ثورة الامام الحسین علیه السلام واثرها على حرکات المعارضة حتى عام 132ﻫ

ghaemiyeh.com

اشارة

ثورة الإمام الحسين علیه السلام وأثرها على حركات المعارضة حتى عام 132ﻫ.

تألیف : د. مروان عطية مايع الزيدي

نشر: النجف، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، قسم الشؤون الفكرية والثقافية، مؤسسة وارث

الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

اشارة

بطاقة فهرسة


مصدر الفهرسة: IQ – KaPLI ara IQ –KaPLI rda

رقم الاستدعاء: BP41.5.Z39 2018

المؤلف: الزيدي، د.مروان عطية مايع. مؤلف.

العنوان: ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) وأثرها على حركات المعارضة حتى عام 132 ﻫ.

بيان المسؤولية: د.مروان عطية مايع الزيدي

بيانات الطبعة: الطبعة الأولى.

بيانات النشر: النجف، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، قسم الشؤون الفكرية والثقافية، مؤسسة وارث

الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية، 2018 / 1439 للهجرة.

الوصف المادي: 262 صفحة ؛ 24 سم.

سلسلة النشر: (العتبة الحسينية المقدسة ؛ 401).

سلسة النشر: (مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية).

تبصرة عامة: أصل الكتاب رسالة ماجستير في التاريخ الإسلامي

تبصرة ببليوغرافية: يتضمن هوامش، لائحة المصادر الصفحات (243-257).

موضوع شخصي: الحسين بن علي الشهيد(علیه السلام)، الإمام الثالث، 4-61 للهجرة –سيرة.

موضوع شخصي: الحسين بن علي الشهيد(علیه السلام)، الإمام الثالث، 4-61 للهجرة – واقعة كربلاء، 61 للهجرة.

موضوع شخصي: الحسين بن علي الشهيد(علیه السلام)، الإمام الثالث، 4-61 للهجرة - استشهاد.

موضوع شخصي: معاوية بن أبي سفيان، معاوية بن صخر، 20 قبل الهجرة–60 للهجرة – نقد وتفسير.

موضوع شخصي: يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، الخليفة الأموي 25-64 للهجرة – نقد وتفسير.

مصطلح موضوعي: واقعة كربلاء، 61 للهجرة - نتائج وتأثيرات.

مصطلح موضوعي: التاريخ الإسلامي - العصر الأموي، 41-132 للهجرة.

مصطلح موضوعي: الثورات - العصر الأموي، 41-132 للهجرة.

مصطلح موضوعي: واقعة الحرة، 63 للهجرة.مصطلح موضوعي: الشيعة - ثورات.

مصطلح موضوعي: ثورة التوابين، 65 للهجرة.

مصطلح موضوعي: ثورة المختار بن أبي عبيدة، 67 للهجرة.

مصطلح موضوعي: ثورة زيد بن علي بن الحسين(علیه السلام)، 122 للهجرة.

مصطلح موضوعي: العباسيون - ثورات.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة. قسم الشؤون الفكرية والثقافية. مؤسسة وارث الأنبياء

للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية، جهة مصدرة.


تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية المقدسة

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (1793) لسنة (2018م)

ثورة الإمام الحسين علیه السلام وأثرها على حركات المعارضة

حتى عام 132ﻫ.

تألیف : د. مروان عطية مايع الزيدي

الإشرافُ العِلمِیّ مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

جمیع الحقوق المحفوظة

للعتبة الحسينية المقدسة

العطبعة الاولی

1440ﻫ - 2019 م

إصدار

مؤسسة وارث الأنبياء

للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

بسم الله الرحمن الرحیم

تنويه: هذا الكتاب هو جزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير في التاريخ الإسلامي

وهي بعنوان: ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) وأثرها على حركات المعارضة حتى عام 132ﻫ

تقدم بها الطالب: مروان عطية مايع الزيدي

تحت إشراف: أ. م. د. نضال حميد الربيعي

قدمت إلى مجلس كلية التربية / الجامعة المستنصرية

لسنة 1428ﻫ /2007م

مراجعة وتدقيق

اللجنة العلمية في قسم الرسائل الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء

د. الشيخ عبد الرحمن الربيعي، د. الشيخ علي حمود العبادي،

د. السيد خالد السيساوي، د. الشيخ عدي السهلاني، الأستاذ معروف عبد المجيد

هوية الكتاب

عنوان الكتاب ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) وأثرها على حركات المعارضة حتى عام 132ﻫ

المؤلفد.مروان عطية مايع الزيدي

الإشراف العلمياللجنة العلمية في مؤسسة وارث الأنبياء

الإخراج الفنيحسين المالكي

الطبعةالأولى

سنة الطبع1440ﻫ - 2019م

عدد النسخ1000

بسم الله الرحمن الرحیم

«لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ»

صدق الله العلي العظيم

(البقرة: آية286).

الإهداء..

إلى كل من نطق بكلمة حق عند سلطان جائر...

إلى مَن أوصى الله بهم فقال وبالوالدين إحسانا...

إلى عوني وأملي في الحياة أخويّ... عدنان و بشير...

أَهدي جهدي....

مروان

شكر وامتنان

إلهي كم من همّ يضعف فيه الفؤاد ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ نزل بي شكوته إليك... فأول شكري لك خالصاً.

وبعد...

فإنّي أقدّم جزيل شكري وامتناني إلى أستاذي المشرف الدكتورة نضال حميد الربيعي، التي لم تبخل عليّ بنصائحها، فكانت خير عون لي، وكان لتوجيهاتها القيّمة الأثر البالغ في إخراج هذا البحث على ما هو عليه، داعياً الله سبحانه وتعالى أن يمنّ عليها بوافر العافية إنه سميع مجيب. كما يسرّني أن أقدّم شكري وتقديري إلى أساتذتي في المرحلة التحضيرية؛ وهم الأستاذ الدكتور رشيد عبد الله الجميلي، والأستاذ الدكتور محمد مفيد آل ياسين، والأستاذ الدكتورة أمل السعدي. وإن نسيت فلن أنسى ذكرى أستاذي المرحوم الدكتور محمد سعيد رضا تغمّد الله روحه برحمته ومنّ عليه بالمغفرة والرضوان. كما وأقدّم بعد ذلك شكري وامتناني للأخت نوال لما قدّمته لي من نصائح كانت عوناً لي. فضلاً عن امتناني الوافر أسوقه بين يدي الأخوة والأخوات العاملين في مكتبتي جامعة بغداد والجامعة المستنصرية. وأقدّم جزيل شكريللمركز الثقافي للدراسات الإسلامية لما قدّموه لي من تسهيلات. أما كلماتي الخجلى وامتناني العظيم فأخصّ به عائلتي التي أحاطتني بالرعاية الكريمة والحنوّ الدافئ فإليهم جهد المقلّ المقصّر.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.. عليه توكّلت وإليه أنيب...

الباحث

المصطلحات

صورة

12

مقدّمة المؤسّسة

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

إنّ العلم والمعرفة مصدر الإشعاع الذي يهدي الإنسان إلى الطريق القويم، ومن خلالهما يمكنه أن يصل إلى غايته الحقيقية وسعادته الأبدية المنشودة، فبهما يتميّز الحقّ من الباطل، وبهما تُحدد اختيارات الإنسان الصحيحة، وعلى ضوئهما يسير في سبل الهداية وطريق الرشاد الذي خُلق من أجله، بل على أساس العلم والمعرفة فضّله الله عز وجل على سائر المخلوقات، واحتج عليهم بقوله: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»(1)، فبالعلم يرتقي المرء وبالجهل يتسافل، وقد جاء في الأثر «العلمُ نورٌ»(2)، كما بالعلم والمعرفة تتفاوت مقامات البشر ويتفوّق بعضهم على بعض عند الله عز وجل، إذ «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ»(3)،وبهما تسعد المجتمعات، وبهما الإعمار والازدهار، وبهما الخير كلّ الخير.

ومن أجل العلم والمعرفة كانت التضحيات الكبيرة التي قدّمها الأنبياء والأئمة


1) البقرة: آية31.

2) الريشهري، محمّد، العلم والحكمة في الكتاب والسنّة: ص36، نقلاً عن قرّة العيون للفيض الكاشاني: ص 438.

3) المجادلة: آية11.

والأولياء(علیهم السلام)، تضحيات جسام كان هدفها منع الجهل والظلام والانحراف، تضحيات كانت غايتها إيصال المجتمع الإنساني إلى مبتغاه وهدفه، إلى كماله، إلى حيث يجب أن يصل ويكون، فكان العلم والمعرفة هدف الأنبياء المنشود لمجتمعاتهم، وتوسّلوا إلى الله عز وجل بغية إرسال الرسل التي تعلّم المجتمعات فقالوا: «وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»(1)، و«لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ»(2)، ما يعني أنّ دون العلم والمعرفة هو الضلال المبين والخسران العظيم.

بل هو دعاؤهم(علیهم السلام) ومبتغاهم من الله عز وجل لأنفسهم أيضاً، إذ طلبوا منه تعالى بقولهم: «وَاملأ قُلُوبَنا بِالْعِلْمِ وَالمَعْرفَةِ»(3).

وبالعلم والمعرفة لا بدّ أن تُثمّن تلك التضحيات، وتُقدّس تلك الشخصيات التي ضحّت بكلّ شيء من أجل الحقّ والحقيقة، من أجل أن نكون على علم وبصيرة، من أجل أن يصل إلينا النور الإلهي، من أجل أن لا يسود الجهلوالظلام.

فهذه هي سيرة الأنبياء والأئمة(علیهم السلام) سيرة الجهاد والنضال والتضحية والإيثار لأجل نشر العلم والمعرفة في مجتمعاتهم، تلك السيرة الحافلة بالعلم والمعرفة في كلّ جانب من جوانبها، والتي ينهل منها علماؤنا في التصدّي لحلّ مشاكل مجتمعاتهم على مرّ العصور والأزمنة والأمكنة، وفي كافّة المجالات وشؤون البشر.

وهذه القاعدة التي أسسنا لها لا يُستثنى منها أيّ نبي أو وصي، فلكلّ منهم(علیهم السلام)


1) البقرة: آية129.

2) آل عمران: آية164.

3) الكفعمي، إبراهيم، المصباح: ص280.

سيرته العطرة التي ينهل منها البشر للهداية والصلاح، إلّا أنّه يتفاوت الأمر بين أفرادهم من حيث الشدّة والضعف، وهو أمر عائد إلى المهام التي أنيطت بهم(علیهم السلام)، كما أخبر عز وجل بذلك في قوله: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ»(1)، فسيرة النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم) ليست كبقية سير الأنبياء، كما أنّ سيرة الأئمة(علیهم السلام) ليست كبقية سير الأوصياء السابقين، كما أنّ التفاوت في سير الأئمة(علیهم السلام) فيما بينهم مما لا شك فيه، كما في تفضيل أصحاب الكساء على بقية الأئمة(علیهم السلام) .

والإمام الحسين(علیه السلام) تلك الشخصية القمّة في العلم والمعرفة والجهاد والتضحية والإيثار، أحد أصحاب الكساء الخمسة التي دلّت النصوص على فضلهم ومنزلته معلى سائر المخلوقات، الإمام الحسين(علیه السلام) الذي قدّم كلّ شيء من أجل بقاء النور الرباني، الذي يأبى الله أن ينطفئ، الإمام الحسين(علیه السلام) الذي بتضحيته تعلّمنا وعرفنا، فبقينا.

فمن سيرة هذه الشخصية العظيمة التي ملأت أركان الوجود تعلَّم الإنسان القيم المثلى التي بها حياته الكريمة، كالإباء والتحمّل والصبر في سبيل الوقوف بوجه الظلم، وغيرها من القيم المعرفية والعملية، التي كرَّس علماؤنا الأعلام جهودهم وأفنوا أعمارهم من أجل إيصالها إلى مجتمعات كانت ولا زالت بأمس الحاجة إلى هذه القيم، وتلك الجهود التي بُذلت من قبل الأعلام جديرة بالثناء والتقدير؛ إذ بذلوا ما بوسعهم وأفنوا أغلى أوقاتهم وزهرة أعمارهم لأجل هذا الهدف النبيل.

إلّا أنّ هذا لا يعني سدّ أبواب البحث والتنقيب في الكنوز المعرفية التي


1) البقرة: آية253.

تركها(علیه السلام) للأجيال اللاحقة - فضلاً عن الجوانب المعرفية في حياة سائر المعصومين(علیهم السلام) - إذ بقي منها من الجوانب ما لم يُسلّط الضوء عليه بالمقدار المطلوب، وهي ليست بالقليل، بل لا نجانب الحقيقة فيما لو قلنا: بل هي أكثر مما تناولته أقلام علمائنا بكثير، فلا بدّ لها أن تُعرَف لتُعرَّف، بل لا بدّ من العمل على البحث فيها ودراستها من زوايا متعددة، لتكون منهجاً للحياة، وهذا ما يزيد من مسؤولية المهتمين بالشأن الديني، ويحتّم عليهم تحمّل أعباء التصدّي لهذه المهمّة الجسيمة؛استكمالاً للجهود المباركة التي قدّمها علماء الدين ومراجع الطائفة الحقّة.

ومن هذا المنطلق؛ بادرت الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدّسة لتخصيص سهم وافر من جهودها ومشاريعها الفكرية والعلمية حول شخصية الإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة؛ إذ إنّها المعنيّة بالدرجة الأولى والأساس بمسك هذا الملف التخصصي، فعمدت إلى زرع بذرة ضمن أروقتها القدسية، فكانت نتيجة هذه البذرة المباركة إنشاء مؤسّسة وارث الأنبياء للدراسات التخصّصية في النهضة الحسينية، التابعة للعتبة الحسينية المقدّسة، حيث أخذت على عاتقها مهمّة تسليط الضوء - بالبحث والتحقيق العلميين - على شخصية الإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة وسيرته العطرة، وكلماته الهادية، وفق خطة مبرمجة وآلية متقنة، تمّت دراستها وعرضها على المختصين في هذا الشأن؛ ليتمّ اعتمادها والعمل عليها ضمن مجموعة من المشاريع العلمية التخصصية، فكان كلّ مشروع من تلك المشاريع متكفّلاً بجانب من الجوانب المهمّة في النهضة الحسينية المقدّسة.

كما ليس لنا أن ندّعي - ولم يدّعِ غيرنا من قبل - الإلمام والإحاطة بتمام جوانب شخصية الإمام العظيم ونهضته المباركة، إلّا أنّنا قد أخذنا على أنفسنا بذلقصارى جهدنا، وتقديم ما بوسعنا من إمكانات في سبيل خدمة سيّد الشهداء(علیه السلام)، وإيصال أهدافه السامية إلى الأجيال اللاحقة.

المشاريع العلمية في المؤسسة

اشارة

بعد الدراسة المتواصلة التي قامت بها مؤسَّسة وارث الأنبياء حول المشاريع العلمية في المجال الحسيني، تمّ الوقوف على مجموعة كبيرة من المشاريع التي لم يُسلَّط الضوء عليها كما يُراد لها، وهي مشاريع كثيرة وكبيرة في نفس الوقت، ولكلٍّ منها أهميته القصوى، ووفقاً لجدول الأولويات المعتمد في المؤسَّسة تمّ اختيار المشاريع العلميّة الأكثر أهميّة، والتي يُعتبر العمل عليها إسهاماً في تحقيق نقلة نوعية للتراث والفكر الحسيني، وهذه المشاريع هي:

الأوّل: قسم التأليف والتحقيق

اشارة

إنّ العمل في هذا القسم على مستويين:

أ - التأليف

ويُعنَى هذا القسم بالكتابة في العناوين الحسينية التي لم يتمّ تناولها بالبحث والتنقيب، أو التي لم تُعطَ حقّها من ذلك. كما يتمُّ استقبال النتاجات القيِّمة التي أُلِّفت من قبل العلماء والباحثين في هذا القسم؛ ليتمَّ إخضاعها للتحكيم العلمي، وبعد إبداء الملاحظات العلمية وإجراء التعديلات اللازمة بالتوافق مع مؤلِّفيها يتمّطباعتها ونشرها.

ب - التحقيق

والعمل فيه قائم على جمع وتحقيق وتنظيم التراث المكتوب عن مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، ويشمل جميع الكتب في هذا المجال، سواء التي كانت بكتابٍ مستقلٍّ أو ضمن كتاب، تحت عنوان: (موسوعة المقاتل الحسينيّة). وكذا العمل جارٍ في هذا القسم على رصد المخطوطات الحسينية التي لم تُطبع إلى الآن؛ ليتمَّ جمعها وتحقيقها، ثمّ طباعتها ونشرها. كما ويتمُّ استقبال الكتب التي تمّ تحقيقها خارج المؤسَّسة، لغرض طباعتها ونشرها، وذلك بعد إخضاعها للتقييم العلمي من قبل اللجنة

العلمية في المؤسَّسة، وبعد إدخال التعديلات اللازمة عليها وتأييد صلاحيتها للنشر تقوم المؤسَّسة بطباعتها.

الثاني: مجلّة الإصلاح الحسيني

وهي مجلّة فصلية متخصّصة في النهضة الحسينية، تهتمّ بنشر معالم وآفاق الفكر الحسيني، وتسلِّط الضوء على تاريخ النهضة الحسينية وتراثها، وكذلك إبراز الجوانب الإنسانية، والاجتماعية والفقهية والأدبية في تلك النهضة المباركة، وقد قطعت شوطاً كبيراً في مجالها، واحتلّت الصدارة بين المجلات العلمية الرصينة في مجالها، وأسهمت في إثراء واقعنا الفكري بالبحوثالعلمية الرصينة.

الثالث: قسم ردّ الشُّبُهات عن النهضة الحسينية

إنّ العمل في هذا القسم قائم على جمع الشُّبُهات المثارة حول الإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة، وذلك من خلال تتبع مظانّ تلك الشُّبُهات من كتب قديمة أو حديثة، ومقالات وبحوث وندوات وبرامج تلفزيونية وما إلى ذلك، ثُمَّ يتمُّ فرزها وتبويبها وعنونتها ضمن جدول موضوعي، ثمّ يتمُّ الردُّ عليها بأُسلوب علميّ تحقيقي في عدَّة مستويات.

الرابع: الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين(علیه السلام)

وهي موسوعة علمية تخصصية مستخرَجة من كلمات الإمام الحسين(علیه السلام) في مختلف العلوم وفروع المعرفة، ويكون ذلك من خلال جمع كلمات الإمام الحسين(علیه السلام) من المصادر المعتبرة، ثمّ تبويبها حسب التخصّصات العلمية مع بيان لتلك الكلمات، ثمّ وضعها بين يدي ذوي الاختصاص؛ ليستخرجوا نظريات علميّة ممازجة بين كلمات الإمام(علیه السلام) والواقع العلمي.

الخامس: قسم دائرة معارف الإمام الحسين(علیه السلام) أو (الموسوعة الألفبائية الحسينية)

وهي موسوعة تشتمل على كلّ ما يرتبط بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة من

أحداث، ووقائع، ومفاهيم، ورؤى، وأعلام وبلدان وأماكن، وكتب، وغير ذلك،مرتّبة حسب حروف الألف باء، كما هو معمول به في دوائر المعارف والموسوعات، وعلى شكل مقالات علميّة رصينة، تُراعَى فيها كلّ شروط المقالة العلميّة، مكتوبة بلغةٍ عصرية وأُسلوبٍ حديث.

السادس: قسم الرسائل والأطاريح الجامعية

إنّ العمل في هذا القسم يتمحور حول أمرين: الأوّل: إحصاء الرسائل والأطاريح الجامعية التي كُتبتْ حول النهضة الحسينية، ومتابعتها من قبل لجنة علمية متخصّصة؛ لرفع النواقص العلمية، وتهيئتها للطباعة والنشر، الثاني: إعداد موضوعات حسينيّة من قبل اللجنة العلمية في هذا القسم، تصلح لكتابة رسائل وأطاريح جامعية، تكون بمتناول طلّاب الدراسات العليا.

السابع: قسم الترجمة

يقوم هذا القسم بمتابعة التراث المكتوب حول الإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة باللغات غير العربية لنقله إلى العربية، ويكون ذلك من خلال تأييد صلاحيته للترجمة، ثمَّ ترجمته أو الإشراف على ترجمته إذا كانت الترجمة خارج القسم.

الثامن: قسم الرَّصَد والإحصاء

يتمُّ في هذا القسم رصد جميع القضايا الحسينيّة المطروحة في جميع الوسائل المتّبعة في نشر العلم والثقافة، كالفضائيات، والمواقع الإلكترونية، والكتب،والمجلات والنشريات، وغيرها؛ ممّا يعطي رؤية واضحة حول أهمّ الأُمور المرتبطة بالقضية الحسينية بمختلف أبعادها، وهذا بدوره يكون مؤثّراً جدّاً في رسم السياسات العامّة للمؤسّسة، ورفد بقيّة الأقسام فيها، وكذا بقية المؤسّسات والمراكز العلمية في شتّى المجالات.

التاسع: قسم المؤتمرات والندوات العلمية

ويتمّ العمل في هذا القسم على إقامة مؤتمرات وملتقيات وندوات علميّة فكرية متخصّصة في النهضة الحسينية، لغرض الإفادة من الأقلام الرائدة والإمكانات الواعدة، ليتمّ طرحها في جوٍّ علميّ بمحضر الأساتذة والباحثين والمحقّقين من ذوي الاختصاص، كما تتمّ دعوة العلماء والمفكِّرين؛ لطرح أفكارهم ورؤاهم القيِّمة على الكوادر العلمية في المؤسَّسة، وكذا سائر الباحثين والمحققين وكلّ من لديه اهتمام بالشأن الحسيني، للاستفادة من طرق قراءتهم للنصوص الحسينية وفق الأدوات الاستنباطية المعتمَدة لديهم.

العاشر: قسم المكتبة الحسينية التخصصية

وهي مكتبة حسينية تخصّصية تجمع التراث الحسيني المخطوط والمطبوع، أنشأتها مؤسَّسة وارث الأنبياء، وهي تجمع آلاف الكتب المهمّة في مجال تخصُّصها.

الحادي عشر: قسم الموقع الإلكترونيوهو موقع إلكتروني متخصِّص بنشر نتاجات وفعاليات مؤسَّسة وارث الأنبياء، يقوم بنشر وعرض كتبها ومجلاتها التي تصدرها، وكذا الندوات والمؤتمرات التي تقيمها، وكذا يسلِّط الضوء على أخبار المؤسَّسة، ومجمل فعالياتها العلمية والإعلامية.

الثاني عشر: القسم النسوي

يعمل هذا القسم من خلال كادر علمي متخصص وبأقلام علمية نسوية في الجانب الديني والأكاديمي على تفعيل دور المرأة المسلمة في الفكر الحسيني، كما يقوم بتأهيل الباحثات والكاتبات ضمن ورشات عمل تدريبية، وفق الأساليب المعاصرة في التأليف والكتابة.

الثالث عشر: القسم الفني

إنّ العمل في هذا القسم قائم على طباعة وإخراج النتاجات الحسينية التي تصدر عن المؤسَّسة، من خلال برامج إلكترونية متطوِّرة يُشرف عليها كادر فنيّ متخصِّص، يعمل على تصميم الأغلفة وواجهات الصفحات الإلكترونية، وبرمجة الإعلانات المرئية والمسموعة وغيرهما، وسائر الأمور الفنيّة الأخرى التي تحتاجها كافّة الأقسام.

وهناك مشاريع أُخرى سيتمّ العمل عليها إن شاء الله تعالى.

قسم الرسائل والأطاريح الجامعية في مؤسسة وارث الأنبياء

اشارة

يتكفّل قسم الرسائل والأطاريح الجامعية بمهمّة نشر الفكر الحسيني المبارك، من خلال تفعيل الدراسات والأبحاث العلمية الحسينية في الأوساط الجامعية والأكاديمية بمستوياتها الثلاثة: البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه، مضافاً إلى الرُقي بالمستوى العلمي والتحقيقي للكفاءات الواعدة المهتمّة بالنهضة الحسينية في جميع مجالاتها. وقد تصدّى لهذه المسؤولية نخبة من الأساتذة المحقِّقين في المجال الحوزوي والأكاديمي.

أهداف القسم

الغاية من وراء إنشاء هذا القسم جملة من الأهدافالمهمّة، منها:

1- إخضاع الدراسات والأبحاث الحسينية لمناهج البحث المعتمَدَة لدى المعاهد والجامعات.

2- إبراز الجوانب المهمّة وفتح آفاق جديدة أمام الدراسات والأبحاث المتعلّقة بالنهضة الحسينية، من خلال اختيار عناوين ومواضيع حيوية مواكبة للواقع المعاصر.

3- الارتقاء بالمستوى العلمي للكوادر الجامعية، والعمل على تربية جيل يُعنَى

بالبحث والتحقيق في مجال النهضة الحسينية الخالدة.

4- إضفاء صبغة علمية منهجية متميزة على صعيد الدراسات الأكاديمية، المرتبطة بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة.

5- تشجيع الطاقات الواعدة في المعاهد والجامعات؛ للولوج في الأبحاث والدراسات العلمية في مختلف مجالات البحث المرتبطة بالنهضة الحسينية، ومن ثَمّ الاستعانة بأكفّائها في نشر ثقافة النهضة، وإقامة دعائم المشاريع المستقبلية للقسم.

6- معرفة مدى انتشار الفكر الحسيني في الوسط الجامعي؛ لغرض تشخيص آلية التعاطي معه علمياً.

7 - نشر الفكر الحسيني في الأوساط الجامعية والأكاديمية.

8 - تشخيص الأبعاد التي لم تتناولها الدراسات الأكاديمية فيما يتعلّق بالنهضة الحسينية، ومحاولة العمل على إبرازها في الدراسات الجديدة المقترحة.

9- التعريف بالرسائل الجامعية المرتبطة بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة؛ والتي تمّت كتابتها ومناقشتها في الجامعات.

آليات عمل القسم

اشارة

إنّ طبيعة العمل في قسم الرسائل الجامعية تكون على مستويات ثلاثة:

المستوى الأوّل: العناوين والمواضيع الحسينية

يسير العمل فيه طبقاً للخطوات التالية:

1- إعداد العناوين والموضوعات التخصّصية، التي تُعنَى بالفكر الحسيني طبقاً للمعايير والضوابط العلمية، مع الأخذ بنظر الاعتبار جانب الإبداع والأهمية لتلك العناوين.

2- وضع الخطّة الإجمالية لتلك العناوين والتي تشتمل على البحوث التمهيدية والفصول ومباحثها الفرعية، مع مقدّمة موجَزَة عن طبيعة البحث وأهميته والغاية

منه.

3- تزويد الجامعات المتعاقد معها بتلك العناوين المقترَحَة مع فصولها ومباحثها.

المستوى الثاني: الرسائل قيد التدوين

يسير العمل فيه على النحو التالي:

1- مساعدة الباحث في كتابة رسالته من خلال إبداءالرأي والنصيحة.

2- استعداد القسم للإشراف على الرسائل والأطروحات فيما لو رغب الطالب أو الجامعة في ذلك.

3- إنشاء مكتبة متخصِّصة بالرسائل الجامعية؛ لمساعدة الباحثين على إنجاز دراساتهم ورسائلهم، فضلاً عن إتاحة الفرصة أمامهم للاستفادة من مكتبة المؤسَّسة المتخصّصة بالنهضة الحسينية.

المستوى الثالث: الرسائل المناقشة

يتمّ التعامل مع الرسائل التي تمّت مناقشتها على النحو التالي:

1- وضع الضوابط العلمية التي ينبغي أن تخضع لها الرسائل الجامعية، تمهيداً لطبعها ونشرها وفقاً لقواعد ومقرَّرات المؤسَّسة.

2- رصد وإحصاء الرسائل الأكاديمية التي تمّ تدوينها حول النهضة الحسينية المباركة.

3- استحصال متون ونصوص تلك الرسائل من الجامعات المتعاقَد معها، والاحتفاظ بها في مكتبة المؤسَّسة.

4- قيام اللجنة العلمية في القسم بتقييم الرسائل المذكورة، والبتِّ في مدى صلاحيتها للطباعة والنشر من خلال جلسات علمية يحضرها أعضاء اللجنة المذكورة.

5- تحصيل موافقة صاحب الرسالة لإجراء التعديلاتاللازمة، سواء أكان

ذلك من قبل الطالب نفسه أم من قِبل اللجنة العلمية في القسم.

6- إجراء الترتيبات القانونية اللازمة لتحصيل الموافقة من الجامعة المعنِيَّة وصاحب الرسالة على طباعة ونشر رسالته التي تمّت الموافقة عليها بعد إجراء التعديلات اللازمة.

7- فسح المجال أمام الباحث؛ لنشر مقال عن رسالته في مجلة (الإصلاح الحسيني) الفصلية المتخصِّصة في النهضة الحسينية التي تصدرها المؤسَّسة.

8 - العمل على تلخيص الرسائل الجامعية، ورفد الموقع الإلكتروني التابع للمؤسَّسة بها، ومن ثَمَّ طباعتها تحت عنوان: دليل الرسائل الجامعية المرتبطة بالإمام الحسين(علیه السلام) ونهضته المباركة.

هذه الرسالة: ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) وأثرها على حركات المعارضة حتّى عام 132ﻫ

إنّ نهضة الإمام الحسين(علیه السلام) كانت شاملة لمختلف مجالات الحياة فهي نهضة علمية اقتصادية سياسية فكرية عقائدية، وهي نهضة بوجه جميع الانحرافات على مختلف المستويات، فهي في واقعها رفض كلّ ظلم وانحراف يضر بالفرد والمجتمع؛ لذلك كانت هذه النهضة المباركة نهضة إصلاح وكفاح وتغيير للأوضاع المأساوية التي خلقتها الحكومات الجائرة في ذلك الزمانوالتي حرّفت التعاليم الإسلامية على مستوى العقيدة والفقه والأخلاق وسائر القيم والمبادئ الحقة. تلك الحكومات التي أرادت لمشعل الهداية الأخير أن ينطفئ ولكن يأبى الله تعالى إلّا أن يتمّ نوره، وببركة الدماء الزاكية التي صعدت في سماء كربلاء بدأت رياح التغيير تهب في العالم الإسلامي، وبدأت الضمائر تصحو وتستيقظ من سبات عميق، فحصلت تغييرات عديدة بعضها آني وقريب وبعضها على المدى البعيد، ومن تلك الأمور الثورات العديدة التي حصلت في العالم الإسلامي والتي كانت متأثرة بنهضة الإمام الحسين(علیه السلام) سواء على مستوى القيم والمبادئ أو الشعارات والكلمات

أو الأهداف والغايات أو غير ذلك. ولا نريد أن نقول: إنّ جميع تلك الثورات على الحكم الجائر كانت حقة وفي محلّها وبرجالاتها الأكفاء، وإنّما نريد أن نبيّن حقيقة من الحقائق وهي تأثر الكثير من تلك الثورات بنهضة الإمام الحسين(علیه السلام)، وهذا ما يستدعي البحث عن النهضة الحسينية وخلفياتها ومبادئها وقيمها، ثمّ عرض كيفية تأثير هذه النهضة بباقي الثورات اللاحقة.

وهذا ما سلّط الباحث عليه الضوء في هذه الرسالة، فبعد أن بيّن نبذة عن حياة الإمام الحسين(علیه السلام) تطرّق إلى أسباب النهضة ودوافعها، ثمّ تطرّق إلى الأوضاع من حين خروج الإمام الحسين(علیه السلام) حتّى استشهاده، ثمّ بيّن حركاتالمعارضة التي تأثرت بتلك النهضة المقدّسة إلى سنة 132هجرية.

وفي الختام نسأل الله تعالى للمؤلِّف دوام السَّداد والتوفيق لخدمة القضية الحسينية، ونسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أعمالنا إنَّه سميعٌ مجيبٌ.

اللجنة العلمية في

مؤسسة وارث الأنبياء

للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

مقدمة قسم الرسائل الجامعية

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلائق المسمّى في السماء بأحمد وفي الأرض بأبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

لا شكّ أنّ التعرّف على تجليات النهضة الحسينية هو تعرّف على السنن التاريخية والسنن الإلهية التي تتعلّق برسالة السماء وسيرة المعصومين عليهم السلام، فنهضة الإمام الحسين(علیه السلام) هي أهمّ محطات الإصلاح التي تركت بصماتها خالدة على جبين التاريخ، غير متأثّرة بعامل الزمان والمكان؛ ما جعل عطاءها دائماً ومستمراً، فصرخة التحدّي الحسيني الذي هزّت عروش الجبابرة وأيقظت الوجدان الإسلامي صارت سمفونية إباء يعزفها كل حر من أبناء هذه الأمة.

لقد عاين الإمام الحسين(علیه السلام) من خلال انتفاضته في وجه الظلم سرّ الخلود الأبدي، وفتح بدمائه ودماء أنصاره أبواب الملكوت، حتى تجلّى على رمضاء كربلاء الكمال الإنساني بأعظم بهائه وجماله. وباتت نهضته الخالدة المباركة أيقونة الإباء والعزة والكرامة، ومدرسة تستلهممنها كلُ نهضة قامت للحق ومن أجل الحق دروسَ الإباء والحرية، كما عبّر عن ذلك الزعيم الهندي غاندي: «لقد علمني الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر». نهضة هيمنت على وجدان الأمة الواعي، وأعادت صياغة قيم الإنسانية المغيّبة من خلال ما تمثله سيد الشهداء(علیه السلام) وأصحابه في رمضاء كربلاء وعضاً وإرشاداً، وجسّدوه تضحيةً وشهادةً، رافضين من خلال

صرخاتهم المدوية «هيهات منّا الذلة» حالة استعباد الإنسان للإنسان، ومطالبين بسيادة الشرع والقانون الإلهي.

وانطلاقاً من هذه الرؤية الواعية والواقعية لفلسفة النهضة الحسينية، التي تتمحور حول صناعة الإنسان الرسالي؛ تبلورت فكرة هذا المشروع المبارك الذي تبنّته مؤسسة وارث الأنبياء، للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية، وأخذ أعضاء قسم الرسائل الجامعية بالمؤسسة المذكورة على عاتقهم مهمة تفعيل الفكر الحسيني بجميع أبعاده العقدية والتاريخية والفقهية والاخلاقية و... في الوسط الجامعي بمستوياته الثلاث: البكالوريوس والماجستير والدكتوراه.

ومن بين تلك الرسائل الجامعية القيمة - التي اختارتها المؤسسة للطباعة بعد إدخال التعديلات اللازمة عليها بالتوافق مع صاحبها - رسالة في مجال التخصصالتاريخي تحت عنوان «ثورة الإمام الحسين وأثرها على حركات المعارضة حتى عام 132ﻫ». حيث تناول فيها الباحث جملة من الحركات التي استلهمت رسالتها الثورية من النهضة الحسينية، وأرّخت لكينونتها الإنسانية من كربلاء، وغذّت أراضيها بامتداد الدم الحسيني الذي يجري في عروق ثوارها الأحرار.

وقد أجاد الباحث بمنهجه التحقيقي التحليلي في تناول محتويات التاريخية الأولية، حتى بدت رسالته التي بين أيدينا جامعة في مضمونها؛ متسلسلة الفصول والمباحث؛ رصينة في لغتها العلمية والأدبية.

قسم الرسائل الجامعية

في

مؤسسة وارث الأنبياءالمقدّمة

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين إمام المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين، اللهمّ إنك ثقتي في كلّ كرب ورجائي في كلّ شدّة، وبعد:

فمما لا شكّ فيه أنّ موضوع هذه الرسالة الذي كان تحت عنوان: (ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) وأثرها في حركات المعارضة حتى عام 132ﻫ)، موضوع ذو أهمية كبيرة؛ لما تركه استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) ومأساة كربلاء من صدع في قلوب المسلمين حتى الوقت الحاضر، وأنّ أكثر ما أستأثر باهتمام الناس من ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) هو جانب القصّة فيها؛ لما أشتمل عليه من مظاهر البطولة النادرة والسموّ الإنساني لدى الثائرين وقائدهم العظيم، المتمثّل بالتضحية بكلّ عزيز على النفس من الولد والمال والأمن في سبيل المبدأ والصالح العام، مع القلّة في العدد واليأسمن النصر العسكري.

ومن جهة أخرى اشتمل هذا الجانب على مظاهر الخسّة والإنحطاط الإنساني لدى مجموعة تفنّنت في تنفيذ جريمتها الوحشية؛ باستئصال الثائرين بصورة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.

لقد سطّرت المجموعة الحسينية الثائرة من الحبّ، حبّ الثائرين لجلّاديهم

وإشفاقهم عليهم من السلطة الجائرة التي تستخدمهم، وتغرّر بهم، وتدفعهم لحرب القوى التي تريد لهم الخير والصلاح، وحبّ الثائرين بعضهم لبعض بحيث يدفع كلاً منهم إلى طلب الموت قبل صاحبه؛ لئلا يرى صاحبه مقتولاً قبله، إلى غير ذلك مما تعرضه قصة هذه الثورة من أنبل ما في الإنسان في الفكر والقول والعمل لدى الثائرين، وأحطّ ما فيه من غرائز لدى الحاكمين وأعوانهم.

وما نتج من تقابل هذه النماذج المتضادّة من المثل والمبادئ والعواطف من مأساة دامية لا تزال تثير الأسى في قلب كلّ من سمعها وقرأها، وقد بلغ من قوة تأثير الجانب القصصي المأساوي من هذه الثورة بما له من دلالات مثيرة، أنّه فرض نفسه على معظم من كتب عنها - إن لم يكن كلّهم - فحدّدوا دراساتهم على هذا الجانب من دون غيره.ولكنّ الجانب القصصي - على ما له من مزايا تربوية وتوجيهية - لم يكن هو المعبّر الوحيد عن مضمون الثورة، بل هو الجزء الظاهر من عملية تاريخية واسعة النطاق، فلكلّ ثورة ظروف سياسية واجتماعية معينة ولكلّ ثورة - وإن كانت فاشلة عسكرياً - آثار ونتائج.

ولا يمكن أن تفهم الثورة على وجهها ما لم تدرس من جميع جوانبها: مقدماتها، وفصولها، ونتائجها. وهو ما هدفت إليه في هذه الرسالة، فقد حاولت أن أشير إلى أهمّ الظروف التي كان لها التأثير الواضح في قيام ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) والأوضاع التي أحاطت بها، والملابسات التي أدّت إليها، والآثار التي نجمت عنها الحياة الإسلامية، واعتقد أنّ كثيراً من الثورات في التاريخ الإسلامي لم تحض بعد بالعناية التي تستحقّها من المؤرّخين والباحثين، بل أنصبّت عنايتهم على تاريخ السلطة الحاكمة التي تحاول أن تسبغ على نفسها دائماً صفة الشرعية، أما الثورات وهي في الحقيقة تمثّل الجانب الآخر من قصّة الحكم في الإسلام، وقد عولجت بصورة جانبية، وبعضها بروح معادية.

أمّا عن مخطط البحث الذي اتبعناه هنا فهو يشتمل على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة، ثم قائمة بالمصادر الأولية والمراجع الحديثة.

تضمّن التمهيد ذكر شيء من حياة الإمام الحسين(علیه السلام) صاحب هذه الثورة، من حيث النسب والمولد والمكانة السامية التي ذكرت في القرآن الكريم والرعاية التي حصل عليها من قبل الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم)، فضلاً عن عرض موجز لمكانة الإمام الحسين(علیه السلام) لدى معاصريه وعبر الأجيال.

وقد خصّص الفصل الأول لدراسة دوافع وأسباب ثورة الإمام الحسين(علیه السلام)، وبداية خلافة يزيد وإعلان الثورة، حيث اشتمل على ثلاثة مباحث، تحدثنا في المبحث الأول عن أهمّ دوافع الثورة الحسينية، والتي تعلّقت بحياة المسلمين بصورة عامة، أما المبحث الثاني، فقد تضمن طلب البيعة من الأمصار وماله من أثر في قيام ثورة الإمام الحسين(علیه السلام)، أما المبحث الثالث، فكان يخصّ خلافة يزيد، وخروج الإمام الحسين(علیه السلام) من المدينة وإعلان الثورة.

وخصّص الفصل الثاني لدراسة أوضاع الثورة بعد خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى العراق حتى استشهاده، فضلاً عن ردود الأفعال المباشرة بعد استشهاده(علیه السلام)، وأثر استشهاده على أهل الحجاز، وما جرى من وقائع عليهم إبّان موقعة الحرّة، كذلك تناولنا في هذا الفصل أحداث حركة التوّابين منذُ نشوئها وما سعت إليه من الأخذ بثأر الإمام الحسين(علیه السلام) حتى نهاية هذه الحركة في عين الوردة.

أما الفصل الثالث، فقد اشتمل على حركات المعارضة منذ حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي حتى نهاية العصرالأموي، وقد قسّم الفصل إلى ثلاثة مباحث حيث خصّص المبحث الأول لأحداث حركة المختار الثقفي، وقد أعطينا لهذه الحركة أهمية خاصّة عن باقي حركات المعارضة؛ ذلك لارتباطها المباشر بالثورة من خلال سعي

المختار إلى الانتقام من قتلة الإمام الحسين(علیه السلام)، والمطالبة بدماء أهل البيت(علیهم السلام) من قاتليهم، وليس النظام الحاكم كما فعل التوابون من قبل. وقد قمنا بدراسة حركة المختار الثقفي قبل حركة عبد الله بن الزبير في الحجاز على الرغم من أنّ حركة ابن الزبير قد ظهرت قبل حركة المختار، هذا من حيث التسلسل التاريخي للأحداث إلا أنّنا قد خصّصنا المبحث الثاني لدراسة حركة عبد الله بن الزبير على اعتبار أنّ هذه الحركة قد استمرّت إلى ما بعد نهاية المختار، وإلى ما أشتملته هذه الحركة من مساحات واسعة من البلاد الإسلامية حتى كادت أن تقضي على سلطان الأمويين.

أما المبحث الثالث، فقد خصّص لدراسة حركات المعارضة بعد نهاية حركة عبد الله بن الزبير، وقد أطلقنا على هذا المبحث تسمية حركات المعارضة بعد عام الجماعة الثاني، إشارة إلى أنّ عام الجماعة الأول كان سنة 41ﻫ/ 661م، أي بعد صلح الإمام الحسن(علیه السلام) مع معاوية بن أبي سفيان، وعلى اعتبار أنّ عبد الله بن الزبير قد أعلن نفسه خليفةً في الحجاز، فأصبح هناك خليفتان في وقت واحد، ففيالوقت الذي كان فيه ابن الزبير مبايعاً على الخلافة في الحجاز، كان عبد الملك بن مروان خليفةً قد بويع في الشام، ولم تصحّ خلافة عبد الملك على رأي السيوطي - وهو من كبار فقهاء ومفسري المسلمين السنة - إلا بعد أن قتل عبد الله بن الزبير، وقد تناولنا في هذا المبحث أربع حركات للمعارضة، كان سقوط الدولة الأموية على يد الأخيرة منها، ألا وهي الثورة العباسية. وأودّ أن أشير هنا إلى أنّني كباحث لم أتطرّق إلى حركات المعارضة التي لم تقم من أجل استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام)، ولم يكن لثورته تأثير عليها لا من قريب ولا بعيد؛ مثل حركات الخوارج التي كانت قائمةً قبل الثورة الحسينية، فضلاً عن الحركات التي قامت من أجل أغراض شخصية؛ مثل حركة يزيد بن المهلب في البصرة أيام خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان سنة 101ﻫ/ 719م، على الرغم من أنّ الدراسة

قد شملت بعض الحركات التي اتخذت من ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) ذريعةً لكسب رضى المجتع الذي تدور في فلكه تلك الثورات؛ لتحقيق مآرب شخصيه؛ مثل حركة عبد الله بن الزبير، وحركة عبد الرحمن بن الاشعث، والثورة العباسية.

وأخيراً فقد خصّصنا الخاتمة لبيان أهم النتائج التي توصّل إليها الباحث.

وأمّا عن المصادر التي اعتمدناها فنقسّمها ابتداءً إلى:

1 - كتب التفسير والحديث.

2 - كتب التاريخ العام.

3 - كتب اللغة والتراجم.

4 - كتب الأدب وباقي العلوم الأخرى.

5 - كتب المراجع الحديثة.

وسنقوم بذكر أهمّ المصادر حسب وفاة مؤلفيها، وبهذا سيكون أول كتب التفسير التي اعتمدناها هو كتاب (الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)، للزمخشري أبي القاسم جار الله محمد بن عمر (ت 538ﻫ/ 1143م)، حيث يعدّ هذا التفسير من التفاسير المهمّة عند جمهور المسلمين، وقد أفادنا في تفسير مكانة أهل البيت(علیهم السلام) في القرآن الكريم، و المصدر الثاني هو تفسير (مجمع البيان في تفسير القرآن)، لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548ﻫ/ 1147م)، وقد أفادنا هذا الكتاب كثيراً في إعطاء تفسير للآيات التي جاءت بحق أهل البيت(علیهم السلام)، وبصورة مفصّلة عما جاء في التفسير الأول، وفضلاً عن هذين التفسيرين، فهناك تفاسير أخرى استفدنا مما جاء فيها من ذكر لأهل البيت، وقد كانت تنبع من المنطلق الذي ذكرنا.

أما بخصوص كتب الحديث فنذكر في أولها كتاب (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل البخاري (ت 256ﻫ/ 859م)،وقد زوّدنا هذا المصدر بالأحاديث التي

تخصّ مكانة الإمام الحسين(علیه السلام)، وما لهذه الأحاديث من أهمية؛ لكونها قوية السند. أما الكتاب الثاني فهو كتاب (سنن ابن ماجة)، لمحمد بن يزيد القزويني (ت 275ﻫ/ 888م)، وقد أورد حديثاً عن مكانة الإمام الحسين(علیه السلام) عند الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم)، فضلاً عن ذكر حديث حول مرضعة الحسين وما رأت من أنّ عضواً من أعضاء الرسول في بيتها. وأودّ أن أورد كتاب حديث آخر وهو كتاب (سنن الترمذي)، لمحمد بن عيسى بن سَورة (ت 279ﻫ/ 892م)، ويحتوي كتاب الحديث هذا على مجموعة أحاديث جاءت في حقّ الإمام الحسين(علیه السلام) لا تقلّ أهمية عن ما جاء في الكتابين السابقين، وفضلاً عن هذه الكتب فهناك كتب حديث أخرى لا يسعنا ذكرها.

وأما عن كتب التاريخ العام، فنذكر أوّلها كتاب (أبجد الشيعة) المعروف بكتاب سليم بن قيس العامري (ت 76ﻫ/695م) ويعدّ من أوائل الكتب التي أرّخت لجزء من التاريخ الأموي، وهو من المصادر المهمّة؛ لأنّ الكاتب يعدّ من شهود العيان عن تلك الفترة؛ فهو أحد أصحاب الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وقد أفادنا هذا المصدر؛ بما فيه من معلومات تخصّ دوافع الثورة الحسينية.

أما الكتاب الثاني، فهو كتاب (مقتل الإمام الحسين) المعروف بمقتل أبي مخنف لصاحبه لوط بن يحيى (ت157ﻫ/ 773م)، لقد أفادنا هذا المصدر بنقل وقائع استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) بصورة مفصّلة، فضلاً عن كون المؤلّف من أهل الكوفة فهو أقرب للحوادث من غيره، إلا أنّ ما يؤخذ عليه أنّ رواياته كان يشوبها نوع من الخيال، وخاصة في أحداث واقعة يوم عاشوراء، إلا أنّنا نجد العديد من كبار المؤرّخين قد أخذ عن أبي مخنف؛ مثل البلاذري والطبري وغيرهما.

