ghaemiyeh.com
الثَّقَافَةُ المَهدَوِيَّة
دُرُوسُ مَنهَجِیَّة
تَألِیفُ
السَّیِّد ریاضُ الحَکِیم
مَركَز الدَّراسَاتِ التَّخَصُّصِّيَّة فِي الإِمَامِ المَهدِيّ عَجَّلَ الله تعالَي فَرَجَهُ الشَّريف
دِیوَانِ الوَقفِ الشِّیعِي
مَركَز الدَّراسَاتِ التَّخَصُّصِّيَّة فِي الإِمَامِ المَهدِيّ عَجَّلَ الله تعالَي فَرَجَهُ الشَّريف
اسم الکتاب: .......الثَّقَافَةُ المَهدَوِيَّة دُرُوسُ مَنهَجِیَّة
المؤلّف: ......... السید ریاض الحکیم
تقدیم: .......... مَركَز الدَّراسَاتِ التَّخَصُّصِّيَّة فِي الإِمَامِ المَهدِيّ عَجَّلَ الله تعالَي فَرَجَهُ الشَّريف
رقم الإصدار: ....... 197
الطبعة : ......... الأولی - 1440 ه
عدد النسخ: ......3000
جمیع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمرکز
النجف الأشرف - شارع السور - قرب جبل الحویش
هاتف: 07816787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ثم الصلاة والسلام على خير خلقه وأفضل بريّته محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
إن توسع الثقافة المهدوية واختلاف منابعها كان باعثاً على القلق من صفاء وصحة المعلومة المهدوية عند المتلقي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المعلومة المهدوية منتش-رة بشكل عشوائي لم يرعَ فيها المنهج العلمي الأكاديمي في الطرح وترتيب المعلومات بشكل متسلسل من الناحية الزمنية والعلمية، لذا فكان لابد من الاهتمام بتأليف منهج تدريس-ي يتدرج مع الطالب في تلقّيه للمعلومة المهدوية مراعياً الأولويات وتاركاً الفضول، لأن فقدان المنهج يسبب ضبابية المعلومة المهدوية، ومن ثم ضياع المسيرة العلمية للقارئ والدارس، ومن هنا كان لابد من توفير المنهج المهدوي والحرص الشديد على أن يكون متناغماً مع المعطى التراثي (القرآن الكريم والعترة (علیهم السلام)) حتى يخلق إنساناً منتظراً على بصيرة من أمره، ليكون عاملاً في بناء المجتمع المهدوي والنواة
الأولى والقاعدة الأساس لتشكيل جيل من المنتظرين الواعين لمسؤولياتهم الفردية والاجتماعية.
فكان أن عرض المركز الفكرة على سماحة آية الله السيد رياض الحكيم فوجد تقبلاً بل تفاعلاً وإدراكاً من سماحته بض-رورة أمثال هذه الخطوات المهمة في المسيرة المهدوية، بعد أن حاول البعض وعلى مدار التاريخ تشويه صورتها وسوء الاستفادة منها.
ويمتاز هذا المنهج بنقاط مهمة، منها:
أولاً: يمتاز بكونه أصيلاً نابعاً من ثقافة الأمة وأصالتها.
وثانياً: يمتاز كذلك من الناحية العلمية بعمق المعلومة ورصانتها، ومن الناحية الفنية والأدبية بسهولة تقديمه من جهة واستيعابه من جهة أخرى.
وثالثاً: الاقتصار على أهم المسائل في العقيدة المهدوية تاركاً بحوثاً أخرى مهمة لمراحل دراسية متقدمة.
لذا فالمركز إذ يقدّم هذا المنهج المهدوي الدراسي لأبناء الأمة آملاً أن يحظى بالاهتمام الكافي في أروقة الحوزة والجامعات لتدريسه كمنهج ضروري يغطي حاجة معرفية ماسة في المجتمع.
ونسأله تعالى أن يمنّ على سماحة المؤلف بمزيد من العطاء والخدمة وأن يجعلنا وإياه من أنصاره وأعوانه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ويكحل أعيننا بالنظر إلى طلعته المباركة، إنه سميع مجيب.
مدير المركز
السيِّد محمّد القبانچي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علىٰ محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (الأنبياء: 105). تواترت النصوص الش-رعية بخصوص القضية المهدوية والتزم بها المسلمون عامة، وخاصة أتباع مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) التي يعتبرونها من ركائزهم العقائدية إلّا أن إفرازات بُعدها الغيبي وانعدام النصوص المعتبرة في الكثير من تفاصيلها أوجبت حدوث بعض الإرباك وانعدام المنهجية العلمية في التثقيف العام بها فضلاً عن استغلال بعض المنحرفين والأدعياء وضعاف النفوس لها لتمرير مآربهم المشبوهة مما أوجب نحواً من الغموض والإبهام في الذهنية العامة تجاهها، وقد عزمت منذ فترة طويلة علىٰ تأليف كتاب علمي منهجي يتناول هذا الموضوع الهام والحساس بمختلف جوانبه، ينتفع به طلبة العلوم الإسلامية والمبلّغون والمهتمون بذلك، إلّا أن تراكم المشاغل وتعقيدات
الظروف العامة حالت دون تحقيق ذلك، وقبل فترة وجيزة شدّ من عزيمتي جناب العلامة السيد محمد القبانجي (وفقه الله تعالىٰ) الذي يدير مركزاً للدراسات المهدوية في النجف الأشرف، فتوكّلت علىٰ الله تعالىٰ لإنجازه، معتمداً في ذلك علىٰ النصوص والحجج المعتبرة، ولا أذكر غيرها إلّا لمجرّد التأييد أو الاستشهاد في غير ما يرتبط بالبُعد العقائدي، آملاً أن يكون خالصاً لوجه الله تعالىٰ وأن يتقبله بقبول حسن ويعمّ به النفع، ويجعله صدقة جارية نافعة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتىٰ الله بقلب سليم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
رياض الحكيم - 1438ه-
تم الاعتماد في هذا الكتاب علىٰ النصوص الجامعة لش-روط الحجية، ولا يذكر غيرها إلّا للتأييد أو في الموارد التي ليس لها بُعد عقائدي، كما تم التقيّد في توصيف الروايات بالمصطلح السائد في العصور المتأخرة في علمي (الدراية والرجال)، وعلىٰ النحو التالي:
1 - (الرواية الصحيحة): هي التي كلّ أفراد سندها من الإمامية المنصوص علىٰ وثاقتهم.
2 - (الرواية الموثقة): هي التي كل أفراد سندها منصوص علىٰ وثاقتهم وفيهم مَن هو غير إمامي.
3 - (الرواية المعتبرة): هي التي كل أفراد سندها معتمدون في النقل، ولو لمدح بعضهم مدحاً يوجب الاعتماد المذكور، وقد يطلق عليها أيضاً (الرواية الحسنة)((1)).
4 - ما عدا الروايات المذكورة فوق قد تكون معتبرة لدىٰ كثير من العلماء أو لدىٰ المؤلف، ولكن حيث لا تنطبق عليها الضوابط السابقة فلم يتم وصفها بما سبق، بل يعبّر عنها (رواية فلان).
1) انظر: مقباس الهداية: 1/145و160و168؛ وأصول الحديث وأحكامه: 48.
يتضمن هذا الكتاب تمهيداً وثلاثة أبواب وخاتمة:
التمهيد: يتناول - بإيجاز - معنىٰ الدّين والإسلام
الباب الأول: المهدوية في الأديان السماوية
الباب الثاني: الغَيبتان (الصغرىٰ والكبرىٰ)
الباب الثالث: الانحراف في القضية المهدوية
الخاتمة: الجمهور والثقافة المهدوية
وتشتمل هذه الأبواب والخاتمة علىٰ فصول وبحوث مناسبة لها.
يتضمن الإشارة إلىٰ أمرين:
1 - الدين وحقيقته.
2 - الدين الإسلامي مقوماته وتعاليمه.
ونتعرض هنا إلىٰ المعنىٰ اللغوي والمعنىٰ الاصلاحي.
قال ابن فارس: (الدال والياء والنون أصل واحد إليه يرجع فروعه كلها، وهو جنس من الانقياد والذل، فالدّين: الطاعة، يقال: دان له يدين ديناً إذا انسحب وانقاد وطاع، وقومٌ دين: أي مطيعون منقادون)((1)).
وإليه يرجع المعنىٰ العرفي للدين، بمعنىٰ العقيدة أو الالتزام في مثل قول القائل: أدين بكذا، أي التزم به، باعتبار أنّ الالتزام والاعتقاد بشيء يستلزم الخضوع والانقياد له.
1) معجم مقاييس اللغة: 353.
والمراد منه هنا المصطلح العرفي العام الشائع في المجتمعات، وليس اصطلاحاً خاصاً بعلم أو جماعة خاصة.
وقد اختلفت التعاريف المذكورة للدين تبعاً لرؤىٰ أصحابها، وقد جاء في تعريف بعض الباحثين أن الدّين (مجموعة من الأفكار والعقائد التي توضح حسب أفكار معتنقيها الغاية من الحياة والكون)((1)).
ولكنّ هذا التعريف غير دقيق، لأنه يشمل التحليل الفلسفي للكون من جانب غير المؤمنين بالأديان، مع أنه لا يعتبر ديناً في العرف العام، بل ينفي بعض الفلاسفة صراحةً اعترافه وانتماءه لأي دين.
وربما الأرجح تعريفه بأنه: (رؤية كونية تبتني علىٰ وجود قوّة مدرِكة وقاهرة لعالَم التكوين) مع غض النظر عن خصوصية وطبيعة هذه القوة.
فإنّ كل دين يبتني علىٰ الاعتقاد بذلك، بخلاف بعض الفلسفات التي لا تؤمن بذلك فإنها لا تعتبر ديناً.
وعادةً لا تقتص-ر الأديان علىٰ الجانب العقائدي المجرّد، بل تتضمن ثلاثة أمور:
1 - المعتقدات.
2 - القيم الأخلاقية.
3 - التشريعات.
1) الموسوعة الحرة ويكيبيديا.
وتختلف مساحة كل واحد من هذه الأمور الثلاثة في الأديان بحسب خصوصية كل دين، كما تختلف الأديان اختلافاً شاسعاً في مضامينها ومتبنّياتها، ويمكن تصنيفها إلىٰ أصناف شتّىٰ، إلّا أن التصنيف الشائع لها هو تقسيمها إلىٰ الأديان السماوية والأديان غير السماوية.
والمقصود من الأديان السماوية: هي التي مصدرها الإله الواحد الخالق للكون - وإن تغيرت لاحقاً أو ضاعت بعض تعاليمها - والمعروف منها الدين اليهودي، والدين المسيحي، والدين الإسلامي، ويلحق بها البعض الدين المجوسي((1))، وكذلك الدين الصابئي عند آخرين((2)).
المعنىٰ اللغوي: قال ابن فارس: (الإسلام، هو الانقياد، لأنه يسلم من الإباء والامتناع)((3)).
وفي الاصطلاح: هو الدين الإلهي الذي جاء به النبي محمد(صلی الله علیه و آله) وهو آخر الأديان السماوية.
1 - التوحيد: وهو الاعتقاد بوجود الإله الواحد الخالق لعالم التكوين وأنه واحد لا شريك له اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (البقرة: 255/آل عمران: 2).
2 - النبوة: وهو الاعتقاد بنبوة النبي محمد بن عبد الله(صلی الله علیه و آله) وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين.
3 - المعاد: وهو الاعتقاد بإعادة خلق البش-ر في حياة أُخرىٰ وحسابهم يوم القيامة، علىٰ مواقفهم وأعمالهم في الحياة الدنيا.
كما توجد ضرورات دينية - عقائدية وفقهية - تسالم عليها المسلمون اعتماداً علىٰ أدلة وبراهين ثابتة لا مجال للتشكيك فيها، ومن ضمن هذه الض-رورات (القضية المهدوية) وهي الاعتقاد ب-(ظهور المهدي المنتظر) كما يتضح في مباحث هذا الكتاب.
إن الإيمان بالمهدي والمصلح الموعود لا يقتص-ر علىٰ دين معين، بل يعتبر من ضمن تعاليم ومعتقدات العديد من الأديان الأخرىٰ، ونتعرض هنا إلىٰ ما تضمّنته تعاليم الأديان السماوية الثلاثة - اليهودية والمسيحية والإسلامية - بهذا الخصوص من خلال رصد نصوصٍ محددّة
في الكتب المقدسة لدىٰ أتباع هذه الديانات ظاهرة في التبشير بالمهدي والمصلح الموعود وتطبيق العدالة في أنحاء المعمورة وسوف نتعرض لذلك في ضمن فصلين:
تضمنت عدة نصوص دينية يهودية التبشير بالمهدي الموعود، منها:
أ - ما جاء في العهد القديم: (كانت كلمة الرب عن يدحَجَّيْ النبي قائلاً: حسب الكلام الذي عاهدتكم به عند خروجكم من مص-ر وروحي قائم في وسطكم: لا تخافوا، لأنه قال هكذا رب الجنود: هي مُرّةٌ بعد قليل فأُزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة، وأُزلزل كلَّ الأُمم، ويأتي مُشتهىٰ كلِّ الأُمم، فأملأُ هذا البيتَ مجداً قال ربُّ الجنود لي الفضةُ والذهبُ، يقول ربُّ الجنود مجدُ هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول قال ربُّ الجنود، وفي هذا المكان أُعطي السلام يقول ربُّ الجنود)((1)).
ب - (ويخرج قضيب من جذع (يسّىٰ) وينبت غصن من أصوله ويَحِلّ عليه روحُ الربّ روحُ الحكمة والفهم، روحُ المشورة والقوّة، روح
1) الكتاب المقدس: حَجَّي، الإصحاح الثاني: 1338.
المعرفةِ ومخافةِ الربّ. ولذّتُه تكون في مخافة الربّ فلا يقض-ي بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه، بل يقض-ي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائس-ي الأرض ويض-رب الأرض بقضيب فمِه ويُميت المنافقَ بنفخةِ شفتيه، ويكون البِّر منطقةَ متنيه والأمانةُ منطقةَ حقويه فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي...)((1)).
ج- - وفي مزامير داوود: (... لتفرحِ السماوات ولتبتهجِ الأرض، ليعجّ البحر وملؤه، ليجذل الحقل وكل ما فيه، لِتترنّمْ حينئذٍ كل أشجار الوعر أمام الرب، لأنه جاء، جاء ليُدينَ الأرض، يُدينَ المسكونة بالعدل والشعوب بأمانته.
الربُّ قد ملك، فلتبتهجِ الأرض، ولتفرحِ الجزائر الكثيرةُ السحاب والضباب حوله، العدلُ والحقُّ قاعدة كرسيه).
وهذا النص الأخير وإن لم يتضمن الوعد بظهور مصلح محدّد من البش-ر، إلّا أنه يتضمن سيادة العدل والفضيلة والبركة في الحياة، والذي هو من ضمن ما يعتقده المسلمون أيضاً.
د - ينتظر اليهود (مسيّا) و(هو إنسان مثالي من نسل الملك داوود (النبي داوود في الإسلام) يبشِّ-ر بنهاية التاريخ، ويخلص الشعب اليهودي من ويلاته، والأحداث المتوقعة عند وصول (الماشيح) حسب الإيمان اليهودي تشابه أحداثَ يوم القيامة في الإسلام والمسيحية)((2)).
من ثوابت عقيدة المسيحيين انتظار ظهور عيسىٰ (علیه السلام)، وقد أشارت إليها عدّة نصوص في الأناجيل، منها:
أ - إنجيل لوقا: كونوا علىٰ استعداد، أوساطُكم مشدودة ومصابيحُكم موقَدة كرجالٍ ينتظرون رجوعَ سيّدهم من العرس.. فكونوا إذاً علىٰ استعداد، لأنّ ابن الإنسان يجيء في ساعةٍ لا تنتظرونها((1)).
ب - إنجيل مرقس: فإذا قال لكم أحد: (ها هو المسيح هنا أو ها هو هناك فلا تصدّقوه، فسيظهر مُسَحاء دجّالون وأنبياء كذّابون يعمَلون آياتٍ ومعجزاتٍ، ولو أمكنهم لضلّلوا الذين اختارهم الله، فكونوا علىٰ حذر... وفي تلك الأيام، بعد زمن الضيق تُظلم الشمس ولا يُض-يء القمر، وتتساقط النجوم من السماء وتتزعزع قواتُ السماء، وفي ذلك الحين يرىٰ الناس ابنَ الإنسان آتياً في السّحاب بكلّ عزة وجلال، فيُرسل ملائكته إلىٰ جهات الرياح الأربع ليَجمعوا مختاريه من أقص-ىٰ الأرض إلىٰ أقصىٰ السماء)((2)).
ج- - إنجيل يوحنا: قلت لكم: أنا ذاهب وسأرجع إليكم، فإن كنتم تحبّوني فرحتم بأني ذاهب إلىٰ الأب، لأنّ الأب أعظمُ مني... لن أخاطبَكم بعدُ طويلاً، لأنّ سيّد هذا العالم سيجيء، لا سلطانَ له عليّ.
فقال لهم: (تتساءلون عن معنىٰ قولي: بعد قليل لا ترونني، ثم بعد قليل ترونني الحقَّ الحقَّ أقول لكم: ستبكون وتندبون، وأمّا العالم فسيفرح. ستحزنون، ولكنّ حزنَكم يصير فرحاً... أنتم تحزنون الآن ولكني سأعود فأراكم، فتفرح قلوبكم فرحاً لا ينتزعه أحد منكم)((1)).
1 - إن انتظار المخلّص (المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف)) من التعاليم المشتركة للأديان السماوية، وإن اختلفوا في تحديد هويته وبعض خصوصياته وشمائله.
2 - تضمّنت عدة نصوص في العهدين القديم والجديد التص-ريح أو الإشارة إلىٰ ظهور المصلح وانتظار البشرية له.
تسالم المسلمون - عموماً - علىٰ الاعتقاد بخروج المهدي وانتظاره، وإن اختلفوا في بعض الخصوصيات والتفاصيل المرتبطة بذلك، كما سيأتي.
وقبل ذلك نشير إلىٰ موقف المسلمين من الإمامة والخلافة واختلافهم فيها.
1) المصدر: يوحنا: 16/303 و307.
من المؤسف أن المسلمين قد اختلفوا اختلافاً شديداً منذ وفاة نبيهم (صلی الله علیه و آله) بل قبل ذلك في تعيين إمامهم وخليفته من بعده (صلی الله علیه و آله)، وقد تنبّأ النبي (صلی الله علیه و آله) بذلك وحذّرهم منه مراراً كان آخرها في ساعات وفاته الأخيرة، حتىٰ إنه أراد أن يكتب لهم كتاباً يكون وثيقة تحول دون اختلافهم وضلالهم.
فقد روىٰ البخاري بسنده عن عبد الله بن عباس قال: لما حُض-ِر رسول الله (صلی الله علیه و آله) - وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب - قال النبي(صلی الله علیه و آله): «هَلمّ اكتبْ لكم كتاباً لا تضلّوا بعده». فقال عمر: إنّ النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت - والمقصود منه هنا الذين كانوا حاضرين في الغرفة - فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «قوموا». قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كلَّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافِهم ولغَطِهم((1)).
وفي صحيح مسلم أنهم قالوا: (إن رسول الله يهجر)((2)).
ويمكن أن نتعرف علىٰ ملامح مضمون وصية النبي (صلی الله علیه و آله) الذي أراد أن يوصي به الأمة من خلال خمسة شواهد وقرائن تضمّنتها الروايات المذكورة، وهي:
الأول: أن الأثر البارز والمهم لمضمون الوصية أنه يحفظ الأمة ويصونها من الضلال بعد وفاة النبي (صلی الله علیه و آله)، وهو الآفة التي واجهت أمماً أخرىٰ بعد رحيل أنبيائها عنها.
الثاني: أن هذا المضمون قصير ومحدّد وواضح، وليس هو تعاليم أو توصيات عامة مفصَّلة، لأن ظرف النبي (صلی الله علیه و آله) الصحي الحرج لم يكن يسمح بذلك، كما أن الكتف الذي طلبه (صلی الله علیه و آله) - الذي تضمنته كثير من مصادر الحديث - لا تناسب كتابة مضامين وتعاليم مفصَّلة، قال ابن منظور: (الكَتِف والكِتْف... عظم عريض خلف المنكب... وفي الحديث «ائتوني بكتِف ودواة أكتب لكم كتاباً...» كانوا يكتبون فيه لقلّة القراطيس عندهم)((1)).
الثالث: ليس من المعقول أن يكون مضمون الوصية حكماً عاماً أو مفهوماً نظرياً صرفاً، لأن المفهوم النظري الص-رف لا يحفظ الأمة من الضلال، كما لم يحفظ الأمم السابقة منه، ولكون المفاهيم والتعاليم النظرية والأحكام قد بُيِّنَت في القرآن الكريم ومن النبي (صلی الله علیه و آله) نفسه، ولذلك قال تعالىٰ: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (الإسراء: 9) وقال الله تعالىٰ: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ
1) لسان العرب: 12/27.
فَانْتَهُوا (الحش-ر: 7)، وقد أكد القرآن الكريم نفسه اكتمال معالم هذا الدين وتعاليمه وأحكامه سابقاً بقوله تعالىٰ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (المائدة: 3). الرابع: أن هناك توقعاً من بعض الحاضرين لمضمون الوصية باعتبار صدور ما يشبهه من النبي (صلی الله علیه و آله) سابقاً، وأنه (صلی الله علیه و آله) كان يروم كتابة ما قاله أمام المسلمين مشافهةً قبل فوات الأوان، ليتحوّل إلىٰ وثيقة مكتوبة يصعب تجاوزها والالتفاف عليها وإنكارها، ولذلك بادروا بمعارضتها، وإلّا فلو لم يكن لها سابقة لما عرفوا طبيعتها وما كان لهم موقف صارم في معارضتها.
الخامس: أن مضمون الوصية حسّاس يمسّ مصالح بعض الحاضرين بحيث أدّىٰ توقّعهم له إلىٰ الشغب والمنع من كتابة النبي (صلی الله علیه و آله) للوصية، واتهامه له (صلی الله علیه و آله) بأنه (يهجر)، لسلب شرعيته وقطع الطريق أمام أية محاولة أخرىٰ منه (صلی الله علیه و آله) لكتابة الوصية المذكورة.
بملاحظة تلك القرائن والشواهد المقتبسة من الرواية السابقة ونحوها يتضح أن مضمون الوصية هو النص علىٰ إمامة أهل البيت(علیهم السلام) يتقدمهم الإمام علي (علیه السلام) من خلال الشواهد والمؤشرات التالية:
1 - إن نفس الاختلاف واللغو والشجار الحاد بين بعض الحاضرين وغيرهم قد توقّعه النبي (صلی الله علیه و آله) في يوم الغدير عندما نصّ علىٰ ولاية علي (علیه السلام)، حيث طمأنته الآية الكريمة آنذاك يا أَي-ُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (المائدة: 67)، والفارق بين الزمانين أن الوحي يوم الغدير قد فاجأهم وكان بحضور جموع غفيرة من المسلمين من أقطار شتّىٰ، فلم تسنح الفرصة والظروف لمعارضته بينما كانوا قد تهيّأوا للموقف المضاد حين وصية النبي (صلی الله علیه و آله) بحضور عدد محدود من الصحابة، فحال أولئك بينه وبين كتابة وصيته(صلی الله علیه و آله).
2 - إن هاجس النبي (صلی الله علیه و آله) الذي كان يوم الغدير وتوقُّعَه معارضة القوم لمضمون الوصية هو الذي دعاه إلىٰ التأكيد علىٰ تحرك جيش أسامة
بن زيد مع مَن تحت إمرته من شيوخ المهاجرين والأنصار، لتفرغ المدينة المنورة من العناصر المعارِضة لوصيّته (صلی الله علیه و آله) التي تض-رّ بمصالحهم حتىٰ قال: «جهّزوا جيش أسامة لعن الله من تخلّف عنه»((1)).
ثم لمّا رآهم قد صمّموا علىٰ البقاء في المدينة والحيلولة دون وصيته، آثر (صلی الله علیه و آله) أن يؤخر كتابة وصيته إلىٰ الساعات الأخيرة من حياته ليُحرِجَهم فيها، ويمنعَهم من اتخاذ موقف معارِض لها، إلّا أنهم بادروه بالمنع والشجار، وطعنوا في شرعيته ومرجعيته في ذلك الموقف الحسّاس من خلال اتهامه بأنه يهجر((2))، وحرموا الأمّة من وصيّته (صلی الله علیه و آله) المانعة من ضلالها.
3 - نظراً لتوقعه (صلی الله علیه و آله) ردود الأفعال الحادة من هذه الوصية التي تصطدم بمصالح بعض الحاضرين آثر (صلی الله علیه و آله) أن يكتبها بحضورهم، ولم يكتبها من قبل ذلك تجنّباً للتشكيك في مصداقيتها بادعاء أنها قد أُمليت عليه بسبب مرضه (صلی الله علیه و آله) وأنه لم يكتبها بعلمه واختياره.
4 - إنّ ادِّعاء إهمال النبي (صلی الله علیه و آله) لمصير الأمّة من بعده وعدم تصدّيه لتعيين وصيّه وخليفته من بعده ينافي حرصه الشديد الذي عُرف عنه علىٰ مصير الأمة ومصلحتها، مع أن مصادر الجمهور تضمّنت أن من جاء بعد النبي (صلی الله علیه و آله)، حرص علىٰ تعيين مَن يخلفه حفظاً لوحدة الأمة
ومصلحتها، بما في ذلك معاوية الذي برّر وصيته ليزيد بذلك حيث كتب إلىٰ مروان بن الحكم: (إني قد كبِرَت سنّي ودقّ عظمي وخشيت الاختلاف علىٰ الأمة بعدي، وقد رأيت أن أتخيّر لهم مَن يقوم بعدي...)((1))، فهل إنّ معاوية أحرص من النبي (صلی الله علیه و آله) علىٰ الأمة أو أن النبي (صلی الله علیه و آله) غفل عما انتبه له معاوية من أنّ عدم تعيين الخليفة يض-رّ بمصلحة الأمة ووحدتها؟!
علىٰ أن ما يأتي من ثبوت تواتر الروايات عن النبي (صلی الله علیه و آله) بخصوص المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وأوصافه وشؤونه لا ينسجم مع فرض إغفاله الحديث عن خصوصيات من يصلح لخلافته بعد رحيله.
5 - إن نفس الأثر المهم الذي كان ينشده النبي (صلی الله علیه و آله) ويحرص عليه - وهو التحصين من الضلال - قد رتّبه (صلی الله علیه و آله) علىٰ التمسك بالكتاب والعترة من خلال حديث الثقلين المتواتر والمنسجم مع مضمون وهدف الكتاب الذي كان يزمع كتابته، ففي صحيح الترمذي بسنده عن زيد بن أرقم، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «إني تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلىٰ الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتىٰ يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»((2)).
إن هذه القرائن والشواهد تؤكد ما ذكرناه سابقاً من تطابق مضمون الوصيّة المزمعة مع مضمون حديث الثقلين، وأن مضمون الوصية هو النص علىٰ إمامة أهل البيت (علیهم السلام) وأولهم الإمام علي (علیه السلام) وتوثيقها كتابةً منه (صلی الله علیه و آله) لتكون وثيقةً باقيةً لا يمكن تجاوزها، لكنّ المؤسف أنّ ذلك لم يتحقق.
ثم إنّه بسبب اختلاف المسلمين المذكور - عقيب رحيل نبيهم المصطفىٰ (صلی الله علیه و آله) - وما جرىٰ علىٰ أهل بيته من بعده من مآسٍ ومجازر وإعراض عنهم، رعىٰ أئمة أهل البيت (علیهم السلام) شيعتهم وأثْرَوا مدرستهم بعلومهم وهديهم وتوجيهاتهم((1))، ومما تتميز به مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) تبعيّتها لرؤية النبي (صلی الله علیه و آله) للإمامة ودورها المحوري في الأمة باعتبارها الحافظة للأمة من الانحراف والموجّهة لها لتنعم بالأمن والاستقرار والرقي والكمال، وقد تضمّنت عِدّة نصوص معتبرة بيان أهمية الإمامة والولاية - بعبارات شتّىٰ -، منها:
1 - صحيحة زرارة والفضيل بن يسار وبكير بن أعيَن ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبي الجارود جميعاً عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: «أمر الله (عزوجل) رسولَه بولاية علي وأنزل عليه إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [المائدة: 55] وفرَض ولاية أولي الأمر فلم يدروا ما هي، فأمر الله محمداً (صلی الله علیه و آله) أن يفس-ّر لهم الولاية كما فسّ-ر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلما أتاه
1) انظر كتاب (دور أهل البيت (علیهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة).
ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول الله (صلی الله علیه و آله) وتخوّف أن يرتدّوا عن دينهم وأن يكذّبوه، فضاق صدره وراجع ربَّه (عزوجل)، فأوحىٰ الله (عزوجل) إليه يا أَي-ُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: 67].
فصدع بأمر الله تعالىٰ ذكره فقام بولاية علي (علیه السلام) يوم غدير خم، فنادىٰ: الصلاة جامعة، وأمر الناس أن يبلّغ الشاهد الغائب».
قال عمر بن أُذَينه: قالوا جميعاً - غير أبي الجارود -: وقال أبو جعفر (علیه السلام): «وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرىٰ. وكانت الولاية آخر الفرائض فأنزل الله (عزوجل) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: 5]»، قال أبو جعفر (علیه السلام): «يقول الله (عزوجل): لا أُنزل عليكم بعد هذه الفريضة، ولقد أكملت لكم الفرائض»((1)).
2 - صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: «بني الإسلام علىٰ خمسة أشياء، علىٰ الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية»، قال زرارة: فقلت: وأيّ شيء من ذلك أفضل؟ فقال: «الولاية أفضل، لأنها مفتاحهنّ، والوالي هو الدليل عليهنّ...»((2)).
ومما يؤكد أهمية الإمامة أن مكانة الدين المتميزة في نفوس الأمة تضفي عليه قدسية واحتراماً وتقديراً لحملَته ورجالاته، فإذا لم يكن
هناك إمام كفوء شرعي يوضّح معالمه ويوجّه حملَته، تستغله السلطات وأصحاب النفوذ لتثبيت سلطانهم وتحقيق مصالحهم، وهو ما نلاحظه علىٰ نطاق واسع في واقعنا المعاصر، وعلىٰ مرّ العصور.
بعد وضوح أهمية الإمامة في الإسلام عموماً وفي مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) خصوصاً، تتضح أهمية الاعتقاد بالمهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، باعتباره الإمام المعاصر لنا، والذي تضمّنت الأدلة العامة والخاصة وجوده وشرعيته وكونه الحجة علىٰ الأمة، والتي سيأتي التعرض لبعضها ضمن البحوث الآتية.
وينبغي التعرض هنا إلىٰ موقف كلّ من جمهور المسلمين وشيعة أهل البيت (علیهم السلام) كلاًّ علىٰ حدة في ضمن بحثين:
ونتعرض هنا إلىٰ ثلاثة أمور:
الأول: ما روي في مصادرهم بشأن المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) عموماً.
الثاني: المصادر التي تناولت موضوع المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
الثالث: الموقف من روايات المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
أمّا الأمر الأول: فقد وردت روايات كثيرة عن مجموعة من الصحابة في مصادر الجمهور تضمّنت أخبار المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وظهوره وإنجازه، حتىٰ إن أحد الباحثين ذكر أسماء واحد وثلاثين صحابياً روَوا أحاديث المهدي، منهم: علي بن أبي طالب (علیه السلام)، عثمان بن عفان، طلحة بن عبيد الله، عبد الرحمن بن عوف، الحسين بن علي، جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو سعيد الخدري، حذيفة بن اليمان، العباس بن عبد المطلب، أبو هريرة، عبد الله بن مسعود، عائشة بنت أبي بكر، وغيرهم((1))، بينما ذكر الشيخ محمد أمين زين الدين (رحمه الله) أن أخبار المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) رويت عن خمسين صحابياً ومئات التابعين((2))، كما استعرض عدد من الباحثين ثمانية وثلاثين شخصاً من أئمة الصحاح والمسانيد والسُّنن خرّجوا أحاديث المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ((3)).
وفي ما يلي نماذج من هذه الروايات المروية في المصادر المذكورة:
1 - ما رواه عبد الرزاق (ت211) بسنده عن أبي سعيد الخُدري قال: (ذكر رسول الله (صلی الله علیه و آله) بلاءُ يصيب هذه الأمة حتىٰ لا يجد الرجل ملجأً يلجأ إليه من الظلم فيبعث الله رجلاً من عترتي من أهل بيتي فيملأ الأرض به قسطاً كما مُلئت ظلماً وجَوراً، يرضىٰ عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدَعُ السماء من قطرها شيئاً إلّا صبّته مدراراً، ولا تدَعُ الأرض من مائها شيئاً إلّا أخرجته، حتىٰ تتمنىٰ الأحياءُ الأمواتَ، يعيشون في ذلك سبع سنين أو ثمان أو تسع سنين)((1)).
2 - ما رواه نُعَيم بن حمّاد المروزي (ت229) بسنده عن محمد بن الحنفية قال: حدثني علي بن أبي طالب 2 قال: (قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «المهدي يصلحه الله تعالىٰ في ليلة واحدة»((2)).
كما روىٰ بسنده عن ابن زرير الغافقي أنه سمع علياً 2 يقول: «هو من عترة النبي (صلی الله علیه و آله)»((3)).
3 - ما رواه ابن أبي شيبة (159ه- - 235ه-) بسنده عن علي(علیه السلام) عن النبي ݕ، قال: «لو لم يبق من الدهر إلّا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما مُلئت جَوراً»((1)).
4 - ما رواه أحمد بن حنبل (ت 241) بسنده عن أبي سعيد الخُدَري قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «لا تقوم الساعة حتىٰ تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً»، قال: «ثم يخرج رجل من عترتي أو مِن أهل بيتي يملؤها قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وعدواناً» ((2)).
5 - ما رواه ابن ماجة (275ه-) بسنده عن علي قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): «المهدي منّا أهل البيت يُصلحه الله في ليلة»((3)).
6 - ما رواه ابن ماجة أيضاً بسنده عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: «نحن ولد عبد المطلب سادةُ أهل الجنة، أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي»((4)).
7 - ما رواه أبو داوود (ت 275ه-) وغيره بسنده عن أم سلمة: قالت: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»((5)).
8 - ما رواه الترمذي (209 - 297) بسنده عن عبد الله عن رسول الله(صلی الله علیه و آله) قال: «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» قال عاصم: وأنا أبو صالح. عن أبي هريرة قال: «لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتىٰ يلي...»((1)).
9 - ما رواه الطبراني - في الصغير - عن أبي أيوب قال رسول الله(صلی الله علیه و آله) لِفاطمة: «نبيّنا خير الأنبياء، وهو أبوكِ، وشهيدنا خير الشهداء، وهو ابن عمّ أبيكِ حمزة، ومِنّا مَن له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وهو عمّ أبيكِ جعفر، ومِنّا سبطا هذه الأمة الحسن والحسين، وهما ابناكِ، ومِنّا المهدي»((2)).
10 - ما رواه الحاكم النيسابوري (ت405ه-) بسنده عن عبد الله بن مسعود 2 قال: (أتينا رسولَ الله (صلی الله علیه و آله) فخرج إلينا مستبش-راً يُعرف الس-رور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلّا أخبرنا به، حتىٰ مرّت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله ما نزال نرىٰ في وجهك شيئاً نكرهه، فقال: «إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة علىٰ الدنيا، وإنه سيلقىٰ أهل بيتي من بعدي تطريداً وتش-ريداً في البلاد، حتىٰ ترتفع رايات سود من المشرق، فيَسألون الحقَّ فلا يُعطَونه، ثم يسألونه فلا يُعطَونه، ثم يسألونه فلا يُعطَونه، فيقاتلون فيُنص-َرون، فمن أدركه منكم أو من أعقابكم فليأت إمامَ أهلِ بيتي ولو حبواً علىٰ الثلج، فإنها رايات هدىٰ، يدفعونها إلىٰ رجل من أهل بيتي يواطئ اسمُه اسمي، واسمُ أبيه اسمَ أبي، فيملك الأرض فيملؤها قسطاً وعدلاً كما مُلئت جَوراً وظلماً»((1)).
11 - تضمّنت بعض النصوص أنّ ظهور الهاشمي والتأييد الإلهي له ولأصحابه وإقامة العدل به ممّا كان معروفاً منذ أواسط القرن الأول الهجري، حتىٰ إنّ عبد الله بن عمرو بن العاص طبّقه علىٰ الإمام الحسين (علیه السلام)، فقد روىٰ هشام بسنده عن الفرزدق الشاعر أنه في أثناء
1) المستدرك علىٰ الصحيحين: 1602- 1603.
مسيره في طريق الكوفة رأىٰ الحسين (علیه السلام) وبعد ذلك رأىٰ عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (فسألني، فأخبرتُه بلقاء الحسين بن علي، فقال لي: ويلك، فهلّا اتّبعتَه، فوالله ليملِكَنّ، ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه، قال: فهممت –والله - أن الحقَ به، ووقع في قلبي مقالته، ثم ذكرتُ الأنبياء وقتْلَهم فصدّني ذلك عن اللحاق به) وأضاف: (وكان أهل ذلك الزمان يقولون ذلك الأمر، وينتظرونه في كل يوم وليلة، قال: وكان عبد الله بن عمرو يقول: لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتىٰ يظهر هذا الأمر)((1)).
