بأن يجب عليهم ذلك كلما قاموا إليها لكن خص ذلك بالمحدثین بالأخبار الواردة عن أهل البيت علیهم السلام وباجماع الفرقة المحقة.

المسئلة الرابعة: في الآية اشعار بأن الوضوء واجب للصلوة لا لنفسه وذلك لأنه من قبيل أذا أردت لقاء الأمير فالبس ثيابك ، ويشهد لذلك كثير من الأخبار وهذا هو المشهور بين أصحابنا.

المسئلة الخامسة: انها تضمنت وجوب غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين إلا أن في هذه الأمور نوع اجمال كما لا يخفى .

وقد حصل البيان بفعله صلی الله علیه و آله و سلم وبما نقل عن أهل البيت علیهم السلام .

قال الفاضل المقداد قدس سره : قیام الصلوة قسمان : قیام للدخول فيها وقيام للتهيء لها .

والمراد هنا الثاني وإلا لزم تأخر الوضوء عن الصلوة وهو باطل اجماعا.

إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا

1) (1) قوله تعالى : ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا ) . انتهى.

بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (1)، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى (2)أَوْ عَلَى سَفَرٍ (3)أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ (4)أَوْ لَامَسْتُمُ


1) (1) قوله تعالی : (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) الجنب يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، وأصل الجنابة البعد ، والمراد شرعا البعد عن أحكام الطاهرين بالجماع والمني ، والمراد بالطهارة هنا الغسل لأن المتبادر منها في لسان الشرع الوضوء والغسل والتيمم ، والأخبار خصها هنا بالغسل مع التصريح في الآية الشريفة بذلك ، وهذه الجملة يجوز أن تكون معطوفة على جملة الشرط السابقة وهي قوله تعالی : (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ) . انتهى . فلا تكون حينئذ مندرجة تحت القيام إلى الصلوة بل هي مستقلة برأسها.

2) (2) قوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) لما ذكر سبحانه حكم الواجدین للماء اتبعه بذكر أصحاب الأعذار، والمراد بالمرض هنا ما يشمل المرض الذي يضر معه استعمال الماء والذي يكون سببا للعجز عن تحصيله بحيث يوجب العلم أو الظن بالبصيرة أو التجربة بشدة المرض أو زيادته أو بطؤ البرء منه.

3) (3) قوله تعالى : (أَوْ عَلَى سَفَرٍ) أي حال سفر لا يحصل لكم فيه الماء كما يرشد إليه تنکیر سفر وهذا من الجري على الغالب من أن فقد الماء يكون في السفر في البراري والصحاري.

4) (4) قوله تعالى : (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) هو كناية عن مطلق الحدث الأصغر من باب تسمية الحال باسم المحل أو البول والغائط خاصة أو ما يخرج من السبيلين منهما ومن الريح أو العذرة خاصة و( أو ) هنا بمعنى الواو كما ذكره الأكثر فيكون هذا قيدا للسفر والمرض المذكورين.

النِّسَاءَ (1)فَلَمْ تَجِدُوا (2)مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (3)فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ (4)مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ (5)وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ (6)لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )

الخامسة: في سورة النساء الآية 43 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا


1) (1) قوله تعالى : (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ) قيل هو كناية عن مطلق الموجب للغسل وفيه تأمل والأوضح انه كناية عن الجماع الموجب للغسل.

2) (2) قوله تعالى : (فَلَمْ تَجِدُوا) يحتمله انه معطوف علی کنتم ويكون المراد بعدم الوجود العجز وعدم التمكن ( عقلا أو شرعا).

3) (3) قوله تعالى : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) أي اقصدوا صعيدا يقال یممته اذا قصدته هذا في اللغة، وأما في الشرع هو المسح على كيفية منقولة عن صاحب الشريعة و المراد من الصعيد إما تراب أو تراب خالص أو مطلق وجه الأرض كما يدل عليه قوله تعالی : (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) أي أرضا ملسا ، الخ.

4) (4) وقوله تعالى : (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) أي من ذلك الصعيد الطيب فمن هنا ابتدائية.

5) (5) قوله تعالى : (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) ان الحرج المنفي هو الضيق بایجاب مسح الوجه واليدين كله بالتراب المضروب عليه بأن يرتفع منه في اليد شيء يصل إلى جميع البشرة الوجه واليدين والبدن ليكون على نحو الطهارة المائية (كما توهمه الزرارة ورد عليه الامام علیه السلام ).

6) (6) قوله تعالى : (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) أي ليتم بشرعه ما هو مطهر لابدانكم و مكفر لذنوبكم في الدين ، الخ .

لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى (1)

جملة وأنتم سكارى حالية من فاعل تقربوا ولذا عطف جنبا بالنصب عليه وحتی في قوله حتى تعلموا يحتمل أن تكون من قبيل لا تشرك حتى تدخل النار. ويحتمل أن تكون من قبيل سر حتى تغيب الشمس.

والسكر مأخوذ من سكرت النهر اسكره سكرا إذا سددته. ولما كان السكران لا يصح توجيه الخطاب إليه لزوال عقله.

قيل : المراد هنا الناعس ، فانه يعلم ما يقول في الجملة.

وقيل : المراد النهي عن السكر نفسه أي لا تسكروا وأنتم مخاطبون بالصلوة .

وقال : الأكثر المراد به سكر الخمر أو غيره والمخاطب حينئذ بذلك الثمل (ثَمِلَ ثَملًا : أخذ فيه الشراب).

والحاصل أنهم نهوا أن يكون في وقت الاشتغال بالصلوة سكاري أي بأن لا تشربوا في وقت يؤدي إلى تلبسهم بالصلوة حال سكرهم فليس الخطاب متوجها إليهم حال سكرهم.

واختلفوا في المعنى المراد من الصلوة في هذه الآية الشريفة على ثلاثة أقوال :

أحدها: أن المراد من الصلوة المنهي عنها هو مواضعها التي يغلب ایقاعها فيها أعني المساجد من قبيل تسمية المحل باسم الحال.

ثانيها: أن المراد نفس الصلوة، وربما أسنده بعض إلى أمير المؤمنين علیه السلام قال بعض أصحابنا ولم يثبت ذلك.

وحاصل المعنى انهم نهوا عن الصلوة في هذين الحالين، واستثنى من حال الجنب عابري سبيل أي مسافرين غير واجدین للماء كما هو الغالب من حال المسافرين فيجوز لكم حينئذ الصلوة بالتيمم .

وثالثها: ما ذكره الصفي الحلي في كتاب الصناعات البديعية وهو أن يكون المراد بالصلوة في قوله تعالى : (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ) معناها الحقيقي ويراد بها عند قوله : (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ ) مواضعها الغالبة أعني المساجد وهذا نوع ثالث للاستخدام قال بعض الفضلاء وعدم شهرة هذا النوع بين المتأخرين من أهل المعاني والبيان غير ضار . فان صاحب هذا الكلام من أعلام علماء المعاني ولا مشاحة في الاصطلاح.

حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا

1) (1) قوله تعالى (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) انتهى.

عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا(1)

ويحتمل أن المعنى انه تعالى لم يؤاخذكم بجنایاتكم فيشدد عليكم التكاليف كما شدد على اليهود بل رخصها لكم ويرها عليكم، الخ.

قال الفاضل المقداد قدس سره : وفي الآية أحكام كثيرة :

1- تحريم السكر لكونه منافيا للواجب. 2 - نقضه الوضوء. 3 - ابطاله الصلوة . 4- وجوب قضاء صلوة وقعت حالة السكر. 5- کون عدم التعقل مبطلا للطهارة .6 کون ذلك مبطلا للصلوة .7- كون الجنابة ناقضة للوضوء. 8- کونها مبطلة للصلوة . 9- كونها موجبة للغسل. 10- کون التيمم لا يرفع حدث الجنابة. 11 - احترام المساجد. 12 - منع السكران وشبهه من دخولها. 13 - منع الجنب من الاستقرار فيها. 14 - تسويغ الجواز فيها. 15 - كون الغسل رافعة لحكم الجنابة . 16 - عدم افتقار الغسل إلى الوضوء. 17 - تسويغ التيمم. 18 - کونه بحيث يقع بدلا من كل واحد من الوضوء والغسل. 19- اباحته حال المرض المتضرر باستعمال الماء 20 - كونه مباحا اما للعجز عن الماء بالضرر من استعماله أو لعدمه . 21 - کون وجود الماء ناقضا للتيمم. 22 - كون الغائط ناقضا للوضوء. 23 - كون الجنابة تقع بمجرد الوطي من غير انزال . 26 - وجوب کون التيمم بالتراب. 20 - جوازه بالحجر الصلب لصدق اسم الصعيد عليه . 29 - وجوب کون الصعيد طاهرا. 27 - وجوب کونه مباحا. 28 - وجوب مسح الوجه واليدين. 29 - كون الوجه يراد به بعضه لمكان الباء عند القائل بذلك وكذا اليد لعطفها على الوجه. 30- وجوب الابتداء بمسح الوجه لفاء التعقيب . 31 - الموالاة إن قلنا الأمر للفور.

غَفُورًا) .

1) (1) قوله تعالى : (عَفُوًّا) أي كثير الصفح والتجاوز (غَفُوراً) أي كثير الستر على ذنوب العباد.

السادسة: في سورة البقرة الآية 222 قوله تعالى : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ (1)

المحيض يجيء مصدرا ، کالمجيء والمبيت .

تقول: حاضت المرأة محيض واسم زمان أي مدة المحيض واسم مكان أي محل المحيض.

والمحيض الأول مصدر لا غير لعود الضمير إليه أي يسألونك عن الحيض وأحواله والسائل أبو الدحداح كما قيل.

والأذى هو المكروه المستقذر الذي ينفر الطبع منه.

والاعتزال التنحي عن الشيء.

وأما المحيض الثاني فيحتمل المعاني الثلاثة لكن يحتاج في الأول منها إلى تقدير مضاف والمعنی یسئلونك عن زمان المحيض ، الخ.

.................

1) (1) قوله تعالى : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ) . انتهى.

قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ(1)وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ (2)حَتَّى يَطْهُرْنَ (3)فَإِذَا تَطَهَّرْنَ (4)فَأْتُوهُنَّ (5)مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ (6)

قال الفاضل قدس سره : ففي الآیة أحکام:

1- ان الحيض نجس لقوله أذى. 2- ان نجاسته مغلظة لقوله هو اذی مبالغة فيه بالقذارة بالاتيان باسم الظاهر أولا ثم بالضمير الذي کنی به عنه ثم بستنکیرخبره ووصفه بالأذى وكل ذلك امارة غلظة نجاسته فيجب ازالته قليلة وكثيرة عندنا. 3- ان دم الحيض من الأحداث الموجبة للغسل، الخ. 4 - وجوب اعتزال النساء في مكان الحيض وهو القبل، الخ. 5 - اختلف في مدة زمان الاعتزال إلى أن قال وأما أصحابنا فجمعوا بينهما بأنه قبل الغسل جايز على كراهية وبعده لا على كراهية ، الخ.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).

السابعة: في سورة التوبة الآية 28 قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ


1) (1) وفي المجمع قوله تعالی : (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) أي اجتنبوا مجامعتهن في الفرج عن ابن عباس وعايشة والحسن والقتادة والمجاهد وهو قول محمد بن الحسن ويوافق مذهبنا انه لا يحرم منها غير موضع الدم فقط ، الخ.

2) (2) (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ) بالجماع أو ما دون الازار على الخلاف فيه.

3) (3) (حَتَّى يَطْهُرْنَ) بالتخفيف معناه حتى ينقطع الدم عنهن، وبالتشديد معناه يغتسلن ،الخ.

4) (4) (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) أي اغتسلن ، وقيل : توضأن ، وقيل : غسلن فرجهن .

5) (5) (فَأْتُوهُنَّ) فجامعوهن وهو اباحة وإن كان في صورة الأمر.

6) (6) (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) معناه من حيث أمركم الله بتجنبه في حال الحيض وهو الفرج، الخ.

نَجَسٌ (1)

المتبادر من المشرك هنا انه الذي أثبت له تعالى شريكا أي اعتقد إلها غير الله تعالى فالمشرك هو غير الموحد فلا يدخل الكتابي الموحد.

ويرشد إليه قوله تعالى : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ) وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ) حيث عطف المشركين بالواو المقتضى للمغايرة.

فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ (2)

إذا عرفت ذلك فقد استفيد من الآية الكريمة أحكام :

أحدها: نجاسة المشرك فيتفرع علیه نجاسة ما باشره برطوبة .

وثانيها: کون نجاستهم من جهة الشرك فلا يحصل لهم الطهارة ما دام هذا الوصف، ولو غسلوا ابدانهم بالماء فلا تطهر إلا بالاسلام.

وثالثها: عدم جواز دخولهم المسجد الحرام بل مطلق المساجد كما يفهم من تعليق الحكم على كونهم نجسا بل يفهم أيضا عدم جواز ادخال مطلق النجاسة إلى المسجد وان لم تكن متعدية.

ورابعها: عدم جواز التمكن من ادخالها إليها .

وقد يفهم وجوب اخراجها وازالتها عن المساجد .

الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا).

الثامنة: في سورة المائدة الآية 90 قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا


1) (1) قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ) المراد به تمام الحرم من تسمية الشيء باشرف اجزائه . ويمكن أن يراد نفس المسجد والنهي عن القرب للمبالغة كقوله تعالى : (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ) ، (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) وأمر للمؤمنين بأن لا يمكنوهم في ذلك كما يدل عليه صدر الآية وهو قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) .

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ (1)

قال في القاموس : الخمر ما أسكر من عصير العنب أو عام كالخمرة وقد يذكر والعموم أصح لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب وما كان شرابهم إلا البسر والتمر سميت به لأنها تخمر العقل وتستره أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت أو لأنها تخامر العقل أي تخالطه.

والميسر القمار كله (بل كلما يقمر به حتى الكعاب والجوز كما عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم ). والأزلام: القداح وهي سهام كانوا يجيلونها للقمار.

والرجس : هو النجس بلا خلاف فيه كما عن الشيخ، الخ.

وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ (2)

في المجمع : لابد من أن يكون في الكلام حذف، والمعنى شرب الخمر وتناوله والتصرف فيه وعبادة الأنصاب والاستقسام بالازلام رجس أي خبيث من عمل الشيطان . وإنما نسبها إلى الشيطان وهي أجسام من فعل الله تعالی لما یأمر به الشيطان فيها من الفساد فيأمر بشرب المسكر ليزيل العقل ويأمر بالقمار ليستعمل فيه الأخلاق الدنية ويأمر بعبادة الأصنام لما فيها من الشرك بالله ويأمر بالازلام لما فيها من ضعف الرأي والاتكال على الاتفاق.

وقال الباقر علیه السلام : « يدخل في الميسر اللعب بالشطرنج والنرد وغير ذلك من أنواع القمار حتى ان لعب الصبيان بالجوز من القمار».

(فَاجْتَنِبُوهُ) أي كونوا على جانب منه أي في ناحية .

(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) معناه لكي تفوزوا بالثواب. وفي هذه الآية دلالة على تحريم الخمر وهذه الأشياء من أربعة أوجه:

أحدها: أنه وصفها بالرجس وهو النجس والنجس محرم بلا خلاف .

والثاني: انه نسبها إلى عمل الشيطان وذلك يوجب تحريمها.

والثالث: أنه أمر باجتنابها والأمر يقتضي الايجاب .

والرابع: انه جعل الفوز والفلاح في اجتنابها . انتهى .

قال الفاضل قدس سره في كنز العرفان : استدل أصحابنا القائلون لنجاسة الخمر بهذه الاية ووجه الاستدلال بها من وجهين:

الأول: أنه وصفه بالرجس وهو وصف النجاسة لترادفهما ولذلك يؤكد الرجس بالنجس فيقال : رجس نجس.

الثاني: أنه أمر باجتنابه وهو موجب للتباعد المستلزم للمنع من الاقتراب بسایر أنواعه لأن معنى الاجتناب كون كل منهما في جانب وهو مستلزم للهجران.

قال الموسوي: وفي كلا الوجهين نظر اما الرجس فانه جاء بمعنى القبيح أيضا وأما الأمر بالاجتناب فانه لازم أعم للنجاسة.


1) (1) قوله تعالى : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) . انتهى.

فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ).

التاسعة: في سورة المدثر الآية 3- 5: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (1)

وعن الصادق علیه السلام في قول الله تعالى : (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال : « فشمر».

(والرجز) قدم المفعول هنا أيضا للاهتمام وهو بالضم والكسر الاصنام والأوثان.

قال الأردبيلي قدس سره (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) دلت على وجوب طهارة الثياب وكونها بالماء المعروف لا غير، وأن صدقه يكفي من غير عصر ولا ورود ولا عدد إلا ما أخرجه الدليل من اجماع أو خبر ، الخ.

* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ).

1) (1) قوله تعالی : (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) قدم المفعول وهو ربك لشدة الاهتمام.

العاشرة: في سورة الواقعة الآية 77 - 79: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (1)

والقرآن هو جملة الكتاب وهو المقروّ على الألسن والمكتوب يسمى مصحفا .

ووصفه بالكريم لأنه جاء بالسماحة ونفي الحرج أو لأنه عام النفع کثير الخير يحصل بتلاوته الأجر العظيم.

و(كِتَابٍ) صفة بعد صفة أو خبر لإن المراد به اللوح المحفوظ الذي أثبت الله فيه القرآن.

والمكنون هو المستور عن الخلق.

(لَا يَمَسُّهُ) صفة لقرآن أو كتاب أو خبر آخر لأنّ.

(الْمُطَهَّرُونَ) هم الطاهرون من النجاسات العينية والحكمية أو الملائكة المطهرون من الكدورات الجسمانية أو أدناس المعاصي .

* فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ).

الحادية عشرة: في سورة البينة الآية 5 قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ(2)

الأمر للوجوب، والعبادة هي امتثال الأوامر والنواهي والطاعة ، والاخلاص على ما ذكره الأصحاب هو أن يجرد قصد التقرب بالفعل إلى الله تعالى عن جميع الشوائب.

وقد ذكر للدين في اللغة معان والمناسب أن يكون المراد هنا الاسلام أو العبادة أو الطاعة أو جميع ما يتعبد الله تعالی به .

واحتمل بعضهم أن يكون المراد به الجزاء على أن المعنى أمروا بأن يعبدوا الله مخلصين له ما يوجب الجزاء والأجر وهي العبادة ولا يعبدوا غيره ولا يشركوا في عبادة الله ، الخ.

.............

1) (1) قوله تعالى : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) الضمير المنصوب ب«انّ» يرجع إلى الذي تلوناه عليك أو المنزل.

2) (2) قوله تعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ) . انتهى .

لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ (1)

الحنيف : المايل عن الطريق الباطل إلى الحق ولا يخفى ما فيها من التأكيدات وقد استدلوا بهذه الآية على وجوب النية في كل عبادة حتى الطهارات مائية وترابية ، بل وعلى اشتراط القرية.

ووجه ذلك انه تعالى أمر بالعبادة على وجه الاخلاص وهو لا يمكن إلا مع النية والقربة.

وفي المجمع : قوله تعالى : (وَذَلِكَ) يعني الدين الذي قدم ذكره .

(دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي دين الكتب القيمة التي ذكرها.

وقيل : دین الملة القيمة والشريعة القيمة... إلى أن قال : واستدل بهذه الآية أيضا على وجوب النية في الطهارة إذ أمر سبحانه بالعبادة على وجه الاخلاص ولا يمكن الاخلاص إلا بالنية والقربة والطهارة عبادة فلا يجزي بغير نية .

وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ).

الثانية عشرة: في سورة البقرة الآية 124 قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ(2)

الابتلاء : هو الاختبار والامتحان أي اختبره بأوامر ونواهي واختبار الله تعالی عبده مجاز عن تمكينه من اختيار الأمرين أعني ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العيد كانه يمتحنه ليعلم ما يكون منه حتى يجازيه بما يفعله .

والقرائة المشهورة نصب ابراهيم ورفع ربه . ونسب إلى ابن عباس أنه قرأ بالعکس.

والمعنى حينئذ انه دعاه بكلمات والكلمات قيل : هي ما ذكره الله تعالی من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده .

وقيل : هي الكواكب والقمر والشمس والختان وذبح ابنه والنار والهجرة .

وقيل : هي السنن أعني السنن الحنفية على ما ذكره ابن بابویه في الفقيه وهي خمس في الرأس وخمس في الجسد.

وأما التي في الرأس : فالمضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب والفرق لمن طول شعر رأسه.

وأما التي في الجسد : فالاستنجاء والختان وحلق العانة وقص الأظفار ونتف الأبطين.

وكون شريعة نبينا صلی الله علیه و آله و سلم ناسخة لشريعة من قبله من الأنبياء علیهم السلام لا ينافي في اثبات بعض الأحكام لأن النسخ إنما تعلق بالمجموع من حيث المجموع.

ومعنی اتمامهن هنا هو فعل تلك التكاليف تاما على الوجه المأمور به وحيث كان سبب ذكر هذه الآية في هذا الاملاء هو تفسيرها بالسنن المذكورة فلنذكر أحكامها :

فالأول والثاني: المضمضة والاستنشاق.

الثالث: السواك واستحبابه مذهب علماء الأمة، روى الخاصة والعامة عنه صلی الله علیه و آله و سلم أنه قال : « لو لا اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند وضوء كل صلوة» .

ويتحقق السواك بالاصابع ويقضبان الشجر أفضل وأفضله شجر الأراك .

الرابع والخامس: الأخذ من الشارب وقص الأظافر.

السادس: الفرق . قال في القاموس : هو الطريق في شعر الرأس.

السابع: الختان، وهو حال الصغر مستحب للذكر أن يختنه الولي .

وقيل : يجب على الولي ذلك . وأما بعد البلوغ فيجب عليه ، لو تركه الولي . ويستحب خفض الجو وی مطلقا .

الثامن: الاستنجاء ، وهو واجب فمن البول بالماء ومن الغائط بالماء والاحجار ونحوه.

التاسع: ازالة شعر العانة وهو مستحب مؤكد للرجل والمرأة ويجوز حلقا ونتفا.

العاشر: ازالة شعر الابطين وهو مستحب مؤکد .

قال الصادق علیه السلام : « نتف الإبط ينفي الرائحة المكروهة ، وهو طهور وسنة مما أمر به الطيب علیه السلام .

رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ).

1) (1) قوله تعالى : (حُنَفَاءَ).

2) (2) قوله تعالى : (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ) .

کتاب الصلوة

اشارة

والبحث في ذلك على أنواع:

النوع الأول : فيما يدل على وجوب الصلوة والحث عليها والخشوع فيها .

وفيه أربع آيات:

الأولى: في سورة النساء الآية 103 قوله تعالى : (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (1)

تخصيص المؤمنين بذلك لانهم المنتفعون بذلك والقائمون بالأوامر والنواهي .

والكتاب هنا مصدر کتب من قبيل : (إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) .

والموقوت المفروض أي كتبها في اللوح بعنوان الفرض . أو أن الكتاب بمعنی المفروض، والموقوت أيضاً بمعنى المفروض فهو من قبيل التأكيد. لما روي عن الصادق علیه السلام في تفسيرها انه قال : «کتاباً موقوتاً» أي مفروضا.

وحاصل المعنى ان الصلوة من المفروضات التي لا تسقط في حال، لا في سفر ولا في حضر ولا نسيان ولا في صحة ولا في مرض حتى الغريق والمطارد فلا يتركها بل يأتي بها كيف ما يتيسر كما هو معلوم من أخبار أهل البيت علیهم السلام .

وقد يستفاد منها وجوب الصلوة على فاقد الطهارة ولو قضاء عند التمكن منها.

وبالجملة الآية دالة على ان وجوبها عليهم مطلق غير مشروط إلا ما خرج بالدليل.

قال الفاضل المقداد قدس سره في قوله (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ) . انتهى.

في الآية أحكام :

الأول: أنها واجبة وفرض على كل مؤمن.

الثاني: انها تدل بظاهرها على ان الوجوب يختص بمن له صفة تعقل إذ الايمان التصديق فالمؤمنون هم المصدقون والتصديق لا يصدر إلا عن تصور وجزم واذعان وذلك غير متصور إلا فيمن له تعقل فلا تجب على الصبي ولا على المجنون ولا على مغمى عليه.

الثالث: أن الصلوة ليست من العبادات المطلقة غير المحدودة بحد ووقت بل هي محدودة بحدود وشرائط وأوقات، الخ.

كِتَابًا مَوْقُوتًا) .

1) (1) قوله تعالى : (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) . انتهی .

الثانية: في سورة البقرة الآية 238 - 239 قوله تعالى : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ (1)

المراد بالمحافظة عليها شدة الاعتناء بها بأن يداوم عليها .

والوسطى بمعنى التوسط بين الصلوات أو الوسطى في الفضيلة أي كثير الفضل والأظهر انها صلوة الظهر ، وقيل : العشاء ، وقيل : المغرب ، وقيل : الصبح ، وقيل : هي مخفية غير معروفة . والظاهر انه لم يقل بما عدا الأولين من هذه الأقوال أحد من أصحابنا.

هذا وروى العياشي في تفسيره عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبدالله علیه السلام قال : « الصلوات رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وأميرالمؤمنين والحسن والحسين وفاطمة علیهم السلام ،

والوسطى أميرالمؤمنین علیه السلام ».

............

1) (1) قوله تعالى : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) . انتهى .

وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (1)

والقنوت يطلق في اللغة على معان خمسة : الدعاء والطاعة والسكوت والقيام في الصلوة والامساك عن الكلام نص على ذلك في القاموس. واختلفوا في المعنى المراد في الآية الشريفة فقيل : معناه قوموا الله في الصلوة ذاکرین الله في قيامكم والقنوت أن يذكر الله قائما.

وقيل : كانوا يتكلمون في الصلوة فنهوا.

وقيل : هو الركود وكف الأيدي والبصر .

وقال في المجمع عن ابن عباس معناه : داعين .

والقنوت : هو الدعاء في الصلوة حال القيام، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله علیهماالسلام.

وقيل : طائعين ، وقيل خاشعين ، وقيل ساکتین .

* فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا (2)

هو جمع راجل وراكب.

وحاصل المعنى انه سبحانه لما أمر بالمحافظة على الاتيان بها على الوجه السابق أعقبه بما يدل على أن ذلك مخصوص بغير حال الضرورة ، وأما في حال الضرورة فيجوز الاتيان بها بأي كيفية أمكنت، الخ.

فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) .

1) (1) قوله تعالى : (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) طائعين للأئمة علیهم السلام.

2) (2) قوله تعالى : (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) .

الثالثة : في سورة طه الآية 132 قوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ (1)

ظاهر الاية وجوب أمر أهله خاصة بالصلوة ولا يبعد أن يفهم وجوبها على الآمر فيها أيضا ولكن ترك التصريح بذلك اعتمادا على ظهور كونه مأمورا بها وبالاصطبار عليها أي أقبل أنت وأهلك على الصلوة وعبادة الله واستعينوا بها على قضاء حوائجكم كما قال : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) ولا تهتم بالرزق والمعيشة فانه ياتيك من عندنا ونحن نسوقه إليك ففرغ بالك لأمر الآخرة.

وفي المجمع قوله تعالى (وَأْمُرْ) . انتهى. معناه وامر یا محمد أهل بيتك وأهل دينك بالصلوة واصطبر عليها أي واصبر على فعلها وعلى أمرهم بها لا نسئلك رزقا لخلقنا ولا لنفسك بل كلفناك العبادة واداء الرسالة وضمنا رزق الجميع.

(نَحْنُ نَرْزُقُكَ) و الخطاب للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ، والمراد به جميع الخلق ، أي نرزق جميعهم ،

لانسترزقهم وننفعهم ولا ننتفع بهم فيكون أبلغ في الامتنان عليهم ).

وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى).

الرابعة : في سورة المؤمنون الآية 1 - 2 قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (2)

الفلاح : هو الفوز بالأماني والظفر بالمطلوب وهو هنا الخلاص من العذاب المقيم والخلود في النعيم الدائم. ودخول قد على الماضي أفاد القطع بذلك وهذه من البشارات المؤكدة .

وفيها حثهم وترغيبهم على الاتصاف بتلك الصفات لينالوا تلك السعادة .

والخشوع خشية القلب. وقد ينسب إلى الجوارح بأن يلزم كل جارحة بما أمر به في الصلوة من النظر ووضع اليدين والرجلين .

قال الفاضل المقداد قدس سره : (قَدْ أَفْلَحَ) . انتهی.

في الآية دلالة على وجوب الصلوة وبشری فاعلها بالفلاح الذي هو الفوز بامانيهم.

* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) .

1) (1) قوله تعالى : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) . انتهى.

النوع الثاني : في دلائل الصلوات الخمس وأوقاتها

وفيه خمس آيات:

الأولى: في سورة بنی اسرائيل الآية 78 - 79 قوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ (1)

اقامة الصلوة عبارة عن الإتيان بها.

وقيل : هو تعديل أركانها وحفظها من الزيغ ، من أقام العود اذا قومه.

وقيل : هو المواظبة عليها من قولهم قامت السوق اذا هفّت.

وقيل : هو الجد في أدائها من غير فتور ولا توان . والأول أظهر.

واللام في لدلوك بمعنی عند أو بمعنی بعد كما في قولهم : لثلاث خلون من شهر كذا. ويحتمل أن تكون بمعنى من الابتدائية كما يشعر به المقابلة ب«إلى» ويحتمل أن تكون تعليلية أي لأجل دخول هذا الوقت الشريف الذي تفتح فيه أبواب السماء وتسبح فيه الملائكة . وفي الصحاح : دلكت الشمس : زالت.

وقيل : دلوكها غروبها ، ونحوه في الكشاف. وفي القاموس دلكت الشمس غربت أو اصفرت ومالت أو زالت عن كبد السماء واشتقاقه من الدلك لأن الانسان يدلك عينيه عند النظر إليها في ذلك الوقت.

وفي الصحاح : الغاسق الليل إذا غاب الشفق. وفي القاموس : الغسق محركة ظلمة أول الليل.

وقيل : غسق الليل شدة ظلمته وهو يكون عند انتصافه . وهو المروي عن ائمتنا علیهم السلام .

(وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ) به عطف على الصلوة.

والقرآن في اللغة معناه القرائة وهو مصدر کغفران والأصل فيه الجمع وقد صار اسما لكتاب الله خاصة وسمي بذلك لجمعه لمعارف الربوبية والمواعظ والوعد والوعيد والأحكام والترغيب والترهيب واسرار الحكمة والبلاغة والفصاحة ونحو ذلك وهو أعم من الفرقان . والمراد هنا صلوة الصبح من قبيل تسمية الشيء باسم جزئه.

الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ

1) (1) قوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ). انتهى .

مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ (1)

في القاموس : تهجد استيقظ. والنافلة من النفل وهو الزيادة ومنها الأنفال ، والضمير المجرور بالباء راجع إلى القرآن ، ونافلة منصوب على الحال والمعنى : فصل بالقرآن زيادة على الفرائض الخمسة المذكورة.

بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى (2)

معنی عسی المنسوبة إليه سبحانه الوجوب والمقام بمعنى المبعث فهو مصدر من غير الجنس والمعنى يبعثك بعثا أنت محمود فیه.

أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا).

الثانية: في سورة هود الآية 114 قوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ


1) (1) قوله تعالى : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ) .

2) (2) قوله تعالى : (عَسَى) . انتهى .

النَّهَارِ(1)

في تفسير الدلوك عن زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام : وقال تعالى في ذلك : أقم الصلوة طرفي النهار وطرفاه المغرب والغداة .

قال الفاضل المقداد قدس سره : واعلم ان دلالة الآية على اتساع الوقت ظاهر.

وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ (2)

هو صلوة العشاء الآخرة وما تضمنته من كون الطرفين المغرب والغداة . والزلف صلوة العشاء هو قول الأكثر، فالاية حينئذ دالة على بعض الصلوات الخمس وعلى سعة وقتها في الجملة.

وقيل : المراد بالطرفين الغداة أي صلوة الصبح والعشية أي صلوة الظهر والعصر . والزلف العشائين وهو على القولين عطف على طرفي النهار، والمراد اقامة الصلوة في هذه الأوقات.

والزلفي بمعنى الزلفة من ازلفه اذا قربه ، فكان المعنى ساعات متقاربة من الليل أي ساعات القريبة من آخر النهار .

وقيل : زلفا بمعنی قربا من الليل فيكون عطفا على الصلوة أي أقم الصلوة وأقم زلفا من الليل على معنى وأقم صلوات تتقرب بها إلى الله سبحانه في بعض الليل.

فعلى هذا يمكن أن يكون المراد صلوة الليل.

وربما احتمل بعضهم أن المراد بالطرفين نصفا النهار فصلوة الصبح في النصف الأول وبقية الصلوات الخمس في النصف الآخر.

إِنَّ الْحَسَنَاتِ (3)

والمراد بها هذه الصلوات وهي مكقرة لما بينها من الذنوب .

يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى

1) (1) قوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) .

2) (2) قوله تعالی : (وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ).

3) (3) قوله تعالى : ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ) . انتهی.

لِلذَّاكِرِينَ (1)

الاشارة إلى اقامة الصلوة في تلك الأوقات وأنها من ذكر الله المأمور به على الاطلاق لمن أراد أن يكون من الذاکرین .

) .

الثالثة : في سورة الروم الآية 17 - 18 قوله تعالى : (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ (2)

في القاموس : الصباح الفجر أو أول النهار والمساء ضده ، ونحوه في الصحاح.

وسبحان مصدر فهو خبر بمعنى الأمر بالتنزيه والثناء عليه تعالى في هذه الأوقات. ووجه التخصيص بها حصول التغير فيها والتقلب من حال إلى حال.

ونص جماعة على ان المراد من الاية هنا الصلوات الخمس.

نقل انه سئل ابن عباس هل تجد الصلوات الخمس في القرآن ؟ قال : نعم، وقرأ هذه الآية : تمسون صلوة المغرب والعشاء وتصبحون صلوة الفجر وعشيا صلوة العصر وتظهرون صلوة الظهر .

تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا (3)

يجوز أن يكون عطفا على معنى في السموات لقربه ويجوز عطفه علی حین تمسون فيكون جملة (وَلَهُ الْحَمْدُ) اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه.

وَحِينَ تُظْهِرُونَ) .

الرابعة : في سورة طه الآية 130 قوله تعالى: (فَاصْبِرْ (4)

أي اصبر على ما يقولون فيك من الكذب والبهت من كونك ساحرا أو شاعرا أو مجنونا ونحو ذلك فانه لا يضرك ونزه الله تعالى عما لا يليق به في هذه الأوقات واذكره فيها بحمده والثناء عليه على هدايته والطافه وانعامه الجاري عليك.

وذكر جمع من المفسرين أن المراد من الآية اقامة الصلوات الخمس فأشار بقوله : (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) إلى صلوة الفجر (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) إلى الظهرين لكونهما في النصف الأخير من النهار .

عَلَى مَا

1) (1) قوله تعالى : (ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) .

2) (2) قوله تعالى : (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ) . انتهى.

3) (3) وقوله تعالى : (وَعَشِيًّا).

4) (4) قوله تعالی : (فَاصْبِرْ) . انتهى.

يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ (1)

وآناء الليل ساعاته ، جمع إنی بالكسر والقصر فتدل على سعة الوقت وعدم الاختصاص بأول الوقت أو آخره.

فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ(2)لَعَلَّكَ تَرْضَى (3)

قال الفاضل المقداد قدس سره في الآية الرابعة (فَاصْبِرْ ) . انتهى . نصا صريحا لسعة الوقت للصبح والظهرين لأنه ذکر اواخر أوقاتها إذ ليس مرادنا بالتوسعة إلا أن الصبع يمتد إلى طلوع الشمس وان الظهرين يمتد وقتهما إلى غروبها ، وأما العشاء فإن جعل الليل طرفا لهما صریح باتساع وقتهما.

).

الخامسة: في سورة ق الآية 39 - 40 قوله تعالى:( فَاصْبِرْ (4)

قال في مجمع البيان في جملة تفسير الآية : روى عن أبي عبدالله علیه السلام أنه سئل عن قوله تعالى : (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) ، فقال : تقول حين تصبح وحين تمسي عشر مرات : «لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير».

وقيل : المراد صل في هذه الأوقات على نحو ما مر من كون المراد الصلوات الخمس.

عَلَى مَا

1) (1) قوله تعالى : (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ)، أي إلى العشائین .

2) (2) قوله تعالى : ( وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) . قيل : المراد صلوة الفجر والمغرب على تكرار في الفجر لشدة الاهتمام فيها .

3) (3) قوله تعالى : (لَعَلَّكَ تَرْضَى) معناه سبح في هذه الأوقات يعطيك ربك ماترضی به نفسك.

4) (4) قوله تعالى :(فَاصْبِرْ ). انتهى .

يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ (1)وَأَدْبَارَ السُّجُودِ(2)

روي عن أبي عبدالله علیه السلام انه الوتر آخر الليل.

وقيل : المراد الركعتان قبل الفجر.

) .

النوع الثالث: في القبلة

وفيه ثمان آیات:

الأولى: في سورة البقرة 144 قوله تعالى: (قَدْ نَرَى (3)

«قد» معناها هنا التحقيق، ويحتمل أن تكون هنا لتقليل على أصل افادتها في دخوله على المضارع ويكون تقليل الرؤية لقلة المرئي فان الفعل كما يقال في نفسه كذلك يقل باعتبار قلة متعلقه .

والرؤية هنا بمعنى العلم والتقلب هو التحرك في الجهات .

ويقال : وليت وجهك القبلة أي صيرتك مستقبلها بوجهك .

والقبلة مثل الجلسة للحال التي يقابل الشيء غيره عليها كما أن الجلسة للحال التي يجلس عليها ثم صار علما للجهة التي يستقبلها المصلي والذابح ونحوهما.

والرضا المحبة.

والشطر الجانب والنحو.

تَقَلُّبَ وَجْهِكَ

1) (1) قوله تعالى : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) یعنی صلوة الليل.

2) (2) قوله تعالى : (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) قرأ أهل الحجاز وحمزة وخلف «وإدبار» بکسر الهمزة ، وقرأ الباقون بالفتح.

3) (3) قوله تعالى : ( قد نری ).

فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ (1)شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (2)

وفي المجمع: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) أي أينما كنتم من الأرض في بر أو بحر سهل او جبل فحولوا وجوهكم نحوه خطاب لجميع أهل الافاق (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) أراد به علماء اليهود ، وقيل : علماء اليهود والنصارى (لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) أي يعلمون تحويل القبلة إلى الكعبة حق مأمور به من ربهم وإنما علموا ذلك لأنه كان في بشارة الأنبياء لهم أن يكون نبي من صفاته كذا وكذا وكان في صفاته أنه يصلي إلى القبلتين .

وروى انهم قالوا عند التحول ما أمرت بهذا يا محمد وإنما هو شيء تبتدعه من تلقاء نفسك مرة إلى هنا ومرة إلى هنا فأنزل الله تعالى هذه الآية وبين انهم يعلمون خلاف ما يقولون .

(وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) أي ليس الله بغافل عما يعمل هؤلاء من كتمان صفة محمد صلی الله علیه و آله و سلم انتهى ملخصا.

وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا

1) (1) (فَوَلِّ وَجْهَكَ) أي اصرف وجهك نحو المسجد وجانبه وسمته أي اجعل قبلتك تلك الجهة.

2) (2) قوله تعالى : (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي المحرم کما ان الكتاب بمعنى المكتوب وحاصل المعنى أن الله تعالى يقول لنبيه صلی الله علیه و آله و سلم قد نعلم تردد وجهك في جهة السماء أي توجهك نحوها انتظارا لتحويل القبلة فلنحولك إلى قبلة تحبها و تتشوق إليها لاغراضك الصحيحة الموافقة للحكمة الالهية وهي قبلة أبيك ابراهیم علیه السلام .

الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ).

الثانية: في سورة البقرة الآية 142 قوله تعالى : (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ (1)

فقال ابن عباس وغيره : هم اليهود ، وقال الحسن : هم مشركوا العرب وان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لما حول إلى الكعبة من بيت المقدس قالوا يا محمد رغبت عن قبلة آبائك ثم رجعت إليها فلترجعن إلى دينهم.

وقال السدي : هم المنافقون قالوا ذلك استهزاء بالاسلام، الخ.

مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ (2)يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (3)

وحاصل المعنى : ان هذه الأمكنة كلها لله سبحانه وتعالى يشرف منها ما شاء متی شاء وإلى أي وقت شاء، الخ.

إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).

1) (1) وفي المجمع أيضا قوله : (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) ، أي سوف يقول الجهال وهم الكفار الذين هم بعض الناس (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) أي أي شيءحولهم وصرفهم يعني المسلمين عن بيت المقدس الذي كانوا يتوجهون إليها في صلوتهم واختلف في الذين قالوا ذلك.

2) (2) قوله تعالى : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) هو أمر من الله تعالى لنبيه أن يقول لهؤلاء الذين عابوا انتقالهم من بیت المقدس إلى الكعبة المشرق والمغرب ملك لله يتصرف فيهما كما شاء على ما يقتضيه حكمته ، الخ.

3) (3) قوله تعالى : (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أي يفيض عليه الطافه وتوفيقاته ويرشده بذلك بحيث يختار الدين الذي يوصل إلى الجنة .

الثالثة : في سورة البقرة الآية 143 قوله تعالى :(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا(1)

هي بيت المقدس أي ما صرفناك عن القبلة التي كنت عليها .

أو أن المعنى ما جعلنا القبلة التي كنت عليها فصرفناك عنها وحذف دلالة الكلام عليه وهذا القول هو الظاهر من الآية وهو الذي دلت عليه الاخبار .

إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ (2)

وقيل : المعنى ليعلم حزينا من النبي والمؤمنين بهذا كما يقول الملك فتحنا بلد كذا أي فتح أوليائه.

وقيل : لنعاملكم معاملة الممتحن المختبر الذي كانه لا يعلم .

وقال المرتضى قوله لنعلم يقتضي حقيقته أن يعلم هو وغيره ولا يحصل علمه مع علم غيره إلا بعد حصول الاتباع فأما قبل حصوله فيكون القديم سبحانه هو المتفرد بالعلم به.

مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ(3)

وقيل : المراد التنبيه على ما اعد لهم سبحانه من المثوبة على الصبر على المشقة الحاصلة لهم من تحويل القبلة.

وقيل : انه لما ذکر انعامه عليهم بالتولية إلى الكعبة ذكر السبب الذي استحقوا به ذلك الانعام وهو ايمانهم بما حملوه اولا.

إِنَّ

1) (1) قوله تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) معناه هو حصول المعلوم موجودا.

3) (3) قوله تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) معناه : صلوتكم.

اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ).

الرابعة : في سورة البقرة الآية 115 قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ (1)فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (2)

قيل : هذه الآية نزلت ردا على اليهود.

روى الفاضل المقداد قدس سره عن الباقر والصادق عليهماالسلام ان هذه الآية في النافلة سفرا حيث توجهت الراحلة.

قال الأردبيلي قدس سره : ليست هذه بمنسوخة ولا مخصوصة بحال الضرورة ولا بالنوافل مطلقا أو حال السفر كما يفهم من سائر التفاسير .

إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) .

الخامسة: سورة البقرة الآية 149 قوله تعالى : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ (3)

والضمير يرجع إلى التولية أي إلى الكعبة المأمور به من ربك.

واحتمل بعضهم أن يراد بالحق ، الثابت الذي لا يزول بنسخ.


1) (1) قوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) هو كناية عن كونه رب جميع البلاد والعباد ومالكهما فلا يفوت شيء علمه وقدرته أو أن المعنى ان البلاد والأرض المنقسمة إلى المشرق أي النصف الذي فيه محل طلوعها والمغرب أي النصف الذي فيه محل غروبها كلها ملك لله تعالی ففي أي مكان فعلتم التولية بمعنی تولیت وجوهكم شطر المسجد الحرام بدليل قوله تعالی (فَوَلِّ وَجْهَكَ) الآية.

2) (2) قوله تعالى : (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أي تذهبوا أو المعنی تولوا وجوهكم فحذف المفعول للعلم به (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أي جهته التي جعلها قبلة لكم وأمركم بها أو المعنى فهناك ذاته أي انه عالم وقادر أو فهناك رضوان الله أي الوجه الذي يؤدي إلى رضوانه ، أنه واسع المقدور عليهم بوجوه الحكم أو المعنى انه واسع الرحمة عليهم بموضعها.

3) (3) قوله تعالى : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) أي من أي مكان ومن أي بلاد وأردت الصلوة فول وجهك شطر المسجد الحرام واستقبل جهته .

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (1)

قال الشيخ أبو علي : أي على طريق العباد فلا يفوته شيء من أعمالهم، الخ . (مجمع ).

) .

السادسة : في سورة البقرة الآية 150 قوله تعالى : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ(2)

وقد مضى معنی صدر الآية، والكلام في وجه تکرارها ثلاثا:

قيل : فيه وجوه:

الأول: انه لما كان فرضا ناسخا لحكم كان قبله كان من مواضع التأكيد والتبيين للمكلفين الذين قد كانوا طبعوا على استقبال بیت المقدس فكرر ليكون أثبت في القلوب.

الثاني: أنه أعيد ليتعلق به ما بعده ويتصل به فاشبه الاسم الذي تكرر ليخبر عنه باخبار كثيرة كقولك زید فاضل زید کریم زید عاقل .

فالأولى ذكرت لبيان الحكم وليتعلق به ما بعده من كون أهل الكتاب عالمين و بذلك ، وقس عليه الثانية والثالثة، وفيه ان المتصل بالثانية مثل الأولى

الثالث: أن يقال ان المعنی متفاوت.

فالأولى لبيان أصل الحكم الذي كان يقلب وجهه انتظارا له ثم أثبته لأصحابه الذين كانوا في المدينة.

والثانية لبيان اثبات الحكم للمسافرين من المدينة ، إذ المعنى من حيث خرجت منصرفا عن التوجه إلى بيت المقدس فول وجهك شطر المسجد الحرام.

والثالثة : لبيان حاله في أي مكان من البلاد فيتوجه نحوه من كل جهات الكعبة وسائر الأقطار .

الرابع: انه كرر لتعدد علله فانه ذكر للتحويل ثلاث علل تعظيم الرسول بابتغاء مرضاته.

وجرى العادة الالهية أنه یولی کل صاحب دعوة وأهل كل ملة جهة يستقبلها ويتميز بها عن غيره ودفع حجة المخالفين على نبيه وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله.

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا

1) (1) وقوله تعالى : (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) هو تهديد لهم كما في قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) .

2) (2) قوله تعالى : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) الخ.

وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ (1)

معناه لئلا يكون لأهل الكتاب علیکم حجة إذا لم تصلوا نحو المسجد الحرام بأن يقولوا ليس هذا هو النبي المبشر به إذ ذاك نبي يصلي إلى القبلتين.

أو أن معناه لا تعدلوا عما أمركم الله به من التوجه إلى الكعبة فيكون لهم علیکم حجة بأن يقولوا : لو كنتم تعلمون انه من عند الله لما عدلتم عنه.

عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا (2)

فيه وجوه:

الأول: انه استثناء منقطع كما يقال ماله على إلا التعدي والظلم أي لكن التعدي والظلم كقوله تعالى : (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) فكان المعنى في الآية ان كان على المؤمنین حجة فللظالم في احتجاجه وليس له حجة فاذا ليس عليهم حجة.

الثاني: أن تكون الحجة بمعنى المحاجة فكأنه قال : لئلا يكون للناس عليكم حجاج الا الذين ظلموا فانهم يحاجونكم بالباطل فعلی هذا يكون الاستثناء متصلا.

الثالث: أن يكون الا بمعنى الواو أي ولا الذين ظلموا قاله أبو عبيدة وبعض النحويين وأنكره الفراء والمبرد .

الرابع: انه على اضمار «علی» فكأنه قيل لئلا يكون عليكم حجة إلا على الذين ظلموا فانه يكون الحجة عليهم .


1) (1) قوله تعالى : (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ) .

2) (2) قوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) . انتهى.

مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ (1)

هذه تسلية وتطييب لأنفس المؤمنين واخبار بأن الظالمين ليس لهم ظفر بالمؤمنين ولا يد فيجب على المؤمنين الخشية من الله.

وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي (2)عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ).

السابعة: في سورة البقرة الآية 148 قوله تعالى : (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا (3)

والضمير المنفصل على القرائة الأولى راجع إلى الله والمفعول الثاني محذوف أي موليها اياه ويحتمل ارجاعه الى «کُلٍ» .

والمفعول الثاني أيضأ محذوف أي موليها وجهه وعلى القرائة الاخرى فالضمير عايد إلى كل وجهة والوجهة والجهة بمعنى وهو مصدر جاء على غير القياس.

وحاصل المعنى لكل أهل ملة من اليهود والنصارى قبلة أو لكل نبي وصاحب ملة طريقة وهي الاسلام وان اختلف الأحكام.

) .

1) (1) قوله تعالى : (فَلَا تَخْشَوْهُمْ).

2) (2) (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي) عطف على قوله لئلا أي اتم نعمتي عليكم بهدایتی ایاکم إلى قبلة ابراهيم علیه السلام .

3) (3) قوله تعالى : (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) اسم فاعل وقرء مولاها اسم مفعول وقد و تنسب هذه القرائة إلى محمد بن علي الباقر عليه السلام وإلى ابن عباس .

الثامنة: في سورة الأعراف الآية 29 قوله تعالى : (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ (1)

روي في تفسير العياشي عن الحسين بن مروان ، عن أبي عبدالله علیه السلام في قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) يعني الأئمة علیهم السلام.

وقيل : المعنى إذا أدركتم الصلوة في مسجد فصلوا ولا تقولوا حتى ارجع إلى مسجدي.

أو المعنى اقصد وا المسجد في وقت كل صلوة .

عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ).

النوع الرابع : في مقدمات آخر للصلوة

وفيه ثمان آیات:

الأولى: في سورة الأعراف الآية 26 قوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ (2)

روي عن الباقر والصادق عليهماالسلام في قوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ) قالا هما عامة .

ومعنى أنزلنا : قيل : أنزل ذلك مع آدم وحوا حين هبطا . قال في المجمع وهو الظاهر .

وقيل : النازل السبب كالمطر.

وقيل : المعنى خلقنا لكم بالتدبيرات السماوية والأسباب النازلة منه ، كما في قوله تعالى : (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ)، (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) .

ويحتمل أن المعني أعطيناكم ووهبنا لكم وما أعطاه الله لعبده فقد أنزله علیه وليس أن هناك علوا وسفلا، لكن المراد العلو الرتبي والتعظيم.

واللباس كل ما يصلح للبس من ثوب وغيره من نحو الدرع ، والسوئة العورة .

والريش الأثاث من متاع البيت من فرشه ودثاره ونحوه مما يحتاجون إليه .

وقيل : الريش المال أو ما به الجمال أي لباس يتجملون به ويتزينون .

وقرء في الشواذ وریاشا وهو بمعنى الريش أو جمع ریش .

قال الفاضل المقداد قدس سره في قوله تعالى : ( يَا بَنِي آدَمَ قد أَنْزَلْنَا ) . انتهى .

أنه تعالى ذكر الحكمة انزال اللباس ثلثة أغراض : أحدها : ستر العورة. ثانيها : التجمل به بين الناس. وثالثها: كونه للتقوی.

قال الفاضل المقداد قدس سره : إنما قال : (أَنْزَلْنَا) لأن التأثير بسبب العلويات أو عند مقابلاتها وملاقاتها على اختلاف الرأيين والتأثر للسفليات ويجوز عليكم بالتأثير واليكم باعتبار التأثر .

قَدْ

1) (1) قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ) . انتهی.

2) (2) قوله تعالى : ( يا بني آدم) . انتهى .

أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ(1)

أي يجب عليهم تذكر هذه النعمة أو هذه الدلالة أو الأعم من ذلك وألا يطيعوا أمر الشيطان ولا يفتنوا بتمويهاته وخدایعه فان ذلك موجب للحرمان كما فعل بآدم علیه السلام كما أشار إليه بعد بقوله : (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) ، الآية.

) .

1) (1) قوله تعالى : (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).

الثانية: في سورة الأعراف الآية 31 قوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ (1)

في تفسير علي بن ابراهيم في تفسير الآية قال : في العيدين والجمعة يغتسل ويلبس ثيابا بيضاء ، وروى أيضا المشط عند كل صلوة .

وفي الكافي في الصحيح عن عبدالله بن سنان في قوله : (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) قال في العيدين والجمعة.

وروى الشيخ عن العلاء بن سيابة عن أبي عبدالله علیه السلام في قوله تعالى : ( خذوا زينتكم عند كل مسجد) قال الغسل عند لقاء كل امام.

عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا(2)

هو في صورة الأمر والمراد الاباحة.

قيل : كان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون نحن أحق بذلك فنزلت الآية .

وقيل : ان المعنى لا تتجاوزوا من الحلال إلى الحرام.

وقيل : معناه لا تخرجون عن حد الاستواء في زيادة المقدار.

وقد حکی أن الرشید کان له طبيب نصرانی حاذق فقال ذات يوم لعلي بن الحسین بن واقد ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان.

فقال له علي قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه وهو قوله تعالى : ( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) وجمع نبينا صلی الله علیه و آله و سلم في قوله : « المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته». فقال الطبيب ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا.

أقول : وفي المنجد الحمية : المريض ما يضره وعما يضره منعه اياه.

وبالجملة هذه الآية ونحوها تدل دلالة واضحة على أن الاشياء خلقت على الاباحة إلا ما خرج لدليل كالدم ونحوه.

وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ

1) (1) قوله تعالى : (خُذُوا زِينَتَكُمْ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : ( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) . انتهى.

الْمُسْرِفِينَ ) .

الثالثة: في سورة المائدة الآية 3 قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (1)

المراد بالميتة الحيوان ذو الروح، وفارقته الروح من غير تذكية شرعية ويحتمل أن يكون المراد كل حيوان مأکول اللحم حين حياته وفارقته الروح من غير تذكية شرعية فيكون التحريم من جهة الموت الخاصة.

فعلى هذا يمكن أن يكون في الاية اشعار بأن ما لا تحله الحياة كالشعر والصوف لا يكون لبسه حراما كما ذكره الأصحاب ودلت عليه الروايات.

وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ).

الرابعة: في سورة النحل الآية 5 و 80 قوله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ (2)

عدد هنا جملة من نعمه الواسعة : منها : ان خلق الانعام لنفعكم.

قال في القاموس : النعم وقد تسكن عينه الابل والشاة أو خاصة بالابل؛ الجمع انعام . انتهی

ولا يبعد ان المراد هنا ما يتناول البقر والخيل والبغال والحمير ونحوها من الوحشي والأهلي ، بل يتناول كثيرا من المحرمات كالسمور والفنك ( والفنك حيوان معروف يصنع من جلده الفرو) ونحوهما مما يصدق عليه الانعام ويحصل به الامتنان في الجملة ، ثم ذكر المنافع الحاصلة:

منها : الدف، وهو بالكسر ويحرك نقيض حدة البرد ، مصدر من دفئ كفرح وكرم .

وفي القاموس بالكسر نتایج الابل وأوبارها والانتفاع بها وما أدفأ من الأصواف والأوبار.

قوله : ( ومنافع) مثل اللبن والركوب وحمل الاثقال إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس والحرث. وابهم المنافع لكثرتها وصرح ببعضها كالأكل منها لشدة الاهتمام.

ثم أشار إلى نوع آخر من النعم بقوله : (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا) أي صير لكم من البيوت التي تصنعونها من الأحجار وغيرها من الالات التي خلقها ويسرها لكم وأقدركم عليها ما تسكن إليه أنفسكم وتطمئن به قلوبكم ثم وسع عليكم ويسر حيث جعل لكم من جلود الانعام یعنی الادم ( والوبر والصوف والشعر) بيوتا قبابا أو خیاما و هو من المنافع المصرح بها ...

فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ).

1) (1) قوله تعالی : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالی : دو والأنعام خلقها لكم . انتهى.

(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا (1)

أي في الحضر والسفر أو في الارتحال والاقامة .

يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ).

1) (1) قوله تعالى : (تَسْتَخِفُّونَهَا). انتهى.

الخامسة: في سورة النحل الآية 81 قوله تعالى : (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ (1)

من الأشجار ونحوها من النباتات أو منه ومما يتخذ من جلود الانعام ومما نبت عليها من الصوف ونحوه ظلا تستظلون به من حر الشمس.

ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا (2)

جمع کنّ وهو ما يحفظهم من البرد والحر والمطر ونحو ذلك كالبيوت التي تتخذونها منها ولو بالبناء من صخرها وكالکهف و نحوه مما يحفظهم من ذلك.

وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ (3)

جمع سربال ، قال الزجاج وهو كل ما يلبس ، وفي القاموس هو بالكسر القميص أو الدرع وكل ما لبس وعلى كل حال يشمل المتخذ من القطن والكتان والصوف ونحو ذلك .

وعدم ذكر البرد لأن الخطاب قد توجه لأهل البلاد الحارة فكان ذلك لديهم أهم أو اكتفاء بذكر أحد المتقابلين عن ذكر الاخر لاشتراكهما في العلة .

وأما السرابيل التي تقى البأس فهي الدرع ونحوها مما يلبسونها عند المحاربة ويحتفظون به عن طعن الرماح ونحوها.

اذا عرفت ذلك فلا يبعد أن يكون المراد من الآية الأولى ما عدا اللباس من الاثاث والامتعة.

ومن هذه الآية اللباس ، رعاية للتاسيس الراجح على التأكيد .

وبالجملة هي دالة على جواز اتخاذ هذه الاشياء واباحتها.

ويلزم من ذلك عرفا جواز الصلوة فيها إلا ما أخرجه الدليل كالحرير للرجال ؛ ومن ثم ذكرت في هذا المقام.

قال الأردبيلي قدس سره : ترك البرد لأن ما يقيه واختاره على البرد لأن المخاطبين أهل الحر وليس عندهم البرد إلا قليلا فالحفظ عنه أهم عندهم .

وقال الفاضل المقداد قدس سره وفيها دلالة على أمور:

الأول: جواز اتخاذ الثياب من القطن والكتان وغيرهما لأنه ذكر أولا جواز اتخاذ اللباس من جلود الانعام وأصوافها واشعارها ثم عقب ذلك بذکر سراويل إلى آخره ، فدل ذلك على ان المذكور ثانية غير المذكور أولا والا لزم التكرار وهو مستهجن أو التأكيد والتأسيس خير منه لاشتماله على الفائدة الا ما أخرجه الدليل من الحرير والذهب للرجال .

.................

1) (1) قوله تعالى : (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا) . انتهى.

3) (3) قوله تعالى : ( وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) . انتهی.

كَذَلِكَ يُتِمُّ (1)

أي يسير لكم تلك النعم المذكورة واسبغها لديكم وأتمها عليكم لعلكم تتنبهون لذلك وتنقادون إلى الاسلام.

نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ).

السادسة: في سورة البقرة الآية 114 قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ (2)

الظلم هو التعدي والخروج عن طاعة الله وخلاف العدل. والمنع هو الصد والحيلولة.

ومن للاستفهام الإنكاري مبتدأ واظلم خبره . ومساجد مفعول أول لمنع ، وان يذكر مفعوله الثاني على معنی مترددي المساجد أو قاصديها .

ويجوز أن يكون على حذف الجار أو حذف المضاف على أن يكون مفعولا له أي من أن يذكر أو كراهة أن يذكر .

وأما السعي في خرابها فهو بالظلم والجور فالوعيد على ذلك.

والسعي في خرابها هو صدهم أهل الإيمان عنها أو اخراجهم منها أو هما معا.

مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ

1) (1) قوله تعالى : (كَذَلِكَ يُتِمُّ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ) . انتهى.

لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ (1)

من المؤمنين أن يبطشوا بهم فيكون اخبار منه تعالی بنصر المؤمنين .

قال الأردبيلي قدس سره : دلالتها على تحريم دخول المساجد على الكفار كما قيل ليس بظاهر .

).

السابعة: في سورة التوبة الآية 18 قوله تعالى : (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ (2)

قبل هذه الآية هو قوله تعالى : ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ).

قد عرفت معاني التعمير ، فيمكن أن يكون المراد بيان الواقع وهو ان الذين يعمرون المساجد ويرغبون في ذلك هم المتصفون بهذه الصفات لا أهل الشرك .

ولعل الغرض من الاقتصار على الايمان بالله، والصلوة والزكوة التمثيل بافعال القلب والبدن والمال أو بالأهم والأفضل من الأصول والفروع ويكون ذكر الزكوة حينئذ تبعا لأن قبول الصلوة موقوف على اخراجها.

أقول: وفي الصافي (وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ) يعني في أبواب الدين بأن لا يختار على رضا الله رضاء غيره فان الخشية من المحاذير جبلية لا يكاد العاقل يتمالك عنها.

قال الفاضل المقداد قدس سره : (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ) الخ. دلت هذه الآية على غاية عناية الله بالمساجد وان الذين يسعون في عمارتها عنده في أعظم المنازل ولذلك وصفهم بالصفات الكمالية وهي الايمان به، الخ.

قال الأردبيلي قدس سره : فيها حث عظیم وترغيب جزيل على تعمير المساجد وان لها (له) شأنا كبيرا عند الله حتى انه لابد من اتصاف فاعله بهذه الأوصاف الجميلة والا نفعله كعدمه .

مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ

1) (1) قوله تعالى : (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ). الآية.

إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ (1)

ذكره بصيغة التوقع قطعا لاطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم .

أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ).

الثامنة: في سورة المائدة الآية 58 قوله تعالى : (وَإِذَا نَادَيْتُمْ (2)

النداء هو الدعاء الذي يمد الصوت به ، والهزو السخرية.

قال المفسرون المراد هنا الأذان والمعنى اذا اذنتم للصلوة اتخذوا الصلوة هزوا ولعبا أي انهم اذا سمعوا ذلك تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون ( أي قليل الحياء ) تجهيلا لأهلها وتنفيرا للناس. منها وعن الداعي إليها.

وقيل : كانوا يرون الداعي إليها بمنزلة اللاعب والهازی بفعلها جهلا منهم بمنزلتها وذلك بسبب فقدهم العقل الحاجز (أي المانع ) لهم عن القبيح أو بسبب عدم تعقلهم ما للممتثل بذلك من الثواب وما على الهازی من العقاب.

وبالجملة الآية تدل على مشروعية الأذان وهو من المتفق عليه بين الامة بل هو من السنن الاكيدة وثوابه عظيم .

روى الشيخ في الصحيح عن معوية بن وهب عن أبي عبدالله علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من أذن في مصر من أمصار المسلمين سنة وجب له الجنة.

قال الأردبیلي قدس سره : قيل فيه دليل على ثبوت الاذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده وفيه تأمل .

أقول : قال الفاضل المقداد قدس سره : اختلف في نزول الاذان ، فعند العامة ان ابا محذورة رأى في المنام أن شخصا على حائط المسجد يورد هذه الألفاظ المشهورة فانتبه فقص الرؤيا على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فقال له : انه وحي انده ( أي ارفع ) على بلال كأنه اندی منك صوتا. وأنكر ائمتنا ذلك وقالوا انه وحي من الله تعالى على لسان جبرئيل . انتهى.

إِلَى

1) (1) قوله تعالى : (فَعَسَى أُولَئِكَ) . انتهى

2) (2) قوله تعالى : (وَإِذَا نَادَيْتُمْ) . انتهى.

الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)

النوع الخامس : في مقارنات اللوة

وفيه تسع آيات:

الأولى: في سورة البقرة الآية 238 قوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ(1)

تقدمت وقد استدل بقوله تعالى : (قُومُوا) على وجوب القيام في الصلوة ، وبقوله: (للّهِ) على وجوب النية، وبقوله : (قَانِتِينَ) على ثبوت القنوت .

وقد مر الكلام في الأخيرتين ( أي النية والقنوت).

وأما الأول فلعل وجهه ان سياق الآية يشعر بأن المراد القيام في الصلوة وان ظاهر الأمر الوجوب .

قال الفاضل المقداد قدس سره استدل الفقهاء بهذه الصيغة على وجوب القيام في الصلوة.

ويرد عليهم سؤال وهو ان قوله تعالى : (وَ قُومُوا) ليس اشعار فيه بكونه في الصلوة.

أجيب بأن القيام في غير الصلوة ليس بواجب ولفظ الآية يدل على وجوبه فيصدق دلیل هكذا شيء من القيام واجب ولا شيء منه في غير الصلوة بواجب فیکون وجوبه في الصلوة وهو المطلوب.

وقال الأردبيلي : قد استدل على وجوب القيام والنية والقنوت بقوله تعالی :

(وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) وفي افادته لها تأمل لا يخفی.

) .

1) (1) قوله تعالى : (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) . انتهى.

الثانية: في سورة بنی اسرائیل الآية 111 قوله تعالى :(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ (1)

في دعاء الحسين علیه السلام يوم عرفة : « الحَمدُ للّهِ الَّذِي لَم يَتَّخِذ وَلَداً فَيَكُونُ مَورُوثاً وَلَم يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلکِ فَیُضادَّهُ فِيمَا ابتَدَعَ،وَلَا وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ فَيُرفِدَهُ فِيمَا صَنَعَ».

وفي كتاب التوحيد في خطبة لأميرالمؤمنين علیه السلام : « الحمد لله الذي لم يولد فيكون في العز مشاركا ولم يلد فيكون موروثاً هالكاً».

وفي تفسير العياشي عن أبي عبدالله علیه السلام : « الحمد لله الذي لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك » الخ.

وحاصل المعنى ان المستحق للحمد والثناء هو الله المتصف بهذه الصفات الثلاث:

الأولى: لم يتخذ ولدا أي لم يلد فيطره عليه الهلاك فيكون موروثا.

الثانية: أنه لم يكن له شريك في الملك أي لم يولد فيشاركه الوالد في العز والكبرياء، أو لم يكن له شريك في الملك مساويا له بالقدرة فيقع بينهما التدافع والتضاد فيكون الفساد .

الثالثة: انه ليس بعاجز فيحتاج إلى ولي يعينه على ايجاد الأشياء .


1) (1) قوله تعالى : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) . انتهى.

الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا(1)

روي عن الخصال عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم حاکيا عنه تعالی : « وأعطيت لك ولامتك التكبيرة ».

قد استدل بعضهم بهذه الآية على وجوب التكبيرة في الصلوة ووجهه أن يقال : انها دلت على وجوب شيء من التكبير ولا خلاف في عدم الوجوب في غير الصلوة فينحصر الوجوب فيها وهو المطلوب ولا يخفى ما فيه.

).

الثالثة : في سورة المدثر الآية 3 قوله تعالى : (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(2)

والمراد عظمه و نزهه عما لا يليق به.

وقد استدل بها أيضا على وجوب التكبيرة في الصلوة وقد عرفت ما فيه .

) .

الرابعة : في سورة المزمل الآية 20 قوله تعالى : (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ (3)

لما تضمن صدر الآية وهي قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا) ، الخ.

قیام الشطر المذكور من الليل ومقتضى ذلك أن يطيلوا قرائة القرآن في الركعات ليستقرقوا ذلك الشطر بعينه ولا ينقصوه، ولما كان ذلك مشقة خقف ذلك عنهم بقرائة (مَا تَيَسَّرَ) المستلزم للاكتفاء بالبعض من الليل .

روی علي بن ابراهيم في تفسيره عن أبي الجارود، عن أبي جعفر علیه السلام في قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ) الآية، عقل النبي صلی الله علیه و آله و سلم ذلك وبشر الناس به فاشتدت ذلك عليهم وعلم أن لن تحصوه وكان الرجل يقوم ولا يدري متى ينتصف الليل ومتی يكون الثلثان وكان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظه ، فأنزل الله (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ) إلى قوله : (لَنْ تُحْصُوهُ) يقول : متى يكون النصف والثلث.

نسخت هذه الآية (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ) من القرآن واعلموا انه لم يأت نبیّ قط إلا بصلوة الليل ولا جاء نبی قط بصلوة الليل في أول الليل .

فعلى هذا يكون المراد صلوا ما تيسر من الصلوة من باب اطلاق الجزء وارادة الكل.

ويكون المراد صلوة الليل ويكون الأمر للاستحباب أو على الوجوب لكنه نسخ بالصلوات الخمس كما قيل وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله .


1) (1) قوله تعالى : (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) . انتهی.

3) (3) قوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر) . انتهی.

مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ).

الخامسة: في سورة الحج الآية 77 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا (1)

الركوع لغة الخفض وضد الرفع أعني الانحناء وشرعا هو انحناء المصلي حتى تصل كفاه ركبتيه.

والسجود لغة الخضوع وشرعا وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه ووضع بقية الأعضاء السبعة على الأرض أو غيرها.

إذا عرفت ذلك فالمراد هنا الركوع في الصلوة والسجود فيها وخصصهما من بين بقية افعالها لأنهما أعظم الأفعال.

..................

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا) . انتهى.

وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ (1)وَافْعَلُوا الْخَيْرَ (2)

أي لا تقتصروا على فعل الصلوة والواجبات من العبادات بل افعلوا غيرها من انواع البر كصلة الرحم ومكارم الأخلاق ونحو ذلك من أنواع القرب.

