ghaemiyeh.com
الكتاب : زهير بن القين
المؤلف : سيد علي جمال أشرف
الناشر : دار الأنصار
عدد الصفحات والقطع : 272 صفحة - وزيري
الطبعة : الأُولى
سنة الطبع : 1387 ش - 1429 ه
عدد المطبوع : 2000 نسخة
المطبعة : سيد الشهداء
الشابك :7 - 53 - 8956 - 964
خیراندیش دیجیتالی : بیادبود مرحوم حاج سید مصطفی سید حنایی
زهير بن القين
المؤلف : سيد علي جمال أشرف
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد للّه الذي لا إله إلاّ هو الملك الحقّ المبين ، المدبّر بلا وزير ، ولا خلق من عباده يستشير ، الأوّل غير موصوف ، والباقي بعد فناء الخلق ، العظيم الربوبية ، نور السماوات والأرضين وفاطرهما ومبتدعهما ، بغير عمد خلقهما، فاستقرت الأرضون بأوتادها فوق الماء، ثم علا ربّنا في السَّماواتِ الْعُلى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى ، فأنا أشهد بأنّك أنت اللّه ، لا رافع لما وضعت ، ولا واضع لما رفعت ، ولا معزّ لمن أذللت ، ولا مذلّ لمن أعززت ، ولا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت(1).
اللَّهُمَّ واجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِك ، وَنَوَامِيَ بَرَكَاتك عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولك ، الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ ، وَالْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ ، وَالْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ ، وَالدَّافِعِ جَيْشَاتِ الأَبَاطِيلِ ، وَالدَّامِغِ صَوْلاتِ الأَضَالِيلِ ، كَمَا حُمِّلَ ، فَاضْطَلَعَ قَائِماً بِأَمْرِكَ ، مُسْتَوْفِزاً فِي مَرْضَاتِك ،َ غَيْرَ نَاكِلٍ عَنْ قُدُمٍ ، وَلا وَاهٍ فِي عَزْمٍ ، وَاعِياً لِوَحْيِكَ ، حَافِظاً لِعَهْدِكَ ، مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ ، حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ
1) بحار الأنوار : 83/332 باب 45 .
الْقَابِسِ ، وَأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ ، وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ وَالآثَامِ ، وَأَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الأَعْلامِ ، وَنَيِّرَاتِ الأَحْكَامِ ، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ ، وَخَازِنُ عِلْمِكَ الَْمخْزُونِ ، وَ شَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ ، وَبَعِيثُكَ بِالْحَقِّ ، وَرَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ(1).
اللّهم وضاعف صلواتك ورحمتك وبركاتك على عترة نبيك العترة الضائعة الخائفة المستذلة ، بقية الشجرة الطيبة الزاكية المباركة ، وأعل - اللّهم - كلمتهم ، وأفلج حجّتهم ، واكشف البلاء واللأواء ، وحنادس الأباطيل والعمى عنهم ، وثبّت قلوب شيعتهم وحزبك على طاعتهم وولايتهم ونصرتهم وموالاتهم ، وأعنهم وامنحهم الصبر على الأذى فيك ، واجعل لهم أياما مشهودة ، وأوقاتا محمودة مسعودة ، توشك فيها فرجهم ، وتوجب فيها تمكينهم ونصرهم ، كما ضمنت لأوليائك في كتابك المنزل ، فإنّك قلت - وقولك الحقّ - : « وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَُيمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً »(2).
والعن اللّهم أوّل ظالم ظلم حقّ محمد وآل محمد ، وآخر تابع له على ذلك ، اللّهم وأهلك من جعل يوم قتل ابن نبيك وخيرتك عيدا ،
واستهلّ به فرحا ومرحا ، وخذ آخرهم كما أخذت أولهم ، وأضعف اللّهم العذاب والتنكيل على ظالمي أهل بيت نبيك ، وأهلك أشياعهم وقادتهم ، وأبر حماتهم وجماعتهم(1).
وصلّى اللّهم على الشهيد السعيد ، والسبط الثاني ، والإمام الثالث ، والمبارك ، والتابع لمرضاة اللّه ، المتحقّق بصفات اللّه ، والدليل على ذات اللّه ، أفضل ثقاة اللّه ، المشغول ليلاً ونهارا بطاعة اللّه ، الناصر لأولياء اللّه ، المنتقم من أعداء اللّه ، الإمام المظلوم ، الأسير المحروم ، الشهيد المرحوم ، القتيل المرجوم ، الإمام الشهيد ، الولي الرشيد ، الوصي السديد ، الطريد الفريد ، البطل الشديد ، الطيب الوفي ، الإمام الرضي ، ذو النسب العلي ، المنفق الملي ، أبو عبد اللّه الحسين بن علي ، منبع الأئمة ، شافع الأمّة ، سيد شباب أهل الجنة ، وعبرة كلّ مون ومونة ، صاحب المحنة الكبرى ، والواقعة العظمى ، وعبرة المونين في دار البلوى ، ومن كان بالإمامة أحقّ وأولى ، المقتول بكربلاء ، ثاني السيد الحصور يحيى ابن النبي الشهيد زكريا ، الحسين بن علي المرتضى ، زين المجتهدين ، وسراج المتوكّلين ، مفخر أئمة المهتدين ، وبضعة كبد سيد المرسلين ، نور العترة الفاطمية، وسراج الأنساب العلوية، وشرف غرس الأحساب الرضوية ، المقتول بأيدي شرّ البرية ، سبط الأسباط ، وطالب الثأر يوم الصراط ، أكرم العتر ، وأجلّ الأسر ، وأثمر الشجر ، وأزهر البدر ،
1) مصباح المتهجد : 785 .
معظم مكرم موقر ، منظف مطهّر ، أكبر الخلائق في زمانه في النفس ، وأعزّهم في الجنس ، أذكاهم في العرف ، وأوفاهم في العرف ، أطيب العرق ، وأجمل الخلق ، وأحسن الخلق ، قطعة النور ، ولقلب النبي صلىاللهعليهوآله سرور ، المنزّه عن الإفك والزور ، وعلى تحمّل المحن والأذى صبور ، مع القلب المشروح حسور ، مجتبى الملك الغالب ، الحسين بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام(1).
الذي حمله ميكائيل ، وناغاه في المهد جبرائيل ، الإمام القتيل ، الذي اسمه مكتوب على سرادق عرش الجليل ، الحسين مصباح الهدى ، وسفينة النجاة ، الشافع في يوم الجزاء ، سيدنا ومولانا سيد الشهداء(2)عليهالسلام .
الذي ذكره اللّه في اللوح الأخضر فقال : . . وجعلت حسينا خازن
وحيي ، وأكرمته بالشهادة ، وختمت له بالسعادة ، فهو أفضل من استشهد ، وأرفع الشهداء درجة ، جعلت كلمتي التامّة معه ، والحجة البالغة عنده ، وبعترته أثيب وأعاقب(3). .
الذي قال فيه جدّه المبعوث رحمة للعالمين صلىاللهعليهوآله : حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ اللّه من أحبّ حسينا(4)، وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، وهو الصادق الأمين : إنّ حبّ علي قذف في قلوب المونين ، فلا يحبّه
إلاّ مون ، ولا يبغضه إلاّ منافق ، وإنّ حبّ الحسن والحسين قذف في قلوب المونين والمنافقين والكافرين ، فلا ترى لهم ذاما(1).
فمن أيّ المخلوقات كان أولئك المردة العتاة ، وأبناء البغايا الرخيصات ، الذين قاتلوه بغضا لأبيه ، وسبوا الفاطميات ، ولم يحفظوا النبي صلىاللهعليهوآله في ذراريه ، قال الإمام سيد الساجدين عليهالسلام : . . أيّها الناس ، أصبحنا
مطرّدين مشرّدين شاسعين عن الأمصار ، كأنّا أولاد ترك وكابل ، من غير جرم إجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، إن هذا إلاّ إختلاق .
فواللّه لو أنّ النبي صلىاللهعليهوآله تقدّم في قتالنا كما تقدّم اليهم في الوصاية بنا لما إزدادوا على ما فعلوا بنا ، فإنّا للّه وإنّا اليه راجعون ، من مصيبة ما أعظمها ، وأوجعها ، وأفجعها ، وأكظّها ، وأقطعها ، وأمرّها ، وأفدحها ، فعند اللّه نحتسبه فيما أصابنا ، وما بلغ بنا ، إنّه عزيز ذو إنتقام(2).
ولكنّ اللّه لهم بالمرصاد ، فإنّ دمه الزاكي الذي سكن في الخلد ، واقشعرت له أظلّة العرش ، وبكى له جميع الخلائق ، وبكت له السماوات السبع ، والأرضون السبع ، وما فيهن ، وما بينهن ، ومن يتقلّب في الجنة والنار من خلق ربّنا ، وما يرى وما لا يرى ، سوف لا ولم ولن يسكن لأ نّه قتيل اللّه وابن قتيله ، وثار اللّه وابن ثاره ، ووتر اللّه الموتور في السماوات
والأرض(1)حتى « يبعث اللّه قائما يفرج عنها الهم والكربات » ، قال الحسين عليهالسلام : يا ولدي ، يا علي ، واللّه لا يسكن دمي حتى يبعث اللّه المهدي(2). . فذلك قائم آل محمد عليهمالسلاميخرج فيقتل بدم الحسين عليهالسلام بن علي . . وإذا قام - قائمنا - انتقم للّه ولرسوله ولنا أجمعين(3). .
وقد بشّر بذلك رسول ربّ العالمين صلىاللهعليهوآله فقال : لمّا أسري بي إلى السماء أوحى إليّ ربّي - جلّ جلاله - فقال : يا محمد ، إنّي اطلعت على الأرض اطلاعة فاخترتك منها ، فجعلتك نبيا ، وشققت لك من اسمي اسما ، فأنا المحمود وأنت محمد ، ثم اطلعت الثانية فاخترت منها عليا ، وجعلته وصيّك وخليفتك ، وزوج ابنتك ، وأبا ذريّتك ، وشققت له اسما من أسمائي ، فأنا العلي الأعلى ، وهو علي ، وخلقت فاطمة والحسن والحسين من نوركما ، ثم عرضت ولايتهم على الملائكة ، فمن قبلها كان عندي من المقرّبين .
يا محمد ، لو أنّ عبدا عبدني حتى ينقطع ، ويصير كالشن البالي ، ثم أتاني جاحدا لولايتهم ، ما أسكنته جنّتي ، ولا أظللته تحت عرشي .
يا محمد ، تحبّ أن تراهم ؟ قلت : نعم يا ربّ ، فقال عزّ وجلّ : ارفع رأسك ، فرفعت رأسي ، وإذا أنا بأنوار علي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى
بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن
علي ، و« محمد » بن الحسن القائم في وسطهم ، كأنّه كوكب درّي .
قلت : يا ربّ ، ومن هواء ؟ قال : هواء الأئمة ، وهذا القائم الذي يحلّل حلالي ، ويحرّم حرامي ، وبه أنتقم من أعدائي ، وهو راحة لأوليائي ، وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين ، فيخرج اللاّت والعزى طريين فيحرقهما ، فلفتنة الناس - يومئذ - بهما أشدّ من فتنة العجل والسامري(1).
وروى عبد اللّه بن سنان قال : دخلت على سيدي أبي عبد اللّه جعفر بن محمد عليهماالسلام في يوم عاشوراء ، فألفيته كاسف اللّون ، ظاهر الحزن ، ودموعه تنحدر من عينيه كاللووالمتساقط ، فقلت : يا ابن رسول اللّه ، ممّ بكاو ؟ لا أبكى اللّه عينيك ، فقال لي : أو في غفلة أنت ؟ أما علمت أنّ الحسين بن علي أصيب في مثل هذا اليوم ؟ ! فقلت : يا سيدي فما قولك في صومه ؟ فقال لي : صمه من غير تبييت ، وأفطره من غير تشميت ، ولا تجعله يوم صوم كملاً ، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء ، فإنّه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن آل رسول اللّه ، وانكشفت الملحمة عنهم ، وفي الأرض منهم ثلاثون صريعا في مواليهم ، يعزّ على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله مصرعهم ، ولو كان في الدنيا - يومئذ - حيّا لكان صلىاللهعليهوآله هو المعزّى بهم .
1) كمال الدين : 1/252 باب 23 ح2 ، بحار الأنوار : 52/379 ح185 .
قال : وبكى أبو عبد اللّه عليهالسلام حتى اخضلّت لحيته بدموعه . . ثم علّمه آداب يوم عاشوراء ، وآداب الزيارة في ذلك اليوم الى أن قال : ثم قل : اللّهم عذّب الفجرة الذين شاقّوا رسولك ، وحاربوا أولياءك ، وعبدوا غيرك ، واستحلّوا محارمك ، والعن القادة والأتباع ، ومن كان منهم فخب وأوضع معهم ، أو رضي بفعلهم لعنا كثيرا .
اللّهم وعجّل فرج آل محمد ، واجعل صلواتك عليه وعليهم ، واستنقذهم من أيدي المنافقين المضلّين ، والكفرة الجاحدين ، وافتح لهم فتحا يسيرا ، وأتح لهم روحا وفرجا قريبا ، واجعل لهم من لدنك على عدوّك وعدوّهم سلطانا نصيرا . .
اللّهم إنّ كثيرا من الأمّة ناصبت المستحفظين من الأئمة ، وكفرت
بالكلمة ، وعكفت على القادة الظلمة ، وهجرت الكتاب والسنة ، وعدلت عن الحبلين اللّذين أمرت بطاعتهما ، والتمسك بهما ، فأماتت الحقّ ، وجارت عن القصد ، ومالأت الأحزاب ، وحرّفت الكتاب ، وكفرت بالحقّ لمّا جاءها ، وتمسّكت بالباطل لمّا اعترضها ، وضيّعت حقّك ، وأضلّت خلقك ، وقتلت أولاد نبيك ، وخيرة عبادك ، وحملة علمك ، وورثة حكمتك ووحيك .
اللّهم فزلزل أقدام أعدائك ، وأعداء رسولك ، وأهل بيت رسولك ، اللّهم وأخرب ديارهم ، وافلل سلاحهم ، وخالف بين كلمتهم ، وفتّ في أعضادهم ، وأوهن كيدهم ، واضربهم بسيفك القاطع ، وارمهم
بحجرك الدامغ ، وطمّهم بالبلاء طمّا ، وقمّهم بالعذاب قمّا ، وعذبهم عذابا نكرا ، وخذهم بالسنين والمثلات التي أهلكت بها أعداءك ، إنّك ذو نقمة من المجرمين .
اللّهم إنّ سنتك ضائعة ، وأحكامك معطلة ، وعترة نبيك في الأرض
هائمة ، اللّهم فأعن الحقّ وأهله ، واقمع الباطل وأهله ، ومنّ علينا بالنجاة ، واهدنا إلى الإيمان ، وعجّل فرجنا ، وانظمه بفرج أوليائك ، واجعلهم لنا ودّا ، واجعلنا لهم وفدا(1).
والصلاة والسلام على أصحاب الحسين عليهالسلام الذين كشف لهم سيد الشهداء عليهالسلام « الغطاء حتى رأوا منازلهم من الجنة ، فكان الرجل منهم يقدم على القتل ليبادر إلى حوراء يعانقها ، وإلى مكانه من الجنة(2)» ، ووعدهم ربّ العزّة أن يعيد لهم الكرّة على أعدائهم فقال : « ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ » يخاطب بذلك أصحاب الحسين(3)عليهالسلام .
وصلّى اللّه وسلّم على صاحب ميمنة الحسين عليهالسلام ، المحامي عن حرم
سيد المرسلين صلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنين عليهالسلام ، والفادي نفسه للمعصوم وهو قائم للصلاة بين يدي ربّ العالمين ، الذي خاطبه الحجة المنتقم - عجّل اللّه تعالى فرجه - قائلاً :
السلام على زهير بن القين البجلي ، القائل للحسين وقد اذن له في
الانصراف : لا واللّه لا يكون ذلك أبداً ، أترك ابن رسول اللّه أسيراً في يد الأعداء وانجو ، لا أراني اللّه ذلك اليوم(1).
أمّا بعد :
فإنّ الحرب التي حمل رايتها الأمويون ومن سلّطلهم على رقاب المسلمين لم تنته بعد منذ أن بادروا الى مواجهة خاتم النبيين صلىاللهعليهوآله ، والى يوم الناس هذا ، وستبقى حتى ظهور المنقذ الأعظم ، والطالب بدم الحسين عليهالسلام والآخذ بذحول الأنبياء والأوصياء والشهداء .
ولم تكن الحرب المفتوحة هذه تنحصر في صورة أو مشهد أو موقف معين ، كما أ نّها لم تنحصر في زمن من الأزمان منذ أن سقط هابيل مضرجا بدمه .
وقد إمتاز الأمويون عبر التاريخ بالإعلام القوي ، والحرب النفسية ، والتسلل الماكر الى قلوب الناس وأفكارهم ، وتغذيتهم بالسموم الفتّاكة ذات المنظر الخداع ، وقد اشتهر كلامهم على الألسن : « للّه جنود من عسل » .
وكانت حربهم الإعلامية مع سيد الشهداء عليهالسلام قوية ماكرة تتسم
بالخبث والشيطنة بحيث صوّرت سبط النبي صلىاللهعليهوآله وريحانة الرسول ،
1) المزار لمحمد بن المشهدي : 493 ، إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس : 3/77 ، بحار الأنوار : 45/71 ، و98/272 ، العوالم ، الإمام الحسين عليهالسلام للبحراني : 338 .
وسيد شباب أهل الجنة للمغرر بهم من السذج في صورة الخارجي ، وأبدت سكان سرادق العزّ من مخدرات الرسالة وعقائل الوحي في مشهد السبايا ..
فإذا كان هذا دأبهم مع المعصومين الأبرار الذي شهد لهم الكتاب
والسنة بالطهارة والعصمة والقدس ، فما ظنّك بأنصارهم والمدافعين عنهم والمحامين عن حريمهم ..
وربما إضطر العدو - أحيانا - الى ما يخاله نيلاً من أصحاب الأئمة
عموما ، وأنصار سيد الشهداء عليهالسلام خصوصا ، لأ نّه لا يجد في الإمام مغمزا ولا مهمزا ، فيحاول الإقتراب من حريمه من خلال التعرض لأقرب الشخصيات منه ، والسعي في تهديم الأركان التي بنيت عليه أسس معسكرات الهدى .
فكان - فيما نحسب - زهير بن القين ، وهو أحد أركان معسكر سيد الشهداء عليهالسلام ، لأ نّه صاحب ميمنته ، والمقرّب عنده ، هدفا مهما
للأعداء .
ولذلك نصبوه غرضا ، واتهموه بأقذر تهمة ، وسبّوه أقبح سبّة ، ورموه بفرية فادحة تقشعر لها القلوب والأبدان ، فقالوا عنه « عثماني » ، وأ نّه « كان يكره لقاء سيد شباب أهل الجنة عليهالسلام » .
وتناقل الناس ما قاله عدو شرس من أعدائه وهو « عزرة بن قيس »
الذي كان على خيل ابن سعد - لعنهما اللّه - .
ولم نجد - على حدّ علمنا - من التفت الى ذلك سوى إشارة سريعة وخاطفة للأستاذ محمد نعمة السماوي حيث قال : « وكان زهير ذا ميول عثمانية على حدّ تعبير أحد جنود ابن سعد »(1).
وناقش الشيخ محمد جواد الطبسي في المجلد الثالث من كتاب « مع
الركب الحسيني » هاتين التهمتين مناقشة مقتضبة سريعة غير أ نّها مركزة ودقيقة ، فجزاهما اللّه خير الجزاء ، وبيّض وجهيهما يوم الحشر حينما يواجهان زهير بن القين وسيد الشهداء عليهالسلام .
كان الألم يعتصر قلبي كلّما قرأت في التاريخ أو سمعت من الخطباء
وخدّام سيد الشهداء عليهالسلام ما يتناقلونه عن زهير بن القين ، بيد أنّي لم أسمح
وأخيرا إستخرت اللّه وعزمت على متابعة الموضوع واستكشافه ،
وسجّلت ما فتح اللّه عليّ ، وله الحمد والمنّة ، ولسيد الشهداء عليهالسلام الشكر والفضل .
فإن كان ما ذكرناه في هذا الكتاب كافيا وافيا مقنعا فالحمد للّه أولاً وآخرا ، وإلاّ فالأمل كبير في القراء الكرام أن يتجنّبوا ذكر زهير بالعثمانية ، فإنّه ذنب لا يحبّ المؤمن أن يذكر به .
1) وتنفس صبح الحسين عليهالسلام : 585 .
ولا يقاس بالحر الرياحي فإنّه لم يذكر بهذه التهمة في التاريخ ،
حيث أ نّه كان قد خرج لقطع الطريق على الحسين عليهالسلام وأصحابه وهو لا يرى أ نّهم يبلغون بالحسين عليهالسلام هذا المبلغ ، فلمّا رأى حياة سيد شباب أهل الجنة وصحبه وأهل بيته في خطر انحاز من النار الى الجنة ، فيما كان مبشرا بالجنة من قبل ، يوم سمع الهاتف يخاطبه من ورائه إبان خروجه من قصر بني مقاتل ، وكان يعرف للحسين عليهالسلام وأمّه حرمة صدّته عن ذكر أمّه إلاّ بأفضل ما يقدر عليه من الذكر الحسن .
وما ضرّنا أن ندع ذكر زهير بالتعثمن وكراهة لقاء محبوب خاتم
الأنبياء ، فلو لم يكن هو كذلك حقّا فلا نخجل منه غدا يوم اللقاء ، وإن كان - وليس كذلك - فلا يسوغ لنا ذكر المؤمن بما يشينه ، فإنّ ذلك من الكبائر ، واللّه الساتر .
وفي الختام :
ما كان في ثنايا الكتاب من كلام صحيح نافع فيه الخير والصلاح ، فهو من أهل البيت عليهمالسلام ، وما كان شططا أو خطأً فهو منّي وأستغفر اللّه لي وللمؤمنين ، والحمد للّه ربّ العالمين .
وأخيرا أتقدّم بالشكر الجزيل للأستاذ الدكتور الحاج محمود البستاني
اللّهم تقبّل منّا هذا القليل ، واجعله نافعا لنا يوم لا ينفع مال ولا بنون ، ولا تفرّق بيننا وبين سيد الشهداء الحسين عليهالسلام في الدنيا والآخرة طرفة عين أبدا ، واجعل وجه الحسين عليهالسلام آخر وجه نراه في الدنيا وأول وجه نراه في القبر ويوم يقوم الناس لربّ العالمين ، وارحمني به وأولادي وأزواجي ووالديّ ومن ولدهما ومن ولدا والمؤمنين والمؤمنات ، وعجّل فرج وليّ أمرك الثائر لدم الحسين عليهالسلام ، واجعلنا من جنده وأعوانه والآخذين بثأره . . آمين .
سيد علي جمال أشرف
20/6/1429«
اسمه ونسبه »
زهير بن القين بن قيس بن مالك بن دينار بن ثعلبة بن عمرو بن يشكر
بن علي بن مالك بن سعد بن بدر بن قيس الأنماري البجلي(1).
وقد ورد في جميع المصادر باسم « زهير بن القين(2)» ، وأضافت بعضها
نسبته « الأنماري » ، وأكثرها « البجلي »(3).
و« زهير » : من الزهر .
قال الطريحي في مجمع البحرين : « زهر » قوله تعالى : « وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا » بفتح الزاي وسكون الهاء ، أي زينتها وبهجتها .
والزهراء فاطمة بنت محمد صلىاللهعليهوآله ، سمّيت بذلك لأ نّها إذا قامت في محرابها زهر نورها إلى السماء ، كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض .
وروي أ نّها سمّيت الزهراء ، لأنّ اللّه خلقها من نور عظمته .ومن صفاته : أزهر اللون ، أي نيّر اللون ، من الزهرة ، وهي البياض
النير ، وهو أحسن الألوان .
ومنه رجل أزهر : أي أبيض مشرق الوجه ، والمرأة زهراء .
وزهر الشيء يزهر - بفتحتين - : صفا لونه وأضاء .
قال في المصباح : وقد يستعمل في اللّون الأبيض خاصة .
وزهر الرجل : ابيض وجهه .
وزهر السراج والقمر والوجه - كمنع - زهورا : تلألأ .
واليوم الأزهر : يوم الجمعة .
وفي الخبر سورة البقرة وآل عمران الزهراوان ، أي المنيران .
وفي لسان العرب : زهر : الزَّهْرَةُ : نَوْرُ كلّ نبات ، والجمع زَهْرٌ ، وخصّ بعضهم به الأَبيض .
قال : الأَزْهَرُ من الرجال الأَبيض العتيقُ البياضِ النَّيِّرُ الحَسَنُ ، وهو أَحسن البياض كأَنَّ له بَرِيقاً ونُوراً ، يُزْهِرُ كما يُزْهِرُ النجم والسراج .
قال ابن سيده : والزَّاهِرُ : المشرق من أَلوان الرجال .
وتصغير الزَّهْرِ زُهَيْرٌ ، وبه سمّي الشاعر زُهَيْراً .
والزَّاهِرُ والأَزْهَرُ : الحسن الأَبيض من الرجال ، وقيل : هو الأَبيض فيه حمرة . ورجل أَزْهَرُ أَي أَبيض مُشْرِقُ الوجه .
والأَزهر : الأَبيض المستنير . والزُّهْرَةُ : البياض النِّيِّرُ ، وهو أَحسن الأَلوان .
والزَّشهُورُ : تَلأْلؤ السراج الزاهر .وزَهَرَ السراجُ يَزْهَرُ زُهُوراً وازْدَهَرَ : تلأَلأَ ، وكذلك الوجه والقمر والنجم .
والأَزْهَرَان : الشمسُ والقمرُ لنورهما .
ودُرَّةٌ زَهْرَاءٌ : بيضاء صافية .
وقد سمّت - العرب - زاهراً وأَزْهَرَ وزُهَيْراً .
والقين : بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحت والنون ، وهو في الأصل اسم للعبد وللحداد ، يستعمل علماً كثيراً(1).«
1) تنقيح المقال للمامقاني : 1/452 .
زهير بن القين البجلي ، بجلي : بجيلة ، هم بنو أنمار بن أراش بن كهلان ، من القحطانية ، من اليمن ، عرب الجنوب(1).
وزهير بن القين بن قيس الأنماري البجلي(2)قال في الأعيان : الأنماري يوصف به زهير بن القين(3).
والأنماري : نسبة الى أنمار بن أراش من كهلان من القحطانية
، لا أنمار بن نزار بقرينة البجلي ، فإنّه نسبة الى بجيلة ، وهم بطن من أنمار بن أراش ، وبجيلة أمّهم ، وقال في العبر : هم بنو بجيلة بن أنمار بن أراش(4).
يبدو أنّ زهير بن القين كان كبير السنّ في كربلاء(1)، ويشهد لذلك اشتراكه في فتح « بلنجر » التي كانت أيام ملك عثمان بن عفان على أشهر الأقوال وأكثرها(2)قبل سنة « 25 » للهجرة(3)وقيل : إنّها كانت أيام ملك عمر بن الخطاب(4).
ويشهد له أيضاً ما رواه الشيخ المظفر في بطل العلقمي عنه من حديث زواج أمير المؤمنين عليهالسلام بأمّ البنين(5)عليهاالسلام ، لأنّ ولادة أبي الفضل العباس عليهالسلام كانت سنة « 26 » للهجرة ، قال الشيخ المظفر : قال السيد الداودي في عمدة الطالب : قتل العباس عليهالسلام وله « 34 » سنة ، وهذا
1) أنصار الحسين عليهالسلام لمحمد مهدي شمس الدين : 88 رقم 22 .
2) شرح الأخبار للقاضي النعمان : 3/376 ، تاريخ خليفة بن خياط : 118 ، التاريخ الكبير للبخاري : 7/306 ، الجرح والتعديل : 8/211 ، تاريخ دمشق : 21/465 ، الاصابة : 4/257 ، المعارف لابن قتيبة : 433 ، ذكر أخبار اصبهان : 2/359 وغيرها .
3) الثقات لابن حبان : 4/332 .
4) معجم البلدان للحموي : 1/305 ، تاريخ دمشق : 21/471 ، وغيرها .
5) بطل العلقمي للعلامة المظفر : 1/120 ، أسرار الشهادة للفاضل الدربندي : 218 ، وسيأتي ذكره مفصلاً إن شاء اللّه تعالى .
القول هو المشهور ، وهو الأصوب إن شاء اللّه ، فتكون ولادته سنة « 26 »من الهجرة(1). . .
فإذا افترضنا أنّ عمره الشريف كان بين العشرين والثلاثين يوم شارك في فتح بلنجر - وهو أقلّ ما يمكن افتراضه - يكون عمره يوم استشهاده بين الخمسة والخمسين والخمسة والستين(2)على أقلّ التقادير ، واللّه العالم .
الظاهر أنّ زهير بن القين كان من الشيعة الملتزمين بتعاليم أهل البيت عليهمالسلام تماماً ، وإنّ من أهم تعاليمهم التي يختبر بها مستوى إيمان الشيعي
هي التقية ، وكان زهير من المتمسكين بها تمسكاً شديداً ، وممّا يشهد لذلك :
تشبيه الإمام الحسين عليهالسلام له بمؤمن آل فرعون ساعة وقف زهير يعظ القوم يوم العاشر من المحرم ، فقال له الحسين عليهالسلام : « لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء ، وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ(1)» .
كما لعن قاتله لعن قاتل مؤمن آل فرعون في تأبينه له لمّا صرع ، فوقف عليه وقال عليهالسلام : لا يبعدنّك اللّه يا زهير ، ولعن قاتلك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير .
1) تاريخ الطبري : 4/323 .
وإنّما كان مؤمن آل فرعون يمتدح بتقيته ، قال اللّه تعالى : « وَقالَ رَجُلٌ
مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ(1)» .
لشدّة عمله بالتقية ظنّه عزرة بن قيس أ نّه كان عثمانياً ، فقال له عزرة بن قيس : إنّك لتزكّى نفسك ما إستطعت ، فقال له زهير : يا عزرة ، إنّ اللّه قد زكّاها وهداها ، فاتق اللّه يا عزرة ، فإنّي لك من الناصحين ، أنشدك اللّه - يا عزرة - أن تكون ممّن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية .
قال : يا زهير ، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت ! إنّما كنت عثمانياً !!!
قال : أفلست تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم(2)؟!
إنّ زهير كان معروفاً ، ولكنّه لم يكن مشهوراً ، حاله كحال أكثر
أصحاب الحسين عليهالسلام ، بل أكثر أصحاب الأئمة عليهمالسلام .
لم يكن زهير مجهولاً عند أركان جيش الضلال ، ورؤوس عسكر
ابن سعد - لعنه اللّه - ، وكان من رجال الكوفة وشخصياتها ، وكان زهير
رجلاً شريفاً في قومه ، شجاعاً ، له في المغازي مواقف مشهورة ومواطن
مشهودة(1)، وسيأتيك خبر اشتراكه في فتح بلنجر .
ويشهد لذلك تقديمه لوعظ القوم ، وإرساله لمحاورة الأعداء .
والرجل الذي يكون على وزان زهير في الشرف والجلالة والشجاعة في مجتمع قوامه السيف وقوة الساعد ، ورباطة الجأش ، لابد أن يكون مشهوراً ذا سمعة وجاه وصيت ، بيد أ نّه كان متكتّماً متّقياً نومة ، ينتظر يومه الذي اختاره اللّه له للوقوف مع ريحانة المصطفى صلىاللهعليهوآله ، وقرّة عين فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، ومهجة قلب علي المرتضى عليهالسلام .
روى الكليني في الكافي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله : طُوبَى لِعَبْدٍ نُوَمَةٍ ، عَرَفَهُ اللَّهُ ولَمْ يَعْرِفْهُ النَّاسُ ، أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى ، ويَنَابِيعُ الْعِلْمِ ، يَنْجَلِي عَنْهُمْ كُلُّ فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ ، لَيْسُوا بِالْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ ، ولا بِالْجُفَاةِ الْمُرَاءِينَ .
1) إبصار العين في أنصار الحسين عليهالسلام للشيخ محمد السماوي : 161 .
وقَالَ : قُولُوا الْخَيْرَ تُعْرَفُوا بِهِ ، واعْمَلُوا الْخَيْرَ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ ، ولا تَكُونُوا عُجُلاً مَذَايِيعَ ، فَإِنَّ خِيَارَكُمُ الَّذِينَ إِذَا نُظِرَ إِلَيْهِمْ ذُكِرَ اللَّهُ ، وشِرَارُكُمُ الْمَشَّاءُونَ بِالَّنمِيمَةِ ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ ، الْمُبْتَغُونَ لِلْبُرَآءِ الْمَعَايِبَ .
المعصوم لا ينطق عن الهوى، فإذا تكلّم بكلام لابد من التعامل مع-ه ب-دقّ-ة وجدّ ، ومحاولة استكشاف مراده على كلّ صعيد من خلال الدلالات المباشرة أو غير المباشرة التي تفيدها المواقف والظروف المؤثرة في فهم كلام المعصوم .
وفي تشبيه الإمام الحسين عليهالسلام له بمؤمن آل فرعون دلالات كثيرة ، يمكن استكشافها من خلال مراجعة ما ورد في روايات أهل البيت عليهمالسلام من توصيف مؤمن آل فرعون ، وبيان خصوصياته وسماته ، وسلوكه وأخلاقياته ، فإذا عرفنا ما قالوه في المشبّه به طبقناه على المشبّه ، وعرفنا الكثير من خصوصيات زهير بن القين(1).
فمن تلك الدلالات :
لقد شهد له الحسين عليهالسلام أ نّه رجل مؤمن لقوله تعالى : « وَقالَ رَجُلٌ
مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ » .
1) وذلك أ نّنا نفهم من تشبيه المعصوم عليهالسلام تشبيها للموقف ككلّ لا لمجرد الوعظ وأثره في القوم ، واللّه العالم .
والمؤمن في أدب أهل البيت عليهمالسلام هو الشيعي المتّبع لهم ، المعتقد بإمامتهم(1)، ولا تطلق هذه الكلمة في روايات أهل البيت عليهمالسلام على العثماني أبداً .
صفات المؤمن
وللمؤمن في أدب أهل البيت عليهمالسلام تعريف واضح ، وصفات خاصة تميّزه عن غيره من بني البشر .
روى الكليني رحمهالله في الكافي في باب المؤمن وصفاته وعلاماته عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : قَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ « هَمَّامٌ » وَكَانَ عَابِداً نَاسِكاً مُجْتَهِداً إِلَى أَمِيرِ الْمُومِنِين عليهالسلام وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُومِنِينَ ،صِفْ لَنَا صِفَةَ الْمُومِنِ كَأَنَّنَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ ؟
فَقَالَ : يَا هَمَّامُ ، الْمُومِنُ هُوَ : الْكَيِّسُ ، الْفَطِنُ ، بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ ، وَحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ ، أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً ، وَأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً ، زَاجِرٌ عَنْ كُلِّ فَانٍ ، حَاضٌّ عَلَى كُلِّ حَسَنٍ ، لا حَقُودٌ ، وَلا حَسُودٌ ، وَلا وَثَّابٌ ، وَلا سَبَّابٌ ، وَلا عَيَّابٌ ، وَلا مُغْتَابٌ ، يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ ، وَيَشْنَأُ السُّمْعَةَ ، طَوِيلُ الْغَمِّ ، بَعِيدُ الْهَمِّ ، كَثِيرُ الصَّمْتِ ، وَقُورٌ ، ذَكُورٌ ، صَبُورٌ ، شَكُورٌ ، مَغْمُومٌ بِفِكْرِهِ ، مَسْرُورٌ بِفَقْرِهِ ، سَهْلُ الْخَلِيقَةِ ، لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ ، رَصِينُ الْوَفَاءِ ، قَلِيلُ الأَذَى ، لا مُتَأَفِّكٌ وَلا مُتَهَتِّكٌ ، إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَخْرَقْ ، وَإِنْ غَضِبَ لَمْ يَنْزَقْ ، ضِحْكُهُ تَبَسُّمٌ ، وَاسْتِفْهَامُهُ تَعَلُّمٌ ، وَمُرَاجَعَتُهُ تَفَهُّمٌ ، كَثِيرٌ عِلْمُهُ ، عَظِيمٌ حِلْمُهُ ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ ،
1) انظر ما ورد في التفريق بين الإسلام والإيمان في الكافي الجزء الثاني من الأصول .
لا يَبْخَلُ ، وَلا يَعْجَلُ ، وَلا يَضْجَرُ ، وَلا يَبْطَرُ ، وَلا يَحِيفُ فِي حُكْمِهِ ، وَلا يَجُورُ فِي عِلْمِهِ ، نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ ، وَمُكَادَحَتُهُ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ ، لا جَشِعٌ ، وَلا هَلِعٌ ، وَلا عَنِفٌ ، وَلا صَلِفٌ ، وَلا مُتَكَلِّفٌ ، وَلا مُتَعَمِّقٌ ، جَمِيلُ الْمُنَازَعَةِ ، كَرِيمُ الْمُرَاجَعَةِ ، عَدْلٌ إِنْ غَضِبَ ، رَفِيقٌ إِنْ طَلَبَ ، لا يَتَهَوَّرُ ، وَلا يَتَهَتَّكُ ، وَلا يَتَجَبَّرُ ، خَالِصُ الْوُدِّ ، وَثِيقُ الْعَهْدِ ، وَفِيُّ الْعَقْدِ ، شَفِيقٌ ، وَصُولٌ ، حَلِيمٌ ، خَمُولٌ ، قَلِيلُ الْفُضُولِ ، رَاضٍ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، مُخَالِفٌ لِهَوَاهُ ، لا يَغْلُظُ عَلَى مَنْ دُونَهُ ، وَلا يَخُوضُ فِيَما لا يَعْنِيهِ ، نَاصِرٌ لِلدِّينِ ، مُحَامٍ عَنِ الْمُومِنِينَ ، كَهْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، لا يَخْرِقُ الثَّنَاءُ سَمْعَهُ ، وَلا يَنْكِي الطَّمَعُ قَلْبَهُ ، وَلا يَصْرِفُ اللَّعِبُ حُكْمَهُ ، وَلا يُطْلِعُ الْجَاهِلَ عِلْمَهُ ، قَوَّالٌ عَمَّالٌ ، عَالِمٌ حَازِمٌ ، لا بِفَحَّاشٍ وَلا بِطَيَّاشٍ ، وَصُولٌ فِي غَيْرِ عُنْفٍ ، بَذُولٌ فِي غَيْرِ سَرَفٍ ، لا بِخَتَّالٍ ، وَلا بِغَدَّار،ٍ وَلا يَقْتَفِي أَثَراً، وَلا يَحِيفُ بَشَراً، رَفِيقٌ بِالْخَلْقِ، سَاعٍ فِي الأَرْضِ ، عَوْنٌ لِلضَّعِيفِ ، غَوْثٌ لِلْمَلْهُوفِ ، لا يَهْتِكُ سِتْراً ، وَلا يَكْشِفُ سِرّاً ، كَثِيرُ الْبَلْوَى ، قَلِيلُ الشَّكْوَى ، إِنْ رَأَى خَيْراً ذَكَرَهُ ، وَإِنْ عَايَنَ شَرّاً سَتَرَهُ ، يَسْتُرُ الْعَيْبَ ، وَيَحْفَظُ الْغَيْبَ ، وَيُقِيلُ الْعَثْرَةَ ، وَيَغْفِرُ الزَّلَّةَ لا يَطَّلِعُ عَلَى نُصْحٍ فَيَذَرَهُ وَلا يَدَعُ جِنْحَ حَيْفٍ فَيُصْلِحَهُ ، أَمِينٌ ، رَصِينٌ ، تَقِيٌّ ، نَقِيٌّ ، زَكِيٌّ ، رَضِيٌّ ، يَقْبَلُ الْعُذْرَ ، وَيُجْمِلُ الذِّكْرَ ، وَيُحْسِنُ بِالنَّاسِ الظَّنَّ ، وَيَتَّهِمُ عَلَى الْعَيْبِ نَفْسَهُ ، يُحِبُّ فِي اللَّهِ بِفِقْهٍ وَعِلْمٍ ، وَيَقْطَعُ فِي اللَّهِ بِحَزْمٍ وَعَزْمٍ ، لا يَخْرَقُ بِهِ فَرَحٌ ، وَلا يَطِيشُ بِهِ مَرَحٌ ، مُذَكِّرٌ لِلْعَالِمِ ، مُعَلِّمٌ لِلْجَاهِلِ ، لا يُتَوَقَّعُ لَهُ بَائِقَةٌ ، وَلا يُخَافُ لَهُ غَائِلَةٌ ، كُلُّ سَعْيٍ أَخْلَصُ عِنْدَهُ
مِنْ سَعْيِهِ ، وَكُلُّ نَفْسٍ أَصْلَحُ عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، عَالِمٌ بِعَيْبِهِ ، شَاغِلٌ بِغَمِّهِ ، لا يَثِقُ بِغَيْرِ رَبِّهِ ، غَرِيبٌ ، وَحِيدٌ ، جَرِيدٌ ، حَزِينٌ ، يُحِبُّ فِي اللَّهِ ، وَيُجَاهِدُ فِي اللَّهِ لِيَتَّبِعَ رِضَاهُ ، وَلا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ ، وَلا يُوَالِي فِي سَخَطِ رَبِّهِ مُجَالِسٌ لأهْلِ الْفَقْرِ ، مُصَادِقٌ لأَهْلِ الصِّدْقِ ، مُوازِرٌ لأَهْلِ الْحَقِّ ، عَوْنٌ لِلْقَرِيبِ ، أَبٌ لِلْيَتِيمِ ، بَعْلٌ للأَرْمَلَةِ ، حَفِيٌّ بِأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ ، مَرْجُوٌّ لِكُلِّ كَرِيهَةٍ ، مَأْمُولٌ لِكُلِّ شِدَّةٍ ، هَشَّاشٌ بَشَّاشٌ ، لا بِعَبَّاسٍ وَلا بِجَسَّاسٍ ، صَلِيبٌ ، كَظَّامٌ ، بَسَّامٌ ، دَقِيقُ النَّظَرِ ، عَظِيمُ الْحَذَرِ ، لا يَجْهَلُ ، وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ يَحْلُمُ ، لا يَبْخَلُ وَإِنْ بُخِلَ عَلَيْهِ صَبَرَ ، عَقَلَ فَاسْتَحْيَا ، وَقَنِعَ فَاسْتَغْنَى ، حَيَاوهُ يَعْلُو شَهْوَتَهُ ، وَوُدُّهُ يَعْلُو حَسَدَهُ ، وَعَفْوُهُ يَعْلُو حِقْدَهُ ، لا يَنْطِقُ بِغَيْرِ صَوَابٍ ، وَلا يَلْبَسُ إِلاّ الاقْتِصَادِ ، مَشْيُهُ التَّوَاضُعُ ، خَاضِعٌ لِرَبِّهِ بِطَاعَتِهِ ، رَاضٍ عَنْهُ فِي كُلِّ حَالاتِهِ ، نِيَّتُهُ خَالِصَةٌ ، أَعْمَالُهُ لَيْسَ فِيهَا غِشٌّ وَلا خَدِيعَةٌ ، نَظَرُهُ عِبْرَةٌ ، سُكُوتُهُ فِكْرَةٌ ، وَكَلامُهُ حِكْمَةٌ ، مُنَاصِحاً مُتَبَاذِلاً مُتَوَاخِياً ، نَاصِحٌ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ ، لا يَهْجُرُ أَخَاهُ وَلا يَغْتَابُهُ وَلا يَمْكُرُ بِهِ ، وَلا يَأْسَفُ عَلَى مَا فَاتَهُ ، وَلا يَحْزَنُ عَلَى مَا أَصَابَهُ ، وَلا يَرْجُو مَا لا يَجُوزُ لَهُ الرَّجَاءُ ، وَلا يَفْشَلُ فِي الشِّدَّةِ ، وَلا يَبْطَرُ فِي الرَّخَاءِ ، يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ ، وَالْعَقْلَ بِالصَّبْرِ ، تَرَاهُ بَعِيداً كَسَلُهُ ، دَائِماً نَشَاطُهُ ، قَرِيباً أَمَلُهُ ، قَلِيلاً زَلَلُهُ ، مُتَوَقِّعاً لأَجَلِهِ ، خَاشِعاً قَلْبُهُ ، ذَاكِراً رَبَّهُ ، قَانِعَةً نَفْسُهُ ، مَنْفِيّاً جَهْلُهُ ، سَهْلاً أَمْرُهُ ، حَزِيناً لِذَنْبِهِ ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ ، كَظُوماً غَيْظَهُ ، صَافِياً خُلُقُهُ ، آمِناً مِنْهُ جَارُهُ ، ضَعِيفاً كِبْرُهُ ، قَانِعاً بِالَّذِي قُدِّرَ لَهُ ، مَتِيناً صَبْرُهُ ، مُحْكَماً أَمْرُهُ ، كَثِيراً ذِكْرُهُ ، يُخَالِطُ النَّاسَ لِيَعْلَمَ ،
وَيَصْمُتُ لِيَسْلَمَ ، وَيَسْأَلُ لِيَفْهَمَ ، وَيَتَّجِرُ لِيَغْنَمَ ، لا يُنْصِتُ لِلْخَبَرِ لِيَفْجُرَ بِهِ ، وَلا يَتَكَلَّمُ لِيَتَجَبَّرَ بِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ ، أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآِخِرَتِهِ فَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ ، إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ الَّذِي يَنْتَصِرُ لَهُ ، بُعْدُهُ مِمَّنْ تَبَاعَدَ مِنْهُ بُغْضٌ وَنَزَاهَةٌ ، وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ ، لَيْسَ تَبَاعُدُهُ تَكَبُّراً وَلا عَظَمَةً ، وَلا دُنُوُّهُ خَدِيعَةً وَلا خِلابَةً بَلْ يَقْتَدِي بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ ، فَهُوَ إِمَامٌ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْبِرّ .
وعَنِ الدِّلْهَاثِ مَوْلَى الرِّضَا عليهالسلام قَالَ : سَمِعْتُ الرِّضَا عليهالسلام يَقُولُ : لا يَكُونُ الْمُومِنُ مُومِناً حَتَّى يَكُونَ فِيهِ ثَلاثُ خِصَالٍ : سُنَّةٌ مِنْ رَبِّهِ ، وسُنَّةٌ مِنْ نَبِيِّهِ ، وسُنَّةٌ مِنْ وَلِيِّهِ .
فَأَمَّا السُّنَّةُ مِنْ رَبِّهِ : فَكِتَْمانُ سِرِّهِ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - : « عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ » .
وأَمَّا السُّنَّةُ مِنْ نَبِيِّهِ : فَمُدَارَاةُ النَّاسِ ، فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أَمَرَ نَبِيَّهُ صلىاللهعليهوآله بِمُدَارَاةِ النَّاسِ فَقَالَ : « خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ » .
وأَمَّا السُّنَّةُ مِنْ وَلِيِّهِ : فَالصَّبْرُ فِي الْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ(1)
وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن عليهماالسلام قَالَ : الْمُومِنُ يَصْمُتُ لِيَسْلَمَ ، ويَنْطِقُ لِيَغْنَمَ ، لا يُحَدِّثُ أَمَانَتَهُ الأصْدِقَاءَ ، ولا يَكْتُمُ شَهَادَتَهُ مِنَ الْبُعَدَاءِ ، ولا يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ رِيَاءً ، ولا يَتْرُكُهُ حَيَاءً ، إِنْ زُكِّيَ خَافَ مِمَّا يَقُولُونَ ، ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ ، لا يَغُرُّهُ قَوْلُ مَنْ جَهِلَهُ ، ويَخَافُ إِحْصَاءَ مَا عَمِلَهُ .
وعن أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : الْمُومِنُ لَهُ قُوَّةٌ فِي دِينٍ ، وحَزْمٌ فِي لِينٍ ، وإِيمَانٌ فِي يَقِينٍ ، وحِرْصٌ فِي فِقْهٍ ، ونَشَاطٌ فِي هُدًى ، وبِرٌّ فِي اسْتِقَامَةٍ ، وعِلْمٌ فِي حِلْمٍ ، وكَيْسٌ فِي رِفْقٍ ، وسَخَاءٌ فِي حَقٍّ ، وقَصْدٌ فِي غِنًى ، وتَجَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ ، وعَفْوٌ فِي قُدْرَةٍ ، وطَاعَةٌ لِلَّهِ فِي نَصِيحَةٍ ، وانْتِهَاءٌ فِي شَهْوَةٍ ، ووَرَعٌ فِي رَغْبَةٍ ، وحِرْصٌ فِي جِهَادٍ ، وصَلاةٌ فِي شُغُلٍ ، وصَبْرٌ فِي شِدَّةٍ ، وفِي الْهَزَاهِزِ وَقُورٌ ، وفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ ، وفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ ، ولا يَغْتَابُ ، ولا يَتَكَبَّرُ ، ولا يَقْطَعُ الرَّحِمَ ، ولَيْسَ بِوَاهِنٍ ، ولا فَظٍّ ولا غَلِيظٍ ، ولا يَسْبِقُهُ بَصَرُهُ ، ولا يَفْضَحُهُ بَطْنُهُ ، ولا يَغْلِبُهُ فَرْجُهُ ، ولا يَحْسُدُ النَّاسَ ، يُعَيَّرُ ولا يُعِيِّرُ ، ولا يُسْرِفُ ، يَنْصُرُ الْمَظْلُومَ ، ويَرْحَمُ الْمِسْكِينَ ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ ، والنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ ، لا يَرْغَبُ فِي عِزِّ الدُّنْيَا ، ولا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا ، لِلنَّاسِ هَمٌّ قَدْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ ، ولَهُ هَمٌّ قَدْ شَغَلَهُ ، لا يُرَى فِي حُكْمِهِ نَقْصٌ ، ولا فِي رَأْيِهِ وَهْنٌ ، ولا فِي دِينِهِ ضَيَاعٌ ، يُرْشِدُ مَنِ اسْتَشَارَهُ ، ويُسَاعِدُ مَنْ سَاعَدَهُ ، ويَكِيعُ عَنِ الْخَنَا والْجَهْلِ .
وفيه أيضاً عَنْ أَحَدِهِمَا عليهماالسلام قَالَ : مَرَّ أَمِيرُ الْمُومِنِين عليهالسلام بِمَجْلِسٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَإِذَا هُوَ بِقَوْمٍ بِيضٍ ثِيَابُهُمْ، صَافِيَةٍ أَلْوَانُهُمْ، كَثِيرٍ ضِحْكُهُمْ، يُشِيرُونَ بِأَصَابِعِهِمْ إِلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ.
ثُمَّ مَرَّ بِمَجْلِسٍ للأوْسِ والْخَزْرَجِ ، فَإِذَا قَوْمٌ بُلِيَتْ مِنْهُمُ الأبْدَانُ ، ودَقَّتْ مِنْهُمُ الرِّقَابُ ، واصْفَرَّتْ مِنْهُمُ الألْوَانُ ، وقَدْ تَوَاضَعُوا بِالْكَلامِ .
فَتَعَجَّبَ عَلِي عليهالسلام مِنْ ذَلِكَ ، ودَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله فَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي ، إِنِّي مَرَرْتُ بِمَجْلِسٍ لآِلِ فُلانٍ ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ ، ومَرَرْتُ بِمَجْلِسٍ للأوْسِ والْخَزْرَجِ فَوَصَفَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : وجَمِيعٌ مُومِنُونَ ؟! فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِصِفَةِ الْمُومِنِ ؟
فَنَكَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : عِشْرُونَ خَصْلَةً فِي الْمُومِنِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ لَمْ يَكْمُلْ إِيمَانُهُ : إِنَّ مِنْ أَخْلاقِ الْمُومِنِينَ - يَا عَلِيُّ - :
الْحَاضِرُونَ
الصَّلاةَ ، والْمُسَارِعُونَ إِلَى الزَّكَاةِ ، والْمُطْعِمُونَ الْمِسْكِينَ ، الْمَاسِحُونَ رَأْسَ الْيَتِيمِ ، الْمُطَهِّرُونَ أَطْمَارَهُمْ ، الْمُتَّزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمُ ، الَّذِينَ إِنْ حَدَّثُوا لَمْ يَكْذِبُوا ، وإِذَا وَعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا ، وإِذَا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا ، وإِذَا تَكَلَّمُوا صَدَقُوا ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ ، أُسُدٌ بِالنَّهَارِ ، صَائِمُونَ النَّهَارَ ، قَائِمُونَ اللَّيْلَ ، لا يُوذُونَ جَاراً ، ولا يَتَأَذَّى بِهِمْ جَارٌ ، الَّذِينَ مَشْيُهُمْ عَلَى الأرْضِ هَوْنٌ ، وخُطَاهُمْ إِلَى بُيُوتِ الأرَامِلِ وعَلَى أَثَرِ الْجَنَائِزِ ، جَعَلَنَا اللَّهُ وإِيَّاكُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ .
وعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُومِنٌ .
وعَنْ عَمْرِو بْنِ جُمَيْعٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : شِيعَتُنَا هُمُ الشَّاحِبُونَ ، الذَّابِلُونَ ، النَّاحِلُونَ ، الَّذِينَ إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ اسْتَقْبَلُوهُ بِحُزْنٍ .