لكن عبد الله بن عمر بن الخطاب رغم إيمانه بظهور المصلح الهاشمي آخر الزمان إلّا أنه أدرك عدم انطباقه علىٰ شخص الإمام الحسين (علیه السلام)، لعدم كونه في آخر الزمان، فقد قال يحيىٰ بن معين: (حدثنا أبو عبيدة حدثنا سليم بن حيان عن سعيد بن مينا قال: سمعتُ عبد الله بن عمر يقول: عجَّل حسينٌ قدَره، واللهِ لو أدركتُه ما تركتُه يخرج إلّا أن يغلبني، ببني هاشم فُتِح هذا الأمر، وببني هاشم يُختم، فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان)((2))، والرواية تؤكد إيمان عبد الله بن عمر بظهور المهدي الهاشمي في آخر الزمان.
وأمّا الأمر الثاني: فهناك الكثير من مصادر الجمهور التي تعرضت أو اختصت بأخبار المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) أو أحواله، وهي صنفان:
الصنف الأول: المصادر العامة التي تعرّضت للمهدي المنتظر(عجل الله تعالی فرجه الشریف)، منها:
أ - المصنَّف: تأليف عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت211ه-).
ب - الفتن: تأليف الحافظ أبي عبد الله نُعَيم بن حمّاد المروزي (ت229ه-).
ج - المصنَّف في الأحاديث والآثار: تأليف الحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي (ت235ه-).
د - مسند أحمد بن حنبل: تأليف أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني (ت241ه-).
ه- - سنن ابن ماجة: تأليف أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت275ه-).
و - سنن أبي داوود: تأليف أبي داوود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت275ه-).
ز - الجامع الصحيح المعروف ب-(سنن الترمِذي): تأليف أبي عيسىٰ محمد بن عيسىٰ الترمذي السلمي (ت279ه-).
ح - شرح السُّنة: تأليف الحسن بن علي البربهاري الحنبلي (ت329 ه-).
ط - الصحيح: تأليف أحمد بن حبّان التميمي (ت354ه-).
ي - المستدرك علىٰ الصحيحين: تأليف أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النسيابوري (ت405ه-).
وقد يكون هذا نفس كتاب (أخبار المهدي) وكتاب (مناقب المهدي) وكتاب (نعت المهدي) المنسوبة إليه أيضاً.
ك - الاعتقاد والهداية إلىٰ سبيل الرشاد: تأليف أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسىٰ البيهقي (384 - 458ه-).
ل - الشفا: تأليف القاضي عياض (544ه-).
م - منهاج السنة النبوية: تأليف أحمد بن تيمية (ت 728ه-).
ن - كنز العمال في سنن الأقوال والأعمال: تأليف علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت975ه-).
وغيرهم كثير((1)).
1) انظر كتاب (المهدي): 68-73.
الصنف الثاني: المصادر المختصة بالمهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف):
أ - الأحاديث الواردة في المهدي: تأليف أبي بكر بن أبي خيثمة النسائي (ت279ه-)((1)).
ب - أحمد بن جعفر بن المنادي (ت336ه-)، جمع جزءاً في المهدي.
ج - أربعون حديثاً: تأليف أبي نعيم الأصفهاني (ت430ه-) وهو كتاب خاص بالمهدي وأخباره، وهذا الكتاب مفقود في عص-رنا، إلّا أن علي بن عيسىٰ الأربلي قد جمع هذا الكتاب المذكور في كتابه (كشف الغمة في معرفة الأئمة) حيث قال: (ووقع إليَّ أربعون حديثاً جمعها الحافظ أبو نُعيم أحمد بن عبد الله (رحمه الله) في أمر المهديّ (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، أوردتُها سرداً كما أوردها)((2)).
د - الوعاء المختوم في الس-رّ المكتوم في أخبار المهدي: المنسوب إلىٰ محيي الدين الحاتمي المعروف بابن عربي (560 - 638 ه-).
ه- - البيان في أخبار صاحب الزمان: تأليف أبي عبد الله محمد الگنجي الشافعي (ت658ه-) وهو كتاب خاص بأخبار المهدي وأحواله.
و - عقد الدُّرَر في أخبار المنتظر: تأليف يوسف بن يحيىٰ بن علي بن عبد العزيز المقدسي الشافعي (ت بعد 658ه-) وهو كتاب خاص بأخبار المهدي وأحواله.
ز - أخبار المهدي: تأليف الحسن بن محمد القرشي المطّلبي النابلسي الحنبلي (ت 772 ه-)((1)).
ح - عماد الدين بن كثير (ت774ه-) قال في كتابه (الفتن والملاحم): (وقد أفردتُ في ذكر المهدي جزءاً علىٰ حده)((2)).
ط - العُرف الوردي في أخبار المهدي: تأليف جلال الدين بن أبي بكر السيوطي (ت911ه-) وهو كتاب خاص بالمهدي وأحواله.
ي - القول المختص-ر في علامات المهدي المنتظر: تأليف ابن حجر الهيتمي (ت974ه-).
ك - البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: تأليف علاء الدين علي بن حسام الدين المعروف بالمتقي الهندي (ت975ه-) وهو خاص بالإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
وأمّا الأمر الثالث - وهو موقف علماء العامة من روايات المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) -: فقد بنىٰ أو صرّح الكثير من شخصيات وعلماء الجمهور باعتبار روايات المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، ونصّ بعضهم علىٰ تواترها، نذكر منهم:
1و2 - عبد الله بن عمرو بن العاص (ت63أو67ه-) وعبد الله بن عمر (ت 73ه-) كما تقدّم عنهما آنفاً.
3 - سفيان الثوري (ت161ه-)((1)) حيث حكىٰ عنه أبو داوود قوله: (وإن مرّ بك المهدي وأنتَ في البيت فلا تخرج إليه حتىٰ يجمع الناس) ويفهم منه أن أمر المهدي كان شائعاً مسلّماً عندهم((2)).
4 - الترمذي حيث عبر عن بعض ما رواه بشأن المهدي (هذا حديث حسن صحيح)((3)).
5 - الحاكم النيسابوري حيث عبّر عن بعض ما رواه عن ظهور المهدي (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)((4)) يعني أنه صحيح وفق ضوابط البخاري ومسلم وإن لم يخرجا الحديث في كتابيهما.
6 - الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (ت 517ه-) ذكر حديثاً في فصل الروايات الصحاح وخمسة أحاديث في فصل الروايات الحسان((5)).
7 - القرطبي المالكي (ت656ه-) حيث صحح بعض ما رواه ابن ماجة في المهدي ((1)).
8 - الحافظ أبو عبد الله الگنجي الشافعي (ت 658ه-) قال: (تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفىٰ في أمر المهدي وأنه يملك سبع سنين ويملأ الأرض عدلاً، وأنه يخرج مع عيسىٰ بن مريم...)((2)).
9 - ابن تيمية (661 - 728ه-) قال: (إن الأحاديث التي يُحتجّ بها علىٰ خروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داوود والترمذي وأحمد وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره)((3)).
10 - ابن حجر العسقلاني (ت852ه-) قال: (تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأُمة وأن عيسىٰ (علیه السلام) سينزل ويصلي خلفه)((4)).
11 - جلال الدين السيوطي (ت911) قال: (إن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام علىٰ ممرّ الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت [النبوي] يؤيِّد الدينَ، ويُظهر العدلَ، ويتبعَه المسلمون، ويستولي علىٰ الممالك الإسلامية، ويسمىٰ ب-(المهدي)، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح علىٰ أَثَرِه، وأن عيسىٰ (علیه السلام) ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده علىٰ قتله، ويأتمّ بالمهدي في صلاته.
وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله(صلی الله علیه و آله) بظهور وخروج (المهدي الفاطمي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)...) وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي أنها متواترة، والسخاوي ذكر ذلك في (فتح المغيث) ونقله عن أبي الحسين الآبري (أبي الحسن الآبري).
وفي تأليف لأبي العلاء إدريس بن محمد بن إدريس الحسين العراقي في المهدي هذا، أن أحاديثه متواترة، أو كادت قال: وجزم بالأول غير واحد من الحفاظ النقاد.
وفي (شرح الرسالة) للشيخ جسوس ما نصه: ورد خبر المهدي في أحاديث ذكر السخاوي أنها وصلت إلىٰ حد التواتر.
وفي (شرح المواهب) نقلاً عن أبي الحسين الآبري (أبي الحسن الآبري) في (مناقب الشافعي) قال: تواترت الأخبار أن المهدي من هذه الأمة وأن عيسىٰ يصلي خلفه، ذكر ذلك رداً لحديث ابن ماجة عن أنس (ولا مهدي إلّا عيسىٰ).
وفي (مغاني الوفا بمعاني الاكتفا): قال الشيخ أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفىٰ (صلی الله علیه و آله) بمجيء المهدي، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً.
وفي (شرح عقيدة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي) ما نصه: وقد كثرت بخروجه الروايات حتىٰ بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتىٰ عُدّ من معتقداتهم. ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة فيه عن جماعة من الصحابة.
وقال بعدها: (وقد روىٰ عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، مما يفيد مجموعة العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب، كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة)((1)).
12 - القرماني الدمشقي (939 - 1019ه-) قال: واتفق العلماء علىٰ أن المهدي هو القائم المهدي، وقد تعاضدت الأخبار علىٰ ظهوره وتضافرت الروايات علىٰ إشراق نوره((2)).
13 - ابن حجر الهيتمي (909 - 974 ه-) قال: ورد أنه (صلی الله علیه و آله) قال: «من كذّب بالدجال فقد كفر. ومن كذّب بالمهدي فقد كفر»، وقال - بعد أن رجح كونه من ذريته 9 ومن ولد فاطمة -: بل قال بعض الأئمة الحفاظ إن كونه من ذريته (صلی الله علیه و آله) قد تواتر عنه (صلی الله علیه و آله)، وأضاف: قال بعض الأئمة: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة روايتها عن المصطفىٰ (صلی الله علیه و آله) بمجيء المهدي وأنه من أهل بيته وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأنه يخرج مع عيسىٰ عليه الصلاة والسلام...((3)).
14 - محمد ناصر الألباني قال: إن عقيدة المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه (صلی الله علیه و آله) يجب الإيمان بها، لأنها من أمور الغيب... وإنّ إنكارها لا يصدر إلّا من جاهل أو مكابر((1)).
15 - عبد العزيز بن باز (ت1420ه-) مفتي السعودية العام ورئيس هيئة كبار العلماء قال: إن أمر المهدي معلوم، والأحاديث به مستفيضة بل متواترة متعاضدة فهي بحق تدلّ علىٰ أن هذا الشخص الموعود بأمره ثابت وخروجه حق((2))، وقال أيضاً: أمّا إنكار المهدي المنتظر بالكلية كما زعم ذلك بعض المتأخرين فهو قول باطل، لأن أحاديث خروجه في آخر الزمان، وأنه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً، قد تواترت تواتراً معنوياً((3)).
وقد استعرض بعض الباحثين أسماء سبعة وستين شخصاً من المتقدمين والمتأخرين منهم وقال: (وغيرهم كثير)((4)).
يعتبر الاعتقاد بالمهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) من أساسيات معالم مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) ومن مكمّلات عقيدة شيعتهم في الإمامة، حتىٰ عُرف ذلك واشتهر عنهم.
ونتعرض هنا إلىٰ أمرين:
الأمر الأول: الأدلة الواردة في موضوع المهدي المنتظر.
الأمر الثاني: المصادر التي تناولت الموضوع.
أمّا الأمر الأول: فأهم ما يدل علىٰ العقيدة المهدوية عندهم أمران:
أولهما: اتفاقهم علىٰ تحقق الغَيبة الصغرىٰ وارتباط النواب الأربعة(رحمهم الله) آنذاك بالإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وهو ما سوف نتعرض له لاحقاً.
ثانيهما: الروايات المتواترة الدالة علىٰ ظهور المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وهي علىٰ صنفين:
الصنف الأول: الروايات الواردة في تفسير أو تطبيق بعض الآيات وارتباطها بالمهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
الصنف الثاني: الروايات المجرّدة عن التفسير المتضمنة للإخبار عن المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وشؤونه وما يرتبط به.
أمّا الصنف الأول: فهي روايات كثيرة، منها:
1 - معتبرة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «إن قدّام القائم علامات تكون من الله (عزوجل) للمؤمنين»، قلت: وما هي جعلني الله فداك؟ قال: «ذلك قول الله (عزوجل): وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ يعني المؤمنين قبل خروج القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بِشَ-يْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّ-رِ الصَّابِرِينَ [البقرة: 155] قال: يبلوهم بش-يء من الخوف من ملوك بني فلان في آخر سلطانهم، والجوع بغلاء أسعارهم، وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ قال: كساد تجارتهم وقلة الفضل، (ونقص من الأنفس) قال: موت ذريع (ونقص من الثمرات) قال: قلة ريع ما يزرع وَبَشِّ-رِ الصَّابِرِينَ عند ذلك بتعجيل خروج القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف)».
ثم قال لي: «يا محمد، هذا تأويله إن الله تعالىٰ يقول: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[آل عمران: 7]»((1)).
2 - ما حكاه الشيخ محمد صادق الخاتون آبادي عن الفضل بن شاذان بسند صحيح عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «المفقودون عن فُرشهم ثلاثمائة وثلاثة عش-ر رجلاً، عِدّةُ أهل بدر، فيُصبحون بمكة، وهو قول الله (عزوجل) أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً [البقرة: 148] وهم أصحاب القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف)»((2)).
3 - صحيحة أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) - في حديث يتضمن تفسير عدة آيات - إلىٰ أن قال: «وأمّا قوله حَتَّىٰ إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: 44] يعني قيام القائم(عجل الله تعالی فرجه الشریف)»((1)).
4 - صحيحة أبي عبيدة الحَذّاء عن الإمام الباقر (علیه السلام) ومنها: «فقال لهم: لَهُمُ الْبُشْ-رىٰ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس: 64] والإمام يبشّرهم بقيام القائم وبظهوره...»((2)).
5 - صحيحة أبان بن تغلِب قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): «إذا قام القائم(علیه السلام) لم يقم بين يديه أحد من خلْق الرحمن إلّا عرَفه صالح هو أم طالح، لأنّ فيه آية للمتوسّمين وهي بسبيلٍ مقيم»((3)).
وفي هذه الرواية تطبيق لقوله تعالىٰ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (الحجر: 75 - 76).
6 - معتبرة عبد الله بن سنان قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) فسمعت رجلاً من همدان يقول له: إنّ هؤلاء العامة يعيروننا ويقولون لنا: إنكم تزعمون أن منادياً ينادي من السماء بِاسم صاحب هذا الأمر، وكان متكئاً فغضب وجلس، ثم قال: «لا ترووه عني، وارووه عن أبي، ولا حرج عليكم في ذلك، أشهدُ أني قد سمعت أبي (علیه السلام) يقول: والله إن
ذلك في كتاب الله (عزوجل) لبيِّن، حيث يقول: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: 4] فلا يبقىٰ في الأرض يومئذٍ أحد إلّا خضع وذلّت رقبته له، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء: ألا إن الحق في علي بن أبي طالب (علیه السلام) وشيعته...»((1))، وقريب منها غيرها((2)).
وأمّا الصنف الثاني: - الروايات المجرَّدة عن تفسير وتأويل القرآن- فهي كثيرة جداً، ونقتصر هنا علىٰ نماذج منها:
1 - صحيحة أيوب بن نوح قال: قلت للرضا (علیه السلام): وإنّا لنرجو أن تكون صاحبَ هذا الأمر وأن يردّه الله (عزوجل) إليك من غير سيف، فقد بويع لك وضُربت الدراهم باسمك، فقال: «ما مِنّا أحد اختلف إليه الكتب وسُئل عن المسائل وأشارت إليه الأصابع وحُملت إليه الأموال إلّا اغتيل أو مات علىٰ فراشه حتىٰ يبعث الله (عزوجل) لهذا الأمر رجلاً خفيَّ المولد والمنشأ، غير خفيّ في نسبه»((1)).
2 - صحيحة الريّان بن الصّلت قال: قلت للرضا (علیه السلام): أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: «أنا صاحب هذا الأمر، ولكني لست بالذي أملؤها عدلاً كما ملئت جَوراً، وكيف أكون ذلك علىٰ ما ترىٰ من ضعف بدني، وّإنَّ القائم هو الذي إذا خرج كان في سنّ الشيوخ ومنظر الشبان، قوياً في بدنه حتىٰ لو مدّ يده إلىٰ أعظم شجرة علىٰ وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسىٰ
1) كمال الدين وتمام النعمة: 1/370.
وخاتَم سليمان (علیهما السلام)، ذاك الرابع من ولدي، يغيّبه الله في سِتره ما شاء، ثم يُظهره فيملأ [به] الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»((1)).
3 - صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: «في صاحب هذا الأمر أربع سُنن من أربعة أنبياء (علیهم السلام): سُنّة من موسىٰ وسُنّة من عيسىٰ وسُنّة من يوسف وسُنّة من محمد(صلی الله علیه و آله)»((2)).
4 - موثقة سَماعة بن مهران قال: كنت أنا وأبو بصير ومحمد بن عمران مولىٰ أبي جعفر (علیه السلام) في منزل بمكة فقال محمد بن عمران: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «نحن اثنا عش-ر مهدياً»، فقال له أبو بصير: تالله لقد سمعتَ ذلك من أبي عبد الله (علیه السلام)؟ فحلف مرة أو مرتين أنه سمع ذلك منه: فقال أبو بصير: لكني سمعته من أبي جعفر(علیه السلام)((3)).
وعلىٰ هذا يكون نفس الكلام صادراً عن الإمامين الباقر والصادق (علیهما السلام).
5 - صحيحة زرارة قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): «يأتي علىٰ الناس زمان يغيب عنهم إمامهم»، فقلت له: ما يصنع الناس في ذلك الزمان؟ قال: «يتمسكون بالأمر الذي هم عليه حتىٰ يتبيّن لهم»((4)).
6 - صحيحة غياث بن إبراهيم عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): «من أنكر القائمَ من ولدي فقد أنكرني»((1)).
7 - موثقة كرّام قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني جعلتُ علىٰ نفسي أن أصوم حتىٰ يقوم القائم: فقال: «صم، ولا تصم في السفر ولا في العيدين...»((2))، وهي دالة علىٰ أن قيام القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) أمر معروف ومسلَّم آنذاك، وقد أقرّه الإمام (علیه السلام) علىٰ ذلك.
وسيأتي التعرض لغيرها من الروايات المعتبرة في ضمن البحوث الآتية بحسب مناسبة مضمونها.
الأمر الثاني: المصادر الشيعية التي تناولت موضوع المهدي المنتظر(عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وهي علىٰ صنفين:
الصنف الأول: المصادر الروائية العامة المشتملة علىٰ روايات المهدي.
الصنف الثاني: المصادر المختصة بأخبار المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف).
أمّا الصنف الأول فهي كثيرة، منها:
1 - كتاب سليم بن قيس الهلالي (ت80ه-) والأرجح ضياع النسخة الأصلية منه، وأن النسخة المتداولة غير معتبرة.
2 - المشيخة: الحسن بن محبوب الس-رّاد وفي بعض المصادر (الزراد) (ت224ه-) والكتاب مفقود في عصورنا إلّا أنّ الشيخ أبا علي الطبرسي قد نقل عنه((1)).
3 - المحاسن: تأليف أبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي (ت 274 أو 280ه-).
4 - بصائر الدرجات: تأليف أبي جعفر محمد بن حسن بن فروخ الصفار (ت290ه-).
5 - تفسير العياشي: تأليف محمد بن مسعود عياش السمرقندي (العياشي) (في القرن الثالث الهجري) وهو كتاب بجزأين إلّا أن الجزء الثاني منه مفقود، والنسخة الموجودة للجزء الأول منه قد حذفت أسانيد رواياتها.
6 - تفسير القمي: تأليف أبي الحسن علي بن إبراهيم القمي (ت في القرن الرابع الهجري) ولكن النسخة الأصلية للكتاب مفقودة، والموجودة منه غير معتبرة.
7 - الكافي: تأليف أبي جعفر بن محمد بن يعقوب الكليني (ت329ه-) وهو من الكتب الحديثية الأساسية.
8 - الإرشاد في معرفة حجج الله علىٰ العباد: تأليف أبي عبد الله محمد بن محمد بن نعمان العسكري البغدادي، المعروف بالمفيد (ت413ه-).
1) انظر إعلام الورىٰ: 2/259.
9 - كشف الغمة في معرفة الأئمة (علیهم السلام): علي بن عيسىٰ بن أبي الفتح الأربلي (ت 792ه-).
10 - بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي (ت 1111ه-).
11 - منتهىٰ الآمال في تواريخ النبي والآل: تأليف الشيخ عباس القمي (ت1359ه-).
وأمّا الصنف الثاني: وهي المصادر المختصة بأخبار المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) فهي كثيرة أيضاً، منها:
1 - الغَيبة: الفضل بن شاذان النيسابوري (ت 260ه-) وهو نفس كتاب إثبات الرجعة.
2 - الغَيبة: محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب المعروف بالنعماني (ت حوالي 360ه-).
3 - كمال الدين وتمام النعمة: محمد بن علي بن الحسن بن بابويه الصدوق (ت 381ه-).
4 - البرهان علىٰ صحة طول عمر صاحب الزمان (عجل الله تعالی فرجه الشریف): الكراجكي (449 ه-).
5 - الغَيبة: الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (ت 460ه-).
6 - أخبار المهدي (مفقود): الحسن بن أحمد بن الحسن العطار (ت569ه-)، وقد يكون هو نفس كتابه المسمىٰ (الأربعون حديثاً في المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف)).
7 - الغَيبة في الإمام الثاني عش-ر القائم الحجة (عجل الله تعالی فرجه الشریف): السيد أسد الله الموسوي الشفتي (1227 - 1290).
8 - النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب (عجل الله تعالی فرجه الشریف): الشيخ حسين الطبرسي النوري (1254 - 1320ت).
9 - إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب (عجل الله تعالی فرجه الشریف): علي اليزدي الحائري (ت 1333ه-).
10 - الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) من المهد الىٰ الظهور: تأليف السيد محمد كاظم القزويني(1415).
11 - موسوعة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف): السيد محمد الصدر (1362 - 1418 ه-).
12 - منتخب الأثر في الإمام الثاني عش-ر (عجل الله تعالی فرجه الشریف): الشيخ لطف الله الصافي.
13 - المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف): الشيخ علي الكوراني.
14 - أعلام الهداية (الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) خاتم الأوصياء(علیهم السلام)): المجمع العالمي لأهل البيت (علیهم السلام).
15 - معجم أحاديث الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف): تأليف ونش-ر مؤسسة المعارف الإسلامية.
1 - تَسالم المسلمون علىٰ الاعتقاد بخروج المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
2 - بالنسبة لجمهور المسلمين تضمنت الكثير من رواياتهم التعرض للمهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، حتىٰ إن الكثير منهم اعتبر الروايات في ذلك متواترة.
3 - تضمنت الكثير من مصادر الجمهور التعرض لأخبار المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، حتىٰ إن الكثير منهم قد ألّف كتباً خاصة في ذلك مما يدل علىٰ أهمية الموضوع لديهم.
4 - يعتبر الاعتقاد بالإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وظهوره من أساسيات معالم مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) ومن مكملات عقيدة شيعتهم في الإمامة.
5 - أهم مثبتات عقيدة شيعة أهل البيت (علیهم السلام) أمران:
أ - اتفاقهم علىٰ تحقق الغَيبة الصغرىٰ التي استمرت حوالي سبعين عاماً وارتباط النواب الأربعة (رحمهم الله) بالإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) ارتباطاً مباشراً.
ب - النصوص المتواترة المروية في مصادرهم - سواء منها ما تضمن تفسيراً أو تطبيقاً للآيات الكريمة أم غيرها -.
6 - هناك الكثير من المصادر الشيعية التي تضمنت أخبار الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، بما فيها الكتب الخاصة بذلك.
صورة
الأسئلة:
1 - ما هي دلائل اهتمام المسلمين بقضية المهدي المنتظر؟
2 - اذكر أسماء أربعة من كتب الجمهور تعرضت للمهدي المنتظر علىٰ أن يكون اثنان منها خاصة بالمهدي.
3 - اذكر أسماء أربعة من كتب شيعة أهل البيت (علیهم السلام) تعرضت للمهدي المنتظر علىٰ أن يكون اثنان منها خاصة بالمهدي.
4 - ما هما دليلا شيعة أهل البيت (علیهم السلام) علىٰ ولادة المهدي المنتظر(عجل الله تعالی فرجه الشریف) إجمالاً؟
هذا، وبعد استعراض مواقف المسلمين ونماذج من الروايات المروية في مصادرهم المعتبرة وأهم المصادر الحديثية التي تعرضت لأخبار المهدي المنتظر، ينبغي البحث في أمرين:
الأمر الأول: ما يشترك فيه المسلمون بشأن المهدي المنتظر.
الأمر الثاني: مختصات شيعة أهل البيت (علیهم السلام).
وذلك ما نتناوله في المبحثين الثالث والرابع.
إن ما يشترك فيه المسلمون –عموماً - بخصوص المهدي المنتظر أمور عديدة، أهمها سبعة:
1 - البشارة وكونه حتمياً.
2 - اسمه، وأنه (محمد).
3 - أنه هاشمي ومن ذرية النبي(صلی الله علیه و آله) ومن ولد فاطمة الزهراء(علیها السلام).
4 - نزول نبيّ الله عيسىٰ (علیه السلام) معه.
5 - أنه أحد الأئمة الاثني عشر (علیهم السلام).
6 - أنه في آخر الزمان.
7 - إنجازه الأساسي وهو إقامة العدل في العالم.
وسوف نتعرض هنا إلىٰ بعض الروايات التي تضمنت الأمور المذكورة من مصادر متنوعة.
وقد تقدمت بعض النصوص الواردة لدىٰ الفريقين في ذلك، وتصريح بعض علماء الجمهور بتواتر النصوص عليه وأنه من الثوابت في الإسلام.
اتفق المسلمون علىٰ تحديد اسم المهدي وهو (محمد) لما ورد في النصوص الكثيرة عن النبي(صلی الله علیه و آله) وأهل بيته (علیهم السلام) ففي موثقة أبي الجارود عن أبي جعفر (علیه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت علىٰ فاطمة(علیها السلام) وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها فعددت اثني عش-ر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد، وأربعة منهم علي صلوات الله عليهم أجمعين((1)).
فضلاً عما دّل علىٰ تحديد هويّته وأنه محمد بن الحسن العسكري(علیهما السلام)، وكذلك تواصل السفراء الأربعة (رحمهم الله) معه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) في
1) كمال الدين وتمام النعمة: 1/513.
عص-ر الغَيبة الصغرىٰ، ودلائل أخرىٰ واضحة عند شيعة أهل البيت(علیهم السلام)، وسيأتي التعرض لها.
كما تضمنت عدة روايات للجمهور أن اسمه نفس اسم النبي(صلی الله علیه و آله)((1)) وقد تقدّم بعضها.
وفي بعض روايات الجمهور عبارة «يواطئ اسمه اسمي»((2)) وذلك لا يوجب الاختلاف في المحتوىٰ والمقصود هنا.
وهذا ما أكدته نصوص المسلمين وكلمات أكثرهم، كما يتضح بمراجعة ما تقدم، وبملاحظة انحصار ذريته وعترته بذرية فاطمة الزهراء (علیها السلام)، ولذلك قال ابن حجر الهيتمي: قال بعض الأئمة الحفاظ: (إن كونه من ذريته (صلی الله علیه و آله) قد تواتر عنه (صلی الله علیه و آله))((3)) بل نصت العديد من رواياتهم علىٰ كونه من ذرية فاطمة الزهراء (علیها السلام) مثل ما رواه أبو داوود بسنده عن أم سلمة قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة».
ونحوه ما رواه غيره ((4))، وسيأتي التعرض لبعض رواياتهم الدالة علىٰ أن المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) من ذرية الحسن أو الحسين (علیهما السلام).
تضمنت الكثير من نصوص المسلمين نزول نبي الله عيسىٰ (علیه السلام) مع المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وإن اختلفت في تفاصيل ذلك.
فقد روىٰ الصدوق (رحمه الله) بسنده عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): «والذي بعثني بالحق نبياً لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتىٰ يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روحُ الله عيسىٰ بنُ مريم فيصلي خلفه وتش-رق الأرض بنوره ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب»((1)).
وروىٰ ابن أبي شيبة بسنده عن ابن سيرين قال: (المهدي من هذه الأمة، وهو الذي يؤم عيسىٰ بن مريم (علیه السلام))((2))، وقد تقدمت آنفاً، وسيأتي غيرها.
ويناسبه ما رواه البخاري ومسلم بسنديهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟»((3)) وحكىٰ السيوطي عن محمد بن الحسين السحري قوله: (قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفىٰ (صلی الله علیه و آله) بمجيء المهدي
وأنه من أهل بيته وأنه سيملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلاً وأنه يخرج مع عيسىٰ (علیه السلام)... وأنه يؤم هذه الأمة وعيسىٰ يصلّي خلفه...)((1)).
فخروجه مع عيسىٰ (علیه السلام) الذي اتفق المسلمون علىٰ نزوله آخر الزمان يكشف عن كونه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) في آخر الزمان أيضاً، كما تقدم آنفاً.
1) العرف الوردي في أخبار المهدي: 114.
تضافرت النصوص الواردة في المصادر الحديثية الإسلامية أن الأئمة أو الخلفاء أو القيّمين علىٰ الأمة اثنا عش-ر، مثل ما رواه البزار بسنده عن عبد الله أن النبي(صلی الله علیه و آله) قال: «يكون بعدي اثنا عش-ر خليفة» أحسبه قال: «عدّة نقباء بني إسرائيل»((1))، ويأتي - في محله - التعرض لمصادر أخرىٰ عند الجمهور، حتىٰ قال البغوي: هذا حديث متفق علىٰ صحته((2)). وقد طبق شيعة أهل البيت (علیهم السلام) الحديث علىٰ أئمتهم الاثني عش-ر (علیهم السلام)، فيما اختلف غيرهم في تطبيقه لانعدام الضابطة الواضحة في ذلك.
ومع ذلك فالمعروف - فيما يبدو - بينهم أن المهدي المنتظر أحد الأئمة أو الخلفاء الاثني عش-ر الذين ذُكروا في النصوص الواردة عن النبي(صلی الله علیه و آله)، قال السيوطي - بعد أن ذكر ما أورده أبو داوود من حديث الاثني عش-ر -: فأشار بذلك إلىٰ ما قاله العلماء: (إن المهدي أحد الاثني
عش-ر، فإنه لم يقع إلىٰ الآن وجود اثني عش-ر اجتمعت الأمة علىٰ كلٍّ منهم)((1)).
وقد تضمنت ذلك عدة نصوص صراحة أو تلميحاً، وأكّدته عبارات العلماء من الفريقين، أمّا روايات أهل البيت (علیهم السلام) وموقف شيعتهم فواضحة.
وأمّا روايات الجمهور فمختلفة، فقد تضمن بعضها أن المهدي يظهر في وسط عمر أُمة الإسلام، فقد روي في مصادرهم عن النبي(صلی الله علیه و آله) قوله: «كيف يهلك الله أُمة أنا في أولها، وعيسىٰ في آخرها، والمهدي من أهل بيتي في وسطها»((2)).
وفي المقابل تضمنت بعض مصادر الجمهور العديد من الروايات التي يستفاد منها كون نزوله آخر الزمان، وهي علىٰ صنفين:
الصنف الأول: ما دل علىٰ اقتران حضوره (عجل الله تعالی فرجه الشریف) مع عيسىٰ (علیه السلام) - الذي ينزل آخر الزمان - وأن عيسىٰ يصلي خلفه، وهي عدّة روايات منها:
1 - ما تضمّن أن (المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) الذي ينزل عليه عيسىٰ بن مريم، ويصلي خلفه عيسىٰ (علیه السلام))((3)).
وروىٰ نُعيم بن حمّاد بسنده عن محمد، قال: (المهدي من هذه الأمة، وهو الذي يؤمّ عيسىٰ بنَ مريم (علیهما السلام))((1)).
2 - وفي أخرىٰ: (فيلتفت المهدي وقد نزل عيسىٰ (علیه السلام) كأنما يقطر من شعره الماء، فيقول المهدي: تقدم صلّ بالناس، فيقول عيسىٰ: إنما أقيمت الصلاة لك، فيصلي عيسىٰ خلف رجل من ولدي، فإذا صُلِّيت قام عيسىٰ حتىٰ جلس في المقام فيبايعُه، فيمكث أربعين سنة)((2)).
وقد روي هذا المضمون في الكثير من مصادرهم كما سيأتي((3))، حتىٰ إن أبا الحسن الآبري (ت363ه-) قال: (تواترت الأخبار واستفاضت [بكثرة رواتها عن المصطفىٰ (صلی الله علیه و آله)] في المهدي وأنه من أهل بيت النبي (صلی الله علیه و آله) وأنه يملك سبع سنين ويملأ الأرض عدلاً وأنه سيخرج من عيسىٰ بن مريم... وأنه يؤم هذه الأمة وعيسىٰ (صلىٰ الله عليه) يصلي خلفه)((4))، وقال ابن حجر العسقلاني: (تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسىٰ (علیه السلام) سينزل ويصلي خلفه)((5)).
ويؤكد ذلك ملاحظة أمرين:
الأول: ما تضمن أنّ إمام المسلمين عند نزول عيسىٰ (علیه السلام) منهم، مثل ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم»((1)).
الثاني: ما تضمن أن عيسىٰ (علیه السلام) آخر هذه الأُمة التي هي آخر الأُمم - المقارن لآخر الزمان - من ذلك:
1 - ما رواه الحاكم الحسكاني بسنده عن عبد الرحمن بن جُبير بن نفير عن أبيه 2، قال: لما اشتدّ جزع أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله) علىٰ مَن قُتل يوم مؤتة قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «لَيُدرِكنَّ الدجال قوماً مثلكم أو خيراً منكم - ثلاث مرات - ولن يخزي الله أُمة أنا أوّلها، وعيسىٰ بن مريم آخرها» قال: هذا حديث صحيح علىٰ شرط الشيخين ولم يخرجاه((2)).
2 - ما رواه الطبري في تفسيره عن معاوية بن صالح: أن كعب الأحبار قال: (ما كان لله (عزوجل) ليميت عيسىٰ، إنما بعثه الله داعياً ومبش-راً يدعو إليه وحده،
فلما رأىٰ عيسىٰ قلّة مَن اتّبعه وكثرة مَن كذّبه شكا ذلك إلىٰ الله (عزوجل) فأوحىٰ الله إليه إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [آل عمران: 55] وليس مَن رفعتُه عندي ميّتاً، وإني سأبعثك علىٰ الأعور الدجال فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعاً وعش-رين سنة، ثم أُميتك ميتة الحي. قال كعب الأحبار: وذلك يصدّق حديث رسول الله (صلی الله علیه و آله) حيث قال: «كيف تهلك أُمة أنا أوّلها وعيسىٰ في آخرها»)((1)).
ورواه نُعيم بن حمّاد بلفظ آخر((2)).
الصنف الثاني: ما قد يدل مباشرة علىٰ ظهور المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) في آخر الزمان، من هذه الروايات:
1 - ما رواه الحاكم الحسكاني بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال نبي الله: «ينزل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يُسمع بلاء أشدّ منه، حتىٰ تضيق عنهم الأرض الرحبة، وحتىٰ يملأ الأرض جوراً وظلماً، لا يجد المؤمن ملجأ يلتجئ إليه من الظلم، فيبعث الله (عزوجل) رجلاً من عترتي، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضىٰ عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدّخر الأرض من بذرها شيئاً إلّا أخرجته، ولا السماء من قَطرها شيئاً إلّا صبّه الله عليهم مدراراً، يعيش فيها سبع سنين أو ثمان أو تسع، مما صنع الله (عزوجل) بأهل الأرض من خيره» قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه((3)).
2 - ما رواه الترمذي بسنده عن عبد الله عن النبي(صلی الله علیه و آله) قال: «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»، قال عاصم: وأنا أبو صالح عن أبي هريرة قال: «لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم لطّول الله ذلك اليوم حتىٰ يلي»، قال أبو عيسىٰ: هذا حديث حسن صحيح((1))، وقد يُستظهر منه كون ظهوره آخر الزمان.
وقد تقدّم آنفاً ما ذكره السيوطي من تواتر الأخبار عندهم علىٰ ظهور المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) في آخر الزمان وأنه المشهور بين المسلمين.
وقال عبد العزيز بن باز مفتي السعودية العام ورئيس هيئة كبار العلماء: (أمّا إنكار المهدي بالكلية كما زعم ذلك بعض المتأخرين فهو قول باطل، لأن أحاديث خروجه في آخر الزمان، وأنه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً، قد تواترت تواتراً معنوياً)((2)).
والمهم في ذلك إقامة الحق والعدل في ربوع المعمورة، قال الألباني: (إن النبي (صلی الله علیه و آله) بش-ّر المسلمين برجل من أهل بيته، ووصفه بصفات أهمها أنه يحكم بالإسلام وينش-ر العدل بين الأنام)((3))، وهو ما تضمنته النصوص الكثيرة وعبارات علماء المسلمين التي تقدم بعضها، ويأتي غيرها.