وكذلك نذكر كتاب (تاريخ خليفة بن خياط)، لخليفة بن خياط العصفري (ت 240ﻫ/ 854م)، فهو مصدر قديم حول المنهج، تحدّث عن أكثر من قرنين من

الزمن، وقد أرّخ المؤرّخ فيه لأحداث سياسية مهمّة، وقد استفدنا منه كثيراً فيما يخصّ أخبار الخلفاء الأمويين وتوضيحها.

أما المصدر الثاني هو كتاب (الإمامة والسياسة)، المنسوب لابن قتيبة الدينوري (ت 276ﻫ/879م)، وقد أفادنا هذا الكتاب في ذكر أخبار الخلفاء الأمويين؛ كونه كتاباً عني بتاريخ الخلفاء، وقد ذكر صاحبه أحداث طلب البيعة ليزيد زمن معاوية بن أبي سفيان بصورة مفصّلة أكثر من غيره ممن جاء بعده من المؤرخين.

ونذكر كذلك كتاب (أنساب الأشراف)، للبلاذري أحمد بن يحيى (ت 279ﻫ/ 892م) وهو كتاب كبير، لم يقف مؤلّفه فيه عند حدود بيان نسب الأشراف، بل تطرّق إلى الأخبارالتاريخية العامة بين كتب الأنساب والتاريخ والتراجم والأدب وغيرها.

ونذكر كذلك كتاب (الأخبار الطوال)، لأبي حنيفة أحمد الدينوري (ت 282ﻫ/ 895م) وقد أرفدنا هذا المصدر بالمعلومات الخاصّة باستشهاد مسلم بن عقيل، فضلاً عن بعض ما نقله عن أحداث حركة المختار الثقفي، وقد جاءت أخباره بصورة مختصرة.

وكذلك كتاب (تاريخ اليعقوبي)، لمؤلفه اليعقوبي أحمد بن إسحاق (ت 292ﻫ/ 904م)، فهو كتاب مهمّ يتميّز بالقدم والموضوعية، وقد تنازل هذا المؤرخ في فترات التاريخ القديم والإسلامي منتهياً عند فترة الخليفة العباسي (المعتمد)، وقد تحدّدت فائدتنا منه فيما يخصّ أخبار الخلفاء الأمويين وولاتهم.

ومن المصادر التاريخية الأخرى نذكر كتاب (تاريخ الرسل والملوك)، للطبري محمد بن جرير (ت 310ﻫ/ 922م)، وهو من المصادر الموسوعية المتميّزة، تناول أحداث ثلاثة قرون من التاريخ الإسلامي، وقد تعدّدت موارد هذا المؤرّخ في هذا الكتاب؛ لذا كانت فائدتنا منه كبيرة وموزّعة على عموم الرسالة.

ومن المصادر التاريخية الأخرى كتاب (الفتوح)، لابن أعثم الكوفي (314ﻫ/ 926م)، وهو من المصادر المهمّة؛ لكونهيقوم بنقل الأحداث بصورة مفصّلة على الرغم من انعدام السند في رواياته، وعدم استخدامه الطريقة الحولية، وقد كانت فائدتنا منه على عموم الرسالة.

ومن المصادر التاريخية الأخرى نذكر كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) للمسعودي علي بن الحسين (ت 346ﻫ/ 957م)، فهو واحد من كتب التاريخ العام المهمّة، التي تمتاز بالتفصيل والإسناد التاريخي المتعدّد، وقد كانت فائدتنا منه كبيرة.

ونذكر كذلك كتاب (مقاتل الطالبيين)، لأبي الفرج علي بن الحسين الاصفهاني (ت 356ﻫ/ 966م)؛ إذ يعدّ هذا الكتاب من الكتب التي عنيت بحركات المعارضة التي قادها الطالبيون في العصرين الأموي والعباسي، وهو من الكتب المهمّة في هذا المجال.

وهناك مصادر تاريخية أخرى عديدة اعتمدناها، ولا يسعني ذكرها جميعاً منها كتاب (مقتل الحسين)، للخوارزمي أبي مؤيد بن أحمد (ت 568ﻫ/ 1172م)، وقد اعتمد في تدوين الكثير من رواياته على كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي، وكتاب (التاريخ الكبير) لابن عساكر (ت 571ﻫ/ 1175م)، وكتاب (اللهوف في قتلى الطفوف) لابن طاووس علي بن موسى الحسيني (ت 589ﻫ/ 1193م) والذي يذكر فيه حادثة استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) بصورة مفصّلة،وكتاب (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم)، لابن الجوزي (ت 597ﻫ/ 1200م)، وكتاب (الكامل في التاريخ)، لابن الأثير (ت 630ﻫ/1232م)، والذي اعتمد في كثير من رواياته على الطبري، وكتاب (البداية والنهاية)، لابن كثير الدمشقي (ت 774ﻫ/ 1372م)، وكتاب (تاريخ ابن خلدون)، لابن خلدون (ت 808ﻫ/ 1405م)، وغيرها من المصادر الأخرى.

وأمّا عن كتب الطبقات والتراجم فنذكر منها؛ كتاب (الطبقات الكبرى) لابن سعد محمد بن سعد البصري (ت 230ﻫ/ 844م)، وهو كتاب مهمّ وكبير أفادنا بمعلومات تاريخية مهمّة عن الأوضاع السياسية أثناء الخلافة الأموية.

كذلك كتاب (الاستيعاب في أسماء الأصحاب)، لابن عبد البر (ت 463ﻫ/ 1070م)، فهو من المصادر التاريخية المهمّة، يترجم للصحابة (رض) ولابدّ لأيّ باحث في التاريخ الإسلامي من الرجوع إليه، وقد كانت فائدتنا منه كبيرة في كثير من مواضيع الرسالة.

كما نشير هنا أيضاً إلى كتابين مهمّين هما، كتاب (تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام)، للذهبي محمد بن أحمد (ت 748ﻫ/ 1347م)، وكتاب (الإصابة في تمييز الصحابة)، لابن حجر أحمد بن علي العسقلاني (ت 852ﻫ/ 1448م) إذ أفادنا كلّ منهما بمعلومات تاريخية مهمّةوخاصة في علم الرجال.

ومن كتب الأدب والعلوم الأخرى نذكر كتاب (البيان والتبيين)، للجاحظ عمرو ابن بحر (ت 255ﻫ/ 868م)، وكتاب (الأغاني)، لأبي الفرج علي بن الحسين الاصفهاني (ت356ﻫ/966م)، فقد احتوى كلّ منهما على معلومات تاريخية مهمّة أفادتنا في مواضع عديدة من هذه الرسالة.

كذلك نذكر كتاب (معجم البلدان)، لشهاب الدين ياقوت الحموي (ت 626ﻫ/ 1228م)، وهو كتاب جغرافي وتاريخي في وقت واحد، وقد كانت فائدتنا منه كبيرة في تحديد المواقع على العديد من مواضيع الرسالة.

وأخيراً نذكر شيئاً عن الكتب الحديثة، التي رجعنا إليها، من أجل الاستفادة من آراء مؤلفيها وأهم ما وصلوا إليه وأبرزها كتاب (الفتنة الكبرى)، للدكتور طه حسين، وكتاب (مقتل الإمام الحسين)، للمقرم، وكتاب (الوثائق الرسمية لثورة الإمام

الحسين)، لعبد الكريم الحسيني، وكتاب (الحسين في الفكر المسيحي)، لأنطوان بارا، وكتاب (عبد الملك بن مروان والدولة الأموية)، للدكتور محمد ضياء الدين الريس، وكتاب (العراق في العصر الأموي)، للدكتور ثابت إسماعيل الراوي، وكتاب (التمدن الإسلامي)، لجرجي زيدان، وكتاب (الدولة العربية وسقوطها)، ليوليوس ولهاوزن، فضلاً عن العديد من المراجع التي لا يسعنا ذكرها، وقدأسهمت هذه المراجع بشكل واضح في توضيح النقاط الغامضة على طول الرسالة.

وأخيراً أرجو من الله أن أكون قد وفّقت في إعطاء الشيء اليسير عن هذه الثورة العظيمة، وما كان لها من تأثير واضح في أحداث التاريخ اللاحقة، وأودّ أن أذكر بأنّي لم أستطع الإحاطة؛ لأنّ الله تعالى هو المحيط بكلّ شيء، ولم أستطع إكمال أيّ شيء لأنّ الكمال لله وحده، وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.

التمهيد: لمحة من حياة الإمام الحسين(علیه السلام) ومكانته

اشارة

التمهيد

لمحة من حياة الإمام الحسين(علیه السلام) ومكانته

أولاً: نسبه ومولده وكنيته وألقابه

1 - نسبه

هو الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي المدني، أمّه فاطمة الزهراء(علیها السلام) سيدة نساء العالمين ابنة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) (1).

قال ابن حجر في الإصابة «أبو عبد الله سبط الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) وريحانته»(2).

2 - مولده

ولد الإمام الحسين(علیه السلام) بالمدينة المنورة في الثالث من شعبان من السنة الرابعة من الهجرة(3).


1) ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله القرطبي (ت 463 ﻫ/1070م)، الاستيعاب في أسماء الأصحاب، المطبوع على هامش الإصابة في تمييز الصحابة، تح: طه محمد، ط1، مطبعة السعادة، (القاهرة -1990م): ج2، ص378.

2) ابن حجر، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني (ت 852ﻫ/1448م)، الإصابة في تمييز الصحابة، تح: طه محمد، ط1، مطبعة السعادة، (القاهرة، 1910م): ج2، ص332.

3) ابن عبد البر، الاستيعاب: ج2، ص378.

وقيل: إنّه ولد في الخامس من شعبان من السنة نفسها(1).

وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق(علیهما السلام) : لم يكن بين ولادة الحسن(علیه السلام) والحمل بالحسين إلا طهرٌ واحد(2)، والطهر حسب رواية البخاري التي نسبها للإمام جعفر الصادق(علیه السلام) هي مدّة زمنية يقاس عليها الحمل لدى النساء، وليس من المؤكد أنّها تسري على سيدة نساء العالمين(علیها السلام)، ولكنه مجرّد وقت لتحديد حالة الحمل، إلا أنّ ابن قتيبة حدّد ما بين ولادة الإمام الحسن(علیه السلام) والحمل بالحسين باثنين وخمسين يوماً(3)

مطبعة باقري، (قم، 1992م)؛ ص25.

، وقد كانت ولادة الإمام الحسن(علیه السلام) في النصف منرمضان سنة 3ﻫ/ 624م(4)، وولادة الإمام الحسين(علیه السلام)، في بضع ليالٍ خلت من شعبان في السنة الرابعة من الهجرة المباركة، فتكون مدة الحمل به تسعة أشهر(5).

ولمّا وُلِدَ الحسين(علیه السلام) : «جيء به إلى النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) فأستبشر به وأذّن في أذنه اليُمنى، وأقام في أذنهِ اليُسرى، وسمّاه حُسيناً في اليوم السابع من مولده، وعقَ عنه بكبش، وحلق


1) ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم، محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني (ت 630ﻫ/1232م)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تح: خليل مأمون شيحا، ط2، دار المعرفة، (بيروت، 2001م): ج2، ص22؛ ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ط1، دار الفكر، (بيروت، 1984م): ج2، ص299.

2) البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم (ت 256ﻫ/869م)، التاريخ الكبير، تح: مصطفى عبد القادر أحمد، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، 2001م): ج2، ص268.

3) ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (ت276ﻫ/889م)، المعارف، تح: ثروت عكاشة، ط1، مطبعة أمير، (ايران، 1994م): ص158؛ القرشي، باقر شريف، حياة الامام الحسين، ط4،

4) ابن حجر، تهذيب التهذيب: ج2، ص257.

5) الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي (ت 463ﻫ/1070م)، تاريخ بغداد أو مدينة السلام، دار الكتاب العربي، (بيروت، د. ت)، مج1، ص141؛ المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر (ت 845ﻫ/1441م)، كتاب المقفى الكبير، تح: محمد اليعلاوي، ط1، مطبعة دار الغرب الإسلامي، (بيروت، 1991م): ج3، ص568؛ ابن حجر، الإصابة: ج2، ص332.

رأسه وتصدق بوزن شعره فضة»(1).

وقال ابن الأثير: «أبو عبد الله ريحانة النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) وشبهه من الصدر إلى أسفل منه، ولما ولد أذّن النبي في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، وهو سيد شباب أهل الجنة، وخامس أهل الكساء»(2).

3 - كُنيته وألقابه

لقد تكنّى الإمام الحسين(علیه السلام) بأبي عبد الله(3)ولُقّب بألقابٍ عدّة أبرزها شهرة السبط؛ أي سبط رسول الله، وهو اسمٌ يطلق على ابن البنت(4). وأشهر ألقاب الإمام الحسين(علیه السلام) ما لقّبه به جدّه رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وكان قوله بحقّه وحقّ أخيه الحسن(علیهما السلام) : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خيرٌ منهما»(5).

وقال ابن الأثير: «الحسن والحسين من أسماء أهل الجنة لم يكونا في الجاهلية»(6).


1) الخوارزمي، أبو المؤيّد الموفّق بن أحمد المكي (ت 568 ﻫ، 1172م)، مقتل الحسين، تح: محمد السماوي، ط2، مطبعة أنوار الهدى، (النجف، 1998م): ج1، ص137؛ المقريزي، المقفى الكبير: ج3، ص568.

2) ابن الأثير، اُسد الغابة: ج2، ص21.

3) ابن عبد البر، الاستيعاب: ج2، ص378؛ ابن الأثير، اُسد الغابة: ج2، ص21.

4) ابن الأثير، اُسد الغابة: ج2، ص23؛ المقريزي، المقفى الكبير: ج3، ص568.

5) ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني (ت 275/888م)، سُنن ابن ماجة، باب (11) في فضائل أصحاب رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فضل علي بن أبي طالب، ح118، ط1، دار الفكر، (بيروت، 1984م): ج1، ص56.

6) ابن الأثير، اُسد الغابة: ج2، ص21؛ الديار بكري، حسين بن محمد بن الحسن (ت 966ﻫ/1558م)، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، (القاهرة، 1866م): ج1، ص418.

ثانياً: رضاعته

لقد كانت مرضعة الإمام الحسين(علیه السلام) لُبابة الكبرى(1)بنتالحارث زوجة العباس بن عبد المطلب، عمّ الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم)، فقد روُي عنها أنّها قالت للرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) : «لقد رأيت أنّ عضواً من أعضائك في بيتي، فقال الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) : تلِدُ فاطمة غُلاماً وترضعينه بلبن قثم فَولد حسيناً»(2).

وذكر المزّي أنّ أمّ الفضل قالت: يا رسول الله «رأيت كأنّ في بيتي عضواً من أعضائك قال: خيراً، تلد فاطمة غلاماً، فترضعينه، فوضعت حسيناً فأرضعته بلبن قثم»(3).

ثالثاً: مكانة الإمام الحسين(علیه السلام) في آيات الذكر الحكيم

لقد برزت مكانة الإمام الحسين(علیه السلام) في مواضع عدة من القرآن الكريم لتبيّن للأمّة الإسلامية مكانة أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة(4). فلم تتفق كلمة المسلمين في شيءٍ كاتّفاقهم على فضلِ أهل البيت(علیهم السلام)، والإمام الحسين(علیه السلام) هو من أهل البيت المطهرين من الرجس بلا ريب، وقد جاء عن أمّ المؤمنين عائشة أنّها قالت: إنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) خرج وعليهكساء من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة ثم علي، ثم تلا قوله تعالى: «...إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ


1) هي أمّ الفضل، لُبابة بنت الحارث الهلالية، أخت ميمونة بنت الحارث زوج الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) . ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج4، ص93.

2) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، كتاب تمييز الرؤيا (الباب 10)، ح3923: ج1، ص289.

3) المزّي، جمال الدين أبو الحجاج يوسف (ت 742ﻫ/1341م)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تح: بشار عواد معروف، ط1، مؤسسة الرسالة، (بيروت، 1980م): ج2، ص184؛ الديار بكري، تاريخ الخميس: ج1، ص418-419؛ القرشي، حياة الإمام الحسين: ص26.

4) الخوارزمي، مقتل الحسين: ص267.

الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»(1)، وقد أوضحها الزمخشري أنّها في حقّ هؤلاء(2).

والإمام الحسين(علیه السلام) هو ابن الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم)، بنصّ آية المباهلة مع نصارى نجران، وقد خلّد القرآن الكريم هذا الحدث بصورته العميقة في قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ»(3).

وروى جمهور المفسرين بطرقٍ شتّى أنّ هذه الآية نزلت في أهل البيت وهم: رسول الله، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، كما صرّحوا على أنَّ الأبناء هنا هما الحسنان بلا ريب(4).

وذكر الطبرسي تفسير هذه الآية بقوله «(فَمَنْ حَاجَّكَ): أي جادلك وخاصمك وقد جاء النبي بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها»(5).وندع أبناءنا، دليلٌ على أنّ أبناء البنات يُسمّون أبناء؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم السّرّ الكامن في وجوب مودّتهم والالتزام بخطّهم كما جاء بنصّ الكتاب العزيز في


1) الأحزاب: آية33.

2) الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمد بن عمر (ت 538ﻫ/1143م)، الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الفكر، (بيروت، د. ت): ج1، ص434؛ الكاشاني، محسن الملقب بالفيض الكاشاني، (1091ﻫ/1995م)، تفسير الصافي، تقديم حسين الاعلمي، ط2، مؤسسة الهادي، (قم، 1995م): ج3، ص328.

3) آل عمران: آية61.

4) الزمخشري، الكشاف: ج1، ص434.

5) الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن (ت 548ﻫ/1153م)، مجمع البيان في تفسير القرآن، مؤسسة الهدى، (طهران، 1970م): ج2، ص377. أما قول «نبتهل» أي نتضرّع بالدعاء. ينظر: القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري (ت 671ﻫ/1273م)، تفسير القرطبي، تح: سالم مصطفى البدري، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، 2000): ج2، ص67؛ الزمخشري، الكشاف: ج1، ص61.

قوله تعالى: «ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ»(1).

والقربى هم قرابة الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم)، وقالوا يا رسول الله مَنْ هؤلاء الذين نودّهم؟ قال: «علي وفاطمة وأبناؤهما»(2).

ولا يتركنا القرآن الحكيم حتى يبيّن لنا أسباب هذاالتفضيل، وجاء نصّ ذلك في سورة الإنسان بقوله تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا»(3). لقد روى جمهور المفسرين أنّ هذه الآيات نزلت في حقّ أهل البيت، وقد جسّدت أروع أنواع الإيثار حتى نزل قوله تعالى:

«إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * َانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا»(4).


1) الشورى: آية23.

2) وأمّا معنى المودّة في القربى، فقيل: إنّ الخطاب لقريش والأجر المسؤول هو مودّتهم للنبي لقرابته منهم؛ وذلك لأنهم كانوا يكذّبونه ويبغضونه لتعرّضه لآلهتهم فسألهم(صلی الله علیه و آله و سلم) إن لم يؤمنوا به فليودّوه لمكان قرابته منهم، وإنّ معنى الأجر إنما يتمّ إذا قُوِبلَ به عملٌ يعادل ما امتلكه من مالٍ ونحوه، فسؤال الأجر من قريش وهم كانوا مُكذبين له كافرين بدعوته وهم بكفرهم بدعوته لم يأخذوا منه شيئاً حتى يقابلوه بالأجر، إذاً لامعنى لهذا القول، والقربى هم عترته من أهل بيته(علیهم السلام) . ينظر: محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم المشهور بتفسير المنار، تح: إبراهيم شمس الدين، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، 1999): ج3، ص266.

3) الإنسان: آية8-9.

4) الإنسان: آية5-7. نزلت هذه الآيات في علي وفاطمة والحسن والحسين(علیهم السلام) . أنظر الزمخشري: الكشاف: ج4، ص197؛ القرطبي؛ تفسير القرطبي: ج19، ص85؛ الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ط1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، (بيروت، 1997): ج18، ص47.

رابعاً: مكانة الإمام الحسين(علیه السلام) عند الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم)

لقد تظافرت النصوص الواردة عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) بشأن الحسين(علیه السلام) والتي تبرز المكانة الرفيعة التي يمثّلها في دنيا الرسالة ونختار هنا نماذج عدّة للوقوف على شيء من مكانة الإمام الحسين(علیه السلام)، فقد روى أسامة بن زيد(1)عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) قوله: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهمّ إنّي أحبّهمافأحببهما وأحبّ من يحبّهما»(2).

وقال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : «الحسن والحسين ابناي من أحبّهما أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبّه الله ادخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله ادخله النار»(3).

لقد خصّ الرسول الأعظم حفيديه الحسن والحسين(علیهما السلام) بأوصافٍ تنبئ عن عظم منزلتهما لديه، بقوله: «إنَّ ابني هذين ريحانتاي من الدنيا»(4).

وروى ابن مسعود(رضی الله عنه) حيث قال: إنّ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) كان يُصلّي فجاء الحسن


1) أسامة بن زيد بن حارثة العذري، يكنى أبا محمد، ويقال أبو زيد، أمه أمّ أيمن حاضنة النبي ولما توفي النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) كان له عشرون سنة، مات في أواخر خلافة معاوية في المدينة، وقيل: مات أواخر سنة 54ﻫ/673م. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج1، ص31.

2) الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة (ت 279ﻫ/892م)، سُنن الترمذي، كتاب المناقب، باب 31، مناقب الحسن والحسين، ح3769، ط1، دار إحياء التراث العربي، (بيروت، 1984): ج2، ص240.

3) النيسابوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري (ت 405ﻫ/1014م)، مستدرك الصحيحين، كتاب معرفة الصحابة مناقب الحسن والحسين، ط1، دار الفكر، (بيروت، 1982م): ج3، ص166.

4) البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي (ت 256ﻫ/869م): صحيح البخاري في كتاب الأدب في باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته. تح: أحمد محمد شاكر، ط1، دار إحياء التراث العربي، (بيروت، 1982م): ج5، ص33؛ الترمذي، صحيح الترمذي، كتاب المناقب، باب 31 مناقب الحسن والحسين، ح3770: ج2، ص241.

والحسين(علیهما السلام) فارتدفاه، ثم أخذهما أخذاً رفيقاً، وأجلس هذا على فخذه وهذا على فخذه، وقال: «من أحبّني فليُحبّ هذين»(1).وروى البيهقي بسنده عن رزين بن حبيش قال: «كان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ذات يوم يصلي بالناس، فأقبل الحسن والحسين(علیهما السلام)، وهما غلامان يتوثّبان على ظﻫره إذا سجد فأقبل الناس عليهما ينحيانهما عن ذلك قال: دعوهما بأبي وأمي، من أحبّني فليحبّ هذين»(2).

خامساً: مكانة الإمام الحسين(علیه السلام) لدى معاصريه

لقد ورد أنّ الخليفة عمر بن الخطاب قال للحسين(علیه السلام) : «فإنما أنبت ما ترى في رؤوسنا الله ثم أنتم»(3).

وقال أبو هريرة(4): «دخل الحسين بن علي وهو معتمّ فظننت أنّ النبي قد بُعِث»(5).

وكان(علیه السلام) في جنازة فأعيا، وقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه، فقال له: «يا أبا هريرةوأنت تفعل هذا؟ فقال له: دعني فوالله لو يعلم الناس منك ماأعلم لحملوك على رقابهم»(6).


1) البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي (ت 458ﻫ/1065م)، السُنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب 347، الصبي يتوثب على المصلي ويتعلق بثوبه فلا يمنعه، ح3423، ط2، دار المعرفة، (بيروت، 1982م): ج2، ص263.

2) المصدر السابق: ح3424: ج2، ص263.

3) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: مج1، ص141؛ ابن حجر: الإصابة: ج1، ص333.

4) أبو هريرة: عبد الرحمن بن عامر الدوسي، كانت له صحبة ورواية للحديث عاش ثمان وسبعين سنة، وتوفي بقصره بالعقيق، وحُمل إلى المدينة، وأختلف في سنة وفاته فقيل: سنة 57ﻫ أو 58ﻫ أو 59ﻫ.ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج4، ص202-211.

5) المجلسي، محمد باقر (ت 1111ﻫ/1699م)، بحار الأنوار، المطبعة الإسلامية، (طهران، 1999م): ج44، ص82.

6) ابن عساكر، علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي (ت571ﻫ/1175م)، تهذيب تاريخ دمشق الكبير، هذبه ورتبه عبد القادر بدران، ط2، دار المسيرة، (بيروت، 1979م)، ح4، ص325.

وقد أخذ عبد الله بن عباس(1)بركاب الحسن والحسين(علیهما السلام) فعوتب في ذلك وقيل له: أنت أسنّ منهما فقال: «إنّ هذين ابنا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أفليس من سعادتي أن آخذ بركابهما»(2).

وقد قال معاوية بن أبي سفيان لأبن عباس بعد وفاة الحسن(علیه السلام) يا بن عباس أصبحت سيد قومك، فقال: «أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا»(3).

وقال أنس بن مالك(4). وكان قد رأى الحسين(علیه السلام) : «كانأشبههم برسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) »(5).

ومرّ الإمام الحسين(علیه السلام) بعمرو بن العاص(6). وهو جالس في ظل الكعبة فقال:


1) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وقيل: ولد بالشعب قبل خروج بني هاشم منه، روى عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، وكان الخليفة عمر بن الخطاب يدنيه ويقربه وكان يقول: ابن عباس فتى الكهول، له لسان سؤول وقلب عقول، توفي بالطائف سنة 68ﻫ/687م، وكان ابن سبعين سنة. ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب: ج2، ص352.

2) ابن عساكر، تاريخ دمشق: ج4، ص325.

3) اليعقوبي، أحمد بن اسحق بن جعفر (ت 292ﻫ/1904م)، تاريخ اليعقوبي، تح: خليل المنصور، ط2، دار الكتب العلمية، (بيروت، 2002م): ج2، ص157.

4) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) وهو أحد المكثرين في الرواية وقد شهد الفتوح بعد النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ثم سكن البصرة وقد مات بها، وكان آخر الصحابة موتاً بها، كانت وفاته سنة 90ﻫ وقيل: سنة 92ﻫ وكان له مائة سنة. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج1، ص71-72.

5) العاملي، محسن الأمين، أعيان الشيعة، تح: حسن الأمين، ط5، دار التعارف، (بيروت، 1998م): ج2، ص441.

6) هو عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي، ولد بعد عام الفيل بثلاث سنوات، وأمّه النابغة بنت حرملة سبية من بني حبيلان، أرسلته قريش إلى النجاشي ملك الحبشة ليغير رأيه على جعفر ابن أبي طالب ومن معه من المهاجرين، فردّه النجاشي، أسلم سنة ثمان للهجرة وقبل الفتح بستة أشهر، افتتح مصر في خلافة عمر بن الخطاب، وأصبح وآلياً عليها إلى السنة الرابعة من خلافة عثمان بن عفان، ثم عزله فأخذ يؤلّب عليه حتى قُتِل، ثم اشترك مع معاوية بصفين وأشار برفع المصاحف، ثم أخذ مصر طعمةً من معاوية ووليها بعد قتل محمد بن أبي بكر. حتى توفي سنة 43ﻫ/663م. ينظر: ابن الأثير، اُسد الغابة: ج4، ص420.

«هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل الأرض وإلى أهل السماء»(1).

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص(2)وقد مرّ عليه الحسين(علیه السلام) فقال: «من أحبّ أن ينظر إلى أحبّ أهل الأرض إلى أهلالسماء فلينظر إلى هذا المجتاز»(3).

وحين أشار يزيد على أبيه معاوية بن أبي سفيان أن يكتب للحسين(علیه السلام) جواباً عن كتابٍ له على أن يصغّر فيه الحسين(علیه السلام)، قال معاوية راداً عليه: «وما عسيت أن أعيب حسيناً، والله لا أرى للعيب فيه موضعاً»(4).

وقال محمد بن علي بن أبي طالب المسمى ب-(ابن الحنفية): «إنّ الحسين أعلمنا علماً، واشغلنا حلماً، وأقربنا من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) رحماً، كان إماماً فقيهاً... »(5).

وكتب عبد الله بن جعفر(6)إلى الإمام الحسين(علیه السلام) حينما أراد المسير إلى العراق


1) ابن عساكر، تاريخ دمشق: ج4، ص325.

2) هو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي، يكنى أبا محمد، وأبا عبد الرحمن أمّه ريطة بنت منبّه بن الحجاج السهمي كان اسمه العاص وسماه الرسول عبد الله، أسلم قبل أبيه، ومات بالشام سنة 65ﻫ/684م، وهو ابن 72 سنة، وقيل: مات بمكة، وقيل بالطائف، وقيل: بمصر.ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج2، ص352.

3) المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص193.

4) العاملي، أعيان الشيعة: ج2، ص395.

5) المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص195.

6) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أمّه أسماء بنت عميس الخثعمية، ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبوه إليها، وهو أول من ولد من المسلمين وحفظ عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) وروى عنه وكان كريماً جواداً يقال له قطب السخاء، كان أحد أمراء علي(علیه السلام) يوم صفين، توفي سنة 80ﻫ/699م. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج2، ص289.

«...إن هلكت اليوم طفئ نور الإسلام؛ فإنّك علم المهتدين ورجاء المؤمنين»(1).وقال عبد الله بن الحرّ الجحفي وقد لقي الحسين(علیه السلام) قبل وصوله كربلاء «ما رأيت أحداً قطّ أحسن ولا أملأ للعين من الحسين»(2).

وقال إبراهيم النخعي: «لو كنت فيمن قاتل الحسين(علیه السلام) ثم أدخلت الجنة لاستحييت أن أنظر إلى وجه رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) »(3).

وسأل رجلٌ عبد الله بن عمر بن الخطاب عن دم البعوض يكون في الثوب أفأصلي فيه؟ فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، فقال ابن عمر: «انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وقد سمعت رسول الله يقول: هما ريحانتاي من الدنيا»(4).

سادساً: الإمام الحسين(علیه السلام) عبر القرون والأجيال

بقي ذكر الإمام الحسين(علیه السلام) وهجاً لا تطفئه عاديات الزمن، ولا تبليه كثرة السنين، بل تزيده رونقاً وبهاءاً في ذرى المجد. وما زالت ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) قبساً يضيء للأجيال طريق الكرامة ونبراساً في عالم الحرية.

ذكر البلاذري أن الحجاج بن يوسف الثقفي وكان أمير العراق زمن الخليفة عبد الملك بن مروان، سأل سنان بنأنس، كيف قُتِل الحسين(علیه السلام) ؟ فقال سنان: طعنته


1) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (ت 310ﻫ/922م)، تاريخ الرسل والملوك، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط4، دار المعارف، (القاهرة، 1964م): ج5، ص387؛ ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر الدمشقي (ت 774ﻫ/1372م)، البداية والنهاية، تح: أحمد أبو ملحم وآخرون، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، بلات): ج8، ص169.

2) العاملي، أعيان الشيعة: ج2، ص395.

3) ابن حجر، الإصابة: ج1، ص335.

4) ابن عساكر، تاريخ دمشق: ج4، ص317.

بالرمح وضربته بالسيف. فقال الحجاج: لا يجتمعان في الجنة والله أبداً، وقال ادفعوا إليه خمسُمائة درهم، فلما خرج قال: لا تعطوه شيئاً(1)

أحمد بن يحيى بن جابر (ت 279ﻫ/892م)، أنساب الأشراف، تح: محمد باقر المحمودي، ط2، مطبعة باسدار إسلام، (قم، 1999م): ج2، ص225م؛ المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص193.

.

وقد قال الربيع بن خيثم لبعض مَنْ شَهِدَ قتل الحسين(علیه السلام) : «والله لقد قتلتم صفوة لو أدركهم رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) لقبّل أفواههم وأجلسهم في حجره»(2).

وقال ابن سيرين «لم تبكِ السماء على أحدٍ بعد يحيى بن زكريا(علیهما السلام) إلا على الحسين(علیه السلام)، ولمّا قُتل أسودّت السماء وظهرت الكواكب نهاراً، حتى رؤيت الجوزاء عند العصر، وسقط التراب الأحمر، ومكثت السماء سبعة أيام بلياليها كأنها علقة»(3).

وقال المجلسي: «أبو عبد الله الحسين(علیه السلام) ابن بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وريحانته، وابن أمير المؤمنين علي(علیه السلام) وشأن بيت النبوة له أشرف نسب وأكمل نفس، جمع الفضائل ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال من علوّ الهمة، ومنتهى الشجاعة، وأقصى غاية الجود، وأسرار العلم، وفصاحة اللسان، ونصرة الحق والنهي عن المنكر، وجهاد الظلم، والتواضع عن العز، والعدل والصبر والحلم والعفاف والمروءة والورعوكان إذا أقام بالمدينة أو غيرها مفيداً بعلمه مرشداً بعلمه»(4).

وذكر الزعيم الصيني (صان يان صن) وهو الزعيم الروحي للديانة البوذية في الصين الحديثة فيقول في ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) : «إنّ أروع لحظات الاستشهاد لا تظهر إلا في لحظات الإنحدار الروحية الشديدة، وكأنّ المجموعة البشرية تطلق كلّ


1) البلاذري،

2) المجلسي، بحار الانوار: ج44، ص79.

3) ابن عساكر، تاريخ دمشق: ج4، ص342.

4) المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص193.

إمكانياتها في هذه اللحظات الشديدة الخطورة، عندئذٍ يصبح الصراع الطبقي مجرد ذريعة لتتخطى البشرية هوة الانحدار الأخلاقي، وأمامنا الكثير من قصص الغدر والخيانة والتوحش ومدى ما وصل إليه الانهيار الأخلاقي في تلك الفترة التي عزم فيها الحسين بن علي(علیهما السلام) على التصدي للنظام»(1).

ويقول موضحاً في ذلك: «لقد خرج الحسين(علیه السلام) وهو يحسب أنّ الناس ما زالوا يطلبون العدل الاجتماعي، وأنه من الطبيعي أن ترفض الكرامة البشرية أن يفرض عليها حاكمٌ سكّير عربيد في مجتمعٍ يعتبر السكر والعربدة معصية تستوجب عقاب الله والمجتمع»(2).


1) العاملي، حسن الأمين، دائرة المعارف الشيعية، ط5، دار التعارف للمطبوعات (بيروت، 1992): ج1، ص326.

2) المصدر السابق.

الفصل الأول: أسباب ودوافع ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) وخلافة يزيد

اشارة

المبحث الأوَّل: دوافع الثورة.

المبحث الثاني: طلب البيعة من الأمصار وأثرها في قيام الثورة

المبحث الثالث: خلافة يزيد بن معاوية وقيام الثورة

المبحث الأول: دوافع الثورة

أولاً: سياسة القتل والترحيل

لقد حفظ لنا التاريخ أرقاماً ووقائع تشهد بانحدار المجتمع وتباعده عن كثيرٍ من قيم الإسلام وقوانينه، ومن يقرأ تلك الحقبة بإمعانٍ يجد أنّ ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) كانت ضرورة تاريخية، وأنّ الظروف والأوضاع المتردية هي التي أفرزت عوامل الثورة وأسبابها، وأنّ الحسين(علیه السلام) لم يجد مناصاً من التحرك والثورة.

فلنأخذ مثلاً على ذلك الوضع الأمني والأمن الاجتماعي الذي ثبته الإسلام بقوله تعالى: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ»(1)، وكذلك قوله تعالى: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ»(2).

لقد كان لمقتل العديد من الشخصيات الإسلامية البارزة أثره في قلوب المسلمين ومن أبرز الذين شملهم القتل الصحابي الجليل حجربن عدي الكندي(3)، والذي


1) قريش: الآيات3-4.

2) المائدة: آية32.

3) حجر بن عدي بن معاوية بن جبلة الكندي، المعروف بحجر الخير وحجر بن الأدبر صحابي جليل من زعماء الكوفة اشترك في القادسية والجمل وصفين والنهروان، قُتل سنة (51ﻫ/671م) في مرج عذراء بدمشق.ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب: ج1، ص356.

أدّى مقتله إلى ردود فعل عنيفة بين المسلمين، حيث قالت السيدة عائشة لمعاوية بن أبي سفيان: «يا معاوية أقتلت حجراً وأصحابه فأين غرب حلمك عنهم؟ أما أني سمعت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: «يُقتَل بمرج عذراء(1)نفرٌ يغضب لهم أهل السماوات»(2)وقال الحسن البصري لما سمع بمقتل حجر بن عدي الكندي وأصحابه قال: «أصلّوا عليهم وكفّنوهم ودفنوهم واستقبلوا بهم القبلة قالوا: نعم فقال حجّوهم وربّ الكعبة»(3).

وقد استنكر الإمام الحسين(علیه السلام) لمقتل حجر وأصحابه وجاء ذلك الاستنكار في إحدى الرسائل التي بعثها إلى معاوية بن أبي سفيان: «...ألست القاتل حجر بن عدي أخي كندة وأصحابه الصالحين المطيعين العابدين؟ كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون المنكر والبدع، ويؤثرون حكم الكتاب، ولا يخافون في الله لومة لائم، فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الأمان والأيمان المغلّظة والمواثيقالمؤكّدة»(4).

ويقول الدكتور طه حسين: «كان قتل حجر حدثاً من الأحداث الكبار لم يشكّ أحد من الأخيار الذين عاصروا معاوية في أنّه كان صدعاً في الإسلام، بل لم يشكّ


1) مرج عذراء: هي قرية بغوطة دمشق، وبها قتل حجر بن عدي الكندي وأصحابه وبها قبره، وقيل: إنّه هو الذي فتحها. ينظر: الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله (ت 626ﻫ/1228م)، معجم البلدان، دار الفكر، (بيروت، 1986): ج4، ص96.

2) البسوي، أبو يوسف يعقوب بن سفيان (ت 277ﻫ/890م)، المعرفة والتاريخ، تح: أكرم ضياء العمري، مطبعة الإرشاد، (بغداد، 1976م): ص320؛ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص161؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص56.

3) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الفكر، (بيروت، 1978): ج3، ص242.

4) ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (ت 276ﻫ/889م)، الإمامة والسياسة، تح: خيري سعيد، ط1، المكتبة التوفيقية، (بيروت، 2000) ج1، ص184. الطبرسي، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، (من علماء القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي)، الإحتجاج على أهل اللجاج، تح: إبراهيم البهادلي، ط4، دار الأسوة للطباعة، (قم، 2004م): ج2، ص90.

معاوية نفسه في أنّه كان كذلك»(1)، وفضلاً عن هذه الطليعة، من رجال المعارضة ممن تحرّكوا مع حجر بن عدي، وسيقوا معه إلى القتل(2).

فقد قتل معاوية بن أبي سفيان شخصيات سياسية ورجالاً من المعارضة ممن يوالون الإمام علياً(علیه السلام) وأبناءه، جاء ذكر ذلك في الرسالة الموجّهة من قبل الإمام الحسين(علیه السلام) إلى معاوية بن أبي سفيان بقوله: «...أولست قاتل عمرو(3)بن الحمق صاحب رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) العبد الصالح الذي أبلته العبادة فصفّرت لونه، ونحلّت جسمه، بعد أن آمنته، وأعطيته من عهود الله عزّوجلّ وميثاقه»(4).

وكتب معاوية إلى عماله محرّضاً من «اتهمتموه ولم تقم عليه البينة فاقتلوه»((5).

أما زياد(6)بن أبيه عامل معاوية بن أبي سفيان علىالعراق (45ﻫ - 53ﻫ) فقد


1) طه حسين، الفتنة الكبرى، ط6، دار المعارف، (القاهرة، 1966م): ج2، ص224.

2) وهم «الأرقم بن عبد الله الكندي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، وكريم بن عفيف الجشعمي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان العنزي، وعبد الرحمن بن حسان العنزي، ومحرز بن شهاب التميمي وعبد الله بن حوية السعدي، وعتبة بن الأخنس، وسعيد بن نمران الهمداني».ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص271-272؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص239-240؛ محمد جواد مغنية، الشيعة والحاكمون، تح، سامي الغريري، ط2، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، (لا م، 2006م): ص135-136.

3) عمرو بن الحمق الخزاعي، صحابي هاجر بعد الحديبية وصار من شيعة الإمام علي(علیه السلام) وشهد معه وقعة الجمل وصفين والنهروان، ولما طلب زياد أصحاب حجر بن عدي خرج عمرو بن الحمق حتى نزل المدائن، ثم ارتحل حتى أتى الموصل، فقبض عليه عاملها من قبل معاوية، فقتله وبعث برأسه إلى معاوية سنة (51ﻫ/671م) وهو أول رأس أهدي في الإسلام. ينظر: ابن الأثير، اُسد الغابة: ج4، ص100.ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج4، ص294.

4) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، منسوب إليه: ج1، ص184؛ الطبرسي، الاحتجاج: ج2، ص90.

5) (4) العامري، سليم بن قيس (ت 90ﻫ/708م)، أبجد الشيعة المعروف بكتاب سليم بن قيس الكوفي، ط2، دار الإرشاد الإسلامي، (بيروت، 1994م): ص190.

6) هو زياد بن أبيه، ويقال: زياد بن سمية وكان يقال له: زياد بن عبيد الثقفي قبل أن يستلحقه معاوية بنسبه، وقد اختلف في سنة ولادته، قيل: ولد عام الهجرة، وقيل: ولد يوم بدر، ويكنى أبا المغيرة، ليست له صحبة ولا رواية كان كاتباً في البصرة زمن الخليفة عمر بن الخطاب، ثم صار مع الإمام علي(علیه السلام)، ثم استلحقه معاوية وولّاه العراقين (الكوفة والبصرة)، توفي في الكوفة في رمضان سنة 53ﻫ/672م. ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب: ج1، ص567-568.

قتل العديد على التهمة والظنّة «...وجرّد السيف وأخذ بالظنّة وعاقب على الشبهة وخافه الناس في سلطانه خوفاً شديداً... »(1)

ص224.

.

وذكر ابن قتيبة أنّه خطب في البصرة قائلاً: «وإنّي أقسم بالله لآخذنّ الوليّ بالوليّ والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول أنج سعد، فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم»(2).

وقد قام بقتل أوفى بن حصن، وهو أول قتيل قتله زياد بالكوفة إثر حوار وقع بينهما، وكان قد سأله عن الخليفة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان فأجابه أجوبةً مرضية عند زياد ثم سأله فما تقول فيَّ؟ فقال: «بلغني أنّك قلت بالبصرة: والله لآخذنّ البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر، قال: قد قلت ذلك: قال خبطتها عشواء، فقال زياد: ليس النفّاخ بشرّ الزمرة فَقُتِل»(3).

وقد قتل زياد سبعين رجلاً مرة واحدة؛ لأنّهم رفضوا تلبية رغبته في البراءة من الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) (4)،وقد تصدّى زياد إلى كلّ من كان هواه مع علي(علیه السلام)، يذكر المسعودي: «أنّ زياداً جمع الناس بباب قصره يحرّضهم على لعن علي(علیه السلام)، فمن


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص222؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3،

2) ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم الدينوري، عيون الأخبار وفنون الآثار، دار الكتب العلمية، (بيروت - بلا ت): ج2، ص263-263؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص219.

3) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص229.

4) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص164؛ الخربوطلي، علي حسين، الدولة العربية الإسلامية، دار إحياء الكتب العربية، (القاهرة، 1960م): ص178.

أبى ذلك عرضه على السيف» (1). وذكر ابن الأثير أنّ زياداً قد قطع أيدي أكثر من ثلاثين رجلاً من أهل الكوفة(2).

وفضلاً عن ذلك فقد مارس زياد سياسة الترحيل والتشريد التي قصد بها إضعاف المعارضة في العراق، فقد أنزل من الكوفيين وأسرهم خمسين ألفاً في خراسان(3).

وقد بلغت الحال أنّ الرجل أصبح يفضّل أن يُقال عنه أنّه زنديق أو كافر ولا يقال عنه أنّه من شيعة علي(4)، بل قد بلغ الحال أنّهم كانوا يخافون من النطق بأسمائهم حتى فيما يتعلق بأحكام الدين التي لا ترجع إلى الفضائل التي كان الأمويون يخشون شيوعها، فكانوا يقولون: (روى أبوزينب)(5)، ويصوّر لنا سليم ابن قيس الكوفي أوضاع أهل الكوفة أيام ولاية زياد بن أبيه، والمؤرخ من شهود العيان في تلك الفترة «...ثم اشتدّ البلاء بالأمصار كلها على شيعة علي وأهل بيته(علیهم السلام)، وكان أشدّ الناس بلية أهل الكوفة؛ لكثرة من بها من الشيعة، واستعمل عليها زياداً ضمّها إليه مع البصرة وجمع له العراقين، وكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عالم؛ لأنه كان منهم قد عرفهم وسمع كلامهم أول شيء، فقتلهم تحت كلّ كوكب وتحت كلّ حجر ومدر، وأجلاهم وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل منهم وصلبهم على جذوع


1) المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت 346ﻫ/957م)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، (بيروت، 1988م): ج3، ص35؛ الخربوطلي، علي حسين، الدولة العربية الإسلامية: ص178.

2) ابن الأثير، الكامل: ج3، ص228.

3) المصدر السابق: ص243.

4) ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله المعتزلي (ت 655ﻫ/1257م)، شرح نهج البلاغة، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، (بيروت، 1988م): ج4، ص73.

5) المصدر السابق.

النخل، فلم يبق بها أحدٌ منهم إلا مقتول أو مصلوب أو طريد أو هارب»(1).

ويذكر الدكتور طه حسين بعض سياسة زياد التي ساس بها الناس، فيقول: «...إنّها سياسة منكرة لا يعرفها الإسلام ولا يرضاها، ولم يعرفها المسلمون، ولم يألفوها، والتي إن دلّت على شيء، فإنّها تدلّ على أنّ صاحبها طاغية، يريد أن يحكم الناس بالبغي، يملأ القلوب رعباً ورهباً، ويغتصب منها الطاعة والخضوع للسلطان اغتصاباً»(2).

وعندما استعمل زياد سمرة بن جندب(3)) على البصرةأسرف في القتل إسرافاً لا حدود له، فهذا أنس بن سيرين يقول لمن سأله: هل كان سمرة قتل أحداً؟: «وهل يُحصى من قتل سمرة بن جندب؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له يعني زياد: هل تخاف أن تكون قتلت أحداً بريئاً؟ فرد عليه قائلاً: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت»(4).

وقال أبو سوار العدوي: «قتل سُمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن»(5).

وذكر الطبري «وأتي سمرة بناس كثير وأناس بين يديه فيقول للرجل ما دينك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله،


1) العامري، أبجد الشيعة: ص188.

2) طه حسين، الفتنة الكبرى: ج2، ص215.

3) هو سمرة بن جندب بن هلال بن جريح الفزاري، استعمله زياد على البصرة نائباً عنه واستعمله معاوية على ولاية البصرة، ثم عزله فقال: لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعته ما عذبني أبداً، ومات سنة 58ﻫ/677م.ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص291؛ ابن الأثير، اُسد الغابة: ج2، ص354؛ ابن حجر، الإصابة: ج2، ص78.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص237؛ ابن الأثير، الكامل: ج3، ص229.

5) المصدر السابق.

وأني بريءٌ من الحرورية، فيقدّم فيضرب عنقه، حتى مرّ ببضعة وعشرين»(1).