وقد استدل الشافعي بهذه الآية على استحباب سجود التلاوة عندها محتجا بما رواه عقبة بن عامر قال : قلت يا رسول الله في سورة الحج سجدتان ؟ قال : «نعم إن لم تسجدهما فلا تقرأهما».

والحق أن ما ذكر الشافعي محتمل ولا بعد في حمل الآية على المعاني المتعددة وارادتها منها كما هو في كثير من الآيات لأن القرآن ذو وجوه .

لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ).

السادسة: في سورة الجن الآية 18 قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ (3)

في الفقيه عن أميرالمؤمنين علیه السلام في وصية لابنه محمد قال : قد فرض الله على جوارحك فرائض يحتج بها عليك إلى قوله : وقال تعالى :( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) یعنی بالمساجد الوجه واليدين والركبتين وابهامي الرجلين .

فحاصل المعنى ان هذه الأعضاء خلقت لأن يعبد الله بها فلا تشركوا معه غيره في سجودكم عليها .


1) (1) قوله تعالى : (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) ، بفعل ما تعبدكم من العبادات من الصوم والزكوة والحج ونحوها.

2) (2) قوله تعالى ( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ).

3) (3) قوله تعالی : (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) . انتهى.

فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) .

السابعة: في سورة الواقعة الآية 74 وفي سورة الأعلى الآية 1 قوله تعالی : (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ(1)

العظيم يجوز أن يكون صفة للاسم ويجوز أن يكون صفة للرب، وكذا الأعلى أي عظم الله تعالی ونزهه بالأسماء العظام الدالة على وحدته وقدمه وأنه لا إله إلا هو وان ليس كمثله شيء ويحسن الثناء عليه.

وروي عن الشيخ المفيد في روضة الواعظين عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علیهم السلام انه قال : « إن لله ملكا يقال له حرقائیل له ثمانية عشر ألف جناح مابين الجناح إلى الجناح خمس مأة عام ثم أوحى الله إليه ايها الملك طر فطار مقدار عشرين ألف عام ولم ينل رأس قائمة من قوائم العرش ثم ضاعف الله له في الجناح والقوة وأمره أن يطير فطار مقدار ثلاثين ألف عام لم ينل أيضا، فأوحى الله إليه أيها الملك لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوتك لم تبلغ إلى ساق عرشی فقال الملك سبحان ربي الأعلى فأنزل الله عزوجل : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلم : اجعلوها في سجودكم»، الحديث .

وروى الشيخ عن هشام بن سالم قال : سئلت أبا عبدالله علیه السلام عن التسبيح في الركوع والسجود فقال : تقول في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي الأعلى ، الفريضة من ذلك تسبيحة والسنة ثلاث والفضل في سبع .

) ، (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى).

الثامنة: في سورة بنی اسرائيل الآية 110 قوله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ


1) (1) قوله تعالی : (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) . انتهى.

بِصَلَاتِكَ (1)

روی في الكافي عن سماعة قال : سألته عن قول الله عز وجل : (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ) الآية ، قال : المخافتة ما دون سمعك وأن ترفع صوتك شديدا. وبهذا المعنی روایات اخرى وحاصل المعنى على ما يقتضيه هذه الروايات هو النهي عن الجهر الشديد في الصلوة والاخفات الخفي بحيث يلحق بحديث النفس ويخرجه عن کونه قاريا عرفا فلا يجوز الافراط ولا التفريط بل يجب الحد الوسط .

وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) .

التاسعة: في سورة الأحزاب الآية 56 قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ (2)

قرأ برفع الملائكة وهو عند الكوفيين عطف على محل ان واسمها وعند البصريين مرفوع بالابتداء وخبر ان محذوف أي يصلي والكلام في هذه الاية ينتظم في أمور:

الأول: في بيان معنى الصلوة عليه صلى الله عليه وآله وسلم وكيفيتها ومعنی السلام.

قال في الصحاح : الصلوة الدعاء والصلوة من الله الرحمة.

وروى في معاني الأخبار بسنده عن ابن أبي حمزة ، عن ابيه وفيه قال : فقلت : وكيف نصلی علی محمد وآله ؟ قال : «يقولون صلوات الله وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد وعلیه وعليهم ورحمة الله وبركاته ، الحديث.

يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(3)

یعنی التسليم فيما ورد عنه .

الثاني: من الأمور في مواضع وجوب الصلوة عليه واستحبابها فتجب في الصلوة ، ويدل عليه ما رواه في الكافي عن محمد بن هارون عن أبي عبدالله علیه السلام قال : إذا صلى أحدكم ولم يذكر النبي صلی الله علیه و آله و سلم في صلوته يسلك بصلوته غير سبيل الجنة.

والظاهر أن المراد وجوبها في تشهد الصلوة لأنه قد ذكر فيه و تجب الصلوة عندذكره ، الخ.

) .

1) (1) قوله تعالى : (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ ) . انتهى

3) (3) قوله تعالی : (وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) . انتهى.

النوع السادس: في المندوبات

وفيه خمس آيات:

الأولى: في سورة البقرة الآية 239 قوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (1)

استدل بها على وجوب القنوت ، وبعضهم على استحبابه.

وقد تقدم الكلام فيها وان الأظهر الاستحباب.

قال المقداد قدس سره : قال المعاصر، وهو الشيخ ناصر البحرانی بن احمد بن عبدالله بن متوج صاحب الذهن الوقاد فاضل محقق فقیه حافظ نقل انه ما نظر شيئا ونسيه . ذكره بعض علمائنا في اجازة له ، الخ . ( أمل الآمل) ما هذا لفظه : يمكن الاستدلال بهذه الآية على ندبية القنوت في الصلوة إذ لا قائل بوجوبه ؛ والأصل برائة الذمة ولأن صيغة الأمر استعملت في الندب مثل قوله تعالى : (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ).

أقول: في هذا الكلام غلط من وجوه :

الأول: أن قوله لا قائل بوجوب القنوت يدل على عدم الاطلاع على النقل فان ابن بابویه وابن عقيل قائلان بالوجوب وهما في الفقه بمكان عال .

قال الموسوي : كلام ابن بابویه غير ظاهر في الوجوب. قال في الفقيه « والفتوت سنة واجبة من تركها في كل صلوة فلا صلوة له قال الله تعالى : (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) ووجه عدم الظهور قوله سنة واجبة أي سنة ثابتة.

الثاني: ان اصالة البرائة إنما يكون حجة مع عدم الدليل لا مطلقا.

الثالث: أن قوله صيغة الأمر استعملت في الندب ان معنی بصيغة الأمر هنا لفظة قوموا فتلك للوجوب كما استدل هو وغيره بها على وجوب القيام في الصلوة وإذا كانت للوجوب لا تدل على الندب إذ لا يجوز استعمال المشترك في كلام معنییه كما تقرر في الأصول وان عني لفظ قانتین فليس بأمر وهو ظاهر .

الرابع: أن تمثيله للندب بقوله واشهدوا سهو فان الأمر فيها للارشاد إلى مصلحة دنيوية لا اخروية بخلاف الندب فانه اشارة إلى مصلحة راجحة اخروية هي نيل الثواب.

) .

1) (1) قوله تعالى : (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) . انتهى.

الثانية: في سورة الكوثر الآية 1 و 2 قوله تعالى : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(1)

قال العلامة في المنتهی : ذهب المفسرون إلى أن المراد صلوة العيدين .

ونسبه في الذكرى إلى بعض المفسرين، ونسبه في الكنز إلى أكثر المفسرين ، ونسبه جماعة إلى القيل.

وعلى هذا يكون دليلا على وجوبها ويكون الشرائط مستفادة من السنة كما في غيرها من الصلوات.

والمراد من قوله : (وَانْحَرْ) نحر الابل أو ذبح الأضحية ويكون المراد الهدي الواجب ، أو يكون المراد الأضحية الواجبة ويكون وجوبها عليه خاصة للاجماع على عدم وجوبها على غيره والاخبار المتكثرة.

ولم أر في الاثار المروية عن أهل البيت علیهم السلام ما يدل على التفسير الذي ذكروه.

والذي رأيته هو رفع اليدين بالتكبيرة إلى النحر كما في المجمع عن أميرالمؤمنين علیه السلام قال : لما نزلت هذه السورة قال النبي لجبرئيل عليهماالسلام ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي قال : ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلوة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت فانه صلوتنا وصلوة الملائكة في السموات السبع فان لكل شيء زينة وان زينة الصلوة رفع الأيدي عند كل تكبيرة.

قال النبي صلی الله علیه و آله و سلم : رفع الأيدي من الاستكانة .

قلت : وما الاستكانة ؟ قال : الا تقرء هذه الآية : (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) .

) .

1) (1) قوله تعالى : ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) . انتهی.

الثالثة: في سورة المؤمنون الآية 1 و 2 قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)

والكلام فيها قد مضى مفضلا وإنما ذكرت هنا للتنبيه على ما تضمنه من الخشوع وانه من المستحبات المؤكدة .

* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) .

الرابعة : في سورة النحل الآية 98 قوله تعالى : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ(2)

لما كان الشيطان للانسان عدوا مبينا فهو مترصد له دائما وقد ذكر الله تعالی قبل هذه الاية العمل الصالح للذكر والانثى ومنه قرائة القرآن أرشده إلى ما يوهن کيده وهو الاستعانة به سبحانه وهي طلب العیاذ وهو الملجأ والمعنى اذا أردت القرائة .

فعبر عنها بالقرائة من قبيل اطلاق الملزوم على لازمه لأن الأفعال الاختيارية يلزمها الارادة .

والشيطان على ما في الصحاح والقاموس معروف وكل عات متمرد من الجن والانس والدواب ، وهو من شطن بمعنی بعد أي عن الطاعة.

والرجيم من الرجم وهو الرمي بمعنى المرجوم باللعن.

وروى في معانی الاخبار بسنده إلى عبد العظيم بن عبدالله الحسنى قال : «سمعت أبا الحسن علي بن محمد العسكري علیهماالسلام يقول : معنى الرجم انه مرجوم باللعن مطرود من الخير لا يذكره مؤمن إلا لعنه وان في العلم السابق إذا خرج القائم علیه السلام لا يبقی مؤمن في زمانه إلا رجمه بالحجارة كما كان قبل ذلك مرجوم باللعن .


1) (1) قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) . انتهی.

فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

الخامسة وفيها ثلاث آيات:

الأولى في سورة المزمل الآية 1 الى 8 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1)

المزمل من تزمل في ثيابه أي تلفف فالتاء مدغمة في الزاء لقرب المخرج.

وأما الاعراب ففيه وجوه:

الأول: أن يكون المراد من الليل الجنس فيكون القليل مستثنی منه ويكون النصف بدلا من الليل والضمير المجرور بمن وعلى راجعا إلى النصف.

والمعنی قم إلى صلوتك في كل ليل إلا ليلا تكون فيه مريضا أو لاهيا أو نحو ذلك من الأسباب والأعذار .

ثم بين إن ما يقوم للصلوة فيه هو نصف الليل أو انقص من النصف أو أزيد من النصف إما تخييرا وإما بحيث ما يراه ويتمكن منه باعتبار الأحوال ويدل على هذا المعنى ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبا جعفر علیه السلام قال : سئلته عن قوله تعالی : (قم الليل إلا قليلا) قال : أمره الله أن يصلي كل ليلة إلا أن تأتي ليلة لا يصلي فيها شيئا.

والترتيل هو حفظ الوقوف وبيان الحروف.

وروى في الكافي بسنده إلى عبدالله بن سليمان قال : سئلت أبا عبدالله علیه السلام عن قول الله عزوجل : (و رتل القرآن ترتيلا) قال : قال أمير المؤمنين علیه السلام بينه بيانا ولا تهذه هذا الشعر ولا تنشره نشرا الرمل ولكن اقرعوا قلوبكم القاسية ولا يكون هم أحدكم آخر السورة.

قال الموسوي: وفي مقدمة الصافي الهذ السرعة في القراءة أي لا تسرع فيه كما تسرع في قرائة الشعر ولا تفرق كلماته بحيث لا تكاد تجتمع.

وقال الأردبيلي قدس سره اقرأ متفكرا على هنيئتك وفي زبدة البيان اقرع به قلوبكم وكذا في مجمع البيان وفي البرهان افزع قلوبكم ( وفي نسخة افزعوا) وفي مقدمة الصافي فزعوا وفي الصافي اقرعوا وفي الوسائل کتاب الصلوة اقرعوا به قلوبكم وهو الصحيح .


1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) . انتهى.

قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (1)

وأما ناشئة الليل ، فقيل : هي قيام الليل وهو المذكور في تفسير علي بن ابراهيم .

وقيل : ناشئة الليل هي النفس الناهضة من مضجعها إلى العبادة.

* إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ

1) (1) قوله تعالى: (قَوْلًا ثَقِيلًا) .

القول الثقيل هو آيات القرآن فانه صلى الله عليه واله كان يتغير حاله عند نزوله ويغرق واذا كان راكبا يترك دابته ولا يستطيع المشي على ما رواه العياشي عن أمیرالمؤمنین علیه السلام.

وَطْئًا (1)

قرء أبو عمرو بن عامر بكسر الواو والمد أي مواطاة وموافقة أي موافقة القلب اللسان أو العلانية للسر بالخشوع والخضوع والاخلاص، وقرء الباقون بفتح الواو وسكون الطاء مقصورا أي اشق لأن الليل للسكون والسبات.

وَأَقْوَمُ قِيلًا (2)

في الصافي و اسد مقالا واثبت قرائة لحضور القلب وهدوؤا الأصوات .

وروي عن أبي جعفر علیه السلام في قوله تعالى : (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) يقول : فراغا طويلا لنومك و حاجتك . وفي قوله تعالی : (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) بقوله اخلص النية ، وروي هو رفع اليدين و تحریک السبابتين .

إذا عرفت ذلك فيستفاد من الآية أحكام:

الأول: ظاهر صيغة الأمر في قوله : (قُمِ اللَّيْلَ) الدلالة على لزوم صلاة الليل ووجوبها لأن المراد القيام إلى الصلوة باجماع المفسرين إلا من شذ.

الثاني: يستفاد من قوله (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) أي على النصف على بعض الوجوه المذكورة ان ابتداء وقت صلوة الليل قبل الانتصاف وهو خلاف الفتوى.

قال المحقق في المعتبر وقت صلوة الليل بعد انتصافه، الخ.

الثالث: ترتيل القرآن في الصلوة وغيرها وهو من السنن الاكيدة .

الرابع: يستفاد منها الحث على صلوة الليل وانها أفضل من بقية النوافل الرواتب.

الخامس: قوله تعالى : (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) استدل به على وجوب البسملة في أول الحمد والسورة ، وقيل : المراد بها الدعاء بذكر أسمائه الحسنى وصفاته العليا .

* إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا

1) (1) قوله تعالى :(وَطْئًا).

2) (2) قوله تعالى : (وَأَقْوَمُ قِيلًا).

وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا).

الثانية : في سورة المزمل أيضا الآية 20 قد تقدم بيانها في الآية الرابعة من النوع الخامس فراجع.

الثالثة: في سورة الذاريات الآية 17 و 18 قوله تعالى: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ (1)

الهجوع النوم وما زائدة أو مصدرية أو موصولة.

قيل : المراد الاستغفار في الوتر وربما يشعر به قوله علیه السلام : «القنوت في الوتر الاستغفار».

وقيل : المراد صلوة الليل.

ويدل عليه ما رواه في الكافي في الصحيح والشيخ بالسند المعتبر عن محمد بن مسلم قال سئلت أبا عبدالله علیه السلام عن قول الله عزوجل : (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) قال كانوا أقل الليالي تفوتهم لا يقومون فيها.

ولا يبعد أن يقال المراد صلوة الليل والاستغفار في الوتر معا.

وربما يشعر به الخبر المذكور بل نقل ذلك في مجمع البیان صريحا عن أبي عبدالله علیه السلام أن المراد صلوة الليل وانهم يستغفرون في الوتر سبعين مرة في السحر.

ويمكن أن يكون المراد مطلق ذكر الله تعالی.

ويدل عليه ما روي في الصحيح عن أبي جعفر علیه السلام في قوله تعالی: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) قال كان القوم ينامون ولكن كلما انقلب أحدهم قال الحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر.

تتمة : قد استفيد مما تقدم في ضمن الآيات المذكورة استحباب النوافل الراتبة .

وقد تضمن ذلك ما رواه في الحسن عن أبي جعفر علیه السلام قال : قلت له اناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قال : « یعني صلوة الليل».

قال : قلت له : واطراف النهار لعلك ترضى. قال : « یعني التطوع بالنهار».

قال : قلت له : وادبار النجوم قال : « ركعتان قبل الصبح».

قلت : وادبار السجود قال : « ركعتان بعد المغرب ».

والغرض التنبيه على أن النوافل اليومية مستفادة من القرآن والا فتفصيل ذلك مستفادة من الكتب الفقهية.

مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ).

1) (1) قوله تعالى : (كانوا قليلا من الليل) . انتهی.

النوع السابع : في احکام متعددة تتعلق بالصلوة

وفيه سبع آيات.

الأولى: في سورة النساء الآية 86 قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ (1)

قال في المدارك التحية لغة السلام على ما نص عليه أهل اللغة ودل عليه العرف.

وقال في القاموس : التحية هو السلام ونحوه.

قال في لغة مجمع البیان وقال في كنز العرفان لم يرد بحیيتم سلام علیکم بل كل تحية وبر واحسان.

واستند في ذلك إلى ما روي علي بن ابراهيم في تفسيره عن الصادق علیه السلام انه قال التحية السلام وغيره من البر والاحسان.

وفي المجمع (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) أمر الله المسلمين برد السلام على المسلم بأحسن مما سلم إن كان مؤمنا وإلا فليقل وعليكم لا يزيد على ذلك فقوله بأحسن منها للمسلمين خاصة.

وقوله : (أَوْ رُدُّوهَا) لأهل الكتاب عن ابن عباس ، فاذا قال المسلم السلام عليكم فقلت وعليكم السلام ورحمة الله وإذا قال السلام عليكم ورحمة الله فقلت وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فقد حييت بأحسن منها وهذا منتهى السلام.

ان الله كان حسیباً أي حفيظا عن مجاهد . وقيل كافیا وقیل مجازيا عن ابن عباس .

وفي هذه الآية دلالة على وجوب رد السلام لان ظاهر الأمر يقتضي الوجوب . انتهي ملخصة.


1) (1) قوله تعالى : (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ) . انتهى.

فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا).

الثانية: في سورة الأنعام الآية 162 و 163 قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي (1)

المراد بالصلوة الدعاء أو العبادة المعروفة.

والنسك هو سائر العبادات أو أفعال الحج خاصة .

والمحيا والممات العبادات التي تقع حال الحياة والتي تقع بعد الموت بالوصية .

ويحتمل أن يكون المراد نفس الحياة والموت أي بيده الموت والحيوة.

ويحتمل أن يكون جميع أموري وأحوالي من الخير ودفع السوء في حال حياتي وبعد مماتي.

.....................................................

1) (1) قوله تعالى : (إِنَّ صَلَاتِي) . انتهی.

وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ (1)

أي لله مخلصة.

والوصف بالتربية للتنبيه على انه المستحق للعبادات من هذه الجهة كما انه مستحق لذاته.

رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ (2)وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ (3)

فيستفاد من الآية لزوم النية والاخلاص وقد مر الكلام في ذلك .

قيل : ويستفاد منها ان صحة الصلوة بل وصحة سائر العبادات متوقفة على معرفة الله والاقرار بوحدانيته وكونه رباً للعالمين أي مربيا ومنشأ لهم.

فيستلزم ذلك العلم بكونه قادرا عالما حكيما إذ الاخلاص يستلزم ذلك فلا تصع عبادة الكافر الجاحد لشيء من هذه الأصول وأما من كان مقرا بهذه الأصول لكن لم يكن ذلك عن دليل فهو في الظاهر مسلم وعبادته غير صحيحة.

وقد قال بعضهم بالصحة بل ربما نقل عليه الاجماع وربما يظهر ذلك من بعض الأخبار، الخ.

وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).

الثالثة: في سورة المائدة الآية 55 قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ (4)

الولي قد جاء بمعنى الناصر والمعين والمحب.

وقد جاء بمعنى المتولي للأمر الذي يلي تدبيره والأولى به كما يقال ولي الدم وولي المرأة إذا كان بيده نکاحها، والسلطان ولي الرعية ونحو ذلك .

قال المبرد أصل الولي الذي هو أولی أي أحق ومثله المولى.

وبالجملة : المراد هنا الثاني أي الأولى بهم من أنفسهم ومن بيده أمورهم لأنه الأصل في معنى الولي والأنسب في هذا المقام فيتعين الحمل عليه.

وحاصل المعنى انه سبحانه وتعالى بين من له الولاية على الخلق والقيام بأمورهم وتجب طاعته عليهم فقال (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) أي الذي يتولی مصالحكم و تدبیرکم هو الله ورسوله والذين آمنوا الموصوفون بهذه الصفات.

وقد جائت الأخبار من الخاصة والعامة وأجمع المفسرون بانها نزلت في علي علیه السلام فهي من أوضح الدلائل على امامته بعد النبي صلی الله علیه و آله و سلم بلا فصل بدلالة لفظة إنما على الحصر والتخصيص ونفي الحكم عمن عداه لغة وعرفأ كما هو بين والحمد لله.

وروى في الكافي بسنده عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام في قوله تعالى : (إِنَّمَا وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) . انتهى . قال : إنما یعنی أولی بكم أي أحق بكم وبأموركم من أنفسكم وأموالكم ( اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) يعني عليا وأولاده الأئمة علیهم السلام إلى يوم القيامة .

ثم وصفهم الله عزوجل فقال : (الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) وكان أميرالمؤمنین علیه السلام في صلوة الظهر وقد صلى ركعتين وهو راكع وعليه حلة قیمتها ألف دينار وكان النبي صلی الله علیه و آله و سلم، أعطاه اياها وكان النجاشي أهدى له فجاء سائل فقال السلام عليك يا ولی الله وأولى بالمؤمنين من أنفسهم تصدق علی مسکین فطرح الحلة وأومئ بيده أن احملها فأنزل الله فيه هذه الآية وصير نعمة الله بنعمته وكل من بلغ من أولاده مبلغ الامامة يكون بهذه النعمة مثله فيتصدقون وهم راكعون والسائل الذي سأل أميرالمؤمنين علیه السلام من الملائكة والذين يسئلون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة.

قال الفاضل المقداد قدس سره ان الفعل القليل لا يبطل الصلوة لقوله تعالى : (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) ، وان النية فعل قلبي لا لساني.

قال الأردبيلي قدس سره حصر ولاية الخلق في الله و رسوله الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويتصدقون حال صلوتهم راكعين الظاهر من الولي هو المتولي للأمر كله والأولى بهم من أنفسهم ومن بيده أمورهم مثل الله ورسوله والأمام إذ لا معنی للحصر في المذكورين بغير هذا المعنى مثل الولى والناصر والمحب وكون الولی بهذا المعنى في الآية السابقة ( الآية 51) مع ما بعدها (الآية 56 و 57) على تقدير تسليمه لا يدل على كونه ههنا أيضا كذلك وكذا في الآية المتأخرة .

وقال القوشجي في شرحه للتجرید اتفق المفسرون على أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه الصلوة والسلام حين تصدق بخاتمه في الصلوة راكعا.


1) (1) قوله تعالى : (لِلَّهِ) .

2) (2) وقوله تعالى: (لَا شَرِيكَ لَهُ) قيد للتربية أو لله أو لكليهما.

3) (3) قوله تعالى : (وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) أي بتلك الأمور وأنا أول من أجاب وأطاع من أهل ذلك الزمان.

4) (4) قوله تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ) . انتهى.

وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

الرابعة : في سورة طه الآية 14 و 15 قوله تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا (1)

بدء بكلمة التوحيد ثم رتب على ذلك العبادة للاشارة إلى أنها لا تصح إلا بعد الاقرار بالوحدانية وفيها : دلالة على لزوم الاخلاص بالعبادة له سبحانه .

....................

1) (1) قوله تعالى : (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) . انتهى.

فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(1)

وقيل : المعنى أقم الصلوة لأجل ذكري لأنها مشتملة على التحميد والتسبيح والتعظيم.

وقيل : لأن اذكرك بالمدح والثناء عليك.

وقيل : المعنی صل لي ولا تصل لغيري .

وقيل : لتكون ذاكرا لي غير ناس.

وقيل : لأوقات ذکری وهي مواقيت الصلوة .

* إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ (2)أَكَادُ أُخْفِيهَا (3)

قال الأردبيلي قدس سره : (أَكَادُ أُخْفِيهَا) أي أظهرها فالهمزة للازالة .

لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى).

الخامسة : في سورة الفرقان الآية 62 قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ (4)

روی ابن بابویه عن الصادق علیه السلام انه قال : «كل ما فاتك بالليل فاقضه بالنهار .

قال الله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ) ، الخ. يعني أن يقضي الرجل مافاته بالليل بالنهار ومافاته بالنهار بالليل».

وفي تفسير الصافي : (خِلْفَةً) يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يفعل فيه .

وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) .

1) (1) قوله تعالى : (لِذِكْرِي) . أي عند ذكر الصلوة إذا كنت قد نسيتها فأراد ذكر الصلوة أي أقضها في أي وقت ذكرتها من ليل أو نهار و إنما قال : (لِذِكْرِي) ولم يقل لذكرها اما لأنه إذا ذكر الصلوة ذكر الله تعالى ، أو لحذف المضاف أي ذكر صلاتي ، أو لأن خلق الذكر والنسيان منه تعالى ، ولهذا قال أكثر المفسرين .

2) (2) قوله تعالى : (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) : أي القيامة مقطوع بمجيئها لا شك فيه .

3) (3) قوله تعالى : (أَكَادُ أُخْفِيهَا) . أي أريد أن أخفيها عن عبادي لئلا تأتيهم إلا بغتة فالفائدة عظم التهويل ، ليكون أحرص على شدة الحذر .

4) (4) قوله تعالی :(جَعَلَ اللَّيْلَ) . انتهى.

السادسة: في سورة التوبة الآية 5 قوله تعالى : (فَإِذَا انْسَلَخَ (1)

استدلوا بها على أن تارك الصلوة مستحلا مرتد يجب قتله لأنه تعالی علق المنع من قتلهم على الأمور المذكورة ولا شك أن تركهم الصلوة كان على وجه الاستحلال لعدم تحقق اعتقاد وجوبها من المشرك والحكم المعلق على مجموع لا يتحقق الامع تحقق المجموع فيكفي في حصول نقيضه فوات واحد من المجموع.

وفي الدلالات على ذلك نظر لأنها إنما تضمنت حكم المشركين والكفار والذين لم يدخلوا في الاسلام.

وأما من دخل في الاسلام ثم ارتد فلا تدل على ان هذا حكمه لكن النصوص من طريق أهل البيت علیهم السلام الدالة على كفر تارك الصلوة ولزوم قتله كثيرة كصحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : «ان تارك الفريضة كافر».

وصحيحة بريد عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : « ما بين المسلم وبين أن يكفر الا أن يترك الصلوة الفريضة متعمدا أو متهاونا فلا يصليها».

( أقول في دلالة هذين الروايتين ونظائرهما على الكفر الاصطلاحي نظر ).

الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ).

1) (1) قوله تعالى : ( فَإِذَا انْسَلَخَ) . انتهى .

السابعة: في سورة البقرة الآية 21 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ(1)

الناس عام لسائر المكلفين من الكفار وغيرهم فالاية دالة بعمومها علی کون الكفار مكلفين بالفروع الاسلامية كما انهم مكلفون بالأصول.

ويدل عليه أيضا قوله تعالى (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) ،

وقوله : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ) وبذلك قال الامامية والشافعی.

ويدل عليه أيضا كثير من الأخبار و خالف في ذلك أبو حنيفة فذهب إلى كونهم غيرمكلفين بالفروع لعدم صحتها منهم حال الكفر .

وعدم وجوب القضاء بعد الاسلام فلا فائدة للتكليف حينئذ.

والجواب ان شرط صحة الاتيان بها وهو الایمان مقدور لهم فرصة التكليف بها والفائدة حينئذ العقاب على الترك.

اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .

النوع الثامن: فيما عدا اليومية من الصلوة وأحكام تلحق اليومية أيضا.

وفيه ثلاث عشرة آية.

الأولى: في سورة الجمعة الآية 9 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ (2)

خص الخطاب بالمؤمنين لما مر في آية الطهارة من أن تخصيص المؤمنين بالخطاب يقتضي بمفهوم التوصيف انهم هم المكلفون بهذه الأحكام الفروعية دون الكفار كما قاله كثير من العامة.

والجواب أن ذلك باطل باجماع الفرقة المحقة.

والمراد بالنداء هنا الاذان و « من» هنا للبيان على حذف مضاف أي من صلوة يوم الجمعة ، ويحتمل أن تكنون بمعنى في.

(أقول : وفيه نظر ولذا لم نقل بوجوب الجمعة الا في زمان حضور الامام عليه السلام لأنها منصب لهم عليهم صلوات الله ولا يجوز لغيرهم التصدي للجمعة بل مختص بأهلها كما قال امامنا الرابع في القرآن الثالث أعني الصحيفة : « اللهم ان هذا المقام لخلفائك وأصفيائك وموضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي أختصصتهم بها قد ابتزوها ).

وسميت الجمعة لأنه جمع فيها الخلائق لأنه خلقها في ستة أيام وكان الابتداء في الخلق يوم الأحد.

والمراد بذكر الله هنا الصلوة على ذكره الأكمل .

فوائد : الأولى: المراد بالسعي المضي والذهاب كما قاله الأكثر .

الثانية: دلت الآية على وجوب صلوة الجمعة لأن الأمر للوجوب وهو هنا للتكرار باتفاق من العلماء كافة وفي تعقيب الأمر بقوله (وَ ذَرُوا) وبالاشارة وتوقيت الانتشار ونحو ذلك ضروب من التأكيد والحث.

ويدل على ذلك الاخبار المستفيضة جدا بل يكاد تواترها ( وجوبها في زمن الأئمة علیهم السلام بلا ریب وإنما الكلام في وجوبها في زماننا هذا).

قال بعض بوجوبها عينا وبعض بحرمتها وبعض بوجوبها التخييري مع الفقيه الجامع لشرائط الافتاء وبعض بوجوبها التخييري لكن لا يشترطون في امامها الا شروط امام الجماعة.

الثالثة: من الفوائد دل قوله تعالى :(وَذَرُوا الْبَيْعَ) بصريحه على تحريم البيع بعد النداء كما دل عليه الأمر بالسعي بالالتزام.

قال في التذكرة وعليه اجماع العلماء كافة.

وقال ابن بابویه في كتابه كان بالمدينة أذا أذن المؤذن يوم الجمعة نادى مناد حرم البيع لقوله تعالى : (إِذَا نُودِيَ) . انتهى .

لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ

1) (1) قوله تعالى :(يَا أَيُّهَا النَّاسُ). الخ.

2) (2) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ) . انتهى .

خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) .

الثانية: في سورة الجمعة أيضأ الآية 10 قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ (1)

المراد بقضائها هنا فعلها.

وفيها دلالة على كون المراد بالذكر في قوله : (إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) هو الصلوة كما مر .

والانتشار التفرق . والابتغاء من فضل الله هو طلب رزقه على وجه مباح.

وفيه اشارة إلى ان الأرزاق كلها منه تعالى كما دلت عليه آيات أخرى.

وفي تفسير علي بن ابراهيم يعني إذا فرغ من الصلوة فانتشروا في الأرض قال يوم السبت.

فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا (2)

المعنى اذكروه في تجارتكم وأسواقكم أو اذکروا أوامره ونواهيه عند طلب الرزق فلا تأخذوا إلا ما أحل، أو الذكر حال العقد .

فقد روى استحباب الدعاء اذا دخل السوق واذا اشترى شيئا من متاع أو غيره .

والظاهر أن المراد ادمان الذكر على جميع الأحوال ليخرجوا بذلك عن الغافلين ويكونوا من الفائزين بالفلاح والثواب والنعيم.

لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .

1) (1) قوله تعالى : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) . أي على احسانه إليكم بالتوفيق والالطاف.

الثالثة: في سورة الجمعة أيضاً الآية 11 قوله تعالى : (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً (1)

في عيون الأخبار في وصف عبادة الرضا علیه السلام أنه كان يقرء في سورة الجمعة : «قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة للذين اتقوا والله خير الرازقين» .

وفي غوالي اللئالي روی مقاتل بن سليمان ومقاتل بن قبا قالا بينا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية الكلبي من الشام بتجارة وكان إذا قدم لم يبق في المدينة عاتق الا أتته وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه الناس من دقیق وبزّ ( البزّ الثياب من الكتان أو القز) وغيره ثم يضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج الناس فيبتاعوا منه فقدم ذات جمعة كان قبل أن يسلم ورسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يخطب على المنبر فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لو لا هؤلاء لسومت لهم الجحارة من السماء.

(دحية الكلبي بكسر الدال ويروي الفتح أيضا وهو دحية بن خليفة الكلبي رضيع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كان جبرئیل علیه السلام يأتي النبي صلی الله علیه و آله و سلم في صورته وكان من أجمل الناس ).

واللهو كل ما الهي عن ذكر الله تعالى والمراد هنا الطبل.

والمراد بالتجاة المال المنتقل بعقد المعارضة مع قصد الاكتساب .

والرؤية هنا يحتمل أن تكون بصرية ويحتمل أن تكون قلبية أي رأوا تجارة قادمة .

والضمير في (إِلَيْهَا) يرجع إلى التجارة لأنها المقصود بالذات من الخروج لما نقل انه قد أصابهم جوع وغلا سعر فبادروا بالخروج خشية أن يسبقوا.

أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ

1) (1) قوله تعالى : (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً) . انتهی.

وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) .

الرابعة : في سورة الأعلى الآية 14 و 15 قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ (1)

في من لا يحضره الفقيه : وسئل الصادق علیه السلام عن قول الله عزوجل : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) قال : « من أخرج الفطرة».

قيل له : (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) قال : «خرج إلى الجبانة (أي الصحراء ) فصلی».

والمراد هنا صلوة العيد كما هو واضح.

مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) .

الخامسة: في سورة التوبة الآية 85 قوله تعالى : (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ (2)

المراد هنا صلوة الأموات . والمراد بالقيام على القبر قیام بالدعاء له .

فتدل على عدم جواز الصلوة في وقت من الأوقات على أحد من الكفار والمنافقين الذين ماتوا على كفرهم ونفاقهم.

قال الأردبيلی قدس سره : ظاهرها تدل على عدم جواز الصلوة في وقت من الأوقات على أحد من الكفار الذين ماتوا على كفرهم وكذا الوقوف على قبورهم للدعاء وان علة ذلك هو الكفر وفيها اشارة بجواز ذلك للمسلمين مطلقا، فتأمل.

مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ).

1) (1) قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ) . انتهى.

السادسة: في سورة النساء الآية 101 قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ (1)

الضرب في الأرض هنا هو السير ، والجناح الاثم.

وقد يستعمل بما يشمل المكروه فيندرج في رفع الجناح الواجب والمندوب والمباح. وقصر الصلوة نقصها كما أو الأعم منه ومن الكيف .

والفتنة القتل أو ما يشمل التعرض المكروه.

فاذا عرفت ذلك فهنا فوائد:

الأولى: دلت الآية الكريمة على ثبوت القصر (اما القصر ماذا فيظهر بدلیل آخر).

الثانية: دلت أيضا على كون القصر مشروطا في السفر.

الثالثة: دلت الآية الشريفة على كون القصر في السفر مشروطا بالخوف فلا قصر مع الأمن إلا ان هذه الدلالة بالمفهوم الشرطي وهو وان كان حجة على الأصح إلا انه مشروط بعدم ظهور فائدة للتقييد سوى المفهوم.

ولا يبعد أن يكون فائدة التقييد هنا حصول الخوف وقت النزول على انه إنما يكون حجة إذا لم يعارضه دلالة المنطوق التي هي أقوى، وهنا معارض بالاجماع والنصوص المستفيضة.

الرابعة: ظاهر قوله : (ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أن يكون ذلك بالقصد والعزم إلى المسافة المفهوم تحديدها من البيان الوارد عن صاحب الشرع.

الخامسة: ظاهر اطلاقها يدل على حصول الرخصة عند حصول الضرب في الأرض والسير .

السادسة: حيث ثبت أن المراد بنفي الجناح الوجوب فمن أتم الصلوة في السفر لا يكون ممتثلا فتجب عليه الاعادة لكن خرج الجاهل بالحكم بالنص .

السابعة: ظاهر اطلاقها يقتضي انه يعتبر في قصر الصلوة واتمامها حال الأداء لا الوجوب.

الثامنة: حكى في المعتبر عن بعض الأصحاب قولا بأن صلاة الخوف إنما يقصر في السفر خاصة ولعل مستنده ظاهر اطلاق الآية ولا يخفى ما فيه.

التاسعة: اعلم انه قصر صلوة الخوف كقصر صلوة السفر في تعلقه بالكمية بحذف ست ركعات وهذا في غير شدة الخوف والا فمتعلقه الكيف والكم معا.

فِي

1) (1) قوله تعالی : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ) . انتهى.

الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا).

السابعة: في سورة النساء أيضا الآبة 102 قوله تعالى : (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ (1)

الطائفة أقلها واحد كما سنذكره ان شاء الله .

والسلاح اسم لما يدفع الانسان به عن نفسه من حديد وغيره . واقامة الصلوة لهم أي لأن يأتموا بك في صلوة الجماعة.

ويحتمل أن يكون المراد اقامتها تامة الحدود والشرائط والاتيان بها على وجه الكمال . والمأمور بأخذ السلاح هو الطائفة المصلية مع الامام وهو الظاهر .

وقوله : ( فَإِذَا سَجَدُوا) يعني الطائفة المصلية ، أي اتموا صلوتهم فليكونوا من ورائكم يعني فليصيروا بعد فراغهم من الصلوة مصافين للعدو ولتأت الطائفة الأخرى فليدخلوا في صلوتك.

قال الأردبيلي قدس سره : الآية اشارة إلى صلوة الخوف جماعة وفيها كمال الاهتمام بها حيث لا يترك في مثل هذه الحال مع ارتكاب بعض الأمور في الصلوة للتحفظ عليها.

فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ

1) (1) قوله تعالى : (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) . انتهى.

فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ).

الثامنة: في سورة النساء أيضا الآية 103 قوله تعالى : (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ (1)

هو على الاضمار، والمعنى إذا أردتم فعل الصلوة، ففي تفسير علي بن ابراهیم قال : «الصحيح يصلي قائما والعليل يصلى قاعدا».

وروى في الفقيه عن الصادق علیه السلام : «ان المريض يصلي قائما فان لم يقدر على ذلك صلی جالسا فان لم يقدر صلی مستلقيا (أي صلى على قفاه. مجمع ) يكبر ثم يقرء فاذا أراد الركوع غمض عينيه ثم سبح فاذا سبح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع فاذا أراد أن يسجد غمض عينيه ثم سبح فاذا سبح فتح عينيه فيكون ذلك رفع رأسه من السجود ثم يتشهد وينصرف».

وقال أكثر المفسرين ان المراد بقضاء الصلوة هنا أدائها كما في قوله تعالى : (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ).

والمعنى إذا فرغتم منها فاذكر الله تعالى في هذه الأحوال وادعوه بالظفر بالعدو والنصر عليه ، الخ.

قال الأردبيلي قدس سره : وفي مجمع البيان عن ابن مسعود وروي عن ابن عباس أنه قال الأردبيلي قدس سره : وفي مجمع البيان عن ابن مسعود وروي عن ابن عباس انه قال : « عقيب تفسير الآية لم يعذر الله أحدأ في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله» .

وقد روى في أخبارنا أيضا هذا المعنى الآية. ويفهم الترتيب بين القيام والقعود والجنوب في الصلوة ولم يعلم الترتيب بين الجنبين والاستلقاء .

ويحتمل ارادة الكل من الجنوب من غير ترتيب أو مع الترتيب ولعل في الرواية اشارة إليه كما صرح به بعض الأصحاب ولا شك أنه أحوط.

فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ

1) (1) قوله تعالى : (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ). انتهی.

فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) .

التاسعة: في سورة البقرة الآية 239 قوله تعالى : (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا (1)

هذه الآية تقدمت عقب قوله : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) . انتهى

روی في التهذيب والكافي في الموثق عن عبد الرحمن عن أبي عبدالله علیه السلام قال سئلت أبا عبدالله علیه السلامعن قول الله عز وجل : (فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) كيف يصلي وما يقول إذا خاف من سبع أو لض كيف يصلي؟

قال : يكبر ويومي ایماء برأسه.

فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ (2)

وقيل : المراد بالذكر الثناء عليه سبحانه والشكر له لأجل التعليم .

كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) .

العاشرة: في سورة الانشراح الآية 7 و 8 قوله تعالى : (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ(3)

المروي في أحاديث أهل البيت علیهم السلام إذا فرغت من حجة الوداع ومن اتمام النبوة فانصب أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام خليفة.

وقال في مجمع البیان : معناه أذا فرغت من الصلوة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء وارغب النية في المسئلة يعطك.

وقال : وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله علیهماالسلام .

وقال الصادق علیه السلام : «هو الدعاء في دبر الصلوة وأنت جالس».

قال الأردبيلي قدس سره الظاهر انه يفهم من الآية استحباب الطاعة بعد الصلوة سيما الدعاء.

قال الموسوي: « وفي الصافي قال الزمخشري في كشافه ومن البدع ما روی عن بعض الرافضة انه قرء فانصب بكسر الصاد أي فانصب عليا علیه السلام للامامة . قال ولو صع هذا للرافضي لصع للناصبي أن يقرأ هكذا ويجعله أمرا بالنصب الذي هو بغض علي علیه السلام وعداوته.

أقول : نصب الامام والخليفة بعد تبليغ الرسالة أو الفراغ من العبادة أمر معقول بل واجب لئلا يكون الناس بعده في حيرة وضلال فيصح أن يترتب عليه.

وأما بغض علي علیه السلام وعداوته فما وجه ترتبه على تبليغ الرسالة أو العبادة وما وجه معقوليته على أن كتب العامة مشحونة بذكر محبة النبي صلی الله علیه و آله و سلم لعلي علیه السلام واظهاره فضله للناس مدة حيوية وان حبه ایمان وبغضه كفر . أنظروا إلى هذا الملقب بجار الله العلامة كيف أعمى الله بصيرته بغشاوة حمية التعصب في مثل هذا المقام حتی أتی بمثل هذا المنكر والزور، بل انها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور». انتهى.

* وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ).

1) (1) قوله تعالى : (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) ، الخ.

2) (2) قوله تعالى : (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ) . أي صلوا صلوة الأمن مثل ما علمكم من الكيفية فما موصولة.

3) (3) قوله تعالى : (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) . انتهى .

الحادية عشر: في سورة البقرة الآية 43 قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا

الصَّلَاةَ (1)

الركوع هو الخشوع والمعنی امتثلوا ما أمرتكم به وأطيعوا مع من أطاع، أو يكون ذلك اشارة إلى الترغيب في الخضوع والخشوع في حال الاتیان بهما كما مرت الإشارة إليه.

وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ).

الثانية عشر: في سورة الأعراف الآية 204 و 205 قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ (2)

الاستماع هو القاء السمع إلى ادراك كلام الغير. والانصات هو السكرت مع الاستماع، فذكره بعد الاستماع للتأكيد والاشارة إلى الاهتمام وشدة التحريص على الإستماع.

وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ (3)

یعنی مستكينا (وَ خِیفَةً) يعني خوفا من عذابه (وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ) يعني دون الجهر من القرائة بالغدو والعشي.

كذا في تفسير العياشي عن علي بن ابراهيم بن عبدالحميد مرفوعا إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم .

تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (4)

وروي أن من كان معه كفنه في بيته لم يكتب من الغافلين وكان مأجورا كلما نظر إليه.

وروى في الخصال عن الصادق علیه السلام : «قال لقمان لابنه : يا بني لكل شيء علامة إلى أن قال وللغافل ثلاث علامات : اللهو والسهو والنسیان».

).

1) (1) قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) . انتهى.

3) (3) قوله تعالی : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) . انتهى.

4) (4) قوله تعالى : (وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) روی في الكافي في الحسن عن الحسين بن المختار عن الصادق علیه السلام : «الذاكر الله عز وجل في الغافلین کالمقاتل في الهاربين » وفي بعض النسخ في المحاربين . وفي خبر آخر عن أبي جعفر علیه السلام أيما مؤمن حافظ على الصلوات المفروضة فصلاها لوقتها فليس هذا من الغافلین» .

الثالثة عشر: في سورة السجدة الآية 15 قوله تعالى : (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا (1)

هذه احدى العزائم الأربع التي يجب فيها السجود على القارئ والمستمع المنصت اجماعة، وأما السامع غير المنصت.

فقيل : يجب عليه السجود أيضا بل ادعى ابن ادریس على ذلك الإجماع.

ويدل عليه اطلاق صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : سئلته عن الرجل يعلم السورة من العزائم فتعاد علیه مرارا في المقعد الواحد (أي في المجلس الواحد ) قال : « عليه أن يسجد كلما سمعها وعلى الذي يعلمه أن يسجد أيضاً».

الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) .

1) (1) قوله تعالى : (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ) . انتهى.

کتاب الزکوة

اشارة

کتاب الزکوة(1)

وقد تطلق على ما يشمل الصدقة المندوبة كما مر في (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) واعارة الحلى ونحو ذلك.


1) (1) الزكوة تطلق على القدر المخرج بأمر الشارع من المال الذي بين تعلقها فيه .

وفي هذا الكتاب أبحاث ثلاثة :

البحث الأول : في وجوب الزكوة ومحلها

وفيه ست آیات:

الأولى: في سورة البقرة الآية 177 قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا (1)

قرء حمزة وحفص عن عاصم : (لَيْسَ الْبِرَّ) بالنصب على انه خبر لیس مقدما.

وقرء الباقون بالرفع على الأصل .

وقرء نافع لكن البر بالتخفيف والرفع بجعلها عاطفة ، والباقون بالتشديد والنصب بجعلها من اخوات ان.

(وَ مَنْ آمَنَ) خبر اما لكونه بمعنى البار أو على معنی ذی البر أو البر بر من آمن . والبر هو الإحسان والعطف .

ورفع الموفون إما على المدح أي وهم الموفون أو على انه عطف على من آمن ونصب الصابرين على المدح.

والمعنى ليس البر منحصراً في التوجه إلى القبلة أي في الصلوة إليها .

وقيل : الخطاب لأهل الكتاب أي ليس البر ما عليه النصارى من التوجه إلى المشرق وما عليه اليهود من التوجه إلى المغرب.

ويحتمل أن يكون ذلك اشارة إلى أنه لا فائدة في هذه الأشياء بدون سبقالايمان والتصديق بالله .

والمعنى ليس البر هو التوجه المذكور بدون ایمان بل البر ما كان من هذه الأفعال مع الايمان .


1) (1) قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا)انتهی.

وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ (1)

أي اعطاه عطف على أمن واللام فيه للجنس فيشمل الحقوق الواجبة والمستحبة.

والضمير في (حُبِّهِ) يرجع إلى الله أو الى المال أو من آمن أو إلى الاتيان ، ولكل وجه.

عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى (2)

أي قرابة المعطي أو قرابة النبي صلی الله علیه و آله و سلم .

قال في مجمع البیان وهو المروي عن أبي جعفر علیه السلام وأبي عبدالله علیه السلام .

والظاهر انه لا يشترط فيهم الفقر والاحتياج بالنسبة إلى الأعطاء من المندوبة .

وقوله (الْيَتَامَى) هو عطف على ذوي القربى ويحتمل عطفه على القربي أي يعطي المتكفل بهم .

وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ (3).............

1) (1) قوله تعالى : (وَآتَى الْمَالَ) .

2) (2) قوله تعالى : (ذَوِي الْقُرْبَى) .

3) (3) قوله تعالى : (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ) هو عبارة عن الإتيان بها تامة الأفعال والشروط .

وَآتَى الزَّكَاةَ (1)

بل نقل عليه الاتفاق من الكل لأنه المتبادر ويشعر بذلك أيضا اقترانها بالصلوة فيكون ذكرها بعد اتيان المال من قبيل ذكر الخاص بعد العام لشدة الاهتمام والربط بالصلوة ، كما رواه الكافي عن معروف بن خربوذ عن أبي جعفر علیه السلام قال: «ان الله عزوجل قرن الزكوة بالصلوة فقال أقيموا الصلوة واتوا الزكوة فمن أقام الصلوة ولم يؤت الزكوة فلم يقم الصلوة».

وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ (2)

أي ما عاهدوا الله عليه من الأفعال الغير القبيحة والمكروهة .

إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ (3)

أي البؤس والفقر (وَالضَّرَّاءِ) ، أي الوجع والعلة.

وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ (4)

أي وقت لقاء العدو وعند الشدائد . والمراد انهم لا يعصون الله في جميع هذه الاحوال.

أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا (5)

أي في دعوى الایمان وفي موافقة علانيتهم لباطنهم وأولئك هم الجامعون لوظائف التقوى المجتنبون لما يسخطه.

قال تعالى : (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) .

وقد تضمنت الآية الشريفة الاشارة إلى جملة الأصول والفروع وإلى أن الايمان ليس بمركب.

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون) .

1) (1) قوله تعالى : (وَآتَى الزَّكَاةَ) الظاهر ان المراد بها المفروضة المعروفة.

2) (2) قوله تعالى : (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) .

3) (3) وقوله تعالى : (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ) .

4) (4) قوله تعالى :(وَحِينَ الْبَأْسِ).

5) (5) قوله تعالى : (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) .

الثانية: في سورة حم سجده (فصلت) الآية 6- 7 قوله تعالى : (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(1)

هذه الآية صريحة الدلالة على وجوب الزكوة على الكافرين للوعيد والذم على عدم اتيانها، ولا معنى للوجوب الا هذا.

ويلزم منه تكليفه بسائر الفروع لعدم القول بالفصل والنص والاجماع دالان على عدم الصحة منهم في حال الكفر لعدم الاخلاص والقرية.

(قال الموسوي: عدم الصحة مطلقاً محل تأمل ).

ولا يجب عليهم قضائها اذا آمنوا بدلالة النص والإجماع على ذلك.

فان قلت : يمكن أن يكون الوعيد باعتبار الوصف بالشرك أو به وبالقيد الاخير وهو الكفر بالآخرة وانکار يوم القيامة والبعث والثواب والعقاب فلا يكون فيها دلالة على وجوب الزكوة.

قلت : الحكم مرتب على الأوصاف الثلاثة وتوسط منع الزكوة بينهما صريح في مدخلية في الوعيد.

* الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم کافرون ).

الثالثة: في سورة آل عمران الآية 180 قوله تعالى: (سَيُطَوَّقُونَ (2)

روی في الكافي في الحسن عن محمد بن مسلم قال : سئلت أبا عبدالله علیه السلام عن قول الله عز وجل : (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) الآية ، فقال : « یا محمد ما من أحد منع من زكوة ماله شيئا إلا جعل الله عزوجل ذلك يوم القيمة ثعبانا من نار مطوقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب ثم قال هو قول الله عز وجل : . (سَيُطَوَّقُونَ) انتهى. يعني ما بخلوا به من الزكوة ، ودلالتها على وجوب الزكوة واضحة.

ما

1) (1) قوله تعالی : (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ).

2) (2) قوله تعالى : (سَيُطَوَّقُونَ).

بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

الرابعة: في سورة الآية 34 - 35قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ (1)

الكنز المال المدفون كما قال في القاموس، والظاهر أن المراد هنا المال المحفوظ وان كان فوق الأرض ولما كان حفظه قد يكون حرصا بحيث لا يخرج الحقوق الواجبة فضلا عن المندوبة.

وقد يكون قصدا إلى تحصيل أمور اخروية قيده بقوله : (لَا يُنْفِقُونَهَا) الخ. اشارة إلى أن المذموم هو هذا النوع.

روی في الكافي عن هشام عن أبي عبدالله علیه السلام قال : « رأس كل خطيئة حب الدنيا».

الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا (2)

الضمير يرجع إلى الكنوز أو الأموال أو الى الفضة وحذف من الأول لدلالة الثاني.

فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ (3)

قال الأردبيلي قدس سره:(هَذَا مَا كَنَزْتُمْ) بتقدير يقول لهم خزنة جهنم هذا ما كنزتم والاية ظاهرة في تحريم الكنز وعدم الانفاق .

بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *

1) (1) قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (يُنْفِقُونَهَا).

3) (3) قوله : (فَبَشِّرْهُمْ) هو حال ، وخص هذه الأعضاء بالذكر أنه يجوز أن يكون الوجه كناية عن المقاديم المواجه بها . والجنوب والظهور كناية عن بقية البدن كله أو لأن کي الجبهة يحصل به التشوية وبكي الجنوب والظهور يحصل ايصال الحرارة إلى الجوف أو لأن بهذه الأعضاء يحصل الانحراف عن الفقير إذا سئلهم كتعبیس الوجه والاعراض عنه بجعله خلفه أو يمينا أو شمالا.

يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) .

الخامسة : في سورة البينة الآية 5 قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا (1)

وقد مر الكلام في صدرها وهي صريحة الدلالة على وجوب الزكوة كما في قوله : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ونحوها من الآيات المتضمنة لوجوب الزكوة وهي كثيرة الا انها من المجملات المبينة بالسنة النبوية صلی الله علیه و آله و سلم.

فروى في الكافي في الحسن عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وبرید والفضيل بن يسار عن أبي جعفر وأبي عبد الله علیهماالسلام قالا: «فرض الله الزكوة في الأموال وسنها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في تسعة أشياء وعفا عما سواهن، في الذهب والفضة والابل والبقر والغنم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وعفا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عما سوى ذلك .

اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) .

السادسة: في سورة المعارج 24 - 25 قوله تعالى : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ(2)

روی في الكافي عن سماعة بن مهران عن أبي عبدالله علیه السلام قال : «ان الله عزوجل فرض في أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون إلا بأدائها وهي الزكوة بها حقنوا دمائهم وبها سموا مسلمين ولكن الله عزوجل فرض في أموال الاغنياء حقوقا غير الزكوة فقال عز وجل : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) فالحق المعلوم غير الزكوة وهي شيء يفرضه الرجل على نفسه في ماله يجب عليه أن يفرضه على حسب طاقته وسعة ماله فيؤدي الذي فرض على نفسه ان شاء في كل يوم وان شاء في كل جمعة وان شاء في كل شهر.

وقد قال الله تعالى : (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) وهذا غير الزكوة.

وقد قال الله تعالی أيضا: (وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) الخبر .

* ...............

1) (1) قوله تعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا) .

2) (2) قوله تعالى : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ).

لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(1)) .

البحث الثاني : في قبض الزكوة واعطائها المستحق

وفيه خمس آيات:

الأولى: في سورة البراءة الآية 103 - 104 قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً (2)

في صحيحة عبد الله بن سنان قال : قال أبو عبدالله علیه السلام : «لما نزلت آية الزكوة (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ) بها وأنزلت في شهر رمضان فأمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم منادیه فنادى في الناس أن الله عزوجل فرض عليكم الزكوة كما فرض عليكم الصلوة ففرض عليهم من الذهب والفضة وفرض الصدقة من الإبل والبقر والغنم ومن الحنطة والشعير والتمر و الزبيب ونادی بهم بذلك في شهر رمضان وعفا عما سوى ذلك قال : ثم لم يعرض لشيء من أموالهم حتی حال عليهم الحول من قابل فصاموا وأفطروا فأمر منادیه فنادى في المسلمين زكوا أموالكم تقبل صلوتكم قال : ثم وجه عمال الصدقة والطسوق».

فاذا عرفت ذلك فالآية تضمنت أحكاما:

الأول: لزوم أخذها المشعر بلزوم دفعها إليه صلى الله علیه و آله.

الثاني: ظاهرها تعلق الصدقة بجميع الأموال.

الثالث: في اضافة الأموال إلى ضمير العقلاء وفي وصف الصدقة بالتطهير اشعار بخروج مال غير المكلف.

الرابع: يستفاد من الاضافة اللامية انه يشترط في وجوب الزكوة الملك.

الخامس: في قوله من أموالهم اشعار بكون الزكوة تتعلق بالعين لا في الذمة .

السادس: كون الصدقة مطهرة لفاعلها أي مزيلة للذنوب والرذائل والتزكية مبالغة في التطهير.

السابع: قوله : (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي ادع لهم. والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه.

الثامن: وقوله : (خُذْ) ولم يقل مرهم دلالة على ان له صلی الله علیه و آله و سلم الأخذ على جهة القهر واشعار بأن من أخذت منه قهر تكون مجزية بل مثاب على رغم أنفه.

التاسع: فيها دلالة على جواز الصلوة على غير النبي صلی الله علیه و آله و سلم .

العاشر: دلالتها على قبول التوبة وإن كانت عن الذنوب العظام.

الحادي عشر: فيها دلالة واضحة على أفضلية الصدقة.

الثاني عشر: في تعقيب التواب بالرحيم دلالة على ان التوبة منه سبحانه على جهة التفضل وفي التعبير بصيغة المبالغة دلالة على الحث عليها .

قال الأردبيلي قدس سره : قوله تعالی (و صل عليهم) . يدل على جواز الصلوة على غير النبي صلی الله علیه و آله و سلم منفردا وعلى قبول التوبة وقبول الزكوة على الله بل لسایر العبادات بل وجوب العلم بذلک.

تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ

1) (1) قوله تعالى : (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) . فالسائل الذي هو يسئل وأما المحروم فقد روى الكافي في الموثق عن أبي عبدالله علیه السلام انه قال : « المحروم هو المحارف الذي حرم کد يده في الشراء والبيع».

2) (2) قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) . انتهى .

لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .

الثانية: في سورة البقرة الآية 267 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ (1)

روی في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبدالله علیه السلام في قول الله عز وجل : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ) الآية . قال : «كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إذا أمر بالنخل ان یزکی يجي قوم بألوان من التمر وهو من أردئ التمر يؤدونه من زکوتهم تمرا يقال له الجعرور والمحافارة قليلة اللحم عظيمة النوى وكان بعضهم يجيء بها من التمر الجيد فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لا تخرصوا ( خرص النمل اذا قدر ما عليها ) هاتين التمر تین وان تجيبوا منها بشيء وفي ذلك نزل : (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) و الأغماض أن یأخذ هاتین التمرتین.

إذا عرفت ذلك فالمراد بالانفاق هو التصدق في سبيل الخير ووجوه البر من الصدقة وغيرها.

والمراد بالطيب الحلال.

وقيل : الجيد والأولى أن يراد الأعم منهما.

وفيها دلالة على أن الصدقة من الحلال المكتسب أعظم أجرا وذلك لأنه أشق على المنفق.

ويدخل في (مَا كَسَبْتُمْ) زکوة الذهب والفضة بل والانعام الثلاثة.

وفي قوله : (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ) أي من طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض الغلات الأربع.

فقوله : (وَلَا تَيَمَّمُوا)معناه لا تقصدوا.

و(الْخَبِيثَ) يشمل الردى والحرام أي لا تتصدقوا بما لا تأخذونه من غرمائكم إلا بالمسامحة والمساهلة ؛ أو المعنى إلا أن تحطوا من الثمن فيه وتنقصوه.

ففي الآية دلالة على أنه لا يجوز اخراج المغشوش من النقدين عن الجياد ولا المريضة ولا الهرمة ولا ذات العوار ونحوها عن الصحاح من الانعام.

قوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ ) عن صدقاتكم وهو بما خولكم ( خوله الله المال أعطاه ایاه متفضلا) وأرشدكم (حَمِيدٌ) لأنه إنما يريد لكم الخير .

وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا

1) (1) قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) . انتهی.

الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).

الثالثة: في سورة الروم الآية 39 قوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا (1)

الربا الزيادة ، المراد هنا الربا الحلال.

روى الشيخ في الصحيح عن ابراهیم بن عمر عن أبي عبدالله علیه السلام في قوله تعالی : (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا) الآية. قال : « هو هديتك إلى الرجل تطلب الثواب أفضل منها فذاك ربا يؤكل».

فقوله : (فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ) يحتمل أن يكون المراد ان هذا النوع من الربا ليس هو الذي قال الله : (وَحَرَّمَ الرِّبَا) .


1) (1) قوله تعالى : (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا) . انتهى.

لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ (1)

يحتمل أن يكون المراد ما يشمل الواجب والمندوب من وجوه البر ففي تفسير علي بن ابراهیم : « أي ما بررتم به اخوانكم واقرضتموهم لا طمعا في زيادة».

فالمراد بالمضعفون ذووا الإضعاف من الأجر والثواب .

وفي قوله : (لَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ) و (تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) دلالة على توقف الإضعاف على الاخلاص بالنية وابتغاء ما عنده سبحانه وان لم يقصد به وجه الله تعالى فليس له ثواب.

وقيل : ( والقائل هو الفاضل المقداد في كنز العرفان ) وفي الآية دلالة على وجوب النية في الزكوة ولا يخفى ما فيه .

قال الأردبيلي قدس سره فيه دلالة على اشتراط الإخلاص في الانفاق فكأنه النية فافهم.

تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) .

الرابعة : في سورة التوبة الآية 60 قوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ (2)

اختلف الأصحاب في انه هل اللفظان مترادفان أو متغایران ؟

فذهب جماعة منهم المحقق الى الأول وعدوا الاصناف سبعة وذهب الأكثر إلى الثاني ، ثم اختلف هؤلاء فيما به يتحقق التغاير .

ومنشأ اختلافهم اختلاف أهل اللغة في ذلك ، بل والأخبار . والأظهر أن الفقير هو المتعقف الذي لا يسئل والمسكين هو الذي يسأل ، لما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام انه سئله عن الفقير والمسكين فقال : « الفقير الذي لا يسئل والمسكين الذي هو أجهد منه الذي يسئل »

والمراد بالعاملين عليها عمال الصدقات الساعون في تحصيلها بأخذ وكتابة وحساب وحفظ وقسمة ونحو ذلك.

وقال المقداد قدس سره : والتحقيق انهما يشتركان في معنى عدمي وهو عدم ملك مؤنة السنة له ولعياله الواجبي النفقة لو كان غنيا.

..............

1) (1) قوله تعالى : ( وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ).

2) (2) قوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ) . انتهى.

وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ(1)

قال في المبسوط : المؤلفة عندنا هم الكفار الذين يستمالون بشيء من مال الصدقات إلى الاسلام ويتألفون ليستعان بهم على قتال أهل الشرك ولا يعرف أصحابنا مؤلفة من أهل الإسلام.

وفي تفسير علي بن ابراهيم عن العالم علیه السلام : « المؤلفة قلوبهم قوم وحدوا الله ولم يدخل المعرفة قلوبهم ان محمدا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يتألفهم ويصلهم كيما يعرفوا فجعل الله لهم نصيبا في الصدقات لكي يعرفوا ويرضوا».

وَفِي الرِّقَابِ (2)

العدول من اللام إلى في يمكن أن يكون لقصد التفنن أو للايذان بأنهم ارسخ وأثبت في الاستحقاق حيث جعلوا وعاء وموضعا لها لأجل فك الرقاب وتخليص الغارمين والصرف في السبيل وانقاذ ابن السبيل من الاضطرار او الحاجة أو التنبيه على ان الأربعة الأول ( العاملين والفقراء والمساكين والمؤلفة ) يقبضونها لأنفسهم ويتصرفون فيها كيف شاؤوا بخلاف الأربعة الأخيرة فانها تصرف في الجهات المعينة.

والرقاب الذين يعطون هذا السهم أصناف: الأول : المكاتبون ( المكاتبة هو ان یكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما عليه فاذا اداه فهو حر. مجمع ) ، الثانی : العبيد الذين تحت الشدة ، الثالث : شراء العبد عند فقد المستحق، الرابع : الاعتاق من الزكوة وشراء الأمهات ، الخامس : ما ذكره علي بن ابراهيم في تفسيره عن العالم علیه السلام قال : (وَفِي الرِّقَابِ) قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ وفي الظهار وفي الايمان وفي قتل الصيد في الحرم وليس عندهم ما يكفرون وهم مؤمنون فجعل الله لهم سهما في الصدقات ليكفر عنهم، السادس : الغارمون ( الغارم هو المديون أو الخاسر)، السابع : في سبيل الله ، الثامن : ابن السبيل.

تتمة في أوصاف المستحقين : الأول : الايمان ، الثاني : العدالة، الثالث : أن لا يكون ممن تجب نفقته اجماعا، الرابع : أن لا يكون هاشميا.

قال الأردبيلي قدس سره : فيها دلالة ما على وجوب الزكوة وحصر من يزكي عليه واللام للاختصاص في الجملة بمعنى الربط المطلق والتعلق لا الملكية .

وَالْغَارِمِينَ وَفِي

1) (1) قوله تعالى : (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ).

2) (2) قوله تعالى : (وَفِي الرِّقَابِ) .

سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .

الخامسة: في سورة البقرة الآية 271 قوله تعالى : (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ (1)

أي فنعم شيئا أبدائها فما في (فَنِعِمَّا) نكرة منصوبة على التمييز للفاعل المضمر قبل الذكر والابداء هو المخصوص بالمدح فحذف واقيم المضاف اليه وهو ضمير الصدقات مقامه لدلالة المقام والفعل على مصدره وارشاد السياق.

وحاصل المعنى ان في اظهارها فضلا واسرارها أفضل.

وظاهر الآية أن ذلك في الصدقات الواجبة والمندوبة وإليه ذهب بعض العلماء، ولكن روی في الكافي في الحسن عن أبي المعرا عن أبي عبدالله علیه السلام قال : قلت له : قول الله تعالى : (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ) الخ ، قال : «ليس من الزكوة».

وفي الموثق عن ابن بکیر عن رجل عن أبي جعفر علیه السلام في قوله تعالى : (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) قال : « یعني الزكوة المفروضة »، قال : قلت : ( وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ) و قال : « یعني النافلة انهم كانوا يستحبون اظهار الفرائض وكتمان النوافل »

وقد تضمنت الآية فوائد :

الاول: اشعارها بجواز تولي المالك لاخراج الزكوة.

الثانية: في قوله : (يُكَفِّرُ) قرء برفعه وجزمه ، فالرفع على معنی ونحن نكفر أو تكون الجملة مستأنفة عطفا على الجملة المتقدمة.

وأما الجزم فعلی موضع الجزاء ، ومن هنا زائدة كما قيل والأظهر انها للتبعيض .

فقيل : هي الذنوب الصغار، والظاهر التعميم.

وفيها : دلالة على ثبوت التكفير والاحباط كما قاله جماعة من المعتزلة وهو مخالف لما صرح به أكثر الأصحاب من بطلان القول بذلك.

وأجابوا بأن التكفير هنا منه سبحانه وتعالى عبارة من التفضل ومجرد الاحسان .

فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ

1) (1) قوله تعالى : (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ) . انتهى.

وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(1)

أي بما أعلنتم وأخفيتم فلا يفوت شيئا علمه ففيه زيادة تحريص على الاخفاء ويمكن أن يكون فيه اشارة إلى لزوم النية وقصد وجهه تعالی بتلك الأعمال لأن ما لا يقصد فيه القربة لا يستحق صاحبه الثناء منه تعالى ولا فيه خير فيكون المعنى انه خبير بما قصدتموه وأضمرتموه فيما أعلنتموه وأخفيتموه.

).

1) (1) الثالثة: في قوله تعالى : (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) .

البحث الثالث: في أمور تتبع الاخراج

وفيه سبع آيات:

الأولى: في سورة البقرة الآية 272 قوله تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ (1)

الظاهر ان المراد بالخير هنا المال كما في قوله تعالى : ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) فالانفاق حينئذ في وجوه البر وحذف لدلالة المقام على أن المراد التحريص على الانفاق كما وكيف حيث يعلم عود النفع إليه.

فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ (2)

هي مبني على النهي وفيه دلالة على النية والاخلاص بذلك و (ابْتِغَاءَ) مفعول لأجله أو حال ، والوجه هنا كناية عن الرضا.

إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ (3)

توفية الشيء اكماله وعداه ب«إلى» لتضمنه معنى الايصال أو التأدية ، والمعنی توفون جزائه بلا نقصان ولا ظلم وفيها دلالة على نفي الإحباط واطلاق الآية يدل على حصول الجزاء باعطاء غير العارف.

قال الأردبيلي قدس سره فيها تحريص على الاتفاق للخير كانه المال بأن ذلك أنفع للمنفق لا المنفق عليه وبأنه موجب لتوفية الأجر واشتراط القرية والاخلاص لأن الظاهر أن المراد بالنفي في قوله : (وَمَا تُنْفِقُوا) النهي فيفهم النية ، فافهم.

وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ).

1) (1) قوله تعالى : (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (وَمَا تُنْفِقُونَ) ، الخ.

3) (3) قوله تعالى : (يُوَفَّ إِلَيْكُمْ).

الثانية: في سورة البقرة الآية 273 - 276 قوله تعالى : (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ (1)

كأن ذلك من قبيل الاستيناف البياني الواقع جوابا لسؤال مقدر لأنه لما حرص على الانفاق فيما سبق وبين ما ينبغي أن يكون عليه المنفق من الصفة اشعر ذلك بالسؤال عن بيان حال المنفق عليه.