إن مختصات شيعة أهل البيت (علیهم السلام) - وقد يوافقهم في بعضها غيرهم من دون أن يكون مشهوراً عندهم - عديدة، أهمها خمسة أمور، وهي:
1 - إنه من ذرية الإمام الحسين (علیه السلام).
2 - تحديد هويته الشخصية وأنه محمد بن الحسن العسكري(علیهما السلام).
3 - ولادته (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
4 - استمرار حياته (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
5 - غَيبته (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
ونتعرض هنا إلىٰ ما يدلّ علىٰ كل واحدٍ من هذه الأمور:
وقد تضمنت ذلك النصوص الكثيرة الواردة من طرقهم، وهي أصناف منها:
أ - ما تضمن ذلك صراحةً، مثل صحيحة سلمان الفارسي 2 قال: دخلت علىٰ النبي(صلی الله علیه و آله) فإذا الحسين بن علي علىٰ فخذه، وهو يقبّل عينينه ويلثم فاه ويقول: «أنت سيّد وابن سيد، أنت إمام بن إمام [أخو
إمام] أبو أئمة، أنت حجة الله وأبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم»((1)).
وفي معتبرة غياث بن إبراهيم عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي (علیهم السلام) قال: (سئل أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) عن معنىٰ قول رسول الله(صلی الله علیه و آله): «إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي»، مَن العترة؟ فقال: «أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتىٰ يردوا علىٰ رسول الله9 حوضه»((2)).
ب - ما تضمن نسبته إلىٰ أئمة آخرين من ذرية الحسين (علیه السلام)مثل صحيحة عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: أنشدتُ مولاي الرضا علي بن موسىٰ (علیهما السلام) قصيدتي التي أولها:
مدارسُ آياتٍ خلت من تلاوةٍ *** ومنزلُ وحيٍ مقفرُ العرَصات
فلما انتهيت إلىٰ قولي:
خروج إمامٍ لا محالةَ خارجٌ***يقوم علىٰ اسم الله والبركات
يميّز فينا كلَّ حقٍّ وباطل*** ويجزي علىٰ النعماء والنقمات
بكىٰ الرضا (علیه السلام) بكاءً شديداً ثم رفع رأسه إليّ، فقال لي: «يا خزاعي نطق روح القدس علىٰ لسانك بهذين البيتين، فهل تدري مَن هذا الإمام، ومتىٰ يقوم؟» فقلت: لا يا مولاي، إلّا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من الفساد ويملؤها عدلاً (كما مُلئت جوراً)، فقال: «يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غَيبته، المُطاع في ظهوره، لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يومٌ واحدٌ لطوّل الله ذلك اليوم حتىٰ يخرج، فيملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً، وأمّا متىٰ؟ فإخبارٌ عن الوقت، فقد حدّثني أبي عن أبيه، عن آبائه (علیهم السلام) أنّ النبي(صلی الله علیه و آله) قيل له: يا رسول الله متىٰ يخرج القائم من ذريتك؟ فقال: مَثَلُه مَثَلُ الساعة لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً»((1)).
ونظيرها صحيحة الريان بن الصلت المتقدمة، عن الإمام الرضا(علیه السلام) وفيها - عن الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) -: «ذاك الرابع من ولدي».
وأمّا باقي المسلمين فلم يلتزم الكثير منهم أو أكثرهم بكون المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) من ولد الإمام الحسين (علیه السلام)، نعم قد يبدو من بعضهم التزامهم بذلك ممن أقرّ بولادة محمد بن الإمام الحسن العسكري (علیهما السلام) واعتبره هو المهدي الموعود (عجل الله تعالی فرجه الشریف) - كما سيأتي - لكنه خلاف المشهور بينهم، فلذلك لم نعتبره من المشتركات.
1) كمال الدين وتمام النعمة: 2/372-373.
وأمّا رواياتهم فهي مختلفة، وأهمها صنفان:
الصنف الأول: ما تضمن أنه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) من ذرية الحسين (علیه السلام).
الصنف الثاني: ما تضمن أنه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) من ذرية الحسن (علیه السلام).
فمن الصنف الأول:
1 - ما رووه عن حذيفة 2 قال: خطبنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) فذكّرَنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) بما هو كائن ثم قال: «لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يومٌ واحدٌ لطوّل الله ذلك اليوم حتىٰ يبعث الله فيه رجلاً من ولدي اسمه اسمي»، فقام سلمان الفارسي 2 فقال يا رسول الله، من أيّ ولدك؟ قال: «هو من ولَدي هذا، وضرب بيده علىٰ الحسين (علیه السلام)».
قال المقدسي الشافعي: أخرجه الحافظ أبو نُعيم في (صفة المهدي)((1)). وأخرجه أيضاً محب الدين الطبري الشافعي((2)).
2 - ما رواه الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي بسنده عن أبي سعيد الخُدري... (إن رسول الله مرض مرضاً نقه منها، فدخلت عليه فاطمة (علیها السلام) تعوده وأنا جالس عن يمين رسول الله (صلی الله علیه و آله)، فلما رأت ما برسول الله (صلی الله علیه و آله) من الضعف خنقتها العبرة حتىٰ بدت دموعها علىٰ خدها، فقال لها رسول الله (صلی الله علیه و آله): ما يُبكيكِ يا فاطمة؟... إنّا أهل بيت أُعطينا ستّ خصال لم يُعطَها أحد من الأولين ولا يدركها أحد من
الآخرين غيرنا أهل البيت: نبيُّنا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصيُّنا خير الأوصياء وهو بَعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عمّ أبيك، ومنّا سبطا هذه الأمة وهما ابناك، ومنّا مهدي الأمة الذي يصلي عيسىٰ خلفه، ثم ضرب علىٰ منكب الحسين (علیه السلام) فقال: مِن هذا مهديَّ الأمة» قلت: هكذا أخرجه الدارقطني صاحب الجرح والتعديل((1)).
فقال الألوسي: (واختلف في نسبه، فقيل: من أولاد العباس بن عبد المطلب وقيل: من أولاد الحسن، والأصح أنه من أولاد الحسين)((2)).
ما رواه أبو داوود وغيره عن أبي إسحاق قال: قال علي (علیه السلام) - ونظر إلىٰ ابنه الحسن - فقال: «ان ابني هذا سيد - كما سماه رسول الله (صلی الله علیه و آله) - وسيخرج من صلبه رجل يسمىٰ باسم نبيّكم، ويشبهه في الخُلُق ولا يشبهه في الخَلق يملأ الأرض عدلاً»((1))، في إشارة واضحة للمهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف). ونحوها روايات أخرىٰ عندهم.
يرىٰ شيعة أهل البيت (علیهم السلام) أن هوية المهدي المنتظر محددة وأنه محمد بن الحسن العسكري (علیهما السلام)، وقد يوافقهم عليه بعض المسلمين الذين أقروا بولادته ووصفوه بأنه المهدي المنتظر - كما سيأتي - إلّا أن المعروف بين الجمهور عدم تحديد هوية المهدي الشخصية والاكتفاء بذكر أوصافه.
ويستند شيعة أهل البيت (علیهم السلام) إلىٰ عدة أدلة وشواهد علىٰ ذلك، أهمّها اثنان:
1) عقد الدرر في أخبار المنتظر: 45.
الأول: النصوص الكثيرة التي تضمنت تحديد هويته ونسبه المذكور، (منها):
1 - صحيحة عبد السلام الهروي المتقدمة، وفيها: «... الإمام من بعدي محمد ابني، وبعد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غَيبته...».
2 - صحيحة الريان بن الصلت المتقدمة قال: قلت للرضا (علیه السلام): أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: «أنا صاحب هذا الأمر، ولكني لست بالذي أملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، وكيف أكون ذلك علىٰ ما ترىٰ من ضعف بدني، وإن القائم هو الذي إذا خرج كان في سنّ الشيوخ ومنظر الشبان، قوياً في بدنه حتىٰ لو مدّ يده إلىٰ أعظم شجرة علىٰ وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسىٰ وخاتم سليمان (علیهما السلام)، ذاك الرابع من ولدي، يغيبه الله في ستره ما شاء، ثم يظهره فيملأ [به] الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»((1)).
3 - صحيحة أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي محمد (علیه السلام): جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: «سَل»، قلت: يا سيدي هل لك ولد؟
فقال: «نعم»، فقلت: فإن حدَثَ بك حدَثٌ فأين أسأل عنه؟ قال: «بالمدينة»((2)).
وتشير هذه الرواية إلىٰ غَيبته والظروف غير الطبيعية التي تحيط بالمهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) بحيث إنه يُطلب في المدينة المنوّرة مع أنه كان بعمر خمس سنوات إلىٰ جنب أبيه الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) عند وفاته في مدينة سامراء في العراق، ونظير هذه الروايات روايات أخرىٰ كثيرة يأتي التعرض لبعضها.
4 - معتبرة أبي هاشم داوود بن القاسم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن صاحب العسكر (علیه السلام) يقول: «الخَلَف من بعدي ابني الحسن، فكيف لكم بالخَلَف من بعد الخَلَف؟» فقلت: ولمَ جعلني الله فداك؟ فقال: «لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحلّ لكم ذكره باسمه»، قلت: فكيف نذكره؟ قال: «قولوا: الحجة من آل محمد»((1)).
ولعلّ من أهم أسباب النهي عن ذكر اسمه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وتحديد هويّته في الملأ العام المحافظة علىٰ مصير العائلة ومقرَّبي الإمام العسكري (علیه السلام) من ملاحقة السلطة وبطشها، كما تُشير إلىٰ ذلك بعض الروايات، ومنها ما في صحيحة عبد الله بن جعفر الحميري عن الثقة أحمد بن إسحاق الأشعري القمي في حواره مع السفير الثاني محمد بن عثمان السمري (رحمه الله) قال:... قلت: فالاسم. قال: (محرَّم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي، وليس لي أن أُحلِّل ولا أُحرّم، ولكن عنه (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
فإنّ الأمرَ عند السلطان أن أبا محمد (عجل الله تعالی فرجه الشریف) - يعني الحسن العسكري(علیه السلام) - مض-ىٰ ولم يُخلّف ولداً، وقُسّم ميراثه وأخذَه من لا
1) المصدر: 381.
حقّ له، وصبَر علىٰ ذلك، وهو ذا عيالُه يجولون وليس أحد يجس-ر أن يتعرَّف عليهم أو يُنيلَهم شيئاً - أي يقدّم لهم شيئاً من المال - وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله وأمسِكوا عن ذلك...)((1)
هذا، وقد عِشنا ما يشبه هذه الظروف في عهد طاغية العراق، حيث تم إعدام بعض أقاربنا لمجرّد سماعهم بكيفية مغادرة الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (رحمه الله) للعراق، كما إن أجهزة النظام القمعية حاصرت بيوت كبار السن - بعد إطلاق سراحهم - لمدة أربع سنوات متواصلة حيث كانت عناصرهم تلازم بيوتهم صباحاً ومساءً طيلة كل هذه الفترة لمنع التواصل معهم، بل إن عناصر الأجهزة الأمنية حجزت غرفة في بيت الشهيد السيد محمد رضا الحكيم (رحمه الله) نجل مرجع الطائفة السيد محسن الحكيم (رحمه الله) وسكنوها خلال هذه الفترة الطويلة إمعاناً في الحصار والرصد وإيذاء العائلة.
وإنما ذكرت ذلك لئلّا يستغرب القارئ من الروايات المحذرة من تحديد اسم وهوية الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) بين عموم الشيعة آنذاك حذراً من سطوة السلطة وبطشها بعائلته والمقرّبين منه.
).وأمّا ما تضمّنته بعض روايات الجمهور عن النبي(صلی الله علیه و آله) بأن اسم أبيه اسم أبي.
فقد قيل إنّ أصله ما رواه أبو داوود عن زائدة عن عصام عن زُر عن عبد الله عن النبي(صلی الله علیه و آله) أنه قال: (لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يومٌ واحدٌ لطوّل الله ذلك اليوم حتىٰ يبعث الله رجلاً مني أو - من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما
1) انظر الكافي: 1/330؛ والغَيبة (للطوسي): 360-361.
ملئت ظلماً وجوراً)((1)) والذي لا ينسجم مع كون المهدي ابن الحسن العسكري (علیهما السلام).
والجواب عنه - بالإضافة إلىٰ الإشكال لدينا فيه، لعدم وروده من طُرق معتبرة عندنا - أمران:
الأول: أن في سنده (زائدة) وقد طعنوا فيه بأنه كان يزيد في الأحاديث((2)).
الثاني: أن نفس الحديث روي بعدة طرق عن زُر من دون زيادة (واسم أبيه اسم أبي...) فقد ذكر الحافظ الكنجي الشافعي أن الأحاديث الواردة عن النبي(صلی الله علیه و آله) جميعها خالية من جملة (واسم أبيه اسم أبي) ثم ذكر الحديث المروي عن زائدة وقال: - بعد الحديث - ما نصّه: قلت: وقد ذكر الترمذي الحديث، ولم يذكر قوله (واسم أبيه اسم أبي...) وفي معظم روايات الحُفّاظ والثِّقات من نقَلة الأخبار: (اسمه اسمي) فقط.. والقول الفصل في ذلك: أن الإمام أحمد بن حنبل - مع ضبطه وإتقانه - روىٰ الحديث في مسنده في عدّة مواضع: (اسمه اسمي) ثم ذكر أسماء واحد وثلاثين شخصية ممن روىٰ الحديث بطرق متعددة وقال: كل هؤلاء رووا (اسمه اسمي) إلّا ما كان من عبيد الله بن موسىٰ عن زائدة عن عصام فإنه قال فيه: (واسم أبيه اسم أبي) ولا يرتاب اللبيب أن هذه
الزيادة لا اعتبار بها مع اجتماع هؤلاء الأئمة علىٰ خلافها((1))، وهناك مناقشات أخرىٰ في ذلك توكل إلىٰ محلّها.
ولعلّ لمسعىٰ الخليفة العباسي عبد الله أبي جعفر المنصور المحموم في الإيحاء بأن ولده محمداً هو المهدي المنتظر - ولذلك لقبّه ب-(المهدي) - دوراً في وضع هذه الزيادة ونش-ر الروايات المتضمّنة لها، وذلك مما يزيد هذه الرواية شكّاً وشبهة.
وعلىٰ كل فالروايات الكثيرة المعتبرة عندنا - المتقدم بعضها - الدالة علىٰ كون المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) من ذرية الامام الحسين (علیه السلام) كافية في عدم اعتبار هذه الرواية وأمثالها.
الثاني: وجود النواب الأربعة (رحمهم الله):
وجه الاستدلال: أن النواب الأربعة مشهود لهم بالوثاقة والعدالة من الإمامين الهادي والعسكري (علیهما السلام) أو الأصحاب المعاصرين لهم والعلماء اللاحقين، وهم يدّعون النيابة والارتباط المباشر بالمهدي محمد بن الإمام الحسن العسكري (علیهما السلام) فتكون هذه شهادات منهم بذلك، وهي كافية في إثبات هويته (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وولادته، بالإضافة إلىٰ عدة روايات تضمّنت رؤيتهم له، منها:
1 - صحيحة عبد الله بن جعفر الحميري قال: قلت لمحمد بن عثمان العمري 2: إني أسألك سؤال إبراهيم ربّه جل جلاله حين قال له رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىٰ قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلىٰ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ
1) انظر: الإمام المهدي من المهد إلىٰ الظهور: 23؛ البيان في أخبار صاحب الزمان: 485-486.
قَلْبِي [البقرة: 260] فأخْبِرني عن صاحب هذا الأمر هل رأيته؟ قال: (نعم، وله رقَبة مثل ذي - وأشار بيده إلىٰ عنقه -)((1)). وكأنه يريد من ذلك أنه مثل سائر الناس، له جسم مادي وأعضاء جسدية وأنه رآه عَياناً كما يرىٰ غيره من الناس.
2 - معتبرة محمد بن موسىٰ المتوكل قال: حدثني عبد الله بن جعفر الحميري عن محمد بن عثمان العمري 2 فقلت له: أرأيت صاحب هذا الأمر؟ فقال: (نعم، وآخر عهدي به عند البيت الحرام وهو يقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني».
ونحوهما غيرهما((2)).
من العقائد الثابتة المسلمّة لدىٰ شيعة أهل البيت (علیهم السلام) ولادة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) ووافقهم عليه بعض علماء الجمهور - خلافاً لما هو المعروف بينهم من ولادته مستقبلاً - وقد تضمنت بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام) التص-ريح بموقف أكثر الجمهور وإنكارهم لولادته، ففي معتبرة العباس بن عامر القصباني قال: سمعت أبا الحسن موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام) يقول: «صاحب هذا الأمر من يقول الناس: لم يولد بعد»((1)).
فالرواية وإن أكدت ولادته (عجل الله تعالی فرجه الشریف) إلّا أنها تضمنت أن المعروف بين غير شيعة أهل البيت (علیهم السلام) إنكار ولادته.
ونبحث هنا أمرين:
الأمر الأول: من أقر من باقي المسلمين بولادة محمد بن الإمام الحسن العسكري (علیهما السلام).
الأمر الثاني: الأدلة والشواهد علىٰ ولادته (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
1) كمال الدين: 2/360.
أمّا الأمر الأول: فقد صرّح العديد من علماء الجمهور - خصوصاً أصحاب الاتجاه الصوفي - بولادة محمد بن الحسن العسكري (علیهما السلام)، نذكر منهم:
1 - أحمد بن يوسف بن علي بن الأزرق (ت572 أو بعد 557ه-) قال في ترجمة محمد بن الحسن العسكري (علیه السلام): (إن الحجة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقيل: في ثامن شعبان سنة ستة وخمسين وهو الأصح)((1)).
2 - عبد الله بن أحمد بن الخشاب البغدادي (492 - 567ه-).
3 - الرازي - محمد بن عمر - (ت 606 ه-) قال: (أمّا الحسن بن العسكري الإمام فله ابنان وبنتان، أمّا الابنان فأحدهما: صاحب الزمان (عجل الله تعالىٰ فرجه الش-ريف)، والثاني موسىٰ درج في حياة أبيه، وأمّا البنتان فاطمة درجت في حياة أبيها، وأُم موسىٰ درجت أيضاً)((2)
له Z [روايته عني بالش-رائط المعتبرة عند أهل الصنعة وشرطت عليه أن يبالغ في نفي المتهمين. والله تعالىٰ يوفقه لاقتناء الخيرات والاحتراز عن السيئات. وهذا خط محمد بن عمر بن حسين الرازي مصنف هذا الكتاب ختم الله له بالخير. أثبته في غرة شعبان سنة (597) والحمد لله رب العالمين والصلاة علىٰ خير خلقه محمد وآله أجمعين، وكتبه الفقير وحيد شمس الدين سنة (825 ).
).1) تاريخ ميافارقين، حكاه ابن خلكان في وفيات الأعيان 4/31 رقم (562).
2) الشجرة المباركة في الأنساب الطالبية: 92، وقد أثيرت شكوك في نسبة الكتاب المذكور للرازي المذكور، لكن جاء في نسخة مكتبة جامع السلطان أحمد الثالث في اسطنبول تحت الرقم (2677) وهي نسخة ثمينة نقلت عن نسخة الفخر الرازي نفسه، والناسخ هو وحيد بن شمس الدين وتاريخ النسخ (825 ه-) وفي آخرها ما نصه: كتبت هذه النسخة من نسخة صححها الإمام الرازي مصنف هذه النسخة وكتب علىٰ ظهرها بخطه هذه العبارة: (هذا الكتاب المسمىٰ بالشجرة المباركة قرأته علىٰ السيد الأجل العالم المحترم شمس الدين مجد الإسلام شرف العترة علي بن شرف شاه ابن أبي المعالي أدام الله مجده وسمع هو هذا الكتاب بتمامه من لفظي، وأجزت
4 - المؤرخ علي بن أبي الكرم محمد بن عبد الكريم المعروف ب-(ابن الأثير) (ت 630ه-) حيث قال في أحداث سنة (260 ه-): (وفيها توفي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسىٰ بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (علیه السلام)، وهو والد محمد الذي يعتقدونه المنتظر بس-رداب سامرا)((1))، فإنه قد يفهم من عبارته إقراره بولادة محمد بن الحسن العسكري (علیهما السلام).
5 - كمال الدين محمد بن طلحه الشافعي (ت 652ه-) قال: (الباب الثاني عش-ر في أبي القاسم محمد بن الحسن الخالص بن علي المتوكل بن محمد القانع بن علي الرضا بن موسىٰ الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتض-ىٰ أمير المؤمنين بن أبي طالب، المهدي الحجة الخلف الصالح المنتظر عليهم السلام ورحمة الله وبركاته)((2)).
6 - سبط بن الجوزي (ت654 ه-) قال في ذكر أولاد الإمام العسكري (علیه السلام): (فصل في ذكر الحجة المهدي: هو محمد بن الحسن بن
علي بن محمد بن علي بن موسىٰ الرضا بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (علیهم السلام) وكنيته أبو عبد الله وأبو القاسم، وهو الخلف الحجة صاحب الزمان وهو آخر الأئمة)((1)).
7 - عمر بن محمد بن عبد الواحد الموصلي شيخ الشافعية (ت657ه-) قال - في أولاد الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) -: (أولاده ثلاثة، وهم: موسىٰ وفاطمة، وانقرضا، ولم يخلّف سوىٰ محمد (علیه السلام) وقال: وهو الإمام الثاني عش-ر، وهو الخلف الصالح الأمين المكين من سلالة الأنبياء وحجة الأولياء إمام المؤمنين وبقية الطاهرين، وأضاف: أنشدني سيدي وشيخي العالم العامل بمدينة السلام في ذي القعدة من سنة ست وأربعين وستمائة:
بأربعة أسماء كلٌّ محمد *** وأربعة أسماء كلّهم علي
وبالحسنين السيدين وجعفر *** وموسىٰ أجِرني إني لهم ولي((2))
8 - ابن خلّكان (ت681) قال: (الحجة المنتظر أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله ثاني عش-ر الأئمة الاثني عش-ر علىٰ اعتقاد الإمامية، المعروف بالحجة، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم المهدي...، كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه - وقد سبق ذكره - كان عمره خمس وستين)((3)).
9 - جمال الدين بن يوسف الزرندي الحنفي (693 - بضع وخمسين وسبعمائه) قال - عن الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) -: (وكان له من الولد ستة: ثلاثة ذكور وثلاث إناث، أحدهم الإمام القائم محمد بن الحسن المهدي (علیه السلام) ومن كلامه 2...)((1)).
10 - عبد الرحمن جامي الحنفي (817 - 898ه-) حيث ذكر في ترجمة الإمام محمد بن الحسن العسكري (علیهما السلام): (كان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، وجلس علىٰ مسند الإمامة، ومثَلُه مثل يحيىٰ بن زكريا حيث أعطاه الله في الطفولة الحكمة والكرامة، ومثلَ عيسىٰ بن مريم حيث أعطاه النبوة في صغر سنه، كذلك المهدي جعله الله إماماً في صغر سنه، وما ظهر له من خوارق العادات كثير لا يسعه هذا المختصر)((2)).
11 - شمس الدين محمد بن طولون (ت 935ه-) قال: (ثاني عش-رهِم ابنه محمد بن الحسن، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي... كانت ولادته 2 يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه المتقدم ذكره (رضی الله عنهم) كان عمره خمس سنين... وقد رتبت تراجم هؤلاء الأئمة الاثني عش-ر ݢ علىٰ ترتيب النظم المتقدم... وقد نظمتهم علىٰ ذلك فقلت:
عليكَ بالأئمة الاثني عش-رْ *** من آل بيت المصطفىٰ خير البش-ر
أبو ترابٍ حَسَنٌ حُسَينُ *** وبُغضُ زينِ العابدين شَيْنُ
محمد الباقر كمْ علمٍ درىٰ *** والصادقُ ادعُ جعفراً بين الورىٰ
موسىٰ هو الكاظم وابنُه *** لقّبه بالرضا وقدْرُهُ علي
محمد التقي قلبه معمور*** علي التقي دُرّه منثُورُ
والعسكريُّ الحسنُ المطهَّر *** محمد المهدي سوف يظهر((1))
12 - عبد الوهاب الشعراني الشافعي (ت973).
13 - أحمد بن حجر الهيتمي المكي (909 - 974ه-)
قال في ترجمة الإمام الحسن العسكري (علیه السلام): ولم يخلّف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة، ويسمىٰ القائم المنتظر، قيل: لأنه سُتر بالمدينة وغاب فلم يُعرف أين ذهب((2)).
وأمّا الأمر الثاني: وهو الأدلة والشواهد علىٰ ولادته فهي عديدة منها:
الأول: ما دلّ علىٰ تحديد هويته وأنه محمد بن الحسن العسكري(علیهما السلام) وقد تقدم التعرض لها، وذلك يدل علىٰ ولادته بالفعل، كما هو واضح، إذ لا يمكن أن يكون هو ابن الحسن العسكري (علیه السلام) الذي توفي عام (260 ه-) وهو لم يولد بعد.
الثاني: ما دل علىٰ أن الأرض لا تخلو من حجة، وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
وهي روايات كثيرة تضمّنتها مصادر المسلمين علىٰ اختلاف مذاهبهم، سيأتي التعرض لبعضها.
وهي تدل علىٰ اتصال الإمامة وعدم انقطاعها، وأنه لابّد من وجود إمام حيّ منذ وفاة الإمام الحسن العسكري (علیه السلام)، وحيث إنه لا يوجد مَن يُحتمَل أن يكون إماماً آنذاك - بحيث تستمر الإمامة والحجة به إلىٰ عص-رنا الحاضر - غير ولده محمد بن الحسن العسكري (علیهما السلام)، فلابّد أن يكون هو الإمام وقد كان مولوداً قبل وفاة أبيه، خصوصاً بملاحظة ما دلّ أن الإمامة لا تجتمع في أخوين غير الحسن
والحسين(علیهما السلام) التي تنفي إمامة جعفر بن الإمام علي الهادي (علیه السلام) وأخ الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) - فضلاً عن الأدلة الأخرىٰ المعروفة النافية لإمامته -.
وينبغي التعرض هنا إلىٰ أمرين:
الأول: نماذج من روايات اتصال الإمامة.
الثاني: نماذج من روايات عدم اجتماع الإمامة في أخوين غير الحسن والحسين (علیهما السلام).
أولاً: الروايات الدالة علىٰ اتصال الإمامة وأن مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وهي كثيرة ورواها المسلمون علىٰ اختلاف مذاهبهم، وتضمنتها مصادرهم المعتبرة، نذكر منها:
أ - لدىٰ الجمهور:
روىٰ الطبراني بسنده عن معاوية قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية»((1))، وكذلك أحمد بن حنبل في مسنده((2))، وابن حبان في صحيحه((3))، وابن حجر الهيثمي((4))، وغيرهم.
ومن الواضح أنه لا يمكن أن يراد منه كل من سيطر علىٰ السلطة بالقوة أو بالخداع أو نحوهما من الأساليب غير المش-روعة، فإن الجهل بمثل هذا الحاكم وعدم طاعته لا يوجبان كون ميتة المسلم ميتة جاهلية - وقد تم التعرض لذلك مفصلاً في مباحث الإمامة -.
ب - لدىٰ شيعة أهل البيت (علیهم السلام):
1 - صحيحة الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): «من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية»؟ قال: «نعم»، قلت: جاهلية جهلاء، أو جاهلية لا يعرف إمامه؟ قال: «جاهلية كفر ونفاق وضلال»((1)).
2 - صحيحة عبد الأعلىٰ قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول العامة: إن رسول الله(صلی الله علیه و آله) قال: «من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية»، فقال: «الحق والله...»((2))، ونحوها روايات أخرىٰ مشابهة.
3 - صحيحة صفوان بن يحيىٰ قال: سمعت الرضا (علیه السلام) قال: «إن الأرض لا تخلو من أن يكون فيها إمام منّا»((3)).
4 - معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «إن الله أجلّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل»((1)).
5 - صحيحة ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): «لا تبقىٰ الأرض يوماً واحداً بغير إمامٍ منّا تفزع إليه الأمة»((2))، ونحوها غيرها.
ثانياً: ما دل علىٰ عدم اجتماع الإمامة في أخوين غير الحسن والحسين (علیهما السلام)، وهو ينفي إمامة جعفر أخ الإمام الحسن العسكري(علیه السلام) ويؤكد إمامة الإمام محمد بن الحسن (علیهما السلام) وهي مجموعة روايات، منها:
1 - صحيحة الحسين بن ثوير أبي فاختة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «لا تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (علیهما السلام) أبداً، إنها جرت من علي بن الحسين (علیهما السلام) كما قال الله جلّ جلاله وَأُولُوا الْأَرحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ [الأنفال: 75/الأحزاب: 6] ولا تكون بعد علي بن الحسين إلّا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب»((3)).
2 - موثقة هشام بن سالم قال: قلت للصادق جعفر بن محمد(علیهما السلام): الحسن أفضل أم الحسين؟ فقال: «الحسن أفضل من الحسين» [قال] قلت: فكيف صارت الإمامة من بعد الحسين في عَقبه دون ولد الحسن؟ فقال: «إن الله تبارك وتعالىٰ أحب أن يجعل سنّة موسىٰ وهارون جارية في الحسن والحسين (علیهما السلام): ألا ترىٰ أنهما كانا شريكين في النبوة كما
كان الحسن والحسين شريكين في الإمامة، وأن الله (عزوجل) جعل النبوة في ولد هارون ولم يجعلها في ولد موسىٰ وإن كان موسىٰ أفضل من هارون(علیهما السلام)»، قلت: فهل يكون إمامان في وقت واحد؟ قال: «لا إلّا أن يكون أحدهما صامتاً مأموماً لصاحبه والآخر ناطقاً إماماً لصاحبه، فأمّا أن يكونا إمامين ناطقين في وقت واحد فلا»، قلت: فهل تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (علیهما السلام)؟ قال: «لا، إنما هي جارية في عقب الحسين (علیه السلام) كما قال الله (عزوجل) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف: 28] ثم هي جارية في الأعقاب وأعقاب الأعقاب إلىٰ يوم القيامة»((1)).
3 - صحيحة يونس بن يعقوب قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «أبىٰ الله أن يجعل الإمامة لأخوين بعد الحسن والحسين (علیهما السلام)»((2)).
4 - رواية حماد بن عيسىٰ عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين، إنما تجري في الأعقاب وأعقاب الأعقاب»((3)) ونحوها غيرها.
1 - صحيحة العباس بن عامر القصباني المتقدمة قال: سمعت أبا الحسن موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام) يقول: «صاحب هذا الأمر من يقول الناس: لم يولد بعد»((1)).
2 - صحيحة أبي هاشم الجعفري المتقدمة قال: قلت لأبي محمد(علیه السلام): جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسالك؟ فقال: «سل»، قلت: يا سيدي، هل لك ولد؟ فقال: «نعم»، فقلت: فإن حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟ قال: «بالمدينة»((2))، وفي هذه الرواية إشارة إلىٰ الغَيبة والظروف الاستثنائية المحيطة بالإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) - كما تقدم - وإلّا فكيف يُطلب شخص في مثل عمره (عجل الله تعالی فرجه الشریف) الذي لا يتجاوز خمس سنوات آنذاك في المدينة المنورة بدلاً من سامراء التي سكنها وتوفي فيها أبوه الإمام الحسن العسكري (علیه السلام).
3 - صحيحة أبي هاشم الجعفري قال: كنت محبوساً مع أبي محمد(علیه السلام) في حبس المهتدي بن الواثق فقال لي: «يا أبا هاشم: إن هذا
الطاغي أراد أن يعبث بالله في هذه الليلة، وقد بتر الله عمره وجعله للقائم من بعد، ولم يكن لي ولد، وسأُرزَق ولداً».
قال أبو هاشم: فلما أصبحنا شغب الأتراك علىٰ المهتدي فقتلوه، وولي المعتمد مكانه، وسلّمنا الله تعالىٰ((1)).
4 - صحيحة عبد الله بن جعفر الحميري - المتقدمة - وفيها أنه سأل أبا عمرو عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله)... فقلت: أنت رأيت الخلَف من بعد أبي محمد(علیه السلام)؟ فقال: (أي والله، ورقبتُه مثل ذا - وأومأ بيده -...)((2)).
5 - صحيحة عبد الله بن جعفر الحميري قال: سألت محمد بن عثمان العمري 2 فقلت له: أرايت صاحب هذا الأمر؟ فقال: (نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني)((3))، ونحوها غيرها.
اتفق شيعة أهل البيت (علیهم السلام) علىٰ استمرار حياة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وأنه لم يمت بعد ولادته، ويدل علىٰ ذلك ما يلي:
1 - ما دل علىٰ أن الأرض لا تَخلو من حُجة، وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية - وقد تقدمت بعض الروايات في ذلك آنفاً - فإنه يدل بوضوح علىٰ استمرار حياته.
2 - ما دل علىٰ غَيبته - ممّا تقدّم وما يأتي من النصوص - فإنه ظاهر في استمرار حياته غائباً لا وفاته، خصوصاً أنه لا شكّ في حياته في فترة الغَيبة الصغرىٰ ووجود النواب الأربعة المرتبطين به ارتباطاً مباشراً، وأن آخرهم علي بن محمد السمري (رحمه الله) قد أخبر عن غَيبته (عجل الله تعالی فرجه الشریف) لا عن وفاته، بل هي دالة علىٰ استمرار حياة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وغَيبته حتىٰ يأذن الله في ظهوره.
3 - ما دل علىٰ طول عمره وعلىٰ استمرار حياته ونفي وفاته (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وقد تسالم شيعة أهل البيت (علیهم السلام) علىٰ ذلك جيلاً بعد جيل، ووجّه علماؤهم طول عمره (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بوجوه عديدة ردّاً علىٰ إشكال مخالفيهم، وقد دلّت علىٰ ذلك عدّة روايات، منها:
أ - صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: «في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء (علیهم السلام): سُنّة من موسىٰ، وسُنّة من عيسىٰ، وسُنّة من يوسف، وسُنّة من محمد(صلی الله علیه و آله)، فأمّا من موسىٰ فخائف يترقب، وأمّا من يوسف فالحبس، وأمّا من عيسىٰ فيقال: إنه مات ولم يمت، وأمّا من محمد(صلی الله علیه و آله) فالسّيف»((1)). والمقصود من السيف هو القوّة الرادعة للمعتدين والمعاندين، وليس القسوة علىٰ غيرهم من المسالمين، كما تشهد به سيرة النبي المصطفىٰ (صلی الله علیه و آله) وروايات أخرىٰ، ويؤكد ذلك ما روي عن الإمام محمد الباقر (علیه السلام): «أن في القائم
1) كمال الدين وتمام النعمة: 1/326-327.
من آل محمد شبهاً من خمسة من الرُسل - وبعد أن ذكر وجوه الشبه بأربعة من الأنبياء قال - وأمّا شبهه من جدّه المصطفى فخروجه بالسيف وقتله أعداء الله وأعداء رسوله الجبّارين والطواغيت...».
ب - معتبرة أبي الجارود زياد بن المنذر عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (علیهما السلام) قال: قال لي: «يا أبا الجارود، إذا دارت الفلك وقال الناس: مات القائم أو هلك، بأيّ وادٍ سلك، وقال الطالب: أنّىٰ يكون ذلك وقد بُليت عظامه فعند ذلك فارجوه، فإذا سمعتم به فأتوه ولو حبواً علىٰ الثلج»((1)). فإنّها ظاهرة في نفي موته.
ج - صحيحة عبد السلام بن صالح الهروي المتقدمة، فراجع صفحة (72).
د - رواية سعيد بن جبير قال: سمعت سيّد العابدين علي بن الحسين (علیهما السلام) يقول: «في القائم سُنّة من نوح، وهو طول العمر»((2))، ونحوها غيرها.
اتفق شيعة أهل البيت (علیهم السلام) علىٰ أن المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) يغيب عن الأنظار قبل ظهوره مهما طالت فترة غَيبته، وقد دلت علىٰ غَيبته عدة أمور:
الأول: النصوص الواردة في فترة الغَيبة الصغرىٰ الدالة علىٰ غَيبته(عجل الله تعالی فرجه الشریف) عن عموم الناس واقتصار الارتباط به علىٰ سفرائه الخاصين المعروفين، وهي عدّة نصوص، منها:
1 - معتبرة عبد الله بن جعفر الحميري عن محمد بن عثمان العمري2 قال: سمعته يقول: (والله إن صاحب هذا الأمر ليحض-ر الموسم كلّ سنة فيرىٰ الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه)((1)).
2 - معتبرة عبد الله بن جعفر الحميري الثانية قال: سمعت محمد بن عثمان رضی الله عنه يقول: (رأيته صلوات الله عليه متعلّقاً بأستار الكعبة في المستجار، وهو يقول: اللهم انتقم لي من أعدائي)((2)).
3 - معتبرته الأخرىٰ قال: قلت لمحمد بن عثمان العمري 2: إني أسالك سؤال إبراهيم ربه (عزوجل) حين قال له: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىٰ قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلىٰ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 260]، فأخبرني عن صاحب هذا الأمر هل رأيته؟ قال: (نعم، وله رقبة مثل ذي - وأشار بيده إلىٰ عنقه -)((1)).