وقد سبى نساء همدان واقامهنّ في الأسواق، فكنّ أول مسلمات أشترين في الإسلام وكان يعذّب بغير القتل من صنوف العذاب(2).

ثانياً: الأوضاع الاقتصادية

كان النظام الحاكم يعطّل قوانين التوزيع الاقتصادي التي نادى بها الإسلام، وهي قوانين تنصّ على المساواة في العطاء، وتحريم الاحتكار، ووجوب الكفالة والضمان الاجتماعي للطبقات الفقيرة ومكافحة الفقر، وسنجد حافزاً ومحرّكاً قوياً للثورة والتحرّك، حرّك جماهير الأمة وحفّزها للاستنجاد بالإمام الحسين(علیه السلام) وهو الحافز الاقتصادي فقد شعرت الطبقات الضعيفة بضياع حقوقها، وانتشار الفقر بين صفوفها في حين تتكدّس الثروة بيد فئة وطبقة معينة، وقد جاء في القرآن الكريم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»(3).

وفي قوله تعالى: «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»(4).

ويجب علينا حين ندرس سياسة معاوية المالية أن نضع خطاً فاصلاً بين الشام


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص292.

2) ابن عبد البر، الاستيعاب: ج1، ص165.

3) التوبة: آية34.

4) الحشر: آية7.

وبين سائر الولايات الإسلامية، لأنّ الشام كانت تتمتّع برخاءٍ حقيقي، والسرّ في ذلك هو أنّ جند الشام كان عماد معاوية في حروبه، وقد كان يحاول أن يسترضيهم بالأموال(1).على أنه لا يفوتنا أن نلاحظ أنّ هذا الرخاء لم يكن من حظّ عرب الشام أجمع، وإنما كان لقبائل اليمن وحدها، وأما قبائل قيس فكانت تعاني شظف العيش، لأنه بولاء اليمن لم يأبه لقيس، فلم يفرض لها في العطاء، إلا في وقتٍ متأخر بعد أن خشي على سلطانه من قوة قبائل اليمن(2). فقد نالت قبيلة كلب اليمانية شرف العطاء على بقية القبائل فقد فرض معاوية بن أبي سفيان لألفين من رجال هذه القبيلة من العطاء ألفي درهم لكلّ شخص وإن مات قام ابنه أو ابن عمّه مكانه، وكان لهم الأمر والنهي وصدر المجلس، وكلّ ما كان من حلّ وعقد ورأي ومشورة(3).

وقد استحدث معاوية طرقاً عدّة لجمع الأموال وبشتّى الوسائل، منها استصفاء معاوية بن أبي سفيان أموالاً كان يأخذها كسرى وآل كسرى، وقد بلغت جبايتها خمسين ألف ألف درهم من الكوفة وسوادها، واستصفى من أرض البصرة مثل ذلك(4)، كما أمر أن تحمل إليه هدايا النوروز والمهرجان، وكانت تحمل إلى كسرى من قبلهوقدّرت بعشرة آلاف ألف درهم(5)، ولم يقتصر ذلك على العراق وحده بل تعدّى إلى أكثر من ذلك حيث يذكر اليعقوبي قائلاً: «...وفعل معاوية بالشام والجزيرة واليمن مثلما فعل بالعراق من استصفاء ما كان للملوك من الضياع،


1) حسن، إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، طبعة دار الكتاب، (بيروت، 1980م): ج1، ص475.

2) جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، مطبعة دار الهلال، (بغداد، 1958م): ج4، ص83.

3) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص95.

4) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص151.

5) المصدر السابق.

وتصيرها لنفسه خالصة، وأقطعها أهل بيته وخاصّته، وكان أول ما كانت له الصوافي»(1)، وكتب معاوية إلى عماله في جميع البلدان: «انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان، ولا تجيزوا له شهادة»(2).

وكان من جملة الأساليب التي اتّبعها معاوية بن أبي سفيان لحمل الحسين(علیه السلام) على بيعة يزيد حرمان جميع بني هاشم من عطائهم حتى يبايع الحسين(علیه السلام) (3).

وقد كان معاوية قد أخذ الزكاة من الأعطية، وسخّر الناس في بنائه، ورحل إليه عبد الله بن عمر بن الخطاب يوماً فقال: «يا أبا عبد الرحمن كيف ترى بنياننا؟ قال: إن كان من مال الله فأنت من الخائنين، وإن كان من مالك فأنت من المسرفين»(4).

وكتب معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبيه عامله على العراق «أصطفِ لي الصفراء والبيضاء» فكتب زياد إلى عمّاله بذلك وأمرهم أن لا يقسّموا بين المسلمين ذهباًولا فضة(5).

وكان معاوية يحرّض عمّاله على جمع الأموال وهم يخترعون الطرق للإستكثار منها(6)، وبهذا فإنّ الطبقات الفقيرة في المجتمع لابدّ أن تشكوا وتتذمّر(7).

وإنّ معاوية بن أبي سفيان بعد أن تمّ له السلطان على البلاد الإسلامية في عام الجماعة، أعلن للناس طبيعة الحكم الجديد في كلمته الشهيرة؛ حيث قال: «إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا إنّكم لتفعلون ذلك، وإنّما


1) المصدر السابق: ص163.

2) العامري، أبجد الشيعة: ص188.

3) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص194.

4) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص162.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص251؛ زيدان، التمدن الإسلامي: ج4، ص87.

6) زيدان، التمدن الإسلامي: ج4، ص87.

7) الوردي، علي، مهزلة العقل البشري، مطبعة ثامن الححج، (قم، 2006م): ص269.

قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون»(1).

وترى كتب التاريخ والأدب حافلةٌ بالحديث عن حلم معاوية وسخائه وبذله الأموال، ولكنّ شيئاً من دقّة الملاحظة يكشف لنا عن حقيقة الحال، فإنّ هذا السخاء كان مقصوراً على حفنةٍ من الناس، لا يتعدّاها إلى غيرها من العامة ممن هم في أمسّ الحاجة إلى الدرهم، لقد كان سخاؤه مقصوراً على هذه الطبقة الأرستقراطية التيصعد على أكتافها إلى الحكم، والتي استعان بمالها من نفوذ سياسي أو ديني في حروبه، وكانت هذه الطبقة مؤلفة من زعماء القبائل الموالين له، ومن بعض الأشخاص الذين كان لهم تأثير في نفوس المسلمين؛ فقد ذكر المؤرخون أنّ معاوية بن أبي سفيان أعطى مصر والمغرب طعمة لعمرو بن العاص، وكان عمرو قد شرطها عليه يوم بايع(2)، ويذكر المسعودي: «أن عمرو بن العاص والي مصر في عهد معاوية بلغت ثروته من العين ثلاثمائة ألف دينار وخمسة وعشرين ألف دينار، ومن الورق ألف درهم، وغلة مائتي ألف دينار بمصر، وضيعته المعروفة بالرهط قيمتها عشرة آلاف ألف درهم»(3).

وكان زياد أول من بسط الأرزاق على عماله؛ لكلّ شخص ألف درهم، ولنفسه خمسة وعشرون ألف درهم(4).

أما النعمان بن بشير(5)- والي الكوفة من قبل معاوية بنأبي سفيان، وكان يبغض


1) الاصفهاني، أبو الفرج، علي بن الحسين بن محمد (ت 356ﻫ/966م) مقاتل الطالبيين، تح: أحمد صقر، (النجف، 2003م): ص46.

2) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص154.

3) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص32.

4) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص163.

5) النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، ولد قبل وفاة النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) بثمان سنين، وكان من المقرّبين إلى الخليفة عثمان بن عفان (رض)، ولما قتل عثمان أخذ النعمان قميصه وأصابع زوجته نائلة إلى معاوية، وقد عمل النعمان أميراً على الكوفة لمعاوية، ومن بعده لابنه يزيد، ثم تولّى حمص، ثم دعا لبيعة عبد الله بن الزبير فقتله شيعة بني أمية في ذي الحجة سنة 64ﻫ/683م. ينظر: ابن الأثير، اُسد الغابة: ج5، ص22؛ ابن حجر، الإصابة: ج3، ص529.

أهل الكوفة؛ لرأيهم في علي(علیه السلام) - فقد رفض أن يدفع لهم الزيادة في أعطياتهم ولمّا أسترحمه عبد الله بن همام السلولي، وطلب إليه دفع الزيادة في قطعة شعرية مؤثّرة قال: «والله لا أجيزها ولا أنفذّها أبداً»(1).

وكانت جباية الأموال تقوم على الشدّة والقسوة والعنف، ولذلك حرص بنو أمية على جمع الأموال بكل وسيلة، فأطلقوا الأيدي ولا تهمّ في العراق حتى يتمكّنوا من جمع الضرائب، ولو أدى ذلك إلى استعمال البطش في جمعها(2).

ويقدّم لنا فان فلوتن صورة معبّرة عن الآثار السياسية والاجتماعية التي خلّفتها هذه السياسة في المجتمع العراقي في ذلك الحين، حيث يقول: «...وفي العراق أيضاً نرى أشكالاً عدّة من الزيادات الاستثنائية تضاف إلى الضرائب القديمة، وكان على عمر الثاني (الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز) أن يأمر جباة الضرائب في عهده بأن لا يتقاضوا من الدراهم ما يزيد وزنه على أربعة عشر قيراطاً، وهو الوزن العادي الذي أقرّه الخليفة عمر الأول (أي الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب)... وكثيراً ما ارتفعت الشكوى ضدّالولاة وعمال الخراج، الذين استأثروا بأموال الدولة لأنفسهم»(3).

إنّ هذه الظروف كوّنت طبقتين في المجتمع الإسلامي؛ طبقة فقيرة محرومة


1) الاصفهاني، أبو الفرج، علي بن الحسين، الأغاني، تح: خليل محيي الدين، دار الفكر، (بيروت، 1991): ج16، ص26-32.

2) الراوي، ثابت إسماعيل، العراق في العصر الأموي، ط1، مطبعة الإرشاد، (بغداد، 1965) ص69.

3) فان فلوتن، الدولة الأموية والمعارضة، ترجمة: إبراهيم بيضون، ط1، دار الحداثة، (بيروت، 1980): ص74-75.

وطبقةٌ غنية تملك الأموال والأراضي، فنمت هذه الثروة وورّثت، فأثار هذا الوضع الرأي العام الإسلامي، الذي ألف المساواة في التوزيع، وآمن بحركة المال، وتحريم الكنز والاحتكار، والطبقية، فكانت هذه الأوضاع الاقتصادية إحدى الأسباب التي أجّجت نار الثورة، وجعلت الطبقات المحرومة ومن ينادون بالمساواة يتجهون إلى الحسين(علیه السلام) ؛ باعتباره الشخص الذي يستطيع أن يطبّق أحكام الإسلام وقوانينه، كما ألفوها أيام الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) .

وقد جاء ذلك واضحاً في كتاب أهل الكوفة للإمام الحسين(علیه السلام) الذي جاء فيه «بسم الله الرحمن الرحيم، سلام عليك، فإننا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبّار العنيد الذي إنتزى على هذه الأمة وابتزّها أمرها، وغصبها فيئها... »(1).

ثالثاً: ولاية العهد

إنّ أول من جاء بفكرة ولاية العهد هو المغيرة(2)بنشعبة الثقفي، وكان أميراً على الكوفة من قبل الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وكانت ولاية المغيرة على الكوفة سنة (41ﻫ/661م)(3)حتى وفاته سنة (50ﻫ/670م)(4)، وقد همّ معاوية أن


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص352.

2) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي، أسلم سنة (5ﻫ/626م)، وقد ولاه الخليفة عمر بن الخطاب (رض) على الكوفة، وأقرّه الخليفة عثمان (رض) عليها ثم عزله، ثم ولّاه معاوية الكوفة حتى مات سنة (50ﻫ/670م). ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب: ج3، ص388، ابن حجر، الإصابة: ج3، ص453.

3) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص207؛ الريس، محمد ضياء الدين، الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية، ط3، دار المعارف؛ (القاهرة، 1969م): ص195.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص172؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص228.

يعزل المغيرة عن ولاية الكوفة ويوليها سعيد بن العاص(1). فلما بلغ ذلك المغيرة قدم على معاوية فقال له: «يا أمير المؤمنين قد علمت ما لقيت هذه الأمة من الفتنة والإختلاف وفي عنقك الموت، وأنا أخاف إن حدث بك حادث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد قتل عثمان، فاجعل للناس بعدك علماً يفزعون إليه، واجعل ذلك يزيد ابنك»(2).وذكر ابن الأثير أنّ المغيرة بن شعبة دخل على يزيد فقال: «لا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة قال: أوَ ترى ذلك يتمّ؟ فقال: نعم، فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قاله المغيرة»(3).

وبهذا إشارة إلى أنّ المغيرة بن شعبة قد رأى في شخص يزيد الشاب الذي يمكن أن يستغلّه لمصالحه الشخصية، ويدعم موقفه أمام أبيه، فدعا معاوية المغيرة وذكّره بما أخبره يزيد من كلامه فقال: «يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف؛ فاعقد له فإن حدث بك حادث كان كهفاً للناس، وخلفاً منك، ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة، قال: ومن لي بهذا؟ قال: أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وبعد هذين المصرين لا أحد يخالفك قال: فارجع إلى عملك، وتحدّث مع من تثق إليه في ذلك وترى ما نرى»(4).


1) سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي، ولد في مكة سنة (2ﻫ/623م) قتل أبوه يوم بدر كافراً، وأسلم عام الفتح، ولي الكوفة من قبل الخليفة عثمان بن عفان (رض) وقد تخلف عن معاوية في حروبه، وكان معاوية عاتباً عليه لذلك، ثم ولّاه المدينة وكان يتعاقبها مع مروان، وقد مات سعيد في قصره بالعقيق سنة (53ﻫ/672م). ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج2، ص47.

2) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص170.

3) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص249.

4) المصدر السابق؛ إبراهيم، بيضون، التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، دار النهضة العربية، (بيروت، 1979م): ص159.

وبذلك فقد كسب المغيرة الخليفة ويزيد وحافظ على مكانته ومنصبه، ومن المعروف أنّ المغيرة كان داهية من دهاة العرب «الرأي لا يستجر في صدره أمران إلا وجد في إحداهما مخرجاً»(1). ونلاحظ هنا أنه قد قدّر حساسية الموضوع،وأبعاده المستقبلية من خلال ما قاله لجماعته حين رجع من معاوية: «...لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغابة على أمة محمد، وفتقت عليهم فتقاً لا يرتق أبداً»(2).

وقد أكّدت المصادر المتأخّرة على أثر المغيرة في إبراز فكرة ولاية العهد(3)، ويبدو أنّ الموضوع الذي أوحاه المغيرة لم يكن بالموضوع البسيط الذي لا يستحق التفكير به من جهة معاوية، فضلاً عن أنّ المغيرة لم يطرح هذا الموضوع اعتباطاً، بل حصل على أمرين الأول: تقرّبه من شخص الخليفة وابنه، والآخر: إظهار الحرص على مصير الخلافة بطريقة ذكية؛ ليضمن استمرار عمله على الكوفة، ويبيّن ليزيد بأنه أولى بالخلافة من غيره بعد أبيه، وأنّه يمتاز بمزايا عدة ترشّحه لذلك المنصب مؤكداً بأنه من أبناء سادة قريش، وأحسنهم رأياً، ويندهش لماذا لم يشغل معاوية هذه الامتيازات ويعهد لولده يزيد؟ وعرض عليه محاسن البيعة في مصلحة الأمة الإسلامية، وبهذاشجّع وحفّز معاوية في طلب البيعة ليزيد، ويظهر ذلك واضحاً


1) ابن سعد، أبو عبد الله محمد بن منيع (ت 230ﻫ/844م)، الطبقات الكبرى، ط2، دار صادر، (بيروت، 1961م): ج4، ص285.

2) البيهقي، إبراهيم بن محمد (ت 320ﻫ/932م)، المحاسن و المساوئ تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة نهضة مصر، (القاهرة، 1961م): ج1، ص83؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص249.

3) النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب (ت 733ﻫ/1332م)، نهاية الأرب في فنون الأدب، تح: علي محمد البجاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (القاهرة، 1976م): ج20، ص348-349.

في قول معاوية ومن لي بهذا(1).

لكنّ معاوية تمهّل في أخذ البيعة؛ حتى لا يثير عليه الإمام الحسن بن علي(علیهما السلام) وأبناء الصحابة، وخاصة من كانت لديهم مؤهّلات لم تكن موجودة في شخص يزيد، لذلك سعى معاوية إلى دسّ السُمّ للحسن(علیه السلام)، وتشير الروايات إلى أنّ امرأة الحسن(علیه السلام) جُعدة بنت الأشعث هي التي سمّته بتحريض من معاوية، وقيل: إنّ يزيد هو الذي دسّ إليها؛ لتسمّه؛ فيتزوجها(2)، وكانت وفاة الحسن(علیه السلام) سنة 49ﻫ/ 669م(3).

وبايع معاوية لابنه يزيد بعد وفاة الحسن(علیه السلام) بفترةٍ قصيرة(4)، لقد زاد اهتمام معاوية ببيعة يزيد، خاصّة بعد أن أرسل إليه المغيرة وفداً من أهل الكوفة يطالبونه بمبايعة يزيد(5)، وقد دخل معاوية على زوجته فاختة بنتقرضة بن حبيب بن عبد شمس، وكانت أمّ عبد الله بن معاوية، يزيد بن ميسون بنت بحدل الكلبي وكانت فاختة معادية لميسون فأخبرها بما أشار عليه المغيرة فقالت: «أراد أن يجعل لك عدواً من نفسك يتمنّى هلاكك كلّ يوم فشقّ ذلك على معاوية» (6).

وهناك رأي يقول:إنّ معاوية كان مُدركاً بوجود تيارات معادية له، ومن المؤكّد أنّ هذه التيارات سوف تبرز بعد وفاته وتحدث زعزعة في حكم بني أمية، ولعله تخيّل أنّه لو ترك الأمر لحين وفاته من دون ولي للعهد لظهر الخصام حالاً، ولتنافر


1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص249.

2) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص156؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص5.

3) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص156؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص228.

4) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص159.

5) سيد عبد العزيز سالم، تاريخ الدولة العربية (تاريخ العرب منذ عصر الجاهلية حتى سقوط الدولة الأموية)، دار النهضة العربية، (بيروت، 1971م): ص611.

6) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص170.

المسلمون وتقاتلوا، فمن المصلحة أن يعهد إلى شخص معيّن تجنباً للمشاكل المتوقّعة(1).

ويرى ولهاوزن أنّ أساس هذه الفكرة كانت تجول في ذهن معاوية وأنّه ربّما كان يفكّر فيها مذ زمنٍ طويل(2)، فسواءٌ كان المغيرة هو صاحب فكرة ولاية العهد لمعاوية أو كان معاوية نفسه صاحبها فإنّ الهدف واحد في كلا الحالتين، فيما يخصّ معاوية وهو توريث الحكم وجعلهفي عقبه، وخيرُ دليل على ذلك تقبّله للفكرة، وطلبه من المغيرة المباشرة في مسألة بيعة يزيد مع من يثق بهم، وأبقاه في منصبه وآلياً على الكوفة بعد أن كان قد فكّر في عزله(3).


1) يوسف العش، الدولة الأموية والأحداث التي سبقتها ومهدت لها ابتداء من فتنة عثمان، مطبعة جامعة دمشق، (دمشق، 1965م): ص150.

2) يوليوس فلهاوزن، الدولة العربية وسقوطها، نقله إلى العربية، د. يوسف العش، مطبعة الجامعة السورية، (دمشق، 1956م): ص118.

3) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص249.

المبحث الثاني: طلب البيعة من الأمصار وأثرها في قيام الثورة

اشارة

لم يكن معاوية مهتمّاً في أخذ البيعة من أهل الشام، وخاصّة حاضرة الدولة (دمشق) فقد كان يعلم بولائهم وانقيادهم المطلق للبيت الأموي بصورة عامة ولشخصه بصورة خاصة، ويظهر ذلك واضحاً عندما خاطب معاوية ولده يزيد بأنّ أهل الشام هم بطانته الذين ينتصر بهم على عدوّه(1).

لذلك وجّه معاوية جُلّ اهتمامه لأخذ البيعة من الأمصار التي كانت وما زالت تمثّل خطراً يُهدّد الحكومة المركزية في دمشق، وأبرز تلك الأقاليم هي العراق والحجاز، فيذكر معاوية أهل العراق بقوله ليزيد: «انظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كلّ يوم عاملاً فأفعل؛ فإنّ عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف»(2). ومن الطبيعي أن يواجه يزيدمعارضة من أهل العراق، فهم أعداء معاوية، وقد حاربوه في صفين(3)مع الإمام علي(علیه السلام) «35ﻫ/655م -


1) الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر (ت 255ﻫ/868م)، البيان والتبيين، تح: عبد السلام محمد هارون، ط2، مطبعة الخانجي، (القاهرة -1968م): ج2، ص131؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص323؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج5، ص259.

2) الجاحظ، البيان والتبيين: ج2، ص131؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص323؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج5، ص259.

3) أبو مخنف، لوط بن يحيى الأزدي (ت157ﻫ/773م)، الجمل وصفين والنهروان، تح: حسن حميد، ط1، مؤسسة دار الإسلام، (لندن، 2002م): ص268.

40ﻫ/660م»(1)والذي نكّل بأبرز قادتهم؛ مثل مالك بن الحارث الأشتر(2)الذي استشهد في القلزم(3)سنة 38ﻫ/658م(4).

ومحمد بن أبي بكر(5)

استشهد في مصر سنة 38ﻫ /658م(6)، وحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي اللذين مرّ ذكرهما.

أما الإقليم الثاني والذي يحظى بأهمية كبيرة لدى معاوية في أخذ البيعة فهو الحجاز؛ لأنّه مهبط الوحي، وأرض ومسكن الصحابة والذين يؤخذ رأيهم في عقد الولاية، فهم رجال الدين وأصحاب السياسة وأبناء الخلفاء، والناس إليهم تبع حيث يذكرهم معاوية ويوصّي بهم يزيد بقوله: «فانظر أهل الحجاز؛ فإنّهم أصلك، وأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب»(7).


1) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص123-148؛ ابن الكازروني، ظهير الدين علي بن محمد (ت 697ﻫ/1297م)، مختصر التاريخ من أول الزمان إلى منتهى دولة بني العباس، تح: مصطفى جواد، مطبعة الحكومة، (بغداد، 1970م): ص75-76.

2) ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف الاتابكي (ت 874ﻫ/1469م)، النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة، المؤسسة المصرية، (القاهرة، 1963م) ج1، ص102-104.

3) القلزم: هو المكان الذي غرق فيه فرعون وأعوانه، وهو ساحل مكة والمدينة، ثم ساحل الطور وساحل تيماء حتى قلزم مصر.ينظر: الحموي، معجم البلدان: ج4، ص387.

4) أبو مخنف، الجمل وصفين والنهروان: ص455؛ الثقفي، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد الكوفي (ت 283ﻫ/868م)، الاستنفار والغارات، تح: عبد الزهراء الحسيني، دار الأضواء، (بيروت، 1987م): ص168؛ ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة: ج1، ص104.

5) محمد بن أبي بكر الصديق، أمّه أسماء بنت عميس الخثعميه، ولدته في طريق المدينة إلى مكة في حجة الوداع، نشأ محمد في حجر الإمام علي(علیه السلام) ؛ لأنّه كان قد تزوّج أمّه بعد وفاة أبي بكر. وشهد مع الإمام علي(علیه السلام) الجمل وصفين، ثم أرسله إلى مصر أميراً، فدخلها في شهر رمضان سنة 37ﻫ/657م، فتولّى إمارتها، ثم جهّز معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص في جيش إلى مصر، فقاتلهم محمد وأنهزم ثم قتل في صفر سنة 38ﻫ/658م. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج3، ص472، ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة: ج1، ص106-110.

6) ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة: ج1، ص110.

7) الجاحظ، البيان والتبيين: ج2، ص131؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص259.

أولاً: رأي أهل الحجاز في البيعة ليزيد

أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى مروان(1)بن الحكم - وكان أميراً على المدينة وذلك سنة 49ﻫ/ 696م(2)- يأمرهأن يمهّد لأخذ البيعة ليزيد «إذ كان عرب الحجاز بوجهٍ خاص غير مستعدّين للإنتقال من النظام القائم على الشورى إلى النظام الوراثي»(3).

وقد كان ردّ الفعل عنيفاً بوجه مروان، الذي خاطب أهل المدينة بأمر البيعة ليزيد وأعلن أبناء الصحابة استنكارهم لولاية العهد، ونهض عبد الرحمن(4)بن أبي بكر وأعلن معارضته بقوله: «ما الخيار أردتم لأمّة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل»(5).

لذلك فقد سعى معاوية لأخذ البيعة من أهل المدينة بنفسه، وقدّمها سنة 50ﻫ/670م، والتقى بأبرز رجالها، وشاورهم في رغبته بأخذ البيعة ليزيد، فتلقّى معارضة تامّة من الجميع، وقد لخّص عبد الله بن عمر رأي الجميع بقوله: «...فإنّ هذه الخلافة ليست بهرقلية ولا قيصرية ولا كسرويه يتوارثها الأبناء عن الآباء، ولو


1) مروان بن الحكم بن أبو العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، يُكنى أبا عبد الملك، ولد في مكة سنة 2ﻫ/623م، وأسلم عام الفتح، كان منفياً بالطائف مع أبيه الحكم، ردّه الخليفة عثمان بن عفان، وكان كاتباً عنده، نظر إليه الإمام علي(علیه السلام) فقال: (ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك)، ولي الخلافة بعد معاوية بن يزيد، مات سنة 65ﻫ/684م. ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب: ج3، ص427-428.

2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص246.

3) سيد عبد العزيز سالم، دراسات في تاريخ العرب، (تاريخ الدولة الأموية)، مؤسسة شباب الجامعة، (الإسكندرية، لا.ت): ج2، ص327.

4) عبد الرحمن بن أبي بكر كان اسمه في الجاهلية عبد العُزى، شهد بدراً وأُحداً مع الكفار أسلم في هدنة الحديبية، وشهد الجمل مع طلحة والزبير، مات في مكة أيام معاوية سنة 55ﻫ/674م. ينظر: ابن الأثير، اُسد الغابة: ج3، ص306.

5) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص250.

كانت كذلك لكنت القائم بها بعد أبي»(1).

وبعد أن عاد معاوية إلى الشام أخذ يعمل على إغراء الناس وتقريبهم إليه، ويداني بعيدهم ويلطف بهم حتىاستوثق له أكثر الناس، ثم كرّر معاوية طلب البيعة لابنه يزيد، وأوكل هذه المهمّة لعامله على المدينة سعيد بن العاص، الذي أخذ الناس بالشدّة والعنف وأبطأ الناس في البيعة، سيّما بنو هاشم الذين أنكروا أن يتولّى عليهم من يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ويظهر الفسوق(2).

وقد تخلّف عن البيعة أربعة أشخاص وهم: الحسين بن علي(علیه السلام)، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير(3)، وقد قال عبد الله بن عمر: «نبايع من يلعب بالقرود والكلاب، ويشرب الخمر، ويظهر الفسوق: ما حجتنا عند الله»(4)؟ وقال عبد الله بن الزبير: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد أفسد علينا ديننا»(5).

ثانياً: إرسال الوفود إلى دمشق

بدأ معاوية بن أبي سفيان بتهيئة يزيد للخلافة وتقريبه من الناس، إذ قام معاوية


1) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص178.

2) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1،ص181؛ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص159؛ ابن عبد ربه، أحمد بن محمد الاندلسي (ت 328ﻫ/939م) ابن عبد ربه، العقد الفريد، تح: عبد المجيد الترحيني، ط3، دار الكتب العلمية، (بيروت، 1987م): ج5، ص117؛ سيد عبد العزيز سالم، دراسات في تاريخ العرب: ص328.

3) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي، يكنى أبا بكر، أو أبا خبيب، أمه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، ولد سنة 2ﻫ/623م، في المدينة وهو أول مولود ولد في الإسلام من المهاجرين، شهد الجمل مع أبيه وخالته عائشة، بويع له بالخلافة سنة 64ﻫ/683م، قتله الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 73ﻫ/692م.ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب: ج2، ص301-302؛ ابن حجر، الإصابة: ج2، ص309-310.

4) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص159.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج2، ص159.

سنة (51ﻫ/671م) بتوجيه يزيد أميراً للحج(1)، وما هذه إلا محاولةً لتحسين صورة يزيد لدى أهل الحجاز، وإعداده لتولّي الخلافة في المستقبل، وبعد ذلك طلب معاوية من عمّاله أن يرسلوا إليه الوفود من الأمصار إلى دمشق، ومن طلائع الوفود التي وصلت محمد بن عمر بن حزم من المدينة، وهو أحد علماء أهل الحجاز والأحنف(2)بن قيس من البصرة.

فضلاً عن وفود الكوفة ومكة ومصر والجزيرة، وعندها عُقِد المجلس(3)، وقد حدّد المسعودي السنة التي قدمت بها الوفود إلى دمشق، وهي سنة 59ﻫ/ 678م(4)، أما ابنالأثير فأشار إلى أنّها سنة 56ﻫ/ 675م(5). ومن المتوقع أنّ معاوية طلب البيعة قبل وفاته بمدّة ليست بالقصيرة، وبحضور معاوية بن أبي سفيان قام الخطباء ببيعة يزيد «وأظهر قوم الكراهة، فقام رجل من عذرة يقال له يزيد بن المقنع، واخترط من سيفه شِبراً، ثم قال أمير المؤمنين هذا، وأشار إلى معاوية، فإن يهلك فهذا وأشار إلى يزيد، فمن أبى فهذا، وأشار إلى سيفه، فقال معاوية: أنت سيد الخطباء»(6).


1) المصدر السابق: ج5، ص286؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص243.

2) الأحنف بن قيس السعدي التميمي، زعيم تميم في البصرة، يكنى أبا بحر قيل: إنّ اسمه صخر، وقد أدرك النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، توفي في إمارة مصعب بن الزبير في الكوفة سنة (67ﻫ/686م).ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب: ج1، ص126-128؛ ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر (ت 681ﻫ/1282م)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، (مصدر، بلا ت): ج2، ص186-192.

3) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص170؛ ابن اعثم، أبو محمد أحمد بن اعثم الكوفي، (314ﻫ/926م)، الفتوح، تح: علي شيري، ط1، دار الأضواء، (بيروت، 1991م): ج4، ص229؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص36.

4) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص36.

5) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص250.

6) الجاحظ، البيان والتبيين: ج1، ص300؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص37؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص251.

وهذا يؤكّد أنّ محاولة معاوية في أخذ البيعة لابنه من بعده لم تكن تحظى بالتأييد المطلق، وأنّ هناك مَنْ يعارضها.

وعندما تكلّم محمد بن عمرو بن حزم الموفد من المدينة قائلاً: «يا معاوية إنّ يزيد أهلٌ لما تريد أن ترسمه له، وهو لعمري غني بالمال ووسيط في النسب، غير أنّ الله تعالى مسائلٌ كلّ راعٍ عن رعيته، فاتّق الله يا معاوية، وانظر من تولّي أمر أمّة محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) »(1).

ويبدو أنّ موفد أهل المدينة لم يُظهر موقفاً واضحاً بشأن تأييد بيعة يزيد حتى يجنّب أهلها ما يترتّب على هذا الموقف، وفي الوقت نفسه حاول أن يُبيّن لمعاوية أنيُرشّح من يصلح للخلافة، وكانت إجابة معاوية لابن عمر على أنّه رجلٌ ناصح ويكفي أن يسمع رأيه، ولم يكن واجبه أكثر من هذا، غير أنّ معاوية أكّد لموفد المدينة قائلاً: «لم يبق من أولاد الصحابة إلا ابني وأبناؤهم وابني أحبّ إليّ من أبنائهم»(2).

ومن هنا يتبين أنّ معاوية عبَّر عن رأيه بصريح العبارة أنّ ابنه أحبّ إليه وأفضل من أبناء الصحابة جميعاً.

وحاول معاوية أن يعمل على أخذ البيعة ليزيد، فكتب إلى الأمصار يصف يزيد بأحسن وصف؛ ليكون بالصورة الحسنة والمنزلة الجديرة بالاحترام التي يجب أن يتحلّى بها الخليفة، وعندما توافدت عليه الوفود وكّلف الضحاك(3)بن قيس الفهري بأن يكون المشرف والمتكلم في هذا المجلس، وأوعز الخليفة أن يستأذنه الضحاك إذا


1) ابن اعثم، الفتوح: ج4، ص229؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص118؛ السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911ﻫ/1505م)، تاريخ الخلفاء، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط1، مطبعة السعادة، (مصر، 1952م): ص206.

2) ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص118؛ السيوطي، تاريخ الخلفاء: ص206.

3) الضحاك بن قيس بن خالد بن وهب القرشي الفهري، يكنى أبا أنيس وأمه أمية بنت ربيعة الكنانية، روى عن النبي محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) أحاديث وقيل لا صحبة لم وكان على شرطة معاوية ثم تقلد عدة مناصب بايع لعبد الله بن الزبير في دمشق بعد موت معاوية بن يزيد قُتل في مرج رهط في ذي الحجة سنة 64ﻫ/683م.ينظر: ابن الأثير، اُسد الغابة: ص49-50.

فرغ من كلامه فإن سمع له معاوية أن يولي يزيد بعد أن هيأ أربعة من الرجال من خاصة معاوية، ليكونوا على استعداد ليقوموا ويدعموا كلامه بالتصديق ويدعوه إلى البيعة؛وهم عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وثور ابن معن السلمي، وعبد الله بن عصام الأشعري(1).

وبدأ الضحاك خطبته، وهي دليلٌ قاطع على تأييد أهل الشام لبيعة يزيد إذ قال: «أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به، إنّا قد بلونا الجماعة والألفة والاختلاف والفرقة فوجدناها ألمّ لشعثنا، وأمنة لسبلنا، وحاقنة لدمائنا، وعائدة علينا في عاجل ما نرجو، أو آجل ما نؤمّل، مع ما ترجو به الجماعة من الألفة، ولا خير لنا أن نترك سُدى، والأيام عوج رواجع، والله يقول: كلّ يوم هو في شأن، ولسنا ندري ما يختلف به العصران، وأنت يا أمير المؤمنين ميّت كما مات من كان قبلك من أنبياء الله وخلفائه، نسأل الله تعالى بك المتاع، وقد رأينا من دعة يزيد بن أمير المؤمنين، وحسن مذهبه، وقصر سيرته ويُمن نقيبته، مع ما قسم الله له من المحبة في المسلمين، والشبه بأمير المؤمنين في عقله وسياسته وتسميته المرضية، ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا، والقنوع به في الولاية علينا، فليولّه أمير المؤمنين أكرمه الله عهده، وليجعله لنا ملجأ ومفزعا بعده لنأوي إليه أن كان كون فإنّه ليس أحدٌ أحقّ بها منه، فأعزم على ذلك، عزم الله لك في رشدك ووفّقك في أمورنا»(2).ثم قام الأربعة وعزّزوا ما قاله الضحاك وأيّدوا بيعة يزيد(3)، ومجمل كلامهم


1) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص170؛ ابن اعثم، الفتوح: ج4، ص230؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص118.

2) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص170-171؛ ابن اعثم، الفتوح: ج4، ص230؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص251. ورد في كل هذه المصادر التاريخية المضمون نفسه بصيغ مختلفة.

3) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص171-172.

الحثّ على طلب البيعة ليزيد، ووصف محاسنه، وكان من نتيجة ذلك أن أصبح الضحاك والياً على الكوفة(1).

وبعد هذه المداولات التي دارت أثناء الاجتماع قال معاوية: «أو كلكم قد جمع رأيه على ما ذكرنا؟ فقالوا: كلّنا أجمع رأيه على ما ذكرنا»(2).

ونلاحظ أنّ معاوية أخذ رأي المجلس على ما قالوا بشأن بيعة يزيد فأجابوا بالإجماع على الموافقة.

ثالثاً: رأي أهل العراق في البيعة ليزيد

لقد كان اهتمام معاوية بن أبي سفيان واضحاً في طلب البيعة من أهل العراق؛ لما كان يعرفه منهم في رفضهم لخلافة بني أمية بصورة عامة، ولشخص يزيد بصورة خاصة، وقد جاء ذلك الردّ على لسان موفد أهل العراق الأحنف بن قيس رئيس قبيلة بني تميم، حيث تكلّم بعد أنسأله معاوية فبدأ حديثه: «فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، إنّ الناس قد أمسوا في منكر زمان قد سلف ومعروف زمان مؤتنف، ويزيد بن أمير المؤمنين نعم الخلف، وقد حلبت الدهر أشطره، يا أمير المؤمنين فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك ثم أعصِ أمر من يأمرك، لا يغررك من يشير عليك، ولا ينظر لك، وأنت أنظر الجماعة وأعلم باستقامة الطاعة...»(3).

ومن خلال تحذير الأحنف لمعاوية من أهل العراق ردّ الضحاك عليه على نحوٍ


1) المصدر السابق: ص175؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص298، في سنة (54ﻫ/673م) كان على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وقيل: كان عليها الضحاك بن قيس، وفي سنة (55ﻫ/674م) عزل معاوية عبد الله بن خالد بن أسيد عن الكوفة، وولاها الضحاك بن قيس. ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص300.

2) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص175.

3) المصدر السابق: ص173، المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص37.

عنيف، ووصف أهل العراق بأنّهم على غير حق في أن يرفضوا يزيد، وأكّد لمعاوية بأن لا يبالي بهم، وناشد أهل العراق مخاطباً «ناصحوا لإمامكم، وكاتب نبيكم وصهره»(1).

وفي رواية أخرى تذكر أنّ الأحنف بن قيس قال لمعاوية عندما سأله عن يزيد قائلاً: «أنت أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره، وسره وعلانيته، فلا تسلّمه الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة»(2).

وهذا تعبيرٌ صريح من قبل الأحنف يحمّل فيه معاوية المسؤولية في توليته، ونلاحظ أنّه أكّد الالتزام بالعهود، وتحميل معاوية المسؤولية المباشرة في اتخاذه القرار تجاه الله سبحانه وتعالى في مصير الأمة الإسلامية.

وفي رواية أخرى تؤكّد موقف الأحنف الصريح: «أرسلمعاوية إلى الأحنف فدعاه، ثم شاوره في أمر يزيد فقال: يا أمير المؤمنين إننا نخافك إن صدقناكم، ونخاف الله إن كذبنا»(3)، ولكن عليك بغيري «فأمسك عنه معاوية، وجعل يروّض الناس في كلّ سنة، وفي كلّ موسم يدعوهم إلى بيعة يزيد»(4).

ويبدو أنّ الأحنف حاول التخلّص من مسؤولية إعطاء الرأي الصريح لمعاوية لذلك تركه الأخير، وفي الوقت نفسه حاول الأحنف ترغيب الناس في بيعة يزيد في كل موسم، فأثابه معاوية على موقفه، وحمل إليه هدية مقدارها خمسون ألف درهم(5).


1) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص174.

2) المصدر السابق: ص174؛ ابن اعثم، الفتوح: ج4، ص231-232؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص251.

3) ابن سعد، الطبقات: ج7، ص95؛ ابن اعثم، الفتوح: ج4، ص228-229.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج4، ص228-229.

5) المصدر السابق: ج4، ص229.

ومن هنا يتبيّن أنّ معاوية كان أحوج إلى الأحنف؛ لأنه زعيم قبائل تميم أكبر القبائل في البصرة، وذو كلام مسموع لدى أهل العراق.

وعلى الرغم من وجود علاقة حميمة بين معاوية والأحنف بن قيس فقد كانت لا تخلو من علاقة منفعة متبادلة، فلم يُعرب الأحنف عن رأيه على نحوٍ مباشر، وجعل الحكم لمعاوية، فلما سأل معاوية الأحنف عن البيعة صرح قائلاً: «أنت أعلم بما أردت، وإنما علينا أن نسمع ونطيع، وعليك أن تنصح للأمة»(1).ومن هنا يتبيّن أنّ جواب الأحنف كان صريحاً مكلّلاً بالطاعة والاحترام، ويبدو أنّ الأحنف لم يكن مقتنعاً بتولية يزيد، لكن الخوف والطاعة هي التي قادته بأن يعبّر عن رأيه على نحوٍ غير واضح، من دون أن يُظهِر حقيقة ما كان يدور في العراق من معارضة ضدّ الحكم الأموي.

ويعد أن تحدَّث الأحنف قام رجلٌ من أهل الشام فقال: «ما ندري ما تقول هذه المعدية العراقية، وإنما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف»(2).

ويتبيّن لنا أنّ أهل الشام كانوا يريدون بيعة يزيد لكنهم كانوا ينتظرون أن يسمعوا رأي أهل العراق، وهم على أهبة الاستعداد في الطاعة والولاء والحرب، وفي نهاية المجلس قام أحد أفراد التجمع، وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وبيّن للخليفة أنّ آراء الناس مختلفة، والكثير منهم يخالفون رأي الخليفة، ولا يدعون إلى الطريق الصحيح الذي يدعوه الخليفة، وبذلك يكونون قد خالفوا السُنة، لكن يزيد يتصف بكلّ الصفات الحميدة التي تؤهّله لهذا المنصب، فإذا دعاك إليه لبيعته فنفذ واقطع كلّ ما يقوله الناس، ولا يبالي من يرفض البيعة، وهم الذين يحركون الفتنة


1) ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص80.

2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص251.

والكراهية، فإن سمعتهم فقولهم شرّ، وإن سكتوا فدفع البلاء عنهم، وأنت تعرفهم فلاتبالي لهم، فبايعه لكي يرفع هذه الغمّة، وتجمع شمل الأمة، وهذا الرأي لك ولنا، والحقّ علينا وعليك(1).

وقد ذكر ابن قتيبة تلك الوفود، فضلاً عن مجموعة من المصادر المتأخرة، ولم يذكرها الطبري، وهناك إشارة في الإمامة والسياسة تشير إلى أنّ معاوية عيّن عبد الرحمن بن عثمان الثقفي على الجزيرة إثابةٍ له على موقفه هذا(2).

ثم خطب معاوية بالناس، وسمّى الذين يستعبدهم إبليس إخوانه، ويقصد بهم الذين يشنون ويثيرون المشاكل فهم حطب النفاق، ولم يبال معاوية بهم؛ لأنّه قادرٌ على القضاء عليهم من جذورهم، وشبّههم بجذور الكمأ التي بطبيعتها رخوة(3).

ومما تجدر الإشارة إليه أنّ الناس انقسموا إلى قسمين؛ قسمٌ مع البيعة، وآخر ضدّها، فهناك من اندفع وكان موقفه مطابقاً لموقف معاوية؛ تحقيقاً لمصلحةٍ شخصية وتجنباً للمشاكل، والقسم الآخر لم يؤيّد البيعة؛ لأنّها غير مألوفة عند المسلمين، وقد يكونالرفض لشخص يزيد نفسه، وهناك من عبَّر عن رأيه من دون خوفٍ، وهناك من أضمر رأيه في داخله وحمّل معاوية المسؤولية في اختيار ولي عهده كالأحنف بن قيس، وهناك من جامل في رأيه.

ويبدو أنّ هناك من عبَّر عن رأيه بصراحة، فمثلاً طلب من رجل قد دُعي إلى البيعة التعبير عن رأيه فأجاب قائلاً: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من شرّ معاوية، فقال له


1) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص175؛ حمادة، محمد ماهر، الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعصر الأموي، 40ﻫ -132ﻫ، ط1، مؤسسة الرسالة، دار النفائس، (بلا مكان -1974م): ص137-138.

2) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص175ص175.

3) المصدر السابق: ص175؛ حمادة، الوثائق السياسية: ص138.

معاوية: تعوذ من شرِ نفسك فإنّه أشدُّ عليك»(1).

وبايع ثم قال إني أبايع وأنا كاره للبيعة، فقال له معاوية: بايع أيها الرجل فإنّ الله يقول: «... فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا» (2).

ويوضّح لنا احتجاج قسم من الشعراء على بيعة يزيد ما كان في دواخل الناس، على اعتبار أنّ الشعراء كانوا يُمثّلون وسائل إعلام تعكس مشاعر الناس، ونلاحظ أنّ منهم من انتقد معاوية وسياسته، وناداه بالاعتدال في سياسته، ونقد الوراثة في العهد والطمع في الخلود، وهذا ما يؤكّده ابن أعثم، إذ يقول أحد الشعراء:

معاوي إنّنا بشرٌ فاسجع *** فلسنا بالجبال ولا الحديد

أكلتم أرضنا فجرّتموها *** فهل من قائم أو من حصيد

أتطمع في الخلود إذا هلكنا *** وليس لنا ولا لك من خلود

فهبها أمة هلكت ضياعا *** يزيد يسوسها وأبو يزيد

دعوا حقّ الإمارة واستقيموا *** وتأمير الأراذل والعبيدا(3)

قصيدة عبد الله بن همام السلولي، وذمّه لمبدأ الوراثة في الخلافة.

رابعاً: طلب البيعة من أهل الحجاز

لقد كان تأييد أهل الشام واضحاً، ولم يخشَ معاوية بن أبي سفيان من معارضة أهل العراق والحجاز بعد أن عالج الوضع في العراق، وحصل على تأييد أهل الكوفة بمساعدة عامله عليها المغيرة بن شُعبة(4)، حيث أعلن رسمياً تولية يزيد


1) ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص119.

2) النساء: آية19؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص119.

3) ابن اعثم، الفتوح: ج4، ص225؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص37.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص303.

لولاية العهد ولم يتخلف عن بيعته إلا أربعة نفر، هم: الحسين بن علي(علیهما السلام) وعبد الله ابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير(1).

بينما يذكر الطبري أنّ زعماء المعارضة في الحجاز كانوا خمسة بقوله: «واستوثق له الناس على البيعة غير خمسة نفر»(2)،مُضيفاً عبد الله بن عباس إليهم، ولم تتمّ البيعة إلا إذا وافق عليها ذوو الرأي والمكانة من أهل المدينة لأنّهم أولاد الصحابة، فضلاً عن مكانتهم الاجتماعية والدينية في مجتمع المدينة، ومن المؤكّد أنّ لهم تأثيراً في كسب الرأي العام، وهنا جاء أثر معاوية في أخذ رأي أبناء الصحابة ومناقشتهم في الأمر، لذلك فقد كان جُلّ اهتمام معاوية بأن يأخذ موافقة أبناء الصحابة، وهذا ما قام به مروان بن الحكم أمير مكة سنة (49ﻫ/ 669م) عندما طالب بمبايعة يزيد(3).

وفي رواية لابن قتيبة تقول: إنّ معاوية كتب إلى عامله على المدينة سعيد بن العاص بأن يدعو أهل المدينة إلى البيعة، على أن يكتب له من يسارع في البيعة ومن يباطؤها، فكتب إليه سعيد أنّ بني هاشم هم الذين أبطأوا البيعة، وأكّد أنّ عبد الله بن الزبير أشدُّ معارضةً، علماً أنّ سعيد بن العاص استعمل الشدة والغلظة مع من أبطأ البيعة(4)، وقد أرسل معاوية رسالةً إلى سعيد بن العاص جاء فيها: «عليك بالرفق وإياك والخرق، فإنّ الرفق رشد، والخرق منكر، وانظر حسيناً خاصة، فلا يناله مكروه، فإنّ له قرابة وحظاً عظيماً ولا ينكره مسلمٌ ومسلمة، وهو ليث عرين ولست آمنك إن شاورته أن لا تقوى عليه، فإما من يرد السباع إذ أوردت، وينكّس إذ نكّست فذلك عبد الله بن الزبير،


1) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص159.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص303.