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : شِيعَتُنَا أَهْلُ الْهُدَى ، وأَهْلُ التُّقَى ، وأَهْلُ الْخَيْرِ ، وأَهْلُ الإيمَانِ ، وأَهْلُ الْفَتْحِ والظَّفَرِ .
وعَنْ مُفَضَّلٍ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : إِيَّاكَ والسَّفِلَةَ ، فَإِنَّمَا شِيعَةُ عَلِيٍّ مَنْ عَفَّ بَطْنُهُ وفَرْجُهُ ، واشْتَدَّ جِهَادُهُ ، وعَمِلَ لِخَالِقِهِ ، ورَجَا ثَوَابَهُ ، وخَافَ عِقَابَهُ ، فَإِذَا رَأَيْتَ أُولَئِكَ فَأُولَئِكَ شِيعَةُ جَعْفَرٍ .
وعَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : إِنَّ شِيعَةَ عَلِيٍّ كَانُوا خُمُصَ الْبُطُونِ ، ذُبُلَ الشِّفَاهِ ، أَهْلَ رَأْفَةٍ وعِلْمٍ وحِلْمٍ ، يُعْرَفُونَ بِالرَّهْبَانِيَّةِ ، فَأَعِينُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِالْوَرَعِ والاجْتِهَادِ .
وعَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : إِنَّمَا الْمُومِنُ الَّذِي إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنْ حَقٍّ ، وإِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ ، وإِذَا قَدَرَ لَمْ يَأْخُذْ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ .
وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَر عليهالسلام قَالَ : قَالَ أَبُو جَعْفَر عليهالسلام : يَا سُلَيْمَانُ ، أَتَدْرِي مَنِ الْمُسْلِمُ ؟
قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، أَنْتَ أَعْلَمُ .
قَالَ : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ ويَدِهِ .
ثُمَّ قَالَ : وتَدْرِي مَنِ الْمُومِنُ ؟
قَالَ : قُلْتُ : أَنْتَ أَعْلَمُ .
قَالَ : إِنَّ الْمُومِنَ مَنِ ائْتَمَنَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ ، والْمُسْلِمُ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَظْلِمَهُ أَوْ يَخْذُلَهُ أَوْ يَدْفَعَهُ دَفْعَةً تُعَنِّتُهُ .
وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَر عليهالسلام قَالَ : إِنَّمَا الْمُومِنُ الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي إِثْمٍ ولا بَاطِلٍ ، وإِذَا سَخِطَ لَمْ يُخْرِجْهُ سَخَطُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ ، والَّذِي إِذَا قَدَرَ لَمْ تُخْرِجْهُ قُدْرَتُهُ إِلَى التَّعَدِّي إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ .
وعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ رَفَعَهُ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : الْمُومِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ كَالْجَمَلِ الأنِفِ إِذَا قِيدَ انْقَادَ وإِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ .
وعَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : ثَلاثَةٌ مِنْ عَلامَاتِ الْمُومِنِ : الْعِلْمُ بِاللَّهِ ، ومَنْ يُحِبُّ ، ومَنْ يَكْرَهُ .
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله : الْمُومِنُ كَمِثْلِ شَجَرَةٍ لا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا فِي شِتَاءٍ ولا صَيْفٍ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ومَا هِيَ ؟ قَالَ : النَّخْلَةُ .
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : الْمُومِنُ حَلِيمٌ لا يَجْهَلُ ، وإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ يَحْلُمُ ، ولا يَظْلِمُ وإِنْ ظُلِمَ غَفَرَ ، ولا يَبْخَلُ وإِنْ بُخِلَ عَلَيْهِ صَبَرَ .
وعَنْ آدَمَ أَبِي الْحُسَيْنِ اللُّولُويِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : الْمُومِنُ مَنْ طَابَ مَكْسَبُهُ ، وحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ ، وصَحَّتْ سَرِيرَتُهُ ، وأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ ، وأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ كَلامِهِ ، وكَفَى النَّاسَ شَرَّهُ ، وأَنْصَفَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ .
وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَر عليهالسلام قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله : أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِالْمُومِنِ مَنِ ائْتَمَنَهُ الْمُومِنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وأَمْوَالِهِمْ ، أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِالْمُسْلِمِ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ ويَدِهِ ، والْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ وتَرَكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، والْمُومِنُ حَرَامٌ عَلَى الْمُومِنِ أَنْ يَظْلِمَهُ أَوْ يَخْذُلَهُ أَوْ يَغْتَابَهُ أَوْ يَدْفَعَهُ دَفْعَةً .
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ أَبُو جَعْفَر عليهالسلام : إِنَّمَا شِيعَةُ عَلِيٍّ الْحُلَمَاءُ ، الْعُلَمَاءُ ، الذُّبُلُ الشِّفَاهِ ، تُعْرَفُ الرَّهْبَانِيَّةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ .
وعَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ عَنْ أَبِي جَعْفَر عليهالسلام قَالَ : صَلَّى أَمِيرُ الْمُومِنِين عليهالسلام بِالنَّاسِ الصُّبْحَ بِالْعِرَاقِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ وَعَظَهُمْ ، فَبَكَى وأَبْكَاهُمْ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ :
أَمَا واللَّهِ لَقَدْ عَهِدْتُ أَقْوَاماً عَلَى عَهْدِ خَلِيلِي رَسُولِ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله وإِنَّهُمْ لَيُصْبِحُونَ ويُمْسُونَ شُعْثاً غُبْراً خُمُصاً ، بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ كَرُكَبِ الْمِعْزَى ، يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وقِيَاماً ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ أَقْدَامِهِمْ وجِبَاهِهِمْ ، يُنَاجُونَ رَبَّهُمْ ، ويَسْأَلُونَهُ فَكَاكَ رِقَابِهِمْ مِنَ النَّارِ ، واللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ مَعَ هَذَا وهُمْ خَائِفُونَ مُشْفِقُونَ .
وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن عليهماالسلام قَالَ : صَلَّى أَمِيرُ الْمُومِنِين عليهالسلام الْفَجْرَ ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ فِي مَوْضِعِهِ حَتَّى صَارَتِ الشَّمْسُ عَلَى قِيدِ رُمْحٍ ، وأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ :
واللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وقِيَاماً ، يُخَالِفُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ ورُكَبِهِمْ ، كَأنَ زَفِيرُ النَّارِ فِي آذَانِهِمْ ، إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهُمْ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ ، كَأَنَّمَا الْقَوْمُ بَاتُوا غَافِلِينَ ، قَالَ : ثُمَّ قَامَ ، فَمَا رُئِيَ ضَاحِكاً حَتَّى قُبِضَ
عليهالسلام .
وعَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ أَصْحَابِي فَانْظُرْ إِلَى مَنِ اشْتَدَّ وَرَعُهُ ، وخَافَ خَالِقَهُ ، ورَجَا ثَوَابَهُ ، وإِذَا رَأَيْتَ هَولاءِ فَهَولاءِ أَصْحَابِي .
وعَنْ أَبِي جَعْفَر عليهالسلام قَالَ : قَالَ أَمِيرُ الْمُومِنِين عليهالسلام : شِيعَتُنَا الْمُتَبَاذِلُونَ فِي وَلايَتِنَا الْمُتَحَابُّونَ فِي مَوَدَّتِنَا الْمُتَزَاوِرُونَ فِي إِحْيَاءِ أَمْرِنَا ، الَّذِينَ إِنْ غَضِبُوا لَمْ يَظْلِمُوا ، وإِنْ رَضُوا لَمْ يُسْرِفُوا ، بَرَكَةٌ عَلَى مَنْ جَاوَرُوا ، سِلْمٌ لِمَنْ خَالَطُوا .
وعَنْ عِيسَى النَّهْرِيرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله : مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وعَظَّمَهُ مَنَعَ فَاهُ مِنَ الْكَلامِ ، وبَطْنَهُ مِنَ الطَّعَامِ ، وعَفَا نَفْسَهُ بِالصِّيَامِ والْقِيَامِ .
قَالُوا : بِآبَائِنَا وأُمَّهَاتِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَولاءِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ ؟
قَالَ : إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ سَكَتُوا فَكَانَ سُكُوتُهُمْ ذِكْراً ، ونَظَرُوا فَكَانَ نَظَرُهُمْ عِبْرَةً ، ونَطَقُوا فَكَانَ نُطْقُهُمْ حِكْمَةً ، ومَشَوْا فَكَانَ مَشْيُهُمْ بَيْنَ النَّاسِ بَرَكَةً ، لَوْلا الآجَالُ الَّتِي قَدْ كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ لَمْ تَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ خَوْفاً مِنَ الْعَذَابِ وشَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ .
وخَطَبَ النَّاسَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِي عليهماالسلام فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَخٍ لِي كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِي عَيْنِي ، وكَانَ رَأْسُ مَا عَظُمَ بِهِ فِي عَيْنِي صِغَرَ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ ، كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ ، فَلا يَشْتَهِي مَا لا يَجِدُ ، ولا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ ، كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ فَرْجِهِ ، فَلا يَسْتَخِفُّ لَهُ عَقْلَهُ ولا رَأْيَهُ ، كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ الْجَهَالَةِ ، فَلا يَمُدُّ يَدَهُ إِلا عَلَى ثِقَةٍ لِمَنْفَعَةٍ ، كَانَ لا يَتَشَهَّى ، ولا يَتَسَخَّطُ ، ولا يَتَبَرَّمُ ، كَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَمَّاتاً ، فَإِذَا قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ ، كَانَ لا يَدْخُلُ فِي مِرَاءٍ ، ولا يُشَارِكُ فِي دَعْوًى ، ولا يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَرَى قَاضِياً ، وكَانَ لا يَغْفُلُ عَنْ إِخْوَانِهِ ، ولا يَخُصُّ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ دُونَهُمْ ، كَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً ، فَإِذَا جَاءَ الْجِدُّ كَانَ لَيْثاً عَادِياً ، كَانَ لا يَلُومُ أَحَداً فِيمَا يَقَعُ الْعُذْرُ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَرَى اعْتِذَاراً ، كَانَ يَفْعَلُ مَا يَقُولُ ويَفْعَلُ مَا لا يَقُولُ ، كَانَ إِذَا ابْتَزَّهُ أَمْرَانِ لا يَدْرِي أَيُّهُمَا أَفْضَلُ نَظَرَ إِلَى أَقْرَبِهِمَا إِلَى الْهَوَى فَخَالَفَهُ ، كَانَ لا يَشْكُو وَجَعاً إِلا عِنْدَ مَنْ يَرْجُو عِنْدَهُ الْبُرْءَ ، ولا يَسْتَشِيرُ إِلا مَنْ يَرْجُو عِنْدَهُ النَّصِيحَةَ ، كَانَ لا يَتَبَرَّمُ ، ولا يَتَسَخَّطُ ، ولا يَتَشَكَّى ، ولا يَتَشَهَّى ، ولا يَنْتَقِمُ ، ولا يَغْفُلُ عَنِ الْعَدُوِّ .
فَعَلَيْكُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الأخْلاقِ الْكَرِيمَةِ إِنْ أَطَقْتُمُوهَا ، فَإِنْ لَمْ تُطِيقُوهَا كُلَّهَا فَأَخْذُ الْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ .
وعَنْ مِهْزَمٍ الأسَدِيِّ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام :
يَا مِهْزَمُ شِيعَتُنَا مَنْ لا يَعْدُو صَوْتُهُ سَمْعَهُ ، ولا شَحْنَاوهُ بَدَنَهُ ، ولا يَمْتَدِحُ بِنَا مُعْلِناً ، ولا يُجَالِسُ لَنَا عَائِباً ، ولا يُخَاصِمُ لَنَا قَالِياً ، إِنْ لَقِيَ مُومِناً أَكْرَمَهُ ، وإِنْ لَقِيَ جَاهِلاً هَجَرَهُ .
قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَولاءِ
الْمُتَشَيِّعَةِ ؟
قَالَ : فِيهِمُ التَّمْيِيزُ ، وفِيهِمُ التَّبْدِيلُ ، وفِيهِمُ التَّمْحِيصُ ، تَأْتِي عَلَيْهِمْ سِنُونَ تُفْنِيهِمْ ، وطَاعُونٌ يَقْتُلُهُمْ ، واخْتِلافٌ يُبَدِّدُهُمْ ، شِيعَتُنَا مَنْ لا يَهِرُّ هَرِيرَ الْكَلْبِ ، ولا يَطْمَعُ طَمَعَ الْغُرَابِ ، ولا يَسْأَلُ عَدُوَّنَا وإِنْ مَاتَ جُوعاً .
قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، فَأَيْنَ أَطْلُبُ هَولاءِ ؟
قَالَ : فِي أَطْرَافِ الأرْضِ ، أُولَئِكَ الْخَفِيضُ عَيْشُهُمْ ، الْمُنْتَقِلَةُ دِيَارُهُمْ ، إِنْ شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا ، وإِنْ غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا ، ومِنَ الْمَوْتِ لا يَجْزَعُونَ ، وفِي الْقُبُورِ يَتَزَاوَرُونَ ، وإِنْ لَجَأَ إِلَيْهِمْ ذُو حَاجَةٍ مِنْهُمْ رَحِمُوهُ ، لَنْ تَخْتَلِفَ قُلُوبُهُمْ وإِنِ اخْتَلَفَ بِهِمُ الدَّارُ ؟
ثُمَّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله : أَنَا الْمَدِينَةُ وعَلِيٌّ الْبَابُ ، وكَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ لا مِنْ قِبَلِ الْبَابِ ، وكَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي ويُبْغِضُ عَلِيّاً عليهالسلام .
وعَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : قَالَ : مَنْ عَامَلَ النَّاسَ فَلَمْ يَظْلِمْهُمْ ، وحَدَّثَهُمْ فَلَمْ يَكْذِبْهُمْ ، ووَعَدَهُمْ فَلَمْ يُخْلِفْهُمْ ، كَانَ مِمَّنْ حُرِّمَتْ غِيبَتُهُ ، وكَمَلَتْ مُرُوءَتُهُ ، وظَهَرَ عَدْلُهُ ، ووَجَبَتْ أُخُوَّتُهُ .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِي عليهماالسلام قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله : ثَلاثُ خِصَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَكْمَلَ خِصَالَ الإيمَانِ : إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ ، وإِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ الْغَضَبُ مِنَ الْحَقِّ ، وإِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَ مَا لَيْسَ لَهُ .
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : قَالَ أَمِيرُ الْمُومِنِين عليهالسلام : إِنَّ لأهْلِ الدِّينِ عَلامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا : صِدْقَ الْحَدِيثِ ، وأَدَاءَ الأمَانَةِ ، ووَفَاءً بِالْعَهْدِ ، وصِلَةَ الأرْحَامِ ، ورَحْمَةَ الضُّعَفَاءِ ، وقِلَّةَ الْمُرَاقَبَةِ لِلنِّسَاءِ ، أَوْ قَالَ : قِلَّةَ الْمُوَاتَاةِ لِلنِّسَاءِ ، وبَذْلَ الْمَعْرُوفِ ، وحُسْنَ الْخُلُقِ ، وسَعَةَ الْخُلُقِ ، واتِّبَاعَ الْعِلْمِ ومَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - زُلْفَى ، « طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ » ، وطُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، أَصْلُهَا فِي دَارِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلىاللهعليهوآله ، ولَيْسَ مِنْ مُومِنٍ إِلاّ وفِي دَارِهِ غُصْنٌ مِنْهَا ، لا يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِهِ شَهْوَةُ شَيْءٍ إِلا أَتَاهُ بِهِ ذَلِكَ ، ولَوْ أَنَّ رَاكِباً مُجِدّاً سَارَ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ مَا خَرَجَ مِنْهُ ، ولَوْ طَارَ مِنْ أَسْفَلِهَا غُرَابٌ مَا بَلَغَ أَعْلاهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرِماً ، أَلا فَفِي هَذَا فَارْغَبُوا .
إِنَّ الْمُومِنَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ ، والنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ ، إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ افْتَرَشَ وَجْهَهُ وسَجَدَ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِمَكَارِمِ بَدَنِهِ يُنَاجِي الَّذِي خَلَقَهُ فِي فَكَاكِ رَقَبَتِهِ ، أَلا فَهَكَذَا كُونُوا .
وعَنْ أَبِي جَعْفَر عليهالسلام قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله عَنْ خِيَارِ الْعِبَادِ ، فَقَالَ : الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا وإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا وإِذَا أُعْطُوا شَكَرُوا وإِذَا ابْتُلُوا صَبَرُوا وإِذَا غَضِبُوا غَفَرُوا .
وعَنْ أَبِي جَعْفَر قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله : إِنَّ خِيَارَكُمْ أُولُو النُّهَى .
قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ومَنْ أُولُو النُّهَى ؟
قَالَ : هُمْ أُولُو الأخْلاقِ الْحَسَنَةِ ، والأحْلامِ الرَّزِينَةِ ، وصَلَةُ الأرْحَامِ ، والْبَرَرَةُ بِالأُمَّهَاتِ والآبَاءِ ، والْمُتَعَاهِدِينَ لِلْفُقَرَاءِ والْجِيرَانِ والْيَتَامَى ، ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ، ويُفْشُونَ السَّلامَ فِي الْعَالَمِ ، ويُصَلُّونَ والنَّاسُ نِيَامٌ غَافِلُونَ .
وعَنْ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ الْحَلَبِيِّ قَالَ : قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : أَيُّ الْخِصَالِ بِالْمَرْءِ أَجْمَلُ ؟
فَقَالَ : وَقَارٌ بِلا مَهَابَةٍ ، وسَمَاحٌ بِلا طَلَبِ مُكَافَأَةٍ ، وتَشَاغُلٌ بِغَيْرِ مَتَاعِ الدُّنْيَا .
وعَنْ أَبِي وَلادٍ الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْن عليهالسلام يَقُولُ : إِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِكَمَالِ دِينِ الْمُسْلِمِ تَرْكُهُ الْكَلامَ فِيمَا لا يَعْنِيهِ ، وقِلَّةُ مِرَائِهِ ، وحِلْمُهُ ، وصَبْرُهُ ، وحُسْنُ خُلُقِهِ .
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله : أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْبَهِكُمْ بِي ؟
قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً ، وأَلْيَنُكُمْ كَنَفاً ، وأَبَرُّكُمْ بِقَرَابَتِهِ ، وأَشَدُّكُمْ حُبّاً لإِخْوَانِهِ فِي دِينِهِ ، وأَصْبَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ ، وأَكْظَمُكُمْ لِلْغَيْظِ ، وأَحْسَنُكُمْ عَفْواً ، وأَشَدُّكُمْ مِنْ نَفْسِهِ إِنْصَافاً فِي الرِّضَا والْغَضَبِ .
وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن عليهماالسلام قَالَ : مِنْ أَخْلاقِ الْمُومِنِ الإنْفَاقُ عَلَى قَدْرِ الإقْتَارِ ، والتَّوَسُّعُ عَلَى قَدْرِ التَّوَسُّعِ ، وإِنْصَافُ النَّاسِ ، وابْتِدَاوهُ إِيَّاهُمْ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ .
وعَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَر عليهالسلام قَالَ : الْمُومِنُ أَصْلَبُ مِنَ الْجَبَلِ ،الْجَبَلُ يُسْتَقَلُّ مِنْهُ والْمُومِنُ لا يُسْتَقَلُّ مِنْ دِينِهِ شَيْءٌ .
وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : الْمُومِنُ حَسَنُ الْمَعُونَةِ ، خَفِيفُ الْمَئُونَةِ ، جَيِّدُ التَّدْبِيرِ لِمَعِيشَتِهِ ، لا يُلْسَعُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ .
.1) الكافي : 2/227 . وفي الكافي أيضاً عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : يَنْبَغِي لِلْمُومِنِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَمَانُ خِصَالٍ : وَقُورٌ عِنْدَ الْهَزَاهِزِ ، صَبُورٌ عِنْدَ الْبَلاءِ ، شَكُورٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ ، قَانِعٌ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ ، لا يَظْلِمُ الأعْدَاءَ ، ولا يَتَحَامَلُ للأصْدِقَاءِ ، بَدَنُهُ مِنْهُ فِي تَعَبٍ ، والنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ ، إِنَّ الْعِلْمَ خَلِيلُ الْمُومِنِ ، والْحِلْمَ وَزِيرُهُ ، والصَّبْرَ أَمِيرُ جُنُودِهِ ، والرِّفْقَ أَخُوهُ ، واللِّينَ وَالِدُهُ .
هذه هي بعض صفات المؤمن ، وقد اتصف بها زهير وتزيّن بها ، وأقامها بحدودها ، حتى صار معلماً تشعّ منه أنوار الأخلاق الكريمة ، والصفات الحميدة ، وينتشر لذكر اسمه عبق المكارم والفضائل والمناقبوالمحامد والعلى والسؤدد .
شبهه سيد الشهداء عليهالسلام بمؤمن آل فرعون ، والصفة الأهم التي وصفه بها القرآن بعد أن أثبت له الإيمان أ نّه كان « يكتم إيمانه » ، قال اللّه تعالى : « وَقالَ رَجُلٌ مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ » ، وكتمان الإيمان خصلة ممدوحة لا تصبغ إلاّ من امتحن اللّه قلبه للإيمان من العظماء ، وقد ورد الحثّ عليها كشرط للشيعي والموالي لأهل البيت عليهمالسلام .
عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن عليهماالسلام قَالَ : وَدِدْتُ واللَّهِ أَنِّي افْتَدَيْتُ خَصْلَتَيْنِ فِي الشِّيعَةِ لَنَا بِبَعْضِ لَحْمِ سَاعِدِي : النَّزَقَ ، وقِلَّةَ الْكِتَْمانِ(1)
عَنْ أَبِي أُسَامَةَ زَيْدٍ الشَّحَّامِ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : أُمِرَ النَّاسُ بِخَصْلَتَيْنِ فَضَيَّعُوهُمَا ، فَصَارُوا مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ : الصَّبْرِ والْكِتْمَانِ .
عَنْ أَبِي جَعْفَر عليهالسلام قَالَ : دَخَلْنَا عَلَيْهِ جَمَاعَةً فَقُلْنَا : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ، إِنَّا نُرِيدُ الْعِرَاقَ فَأَوْصِنَا ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَر عليهالسلام : لِيُقَوِّ شَدِيدُكُمْ ضَعِيفَكُمْ ، ولْيَعُدْ غَنِيُّكُمْ عَلَى فَقِيرِكُمْ ، ولا تَبُثُّوا سِرَّنَا، ولا تُذِيعُوا أَمْرَنَا ، وإِذَا جَاءَكُمْ عَنَّا حَدِيثٌ فَوَجَدْتُمْ عَلَيْهِ شَاهِداً أَوْ شَاهِدَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَخُذُوا بِهِ ، وإِلا فَقِفُوا عِنْدَهُ ، ثُمَّ رُدُّوهُ إِلَيْنَا حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكُمْ ، واعْلَمُوا أَنَّ الْمُنْتَظِرَ لِهَذَا الأمْرِ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ ، ومَنْ أَدْرَكَ قَائِمَنَا فَخَرَجَ مَعَهُ فَقَتَلَ عَدُوَّنَا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ عِشْرِينَ شَهِيداً ، ومَنْ قُتِلَ مَعَ قَائِمِنَا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ شَهِيداً . عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَر عليهالسلاميَقُولُ : واللَّهِ إِنَّ أَحَبَّ أَصْحَابِي إِلَيَّ أَوْرَعُهُمْ وأَفْقَهُهُمْ وأَكْتَمُهُمْ لِحَدِيثِنَا ، وإِنَّ أَسْوَأَهُمْ عِنْدِي حَالاً وأَمْقَتَهُمْ لَلَّذِي إِذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ يُنْسَبُ إِلَيْنَا ويُرْوَى عَنَّا ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ اشْمَأَزَّ مِنْهُ وجَحَدَهُ وكَفَّرَ مَنْ دَانَ بِهِ ، وهُوَ لا يَدْرِي لَعَلَّ الْحَدِيثَ مِنْ عِنْدِنَا خَرَجَ ، وإِلَيْنَا أُسْنِدَ ، فَيَكُونَ بِذَلِكَ خَارِجاً عَنْ وَلايَتِنَا .
عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : أَخْبَرْتَ بِمَا أَخْبَرْتُكَ بِهِ أَحَداً ؟
قُلْتُ : لا ، إِلا سُلَيْمَانَ بْنَ خَالِدٍ .
قَالَ : أَحْسَنْتَ ، أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ :
فَلا يَعْدُوَنْ سِرِّي وسِرُّكَ
ثَالِثاً أَلا كُلُّ سِرٍّ جَاوَزَ اثْنَيْنِ شَائِعٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليهالسلام عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَأَبَى وأَمْسَكَ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ أَعْطَيْنَاكُمْ كُلَّمَا تُرِيدُونَ كَانَ شَرّاً لَكُمْ ، وأُخِذَ بِرَقَبَةِ صَاحِبِ هَذَا الأمْرِ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : كُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ ، والْزَمُوا بُيُوتَكُمْ ، فَإِنَّهُ لا يُصِيبُكُمْ أَمْرٌ تَخُصُّونَ بِهِ أَبَداً ، ولا تَزَالُ الزَّيْدِيَّةُ لَكُمْ وِقَاءً أَبَداً .
عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي الْحَسَن عليهالسلام قَالَ : إِنْ كَانَ فِي يَدِكَ هَذِهِ شَيْءٌ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا تَعْلَمَ هَذِهِ فَافْعَلْ .
قَالَ : وكَانَ عِنْدَهُ إِنْسَانٌ فَتَذَاكَرُوا الإذَاعَةَ ، فَقَالَ : احْفَظْ لِسَانَكَ تُعَزّ،َ ولا تُمَكِّنِ النَّاسَ مِنْ قِيَادِ رَقَبَتِكَ فَتَذِلَّ .
عَنْ خَالِدِ بْنِ نَجِيحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : إِنَّ أَمْرَنَا مَسْتُورٌ مُقَنَّعٌ بِالْمِيثَاقِ ، فَمَنْ هَتَكَ عَلَيْنَا أَذَلَّهُ اللَّهُ .
1) الكافي : 2/222 .
وعَنْ سُلَيَْمانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : يَا سُلَيَْمانُ ، إِنَّكُمْ عَلَى دِينٍ مَنْ كَتَمَهُ أَعَزَّهُ اللَّهُ ، ومَنْ أَذَاعَهُ أَذَلَّهُ اللَّهُ .
وعَنْ عَبْدِ الأعْلَى قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه عليهالسلام يَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنِ احْتَِمالِ أَمْرِنَا التَّصْدِيقُ لَهُ والْقَبُولُ فَقَطْ ، مِنِ احْتَِمالِ أَمْرِنَا سَتْرُهُ وصِيَانَتُهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ ، فَأَقْرِئْهُمُ السَّلامَ وقُلْ لَهُمْ : رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً اجْتَرَّ مَوَدَّةَ النَّاسِ إِلَى نَفْسِهِ ، حَدِّثُوهُمْ بِمَا يَعْرِفُونَ واسْتُرُوا عَنْهُمْ مَا يُنْكِرُونَ .
ثُمَّ قَالَ : واللَّهِ مَا النَّاصِبُ لَنَا حَرْباً بِأَشَدَّ عَلَيْنَا مَئُونَةً مِنَ النَّاطِقِ عَلَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ ، فَإِذَا عَرَفْتُمْ مِنْ عَبْدٍ إِذَاعَةً فَامْشُوا إِلَيْهِ ورُدُّوهُ عَنْهَا ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْكُمْ وإِلا فَتَحَمَّلُوا عَلَيْهِ بِمَنْ يُثَقِّلُ عَلَيْهِ ويَسْمَعُ مِنْهُ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ يَطْلُبُ الْحَاجَةَ فَيَلْطُفُ فِيهَا حَتَّى تُقْضَى لَهُ ، فَالْطُفُوا فِي حَاجَتِي كَمَا تَلْطُفُونَ فِي حَوَائِجِكُمْ ، فَإِنْ هُوَ قَبِلَ مِنْكُمْ وإِلا فَادْفِنُوا كَلامَهُ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ ، ولا تَقُولُوا إِنَّهُ يَقُولُ ويَقُولُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَيَّ وعَلَيْكُمْ .
أَمَا واللَّهِ ، لَوْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ مَا أَقُولُ لاقْرَرْتُ أَنَّكُمْ أَصْحَابِي ، هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ أَصْحَابٌ ، وهَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَهُ أَصْحَابٌ ، وأَنَا امْرُو مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ وَلَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله وعَلِمْتُ كِتَابَ اللَّهِ ، وفِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ، بَدْءِ الْخَلْقِ ، وأَمْرِ السَّمَاءِ وأَمْرِ الأرْضِ ، وأَمْرِ الأوَّلِينَ وأَمْرِ الآخِرِينَ ، وأَمْرِ مَا كَانَ وأَمْرِ مَا يَكُونُ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ نُصْبَ عَيْنِي .
وعَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : يَا مُعَلَّى ، اكْتُمْ أَمْرَنَا وَلا تُذِعْهُ ، فَإِنَّهُ مَنْ كَتَمَ أَمْرَنَا ولَمْ يُذِعْهُ أَعَزَّهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا ، وجَعَلَهُ نُوراً بَيْنَ عَيْنَيْهِ فِي الآخِرَةِ يَقُودُهُ إِلَى الْجَنَّةِ .
يَا مُعَلَّى ، مَنْ أَذَاعَ أَمْرَنَا ولَمْ يَكْتُمْهُ أَذَلَّهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا ، ونَزَعَ النُّورَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ فِي الآخِرَةِ ، وجَعَلَهُ ظُلْمَةً تَقُودُهُ إِلَى النَّارِ .
يَا مُعَلَّى ، إِنَّ التَّقِيَّةَ مِنْ دِينِي ودِينِ آبَائِي ، ولا دِينَ لِمَنْ لا تَقِيَّةَ لَهُ .
يَا مُعَلَّى ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُعْبَدَ فِي السِّرِّ كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُعْبَدَ فِي الْعَلانِيَةِ .
يَا مُعَلَّى إِنَّ الْمُذِيعَ لأمْرِنَا كَالْجَاحِدِ لَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَر عليهالسلام : وَلايَةُ اللَّهِ أَسَرَّهَا إِلَى جَبْرَئِيل عليهالسلام وأَسَرَّهَا جَبْرَئِيلُ
إِلَى مُحَمَّدٍ صلىاللهعليهوآله ، وأَسَرَّهَا مُحَمَّدٌ إِلَى عَلِي عليهالسلام وأَسَرَّهَا عَلِيٌّ إِلَى مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أَنْتُمْ تُذِيعُونَ ذَلِكَ ، مَنِ الَّذِي أَمْسَكَ حَرْفاً سَمِعَهُ .
وعَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه عليهالسلام يَقُولُ : نَفَسُالْمَهْمُومِ لَنَا الْمُغْتَمِّ لِظُلْمِنَا تَسْبِيحٌ ، وهَمُّهُ لأمْرِنَا عِبَادَةٌ ، وكِتَْمانُهُ لِسِرِّنَا جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ : اكْتُبْ هَذَا بِالذَّهَبِ ، فَمَا كَتَبْتَ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْهُ .
عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ : قَالَ أَبُو جَعْفَر عليهالسلام : خَالِطُوهُمْ بِالْبَرَّانِيَّةِ ، وخَالِفُوهُمْ بِالْجَوَّانِيَّةِ ، إِذَا كَانَتِ الإمْرَةُ صِبْيَانِيَّةً (1)
وأمّا التكليف الآخر فهو مجاراة الناس أو مداراتهم أو مجاملتهم أو التكلم معهم على قدر عقولهم أو النسج على منوالهم أو عبّر ما شئت من التعبير المفيد لمعنى التعايش والرفق وقبول الآخر . وهذا الأمر لا يخصّ التعامل مع السلطان أو مع المخالف في المذهب أو الدين ، بل يشمل كلّ جوانب التعايش الإجتماعي مع الآخرين حتى لو كانوا على دينه ومذهبه ورأيه ، فقد تختلف مع أخ مؤمن لك إلاّ أنّك تدرك أ نّه لا يطيق كلامك وأنت تعتقد أ نّه الحقّ ، فلا تحملّه فوق طاقته فتكسره ، ومن كسر مؤمناً فعليه جبره .
وهذا الفهم للتقية يفتح أمامنا آفاقاًجديدة مديدة ، ويجعل الروايات والأحاديث ، بل التكاليف الواردة في أخبار التقية حية متجددة في حياة الفرد المؤمن أبد الدهر ، لأ نّه حكم عملي جار مجرى بقية الأحكام الواردة في مواطن مرّ الحقّ ، فإذا توفرت شروطه ومقتضياته وجب الأخذ به والعمل وفقه ، فإذا أفطر موافقة للسلطان فإنّه لا يعتقد أنّ تكليفه هنا كان الصيام إلاّ أ نّه أفطر تقية ، وإنما يعتقد تماماً أنّ تكليفه هنا هو الإفطار لا غير ، فليس ثمة تكليفان في المقام ، وإنما هو تكليف واحد ، ويكون هو الموقف العملي الذي لا يجوز التخطي عنه .
ولتفصيل ذلك موضع آخر لا يسعه هذا المجال .
1) الظاهر من كلام أهل البيت عليهمالسلام بعد التدقيق والتأمل - وهم عليهمالسلام أعلم بمرادهم - أنّ التقية عبارة عن تكليفين مستقلين ، أحدهما إعتقادي لا مجال للتقية فيه بتاتاً ، فلا مندوحة للمؤمن من الإعتقاد بالتوحيد والنبوة وولاية أمير المؤمنين وذريته الطاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين ، والبراءة من أعدائهم ، ولا سلطان لأحد من العالمين على قلوب العباد سوى أئمة الدين ومن أعطاهم ذلك ، وهو ربّ العالمين ، فماذا تعني التقية إذن في إعتقاد يكمن في القلب ويختفي في الروح ؟
وعَنْ دُرُسْتَ الْوَاسِطِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : مَا بَلَغَتْ تَقِيَّةُ أَحَدٍ تَقِيَّةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، إِنْ كَانُوا لَيَشْهَدُونَ الأعْيَادَ ، ويَشُدُّونَ الزَّنَانِيرَ ،فَأَعْطَاهُمُ اللَّهُ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ .
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ : « أُولئِكَ يُوتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا » قَالَ : بِمَا صَبَرُوا عَلَى التَّقِيَّةِ ، « ويَدْرَونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ »قَالَ : الْحَسَنَةُ التَّقِيَّةُ ، والسَّيِّئَةُ الإذَاعَةُ .
وعَنْ أَبِي عُمَرَ الأعْجَمِيِّ قَالَ : قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : يَا أَبَا عُمَرَ ، إِنَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الدِّينِ فِي التَّقِيَّةِ ، ولا دِينَ لِمَنْ لا تَقِيَّةَ لَهُ ، والتَّقِيَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلا فِي النَّبِيذِ ، والْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
وعَنْ هِشَامٍ الْكِنْدِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه عليهالسلام يَقُولُ : إِيَّاكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا عَمَلاً يُعَيِّرُونا بِهِ ، فَإِنَّ وَلَدَ السَّوْءِ يُعَيَّرُ وَالِدُهُ بِعَمَلِهِ ، كُونُوا لِمَنِ انْقَطَعْتُمْ إِلَيْهِ زَيْناً ، ولا تَكُونُوا عَلَيْهِ شَيْناً ، صَلُّوا فِي عَشَائِرِهِمْ ، وعُودُوا مَرْضَاهُمْ ، واشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ ، ولا يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ ، فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ ، واللَّهِ مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْخَبْءِ ، قُلْتُ : ومَا الْخَبْءُ ؟ قَالَ : التَّقِيَّةُ .
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام التَّقِيَّةُ مِنْ دِينِ اللَّهِ .
قُلْتُ : مِنْ دِينِ اللَّهِ ؟!
قَالَ : إِي واللَّهِ ، مِنْ دِينِ اللَّهِ ، ولَقَدْ قَالَ يُوسُف عليهالسلام : « أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ
لَسارِقُونَ » واللَّهِ مَا كَانُوا سَرَقُوا شَيْئاً ، ولَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيم عليهالسلام : « إِنِّي سَقِيمٌ » واللَّهِ مَا كَانَ سَقِيماً .
وعَنْ حَبِيبِ بْنِ بِشْرِ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : لاواللَّهِ ، مَا عَلَى وَجْهِ الأرْضِ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ التَّقِيَّةِ .
يَا حَبِيبُ ، إِنَّهُ مَنْ كَانَتْ لَهُ تَقِيَّةٌ رَفَعَهُ اللَّهُ .
يَا حَبِيبُ ، مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَقِيَّةٌ وَضَعَهُ اللَّهُ .
يَا حَبِيبُ ، إِنَّ النَّاسَ إِنَّمَا هُمْ فِي هُدْنَةٍ ، فَلَوْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ هَذَا .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : اتَّقُوا عَلَى دِينِكُمْ ،فَاحْجُبُوهُ بِالتَّقِيَّةِ ، فَإِنَّهُ لا إِيمَانَ لِمَنْ لا تَقِيَّةَ لَهُ ، إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالنَّحْلِ فِي الطَّيْرِ ، لَوْ أَنَّ الطَّيْرَ تَعْلَمُ مَا فِي أَجْوَافِ النَّحْلِ مَا بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ
إِلا أَكَلَتْهُ ، ولَوْ أَنَّ النَّاسَ عَلِمُوا مَا فِي أَجْوَافِكُمْ ، أَنَّكُمْ تُحِبُّونَّا أَهْلَ الْبَيْتِ لاكَلُوكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، ولَنَحَلُوكُمْ فِي السِّرِّ والْعَلانِيَةِ ، رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً مِنْكُمْ كَانَ عَلَى وَلايَتِنَا .
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ « ولا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ » قَالَ : الْحَسَنَةُ التَّقِيَّةُ ، والسَّيِّئَةُ الإذَاعَةُ ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ » قَالَ : الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ : التَّقِيَّةُ « فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(1)
قُلْتُ : بِأَحْدَثِهِمَا وأَدَعُ الآخَرَ .
فَقَالَ : قَدْ أَصَبْتَ ، يَا أَبَا عَمْرٍو ، أَبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُعْبَدَ سِرّاً ، أَمَا واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ إِنَّهُ لَخَيْرٌ لِي ولَكُمْ ، وأَبَى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنَا ولَكُمْ فِي دِينِهِ إِلاّ التَّقِيَّةَ .
عَنْ حَمَّادِ بْنِ وَاقِدٍ اللَّحَّامِ قَالَ : اسْتَقْبَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه عليهالسلام فِي طَرِيقٍ ، فَأَعْرَضْتُ عَنْهُ بِوَجْهِي ومَضَيْتُ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، إِنِّي لالْقَاكَ فَأَصْرِفُ وَجْهِي كَرَاهَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ، فَقَالَ لِي : رَحِمَكَ اللَّهُ ، ولَكِنَّ رَجُلاً لَقِيَنِي أَمْسِ فِي مَوْضِعِ كَذَا وكَذَا ، فَقَالَ : عَلَيْكَ السَّلامُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، مَا أَحْسَنَ ولا أَجْمَلَ .
عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَر عليهالسلام قَالَ : التَّقِيَّةُ فِي كُلِّ ضَرُورَةٍ ،وصَاحِبُهَا أَعْلَمُ بِهَا حِينَ تَنْزِلُ بِهِ .
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : كَانَ أَبِي عليهالسلام يَقُولُ : وأَيُّ شَيْءٍ أَقَرُّ لِعَيْنِي مِنَ التَّقِيَّةِ ، إِنَّ التَّقِيَّةَ جُنَّةُ الْمُومِنِ .
عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيِّ ومُعَمَّرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَامٍ ومُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وزُرَارَةَ قَالُوا سَمِعْنَا أَبَا جَعْفَر عليهالسلام يَقُولُ : التَّقِيَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُضْطَرُّ إِلَيْهِ ابْنُ آدَمَ ، فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ : قُلْتُ لأبِي جَعْفَر عليهالسلام :رَجُلانِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ أُخِذَا فَقِيلَ لَهُمَا : ابْرَأَا مِنْ أَمِيرِ الْمُومِنِينَ ، فَبَرِئَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وأَبَى الآخَرُ ، فَخُلِّيَ سَبِيلُ الَّذِي بَرِئَ ، وقُتِلَ الآخَرُ ؟
فَقَالَ : أَمَّا الَّذِي بَرِئَ فَرَجُلٌ فَقِيهٌ فِي دِينِهِ ، وأَمَّا الَّذِي لَمْ يَبْرَأْ فَرَجُلٌ تَعَجَّلَ إِلَى الْجَنَّةِ .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه عليهالسلام يَقُولُ : التَّقِيَّةُ تُرْسُ الْمُومِنِ ، والتَّقِيَّةُ حِرْزُ الْمُومِنِ ، ولا إِيمَانَ لِمَنْ لا تَقِيَّةَ لَهُ ، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَقَعُ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِنَا فَيَدِينُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ، فَيَكُونُ لَهُ عِزّاً فِي الدُّنْيَا ، ونُوراً فِي الآخِرَةِ ، وإِنَّ الْعَبْدَ لَيَقَعُ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِنَا ، فَيُذِيعُهُ فَيَكُونُ لَهُ ذُلاً فِي الدُّنْيَا ، ويَنْزِعُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ذَلِكَ النُّورَ مِنْهُ .
»1) عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْكِنَانِيِّ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : يَا أَبَا عَمْرٍو ، أَرَأَيْتَكَ لَوْ حَدَّثْتُكَ بِحَدِيثٍ أَوْ أَفْتَيْتُكَ بِفُتْيَا ، ثُمَّ جِئْتَنِي بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلْتَنِي عَنْهُ ، فَأَخْبَرْتُكَ بِخِلافِ مَا كُنْتُ أَخْبَرْتُكَ ، أَوْ أَفْتَيْتُكَ بِخِلافِ ذَلِكَ ، بِأَيِّهِمَا كُنْتَ تَأْخُذُ ؟
وعَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ : قِيلَ لأبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : إِنَّ النَّاسَ يَرْوُونَ أَنَّ عَلِيّا عليهالسلام قَالَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ سَتُدْعَوْنَ إِلَى سَبِّي فَسُبُّونِي ، ثُمَّ تُدْعَوْنَ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنِّي فَلا تَبَرَّءُوا مِنِّي .
فَقَالَ : مَا أَكْثَرَ مَا يَكْذِبُ النَّاسُ عَلَى عَلِي عليهالسلام .
ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا قَالَ : إِنَّكُمْ سَتُدْعَوْنَ إِلَى سَبِّي فَسُبُّونِي ، ثُمَّ سَتُدْعَوْنَ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنِّي ، وإِنِّي لَعَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ ، ولَمْ يَقُلْ لا تَبَرَّءُوا مِنِّي .
فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ : أَرَأَيْتَ إِنِ اخْتَارَ الْقَتْلَ دُونَ الْبَرَاءَةِ ؟
فَقَالَ : واللَّهِ مَا ذَلِكَ عَلَيْهِ ، ومَا لَهُ إِلاّ مَا مَضَى عَلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ حَيْثُ أَكْرَهَهُ أَهْلُ مَكَّةَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِيهِ « إِلامَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ » فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله عِنْدَهَا : يَا عَمَّارُ ، إِنْ عَادُوا فَعُدْ ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عُذْرَكَ ، وأَمَرَكَ أَنْ تَعُودَ إِنْ عَادُوا .
وعَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلادٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَن عليهالسلام عَنِ الْقِيَامِ لِلْوُلاةِ، فَقَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَر عليهالسلام : التَّقِيَّةُ مِنْ دِينِي ودِينِ آبَائِي ، ولا إِيمَانَ لِمَنْ لا تَقِيَّةَ لَهُ .
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَر عليهالسلام قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَتِ التَّقِيَّةُ لِيُحْقَنَ بِهَا الدَّمُ ، فَإِذَا بَلَغَ الدَّمَ فَلَيْسَ تَقِيَّةٌ .
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : كُلَّمَا تَقَارَبَ هَذَا الأمْرُ كَانَ أَشَدَّ لِلتَّقِيَّةِ .
وعَنْ حَرِيزٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام قَالَ : قَالَ : التَّقِيَّةُ تُرْسُ اللَّهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ .
وبعد كلّ هذه الأحاديث الشريفة في بيان التقية وحدودها ومواردها
وضرورة الإلتزام بها يكون من الطبيعي جدّاً أن يتصوّر العدو زهيراً في دائرة السلطة ، فيما كان زهير يعيش محنة معاوية ومن سبقه وولاتهم الذين لاحقوا شيعة أمير المؤمنين عليهالسلام تحت كلّ حجر ومدر ، وهو من الشخصيات المعروفة ، حاله حال أصحاب الكهف ، وحال مؤمن آل فرعون ، سيما إذا عرفنا - كما سيأتي - أ نّه كان ينتظر يومه في نصرة سيد شباب آل محمد صلىاللهعليهوآله .
ولو تأملنا عبارة العدو التي اتهم بها زهير نجدها دقيقة في التعبير عن سلوكه ، حيث قال : يا زهير ، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنّماكنت عثمانياً ، قال : أفلست تستدل بموقفي هذا أنّي منهم(1)؟!!
1) تاريخ الطبري : 4/315 .
قال العدو : ما كنت عندنا شيعياً ، بل كنت عندنا عثمانياً ، شهادة بيّنة أنّ ظاهره كان يوهم العدو أ نّه منهم، لأ نّهم كانوا يحسبونه «عندهم» لا في الواقع .
قال تعالى : « وَقالَ رَجُلٌ مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ » .
فهذا مؤمن آل فرعون يدافع عن المعصوم ويقول لهم لم تقتلونه ، وهو لم يفعل شيئاً سوى أ نّه قال : « رَبِّيَ اللَّهُ » ، وكذلك فعل زهير حينما خطب القوم وحذرهم من قتل الحسين عليهالسلام وأهل بيته .
« وَقالَ رَجُلٌ مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ(1)» .
ولو تأملنا خطبة زهير يوم عاشوراء نجدها تكرّس دعوة مؤمن آل فرعون تماماً ، وتكشف لهم عن البينات التي جاءهم بها الحسين عليهالسلاموضرورة متابعته وترك مقاتلته ، لأنّ في ذلك الفوز الحتمي ، وبخلافه
سيعرّضون أنفسهم للخطر الذي لابد منه .
1) غافر : 28 .
قال الصادق عليهالسلام في كلام : يَا هِشَامُ ، ثُمَّ مَدَحَ الْقِلَّةَ ، فَقَالَ « وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ » ، وقَالَ « وقَلِيلٌ ما هُمْ » ، وقَالَ « وقالَ رَجُلٌ مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيم-انَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُ-ولَ رَبِّيَ اللَّهُ(1)» .
فكان مؤمن آل فرعون رجلاً واحداً بين أولئك الكثرة الكثيرة التي واجهها ، كما كان زهير وصحبه من القلّة التي اختارها اللّه للوقوف بين يدي الحسين عليهالسلام في مواجهة تلك الجيوش الجرارة ، والسيول البشرية التي انحدرت لقتال الحقّ القائم في شخص سيد شباب أهل الجنة الحسين عليهالسلام .
برأ الحسين عليهالسلام دينه وأ نّه لم يضفه اليهم بدينه
قال عليهالسلام في حديث: وأمّا الحادي عشر : فقول اللّه - عزّ وجلّ - في سورة المؤمن حكاية عن قول رجل مؤمن من آل فرعون « وقالَ رَجُلٌ مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ » تمام الآية ، فكان ابن خال فرعون ، فنسبه إلىفرعون بنسبه ولم يضفه إليه بدينه(2).
وقال عليهالسلام : وقوله « وقالَ رَجُلٌ مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ » كان ابن عمّه خربيل ، وهو الذي قال لموسى : « إِنَّ الْمَلا يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ »
نسبه إلى القرابة لا إلى الدين(1).
وقد برّأ الحسين عليهالسلام دين زهير بن القين ، وفرّق بينه وبين القوم دينياً بتشبيهه بمؤمن آل فرعون ، كما أنّ زهيراً نفسه خاطبهم خطاب واحد منهم ، ولكنّه أكدّ لهم أنّ للسيف حداّ فاصلاً قاطعا يميز بينهم دينياً ، ويقطع العصمة بينهم إذا ما وقع القتال .
كما أنّ العدو أقرّ باختلاف زهير معه في الدين وإن كان ينتسب اليهم بالقرابة ، كما هو واضح من الحوار الذي دار بينه وبينهم .
قال عليهالسلام : ثم لم يزل أهل الإيمان وذوو البصائر كالأنبياء عليهمالسلاموالصالحين
يكتمون إيمانهم من قومهم وعشائرهم ، لاقتضاء المصلحة ، كمؤمن آل فرعون الذي قصّ اللّه - تعالى - قصّته في كتابه فقال - عزّ وجلّ - : « وقالَ رَجُلٌ مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإِنْيَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ » .
1) متشابه القرآن : 2/61 .
فإن كان أبو طالب بكتمان إيمانه وإخفاء إسلامه كفر ، فكذلك هذا الذي قد سمّاه اللّه في كتابه مؤمناً ، ثم شهد عليه أ نّه يكتم إيمانه قد كفر بكتمان إيمانه ، إذ كان كتمانه الإيمان هداية ، وهذا مؤمن آل فرعون كانت حاله مع قومه كحال أبي طالب - رضي اللّه عنه - مع قريش ، فإنّه كان يخفي عنهم حاله ، ويدخل معهم بيوت متعبداتهم ، ويقسم بمعبودهم ، ويأكل من مأكولهم ، ويشرب من مشروبهم ، حتى تمّ له ما كان يسرّه من التوحيد باللّه تعالى ، ولم يعلموا بحاله حتى جاءهم موسىفقال « أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ » .
ثم قدّم لهم « وإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ » حتى يخفي عليهم موضع عنايته به ، ولم يقل: وهو صادق ، وإنّما قال « وإِنْ يَكُ صادِقاً » تلطفاً بهم ، كما كان أبو طالب يتلطّف قومه ، فقبلوا منه رأيه .
وكان فرعون قد عزم على قتل موسى عليهالسلام وشايعه قومه على ذلك ، وكان الرجل المؤمن مرضياً عندهم يرجعون إلى رأيه ، ويسمعون قوله ، فدفع عن موسى عليهالسلام القتل بوجه لطيف ، ولو كان مظهراً الإيمان لما أطاعوه ، ولا قبلوا منه ، بل كانوا يعادونه ويقتلونه .
وهكذا كانت حالة أبي طالب مع قريش حذو القذة بالقذة يدعو بدعائهم ، ويحضر في مجامعهم ، ويقسم بمعبودهم ، وكان سيدهم الذي يصمدون إليه ، وعميدهم الذي يعولون عليه ، ويرجعون إلى قوله ،ويستمعون إلى حديثه ، وكان أوفى مرتبة من مؤمن آل فرعون ، لأ نّه صدق النبي صلىاللهعليهوآله في أشعاره وخطبه ، وكشف أمره ، وأعلن بصحة نبوته ،
وخاصم قومه وناظرهم ، وكاشفهم ونابذهم ، ولذلك اجتمعت على نفيه إلى الشعب المعروف بشعب أبي طالب ، ونفي جماعته ، فصبروا معه ، وعامتهم مشركون للأصنام يعبدون(1).
وكذلك فعل زهير فعل مؤمن آل فرعون وفعل أبي طالب عليهالسلام .
عن أبي جعفر الباقر عليهالسلام قال : قال رجل وأنا عنده : إنّ الحسن البصري يروي أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال: من كتم علماً جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من النار !
قال: كذب - ويحه - فأين قول اللّه « قالَ رَجُلٌ مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ » ثم مدّ بها أبو جعفر عليهالسلام صوته فقال: ليذهبوا حيث شاءوا ، أما - واللّه - لا يجدون العلم إلاّ هاهنا ، ثم سكت ساعة ، ثم قال أبو جعفر عليهالسلام : عند آل محمد(2).
وروي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيَْمانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَر عليهالسلام يَقُولُ وعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ « عُثَْمانُ الأعْمَى » وهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الْحَسَنَالْبَصْرِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الْعِلْمَ يُوذِي رِيحُ بُطُونِهِمْ أَهْلَ النَّارِ ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَر عليهالسلام : فَهَلَكَ إِذَنْ مُومِنُ آلِ فِرْعَوْنَ ، مَا زَالَ الْعِلْمُ مَكْتُوماً
مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ نُوحا عليهالسلام فَلْيَذْهَبِ الْحَسَنُ يَمِيناً وشِمَالاً ، فَوَ اللَّهِ مَا يُوجَدُ الْعِلْمُ إِلا هَاهُنَا(1).
وهكذا كان زهير - بمقتضى تشبيه الحسين عليهالسلام له بمؤمن آل فرعون - في كتمانه لعلم الحقّ المكتوم منذ بعث اللّه نوحاً ، وقد أخذه من أهل بيت النبوة .
كان خازن فرعون مؤمناً بموسى عليهالسلام قد كتم إيمانه ستمائة سنة ، وهو الذي قال اللّه « وقالَ رَجُلٌ مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ » .
وبلغ فرعون خبر قتل موسى عليهالسلام الرجل ، فطلبه ليقتله ، فبعث المؤمن إلى موسى عليهالسلام : « إِنَّ الْمَلا يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْها » ، كما حكى اللّه « خائِفاً يَتَرَقَّبُ » قال: يلتفت عن يمنة ويسره ويقول « رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(2)»
مدح الحسين عليهالسلام أسلوبه في الوعظ وشهد له بالبلاغة وقوةالعقل
قال ابن أبي الحديد ضمن أمثلة كثيرة ذكرها في قوة الخطباء
المستدرجين لمخاطبيهم وذوي الاحتجاجات القوية ، والأساليب المتينة في الحوارات الكاشفة عن قوة العقل :
قالوا : ومن ذلك قول اللّه - تعالى - حكاية عن مؤمن آل فرعون
« وقالَ رَجُلٌ مُومِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ » .
فإنّه أخذ معهم في الاحتجاج بطريق التقسيم ، فقال: هذا الرجل إمّا أن يكون كاذباً ، فكذبه يعود عليه ولا يتعداه ، وإمّا أن يكون صادقاً فيصيبكم بعض ما يعدكم به ، ولم يقل كلّ ما يعدكم به مخادعة لهم ، وتلطفاً واستمالة لقلوبهم ، كي لا ينفروا منه لو أغلظ في القول ، وأظهر لهم أ نّه يهضمه بعض حقّه .
وكذلك تقديم قسم الكذب على قسم الصدق ، كأنّه رشاهم ذلك ، وجعله برطيلاً لهم ليطمئنوا إلى نصحه(1). . .
وكذا كان زهير في خطابه الذي وجهه للقوم ، بل امتاز بدقته ، وقوته ،وفصاحته ، وبلاغته ، ورصانته في انتقاء المعاني والألفاظ والأفكار
والأمثال ، وقوة المحاججة . . .
1) شرح نهج البلاغة : 2/170 .
عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لأ َبِي عَبْدِ اللَّه عليهالسلام : إِنَّ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ بِوَجْهِي يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْتَلِ بِهِ عَبْداً لَهُ فِيهِ حَاجَةٌ!
فَقَالَ لِي: لَقَدْ كَانَ مُومِنُ آلِ فِرْعَوْنَ مُكَنَّعَ الأصَابِعِ ، فَكَانَ يَقُولُ هَكَذَا ، ويَمُدُّ يَدَيْهِ ويَقُولُ: « يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(1)» .
وفي هذا التشبيه منه عليهالسلام أبلغ الدفاع وأقوى الإثبات على أنّ زهيرا لم يكن خارجاً من مكة حاجاً ، ولم يكن كارهاً لمنازلة الحسين عليهالسلامفي الطريق ، لأ نّه شبيه السباق من الأمم الذين سبقوا الى الحقّ وبادروا الى نصرة المعصوم المظلوم .
وفي هذا التشبيه إشارة الى أ نّه كان سبّاقاً سبق من خرج من أقرانه لنصرة الحسين عليهالسلام من أمثال مجمع بن عبد اللّه العائذي ونافع بن هلال وغيرهم .
بل في التشبيه إشارة تكاد تكون واضحة الى أ نّه سبق كلّ أنصارالحسين عليهالسلام الملتحقين به من الكوفة حتى أمثال عابس بن شبيب وغيره ممّن التحق بالحسين عليهالسلام في مكة أو في أوئل الطريق .
1) الكافي : 2/259 ح30 .
فهو إذن قد سكن البرية ، واعتزل العمران والبشرية ، واختار تحمل
الهجير والرمضاء والفيافي والصحراء منذ زمن بعيد انتظاراً لنصرة سيد شباب أهل الجنة وسبط خير البرية .
وقد روي عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أ نّه قال : سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا باللّه طرفة عين : خربيل مؤمن آل فرعون ، وحبيب النجار صاحب ياسين ، وعلي بن أبي طالب عليهماالسلام ، وهو أفضلهم(1).
وهذا الحديث ركّز على نفي الكفر مطلقاً عن هؤلاء السباقين ، ولو كان زهير ممّن قال بمقالة عثمان وحزبه أو مال اليهم لما شبهه المعصوم بهم ، فهو إذن نظيف الإيمان ، وإيمانه كامل الأركان ، وعقيدته لا يشوبها شك ولا ريب ولا أدران .
وعن أبي جعفر عليهالسلام قال : السابقون أربعة : ابن آدم المقتول ، والسابق في أمة موسى ، وهو مؤمن آل فرعون ، والسابق في أمة عيسى ، وهو حبيب النجار ، والسابق في أمة محمد صلىاللهعليهوآله ، وهو علي بن أبي طالب(2)عليهماالسلام .
السابقون هنا أربعة ، جمعهم إضافة الى السبق الذي تشبه به زهير ، أمر أخر هو أ نّهم قتلوا في سبيل اللّه والدفاع عن الحقّ الصراح ، ومحاربةالإنحراف في أمم الأنبياء ، والعودة بهم الى جادة الصواب وإلتزام السنة النبوية .
وقد تشبه بهم زهير وخرج مع مولاه الحسين عليهالسلام الذي خرج يطلب
الإصلاح في أمّة جدّه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وأراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقتل بين يديه تماماً كما قتل السباقون الذين شبه بهم .
وفي تفسير فرات الكوفي : عن ابن عباس قال قوله تعالى « رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ولإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ » قال : هم ثلاثة نفر مؤمن آل فرعون وحبيب النجار صاحب مدينة الأنطاكية وعلي بن أبي طالب(1)عليهماالسلام .
والتشبيه هنا بلحاظ السبق بالإيمان من جهة ، فلم يكن إيمان زهير
غضاً جديداً طارئاً أيام الطف ، وشموله للدعوة بالمغفرة من جهة ثانية .
وفي هذا التشبيه تأكيد على ما مرّ قبل قليل .
عن محمد بن فرات عن جعفر بن محمد عليهماالسلام في هذه الآية « ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ » ابن آدم الذي قتله أخوه ، ومؤمن آل فرعون ، وحبيب النجار صاحب يس « وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ » علي بن أبي طالب عليهماالسلام(2).
وعن أبي سعيد المدائني قال: سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن قوله تعالى « ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ » قال: «ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ » مؤمن آل فرعون ، « وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ » علي بن أبي طالب عليهماالسلام(3).
عن داود بن بلال بن أحيحة عن النبي صلىاللهعليهوآله : الصديقون ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل يس ، وحزقيل مؤمن آل فرعون ، وعلي بن أبي طالب الثالث ، وهو أفضلهم(1).
رواه أحمد في كتاب فضائل علي عليهالسلام الحديث الثامن عشر: الصديقون ثلاثة: حبيب(2)النجار الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ، ومؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه ، وعلي بن أبي طالب ، وهو أفضلهم .
عن أيوب بن الحر عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في قول اللّه عزّوجلّ « فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا » فقال: أما لقد بسطوا عليه وقتلوه ، ولكن أتدرون ما وقاه؟ وقاه أن يفتنوه في دينه .
وقد مرّ معنا قبل قليل تشبيهه بسباق الأمم ، وقد قتلوا جميعاً .
في تفسير القمي رحمهالله قوله « فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا » يعني مؤمن آل فرعون ، فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام واللّه لقد قطعوه إرباً إرباً ، ولكن وقاه اللّه أن يفتنوه في دينه(3).
في مصباح الشريعة : قال اللّه - عزّ وجلّ - في مؤمن آل فرعون « وأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ » .
والتفويض خمسة أحرف ، لكلّ حرف منها حكم ، فمن أتى بأحكامه فقد أتى به :
التاء : من تركه التدبير في الدنيا .
والفاء : من فناء كلّ همّة غير اللّه .
والواو : من وفاء العهد وتصديق الوعد .
والياء : اليأس من نفسك ، واليقين بربّك .
والضاد : الضمير الصافي للّه ، والضرورة إليه .
والمفوّض لا يصبح إلاّ سالماً من جميع الآفات ، ولا يمسي إلاّ معافاً بدينه(1).
وقد فوّض مؤمن آل فرعون أمره إلى اللّه فقال: « وأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا » ، ولا ريب أنّ هذامتفرع على قوة الإيمان باللّه وسبباً لشدّة اليقين أيضاً ، والرضا بقضاء اللّه في الشدّة والرخاء ، والعافية والبلاء .
وهذا أيضاً يحصل من الإيمان بكونه سبحانه مالكاً لنفع العباد
وضرّهم ، ولا يفعل بهم إلاّ ما هو الأصلح لهم.
1) مصباح الشريعة: 176 ، سعد السعود : 133 .
ويصير أيضاً سبباً لكمال اليقين والتسليم لأمر اللّه ، أي الانقياد له في كلّ ما أمر به ونهى عنه ، ولنبيه وأوصيائه فيما صدر عنهم من الأقوال والأفعال ، كما قال سبحانه « فَلا ورَبِّكَ لا يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ».
ومدخلية هذه الخصلة في الإيمان وكماله أظهر من أن يحتاج إلى البيان واللَّهُ الْمُسْتَعانُ(1).
إنّ الموقن يتوكّل على اللّه، ويفوض أمره إليه، فيقيه عن كلّ مكروه كما قال - عزّ وجلّ - « أَلَيْسَ اللّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ » ، وكما قال مؤمن آل فرعون: « وأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فَوَقاهُ اللّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا » .
وسرّ ذلك أنّ المؤمن الموقن المنتهي إلى حدّ الكمال لا ينظر إلى الأسباب والوسائط في النفع والضر ، وإنّما نظره إلى مسببها ، وأمّا من لم يبلغ ذلك الحدّ من اليقين ، فإنّه يخاطب بالفرار قضاء لحقّ الوسائط(2).
روى الشيخ الطوسي في حديث: . . . فجاء علي عليهالسلام فقال له عثمان : ألا تغني عنّا سفيهك هذا !!
قال : أيّ سفيه ؟ قال : أبوذر .
قال علي عليهالسلام ليس بسفيه ، سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول : ما أظلّت الخضراء ، ولا أقلّت الغبراء ، أصدق لهجة من أبي ذر ، أنزله بمنزلة مؤمن آل فرعون ، إن يك كاذباً فعليه كذبه ، وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم(1).
في أوائل المقالات: قال في قصة مؤمن آل فرعون: « قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ(2)» .
فكان القتل جسره الى جنات النعيم ، وبمجرد أن قتل قيل له ادخل الجنة ، وكذا كان زهير وصحبه فقد رأى موضعه في الجنة قبل القتل ، وقد شبه لهم الحسين عليهالسلام في بعض كلماته الشهادة بالجسر الذي يعبرون عليه من الدنيا الفانية الى الآخرة الباقية .
إنّ أصحاب الكهف كتموا إيمانهم مع قومهم حتى تمكّنوا من مطلوبهم ، وقصتهم مشهورة ، وحالهم معلومة ، وقد روي عن الأئمة من آل محمد صلىاللهعليهوآله ومواليهم أنّ حال أبي طالب عليهالسلام كحال أصحاب الكهف ومؤمن آل فرعون .
ومثل ذلك في القرآن المجيد والسير والآثار كثير لا يبلغ أمده ولا يحصى عدده .
وقد روي بالإسناد عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه عليهمالسلامفي حديث طويل يذكر فيه : أنّ اللّه - تبارك وتعالى - أوحى إلى رسوله صلىاللهعليهوآله : إنّي قد أيّدتك بشيعتين: شيعة تنصرك سرّاً ، وشيعة تنصرك علانية ، فأمّا التي تنصرك سرّاً فسيدهم وأفضلهم عمّك أبو طالب عليهالسلاموأمّا التي تنصرك علانية فسيدهم وأفضلهم ابنه علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، ثم قال : وإنّ أبا طالب كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه .
وقال الصادق عليهالسلام إنّ جبرئيل عليهالسلام أتى النبي صلىاللهعليهوآله فقال: يا محمد ، إنّ ربّك يقرئك السلام ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك ، فأتاهم اللّه أجرهم مرتين ، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك ، فأتاه اللّه أجره مرتين(1).
روي أ نّه دخل رجل على محمد بن علي بن موسى الرضا عليهماالسلام وهو مسرور ، فقال: ما لي أراك مسروراً؟ قال: يا ابن رسول اللّه ، سمعت أباك يقول: أحقّ يوم بأن يسرّ العبد فيه يوم يرزقه اللّه صدقات ومبرات وسدّ خلات من إخوان له مؤمنين ، وإنّه قصدني اليوم عشرة
1) إنّ ثمة ارتباطاً وثيقاً بين سورة الكهف وبين الحسين عليهالسلام حيث كان عليهالسلام يقرأها ورأسه المقدّس على رأس السنان .
من إخواني المؤمنين الفقراء لهم عيالات ، قصدوني من بلد كذا وكذا ، فأعطيت كلّ واحد منهم ، فلهذا سروري .
فقال محمد بن علي عليهالسلام لعمري إنّك حقيق بأن تسرّ إن لم تكن أحبطته ، أو لم تحبطه فيما بعد .
فقال الرجل: وكيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلص ؟!
قال : هاه ، قد أبطلت برّك بإخوانك وصدقاتك .
قال : وكيف ذاك يا ابن رسول اللّه؟
قال له محمد بن علي عليهماالسلام : اقرأ قول اللّه عزّ وجلّ : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأذى » .
قال الرجل : يا ابن رسول اللّه ، ما مننت على القوم الذين تصدّقت
عليهم ، ولا آذيتهم .
قال له محمد بن علي عليهماالسلام : إنّ اللّه - عزّ وجلّ - إنّما قال: « لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأذى » ، ولم يقل: لا تبطلوا بالمنّ على من تتصدقون عليه، وبالأذى لمن تتصدقون عليه ، وهو كلّ أذى ، أفترى أذاك للقوم الذين تصدّقت عليهم أعظم ، أم أذاك لحفظتك وملائكة اللّه المقربين حواليك ، أم أذاك لنا ؟فقال الرجل : بل هذا يا ابن رسول اللّه .
فقال : فقد آذيتني وآذيتهم ، وأبطلت صدقتك .
قال : لماذا ؟ قال لقولك : وكيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلص ؟! ويحك ، أتدري من شيعتنا الخلص ؟ قال : لا .
قال : شيعتنا الخلص حزقيل المؤمن ، مؤمن آل فرعون ، وصاحب يس الذي قال اللّه تعالى فيه: « وجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى » ، وسلمان ، وأبو ذر ، والمقداد ، وعمار ، أسوّيت نفسك بهؤلاء ؟! أما آذيت بهذا الملائكة ، وآذيتنا ؟
فقال الرجل : أستغفر اللّه وأتوب إليه ، فكيف أقول ؟
قال : قل: أنا من مواليكم ومحبّيكم ، ومعادي أعدائكم ، وموالي أوليائكم.
فقال : كذلك أقول ، وكذلك أنا يا ابن رسول اللّه ، وقد تبت من القول الذي أنكرته ، وأنكرته الملائكة ، فما أنكرتم ذلك إلاّ لإنكار اللّه عزّ وجلّ .
فقال محمد بن علي بن موسى الرضا عليهماالسلام : الآن قد عادت إليك مثوبات صدقاتك ، وزال عنها الإحباط(1).
عن المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : إذا قام قائم آل محمد صلىاللهعليهوآله استخرج من ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلاً ، خمسة عشر من قوم موسى الذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون ، وسبعة من أصحاب الكهف ،ويوشع وصي موسى ، ومؤمن آل فرعون ، وسلمان الفارسي ، وأبا دجانة الأنصاري ، ومالك الأشتر(2).
ولا شكّ أنّ زهير سيكرّ فيمن يكرّ من أصحاب سيد الشهداء عليهالسلام .
بالرغم من شحّة النصوص التاريخية التي تتحدّث عن زهير بن القين وأصحاب سيد الشهداء عليهالسلام الآخرين ، إلاّ أنّ ما توفر لدينا يرسم صورة مشرقة مشرفة تتطاول لها أعناق الموالين والشرفاء والأحرار والشيعة والمؤمنين في كلّ الأعصار والأمصار .
ويمكن للمحقّق والباحث أن يستنطق النصوص التاريخية ويستنتج منها الكثير من المواقف بمقدار ما يفتح عليه اللّه تبارك وتعالى، وسيد الشهداء عليهالسلام .
ونحاول هنا أن نذكر بعض مواقفه ، ونترك البعض الآخر ممّا تناثر في ثنايا هذا الكتاب ، لئلا يلزم التكرار .
قال عقبة بن أبي العيزار : قام حسين عليهالسلام بذي حسم ، فحمد اللّه وأثنىعليه ، ثم قال :
إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون ، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكرت ، وأدبر معروفها ، واستمرت جدا(1)فلم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء ،
1) في بعض النسخ : « جداء » وفي بعضها : « حذاء » .
وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون أنّ الحقّ لا يعمل به ، وأنّ الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقّاً ، فإني لا أرى الموت إلاّ شهادة(1)ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برما .
قال : فقام زهير بن القين البجلي ، فقال لأصحابه : تكلّمون أم أتكلّم ؟
قالوا : لا ، بل تكلّم .
فحمد اللّه فأثنى عليه ، ثم قال :
قد سمعنا - هداك اللّه يا ابن رسول اللّه - مقالتك ، واللّه لو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنّا فيها مخلدين ، إلاّ أنّ فراقها في نصرك ومواساتك ، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها .
قال : فدعا له الحسين ، ثم قال له خيرا(2). .
قال الشيخ المفيد في الإرشاد : وأخذهم الحر بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا قرية ، فقال له الحسين عليهالسلام : دعنا - ويحك - ننزل فيهذه القرية أو هذه - يعني نينوى والغاضرية(3)
الطف أو الطفوف : الطف في اللغة ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق ، وإنّما سمّي طفا لأ نّه دنا من الريف من قولهم : خذ ما طفا لك واستطف أي ما دنا وأمكن معجم البلدان للحموي : 6/52 وكانت قرى الطف قبل الفتح الإسلامي ضياعا لكبار العجم . . .
نينوى : وتقع شرقي كربلاء ، وهي سلسلة تلول أثرية تمتد من جنوب سدّة الهندية حتى مصب نهر العلقمي في الأهوار ، وتعرف بتلول نينوى ، وكانت إذ ذاك قرية عامرة زاهرة بالعلوم والمعارف في عهد الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهالسلام . .
وكان اسم كربلاء يطلق على نينوى ، واسم هذه على تلك على حدّ سواء . .
النواويس : وهي الآن مقابر ، مفردها ناووس على وزن فاعول ، واللفظة من الدخيل ، وهذه القطعة واقعة شرقي كربلاء ممّا يلي بحيرة السليمانية في محل يقال له « براز علي » وزان ذهاب ، وتتصل بنهر الحسينية ، وتوجد في هذه القطعة الآثار المؤيدة بصحة موقعها ووجودها كالتلال والروابي والمرتفعات ، ويستخرج أحيانا منها توابيت الخزف ، وفي داخلها طريق ضيق للغاية ، ويوجد في قعره تراب أصفر اللون . .
وذكر بعضهم أنّ النواويس التي وردت في عرض كلام الحسين عليهالسلام واقعة ممّا يلي قبر الحر بن يزيد الرياحي ، وعرف بعضهم كربلاء بأنّه مجاور لقبر ابن حمزة على النهر المشهور بنهر الحلّة القريب من الوادي العتيق . . .
والنواويس مقابر النصارى كما في حواشي الكفعمي ، وسمعنا أ نّها في المكان الذي فيه مزار الحر الرياحي من شهداء الطف ، وهو فيما بين الغرب وشمال البلد .
وهذا القول هو الرأي السائد لدى المؤرخين ، فقالوا : إنّ النواويس مقابر النصارى الذين سكنوا كربلاء قبل دخول المسلمين ، وقد ذكرها الحسين عليهالسلام في إحدى خطبه لمّا توجه الى الكوفة فقال : « كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء . . » .
وكانت هذه البقاع من بابل الى الكوفة والحيرة فالى أطراف خليج فارس آهلة بقبائل عربية ، وكانت بعضها تدين بالمسيحية على مذهب النساطرة ( انظر العرب قبل الإسلام لجرجي زيدان : 187 ) .
العقر : قال ياقوت الحموي : العقر بفتح أوله وسكون ثانيه ، منها عقر بابل قرب كربلاء من الكوفة . .
الغاضرية : ذكرها ياقوت الحموي : قال : « الغاضرية بعد الألف ضاد معجمة منسوبة الى غاضرة من بني أسد ، وهي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء ( معجم البلدان : 6/261 ) .
وجاء في « مدينة الحسين عليهالسلام » : الغاضريات نسبة الى غاضرة ، وكلمة غاضرة هي اسم لامرأة من بني عامر ، وهم بطن من بني أسد ، كانوا يسكنون هذه الأراضي التي تقع اليوم شمال الهيابي التي فيها مصانع الآجر ، وتبعد عن كربلاء أقلّ من نصف كيلومتر » .
وكانت قرية عامرة كبيرة تمتد على ضفة الفرات في شمال كربلاء الى شمالها الشرقي ، أي على طريق بغداد القديم .
روي أن الحسين عليهالسلام اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل نينوى والغاضرية بستين ألف درهم وتصدّق بها عليهم وشرط أن يرتدوا الى قبره ويضيفوا من زاره ثلاثة أيام .
وقال الصادق عليهالسلام : حرم الحسين عليهالسلام الذي اشتراه أربعة أميال في أربعة أميال ، فهو حلال لولده ومواليه حرام على غيرهم ممّن خالفهم وفيه البركة .
وكان الطريق بين الغاضرية وكربلاء بضعة أمتار حيث الآن حرم أبي الفضل العباس عليهالسلام ، لأ نّه قتل بطريق الغاضرية على المسناة ( انظر الإرشاد للمفيد : 210 ) بجانب الفرات .
وكانت المسناة مبنية بالآجر من النوع الكبير الذي يوجد أحيانا تحت الأرض في كربلاء وأطرافها .
وكلّ مظاهر الثروة والنعمة والرخاء كانت بادية على الغاضرية وجارتها نينوى بنخيلها الكثير وأشجارها الباسقة ، وكان يسكن هاتين الضيعتين كبار الملاكين من أصحاب الأطيان والأراضي الكبيرة الى مسافة بعيدة من أطراف كربلاء ، لأنّ الحسين عليهالسلام بعد نزوله كربلاء في أوائل العشرة الأولى من محرم الحرام عام 61 من الهجرة اشترى من أهل الغاضرية ونينوى مساحة كبيرة من الأراضي الواقعة أطراف هذه البقعة كانت تبلغ مساحتها من حيث المجموع أربعة أميال في أربعة أميال بستين ألف درهم ، ثم تصدّق عليهم بتلك الأراضي الواسعة شرط أن يقوم أهلها بإرشاد الزائرين الى قبره الشريف ، وأن يقوموا بضيافتهم ثلاثة أيام غير أ نّهم لم يفوا بهذا الشرط من القيام بإرشاد الزوّار وضيافتهم ، فسقط حقّهم فيها ، وبقيت تلك الأراضي المشتراة منهم ملكا للحسين عليهالسلامولولده من بعده كما كان الحال قبل التصدّق بها عليهم بذلك الشرط ( انظر جغرافية كربلاء القديمة وبقاعها للدكتور جواد الكليدار : 12 ) .
قصر مقاتل : يقع هذا القصر في جنوب حصن الأخيضر ، قال ياقوت : « قصر مقاتل قصر كان بين عين التمر والشام » وقال السكوني : هو قرب القطقطانة وسلام ثم القريات ، وهو منسوب الى مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس . .
وأخبار هذا القصر أي مقاتل كثيرة في كتب الأدب والتاريخ .
الحائر أو الحير : وهو اسم من أسماء كربلاء العديدة كانت تعرف به منذ العصر الأول ، فكان يطلق تارة على المدينة وأخرى على القبر المطهر على حد سواء كما يستدل ذلك من أقوال المؤرخين وأهل اللغة ، فالأراضي المنخفضة المحيطة بالروضة المطهرة وقف حولها الماء وحار عنه القبر لمّا أجراه قائد المتوكل « الديزج » ليطمس آثار معالم القبر ويعفى أثره عام 236 ه- ، وقد أحيط هذا الاسم بحرمة وتقديس وأنيطت به أعمال وأحكام شرعية وتعبدية فيها البركة وقبول الدعاء والقربة الى اللّه تعالى ، وفي هذه القدسية وردت عن الأئمة عليهمالسلام روايات كثيرة .
ثم توسع معنى الحائر فصار يطلق على البناء الذي يحيط بالقبر . . .
شط الفرات أو شاطيء الفرات : كانت كربلاء تعرف حينا بشط الفرات وآخر بشاطىء الفرات ، لأ نّها واقعة على طرف البرية في جهة وعلى جانب الفرات من جهة أخرى ، وهو الفرات الذي يمرّ بها ، وكثيرا ما ورد ذكر كربلاء بأحد هذين الاسمين في كتب الحديث والتاريخ . .
ولأرض كربلاء أسماء سمّيت بعد مقتل الحسين عليهالسلام أبرزها : « مشهد الحسين عليهالسلام » .
وسمّيت كربلاء بأرض ما بين النهرين لوقوعها بين الخندق ونهر العلقمي . .
نقلناه باختصار عن الدكتور سلمان آل طعمة في كتابه تاريخ مرقد الحسين عليهالسلاموالعباس
عليهالسلام : 21 - 29 .
- أو هذه - يعني شفية - .1) في بعض النسخ : « سعادة » .
2) تاريخ الطبري : 4/305 - 304 ، المجالس الفاخرة للسيد شرف الدين : 225 ، أعيان الشيعة: 7/71، اللهوف للسيد ابن طاووس : 47، إبصار العين للسماوي: 177.
3) لما كانت كربلاء هي أم لعدّة قرى تحيط بها ، فقد أطلقت أسماء تلك القرى مجازا على كربلاء ، وإنّ بعض أسماء هذه القرى عامة واسعة ، وبعضها أسماء خاصة لمنطقة محدودة ضيقة . ومن تلك الأسماء :
قال : لا واللّه ، ما أستطيع ذلك ، هذا رجل قد بعث إليّ عيناً عليّ .
فقال له زهير بن القين : إنّي واللّه ، ما أراه يكون بعد هذا الذي ترون إلا أشدّ مما ترون ، يا ابن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، إنّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا بعدهم ، فلعمري ليأتينا بعدهم ما لا قبل لنا به .
فقال الحسين عليهالسلام : صدقت يا زهير ، ولكن ما كنت بالذي أنذرهم بقتال حتى يبتدروني(1)
فقال الحسين عليهالسلام : ما وراءك يا بن يزيد ؟! أليس قد أمرتنا أن نأخذ على الطريق ، فأخذنا وقبلنا مشورتك ؟
فقال : صدقت ، ولكن هذا كتاب عبيد اللّه بن زياد قد ورد علي يؤنبني ويعنفني في أمرك .
فقال الحسين عليهالسلام فذرنا حتى ننزل بقرية نينوى أو الغاضرية ، فقال الحر : لا واللّه ما أستطيع ذلك ، هذا رسول عبيد اللّه بن زياد معي ، وربما بعثه عيناً عليّ . قال : فأقبل الحسين بن علي عليهماالسلام على رجل من أصحابه يقال له زهير بن القين البجلي ، فقال له : يا بن بنت رسول اللّه ! ذرنا حتى نقاتل هؤلاء القوم ، فإنّ قتالنا الساعة نحن وإياهم أيسر علينا وأهون من قتال من يأتينا من بعدهم .
فقال الحسين عليهالسلام : صدقت يا زهير ! ولكن ما كنت بالذي أنذرهم بقتال حتى يبتدروني .
فقال له زهير : فسر بنا حتى نصير بكربلاء ، فإنها على شاطئ الفرات فنكون هنالك ، فإن قاتلونا قاتلناهم ، واستعنا باللّه عليهم .
قال : فدمعت عينا الحسين عليهالسلام ثم قال : اللّهم ! ثم اللّهم ! إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء !
ونزل الحسين في موضعه ذلك ، ونزل الحر بن يزيد حذاءه في ألف فارس ، ودعا الحسينبدواة وبيضاء وكتب إلى أشراف الكوفة . . .
1) قال ابن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح : 5/80 - 81 .:.. وأصبح الحسين عليهالسلاممن وراء عذيب الهجانات ، وإذا بالحر بن يزيد قد ظهر له أيضاً في جيشه .
فقال له زهير : فسر بنا إلى هذه القرية ، فإنّها حصينة ، وهي على شاطيء الفرات ، فإن منعونا قاتلناهم ، فقتالهم أهون من قتال من يجيء من بعدهم .
فقال الحسين عليهالسلام : وأيّة قرية هي ؟
قال : هي العقر .
فقال الحسين : اللّهم إنّي أعوذ بك من العقر .
فقال له زهير : فسر بنا حتى نصير بكربلاء ، فإنّها على شاطىء الفرات فنكون هنالك ، فإن قاتلونا قاتلناهم ، واستعنا باللّه عليهم .
قال : فدمعت عينا الحسين عليهالسلام ثم قال : اللّهم ! ثم اللّهم ! إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء !
ونزل الحسين عليهالسلام في موضعه ذلك ، ونزل الحر بن يزيد حذاءه فيألف فارس(1)، وذلك يوم الخميس وهو اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين(2).
لمّا جاء عمر بن سعد - لعنه اللّه - دعا بعض أصحابه ليمضي الى الحسين عليهالسلام ويسأله عمّا جاء به الى كربلاء ، فاعتذروا اليه ، لأ نّهم كانوا
قد كاتبوه من قبل ودعوه .
فدعا ابن سعد - لعنه اللّه - بكثير بن شهاب وقال له : انطلق إلى الحسين عليهالسلام وقل له : ما الذي جاء بك إلينا ؟ وأقدمك علينا ؟
فأقبل حتى وقف بإزاء الحسين عليهالسلام ونادى : يا حسين ! ما الذي جاء بك إلينا وأقدمك علينا ؟
فقال الحسين عليهالسلام أتعرفون هذا الرجل ؟
فقال له أبو ثمامة الصيداوي: هذا من أشرّ أهل الأرض.
فقال عليهالسلام سلوه ما يريد ؟
فقال: أريد الدخول على الحسين عليهالسلام .
فقال له زهير بن القين: ألق سلاحك وادخل .فقال: لست أفعل .
فقال: انصرف من حيث أتيت.
فانصرف إلى ابن سعد وأخبره بذلك(1). . .
وقف أبو الأئمة عليهمالسلام يوم عاشوراء ، وقد اجتمع عليه ثلاثون ألفاً ، وافترقوا عليه أربع فرق : فرقة بالسيوف ، وفرقة بالرماح ، وفرقة بالسهام ، وفرقة بالحجارة ، فبينا هو في هذه الحالة ، إذ حضرت صلاة الظهر ، فأمر عليهالسلام لزهير بن القين وسعيد بن عبد اللّه الحنفي أن يتقدّما أمامه بنصف من تخلّف معه ، فتقدّما أمامه يقيان بنفسهما نفسه(2)وصلّى بهم صلاة الخوف بعد أن طلب منهم الفتور عن القتال لأداء الفرض .
قال ابن حصين : إنها لا تقبل منك ، قال حبيب بن مظاهر : لا يقبل من آل رسول اللّه وأنصارهم ، وتقبل منك وأنت شارب الخمر(3)! !
1) موسوعة كلمات الإمام الحسين: 462 ، عن معالي السبطين: 1/309 ، مقتل الحسين عليهالسلام : 81 ، الإمام الحسين عليهالسلام وأصحابه: 1/124 ، وفي المصادر الأخرى كتاريخ الطبري ، والبحار ومقتل الحسين عليهالسلام للخوارزمي وغيرها: أنّ الذي قام له ومنعه هو أبو ثمامة الصائدي .
2) مستدرك سفينة البحار لعلي النمازي : 4/383 .
3) مثير الأحزان لابن نما الحلي : 48 ، المجالس الفاخرة للسيد شرف الدين : 341 .
وروى سبط ابن الجوزي هذا الموقف أيضاً فقال :
ثم جاء وقت صلاة الظهر ، فصلّى بأصحابه صلاة الخوف ، فبينا هم فيالصلاة تكالبوا عليه ، فحمل زهير بن القين يذبّ عن الحسين عليهالسلامويقول : « أنا زهير وأنا ابن القين . . . » .
ثم صاح زهير بالحسين عليهالسلام : « أقدم هديت هادياً مهديا(1)» .
روى صاحب الهداية الكبرى بالإسناد عن أبي حمزة الثمالي قال : سمعت علياً بن الحسين عليهماالسلام يقول :
لمّا كان اليوم الذي استشهد فيه أبو عبد اللّه عليهالسلام جمع أهله وأصحابه في ليلة ذلك اليوم ، فقال لهم : يا أهلي وشيعتي ، اتخذوا هذا الليل جملاً لكم وانجوا بأنفسكم ، فليس المطلوب غيري ، ولو قتلوني ما فكروا فيكم ، فانجوا بأنفسكم رحمكم اللّه ، فأنتم في حلّ وسعة من بيعتي ، وعهد اللّه الذي عاهدتموني .
فقال إخوته وأهله وأنصاره بلسان واحد : واللّه يا سيدنا أبا عبد اللّه ، لا تركناك أبداً ، أيش يقول الناس : تركوا إمامهم وسيدهم وكبيرهم وحده حتى قتل ؟! ونبلوا بيننا وبين اللّه عذراً ، وحاش للّه أن يكون ذلك أبداً ، أو نقتل دونك .
1) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 227 .
فقال عليهالسلام : يا قوم ، فإني غداً أقتل وتقتلون كلّكم حتى لا يبقى منكم أحد .فقالوا : الحمد للّه الذي أكرمنا بنصرتك ، وشرّفنا بالقتل معك ، أو لا ترضى أن نكون معك في درجتك يا ابن بنت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ؟ فقال لهم خيراً ، ودعا لهم بخير . . .
فقال له القاسم ابن أخيه الحسن عليهالسلام : يا عمّ وأنا أقتل ؟
فاشفق عليه ، ثم قال : يا ابن أخي كيف الموت عندك ؟
قال : يا عمّ ، أحلى من العسل .
قال : أي واللّه ، إنّك لأحد من يقتل من الرجال معي بعد أن تبلو بلاءا عظيماً ، وابني عبد اللّه .
قال : يا عمّ ، ويصلون إلى النساء حتى يقتل عبد اللّه ، وهو رضيع ؟!!
فقال : فداك عمّك! يقتل عبد اللّه إذا جفت روحي عطشاً ، وصرت إلى خيامنا فطلبت ماء ولبناً ، فلا أجد قط ، فأقول : ناولني عبد اللّه أشرب من فيه أندي لهواتي ، فيعطوني إياه ، فأحمله على يدي ، فأدني فاه من في ، فيرميه فاسق منهم - لعنه اللّه - بسهم ، فينحره ، وهو يناغي ، فيفيض دمه في كفّي ، فأرفعه إلى السماء ، وأقول : اللّهم صبراً واحتساباً فيك ، فتلحقني الأسنة منهم ، والنار تحرق وتسعر في الخندق الذي في ظهر الخيم ، فأكرّ عليهم في آخر أوقات بقائي في دار الدنيا ، فيكون ما يريد اللّه .
فبكى وبكينا ، وارتفع البكاء والصراخ من ذراري رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في الخيم .
ويسألني زهير بن القين وحبيب بن مظاهر عن علي عليهالسلام فيقولان : يا سيدنا ، علي عليهالسلام إلى ما يكون من حاله ؟فأقول مستعبراً : لم يكن اللّه ليقطع نسلي من الدنيا ، وكيف يصلون إليه ، وهو أبو ثمانية أئمة .
وكان كلّما قاله صار ، فكان هذا من دلائله(1).
يكشف هذا السؤال عن مدى اهتمام حبيب وزهير - وهما يمثلان الأنصار ، لأنّهما على ميمنة معسكر الحسين عليهالسلام وميسرته التي تضمّ
الأنصار جميعاً - بحرم الرسالة وسكان سرادق العزّة ، ومخدرات أمير المؤمنين عليهالسلام لأنّهما سمعا من الصادق المصدق ، والسبط الزكي المطهر أنّ المعسكر كلّه سينتقل في يوم واحد الى رحاب اللّه ، حتى القاسم وعبد اللّه عليهماالسلام فمن يبقى مع النساء ؟ وهل ستقطع بنات الرسالة وعقائل النبوة
بقية المسيرة دون أن يكون معهن محرم أو ولي وحمي ؟!
إنّها الغيرة النبيلة على نساء الحسين عليهالسلام وحرمه !
ثم إنّه سؤال يكشف أيضاً عن عمق معرفة هذين الرجلين المقدّسين
بالولاء والإمامة ، فهما يسألان ما إذا سيقتل علي بن الحسين عليهماالسلام أيضاً ، فهذا يعني أنّ الدنيا ستنتهي ، ونظام الكون سيتفكك ، وتقوم القيامة بعد الطف ، لأنّهما يعرفان تمام المعرفة أنّ أحاديث أهل البيت عليهمالسلام نصت
1) الهداية الكبرى لحسين بن حمدان الخصيبي : 205 - 204 ، مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني : 4/216 .
بما لا يعتريه شك ولا ريب أنّ الدنيا لا تقوم إلاّ بإمام ، ولو خلت الأرض من حجة وإمام ولو للحظة واحدة لساخت بأهلها ، فإذا قتل زينالعابدين وسيد الساجدين عليهالسلام فكيف ستستمر رحلة البشرية حتى تدرك القائم المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه ؟!
يستمهل القوم مع العباس عليهالسلام
سيأتي مفصلاً في مناقشة اتهامه بالتعثمن .
كتب عبيد اللّه بن زياد الى عمر بن سعد كتاباً جاء فيه : إذا أتاك كتابي هذا ، فلا تمهلن الحسين بن علي ، وخذ بكظمه ، وحل بين الماء وبينه ، كما حيل بين عثمان وبين الماء يوم الدار .
فلمّا وصل الكتاب إلى عمر بن سعد - لعنه اللّه - ، أمر مناديه ، فنادى : إنّا قد أجلنا حسيناً وأصحابه يومهم وليلتهم .
فجمع الحسين عليهالسلام أصحابه عند قرب المساء ، قال علي بن الحسين زين العابدين عليهالسلام : فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم ، وأنا إذ ذاك مريض ، فسمعت أبي يقول لأصحابه :
أثني على اللّه أحسن الثناء ، وأحمده على السراء والضراء ، اللّهم إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة ، وعلّمتنا القرآن ، وفقهتنا في الدين ،وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ، فاجعلنا من الشاكرين .
أمّا بعد :
فإنّي لا أعلم أصحابا أوفى ، ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ وأوصل من أهل بيتي ، فجزاكم اللّه عني خيراً .
ألا وإنّي لأظن يوماً لنا من هؤلاء ، ألا وإنّي قد أذنت لكم ، فانطلقوا جميعاً في حلّ ، ليس عليكم حرج مني ولا ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً .
فقال له إخوته وأبناو وبنو أخيه وابنا عبد اللّه بن جعفر : لم نفعل ذلك! لنبقى بعدك ؟ لا أرانا اللّه ذلك أبداً .
بدأهم بهذا القول العباس بن علي عليهماالسلام واتبعته الجماعة عليه ، فتكلّموا بمثله ونحوه .
فقال الحسين عليهالسلام : يا بني عقيل ، حسبكم من القتل بمسلم بن عقيل عليهماالسلام فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم .
فقالوا : سبحان اللّه ! ما يقول الناس ؟! نقول : إنّا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا ، خير الأعمام ، ولم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا ندري ما صنعوا ، لا واللّه ما نفعل ذلك ، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلنا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك ، فقبّح اللّه العيش بعدك .
وقام إليه مسلم بن عوسجة ، فقال : أنحن نخلي عنك ؟! وبما نعتذر إلى اللّه في أداء حقّك ؟ لا واللّه حتى أطعن في صدورهم برمحي ، وأضربهم بسيفي ماثبت قائمه في يدي ، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به ، لقذفتهم بالحجارة ، واللّه لا نخليك حتى يعلم اللّه أنا قد حفظنا غيبة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فيك .
أما واللّه ، لو علمت أني أقتل ، ثم أحيى ، ثم أحرق ، ثم أحيى ، ثم أذرى ، يفعل ذلك بي سبعين مرّة ، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك ، فكيف لا أفعل ذلك ، وإنما هي قتله واحدة ، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً .
وقام زهير بن القين فقال : واللّه لوددت أنّي قتلت ، ثم نشرت ، ثم قتلت ، حتى أقتل هكذا ألف مرّة ، وأنّ اللّه يدفع بذلك القتل عن نفسك ، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك .
وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد ، فجزّاهم الحسين عليهالسلام خيراً ، وانصرف إلى مضربه(1).
وفي أمالي الصدوق : وقام إليه رجل يقال له « زهير بن القين البجلي »
فقال : يا بن رسول اللّه ، ووددت أني قتلت ، ثم نشرت ، ثم قتلت ، ثم نشرت ، ثم قتلت ، ثم نشرت فيك وفي الذين معك مائة قتلة ، وإنّ اللّه دفع بي عنكم أهل البيت . فقال له ولأصحابه : جزيتم خيرا(2).
أعلن عمر بن سعد - لعنه اللّه - حربه على سيد الشهداء عليهالسلاموأصحابهبسهم وضعه في كبد القوس ورمى به نحو معسكر الحسين عليهالسلام ، وقال : اشهدوا لي أنّي أول من رمى ، ثم بدأت المعركة ، فكان أول هجوم شنّه الأشقياء بعد مبارزة عبد اللّه بن عمير الكلبي - من أصحاب الحسين عليهالسلام - استهدف شخص زين السماوات والأرضين ، والحجّة على الخلق أجمعين . .
قال الشيخ المفيد رحمهالله وغيره : وحمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين عليهالسلام - وكان زهير على الميمنة - فيمن كان معه من أهل الكوفة ، فلمّا دنا من الحسين عليهالسلام جثوا له على الركب ، وأشرعوا الرماح نحوهم ، فلم تقدم خيلهم على الرماح ، فذهبت الخيل لترجع ، فرشقهم أصحاب الحسين عليهالسلام
بالنبل ، فصرعوا منهم رجالاً ، وجرحوا منهم آخرين(1).
في إبصار العين للسماوي : وروى أبو مخنف عن حميد بن مسلم قال : حمل شمر حتى طعن فسطاط الحسين عليهالسلام برمحه ، وقال : عليّ بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله ، فصاحت النساء ، وخرجن من الفسطاط .
فصاح الحسين عليهالسلام : يا بن ذي الجوشن ، أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي!! حرقك اللّه بالنار .
1) الإرشاد للمفيد : 2/102 ، إعلام الورى للطبرسي : 243 الفصل 4 ، بحار الأنوار : 45/13 بقية الباب 37 .
وحمل زهير بن القين في عشرة من أصحابه ، فشدّ على شمر وأصحابه ، فكشفهم عن البيوت حتى ارتفعوا عنها ، وقتل زهير أبا عزّة الضبابي منأصحاب الشمر وذوي قرباه ، وتبع أصحابه الباقين ، فتعطّف الناس عليهم ، فكثروهم ، وقتلوا أكثرهم ، وسلم زهير(1).
وفي الإرشاد للشيخ المفيد رحمهالله : وقاتل أصحاب الحسين بن علي عليهماالسلام
القوم أشدّ قتال حتى انتصف النهار .
فلمّا رأى الحصين بن نمير - وكان على الرماة - صبر أصحاب الحسين عليهالسلام تقدّم إلى أصحابه - وكانوا خمسمائة نابل - أن يرشقوا أصحاب الحسين عليهالسلام بالنبل ، فرشقوهم ، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم ، وجرحوا الرجال ، وأرجلوهم .
واشتد القتال بينهم ساعة ، وجاءهم شمر بن ذي الجوشن في أصحابه ، فحمل عليهم زهير بن القين - رحمه اللّه - في عشرة رجال من أصحاب الحسين فكشفهم عن البيوت ، وعطف عليهم شمر بن ذي الجوشن فقتل من القوم ، وردّ الباقين إلى مواضعهم .
وأنشأ زهير بن القين يقول مخاطباً للحسين عليهالسلام :
اليوم نلقى جدّك النبيا***وحسناً والمرتضى عليا
وذا الجناحين الفتى الكميا(2)
وفي بحار الأنوار للمجلسي رحمهالله : لمّا قتل مسلم بن عوسجة صاحت جارية له : يا سيداه ، يا ابن عوسجتاه ، فنادى أصحاب ابن سعدمستبشرين : قتلنا مسلم بن عوسجة !
فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله : ثكلتكم أمهاتكم ، أما إنّكم
تقتلون أنفسكم بأيديكم ، وتذلّون عزّكم ، أتفرحون بقتل مسلم بن عوسجة ، أما والذي أسلمت له ، لربّ موقف له في المسلمين كريم ، لقد رأيته يوم آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تلتام خيول المسلمين .
ثم حمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة ، فثبتوا له ، وقاتلهم أصحاب
الحسين عليهالسلام قتالاً شديداً ، وإنما هم إثنان وثلاثون فارساً ، فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلاّ كشفوهم .
فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة ، فاقتبلوا
حتى دنوا من الحسين عليهالسلام وأصحابه ، فرشقوهم بالنبل ، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم ، وقاتلوهم حتى انتصف النهار ، واشتد القتال ، ولم يقدروا أن يأتوهم إلاّ من جانب واحد ، لاجتماع أبنيتهم ، وتقارب بعضها من بعض .
فأرسل عمر ابن سعد - لعنه اللّه - الرجال ليقوضوها عن أيمانهم وشمائلهم ، ليحيطوا بهم ، وأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين عليهالسلام يتخلّلون ، فيشدّون على الرجل يعرض وينهب ، فيرمونه عن قريب ، فيصرعونه فيقتلونه .
فقال ابن سعد : أحرقوها بالنار ! فأضرموا فيها .
فقال الحسين عليهالسلام : دعوهم يحرقوها ، فإنهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزواإليكم ، فكان كما قال عليهالسلام . . .
وأخذوا لا يقاتلونهم إلاّ من وجه واحد ، وشدّ أصحاب زهير بن
القين فقتلوا أبا عذرة الضبابي من أصحاب شمر .
فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين عليهالسلام الواحد والإثنان فيبين ذلك فيهم لقلتهم ، ويقتل من أصحاب عمر العشرة فلا يبين فيهم ذلك لكثرتهم(1)
1) بحار الأنوار : 45/21 - 20 .
لقد امتاز أصحاب الحسين عليهالسلام جميعاً بالشجاعة والفروسية والشهامة والإقدام ، وأول ما كشف عن شجاعتهم وإقدامهم وشهامتهم هو اختيارهم الوقوف في صف سيد الشهداء عليهالسلام كالبنيان المرصوص ، حتى
لكأنّك تنظر الى رجل واحد يتكرر في عدّة صور ، بالرغم من وجود التفاوت الشخصي بينهم .
وإذا تأملنا في مواقف الأعداء نجد أ نّهم قدّموا إعترافات في حقّ بعض أصحاب الحسين عليهالسلام كما حصل مع مسلم بن عوسجة ، أو فيهم ككوكبة كاملة كما سمعنا منادي القوم يصرخ : ويلكم يا حمقى ، مهلاً أتدرون من تقاتلون ؟ إنما تقاتلون فرسان المصر ، وأهل البصائر ، وقوماً مستميتين(1). .
فهم إذن قوم معروفون بالشجاعة والبصيرة والإستبسال ، وأ نّهم
أصحاب مقامات ووجاهات إجتماعية بارزة .
أمّا زهير بن القين فهو نجم لامع بين « فرسان المصر وأهل البصائر والمستميتين » ، وقد رأيناه في مواقفه مع أبي الضيم وسيد الشهداء عليهالسلام
1) أنصار الحسين عليهالسلام لشمس الدين : 186 عن تاريخ الطبري : 4/331 .
منذ اللحظة الأولى والشجاعة تتدفق من كلّ روحه وقلبه وجسمه وكلماته وكلّ شيء فيه .
وقد اعترف له العدو لمّا طلب مبارزته أو حبيب ، قال المفيد رحمهالله : وتبارزوا فبرز يسار مولى زياد بن أبي سفيان ، وبرز إليه عبد اللّه بن عمير ، فقال له يسار : من أنت ؟ فانتسب له ، فقال : لست أعرفك ! حتى يخرج إليّ زهير بن القين ، أو حبيب بن مظاهر(1)فقال له عبد اللّه بن عمير : يا ابن الفاعلة ، وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ، ثم شدّ عليه فضربه بسيفه حتى برد(2). . .
إنّه طلب مبارزة زهير أو حبيب لأ نّهم فيما يرى من أشجع « فرسان المصر » ، والقتل بسيفهم مفخرة له لعنه اللّه .
ونحن لا نريد الإطالة والتكرار ، ففي المراجعة السريعة لبعض مواقفه التي سجلها لنا التاريخ كفاية لمعرفة شجاعته التي تذهل العقول ، وتمتلك القلوب !
أرأيته يوم وقف يستأذن الحسين عليهالسلام في قتال عسكر الحر الذي خاله البعض سواد النخيل لتلاحمه وكثرته وتداخل راياته وأسنته وسيوفه ورماحه ، وهو في وعثاء السفر ، وأتعاب الطريق ، على غير ماء ولا ملجأ في وسط الصحراء القاحلة المكشوفة .
ورأيناه يوم وقف أمام تلك الجيوش الجرارة ، والوحوش الكاسرة ، والأمواج المتلاطمة من الرجال والسلاح ، وهو يعظهم بكلّ شجاعة وثبات وإستقامة . .
ورأيناه في غاية الثبات والإستقامة والشجاعة والإقدام وهو يواسي
الحسينبشهادة حبيب ، ويواسي العباس عليهالسلام بذكر قصة زواج أمير المؤمنين عليهالسلامبأمّه عليهاالسلام ويدفع هجوم الشمر وعسكره على الخيام في عشرة من رجاله فقط !! ويقف أمام الحسين عليهالسلام ليقيه بنفسه في الصلاة ، ثم ينبري وحده ليفرق الجيش ويبعدهم عن الحسين عليهالسلاموأصحابه وهم في الصلاة !!
وتوّج كلّ مشاهد الشجاعة في مبارزته وقتاله وأخيراً في شهادته . . .
في تاريخ الطبري ، والبداية والنهاية ، والكامل في التاريخ ، وتاريخ اليعقوبي ، ولواعج الأشجان ، واللفظ للأول :
قال أبو مخنف : فحدّثني علي بن حنظلة بن أسعد الشامي عن رجل من قومه شهد مقتل الحسين عليهالسلام حين قتل يقال له « كثير بن عبد اللّه الشعبي(1)» قال :
لمّا زحفنا قبل الحسين عليهالسلام خرج إلينا زهير بن القين على فرس له ذنوب ، شاك في السلاح ، فقال:
يا أهل الكوفة ، نذار لكم من عذاب اللّه نذار(2)إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتى الآن إخوة ، وعلى دين واحد ، وملّة واحدة ، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، وأنتم للنصيحة منّا أهل ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة ، وكنّا أمّة وأنتم أمّة .
إنّ اللّه قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ،
لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنّا ندعوكم إلى نصرهم ، وخذلان الطاغية عبيد اللّه بن زياد ، فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ بسوء عمر سلطانهما كله ، ليسملان(1)أعينكم ، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ، ويمثلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقراءكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه ، وهانئ بن عروة وأشباهه .
قال : فسبّوه وأثنوا على عبيد اللّه بن زياد ، ودعوا له ، وقالوا : واللّه لا نبرح حتى نقتل صاحبك ، ومن معه ، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد اللّه سلماً .
فقال لهم : عباد اللّه ، إنّ ولد فاطمة رضوان اللّه عليها ، أحقّ بالودّ والنصر من ابن سمية ، فإن لم تنصروهم فأعيذكم باللّه أن تقتلوهم ، فخلّوا بين هذا الرجل وبين ابن عمّه يزيد بن معاوية ، فلعمري إنّ يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين عليهالسلام .
قال: فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم ، وقال : اسكت ، أسكت اللّه نأمتك(2)أبرمتنا بكثرة كلامك .
فقال له زهير : يا ابن البوال على عقبيه ، ما إياك أخاطب ، إنما أنت بهيمة ، واللّه ما أظنّك تحكم من كتاب اللّه آيتين ، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم
فقال له شمر : إنّ اللّه قاتلك وصاحبك عن ساعة .
قال : أفبالموت تخوفني ؟! فواللّه للموت معه أحبّ إليّ من الخلد معكم .
قال : ثم أقبل على الناس رافعاً صوته ، فقال : عباد اللّه ، لا يغرنّكم من دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه ، فواللّه لا تنال شفاعة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قوماً هراقوا دماء ذريته وأهل بيته ، وقتلوا من نصرهم وذبّ عن حريمهم .
قال : فناداه رجل فقال له : إنّ أبا عبد اللّه يقول لك : أقبل ، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت ، لو نفع النصح والابلاغ(1).
وفي العقائد الإسلامية نقلاً عن تاريخ الطبري : . . . فقال : عباد اللّه لا يغرنّكم من دينكم هذا الجلف الجافي.. فو اللّه لا تنال شفاعة محمد قوماً أراقوا دماء ذريته وأهل بيته !! ولا يقبل عمل المسلم إلاّ بحبّهم(2).
وفي تاريخ اليعقوبي : وخرج زهير بن القين على فرس له فنادى :
يا أهل الكوفة ! نذار لكم من عذاب اللّه ! نذار عباد اللّه ! ولد فاطمة أحقّ بالودّ والنصر من ولد سمية ، فإن لم تنصروهم ، فلا تقاتلوهم .