الثاني: النصوص الكثيرة الواردة بخصوص غَيبته، منها:
1 - صحيحة زرارة قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): «يأتي علىٰ الناس زمان يغيب عنهم إمامهم»: فقلت له: ما يصنع الناس في ذلك الزمان؟ قال: «يتمسكون بالأمر الذي هم عليه حتىٰ يتبين لهم»((2)).
2 - صحيحة عبد السلام بن صالح الهروي المتقدمة قال: سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: أنشدت مولاي علي بن موسىٰ الرضا(علیهما السلام) قصيدتي... فقال: «يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غَيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله (عزوجل) ذلك اليوم حتىٰ يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً»((3)).
3 - معتبرة صفوان بن مهران الجمّال قال: قال الصادق جعفر بن محمد (علیهما السلام): «أما والله ليغيبنّ عنكم مهديّكم حتىٰ يقول الجاهل منكم:
ما لله في آل محمد حاجة، ثم يُقبل كالشهاب الثاقب فيلمؤها عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً»((1)).
4 - صحيحة أبي هاشم داوود بن القاسم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن صاحب العسكر (علیه السلام) يقول: «الخلف من بعدي ابني الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخَلف؟» فقلت: ولِمَ جعلني الله فداك؟ فقال: «لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه»، قلت: فكيف نذكره؟ قال: «قولوا: الحجة من آل محمد»((2)).
5 - صحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «إن بلغكم عن صاحبكم غَيبة فلا تنكروها»((3)) وروىٰ الشيخ الطوسي مثله عن أبي بصير((4)).
ونظيرها روايات كثيرة أخرىٰ.
قال الصدوق (رحمه الله): (إن الأئمة (علیهم السلام) قد أخبروا بغَيبته ووصفوا كونها لشيعتهم في ما نُقل عنهم واستُحفظ في الصحف ودُوِّن في الكتب المؤلفة من قبل أن تقع الغَيبة بمأتي سنة أو أقل أو أكثر، وليس أحد من أتباع الأئمة (علیهم السلام) إلّا وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه ورواياته ودوّنه في مصنفاته، وهي الكتب التي تُعرف بالأصول المدوَّنة مستحفَظة عند
شيعة آل محمد من قبل الغَيبة بما ذكرناه من السنين... فلا يخلو حال هؤلاء الأتباع المؤلفين للكتب أن يكونوا قد علموا بما وقع الآن من الغَيبة، فألّفوا ذلك في كتبهم ودوّنوه في مصنَّفاتهم من قَبلِ كونِها، وهذا محال عند أهل اللب والتحصيل، أو أن يكونوا [قد] أسّسوا في كتبهم الكذب فاتفق الأمر لهم كما ذكروا، وتحقَّق كما وضعوا من كذبهم علىٰ بُعد ديارهم واختلاف آرائهم وتباين أقطارهم ومحالّهم، وهذا أيضاً محال كسبيل الوجه الأول، فلم يبق في ذلك إلّا أنهم حفظوا عن أئمتهم المستحفَظين للوصية عن رسول الله(صلی الله علیه و آله) من ذكر الغَيبة وصفة كونها في مقام بعد مقام إلىٰ آخر المقامات ما دوّنوه في كتبهم وألّفوه في أصولهم، وبذلك فلج الحق وزهق الباطل)((1)).
ونظير ذلك قاله الشيخ المفيد (رحمه الله): (فقد كانت الأخبار عمّن تقدّم من أئمة آل محمد(صلی الله علیه و آله) متناصرة بأنه لابدّ للقائم المنتظر من غَيبتين: إحداهما أطول من الأخرىٰ... والأخبار بذلك موجودة في مصنَّفات الشيعة الإمامية قبل مولد أبي محمد وأبيه وجدّه (علیهم السلام)، وظهر حقها عند مض-ي الوكلاء والسفراء الذين سميناهم (رحمهم الله) وبان صدق رواتها بالغَيبة الطُّولىٰ، وكان ذلك من الآيات الباهرات في صحة ما ذهبت إليه الإمامية ودانت به في معناه...)((2)).
وقال أبو علي الطبرسي: (ومن جملة ثقات المحدّثين والمصنِّفين من الشيعة الحسن بن محبوب الزراد، وقد صنّف كتاب (المشيخة) الذي هو من أصول الشيعة - أشهر من كتاب المُزني [ت175ه-] - وأمثاله قبل زمان الغَيبة بأكثر من مائة سنة، فذكر فيه بعض ما أوردناه من أخبار الغَيبة، ومن جملة ما رواه عن إبراهيم المخارفي عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: قلت له: كان أبو جعفر (علیه السلام) يقول: «لقائم آل محمد غَيبتان واحدة طويلة والأخرىٰ قصيرة...»((1)).
وما حكاه الطبرسي هنا عن كتاب المشيخة، يؤكد تسالم الشيعة في عصور الأئمة السابقين (علیهم السلام) علىٰ غَيبة المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وانتشار أخبارها والتأليف عنها بينهم.
1) إعلام الورىٰ: 2/259؛ واثبات الهداة: 5/147-148.
هناك عدة شواهد أو مؤيدات أخرىٰ لحدوث الغَيبة نشير إلىٰ أهمها:
1 - رغم كثرة الروايات الواردة عن المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ووفرتها في المصادر الإسلامية المختلفة إلّا أنّا لم نعثر علىٰ رواية معتبرة تتضمن أن ولادته (عجل الله تعالی فرجه الشریف) في آخر الزمان أو في تاريخ محدّد، بل اشتملت الروايات المذكورة علىٰ ألفاظ (القيام) (الخروج) (الظهور) ونحوها.
2 - إن فكرة غَيبة المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) لم يستحدثها الشيعة الإمامية، بل كانت معروفة منذ القرن الأول الهجري، فادّعاها بعض الكيسانية لمحمد بن الحنفية (ت 81 أو 87 وقيل: غير ذلك) حيث يزعمون أن محمد بن الحنفية حيّ بجبال رضوىٰ أسدٌ عن يمينه ونمرٌ عن شماله يحفظانه، يأتيه رزقه غدوة وعشية إلىٰ وقت خروجه، ومن القائلين بهذا القول (كثيّر) الشاعر، وفي ذلك يقول:
ألا إنّ الأئمة من قريش *** ولاة الحقّ أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه هم *** الأَسباط ليس بهم خفاء
فسبطٌ، سبطُ إيمانٍ وبرّ *** وسبطٌ غَيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتىٰ *** يقود الخيل يَقْدمها اللواء
تغيّب لا يُرىٰ فيهم زمان ***برضوىٰ عنده عسل وماء((1))
ثم ادَّعاها الإسماعيلية لإسماعيل بن الإمام الصادق (علیه السلام)، كما ادَّعاها الواقفة للإمام الكاظم (علیه السلام) حيث زعموا أنه حي غائب، وكذلك غير هؤلاء.
وقد كانت تجري محاججات بين هؤلاء المعتقدين بغَيبة المهدي المنتظر الذي كانوا يزعمونه وأئمة أهل البيت (علیهم السلام) وشيعتهم، والملاحظ أنه بالرغم من غرابة دعوىٰ الغَيبة في الذهنية العامة إلّا أن الأئمة (علیهم السلام) وأصحابهم لم يكونوا يشنّعون بها عليهم - كما يشنّع خصومنا علينا بسببها - بل كانوا يقتص-رون علىٰ تخطئتهم في تطبيق شخص المهدي المنتظر علىٰ من يزعمونه، مما يشهد بعدم رفض أئمة أهل البيت (علیهم السلام) لفكرة غَيبة المهدي المنتظر، وإلّا لكان مناقشتهم لأُولئك والتشنيع عليهم بها أيسر من تخطئتهم في التطبيق.
3 - الروايات الدالة علىٰ أن الأئمة اثنا عش-ر، وهي روايات كثيرة ظاهرة في تسلسلهم وعدم وجود فاصل زمني بينهم - وإلّا لكان المناسب التنبيه علىٰ ذلك - وقد تضمنتها مصادر الفريقين، منها:
1) بحوث في الملل والنحل: 7/28.
أ - رواية جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: «إن الإسلام لا يزال عزيزاً إلىٰ اثني عش-ر خليفة»، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال رسول الله (صلی الله علیه و آله)؟ فقال: «كلهم من قريش»((1)).
ب - ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن مس-روق: قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يُقرئُنا القرآن، فقال له الرجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله (صلی الله علیه و آله) كم تملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول (صلی الله علیه و آله) فقال: «اثنا عش-ر كعدّة نقباء بني إسرائيل»((2))، ونحوها غيرها.
4 - الروايات الدالة علىٰ أن مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، ونحوها ما دلّ علىٰ أن الأرض لا تخلو من حجة.
وقد تقدم استعراض بعضها، فإنها تدلّ علىٰ حياة المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وغَيبته وأن عدم رؤية الناس له لا يعني عدم وجوده.
هناك عدّة إشكاليات أو إبهامات في الذهنية العامة قد تحيط بالعقيدة المهدوية، وقد طرحت خلال العصور المختلفة علىٰ أنها إشكالات علىٰ الاعتقاد بالمهدي المنتظر.
وسوف نستعرض أهمّ هذه الإشكالات والتساؤلات علىٰ بعض ما يرتبط بالعقيدة المهدوية، والإجابة عنها - ولو من خلال الإشارة لما تقدّم - وهي:
الأول: إثبات ولادة الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
الثاني: طول عمره (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
الثالث: غَيبته (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
الرابع: دوره وفائدة وجوده (عجل الله تعالی فرجه الشریف) في فترة الغَيبة.
الخامس: توجيه عدم ظهوره (عجل الله تعالی فرجه الشریف) مع انتشار الظلم وانعدام العدالة وحاجة المجتمعات البشرية إليه.
السادس: مهمته وإنجازه (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
فقد تقدم الاستدلال عليه مفصّلاً((1))، ولا موجب للإعادة.
نعم قد يستشكل علىٰ الالتزام بولادة الإمام محمد بن الحسن العسكري (علیهما السلام) وإمامته بأن الشيعة قد انقسموا إلىٰ ثلاث عش-ر فرقة أو نحو ذلك بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) مما يوجب الشك والارتياب في ولادته وإمامته، وإلّا لما حدث هذا الاختلاف.
والجواب عن ذلك:
أولاً: أن الخلاف لم يقتص-ر علىٰ فترة ما بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (علیه السلام)، بل حدث في الأُمم السابقة، حيث خالفت الأُمم – عموماً - الأنبياء والرسل (علیهم السلام)، وتمسّكوا بعقائد واهية مثل عبادة الأصنام.
وكذلك عقيب رحيل النبي المصطفىٰ (صلی الله علیه و آله) رغم الخطوات والمواقف التي اتخذها النبي(صلی الله علیه و آله) لبيان إمامة الإمام علي (علیه السلام) وضمان رجوع الأُمة إليه إلّا أن ذلك لم يحدث، بل صعّد المخالفون من موقفهم منه 9 حتىٰ قالوا عنه 9 إنه (يهجر)((2))، وحدث الخلاف أيضاً بالنسبة لبعض الأئمة (علیهم السلام) أيضاً، وهو جارٍ في عص-رنا أيضاً حيث نجد كثيراً من الأشخاص يبثون عقائد فاسدة بل واضحة الفساد تبلغ حدّ الخرافة بسبب الجهل خصوصاً المفرط منه أو المصالح الشخصية.
وثانياً: أن العديد من قدماء الأصحاب وغيرهم قد صرّحوا أن جمهور شيعة أهل البيت (علیهم السلام) آمنوا بإمامة الإمام محمد بن الحسن العسكري (علیهما السلام)، وأن اتباع باقي الفرق - رغم تعددها - كانوا قلة قليلة، وقد تأثروا بتلك الادعاءات لعوامل شتّىٰ - لا يسع المجال استعراضها - ومن الذين صرّحوا بذلك:
1 - أبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي (237 - 311 ه-)((1)).
حيث قال: (إن الحسن (علیه السلام) خلّف جماعة من ثقاته ممن يروي عنه الحلال والحرام ويؤدي كتب شيعته وأموالهم ويخرجون الجوابات وكانوا بموضع من الستر والعدالة بتعديله إياهم في حياته فلما مض-ىٰ أجمعوا جميعاً علىٰ أنه قد خلَّف ولداً هو الإمام، وأمروا الناس...)((2)).
2 - أبو الحسن الأشعري زعيم الأشاعرة (ت 324).
حيث قال في كتابه (مقالات الإسلاميين) - الذي انتهىٰ من تأليفه عام (297 ه-) -: (... جمهور الشيعة يزعمون أن النبي نصّ علىٰ إمامة علي بن أبي طالب (علیه السلام) واستخلفه بعده بعينه واسمه - إلىٰ أن قال بشأن الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) - أن الحسن بن علي نصّ علىٰ إمامة
1) قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) عنه: (كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا ببغداد ووجوههم) عاش في فترة الغَيبة الصغرىٰ، وقد روي عن ابن نوح قال: وسمعت جماعةً من أصحابنا في مص-ر يذكرون أن أبا سهل النوبختي سُئل فقيل له: كيف صار هذا الأمر - أي السفارة - إلىٰ الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه.
2) كمال الدين 93، نقلاً عن كتاب أبي سهل (التنبيه في الإمامة).
ابنه محمد بن الحسن بن علي، وهو الغائب المنتظر عندهم الذي يدّعون أنه يظهر فيملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً)((1)).
3 - الشيخ الصدوق (رحمه الله) (ت 389 ه-) قال: (وكلّ من سألَنا من المخالفين عن القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) لم يخل من أن يكون قائلاً بإمامة الأئمة الأحد عشر من آبائه (علیهم السلام) أو غير قائل بإمامتهم، فإن كان قائلاً بإمامتهم لزمه القول بإمامة الإمام الثاني عش-ر، لنصوص آبائه الأئمة (علیهم السلام) عليه باسمه ونسبه، وإجماع شيعتهم علىٰ القول بإمامته أنه القائم الذي يظهر بعد غَيبة طويلة فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً)((2)).
4 - ابن حزم الظاهري (ت 548 ه-) قال: (وقالت القطعية((3)) من الإمامية الرافضة كلهم، وهم جمهور الشيعة ومنهم المتكلمون والنظارون والعدد العظيم بأن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسىٰ بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حي لم يمت، ولا يموت حتىٰ يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وهو عندهم المهدي المنتظر)((4)). ونحو ذلك ما ذكره غير هؤلاء.
وأمّا عدم تص-ريح الحسن بن موسىٰ النوبختي - من أعلام القرن الثالث الهجري - في كتابه (فِرَق الشيعة) بكون القائلين بإمامته وغَيبته
هم جمهور الشيعة فهو لا ينافي ما قدمناه، لأن كلامه مختص-ر عن الفِرَق فلم يتقيّد بذكر نسبة كلّ فرقة وعددها، حتىٰ بالنسبة للفِرَق التي سبقت وفاة الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) علىٰ أنه قد يبدو من نقل الشيخ المفيد عن النوبختي أن النسخة التي كانت عنده من كتاب النوبختي قد تضمنت التص-ريح باعتقاد جمهور الشيعة عقيب وفاة الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) بولادة وإمامة ولده محمد بن الحسن المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، حيث قال الشيخ المفيد (ت 413): (ولما توفي أبو محمد الحسن بن علي بن محمد (علیهم السلام) افترق أصحابه - علىٰ ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسىٰ النوبختي - بأربع عش-رة فرقة، فقال الجمهور منهم بإمامة القائم المنتظر وأثبتوا ولادته وصححوا النص عليه، وقالوا: هو سميّ رسول الله9، ومهديّ الأنام)((1)).
ومما يؤكد ما ذكرناه تص-ريح أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي - الذي هو خال الحسن بن موسىٰ - المتقدم بأن ثقات الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) (أجمعوا جميعاً علىٰ أنه قد خلّف ولداً هو الإمام وأمروا الناس...).
ومما يناسب كون باقي الفرق شراذم قليلة أن انقراضها كان سريعاً، كما يبدو عند ملاحظة عبارات أبي الحسن الأشعري وأبي سهل
1) شبهات وردود: 404.
النوبختي والشيخ الصدوق المتقدمة، ولذلك لم يظهر لهم أي كتاب أو أثر.
وقد صرّح الشيخ المفيد (ت 413ه-) بذلك حيث قال: (وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذه، وهو سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة إلّا الامامية الاثنا عش-رية القائلة بإمامة ابن الحسن المسمىٰ باسم رسول الله(صلی الله علیه و آله) القاطعة علىٰ حياته وبقائه إلىٰ وقت قيامه بالسيف - حسبما شرحناه فيما تقدم عنهم - وهم أكثر فرق الشيعة عدداً، وعلماء ومتكلّمون ونُظّار وصالحون وعُبّاد متفقهة وأصحاب حديث وأُدباء وشعراء، وهم وجه الإمامية ورؤساء جماعتهم والمعتمد عليهم في الديانة، ومن سواهم منقرضون، ولا يعلم أحد من جملة الأربع عشرة فرقة التي قدمنا ذكرها ظاهراً بمقالة، ولا موجوداً علىٰ هذا الوصف من ديانته، وإنما الحاصل منهم حكاية عمّن سلف، وأراجيف بوجود قومٍ منهم لا تثبت)((1)).
1) انظر: شبهات وردود: 404- 405.
فقد اتضح الجواب عن الإشكال فيهما من خلال النصوص والأدلة علىٰ ولادته وغَيبته (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وأن الأرض لا تخلو من حجة، خصوصاً أن المسلمين جميعاً يعتقدون بحصول حالات غَيبية مماثلة لأشخاص أطول عمراً منه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) مثل نبي الله عيسىٰ والخِض-ر (علیهما السلام)، ويتأكد ذلك بملاحظة الروايات المتقدمة وغيرها التي نصّت علىٰ ظهورهما مع المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) خصوصاً عيسىٰ (علیه السلام).
فيمكن أن يتلخص في مجالين:
أولهما: ملأ الفراغ القيادي وقطع الطريق أمام أدعياء المهدوية الذين يستغلون عقيدة الجمهور وتفاعله مع قضية المهدي المنتظر، ولذلك نجد أن ادِّعاء المهدوية في الوسط الشيعي الإمامي الاثني عش-ري يكاد يكون منعدماً، لأن الاعتقاد بهويته الشخصية وولادته قطَع الطريق أمام هؤلاء الأدعياء، فاكتفىٰ الدجالون بادعاء الارتباط به
أو الانتساب للإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وذلك أخفّ وطأة من ادعاء المهدوية نفسها، كما حدث مع باقي المسلمين في مناطق وعصور مختلفة.
ثانيهما: الرعاية غير المحسوسة للأُمة ولو عند الض-رورة، كما تضمنته بعض الروايات، وإن لم تكن هذه الرعاية واضحة المعالم، ولعلّه هو المقصود من النصوص المتضمنة أن الفائدة من وجوده في عص-ر الغَيبة كالفائدة من الشمس حين يظللها السحاب.
كما في معتبرة محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري 2 أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد[ت في] التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عجل الله تعالی فرجه الشریف): «... وأمّا وجه الانتفاع بي في غَيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غَيبتها عن الأبصار السحاب...»((1)).
ونحوها غيرها((2)).
بل إن حضوره (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بين الأُمة لفترة طويلة من دون أن تتهيأ له ظروف قيامه وتحمّله لمسؤوليته الكاملة في الإصلاح الشامل يسبب له الحرج من جهتين:
الأولىٰ: ضغط السلطات المتعاقبة عليه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) لإعلان ولائه ودعمه لها، وهو لا يناسب مكانته ومقامه ودوره المرتقب (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وقد أشارت
لذلك عدّة روايات، منها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «يقوم القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وليس لأحد في عنقه عقد ولا عهد ولا بيعة»((1)).
الثانية: ضغط الجماهير، لأن وجوده بينهم يخلق أزمة عقائدية واجتماعية كبرىٰ ويضيف له محنة مضاعفة، لأنه مع مواجهة الأُمة للظلم والمحن الكثيرة علىٰ مرّ العصور إذا لم يستجب لاستغاثات الجماهير فإنه يخلق ردّة فعل معاكسة قوية من جانبهم، فإنّ الجماهير المضطهدة لا تتحمل صمت إمامهم علىٰ معاناتهم اعتماداً علىٰ مصالح لا يدركونها. والمصادر التاريخية حافلة بمواقف انفعالية من أصحاب النبي(صلی الله علیه و آله) في صلح الحديبية وغيره، وكذلك أصحاب الأئمة (علیهم السلام) لمجرّد عدم إدراكهم لحكمة مواقفهم (علیهم السلام)، وقد كان بعض أصحاب الإمام الحسن(علیه السلام) يخاطبونه: (يا مذلّ المؤمنين)((2))، بل تجاوز عليه آخرون بأمور فضيعة((3))، كما نلاحظ في عص-رنا ردود الأفعال الانفعالية من جانب كثير من الناس تجاه مراجع الدين والقادة في ظروف المحنة أحياناً بسبب عدم تفاعلهم مع المواقف الانفعالية للجمهور، مع أن التوقع الجماهيري من العلماء والمراجع أقل بكثير من توقّعهم من الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) نفسه، خصوصاً أن عمره (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ممتّد سنيناً طويلة وهو معاصر لمحَن وتحديات كثيرة.
ويشير إلىٰ ما ذكرناه علي بن يقطين في حواره المروي مع أبيه يقطين - الذي كان من أعوان العباسيين وشيعتهم - حيث قال يقطين لابنه علي بن يقطين: ما بالنا قيل لنا فكان - يعني التنبؤ بحكم بني العباس - وقيل لكم - يعني التنبؤ بظهور المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) الذي هو من أهل البيت(علیهم السلام) - فلم يكن؟ فقال له علي: (إن الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد((1)) غير أنّ أمْرَكم حض-ر وقته فأُعطيتم محضَه، فكان كما قيل لكم، وإنّ أمْرَنا لم يحض-ر فعُلّلنا بالأماني، فلو قيل لنا، إن هذا الأمر لا يكون إلّا إلىٰ مائتي سنة وثلاثمائة سنة لقست القلوب، ولرجعت عامة الناس عن الإيمان إلىٰ الإسلام - يعني الإسلام العام علىٰ غير مذهب أهل البيت (علیهم السلام) - ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه تألفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج)((2)).
1) باعتبار أن التنبؤ بحكم بني العباس كان قد صدر من أهل البيت (علیهم السلام) أيضاً، مثل ما ورد عن الإمام علي (علیه السلام) أنه كان يصف علي بن عبد الله بن العباس بأنه أبو الأملاك (انظر: تهذيب التهذيب) وعن الإمام الصادق (علیه السلام) أنه قد أخبر بحكم بني العباس، فقد روىٰ أبو الفرج الأصفهاني أن بعض بني هاشم ذهبوا إلىٰ الإمام الصادق (علیه السلام) في عهد بني أمية فقال له عبد الله بن الحسن: قد علمت ما صنع بنا بنو أمية، وقد رأينا أن نبايع لهذا الفتىٰ - يقصد ولده محمد - فقال: «لا تفعلوا، فإن الأمر لم يأتِ بعد...» - وأضاف (علیه السلام) -... «ولكن هذا وإخوته وأبناؤهم دونكم» وضرب يده علىٰ ظهر أبي العباس - يعني السفاح - ثم نهض واتبعه ولحقه عبد الصمد وأبو جعفر - يعني المنصور العباسي - فقالا: يا أبا عبد الله، أتقول ذلك؟ قال: «نعم، والله أقوله وأعلمه». (انظر مقاتل الطالبين: 172).
2) الغَيبة للنعماني: 306.
وقد اتضح من خلال ما ذكرناه حكمة الأمر الخامس أيضاً وهو تأخر ظهوره رغم انتشار الظلم بين المجتمعات، وتوضيح الجواب يتضح من خلال ما يلي:
1 - إنه حيث لم يتوفر ظرف الإصلاح الشامل فلا فائدة في ظهوره وقيامه المبكر قبل ذلك، لعدم تحقق الهدف من ذلك، وهو قيام الحجة(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وتحقق الإصلاح الشامل.
2 - إن مهمته حيث كانت استثنائية في عالم التكوين البش-ري فمن الطبيعي أن تكون ظروفها ومستلزماتها غير عادية ولا مألوفة، كما ارتبطت نماذج أخرىٰ مماثلة بها مثل نزول نبي الله عيسىٰ والخض-ر (علیهما السلام)، وكما لا يمكن التنبؤ بما هو غير عادي لا يمكن الإشكال عليه بعد دلالة الأدلة المعتبرة علىٰ ذلك.
3 - إن نفس هذا الإشكال المزعوم يرد علىٰ مَن لا يلتزم بولادته(عجل الله تعالی فرجه الشریف) أيضاً، حيث يقال لهم: إن المهدي الذي تعتقدون ولادته آخر الزمان وأنه يقوم ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً لماذا تأخر تقدير ولادته
هذه الفترة الطويلة مع احتياج المجتمعات البش-رية إليه بسبب انتشار الظلم وانعدام العدالة في المجتمعات؟!
فهو أن الذي يبدو أن المهمة الأساس والإنجاز الأبرز الذي يتحقق بظهور الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) هو إقامة الحجة علىٰ البش-رية - علىٰ مرّ عصورها - حيث يتحقق به الإصلاح التام الذي دعا إليه الأنبياء والأئمة والأولياء (علیهم السلام) من قبله (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، والذي لم يتحقق علىٰ أيديهم، كما عجز عنه غيرهم من دعاة العدالة والإصلاح ويشهد بذلك ثلاثة أمور:
الأول: النصوص التي صرّحت بذلك، مثل: موثقة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: «ما يكون هذا الأمر حتىٰ لا يبقىٰ صنف من الناس إلّا وقد وُلّوا علىٰ الناس، حتىٰ لا يقول القائل: (إنّا لو وُلّينا لعدلْنا) ثم يقوم القائم بالحق والعدل»((1))، ونحوها غيرها.
الثاني: ما تضمّنته الكثير من النصوص أن ظهوره سوف يكون في آخر الزمان، وأن الحياة الدنيا لا تدوم بعده طويلاً، بل تلوح إرهاصات الحياة الأخرىٰ التي تبدأ ببعث الأموات وحسابهم يوم القيامة. وقد تقدم بعضها.
1) الغَيبة للنعماني: 282.
الثالث: الدعم الغَيبي الواسع الذي يحيط به بما لم يسبق توفره لمن قبله من الأنبياء والأئمة والمصلحين، مما يكشف عن تميّز المهمة الموكلة إليه وإنجازه الذي لم يُنجزه أحد غيره.
ولذلك تضمّنت العديد من النصوص بشارة الأنبياء (علیهم السلام) - خاصة النبي المصطفىٰ (صلی الله علیه و آله) - به وبإنجازاته (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
1 - أهم المشتركات الإسلامية بخصوص المهدي المنتظر سبعة، وهي:
أ - البشارة به (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وكونه حتمياً.
ب - اسمه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) (محمد).
ج - أنه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) هاشمي من ذرية النبي(صلی الله علیه و آله) ومن ولد فاطمة الزهراء (علیها السلام).
د - نزول نبيّ الله عيسىٰ (علیه السلام) معه (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
ه- - إنه أحد الأئمة والخلفاء الاثني عش-ر (علیهم السلام) الذين تضمنهم الحديث النبوي المشهور.
و - إن ظهوره (عجل الله تعالی فرجه الشریف) في آخر الزمان (لدىٰ أكثر المسلمين).
ز - إنجازه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) تطبيق العدالة في الأرض.
2 - مختصات شيعة أهل البيت (علیهم السلام) بخصوص المهدي المنتظر(عجل الله تعالی فرجه الشریف) خمسة، أهمها:
أ - إنه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) من ذرية الإمام الحسين (علیه السلام)، ووافقهم علىٰ ذلك بعض علماء الجمهور وبعض رواتهم.
ب - تحديد هويته الشخصية وأنه محمد بن الحسن العسكري(علیهما السلام)، وقد يبدو من بعض علماء الجمهور موافقتهم في ذلك.
ج- - ولادته (عجل الله تعالی فرجه الشریف) الفعلية، ووافقهم فيه بعض علماء الجمهور.
د - استمرار حياته (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
ه- - غَيبته (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
3 - اختلفت روايات الجمهور بخصوص نزول عيسىٰ (علیه السلام) مع المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف)، فبعضها تضمّن اقترانه بخروج المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وبعضها تضمّن تأخر نزول عيسىٰ (علیه السلام) عن خروجه بينما ادعىٰ العديد من علمائهم تواتر الروايات بنزول عيسىٰ (علیه السلام) مع المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف).
4 - اختلفت روايات الجمهور بخصوص انتساب المهدي للحسن أو الحسين (علیهم السلام).
5 - أهم ما يثبت هويته الشخصية (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وكونه ابن الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) أمران:
أ - الروايات الكثيرة الدالة صراحةً علىٰ ذلك.
ب - النواب الأربعة الذين كانوا يرتبطون به (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ويعرفون هويته.
6 - أقرّ الكثير من علماء الجمهور بولادة الإمام محمد بن الحسن العسكري (علیهما السلام)، تقدم استعراض أسماء بعضهم.
7 - أهم ما يدل علىٰ ولادته (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بالفعل، أمران:
أ - ما دلّ علىٰ تحديد هويته الشخصية وأنه محمد بن الحسن العسكري (علیهما السلام).
ب - ما دلّ علىٰ أن الأرض لا تخلو من حجة وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
8 - أهم ما يشهد علىٰ غَيبته ثلاثة أمور:
أ - الروايات الكثيرة الدالة علىٰ ذلك.
ب - عدم رفض نفس فكرة الغَيبة من جانب الأئمة السابقين(علیهم السلام).
ج- - عدم تضمن الروايات الواردة في المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) - رغم كثرتها- لولادته آخر الزمان.
9 - البحوث السابقة تضمنت جوانب من الإجابة علىٰ الإشكالات والإبهامات الأساسية الستة علىٰ العقيدة المهدوية، وهي:
أ - إثبات ولادته (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
ب - طول عمره (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
ج-) غَيبته (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
د - دوره وفائدة وجوده (عجل الله تعالی فرجه الشریف) في عصر الغَيبة.
ه- - تأخر ظهوره (عجل الله تعالی فرجه الشریف) رغم الحاجة إليه.
و - مهمته وإنجازه (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
صورة
الأسئلة:
س1: اذكر ثلاثة أمور يشترك بها المسلمون فيها بخصوص المهدي المنتظر.
س2: اذكر ثلاثة أمور يختص بها شيعة أهل البيت (علیهم السلام) من بين أغلب المسلمين بخصوص المهدي المنتظر.
س3: ما هما الدليلان الدالان علىٰ تحديد هوية الإمام المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) الشخصية؟
س4: اذكر أسماء أربعة من علماء الجمهور الذين أقروا بولادة الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
س5: اذكر شاهدين علىٰ استمرار حياة المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
س6: اذكر ثلاثة من الإشكاليات الأساسية السائدة علىٰ العقيدة المهدوية والجواب عنها.
يعتقد شيعة أهل البيت (علیهم السلام) أن غَيبة الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) مرّت بمرحلتين:
المرحلة الأولىٰ: التي ابتدأت بوفاة أبيه الحسن العسكري (علیه السلام) عام (260ه-) وامتدت إلىٰ وفاة آخر السفراء الأربعة علي بن محمد السمري(رحمه الله) عام (328ه-) أو عام (329ه-) فتكون قرابة سبعين عاماً، غاب خلالها - وهو إمام - عن الملأ العام وتسمىٰ (الغَيبة الصغرىٰ).
المرحلة الثانية: التي ابتدأت من انتهاء الغَيبة الصغرىٰ إلىٰ الآن، وهي مستمرة لحين ظهوره (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
وينبغي البحث عن معالم المرحلتين أو الغَيبتين في فصلين:
وأهم معالمها وجود النواب الأربعة (رحمهم الله) الذين سنتعرض لجانب من هويتهم ومواقفهم وشؤونهم.
وهم الوكلاء الخاصون الذين كانوا يتواصلون معه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) مباشرةً ويسمّون (السفراء) أيضاً.
الأول: أبو عمرو عثمان بن سعيد العُمَري (رحمه الله) أو العَمْري((1)) ولم يذكر تأريخ ولادته ولا تأريخ وفاته.
الثاني: محمد بن عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله) المعروف بالخلّاني، (ت 305ه-).
الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) بن أبي بكر النوبختي (ت 326ه-).
الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السَّيمَري (رحمه الله)، وقيل: السّمَري وقيل: الصَّيمُري (ت 329ه- أو 328ه-).
وكلهم عاشوا في بغداد، ودفنوا فيها.
كان (رحمه الله) من الوكلاء المعتمدين لدىٰ الإمامين الهادي والعسكري(علیهما السلام) وقد وردت العديد من الروايات التي تؤكد وثاقته لدىٰ الإمامين (علیهما السلام) والأصحاب، منها:
1 - رواية أو معتبرة أحمد بن إسحاق بن سعد القمي قال: دخلت علىٰ أبي الحسن علي بن محمد (صلوات الله عليه) في يوم من الأيام،
1) انظر: الغَيبة: 214.
فقلت: يا سيدي: أنا أغيب وأشهد، ولا يتهيأ لي الوصول إليك إذا شهدت في كل وقت: فقولَ مَن نقبل؟ وأمرَ من نمتثل؟ فقال لي (صلوات الله عليه): «هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّاه إليكم فعني يؤديه»، فلما مض-ىٰ أبو الحسن (علیه السلام) وصلت إلىٰ أبي محمد ابنه الحسن - صاحب العسكر (علیه السلام) - ذات يوم، فقلت له مثل قولي لأبيه، فقال لي: «هذا أبو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي وثقتي في الحياة والممات، فما قاله لكم فعني يقوله، وما أدّىٰ إليكم فعنّي يؤديه»((1)).
قال أبو محمد هارون: قال أبو علي قال أبو العباس الحميري: (فكنا كثيراً مّا نتذاكر هذا القول ونتواصف جلالة محلّ أبي عمرو)((2))، وهؤلاء الأربعة كلهم ثقات((3)).
2 - صحيحة عبد الله بن جعفر الحميري قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو عند أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري القمي فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف، فقلت له: يا أبا عمرو إنّي أريد أن أسألك وما أنا بشاكّ في ما أريد أن أسألك عنه فإن اعتقادي وديني أن الأرض لا تخلو من حجة - إلّا إذا كان قبل القيامة بأربعين يوماً فإذا كان ذلك رُفعت الحجة وغلق باب التوبة فلم يكن ينفع نفساً
إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، فأولئك أشرار مَن خلق الله (عزوجل)، وهم الذين تقوم عليهم القيامة - ولكن أحببت أن أزداد يقيناً فإن إبراهيم (علیه السلام) سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتىٰ، فقال: أوَ لم تؤمن؟ قال: قالَ بَلىٰ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 260]، وقد أخبرني أحمد بن إسحاق أبو علي، عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: سألته فقلت له: من أعامل؟ وعمّن آخذ؟ وقول من أقبل؟ فقال له: «العمري ثقتي فما أدّىٰ إليك فعنّي يؤدي، وما قال لك فعني يقول، فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون». قال: وأخبرني أبو علي أنه سأل أبا محمد الحسن بن علي(علیه السلام) عن مثل ذلك فقال له: «العمري وابنه ثقتان فما أدَّيا إليك فعنّي يؤدّيان وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان»، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك، قال: فخر أبو عمرو ساجداً وبكىٰ ثم قال: سل. فقلت له: أنت رأيت الخلف من أبي محمد(علیه السلام)؟ فقال: (أي والله ورقبته مثل ذا) وأومأ بيديه((1)).
3 - حكىٰ الشيخ الصدوق عن عبد الله بن جعفر الحميري في روايته الأخرىٰ أنه قال: وخرج التوقيع إلىٰ الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري في التعزية لأبيه (رضی الله عنهم) في فصل من الكتاب: «إنا لله وإنا إليه راجعون تسليماً لأمره ورضاءً بقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات
1) الكافي: 1/ 265-266.
حميداً فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه (علیهم السلام)، فلم يزل مجتهداً في أمرهم ساعياً في ما يقرّبه إلىٰ الله (عزوجل) وإليهم، نضّر الله وجهه وأقاله عثرته».
وفي فصل آخر: «وأجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء، رُزئت ورُزئنا، وأوحشك فراقه، وأوحشنا، فس-رّه الله في منقلبه، وكان من كمال سعادته أن رزقه الله ولداً مثلك يخلفه من بعده ويقوم مقامه بأمره ويترحم عليه. وأقول: الحمد لله، فإنّ الأنفس طيبة بمكانك، وما جعله الله (عزوجل) فيك وعندك أعانك الله وقواك وعضدك، ووفقك وكان لك ولياً وحافظاً وراعياً وكافياً ومعيناً»((1)).
1) كمال الدين وتمام النعمة: 2/510.
وردت في حقه عدة روايات تتضمن توثيقه ومدحه واعتماد الأصحاب عليه، منها:
1 - صحيحة عبد الله بن جعفر الحميري المتقدمة((1)) وفيها أن الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) قال عنه وعن أبيه: «العمري وابنه ثقتان فما أدّيا إليك فعنّي يؤديّان، وما قالا لك فعنّي يقولان فاسمع لهما وأطِعهما، فإنهما الثقتان المأمونان»((2)).
2 - صحيحته الثانية المتقدمة المتضمنة تعزية الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) له بوفاة والده عثمان بن سعيد (رحمه الله)، وفيها: «وكان من كمال سعادته أن رزقه الله (عزوجل) ولداً مثلك يخلفه من بعده ويقوم مقامه بأمره ويترحّم عليه»((3)).