3) وفي هذه السنة عزل معاوية مروان بن الحكم عن إمرة المدينة وولاها سعيد بن العاص. ينظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص228.

4) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص181؛ حمادة، الوثائق السياسية: ص170.

فأحذرهأشدّ الحذر ولا قوة إلا بالله»(1).

ونلاحظ أنّ معاوية أكّد الرفق، وعدم استعمال العنف وأوصى بالحسين(علیه السلام) وأن لا يمسّه أيّ مكروه، وحذّر من عبد الله بن الزبير، لكنه مع هذه التوصيات التي أدلى بها إلى عامله على المدينة رأى من الضروري عدم إلحاق عامله سعيد بن العاص الضرر بهؤلاء العبادلة، والذين يمثلون الرأي العام في الحجاز، وقد كتب معاوية ابن أبي سفيان إلى الحسين(علیه السلام) : «أما بعد، فقد انتهت إليّ منك أمور، ولم أكن أظنّك بها رغبة عنها، وإن أحقّ الناس بالوفاء لمن أعطى بيعة من كان مثلك، في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها، فلا تنازع إلى قطيعتك، وأتقِ الله ولا تردن هذه الأمة في فتنة وانظر لنفسك ودينك وأمة محمد، ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون»(2).

ويبدو أنّ معاوية حاول التأثير على الحسين(علیه السلام)، وطلب منه تأييد رأيه استجابةً بصلة الرحم، وبيّن منافع البيعة من أجل مصلحة الأمة الإسلامية، فانتقد الحسين(علیه السلام) قول معاوية قائلاً: «تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً أن تخبر عما كان مما احتويته بعلمٍ خاص، وقد دلّ يزيدمن نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبّق لأ ترابهنّ، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي تجده باصرا، ودع منك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور... »(3).


1) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص181-182؛ حمادة، الوثائق السياسية: ص170.

2) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص182.

3) المصدر السابق: ص190.

مما تقدّم يتضح لنا أنّ الحسين(علیه السلام) وصف يزيد بأنه معروف بتصرفاته الصبيانية، ونفهم أيضاً أنّ الحسين(علیه السلام) حذّر معاوية عواقب هذا العمل حيث لم يخرج الأخير بنتيجة، ولعله كان يطمح أن يكسب الحسين(علیه السلام) إلى جانب البيعة طمعاً في قرابته، وربما كان معاوية قد عقد العزم على مبايعته ليزيد لأنّ ذلك يحقّق نجاحاً كبيراً للبيعة، لكن الحسين(علیه السلام) واجه معاوية بكل حزم بقوله: «تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك، إنّ هذا لهو الخسران المبين»(1).

وبذلك فقد أجمعت المصادر على أنّ هؤلاء النفر لم يبايعوا ليزيد، وخير دليلٌ على ذلك وصية معاوية لابنه يزيد قبيل وفاته، وقد أوضح ذلك أبو مخنف في روايةمفادها: «لمّا مرض معاوية مرضته التي هلك فيها دعا يزيد ابنه فقال: يا بني، إنّي قد كفيتك الرحلة والترحال، ووطّأت لك الأشياء، وذلّلت لك الأعداء، وأخضعت لك أعناق العرب، وجمعت لك من جمعٍ واحد... وإنّي لا أتخوّف أن ينازعك هذا الأمر الذي أستتبّ لك إلا أربعة نفر من قريش؛ الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر... فأمّا عبد الله بن عمر فرجلٌ قد وقذته العبادة، وأمّا الحسين بن علي فإنّ أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه؛ فإنّ له رحماً ماسة وحقاً عظيماً، وأمّا عبد الرحمن بن أبي بكر فرجلٌ إن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثلهم، ليس له همّة إلا في النساء واللهو، وأمّا الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب، فإذا أمكنته فرصة وثب،


1) المصدر السابق: ص190.

فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطّعه إرباً إرباً»(1).

ويبدو - كما ذكرنا - أنّ معاوية كان يفكر في أخذ البيعة ليزيد قبل وفاته بمدةٍ غير قصيرة، وأنّ الناس وافقوه على ذلك إلا هؤلاء الأربعة.


1) الطبري، تاريخ الامم والملوك: ج5، ص322-323؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج5، ص259؛ لقد مر أن عبد الرحمن بن أبي بكر قد توفي قبل موت معاوية بمدة ليست بالقصيرة حيث ذكر أنه مات سنة (55ﻫ/674م). ينظر: ابن الأثير، اُسد الغابة: ج3، ص306.

المبحث الثالث: خلافة يزيد بن معاوية وقيام الثورة

أولاً: وفاة معاوية والبيعة ليزيد

تُوفي معاوية بن أبي سفيان في النصف من شهر رجب، وقيل: لثمانٍ بقين منه سنة (60ﻫ/ 680م)(1).

وكان يزيد بحوارين(2)، فكتب إليه الضحاك بن قيس كتاباً جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي لبس رداء البقاء، وحكم على عباده بالفناء، فقال عزّ وجلّ: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»(3)، (4)ثم ذكر بعد ذلك كلامه «لعبد الله يزيد أمير المؤمنين» من الضحاك بن قيس، سلام عليك، أمّا بعد، فكتابي إلى أمير المؤمنين كتاب تهنئة ومصيبة، فأمّا الخلافة التي جاءتك فهي التهنئة، وأما المصيبة فموت أمير المؤمنين معاوية، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فإذا قرأت كتابي فالعجلالعجل! لتأخذ الناس ببيعة أخرى محدودة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته»(5)، ثم أثبت في أسفل الكتاب هذين البيتين:


1) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص166، الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص324.

2) حوارين: من قرى حلب وقريبة من تدمر على مرحلتين منهما، وفيها مات يزيد بن معاوية سنة 64ﻫ/683م.ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج2، ص315.

3) الرحمن: آية26-27.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص5.

5) المصدر السابق ؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص260.

مضى ابن أبي سُفيان فرداً لشأنه *** وخُلّفت فانظر هذه كيف تصنعُ

أقمنا على المنهاج واركب محجة **** سداداً فأنت المرتجى كيف تفزعُ(1)

وكان وصول يزيد إلى دمشق بعد موت معاوية بثلاثة أيام(2)فخطب خطبة طويلة جاء فيها: «...أبشروا يا أهل الشام، فإن الخير لم يزل فيكم، وسيكون بيني وبين أهل العراق حرب شديد، وقد رأيت في منامي كأن نهراً يجري بيني وبينهم دماً عبيطاً وجعلتُ أجهد في منامي أن أجوز ذلك النهر، فلم أقدر على ذلك حتى جاءني عبيد الله ابن زياد(3)، فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه، فأجابه أهل الشاموقالوا: يا أمير المؤمنين امضِ بنا حيث شئت، وأقدم بنا على مَنْ أحببت، فنحن بين يديك، وسيوفنا تعرفها أهل العراق في يوم صفين»(4).

ثم كتب يزيد كتابين إلى ابن عمه وعامله على المدينة الوليد(5)بن عتبة بن أبي


1) الجاحظ، البيان والتبيين: ج2، ص132؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص5؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص260.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص5؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص260.

3) عبيد الله بن زياد: كنيته أبو حفص، وأمّه مرجانة الفارسية، ولي البصرة سنة 55ﻫ/674م، وقد جرت لعبيد الله خطوب، وأبغضه المسلمون لما فعل بالحسين(علیه السلام) فلما جاء نعي يزيد بن معاوية هرب بعد أن كاد يؤسر، وكان عبيد الله بن زياد من المشجعين لمروان بن الحكم في أخذ الخلافة، وشارك معه في معاركه، قتله إبراهيم بن مالك الأشتر في موقعة الخازر سنة 67ﻫ/686م. ينظر: الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (ت 748ﻫ/1347م)، سير أعلام النبلاء، تح: محمد عبادي عبد الحليم، ط1، مكتبة السلام، (المملكة المغربية، 2003م) ج3، ص641.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص7؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص260.

5) الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ولي لعمّه معاوية المدينة سنة 59ﻫ/678م، وكان ذا جودٍ وحلم، ولما جاء نعي معاوية وبيعة يزيد لم يُشدّد على الحسين(علیه السلام) وابن الزبير، فلامه مروان بن الحكم على ذلك فقال له: "ما كنت لأقتلهما ولا أقطع رحمهما، وقد أرادوه على الخلافة بعد معاوية بن يزيد فأبى، مات بعد معاوية بمدة قصيرة. ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص631.

سفيان، كان الأول يحمل نعي معاوية، وقد جاء فيه: «من عبد الله يزيد بن معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد، فإنّ معاوية كان عبداً من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخولّه ومكّن له، ثم قبضه إلى روحه وريحانه ورحمته وغفرانه، عاش بقدر ومات بأجل، عاش برّاً تقيّاً، وخرج من الدنيا رضيّاً زكيّاً، فنعم الخليفة كان ولا أزكّيه على الله، هو أعلم به مني، وقد كان عَهِد إليّ عهداً وجعلني له خليفة من بعده، وأوصاني أن آخذ آل أبي تراب بآل أبي سفيان لأنّهم أنصار الحقّ وطلاب العدل، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة على أهل المدينة والسلام»(1).

أمّا الكتاب الثاني فكان كتاباً صغيراً شبّهه المؤرّخونبصغر أذن الفأرة، ورغم صغرها كانت تحمل خبراً حاسماً لقضية البيعة؛ يقول فيها: «أما بعد، فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة، حتى يبايعوا والسلام»(2).

وعلى أثر وصول الكتاب بعث الوليد بن عُتبة إلى مروان بن الحكم؛ طالباً منه المساعدة في أخذ البيعة، ومشاركة الرأي والمشاورة، علماً بأنّ الأخير كان والياً على المدينة وعُزِل عنها، وعلى الرغم من سوء العلاقة بينهما، فقد حضر مروان بن الحكم، وقرأ الوليد الكتاب عليه واستشاره في الأمر، فكان جوابه أن يبعث إلى هؤلاء النفر، فيدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة، فإن استجابوا فخيراً، وإن


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص338؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص10.

2) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص168؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص338؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص10؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص262؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص263؛ ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد الحضرمي (ت 808ﻫ/1405م)، تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر وديوان المبتدأ أو الخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، مؤسسة الأعلمي، (بيروت، 1971م): ج3، ص19.

أبوا تضرب أعناقهم، قبل أن يعلموا بموت الخليفة، فإن علموا ولم يبايعوا أظهروا الخلاف، وثار كلّ واحدٍ منهم في ناحية(1).ويبدو أنّ مروان بن الحكم أراد استعمال القوة، فقال الوليد: «أأقتل الحسين وابن الزبير فأجاب مروان، هو ما قلت»(2).

ونلاحظ أنّ مروان أكّد على أنّ الحسين وعبد الله بن الزبير لهما خطورة على البيعة، وربما شكّ في عدم مبايعتهم ليزيد(3)، ولم يحمل همّاً لعبد الله بن عمر قائلاً: «لا أراه يرى القتال، ولا يحسب أن يولّى على الناس، إلا أن يدفع إلى هذا الأمر عفواً»(4)، وألحّ مروان بن الحكم على الوليد أن يرسل إلى الإمام الحسين(علیه السلام)، وعبد الله بن الزبير في جوف الليل؛ أي عند وصول الرسول(5)، فأرسل إليهما عبد الله بن عمرو بن عثمان يدعوهما للحضور، فوجدهما في المسجد يتحدثان، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس(6)،وبلّغ الرسول حضورهما إلى مجلس الوليد، فأمراه بالإنصراف وأنّهما سوف يأتيان بعده، وتداولا الأمر بينهما، حيث إنّ الوليد لم يجلس في هذه الساعة إلا إذا كان أمراً هامّاً، فردّ الإمام الحسين(علیه السلام) قائلاً أظنّ: «أنّ


1) البلاذري، أنساب الاشراف: ج4، ص22؛ الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود (ت 282ﻫ/895م) الأخبار الطوال، تح: عبد المنعم عامر، ط2، منشورات المكتبة الحيدرية، (قم، 1959م): ص208؛ ابن قتيبة، الإمامة والسياسة (منسوب إليه): ج1، ص207؛ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص168؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص338-339.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج4، ص22-23.

3) أكد مروان كلاماً: "أني أعلم أنّ الحسين بن علي خاصة لا يجيبك إلى بيعة يزيد أبداً، ولا يرى عليه طاعة".ينظر: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة (منسوب إليه): ج1، ص207.

4) الطبري، تاريخ الامم والملوك: ج5، ص339؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص11.

5) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص168؛ الطبري، تاريخ الامم والملوك ج5، ص339؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص364.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص339؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص11؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص264.

طاغيتهم قد مات، ويريد أن يأخذ البيعة ليزيد قبل أن يتسرّب خبر وفاته بين الناس، وطابقه في الرأي ابن الزبير، وجرى الحديث حول موقفها فقال الإمام الحسين(علیه السلام) : سوف أذهب وأجمع فتياني الساعة، فجمع مواليه وأهل بيته وشيعته، وذهب إلى الوليد وأمرهم أن يبقوا في الباب على أهبة الاستعداد وأعلمهم إذا سمعتم صوتي قد علا فادخلوا وإن لم تسمعوا شيء ظلوا في أماكنكم»(1)، ولمّا دخل الحسين(علیه السلام) وكان مروان بجانبه فقرأ الوليد نعي معاوية فترحم الحسين(علیه السلام) عليه، ثم قرأ كتاب مبايعة يزيد فأجاب الحسين(علیه السلام) قائلاً: «إنّ مثلي لا يعطي البيعة سرّاً، ولا أراك تجترئ بها مني سرّاً دون أن أظهرها على رؤوس الناس علانية... »(2).

ويتبين من هذا أنّ الحسين(علیه السلام) أعلن معتذراً عن البيعة وحده من دون جماعته؛ إذ يجب أن يتداول الأمر معهم ثميأخذ قراره، ويُضيف بأنه ليس مثله أن يبايع في جوف الليل أي في هذا المجلس، ولكنّ البيعة تكون أمام الملأ، إذا قالوا له أخرج إلى الناس فبايع، قال: لا يوجد فرق، وكان الوليد على حدّ تعبير المؤرّخين رجل يحب العافية، أي أنه مُسالم لا يحبّ المشاكل، فسمح للحسين(علیه السلام) أن ينصرف، ويأتي غداً على رؤوس الناس ليعلن البيعة(3).

ولكن مروان لم يوافقه الرأي قائلاً: «والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت


1) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص206؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص339؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص13؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص364.

2) المصدر السابق: ص207؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص339-340؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص13؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص264؛ ابن الطقطقي، محمد بن علي بن طباطبا (ت 709ﻫ/1309م)، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، دار صادر، (بيروت، 1966م): ص114.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص340؛ الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، تح: علي أكبر الخفاري، ط1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، (بيروت، 2004م) ص228-229.

منه على مثلها أبداً، حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، إحبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع، أو تضرب عنقه»(1).

وعندما نطق مروان بقتل الحسين(علیه السلام) وثب الحسين قائلاً: «يا ابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله وأثمت»(2)، ثم أقبل على الوليد فقال: «أيها الأمير، إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد فاسقٌ، فاجر، وشارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلنٌ بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايعمثله»(3).

وهذا خير دليل على أنّ الحسين(علیه السلام) أبى البيعة بكلّ شجاعة، وخرج بجماعته إلى داره، ولم يطابق الوليد رأي مروان، وكان موقفه حرجاً؛ وذلك لمكانة الحسين(علیه السلام) الدينية، ولكونه ابن بنت الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) فقال مروان للوليد: «عصيتني لا والله لا يمكنّك من نفسه بمثلها أبداً»(4).

وكان ردّ الوليد على مروان عنيفاً، حيث خاطبه قائلاً: «ويح غيرك يا مروان إنّك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، والله ما أحبّ أنّ لي ما طلعت عليه الشمس وغَرُبت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسينا، سبحان الله! أقتل حسينا أن قال:


1) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص207؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص340؛ القندوزي، سليمان بن إبراهيم الحنفي (ت 1294ﻫ/1877م)، ينابيع المودة لذوي القربى، تح: علي جمال الحسيني، ط2، مطبعة أسوة، (قم، 2002م): ج3، ص53.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص340؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص14؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص264.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص340؛ ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص14؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص264.

4) المصدر السابق؛ القندوزي، ينابيع المودة: ج3، ص54.

لا أبايع؟ والله لا أظنّ أمرأ يُحاسب بدم حسين لخفيف الميزان يوم القيامة»(1).

وذكر ابن اعثم أنه قال: «ويحك! أشرت عليّ بقتل الحسين، وفي قتله ذهاب ديني ودنياي»(2). فردّ عليه مروان بقوله: «قد أصبتبقول له هذا وهو غير حامد له على رأيه»(3).

وتعد مواجهة الإمام الحسين(علیه السلام) للوليد ورفضه طلب البيعة ليزيد بداية إعلان الثورة على الحكم الأموي، فقد مات معاوية وانقضى العهد الذي كان مُبرماً بين الإمام الحسين(علیه السلام) ومعاوية بن أبي سفيان(4).

وعندما أرسل الوليد في طلب ابن الزبير قال: «الآن آتيكم لكنه مكث في داره واجتمع بجماعته، وتناظروا في الأمر وألحّوا في إرسال رسلهم والرجال في أثر الرجال، وجوابه أمهلوني سآتيكم، بحيث وصل لحدّ بأنّ الرسل شتموه وهددوه بالحضور إلى المجلس، ثم أرسل أخاه جعفر إلى الوليد؛ ليكفّ عنه الرُسِل وأخبره بأنه سوف يأتيكم الساعة وأنصرف الرسل عنه»(5).

«ثم خرج ابن الزبير تحت ظلام الليل، فأخذ طريق الفرع هو وأخوه جعفر، ليس معهما ثالث»(6)، ويحدّد البلاذري مسير ابن الزبير إلى مكة يوم السبت، لثلاث ليال


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص340؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص264؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص150؛ ابن خلدون، تاريخ: ج3، ص20.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص14؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص268.

3) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص207؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص340؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص264.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص12.

5) البلاذري، أنساب الاشراف: ج4، ص13؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص340؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص264.

6) البلاذري، أنساب الاشراف: ج4، ص13، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص341؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص264.

بقين من رجب، سنة 60ﻫ/680ﻫ(1).وقد خرج متخفياً عن أعين الوليد، حيث سلك طريقاً آخر ليس الطريق المعتاد عليه ليكون في مأمنٍ، ولئلا يدركه الطلب، فتخلّص ابن الزبير من بيعة يزيد بنزوله مكة(2)، وعندما انفلق الصباح في المدينة أرسل الوليد رجاله ليأتوا بابن الزبير، فلم يعثروا عليه، وبذلك تحقّق كلام مروان «إن خرجا من عندك لم ترهما»(3).

أما فيما يخصّ الإمام الحسين(علیه السلام) فقد كان موقفه كما ذكرنا رَفض البيعة، ورجع إلى أهله، وفكّر في الرحيل إلى مكة متداولا الأمر مع أهل بيته، ثم تمثّل الحسين(علیه السلام) بقول الشاعر:

لا ذعرت السوام في وضح الصُبح *** مغيراً ولا دعيتُ يزيدا

يوم أعطي مخافة الموت ضيماً *** والمنايا يرصدنني أن أحيدا

ولما سَمِع أحدهم ما قاله الحسين(علیه السلام) قال إن الحسين(علیه السلام) يريد شيئاً(4)، ويذكر ابن اعثم أنّ الحسين(علیه السلام) خرج في الليلة الثانية وأتى قبر الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: «السلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة، أنا فَرخك وابن فرختك، وسبطك في الخلق الذيخلقت على أمتك، فاشهد عليهم يا نبي الله أنّهم قد خذلوني وضيعوني وأنهم لم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك، صلى الله عليك وسلم، ثم وثب قائماً وصفّ قدميه ولم يزل راكعاً ساجداً»(5).


1) البلاذري، أنساب الاشراف: ج4، ص13.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص341؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص15؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص264.

3) البلاذري، أنساب الاشراف: ج4، ص13؛ اليعقوبي، التاريخ: ج2، ص168.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص342؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص22؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص265.

5) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص18؛ القندوزي، ينابيع المودة: ج3، ص54.

ثانياً: خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى مكة

عندما عزم الإمام الحسين(علیه السلام) الخروج من المدينة جاء إليه أخوه محمد بن الحنفية وقال له: «يا أخي فدتك نفسي، أنت أحب الناس إليّ، وأعزّهم عليَّ ولستُ والله أدّخر النصيحة لأحدٍ مِنَ الخلق وليس أحدٌ أحقّ بها منك، فإنّك كنفسي وروحي، وكبير أهل بيتي، ومن عليه اعتمادي وطاعته في عنقي؛ لأنّ الله تبارك وتعالى قد شرفك وجعلك من سادات أهل الجنة وإنّي أريد أن أشير عليك أن تنجو بنفسك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت... وإنّي خائف عليك أن تدخل مِصراً من الأمصار أو تأتي جماعةٍ من الناس فيقتتلون، فتكون طائفة منهم معك وطائفة عليك فتقتل منهم»(1)، فشكره الإمام الحسين على مقالته وحُسِن نصيحته ثم دعا بدواة وبياض وكتب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي لأخيه محمد ابن الحنفية: «أنا الحسين بن علي، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عنده، وأنّ الجنة حقّ والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، وأنّي لم أخرجأشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب النجاح والإصلاح في أمّة جدّي محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) وسيرة علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين)، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردَّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق ويحكم بيني وبينهم، وهو خير الحاكمين، هذه وصيتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب، والسلام عليك وعلى من أتبع الهدى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»(2).

أما بالنسبة إلى عبد الله بن عمر فقد بقي في المدينة وعندما دعوه للبيعة قال: «ما


1) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص20؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص272.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص21؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص273.

أحبّ أن يقتتلوا ولا يتفانوا، ولكن إذا بايع الناس ولم يبق غيري بايعت، ثم تركوه وكانوا لا يخافونه»(1).

ثم خرج الإمام الحسين(علیه السلام) مع بنيه وإخوته وبني أخيه، وجُلّ أهل بيته إلى مكة(2)، وكان خروجه من المدينة لثلاثِ ليالٍ مَضينٍ من شعبان سنة 60ﻫ/ 680م(3)، ولزم الطريق الأعظم، وتلا قوله تعالى: «فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»(4)(5). وأشار عليه بعضأهل بيته بالعدول عن الطريق كما فعل ابن الزبير؛ خوفاً من الطلب، فقال الحسين(علیه السلام) : «لا والله لا أفارق هذا الطريق أبداً، أو أنظر إلى أبيات مكة ويقضي الله في ذلك ما يحب ويرضى»(6).

وعلى أثر تساهل الوليد بن عتبة مع الحسين(علیه السلام) وابن الزبير وعدم تنفيذ أوامر يزيد بالسرعة المطلوبة(7)استضعفه الخليفة وعزله عن إمارة المدينة، وعيّن عليها عمرو بن سعيد الأشدق(8)على مكة والمدينة(9).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص342؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص265؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص150.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج4، ص15-16؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص343.

3) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص22.

4) القصص: آية21.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص343.

6) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص22؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص274.

7) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص343؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص265.

8) عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق القرشي الأموي، روى عن عمر وعثمان، استنابه معاوية على المدينة، وكذلك يزيد بن معاوية، وكان يبعث البعوث إلى مكة لقتال ابن الزبير، بايعه أهل دمشق أيام عبد الملك بن مروان، فحاصره عبد الملك بدمشق وأعطاه أماناً ثم غدر به، وكان ذلك سنة 69ﻫ/717م. ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص564، ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص314-315.

9) البلاذري، أنساب الاشراف: ج4، ص23؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص343.

وبينما كان الحسين(علیه السلام) بين المدينة ومكة استقبله عبد الله بن مطيع العدوي(1)فسأله عن وجهته فقال الحسين(علیه السلام) أما الآن فأريد مكة، فإذا صرت بها استخرت الله في أمري(2)، فقال ابن مطيع يا ابن بنت رسول الله فإني أشير عليك، فقال الحسين(علیه السلام) : قل يا ابن مطيع، فقال: «إذا أتيت مكة فأحذر أن يغرّك أهل الكوفة، فيها قتل أبوك، وطعن أخوك بطعنة كادت أن تأتي على نفسه، فالزم الحرم، فأنت سيد العرب في دهرك هذا، فوالله لئن هلكت يهلكن أهل بيتك بهلاكك والسلام»(3)، فودّعه الحسين(علیه السلام) ودخل مكة، وهو يتلو قوله تعالى: «وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ»(4)(5).

ثالثاً: رُسِل أهل الكوفة للإمام الحسين(علیه السلام)

لقد ذكر عامة المؤرخين أنّ أهل الكوفة لمّا بلغهم هلاك معاوية تمرّدوا على النظام وأرجفوا طاعته، وخالفوا واليه النعمان بن بشير الأنصاري(6)، وقد قوي عزمهم بعد أنوصلتهم الأخبار بامتناع الإمام الحسين(علیه السلام) عن بيعة يزيد وتركه المدينة وإقامته


1) عبد الله بن مطيع العدوي بن كعب بن لؤي القرشي، ولد بالمدينة المنورة، وأصبح مع ابن الزبير عندما ادعى الخلافة، فأرسله أميراً على الكوفة، ثم غلبه عليها المختار الثقفي، قتل ابن مطيع مع عبد الله بن الزبير أثناء حصار مكة سنة 73ﻫ/692م. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج3، ص64-65.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص22-23.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص342-343، ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص23.

4) القصص: آية22.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص343؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص365؛ القندوزي، ينابيع المودة: ج3، ص55.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص351؛ الشيخ المفيد، أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري (ت 413ﻫ/1022م)، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، تح: مؤسسة آل البيت(علیهم السلام)، دار المفيد للطباعة والنشر، (بلا مكان، بلا ت) ج1، ص184؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص266.

بمكة، وتماشياً مع هذا الاتجاه المعارض اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي(1)، فذكروا هلاك معاوية، فحمدوا الله وأثنوا عليه، وقال سليمان بن صرد: إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً قد امتنع على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوه، وقاتلو أنفسكم دونه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه، فقال القوم: بل نأويه وننصره، ونقاتل عدوه، ونقتل أنفسنا دونه، حتى ينال حاجته(2).

فكتبوا بذلك كتاباً جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي(علیهما السلام) من سليمان بن صرد، والمسيب بن نجية، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر، وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، أمابعد، فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فأبتزها أمرها، وغصبها فيئها، وتآمر عليها بغير رضا منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعداً له كما بَعُدَت ثمود، إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة، لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنك أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله»(3)، ثم سرّحوا


1) سليمان بن صرد بن أبي الجون الخزاعي، روى عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) وعن الإمام علي(علیه السلام)، كان ممن كاتب الحسين(علیه السلام) وتخلف عنه ثم خرج يطلب بدم الحسين(علیه السلام) في أربعة آلاف، فالتقاهم عبد الله بن زياد بعين الوردة فقتل سليمان وقسم كبير من أصحابه سنة 65ﻫ/684م، وكان سن سليمان يوم قتل 93 سنة. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج2، ص76.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص352؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص27؛ مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب (ت 421ﻫ/1030م)، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تح: سيد كسروي حسن، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت - 2003م) ج2، ص24.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص352؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص28؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص266.

بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وائل وأمروهما بالنجاء، فخرجا مُسرعين حتى قدما إلى الحسين(علیه السلام) بمكة لعشرٍ مضين من شهر رمضان سنة 60ﻫ/ 680م، فسلّماه الكتاب(1).

ولم يقتصر أهل الكوفة على هذا الكتاب الجماعي، بل لبثوا بعده يومين فقط، وأنفذوا قيس بن مسهر الصيداوي، وعبد الله وعبد الرحمن ابني شداد الأرحبي، وعمارة بن عبد الله السلوي إلى الإمام الحسين، ومعهم نحو مائة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة(2).ولم يطل الانتظار بالكوفيين ليتسلّموا جواب الحسين(علیه السلام)، ولم يصبروا قليلاً ليعرفوا رأيه على الأقل، ولم يسألوا الركبان عن مدى استجابته لهم، بل لبثوا يومين آخرين فقط، وسرّحوا إلى الحسين(علیه السلام) هاني بن هاني السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، بكتابٍ بليغ جديد جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي(علیهما السلام) من شيعته وشيعة أبيه من المؤمنين والمسلمين، أما بعد: فحيّ هلا، فإن الناس ينتظرونك ولا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل، ثم العجل العجل، والسلام»(3).

وأكثر من هذا كله، فقد كتب مع الرسولين جملة من زعماء القبائل؛ مثل شبث ابن ربعي التميمي(4)، ومجموعة من القادة العسكريين أمثال: حجار بن أبجر،


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص352؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص28. يذكر أن الرسولين هما عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن مسمع البكري. ينظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص266؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص154.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص352؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص29.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص353؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص29.

4) شبث بن ربعي التميمي اليربوعي: أبو عبد القدوس له إدراك ورواية عن الإمام علي(علیه السلام) كان من أصحاب الإمام علي(علیه السلام)، ثم صار مع الخوارج وتاب، وكان فيمن قاتل الحسين(علیه السلام)، مات في حدود سنة 70ﻫ/689م.ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج2، ص163.

ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم الشيباني، وعمر بن قيس الأرحبي، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، ومحمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة، بكتاب يحمل ما عليه المناخ السياسي والاستعداد التعبوي، وهو: «أما بعد، فقد أخضرّ الجناب، وأينعتالثمار، فإذا شئت فأقبل على جندٍ لك مجندة والسلام»(1).

وكان عموم أهل الكوفة قد كتبوا للحسين(علیه السلام) بالحرف الواحد: «أنّ لك هنا مائة ألف سيف، فلا تتأخر»(2).

رابعاً: الحسين(علیه السلام) يستطلع رأي الكوفة والبصرة

تلاقت الرسل عند الإمام الحسين(علیه السلام)، واجتمعت هذه الكتب لديه، وسائل الرسل عن الناس، واستخبر أحوال الأمة فما عليه إلا أن يجيب الناس بعد طول تأملٍ وتفكير؛ فكتب كتاباً إلى أهل الكوفة مع هاني السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وكانا آخر الرسل وكان الكتاب الآتي: «بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين أما بعد، فإنّ هانئا وسعيداً...قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قَدِم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلّكم أنه ليس علينا إمام، فأقبل لعلَّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق، وأني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي (مسلم بن عقيل بن أبي طالب) فإن كتب إليّ أنه قد اجتمع رأي ملأكم، وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قَدِمتْ به رسلكم، وقرأت من كتبكم، فإنّي أقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله فلعمري ما الإمام إلا الحاكمبالكتاب،


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص353؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص29؛ ابن طاووس، علي بن موسى بن جعفر الحسيني (ت 589ﻫ/1193م)، اللهوف في قتلى الطفوف، ط1، مطبعة السجدة، (قم، 2003م): ص23؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص267.

2) العاملي، أعيان الشيعة: ج4، ص190.

القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله، والسلام»(1).

وقد كان محتوى هذا الكتاب استجابة للكوفيين، ولكنها لم تكن نهائية، بل كانت متحفظة بحذر(2).

ثم بعث الإمام الحسين(علیه السلام) بسفيره مسلم بن عقيلw إلى الكوفة مع جملة من الرسل والأدلاء، ووجّهه رسالياً، «وأمره بالتقوى وكتمان أمره، واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه بذلك»(3).

وكان انبعاث مسلم بن عقيل بهذه المهمة الخطيرة يعني أنه كان أثيراً بثقة الإمام الحسين(علیه السلام)، ومعتمداً في تبليغ رسالته، ورائداً مبكراً من روّاد ثورته، وهذا يعني أنّ الإمام الحسين(علیه السلام) ظل متريّثاً، ولبث مترصّداً حتى تنتهي إليه الأنباء الأكيدة من سفيره وموفوده، وفعلاً دخل مسلم بن عقيل الكوفة، ونزل دار المختار(4)الثقفي(5)«وهواختيار دقيق، لأنّ المختار يمثل زعامة شعبية في الكوفة»(6)، وأقبل عليه الناس، واختلفوا إليه سامعين فرحين، وكلما اجتمعت منهم جماعة قرأ عليهم كتاب


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص353؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص30-31؛ الطبرسي، أعلام الورى: ص230.

2) الصغير، محمد حسين، الإمام الحسين عملاق الفكر الثوري، ط1، مؤسسة المعارف للمطبوعات، (بيروت، 2002م): ص32.

3) المصدر السابق؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص267.

4) هو المختار بن أبي عبيد بن عمير الثقفي يكنّى أبا أسحق، كان أبوه من جملة الصحابة، ولد عام الهجرة وليست له صحبة ولا رواية، خرج لطلب الثأر بدم الحسين(علیه السلام)، واجتمع عليه العديد من الشيعة بالكوفة، فغلب عليها وقتل قتلة الإمام الحسين(علیه السلام)، وأرسل جيشاً لقتال عبيد الله بن زياد في أعمال الموصل فقتل ابن زياد، وكان يرسل المال إلى ابن عمر وابن عباس وابن الحنفية وغيرهم فيقبلونه منه، قتله مصعب بن الزبير في الكوفة سنة (67ﻫ/686م). ينظر: ابن الأثير، اُسد الغابة: ج4، ص336.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص355؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص267.

6) الصغير، الإمام الحسين عملاق الفكر الثوري: ص32.

الحسين(علیه السلام) وهم يبكون، وبايعه من الناس ثمانية عشر ألفاً(1)، وهو عدد ضخم يشكلّ قوة عسكرية يعتدّ بها، وكتب مسلم إلى الحسين(علیه السلام) : «أما بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وإنّ جميع أهل الكوفة معك، وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين تقرأ كتابي هذا، والسلام»(2).

وكان الحسين(علیه السلام) بعد هذا الكتاب قد لمس استقرار رأي الكوفيين عليه، فأراد أن يستوثق رأي البصريين كذلك فكتب إلى رؤساء الأخماس بالبصرة، وإلى أشرافها مع مولى له يقال له سليمان(3)يكنى أبا رزين(4)نسخة واحدة إلى كلٍّ من: مالك بن مسمع البكري، والأحنف بن قيس، ويزيد بن مسعود النهشلي، والمنذر بن الجارود العبدي،ومسعود بن عمر الأزدي، وهذا نص الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإنّ الله اصطفى محمداً على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه، وقد نصح لعباده، وبلّغ ما أرسل به، وكنّا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته، وأحقّ الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك فأغضينا كراهيةً للفرقة ومحبة للعافية، ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا ممن تولّاه، وبعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسُنةِ نبيه، فإنّ السُنة قد أميتت وإنّ البدعة قد أحييت، فإن تجيبوا دعوتي، وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد»(5).

ويبدو أنّ رؤساء الأخماس في البصرة قد تلكّأوا عن الاستجابة، وتردّدوا في الأمر بل لقد رأى بعضهم أنّ هذا الكتاب مكيدة من الأمويين؛ حيث قام المنذر الجارود العبدي بتسليم رسول الحسين(علیه السلام) إلى ابن زياد، فصلبه عشية الليلة التي


1) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص14؛ ابن طاووس، اللهوف: ص24.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص355.

3) المصدر السابق: ص357؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص37.

4) ابن طاووس، اللهوف: ص25.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص357.

خرج في صبيحتها إلى الكوفة، ليسبق الحسين(علیه السلام) إليها(1)، وكانت ابنة المنذر زوجة لعبيد الله بن زياد «فزعم أن يكون الرسول دسيساً من ابن زياد»(2)، وأما الأحنف بن قيس فإنّه كتب إلى الحسين(علیه السلام) : «أما بعد، فاصبر إنّ وعد اللهحقّ ولا يستخفّنّك الذين لا يوقنون»(3).

وأما يزيد بن مسعود فإنّه جمع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد فلما حضروا قال: «يا بني تميم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم؟ قالوا: بخ بخ، أنت والله فقرة الظهر، ورأس الفخر، حللتَ في الشرف وسطاً، وتقدمت فيه فرطاً قال: فإني قد جمعتكم لأمر أريد أن أشاوركم فيه واستعين بكم عليه، فقالوا: إنا والله نمنحك النصيحة، ونجد لك الرأي، فقل حتى نسمع»(4).

فخطب فيهم حيث قال: «إنّ معاوية مات فأهون به والله هالكاً ومفقوداً، ألا وإنّه قد انكسر باب الجور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم، وكان قد أحدث بيعة عقد بها أمراً ظنّ أنه قد أحكمه، وهيهات الذي أراد اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل وقد قام يزيد شارب الخمور ورأس الفجور يدّعي الخلافة على المسلمين، ويتأمّر عليهم بغير رضى منهم مع قصر حلم وقلة علم، لا يعرف من الحق موطئ قدميه، فأقسم بالله قسماً مبروراً لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين، وهذا الحسين بن علي وابن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ذو الشرف الأصيل والرأي الاثيل له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنّه وقدمه وقرابته... »(5).


1) المصدر السابق: ص357-358، كان المنذر بن الجارود مع الإمام علي(علیه السلام) يوم الجمل، وأمّره على اصطخر، ثم ولّاه عبيد الله بن زياد الهند، فمات هناك سنة 61ﻫ/680م. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج2، ص480.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص357.

3) الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص200.

4) ابن طاووس، اللهوف: ص25.

5) المصدر السابق: ص26.

فقالت بنو حنظلة: «يا أبا خالد نحن نبل كنانتك، وفرسان عشيرتك، إن رميت بنا أصبت، وإن غزوت بنا فتحت، لا تخوض والله غمرة إلا خضناها، ولا تلقى والله شدة إلا لقيناها، ننصرك والله بأسيافنا،ونقيك بأبداننا إذا شئت فأفعل»(1).

وتكلّمت بنو عامر بن تميم فقالوا: «يا أبا خالد نحن بنو أبيك وحلفاؤك، لا نرضى إن غضبت، ولا نبقى إن ظعنت، والأمر إليك فادعنا إذا شئت»(2).

وقالت بنو سعد بن زيد: «يا أبا خالد إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج عن رأيك، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال يوم الجمل، فحمدنا ما أمر، وبقي عزنا فينا، فأمهلنا نراجع المشورة ونأتيك برأينا»(3).

ثم كتب ابن مسعود إلى الحسين(علیه السلام) : «بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فقد وصل إليّ كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه، ودعوتني له من الأخذ بحظّي من طاعتك، والفوز بنصيبي من نصرتك، وإنّ الله لم يخل الأرض قط من عامل عليها بخير ودليل على سبيل نجاة... »(4).

ولما تجهّز ابن مسعود إلى المسير بلغه قتل الحسين(علیه السلام)، «فاشتدّ جزعه وكَثُر أسفه لفوات الأمنية من السعادة بالشهادة»(5)، وكانت ماوية بنت سعد بن عبد القيس امرأة تتشيع لآل علي بن أبي طالب(علیه السلام)، ودارها مألف للشيعة يتحدثون فيهبفضل أهل البيت، فقال يزيد بن نبيط، وهو من عبد القيس لأولاده وهم عشرة: «أيّكم يخرج


1) المصدر السابق: ص27.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

4) المصدر السابق؛ المقرم، عبدالرزاق، مقتل الحسين، مؤسسة الخرسان، (بيروت، 2005م): ص143.

5) المصدر السابق..

معي؟ فأنتدب منهم اثنان هم عبد الله وعبيد الله»(1)، وقد خاطبه أصحابه في بيت تلك المرأة متخوفين من ابن زياد فقال لهم: «والله لو استوت أخفافها بالجدّ لهان عليّ طلب من طلبني»(2)، وقد وافوا الحسين(علیه السلام) بمكة وضمّوا أرحالهم إلى رحله حتى وردوا العراق واستشهدوا معه(3).

وعندما سمع عبيد الله بن زياد خبر أهل البصرة وكان أميرهم خطب فيهم قائلاً: «يا أهل البصرة، إنّ أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قد ولّاني الكوفة وأنا سائرٌ إليها غداً إن شاء الله تعالى، وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد، فإياكم والخلاف والإرجاف فوالذي لا إله إلا هو لو بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنّه ولأقتلنّ عريفه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى يستقيموا لي، فاحذروا أن يكون فيكم مخالف أو مشاقّ، أنا ابن زياد، أشبهته من بين من وطئ الحصى، ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم»(4).

وعندما أصبح خرج من البصرة يريد الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي، وهو أبو قتيبة والمنذر بنالجارود العبدي، وشُريك بن الأعور الحارثي، وحشمه وأهل بيته، فلم يزل يسير حتى أصبح قريباً من الكوفة، فلبس زيّاً مشابهاً لزيّ الحسين(علیه السلام) وركب مع أصحابه ودخل الكوفة من طريق البادية(5).

وفي تلك الأثناء كان أهل الكوفة ينتظرون قدوم الحسين(علیه السلام)، وكانوا يُسلّمون


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص353-354.

2) المصدر السابق: ص354، المقرم، مقتل الحسين: ص144.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص 354؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص267؛ المقرم، مقتل الحسين: ص144.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص358؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص268.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص 358؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص38-39؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص268.

على ابن زياد ويقولون مرحباً بك يا ابن بنت رسول الله، فقد قدمت خير مقدم، وقد ساء ذلك عبيد الله بن زياد ولم يكلمهم، وصاح بهم مسلم بن عمرو الباهلي وقال: «إليكم يا ترابية، فليس هذا ما تظنون، هذا الأمير عبيد الله بن زياد فتفرّق الناس عنه، ودخل عبيد الله بن زياد قصر الإمارة وقد امتلأ غيظاً»(1).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص 358؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص39؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص268.

الفصل الثانی: أحداث الثورة وردود الأفعال حتى حركة التوابين

اشارة

المبحث الأوَّل: خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى العراق واستشهاده

المبحث الثاني: ردود الفعل بعد استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) وموقعة الحرة

المبحث الثالث: حركة التوابين

المبحث الأوَّل: خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى العراق واستشهاده

أولاً: سيطرة عبيد الله بن زياد على الكوفة واستشهاد مسلم بن عقيل

فوجئ أهل الكوفة بأنّ عبيد الله بن زياد قد سيطر على قصر الامارة، ونادى بالصلاة جامعة، وقد قام خطيباً بالجموع المحتشدة، وراح يمنّي المطيع ويهدّد ويتوعّد المعارضين والرافضين لحكومة يزيد بن معاوية حتى قال: «... سوطي وسيفي على من ترك أمري، وخالف عهدي»(1).

ثم فرض على الحاضرين مسؤولية التجسّس على المعارضين، وهدّد من لم يساهم في هذه العملية بالعقوبة وقطع العطاء، وقال: «...فمن يجيء لنا بهم فهو بريء، ومن لم يكتب لنا عن أحد فليضمن لنا في عرافته أن لا يخالفنا منهم مخالف، ولا يبغي علينا منهم باغٍ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة وحلالٌ دمه وماله، وأيَّما عريف وجد في عرافته من بغية أميرالمؤمنين أحدٌ لم يرفعه إلينا صُلِبَ على باب داره وألغيت تلك العرافة من العطاء»(2).


1) الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص65؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص325.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص40؛ الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج2، ص45؛ سعيد أيوب، معالم الفتن، ط2، مطبعة سعيد بن جبير، (قم، 2004م): ج2، ص259.

لقد كان ابن زياد معروفاً في أوساط الكوفيين بالقسوة والشدة، فكان من الطبيعي أن يحدث قدومه وخطابه الشديد اللهجة هزةً عند المعارضين، فلاحت بوادر التخاذل والإرجاف تظهر على الكوفيين وقياداتهم، من هنا اعتمد مسلم بن عقيل وسيلة جديدة للسير في حركته نحو الهدف المطلوب، فانتقل من دار المختار الثقفي إلى دار هانئ(1)بن عروة المرادي، وجعل يتستّر في دعوته وتحركاته إلا عن خلّص أصحابه، وقد كان هانئ يومذاك سيد بني مراد وصاحب الكلمة المسموعة في الكوفة والرأي المطاع(2).

كان مسلم بن عقيل يملك درايةً تامه بكل تقاليد وأعراف المجتمع الذي كان يتحرّك فيه، ففي موقف كان يمكن فيه لمسلم أن يغتال ابن زياد رفض ذلك لاعتباراتشتىّ، فقد روي أنّ شُريك بن الأعور حين نزل في دار هانئ بن عروة مرض مرضاً شديداً وحين علم عبيد الله بن زياد بذلك قدم لعيادته، وهنا اقترح شريك على مسلم اغتيال ابن زياد(3).

وقال: «إنما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية، وقد أمكنك الله منه وهو صائر إليّ ليعودني، فإن جاء فاخرج إليه فأقتله، ثم صر إلى قصر الإمارة فأجلس فيه، فإنّه لا ينازعنّك فيه أحدٌ من الناس»(4).

ولمس مسلم كراهية هانئ بن عروة أن يقتل عبيد الله بن زياد في داره، ولم يأخذ باقتراح شريك، وحين خرج عبيد الله قال شريك بحسرةٍ وألم لمسلم: ما منعك من


1) هانئ بن عروة بن الفضفاض بن شمران المرادي، سكن الكوفة وكان من خواص الإمام علي(علیه السلام)، ولما بايع أهلها مسلم بن عقيل للحسين(علیه السلام) نزل عند هانئ بن عروة، فلما علم ابن زياد قتل مسلما وهانئ بن عروة. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج6، ص568-569.

2) الدينوري، الأخبار الطوال: ص213؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص69.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص360؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص42.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص360؛ الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص69.

قتله؟ قال مسلم منعني منه خُلتان: إحداهما كراهية هانئ لقتله في منزله، والأخرى قول سمعته من الناس عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : «إنّ الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن»(1).

ثم اتخذ ابن زياد كل وسيلة مهما كانت دنيئة للقضاء على الوجود السياسي والتحرّك الذي برز، منذراً بالخطر بوجود مسلم بن عقيل، فدبّر خطّةً للتجسس على تحركات مسلم ومكانه والموالين له، واستطاع أن يكشفمقرّه(2)، فكانت بداية تخاذل الناس عن الصمود في مواجهة الظلم.

لقد استطاع عبيد الله بن زياد أن يحكم الحيلة والخداع ليقبض على هانئ بن عروة الذي آوى رسول الحسين(علیه السلام) وأحسن ضيافته وأشترك معه في الرأي والتدبير، فقبض عليه وقتله بعد حوارٍ طويل جرى بينهما(3)، وذهب كلّ شخصٍ إلى بيته، وكأنّ الأمر لا يعنيه(4).

ولما عَلِم مسلم بن عقيل بما جرى لهانئ بن عروة ورأى تخاذل عشيرته عنه، خرج في أصحابه ونادى بشعاره (يا منصور أمت)(5)، ونادى مناديه في الناس وسار بهم لمحاصرة القصر، واشتدّ الحصار على ابن زياد وضاق به أمره ولكنه استطاع بدهائه ومكره أن يتغلب على المحنة، ويخذّل الناس عن مسلم بن عقيل(6).