فاللام متعلقة بنحو اجعلوا مقدرا أي انهم أولى بها لا انها مختصة بهم.

ويحتمل أن يكون قوله : (لَا يَسْأَلُونَ) بيانا للسيما أي سيماهم الدالة على تعففهم هو انهم لا يلحقون بالسؤال.

والمراد به الالحاح أي انهم مع اضطرارهم وشدة حاجتهم لا يسئلون وان سئلوا مع تلك الضرورة لا يلحون.

وفي الاية دلالة على ذم السؤال وكراهته حيث جعل عدمه مدحا.

أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا (2)

فيه تحريص على الانفاق حيث أنه لا يضيع ولا يغفل عنه سواء وقع سرا أو جهرا ليلا أو نهارا.

............................

1) (1) قوله تعالى : (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ) . انتهی.

2) (2) قوله تعالى : (وَمَا تُنْفِقُوا) ، الخ.

مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ (1)

مبتدأ وجملة (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) خبره ودخلت الفاء للدلالة على ترتب عدم الخوف على دوام الانفاق في هذه الأوقات والأحوال ولعل الغرض ایقاع التصدق ليلا سرا وعلانية ونهاراً لذلك.

ويمكن أن يكون الغرض ایجادهما مطلقا.

والمعروف عند الخاصة وأكثر العامة انها نزلت في على علیه السلام.

روى العياشي في تفسيره عن أبي اسحق ( قال المجلسي رحمه الله أبو اسحاق يطلق غالبا على ابراهيم بن هاشم وقال النجاشي ابراهيم بن هاشم أبو اسحاق القمي أصله كوفي انتقل إلى قم إلى أن قال : وأصحابنا يقولون : أول من نشر حديث الكوفيون بقم هو ) قال : كان لعلي بن أبي طالب علیه السلام أربعة دراهم لم يملك غيرها فتصدق بدرهم نهارا وبدرهم ليلا وبدرهم سرا وبدرهم علانية ، فبلغ ذلك النبي صلی الله علیه و آله و سلم فقال : «يا علي ما حملك على ما صنعت»، قال : « انجاز موعد الله »، فأنزل الله (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) ، الخ.

وظاهر اطلاق الآية استحباب انفاق جميع المال كما يرشد إليه سبب النزول. (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) . انتهى .

قال الأردبيلي قدس سره عذاب هذا اليوم ( يعني يوم القيامة ) وشدته معلوم من الدين ضرورة بحيث لا يتحاج إلى الاشارة ومع ذلك المنفق المذكور أو من ذلك كله بالانفاق المذكور فكان الانفاق أمرا عظيما عند الله وأن لله اهتماما بحال الفقراء .

أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) .

الثالثة : في سورة البقرة الآية 215 قوله تعالى : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا


1) (1) قوله تعالى : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) ، الخ.

يُنْفِقُونَ (1)

قيل : انها نزلت في عمرو بن الجموع وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير، فقال يا رسول الله بماذا أتصدق وعلى من أتصدق فنزلت .

فعلى هذا يكون الجواب عن بعض السؤال وإن لم يكن مذكورا في الآية اكتفاءا بقرينة الحال كما اكتفى عن الجواب عن البعض الآخر بالايماء إليه بقوله (مِنْ خَيْرٍ) أي من مال للتنبيه على أن كل ما يصدق عليه ذلك فهو صالح للانفاق.

والمراد بالوالدين الأبوان.

ويحتمل الاباء وان علوا.

والأقربون من سواهم من الأولاد وغيرهم.

ولا يبعد أن يكون المراد الصدقة المندوبة بل هو الظاهر ، فتدل علی رجحان الصدقة على المذكورين ويشعر ترتيبهم في الذكر بترتب الفضل.

قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا (2)

فيه تحريص على الانفاق على نحو ما مر ولا يبعد أن يراد بالخير هنا ما يشمل الأعمال البدنية .

مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ).

الرابعة : في سورة البقرة الآية 219 قوله تعالى : (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (3)

قيل : السائل أيضا هو عمرو بن الجموع سئل أولا عن المنقق والمصرف ثم سئل

عن كيفية الانفاق.

)(4)

قرء بالرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أي هو وقرء بالنصب مفعول لمحذوف أي انفقوا العفو أي ما تيسر لكم بذله من غير أن يبلغ الجهد.

وروى في الكافي في الحسن عن ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبدالله علیه السلام : « انه الوسط » .

وفي تفسير علي بن ابراهيم قال : « لا اقتار ولا اسراف ».

وفي مجمع البيان عن الباقر علیه السلام : «انه ما فضل عن قوت السنة».

ونسخ ذلك باية الزكوة أي انهم كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم لعامهم وينفقوا ما فضل ثم نسخ ذلك بآية الزكوة وهو منقول عن السدي.

وفيه انه مخالف لظاهر الخبر الأول ونحوه وخلاف الأصل مع انه ليس بمخالف لاية الزكوة ولا يحكم بالنسخ.

.

1) (1) قوله تعالى : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (وَمَا تَفْعَلُوا) . انتهی.

3) (3) قوله تعالى : (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ).

4) (4) قوله تعالى : (قُلِ الْعَفْوَ) .

الخامسة: في سورة البقرة الآية 261 قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ (1)

سبيل الله الجهاد أو هو والحج والظاهر أن المراد جميع القرب، قال في المجمع وهو المروي عن أبي عبدالله علیه السلام.

والظاهر أن المقصود تشبيه حال المنفقين بحال زارع الحبة بكثرة الفوائد.

فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ (2)

أي ان هذه الأضعاف لمن أراد وأحب من المنفقين .

ويدل عليه ما رواه في كتاب ثواب الأعمال عن أبي عبدالله علیه السلام قال : « إذا أحسن العبد المؤمن ضاعف الله له عمله بكل حسنة سبعمأة ضعف وذلك قول الله عز وجل : (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) .

وفي الآية دلالة وافية على كمال التحريص على الانفاق الشامل للواجب والمندوب.

وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) .

1) (1) قوله تعالی : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى (يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) . انتهى .

السادسة: في سورة البقرة الآية 262 - 264 قوله تعالى : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ (1)

لما ذكر سبحانه الانفاق واحواله والتحريص عليه، أعقبه بذكر النهي عن اتباعه بما يبطله.

روى في الخصال عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي علیهم السلام قال : « قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : إن الله كره لكم ايتها الأمة أربعة وعشرين خصلة ونهاكم عنها إلى قوله : وكره الم في الصدقة »

ولنذكر جملة ما تضمنته الآيات في فوائد:

الأولى: المنّ ذکر ما ينقص المعروف كقوله أحسنت إلى فلان .

الثانية: تشعر الآية وظاهر الروايات المن والأذى المبطل لذلك هو ما كان من جهة الاتفاق.

الثالثة: قوله تعالی : (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) كان يقول وسع الله عليك ونحوه.

الرابعة: تبطلوا أي تحبطوا أجر صدقاتكم بالمن والأذى أي بكل واحد منها وقوله : (كَالَّذِي) صفة لمحذوف أي ابطالا مثل الذي ينفق ماله ولا يقصد به رضا الله ولا ثواب الآخرة.

الخامسة: فيها دلالة على أن المن والأذى ولو كان مستقبل الأوقات مبطل أجر الانفاق ويحبطه.

السادسة: الظاهر أن قوله : (وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) جملة حالية عن ضمير ينفق ، واتصاف المرائی حینئذ بعدم الايمان والتصديق بالله واليوم الآخر يمكن أن يكون من قبيل اطلاق نفي الملزوم وارادة اللازم کنفي العلم عمن لم يعمل به وذلك لأن من عرف الله تعالی وعلم انه هو الذي خوله النعمة ( خوله النعمة : أعطاه ) وأمره بالانفاق وعرفه انه لا يضيع لديه، يلزمه أن يقصد بانفاقه مرضاته سبحانه ويطلب ما عنده من الجزاء فحيث لم يقصد ذلك فكأنه لم يؤمن .

وعن سلام بن منذر (مجهول كما يستفاد من المجلسي رحمه الله ) عن أبي جعفر علیه السلام في قوله : (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) و لمحمد وآل محمد عليه السلام، هذا تأويل قال نزلت في عثمان».

مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ

1) (1) قوله تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ).

أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(1)

أي ان هذه المواعظ الحسان اما تنفع المؤمنين دون الكافرين .

وقيل : المعنى انه لا يعطيهم ما يعطي المؤمنين عن زيادة الألطاف والتوفيق .

وقيل : لا يهديهم إلى الجنة بأعمالهم كما يهدي المؤمنين .

وقيل : غير ذلك ، الخ.

(فَمَثَلُهُ ) يعني في انفاقه كمثل صفوان حجر أملس علیه تراب فأصابه وابل أي مطر عظیم القطر فترکه صلدا أي املس نقياً من التراب . صافي.

قال في مجمع البيان ثم أكد تعالی ما قدمه بما ضرب من المثال فقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي صدقوا الله ورسوله (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ) أي بالمنة على السائل.

وقيل : بالمنة على الله . والأذى بمعنى أذي صاحبها. ثم ضرب تعالی مثلا لعمل المنان وعمل المنافق جميعا فانهما إذا فعلا الفعل على غير الوجه المأمور به فانهما لا يستحقان عليه ثوابا وهذا هو معنى الابطال وهو ايقاع العمل على غير الوجه الذي يستحق عليه الثواب ، فقال : (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) هذا يدخل فيه المؤمن والكافر اذا أخرجا المال للرياء . (وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هذا للكافر خاصة أي لا يصدق بوحدانية الله ولا بالبعث والجزاء.

وقيل : انه صفة للمنافق لأن الكافر معلن غير مراء وكل مراء كافر أو منافق (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ) أي حجر أملس . (عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ) أي مطر عظیم القطر شدید الوقع. (فَتَرَكَهُ صَلْدًا) حجر صلبا املسا شبه سبحانه تعالى فعل المنافق والمنان بالصفا الذي أزال المطر ما عليه من التراب فانه لا يقدر أحد على رد ذلك التراب عليه كذلك إذا دفع المنان صدقة وقرن بها المن فقد أوقعها على وجه لا طريق له إلى استدراكه وتلافيه لوقوعها على الوجه الذي لا يستحق عليه الثواب فان وجوه الافعال تابعة لحدوث الافعال فاذا فاتت فلا طريق إلى تلافيها . وليس في الآية ما يدل على ان الثواب الثابت المستقر تبطل ويزول بالمنّ فيما بعد ولا بالرياء الذي يحصل في ما يستقبل من الأوقات على ما قاله أهل الوعيد. (لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا) أي لا يقدر هؤلاء على نفقتهم ولا على ثوابها ولا يعلمون أين النفقة وأين ثوابها ولا يحصلون منها على شيء كما لا يحصل أحد على التراب اذهبه المطر عن الحجر. فقد تضمنت الآية والاي التي قبلها الحث على الصدقة وانفاق المال في سبيل الخير وأبواب البر ابتغاء مرضات الله إلى أن قال : (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) أي لا يثيب الكافرين على أعمالهم إذا كان الكفر محيطا لها ومانعا من استحقاق الثواب عليها وإنما يثيب المؤمنين الذي يوقعون أعمالهم على الوجوه التي يستحق بها الثواب . انتهى.

).

1) (1) قوله تعالى (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) .

السابعة : في سورة الأعلى الآية 14 - 15 قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (1)

ذکر جمع من المفسرين أن المراد زکوة الفطرة وصلوة العيد .

ورواه ابن بابویه في الصحيح عن أبي بصير وزرارة قالا: قال أبو عبدالله علیه السلام : «ان من اتمام الصوم اعطاء الزكوة يعني الفطرة كما أن الصلوة على النبي صلى الله عليه وآله من اتمام الصلوة لأنه من صام ولم يؤد الزكوة فلا صوم له إذا تركها متعمدا، ولا صلوة له إذا ترك الصلوة على النبي صلى الله عليه ان الله عزوجل بدأ بها قبل الصلوة فقال : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) .

* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) .

1) (1) قوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) . انتهى.

کتاب الخمس

وفيه خمس آيات:

الأولى: في سورة الأنفال الآية 41 قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ(1)

قرء (فَأَنَّ لِلَّهِ) ، بالفتح أي على ان ، فحذف الجار.

قيل : العطف على ان الأولى وحذف خبرها لدلالة الكلام الثاني عليه .

والكلام في الآية في مقامات:

الأول: في المعنى المراد بالغنيمة .

فقيل : هي ما أخذ من دار الحرب بقتال ويرشد إليه السياق وبذلك يفرق بينها وبين الأنفال وهو قول كثير من المفسرين.

وبه قال كثير من الأصحاب وجعلوا ثبوت الخمس فيما عدا ذلك من الأنواع السبعة بدلیل خارج.

وروى ثقة الاسلام والشيخ عن حکیم مؤذن ابن عیسی عن أبي عبدالله علیه السلام قال : قلت له : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) الآية ، قال : « هي والله الافادة يوما بيوم الا أن أبي جعل شیعته في حل ليزكوا.

الثاني: في بيان المستحق .

والأظهر انهم أولاد عبدالمطلب خاصة ذكورا واناثا.

ويدل عليه رواية حماد بن عیسی عن بعض أصحابه عن أبي الحسن علیه السلام انه قال : « وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي صل الله علیه و آله و سلم وهم بنوا عبدالمطلب أنفسهم للذكر والانثي ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد».

الثالث: في بيان كيفية القسمة.

وقد اختلفوا فيه علمائنا وغيرهم والاشهر انه يقسم ستة أقسام ثلاثة للامام وهي سهم الله وسهم الرسول وسهم ذي القربى وثلثة للباقين كما تضمنته الآية.

الرابع: في بيان كيفية القسمة، والمشهور بين الأصحاب ان للامام النصف سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى بالأصالة والثلثة الباقية لمن سمي الله عزوجل (من اليتامى والمساكين وابن السبيل).

خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ

1) (1) قوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ) . انتهی .

وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ (1)

متعلق بمحذوف يعني ان كنتم آمنتم بالله فاعلموا ان الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه اطماعكم وأقتنعوا بالأخماس . (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) من الآيات والملائكة والنصر (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) يعني المسلمون والكفار . صافی.

قال الأردبيلي قدس سره في مجمع البيان اللغة : الغنيمة ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار.

وقال القاضي أي الذي أخذتموه من الكفار قهرا، وفيهما قصور والمقصود أن المراد بها غنایم دار الحرب التي هي أحد الأمور السبعة التي يجب فيها الخمس عند أكثر أصحابنا وهي (أي الأشياء السبعة) غنيمة دار الحرب وأرباح التجارات والزراعات والصناعات بعد مؤنة السنة لأهله على الوجه المتعارف اللائق من غير اسراف وتقتير ، والمعادن والكنوز وما يخرج بالغوص والحلال المختلط بالحرام مع جهل القدر والمالك وأرض الذمي إذا اشتراها من مسلم، وضم الحلبي إليها الميراث والهبة والهدية والصدقة وأضاف الشيخ العسل الجبلي والمنّ، وأضاف الفاضلان (العلامة والمحقق صاحب الشرايع ) الصمغ وشبهه .

وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ

1) (1) قوله تعالى (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ) .

الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

الثانية: في سورة البقرة الآية 267 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا(1)

قد مر الكلام فيها في أحوال الزكوة وفي دلالتها على الخمس.

مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ).

الثالثة: في سورة بنی اسرائيل الآية 26 قوله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى(2)

في تفسير العياشي عن عبدالرحمن عن أبي عبدالله علیه السلام قال : لما أنزل الله (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ) قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : « یا جبرئيل قد عرفت المسكين فمن ذوي القربي ؟ » قال : أقاربك فدعا حسنا وحسينا وفاطمة علیهم السلام فقال : « ان ربي أمرني أن أعطيكم مما أفاء الله على أعطيكم فدك».

فالمراد بذي القربی هم الأئمة علیهم السلام كما دلت عليه الأخبار وذكره أيضا كثير من العامة ويدخل في الحق الخمس كما ذكره بعض المفسرين .

حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) .

وفي سورة النحل الآية 90 قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) .


1) (1) قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا)، الخ.

2) (2) قوله تعالی (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى) . انتهى.

الرابعة : في سورة الأنفال الآية 1 قوله تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ (1)

قرء ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص « يسئلونك الأنفال » بدون كلمة عن وهذه القراءة منسوبة إلى علي بن الحسين والباقر والصادق علیهم السلام .

قال ابن جني القراءة بالنصب مؤدية عن السبب للقراءة الأخرى وذلك لأنهم لما سألوه عنها تعرضا لطلبها واستعلاما لحالها هل يسوغ لهم طلبها.

فالقراءة بالنصب تصريح بالتماس الأنفال وبيان عن الغرض في السئوال عنها حتى ذكر بعضهم انّ عن زائدة في الكلام.

ويرشد إليه ما رواه الشيخ في التهذيب مرفوعا (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ) ان تعطيهم منه ، (قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِه) وليس يسئلونك عن الأنفال أي عن حقيقتها وماهيتها.

وقيل : النصب بنزع الخافض أي عن الأنفال كقوله أمرتك الخير فافعل ما أمرت به.

والأنفال جمع نفل بالتحريك ، قيل وبالاسكان وهو لغة الغنيمة والهبة، قاله في القاموس.

وفي الصحاح النافلة عطية التطوع من حيث لا يحتسب ومنه نافلة الصلوة والنفل بالتحريک الغنيمة والجمع الانفال.

وقال الأزهري النفل ما كان زيادة عن الأصل ، سميت الغنائم بذلك لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم.

والمراد هنا ما يستحقه الامام على جهة الخصوص كما كان للنبي صلی الله علیه و آله و سلم .

قال الفاضل المقداد : قال جماعة من المفسرين الآية منسوخة بآية (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) انتهی .

وقال الطبرسي وأصحابنا : ليست بمنسوخة وهو الحق لعدم المنافاة بينها وبين الخمس.


1) (1) قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ).

قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .

الخامسة : في سورة الحشر الآية 6 - 7 قوله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ (1)

الفيء بمعنى الرجوع، والايجاف الازعاج للسير أو سرعته .

والفاء فيه جواب الشرط أي ما أفاء الله على رسوله صلی الله علیه و آله و سلم من أموال بني النظير فلم تسيروا إليها بالخيل والركاب بل إنما مشيتم إليها على أرجلكم لأنها كانت على میلین من المدينة ولم يجر هناك قتال وحرب ولكن الله سلط رسوله عليهم بالقاء الرعب في قلوبهم.

وفي الكافي : « إن الله تعالى جعل الدنيا بأسرها لخليفته حيث يقول لملائكته (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) فكانت الدنيا بأسرها لآدم عليه السلام وصارت بعده لأرباب ولده وخلفائه فما غلب عليه أعدائهم بحرب أو غلبة سمي فيئ وهو أنيفيء إليهم بغلبة وحرب وكان حكمه فيه ما قال الله : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ)الآية ، فهذا هو الفيء الراجع وإنما يكون الراجع ما كان في يد غيرهم فأخذ منهم بالسيف.

وأما ما رجع إليهم من غير أن يوجف (أي يسير ) عليه بخيل ولا ركاب فهو الانفال لله وللرسول خاصة وليس لأحد فيه شركة وإنما جعل الشركة في شيء قوتل عليه ». الخبر .

عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ

1) (1) قوله تعالى (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ ). الخ.

مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ (1)

هو علة لانقسام الفيء الخاص إلى الأقسام المذكورة ، أي من حق الفيء أن يعطي الفقراء ليكون لهم بلغة (بلغة : ما يكفي في العيش ولا يفضل) يعيشون بها لا دولة ( دولة: ما يتداول فیکون مرة لهذا ومرة لذاك ) بين الأغنياء يتداولونه ويدور بينهم كما كان في الجاهلية.

دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ (2)الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (3)) .

1) (1) قوله تعالى (كَيْ لَا يَكُونَ). انتهى .

2) (2) قوله تعالى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ) أي من أمر الفيء والغنيمة ، (فَخُذُوهُ) أي تمسكوا به لأنه واجب الطاعة أو حلال لكم وما نهيكم عن اتيانه من ذلك فاجتنبوه .

3) (3) قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) و لا يخفى ما فيه من المبالغة في النهي عن المخالفة لأمره صلی الله علیه و آله و سلم.

کتاب الصوم

وفيه خمس آيات:

الأول: في سورة البقرة الآية 183 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ (1)

قد مر تخصيص المؤمنين بالخطاب.

والصيام والصوم مصدران لصام وهو لغة الإمساك وشرعا هو العبادة المعروفة أي الامساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة ( من البلوغ والعقل والايمان والصحة وغيرها).

كَمَا كُتِبَ (2)

يجوز أن يكون التشبيه في أصل الصوم أي فرض عليكم الصوم كفرضه على من قبلكم من الأمم فان الصوم من العبادات القديمة .

ويجوز أن يكون التشبيه فيه من حيث العدد والوقت المبين بقوله : ( أَيَّاماً) وبقوله : (شَهْرُ رَمَضَانَ) أي فرض عليكم صيام شهر رمضان كما فرض على الذين من قبلكم.

ويكون المراد بمن قبلنا الأنبياء والأصياء ويدل على ما رواه في الفقيه عن سلیمان بن داود المنقري ( سليمان بن داود المنقري ضعيف ) عن حفص بن غیاث (حفص بن غياث ضعيف) قال سمعت ابا عبدالله علیه السلام يقول: «ان شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم قبلنا».

فقلت له : فقول الله عز وجل : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فقال : « إنما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم ففضل الله به هذه الأمة وجعل صيامه فرضا على رسوله وعلى امته ».

عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ

1) (1) قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى (كَمَا كُتِبَ) ، الخ.

تَتَّقُونَ(1)

الأولى: في قوله : (الَّذِينَ آمَنُوا) تنبيه على تعلق هذا الحكم بالمكلف.

الثانية: في قوله : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) اشارة إلى ان التكاليف السمعية الطاف مقربة إلى الطاعات واجتناب كثير من المعاصي.

الثالثة: في قوله : (كَمَا كُتِبَ) اشارة إلى الترغيب إلى الفعل والتسلية لهم فيفيد التأكيد في الحكم لما يحصل من الانبعاث للنفس والتحريص لها على الفعل.

قال الفاضل المقداد قدس سره : فيها تنبيه على عدم وجوبه على الصبي والمجنون والمغمى عليه.

والايمان هو التصديق والاذعان بعد تصور الاطراف وذلك لا يحصل إلا من العاقل.

) .

الثانية: في سورة البقرة الآية 184 قوله تعالى : (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ (2)

انتصاب (أَيَّامًا) على الظرفية والعامل فيه الصيام وعمل المصدر المعرف جائز وارد في القرآن ولا يضر الفصل بالاجنبي لأن المعمول ظرف يكفيه رائحة الفعل.

ويجوز أن يكون العامل (كُتِبَ ) أو مقدر أي تصوموا.

ومعنی (مَعْدُودَاتٍ) موقتات بعدد معلوم ويمكن أن يكون المراد قلائل جريا على المتعارف من التعبير بمثل ذلك عن القليل.

واختلف المفسرون في المراد بالايام المعدودات والأظهر أنها شهر رمضان على طريق الاجمال والتفصيل لانه تعالى أوجب أولا الصوم ثم كونها اياما معدودات ثم کونه شهر رمضان وبهذا قال الأکثر.

قوله : ( مَرِيضاً) باطلاقه يشمل كل مرض ولكن الأصحاب خصوه بما يضره الصوم.


1) (1) قوله تعالی (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي المعاصي فان الصوم یکسر الشهوة التي هي منشأ معاصي وهنا فوائد :

2) (2) قوله تعالی (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ) . انتهى.

فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ (1)

أي على حال يصدق عليكم فيها كونكم مسافرین .

فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (2)

الموصوف هنا مذکر فقياس الصفة أواخر ولكن الموصوف لما كان مذكرا لم يعقل.

جاز في صفته أن تجري مجری صفة جمع المؤنث . وقرء بالرفع أي فعليه عدة أو فالواجب أو فرضه عدة ، وبالنصب أي فليضم؛ ومقتضى ذلك انهما لا يترخصان في الصوم في تلك الحال وان الافطار عزيمة.

وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ (3)

يمكن أن يكون الضمير راجعا إلى الصوم أو إلى الطعام بمعونة المقام واشعار بعض الأخبار بذلك.

روى الكافي في الموثق عن ابن بکیر عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله علیه السلام في قول الله عزوجل: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) فقال : « الذين كانوا يطيقون الصوم فأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكل يوم مدّ».

...................

1) (1) قوله تعالى (أَوْ عَلَى سَفَرٍ).

2) (2) قوله تعالی (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ).

3) (3) قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ).

فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا (1)فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (2)إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) .

الثالثة: في سورة البقرة الآية 185 قوله تعالى : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (3)

ذكر سبحانه هذه الآية عقيب مامر تأكيدا لوجوب الصوم في هذا الشهر وتحريصا عليه حيث بين شرافته بنزول القرآن فيه وبيّن انه يسره عليكم وان في ذلك تكبير الله تعالی وتعظيمه وشکر نعمه الوافرة ولهذا كثرت فيه مواهب الله وعتقاؤه من النار كما دلت عليه الأخبار.

هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ (4)مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ (5)

الظاهر أن شهد بمعنی حضر فيه كلا أو بعضا كما يرشد إليه المقابلة بقوله: (وَمَنْ كَانَ) ، الخ.

فنصب الشهر حینئذ على أنه مفعول فيه وكذا ضمير يصمه أي يصم فيه فحذف الجار ووصل بالفعل.

ويحتمل انه مفعول به أي ليصم ما حضر فيه.

وقيل : نصب الشهر على أنه مفعول به ويكون ذكر المريض والمسافر من قبيل المستثنى من عدم من شهد.

ولعل في ذلك دلالة على اعتبار قيد الصحة في وجوبه على من شهد .

وقد مربیان دلالة الآية على عدم جوازه من المريض والمسافر.

قال الأردبيلي قدس سره قوله : ( أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) بمعنی ابتداء النزول وقع فيه أو انزاله إلى السماء الدنيا كله فيه ثم ينزل بالتدريج على مقدار المصلحة أو انه نزل في شأنه بعض القرآن أي وصفه وبیان رتبته فان فيه ليلة هي خير من ألف شهر .

فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ

1) (1) قوله تعالى (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) بأن أطعم أكثر من مسکین واحد أو أطعم المسكين الواحد أكثر من قدر الكفاية أو بزيادة الادام فهو أي التطوع بذلك خير له وأحسن.

2) (2) قوله تعالی (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أي صيامكم خير لكم لما فيه من المصالح الكثيرة ، (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ما فيه من المصلحة أو الفضيلة.

3) (3) قوله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ). انتهى.

4) (4) قوله تعالی (هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ) جمعه باعتبار الآيات أي آیات واضحات مما يهدي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم وهما (أي هدىً وبینات ) منصوبان علی التعليل أو حالان من القرآن.

5) (5) قوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ) . انتهى.

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ (1)

يجوز عطفه على اليسر أي يريد بكم اليسر في اسقاطه عنكم في تلك الحال ویرید اکمال عدة ما أفطرتموه في حال المقدرة .

ويجوز أن يكون العطف على علة مقدرة مثل يسهل عليكم أو لتعلموا ما تعملون، أو المعنى شرع لكم ما ذكره بين فتكملوا العدة وتعظموا الله في امتثال ما أمركم ولعلكم تدخلون بذلك في جملة الشاکرین ولتكبروا الله في هذا الشهر بالثناء عليه والحمد له على هدايته لكم وارشاده إلى ما يوصلكم إلى شكره والقيام بواجب نعمه عليكم.

وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

1) (1) قوله تعالی (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) . انتهى.

الرابعة : في سورة البقرة الآية 186 قوله تعالى : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي (1)

ذكرت هذه الآية في هذا المقام تبعا للقرآن ولتضمنها الدعاء واجابته .

وقد ورد في الخبر أن الدعاء من الصائم لا يحجب فكأن الدعاء صار من الأمور اللازمة للصائم ومن وظائفه سیما شهر رمضان الذي تفتح فيه أبواب الجنان وتصفد (أي تقيّد ) فيه الشياطين وقيل وجه ذكرها هنا انه لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية فقال : (فَإِنِّي قَرِيبٌ) أي بالعلم والقدرة وايصال المطالب وقضاء المآرب (أي الحوائج) لمن يقصدني بذلك.

(أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) هو تقرير للقرب وعد بالاجابة.

(وَلْيُؤْمِنُوا بِي) حث على التصديق بذلك ليحصل لهم الرشاد إلى الحق واشارة إلى أنه لا يجوز أن يأمنوا مكر الله بسبب الاهمال ولا يقنطوا من رحمة الله بسبب التأخير فالعالم المصدق بالله يعرف أنه لا خلف في وعده تعالى وانما يقع التأخير وعدم المسارعة إلى الانجاز لاسباب ومصالح للعبد .

فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) .

الخامسة: في سورة البقرة الآية 187 قوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ (2)

القرائة المشهورة الصحيحة (أُحِلَّ) بالبناء للمجهول ورفع الرفث المراد هنا به و الجماع.

والجملة مستانقة لبيان سبب الاباحة ، وذلك لأن الصبر عنها صعب شاق حيث كن بمنزلة اللباس الذي يصون صاحبه ولا يستغني عنه.

وأما سبب النزول : فقد روى في تهذيب والكافي في الصحيح عن أبي بصير عن أحدهما علیهماالسلام في قول الله عز وجل : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ) الآية . فقال : « نزلت في خوات بن جبير الانصاری وكان مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم في الخندق وهو صائم فامسي على تلك الحال وكانوا قبل تنزل هذه الآية إذا نام أحدهم حرم عليه الطعام والشراب ، فجاء خوات إلى أهله حين أمسى فقال لهم هل عندكم طعام فقالوا لاتنم حتى نصلح لك طعاما فاتکی فنام، فقالوا له قد فعلت قال نعم فبات على تلك الحال فاصبح ثم غدا الى الخندق فجعل يغشى عليه فمر به رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فلما رأى الذي به أخبره

كيف كان أمره فأنزل الله فيه الآية».

إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ

1) (1) قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي). انتهى.

2) (2) قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ) ، الخ.

أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ (1)

الأولى: الآية دلت على قبول التوبة سمعا وعلى جواز نسخ السنة بالكتاب .

الثانية: قد ذكر الأصحاب استحباب الجماع في أول ليلة من شهر رمضان لتكسر شهوة الجماع نهارا.

الثالثة: المراد بليلة الصيام كل ليلة يصبح فيها صائما.

الرابعة: قوله : ( الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ) و هو الفجر الثاني المعترض في الأفق كالخيط الممدود و (الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) هو ما يمتد معه من ظلمة آخر الليل.

الخامسة: قد يستدل بهذه الآية على جواز ایقاع نية الصوم نهارا.

بيانه أنه تعالی اباح الأكل إلى الفجر فيكون ابتداء الصوم بعده وليس هو مجرد الامساك بل هو مع مصاحبة النية فيكون محلها بعده أيضا.

السادسة: قوله تعالى : (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) هو بيان لتحديد آخر وقته.

السابعة: قوله : (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ) الخ. دلت على مشروعية الاعتكاف.

الثامنة: قوله تعالی (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) الخ. هو اشارة إلى جميع ما ذكر من الأحكام وهو من قبيل التأكيد والتعبير بالقرب مبالغة في ذلك كما يظهر من قوله علیه السلام : « من حام حول الحمى أو شك أن يقع فيه».

قال في مجمع البيان : (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) أي قبل توبتكم .

وقيل : معناه فرخص لكم وأزال التشديد عنكم.

(وَعَفَا عَنْكُمْ ) فيه وجهان : أحدهما غفر ذنوبكم، والآخر ازال تحریم ذلك عنكم وذلك عفو عن تحريمه عليهم .

فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ

1) (1) قوله تعالى (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي تظلمونها وتعرضونها للعقاب وتنقصونها حظها من الثواب بسبب كثرة الميل والشهوة وحيث كان ذلك من الأمور الشاقة عليكم وفي علمه تعالی صدور المخالفة فيه والعصيان غالبا فبلطفه ورحمته تاب عليكم ولم يؤاخذكم بذلك وخفف عنكم هذا التكليف ورفعه عنكم، (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) بالجماع واطلبوا ماكتب لكم واباحه من الأزواج والأرزاق ونحو ذلك مما لم ينهكم عنه. وهنا فوائد :

وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) .

کتاب الحج

اشارة

والبحث فيه يقع على أنواع ثلاثة :

النوع الأول : فيما يدل على وجوبه

وفيه آيتان:

الأولى: في سورة آل عمران آیات 96 – 97 قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ (1)

يحتمل معان:

الأول: أن المراد اول بیت أوجد الله مكانه وعينه وميزه وشخصه قبل اتخاذ الأرض.

الثاني: كون المعنى أول موجود من الأرض.

الثالث: كونه أول بيت بني على الأرض.

لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا (2)

روی في الخصال عن أبي عبدالله علیه السلام : ان أسماء مكة خمسه : « أم القرى ومكة وبكة والبساسة (إذا ظلموا بها بستهم أي أخرجتهم وأهلكتهم ) وأم رحم ( إذا لزموها رحموا ) ».

وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(3)

حالان من المترادفة من ضمير المستكن في الظرف أو من ضمير (وضع) (أي وضع مباركا وهدى للعالمين).

البركة : كثرة المنافع للدنيوية والأخروية.

وجملة (و فيه آيات بينات ) مفسرة لكونه هدى أي دلالة.

* فِيهِ آيَاتٌ

1) (1) قوله تعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى (لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا) .

3) (3) قوله تعالی (مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) .

بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا (1)

كما قيل فيصح كون ذلك بيان لقوله : ( آیات ).

وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ (2)

روی في الكافي في الحسن عن عمر بن اذينة قال : كتبت إلى أبي عبدالله علیه السلام بمسائل بعضها مع ابن بکیر وبعضها مع أبي العباس فجاء الجواب باملائه سألت عن قول الله عز وجل : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) يعني به الحج والعمرة جميعا لأتهما مفروضان. الحديث .

حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(3)

أي فعل فعل الكفرة .

ويجوز أن يكون المراد بالكفر هنا الترك لأنه أحد معانیه .

ويدل عليه صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله علیه السلام قول الله عزّوجل: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) يعني من ترك ، ويمكن أن يكون المعنى من كفر بسبب انکار الحج لأن وجوبه صار من ضروريات الدين والمنكر للضروري کافر ويمكن أن يكون المعنی کفر بترك الحج.

قال الفاضل المقداد قدس سره : قال الله تعالی :(عَنِ الْعَالَمِينَ) ولم يقل عنه لما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان لأنه إذا استغني عن العالمين فقد استغني عنه لا محالة ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على السخط.

) .

1) (1) قوله تعالى (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) جملة ابتدائية أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام لأنه في معنى أمن من دخله أي ومنها أمن من دخله فعلی هذا تكون هذه آية ثانية والآيتان جمع.

2) (2) قوله تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ) . الخ.

3) (3) قوله تعالى ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) . انتهى.

الثانية: في سورة الحج آیات 26 - 29 قوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا (1)

أي واذكر إذ جعلنا مكان البيت مباءة أي موطنا ومسكنا، أو مرجعا يرجع إليه ابراهیم علیه السلام لحجه وزيارته وعبادته.

لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي (2)

«أن» مفسرة بفعل دل عليه بوأنا لأن التبوء من أجل العبادة فكأنه قيل وأمرناه أو تعبدناه وقلنا له لا تشرك بي شيئا في العبادة وطهر بيتي من الشرك وعبادة الأوثان .

وأراد بالقائمين والركع السجود المصلين .

قيل وفيه دلالة على جواز الصلوة في جوف الكعبة.

شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ (3)

أي مرهم بالحج.

(رِجَالًا) جمع راجل مثل طوار جمع طير وعراق جمع عرق .

(ضَامِرٍ) من الابل المهزول من السير .

(عَمِيقٍ) البعيد.

قال الفاضل المقداد قدس سره قيل : الخطاب الابراهيم علیه السلام وقيل : لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع .

قال الأردبيلي قدس سره يعني أعلمهم بوجوب الحج فحينئذ دلالتها على الاحكام واضحة وعلى الأول لابد من انضمام امر انه ليس منسوخا وانه من اجتماع الشريعتين مع انه صلی الله علیه و آله و سلم على ملة أبيه ابراهيم علیه السلام.

بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا

1) (1) قوله تعالى ( وَإِذْ بَوَّأْنَا) . انتهی.

2) (2) قوله تعالى (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي) .

3) (3) قوله تعالى (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ).

وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (1)

هي منافع الدنيا والاخرة كما يرشد إليه ما ورد في الأخبار من أن الحج يكثر المال ويحط الذنوب.

وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ(2)

وهو التكبير عقيب خمسة عشر صلوة أولها ظهر العيد كما عن الصادق علیه السلام .

وقيل الذكر هو الذكر المطلق أو الذكر حال الذبح أو أيام العشر كما عن علي وعن الصادق علیهماالسلام : «ان الأيام المعلومات هي أيام التشريق» .

عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (3)

هو من اضافة الصفة، والبهيم هو الذي لا يفصح.

والمراد هنا الابل والبقرة والغنم.

فَكُلُوا مِنْهَا(4)

وروى في الكافي عن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عز وجل : (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ) قال : « هو الزمن الذي لا يستطيع أن يخرج لزمانته. والفقير هو الذي لا يسأل الناس والمسكين أجهد منه والبائس أجهدهم».

كما في رواية أبي بصير المتقدم ، فالبائس هو الفقير الشديد الحاجة .

ولعل التعبير به للاهتمام بشأنه وأنه الأولى في اطعامهم والأفضل .

. ...........................

1) (1) قوله تعالى (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ).

2) (2) قوله تعالی (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) .

3) (3) قوله تعالى :(عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) . انتهى.

4) (4) قوله تعالى : (فَكُلُوا مِنْهَا) . أي من لحومها.

وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ (1)

روی في الفقيه في الصحيح عن النضر بن سويد عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله علیه السلام : «ان التفث هو الحلق وما في جلد الإنسان».

وروى في الفقيه عن ربعي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام والبزنطي عن الرضا علیه السلام في تفسير التفث : «انه قص الشارب والأظفار وطرح الوسخ وطرح الاحرام عنه».

وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ (2)

أي المناسك كما في رواية ذريح.

ويحتمل انه ما نذروه في حجهم من أنواع البر وما نذروا من نحر الابل .

وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ(3)

الظاهر ان المراد طواف الحج الذي هو ركن فيه بلا خلاف وهو المعبر عنه في أكثر الأخبار بطواف الزيارة .

ويمكن أن يراد ما يشمل طواف النساء لأنه واجب به يحصل تحليل النساء كما یرشد به الصيغة المبالغة.

ووجه تسمية العتيق بالعتيق من وجوه :

الأول: انه لا يملكه أحد من الناس .

الثاني: انه أعتق من الغرق .

الثالث: لأنه أول بيت وضع للناس.

الرابع: انه سمي بذلك لأنه کریم بناه کریم .

الخامس: انه عتق من الجبابرة وحفظه منهم كأبرهة وغيره .

قال الفاضل المقداد قدس سره بقوله تعالی : (وَلْيَطَّوَّفُوا) صريح في الأمر بالطواف بالبيت الدال على الوجوب اتفاقا.

(قال الموسوي كون الأمر دالا على الوجوب ليس اتفاقيا بل مشترك معنوي بينه والندب ). انتهی.

لكنه مجمل علم بیانه من الرسول صلی الله علیه و آله و سلم لقوله صلی الله علیه و آله و سلم خذوا عني مناسككم فسيكون شاملا لطواف الزيارة والنساء وغيرهما من طواف العمرة فلا وجه حينئذ لحمله على

طواف الزيارة لا غير أو النساء لا غير.

) .

1) (1) قوله تعالى : (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ).

2) (2) قوله تعالى : (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) .

3) (3) قوله تعالى : (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) .

النوع الثاني : في أفعاله وأنواعه وشيء من أحكامه

وفيه عشرة آیات:

الأولى: في سورة البقرة الآية 196 قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ(1)

الحج لغة القصد وذكر له في القاموس معاني :

منها : انه قصد مكة للنسك .

وقال الخليل الحج كثرة القصد إلى من تعظمه وسمي الحج حجا لأن الحاج يأتي قبل الوقوف بعرفة إلى البيت ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم ينصرف إلى منی ثم يعود إليه لطواف الوداع .

وهو عند أهل الشرع اسم لمجموع المناسك المؤادة في المشاعر المخصوصة في أوقات مخصوصة، وهي : أي المناسك الاحرام والوقوف بعرفة وبالمشعر ونزول مني والرمي والذبح والحلق بها أو التقصير والطواف وركعتاه والسعي وطواف النساء وركعتاه.

وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تمتع وقران و افراد .

وأما العمرة فهي لغة الزيارة أخذا من العمارة لأن الزائر يعمر المحل بزيارته .

وشرعا اسم لمجموع المناسك المخصوصة الواقعة في الميقات ومكة.

وهي تنقسم إلى مفردة ومتمتع بها إلى الحج.

وأفعال العمرة الاحرام والطواف وركعتاه والسعي والحلق أو التقصير وطواف النساء وركعتاه والمتمتع بها كذلك إلا طواف النساء، كما هو مفصل في الكتب الفقهية.

والاية الشريفة تدل على وجوب الحج وعلى وجوب العمرة.

والمراد بالاتمام الاتيان بهما مع مراعاة الوجه والشرط والأفعال المعلومة من بیان صاحب الشريعة عليه السلام.


1) (1) قوله تعالى : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ) . انتهی.

وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ (1)

يجوز أن يكون موضع «ما» الرفع أي فعليكم أو النصب أي فاهدوا أو ابعثوا والاحصار المنع فالحصر المنع عن اتمام افعال الحج بالمرض والصد بالعدو.

فَمَا اسْتَيْسَرَ (2)مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا (3)

ويحتمل أن يكون النهي عن الحلق نفسه ويكون النهي عن بقية محرمات الاحرام معلوما من الفحوي أو من دليل آخر.


1) (1) قوله تعالى : (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (فَمَا اسْتَيْسَرَ) أي ابعثوا ما امكنكم من ابل أو بقر أو غنم وهو بمعنی يسر وتيسر، والهدي جمع هدية أو مفرد مؤنثه هدية وجمعه هدي بالتشديد إما من الهدية أو من هداه إذا ساقه إلى الرشاد لأنه يساق إلى الحرم .

3) (3) قوله تعالى : (وَلَا تَحْلِقُوا) يمكن أن يكون النهي عن الاخلال ویکون التعبير بالحلق من قبيل التعبير بالجزء عن الكل.

رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا (1)

قال الفاضل المقداد قدس سره الفدية إما صيام ثلاثة أيام أو اطعام ستة مساكين لكل مسکین مدان أو عشرة لكل مسکین مد أو شاة يذبحها ويعطيها الفقراء.

أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ (2)فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ (3)

الأول: تضمنت الآية ثبوت حج التمتع بل وجوبه .

الثاني: تضمنت وجوب الهدي وهو مجمع عليه .

الثالث: قوله (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي لم يجد الهدي ولا ثمنه من المتمتعين ، وقوله : (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) أي إلى أهلكم كما هو المتبادر من الرجوع ويستفاد منه أن من لم يرجع صام السبعة في مكة أيضا. قوله : (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) فائدة ذلك الحساب هي عدم توهم كون الواو بمعنى أو وقوله : (كَامِلَةٌ) صفة للعشرة مبالغة في محافظة العدد أو مبنية كمال العشرة .

الرابع: قوله : (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الاشارة بذلك إلى التمتع وأحكامه لموضع اللام الموضوعة للاشارة إلى البعيد ( وأما بالنسبة إلى القريب إلى المسجد الحرام فالواجب عليهم من حج الاسلام القران والافراد).

، فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ

1) (1) قوله تعالى : ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا) أي مرضا يحتاج فيه إلى الحلق أو به أذى من رأسه الهوام، (فَفِدْيَةٌ) أي فالواجب أو فعليكم فدية اذا حلقتم.

2) (2) قوله تعالى :(فَإِذَا أَمِنْتُمْ) أي إذا كنتم في حال أمن وسعة وقادرين على الحج غير محصورين بالمرض ولا مصدودين بالعدو ونحوه.

3) (3) قوله تعالى : (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أي انتفع بالتقرب بها إلى الله تعالی فالباء للآلة أو للسببية . وهنا ابحاث:

أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ (1)

وقيل : ليحصل علمان اجمالي وتفصيلي .

ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .

الثانية: في سورة البقرة الآية 197 قوله تعالی : (الْحَجُّ (2)

وأشهر خبره ليصع الحمل كقولهم البرد شهران .

ويجوز أن يكون التقدير الحج في أشهر واضافة على الاتساع، بل يجوز الحمل من غير ارتكاب الحذف على ضرب من التجوز والاتساع.

والمراد ان زمان الحج لا يتغير في الشرع وهو رد على الجاهلية في قولهم بالنسيء.

روی في الكافي وتهذيب عن زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : «الحج أشهر معلومات شوال وذو القعدة وذو الحجة».

أَشْهُرٌ

1) (1) قال الأردبيلي قدس سره : قيل معنی کمالها أن الصوم تام في البدلية بحيث لا ينقص ثوابه من ثواب مبدله وهو الهدى وهو مروي عن أبي جعفر علیه السلام في التهذيب ، وقيل ذكر العشرة للتأكيد كما يحفظ الحساب وقيل لدفع توهم کون الواو بمعنى أو في قوله (وَسَبْعَةٍ) كما جاء في غير هذا المحل .

2) (2) قوله تعالى : (الْحَجُّ) مبتدأ وهو على حذف المضاف أي أشهر الحج أو زمانه .

مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ (1)

ويتحقق الدخول في الاحرام بالنية والتلبية في جميع أنواع الحج باجماع علمائنا والاخبار به مستفيضة.

فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ (2)

قال في مجمع البيان : الرفث أصله في اللغة الافحاش في النطق ، وقيل الرفث بالفرج الجماع وباللسان المواعدة للجماع وبالعين الغمز للجماع والفسوق الخروج عن الطاعة، والجدال في اللغة المجادلة والمنازعة والمشاجرة والمخاصمة.

وفي الصحيح عن علي بن جعفر قال سألت أخي موسى علیه السلام عن الرفث والفسوق والجدال ما هو وما على من فعله فقال : « الرفث جماع النساء والفسوق الكذب والمفاخرة والجدال قول الرجل لا والله ، وبلى والله ».

وَمَا تَفْعَلُوا (3)

حث على فعل الخير في ضمن أفعال الحج الواقع في هذه الأشهر، أو حث على الحج فيها فانه من أعظم أفعال الخير ، أو ان اجتناب ما نهى الله عنه بعد فرض الحج من أعظم القربات وهو الباقيات الصالحات .

مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).

الثالثة: في سورة البقرة الآية 198 قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ (4)

«ان» متأولة بمصدر مجرور بمقدر أي لا جناح ولا اثم في أبتغائكم وطلبكم الفضل والرزق بالتجارة ونحوها من المكاسب .

قيل : يتأثمون بالتجارة في الحج فرفعه الله سبحانه عنهم.


1) (1) قوله تعالى : (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) أي أوجب على نفسه ذلك بالاحرام له ( أي للحج ) أو للعمرة.

2) (2) قوله تعالى : (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) .

3) (3) قوله تعالى : (وَمَا تَفْعَلُوا). انتهى.

4) (4) قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) . انتهى.

أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ (1)

قال الفاضل المقداد قدس سره : وسمیت عرفات لأن ابراهیم علیه السلام عرفها بعد وصفها له وقيل لأن آدم عليه السلام وحواء اجتمعا فيه فتعارفا.

وقيل : إن جبرئيل علیه السلام كان يرى ابراهیم علیه السلام المناسك فيقول عرفت عرفت .

وقيل : ان ابراهيم علیه السلام رأي ذبح ولده ليلة الثامن فأصبح يروي يومه أجمع أی يفكر أهو من الله أم لا، فسمي يوم التروية ثم رأي الليلة التاسعة ذلك فلما أصبح عرف انه من الله.

وقيل : آدم علیه السلام اعترف بذنبه بها.

وقيل : سميت بذلك لعلوها وارتفاعها ومنه عرف الديك لارتفاعه .

قال الأردبیلی قدس سره : عرفات جمع عرفة وسمي بها الأرض المخصوصة كمفردها وإنما نون مع منعها الصرف للعلمية والتأنيث لأن تنوینها تنوين المقابلة والعوض عن نون الجمع في مسلمون أي بازائه ، فكما لا يحذف ذلك لا يحذف هذا التنوين وهذا التنوين غير ممنوع من غير المنصرف بل الممنوع عنه هو تنوین التمكن .

فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (2)

قال الجوهري المشاعر موضع المناسك والمشعر الحرام أحد المشاعر وکسر المیم (أی مشعر الحرام ) لغة. وفي القاموس المشعر الحرام وتكسر میمه المزدلفة وعليه بناء اليوم ووهم من ظنه جبلا بقرب ذلك البناء.

وقال أيضا المزدلفة موضع بين عرفات ومنى لأن به يتقرب إلى الله تعالى أو لازدلاف الناس إلى مني بعد الاقامة أو لمجئ الناس إليها في زلف. (الازدلاف التقرب والزلف طائفة من الليل)

...........................

1) (1) قوله تعالى :(فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) . أي رفعتم وانصرفتم عنها بعد الاجتماع فيها من أفاض الماء إذا صبه بكثرة وأصله إذا أفضتم أنفسكم فحذف المفعول لمعلوميته .

2) (2) قوله تعالى :(فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) .

وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ (1)

کرره مبالغة في المحافظة والايماء إلى انه ينبغي أن يكون رعاية لحق الهداية إلى ما يوصلكم إلى رضاه واداء لشكر هذه النعمة .

أو أن المراد اذكروه ذکرا على الطريقة المتلقاة منه سبحانه بأن يكون بالأوصاف التي وصف بها نفسه وان کنتم من قبل ارشاده لمن الضالين الجاهلين بذلك.

وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ).

الرابعة : في سورة البقرة الآية 199 قوله تعالى : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ (2)

المراد بالناس آدم و ابراهیم و اسماعیل وغيرهم من الأنبياء السابقة والأمم السالفة.

ويؤيده قراءة من قرء الناس بالكسر یعني آدم علیه السلام من قوله : (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) ( فيكون الناس اسم فاعل نسی ینسى ) واختلف في هذه الآية على قولين :

أحدهما: ان للافاضة من المزدلفة إلى منی بعد الافاضة عن عرفات ، والخطاب عام معطوف على مقدر أي أفيضوا من عرفات .

والثاني: أن الأفاضة من عرفات وعليه أكثر المفسرين وهو الصحيح وعليه دلت الأخبار.

....................

1) (1) قوله تعالى : (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) . انتهى .

وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ (1)إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

الخامسة: في سورة البقرة آیات 200 - 202 قوله تعالى : (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ (2)

قضاء المناسك أدائها أو الفراغ منها وهي جمع منسك إما اسم مكان.

والمراد الافعال الواقعة هناك من قبيل تسمية الحال باسم المحل ، أو على حذف المضاف أي عبادات مناسککم.

واما مصدر بمعناه المصدري أو بمعنى المفعول.

وإنما جمع لأنه يشتمل على أفعال مختلفة كالأصوات جمع الصوت .

،(3)

اختلف في هذا الذكر على قولين:

أحدهما: أن المراد التكبير المختص بأيام مني لأنه الذكر المرغب فيه ويدل عليه صحيحة منصور بن حازم البجلي (كوفي ثقة عين صدوق من جملة أصحابنا وفقهائهم روی عن أبي عبدالله وأبي الحسن موسی علیهماالسلام . نجاشي).

وثانيهما: أن المراد بالذكر هو مطلق الدعاء والثناء على الله سبحانه فانه مرغوب إليه في تلك الأماكن .

كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا (4)

فيجوز أن يكون منصوبا صفة لمصدر محذوف، والعامل اذكروه أي اذكروا الله مثل ذکرکم ابائكم واذكروه ذكرا أشد من ذكرهم.

ويجوز أن يكون مجرورا عطفا على مجرور الكاف .

وحاصل المعنى انه لما تعارف عندهم في تلك المواضع ذكر مفاخر الاباء وتعداد نعمهم وذكر اياديهم أمرهم الله بذكره سبحانه لأنه المنعم عليهم وعلى آبائهم بل ينبغي أن يكون ذكره ذكرا يزيد على ذكرهم لآبائهم لأن نعمه وأياديه أكثر وأعظم.

................

1) (1) قوله تعالى :(وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) أي اطلبوا منه المغفرة في هذا الوقت الشريف والمحل المنيف حيث کنتم وافدين إليه واضيافه انه كثير المغفرة واسع الرحمة.

2) (2) قوله تعالى :(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) . انتهى.

3) (3) قوله تعالى : (فَاذْكُرُوا اللَّهَ).

4) (4) قوله تعالى : (كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) فذكرا منصوب على التمييز وأشد غیر منصوب لوزن الفعل والصفة (فانّهما من اسباب منع الصرف ).

فَمِنَ النَّاسِ(1)

يعني الطالبين في تلك الأماكن أو مطلقاً منقسم إلى قسمين فمنهم من يطلب نعیم الدنيا ولا يطلب نعيم الآخرة.

اما لعدم ایمانه بالنشور أو لأنهماكه في طلب الدنيا، ومنهم من يطلب الدنيا والاخرة .

مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ (2)

وقيل : هو اشارة إلى الفريقين معا فعلی هذا يكون قوله : (لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا) أي من جنسه أو من أجله ان خيرا فخير وان شرا فشر ولا يخفى ما فيه (من بعد ارجاء الضمير إلى فريق الأول أيضاً).

والمراد بالكسب العمل الذي ترتب عليه الفائدة والربح کالدعاء والذكر ونحوهما من الأعمال .

لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ

1) (1) قوله تعالى : (فَمِنَ النَّاسِ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (أُولَئِكَ) أي الفريق الثاني كما دلت عليه الأخبار.

الْحِسَابِ (1)) .

السادسة: في سورة البقرة الآية 125 قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ(2)

المراد بالبيت الكعبة غلب عليها كما غلب النجم في الثريا . والمثابة المرجع لأن الناس يثوبون أي يرجعون إليه كل عام فالمعنى على الأمر والالزام أي ثوبوا.

مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (3)

قرء ابن عامر ونافع بكسر الخاء على صيغة الأمر عطفا على جملة (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ) من حيث المعنى، ويجوز أن يكون عطفا على اذكروا في قوله : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا).

وقرء الباقون بالفتح عطفا على جعلنا على ارادة القول أي وقلنا اتخذوا .

وهنا فوائد:

الأولى: قد يستفاد من كونه مثابة استحباب تكرار الحج بل استحبابه لفاقد شرائط الاستطاعة.

الثانية: قوله : (أَمْنًا) أي موضع أمن لا يؤذي من دخله.

الثالثة: قوله : (مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ) يمكن أن يكون المراد بالمقام مكة أو الحرم . فالمراد بالصلوة ما يشمل اليومية وبالمصلى المسجد الحرام.

أو المراد بها صلوة الطواف وبالمصلى المسجد أو خلف مقام ابراهيم وجانباه فتكون من هنا للتبعيض .

والذي يستفاد من الروايات أن المراد من المقام هو الصخرة .

الرابعة: قوله : (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ) . انتهى.

أي أمرناهما بأن يفعلا الطهارة ويأمرا الناس بها.

مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى

1) (1) قوله تعالى : (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) . يمكن أن يكون كناية عن قرب القيامة ويمكن أن يكون المراد انه سبحانه سريع المجازاة على أعمال العباد ويمكن أن يكون المراد انه يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة أو أقل .

2) (2) قوله تعالى : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ) . انتهى.

3) (3) قوله تعالى : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ) . انتهی .

إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) .

السابعة: في سورة البقرة الآية 158 قوله تعالى : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ(1)

الصفا والمروة علمان للجبلين المعروفين بمكة وهما الان دکتان هناك سميا بذلك لأن المصطفی آدم علیه السلام هبط على ذلك الجبل فقطع له اسم من اسم آدم علیه السلام لقوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا) وهبطت حوا على المروة فسميت بذلك لأن المراة نزلت عليه فقطع للجبل اسم المرأة .

كذا رواه ابن بابویه وغیره.

مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (2)

وقال الجوهري هي أعمال الحج وكلما كان علما لطاعة الله .

والجناح الاثم وأصله من الجنوح وهي الميل عن القصد. ويطوف يتطوف فادغمت التاء في الطاء.

وقرء يطوف من طاف .

والتطوع التبرع من طاع يطوع.

فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ

1) (1) قوله تعالى : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (شَعَائِرِ اللَّهِ) جمع شعرة وهي العلامة أي اعلام مناسکه ومتعبداته التي تعبد بها خلقه.

يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ(1)) .

الثامنة: في سورة الحج آیات 36- 37 قوله تعالى: (وَالْبُدْنَ (2)

قال في مجمع البيان البدن جمع بدنة وهي الابل المبدنة بالسمن.

وقال الزجاج تقول بدنت الابل أي سمنتها.

وقال في الصحاح والبدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة ، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمونها والجمع بدن بالضم.

جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ(3)

وقد مر معنى الشعائر ومن هنا للتبعيض.

يجوز أن تتعلق بالفعل المذكور أي جعلناها من أعلام دينه ويجوز تعليقها بمقدر من جنس المذكور أي جعلناها من علامات مناسك الحج وعباداته من سوقها إلى البيت واشعارها وتقليدها ونحرها والاطعام منها .

لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ (4)

قوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) حال کونها.

(صَوَافَّ) أي مصفوفة.

وفي تفسير علي بن ابراهيم قوله : (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) قال : « تنحر قائمة».

وفي مجمع البيان تنحر وهي صافة أي قائمة .

فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا

1) (1) قوله تعالى : (فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) . أي مجاز على فعل الطاعة بالأضعاف الكثيرة . (عَلِيمٌ) بما يعملون سرا وجهرا لا يضيع لديه منه شيء.

2) (2) قوله تعالى : (وَالْبُدْنَ) . انتهى.

3) (3) قوله تعالى : (شَعَائِرِ اللَّهِ) . انتهى .

4) (4) قوله تعالى : (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) كثير ومنافع شتی دنيوية واخروية في ظهورها ويطونها ولحومها فاذا كانت هديا وأردتم نحرها.

وَجَبَتْ جُنُوبُهَا (1)

أي سقطت، يدل على ذلك.

ماروی في الكافي في الموثق عن عبدالرحمن بن أبي عبدالله عن أبي عبدالله علیه السلام في قول الله تعالى : (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) قال : « إذا وقعت على الأرض فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر.

قال : « القانع الذي يقنع بما أعطيته ولا يسخط ولا يكلم ولا يلوي شدقه غضبا. والمعتر المار بك لتطعم».

فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا (2)

أي لم ينتفع بذلك تعبدا ولينتفع الناس بالصدقة عليهم بذلك.

أو المعنى انه لن ينال رضا الله لحوم هذه البدن واراقة دمائها لينتفع بها الفقراء فقط بل ينال رضاه التقوی منکم بامتثال أوامره ونواهيه واخراج تلك البدن مال طيب عن سخاء النفس وقصد التقرب بها إليه سبحانه . وفي تفسير علي بن ابراهيم قوله عز وجل : (لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) قال : «التكبير ایام التشريق عقيب خمس عشرة صلوة ، وفي الأمصار عقیب عشر صلوات ».

وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) .

التاسعة: في سورة الفتح الآية 27 قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ


1) (1) قوله تعالى : (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) .

2) (2) قوله تعالى : (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا) . انتهى.

الرُّؤْيَا (1)

يجوز أن يكون نصب الرؤيا على البدلية من الرسول، أو منصوبا بفعل مقدر أي فأوقع مقتضى الرؤيا، أو بتضمین صدق ما يتعدى الى مفعولين، أو النصب بنزع الخافض أي في الرؤيا.

وأما قوله : ( بِالْحَقِّ ) فيجوز أن يكون في موضع الحال من الرؤيا.

أو صفة لمصدر مقدر أي صدقا بالحق.

والباء للملابسة. ويراد بالحق الثابت في الوقت المقدر له أو الحكمة المقتضية للتميز بين الثابت على الايمان وبين المتزلزل.

وقيل يجوز أن يكون الباء للقسم. والحق هو الله تعالى أو نقیض الباطل ، فاللام في (لَتَدْخُلُنَّ) على هذا جواب القسم وعلى الأولين جواب قسم محذوف والتعليق بالمشية ( بقوله : (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) يجوز أن يكون تعليما للعباد أو هو قيد للدخول ، فان منهم من مات قبل الدخول في المسجد أو مرض أو غاب ، ويحتمل أن يكون ذلك حكاية لما قاله رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لأصحابه وقصه عليهم من امر الرؤيا أي لتدخلن كلكم ان شاء الله أو هو قيد لآمنين.

بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ (2)

فالمراد فتح خیبر لأنه صلی الله علیه و آله و سلم لما رجع من الحديبية غزا خیبر كذا نقله علي بن ابراهیم

في تفسيره .

وقيل المراد صلح حديبية.

ثم اعلم ان مقتضي الاية كون الحلق والتقصير من مناسك الحج والعمرة ويعلم كونه واجبا من البيان الوارد من معدن الوحي الإلهي وهو المعروف من مذهب الأصحاب، ووقته يوم النحر بعد ذبح الهدي أو حصوله في رحله كما يدل عليه بعض الاخبار . ولا يجب الجمع بين الحلق والتقصير ولا يستحب، فتعين أن يكون الواو في قوله ومقصرين بمعنی أو والمعنی بعضکم محلقين وبعضکم مقصرين فيعلم ذلك من النص والإجماع.

مِنْ دُونِ ذَلِكَ

1) (1) قوله تعالى : (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) .

فَتْحًا قَرِيبًا ).

العاشرة: في سورة البقرة الآية 203 قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ (1)

وفي مجمع البيان معناه من مات في هذين اليومين فلا إثم عليه ومن انسي اجله فلا اثم عليه.

( أقول : وفي الصافي قيل معنى نفي الاثم بالتعجيل والتأخير التخيير بينهما والرد على الجاهلية فان منهم من اثم المتعجل ومنهم من اثم المتأخر).

وفي الفقيه : سئل الصادق علیه السلام عن هذه الآية فقال : « ليس هو على أن ذلك واسع ان شاء صنع ذا وان شاء صنع ذا لكنه يرجع مغفورا له لا اثم عليه ولا ذنب له».

فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى (2)وَاتَّقُوا اللَّهَ (3)

تحريصا و وعدا للتمثل لأوامره ونواهيه ووعيدا لمخالف لذلك .

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) .

1) (1) قوله تعالى : (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) المعدودات هي أيام التشريق ، والذكر هو التكبير فيها. (فَمَنْ تَعَجَّلَ) أي من تعجل في سفره وارتحاله بعد اقامته بها يومين وهذا يدل على انه يجب المبيت ليلتين بمني وهما ليلة الحادي عشر والثاني عشر وهو مذهب الأصحاب.

2) (2) قوله تعالى : (لِمَنِ اتَّقَى) في الفقيه عن الباقر علیه السلام : «لمن اتقى الله ».

3) (3) قوله تعالى : (وَاتَّقُوا اللَّهَ) . الخ.

النوع الثالث : في أمور من أحكام الحج وتوابعه

وفيه تسع آيات:

الأولى: في سورة المائدة الآية 94 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ(1)

خص المؤمنين بالخطاب لما مر . واللام لتوطية القسم أو للابتداء والتأكيد .

والابتلاء الاختبار بالتكاليف كما هو جاری مقتضی حکمته کابتلاء قوم طالوت بالنهر وبني اسرائيل بالسبت وبقرض لحومهم من نجاسة البول ونحو ذلك مما جرى في الأمم السالفة، فجرى في هذه الأمة سنة من قبلهم كما قال صلی الله علیه و آله و سلم : « یکون في هذه الأمة جميع ما كان في الأمم السابقة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة .» وفعل ذلك ليظهر المعلوم ويجازي على الطاعة والمعصية. والتنكير في (بِشَيْءٍ) يحتمل أن يكون للتكثير .

ومن لبيان الجنس.

ويدل عليه ما رواه في الكافي في الحسن عن الحلبي قال سئلت أبا عبد الله علیه السلام عن قوله سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ) ، الخ ، قال : «حشر عليهم الصيد في كل مكان حتی دنی منهم ليبلوهم الله به ».

ويحتمل أن يكون للتنويع .

وظهر من الأخبار أن تناول الأيدي والرماح كناية عن كثرة الصيد وحصوله في كل مكان بحيث صار يمكن تناوله باليد وغيرها من الآلات فالصيد بمعنى المصيد .

...............

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ). انتهى .

اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ (1)

فالمعنى أنه تعالى عاملهم معاملة من يطلب العلم ليظهر ما كان معلوما بعلمه الأزلي ويتميز المطيع من العاصي ويترتب عليه الجزاء لمقتضى حكمة العدل فلا يكون للناس على الله حجة . والغيب هو ما غاب من أحوال القيامة وأهوالها.

وقيل : حال الخلوة والتفرد، أو المراد کف النفس والافعال القلبية فهو منصوب المحل على الحال أي يخافه غایبا.

فمن تجاوز حد الله وحكم وفعل ما نهاه عنه ، (فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مولم.

مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .

الثانية: في سورة المائدة الآية 95 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ (2)

الصيد اسم للمصيد هنا، والحرم جمع حرام ورجل حرام ومحرم بمعنی کحلال ومحل.

والجملة في موضع النصب على الحال فيشتمل احرام الحج واحرام العمرة .

وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ(3)...................

1) (1) قوله تعالى : (لِيَعْلَمَ اللَّهُ) علة للابتلاء وهو سبحانه عالم بجميع الأشياء كلياتها وجزئياتها ازلا وأبدا ولا يفوت شيء علمه وهو بكل شيء عليم وخبير.

2) (2) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ) . الخ.

3) (3) قوله تعالى : (مِنَ النَّعَمِ) صفة الجزاء وبيان فيكون صفة للمثل وجملة (يَحْكُمُ) صفة أخری له أو حال من المستكن (أي الضمير المستكن) في الجار والمجرور العائد إلى الجزاء. وقرأ محمد بن علي وجعفر بن محمد عليهماالسلام ذو عدل . وهديا منصوب على المصدرية أو حال من المجرور بالباء.

يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ(1)

صفة لأن اضافته في تقدير الانفصال فلا تفيد تعريفا. والعدل بالكسر وبالفتح بمعنى المثل، سواء كان من الجنس أو من غيره . وقرء أهل المدينة وابن عامر كفارة بغیر تنوین وجر طعام بالاضافة البيانية ، والباقون بالتنوين ورفع طعام على البدل من كفارة أو عطف البيان .

الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا (2)لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ(3)

ويمكن أن يقال إن هذه الجملة دليل الجزاء المقدر أي فليس عليه من الكفارة المذكورة شيء وإنما ينتقم الله منه في الآخرة.

إذا عرفت ذلك فهنا أحكام:

الأول: التعبير بالقتل دون الذبح والذكورة للاشارة إلى تعميم الحكم فيشمل جميع أنواع القتل بأي وجه كان ولو بالاشارة والدلالة والمشاركة وما جنته الدابة المسوقة والمركوبة وغلق الباب عليه ونحو ذلك.

الثاني: يظهر من اطلاق الصيد في الآية الشريفة تعلق التحريم بجميع الحيوانات الطير وغيره المأكول وغيره.

الثالث: أن هذا النهي هل يلغي حكم الذبح فيلحق مذبوح المحرم بالميتة ومذبوح الوثني في النجاسة وعدم الانتفاع بشيء منه أولا، فيكون لاحقا بمحرم التصرف كالشاة المغصوبة إذا ذبحت بغير اذن المالك ، ويتفرع على ذلك جواز أكله اختیار للمحل.

الرابع: قوله : (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) لما دل النهي على الاثم بارتكاب المنهي عنه اردفه بما يدل على ان الاثم والجزاء اما هما على المتعمد لذلك لا الناسي والمخطی .

وليس ذكر العمد لتقييد وجوب الجزاء به خاصة فانه واجب على كل حال وعليه علمائنا اجمع.

الخامس: في قوله : (مِثْلُ مَا قَتَلَ) اختلف في هذه المماثلة هي باعتبار الخلقة والصورة أم باعتبار القيمة . قال أبو حنيفة بالثاني وإلى الأول ذهب معظم أهل العلم وهو مذهب الأصحاب وهو المتبادر من المثلية ومن قوله : (مِنَ النَّعَمِ) وكذا من قوله : (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) ، وعليه الأخبار الصحيحة تدل.

السادس: لما عرفت في قوله : (فجزاء مثل ما قتل من النعم) من الدلالة على ان الجزاء قد يكون المثل وقد يكون غيره افتقر ذلك إلى من يحكم بالمثلية وبالقيمة (أي يحتاج إلى أهل الخبرة ) لأن الأنواع قد تشتبه وتتشابه كثيرا ويماثل بعضها بعضا وتختلف قيمتها. وحيث كان الغالب في البينات لاثبات الأحكام.

شهادة عدلين احتاج هنا إلى تمييز ذلك بأن يحكم بذلك رجلان صالحان من المسلمين العارفين بذلك.