أيّها الناس ! إنّه ما أصبح على ظهر الأرض ابن بنت نبي إلاّ الحسين عليهالسلامفلا يعين أحد على قتله ولو بكلمة إلاّ نغصه اللّه الدنيا ، وعذّبه أشدّ عذاب الآخرة(1).
خرج زهير الى القوم وهو شاك في السلاح ، فيما كان يتقدّم إليهم بالنصح والوعظ والإرشاد ، ولابد أن يكون لخروجه في كامل عدّته دلالات لأ نّه من رجال الحسين عليهالسلام ورجال الحسين عليهالسلام يوم عاشوراء كانوا يتصرفون على مرأى ومسمع ومنظر من سيد الشهداء عليهالسلام ولا يطئون موطأ ، ولا ينبسون بلفظة ، ولا يحركون ساكناً إلا بعد الاستئذان من المعصوم ، فتصرفاتهم ينتشر منها شذى العصمة المترشحة عليهم من أبي الأئمة المعصومين عليهم صلوات ربّ العالمين .
ويمكن أن نتصور لخروجه في هذه الصورة عدّة تصورات :
إنّ زهيراً خرج يعظ قوماً اصطفوا لقتاله ، وخرجوا لمحاربته ، ومعاطسهم تتمدد وتتهيج بما تتخيله من رائحة دمه ودماء أصحابه ، وأنيابهم تصطك استعداداً لتمزيق أبدانهم ، وقد مسخوا سباعاً متوحشة
1) تاريخ اليعقوبي : 2/244 .
لتمزيق أشلائهم ، فهم أعداء ، جهلة ، مضللين ، قد طبع على قلوبهم ،ورانت على أعينهم غشاوة ، وفرق بين أن يعظ الانسان قوماً يرجو فيهم
الصلاح ، ويتسمون بالهدوء والموضوعية والروة الإيجابية للناصح ، وبين أن يعظ قوماً مسودّة قلوبهم ، مظلمة حلومهم ، في جو مشحون بالعداوة والبغضاء.
فالموقف مع الطائفة الثانية تظلّه أجواء الشك والريبة وانعدام الثقة بين المتخاطبين ، فإذا تقدّم الواعظ للوعظ يحتاج إلى تقديم ضمانات تطمئن المخاطب ، وتدعوه إلى الوثوق بالواعظ ، وسلامة نواياه ، وأ نّه يتكلّم بدافع إرادة الخير للمخاطبين .
ولهذا خرج زهير شاك في السلاح ليوحي إليهم أ نّه لا يبتغي من وراء نصحه مصلحة له ، فهو لا يريد أن يثنيهم عن القتال ، ليكسب السلامة ، ويمدد فترة بقائه في هذه الدنيا الدنية الزائلة ، فهو عازم على القتال ، موطن نفسه على النزال ، مستعد للرحيل عن هذه الدنيا والتحليق إلى مجاورة النبي صلىاللهعليهوآله ، والانتقال إلى الجنان ، ومعانقة الحور الحسان .
ومن كان موطناً نفسه على الموت ، مقبلاً عليه غير مدبر ، لا يظن أحد أ نّه يبتغي مصلحة خاصة له ، ويجرّ نفعاً لنفسه ، وينصح الآخرين ليجني ثمار نصحه .
إنّ زهيراً تقدّم للخطبة والوعظ في قوم شأنهم الغدر والمكر والفتك والاغتيال ، لا يعرفون القيم وآداب الحوار ، وقد بدرت منهم أكثر
من بادرة في إجابة المتكلّم بالسهام والنبال ، كما فعل شمر لعنه اللّهحينما قطع عليه خطابه وختم كلامه بسهم رماه به وقال : اسكت ، اسكت اللّه نامتك(1).
وكما فعلوا مع برير :
روى محمد بن أبي طالب في تسلية المجالس وزينة المجالس قال: وركب
أصحاب عمر بن سعد - لعنه اللّه - ، فقرّب إلى الحسين عليهالسلامفرسه ، فاستوى عليه ، وتقدّم نحو القوم في نفر من أصحابه ، وبين يديه « برير بن خضير » ، فقال له الحسين عليهالسلام كلّم القوم .
فتقدّم برير فقال : يا قوم ، اتقوا اللّه ، فإنّ ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم ، هؤلاء ذريّته وعترته وبناته وحرمه ، فهاتوا ما عندكم ، وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم ؟
فقالوا : نريد أن نمكّن منهم الأمير ابن زياد ، فيرى رأيه فيهم .
فقال لهم برير : أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاءوا منه ! ويلكم يا أهل الكوفة ! أنسيتم كتبكم ، وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم اللّه عليها ؟ يا ويلكم ، أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم دونهم حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد ، وحلأتموهم عن ماء الفرات ، بئس ما خلفتم نبيكم في ذريته ، ما لكم ، لا سقاكم اللّه يوم القيامة ، فبئس القوم أنتم .
1) تاريخ الطبري : 4/324 ، الكامل في التاريخ لابن الأثير : 4/63 ، لواعج الأشجان للأمين : 133 ، أعيان الشيعة للأمين : 7/72 ، إبصار العين للسماوي : 181 .
فقال له نفر منهم : يا هذا ، ما ندري ما تقول !!فقال برير : الحمد للّه الذي زادني فيكم بصيرة ، اللّهم إنّي أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم ، اللّهم ألق بأسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان . فجعل القوم يرمونه بالسهام(1).
هذا هو دأبهم ، ومبلغ علمهم ، أن يردوا الكلام والفضيلة بالسهام
والنبال والقتل وسفك الدماء ، وقد فعل ذلك أميرهم اللعين يوم قابل وعظ سيد الشهداء الحسين عليهالسلام بهذا المنطق الهمجي الأرعن ، فاغتاظ عمر بن سعد من كلامه عليهالسلامثم صرف بوجهه عنه ، ونادى بأصحابه : ما تنتظرون به ؟! احملوا بأجمعكم ، إنما هي أكلة واحدة(2)! !
ومن لا تؤمن غوائله ، وقد عرف بالغدر والمكر والفتك لابد لمن وقف منه موقف العدو ، ونصب نفسه غرضاً مكشوفاً للأعداء أن يتحرز ، ويكون على أهبة الاستعداد للقتال والدفاع عن النفس .
استعراض القوة أمام العدو من أدبيات المقاتل المؤمن ، وقد أكد
القرآن الكريم على ذلك ، لما فيه من إرهاب للعدو وهزّ لكيانه ، وزلزلة في مواقفه فقال : « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ » .
وروى سيد الساجدين علي بن الحسين عن أبيه عن علي عليهمالسلامقال :قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : إنّ صهيل الخيل ليقرع قلوب الأعداء ، ورأيت جبرئيل يتبسم عند صهيلها ، فقلت : يا جبرئيل ، لم تتبسم ؟ فقال : وما يمنعني والكفار ترجف قلوبهم في أجوافهم عند صهيلها وترعد كلاهم(1).
وبنفس الإسناد عن أمير المؤمنين علي عليهالسلام قال : لمّا كان يوم بدر اعتم أبو دجانة بعمامته ، وأرخى عذبة للعمامة من خلفه بين كتفيه ، ثم جعل يتبختر بين يدي الصفين ، فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : إنّ هذه لمشية يبغضها اللّه - عزّ وجلّ - إلاّ عند القتال(2).
فالظهور بمظهر يرهب الأعداء ، ويلقي في قلوبهم الرعب ، ويكشف لهم عن قوة رجال الحقّ واستعدادهم وتأهبهم للقتال مطلوب من أمثال رجال الحسين عليهالسلام الذين اختصهم اللّه لأبي عبد اللّه صلوات اللّه عليه وعليهم .
كان زهير على ميمنة معسكر الأنبياء والأوصياء وسيد الشهداء عليهالسلام فهو قائد عسكري مهم ، فلابد أن يكون على أهبة الاستعداد دائماً ، سيما وأ نّه كان يعظهم يوم عاشوراء ، وقد أزفت الحرب أن تقوم على ساق ، واستعد معسكر الحقّ ومعسكر الضلال للتلاقي ، فهو الآن يقف
موقف المحارب المقاتل الذي اقتحم ساحة الوغى ، ودخل الميدانالذي تحفّه المخاطر وتحوم حوله الأسنة والرماح كألسنة النيران واللظى ، وليست الموعظة هذه كباقي المواعظ التي يستمع اليها في رحاب الدعة والرخاء .
فالموقف يستدعي أن يكون المقاتل في زيه المرسوم ، وإن كان واعظاً ، بيد أ نّه يرتقي صهوة جواده بدل أعواد المنابر ، ويشير اليهم بالسنان بدل البنان . ..
بدأ خطابه لهم بنداء: « يا أهل الكوفة » ، والكوفة لها مكانتها ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ : الْكُوفَةُ جُمْجُمَةُ الْعَرَبِ ، وَرُمْحُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَكَنْزُ الإيمَانِ(1).
والكوفة لها تأريخها في الوقوف بوجه الضلال ، ومحاربة بني أمية ومعاوية ، ولها ثارات مع الأمويين ، فقد قتل معاوية رجالهم وشخصياتهم وكبارهم في صفين ، وبعد صفين ، فما الذي حدا بهم للوقوف مع سلطانه المتمثل بيزيد ؟! . . .
والكوفة كتبت إلى سيد الشهداء عليهالسلام وسلطان المظلومين تدعوه وتعده النصر(2).
فربما أراد زهير أن يذكرهم بكلّ هذا وغيره . . .
ثم إنّه ضخّ من خلال هذا الخطاب أنجع دواء لدائهم الفتاك الذي ابتلوا به يومئذ ، فلم يخاطبهم بجند الشيطان ، أو جند بني أمية ، أو جند يزيد ، أو ما شاكل ، مع أ نّهم حقّاً كذلك ، بل خاطبهم « يا أهل الكوفة » ، فأعطاهم بذلك جرعة مؤثرة تمنحهم فرصة العودة إلى الذات ، والتشبث بالإرادة ، والتمسك بالهوية الأصيلة التي ميّعتها الأطماع والرغبات والخوف من العقوبات .
« يا أهل الكوفة » . . تذكير لهم بأنّ لهم شخصية مستقلة قائمة بذاتها لها خصوصياتها ومواقفها وآراوا ، ولها أن تتخذ موقفاً بشكل مستقل ، لا يكون خاضعاً للأمويين الذي ولعوا بدمائهم . .
لقد أعلن زهير للملأ عن دوافعه في الوعظ وتقديم النصح ، ولخّصها في أمرين:
« نذار » : بفتح النون وكسر الراء ، أي : خافوا ، وهو اسم فعل من الإنذار ، وهو الإبلاغ مع التخويف(1).
وهذا الأمر لا يستدعي أن يكون بينه وبينهم من الوشائج ما يدعوه
للقيام به ، فهو ينذرهم سواء كانوا مسلمين أو مشركين ، وعذاب اللّه ينتظرهم إن أصرّوا على معاندة إمام الدين سيد الشهداء الحسين عليهالسلام .
1) إبصار العين في أنصار الحسين عليهالسلام لمحمد السماوي : 168 .
فقال لهم: « نذار لكم من عذاب اللّه نذار » .
إنّه إنذار له وقع مهول على القلوب ، يهزّ الكيان ، ويرتجف له الإنسان ، وترتعد منه الفرائص والمفاصل . . نذار لكم . . من عذاب اللّه نذار !!
إنذار يشبه تماماً إنذار مؤمن آل فرعون حينما قال : « يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الأَْرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَْحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ » .
الدافع الثاني أو الأمر الثاني الذي دعاه للوقوف هذا الموقف هو أداء التكليف ، وإنصاف الآخرين من نفسه ، وقيامه بما عليه من واجب ، وما يعرفه وظيفة في دينه ، ألا وهي النصيحة .
إنّ للمسلم على مسلم حقوقاً تعلّمها زهير من أئمته عليهمالسلام الذين بينوا له
دينه ، وهو الآن يقف موقفاً يريد فيه استمالة القلوب القاسية ، وتنوير الأفئدة المظلمة ، وترويض البهائم الجامحة ، وتقويم المواقف الجانحة ، وتعريف الممسوخين بهويتهم الحقيقية ، وإزاحة الغشاوة عن أبصارهم وبصائرهم .
قال زهير : « إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتى الآن إخوة ، وعلى دين واحد ، وملّة واحدة ، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، وأنتم للنصيحة منّا أهل ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة ، وكنّا أمّة وأنتم أمّة » .
والعصمة : أي المنعة بالإسلام ، يقال : من شهد الشهادتين فقد عصم نفسه أي منعها(1).
كان خطاب زهير خطاباً متعدد الجوانب ، فهو يلقي الحجة عليهم ، وفي نفس الوقت يحاول إقناعهم ، وينبش رواسب قلوبهم ليكسح ما ران عليها ، ويثير كوامنهم لينفض عن فطرتهم ما تراكم عليها من الدنس والظلمات ، فيقول لهم : نحن حتى الآن إخوة ، وعلى دين واحد ، وملّة واحدة ، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، وأنتم للنصيحة منّا أهل . . .
إنّنا جميعاً مسلمون ، وإنّنا إخوة ، وعلى دين واحد ، فلماذا يقتل بعضنا بعضاً ، تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ، تعالوا نحتكم ونرجع إلى الدين الذين تدّعون أنّكم ارتضيتموه ، ارجعوا إلى الإسلام الذي تعتنقونه ، وتتعبدون اللّه به ، فإذا رضيتم أنّكم مسلمون ، فنحن وإياكم على دين واحد ، ونبينا واحد ، وقد بقي من عترته ذكرى واحدة ، ألا وهو الحسين عليهالسلام ريحانته وسبطه ، فلماذا تقاتلونه وهو ابن النبي الذين تتدينون بدينه ؟
1) إبصار العين في أنصار الحسين عليهالسلام لمحمد السماوي : 168 .
ونحن وإن كنّا حتى الآن إخوة ، وعلى دين واحد ، وملّة واحدة ، كانت لدمائنا حرمة ، ولكن إذا وقع بيننا وبينكم السيف انقطعت العصمة ، وكنّا أمّة وأنتم أمّة .
فلا تستحقون منّا بعدئذٍ النصيحة ، ولا حرمة لكم ، ولا تراحم ، لأنّنا ننشطر الى فريقين ، فريق في الجنة ، وفريق في السعير ، ولا تبقى بيننا العصمة ، وذلك أن لا عصمة ولا تراحم بين أهل الجنة وأهل النار .
إنّكم تحاربون اللّه ورسوله صلىاللهعليهوآله ، وتشهرون السيف على التوحيد والقرآن ، وتسفكون دم النبي صلىاللهعليهوآله ، فتخرجون من الدين برمته ، وتنكرون شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمداً رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، وتتوغلون في الشرك ، والعبودية لغير اللّه .
خطب أمير المؤمنين عليهالسلام فذكر صاحبة الجمل مرّة بعد مرّة ، فقال عمار : يا أمير المؤمنين ، كفّ عنها فإنها أمّك ؟! فقال عليهالسلام : كلا ، إنّي مع اللّه على من خالفه ، وإنّ أمّكم! ابتلاكم اللّه بها ليعلم أمعه تكونون أم معها(1)؟
وقال عمار يحرّض الناس على نصرة أمير المؤمنين عليهالسلام على البغاة ، فذكر صاحبة الجمل وقال : ولكن اللّه - عزّ وجلّ - ابتلاكم لتتبعوه أو إياها(2).
وفي لفظ آخر : ولكن اللّه - تبارك وتعالى - ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي(1)؟
ورواه المفيد في الجمل بلفظ : ولكن اللّه قد ابتلاكم لينظر كيف تعملون(2)؟
ولعل هذا يفسّر لنا قول زهير : « إنّ اللّه قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، لينظر ما نحن وأنتم عاملون » . .
فهناك ابتلاهم اللّه وخيّرهم بين طاعته وطاعة امرأة ركبت عسكراً ، وهنا ابتلاهم اللّه بين طاعة الحسين عليهالسلام وهي طاعة اللّه ، وبين طاعة يزيد ، بين أن ينصروا اللّه أو ينصروا الطاغوت .
وقد أمرهم اللّه بمحبّة ذرية النبي صلىاللهعليهوآله ونصرهم والوقوف معهم ، وأوجب المودّة لهم على الخلائق أجمعين ، وجعل مودّتهم أجر رسالة الأنبياء أجمعين ، فقال تعالى : « قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » ، ومن أدّى أجر خاتم الأنبياء فقد أدّى أجر الأنبياء جميعاً .
فذرية النبي صلىاللهعليهوآله ابتلاء للبرّ والفاجر ، وإنّكم الآن في امتحان عسير ، لأنّكم تواجهون ذرية النبي صلىاللهعليهوآله وعلى المبتلى أن يكون حذراً يقظاً لا تخبطه الفتنة ، ولا تستزله الشهوة ، ولا تغريه المطامع ، ولا يعميه بريق الصفراء والبيضاء .
يقول لهم : إنّنا أمام مفترق طريق لا محيص عن الاختيار فيه ، فإمّا أننكون مع ذرية النبي صلىاللهعليهوآله على عدوّه ، فنكون من الفائزين ، أو نكون مع عدّوه حرباً على ربّ العالمين !
والابتلاء لنا جميعاً سواء ، فقد ابتلانا اللّه وإياكم . . . أمّا نحن فقد اخترنا الحسنيين معاً .
« إنّا ندعوكم إلى نصرهم » . .
إنّهم قد ران على قلوبهم ، وغطّت أبصارهم غشاوة ، فلا يستطيعون
تمييز الحقّ من الباطل ، وقد ركبتهم الفتنة ، وأعمت أمواجها بصائرهم ، فانبرى زهير يعينهم على تمييز الحقّ ، ويدلّهم على الطريق ، ويأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم ، فيدعوهم لنصرة الذرية الطيبة ، وينصحهم ، ويحدد لهم معالم طريق الحقّ والهدى والفوز بالجنان .
والفوز بنعيم الدنيا والآخرة منحصر في أمرين يقومان معاً :
أحدهما : نصر آل محمد صلىاللهعليهوآله .
والآخر : خذلان الطاغية .
دعاهم إلى نصر آل محمد صلىاللهعليهوآله ، وخذلان الطاغية ، وذكرهم بما ذاقوه في ظلّ الحكم الأموي الغاشم ، على يدي الأدعياء من أمثال زياد وابنه . .
« وخذلان الطاغية عبيد اللّه بن زياد ، فإنّكم لا تدركون منهمابسوءعمر سلطانهما كلّه ، ليسملان(1)أعينكم ، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ، ويمثلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقراءكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه ، وهانئ بن عروة وأشباهه » .
إنّها دعوة صريحة واضحة ، ونصيحة نيرة لائحة ، حدّد فيها زهير
لكلّ ذي عينين معالم الطريق ، ورسم له منار المسار ، وأقام عليهم الحجة الساطعة ، دعاهم بصراحة إلى نبذ الأوثان العالقة في أعماقهم ، والتخلص من الأغلال التي صفّدت قلوبهم ، والإقلاع عن ممارسة بيع الآخرة بدنيا غيرهم ، فشجعهم وهزّ نفوسهم المستسلمة بدعوتهم إلى خذلان الطاغية ابن زياد ، فإنّه يمثّل الباطل بعينه ، وقد بان ذلك في مواجهته إمام زمانه المفترض عليه طاعته ، وإطاعته الأدعياء والطلقاء وخدمتهم ، واستدلّ لهم بتاريخه الأسود الذي تتدفق الدماء البريئة من كلّ سطوره وصفحاته .
وقد ذكّرهم زهير بمشاهد عاصروها ، ورأوها ملء العين ، واكتووا بنارها الحامية ، ولا يزالون يئنون من لظاها ، وذكرهم بشخصياتهم وروسهم الشامخة التي اقتطفتها أحقاد الأمويين وأذنابهم من أمثال
حجر بن عدي وهاني بن عروة الذين صرّح باسميهما ، ومن أمثال ميثم التمار ورشيد الهجري وغيرهما ممّن ذكرهم بالصفة التي لقوا اللّه
1) يسملان : يقال : سمل عينه أي فقأها بميل محمي .
بها على يدي شرار خلقه من قبيل قطع الأيدي والأرجل والصلبعلى جذوع النخل ... .
وقد اقتبس زهير كلامه هذا من كتاب الإمام الحسين عليهالسلام لمعاوية حيث يقول عليهالسلام في كلام له : .. ألست القاتلُ حجرا أخا كندة والمصلين العابدين ؟ الذين كانوا ينكرون الظلم ، ويستعظمون البدع ، ولا يخافون في اللّه لومة لائم ، ثمّ قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلظة ، والمواثيق المؤكدة ، أن لا تأخذهم بحدثٍ كان بينك وبينهم ، ولا بإحنةٍ تجدها في نفسك عليهم .
أوَ لست قاتل عمرو بن الحمق ، صاحب رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ؟ العبد الصالح
الذي أبلته العبادة فأنحلت جسمه ، واصفرّ لونه ، بعد ما أ مّنته وأعطيته عهود اللّه ومواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل ، ثمّ قتلته جرأة على ربك ، واستخفافا بذلك العهد .
أوَ لست المدعي زياد ابن سمية ؟ المولود على فراش عبيد ثقيف ، فزعمت أنه ابن أبيك ، وقد قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » ، فتركت سنّة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله تعمّدا ، واتبعت هواك بغير هدى من اللّه ، ثمّ سلّطته على العراقين ، يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم ، ويسمل أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأ نّك لست من هذه الأُمة وليس منك ...(1).
1) اختيار معرفة الرجال للطوسي : 1/256 ، الدر النظيم لابن حاتم العاملي : 534 ، بحار الأنوار : 44/213 .
فزهير إذن يتابع المشهد منذ ذلك اليوم ، منذ أن تمادى معاوية ومنسلّطه على رقاب المسلمين في الإجتراء على دماء الأخيار والأبرار من أمة محمد صلىاللهعليهوآله وأتباع أمير المؤمنين عليهالسلام .
أمّا ضمير التثينية في قوله « يسملان » « سلطانهما » « يقتلان » الخ فيحتمل فيه أمران :
أن يكون المراد عبيد اللّه وأبيه زياد ، فهو يريد أن يذكرهم بما فعل زياد في الكوفة من قتل خيارهم واستبقاء شرارهم ، وقد فعل الأفاعيل ، ولعل نسخة ابن الاثير وابن كثير والسيد الأمين تؤكد هذا المراد .
ففي الكامل لابن الأثير(1)والأعيان(2)للأمين : « وخذلان ابن الطاغية عبيد اللّه بن زياد » .
وفي البداية والنهاية لابن كثير : « وخذلان الطاغية ابن الطاغية ، عبيد اللّه بن زياد(3)» .
وكذا فهم الأستاذ الباحث محمد نعمة السماوي فقال في غضون كلامه عن خطبة زهير: « وقد دعاهم صراحة إلى نصرة الحسين عليهالسلام
وخذلان الطاغية عبيد اللّه بن زياد ، وكان استعراضه لبعض أفعالهوأفعال أبيه زياد من قبل ، وعدم تحرجه من نعته بالطاغية يدلّ على أ نّه لم يكن أمامه إلاّ شبحاً هزيلاً غير جدير أن يخاف منه حتى أضعف الناس ، فكيف به ، هو الذي حمل قضية الإمام الحسين عليهالسلاموتبني قضية الإسلام
الذي أوشك أن يدمر ويبعد عن الحياة(1)» .
ويؤكده ما روي من مقاطعة القوم له وردّهم عليه فيما رواه الشيخ السماوي في إبصار العين قال : فسبوّه وأثنوا على عبيد اللّه بن زياد وأبيه(2). . . وهذا يعني أنّ الأوغاد فهموا منه إرادة زياد ابن أبيه لا يزيد - لعنهما اللّه - ، لأ نّهم أثنوا عليه في مقام الردّ على زهير .
فيكون حينئذٍ مرجع الضمير إلى زياد وابنه ، ولكن قد لا يوثق كثيراً بدّقتهما في النقل ، فقد رأينا ابن الأثير يضيف على ما زعموا أ نّه من قول مسلم بن عقيلحينما عزم على اغتيال ابن زياد في بيت هاني ، ثم امتنع ، فلمّا سئل عن ذلك قال : لما تذكرت من قول النبي صلىاللهعليهوآله : الإيمان قيد الفتك ، ولا يفتك مؤمن بمؤمن ، فأضاف « بمؤمن » دون غيره من الرواة والمؤرخين ، ليقرر الإيمان لابن زياد ، أو ينسب هذا الاعتقاد لمسلم عليهالسلام فيكون الممتنع والممتنع عنه مؤمنين
(1)!!! فربما كان الطاغية ابن الطاغية كما أفاد ابن كثير ، أو ابن الطاغية كما أفاد ابن الأثير من زيادتهما ، لئلا يشمل الكلام أميرهم يزيد الذي عقدالأول فصلاً كاملاً في الدفاع عنه ، وإن كانت - بغض النظر عن سوء الظن بنقلهما - نافعة في المقام ، لأ نّها تكشف لنا عائد الضمير صراحة .
أن يكون المراد عبيد اللّه بن زياد ، ومن أمّره وخوّله بقتل الحسين عليهالسلام
خليفته طاغية بني أمية يزيد ، فقد ورد في كتاب مقتل الحسين عليهالسلامللسيد عبد الرزاق المقرم رحمهالله نقلاً عن تاريخ الطبري ما هذا لفظه :
« . . . إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد اللّه بن زياد ، فإنّكم لا تدركون منهما(2). . . » .
وكذا نقل الشيخ باقر شريف القرشي في كتابه حياة الإمام الحسين عليهالسلام : 3/188 طبعة مدرسة الإيراواني ، نقلاً عن تاريخ الطبري : 6/243 ، ولكنّه عاد - حفظه اللّه - فنقل عبارة الطبري الموجودة في النسخة المطبوعة المتوفرة حالياً ، في الطبعة العاشرة من كتابه المذكور ( طبعة المؤسسة الإسلامية للبحوث والمعلومات ) .
وعلى حدّ نقل السيد المقرم والشيخ القرشي في الطبعة السالفة عن نسختيهما من تاريخ الطبري يكون مرجع الضمير واضحاً ، ويكون زهير قد صرّح باسم يزيد لعنه اللّه .
ولكننا قد نواجه سؤالاً يولد حينما يقال بعودة الضمير إلى يزيدوعبيد اللّه بن زياد - لعنهما اللّه - مع عدم وجود تصريح باسم يزيد ، بناءاً على النسخ المشهورة ، والسؤال هو : لماذا لم يصرح زهير باسم يزيد - لعنه اللّه - في خطبته ؟
ربما كان السبب في عدم ذكر يزيد صراحة وعلانية لاعتبارات ثلاث :
إنّ القرائن المقامية ، وضرورات الموقف ، دالة عليه بوضوح ، ولا شكّ أنّ ابن زياد لم يكن ليقدم على ما أقدم عليه لولا أمر سيده وإلاهه يزيد ، فهو يذكرهم بما فعل زياد في سالف الأيام بأمر معاوية ، ويقول لهم ذينك كهذين ، فهذا يزيد مقام معاوية ، وعبيد اللّه مقام زياد ، وما أشبه اليوم وغد بالبارحة إن رضيتم بهم أسياداً .
دأبه في التقية التي عمل بها طوال حياته ، كما مرّ سابقاً ، سيما إذا لاحظنا أ نّه بدأ كلامه بكلام مؤمن آل فرعون ، وختم له الحسين عليهالسلامبتشبيهه بمؤمن آل فرعون .
إنّه لا يريد أن يستفزهم ويثير حفيظتهم ويلجأهم إلى التخندق والاعتزاز بالإثم ، ويقدم على سبّ ما يقدّسونه جهلاً وضلالاً ،
فهو يصرح بابن زياد ، لانّه معروف لديهم هو وأبوه من قبل ، ولا يجهل أحد أ نّه دعي ابن دعي ، وقد اكتوى الكوفيون بناره يوم دخل عليهم منالبصرة كأنّه حممة .
أمّا يزيد - لعنه اللّه - فإنّهم يزعمون - علواً واستكباراً - أ نّه خليفة ، وفي موقع يظنون جهلاً وعتواً أ نّه كبيرهم ، فهو لا يتعرّض له مباشرة ، لأدبه ومعرفته بأساليب الوعظ والإرشاد ، واستدراج العقل ، وترويض العواطف ، واستمالة القلوب .
قال : فسبّوه ، وأثنوا على عبيد اللّه بن زياد ، ودعوا له ، وقالوا : واللّه لا نبرح حتى نقتل صاحبك ، ومن معه ، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد اللّه سلماً .
نصحهم فسبوه ، وفضح لهم عبيد اللّه بن زياد ، فدعوا له وأيّدوه ، ودعاهم إلى نصر الحسين عليهالسلام وخذلان الطاغية ، فخيّروه بين القتل والاستسلام للطاغية !!
دعاهم إلى الانتقال من الظلمات إلى النور ، ومن الباطل إلى الحقّ ، ومن الشقاء في الدارين إلى السعادة في نعيم الحسين عليهالسلام إلاّ أ نّهم قابلوه
بالسبّ والاستفزاز ، ولم نسمع واحداً منهم دعاه للانحياز إليهم ، والانتقال إلى صفوفهم ، والعدول عن موقفه والانضمام إلى صفوفهم باعتبارهم يمثّلون الخطّ الأقرب إلى الإسلام أو الحقّ .
كما أ نّنا لم نسمع أحداً من القوم يرمي زهيراً بالتعثمن ، أو يعاتبه على موقفه مع الحسين عليهالسلام ضدّ الأمويين ، ولو كان زهير عثمانياً كما زعم عزرةلعنه اللّه لكان هذا الموقف أجدر بالاعتراض عليه ، ولكان القوم كلّهم قد التفتوا إلى إنقلاب زهير من عثماني متهالك في الخط الأموي الزاعم أ نّه ينتقم من أمير المؤمنين عليوأصحابه لدم عثمان ، إلى صفّ الحسين عليهالسلام الممثل الشرعي لأمير المؤمنين عليهالسلامولعيّروه بذلك وعابوا عليه هجومه على أعضاد الأمويين وأذرعة بطشهم من أمثال الدعي ابن الدعي عبيد اللّه بن زياد .
عجيب أمر زهير في موقفه هذا ، ويحقّ لنا أن نقول أ نّه قد رشحت عليه شآبيب العصمة ، لأ نّه كان يتكلّم على مرآى ومسمع من المعصوم عليهالسلاموبإذنه ، وقد أمضى المعصوم كلّ كلامه وتصرفاته .
ومن هنا نعرف ضرورة الإهتمام بكلام زهير ومواقفه وتصرفاته منذ أن رافق الحسين عليهالسلام باعتباره انضوى داخل دائرة المراقبة المستمرة للمعصوم ، سيما وأنّ الموقف كان موقف حرب ، فلا يتصرف حينئذٍ أيّ فرد من الأفراد إلاّ بعد الاستئذان ، فكيف إذا كان القائد هو المعصوم ، والمقاتل هو المؤمن الذي لا يرى نفسه في سعة ما لم يأذن له إمامه في حياته العادية فضلاً عن إمتثاله له في ساحات القتال ، وأنّ الحرب التي يباشرها هي تكليف شرعي ، وأمر إلاهي يكشف عنه المعصوم ويتمثّل في شخصه .
لقد امتاز زهير هنا بسعة الصدر ، والصبر ، والتحمل ، والحرص على إقامة الحجة ، بشكل يثير الدهشة ، وقد رأيناه يقابلهم بالحجة والمنطق والعقل والعاطفة والدين والدنيا والآخرة ، فيجابه بالسباب والشتائم
والتهديد والوعيد ، والردود الوقحة ، وهو مع هذا كلّه يرجع إلى كلامه ، فيخاطبهم بتؤدة ورزانة ومتانة وكياسة ووقار وحلم يعزّ له مثيل .
« فقال لهم : عباد اللّه ، إنّ ولد فاطمة رضوان اللّه عليها ، أحقّ بالودّ والنصر من ابن سمية ، فإن لم تنصروهم فأعيذكم باللّه أن تقتلوهم ، فخلّوا بين هذا الرجل وبين ابن عمّه يزيد بن معاوية ، فلعمري إنّ يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين عليهالسلام .
وقد تضمّن هذا المقطع على اختصاره من البلاغة والروعة والمتانة
والحجج ما يفحم الخصم ، ويفلج قلب المحبّ ، ويزيده اطمئناناً ويقيناً ، لأ نّه يدعوهم إلى التأمل في حقائق يدركها كلّ ذي مسكة ، أو شيء يسير من الإنصاف :
عباد اللّه . . صعقة جديدة لعلّها تهزّ الكيان الميت ، وتفيق الضمير المتحجر ، لو كان ثمة أمل في الأموات .
خاطبهم بعباد اللّه ، ليقول لهم : إنّكم عباد اللّه ولستم عبيد عبيد اللّه ابن زيد أو يزيد ، وعلى عباد اللّه أن يحبّوا من أحبّه اللّه وأمر بحبّه ، ويبغضوا من أبغض اللّه وأمر ببغضه .
وقد أحبّ اللّه حسيناً ، وأبغض يزيد وابن زياد ، وأحبّ ولد
فاطمة عليهاالسلاموأبغض بني أمية ، فأيّهما أحقّ بالود والنصر ؟!
قال الأستاذ محمد نعمة السماوي : كانت المقارنة بين أبناء سيدة نساء العالمين ، ومن أذهب اللّه عنها الرجس وطهرها تطهيراً ، وبين ابن البغي المشهورة سمية ، صاحبة الراية في الجاهلية كفيلة بإثارة كلّ من يشعر بانتماء حقيقي لهذا الدين الحنيف .. ، فهل من المعقول أن يتخلّى الناس عن أبناء فاطمة بنت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، ويختارون نصر ابن سمية ، ويذهبون إلى المدى الذي ينفذون به كلّ رغباته ، وفي مقدمتها قتل الحسين وآله وأصحابه(1).
« ولد فاطمة عليهاالسلام أحقّ بالودّ والنصر » عبارة كرّس فيها زهير كمّاً هائلاً من الأدلة القرآنية والحديثية ، وذكرهم بقوله تعالى : « قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى » ، وذكّرهم بما ورد عن النبي صلىاللهعليهوآله في سبطه وريحانته الذي أحبّه وأمر بحبّه .
وذكّرهم أيضاً بدناءة ابن زياد ، ولؤم أصله ، ونجاسته وقذارة نسبه ، والرجس الذي ترعرع فيه ونشأ .
وهو يعلمون هذه الحقائق جيداً ، فكيف يتردّدون بنصر الحسين عليهالسلام
وهم يعلمون أ نّه ابن فاطمة عليهاالسلام التي جعل اللّه غضبه في غضبها ، ورضاه في رضاها ؟
قد يتردّد العاقل إذا دار أمره بين الحسن والأحسن ، أو بين الطاهر والأطهر ، أو بين عدلين متقاربين في الوزن والصفة ، أمّا أن يتردّد الإنسان
1) وتنفس صبح الحسين عليهالسلام : 590 .
بين الطهارة المطلقة والنجاسة المطلقة ، أو بين الحسن المطلق والقبح المطلق ، أو بين النقاء والصفاء والنور وبين الدرن والرجس والكدر والنجس والظلمة ، فهذا ما لا يمكن أن يتصوره أحد .
ويكشف هذا الكلام عن مدى عمق إيمان زهير وولائه ومعرفته بأهل البيت عليهمالسلام وأعدائهم ، وقد تضمن كلامه الداعي إلى نصر الحسين عليهالسلام وخذلان الطاغية ، والتمييز بين ولد فاطمة عليهاالسلام وابن سمية ، كلّ معاني الولاء والبراءة .
إنّه دعاهم قبل قليل إلى دعوتين : إحداهما: نصر آل محمد ، والثانية: خذلان الطاغية ، والآن يتنزل معهم في المحاججة ، ويهوّن عليهم الخيار ، فيقول لهم: إذا كنتم قد اخترتم الشقاء ، والتفت الساق بالساق ، وأبيتم نصرهم ، فإنّ ترك نصرهم وبقائكم مع الطاغية يؤول في النهاية إلى قتلهم ، فإذا فقدتم الإرادة فلم تعودوا في موقف تسمح لكم نفوسكم باتخاذ قرار ، فإنّي ألجئكم إلى اللّه القوي القادر ، إلجأووا إلى اللّه ، فهو ربّكم
والقادر على حمايتكم وإعانتكم ، فإنّكم إن بقيتم على حالكم هذه من الإبتعاد عن اللّه فلا محال سيستحوذ عليكم الشيطان وتسلمون القياد لأنفسكم وشهواتكم وعماكم وضلالتكم ، فتقتلوهم . . . « فإن لم تنصروهم فأعيذكم باللّه أن تقتلوهم » .
لم يجد زهير أي تجاوب أو انفعال في القوم ، فدعاهم هذه المرّة إلى أمر كان محرجاً لهم لو كانوا أصحاب مبدأ أو قضية ، أو كانوا يعقلون .
دعاهم إلى الحياد ، فبنو هاشم يرتبطون في ظاهر الأنساب مع بني أمية ارتباطاً عضوياً ، فهم أبناء عم ، فما دخل الغرباء الهمج الرعاع بين الأقرباء ، وبهذا سلبهم حججهم وأفرغهم من كلّ دعوى . « فخلّوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية » .
وهنا يلامس زهير وتراً حساساً ، فيستهدف أهم الخطوط التي استعملها ابن زياد في تجييش الخواطر ، وتأليب النفوس ، ويقطع الأواصر بين القيادة والقاعدة ، فيشكّكهم في مواقفهم.
فمن ذا الذي يزعم أن يزيد أراد منكم قتل الحسين عليهالسلام ولو أنّكم استعذتم باللّه ، فأعاذكم ، وتركتم قتل الحسين عليهالسلام فإنّ يزيد يرضى عنكم ، وليس رضا يزيد عنكم منحصر في قتل الحسين عليهالسلام فابحثوا لكم عن طريق آخر يضمن لكم رضاه ، دون قتل سيد شباب أهل الجنة . . « فلعمري إنّ يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين عليهالسلام » .
لم يترك زهير أيّ حجّة إلاّ أقامها ، ولم يترك لهم أيّ زعم إلاّ فنده ، فماذا ترى سيكون جواب القوم ؟!
لم يكن القوم من ذوي البصائر والنطف الطاهرة ، ولا من أهل الكلام
والحوار ، ولم تكن عندهم أيّ حجّة ولو كانت واهية ، بل لم تكن الأخلاقيات والمنطق من أدبياتهم ، فركنوا إلى ما تطفح به آنيتهم من الأقذار والكدر والوقاحة والزيف ، فنبذوا الحياء ، وجانبوا الصواب ، وأخلدوا إلى السقوط في النتن والعفن الذي تنطوي عليه صدورهم ، وأجابوه بمنطقهم المعهود ، حيث يقارعون الحجة بالسيف ، والكلمة بالنبال ، فانبرى له شمر بن ذي الجوشن فرماه بسهم ، وقال : اسكت ، أسكت اللّه نأمتك(1)أبرمتنا بكثرة كلامك .
وما عسى هذا الوحش الكاسر وأشباهه من حاشية ابن زياد أن يفهم
من كلام زهير ، وكيف لا يتبرّم ، وهو لا يريد أن يفهم كلام إمام الكلام ، فيقول لسيد الشهداء عليهالسلام ما نفهم ما تقول يا ابن فاطمة عليهاالسلام !!
وقد احتقره زهير أيما احتقار ، وأجاب سهمه بسهام من لسانه الذي
استله كالسيف في الذبّ عن آل الرسول صلىاللهعليهوآله ، ووضع شمراً في الحضيض
الذي يليق به . . .
فقال له زهير : يا ابن البوّال على عقبيه ، ما إياك أخاطب ، إنّما أنت بهيمة ، واللّه ما أظنّك تحكم من كتاب اللّه آيتين ، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم .
فشمر منحدر من عائلة بدوية قذرة ، لا يعرف كبارها حتى كيف يبولون ، وغاية علمهم أن يقفوا كالبهائم ويملؤوا شقوق أعقابهم ببولهم .
1) في إبصار العين للشيخ محمد السماوي : أسكت اللّه نامتك : النأمة بالهمزة ، والنامة بالتشديد : الصوت ، يقال ذلك كناية عن الموت ، وهو دعاء عند العرب مشهور .
وزهير يعرف شمراً ، يتحسس غلظته وجفاءه وبداوته ووحشيته ، وأ نّه ممّن ختم اللّه على قلوبهم ، وجعل على أبصارهم غشاوة ، فهم لا يعقلون ، ولهذا قال له: ما إياك أخاطب ، فلا يكون شمر كليماً لزهير ، وهل يكلّم البشر الكامل العاقل البهيمة ؟!
وقد استعمل زهير كلّ وسائل التأكيد والحصر لئلا يخرج شمر بأيّ
مبرر من حضيرة البهائم: « إنما أنت بهيمة » .
هذا من الناحية التكوينية ، أمّا إذا أراد شمر أن يدعي شيئاً في الدين ، فقد أوقفه زهير عند حدّه مؤكداً كلامه بالقسم ، وقال له : « واللّه ما أظنّك تحكم من كتاب اللّه آيتين » ، أيّ آيتين ، من أول كتاب اللّه الكريم إلى آخره .
ثم رسم له ولمن يسمع تحاورهما العاقبة التي تنتظره ، فقال: « فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم » . ولكن « لا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ »(1).
فقال له شمر : إنّ اللّه قاتلك وصاحبك عن ساعة .
قال : أفبالموت تخوفني ؟! فواللّه للموت معه أحبّ إليّ من الخلد
معكم .
1) الأنبياء: 45 .
ردّ شمر على زهير ردّاً وقحاً ، يكشف عن صلافته وغيّه ومدى ولعه
بسفك الدماء الطاهرة ، وعمق الضغائن والأحقاد الدفينة والمتجذرة في وجوده العفن ، إنّه لا يفهم سوى لغة التهديد والقتل وسفك الدماء ، ينتظر قتل سيد الشهداء عليهالسلام وأصحابه لحظة بعد لحظة ، ويتوثب لحرب اللّه ورسوله وتمزيق صفحات القرآن المتمثلة في وجود سبط النبي صلىاللهعليهوآله .
فأجابه زهير بجواب يدهش السامع ، ويحيّر اللبيب ، لما تضمن من
بلاغة وفصاحة وعمق في الولاء ، وتفاني في الحبّ حتى ليحسب الإنسان أن لو أراد الناس كلّهم أن يعبّروا عمّا عبّر عنه زهير في حبّه للحسين عليهالسلام لما استطاعوا أن يعبّروا عن كلّ هذا الحبّ الذي لا يبلغ أحد مداه ولا يتصور بشر عمقه وشدّته ومستواه ..
وقد تضمّن الجواب أميرين :
فإنّ أقصى ما يخوّف به الإنسان هو الموت ، وقد تضمّن تهديد شمر بالقتل الإشارة الى أ نّه سيقتل زهير والحسين عليهالسلام معاً ، والموت عند زهير مع الحسين عليهالسلام وفي سبيله أقصى ما يتمنّاه ، وقد خرج منذ فترة طويلة
متحملاً أعباء السفر ، ومتجشماً الغربة والتشرد في الفيافي والقفار انتظاراً لهذا اليوم الموعود ، فالموت في هذا اليوم ، والتضرج بدمه على رمضاء كربلاء التي ستحتضن جسد ريحانة الرسول صلىاللهعليهوآلهأحلى عنده من العسل ، وتحقيقاً لغاية المنى ، فبماذا يهدد هذا الجلف الجافي ؟!
ولهذا قال له : أفبالموت تخوفني ؟! فردّ عليه تهديده ، وخيب سعيه ، وألقمه حجراً كسّر أنيابه .
سبحان اللّه . . واللّه أكبر . . يقسم زهير قسماً باراً ويقول : فواللّه للموت معه أحبّ إليّ من الخلد معكم .
ولا يبدو أنّ المقصود في كلام زهير هو الموت الذي يعبر به إلى الجنان مع الحسين عليهالسلام فحسب ، وإنّما يوحي كلامه بالموت الذي يعتقده شمر وأمثاله ، والخلود الذي يظنونه هم في معتقدهم وتصوراتهم .
فالموت بالمعنى الأول لا شك عند زهير وعند غيره ممن يؤمن بالآخرة والمعاد أفضل من الحياة مع هؤلاء وغيرهم ، إلاّ أنّ الخلد في الدنيا التي هي نعيم عند الكفار والمنافقين ، وخلاص من النار وسجين ، والموت أول العذاب والرحيل الى دركات الجحيم . .
فيكون من معاني كلامه في هذا الترجيح أ نّه يقول لهم : إنّ الحسين هو جنتي ونعيمي ، هو أقصى أمنيتي وأملي . . . .
فلو كان الخلود في الدنيا نعيما كما تظنونه ، فإنّ الموت مع الحسين عليهالسلام
أحبّ إليّ ، لأنّ نعيم الموت مع الحسين عليهالسلام أولى من الخلد في نعيمكم
البائس الهزيل التافه .
احتقر زهير شمراً ، وأعرض عنه ، لأ نّه أعلى شأناً ، وأرفع مقاماً
من أن يكّلم بهيمة ، ويتردّد في الحوار معه ، ليعلم كلّ من حضر أنّ شمراً ليس ممن يستمع اليه ، ولا يستحق أن يصغى العاقل الى كلامه ، فأقبل على الناس رافعاً صوته ، فقال :
عباد اللّه ، لا يغرنّكم من دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه ، فواللّه لا تنال شفاعة محمد صلّى اللّه عليه وسلم قوماً هراقوا دماء ذريته وأهل بيته ، وقتلوا من نصرهم وذبّ عن حريمهم .
وتضمن هذا المقطع من كلامه أقوى الحجج ، وأبلغ النصيحة ، تتلخص في ما يلي :
أولاً : إنّكم عباد اللّه .
ثانياً : إنّ شمر وأشباهه من الأجلاف الجفاة يريدون أن يغرّوكم من دينكم ، فلا تلتفتوا لهم ، لأ نّهم أجلاف جفاة ، وحقراء نكرات ، يبغون لكم الفتنة ، ويدعونكم إلى النار .
ثالثاً : إنّكم عباد اللّه ، وتدعون أنّكم تتدينون بدين نبيه محمد صلىاللهعليهوآله ، وتزعمون أنّكم ترجون شفاعته لينقذكم يوم لا ينفع مال ولا بنون ، ويعبر بكم على الصراط الى الجنان ، فكيف ترجون شفاعته ونصرته يوم القيامة وأنتم تسفكون دماء ذريته ، وأهل بيته ، ومن أغاثهم ، وحماهم ودافع عنهم ونصرهم .
رابعاً : خيّرهم بين فريقين ، فريق يقوده الأجلاف الجفاة ، وفريق يقوده رجل تجلّت فيه أسماء اللّه ، وأنصاره الذين عرفوا بالرحمة والرأفة والرفق والحلم والوقار.
خامساً : أثار فيهم حميتهم وغيرتهم ، إن كانت فيهم بقية من غيرة أو حمية ، فذكّرهم أنّ الذين وقفوا مع الحسين عليهالسلام إنما قاموا للذبّ عن حرمات اللّه ، وتنادوا للدفاع عن حرم نبيهم ، واستماتوا في صون المخدرات من عقائل الوحي ، لئلا يقترب من أسوار خدرهن هؤلاء الجفاة الأجلاف .
قال : فناداه رجل فقال له : إنّ أبا عبد اللّه يقول لك : أقبل ، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت ، لو نفع النصح والابلاغ(1).
يبدو من سعة صدر زهير ، وإصراره في إقامة الحجة على القوم ، وعلو همّته في كسب وسام « لئن يهدين اللّه بك رجل » ، وقوته في الإبلاغ والوعظ أ نّه سيبقى واقفاً يعظ القوم ويحتج عليهم ، ولو كلّفه ذلك دهراً ، حتى يتيقن أ نّه قد أدّى ما عليه ، وأنجز تكليفه ، ولا يمكن أن يطمئن إلى هذه النتيجة إلاّ إذا أخبره المعصوم بذلك ، وربما كان نداء الحسين عليهالسلام لذلك .
فناداه أن أقبل . . ولم يقل له عد أو ارجع أو أدبر ، وإنّما « أقبل » ، لأ نّه سوف ييمم وجهه نحو الحسين عليهالسلام والحسين عليهالسلام هو وجه اللّه الذي منه يؤتى ، فهو الإقبال بعينه .
1) تاريخ الطبري : 4/323 ، البداية والنهاية لابن كثير : 8/194 ، الكامل في التاريخ لابن الأثير : 4/63 ، تاريخ اليعقوبي : 2/244 ، لواعج الأشجان للسيد الأمين : 133 .
ثم أقسم له الحسين عليهالسلام بحياته هو ، بحياة محبوبه الذي يتمنى الموت معه ، والموت معه عنده أحبّ من الخلد مع غيره ... أقسم له بأحبّ مقدس عنده ، أقسم له بحياة الحسين عليهالسلام . .
وطمأنه أ نّه أدّى ما عليه ، وأنّ القوم لا ينفعهم النصح ، لأنّك نصحت وأبلغت ، « لو » نفع النصح ، و« لو » أداة أمتناع لامتناع !!!
أمّا تشبيهه بمؤمن آل فرعون ، فقد مرّ الكلام فيه مفصلاً .
قال الشيخ باقر شريف القرشي - حفظه اللّه - تعليقاً على خطاب زهير : « ووجم الكثيرون ، واستولت عليهم الحيرة والذهول ، ولمّا رأى ذلك شمر بن ذي الجوشن خاف أن يثوب الجيش إلى الرشاد ، فسدّد سهماً إلى زهير ، وهو يقول: اسكت أسكت اللّه نأمتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك(1)» .
ربما كان في كلامه - حفظه اللّه - إشارة إلى أنّ الجيش قد انفعل ، ولو انفعالاً بسيطاً بكلام زهير ، بحيث دعاه الخطاب إلى الوجوم والتردد في الموقف ، والحيرة والذهول ، حتى أنّ شمراً اكتشف ذلك في وجوههم ، وقرأ ما في ضمائرهم وصدورهم ، فانبرى يشوّش عليهم انقطاعهم وخلوتهم بأنفسهم ، ويربك عليهم وجومهم ، ويخرجهم من حيرتهم ، وينبههم عن ذهولهم .
1) حياة الإمام الحسين عليهالسلام : 3/205 .
وكأنّ هذا الوغد الجلف الجافي الأرعن الفتاك يمكنه أن يقرأ الأفكار ، ويستكشف المواقف ، ويستشرف ما يقبل من الأحداث ، فيما نسمع الحسين عليهالسلام يقرر لنا حقيقة تخالف ذلك تماماً حينما قال : أقبل ، فلعمري لئن
كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت ، لو نفع النصح والإبلاغ(1).
لم يكن في أدبيات شمر وأصحابه ما يعبّرون به سوى السباب والشتائم
والتهديد بالقتل ، فلم يكن جوابه القاسي الوقح إلاّ تعبيراً عن حجته في الخصام ، وهذا هو دأبهم .
قال الأستاذ محمد نعمة السماوي : وإذا ما كان أمثال ابن زياد ، يجدون دائماً أمثال شمر يدافع عنهم بالسباب والقول البذيء الفاحش ، ويشهر السيف بوجه أعدائهم ، فليس معنى ذلك أ نّهم على حقّ ، وإلا فلماذا لا يلجأون إلى الحجة القوية الدامغة ، يسكتون بها حجج أعدائهم من أمثال زهير ، إذا كانت لديهم مثل تلك الحجة(2).
وقد أتمّ زهير الحجة عليهم ، ولم يبق لهم مجالاً للشك أو التردد أو الوجوم ، فقد لاح الحقّ واتضحت معالمه جلية ناصعة لا غبار عليها ولا تعتيم « ومع ذلك فلم يستجب له أحد ، وبدا أنّ الحشد الذي تألّف منه
جيش ابن زياد كان فاقد الإرادة تماماً ، وإذا ما كان قد عزم على شيء ، فإنّما على البقاء جثة هامدة بين أيدي الأعداء أعوان السلطة ، يقلّبونه كيفما يشاون ، ويسيّرونه وفق هواهم وأغراضهم .
كان الجميع مصممين على أمر واحد ، وهو عدم الاستماع لحجج أصحاب الحسين عليهالسلام تماماً كما كان يفعل المشركون في زمن الجاهلية الأولى ، إذ يضعون أصابعهم في آذانهم ، ويصرخون ويعربدون ويسخرون ويضحكون ، لئلا يصل إليهم صوت الرسول الكريم صلىاللهعليهوآله ، وأصوات أصحابه ، وهي تردد آيات الكتاب العزيز ، وتدعوهم إلى اللّه وإلى دينه القويم . . . »(1).
فلا يبدو أنّ الدافع لشمر في مواجهة زهير بوقاحة وانعدام أدب هو تقديره للموقف ، وإدراكه للإفرازات وردود الأفعال المتوقعة من تأثير كلام زهير في جيشه ، وإنما هو سخفه وضعفه وفظاظته وغلظة طبعه وطينته القذرة ، وهكذا هو كلام شمر ، ولا يعرف شمر إسلوباً آخر في الكلام سواء كان في الحرب أو في السلم ، مع العدو أو مع الصديق .