وقد استمرّ الموقف كذلك والناس تتفرّق عن مسلم وأقفلوا أبوابهم في وجهه ثم


1) الدينوري، الأخبار الطوال: ص214-215؛ الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص66.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص362-364.

3) المصدر السابق: ص379؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص274.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص50؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص274.

5) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص50ص368؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص67؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص371.

6) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص92؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص272.

أوى مسلم إلى دار امرأة منأهل الكوفة(1)، وعندما علم ابن زياد بمكان مسلم بن عقيل أرسل قوة من جنده بقيادة محمد بن الأشعث(2)إلى المكان الذي فيه مسلم، وما إن سمع بالضجّة حتى أدرك أنّ القوم يطلبونه، فخرج إليهم مقاتلاً، وعندما تكاثروا عليه أخذوه أسيراً بعد إعطائه الأمان، وأدخل على بن زياد ولم يسلم عليه، وجرى بينهما حوارٌ طويل كان بن عقيل رابط الجأش، منطلقاً في بيانه قوي الحجة، ثم أمر بن زياد بقتل مسلم بن عقيل ورمي جسده من القصر، وذلك في اليوم التاسع من ذي الحجة سنة 60ﻫ/ 680م، وهو يوم عرفة(3)، ثم صلب مسلم بن عقيل إلى جنب هانئ بن عروة، هذا وأهل الكوفةوقوف لا يحرّكون ساكناً(4).

وكان مسلم قد طلب من ابن الأشعث أن يكتب إلى الحسين(علیه السلام) بخبره وما


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص371؛ الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص68.

2) محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، من وجوه أهل الكوفة كان ممن راسل الإمام الحسين(علیه السلام) ثم خرج لقتال مسلم بن عقيل سفير الإمام الحسين(علیه السلام) وكان ممن خرج لقتال الحسين(علیه السلام) أنحاز إلى مصعب بن الزبير بعد وثوب المختار الثقفي في الكوفة وقد شهد مع مصعب أكثر من وقعة، وكان على مقدمة جيشه، وقد قتل في حربه مع المختار بأيام قليلة وذلك سنة 67ﻫ/686م. ينظر: ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن أبي حاتم بن محمد بن إدريس (ت 327ﻫ/938م)، الجرح والتعديل، ط1، دائرة المعارف العثمانية، (الهند، 1952م): ج3، ص206.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص381؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص70؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج5، ص326؛ ابن العبري، غريغوريوس أبو الفرج بن أهرون (ت 685ﻫ/1286م)، تاريخ مختصر الدول، تح: أنطوان اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية، (بيروت، 1958م): ص110.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص64؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص274؛ المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي، النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم، مكتبة الأهرام، (مصر، 1937م): ص14؛ الشافعي، عبد الملك بن حسين بن عبد الملك (ت 1111ﻫ/1699م)، سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، تح: عادل أحمد وعلي محمد، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، 1998م): ج3، ص170-171.

جرى في الكوفة، وينصحه بعدم الشخوص إليهم(1).

ثانياً: خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى العراق

لقد أزمع الإمام الحسين(علیه السلام) على الخروج من مكة والتوجه نحو العراق فجمع أهل بيته وأبناء عمومته، وكلهم من آل أبي طالب فحسب، وضمّ إليه من اصطحبه من الأنصار، ومن تبعه من أهل الحجاز والكوفيين والبصريين ومن جاء موفداً أو رسولاً فعاد مصاحباً وملازماً(2)، وكان خروج الإمام الحسين(علیه السلام) من مكة في يوم خروج مسلم بن عقيل بالكوفة - وهو يوم التروية - وهو يوم الثامن من ذي الحجة سنة60ﻫ/ 680م(3).

ثم قام الإمام الحسين(علیه السلام) خطيباً معلناً ثورته كاشفاً عن مصيره المحتوم حيث قال: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله... خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى ولده يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خُطَ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفّينا أجور الصابرين، تقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده، ألا ومن كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص375؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص273؛ المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص353.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص382.

3) المصدر السابق: ص385؛ ابن طاووس، اللهوف: ص38؛ ابن الوردي، زين الدين عمر ابن مظفر (ت 749ﻫ/1348م)، تاريخ ابن الوردي، ط2، المطبعة الحيدرية، (النجف، 1969م) ج1، ص231.

لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً، إن شاء الله تعالى»(1).

كانت هذه الخطبة جزلة الألفاظ، مُشرقة العبارة، ناصعة الهدف، اجتمع فيها الغرض الفني إلى جانب الغرض النضالي في سياقٍ أسلوبي متجدّد، ولغة بلاغية سليمة، وعرضٌ بياني جديد(2).

وقد طلب إليه عبد الله بن الزبير أن يثور في مكة، ولايتوجه نحو العراق، ووعده بجمع الناس إليه، فأجابه الحسين(علیه السلام) : «وأيم الله لو كنت في حجر هامّة من هذه الهوام، لاستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم، والله ليعتدنّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت»(3).

وكرّر عليه ابن الزبير ثانية؛ فأشار عليه بالعراق ثم خشي أن يتهمه، فقال: «لو أقمت لما خالفنا عليك»(4)، فلما خرج ابن الزبير، قال الحسين(علیه السلام) : «إنّ هذا ليس شيء أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز»(5)، وجاء عبد الله بن عباس فنهاه عن الخروج فقال: استخير الله وأنظر ما يكون، فعاود عليه القول، وقال له: إن أبيت إلا الخروج فأخرج إلى اليمن، فقال الحسين(علیه السلام) : «يا ابن عمّ؛ إنّي والله لأعلم أنّك ناصحٌ مشفق، وقد أزمعت وأجمعت على المسير»(6)، وكثر على الحسين(علیه السلام) من يُشير عليه بعدم الخروج، فرد قائلاً: «والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا


1) ابن طاووس، اللهوف: ص39؛ المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص366-367.

2) الصغير، محمد حسين، الإمام الحسين عملاق الفكر الثوري: ص41.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص385؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص276.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص383.

5) المصدر السابق؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص276.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص384؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص65؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص276.

فعلوا سلّط الله عليهم من يذلّهم»(1).

وتحرّك الحاكم الأموي تحت وطأة هذه الأنباء المقلقةله في تصميم الحسين(علیه السلام) على مجابهة الحكم، حيث اعترضته رُسل عمرو بن سعيد بن العاص وعليهم أخوه يحيى بن سعيد ومنّوا الحسين(علیه السلام) بالصلة والأمان «وتدافع الفريقان، وتضاربوا بالسياط وامتنع الحسين(علیه السلام) وأصحابه عليهم امتناعاً قوياً»(2).

ومضى ركب الإمام الحسين(علیه السلام) لا يلوي على شيء، وفي طريقهم بمنطقة التنعيم(3)صادف إبلاً قد اتجهت نحو الشام، وهي تحمل الهدايا إلى يزيد بن معاوية قادمة من اليمن فاستأجر من أهلها جمالاً لرحله وأصحابه(4).

وواصل الإمام الحسين(علیه السلام) مسيره حتى وصل الصفاح(5)فالتقى بالشاعر الفرزدق فقال له: بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله ما أعجلك عن الحج؟ فقال له: لو لم أعجل لأُخذت، ثم قال للفرزدق: أخبرني عن الناس خلفك، فقال: «قلوب الناس، معك وسيوفهم عليك، والقضاء ينزل من السماء، واللهيفعل ما يشاء»(6).

فقال الإمام الحسين(علیه السلام) : «صدقت، لله الأمر من قبل ومن بعد، والله يفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحبّ نحمد الله على نعمائه، وهو


1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص276؛ المقرم، مقتل الحسين: ص171.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص385؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص276.

3) التنعيم: وهو موضع يبعد فرسخين من مكة وسمّي بالتنعيم لأنّ على يمينه جبلاً يسمى نعيما وآخر عن شماله يسمى ناعما، والوادي نعمان. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج2، ص49.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص385-386؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص276.

5) الصفاح، وهو موضع بين حُنين وأنصاب الحرم على يسار الداخل إلى مكة. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج3، ص412.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص386؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص276.

المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتدّ من كان الحقّ نيته والتقوى سريرته»(1)، ثم سار الإمام الحسين(علیه السلام) في رحلته فلقيه رجلٌ من بني أسد، اسمه بُشر بن غالب وارداً من العراق، فسأله الحسين(علیه السلام) عن أهله فقال الأسدي: «خلّفت القلوب معك والسيوف مع بني أمية والله يفعل ما يشاء»(2).

ومضت الأحداث سراعاً والحسين(علیه السلام) في طريقه إلى العراق، ولما وصل إلى الحاجر من بطن(3)الرمة كتب كتاباً إلى زعماء الكوفة وأنفذه مع قيس بن مسهر الصيداوي، وكان ذلك قبل وصول الأخبار إلى الإمام الحسين(علیه السلام) باستشهاد مسلم ابن عقيل(4)، وهذا نصّ الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإنّي أحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنَّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا، والطلب بحقّنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يصيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قَدِم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدُّوا، فأني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(5).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص386؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص276؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص168.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص70؛ الطبسي، محمد رضا، مقتل الإمام الحسين، تح: محمد أمين الأميني، ط1، مؤسسة محيي للطباعة، (قم، 2003م) ص263.

3) الحاجر: ما يمسك الماء من شفة الوادي، وبطن الرمة منزل لأهل البصرة إذا أرادوا المدينة. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج2، ص204.

4) أبو مخنف، لوط بن يحيى، مقتل الحسين، ط1، (بلا مكان، 2005م): ص44؛ مسكوية، تجارب الأمم: ج2، ص37.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص395؛ الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج2، ص70؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص169-170.

وعندما سرى نبأ مسير الإمام الحسين(علیه السلام) بين الناس اضطرب الموقف الأموي بالكوفة، وتحدّثت الركبان بأنباء الثائر العظيم، فتناهى الخبر إلى عبيد الله بن زياد، فأعدّ رجاله ووضع خطة لقطع الطريق أمام الحسين(علیه السلام) والحيلولة من دون وصوله إلى الكوفة، فبعث بالحصين بن نمير السكوني وكان على شرطة الكوفة، فاختار الحصين موقعاً يسيطر من خلاله على طريق مرور الإمامالحسين(علیه السلام)، فنزل بالقادسية(1)واتخذها مقراً لقيادته(2).

وعندما وصل قيس بن مسهر الصيداوي إلى القادسية اعتقله الحصين وبعث به إلى عبيد الله بن زياد(3)، فقال له عبيد الله اصعد المنبر فَسِبّ الكذّاب يعني بذلك الحسين(علیه السلام)، فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس إنّ هذا الحسين ابن علي خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته في الحاجر فأجيبوه، ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي بن أبي طالب وصلى عليه، فأمر عبيد الله أن يُرمى من فوق القصر، فرموا به، فتقطّع»(4).

ويقال إنّه لم يمتْ وبقي به رمق، فقام إليه رجل يدعى عبد الملك بن عُمير اللخمي فذبحه، فقيل له في ذلك وعيب عليه، فقال: أردت أن أريحه(5)، وعندما


1) القادسية: تبعد عن الكوفة خمسة عشر فرسخاً، وبينها وبين العذيب أربعة أميال، قيل: إنّ القادسية كانت تسمى قديساً، وبهذا الموضع كان يوم القادسية بين المسلمين والفرس. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج4، ص291.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص395.

3) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص44؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص395.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص395؛ الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج2، ص71.

5) ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص170.

وصل الإمام الحسين(علیه السلام) إلى الثعلبية(1)أتته الأخبار باستشهاد مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، ورسوله قيس بن مُسهر الصيداوي(2)، وكان الإمام الحسين(علیه السلام) قد أرسل رسولاً آخر قبل أن يأتيه خبر استشهاد رسوله الأول، وذلك هو عبد الله بن يقطر وقد وقع هذا الرسول بيد الحصين أيضاً ونقل إلى عبيد الله بن زياد، وكان مصيره كمصير من سبقه(3).

ووصل خبر أسر الرسول واستشهاده إلى الإمام الحسين(علیه السلام) في موضع يدعى زبالة(4)، وهكذا راحت تتوارد على الإمام الحسين(علیه السلام) أنباء الإنتكاسة ولاحت له بوادر النكوص الخطير، وشعر بالخذلان ونقض العهد، فوقف في أصحابه وأهل بيته وأخبرهم بمقتل رسوله، وأنّ من أحبّ منهم أن ينصرف فلينصرف في غير حرج ليس عليهذمام(5)، فتفرّق الناس عنه يميناً وشمالاً، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة، ونفرٌ يسير ممن انضمّوا إليه وإنما فعل ذلك لأنّه(علیه السلام) عَلِمَ أنّ الناس الذين اتّبعوه إنما اتّبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ماذا يَقدِمون(6).


1) الثعلبية: من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية وأسفل منها ماء يقال له الضويجعة وسميت الثعلبية نسبه إلى ثعلبة بنت عمرو، وقيل بثعلبة بن دودان. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج2، ص78.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص397؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص170.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص398؛ المقرم، مقتل الحسين: ص179؛ سعيد أيوب، معالم الفتن: ج2، ص271.

4) زبالة: منزل معروف بطريق مكة من الكوفة، وهي قرية عامرة، بها أسواق بين واقصة والثعلبية، وقيل: سميت زبالة بزبلها الماء، أي بضبطها له وأخذها منه. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم، البلدان: ج3، ص129.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص399؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص170.

6) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص45؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص399، ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص170-171؛ المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص374.

وأشار عليه عمر بن لوذان من بني عكرمة بالرجوع إلى المدينة، لما علم من غدر أهل الكوفة، فقال الحسين(علیه السلام) : «ليس يخفى عليَّ الرأي وإنَّ الله لا يخلي على أمره»(1).

ثم سار الإمام الحسين(علیه السلام) حتى نزل شراف(2)وعند السحر أمر فتيانه أن يستقوا من الماء ويكثروا، وفي نصف النهار سمع رجلاً من أصحابه يكبّر، فقال الحسين(علیه السلام) : لم كبرت، قال: رأيت النخل، فأنكر من معه أن يكون بهذا الموضع نخل، وإنما هي الخيل وأسنّة الرماح وقد كانوا ألف فارسبقيادة الحر(3)ابن يزيد الرياحي أرسلهم ابن زياد؛ لقطع الطريق على الإمام الحسين(علیه السلام) (4)، ولما اقتربوا من ركب الحسين(علیه السلام) سألهم عن المهمة التي جاؤوا من أجلها، فقال لهم الحر: «لقد أُمرنا أن نلازمكم ونصحبكم حتى ننزلكم على غير ماء ولا حصن، أو تدخلوا في حكم يزيد وعبيد الله بن زياد»(5)، وقد وقف الحر الرياحي وأصحابه مقابلاً الحسين(علیه السلام) في حر الظهيرة(6)، ولما رأى الحسين(علیه السلام) ما بالقوم من العطش أمر أصحابه أن يسقوهم ويرشفوا الخيل، فسقوهم وخيولهم عن آخرهم(7)«وكان هذا لُطفاً وحناناً من أبي


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص399.

2) شراف: مكان بين واقصة والقرعاء، على ثمانية أميال من الإحساء، ومن شراف إلى واقصة ميلان، وفي شراف ثلاث آبار كبار وماؤها عذب كثير. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج3، ص331.

3) الحر بن يزيد الرياحي التميمي، من الشخصيات البارزة في الكوفة، وأحد قواد الجيش الأموي الخارج لحرب الحسين(علیه السلام)، وكان يقود ربع تميم وهمدان، وقد انحاز الحر إلى الإمام الحسين بعد أن قُتل عدد من أصحابه، واستشهد بعد أن قاتل قتالا شديدا. ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص427-428؛ الصدر، محمد محمد صادق، أضواء على ثورة الحسين، تح: كاظم العبادي، ط1، (النجف، 1997م): ص92.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص402؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص329؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص174.

5) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص47؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص402.

6) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص46؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص329.

7) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص46؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص174.

الضيم على هذا الجمع في تلك البيداء المقفرة التي تعزّ فيها الجرعة الواحدة»(1).

وقد جرى حوارٌ طويل بين الإمام الحسين(علیه السلام) والحر بن يزيد الرياحي حيث أبى الحرّ أن يُمكّن الحسين(علیه السلام) من الرجوع إلى الحجاز، أو سلوك الطريق المؤدية إلى الكوفة، وأبى الحسين(علیه السلام) أن يستسلم ليزيد وابن زياد(2)، فقام الإمام الحسين(علیه السلام) خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنّها معذرة إلى الله عز وجل وإليكم، وإنّي لم آتكم حتى أتتني


1) المقرم، مقتل الحسين: ص187.

2) ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص174؛ إنطوان بارا، الحسين في الفكر المسيحي، ط1، مطبعة فدك، (قم، 2004م): ص274.

كتبكم، وقدمت بها عليَّ رسلكم أن أقدم علينا، فإنّه ليس لنا إمام ولعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فأعطوني ما أطمئنّ به من عهودكم ومواثيقكم، وإن كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم»(1)، فسكتوا جميعاً، وأذّن الحجّاج بن مسروق الجعفي لصلاة الظهر، فقال الحسين(علیه السلام) للحرّ: أتصلي بأصحابك قال: لا، بل نصلي جميعاً بصلاتك، فصلّى بهم الحسين(علیه السلام) (2)، وبعد الصلاة خاطبهم بقوله: «أمّابعد، فإنّكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله تكونوا أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمد، وأولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أبيتم إلا الكراهية لنا والجهل بحقّنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم، وقدمت به عليَّ رسلكم انصرفت عنكم»(3)، فقال الحرّ: ما أدري ما هذه الكتب التي تذكرها، فأمر الحسين(علیه السلام) عقبة بن سمعان، فأخرج خرجين مملوئين كتباً، فقال الحر: إنّي لست من هؤلاء الذين كتبوا إليك وإنّي أُمرتُ أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد، فقال الإمام الحسين: ثكلتك أمّك فردّ عليه الحرّ: «أما لو غيرك من العرب يقولها لي وعلى مثل حالك ما تركت ذكر أمّه بالثكل كائناً من كان، والله مالي إلى ذكر أمّك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه»(4).

ثم خاطب الإمام الحسين(علیه السلام) قائلاً: «إنّي أذكّرك الله في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتُقتلنّ»(5)، فقال الحسين(علیه السلام) : «أفبالموتتخوّفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ وسأقول ما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)

سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى *** إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه *** وفارق مثبوراً وخالف مجرما

فإن عشت لم أندم وإن مُتُ لم ألم *** كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما»(6).

فلما سمع الحرّ كلامه تنحّى عنه، فكان الحسين(علیه السلام) يسير بأصحابه في ناحية، والحر ومن معه في ناحية(7)، ثم إنّ الإمام الحسين(علیه السلام) خطب في أصحاب الحرّ، فقال بعد الحمد لله والثناء عليه: «أيها الناس إنّ رسول الله قال: من رأى سُلطاناً جائراً


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص401؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص77؛ الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج2، ص79؛ مسكوية، تجارب الأمم: ج2، ص38-39؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص330.

2) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص46؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص76؛ المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص376؛ الطبسي، مقتل الحسين: ص276.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص402؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص78.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص402؛ ابن اعثم: ج5، ص78؛ المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص377؛ الطبسي، مقتل الحسين: ص278.

5) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص47؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص404.

6) المصدر السابق؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص175.

7) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص47؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص404.

مستحلاً لحرام الله، ناكثاً عهده مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر، وقد أتتني كتبكم وقدمت عليَّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن أتممتم عليَّ بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، ولكم فيَّ أسوة، وإن لمتفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، فالمغرور من أغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(1).صحابه أص

وعندما وصل الإمام الحسين(علیه السلام) إلى عذيب(2)الهجانات وافاه أربعة نفر خارجين من الكوفة هم: عمرو بن خالد الصيداوي، وسعد مولاه، ومجمع بن عبد الله المذحجي، ونافع بن هلال، ودليلهم الطرماح الطائي وقد أنضمّ هؤلاء إلى ركب الإمام الحسين(علیه السلام) (3)، وسار الإمام الحسين(علیه السلام) من عذيب الهجانات حتى نزل قصر


1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص280؛ المقرم، مقتل الحسين: ص189؛ الحسيني، عبد الكريم، الوثائق الرسمية لثورة الإمام الحسين، ط1، منشورات سعيد بن جبير، (قم، 2005م) ص132.

2) العذيب: هو تصغير العذب، وهو الماء الطيب، ويقع بين القادسية والمخيتة، بينه وبين القادسية أربعة أميال، وقيل: هو وادٍ لبني تميم، وهو من منازل حاج الكوفة، وقيل: هو حدّ السواد، ويسمى عذيب الهجانات، وبالقرب منه عذيب القوادس، وهذا يدلّ على أنّ هناك عذيبين. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج4، ص291.

3) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص47؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص404؛ الحسيني، عبد الكريم، الوثائق الرسمية: ص134.

بني مقاتل(1)فرأى فسطاطاً مضروباً، ولما سأل عنه قيل لعبيد الله بن الحرالجعفي، فدعاه الإمام لنصرته فرفض ذلك قائلاً: إني إنما خرجت من الكوفة خوفاً أن أكره على قتالك، فتركه الإمام الحسين(علیه السلام) وأرتحل عنه(2)، وندم ابن الحر على ما فاته من نصرة الإمام الحسين(علیه السلام) فأنشأ يقول:

أيا لك حسرة ما دمت حيّاً *** تردّد بين صدري والتراقي

غداة يقول لي بالقصر قولاً *** أتتركنا وتعزم بالفراقِ

حُسين حينَ يطلب بذلَ نصري *** على أهل العداوة والشقاقِ

فلو فلقَ التلهف قلبَ حُرٌ *** لَهَمَ اليوم قلبي بانفلاقِ

ولو واسيته يوماً بنفسي *** لنلت كرامته يوم التلاقِ

مع ابن محمد تفديه نفسي *** فودّع ثم أسرع بانطلاقِ

لقد فاز الألى نصروا حسيناً *** وخاب الآخرون ذوو النفاقِ(3).

ثم سار الحسين(علیه السلام) حتى وصل الطف(4)، وكانت هناكمجموعة قرى عامرة، ثم


1) قصر بني مقاتل، وهو موضع بين عين التمر والشام، بالقرب من القطقطانة، ومنسوب إلى مقاتل ابن حسان بن ثعلبة. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج4، ص364.

2) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص49؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص407؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص282؛ المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص379؛ سعيد أيوب، معالم الفتن: ص278.

3) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص49؛ المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص379؛ سعيد أيوب، معالم الفتن: ص278.

4) الطف: وهو في اللغة ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق؛ قال الأصمعي: وإنما سمّي طفّاً؛ لأنه دانٍ من الريف، وقيل سُمّي الطفّ؛ لأنه مشرف على العراق، من أطفّ على الشيء بمعنى أطلّ، والطفّ طفّ الفرات؛ أي الشاطئ، والطفّ أرض من ناحية الكوفة في طريق البرية، وفيها استشهد الإمام الحسين(علیه السلام)، وفيها عدّة عيون ماء جارية، منها الصيد، والقطقطانة، والرهيمة، وعين جمل. ينظر: ياقوت، معجم البلدان: ج4، ص91؛ الحميري، محمد بن عبد المنعم (ت بحدود 749ﻫ/1348م)، الروض المعطار في خبر الأقطار، تح: إحسان عباس، ط4، مكتبة لبنان، (بيروت، 1984م): ص396.

جاء كتابٌ إلى الحرّ أن ضع الحسين في موضعٍ ليس فيه ماء(1)، فساروا جميعاً حتى وصلوا كربلاء(2)

فَسِبطٌ سبطُ إيمانٍ وبرّ *** وسبطٌ غيبته كربلاءُ

الحميري، الروض المعطار: ص490.

.

ثالثاً: فاجعة كربلاء

نزل الإمام الحسين(علیه السلام) أرض كربلاء في الثاني من المحرم سنة 61ﻫ/680م(3)، فجمع أهل بيته ونظر إليهم وقال: «اللهمّ إنّا عترة نبيك محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد أُخرجنا وطُردنا وأُزعجنا عن جدّنا، وتعدّت بنو أمية علينا، اللهمّ فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القومالظالمين»(4)، ثم أقبل على أصحابه فقال: «...الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون»(5).


1) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص50؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص408؛ ابن طاووس، اللهوف: ص50؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص282؛ الحسيني، عبد الكريم، الوثائق الرسمية: ص139؛ أنطوان، بارا، الحسين في الفكر المسيحي: ص248.

2) كربلاء: وهو الموضع الذي استشهد فيه الحسين بن علي(علیهما السلام) في طرف البرية عند الكوفة، وقيل: إنّ الإمام الحسين(علیه السلام) لما انتهى إلى هذا الموضع قال: ما اسمها قيل: هي العقر، فقال: نعوذ بالله من العقر، وقال: ما اسم هذه الأرض التي نحن فيها؟ قالوا: كربلاء، فقال: أرض كرب وبلاء. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج4، ص445. وذكر أيضاً: إنها موضع بالعراق من ناحية الكوفة فيه قُتٍل الحسين بن علي(علیهما السلام) وقال الشاعر:

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص409؛ ابن طاووس، اللهوف: ص51؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص282.

4) الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص337؛ المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص383؛ المقرم، مقتل الحسين: ص198.

5) المصدر السابق؛ الحسيني، عبد الكريم، الوثائق الرسمية: ص145.

ثم حمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد وآله، وقال: «أما بعد، فقد نزل بنا من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، ولم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله فإنّي لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً»(1)، فقال له أصحابه: «لقد سمعنا يا ابن رسول الله مقالتك، ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها»(2).وقال أحد أصحابه: «يا ابن رسول الله لقد مَنَّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك تقطع فيك أعضاؤنا، ثم يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة»(3).

ثم أمر عبيد الله بن زياد عمر بن سعد بن أبي وقاص بالخروج إلى كربلاء في أربعة آلاف رجل(4)، وكان ابن زياد قد كتب له عهداً بولاية الري(5)، فاستعفاه ابن سعد، ولما استردّ منه العهد استمهله ليلته، وجمع عمر بن سعد نصحاءه، فنهوه عن


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص403-404؛ إن هذه الخطبة كانت قرب جبل ذي حسم، وقد وجهها الحسين(علیه السلام) إلى أصحابه عندما كان الحر بن يزيد يُسايره. ابن طاووس، اللهوف: ص50، إنّ الخطبة كانت في عذيب الهجانات. ابن عساكر، تاريخ دمشق: ج4، ص333؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج2، ص312، إنه خطب في يوم عاشوراء وفي سير أعلام النبلاء للذهبي: ج3، ص209، لما نزل عمر بن سعد خطب الحسين بأصحابه.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص404؛ ابن طاووس، اللهوف: ص50؛ الحسيني، عبد الكريم، الوثائق الرسمية: ص146.

3) ابن طاووس، اللهوف: ص51؛ الحسيني، عبد الكريم، الوثائق الرسمية: ص146.

4) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص52؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص409؛ ابن طاووس، اللهوف: ص54؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص282؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص176؛ الحسيني، عبد الكريم، الوثائق الرسمية: ص148.

5) الري: مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن، كثيرة الفواكه والخيرات، وهي محطّ الحاج على طريق السابلة، بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخاً، وإلى قزوين سبعة وعشرون فرسخاً. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج3، ص129.

المسير لحرب الحسين، وقال له ابن أخته حمزة بن المغيرة بن شُعبة الثقفي: «أنشدك الله أن لا تسير لحرب الحسين؛ فتقطع رحمك، وتأثم بربك فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كله، لو كان لك، خيراً لك من أن تلقى الله بدم الحسين»(1)، ولم ينثنِ عمر بن سعد عن قتال الحسين(علیه السلام)،وكان يردّد هذه الأبيات:

أأترك ملك الريَ والريُ رغبتي *** أم أرجع مذموماً بقتل حسينِ

وفي قتله النار التي ليس دونها *** حجاب وملك الري قرة عيني(2)

ثم جاء عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد، وقال: إنّي سائرٌ لحرب الحُسين(3)، فأقبل في أربعة آلاف، وانضمّ إليه الحرّ فيمن معه وكانوا ألف فارس، فأصبح تحت قيادته خمسة آلاف فارس(4)، ونزل ابن سعد على الفرات في اليوم الثالث من المحرم، ثم أرسل عمرو بن الحجاج في خمسمائة فارس ونزلوا الشريعة في اليوم السابع من المحرم، أي قبل استشهاد الحسين(علیه السلام) بثلاثة أيام(5).

وذكر المسعودي: «لما أصبح الحسين(علیه السلام) يوم عاشوراء وصلّى بأصحابه صلاة الصبح قام خطيباً فيهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله تعالى أذن في قتلكم وقتلي في هذا اليوم؛ فعليكم بالصبر والقتال»(6).ثم صفّهم للقتال، وكانوا اثنين وثمانين فارساً وراجلاً، وأعطى رايته أخاه


1) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص53؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص409.

2) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص53؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص283.

3) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص53؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص410.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص410؛ الحسيني، عبد الكريم، الوثائق الرسمية: ص150.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص410، أنظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص283.

6) المسعودي، علي بن الحسين، إثبات الوصية، المطبعة الحيدرية، (النجف - بلات) ص139.

العباس(1)، أما عمر بن سعد فقد جعل على الميمنة عمرو بن الحجاج الزبيدي وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن العامري، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي وعلى الرجّالة شبث بن ربعي، والراية مع مولاه ذويد(2).

خُطب الإمام الحسين(علیه السلام) في كربلاء

لما نظر الإمام الحسين(علیه السلام) إلى جمعهم كأنه السيل رفع يديه بالدعاء وقال: «اللهمّ أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقةً وعدة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلته بك وشكوته إليك، رغبة مني إليك عمن سواك فكشفته وفرّجته، فأنت وليّ كلّ نعمة، ومنتهى كلّ رغبة»(3).

ثم وقف خطيباً ونادى بصوت سمعه أغلب العسكرحيث قال: «أيّها الناس أسمعوا قولي، ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حقٌ لكم عليَّ، وحتى اعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدّقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة ثم أقضوا إليّ ولا تنظرون إنّ وليّ الله الذي نزَّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين»(4).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص422، ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص286، الحسيني، عبد الكريم، الوثائق الرسمية: ص162.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص422، ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص286. وأعطى رايته مولاه دريد.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص423، ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص287.

4) المصدر السابق؛ الحسيني، عبد الكريم، الوثائق الرسمية: ص200.

وذكر الطبري أنه لم يُسمَعْ متكلّم قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه(1)، ثم قال: «أيّها الناس أنبؤني من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربه؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي؟ أو ليس جعفر الطيار عمي؟ أو لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ، والله ما تعمدّتُ الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه، وإن كذّبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه ذلك أخبركم...»(2)، ثم قال(علیه السلام) : «فإن كنتم في شكّ من هذا القول أفتشكّونأني ابن بنت نبيكم، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري لا فيكم ولا في غيركم، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته! أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحه، فأخذوا لا يكلمونه»(3).

ثم إنّ الحسين(علیه السلام) - في خطبة أخرى - استشهدهم على نفسه المقدسة وما عليه من سيف النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) وعمامته، فأجابوه بالتصديق، فسألهم عما أقدمهم على قتله، قالوا: طاعة للأمير عبيد الله بن زياد(4)، فقال(علیه السلام) : «تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، فهلّا لكم الويلات، تركتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لمّا يستحصف، ولكن أسرعتم


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص424؛ الطبسي، مقتل الحسين: ص325.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص424-425؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص287.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص425؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص287.

4) ابن طاووس، اللهوف: ص55؛ المقرم، مقتل الحسين: ص243.

كطيرة الدّبا، وتداعيتم عليها كتهافت الفراش ثم نقضتموها، فسحقاً لكم يا عبيد الأمة، وشذّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومحرّفي الكَلَم، وعصبة الإثم، ونفثه الشيطان، ومطفئ السُنن! ويحكم أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون؟ أجل والله غدرٌ فيكم قديم وشجت عليه أصولكم وتأزرت فروعكم فكنتم أخبث ثمرة، شجى للناظر وأكلة للغاصب»(1).ثم قال(علیه السلام) : «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذّلّة، يأبى الله لنا ذلك، ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحفٌ بهذه الأسرة، على قلة العدد، وخذلان الناصر»(2).

ثم أنشد قائلاً:

فإن نُهزم فهزّامون قدماً *** وإن نهزم فغير مهزّمينا

وما إن طبّنا جبن ولكن *** منايانا ودولة آخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا

إذا ما الموت رُفع عن أُناسٍ *** بكلكلهِ أناخَ بآخرينا(3).

ثم قال(علیه السلام) : «أما والله لا تلبثون بعدها إلا ريثما يركب الفرس، حتى تدور بكم دوران الرحى، وتقلق بكم قلق المحور، عهد عهده إليّ أبي عن جدّي رسول الله، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة ثم أقضوا إليّ ولا تنظرون إنّي


1) ابن طاووس، اللهوف: ص61-62؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص9؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق: ج4، ص333؛ الحسيني، عبد الكريم، الوثائق الرسمية: ص209-210.

2) ابن طاووس، اللهوف: ص62؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص10؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق: ج4، ص333.

3) ابن طاووس، اللهوف: ص62؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص10.

توكّلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إنّ ربي على صراطٍ مستقيم»(1).

ولما سمع الحر بن يزيد الرياحي كلام الإمام الحسين(علیه السلام) وعَلِمَ أنّ القوم مقاتلوه لا محالة انعطف إلى جانبالحسين(علیه السلام)، وأصبح مع أصحابه(2)، ثم دارت معركة الكرامة بين فئتين غير متكافئتين عسكرياً، عدداً وعدّة، والتي أبدى فيها أصحاب الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته شجاعةً وصبراً عند اللقاء وقد كانت شعلة في طريق الأجيال التي تنازع الظالمين من أجل الحرية.

وكان استشهاد الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه يوم العاشر من المحرّم سنة 61ﻫ/ العاشر من تشرين الأول سنة 680م(3).

ولما التفت الإمام(علیه السلام) في اليوم العاشر يمينا وشمالا فلم يجد أحدا من أهل بيته وأنصاره أخذ يناديهم بأسمائهم ثمّ أنشأ يقول:

قومٌ إذا نودوا لدفع ملمّةٍ *** والخيل بين مدعّس ومكردسِ

لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا *** يتهافتون على ذهاب الأنفس

نصروا الحُسين فيا لها من فتيةٍ *** عافوا الحياة وألبسوا من سندسِ(4).


1) ابن طاووس، اللهوف: ص63؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص10؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق: ج4، ص334.

2) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص82؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص427.

3) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص70؛ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص171، الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص422، المسعودي، التنبيه والإشراف، تح: لجنة تحقيق التراث، ط1، دار ومكتبة الهلال، (بيروت -1993م): ص278؛ القزويني، محمد كاظم، زينب الكبرى من المهد إلى اللحد، ط2، دار القارئ للطباعة، (بيروت، 2004م): ص170-173.

4) أبو مخنف، مقتل الحسين: ص93؛ ابن طاووس، اللهوف: ص71.

المبحث الثاني: ردود الفعل بعد استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) ووقعة الحرة

أولاً: تحميل يزيد مسؤولية قتل الحسين(علیه السلام) وردود الفعل على ذلك

إنّ من القضايا التي أثبتها التاريخ واعترف بها اعترافاً جازماً غير مكترث بأية قوة تعارضه، هي قضية يزيد بن معاوية وقتله الإمام الحسين(علیه السلام)، وسروره بسفك ذلك الدم النبوي الزكي، حتى صارت من بديهيات التاريخ، وصار اسم يزيد كعلم لقاتل الحسين(علیه السلام)، وكعلم للظلموالقسوة، واسم الحسين(علیه السلام) كعلم للعدالة والإباء والنهضة(1)، وفي ذلك قال الشاعر المصري أحمد شوقي هاجياً الزعيم التركي مصطفى كمال آتاتورك:

هذا الذي كان الحسين عدالةً في المسلمين قد استحال يزيدا (2)

وذكر ابن عبد ربه أنّ يزيد بن معاوية كتب كتاباً إلى عبيد الله بن زياد، وهو واليه على العراق، جاء فيه «أنّه قد بلغني أنّ حسيناً سار إلى الكوفة، وقد ابتلى الله به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت به من بين العمال وعندها تعتق أو


1) الزين، محمد حسين، الشيعة في التاريخ، ط2، مطبعة العرفان، (صيدا، 1938م): ص125.

2) المصدر السابق: ص126.

تعود عبداً»(1).

وقد اعترف ابن زياد بمغزى كلام يزيد وتهديده إياه بالقتل فقال: «أما قتلي الحسين فإنّه أشار إلى يزيد بقتله أو قتلي، فاخترت قتله»(2)، وذكر السيوطي قائلاً: «خرج الحسين من مكة إلى العراق، فكتب يزيد إلى واليه في العراق عبيد الله بن زياد بمقاتلته، فوجّه إليه جيشاً... عليه عمر بن سعد فقتله، وجيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد لعنه الله ولعن قاتله ويزيد أيضاً،ثم إنّ ابن زياد بعث برأس الحسين وأهله إلى يزيد، فسرّ بقتلهم أولاً، ثم ندم لمّا مقته المسلمون على ذلك وأبغضه الناس، وحقّ لهم أن يبغضوه»(3).

ووضع رأس الحسين(علیه السلام) بين يدي عبيد الله بن زياد فجعل ينكت بالقضيب ثنايا الحسين(علیه السلام)، فقال له زيد بن أرقم(4): «ارفع القضيب عن هاتين الشفتين فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت فم رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) على هاتين الشفتين يقبلهما ثم بكى، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك فو الله لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، فنهض وخرج وقد سمعه الناس يقول: ملك عبدٌ عبداً، فاتخذهم تلداً، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم بن مرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فرضيتم بالذلّ، فبعداً لمن رضي بالذل»(5).


1) ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص130.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص522؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص324.

3) السيوطي، تاريخ الخلفاء: ص207.

4) زيد بن أرقم بن زيد الخزرجي، كنيته أبو عامر استصغر يوم أحد وغزا مع الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) سبع عشرة غزوة، وله حديث كثير ورواية، شهد صفين مع الإمام علي(علیه السلام)، مات بالكوفة أيام المختار سنة 66ﻫ/686م. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج1، ص560.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص456؛ القلقشندي، ابو العباس أحمد بن علي (ت 821ﻫ/1417م)، مآثر الانافة في معالم الخلافة، تح: عبد الستار أحمد فراج، عالم الكتب، (بيروت، 1980): ج1، ص118؛ ابن حجر العسقلاني، الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة، تح: عبد الوهاب عبد اللطيف، (لا م، لا ت): ص230.

وذكر الطبري: «أنّه عندما دخلت زينب(1)بنت علي(علیهما السلام) على عبيد اللهابن زياد قال لها عبيد الله: الحمد لله الذي فضحكم، وأكذب أحدوثتكم، فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد(صلی الله علیه و آله و سلم) وطهرنا تطهيرا، لا كما تقول أنت، إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، قال: فكيف رأيتِ صنع الله بأهل بيتك؟ قالت: كتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاجّون إليه، وتخاصمون عنده... ثم قال لها ابن زياد: قد أشفى الله نفسي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك، فبكت ثم قالت: لعمري لقد قتلت كهلي وأبرت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي فإن يشفك هذا فقد اشتفيت...»(2).

وأمر ابن زياد أن ينادى بالصلاة جامعة، فاجتمعوا في الجامع الأعظم، وارتقى ابن زياد المنبر فقال: «الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذّاب بن الكذّاب الحسين بن علي وشيعته»(3).

فلم ينكر عليه أحدٌ من ذلك الجمع إلا عبد الله بن عفيف الغامدي الأزدي وكان أحد أصحاب الإمام علي(علیه السلام)، وقد ذهبت عيناه في الجمل وصفين فقال: «يا ابن مرجانة، الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك، والذي ولّاك وأبوه، يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيّين، وتتكلّمون بكلام الصدّيقين»(4)، وبعد هذا الكلام أمر عبيدالله


1) زينب بنت علي(علیهما السلام)، أمّها فاطمة الزهراء، ولدت في عهد النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد تزوجت من عبد الله ابن جعفر، وكانت مع الحسين(علیه السلام) حيث استشهد في كربلاء، حملت إلى دمشق وحضرت عند يزيد وكلامها مع يزيد يدل على عقل وقوة جنان. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج4، ص321.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص459؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص122؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص47.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص458؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص123.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص459؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص124؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص296.

ابن زياد بالقبض على عبد الله بن عفيف وضُرِبت عنقه(1).

ولما جاءت الرؤوس إلى الشام كان يزيد جالساً فلما نظر إليها أنشأ يقول:

نفلق هاماً من رجالٍ أعزّةٍ علينا *** وهم كانوا أعقّ وأظلما(2)

وذكر الطبري «أنّ ابن زياد أمر بنساء الحسين وصبيانه، وأمر علي بن الحسين فَغُلّ بغلٍّ إلى عنقه، ثمّ سرّح بهم إلى يزيد في الشام، ولمّا وصلوا جلس يزيد ودعا أشراف الشام فأجلسهم حوله، ثم دعا بعلي بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه فأدخلوا عليه، والناس ينظرون، وجاء برأس الحسين، فوضعه بين يديه، وأخذ ينكث - بقضيب كان معه - ثنايا الحسين وثغره حتى قام إليه أبو برزة الأسلمي، وقال: أتنكت بقضيبك ثغر الحسين وقد رأيت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يرشفه»(3)؟ وكان يزيد يردّد هذه الأبيات:

ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً *** ثم قالوا يا يزيد لا تشل

قد قتلنا القرم من ساداتهم *** وعدلنا ميل بدر فاعتدل

لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل

لستُ من خندف إن لم انتقم *** من بني أحمد ما كان فعْل(4)

وعندما سمعت زينب بنت علي(علیهما السلام) هذه الأبيات انبرت إلى يزيد قائلةً:


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص459؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص126؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص297.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص460؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص128؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص64.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص465؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص129؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص64.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص129؛ ابن طاووس، اللهوف: ص116؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص65-66.

«أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تساق الأسارى، أنّ بنا هواناً على الله، وبك عليه كرامة وغنى ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان فرحاً، حتى رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور عليك متسقة... فكد كيدك، وأسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أحدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين»(1).

أضف إلى ذلك كلّه أنّه لما وصل رأس الحسين(علیه السلام) إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده، وزاده ووصله وسرّه ما فعل، «وبالغ في رفعته حتى أدخله على نسائه»(2)، «وجلس بعد قتلالحسين(علیه السلام) وعن يمينه ابن زياد، فأقبل على ساقيه وقال:

اسقني شُربة تروي مشاشي *** ثم مل واسقِ مثلها ابن زياد

صاحب السرّ والأمانة عندي *** ولتسديد مغنمي وجهادي»(3).

هذا فعل ابن زياد الذي سرّ يزيد، وأوجب أن يحسن حاله، ويزيد في عطائه وصلته ويبالغ في رفعته، ويدخله على نسائه(4).

ويؤيّد ذلك كلّه ما كتبه عبد ولتسديد مغنمي وجهادي»(5). الله بن عباس في


1) ابن طاووس، اللهوف: ص116-119؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص71-73؛ القزويني، زينب الكبرى، ص297-300.

2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص300؛ الزين، محمد حسين، الشيعة في التاريخ: ص129.

3) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص77.

4) محمد حسين، الشيعة في التاريخ، ص130.

5) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص77.

جواب كتاب كتبه إليه يزيد بن معاوية يشكره فيه على ترك البيعة لابن الزبير؛ حيث قال ابن عباس: «... وإن أنس فما أنسى طردك حسيناً من حرم جده رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، وكتبت إلى ابن مرجانة بالخيل والرجال والأسنّة والسيوف، وأمرته بمعاجلته وترك مطاولته بالإكمام عليه، حتى قتلته ومن معه من بني عبد المطلب، أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فنحن أولئك لسنا كآبائك الجفاة الأحلاف... فطلب الحسين(علیه السلام) الموداعة وسألكم الرجعة، فأبيتم عليهم فقتلتموهم، كأنما قتلتم أهل بيت من ترك أو كابل، فلا شيء أعجب عندي من طلب ودّي وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي...»(1)، وزاد فيذلك أيضاً «ألا ومن أعجب الإعجاب عندي، وما عسيت أن أرى في الدهر من عجب، حملك بنات عبد المطلب وأغلمة صغاراً من ولد أبيه إلى الشام، كالسبي المجلوبة، ترى الناس أنّك قد قهرتنا وأنك تمنّ علينا، ولعمري لئن كنت تُمسي وتُصبح آمناً من جراحة يدي أني لأرجو أن أعظم جراحك من لساني وتقضي وإبرامي وأني لا أرجو أن يمهلك الله بعد قتل أهل بيته(صلی الله علیه و آله و سلم) إلا قليلاً، حتى يأخذك أخذاً وبيلاً، ويخرجك من الدنيا مذموماً مخذولاً، فاعتبر لا أبالك ما استطعت، فقد والله زادك الله بما اقترفت إثماً... والسلام على أهل طاعة الله»(2).

ولقد أقرّ معاوية بن يزيد بن معاوية بأنّ أباه قد نازع الحسين(علیه السلام) وقتله حيث يقول: «إنّ هذه الخلافة حبل الله، وإنّ جدي معاوية نازع الأمر أهله، ومن هو أحقّ به منه علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وركب بكم ما تعلمون، حتى أتته منيته فصار في قبره رهيناً بذنوبه، ثم قلّد أبي الأمر، وكان غير أهل له، ونازع ابن بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فقصف


1) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص173-174.

2) الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص86-87.

عمره، وصار في قبره رهيناً بذنوبه، ثم بكى وقال: إنّ من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء منقلبه، وبؤس مصرعه، وقد قتل عترة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، وأباح الخمرة وضرب الكعبة»(1).

وذكر بن حجر «ولما فعل يزيد برأس الحسين ما مرّ كان عنده رسول قيصر، فقال متعجباً: إنّ عندنا في بعض الجزائر في دير حافر حمار عيسى، فنحن نحجّ إليه كلّ عام من الأقطار، وننذر النذور، ونعظّمهكما تعظّمون كعبتكم، فأشهد أنكم على باطلٍ. وقال ذمي آخر: بيني وبين داود سبعون أباً، وأنّ اليهود تُعظّمني وتحترمني، وأنتم قتلتم ابن نبيكم»(2)، وذكر المسعودي قائلاً: وفي قتيل الطف يقول سليمان بن قتّة:

فإنّ قتيل الطفّ من آل هاشم *** أذلّ رقاباً من قريش فذلّتِ

فأن يتبعوه عائذ البيت يصبحوا *** كعادٍ تعمت عن هداها فضلتِ

ألم تر إن الأرض أضحت مريضةً *** بقتل حسين والبلاد أقشعرت

فلا يبعد الله الديار وأهلها *** وإن أصبحت منهم برغمي تخلتِ»(3).