3 - قال أبو العباس: (وأخبرني هبة الله بن محمد بن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمريّ 2 عن شيوخه قالوا: لم تزل الشيعة مقيمة علىٰ عدالة عثمان بن سعيد ومحمد بن عثمان (رحمهما الله) إلىٰ أن مات أبو عمرو عثمان
بن سعيد (رحمه الله)، وغسّله ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان، وتولىٰ القيام به، وجعل الأمر كلّه له من النص عليه بالأمانة والعدالة، والأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن (علیه السلام) وبعد موته في حياة أبيه عثمان بن سعيد، لا يُختلف في عدالته، ولا يُرتاب بأمانته، والتوقيعات تخرج علىٰ يده إلىٰ الشيعة في المهمات طول حياته بالخط الذي كانت تخرج في حياة أبيه عثمان، لا يعرف الشيعة في هذا الأمر غيره، ولا يرجع إلىٰ أحد سواه.
وقد نقلت عنه دلائل كثيرة ومعجزات الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ظهرت علىٰ يده، وأمور أخبرهم بها زادتهم في هذا الأمر بصيرة، وهي مشهورة عند الشيعة، وقد قدّمنا طرفاً منها، فلا نطوّل بإعادتها، فإن في ذلك كفاية للمنصف إن شاء الله تعالىٰ)((1)).
4 - قال ابن نوح: أخبرني أبو نص-ر هبة الله بن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري قال: (كان لأبي جعفر محمد بن عثمان العمري كتب مصنَّفة في الفقه مما سمعها من أبي محمد الحسن (علیه السلام)، ومن الصاحب(عجل الله تعالی فرجه الشریف)، ومن أبيه عثمان بن سعيد، عن أبي محمد وعن أبيه علي بن محمد (علیهما السلام) فيها كتب ترجمتها (كتب الأشربة) ذكرت الكبيرة أم كلثوم بنت أبي جعفر ݣ أنها وصلت إلىٰ أبي القاسم الحسين بن روح عند الوصية إليه، وكانت في يده. قال أبو نص-ر: وأظنها قالت: وصلت بعد ذلك إلىٰ أبي الحسن السمري رضي الله عنه وأرضاه)((2)).
5 - قال محمد بن علي الأسود القمي: (إن أبا جعفر العمري (قدس سرّه) حفر لنفسه قبراً وسوّاه بالساج، فسألته عن ذلك فقال: للناس أسباب، وسألته عن ذلك فقال: قد أُمِرتُ أن أجمع أمري. فمات بعد ذلك بشهرين. رضي الله عنه وأرضاه)((1)).
6 - قال أبو نص-ر هبة الله: (وجدت بخط أبي غالب الزراري رحمه الله وغفر له: أنّ أبا جعفر محمد بن عثمان العمري (رحمه الله) مات في آخر جمادىٰ الأولىٰ سنة خمس وثلاثمائة.
وذكر أبو نص-ر هبة الله [بن] محمد بن أحمد أن أبا جعفر العمري(رحمه الله) مات في سنة أربع وثلاثمائة، وأنّه كان يتولىٰ هذا الأمر نحواً من خمسين سنة، ويحمل الناس إليه أموالهم ويخرج إليهم التوقيعات بالخطّ الذي كان يخرج في حياة الحسن (علیه السلام) إليهم بالمهمّات في أمر الدين والدنيا، وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجيبة. رضي الله عنه وأرضاه)((2)).
وهو من أجلاء الأصحاب، وقد وردت العديد من الروايات في مدحه واعتماد الأصحاب عليه، منها:
1 - رواية جعفر بن أحمد بن متيل قال: (لمّا حض-رت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري 2 الوفاة كنت جالساً عند رأسه أسأله وأُحدِّثه وأبو القاسم بن روح عند رجليه فالتفت إليَّ ثم قال: أُمرتُ أن أوصي إلىٰ أبي القاسم الحسين بن روح، قال: فقمتُ من عند رأسه وأخذتُ بيد أبي القاسم وأجلستُه في مكاني وتحوّلتُ إلىٰ عند رجليه.
قال ابن نوح: وحدثني أبو عبد الله الحسين بن علي بن بابويه القمي - قدم علينا البص-رة في شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة - قال: سمعت علويّة الصفار والحسين بن أحمد بن إدريس(رضی الله عنهم) يذكران هذا الحديث وذكرا أنهما حض-را بغداد في ذلك الوقت وشاهدا ذلك)((1)).
2 - قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): أخبرني الحسين بن إبراهيم عن ابن نوح عن أبي نص-ر هبة الله بن محمد قال: حدثني خالي أبو إبراهيم جعفر
1) الغَيبة: 370-371.
بن أحمد النوبختي قال: (قال لي أبي أحمد بن إبراهيم وعمي أبو جعفر عبد الله بن إبراهيم وجماعة من أهلنا - يعني بني نوبخت - أن أبا جعفر العمري لما اشتدت حالته اجتمع جماعة من وجوه الشيعة - منهم أبو علي بن همام وأبو عبد الله بن محمد الكاتب وأبو عبد الله الباقطاني وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي وأبو عبد الله بن الوجناء وغيرهم من الوجوه (و) الأكابر - فدخلوا علىٰ أبي جعفر 2 فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح ابن أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) والوكيل [له] والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعوّلوا عليه في مهامكم فبذلك أُمِرت، وقد بَلَّغت)((1)).
3 - قال الصدوق: حدّثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود 2 قال: (كنت أحمل الأموال التي تحصل في باب الوقف إلىٰ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري 2 فيقبضها منّي، فحملت إليه يوماً شيئاً من الأموال في آخر أيامه قبل موته بسنتين أو ثلاث سنين، فأمرني بتسليمه إلىٰ أبي القاسم الروحي 2 وكنت أُطالبه بالقبوض فشكىٰ ذلك إلىٰ أبي جعفر 2 فأمرني أن لا أُطالبه بالقبوض وقال: (كل ما وصل إلىٰ أبي القاسم فقد وصل إليّ) فكنتُ أحمل بعد ذلك الأموال إليه ولا أُطالبه بالقبوض)((2)).
والرواية تشير إلىٰ الظروف الصعبة آنذاك خاصة تلك التي تحيط بالحسين بن روح (رحمه الله) المعروف عنه رعايته البالغة لمقتضىٰ التقية.
4 - روىٰ جعفر بن محمد المدائني قال: (كان من رسمي إذا حملتُ المال الذي في يدي إلىٰ الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدس سرّه) أن أقول له ما لم يكن أحد يستقبله بمثله: هذا المال ومبلغه كذا وكذا للإمام فيقول: نعم، دعه. فأراجعه فأقول له: تقول لي: إنه للإمام فيقول: نعم للإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف). فيقبضه.
فص-رت إليه آخر عهدي به (قدس سرّه) ومعي أربعمائة دينار، فقلت له علىٰ رسمي. فقال لي: امض بها إلىٰ الحسين بن روح. فتوقفت فقلت: تقبضها أنت مني علىٰ الرسم. فردّ عليّ كالمنكر لقولي وقال: قم، عافاك الله فادفعها إلىٰ الحسين بن روح.
فلما رأيت (في) وجهه غضباً خرجت وركبت دابّتي، فلما بلغتُ بعض الطريق رجعت كالشاك فدققت الباب فخرج إليَّ الخادم فقال: من هذا؟ فقلت: أنا فلان، فاستأذن لي، فراجعني وهو منكر لقولي ورجوعي فقلت له: ادخُلْ فاستأذنْ لي، فإنه لابد من لقائه. فدخل فعرّفه خبر رجوعي وكان قد دخل إلىٰ دار النساء فخرج وجلس علىٰ سرير ورجلاه في الأرض [وفيهما نعلان] يصف حسنهما وحسن رجليه، فقال لي: ما الذي جرأك علىٰ الرجوع ولِمَ لم تمتثل ما قلته لك؟ فقلت: لم أجس-ر علىٰ ما رسمتَه لي. فقال لي - وهو مُغضَب -: قم - عافاك الله - فقد أقمتُ
أبا القاسم الحسين بن روح مقامي ونصبته منصبي فقلت: بأمر الإمام؟ فقال: قم - عافاك الله - كما أقول لك، فلم يكن عندي غير المبادرة.
فص-رت إلىٰ أبي القاسم بن روح وهو في دار ضيقة، فعرّفته ما جرىٰ، فس-رّ به وشكر الله (عزوجل). ودفعت إليه الدنانير، وما زلت أحمل إليه ما يحصل في يدي بعد ذلك (من الدنانير))((1)).
1) الغَيبة للطوسي: 367-368.
5 - قال الشيخ الطوسي: (وأخبرنا جماعة عن أبي محمد هارون بن موسىٰ قال: أخبرني أبو علي محمد بن همام 2 وأرضاه، أن أبا جعفر محمد بن عثمان العمري (قدس سرّه) جَمعنا قبل موته وكنّا وجوه الشيعة وشيوخها، فقال لنا: إن حدث علي حدث الموت، فالأمر إلىٰ أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي، فقد أُمرتُ أن أجعله في موضعي بعدي، فارجعوا إليه وعوّلوا في أموركم عليه)((1)).
6 - قال الصدوق: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود 2 قال: (سألني علي بن الحسين بن موسىٰ بن بابويه 2 (والد الشيخ الصدوق (رحمه الله)) بعد موت محمّد بن عثمان العمري 2، أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان (عجل الله تعالی فرجه الشریف) أن يدعو الله (عزوجل) أن يرزقه ولداً ذكراً، قال: فسألته. فأنهىٰ ذلك، ثم أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيّام أنّه قد دعا لعليّ بن الحسين، وأنّه سيولد له ولد مبارك ينفعه [الله] به وبعده أولاده.
قال أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الأسود 2: وسألته في أمر نفس-ي أن يدعو الله لي أن يرزقني ولداً ذكراً، فلم يجبني إليه وقال: ليس
1) الغيبة للطوسي: 371.
إلىٰ هذا سبيل. قال: فولد لعليّ بن الحسين 2 محمّد بن عليّ (وهو الشيخ الصدوق) وبعده أولاد، ولم يلد لي شيء.
قال مصنف هذا الكتاب 2، كان أبو جعفر محمد بن علي الأسود 2 كثيراً مّا يقول لي - إذا رآني اختلف إلىٰ مجلس شيخنا محمد بن أحمد بن الوليد 2 وأرغب في كتب العلم وحفظه -: (ليس بعجبٍ أن تكون لك هذه الرغبة في العلم، وأنتَ وُلِدتَ بدعاء الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف)))((1)).
7 - قال النجاشي: (علي بن الحسين بن موسىٰ بن بابويه القمي أبو الحسن، شيخ القميين في عص-ره، ومتقدمهم، وفقيههم، وثقتهم، كان قدم العراق واجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) وسأله مسائل ثم كاتبه بعد ذلك علىٰ يد علي بن جعفر الأسود يسأله أن يوصل له رقعة إلىٰ الصاحب (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ويسأله فيها الولد فكتب إليه: «قد دَعوْنا اللهَ لك بذلك، وستُرزق ولدين ذكرين خيِّرَين»، فولد له أبو جعفر وأبو عبد الله من أم ولد، وكان أبو عبد الله الحسين بن عبد الله يقول: سمعت أبا جعفر - يعني الشيخ الصدوق - يقول: (أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر) ويفتخر بذلك)((2))، ((3)).
1) انظر: كمال الدين وتمام النعمة: 2/502-503.
2) انظر: رجال النجاشي: 261.
3) وقد ظهرت للشيخ الصدوق (رحمه الله) كرامة مشهورة بعد أكثر من ثمانية قرون ونصف من وفاته حيث تصدع البناء القائم علىٰ قبره فوُجد جثمانه سالماً وعلىٰ أظفاره أثر الخضاب فجاء السلطان فتح علي شاه القاجاري وأمر بتكفينه وتجديد بناء مرقده، قال الخونساري (رحمه الله): (وإني لاقيت بعض من حض-ر تلك الواقعة، وكان يحكيها Z [ أعاظم أساتيدنا الأقدمين من أعاظم رؤساء الدنيا والدين) (انظر: روضات الجنات: 533). وقد ذكر المامقاني تلك الواقعة عن العدل الثقة الأمين السيد إبراهيم اللواساني الطهراني (رحمه الله) (انظر: تنقيح المقال: 3/155).
وفي رواية ابن نوح عن مجموعة من مشايخ (قم): (إن علي بن الحسين بن موسىٰ بن بابويه كانت تحته بنت عمه محمد بن موسىٰ بن بابويه فلم يُرزق منها ولداً).
فكتب إلىٰ الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح 2 أن يسأل الحضرة((1)) أن يدعو الله أن يرزقه أولاداً فقهاء فجاء الجواب:
«إنك لا تُرزق من هذه، وستملك جارية ديلميّة وتُرزق منها ولدين فقيهين» قال: وقال لي أبو عبد الله بن سورة القمي (حفظه الله): ولأبي الحسن بن بابويه ثلاثة أولاد: محمد - وهو الشيخ الصدوق - والحسين فقيهان ماهران في الحفظ ويحفظان ما لا يحفظ غيرهما من أهل (قم)، ولهما أخ اسمه الحسن، وهو الأوسط مشتغل بالعبادة والزهد ولا يختلط بالناس ولا فقه له.
قال ابن سورة: (كلما روىٰ أبو جعفر وأبو عبد الله ابنا علي بن الحسين شيئاً يتعجب الناس من حفظهما، ويقولون لهما: هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) لكما، وهذا أمر مستفيض في أهل (قم))((2)).
8 - قال الصدوق (رحمه الله): (قال ابن نوح((1)): وسمعت جماعةً من أصحابنا بمصر يذكرون أن أبا سهل النوبختي سئل فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلىٰ الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟
فقال: هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقىٰ الخصوم وأُناظرهم، ولو علِمتُ بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة [علىٰ مكانه (عجل الله تعالی فرجه الشریف)] لعلّي كنت أدلّ علىٰ مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجة تحت ذيله وقُرِّض بالمقاريض ما كشف الذيلَ عنه...)((2)).
وهو من الشخصيات البارزة آنذاك، وقد وردت عدّة روايات في حقه وفي فضله، منها:
1 - رواية محمد بن أحمد الصفواني قال: (أوصىٰ الشيخ أبو القاسم2 إلىٰ أبي الحسن علي بن محمد السمري 2 فقام بما كان إلىٰ أبي القاسم، فلما حض-رته الوفاة حض-رت الشيعة عنده وسألته عن الموكَّل بعدَه ومن يقوم مقامه، فلم يُظهر شيئاً من ذلك، وذكر أنه لم يؤمَر بأن يوصي إلىٰ أحدٍ بعده في هذا الشأن)((3)).
2 - رواية عتّاب وفيها: (... فلما مات عثمان بن سعيد أوصىٰ إلىٰ أبي جعفر محمد بن عثمان (رحمه الله) وأوصىٰ أبو جعفر إلىٰ أبي القاسم الحسين بن روح 2 وأوصىٰ أبو القاسم إلىٰ أبي الحسن علي بن محمد السمُري2، فلما حض-رت السمُري الوفاة، سئل أن يوصي فقال: لله أمر هو بالغه.
فالغَيبة التامة هي التي وقعت بعد مضي السمري 2)((1)).
3 - رواية أحمد بن إبراهيم بن مخلَّد قال: (حض-رتُ بغدادَ عند المشايخ (رحمهم الله) فقال الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمُري (قدس سرّه) ابتداءً منه: رحم الله علي بن الحسين بن بابويه القمي.
قال: فكتب المشايخ تاريخ ذلك اليوم، فورد الخبر أنه توفي في ذلك اليوم، ومض-ىٰ أبو الحسن السمُري 2 بعد ذلك في النصف من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة)((2)).
4 - قال الصدوق (رحمه الله): حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المكتَّب قال: كنتُ بمدينة السلام [بغداد] في السنة التي توفىٰ فيها الشيخ علي بن محمد السمري (قدس سرّه) فحض-رته قبل وفاته بأيام فأخرج إلىٰ الناس توقيعاً نسخته:
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُريَّ أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ فَأَجْمِعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوصِ إِلَىٰ أَحَدٍ يَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ الثَّانِيَةُ (التامة) فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْن اللهِ (عزوجل) وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الأَمَدِ وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ وَامْتِلَاءِ الأَرْضِ جَوْراً، وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ أَلَا فَمَن ادَّعَىٰ المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ».
قَالَ: فَنَسَخْنَا هَذَا التَّوْقِيعَ وَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّادِسُ عُدْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَنْ وَصِيُّكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ: للهِ أمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ وَمَضَ-ى 2، فَهَذَا آخِرُ كَلاَم سُمِعَ مِنْهُ((1)).
1) انظر: كمال الدين وتمام النعمة: 2/516.
كان هناك العديد من الوكلاء المعتمدين في فترة الغَيبة الصغرىٰ في طول اعتماد السفراء لا في عَرْضهم، قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (وقد كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قِبَل المنصوبين للسفارة من الأصل)((1)) من هؤلاء:
1 - أبو الحسين محمد بن جعفر الأسدي (رحمه الله).
وقد وردت عدة روايات في مدحه منها:
صحيحة محمد بن أحمد بن يحيىٰ عن صالح بن أبي صالح قال: سألني بعض الناس في سنة تسعين ومائتين قبْضَ شيء، فامتنعت من ذلك وكتبت أستطلع الرأي: فأتاني الجواب: «بالري محمد بن جعفر العربيّ فليدفع إليه، فإنه من ثقاتنا»((2)).
2و3و4 - أحمد بن إسحاق الأشعري وإبراهيم بن محمد الهمداني وأحمد بن حمزة بن اليسع، قاله الشيخ الطوسي (رحمه الله). وقد وردت رواية في مدحهم، ففي صحيحة أحمد بن محمد بن عيسىٰ عن أبي محمد الرازي
قال: (أحمد بن إسحاق الأشعري وإبراهيم بن محمد الهمداني، وأحمد بن حمزة اليسع ثقات)((1)).
حيث كانت الغَيبة الصغرىٰ تمثل مرحلة انتقالية مؤقتة لأجل التمهيد لمرحلة الغَيبة الكبرىٰ، فمن الطبيعي أن تكون لها معالم وظروف ومقتضياتها الخاصة بها، وأن تكون مؤهّلات وأدوار السفراء منسجمة مع الهدف المذكور، ورغم قلة الروايات الواصلة لنا عن تلك الفترة يمكن أن نسجل النقاط التالية عن معالم تلك المرحلة وأدوار السفراء فيها:
1 - حيث كانت غَيبة الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) انقطاعاً عن الارتباط المباشر بالمجتمع فكان لابد أن يكون للسفراء مكانة خاصة لدىٰ المؤمنين ومورد ثقتهم واعتمادهم، لحفظ استقرارهم النفس-ي ورسوخ إيمانهم (أولاً)، وقطع دابر الأدعياء والدجالين (ثانياً)، ولذلك كانت من أبرز معالم السفراء وخصائصهم ثقة المجتمع الشيعي بهم وتقواهم، خاصة السفير الأول الذي بدأت به تلك المرحلة، فإنه كان موثقاً توثيقاً خاصاً ومؤكَّداً من قِبَل الإمامين الهادي والعسكري (علیهما السلام)، كما تضمنت ذلك بعض الروايات المتقدمة في حقه رضی الله عنه، وكذلك توثيق الإمام الحسن العسكري(علیه السلام) له ولولده محمد بن عثمان - النائب الثاني - كما تقدمت
1) المصدر: 417.
بعض الروايات الدالة علىٰ إرجاع السفير الثاني محمد بن عثمان الناس إلىٰ السفير الثالث الحسين بن روح في حياته، لتأكيد توثيقه واعتماده.
2 - إن نفس النقطة المتقدمة تقتض-ي أن يكون السفير علىٰ قدر كبير من الحكمة والاتزان في مواقفه وسلوكه بحيث يحافظ علىٰ سكينة المجتمع الشيعي واستقراره بعيداً عن المواقف الانفعالية.
قال الصفدي عن الحسين بن روح 2: (كثرت غاشيته حتىٰ كانت الأمراء يركبون إليه والوزراء والمعزولون عن الوزارة والأعيان، وتواصف الناس عقله، ولم يزل أبو القاسم علىٰ مثل هذا الحال حتىٰ ولي حامد بن العباس الوزارة فجرىٰ له معه أُمور وخُطوب يطول شرحها، وقبض عليه وسُجن خمسة أعوام، وأُطلِق من السجن سنة (312 ه-)، وقيل سنَة (313ه-) لما خُلِع المقتدر (الخليفة العباسي) فلما أُعيد إلىٰ الخلافة شاوروه فيه، قال: دعوه، فبخطيئته جرىٰ علينا مما جرىٰ، وبقيت حرمته علىٰ ما كانت عليه)((1)).
وقال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (وكان أبو القاسم (الحسين بن روح(رحمه الله)) من أعقل الناس عند المخالف والموافق، ويستعمل التقية)، واستشهد علىٰ ذلك ببعض الروايات منها:
أ - رواية أبي عبد الله بن غالب قال: (ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم حسين بن روح، ولعهدي به يوماً في دار ابن يسار
1) الوافي بالوفيات: 12/226.
(بشار) وكان له محلّ عند السيد(ة)((1)) والمقتدر عظيم، وكانت العامة أيضاً تعظّمه، وكان أبو القاسم يحضر تقية وخوفاً...)((2)).
ب - قال أبو نص-ر هبة الله: وحدّثني أبو أحمد درانويه الأبرص - الذي كانت داره في درب القراطيس - قال: قال لي: (إني كنت أنا وإخوتي ندخل إلىٰ أبي القاسم الحسين بن روح 2 نعامله - قال: وكانوا باعة - ونحن مثلاً عش-رة، تسعة نلعنه وواحد يشكك، فنخرج من عنده بعد ما دخلنا إليه تسعة نتقرب إلىٰ الله بمحبته وواحد واقف، لأنه كان يجارينا في فضل الصحابة ما رويناه وما لم نروه، فنكتبه عنه لحُسنه 2)((3)).
ويكشف لنا هذا النص مدىٰ قساوة الظروف والمعاناة التي كان يمرّ بها السفراء والشيعة آنذاك.
ومما يؤكد ما ذكرناه من ضرورة اتصاف السفير بالحكمة والصلابة وقوة الشخصية ما تقدّم عن أبي سهل النوبختي في تقييمه للحسين بن روح وصلابته أنه لو أُحرج أمام الخصوم وكان الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) تحت ثوبه لما رفع ثوبه وما كشف أمره لهم.
3 - رفد المجتمع الشيعي بتواقيع الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وهي علىٰ ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: ما تضمن توجيه الشيعة ابتداءً منه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) مثل تعيين السفير أو كشف حال المنحرفين والدجالين.
الصنف الثاني: ما تضمن الإجابة علىٰ أسئلة شيعته (عجل الله تعالی فرجه الشریف) المختلفة، سواء منها ما يتضمن الأحكام والتعاليم الش-رعية أم ما يرتبط بحلّ مشاكلهم وتوجيههم ونصحهم.
الصنف الثالث: ما تضمن نصوص بعض الأدعية والمستحبات.
أمّا الصنف الأول: فقد تعرضنا سابقا إلىٰ نماذج منها تضمنت تعيين بعض السفراء ومَن يخلفه.
ومن ذلك التوقيع الذي ظهر من الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بلعن محمد بن علي بن أبي العزاقر المعروف ب-(الشلمغاني)، وسوف نتعرض لذلك إن شاء الله تعالىٰ.
وأمّا الصنف الثاني: وهو ما تضمن الإجابة علىٰ أسئلتهم وحل مشاكلهم التي يواجهونها في حياتهم اليومية فقد تعرضت المصادر الروائية للعديد من تلك التواقيع، منها:
أ - ما ذكره الصدوق (رحمه الله) قال: حدّثنا محمد بن أحمد الشيباني وعلي بن محمد الدقاق والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدِّب وعلي بن عبد الله الورّاق ݢ قالوا: حدثنا أبو الحسين بن محمد بن جعفر الأسدي 2 قال: كان في ما ورد عليّ من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان (قدس سرّه) في جواب مسائلي إلىٰ صاحب الزمان:
(وأمّا ما سألت عنه من أمر الوقف علىٰ ناحيتنا وما يُجعل لنا ثم يحتاج إليه صاحبه، فكلّ ما لم يُسلَم فصاحبه فيه بالخيار، وكلّ ما سُلِّم فلا خيار لصاحبه، احتاج إليه صاحبه أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنىٰ عنه...
(يلاحظ أن هذا الجواب يتضمن حكماً فقهياً ثانوياً، ويسلّط الضوء علىٰ دور الفقيه في فهم طبيعة الحكم الذي تتضمنه النصوص الش-رعية وضرورة التمييز بين الحكم الأولي والحكم الثانوي الذي يتغير بتغيّر موضوعه والظروف التي تحيط بالمكلّف والمجتمع، وأن عدم وضوح ذلك آنذاك أوجب الاختلاف بين الشيعة في الحكم المذكور).
(وأمّا ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا صنيعة ويسلّمها من قيّم يقوم بها ويعمرها ويؤدي مِن دخلِها خراجَها ومؤنتَها ويجعلُ ما يبقىٰ من الدخل لناحيتنا، فإن ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيِّماً عليها، إنما لا يجوز ذلك لغيره.
(هذا الجواب يشير إلىٰ ما يسميه الفقهاء (حق المارّة) وقد تعرّضوا لحكمه مفصلاً في المصادر الفقهية).
ب - ما روي في توقيعات إجابات أسئلة أهالي (قم) المعروفة، منها:
التوقيع: «تخرج في جنازته».
التوقيع: «تزور قبر زوجها، ولا تبيت عن بيتها...».
1) كمال الدين وتمام النعمة: 520-521.
التوقيع: «العمل في شهر رمضان في لياليه. والوداع يقع في آخر ليلة منه، فإن خاف أن ينقص جعله في ليلتين»((1)).
ج - كتاب آخر وفيه:
وعندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة، وينسجون لنا ثياباً، فهل تجوز الصلاة فيها [من] قبل أن تُغسَل؟
الجواب: «لا بأس بالصلاة فيها..».
الجواب: «إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامَه واقبل بِرّه، وإلّا فلا»((1)).
هذا، وقد تكون صياغة بعض التواقيع المروية من جانب السفير نفسه، إذا كان متيقنا من جواب السؤال الوارد إليه، ولو بسبب ورود نظيره سابقاً وجواب الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) عنه آنذاك، كما هو الحال في لجان الإفتاء في مكاتب المراجع الدينيين في عص-رنا حيث يقتص-ر إرجاع الاستفتاء للمرجع نفسه علىٰ صورة عدم معرفتهم بالجواب، لكن هذا يختص بما إذا لم يكن التوقيع بخط الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) أو منسوباً إليه شخصياً.
1) الغَيبة للطوسي: 381-383.
وأمّا الصنف الثالث: وهو ما تضمن الأدعية وبعض المستحبات والآداب العامة ونحوها وذلك من خلال تواقيع نقلتها المصادر المختلفة، وقد حُفظت العديد من الأدعية التي تضمنتها تواقيع الإمام(عجل الله تعالی فرجه الشریف)، منها:
أ - دعاء الافتتاح المعروف الذي يُقرأ في ليالي شهر رمضان المروي عن السفير الثاني محمد بن عثمان (رحمه الله)((1))، ولا يبعد أنه قد أخذه من الإمام(عجل الله تعالی فرجه الشریف) نفسه.
ب - ما تضمنه التوقيع الذي رواه الشيخ الصدوق بسنده عن أبي علي بن همام، وذكر أن الشيخ العمري (قدس سرّه) أملاه عليه وأمره أن يدعو به، وهو الدعاء في غَيبة القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
«اللهم عرّفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيّك، اللهم عرفني نبيك فإنك إن لم تعرفني نبيَّك لم أعرف حجتك، اللهم عرّفني حجتك فإنك إن لم تعرّفني حجتك ضللت عن ديني، اللهم لا تُمِتْني ميتةً جاهلية، ولا تُزغ قلبي بعد إذ هديتني...»((2)).
ج - الدعاء المعروف: «إلهي بحق من ناجاك وبحق من دعاك في البر والبحر، تفضل علىٰ فقراء المؤمنين والمؤمنات بالغناء والثروة، وعلىٰ مرضىٰ المؤمنين والمؤمنات بالشفاء والصحة، وعلىٰ أحياء المؤمنين والمؤمنات باللطف والكرم وعلىٰ أموات المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة والرحمة وعلىٰ غرباء المؤمنين والمؤمنات بالردّ إلىٰ أوطانهم سالمين غانمين، بمحمد وآله أجمعين»((1)).
إن السفارة عن الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) شأنها شأن باقي العناوين الدّينية المقدّسة والمحترمة التي ادّعاها البعض كذباً وزوراً علىٰ مرّ التاريخ منذ أوائل غَيبة الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وإلىٰ عص-رنا الحاضر، وسوف نمرّ مروراً سريعاً علىٰ العديد من هؤلاء الأدعياء والدجالين، منهم:
أ - أبو محمد المعروف ب-(الشريعي):
روىٰ الشيخ الطوسي بسنده عن محمد بن همام قال: (كان الشريعي يكنىٰ بأبي محمد، قال هارون: وأظن اسمه كان (الحسن) وكان من أصحاب أبي الحسن علي بن محمد، ثم الحسن بن علي بعده (علیهم السلام)، وهو أوّل من ادّعىٰ مقاماً لم يجعله الله فيه، ولم يكن أهلاً له، وكذب علىٰ الله وعلىٰ حججه (علیهم السلام)، ونسب إليهم ما لا يليق بهم وما هم منه براء،
1) مهج الدعوات: 295.
فلعَنَتْهُ الشيعة وتبرَّأَتْ منه، وخرج توقيع الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بلعنه والبراءة منه. قال هارون: ثم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد)((1)).
ب - محمد بن نصير النميري:
قال ابن نوح: (أخبرنا أبو نص-ر هبة الله بن محمد قال: كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي (علیهما السلام) فلما توفي أبو محمد ادعىٰ مقام أبي جعفر محمد بن عثمان أنه صاحبُ إمامِ الزمان(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وادعىٰ (له) البابية، وفضحه الله تعالىٰ بما ظهر منه من الإلحاد والجهل، ولعنِ أبي جعفر محمد بن عثمان له، وتبرّيه منه، واحتجابه عنه. وادعىٰ ذلك الأمر بعد الشريعي)((2)).
ويبدو أنه قد تمادىٰ في دَجله، ففي صحيحة سعد بن عبد الله قال: (كان محمد بن نصير النميري يدّعي أنه رسول نبيّ وأن عليّ بن محمد(علیه السلام) أرسله، وكان يقول بالتناسخ ويغلو في أبي الحسن (علیه السلام) ويقول فيه بالرّبوبية، ويقول بالإباحة للمحارم و...)((3)).
وقد عايشنا أكثر من واحد ممّن يشبه ذلك في عص-رنا حيث بدأ بادعاءات منحرفة محدودة ثم تمادىٰ في أباطيله ودَجله إلىٰ سخافات مقرفة.
ج - أحمد بن هلال الكرخي:
وقد ظهر التوقيع علىٰ يد أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) بلعنه والبراءة منه في جملة مَن لُعِن((1)).
د - أبو طاهر محمد بن علي بن بلال:
وقد ذكر الشيخ الطوسي (رحمه الله) ادعاءه أنه الوكيل، حتىٰ تبرّأت الجماعة منه ولعنوه، وخرج فيه من صاحب الزمان (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ما هو معروف((2)).
ه- - الحسين بن منصور الحلاج:
وقد ذكر الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عن هبة الله بن محمد الكاتب أنه ادعىٰ الوكالة عن صاحب الزمان (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وأنه حاول إغواء إسماعيل بن علي النوبختي 2 فلم يفلح، وانفضح أمره((3)) وحكيت عنه ادعاءات غريبة.
وقد تعرضت بعض المصادر التاريخية إلىٰ جوانب من سيرته وادعاءاته((4)).
و - أبو جعفر محمد بن علي بن أبي العزاقر المعروف ب-(الشلمغاني):
وكانت له وجاهة في بداية أمره، حتىٰ إنه ألّف كتاباً في الفقه سماه (كتاب التكليف) اشتهر بين الشيعة آنذاك، ويرىٰ بعض المحققين أنه نفس الكتاب الذي يعرف اليوم ب-(فقه الرضا)((1)).
لكنه انحرف بعد ذلك وادعىٰ النيابة عن الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) أو عن الحسين بن روح (رحمه الله)، ثم تمادىٰ في الانحراف والتخليط حتىٰ خرج التوقيع بلعنه والبرائة منه، واشتهرت أباطيله في المجتمع حتىٰ رُفع أمره للراضي العباسي فقتله((2)).
ز - أبو بكر البغدادي:
حيث ادَّعىٰ السفارة بعد السفير الرابع علي بن محمد السمُري(رحمه الله)، فأعرض عنه الشيعة وتبرؤوا منه ولعنوه، قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (وحُكي أنه توكّل لليزيدي بالبص-رة، فبقي في خدمته مدّة طويلة وجمع مالاً عظيماً، فسُعي به إلىٰ اليزيدي، فقبَض عليه وصادره وضربه علىٰ أُم رأسه حتىٰ نزل الماء في عينيه، فمات أبو بكر ضريراً)((3)).
ويلاحظ أن جلّ المنحرفين - في كل العصور - يبدأ انحرافهم محدوداً ثم يتطور ليتمادَوْا فيه، وقد يصل إلىٰ ادعاءات واهية واضحة البطلان، فضلاً عن تجاوزهم علىٰ المعايير والقيم الأخلاقية، لأن منشأ انحرافهم أحد أمرين أو كلاهما:
الأول: حالة العُجب والغرور المفرط بأنفسهم والذي يؤدي إلىٰ خصال أخلاقية مذمومة مثل حسد الآخرين والاستخفاف بهم والتنكّر لمقامهم العلمي، وتنامي حالة الحقد في نفوسهم تجاه غيرهم.
وهي كلّها من الآفات والخصال المذمومة التي تأباها الفطرة الإنسانية السليمة، وقد تضمّنت الكثير من النصوص الش-رعية التحذير منها ومن عواقبها وآثارها، ففي صحيحة معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): «آفةُ الدّينِ الحسَدُ والعُجبُ والفخر»((1)).
الثاني: الانجرار وراء الهوىٰ وحبّ الذات والمقام والجاه والمال وغير ذلك، بحيث يتحوّل إلىٰ الهدف من العلم أو الجهد الذي يبذلونه بدلاً من الإخلاص لله تعالىٰ وأداء الوظيفة الإنسانية والش-رعية وخدمة الصالح العام والمجتمع، وهو ما عُبّر عنه في بعض الروايات (بحبّ
1) الكافي: 2/307.
الدنيا) الذي حذّرت النصوص الش-رعية منه من آثارها، ففي موثقة هشام عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «رأس كلّ خطيئةٍ حبُّ الدنيا»((1)).
وقد أشارت بعض الآيات والروايات والشواهد التاريخية إلىٰ أن مثل هؤلاء قد يبدؤون بارتكاب ذنوب عادية، ثم يؤدي التَسامح فيها إلىٰ انحرافات عقائدية تتفاقم تدريجياً، قال الله تعالىٰ: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (الروم: 10)، وفي رواية سَماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله (عزوجل) سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (الأعراف: 182/القلم: 44) قال: «هو العبدُ يُذنب الذنبَ، فتجدد له النعمة معه تلهيه تلك النعمة عن الاستغفار من ذلك الذنب»((2)).
ومن هؤلاء المنحرفين الذين تمادَوا تدريجياً حتىٰ أوغلوا في الانحراف العديد من الأشخاص في كل عص-ر، سواءً في عصور الأئمة السابقين (علیهم السلام) أم في عص-ر الغَيبة الصغرىٰ أم في عص-ر الغَيبة الكبرىٰ، منهم:
أ - المغيرة بن سعيد الذي كان يكذب علىٰ الإمام الباقر (علیه السلام)، ففي رواية عبد الرحمن بن كثير قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام) يوماً لأصحابه: «لعن الله المغيرة بن سعيد.. إن المغيرة كذب علىٰ أبي (علیه السلام) فسلبه الله الإيمان، وإن قوماً كذبوا عليَّ، ما لهم؟ أذاقهم الله حرّ الحديد...»((3)).
ب – د - علي بن أبي حمزة البطائي وزياد بن مروان القندي وعثمان بن عيسىٰ الرواسي الذين كانوا من رؤوس الواقفة علىٰ الإمام الكاظم(علیه السلام) حيث جرّهم الطمع في الأموال إلىٰ الانحراف العقائدي والقول بالوقف علىٰ الإمام الكاظم (علیه السلام) وإنكار إمامة الإمام الرضا(علیه السلام)، قال الشيخ الطوسي: (فروىٰ الثقات أن أول من أظهر هذا الاعتقاد علي بن أبي حمزة البطائي وزياد بن مروان القندي وعثمان بن عيسىٰ الرواسي طمعوا في الدنيا، ومالوا إلىٰ حطامها واستمالوا قوماً فبذلوا لهم شيئاً مما اختانوه من الأموال نحو حمزة بن بزيع وابن المكاري وكرّام الخثعمي وأمثالهم)((1))، وهؤلاء كلهم صاروا من (الفرقة الواقفة).