كما أ نّنا لم نجد في التاريخ أيّ مؤشر - مهما كان ضعيفاً - على تأثر الجيش بأيّ أشكال التأثر والإنفعال ، ولو على مستوى الوجوم والذهول والحيرة ، بل كان تقرير سيد الشهداء عليهالسلام وأعرف الخلق بالخلق على
خلاف ذلك تماماً !!!
1) وتنفس صبح الحسين عليهالسلام : 591 - 592 .
قال ابن أعثم الكوفي : وخرج .. زهير بن القين البجلي ، وهو يرتجز ويقول :
أنا زهير وأنا ابن القين*أذودكم بالسيف عن حسين
إنّ حسيناً أحد السبطين*من عترة البر التقي الزين
ذاك رسول اللّه غير المين*أضربكم ولا أرى من شين(1)
يا ليت نفسي قسمت نصفين(2)
وقال الطبري : وقاتل زهير بن القين قتالاً شديداً ، وأخذ يقول :
أنا زهير وأنا ابن القين*أذودهم بالسيف عن حسين
قال : وأخذ يضرب على منكب حسين عليهالسلام ويقول :
أقدم هديت هادياً مهدياً*فاليوم تلقى جدّك النبيا
وحسناً والمرتضى علياً * وذا الجناحين الفتى الكميا
وأسد اللّه الشهيد الحيا(3)
وقال الخوارزمي في المقتل : « أقدم حسين هاديا مهدياً » الأبيات التي تقدّمت للحجاج بن مسروق ، فلا أدري أهو منشؤها أم الحجاج بن مسروق(1)؟
1) مقتل الحسين عليهالسلام للخوارزمي : 2/24 .
يلاحظ أحياناً أنّ أكثر من واحد من أصحاب الحسين عليهالسلام يرتجزون برجز واحد ، ولذا نجد الخوارزمي يتردّد في نسبة الأبيات التي ارتجز بها زهير الى الحجاج أو زهير ، فهو لا يشكك في أ نّهما ارتجزا بها معاً ، ولكنّه لا يدري من المنشيء أولاً .
إنّ زهير بن القين كانت له أكثر من حملة ، وأكثر من هجمة على الأعداء ، وقد برز يقاتل عدّة مرات منذ أن بدأت المعركة ، وزحفت جيوش الظلام لإنطفاء نور اللّه ، ولهذا كان له أكثر من رجز .
قوله :
أنا زهير وأنا ابن القين * أذودكم بالسيف عن حسين
إنّ حسيناً أحد السبطين * من عترة البرّ التقي الزين
ذاك رسول اللّه غير المين * أضربكم ولا أرى من شين
يا ليت نفسي قسمت نصفين
عرّفهم أولاً بنفسه ، وهو يعلم أنّ اسمه وحده كاف في ضعضعة أركان
معسكر الأعداء ، فهو نجم زاهر بين « فرسان المصر » ، واسمه معروف عند المشركين والمعاندين الذين خرجوا لحرب اللّه ورسوله صلىاللهعليهوآله ، وقتال سيد شباب أهل الجنة .
فذكره اسمه واسم أبيه كاف في الإنتساب ، ولا حاجة للإطالة ، بعد أن دمدم عليهم بالصاعقة الحارقة « زهير بن القين » .
ثم ذكر لهم ما يريد أن يصنع بهم ، وهو الشجاع البطل الذي يستحثّ
بسيفه ملك الموت في الإجهاز على أعداء الحسين عليهالسلام إنّه يريد أن يذودهم
بالسيف ، يكردهم ويطردهم ويحصدهم بسيفه ، في صورة مؤثرة تقطع الأكباد حزناً على قرّة عين البتول عليهاالسلام وريحانة الرسول صلىاللهعليهوآله .
« أذودكم بالسيف عن حسين » يرسم لنا صورة الوحوش الكاسرة التي كشرت عن أنيابها وأحاطت بالحسين عليهالسلام كالهيم العطاش التي تتزاحم وتتدافع لترد الماء ، وزهير الفارس الضرغام يذودهم ويدفعهم بسيفه عن سيد شباب أهل الجنة عليهالسلام .
ثم ذكر لهم سبب دفاعه عن الحسين عليهالسلام وذوده إياهم بالسيف ، فمن هذا الحسين الذي يضحي زهير من أجله ، ويقتل الآخرين لئلا يصلوا اليه ؟
إنّ حسيناً أحد السبطين * من عترة البرّ التقي الزين
عرّف الحسين عليهالسلام بتعريفين :
الأول :
إنّ الحسين عليهالسلام هو أحد سبطي النبي صلىاللهعليهوآله ، والسبط هو طريقهم الى الفوز والنجاة وتلقي الدين من اللّه ، وقد قال فيه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : حسين منّي وأنا
من حسين ، أحبّ اللّه من أحبّ حسيناً ، حسين سبط من الأسباط(1).
وروي عن أبي هريرة قال : قلت لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله : إنّ لكلّ نبي وصي وسبطان ، فمن وصيك وسبطاك ؟ فسكت ولم يرد الجواب ، فانصرفت حزيناً .
فلمّا حان الظهر قال : ادن يا أبا هريرة ، فجعلت أدنوا وأقول : أعوذ باللّه من غضب اللّه وغضب رسوله .
1) الأدب المفرد للبخاري : 85 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/515 ، المستدرك للحاكم : 3/177 ، سنن الترمذي : 5/324 ، مسند أحمد : 4/172 ، ذخائر العقبى للمحب الطبري : 133 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي : 3/112 ، المعجم الكبير للطبراني : 3/33 ، كتاب ابن حبان : 15/428 ، الإرشاد للمفيد : 2/127 ، كامل الزيارات لابن قولويه : 116 ح126 .
ثم قال : إنّ اللّه بعث أربعة ألف نبي ، وكان لهم أربعة ألف وصي وثمانيةألف سبط ، فوالذي نفسي بيده لأنا خير النبيين ، ووصي خير الوصيين ، وإنّ سبطي خير الأسباط .
ثم قال عليهالسلام : سبطي خير الأسباط ، الحسن والحسين سبطي هذه الأمة ، وأنّ الأسباط كانوا من ولد يعقوب ، وكانوا إثني عشر رجال ، وأنّ الأئمة بعدي إثنا عشر من أهل بيتي ، علي أولهم ، وأوسطهم محمد ، وآخرهم محمد ، ومهدي هذه الأمة الذي عيسى بن مريم خلفه ، ألا إنّ من تمسك بهم بعدي فقد تمسك بحبل اللّه ، ومن تخلّى منهم فقد تخلّى من اللّه(1).
والسبط في كلام العرب خاصة الأولاد(2)والسبط الشجرة التي لها فروع ، والسبط بمنزلة القبيلة من بني إسرائيل .
« ومن المعلوم أن الأسباط هم ورثة الأنبياء ، فالحسين عليهالسلام سبط قد ورث من الأنبياء رسالاتهم في إحياء دين اللّه الإسلام .
وجاء في كتاب النهاية لابن الأثير : الحسين سبط من الأسباط أي أمّة من الأمم في الخير ، والأسباط من ولد إسحاق بن إبراهيم الخليل بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل ، وفي الحديث الحسن والحسين عليهماالسلامسبطا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أي طائفتان وقطعتان منه(3)» .
والحديث الأول اتفق الناس كلّهم على نقله ، وتظافر الجمهور على روايته ، ولا يمكن أن يكون ثمة من ينكر سماعه من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أو عنه ،ولذا احتج به سيد الشهداء عليهالسلام نفسه على القوم ، وهو يتضمّن مقدّمة قدّمها النبي صلىاللهعليهوآله حينما قال : « حسين منّي وأنا من حسين ».
فزهير يذكرهم أ نّهم يقاتلون النبي صلىاللهعليهوآله نفسه على نحو الحقيقة ، ويقاتلون من جعل النبي صلىاللهعليهوآله حبّه ميزاناً لحبّ اللّه « أحبّ اللّه من أحبّ حسيناً » ، « حسين سبط من الأسباط » .
الثاني :
إنّ الحسين عليهالسلام « من عترة البرّ التقي الزين » وعلى العباد أنّ يتمسكوا به ، لأ نّه عدل القرآن ، وأ نّه لا يفترق عنه أبداً حتى يرد الحوض على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، ومن تمسك به لن يضلّ ، وهو إشارة صريحة ، وتضمين رائع لحديث الثقلين المتواتر بين المسلمين جميعاً ، ولا أحسب أ نّنا بحاجة الى توثيق الخبر أو تخريجه وذكر مصادره وطرقه ، فإنّ ذلك يضطرنا الى وضع كتاب خاص ، ولا أحسب أيضاً أنّ أيّ مصدر أو جزء حديثي يخلو من ذكر هذا الحديث بأيّ لفظ من ألفاظه .
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : وإنى تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه - عزّ وجلّ - وعترتي ، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروني بم تخلفوني فيهما(1).
1) مسند أحمد : 3/17 .
وفي بعض الألفاظ نهي عن التقدّم عليهم أو التخلّف عنهم ، والأمر بملازمتهم ، وفي بعضها الوصاية بهم . . .فزهير بن القين يدعوهم في رجزه ، ولا يتخلّى عن كشف الحقائق لهم
ووعظهم وهو يقاتلهم ، ويذكّرهم المرّة تلو الأخرى أ نّهم يقاتلون عدل القرآن ، ومن أمروا بالتمسك به لئلا يضلّوا ، وأ نّهم بشر خطّاؤون والحسين عليهالسلام معصوم لا يتخلّف عن القرآن ولا يخالفه .
ثم إنّه رتّب لهم موازنة عجيبة ، وخيّرهم بين إتباع أولاد الطلقاء ، والأدعياء من أبناء البغايا ذوات الرايات ، وبين الأسباط من أولاد الأنبياء الأبرار الأتقياء .
بعد أنّ ذكر في رجزه حديثين مهمين يقوم عليهما الدين والعقيدة ، أكدّ لهم أنّ الذي استدلّ به إنما هو مروي عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، والنبي صادق
أمين لا يتهم بكذب « ذاك رسول اللّه غير المين » والمين الكاذب ، فإذا آمنتم بالنبي صلىاللهعليهوآله واعتقدتم أ نّه صادق غير كاذب ، فاقبلوا بالحديثين السابقين في سيد شباب أهل الجنة وسيد الشهداء الحسين عليهالسلام .
اللفتة الثالثة :
ذكر زهير أ نّه يذودهم بسيفه عن الحسين عليهالسلام الذي قال فيه النبي صلىاللهعليهوآله
حسين مني وأنا من حسين ، أحبّ اللّه من أحبّ حسيناً ، حسين سبط من الأسباط ، ويقاتلهم لأ نّه يدافع عن الثقلين ، كتاب اللّه والعترة ، فهو على بصيرة من أمره مقتدياً بالصالحين ومتبعاً للنبيين ، فلا شكّ يساوره
في موقفه ، ولا تردّد يزلزل عليه عقائده ، لأ نّه يقاتل قوماً خالفوا اللّه ورسوله ، وحاربوا الكتاب والعترة ، وعزموا على سحق ريحانة الرسول ،وتفتيت كبد الزهراء البتول عليهاالسلاموغرز السنان في عين عين اللّه أمير المؤمنين عليهالسلام وهتك حرمة نساء جعل اللّه ملائكته خدامهم وحراسهم ، وقد أقام عليهم الحجة زهير بن القين ، بعد أنّ أتمّ عليهم الحجة من قبل سيده الحسين عليهالسلام .
وحينئذٍ لا يرى زهير في قتالهم أيّ شين ، إنّهم قوم يستحقّون أن يعجّل زهير وأصحابه بأرواحهم الى دركات الجحيم ، ويذيقهم الموت الزئام ، ويلقيهم بسيفه في أسفل الفيلوق ، ولا يخاف في ذلك لومة لائم .
« أضربكم ولا أرى من شين » ، أضربكم ضرب الواثق المعتقد المؤمن الواعي العارف بما يقدم عليه .
اللفتة الرابعة :
وهنا يختم زهير رجزه بأمنية صادقة ، وفي نفس الوقت معبّر غاية
التعبير عن مدى حبّه لسلطان المظلومين وسيد الشهداء الحسين عليهالسلامفهو ينظر الى ريحانة الرسول صلىاللهعليهوآله وقرّة عين الزهراء البتول عليهاالسلام وقد حوصر هو وأصحابه بكربلا ، واجتمع عليه خيل أهل الشام ، وأناخوا عليه ، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها ، واستضعفوا الحسين - صلوات اللّه عليه - وأصحابه ، وأيقنوا أن لا يأتي الحسين ناصر ، ولا يمدّه أهل العراق ، بأبي المستضعف الغريب(1).
1) الكافي للكليني : 4/147 .
وهو يسمع بكاء مخدرات الوحي ، وعقائل النبوة ، وصراخ أطفال الحسينواستغاثتهم ، ويرى شفاههم الذابلة المتشققة من العطش ، وتهزّهمشاهد أصحابه المجزرين كالأضاحي على الرمضاء ، تصهرهم حرارة الشمس ، فيتمني أن تنقسم نفسه نصفين ، وينصدع قلبه لما يلقاه من هؤلاء الأوغاد سيده الحسين عليهالسلام .
أو أ نّه يتمني أن يكون زهير زهيرين ، وتنقسم نفسه قسمين ، إذا فنت الأولى قاتل بالأخرى .
أو أ نّه يتمنى أن يجعل قسماً من نفسه وقاءاً للحسين عليهالسلام وقسماً آخر يقاتل به الأعداء ليذودهم عن إمامه عليهالسلام الغريب الوحيد .
أو أ نّه يتمنى أن تكون له نفس بعد نفس يدافع بالأولى عن محبوبه
الحسينويدافع بالأخرى عن حرمه وعن إمام زمانه علي بن الحسين عليهماالسلام .
« يا ليت نفسي قسمت نصفين » .
قال : وأخذ يضرب على منكب حسين عليهالسلام ويقول :
أقدم هديت هادياً مهدياً * فاليوم تلقى جدّك النبيا
وحسناً والمرتضى علياً * وذا الجناحين الفتى الكميا
وأسد اللّه الشهيد الحيا
اللفتة الأولى :
إنّ ضربه على منكب الحسين عليهالسلام ومواساته بهذه الأبيات يكشف عن مدى قرب زهير من الحسين عليهالسلام كما أ نّه يشير - نحو إشارة - الى أنّ عمر زهير بن القين أكثر ممّا استظهرناه فيما سبق ، فمن البعيد أن يتصرّف زهير مع إمامه هذا التصرّف لو لم يكن له ما يسوّغه ، غير ما ذكرناه من قربه وشدّة علاقته ، فلو افترضنا أ نّه كان أكبر سنّاً من الحسين عليهالسلامفيكون فارق السن مسوّغاً بالإضافة الى العلاقة .
اللفتة الثانية :
أقدم هديت هادياً مهدياً * فاليوم تلقى جدّك النبيا
لقد بلغ زهير في أبياته هذه مدى لا يمكن لأحد أن يدركه فيتحدّث
عنه ويستكشف موقفه . سيما إذا علمنا أنّ رجزه هذا كان قبيل شهادته ، فهو يواسي الحسين عليهالسلام إبان انطلاقه للقاء من ذكرهم للحسين عليهالسلام فهو يريد أن يعجّل الحسينويقدم لكي لا تطول مدّة الفراق بينهما .
« أقدم » هكذا هو زهير ، ثبات وإستقامة ويقين ، يخاطب سيد شباب أهل الجنهويحثّه على الإقدام !! وهنا لا يسعنا إلاّ أن نسكت ونترك الموقف بين زهير ومحبوبه وإمامه .
اللفتة الثالثة :
ثم عبّر زهير عن اعتقاده بعصمة الحسين عليهالسلام « هديت هادياً مهدياً » ،
ومن البديهي أنّ الذي يقدم دائماً ، ولا يحجم أبداً هو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ، والذي يسدّده اللّه ويوحي إليه فعل الخيرات ، وهو الهاديالمهدي ، وهي صفة لا تصدق إلاّ على المعصوم قال تعالى : «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » .
فإذا أقدم الحسين عليهالسلام أقدم زهير متبعاً للحقّ الذي لا يعتريه شّكّ ولا شبهة ولا باطل .
وبهذا كشف زهير لنا وعرض اعتقاده على إمامه في ساحة الوغى ،
وجلجل صوته مرتفعاً على صهيل خيل عساكر الكفر والضلال والجحود وقعقعة سلاحهم .
اللفتة الرابعة :
قال : « أقدم . . . فاليوم تلقى جدّك النبيا » إنّه يوم فرح وسرور ، وإبتهاج وحبور ، يتلهّف له زهير ، ولا يرى فيه سوى الإقدام ، لأ نّه يوم يحمل له أعظم بشرى ، بشرى لقاء النبي صلىاللهعليهوآله والمرتضى علي
عليهالسلاموصنوه الحسن عليهالسلام وجعفر وحمزة .
وفي بعض النسخ : « نلقى » بدل « تلقى » ، ولا يوجد كثير فرق بين التعبيرين ، لأنّ لقاء الحسين عليهالسلام بهم يتبعه لقاء زهير وصحبه .
وهو يعلم ما في لقاء هؤلاء الأحبة من أثر في قلب المكروب المغموم
الوحيد الفريد العطشان الغريب ، إنّه لقاء بحبيبه المصطفى جدّه الذي كان يشمّه ويشبعه لثماً وتقبيلاً ، وحبّاً وحناناً وعطفاً ، ولقاء بأبيه المرتضى علي عليهالسلام وأخيه وأعمامه الأطهار الأبرار حمزة وجعفر الطيار عليهماالسلام .
اللفتة الخامسة :
لا يخفى ما في تعبيره « جدّك النبيا . . . » وهو يرتجز أمام الأعداء ،ويسمعهم كلامه مع الحسين عليهالسلام من بيان مقام الحسين عليهالسلام وأنّ جدّه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وأباه أمير المؤمنين ، وأخاه المجتبى ، وأعمامه هم جعفر الطيار وحمزة سيد الشهداء عليهمالسلام وهم من لا يحتاج أحد ممّن حضر في ذلك اليوم الى بيان فضلهم ومنزلتهم ومقامهم ، مسلماً كان أو غير مسلم ، فزهير يفتخر أمامهم بمفاخر سيده الحسين عليهالسلام ولا يرى لنفسه مفخرة تذكر أمام الأعداء ، وإنما يرى مفاخر إمامه مفاخراً له .
اللفتة السادسة :
« وذا الجناحين الفتى الكميا وأسد اللّه الشهيد الحيا »
ما أروع اختياره لهذين العمّين من بين الأعمام ، وما أروع الصفات
التي وصف بها جعفراً وحمزة ، حيث اختار من الصفات ما يناسب المقام من الفتوة والإستعداد والبسالة والشجاعة والإقدام ، فأحدهما « الفتى الكمي » ، والآخر « أسد اللّه » .
ثم وصف أحدهما بذي الجناحين ، والآخر بالشهيد الحي ، وهذه هي العاقبة التي تنتظرهم هم أيضاً .
اللفتة السابعة :
إنّ التوظيف الدقيق للصفات ، والتضمين العميق الصائب للأحاديث الشريفة في أبياته هذه ، وفي الأبيات التي سبقت تكشف عن مدى
سعة معرفة زهير بالحديث الشريف ، وعمق إيمانه وتسليمه بما قاله النبي صلىاللهعليهوآله ، ودقته في وعي النص وفقهه ، وبلاغته الرشيقة ، وفصاحتهالرفيعة ، وقوته في معرفته دينه .
اللفتة الثامنة :
ربما تلجلج في الصدر سؤال مفاده : لماذا لم يذكر زهير فيمن ذكر أ نّه سيلقاهم الحسين عليهالسلام فاطمة عليهاالسلام ؟
والجواب على ذلك يمكن أن يكون أحد أمرين ، أو هما معاً :
الجواب الأول :
إنّ زهير يعرف جيّداً أنّ فاطمة الزهراء عليهاالسلام هي المستورة الكبرى ، والصديقة المحجوبة التي فطم الخلق عن معرفتها(1)فهو لا يريد أن يذكرها إجلالاً وإعظاماً وغيرة ، وهذا أدب رفيع في التعامل مع الصديقة الكبرى حيث يأبى أن يجري اسمها على لسانه احتراماً لها ولولدها .
ثم إنّه يعلم أنّ مقام فاطمة يوم القيامة مقام « غضوا أبصاركم » فهو لا يطمع أن يلقاها مباشرة كما يأمل في لقاء الباقين الذين ذكرهم ، ويتأكد هذا المعنى إذا اخترنا قراءة « نلقى » .
الجواب الثاني :
إنّه ذكر النبي والوصي ، والشهيد الحي والفتى الكمي ، لمناسبة الموقف ،
1) انظر تفسير فرات الكوفي : 581 ح 747 ، بحار الأنوار : 43/65 ح 58 .
فهو في ميدان الحرب والقتال ، وشحذ الهمم ومواساة الرجال ، وهذا المقام لا يناسب تأجيج العواطف ، والشجون والتذكير بالأحزان والآلاموالدموع ، وذكر الصديقة فاطمة عليهاالسلام عند الحسين عليهالسلاميثير زفرته ، ويهيج عليه آلامه ، وهو لا يناسب المقام .
وربما كان لا لهذا ولا ذاك ، فاللّه أعلم بما في صدور أوليائه الأكرمين .
روى الشيخ ذبيح اللّه المحلاتي في فرسان الهيجاء رجز زهير مع زيادات ، وفيه بعض الأشطر المنسوبة الى أبي الفضل العباس عليهالسلام .
قال : فحمل عليهم زهير كأنّه التنين الصائل أو الشهاب الحارق ، وقلب الميمنة على الميسرة ، وحمي أتون الحرب ، فقال مرتجزاً :
أنا زهير وأنا ابن القين * وفي يميني مرهف الحدين
أذودكم بالسيف عن حسين * إن حسيناً أحد السبطين
ابن علي طاهر الجدين * من عترة البر التقي الزين
ذاك رسول اللّه غير المين * يا ليت نفسي قسمت قسمين
وعن إمام صادق اليقين * أضربكم محامياً عن ديني
أضربكم ولا أرى من شين * أضربكم ضرب غلام زين
بأبيض وأسمر ردين(1)
ثم قال : ودّع زهير الحسين عليهالسلام بأرجوزة ، وسار نحو ميدان القتال :
1) الشطر الأخير زيادة وردت في ناسخ التواريخ: 2/398 .
فدتك نفسي هادياً مهدياً(1)* اليوم تلقى جدّك النبيا
وحسناً والمرتضى علياً * وذا الجناحين الشهيد الحيا
وفاطم الطاهرة الزكيا * ومن مضى من قبلنا تقيّا
وعليه يكون قد ذكر فاطمة الزهراء عليهاالسلام في رجزه أيضاً فلا يكون لما ذكرناه قبل قليل مجال للسؤال فضلاً عن الجواب .
وفي موسوعة كلمات الإمام الحسين عليهالسلام : عن الفرهاني : وفي رواية : وخرج زهير بن القين ، فوضع يده على منكب الحسين عليهالسلاموقال مستأذناً :
أقدم هديت هادياً مهدياً * فاليوم ألقى جدّك النبيا
وحسناً والمرتضى عليا * وذا الجناحين الفتى الكميا
وأسد اللّه الشهيد الحيا * فقال الحسين عليهالسلام : وأنا ألقاهما على أثرك(2).
وفي ينابيع المودّة: ثم برز زهير وهو يقول(3):
أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا * ثم أباك الطاهر المؤيدا
والحسن المسموم ذاك الأمجدا * وذا الجناحين حليف الشهدا
وحمزة الليث الهمام الاسعدا * في جنة الفردوس عاشوا سعدا
المستند في ما لصق بزهير من الإفتراء والبهتان والإتهام إنّما هو ما ورد في تاريخ الطبري على لسان العدو حينما قال له في ظرف له ملابساته : « يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت ، إنما كنت عثمانياً » .
فصدّق الناس جميعاً مخالفهم ومؤالفهم هذه الفرية ، وهي أقذع سبّة ، وأوقح شتمة ، وأقذر تهمة ، يمكن أن تلوث بها ساحة بطل ضرغام يقول فيه المعصوم: طبت وطابت الأرض التي فيها دفنت .
أمّا النص التاريخي الذي وردت فيه هذه الفرية فهو :
« . . . ثم إنّ عمر بن سعد نادى : يا خيل اللّه اركبي وأبشري ، فركب في الناس ، ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر ، وحسين جالس أمام بيته محتبياً بسيفه ، إذ خفق برأسه على ركبتيه ، وسمعت أخته زينب الصيحة ، فدنت من أخيها ، فقالت : يا أخي ، أما تسمع الأصوات قد اقتربت .
قال : فرفع الحسين رأسه ، فقال : إنّي رأيت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في المنام ، فقال لي : إنّك تروح إلينا .
قال : فلطمت أخته وجه ها وقالت : يا ويلتا ، فقال : ليس لك الويل يا أخيتي ، اسكني رحمك الرحمن .
وقال العباس بن علي : يا أخي ، أتاك القوم .قال : فنهض ثم قال : يا عباس ، اركب بنفسي أنت يا أخي ، حتى تلقاهم فتقول لهم : ما لكم ؟ وما بدا لكم ؟ وتسألهم عمّا جاء بهم ، فأتاهم العباس ، فاستقبلهم في نحو من عشرين فارساً ، فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر .
فقال لهم العباس : ما بدا لكم ؟ وما تريدون ؟
قالوا : جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم .
قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبى عبد اللّه ، فأعرض عليه ما ذكرتم .
قال : فوقفوا ، ثم قالوا : القه فأعلمه ذلك ، ثم ألقنا بما يقول .
قال : فانصرف العباس راجعاً يركض إلى الحسين يخبره بالخبر .
وقف أصحابه يخاطبون القوم ، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين : كلّم القوم إن شئت ، وإن شئت كلّمتهم ، فقال له زهير : أنت بدأت بهذا ، فكن أنت تكلّمهم ، فقال لهم حبيب بن مظاهر : أما واللّه لبئس القوم عند اللّه غداً قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه صلىاللهعليهوآلهوعترته وأهل بيته عليهمالسلام ، وعبّاد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار ، والذاكرين اللّه كثيراً .
فقال له عزرة بن قيس : إنّك لتزكى نفسك ما استطعت !
فقال له زهير : يا عزرة ، إنّ اللّه قد زكّاها وهداها ، فاتق اللّه يا عزرة ، فإني لك من الناصحين ، أنشدك اللّه - يا عزرة - أن تكون ممّن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية .
قال : يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت ، إنما كنت عثمانياً .قال : أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم . أما واللّه ما كتبت إليه كتاباً قطّ ، ولا أرسلت إليه رسولاً قطّ ، ولا وعدته نصرتي قطّ ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه ، فلمّا رأيته ذكرت به رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، ومكانه منه ، وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم ، فرأيت أن أنصره ، وأن أكون في حزبه ، وأن أجعل نفسي دون نفسه ، حفظاً لما ضيعتم من حقّ اللّه وحق رسوله عليهالسلام .
قال : وأقبل العباس بن علي يركض حتى انتهى إليهم(1)
قال : فقال رجل من أصحاب عمر يقال له عروة بن قيس : يا بن مظاهر ! إنّك لتزكي نفسك ما استطعت ، فقال له زهير : اتق اللّه يا بن قيس ! ولا تكن من الذين يعينون على الضلال ويقتلون النفوس الزكية الطاهرة عترة خير الأنبياء . فقال له عزرة بن قيس : إنّك لم تكن عندنا من شيعة أهل البيت إنّما كنت عثمانياً نعرفك . . هؤلاء في المخاطبة والحسين عليهالسلاممفكر في أمر نفسه وأمر الحرب والعباس عليهالسلام واقف في حضرته .
. . .1) تاريخ الطبري : 4/ 315 ، الإرشاد للمفيد : 2/ 89 - 90 ، بحار الأنوار : 44/391 ، . وفي كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي : 5/97 : . . . قال : فوقف القوم في مواضعهم ، ورجع العباس إلى الحسين ، فأخبره بذلك ، فأطرق الحسين ساعة ، والعباس واقف بين يديه ، وأصحاب الحسين يخاطبون أصحاب عمر بن سعد ، فقال لهم حبيب بن مظاهر : أما واللّه لبئس القوم يقدمون غداً على اللّه - عزّ وجلّ - وعلى رسوله محمد صلىاللهعليهوآله وقد قتلوا ذريته وأهل بيته المجتهدين بالأسحار الذاكرين اللّه كثيراً بالليل والنهار ، وشيعته الأتقياء الأبرار .
إنّنا لم نجد لهذا الخبر مصدراً أقدم من تاريخ الطبري ، وكلّ من جاء بعد الطبري أخذ عنه ، وأقرب مصدر للطبري نقل الخبر أيضاً هو الفتوح لابن أعثم ، فابن جرير الطبري صاحب التاريخ توفي سنة « 310 » للهجرة ، وتوفي ابن أعثم الكوفي سنة « 314 » للهجرة .
قال الشيخ محمد جواد الطبسي - حفظه اللّه - : والظاهر أنّ أقدم مصدر تاريخي وردت فيه الإشارة بصراحة الى عثمانية زهير بن القين هو تاريخ الطبري وأنساب الأشراف للبلاذري .
قال البلاذري : قالوا : وكان زهير بن القين البجلي بمكة ، وكان عثمانياً(1). . .
ولا نحتاج الى إطالة المقام مع البلاذري ، وذلك أ نّه لم يذكر مصدر كلامه ، وإنما اكتفى بالإسناد الى : « قالوا(2)» .
ثم إنّه لم ينقل خبراً ، ولم يرو رواية في قوله « قالوا : . . . وكان عثمانياً » ،والظاهر من عبارته أ نّه يقرر فهمه الخاص ، واستنتاجه من التاريخ ، فأغلب الظن أ نّه إستند في تقريره إلى كلام عزرة/ ، ولذا سنخرجه هنا ، ونقتصر الكلام على رواية الطبري.
أمّا السند الذي روى به الطبري هذا الخبر ، فهو :
قال أبو مخنف ، عن الحارث بن حصيرة ، عن عبد اللّه بن شريك العامري .
ولا نجد ضرورة لمناقشة السند ، لأنّنا لا نقيم للسند وزناً ذا قيمة منفردة في إثبات الحدث التاريخي أو نفيه ، وإنما قد يكون مفردة تأكيدية تزيد الإطمئنان أو تخدشه ، ولإثبات ذلك مكان آخر .
على أ نّنا لا نريد تكذيب الخبر مطلقاً ، وإنما نبقي الخبر على ما كان ، ونحسب أنّ من الممكن قراءته قراءة جديدة ، تقدّم له فهماً يتلائم مع كون زهير علوياً بريئاً من أيّ صبغة عثمانية .
ورد في المصادر وكتب الرجال : عزرة بن قيس البجلي من أحمس من بني دهن ، من أنفسهم ، روى عن خالد بن الوليد ، وكان معه في مغازيه بالشام ، وروى أبو وائل عن عزرة بن قيس(1)
وقيل : أ نّه عزرة بن قيس بن غزية الأحمسي البجلي الدهني الكوفي شهد خطبة خالد بن الوليد حين جاءه عزل عمر إياه ، روى عنه أبو وائل ، وولي عزرة حلوان في خلافة عمر ، وغزا شهرزور منها فلم يفتحها حتى افتتحها عتبة بن فرقد(2). . .
وله بهذا الاسم والمواصفات ترجمة مفصلة في كتب الرجال والتاريخ . غير أنّ الشيخ علي النمازي ذكره وقال : عروة بن قيس الأحمسي : لم يذكروه . هو ممّن كتب إلى الحسين عليهالسلام . . ثم كان مع عمر بن سعد . وكان رئيساً على الخيل(3).
وقال الشيخ محمد السماوي : عزرة بن قيس الأحمسي : بفتح العين المهملة ، وسكون الزاء المعجمة ، وبعدها الراء المهملة ، وصحّفه من لم يضبطه بعروة(1).
وكان عزرة هذا ممّن كاتب الحسين عليهالسلام فلمّا بعثه عمر بن سعد الى الحسين عليهالسلاموقال له : ائته فسله ما الذي جاء به ؟ وماذا يريد ؟ فأبى أن يحمل الرسالة ، واعتذر اليه أ نّه كان قد كاتبه ، وهو يستحي أن يواجهه!! فعرض ذلك على سائر من كاتب الحسين عليهالسلام فاعتذر الجميع(2).
وفي كتاب الفتوح : قال : ثم دعا عمر بن سعد رجلاً من أصحابه يقال
له « عروة بن قيس » ، فقال له : امض يا هذا إلى الحسين فقل له : ما تصنع في هذا الموضع ؟ وما الذي أخرجه عن مكة ، وقد كان مستوطناً بها ؟ فقال عروة بن قيس : أيّها الأمير ! إنّي كنت اليوم أكاتب الحسين ويكاتبني ، وأنا أستحيي أن أسير إليه ، فإن رأيت أن تبعث غيري فابعث(3).
ولا شكّ أ نّه كان كاذباً في إدعائه الحياء ، وهل يعرف الحياء من يقاتل ريحانة المصطفى صلىاللهعليهوآله ، ويكون على الخيل التي هتكت حرم اللّه ، وداست خدر رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ؟!
من أين تخجل أوجه أموية * سكبت بلذات الفجور حياءها
وإنّما اعتذر - كما اعتذر الآخرون - لأ نّه محجوج للحسين عليهالسلاموهو يعرف الجواب مسبقاً ، فلو حمل الرسالة ، وجاء عند سيد الشهداء عليهالسلام وسأله : ما الذي جاء به ؟ وماذا يريد ؟ وما يصنع في هذا الموضع ؟ وما الذي أخرجه عن مكة ، وقد كان مستوطناً بها ؟ لكان الجواب : أتتني رسلك ، وأجبت دعوتك ، وأغثت صرختك ...
وهو إنّما كاتب الحسين عليهالسلام طمعاً في الدنيا وحبّاً للدعة ، وانتهازاً للفرص ، وركوباً للموجة التي كان يستشرف منها جني قطاف العيش الرغيد الذي استروحه يوم ماجت الكوفة بذكر الحسين عليهالسلام واللجوء اليه فراراً من الحكم الأموي الذي اهتزت أركانه بوفاة معاوية .
ويمكن استكشاف ذلك من نص الكتاب الذي أمضاه عزرة وجماعة الإنتهازيين من أمثال شبث بن ربعي وحجار وأمثالهم .
روي أ نّه كتب شبث بن ربعي ، وحجار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث ، ويزيد بن رويم ، وعزرة ابن قيس ، وعمرو بن الحجاج الزبيدي ، ومحمد بن عمير التميمي : أمّا بعد ، فقد اخضر الجناب ، وأينعت الثمار ، وطمت الجمام ، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجند ، والسلام عليك(1).
فكلام هؤلاء الأوغاد يتركز على جنات خضراء ، وثمار يانعة ، وآبار طامية ، وزروع باسقة ، تنتظر القطاف ، وجنى الثمار ، وهم في رفاهية
1) تاريخ الطبري : 4/262 ، الإرشاد للشيخ المفيد : 2/38 .
من العيش ودعة من الحياة ، فان شاء الحسين عليهالسلام فليقدم لأنّ الناس ينتظرونه. الناس ينتظرونه ، أمّا هم أنفسهم فإنّهم ينتظرون القطاف ، فإذا جاء كانوا هم معه ، وقد قدّموا لذلك مع من قدّم ، وسجّلوا موقفاً مع من سجّل ، وإن لم يأتي الحسين عليهالسلام فليأتي غيره ، ولا خطر عليهم في ظلّ الغير لأ نّهم منه .
ثم إنّهم قالوا : إذا شئت أقدم على جند لك مجندة ، فكأنّهم يريدون إخباره عليهالسلامبما يجري من بيعة الناس له ، ولا يريدون أن يعلنوا له عن إستعدادهم البته ، فلا يريدونه أن يقدم عليهم إماماً وأميراً يحاربون تحت لوائه ، فهم يقولون : أقدم على جند لك ، ولا يقولون : أقدم علينا فإنّنا جند لك !
ولكي تتضح الفكرة ، ونعرف الفرق بين هؤلاء النفر من المتزلفين ، وبين من يخاطب الإمام الحسين عليهالسلام معتقداً بإمامته وقيادته ، ومتذمّراً من الحكم الأموي المنحرف ، وهارباً من ظلم المتمردين على اللّه وعلى رسوله صلىاللهعليهوآله وملتجأ الى العدل المطلق ، ومعلناً عن إستعداده للموت بين يدي الحقّ ، علينا أن نقرأ نموذجاً آخر من الكتب التي وصلت الى الحسين عليهالسلام من شيعته :
روى الطبري وغيره عن محمد بن بشر الهمداني قال : اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد ، فذكرنا هلاك معاوية ، فحمدنا اللّه عليه ، فقال لنا سليمان بن صرد : إنّ معاوية قد هلك ، وإنّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته ، وقد خرج إلى مكة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ،
فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الوهن والفشل ، فلا تغرّوا الرجل من نفسه .
قالوا : لا ، بل نقاتل عدوه ، ونقتل أنفسنا دونه .
قال : فاكتبوا إليه . فكتبوا إليه :
بسم اللّه الرحمن الرحيم ، لحسين بن علي من سليمان بن صرد ، والمسيب بن نجبة ، ورفاعة ابن شداد ، وحبيب بن مظاهر ، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة :
سلام عليك ، فإنّا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو ، أمّا بعد :
فالحمد للّه الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة ، فابتزها أمرها ، وغصبها فيأها ، وتأمر عليها بغير رضى منها ، ثم قتل خيارها ، واستبقى شرارها ، وجعل مال اللّه دولة بين جبابرتها وأغنيائها ، فبعداً له كما بعدت ثمود ، إنّه ليس علينا إمام ، فأقبل لعل اللّه أن يجمعنا بك على الحقّ ، والنعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة ، ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو قد بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء اللّه ، والسلام ورحمة اللّه عليك(1).
قارن بين الكتابين تعرف الفريقين ، فريق يمدّ عينيه الى زهرة الحياة الدنيا والجنان المخضرة ، والثمار اليانعة ، والمياه الجارية ، وفريق يتضوّر من الكفر والظلم والجور ، ويتوق الى الإيمان والعدل والشهادة والحور ...
1) تاريخ الطبري : 4/261 .
فالفريق الأول لا يعاني من مضايقات ، ولا مطاردات في ظلّ الحكم القائم ، ويرى ازدهار مسيرة العمران الدنيوي ، وكلّ ما يراه هو نعيم وحدائق ذات بهجة ، ونخيل باسقات حان اقتطافها ، وأكل دائم يخشون انقطاعه .
فريق يتكلّم بضمير الغائب ، وفريق ينطق بضمير المتكلّم . .
فريق يتحدّث عن استعداد الغير ، وفريق يعد النصرة بالنفس . .
فريق يعد عن جند لا يعدّ نفسه منهم ، وفريق يعد المبادرة . .
فريق يكتب بالكناية والتلويح ، ويستعمل العبارات التي لا تدخل السرور على قلب الحسين عليهالسلام ولا تحزن أعداءه ، تماماً كما يعبّر القرآن الكريم : « لا إِلى هولاءِ وَلا إِلى هولاءِ » ولو وقع الكتاب بيد أعداء الحسين عليهالسلام فإنّ فيه متسع ، ومجال اعتذار ، ومدح مبطن يكشف بعد شرح ما بين السطور من كلماتهم ، وهم لا يذكرون هلاك الطاغية ، ولم يبدوا فرحاً بضعف الدولة الحاكمة في الشام ، ولم يتعرّضوا للوالي الممثل له في الكوفة .
وفريق يصرّح بالبراءة من أعداء اللّه وأعداء الحسين عليهالسلام ويحمد اللّه على هلاك الطاغية ، ويعلن استعداده لمواجهة الوالي الممثل له في الكوفة ، ولا يخاف في اللّه لومة لائم ، ويعرض الدنيا خراباً تنتظر يد الرأفة الحسينية لتمسح عليها ، وتنفخ فيها روح الحياة والعمران .
وهكذا هم عزرة ونظائره ، متقلّبون ، متزلّفون ، انتهازيون ، يميلون مع كلّ ريح ترحل بهم الى مآربهم وأطماعهم ، فإذا كانت الدنيا مع الأدعياء ركعوا لهم ، وتزلفوا اليهم ، وتخندقوا في خنادقهم .
وليس عزرة هذا من مجاهيل معسكر الضلال ، بل هو في عداد من يحوم حول قياداته ، ويتسكع بين يدي عمر بن سعد ، ويتحرّك تحت نظره ، فهو من الشرذمة المشؤومة التي كانت تحوط الأثيم ابن سعد - لعنه اللّه - ، ومن المقربين عنده ، بحيث ينتدبه كأول خيار لحمل رسالته الى الحسين عليهالسلام ويجعله على خيله(1)ويكلّفه حراسة خيام الحسين عليهالسلام ليلة العاشر .
قال ابن كثير : وبات الحسين وأصحابه طول ليلهم يصلّون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون ، وخيول حرس عدوهم تدور من ورائهم ، عليها عزرة بن قيس الأحمسي ، والحسين يقرأ : « وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُومِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ »(2)الآية(3). .
وقد التحم بمعارك ضارية قاسية مع أصحاب الحسين عليهالسلام وسعى في إحراق أوراق القرآن الكريم المتمثلة في أنوار الثلة المدافعة عن القرآن الناطق.
وبلغ به الأمر أن يحسب الحرب حربه ، والمعركة معركته ، والخيل خيله لمّا درات رحى الحرب وقامت على ساق ، وقاتلهم أصحاب الحسين عليهالسلام
قتالاً شديداً ، وأخذت خيلهم تحمل ، وإنما هم إثنان وثلاثون فارساً ، وأخذت لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلا كشفته ، فلمّا رأى ذلك عزرة بن قيس ، وهو على خيل أهل الكوفة ، أنّ خيله تنكشف من كلّ جانب ، بعث إلى عمر بن سعد عبد الرحمن بن حصن ، فقال : أما ترى ما تلقى خيلي مذ اليوم من هذه العدّة اليسيرة ، ابعث إليهم الرجال والرماة(1). . .
إنّها فرية رماه بها العدو ، العدو المتقلّب الماكر ، الذي رأينا قبل قليل شخصيته ، ودناءته ، وإجرامه ، عزرة . .
عزرة فقط ، لم نسمع هذه السبة من غيره ، لا من الرواة ولا الرجاليين ولا المؤرخين ، ولا حتى الأعداء أنفسهم .
قال عزرة : يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت عثمانياً !
فمن يقصد بقوله : « عندنا » ؟ إن كان يقصد عند السلطان وأتباعه ، أو عند الكوفيين ، فلماذا لم نسمع أحداً من عبيد السلطان أو الخارجين على الإمام المعصوم من الكوفيين ، بل حتى الرجاليين والمؤرخين منهم يؤكد ما قاله هذا الجلف الكذاب .
1) تاريخ الطبري : 4/332 .
وما بال حميد بن مسلم ، أو قاتل زهير نفسه ، أو عمر بن سعد ، أو شمر ، أو شبث بن ربعي ، وغيرهم من روس الضلال لم يذكر زهير بهذه الصفة ، ولم يشر اليها ، ولم يعاتب أو يحاسب أو ينتقص زهير بها ؟
إنّه يقول : « عندنا » لا يقصد إلاّ نفسه ، ولو كان غيره لذكره .
لقد سجّل التاريخ لنا هذه التهمة على زهير ، وقد افترضنا صحّة ما حدّثنا به الطبري عن أبي مخنف ، ولم نناقش سندها أو نكذبها من رأس ، فلابد إذن - على فرض اجتراء عزرة على هذا الكلام - أن تكون ثمة دوافع وأغراض استهدفها اللعين بما رمى به ساحة الطهر والصفاء والقداسة المتمثلة في شخصية زهير .
ويمكن تصور ذلك في أحد الأمور التالية :
الأمر الأول : التقية
قد تكون التقية التي كان يمتاز بها سلوك زهير ، كما مرّ معنا ، عاملاً مهماً في تكوين صورة خاصة عند عزرة ، من خلال مراقبته وملاحظته كفرد من جلاوزة السلطان ، وقد حقّق زهير ما أراد من التقية حتى أوهم عزرة صاحب خيل العدو في تصوراته ، بحيث كان يحسب أ نّه منهم .
وقد مرّ معنا أنّ أجلى صور التقية ، وأقوى مواضعها هي التقية مع السلطان ، فإذا لا يستعمل زهير التقية مع عزرة فمتى يستعملها ؟ ولمن يدخر العمل بها ؟
ولكن هذا الأمر يقتضي أن تكون التقية قد حملت زهير على إيهام أفراد العدو ، وعبيد السلطان جميعاً ، بل جميع المجتمع المعادي الذي كان يعيشه زهير ، والحال أ نّنا ما سمعنا هذا التصور من أحد قط غير عزرة .
فأمّا أن يكون زهير قد اعتزل المجتمع في الغالب ، فلم يشتهر بينهم بهذا السلوك .
وأمّا أن يكون لعزرة موقف خاص مع زهير اضطره للتقية ، للحفاظ على نفسه ، ليدخرها ليومها الموعود ، ولا نستبعد ذلك بعد أن عرفنا نذالة عزرة ، وحكمة زهير .
وكيف كان فإنّ زهير قد بلغ المرام في التقية حينما ظنّ العدو به هذا الظنّ ، وقد أفلح وزكى ورقى ذرى المجد بالطاعة والتسليم لأهل البيت عليهمالسلام .
الأمر الثاني : التسقيط
يمثل زهير ركناً من أركان عسكر الإيمان والحقّ - كما سيأتي - باعتباره صاحب ميمنة سيد الشهداء عليهالسلام فهو هدف مهم للعدو ، والمتأمل في أساليب الأمويين في حروبهم يعرف جيداً أ نّهم كانوا يمارسون الحرب النفسية والإعلامية في أدقّ صورها ، ويجيدون أساليب التسقيط والخدش وإغتيال « الشخصية » .
وقد رأيناهم في حربهم مع سيد الموحدين وإمام المتقين وأميرالمؤمنين ، وأول القوم إسلاماً ، وأقدمهم إيماناً ، وأحوطهم على الإسلام ،
كيف صوّروه للبسطاء والمضللين حتى إذا سمعوا أنّ علياً قتل في المحراب وهو يصلّي تعجبوا ، وعضوا أناملهم من العجب وهم يتسائلون : أكان علي يصلّي ؟! وكذا فعلوا مع الحسن والحسين عليهماالسلاموبقية أعدائهم .
وقد سمعنا سيل التهم والافتراءات والبهتان والأكاذيب التي انهال بها عبيد اللّه ابن زياد على ثقة الحسين عليهالسلام والعابد المتهجد والمفضل عند خيرة اللّه وسيد الشهداء مسلم بن عقيل عليهماالسلام كما روى ابن نما في مثير الأحزان ، والسيد ابن طاووس في اللهوف ، والسيد الأمين في لواعج الأحزان ، وابن أعثم الكوفي في الفتوح ، واللفظ للأخير :
. . . فقال له ابن زياد : يا شاق ! يا عاق ! خرجت على إمامك ، وشققت عصا المسلمين ، وألقحت الفتنة .
فقال مسلم : كذبت يا بن زياد! واللّه ما كان معاوية خليفة بإجماع الأمة ، بل تغلّب على وصي النبي بالحيلة ، وأخذ عنه الخلافة بالغصب وكذلك ابنه يزيد . وأمّا الفتنة فإنّك ألقحتها أنت وأبوك زياد بن علاج من بني ثقيف ، وأنا أرجو أن يرزقني اللّه الشهادة على يدي شرّ بريته ، فواللّه ما خالفت ولا كفرت ولا بدّلت! وإنما أنا في طاعة الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، ونحن أولى بالخلافة من معاوية وابنه وآل زياد .
فقال له ابن زياد : يا فاسق! ألم تكن تشرب الخمر في المدينة ؟!!! فقال مسلم بن عقيل: أحقّ واللّه بشرب الخمر مني من يقتل النفس الحرام ، وهو في ذلك يلهو ويلعب ، كأنّه لم يسمع شيئاً .
فقال له ابن زياد : يا فاسق! منتك نفسك أمرا أحالك اللّه دونه وجعله لأهله.
فقال مسلم بن عقيل: ومن أهله يابن مرجانة؟ فقال: أهله يزيد ومعاوية.
فقال مسلم بن عقيل : الحمد للّه كفى باللّه حكماً بيننا وبينكم .
فقال ابن زياد - لعنه اللّه - : أتظن أنّ لك من الأمر شيئاً ؟
فقال مسلم بن عقيل : لا واللّه ما هو الظن ولكنّه اليقين .
فقال ابن زياد : قتلني اللّه إن لم أقتلك !
فقال مسلم : إنّك لا تدع سوء القتلة ، وقبح المثلة ، وخبث السريرة(1). . .
فلا غرابة أن يتهمّ العدو ضمن خطة شملت أصحاب سيد الشهداء عليهالسلام كلّ واحد منهم بشكل يناسب شخصيته ، وموقعه الإجتماعي ، فكان حصة شخصية زهير إتهامه بالتعثمن .
معنى اصطلاح « عثماني »
واصطلاح « عثماني » له دلالاته في التاريخ ، فلو تصفحنا كتب الرجال والتاريخ نجد هذا المصلطح يطلق على من يعتقد مظلومية عثمان ، وأ نّه قتل شهيداً مظلوماً محتسباً !! ويتفجّر حقداً وغيظاً وعداوة لأمير المؤمنين
1) مثير الأحزان : 25 ، لواعج الأشجان : 64 ، كتاب الفتوح : 5/56 . وفي هذه المصادر وغيرها عبارات أخرى شنيعة أعرضنا عن نقلها ، ولولا اضطرارنا للاستشهاد بهذا النص لما تجرأنا على نقله ، لعن اللّه ابن زياد وأسياده ومن أمره وحمله وحمل معاوية ويزيد على رقاب المسلمين .
علي عليهالسلام باعتباره معيناً على قتل عثمان !! ومطلوباً بدمه هو وولده ، ويوالي بني أمية ولاءاً مطلقاً لأ نّهم الطالبون بدم عثمان .
ففي الأغاني في ترجمة كعب بن مالك الأنصاري قال : . . لمّا بويع لعلي بن أبي طالب عليهماالسلام بلغه عن حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، والنعمان بن بشير ، وكانوا عثمانية ، أ نّهم يقدّمون بني أمية على بني هاشم ، ويقولون : الشام خير من المدينة(1). . .
وفي فتح الباري لابن حجر : العثمانية : الذين يغالون في حبّ عثمان ، وينتقصون عليا(2).
هذا ، وقد تبلور الفكر لديهم بمرور الزمن ، ونظّروا لعقائدهم وأفكارهم ، ودخلوا في ميدان الصراع الدموي ، وحملوا السيف ، وتكونت لهم هوية خاصة تميّزهم عن غيرهم .
قال علي محمد علي دخيل : لم يكن عثمان بن عفان صاحب مذهب ، وإمام طريقة ، والمذاهب القائمة اليوم والتي انقرضت حدثت في القرن الثاني والثالث ، فلم يدرك مؤسسوها الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآله ، بل ولم يدركوا الصحابة والتابعين .
إنّ سبب النسبة الى بعض الأشخاص ب-« العثماني » هو نصرته لعثمان ، أو تبنّيه فكرة مظلوميته(3). . .
وقال الشيخ محمد جواد الطبسي - حفظه اللّه - : والعثماني أو عثماني الميل والهوى يومذاك مصطلح سياسي يعني - على الأقل - التأييد الكامل لبني أمية في دعوى مظلومية عثمان بن عفان ، ومعاداة علي عليهالسلام بسبب ذلك ، ويعني - على الأكثر - الإشتراك في حرب أو أكثر ضدّ علي عليهالسلام تحت راية المطالبة بالثأر لدم عثمان ، كما في الجمل وصفين(1).
وقد امتاز حاملوا هذا اللقب بحبّ الدنيا ، والسقوط الإجتماعي ، وارتكاب الجرائم ، والولاء للسلطان الظالم ، والغوص في مستنقع الشهوة واللذة والرذيلة ، والركض وراء بريق الذهب والفضة وبدرات الوالي ، وغيرها من السلوكيات التي أنشأهم عليها آل أمية من الإستعباد والإستذلال ، والتقليد للأسياد الأنذال .
وعزرة من قيادات الجيش الأموي ، وهو يعلم ماذا تعني هذه الكلمة
عند الناس عامة(2)
وفي تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي : 294 : لا يجتمع حبّي وحبّ عثمان في قلب رجل إلاّ اقتلع أحدهما صاحبه .
وروى الكراجكي في التعجب : 112 ، وابن إدريس في مستطرفات السرائر : 640 ، وابن يونس في الصراط المستقيم : 3/74 ، والمجلسي في البحار : 27/58 ح 17 وغيرهم : أنّ رجلاً قال لأمير المؤمنين عليهالسلام : أنا أحبّك وأتوالى عثمان ! فقال له : أمّا الآن فأنت أعور ، فأمّا أن تعمى أو تبصر . . .
، وعند أصحاب الحسين عليهالسلام ، ويعلم أ نّه يطعن زهيرفي أعماق إيمانه وقلبه بهذه السبّة المقذعة التي لا يصبر عليها إلاّ من تعلّم الصبر عند الحسين عليهالسلام الذي سجد البلاء والصبر بين يديه .الأمر الثالث: زعزعة الثقة بين أصحاب الحسين عليهالسلام دأب معسكر الظلام والضلال على خلخلة الصفوف في معسكر النور والهدى ، لأ نّه يقدّر وفق تصوراته وأهوائه ، ويفهم الآخرين ضمن معتقداته وموازينه ، ويتعامل معه من منطلقاته ، أو أ نّه يحاول متخبطاً في حماقاته ورعونته ووحشيته ، أو لأيّ سبب آخر .