ويقول الدكتور طه حسين: «وأدخل السبي على يزيد فأغلظ لهم أول الأمر، ثم لم يلبث أن رفق بهم، وبرّهم وأدخلهم على أهله، ثم جهزهم بعد ذلك إلى المدينة وردهم إليها كراماً. والرواة يزعمون أنّ يزيد تبرّأ من قتل الحسين على هذا النحو، وألقى عبء هذا الإثم على ابن مرجانة عبيد الله بن زياد، ولكنّا لا نراه لام ابن زياد ولا عاقبه، ولا عزله عن عمله كله أو بعضه، ومن قبله قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه، ثم ألقى عبء قتلهم على زياد، وقال: حملني ابن سمية فاحتملت»(4).


1) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص177.

2) ابن حجر العسقلاني، الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة: ص231.

3) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص74.

4) طه حسين، الفتنة الكبرى: ج2، ص260.

ثانياً: أثر استشهاد الحسين(علیه السلام) على أهل المدينة

لقد كان لاستشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيتهوأصحابه أثراً واضحاً في قلوب المسلمين، فقد بدأت بوادر الثورة تظهر في المجتمع الإسلامي، وبدأ الناس يرقبون زعيماً يقودهم، وهم مستعدون للتمرّد والثورة على الأمويين في أية لحظة، ولكنهم بحاجة إلى ثائر يقودهم(1).

وقد كان لثورة الإمام الحسين أثر في منهاج وحركة الثورات التي جاءت بعدها »إنّ كلّ تمرّد كان يحظى بعطف المجتمع الإسلامي كله من شارك ومن لم يشارك... ولم يتمكّن الحكام الأمويون من قمع هذه الثورات بجيوش من سكان المناطق الثائرة، فقد كانوا يعرفون أنّ ثمة تجاوباً نفسياً بين الثائرين وبين القاعدين، فاضطروا إلى قمع هذه الثورات بجيوشٍ أجنبية عن مناطق الثائرين»(2).

ومن أولى الحركات التي جاءت كرد فعلٍ لاستشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) هي ثورة أهل المدينة أو ما تسمى بموقعة الحرة(3).لم تتميز هذه الثورة بالطابع الانتقامي من قتلة الإمام الحسين(علیه السلام)، بل كانت ثورة


1) محمد مهدي شمس الدين، ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية، تح: سامي الغريري، ط1، دار الكتاب الإسلامي، (بيروت، 2006م): ص237.

2) المصدر السابق: ص238.

3) الحرّة: أو ما تسمّى حرّة واقم: هي إحدى حرّتي المدينة، وهي الشرقية سمّيت برجل من العماليق كان قد نزلها، وقيل واقم: اسم أطم من آطام المدينة، إليه تضاف الحرّة، وفي هذا المكان كانت وقعة الحرّة المشهورة في أيام يزيد بن معاوية سنة 63ﻫ/683م، وأمير الجيش مسلم بن عقبة المرّي، وسموه لقبيح فعله «مسرفاً»، قدم المدينة، فنزل حرّة وأقم، وخرج إليه أهل المدينة يحاربونه، فكسرهم ودخل جنده المدينة، فنهبوا الأموال، وسبوا الذرية، واستباحوا الفروج، ثم أحضر الأعيان لمبايعة يزيد بن معاوية فلم يرض إلا أن يبايعوه على أنهم عبيد ليزيد ابن معاوية، فمن تلكأ ضُربت عنقه. ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج2، ص249-250.

تستهدف القضاء على سلطان الأمويين(1).

وذكر المسعودي أنه «لما شمل الناس جور يزيد وعماله، وعمّهم ظلمه، وما ظهر من فسقه من قتله ابن بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وأنصاره، وما أظهر من شرب الخمور، وسيره سيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه في رعيته، وأنصف منه لخاصته وعامته، أخرج أهل المدينة عامله عليهم، وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وسائر بني أمية...»(2).

ويقول الدكتور طه حسين: «...لقد انتهت محنة الحسين إلى الحجاز، فكانت صدمة لأهله وللصالحين منهم خاصة، وجعل الناس يتحدثون بها، فيكثرون الحديث وجعلوا يعظمون أمرها، ما أكثر ما تحدّثت قلوبهم إليهم، وما أكثر ما تحدّث بعضهم إلى بعض حيث كانوا يخلون، بأن، سلطان يزيد قد أمعن في الخلاف عن أمر الله، فلم تصبح طاعته لازمة، بل أصبح الخروج عليه واجباً، حيث يمكن الخروجعليه»(3). وقد كان مروان بن الحكم يرى في قتل الحسين(علیه السلام) هياجاً للرأي العام، جاء ذلك في كتابه الذي بعث به إلى عبيد الله بن زياد: «...فإياك أن تهيّج على نفسك ما لا يسدّه شيء، ولا تنساه العامة، ولا تدع ذكره آخر الدهر والسلام»(4).

وقد قامت زينب بنت علي بن أبي طالب(علیهما السلام) بعد واقعة كربلاء ورجوعها إلى


1) محمد مهدي، ثورة الحسين: ص245.

2) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص78.

3) طه حسين، الفتنة الكبرى: ج2، ص246.

4) ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص167، وقد أنفرد ابن كثير في ذكر هذه الرواية، ويذكر المؤرخون أنّ الذي بعث بالرسالة إلى عبيد الله بن زياد هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فضلاً عن ذلك فإنّ مروان كان من المحرّضين على قتل الحسين(علیه السلام) . الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص340؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص70؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص264.

المدينة بتعبئة النفوس، وتأليب الناس على حكم يزيد، وقد خاف عمرو بن سعيد الأشدق والي يزيد على المدينة انتفاض الأمر، فكتب إلى يزيد كتاباً يقول فيه: «إنّ وجودها بين أهل المدينة مهيج للخواطر، وإنها فصيحة عاقلة، لبيبة، وقد عزمت هي ومن معها للأخذ بثأر الحسين، فأتاه كتاب يزيد بأن يفرّق بينها وبين الناس»(1).

وكانت زينب(علیها السلام) تقصّ عليهم ما جرى عليها من المصائب في الكوفة والشام، يقول المجلسي: «...كان التحدث بأيّ مشهد من تلك المشاهد المؤلمة يكفي لأن تمتلئ القلوب حقداً وغيضاً علىيزيد ومن يدور في فلكه»(2). وقد كان السبب المباشر لاشتعال الثورة هو وفد أهل المدينة إلى يزيد بن معاوية، فقد أوفد عثمان بن محمد بن أبي سفيان والي المدينة وذلك في أواخر سنة 62ﻫ/ 681م(3).

وفداً من أهلها إلى يزيد، فيهم عبد الله بن حنظلة الأنصاري(4)غسيل الملائكة وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، والمنذر بن الزبير بن العوام، ورجالاً من أشراف أهل المدينة(5).

وقد أكرمهم يزيد وأجازهم، فرجعوا إلى المدينة، إلى المنذر بن الزبير الذي ذهب إلى عبيد الله بن زياد في البصرة(6)، ثم رجع إلى المدينة، وقد صرّحوا جميعاً إلى أهل المدينة بقولهم: «إنّا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير،


1) النقدي: جعفر، زينب الكبرى، منشورات المكتبة الحيدرية، (قم، 1996م): ص120-122.

2) المجلسي، بحار الأنوار: ج45، ص124.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص480؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص307.

4) عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري، استشهد أبوه يوم أحد، حفظ عن النبي وروى عنه، وفد على يزيد بن معاوية ورجع إلى المدينة، وذكر فسق يزيد، خرج بالناس يوم الحرة واستشهد. ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب: ج2، ص286-287.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص480؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص307.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص480؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص307.

ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب،ويسامر الحرّاب والفتيان، وإنّا نشهدكم أنّا قد خلعناه فتابعهم الناس»(1)، وقال المنذر بن الزبير: «إنّ يزيد والله لقد أجازني بمائة ألف درهم، وإنّه لا يمنعني ما صنع إليّ أن أخبركم خبره، وأصدقكم عنه، والله إنّه ليشرب الخمر، وإنّه ليسكر حتى يدع الصلاة، وعابه بمثل ما عابه أصحابه الذين كانوا معه وأشدّ»(2).

وقال عبد الله بن حنظلة: «جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلا بنيّ هؤلاء لجاهدته بهم، وقد أعطاني وأكرمني، وما قبلت عطاءه إلا لأتقوّى به»(3)، وقال أيضاً: «والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء»(4).

ثم قام أهل المدينة بخلع يزيد، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل(5)فبلغ ذلك يزيد، فكتب إليهم: «أما بعد، فإنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال، وإنّي والله قد لبستكم فاخلقتكم، ورفعتكم على رأسي، ثم على عيني، ثم على فمي، ثم على بطني، وأيم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنّكم وطأةً أقلّ بهاعددكم، وأترككم بها أحاديث، تنتج أخباركم مع أخبار عادٍ وثمود»(6).

وثار أهل المدينة على الحكم الأموي وطرد الثائرون عامل يزيد على المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وباقي بني أمية، ومواليهم، ومن كان على رأيهم من، فنزلوا


1) المصدر السابق.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص480.

3) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص307.

4) الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، تاريخ الإسلام، تح: عمر عبد السلام تدمري، (بيروت، 2003م): ج5، ص27؛ السيوطي، تاريخ الخلفاء: ص209.

5) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص175؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص480.

6) ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج4، ص137.

دار مروان بن الحكم وقام أهل المدينة بمحاصرتهم في دار مروان(1). ولم ينفع الوعد والوعيد الذي نادى به يزيد أهل المدينة، وسار الثائرون في حركتهم، فكتب بنو أمية كتاباً إلى يزيد جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإنّا قد حصرنا في دار مروان بن الحكم، ومنعنا العذب، ورمينا بالجيوب، فياغوثاه، يا غوثاه»(2).

وكان الذي بعث الكتاب مروان بن الحكم وعمر بن عثمان بن عفان، وكان مروان هو الذي يدبّر أمرهم، حيث إنّ عثمان بن محمد بن أبي سفيان كان غلاماً حدثاً لم يكن له رأي(3).

وكان ورود هذا الكتاب على يزيد منتصف سنة 63ﻫ/ 683م فتمثل قائلاً:

لقد بدّلوا الحلم الذي من سجيّتي *** فبدّلت قومي غلظةً بليانِ(4).

ولم يكن يزيد بالرجل الحليم، إنّما كانت هذه أبياتاً ردّدها قولاً لا فعلاً: «ولم يكن يزيد يحتمل أن يلتوي عليه أحد بطاعته، وإنّما كان يرى أنّ طاعته حقّ على الناس جميعاً، فمن التوى بها عليه فليس له عنده إلا السيف»(5)، ونتيجة ذلك أن بعث يزيد إلى عمرو بن سعيد الأشدق فأقرأه الكتاب، وأمره بالمسير في الناس، فرفض عمرو غزو الحجاز، وردّ على يزيد قائلاً: «قد كنت ضبطت لك الأمور والبلاد فأمّا الآن إذا


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص482؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص310؛ ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: ص115.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص482؛ يوسف العش، الدولة الأموية والأحداث التي سبقتها: ص164-165؛ فلها وزن، الدولة العربية وسقوطها: ص126.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص482.

4) المصدر السابق: ص483؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص310؛ ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: ص116.

5) طه حسين، الفتنة الكبرى: ج2، ص232.

صارت دماء قريش تهراق بالصعيد فلا أحبّ أن أتولّى ذلك»(1).

وقيل: إنّ يزيد قد كتب إلى عبيد الله بن زياد أن يغزو الحجاز، فقال ابن زياد: «لا أجمعها للفاسق أبداً، اقتل ابن بنت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وأغزو البيت»(2). وذكر الطبري: «وكانت مرجانة –أم عبيد الله - امرأة صدق، فقالت لعبيد الله حين قتل الحسين(علیه السلام) : ويلك! ماذاصنعت؟! وماذا ركبت»(3)

ص484.

؟

ثم بعث يزيد إلى مسلم بن عقبة المري، وكان شيخاً كبيراً ومريضاً(4)فأخبره بالخبر، فقال مسلم: «يا أمير المؤمنين، لا تنصر هؤلاء فإنّهم الأذلاء، أما استطاعوا أن يقاتلوا يوماً واحداً أو شطره أو ساعة منه! دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوّهم، وعزّ سلطانهم وسيتبين لك من يقاتل منهم على طاعتك ويصبر عليها أو يستسلم»(5)

ج5، ص483؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص311.

. فأنكر يزيد هذا القول، وردّ عليه قائلاً: «ويحك إنّه لا خير في العيش بعدهم، فاخرج فأنبئني نبأك، وسر بالناس»(6)، فنادى في الناس بالتجهز إلى الحجاز، وأن يأخذوا عطاءهم ومعونة مائة دينار لكلّ رجل، وانتدب لذلك أثني عشر ألف رجل(7).

1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص483؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص31؛ ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: ص116.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص483-484؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص311؛ ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: ص116.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5،،

4) ابن قتيبة: الأمامة والسياسة: ج2، ص230؛ اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي: ج2، ص154؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص483.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك:

6) المصدر السابق.

7) المصدر السابق. ويذكر ابن قتيبة أنّ عدد الجيش الذي وجّهه يزيد إلى أهل المدينة كان ثلاثين ألفاً. ينظر: ابن قتيبة: الإمامة والسياسة: ج2، ص230.

وودّعه يزيد، وأمره أن حدث بك حادث فاستخلف الحصين بن نمير السكوني وقال له: «أدع القوم ثلاثاً، فإن أجابوا وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثاً بما فيها من مالٍ أو سلاح أو طعام، فهو للجند فإن انقضت الثلاث فاعف عن الناس، وانظر علي بنالحسين(علیهما السلام) فأكفف عنه، واستوص به خيراً»(1)، وقد كان علي بن الحسين(علیهما السلام) لما خرج بنو أمية نحو الشام آوى إليه ثقل مروان بن الحكم وامرأته عائشة بنت عثمان بن عفان، وهي أمّ أبان بن مروان(2).

وفي رواية أخرى: أنّ أهل المدينة لما ثاروا على بني أمية كلّم مروان بن الحكم علي بن الحسين(علیهما السلام)، وقال: يا أبا الحسن إنّ لي رحماً، وحرمي تكون مع حرمك فقال: أفعل، فبعث بحرمه إلى علي بن الحسين(علیهما السلام)، فخرج بحرمه وحرم مروان حتى وضعهم في ينبع(3). وكان مروان شاكراً لعلي بن الحسين(علیهما السلام) (4)، فلما بلغ أهل المدينة خبر الجيش اشتدّ حصارهم لبني أمية(5)، وقالوا: «والله لا نكفّ عنكم حتى نضرب أعناقكم، أو تعطونا عهد الله وميثاقه أنّكم لا تبغون غائلة، ولا تدلوا لنا على عورةٍ، ولا تظاهروا علينا عدونا، فنكفّ عنكم ونخرجكم، فعاهدوهم على ذلك وأخرجوهم من المدينة»(6). وساروا بأثقالهمحتى لقوا مسلم بن عقبة في وادي القرى(7).

وقد سأل مسلم بن عقبة عمرو بن عثمان بن عفان عن مواضع الخلل عند أهل المدينة فأخبره عمرو أنه قد أخذ علينا العهود والمواثيق ألا ندلّ على عورةٍ ولا


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص484؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص311.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص485.

3) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص311.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص485.

5) المصدر السابق؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص312؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص221.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص485؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص312.

7) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص211؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص485.

نظاهر عدواً فانتهره مسلم وقال: والله لولا أنّك ابن الخليفة عثمان لضربت عنقك(1). ثم قال مروان لابنه عبد الملك أدخل عليه قبلي لعله يكتفي بك عني(2)، فدخل عبد الملك على مسلم بن عقبة، وكان أسرعهم إلى نقض العهد، فقال له: «أرى أن تسير بمن معك، فإذا انتهيت إلى أدنى نخل نزلت، فاستظل الناس في ظله وأكلوا من صقره(3)، فإذا أصبحت من الغد مضيت وتركت المدينة ذات اليسار، ثم أدرت بها حتى تأتيهم من قبل الحرّة مشرّقاً، ثم تستقبل القوم، فإذا استقبلتهم وقد أشرقت عليهم الشمس طلعت من أكتاف أصحابك، فلا تؤذيهم ويصيبهم أذاها ويرون من ائتلاف بيضكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم ما لا ترونه أنتم عنهم، ثم قاتلهمواستعن عليهم بالله تعالى»(4).

ثم ارتحل مسلم من مكانه، وفعل بما أشار عليه عبد الملك، ودعا أهل المدينة إلى طاعة يزيد، وأجّلهم ثلاثاً(5)، ولما أنقضت الثلاث قال مسلم: «يا أهل المدينة ما تصنعون أ تسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب»(6)، وكان أهل المدينة قد اتخذوا خندقاً وعليه جمع منهم، وكان مسلم بن عقبة مريضاً فوضع له كرسي بين الصفّين فكانت وقعة الحرّة في يوم الأربعاء من ذي الحجة، لليلتين بقيتا منه سنة 63ﻫ/


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص486؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص312؛ محمود شاكر، الدولة الأموية في الشام، مطبعة شبر، (لا م، 1938م): ص131.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص486؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص312.

3) صقره، الصقر يعني الدبس عند أهل المدينة. ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج3، ص415.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص486؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص312؛ عمر أبو النصر، معاوية بن أبي سفيان وعصره، 260.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص487؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص312.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص487؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص312.

683م(1)، وقد رتّب أهل المدينة قواتهم؛ فكان عبد الله بن مطيع على قريش من أهل المدينة، وعبد الله بن حنظلة الغسيل على الأنصار، ومعقل بن سنان(2)الأشجعي على المهاجرين، وكان الأمير عليهم جميعاً عبد الله بن حنظلة(3)، وحرّض مسلم أهل الشام على القتال، فقاتلواقتالاً شديداً. وانهزم أهل المدينة، ودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد(4).

ثم طلب الأمان لرجلين من قريش، هما: يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود وجدته لأمّه أمّ سلمة زوجة الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم)، ومحمد بن(5)أبي الجهم بن حذيفة العدوي، وقد أتي بهما بعد الوقعة بيوم، فقال لهما مسلم: بايعا فقال القرشيان نبايعك على كتاب الله وسنة نبيه، فقال: لا والله لا أقبل منكما هذا أبداً، وقدّمهما فضرب أعناقهما(6)، وأحضر معقل بن سنان الأشجعي، فضربت عنقه، وجيء بيزيد بن وهب بن زمعة فقال: أبايعك على سنة عمر فقتل(7)، ثمّ دعا مسلم بن عقبة لبيعة يزيد بن معاوية؛ حيث يذكر الطبري: «فدعا الناس للبيعة على أنّهم خول ليزيد بن


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص487.

2) معقل بن سنان الأشجعي: ذكر أنه وفد على النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) وكان معه راية أشجع يوم حنين، قاتل يوم الحرة، وقد جيء به إلى مسلم بن عقبة فضرب عنقه صبراً. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج3، ص446.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص487؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص312.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص488-490؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص313؛ عمر أبو النصر، معاوية بن أبي سفيان وعصره، ص216.

5) محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي: ولد في عهد النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، أمّه خولة بنت القعقاع التميمية، استشهد في الحرّة سنة 63ﻫ/683م. ينظر: ابن حجر، الإصابة: ج3، ص473.

6) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج2، ص232؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص492؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص314.

7) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج2، ص232؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ص493.

معاوية، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء»(1)

ج5، ص493؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص79.

.

«وأباح مسلم المدينة ثلاثاً؛ يقتلون الناس، ويأخذون المتاع والأموال، فأفزع ذلك من بها من الصحابة»(2)، وذكر المسعودي: «وسمّاها - مسلم - نتنة، وقد سمّاها رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) طيبة، وقال: (من أخاف أهل المدينة فقد أخاف الله)، أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)؛ لذا سمّي مسلما هذا بمجرم ومسرف»(3)، وقال ابن كثير: «وقد اخطأ يزيد خطأ فاحشاً في قوله لمسلم أن يبيح المدينة ثلاثة أيام، وهذا خطأ كبير فاحش، مع ما انضمّ إلى ذلك من قتل خلقٍ من الصحابة وأبنائهم - وقد تقدم أنّه قتل الحسين وأصحابه على يد عبيد الله بن زياد - وقد وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يحدّ ولا يوصف مما لا يسلمه إلى الله عز وجل... فقصمه الله قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر»(4)، وبلغ عدد قتلى الحرّة من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس ألفاً وسبعمائة، وسائر الناس عشرة آلاف(5).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك:

2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص313؛ ابن العماد، أبو الفلاح عبد الحي الحنبلي (ت1089ﻫ/1678م)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار الكتب العلمية، (بيروت، 2000م): ج1، ص70-71.

3) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص78.

4) البداية والنهاية: ج8، ص235.

5) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص216؛ البسوي، المعرفة والتاريخ، ص326.

المبحث الثالث: حركة التوابين

حركة التوابين(1)

إنّ أول ردّ فعلِ مباشر لاستشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) هو حركة التوّابين في الكوفة، فحين استشهد الإمام الحسين(علیه السلام) وأهل بيته وأصحابه في كربلاء، ورجع عبيد الله بن زياد من معسكره بالنخيلة(2)تلاقت الشيعة بالتلاوم والندم، وقد رأوا أنّهم أخطأوا خطأً كبيراً، بدعوة الحسين(علیه السلام) إلى النصرة وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم ولم ينصروه(3)، وكان رأيهم أنّه لن يغسل عارهم ولن يزيلوا الإثم الذي وقعوا فيه إلا بقتل من قتله، أو القتل فيه(4)،ففزعوا بالكوفة إلى خمسة أشخاص كانوا من زعماء المعارضة، وممن راسل الإمام الحسين(علیه السلام) ؛ وهم سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجية الفزاري، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وعبد الله ابن وال البكري، ورفاعة بن شداد البجلي(5).

وقد اجتمع هؤلاء النفر في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، وأول من بدأ الكلام فيهم المسيب بن نجية، فتكلم فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه(صلی الله علیه و آله و سلم)، ثم قال:


1) التوّابون: هم الذين ندموا على خذلانهم الإمام الحسين(علیه السلام) بعد أن راسلهم واستدعاهم. ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: ص120.

2) النخيلة: موضع بالكوفة، وقد كان الإمام علي(علیه السلام) يخرج إليها إذا أراد أن يخطب بالناس. ينظر: البكري، أبي عبيد الله بن عبد العزيز الأندلسي (ت 478ﻫ/1085م)، معجم ما استعجم، تح: مصطفى السقا، مطبعة لجنة التأليف والنشر، (القاهرة، 1951م): ج4، ص1305.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص552؛ محمد مهدي، ثورة الحسين: ص239.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص552؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص203.

5) المصدر السابق؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص332.

«أما بعد، فإنا قد ابتلينا بطول العمر، والتعرض لأنواع الفتن فنرغب إلى ربنا ألا يجعلنا ممن يقول له غداً: «أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ»(1)، فإنّ أمير المؤمنين علي(علیه السلام) قال: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجلٌ إلا وقد بلغه، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا، وتقريظ شيعتنا، حتى بلى الله أخيارنا فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا(صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد بلغنا قبل ذلك كتبه، وقدمت علينا رسله، وأعذر إلينا يسألنا نصره عوداً وبدءاً، وعلانيةً وسرّاً، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا، ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قوّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا إلى ربنا وعند لقاء نبينا(صلی الله علیه و آله و سلم) وقد قتل فينا ولده وحبيبه وذريته ونسله...؟ أيّها القوم، ولّوا عليكم رجلاً منكم؛ فإنّه لابدّ لكم من أمير تفزعون إليه،وراية تحفّون بها أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم»(2).

ثم قام رفاعة بن شداد فخطب فيهم قائلاً: «...أما بعد، فإنّ الله قد هداك لأصوب القول، ودعوت إلى أرشد الأمور، بدأت بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على نبيه(صلی الله علیه و آله و سلم)، ودعوت إلى جهاد الفاسقين، وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموع منك، مستجابٌ لك مقبول قولك، قلت أولوا أمركم رجلاً منكم تفزعون إليه، وتحفّون برايته، وذلك رأيٌ قد رأينا مثل الذي رأيت، فإن تكن أنت ذلك الرجل فعندنا مرضياً، وفينا متنصّحاً، وفي جماعتنا محباً، وإن رأيت رأي أصحابنا ذلك ولينا هذا الأمر شيخ الشيعة، صاحب رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وذا السابقة والقِدم، سليمان بن صرد المحمود في


1) فاطر: آية37.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص552-553؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص203-204.

بأسه ودينه، والموثوق بحزمه، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم»(1)، ثم تكلّم عبد الله بن وال، وعبد الله بن سعد فحمدا الله وأثنيا عليه، وتكلما بكلامٍ مشابه إلى كلام رفاعة بن شداد، فذكرا فضل المسيب بن نجية، وذكرا سليمان بن صرد بسابقته، ورضاهما بتوليته(2).

ثم تكلم سليمان بن صرد الخزاعيّ فقال: «أثني على الله خيراً، وأحمد آلاءه وبلاءه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسوله، أما بعد، فإنّي والله لخائف ألّا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيهالمعيشة، وعظمت فيه الرزية، وشمل فيه الجور أولي الفضل من الشيعة لما هو خير، إنّا كنّا نمدّ أعناقنا إلى قدوم آل نبينا، ونمنّيهم النصر، ونحثّهم على القدوم، فلما قدموا ونينا وعجزنا وادّهنا، وتربّصنا، وانتظرنا ما يكون، حتى قُتل فينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعته من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ فلا يُصرخ، ويسأل النصف فلا يعطاه، اتخذه الفاسقون غرضاً للنبل ودرية للرماح، حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه، ألا أنهضوا، قد سخط ربكم فلا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنّه راضياً دون أن تناجزوا من قتله، أو تبيروا...»(3)، ثم قال اشحذوا السيوف، واركبوا الأسنّة: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ...»(4)، حتى تدعوا حين تدعون وتستنفرون(5).

وبعد ذلك قام جماعة من أصحاب سليمان بن صرد الخزاعي، ووضعوا كلّ ما


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص553؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص333.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

4) الأنفال: آية60.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص554؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص250؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص333.

يملكون تحت تصرف الثائرين؛ ومن هؤلاء خالد بن سعد بن نفيل، فأمر سليمان بن صرد الخزاعي أن توضع هذه الأموال عند عبد الله بن وال التيمي، لتزويد كلّ من لا يستطيع أن يجهّز نفسه للحرب(1).

اجتمعت الناس حول سليمان بن صرد، وكثر متبعوه منأهل الكوفة، ثم بدأ سليمان بالكتابة إلى الشيعة في الأمصار(2)، فكتب إلى سعد بن حذيفة بن اليمان وكان في المدائن كتاباً يقول فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين سلام عليكم، أما بعد، فإنّ الدنيا دار قد أدبر منها ما كان معروفاً، وأقبل منها ما كان منكراً، وأصبحت قد تشنأت(3)إلى ذوي الألباب، وأزمع(4)الترحال منها عباد الله الأخيار، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى بجزيل مثوبة عند الله لا يغنى، إنّ أولياء الله من إخوانكم وشيعة آل نبيكم نظروا لأنفسهم فيما ابتلوا به من أمر ابن بنت نبيهم؛ دُعي فأجاب، ودعا فلم يُجَبْ، وأراد الرجعة فَحبُس، وسأل الأمان فَمُنع، وترك الناس فلم يتركوه، وعدوا عليه فقتلوه ثم سلبوه وجرّدوه ظلماً وعدواناً وغرة بالله وجهلاً، وبعين الله ما يبلون، وإلى الله ما يرجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون...»(5)، فرد سعد بن حذيفة على سليمان بن صرد كتاباً جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى سليمان بن صرد من سعد بن حذيفة ومن قبله من


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص555؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص205؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص333.

2) الراوي، العراق في العصر الأموي، ص168.

3) تشنأت: أي مكروهة مبغضة. ينظر: أحمد زكي، صفوت، جمهرة رسائل العرب في عصوره العربية الزاهرة، المكتبة العلمية، (بيروت، لا.ت) ج2، ص103.

4) وأزمع، أي أثبتت. أحمد زكي، جمهرة رسائل العرب: ج2، ص103.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص555-556؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص333.

المؤمنين، سلام عليكم، أما بعد، قد قرأنا كتابك وفهمنا الذي دعوتنا إليه،من الأمر الذي عليه رأي الملأ من إخوانك، قد هديت لحظّك ويسرت لرشدك، ونحن جادّون مجدّون معدّون مسرجون ملجمون ننتظر الأمر ونستمع للداعي، فإذا جاء الصريخ أقبلنا ولم نعرج إن شاء الله والسلام»(1).

وكتب سليمان بن صرد إلى أهل البصرة، وكان كتابه موجّهاً إلى المثنى بن مخربة العبدي وكان الكتاب نسخةً من الكتاب الذي وجّهه إلى سعد بن حذيفة وأهل المدائن(2)، فردّ المثنى بن مخربة على كتاب سليمان فقال: «أما بعد، فقد قرأت كتابك، وأقرأته إخوانك فحمدوا رأيك واستجابوا لك، فنحن موافوك إن شاء الله للأجل الذي ضربت، وفي الموطن الذي ذكرت والسلام عليك»(3)، وأرفق مع الكتاب هذه الأبيات:

تبصّر كأنّي قد أتيتك معلماً *** على اتلع الهادي أجشّ هزيمِ

طويل القرى فهو السواء تقلّص *** ملحٌ على فأس اللجام أزومِ

بكل فتىً لا يملأ الروع نحره *** محسٍّ لعطن الحرب غير سئومِ

أخي ثقةٍ ينوى الإله بسعيه *** ضروبٍ بنصلِ السيف غير أثيمِ(4)

ويجب أن نشير إلى أن المكان الذي كان متفقاً عليه أن تجتمع به وفود التوابين هو النخيلة في ربيع الآخر سنة 65ﻫ/ 686م(5).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص557؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص206؛ زكي، أحمد، جمهرة رسائل العرب: ج2، ص105.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص558؛ محمد مهدي، ثورة الحسين: ص240.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص558؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص334.

4) المصدر السابق.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص583؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص340.

وقام عبد الله بن يزيد الأنصاري(1)- وكان أميراً على الكوفة(2)من قبل عبد الله ابن الزبير - بتشجيع التوابين على الأخذ بثأر الإمام الحسين(علیه السلام)، وفي هذه الأثناء أظهر التوابون أمرهم علانية للناس، وأخذوا يشترون السلاح ويتجهزون ظاهرين لا يخافون أحداً(3)، لكن عبد الله بن يزيد طلب منهم تأخير الخروج؛ وذلك لغرض الاشتراك معهم في قتال عبيد الله بن زياد، وأخبرهم أنه سيرسل معهم جيشاً لمساعدتهم، فرفض سليمان بن صرد وقدّر الخروج في الموعد الذي كانوا قد اتفقوا عليه(4).

وفي هذه الأيام وتحديداً في النصف من رمضان سنة64ﻫ/684م، قدم المختار ابن أبي عبيد الثقفي الكوفة(5)، وقد أخذ يدعو الناس لقتل قتلة الإمام الحسين(علیه السلام)، وكان يقول: «قد جئتكم من عند المهدي محمد بن الحنفية وزيراً أميناً»(6)، وكان يحرّض الناس على عدم الخروج مع سليمان بن صرد، ويقول لهم: «إنما يريد سليمان أن يخرج بكم ليقتل نفسه ويقتل أنفسكم، ليس له بصر في الحرب ولا علم له بها»(7)، أما أمير


1) عبد الله بن يزيد الأنصاري الأوسي، بايع بيعة الرضوان وعمره سبع عشرة سنة، شَهِد مع الإمام علي(علیه السلام) صفين والنهروان، ولي أمر الكوفة لابن الزبير، ثم عزله عنها، مات قبل السبعين للهجرة. ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص421.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص560.

3) المصدر السابق: ص562؛ الراوي، العراق في العصر الأموي، ص169.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص586؛ الراوي، العراق في العصر الأموي، ص169.

5) كان قدوم المختار بن ابي عبيد الثقفي الكوفة قبل قدوم عبد الله بن يزيد الانصاري والي الكوفة من قبل عبد الله بن الزبير بثمانية ايام. ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص560؛ الراوي، العراق في العصر الاموي، ص169.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص561؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص339؛ الراوي، العراق العصر الأموي، ص169.

7) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص561؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص101.

الكوفة عبد الله بن يزيد الأنصاري فخطب قائلاً: «...إنّ هؤلاء القوم يطلبون بدم الحسين(علیه السلام)، فرحم الله هؤلاء القوم آمنون فليخرجوا ظاهرين وليس إلى من قاتل الحسين أقبل إليهم - يعني ابن زياد - وأنا لهم ظهير هذا ابن زياد قاتل الحسين(علیه السلام)، وقاتل أخياركم وأمثالكم قد توجه إليكم، وقد فارقوا على ليلة من جسر منبج، والقتال والاستعداد إليه أولى من أن تجعلوا بأسكم بينكم فيقتل بعضكم بعضاً، فيلقاكم عدوكم وقد ضعفتم وتلك أمنيته، وقد قَدِم عليكم أعدى خلق الله لكم، من ولّي عليكم هو وأبوه سبع سنين، لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين،هو الذي من قبله أتيتم والذي قتل من تنادون بدمه...»(1).

ولما استهلّ هلال ربيع الآخر سنة 65ﻫ/ 684م خرج سليمان بن صرد في أصحابه إلى النخيلة، وبلغ ذلك عبد الله بن يزيد أمير الكوفة، فخرج هو وإبراهيم ابن محمد بن طلحة بن عبيد الله وكان إبراهيم على خراج الكوفة من قبل ابن الزبير فحاولا أن يثنيا سليمان على عدم الخروج، والتمهّل في هذا الأمر، فرفض سليمان إلا قتال عبيد الله بن زياد، فكتب عبد الله بن يزيد كتاباً قال فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد ومن معه من المسلمين، سلام عليكم، أما بعد، فإنّ كتابي هذا إليكم كتابٌ ناصحٌ ذو إرعاء(2)، وكم من ناصح مستغش، وكم من غاشٍّ مستنصح محب، أنه بلغني أنكم تريدون المسير بالعدد اليسير إلى الجمع الكثير، وأنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكلّ معاوله، وينزع وهو مذموم العقل والفعل، يا قومنا لا تطمعوا عدوكم في أهل بلادكم، فإنكم خيار كلكم، ومتى ما يصيبكم عدوّكم يعلموا أنّكم أعلام مصركم، فيطمعهم ذلك فيمن وراءكم...


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص562؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص335.

2) إرعاء: أرعى على أخيه أي أبقى عليه. زكي، أحمد، جمهرة رسائل العرب: ج2، ص107.

يا قومنا إنّ أيدينا وأيديكم اليوم واحدة، وإنّ عدونا وعدوكم واحد ومتى تجتمع كلمتنا نظهر على عدونا، ومتى تختلف تهن شوكتنا علىمن خالفنا...»(1).

لقد كان خروج سليمان بن صرد إلى معسكره بالنخيلة سنة 65ﻫ/ 684م، وعسكر بالنخيلة قرب الكوفة، فلما استهل هلال شهر ربيع الآخر من هذه السنة خرج في وجوه أصحابه، وكان قد واعدهم في تلك الليلة، وعندما دار بين أصحابه لم يعجبه العدد الذي خرج(2)، ثم قام سليمان بن صرد بإرسال حكيم بن مفقذ الكندي في خيل وبعث الوليد بن غصين الكناني في خيلٍ أيضاً، وأمرهما أن يدخلا الكوفة وهما يناديان «يا لثارات الحسين» (3).

وذكر الطبري «...وكانا أول خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين»(4)، ثم دخلوا المسجد ونادوا بشعارهم، واستجاب لهم أناس ممن لم يكن مع سليمان بن صرد ولم يكن في سجل الديوان(5)، ويبدو أنّ الهتاف بهذا الشعار كان له وقعٌ كبير في نفوس الناس فبادروا متلهفين، ويذكر أنّ رجلاً منأهل الكوفة سمع النداء: يا لثارات الحسين ولم يكن هذا الرجل ممن كان يأتي جماعة ابن صرد ولا ممن سجل اسمه، فوثب وقد دعا بسلاحه وفرسه، فمنعته زوجته أن يلحق بالقوم، فردّ عليها قائلاً: «إني سمعت داعي الله، فأنا مجيبه، أنا طالب بدم هذا الرجل حتى أموت، أو يقضي الله


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص591-592؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص255؛ زكي أحمد، جمرة رسائل العرب: ج2، ص107.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص583؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص209.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص583؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص210.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص583.

5) المصدر السابق: ص584؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص210؛ الراوي، العراق في العصر الأموي، ص169.

من أمري ما هو أحبّ إليه»(1)، وكان الناس على هذه الحال من بغضهم لبني أمية وانقيادهم لأخذ الثأر من قتلة الإمام الحسين(علیه السلام) حتى اجتمع عند سليمان بن صرد أكثر ممن كان في عسكره(2).

وعلى الرغم من هذه الاستجابة من الناس إلا أنّ عدد ما أصبح من الرجال في النخيلة كان أربعة آلاف، في حين أنّ الديوان كان قد أثبت على ستة عشر ألفاً(3)، ولم يأتِ أصحابهم من البصرة، والمدائن في الموعد الذي كان قد اتفق عليه(4).

تنفيذ الثورة.

بدأ سليمان بن صرد وأصحابه التهيؤ للمسير؛ لملاقاة جيش الشام الذي كان بقيادة عبيد الله بن زياد، وقد بدأ سليمان بإلقاء خطبة في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه،ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، فإنّ الله قد علم ما تنوون، وما خرجتم تطلبون، وإن للدنيا تجاراً، وللآخرة تجاراً، فإما تاجر الآخرة فساعٍ إليها، متنصبٌ يتطالبها، لا يشتري بها ثمناً، لا يُرى إلا قائماً وقاعداً، وراكعاً وساجداً، لا يطلب ذهباً ولا فضة، ولا دنيا ولا لذة، وإما تاجر الدنيا فمكبٌ عليها، راكع فيها، ولا يبتغي بها بدلاً، فعليكم يرحمكم الله في وجوهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل، وبذكر الله كثيراً على كلّ حال...»(5)، ثم سار الثائرون عشية الجمعة لخمسٍ مضين من شهر ربيع الآخر سنة 65ﻫ/ 684م(6).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص583.

2) المصدر السابق: ص584؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص340.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص584؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص340.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص588.

5) المصدر السابق.

6) المصدر السابق؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص214؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص255.

وتوجّه الجمع المقاتل إلى قبر الحسين(علیه السلام) وأصحابه في كربلاء، وقد تخلّف عنهم أصحاب الهمم الواهنة، فلما وصل التوابون إلى القبر الشريف، صاحوا صيحة واحدة «يا ربّ إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا، فأغفر لنا ما مضى منّا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وأرحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك يا ربّ إنا على ما قد قتلوا عليه، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين»(1)، ثم إنّهم أقاموا عند قبر الحسين(علیه السلام) يوماً وليلة، يصلون ويبكون، وقد زادهم ذلك حنقاً على منقتل الحسين(علیه السلام) (2)، ثم فارق التوابون قبر الحسين(علیه السلام) بعد أن جدّدوا عهداً به، وساروا يقدمهم رؤساؤهم نحو الشام وعوف ابن عبد الله بن الأحمر شاعر الثورة يرتجز بالجيش الزاحف:

خرجن يلمعن بنا أرسالاً *** عوابساً يحملننا أبطالا

نريد أن نلقى بها الأ قيالا *** القاسطين الخدر الطلالا

وقد رفضنا الأهل والأموالا *** والخفرات البيض والحجالا

نرضي بها ذا النعم المفضالا(3).

ويبدو أنّ هذه الثورة قد بلغت من النضج السياسي ذروته، إذ اتجهت بجيوشها المقاتلة نحو الشام، ولم تقصد أشخاص قتلة الحسين(علیه السلام) في الكوفة، فقد اعتبرت النظام الأموي، هو المُطالَبْ بدم الحسين(علیه السلام) لا القتلة أنفسهم(4)، يقول محمد مهدي


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص589؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص341؛ الريس، محمد ضياء الدين، عبد الملك بن مروان والدولة الأموية، ط2، مطابع سجل العرب، (القاهرة، 1969م): ص112.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص590؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص256.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص591؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص215-216؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص101.

4) محمد حسين، الإمام الحسين عملاق الفكر الثوري، ص289-290.

شمس الدين: «ولقد اعتبر التوابون أنّ المسؤول الأول والأهمّ عن قتل الحسين(علیه السلام) هو النظام وليس الأشخاص، وكانوا مصيبين في هذا الاعتقاد، ولذا توجّهوا إلى الشام، ولم يلقوا بالا إلى من في الكوفة من قتلة الحسين(علیه السلام) »(1).سار التوابون حتى وصلوا قرقيسيا(2)، وكان بها زفر بن الحارث(3)الكلابي، فبعث سليمان المسيب بن نجية فقال: «ائت ابن عمك هذا فقل له: فليخرج إلينا سوقاً، فإنّا لسنا إيّاه نريد، إنما صمدن لهؤلاء المحلّين»(4)، فدخل المسيب بن نجية، على زفر بن الحارث وقال له: «ممن تتحصّن؟ إنا والله ما إياكم نريد، وما اعترينا إلى شيء إلا أن تُعيننا على هؤلاء القوم الظلمة المحلّين، فاخرج لنا سوقاً، فإنّا لا نقيم بساحتكم إلا يوماً أو بعض يوم»(5)، ثم إنّ القوم تزوّدوا بما يصلح أمرهم، وارتحلوا عن قرقيسيا، وقد شيّعهم زفر بن الحارث بعض الطريق وأشار عليهم أن يصلوا مدينة عين الوردة(6)قبل أن يصل إليها عدوهم،وإنّ ما بين قرقيسيا وعين الوردة فهو


1) ثورة الحسين: ص242.

2) قرقيسيا: وهي بلد على نهر الخابور، وعندها مصبّ الخابور في الفرات، فهي في ذلك مثلث بين الخابور والفرات. ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج4، ص328.

3) زفر بن الحارث بن عمرو بن معاذ الكلابي، أبو الهذيل أمير، من التابعين من الجزيرة كان كبير قيس في زمانه شهد صفين مع معاوية بن أبي سفيان، أصبح أمير على أهل قسرين، شهد مرج رهط مع الضحاك بن قيس، وبعد قتل الأخير هرب إلى قرقيسيا، مات في خلافة عبد الملك بن مروان. ينظر: الزركلي، خير الدين، الإعلام، ط3، (لا م، 1969م): ج3، ص45.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص593؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص220؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص256.

5) المصدر السابق.

6) عين الوردة أو ما يسمى رأس العين: وهي مدينة مشهورة بالجزيرة، وكانت بها واقعة عين الوردة بين التوابين من أهل العراق والجيش الأموي من الشام. ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج4، ص180.

أمان لهم(1).

ثم سار القوم حتى وصلوا عين الوردة واستراحوا بها أياماً(2)، وقد كان جيش الشام يسير باتجاههم، وكان عليه عبيد الله بن زياد، وهو أمير الجيش فضلاً عن أبرز قادة أهل الشام؛ وهم شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، والحصين بن نمير السكوني(3)، وكان عسكر شرحبيل يتقدم القوم، وكان المسيب بن نجية يتقدم جيش التوابين فالتقى المسيب بجيش شرحبيل بن ذي الكلاع وتقاتلوا حتى انهزم شرحبيل وأصحابه(4).

وقد وصل الخبر إلى عبيد الله بن زياد، فسرّح لهم الحصين بن نمير في اثني عشر ألفاً، وكان ذلك يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الأولى سنة 65ﻫ/ 686م(5)، وعندماالتقى الطرفان قام أصحاب الحصين فدعوا التوابين إلى الجماعة على مروان ابن الحكم، وقيل: عبد الملك بن مروان(6)، وذكر الطبري أنهم التقوا أول خلافة عبد الملك بن مروان، فدعوهم لبيعته والدخول في طاعته، وقد دعاهم التوابون إلى


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص595؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص221؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص342؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص256؛ الريس، محمد ضياء الدين، عبد الملك بن مروان والدولة الأموية: ص112-113.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص596؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص342؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص256.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص597؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص256.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص597؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص222؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص343.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص598؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص222-223؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص343؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص531؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص257؛ ابن العماد، شذرات الذهب: ج1، ص73.

6) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص179.

أن يدفعوا لهم عبيد الله بن زياد، وخلع عبد الملك بن مروان، ورفض كلّ طرف طلب الآخر، وحدث القتال بينهم وانتصر أصحاب سليمان بن صرد(1)، وفي اليوم الثاني قام عبيد الله بن زياد بإرسال شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري في ثمانية آلاف مدداً للحصين بن نمير، واستمرّ القتال بين الطرفين، ولم يكن حاجزاً بينهم سوى الصلاة(2)، وفي اليوم الثالث وكان يوم الجمعة قدم أدهم بن محرز الباهلي مدداً للحصين وكثر القتل في أصحاب سليمان، وأحاط أهل الشام بالتوابين من كلّ جانب(3)، فاستمات التوابون وكسروا أجفان السيوف، وقتلقادتهم سليمان بن صرد، والمسيب بن نجية، وعبد الله بن سعد بن نفيل، وأخوه خالد بن سعد، وعبد الله بن وال البكري(4)، وقد رأى رفاعة بن شداد ما أصبح عليه إخوانه فقاتلهم حتى المساء، ثم سار بأصحابه راجعاً(5)، أما سعد بن حذيفة فقد جاء مع أصحابه من أهل المدائن، فلما عرف خبرهم رجع واستقبل أهل البصرة الذين يقودهم المثنى ابن مخربة، فأخبرهم وانتظروا وصول رفاعة بن شداد فاستقبلوهم، ثم رحل كلّ منهم إلى أهله(6).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص598؛ ابن اعثم، الفتوح: ج2، ص222.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص598؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص343؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص257.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص599؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص343؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص257.

4) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص179؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص599؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص222-223؛ ابن العبري، تاريخ مختصر الدول، ص111؛ صائب عبد الحميد، تاريخ الإسلام، ص536.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص605؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص224؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص103.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص605؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص103؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج6، ص35؛ صائب عبد الحميد، تاريخ الإسلام، ص536.

«لقد كانت ثورة التوابين ثورةً استشهادية، ولم تكن لها أهداف اجتماعية واضحة إلا أنّها أثّرت في مجتمع الكوفة تأثيراً عميقاً؛ فقد عبّأت خطب قادة الثورة وشعاراتهم الجماهير في الكوفة للثورة على الحكم الأموي»(1)


1) محمد مهدي، ثورة الحسين: ص242؛ محمد حسين، الإمام الحسين عملاق الفكر الثوري، ص291.

الفصل الثالث: حركات المعارضة منذ حركة المختار الثقفي حتى عام (132ﻫ)

اشارة

المبحث الأوَّل: حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي

المبحث الثاني: حركة عبد الله بن الزبير

المبحث الثالث: حركات المعارضة بعد عام الجماعة الثاني

المبحث الأوَّل: حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي

أولاً: خروج المختار وسيطرته على الكوفة

لقد سبقت الإشارة إلى بروز شخصية المختار الثقفي عندما نزل مسلم بن عقيل في داره، آخذاً البيعة للإمام الحسين(علیه السلام) من أهل الكوفة(1).