السابع: قوله : (بَالِغَ الْكَعْبَةِ) المراد بلوغ العرفي وهو يتحقق بدخول الحرم والمتبادر ان المراد ذبحه هناك لا مجرد وصوله .

الثامن: ما تضمنه من الاطعام والصيام .

قيل انه يقوم الصيد المقتول حيا ثم يجعل طعاما وقيل يقوم المماثل من النعم ثم يجعل قيمته طعام .

التاسع: ان هذه الابدال هل هي على الترتيب أو التخيير ، ذهب أكثر الأصحاب إلى الأول .

العاشر: قوله تعالى : (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) علة للجزاء بأنواعه الثلاثة أي ليذوق سوء عاقبة هتکه لحرمة الاحرام.

والوبال المكروه والضر في العاقبة.

قوله تعالى : (عَفَى اللّهُ عَمَّا سَلَفَ) أي من الصيد لكم في الجاهلية أو قبل نزول التحريم والبيان ، أو عما سلف منكم في هذه المرة التي وقعت منكم ومن عاد إلى مثل ذلك مرة أخرى متعمدا لذلك فلا جزاء عليه غير الانتقام.

.................

1) (1) قوله تعالى : (بَالِغَ).

2) (2) قوله تعالى : (صِيَامًا) . نصب على التميز لعدل.

3) (3) قوله تعالى : (فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) جواب للشرط على اضمار مقدر أي فهو ينتقم الله منه.

وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ(1)) .

الثالثة : في سورة المائدة الآية 96 قوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ (2)صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ (3)

ويمكن أن يراد المعنى المصدري أي الاصطياد .

فتدل على تحريم الاشارة والدلالة والاغراء ولا يبعد حملها على ما يشمل هذين المعنيين لأن الكل محرم على المحرم باجماع الأصحاب والروايات فيه مستفيضة .

.......................

1) (1) قوله تعالى :(وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) فيه مبالغة في التحذير عن مخالفة أمر من لا يغالب وهو ذو انتقام ممن يعصيه ويتعدى حدوده.

2) (2) قوله تعالى : ( أُحِلَّ لَكُمْ) ظاهر السياق يقتضي أن الخطاب للمحرمین فستكون لبيان ما يحل لهم من الصيد والاصطياد بعد أن اطلق النهي عن الاصطياد في الآية السابقة والمراد بالبحر هنا مطلق الماء، وبصيده ما لا يعيش إلا فيه كالحيتان والضفادع والسلاحف ونحوها من الحيوانات الطيور وغيرها مما يبيض ويفرخ في الماء.

3) (3) قوله تعالی : (َحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ) يمكن أن يكون المراد ما صيد فيه فتدل على تحریم جميع الانتفاعات به أكلا وبيعا وشراء ونحو ذلك وان صاده المحل .

صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا (1)وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(2)).

الرابعة : في سورة المائدة الآية 2 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ (3)

الشعائر جمع شعيرة أو شعارة .

والمراد مناسك دينه واعلامه ومتعبداته التي تعبد بها خلقه كما تقدم.

والمراد باحلالها هتك حرمتها وعدم تعظيمها والقيام بما فرض إليه فيها على خلقه.

ويمكن أن يكون المعنى لا تحلوا حرمات الله ولا تتعدوا حدوده أي معالم حدود الله وأمره ونهيه وفرائضه وأحكامه.

ويمكن أن المراد بها الصفا والمروة والهدي من البدن وغيرها.

والمراد باحلال الهدي والقلائد - وهو ما قلد من الهدي بنعل ونحوه - ترکها وعدم الاتيان بها أو عدم صفها في جهاتها أو منع أهلها من ذلك بالصيد أو الغصب أو السرقة.

وعطف القلائد من عطف الخاص لبيان كونه أشرف أنواعه.

وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ

1) (1) قوله تعالى : (مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) أي متصفین بوصف الاحرام فتدل على انه لا يحل له الصيد إلا إذا طاف طواف النساء التي هي من محرمات الإحرام إلا به ، كما دلت عليه النصوص وبقاء شيء من المحرمات الإحرامية تقتضي بقاء الاحرام .

2) (2) قوله تعالی : (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). فيه تحذير على المخالفة ووعيد على المبارزة بأنه إليه يرجعون فيقاصهم بما عملوا ويجازيهم بما فعلوا.

3) (3) قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ). الخ.

الْبَيْتَ الْحَرَامَ (1)

فالجملة في موضع الحال من ضمير آمين.

وقيل : صفة لآمين فيكون المراد المسلمين لأنهم هم الذين يطلبون ذلك فتكون الآية محكمة غير منسوخة.

يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا (2)وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ (3)أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ).

الخامسة: في سورة الحج آیات 30 و 32 قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ (4)

قيل : المراد بالحرمات هنا البيت الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والحرم والشعائر مناسك الحج كلها.

ويمكن أن يكون المراد بها ما أوجبه الله ورسوله أو ندب إليه وما حرمه أو كرهه .

والشعائر اعلام الدين ، وتعظيمها الاعتناء بشأنها وشدة المحافظة عليها والاتيان بالاحوط والمبالغة في مجانبة المخالفة بارتكاب ما ربما يفضي إلى الانهتاك فيجعلها كالمرعى المحمي عنه كما قال على صلوات الله وسلامه عليه : « حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه الاثم فهو لما استبان له اترك والمعاصي حمى الله عزوجل فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها ».

إذا عرفت ذلك فقد يستدل بهذه الآية على عدم جواز أن يرفع أحد بناء فوق الكعبة لأن ذلك من الحرمات والشعائر المأمور بتعظيمها، وبذلك قال الشيخ وجماعة. وقال الأكثر بالكراهة للأصل ولظهور ارادة الكراهة من الخير والتعظيم في الآية كما يتناول ترك المحرمات كذلك يتناول المكروهات.

فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى

1) (1) قوله تعالى : (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) أي قاصدين حجه وزيارته (يَبْتَغُونَ) بذلك (فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) أي يثيبهم ويرضى عنهم.

2) (2) قوله تعالى : (وَإِذَا حَلَلْتُمْ ( من الاحرام ) فَاصْطَادُوا) لما كان من جملة الشعائر الاحرام ومحرماته التي منها الصيد بين منتهی وقته وخصه بالذكر من جهة حرصهم عليه وشدة ما ابتلاهم الله به من جهته والأمر هنا للباحة اجماعة.

3) (3) قوله تعالى : ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ) أي لا يحملنكم شنئان قوم ونقضهم وعداوتهم لأجل انهم صدوکم عن المسجد الحرام إلى عام الحديبية على الاعتداء عليهم والانتقام منهم وارتكاب ما نهاكم الله عنه .

4) (4) قوله تعالى : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) . انتهى .

عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ )، (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ).

السادسة: في سورة الحج الآية 25 قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ(1)

ولعل النكتة هنا الإشارة إلى استمرار الصد منهم والمنع في جميع الأوقات عن طاعة الله .

والمراد المسجد نفسه أو مكة أو الحرم كله كما سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالی.

العاكف المقيم، والباد غيره.

عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً

1) (1) قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ) عطف المضارع وهو يصدون على الماضي وهو كفروا لأن المراد به الماضي، نظير قوله تعالى : (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ) كما يدل قوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) .

الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ (1)

ويجوز أن تكون الباء الاولى زايدة والثانية للتعدية . إذا عرفت ذلك فهنا مسائل :

الأولى: قد يستدل بهذه الآية على عدم جواز منع أحد من سکنی دور مكة وبيعها لحكمه سبحانه بالمساواة.

الثانية: قيل الالحاد هو الميل عن قانون الأدب كالبزاق وعمل الصنايع وغيرها، والظلم ما يتجاوز فيه قانون الشرع فيفهم من ذلك النهي عن فعل المكروهات والمحرمات .

وقيل هو قول لا والله ويلي والله .

وقيل : هو الاحتكار وهو بناء على أن المسجد الحرام هو الحرم.

وقيل : هو دخولها بغیر احرام، والحق أن المراد بالالحاد هو مطلق الظلم الحاصل بفعل المنهي عنه وترك المأمور به.

ويدل عليه اخبار كثيرة من طريق أهل البيت عليهم السلام .

الثالثة: في قوله : (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) دلالة على أن كل ذنب يذنبه المكلف هناك يكون من الكبائر من حيث الوعيد عليه بالنار .

فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) .

السابعة: في سورة البقرة الآية 126 قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ


1) (1) قوله تعالى : (وَمَنْ يُرِدْ) مفعول يرد محذوف لقصد التعميم أي أمرا. الالحاد الميل عن الطاعة والعدول عن القصد والباء فيهما للملابسة يتعلق بأستقر حالا مترادفة من ضمير يرد أو متداخلة أو صفة لمحذوف اقيمت مقامه.

اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا(1)

أراد بالبلد مكة.

والمعنى آمنا أهله أو ذا امن.

فيمكن أن يكون المراد الأمن في الاخرة من عذاب الله .

أو من أهوال الدنيا وما يجري على أهلها من قبل الجبارين ومن قبل الله القحط والجدب والخسف ونحو ذلك مما جرى على غيرها من البلدان ، كما قال تعالى : (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).

وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ(2)مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ (3)

ويجوز أن يكون اسم موصول عطفا على (مَنْ آمَنَ) من عطف التلقين ، للواو إحدى وعشرين حكما منها عطف التلقين فراجع مظانها وهي التصريح كعطف (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) على الكاف في (جَاعِلُكَ) بتقدير وارزق من كفر على معنى الاخبار لا الأمر أي أنه تعالى أخبر بأن رزقه في الحيوة الدنيا شامل للكافرين مبسوط لمن عصاه.

فايدة : قد يستفاد من هذه الآية أفضلية مكة وأفضلية المجاورة بها حيث وصفها بالأمن والدعاء لأهلها بكثرة الرزق

فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .

1) (1) قوله تعالى : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (مَنْ آمَنَ) هو بدل البعض من أهله وخصهم بالذكر استعطافا ولأنه تعالى لما أخبر بأن بعض ذریته من هو ظالم بقوله : (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) تأدب بآداب الله فخص المؤمنين بطلب الرزق لهم.

3) (3) قوله تعالى : (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ) فاعل قال هو الله ومن إما اسم موصول مبتدأ وجملة آیه خبره أو اسم شرط والجملة المقرونة بالفاء جزاء الشرط والمعنی من آمن منهم أرزقه ومن كفر فامتعه .

الثامنة: في سورة البقرة الآية 127 قوله تعالى : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ(1)

عبر بالمضارع لأن القصد حکاية الحال .

وقيل هو خبر بمعنى الأمر.

والقواعد جمع قاعدة من القعود وهو الثبوت والاستقرار، والمراد هنا الأصل والأساس الذي يبنى عليه، وعبر بصيغة الجمع لأن البيت مربع ذا أربعة أركان فكل رکن قاعدة ورفعها يكون بالبناء عليها فهو لازم للبناء فيكون من اطلاق اللازم وارادة الملزوم.

وذكر أكثر المفسرين ان ابراهیم و اسماعيل عليهماالسلام معا رفعا القواعد فعليه اسماعیل عطف على ابراهيم ولعل النكتة في الفصل بينهما بیان کونه المقدم في ذلك المأمور ابتداء ونحو ذلك.

وعن ابن عباس کان ابراهيم يبني واسماعيل يناوله الحجارة ولما كان له دخل في البناء عطف عليه وعلى هذا يجوز أن يكون اسماعيل مبتداء وخبره محذوف أي يناوله.

والجملة حال وفي أخبارنا دلالة على القول الأول .

الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ (2)

هو بتقدير قائلین ذلك.

وفيه دلالة على أن امتثال الأوامر الربانية عبادة يطلب قبولها أو يقال : إن الذي يبني للعبادة يكون عبادة.

وفيه دلالة على أن الدعاء عقيب الفراغ من العبادة وفي اثنائها مندوب إليه كما فعلاه علیهماالسلام .

وقد يستدل بها على أن الفعل المقرون بالاخلاص لا يجب ترتب الثواب والجزاء عليه والا لم يكن في طلبه فايدة .

وذلك أن القبول عبارة عن الرضا الذي هو عبارة عن اعطاء الثواب والجزاء عليه.

ويمكن الجواب بان القول له مراتب فيمكن توجه الطلب هنا إلى اعلاها . الخ.

مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

1) (1) قوله تعالى : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالی : (رَبَّنَا تَقَبَّلْ) . انتهى.

التاسعة: في سورةالبقرة الآية 128 قوله تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ(1)

وظاهره انهما واحد عند جميع الامامية وفيه نظرا لأن المشهور بين أصحابنا هو ان

الاسلام أعم مطلق من الايمان وعليه دلت الاخبار .

وفي قوله تعالى : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) دلالة واضحة على ذلك حيث قال علیه السلام من زعم انهم امنوا فقد كذب وزعم انهم لم يسلموا فقد كذب.

لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً (2)

أي اجعل بعض ذريتنا أو من أفراد جنس الذرية أي أولادنا، وانما لم يدعوا لجميع الذرية لأنه سبحانه أعلم ابراهيم بأن بعض ذریته ظالم لا ينال العهد.

وفي مجمع البیان روی عن الصادق علیه السلام : «ان المراد بالامة بنوهاشم خاصة .» ولا يبعد أن يكون المراد محمد واله صلوات الله عليهم خاصة لأنهم هم المصداق لتلك الدعوة المستجابة.

.....................

1) (1) قوله تعالى : (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ) قال في مجمع البيان الاسلام هو الانقياد لأمر الله تعالى بالخضوع والاقرار بجميع ما أوجب الله وهو الايمان واحد عندنا وعند المعتزلة . الخ.

2) (2) قوله تعالى : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً ) . انتهی.

مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا(1)وَتُبْ عَلَيْنَا (2)

وليس فيها دلالة على جواز الصغيرة من الأنبياء أو ارتكاب القبيح منهم لوجود الدلائل العقلية والنقلية على ثبوت العصمة لهم كما حقق في محله .

إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ(3)الرَّحِيمُ(4)

وفيها دلالة على استحباب طلب التوبة وان لم يعلم من نفسه صدور المعصية .

).

1) (1) قوله تعالى : (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) أي عرفنا مواضع النسك والعبادة وكيفية العمل بها لنأتي بها على الوجه الذي ترضاه .

2) (2) قوله تعالى : (وَتُبْ عَلَيْنَا) قالا ذلك إما على جهة التسبيح والتعبد والانقطاع إليه سبحانه ليقتدى بهما وإما لأنهما كانا يعدان أنفسهما من المقصرين فيما يليق بجنابه تعالى من العبادة وان لم يكونا كذلك في الواقع واما لترك الأولى كما روی : «ان حسنات الأبرار سيئات المقربين ».

3) (3) قوله تعالى : (إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ) أي القابل للتوبة من عظائم الذنوب وكثير القبول لها.

4) (4) قوله تعالى : (الرَّحِيمُ) بالعباد ، العطوف عليهم بالعفو والتوفيق.

کتاب الجهاد

اشارة

وله شرائط واحکام مفصلة في الكتب الفقهيه والمقصود هنا ذكر الآيات المتعلقة به وهي اربعة أنواع:

النوع الأول : فيما يدل منها على وجوبه

وفيه ثمان آیات:

الأولى: في سورة البقرة الآية 216 قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ (1)

فحاصل المعنى انه كتب عليكم والحال هو شاق عليكم لما فيه من حمل النفس على المهالك وقتل القريب والحميم والصديق فلذا کان کرها لكم الا انها كراهة طباع لا سخط لأن كل ما كان على خلاف الطبع فهو مكروه على النفس لأنها جبلت على محبة الحياة وارتكاب الأمور السهلة والمستلذة.

قال النبي صلی الله علیه و آله و سلم : « حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ».

وقيل : انه کره لكم قبل الأمر والتكليف لأن المؤمن لا يكره ما فرضه الله عليه المنافاته للاسلام.

فالمعنى انه كتب عليكم القتال في حال كنتم تكرهونه .

ثم أعقبه ببيان ا فرضه عليكم مصلحة لكم ومنفعة دنيوية واخروية وترکه شر وضرر فيهما أي في الدنيا والآخرة .

وهو صريحة الدلالة على وجوب الجهاد وظاهر اطلاقها انه عيني إلا ان المستفاد من الأخبار وانعقاد الاجماع أوجب الحمل على الوجوب الكفائي.

وفي قوله : (عَلَيْكُمُ) دلالة على خروج النساء عن هذا التكليف وكذا غير المكلفين . الخ.

قال الفاضل المقداد قدس سره قوله تعالی : (كُرْهٌ) بضم الكاف وفتحها مصدر بمعنی المكروه کالفظ بمعنى الملفوظ لا انه كالخبز بمعنى المخبوز لأن الخبز بضم الخاء اسم مصدر لا مصدر وإنما المصدر بفتح الخاء. وإنما كان القتال مكروها لأنه علی خلاف الطبع وكلما كان على خلاف الطبع فهو مكروه ولهذا استحق عليه الثواب .


1) (1) قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) أي فرض عليكم الجهاد في سبيل الله . والكره بالفتح المشقة التي تحمل على النفس وبالضم المشقة حملت عليها أو لم تحمل.

وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) .

الثانية: في سورة الحج الآية 78 قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ (1)

قيل في هذه الآية دلالة على وجوب الجهاد بالمعنى المذكور.

فالمعني جاهدوا في نصرة الله واحياء دينه واعلاء كلمته.

وهو الظاهر من قوله علیه السلام في الزيارة «أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده » .

قال الفاضل المقداد قدس سره : هذه الآية أيضاً دالة على وجوب الجهاد لصيغة الأمر الدال على الوجوب.

ثم اعلم ان الجهاد هنا يحتمل ثلاثة معان:

الأولى: الجهاد مع الكفار في نصرة الاسلام واعلاء كلمة الله.

الثانية: الجهاد مع النفس الأمارة واللوامة في نصرة النفس العاقلة المطمئنة وهو الجهاد الأكبر ولذلك ورد عنه صلی الله علیه و آله و سلم انه رجع عن بعض غزواته ( تبوك ) فقال رجعنا من الجهاد الأصغر إلى جهاد الأكبر».

الثالثة: بمعنی ان تعبد ربك كانك تراه.

قال الموسوي الاقوى من هذه المعاني بقرينة سبب النزول هو المعنى الأول .

حَقَّ

1) (1) قوله تعالى : (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ) . الخ.

جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).

الثالثة : في سورة البقرة الآية 190 قوله تعالى : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (1)

أي جاهدوا وليكن ذلك صادرا منكم في سبيل الله وقصد اعزاز دینه واعلاء کلمته لا لمطالب دنيوية وضغائن واحقاد .

والمراد بالذين يقاتلوكم الكفار مطلقا إلا من أخرجه الدليل ، وذلك لأنهم بصدد قتال المسلمين ومن المترصدين لذلك فهم في قصدهم ذلك واستحلالهم له في حكم المقاتلين .

وقيل المراد أهل مكة الذين حاربوا المسلمين.

وقيل : معناه قاتلوا الذين يتوقع منهم القتال دون غيرهم من المشايخ والصبیان والنساء ونحوهم .

أو المراد قاتلوا المبادرين في القتال دون الكافين عنه كما قيل ، وعلى هذا تكون منسوخة بقوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ).

الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا (2)

ويحتمل أن المعنى لا تفاجوءهم بالقتال قبل عرض الاسلام عليهم .

أو لا تفعلوا في قتالهم واهلاكهم ما لا يجوز کالاحراق بالنار والقاء السم بالماء كما هو مذكور في اداب القتال، وعلى الوجوه الباقية يكون النهي عن قتال من لم يؤمروا بقتاله أو مجاوزة من ساغ قتاله إلى غيره كالنساء والصبيان.

قال الفاضل المقداد قدس سره : هذه الآية أيضاً صريحة في الأمر بالقتال .

قيل : هي أول آية نزلت في القتال ولذلك قال : (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) ليخرج الكافون عن القتال فان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كان بعد الهجرة يكف عن الكافين عنه وعلى هذا القول هي منسوخة بقوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)» .

وقيل اراد بالذين يقاتلون الذين هم من أهل القتال ليخرج الشيوخ والصبيان والنساء وهو أولى لأن النسخ على خلاف الأصل.

إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).

1) (1) قوله تعالى : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . الخ.

2) (2) قوله تعالى : (وَلَا تَعْتَدُوا) أي لا يكون قتالكم في غير السبيل بأن تفعلوا ذلك لضغاین واحقاد .

الرابعة : في سورة البقرة الآية 191 قوله تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ (1)

أي حيث وجدتموهم في حل أو حرم وسواء قاتلوا أو لم يقاتلوا وفيه دلالة على رجحان المعنى الأولى في الآية السابقة.

وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ (2)

أي من مكة أخرجوهم منها كما أخرجوكم وقد فعل صلی الله علیه و آله و سلم يوم الفتح فأخرج من لم

يسلم من المشركين.

وبها استدل الفقهاء على عدم جواز استيطان المشركين مكة وأرض الحجاز کالمدينة والطائف وما والاهما.

بل قيل لا يجوز استيطانهم جزيرة العرب كلها لشرفها بكونها منزلا للعرب الذين منهم النبي صلی الله علیه و آله و سلم.

............

1) (1) قوله تعالى : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ).

2) (2) قوله تعالى : (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ).

وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (1)

أي الفتنة التي افتتنوا بها في دينهم حتى اشركوا بالله وصاروا يتربصون بكم الدوائر ونصبو لكم العداوات أشد وأعظم من قتلكم اياهم.

أو المعنى المحنة والبلاء الذي ينزل بهم الناشی من إخراجهم من اوطانهم أشد من القتل لأن الإنسان قد يتمنى الموت عند نزول مثل ذلك.

وقيل : المعني شركهم في الحرم وصدهم ایاکم عنه أشد من قتلكم اياهم فانهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم ويعيبون به غيرهم .

ثم قید اطلاق الآية بقوله : (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) أي لا تبادروهم وتفاجؤوهم بذلك وتهتكوا حرمة المسجد ثم صرح بما دل عليه الكلام بالمفهوم بقوله فان قاتلوكم وابتدؤوكم بذلك فاقتلوهم وذلك لأنهم لم يروا للحرم حرمة.

قال الأردبيلي قدس سره : قيل نزلت في رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام فعيروا المؤمنين بذلك فبين سبحانه أن الفتنة وهو الشرك أشد وأعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام وإن كان غير جایز ، ثم أمر الله وأوجب قتال الكقار حيث وجدوا وأدركوا في الحل والحرم والشهر الحرام وغيره .

وقال المقداد قدس سره وهذه الآية ناسخة لكل آية فيها أمر بالموادعة أو الكف عن القتال .

) .

الخامسة: في سورة النساء الآية 71 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ


1) (1) قوله تعالى : (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ).

آمَنُوا (1)

هذه الآية صريحة الدلالة على وجوب الجهاد والتأهب (أي الاستعداد ) لقتال الكفار أي ألزموا طريق الاستعداد والاحتياط بأخذ السلاح وغیره وجانبوا (أي باعدوا ) الغفلة لئلا يميلوا عليكم فيظفروا بكم.

أو المعنى خذوا آلات حذركم وهو السلاح فهو على حذف المضاف .

قال في المجمع وهو المروي عن أبي جعفر علیه السلام .

ونقل أيضا أن المروي عن أبي جعفر علیه السلام أن المراد بالثبات السرايا وبالجميع العسكر .

خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) .

السادسة: في سورة النساء الآية 75 قوله تعالى : (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ (2)

«ما» على الاستفهام التوبيخي متضمنة للحث وهي مبتدأ والجار والمجرور في موضع الخبر وجملة (لَا تُقَاتِلُونَ) في موضع النصب على الحال.

والمعنى أي شيء ثبت لكم حال کونكم تاركين القتال .

والمستضعفين عطف على لفظ الجلالة أو على السبيل على حذف المضاف أي نصرة المستضعفين واعزازهم .

نقل ان قوما من المسلمين تخلفوا بمكة عجزاً من الهجرة فاجتمع الكفار على افتتانهم عن الاسلام وتوعدوهم بالمكروه استضعافا فدعوا ربهم فنزلت الآية في الحث على استنقاذهم ودفع الأذى عنهم فكان فتح مكة على يد رسوله الأمين صلوات الله عليه و آله فكان لهم وليا ونصيرا، واستعمل على مكة عتاب بن اسید وجعله الله له نصيرا ففي الآية دلالة على وجوب الهجرة عن بلا الشرك إلى أرض الله الواسعة وعذر العاجز عن ذلك ووجوب السعي لاستنقاذهم والمدافعة عنهم.

وفي تفسير العياشي عن أبي جعفر علیه السلام قال : «نحن اولئك» ونحوه عن أبي عبدالله علیه السلام .

فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) .

2) (2) قوله تعالى : (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ) . انتهى.

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) .

السابعة : في سورة النساء الآية 74 قوله تعالى : (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (1)

لما أمر المسلمين كافة بالجهاد في سبيل الله وقصد احیاء دينه واعلاء كلمته .

وبين بقوله: «ان منكم لمن ليبطئن». الخ أعقبه بتخصيص الأمر بالقتال بالمؤمنين الذين هذه صفتهم تنبيها على انهم هم القائمون بذلك المنتفعون به وانهم هم الفائزون بالثواب والأجر المرتب على هذه العمل.

والشراء يستعمل بمعنى البيع وبمعنى الاشتراء.

والمراد هنا الأول. ثم في الآية دلالة واضحة على وجوب الجهاد الحث عليه والترغيب فيه حيث بين انه يفوز باحدى الحسنيين أو كليهما.

إما الاخروى أو الدنيوي بالغنايم والعين والثناء .

والأول لازم على كل حال

الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) .

الثامنة: في سورة النساء الآية 84 قوله تعالى: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (2)

الفاء إنا للتفريع على قوله : (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ) الخ. وإما جواب لقوله : (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )وحده .

روی في الكافي في حديث طويل عن أبي عبدالله علیه السلام : «ان الله أعطى محمدا صلی الله علیه و آله و سلم » ثم عدد أشياء كثيرة إلى أن قال : «ثم كلف ما لم يكلف أحد من الأنبياء ، أنزل عليه سيف من السماء في غير غمد وقيل له : قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ».

. وفي حديث آخر عنه علیه السلام : « ان الله كلف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ما لم يكلف أحدا من خلقه . كلفه أن يخرج على الناس كلهم وحده بنفسه لأن لم يجد من يقاتل معه ولم يكلف هذا أحد من خلقه قبله ولا بعده ثم تلا هذه الآية : (فَقَاتِلْ) الخ.

وعن عيص عنه علیه السلام : « فعلم من ذلك أن هذا من خواصه صلی الله علیه و آله و سلم كما اختص بأشياء دون غيره من الأئمة وغيرهم من امته».


1) (1) قوله تعالى : (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . انتهى.

لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ (1)

أي إلا فعل نفسك لأنه ضرر عليك في فعل غيرك فلا تهتم بتخلف المنافقين عن الجهاد معك فان ضرر ذلك عليهم ، وعليك أن تحرض المؤمنين على ذلك وتحتهم عليه.

وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ (2)

وذكر جماعة من المفسرين وغيرهم أن معنی عسى من الله تعالى الوجوب فهذا وعدا منه سبحانه بالظفر وكفاية مهم المشركين .

بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) .

1) (1) قوله تعالى : (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ).

2) (2) قوله تعالى : (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ) بأس الكفار ويكفيك مؤونتهم و یکسر شدة شوكتهم فانه أشد نكاية ومنعة.

النوع الثاني: فيما يدل على فضيلة الجهاد

ويدل عليه الآية السابعة ونذكر آیتین:

الأولى: في سورة النساء الآية 95 و 96 قوله تعالى : (لَا يَسْتَوِي (1)الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (2)

قرء غير بالرفع والنصب .

فالرفع على انه صفة القاعدين أو بدل ، والنصب على الاستثناء منهم أو حال عنهم أي لا يستوون في حال خلوهم من الضرر ويجوز الجر على انه صفة للمؤمنين أو بدل عنهم.

و (دَرَجَةً) يجوز نصبه بنزع الخافض أي بدرجة أو على انه صفة لمصدر محذوف أي تفضيلا بدرجة أو على التمييز ، قيل : وجوز على الحال معنی ذا درجة .

ونحوه نصب أجر ، ودرجات بدل . وقوله : (كُلًّا) نصب بوعد قدم عليه (أي كلا على الوعد) للاهتمام.

والآية صريحة الدلالة علی أفضلیة الجهاد وفيها دلالة على سقوط الجهاد عن أولى الضرر وعلى أنه واجب كفائي وإلا لما كان القاعد لا لضرورة معذورا ولما استحق الوعد بالحسنی.

وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى

1) (1) قال في مجمع البيان : نزلت في كعب بن مالك من بني سلمة ومرارة بن ربیع من بنی عمرو بن عوف وهلال بن امية من بني واقف تخلفوا عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يوم تبوك وعذر الله أولى الضرر وهو عبدالله بن ام مکتوم. رواه أبو حمزة الثمالي في تفسيره . الخ.

2) (2) قوله تعالى : (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ).

الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) .

الثانية: في سورة البرائة الآية 120 و 121 قوله تعالى: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ (1)

المراد من أهل المدينة من سكنها من الأنصار والمهاجرين والعرب - بالضم وبالتحريك ، خلاف العجم وهم سكان الأمصار، والاعراب منهم سكان البادية خاصة وليس جمعا لعرب بل ولا واحد لها.

قال جماعة منهم صاحب الصحاح والقاموس.

والظمأ : شدة العطش، والنصب : التعب، والمخمصة: الجوع، والموطئ : إما بالمعنى المصدري أو مكان الوطی.

والمراد وطيا بالقدم أو بالحافر .

والنيل : مصدر ومعناه هنا ما يصل إليهم مما يسؤهم ويضرهم من مقاساة الأعداء من قول أو فعل.

والنفقة الصغيرة والكبيرة بمعنى القليلة والكثيرة.

والوادي في الأصل كل منفرج بين الجبال والآكام يكون مجمعا للسيل وهو اسم فاعل من ودي إذا سال فهو صفة للماء ، ثم سمي به المحل ولعل المراد هنا مطلق المكان من قبيل اطلاق المقيد وارادة المطلق.

وحاصل المعنى انه ليس لهم في شرع الله ودينه التخلف عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في الجهاد معه بأن يرغبوا في حفظ أنفسهم واعزازها عن نفس رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الذي

جعله الله تعالی أولی بهم مع حصول هذه الفایدة العظيمة لهم في خروجهم معه فان من تأمل ذلك يوجب أن يفديه بنفسه ويقطع بقبح التخلف عنه صلی الله علیه و آله و سلم . وفيها دلالة على أن التخلف لا لقصد الرغبة عن الخروج معه جایز کالمعذور من ذويالضرر ومن اذن له في ذلك.

ودلالتها على فضيلة الجهاد واضحة.

وقد يستدل بها على ان الجهاد واجب على الاعيان ، وفيه نظر .

وفيها أيضا دلالة على حصول الأجر بالظمأ وغيره لكل من خرج في أي سبيل وطريق من سبيل الله كزيارة المعصومين عليهم السلام والمهاجرة في تحصيل العلم ونحو ذلك وأنه يحصل له ذلك وان تعذر حصول الغاية .

وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا

1) (1) قوله تعالى : (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) . الخ.

يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .

النوع الثالث : في شرائط الوجوب وكيفية القتال ووقته وشيء من أحكامه

وفيه احدى عشرة آية:

الأولى: في سورة التوبة الآية 91 قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ (1)

إنما يجب الجهاد على كل مكلف ذكر غير هم ولا أعمى ومقعد ولا مريض يعجز عن الركوب والعدو ولا فقير يعجز عن نفقة عياله وطريقه وثمن سلاح.

وأما عدم الوجوب على غير المكلف من الصبي والمجنون.

فقد علم مما سبق كما أشرنا إليه وكذا النساء وهن المراد بالخوالف في قوله : (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ).

وأما البقية فتدل عليه هذه الاية لدخول الهم والأعمى والمقعد تحت الضعفاء لحصول الضعف الظاهر فيهم غالباً عن القدرة على الجهاد .

ولا يجب على المقعد وان وجد مطية ولا على الأعمى وان وجد قائدا.

ويدخل في حكمه الأرمل.

وأما الفقير فيختلف باختلاف الأشخاص، حتی ورد في تفسير قوله : (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ) انهم سئلوه نعلا يلبسونها.

ويدخل في ذلك المملوك لأنه لا يملك فلا يكون واجدا .

وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

الثانية: في سورة في سورة البقرة الآية 217 قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ (2)

قتال بدل اشتمال من الشهر فهو المقصود بالحكم.

والسائل هم المشركون ، يدل عليه ما ذكر في سبب النزول.

وقيل : هم المسلمون ليعلموا الحكم فيه.

(وَ قِتَالٍ ) مبتدأ و (کَبِیرٌ) خبره أي كبير اثم عند الله تعالی.

(وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) مبتدأ أي منع عن طاعة الله ، (وَكُفْرٌ بِهِ) : أي بالله عطف عليه ، (وَالْمَسْجِدِ) عطف على السبيل.

ولا يقدح هنا الفصل بالأجنبي بين المصدر ومعموله لقوته في العمل ولأن الكفر بالله وقع هنا كالبيان والتفسير للصد عن سبيل الله ، فهما كالشيء الواحد.

(وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ) أي من المسجد الحرام عطف على الصد.

والمراد النبي صلی الله علیه و آله و سلم والمؤمنون وكونهم أهل باعتبار كونهم القائمين بحقوقه .

(أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ) : خبر عن الجميع وصح ذلك لأن اسم التفضيل يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع أي هذه الأمور التي فعلتها المشركون أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام فالسؤال عنها واجتنابها أولی.

والمراد من الشهر الحرام هنا رجب كما يعلم مما نقل في سبب النزول.

(وَالْفِتْنَةُ) : التي يفتنون بها الناس عن الاسلام ويصدونهم عن الدخول فيه كما فعلوا في المستضعفين أكبر اثما عند الله من القتل أي القتال في الشهر الحرام أو القتل مطلقا كما أخبر سبحانه عنهم أنهم لا يزالون بهذه الصفة يقاتلونکم حتی یردوکم عن دینکم ان استطاعوا إلى ذلك وأعانهم الشيطان على الافتتان عن الدين والاخراج منه وذلك بالنسبة إلى من لم يستوثق الإيمان في قلبه .

ثم ذكر سبحانه حال المرتد عن الدين بأن يرتد عن دين الاسلام ولم يتب بل يمت ويوافي ربه وهو على الكفر (فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) أي بطلت وصارت كأن لم تكن ولم يترتب عليها الأحكام في الدنيا كالطهارة والسلامة من القتل والغسل والكفن والدفن في مقابر المسلمين ونحو ذلك مما يثبت للمسلمين ولم يحصل لهم الجزاء والثواب عليها أيضا في الآخرة لأن شرط استحقاق الثواب يوم القيامة الموافاة (أي الملاقات) على الايمان كما هو صریح هذه الآية وجملة من الأخبار.

فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ

1) (1) قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ) . الخ .

2) (2) قوله تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) . الخ.

بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ (1)أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) .

الثالثة : في سورة البقرة 191 الآية قوله تعالى : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ(2)

هذه الآية دالة على وجوب قتالهم مطلقا إلا في الحرم إذا لم يبتدوا به وقد مرت مع بيانها فهي ناسخة لكل آية تضمنت الكف عن قتالهم وفي معناها قوله تعالی : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .

وفيها زيادة تحريص على القتال المشار إليه بقوله : (وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) .

) .

الرابعة : في سورة التوبة الآية 123 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا


1) (1) قال علي بن ابراهیم رضوان الله عليه قوله : (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) قال : « القتل في الشهر الحرام عظيم ولكن الذي فعلت قريش بك يا محمد صلی الله علیه و آله و سلم من الصد عن المسجد الحرام والكفر بالله واخراجك منها هو أكبر عند الله والفتنة يعني الكفر أكبر من القتل ثم انزلت الشهر الحرام». الخ.

2) (2) قوله تعالى : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) .

قَاتِلُوا الَّذِينَ (1)

أي يقربون إليكم فالأقرب لما في ذلك من المصلحة ودفع الضرر لئلا ينتهز العدو الاقرب الفرصة عند مقاتلة الأبعد .

كما يدل عليه فعله صلی الله علیه و آله و سلم انه فتح تلك الفتوحات ولم يجارب فارسا وماضاهاها في البعد.

ففي تفسير علي بن ابراهيم في قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الآية ، قال : « يجب على كل قوم أن يقاتلوا من يليهم ممن يقرب من بلادهم ولا يجوز ذلك الموضع، والغلظة هي أن تغلظوا لهم القول والقتل».

يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(2)

في المجمع : عن الشرك أي معينهم وناصرهم ومن كان الله ناصره لم يغلبه أحد .الخ.

ففي هذه الآية دلالة على ترتيب القتال وهي كالمقيدة للاية المتضمنة لقتال المشركين كافة لا منسوخة بها كما قيل.

) .

الخامسة: في سورة الأنفال آیات 15 - 16 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ(3)

اللقاء : الاجتماع على وجه المقاربة.

والزحف : الدنو قليلا قليلا، وهو مصدر منصوب على الحال من المفعول أي لقيتموهم حال كونهم متدانين لقتالكم .

أو حال عن الفاعل والمفعول معا أي اجتمعتم وتقاربتم للقتال متزاحفين ومتداينين ، والتولية جعل الشيء يلي غيره ، يقال : ولاه دبره إذا جعله يليه.

والمعنى لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أي لا تنهزموا في وقت القتال ليلا كان أو نهارا أو لا يعرضن أحدكم عمن قابله منهم إلا متحرفا لقتال أي تأركا موقفا ومائلا عنه لا بقصد الهزيمة بل طلباً للأصلح في القتال كأن يقصد الفر ثم الكر أو اصلاح لامة حربه أو عن مقابلة الريح أو الشمس أو عن هابط إلى علو أو طلب مشروب أو مأكول اضطر إليه أو نحو ذلك مما فيه الصلاح للقتال.

(أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ) أي إلى جماعة أخرى من المسلمين يستنجد ( أي يستعين ) بها للقتال قليلة كانت أو كثيرة بشرط صلاحيتها للاستنجاد سواء كانت قريبة أو بعيدة.

الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).

3) (3) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ) . انتهى.

يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ (1)وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .

السادسة: في سورة الأنفال آیات 65 - 66 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ (2)

التحريض والتحضيض والتحريص بمعنى وهو الترغیب والحث على الشيء.

والمراد حث المؤمنين على الجهاد بيان فوائده الدنيوية والأخروية .

.........

1) (1) قوله تعالى :(فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)أي حمل غضبه واستحقه أو رجع به ومأواه جهنم وبئس المصير .

2) (2) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) الخ.

عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ (1)

هو شرط في صورة الخبر إلا انه بمعنى الأمر متضمنا للوعد للصابرين للقتال بالنصر من الله تعالى على العدو وهو سبحانه لا يخلف الميعاد.

ففيه تقوية لقلوبهم ونشاط وحث على الاقدام والصبر عليه وبيان انه يحصل الوهن والفشل في الكفار عند اللقاء بسبب انهم لا يفقهون بما أخبره الله وأمر ولا يصدقون به کما فقه المؤمنون بما أعد الله لهم من الفوائد المترتبة على ذلك الحاصلة لهم على كل حال ان غلبوا وان غلبوا وان قتلوا وان قتلوا بسبب ذلك لا يبالون بالحياة ويخوضون الغمرات ( أي المكاره ).

فأما الكفار فلا يحصل لهم النشاط الداعي إلى الثبات كما حصل للمؤمنين .

عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ (2)

ويدل عليه ما رواه في الكافي عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبدالله علیه السلام .

وجه نسخ ذلك انه لما علم الله أن ذلك يشق على المسلمين وتغيرت المصلحة فعل ذلك أو لأنه لما كان في المسلمين قلة كلفهم بالحكم الأول ولما كثروا نسخه عنهم إلى الحكم الثاني.

والمراد بالضعف هنا الضعف البدني ، وقيل : الضعف البصري وذلك لأن المسلمين في ابتداء الأمر لم يكونوا كلهم أقوياء البدن بل كان فيهم القوي والضعيف ولكن كانوا أقوياء البصيرة واليقين ، ولما كثروا واختلف من كان أضعف بصيرة ويقينا نزل التخفيف ، والأول أظهر .

ومقتضى الآية وجوب ثبوت الجمع لمثلیه کالمأة للمأتین ونحوها فلو زاد الكفار عن الضعف لم يجب الثبات وهل يلزم من ذلك وجوب ثبوت الواحد الاثنين .

قيل : نعم ، وبه قال جماعة من الأصحاب وهو الأظهر . الخ .

عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ

1) (1) قوله تعالى : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ) ناسخة لما قبلها أعني كون العشرون بمأتین والمأة بألف فهي وإن كانت مقرونة مع الأولى في المصحف ومتصلة بها في الكتابة فيه إلا ان زمان نزولهما مختلف.

يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ).

السابعة : في سورة التوبة الآية 73 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ(1)

قد تضمنت هذه الآية وما قبلها جهاد الكفار الشامل للأنواع الثلاثة كما أشرنا إليه ودلت عليه الروايات .

فروى الشيخ عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله علیه السلام قال : سأل رجل أبي عن حروب أميرالمؤمنين علیه السلام وكان السائل من محبينا. قال له أبو جعفر علیه السلام : « بعث الله محمدا صلی الله علیه و آله و سلم بخمسة أسیاف ثلاثة منها شاهرة لاتغمد حتى تضع الحرب أوزارها ولن تضع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها فاذا طلعت الشمس من مغربها أمن الناس كلهم في ذلك اليوم (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ).

وسيف منها مكفوف، وسيف منها مغمود سله إلى غيرنا وحكمه إلينا. فأما السيوف الثلاثة الشاهرة فسيف على مشركي العرب.

قال الله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) فهؤلاء لا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الاسلام.

والسيف الثاني على أهل الذمة (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) الآية. فهؤلاء لا يقبل منهم إلا الجزية أو القتل .

والسيف الثالث على مشركي العجم يعني الترك والخزر والديلم.

قال الله تعالى : (فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ) الآية.

فهؤلاء لا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الاسلام ولا يحل لنا نکاحهم ماداموا في الحرب.

وأما السيف المكفوف على أهل البغي قال الله تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا إلى قوله : حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : «ان منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل .» فسئل النبي صلی الله علیه و آله و سلم من هو فقال هو خاصف النعل یعني أميرالمؤمنين علیه السلام ، إلى أن قال : وأما السيف المغمود فالسيف الذي يقام به القصاص ، قال الله تعالى : (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ). انتهى .

فسله إلى أولياء المقتول وحكمه إلينا فهذه السيوف التي بعث نبیه صلی الله علیه و آله و سلم بها فمن جحدها أو جحد واحدا منها أو شيئا من سيرها وأحكامها فقد كفر بما أنزل الله على محمد صلی الله علیه و آله و سلم».

فدل هذا الخبر على أصناف من يجب جهاده ولما كان الصنف الثالث المذكور في هذه الرواية موافقة للأول في الحكم صارت أصناف من يجب جهاده ثلاثة كما ذكره الأصحاب.

وبقي الكلام في جهاد المنافقين الذين تضمنتهم هذه الآية .

والمنافق من أظهر الاسلام وكتم الكفر فيمكن أن يكون المراد بهم الصنف الثالث أعني أهل البغي والأمر بالغلظة يكون بالقول والفعل .

وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ) . انتهى .

الثامنة: في سورة التوبة الآية 29 قوله تعالى : (قَاتِلُوا الَّذِينَ

لَا يُؤْمِنُونَ (1)

هذه الآية دالة على وجوب القتال أهل الكتاب كما تضمنه الحديث المذكور.

وقد وصفهم الله بصفات أربع كل واحدة منها موجبة لقتالهم :

الأولى: كونهم لا يؤمنون بالله في نفس الأمر.

الثانية: كونهم لا يؤمنون باليوم الآخر أي بالبعث والنشور كما في قولهم : (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)

الثالثة: كونهم لا يحرمون ما حرم الله کنکاح المحرمات وأكل لحم الخنزير و نحود ذلك ، والمراد بالرسول نبينا صلی الله علیه و آله و سلم .

الرابعة: كونهم لا يدينون دين الحق أي الاسلام الذي هو الحق الثابت الناسخ للأديان أي لا يتقدون صحة ذلك.

بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (2)

يشمل المجوس كما قاله الأصحاب ودلت عليه الأخبار .

حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ (3)

هي غاية لقتالهم فتدل على أن الحكم فيهم القتل أو الجزية.

عَنْ يَدٍ(4)

اختلف في معناه :

فقيل : المراد نقدا لا نسيئة من قوله بعته يدا بيد .

وقيل : انهم يعطونها ويسلمونها بأيديهم لا على يد نائب ووكيل لأنه أنسب بالصغار والذلة .

وقيل : عن قهر وقدرة لكم عليهم.

وقيل : اليد هنا بمعنى النعمة فيعطونها على وجه يرون أن لكم عليهم النعمة باقرارهم على دينهم وقبولكم منهم الجزية .

.......................

1) (1) قوله تعالى : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) الخ.

2) (2) قوله تعالى : (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ).

3) (3) قوله تعالى : (يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ).

4) (4) قوله تعالى : (عَنْ يَدٍ) .

وَهُمْ صَاغِرُونَ(1)

جملة حالية من ضمير يعطوا.

) .

التاسعة: في سورة الحجرات الآية 9 قوله تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ(2)

هذه الآية دالة على وجوب قتال البغاة .

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا (3)

يدل على وجوب الابتداء بالاصلاح واظهار النصح والسئوال عن سبب خروجهم وايضاح الجواب عما عرض لهم من الشبهة ودعائهم الى الالتيام ومتابعة شريعة النبي صلی الله علیه و آله و سلم فان لم ينجع (أي لم يؤثر) ذلك فيهم وبغت احداهما يجب قتالهم.

ويدل عليه فعل أميرالمؤمنين علیه السلام حيث كان يدعوهم أمام القتال . الخ.

فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ (4)

غاية لقتالهم وهو الرجوع إلى طاعة الامام فالحكم فيهم القتال أو الرجوع إلى الطاعة ولا يقبل منهم غير ذلك وانهم إذا رجعوا حرم قتالهم وهو مذهب الأصحاب.

قوله : (فَإِنْ فَاءَتْ) أي رجعت إلى الحق بعد أن قوتلت فيجب الاصلاح بالعدل والقسط وترك الجور والظلم.

) .

1) (1) قوله تعالى : (وَهُمْ صَاغِرُونَ) .

2) (2) قوله تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ) . انتهی .

3) (3) قوله تعالى : (اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) .

4) (4) قوله تعالى : (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) .

العاشرة : في سورة المائدة الآية 54 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ(1)

أقول : قد ذكر سبحانه في كتابه : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ). الخ.

والمراد ارتدادهم عن الدين كما تضمنته الخبر المشهور: «انه ارتد الناس بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الا ثلاثة (أو أربعة ).» فتكون الآية المذكورة اخبارا لمن كان في حياة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم بما يقع بعد وفاته.

فلهذا ذكر المفسرون أن الارتداد المذكور فيها من الكاینات التي أخبر الله تعالی عنها قبل وقوعها.

واختلفوا فيمن وصف بهذه الصفات من هم ، ففي تفسير علي بن ابراهيم قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله : (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) قال : « هو مخاطبة لأصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الذين غصبوا حق آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين وارتدوا عن دین الله (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ) الآية . نزل في القائم وأصحابه »

وفي تفسير العياشي عن ابن سنان عن سليمان (سلمان) بن هارون قال : قال صلی الله علیه و آله و سلم: « لو أن أهل السماء والأرض اجتمعوا على أن يحولوا هذا الأمر من موضعه الذي وضعه الله فيه ما استطاعوا ولو ان الناس كفروا جميعا حتى لا يبقى أحد لجاء الله لهذا الأمر بأهل يكونون هم أهله ثم قال أما تسع الله يقول : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ) الآية ».

مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ) . انتهى.

عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) .

الحادية عشرة: في سورة محمد صلی الله علیه و آله و سلم الآيات 4- 6 قوله تعالى : (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (1)

الخطاب للجماعة.

والمعنى للرسول والامام من بعده علیهم السلام .

والمراد باللقاء هنا اللقاء في الحرب والمقابلة و نصب (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) و على معنی فلیکن همكم وعملكم ضرب الرقاب أو فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل وقدم المصدر وأضيف إلى المفعول قصدا للتاكيد والاختصار وهو كناية عن القتل على أي وجه كان كما هو جاري العادة في القتال بالرمح والنبل وغيرهما.

والاثخان يتحقق بكثرة الجراح بحيث يصيرون بذلك عاجزين عن المقاتلة وبكثرة القتل فيهم المضعفة لهم الكاسرة لشوكتهم .

والوثاق بالكسر والفتح ما يوثق به كناية عن الأسر.

ومنا وفداء تفصيل لغاية الأسر على معنى إما تمنون عليهم منا وعفوا.

وإما تفادونهم بما ترون من مال أو غيره .

فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا(2)

أي آلاتها اللازمة لها من سلاح وجنة ونحو ذلك .

والاسناد مجازي أي أهل الحرب.

والمراد انقضاء الحرب وانفصالها فتكون حتى غاية للمن والفداء .

وقيل : المراد بالاوزار الآثام أي يضع الحرب شركهم وكفرهم بأن يسلموا ويدخلوا في الدين .

فعلی هذا تكون حتى غاية لمجموع الأحكام المذكورة يعني أنها تجري فيهم إلى زوال دین الشرك بالكلية.

ويدل على الأول خبر طلحة الذي سنذكر إن شاء الله .

وعلى الثاني قوله علیه السلام في رواية حفص المذكورة : «ثلاثة أسیاف شاهرة لا تغمد حتى تضع الحرب أوزارها ولن تضع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها.» فان ذلك اشارة إلى ظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه الشريف وعند ذلك يزول دین الشرك.

إذا عرفت ذلك فهنا فوائد :

الأولى: مقتضى قوله : (لَقِيتُمُ) و(فَضَرْبَ الرِّقَابِ) وجوب قتل من أخذ من الكفار حال المحاربة والمقاتلة وقيل الاثخان.

الثانية: مفاد التقييد بالغاية أن من أخذهم منهم بعد الاستيلاء عليهم والظفر بهم لا يجوز قتله في تلك الحال بل يتعين أسرهم ويكون الامام مخيرا بين المن والفداء .

الثالثة: مقتضى اطلاق التخيير بين الأمور الثلاثة ثبوت ذلك وان أسلموا .

الرابعة: ظاهر قوله : (الَّذِينَ كَفَرُوا) شمول الكفار بأسرهم.

الخامسة: التعبير باللقاء الظاهر في ارادة كونه في الحرب والقتال والاتیان بصيغة الذين ، يشعر بكون هذا الحكم مختصا بذوي القتال من الذكور البالغين دون النساء والصبيان.

السادسة: أخبر سبحانه انه لم يأمركم بالقتال من عجزه عن الكفار فانه قادر على استيصالهم بالهلاك من دون توسط فعلكم ولكن جرت عادته سبحانه بالتكاليف وابتلاء الخلق بها فابتلى المؤمنين بجهاد الكافرين ليظهر المكنون في الغيب ويجزي الصابرين على ذلك بالجزاء الأوفر.

ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ

1) (1) قوله تعالى : (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) . الخ .

2) (2) قوله تعالى : (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) .

لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ).

النوع الرابع : في ذكر أحكام متعلقة بالجهاد

وفيه ثمان آیات:

الأولى: في سورة الممتحنة الآيتين 10-11 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ(1)

في تفسير علي بن ابراهيم قال : إذا لحقت أمرأة من المشركين بالمسلمين تمتحن بأن تحلف بالله انه لم يحملها على اللحوق بالمسلمین بغض لزوجها الكافر ولا حب لأحد من المسلمين وإنما حملها على ذلك الاسلام فاذا حلفت على ذلك قبل اسلامها.

وقد تضمنت أحکاما:

الأول: لم ترد النساء لأن عقد الصلح انما تضمن رد الرجال أو لأن المرأة إذا أسلمت فقد بانت من زوجها الكافر ولم تحل له وحصلت الفرقة بينهما فلا ترد عليه لما في ذلك من المفسدة .

الثاني: الامتحان بالنحو المذكور.

والمراد بالعلم بایمانهن هنا ما يشمل الظن .

ولهذا فصل بقوله : (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) .

الثالث: مقتضى الآية الرد على الأزواج ما أنفقوه عليه من المهر وغيره الا أن الأصحاب خصوه بالمهر خاصة نظرا إلى انه عوض البضع فقد منع منه فيرد عليه .

الرابع: تضمنت جواز نکاح المسلمين المؤمنات المهاجرات لا نفساخ نکاحهن إلا أنها إن كانت غير مدخول بها جاز ذلك في الحال والا توقف جواز نكاحها على انقضاء العدة.

الخامس: قوله : (لَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) أي بنكاح الكافرات.

والعصمة مايتمسك به من عقد أو ملك في النكاح سمي النكاح عصمة لأنه لغة المنع.

السادس: قوله : (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ) أي مهور نسائكم اللواتي صرن إلى دار الشرك والتحقن بالكفار مرتدات عن دين الاسلام والأمر للاباحة.

كما في قوله : (وَلْيَسْأَلُوا) أي الكفار ما أنفقوا على نسائهم المهاجرات والمراد بالكفار من كان له عهد وعقد.

الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ) . الخ .

فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ (1)

الإشارة إلى جميع ما ذكر من الأحكام .

يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ(2)

جملة مستأنفة أو حال.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *

1) (1) قوله تعالى : (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ).

2) (2) قوله تعالى : (يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ).

وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ(1)

وحاصل المعنى انه إذا أنقلت شيء من أزواجكم إلى الكفار الذين بينكم وبينهم عهد فاطلبوا منهم الصداق فان امتنعوا من ذلك فغزوتم الكفار عقب ذلك وأصبتم منهم غنيمة فاعطوا الذين ذهب أزواجهم الصداق من الغنيمة.

وروى في العلل بسند معتبر عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي جعفر وأبي عبدالله علیهماالسلام قال : قلت رجل لحقت امرأته بالكفار وقد قال الله عز وجل في كتابه : (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا) ما معنى العقوبة هيهنا قال : ان الذي ذهبت امرأته فعاقب على امرأة أخرى غيرها یعنی تزوجها فاذا هو تزوج امرأة أخرى غيرها فعلى الأمام أن يعطیه مهر امرأته الذاهبة .» فسألته كيف صار المؤمنون يردون على زوجها المهر بغیر فعل منهم في ذهابها وعلى المؤمنين أن يردوا على زوجها ما أنفق عليها مما يصيب المؤمنين قال : «يردّ الامام عليه أصابوا من الكفار أو لم يصيبوا لأن على الامام أن يجبر حاجة من تحت يده وان حضرت القسمة فله أن يسد كل نائبة تنوبه قبل القسمة فان بقی بعد ذلك شيء قسمة بينهم وان لم يبق لهم شيء فلا شيء لهم».

فدل هذا الخبر على ان المراد بالمعاقبة هي معاقبة زوجة أخرى.

إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) .

الثانية: في سورة الممتحنة الآية 12 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا


1) (1) قوله تعالى : (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ) . انتهى.

جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ (1)

روی في الكافي في الموثق عن أبان عن أبي عبدالله علیه السلام قال : «لما فتح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم مكة بايع الرجال ثم جاءه النساء يبايعنه ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية . قالت هند اما الولد فقد ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا. وقالت أم حكيم بنت الحارث بن هشام وكانت عند عكرمة بن أبي جهل یا رسول الله ما ذلك المعروف الذي أمرنا الله أن لا نعصينك فيه قال : لا تلطمن خدّا ولا تخمشن وجها ولا تنتفن شعراً ولا تشققن جيباً ولا تسودن ثوبا ولا تدعين بويل فبايعهن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم على هذا فقالت : يا رسول الله كيف نبايعك. فقال : إنني لا أصافی (أصافح ) النساء فدعا بقدح من ماء

فأدخل يده ثم أخرجها فقال : ادخلن أيديكن في هذا الماء فهي البيعة».

يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

الثالثة : في سورة النساء الآية 94 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ(2)

قرء حمزة وابن عامر السلم بغير الف والباقون السلام ومعناهما واحد. و( لَسْتَ مُؤْمِنًا) أي مصدقا بالاسلام عن قصد واذعان وإنما قلتها خونا.

والعرض المال.

و(كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) أي كنتم كفارا فلما أظهرتم الاسلام قبل منكم، أو المعنی کنتم مستخفین بالاسلام خوفا علی أنفسکم.

(فَتَبَيَّنُوا) أي توقفوا واطلبوا البيان من صاحب الشرع واعادها للتأكيد.

وفي تفسير علي بن ابراهيم في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الخ : « فانها نزلت لما رجع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من غزوة خيبر وبعث اسامة بن زيد في خيل إلى بعض اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الاسلام وكان رجل من اليهود يقال له مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى فلما أحس بخیل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم جمع أهله وماله وصار في ناحية الجبل فأقبل يقول أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فمر به اسامة بن زید فطعنه فقتله فلما رجع إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أخبره بذلك فقال له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله وانّی رسول الله فقال : يا رسول الله انما قالها تعوذا من القتل ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : أفلا شققت الغطاء من وجهه عن قلبه لا ما قال بلسانه قبلت ( وفي البرهان فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فلا كشفت غطاء عن قلبه ولا ما قال بلسانه قبلت الخ) ولا ما كان في نفسه علمت ، فحلف اسامة بعد ذلك أن لا يقاتل أحدا شهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله فتخلف عن أميرالمؤمنين عن حروبه وأنزل الله في ذلك : (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ) الخ.

وفي الآية دلالة على أن الشهادتين إذا قالهما الكافر يحقن بها الدم والمال .

ويدل على ذلك أخبار كثيرة أيضا.

والآية تدل على ذم اسامة بن زيد حيث قصد بذلك مال الدنيا ولم يكن فعله لله وعذره في التخلف عن حرب علي علیه السلام غير مقبول لأنه قام الدليل على وجوب الجهاد معه كما يجب مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .

وفيها دلالة على رجحان التثبت في الأمور وعدم العجلة فيها وطلب البيان حذرا من الخطاء والوقوع في المحرمات.

لَسْتَ

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ) الخ.

2) (2) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الى قوله : (لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ) . انتهى.

مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ

قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) .

الرابعة : في سورة الأنفال الآية 61 قوله تعالى : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا(1)

أي مالوا إلى السلم أيالصلح وترك الحرب .

(فَاجْنَحْ لَهَا) أي مل إليها.

وأنت الضمير لأن السلم بمعنى المسالمة والمصالحة ، قرء أبوبكر بكسر السين والباقون بفتحها.

روی في الكافي عن الحلبي عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عز وجل : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) قلت ما السلم قال : « الدخول في أمرنا».

وقيل : هي منسوخة بقوله : (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ).

وقيل : بقوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) .

وقيل : بقوله : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) .

وقيل : ليست منسوخة.

وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

الخامسة: في سورة الحديد الآية 19 قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ (2)

روى الشيخ عن أبي حصين عمن سمع علي بن الحسين عليهماالسلام يقول وذكر الشهداء قال : « فقال بعضنا في المبطون ، وقال بعضنا الذي يأكله السبع ، وقال بعضنا في غير ذلك مما يذكر فيه الشهادة فقال انسان ما كنت أرى أن الشهيد الا من قتل في سبيل

الله فقال علي بن الحسين علیهماالسلام : ان الشهداء إذا لقليل ثم قرأ هذه الآية قال : هذه لنا ولشيعتنا».

وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ).

1) (1) قوله تعالى : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) .

2) (2) قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ) . انتهى .

السادسة: في سورة الأنفال الآية 60 قوله تعالى : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ(1)

الاعداد والاستعداد بمعنى واحد.

مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (2)

المراد ما يكون سببا للانتصار على الأعداء من آلات الحرب.

وجملة (تُرْهِبُونَ) حال من ضمير أعدوا أو من قوة ورباط الخيل أو صفة لهما .

وافراد الضمير لأن المراد بهما سبب الانتصار.

ويجوز أن تكون الجملة في محل نصب على التعليل.

وقد استدلوا بهذه الآية على استحباب المرابطة في الثغور حذرا من هجوم العدو على بيضة الاسلام.

ولعل في قوله : (وَمَا تُنْفِقُوا) . الخ. اشارة إلى ذلك .

ويدل على ذلك صريحا ما رواه الشيخ في الحسن عن محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهماالسلام قال : «الرباط ثلاثة أيام وأكثره أربعون يوما فاذا جاوز ذلك فهو جهاد » .

وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ).

السابعة : في سورة النساء آیات 97 - 99 قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ


1) (1) قوله تعالى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (مِنْ قُوَّةٍ) .

تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ (1)

نسبة التوفي إلى الملائكة لأنهم أعوان ملك الموت الذي هو عزرائيل علیه السلام وهو يقبضها ثم يسلمها إليه تعالی فمن ثم ينسب اليه تعالى وإلى الملك ، كما رواه ابن بابویه في كتابه.

ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ (2)

حال عن المفعول أي انهم ظلموا أنفسهم حيث تركوا العمل والطاعة وعذرهم بعدم التمكن غير مقبول لتمكنهم من الهجرة .

فدلت الآية على وجوب الهجرة .

ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى : ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) » أي لا عذر لكم في ترك الطاعة لتمكنكم من الهجرة إلى أرض يمكنكم فيها اظهار الايمان والاخلاص في العبادة .

وقال الصادق علیه السلام : « معناه إذا عصى الله في أرض أنت فيها فاخرج منها إلى غیرها».

وهنا فوائد :

الأولى: (الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) ، الخ.

قيل انهم قيس بن الفاكه بن المغيرة والحرث بن زمعة وقيس بن الوليد وأبو العاص بن منية وعلي بن أمية.

وفي تفسير علي بن ابراهيم قال : « انها نزلت فيمن اعتزل أمير المؤمنین علیه السلام ولم يقاتل معه فقالت لهم الملائكة عند الموت فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض أي لم نعلم مع من الحق فقال الله ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها أي دين الله وكتابه واسعة فتنظروا فيه فاولئك مأويهم جهنم وساءت مصيرا ».

الثانية: قد استدل بعض الأصحاب بهذه الآية ونحوها على وجوب المهاجرة عن بلاد لا يتمكن فيها من اقامة شعائر الايمان وهو مراد الشهيد بقوله تجب المهاجرة عن بلاد التقية.

الثالثة: أهل الثنوى المذكورون (أي المستثنيات في الآية ) لا تجب عليهم الهجرة لوجود العذر بالمرض والفقر ونحو ذلك من الأسباب. والذي دلت على النصوص ان المراد ضعفاء العقول الذين ليس لهم قوة معرفة وفطانة يعرفون بها الايمان والكفر كالصبيان ومن كان عقله مثلهم من الرجال والنساء.

الرابعة: من خرج مهاجرا إلى الله ورسوله صلی الله علیه و آله و سلم يشمل من خرج لمعرفة امام الحق

وطلب الدين والتفقه فيه والحج والزيارات ونحوها.

قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ

1) (1) قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) . الخ.

2) (2) قوله تعالى: (ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ).

فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) .

الثامنة: في سورة النحل الآية 106 قوله تعالى : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ(1)

( مَنْ كَفَرَ) مبتدأ (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ) کالبيان له وجملة (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ) في محل الرفع وصح دخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط و (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) مستثنی من ذلك .

وحاصل المعنى أن الكفر والايمان ليسا من أفعال اللسان بل هما من أفعال القلب .

وفي مجمع البيان قيل نزل قوله : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) في جماعة أكرهوا وهو عمار وياسر أبوه وامه سمية وصهيب وبلال وحباب عذبوا وقتل أبو عمار وأمه وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا منه ، ثم أخبر سبحانه بذلك رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقال قوم کفر عمار فقال كلا إن عمال املی ایمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الايمان بلحمه ودمه وجاء عمار إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وهو يبكي فقال صلی الله علیه و آله و سلم ما وراك ؟ فقال : شر یا رسول الله ما تركت حتى قلت منك وذكرت آلهتهم بخير فجعل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يمسح عينيه ويقول ان عادوا لك فعد لهم بما قلت ، فنزلت الآية عن أبن عباس وقتادة الخ.

فالآية دالة على جواز ذلك ونحوه في هذا الحال بل ارجحيته عند خوف القتل .

مِنْ بَعْدِ

1) (1) قوله تعالى : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) الخ.

إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

کتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر

ويدل عليه ثلاث آيات :

الأولى: في سورة آل عمران الآية 104 قوله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ (1)

الامة اشتقاقها من الأم وهو القصد.

وفي اللغة تستعمل في معان :

منها الجماعة وهو المراد هنا ويحتمل التبعيض والتبيين .

وبالأول قال أكثر المفسرين .

والمعروف قيل هو ما أمر الله ورسوله به .

والأظهر انه ما كان فعله راجحا شرعا.

فيشمل الواجب والندب .

وهو الذي يستفاد من الأخبار .

والمنكر ما كان فعله قبیحا شرعا.

ووجوب الأمر بالمعروف الواجب والنهي عن المنکر معلوم من دين الاسلام .

ويدل عليه هذه الآية وغيرها من الآيات والروايات.

روى الشيخ عن محمد بن عرفة قال سمعت أبا الحسن علیه السلام يقول: «لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعون خياركم فلا يستجاب لهم ».

وعن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال : « يكون في آخر الزمان قوم يتبع فيهم قوم مراؤن ينفرون وينسکون حدثاء سفهاء لا يوجبون أمرا بمعروف ولا نهيا عن منكر إلا إذا امنوا الضرر ويطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير يتبعون زلات العلماء وفساد علمهم يقبلون على الصلوة والصيام وما لا يكلمهم في نفس ولا مال ولو أضرت الصلوة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبنائهم لرفضوها كما رفضوا أتم الفرائض وأشرفها . ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض هنا لك يتم غضب الله عليهم فيعمهم بعقابه فيهلك الأبرار في دار الفجار والصغار في دار الكبار. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر سبيل الانبياء ومنهاج الصالحين فريضة عليهم بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وترد المظالم وتعمر الأرض وينتصف من الاعداء ويستقيم الأمر، فانكروا بقلوبكم والفظوا بالسنتكم وصکوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائم. فان اتعظوا وإلى الحق رجعوا فلاسبيل عليهم (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) هنالك فجاهدوهم بابدانكم وابغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطانا ولا باغین مالا ولا مریدین بالظلم ظفرا حتى يفيؤوا إلى أمر الله ويمضوا على

طاعته.

يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

1) (1) قوله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ). انتهى.

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

الثانية: في سورة آل عمران الآية 110 قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ (1)

قد تستعمل كان فيما يقصد فيه الاستمرار بدون انقطاع .

وهو المراد هنا كقوله تعالى : (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).

ويجوز في مثلها أن تكون تامة أي وجدتم.

وخير امة منصوب على الحال المقيدة بمابعدها أي ظهرت لنفع الناس أي نفع بعضهم بعضا.

)

1) (1) قوله تعالی : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) الخ.

أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ (1)

من قبيل البيان للخيرية.

وقيل : المعنی کنتم في علم الله أو في اللوح أو فيما بين الأمم المتقدمة أو بمعنی صار واقتصر على الايمان بالله لأنه يستلزم الايمان بسائر الرسل والانبياء.

فان قيل : يظهر من الآية ان خيرية هذه الأمة من جهة الاتصاف بالصفات الثلاث مع انها حاصلة لسائر الأمم السابقة فما وجه التفضيل .

قلت : الظاهر ان المراد بالامة هنا النبي صلی الله علیه و آله و سلم وعلي واولاده الحجة على الخلق

صلوات الله عليهم أجمعين ولا ريب أنهم الأفضل والأشرف.

ففي كتاب المناقب لابن شهر آشوب قرأ الباقر علیه السلام (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) إلى آخر الآية نزل بها جبرئيل علیه السلام وما عني بها إلا محمدا وعليا والأوصياء من ولده علیهم السلام .

وقد استدل بها بعض الأصحاب على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وهي مبني على ان المراد بالأمة أمة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ووجه الدلالة ان وجه الخيرية

إذا كان من حيث الاتصاف بتلك الصفات كان ما نافاه منافيا للخيرية فيكون حراما .

أو يقال : ان جملة تأمرون وتنهون مستأنفة بمعنى الأمر.

ولعل القرينة عطف (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) الذي يراد به الوجوب قطعا .

ولا يخفى ما فيهما ولو تمت الدلالة على ذلك لكان الوجوب على الاعيان .

قال الفاضل المقداد قدس سره «کنتم » انتهی .

كان تامة بمعنى وجدتم و (خَيْرَ أُمَّةٍ) منصوب على الحال المقيدة (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) حال ايضا لا من کنتم بل من خير امة فيكون وجودهم مقيدا بالخيرية والخيرية مقيدة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والمراد من ذلك أن من شأنهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس المراد حصول الصفة لهم بالفعل وإلا لزم أنهم حال النوم والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي لا يكونون خير امة.

بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ

1) (1) قوله تعالى : (تَأْمُرُونَ ) الخ.

بِاللَّهِ).

الثالثة : في سورة لقمان الآية 17 قوله تعالى : ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ).

وسورة التحريم الآية 6 قوله تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ(1)

روى الكليني عن أبي بصير في قوله تعالى : (قُوا أَنْفُسَكُمْ) الآية ، قلت : كيف أقيهم ؟ قال : « تأمرهم بأمر الله وتنهاهم عما نهى الله فان أطاعوك كنت وقيتهم وان عصوك كنت قد قضيت ما عليك ( من الوظيفة )».