ه- - محمد بن نصير النميري الذي ادعىٰ النيابة الخاصة عن الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) بعد النائب الأول عثمان بن سعيد - كما تقدّم - فقد ذكر ابن نوح (قال: أخبرنا أبو نص-ر هبة الله بن محمد قال: (كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي (علیهما السلام)، فلما توفي أبو محمد ادعىٰ مقام أبي جعفر محمد بن عثمان أنه صاحب إمام الزمان وادعىٰ (له) البابية، وفضحه الله تعالىٰ بما ظهر منه من الإلحاد والجهل...) ووصل به الحال إلىٰ ما قاله عنه سعد بن عبد الله (كان يقول بالتناسخ، ويغلو في أبي الحسن (علیه السلام) ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم...)((2)).
وغيرهم كثير علىٰ مرّ العصور.
وقد رأينا في عص-رنا تمادي عدّة أشخاص في الانحراف - بأنحاء مختلفة - بسبب الغرور والعُجب أو الطمع والهوىٰ أو الحسد أو غير ذلك. أعاذنا الله تعالىٰ جميعاً من شرور أنفسنا ومن كل سوء.
1 - هناك مرحلتان من الغَيبة عُرفت الأولىٰ بالغَيبة الصغرىٰ والثانية بالغَيبة الكبرىٰ.
2 - الغَيبة الصغرىٰ هي فترة وجود السفراء الخاصين بالإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف)، والغَيبة الكبرىٰ هي فترة ما بعد السفير الرابع، حيث لا يكون فيها سفير خاص للإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف).
3 - تمتد الغَيبة الصغرىٰ من وفاة الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) عام (260ه-) إلىٰ وفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري (رحمه الله) عام (328 أو 329) وهي حوالي سبعين عام.
4 - السفراء أربعة وهم:
أ - أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله).
ب - محمد بن عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله) المعروف بالخلاني (ت 305ه-).
ج - أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بكر النوبختي (رحمه الله) (ت 326ه-).
د - أبو الحسن علي بن محمد السمري (رحمه الله) (ت 328 أو 329ه-).
5 - السفراء الأربعة (رحمهم الله) عاشوا ودفنوا في بغداد.
6 - كان هناك وكلاء معتمدون مرتبطون بالسفراء الأربعة، وفي طولهم.
7 - ظهر العديد من أدعياء السفارة والدجالين، ذكرت المصادر التاريخية، منهم:
أ - أبو محمد الشريعي.
ب - محمد بن نصير النميري.
ج - أحمد بن هلال الكرخي.
د - أبو طاهر محمد بن علي بن بلال.
ه- - الحسين بن منصور الحلاج.
و - محمد بن علي بن أبي العزاقر المعروف ب-(الشلمغاني).
8 - التوقيعات التي كانت تصدر عبر السفراء علىٰ أصناف، أهمها ثلاثة:
أ - الصنف الأول: ما تضمن توجيهات للشيعة مثل تعيين سفير ومعالجة فتنة وغير ذلك.
ب - الصنف الثاني: ما تضمن الإجابة علىٰ أسئلة الشيعة المتنوعة وحلّ مشاكلهم.
ج - الصنف الثالث: ما تضمّن بعض المستحبات كالأدعية ونحوها.
9 - الغَيبة الكبرىٰ تمتد من وفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري من (328 أو 329ه-) إلىٰ أن يأذن الله تعالىٰ بظهور الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
10 - أهم مؤهلات السفير (السفراء الأربعة).
أ - أن يكون علىٰ درجة عالية من الاعتماد والوثاقة.
ب - أن يكون متزناً وحكيماً.
ج - أن يكون صلباً وصبوراً.
د - أن يكون عالماً.
الأسئلة:
س1: ما هي فترة الغَيبة الصغرىٰ؟
س2: متىٰ بدأت الغَيبة الكبرىٰ؟
س3: اذكر أسماء النواب الأربعة؟
س4: اذكر ثلاثة من أدعياء السفارة؟
س5: ما هي أهم أصناف التوقيعات الصادرة عن الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) في عصر الغَيبة الصغرىٰ؟
س6: ما هي أهم مؤهلات السفراء الأربعة (رحمهم الله) في عص-ر الغَيبة الصغرىٰ؟
1 - أبرز معالم فترة الغَيبة الكبرىٰ - مهما امتدت - هو عدم وجود سفير خاص أو رابط بين الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) والأُمة، لذلك اتفق شيعة آل البيت (علیهم السلام) علىٰ تكذيب كلّ من يدعي السفارة أو أي علاقة خاصة بينه وبين الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، ولم يدّعِ أي عالم من علماء الشيعة - مهما علا شأنه - أيّ ارتباط بينه وبين الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) حتىٰ في أحلك الظروف والفتن والمصائب التي حلّت بالمجتمعات الشيعية في عص-ر الغَيبة الكبرىٰ، ورفضوا كلّ من تسوّل له نفسه مثل هذه الادعاءات.
2 - إن ظروف الغَيبة الكبرىٰ تختلف باختلاف العصور والمجتمعات، وليس هناك ظرف واحد سائد فيها.
3 - إن مرجعية شيعة آل البيت (علیهم السلام) في الغَيبة الكبرىٰ من الناحية النظرية، ومصدر التش-ريع عندهم هي نفس مرجعيتهم قبل الغَيبة الكبرىٰ، وأهمها الكتاب العزيز والسُّنة من خلال الروايات المعتمدة المحفوظة عن النبي(صلی الله علیه و آله) والأئمة (علیهم السلام).
وأمّا من الناحية العلمية الإثباتية حيث لا يوجد سفير أو رابط خاص معيَّن من جانب الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) فيعتمدون في معرفة تعاليم دينهم الإسلامي الحنيف علىٰ المعايير المعتمدة التي تبرئ ذمتهم أمام الله تعالىٰ، وذلك أن التعاليم الدينية علىٰ صنفين أساسيين - عدا صنوف أخرىٰ ثانوية -:
الصنف الأول: التعاليم العقائدية.
الصنف الثاني: الأحكام الفقهية.
أمّا التعاليم العقائدية فكل إنسان يعتمد فيها علىٰ الحجة التي تقوم عنده وفق مستواه العلمي - كما تم توضيحه في البحوث العقائدية -.
وأمّا الأحكام الفقهية فمعرفتها لا تتيس-ر من دون تخصّص في علم الفقه وسائر العلوم التي يتوقف عليها استنباط هذه الأحكام، وكلما امتدت الفترة الزمنية كانت عملية استنباط الأحكام الفقهية أكثر تعقيداً وتتطلب جهوداً علمية مضنية ومتخصصة، فلذلك كانت أمام شيعة أهل البيت (علیهم السلام) ثلاثة خيارات:
الخيار الأول: هو التخصص في هذه العلوم، والذي يصطلح عليه (الاجتهاد في الفقه).
الخيار الثاني: الاحتياط، بأن يفعل الإنسان كل ما يحتمل كونه واجباً، ويتجنّب كل ما يحتمل كونه محرّماً، وإن لم تقم حجة شرعية علىٰ وجوب الأول وحرمة الثاني.
الخيار الثالث: الرجوع للمختصين المؤهَّلين لاستنباط الحكم الفقهي، وهم (الفقهاء) و(المجتهدون) كما هو الحال في سائر موارد الرجوع للمختصين والأكفاء في العلوم الأخرىٰ.
ونظراً لعدم تيسّ-ر الخيارين الأولين لعموم شيعة آل البيت (علیهم السلام)، لأنّ الخيار الأول يستلزم أهليَّة الشخص للتخصص العلمي، وتفرّغه لذلك لسنوات طويلة، ولا يتيس-ران لعموم الناس المنشغلين بإدارة شؤونهم وأعمالهم الخاصة لتوفير مستلزمات الحياة لهم ولعوائلهم، ولتلبية مستلزمات التخصص في العلوم الأخرىٰ التي يحتاجها المجتمع، فليس من المنطق والحكمة أن يترك الناس أعمالهم ويتفرّغوا سنين طويلة للتخصص في العلوم التي يتوقف عليها الاجتهاد الفقهي، كما هو واضح.
وأمّا الخيار الثاني: فهو خيار شاق يتعس-ّر علىٰ أكثر الناس ويوجب إرباك الوضع الاجتماعي العام.
فكان الخيار الثالث هو الخيار العلمي والميس-ّر والعقلائي الذي دأبت عليه المجتمعات البش-رية علىٰ مرّ العصور، والمطبَّق في كل موارد الاختصاصات العلمية الأخرىٰ، فالمريض يراجع الطبيب المختص، وصاحب الحق القانوني يراجع المحامي أو المختص بالقانون لكسب حقه، فكذلك في المجالات الش-رعية يراجع الفقيه المختص بعلم الفقه القادر علىٰ استنباط الحكم الش-رعي من المصادر الش-رعية المعتبرة، ليكون معذوراً شرعاً، تجنباً لإهمال التكاليف الشرعية والتخبّط فيها.
ويطلق علىٰ الفقيه والمجتهد المذكور مصطلح (المرجِع) كما يطلق علىٰ نفس عملية الرجوع إلىٰ المرجع عنوان (التقليد) باعتبار أن المقلِّد أو غير المختص يتبع المقلَّد وهو المرجع المختص في آرائه الفقهية، كما يتبع المريض الطبيب المختص في رأيه في تشخيص وعلاج المرض أو باعتبار أن المقلِّد يحمّل المرجع المسؤولية، والمرجع يكون مسؤولاً أمام الله تعالىٰ بالنسبة لأعمال مَن يرجع إليه في الفتوىٰ، قال السيد محمد سعيد الحكيم: (المستفاد من بعض كلمات اللغويين وبعض استعمالات أهل اللغة: أن التقليد عبارة عن جعل الش-يء في عُنق الغير، ومن تقليد السيف...) وقول الصدّيقة (علیها السلام): في خطبتها الصغيرة «لا جرم والله لقد قلّدتهم ربَقتَها...» وقد أُطلق في العرف علىٰ متابعة الغير ومجاراته في الش-يء، ولعله بلحاظ أن التابع قد حَمّل المتبوع مسؤولية عمله، فكأنه جعله في عنقه وألزمه به((1)).
وقد اتضح مما ذكرناه أن التقليد ليس واجباً تعيينيّاً علىٰ كلّ شخص، بل هو خيار شرعي للتخفيف علىٰ عموم الناس وعدم إحراجهم بالاجتهاد في الفقه أو الاحتياط في الأحكام الفقهية((2)).
1) مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد): 21-22.
2) ومن خلال ما ذكرناه يتضح الجواب عن الحملة المضلِّلة لبعض الجهلة والمنحرفين ضد الحوزة العلمية والفقهاء بادعاء عدم مش-روعية التقليد، وذلك أنه إذا لم يكن التقليد مجزئاً للمسلم، يترتب عليه الحرج بلزوم الاجتهاد في الفقه أو الاحتياط، وكلاهما غير عملي ويوجب إرباك وضع المجتمعات الإسلامية، - كما أوضحناه - وكلّما تعدّدت الخيارات للإنسان كان ذلك أخفّ عليه.
وتدلّ علىٰ مرجعية الفقهاء أو تؤكدها العديد من النصوص الشرعية، منها:
1 - قوله تعالىٰ: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة: 122) (فإنّ التفقه عبارة عن تعلّم الأحكام واستنباطها من أدلتها)((1))، فإنّ هؤلاء المتفقِّهين بمثابة العلماء ذوي الاختصاص في عص-رنا، نعم كان التفقه بالنسبة إلىٰ المنظورين آنذاك في الآية الكريمة متيس-ّراً ولم يكن متوقفاً علىٰ بذل جهود مضنية، كما هو الحال في العصور المتأخرة بسبب البعد عن عصر النص، وتعقّد الحياة.
2 - النصوص الكثيرة الواردة في فضل العلم وتعلّمه والانتفاع به، والرجوع للعلماء والأخذ منهم والتحذير من الافتاء من غير علم، فإنّ تعلّم العلم والانتفاع به، والرجوع للعالم لا يراد بها خصوص ما أوجب القطع، بل الإشارة إلىٰ ما هو المعروف عند العرف من أخذ الفتوىٰ من العالم وقبول قوله، فالنصوص المذكورة بمجموعها ظاهرة
1) مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد).
في المفروغية عن جواز ذلك إمضاءً لمقتض-ىٰ سيرة المؤمنين علىٰ مرّ العصور((1))، (التي تسمىٰ سيرة المتشرعة) ومن هذه النصوص:
أ - صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: «إن الذي يُعلّم العلمَ منكم له أجر مثل أجر المتعلِّم، وله الفضل عليه، فتعلّموا العلمَ مِن حَملة العلم وعلّموه إخوانكم كما علّمكموه العلماء»((2))، ومن الواضح أن كثيراً من التعلّم لأجل العمل.
ب - صحيحة أبي عبيدة قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): «من أفتىٰ الناسَ بغير علم ولا هدىٰ من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر مَن عمل بفتياه»((3)).
ونحوها غيرها.
فإنّ ظاهرها إقرار مش-روعية أصل الافتاء ورجوع الناس للمفتين المؤهَّلين للفتوىٰ، لأن الرواية قد اقتص-رت علىٰ التحذير من الفتوىٰ من دون علم ولا حجة، وهي التي تصدر من غير المؤهَّلين للإفتاء، ولم تحذّر من صدور الفتوىٰ من المؤهَّلين، ولا من رجوع الناس إليهم.
ج - رواية إسحاق بن يعقوب قال: سألتُ محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألتُ فيه عن مسائل أشكلتْ عليَّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عجل الله تعالی فرجه الشریف): «أمّا ما سألتَ عنه أرشدك الله
وثبَّتك - إلىٰ أن قال -: وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»((1)).
د - ما رواه الطبرسي - في حديث - عن الإمام الصادق (علیه السلام): «فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً علىٰ هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه»((2)).
والمقصود من الفتوىٰ التي هي حجة هي الفتوىٰ التي يستنبطها الفقيه من مصادر التش-ريع، لا خصوص ما يتضمّنه النص الش-رعي حرفياً، كما تدل عليه بعض النصوص مثل صحيحة عبد الأعلىٰ مولىٰ آل سام قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): عثرت فانقطع ظفري، فجعلتُ علىٰ إصبعي مَرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: «يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله (عزوجل)، قال الله تعالىٰ: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78]، امسح عليه»((3))، فإنّ الرواية تدل علىٰ مش-روعية الاجتهاد، والاجتهاد من الفقيه إذا كان حجّة في عمل نفسِه يكون حجة علىٰ من يرجع إليه ويسأله، بمقتض-ىٰ الأدلة المتقدمة الدالة علىٰ مش-روعية رجوع الناس للفقيه الجامع للشروط.
3 - النصوص المتضمنة للرجوع في النزاعات إلىٰ العلماء فإنّها تتضمّن حجّية آراء هؤلاء القضاة وفتاواهم، لأن القاضي يعتمد علىٰ آرائه العلمية في تحديد الحقوق ومثبتاتها الش-رعية ويحكم علىٰ طبقها، من هذه النصوص:
أ - معتبرة((1)) أو مقبولة عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله(علیه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَين أو ميراث... فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران مَن كان منكم ممّن قد روىٰ حديثنا، ونظَر في حلالنا وحرامنا، وعرَف أحكامنا فليرضَوا به حكماً فإنّي قد جعلتُه عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه، فإنّما استُخِفَّ بحكم الله وعَلينا ردّ، والرادُّ علينا الرادُّ علىٰ الله...»((2)).
ب - رواية أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله (علیه السلام) إلىٰ أصحابنا، فقال: قل لهم: «إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارىٰ((3)) في شيء من الأخذ والعطاء أن تَحاكَموا إلىٰ أحدٍ من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم
رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضُكم بعضاً إلىٰ السلطان الجائر»((1)).
4 - النصوص العديدة التي تضمّنت إرجاع الأئمة (علیهم السلام) لبعض أصحابهم المعتَمدين عندهم في بلدان مختلفة، فإنّ هؤلاء الأصحاب كانوا يجتهدون في معرفة بعض الأحكام وتفاصيلها ويستنبطونها من النصوص الش-رعية المختلفة، مما يكشف عن حجية فتوىٰ المجتهدين - وفق الضوابط المذكورة في الفقه - بل في بعض هذه النصوص حثّ الأئمة (علیهم السلام) لأصحابهم في استنباط الأحكام الش-رعية من مصادرها المعتبرة والافتاء بها عند الحاجة. من هذه النصوص:
أ - رواية الفضل بن شاذان عن عبد العزيز بن المهتدي - قال: وكان خيرَ قمّي رأيتُه، وكان وكيلَ الرضا (علیه السلام) وخاصّتَه - قال: سألت الرضا (علیه السلام) فقلت: إني لا ألقاك في كلّ وقت، فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقال: «خذ عن [مِن] يونس بن عبد الرحمن»((2)).
ب - صحيحة شعيب العقرقوفي قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ربّما احتجنا أن نسأل عن الش-يء، فمَن نسأل؟ قال: «عليك بالأسدي - يعني أبا بصير -»((3)).
ج - رواية علي بن المسيّب الهمداني قال: قلت للرضا (علیه السلام): شقتي بعيدة، ولستُ أصلُ إليك في كل وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: «من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا»، قال علي بن المسيب: فلمّا انص-رفت قدمنا على زكريا بن آدم، فسألته عمّا احتجت إليه((1)).
ونحوها غيرها.
ومن الواضح أن إرجاع الأئمة (علیهم السلام) لهؤلاء الأصحاب باعتبارهم علماء معتمدين عندهم (علیهم السلام) من دون أن يعني ذلك عصمتهم من الخطأ في فهم الحكم، ولذلك عُرف اختلاف الاجتهاد بين بعض كبار أصحاب الأئمة (علیهم السلام) أحياناً كما تضمنته عدّة نصوص((2)).
يشترط في مرجع التقليد عدّة شروط ذكرها الفقهاء في المصادر الفقهية إلّا أن ما يهمنا هنا الإشارة إلىٰ شرطين:
وهو: (القدرة علىٰ استنباط الحكم الش-رعي من مصادر التش-ريع المعتمدة) ويستلزم ذلك أن يكون الشخص علىٰ مستوىٰ عالٍ من
التخصص العلمي في الفقه والعلوم الأخرىٰ التي يتوقف عليها استنباط الحكم الش-رعي، كما نلاحظه في علماء الشيعة علىٰ مرّ العصور حيث يص-رفون سنوات طوالاً من أعمارهم في دراسة وتدريس العلوم المختلفة والتعمق فيها إلىٰ أن تتوفر فيهم ملكة الاستنباط).
والذي يعرف اجتهاد المجتهد وتأهّله للاستنباط وتميّزه العلمي هم العلماء وأهل الخبرة في الحوزة العلمية دون غيرهم ممن لا يملكون الخبرة في تشخيص المجتهد في الفقه من غيره، كما أن الذي يميز الطبيب المختص في مجاله مثلاً هم الأطباء دون غيرهم، وكذلك حال غيره من المختصين في المجالات المعرفية الأخرىٰ.
هذا، وقد ذكر الفقهاء أن من شروط مرجع التقليد أن يكون أعلم من غيره من المجتهدين أو أن يكون من المتميّزين في مجال تخصصه الفقهي - علىٰ تفصيل مذكور في المصادر الفقهية -.
وهي: (ملكة إتيان الواجبات وترك المحرّمات)((1)) كما ذكره السيد الحكيم (رحمه الله)، أو (الاستقامة في جادة الش-ريعة المقدسة، وعدم الانحراف عنها يميناً وشمالاً بأن لا يرتكب معصية بترك واجب أو فعل حرام من دون عذر شرعي)((2)) كما ذكره السيد الخوئي (رحمه الله).
وذهب بعض الفقهاء إلىٰ أن العدالة المعتبرة في مرجع التقليد هي أعلىٰ مرتبةً من العدالة العادية المعتبرة في إمام الجماعة والشاهد، قال المرجع السيد محمد سعيد الحكيم - في استعراض الش-روط المعتبرة في المرجع -: (العدالة بمرتبة عالية، بأن يكون علىٰ مرتبة التقوىٰ تمنعه عادةً من مخالفة التكليف الش-رعي ومن الوقوع في المعصية وإن كانت صغيرة، بحيث لو غلبته نوازع النفس ودواعي الشيطان - ولو نادراً - فوقع في المعصية لأسرع للتوبة وأناب لله تعالىٰ)((3)).
ثمّ: إن فائدة هذا الش-رط هو ضمان أن فتوىٰ المرجع ومواقفه تنبع من قناعته واجتهاده بعيداً عن مصالح أو هوىٰ ونحو ذلك.
وقد كان نتاج تقيّد الجمهور الأعظم لشيعة آل البيت (علیهم السلام) في اختيارهم لمراجع التقليد واستقامة المراجع خلال القرون الطويلة منذ الغَيبة الكبرىٰ للإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وإلىٰ عص-رنا الحاضر حفظ مسيرة التشيع –عموماً - من الانحراف والتخبط والتبعية للسلطات القائمة، قال المرجع السيد محمد سعيد الحكيم (حفظه الله): (وحَقّ لهذه الطائفة أن ترفع رأسها فخراً واعتزازاً بمحافظتها علىٰ أحكام الله تعالىٰ، واهتمامها بأخذها من منابع التش-ريع الأصلية، وصمودها في ذلك متحدية أعاصير الزمن، وظلمات الفتن، علىٰ طول المدة وشدة المحنة) كل ذلك بفضل علمائها المخلصين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، وأتباعهم المؤمنين الذين لا يأخذون دينهم إلّا ممن هو أهل للأمانة في دينه وورعه وقدسيته، رافضين غيرهم ممن لا يتحلىٰ بالأمانة والورع...
وأمام أعينهم في ذلك تعاليم أئمة الهدىٰ من أهل البيت (علیهم السلام) المطابقة لحكم العقل السليم، وللكتاب المجيد وسُنة النبي(صلی الله علیه و آله)، فقد ورد عنهم (علیهم السلام) في ذلك الش-يء الكثير، وفي الحديث الش-ريف عن الإمام الصادق (علیه السلام): «فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً علىٰ هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه» وذلك لا يكون إلّا بعضَ فقهاء الشيعة لا جميعَهم...((1)).
فعلىٰ المؤمنين سددهم الله تعالىٰ - العلماء منهم والأتباع - أن يعرفوا عِظمَ المسؤولية الملقاة علىٰ عواتقهم، وثقلَ الأمانة التي حمّلها الله
1) وسائل الشيعة: 27/131.
تعالىٰ إياهم، وليكن الهمّ الأول والأخير للعالِم هو معرفة الحقيقة والحفاظ عليها والوصول للحكم الش-رعي من منابعه الأصلية، وبيانه أداء للوظيفة الش-رعية، من دون اهتمام بكثرة الأتباع والأنصار، ولا بالبهرجة وحبّ الظهور، ولا بغير ذلك من مغريات الدنيا الزائلة ودواعي الشيطان المهلكة وأمام عينيه قوله تعالىٰ: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (الحاقة: 44 - 47).
كما ليكن همّ الأتباع الخروج عن تَبِعة الأحكام الش-رعية بأخذها من العلماء العاملين من أهل الورع والتقوىٰ والنزاهة والإخلاص والاستقامة.
وقد يقف الناس حيارىٰ - لملابسات خاصة وظروف طارئة - أمام كثرة الدعاوىٰ وتعدد الاتجاهات إلّا أن ذلك لا ينبغي أن يجرّ للتفريط في الوظيفة والتقصير في أداء الواجب، إذ مهما التبست الأمور وشبّهت الفتن فإن الله جلّت آلاؤه لا يضيع حجته ولا يخفي معالم دينه - بفضله ورحمته إن شاء الله - علىٰ من حاول البحث عنها وجهد في الوصول إليها وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (العنكبوت: 69)، قُلْ فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (الأنعام: 149)((1)).
1) منهاج الصالحين (السيد محمد سعيد الحكيم): 1/8-10.
تضمنت العديد من الروايات التأكيد علىٰ انتظار المهدي المنتظر(عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وفضل المنتظرين له (عجل الله تعالی فرجه الشریف) - وفي بعضها أنه من الدّين، وفي أخرىٰ أنّ من عرف الإمام كان له أجر مَن نصره - من هذه الروايات:
1 - موثقة أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): يا بن رسول الله، هل تعرف مودتي لكم وانقطاعي إليكم وموالاتي إياكم؟ قال: فقال: «نعم»، قال: فقلت: فإني أسألك مسألة تجيبني فيها، فإني مكفوف البص-ر قليل المش-ي، ولا أستطيع زيارتكم كل حين قال: «هات حاجتك»، قلت: أخبرني بدينك الذي تُدين الله (عزوجل) به أنت وأهل بيتك لِأُدينَ اللهَ (عزوجل) به، قال: «إن كنت أقص-رتَ الخُطبة فقد أعظمتَ المسألة، والله لأُعطينّك ديني ودين آبائي الذي نُدين الله (عزوجل) به، شهادة أنْ لا إله إلّا الله، وأنَّ محمداً رسول الله(صلی الله علیه و آله) والإقرار بما جاء من عند الله، والولاية لولايتنا، والبراءةَ من عدوّنا، والتسليم لأمرنا، وانتظار قائمنا، والاجتهاد والورع»((1)). وقريب منها رواية إسماعيل الجعفي((2)) وغيرها.
2 - موثقة ثعلبة بن ميمون قال: «اعرف إمامك [فإنك] إذا عرفته لم يضرّك تقدم هذا الأمر أو تأخر، ومن عرف إمامه ثم مات قبل
أن يرىٰ هذا الأمر، ثم خرج القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) كان له من الأجر كمن كان مع القائم في فسطاطه»((1)).
ورغم أن الرواية مضمرة - أي لم يص-رح فيها باسم القائل - إلّا أن من الواضح انتسابها للإمام (علیه السلام) لأن مضمونها لا يناسب صدورها من غير الإمام (علیه السلام)، وقريب منها رواية عبد الله بن عجلان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «مَن عَرَف هذا الأمر ثم مات قبل أن يقوم القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) كان له مثل أجر مَن قُتِل معه»((2)).
3 - موثقة الفيض بن مختار قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كمن هو مع القائم في فسطاطه»، ثم مكث هنيئة ثم قال: «لا بل كمن قارع معه بسيفه» ثم قال: «لا والله إلّا كمن استُشهِد مع رسول الله(صلی الله علیه و آله)»((1)).
4 - معتبرة معاوية بن وهب قال: كنت جالساً عند جعفر بن محمد(علیهما السلام) إذ جاء شيخ قد انحنىٰ من الكبر، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال له أبو عبد الله: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا شيخ، ادنُ مني»، فدنا منه فقبّل يده وبكىٰ. فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): «وما يُبكيك يا شيخ؟» قال له: يا بن رسول الله، أنا مقيمٌ علىٰ رجاءٍ منكم منذ نحو من مائة سنة أقول: هذه السنة وهذا الشهر وهذا اليوم، ولا أراه فيكم، فتلومني أن أبكي!..
قال: فبكىٰ أبو عبد الله (علیه السلام) ثمّ قال: «يا شيخ إن أُخّرتْ منيّتك كنتَ معنا، وإن عُجّلتْ كنتَ يوم القيامة مع ثقل رسول الله(صلی الله علیه و آله)». فقال الشيخ: ما أبالي ما فاتني بعد هذا يا بن رسول الله. فقال له أبو عبد الله: «يا شيخ: إن رسول الله(صلی الله علیه و آله) قال: إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن
1) المحاسن: 150.
تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله المُنزَل وعترتي أهل بيتي، تجيء وأنت معنا يوم القيامة»، قال: «يا شيخ، ما أحسبُك من أهل الكوفة». قال: لا. قال: «من أين؟» قال: من سوادها - جعلت فداك -، قال: «أين أنت من قبر جدّي المظلوم الحسين؟»، قال: إني لقريب منه. قال: «كيف إتيانك له؟» قال: إني لآتيه وأُكثر. قال: «يا شيخ ذاك دم يطلب الله تعالىٰ به، وما أصيب ولد فاطمة ولا يُصابون بمثل الحسين (علیه السلام)، ولقد قُتِل (علیه السلام) في سبعة عشر من أهل بيته نصَحوا لله وصبروا في جنب الله فجزاهم أحسن جزاء الصابرين، إنه إذا كان يوم القيامة أقبل رسول الله(صلی الله علیه و آله) ومعه الحسين (علیه السلام) ويده علىٰ رأسه يقطر دماً فيقول: يا رب سل أُمتي فيمَ قتلوا ولدي!»((1))، ومثلها في محل الشاهد روايات أخرىٰ((2)).
من الطبيعي أن يكون لحدث مهم بل في غاية الأهمية وهو ظهور الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) إرهاصات وعلامات واضحة الدلالة عليه، تجنباً للشبهة والتباس الحق علىٰ الناس، وقد تضمنت الروايات الكثير من العلامات المفترضة، إلّا أن أسناد أكثرها غير معتبرة، وسوف نتعرض إلىٰ كلا الصنفين – ما دل عليه دليل معتبر، وبعض ما لم يدل عليه دليل معتبر -.
فهي أربع علامات:
وقد ذكرت الروايات لها مضمونين:
الأول: أن هناك صيحتين: تتضمن أولاهما: أن الحق مع علي(علیه السلام) وشيعته، والثانية: أن الحق مع مخالفيه.
والثاني: التصريح باسم المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) في الصيحة.
أمّا المضمون الأول فهو معروف والذي هو أحد العلامات الثابتة، وإليه ينص-رف عناوين (النداء) و(الصوت) و(الصيحة) الواردة في بعض الروايات، وقد تضمّنته كثير من الروايات، منها:
أ - موثقة زرارة بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «ينادي منادٍ من السماء: أن فلاناً هو الأمير، وينادي منادٍ: أنّ عليّاً وشيعته هم الفائزون». قلت: فمن يقاتل المهدي بعد هذا؟ فقال: «إنّ الشيطان ينادي: إن فلاناً وشيعته هم الفائزون - لرجل من بني أمية -» قلت: فمن يعرف الصادق من الكاذب؟ قال: «يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: (إنه يكون) قبل أن يكون ويعلمون أنهم المحقّون الصادقون»((1)).
ب - موثقة عبد الله بن سنان قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) فسمعت رجلاً من همدان يقول له: إن هؤلاء العامة يعيّرونا، ويقولون لنا: إنكم تزعمون أن منادياً ينادي من السماء باسم صاحب هذا الأمر! وكان متكئاً، فغضب وجلس. ثم قال: «لا تروه عنّي، وارووه عن أبي، ولا حرج عليكم في ذلك، أشهد أني قد سمعت أبي (علیه السلام) يقول: والله إن ذلك في كتاب الله (عزوجل) لبيّن حيث يقول: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: 4]، فلا يبقىٰ في الأرض يومئذٍ أحد إلّا خضع وذلّت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء: ألا إنّ الحقّ في علي بن أبي طالب (علیه السلام)
1) الغَيبة للنعماني: 272-273.
وشيعته». قال: «فإذا كان من الغد صعد إبليس...» قال: «فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت علىٰ الحق، وهو النداء الأول، ويرتاب يومئذٍ الذين في قلوبهم مرض –والله - عداوتنا...»((1)).
ونظيرها رواية عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (علیهما السلام)، وقد سأله عمارة الهمداني((2)).
وقد تضمّنت هذا المضمون روايات أخرىٰ والتي يبدو منها أنها قضية معروفة ومشهورة منذ عص-ر الإمام الصادق (علیه السلام) ففي موثقة هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن الجريري أخا إسحاق يقول لنا: إنكم تقولون: (نداءان) فأيهما الصادق من الكاذب؟
فقال أبو عبد الله (علیه السلام): «قولوا له: إن الذي أخبرنا بذلك - وأنت تُنكر أنّ هذا يكون - هو الصادق»((3))، ونحوها غيرها((4)).
وقد بلغ من شهرة الرواية المذكورة عن الإمام الباقر (علیه السلام) أن نُعيم بن حماد روىٰ عن سعيد أبي عثمان - الثقة عندهم - عن جابر الجعفي عنه(علیه السلام) قال: «ينادي منادٍ من السماء: ألا إن الحق في آل محمد، وينادي منادٍ من الأرض: ألا إن الحق في آل عيسىٰ - أو قال - العباس - أنا أشك فيه - وإنما الصوت الأسفل من الشيطان، ليلبِسَ علىٰ الناس». شك أبو عبد الله نُعيم((5)).
هذا كلّه بالنسبة للمضمون الأول للصيحة في السماء.
وأمّا المضمون الثاني: - وهو التص-ريح باسم الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) في السماء - فقد تضمّنته عدّة روايات، منها - إضافةً لبعض ما تقدّم آنفاً -:
أ - صحيحة محمد بن مسلم قال: «ينادي منادٍ من السماء باسم القائم، فيسمع ما بين المش-رق إلىٰ المغرب، فلا يبقىٰ راقد إلّا قام، ولا قائم إلّا قعد، ولا قاعد إلّا قام علىٰ رجليه من ذلك الصوت، وهو صوت جبرئيل الروح الأمين»((1)).
ب - صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «يشمل الناس موت وقتل حتىٰ يلجأ الناس عند ذلك إلىٰ الحرم، فينادي منادٍ صادق من شدة القتال: فيمَ القتل والقتال؟ صاحبكم فلان»((2)).
ج - رواية عبيد الله بن زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: «ينادىٰ باسم القائم فيؤتىٰ، وهو خلف المقام، فيقال له: قد نودي باسمك، فما تنتظر؟ ثم يؤخَذ بيده فيُبايَع».
قال: قال لي زرارة: (الحمد لله، قد كنّا نسمع أن القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) يُبايع مستكرَهاً، فلم نكن نعلم وجه استكراهه. فعلمنا أنه استكراه لا إثم فيه)((3)).
د - صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «ينادي منادٍ باسم القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف)». قلت: خاص أو عام؟ قال: «عام، يسمع كلّ قوم بلسانهم». قلت: فمن يخالف القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وقد نودي باسمه؟! قال: «لا يدَعُهم إبليس حتىٰ ينادي [في آخر الليل] ويشكك الناس»((1)).
ه- - وقد رويت عدّة روايات في مصادر الجمهور تتضمن ذلك أيضاً، منها:
ما رواه نُعَيم بن حمّاد بسنده عن أرطاة: قال: (إذا كان الناس بمنىٰ وعرفات نادىٰ منادٍ - بعد أن تحاربَ القبائل - (ألا إن أميركم فلان) ويتبعه صوت: (ألا إنه قد كذب) ويتبعه صوت آخر (ألا إنه قد صدق...)((2)). ونحوها غيرها.
و(منها) موثقتا زرارة وعبد الله بن سنان المتقدمتان، راجع صفحة 188.
وقد تضمنته عدة روايات، منها:
أ - معتبرة أبي حمزة الثمالي قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن أبا جعفر كان يقول: إن خروج السفياني من الأمر المحتوم. قال [لي]: «نعم، واختلاف ولد العباس من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم. وخروج القائم من المحتوم»، فقلت له: كيف يكون [ذلك] النداء؟ قال: «ينادي منادٍ في السماء أول النهار (ألا إن الحق في علي وشيعته) ثم ينادي إبليس لعنه الله في آخر النهار: (ألا إن الحق في السفياني وشيعته) فيرتاب عند ذلك المبطلون»((1)).
ب - صحيحة عمر بن يزيد قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): «إنك لو رأيت السفياني لرأيت أخبث الناس، أشقر أحمر أزرق...»((2)). ونحوها غيرها.
ج - معتبرة عبد الملك بن أعين قال: كنت عند أبي جعفر (علیه السلام) فجرىٰ ذكر القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) فقلت له: أرجو أن يكون عاجلاً ولا يكون سفياني. فقال: «لا والله، إنه لمن المحتوم الذي لابدّ منه»((1)).
د - رواية المعلىٰ بن خنيس عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «إن أمر السفياني من المحتوم وخروجه في رجب»((2)).
ه- - رواية عمر بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء»((3)).
و - موثقة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: «اتقوا الله واستعينوا علىٰ ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد في طاعة الله، فإن أشدّ ما يكون أحدكم اغتباطاً بما هو فيه من الدِّين لو قد صار في حدّ الآخرة، وانقطعت الدنيا عنه فإذا صار في ذلك الحدّ عرف أنه قد استقبل النعيم والكرامة من الله والبش-رىٰ بالجنة، وأَمِن ممن كان يخاف، وأيقن أن الذي كان عليه هو الحق، وأن من خالف دينه علىٰ باطل، وأنه هالك، فأبش-روا ثم أبش-روا بالذي تريدونه، ألستم تَرون أعداءكم يُقتَلون في معاصي الله، ويقتل بعضهم بعضاً علىٰ الدنيا دونكم، وأنتم في بيوتكم آمنون في عزلة عنهم، وكفىٰ بالسفياني نقمةً لكم من عدوّكم، وهو من
العلامات لكم، مع أنّ الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهراً أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم بأس حتىٰ يقتل خلقاً كثيراً دونكم... وإنّما فتنته حمل امرأة: تسعة أشهر ولا يجوزها إن شاء الله»((1)). يعني أن الفتنة تكون بمقدار حمل المرأة لجنينها عادةً، وهو تسعة أشهر.
وهو من اليَمن، كما تدل عليه نسبته إليها، نظير الخراساني نسبةً إلىٰ خراسان، ويبدو أنه ليس من البيت العلوي، وإلّا كان المناسب التنبيه علىٰ ذلك ونسبته إليهم، كما نسب السفياني إلىٰ أبي سفيان مع أنه ينتمي أيضاً إلىٰ أحد البلدان. وقد تضمّنت خروج اليماني عدة روايات، منها:
أ - رواية عمر بن حنظلة المتقدمة آنفاً.