وتشير الروايات إلى أنّ المختار عمل جاهداً لأخذ البيعة للإمام الحسين(علیه السلام) وأنّه ناصح مسلماً ودعا إليه(2)، وأنّه تعاطف معه، وغضب لمصيره، فقد صرّح عند باب الفيل لأنصار الأمويين بقوله: «أصبح رأيي مرتجناً لعظم خطيئتكم»(3)، ويذكر الطبري أنّ عبد الرحمن بن أبي عمر الثقفي، وزائدة بنقُدامة الثقفي كانا في مجلس ابن زياد عندما وشى هانئ(4)بن أبي حية الوداعي بالمختار وقد أصرّ ابن زياد


1) البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص214؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص361.

2) البلاذري، أنساب الأشراف:ج5،ص215؛الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص565-570.

3) البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص215؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص570.

4) هانئ بن أبي حية، من أكثر المتشدّدين ضدّ الشيعة من أصحاب ابن زياد، يذكر أنّه كان فيمن شهد على حجر بن عدي، وفيمن حمل رأس مسلم بن عقيل إلى دمشق. ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص570.

معاقبة المختار، وخاطبه بقوله(1): «أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل»(2)؟ وضربه بقضيبٍ كان بيده فشتر عينه، وسجنه مع وجوه الناس والذي أخلى سبيله وساطة صهره عبد الله بن عمر بن الخطاب، ويبدو أنّ ابن زياد أطلق سراحه مرغماً بعد أن وصلته رسالة من يزيد بن معاوية، فأمهله ثلاثة أيام ليترك الكوفة منفياً(3)، وقد نقل أسماء بن خارجة الفزاري، وعروة بن المغيرة بن شعبة الثقفي أنّ المختار توعّد ابن زياد، فادّعى أنّه سيقتله، فعلّق أسماء على ذلك بقوله: «يا أبا إسحق، فقد كانت تبلغنا عنك أشياء، فأما أن سمعنا منك هذا القول فما فيك مسمع»(4)، وبدأت بذلك مرحلة جديدة من حياة المختار.وتوجّه المختار إلى مكة مباشرة، فقابل ابن الزبير؛ ليعرض عليه تعاونه وكان اللقاء الأول بينهما قد كشف للمختار رغبة ابن الزبير في العمل بسرّيةٍ وكتمان(5)، وقد شهد المختار مع ابن الزبير الحصار الأول وأبلى فيه(6).

وشهد له معاصروه بالشجاعة والإقدام(7)، فوصفوه بأنه: «من أحسن الناس بلاء وأعظمهم غناء»، وأنه: «لم ير أشد منه قط في قتاله»، حتى أنّ ابن الزبير قال فيه: «والله ما أبالي إذا قاتل معي المختار من لقيت»، وظلّ على حاله تلك يحارب أمام أصحاب ابن


1) البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص215؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص570.

2) المصدر السابق.

3) البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص215-216؛ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص180.

4) الدينوري، الأخبار: ص296.

5) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص216؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص573.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص575-576؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص338.

7) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص575.

الزبير حتى رفع الحصار(1)، ثم أتصل المختار قبل خروجه من الحجاز بمحمد بن الحنفية، وحرص على استئذانه، وأشعره باتجاهه للطلب بدم الحسين(علیه السلام)، وتشير الروايات إلى أنّ ابن الحنفية لم يأمره ولم ينهه، وأنّ المختار فهم من ذلك أنّه أذن له، وتأكّد ظنّه حينما ودّعه ابن الحنفية وأوصاه بتقوى الله(2)، وفي رواية أخرى أنّ ابن الحنفية قال للمختار: «إنّيلأحبّ أن ينصرنا ربّنا ويهلك من سفك دماءنا، ولست أأمر بحرب ولا إراقة دم، فإنّه كفى بالله لنا ناصراً، ولحقّنا آخذاً، ولدمائنا طالباً»(3).

ويفهم من كلّ هذا، أنّ المختار فهم من مقابلته لابن الحنفية أنّه لا يمانع في الأخذ بثأر الحسين(علیه السلام)، وفي هذا تفسير لدعوة المختار المباشرة فور وصوله الكوفة، ولثقته بدعم ابن الحنفية له، وهذا يبرّر ما دار بين الوفد الكوفي وابن الحنفية فيما بعد(4).

ثم ترك المختار الحجاز بعد موت يزيد بن معاوية بخمسةِ أشهر، أو بعد ذلك بأيام(5)، فوصل الكوفة في 15 رمضان سنة 64ﻫ/ 684م(6)، وبدأ المختار نشاطه ساعة وصولهِ(7)، ثم أخذ يمرّ بالمساجد القبلية ليقابل الشيعة، فمرّ بمسجد السكون وكندة، ثمّ مرّ بالهمدانيين المعروفين بشدّة تشيعهم(8)، وبلّغهم جميعاً تحيات (المهدي) محمد بن الحنفية، وبشرّهم بالنصر واليسر والفرج، وقد أوضح المختار أنّه قادم


1) المصدر السابق: ص575-576؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص338.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص576، قال ابن الحنفية: «وقد أمرته بطاعة الله، وطاعة الله تجمع الخير كله وتنهى عن الشر كله».

3) البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص213.

4) الساعدي، حيدر جعفر، محمد بن الحنفية حياته وحركته السياسية والدينية، ط1، مطبعة سرور، (قم، 2006م): ص86.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص577.

6) المصدر السابق: ص560.

7) البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص217.

8) حيث قال: «إنّهم على رأي تستتر معه العيوب وتغفر الذنوب». أنظر: المصدر السابق.

«لقتال المحلّين والطلببدم أولاد النبيين»، واختار أن يبدأ بالدعوة لدى أحد بني بداء من كندة والمعروفين بشدة تشيعهم، واسمه عبيدة بن عمر البدي(1)، وقد أدّت هذه الدعوة إلى إثارة مخاوف أشراف الكوفة من المتهمين بقتل الإمام الحسين(علیه السلام) (2)، فحرّضوا عامل ابن الزبير في الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي على المختار، فألقى القبض عليه بعد خروج التوابين إلى عين الوردة، ومكث في السجن ثلاثة أشهر كاملة(3)، ويبدو من أخبار المختار في السجن أنه لم تثبت عليه أية تهمة مباشرة(4)، فقد كان الأمير يراه بريئاً، وأنه أخذ على الظنّة، وفي هذا تفسيرٌ لموقفه منه، فقد رفض اقتراح عامل الخراج إبراهيم بن محمد بن طلحة أن يشدّه كتافاً ويمشّيه حافياً، وكان المختار على ثقةٍ من تكتّم أصحابه على دعوته: فوالله بعد ما ظفرت أكفكم، ومن التزامهم به فقد ظلوا على اتصالٍ دائم به طوال مدة سجنه، فكانوايزورونه ويعاهدونه(5)، وقد كاتب المختار أصحاب سليمان بن صرد الخزاعيّ العائدين من عين الوردة، فأمتدحهم وحيّا جهدهم، وقد كاتب رفاعة بن شداد عارضاً عليه أمره: «إنّي أنا الأمير المأمور، والأمير المأمون، وأمير الجيش وقاتل الجبارين، والمنتقم من أعداء الدين... أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه(صلی الله علیه و آله و سلم)، وإلى


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص578؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص338.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص580-581؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص339.

3) سجن المختار بعد خروج سليمان بن صرد إلى عين الوردة، وخرج من سجنه قبل وصول الأمير الجديد عبد الله بن مطيع العدوي في رمضان سنة 65ﻫ/685م. ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص10؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص339.

4) البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص218؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص580-581.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص581؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص339.

الطلب بدماء آل البيت، والدفع عن الضعفاء، وجهاد المحلّين»(1)، ويبدو أنّ الاستجابة بينهم كانت كبيرة، فقد ساندوه وأخذوا البيعة له، وهو في السجن(2).

حاولت الشيعة إخراج المختار من السجن(3)، لكنّه كره الخروج على وجه القهر لنواب الكوفة، واختار الطريقة التي تناسبه؛ إذ بعث غلامه (زربيا) بكتاب إلى صهره عبد الله بن عمر، أخبره فيه أنّه حُبس مظلوماً، وطلب منه أن يتوسط له ففعل، وكان خروج المختار هذه المرة مرهوناً بكفلاء يضمنونه، ويمين حلفها فكفله ثلاثة عشر كفيلاًمن رؤوس أصحابه(4)، وعندما عزل ابن الزبير عبيد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد، وأرسل عبد الله بن مطيع العدوي على الكوفة، عاود المختار نشاطه(5).

وكان وصول ابن مطيع الى الكوفة في رمضان سنة 65ﻫ/685م، فأكرم الأمير السابق عبيد الله بن يزيد، وخيره بين البقاء في المصر أو الالتحاق بابن الزبير في الحجاز، فالتحق بابن الزبير(6)، وقد اتبع ابن مطيع الشدّة مع الشيعة، وكان هذا سبباً لخروج المختار عليه(7)، ثم واجه المختار الشكّ بدعوته، وكاد هذا الموقف أن يتسبب في انشقاق أصحابه، إذ إنّ جماعة من أصحابه شكّوا في أنه مرسل من ابن الحنفية، واتفقوا على الخروج إليه ليتأكدوا من صدق الدعوة وهم: عبد الرحمن بن شريح الشبامي، وسعيد بن منقذ الثوري، وسعر بن أبي سعر الحنفي، والأسود بن


1) البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص218؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص606؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص344-345.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص9؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص267.

3) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص219؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص267.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص8؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص356.

5) ابن سعد، الطبقات: ج5، ص144-145؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص357.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص10؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص357.

7) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص180؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص10.

قراد الكندي، وقدامة بن مالك الجشمي(1)، وكان خروج هذه الجماعة من دون علم المختار؛إذ خرجوا دون أن يشاوروه أو يستأذنوه، وتسرّب أمرهم إلى بقية أصحابه، فأخذوا ينتظرون عودتهم مما أضعف موقف المختار(2).

وإنّ الوفد أستأذن ابن الحنفية بالدخول، وطلبوا الاختلاء به حال وصولهم(3)، ففاتحه عبد الرحمن بن شريح بشكّهم في دعوة المختار؛ «قد قدم علينا المختار بن أبي عبيد يزعم أنه قد جاءنا من تلقائكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيه(صلی الله علیه و آله و سلم)، والطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، فبايعناه على ذلك... فإن أمرتنا بإتباعه اتبعناه، وإن نهيتنا اجتنباه»(4)، وأيّده أعضاء الوفد في ذلك فكان ردّ ابن الحنفية مُبهماً: «فوالله لوددت أنّ الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه»(5).

كانت عودة الوفد إلى الكوفة قد دعمت مركز المختار، ورسّخت دعوته بين أصحابه، فجمعت صفوفهم، وصارت المجابهة بينهم وبين الأمير قريبة، وقد تطلب هذااستعداداً عسكرياً خاصاً، وإنّ رؤوس أصحابه اقترحوا عليه ضمّ إبراهيم بن مالك الأشتر؛ لأنه شاب مندفع(6)، وابن رجل شريف، يمتاز بعشيرة ذات عزّ وعدد، فوالده من رؤوس أصحاب علي بن أبي طالب(علیه السلام) حتى أنّ الأخبار


1) البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص221؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص12-13؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص227.

2) المصدر السابق: ص228؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص358.

3) البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص221؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص13؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص227.

4) ابن سعد، الطبقات: ج5، ص99؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص13؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص234؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص357.

5) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص228؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص235؛ ابن الأثير: ج3، ص358.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص19.

تسير إلى مشاركة إبراهيم بن الأشتر مع والده في صفين، وهو غلام(1)، ويذكر أنّ المختار أتفق مع أصحابه على الخروج في الرابع عشر من ربيع الأول سنة 66ﻫ/ 685م(2).

وقد اضطرّ المختار للخروج قبل الموعد المحدّد بليلتين؛ إذ إنّ صاحب الشرطة أخذ المختار وأقبل نحو القصر، فلحقته الشيعة واستنقذوه من أيديهم، واضطروا للخروج(3)، فجمع المختار أصحابه، وطلب منهم أن يتنادوا بثارات الحسين، وبشعار «يا منصور أمتْ»(4).

ويبيّن بعض من خرج مع المختار أنّه صلّى الفجر، فقرأ«النازعات وعبس وتولى»(5)، وقد التقى المختار وأصحابه بقوات الأمير عبد الله بن مطيع العدوي، وكان النصر حليف المختار؛ حيث فرّ الأمير إلى القصر، وذلك في 16 ربيع الأول سنة 66ﻫ/ 685م، ودخل المختار الكوفة بعد ثلاثة أيام من القتال، وبدأ حصار القصر، ويذكر أنّ الأمير التجأ إلى القصر ومعه وجوه أهل الكوفة، وفيهم شبث بن ربعي التميمي، وأسماء بن خارجة الفزاري، وعبد الرحمن بن مخنف وعمرو بن حريث(6)، وبعد أن شدّد عليهم الحصار اقترح شبث بن ربعي على الأمير أن يأخذ


1) المنقري، أبو الفضل نصر بن مزاحم (ت 212ﻫ/827م)، وقعة صفين، تح: عبد السلام محمد هارون، ط1، دار إحياء الكتب العربية، (القاهرة، 1945م): ص441.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص20؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص231.

3) ابن سعد، الطبقات: ج5، ص147-148.

4) وهو الشعار الذي سبق لمسلم بن عقيل أن تنادى به مع أصحابه بالكوفة. الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص368-369؛ الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص67؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص360.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص23؛ والآيات الكريمات هي النازعات: الآيات1-46، وعبس وتولى: الآيات 1-42.

6) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص227؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص29-31.

الأمان لنفسه، ويلحق بعدها بابن الزبير، فوافقه أسماء بن خارجة الفزاري وعبد الرحمن بن مخنف، ثم خطب ابن مطيع بأصحابه عندما قرّر العودة لابن الزبير، وقد بيّن فيها موقف الأشراف بقوله: «فقد علمت الذين صنعوا هذا... وقد علمت أنّما هم أراذلكم وسفهاؤكم وطغامكم واخساؤكم، ماعدا الرجل أو الرجلين، وأنّ أشرافكم وأهل الفضل فيكم لم يزالوا سامعين مطيعين مناصحين، وأنا مبلّغ ذلك صاحبي، ومعلّمه طاعتي»(1).

ثانياً: الموقعة الأولى (بين أصحاب المختار وعبيد الله بن زياد)

لقد حاول الأمويون إعادة سيطرتهم على العراق بعد موقعة عين الوردة مع التوابين، وقد بقي قائدهم عبيد الله بن زياد عاماً كاملاً يحاول قمع عصيان زعيم القيسيين، زفر بن الحارث الكلابي الذي كان متحصّناً في قرقيسيا(2)، وفي رمضان سنة 66ﻫ/686م جمع عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن زياد ثمانين ألفاً من أهل الشام، وطلب منه أن يسير إلى العراق والجزيرة(3)، وذكر الطبري أنّ عبيد الله بن زياد نزل نصيبين(4)، وأرسل مقدمته إلى الموصل، وعددها عشرون ألف رجل، فانسحب عاملها للمختار، عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني مع أصحابه وعددهم ألف رجل، منحازاً إلى تكريت، وكتب إلى المختار بذلك، فوافقه على ما قام به: «قد أصبت في تنحّيك من بين يديه، إذ كنت لا تقوم لجيشه، فانظر لا تبرحن


1) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص227؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص29-31.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص230؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص38-39؛ المسعودي، التنبيه والإشراف: ص269؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص364.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص43؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص256؛ المسعودي، التنبيه والإشراف: ص269؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص364.

4) نصيبين: مدينة في ديار ربيعة، وهي من بلاد الجزيرة بين دجلة والفرات، تمّ فتحها في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رض)، وكانت مدينة رومية. الحميري، الروض المعطار: ص577.

من موضعك ذلك حتى يأتيك أمري والسلام»(1).

فوقع اختيار المختار على يزيد بن أنس بن كلاب الأسدي؛ ليوجهه لملاقاة ابن زياد، ويزيد هو أحد سادات الكوفة وشجعانهم، وقد اشترط يزيد بن أنس على المختار أن يتركه لينتخب أصحابه بنفسه: «أيها الأمير أضمم إليّ ثلاثة آلاف فارس انتخبهم أنا، وخلّيني والوجه الذي توجهني»(2)، ويبيّن الطبري أنّ يزيد بن أنس تخيّر سادات فرسان العرب، وفيهم رؤوس الأرباع، وعدد من قرّاء الكوفة، وأنّه عبّأهم على النحو التالي: النعمان بن عوف الأزدي على ربع المدينة، وعاصم بن قيس بن حبيب الهمداني على ربع تميم وهمدان، وورقاء بن عازب الأسدي على مذجح وأسد وسعر بن أبي سعر الحنفي على ربع كندة وربيعة(3).

وقد اعتمد جيش ابن زياد على الإشاعات فأوهموا أهل الشام أن جيش المختار هم الموالي والعجم، وقد كان ربيعة بن المخارق يعبئ أصحابه من جيش ابن زياد مدعياً أنهم يقاتلون: «العبيد الآباق، وقوماً قد تركوا الإسلام وخرجوا منه، ليست لهم تقية ولا ينطقون بالعربية»(4)، ويذكر عمرو بن مالك بن كثبة القيني - وكان في معسكر أهل الشام - أنّه دهشعندما اكتشف أنّ أصحاب المختار هم فرسان العرب من الكوفيين(5)، وأنّ أصحاب يزيد بن أنس لم يتجاوزوا الثلاثة آلاف فارس، وأنّ ابن زياد أبدى استهانته بعددهم، ويبدو ذلك من استعداد المختار


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك:ج6، ص33.

2) المصدر السابق: ص39؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص256؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص364.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص39.

4) المصدر السابق: ص41-42.

5) المصدر السابق: ص42، ويعلق قائلاً: فوالله إنّي كنت أحسب ذلك كذلك حتى قاتلناهم.

لإرسال المدد ليزيد بن أنس(1)، وتتلخص الخطبة التي شرحها المختار ليزيد بن أنس بقوله: «يا يزيد بن أنس، أنظر إذا لقيت العدوّ نهاراً، فلا تنظرهم إلى الليل، وإذا أمكنتك الفرصة فلا تؤخّرها، وليكن خبرك عندي في كلّ يوم إنّي ممدّك، وإن لم تستمدّ؛ لأنه أشدّ لعضدك وأرعب لعدوك»(2)، وقد زوّد المختار يزيد بن أنس بكتاب إلى عامله على الموصل، عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، يأمره فيه أن يطيع يزيد ابن أنس ويسمع منه، ويبين الطبري أن يزيد بن أنس وصل أرض الموصل في التاسع من ذي الحجة سنة 66ﻫ/686م، وأنه نزل على خمسة فراسخ من الموصل، ثم التقى بعبد الرحمن بن سعيد في ألف فارس، فأصبح مجموع ما معه أربعة آلاف، عبّأهم على الأرباع(3)، أما عبيد الله بن زياد فقد عبّأ أصحابه متأخراً، فبعث ربيعةبن المخارق الغنوي في ثلاثة آلاف، وعبد الله بن حملة الخثعمي في ثلاثة آلاف، وجعل السابق منهما أميراً يتسلّم القيادة، فوصل ربيعة بن المخارق الغنوي مبكراً ونزل بأصحابه إزاء أصحاب يزيد بن أنس، وأمضى الجمعان الليل في التعبئة، وقد تصادف أن صبيحة ذلك اليوم كانت يوم الأضحى المبارك، العاشر من ذي الحجة سنة 66ﻫ/ 686م(4).

وتبين الأخبار أن يزيد بن أنس اشتكى طوال الليل من علّة ألمّت به، لكنه ظلّ يطوف على أصحابه ويعبئهم، وأعلمهم أنّ أميرهم ورقاء بن عازب الأسدي إن حدث له حادث، وأنّه إن قتل ورقاء، فعبد الله بن ضمرة العذري يكون الأمير، فإن


1) المصدر السابق: ص39؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص258.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص230؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص40؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص259؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص364.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص41.

4) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص230؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص42؛ ابن خلدون، تاريخ: ج3، ص24.

قتل فسعر بن أبي سعر الحنفي، وجعل عبد الله بن ضمرة على ميمنته، وسعر بن أبي سعر على ميسرته، وورقاء بن عازب على خيله(1)، ويذكر الطبري عن رواية لأبي مخنف أحداث القتال عن شهودٍ عيان، وتبدو رواياته أقرب إلى تصوير الواقع إذ يبيّن أن القتال بدأ عند الفجر(2)، وكان هجوم ميسرة أهل الكوفة على ميمنة أهل الشام عندالظهر مؤثراً، فأنهزم أهل الشام، وقتل ربيعة بن المخارق الغنوي، وأن مقتل ربيعة بن المخارق قد أضعف أهل الشام(3)، وقد بدأ القتال في فجر اليوم التالي، فدارت الدائرة على أهل الشام، وقتل عبد الله بن حملة الخثعمي بيد خثعمي آخر من أصحاب يزيد بن أنس، وانتهب الكوفيون معسكر أهل الشام وأسروا ثلاثمائة منهم(4)، وقد كان مصير الأسرى القتل حيث يذكر أن يزيد بن أنس أمر بقتلهم جميعاً.

وتذكر الأخبار أنّ العلّة اشتدّت عليه، وأنه كان يومئ بيده عاجزاً عن الكلام آمراً أصحابه بقتل الأسرى، وأنه توفي في آخر النهار، فصلّى عليه ابن عمه ورقاء بن عازب الأسدي، ثم سُوّي قبره بالأرض؛ لئلا يُعرف موضعه، وتولى ورقاء الإمارة حسب وصيته(5)، ويبدو أن موت يزيد بن أنس كان نكبةً لجيش الكوفة(6)، ويذكر


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص42؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص258؛ ابن خلدون، تاريخ: ج3، ص24.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص42. ويذكر أنه كان على ميسرة أهل الشام عبد ربه السلمي.

3) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص230؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص42؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص365؛ ابن خلدون، تاريخ: ج3، ص24.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص42؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص258.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص42-43؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص258؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص365؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص272.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص43؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص258.

الطبري أنّ ورقاء بن عازب الأسدي رأى تخوف أصحابه من عدد أهل الشام، ولاحظ تخلّف جماعة منهم فاستشارهم قائلاً: «إنا إن لقيناهم اليوم كنا مخاطرين، فإن هُزمنا اليوم لم تنفعنا هزيمتنا»(1)، فوافقه أصحابه وأجمعوا على العودة، واتجهوا من فورهم إلى الكوفة عند الليل، أما ما يورده الدينوري من أنّ عبد الملك بن مروان سار بنفسه إليهم، وقابل يزيد بن أنس فهزمه وقتله وقتل معه أصحابه(2)، فلا نجد ما يوثقه، ولا يناسب أحداث وأخبار الشام والعراق في تلك الحقبة.

وقد أدّى انقطاع أخبار يزيد بن أنس عن المختار إلى إضعاف موقفه بين أصحابه(3)، فقد راجت إشاعات في الكوفة تتحدث عن مقتله وهزيمة أصحابه، لكن ذلك لم يدمْ طويلاً إذ وصله مبعوث من قبل والي المدائن فهدأ حاله، وأعاد لأصحابه ثقتهم به، وقرّر متابعة المواجهة مع أهل الشام، ويذكر الطبري أنّ المختار استدعى إبراهيم بن الأشتر وولاه الموصل، وعقد له على فرسان أهل الكوفة ورجالاتها وعددهم سبعة آلاف فارس(4)، وطلب منه أن يضمّ أصحاب يزيد بن أنس، وأوصاه بجملة وصايا منها: «طالعني بأخبارك في ليلك ونهارك، وإن رأيت أمراً لا طاقة لكبه، فلا تلق بيدك إلى التهلكة، وأكتب إليّ حتى أمددك بالخيل والرجال»(5)، وقد عسكر ابن الأشتر عند حمام أعين(6)، لكنه أضطر للعودة إلى الكوفة عندما استدعاه المختار على وجه السرعة، للقضاء على الحركة التي قادها


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص43؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص365.

2) الدينوري، الأخبار الطوال: ص293.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص43.

4) المصدر السابق: ص57؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص259.

5) المصدر السابق؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص261.

6) حمام أعين: موضع بالقرب من الكوفة منسوب إلى أعين مولى سعد بن أبي وقاص. ينظر: الحموي، معجم البلدان: ج2، ص299.

المتهمون بدم الإمام الحسين(علیه السلام) (1).

ثالثاً: موقعة جبّانة السبيع

ثالثاً: موقعة جبّانة السبيع(2).

ترتبط دراسة إدارة المختار بعلاقته بأشراف الكوفة، واصطدامه بهم فيما عرف بموقعة جبّانة السبيع، وهي أول احتجاج قاده أشراف الكوفة الموالون لعبد الله بن الزبير، والمتهمون بقتل الإمام الحسين(علیه السلام)، وترتب على هذه الموقعة تغيّرٌ كبير في علاقات المختار بالكوفيين، تذكر الأخبار أنّ المختار قرب أشراف الكوفة، وأنهم كانوا «جلساءه وحداثه»(3)، لقد أحس زعماء الكوفة بتدهور مصالحهم،وخاصّة من كان قد شارك في قتل الحسين(علیه السلام) وبدأوا يتجمعون في منزل زعيم قبيلة تميم شبث ابن ربعي الرياحي(4)، يتذاكرون أمر المختار، مبدين احتجاجهم وغضبهم، ومن هؤلاء الأشراف عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، وشمر بن ذي الجوشن الضبابي، وكعب بن أبي كعب الخثعمي وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي، وزحر بن قيس، ومحمد بن الأشعث بن قيس الكندي(5).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص57؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص259؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص272.

2) جبّانة السبيع: الجبّان في الأصل الصحراء وأهل الكوفة يسمون المقابر جبّانة، وبالكوفة محالّ تسمى بهذا الاسم، وتضاف إلى القبائل، ومنها جبّانة كندة، وجبّانة السبيع. ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج2، ص99

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص33.

4) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص235؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص57؛ المسعودي، التنبيه والأشراف: ص248.

5) أنظر كيف حاول المختار استرضاءه، بإعادته إلى المصر، وانتدب ابنه عبد الرحمن بن محمد الأشعث للتوسط بينهما. ينظر: البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص230؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص39-40؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص248-249.

وقد كانت دوافع هؤلاء الزعماء ومحاولاتهم للخروج على المختار ليست مشتركة(1)، فزحر بن قيس مثلاً هو أحد الذين حاربوا المختار مع عبد الله بن مطيع انتصاراً لابن الزبير(2)، وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني كان عاملاً للمختار على الموصل، وقد عزله المختار وجعله تحت إمرة يزيد بن أنس، فنقم على المختار لذلك(3)، أما بقيةالمتآمرين من أهل الكوفة فقد عرفوا بولائهم لابن الزبير، وبقائهم مع ابن مطيع في القصر حينما حاصره المختار(4).

وتعرض المصادر أكثر من سبب لاستيائهم وخروجهم؛ إذ توجد إشارة على أنهم احتجوا عليه لأنه كما قالوا: «تآمر علينا بغير رضانا»(5)، ولشكّهم في صدق دعوته بأنه مبعوث ابن الحنفية إليهم ولموقفه من الموالي والعبيد: «أطعم موالينا... وأخذ عبيدنا فحارب بهم يتامانا وأراملنا»(6)، ويعطي الدينوري لاستياء الأشراف صفة عرقية فبيّن أنّ المختار قَرَبَ أبناء العجم، وفرض لهم ولأولادهم الأعطيات، وقرّب مجالسهم، وباعد العرب وأقصاهم وحرمهم(7)، ولم يعتمد المختار بالدرجة الأولى على الموالي والعبيد، وهذا ما بينه نصّ كلام عبد الرحمن بن مخنف الأزدي لأشراف الكوفة: «مع الرجل والله شجعانكم من أنفسكم... ثم معه عبيدكم ومواليكم، وكلمة هؤلاء واحدة، فهو مقاتلكم بشجاعة العرب وعداوة العجم»(8).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص43.

2) الدينوري، الأخبار الطوال: ص291؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص21.

3) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص231؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص43.

4) المصدر السابق.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص44.

6) المصدر السابق: ج6، ص44.

7) الدينوري، الأخبار الطوال: ص299-300.

8) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص43.

وقد خرج زعماء أهل الكوفة مغتنمين فرصة خروج إبراهيم بن الأشتر مع جيشه لملاقاة ابن زياد، وذلك يومالأربعاء لست ليالٍ بقين من ذي الحجة، سنة 66ﻫ/ 686م(1)، وتشير المصادر إلى أنّ القبائل التي خرجت عليه هي: همدان وأكثرهم من الوداعيين، والأزد وكندة وبجيلة وخثعم وسلول ومضر وربيعة ومذحج وطيء وقد بدأ خروجهم في قطائع اليمن(2)، فقد خرجت القبائل اليمانية في جبانة السبيع، فلما علم المختار بأمرهم أرسل رجلاً اسمه عمر بن ثوبة إلى ساباط المدائن، حيث يعسكر ابن الأشتر، وطلب إليه العودة في الحال، حيث وصل ابن ثوبة عند العِشاء وسلم ابن الأشتر الرسالة، فسار من ليلته حتى وصل الكوفة في اليوم الثالث لخروجه(3).

وقد تجمعت القبائل اليمانية في جبانة السبيع عدا مذحج، إذ بقي عمرو بن الحجاج الزبيدي في جبانة مراد، لأنّه لا يأمنهم(4)، وأتضح التفكك في التجمع اليمني مبكراً، فقداختلف رؤوسهم فيمن يؤمّهم في جبانة السبيع(5)، فاقترح عليهم سيد الأزد عبد الرحمن بن مخنف أن يؤمهم رفاعة بن شداد الفتياني، سيد قراء أهل المصر، فتراضوا على ذلك، واختلفوا أيضاً في خطّة القتال، فقد رأى شمر بن ذي


1) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص235؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص57؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص365.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص232؛ الدينوري، الأخبار الطوال: ص299-300. أنظر كيف شفع المختار لعدي بن حاتم في قومه طي يوم الجبانة. ينظر: البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص238؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص371.

3) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص261-262؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص366؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص272.

4) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص232؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص45.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص46.

الجوشن أن يكون قتالهم مجتمعين تحت راياتهم، لكنهم لم يوافقوه، فأنفصل بقومه عنهم «والله لا أقاتل في هذا المكان في سككٍ ضيقة ونقاتل من غير وجه»(1).

وأما المختار فقد كان موقفه ضعيفاً، واعتمد على تسقط أخبارهم عن طريق عيونه(2)، وعلى محاولة لكسب الوقت بانتظار وصول ابن الأشتر(3)، فتحوّل إلى مفاوضتهم، وكانوا قد سدوا عليه أفواه السكك، ومنعوا الماء عنه وعن أصحابه وهم أربعة آلاف فقط(4)، وكانت خطة المختار الاستفادة من تجمعهم في مكان واحد، ومن اختلافهم فيما بينهم، وبعد وصول إبراهيم بن الأشترإلى الكوفة بدأ قمع الحركة، وكان معه سبعة آلاف فصار مجموع ما معهما أحد عشر ألفاً(5)، فسير المختار إبراهيم بن الأشتر إلى مضر وربيعة في موضع الكناسة، وسار المختار إلى أهل اليمن بجبانة السبيع، خوفاً من أن يتعاطف ابن الأشتر مع قومه من اليمانية، ويبدو أنّ المختار حاول السيطرة على السكك التي تقود إلى جبانة السبيع، فأخذ معه أحمر بن شميط البجلي، وعبد الله بن كامل الشاكري، وطلب من قبيلة شبام أن تهاجم الجبانة من الخلف، ثم أحكم الحصار على أهل اليمن، فجعل أحمر بن شميط على السكة الموصلة إلى دور قومه، وجعل عبد الله بن كامل على السكة التي تلي الفرات(6)، وقد كان لقبيلة نهد دور كبير في دعم أصحاب المختار المنهزمين أمام


1) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص232؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص46.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص232؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص46-47.

3) الدينوري، الأخبار: ص300؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص262؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص272.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص262؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص366.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص47؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص262؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص366.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص48.

أهل اليمن(1)، وقد تنادت قبيلة شبام بثارات الحسين(عليه السلام) وتدافعت لقتال المحلّين من أهل اليمن، وإنّ هذا الشعار كان سبباً في إثارة مشاعر العثمانية(2)، فتنادى يزيد بن عمير بن ذي مران الهمداني بثارات عثمان، فانفصل رفاعة بن شداد الفتياني عن قومه،والتحق بالمختار، وكانت نتيجة الهجوم على جبانة السبيع لصالح المختار، فقد قُتل عددٌ كبير من اليمانية وجُلّهم من همدان(3)، وقتل من رؤوسهم عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، وفرات بن زحر بن قيس، وعمرو ابن مخنف(4).

أما محمد بن الأشعث الكندي فلا يذكر في الموقعة؛ لأنه كان خارج الكوفة في قصرٍ له مما يلي القادسية(5)، وكان شبث بن ربعي يتزعم هجوم مضر وربيعة في الكناسة، ومعه حسان بن فائد العبسي(6).

وذكر الطبري أنّ ابن الأشتر سار إليهم فلم يبدأهم بالقتال، ومنحهم فرصةً للتراجع(7)، فلم يتجاوز قتلاهمبضعة عشر رجلاً، ويُفهم من مجرى القتال أنّ


1) المصدر السابق: ص49.

2) المصدر السابق: ص51؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص367.

3) لاحظ كيف تختلف الروايات بشأن رفاعة بن شداد، وهو من رؤوس أصحاب المختار إذ يذكر أنه قاتل مع أهل اليمن ضد المختار، وقُتل في الجبانة. ينظر: ابن خياط، أبو عمرو خليفة بن خياط العصفري (ت 240ﻫ/854م)، تاريخ خليفة ابن خياط، تح: أكرم ضياء العمري، ط1، المجمع العلمي العراقي، مطبعة الآداب، (النجف، 1967م) ج1، ص232؛ وقيل ان رفاعة ابن شداد كان مع المختار. ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص51.

4) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص233؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص56-57.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص49؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص371.

6) ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص272.

7) الطبري، تاريخ الطبري: ج6، ص56-57.

ربيعة لم تصمد، ولم يكن لهم دور كبير في الخروج على المختار(1)، وقد أمر المختار مناديه أن يبلغ أهل اليمن أن: «من أغلق بابه فهو آمن، إلا من شرك في دماء آل محمد»، ثم بعث لاستخراج الوداعيين من همدان، فأخذوا منهم مائتين وخمسين رجلاً ممن اتهموا بدم الحسين(علیه السلام)، فقتلوا عن آخرهم(2).

لا ترد أية إشارة إلى عدد قتلى أصحاب المختار، وتختلف الروايات في مجموع مَنْ قُتِل من الخارجين عليه، حيث ذكر البلاذري أنهم سبعمائة وثمانون قتيلاً من همدان(3)، وذكر الدينوري أنهم خمسمائة رجل، ومائتان من الأسرى(4)، أما ابن اعثم فيذكر أنهم ستمائة وأربعون رجلاً(5)، ويذكر الطبري أنّ السبب في تتبع المختار لقتلة الحسين(علیه السلام) يعود إلى غضب محمد بن الحنفية من تأخره في الأخذ بالثأر(6)، أما ابن اعثم فذكر أنّ ابن الحنفية غضب من تقريب المختار لعمر بن سعد بن أبي وقاص وابنه حفص، وصرح بذلكلجلسائه(7).

رابعاً: تتبع المختار لقتلة الإمام الحسين(علیه السلام)

لقد بدأ المختار تتبع قتلة الإمام الحسين(علیه السلام) بعد موقعة جبانة السبيع مباشرة(8)،


1) الدينوري، الأخبار الطوال: ص300.

2) ينظر: قصيدة أعشى همدان، الدينوري، الأخبار الطوال: ص301؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص56-57.

3) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص234.

4) الدينوري، الأخبار الطوال: ص301.

5) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص263.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص257.

7) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص263.

8) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص234؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص51؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص263.

فقد قتل مائتين وخمسين من الهمدانيين الذين اُتهموا بدم الحسين(علیه السلام)، ويبدو أنّ أصحاب المختار استغلوا هذا الموقف للانتقام من عداوات شخصية لهم، حتى قُتل ناس كثير ولم يشعر بهم المختار، ويبدو أنّ أكثرهم من الموالي(1)، وقد كلّف المختار أصحابه بطلب المتهمين، ويذكر البلاذري أنه قال لأصحابه: «أطلبوا لي قتلة الحسين(علیه السلام)، فإنّه لا يسوغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم وأنقي المِصرَ منهم»(2)، وقد أشار المختار على أنّه ناصر آل محمد «ما في ديننا تركُ قَومٍ قتلوا الحسين(علیه السلام) يمشون أحياء آمنين فبأس ناصر آل محمد أنا، أنا إذاً الكذاب كما تسموني»(3)، وقد أخذ المتهمون بقتل الحسين(علیه السلام) يفرّون من الكوفة خوفاً علىدمائهم، وإن المختار كان يتوعدهم بأسمائهم؛ ومنهم(4)عمرو بن الحجاج الزبيدي الذي كان قد نزل شريعة الفرات يوم عاشوراء، فقد هرب بعد جبانة السبيع مباشرة إلى الصحراء، فمات من العطش(5)، وهرب أيضاً شمر بن ذي الجوشن الضبابي مع عدد من أصحابه وكان شمر المتهم الأول بقتل الحسين(علیه السلام)، وقد كان هدفاً لأصحاب المختار وإن المختار بعث غلامه (زربيا) مولى بجيلة مع عدد من أصحابه، لكن شمر احتال عليه وقتله، وألتحق بقريةٍ على شاطيء الفرات يُقال لها


1) قُتل الموالي على يد شبث بن ربعي عند خروج المختار. ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص25-26.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص237.

3) المصدر السابق؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص51؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص264.

4) البلاذري، فتوح البلدان، ص308.

5) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص269؛ الدينوري، الأخبار الطوال: ص303-304؛ أنظر: عند مقتل الامام الحسين كيف حال عمرو بن الحجاج دون الحسين(علیه السلام) والماء. ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص412.

(الكلتانية)، أهلها من النبط(1)، وإن شمر بن ذي الجوشن ضرب نبطياً من أهلها، وأمره بحمل كتاب منه إلى البصرة لمصعب بن الزبير، فأمتثل النبطي لأمره، لكنه أعترف لأبي عمرة كيسان صاحب حرس المختار بمكان شمر بن ذي الجوشن، ففاجأه أبو عمرة مع أصحابه وقتلوه، قتله أبو الكنود الهمداني، فأمر له المختاربعشرة آلاف درهم وولاه أرض حلوان(2)، وقد تتبع أصحاب المختار قتلة الحسين(علیه السلام) خارج الكوفة، ذكر الطبري أنّ عبد الله بن أُسيد بن نزال الجهني، ومالك بن النسر البدي - وكانا متّهمين بسلب برنس الحسين(علیه السلام) - في القادسية ومعهما حمل بن مالك المحاربي، وإن المختار بعث إليهم بأبي النمران مالك بن عمرو النهدي فجاءه بهم، فحكم المختار على مالك بن النسر بقطع يديه ورجليه وهو ينظر إليها وحرقوه بالنار وقام سعر بن أبي سعر الحنفي، وعبد الله بن كامل الشاكري بقتل الجهني والمحاربي(3)، ومن الذين قُتِلوا عبد الله بن شداد الجهني، وأبو عثمان بن خالد بن أسيد، وزيد بن رقاد وكان مُتهماً بقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل، وكان يتفاخر بين الكوفيين بأنه رمى عبد الله بن مسلم بسهم في جبهته، فأتى عبد الله بن كامل داره وأمر أصحابه أن يرموه بالنبل(4)، ويذكر الطبري أن سعر بن أبي سعر الحنفي دل المختار على أصحاب الحلل؛ الذيننهبوا معسكر الحسين(علیه السلام) وهم: زياد بن مالك من بني ضبيعة، وعمران بن خالد القشيري، وعبد الرحمن بن


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص52؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص368.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص238؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص52-53؛ ابن خلدون، تاريخ: ج3، ص25. لاحظ كيف يؤخر الدينوري مقتل شمر حتى خروج أحمر بن شميط إلى المذار لملاقاة مصعب بن الزبير. ينظر: الدينوري، الأخبار الطوال: ص305.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص57.

4) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص269؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص371.

أبي خشكارة البجلي، وعبد الله بن قيس الخولاني، فقُتِلوا في السوق(1)، وضربت أعناق عبد الله وعبد الرحمن أبنا صلخب، وعبد الله بن وهب بن عمرو الهمداني، ابن عم الشاعر أعشى همدان(2)، ولاحق أصحاب المختار قتلة عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب؛ وهما خالد بن أُسيد الجهني، وأبو أسماء بشر الهمداني فقالوهما(3).

ومن الذين قتلوا خولّي بن يزيد الأصبحي، الذي احتزّ رأس الحسين(علیه السلام)، وذكر الدينوري أنّ المختار بعث أبا عمرة كيسان مع معاذ بن هانئ بن عدي الكندي إلى دار خولّي بن يزيد وكان مختبئاً، فدلته امرأته على مكان زوجها بإشارة من يدها؛ لإنّها كانت تنقم عليه اشتراكه في قتل الحسين(علیه السلام) فقتله أمام بيته(4)، وقد طلب أصحاب المختار قيس بن الأشعث الكندي، وكان ممن شارك في قتال الحسين(علیه السلام) وسلب خيام أهل البيت(علیهم السلام)، فاستجار بعبد الله بن كامل الشاكري، إلا أنّ المختار أضمر قتله، فاحتال على ابن كامل، وبعث أبا عمرة كيسان فأحضر قيس بن الأشعث من بيت ابن كامل، وقتله ثم استرضى ابن كامل(5)، ومن الذين قتلهم المختار أيضاً حبيب بن صهبان الأسدي(6)، وحكيم بن الطفيل الطائي وكان متهماً بقتل الحسين، إذ يذكر البلاذري أنه رمى الحسين(علیه السلام) بسهم في جبينه، وسلب ثياب


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص58.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص240؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص370.

3) الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص255. في مقتل عبد الرحمن بن عقيل، ينظر: الخوارزمي: ج2، ص30.

4) الدينوري، الأخبار الطوال: ص302؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص370، ان كثير، البداية والنهاية: ج2، ص275.

5) الدينوري، الأخبار الطوال: ص302.

6) خليفة بن خياط، طبقات خليفة، تح: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، (مصر، لا ت) ص325.

العباس بن علي(علیهما السلام) وإنّ أصحاب المختار أخذوه، فتشفّع فيه عدي بن حاتم الطائي عند عبد الله بن كامل الشاكري، فقال له ابن كامل: «أمره إلى الأمير المختار»(1)، ويبدو أنّ أصحاب المختار قد خشوا أن يشفع فيه المختار؛ لمكانة عدي ابن حاتم عنده فقتلوه بالنبال قبل أن يصل إلى المختار، وقد طلب أصحاب المختار بعض المتهمين فلم يقدروا عليهم، ومنهم الشاعر مسكين بن عامر الدارمي، الذي لجأ إلى آذربيجان عند عاملها محمد بن عمير بن عطارد(2)، كذلك فقد فَرَ منقذ بن مُرة العبدي إلى البصرة، وكان متهماًبقتل علي بن الحسين(علیهما السلام)، حيث لجأ إلى مصعب ابن الزبير وكان جريحاً فحماه(3)، ولم يقدر أصحاب المختار على موسى بن طلحة وكان ممن شارك في قتال الحسين(علیه السلام) (4)، كذلك الحال مع سنان بن أنس النخعي، وكان من المتهمين بقتل الحسين(علیه السلام) ؛ إذ التجأ إلى مصعب بن الزبير في البصرة(5)، وإنّ كلاً من عبد الله بن عروة الخثعمي، وحرملة بن كاهل الأسدي والذي كان متهماً بقتل عبد الله بن الحسين(علیهما السلام)، قد هربا إلى البصرة، لكنهما ماتا في الطريق من شدة العطش، فهدم المختار داريهما(6)، واستطاع عبد الله بن عقبة


1) أنساب: ج5، ص238؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص63-64؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص251.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص70.

3) المصدر السابق: ص64. في استشهاد علي بن الحسين(علیهما السلام) . ينظر: الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص35.

4) الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص150.

5) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص371، في استشهاد الحسين(علیه السلام) . ينظر: ابن طاووس، اللهوف: ص79-80.

6) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص371، في استشهاد عبد الله بن الحسين(علیه السلام) وهو علي الأصغر، ينظر: ابن طاووس، اللهوف: ص74؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص37.

الغنوي، والذي كان متهماً بقتل أبي بكر بن علي(علیهما السلام) أن يهرب إلى الجزيرة، فهدم المختار داره(1)، كذلك هرب شبث بن ربعي التميمي إلى البصرة، وكان ممن اشترك في قتال الحسين(علیه السلام) والتحق بمصعب بن الزبير، واستصرخه للقضاءعلى المختار(2)، وطلب أيضاً عمرو بن الصبيح الصائدي، وكان يقول لقد طعنت بهم وما قتلت أحداً، فأخذه المختار وقتله(3)، وطلب المختار محمد بن الأشعث الذي كان في قريته التي تقع جانب القادسية، فبعث إليه المختار بمائة فارس، عليهم عبد الله بن قراد الخثعمي وقيل حوشب البرسمي، فأحس بهم ابن الأشعث وهرب إلى البصرة عند ابن الزبير، فهدم المختار داره، وبنى بحجارتها دار حجر بن عدي الكندي(4)، ومن الفارّين أيضاً من الكوفة أسماء بن خارجة الفزاري، وكان قد وقف إلى جانب عبيد الله بن زياد في مقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة(5)، ويبدو أن مكانته في المصر منعت المختار من قتله؛ تحرجاً من القيسيين من أهل الكوفة، فكان المختار يحتال ليتدبر أمره من دون أن يغضبهم، لكن أسماء بن خارجة خاف على دمه فاستخفى، وتذكر الروايات أنّ المختار قال يوماًلجلسائه ساجعاً إن ناراً ستحرق دار أسماء(6)،


1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص371، في استشهاد أبو بكر بن علي(علیهما السلام) . ينظر: الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص36-37.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص94-95.

3) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص371.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص66؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص371-372؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج2، 272.

5) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص241، وفي اشتراك أسماء بن خارجة في قتل مسلم بن عقيل وهانئ ابن عروة، ينظر: الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص66-69؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج1، ص294-300.

6) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص241؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص256.