فهو يجهد بأيّ وسيلة لفصل أبي الفضل العباس وأخوته عليهمالسلام عن إمامهم وسيدهم ، فيكتب أماناً ويدعوهم - بصلافة ووقاحة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً - الى الدنيا ، ويلوح لهم بالأمان والعيش الرغيد إن هم تركوا الحسين عليهالسلام الغريب وحيداً والتحقوا بمعسكر الأعداء ، أو اعتزلوا الحرب .
وكذا فعلوا مع غيرهم .
واليوم وقد أوشكت الحرب أن تقوم على ساق ، وتقطع الأيدي ، وتحلب الأعناق ، ويفرق بين الروس والأجساد ، يحاول العدو- وقد خاب - أن يلقي بين أصحاب سيد الشهداء عليهالسلام الشك والريب ، ويزعزع الثقة بينهم ، ويوحي اليهم أنّ أحد أكبر القادة الشجعان في معسكرهم كان « عثمانياً » ، فلا يركن اليه ، ولا يعتمد عليه ، فلعله يسلمهم عند الوثبة ، أو يثب عليهم وعلى إمامهم عند اصطكاك الأسنة ، والتحام الحراب .
وكان العدو يكتفي من حبيب والذين كانوا معه هناك أن ينظروا الى زهير نظرة يشوبها الإرتياب ، ويرى في أعينهم علامات سؤالتدور من عين الى عين .
فإذا تزلزت الثقة ، انقطعت العرى ، وسقطت الميمنة ، وفرق بين الصفوف ، واعترى عسكر سيد الشهداء عليهالسلام التفكك والاختلاف .
وفاتهم عليهم لعائن اللّه أنّ أصحاب الحسين عليهالسلام يعرف بعضهم بعضاً
منذ عالم الأظلّة ، وقد أقدموا على ما أقدموا عليه على بصيرة وهدى ، وقد اجتمعوا ليلتها ليروا مكانهم في الجنان العلى .
ربما كان أشدّ تكذيب ، وأقوى ردّ على كلام الكذاب المفتري عزرة جواب زهير نفسه ، حيث قال له بمتانة ووقار : « أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم(1)» .
إنّه جواب يكشف ثبات الواثق ، وحلم المحاور ، وهدوء المقاتل ، وسكينة القلب ، واطمئنان النفس .
لا يحتاج إلى دفاع ولا إنكار ولا استنكار ، ولا نقض وإبرام ، ولا مناقشة ومغالبة في الكلام .
أجاب بكلمتين أتت على كلّ ما بناه أو أراد أن يبينه العدو ،
1) تاريخ الطبري : 4/315 .
وقوّض أهدافه ، وفنّد مقاله ، وخيّب آماله : « أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم » .« إنّي منهم » ، أما تستكشف الماضي من الحاضر ؟
يقول له : إنّك تدعي ما لا تستدل عليه ، وما يدريك وأنت جرثومة
الخطايا والقذر ما في قلبي وما يحتويه ضميري من إعتقادي ، تتهم وتفتري وأنت في موقف المعادي المحارب ، ومن يبتغي قتلي لا يمنعه شيء عن الإفتراء والكذب عليّ .
أمّا أنا - زهير - فإنّي أستدل على عقيدتي بسلوكي وموقفي ، والموقف
كاشف عن الإعتقاد حينما يكون الموقف حرجاً أقلّ ما يتوقع فيه الموت ، وفراق الأحبة والأهل والمال والدنيا .
ردّ زهير ما قاله عدوّه ردّاً قاطعاًً ، ولم يقم لقوله وزناً ، ولم يدخله في حسابه داخل دائرة الصحة ولو مثقال ذرة .
ولو كان في كلام العدو رائحة ولو من بعيد تكشف عن صحة الدعوى
لنفاها زهير ، ولقال - مثلاً - : كنت كما زعمت ، وتبت الى اللّه ، واللّه يحبّ التوابين ، وعرفت حقّ الحسين عليهالسلام وباطل بني أمية ، وإنّي لك ناصح أمين ، اترك صفّ العدو وانحاز إلينا تكن من المفلحين الفائزين .
ولا يعوز زهير قوة في يقين ، ولا بلاغة في التعبير ووعظ الآخرين ، ولكنه أبى أن يسجّل عليه التاريخ إقراراً بالانتساب إلى الأمويين ، ولو طرفة عين .
قال الشيخ محمد جواد الطبسي - حفظه اللّه - : وإذا تأمّلنا جيداً في ما قاله عزرة بن قيس لزهير ، وما ردّ به زهير - على ما في رواية الطبري -يتجلّى لنا أنّ زهير بن القين لم يكن عثمانياً في يوم الأيام ، ذلك لأنّ زهير أجاب عزرة الذي اتهمه بالعثمانية فيما مضى قائلاً : « أفلست تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم ؟! » أي من أهل هذا البيت عليهمالسلامرأياً وميلاً وانتماءً .
ولم يقل له مثلاً : نعم ، كنت عثمانياً كما تقول ، ثم هداني اللّه ، فصرت من أتباع أهل هذا البيت عليهمالسلام وأنصارهم ، أو ما يشبه ذلك .
بل كان في قوله : « أفلست تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم » نفي ضمني لعثمانيته مطلقاً في الماضي والحاضر .
ثم إنّ سكوت عزرة بعد ذلك عن الردّ كاشف عن تراجعه عن تهمة العثمانية ، فتأمل(1).
وأمّا قوله : « أما واللّه ما كتبت إليه كتاباً قطّ ، ولا أرسلت إليه رسولاً قط ، ولا وعدته نصرتي قطّ ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه ، فلمّا رأيته ذكرت به رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ومكانه منه ، وعرفت ما يقدم عليه من عدوه
وحزبكم ، فرأيت أن أنصره ، وأن أكون في حزبه ، وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظاً لما ضيعتم من حقّ اللّه وحقّ رسوله(2).
فليس في كلامه أيّ شطط ، وهو كلام محكم ومتين ، وقائم على الصدق واليقين ، فهو لم يخطأ حينما قال : أ نّه لم يكاتب الحسين عليهالسلامولم يعدهالنصر . . . الى آخر كلامه .
لأ نّه لم يعد النصر بالفعل ، ولم يكاتب الحسين عليهالسلام أساساً فيضمّن كتبه الوعد بالنصر وما شاكل ، وقد جمعه الطريق مع الحسين عليهالسلامبالفعل ، وإن كان زهير خارجاً يتلقّاه عليهالسلام ولكنّه ربما قصد من كلامه أحد المقاصد التالية أو جميعها :
كان زهير عليهالسلام يعرّض بعزرة خاصة ، وبمن معه عامة في قوله أ نّه لم يكاتب الحسين عليهالسلام ولم يعده النصر ، يقول له : تزعم أني كنت عثمانياً ، ولكني الآن نصرت ريحانة المصطفى صلىاللهعليهوآله ، وأنا لم أكاتبه ونصرته فما بالك يا عزرة لا تنصره وقد وعدته وكاتبته ، فما حملك على الخيانة ونبذ المواثيق ، والتنكّر للحقّ الذي عرفته من قبل ، ثم طبع على قلبك فرفضته الآن ؟!
لغة التعريض واضحة في كلمات زهير الكيس المتماسك الحليم الرصين .
قال الشيخ محمد جواد الطبسي : ولا يخفى ما في هذه العبائر من تعيير زهير لعزرة بن قيس ، لأنّ هذا الأخير كان من جملة الذين كتبوا(1)للإمام عليهالسلاموراسلوه في مكة واعدين إيّاه بالنصرة(2)!
إنّ زهير رجل خبير في الوعظ والاحتجاج ، وقد أقام الحجة علىالقوم ، وأتاهم من حيث هم ، ومن حيث لا يحتسبون ، ودعاهم لللحاق بركب الفاتحين الشهداء ، فقد ضمّن كلامه استدلالاً قوياً ، ومناظرة لا يصمد أمامها أيّ ردّ في قوله :
« أما واللّه ما كتبت إليه كتاباً قطّ ، ولا أرسلت إليه رسولاً قط ، ولا وعدته نصرتي قطّ ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه ، فلمّا رأيته ذكرت به رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ومكانه منه ، وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم ، فرأيت أن أنصره ، وأن أكون في حزبه ، وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظاً لما ضيعتم من حقّ اللّه وحقّ رسوله(1)صلىاللهعليهوآله .
فزهير صادق تمام الصدق وكماله في قوله « إنّه لم يرسل له ولم يكاتبه » لأ نّه لم يفعل ذلك ، وإنما كان ينتظره ، ويعلم أنّ الحسين عليهالسلامعلى موعد معه ، وزهير موعود بهذا اليوم منذ أيام بلنجر .
أولاً :
احتج عليهم أ نّهم كاتبوا الإمام ، ووعدوه النصر ، فلا يحقّ لهم الآن خذلانه والتنصل عن مواقفهم .
1) تاريخ الطبري : 4/315 .
ثانياً :
أثبت لهم أنهم منافقون أدعياء عبيد ، لأنّ المؤمن لا يخلف وعده ،والحر وعده دين ، والشريف لا ينقلب من الحقّ الى الباطل .
ثالثاً :
إنّ مجرد روة الحسين عليهالسلام تذكر بجدّه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، ومكانه منه ، والنظر اليه كاف لهداية الأطياب الطاهرين ، فما بالهم لا يهتدون ، وقد رأوا الحسين عليهالسلام في عرصة الطف .
رابعاً :
بيّن لهم أ نّهم يقفون موقف العداء للحسين عليهالسلام وأ نّهم على ضلال ، لأنّ عداوة الحسين عليهالسلام تعني عداوة الرسول وعداوة اللّه وعداوة النور والهدى
والإيمان .
خامساً :
عليهم أن يخيّروا أنفسهم بين أن يكونوا مع الحسين عليهالسلاموفي حزبه ، أو مع أعدائه وفي حزبهم ، وعليهم أن ينتفضوا على أنفسهم ، وينظروا الى قلوبهم ، ولا يستسلموا لكبرائهم ، ولا يلغوا عقولهم وقلوبهم ، ويظنوا أ نّهم في أمر قد فرغوا منه ، فليراجعوا أمرهم ويختاروا الجنة أو النار .
سادساً :
إنّهم في موقفهم هذا قد ضيّعوا اللّه وحقّ رسوله ، وعليهم أن يوطنوا النفس على الموت في سبيل حفظ هذين الحقّين ، وإلا حقّت عليهم اللعنة وسوء العذاب .
لم يرد أيّ مؤشر يدلّ على أنّ ثمة توبة وقعت من زهير ، لا قبل الطفولا في أيامه ، أو أنّ الحسين عليهالسلام قبل توبته ، وذنب التعثمن من أعظم الذنوب ، كما عرفنا سابقاً .
ولم يرد إقرار من زهير بالذنب ، ولا إشارة الى التوبة والرجوع ، أو الندم على ما ضيّع من عمره بعيداً عن الحقّ والولاء .
خامساً : موقف أهل البيت عليهالسلام
لم يرد أيّ مؤشر أو تصريح عن أهل البيت عليهمالسلام الذين عاصرهم زهير كالامام الحسين والامام زين العابدين والامام الباقر عليهمالسلام ومن قبلهم من الأئمة الأطهار عليهمالسلام ولا الأئمة الذين جاوا بعد الطف يثبت أو يؤكد ما ذكره التاريخ من تعثمن زهير أو كراهيته لمنازلة الحسين عليهالسلامولو كان لبان .
ولو كان عثماني الهوى ، أموي المذهب ، لذكّره الحسين عليهالسلام بذلك حينما دعاه ، ولشجعه على التوبة وغسل الذنوب والتطهير ، كما فعل ذلك مع عبيد اللّه بن الحر الجعفي .
فقد حدّثنا التاريخ أ نّه لمّا نزل الحسين عليهالسلام في قصر بني مقاتل ، فإذا هو بفسطاط مضروب ، ورمح منصوب ، وسيف معلّق ، وفرس واقف على مذوده ، فقال الحسين عليهالسلام : لمن هذا الفسطاط ؟ فقيل : لرجل يقال له « عبيد اللّه بن الحر الجعفي » .
قال : فأرسل الحسين عليهالسلام برجل من أصحابه يقال له « الحجاج بن مسروق الجعفي » .فأقبل حتى دخل عليه في فسطاطه ، فسلّم عليه فردّ عليه السلام ، ثم قال : ما وراءك ؟
فقال الحجاج : واللّه ! ورائي يا بن الحر ! واللّه قد أهدى اللّه إليك كرامة ، إن قبلتها !
قال : وما ذاك ؟
فقال : هذا الحسين بن علي عليهماالسلام يدعوك إلى نصرته ، فإن قاتلت بين يديه أجرت ، وإن متّ فإنّك استشهدت !
فقال له عبيد اللّه : واللّه ما خرجت من الكوفة إلاّ مخافة أن يدخلها الحسين بن علي عليهماالسلام وأنا فيها فلا أنصره ، لأنه ليس له في الكوفة شيعة ولا أنصار ، إلاّ وقد مالوا إلى الدنيا ، إلاّ من عصم اللّه منهم ، فارجع إليه وخبره بذاك .
فأقبل الحجاج إلى الحسين عليهالسلام فخبّره بذلك ، فقام الحسين عليهالسلام ثم صار إليه في جماعة من إخوانه .
فلمّا دخل وسلّم وثب عبيد اللّه بن الحر من صدر المجلس ، وجلس الحسينفحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أمّا بعد : يا بن الحر ! فإنّ مصركم هذه كتبوا إليّ ، وخبروني أنهم مجتمعون على نصرتي ، وأن يقوموا دوني ، ويقاتلوا عدوي ، وأنهم سألوني القدوم عليهم ، فقدمت ولست أدري
القوم على ما زعموا ، لأنهم قد أعانوا على قتل ابن عمي مسلم بن عقيل رحمه اللّه وشيعته ، وأجمعوا على ابن مرجانة عبيد اللّه بن زياديبايعني ليزيد بن معاوية .
وأنت يا بن الحر ، فاعلم أنّ اللّه - عزّ وجلّ - مؤاخذك بما كسبت وأسلفت من الذنوب في الأيام الخالية ، وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى توبة تغسل بها ما عليك من الذنوب ، وأدعوك إلى نصرتنا أهل البيت ، فإن أعطينا حقّنا حمدنا اللّه على ذلك وقبلناه ، وإن منعنا حقنا وركبنا بالظلم كنت من أعواني على طلب الحقّ .
فقال عبيد اللّه بن الحر : واللّه يا بن بنت رسول اللّه ! لو كان لك بالكوفة أعوان يقاتلون معك لكنت أنا أشدّهم على عدوك ، ولكني رأيت شيعتك بالكوفة ، وقد لزموا منازلهم خوفاً من بني أمية ومن سيوفهم ، فأنشدك باللّه أن تطلب مني هذه المنزلة ، وأنا أواسيك بكلّ ما أقدر عليه ، وهذه فرسي ملجمة ، واللّه ما طلبت عليها شيئاً إلاّ أذقته حياض الموت ، ولا طلبت وأنا عليها فلحقت ، وخذ سيفي هذا ، فو اللّه ما ضربت به إلاّ قطعت .
فقال له الحسين عليهالسلام : يا بن الحر ! ما جئناك لفرسك وسيفك ، إنما أتيناك لنسألك النصرة ، فإن كنت قد بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا في شيء من مالك ، ولم أكن بالذي اتخذ المضلين عضداً ، لأني قد سمعت رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) وهو يقول : من سمع داعية أهل بيتي ولم ينصرهم على حقّهم إلاّ أكبّه اللّه على وجهه في النار .
ثم سار الحسين عليهالسلام من عنده ورجع إلى رحله(1).دعوة واضحة من الحسين عليهالسلام الرؤوف لابن الحرّ - لعنه اللّه - الى التوبة ، وقد ذكّره بصراحة بأنّه مذنب يحتاج الى غسل الذنوب ، وأ نّه من المضلين ، فيما لم نسمع بتاتاً شيء من هذا القبيل حدث مع زهير ، بل على العكس تماماً فقد سمعنا الحسين عليهالسلام يشبهه بمؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه .
فلم نسمع توبة من زهير كما سمعنا عن الحر ، ولم نسمع دعوة للتوبة من الحسينكما سمعنا عن عبيد اللّه بن الحر الجعفي .
سادساً : إطلاعه على خصوصيات حياة أمير المؤمنين عليهالسلام
يكشف موقف زهير في الطف مع أبي الفضل العباس عليهالسلام يوم حثّه على قتال القوم بعد رجوعه من اجتماعه بشمر عن عمق العلاقة وشدّة القرب من أمير المؤمنينلمعرفته بخصوصيات حياة الإمام عليهالسلامومعرفته بالأسباب
التي حدّدها سيد الأوصياء لاختياره أم البنين .
روي أنّ زهير أتى إلى عبد اللّه بن عقيل قبل أن يقتل ، فقال : يا أخي ناولني الراية !
فقال له عبد اللّه : أو فيّ قصور عن حملها ؟
قال : لا ، ولكن لي بها حاجة .
1) كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي : 5/73 .
قال : فدفعها إليه ، وأخذها زهير وأتى إلى العباس بن علي عليهماالسلاموقال :يا بن أمير المؤمنين ، أريد أن أحدّثك بحديث .
فقال : حدّث فقد حلى وقت الحديث :
حدث ولا حرج عليك فإنما
تروي لنا متواتر الإسناد
فقال : اعلم يا أبا الفضل ، إنّ أباك أمير المؤمنين لمّا أراد أن يتزوج بأُمك أم البنين عليهاالسلام بعث إلى أخيه عقيل ، وكان عارفاً بأنساب العرب ،
فقال عليهالسلام : يا أخي أريد منك أن تخطب لي امرأة من ذوي البيوت والحسب والنسب والشجاعة لكي أصيب منها ولداً شجاعاً وعضداً ينصر ولدي هذا - وأشار إلى الحسين - ليواسيه في طفّ كربلا ، وقد ادخرك أبوك لمثل هذا اليوم ، فلا تقصر عن حلائل أخيك وعن أخواتك .
قال : فارتعد العباس عليهالسلام وتمطّى في ركابه حتى قطعه ، وقال : يا زهير ! تشجعني في مثل هذا اليوم ؟! واللّه لأرينك شيئاً ما رأيته قط(1). . .
هذا زهير يتحدّث عن سرّ من أسرار الطف ، إنّه عارف تمام المعرفة أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام لماذا أمر عقيل عليهالسلام بخطبة أم البنين عليهاالسلامإنّه ينتظر منها بطلاً هماماً ، وفارساً شجاعاً ينصر ولده سلطان المظلومين في عرصة الطف ، وهذا يكشف عن مدى قرب زهير واختصاصه بأمير المؤمنين عليهالسلامكما يكشف عن انتظاره وتتبعه لأخبار كربلاء ، فهو يحيط علماً بكلّ ما يحدّد له معالم اليوم الموعود الذي ينتظره .
1) بطل العلقمي للعلامة المظفر : 1/120 ، أسرار الشهادة للفاضل الدربندي : 218 .
وفي هذا الموقف دلالات واضحة ، وإشارات لائحة تكشف عدّةأمور ، منها :
أولاً :
إنّ أمر الخطبة واختيار الزوجة يعدّ من خصوصيات الرجل العادي ، فكيف بسيد الرجال ، وأمير المؤمنين علي عليهالسلام ولا يمكن أن يطلع عليه إلاّ المقرّبون والخواص .
ثانياً :
إنّ زهير لم يرو للعباس عليهالسلام عن أفواه الرجال ، وإنما روى له ما وعاه وعاشه وسمعه وعرفه مباشرة ، ولو كان عثمانياً لما اقترب من أمير المؤمنين كلّ هذا الاقتراب .
ثالثاً :
زواج أمير المؤمنين عليهالسلام بأم البنين عليهاالسلام يختلف عن زواجه بسائر
زوجاته(1)لأ نّه كان يستهدف إقامة ركن مهم من أركان الطف ، وهو أبو الفضل العباس عليهالسلامفهو داخل ضمن المخطط الرباني لإقامة العدل والدفاع
عن الحقّ ، وهو من الأسرار الخاصة بكربلاء ، وهل يمكن لعثماني أن يطلّع بهذه السهولة على أسرار كربلاء ؟
1) حينما نقارن أم البنين عليهاالسلام بزوجاته عليهالسلام دائماً لا نقصد فاطمة الزهراء عليهاالسلام فإنّها لا تقاس بغيرها وهي سيدة نساء العالمين ، وأم السبطين ، وبنت سيد الكونين ، وأشرف المرسلين ، وهي فاطمة عليها صلوات اللّه والملائكة والخلائق أجمعين .
رابعاً :شهد زهير على هذا الزواج وادخره في أعماق روحه ، وطوى عليه شغافه ، لمثل هذا اليوم ، يوم عاشوراء ، لأ نّه كان عالماً أ نّه سيمثل يوماً ما شاهداً على ما جرى في بيت أمير المؤمنين عليهالسلام فهو يتوق لهذا اليوم ، ويحسب له حسابه .
يقول : وقد ادخرك أبوك لمثل هذا اليوم . . فهو يعلم إذن أنّ رجال الطف مدخرون ، عمل على إعدادهم أمير المؤمنين عليهالسلام ويعلم أنّ ثمة يوماً ادخروا له الرجال والشجعان ، ويعلم بالتالي أ نّه هو أيضاً من الرجال المدخرين ، وأ نّه من العدّة المعدّة لنصرة الحسين عليهالسلام .
خامساً :
لم ينكر أبو الفضل العباس عليهالسلام على زهير روايته ، ولم يقل له من أين علمت ذلك ، وإنما قبلها منه ، وأرسل ما سمعه منه إرسال المسلمات ، لأ نّه يعرف أنّ زهيراً أهل لما وعى وروى ، لقربه من أبيه وأخيه وأهل بيته عليهمالسلام.
قال الشيخ محمد جواد الطبسي - حفظه اللّه - : فإذا صحّت هذه الرواية ، فإنّ هذا الحديث الذي « وعاه » زهير ، ورواه للعباس عليهالسلامكاشف عن أنّ زهيراً على إطلاع منذ سنين بأخبار ووقائع البيت العلوي ، وقد وعى أنباءهم وعياً! وأ نّه كان على قرب من أهل هذا البيت المقدّس غير متباعد عنهم !
أفيمكن أن يكون مثل هذا الرجل عثمانياً ؟! إنّنا نستبعد ذلك بقوة(1).
1) مع الركب الحسيني : 3/213 .
سابعاً : إنّه كان مبشراً بنصرة الحسين عليهالسلامكان زهير بن القين محارباً قديماً ، شجاعاً مقداماً ، شارك في فتح « بلنجر(1)
وإنّ لنا قبرين قبر بلنجر وقبراً بأرض الصين يالك من قبر
» .قال البكري الأندلسي(2): بلنجر - بفتح أوله وثانيه ، وإسكان ثالثه ، بعده جيم مفتوحة ، وراء مهملة -: مدينة ببلاد الروم ، شهد فتحها عدد من الصحابة .
قال زهير بن القين البجلي : غزوت بلنجر ، وشهدت فتحها ، فسمعت سلمان الفارسي رضي اللّه عنه يقول : أفرحتم بفتح اللّه لكم ، فإذا أدركتم شباب آل محمد ، - وفي رواية : سيد شباب آل محمد صلىاللهعليهوآله - فكونوا أشدّ
فرحاً بقتالكم معهم(3). . .
وفي الكامل في التاريخ(4)وروضة الواعظين لابن الفتال النيسابوري(5)أخبر زهير عن سلمان الفارسي أيضاً ، وروى عنه عن سلمان الباهلي في
1) في إبصار العين للعلامة السماوي رحمهالله : بلنجر : بالباء الموحّدة ، واللام المفتوحتين ، والنون الساكنة ، والجيم المفتوحة ، والراء المهملة آخر الحروف ، وهي مدينة في الخزر عند باب الأبواب ، فتحت في زمان عثمان على يد سلمان بن ربيعة الباهلي ، أو سلمان الفارسي ، كما ذكره ابن الأثير ، وقتل سلمان بن ربيعة بعد فتحها ، فقال فيه عبد الرحمن الباهلي :
2) توفي المؤلف سنة « 487 هجرية » .
3) معجم ما استعجم للبكري الأندلسي : 1/276 .
4) الكامل في التاريخ لابن الأثير : 4/42 .
5) روضة الواعظين : 178 .
تاريخ الطبري(1)وفي إبصار العين للعلامة السماوي عن سلمان من دون تحديد ، ثم قال : قوله : فقال لنا سلمان : يحتمل الباهلي ، لانّه رئيس الجيش ،ويحتمل الفارسي ، لأ نّه في الجيش على ما ذكره ابن الأثير في الكامل(2).
فزهير مبشر من أيام عثمان أ نّه سيكون ممن ينصر شباب آل محمد صلىاللهعليهوآله
أو سيد شبابهم عليهالسلام وقد سمع زهير ذلك ، ووعاه في جو الظفر والنصر والغلبة على الأعداء ، وفي ظل ظروف خاصة أحاطت بالخبر ، فهو لم يسمعه في بيته ، أو في النادي الذي ألفه مع أصحابه للسمر وتبادل أحاديث الركبان ، وقصاص الليل ، وإنما سمعه بعد أن إمتلأت أذنه بصهيل الخيل ، وإصطكاك الأسنة ، وقعقعة السلاح ، ومن ثم أهازيج النصر .
خبر إقترن بالنصر ، بالجهاد ، بالفتح ، وحفته ظروف تجعل من العسير ، بل ربما كان من المستحيل أن ينساه ، أو يغفل عنه في مرحلة من مراحل عمره .
أ نّه موعود بنصر شباب آل محمد صلىاللهعليهوآله ، فكيف يكون عثمانياً ، وهو ينتظر نصرة آل محمد صلىاللهعليهوآله ، والقتال معهم ؟!!
الاستماع إلى خطبه ومواعظه وكلماته مع الحسين عليهالسلاموتصريحاته مع الأعداء مؤشر واضح يرقى بكلّ كفاءة إلى أ نّه كان مؤمناً راسخاً في الإيمان ، وليس جديد عهد بالولاء .
قال الشيخ محمد جواد الطبسي - حفظه اللّه - : إنّ التأمل في أقوال زهير بن القين وفي قول زوجه وموقفها ، يكشف عن أنّ زهيراً وزوجه كانا يعرفان حقّ أهل البيت عليهمالسلام وتعمر قلبيهما مودّتهم .تأمل في قوله لزوجه - على رواية السيد ابن طاووس - : « وقد عزمت
على صحبة الحسين عليهالسلام لأفديه بنفسي وأقيه بروحي » .
وفي قولها له : « كان اللّه عوناً ومعيناً ، خار اللّه لك ، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليهالسلام » !
أو قوله لها - على رواية الدينوري - : « فإنّي قد وطّنت نفسي على الموت مع الحسين عليهالسلام » .
وقوله لأصحابه : « من أحبّ منكم الشهادة فليقم . . . » .
وإخباره إياهم بحديث سلمان الفارسي - على ما في رواية الإرشاد - : « إذا أدركتم سيد شباب آل محمد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم . . . » .
وتأمل بتعمق أكثر في قوله : « وطّنت نفسي على الموت مع الحسين عليهالسلام » .
وقوله : « من أحبّ منكم الشهادة فليقم . . . ».
وقول زوجه : « أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليهالسلام » .
وقوله لأصحابه : « من أحبّ منكم أن يتبعني وإلا فإنّه آخر العهد » .
تجد أنّ هذه العائلة الكريمة كانت على علم بأنّ الإمام عليهالسلامسيستشهد في سفره هذا مع أنصاره من أهل بيته وأصحابه ، وذلك قبل أن تظهر
في الأفق معالم الإنكسار الظاهري ، وخذلان أهل الكوفة ، وقبل أن يصل الى الإمام عليهالسلام نبأ مقتل مسلم بن عقيل عليهماالسلام وهانيء بن عروة ، وعبد اللّه بن يقطر .وهذا كاشف عن أنّ زهيراً كان ذا عناية واهتمام بأخبار الإمام الحسين عليهالسلام ومتابعاً لأنباء مستقبل حركته وقيامه .
حتى لو فرضنا أنّ زهيراً كغيره من الناس كان قد سمع بأخبار الملاحم المتعلقة بنهضة الحسين عليهالسلام واستشهاده ، أو سمع من نفس الإمام عليهالسلام بعض خطبه في مكة التي كان قد أشار فيها عليهالسلام الى استشهاده(1).
وسيأتي البحث في كلماته وخطاباته إن شاء اللّه تعالى .
تاسعاً: نمط علاقته بالحسين عليهالسلام
نمط العلاقة التي امتاز بها زهير بن القين مع الحسين عليهالسلام منذ التحاقه ،
وانفتاحه في التعامل معه ، واتخاذه قريباً لصيقاً في كلّ المواقف يكشف لنا عن مدى عمق الصلة بينهما ، بحيث لا يتسنى هذا النمط من العلاقات لفرد جديد عهد بالولاء ، والاعتقاد بإمامة سيد الشهداء عليهالسلام لأنّ المفروض أنّ
العلاقة ليست من نمط العلاقات العادية التي تتشكّل وتتشابك وتقوم بين الأفراد العاديين ، وإنما هي علاقة قائمة على الإعتقاد والإيمان بعقيدة راسخة بكيان معصوم معيّن من قبل ربّ العالمين ، مفترض الطاعة ،
1) مع الركب الحسيني : 3/213 .
يجب التسليم له ، وإلغاء كلّ ما سواه من الوجودات على صعيد النفس والمجتمع ، والسلوك والعقيدة .
معرفة الحسين عليهالسلام الإمام
الذي يفتدى بالروح والغالي والنفيس ،والمال والأهل والوطن ، وكلّ ما يملك الإنسان ويقدر على التضحية به في سبيله ليست أمراً هيناً يتحقّق للإنسان العادي في ظروف عادية ، فهذا جون مولى أبي ذر يتقدّم للشهادة بين يدي الحسين عليهالسلامفيقف عليه أبو الشهداء الحسين عليهالسلامويقول: اللّهم بيّض وجهه ، وطيّب ريحه ، واحشره مع
الأبرار ، وعرّف بينه وبين محمد وآل محمد(1).
والحال أ نّنا نرى زهيراً يحتلّ هذا الموقع العظيم ، ويرتفع إلى تلك المنزلة السامية من القرب من حبيب اللّه ورسوله صلىاللهعليهوآله ، وأبي الأئمة وقرّة عين الزهراءوفلذة كبد أمير المؤمنين عليهالسلام ونذكر لذلك بعض الصور لا على سبيل الحصر ، بل على سبيل المثال :
الصورة الأولى : حضوره المستمر بين يدي الحسين عليهالسلام
قربه من الحسين عليهالسلام في كلّ المواقف وملازمته له بحيث يكون هو أول من يجيب الحسين عليهالسلام إذا سأل في الغالب ، سيما في المواقع التي تتطلب
الموقف العسكري .
كما حدث في لقاء الحر بهم في الطريق ، وعند النزول في كربلاء ، وعند زحف جيش الظلام والضلال عصر تاسوعاء ، وعند الهجوم على خيام حرم اللّه يوم عاشوراء ، وغيرها ممّا سيأتيك مفصلاً إن شاء اللّه تعالى .
1) بحار الأنوار : 45/23 .
الصورة الثانية : اختياره للميمنة
اختيار خيرة اللّه الحسين عليهالسلام له ليكون على ميمنة عسكره وجعل تحت رايته عشرين رجلاً ، مع أنّ كلّ من كان في معسكره يعدّ من الأبطالالشجعان من ذوي الخبرة في القتال ومقارعة الأبطال .
صاحب ميمنة الحسين عليهالسلام
لقد عبأ الحسين عليهالسلام أصحابه ، وقسم جنده إلى ثلاثة أقسام ، فتكوّنت له ثلاث كتائب صغيرة ، فجعل واحدة في الوسط ، وهو القلب ، واثنين مجنبتين ميمنة وميسرة ، وهذا التقسيم للرجالة المشاة .
فجعل قائد المجنبة اليمنى ، وهي عشرون رجلاً ، زهير بن القين البجلي .
وقائد المجنبة اليسرى ، وهي أيضاً عشرون رجلاً ، حبيب بن مظاهر الأسدي .
وجعل قائد كتيبة القلب ، وهي ثلاثون رجلاً ، أخاه العباس بن علي عليهماالسلام ودفع إليه لواء العسكر ، وهو لواو الأعظم .
ووضع له عليهالسلام كرسي فجلس عليه في مركز القلب خلف موقف حامل اللواء .
وهذه الكتائب الثلاثة أقامها حرساً للأخبية والبيوت ، ولتصدّ هجمات العدو على تخوم ذلك المناخ ، وجعل قائد القوات جميعاًً أخاه العباس عليهالسلام .
وجعل له حرساً خاصاً أقامه على رأسه ليدفع عنه من قصده من مردة الأعداء ، وهذا الحرس مؤلف من أربعة أبطال من أنصاره وهم : نافع بن هلال الجملي البجلي ، وحنظلة بن أسعد الشبامي الهمداني ،
وأبو ثمامة الصائدي الهمداني ، وسعيد بن عبد اللّه الحنفي ، ورأس عليهم ابنه علي الأكبر فعلي الأكبر عليهالسلامرئيس الحرس الحسيني الخاص .
ونافع بن هلال تلقى وظيفة إمارة الرماة ، فكان من رجال الحرسالخاص وقائداً للرماة .
ثم ألف عليهالسلام كتيبة رابعة وهي كتيبة الخيالة الفرسان ، ويبلغ عدد فرسانها سبعين فارساً جعلها كبكبة واحدة . .
وجعل كتيبة الرماة أمام كتيبة الخيل حامية لها من هجمات الأعداء
المفاجئة ، وجعلها صفّاً واحداً أمام فرسانه ، وفي هذه الكتيبة من مهرة الرماة الفنانين وخبرائهم ومن لا تخطئ له رميهنادراً؛ أمير الكتيبة نافع بن هلال وأبو الشعثاء يزيد بن المهاصر الكندي أحد بني هند ، وكانت معه مائة نبلة نثلها أمام قدمي الحسين عليهالسلاموكان يقول : « بنو بهدلة فتيان العرجلة » فأخطأ بخمس نبال ، وأصاب بخمسة وتسعين نبلة ، وكان كلّما رمى نبلة قال الحسين عليهالسلام : اللّهم سدّد رميته ، واجعل ثواب عمله الجنة ،
وكذلك فعل نافع بن هلال ، وكان يكتب على النبلة اسمه واسم أبيه ، فيرمي فلا يخطئ(1). . .
وقد أجمع المؤرخون على أنّ زهيراً كان على ميمنة عسكر الحسين عليهالسلام
ولم نجد في التاريخ أيّ اسم آخر يذكر أ نّه نال هذا الشرف ، ولو على نحو الاحتمال أو التردّد .
1) بطل العلقمي: 3/112 .
ولا يتّخذ الرجل صاحب راية ما لم تتوفر فيه خصال مميزة ، تؤهله لهذه المسؤولية الخطيرة .
قال الشيخ عبد الواحد المظفر في كتابه بطل العلقمي ، وهو يشرحتقسيمات أمير المؤمنين عليهالسلام العسكرية لجيشه :
ويجعل في كلّ من المجنبتين أكابر القوّاد وأركان الجيش ، لأنّ هاتين القوتين بمنزلة جناحي الطائر إذا كسر أحدهما لم يستقل الطائر بالطيران ، فلذلك ينتخب نخبة القواد الماهرين بفنون الحرب ، والمدرّبين على القتال والمجالدة والكفاح مع كونهم من أهل النجدة والبسالة والإقدام(1). . .
يعدّ صاحب الراية من أركان الجيش ، وقوامه ، لأنّ ثبات الجيش في ثباته ، وإقدام العسكر بإقدامه ، فلا تدفع الراية إلاّ إلى رجل لا يحتمل فيه أيّ زلّة في مقام الثبات ، ولا يتصور في حقّه الفرار أو الإحجام والتزلزل في الموقف ، ولا يكون هذا الرسوخ في الموقف إلا إذا كان ناتجاً عن بصيرة نافذة ، واعتقاد راسخ بالحرب التي يقدم عليها .
وتكون له من قوة الشخصية ، وعصامية النفس ، وقوة الإرادة ، والعقل والحزم واليقين والوقار ما يخوّله إتخاذ القرار المناسب للموقف المناسب ، وإقناع المحارب تحت إمرته بحكمه وإرادته وصواب قراراته ، والسيطرة على المقاتلين بين يديه سيطرة هيمنة تحوّله إلى آلة طيعة يقاتل بها بالطريقة التي يستصوبها .
وقد بلغ زهير المدى في حيازة ثقة أبي الأحرار وأبي الضيم الحسين عليهالسلام
1) بطل العلقمي : 3/156 .
حتى جعله الحسين عليهالسلام حامياً لحرم اللّه وحرم رسوله عليهالسلامحيث أقامه حرساً للأخبية والبيوت ، وليصدّ بمن تحت إمرته هجمات العدو على خيامه وحرمه ، وقد استبسل زهير بالفعل في الدفاع عنها وحمايتها ، كماسنقرأ ذلك فيما يأتي إن شاء اللّه .
الصورة الثالثة : ضرب على كتف الحسين عليهالسلام
روى الطبري في تاريخه قال : وأخذ يضرب على منكب حسين عليهالسلام ويقول : « أقدم هديت هاديا مهديا(1)» .
وقال الخوارزمي في كتابه مقتل الحسين عليهالسلام : روي أنّ زهيراً لمّا أراد الحملة وقف على الحسين عليهالسلام وضرب على كتفه وقال : « أقدم حسيناً هادياً مهدياً »...الأبيات(2).
روى ابن قولويه في كامل الزيارات مسنداً عن أبي عبد اللّه الجدلي ، قال : دخلت على أمير المؤمنين والحسين عليهماالسلام إلى جنبه ، فضرب بيده على
كتف الحسين عليهالسلام ثم قال : إنّ هذا يقتل ولا ينصره أحد(3). . .
وأسند الخزاز إلى سلمان أنّ النبي صلىاللهعليهوآله وضع يده على كتف الحسين عليهالسلام
وقال : إنّه إمام ابن الإمام ، تسعة من صلبه أئمة أبرار ، أمناء معصومون ، والتاسع قائمهم(4).
لقد وضع زهير يده في موضع وضع رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يده ، وشهد له
بالإمامة ، وأ نّه أبو الأئمة وأبو القائم المنتقم المهدي عجل اللّه تعالى فرجه .
وضرب بيده في الموضع الذي ضرب عليه أمير المؤمنين عليهالسلام يوم أخبربقتله ولا ناصر له ولا معين .
إنّ زهيراً عالم عارف خبير حكيم لا يتصرف جزافاً ، ولا يعمل عملاً يخلو من معان عميقة .
وهذا العمل يشير بوضوح إلى نوع خاص من العلاقة كانت بين زهير
ومولاه الحسين عليهالسلام ميّزته عن كلّ أقرانه وأصحابه ، ولم نعهد أحداً من أصحاب الحسينوأهل بيته الذين استشهدوا معه في كربلاء كانت له مثل هذه العلاقة المنفتحة التي تبيح له أن يضرب على عاتق الحسين عليهالسلام ! !
وهذا النمط من العلاقة لا يمكن أن يحصل - عادة - في غضون أيام
قليلة ، وإنما يدلّ على عشرة طويلة .
الصورة الرابعة : مواساته للحسين عليهالسلام
في كتاب فرسان الهيجاء للمحلاتي عن مقتل أبي مخنف : كانت شهادة
زهير بعد حبيب بن مظاهر ، فلمّا استشهد حبيب بانَ الإِنْكِسارُ في وَجْهِ الْحُسَيْن عليهالسلام ثُمَّ قالَ : للّهِ دَرُّكَ يا حَبيبُ ، لَقَدْ كُنْتَ فاضِلاً تَخْتِمُ الْقُرانَ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ .
فَقامَ اِلَيْهِ زُهَيْرُ بْنُ الْقَينَِ وَقالَ : بِاَبي اَنْتَ وَاُمّي يَا بْنَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله ما هذا الإِنْكِسارُ الَّذي اَراهُ في وَجْهِكَ ؟ اَلَسْتَ تَعْلَمُ اِنّا عَلَى الْحَقِّ ؟
قالَ : بَلى وَاِلهَ الْخَلْقِ ، اِنِّي لأََعْلَمُ عِلْمَاً يَقيناً إِنِّي وَإيّاكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدى .
فَقالَ زُهَيْرٌ : اِذاً لا نُبالي وَنَحْنُ نَصيرُ إِلَى الْجَنَّةِ وَنَعيمِها(1).تذكرك هذه الكلمات بما سمعته من حوار دار بين الحسين سيد الشهداء عليهالسلاموبين حبيب قلبه وعزيزه وولده علي الأكبر عليهالسلام يوم ارتحلوا من قصر بني مقاتل ، فخفق الحسين عليهالسلام وهو على ظهر فرسه خفقة ، ثم انتبه ، وهو يقول : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، والحمد للّه رب العالمين ، ففعل
ذلك مرتين أو ثلاثا .
فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين عليهماالسلام على فرس فقال : ممّ حمدت اللّه واسترجعت ؟ فقال : يا بني ، إنّي خفقت خفقة ، فعنّ لي فارس على فرس وهو يقول : القوم يسيرون ، والمنايا تسير إليهم ، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا .
فقال له : يا أبت لا أراك اللّه سوءاً ، ألسنا على الحقّ ؟ قال : بلى ، والذي إليه مرجع العباد .
قال : فإنّنا إذا لا نبالي أن نموت محقّين ، فقال له الحسين عليهالسلام جزاك اللّه من ولد خير ما جزى ولداً عن والده(2).
1) فرسان الهيجاء : 1/201 ، مقتل أبي مخنف : 147 ، ينابيع المودة للقندوزي : 3/71 وفي الأخير بعض التفاوت في الألفاظ وفيه : « قال زهير : فما تكره من موتنا وإنّا ندخل الجنة ونعيمها » .
2) الإرشاد : 2/82 ، مثير الأحزان لابن نما الحلي : 32 ، تاريخ الطبري : 4/308 ، إعلام الورى للطبرسي : 1/450 ، اللهوف للسيد ابن طاووس :43 .
إنّه زهير بن القين القريب من قلب الإمام المكروب الغريب الذي يستطيع أن يتحمل هذا الموقف في المواساة للحسين عليهالسلام والشحذ لهمم الأصحاب في تلك الساعة العصيبة الكئيبة التي بان فيها الإنكسار علىوجه الحسين عليهالسلام .
وكذا نلمس قوته في مواساة الإمام الغريب في رجزه الذي يقول فيه : « أقدم حسيناً هادياً مهديا » . . . الأبيات .
عاشراً : لو كان عثمانياً لتوثب لقتال الحسين عليهالسلام
لو كان زهير عثمانياً حقيقة لكان متوثباً تواقاً لحرب الحسين عليهالسلاممنتظراً للحظة الإجهاز عليه وعلى كلّ ما يمتّ الى أبي تراب بصلة ، انتقاماً لعثمان وانتصاراً لبني أمية ، كما هو دأب العثمانيين والأمويين .
قال الشيخ محمد جواد الطبسي - حفظه اللّه - : لم يحدّثنا التاريخ في إطار سيرة زهير بن القين عن أيّ واقعة أو حدث أو محاورة أو تصريح من زهير نفسه تتجلّى فيه هذه العثمانية التي ألصقت فيه ، مع أنّ الآخرين ممّن عرفوا بعثمانيتهم كانوا قد عرفوا بها من خلال آرائهم ومواقفهم واشتراكهم في حرب أو أكثر ضدّ علي عليهالسلام(1).
1) مع الركب ا لحسيني : 3/212 .
روى الطبري في تاريخه قال : فأقبل الحسين عليهالسلام حتى إذا كان بالماء فوق زرود .
قال أبو مخنف : فحدّثني السدي عن رجل من بني فزارة قال : لمّا كان زمن الحجاج بن يوسف كنّا في دار الحارث بن أبي ربيعة التي في التمارين التي أقطعت بعد زهير بن القين من بني عمرو ابن يشكر من بجيلة ، وكان أهل الشأم لا يدخلونها ، فكنّا محتبين فيها .
قال : فقلت للفزاري : حدّثني عنكم حين أقبلتم مع الحسين بن علي عليهماالسلام .
قال : كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير
الحسين عليهالسلامفلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل ، فإذا سار الحسين عليهالسلامتخلّف زهير بن القين ، وإذا نزل الحسين عليهالسلام تقدّم زهير ، حتى
نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بدّاً من أن ننازله فيه ، فنزل الحسين عليهالسلام في جانب ، ونزلنا في جانب .
فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين عليهالسلامحتى سلّم ، ثم دخل ، فقال : يا زهير بن القين!! إنّ أبا عبد اللّه الحسين بن علي عليهماالسلامبعثني إليك لتأتيه .
قال : فطرح كلّ إنسان ما في يده حتى كأنّنا على روسنا الطير .
وزاد السيد محسن الأمين في الأعيان قال : فطرح كلّ إنسان منّا ما في يده حتى كأنّ على روسنا الطير ، كراهة أن يذهب زهير إلى الحسين عليهالسلام فإنهم كانوا عثمانية يبغضون الحسين وأباه(1).
قال أبو مخنف : فحدّثتني دلهم بنت عمرو ، امرأة زهير بن القين ، قالت : فقلت له : أيبعث إليك ابن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ثم لا تأتيه ، سبحان اللّه ، لو أتيته فسمعت من كلامه ، ثم انصرفت .
قالت : فأتاه زهير بن القين ، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهه .
قالت : فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه ، فقدّم وحمل إلى الحسين عليهالسلام .
ثم قال لامرأته : أنت طالق ، الحقي بأهلك ، فإني لا أحبّ أن يصيبك من سببي إلاّ خير .
ثم قال لأصحابه : من أحبّ منكم أن يتبعني وإلا فإنّه آخر العهد ، إنّي سأحدثكم حديثاً :
غزونا « بلنجر » ففتح اللّه علينا ، وأصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان الباهلي(2): أفرحتم بما فتح اللّه عليكم ، وأصبتم من المغانم ؟! فقلنا : نعم .
فقال لنا : إذا أدركتم شباب آل محمد صلىاللهعليهوآله ، فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكممعهم بما أصبتم من الغنائم .
فأمّا أنا ، فإني أستودعكم اللّه .
قال : ثم - واللّه - ما زال في أول القوم حتى قتل(1).
بالرغم من أنّ الرواية مروية « عن السدي عن رجل من بني فزارة » فهي ضعيفة على الأقل بمجهولية الفزاري ، إلاّ أ نّنا لم نلتزم بمناقشة السند ، لأنّنا لا نريد إسقاط الرواية وتكذيبها ، وإنّما نفترض صحّة النقل ، بيد أ نّنا نحاول أن نقرأ الخبر قراءة جديدة ، ونفهمه فهماً ينسجم تماماً مع علوية زهير وخروجه لتلقي سيد شباب آل محمد صلىاللهعليهوآله .
نقرأ في ظروف نقل الخبر أنّ الراوي كان في إزمة أمنية شديدة ، خائفاً على نفسه ، ملاحقاً متخفياً لاجئاً الى موضع يأمن فيه الطلب وفق حساباته .
1) تاريخ الطبري : 4/298 ، روضة الواعظين للفتال النيسابوري : 178 ، اللهوف للسيد ابن طاووس : 44 ، الدر النظيم لابن حاتم العاملي : 547 ، العوالم ، الإمام الحسين عليهالسلاملعبد اللّه البحراني : 221 ، الإرشاد للمفيد : 2/72 ، بحار الأنوار : 44/371 ، مثير الأحزان لابن نما الحلي : 33 ، لواعج الأشجان للأمين : 81 ، أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين : 1/594 .
قال : « لمّا كان زمن الحجاج بن يوسف كنّا في دار الحارث بن أبي ربيعة التي في التمارين التي أقطعت بعد زهير بن القين من بني عمرو ابن يشكرمن بجيلة ، وكان أهل الشأم لا يدخلونها ، فكنّا محتبين فيها .
قال : فقلت للفزاري : حدّثني عنكم حين أقبلتم مع الحسين بن علي عليهماالسلام » .
ونحن لا ندري لم تخلّف هذا الفزاري عن التحاق بركب الشهادة ، ثم أصبح اليوم خائفاً متلدّداً ؟
وكيف كان ، فإنّ المفروض أن لا يكون الخائف على نفسه ، المتخفي في موضع يظنّ أنّ فيه أمانا من الطلب قادراً على نقل الحقائق وفق مجريات الأحداث والواقع ، وكيف يمكنه أن يشي بنفسه ويعترف أ نّه كان في موقف يمكن أن يسجّل عليه في مماشاة الحسين عليهالسلام أو ما يستشمّ منه نية النصرة أو ما شاكل .
ولا نقصد بالنصرة نصرته شخصياً ، لأ نّه خذل الحسين عليهالسلام قطعاً ، ولولا ذاك لما بقي الى يوم نقل الخبر ، وإنّما نقصد أ نّه ينقل قصة زهير باعتباره خارجاً يتلقى الحسين عليهالسلام فيؤاخذ بها من حيث كونه مسايراً لزهير ، وتكون حجة عليه بيد خصمه .
فلا يمكن الإطمئنان الى كلّ تفاصيل الخبر ودقة المنقول في أجواء
الخوف من أعداء الحسين عليهالسلام .
صرحت الرواية أنّ زهيراً لم يكن وحده في تلك الصحراء ، وإنما كان
مع جماعة من أهله وأبناء عمومته وممّن التحق به كالفزاري وجماعته ، سيما إذا تأملنا قوله « كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة » ،فإنّه عبّر بالجمع عن نفسه ومن كان معه ، ولم يقل : « كنت » .
وقد روى الخبر الفتال النيسابوري والسيد ابن نما والسيد الأمين
والسيد ابن طاووس والسيد شرف الدين عن جماعة من الفزاريين والبجليين ، فقالوا : وحدّث جماعة من فزارة وبجيلة(1).
ويترتب على ذلك عدّة أمور تأتي إن شاء اللّه تعالى .
قال الفزاري : « كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير الحسينفلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل ، فإذا سار الحسين عليهالسلام تخلّف زهير بن القين ، وإذا نزل الحسين عليهالسلامتقدّم زهير ، حتى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بدّاً من أن ننازله فيه ، فنزل الحسين عليهالسلام في جانب ، ونزلنا في جانب » .
ويمكن تسجيل عدّة ملاحظات على هذا المقطع :
الملاحظة الأولى : المسايرة
إنّ الظاهر من قول الفزاري : « أقبلنا من مكة نساير الحسين عليهالسلام »
1) روضة الواعظين للفتال النيسابوري : 178 ، مثير الأحزان لابن نما : 33 ، لواعج الأشجان للسيد الأمين : 81 ، أعيان الشيعة للسيد الأمين : 1/595 ، اللهوف للسيد ابن طاووس : 44 ، المجالس الفاخرة للسيد شرف الدين : 219 .
أ نّه كان قد خرج من مكة مع الإمام الحسين عليهالسلام وكيف يمكنهم مسايرة
ركب الفتح الحسيني من مكة وقد سبقهم سيد الشهداء عليهالسلامبالخروج منذيوم التروية ؟ والحال أ نّهم كانوا قد أتمّوا الحج ؟!
الملاحظة الثانية :
قال الشيخ محمد جواد الطبسي حفظه اللّه : لا يستقيم محتوى متنها - يعني الرواية - مع الحقيقة التاريخية والجغرافية ، ذلك لأنّ زهير بن القين كان عائداً من مكة الى الكوفة بعد الإنتهاء من أداء الحج ، فلو فرضنا أ نّه قد خرج من مكة بعد إنتهاء مراسم الحج مباشرة ، فإنّه يكون قد خرج منها في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة على الأقوى ، وبهذا يكون الفرق الزمني بين يوم خروجه ويوم خروج الإمام عليهالسلام منها خمسة أيام على الأقل .
وإذا كان هذا فكيف يصحّ ما في متن الرواية : « كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير الحسين عليهالسلام . . » الدال حسب الظاهر
أ نّهم سايروا الإمام عليهالسلام من مكة(1)!
فكيف يمكن اختزال خمسة أيام مسير في البرية على الدواب والتمكن
من الالتحاق بالحسين عليهالسلام ؟
الملاحظة الثالثة :
قد يقال : إنّ زهيراً خرج متعجلاً مجدّاً في السير وبذلك استطاع اللحاق بالركب الحسيني !
1) مع الركب الحسيني : 3/210 .
ويجاب ذلك :
أولاً :« لو أ نّنا افترضنا أنّ زهير بن القين بادر بعد الفراغ من أداء مناسك الحج « فانصرف من مكة متعجلاً » - على ما في رواية البلاذري - ، وجدّ السير لا يلوي على شيء ، فإنّ الفارق الزمني في أثره على الفارق المكاني قد لا يتغيّر ، ويبقى كما هو على الأقوى ، لأنّ الإمام عليهالسلامحسب متون تاريخية عديدة كان قد خرج من مكة يجدّ السير أيضاً نحو العراق ، ولا يلوي على شيء(1)» .
فالركبان مجدّان ، لا يلويان على شيء ، مسرعان معاً على وسائل
متماثلة في السرعة ، ممّا يجعل الفارق الزمني باقياً على حاله .