وفيها دلالة على انه ينبغي أن يكون ذلك للأقرب فالأقرب.

ولذا ابتدء بالنفس ، ونحو ذلك قوله تعالى : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) .

وَأَهْلِيكُمْ نَارًا).

1) (1) قوله تعالى : (قُوا أَنْفُسَكُمْ) الخ.

کتاب المكاسب

لما خلق الله الحكيم سبحانه وتعالى الانسان خلقه يفتقر فيها في بقاء شخصه إلى أمور. أبرز تلك الأمور إلى عالم الوجود مشتملة على جميع ما يحتاج إليه وأقدره على تحصيلها واذن له في ذلك الا انه منع من تحصيلها وايجادها ببعض الطرق. فالبحث هنا على قسمين:

الأولى: فيما يدل على ابراز الأمور المحتاج إليها والأذن في تحصيلها وفيه خمس آيات:

الأولى: في سورة الحجر آیات 19 - 21 قوله تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا (1)

نصب الأرض بعامل مضمر على شريطة التفسير .

وقوله : (مَدَدْنَاهَا) مد الأرض دحوها وبسطها وكرويتها غير معلومة بل في كثير من الأخبار ما ينافي ذلك ظاهرا.

والرواسي الجبال الثابتة التي تسكنها لئلا تميد بأهلها وتتحرك بهم .

وقد يعبر عنها بالأوتاد.

(وَأَنْبَتْنَا فِيهَا) و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام : «إن الله تبارك وتعالی أنبت في الجبال الذهب والفضة والجوهر والصفر والنحاس والحديد والرصاص والكحل والزرنيخ وأشباه هذا مما لا يباع إلا وزنا» .

والضمير حينئذ راجع إلى الجبال.

والموزون عبارة عما يوزن بالميزان عادة .

والمعايش جمع معيشة.

والمراد ما يتعيشون به من أنواع المكاسب والمطاعم والمشارب وسائر الأسباب وارجاع الضمير هنا إلى الأرض أظهر.

ويمكن ارجاعه إلى الرواسي ويكون المعايش حينئذ فيما استخرج منها مما أنبت الله تعالی فيها.

وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ *

1) (1) قوله تعالى : ( وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا) . انتهى.

وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ (1)

في محل الجر عطف على الضمير المجرور باللام على القول بجوازه بدون اعادة الخافض ويجوز أن يكون في محل النصب على المعيشة أو على محل الجار والمجرور أو بالعطف على معايش.

وفي تفسير علي بن ابراهيم : قوله : (وَالْأَرْضِ) إلى قوله :(بِرَازِقِينَ) قال : « لكل ضرب من الحيوان قدرنا شیئا مقدرا.» وهذا ظاهر فيما عدا الوجه الأخير وفي ان المراد بهم الحيوانات التي ليس الانسان سببا لرزقها كالوحوش والطيور وسائر حيوانات البر والبحر.

لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ (2)

أي ما من شيء من الممكنات وما ينتفع به العباد إلا نحن قادرون على ايجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه فالكلام على التجوز إما على تشبیه اقتداره على كل شيء وايجاده بالخزائن المودع فيها الأشياء.

وإما على تشبیه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا تحوج إلى كلفة واجتهاد.

وينزله بقدر معلوم على حسب المصلحة المقتضية كما وكيفا.

فظهر من الآية الكريمة كون الأرض محل المعاش والارتزاق وانه يباح فيها الانتفاع والتصرف الا ما دل الدليل على منعه .

وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ).

1) (1) قوله تعالى : (وَمَنْ لَسْتُمْ) ، الخ.

2) (2) قوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ).

الثانية: في سورة الأعراف الآية 10 قوله تعالى : (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ (1)

وتمكينهم هو اقدارهم على التصرف بأنواع التصرفات وهي دالة على نحو دلالة الاولی.

فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ).

الثالثة: في سورةالبقرة الآية 168 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا (2)

يمكن أن يراد الأكل بخصوصه وان يراد جميع التصرفات والأول أظهر .

وقوله : (حَلَالًا) صفة لمصدر محذوف تقديره أكلا حلالا وعلى هذا مفعول كلوا محذوف ای (كُلُوا) شيئا او رزقا حلالا و (طَيِّبَاً) مؤكد له.

ويجوز أن يكون حالا من المجرور أو على انه مفعول (كُلُوا) ويكون المراد بالطيب (مَا) طاب بالنسبة إلى الطبع أي لا يكون من الخبائث أو يراد الطاهر .

وقد روى في الصحيح عن البزنطي قال : قلت لأبي الحسن علیه السلام : جعلت فداك ادعو الله أن يرزقني الحلال ، قال : « أتدري ما الحلال ؟ » فقلت : جعلت فداك اما الذي عندنا فالكسب الطيب فقال: «كان علي بن الحسين علیه السلام يقول الحلال قوت المصطفين ولكن قل أسئلك من رزقك الواسع».

وفي صحيحة اخرى عن أبي جعفر علیه السلام : «ان الحلال قوت النبيين ولكن قل اللهم إني أسئلك رزقا واسعا طيبا».

فظهر من ذلك ان الحلال حقيقة في الخالي من الشك والشبهة والكراهة وان اطلاقه على ما يقابل الحرام مجاز.

وان المراد بالطيب ما قابل الحرام.

ففي الآية دلالة على الاباحة العامة الشاملة لما عدا الحرام .


1) (1) قوله تعالى : ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ) . انتهی.

2) (2) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا). انتهى.

مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).

الرابعة : في سورة طه الآية 81 قوله تعالى : (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ(1)

أراد بالطيبات المستلذات أو المحللات .

وَلَا تَطْغَوْا (2)فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) .

الخامسة: في سورة الملك الآية 15 قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا (3)

الذلول كناية عن سهولة السكون فيها وعدم الصعوبة .

...............

1) (1) قوله تعالى : ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (وَلَا تَطْغَوْا) في التكسب وتجاوزوا الحدود الشرعية أو تمنعوا : الحقوق اللازمة.

3) (3) قوله تعالى : ( ذَلُولًا ) .

فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا (1)

فالأخبار الواردة بذلك من طريق أهل البيت علیهم السلام كثيرة.

فروى الشيخ عن أبي خالد الكوفي رفعه عن أبي جعفر علیه السلام قال : «قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : العبادة سعبون جزءاً أفضلها طلب الحلال».

قال الفاضل المقداد قدس سره : وفي الآية دلالة على جواز طلب الرزق خلافا للصوفية حيث منعوا من ذلك لاشتماله على مساعدة الظلمة باعطاء الطمعة والباج وهو جهل منهم فان ذلك الاعطاء غير مقصود بالذات بل لو أمكن المنع لما أعطوا شيئا.

وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) .

الثاني: الأشياء التي ورد النهي عن التكسب بها وعدم جواز أكلها، وفيه ست آیات:

الأولى: في سورة يوسف الآية 55 قوله تعالى : (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ(2)

وذلك انه لما قال له الملك : (قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) وعلم يوسف علیه السلام بصدقه في هذه المقالة طلب منه الولاية فدلت على جواز الولاية من قبل الظالم كذا قال جماعة استدلالا بهذه الآية، والظاهر أنه علیه السلام لم يفعل ذلك اختيارا بل إنما كان ذلك منه عند الضرورة والحاجة مع علمه بأنه يتمكن من ايصال الحق أهله.

قال الفاضل قدس سره : استدل الفقهاء بهذه الآية على جواز الولاية من قبل الظالم اذا عرف المتولی من حال نفسه وحال المنوب عنه انه يتمكن من العدل لا يخالفه المنوب عنه كحال يوسف علیه السلام مع ملك مصر . والذي يظهر لي أن نبي الله أجل قدرا من أن ينسب إليه طلب الولاية من الظالم وإنما قصد ايصال الحق إلى مستحقه لأنه وظيفته .

إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ).

1) (1) قوله تعالى : (فِي مَنَاكِبِهَا) أي طرقها وفجاجها وجبالها من ذلل البعير أي رفع عنه الصعوبة في ركوبه وتحميله، وفي الآية دلالة على الأذن في الاكتساب والتماس الرزق بل رجحانه.

2) (2) قوله تعالى : (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ) . انتهى.

الثانية: في سورة المائدة الآية 42 قوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ (1)

المراد بالأكل هنا التصرف بأي وجه كان.

وأما السحت فقال في القاموس : هو بالضم وبضمتين الحرام وما خبث من المكاسب واسحت الرجل في تجارته إذا اكتسب السحت، ونحوه في الصحاح . واشتقاقه من السحت وهو الاستیصال يقال : سحته وأسحته أي استأصله، ويسمى الحرام به لأنه يعقب عذاب الاستيصال أو لأنه لا بركة فيه أو لأنه يسحت مروة الانسان.

تضمنت الاية تحريم أكل السحت ويظهر انه الحرام مطلقا ومن الأخبار أنه الأنواع المذكورة .

أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) .

الثالثة : في سورة النور الآية 33 قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ(2)

. قيل نزلت في عبدالله بن أبي وكان له ست جوار یکرههن على الكسب بالزنا فلما نزل تحريم الزنا أتين رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فشكون إليه فنزلت هذه الآية .

وقيل : الشاكي ثنتان منهن.

وفي تفسير علي بن ابراهيم قال : «كانت العرب وقريش يشترون الاماء ويصنعون عليهن الضريبة الثقيلة ويقولون اذهبن وازنین واكتسبن فنهاهم الله عزوجل عن ذلك فقال : (وَلَا تُكْرِهُوا ) إلى قوله : (غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي لا يؤاخذهن الله بذلك إذا أكرهن عليه ».

وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام قال : هذه الآية منسوخة نسختها : (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) .

وهنا فوائد:

الأولى: دلت الآية على تحريم اكراههن على الزنا.

الثانية: التقييد بارادة التحصين لا يفيد بمفهومه الاباحة على تقدير العدم.

الثالثة: قوله : (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ) الجواب محذوف أي فالوزر عليه.

الرابعة: ما تضمنته رواية أبي الجارود من كونها منسوخة وهي ضعيفة السند ومنافية لما دل على رفع الحد عن المكرهة على الزنا.

قال الموسوي : نقل عن غرائب القرآن أن للاية مفهوما آخر وهو ان للسادة اکراههن على النكاح وليس لها أن تمنع السيد إذا زوجها.

إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ

1) (1) قوله تعالى : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ). انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ) . انتهى.

فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

الرابعة : في سورة لقمان الآية 6 قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ (1)

قال في المجمع أكثر المفسرين على ان المراد بلهو الحديث الغناء وهو قول ابن عباس وابن مسود وغيرهما وهو المروي عن أبي جعفر علیه السلام وأبي عبدالله علیه السلام انتهى .

فالآية دالة على تحريم الغناء ويلزمه تحریم الاكتساب به والكسب بل وتحريم شراء المغنية وبيعها لذلك.

لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ

1) (1) قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) . انتهى .

عَذَابٌ مُهِينٌ).

الخامسة: في سورة المائدة الآية 90 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ(1)

روى الشيخ عن جابر عن أبي عبدالله علیه السلام قال : لما نزل الله على رسوله صلی الله علیه و آله و سلم : (إِنَّمَا الْخَمْرُ) الآية ، قيل : یا رسول الله ما الميسر ؟ قال : «كلما يقمر به حتى الكعاب والجوز».

فقيل : ما الانصاب ؟ قال : «ما ذبحوا لآلهتهم » قيل فما الازلام قال : « قداحهم التي كانوا يستقسمون بها».

والآية دالة على تحريم جميع الانتفاعات والاكتساب بهذه الأشياء المذكورة .

قال الفاضل المقداد قدس سره : وهي آخر آية نزلت في شأن الخمر وقد أكد التحريم في الآية بتسعة أمور: .

الأول:تصديرها بأنما المؤكدة .

الثاني: ضم الخمر إلى الاصنام في وجوب اجتنابها .

الثالث: تسميتها رجسا.

الرابع: جعلها من عمل الشيطان والشيطان لا يأتي منه إلا الشر .

الخامس: إنه أمر باجتنابها الشامل لجميع أوصافها.

السادس: إنه جعل الاجتناب موجبا للفلاح واذا كان الاجتناب فلاحأ كان الركون اليه خيبة.

السابع: إنه ذكر ما ينتج منهما والعداوة والبغضاء.

الثامن: إنها تصد عن ذكر الله والصلوة.

التاسع: ان فيه وعيدا بقوله : (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) وهو مبالغة في الوعيد والتهديد وهو أبلغ من انتهو عرفا.

قال الموسوي: نقل عن البيضاوي في قوله : (الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) انما خصهما باعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيها على أنهما المقصود بالبيان وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة لقوله علیه السلام : « شارب الخمر كعابد الوثن ».

وخص الصلوة من الذكر بالافراط للتعظيم والاشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان من حيث إنها عماده والفارق بينه وبين الكفر.

وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ) . انتهی.

فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .

السادسة: في سورة النساء الآية 33 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ)(1)

أي بالوجه الذي لم يبحه الشارع ولم يأمر به کالغصب والربا والمقبوض بالعقود الفاسدة والغش بما يخفی والاحتكار ونحو ذلك .

ومنه الاستدانه اختیاراً إذا لم يكن له جهة وفاء .

والمراد النهي عن التصرف في مثل ذلك .

وذكر الأكل لأنه أعظم المنافع أو لأن الأكل قد يطلق على وجوه التصرفات كما يقال أكل ماله وإن أنفقه في غير الأكل.

ويدل على ذلك أيضا قوله علیه السلام : « المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه ».

وقد يستثنى من ذلك أمور:

الأول: ما ذكره سبحانه في سورة النور (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا) الخ.

الثاني: الأكل مما يمر به الانسان من ثمرة النخل أو غيره من الأشجار والمباطخ والزرع.

الثالث: مال الناصب.

روى الشيخ عن حفص بن البختري عن أبي عبدالله علیه السلام قال : «خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس » .

.

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ).

کتاب التجارة

وفيها ثمان آیات :

الأولى: في سورة النساء الآية 29 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (1)

الخطاب عام لسائر المكلفين .

والمراد لا تأكلوا أموال بعضكم فحذف المضاف للعلم به.

ويجوز أن يكون الاضافة هنا لمطلق الاختصاص.

والمراد الأموال التي خلقها الله لنفعكم.

والآية تضمنت ثلاثة أحکام:

الأول: منها قد مر بيانه.

الثاني: اباحة ما كان بسبب التجارة ، قرء بالرفع فكان حينئذ تامة .

والمعنى الا أن تقع تجارة. وقرء بالنصب والمعنى الا أن تكون التجارة تجارة عن تراض أو الا أن تكون أموالكم تجارة فحذف المضاف.

والاستثناء على جميع التقادیر منقطع.

والتجارة تستعمل مصدرا واسما للاعيان المملوكة بعقد المعارضة مع قصد الاكتساب وخصها بالذكر.

إما لأنها أغلب طرق التكسب وإما لأنها كثيرة الخير كما قال علیه السلام : « تسعة أعشار الرزق في التجارة ».

ويجوز أن يكون المراد بها هنا جميع الطرق التي يكتسب بها من باب اطلاق المقيد وارادة المطلق بمعونة المقام ولعله الأنسب هنا ثم وصف التجارة بقوله : (عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) أي يرضى كل واحد منكما بذلك وظاهر الآية يقتضي أن كونه عن تراض كاف في حصول الملك من غير توقف على أمر آخر ولا ينافي ذلك كون اللزوم يتوقف على تفرق المجلس كما هو مذهب الأصحاب .

ويدل عليه قوله علیه السلام : «البيعان بالخيار ما لم يفترقا».

الثالث: ما أشار إليه بقوله : (لَا تَقْتُلُوا) . انتهی .

يمكن أن يراد القتل حقيقة أي بشيء من الأسلحة وشرب السم ونحو ذلك .

أو ما يشمل الأسباب المؤدية إلى القتل كقتل غيره فانه يصير قتلا لنفسه قصاصا.


1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). انتهى .

لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا).

الثانية: في سورة البقرة الآيتان 276 - 275 قوله تعالى : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا (1)

كتب الربوا بالواو کالصلوة والزكوة للتفخيم على لغة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع. واطلاق الأكل وارادة الأخذ والتصرف مجاز شایع في كلام العرب وفي القرآن كثير .

والتخبط الضرب على غير استواء.

والمس الجنون والصرع.

وظاهر الآية أن نسبة الصرع إلى الشيطان على جهة الحقيقة.

ويشهد له كثير من الأخبار.

ولا بعد في ان يسلط الله الشيطان على بعض الناس فيصرعه عقوبة لذنب الم به أو امتحانا كما يتسلط بعض الناس على بعض فيسلبهم ما لهم.

وقيل : الشيطان لا يصرع الانسان حقيقة لكن ربما غلبت عليه المرة (أي الصفراء ) أو السوداء فيخيل إليه الشيطان أمورا هايلة ويوسوس إليه فيقع الصرع عند ذلك من فعل الله تعالى ونسبته إلى الشيطان باعتبار الوسوسة مجازا. أو على القولين يبتني تشبیه حال أكل الربوا فيمكن أن يكون ذلك يعتريه في الدنيا كما يرشد إليه ما رواه العياشي في تفسيره عن شهاب بن عبد ربه قال : سمعت أبا عبدالله علیه السلام يقول : « آكل الربوا لا يخرج من الدنيا حتى يتخبطه الشيطان».

ويمكن أن يكون في الاخرة . الخ.

وهنا فوائد:

الأولى: تضمنت الآية تحريم الربا .

الثانية: المناسب أن يقولوا إنما الربا مثل البيع في كونه مشتملا على الزيادة وإنما عکسوا ذلك و (قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) لاهتمامهم باستحضار صورة المشبه به وموضع الوفاق ليقيسوا عليه ولقصد المبالغة في جعله أصلا والبيع فرعا.

وفي قوله : (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) دلالة على جواز أنواع البيع الا ما خرج بدلیل .

الثالثة: قوله : (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) انكار للتسوية التي زعموها وهدم لقياسهم من حيث ان الحل والتحريم أحكام الله وليس التماثل كافيا في الحكم.

ففيها دلالة على أن القياس باطل .

الرابعة: المراد بالموعظة الانزجار عن فعله خوفا من الله تعالى والتوبة اليه عن المعاودة إليه.

الخامسة: تضمنت خلود العائد (أي في النار) إلى الربا بعد البيان ومعرفته بذلك ( أي بحرمة الربا وكونه من الكبائر ).

السادسة: أكد سبحانه تحريم الربوا بقوله : (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا) الآية .

والمحق نقصان الشيء حالا بعد حال إلى أن يتلف .

وقوله : (لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ) أي مصر على استحلال المحرمات أو المستخف بها وهو مبالغة في كافر.

و (الْأَثِيمِ ) المنهمك في ارتكاب المحرمات المتمادي بها.

ففيها دلالة على تشدید تحریم الریا و ان فيه خسارة الدين والدنيا.

لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ

1) (1) قوله تعالى : ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا) الخ.

بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .

الثالثة : في سورة البقرة الآيات 178 - 179 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا (1)

قرء عاصم وحمزة اذنوا بمد الألف وكسر الذال بمعنی اعلموا غيركم .

وقر الباقون بالقصر بمعنی اعلموا واعرفوا.

روی علي بن ابراهيم في سبب النزول انه لما نزل قوله تعالى : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا) الآية ، قام خالد بن ولید إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقال يا رسول الله ربا أبي في ثقيف فأوصاني عند موته بأخذه فأنزل الله هذه .

وحاصل المعنى يا أيها الذين صدقوا بألسنتهم اتركوا ما بقي عند الذين تعاملتم معهم من الربا والزيادة ان كنتم صدقتم بقلوبكم وان تبتم وعملتم بمقتضی ایمانکم فلكم رؤوس أموالكم واتركوا الزيادة لا تظلمون المديونين بأخذ الزيادة التي بقيت عندهم ولا تظلمون بأن ينقصوكم من رؤوس أموالكم شيئا فتكون كالتأكيد والبيان القوله اتقوا وذروا.

والمعنى بعد ان فعلتم ذلك بعد البيان والعلم بالتحريم فلكم رؤوس أموالكم وارجعوا لهم ما أخذتم زايدا على ذلك.

بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله : (فَأْذَنُوا). الخ.

تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ) .

الرابعة: في سورة آل عمران الآيتان 130 - 131 قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا (1)

الآية صريحة في النهي عن الربا وكأنها وردت جريا على ما كان متعارفا من رباء النسيئة.

وهو انه كان الرجل إذا حل له الدين زاد فيه وأخره إلى أجل آخر ثم إذا حل زاد فيه أيضا وأخره وهكذا فكان يستغرق بالشيء القليل مال المديون فنهاهم عن ذلك.

وقوله : (اتَّقُوا اللَّهَ) يعني في ترك الربا ونحوه من المحرمات لتفوزوا بالفلاح وقرنه بقوله : (وَاتَّقُوا النَّارَ) ايذانا ( أي اعلانا) بأن فعله يستلزم دخول النار المعدة للكفار.

أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) .

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا) الخ.

الخامسة: في سورة المطففين آیات 1 - 3 قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ(1)

التطفيف البخس بالكيل أو الوزن على وجه الخيانة.

(وَعَلَى النَّاسِ) يمكن أن يكون صفة لمحذوف أي اكتالوا حقا على الناس، (وَإِذَا كَالُوهُمْ) معناه کالو لهم ووزنوا لهم ، ( يُخْسِرُونَ) أي ينقصون فيهما.

فالكلام من باب الحذف والايصال ويمكن أنه على حذف مضاف واقامة المضاف إليه مقامه أي وكالوا مكيلهم وموزونهم .

واحتمل بعضهم أن يكون هذه الضمير راجعا إلى المطففين بأن يكون تأكيدا للفاعل وردّ هذا بأنه يجب حينئذ كتابة ألف بعد واو الجمع.

وبأن المقصود بیان حالهم في الأخذ من الناس والدفع إليهم وليس المقصود مجرد مباشرة الكيل والوزن فلو حمل عليه فاتت المقابلة بين القسمين وخرج الكلام عن النظم الصحيح .

ويمكن أن يجاب عن الأول بأن رسم القرآن لا يقاس عليه .

وعن الثاني فانه يفيد ضربا من التوبيخ وهو الاشارة إلى انهم لو تعرضوا بأنفسهم لذلك ينقصون ولم يبالوا فكيف إذا تعرضه غيرهم لأجلهم.

قال الفاضل : دلت الآية على وجوب ايقاع الكيل والوزن وتحريم النقص منهما لأن ويل يستعمل للذم.

وقال الفاضل في قوله تعالى : (عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) : على هنا إما بمعنى من أي اکتالوا من الناس أو متعلق ب-« يستوفون» قدم للاختصاص أي يستوفون على الناس خاصة وأما انفسهم فيستوفون بها أو يكون التقدير إكتالوا ما على الناس ؛ كل ذلك محتمل.

* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ

1) (1) قوله تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) . انتهى .

وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) .

السادسة: في سورة البقرة الآية 267 قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا (1)

واستدل بها بعض الأصحاب على لزوم التفقه قبل الاتجار ليعلم الحلال من الحرام وفيه نظر.

وفي مجمع البيان التيمم التعمد، والخبيث الردى من كل شيء.

وروي عن أبي عبدالله علیه السلام : «انها نزلت في أقوام لهم أموال من ربا الجاهلية وكانوا يتصدقون منها فنهاهم الله تعالی عن ذلك وأمر بالصدقة من الطيب الحلال».

مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ).

السابعة: في سورة الأعراف الآية 199 قوله تعالى : (خُذِ الْعَفْوَ(2)

في تفسير العياشي عن علي بن النعمان عمن سمع أبا عبد الله علیه السلام وهو يقول : : «ان الله أدب رسوله فقال : يا محمد (خُذِ الْعَفْوَ) ، الآية».

قال خذ منهم ما ظهر وما تيسر ، والعفو الوسط.

وقد استدل بها بعض الأصحاب على استحباب الاقالة وكراهة الربح على المؤمن الا مع الضرورة وكراهة الربح على الموعود بالاحسان وكراهة معاملة الأدنين والسفلة الذين لا يبالون بما قيل لهم وما قيل فيهم الذين هم الجاهلون في الحقيقة لأن معنى الأعراض عنهم كونهم في جانب عنه وذلك يستلزم ترك معاملتهم والاستدلال بها على ذلك بعيد الا انه محتمل والدالة على ذلك النصوص الواردة عن أهل البيت علیهم السلام .

وَأْمُرْ

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا) الخ .

2) (2) قوله تعالی : (خُذِ الْعَفْوَ) . انتهی.

بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ).

الثامنة: في سورة النساء الآية 141 قوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ (1)

في عيون الأخبار عن أبي الصلت الهروي قال : قلت للرضا علیه السلام : یابن رسول الله ان في سواد الكوفة قوما يزعمون أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم لم يقع عليه السهو في صلاته ، فقال : «كذبوا لعنهم الله ان الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو » . قال : وقلت : يابن رسول الله وفيهم قوم يزعمون أن الحسين علیه السلام لم يقتل وأنه القى شبهه على حنظلة بن أسعد الشامي وأنه رفع إلى السماء كما رفع عیسی بن مریم علیهماالسلام ويحتجون بهذه الآية ، فقال : «كذبوا عليهم غضب الله ولعنته وكفروا بتكذيبهم النبي صلی الله علیه و آله و سلم في اخباره بأن الحسين علیه السلام سيقتل والله لقد قتل الحسين علیه السلام وقتل من كان خيرا من الحسین أمير المؤمنين والحسن بن علي علیهماالسلام وما منا إلا مقتول واني والله لمقتول بالسم باغتيال من يغتالني أعرف ذلك بعهد معهود إلى من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أخبره به جبرئیل عن رب العالمين .

فأما قوله عز وجل : ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ) الآية ، فانه يقول : لن يجعل الله لكافر على مؤمن حجة ولقد أخبر الله تعالی عن كقار قتلوا النبيين بغير الحق ومع قتلهم اياهم لن يجعل الله لهم على أنبيائه علیهم السلام سبيلا من طريق الحجة».

وهذا الحديث صريح الدلالة على ثبوت السهو عليه صلی الله علیه و آله و سلم في الصلاة.

ويدل على ذلك أيضا أخبار كثيرة :

و به صرح ابن بابویه في كتابه وجعله اسهاء من الله لحكمة وانکره أكثر الأصحاب وأجابوا عن هذه الأخبار بوجوه.

منها : الحمل على التقية .

ويدل أيضا على أفضلية أميرالمؤمنين على الحسين عليهماالسلام بل أفضلية الحسن علیه السلام . الخ.

وقد استدل بها كثير من الأصحاب وغيرهم على عدم جواز تسلط الكافر علی المسلم بوجه من الوجوه لأن السبيل نكرة في سياق النفي فتفيد العموم فيدخل في ذلك أن العبد إذا أسلم ومولاه کافر فانّه يقهر على بيعه من مسلم وأنه لا يجوز بيع العبد المسلم من کافر ولا إجارته منه ولا رهنه عنده ولو وضع على يد مسلم ولاکونه وكيلا على مسلم وإن كان موكله مسلما ولا كونه وصيا على أولاد المسلم ولاحوالته عليه ونحو ذلك من الأحكام المذكورة في كتب الفقه .

عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) .

1) (1) قوله تعالى : ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ) . انتهى .

كتاب الدين وتوابعه

اشارة

أما أحكام الدین(1)ففيه ثلاث آيات:

الأولى: في سورة البقرة 282 الآية قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ (2)

في الصحاح : تداینوا تبایعوا بالدين ، واستدانوا استقرضوا.

وقال في مجمع البيان : تداينتم أي تعاملتم وداین بعضكم بعضا.

والآية دالة على أحكام متعددة :

الأول: اباحة الادانة والاستدانة وقد ثبت ان النبي والحسن والحسين عليهم السلام ماتوا وعليهم دين وبالجملة ثبوته من طريق أهل بيت علیهم السلام ضروري والأول : وهو الادانة لا خلاف في رجحانه مع دلالة الأدلة عليه واما الثاني : وهو الاستدانة فلا خلاف في رجحانه أيضا مع الحاجة بل قد يجب مع الضرورة . ويدل على ذلك ما رواه الشيخ عن موسى بن بكر قال : قال أبو الحسن علیه السلام : « من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على عياله أو نفسه كان كالمجاهد في سبيل الله عزوجل فان غلب عليه ذلك فليستدن على الله عز وجل وعلى رسوله صلی الله علیه و آله و سلم ما يقوت به عياله». الحديث.

الثاني: قد افهم قوله : (بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ) اباحة المعاملة بالدين مؤجلا نسيئة و سلما لأن الدین حق يثبت في الذمة فهو أعم من المؤجل وغيره.

الثالث: افهم تقييده بالمسمى انه لابد من كون الأجل مصوناً عن الزيادة والنقصان.

والتعبير بالمسمى يدل على أنه لابد من كون الدال على ذلك لفظا ولو بالقرينة فلا يكفي القصد.

الرابع: الأمر بكتابة الدين لئلا يذهب المال بطول المدة وعند عروض النسيان أو الموت ويكون قاطعا لسبيل النزاع في الزيادة والنقصان فالأمر حينئذ يكون للارشاد.

الخامس: أمر الكاتب أن يكتب الدين على وفق ما تراضيا عليه بلا حيف ولا زيادة ولا نقصان.

فيدل على أنه ينبغي أن يكون الكاتب عدلا مأمونا بل ممن له معرفة بأساليب الكلام ومعرفة الأحكام الا إذا كانا عارفين بذلك فكتب بمحضر منهما ومشهد.

السادس: قوله تعالى : (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ) ، أي لا يمنع كاتب أن یکتب الصك على الوجه الذي تراضيا عليه اداء لشکر ما أنعم الله عليه بمعرفة الكتابة وفضله فلا يبخل على غيره بذلك.

ويحتمل أن المعنى أن يكتب على الوجه الذي علمه الله من الكتابة بالعدل والإنصاف.

وحاصل المعنى أنهم إذ دعوه للكتابة على الوجوه السائغة (أي الجائزة ) شرعا فلا يمتنع من ذلك بل يكتب والا فلا.

السابع: الاملال والاملاء بمعنى واحد وخصه بالذي عليه الحق لأنه الغارم ولانه المشهود عليه.

ثم بين أنه يجب عليه تقوى الله في املائه بأن لا ينقص من قدره شيئا ولا من صفته ولا يذكر في إملائه من الأسباب الخفية والظاهرة والعلل ما يكون مبطلا للحق وإنما أمره بذلك لجواز غفلة صاحب الحق أو عدم معرفته بأساليب الكلام وفقه المسائل.

ثم بين سبحانه حال من لا يصح منه الأملال (أي الإملاء ) بأن كان سفيها وهو الذي ينفق أمواله في غير الأغراض الصحيحة.

أو الذي ينخدع أو كان ضعيفا وهو ناقص العقل إما لكبر أو لصغر أو نحو ذلك .

بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ

1) (1) قيل الدين هو المال الكلى الثابت في ذمة شخص لآخر بسبب من الأسباب .

2) (2) قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ) . انتهی.

بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ (1)

أي ولي هؤلاء.

وقيل الضمير يرجع إلى صاحب الحق لأنه أعلم بدينه وهو ضعيف كما لا يخفی .

والمراد من ولی من إليه النظر في ماله كالأب والجد للأب والوصي وحاكم الشرع.

وقد تضمنت الاية أحكاما وهي شرعية الولاية على هؤلاء.

وصحة المعاملة بنيابتهم عنهم، وصحة الاستدانة لمصالحهم .

وعدم صحة مباشرتهم لعقود المعاملة وصلاحية تعلق الدين في ذمتهم مع مباشر الولي لذلك.

وأنه يجب على الولي مراعاة المصلحة للمولي عليه وعدم بخسه .

وذلك لقوله تعالی : (بِالْعَدْلِ) به أي في الإملاء ففي المعاملة بطريق أولى.

وجواز الترجمة على العاجز من الكلام ولزوم كون المترجم عدلا ( بل يكفي الوثوق بكلامه ).

الثامن: الاشهاد وذلك لأنه لما كان مجرد وجود الصك غير كاف لاثبات الحق لأن من شاء كتب كتابا ارشدهم إلى ما يكون سببا لتوثيق المال وحفظه وهو الأشهاد .


1) (1) قوله تعالى : (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ). انتهى.

وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ (1)

يدل على اشتراط الاسلام في الشاهد فلا تقبل شهادة الكافر وان كان ذميا أو كان المشهود عليه كافرا.

التاسع: من الأحكام ما أشار إليه بقوله : (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا) أي فان لم يكون الشهيدان رجلین فرجل وامرأتان أي فليكن رجلين وامرأتان وهي دالة على قبول شهادة النساء منضمات إلى الرجال في الدين وهو موضع وفاق.

العاشر من الأحكام ما أشار إليه بقوله : (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) فانه يدل على اشتراط العدالة صريحا بعد التنبيه عليه بقوله : (مِنْكُمْ) ، وذكر هذا بعد النساء للتنبيه على أنه شرط فيهن أيضا.

الحادي عشر: من الأحكام قوله تعالى : (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ) قرأ الحمزة بكسر الهمزة فهي شرطية وجزاء الشرط فتذكر وقرء الباقون بفتحها. وتذكر هو من الذكر الذي هو ضد النسيان والمفعول الثاني محذوف أي الشهادة .

وقرأ ابن كثير وأبو عمر وقتيبة فتذكر بالتخفيف والنصب من الأذكار فهو بهذا المعنى أيضاً وهو بيان لعلة عدم الاعتماد على الواحدة .

الثاني عشر: ما أشار إليه (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) إلى اقامة الشهادة .

الثالث عشر: ما أشار إليه بقوله : (وَلَا تَسْأَمُوا) من التحريص إلى الكتابة وبيان أنه ينبغي أن لا تملوا من كتابة الدين إلى أجله وإن كثرت مدایناتکم وحقوقكم سواء كان ذلك الدين قليلا أو كثيرا. وبيان الفائدة في ذلك بأنه أي كتابة الكتاب أو كتابة الشهادة في الصك أو ما يشملها أعدل عند الله لأنه امر به واتباع أمره أعدل وأقوم أي أعون على اقامتها على وجهها وأثبت .

الرابع عشر: قوله : (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ) انتهى .

يمكن أن يكون المراد المبايعة في التجارة الحاضرة وان ذلك مغن عن الكتابة .

الخامس عشر: من الأحكام ، قوله : (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) انتهى .

يجوز أن يكون المعنى يضار بالكسر مبنيا للفاعل فيكون النهي للكاتب أن يكتب ما لم يملله عليه وللشاهد أن يشهد بما لم يستشهد فيه .

ثم أكد هذا الحكم بقوله : (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي تلك المضارة (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) أي خروج عن امتثال أوامر الله ونواهيه ثم أكده أيضا بالأمر بالتقوى والتحذير عن مخالفة أوامره سبحانه ونواهيه.

ثم اردفه بأنه سبحانه يعلمكم الأحكام التي تحتاجون إليها في أمر دينكم لأنه العالم بجميع الأشياء تحريصا لهم على الأخذ بها لأن فيه صلاح النشأتين ، ففيها دلالة على أن أحكام الشرع توقيفية وأنه لا يجوز العمل بالقياس .

فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ

1) (1) قوله تعالى : (مِنْ رِجَالِكُمْ).

وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

الثانية: في سورة البقرة الآية 280 قوله تعالى : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ (1)

كان تامة.

وقيل : يجوز أن يكون ناقصة محذوفة الخبر أي كان ذو عسرة غريما لكم .

وقرء ذا عسرة .

والمعنى حينئذ وان كان المديون ذا عسرة .

والنظرة مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر أي فالحكم نظرة أو فعليكم نظرة من الأنظار وهو التأخير، والمعسر من يعجز عن أداء ما عليه من الدين .

فالجملة الخبرية هنا بمعنى الأمر دالة على وجوب الانظار وعدم جواز مطالبته في تلك الحال ولا يحسب عليه قوت يومه وما عليه من ثياب بدنه وفرس ركوبه وخادمه ودار سكناه المعتاد لمثله فان ذلك لا يجب صرفه في الدين .

وهنا فوائد:

الأولى: ظاهر الآية أنه لابد من ثبوت العسرة حتى يخلى سبيله ، وطریق ثبوت ذلك ، الخ.

الثانية: ظاهرها بعد ثبوت الاعسار یخلی وليس للديان جبره على التكب.

الثالثة: ظاهرها أنه يمتد وقت الانتظار إلى أن يحصل اليسار.

الرابعة: مقتضى اطلاق الاية شمول الانظار للمعسر في كل دین .

قال في مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر علیه السلام .

فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) .

الثالثة : في سورة البقرة الآية 245 قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ


1) (1) قوله تعالى : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ) . انتهى .

اللَّهَ (1)

من للاستفهام ومحلها الرفع بالابتداء ، وذا خبره .

والذي صفته أو بدل منه ، فيضاعفه وفيه أربع قراءات : أحدها: بالألف والرفع، الثانية : بالتشديد والرفع عطفا على يقرض فيضاعفه مستأنفة، والثالثة والرابعة بالألف وعدمه مع النصب فيهما باضمار أن عطفا على يقرض من حيث المعنى أي أن يقرض فيضاعفه ، واقراض الله مثل لتقديم العمل الذي يطلب ثوابه .

فالمراد الأمر، وليس بقرض حاجة على ما ظنه اليهود كما حکی عنهم بقوله: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) بل سمى الانفاق قرضا تلطفا للدعاء إلى فعله وتنبيها على أنه يرجع إليهم ولا يفوتهم.

والقرض الحسن هو المقرون بالاخلاص الذي لا يبتغي به سوی الله .

فتدل على مشروعية القرض ورجحانه.

وقوله : (يَقْبِضُ) القبض المنع والبسط التوسيع على ما رواه في التوحيد .

قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .

وأما توابع الدين فأنواع:

النوع الأول : في الرهن

النوع الأول : في الرهن(2)

وفيه آية واحدة:

وهي في سورة البقرة الآية 283 قوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ


1) (1) قوله تعالی : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ) انتهى.

2) (2) وهو دفع العين للاستيثاق على الدين ويقال لدافعها الراهن وللآخذها المرتهن وللعين الرهن أو المرهون كذا قيل في تعريفه .

تَجِدُوا (1)

قرء ابن كثير وأبو عمرو فرهن على وزن فعل کرسل وكتب والباقون رهان، وهو خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر أي فالوثيقة أو فعليكم. والخطاب للمتعاملين بالدين المؤجل كما يشعر به قوله : (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا) من حيث أنه المأمور بكتباته ويشعر به أيضا السياق، فدلت الآية على مشروعية الرهن في السفر.

وقد تضمنت الآية فوائد:

الأولى: وصف الرهان بالمقبوضة يدل على اشتراط القبض وإلى هذا ذهب أكثر الأصحاب.

الثانية: على القول بكون القبض شرطا فهل هو شرط لصحة كونه رهنا بمعنی أنه لو لم يقع لكان الرهن باطلا.

أو هو شرط اللزوم بمعنى انه لو لم يقع لكان صحيحا الا انه ليس بلازم يجوز له الرجوع فيه.

الثالثة: حيث قلنا أنه لا يشترط الدوام في القبض يكفي حصوله مسماه ولو بعد مضي زمان من العقد لصدق حصول القبض في الجملة ؛ فافهم.

الرابعة: بدل الارشاد إلى الاستيثاق لحفظ المال بالرهن انه لا يصغ رهن ما لا يمكن استيفاء الحق منه كالاعيان التي لا يصح تملكها كالحر والاعيان التي لا يصح بيعها كالاعيان النجسة وآلات القمار ونحو ذلك.

الخامسة: قوله تعالى : (فَإِنْ أَمِنَ) الخ، أي وثق واعتمد بعض الديانين من بعض المديونين ولم يخش جحودا ولا ضیاعا فلم يكتب ولم يأخذ رهنا.

فليؤد: أي يقضي الذي ائتمن أي استدان امانته أي دينه .

وقوله : (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) أي ولا يجحده ولا ينقصه من حقه شيئا حيث اعتمد بذلك على الله ولم يستوثق من حقه.

السادسة: النهي عن كتمان الشهادة عند الاحتياج إليها لاثبات الحق لما مر.

واضافة الاثم إلى القلب لأنه محل الكتمان ولأنه أمير الجوارح الذي به يعقل ويفهم وتصدر عن أمره ورأيه .

كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي

1) (1) قوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا) انتهی .

اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).

النوع الثاني : في الضمان

وفيه آيتان:

الأولى: في سورة يوسف 72 الآية قوله تعالى: (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (1)

الزعيم والضمين والكفيل بمعنى واحد.

وهنا فوائد :

الأولى: دلت الآية على مشروعية الجعالة والضمان.

الثانية: إذا حصل الضمان انتقل المال إلى ذمة الضامن وليس للمضمون له المطالبة بالحق من المضمون.

الثالثة: يظهر منها جواز تعلق الضمان بالمال سواء كان لازما کالدين الثابت في الذمة والاجارة أو متزلزلا لكن يؤل إلى اللزوم كالثمن في مدة الخيار وهو المسمى بضمان العهد وضمان الدرك وكذا مال الجعالة قيل فعل ما شرطه ؛ الخ.

الرابعة: قد استدل بها على انه لا يشترط العلم بكمية المال المضمون لاختلاف الحمل بالزيادة والنقصان.

الخامسة: حيث عرفت أن الضمان موجب لانتقال الحق إلى ذمة الضامن فيشترط في الضامن أن يكون مكلفا جایز التصرف فلا يصح ضمان الصبي ولا المجنون ولا المملوك إلا باذن مولاه.

السادسة: بناء على ما عرفت أيضا يشترط رضا الضامن لأنه غارم فلا يجبر عليه ولا يعتبر رضي المضمون عنه کاداء الدين وهما موضع وفاق.

وأما المضمون له فالمشهور اشتراط رضاه في صحة الضمان لما عرفت من انتقال الحق إلى ذمة الضامن والناس يختلفون في سهولة الأداء فالرغبة مختلفة في مثله فلابد من رضاه دفع للضرر.

.

1) (1) قوله تعالی : (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) .

الثانية: في سورة ن الآية 40 قوله تعالى : (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ(1)

نعم في الأولى اشارة إلى مشروعية الجعل وضمانه قبل الشروع في العمل في شرع من قبلنا.

) .

النوع الثالث : الصلح

النوع الثالث : الصلح(2)


1) (1) قال الأردبيلي قدس سره : وأنت تعلم عدم دلالتهما (أي الآية الأولى والثانية ) على الضمان المشروع عند الفقهاء سيما الأخيرة فدليلهم الاجماع والاخبار.

2) (2) قال العلامة قدس سره في التذكرة : الصلح عقد شرع لقطع التنازع المتخاصمين وهو عقد بین سائغ بالنص والإجماع. الخ.

وفيه ست آیات:

الأولى: في سورة النساء 114 الآية قوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ (1)

النجوى السر بين اثنين .

يقال : نجوته نجوا أي ساررته وكذلك ناجيته وانتجى القوم وتناجوا أي تساروا، والنجوی قد يكون اسماً وقد يكون مصدرا كذا في الصحاح وإلا هنا بمعني لكن ويجوز أن يكون للاستثناء على حذف المضاف أي الا نجوى . الخ.

ويكون المراد نفي الخير عن جميع نجواهم الا ما استنثی.

أو يكون التقييد بالكثير لاستجلاب القلوب ولكونه أدخل في الاعتراف والاذعان وليخرج عند الخطاء والنسيان وما استكرهوا عليه.

والمراد بالمعروف أبواب البر والاصلاح بين الناس يراد به اصلاح ذات البين .

وبذلك استدل على مشروعية الصلح بالمعنى المتعارف من حيث إنه قاطع للتنازع ورافعا للمباينة بين المتخاصمين سواء كان على دين أو عين أو منفعة ونحو ذلك.

وقد يراد بالاصلاح ما يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والارشاد إلى ما يوجب رضاء الرحمن والفوز بالجنان ونحو ذلك من مکارم الاخلاق .

إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).

1) (1) قوله تعالى : (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ) انتهى .

الثانية: في سورة النساء الآية 128 قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا (1)نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا (2)أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا (3)

وقرء أهل الكوفة يصلحا بضم الياء وكسر اللام وسكون الصاد فيكون بمعنی تصالحا وب- أن تهب بعض الحقوق اللازمة لها عليه كالقسم والنفقة أو بعض المال تفعل ذلك لتسميله إلى صحبتها وعدم مفارقتها ويكون ذلك صلحا لشأنها معه ووسيلة إلى استقامتها ولا اثم عليه في قبول ذلك منها كما لا اثم عليها في بذله له بل الصلح في مثل ذلك خير من تركه لما فيه من المنافع الدنيوية والاخروية.

وفيها دلالة على مشروعية الصلح بل رجحانه و تدل على جواز جعل عوض الصلح بعض المنافع واسقاط بعض الحقوق كما تدل عليه الأخبار.

وفي تفسير العياشي عن أحمد بن محمد في قوله تعالى : (وَإِنِ امْرَأَةٌ) الخ. قال : نشوز الرجل أن يهم (أي يقصد ) بطلاق امرأته فتقول له ادع ما على ظهرك وأعطيك كذا وكذا واحللك من يومي وليلتي على ما اصطلحا عليه فهو جایز .

صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) .

الثالثة: في سورة النساء الآية 35 قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ


1) (1) قوله تعالى : ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا) لما ظهر من المخائل والامارات ، (نُشُوزًا) تجافيا عنها وترفعا عن صحبتها كراهة لها أو اعراضا بتقليل المحادثة والرغبة عن الجامعة ونحو ذلك من الامارات.

2) (2) قوله تعالى : (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا)، أي لا حرج على كل واحد من الزوجين.

3) (3) قوله تعالى : (أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا) قرء غير أهل الكوفة يصالحا بتشديد الصاد وفتح اللام والياء.

بَيْنِهِمَا (1)

أي خلافا ونزاعا يورث الفرقة بينهما، (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) ، الأمر للارشاد والخطاب للحكام الذين يرجع الناس إليهم في أحكامهم.

ويمكن أن يكون الخطاب لاقارب الزوجين وقيد الحكم بكونهما من أهله وأهلها لكونهما أرفق بهما وأعرف بأحوالهما وادفع للتهمة.

فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا(2)

الضمير الأول يرجع إلى الحكمين والثاني للزوجين .

ويمكن أن يرجع کلاهما إلى الحكمين أو الزوجين .

والأول هو الظاهر ، وفيه دلالة على مشروعية الصلح بالمعنى المعروف .

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا).

الرابعة : في سورة الأنفال الآية 1 قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ(3)

أي الذي وقعت بينهم مباينة ومنازعة أي مروهم بالصلح وقطع المنازعة .

ويمكن حمل الاصلاح على ما يشمل المساعدة بالمال والجاه ورفع الخصومات ونحو ذلك.

ويرشد إليه ما روی انه علیه السلام قد جعل عند بعض أصحابه مالا ليدفع حينئذ الخصومات بين شيعته.

).

الخامسة: في سورة الحجرات الآية 10 قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ


1) (1) قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) انتهى .

2) (2) (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا).

3) (3) قوله تعالى :(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ).

إِخْوَةٌ (1)فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) .

السادسة: في سورة الحجرات الآية 9 قوله تعالى: (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا (2)

وفيها دلالة على الترغيب بالصلح والاصلاح وقد مر الكلام فيها .

وهنا فوائد:

الأولى: ظهر من الآيات أن الصلح لقطع المنازعة.

الثانية: مقتضى الآيات أن مشروعيته لدفع ارتكاب مخالفة الله ورسوله الحاصلة من المنازعة.

فاللازم لذلك انه لا يجوز على ما فيه مخالفة الله كان يصالح على استرقاق حر، أو شرب خمر أو لا يطأ حليلته ، أو لا ينتفع بماله، أو نحو ذلك من الأمور غير السائغة شرعا.

الثالثة: يظهر من اطلاق الآيات أن الصلح عقد برأسه وليس فرعا على غيره .

الرابعة: يظهر أيضا من الاطلاق انه لا يجوز مع الانكار والاقرار ومع جهلهما بالحق المتنازع فیه وعلمهما به.

الخامسة: يظهر منها رجحان الصلح وعظم منفعته.

بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) .

1) (1) قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) في الايمان والدین (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) والنكتة في وضع الظاهر موضع المضمر لشدة الاهتمام، ففيها دلالة على الصلح بالمعنى المشهور.

2) (2) قوله تعالى : (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا) . انتهى .

النوع الرابع : الوكالة

النوع الرابع : الوكالة(1)

وقد استدل على استفادتها من القرآن بثلاث(2)

أما الأولى : فلأن المراد بالذي بيده عقدة النكاح الولي الاجباري أو الزوج، الخ.

وأما الثانية : فانها حكاية حال غير مشروع ولا معصوم، فلا يكون حجة.

وأما الثالثة : فلأن المراد بالفتى العبد والخادم ولذلك قال صلی الله علیه و آله و سلم ليقل أحدكم فتای وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي، وبالجملة ليس في الآيات المذكورة نصوصية على مشروعية الوكالة في هذه الشريعة فلا يكون حجة.

وقال الأردبيلي قدس سره : ظاهر الثانية لا يخلو عن دلالة ما وفي الأولى والأخيرة لا دلالة على ما نفهم، فافهم.

آیات:

الأولى: في سورة البقرة الآية 237 قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ(3)

ووجه الدلالة أن من بيده عقدة النكاح يشمل الوكيل ولا يخفى ما فيه .

وفي الصافي قوله تعالى : (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) يعني المطلقات أي يتركن ما يجب لهن من نصف المهر فلا يطلبن الأزواج بذلك .

أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ).

الثانية: في سورة الكهف الآية 19 قوله تعالى :(فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ (4)

وحاصل المعنى أعطوه دراهمكم وأقيموه مقام أنفسكم في الابتياع لكم وهذا معنى الوكيل.

وفيه أن المبعوث أحدهم ومن الجایز أن يكون هو صاحب الورق ويكون اضافتها إليهم مجازا على أنها حكاية عن فعل من ليس فعله حجة.

وفي الصافي : الورق : الفضة، وليتلطف أي ليتكلف اللطف في التخفي والتنكر حتى لا يعرف.

وفي المجمع والورق الدراهم وكان معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم ، عن ابن عباس .

(إِلَى الْمَدِينَةِ) یعنی خرجوا منها.


1) (1) الوكالة وهي تولية الانسان غيره في امضاء امر أو استتابته في التصرف فيما كان له ، كذا قيل.

2) (2) قال الفاضل قدس سره: وعندي في الاستدلال بهذه الآيات نظر :

3) (3) قوله تعالى : ( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) انتهى.

4) (4) قوله تعالى : (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ) . انتهى .

بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا (1)

أي أطهر وأحل ذبحه ، عن ابن عباس قال : لأن عامتهم كانت مجوساً وفيهم قوم مؤمنون يخفون ایمانهم .

وقيل : أطيب طعاما عن الكلینی.

وقيل : أكثر طعاما من قولهم أزكى المال اذا زاد عن عكرمة.

وذلك لأن خير الطعام إنما يوجد عند من كثر طعامه .

وقيل : كان من طعام أهل المدينة ما لا يستحله أصحاب الكهف.

(وَلْيَتَلَطَّفْ ) أي وليدقق النظر ويتحيل حتى لا يطلع عليه .

وقيل : (وَلْيَتَلَطَّفْ) في الشراء فلا يماكس البايع ولا ينازعه.

(وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) أي يخبرن بكم ولا بمكانكم أحدا من أهل المدينة .

فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) .

1) (1) قوله تعالى : (أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) .

لِفَتَاهُ (1)

وجه الدلالة أن العرب تسمى الوكيل والخادم فتى.

والمراد به هنا يوشع بن نون علیه السلام كما رواه العياشي في تفسيره عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر علیه السلام ، ونحوه روی علی بن ابراهيم في تفسيره .

ورواه في كتاب اكمال الدين باسناده إلى الحكم بن مسكين عن صالح عن جعفر بن محمد عليهماالسلام .وليس خادما.

فتعين أن يكون وكيلا.

وفي الدلالة نظر لأن يوشع كان وصيا لموسى علیه السلام لا وكيلا.

على انا سلمنا اطلاق الفتى على الوكيل فلا نسلم انحصاره فيما ذكر فلا يتم دلالة الآيات على مشروعية الوكالة.

وقيل : في بعث الحكمين اشارة إلى مشروعيتها لأن البعث توكيل والقصد اثبات المشروعية من القرآن وعدم وضوح دلالته على ذلك لا ينافي ثبوته من السنة و الاجماع.

آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) .

1) (1) قوله تعالى : (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ) . الخ.

کتاب فيه جملة من العقود

اشارة

وفيه مقدمة وأبحاث: أما المقدمة ففيها آية واحدة مشتملة على أحكام كلية :

في سورة المائدة الآية 1 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)

وفي بعهده وأوفى بمعنى واحد.

والمراد ما يعقده الناس على أنفسهم أو في معاملاتهم فيدخل فيه العقود

والايقاعات .

وقيل : المراد العهود التي عقدها الله تعالى على عباده وألزمهم بها من التكاليف .

وفي تفسير علي بن ابراهيم عن أبي عبدالله علیه السلام : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال : « بالعهود».

وروي أيضا عن أبي جعفر الثاني علیه السلام : «ان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عقد عليهم لعلي صلوات الله عليه بالخلافة في عشرة مواطن ، ثم أنزل الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) التي عقدت عليكم لأمير المؤمنين علیه السلام.» والحمل على الجميع أولى لعموم اللفظ وعدم ثبوت المخصص.

قال الفاضل قدس سره : قيل كل آية صدرت ب-(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهي مدنية وب-(يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هي مكية والأصح أن هذا على الأغلب.

وقال الأردبيلي قدس سره الوفاء والايفاء القيام بمقتضى العقد والعهد.

والعقد : العهد الموثق المشدد بين اثنين فكل عقد عهد دون العكس لعدم لزوم الشدة والاثنينية.

.

1) (1) قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) . الخ.

البحث الأول: في الاجارة

وفيها(1)

وفي الآية الثانية اشارة إلى وجوب ضبط العمل بالمدة إن قدر بها والا فبغيرها من الضوابط .

وقال الأردبيلي قدس سره : فيهما دلالة على مشروعية الاجارة في الجملة في شرع من قبلنا وحجيتهما عندنا موقوفة على كونه حجة عندنا وليس بثابت وتحقيقه في الأصول ولا يكفي اصل عدم النسخ في دلالتهما عليها عندنا وكون ذلك العقد مما يتوقف عليه حفظ النوع أن تم فليس بدليل على دلالتهما (أي الآيتين ) عليها (أي الاجارة ).

آيتان:

الأولى: في سورة القصص الآية 26 قوله تعالى : (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا


1) (1) قال الفاضل قدس سره : دلتا على مشروعية الإجارة وإن كانت في شرع غيرنا لاصالة عدم النسخ مع اشتمال عقدها على كونه من متممات نظام النوع لأنه مما يضطر إليه لما تقرر في العلوم الحقيقية ان الانسان لا يمكن أن يعيش ( مثل سائر الحيوانات) وحده فيفتقر إلى التعاضد وذلك غير واجب على الغير القيام به فيجوز أخذ العوض عليه فتشرع المعاوضة على المنفعة وذلك هو المطلوب.

أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ (1)

دالة على مشروعية الاجارة في زمن شعيب علیه السلام.

وقد مر أن ما حكاه الله تعالى عن من كان قبلنا من الأنبياء يكون ثابتا وحجة في شرعنا.

قال الموسوي وفي الصافي في قوله تعالى : (الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) القمي في حديثه فقال لها شعيب : أما قوته فقد عرفته بأنه يستقى الدلو وحده فبم عرفتی امانته ؟ فقالت : أنه لما قال لي تأخري عتي ودلني إلى الطريق فانا من قوم لا ينظرون في أدبار النساء ، عرفت انه ليس من الذين ينظرون اعجاز النساء فهذه امانته.

إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) .

الثانية : في سورة القصص الآية 27 قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي(2)

دالة على مشروعية الاجارة أيضا.

روی في الكافي عن ابن سنان عن أبي الحسن عليه السلام قال : سئلته عن الاجارة فقال : «صالح لا بأس به إذا نصح قدر طاقته قد آجر موسى نفسه واشترط فقال إن شئت ثماني حجج وان شئت عشرا فأنزل الله فيه : (أَنْ تَأْجُرَنِي) ، الآية».

وأراد بالحجج جمع حجة وهي حج البيت الحرام ويكون اطلاقه هنا على السنين من قبيل تسمية الشيء بما يقع فيه كما يقال : مكثت ثمان رمضانات.

وفي الآية اشارة إلى أنه يجب ضبط مدة الإجارة .

ثَمَانِيَ حِجَجٍ) .

1) (1) قوله تعالى : ( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) . الخ.

2) (2) قوله تعالى : (أَنْ تَأْجُرَنِي) . الخ.

البحث الثاني: في الشركة

البحث الثاني: في الشركة(1)

وفيه ثلاث آيات (2)

الى قوله : نعم الثانية ظاهرة في ذلك ولا يحتاج حصولها إلى الدليل بلأحكامها؛ فتامل.

:

الأولى: في سورة الأنفال الآية 69 قوله تعالى : ( فَكُلُوا مِمَّا(3)

دلت على اشتراك الغانمين في الغنيمة لجمعهم في الخطاب.

غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

الثانية: في سورة النساء الآية 12 قوله تعالى: ( فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ(4)

دلت على الاشتراك.

).

الثالثة : في سورة التوبة الآية 60 قوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ(5)

لدلالتها على الاشتراك في ذلك أيضا.

وفي دلالة الآيات تأمل.

أما الأولى: فلجواز كون المراد اباحة الأكل منها لا الشركة بالمعنى المصطلح.

وأما الثانية : فلدلالتها على الاشتراك في الميراث كما يقال الناس في الكلأ والماء والنار شرکاء .

وليس المراد بالمعنى المصطلح أعني اجتماع حقوق الملاك في الشيء الواحد على سبيل الشياع.

وأما الثالثة : فلأنه إنما يثبت ذلك على القول بوجوب البسط.

وقد عرفت أن اللام لبيان المصرف على أن لوازم الشركة منتفية فيه اذ للمالك أن يخص بها صنفا واحدا بل واحدا من صنف وله الاخراج من غير ذلك المال وله النما ونحو ذلك مما ينافي الشركة بالمعنى المصطلح كذا قيل.

والحق أن دلالة الثانية على ذلك واضحة لأنه لا معنى لاشتراكهم في الثلث الا اجتماع حقوقهم فيه على سبيل الشياع.

وكذا الكلام في الآية الأولى كما دلت عليه الاخبار الواردة في تفسيرها.

نعم الاية الثالثة غير واضحة الدلالة .


1) (1) قيل الشركة تطلق على معنيين احدهما : اجتماع حق مالكين أو أكثر في الشيء الواحد على سبيل الشياع. الثاني : عقد واقع بين أثنين أو أكثر على المعاملة بمال مشترك بينهم وتسمى الشركة العقدية والاكتسابية.

2) (2) قال الأردبيلي قدس سره: وفي دلالة الأولى مناقشة والأخيرة لا دلالة لها بل لا قائل بها في الزكوة عندنا لانتفاء لوازم الشركة مثل اختيار المالك في تعيين المخرج وجواز تصرفه بغير اذن الفقراء.

3) (3) قوله تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا) الخ.

4) (4) قوله تعالی : (فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) . انتهى.

5) (5) قوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) . انتهى.

وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

البحث الثالث: في المضاربة

البحث الثالث: في المضاربة(1)

واعلم أن من دفع إلى غيره مالا ليتجر به فلا يخلوا إما أن يشترطا کون الربح بينهما أو لأحدهما، أو لا يشترطا.

فالأول هو المضاربة وأهل الحجاز يسمونه قراضا وإن شرطاه للعامل فهو قرض وان شرطاه للمالك فهو بضاعة وكذا إذا لم يشترطا شيئا الا ان للعامل أجرة مثله حينئذ. وعقد المضاربة مركب من عقود كثيرة لأنه مع صحة العقد وعدم ظهور ربح ودعى امين ومع ظهور شريك ومع التعدي غاصب ومع تصرفه وكيل ومع فساد العقد أجير.

واستدلوا على مشروعيتها بثلاث(2)آیات(3):

الأولى: في سورة الجمعة الآية 10 قوله تعالى : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ


1) (1) المضاربة وهي مفاعلة من الضرب في الأرض لأن العامل يضرب فيها للسعي في التجارة وابتغاء الربح بطلب صاحب المال فكان الضرب مسببا عنهما أو أن اطلاق المفاعلة عليهما لأن كلا منهما يضرب في الربح بسهم.

2) (2) قال الفاضل : قال المعاصر يمكن أن يستدل بها على جواز المضاربة لأنها دلت علی رجحان التكسب ولم يفرق ( يعني المعاصر) بین کونه بمال المكتسب أو بمال غیره وعندي في الاستدلال بها نظر. الخ.

3) (3) وقال الأردبيلي قدس سره الآيات لا دلالة فيها الا بعموم بعيد وآية البيع والتجارة أقرب منها. والمضاربة في اصطلاحهم دفع أحد النقدين إلى شخص ليعمل به ويكون له حصة من الربح.

فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (1)

دلت على مشروعية المضاربة.

وجه الدلالة انها دلت على مشروعية التكسب أعم من أن يكون بمال نفسه أو مال غيره على الوجه المذكور في معنى المضاربة فالدلالة عليها من حيث العموم وفي الدلالة تأمل.

قال الموسوي وفي المجمع قوله تعالى : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) . انتهى . يعني إذا صليتم الجمعة وفرغتم منها فتفرقوا في الأرض (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) أي واطلبوا الرزق في الشراء والبيع وهذا اباحة وليس بأمر و ایجاب.

وروي عن أنس عن النبي علیه السلام قال في قوله : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا) الآية : ليس بطلب دنیا ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله .

وقيل : المراد بقوله : (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) طلب العلم ؛ عن الحسن وسعيد بن جبير ومكحول.

وروي عن أبي عبدالله علیه السلام أنه قال : الصلوة يوم الجمعة والانتشار يوم السبت . الخ.

وفي المجمع أيضا قوله تعالى : (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ) أي يسافرون للتجارة وطلب الأرباح.

وفي الصافي : وفي تحصيل العلم.

وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

الثانية: في سورة النساء الآية 101 قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي


1) (1) قوله تعالى : (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ، وقوله تعالى : (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ) .

الْأَرْضِ) .

الثالثة : في سورة المزمل الآية 20 قوله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) .

البحث الرابع : في الأبضاع

البحث الرابع : في الأبضاع(1)

وفيه ثلاث آیات(2)كلها في سورة يوسف:

الأولى: الآية 62 قوله تعالى: (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ(3)

البضاعة في هذه الآيات هي ثمن طعام اشتروه من يوسف علیه السلام .

وفي تفسير العياشي عن أحمد بن محمد عن الرضا علیه السلام قال : «كانت بضاعتهم المقل وكانت بلادهم بلاد المقل».

(قال الموسوي : وفي المجمع : وقيل : بضاعتهم التعال والادم).

فان قيل المراد بها في الآيات مال أخوة يوسف علیه السلام الذي اشتروه به طعاما لأنفسهم كما تدل عليه الاخبار مع أنه شرع من قبلنا ولا حجة فيه .

قلت : روى العياشي في تفسيره عن أبي بصير عن أبي جعفر علیه السلام: «انه لما اشتد حزن يعقوب حتی تقوس ظهره وادبر الدنيا عنه وعن ولده حتى احتاجوا حاجة شديدة وفنيت ميرتهم فعند ذلك قال يعقوب علیه السلام لولده: (اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا) الآية فخرج منهم نفر وبعث معهم بضاعة يسيرة » . الحديث .

وهذا يدل على أن المال كال ليعقوب والاضافة تكفي فيها أدني ملابسة (كما نقول بلدنا وسيارتنا).

وما حكاه تعالى من شرع من كان قبلنا حجة علينا كما مر.

).

1) (1) وهو أن يدفع الإنسان إلى غيره ماليبتاع به متاعا ولا حصة له في ربحه ، بخلاف المضاربة . ( مجمع).

2) (2) قال الأردبيلي قدس سره : وعدم دلالتها على المطلوب واضح فانه دفع مال إلى أحد ليتجر له مجانا ومعلوم أن المراد في الآيات مال اخوة يوسف علیه السلام الذي اشتروا به طعاما وأن هذا لا يحتاج إلى الآيات وأظن ان آیات التجارة والوكالة أدل.

3) (3) قوله تعالى : ( وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ)، وقوله تعالى : (وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ) ، وقوله تعالى : (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ).

الثانية: الآية 88 قوله تعالى: (وجئنا ببضاعة مزجية) .

الثالثة: الآية 65 قوله تعالى: (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم) .

البحث الخامس : في الايداع

البحث الخامس : في الايداع(1)

والأمانة أعم من ذلك لتحققها في ضمن الرهن والعارية والاجارة والبضاعة ونحوذلك كما وردت به الأخبار.

ففي حسنة الحلبي عن أبي عبدالله علیه السلام قال: «صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان».

ونحو ذلك من الأخبار الدالة على اتصاف المستعير والمرتهن ونحوهما بكونه أمينا . الخ.

والآيات الدالة على مشروعيته ثلاث وهي دالة على المعنى العام غير انا


1) (1) الايداع هو استنابة في الحفظ أو العقد المفيد لذلك.

جعلنا العنوان الوديعة تبعا لهم :

الأولى: في سورة النساء الآية 58 قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ(1)

ودلالتها على وجوب رد الأمانات الشاملة للوديعة وغيرها ومشروعيتها واضحة.

قال الأردبيلي قدس سره مضمون قوله : (أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) ، (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) مما يدل عليه العقل أيضا فان وجوب اداء الأمانات كلها إلى أهلها ضروري، والظاهر أنه فوري مع الطلب بغير خلاف ويمكن تعميمه لاداء جميع الواجبات كما نقل في مجمع البیان.

أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا).

الثانية: في سورة البقرة الآية 283 قوله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ(2)

وهذه ظاهرة الدلالة على ارادة أداء الدين .

وقد مر بيان وجه تسميته بالأمانة وأنه يجوز حملها على ارادة الوديعة.

ويمكن حمل الاسم الموصول على الجنس فتحمل على ارادة المعنى العام الشامل للوديعة.

بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ).

الثالثة : في سورة آل عمران الآية 75 قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (3)

هذه ظاهر الدلالة على ارادة مطلق الأمانة وان كان ارادة الوديعة أوضح.

والممدوح فيها النصارى لأنهم لا يستحلون أموال من يخالفهم في الاعتقاد ، والمذموم اليهود فانهم يستحلونها كما حکی عنهم تعالى بقوله: «ليس علينا في الاميين سبيل » والامي عندهم من ليس على دينهم.

فبالغ في ذمهم وكذبهم بقوله : (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) .

وقال في مجمع البيان : روي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم انه لما قرء هذه الاية قال : «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية الا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فائها مؤداة إلى البر والفاجر » . وهنا فوائد:

الأولى: الأمانة اسم من أمنته على كذا وائتمنته .

وأصلها من الأمن الحاصل من حسن الظن بالمستأمن فيحرم على الأمين الخيانة والتعدي والتفريط ويجب عليه حفظها بما جرت العادة فيه بالحفظ ومقتضى ذلك أن الأمين لا يضمن إذا لم يخالف في مقتضى الأمانة.

الثانية: مقتضی رد الامانة إلى أهلها انه لو لم يكن من أهلها بأن کان غاصبا لها فلا يجب ردها إليه بل لا يجوز له ذلك.

الثالثة: مقتضی عموم الآيات أنه يجب رد الأمانة وأنه لا يجوز المقاصة منها .

الرابعة: مقتضى العموم أيضا أنه يجب ردها على صاحبها ولو كان كافرا. الخ.

الخامسة: ذكر بعض الأصحاب أن الأمانة تنقسم إلى أنها قد تكون من المالك کالوديعة والعارية والراهن والاجارة ونحو ذلك مما سلطه المالك عليه وقد تكون من الشرع وهي المسماة الأمانة الشرعية كاللقطة وما دخل إلى منزلك من مال الغير .


1) (1) قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ) .انتهى

3) (3) قوله تعالى : (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) . انتهی.

مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) .

البحث السادس : في العارية

وهي اذن في الانتفاع بالعين تبرعا وموضوعها كل عين ينتفع بها مع بقائها واشتقاقها إما من العاري أو من العري أي عن العوض أو من عار إذا ذهب ورجع .

واستدل على مشروعيتها بآيتين:

الأولى: في سورة المائدة الآية 2 قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى(1)

تدل على العارية بالعموم حيث أن المعنى فليعاون بعضكم بعضا على الاحسان و صنایع المعروف واجتناب المعاصي وامتثال الأوامر فيدخل فيه العارية.

) .