ب - رواية أحمد بن محمد بن أبي نص-ر عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) أنه قال: «قبل هذا الأمر السفياني واليماني والمرواني وشعيب بن صالح...»((2)).
ج- - رواية أبي بصير عن أبي جعفر محمد بن علي (علیهما السلام)، وفيها: «... خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد... وليس في الرايات راية أهدىٰ من راية اليماني، هي راية هدىٰ، لأنه يدعو إلىٰ صاحبكم...»((3)).
ه- - رواية بكر بن محمد الأزدي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «خروج الثلاثة: الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد، وليس فيها راية بأهدىٰ من راية اليماني يهدي إلىٰ الحق»((1)).
د - رواية محمد بن مسلم قال: «يخرج قبل السفياني مص-ري ويماني)((2)). ونحوها غيرها.
ورغم أن سند هذه الروايات غير تام وفق ضوابط التوثيق السندي، إلّا أن كثرة هذه الروايات توجب الاطمئنان أو الظن القوي بصدور مضمونها، ولذلك اعتبرها البعض من العلامات الحتمية.
وقد تضمّنت ذلك عدة روايات بعضها اقتص-ر علىٰ ذكر ذلك مجملاً، وبعضها تضمّن بعض خصوصيات (النفس الزكية) أو ظرف مقتله، منها:
أ - معتبرة أبي حمزة الثمالي المتقدمة: قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن أبا جعفر كان يقول: إن خروج السفياني من الأمر المحتوم؟ قال [لي]: «نعم، واختلاف ولد العباس من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم...»((3)).
ب - روايته الأخرىٰ قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن أبا جعفر كان يقول: إن خروج السفياني من الأمر المحتوم و... فقال أبو عبد الله(علیه السلام): «واختلاف بني فلان من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم...»((1)).
ج- - رواية عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «خمس قبل قيام القائم من العلامات: الصيحة، والسفياني، والخسف بالبيداء، وخروج اليماني، وقتل النفس الزكية»((2)).
د - صحيحة شعيب الحدّاد عن صالح بن ميثم التمار قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «ليس بين قيام القائم وبين قتل النفس الزكية إلّا خمس عشرة ليلة»((3)).
ه- - رواية ميمون البان عن أبي عبد الله الصادق (علیه السلام)قال: «خمس قبل قيام القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف): اليماني والسفياني والمنادي ينادي من السماء، وخسف البيداء، وقتل النفس الزكية»((4)).
ولم تحدد الروايات المعتبرة هوية النفس الزكية ولا مكان قتله، نعم تضمّنت روايات أخرىٰ ذلك، منها:
أ - ما تضمن أنه يقتل في مكة بين الركن والمقام.
ب - ما تضمن أنه يقتل في المدينة.
ج- - ما تضمن أنه يقتل بظهر الكوفة. قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (قد جاءت الأخبار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وحوادث تكون أمام قيامه، وآيات ودلالات، فمنها: خروج السفياني، وقتل الحسني... وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام)((1))، فاعتبر النفس الزكية مقتولاً بظهر الكوفة، وأنه مغاير للحسني وللهاشمي المذبوح بين الركن والمقام.
ولكن كلّاً من هذه الروايات التفصيلية لا يمكن الاعتماد عليها، وأيضاً هذه العلامة ليست واضحة وحاسمة في الدلالة علىٰ ظهور الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف)، لإمكان تعدد ذوي النفوس الزكية المقتولين خلال فترة الغَيبة الكبرىٰ الطويلة.
وعلىٰ كلّ حال فإنّ العلامات الأربع المتقدمة تمثل الصنف الأول من علامات الظهور.
1) الإرشاد: 2/368.
فموارده عديدة تضمّنته روايات كثيرة، أهمها ما يلي:
وقد تضمنت ذلك عدة روايات من الخاصة والعامة، منها:
أ - رواية أبي حمزة الثمالي قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن أبا جعفر (علیه السلام) كان يقول: خروج السفياني من المحتوم، والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من المغرب محتوم... فقال أبو عبد الله (علیه السلام): «واختلاف بني فلان من المحتوم وقتل النفس الزكية من المحتوم وخروج القائم من المحتوم...»((1)).
ب - رواية عامر بن وائلة عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): «عش-ر قبل الساعة لابدّ منها: السفياني، والدجال، والدخان، والدابة، وخروج القائم، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسىٰ(علیه السلام) وخسف بالمش-رق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلىٰ المحشر»((2)).
ج - ما رواه البخاري بسنده عن رسول الله(صلی الله علیه و آله) قال: «لا تقوم الساعة حتىٰ تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها - ثم قرأ الآية -»((1)).
د - وفي رواية مسلم «أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها»((2)).
وهذه الروايات وإن لم يص-رح فيها بكون طلوع الشمس من مغربها من علامات ظهور الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) إلّا أن الكثير من الأعلام والباحثين فهموا منها ذلك، قال الشيخ المفيد: (لقد جاءت الأخبار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وحوادث تكون أمام قيامه، وآيات ودلالات، فمنها: خروج السفياني، وقتل الحسني،... وطلوعها - يعني الشمس - من المغرب...)((3)).
وقد تضمّنته عدّة روايات، منها:
1 - رواية بكر بن محمد الأزدي المتقدمة.
2 - رواية جابر عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: «تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان إلىٰ الكوفة، فإذا ظهر المهدي بعث إليه بالبيعة»((4)).
3 - رواية داوود الدجاجي عن أبي جعفر محمد بن علي (علیهما السلام) قال: «سُئل أمير المؤمنين (علیه السلام) عن قوله تعالىٰ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ [الزخرف: 65/مريم: 37 ]، فقال: انتظروا الفرج من ثلاث، فقيل: يا أمير المؤمنين، وما هنّ؟
فقال: اختلاف أهل الشام بينهم، والرايات السود من خراسان، والفزعة في شهر رمضان...»((1)).
4 - رواية أُبيّ عن أبي جعفر محمد بن علي (علیهما السلام) - في حديث - ثم قال (علیه السلام): «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخِرَز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كل وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات راية أهدىٰ من راية اليماني، هي راية هدىٰ، لأنه يدعو إلىٰ صاحبكم...»((2)).
5 - رواية جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر(علیهما السلام) - في حديث عن علامات ظهور القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) -: «فبينما هم كذلك إذ أقبلت رايات من قِبَل خراسان وتطوي المنازل طياً حثيثاً، ومعهم نفر من أصحاب القائم...»((3)).
وهناك علامات أخرىٰ غير مؤكّدة تضمنها بعض الروايات، يمكن للقارئ مراجعتها.
علامات الظهور المروية علىٰ صنفين:
الصنف الأول: ما دل عليه دليل معتبر.
الصنف الثاني: ما لم يدل عليه دليل معتبر.
الأول: ما دل عليه دليل معتبر أربع علامات:
1 - الصيحة في السماء.
2 - خروج السفياني.
3 - خروج اليماني.
4 - قتل النفس الزكية.
الثاني: ما لم يدل عليه دليل معتبر:
علامات كثيرة، منها:
1 - خروج الشمس من المغرب.
2 - خروج الخراساني.
العقيدة المهدوية كسائر المفاهيم العقائدية الصحيحة التي حدثت لدىٰ البعض فيها الانحرافات والبدع، بسبب عوامل متنوعة في مقدمتها الأهداف المشبوهة والمصالح الضيقة لدىٰ بعض ضعاف النفوس بهدف استغلال السذج والبسطاء.
ولإلقاء الضوء علىٰ الانحراف في العقيدة المهدوية بمختلف أبعاده وعوامله يتم البحث في ثلاثة أمور، وهي:
أقسام الانحراف، وأصناف المنحرفين، ومن ادُّعيت لهم المهدوية.
يتنوع الانحراف الحاصل في العقيدة المهدوية بين ثلاثة ادعاءات أساسية باطلة:
رغم وجود مئات الروايات الواردة في القضية المهدوية وإذعان جلّ المسلمين بالمهدي المنتظر إلّا أن بعض الأشخاص تجاهلوا كل النصوص المذكورة وأنكروا فكرة المهدي المنتظر من أساسها، من دون أن يذكروا ما يصلح حجةً لهم أو ما يصلح لمعالجة هذا الكم الهائل من النصوص المروية في المصادر المعتبرة للمسلمين، والكثير منها لها أسانيد معتبرة، فضلاً عن تسالم المسلمين عليها منذ الصدر الأول للإسلام - كما تقدم - ولذلك لم يستحق هذا الإنكار غير العلمي التوقف عنده والمناقشة فيه مادام لا يستند لِحُجة ويخالف الحجج المعتبرة.
حيث تقدّم أن هناك الكثير من الأشخاص قد ادّعوا المهدوية أو ادُّعيت لهم - منذ الصدر الأول للإسلام وإلىٰ عص-رنا الحاضر - ونظراً لدلالة الأدلة المعتبرة المتقدمة علىٰ تشخيص هوية الإمام المهدي المنتظر(عجل الله تعالی فرجه الشریف)، في مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) وأنه محمد بن الحسن العسكري(علیهما السلام)، فلم تعد لهذه الادعاءات الواهية قيمة ولا أثر يذكر لدىٰ أتباع هذه المدرسة.
نعم باقي المذاهب الإسلامية التي لم تتحدّد فيها هوية المهدي المنتظر يواجهون بين فترة وأخرىٰ مشكلة هذه الادعاءات وتأثّر بعض البسطاء بها.
وقد تكرّر هذا الادعاء منذ عص-ر الغَيبة الصغرىٰ - وبعناوين وأنحاء مختلفة - إلىٰ عص-رنا الحاضر، حيث يستغل أصحابها تأجج العاطفة الدينية وسذاجة بعض الناس وأطماع آخرين من ضعاف النفوس أو المشبوهين لنش-ر هذه الأباطيل المرفوضة في ثقافة ومتبنّيات مدرسة أهل البيت (علیهم السلام). وسيتم التعرض إلىٰ ما يرتبط بذلك من خلال البحث الآتي حول أصناف المنحرفين وسماتهم.
يلاحظ أن المنحرفين في العقيدة المهدوية - سواء كانوا أتباعاً أم متبوعين - ينحصرون - تقريباً - في ثلاثة أصناف:
حيث تبتني العقيدة المهدوية في مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) علىٰ تحديد شخصية المهدي المنتظر ونسبه، وهو أمر مادي وخارجي محدّد لا يقبل الخطأ والالتباس، فلذلك لا يلتبس الأمر فيه إلّا علىٰ عدد محدود جداً من السذّج والبلهاء الذين قد يتوهمون أحياناً تطبيق المهدي علىٰ غير شخصه الحقيقي، نعم هناك حالتان من الانحراف قد تحدثان بين فترة وأخرىٰ:
الأولىٰ: الانبهار بشخصيات بارزة:
حيث يتوهم بعض البسطاء والسذّج انطباق عنوان المهدي عليهم من دون أن يدعي هؤلاء ذلك.
لكن هذه الحالات نادرة وسرعان ما تنكشف الحقائق لأصحابها، خاصة عندما لا يجدون تجاوباً ممّن ادّعيت المهدوية لهم، بل الرفض والإنكار الواضح منهم.
الثانية: إذا اقتص-ر الادعاء علىٰ النيابة الخاصة أو نحوها من أنحاء الارتباط، بسبب بعض الالتباسات والأوهام التي تعتري أصحابها.
وهذه أيضاً نادرة في المدّعين وليست ذات بال ولا مؤثرة، إلّا إذا كان المدعي نفسه مخادعاً ودجالاً فقد يجد أتباعاً كثيرين، كما سيأتي.
نعم في غير مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) حيث لا تكون الهوية الشخصية للمهدي المنتظر محدّدة قد تحصل لدىٰ البعض التباسات فيدّعون لأنفسهم المهدوية اعتماداً علىٰ توفر بعض العلامات العامة المذكورة للمهدي في مصادرهم المعتمدة.
وهؤلاء هم أكثر أدعياء المهدوية خلال العصور المتفاوتة، حيث يدّعون لأنفسهم المهدوية لدوافع غير نزيهة كالحصول علىٰ امتيازات مادية أو مكانة اجتماعية أو بداعي التسلط علىٰ الآخرين أو نحو ذلك، مما يفرزه حبّ الدنيا المفرط، والذي هو رأس كل خطيئة - كما تضمنته بعض النصوص التي تقدم بعضها -.
ويتميز المؤثرون في المجتمع من هؤلاء عادةً بثلاث خصال، وهي:
1 - الذكاء -ولو نسبياً- الذي يجعلهم يجيدون توظيف إمكاناتهم أو مواهبهم الشخصية لخداع المجتمع والتدليس عليهم.
2 - الموهبة، مثل قوة الشخصية أو قوة التأثير في المجتمع أو البيان الساحر والمؤثر، ويلحق بذلك العلوم الغريبة مثل السحر والشعوذة ونحوهما، فيستغلون هذه المواهب والإمكانيات بطريقة بشعة لتضليل بعض البسطاء والسذّج.
3 - الشخصية القلقة وغير المتزنة التي تؤدي إلىٰ الانحراف السلوكي أو علىٰ الأقل انعدام الاستقامة والاتزان اللذَيْن يناسبان الإيمان الحقيقي والعدالة المطلوبة في كلّ من يتبوأ مقاماً دينياً أو علمياً أو اجتماعياً رفيعاً، كما يلاحظ عند بعض ضعاف النفوس والطامعين أو الذين هم ضحايا الغرور والإعجاب الفادح بالنفس، والكثير من هؤلاء يتنكّرون لنسبهم الحقيقي، ويدّعون انتسابهم للبيت العلوي زوراً، لإيهام السذّج بانطباق روايات المهدي عليهم.
وهم فئة من مدعي المهدوية أو مدعي الارتباط بالمهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وذلك أن خصوم المسلمين وأعداء شيعة أهل البيت (علیهم السلام) أدركوا - خاصة في العصور المتأخرة - دَور الدّين في حياة المسلمين فجعلوا من جملة سياساتهم التلاعب بتعاليم الدين وتوجيه المجتمعات بما ينسجم مع مصالحهم ونفوذهم، ونظراً لإيمان المسلمين وخاصة شيعة أهل
البيت (علیهم السلام) بقضية المهدي المنتظر واستحكامها في نفوسهم، ولوجود جوانب من الغموض والإبهام لدىٰ المجتمع الإسلامي عموماً بتفاصيل وخصوصيات هذه القضية الاعتقادية، فمن الطبيعي أن يجعلوا من ضمن سياساتهم استغلالها من خلال توظيف بعض ضعاف النفوس وتوجيههم بادعاء المهدوية أو الارتباط المباشر بالمهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) لتمزيق شمل الأمة والمجتمع من ناحية، والتأثير فيهما من ناحية أخرىٰ بواسطة هؤلاء الدجالين الذين باعوا دينهم وضمائرهم لأعداء الأمة مستغلين الارتباط الروحي والعقائدي للمسلمين عموماً ولشيعة أهل البيت(علیهم السلام) بالمهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
وأهم سمات هؤلاء الدجالين وحركتهم - إضافة للخصال الثلاث المتقدمة في الصنف الثاني - ثلاثة أمور:
الأول: الغموض الذي يحيط بشخوصهم - ولو في بعض مراحل حياتهم - وعلاقاتهم وحركتهم المشبوهة والمثيرة.
الثاني: انسجام حركتهم ومواقفهم وتعاليمهم مع مواقف ومصالح خصوم الأمة والمجتمع، ومن مؤشرات ذلك نش-ر ثقافة الكراهية والعدوان والعنف داخل الوسط الشيعي، وقد رأينا في عص-رنا بعض هذه الجماعات التي تربي أتباعها علىٰ الحقد الأعمىٰ تجاه العلماء والحوزات العلمية، والدعوة إلىٰ عمليات القتل والإبادة الجماعية لهم لإرباك الوضع الأمني وتمزيق المجتمع الشيعي.
الثالث: الإمكانات المادية الهائلة وأدوات التأثير الاجتماعي المتنوّعة التي لا تنسجم مع إمكانات المجتمع والأتباع والمحيط الذي يحيط بهم.
وهذا مؤشر قوي علىٰ ارتباطاتهم المشبوهة ودعمهم الخارجي المريب.
ثالثاً: من ادعيت لهم المهدوية، وهم علىٰ صنفين:
الصنف الأول: مَن لم يدّعوا أو لم يثبت ادعاؤهم المهدوية، بل فيهم من نفىٰ صراحةً ادعاء المهدوية.
الصنف الثاني: من ادعوا المهدوية بالفعل.
وحيث إنه لم يثبت ادعاء المهدوية مِن بعض مَن ادُّعيت لهم المهدوية، ارتأينا استعراض أهم من ادُّعيت لهم المهدوية عموماً - بمن فيهم مَن نفاها صراحة - من دون التفريق بين الصنفين، وهم:
1 - محمد بن الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام) المعروف ب-(ابن الحنفية) (ت 81ه- وقيل 87 ه-) حيث ادعىٰ بعض الكيسانية له المهدوية، وبعد وفاته ادّعوا غَيبته في شعب (رضوىٰ) حتىٰ قال (كثيّر) الشاعر ونسبت للسيد الحميري - قبل استبصاره - الأبيات المتقدمة المتقدِّمة المعروفة:
ألا إن الأئمة من قريش *** ولاة الأمر أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه *** هم أسباطنا والأوصياء
فسبطٌ سبطُ إيمانٍ وبِرٍّ *** وسبطٌ قد حوته كربلاء
وسبطٌ لا يذوق الموت حتىٰ *** يقود الجيش يقدمه اللواء
يَغيب - فلا يُرىٰ - عنّا *** برضوىٰ عنده عسل وماء((1))
1) كمال الدين: 1/32.
2 - زيد بن علي بن الحسين الشهيد (علیه السلام) (66ه- - 122 ه-)
حيث حكي عن بعض أتباعه ادعاء أنه المهدي المنتظر، حتىٰ قال حكيم بن عياش الكلبي - شاعر البلاط الأموي - معرِّضاً بهم في ضمن أبيات له:
صلبنا لكم زيداً علىٰ جذع نخلة
ولم نر مهديّاً علىٰ الجذع يُصلب((1))
باعتبار أن الحاكم الأموي قد صلبه علىٰ جذع نخلة أربع سنوات، وبعدها تم إحراق جسده وذرّه في الفضاء.
ولكن زيداً لم يدّع ذلك، ولا هو معروف بين أصحابه الزيدّية المنتسبين إليه، وقد يكون ذلك جزءاً من حملات التسقيط والتشويه من إعلام السلطة وأتباعها ضد زيد الشهيد وأتباعه أو أن عدداً محدوداً من أتباعه قد توهّموا مهدويته آنذاك.
3 - محمد بن عبد الله بن الحسن (المعروف بذي النفس الزكية) (ت145ه-) وقد تضمنت بعض المصادر التاريخية أنه قد ادعيت له المهدوية، فقد روىٰ أبو الفرج الأصبهاني أنه (كان أهل بيته يسمونه المهدي، ويقدّرون أنه الذي جاءت فيه الرواية)((2)) وقد اعتذر عبد الله بن
مسوّر بن مخرمة عن اتّباعه له بقوله: (ما خرجت معه وأنا أشك في أنه المهدي، لما روي لنا في أمره)((1)).
4 - محمد المهدي العباسي بن عبد الله المنصور الدوانيقي (ت169ه-)
وقد روي أن والده المنصور العباسي سعىٰ سعياً حثيثاً للإيحاء للعامة بأن ولده محمداً هو المهدي المنتظر، وقد سخّر أشخاصاً يضعون الأحاديث في ذلك منهم مطيع بن إياس - الذي كان المنصور يشكر له قيامه في الخطباء، ووضعه الحديث لابنه في أنه المهدي - ((2)).
5 - إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) (ت158ه-):
ويبدو أن بعض الإسماعيليين الأوائل قد ادعوا له المهدوية، فبالرغم من موته في عص-ر أبيه الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) إلّا أن جماعة منهم زعموا أن إسماعيل (لا يموت حتىٰ يملك الأرض ويقوم بأمر الناس وأنه هو القائم)((3)).
6 - الإمام موسىٰ بن جعفر الكاظم (علیهما السلام) (128ه- - 183ه-):
حيث ادعىٰ الواقفية أنه المهدي المنتظر، وأنه حي لم يمت، واستمرّت هذه الفرقة لفترة ثم انقرضت، قال أبو عمرو الكش-ي في ترجمة محمد بن البشير: (... وله أصحاب قالوا بأن موسىٰ بن جعفر لم يمت ولم يُحبس وأنه غاب واستتر، وهو القائم المهدي...)((1)) وروىٰ بسنده عن الحسن (الحسين) بن قياما الصيرفي قال: سألت أبا الحسن الرضا (علیه السلام)، فقلت: جُعلت فداك، وما فعل أبوك؟ قال: «مض-ىٰ كما مضىٰ آباؤه (علیهم السلام)»، قلت: فكيف أصنع بحديث حدثني به زرعة بن محمد الحضرمي عن سماعة بن مهران: أن أبا عبد الله (علیه السلام) قال: (إن ابني هذا فيه شبه من خمسة أنبياء يُحسد كما حُسِد يوسف (علیه السلام)، ويغيب كما غاب يونس)، وذكر ثلاثة أُخر، قال: كذب زرعة، ليس هكذا حديث سماعة، إنما قال: «صاحب هذا الأمر يعني القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) فيه شبه من خمسة أنبياء»، ولم يقل: (ابني)((2))، علماً أن زرعة وابن قياما قد ورد في ترجمتها أنّهما كانا من الواقفة علىٰ الإمام الكاظم (علیه السلام) ولم يؤمنا بإمامة الإمام الرضا(علیه السلام)((3)).
7 - عبيد الله بن الحسين المهدي (260 - 322 ه-) مؤسس الدولة الفاطمية، حيث جاء في وصية أبيه (محمد الحبيب) له: (أنت المهدي) وقد اعترض عليه بعضهم ب-(أن المهدي يختم بالحجة ويأتي بالآيات الباهرة.. إن كنتَ المهديَّ فأظهر لنا آية، فقد شككنا فيك) ممّا أوجب تشكيكاً لدىٰ العامة به (فقتله المهدي) وقد وصف آباءه بالمهديين في الصلوات التي عمّمها علىٰ أتباعه في عهده (اللهم فصلِّ علىٰ عبدك وخليفتك القائم بأمر عبادك في بلادك أبي محمد الإمام المهدي بالله أمير المؤمنين، كما صلّيت علىٰ آبائه خلفائك الراشدين المهديين الذين كانوا يقضون بالحق وبه يعدلون)((1)).
8 - محمد بن عبد الله بن وجليد بن بامصال، المشهور ب-(ابن تومرت) المهدي (471أو474 - 524ه-) مؤسس دولة (الموحدين) في المغرب كانت مؤلفاته عاملاً أساسياً في انتشار الأشعرية في المغرب، ومزج بين أفكار ابن حزم الظاهري في دعوته...، ادعىٰ ابن تومرت أنه هو المهدي المنتظر، وقد ورد عن ابن تومرت في كتابه (أعز ما يطلب) ما يلي:
(... لا يصح قيام الحق في الدنيا إلّا بوجوب اعتقاد الإمامة في كل زمان من الأزمان إلىٰ أن تقوم الساعة... ولا يكون الإمام إلّا معصوماً، ليهدم الباطل، لأن الباطل لا يهدم الباطل... وأن الإيمان بالمهدي واجب، وأن من شك فيه كافر، وأنه معصوم في ما دعا إليه من الحق،
1) انظر: كتاب مهديان دروغين: 239. نقلاً عن كتاب (افتتاح الدعوة).
وأنه لا يكابرَ ولا يضادّ ولا يدافَع ولا يُعانَد ولا يُخالَف ولا ينازَع، وأنه فرد في زمانه، صادق في أقواله، وأنه يقطع الجبابرة والدجاجلة، وأنه يفتح الدنيا شرقها وغربها، وأنه يملؤها بالعدل كما ملئت بالجور، وأن أمره قائم إلىٰ أن تقوم الساعة...) وغيّر نسبه الأمازيغي إلىٰ نسَب الحسين بن علي (علیهما السلام) حفيد النبي محمد(صلی الله علیه و آله)((1))، وورد في بعض رسائله: (من محمد بن عبد الله العربي القرشي الهاشمي الحسيني الفاطمي المحمدي إلىٰ الفئة الباغية والشرذمة الطاغية)((2)).
9 - علي بن محمد رضا الشيرازي المعروف ب-(الباب) (1235ه- - 1266ه-):
حيث ادعىٰ في البداية أنه باب الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ثم زعم أنه هو المهدي وأضاف في الأذان عبارة: (أشهد أن علي محمداً بقية الله) وفي بعض المصادر: (علي محمد نائب الله) وأنه قد تمادىٰ في أباطيله إلىٰ ادعاء النبوة والإتيان بدين جديد((3)).
وقد تفرّعت علىٰ دعوته من بعد موته فرقة (البهائية) المعروفة.
10 - محمد أحمد المهدي السوداني (1843 - 1885م):
قاد الثورة المهدية ضد الحكم التركي المص-ري في السودان... يقول المهدي في خطابه إلىٰ محمد الطيّب البصير بتاريخ (4 نوفمبر
1880): (لا يخفىٰ عزيز علمكم أن الأمر الذي نحن فيه لابدّ من دخول جميع المؤمنين فيه إلّا من هو خالٍ من الإيمان، وذلك مما ورد في حقائق غيبية وأوامر إلهية وأوامر نبوية أوجبت لنا مهمات صرنا مشغولين بها... ثم تواترت الأنوار والبشائر والأسرار والأوامر النبوية والهواتف الإلهية بإشارات وبشارات عظيمة)((1)).
11 - محمد المهدي السنوسي بن محمد بن علي السنوسي مؤسس الطريقة السنوسية، والأسرة المالكة السابقة في ليبيا، تولىٰ الحكم في ليبيا بعد وفاة أبيه (1844 - 1902م) ادعىٰ المهدوية حتىٰ عرف ب-(محمد المهدي)((2)).
12 - محمد عبد الله القحطاني (ت1400ه-):
ادعىٰ أنه المهدي المنتظر، واحتل الحرم المكي الش-ريف مع مجموعة من المسلمين أبرزهم صهره جهيمان العتيبي، وبعد اشتباكات عنيفة مع القوات الأمنية والعسكرية السعودية قتل هو والعش-رات من جماعته بالإضافة إلىٰ مجموعة من الحجاج والمعتمرين والزائرين، وكذلك (270) رجل أمن سعودي، وقد استمرت المواجهات خمسة عش-ر يوماً حتىٰ استعانت السلطات السعودية بالفرنسيين الذين أرسلوا خبراء عسكريين للسيطرة علىٰ الحرم، وبعدها استسلم باقي المسلّحين منهم جيهان العتيبي فتم إعدامه مع ستين آخرين من الجماعة المذكورة.
وكان محمد بن عبد الله القحطاني من طلبة عبد العزيز بن باز - مفتي السعودية - ومن الجماعة السلفية المحتسِبة، واستند هو وجهيمان العتيبي في دعوىٰ المهدوية إلىٰ الأحلام، حيث كانا يدعيان إثبات ذلك بالأحلام! علماً أن جهيمان العتيبي كان عضواً في الحرس الوطني السعودي قبل ذلك، ورغم كونه قحطانياً إلّا أنه حاول انتسابه إلىٰ الإمام الحسن (علیه السلام)، ليصحّح ادعاء مهدويته((1)) باعتبار ما ورد عن النبي(صلی الله علیه و آله) أن المهدي المنتظر من بني هاشم ومن ذرية فاطمة الزهراء (علیها السلام).
12 - ضياء الگرعاوي (1969م - 2007م):
ادعىٰ أنه المهدي المنتظر، ورغم كونه غير هاشمي ومن أسرة الگرعاوي إلّا أنه ادعىٰ ادعاءً غريباً، وأنه ابن علي بن أبي طالب (علیه السلام)، وأن نطفته كانت في السماء خلال أكثر من ألف وثلاثمائة عام ثم استقرت في رحم أمه!
وجمع حوله مجاميع من البسطاء والسذج واشترىٰ أراضي شاسعة في منطقة (الزرگة) قرب مدينة النجف الأشرف مستغلاً الإرباك الاجتماعي والتجهيل الديني والثقافي الذي مارسه نظام الطاغية صدام بحق العراقيين خاصة شيعة أهل البيت (علیهم السلام)، خلال فترة حكمه الحالكة، وكذلك الفراغ الأمني عقيب سقوط النظام، وخطّط لاقتحام مدينة النجف الأشرف يوم عاشوراء عام (1427ه-) واحتلالها وقتل مراجع الدين وأساتذة الحوزة العلمية، إلّا أن الأجهزة الأمنية سبقته
1) انظر: ويكيبيديا الموسوعة الحرّة.
باقتحام مقرّه في منطقة (الزرگة) ودارت اشتباكات عنيفة بين الطرفين، قتل خلالها (ضياء الگرعاوي) مع عدد كبير من أتباعه، واعتقل المئات منهم((1)
هذا، وعثرت الأجهزة الأمنية علىٰ فيديو لضياء الگرعاوي، وهو يصفق ويرقص إلىٰ جانب نساء خليعات في الهند، وقد رأيت شخصياً المقطع المذكور الذي نش-رته بعض وسائل الإعلام، مما يؤكد دجله الفاضح، كما ذكر الناطق باسم وزارة الداخلية العراقية أنه لوحظ في جواز سفره كثرة تأشيرات السفر وتردده علىٰ بعض دول الجوار العربية الداعمة للإرهاب في العراق وكذلك علاقته ببعض التنظيمات الإرهابية، فضلاً عن الإمكانات الهائلة من الأسلحة والذخيرة التي كانت بحوزته، مما يؤكد ارتباطه بجهات سياسية إقليمية بهدف إرباك الوضع الأمني في العراق.
).أ - أهم أنحاء الانحراف في العقيدة المهدوية ثلاثة:
1 - إنكار المهدوية.
2 - ادعاء المهدوية.
3 - ادعاء الارتباط بالمهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف).
ب - أهم أصناف المنحرفين ثلاثة:
الصنف الأول: السذّج.
الصنف الثاني: الدجالون ويتميز المؤثرون منهم عادة بثلاثة أمور:
1 - الموهبة.
2 - الذكاء.
1) انظر: دنيا الوطن نقلاً عن الناطق باسم وزارة الداخلية العراقية.
3 - الشخصية القلقة التي تؤدي إلىٰ الانحراف النفس-ي أو السلوكي.
الصنف الثالث: المدسوسون.
أهم سماتهم ست:
1و2و3 - السمات الثلاث المتقدمة آنفاً في الصنف الثاني.
4 - الغموض الذي يحيط بشخوصهم أو أنشطتهم.
5 - انسجام مواقفهم مع مصالح الأعداء.
6 - الإمكانات المادية الهائلة.
ج- - ادعيت المهدوية للكثير من الأشخاص، ومنهم مَن لم يدّعها لنفسه أصلاً.
الأسئلة:
س1: ما هي أهم أنحاء الانحراف في العقيدة المهدوية؟
س2: ما هي أهم أصناف المنحرفين بخصوص العقيدة المهدوية؟
س3: بماذا يتميز الدجالون بخصوص القضية المهدوية؟
س4: بماذا يتميز المدسوسون الذين يحرفون الأُمة عن العقيدة المهدوية الصحيحة؟
صورة
نتناول في هذا الفصل –باختصار - الأُسس السليمة لتثقيف الجمهور بالعقيدة المهدوية، تجنباً للتأثر بالشبهات والإثارات التي يستغلّها المنحرفون.
أهم ما يركّز الأديان في نفوس أتباعها –عادة - ثلاثة أمور:
الأول: الحجة والبرهان.
الثاني: العاطفة.
الثالث: الإيمان بالغيب.
أمّا البرهان فيفترض أن يكون الأساس الذي يستند إليه الدّين باعتباره المثبِت لكونه حقّاً مطابقاً للواقع، وبذلك تختلف الأديان قوةً وضعفاً، فالدين الذي يمتلك البرهان والحجة القوية يرتكز في نفوس أتباعه ويصمد أمام الضغوط والتحديات المختلفة، بعكس الدّين الذي يفتقد الحجة القوية والمعتبرة، فيضطر رجاله وأتباعه إلىٰ اعتماد أساليب أخرىٰ لحفظ إيمان أتباعه وتمسكهم به.
وأمّا العاطفة فهي تفعّل حركة المجتمع باتجاه المبادئ والتعاليم التي يؤمن بها وتمنحها الحيوية والنشاط، بعكس المبادئ المجرّدة عن البعد العاطفي فإنها تفقد بريقها في المجتمع، إلّا أن تنامي العاطفة والمبالغة فيها له إفرازات سلبية علىٰ فهم التعاليم والقيم الدينية وتطبيقاتها ويفسح المجال للمنحرفين لحرف المجتمع وتوجيهه.
وأمّا الإيمان بالغيب فهو العنص-ر الذي يساهم في تعبّد الإنسان وخضوعه للمبادئ والتعاليم التي يؤمن بها، إلّا أن الغموض الذي يحيط بالأمور الغيبية - باعتبارها غير مألوفة للمجتمع - قد يفسح المجال لادعاءات واهية للمنحرفين والدجالين لإبعاد المجتمع عن القيم والتعاليم الدينية الأصيلة مستغلين الإبهام والغموض الذي يحيط بتلك الأمور الغيبية.
والدين الإسلامي كسائر الأديان يبتني علىٰ الاعتقاد بعالم الغيب في بعض المجالات، ومن أبرز تطبيقات الإيمان بالغيب في الإسلام موضوع (المهدي المنتظر) خاصة وفق مذهب أهل البيت (علیهم السلام) الذي يتبنىٰ الاعتقاد بولادة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وغَيبته.
ولوحظ أن هذا الموضوع قد اكتنفه بعض الغموض والالتباسات في الذهنية العامة أدّت إلىٰ ثغرات في بعض الأوساط وانحرافات عقائدية في أوساط اجتماعية متعدّدة وفي فترات زمنية متفاوتة، وما زالت تتحقق بين فترة وأخرىٰ، بينما نجد عدم حدوث هذه الاختراقات في أوساط الحوزة العلمية عادةً - إلّا في نطاق ضيّق وفي فترات زمنية
حرجة مرّت بها بعض الحوزات ومجتمعاتها - ممّا يكشف أن منشأ الثغرات والاختراقات عموماً هو طبيعة التثقيف الجماهيري بهذا الموضوع، وما تخلّله من خلل أو إرباك أدّىٰ إلىٰ ذلك.
وهذا يستدعي وقفة لرصد العوامل الأساسية لتلك الثغرات والإرباك، لتصحيح تثقيف الجمهور بالقضية المهدوية، وهو يتطلب إلقاء الضوء علىٰ الخصائص والظروف المحيطة بالقضية المهدوية، لأجل التعامل الموضوعي والعلمي السليم معها وذلك يقتض-ي البحث في أمرين، وهما:
1 - أهم خصائص وانعكاسات القضية المهدوية.
2 - الأسس السليمة للثقافة المهدوية.
يمكن تلخيص أهم خصائص وانعكاسات القضية المهدوية بخمسة أمور:
حيث كان من معالم العقيدة المهدوية في مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) غَيبة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) الطويلة والتي هي غير مألوفة في الذهنية العامة، فمن الطبيعي أن يحيط بها الإبهام وتكون منشأ للإثارات والتساؤلات، كما هو الحال في مماثلاتها مثل قضية نبي الله عيسىٰ والخض-ر (علیهما السلام)،
وكذلك كل ما هو غير مألوف للإنسان المتأثر عادةً بالمؤثرات والظواهر المادية في الحياة الدنيا، ولذلك نجد أن من أهم ما استنكره المش-ركون والمنكرون لرسالات الأنبياء (علیهم السلام) هو المعاد والحياة بعد الموت، كما يلاحظ من استعراض القرآن الكريم وتأكيده عليه في آيات كثيرة وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِ-يَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (يس: 78-79).
بل أخبرنا القرآن الكريم عن إبراهيم الخليل (علیه السلام) قوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىٰ قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلىٰ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُ-رْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة: آية 260) حيث رغب إبراهيم الخليل (علیه السلام) أن يرىٰ كيفية إعادة الخلق بالرغم من إيمانه النظري به.
إن القضية المهدوية ليست قضية اعتقادية مجرّدة، بل ترتبط بمصالح وطموح الجماهير وآمالها بكشف كرباتها ومعاناتها، فمن الطبيعي أن يكون لها بُعد جماهيري محاط بدوافع انفعالية وعاطفية مؤثرة، ممّا يوفّر أرضية خصبة لاندفاعات ومواقف غير عقلانية يتم استغلالها من جانب الدجالين والمنحرفين من أدعياء المهدوية أو
الارتباط بالإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) الذين يعتبرونها فرصة مؤاتية لاستغلال الاندفاع الجماهيري تحقيقاً لأطماعهم وأهدافهم الخبيثة وبث أباطيلهم الواهية، ويتأكد تأثير هذا العامل بملاحظة الظروف الصعبة والمعاناة الشديدة وعمليات القتل والإبادة الجماعية التي واجهها شيعة أهل البيت (علیهم السلام) علىٰ مرّ العصور وما زالوا يواجهونها والتي تحفّز فيهم البحث عن المخلّص والأمل الذي ينشدونه في أعماقهم، وهنا قد يبادر بعضهم بتصديق من ضعاف النفوس والدجالين للمهدوية أو أي ارتباط بالإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) من دون تروٍّ ولا بصيرة.