ثانياً :
لمّا كان زهير ومن معه كارهاً لمنازلة الحسين عليهالسلام فلماذا العجلة والجدّ في السير ، كان بإمكان المكث في مكة أو السير كما تسير كلّ القوافل العائدة من الحج ، ويحتفظ بالفارق الزمني بينهما ، وخمسة أيام من المسير ليست بالقليلة .
الملاحظة الرابعة :
قد يقال : إنّ ركب الشهادة الحسيني كان ركباً كبيراً ، وقد ضمّ الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والشبان ، فهو مهما كان مجدّاً في السير لا يمكن أن يكون سيره سريعاً حثيثاً !
1) مع الركب الحسيني : 3/211 .
ويجاب على ذلك :
أولاً :إنّ الواقع التاريخي يثبت خلاف ذلك ، فإنّ الركب الحسيني قطع المسافة بين مكة وكربلاء في زهاء أربعة وعشرين يوماً حيث خرج من مكة يوم التروية « الثامن من ذي الحجة » ووصل كربلاء في اليوم الثاني من محرم الحرام ، وهي فترة لا يمكن لقافلة كبيرة أن تستغرقها في قطع مثل هذه المسافة في الحالات العادية .
ثانياً :
مرّ معنا قبل قليل أنّ زهيراً أيضاً كان مع قافلة ليست بالصغيرة ، حيث ضمّت أهله وأقرباءه والملتحقين به من أمثال الفزاري الراوي لهذا الخبر .
ذكر بعض المؤرخين امتناع زهير عن إجابة دعوة سيد الشهداء عليهالسلام وريحانة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وفسّروا ذلك بتعثمنه ، ولكنّنا نجد مؤرخين
آخرين رووا قصة زهير دون أن يرد في روايتهم أيّ ذكر لامتناعه من الذهاب الى الإمام الحسين عليهالسلام .
« فها هو ابن أعثم الكوفي(1)- المعاصر لكل من الطبري والدينوري والبلاذري - يروي قصة هذا اللقاء بدون أيّ ذكر للعثمانية أو للإمتناع - قائلاً : ثم مضى الحسين فلقيه زهير بن القين ، فدعاه الحسين الى نصرته ،
1) مقتل الحسيين للخوارزمي : 1/323 رقم 6 .
فأجابه لذلك ، وحمل اليه فسطاطه ، وطلّق امرأته ، وصرفها الى أهلها ، وقال لأصحابه : إنّي كنت غزوت بلنجر مع سلمان الفارسي ، فلمّا فتحعلينا اشتدّ سرورنا بالفتح ، فقال لنا سلمان : لقد فرحتم بما أفاء اللّه عليكم! قلنا : نعم .
قال : فإذا أدركتم شباب آل محمد صلىاللهعليهوآله فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه منكم بما أصبتم اليوم . فأنا أستودعكم اللّه تعالى ، ثم ما زال مع الحسين حتى قتل(1)» .
في تعبير صاحب الأعيان إشارة تكاد تكون صريحة الى أن المرافقين هم الذين كرهوا ذهاب زهير وتلبيته دعوة أبي عبد اللّه الحسين عليهالسلام لأ نّهم كانوا عثمانية ، ولم يصرح أنّ زهيراً كان كارهاً أو أ نّه كان عثمانياً .
فليس هو زهير الذي امتنع أو كان عثمانياً ، وإنما كان مرافقوه يكرهون اللقاء لأنهم من العثمانية .
قال رحمهالله : فطرح كلّ إنسان منّا ما في يده حتى كأنّ على روسنا الطير ، كراهة أن يذهب زهير إلى الحسين عليهالسلام فإنهم كانوا عثمانية يبغضون الحسين وأباه(2).
ومن الطبيعي أن يتقي زهير في مثل هذا الموقف كما فعل حبيب بن مظاهر يوم بلغه كتاب الحسين عليهالسلام يدعوه فيه للإلتحاق به .ويؤكد ما ذكره السيد الأمين رحمهالله ما قاله الفزاري في رواية الطبري ، قال : كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير الحسين عليهالسلام فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل ، فإذا سار الحسين عليهالسلام تخلّف زهير بن القين ، وإذا نزل الحسين عليهالسلام تقدّم زهير .
فكأنّه كان يعبّر عن موقفه وأصحابه فقال : فلم يكن شيء أبغض إلينا ، ثم تحدّث عن موقف زهير ، فقال : فإذا سار الحسين عليهالسلام تخلّف زهير بن القين .
فربما أفاد هذا التمييز في الكلام أ نّهم كانوا يكرهون منازلة الحسين عليهالسلام وكان زهير باعتباره صاحب القافلة يجاريهم ويداريهم في ذلك ، ولو كان الجميع بما فيهم زهير يكرهون المنازلة ، لنسب الكراهية لزهير ، أو أ نّه كان يستمر في إستعمال ضمير « نا » ويقول مثلاً : فإذا سار الحسين عليهالسلام تخلّفنا ، وإذا نزل الحسين عليهالسلام تقدّمنا . . .
فليس في عبارة الفزاري ما ينسب الكراهة الى زهير شخصياً ، ولاصراحة في نسبة الكراهة له مباشرة .
لم يرد في ما نعرفه من النصوص التاريخية أنّ الحسين عليهالسلام سأل عن النازل الى جنبه ، كما روي في قصة عبيد اللّه بن الحر الجعفي ، وقد دخل الرسول متوجهاً في كلامه الى زهير مباشرة ، ومخاطباً له دون سواه .
قال الفزاري : « حتى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بدّاً من أن ننازله فيه ، فنزل الحسين عليهالسلام في جانب ، ونزلنا في جانب .فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين عليهالسلامحتى سلّم ، ثم دخل ، فقال : يا زهير بن القين!! إنّ أبا عبد اللّه الحسين بن علي عليهماالسلامبعثني إليك لتأتيه » .
هكذا دخل بعد أنسلّم، فلم يسألهم أي سؤال عن هويهالركب، ولم يسأل عن شخص زهير ليتعرف عليه ، وإنما توجه الى ركب يعرفه جيداً ، ويعرف من بين كلّ أولئك الرجال زهيراً فيتوجه اليه بالخطاب مباشرة دون أي تردّد أو بحث في الوجوه . فلم يقل مثلاً : لمن هذا الركب ؟ أو من منكم زهير ؟
كما أ نّه دفع رسالة الحسين عليهالسلام الى زهير فقط دون غيره من أعضاء الركب ، « فقال : يا زهير بن القين !! إنّ أبا عبد اللّه الحسين بن علي عليهماالسلام بعثني إليك لتأتيه » .
تأمّل كيف نادى زهيراً بالاسم الكامل ، فقال : يا زهير بن القين ، ثم وجه له رسالة أبي عبد اللّه الحسين عليهالسلام مستخدماً ضمير الخطاب المفرد
« بعثني اليك لتأتيه » !!
يفيد ذلك أنّ الدعوة كانت لرجل معروف ، يعرفه الحسين عليهالسلامويطلبه بعينه ، ويقدّم له الدعوة الموعود بها من قبل . . .
پخرج أنصار الحسين عليهالسلام يتلقّون سيدهم كلّ بطريقته التي يسّرها
اللّه له ، وكان الحسين عليهالسلام يلتقطهم في الطريق واحداً بعد واحد ، وجماعة بعد جماعة ، فمنهم من التحق به في مكة .ومنهم من التحق به على مشارف مكة ، مثل يزيد بن ثبيط العبدي وابنيه عبد اللّه وعبيد اللّه .
قال الشيخ السماوي رحمهالله : كان يزيد من الشيعة ، ومن أصحاب أبي الأسود ، وكان شريفاً في قومه .
قال أبو جعفر الطبري : كانت مارية ابنة منقذ العبدية تتشيع ، وكانت دارها مألفاً للشيعة يتحدّثون فيه ، وقد كان ابن زياد بلغه إقبال الحسين عليهالسلام
ومكاتبة أهل العراق له ، فأمر عامله أن يضع المناظر ، ويأخذ الطريق ؟
فأجمع يزيد بن ثبيط على الخروج إلى الحسين عليهالسلام وكان له بنون عشرة ، فدعاهم إلى الخروج معه ، وقال : أيّكم يخرج معي متقدّماً ؟ فانتدب له إثنان عبد اللّه ، وعبيد اللّه .
فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة : إنّي قد أزمعت على الخروج ، وأنا خارج ، فمن يخرج معي ؟ فقالوا له : إنّا نخاف أصحاب ابن زياد ، فقال : إنّي واللّه أن لو قد استوت أخفافها بالجدد لهان عليّ طلب من طلبني .
ثم خرج وابناه ، وصحبه عامر ، ومولاه ، وسيف بن مالك ، والأدهم
بن أمية ، وقوى في الطريق حتى انتهى إلى الحسين عليهالسلام وهو بالأبطح من
مكة ، فاستراح في رحله ، ثم خرج إلى الحسين عليهالسلام إلى منزله .
وبلغ الحسين عليهالسلام مجيئه ، فجعل يطلبه حتى جاء إلى رحله ، فقيل له : قد خرج إلى منزلك ، فجلس في رحله ينتظره .
وأقبل يزيد لمّا لم يجد الحسين عليهالسلام في منزله ، وسمع أ نّه ذهب إليه راجعاً على أثره ، فلمّا رأى الحسين عليهالسلام في رحله قال : « قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِفَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا » ، السلام عليك يا بن رسول اللّه ، ثم سلّم عليه ، وجلس إليه ، وأخبره بالذي جاء له ، فدعا له الحسين عليهالسلامبخير ، ثم ضمّ رحله إلى رحله ، وما زال معه حتى قتل بين يديه في الطف مبارزة ، وقتل ابناه في الحملة الأولى(1).
ومنهم من اتخذ خروج الناس لحرب الحسين عليهالسلام مطية ، فخرج مع
عسكر ابن سعد - لعنه اللّه - ثم التحق بركب الشهادة ، وهم كثيرون ، منهم مسعود بن الحجاج التيمي وابنه عبد الرحمن بن مسعود وبكر بن حي بن تيم اللّه(2).
ومنهم من انتظره في منازل جهينة كعباد بن المهاجر الجهني ، وعقبة بن الصلت الجهني وغيرهم(3)وهكذا . . .
أسدي ينتظر الشهادة مع الحسين عليهالسلام في كربلاء
ومنهم من كان ينتظره في الصحراء ، وقد ابتعد عن المدينة وتحمل هجير القفار ، واكتوى بلهيب الرمضاء انتظاراً لليوم الموعود ، وتحقيقاً للأمل المنشود .
ففي تاريخ دمشق لابن عساكر بإسناده عن العريان بن الهيثم قال : كان أبي يتبدى ، فينزل قريباً من الموضع الذي كان فيه معركة الحسين عليهالسلامفكنا لا نبدو إلاّ وجدنا رجلاً من بني أسد هناك .
فقال له : إنّي أراك ملازماً هذا المكان ؟!
قال : بلغني أنّ حسيناً يقتل ها هنا ! فأنا أخرج لعلي أصادفه فأقتل معه .
فلمّا قتل الحسين عليهالسلام قال أبي : انطلقوا ننظر هل الأسدي فيمن قتل !! وأتينا المعركة ، فطوفنا ، فإذا الأسدي مقتول(1).
خروج الكلبي مع أهله في طلب الحسين عليهالسلام
روى الشيخ حسين البلادي البحراني قال : نزل الحسين عليهالسلام في موضع يسمى ب« غدير الهيجا » ، فأقام فيه يومه كلّه ، فلمّا كان اليوم الثاني خرج الحسين عليهالسلام من خيمته منفرداً بنفسه ، فإذا هو بفسطاط مضروب ، وفرس مربوط ، ورمح مركوز ، وجارية جالسة على الطريق ، عن يمينها وشمالها أربعة أولاد ، وأمامهم عجوز مكفوفة البصر .
وكان عليهالسلام إذا قصد مكاناً يسبقه النور الذي في وجهه ، وكان إذا رآه الرجل يقول : ما أشبه هذا النور بنور رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، وإذا أراد أن يتكلّم تبسّم أولاً .
1) تاريخ مدينة دمشق : 14/216 - 217 .
فلمّا رأى الحسين عليهالسلام تلك الجارية قصد اليها ، فسبق ذلك النور قبل أن يصل لها ، فالتفتت الجارية ، فإذا هي ترى نوراً ساطعاً كأنّه القمر ، فلمّارأت ذلك النور تذكرت نور رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، وبكت ، فقالت لها عمّتها : ما يبكيك ؟ فسكتت ولم تردّ عليها جواباً .
فلمّا وصل الحسين عليهالسلام إلى الجارية رحّبت به ، وأدخلته الخيمة ، وبسطت له بساطاً ، ووضعت له متكئاً ، وأكرمته غاية الإكرام ، فنشر الحسين عليهالسلام بردته على البساط ، وجعل يسبح اللّه تعالى ويقدّسه ، ثم التفت إلى الجارية فقال : يا عاتكة! أين مضى بعلك ؟ وكان اسمها عاتكة بنت جابر الأزدي .
فقالت له : مضى منذ ثلاثة أيام في طلب الماء .
فقال لها : ناوليني شربة .
فقالت له : واللّه ما بقيت عندي إلاّ قطرة في شنّ يابس أبلل به أفواه الأطفال .
فقال عليهالسلام : عليّ بها يا جارية ، وكان من عادة العرب أ نّهم يملّكون الضيف جميع ما يطلب .
فقالت الجارية : واللّه لأعطينّك هذه القطرة ولو . . .(1).
فناولته ذلك الشنّ ، فذاقه ، ثم غمس يده فيه ، وردّه اليها ، فتناولته ، فإذا هو مليء ماء بقدرة اللّه تعالى ، ثم مدّ يده ثانية في طرف الخيمة
1) كذا بياض في الأصل .
فخطّ بها خطاً ، وقيل : غمس يده في التراب ، ثم رفعها ، فإذا الماء يجري كأنّه العين الفائضة بقدرة اللّه تعالى ، ثم قال عليهالسلام : يا عاتكة ، أتريدين أنأزيدك من هذا ؟ فلو أردتي أن أصيّره شطّاً لفعلت .
فقالت له : باللّه عليك يا مولاي ؟!
فقال عليهالسلام : إنّك لعارفة بي !! لكنّك معذورة حيث أنّك وبعلك في طلب شيء تريدون به الفوز بالجنة ، والنجاة من النار ، ولولا الذي صار فيه قلبك لعرفتيني حقّ المعرفة !
فقالت له : ما اسم بعلي ؟
قال : وهب .
فقالت له : وما اسم أبي ؟
قال : جابر بن يزيد الأزدي .
فقالت : وما اسم عمّتي ؟
قال : اسمها رقية ، وها أنا ماض عنكم ، ولكن يا عاتكة ، إذا أقبل بعلك وهب فقولي له : إن الذي تطلبه وتسأل عنه في البراري والأودية ها هو أمامك يؤم الظعينة مصاحباً للكرب والبلاء ، ومقرّه كربلاء .
فأقبلت على عمّتها رقية وقالت : يا عمّتاه ، إنّ الذي قد أقبل شممت منه رائحة المسك والعنبر ، وقد رأيت منه معاجز كثيرة .
فقالت لها : وما هذه المعاجز التي رأيتيها منه ؟
فقالت لها : أولها : ناولته الشنّ وهو يابس ، فلمّا مسكه بيده صار ملآناً ، والثانية : أ نّه خطّ بإصبعه خطاً فنبع الماء ، وقد عرف اسمي واسمك
واسم بعلي ، وأخبر عن شيء في ضميرنا ، ولمّا أراد الخروج من عندنا رأيت النعل قد دار في رجليه ، ونور وجهه مشرق مضيء ، وقد قالعند خروجه : يا عاتكة ، إذا أقبل ابن عمّك وهب ، فقولي له : إنّ الذي
أنت ماض في طلبه هو أمامك ، يؤم الضعينة ، مصاحباً للكرب والبلاء ، ومقرّه كربلاء .
فقالت رقية : يا عاتكة ، هذه الأوصاف لا توجد في زماننا إلاّ في الحسين بن علي عليهماالسلام وهو الذي يتطلّبه بعلك ، وكربلاء هي مقرّه ومدفنه ، ولكن قومي يا عاتكة ، اعلميني بالمكان الذي وطأ فيه الحسين عليهالسلامبنعله ، اجعله شفاء لعيني ، لأ نّها لا تبصر بهما .
فلمّا أقبلت بها على المكان الذي وطأه الحسين عليهالسلام بنعله أهوت رقية
عليه ، وقبّلت تلك الأقدام ، وقالت : اللّهم إن كانت هذه الأقدام أقدام ابن بنت نبيك محمد صلىاللهعليهوآله الذي يقتل غريباً عطشاناً ردّ عليّ بصري ، إنّك على كلّ شيء قدير .
فما أتمّت كلامها إلاّ وقد ردّ اللّه تعالى بصرها ببركة الحسين عليهالسلام .
فبكت رقية وقالت : يا عاتكة ، ألا ترين كيف ردّ اللّه تعالى عليّ بصري ، فهذا هو مولانا الحسين عليهالسلام .
فلمّا أقبل الليل ، أقبل وهب ، فلمّا قرب من الخيمة قال : يا أمّاه أنّي أشمّ عندكم رائحة الجنّة !
فقالت أمّه : يا بني ، هذا ابن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله الذي أنت تطلبه ، وقد رأى ذلك الماء ، وأمّه ردّ عليها بصرها بعد العمى .
فقال : وما قال لكم عند رواحه عنكم ؟
فقالت : يؤم الضعينة ، مصاحباً للكرب والبلاء ، ومقرّه أرض كربلاء .لمّا سمع وهب ذلك تهلل وجهه فرحاً وسروراً ، وقوّض خيامه ، ولحق
سيده وإمامه ، حتى أناخ معه في كربلاء ، مصاحباً معه الكرب والبلاء .
فلمّا صار يوم النزال ، اشتد القتال ، قالت له أمّه : يا بني فانصر ابن بنت رسول اللّه عليهمالسلام .
فقال : أفعل يا أمّ ولا أقصّر .
فبرز رضوان اللّه عليه ، وطلب الرخصة من الحسين عليهالسلام في الجهاد بين
يديه ، وخرج لحومة الميدان ، ومقابلة الشجعان ، وهو يقول :
إن تنكروني فأنا ابن الكلبي
سوف تروني وترون ضربي
وحملتي وصولتي في الحرب
أدرك ثاري بعد ثار صحبي
وأدفع الكرب أمام الكرب
ليس جهادي في الوغى باللعب
ثم حمل ولم يزل يقاتل حتى قتل جماعة ثم رجع الى إمرأته وأمّه ، وقال : يا أمّاه رضيت ؟
فقالت : ما رضيت ، حتى تقتل بين يدي الحسين عليهالسلام(1). . .
فهذا زهير بن القين حاله حال هؤلاء ، خرج يتلقّى الحسين عليهالسلام وقد صرّح بذلك صاحب كتاب معجم ما استعجم ، كما سيأتي ..
1) سعادة الدارين فيما يتعلّق بالحسين عليهالسلام : 141 وما بعدها .
لم نعثر على أيّ نصّ يتحدّث عمّا دار بين الحسين عليهالسلام وزهير بن القينحينما تشرف باللقاء الأول ، ويبدو من كلام زوجته الذي نقله الطبري
وغيره أنّ اللقاء لم يدم طويلاً لأ نّها تقول : فأتاه زهير بن القين ، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهه .
فتعبير « ما لبث » يفيد أ نّه سرعان ما عاد الى رحله ، وأصحر عن نيته وعزمه في نصرة ريحانة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله .
بيد أنّ الشيخ باقر شريف القرشي - حفظه اللّه - قال في سياق نقل وقائع التحاق زهير بركب الشهادة :
« ماذا أسرّ اليه ريحانة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله حتى جعله يتغيّر ؟ هل وعده بمال أو مغنم ؟! ولو وعده بذلك لما طلّق زوجته ، ولا ودّع أصحابه الوداع الأخير ، لقد بشّره بالشهادة ، والفوز بالجنة ، وذكّره بحديث طالت الأيام فنساه ، وقد حدّث به أصحابه قائلاً : سأحدّثكم حديثاً : غزونا بلنجر(1). . . » .
وليس ثمة مؤشر - مهما كان ضعيفاً - يؤكد ما نقله سماحته من تذكير
الإمام له بحديث بلنجر ، وإنما روى زهير « قصة بلنجر » لأصحابه ومرافقيه من تلقاء نفسه ، ربما ليبرر لهم التحاقه الفوري ، وسرعة إجابته لسيد الشهداء عليهالسلام .
1) حياة الإمام الحسين عليهالسلام : 3/73 .
بل إنّنا سنسمع بعد قليل ما قاله البكري الأندلسي ممّا يفيد أنّ زهيراً لم ينس حديث بلنجر قط ، وإنما كان يعدّ الأيام والليالي لينال أمنيته فينصر سيد شباب آل محمد صلىاللهعليهوآله .
ولكن إذا فهمنا من رواية إبراهيم بن سعد التي رواها الطبري الشيعي
في دلائل الإمامة أ نّه ينقل ما دار بينهما فيكون هذا هو النص الوحيد المتوفر بأيدينا الكاشف عن حديثهما .
روى الطبري الشيعي بالإسناد عن عمارة بن زيد قال : حدّثنا إبراهيم
بن سعد قال : أخبرني أ نّه كان مع زهير بن القين حين صحب الحسين عليهالسلام فقال له : يا زهير ، إعلم أنّ ها هنا مشهدي ، ويحمل هذا من جسدي - يعني رأسه - زحر بن قيس ، فيدخل به على يزيد يرجو نواله ، فلا يعطيه شيئاً(1).
فإذا فهمنا من قوله : « كان مع زهير حين صحب الحسين عليهالسلام فقال له .. » أ نّه كان معه حينما مضى الى الحسين عليهالسلام في اللقاء الأول فيكون نقلاً لما دار في ذلك اللقاء .
قال الشيخ القرشي - حفظه اللّه - : وروى إبراهيم بن سعيد ، وكان قد صحب زهيراً حينما مضى الى الإمام الحسين عليهالسلام قال له(2). .
ويفيد هذا الفهم مدى عظمة زهير وتحمّله وثباته ومعرفته بالحسين عليهالسلام بحيث يكشف له الإمام منذ اللحظة الأولى كلّ ما سيجري مفصلاً حتى ماسيجري على رأسه المقدس ، وخيبة حامله الملعون .
ولكن قد يقال : أ نّه لم يقل : صحب زهيراً حينما مضى الى الحسين عليهالسلام أو عندما التقى الحسين عليهالسلام مثلاً ، وإنّما قال : « كان مع زهير حين صحب الحسين عليهالسلام فقال له . . » ، وكلمة « حين » أعم دلالة من التعبير عن اللقاء الأول ، سيما إذا لاحظنا قوله عليهالسلام : « إعلم أنّ ها هنا مشهدي » فإنّ فيه إشارة الى القريب « ها هنا » وهو كربلاء ، فربما كان الحديث في كربلاء أو على مشارفها ، لا في زرود البعيدة عن المشهد وأرض المصرع .
فتكون « حين صحب » تعني خلال فترة مصاحبة زهير للإمام عليهالسلام حتى لو كان ذلك في كربلاء أو على مشارفها .
وكيف كان ، فإنّ الرواية تفيد قرب زهير من ريحانة الرسول صلىاللهعليهوآله ، بمستوى يؤهله لسماع عظائم الأمور ، التي لا يحتويها صدر « عثماني » جديد عهد بالولاء .
« لقد كان زهير يحمل في قلبه إيماناً وثباتاً ، ووعياً مشرقاً ، فالتحق بموكب العترة الطاهرة ، وصار من أصلب المدافعين عنها ، ومن ألمع أصحاب الإمام الحسين عليهالسلام ففداه بروحه ، واستشهد في سبيل قضيته العادلة التي تحمل هدي الإسلام ، ودوافع الإيمان(1)» .
1) حياة الإمام الحسين عليهالسلام : 3/74 .
قال البكري الأندلسي « ت 487 هجرية » في كتابه معجم ما استعجمفي مادة « بلنجر » :
« بلنجر » بفتح أوله وثانيه ، وإسكان ثالثه ، بعده جيم مفتوحة ، وراء مهملة : مدينة ببلاد الروم ، شهد فتحها عدد من الصحابة .
قال زهير بن القين البجلي : غزوت بلنجر ، وشهدت فتحها ، فسمعت
سلمان الفارسي رحمهالله يقول : أفرحتم بفتح اللّه لكم ! فإذا أدركتم شباب آل محمد صلىاللهعليهوآله ، فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم .
فلمّا سمع زهير بخروج الحسين بن علي عليهماالسلام تلقّاه ، فكان في جملته ، وقتل معه بكربلاء .
وكان الحسين عليهالسلام يتمثّل في ذلك اليوم :
لعمرك ما بالموت عار على الفتى
إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما
فإن عاش لم يندم وإن مات لم يلم
كفى بك موتاً أن تذلّ وتظلما(1)
وهذا تصريح واضح وصريح يدلّ بوضوح أنّ زهيراً لم ينس في يوم ما بشرى سلمان الفارسي ، ووعده لهم بنصرة شباب آل محمد صلىاللهعليهوآله ، وأ نّه هو الفوز العظيم الذي ينبغي أن يدخر له كلّ فرح وسرور وحبور .
وأنّ زهيراً خرج قاصداً عامداً ميمّماً وجهه نحو سيد الشهداء عليهالسلام
مترقباً للساعة التي تجمعه بركب السعداء ، فأعرض عن الرخاء ،
1) معجم ما استعجم للبكري الأندلسي : 1/276 .
وتحمّل رمضاء الصحراء ، ليقع على طريق ركب الشهادة ، فيدرك الفوز بالسعادة ، وينال شرف الدعوة الحسينية الكريمة التي توجهت له ليشاركهفي جهاده .
إنّها عبارة صريحة شفافة « فلمّا سمع زهير بخروج الحسين بن علي عليهماالسلام
تلقّاه ، فكان في جملته ، وقتل معه بكربلاء » .
فلمّا سمع زهير بخروج الحسين عليهالسلام تلقّاه ، وهذا يعني أ نّه كان يتسقّط أخبار الحسين عليهالسلاموينتظر
خروجه ، فلمّا سمع بخروجه خرج لاستقباله ، وجهّز نفسه لآخرته ، وهو يسمع سيد الشهداء عليهالسلام يتمثّل بأبيات تكشف عن عزمه على الشهادة .
هذا ، وقد رأينا جماعة من أصحاب الحسين عليهالسلام خرجوا من الكوفة للفوز بلقاء الحسين عليهالسلامونصرته
، وإفلاتاً من يد الطاغية الذي كان يسجن على الظنة والتهمة في حبّ الحسين عليهالسلام وقد عجّت السجون بالشيعة في ذلك اليوم ، وقتل منهم أعداداً هائلة .
دأب المؤرخ على تشويه حركة الحسين عليهالسلام
وتشويه صورة أصحابه ما استطاع الى ذلك سبيلاً ، ولم يكن زهير وحده الذي تعرّض لهذا الهجوم الشرس من قبل المؤرخ ، بل شمل الهجوم وجوهاً ناصعة أخرى من قبيل الصحابي الجليل أنس بن الحارث الكاهلي .
والغريب أ نّنا لم نجد أحداً قبل من المؤرخ ما ذكره في حقّ هذا الصحابي الجليل ، فلماذا نقبل ذلك في زهير دون غيره ؟!قال البلاذري : « وكان أنس بن الحارث الكاهلي سمع مقالة الحسين عليهالسلام
لابن الحرّ ، وكان قدم من الكوفة بمثل ما قدم له ابن الحر ، فلمّا خرج - أي خرج الحسين عليهالسلام
من فسطاط ابن الحر - من عند ابن الحر سلّم على الحسين وقال له : واللّه ما أخرجني من الكوفة إلاّ ما أخرج هذا من كراهة قتالك أو القتال معك ! ولكن اللّه قذف في قلبي نصرتك ! وشجّعني على المسير معك !
فقال له الحسين عليهالسلام : فاخرج معنا راشداً محفوظاً(1)» .
ونحن هنا لا نريد مناقشة هذا الخبر بالتفصيل ، بيد أنّ ما ذكره البلاذري « لا يتلائم مع ما رواه جماعة من أهل السير عن هذا الصحابي الكبير ، أ نّه قال : سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول : إنّ ابني هذا - يعني الحسين عليهالسلام - يقتل بأرض كربلاء ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره !
قال : فخرج أنس بن الحارث الى كربلاء فقتل مع الحسين عليهالسلام(2)
المحمودي : 347 رقم 283 ، وانظر أسد الغابة : 1/123 ، والإصابة: 1/.68 ، وراجع ذخائر العقبى : 146 .
!1) كتاب البخاري : 4/220 ، السنن الكبرى للبيهقي : 8/174 ، مسند أحمد : 4/265 ، تحفة الأحوذي للمباركفوري : 10/262 ، مسند ابن راهويه : 2/20 ، تاريخ خليفة بن خياط : 137 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 2/178 ، البداية والنهاية لابن كثير : 6/237 ، إمتاع الأسماع للمقريزي : 13/230 .
2) مع الركب الحسيني : 3/281 عن تاريخ ابن عساكر/ترجمة الإمام الحسين عليهالسلام
كما لا يتلائم ما ذكره البلاذري من أنّ مكان لقائه بالإمام عليهالسلام في قصر بني مقاتل مع ما يوحيه ظاهر رواية ابن عساكر ، وما ذكره ابن حجر العسقلاني(1)من أ نّه خرج الى كربلاء فقتل مع الحسين عليهالسلام .وفي إبصار العين : أ نّه كان جاء الى الحسين عليهالسلام عند نزوله كربلاء ، والتقى معه ليلاً فيمن أدركته السعادة(2). . .
وقد ذكر الشيخ باقر شريف القرشي أنّ الصحابي الجليل أنس بن الحارث الكاهلي قد لازم الإمام الحسين عليهالسلام وصحبه من مكة(3)، ولعل الشيخ القرشي عثر على وثيقة تاريخية تقول بذلك ، أو لعل هذا من سهو قلمه الشريف ، لأنّ الذي عليه أهل السير أنّ أنس بن الحارث الكاهلي قد التحق بالإمام عليهالسلام بعد خروجه من مكة - في العراق(4)- أو عند نزوله كربلاء »(5).
سلمان بن مضارب بن قيس الأنماري البجلي ، كان سلمان ابن عمّ زهير لحّاً ، فإنّ القين أخو مضارب ، وأبوهما قيس .
وكان سلمان حجّ! مع ابن عمّه سنة ستين ، ولمّا مال في الطريق مع الحسينوحمل ثقله إليه مال معه في مضربه .
قال صاحب الحدائق : إنّ سلمان قتل فيمن قتل بعد صلاة الظهر ،
فكأنّه قتل قبل زهير(1).
وذكره شمس الدين في أنصار الحسين عليهالسلام وقال : ذكره الخوارزمي ، وقال عنه: أ نّه ابن عم زهير بن القين ، وذكر أ نّه مال إلى معسكر الحسين عليهالسلام مع ابن عمّه زهير قبيل الوصول إلى كربلاء(2).
وذكره السيد الخوئي في معجم رجال الحديث(3). قال رحمهالله : سلمان بن مضارب بن قيس ، ابن عم زهير بن القين ، عدّه بعضهم من المستشهدين مع زهير بن القين يوم الطف .
وذكره الشيخ النمازي في مستدركات علم رجال الحديث(1).
وذكره السيد محسن الأمين في الأعيان(2).
وقال أحمد حسين يعقوب : قال سلمان بن مضارب البجلي ابن عم زهير بن القين : ائذن لي بالخروج يا ابن رسول اللّه ، فأذن له الإمام فقاتل الجموع الزاحفة نحو الإمام حتى قتل(3).
ورد اسمها في بعض المصادر « دلهم بنت عمرو(1)» ، وفي بعضها « ديلم بنت عمرو(2).
ولم نجد في كتب الرجال والتاريخ لها أيّ ذكر إلاّ بعد أن جاء رسول الحسين يدعو زهيراً .
بيد أنّ موقفها الذي سجّله التاريخ بكلّ عزّ وافتخار جعلها في رتبة النساء المميزات ، وكشف عن عمق ولائها ، ومعرفتها بالحقّ ، وأدبها الرفيع في التعامل مع إمامها وزوجها .
روى الطبري عن أبي مخنف قال : فحدّثتني دلهم بنت عمرو ، امرأة
زهير بن القين ...
وروى السيد ابن طاووس قال : فقالت له زوجته ، وهي ديلم بنت عمرو : سبحان اللّه ، أيبعث إليك ابن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، ثم لا تأتيه ، فلو أتيته ، فسمعت من كلامه .
فمضى إليه زهير بن القين ، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه ، فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه ، فحوّل إلى الحسين عليهالسلام وقال لامرأته : أنت طالق ، فإني لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلاّ خير ، وقد عزمت على صحبة الحسين عليهالسلاملأفديه بنفسي ، وأقيه بروحي ، ثم أعطاها مالها ، وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها .
فقامت إليه ، وبكت وودعته ، وقالت : كان اللّه عوناً ومعيناً ، خار اللّه لك ، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليهالسلام .
فقال لأصحابه : من أحبّ أن يصحبني وإلا فهو آخر العهد منى به(1).
وهذا المقطع التاريخي يتحدّث لنا عن موقف زوجة زهير بن القين ، هذه الأبية الصابرة ، والمؤمنة العارفة ، والمضحية الموالية الواعية .
وبالرغم من أنّ هذا النصّ التاريخي لا يتضمّن أكثر من موقف واحد
لا أكثر إلاّ أ نّه يكشف عن صورة تكاد تكون شاملة تؤدي الى تفاصيل تستوعب حياة هذه الحرّة العظيمة .
يعرف عقل الإنسان ومعرفته في الهزاهز والمواقف الصعبة التي تحتاج
الى اتخاذ القرار في فترة وجيزة لتحديد المسار على مفترق الطرق ، سيما إذا
1) اللهوف لابن طاووس : 44 ، بحار الأنوار : 44/372 ، لواعج الأشجان للأمين : 82 ، أعيان الشيعة للأمين : 1/595 .
كان الطريقان من الخطورة بمكان ، فإمّا الى الجنة والسعادة الأبدية ، وإمّا الى النار والشقاوة السرمدية ، فإذا اختار الطريق المفضية الى الجنان فهو عاقل لأنّ العقل هو ما اكتسب به الجنان ، فيما روي عن الصادق(1).
والأكثر من ذلك أن يكون الإنسان من الدقة ورهافة الحسّ ما يقدّر
به موقف الآخرين ، فيتصرف تصرفاً يرفع به الحرج عنهم .
فزوجة زهير أدركت بحسّها المرهف ، وشعورها اللطيف أنّ زهير وقع
في ورطة بين أولئك الرجال الذين كانوا يحيطونه ، وكانوا على الأغلب عثمانية ، كما نصّ على ذلك بعض المؤرخين ، فتحرّكت بعقلها ومداراتها لتستوعب الموقف ، وتخرج زهيراً من حرجه بين القوم ، فانبرت تحرضه على قبول دعوة ابن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، لتكون مشجعة له من جهة ، وتقدّم له مبرراً أمام القوم للاستجابة من جهة أخرى .
وكان احتجاجها عليه احتجاجاً لا يقبل الردّ ، فليذهب ويستمع الى ابن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، ثم ينصرف ، المهم أ نّها فرصة لا كباقي الفرص أن تأتي دعوة من سيد شباب أهل الجنة ، فكيف تضيع الفرصة ، لأنّ الفرص تمرّ مرّ السحاب ، ولو أفلتت الفرص فقلّما تعود .
وهكذا تخاطبه بصيغة المتعجب الذي لا ينقضي عجبه ، وتوحي له ولمرافقيه أنّ الموقف لا يحتاج الى تأمّل أو مداراة لأحد ، فإنّ الداعي ابن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وهو من يتمنى أيّ رجل أن تتوجه له دعوة منه ،
1) تفسير نور الثقلين للحويزي : 1/76 ح 180 .
فكيف يتردّد زهير أو غير زهير ، وكأنّها تقول له ولمرافقيه - وهم الأصل في خطابها - لا يمكن أن تتوقعوا من زهير أن يزهد أو يتردّد في لقاء ريحانة رسول اللّه وسيد شباب أهل الجنة .
وبأسلوب التعجب وبالإحتجاج القوي الذي لا يحتمل الردّ وفّرت كلّ ما يحتاجه زهير من عذر أمام القوم في الإستجابة لدعوة الحسين عليهالسلام .
وفي نفس الوقت أدّت دورها كشقّ آخر لزهير - الزوج - في شدّ عزمه ، ودفعه الى المسارعة والسباق الى اللّه ورسوله صلىاللهعليهوآله ، والتنافس في
الخيرات والباقيات الصالحات .
وهكذا هي المرأة الصالحة التي يجعلها اللّه من عمّاله في الأرض ، يهمّها سعادة زوجها ، وأن تراه في الموضع الذي يحبّه اللّه ورسوله وابن رسوله ، ولا تستسلم لأنانيتها وخلودها الى الدعة والراحة ، فإذا ضمنت ما يرضيها لا تعير لما أصاب زوجها ، خيراً كان أو شرّاً ، سعيداً كان أو شقياً .
فقالت له زوجته : سبحان اللّه ، أيبعث إليك ابن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، ثم لا تأتيه ؟! فلو أتيته ، فسمعت من كلامه .
ويبدو أنّ عقلها ورزانتها وكياستها وسرعة بديهتها هي التي جعلت زهيراً يصارحها فوراً بما عزم عليه ، ويصحر لها عمّا في نيته ، وقد أعلن لها ولغيرها قبل ذلك باستبشاره وإشراقة وجهه ، فقال لها دون أيّ مقدمات
إعتماداً على معرفتها وقوة يقينها وإيمانها بعد أن جعلها في حلّ منه : وقد عزمت على صحبة الحسينلأفديه بنفسي ، وأقيه بروحي .
فهو الفراق الذي لا لقاء بعده إلاّ في الجنة ، وهو إخبار عن فراق الزوج المحبوب الذي لا يريد أن يصيب زوجته بسببه إلاّ الخير ، وفي نفس الوقت إخبار لها بالشهادة ، وقد استوعبت الخبرين برحابة صدر ، وتسليم مطلق لزوجها وإمامها .
يبدو أنّ زوجة زهير عاشت في ظلّ زوجها حياة سعيدة ، لوفور عقلها وعمق معرفتها من جهة ، ولأ نّها وزوجها متمسكان بحبل اللّه المتين ، ومتدينان بشريعة سيد المرسلين صلىاللهعليهوآله ، وسائران على منهاج سيد
الموحدين وأمير المؤمنين عليهالسلام .
ويبدو أنّ العشرة بينهما قد طالت وامتدت الأيام المشتركة بينهما ، وقد طووا رحلة الحياة معاً تحت شعار زهير الذي أعلن عنه ساعة الإصحار بعزمه على الشهادة « لا أريد أن يصيبك بسببي إلاّ الخير ».
هذا هو الإساس المتين في العلاقة بين الزوجين ، أنّ الزوج لا يريد لزوجه الا الخير.
وفي هذا الشعار إشارة الى أنّ زوجة زهير كانت تعيش في ظلّ رجل لم تر منه الا الخير ، أو أ نّه كان ينوي ذلك لها في كلّ تصرفاته معها ، فهو ينوي لها الخير دائماً وأبداً.
وما سجّله لنا التاريخ مهما كان سريعاً وخاطفاً ومقتضباً إلاّ أ نّه يكشف لنا عن عمق التسليم ، وشدّة الوقار والإتزان ، وقوة اليقين ، والضبط الحازم للعواطف التي إمتازت به هذه الحرّة المضحية.
فالوداع والفراق بين زوجين حبيبين ثقيل عسير ، تلتهب فيه العواطف ، وتتكسر فيه الجمل والعبارات ، وتموت فيه الكلمات ، وتختفي فيه كلّ تفاصيل الحياة وراء هواجس البعاد ، هذا لو كان الفراق والوداع لسفر ينتظر بعده اللقاء القريب ، فماذا لو كان الوداع لفراق لا لقاء بعده إلاّ في الآخرة ؟
ولكنّها « قامت اليه » وانتصبت أمامه ، واستعدت له استعداد المتجلّد
الصابر ، و« بكت » و« ودعته » .
وكيف لا تبكي وهي تودع زهيراً الزوج الصابر الحنون الذي تراه
ببصيرتها ويقينها بكلام إمامها - بعد أيام قليلة - صريعاً على الرمضاء ، مضرجاً بالدماء ، مقطعاً إرباً إرباً بسيوف الأعداء ، وهي تحثّه بشجاعة المؤمن المحتسب ليقدّم روحه وجسمه وكلّ دنياه لدينه وإمامه فداء ، فما هي إلاّ أيام تعدّ ساعتها في فترة وجيزة وبرهة سريعة حتى يتقطع هذا البطل الضرغام أشلاء ، وترمله الدماء ، ويفصل بين رأسه وجسده ، ويرفع رأسه على السنان ، ويشهر به في البلدان.
بكت على زهير بن القين الزوج الذي سينصر الحسين عليهالسلام فهي تبكي لزوجها وتبكي لصاحب ميمنة سلطان المظلومين . . .
إنّ بكاءها وتلاطم المشاعر والأحاسيس ، وزحمة العواطف ساعة الوداع لم يمنعها من تقوية عزمه ، وتشجيعه وحثّه ، والربط على قلبه ، وشدّ أزره ، والدعاء له ، وإغتنام الفرصة لتسجيل موقف عند رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، فقالت له : كان اللّه عوناً ومعيناً ، خار اللّه لك ، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليهالسلام .
وقد ذكرت في كلمات الوداع ثلاث فقرات:
الفقرة الأولى: كان اللّه عوناً ومعيناً
إنّ زهير بن القين مقدم على أمر ليس باليسير ، عليه أن يشقّ أمواج الفتن بسفن النجاة ، فهو يريد أن يواجه الدنيا بأسرها ، يقارع عساكر الدنيا والنفس ، وينصر اللّه ورسوله وإمام زمانه المفترض عليه طاعته في معركة يتمنى فيها زهير الموت ألف مرّة على أن لا يصيب الحسين وفتيته أذى ، ويقاتل جيوش الكفر وعساكر الظلام والضلال ، وقد إجتمع الناس كلّهم على الحسين عليهالسلامورجاله .
وقد تظاهر الأعداء وتكردسوا في قطعات عسكرية انتشر خبرها في أرجاء الصحراء ، وصارت تنحدر كالسيل الى أرض كربلاء ، لتقاتل عدداً محدوداً من رجال الحقّ الأوفياء .
فالعدو كثير العدد ، قوي العدّة ، شرس الطبع ، وحشي السيرة ، لا يعرف القيم والأخلاق ، ممسوخ لا يذكر شيئاً من الإنسانية ، ولا يألف الرحمة والرأفة والآداب .
والأهم أن يعرف الإنسان موطأ قدمه على أرض الإيمان ونصرة ولي الرحمن ، فيقف عليها ثابتاً راسخ القدم لا تزلزله العواصف والعواطف وتقلّب المواقف ، فيبقى على يقين واستقامة في صف الإيمان لئلا يحدث ثغرة في بنيان الحقّ المرصوص .
وهذا كلّه لا يكون إلاّ بعون اللّه والإستعانة به ، ومن أعانه اللّه وكان عونه ومعينه لا يخشى بعده أحداً أبداً ، ولو اجتمع عليه الثقلان ، بل كلّ مخلوقات القوي المنان .
ولهذا دعت له فقالت : كان اللّه عوناً ومعيناً ، شحذت له همته ، وشدّت على عضده ، وحرضته على الإقدام في نصر الحسين عليهالسلام فإنّ قلبه وعضده
مسددة بعون اللّه وإعانته .
الفقرة الثانية: خار اللّه لك
الإستخارة في معناها اللغوي : طلب الخير من اللّه سبحانه ، وهي أدب شرعي ، لا يستغني عنها المؤمن في كلّ صغيرة أو كبيرة من تفاصيل حياته ، وقد ورد الحث عليها في روايات أهل البيت عليهمالسلامكثيراً(1).
ومن هذا الدعاء نستكشف فقاهة هذه المرأة الصالحة ، وتأدبها بالأدب الشرعي ، حيث تدعو لزوجها بالخيرة من اللّه ، وتلتزم بالإستخارة في أدق وأهم موقف في حياتها وحياة زوجها.
1) راجع كتاب الإستخارة للسيد ابن طاووس رحمهالله .
وربما كان قولها: « خار اللّه لك » ، إخباراً وليس إنشاءاً ، بمعنى أ نّها تخبره أنّ اللّه قد خصّك بالخير كلّه ، ووفقك لللحاق بركب الشهادة بين يدي سيد الشهداء الحسين عليهالسلام .
فتكون حينئذٍ قد عبّرت عن مدى نفاذ بصيرتها ، وقوة معرفتها ويقينها وولائها من خلال تمييزها الدقيق بين خطي الضلال والهدى ، ومعرفتها أنّ نصر ريحانة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله هو الخير الذي أراده اللّه لعباده الصالحين ، وأوليائه الصابرين .
الفقرة الثالثة : أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليهالسلام
رجاء أخير تتمنّاه زوجة محبوبة مواتية معينة لزوجها على أمر دنياه وآخرته من زوج وفي لا يريد لزوجته أن يصلها منه إلاّ الخير . .
لقد وظفت دلهم المرأة الصابرة الموقف أفضل توظيف ، وحشّدت العواطف والعقل معاً في ظلّ ظروف خاصة لا تنسى ولا تردّ فيها حاجة ، وتقدّمت لزوجها في آخر ساعات عمرها المبارك معه برجاء تتمنى فيه على زوجها البرّ أن يحققه لها في آخر لقاء بينهما ، فاستخدمت لفظ « السؤال » ، لتعبّر له عن حاجة في نفسها ، فهي ليست أمنية محضة ، وإنما هي حاجة أيضاً .
ومن البديهي أنّ الموقف بظروفه وأجوائه لا يترك لأيّ زوج أن يخيب أمل زوجته فيه ، فكيف إذا كان المرجو زهير ، والراجي دلهم .
لا يخفى أنّ رجاءها الأخير ، ورجاء دلهم الأخير من زوجها يشير الى عظمة قدرها ، وعلو مقامها ، وسمو نفسها ، فإنّها لا تنسى في آخر لحظات عمرها مع زهير أن تذكر عنده أ نّها قد ضحت كما سيضحي زهير ، وتقول له: اذكرني عند رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، أي قل له ، واسرد عليه قصّتي ، وموقفي معك ، ونصرتي لولده وريحانته عليهالسلام .
فهي وإن لم تقاتل بالسيف والسنان ، ولم تدافع عن فلذة كبد النبي صلىاللهعليهوآله
بيدها في الميدان إلاّ أ نّها شاركت بما يناسبها في نصرة أولياء الرحمن .
وما أحلى ما تقربت به الى الرسول صلىاللهعليهوآله ، فهي تخاطبه ب« جدّ الحسين عليهالسلام » وتقول: اذكرني عند جدّ الحسين عليهالسلام فالحسين عليهالسلام هو سبط النبي صلىاللهعليهوآله الذي تقرّبت به اليه .
إذا كان زهير يريد الإلتحاق بركب الشهادة ، وقد عزم على الموت بين يدي الحسين عليهالسلام ونوى أن يردّ زوجه الى أهلها ، فلماذا طلّقها ، وهل كان ثمة فرق بين أن يطلّقها أو أن يفارقها بالموت بعد أيام ، وتبقى في عهدته ؟
الجواب الأول :
يبدو لأول وهلة أنّ زهير بن القين قد أجاب بنفسه عن هذا السؤال ، حيث قال لها : أنت طالق ، فإني لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلا خير ، وقد عزمت على صحبة الحسين عليهالسلام لأفديه بنفسي ، وأقيه بروحي .
فهو قد ذكر لها سبب الطلاق بعد أن أصحر لها عن عزمه على الموت بين يدي الحسين عليهالسلام وقال أ نّه لا يريد أن يصيبها بسببهالخير .
وهذا يعني أ نّه كان عالماً متيقناً أنّ المنية تسرع اليه وتنتظره في كربلاء ، ويعلم أنّ أهل بيت الحسين عليهالسلام يسيرون الى السبي والسلب والنهب بعد شهادة الأولياء والحماة ، فهو لا يريد أن يعرضها لهذا السبي ، ويكون هو السبب في مجيئها الى كربلاء .
الجواب الثاني :
ربما كان بقاوا في حبال الزوجية يغري بها الأعداء ما كانت منتسبة الى أحد أبرز أصحاب الحسين عليهالسلام وصاحب ميمنته ، فيضيق عليها ابن زياد وجلاوزته ، ويؤذونها بعد شهادته ، فإذا طلّقها خرجت من حبالته ولم يعد لأعداء اللّه سبيل يحتجون عليها به ، ولعل قوله فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلاّ خير ، إشارة الى ذلك .
الجواب الثالث :
ربما كان زهير لم يعقب - وهو إحتمال بعيد - ويشهد لذلك أنّ المؤرخين
والنسابة لم يذكروا له عقباً ، ولو كان لبان ، ولذكر لأولاده موقف في ساعة اللقاء أو في اللحاق به في كربلاء ، أو بعد الشهادة ، أو ما شابه ذلك .
ويشهد له أيضاً أ نّه سلّمها إلى بعض بني عمّها ، ولم يسلّمها الى أولادها ، ولو كانوا لسلّمها اليهم ولم يسلّمها الى بني عمّها .
ويشهد له أيضاً أ نّه طلب من ابن عمّه أن « يوصلها إلى أهلها » ، ولم يذكر تسليمها الى ولدها مثلاً .
وفي عبارة ابن طاووس أ نّه « أعطاها مالها » ، إشارة الى أ نّه دفع لها ما تستحقه من صداق أو تركة، لئلا تتورط فيما بعد مع الورثة من أقربائه ، حيث سترث مع الطبقة الثانية أو الثالثة ، وهم الأخوة والأعمام والأخوال ، ومن بعدهم من رتب الطبقات، هذا كلّه على فرض عدم وجود الأولاد والأبوين.
الجواب الرابع :
كان الطلاق علامة العزم على الموت ، وكناية عن الرحيل الى الآخرة
وعدم الرجوع الى الحياة الدنيا وزهرتها من الأموال والأزواج والأولاد ، فربما طلّقها للإعلان عن عزمه .
وربما كان لفظ الطلاق ليس المراد به المعنى الإصطلاحي الشرعي الذي تترتب عليه الآثار الشرعية ، وإنما هو استعمال مجازي يراد به الكناية عمّا مرّ ذكره ، تماماً كما فعل حبيب ليلة العاشر عندما استخبر نيات أصحابه ، فقال لهم : لم طلّقتم حلائلكم ؟ فقالوا : أتينا لننصر غريب فاطمة(1).
وبأيّ معنى كان الطلاق لم يكن زهير وحده قد أقدم عليه ، بل لقد فعل زهير ما فعله أصحاب الحسين عليهالسلام جميعاً بناءاً على ما ذكره المازندراني من سؤال حبيب .
هل التقت دلهم الحسين عليهالسلام ؟
لم نجد أيّ نصّ ولا أيّ مؤشر أو تلويح في التاريخ يدلّ على أن دلهم زوجة زهير بن القين قد التقت الحسين عليهالسلام أو أهل بيته .
1) معالي السبطين للحائري : 1/340 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين عليهالسلام : 496 .
بيد أ نّنا نحسب إستئناساً وتخميناً لا دليل لنا عليه إلاّ ما سنذكره من الإحتمال والتوقّع من خلال معرفتنا القاصرة بها وبزوجها ، وبأدب الشيعي والموالي وذوقه في التعامل مع إمامه وأهل بيت نبيه عليهمالسلاموتلهّفه لروته وزيارته.
فربما قيل: إنّ من البعيد جدّاً أن تكون زوجة زهير قد أمكنتها الفرصة من لقاء إمامها وسيدتها زينب بنت أمير المؤمنين وعقائل الوحي عليهمالسلام وهي تعلم أ نّهم يسيرون والمنايا تسرع اليهم ، وأ نّها سوف لا ترى وجه الحسين عليهالسلام بعد ذلك اليوم ، ثم لا تذهب للقائهم ، وقد جمعتهم الصحراء في موضع واحد ، وتقاربت أبنيتهم ، وقدّمت دلهم حياة زوجها هدية للحسين عليهالسلام وهي تتمنى على زوجها أن يذكرها عند جدّ الحسين عليهالسلام ثم لا تتشرف بروة الحسين عليهالسلام وشريكته زينب عليهاالسلام وهي معهم في موضع واحد !!
امرأة زهير تكفن الحسين عليهالسلام وزوجها
قال ابن سعد صاحب الطبقات الكبرى: وكان زهير بن القين قد قتل مع الحسين عليهالسلام ، فقالت امرأته لغلام له يقال له « شجرة » : انطلق فكفن مولاك .
قال : فجئت فرأيت حسينا عليهالسلام ملقى ، فقلت : أكفن مولاي وأدع حسيناً ! فكفنت حسيناً ، ثم رجعت ، فقلت ذلك لها ، فقالت : أحسنت ، وأعطتني كفناً آخر ، وقالت : انطلق فكفن مولاك ، ففعلت(1).
1) ترجمة الإمام الحسين عليهالسلام من طبقات ابن سعد : 81 .
وقال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : وقالت امرأة - زهير -
لغلام له : اذهب فكفن مولاك ، فذهب فرأى الحسين عليهالسلاممجرداً ! فقال :
أكفن مولاي وأدع الحسين! لا واللّه ، فكفنه ، ثم كفن مولاه في كفن آخر(1).