الثانية: في سورة الماعون الآية 7 قوله تعالى : (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ(2)

روی في الكافي عن سماعة بن مهران عن أبي عبدالله علیه السلام قال : « والماعون أيضا هو القرض يقرضه والمتاع يعيره والمعروف يصنعه .» وفي الحسن عن أبي عبدالله علیه السلام في قوله تعالى : (فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) وقوله عز وجل : (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) قال : « هو القرض يقرضه والمعروف يصنعه ومتاع البيت يعيره.» فقلت له إن لنا جيرانا إذا أعرناهم متاعا كسروه وأفسدوه فعلينا جناح أن نمنعهم ؟ فقال : «لا ليس علیکم جناح أن تمنعوهم إذا كانوا كذلك». الخ.

) .

1) (1) قوله تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى).

2) (2) قوله تعالى : (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).

البحث السابع : في السبق والرماية

وقد استدل على مشروعيته من القرآن بثلاث آيات:

الأولى: في سورة الأنفال الآية 60 قوله تعالى : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ (1)

يستدل بها على مشروعية السبق والرماية.

وجه الاستدلال أنه تعالى أمر المؤمنين بأن يستعدوا لمحاربة المخالفين للاسلام بما دخل في وسعهم واستطاعتهم ومن ذلك الرياضة في تحصيل أسباب الغلبة التي أعظمها ممارسة الآلات الحربية وتحصيل الحذق فيها (أي المهارة ).

وقال النبي صلی الله علیه و آله و سلم : « القوة الرمي .» قالها ثلاثا.

مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) .

الثانية: في سورة يوسف الآية 17 قوله تعالى : (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ (2)

أي نتسابق ، والشايع المتبادر أن ذلك يكون في الأمور المذكورة.

ولو قيل : إنه عام شامل للعدو على الأقدام وهو غير سائغ في شرعنا.

لقلنا: تخصيصه لدليل لا ينافي المشروعية وبعث يعقوب علیه السلام يوسف معهم وتقريرهم على ذلك يدل على أنه كان مشروعا عندهم وقد حكاه تعالى في كتابه ولم يثبت نسخه فيكون ذلك حجة كما مر مرارا.

) .

1) (1) قوله تعالى : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالی : (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ) . انتهى.

الثالثة: في سورة الحشر الآية 6 قوله تعالى : (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ (1)

وقد مر الكلام فيها.

ووجه الدلالة هنا أنه تعالى لم يجعل لهم نصيبا في ذلك من حيث إنهم لم يحصل منهم المسارعة لا فرسانا ولا ركبانا على أخذه بالغلبة وهذا يقتضي صحة المسابقة عليها وفيه تأمل .

) .

البحث الثامن : في الشفعة

البحث الثامن : في الشفعة(2)

ولها شروط تذكر منها كلياتها وهي ثمانية :

الأول: كون الشركة في عقار ثابت لا ما ينتقل من المبيعات .

الثاني: انتقال الحصة بالبيع لا بغيره من العقود .

الثالث: عدم زيادة الشركاء على اثنين .

الرابع: بقاء الشركة بالجزء المشاع. الخ.

الخامس: قدرة الشفيع على الثمن.

السادس: أن لا يكون كافرا والمشتري مسلما.

السابع: كون العقار قابلا للقسمة .

الثامن: المطالبة على الفور. الخ.

وهي مأخوذة من قولك شفعت كذا بكذا إذا جعلته شفعا به كأن الشفيع جعل


1) (1) قوله تعالى : (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) .

2) (2) قال الفاضل قدس سره: وموضوعها عندنا كل عقار مشترك بين اثنين فيبيع أحدهما حصته فللآخر الانتزاع من المشتري مع بذل الثمن له.

نصيبه شفعا بنصيب صاحبه.

وهو في الشرع أن يبيع أحد الشريكين في العقار حصته لآخر فللثاني أخذها من هذا الآخر بمثل الثمن الذي اشتری به إن كان مثليا وإلا قيمته.

وليس في الكتاب العزيز ما يدل على خصوص شرعيتها صريحا، بل لما كان مشروعيتها لإزالة الضرر الحاصل من مزاحمة الشراكة.

لما روي عن أبي عبدالله علیه السلام قال : « قضى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بالشفعة بين الشركاء

في الأرضين والمساكن وقال لا ضرر ولا ضرار».

أمكن أن يستدل عليها:

الأولى: في سورة الحج الآية 78 قوله تعالى : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).

الثانية: في سورة البقرة الآية 185 قوله تعالى : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).

الثالثة: في سورة البقرة الآية 220 قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ) .

فان هذه الآيات بعمومها تتناولها.

البحث التاسع: فی اللقطة

البحث التاسع: فی اللقطة(1)

واستدل بعضهم على ذلك بعموم قوله تعالى : (تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) وقوله تعالى : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) والاستدلال بهذا العموم على مشروعيتها مطلقا غير تام لأنه يفيد الرجحان.

وقد وردت الأخبار بالنهي عن أخذها.

كما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن أبي العلاقال : ذكرنا لأبي عبدالله علیه السلام اللقطة فقال : «لا تعرض لها فان الناس لو تركوها لجاء صاحبها حتى يأخذها».

وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام قال : سألته عن اللقطة ، قال : «لا ترفعها فان ابتليت بها فعرفها سنة .» الحديث .

وفي الصحيح عن الحلبي عن أبي عبدالله علیه السلام قال : «كان علي بن الحسين علیهماالسلام يقول لأهله : لا تمسوها.» فهذه الأخبار ومافي معناها دالة على مرجوحية أخذها فكيف يتناولها العموم المذكور.

نعم قد يكون بعض الأفراد راجحا كاللقط في المهلكة وكالمال إذا عرف أو ظن انه لواحد من المؤمنين وكان في موضع تلف في تلك الحال لا يبعد دخوله تحت العموم ولأنه من الاحسان المأمور به.

ومن ثم صرح كثير من الأصحاب بأن أخذ اللقيط في تلك الحال واجب لكن على الكفاية.

وأما ما حكاه تعالى من قوله : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ) وقوله : (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) فلا يدل على المطلوب، والأخبار الدالة على مشروعية أخذها أي جوازها كثيرة فلهذا حملت الاخبار السابقة على الكراهة جمعا بينها.

وأما موثقة زرارة قال سألت أبا جعفر علیه السلام عن اللقطة فأراني خاتما في يده من فضة قال : «ان هذا مما جاء به السيل وأنا أريد أن أتصدق به.» فليس فيها دلالة على الرجحان لجواز كونه مما ابتلى به حيث أدخله السيل في بيته أو لبيان الجواز ونحو ذلك وللقطة أحکام مفضلة في الكتب الفقهية .


1) (1) وهي إما انسان أو حيوان أو مال ولم يرد في القرآن ما يدل على مشروعيتها بخصوصها.

البحث العاشر: في الغصب

وهو في اللغة أخذ الشيء ظلماً، وشرعاً هو الاستيلاء على مال الغير عدوان ؛ ويدل على تحريمه خمس آيات:

الأولى: في سورة النساء الآية 29 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ(1)

أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل.

) .

الثانية: في سورة التوبة الآية 34 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ(2)

قد تقدتم الكلام فيه وأنها متناولة للغصب بعمومها.

لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) .

الثالثة : في سورة البقرة الآية 194 قوله تعالى : (فَمَنِ اعْتَدَى (3)

يدل بعمومها على ذم الغصب وتحريمه حيث سماه معتديا وظالما ومسيئا.

وذلك متناول المال وغيره.

وكل ذلك مما نهى الله تعالی عنه فانه لا يحب المعتدي ولا الظالم ( ولاالمسيء).

وقد يستدل بالآيات الثلاث الأخيرة على جواز المقاصة.

كما دلت عليه الأخبار المروية عن أهل البيت علیهم السلام وقد مر الكلام فيه.

وهنا فوائد:

الأولى: يستفاد من الآيات أن الشيء المغصوب لا يدخل في ملك الغاصب لأنه تناوله بالباطل فيبقى على ملك مالکه وكذا فوائده فيجب رده مع فوائده إن كان المغصوب عينا موجودة والا فمثله إن كان مثليا وقيمته الأعلى إلى حين التلف أو يوم التلف أو يوم الغصب إن كان قيميا.

الثانية: مع وجود العين المغصوبة يجوز للمالك إنتزاعها سواء كانت عند الغاصب أو عند غيره لأنها لم تخرج بذلك عن ملك مالكها فيجوز له أخذها حيث كانت وإن لم يأذن له من هي في يده في ذلك.

وإن تلف فمع بذل العوض فليس للمالك أخذه (أي العوض) الا باذنه لأن للغاصب الخيار في جهات القضاء من أي أمواله شاء ، فان امتنع من بذل العوض فللمالك أخذه قصاصا من أي أموال الغاصب شاه.

ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن سليمان قال كتب إليه رجل غصب رجلا مالا أو جارية ثم وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه ، أيحل حبسه عليه أم لا؟ فكتب علیه السلام : «نعم يحل له ذلك إن كان بقدر حقه وإن كان أكثر فيأخذ منه ما كان عليه ويسلم الباقي إليه ان شاء ».

الثالثة: تسمية ما أخذه جزاء ومقاصة عدوى وسيئة مجاز .

والمراد بالمثل المقدار أي إنه يقاصه ويأخذ منه على قدر حقه لا يزيد على ذلك .

الرابعة: اطلاق العدوى عليك والسيئة اليك يشمل الشتم ونحوه من الاهانات مع أنه لا يجوز المقاصة في مثله.

الخامسة: قد يستفاد من اطلاق الآيات إذا تعاقبت الأيدي على العين المغصوبة اختیارا مع العلم بالغصب أنه يسمی كل واحد منهم آکلا بالباطل ومعتديا ومسيئا.

السادسة: قد عرفت أن العين المغصوبة لا تخرج عن ملك مالكها فيجب ردها وإن تغيرت صفتها كالحنطة طحينا أو خبزا أو تعسر ردها كاللوح في السفينة والخشبة في البناء.

وان طرء فيه بسب ذلك نقص يأخذ معه الارش وتفاصيل الغصب وأحكامه في محله إن شاء الله تعالی.

عَلَيْكُمْ

1) (1) قوله تعالى : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) .

2) (2) قوله تعالى : (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ) . انتهی .

3) (3) قوله تعالى : و(فَمَنِ اعْتَدَى) . انتهی . (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ) . انتهى . (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ) . انتهی.

فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ).

الرابعة : في سورة حمعسق الآية 40 قوله تعالى : (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) .

الخامسة: في سورة الشورى الآية 41 قوله تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ(1)

قال الموسوي وفي المجمع معناه من انتصر لنفسه وانتصف من ظالمه بعد ظلمه أضاف الظلم إلى المظلوم أي بعد أن ظلم وتعدي عليه فأخذ لنفسه بحقه فالمنتصرون ما عليهم من اثم وعقوبة وذم.

وفي الصافي قوله تعالى : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) بالمعاتبة والمعاقبة.

وفي الخصال عن السجاد علیه السلام حق من أساك أن تعفو عنه وإن علمت أن العفو يضر انتصرت قال الله تعالی : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) .

وعن الصادق علیه السلام عن آبائه قال : «قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : ثلاثة ان لم تظلمهم ظلموك: السفلة والزوجة والمملوك» انتهى.

فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ).

1) (1) قوله تعالى : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ) .

البحث الحادي عشر: في الاقرار

وقد استدل على ذلك بخمس آيات:

الأولى : في سورة الملك الآية 11 قوله تعالى : (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ(1)

يدل على الاقرار حيث رتب الذم والدعاء عليهم بالبعد عن رحمة الله على اعترافهم واقرارهم على أنفسهم .

فيعلم من ذلك إن اقرار الانسان على نفسه جائز شرعا وحجة على اللزوم.

قال الموسوي : وفي الصافي فاسحقهم الله سحقا أي أبعدهم بعداً من رحمته وقرء فسحقا بضمتين .

والقمي قال : قد سمعوا وعقلوا ولكنهم لم يطيعوا ولم يقبلوا كما يدل عليه اعترافهم بذنبهم.

وفي الاحتجاج في خطبة الغدير النبوية : «ان هذه الآيات في اعداء علي علیه السلام وأولاده والتي بعدها في أوليائهم ». انتهى.

قال الفاضل قدس سره : فيها اشارة إلى كون المقر ذا معرفة بما أقر به فيدخل في ذلك اشتراط بلوغه وعقله ورشده.

و


1) (1) قوله تعالى : (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ).

فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) .

الثانية: في سورة النساء الآية 135 قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ(1)

دلالتها على المدعى واضحة لأن شهادة المرء على نفسه عين اقراره بما يلزمه من الحقوق.

قال الفاضل قدس سره : وفيها اشارة الى وجوب الإقرار بالحق اللازم للمقر لقوله تعالی : (کونوا قوامين بالقسط) ، أي بالعدل والأمر للوجوب.

شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ).

الثالثة: في سورة آل عمران الآية 82 قوله تعالى : (قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي(2)

تدل على لزوم الحكم للمقر.

قال الموسوي: وفي الصافي القمي عن الصادق علیه السلام قال: «لهم في الذر ( أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي) أي عهدي ( قَالُوا أَقْرَرْنَا ) قال الله للملائكة فاشهدوا.

وفي المجمع عن أمير المؤمنين علیه السلام قال : « أقررتم وأخذتم العهد بذلك على أممكم قالوا أي قال الأنبياء وأممهم أقررنا بما أمرتنا بالاقرار به قال الله فاشهدوا بذلك على أممكم وان أممكم من الشاهدين عليكم وعلى أممكم». انتهى.

ثم الاقرار لغة الاثبات من قولك قد الشيء يقر واقره بقره .

وفي الاصطلاح الشرع هو الاخبار عن حق واجب كقولك لك على أو عندي أو في ذمتي وما أشبه ذلك والحق قد يكون مالا وقد يكون عقوية وقد يكون نسبة .

والمال قد يكون معينة مفضلا وقد يكون مبهما فيلزم تفسيره. الخ.

قال الفاضل قدس سره : فيها اشارة إلى وجوب الحكم على المقر بما أقر به مطلقا .

قَالُوا أَقْرَرْنَا ).

1) (1) قوله تعالى : (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي) . انتهى .

الرابعة : في سورة الملك الآيات 8-9 قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ) .

الخامسة: في سورة الأعراف الآية 172 قوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (1)

يدل على شرعية الاقرار حيث رتب استیجاب العقوبة على اعترافهم واقرارهم.

).

البحث الثاني عشر: في الوصية

اشارة

البحث الثاني عشر: في الوصية(2)

ويدل عليها أربع آيات :


1) (1) قوله تعالى : (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى) وقوله تعالى : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) .

2) (2) قال الفاضل قدس سره : الوصية وهي لغة مشتقة من وصى يصي أي يصل ، يقال أوصى يوصی ایصاءاً ووصی یوصی توصية والاسم الوصية والوصاة. وشرعا هو تمليك عين أو منفعة بعد الوفاة وسمي ذلك وصية لأن الموصي يصل تصرفه بعد الموت بما قبله.

الأولى: في سورة مريم الآية 87 قوله تعالى : (لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ(1)

روی ابن بابویه والشيخ عن سليمان بن جعفر عن أبي عبدالله علیه السلام قال: «قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصا في مروته وعقله . قيل يا رسول الله وكيف يوصي الميت قال : إذا حضرته الوفاة واجتمع الناس إليه قال : اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم اللهم انی عهدت اليك في دار الدنيا أني أشهد أن لا اله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك وأن الجنة حق والنار حق والبعث حق والحساب حق والقبر والميزان حق وأن القرآن كما أنزلت وأنك أنت الله الحق المبين جزى الله محمداً خير الجزاء وحيى الله محمدا و آل محمد بالسلام . اللهم يا عدتي عند كربتي ويا صاحبي عند شدتی ویا ولي عند نعمتی . الهی واله آبائي لا تكلني إلى نفسي طرفة عيني فانك إن تكلني إلى نفسي كنت أقرب من الشر وأبعد من الخير وآنس في القبر وحشتي واجعل لي عهداً يوم ألقاك منشورا.

ثم يوصي بحاجته وتصديق هذه الوصية في القرآن في السورة التي يذكر فيها مريم في قوله عز وجل (لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) فهذا عهد الميت، والوصية حق على كل مسلم أن يحفظ هذه الوصية ويعلمها وقال أميرالمؤمنین علیه السلام علمنيها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم علمنيها جبرئيل علیه السلام (كما في الكافي ج 7 ص 2).

إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا).

الثانية: في سورة البقرة الآيات 180 - 182 قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ


1) (1) قوله تعالى : (لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ) . انتهی.

إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (1)

ولنذكر ما تضمنته الآية في جملة فوائد :

الأولى: الخطاب للمؤمنين أو كل من يصلح له الخطاب وإن كان غير مكلف، فيدخل فيه من بلغ عشرا من الصبيان وكان مميزا وكانت وصيته بالمعروف بحضور الموت حضور أسبابه وأمارته لكن يقيد بمن كان عنده رشده وعقله وإن اعتقل لسانه فيجوز بالاشارة والكتب في هذه الحال.

والمراد بالخير المال كما في قوله : (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) .

ويدخل فيه الدية فتنفذ منها الوصايا وتقضى الديون.

والوصية مرفوعة به (کُتِبَ) وتذكير الفعل لأن المعنى أن يوصى أو الايصاء.

ومن ثم ذكر الضمير الراجع إليها في قوله : (بَدَّلَهُ) .

وقيل : يجوز أن يكون رفعها بالابتداء و (لِلْوَالِدَيْنِ) الخبر.

والجملة جزاء الشرط بتقدير الفاء الرابطة على حد من يفعل الحسنات الله يشكرها .

الثانية: (کُتِبَ ) بمعنی فرض.

والمراد هنا الندب وزيادة الحث. الخ.

الثالثة: المراد بالأقربين المعروفون بنسبه عرفا وعادة سواء كانوا ورثة أم لا ذكورا أو إناثا.

وذلك لأنه لم يرد من الشارع تنصيص وتعيين للاقربين فيحال معرفتهم إلى العرف لأنه المحكم في مثل ذلك.

الرابعة: يستدل باطلاقها على جواز الوصية للذمي من الأقارب بل للحربي .

ويشهد الأول أيضا عموم قوله تعالى : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ).

والوصية بر. الخ.

الخامسة: اطلاق الوصية للأقربين يقتضي التسوية بينهم من غير تفضيل . الخ.

السادسة: قوله تعالى : (بِالْمَعْرُوفِ) الظرف متعلق بالوصية أو بمقدر حال عنها.

وقوله : ( حَقّاً) مصدر مؤكد للمضمون المذكور وخصهم بالذكر بعد دلالة أول الكلام على التعميم تشريفا لهم ولأنهم المراعون لامتثال الأوامر .

والمراد بالمعروف هنا ما كان على النهج الشرعي والطريق العدل .

السابعة: ظاهر الآية يدل باطلاقه على جواز الوصية بأي قدر شاء من المال .

ولكن خرج ما زاد على الثلث الاخبار والاجماع.

الثامنة: ما تضمنته من عدم جواز تغير الوصية بالمعروف وصرفها على الوجه الذي أمر به لا يجوز ذلك للوصي ولا لغيره.

والمراد بسماعه وصول العلم إليه بذلك وتحققه عنده .

التاسعة: قوله : (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا) . انتهى . قره أهل الكوفة غير حفص ويعقوب موض بالتشديد والباقون بالتخفيف .

فالأول من وصى ، والثاني من أوصى.

والجنف حرمان بعض الورثة.

والاثم الوصية لبيوت النيران ( أي تأمر بعمارة بيوت النيران واتخاذ المسكر فيحل للوصي أن لا يعمل بشيء من ذلك كما في الصافي).

وضمير (بَيْنَهُمْ) يرجع إلى الورثة وأموالهم.

والاصلاح ردها إلى المعروف .

إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ

1) (1) قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) .

بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَنْ(1)

وفيها أيضا دلالة على بطلان قول من يقول إن الوارث اذا لم يقض دين الميت فانه يؤخذ به في قبره أو في الآخرة لما قلناه من أنه يدل على أن العبد لايؤخذ بجرم غيره اذ لا إثم عليه بتبدیل غیره.

وكذلك لو قضى عنه الوارث إذا لم يوص به لم يزل ذلك عقابه إلى أن يتفضل الله باسقاط عقابه ؛ قال الموسوي : في الأخير تأمل.

بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ).

الثالثة : في سورة النساء الآية 11 قوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ(2)

ذکر سبحانه هذا اللفظ ثلاث مرات في ثلاث آيات .

وقيده في واحدة منها - وهي الآية 15 - بقوله: (غَيْرَ مُضَارٍّ) وهو حال منضمير يوصي والظرف متعلق بما تقدمه من قسمة الميراث أي انه يقسم ذلك بعد انفاذ الوصية.

والدين في حال كونه غير مضار في وصية بأن لا يوصى أزيد من الثلث أو لا يقر بدين ليس عليه يقصد حرمان الورثة. الخ

قال الفاضل قدس سره : هنا سؤال تقريره لم قدم الوصية على الدين مع أن الفقهاء مجمعون على تقديم مؤونة التجهيز من أصل التركة ، ثم الدين من الأصل أيضا، ثم الوصية من الثلث وأيضا الدين يجب أداؤه سواء أوصى به الميت أو لم يوص والوصية لا يجب إلا إذا أوصى بها.

والجواب أن «أو» هنا بمعنی « إلّا» أو تقديره من بعد وصية الا أن يكون هناك دین.

فان قلت : إن «أو» لا يكون بمعنی «الّا» أو «الی» الا إذا دخلت على فعل مضارع وهنا ليس كذلك .

قلنا : الفعل هنا مقدر وهو يحصل أو يكون أو يوجد واما قدرنا ذلك لئلا يلزم حمل القرآن على الركاكة.

فان قلت : اذا كانت بهذا المعنى يجب أن يكون جوابا بأحد الأمور الثمانية وليس هيهنا شيء منها.

قلت : هي هنا جواب الأمر إذ تقدير يوصيكم الله أعطوا أولادكم.

) .

1) (1) قال في مجمع البيان في قوله تعالى : (فَمَنْ بَدَّلَهُ) . انتهى . في هذه الآية دلالة على أن الوصي أو الوارث اذا فرط في الوصية أو غيرها لا يأثم الموصي بذلك ولم ينقص من أجره شيء فانه لا يجازی أحد على عمل غيره.

2) (2) قوله تعالى : ( من بعد وصية يوصي بها أو دين) .

الرابعة : في سورة المائدة الآيات 106 - 108 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ(1)

( شَهَادَةُ ) مبتدأ محذوف الخبر أي علیكم شهادة بينمكم.

و(اثْنَانِ) فاعل لفعل محذوف أي يشهد على حد لبيك يزيد ضارع لخصومة.

ويجوز أن يكون اثنان فاعلا سادا مسد الخبر أو يكون هو الخبر على حذف مضاف أي الاشهاد الذي أمرتم به وتقام به الحقوق فيما بينكم عند الحكام شهادة اثنين فالاضافة إلى الظرف على الاتساع وذلك عند حضور أمارات الموت والأمراض هي مظنة لذلك أي ينبغي لكم أن تفعلوا ذلك فهو ظرف للاشهاد و (حِينَ الْوَصِيَّةِ) بدل منه.

وفيه اشارة إلى أنه إنما يفتقر إلى ذلك حين ارادة الايصاء بالأمور ليكون ذلك دافعا للمنازعة ومثبتا للحقوق التي يريدها. الخ.

أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ

1) (1) قوله تعالى : (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ) . انتهی.

ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا (1)

صفة (آخَرَانِ) به وجملة الشرط مع جوابه المحذوف المدلول عليه بقوله : (آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ).

اعتراض وفائدته الدلالة على أنه ينبغي أن يشهد منكم اثنان فان تعذر فمن غيركم.

ويجوز أن يكون الجملة مستأنفة كانه قيل كيف العمل بشهادة غير المسلمين مع حصول الارتياب بشهادتهما.

فقال : (تَحْبِسُونَهُمَا ) أي تمنعونهما وتقفونهما لاداء ذلك من بعد صلوة العصر كما سيجيء إن شاء الله . الخ.

مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ (2)

عطف على تحبسونهما.

بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ (3)

المراد ارتياب الوارث أو من يقوم مقامه من الأولياء .

ويحتمل الأعم منه ومن الحكام للشرع.

وفائدة اعتراض الشرط التنبيه على اختصاص القسم بحال الريبة .

وقوله : (لَا نَشْتَرِي بِهِ) هو مقسم عليه .

والمعنى لا نستبدل بالله أو التي بالقسم بالله كذبا لأجل نفع وغرض من الدنيا ولو كان المقسم له المشهود له حينئذ ذا قربی .

وجوابه محذوف مدلول علیه بسابقه أي لا نشتري ولا نكتم شهادة الله التي أمرنا باقامتها مع علمنا بأنا إذا كنتمناها من الآثمين.

(فَإِنْ عُثِرَ) أي اطلع.

(عَلَى أَنَّهُمَا) فعلا ما يوجب اثما فشاهدان آخران يكونان من الورثة أو ممن يلي أمرهم.

(الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ) أي أثبت الوصية عليهم وأخذ منهم متعلقها بسبب شهادة الشاهدين الذين بان كذبهما.

(الْأَوْلَيَانِ) أي الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما بأحوال صاحبهما وهو بدل من ضمير يقومان أو خبر مبتدأ محذوف أي هما أو خبر آخران أو بدل منهما.

وقرء حمزة ويعقوب وابوبكر عن عاصم (الْأَوَّلِينَ) على انه صفة الذين . أو بدل منه أي من الأولين الذين استحق عليهم.

وقرء الأولين على التثنية وانتصابه بفعل محذوف أي أعني أو على المدح وقرء الأولان واعرابه اعراب الأوليان.

(فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) أي يمينا أصدق وأول من يمينهما لخيانتهما وكذبهما فاطلاق الشهادة على اليمين مجاز لوقوعها موقعها كما في اللعان . الخ.

وما اعتدينا وتجاوزنا الحق انا اذا اعتدينا لنعلم أن نكون من الظالمين .

ذلك أي الحكم الذي تقدم أو تحليف الشاهد .

أدنى أي أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها على نحو حملوها من غير تحريف وخيانة فيها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد ایمانهم أي ترد اليمين على المدعين بعد ایمانهم فيحصل لهم الفضيحة بظهور الخيانة واليمين الكاذبة وانما جمع الضمير لأنه حكم يعم الشهود كلهم.

قال في مجمع البيان انها نزلت في تميم بن اويس الداري وأخيه عدي وهما نصرانیان وابن أبي مارية مولی عمرو بن العاص السهمي وكان مسلما حتى اذا كان ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى إليهما ودفع المال إليهما وقال أبلغاه أهلي فلما مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما منه ثم رجعا المال إلى الورثة فلما فتش القوم المتاع فقدوا بعضه ونظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيها تامة. الخ.

فقد استفيد من الآية أحکام:

الأول: رجحان الوصية والاشهاد عليها وكون أقل الشهود اثنين عدلين.

الثاني: ظاهرها التخيير في الاشهاد على الوصية بين المسلمين والكفار مطلقا .

الثالث: قد يستفاد من العطف اعتبار عدالة أهل الذمة في مذهبهم في قبول شهادتهم في ذلك.

الرابع: قد يظهر منها اشتراط السفر في قبول شهادة الذمي في الوصية .

الخامس: قد يظهر منها ومن الأخبار تقديم المخالف العدل في دينه على الذمي لدخوله تحت الاسلام بالمعنى العام .

السادس: يظهر منها ومن الأخبار أن الشاهد الذي يحلف مع حصول الريبة في التهمة لا بدون ذلك وأنه اذا حصلت امارة أوجبت الظن بخيانهما يحلف الوارث أو من يقوم مقامه من الأولياء المطلعين على ذلك على بطلان دعواهما أو نفي العلم بذلك فينقض شهادتهما ويأخذ منهما المال.

السابع: قد عرفت فيما سبق أنه يشترط في الشاهد الايمان والعدالة وجازت شهادة الذمي في الوصية خاصة بالنص والنص تضمن المال.

فلا تسمع شهادتهما في غيره كالولاية.

..................

1) (1) قوله تعالى : (تَحْبِسُونَهُمَا) . الخ.

2) (2) قوله تعالى : (فَيُقْسِمَانِ) .

3) (3) قوله تعالى : (إِنِ ارْتَبْتُمْ) .

لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ).

في بعض أحكام الحجر

ويدل عليه خمس آيات:

الأولى: في سورة النساء الآية 2 كقوله تعالى : (وَآتُوا الْيَتَامَى(1)

في القاموس اليتم بالضم الانفراد أو فقدان الاب ويحرك ، وفي البهایم فقدان الأم. واليتيم الفرد وكل شيء يعز نظيره وقد يتم كعلم وضرب يتما ويفتح وهو يتيم ويتمان ما لم يبلغ الحلم، الجمع ایتام ویتامی ونحوه في الصحاح.

فعلم من اللغة أن اليتيم إنما يطلق على ما دون البلوغ كما هو في العرف وفي الشرع أيضا لقوله صلی الله علیه و آله و سلم : «لا يتم بعد الحلم .» فالخطاب لمن بيده ما لهم من ولي ووصي ونحوهم أن يدفع إليهم ما لهم بعد البلوغ والرشد. الخ.

واطلاق اليتيم عليهم لقرب العهد بالصور من قبيل تسمية الشيء بما كان عليه . الخ.


1) (1) قوله تعالى : (وآتوا اليتامى) . انتهى .

أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ(1)

فالمراد لا تستبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم فان الحرام خبيث أي ردي في الاخرة . الخ.

وبالجملة المراد النهي عن أكل أموالهم ظلما الذي هو من الكبائر . الخ.

وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) .

الثانية: في سورة النساء الآية 6 قوله تعالى :(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى (2)

هذه الآية مقيدة لاطلاق الآية السابقة حيث تضمنت أنه انما يدفع أموالهم إليهم بعد حصول البلوغ والرشد.

ولنذكر شرحها في ضمن فوائد :

الأولى: الخطاب للأولياء الذين بيدهم أموالهم أو لمن كان بيده لهم مال وان لم يكن ولي ولا وصيا.

والابتلاء : الاختبار وهو يختلف باختلاف أهل المكان الذي نشأوا فيه وأحوالهم. الخ .

الثانية: المراد ببلوغ النكاح بلوغ الحد الذي يقدرون معه على المواقعة والانزال . الخ.

الثالثة: دلت الآية على اعتبار الرشد ومعنى الرشد أن يكون له عقل يصلح به أمواله ولا يخدع غالبا في المعاملات والتصرفات اللائقة.

الرابعة: قد يفهم من الآية تقديم الاختبار على البلوغ ولعل ذلك لأن مناط الرشد هو عقل المعاش ووجوده لا يتوقف على البلوغ ولأنه يحتاج إلى فسحة من الزمان لتحصيل الوثوق بكثرة المعاشرة والامتحانات.

ويترتب على ذلك المسارعة إلى أهله كما يقتضيه الأمر به في قوله تعالی : (فَادْفَعُوا) .

الخامسة: قد استدل بعضهم بالاية على صحة تصرفات الصبي المميز الواقعة باذن الولي لأن الابتلاء المأمور به قبل البلوغ.

وهو إنما يحصل اذا أذن له الولي في البيع والشراء ونحوهما.

ليحصل الغرض المقصود من الاختبار وفيه تأمل.

السادسة: ظاهر اطلاق الآية يقتضي جواز دفع المال إليهم بل وجوبه على الفور كما يقتضيه التعقيب بالفاء.

وذلك لأنه علق الأمر بالدفع على استيناس الرشد فلو توقف معه على أمر آخر لم يكن الشرط صحيحا.

السابعة: مقتضی مفهوم الشرط عدم جواز الدفع إليهم عند عدم الرشد ولو طعن في السن كما يدل عليه قوله تعالى :(وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) على ما هو في رواية الثمالي وصحيحة هشام ونحوهما .

الثامنة: تضمنت النهي عن أكل مال اليتيم وقد وقع النهي عنه مكررا مشددا فيه.

والمراد به مطلق التصرف. والاسراف والبدار منصوبان على التعليل.

والأول : ایماء الى العقوبة الأخروية.

فالمراد به الاسراف على النفس الموجب دخول النار.

والثاني إلى العقوبة الدنيوية. الخ.

حَتَّى

1) (1) قوله تعالى : (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) .

2) (2) قوله تعالى : (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى ) . انتهى.

إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ).

الثالثة : في سورة النساء الآيات 9- 10 قوله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ(1)

جملة الشرط والجزاء صلة الموصول و(ظُلْمًا) حال لمحذوف أي أكلا ظلما وهو خلاف المعروف ففيه دلالة على جواز الأكل بالمعروف.

ففي عيون الاخبار فيما كتب الرضا علیه السلام إلى محمد بن سنان : « وحرم أكل مال اليتيم ظلما لعلل كثيرة من وجوه الفساد .

اول ذلك أنه إذا أكل مال اليتيم ظلما فقد أعان على قتله اذ اليتيم غير مستغن ولا محتمل لنفسه ولا عليم بشأنه ولا له من يقوم عليه ويكفيه كقيام والديه فاذا أكل ماله فكأنه قد قتله وصيره إلى الفقر والفاقة مع خوف الله وجعل له من العقوبة في قوله: (وَلْيَخْشَ)». الخبر .

وقوله : (يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) المراد سببها أي إنها سبب لدخول النار بطونهم كما يكون سببا لدخولها وهو المشار إليه بقوله : (سَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) كما دلت عليه الأخبار.

وظهر من الأخبار أن الخطاب والتحذير في الايتين للأوصياء والقائمين باصلاح أموال اليتامی.

وقيل : إن الخطاب في الآية الأولى للذين يجلسون عند المريض ويقولون إن أولادك لا يغنون عنك من الله شيئا فقدم مالك في سبيل الله فيفعل المريض بقولهم فيبقى أولاده ضائعين ، كلا على الناس فأمرهم أن يخافوا الله في هذه المقالة ويقدرون ان أولادهم هم المخلفون ويفعلون بهم ما هم أشاروا به ويؤيد هذا القول قوله : (وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا).


1) (1) قوله تعالى : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ) . انتهی.

لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا).

الرابعة : في سورة النساء الآية 5 قوله تعالى : (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ(1)

قرء نافع وابن عامر قيما بغير ألف والباقون قياما بالألف.

ونقل أن فيه ثلاث لغات قياما وقيم وقوام.

والمراد ما به قوام معاشکم ومعادكم.

والسفه خلاف الرشد وقد مر أنه قد يكون متعلقه أمر المعاش وقد يكون أمر المعاد.

واختلف في معنى الآية على أقوال :

أحدها: أن الخطاب فيها للأولياء أمروا أن يمسكوا أموال اليتامى ويجروا عليهم النفقة وما يحتاجون إليه وأن يرفقوا بهم بالقول وحسن المعاشرة والملایمة إلى البلوغ والرشد.

والسفاهة هنا هم اليتامی.

الثاني: أن الخطاب أيضا للأولياء وذلك أنه تعالى لما تضمن كلامه السابق على هذه الاية الأمر بدفع مال الايتام إليهم عقبه بذكر من لا يجوز دفع المال إليه منهم وهو من بلغ سفيها.

فالمراد بالسفيه على هذين القولين من كان ناقص العقل وغير مصلح لأمواله والنهي للتحریم.

الثالث: أن الخطاب لساير المكلفين من المؤمنين أن لا يضعوا أموالهم إلى من لا يوثق به في الديانة أو حفظ الأموال وارجاعها إليهم أو انفادها إلى ما يريدون أو على ما يريدون.

فيكون المراد بالسفيه من اتصف بأحد المعنيين المذكورين الفسق وافساد المال .

وقيل في قوله : (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا) دون أن يقول منها دلالة على جواز التكسب لهم فيها بل على وجوبه لئلا يفنيها الانفاق.

وفيه نظر لجواز كون المعنى أنه تعالى جعل الرزق لهم فيها مع أن التكسب فيها موجب للضمان لها . الخ.


1) (1) قوله تعالى : (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ) . انتهى.

أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا).

الخامسة: في سورة النحل الآية 75 قوله تعالی : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا

مَمْلُوكًا(1)

فقوله : (مَمْلُوكًا) يخرج الحرّ فان جميع الناس عبيد الله .

وقوله : (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) أي من التصرفات .

فالجملة صفة أخرى للعبد يخرج بها المأذون له والمكاتب.

وقوله : ( مِنَّا رِزْقًا ) موصولة كناية عن الحر الذي ملکه الله مالا وأفاض عليه نعمه وأقدره على التصرف في ذلك.

وهل للانكار ويراد بالعبد الجنس.

فلهذا عبر بصيغة الجمع في قوله : (يَسْتَوُونَ) .

وهو مثل ضربه سبحانه لما يشرك به من الأصنام.

فمثل الصنم بالعبد ونفسه تعالى بالحر . الخ.

وبالجملة الآية دالة على أن العبد ممنوع من التصرفات .

لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ ).

البحث الثالث عشر: في العطايا المنجزة

کالوقف والسكنی والصدقة والهبة وغير ذلك وليس في الكتاب آیات تدل على ذلك بخصوصه بل تدل بعمومها وظواهرها على فعل الخيرات ؛ فتناول ما ذكرناه:

الأولى: في سورة آل عمران الآية 92 قوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى


1) (1) قوله تعالى : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا). انتهى .

تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ(1)

قال الموسوي وفي البرهان عن الصادق علیه السلام : (حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) هكذا فاقرءها.

وفي ذيل رواية المفضل قال علیه السلام : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) : «فنحن البر والتقوى وسبيل الهدی وباب التقوی.» الخبر .

وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ).

الثانية: في سورة آل عمران الآية 104 قوله تعالى : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ(2)

في البرهان عن أبي جعفر علیه السلام : « فهذه الآية لمحمد صلی الله علیه و آله و سلم ومن تابعهم يدعون إلى

الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر».

والعياشي عن أبي عمر والزبيري عن أبي عبدالله علیه السلام قال في قوله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ) . الخ «في هذه الاية تكفير أهل القبلة بالمعاصي لأنه من لم يكن يدعو الخيرات ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من المسلمين فليس من الأمة التي وصفها لأنكم تزعمون أن جميع المسلمين من أمة محمد صلی الله علیه و آله و سلم قد بدت هذه الآية وقد وصفت أمة محمد صلی الله علیه و آله و سلم بالدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن لم يوجد فيه الصفة التي وصفت فكيف يكون من الأمة وهو على خلاف ما شرطه الله

على الأمة ووصفها ». انتهى.

أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(3)

قال الموسوي وفي الصافي أي المخصوصون بكمال الفلاح الأحقاء به.

في الكافي عن الصادق علیه السلام: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقان من خلق الله تعالى ، فمن نصرهما أعزه الله ومن خذلهما خذله الله ».

وفي التهذيب عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم إنه قال : « لا يزال الناس بخیر ما امروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر فاذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء ».

وفيهما عن الباقر علیه السلام قال : « يكون في آخر الزمان قوم يتبع فيهم قوم مراؤن يتقرؤن ویتنکسون حدثا سفها لا يوجبون امرا بمعروف ولا نهيا عن منكر الا اذا امنوا الضرر يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير يتبعون زلات العلماء وفساد علمهم يقبلون على الصلوة والصيام وما لا يكلمهم في نفس ولا مال ولو أضرت الصلوة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها کما رفضوا اسمى الفرائض وأشرفها إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض هنا لك يتم غضب الله عليهم فيعمهم بعقابه فيهلك الأبرار في دار الفجار والصغار في دار الكبار . إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر سبيل الأنبياء ومنهاج الصالحين فريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وترد المظالم وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر فانکروا بقلوبكم والفظوا بألسنتكم وصوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائم، فان اتعظوا وإلى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق اولئك الهم عذاب أليم، هنالك فجاهد وهم بأبدانكم وأبغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطانا ولا باغین مالاً ولا مریدین بالظم ظفرا حتى يفيؤا إلى أمر الله ويمضوا على طاعته».

قال أبو جعفر : و أوحى الله تعالى إلى شعیب النبي صلی الله علیه و آله و سلم إني معذب من قومك مأة ألف أربعين ألفا من شرارهم وستين ألفا من خيارهم فقال : يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخبار فأوحى الله عزوجل إنهم داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي» .

انتهی.

).

1) (1) قوله تعالى : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ).

2) (2) قوله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ) . انتهى .

3) (3) قوله تعالى : ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

الثالثة : في سورة آل عمران الآية 114 قوله تعالى : (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) .

الرابعة : في سورة آل عمران الآية 115 قوله تعالى : (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) . هذه الآية تدل على عدم جواز الاحباط ولقوله تعالى في سورة المزمل الآية 20: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ).

ونحو ذلك من الآيات التي تدل بعمومها على فعل الخيرات .

البحث الرابع عشر: في النذر والعهد واليمين

أما النذر ففیه آیتان :

الأولى: في سورة البقرة الآية 270 قوله تعالى : (وَمَا أَنْفَقْتُمْ(1)

ما اسم موصول متضمن معنى الشرط مبتدأ وجملة ( فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) الخبر أي إنه عالم بما تفعلونه وبما قصدتموه في فعلكم من خير وشر لا يفوته شيء من ذلك . ففيها حث على الفعل وايقاعه على الوجه الذي ينال به السعادة وتحذير عن الاتيان به على خلافه.

ثم صرح بالوعيد بقوله : (وَمَا لِلظَّالِمِينَ) أي المانعين الصدقات الواجبة أو الصارفین لها في غير الوجه الذي أمروا به والذين لا يوفون بالنذر أو المراد الأعم من ذلك.

فوائد:

الأولى: في عطف النذر على النفقة ارشاد إلى مشروعية النذر.

ويدل عليه مع ذلك اجماع الأمة والاخبار المستفيضة .

الثانية: تعقيبه بالوعيد يدل على وجوب الوفاء به.

ويدل عليه الاجماع والاخبار .

الثالثة: تعقيبه بالوعيد أيضا يدل على أنه إنما يلزم وينعقد من البالغ العاقل المختار القاصد دون الصبي والمجنون والمكره و فاقد القصد بسكر أو اغماء أو عدم النية ونحو ذلك.

ويدل عليه الأخبار وهو المفتی به بين الأصحاب.

الرابعة: النذر عبادة متلقاة من الشارع.

الخامسة: المتبادر من اطلاق النذر في الآية أنه يشترط في الصيغة مع النية والقصد النطق باللسان.

السادسة: حيث عرفت إنه عبادة متلقاة من الشارع فلابد من نية القرية .

السابعة: اطلاقها تدل على لزوم النذر المتبرع به أي الذي لم يعلق على شرط .

الثامنة: اطلاق لزوم الوفاء بالنذر يقتضي التعميم في كل مورد .

والبيان من الشرع خضه بما كان راجحة في الدين والدنيا.

التاسعة: في الوعيد على المخالفة إشعار بكونه إنما يلزم النذر إذا كان مقدور للنادر.

العاشرة: اطلاقها يقتضی عموم التكليف بالوفاء .

والمشهور بين الأصحاب أنه لا ينعقد نذر المملوك ولا الزوجة إلا باذن المالك في الأول والزوج في الثاني.

مِنْ نَفَقَةٍ

1) (1) قوله تعالى : (وَمَا أَنْفَقْتُمْ) . انتهى.

أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).

الثانية: في سورة الانسان الآية قوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا(1)

أي عظيما مذهبا للعقول.

لما مرض الحسن والحسين عليهماالسلام نذر علي وفاطمة والحسنان صلوات الله عليهم صيام ثلاثة أيام.

والقصة ونزول السورة فيهم مشهور، والآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر من حيث عطف الخوف المترتب على ترك الوفاء. انتهی .

قال الفاضل قدس سره : والاستدلال بها من وجهين : الأول : أنها خرجت مخرج المدح لهم صلوات الله عليهم وذلك دليل رجحان الوفاء بالنذر.

الثاني : ارداف الوفاء بخوف شر يوم القيامة وفيه دلالة على وجوب الوفاء اذ المندوب لا يخاف من تركه العقاب.

) .

وأما العهد ففيه أربع آيات :


1) (1) قوله تعالى : (كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) .

الأولى: في سورة بنی اسرائیل الآية 34 قوله تعالى : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ(1)

أي مسؤولا عنه الناكث له أو مطلوبا من المعاهد أن يفي به ولا يضيعه .

أو المعنى أن صاحب العهد مسئول عنه . الخ.

قال الفاضل قدس سره قوله: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ) دلت على وجوب الوفاء بالعهد من وجهين

الأول : صيغة الأمر في قوله : (أَوْفُوا) والأمر للوجوب.

(قال الموسوي وفيه تأمل بل منع ).

الثاني : كون العهد مسئولا ولا يسئل عن غير الواجب فيكون الوفاء به واجبا.

إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) .

الثانية: في سورة الأنعام الآية 152 قوله تعالى : (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا(2)

في الآية الثانية روى ابن بابویه في الخصال وغيره عن عنبسة بن مصعب قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : «ثلاثة لم يجعل الله تعالى لأحد من الناس فيه رخصة منها الوفاء بالعهد للبر والفاجر». الخبر .

فالآية تدل على وجوب الوفاء.

قال الأردبيلي قدس سره : ففيها دلالة على وجوب الإيفاء بالشروط والعهود والنذر والعقود والاتيان بجميع ما أمر به من العمل بالعدالة في القول والفعل وايفاء الكيل والوزن وغير ذلك .

وقال الفاضل قدس سره وهذه أيضا فيها أمر صریح بالوفاء فيكون واجبا أكد ذلك الوجوب بأنه وصاهم به وفيه حض عظيم على الوفاء علله بقوله : (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .

1) (1) قوله تعالى : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) .

الثالثة : في سورة النحل الآية 91 قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ(1)

كما يدل عليه ما ورد في عدة أخبار كثيرة أنه لما أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الناس بالسلام على أمير المؤمنين علیه السلام بامرة المؤمنين فقال له الأول حين أمره صلی الله علیه و آله و سلم بذلك من الله أو من رسوله فقال له النبي صلی الله علیه و آله و سلم نعم من الله ومن رسوله وكذا الثاني فقاما وسلما فخرجا وهما يقولان لا والله لانستم له أبدا، فأنزلت هذه الآية.

ولا يخفى ما في الآية من المبالغة.

قال الفاضل قدس سره : وفي الآية حكمان :

أحدهما: وجوب الوفاء بالعهد، ثانيهما وجوب الوفاء بمقتضى اليمين وأكد بعدة تواكيد:

منها: (جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) أي رقيبا. الخ.

ومنها : ( إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) من الوفاء وعدمه وفيه تهدید عظيم على النكث وحض على الوفاء.

ومنها: شبههم في نقضهم وعدم وفائهم بحال التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا جمع نكث بكسر الفاء في خرقها وقلة عقلها وهي امرأة يقال لها ريطة بنت سعد بن تیم ( تميم ) وكانت خرقاء اتخذت مغزلا قدر زراع وصنارة (أي رأس المغزل) مثل اصبع وفلكة عظيمة على قدرها وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمره فينقضن ما غزلن .

إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ).

الرابعة : في سورة المؤمنون الآية 8 قوله تعالى : (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ


1) (1) عهد الله هنا أعم من النذر واليمين والعهد المصطلح كما يرشد إليه قوله : (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ) بل يندرج في ذلك جميع ما عهد الله تعالى إلى خلقه من التكاليف.

وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(1)

وقد ثبت في ما مر أن رعاية الأمانة وحفظها وأدائها إلى أهلها واجب فالعهد المعطوف كذلك. وبالجملة لا ريب في دلالة الآيات والروايات على ذلك.

واليه ذهب علماء الاسلام لكن قيدها البيان من معادن الوحي الإلهي بما لم يكن ما عاهد عليه مرجوحا كالواجب والمندوب واجتناب المحرم والمكروه ودفع بلية ونحو ذلك فلو كان مرجوحا لم ينعقد.

يدل على ذلك ما رواه الشيخ عن أبي بصير عن أحدهما عليهماالسلام قال : « من جعل عليه عهد لله وميثاقه في أمر الله طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا.

).

وأما اليمين ففيه ثلاث آيات:

الأولى: في سورة البقرة الآية 224 قوله تعالى: ( وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ(2)

قد تطلق العرضة والمراد بها ما يعرض من دون الشيء فيحجز عنه .

وقد تطلق ويراد بها المعرض للأمر والمبذول له.

والمعنى على الأول لا تجعلوا القسم بالله حاجزا لما حلفتم عليه من أنواع الخير فيكون قد اطلق الإيمان واراد المحلوف عليه لعلاقة الملابسة ويكون قوله : ( أَنْ تَبَرُّوا) إلى آخره من قبيل عطف البيان على الايمان .

واللام يتعلق بالفعل أي لا تجعلوا لما حلفتم عليه من فعل البر والتقوى والاصلاح بين الناس القسم بالله حاجزا ومانعا.

ويجوز ان يتعلق بعرضة وعلى هذا ونحو ذلك هو ( أي اللام) للتقوية أن يكون للتعليل ويكون في (أَنْ تَبَرُّوا) الخ متعلقا بالفعل أو بعرضة أي لا تجعلوا الله لأن تبروا لأجل ایمانكم.

وعن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهماالسلام في قوله تعالى : ( وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) قال : « یعني الرجل يحلف أن لا يكلم أخاه وما أشبه ذلك.» ونحو ذلك من الأخبار الدالة على كون المراد بالعرضة الحاجز والمانع عن ارتكاب فعل الخير بسبب القسم بالله فان يمينه هذه لغو. الخ.

أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).

1) (1) قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) .

2) (2) قوله تعالى : ( وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) . انتهى .

الثانية: في سورة البقرة الآية 225 قوله تعالى : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ(1)

قال في الصحاح : لغا يلغوا لغواً أي قال باطلا يقال لغوت باليمين .

ثم قال : واللغو في الأيمان ما لا يعقد عليه القلب كقول الرجل في كلامه بلی والله ولا والله .

وفي القاموس هو السقط وما لا يعتد به من کلام وغيره .

لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ) أي بالاثم في الحلف اذا كفرتم .

وفي لغة مجمع البيان أصل اللغو الكلام الذي لا فائدة فيه ثم قال في بيان المعنى اختفلوا في اليمين اللغو فقيل هو ما يجري على عادة اللسان من قول لا والله بلى والله من غير عقد يمين يقطع بها مال ولا يظلم بها أحد عن ابن عباس وعايشة والشعبي وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهماالسلام وهو قول الشافعي.

وقيل هو ان يحلف وهو يرى أنه صادق ثم تبين أنه كاذب فلا إثم عليه ولا كفارة ، عن جماعة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .

وقيل هو يمين الغضبان ، وقيل كل يمين ليس له الوفاء بها فهو لغو. انتهى .

والجار صلة للفعل أو للمعنى ويجوز أن يكون حالا عن اللغو والعامل الفعل.

وروى في الفقيه عن أبي بصير عن أبي عبدالله علیه السلام في قول الله عز وجل : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) قال : « هو لا والله ويلي والله .

وفي الكافي والتهذيب عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبدالله علیه السلام : « لا والله ویلی والله ولا يعقد على شيء» .

فظهرت من ذلك أن المراد باليمين اللغو هو ما جرى على عادة اللسان من غير قصد وان المراد عدم المؤاخذة في الدنيا بالكفارة والتعزير وفي الآخرة بعدم العقاب كما يقتضيه عموم النفي.

وان المراد (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) ما قصدته وعزمت عليه أي ما وافق اللسان القلب فيه فدلت على انه يشترط في انعقاد اليمين النية . الخ.

وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ).

1) (1) قوله تعالى : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ).

الثالثة: في سورة المائدة الآية 89 قوله تعالى : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ(1)

قرء ابن عامر عاقدتم وأهل الكوفة غير حفص عقدتم بالتخفيف والباقون بالتشديد ومعنى الكل واحد لأن عاقد بمعنی عقد ومعنى التعقيد موافقة اللسان والقلب كما مر في كسب قلوبكم.

أو أن عقد بالتشديد هنا بمعنی عقد بالتخفيف.

وبالجملة ليس المراد التكثير لأن المؤاخذة باليمين قد تحصل بالواحدة اجماعا.

روی علي بن ابراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض رجاله عن أبي عبدالله علیه السلام في قوله : (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُم) قال : نزلت هذه الآية في أميرالمؤمنين عليه السلام وبلال وعثمان بن مظعون .

فأما أمیرالمؤمنین علیه السلام فحلف أن لا ينام بالليل أبدا.

وأما بلال فحلف أن لا يفطر بالنهار.

وأما عثمان فانه حلف أن لا ينكح ابدا.

فدخلت امرأة على عائشة وكانت امرأة جميلة فقالت عائشة مالي أراك معطله فقالت ولمن أتزين فوالله ما قربني زوجي منذ كذا وكذا فانه قد ترهب ولبس المسوح وتزهد في الدنيا فلما دخل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أخبرته عایشة بذلك فخرج فنادى الصلوة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات ألا اني أنام الليل وأنكح وأفطر بالنهار فمن رغب عن ستتي فليس مني فقام هؤلاء فقالوا يا رسول الله قد حلفنا على ذلك فأنزل الله (لَا يُؤَاخِذُكُمُ ) الآية.

فيظهر من هذا أن مثل هذا اليمين داخل في اللغو الذي لا يؤاخذ بمخالفته .

ويظهر منه أن كل من حلف على شيء وكان خلافه خير منه فيمينه داخل في اللغو وأنه لا كفارة فيه حتى لو طرأت الأولوية والخيرية بعد اليمين انحل اليمين أيضا وبذلك افتى الأصحاب.

قوله تعالى : (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ) المراد لم يجد الأشياء المذكورة ولا اثمانها .

قوله : (كَذَلِكَ) أي مثل ذلك البيان (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أي أحكامه واعلام شرایعه (لَعَلَّكُمْ) اذا علمتم بها كما بين لكم (تَشْكُرُونَ) أي تعدون من الشاكرين أو تشکرون نعمة البيان المسهل لكم المخرج والخلاص مما ألزمتم به أنفسكم .

فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ

1) (1) قوله تعالى : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ) . انتهى.

عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ).

البحث الخامس عشر: في العتق وتوابعه

وفيه آيتان:

الأولى: في سورة الأحزاب الآية 37 قوله تعالى : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ(1)وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ).

الثانية: في سورة النور الآية 33 قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ(2)

الكتاب والمكاتبة مصدران من المزيد فيه من الكتب وأصله الضم والجمع.

سمى هذا النوع بذلك لانضمام النجوم فيها أو لأنها توثق بالكتابة من حيث كونها تقع منجمة مؤجلة بأوقات.

وقوله : (مِمَّا مَلَكَتْ) الخ. بيان لما تقدمه والكناية ب«ما» عمن يعقل جایزة وكانه للاشارة إلى حط رتبتهم عن الأحرار.

(وَالَّذِينَ) مبتدأ (فَكَاتِبُوهُمْ) الخبر وصخ دخول الفاء لتضمنه معنى الشرط.

وان شرط وجزائه محذوف لدلالة الأول عليه .

و (الَّذِي آتَاكُمْ ) صفة للمضاف إليه أي الذي خولكم النعم .

وهنا أحکام:

الأول: دلت الآية على مشروعية الكتابة في الجملة .

الثاني: ظاهر اطلاقها يدل على الاستحباب سواء طلبها بالقيمة أو بأزيد أو بأنقص .

الثالث: دل الآية على تقييد ذلك بحصول العلم بالخير وقد فسر الخير بالدين والدنيا.

الرابع: في تعليق الأمر بالكتابة على الابتغاء اشعار باشتراط كون المملوك مكلفا.

الخامس: تضمنت الآية الكتابة وقد ورد البيان عنهم علیه السلام أنها تكون منجمة بوقت أو أكثر وأنها على نوعين مطلقة ومشروطة وهي أن يشترط عليه ان عجز فهو رد في الرق والأظهر ان حد العجز تأخير النجم عن محله ، والمطلقة يتحرر منه بقدر ما أدى والمشروطة لا يتحرر منه شيء حتى يؤدي الجميع والأقوى أنها من العقود اللازمة مطلقا لعموم ما دل على لزوم الوفاء وظاهر الروايات .

نعم لو اتفقا على التقایل صح.

السادس: في بيان قوله : (وَآتُوهُمْ) الخ.

فروى في الكافي عن الفضيل عن أبي عبدالله علیه السلام في قوله : (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) قال : « تضع عنه من نجومه التي لم تكن تريد أن تنقصه ولا تريد فوق ما في نفسك » . فقلت فكم فقال : « وضع أبو جعفر عن مملوك ألف من ستة آلاف».

مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ

1) (1) قوله تعالى : (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بالاسلام و (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) بالعتق والخلاص من قيد الرق والمشار إليه بذلك زید بن حارثة وذلك انه تقل أن زيدا أسر في بعض الغزوات في جملة أسارى وكان قد وقع بسهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم فجاء حارثة يريد افتكاكه من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال له رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : اذهب إليه فان أرادك فهو لك بغیر شیء فلما أتاه أبي متابعته وكره مفارقة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فتبرء منه أبوه فخبر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بذلك فأعتقه وجعله ولدا فكان يدعی زید بن محمد صلى الله عليه و آله و سلم والغرض منها بیان مشروعية العتق.

2) (2) قوله تعالى : (يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ ) . انتهى.

مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ).

کتاب النکاح

اشارة

وله أنواع:

النوع الأول : فيما يدل على شرعيته وأقسامه

وفيه ست آیات

الأولى: في سورة النور الآية 32 قوله تعالى : ( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى(1)

الايامی مثل اليتامى في كونها من المقلوب جمعى ليم ويتيم وأصلها ایایم ویتایم فجعلت الياء موضع الميم وبالعکس.

وهو في الرجل من لا امرأة له.

وفي المرأة من لا زوج لها بكراً كانت أو ثيبا.

والخطاب للأولياء والموالي.

وقوله : (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ) قيل : معناه لا تمتنعوا من نكاح المرأة والرجل اذا كانا صالحين لأجل فقرهما فانهم وان كانوا كذلك فان الله يغنيهم من فضله فانه واسع المقدرة كثير الفضل عليهم عليم بأحوالهم وبما يصلحهم فهو يعطيهم على قدر ذلك .

كذا قاله الشيخ في التبيان.

ثم قال : وقال قوم معناه ان يكونوا فقراء الى النكاح يغنهم الله بذلك عن الحرام والظاهر أن هذا وعد منه سبحانه واخبار بأن النكاح يكون سببا لغناهم كما يدل عليه الأخبار.

وهنا فوائد:

الأولى: كما دل القرآن على ان النكاح سببا للغناء كذا دل على كون الطلاق كذلك لقوله تعالى : ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ) والجمع بينهما ممكن.

الثانية: تضمنت الاية الأمر بالنكاح كما دلت على الأمر بالانكاح بناء على ان الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشي.

الثالثة: في توجه الخطاب إلى الأولياء والموالي بالانكاح دلالة على أن العبد والامة لا يستبدان بالنكاح من دون اذن المولى ولا المرأة بدون اذن وليها الا ما خرج بالدليل كالثيب.

الرابعة: في اطلاق الاية دلالة على عدم اعتبار اليسار أي التمكن من النفقة بالقوة أو الفعل .

الخامسة: قد يستدل باضافة الغنا إليهم أن العبد يملك وأجيب ان المراد اغناهم بالعتق وهو بعيد ..


1) (1) قوله تعالى (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى). الخ.

مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)»

الثانية: في سورة النور الآية 33 قوله تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ(1)

ويجوز أن يكون بمعنی طلبها على ما هو حقيقة الاستفعال أي يطلب من نفسه ذلك بزجرها عن ارتكاب المعاصي أو يطلب الأسباب التي تقمع الشهوة وتحول بینه وبين ارتكاب الفاحشة كالصوم ونحوه.

والمراد بالنکاح أسبابه المهر ويجوز أن يكون المراد المنكوحة الحرة الموافقة و له والمناسبة لحاله أو الأعم.

وحاصل المعنى انه تعالى أمر الذين لم يتيسر لهم النكاح بأن يجهدوا أنفسهم على الصبر على مقاساة العزرية وعدم ارتكاب الزنا إلى أن ييسر الله لهم ويمكنهم من التزويج بالحرائر المؤمنات ولا ينكح الاماء.

كما يدل ما يأتي في الآية السادسة من قوله : ( وَ أَن تَصبِرُوا خَيرٌ لَكُم) .

الَّذِينَ لَا

1) (1) قوله تعالى : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ ) . انتهى. الاستعفاف هنا بمعنى العفة.

يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ).

الثالثة : في سورة النساء الآيتان 3 - 4 قوله تعالى: («وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا(1)

معناه لا تعدلوا من أقسط بمعنی صار ذا قسط أي عدل .

ويجوز أن يكون فيه الهمزة للازالة أي لازالة القسط وهو الجور على نحو اشکیته أي ازلت شکایته ، وقرء بفتح السين وعليها تكون لا زائدة و «ما» يجوز أن تكون موصولة بمعنی من لأنه قد ثبت في كلامه اجراؤها على ما يعقل.

ولعل النكتة في العدول إلى «ما» الإشارة إلى نقص عقول النساء كما ورد في بعض الأخبار.

وهنا مسائل :

الأولى: في ربط هذا الجواب بالشرط فان جهة المناسبة بينهما غير واضحة.

وفي تفسير علي بن ابراهيم أن قوله : ( وَإِنْ خِفْتُمْ) إلى قوله : (وَرُبَاعَ) نزلت مع قوله : ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ ) ، (فَانکِحُوا مَا طَابَ لَكُم) الآية. فنصف الآية في أول السورة ونصفها على رأس المائة وعشرين آية وذلك أنهم كانوا لا يستحلون أن يتزوجوا بيتيمة قد ربوها فسألوا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عن ذلك فأنزل الله : ( يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ) إلى قوله : ( ثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ).

الثانية: الاقتصار على الأربع يدل على عدم جواز ما زاد على ذلك والأخبار الواردة بذلك من طرق العامة والخاصة كثيرة.

الثالثة: ظاهر هذا الأذن والاباحة إنما هو للأحرار لأنهم الذين لهم الاقتدار على الاختيار في الاعداد المذكورة دون المملوك.

الرابعة: قوله : « واحدة » قرء بالنصب أي انكحوا واحدة وبالرفع أي فحسبكم واحدة.

(أَوْ مَا مَلَكَتْ) عطف على واحدة .

والعدل يكون بالنفقة والقسمة بينهن.

وقوله : (أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) أي أقرب أن لا تميلوا وتجوروا من قولهم عال الحاكم في حكمه اذا جار وعال الميزان اذا مال.

الخامسة: يستفاد من عموم الآية جواز نکاح هذا العدد من النساء مطلقا الا ما خرج بدلیل.

السادسة: اطلاقها يدل على أنه لا حصر لملك اليمين وانه يجوز له نکاح ما شاء منهن منفردات أو مع الحرائر.

السابعة: قد استدل بظاهر الأمر على وجوب التزوج.

ومقتضى تقييد الأمر بمثنى وثلاث ورباع پرده .

الثامنة: الصدقة بضم الدال وفتحها والصداق بفتح الصاد وكسره المهر في لغة أهل الحجاز.

والنحلة العطية على غير جهة المثامنة سمی به المهر لاشتراك الزوج والزوجة في اللذة وسائر فوائد النكاح فکان دفع المهر إليها من قبيل العطية.

التاسعة: في هذا الاطلاق دلالة على أن المهر ما تراضيا عليه قليلا كان أو كثيرا عينا أو منفعة.

العاشرة: في اطلاق النساء من غير تقييد بالمدخول بها دلالة على انها تملك المهر بمجرد العقد كما هو أحد القولين في المسئلة. الخ .

فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ

1) (1) قوله تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا) . انتهى.

وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا * وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ).

الرابعة : في سورة المؤمنين الآيات 5 - 7 قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(1)

الجار متعلق بحافظون وقدم للاهتمام والمبالغة في صونها وعدم كشفها للزنا أو ما يشمل النظر إليها.

وروى في الكافي عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبدالله علیه السلام في قوله : (وَ قُل لِلمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أَبصَارِهِم) إلى قوله : ( وَیَحفَظُوا فُرُوجَهُم) قال: «كل شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية فائها من النظر.

والمراد هنا بما ملکت ایمانهم الاماء وعبر ب-« ما» لأنها قد تستعمل بمعنی من أو للاشارة إلى اجرائهن مجری من لا يعقل لنقصان عقولهن كما مر. (فَمَنِ ابْتَغَى ) وطلب نکاح ما وراء ذلك الذي أباحه الله تعالى من الصنفین (فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)

الكاملون في العدوان المتناهون فيه كما يعطيه ضمير الفعل وتعريف الخبر .

* «إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ

1) (1) قوله تعالى : ( لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) .

غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ).

الخامسة: في سورة النساء الآية 24 قوله تعالى: ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ(1)

لما ذكر سبحانه المحرمات أعقبه بذكر المحللات بقوله : ( وَأُحِلَّ)و (أَنْ تَبْتَغُوا) يجوز کونه بدلا من وراء ذلك وكونه مفعولا له بتقدير مضاف على معنى يبين لكم ما حزم وما حلل ارادة ابتغاءكم النساء بأموالكم الذي تبذلونها له حال كونكم محصنين غير مسافحين.

والاحصان هنا العفة عن الزنا .

ولهذا سمي من له فرج يغدو عليه ويروح محصنا لأنه يحصن نفسه بالحلال عن السفاح الذي هو الزنا من السفح وهو صب المني لأن الزاني لا يحصل له سوى ذلك فيكون ذكره بعد الاحصان تأكيدا وفي اضافة الأموال إليهم دلالة على اشتراط کون المهر من الحلال لا من الحرام .

و«ما» في قوله : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ) موصولة بمعنی من وتذكير الضمير المجرور بالباء بالنظر إلى لفظها.

و (مِنْهُنَّ) بيان لما والاستمتاع هنا بمعنى المتعة بمعنى التمتع.

قاله الجوهري . (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي مهورهن و فريضة صفة لمصدر محذوف أي ایتاء مفروضاً .

والظاهر أن المراد نكاح المتعة وهو العقد عليها بمهر معين إلى أجل معين لأن الاستمتاع جاء بمعنى المتعة لغة كما عرفت ولكثرة استعماله في الشرع في هذا المعنى حتى صار هو المتبادر منه.

( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا ) بمصالح عباده وما يصونهم عن ارتكاب المحرمات بتحليل المتعة ( حَكِيمًا ) حيث يحفظ بذلك الأنساب والأموال.

ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ

1) (1) قوله تعالی : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ) . انتهى.

بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ).

السادسة: في سورة النساء الآيات 25 قوله تعالى :(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ(1)

(مَنْ) شرطية و (يَسْتَطِعْ) جزم لفظا ب- لم لقربها ومحلا بمن.

و (مَنْ) في (مِنْكُمْ) للتبعيض أو للبيان و طولاً منصوب بنزع الخافض أي بقدر على طول او بيستطع على معنى لم يجد طولا وهو الغناء الذي يمكن جعله مهرا ونفقة بالفعل أو القوة.

و (أَنْ يَنْكِحَ) مجرور بمحذوف أي من لم يجد مالا لأجل أن ينكح به المحصنات .

والمراد بالمحصنات الحرائر العفيفات من الزنا وبالمؤمنات المسلمات .

وقوله : (مَا مَلَكَتْ ) جواب الشرط أي يتزوج من جنس المملوكات المؤمنات .

والفتاة الأمة وإن كانت عجوزا لأنها كالصغيرة في أنها لا توقر توقیر الحرة .

مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ(2)

وسط هاتين الجملتين ترغیباً لهم بنكاح الاماء ودفعا للاستنكاف من ذلك .

و (مُحْصَنَاتٍ) قره بفتح الصاد وكسرها حال من مفعول انكحوهن.

والمراد العفائف و (غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) حال مؤكدة .

والأخدان الاخلاء في السر للزنا بها سرا.

والمراد انکحوا من لم تزن جهرا وسرا.

بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ

1) (1) قوله تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) . انتهی.

2) (2) قوله تعالى : (اللَّهُ أَعْلَمُ) . الخ.

بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ(1)

قرء أيضا بفتح الهمزة والصاد أي إذا أحصن أنفسهن بأخذ الأزواج .

وقرء بضم الهمزة وكسر الصاد أي احصنهن الأزواج.

والعنت قال في القاموس هو الفساد والاثم والهلاك ودخول المشقة على الانسان والزنی.

والمراد هنا الفجور والزنا أي خشی آن تحمله شدة الشبق ( أي الشهوة ) على ذلك.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنه يستنبط من الآية أحکام:

الأول: ظاهر الآية يدل على انه لابد للنكاح من المهر وإن لم يكن ذكره في العقد لازما.

الثاني: تشعر برجحان النكاح مع التمكن من المهر.

الثالث: دلت الآية بصريحها على جواز نكاح الأمة بالعقد للحر لمن فقد الطول وخشي العنت.

الرابع: في تقييد الفتيات بالمؤمنات دلالة على عدم جواز نكاح الكافرات مطلقا دائما ومنقطعا.

الخامس: تقیید اباحة النكاح بالاذن يدل بمفهومه على عدم الجواز بدونه .

السادس: في قوله : (آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) والمراد المهر سمي بذلك لأنه عوض البضع واضافته إليهن مع كونهن مملوکات اما بناء على انها قد تملك اذا ملكها المولى أو لأن الاضافة إليهن اضافة إلى المولى لأن العبد وما يملك لمولاه ، أو لأن العادة قد جرت بتقديم المهر فحيث حصل لها الاذن بالزواج يكون ذلك أذنا لها بقبض المهر . الخ.

السابع: في قوله : ( فَإِذَا أُحْصِنَّ) . الخ. المراد العقد مع الدخول بهن.