حيث كانت للقضية المهدوية تفاصيل غير واضحة لدىٰ الجمهور أو لهم فيها توقعات غير واقعية إمّا بسبب بعض الروايات غير المعتبرة أو مقولات أو تحليلات شائعة يتلقفها الجمهور من دون وعي وبصيرة، فمن الطبيعي أن يتم استغلالها من جانب المنحرفين والدجالين للتمويه علىٰ الأمة.
الملاحظ أن جلّ الروايات التي تتضمن تفاصيل حياة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف) وظروفه الخاصة وحركته وأنصاره وإرهاصات ظهوره وسيرته بعد ظهوره والأحداث السابقة والمقارنة لذلك ونحوها من
أخبار الملاحم غير ثابتة سنداً أو دلالة، فإذا أضيف لذلك تشوّق الجمهور لمعرفة هذه التفاصيل وتأثير البُعد القصص-ي فيه، فإن كل ذلك يساهم في تسويق أباطيل الجهلة والمنحرفين الذين يطبقونها علىٰ أنفسهم أو يضيفون إليها أباطيل أخرىٰ، لخداع الجمهور وتضليلهم واستغلالهم.
المغريات الذاتية للطامعين وضعاف النفوس، والمغريات التي تقدم للمدسوسين منهم من جانب أعداء الأمة في سبيل إضلالها والسيطرة عليها أو تدميرها، خصوصاً أن بعض هؤلاء يستغلون الإرباك الأمني فيستخدم العنف والقتل في مواجهة من يتصدّىٰ لكشف ادعاءاته الواهية وأباطيله، ممّا يوجب حذر وخشية بعض المبلّغين الدينيين وغيرهم من المخلصين من التصدي له، لعدم وجود جهات تُعنىٰ أو تهتم بحمايتهم أو عدم توفر الظروف المناسبة لتأمين حمايتهم.
بملاحظة ما تقدم من خصائص وإفرازات القضية المهدوية يفترض تشذيب التثقيف بالقضية المهدوية بملاحظة التوصيات التالية:
الأولىٰ: طرح العقيدة المهدوية بكل أبعادها بطريقة منهجية وبوضوح تام، وإزالة الإبهام في جوانب هذه القضية من خلال حشد الشواهد والأدلة المتعدّدة الرافعة للغموض والشبهة، طبعاً وفق المعايير العلمية والشرعية المعتمدة، ومنها التذكير بحالات غَيبية مماثلة ثابتة لدىٰ المسلمين مثل غَيبة وظهور نبي الله عيسىٰ والخِض-ر (علیهما السلام)، وخروج أصحاب الكهف.
الثانية: تجنّب الإفراط في إذكاء العواطف والآمال لدىٰ الجمهور التي تُفقِد البسطاء صوابهم بترقّب غير واقعي للظهور المرتقب أو أي ارتباط بالإمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف) فيحفزهم ذلك علىٰ الاندفاع بتصديق ادعاءات الدجّالين والمنحرفين المنسجمة مع الترقب المذكور.
الثالثة: التأكيد في التثقيف العام بالقضية المهدوية علىٰ البعد الشرعي العقائدي لها باعتبارها إحدىٰ المرتكزات الايمانية العقائدية التي دلّت عليها الأدلة المعتبرة بعيداً عن المصالح الشخصية للأشخاص مما
يعني اعتماد الضوابط الش-رعية في كلّ ما يرتبط بها، وعدم التركيز علىٰ ما يترتب علىٰ ظهوره (عجل الله تعالی فرجه الشریف) من الفرج ورفع البلاء وتطبيق العدالة وتحقيق آمال الجماهير فيها، طبعاً من دون الإهمال المطلق لذلك، بل جعله ثانوياً ومن ثمار ظهوره (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وليس الأساس في الاعتقاد بها.
الرابعة: التأكيد علىٰ الهدف الأسمىٰ من انتظار الفرج والظهور، وهو أداء الوظيفة الذي لا يقتص-ر علىٰ تحقيق الظهور، بل يكون بالإيمان الراسخ والاستقامة في السلوك والصبر والثبات أمام التحديات والمحن، وتجنب الوقوع في مهبّ الفتن والانحراف، فإنّ ذلك هو الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن المنتظِر للظهور والفَرج، كما تضمّنته عدّة نصوص عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام)، منها:
1 - صحيحة زرارة قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): «اعرف إمامك فإنك إذا عرفتَه لم يضرّك تقدّم هذا الأمر أو تأخر»((1)).
2 - الحديث عن الإمام الباقر (علیه السلام) عندما سأله أبو بصير عن قول الله تعالىٰ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (البقرة: 269) ما عنىٰ بذلك؟
فقال (علیه السلام): «معرفة الإمام (علیه السلام) واجتناب الكبائر... فمن مات وهو عارف بالإمامة لم يضرّه تقدّم هذا الأمر أو تأخر، فكان كمن هو مع
1) الكافي: 1/371.
القائم في فسطاطه، قال: ثم مكث هنيئة ثم قال: لا، بل كمن هو قاتل معه، ثم قال: لا، بل - والله - كمن استُشهِد مع رسول الله(صلی الله علیه و آله)»((1)).
3 - موثقة ثعلبة بن ميمون المتقدمة((2)).
4 - معتبرة معاوية بن وهب المتقدمة((3)).
5 - رواية عبد الحميد الواسطي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر(علیهما السلام) قال: قلت له: أصلحك الله، لقد تركنا أسواقنا انتظاراً لهذا الأمر، فقال (علیه السلام): «يا عبد الحميد، أتَرىٰ مَن حبس نفسَه علىٰ الله (عزوجل) أن لا يجعل الله له مخرجاً؟ بلىٰ والله، ليجعلَنَّ الله له مخرجاً، رحم الله عبداً حبس نفسه علينا، رحم الله عبداً أحيا أمرنا». قال: قلت: فإن متّ قبل أن أدرك القائم؟ قال: «القائل منكم: (أن لو أدركتُ قائم آل محمد نصرتُه) كان كالمقارع بين يديه بسيفه، لا بل كالشهيد معه»((4)).
6 - رواية عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): العبادة مع الإمام منكم المستتر في دولة الباطل أفضل أم العبادة في ظهور الحق ودولته مع الإمام الظاهر منكم؟
فقال: «يا عمار، الصدقة - والله - في الس-ر [في دولة الباطل] أفضل من الصدقة في العلانية، وكذلك عبادتكم في الس-رّ مع إمامكم
المستتر في دولة الباطل أفضل، لخوفكم من عدوّكم في دولة الباطل وحال الهدنة، ممن يعبد الله في ظهور الحق مع الإمام الظاهر في دولة الحق، وليس العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة مع الأمن في دولة الحق...» قال: فقلت: جعلت فداك فما نتمنىٰ إذاً أن نكون من أصحاب القائم في ظهور الحق، ونحن اليوم في إمامتك وطاعتك أفضل أعمالاً من أعمال أصحاب دولة الحق؟ فقال: «سبحان الله أما تحبون أن يُظهِر الله (عزوجل) الحق والعدل في البلاد، ويحسنَ حال عامّة العباد ويجمع الله الكلمة ويؤلفَ بين قلوب مختلفة، ولا يُعص-ىٰ الله في أرضه، ويقامَ حدود الله في خلقه، ويردَّ الله الحق إلىٰ أهله فيُظِهروه حتىٰ لا يستخفي بش-يء من الحق مخافة أحدٍ من الخلق...»((1)). ونحوها روايات أخرىٰ مشابهة.
الخامسة: تجنُّب تثقيف الجمهور علىٰ مضامين أخبار الملاحم والتفاصيل غير الثابتة شرعاً، وذلك:
أوّلاً: لما فيه من تحمّل طائلة المسؤولية ومخالفة الضوابط الش-رعية المعتمَدة في بناء العقيدة والتي يُفترض أن ترتكز علىٰ براهين وأدلة معتبرة.
وثانياً: لما يترتب عليه من توفير أرضية خصبة للخصوم والمشكِّكين في الأُسس العقائدية الثابتة مستغلّين انتشار الثقافة المذكورة
1) كمال الدين وتمام النعمة: 2/585-586.
والمسلَّمات العامة - من التفاصيل والتطبيقات - غير الثابتة بأدلة معتبرة، للتشكيك في أصل العقيدة المهدوية، مما يوجب إرباكاً عاماً لدىٰ الجمهور، الذي يفقد ثقته آنذاك بالقضية المهدوية نفسها وغيرها من الأصول العقائدية الثابتة، فضلاً عن أنّ بعض مضامين هذه الروايات غير المعتبرة والمشهورات غير الثابتة قد تكون مادة دسمة للأدعياء والدجالين فيستغلّونها لتمرير ادعاءاتهم وأباطيلهم علىٰ الجمهور.
نعم لا مانع من طرح بحوث ودراسات علمية تخصصيّة في دائرة الأوساط العلمية حول بعض المضامين التفصيلية المفترضة، علىٰ أن لا يتم إقحام ذلك في ضمن التثقيف العام وتحويل القناعات الشخصية للبعض إلىٰ مسلّمات عامة، لما في ذلك من السلبيات المشار إليها آنفاً، وقد يتم استغلالها من أطراف منحرفة أو نافذة، كما حدث في قضايا أخرىٰ مثل مسألة (خلق القرآن) التي هي مسألة ثانوية تخصصيّة أثار طرحها علىٰ الملأ العام إرباكاً وأحدث فجوة كبيرة في المجتمع الإسلامي لفترة طويلة حينها، وقد استغلّتها السلطات المتعاقبة لمصالحها وتثبيت دعائم حكمها.
السادسة: التأكيد علىٰ مرجعية العلماء المعروفين بالعلم والتقوىٰ في تحديد معالم القضية المهدوية باعتبارهم يمثلون الخط الشيعي العام في عص-ر الغَيبة، والحصن الحصين للأُمة من الانحراف والضياع - كما أكدته النصوص الش-رعية الكثيرة الواردة عن النبي(صلی الله علیه و آله) والأئمة(علیهم السلام)-
المنسجمة مع العقل والسيرة العقلائية الجارية علىٰ الرجوع لذوي الاختصاص - كما تقدم مفصّلاً -.
ونظراً لدور هؤلاء العلماء في تحصين الأمة من الانحراف صاروا أول الأهداف التي يستهدفها الطغاة بالقمع والإبادة، والدجالون المنحرفون بالتشويه والتسقيط، فكل الدجالين - ومنهم أدعياء المهدوية والبابية والنيابة الخاصة ونحوهم - يستهدفون العلماء المذكورين ويحاولون سلب ثقة الجمهور بهم، ليتسنىٰ لهم بث أباطيلهم والسيطرة علىٰ المجتمعات بعد سلب مرجعيتهم المعتمدة.
السابعة: التعامل بسعة الصدر مع الإثارات والاستفسارات المثارة، بل السبق إلىٰ معالجة الشبهات قبل استفحالها واتِّساع تأثيرها في الأوساط الاجتماعية، وأن تتم معالجتها علىٰ أُسس شرعية وموضوعية، قبل استفحالها في المجتمع، وذلك من خلال الخطوات التالية:
أ - التثقيف السليم بالنحو المتقدم آنفاً.
ب - استعراض الادِّعاءات الباطلة علىٰ مرّ العصور وبيان سلبياتها وتحذير المجتمع من الوقوع في ورطة ضحاياها.
ج - ربط الإثارات والادِّعاءات الحديثة بما سبقها في العصور السابقة، دفعاً لتوهم كونها من مبتكرات الأدعياء المعاصرين - الذين
يموّهون علىٰ الجمهور بادِّعاء ذلك - ولتحذير الأُمة من أن يكونوا من ضحاياها كما حدث لغيرهم في عصور سابقة.
د - كشف هوية ودوافع الأدعياء المزيّفة والمشبوهة بملاحظة تأريخهم والمعطيات والشواهد الموضوعية الكاشفة عن طمعهم وانحرافهم وأحياناً ارتباطاتهم ومواقفهم المشبوهة.
أ - أهم الخصائص والظروف المحيطة بالقضية المهدوية أربعة:
1 - البُعد الغيبي البارز فيها.
2 - ارتباطها بمصالح وآمال الجماهير.
3 - تشعب القضية المهدوية.
4 - عدم اعتبار أكثر الروايات المتضمنة للتفاصيل.
ب - الأُسس الصحيحة للتثقيف العام بالقضية المهدوية ثمانية:
1 - طرح القضية المهدوية بكل أبعادها بوضوح وأدلة مقنعة للجمهور.
2 - التعامل بسعة صدر مع الشبهات بعيداً عن الانفعال والتشنج.
3 - تجنب الإفراط في إذكاء العواطف والآمال بآثار ظهور المهدي.
3 - التأكيد علىٰ البعد العقائدي الش-رعي للقضية المهدوية وعدم التركيز علىٰ الظهور وما يترتب عليه من رخاء.
4 - التأكيد علىٰ الهدف الأسمىٰ من انتظار الفَرج، وهو أداء الوظيفة في عصر الظهور دون المصالح الشخصية.
5 - تجنب تثقيف الجمهور علىٰ أخبار الملاحم والغيبيات غير الثابتة بطرق معتبرة.
6 - التأكيد علىٰ مرجعية العلماء المعتمدين للأُمة في عصر الغَيبة.
7 - الردود المناسبة علىٰ الشبهات المثارة.
صورة
صورة
وفي الختام: أسأل الله تعالىٰ أن يهدينا جميعاً - خصوصاً شبابنا الأعزاء - صراطه المستقيم وأن يعصمنا من الزلل والانحراف، ويرزقنا خير الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
هذا، وقد ابتدأت بكتابة هذا الكتاب (الثقافة المهدوية/دروس منهجية) في يوم الأربعاء (27/شعبان 1438ه-) وتم الانتهاء من نسخته الأولىٰ في يوم الإثنين (14/ذي القعدة 1438ه-).
ثم أضفت إليه إضافات مهمة أواخر جمادىٰ الأولىٰ عام (1439ه-) وتمت مراجعته في ليلة (24 شوال 1439ه-) آملاً أن يكون نافعاً للمؤمنين والمؤمنات خاصة طلبة الحوزات العلمية والجامعات وكلّ المهتمين بالقضية المهدوية، داعياً الباري تعالىٰ أن يتقبّله بقبولٍ حسن، وأن يجعله ذخراً لي يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَىٰ اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (الشعراء: 88 - 89).
والحمد لله رب العالمين
رياض الحكيم
1 - القرآن الكريم.
2 - الأئمة الاثنا عش-ر/تأليف شمس الدين محمد بن طولون (ت 953 ه-) تحقيق صلاح الدين المنجد منشورات الرضي/ قم.
3 - إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات/تأليف محمد بن الحسن الحر العاملي مؤسسة الأعلمي للمطبوعات/ بيروت/الطبعة الأولىٰ (1425ه- - 2004م).
4 - أخبار الدول وآثار الأول في التأريخ/ تأليف أحمد بن يوسف بن أحمد الدمشقي القرماني (939 - 1019 ه-) الناشر عالم الكتب/بيروت.
5 - الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان/علاء الدين بن بلبان الفارسي(ت739ه-) دار الكتب العلمية/بيروت.
6 - اختيار معرفة الرجال/أبو جعفر الطوسي/مؤسسة آل البيت لإحياء التراث/مطبعة بعثت/قم 1404ه-.
7 - الإرشاد في معرفة حجج الله علىٰ العباد/الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان العُكبَري البغدادي (336 - 413 ه-) مطبعة مهر/قم الطبعة الأولىٰ (1413ه-).
8 - الاستبصار فيما اختلف من الأخبار/محمد بن الحسن الطوسي (ت460ه-) دار الكتب الإسلامية/طهران 1390 ه-.
8 - الإصابة في تمييز الصحابة/ابن حجر العسقلاني (773ه- - 852 ه-).
9 - أصول الحديث وأحكامه/الشيخ جعفر السبحاني/مؤسسة النشر الإسلامي /قم /الطبعة الخامسة 1420ه-.
10 - أصول علم الرجال/تقرير بحث الشيخ مسلم الداوري/تأليف محمد علي المعلّم/مؤسسة المحبين للطباعة والنشر/قم/الطبعة الأولىٰ 1426 - 2005م.
11 - إعلام الورىٰ بأعلام الهدىٰ/أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (القرن السادس الهجري) مؤسسة آل البيت (علیهم السلام)/مطبعة ستارة/قم الطبعة الأولىٰ 1417ه-.
12 - إقبال الأعمال/السيد علي بن موسىٰ بن طاووس (ت 664ه-).
13 - الإمام المهدي من المهد إلىٰ الظهور/تأليف السيد محمد كاظم القزويني/دار المرتض-ىٰ بيروت 1426ه- - 2005م الطبعة الأولىٰ.
14 - الإمامة والسياسة/عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (213 - 276 ه-)/انتشارات الش-ريف الرضي/مطبعة أمير/قم الطبعة الأولىٰ 1414ه-.
15 - أمالي الطوسي/أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت460ه-) دار الثقافة/قم/الطبعة الأولىٰ 1414ه-.
16 - بحوث في الملل والنحل/تأليف الشيخ جعفر السبحاني/الناشر مؤسسة الإمام الصادق/المطبعة اعتماد/قم الطبعة الثانية 1423ه-.
17 - البداية والنهاية/إسماعيل بن عمر بن كثير (ت774ه-)/الناشر دار الفكر العربي/دار النيل/مص-ر/الطبعة الأولىٰ 1351ه- - 1933م.
18 - البيان في أخبار صاحب الزمان/تأليف الحافظ الكنجي الشافعي/دار إحياء تراث أهل البيت/طهران - مطبعة فارابي/الطبعة الثالثة 1404ه-.
19 - تاريخ الإمام الثاني عشر/الشيخ عباس القمي/ترجمة وتحقيق السيد هاشم الميلاني/مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي / دار جواد الأئمة (علیهم السلام) بيروت/الطبعة الأولىٰ 1427ه- - 2006م.
20 - تاريخ بغداد/أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت463ه-)/دار الكتب العلمية/بيروت الطبعة الأولىٰ 1417ه-.
21 - التاريخ الكبير/إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري (ت256ه-) دار الكتب العلمية/بيروت.
22 - تاريخ ميّافارقين/تأليف أحمد بن يوسف بن علي بن الأزرق (510 - بعد 577 ه-).
23 - تذكرة الخواص/سبط ابن الجوزي (ت654) دار العلوم/بيروت.
24 - تفسير الطبري/محمد بن جرير الطبري (224 - 310ه-).
25 - التنقيح في شرح العروة الوثقىٰ/الشيخ ميرزا علي الغروي (1349 - 1419ه-) تقريرات بحوث السيد أبي القائم الخوئي/مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي/قم - إيران.
26 - تنقيح المقال في علم الرجال/الشيخ عبد الله المامقاني (ت351ه-)/ مؤسسة آل البيت لإحياء التراث/قم.
27 - الجامع الصحيح (سنن الترمذي)/أبو عيسىٰ محمد بن عيسىٰ بن سورة (209 - 297 ه-) دار إحياء التراث العربي/بيروت (1415ه- - 1995م).
28 - الجامع الصحيح/محمد بن إسماعيل البخاري (194 - 256ه-) دار إحياء التراث العربي/بيروت.
29 - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة/أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني(ت852ه-)/مجلس دائرة المعارف العثمانية/حيدر آباد - الهند/الطبعة الثانية 1392ه- - 1972م.
30 - دور أهل البيت (علیهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة/السيد محمد باقر الحكيم/مؤسسة تراث الشهيد الحكيم/النجف الأشرف/الطبعة الخامسة 2007م.
31 - ذخائر العقبىٰ في مناقب ذوي القربىٰ/محب الدين الطبري الشافعي (ت694ه-) دار الكتب العلمية/بيروت، الطبعة الأولىٰ 2006م.
32 - رجال الطوسي/محمد بن الحسن الطوسي (385ه- - 460 ه-) مؤسسة النشر الإسلامي/قم - الطبعة الرابعة 1428ه-.
33 - رجال النجاشي/أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي (372 - 450) مؤسسة النشر الإسلامي /قم.
34 - روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات/محمد باقر الخونساري (ت1313ه-).
35 - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها/محمد ناصر الألباني/مكتبة المعارف/الرياض 1415ه-.
36 - سنن ابن ماجة/أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت275ه-) دار الكتب العلمية/بيروت الطبعة الأولىٰ 1419ه- - 1998م.
37 - سنن أبي داوود/أبو داوود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت275ه-) /دار إحياء التراث العربي/بيروت.
38 - شبهات وردود/السيد سامي البدري/مطبعة شريعت 1442ه- (الطبعة الرابعة للكتاب والأولىٰ لمطبعة شريعت).
39 - الشجرة المباركة في الأنساب الطالبية محمد بن عمر الرازي (ت 606ه-) مطبعة حافظ/قم/الطبعة الثانية 1419ه-.
40 - شواهد النبوة/تأليف عبد الرحمن الجامي.
41 - صحيح مسلم/مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت261ه-) دار إحياء التراث العربي/بيروت.
42 - الصواعق المحرقة/أحمد بن حجر الهيثمي (899 - 974 ه-) مكتبة القاهرة/مصر.
43 - الطبقات الكبرىٰ/ محمد بن سعد/ دار الكتب العلمية بيروت 1990.
44 - عدة رسائل/تأليف الشيخ المفيد.
45 - العرف الوردي في أخبار المهدي/تأليف عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي تحقيق الدكتور مهدي أكبر نجاد/الناشر: هستي شمار طهران/الطبعة الأولىٰ 1429ه-.
46 - غاية المواعظ ومصباح المتعظ وقبس الواعظ/تأليف أبي البركات نعمان أفندي الآلوسي/المطبعة الميرية/بولاق مصر 1301ه-.
47 - الغَيبة/تأليف أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت385 - 460 ه-) مؤسسة المعارف الإسلامية قم/الطبعة الأولىٰ 1411ه-.
48 - الغَيبة/تأليف أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب (النعماني) (ت حدود360ه-) مطبعة النهضة/قم الطبعة الأولىٰ 1426ه-.
49 - فتح الباري/ابن حجر العسقلاني (773 - 852 ه-).
50 - الفتن/تأليف نُعيم بن حماد الخزاعي المروزي (ت229ه-) دار الكتب العلمية/بيروت الطبعة الأولىٰ 1418ه- - 1997م.
51 - فرق الشيعة/أبو محمد حسن بن موسىٰ النوبختي / النجف 1936م.
52 - فرق الشيعة/الحسن بن موسىٰ النوبختي (من أعلام القرن الثالث الهجري) مركز كربلاء للدراسات والبحوث/كربلاء/الطبعة الأولىٰ: 1439ه- - 2017م.
53 - الفصل في الملل والأهواء والنحل/أحمد بن حزم الظاهري/دار المعرفة/بيروت/الطبعة الثانية: 1395ه- - 1975م.
54 - في رحاب العقيدة/تأليف السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم/دار الهلال - مطبعة فاضل الطبعة الخامسة: 1425ه- - 2005م.
55 - القول المختص-ر في علامات المهدي المنتظر/تأليف ابي العباس أحمد بن حجر المكي الهيثمي/مكتبة القرآن/القاهرة.
56 - الكافي/تأليف أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت329 ه-) المكتبة الإسلامية المطبعة الإسلامية طهران 1388ه-.
57 - الكامل في التأريخ/تأليف أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد عبد الكريم الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري (ت 630ه-) دار الكتب العلمية بيروت/الطبعة الرابعة 2003م - 1424ه-.
58 - الكتاب المقدس (العهد الجديد)/اتحاد جمعيات الكتاب المقدس/بيروت الطبعة الرابعة 1992.
59 - الكتاب المقدس/جمعية الكتاب المقدس في الش-رق الأدنىٰ/ 1977.
60 - كشف الغمة في معرفة الأئمة/علي بن عيسىٰ الأربلي (ت 692ه-)/المجمع العالمي لأهل البيت (علیهم السلام) مطبعة دار التعارف/بيروت 1433ه- - 2012م.
61 - كفاية الأثر في النص علىٰ الأئمة الاثني عش-ر/أبو القاسم علي بن محمد بن علي الخزاز القمي (القرن الرابع) انتشارات بيدار/قم.
62 - كمال الدين وتمام النعمة/أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (الصدوق) (ت381ه-) مؤسسة النش-ر الإسلامي /قم الطبعة الثالثة 1416 ه-.
63 - لسان العرب/تأليف ابن منظور (630ه- -711ه-) دار إحياء التراث العربي بيروت/الطبعة الثالثة.
64 - مجلة الجامعة الإسلامية /المدينة المنورة، مجموعة من الباحثين.
65 - مجلة عكاظ (السعودية).
66 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد/نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت807ه-) دار الكتاب العربي /بيروت.
67 - المحاسن/أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي (ت274ه-) دار الكتب الإسلامية /قم.
68 - المستدرك علىٰ الصحيحين/أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405ه-) دار إحياء التراث العربي/بيروت الطبعة الأولىٰ 1422ه- - 2002م.
69 - مستمسك العروة الوثقىٰ/السيد محسن الحكيم/مؤسسة اسماعيليان /قم/ الطبعة الخامسة/1411ه-.
70 - مسند ابن الجعد/علي بن الجعد الجوهري البغدادي (ت230ه-) مكتبة الفلاح/الكويت الطبعة الأولىٰ 1405ه-.
71 - مسند البزار (البحر الزخار المعروف بمسند البزار)/أحمد بن عمرو بن الخالق البزار (ت292ه-) مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة/الطبعة الأولىٰ 1414ه-.
72 - مسند الطيالسي/سليمان بن داوود بن الجارود الفارسي (ت204ه-) دار المعرفة/بيروت.
73 - مصباح المتهجد/الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (ت 460).
74 - مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد) السيد محمد سعيد الحكيم/مؤسسة المنار/الطبعة الأولىٰ 1415ه- - 1994م.
75 - المصنّف/أبو بكر عبد الرزاق بن همّام بن نافع الصنعاني (ت211ه-).
76 - المصنَّف/عبد الله بن محمد ابن أبي شيبة (ت235ه-) دار عالم الكتب/الرياض الطبعة الأولىٰ 1408ه-.
77 - مطالب السؤول/محمد بن طلحة الشافعي (582 - 652ه-) طهران.
78 - معارج الوصول إلىٰ معرفة فضل آل الرسول والبتول/جمال الدين بن يوسف الزرندي/مجمع إحياء الثقافة الإسلامية/الطبعة الأولىٰ 1425ه-.
79 - معجم أحاديث الإمام المهدي/تأليف ونش-ر مؤسسة المعارف الإسلامية - مسجد جمكران/مطبعة عترت قم/الطبعة الأولىٰ 1428ه-.
80 - المعجم الصغير/سليمان بن أحمد بن ايوب الطبراني (ت360ه-) دار الكتب العلمية بيروت.
81 - المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي/الشيخ علي الكوراني/الطبعة الأولىٰ (1426ه-).
82 - معجم رجال الحديث/السيد أبو القاسم الخوئي/الطبعة الخامسة/1413 ه- - 1992م.
83 - معجم مقاييس اللغة/أحمد بن فارس بن زكريا (ت395ه-) دار إحياء التراث العربي/بيروت 1429ه- - 2008م.
84 - مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية/تأليف محمد أمين زين الدين/مؤسسة النعمان/بيروت.
84 - المفيد من معجم رجال الحديث/محمد الجواهري/الناشر مكتبة المحلاتي/ المطبعة العلمية/ قم - الطبعة الأولىٰ 1417 ه-.
85 - مقاتل الطالبين/أبو الفرج الأصبهاني (284 – 356ه-)/ تصحيح أحمد صفر/دار المعرفة/بيروت.
86 - مقالات الإسلاميين/أبو الحسن الأشعري (ت 324ه-).
87 - مقباس الهداية في علم الدراية/الشيخ عبد الله المامقاني (1920 - 1351 ه-) نش-ر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث/مطبعة مهر - قم الطبعة الأولىٰ 1411ه-.
88 - مناقب الشافعي/محمد بن الحسين أبو الحسن الآبري (363ه-)/الدار الأثرية/الطبعة الأولىٰ 1430ه-.
89 - منشورات المهدية/تحقيق محمد إبراهيم أبو سليم/دار الجيل بيروت 1979م.
90 - منهاج السنة النبوية/أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت728ه-) دار الكتب العلمية/بيروت.
91 - منهاج الصالحين/السيد أبو القاسم الخوئي/مطبعة مهر/قم/ الطبعة الثامنة والعشرون /1410ه- /نشر مدينة العلم.
92 - منهاج الصالحين/السيد محمد سعيد الحكيم/مطبعة ستارة/الطبعة الثامنة/1433ه- - 2012م الناشر دار الهلال.
93 - المهدي/محمد أحمد إسماعيل المقوم/الدار العالمية للنش-ر والتوزيع / الاسكندرية/مص-ر/الطبعة الحادية عش-رة 1429ه- - 2008م.
94 - مهديان دروغين/رسول جعفريان/انتشارات علم/الطبعة الثانية 1394ش.
95 - النعيم المقيم لعترة النبأ العظيم/عمر بن محمد بن غبد الواحد الموصلي (ت 657ه-) مؤسسة الأعلمي/بيروت/الطبعة الأولىٰ 2003م.
96 - نگين آفرينش/تأليف محمد أمين بالادستيان ومحمد مهدي حائري پور ومهدي يوسفيان - بنياد فرهنگي حض-رت مهدي موعود/الطبعة 74/1395ه- ش.
97 - الوافي بالوفيات/صلاح الدين الصفدي/دار إحياء التراث العربي/بيروت 2005م.
98 - وسائل الشيعة/محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104ه-) مطبعة مهر/تحقيق ونش-ر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث/قم الطبعة الثانية 1414ه-.
99 - وفيات الأعيان/ ابن خلّكان (ت681ه-) منشورات محمد علي بيضون/ الطبعة الأولىٰ 1419 ه- - بيروت.
100 - ويكيبيديا - الموسوعة الحرة.
101 - ينابيع المودّة/سليمان بن إبراهيم البلخي القندوزي/مؤسسة الأعلمي/الطبعة الثانية 2009/بيروت لبنان.
مقدمة المركز:. 3
مقدمة المؤلف:. 5
ملاحظة:. 7
التعريف بالكتاب ومحتوياته. 9
الدرس الأول. 11
تمهيد:. 11
1 - الدين وحقيقته:. 11
أولاً: المعنىٰ اللغوي:. 11
ثانياً: المعنىٰ الاصطلاحي:. 12
2 - الإسلام:. 13
1 - التوحيد:. 14
2 - النبوة:. 14
3 - المعاد:. 14
الباب الأول: المهدوية في الأديان السماوية. 14
الدرس الثاني.. 16
الفصل الأول: المهدوية عند اليهود والمسيحيين.. 16
1 - المهدوية عند اليهود:. 16
2 - المهدوية عند المسيحيين:. 18
الخلاصة:. 19
الفصل الثاني: المهدوية في الإسلام. 19
اختلاف المسلمين في الإمامة:. 20
الدرس الثالث.. 23
مضمون الوصية:. 23
المهدوية وأهميتها:. 28
المبحث الأول: المهدوية لدى جمهور المسلمين.. 28
الدرس الرابع. 30
الدرس الخامس... 33
الدرس السادس... 37
الدرس السابع. 44
المبحث الثاني: المهدوية لدى شيعة أهل البيت (علیهم السلام).... 44
الدرس الثامن. 48
الخلاصة:. 54
الدرس التاسع. 56
المبحث الثالث: ما يشترك فيه المسلمون بشأن المهدي المنتظر. 56
1 - البشارة به (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وكونه حتمياً:. 57
2 - اسمه (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وأنه (محمد):. 57
3 - أنه هاشمي ومن ذرية النبي(صلی الله علیه و آله) ومن ولد فاطمة الزهراء (علیها السلام):. 58
4 - نزول نبي الله عيسىٰ (علیه السلام) معه:. 59
الدرس العاشر... 61
5 - أنه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) أحد الأئمة الاثني عشر (علیهم السلام):. 61
6 - أنه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) في آخر الزمان:. 62
الدرس الحادي عشر... 64
7 - إنجازه (عجل الله تعالی فرجه الشریف):. 66
الدرس الثاني عشر... 67
المبحث الرابع: ما يختص به الشيعة بشأن المهدي المنتظر:. 67
1 - إنه (عجل الله تعالی فرجه الشریف) من ذرية الإمام الحسين (علیه السلام):. 67
الدرس الثالث عشر... 72
2 - تحديد هويته الشخصية (محمد بن الحسن العسكري (علیهما السلام)):. 72
الدرس الرابع عشر... 79
3 - ولادته (عجل الله تعالی فرجه الشریف):. 79
الدرس الخامس عشر... 85
الدرس السادس عشر... 90
الثالث: روايات متفرقة تدل علىٰ ولادته (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، منها:. 90
4 - استمرار حياته (عجل الله تعالی فرجه الشریف):. 91
الدرس السابع عشر... 94
5 - غَيبته (عجل الله تعالی فرجه الشریف):. 94
الدرس الثامن عشر... 99
الثالث: شواهد ومؤيدات حصول الغَيبة:. 99
الدرس التاسع عشر... 102
الفصل الثاني: الإشكاليات الأساسية المطروحة علىٰ العقيدة المهدوية. 102
أمّا الأمر الأول - وهو إثبات ولادته (عجل الله تعالی فرجه الشریف) -:. 103
الدرس العشرون. 108
وأمّا الأمران الثاني والثالث وهو طولُ عمره وغَيبتُه (عجل الله تعالی فرجه الشریف):. 108
وأمّا الأمر الرابع وهو دوره (عجل الله تعالی فرجه الشریف) وفائدة وجوده في فترة الغَيبة:. 108
الدرس الحادي والعشرون. 112
الأمر الخامس: توجيه عدم ظهوره مع انتشار الظلم.... 112
وأمّا الأمر السادس: مهمّته وإنجازه. 113
الخلاصة:. 114
الدرس الثاني والعشرون. 119
الباب الثاني: مرحلتا الغَيبة (الغَيبة الصغرى والغَيبة الكبرى). 119
الفصل الأول: الغَيبة الصغرىٰ:. 119
المبحث الأول: النواب الأربعة (رحمهم الله):. 120
النائب الأول: عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله):. 120
الدرس الثالث والعشرون. 124
النائب الثاني: محمد بن عثمان بن سعيد (رحمه الله):. 124
الدرس الرابع والعشرون. 127
النائب الثالث: الحسين بن روح النوبختي (رحمه الله):. 127
الدرس الخامس والعشرون. 131
النائب الرابع: علي بن محمد السّمُري (رحمه الله):. 134
الدرس السادس والعشرون. 137
وكلاء ومعتمدون في طول السفراء (رحمهم الله):. 137
المبحث الثاني: دور السفراء وانجازاتهم (رحمهم الله):. 138
الدرس السابع والعشرون. 142
الدرس الثامن والعشرون. 146
المبحث الثالث: مدعو السّفارة زوراً وكذباً:. 147
الدرس التاسع والعشرون. 151
الخلاصة:. 154
الدرس الثلاثون. 157
الفصل الثاني: الغَيبة الكبرىٰ:. 157
المبحث الأول: معالمها وظروفها وفتنها والواجب فيها:. 157
الدرس الحادي والثلاثون. 161
الدرس الثاني والثلاثون. 164
شروط مرجع التقليد:. 166
الأول: الاجتهاد:. 166
الدرس الثالث والثلاثون. 168
الثاني: العدالة:. 168
انتظار المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف):. 171
الدرس الرابع والثلاثون. 173
الدرس الخامس والثلاثون. 175
المبحث الثاني: علامات الظهور:. 175
أمّا الصنف الأول:. 175
العلامة الأولىٰ: الصيحة في السماء:. 175
الدرس السادس والثلاثون. 180
العلامة الثانية: خروج السفياني:. 180
العلامة الثالثة: خروج اليماني:. 182
العلامة الرابعة: قتل (النفس الزكية):. 183
الدرس السابع والثلاثون. 186
وأمّا الصنف الثاني - وهو ما لم يدل عليه دليل معتبر -:. 186
العلامة الأولىٰ: خروج الشمس من المغرب:. 186
العلامة الثانية: خروج الخراساني:. 187
الخلاصة:. 189
الباب الثالث: الانحراف في العقيدة المهدوية. 189
أولاً: أقسام الانحراف:. 190
الأول: إنكار المهدوية:. 190
الثاني: ادِّعاء المهدوية:. 191
الثالث: ادِّعاء الارتباط بالمهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف):. 191
الدرس الثامن والثلاثون. 192
ثانياً: أصناف المنحرفين وسماتهم:. 192
الصنف الأول: السذّج:. 192
الصنف الثاني: الدجالون:. 193
الصنف الثالث: المدسوسون (المشبوهون):. 194
الدرس التاسع والثلاثون. 196
الدرس الأربعون. 200
الخلاصة:. 205
الدرس الحادي والأربعون. 208
الخاتمة: الجمهور والثقافة المهدوية. 208
تمهيد:. 208
1 - أهم خصائص وانعكاسات القضية المهدوية:. 210
الأول: البُعد الغَيبي البارز:. 210
الثاني: ارتباطها بمصالح وآمال الجمهور:. 211
الثالث: تشعب القضية المهدوية:. 212
الرابع: عدم ثبوت جلّ الروايات المتضمنة للتفاصيل:. 212
الخامس: المغريات الذاتية للطامعين:. 213
الدرس الثاني والأربعون. 214
2 - الأسس الصحيحة للثقافة المهدوية:. 214
الخلاصة: الجمهور والثقافة المهدوية:. 221
مصادر الكتاب.. 225
الفهرست.. 237