وقال الشيخ عباس القمي رحمهالله بعد أن ذكر قصة التحاق زهير بركب الحسين عليهالسلام ويأتي بعد ذلك أنّ زهيراً لمّا قتل مع الحسين عليهالسلام بعثت زوجته غلاماً له ليذهب الى كربلاء ويكفن مولاه ، ثم ذكر كلام سبط ابن الجوزي في التذكرة(2). . .
وقيل تعليقاً على هذا الخبر : أ نّه قد ثبت في محلّه أ نّه لا يلي أمر المعصوم إلاّ المعصوم ، وأنّ الإمام لا يغسله إلاّ الإمام ، ولو قبض إمام في المشرق وكان وصيه في المغرب لجمع اللّه بينهما .
ونحن لا نريد - هنا - نفي الخبر أو إثباته إلاّ أنّ هذا الكلام يبدو أ نّه في غير محلّه ، لأنّ هذا الغلام لم يتولّ أمر الإمام الشهيد ، وغاية ما فعله أ نّه رأى قرّة عين الرسول عارياً على الرمضاء ، تسفي عليه الريح ، فلم تطاوعه نفسه أن يترك الحسين عليهالسلام بهذه الصورة المفجعة ، فألقى عليه الكفن ، أمّا الذي تولى تجهيز الحسين عليهالسلام فهو ولده المكروب المغموم صاحب الدمعة الساكبة زين العابدين وقرّة عين الناظرين عليه أفضل صلوات ربّ العالمين .
ورد في زيارة زهير نمطان من الزيارة :
وهي وإن كانت زيارة تضمّنت أسماء أكثر الشهداء ، وذكر فيها زهير ضمن السياق العام ، إلاّ أ نّه حاز شرفاً عظيماً ، ومقاماً منيفاً ، ودرجة سامية لا ينالها إلاّ من كان مثله ، فاستحقّ أن ينصّ عليه الآخذ بثأره باسمه .
وحسب تفحّصنا للمصادر لم يرد ذلك إلاّ في النص الوارد عن الإمام صاحب العصر - عجّل اللّه تعالى فرجه - ، وفي ذلك مزية فوق مزية ، وإشارات مهمة وسنية .
تسليم الحجة عليهالسلام عليه فقد نال شرف الشهادة بين يدي الحسين عليهالسلام وزاد شرفه ذاك شرفاً
تسليم الحجة المنتقم عليه في الناحية والرجبية ، وقد ذكره عليهالسلامبتكريم خاص ، واهتم بموقفه اهتماماً بالغاً ، فنقل عنه مقالته للحسين عليهالسلام .
قال عليهالسلام كما في المزار لابن المشهدي ، وإقبال الأعمال للسيد ابن طاووس ، وبحار الأنوار للمجلسي ، والعوالم للشيخ البحراني :
السلام على زهير بن القين البجلي ، القائل للحسين وقد اذن له في الانصراف : لا واللّه لا يكون ذلك أبداً ، أترك ابن رسول اللّه أسيراً في يد الأعداء وانجو ، لا أراني اللّه ذلك اليوم(1).
وفي هذا شهادة وتأكيد من الإمام المعصوم عليهالسلام على صدق نية المجاهد
المضحي ، فقد قال زهير ذلك ، وأكدّ قوله باليمين ، ثم أثبته بالفعل والعمل ، ثم أمضاه له سيد الشهداء الحسين عليهالسلام وأمضاه له الإمام الحجة المنتظر عليهالسلام .
في المزار للشهيد الأول ، وإقبال الأعمال للسيد ابن طاووس ، وبحار الأنوار للمجلسي :
السلام على حر بن يزيد الرياحي ، السلام على زهير بن القين ، السلام على حبيب(2).
وربما كان في إفراده بالزيارة من قبل ولي الأمر وصاحب الزمان دلالات
وإشارات منها :
أولاً: إختصاص زهير بالإكرام
إكرامه إكراماً خاصاً ، وتشريفه بالنصّ عليه والإشارة الى اسمه
الكريم ، لأنّ تنصيص الإمام على شخص بعينه له من الآثار والتعظيم والتكريم ما يعرفه أهله .
ثانياً: الثأر لدم زهير
إنّ الذي ذكره بالاسم ، ونصّ عليه خاصة هو الإمام المنتقم له ، الآخذ بثأره ، فهو إمامه وقد قدّر له موقفه من جدّه يوم قال قولته ، فهو الآن يردّد اسمه ، ويسلّم عليه ، لنعلم أنّ الثأر لدمه الزاكي سوف لا يطول به الإنتظار ، وأ نّه سينتقم له يوم يسلّ سيفه من غمده ، ويأذن له ربّه ، فزهير ينتظر - كما ننتظر - أن تنتهي هذه السنين الحرم العجاف !!
ثالثاً: ليلة العاشر كانت مركز الإبتلاء
لم يكن السلام على زهير مجرداً ، وإنما كان مصحوباً - حسب النصّ الأول - بقولته الخالدة التي تتفجر ولاءاً وثباتاً ، وقد اختارها المولى من بين كلّ مواقف زهير ، وبياناته ومحاوراته وخطاباته التي توجه بها للناس عامة ولأصحاب الحسين عليهالسلام خاصة ، بل لسيد الشهداء عليهالسلام
أيضاً .
وربما كان التركيز على هذا الموقف باعتبار أنّ ليلة العاشر - ظرف الكلام - كانت هي مركز الثقل في الابتلاء والامتحان الإلهي ، لأنّ ما قبل ليلة العاشر كان زمناً فيه متسع لمن أراد الفرار ، وقد فرّ القوم
وخذلوا قرّة عين الرسول صلىاللهعليهوآله ، قال الشيخ المفيد في الإرشاد : « ثم ارتحلوا ، فسار حتى انتهى إلى زبالة ، فأتاه خبر عبد اللّه بن يقطر ، فأخرج إلى الناس كتاباً فقرأه عليهم:
بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أمّا بعد : فإنّه قد أتانا خبر فظيع ، قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد اللّه بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف غير حرج ليس عليه ذمام . فتفرّق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً(1).
وما بعد تلك الليلة كان نتيجة الامتحان ، وآثار النجاح في الاختبار ، وقد كشف لهم سيد الشهداء عليهالسلام عن مواقعهم في الجنان ، وبذلك دخلوا عالم الروح والريحان ، والحور والولدان ، ومجاورة النبي في عدن الرضوان ، روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : قلت له : أخبرني عن أصحاب الحسين عليهالسلام وإقدامهم على الموت ؟
فقال : إنهم كشف لهم الغطاء حتى رأوا منازلهم من الجنة ، فكان
الرجل منهم يقدم على القتل ليبادر إلى حوراء يعانقها ، وإلى مكانه من الجنة(2).
فصور التضحية والفداء التي رسمها زهير واخوانه يوم الطف إن هي
إلاّ بناء ارتكز على ما أسسوه من ثبات ليلة العاشر ، حينما أعلنوا
عن مواقفهم ، وأصحروا عن نياتهم .
فذكر المولى عليهالسلام لموقفه ليلة العاشر كان عبارة عن تلخيص لمسيرته الوضاءة المعطاء ، تكشف عن الثبات ما قبلها ، والعطاء فيما بعدها .
رابعاً: شكر الموقف
قال في شرح الشافية : ثم برز جابر بن عروة الغفاري ، وكان شيخاً
كبيراً ، وقد شهد مع رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بدراً وحنيناً ، فجعل يشدّ وسطه بعمامته ، ثم شدّ حاجبيه بعصابة حتى رفعهما عن عينيه ، والحسين عليهالسلام ينظر اليه ويقول: شكر اللّه تعالى سعيك يا شيخ ، فحمل(1). . .
وقد جزّى سيد الشهداء في أكثر من موقف أصحابه خيراً ، وشكر لهم
صنيعهم بالرغم من أ نّهم يؤدون واجبهم ، وينجزون تكليفهم ،أنّ أبا الأئمة وأولاده الطيبين الأوفياء يظهرون بأفعالهم وأقوالهم أسماء اللّه وصفاته وجماله وجلاله ، فهم رحمة اللّه الواسعة ، ورضاهم رضا اللّه ، وإرادتهم إرادة اللّه ، واللّه هو الغني الشكور .
فربما كان التركيز على هذا الموقف الزهيري الزاهر بالخصوص من قبل ولي الأمر بمثابة قول سيد الشهداء عليهالسلام وجدّ الحجة المنتظر لعروة: « شكر اللّه سعيك » ، ليكون صورة من صور الإشادة بالموقف والثناء عليه ،
1) شرح الشافية: 262 ، فرسان الهيجاء ترجمة السيد محمد شعاع فاخر: 1/78 ، تذكرة الشهداء: 181 ، مقتل أبي مخنف: 115 .
والشكر له ، وكأنّ المولى جزّاه على ذلك خيراً من خلال إبرازه كموقف
مشكور محمود .
خامساً: خصوصية الموقف ليلة العاشر
وربما كان إستحقاق هذا الشكر والثناء من ولي دم سيد الشهداء عليهماالسلام
لأنّ الموقف في تلك الليلة العسيرة المكفهرة العصيبة كان يختلف تماماً عن أيّ موقف آخر ، حتى عن الموقف يوم العاشر ، حيث أدخل فيه السرور على قلب سلطان المكروبين ، وزين الغرباء الحسين عليهالسلاموواساه حين خذله المنكوبون المنكوسون ، في يوم كان فيه الحسين عليهالسلاممستوحشاً
إلى الرجال على حدّ تعبير الطرماح(1)فيما كانت بنات رسول ربّ العالمين يتوجسن ويراقبن مواقف الأصحاب وأهل البيت المظلومين ، ويترقبن ما تحمل لهم تلك الليلة في أحشائها من ألم وسبي ومصيبة وفقد أحبّة وأنين .
لم يكن الموقف يشبه غيره من المواقف ، ولهذا انبرى ليلتها العباس بن أمير المؤمنين عليهماالسلام للإعلان عمّا في نيته ونية أهل البيت ، وانبرى الأصحاب يعبّرون عمّا في ضمائرهم ، وحرم اللّه ورسوله يسمعن ، فتطمئن قلوبهن إلى ما يسمعن من ثبات حماتهن .
فكلام زهير في تلك الليلة العصيبة المتجهّمة كان تفريجاً ومواساة لسيد الشهداء ولبنات رسول ربّ السماء صلىاللهعليهوآله .
1) تاريخ الطبري : 4/307 .
وردت نصوص مقدّسة كثيرة في زيارة أنصار سيد الشهداء عليهالسلام فهي وإن لم تذكر زهير بن القين على نحو الخصوص ، ولم تنصّ على اسمه كما سمعنا في النمط الأول ، إلاّ أ نّها تخاطب الأنصار المستشهدين بين يدي ريحانة رسول اللّه ، وعبرة أنبياء اللّه ، ككائن موحد ، وهالة واحدة محيطة بمركز النور.. تخاطبهم بخطاب واحد ضمن دائرة واحدة وهي نصرة الغريب العطشان ، وتلغي الخصوصيات باعتبارهم شعاعا لنور واحد.
تقرأ ضمير الجمع في نصّ الزيارة ، ولكنّه ضمير يتوزع على كلّ فرد فرد منهم ، ويشملهم نوراً نوراً ، فهو كلّي ينطبق على أفراده بالتواطيء ، وكلّ واحد منهم مفردة يتوجه له الخطاب ، وينطبق عليه الوصف أو المدح الوارد على حدة .
فالزيارة عامة لكلّ الشهداء بيد أ نّها تشمل زهيرا ، كما تشمل حبيبا ، وتشمل جونا ، وتشمل بريرا ، وهكذا تشمل كلّ المستشهدين بين يدي سيد الشهداء عليهالسلام .
ولا نريد هنا دراسة نصوص الزيارات المقدسة جميعاً ، وإنّما نحاول أن نطبق النصوص على زهير بن القين باعتباره فرداً داخلاً تحت ضمير الجمع والخطاب الوارد على لسان المعصوم عليهالسلام في زيارة واحدة .
في مصباح المتهجد للشيخ الطوسي : ثم توجه إلى الشهداء ، وقل :
السلام عليكم يا أولياء اللّه وأحباءه .
السلام عليكم يا أصفياء اللّه وأوداءه .
السلام عليكم يا أنصار دين اللّه .
السلام عليكم يا أنصار رسول اللّه .
السلام عليكم يا أنصار أمير المؤمنين .
السلام عليكم يا أنصار فاطمة سيدة نساء العالمين .
السلام عليكم يا أنصار أبي محمد الحسن بن علي الولي الناصح .
السلام عليكم يا أنصار أبي عبد اللّه .
بأبي أنتم وأمّي طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم ، وفزتم فوزاً
عظيماً ، فيا ليتني كنت معكم فأفوز معكم(1).
يمكن الإشارة هنا الى عدّة نكات جديرة بالإلتفات:
النكتة الأولى :
إنّ الضمير الموظف في تعبير المعصوم هو ضمير الخطاب ، وهي إشارة
الى أنّك تقوم بين يدي من يسمعك مباشرة ، فأنت تخاطبه خطاباً وهو ليس وجوداً غائباً عنك ، بل هو حي حاضر .
1) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي : 722 ، المزار لمحمد بن المشهدي : 464 .
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يوم وقف على شهداء أحد وقد التفت إلى الناس : أيّها الناس ، ائتوهم فزوروهم ، وسلّموا عليهم فو الذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلاّ ردّوا عليه السلام(1).
النكتة الثانية:
إنّ السلام وضمير الخطاب يتكرر في كلّ فقرة ، تشهد فيها للمزور
بنصرته للّه ولرسوله ولأمير المؤمنين ولفاطمة وللحسن والحسينوفي ذلك إشارة الى أنّك تسلّم عليه باعتبار كلّ مفردة من مفردات النصرة ، لتؤكد على أنّ نصرته لسيد الشهداء كانت نصرة لكلّ واحد من أصحاب الكساء لا على نحو التضمن .
أي أنّك تخاطبه فتقول له: إنّك نصرت رسول اللّه ، ونصرت أمير
المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام لا أنّك نصرت الحسين
عليهالسلامفكأنّك نصرت أولئك ، وإنّما أنت نصرتهم بالفعل .
فنصرته لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله غير نصرته للحسين عليهالسلام ونصرته لأمير المؤمنين عليهالسلامغير نصرته للحسين عليهالسلام وهكذا ، فهو نصر كلّ نور نور من أنوارهم المقدسة ، ولكنّها وقعت جميعاً في طف كربلاء بين يدي الحسين سيد الشهداء عليهالسلام .
النكتة الثالثة :
إنّ المعصوم يخاطبه قائلاً : « بأبي أنتم وأمّي » ، وفي هذا ما لا يخفى
1) أسد الغابة: 4/183 .
على الزائر المؤمن الذي يعرف المعصوم ، ويعرف أباه وأمّه ، فإذا كانوا
بأب المعصوم وأمّه فما قيمة أباء الزائرين وأمهاتهم ؟!
إلا أن يقال في الزيارات التي يعلّمها المعصوم للمؤمن فيقول أولها مثلاً : « إذا أردت الزيارة فقل » ، فإنّه عليهالسلام حينئذٍ يكون في مقام التعليم فلا يشمله الخطاب ، فربما علّمنا المعصوم كيف نزور ، أمّا المعصوم بنفسه فقد يخاطبهم بخطاب آخر .
ومن البديهي أنّ كلّ زائر يزورهم سيخاطبهم بهذا الخطاب ، وهذا
يعني أنّ أباء الناس جميعاً وأمهاتهم جميعاً فداء لتراب أقدام هؤلاء الشهداء الأبرار .
النكتة الرابعة:
يشهد لهم المعصوم بالفوز العظيم ، ويتمنى أن يكون معهم !! فيالها من منزلة ، وياله من إكرام .
النكتة الخامسة:
علمنا من فقرات الزيارة المباركة أنّ ثمة أوسمة وصفات نالها زهير بالإضافة الى ما مرّ معنا من مضامين النكات الأربعة الآنفة ، منها:
أولاً : إنّه ولي اللّه وحبيبه.
ثانياً : إنّه صفي اللّه وممّن ودّهم اللّه.
ثالثاً : إنّه ناصر دين اللّه.
رابعاً : إنّه ناصر رسول اللّه.
خامساً : إنّه ناصر أمير المؤمنين.
سادساً : إنّه ناصر فاطمة سيدة نساء العالمين.
سابعاً : إنّه ناصر الحسن الزكي الأمين.
ثامناً : إنّه ناصر الحسين سيد الشهداء من الأولين والآخرين.
تاسعاً : إنّه طيب مدفون في أرض طيبة ، أو أ نّه سبب لطيبة الأرض
التي دفن فيها.
عاشراً : إنّه قد فاز فوزاً عظيماً ...
الحادي عشر : إنّه مشمول بقول المعصوم: « بأبي أنتم وأمي ».
الثاني عشر : إنّه مشمول بقول المعصوم: « فيا ليتني كنت معكم ».
في كامل الزيارات لابن قولويه: ثم تخرج من السقيفة وتقف بحذاء قبور الشهداء وتومي إليهم أجمعين وتقول : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، السلام عليكم يا أهل القبور من أهل ديار المؤمنين ، السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار(1)
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَْرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآْصالِ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لأَِنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَْعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَْرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَْمْثالَ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الأَْرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَْلْبابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَْرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الآْخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ .
1) الآية الكريمة من آيات سورة الرعد ، ولو تدبر فيها المتدبر ضن سياق السورة لاكتشف ارتباطاً وثيقاً بين السورة ككل وبين الحسين عليهالسلام ودعوته وأصحابه الذين نصروه وأعدائه الذين خذلوه وقتلوه ، وكأنّ السورة من فاتحتها الى خاتمتها تتكلّم عن الحسين ودعوته ، وأصحابه وأعدائه ، ولنستمع الى بعض ما سبقها وما جاء بعدها من الآيات: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ .
السلام علیکم یا انصار الله و انصار رسوله ، و انصار امیرالمومنین و انصار ابن رسوله و انصار دینه
أشهد أنّكم أنصار اللّه كما قال اللّه عز وجل : « وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا » ، فما ضعفتم وما استكنتم حتى لقيتم اللّه على سبيل الحق ، صلّى اللّه عليكم وعلى أرواحكم وأجسادكم ، أبشروا بموعد اللّه الذي لا خلف له ولا تبديل ، إنّ اللّه لا يخلف وعده ، واللّه مدرك بكم ثار ما وعدكم .أنتم خاصة اللّه ، اختصكم اللّه لأبي عبد اللّه - عليه السلام - ، أنتم الشهداء ، وأنتم السعداء ، سعدتم عند اللّه ، وفزتم بالدرجات من جنات لا يطعن أهلها ولا يهرمون ، ورضوا بالمقام في دار السلام ، مع من نصرتم .
جزاكم اللّه خيراً من أعوان ، جزاء من صبر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، أنجز اللّه ما وعدكم من الكرامة في جواره وداره مع النبيين والمرسلين ، وأمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين .
أسأل اللّه الذي حملني إليكم حتى أراني مصارعكم أن يرينيكم على الحوض رواء مرويين ، ويريني أعداءكم في أسفل درك من الجحيم ، فإنهم قتلوكم ظلماً ، وأرادوا إماتة الحقّ ، وسلبوكم لابن سمية وابن آكلة الأكباد ، فأسأل اللّه أن يرينيهم ظمأ مظمئين ، مسلسلين مغلّلين ، يساقون إلى الجحيم .
السلام عليكم يا أنصار ابن رسول اللّه مني ما بقيت ، والسلام عليكم دائماً إذا فنيت وبليت .
لهفي عليكم أيّ مصيبة أصابت كلّ مولى لمحمد وآل محمد ، لقد عظمت وخصّت وجلّت وعمّت مصيبتكم ، أنا بكم لجزع ، وأنا بكم لموجع محزون ، وأنا بكم لمصاب ملهوف .
هنيئاً لكم ما أعطيتم ، وهنيئاً لكم ما به حييتم ، فلقد بكتكم الملائكة ، وحفّت بكم ، وسكنت معسكركم ، وحلّت مصارعكم ، وقدّست وصفت بأجنحتها عليكم ، ليس لها عنكم فراق إلى يوم التلاق ، ويوم المحشر ، ويوم المنشر ، طافت عليكم رحمة من اللّه ، وبلغتم بها شرف الآخرة .
أتيتكم شوقاً وزرتكم خوفاً ، أسال اللّه أن يرينيكم على الحوض ، وفيالجنان مع الأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً(1).
السلام عليكم يا أنصار اللّه ورجاله من أهل الحقّ والبلوى ، والمجاهدين على بصيرة في سبيله ، أشهد أنّكم كما قال اللّه عز وجل : « وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ » ، فما ضعفتم ،
وما استكنتم حتى لقيتم اللّه على سبيل الحقّ ونصره وكلمة اللّه التامة .
صلّى اللّه على أرواحكم وأبدانكم وسلّم تسليماً وفزتم ، واللّه لوددت أني كنت معكم فأفوز فوزاً ، أبشروا بمواعيد اللّه التي لا خلف لها إنّه لا يخلف الميعاد .
أشهد أنّكم النجباء وسادة الشهداء في الدنيا والآخرة ، وأشهد أنّكم جاهدتم في سبيل اللّه ، وقتلتم على منهاج رسول اللّه ، أنتم السابقون والمجاهدون . أشهد أنّكم أنصار اللّه وأنصار رسوله .
1) كامل الزيارات لابن قولويه :420 ، مصباح المتهجد للشيخ الطوسي : 724 .
الحمد للّه الذي صدقكم وعده ، وأراكم ما تحبّون ، والسلام عليكم
ورحمة اللّه وبركاته(1).
السلام عليكم أيّها الربانيون ، أنتم خيرة اللّه ، اختاركم اللّه لأبي عبد اللّه عليه السلام ، وأنتم خاصته اختصكم اللّه .
أشهد أنّكم قتلتم على الدعاء إلى الحقّ ونصرتم ووفيتم وبذلتم مهجكم مع ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وأنتم سعداء ، سعدتم وفزتم بالدرجات .
فجزاكم اللّه من أعوان واخوان خير ما جازى من صبر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، هنيئاً لكم ما أعطيتم ، وهنيئاً لكم بما حييتم ، طافت عليكم من اللّه الرحمة ، وبلغتم بها شرف الآخرة(2).
ثُمَّ تَقُومُ فَتُومِئُ بِيَدِكَ إِلَى الشُّهَدَاءِ وتَقُولُ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ السَّلامُ
عَلَيْكُمْ السَّلامُ عَلَيْكُمْ فُزْتُمْ واللَّهِ فُزْتُمْ واللَّهِ فُزْتُمْ واللَّهِ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَكُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً(3).
ثم تسلم على الشهداء من أصحاب الحسين عليه وعليهم السلام ، تستقبل وتقول :
السلام عليكم يا أنصار اللّه ، وأنصار رسوله ، وأنصار علي بن أبي طالب ، وأنصار فاطمة الزهراء ، وأنصار الحسن والحسين ، وأنصار الإسلام .أشهد لقد نصحتم للّه ، وجاهدتم في سبيله ، فجزاكم اللّه عن الإسلام وأهله أفضل الجزاء ، فزتم واللّه فوزاً عظيماً ، يا ليتني كنت معكم فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً .
أشهد أنّكم أحياء عند ربّكم ترزقون ، وأشهد أنّكم الشهداء ، وأنّكم السعداء ، وأنّكم في درجات العلى ، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته(1).
وزر الشهداء رضوان اللّه عليهم ، ثم تنحرف من عند الرجلين إلى القبلة ، وتقول :
السلام عليكم أيّها الصديقون ، السلام عليكم أيّها الشهداء الصابرون .
أشهد أنّكم جاهدتم في سبيل اللّه ، وصبرتم على الأذى في جنب اللّه ، ونصحتم للّه ولرسوله ولابن رسوله حتى أتاكم اليقين .
أشهد أنّكم أحياء عند ربّكم ترزقون ، فجزاكم اللّه عن الإسلام وأهله أفضل ما جزى المحسنين ، وجمع بيننا وبينكم في محلّ النعيم(2).
السلام عليكم يا خير أنصار ، السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، وبوأكم اللّه مبوء الأبرار .
أشهد لقد كشف لكم الغطاء ، ومهّد لكم الوطاء ، وأجزل لكم العطاء ، وكنتم عن الحقّ غير بطاء ، وأنتم لنا فرط ، ونحن لكم خلطاء في دارالبقاء ، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته(1).
السلام عليك يا أبا عبد اللّه وعلى الأرواح التي حلت بفنائك وأناخت برحلك عليك منّي سلام اللّه أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولاجعله اللّه آخر العهد منّي لزيارتكم السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين(2).
والتفت إلى قبور الشهداء فقال : السلام على الأرواح المنيخة بقبر أبي عبد اللّه ، السلام عليكم يا شيعة اللّه وشيعة رسوله وشيعة أمير المؤمنين والحسن والحسين، السلام عليكم يا طاهرون ، السلام عليكم يا مهديون،
السلام عليكم يا أبرار ، السلام عليكم وعلى ملائكة اللّه الحافين بقبوركم ، جمعني اللّه وإياكم في مستقرّ رحمته تحت عرشه(1).
ثم امش حتى تأتي قبور الشهداء ، فقف وقل :السلام على الأرواح المنيخة بقبر أبي عبد اللّه الحسين عليه السلام ، السلام عليكم يا طاهرين من الدنس ، السلام عليكم يا مهديين ، السلام عليكم يا أبرار اللّه ، السلام عليكم وعلى الملائكة الحافين بقبوركم أجمعين ، جمعنا اللّه وإياكم في مستقرّ رحمته وتحت عرشه ، إنّه أرحم الراحمين ، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته(2).
ثم انحرف إلى قبور الشهداء وقل :
السلام عليكم أيّها الذابّون عن توحيد اللّه ، السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، بأبي أنتم وأمّي ، فزتم فوزاً عظيماً(3).
اختلف المؤرخون في وقت خروج زهير بن القين الى المبارزة :فمنهم من قال : أ نّه برز بعد الحر ، وقبل حبيب(1).
ومنهم من قال : أ نّه برز بعد الحجاج بن مسروق(2).
ومنهم من قال : أ نّه برز بعد الحر جماعة ثم برز زهير(3).
ومنهم من قال : أ نّه برز قبل نافع بن هلال البجلي(4).
ومنهم من قال : أ نّه برز بعد سعيد بن عبد اللّه الحنفي .(5)
والظاهر أنّ زهير قاتل وبرز الى القوم مرّات عديدة، فهو صاحب الميمنة، والذابّ عن الحرمة ، والمشهود له بالنجدة ، وقد التحم مع العدو في صولاته وحملاته، ليحمي ظهر بعض الأصحاب، كما فعل مع الحرّ بن يزيد الرياحي(5).
يبدو أنّ زهير بن القين - وهو حامل راية الميمنة - استشهد بعد حبيب(1)حامل راية الميسرة في معسكر سيد الشهداء عليهالسلام .
وكان زهير باقياً الى حين هجوم القوم الأول على خيام الحسين عليهالسلام
وإحراقها ، وكان زهير قد دفعهم عنها في عشرة من أصحابه .
وكان في وقت صلاة الظهر حيث قدّمه الحسين عليهالسلام مع سعيد بن عبد اللّه الحنفي أمامه يقيانه هجوم الأعداء(2).
« 1 »
في تذكرة الشهداء للملا حبيب الكاشاني: قال أبو مخنف: لمّا فرغ الإمام من صلاته خطب في أصحابه يحرّضهم على القتال ، فقال: يا أصحابي ، إنّ هذه الجنة قد فتحت أبوابها ، واتصلت أنهارها ، وأينعت ثمارها ، وزيّنت قصورها ، وتؤلفت ولدانها وحورها ، وهذا رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوالشهداء الذين قتلوا معه ، وأبي وأمي ، يتوقّعون قدومكم ، ويتباشرون بكم ، وهم مشتاقون اليكم ، فحاموا عن دين اللّه ، وذبّوا عن حرم رسول اللّه(3).
فخرجن ربات الخدور من الخيام ، وكان الأصحاب في سبحات ملكوتية محضة ، فصحن وقلن: يا معشر المسلمين ، ويا عصبة المؤمنين ، حاموا عن اللّه ، وذبّوا عن حرم رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، وعن إمامكم وابن بنت نبيكم ، فقد امتحنكم اللّه بنا ، فأنتم جيراننا في جوار جدّنا والكرام علينا ، وأهل مودّتنا ، فدافعوا بارك اللّه فيكم عنّا .
فلمّا سمعوا ضجّوا بالبكاء والنحيب وقالوا : نفوسنا دون أنفسكم ، ودماوا دون دمائكم ، وأرواحنا لكم الفداء ، واللّه لا يصل اليكم أحد بمكروه وفينا الحياة ، وقد وهبنا للسيوف نفوسنا ، ولعلّنا نقيكم زحفالصفوف ، ونشرب دونكم الحتوف ، فقد فاز من كسب اليوم خيراً ، وكان
لكم من المنون مجيراً(1).
فكان أول من برز زهير بن القين ، وهو يرتجز ، ولم يزل يقاتل حتى
قتل سبعين فارساً ، وتكاثروا عليه وقتلوه(2).
« 2 »
قال السماوي رحمهالله : ثم صلّى الحسين عليهالسلام صلاة الخوف ، ولمّا فرغ منها تقدّم زهير ، فجعل يقاتل قتالاً لم ير مثله ، ولم يسمع بشبهه ، وأخذ يحمل على القوم فيقول : « أنا زهير وأنا بن القين . . . » فكأنّه ودّعه ،
وعاد يقاتل فشدّ عليه كثير بن عبد اللّه الشعبي ، ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه(1).
وقال السيد شرف الدين رحمهالله : زهير بن القين البجلي ، وبجيلة هم بنو أنمار بن أراش بن كهلان من القحطانية ، شخصية بارزة في المجتمع الكوفي ، وكان له يوم عاشوراء شرف القتال إلى جانب الحسين بن علي عليهماالسلام .
وقد أبدى شجاعة منقطعة النظير في سوح الوغى ... وفي ظهيرة يوم العاشر وقف هو وسعيد بن عبد اللّه يقيان الإمام من السهام حتى ينهي صلاته .وبرز بعدها إلى القتال ، وقاتل قتال الأبطال ، وكان حينها يرتجز
قائلاً(2).. .
وقال ابن أعثم الكوفي: وخرج . . زهير بن القين البجلي ، وهو يرتجز ... ثم حمل ، ولم يزل يقاتل حتى قتل(3).
وقال ابن شهر آشوب رحمهالله : ثم صلّى الحسين عليهالسلام بهم الظهر صلاة شدّة الخوف، ثم برز زهير بن القين البجلي ، وهو يقول : « أنا زهير وأنا ابن القين ... » ، فقتل مائة وعشرين رجلاً ، قتله كثير بن عبد اللّه الشعبي ومهاجر بن أوس(4).
وفي فرسان الهيجاء : فحمل عليهم زهير كأنّه التنين الصائل ، أو الشهاب الحارق ، وقلب الميمنة على الميسرة ، وحمي أتون الحرب ، فقال مرتجزاً: « أنا زهير وأنا ابن القين... » ، وحمل عليهم كالصاعقة النارية بعد أن أتمّ رجزه ، غاص في أوساطهم، وقلب الميمنة علىالميسرة، حتى قتل منهم مقتلة عظيمة.
وفي رواية محمد بن أبي طالب المذكورة في البحار : كان عدد القتلى مائة وعشرين رجلاً من صناديد الكوفة(1). . .
وبعد أن نقل كلام زهير مع الإمام عليهالسلام بعد شهادة حبيب قال: عند ذلك ودّع زهير الحسين عليهالسلام بأرجوزة ، وسار نحو ميدان القتال: « فدتك نفسي هادياً مهدياً . . . » .وهجم ثانية كالصرصر العاصف على جيش العدو المخالف ، وقاتل قتال الوالهين الى مرضاة ربّ العالمين ، وبينما هو يقاتل إذ بصر به عبد اللّه الشعبي والمهاجر بن أوس التميمي ، وكانا في شغل به ، فحانت منه فرصة ، فطعنه أحدهما بالرمح ، وضربه الآخر بالسيف ، فخرّ صريعاً الى الأرض(2). . .
وفي الأمالي للصدوق وغيره: ثم برز..زهير بن القين البجلي ، وهو يقول مخاطباً للحسين عليهالسلام « اليوم نلقى جدّك النبيا . . . » ، فقتل منهم تسعة
عشر رجلاً ، ثم صرع وهو يقول : « أنا زهير وأنا ابن القين(3). . »
« 3 »
قال الطبري : ثم صلّوا الظهر ، صلّى بهم الحسين عليهالسلام صلاة الخوف ، ثم اقتتلوا بعد الظهر ، فاشتد قتالهم ، ووصل إلى الحسين عليهالسلام فاستقدم الحنفي
أمامه ، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً قائماً بين يديه ، فما زال يرمى حتى سقط ، وقاتل زهير بن القين قتالاً شديداً ، وأخذ يقول : « أنا زهير وأنا ابن القين... ».
قال : فشدّ عليه كثير بن عبد اللّه الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه .
وروى سبط ابن الجوزي قال : ثم جاء وقت صلاة الظهر ، فصلّى بأصحابه صلاة الخوف ، فبينا هم في الصلاة تكالبوا عليه ، فحمل زهير بن القين يذبّ عن الحسين عليهالسلام ويقول : « أنا زهير وأنا ابنالقين ... » .
ثم صاح زهير بالحسين عليهالسلام : « أقدم هديت هادياً مهديا(1)» .
وقال ابن كثير: وقاتل زهير بن القين بين يدي الحسين عليهالسلام قتالاً شديداً ، ، ورمي بعض أصحابه بالنبل حتى سقط بين يدي الحسين عليهالسلام كأنّ فيه إشارة الى سعيد بن عبد اللّه الحنفي وجعل زهير يرتجز ويقول : « أنا زهير وأنا ابن القين . . . » .
قال : فشدّ عليه كثير بن عبد اللّه الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه(2).
« 4 »
يبدو من الطوائف الثلاثة من الأخبار التي ذكرناها آنفاً ، أنّ زهير بن القين بعد أن قاتل قتالاً شديداً بين يدي الحسين عليهالسلام ودفع القوم عن الحرم والعيال ، واستلحم مع الأعداء مشاركاً إخوانه الأبطال ، قدّمه سيد الشهداء الحسين عليهالسلام هو وسعيد بن عبد اللّه الحنفي ووقف للصلاة ، ولم يفتر القوم من رمي الحسين عليهالسلام وأصحابه بالنبال ، حتى سقط سعيد بن عبد اللّه
الحنفي مضرجاً بين يدي ريحانة الرسول صلىاللهعليهوآلهوقرّة عين البتول عليهاالسلام فتكالب القوم حينئذٍ على الحسين عليهالسلام ولم يكتفوا برشقه وصحبه بالسهام والنبال ، فهجموا عليه بالسيوف والرماح ، فاستأذن زهير بن القين من الحسينبالضرب على كتفه ، وأنشده تلك الأبيات ، ثم كرّ على القوميدفعهم عن حجة اللّه الغريب المظلوم العطشان وهو يصرخ فيهم: « أذبّكم بالسيف عن حسين » ، فرموه بالنبال ، وتكاثروا عليه بالسيوف والسنان ، وهو يشغلهم بنفسه عن سيده وصحبه ، ويقدّم بدنه قطعة قطعة ، وبضعة بضعة ، للدفاع عن سيد الشهداءفبادره اللعينان كثير بن عبد اللّه الشعبي ومهاجر بن أوس ، فطعنه أحدهم بالرمح ، وضربه الآخر بالسيف ، فقتلاه . . . وا زهيراه ! . . وا مظلوماه !«
هكذا كان الإمام الروف ، والحبيب العطوف ، سيد الشهداء عليهالسلام مع أنصاره وأهل بيته ، من أبي الفضل العباس وعلي الأكبر والقاسم الى عبيد اللّه بن الحسن عليهمالسلام ومن مسلم بن عوسجة وحبيب بن مظاهر وزهير بن القين الى جون والغلام الصغير الذي استشهد أبوه في المعركة .
يمشي اليه ، ويقف عليه ، ويؤبنه ويشكر له سعيه ، ويعده اللقاء القريب في الجنة ، وهو سيد الكونين ، وزين السماوات والأرضين .
ولمّا صرع زهير بن القين وقف عليه أبو الشهداء الحسين عليهالسلامفقال : لا يبعدنك اللّه يا زهير ، ولعن اللّه قاتليك ، لعن الذين مسخوا قردة وخنازير(1).
ويحتمل في قوله عليهالسلام « لا يبعدنك اللّه يا زهير » ، وجهين :
1) مقتل الحسين عليهالسلام للخوارزمي: 2/20 ، بحار الأنوار: 45/25 ، إبصار العين للسماوي: 167 عن السروي ابن شهرآشوب ، نفس المهموم للشيخ عباس القمي : 251 ، ناسخ التواريخ ترجمة سيد علي جمال أشرف: 2/398 ، فرسان الهيجاء للمحلاتي ترجمة محمد شعاع فاخر : 1/202 ، لواعج الأشجان للسيد الأمين : 158 ، أعيان الشيعة للسيد الأمين : 1/606 .
إذا جعلنا التقدير :
لا يبعدنّك اللّه يا زهير عنّي ، فيكون الإمام عليهالسلام يدعو اللّه أن يبقي زهير قريباً منه ، لأنّ البعد نقيض القرب(1)وقد رحل زهير الى جوار ربّه ، فلا يكون قريباً من الحسين عليهالسلام إلاّ إذا التحق عليهالسلام هو أيضاً بالرفيق الأعلى .
فتكون معنى العبارة : لا فرّق اللّه بيني وبينك يا زهير ، وهو بقوة قوله عليهالسلامعلى الدنيا بعدك العفا ، أو ما أقبح العيش بعدك يا زهير .
قال المحقّق الحاج علي الشاوي - حفظه اللّه ورحم أمّه وأباه - : ما أعلا منزلة زهير ، إذ كم هو الفارق كبير بين من يتمنّى القرب من رحمة اللّه ، وبين من تتمنّى رحمة اللّه الواسعة دوام القرب منه!! لا يبعدنك اللّه يا زهير(2). .
أن نجعل التقدير : لا يبعدنك اللّه عن رحمته ، أي أن يجعلك قريباً من رحمته و(رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الُْمحْسِنِينَ) ، فهي تتضمّن شهادة من سيد الشهداء عليهالسلام لزهير بن القين أ نّه من المحسنين ، وللمحسنين صفات
وخصال خاصة وردت في كتاب اللّه وكلام المعصومين .
وهي شهادة تضاف الى ما حازه زهير من الحسين عليهالسلام من شهاداتمن قبيل تشبيهه بمؤمن آل فرعون .
فيكون كلامه عليهالسلام يعبّر عن إحسان زهير وشكره عليهالسلام على إحسانه .
وربما قيل : أنّ رحمة اللّه الواسعة هو الحسين عليهالسلام فيؤول هذا الوجه الى الوجه الأول ، واللّه العالم .
قال عليهالسلام ولعن اللّه قاتليك ، لعن الذين مسخوا قردة وخنازير .
شبّه أبو الشهداء عليهالسلام في بداية المعركة زهير بن القين بمؤمن آل فرعون ، وختم له بنفس التشبيه لكن هذه المرّة من خلال لعن قاتله ، لعن الذين مسخوا قردة وخنازير ، وهم بنو إسرائيل الذين قتلوا مؤمن آل فرعون .
فأيّ شبه عظيم بين هذين السبّاقين المؤمنين الداعين الى اللّه ، والمسارعين الى حفظ حرمات اللّه ، وأيّ قصد لسيد الشهداء عليهالسلام من وراء هذا التشبيه ؟
اللّه ورسوله وأهل بيته وسيدي ومولاي الحسين عليهالسلام أعلم .
قال الشيخ السماوي رحمهالله في تأبين زهير بن القين(1):
لا يبعدنك اللّه من رجل * وعظ العدى بالواحد الأحد
ثم انثنى نحو الخميس فما * أبقى لدفع الضيم من أحد
1) إبصار العين للسماوي : 183 .
لمّا بقي الإمام الغريب العطشان وحيداً فريداً توجه نحو القوم ، وجعل ينظر يميناً وشمالاً ، فلم ير أحداً من أصحابه وأنصاره إلاّ من صافح التراب جبينه ، ومن قطع الحمام أنينه ، فنادى عليهالسلام :
يا مسلم بن عقيل ! ويا هاني بن عروة ! ويا حبيب بن مظاهر ! ويا زهير بن القين ! ويا . . ويا يحيى بن كثير ! ويا هلال بن نافع ! ويا إبراهيم بن الحصين ! ويا عمير بن المطاع ! ويا أسد الكلبي ! ويا عبد اللّه بن عقيل ! ويا مسلم بن عوسجة ! ويا داود بن الطرماح ! ويا حر الرياحي ! ويا علي بن الحسين !
ويا أبطال الصفا ! ويا فرسان الهيجاء ! ما لي أناديكم فلا تجيبوني ، وأدعوكم فلا تسمعوني ؟!
أنتم نيام أرجوكم تنتبهون ، أم حالت منيّتكم عن إمامكم فلا تنصرونه ؟!
فهذه نساء الرسول صلىاللهعليهوآله لفقدكم قد علاهن النحول ، فقوموا من نومتكم ، أيّها الكرام! وادفعوا عن حرم الرسول الطغاة اللئام .
ولكن صرعكم - واللّه - ريب المنون ، وغدر بكم الدهر الخؤون ، وإلالما كنتم عن دعوتي تقصرون ، ولا عن نصرتي تحتجبون ، فها نحن عليكم
مفتجعون ، وبكم لاحقون ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون .
ثم أنشأ يقول :
قوم إذا نودوا لدفع ملمّة
والقوم بين مدعس ومكردس
لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا
يتهافتون على ذهاب الأنفس
نصروا الحسين فيالها من فتية
عافوا الحياة والبسوا من سندس(1)
وكيف لا يعلو النحول بنات الرسول على زهير ، وهو من أبطال الصفا ، وفرسان الهيجا ، وقد دافع عن خدرهن ، وحرس حدودهن ، ودفع الأعداء عن خيامهن ، وكانت قلوبهن مطمئنة آمنة على أملهن الحسين عليهالسلام ما دامت عيون أصحابه تطرف وسيوفهم في أيديهم .
صلّى اللّه عليك يا زهير ، ولعن قاتليك
1) ناسخ التواريخ : 2/448 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين عليهالسلام : 581 ، مقتل الحسين عليهالسلام لأبي مخنف : 133 ، معالي السبطين : 2/19 .
المقدّمة... 5
اسمه ونسبه... 19
لقبه ونسبته... 22
البجلي... 22
الأنماري... 22
سنّه... 23
مكانته وشخصيته... 25
التزامه بالتقية... 25
أولاً : تشبيه الحسين عليهالسلام له بمؤمن آل فرعون... 25
ثانياً : إتهام الأعداء له... 26
ثالثاً : إنّه لم يكن مشهوراً... 26
دلالات تشبيهه بمؤمن آل فرعون... 29
أ نّه مؤمن... 29
صفات المؤمن... 30
إنّه عامل بالتقية... 41
إنّه يدافع عن المعصوم... 50إنّه يعتقد أنّ الحسين جاء بالبينات... 50
إنّه من القلّة الممدوحة... 51
برأ الحسين عليهالسلام دينه وأ نّه لم يضفه اليهم بدينه... 51
إنّه من الصالحين العاملين بالتقية... 52
إنّه ممدوح بكتمان علمه... 54
إنّه تحمل البقاء مع الأعداء لحماية الإمام... 55
مدح الحسين عليهالسلام أسلوبه في الوعظ وشهد له بالبلاغة وقوة العقل... 55
إنّه ممدوح بتحمله البلاء والدعوة مع ابتلائه... 57
تشبيهه بسباق الأمم وأنهم لم يكفروا باللّه طرفة عين... 57
تشبيهه بالثلة من الأولين... 59
تشبيهه بالصديقين... 60
إخباره أ نّه ممّن لا يفتن في دينه... 60
إخباره عليهالسلام له بقتله إخباراً خاصاً وأ نّه يقطع إرباً... 60
إخباره عن تسليمه وتفويض أمره للّه... 61
امتداحه باليقين والصبر على الشدائد... 62
أشار الى وجوب الأخذ بكلامه لأ نّه موافق للاحتياط... 62
الشهادة له بأنّه ممّن يدخل الجنة بمجرد القتل... 63
تشبيهه بأصحاب الكهف وأبي طالب وأنّ اللّه كتب لهم الأجر مرّتين... 63
الشهادة له بأنّه من شيعة أهل البيت الخلص... 64
شبهه بمن يقومون مع القائم قياماً خاصاً... 66مواقف زهير... 67
موقف زهير بذي حسم... 67
زهير مع الحسين عليهالسلام على مشارف كربلاء... 68
منع العدو من الدخول على الحسين عليهالسلام خوفاً من إغتياله... 74
الوقوف أمام الحسين عليهالسلام يقيه بنفسه في الصلاة... 75
الحسين عليهالسلام يخبر عن سؤال زهير وحبيب... 76
زهير في جملة الممثلين للحسين عليهالسلام... 79
يستمهل القوم مع العباس عليهالسلام... 79
موقف زهير ليلة العاشر... 79
دفاع زهير ورجاله في الميمنة عن الحسين عليهالسلام... 82
دفاع زهير عن حرم الحسين عليهالسلام... 82
شجاعة زهير... 86
مقام الوعظ... 89
خروجه شاك في السلاح... 92
التصوّر الأول... 92
إنّه متقدّم للموت فنصيحته لا مصلحة له فيها للدنيا... 92
التصور الثاني : تحرزاً من القوم... 93
التصور الثالث: استعرض القوة والاستعداد أمام العدو... 95
التصور الرابع : لأ نّه قائد عسكري في ساحة الوغى... 96
مضامين خطبته... 98أولاً : يا أهل الكوفة... 98
ثانياً : إعلانه عن مهمته... 99
الأمر الأول : الإنذار... 99
الأمر الثاني: النصيحة... 100
ثالثاً : أتباع الدين الواحد لا يتقاتلون... 101
رابعاً : التحذير من الارتداد والكفر... 102
خامساً : ابتلانا اللّه وإياكم بذرية النبي صلىاللهعليهوآله... 102
سادساً : دعوتهم إلى نصر الحسين عليهالسلام... 104
سابعاً : دعوتهم إلى خذلان الطاغية... 104
عائد ضمير التثنية في كلام زهير... 107
الأول : المراد عبيد اللّه وأبيه زياد... 107
الثاني : المراد يزيد وابن زياد... 109
لماذا لم يصرح زهير باسم يزيد ؟... 110
الجواب... 110
الأول : دلالة القرائن عليه... 110
الثاني : دأبه في التقية... 110
الثالث : تجنب الاستفزاز... 110
ردّ المسوخ... 111
خطاب آخر ودعوة أخرى... 113
أولاً : إنّ ولد فاطمة
عليهاالسلام أحقّ بالودّ والنصر من ابن سمية... 114
ثانياً : إن لم تنصروهم فلا تقتلوهم... 116ثالثاً : تكسبون رضا يزيد بدون قتل الحسين عليهالسلام... 117
ردّ القوم... 117
أفبالموت تخوفني ؟!... 119
الأمر الأول : الردّ على تهديده بالقتل... 120
الأمر الثاني : بيان حبّه للبقاء مع الحسين عليهالسلام على كلّ حال... 121
عودة إلى خطاب الأعداء... 121
الحسين عليهالسلام يدعو زهيراً... 124
هل تأثر القوم بموعظة زهير ؟... 125
رجز زهير... 128
وقفات... 130
الوقفة الأولى... 130
الوقفة الثانية... 130
الوقفة الثالثة... 130
« لفتات »... 131
اللفتة الأولى... 131
اللفتة الثانية... 132
اللفتة الثالثة... 135
اللفتة الرابعة... 136
الوقفة الرابعة... 137
« لفتات »... 138اللفتة الأولى... 138
اللفتة الثانية... 138
اللفتة الثالثة... 138
اللفتة الرابعة... 139
اللفتة الخامسة... 140
اللفتة السادسة... 140
اللفتة السابعة... 140
اللفتة الثامنة... 141
زيادات وروايات أخرى في الرجز... 143
هل كان زهير عثمانياً ؟... 145
مناقشة الخبر... 148
أولاً: أقدم مصدر نقل الخبر... 148
ثانياً: سند الخبر... 149
مناقشة المتن... 150
أولاً : من هو عزرة الذي اتهم زهيراً... 150
ثانياً : إنّها تهمة من العدو... 157
لماذا اتهم عزرة زهيراً ؟... 158
الأمر الأول : التقية... 158
الأمر الثاني : التسقيط... 159
معنى اصطلاح « عثماني »... 161الأمر الثالث: زعزعة الثقة بين أصحاب الحسين عليهالسلام... 164
ثالثاً : جواب زهير على الفرية... 165
المقصد الأول : التعريض بعزرة... 168
المقصد الثاني : وعظ عزرة ومن معه... 169
مضامين كلام زهير... 169
أولاً... 169
ثانياً... 170
ثالثاً... 170
رابعاً... 170
خامساً... 170
سادساً... 170
رابعاً : لا دليل على توبته... 171
خامساً : موقف أهل البيت عليهالسلام... 171
سادساً : إطلاعه على خصوصيات حياة أمير المؤمنين عليهالسلام... 174
أولاً... 176
ثانياً... 176
ثالثاً... 176
رابعاً... 177
خامساً... 177
سابعاً : إنّه كان مبشراً بنصرة الحسين عليهالسلام... 178ثامناً: دلالات خطبه... 179
تاسعاً: نمط علاقته بالحسين عليهالسلام... 181
الصورة الأولى : حضوره المستمر بين يدي الحسين عليهالسلام... 182
الصورة الثانية : اختياره للميمنة... 183
صاحب ميمنة الحسين عليهالسلام... 183
الصورة الثالثة : ضرب على كتف الحسين عليهالسلام... 186
الصورة الرابعة : مواساته للحسين عليهالسلام... 187
عاشراً : لو كان عثمانياً لتوثب لقتال الحسين عليهالسلام... 189
هل كره زهير منازلة الحسين عليهالسلام ؟... 190
أولاً : السند... 192
ثانياً : ظروف نقل الخبر... 192
ثالثاً : لم يكن زهير وحده في تلك الرحلة... 193
رابعاً : خروج زهير من مكة بعد الحج... 194
الملاحظة الأولى : المسايرة... 194
الملاحظة الثانية... 195
الملاحظة الثالثة... 195
الملاحظة الرابعة... 196
خامساً : روايات لم تذكر امتناع زهير... 197
سادساً : المرافقون كانوا عثمانية... 198
سابعاً : المطلوب للحسين عليهالسلام زهير بن القين فقط... 199ثامناً : ينتظرون الحسين عليهالسلام في الصحراء... 200
أسدي ينتظر الشهادة مع الحسين عليهالسلام في كربلاء... 202
خروج الكلبي مع أهله في طلب الحسين عليهالسلام... 203
تاسعاً : ما لبث أن جاء مستبشراً... 208
عاشراً : زهير بن القين خرج يتلقّى الحسين عليهالسلام... 211
الحادي عشر : ورد هذا الاتهام في حقّ غير زهير... 212
ابن عمّه المستشهد معه... 215
دلهم بنت عمرو زوجة زهير بن القين... 217
عقلها ومعرفتها... 218
إخبارها بالفراق والشهادة... 220
وداعها مع زوجها... 221
كلمات الوداع... 223
الفقرة الأولى: كان اللّه عوناً ومعيناً... 223
الفقرة الثانية: خار اللّه لك... 224
الفقرة الثالثة : أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليهالسلام... 225
الرجاء العظيم... 226
لماذا الطلاق ؟... 226
الجواب الأول... 226
الجواب الثاني... 227
الجواب الثالث... 227الجواب الرابع... 228
هل التقت دلهم الحسين عليهالسلام ؟... 228
امرأة زهير تكفن الحسين عليهالسلام وزوجها... 229
زيارة زهير بن القين... 231
النمط الأول : الزيارة الخاصة... 231
تسليم الحجة عليهالسلام عليه... 231
أولاً: إختصاص زهير بالإكرام... 233
ثانياً: الثأر لدم زهير... 233
ثالثاً: ليلة العاشر كانت مركز الإبتلاء... 233
رابعاً: شكر الموقف... 235
خامساً: خصوصية الموقف ليلة العاشر... 236
النمط الثاني : الزيارة العامة... 237
النص الأول... 238
النكتة الأولى... 238
النكتة الثانية... 239
النكتة الثالثة... 239
النكتة الرابعة... 240
النكتة الخامسة... 240
النص الثاني... 241النص الثالث... 244
النص الرابع... 245
النص الخامس... 245
النص السادس... 246
النص السابع... 246
النص الثامن... 247
النص التاسع... 247
النص العاشر... 247
النص الحادي عشر... 248
النص الثاني عشر... 248
شهادة زهير... 249
مبارزة زهير... 249
متى استشهد زهير... 250
شهادته... 250
« 1 »... 250
« 2 »... 251
« 3 »... 254
« 4 »... 255
تأبين الحسين عليهالسلام لزهير... 256الوجه الأول... 257
الوجه الثاني... 257
لعن اللّه قاتل زهير... 258
الإمام الغريب يستصرخ زهير وإخوته بعد الشهادة... 259
الفهرست... 261