والفاحشة هي الزنا والعذاب الحد والمحصنات هنا الحرائر.

الثامن: في قوله : ( وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أي الصبر مع حصول الشرطين عن نکاح الاماء بالعقد عليه خير من نكاحهن فتدل على استحباب ترکه في هذه الحال .

(وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)لذنوب عباده الذين أنابوا.

(رَحِيمٌ) بهم حيث لم يكلفهم الا بما أطاقوه وكان داخلا في وسعهم.

فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى

1) (1) قوله تعالى :(فَإِذَا أُحْصِنَّ).

الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ).

النوع الثاني : في المحرمات

ونذكر فيه خمس آيات:

الأولى: في سورة النساء الآية 22 قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ(1)

روی علی بن ابراهيم في تفسيره عن أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام في قوله :(لَا يَحِلُّ لَكُم أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ کَرهاً) كان في الجاهلية في أول ما أسلموا في قبائل اذا مات حميم الرجل وله امرأة ألقى الرجل ثوبه عليها وورث نکاحها بصداق حميمه الذي كان أصدقها يرث نكاحها كما يرث المال فلما مات أبو قيس بن الأسلت ألقى محصن بن أبي قيس ثوبه على امرأة أبيه فورث نکاحها ثم تركها لا يدخل بها ولا ينفق عليها فأتت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وقصت عليه القصة فقال : ارجعي إلى بيتك فان يحدث الله في شأنك شيئا أعلمتك به فنزلت: (وَلَا تَنْكِحُوا ) الآية.

(فَاحِشَةً ) أي زنا (وَمَقْتًا) أي يبغض الله صاحبه (وَسَاءَ سَبِيلًا) أي بئس الطريق ذلك النكاح.


1) (1) قوله تعالى : (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ). انتهی.

آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ).

الثانية: في سورة النساء الآية 23 قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ(1)

التحريم لا يتعلق بالاعيان لأنها ليست مقدورة للمكلفين وإنما يتعلق بالأفعال کالخدمة والملامسة والاهانة والبيع والشراء والأكل ونحو ذلك من الأفعال ولابد من ارتكاب مجاز الحذف وقرينة المقام والتبادر من السياق عينت ارادة النكاح كما تعین ارادة الأكل في قوله تعالى : («حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ) فليست الآية من المجمل كما قيل.

وقد ذكر سبحانه في الآية محرمات نسبية ومحرمات رضاعية ومحرمات بالمصاهرة.

فالأول: النسبية.

وهي سبع : الأولى : الأم، الثانية : البنت ، الثالثة : الأخت ، الرابعة : العمة، الخامسة : الخالة ، السادسة والسابعة : بنات الأخ وبنات الأخت .

الثاني المحرمات: الرضاعية.

واعلم ان ظاهر اطلاق الآية دال على ترتب الحكم على مسماه كيف اتفق وعلى أي حال وبه أخذ بعض العامة ولكن النص الوارد عن معادن الوحي والتنزيل صلوات الله عليهم قيده بشرائط :

الأول : كونه من امرأة لا من رجل ولا من خنثی مشکل وكونه عن نكاح أي وطي محلل.

الشرط الثاني : تقديره بواحد من أمور ثلاث : الأول : انبات اللحم وشد العظم، الثاني : العدد الثالث : التقدير بالزمان.

الشرط الثالث : أن يقع قبل استكمال الحولين .

الشرط الرابع : أن يكون اللبن الفحل واحد .

الثالث المحرمات: بالمصاهرة.

وهي قسمان: الأول : ما يقتضي التحريم عينا وهو أربع مسائل : الأولى : ام الزوجة، والثانية : بنتها مع الدخول بالأم، والثالثة : حليلة الابن، والرابعة : منکوحة الأب.

والقسم الثاني ما يقتضي التحريم جمعا وهو ثلاث مسائل :

أحدها الجمع بين الأربع وما زاد ، والثانية الجمع بين الاختين ، الثالثة : الجمع بين الام والبنت مع عدم الدخول بالأم.

(إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا) لذنوب من فعل منكم ذلك ثم رجع إلى ما أمر الله تعالی به ( رَحِيمًا) بكم حيث لم يؤاخذكم على ذلك .

وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ

1) (1) قوله تعالی : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ). الخ.

الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ

فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).

الثالثة: في سورة النساء الآية 24 قوله تعالى: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ(1)

قره بفتح الصاد وكسرها وهو بالرفع عطف على الأمهات.

والمراد ذوات الأزواج من الحرائر والاماء، يدل على ذلك.

ما رواه في من لا يحضره الفقيه أنه سئل الصادق عليه السلام عن قوله تعالی : (وَالْمُحْصَنَاتُ) قال : « هن ذوات الأزواج ».

إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).

الرابعة : في سورة البقرة الآية 221 قوله تعالى : (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ(2)

أصناف الكفار ثلاثة : أحدها من ليس له کتاب، والثاني من له کتاب کاليهود والنصارى، والثالث من له شبهة كتاب كالمجوس.

وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ(3)

أي مسلمة حرة كانت أو مملوكة وكذا قوله : (عَبْدٌ) أي مسلم ، والأظهر أن يكون المراد المملوكة والمملوك لأن المبالغة فيه أتم في التحريص وأوضح في الحث والتنبيه على مزية اختيار ذوى الإيمان الموصل إلى النعيم الدائم والفوز بالجنان على ذوي الشرك بايثار المال والجمال الزائل الداعي إلى النار وما فيها من العقاب المشار إليه بقوله : (أُولَئِكَ) الآية، الذي هو من قبيل التعليل والبيان لوجه الرجحان.

وفي التعليل اشارة إلى رجحان اختیار ذوی الصلاح والتقوى في الزوج والزوجة .

ثم اعلم أن الإيمان في الآية مرادف للاسلام وهو الاقرار بالله وبرسوله صلی الله علیه و آله و سلم لأنه الشايع في عصر النبي صلی الله علیه و آله و سلم كما قيل فعلی هذا تكون الآية دليلا على جواز الاكتفاء بالاسلام من دون اشتراط الايمان بالمعنى الأخص أعني الاسلام مع الإقرار بالأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين.

خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ

1) (1) قوله تعالى :(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : ( وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) . انتهى.

3) (3) قوله تعالى : (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ).

وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ(1)

في الصافي : المشركة بجمالها أو مالها وتحبونها.

أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ).

الخامسة: في سورة النور الآية 3 قوله تعالى : ( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ(2)

وهذه الآية ظاهرة الدلالة على المنع ويدل عليه أيضا أخبار كثيرة والأكثر من الأصحاب حملوها على الكراهة جمعا بينها وبين ما دل على الجواز.

في الصافي قوله : « الزاني لا ينكح » . انتهى. .

القمي هو رد على من يستحل التمتع بالزواني والتزویج بهن وهن المشهورات المعروفات في الدنيا لا يقدر الرجل على تحصينهن قال : ونزلت هذه الآية في نساء مكة كن مستعلنات بالزنا سارة وخيثمة والرباب كن يغنين بهجاء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فحرم الله نكاحهن وجرت بعدهن من أمثالهن.

وعن الباقر علیه السلام في حديث : « انها نزلت بالمدينة » قال : فلم يسم الله الزانی مؤمنا ولا الزانية مؤمنة قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن فانه إذا فعل ذلك خلع عنه الايمان كخلع القميص.

إِلَّا

1) (1) قوله تعالى : (وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ).

2) (2) قوله تعالى : (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ). انتهی .

زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ).

النوع الثالث: في لوازم النكاح من المهر والنفقه ونحو ذلك

وقد سبق بعض الآيات الدالة عليه ولنذكر هنا ثمان آیات:

الأولى: في سورة النساء الآيات 20 - 21 قوله تعالى : (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ(1)

الاستبدال هنا العقد على زوجة بعد مفارقة الأخرى بالطلاق.

والقنطار المال العظيم من قولهم قنطر الشيء إذا رفعته ومنه القنطرة .

والمراد انه لا يجوز له أن يأخذ مما أعطاها شيئا وان قل اذا أراد طلاقها .

والاستفهام في (أَتَأْخُذُونَهُ) للانكار والتوبيخ.

والبهتان الكذب المختلق على من هو بريء منه .

والميثاق هو الكلمة التي عقد بها النكاح ووصفه بالغليظ باعتبار ما يترتب على هذه الكلمة من اباحة الجماع وايصال مائه إلى رحم المرأة .

وهنا فوائد :

الأولى: في ذكر الارادة والأخذ المقيد بالبهتان اشعار بأن المنهي عنه هو الأخذ بعنوان الاكراه والالجاء لها على ذلك.

الثانية: في الآية دلالة على جواز اکثار المهر إلى أي قدر شاء .

الثالثة: أن الظاهر من الافضاء هو الجماع فحينئذ يكون في تعليل النهي والانكار بالافضاء ودلالة على أن المهر إنما يستقر به دون الخلوة.

وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا

1) (1) قوله تعالى : ( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ ) . الخ.

أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا).

الثانية: في سورة البقرة الآية 236 قوله تعالى : (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ(1)

ولنذكر مضمونها في فوائد :

الأولى: قرء حمزة والكسائي تماسوهن بضم التاء والألف والباقون تمسوهن .

وفاعل هنا بمعنی فعل فمعناهما واحد.

و(قَدَرُهُ) قرء بفتح الدال واسكانها وهما لغتان.

و«ما» موصول في بتقدير مضاف محذوف.

والعامل طلق أي مدة ترك المس والمس هو الجماع لأنه المتبادر والشايع في عرف الشرع وفي الكتاب العزيز كقوله : ( لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) أو (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ) ونحو ذلك، ويدل عليه أخبار كثيرة.

الثانية: الفرض التسمية فالفريضة المهر المقدر.

ففعيل هنا بمعنی مفعول والتاء للنقل إلى الاسمية فتكون مفعولا به.

وأو بمعنى الواو وجزاء الشرط (لَا جُنَاحَ) المقدم أو محذوف لدلالته عليه أي لا اثم عليكم في الطلاق قبل المسيس والفرض ، كما لا اثم فيه بعده.

الثالثة: المتعة والامتاع بمعنى النفع والجملة معطوفة على الجزاء أي أن طلقتموهن في هذه الحال فأعطوهن من مالكم ما يتمتعن به جبرا لايحاش الطلاق والانكسار الحاصل لهن منه والموسع الغني والمقتر الفقير القليل المال .

الرابعة: الآية دالة على أن المعتبر في المتعة حال الزوج.

الخامسة: الظاهر منها انقسام حاله أمرين اليسار والاعسار.

والأصحاب قسموها إلى ثلاثة نظرا إلى الواقع عرفا وعينوا لكل مرتبة أشياء فالغني بالدابة والعبد والامة والثوب المرتفع والدار ونحو ذلك والوسط بالثوب الوسط والفقير بالخاتم والدينار والحنطة والزبيب والخمار وما شاكل ذلك .

السادسة: ظاهر الأمر في المتعة الوجوب ويرشد إليه قوله : (حَقّاً) .

السابعة: مقتضى الاطلاق والأصل اختصاص الحكم بالمطلقة قبل المسيس والفرض فلو حصلت البينونة بينهما بفسخ أو موت أو لعان أو غير ذلك من قبله أو قبلها أو قبلهما فلا مهر ولا متعة وإليه ذهب أكثر الأصحاب.

الثامنة: قوله : (مَتَاعَاً بِالمَعرُوفِ) هو اسم مصدر کالوضوء من توضأ فهو منصوب على المصدرية والمعروف متعلق به.

والمراد به ما يليق بحال الزوج.

وقوله : (حَقّاً) صفة متاعا وقيده بالمحسنين تشريفا لهم ولأنهم هم المنتفعون الذين يحبون جلب النفع لأنفسهم بالمسارعة إلى فعل الطاعات واجتناب المعاصي.

إِنْ

1) (1) قوله تعالى : (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ) . الخ .

طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ).

الثالثة : في سورة البقرة الآية 237 قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ

قَبْلِ(1)

الفرض تقدير المهر تفصيلا أو اجمالا فيدخل فيه من تزوجها على كتاب الله وسنة نبيه صلی الله علیه و آله و سلم اذ هو مقدر بخمسمائة درهم فینتصف بالطلاق قبل الدخول ويدخل فيه أيضا مفوضة المهر وهي أن يقع العقد بحكم أحد الزوجين فلو طلقها قبل الدخول ألزم من اليه الحكم بالحكم ويكون لها نصف ذلك عملا بالآية.

أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ(2)

الظاهر ان الخطاب للأزواج لأنه بعد أن دل على تشطير ( أي التنصيف ) المهر بالطلاق بين ان للزوجة النصف الا أن تعفو هي أو يعفو وليها وحيث كان ذلك بمنزلة قوله والنصف الآخر لكم قال : (وَأَنْ تَعْفُوا) أيها الأزواج (أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وإنما كان أقرب لأن فيه جبر الانكسار الحاصل لها بعده ولأن فيه ترك المعاصي اللازمة غالبا الاستقصاء الحق.

وقيل هو خطاب للزوج والمرأة الا انه غلب الذكور.

لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ(3)

في نهج البلاغة: «يأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر فيه على ما في يديه ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى : (وَلَا تَنْسَوُا) الآية».

ولعل في هذه اشارة إلى استحباب العفو عمن كان محتاجا من الزوجين فان كان لم يقبضها المهر يستحب لها العفو اذا كان هو عاجزا وان كان قد قبضها المهر كله وكانت عاجزة يستحب له العفو عما يستحقه منها .

بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ).

1) (1) قوله تعالى : ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ). انتهی .

2) (2) قوله تعالى : (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ) . الخ.

3) (3) قوله تعالى : (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ).

الرابعة : في سورة النساء الآية 34 قوله تعالى : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ(1)

تضمنت الآية أمورة ثلاثة :

الأول: كون الرجال قوامين على النساء بالتدبير والسياسة والتسلط كما يتسلط الولاة على الرعية وعلله بأمرين :

أحدهما موهبي وهو المشار إليه بقوله : « بما فضل الله ».

والثاني : کسبي وهو المشار إليه بقوله : « وبما أنفقوا» فالباء للسببية فيهما.

الثاني: لما ذکر ان للرجال تسلط ودل بطريق الالتزام على انه يجب عليهن الاطاعة على وفق الدستور المنقول عن صاحب الشرع.

أشار إلى أن ذوات الصلاح منهن هن القانتات أي المطيعات للأزواج فيما فرض الله عليهن، (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ) 4 أي يحفظن ما يجب حفظه عند غيبة الأزواج من النفس والمال والفرج والاسرار التي بينها وبين الزوج.

الثالث: بیان حال غير المطيعات من الزوجات وهي التي أشار إليها بقوله (تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ).

الظاهر أن المراد بخوف النشوز الظن الحاصل عند ظهور أسبابه واماراته .

وقيل : المعنى تعلمون نشوزهن.

والحمل على ما يشمل العلم والظن أظهر وأما النشوز فاصله الارتفاع.

واستعمل لغة وشرعا في ترفع الزوجة على الزوج والخروج عن طاعته وعصيانها له.

والمراد بالوعظ ان يذكرها الاخبار المروية عن أهل البيت علیهم السلام المتضمنة لحقوق الزوج والثواب والعقاب المترتب على الطاعة والمعصية.

والمراد بالهجر في المضجع أن يحول إليها ظهره في الفراش .

وأما الضرب فهو ضرب تأديب.

وظاهر الاطلاق انه يجوز کونه بخشب أو غيره .

بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ

1) (1) قوله تعالى : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) . الخ.

فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا).

الخامسة: في سورة النساء الآية 35 قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ(1)

تقدمت هذه الآية في باب الصلح.

شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ).

السادسة : في سورة النساء الآية 128 قوله تعالى : ( وَإِنِ امْرَأَةٌ(2)

هذه الآية تضمنت بیان نشوز الزوج وقد تقدم شرح ذلك في باب الصلح أيضا.

خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ(3)

ووجه ذكر ذلك هنا هو انه تعالى لما مدح الصلح ورغب فيه وهو انما يكون غالبا بالعفو عن بعض الحقوق والاغماض عنها وكان الشح مانعا من ذلك وهو من الصفات المذمومة كما قال : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) الآية ذكره تعالي هنا من قبيل الناهي عنه تأكيدا للحث على الصلح وزجرا عن متابعة هوى النفس .

ثم أشار سبحانه وتعالى إلى رجحان الإحسان إليهن بقوله : ( وَإِنْ تُحْسِنُوا) الآية ،

أي أن أقمتم على أزواجكم وأجريتم النفقة عليهن وصبرتم على مقاومة هوى النفس وميلها إلى غيرهن فان الله كان بما تعملون من الاحسان خبيرا عليما فيجازيكم بكامل جزائه ووافر عطائه.

وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ

1) (1) قوله تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (وَإِنِ امْرَأَةٌ) . الخ.

3) (3) قوله تعالى : (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) بالحركات الثلاث للشين والقرائة بالضم لا غير افراط في الحرص على الشيء، ونصبه على انه مفعول ثانٍ والأول الأنفس والمعنى ان النفوس جبلت على الشح فهي حاضرته لا تفارقه أبدا.

كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ).

السابعة: في سورة النساء الآية 129 قوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا(1)

بين سبحانه وتعالى أن من تجاوز الواحدة منهن فمراعاة تحصيل العدل بينهن والتساوي بالمحبة والمودة والميل القلبي والنظر ونحو ذلك من الامور اللازمة الأيجاد العدل الحقيقي من قبيل الممتنع غالباً ولو بذل في تحصيله الجهد لأن مقتضی الطبيعة وذاتيها وما جبلت عليه لا يتغير فلا يكلف الله تعالی به العباد لعدم كونه في وسع المكلف.

نعم ما كان منه مقدورا تجب مراعاته إذ لا يسقط الميسور بالمعسور.

كما أشار إليه بقوله : (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) .

ومن ثم كان النبي صلی الله علیه و آله و سلم يقسم بين أزواجه ويقول اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا

تؤاخذني فيما تملك ولا أملك.

أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ

1) (1) قوله تعالى : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا) . انتهى .

وَإِنْ تُصْلِحُوا(1)

أي في القسمة بين الأزواج.

(وَتَتَّقُوا) في المستقبل عن المعاودة إلى الميل الذي نهيتم عنه .

(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا) لما سلف من الذنوب الحاصلة بسبب التقصير في حقوقهن .

(رَحِيمًا) بكم حيث جعل لكم طريق استحطاط المعاصي بالتوبة والتفضل عليكم.

ففي الآية دلالة على تحريم الميل الكلي وایجاب التسوية في الأمور الواجبة.

وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).

الثامنة: في سورة الطلاق الآية 6 - 7 قوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ(2)

وجد المال يجده وجدا مثلثة الواو وجدة استغنی کذا في الصحاح والقاموس.

والقرائة بالضم والمعنى أسكنوهن مكانا من سكناكم من مدر أو شعر أو نحو ذلك.

(مِنْ وُجْدِكُمْ) أي وسعكم وما كان في مقدرتكم فهو عطف بيان لقوله : (مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ).

(وَلَا تُضَارُّوهُنَّ) في السكني بأن تسكنوهن في غير البيوت المناسبة لحالهن أو تقصروا في نفقتهن .

(لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) فيلتجئين إلى الخروج.

فالاية دالة على وجوب السكني لها والنفقة.

وهنا فوائد:

الأولى: مرجع الضمير في قوله أسكنوهن وفي قوله لا تخرجوهن النساء المطلقات في قوله : (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ).

والمراد المطلقة رجعيا اما تجوزا في اطلاق الطلاق وارادة الرجعي منه بمعنی اذا طلقتموهن طلاقا رجعيا.

وأما في الضمير على قانون الاستخدام بأن يراد باللفظ معناه الحقيقي أي جميع المطلقات وبضميره البعض أي الرجعيات.

وأما الباين فلا نفقة لها ولا سکنی وذلك لأن الأولى إنما استحقت ذلك لأنه يملك رجعتها فهي بحكم الزوجة وكذلك الباین .

والقرينة في الآية على ارادة الرجعيات.

قوله : (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ).

الثانية: اسلوب الآية يقتضي أن يكون المراد بقوله : (كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ) المطلقات بالطلاق الرجعي أي يجب استمرار الانفاق عليهن والسكنى إلى وضع الحمل وذلك لتخصيص لزوم الأنفاق بأوقات العدة لا غير ووضع الحمل منتهاها .

الثالثة: يظهر منها أيضا أن النفقة للحامل لا للحمل .

وذلك لأن ضمير (عَلَيْهِنَّ) يرجع إلى المطلقات الحوامل واطلاق الأمر بوجوب الانفاق عليها يقتضي أن يكون النفقة لها وان كان للحمل دخل في الجملة.

الرابعة: اطلاق الآية يقتضي انه لا فرق في الزوجة بين كونها مسلمة أو ذمية أو حرة أو أمة .

مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ(3)

الاضرار بها هو ان يفعل معها خلاف ما يناسب حالها في المسكن والمأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك مما تحتاج إليه .

لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ

1) (1) قوله تعالى : (وَإِنْ تُصْلِحُوا) .

2) (2) قوله تعالى :(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) انتهى.

3) (3) الخامسة: قوله تعالى : (وَلَا تُضَارُّوهُنَّ).

حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ(1)

يدل على عدم لزوم الرضاع عليها بل إنما هو على الزوج.

لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ(2)

ظاهره ان المراد الاشارة بذلك إلى بيان كيفية الانفاق على الزوجة مطلقة كانت او لا.

وحاصل المعنى أنه يجب أن ينفق نفقة مناسبة لحال الزوجة هذا إذا كان ذا سعة والا فليقتصر على الممكن وان تعذر عليه بالكلية سقطت عنه .

مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ).

النوع الرابع : في أشياء من توابع النكاح

وفيه ثمان آیات:

الأولى : في سورة النور الآية 30 قوله تعالى : ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ(3)

تخصيص المؤمنين بالخطاب قد علم مما سبق ، وأصل الغض النقص .

والمراد هنا أن ينقصوا من نظرهم والجزم بلام الأمر المقدرة أي ليغضوا .

ومن يمكن أن تكون زائدة كما هو مذهب الأخفش .

ويجوز کونها للتبعيض أي ترك النظر إلى بعض المبصرات.

وحفظ الفرج من الزنا أو من أن ينظر إليه من يحرم عليه ذلك.

قوله : ( أَزْكَى) أي الغض والحفظ أطهر من النجاسات النفسانية المتعقبة .

وقوله : ( يَصْنَعُونَ) فيه تهديد على المخالفة.

يَغُضُّوا

1) (1) السادسة: قوله تعالى : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ) . الخ.

2) (2) السابعة: قوله تعالى : (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ) .

3) (3) قوله تعالى : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ ) . انتهى.

مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ).

الثانية: في سورة النور الآية 31 قوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ(1)

قرء غير بالنصب على الحالية وبالجر على الوصفية وعدم ذكر المنظور إليه يدل على تحريم نظره إلى الرجال مطلقا.

والاقتصار على حفظ فروجهن يقتضي تحریم نظرهن إلى فرج المرأة خاصة .

يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا(2)

في الكافي عن زرارة عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله : (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال : « الزينة الظاهرة الكحل والخاتم ».

ثم إنه تعالی أكد الحكم بتحريم ابداء الزينة بايجاب ضرب الخمار وهو المقنعة على الجيب ردا على ما كان متعارفا عند الجاهلية من جعل الخمار إلى خلف وسعة الجيب فيبدوا العنق والصدر .

ثم انه تعالی استثنى فأباح ابداء الزينة الباطنية للمذكورين أما للزوج فظاهر .

وأما المحارم فللحاجة إلى المخالطة غالبا.

وأما النساء والمراد مطلق النساء .

فلما عرفت من أن المحرم هو رؤية العورة لا غير .

والمراد ب-(مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) هنا الاماء والعبيد خصيا كان أو فحلا، حملا للفظ على ظاهره.

والمراد بالتابعين من يتبعك لأجل طعامك وشرابك .

وبغير أولي الاربة من لم يكن له حاجة إلى النساء كالشيخ الفاني والأحمق الابله الذي ليس له عقل يصف النساء ويدخل فيه العنين .

والمراد بالطفل الجنس الشامل للواحد والجمع فلهذا وصفه بالجمع بقوله : (الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) أي لم يطلعوا على ذلك ولم يعرفوا ما العورة ولا يميزون بينها وبين غيرها.

وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ

1) (1) قوله تعالى : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ). الخ.

2) (2) قوله تعالى : (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا).

أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ(1)

المراد ما يشمل ضربها في الأرض وضرب احدى رجليها في الأخرى الموجب لزيادة تقعقع خلخالها حتى يسمع ذلك الأجانب فائه يورث تحريك الشهوة واثارة الفتنة كالنظر إلى الزينة الباطنة.

ومن هذه الآية يستنبط أن كل ما يجر إلى الفتنة ينبغی اجتنابه كالطيب والصوت ونحو ذلك.

لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ

1) (1) قوله تعالى : ( وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ).

وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ(1)

لما كان النظر من المحرمات وهو عام البلوى كاد أن لا يسلم منه أحد فتح الله للمؤمنين تفضلا منه باب التوبة وجعلها مفتاحا للفلاح والفوز بالجنة .

جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

الثالثة: في سورة النور الآية 58 قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ(2)

المراد بمن لم يبلغ الحلم غير البالغ ، ويغير البالغ المميز لأن غير المميز لا حكم له كما سبق.

و(ثَلَاثَ) نصب على الظرفية لأن المعنى في ثلاث أوقات بينها بقوله :(مِنْ قَبْلِ)

وقوله : (ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ) أي مخصوصة لكم للخلوة فيها.

وعبر عن هذه الأوقات بالعورة لأن العورة هي الخلل ومنها الأعور فسميت بذلك لأنهم يضعون ثيابهم فيها وتبدوا عوراتهم ويحصل كشفها وربما يواقعون النساء فيها فهو من قبيل العلة للحكم المذكور.

وقُرِءَ بالنصب على أنه بدل من ( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ).

وجملة ليس علیکم. الخ. جواب سئوال مقدر کانه قيل ما حالهم بعدها فقال : (لَيْسَ) . الخ.

وجملة (لَيْسَ عَلَيْكُمْ) إلى قوله : (بَعْدَهُنَّ) صفة .

وقوله : (طَوَّافُونَ) خبر لمحذوف أي أنتم طوافون.

و (بَعْضُكُمْ) بدل من الضمير .

ويجوز کونه مبتدأ خبره طوافون.

وعلى كل حال ، هذه الجملة من قبيل الاستنیاف والعلة في ترك الاستیذان وذلك لاحتياج كل منهم إلى المخالطة للآخر.

اذا عرفت ذلك فهنا فوائد:

الأولى: انه تعالی خاطب المؤمنين بأن يأمروهم بذلك وظاهر الأمر الوجوب وهو بالنسبة إلى البالغ لا اشکال فيه.

الثانية: الاستیذان طلب الاذن بأي شيء كان ولو بضرب الحائط أو احدی اليدين على الأخرى.

فما ورد من الأخبار من كونه بالسلام فهو من باب التمثيل بالأفضل.

الثالثة: ظاهر (مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) شامل للصغير والكبير والذكر والانثى .

وقوله : (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ) أي هذا البيان يبين لكم الآيات والدلائل على الأحكام .

(وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بعواقب الأمور.

(حَكِيمٌ) في وضعها مواضعها فيما شرح لكم من الأحكام.

مِنْكُمْ ثَلَاثَ

1) (1) قوله تعالى : (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ) . الخ.

2) (2)قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله : (لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ) . انتهى.

مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ).

الرابعة : في سورة النور 59 الآية قوله تعالى : ( وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ(1)

في موضع نصب على الحال أي كائنين منكم أيها الأحرار دون المماليك لأن حكمهم علم من الآية المتقدمة حيث أطلق في المماليك وقد غيرهم بمن لم يبلغ الحلم فعلم ان من بلغ الحلم فليس هذا حكمه والمراد بالحكم حد البلوغ وحاصل المعنى أن الأطفال ماداموا اطفالاً مأذون لهم في الدخول بغير اذن الا في الأوقات الثلاثة فاذا بلغوا فلا يجوز لهم الدخول في الأوقات الثلاثة وغيرها إلا بالاذن .

الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ

1) (1) قوله تعالی : (مِنْكُمُ) .

لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(1)

کرّره تأكيدا للحكم بالاستیذان .

).

الخامسة: في سورة النور الآية 60 قوله تعالى : (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ(2)

القواعد جمع قاعد أي ذات قعود .

المراد العجوز التي قعدت من الحيض .

اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا(3)

أي لا يطمعن فيه ولا يرغبن لكبرهن .

فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ(4)

هو منصوب على الحالية من فاعل (يَضَعْنَ) .

والتبرج بالزينة تكلف اظهارها وهو من الأفعال اللازمة ، والباء للملابسة أي يباح طرح الثياب عند الأجانب في حال لا يكن قاصدات بذلك اظهار الزينة التي أمر الله باخفائها في قوله : (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) بل مجرد التخفيف وطلب الراحة فانه مرخص لهن في ذلك ومقتضى ذلك انهن لو قصدن بذلك اظهارها حرم، (وَاللَّهُ سَمِيعٌ) لاقوالكم (عَلِيمٌ) بقصدكم ونیاتكم.

بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ

1) (1) قوله تعالى :(عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

2) (2) قوله تعالى : (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) . انتهى .

3) (3) قوله تعالى :(لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا).

4) (4) قوله تعالى : (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ) .

عَلِيمٌ).

السادسة: في سورة البقرة الآية 223 قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ(1)

في الصحاح الحرث كسب المال وجمعه .

وفي القاموس الكسب وجمع المال والزرع.

و (أَنَّى) تستعمل بمعنى أين ومتى وكيف .

والكلام في الآية على التشبيه بموضع الحرث فحذفت اداة التشبيه ووجهه مبالغة كما في زید اسد.

والمشهور عند العامة أنها نزلت ردا على اليهود حيث قالوا إن من جامع امرأته في دبرها من خلف خرج الولد أحول فذكر ذلك لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فنزلت الآية وهو أيضا مروى من طريق الأصحاب عن أهل البيت علیهم السلام.

فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ(2)

من أفعال الطاعات والقربات (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في ترك المعاصي والمحرمات ومواضع الشبهة.

وقيل التسمية عند الجماع أو الدعاء عنده أو طلب الولد، ثم أردفه بقوله: (اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ) . الخ. وعد ووعيد .

وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).

1) (1) قوله تعالى : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى :(وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ).

السابعة: في سورة البقرة 233 الآية قوله تعالى : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ(1)

اللام الجارة في (لِمَنْ) تتعلق بقوله : (يُرْضِعْنَ).

والرضاعة بكسر الراء وفتحها قرء بهما.

روی في الكافي في الموثق عن داود بن الحصين عن أبي عبدالله علیه السلام :(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ) قال الامام : «الولد في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية فاذا فطم فالأب أحق به من الأم فاذا مات الأب فالأم أحق به من العصبة فان وجد الأب من يرضعه بأربعة دراهم وقالت الأم لا أرضعه إلا بخمسة دراهم فان له أن ينزعه منها إلا أن ذلك خير له وأرفق به يترك مع امه .

وهنا أحكام :

الأول: إن جملة (يُرْضِعْنَ) لفظها خبر لكن معناها الأمر أي ليرضعن كقوله :(یَتَرَبَّصن) .

الثاني: التقيد بالحولين يدل على أنها مدة الرضاع.

الثالث: قوله :(عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) وهو الأب لأنه الذي ينسب إليه الولد حقيقة وأما الأم فهي وعاء.

ولفظ على يقتضي الوجوب عليه.

والرزق هو ما يحتاج إليه من المأكول.

وفي اضافة الرزق والكسوة اليهن اشارة إلى أن المعتبر فيهما حالها.

قوله : (بِالْمَعْرُوفِ) هو قيد للرزق والكسوة أي ان قدر الواجب من ذلك أن لا يتجاوز المعروف عند أهل العرف.

ففيه دلالة على أن ذلك من قبيل أجرة المثل .

وقوله : (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) اشارة إلى أنه لا يجوز أن تنقص هي عما يناسب حال مثلها من الأجرة وأنه لا يجب على الزوج الا ما دخل في وسعه وكان مقدرته والا سقطت عنه النفقة .

ويفهم من ذلك أيضا أنه لا تجب نفقة الرضاع على الأب إذا كان فقيرا وانّها تجب على الأم.

وهذا كله مع اعسار الطفل والا فلا نفقة عليها بل إنما هي في ماله .

أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى

1) (1) قوله تعالى : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ). انتهى.

الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ(1)

في رواية الحلبي قال : «كان المرأة منا ترتفع يدها إلى زوجها أذا أراد مجامعتها فتقول لا أدعك اني أخاف أن أحمل على ولدي ويقول الرجل لا اجامعك اني أخاف أن تعلقي فاقتل ولدي فنهى الله عز وجل أن تضار المرأة الرجل والرجل المرأة » . الخبر .

بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ(2)

ظاهره أنه عطف على قوله : ( وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ) الخ والمعنى أن وارث المولود له عند موته يقوم مقامه في لزوم رزق المرضعة وكسوتها ويكون ذلك بالمعروف وتجنب المضارة على نحو ما مر.

فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا(3)

الذي هو من قبيل التفريع على قوله : (كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ).

دلالة على أن ارضاع الحولين الكاملين ليس من الأمور الواجبة بل يجوز الفصال والفطام قبل اتمامهما.

عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ

1) (1) قوله تعالى : (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ) . الخ.

2) (2) الرابع: قوله تعالى : (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) .

3) (3) الخامس: قوله تعالى : (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا). الخ.

أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا(1)

أي تسترضعوا المراضع أولادكم أي تطلبوا لهم مرضعة غير الأم فحذف أحد المفعولين اكتفاء بما دل عليه من القرائن .

والخطاب للأزواج بالرخصة لهم بذلك.

أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ(2)

أي سلمتم المراضع ما تراضيتم عليه بالمعروف من الاجرة .

(وَاتَّقُوا اللَّهَ) عن مخالفة ما أمركم به.

(اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ) من الأعمال الموافقة لارادته الموجبة للسعادة عنده والمخالفة لارادته المردية في عذابه (بَصِيرٌ) بذلك لا يخفى عليه شيء.

مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

الثامنة : في سورة البقرة 235 الآية قوله تعالى:(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ(3)

التعريض بالخطبة ضد التصريح بها وهو ان يأتي بلفظ يحتمل الرغبة في النكاح وغيرها كأن يقول إنك لصالحة أو يسعد من تكونين عنده ونحو ذلك.

والحاصل أن التعريض هو الاتيان بالكلام المحتمل للدلالة على الرغبة فيها احتمالا راجحا كما يقول الفقير المحتاج إذا جاء نحو الغني المفضال جئتك لاسلم عليك.

ويسمى أيضا التلويح .

قوله : (أَوْ أَكْنَنْتُمْ) أي أضمرتم.

(فِي أَنْفُسِكُمْ) من نكاحهن بعد مضي العدة ولم تذكروه بألسنتكم.

(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ) لا محالة ولا تصبرون على الكتمان والسكوت عن النطق باظهار الرغبة فيه لأن شهوة النفس في باب النکاح کالمحبة إلى ذلك فهو كالعلة لرفع الجناح عن التعريض بالخطبة.

قوله : (وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا) استدراك عن محذوف دل عليه (سَتَذْكُرُونَهُنَّ) أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سراً وهو كناية عن الموعدة بالجماع والقول المعروف هو التعريض لها بالخطبة.

وقوله : (لَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) المراد لا تعقدوا عليها مادامت في العدة والتعبير بالعزم مبالغة في النهي .

بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ

1) (1) السادس: قوله تعالى : (أَنْ تَسْتَرْضِعُوا) .

2) (2) قوله تعالى :(إِذَا سَلَّمْتُمْ) . الخ.

3) (3) قوله تعالى : (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ) . انتهى.

سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ(1)

يمكن أن يكون المراد القرآن أي حتى يحصل ما أجل لها القرآن من العدة للمطلقة والمتوفى عنها زوجها.

هذه الآية تدل على تحريم العقد عليها في هذه الحال.

وَاعْلَمُوا(2)

أي ما أضمرتموه فيها وقصدتموه.

وإنما ذكر سبحانه هذه الجملة لأنه ذكر قبل رفع الجناح عما اكنّوا فذكره للاشارة إلى أنه عالم بذلك ولأن فيه زجراً وتحذيراً لمن خالف الله فيما أمره به أو نهاه عنه اذا كان الخلاف صادرة عن قصد وارادة .

أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ).

1) (1) قوله تعالى : ( حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا) . الخ.

النوع الخامس: في أشياء تتعلق بنكاح النبي صلى الله عليه و آله و سلم

وفيه ست ايات: :

الأولى: في سورة الأحزاب الآيات 28 - 29 قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا(1)

أي السعة والتنعم فيها.

(فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ) أي أعطيكن متعة الطلاق.

(وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) أي فراق بلا مشاجرة .

فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ(2)

وهنا فوائد :

الأولى: دلت الآية على جواز تفویض أمر الطلاق إلى المرأة وتخيرها في نفسها مع قصده الطلاق بذلك وأنها اذا قالت اخترت نفسي كان ذلك طلاقا.

وهل هذا الحكم خاض بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم أو جار في غيره من الأمة ، أكثر الأصحاب على

الأول.

الثانية: تضمنت الآية المتعة .

الثالثة: ظاهر الأمر أن التخيير واجب عليه.

الرابعة: عدد نسائه صلی الله علیه و آله و سلم خمس عشرة .

يدل على ذلك ما رواه في الكافي عن أبي بصير وغيره في تسمية نساء النبي صلی الله علیه و آله و سلم ونسبهن وصفتهن: عایشة وحفصة وأم حبيب بنت أبي سفيان بن حرب وزينب بنت جحش وسؤدة بنت زمعة وميمونة بنت الحرث وصفية بنت حي بن أخطب وأم سلمة بنت أبي أمية وجويرية بنت الحرث.

وكانت عايشة من تیم وحفصة من عدي وأم سلمة من بني مخزوم وسؤدة من بني أسد وعدادها من بني امية وميمونة بنت الحرث من بني هلال وصفية بنت حي بن أخطب من بني اسرائيل ومات صلی الله علیه و آله وسلم عن تسع وكان له سواهن التي وهبت نفسها للنبي صلی الله علیه و آله وسلم وخديجة بنت خويلد وزينب بنت أبي الجون التي خدعت والكندية ».

ونقل الشهيد الثاني في المسالك انه تزوج خمس عشرة ودخل في ثلاث عشرة وجمع بين احدي عشرة ومات عن تسع.

تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا).

2) (2) قوله تعالى : (إِنْ كُنْتُنَّ) . انتهی .

الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا).

الثانية: في سورة الأحزاب الآية 53 قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ(1)

أي في علي علیه السلام أو الأعم من ذلك.

وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا(2)

تحريمهن من خواصه صلی الله علیه و آله وسلم لا لكونهن امهات حقيقة لأنهن لم يلدنهم والا لحرم بناتهن.

بل المراد انه مثل الامهات في التحريم.

ويدل عليه ما رواه في الكافي عن زرارة في حديث عن أبي جعفر علیه السلام : «ان ازواج النبي صلی الله علیه و آله وسلم مثل امهاتهم.

وسبب النزول انه تعالى لما أنزل قوله : ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) علم منها تحريم نسائه صلی الله علیه و آله وسلم غضب طلحة وقال يحرم محمد علينا نسائه ويتزوج هو نسائنا لئن مات لنركضن بين خلاخيل نسائه کما ركض بين خلاخيل نساء نا، فنزلت الآية.

أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ

1) (1) قوله تعالى : (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ).

2) (2) قوله تعالى : (وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا) . انتهى .

عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا).

الثالثة : في سورة الأحزاب الآية 50 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ(1)

أي أحللنا لك أزواجك اللاتي عندك بالفعل أي عند نزول الآية .

أو المعنى ماتزوجت من أزواج وما شئت أن تتزوج من النساء.

كما يدل عليه ما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبدالله علیه السلام قال : سألته عن قول الله عز وجل : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ) قلت كم أحل له من النساء ؟ قال : «ما شاء».

والأجور هي المهور لأن المهر أجر البضع.

وايتائه يجوز أن يراد به ما يشمل الأداء عاجلا وما التزم به اجلا.

(وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) أي ملكت يمينك حال كونه مما أفاء الله من شيء أو الذي أرجعه الله عليك من الغنائم والأنفال ومن مال تشتري به جارية .

أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ(2)

شرط جزاءه محذوف أي أحللناها .

و(خَالِصَةً) نصب على الحال.

والهاء للمبالغة أو صفة لمصدر محذوف أي هبة خالصة لا يشاركك فيها أحد.

فالاية دالة على أن الهبة من خواصه.

والمراد بالهبة انه يستحل البضع والوطي بدون استحقاق المهر أي أنها لا يجب لها مهر بعد الدخول كما لم يذكر في العقد.

نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : ( إِنْ وَهَبَتْ) .

النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ).

الرابعة: في سورة الأحزاب 52 الآية قوله تعالى : (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ(1)

المراد بالنساء النساء اللاتي ذكره تعالى في قوله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) الآیة.

وقوله : (مِنْ بَعْدُ) أي من بعد أن بين ذلك لك وشرحه.

وقوله : (وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ) أي حسن ما حرمه عليك في الآية المذكورة .

مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ).

الخامسة: في سورة الأحزاب الآية 51 قوله تعالى :(تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ(2)

الأرجاء بالهمزة وعدمه وقرء بهما بمعنى التأخير .

والمراد هنا المفارقة اما بالطلاق أو بأي لفظ يدل على ذلك ويكون من خواصه صلی الله علیه و آله و سلم.

مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ(3)

الايواء ضمها اليه وابقاء نکاحها.

...............

1) (1) قوله تعالى : (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ) . الخ.

3) (3) قوله تعالى : (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) .

وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ(1)

من اسم شرط وممن بيان لها.

وجملة (فَلَا جُنَاحَ) جوابه.

وحاصل المعنى انه لا جناح عليك في ايواء المعزولة المسرحة من نسائك بل لك ارجاعها وضمها إليك أي وقت شئت ولا يتعين عليك ارجاءها.

فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى(2)

الإشارة إلى أن التخيير بين الأمرين أقرب إلى أن قرت أعينهن ورضاهن وعدم حزنهن لأنه حكم يتساوین کلهن فيه فان ساویت بینهن عرفن ان ذلك تفضل منك ومجرد احسان وان ارجیت بعضهن علمن انه بحكم الله فلا يحزن.

أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ(3)وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا(4)

(حَلِيمًا) في ترك معاجلتهم بالعقوبة.

حَلِيمًا )

السادسة: في سورة الأحزاب الآية 37 قوله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ(5)

جملة أمسك وجملة واتق مقول القول وجملة تخفي وجملة تخشى وجملة والله منصوبة على الحالية من فاعل تقول في الجملتين الأولين والثالثة من ضمير تخفی وانما جاء الرابط فيهما بالواو مع انهما مضارع مثبت لأنهما بتقدير الاسمية أي وأنت تخفی. الخ.

لِلَّذِي

1) (1) قوله تعالى : (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ) .

2) (2) قوله تعالى : (ذَلِكَ أَدْنَى). الخ.

3) (3) قوله تعالى : (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) من الرضا والسخط والميل إلى بعض النساء دون بعض.

4) (4) قوله تعالى : (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا) بمصالح عباده .

5) (5) قوله تعالى : (وَإِذْ تَقُولُ) . الخ.

أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا(1)

الوطر الحاجة وقضاء الشهوة والآية نزلت في زید بن حارثة الكلبي وما جرى له مع زوجته زينب بنت جحش الأسدية وكانت بنت أميمة بنت عبدالمطلب عمة النبي صلی الله علیه و آله و سلم (القصة).

زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ).

النوع السادس : في دوافع النکاح

اشارة

وهو خمسة أقسام:

القسم الأول : الطلاق

وفيه عشرة آیات:

الأولى: في سورة الطلاق الآية 1 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ(2)

الخطاب صلی الله علیه و آله و سلم ولامته ولكن خصه بالذكر أنه الرئيس المقدم جری سبحانه في ذلك على المتعارف في توجه الخطاب إلى أشرف القوم فيما يراد منهم .

والمعنى اذا أردتم فهو من المجاز المشهور .

والمراد بقوله : (أَحْصُوا الْعِدَّةَ) ضبطها بالاقراء أمر سبحانه بذلك لأنه أمر يترتب عليه أحكام كثيرة كالمنع من النكاح والتوارث والنفقة والكسوة والمراجعة ونحو ذلك.

وفي تعقيب ذلك بالأمر بالتقوى حث على المحافظة في هذا الحكم لأنه مما يترتب على المخالفة فيه مفاسد كثيرة كاختلاط النسل والفجور والاضرار بها أو به .

فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا

1) (1) قوله تعالی : (وَطَرًا) .

2) (2) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) . انتهى .

تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ(1)

تضمنت النهي عن اخراج المطلقة من الموضع اللائق بحالها مادامت في العدة وعن خروجها هي منه وهذا الحكم بالنسبة إلى ذات العدة الرجعية كما يدل عليه قوله : ( لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) كما سيجيء إن شاء الله .

وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ(2)

فالظاهر أن الاستثناء من الاخراج .

ويدل على ذلك ما رواه الشيخ عن محمد بن علي بن جعفر عن الرضا علیه السلام في تفسير الآية قال : « یعني بالفاحشة المبينة أن تؤذي أهل زوجها فاذا فعلت ذلك فان شاء أن يخرجها من قبل أن تنقضي عدتها فعل».

وحاصل المعنى انه لا يطلق له الخروج الا الخروج الذي هو فاحشة .

وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ(3)

الاشارة بذلك إلى جميع الأحكام المذكورة الشاملة لخروجها واخراجها تأكيدا للحكم وتحذيرا عن المخالفة المسببة عن سخط الله وعقابه.

وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ

1) (1) قوله تعالى : (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) قرء بكسر الباء أي ظاهرة وبفتحها أي أظهرتها.

3) (3) قوله تعالى : (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ).

يُحْدِثُ(1)

في رواية زرارة عن أبي عبدالله علیه السلام قال : المطلقة تكتحل وتختضب وتتطيب وتلبس ماشاءت من الثياب لأن الله يقول : ( لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) لعلها أن تقع في نفسه فيراجعها.

وفي هذه الآية دلالة صريحة على عدم لزوم الحداد ( وهو كما عن الشهيدين ترك الزينة من الثياب والادهان والطيب والكحل الاسود والحناء وخضب الحاجبين بالسواد واستعمال الأسفیداج في الوجه وغير ذلك مما يعد زينة عرفا) بل على استحباب ترکه كماهو المعمول به عند الأصحاب .

بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).

الثانية: في سورة الطلاق الآية 2 قوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ(2)

المراد بالأجل هنا العدة التي أمر الله بها .

والمراد ببلوغه المشارفة على اخره على الاتساع في ذلك.

واطلاقه على مثله شایع في كلام الفصحاء.

وانما حمل على ذلك ليترتب عليه قوله فأمسكوهن لأنه قد ثبت انها بعد الفراغ

من العدة تبين منه ولا يملك رجعتها ويكون خاطبا من الخطاب والامساك بالمعروف حسن العشرة معها واجراء النفقة عليها وان يراجعها بقصد ذلك للاضرار بها.

فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا(3)

راجع إلى أصل الطلاق لأن الكلام فيه وهو المقصود الأصلي من سوقه والبواقي من توابعه فتوسطها غير قادح.

والأمر حقيقة في الوجوب.

فتدل على وجوب الاشهاد وعلى كونه شرطا في صحته .

ذَوَيْ عَدْلٍ

1) (1) قوله تعالى : ( لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ). انتهی.

2) (2) قوله تعالى :(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ).

3) (3) قوله تعالى : وأشهدوا . الخ.

مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ(1)

الاشارة به إلى الشهادة واقامتها أو جميع الأحكام.

وفيه مبالغة على التحريص في ذلك بأن من لم يفعل ذلك فليس من المؤمنين .

يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).

الثالثة: في سورة البقرة الآية 231 قوله تعالى : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ(2)

قال الموسوی وفي مجمع البيان في تفسير قوله تعالى : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) وهذا خطاب للأزواج (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) البلوغ ههنا بلوغ مقاربة أي قاربن انقضاء العدة لأن بعد انقضاء العدة ليس للزوج الامساك . الخ.

فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ(3)

أي راجعوهن قبل انقضاء العدة بما يتعارفه الناس بينهم مما يقبله النفوس ولا ينكره العقول.

والمراد بالمعروف ههنا أن يمسكها على الوجه الذي أباحه الله من القيام بما يجب لها من النفقة وحسن العشرة.

أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ(4)

أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيكن املك بأنفسهن .

وَلَا

1) (1) قوله تعالى : (ذَلِكُمْ) . انتهی.

2) (2) قوله تعالى : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ).

3) (3) قوله تعالى :(فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ).

4) (4) قوله تعالى :(أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ).

تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا(1)

أي لا تراجعوهن لا لرغبة فيهن بل لطلب الاضرار بهن اما بتطويل العدة أو بتضييق النفقة في العدة.

لِتَعْتَدُوا(2)

أي لتظلموهنّ.

وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ(3)

أي الامساك للمضارة.

فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ(4)

فقد أضر بنفسه وعرضها لعذاب الله . انتهى.

أقول: حکی عن من لا يحضره الفقيه عن الحلبي قال : سألته عن قول الله عزوجل (وَ لَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) قال : الرجل يطلق حتى اذا كادت أن يخلو أجلها راجعها ثم طلقها يفعل ذلك ثلاث مرات فنهى الله عزوجل عن ذلك .

).

الرابعة : في سورة البقرة الآية 232 قوله تعالى : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ(5)

قيل الخطاب للمطلقين ، وبلوغ الأجل عبارة عن المشارفة على الفراغ من العدة ، والعضل عبارة عن المراجعة لهن بقصد الاضرار لا الرغبة فيهن.

وحاصل المعنى لا تراجعوهن عند قرب انقضاء العدة لا لقصد الرغبة بل منعا من نکاح الأزواج وقت التراضي بينهم اضرارا .

وهذا المعنى قاله الراوندي .

ذلك المذكور (يُوعَظُ بِهِ) المؤمن المصدق بالله وبوعده و وعیده في اليوم الاخر فيرجو ثوابه ويحذر عقابه وخص المؤمن لأنه المنتفع بذلك.

وفيه دلالة على أن من لم يتعظ بذلك ولم يأخذ بما أمر به ولم يترك ما نهى عنه فهو ليس من المؤمنين.

(وَاللَّهُ يَعْلَمُ) ما يصلحكم هو (وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) .

أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ

1) (1) قوله تعالى : (وَ لَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا) .

2) (2) قوله تعالى : (لِتَعْتَدُوا).

3) (3) قوله تعالى : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ).

4) (4) قوله تعالى :(فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).

5) (5) قوله تعالى : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) .

بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ).

الخامسة: في سورة البقرة الآية 228 قوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ(1)

جملة خبرية في معنى الأمر.

والتربص الانتظار أي لا يتزوجن في هذه المدة .

وهنا فوائد :

الأولى: ظاهر المطلقات الشمول لكل مطلقة لأنه جمع محلی باللام لكن يخرج من هذا العموم غير المدخول بها لقوله تعالى : (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ ).

الثانية: القروء جمع القرء بالفتح والضم وهو يطلق في اللغة على الحيض والطهر.

الثالثة: قوله : (لا يحل لهن أن يكتمن) الخ. الظاهر ان المراد بما في الأرحام الحمل وحرمه تعالى لأنه تضييع نسل .

قوله : ( إِنْ كُنَّ ) . الخ. زجر ووعيد وتأكيد لتحريم الكتمان بان ذلك مما يخرج عن الايمان.

الرابعة: قوله تعالى : (وَبُعُولَتُهُنَّ) الخ . ان كان المراد بما خلق الله في الأرحام الحمل فالمعنى أن له عليها الرجعة مادامت حاملا لأنها إنما تبين منه بالوضع.

وان كان المراد الأعم فالمعنى أن له عليها الرجعة مادامت في العدة وعلى التقديرين المراد ذات العدة الرجعية.

الخامسة: لما ذكر سبحانه أن الزوج أحق بها في مدة التربص وان له عليها حقا أردفه بما يدل على أن لها أيضاً مثل الذي عليها والتشبيه في أصل الوجوب وحق الزوج أعظم.

السادسة: ظاهر الاطلاق يتناول كل مطلقة المسلمة والكافرة الحرة والامة والمطلق المسلم والكافر والحر والعبد لكن خرجت الأمة بدليل أنها على النصف من الحرة وان كان زوجها حرا وأما الكافرة فهي كالحرة على المشهور.

بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي

1) (1) قوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) . انتهی .

أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ).

السادسة: في سورة الطلاق الآية 4 قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ(1)

لما ذكر سبحانه حال المطلقات من ذوات الاقراء المستقيمات الحيض ذكر حال من لا يكون كذلك.

روی انه لما نزلت الآية السابقة في عدة ذوات الأقراء قيل فما عدة اللائي لم يحضن فنزلت هذه الآية : ( وَاللَّائِي يَئِسْنَ ) مبتدأ (فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) الخبر وصح دخول الفاء لتضمنه معنى الشرط وقوله : ( وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) مبتدأ وخبره محذوف لدلالة الأول عليه أي فعدته ثلاثة أشهر.

مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ

1) (1) قوله تعالى : (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ). انتهى.

يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ).

السابعة: في سورة الأحزاب الآية 49 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ(1)

النكاح هنا عبارة عن العقد والمس الجماع قبلا أو دبراً.

(تَعْتَدُّونَهَا) أي تعتدونها وتستوفون عددها من عددت لهم الدراهم فاعتدوها .

والسراح هنااخراجها من المنزل.

والجميل صنيع المعروف معها وما تضمنته من انتفاء العدة في هذه الحال ولزوم المتعة فقد تقدم الكلام فيه.

الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا).

الثامنة: في سورة البقرة الآية 234 قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ(2)

الذين مبتدأ ويتربصن الخبر على حذف العائد أي يتربصن بعدهم أو من وفاتهم من قبيل السمن منوان بدرهم (أي منه).

وتأنيث العشر لتغليب الليالي وهو شایع في التواريخ كقوله صمت عشرا، وقوله تعالى :(إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ).

وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ). انتهى

2) (2) قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) . انتهى.

بَلَغْنَ(1)

أي انقضت العدة فلا جناح عليكم أيها الأولياء أو الحكام أو المسلمون فيما فعلن في أنفسهن من الزينة والتزویج ونحو ذلك مما كان محرما عليها في حال العدة .

ثم أردفه بقوله : ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) وعيدا وتهديدا وتحذيرا لمن خالف ووعدا لمن امتثل.

أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).

التاسعة: في سورة البقرة الآية 229 قوله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ(2)

في الصافي أي التطليق الرجعي اثنتان فان الثالثة باين .

وفي المجمع عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم انه سئل أين الثالثة فقال أو تسریح باحسان .

(فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ) أي بالمراجعة وحسن المعاشرة .

(أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) بأن يطلقها التطليقة الثالثة بعد الرجعة كما في الخبر النبوي المذكور أو بأن لا يراجعها حتى تبين منه وتخرج من العدة فالامساك هو الأخذ والتسريح الاطلاق .

فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ).

العاشرة: في سورة البقرة الآية 230 قوله تعالى : (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ


1) (1) قوله تعالى : ( فَإِذَا بَلَغْنَ) . الخ.

2) (2) قوله تعالى : ( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) . الخ.

لَهُ(1)

هذا بيان التطليقة الثالثةأي فان طلقها الزوج الذي طلقها مرتين التطليقة الثالثة فلا تحل له من بعد الطلاق الثالث حتی تنکح زوجا غيره .

مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ(2)

فالمراد به الزوج الثاني أي انه ان طلقها الثاني أيضا فلا جناح عليه في الرجوع إليها لأنه لم يطلقها ثلاثاً حتى تحرم عليه الا بالمحلل وإنما أضاف المراجعة إليهما لأنه قد يكون الطلاق مما لا يملك فيه الرجعة كان يكون بائناًة أو كان ذلك بعد انقضاء العدة .

ويحتمل أن يكون الضمير عايدا إلى الزوجة والزوج الأول بعد التحليل ولما كان الرجوع لا يكون الا بعقد ومهر في هذه الحال وهو موقوف على رضاهما نسبه تعالی إليهما.

عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا(3)

أي رجح عندهما بقرائن الأحوال .

أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ(4)

التي حدها للزوجية وهذا الشرط ليس لصحة العقد لأنه يصح وان ظنا خلافه لأنه أمر خارج عن الأمور المعتبرة في صحته غایته انه يترتب الاثم على ذلك اذا حصل موجبه.

وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ(5)

الإشارة إلى جميع الأحكام المذكورة نبينها ونوضحها على لسان القيم للكتاب .

يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ

1) (1) قوله تعالى : (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : ( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ ) . انتهى.

3) (3) قوله تعالى : (إِنْ ظَنَّا) .

4) (4) قوله تعالى : (أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) .

5) (5) قوله تعالى : (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) .

يَعْلَمُونَ(1)

بأن لهم ربا آمرا وناهيا يؤاخذهم على ترك حدوده ويحصل لهم الجزاء والثواب بامتثال أوامره ونواهيه فيحثّهم ذلك على العمل فلذا خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون .

).

القسم الثاني : في الخلع والمبارات

وفيه اية واحدة في سورة البقرة الآية 229 قوله تعالى : (وَ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا(2)

قرء أبو جعفر وحمزة يخافا بالضم والباقون بفتحها والضمير على القرائة الثانية فاعل وان في موضع جر بالجار المقدر أو نصب.

والخطاب للأزواج بتحريم أخذ شيء مما اتوا نسائهم من مهر وغيره .

ثم استثنى الله تعالى من ذلك حلية الأخذ منه في حالة وهي ما اذا عرضت بعض الأسباب عدم المحبة والبغض فحصل الظن بعدم اقامة حدود الله المقررة في أمر الزوجية فعند ذلك يحل لها أن تفدي نفسها وتخلصها من حكمه ويحل له أخذ الفدية (والذي يستفاد من كلماتهم هو أن الخلع قسم من الطلاق يعتبر فيه جميع شروط الطلاق ويزيد عليه أن تكون الزوجة كارهة لزوجها وتفدي نفسها منه بفدية فاذا كانت الكراهية من الزوج والزوجة فهو المباراة ).

مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ).

1) (1) قوله تعالى : (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).

2) (2) قوله تعالى : (وَ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا) . الخ.

القسم الثالث : في الظهار

القسم الثالث : في الظهار(1)

كما في القاموس وهو موافق لتعريفه شرعا أو قريب منه لأن الذي يظهر من الروايات انه تشبیه منکوحه مطلقا دائما أو منقطعا وبملك يمين وان كانت في العدة الرجعية بظهر انه أو بظهر رحم نسبا أو رضاعا. الخ.

وفيه خمس آيات كلها في سورة المجادلة :

الأولى : الآية 1 قوله تعالى : ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا(2)

في تفسير علي بن ابراهيم قال سبب نزول هذه السورة انه أول من ظاهر في الإسلام أويس بن الصامت وكان شيخا كبيرا فغضب على أهله يوما فقال لها أنت علي كظهر أمي ثم ندم على ذلك قال : وكان الرجل في الجاهلية اذا قال لامرأته انت علي كظهر أمي حرمت عليه إلى آخر الأبد وقال أويس لأهله يا خولة أنا كنا نحرم هذا في الجاهلية وقد أتانا الله بالاسلام فاذهبي إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فاسئلي عن ذلك فأتت خولة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقالت بأبي وأمي يا رسول الله ان اویس بن الصامت هو زوجي وأبو ولدي وابن عمي فقال لي أنت علي كظهر أمي وكنا نحرم ذلك في الجاهلية وقد أتانا الله بالاسلام بك.

(وفي البرهان عن أبي جعفر علیه السلام قال : ان امیرالمؤمنين قال ان امرأة من المسلمين أتت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقالت له : یا رسول الله ان فلانا زوجني وقد نشرت له بطني وأعنته على دنياه وآخرته فلم ير مني مكروها وأنا أشكوه إلى الله عزوجل وإليك قال : مما تشتكينه ؟ قالت له : انه قال لي اليوم أنت علي كظهر أمي وقد أخرجني من منزلي فانظر في أمري فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ما أنزل الله على كتابا أقضي به بينك وبين زوجك وأنا أكره أن أكون من المتكلفين فجعلت تبكي وتشتكي ما بها إلى الله ورسوله وانصرفت فسمع الله محاورتها لرسوله في زوجها وما شكت إليه فأنزل الله قرآنا: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) یعنی محاورتها لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في زوجها «ان الله سميع بصير ، الذين يظاهرون منكم» إلى آخر الآية ، فبعث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إلى المرأة فأتته فقال لها : ایتيني بزوجك فأتته به فقال له : أقلت لامرأتك هذه أنت حرام علي كظهر أمي ؟ قال : قد قلت لها ذلك ، فقال له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : قد أنزل الله فيك وفي امرأتك قرانا فقرء عليه ما أنزل الله من قوله : (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) إلى قوله : (ِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) فضم امرأتك إليك فانك قد قلت منكرا من القول وزورا قد عفا الله عنك وغفر لك فلا تعد وانصرف الرجل وهو نادم على ما قال لامرأته وكره الله ذلك للمؤمنين بعد فأنزل الله : الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) يعني قول الرجل لامرأته انت علي حرام كظهر امي.

قال : فمن قالها بعد ما عفى الله وغفر للرجل الأول فان عليه (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) یعنی مجامعتها.

وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ).

1) (1) الظهار هو قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر امي.

2) (2) قوله تعالى : (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) . الخ.

الثانية : الآية 2 قوله تعالى : ( الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا

الثالثة : الآية كقوله تعالى : ( وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) .

الرابعة : الآية 3 قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ(1)

فجعل الله عقوبة من ظاهر بعد النهي عن هذا وقال : (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) فجعل الله هذا حد الظهار الحديث.

تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ).

الخامسة: الآية 4 قوله تعالى : (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

القسم الرابع : في الايلاء

القسم الرابع : في الايلاء(2)

قيل : كان طلاقا في الجاهلية فنسخ ذلك الحكم وأثبت له حكم آخر .

وفيه آيتان:

الأولى: في سورة البقرة الآية 226 قوله تعالى: ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ(3)

الموصول المجرور مرفوع المحل خبر مقدم لقوله : (تَرَبُّصُ) ومن نسائهم متعلق بیؤلون ومن شأنه أن يتعدى بعلي لكنه لتضمنه معنى البعد عدی بمن أي يبعدون من نسائهم مولين والتربص التوقف والانتظار والاضافة ظرفية أو على جهة الاتساع أي ان هذه المدة حق ثابت لهم لا يطالبون فيها بالطلاق أو الفئة.

وهنا أحكام :

الأول: ان الايلاء ضرب من اليمين فلا ينعقد إلا باسم الله سبحانه .

الثاني: لا ينعقد الايلاء إلا مع قصد الاضرار بها فلو حلف لاصلاح لم ينعقد .

الثالث: لا ينعقد حتى يكون مطلقة أو أزيد من أربعة أشهر.

الرابع: اذا وقع الايلاء فان صبرت المرأة فلا بحث وان رفعت أمرها إلى الحاكم فأجله ( يعني الحاكم الرجل ) أربعة أشهر في أمره فاذا انقضت المدة خيره بين الفئة والطلاق فان طلق وقع رجعيا ان لم يوجد بعض أسباب البائن وان فاء بأن جامع أو عزم عليه اذا كان هناك مانع من الوطي كالحيض لزمته الكفارة فان امتنع منهما حبسه وضيق عليه في المأكل والمشرب حتى يختار أحدهما.

الخامس: اذا وطى المؤلى في مدة التربص وفي الأربعة أشهر فقد حنث في يمينه ووجبت عليه الكفارة اجماعا.

وكذا ان وطي بعدها على المشهور.

السادس: يظهر من الآية انه لو وطی في أثناء المدة فقد انحل اليمين ولم تتكرر الكفارة بتكرر الوطي وذلك لأنه تعالى وعد بالغفران والرحمة لمن أفاء مطلقا ومقتضاه عدم لزوم شيء سوى كفارة واحدة من حيث الدليل.

السابع: استفيد منها انه لابد من كون المؤلی بالغا عاقلا مختارا قاصدا.

ويستفاد أيضا من اعتبار التربص والطلاق انه لابد من كون المؤلی منها زوجة لامملوكة ونكاحها دائما لا منقطعا.

تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ).

1) (1) قوله تعالى : (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا).

2) (2) الايلاء هو لغة مطلق الحلف وشرعا الحلف على ترك وطي الزوجة الدائم المدخول بها أزيد من أربعة أشهر للاضرار بها.

3) (3) قوله تعالى : (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) . انتهى.

الثانية : في سورة البقرة الآية 227 قوله تعالى : (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).

القسم الخامس: في اللعان

القسم الخامس: في اللعان(1)

وفيه أربع آيات كلها في سورة النور:

الأولى : الآية 6 قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ(2)

تضمنت الآية وجوب النطق بالشهادة وأن يبدأ الرجل بالتلفظ على الترتيب المذكور وأن يعينها بالذكر أو الاشارة وان ينطق باللفظ العربي مع القدرة وقد دل على ذلك روايات :

. منها: ما روي في الكافي في الحسن عن عبدالرحمن بن الحجاج قال : ان عباد البصري سأل أبا عبدالله علیه السلام وأنا حاضرٌ كيف يلاعن الرجل المرأة فقال أبو عبدالله علیه السلام . ان رجلا من المسلمين أتى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقال : يا رسول الله أرأيت لو ان رجلا دخل منزله فوجد مع أمرأته رجلا يجامعها ما كان يصنع؟ قال : فأعرض عنه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وانصرف ذلك الرجل وكان ذلك الرجل هو الذي ابتلى بذلك من امرأته.

قال : فنزل الوحي من عند الله عزوجل بالحكم فيهما فأرسل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إلى ذلك الرجل فدعاه فقال : أنت الذي رأيت مع امرأتك رجلا ؟ فقال : نعم، فقال له : انطلق فأتنی بامرأتك فان الله قد أنزل الحكم فيك وفيها قال : فاحضرها زوجها فأوقفهما رسول الله صلی الله علیه و آله سلم.

ثم قال للزوج اشهد أربع شهادات بالله انك من الصادقين فيما رميتها به قال : فشهد قال : ثم قال له : اتق الله فان لعنة الله شديدة.

ثم قال : اشهد الخامسة ان لعنة الله عليك ان كنت من الكاذبين قال فشهد ثم أمر به فنحی ثم قال للمرأة اشهدي أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين فيما رمال به قال : فشهدت ثم قال لها : أمسكي فوعظها وقال : لها اتقي الله ان غضب الله شديد ثم قال لها اشهدي الخامسة ان غضب الله عليك ان كان زوجك من الصادقين فيما رماك به قال فشهدت قال : ففرق بينهما وقال لهما لا تجتمعا بنكاح أبدأ بعد ما تلاعنتما.

فدلت على أن المراد بهذه الشهادة أن تكون بمعنى القسم وان المراد بالأربع تکرارها.

وَلَمْ يَكُنْ

1) (1) هو لغة الطرد والابعاد وشرعاً مباهلة خاصة بين الزوجين لنفي حير أو ولير.

2) (2) قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) . انتهى .

لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ).

الثانية : الآية 7 قوله تعالى : ( وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ).

الثالثة : الآية 8 قوله تعالى : (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ).

الرابعة: الآية 1 قوله تعالى : (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ).

کتاب المطاعم والمشارب

اشارة

والآيات هنا على أقسام:

القسم الأول

ما يدل على اصالة اباحة كل ما ينتفع به خاليا عن مفسدة .

وهو ست آیات :

الأولى : في سورة البقرة الآية 29 قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ(1)

وقوله تعالى : (یَا أَیُّهَا النَّاسُ) الخ.

وقوله تعالى : (وَ لَقَد مَکَنَّاکُم) . الخ.

وقوله تعالى :(هُوَ الَّذِی خَلَقَ لَکُم). الخ.

وقوله تعالى : (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ). الخ .

وقوله تعالى : ( وَالأَرضُ مَدَدنَاهَا) . الخ.

كل هذه الآيات ونحوها دالة على اصالة الاباحة .

وقد مر الكلام في كثير منها في كتاب المكاسب .

ويدل على أصالة الاباحة أيضا الأخبار المتكثرة كقول الصادق علیه السلام : «كل شي مطلق حتى يرد فيه نهي».

وقوله الآخر: «كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ». الخبر.

وقوله الآخر: «كل شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلالا أبدا حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه » .

مَا

1) (1) قوله تعالى :(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ). الخ .

فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا).

الثانية: في سورة البقرة 168 الآية قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).

الثالثة: في سورة الأعرف الآية 10 قوله تعالى : (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ).

الرابعة : في سورة الملك الآية 15 قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ).

الخامسة: في سورة طه 81 الآية قوله تعالى : (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ).

السادسة: في سورة الحجر الآيات 19 - 20 قوله تعالى : (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * «وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ).

القسم الثاني

في ما فيه اشارة إلى تحريم أشياء على التعيين .

وفيه ثلاث آيات:

الأولى: في سورة المائدة الآية 3 قوله تعالى :(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ(1)

وقد مر الكلام في صدر الاية في كتاب الصلوة .

ولنذكر بيانها هنا لاقتضاء المقام.

اعلم : أن جميع المحرمات التي حرمها الله تعالی عقب مفاسد ولهذا حرمها الله .

روی ابن بابویه في الصحيح عن محمد بن عذافر عن أبيه عن أبي جعفر علیه السلام قال : قلت لم حرم الله الخمر والميتة ولحم الخنزير والدم، فقال: «ان الله تعالى لم يحرم ذلك على عباده وأحل لهم ما وراء ذلك من رغبة فيما أحل لهم ولا زهد فيما حرمه عليهم ولكنه عزوجل خلق الخلق فعلم ما يقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحله لهم وأباحه لهم.

وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه ثم احله للمضطر في الوقت الذي لا يقوم بدنه الا به فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك ».

ثم قال : « وأما الميتة فانه لم ينل أحد منها الا ضعف بدنه ووهنت قوته وانقطع نسله ولا يموت آكل الميتة إلا فجاة .

وأما الدم فانه يورث أكله الماء الأصفر ويورث الكلب وقساوة القلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن على حميمه ولا يؤمن على من صحبه .

وأما الخمر فانه حرمها لفعلها وفسادها »* .

ثم قال : « إن مدمن الخمر كعابد وثن ويورثه الارتعاش ويهدم مروته ويحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا حتى لا يؤمن إذا سكر أن يثب على حرمه وهو لا يعقل ذلك والخمر لا تزيد شاربها الا كل شر».

وروي عن عبد العظيم عن الجواد علیه السلام انه قال : المنخنقة التي انخنقت بأخناقها حتى تموت، والموقوذة التي مرضت حتی وقذها ( أي صرعها ) المرض حتى لم يكن بها حركة، والمتردية التي تتردی من مكان مرتفع إلى أسفل أو تتردى من جبل أو في بئر فتموت، والنطيحة التي نطحتها بهيمة اخرى فتموت، وما أكل السبع منه فمات وما ذبح على النصب على حجر أو صنم الا ما أدركت ذكاته فذکی » . الخبر .


1) (1) قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) . الخ.

وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ(1)

قد تقدم في كتاب الطهارة كيفية القسمة بالازلام، وهو على في ما رواية أبي جعفر علیه السلام قال : «كانوا يعمدون إلى جزور فيجزون عشرة أجزاء ( قال في الصافي معنی تجزیته عشرة أجزاء اشترائه فيما بين عشرة انفس كما ذكر في حديث الجواد لا تجزئة لحمه )، ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام فيدفعون إلى رجل والسهام عشرة وهي سبعة لها أنصباء (أي لانصيب له) وثلاثة لا انصباء لها فالتي لها انصباء الفذّ والتوأم والمسبل والنافس والحلس والرقيب والمعلی ، فالفذ له سهم والتوام له سهمان والمسبل له ثلاثة أسهم والنافس له أربعة أسهم والحلس له خمسة أسهم والرقيب له ستة أسهم والمعلی له سبعة أسهم والتي لا انصباء لها السفيح والمنيح والوغد وثمن الجزور على من لم يخرج له من الانصباء شيء وهو القمار فحرمه الله .

ذَلِكُمْ فِسْقٌ ).

1) (1) قوله تعالى : (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ). انتهى.

الثانية: في سورة الأنعام الآية 145 قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ (1)

حاصل المعنى أنه سبحانه لما قدم ذكر ما حرمه المشركون عقبه ببيان المحرمات فقال : قل یا محمد لهؤلاء الكفار لا أجد فيما أوحاه الله في القرآن الذي فيه تبیان کل شيء أو فيما أوحاه الله مطلقا سواء كان قرانا أو غيره .

وفيه دلالة على أن الأحكام إنما يعلمها صلی الله علیه و آله و سلم بوحي الله تعالى إليه لأنه لا ينطق عن

الهوى شيئا.

مُحَرَّمًا عَلَى(2)

والمراد بالميتة كلما فارقته الحياة بغير ذكاة شرعية .

وأراد بالمسفوح غير المتخلف منه في اللحم والعروق ومما يشق تخليصه.

والرجس المستقذر المنفور عنه ، فالضمير راجع إلى جميع ما تقدم.

طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ(3)

وفي رواية عبدالعظیم عن الجواد علیه السلام قلت له : يابن رسول الله فما معنى قوله عز وجل : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) قال : « العادي السارق والباغي الذي يبغي الصيد بطرا ولهوا لا ليعود به على عياله ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا هي حرام عليهما في حال الاضطرار، كما هي حرام في حال الاختيار». الحديث .

فدلت الآية والرواية على الرخصة في ذلك للمضطر الا ما استثنی .

فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

1) (1) قوله تعالى : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (مُحَرَّمًا عَلَى) . الخ.

3) (3) قوله تعالى : (فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) عطف على ميتة والمراد ما ذبح على النصب وما ذبحوه لآلهتهم.

الثالثة : في سورة البقرة الآية 219 قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ(1)

قد تقدم في كتاب الطهارة وفي المكاسب بيان ذلك وتحريم الخمر من ضروریات الدين حتى ورد أنه أكبر الكبائر وأنه لو صب في أصل شجرة ما أكل من ثمرها ولو وقع في بئر قد بنيت عليه منارة ما أن عليها إلى غير ذلك من الأخبار.

وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا).

القسم الثالث

في أشياء في المباحات.

وفيه خمس آيات:

الأولى : في سورة المائدة الآية 4 قوله تعالى : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ(2)

قد مر تفسير الطيب والمراد هنا ما قابل الخبيث فتدل بالمفهوم على تحريمه وبالمنطوق على اباحة كل ما لم تنفر عنه الطباع المستقيمة .

(وَمَا عَلَّمْتُمْ) موصولة عطف على الطيبات بتقدير مضاف أي وصيد ما علمتم أو شرطية وجوابها فكلوا.

و (الْجَوَارِحِ) جمع جارحة وهو الكواسب من الطير والبهایم سميت بذلك لأن اربابها يكسبون الطعام بصيدها.

والقرائة المشهورة مكلبين بالتشديد أي أصحاب صيد بالكلاب وأصحاب التعليم للكلاب فهو نصب على الحال من فاعل (مَا عَلَّمْتُمْ).

وقوله : (تُعَلِّمُونَهُنَّ) إلى آخره جملة منصوبة على الحال أيضا اما متداخلة أو مترادفة على الكيفية التي علمكم الله على لسان نبيه صلی الله علیه و آله و سلم.

وهنا أحكام:

الأول: اطلاق (مَا عَلَّمْتُمْ) ثم تقيده بقوله :(تُعَلِّمُونَهُنَّ) . الخ. يقتضي أن التعليم له كيفية خاصة.

الثاني: اطلاق الجوارح وإن كان عام الا ان التقيد بالمكلبين يخصه بالكلاب لأنه المتبادر .

الثالث: قد يستفاد من كون الخطاب للمسلمين أنه لا يجوز الاصطياد بالكلب الذي علمه الكافر.

الرابع: قد يعلم من قوله : (مُكَلِّبِينَ) وقوله : (تُعَلِّمُونَهُنَّ) و (أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) انه يشترط أن يكون ارساله للصيد .

الخامس: استفيد منها اعتبار التسمية من المريسل .

السادس: قد يستفاد من قوله : (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ) انه يشترط في الاباحة أن يجده قد مات.

السابع: قيل ظاهر اطلاق الآية يدل على طهارة موضع العضة .

قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ

1) (1) قوله تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ). انتهى .

مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ).

الثانية: في سورة المائدة الآية 5 قوله تعالى : (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ(1)

هذه الاية مذكورة بعد الاولی بلا فصل فالغرض من التكرار التأكيد وعطف باقي المحللات عليه.

والمراد باليوم الزمان الحاضر وما بعده.

والمراد بطعام أهل الكتاب الحبوب ونحوها من الجامدات لأنه المتبادر من لفظ الطعام ولأنه قد ثبت نجاستهم على الأقوى المشهور كما مر في كتب الطهارة فتنصرف إلى ما عدا المايعات.


1) (1) قوله تعالى : (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ) . انتهى.

الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ(1)

أي يجوز لكم أن تبذلوهم بالبيع ونحوه من المعاملات وغيرها .

).

الثالثة : في سورة الأنعام الآية 118 - 121 قوله تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ(2)

والمراد الاسم المختص به سبحانه .

والتفصيل هو قوله تعالى : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ ) الآية.

وفي الصافي قوله : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ) مسبب عن انکار اتباع المضلين الذين يحترمون الحلال ويحلون الحرام وذلك أنهم قالوا للمسلمين أتأكلون مما قتلتم أنتم ولا تأكلون مما قتل ربکم فقیل كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه خاصة دون ما ذكر عليه اسم غيره أو مات حتف أنفه.

عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ(3)

فان الايمان بها يقتضي استباحة ما أحله الله واجتناب ما حرمه .

* وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا(4)

وأي غرض لكم بأن تتحرجوا عن أكله وما يمنعكم منه .

مِمَّا ذُكِرَ

1) (1) قوله تعالی :(وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ).

2) (2) قوله تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ) . انتهى .

3) (3) قوله تعالى : (إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) .

4) (4) قوله تعالى : (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا) . انتهى.

اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ(1)

مما لم يحرم بقوله :(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) الخ.

(إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) مما يحرم عليكم فانه أيضا حلال حال الضرورة .

مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا(2)

بتحليل الحرام وتحريم الحلال.

لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ(3)* وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ(4)

القمي قال : الظاهر من الآثم المعاصي والباطن الشرك والشك في القلب. الخ.

وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ * وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ).

الرابعة : في سورة النحل الآية 14 قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ(5)

وفي الصافي : ذلله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص.

لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا(6)).

1) (1) قوله تعالى : (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (وَإِنَّ كَثِيرًا) . انتهى .

3) (3) قوله تعالى : (هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) . المتجاوزين الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام.

4) (4) قوله تعالى : (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ) . انتهى.

5) (5) قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ) . انتهى .

6) (6) قوله تعالى : (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) هو السمك ، فهذه الآية دالة على اباحة حيوان البحر.

وفي سورة فاطر الآية 12 قوله تعالى :(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ(1)

وفي مجمع البيان : يعني العذب والمالح ثم ذكرهما فقال : (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ) أي طيب بارد (سَائِغٌ شَرَابُهُ) أي جايز في الحلق هنيء (وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) شدید الملوحة.

عن ابن عباس وهذه الآية أيضاً دالة على اباحة حيوان البحر .

هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا).

الخامسة: في سورة النحل الآيتان 68 - 69 قوله تعالى : (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ(2)

روی في الخصال عن محمد بن يوسف عن أبيه قال : سألت أبا جعفر علیه السلام عن قول الله عز وجل : (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) قال : « الهام».

وهنا فوائد :

الأولى: قد استعمل الوحي في معان ، والمراد هنا الالهام. والعرش سقف البيت أي اتخذي من هذه المواضع بيوتا واسكني فيها، ومن هنا للتبعيض .

وقوله :(کُلِی) هو عطف على اتخذي أي الهمها أن تأكل من جميع أنواع الثمرات وما تشتهيه من سائر الأشجار وما تبتغيه من ثمر وورق وزهر والهمها سلوك الطرق التي يحصل لها من سلوكها ماتأكله والرجوع إلى بيوتها . و (ذُلُلَاً) حال من السبل أي ذللها الله تعالی ووطأها ، (شَرَابٌ) أي عسل مختلف اللون.

وظاهر الآية أن تلك الأزهار والأوراق التي تأكلها تستحيل في باطنها عسل ثم تقیه.

الثانية: في الآية دلالة على اباحة العسل واباحة التداوي به اما بنفسه يذیب البلغم وأما مع التركيب مع غيره فانه مع الحموضات شفاء من الصفراء ومع الادهان شفاء من السوداء .

أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ *

1) (1) قوله تعالى : (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ) .

2) (2) قوله تعالى : (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ). انتهى .

ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ).

کتاب الميراث

وفيه تسع آيات:

الأولى: في سورة النساء الآية 33 قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ (1)

أصل المولى من ولي الشيء يليه ولاية : اتصال الشيء بالشيء من غير فاصل وقد استعمل في معان متعددة.

والمراد هنا الاولى بالشيء أو الوارث. ويدل على ذلك ما رواه في أصول الكافي في الموثق عن زرارة قال : سمعت أبا عبدالله علیه السلام يقول : « ولكل جعلنا موالی مما ترك الوالدان والأقربون قال : إنما عنى أولى الأرحام في المواريث ولم یعنی أولياء النعمة فأولاهم بالميت أقربهم إليه من الرحم التي تجره إليها».

والتنوين في لكل عوض عن مضاف إليه أي لكل تركة مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي يرثونها.

واختلف في المراد بالذين عقدت ایمانکم، فقيل المراد الحلفاء وذلك انهم كانوا في الجاهلية يعاقد بعضهم بعضاً فيقول دمي دمك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتعقل عنّي وأعقل عنك فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف .

مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ(2)

أي فاعطوهم حظهم من الميراث أعني السدس ثم نسخ ذلك بقوله : (وَأُولُو الْأَرْحَامِ) الآية.

وهذا هو الذي ذكره علي بن ابراهيم في تفسيره .


1) (1) قوله تعالى :(وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ).

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا).

الثانية: في سورة الأحزاب الآية 6 قوله تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ(1)

في الصحاح الرحم القرابة وفي القاموس بالكسر وككتف بيت الولد ووعائه والقرابة وأصلها وأسبابها . وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الاسلام من التوارث بالهجرة والموالاة في الدين لا بالقرابة تألفا لقلوبهم كما تألف الاعراب باعطائهم سهم من الصدقات .

روى أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم آخى بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة وكان يرث المهاجريّ من الانصاري وبالعكس ولا يرثه وارثه الذي بمكة وإن كان مسلما لقوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ) ثم نسخت هذه الآية بالآية المذكورة .

وهو المراد بقوله : (فِي كِتَابِ اللّهِ) .

قوله تعالى : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي الأنصار والمهاجرين .

فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا).

الثالثة : في سورة النساء الآية 7 قوله تعالى : (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ(2)

نصب النصب على المصدرية تأكيدا لمضمون الجملة أو على أنه حال أو على الاختصاص.

وحاصل المعنى أنه تعالى جعل لكل واحد من الرجال والنساء حصة من الميراث على الاجمال ثم بين نصيب كل واحد. قيل إن الآية نزلت لابطال ما كان متعارفا عند الجاهلية من عدم توريث النساء والأطفال، وفيها دلالة واضحة على بطلان التعصيب.

ووجه ذلك أنه تعالی فرض للنساء كما فرض للرجال في التركة فشرك بينهما وذكر الوالدين والأقربين يدل على أنه ليس المراد مطلق الرجال ومطلق النساء بل المراد المتساوون في الدرجة، وفي قوله : (مفروضا) دلالة على أن هذا النصيب يدخل في ملك الوارث بغير الاختيار .

مِمَّا

1) (1) قوله تعالی : (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ).

2) (2) قوله تعالى : (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ) . انتهى .

تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا).

الرابعة : في سورة النساء الآية 11 قوله تعالى : (يُوصِيكُمُ اللَّهُ(1)

نذكر جملة ما تضمنته الآية في مسائل :

الأولى: وصية الله عبارة عن أمره وفرضه كما في قوله : (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ) أي يأمركم ويعهد إليكم في أولادكم أي في توريثهم بعد الموت والخطاب للأحياء.

والمراد بالأولاد هنا مایلدونه حيا ذكرا كان أو أنثى ثم بين سبحانه ما أوصاهم به انه اذا اجتمع منهم في مرتبة ذكر وانثي أو ذكور واناث فللذكر منهم من التركة مثل حظّ الانثیین.

فهو مبتدأ أو خبر مقدم بحذف العائد لدلالة السياق عليه.

الثانية: أشار سبحانه إلى حكم النساء المتفردات عن الأولاد الذكور بقوله : (فَإِنْ كَانَ) أي الأولاد (نِسَاءِ) فالتأنيث باعتبار الخبر كقولهم من كانت امك (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) أي ثلثا فصاعدا (فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) الميت يشتركن فيه وان كن مائة (وَإِنْ كَانَتْ) المولودة (وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ).

الثالثة: أشار سبحانه إلى حكم الأبوين بقوله : (وَلِأَبَوَيْهِ) أي أبوى الميت الدلالة السياق (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ) هذا (إِنْ كَانَ) للميت (وَلَدٌ) أراد به هنا الجنس الشامل للذكر والانثى (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) للميت (وَلَدٌ) مطلقا (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) معاً لا أحدهما لأنه لو كان الوارث واحدا منهما فان كان الأب فالمال کله له وان كان الأم كان لها الثلث تسمية والباقي ردا فالغرض هنا بیان صورة اجتماع الأبوين (فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) أي مما ترك وحذفه للعلم به ولم يذكر حصة الأب هنا لأنه ليس بصاحب فرض في هذه الصورة بل له جميع الباقي وهذا اذا لم يكن للميت اخوة (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) خاصة فانهم يمنعونها عما زاد عنه.

الرابعة: اطلاق الآية مقيد بأمور وهي أن لا يكون الوارث رقا ولا كافرا ولا قاتلا ونحو ذلك من موانع الإرث وهي كثيرة أنهاها في الدروس إلى عشرين .

الخامسة: ما ذكر في الآية الشريفة هو حكم الأولاد الذكور والاناث المقطوع بذكوريتهم وأنوثيتهم.

السادسة: اطلاق الأولاد يشمل في هذا المقام أولاد الأولاد .

فِي

1) (1) قوله تعالى : (يُوصِيكُمُ اللَّهُ) . انتهي.

أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ

كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ(1)

متعلق بجميع ما تقدم من قسمة المواريث.

يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا(2)

لعله من قبيل العلة في توريث الفروع والأصول ومشاركته في الميراث .

قيل : ان المراد النفع الاخروي وقيل النفع الدنيوي وقيل المراد وجوب النفقة من الطرفين اذا كان أحدهما محتاجا دون الآخر وقيل لا تدرون ایكم يموت قبل صاحبه فينتفع الاخر بماله.

فَرِيضَةً(3)مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).

الخامسة: في سورة النساء الآية 12 قوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ(4)

نصت الآية الكريمة على أنه لا يحجب الزوج عن الربع والزوجة عن الثمن أحد وانه لا يحجبهما عن النصيب الاعلى الا الولد بشرط أن يكون وارثاً.

وهنا فوائد:

الأولي: ظاهر لفظ الأزواج يتناول الأحرار والعبيد والمسلمين والكفار والنکاح الدائم والمنقطع لكن خرج غير الأحرار والمسلمين بالنص والإجماع على كون الكفر والرق مانعا من الميراث.

وأما نکاح المنقطع فاختلف فيه الأصحاب.

الثانية: اطلاق الزوج والزوجة يتناول المعقود عليها وان لم يحصل الدخول بها فترثه ويرثها ويتناول المطلقة الرجعية لأنها في حكم الزوجة فترث وتورث مادامت في العدة .

الثالثة: ظاهر الآية أن الزوجة ترث من جميع التركة (لكن الأخبار قيدت ببعض الأشياء ودلت على حرمانها عن بعض ).

الرابعة: يظهر منها انه لا يزيد الرجل على النصف ولا المرأة على الربع في حال من الأحوال.

الخامسة: في قوله : (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ) دلالة على اشتراكه فيه اذا تعددن.

أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا

1) (1) قوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) . الخ.

2) (2) قوله تعالى : (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) .

3) (3) قوله تعالى : (فَرِيضَةً) منصوب على المصدرية لتأكيد الجملة الأولى أي فرض الله ذلك فرضا ( إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمَا) بمصالح العباد (حَكِيماً) فيما فعل.

4) (4) قوله تعالى : (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ) . انتهى.

تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ).

السادسة: في سورة النساء الآية 12 قوله تعالى : (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً(1)

قال الفرا: الكلالة ما خلا الوالد والولد سموا كلالة لاستدارتهم بنسب الميت الأقرب فالأقرب من تكلله الشيء اذا استدار فكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة مورثة وهي مصدر يتناول الذكر والأنثى وانتصابه على انه خبر لكان ورجل اسمها ويورث صفة للرجل (أَوِ امْرَأَةٌ) عطف على رجل والمعنى وان كان المورث كلالة.

..............

1) (1) قوله تعالى : (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً) . انتهى.

أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ(1)

قال في اعراب القرآن : ان قيل قد تقدم ذكر الرجل والمرأة فلم أفرد الضمير وذكره.

قيل : اما افراده فلان أو لاحد الشيئين وقد قال أو امرأة فافراد الضمير لذلك واما تذكيره ففيه ثلاثة أوجه أحدها يرجع إلى الرجل لأنه مذكر مبدوّ به الثاني : انه يرجع إلى أحدهما ولفظ أحد مذكر والثالث : انه راجع الى الميت أو الموروث لتقدم ما يدل عليه . انتهى .

أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ).

السابعة : في سورة النساء الآية 176 قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ(2)

أي في أمورهم وأحكامهم.

قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ(3)

ف-(امْرُؤٌ) فاعل الفعل محذوف يفسره هلك .

وجملة (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ) حال من المستكن في هلك .

وفي قوله : (وَهُوَ يَرِثُهَا) أي مالها كله دلالة على أن الأخ من ذوي الفروض.

(وفي الصافي وهو يرثها أي المرء يرث اخته جميع مالها ان كانت الاخت هی الميتة ان لم يكن لها ولد ولا والد لأن الكلام في ميراث الكلالة ولأن السنة دلت على أن الأخوة لا يرثون مع الأب كما تواتر عن أهل البيت علیهم السلام .

(فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ) الضمير لمن يرث بالاخوة (فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ) الخ.

القمي عن الباقر علیه السلام : إذا مات الرجل وله أخت تأخذ نصف الميراث بالاية كما تأخذ البنت لو كانت والنصف الباقي يرد عليها بالرحم إذا لم يكن للميت وارث أقرب منها فان كان موضع الاخت أخ أخذ الميراث كله بالاية لقول الله تعالى : وهو يرثها ان لم يكن للميت ولد فان كانتا اختين أخذتنا الثلثين بالاية والثلث الباقي بالرحم (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) وذلك كله اذا لم يكن للميت ولد وأبوان أو زوجة الخ).

إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا

1) (1) قوله تعالى : (وَلَهُ) أي للرجل واكتفي بحكمه لاقتضاء العطف اشتراكهمافيه ويجوز أن يكون راجعة إلى الكلالة باعتبار موصوفها وهو الميت أو الموروث فدلت الآية على انه ان كان واحدا ذكرا كان أو أنثى فله السدس وان كان من انتسب من الأخوة أكثر من الأخ أو الأخت أي اخوين فصاعدا أو اختين فصاعدا أو هما معا فلهم الثلث فريضة يشتركون فيه ويقسمونه على السوية ودلت أيضا على ان الاخوة لا يرثون مع الوالدين والأولاد ولا مع واحد منهم .

2) (2) قوله تعالى :(يَسْتَفْتُونَكَ) . انتهى.

3) (3) قوله تعالى : (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) التي هي من أهم الأمور ويمكن ان المعنى يستفتونك أي في الكلالة فحذف لدلالة الجواب عليه وان شرط مختص بالفعل.

تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ(1)

في المجمع : أمور مواریثكم (أَنْ تَضِلُّوا) معناه کراهة .

(أَنْ تَضِلُّوا) أو لئلا تضلوا أي لئلا تخطؤوا في الحكم فيها وقيل معناه يبين الله لكم جميع الأحكام لتهتدوا في دينكم عن أبي مسلم.

(وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فائدته هنا بیان کونه سبحانه عالما بجميع ما يحتاج إليه عباده من أمر معاشهم ومعادهم على ما توجبه الحكمة.

وقد تضمنت الآية التي أنزلها الله في أول هذه السورة بيان ميراث الولد والوالد. والآية التي بعدها بیان میراث الأزواج والزوجات والاخوة والأخوات من قبل الأم.

وتضمنت هذه الآية التي ختم بها السورة بيان ميراث الاخوة والاخوات من الأب والأم والأخوة والأخوات من قبل الأب عند عدم الأخوة والأخوات من الأب والأم .

انتهی.

أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ).

1) (1) قوله تعالى :(يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ).

الثامنة : في سورة مريم الأيات 5- 6 قوله تعالى : (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي(1)

وفي مجمع البيان الموالي قيل هم العمومة وبنوا العم وهنا فوائد :

الأولى: في هذه الآية دلالة على بطلان ما رواه ابوبکر من أن الأنبياء لا تورث وذلك لأن زکریا علیه السلام طلب الوارث ومن الواضح أن المراد من يرث المال أو الأعم منه ومن العلم والنبوة.

والحمل على انه أراد من يرث العلم والنبوة خاصة خلاف المتبادر فلا يصار اليه الامع الموجب القوى والضرورة الداعية إلى ذلك وهي مفقودة فكيف مع ان الخبر انفرد به واحد ومخالفته للآيات ولاجماع أهل البيت الذين هم معدن الوحي صلوات الله عليهم أجمعين.

الثانية: قد استدل بها العامة على التعصيب لأنه طلب وليا ولو لا التعصيب لم يختص الطلب به بل قال وليا أو ولية فلما خصصه به دل على ان بني عمه يرثونه مع الولية فلذلك لم يطلبها والجواب أولا بالمنع من تخصيص الولي هنا بالذكر بل المراد ما يشمل الذكر والانثى. الخ.

وثاني : فلامکان انه علیه السلام طلب من يرث المال ويقوم باعباء النبوة معا ومثله لايصلح له النساء وثالثا فلان . الخ.

الثالثة: المتبادر من الوارث أن يكون بعد الموت وسياق الآية تقتضي أنه تعالی استجاب دعاء زکریاو وهب له يحيى وانه ورثه كما يصرح به قوله : ( يَا يَحيَى خُذِ الكِتَابَ) . الخ.

الرابعة: قوله تعالى : « یرثتي» ان قرء بالجزم فهو جواب الدعاء وان قرءبالرفع فهو صفة.

وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي

1) (1) قوله تعالى : (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي) . انتهى.

وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ).

التاسعة: في سورة النساء الآية 8 قوله تعالى : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ(1)

المراد انهم شهدوا قسمة التركة وأولوا القربی هم قرابة الميت ممن لا يرث ويحتمل الأعم منه ومن قرابة الوارث.

وقيدهم في مجمع البيان بالفقراء وهو خلاف الظاهر واليتامى والمساكين قيدهم أيضا بالأقارب الراجين للنيل وهو خلاف ما يقتضيه ظاهر العطف (فَارْزُقُوهُمْ ) أي اعطوهم من أصل التركة قبل القسمة أو مما صار اليكم بعد القسمة (وَقُولُوا لَهُمْ) وقت الاعطاء (قَوْلًا) حسنا باعثا لاعزازهم ولا تخشوا عليهم بالكلام الباعث لاذلالهم واهانتهم فالمخاطب بذلك هم الورثة .

أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا).

1) (1) قوله تعالى : (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ). انتهى.

كتاب الحدود

اشارة

وهي أقسام:

القسم الأول : حد الزنا

وفيه ثمان آیات:

الأولى: في سورة النساء الآية 15 قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ(1)

في مجمع البيان : وحكم هذه الآية منسوخ عند جمهور المفسرين وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله علیهماالسلام وهنا فوائد تتضمن احکاما:

الأولى: المراد بالفاحشة هنا الزنا كما دلت عليه الأخبار وبه قال الأكثر.

الثانية: قوله : (يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) أي يفعلنها وفي نسبته اليهن دلالة على أن المكرهة على الفعل لا يكون عليها هذا الحكم.

الثالثة: قوله : (نِسَائِكُمْ) يمكن أن يكون المراد المؤمنات ويمكن أن يراد الزوجات والأول أظهر لأن الحكم عام كما تقتضيه الروايات .

وفي مجمع البيان يعني الحرائر.

(أقول: ظاهر الاطلاق يأبن كل هذه الوجوه).

الرابعة: قوله : (فَاسْتَشْهِدُوا) الخطاب لحكام الشرع أي اطلبوا اقامة شهود اربعة وهي صريحة الدلالة على أن شهود الزنا ينبغي أن تكون أربعة وفي قوله: (مِنْكُمْ) دلالة على أنه يشترط فيهم الاسلام والذكورة .

(أقول : في الاخيرة تأمل ).

وبقية الشروط المعتبرة فيهم تعلم من دليل آخر.

الخامسة: مقتضى الآية أن الامساك في البيوت كذلك (أي على الكيفية المذكورة في الآية ) عقوبة وحد لهن.

السادسة: في قوله : (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ) دلالة على أن هذا الحكم من قبيل المغیّی بغاية فليس من النسخ المصطلح المشروط فيه التأبيد . ويمكن الجواب بأن الشرط هو أن لا يقيد بغاية معلومة كاتموا الصيام إلى الليل اما المغیّی بالغاية المجهولة كقوله أديموا الفعل حتى انسخه فليس بشرط للنسخ وهذا منه.

مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا

1) (1) قوله تعالى : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) . انتهى .

فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ).

الثانية: في سورة النساء الآية 16 قوله تعالى :(وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا(1)

في آخر رواية العياشي عن أبي بصير عن أبي عبدالله علیه السلام قال : قوله : (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ) قال : « یعني البكر اذا أتت الفاحشة التي أتتها هذه الثيب فاذوهما » . قال : « تحبسان فان تابا وأصلحا فان الله كان توابا رحيما».

مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا).

1) (1) قوله تعالى : (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا ) . انتهى.

الثالثة: في سورة النور الآية 2 قوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي(1)

قدم الزانية للاهتمام بشأنها لأن الزنا فيهن أشنع والشهرة أكثر من حيث الحبل أو لأن الغالب أنها تعرض بنفسها وتدعوا الرجال إليها.

وقد تضمنت الأية مسائل :

الأولى: الموجب للحد في الزنا هو ايلاج الانسان المكلف المختار ذكره في فرج امرأة محرمة تحريما أصليا من غير عقد ولا ملك ولا شبهة ، ويتحقق ذلك بغيبوبة الحشفة أو قدرها من مقطوعها.

الثانية: دلت بصريحها على جلد المأة خاصة.

الثالثة: (رَأْفَةٌ) الرحمة ، (فِي دِينِ اللَّهِ) أي في طاعة الله وإقامة حدوده وحفظ دينه .

وحاصل المعنى أنه لا يجوز لكم ترك اقامة الحد للرأفة والرحمة.

ففيها دلالة على عدم جواز الشفاعة في حدود الله كما دل عليه الاخبار .

الرابعة: في قوله : (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي يحضر اقامة الحد .

واعتبر حضور طائفة لأجل الشهرة وشيوع الأمر ليكون ذلك أشهر وأردع عن مخالفة حدود الله.

الخامسة: الخطاب بذلك لأئمة الشرع، ادعى بعضهم على ذلك اجماع الأمة .

فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ).

1) (1) قوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) . انتهى.

الرابعة : في سورة المائدة الآية 41 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ(1)

وهذه الآية باعتبار سبب نزولها دالة على ثبوت الرجم ، فانه روی عن الباقر علیه السلام:« أن امرأة من خيبر ذات شرف زنت مع رجل من اشرافهم وهما محصنان فكرهوا رجمهما . فأرسلوا إلى يهود المدينة وكتبوا إليهم أن يسئلوا النبي صلی الله علیه و آله و سلم عن ذلك طمعا في أن يأتي لهم برخصة فانطلق جماعة منهم اليه صلی الله علیه و آله و سلم وسألوه عن ذلك ، فقال صلی الله علیه و آله و سلم : هل ترضون بقضائي في ذلك فقالوا: نعم، فنزل جبرئیل علیه السلام بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به ». الحديث.

وفيه دلالة على أن الحكم بالرجم كان ثابتا في ملة موسی علیه السلام وأنه كان في التوراة .

لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).

الخامسة: في سورة المؤمن الآيتان 84 - 85 قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا(2)

روی عن جعفر بن رزق الله قال : « قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بأمرأة مسلمة وأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم فقال يحيى بن أكثم هدم ایمانه شرکه وفعله وقال بعضهم يضرب ثلاثة حدود وقال بعضهم يفعل به كذا فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام وسأله عن ذلك فلما قدم الكتاب كتب عليه السلام : « يضرب حتى يموت فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ذلك وقالوا یا امیرالمؤمنین ! سل عن هذا فانه شيء لم ينطق به الكتاب ولم يجيء به سنة فكتب إليه ان فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا وقالوا لم يجيء به سنة ولم ينطق به کتاب ، فبين لنا بما أوجب عليه الضرب حتى يموت، فكتب علیه السلام الآية فأمر به المتوكل فضرب حتی مات ».

فهذا الخبر دل باطلاقه على أن الكافر اذا زنی بمسلمة يقتل محصنا كان أم لا. وتدل الآية على ان التوبة بعد الثبوت عند الإمام لا تسقط الحد وهو المشهور بین الأصحاب.

قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) . انتهى .

إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ).

السادسة: في سورة ق الآية 12 قوله تعالى : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ(1)

روى الشيخ في الحسن عن محمد بن أبي حمزة وهشام وحفص عن أبي عبدالله علیه السلام انه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق فقال : «حدها حد الزاني » فقالت المرأة ما ذكر الله ذلك في القرآن فقال : «بلی » قال : « هن أصحاب الرس».

فهذا الخبر يدل على ان الرّسّ هو السحق .

قَوْمُ نُوحٍ

1) (1) قوله تعالى : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ) . انتهى .

وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ).

وفي سورة الفرقان الآية 40 قوله تعالى : (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ)

السابعة : في سورة البقرة الآية 173 قوله تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ(1)

روي عن محمد بن عمرو بن سعيد عن بعض أصحابنا قال : « أتت امرأة إلى عمر فقالت يا أمير المؤمنین ! اني فجرت فأقم في حد الله فأمر برجمها وكان علي علیه السلام حاضرا فقال له : سلها كيف فجرت ؟ قالت : كنت في فلاة من الأرض فأصابني عطش شدید ، فرفعت لي خيمة فأتيتها فأصبت فيها رجلا اعرابيا فسألته الماء فأبی علي أن يسقيني إلا أمكنه من نفسي، فوليت منه هاربةً فاشتد بي العطش حتى غارت عيناي وذهب لساني فلما بلغ مني اتيته فسقاني ووقع علي . فقال له علي علیه السلام : هذه التي قال الله عز وجل : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) هذه غیر باغية ولا عادية فخلى سبيلها فقال عمر: لولا علي لهلك عمر».

فهذا الخبر يدل على ان المضطر إلى الزنا على النحو المذكور ليس عليه حد ومثله المكره .

وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ).

الثامنة : في سورة ص الآية 44 قوله تعالى :(وَخُذْ بِيَدِك(2)

لا يبعد أن يكون هو مأخذ حد المريض من القرآن .

ويدل عليه ما رواه الشيخ عن عباد المكي قال : « قال لي سفيان الثوري : أرى لك من أبي عبدالله علیه السلام منزلة فسله عن رجل زنی وهو مريض فان أقيم الحد خافوا أن يموت ما يقول فيه . قال : فسألته ، فقال لي : هذه المسئلة من تلقاء نفسك أو أمرك انسان أن تسأل عنها . قال : قلت : أن سفيان الثوري أمرني أن أسئلك عنها، قال : فقال : أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أتي برجل كبير قد استسقى بطنه وبدت عروق فخذيه وقد زنی بامرأة مريضة ، فأمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فأتي بعرجون فيه مأة شمراخ فضربه ضربة واحدة وضربها به ضربة واحدة وخلى سبيلهما وذلك قوله تعالى : (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) ».

ضِغْثًا

1) (1) قوله تعالى : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ). انتهی.

2) (2) قوله تعالى : (وَخُذْ بِيَدِك) . انتهى .

فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا).

القسم الثاني : حد القذف

وفيه آيتان:

الأولى: في سورة النور الآيتان 4 - 5 قوله تعالى :(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ(1)

روى الشيخ في الحسن عن عبد الله بن سنان قال : قال أبو عبدالله علیه السلام : «قضي أمير المؤمنین علیه السلام أن الفرية ثلاث وجوه : إذا رمى الرجل بالزنا، وإذا قال إن امه زانية ، وإذا دعاه لغير أبيه فذلك فيه حد ثمانون».

وهنا فوائد:

الأول: لفظ الذين عام للمسلم والكافر والحر والمملوك والصغير والكبير والعاقل وغيره وشیوع التغليب سيما في أحكام القرآن يدخل النساء في هذا الحكم .

الثانية: المراد بالرمي هو القذف بالزنا.

الثالثة: المراد بالمحصنات هنا العفائف من النساء وفي حكمهن الرجال .

فدلت الآية على أنه يشترط في المقذوف الذي يجب بقذفه الحسد المذكور الاحصان.

والمراد به هنا الجمع الأمور أربعة : التكليف والحرية والاسلام والعفة من الزنا أي عدم التجاهر بذلك.

ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا

1) (1) قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) . انتهى.

تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ).

الثانية: في سورة النور الآية 23 قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ(1)

المراد بالمحصنات العفائف كما مر.

والغافلات السليمات القلوب من الخبائث النفسانية وفيها تشدید عظیم لوزر القذف.

الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

القسم الثالث : حد السرقة

وفيه آيتان:


1) (1) قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) . انتهى .

الأولى: في سورة المائدة الآية 38 قوله تعالى : (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ(1)

قدم السارق لأنه الغالب في حصول السرقة منه .

واطلاق السرقة أو عمومها يتناول الصغير والكبير والحر والمملوك والمسلم والكافر وبأي وجه تحققت السرقة.

والقطع ظاهر في الابانة وان كان قد يستعمل في غير الابانة.

وظاهر الأيدي شمول اليسار وأنها من المنكب وإن كانت قد تطلق على غيره ولكن ظاهر الاية غير مراد قطعا.

فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ).

الثانية: في سورة المائدة الآية 39 قوله تعالى : (فَمَنْ تَابَ(2)

أي تاب بعد ظلمه لنفسه ولغيره بالسرقة وغيرها. (وَأَصْلَحَ) أي استمر على توبته وأظهر الندم على ما فعل أو أتى بالأعمال الصالحة الدالة على انابته .

(فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) ووعده لا خلف فيه ، ففيها ترغیب تام على التوبة والاقلاع عن المعاصي .

وفي قوله : (غَفُورٌ رَحِيمٌ) دلالة على أن التوبة وسقوط العقاب بها من باب التفضل المترتب على رحمته.

وفيها دلالة على سقوط الحد عن التائب إلا أن الأخبار خصّت ذلك بما إذا كانت قبل الثبوت عند الحاكم.

مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

1) (1) قوله تعالى : (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ).

2) (2) قوله تعالى: (فَمَنْ تَابَ) . انتهى.

القسم الرابع : حد المحاربة

وفيه آيتان :

الأولى: في سورة المائدة الآية 33 قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ(1)

محاربة الله ورسوله عبارة عن محاربة المسلمين بالقتل أو أخذ الأموال قهرا بغیر حق أو أخافتهم بشهر السلاح عليهم ، واضافها سبحانه إليه وإلى رسوله تعظيما لشأن المسلمين.

وفي تفسير البرهان عن أبي الصلاح عن الصادق علیه السلام قال : « قدم علی رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قوم من بني ضبة مرضى ، فقال لهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : أقيموا عندي فاذا برأتم بعثتكم في سرية ، فقالوا: أخرجنا من المدينة فبعث بهم إلى ابل الصدقة يشربون من أبوالها ويأكلون من البانها فلما برؤوا واشتدوا قتلوا ثلاثة ممن كان في الابل ، فبلغ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فبعث إليهم عليّاً علیه السلام واذا هم في واد قد تحیروا ليس يقدرون أن يخرجوا منه قريبا من أرض اليمن فأسرهم وجاء بهم إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فنزلت هذه الآية : (إِنَّمَا جَزَاءُ) الآية.

وعن جميل بن دراج قال : سألت أبا عبدالله علیه السلام عن قول الله تعالى : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ) انتهى . فقلت : أي شيء عليهم من هذه الحدود التي سمى الله عزوجل قال : « ذلك إلى الأمام ان شاء قطع وان شاء نقي وان شاء صلب وان شاء قتل».الخبر .

وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

1) (1) قوله تعالى : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ) . انتهى .

الثانية: في سورة المائدة الآية 34 قوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا(1)

الاستثناء راجع إلى ما سبق في الآية الأولى من حقوق الله تعالی .

وفيه دلالة على قبول توبة المرتد وان كان عن فطرة.

وأما حقوق الآدمي من القتل والجرح والمال فلا يسقط منها شيء ولا تأثير للتوبة فيها وإنما يسقط باسقاط المستحق لها وعفوه وعليه دلت الأخبار وهذا مذهب الأصحاب.

مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ).

1) (1) قوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) . انتهى.

کتاب الجنايات

وفيه عشر آيات:

الأولى: في سورة المائدة الآية 32 قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ(1)

من للابتداء متعلقة بكتبنا، وأجل بمعنى العلة والسبب ، والاشارة إلى ما حكاه الله تعالی من قصة قتل قابيل لهابیل وما تعقب قابيل من الندامة والعذاب في الدنيا والآخرة.

(وفي الصافي : القمي لفظ الآية خاص في بني اسرائيل ومعناها جار في الناس كلهم.

(أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ) بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص .

(أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ) أو بغير فساد فيها كالشرك وقطع الطريق .

(فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) لهتكه حرمة الدماء وتسبيبه سنة القتل وتجرءته الناس عليه).

وفي الآية دلالة على تعظيم الدماء وأنّها من أعظم الحرمات وأشدّ الكبائر .

كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).

الثانية: في سورة النساء الآية 93 قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا


1) (1) قوله تعالى : (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) . انتهى.

مُتَعَمِّدًا(1)

هذه الآية دالة على تعظيم شأن قتل المؤمن والمبالغة فيه حيث توعد عليه بخمس توعّدات ، فمنها ثلاث مسائل:

الأولى: ينقسم القتل إلى عمد وخطاء محض وشبيه بالعمد ولا خلاف في تحقق العمد بقصد القتل بما يقتل غالباً ولا خلاف في أن الخطأ المحض هو ما لم يقصد الفعل ولا القتل كان يقصد ضرب شيء فيقع الضرب على انسان فيقتله .

وأما الخطاء الشبيه بالعمد فهو أن يقصد الفعل دون القتل .

الثانية: ظاهر اطلاق هذه الآية والتي قبلها أن القصاص لا يسقط العذاب الأخروي.

الثالثة: ظاهرها يدل على أن فاعل هذه الكبيرة محبط لعمله ومخلد في النار وهو مخالف لقوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ).

والظاهر كثير من الأخبار الدالة على أن عصاة المؤمنین عذابهم غير دائم،ويمكن الجواب بوجوه :

الأول : أن يراد بالخلود المكث الطويل لا الدائم السرمدي جمعا بين الأدلة .

الثاني : أن من قتل المؤمن لدينه وايمانه .

الثالث : أن يكون من استحل قتله لأن تحريم الدماء مما علم من ضرورة الدين . ( فصار بذلك مرتدا) .

فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).

الثالثة : في سورة البقرة الآية 179 قوله تعالى : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ

انتهی.


1) (1) قوله تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) . انتهى.

حَيَاةٌ(1)

القصاص من قص أثره تبعه.

والمراد اتباع الجاني بجنايته وأن يفعل به مثل فعله ، أن نفسا فنفسا وان طرفا فطرفا وان جرحا فجرحا. فهو سبحانه تعالى جعل لحفظ الدماء وحقنها زواجر أخروية وهي ما ذكر من الوعيد بالنار وزواجر دنيوية وهي القصاص ، فأشار إليه بهذه الآية و غيرها أي لكم في شرع القصاص واباحته حياة.

يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

الرابعة : في سورة الاسرى الآية 33 قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ(2)

النفس المحرم قتلها هي نفس الإنسان وحيث كان متعلق النهي الجنس صح الاستثناء، والمراد بمن يجوز قتله بالحق من أباح الشارع دمه مثل المحارب والمرتد عن فطرة والزاني والزانية المحصنين ومن زنی بالمحارم واللائط ومن سب واحدا من المعصومين علیهم السلام ونحو ذلك.

ومنه المقتول ظلما وعدوانا فان لوليه وهو الوارث ما عدا الزوجين والامام عند عدمه سلطانا على الجاني بأن يقتله قصاصا وان شاء أخذ الدية ان رضی الجانی فان اختار القصاص فلا يسرف في ذلك بان يمثل فيه أو يقتل غير القاتل أو يقتل الرجل بالمرأة من غير ردّ نصف الدية أو يقتل الجماعة بالواحد من غير ردّ الزائد عن حقه.

روی في الكافي عن اسحق بن عمار قال : قلت لأبي الحسن علیه السلام : ان الله عزوجل يقول في كتابه : ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا) الآية، ما هذا الاسراف الذي نهى الله عنه قال : «نهى أن يقتل غير قاتله أو يمثل بالقاتل » . قلت فما معنى انه كان منصورا قال : « وأيّ نصرة أعظم من أن يدفع القاتل إلى ولي المقتول فيقتله ولا تبعة تلزمه من قتله في دین ولا دنيا».

فظهر من ذلك أن الضمير في يسرف وفي أنه راجع إلى الولي.

إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا

1) (1) قوله تعالى : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى :(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ). انتهى .

يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا).

الخامسة: في سورة البقرة الآية 178 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ(1)

أي فرض عليكم القصاص في القتلى الذين تقتلونهم عمدا.

ويدل على هذا القيد الآية الآتية والأخبار والاجماع.

(أقول : بعد دلالة الآية والأخبار لا نحتاج إلى الاجماع).

وفرض القصاص على الجاني يدل على أنه الواجب بالاصالة فلا يجبر ولي أندم على أخذ الدية ولا الجاني على اعطائها.

والآية الشريفة دلت بمنطوقها على قتل الثلاثة بالثلاثة إلا أن المراد الانثى الحرة بالحرة والأمة بالأمة لأنه المفهوم من دلالة السياق.

الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ(2)

روى الشيخ في الموثق عن سماعة عن أبي عبدالله علیه السلام في قوله :(فَمَنْ عُفِيَ ) الآية، ما ذلك الشيء ؟ قال : « هو الرجل يقبل الدية فأمر الرجل الذي له الحق أن يتبعه بمعروف ولا يعسره وأمر الذي عليه الحق أن يؤدي إليه باحسان إذا أيسر».

قلت : أرأيت قوله : (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قال : « هو الرجل يقبل الدية أو يصالح ثم يجيء بعد فیمثل أو يقتل فوعده الله عذابا أليما».

وقال في مجمع البيان إن قوله : (شَيْءٌ) به دليل على أن بعض الأولياء اذا عفاسقط القود لأن شيئا من الدم قد بطل بالعفو والله تعالى قال : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ@@ أَخِيهِ شَيْءٌ) الآیة.

والضمير في له وأخيه يرجعان إلى من وهو القاتل أي من ترك له القتل ويوصی عنه بالدية ، ثم قال : وهذا قول أكثر المفسرين.

فائدة : في التعبير بالاخوة دلالة على عدم كفر القاتل بالقتل .

أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ) . انتهی .

2) (2) قوله تعالى :(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ). انتهى.

بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ).

السادسة: في سورة النساء 92 الآية قوله تعالى : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً(1)

قرء خطاء بالمدّ وخطا بوزن عمى بتخفيف الهمزة. والأظهر الاستنثاء منقطع أي ماجاز له أن يقصد قتل المؤمن ولا يقع منه على جهة من الجهات لكن قد يقع منه خطاء كأن يقصد بفعله مثلا قتل طير فيقع على مؤمن فيقتله أو يقصد الفعل دون القتل بما لم يقتل غالبا ، فيندرج فيه قسما الخطا.

قوله :(فَتَحْرِيرُ) مبتدأ خبره محذوف أي فعليه أو خبر لمحذوف أي فالواجب، وهنا أحكام :

الأول: لزوم الكفارة والدية في قتل المؤمن خطاو اما الكفارة هنا فهي مرتبة لدلالة آخر الآية عليه وهي صريحة الدلالة على اعتبار الايمان في الرقبة.

الثاني: قوله :(فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) أي ان كان المؤمن المقتول من جملة قوم هم عدو لكم أي كفار مشركون يناصبون لكم الحرب أو في عداد قوم مشرکین .

وظاهر سياق الآية يقتضي أنه لا دية هنا.

الثالث: إذا كان المقتول من جملة أو في عداد أهل الذمة أو المعاهدین المصالحين على ترك الحرب، وظاهر الآية أن ضمیر كان راجع إلى المؤمن قال في الكنز وهو المروي في أخبارنا.

فالحاصل المعنى أن المؤمن إذا كان في عداد أهل الذمة أو المعاهدين فقتل خطأ وجب على قاتله الدية والكفارة كما لو قتل في دار الاسلام.

وإليه ذهب أصحابنا وجماعة من العامة فتکون دیته لورثته المسلمين خاصة إن وجدوا والا فهي للامام وبه قال أصحابنا.

الرابع: قوله :(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي الرقبة المؤمنة أو الثمن أو هما معا. الشهر أعم من الهلالي والعددي، والتتابع هو اتصال أحدهما بالآخر وهو يحصل بصيام الأولومن الثاني ولو بيوم.

وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ

1) (1) قوله تعالى : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) . انتهى .

مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ(1)

يمكن أن يكون نصبه على أنه خبر لكان أي يكون ذلك توبة لقرينة المقام.

وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).

السابعة : في سورة المائدة الآية 45 قوله تعالى : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا


1) (1) قوله تعالى :(تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) .

أَنَّ(1)

أي فرضنا وأوحينا على بني اسرائيل في التوراة ، والباء للبدل أي النفس الانسانية بدل النفس وكذا البواقي . وهذا الحكم ثابت في هذه الشريعة بالنص والاجماع.

النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ(2)

أي بالقصاص فهو أي التصدق كفّارة له أي لذنبه والضمير للمتصدق لأنه المالك للقصاص .

فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ).

الثامنة: في سورة الشورى الآية 40 قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ(3)

هذه الآية تدل على نحو ما دلت عليه الآية المتقدمة من جواز المقاصة بالمثل وسمي الجزاء سيئة مع كونه حسنا على ضرب من المجاز من تسمية الشيء بالمقابل أو لأنه يسوء من يوقع فيه ومن رجحان العفو والحث عليه ، وفي قوله : (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) دلالة على أن الزيادة على استيفاء المثل ظلم لا يجوز ارتکابه.

سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

التاسعة: في سورة الشورى الآية 41 قوله تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ(4)

ظلم مصدر مضاف إلى المفعول وهي تفيد العموم ومن زائدة .

وحاصل المعنى أنه من أوقع عليه ظلم في نفس أو طرف أو شجاج أو مال بعد ظلمه على ظالمه وأمكنه استیفاء حقه منه فليس عليه حرج في ذلك بل له المقاصة.

وفيها دلالة على جواز الاقتصاص من دون اذن الحاكم.

بَعْدَ

1) (1) قوله تعالى : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ) .

3) (3) قوله تعالى : (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ) . انتهی.

4) (4) قوله تعالى : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ) . انتهى .

ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ).

العاشرة: في سورة المؤمنون الآيات 12 - 14 قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ(1)

الخلق هنا بمعنى الايجاد ، والسلالة لغة ما أنسل من الشيء .

فالمراد بها هنا صفوة الطعام والشراب فان ذلك يصير نطفة والطعام أصله من الطين.

وقوله : (جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً) أي صيرناه .

والضمير راجع إلى الانسان بالنظر إلى بعض افراده وغالبها وهو أولاد آدم علیه السلام .

(قَرَارٍ مَكِينٍ) يمكن أن يكون أرحام الامهات ويمكن أن يكون المراد أصلاب الآباء وأرحام الأمهات.

مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).

1) (1) قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) . انتهى .

کتاب القضاء والشهادات

وفيه ثلاث عشرة آية:

الأولى: في سورة ص 26 الآية قوله تعالى : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ(1)

أي جعلناك خلفة عمن كان قبلك من الأنبياء والرسل الذين أمنهم الله تعالى على وحيه وأودعهم أحكامه وحلاله وحرامه وأمر الناس بالرجوع إليهم.

وفيها دلالة على مشروعية القضاء والحكم بين الناس وأنه لا يحكم بذلك الامن نصبه الله تعالى لذلك وفي حكمه من نصبه الامام عليه السلام خصوصا أو عموما.

وعلى وجوب الحكم بالحق وهو ما أمر الله تعالی به وأنزله على رسله وأنبيائه وعلى أنه لا يجوز متابعة هوى النفس ومخالفة الحق.

وفي معنى هذه الاية قوله تعالى : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ). انتهى.

روى الشيخ في الحسن عن الثمالي عن أبي جعفر علیه السلام قال : كان في بني اسرائيل قاض يقضي بالحق فيهم فلما حضره الموت قال لامرأته : اذا أنا مت فاغسليني وكفّنیني وضعيني على سريري وغطّي وجهي فانّك لاترین سوء. فلما مات فعلت ذلك ثم مكثت بذلك حينا ثم انها كشفت عن وجهه لتنظر إليه فاذا هي بدودة تعرض ، ففزعت من ذلك فلما كان الليل أتاها في منامها فقال لها : أفزعك ما رأيت . قالت : أجل لقد فزعت فقال لها : أما ان قد كنت فزعت ما كان الذي رأيت إلا لهوى في أخيك فلان، أتاني ومعه خصم له فلما جلسا إلى قلت : اللهم اجعل الحق له ووجّه القضاء على صاحبه فلما اختصما إلي كان الحق له ورأيت ذلك بينّا في القضاء فوجهت القضاء له على صاحبه فأصابني لموضع هواي كان مع موافقة الحق». وظاهر هذه الرواية أن الميل القلبي إلى أحد الخصمين وإن كان مع الحكم بالحق حرام

يترتب عليه العقاب.


1) (1) قوله تعالى : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ).

خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ).

وفي سورة المائدة الآية 49 قوله تعالى (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ).

الثانية: في سورة المائدة الآيات 44 و 45 و 47 قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ(1)

المراد ما أنزل الله في كتابه من الأحكام وفضله نبيه صلی الله علیه و آله و سلم وسته وأوضحته حججه صلوات الله عليهم فان عندهم علم الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء.

وأما الثلاث المذكورة ( يعني الكافرين والظالمين والفاسقين ) فيمكن أن يكون الكافر هو من حكم بغير حكم الله مع علمه بذلك وهو مستحل.

ويكون المراد بالثاني والثالث غير المستحل وعن أبي عبدالله علیه السلام : « الحكم حكمان : حكم الله عزوجل وحكم الجاهلية فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية ».

فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )

(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)

الثالثة : في سورة النساء الآية 58 قوله تعالى : (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ


1) (1) قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) . انتهی.

النَّاسِ(1)

الخطاب للولاة والحكام والكلام معطوف على ما قبله أي يأمركم حال الحكم بين الناس أن تحكموا بالعدل والإنصاف والتسوية بين المتحاكمين من غير ميل إلى أحدهما ولا اکرام لأحدهما دون الآخر بالمجلس والكلام بل سووا بينهما بالسلام عليهما ورده وفي اجلالهما والقيام لهما والنظر في طلاقة الوجه وسائرأنواع الاكرام لئلا ينكسر قلب أحدهما ويتداخله ما يمنع اقامة حجته .

قال أمير المؤمنین علیه السلام : « من ابتلي بالقضاء فليواس بينهم في الاشارة وفي النظر وفي المجلس » .

أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).

الرابعة : في سورة النساء الآية 105 قوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ(2)

الباء للملابسة.

وقيل : يجوز أن تكون سببية ، وقد يستدل بها على أمرين:.

أحدهما : انه تعالی خاطب نبيه صلی الله علیه وآله وسلم أن يحكم بما أراه أي أعلمه في كتابه وأوحي إليه وذلك يستلزم أنه لا يجوز لغيره الحكم إلا بدليل.

والثاني : نهاه سبحانه أن يخاصم البرئ لأجل الخائن بأن يذب عنه ويدفع من طالبه من ذوي الحقوق.

وذلك يدل على أنه لا يجوز للحاكم المدافعة على أحد الخصمين ولا تلقينه وتفهیمه طريق الحجاج.

الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا).

1) (1) قوله تعالى :(وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ) . انتهى .

2) (2) قوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) . انتهى .

الخامسة: في سورة النساء الآية 65 قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ(1)

دلت الآيات السابقة على أنه يجب على الحاكم أن يحكم بالعدل .

وهذه الآية تدل على أنه يجب على الناس قبول حكم الحاكم.

وفي الآية مبالغة في الدلالة على ذلك حيث نفى الايمان عمن لم يذعن ويسلّم لذلك بقلبه.

وروى الطبرسي في كتاب الاحتجاج بسنده عن صاحب الزمان علیه السلام أنه قال : « وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم».

حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

السادسة: في سورة البقرة الآية 188 قوله تعالى : (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ(2)

وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ). انتهى .

دلت الآيتان على أنه لا يجوز الرجوع في شيء من الأحكام إلى غير القضاة السالكين مسلك أهل البيت علیهم السلام بل في الآية الأخيرة دلالة على أن المتحاكم إلى غيرهم ليس من أهل الإيمان . ففي موثقة الحسن بن علي بن فضال قال : قرأت في كتاب أبي الأسد إلى أبي الحسن علیه السلام وقرأته بخطه سأله ما تفسير قوله : ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) الآية ، قال : فكتب بخطه : « الحكام القضاة » . قال : «ثم كتب تحته هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في أخذ ذلك الذي حكم له إذا كان قد علم أنه ظالم».

بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ

1) (1) قوله تعالى : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) . انتهی.

2) (2) قوله تعالى :(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) . انتهى .

أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

السابعة : في سورة النساء الآية 10 قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا).

الثامنة: في سورة المائدة الآية 42 قوله تعالى : (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ(1)

دلت على التخيير بين الحكم بينهم على طريقة شريعة الاسلام وبين تركهم والاعراض عنهم . وهي وإن كانت ظاهرة في كون التخيير بذلك للنبي صلی الله علیه و آله و سلم الا أن عموم (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) فخذوه وعموم التأسي به صلی الله علیه و آله و سلم يقتضي أن من قام مقامه من الأئمة والفقهاء الذين يعلمون بسنته كذلك.

بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ).

التاسعة: في سورة البقرة الآية 41 قوله تعالى: (وَلَا تَشْتَرُوا(2)

أي لا تستبدلوا بالعمل بأحكام الله التي يترتب عليها النعيم الدائم الاطماع الدنيوية الفانية.

ففيها دلالة على تحريم الرشوة على الفتوى والشهادة ونحو ذلك مما أوجبه الله تعالى أو حرمه.

بِآيَاتِي

1) (1) قوله تعالى : (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ). انتهى.

2) (2) قوله تعالى : (وَلَا تَشْتَرُوا). انتهى

ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ).

العاشرة: في سورة النساء الآية 59 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا(1)

أي أطيعوهم في الأوامر والنواهي وجميع الأحكام .

والمراد بأولي الأمر الأئمة عليهم السلام .

اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ(2)

المخاطب في هذا هو المخاطب بالاطاعة أعني الرعية كما يقتضيه نظم الكلام.

ولعل عدم ذكر أولي الأمر هنا نظرا إلى أن الرد إليهم في الحقيقة هو الرد إلى الله والرسول لأنهم قوام الدين وحفظة الشرع المبين .

ثم إنه تعالی أكد ذلك بقوله : (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) لدلالته على أن عدم الرد إليهم يخرج عن الايمان.

(ذَلِكَ) الأمر المذكور من الاطاعة (خَيْرٌ لَكُمْ ) في الدنيا والآخرة (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) أي عاقبة ومرجعا.

إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ).

الحادية عشرة: في سورة الأنبياء الآيتان 78 - 79 قوله تعالى : (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ(3)

روی في الفقيه في الصحيح عن جميل بن دراج عن زرارة عن أبي جعفر علیه السلام في قول الله عز وجل : (وَدَاوُودَ) الآية ، قال : «لم يحكما إنهما كانا يتناظران ففهمها سلیمان».

وروى في أصول الكافي عن معاوية بن عمار عن أبي عبدالله علیه السلام في حديث يذكر فيه أن الأمانة عهد من الله إلي وانه تعالى أوحى إلى داود أن يتخذ وصيا من أهله وكان له عدة أولاد وكان له زوجة يحبها ولها غلام وكان يريد أن يجعله وصيا إلى أن قال : « فأوحى الله إلى داود علیه السلام أن لا تعجل دون أن يأتيك أمري فلم يلبث داود أن ورد عليه رجلان يختصمان في الغنم والكرم، فأوحى الله تعالى إلى داود أن اجمع ولدك فمن قضى بهذه القضية فأصاب فهو وصیك من بعدك فجمع داود علیه السلام ولده فلما قص الخصمان قال سليمان علیه السلام : يا صاحب الكرم متى دخلت غنم هذا الرجل كرمك قال : دخلته ليلا قال : قضيت عليك يا صاحب الغنم باولاد غنمك وأصوافها في عامك هذا، ثم قال له داود علیه السلام : فكيف لم تقض برقاب الغنم وقد قوم ذلك علماء بني اسرائيل فكان ثمن الكرم قيمة الغنم، فقال سليمان ان الكرم لم يجتث من أصله وإنما أكل حمله وهوعائد في قابل، فأوحى الله عز وجل أن القضاء في هذه القضية ما قضى سلیمان به ». الحديث.

إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا) . انتهى.

2) (2) قوله تعالى :(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

3) (3) قوله تعالى : (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ). انتهى.

لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا).

الثانية عشرة: في سورة الحجرات الآية 6 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ(1)

الفسوق لغة الخروج عن الشيء وفي الاصطلاح هو الخروج عن طاعة الله .

والظاهر أن المراد هنا ما يخرج صاحبه عن العدالة.

والنبأ الخبر وتنكيرهما (أي الفاسق والنبأ) يشعر بأن المراد العموم في كلا الموضعين .

والمعنى اذا جائكم أي فاسق كان بأي خبر كان فتبينوا أي تعرفوا و تفحصوا بیان الأمر وانکشاف الحق ولا تعتمدوا على مجرد قول الفاسق و خبره.

وقد استدل الأصحاب وغيرهم بهذه الآية على اشتراط العدالة في الزاوي وفي الشاهد وعلى جواز العمل بخبر الواحد .

وأما دلالتها على الأخير فلانّه تعالی علق التثبت على مجيء الفاسق فينتفي عند انتفائه عملا بمفهوم الشرط.

بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا

1) (1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ) . انتهى.

عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).

الثالثة عشرة: في سورة النساء الآية 135 قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا@ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ

(1) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا). انتهى .

مناداة المؤمنين باعتبار كونهم المنتفعين فأمرهم بالكون والدوام على القيام بالعدل والمحافظة عليه في الأقوال والأفعال وأن يأتوا بالشهادة على الوجه الذي أمر الله أو طلب ثوابه غير ناظرین أحدا سواه.

وهو خبر ثان أو حال من اسم كان ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن تقروا عليها ، وذلك لأن الشهادة هي الأخبار عن الحق على غيره أو على نفسه أو الوالدين أو الأقربين ولا تكتموها طلبا للرأفة بهم فانه إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فالله أولى وأرأف بهما فلا تمتنعوا من اقامتها طلبا لمرضاة الغني وللترحم على الفقير فانّه انظر في أمورهما اذ لو لم تكن الشهادة صلاحا لهما لما شرعها.

وضمير التثنية راجع إلى جنس الفقير والغني وأفرده في يكن نظرا إلى أن المشهود عليه واحد من هذين الجنسين ثم أكد سبحانه ذلك بقوله :(فَلَا تَتَّبِعُوا

وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).

الْهَوَى) أي هوى أنفسكم في اقامة الشهادة وتلاحظوا مصالحكم الدنيوية في الأمر المذكور وغیرہ کراهة أن تعدلوا عن الحق أو لأن تعدلوا عنه.

(وَإِنْ تَلْوُوا) أنفسكم أو ألسنتكم عن شهادة الحق وتبدلوها أو تعرضوا عن أدائها وتكتموها.

وهو المروي عن أبي جعفر علیه السلام فان الله كان بما تعملون خبيرا فيجازيكم على ما صدر منكم من المخالفة وفيها مبالغة في التهديد.

اذا عرفت ذلك فقد يستفاد من اطلاق الآية أمور:

الأول: وجوب اقامة العدل في الحكومات مطلقا على نفسه وعلى غيره .

الثاني: وجوب اقرار الانسان على نفسه بالحقوق التي في ذمته .

الثالث: لزوم تصحيح الشهادة على النحو الذي يحصل به اداء الحق.

الرابع: عدم جواز اقامتها على من علم اعساره لأنه تعالى أمر بالنظرة فلا يجوز مطالبة في تلك الحال.

الخامس: لزوم اقامتها على الوالدين وسائر الأقارب .

السادس: حيث قلنا ان مقتضی لزوم اقامة الشهادة الله القبول يلزم جوازها اللولد والوالدين والأقربين والزوجة.

السابع: يدخل في عمومها شهادة المملوك ولو لسيده أو عليه.

والحمد لله رب العالمین والصلوة والسلام على خير خلقه محمد واله صلوات الله عليهم أجمعين .

وقع الفراغ يوم الغدير من سنة 1378 ه- على يد مؤلفه الجاني محمود الموسوی الأصفهاني .

وقد وقع الفراغ من تسوید هذه الأوراق على يد مؤلفه الجاني

محمود بن السيد مهدي الموسوي الأصفهاني 12 من شهر

الصيام من سنة 1378 هجرية على مهاجرها آلاف السلام

والتحية والحمد لله وحده وصلى الله على محمد صلی الله علیه و آله و سلم نبي

الرحمة وعلى آله الطاهرين المعصومين واللعن على

أعدائهم إلى يوم الدين آمين رب العالمين .

الصورة

427

الصورة

428

الصورة

429

الصورة

430

الصورة

431

الآثار المطبوعة من المؤلف

(1) سراج المبتدئين طبع ثلاثة مرات.

(2) هداية الطالبين ترجمة آداب المتعلمين خواجه طوسي طبع ثلاث مرات.

(3) مفاتیح الصحة طبع (12) مرة.

(4) رمز الصحة طبع في ايران والعراق ولبنان مرات عديدة .

(5) الجمان الحسان في أحكام القرآن طبع مرتين.

(6) ثواب اعمال الحج طبع مرتين.

(7) منتخب المناسك مطابق فتوای ثمانية شخص طبع مرتين .

(8) جزء اول ایضاح الطريقة إلى تصانیف اهل السنة والشيعة في تلخيص کشف الظنون وذيله والذريعه.

(9)جزء ثاني ايضاح الطريقة.

(10) جزء (1) مفتاح الكتب الأربعة من آب الى الأحياء .

(11) جزء (2) من الأخ إلى الأشياء

(12) جزء (3) من الاصابع إلى ایوب بن يقطين .

(13) جزء (4) من البائت إلى التروية .

(14) جزء (5) من التزاور إلى التيه.

(15) جزء (6) من الثائر إلى الجمعة .

(16) جزء (7) من الجميل إلى حجة الوداع.

(17) جزء (8) من الحجة إلى حجة بن الحسن علیه السلام

(18) جزء (9) من الحد إلى الحفيف .

(19) جزء (10) من الحق إلى الحيّة .

(20) جزء (11) من الخائف إلى الخيول.

(21) جزء (12) من الداء إلى الدنية.

(22) جزء (13) من الدواء إلى الذكية .

(23) جزء (14) من الذل إلى الرفيق .

(24) جزء (15) من الرق إلى الزميل .

(25) جزء (16) من الزنا إلى السرف.

(26) جزء (17) من السرقة إلى السنّة .

(27) جزء (18) من السواء إلى الشهادة .

(28) جزء (19) من الشهباء إلى الصلاة.

(29) جزء (20) من بقية الصلاة إلى الصيود .

(30) جزء (21) من الضائن إلى الطينة.

(31) جزء (22) من الظاعن إلى العديلة.

(32) جزء (23) من العذاب إلى علي بن محمد النوفلي .

(33) جزء (24) من علي بن محمد الهادي إلى الغسيل.

(34) جزء (25) من الغش إلى الفيل.

(35) جزء (26) من القائد إلى القصيل.

(36) جزء (27) من القضاء إلى الكزبرة .

(37) جزء (28) من الكساء إلى اللين.

(38) جزء (29) من الماء إلى المحاضير .

(39) جزء (30) من المحافظة إلى المدينة .

(40) جزء (31) من المذاء إلى المشيع .

(41) جزء (32) من المص إلى المكث.

(42) جزء (33) من المكحلة إلى الموم.

(43) جزء (34) من مه إلى النسك.

(44) جزء (35) من النسل إلى النية .

(45) جزء (36) من الواثق إلى الوقاية.

(46) جزء (37) من الوقت إلى اليهودية.

(47) جزء (38) مستدرکات مفتاح الكتب الأربعة .

(48) فهرست بحارالانوار للقديم والجديد.

(49) يأتي على الناس زمان في احوالات آخر الزمان في جزئين طبع مرتين.

(50) جزء اول رمز المصيبة في مقتل من قال انا قتیل العبرة .

(51) جزء ثاني رمز المصيبة .

(52) جزء ثالث رمز المصيبة .

(53) رمز الجلي في طب الوصي اميرالمؤمنين علي علیه السلام.

(54) النساء في اخبار الفريقين .

(55) معجم الملاحم والفتن ج 1.

(51) معجم الملاحم والفتن ج 2.

(57)معجم الملاحم والفتن ج 3.

(58) معجم الملاحم والفتن ج 4.

(59) النساء في الإسلام.

الصوره

436

الصوره

437

الصوره

438

الصوره

439