فلما بلغ أسماء بن خارجة كلامه قال: «أو سجع بي أبو إسحاق، لا قرار على زأر من الأسد»(1)، ثم فرّ هارباً من الكوفة، فهدم المختار داره، وتبين الأخبار أن المشاعر القبلية كان لها الأثر الكبير في أمر أسماء، فقد تحرج القيسيون من أصحاب المختار عن هدم دار أسماء بن خارجة، فتولت ربيعة واليمن ذلك(2)، وتشير الأخبار أنّ أسماء بن خارجة قد هلك بعد مدةٍ قصيرة من ترك الكوفة(3)، وقد كانت قمة انتقام أصحاب المختار في مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص وابنه حفص بن عمر، ويذكر أنّ عمر بن سعد خشي على دمه عندما سيطر المختار على الكوفة، فاستجار بعبيد الله بن جعدة بن هبيرة؛ لمعرفته بأنّ المختار يقرّبه(4)، فأجاره وحصل له على أمان من المختار هذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمان من المختار بن أبي عبيد لعمر بن سعد بن أبي وقاص، إنك آمنبأمان الله على نفسك ومالك وأهلك وأهل بيتك وولدك، لا تؤاخذ بحدث كان منك قديماً ما سمعت وأطعت ولزمت رحلك وأهلك ومصرك، فمن لقي عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد ومن غيرهم من الناس فلا يعرض لهم إلا بخير، وقد شهد على الأمان السائب بن مالك الأشعري، وأحمر بن شميط، وعبد الله بن شداد، وعبد الله بن كامل الهمداني ويزيد بن أنس الأسدي، شهدوا على المختار بن أبي عبيد بالعهد والميثاق والأمان لعمر بن سعد وولده ألا يحدث حدثاً، وكفى بالله شهيداً والسلام»(5).


1) الدينوري، الأخبار الطوال: ص303؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص256.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص241؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص256.

3) خليفة بن خياط، تاريخ: ج1، ص260؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص351.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص60-61.

5) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص245؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص253.

أما ما ذكره ابن اعثم من أنّ المختار يرتبط بصلة القرابة بعمر بن سعد، وأنّ عمر بن سعد هو زوج أخت المختار(1)، فهو خبر غير موثوق به، والأفضل استبعاده(2)، ويبدو أنّ أصحاب المختار لم يكونوا راضين عن الأمان(3)، وهذا سببٌ كافٍ لتجرد أصحاب المختار لقتله(4).ذكر البلاذري أنّ المختار قال يوماً لجلسائه: «لأقتلنّ غداً رجلاً عظيم القدمين، غائر العينين مشرف الحاجبين، يَسرُّ مقتله المؤمنين والملائكة المقربين»(5)، ويبيّن الطبري أنّ المختار بعث أبا عمرة كيسان ليأتيه بعمر بن سعد، وسمح له بقتله إن هو قاوم(6)، ويبدو أن عمر بن سعد حاول خداع أبي عمرة، فقتله، وأحضر رأسه إلى المختار، في حين يُبيّن الدينوري أنّ أبا عمرة أحضر عمر بن سعد وهو حي ثم قتله عند المختار(7)، والخبر يخلط بينه وبين ابنه حفص بن عمر، لأنّ حفصاً كان عند المختار عندما أحضر أبو عمرة رأس أبيه(8)، فلما رأى الرأس توجع لأبيه فقتله المختار ووضع رأسه إلى جنب رأس أبيه وقال: «هذا بالحسين(علیه السلام)، وهذا بعلي بن الحسين(علیهما السلام) ولا سواء، فوالله لو قتلت ثلاثة أرباع قريش لما وفّوا بأنملة واحدة من


1) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص246.

2) يذكر أن عمر بن سعد كان متزوجاً من أخت عميرة بن شهاب الكندي وأنها ولدت له حفص ابن عمر. ينظر: البلاذري، أحمد بن يحيى الكندي وأنها ولدت له حفص بن عمر، فتوح البلدان، تعليق: رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، (بيروت، 1978): ص283.

3) كان أصحاب المختار إذا مر بهم عمر بن سعد قالوا: هذا قاتل الحسين. ينظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص371.

4) ذكر ابن عبد ربه أنّ المختار استأجر نوائح يبكين الحسين عند باب عمر بن سعد. ينظر: ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص153.

5) أنساب الأشراف: ج5، ص237.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص60.

7) الدينوري، الأخبار الطوال: ص301.

8) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص61.

أنامل الحسين(علیه السلام) »(1).

ثم صلب الجسدين منكّسين، ثم أحرق داري عمر بن سعد وابنه حفص، وبعث برأسيهما إلى مكة ومعهما ثلاثون ألف دينار(2)، وكتب إلى محمد بن الحنفية: «بسم اللهالرحمن الرحيم، للمهدي محمد بن علي(علیه السلام) من المختار بن أبي عبيد الثقفي، سلام عليك، أمّا بعد، فإنّ الله تبارك وتعالى جعلني نعمة لأوليائكم ونقمة على قاتليكم وأعدائكم، فهم من فضل الله العزيز الحكيم بين قتيلٍ وأسيرٍ وشريد وطريد، فنحمد الله على ذلك أيها المهدي حمداً يستوجب منه المزيد في العاجلة، والمغفرة والرحمة في الآجلة، وقد وجّهت إليك برأسي عمر بن سعد وحفص بن عمر، وقد قتلت ممن شرك في دم الحسين(علیه السلام)، وأهل بيته من قَدِرت عليه ولن يعجز من بقي منهم، ولستُ ألتذّ بالمنام، ولا يسوغ لي الطعام، ولا يطيب لي الشراب ويبقى أحدٌ ممن شرك في دماء أهل بيتك، وأنا أرجو أن يقتل الله عبيد بن زياد وأصحابه المحلّين على يدي...»(3)، وعندما وصل الكتاب إلى محمد بن الحنفية قال: «اللهمّ لا تنس هذا للمختار، واجزه عن أهل بيت نبيك أفضل الجزاء»(4).

وقد ذكر الإمام محمد بن جعفر الباقر(علیهما السلام) نقض المختار للعهد بقوله: «أما أمان المختار لعمر بن سعد إلا أن يحدث، فإنّه أراد أن يدخل الخلاء فيحدث»(5).ولا نجد ذكراً لمشاركة إبراهيم بن مالك الأشتر في تتبع قتلة الحسين(علیه السلام)، فقد


1) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص246؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص370؛ ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: ص121.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص246؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص276.

3) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص246؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص254.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص247؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص255.

5) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص375؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص276.

بعثه المختار لملاقاة جيش عبيد الله بن زياد بعد يومين من موقعة جبانة السبيع(1)، وكان لكلٍ من عبد الله بن كامل الشاكري، وسعر بن أبي سعر الحنفي دورٌ كبير في ذلك، وترتبط أحداث تتبع قتلة الحسين(علیه السلام) بأبي عمرة كيسان، ويذكر أنه كان في مسلحة للمختار ضدّ أهل البصرة، فاستدعاه المختار ليشارك في المهمة(2)، ومع أن أبا عمرة لم يشارك إلا في تتبع وقتل ثلاثة من القتلة، لكن هذه العملية ارتبطت به بشكلٍ كبير(3)، فيذكر ابن منظور أنه كان إذا نزل البلاء ببعضهم قالوا: نزل بهم أبو عمرة، وفي هذا إشارة للبلاء من القتل والحرب، وكانت العرب تتشاءم به، فأبو عمرة في اللغة تعني الإقلال والجوع(4).

خامساً: موقعة الخازر ومقتل عبيد الله بن زياد

خامساً: موقعة الخازر(5)ومقتل عبيد الله بن زياد

بعد أن تمّ للمختار بن أبي عبيد الثقفي القضاء على حركة المناوئين له في موقعة جبّانة السبيع قام بإرسال إبراهيم بن مالك الأشتر لملاقاة جيش الشام والذي كان قد توجه نحو الموصل بقيادة عبيد الله بن زياد، وكان خروج إبراهيم بن الأشتر بعد موقعة (جبانة السبيع) بيومين، أي في اليوم السادس والعشرين من ذي الحجة سنة


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص81؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص377.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص237؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص53.

3) شارك في قتل شمر بن ذي الجوشن الضبابي وخولّي بن يزيد الأصبحي، وعمر بن سعد بن أبي وقاص. ينظر: البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص257-258؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص53-56؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص368-370.

4) ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم المصري (ت 711ﻫ/1311م)، لسان العرب المحيط، تح: عبد الله العلايلي، دار لسان العرب، (بيروت، لا ت): ج2، ص884.

5) الخازر: وهو النهر بين الزاب الأعلى والموصل، ويصب في دجلة، وكانت عنده الوقعة بين عبيد الله بن زياد وإبراهيم بن مالك الأشتر، وقد قُتِل فيها ابن زياد. ينظر: ياقوت، معجم البلدان: ج2، ص337.

66ﻫ/ 685م(1)، وقد وصل أرض الموصل في أوائل شهر محرم من سنة 67ﻫ/ 686م(2)، وتختلف الروايات في تاريخ الموقعة، ففي رواية الطبري أنّها حدثت في أوائل سنة 67ﻫ/ 686م(3)، في حين حدّدها المسعودي في العاشر من محرم سنة 67ﻫ/ 686م(4)، ولا تتفق الأخبار أيضاً على عدد جيش ابن الأشتر، فأقل الأعداد اثنا عشر ألفاً(5)، وأكثرهاثلاثون ألف رجل(6)، في حين يذكرهم ابن اعثم على أنهم أقل من عشرين ألفاً(7)، وإن العدد الأقرب إلى الصحة الذي كان يذكر أنّ جيش إبراهيم كان اثني عشر ألفاً، لأنه ينسجم مع المعلومات التي وصلتنا لعدد جيش إبراهيم بن الأشتر، وهو سبعة آلاف(8)، مضافاً إليه ثلاثة آلاف هم مجموع جيش يزيد بن أنس الأسدي(9)، ويبدو أن المختار أنتدب مع ابن الأشتر ألفين فقط من أصحابه، وكان أصحاب إبراهيم بن الأشتر جميعاً من العرب ومن مجرّبي الحرب(10)، وكان أكثر أصحابه من القبائل اليمانية حسب ما يفهم من التعبئة، كذلك الحال مع يزيد بن أنس، فهم أيضاً من العرب، من الفرسان المجرّبين الذين


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص81.

2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص379.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص81.

4) المسعودي، التنبيه والإشراف: ص270.

5) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص248؛ المسعودي، التنبيه والإشراف: ص270.

6) الدينوري، الأخبار الطوال: ص293.

7) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص277.

8) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص43.

9) المصدر السابق.

10) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص248؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص81؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص377.

انتخبهم بنفسه(1)، وبهذا يكون جيش ابن الأشتر من العرب المعروفين بفروسيتهم، وتبدو في أخبار الدينوري محاولة لإقحام الموالي وإعطائهم دوراً كبيراً في حركة المختار، وينسجم هذا مع ما أورده لموقعة الخازر، حيث أدّعى أنّ جيش ابن الأشتر من الموالي(2)، وهي محاولة لتشويه أخبار أصحاب المختار، وقد خرج مع ابن الأشتر أمراء الأرباع في الكوفة، وكان قادته من العرب رتّبهم على النحو التالي: قيس بن طهفة النهدي على ربع أهل المدينة، وعبد الله بن حية الأسدي على ربع مذحج وأسد، والأسود بن قراد الكندي على ربع كندة وربيعة، وحبيب بن منقذ الهمداني على ربع تميم وهمدان(3).

وكان لخروج إبراهيم بن الأشتر أهمية خاصة عند المختار، فقد سار معه مسافة طويلة خارج الكوفة ليودّعه(4)، وقد أوصى ابن الأشتر بثلاث وصايا هي: «خف الله في سرك وعلانيتك وجّدَ السير، وإذا لقيت عدوك فناجزهم ساعة تلقاهم»، وهذه الوصايا تدلّ على نظرة المختار العسكرية، وقد التزم بها ابن الأشتر، فاعتمد التعبئة والاستعداد مبكراً(5)، ابتداء بنزوله في حمام أعين، ثم موقع الكحيل(6)،وحتى تمركزه على الخازر عند قرية تسمى (بارثيا)(7)، وكان ابن الأشتر يُرسل طليعة أمامه، ويبدو أنّ وصوله مبكراً أكسبه ميزة هامة، فاختار الموقع بعناية وبدأ يعبئ أصحابه،


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص39.

2) الدينوري، الأخبار الطوال: ص293-295.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص87.

4) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص378؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص281.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص81، ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص378.

6) الكحيل: مدينة كبيرة بين الزابين فوق تكريت من الجانب الغربي. ينظر: ياقوت، معجم البلدان: ج4، ص240.

7) وهي كورة بين الموصل وأربيل. ينظر: الدينوري، الأخبار الطوال: ص295.

وقد أعطى ابن الأشتر للإعداد النفسي أهمية خاصة، إذ كان هذا اللقاء الفرصة الحقيقية للانتقام من قتلة الإمام الحسين(علیه السلام)، وفرصة المختار نفسه لتطبيق أهم نصوص دعوته التي جاء بها إلى الكوفيين، ويبدو أنّ هذا الأمر كان مبعث حماسة كبيرة، فقد جاء شريك بن جدير التغلبي على خيل ربيعة، ومعه ثلاثمائة من أصحابه للانتقام لدم الحسين(علیه السلام) (1)، وينقل الطبري صورةً مفصّلة لنشاط ابن الأشتر، حيث أظهر دوره الكبير في التعبئة النفسية قبل المعركة، ونقل الكثير من الخطب التي وجه فيها ابن الأشتر أصحابه للانتقام من قتلة الحسين(علیه السلام)، فيذكر في إحدى خطبه قائلاً: «يا أنصار الدين، يا شيعة الحق، يا شرطة الله، هذا قاتل الحسين(علیه السلام)، فما الذي تبقون له جدكم واجتهادكم بعد؟ هذا الذي حال بين الحسين(علیه السلام) وبين ماء الفرات...»(2).

ويبدو أنّ إبراهيم بن الأشتر بذل جهداً كبيراً في تعبئة أصحابه، وأظهر مقدرةً عسكرية فائقة في القتال، وكانأمراؤه على الكتائب هم: سفيان بن يزيد الأزدي على الميمنة، وعلي بن مالك الجشمي على الميسرة، وعبد الرحمن بن عبد الله أخو إبراهيم لأمه على الخيل، والطفيل بن لقيط النخعي على الرجالة، وجعل رايته مع مزاحم بن مالك السكوني، ثم وزّع الخيل في الميمنة والقلب، ووضع أمراء الأرباع في أماكنهم، وأخذ يبعث طلائعه مستطلعاً أخبار ابن زياد(3)، أما جيش عبيد الله بن زياد فقد تميّز بكثرته، إذ يذكر الطبري(4)أنهم ثمانون ألفاً أو يزيدون، ويبدو أنّ ابن زياد اعتمد على هذه الميزة، حتى أنه استهان بنصيحة عمير بن الحباب له بالعجلة بالسير لاختيار


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص90-91.

2) المصدر السابق: ص88.

3) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص249؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص78.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص43، بينما ذكرهم الدينوري على أنهم أربعون ألفاً، الأخبار الطوال: ص293.

الموقع(1)، ويبدو أنّ طبيعة الترتيب القبلي لجيش عبيد الله بن زياد، عملت على هزيمته، إذ إنّ قبائل قيس كانت تكره آل مروان بسبب موقعة مرج راهط، وكان لذكرى هذه الموقعة دورٌ حاسم في نتائج المعركة، التي انتهت لصالح المختار(2).

ويبدو من مسار الموقعة مشاعر أصحاب ابن الأشتر ورغبتهم في الانتقام(3)، مما أدى إلى انهزام أصحاب ابنزياد عند حلول الظلام فلاحقهم جيش ابن الأشتر حتى غرق أكثرهم في نهر الخازر(4)، فغنموا معسكرهم وكانت ذروة النصر بمقتل عبيد الله بن زياد، قيل: إنّ الذي قتله إبراهيم بن الأشتر(5)، وفي روايةٍ أخرى أنّ شريك بن جدير هو الذي قتله(6)، وقد قتل باقي أمراء أهل الشام، وهم شرحبيل ابن ذي الكلاع الحميري، والحصين بن نمير السكوني(7).

لقد حقّق هذا الانتصار للمختار أهم شعارات دعوته، وهي الثأر للإمام الحسين(علیه السلام)، وأبعد عن الكوفة خطر أهل الشام، ويبدو أنّ عامّة أهل الكوفة اعتبروا ذلك نصراً لمصرهم لا للمختار وأصحابه، وقد قيلت العديد من القصائد لشعراء الكوفة وكان بعضهم من المعادين للمختار(8)، ثم بعث إبراهيم بن الأشتر


1) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص313.

2) المصدر السابق؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص105.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص88.

4) المصدر السابق: ص90؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص281.

5) الدينوري، الأخبار الطوال: ص295؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص90؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص281-282.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص90-91؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص380-381؛ وقيل أن شريك بن جدير قد قتل الحصين بن تمير. ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص91.

7) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص181؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ص91.

8) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص92؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص381-382.

برأس عبيد الله بن زياد، ورؤوس أصحابه إلى المختار، والذي قام بدورهبإرسالها إلى الإمام علي بن الحسين(علیهما السلام) في المدينة، ويذكر أنّ الإمام لم يُرَ ضاحكاً يوماً منذ يوم كربلاء إلا في ذلك اليوم(1).

سادساً: نهاية المختار الثقفي

ولما تمّ لإبراهيم بن مالك الأشتر القضاء على جيش الشام، وقتل قادته واستيلائه على أرض الجزيرة أقام هناك، وكان المختار يكاتبه فلا يُجيبه(2)، وإنّ المختار قد بقي في عدد قليل من أصحابه(3)، مما أدى إلى انتهاز مصعب بن الزبير (أمير البصرة لأخيه عبد الله بن الزبير) الفرصة، وكاتب المهلب بن أبي صفرة وكان يحارب الخوارج، وبعث الكتاب مع محمد بن الأشعث الكندي؛ ليعطي للأمر أهمية كبيرة، «سُر إليه فليس أحدٌ سواك، فإنّه إذا نظر إليك رسولاً علم أنّ الأمر جدّ فلا يتخلّف، وأنظر أن لا تفارقه أو تشخصه معك»(4)، فدعا المهلب بأصحابه وقال: «إن الأزارقة لا يريدون إلا ما في أيديهم، والمختار يريد ما في أيديكم فذاك أولى بالدفع والنفع»(5)، ثم سار إلى البصرة فقرّبه مصعب، ثم أمر أصحابه بالتأهّب لحرب المختار، ثم خرج مصعب وخرج الناس معه من البصرة،وجعل على كل قبيلة رئيساً يقتدون برأيه، فجعل على قريش عمرو بن عبيد الله التيمي، وعلى تميم الأحنف بن قيس، وعلى أهل العالية من البصرة قيس بن الهيثم السلمي، وعلى بكر ابن وائل مسمع الجحدري، وعلى عبد قيس مالك بن المنذر بن الجارود العبدي،


1) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص181.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص284.

3) المصدر السابق.

4) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص382.

5) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص285.

وعلى كندة محمد بن الأشعث، وعلى مذحج عبيد الله بن الحر الجعفي، وعلى قبائل الأزد المهلب بن أبي صفرة(1).

وقد بلغ المختار ذلك فقام خطيباً في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد يا أهل الكوفة، فإنّ أهل مصركم بغوا عليكم، كما قتلوا ابن بنت نبيكم، فقد كانوا لجأوا إلى أمثالهم من الفاسقين الملحدين، فاستعانوا بهم عليكم، لما علموا أنّ ابن الأشتر قد خذلني، وقعد عن نصرتي، وقد بلغني أنهم خرجوا من البصرة يريدون قتلي ليضمحل الحق وينتعش الباطل، وليقتلوا أولياء الله، فانهدوا مع الأحمر بن شميط البجلي، فإني أرجو أن يهلكهم الله تعالى على أيديكم»(2)، فأجابه الناس بالسمع والطاعة، وخرج بهم الأحمر بن شميط حتى عسكروا بحمام أعين، ثم رحل حتى نزل المذار(3)في ثلاثة آلاف فارس، وأقبل مصعب بن الزبيرقريباً منه في سبعة آلاف فارس وراجل من أهل البصرة والأهواز، وممن فر من الكوفة خوفاً من المختار(4)، وجرى القتال بين الطرفين وكانت الغلبة لأصحاب ابن الزبير، وقُتل العديد من أصحاب المختار، وعلى رأسهم قائده أحمر بن شميط(5)، وقد نزل المختار همٌ عظيم؛ لِما لَقيَ أصحابه في موقعة المذار، فكتب إلى إبراهيم بن الأشتر فلم يجبه(6)، ثم سار مصعب حتى نزل حروراء(7)، وخرج المختار من الكوفة حتى نزل بإزائهم وقال:


1) الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص277-278.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص286؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص278.

3) المذار: موضع بين واسط والبصرة، وكانت فيها وقعة لمصعب بن الزبير والأحمر بن شميط قائد جيش المختار. ينظر: الحموي، معجم البلدان: ج4، ص232.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص286.

5) المصدر السابق: ص287؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص279.

6) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص287؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص279.

7) حروراء: وهي قرية قرب الكوفة بينهما نصف فرسخ وقد نزلها الخوارج بعد التحكيم. أنظر: اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص132.

«يا له من يومٍ لو حضرني فيه ابن الأشتر، ووالله ما من الموت بدّ»(1)، وجرى القتال بينهم، وقال رجلٌ من أصحاب المختار اسمه عبد الله بن عمرو النهدي: «ويحكم أروني الموضع الذي فيه محمد بن الأشعث فإنّه والله ممن قاتل الحسين(علیه السلام) وشرك في دمه، وقال له: أيُ قرابة بينك وبين رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) »(2)، وقد كان عبد الله هذا ممن شارك في صفين مع الإمام علي(علیه السلام) ثم قال: «اللهمّ إنّي على ما كنت عليه بصفين، اللهم وإنّي أبرأممن قتل آل بيت نبيك محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)، أو قاتلهم أو شرك في دمائهم»(3)، ثم حمل على أصحاب مصعب وقتل محمد بن الأشعث ثم قُتل(4).

تُعدّ موقعة المذار أول هزيمة ساحقة لأصحاب المختار خارج الكوفة، فقد قُتل فيها رؤوس أصحابه، ومنهم أحمر بن شميط البجلي، وعبد الله بن كامل الشاكري(5).

وذكر الطبري أنّ عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي كان جالساً عند المختار عندما وصلته أنباء الهزيمة، فتألم المختار وتمنّى ميتة كريمة مثل ميتة أحمر بن شميط، وبدا أنّه سيستميت بالقتال(6)، حيث بدأ يستعدّ للحصار ويتقوى بالأموال والسلاح في الوقت الذي انفتحت فيه الطريق إلى الكوفة أمام قوات مصعب بن الزبير، الذي أتخذ احتياطاتٍ عسكرية ذكية، تمثلت في قطع الطريق النهري أمام أصحاب


1) الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص279.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص288؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص279؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص384.

3) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص288؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص384.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص288؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص384.

5) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص287؛ الخوارزمي، مقتل الحسين: ج2، ص279؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص383.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص98.

المختار(1).ذكر الطبري أنّ أصحاب المختار الذين تحصّنوا معه كانوا ثمانية آلاف فقط، وأنّ غيرهم هرب إلى الدور عندما وصلت جيوش مصعب إلى الكوفة(2)، وقد أحكم مصعب الحصار على القصر، فوزّع أصحابه على الجبّانات، حيث بعث عبد الرحمن ابن الأشعث وزحر بن قيس إلى جبّانة مراد، وبعث عبيد الله بن الحر الجعفي إلى جبّانة الصائدين، وعباد بن الحصين إلى جبّانة كندة(3)، وكانت المؤونة تصل المختار وأصحابه عن طريق السبخة، تحضّرها النساء لهم، فندب مصعب بن الزبير عبيد الله بن الحر الجعفي لملاحقة السقائين، الذين استغلوا فرصة عطش أصحاب المختار، وأخذوا يبيعون شربة الماء بدينار أو دينارين(4)، وتختلف الروايات في مدة الحصار فقيل: إنّها أربعة أشهر(5).

ذكر الدينوري أنّ مدّة الحصار كانت شهرين(6)، وفي موضع آخر أنّها أربعون يوماً(7)، وبما أنّ عدد المحاصرين في القصر كان كبيراً ولا تكفيهم المؤونة مما يرجّح أنّ مدة الحصار كانت أربعين يوماً، وهو أقل الاحتمالات الواردة،وكان المختار يخرج أثناء الحصار مع أصحابه فيقاتلون قتالاً ضعيفاً ثم يعودون إلى القصر(8).


1) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص258؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص99.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص115.

3) المصدر السابق.

4) المصدر السابق؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص291؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص385.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص115.

6) الدينوري، الأخبار الطوال: ص307.

7) المصدر السابق.

8) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص280.

ويذكر أنّ صبيان الكوفة والبصرة كانوا يرمونه بالحجارة والماء القذر، وأنه شعر بعدم جدوى الحصار، فقرّر الخروج مستميتاً، إلا أنّه تراجع عندما تكاثر عليه أصحاب مصعب، وحاول إثارة أصحابه ببلاغة مؤثرة، حيث خطبهم بقوله: «إنّي والله إن قتلت لم تزدادوا إلا ضعفاً وذلاً، ثم إن أخذتم ذبحتم كما تُذبح الغنم، يقولون هذا قاتل أبي وهذا قاتل أخي، وإن قتلتم فمتم كِراماً»(1)، إلا أنّهم لم يستجيبوا له، وبدت النهاية أمام المختار واضحة، فتحنّط وتطيّب وخرج مستميتاً في عدد من أصحابه «لا أقل من سبعة عشر رجلاً، ولا أكثر من تسعة وعشيون»(2)، وقد رفض المختار أن يحكم في نفسه، وأندفع يقاتل حتى ألجأه أصحاب مصعب بن الزبير إلى حائط في سوق الزياتين وقتلوه مع أصحابه جميعاً(3).

وتختلف الأخبار فيمن قتله فقيل: قتله أخوان من عنزة؛ اسمهما طرفة وطريفة وقيل: إنّ تميماً تدّعي أنّ قاتله تميمي، في حين تدّعي ربيعة أنّ قاتله طراف بن يزيد الحنفي(4)،والمتّفق عليه أنه قُتل في اليوم الرابع عشر من رمضان سنة 67ﻫ/ 686م، وله من العمر سبعة وستون عاماً(5)، وقد أمر مصعب بن الزبير بقطع يد المختار اليُمنى، ثم سمرها على حائط المسجد، وبعث الرأس مع رؤوس وجوه أصحابه إلى مكة، وقيل: إنّ عبد الله بن الزبير نصب الرؤوس بالأبطح(6)، أما بخصوص الأسرى فإنّ أغلبهم تعرّض للقتل صبراً، وبدأ الكوفيون الموتورون يثأرون لقتلاهم(7).


1) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص262؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص108.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص107.

3) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص291.

4) المصدر السابق: ص292، وقيل: إنّ قاتله عبد الرحمن بن أسد. المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص106.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص116.

6) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص294.

7) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص181.

وتبيّن أخبار الأسرى أنّهم حاولوا التأثير على مصعب بن الزبير؛ ليستبقيهم، فأراد مصعب أن يقتل الموالي ويستبقي العرب(1)، لكنه رضخ أزاء تصلّب أشراف الكوفة ووافق على قتلهم جميعاً(2)، وتختلف الروايات في عدد المقتولين، فبعضها يذكر أنهم ستة آلاف(3)، وهناك رواية تشير أنهم سبعة آلاف(4)، وأقلّ الأعداد التي رويتسبعمائة(5)، ثمّ أخذ مصعب بن الزبير يبعث إلى رؤوس أصحاب المختار العرب المتخفين في دورهم، ويقتلهم صبراً(6)، ومنهم عبد الرحمن وعبد ربه ابنا حجر بن عدي الكندي، وعمران بن حذيفة بن اليمان(7)، وكان لهذه المجزرة الجماعية أثرٌ سلبي خارج الكوفة، فقد أبدى عبد الله بن عمر بن الخطاب غضبه واحتجاجه: «والله ما كانوا غنماً من تراث الزبير»(8)، كذلك توجّع عبد الله بن عباس للمختار ولمن قُتل معه(9)، وقد قتل مصعب بن الزبير زوجة المختار عمرة بنت النعمان بن بشير الانصاري، وهي أول امرأة ضُربت عنقها صبراً في الإسلام، فكان لمقتلها أثرٌ مفجع حتى ذكرها الشعراء وتوجعوا لها، ومنهم عمر بن أبي ربيعة المخزومي(10)، وقد انتقلت الكوفة بعد ذلك إلى الزبيريين وتفرق أصحاب المختار.


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص116؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص385.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص292؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص385-386.

3) الدينوري، الأخبار الطوال: ص309؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص116.

4) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص184؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص107.

5) الذهبي، تاريخ الإسلام: ج3، ص34.

6) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص270-271.

7) خليفة بن خياط، طبقات: ص350.

8) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص263؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص388.

9) ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص294؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص388.

10) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص184؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص293.

المبحث الثاني: حركة عبد الله بن الزبير

أولاً: رفض ابن الزبير لخلافة يزيد

من الحركات الكبيرة المناوئة لدولة بني أمية، والتي أحرزت نجاحاً كبيراً على مساحاتٍ واسعة من البلاد الإسلامية حتى أوشكت بعد موت معاوية بن يزيد سنة 64ﻫ/ 683م(1)، أن تنتزع من بني أمية كلّ شيء، وترجع حركة ابن الزبير إلى بداية خلافة يزيد بن معاوية، عندما رفض عبد الله بن الزبير مبايعة يزيد، وخرج إلى مكة قبل خروج الإمام الحسين(علیه السلام) بليلة، ولقد تناولنا ذكر ذلك سابقاً، ومن الواضح أنّ ابن الزبير كان يحدّث نفسه في الوصول إلى الخلافة قبل مدة ليست بالقصيرة، وذلك منذ أن تولى يزيد بن معاوية الخلافة، والظاهر أنّ المسلمين لم يُحبوا يزيد وأفعاله.

فنما الأمل في نفس عبد الله بن الزبير، وأصبح من المعارضين في مكة لخلافة يزيد، ولكن كيف الوصول إلى الخلافة مع وجود الإمام الحسين(علیه السلام)، فعمد بكلّ وسيلة أن يترك الحسين(علیه السلام) الحجاز ويتّجه نحو العراق، إذ يذكر الطبري كلام ابن الزبير للإمام الحسين(علیه السلام) قبل خروجه إلى العراق «أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها»(2)، وقد كان ابن الزبير حريصاً على أن يلبّي الإمام الحسين(علیه السلام) نداءات


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص502؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص140؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص309؛ أبي الفداء، تاريخ أبي الفداء: ج1، ص267.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص383؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص65؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص275.

أهل الكوفة، لا أملاً في نجاح ثورة الحسين(علیه السلام) ولا تأييداً له، ولكن ليُقتل الحسين(علیه السلام) فيخلو الجوّ له وقد أشار عبد الله بن عباس بذلك لابن الزبير(1)، كما صرّح الإمام الحسين(علیه السلام) حول ذلك بقوله: «إنّ هذا ليس شيئ يؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر معي من شيء، وأن الناس لا يعدلونه بي، فودّ أنّي خرجت منها؛ لتخلو له»(2).

وذكر ابن اعثم قائلاً: «ودخل الحسين إلى مكة، ففرح به أهلها فرحاً شديداً وجعلوا يختلفون إليه بكرةً وعشية، واشتدّ ذلك على عبد الله بن الزبير؛ لأنه كان قد طمع أن يبايعه أهل مكة، فلما قدم الحسين شقّ ذلك عليه»(3)، ويذكر المسعودي: «وبلغ ابن الزبير أنه يريد - يعني الحسين - الخروج إلى الكوفة، وهو أثقل الناس عليه، قد غمّه مكانه بمكة، لأنّ الناس ما كانوا يعدلونه بالحسين(علیه السلام)، فلم يكن شيء يؤتاه أحبّ إليه من شخوص الحسين(علیه السلام) عن مكة»(4).

وبعد خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى العراق بدأ عبد الله بن الزبير يجمع الناس حوله من الناقمين على بني أمية، فوجّه عامل يزيد على المدينة عمرو بن سعيد بن العاص جيشاً إلى مكة بقيادة عمرو بن الزبير، وكان هواه مع بني أمية وجرى القتال بين الأخوين، ودارت الدائرة على جيش عمرو بن الزبير، وتمّ أسره ثم اقتيد إلى السجن حيث مات هناك تحت ضرب السياط، وبعدها اشتدّت شوكة ابن الزبير،


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص384؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص276؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص167.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص383؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص276.

3) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص23.

4) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص65.

وأصبح المنافس الأول لسلطان الأمويين(1).

وقد اتخذ ابن الزبير من استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) سبباً لتحقيق أهدافه، واستغلّ واقعة كربلاء ذريعةً في استمالة العديد من المسلمين الذين رأوا في ذلك انتهاكاً لحرمة الإسلام والمسلمين، إذ يذكر ابن الأثير قائلاً: «إنّ عبد الله بن الزبير أظهر الخلاف على يزيد، وبويع بمكة بعد قتل الحسين(علیه السلام) فإنه لما بلغه قتل الحسين(علیه السلام) قام في الناس وعظّم قتله، وعابأهل الكوفة خاصة، وأهل العراق عامة...»(2)، وبدأ يحرّض الناس في الخروج على يزيد وقام فخطب بهم قائلاً بعد حمد الله والصلاة على نبيه(صلی الله علیه و آله و سلم) : «إنّ أهل العراق غدراء فجراء إلا قليلاً، وإنّ أهل الكوفة شِرار أهل العراق، وإنّهم دعوا الحسين(علیه السلام) لينصروه ويولّوه عليهم، فلما قَدِمَ عليهم ثاروا عليه فقالوا: إما أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سُمية فيمضي فيك حكمه، وإما أن تحارب، فرأى والله أنّه هو وأصحابه قليل في كثير فإن كان الله لم يطلِع على الغيب أحداً أنه مقتول، ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله الحسين(علیه السلام) وأخزى قاتله، لعمري لقد كان من خلافهم إياه وعصيانهم بما كان في مثله واعظ أو ناه عنهم، ولكنه ما قرر نازل، وإذا أراد الله أمراً لم يدفع أفبعد الحسين(علیه السلام) نطمئن إلى هؤلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهداً؟ لا والله، لا نراهم لذلك أهلاً، أما والله لقد قتلوه طويلاً بالليل قيامه، كثيراً في النهار صيامه، أحقُ بماهم فيه منهم، وأولى به في الدين والفضل، أما والله ما كان يبدل بالقرآن غيّاً، ولا بالبكاء من خشية الله حداً، ولا بالصيام شرب الخمر، ولا بالمجالس في حَلَق الذكر بكلاب الصيد - يعرض بيزيد -


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص344-347؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص153-158؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص126؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص266؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص151-152.

2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص305.

فسوف يلقون غيّاً»(1).

وهناك إشارة إلى أن يزيد قد هادن ابن الزبير، وحاول استمالته، وأرسل إليه وفداً أخبرهم أن يأخذوه بالرفق والتأني؛ إذ قال: «...وعليكم بالرفق والتأني، فإن أجاب إلى ذلكفخذوا بيعته وانصرفوا عنه، وإن أبى إلا العداوة وشقّ العصا فخوّفوه وحذرّوه ما نزل بالحسين بن علي، وليس الزبير عندي بأفضل من علي بن أبي طالب، ولا ابنه عبد الله بأفضل من الحسين بن علي...»(2).

ونفهم من كلام يزيد أنه لا يبالي بعد قتل الحسين(علیه السلام) أن يقتل أي شخص، مهما كانت مكانته في المجتمع الإسلامي، حتى لو استوجب ذلك غزو مكة(3)، وهذا ما حدث فعلاً، ويذكر الدكتور علي إبراهيم حسن أن يزيد كان مصمماً على أن يواجه ابن الزبير كما واجه الحسين(علیه السلام) من قبل(4)، وبعد أن هدّد الوفد ابن الزبير بغزو مكة إن لم يبايع ردّ عليهم المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان حاضراً عند ابن الزبير بكلام موجز، أوضح فيه عدم انقيادهم لأمر يزيد، وأوضح بأن، خلافته غير شرعية «والله ما كان أبوه أمير المؤمنين، وقد قتل وسفك دماء المؤمنين، وقد قتل ابن بنت رسول رب العالمين»(5).

وبعد أن تشاجر الطرفان وارتفعت الأصوات بينهم لم يُجبهم ابن الزبير إلى ما أرادوا، رجعوا إلى يزيد فأخبروه بامتناعه عن البيعة، فأمهله وأخذ يتأنّى في أمره(6)،


1) المصدر السابق.

2) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص150.

3) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص172.

4) التاريخ الإسلامي: ص286.

5) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص152.

6) المصدر السابق ؛ علي إبراهيم، التاريخ الإسلامي العام: ص286.

ويقول لأصحابه: «ويحكم! إني قتلت بالأمس الحسين بن علي، وأقتل اليوم عبد الله ابن الزبير! أخاف أن تشعث عليَّ العامة، ولا يحتمل ذلك لي ويستنغص عليَّ أمري»(1)، ثم تحرجت الأحوال وثار أهل المدينة بتحريض من عبد الله بن الزبير(2)، وقد تناولنا ذلك في أحداث موقعة الحرة وما جرى بعد ذلك من انتهاك الحرمات.

ثانياً: حصار مكة

ولما فرغ مسلم بن عقبة المرّي من قتال أهل المدينة ونهبها استخلف عليها روح ابن زنباغ الجذامي، وقيل: عمر بن محرز الأشجعي(3)، وتوجّه نحو مكة، وقد بايع أهلها وأهل الحجاز عبد الله بن الزبير(4).

وما كاد جيش الشام أن يصل إلى مكة حتى مات قائدهم مسلم بن عقبة المري في المشلل بالقرب من مكة(5)، وقد استخلف على القيادة الحصين بن نميرالسكوني، فسار الحصين حتى قدم مكة في 26 محرم سنة 64ﻫ/ 683م(6)، وقد اجتمع مع ابن


1) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص152-153.

2) علي إبراهيم، التاريخ الإسلامي العام: ص286.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص496؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص316؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص227.

4) البسوي، المعرفة والتاريخ: ص326؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص497؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص163؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص227؛ الريس، محمد ضياء الدين، عبد الملك بن مروان والدولة الأموية: ص19.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص496؛ ويذكر ابن قتيبة أنه مات بقديد. ينظر: الإمامة والسياسة (منسوب إليه): ج2، ص223. وقديد موضع قرب مكة. أنظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج4، ص355.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص497؛ أبي حنيفة، المناقب والمثالب: ص295؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص316؛ ابن الوردي، تاريخ ابن الوردي: ج1، ص334؛ بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية: ص129.

الزبير الفارّون من المدينة بعد موقعة الحرة، وجماعة من الخوارج النجدية وكان عليهم نجدة بن عامر الحنفي، ولم يكن رأيهم مع ابن الزبير لكنهم جاءوا مدافعين عن البيت(1).

ثم حاصر أهل الشام مكة، وقاموا يقاتلون أهلها ومن أنضمّ إليهم بقية شهر محرم وصفر كله، وفي الثالث من ربيع الأول سنة (64ﻫ/ 684م) أخذوا يرمون البيت الحرام بالمجانيق المنصوبة على جبل أبي قُبيس، وأحرقوه بالنار(2)، وذكر المسعودي: «...فتواردت أحجار المجانيق والعرادات على البيت، ورمي مع الأحجار بالنار والنفط ومشاقات الكتان وغير ذلكمن المحرقات، وانهدمت الكعبة واحترقت الأبنية...»(3).

وظل أهل الشام يحاصرون مكة ويرمونها بالمجانيق حتى بلغهم نعي يزيد بن معاوية(4)، فتوقّفوا عن القتال، وأرسل الحصين إلى عبد الله بن الزبير يطلب مهادنته(5)، ويذكر الطبري بقوله: «بينما الحصين بن نمير يقاتل ابن الزبير إذ جاء موت يزيد، فصاح بهم ابن الزبير، قائلاً: إنّ طاغيتكم قد هلك، فمن شاء منكم أن يدخل


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص497؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص164؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص316؛ علي إبراهيم، تاريخ الإسلام العام: ص287-288.

2) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص175؛ وقد سُمي هذا الحصار بالحصار الأول. ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص498؛ ابن الوردي، تاريخ: ج1، ص334؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص228؛ الشافعي، سمط النجوم العوالي: ج3، ص205-206.

3) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص81.

4) مات يزيد بن معاوية بقرية من قرى حمص يقال لها حوارين في 14 ربيع الأول سنة (64ﻫ/684م). ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص499؛ السيوطي، تاريخ الخلفاء: ص209.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص502؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص229.

فيما دخل فيه الناس فليفعل، ومن كره فليلحق بشآمه، فأخذوا عليه يقاتلونه»(1)، وعندما علم الحصين وأصحابه بموت يزيد طلبوا الدخول إلى المسجد ثم الانصراف ففتحت لهم أبواب المسجد ودخلوا إليه(2)

ابن الزبير لم يسمح لأهل الشام بدخول المسجد الحرام». أنظر: الإمامة والسياسة: ج2، ص232.

، وخاطب الحصين عبد الله بن الزبير هامساً فقال: «إن يكُ هذا الرجل قد هلك فأنت أحقّ الناس بهذا الأمر، هلمّ نبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام، فإنّ هذا الجند الذي معي هم وجوه أهل الشاموفرسانهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان...»(3). وطلب الحصين من ابن الزبير أن تُهدر الدماء التي كانت بينهم فقال ابن الزبير: «أنا أهدر تلك الدماء أما والله لا أرضى أن أقتل بكل رجل عشرة»(4).

وكان الحصين يكلم ابن الزبير سرّاً ويكلّمه ابن الزبير جهراً، فقال الحصين: «قبّح الله من يعدّك بعد هذه داهياً قط أو أديباً قد كنت أظنّ أنّ لك رأياً، ألا أراني أكلمك سِراً وتكلمني جهراً، وأدعوك إلى الخلافة وتعدني القتل والهلكة»(5)، وعلى أثر ذلك انصرف الحصين مع جنوده إلى الشام، وقد بويع معاوية بن يزيد بالخلافة وبويع عبد الله بن الزبير بالخلافة بالحجاز(6).

وقد أشار الدكتور طه حسين إلى حصار ابن الزبير قائلاً: «وكان في حصار ابن الزبير بمكة والمضي في هذا الحصار حتى يستسلم ابن الزبير مُقنع ليزيد وأصحابه،


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص501.

2) المصدر السابق؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص166، وينفرد ابن قتيبة بقوله: «أن

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص502؛ ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص166.

4) المصدر السابق.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص502؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص319.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص502؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص142؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص319؛ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص229.

ولكن جيش يزيد أبى إلا أن ينتهك حرمة مكة كما انتهك حرمة المدينة، وأسخط يزيد على نفسه بذلك أهلالحجاز وعامة المسلمين، كما أسخطهم بقتل الحسين(علیه السلام) »(1).

ثالثاً: البيعة لابن الزبير

بعد وفاة يزيد بن معاوية استخلف ابنه معاوية بن يزيد وذلك في ربيع الأول سنة 64ﻫ/ 683م(2)، فلبث فترة عن الناس، ثم خرج بعد ذلك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، فإني قد نظرت في أمركم فضعفت عنه، فابتغيت لكم ستة في الشورى مثل ستةِ عمر، فلم أجدها، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم، ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس، وتغيّب حتى مات»(3)، وذكر المسعودي قائلاً: «وملك معاوية ابن يزيد بن معاوية بعد أبيه، فكانت أيامه أربعين يوماً إلى أن مات، وقيل: شهرين وقيل: غير ذلك... ولما حضرته الوفاة اجتمعت إليه بنو أمية فقالوا له: أعهد إلى من رأيت من أهل بيتك، فقال: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم فكيف أتقلد وزرها وتتعجلون أنتم حلاوتها وأتعجل مرارتها؟ اللهم أني بريء منها متخلٍّ عنها...»(4)

ج3، ص82.

.

ويذكر أنه لم يقم بشيء من أمور الخلافة «...ولما استخلف كان مريضاً إلى أن مات، ولم يخرج إلى الباب، ولا فعل شيئاً من الأمور، ولا صلى بالناس وكانت مدة خلافته أربعين يوماً، وقيل: شهرين،وقيل: ثلاثة أشهر... وقال ما أصبت من حلاوتها فَلِمَ أتحمل مراراتها؟»(5).


1) طه حسين، الفتنة الكبرى: ج2، ص247.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص501؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد: ج5، ص140.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص530-531.

4) المسعودي، مروج الذهب:

5) السيوطي، تاريخ الخلفاء: ص211.

ومن هنا يتبين لنا أنّ معاوية بن يزيد، أراد إتباع المبدأ الإسلامي ولم يقبل بالوراثة والذي يدل على ذلك قوله حينما خطب الناس قائلاً: «أيها الناس، فإنا بلينا بكم وبليتم بنا، فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا، ألا وإنّ جدي معاوية بن أبي سفيان نازع الأمر من كان أولى به منه في القرابة برسول الله، وأحق في الإسلام، سابق المسلمين وأول المؤمنين، وابن عمّ رسول رب العالمين وأبا بقية خاتم المرسلين...»(1).

أما أهل الحجاز فقد بايعوا لعبد الله بن الزبير فور سماعهم بوفاة يزيد بن معاوية وتابعت الحجاز كلّ من اليمامة واليمن وبقية الجزيرة العربية في بيعتها لابن الزبير(2)، وبعد خلو مركز الخلافة بوفاة معاوية الثاني(3)، توجه جماعة من أهل مصر إلى الحجاز وبايعوا لابن الزبير، فأرسل إليهم عبد الرحمن بن جحدم الفهري(4)والياً عليهافدخلها في شعبان سنة 64ﻫ/ 684م، ودخل معه مصر جماعة من الخوارج(5)، من الذين كانت لهم علاقة حسنة بعبد الله بن الزبير؛ إذ كانوا يدافعون عن مكة ضد الجيش الشامي الذي كان محاصراً لها بقيادة الحصين بن نمير السكوني(6).

أما في العراق فقد كان الوالي آنذاك عبيد الله بن زياد(7)، وكان مقيماً في البصرة


1) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص177.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص501.

3) كانت وفاة معاوية بن يزيد بعد أبيه بأربعين يوماً. أنظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص503.

4) هو عبد الرحمن بن عقبة بن أياس بن الحرث بن أسد بن جحدم الفهري، والي مصر من قبل عبدالله بن الزبير أخرجه منها مروان بن الحكم بعد مصالحته على أن يخرج إلى مكة بماله وأهله وكتاب أمان إلى أهل مصر. أنظر: ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة: ج1، ص165.

5) المصدر السابق.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص497.

7) المصدر السابق: ص503، ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص166.

وخليفته على الكوفة عمرو بن حريث، وحين علم عبيد الله بن زياد بهلاك يزيد بن معاوية، نادى بالصلاة جامعة، وخطب في أهل البصرة قائلاً: «وإن يزيد قد توفي واختلف الناس بالشام، وأنتم اليوم أكثر الناس عدداً وأعرضهم فناءً وأغنى الناس وأوسعهم بلاداً فاختاروا لأنفسكم رجلاً ترضونه لدينكم وجماعتكم... فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجة، وما يستغني الناس عنكم»(1). فأجابوه قائلين: «نحن راضون بك حتى يجتمع الناس»(2)، فبسط عبيد الله بن زياد يده فبايعه أهل البصرة ثم انصرفوا عنه يمسحون أيديهم بالحيطان ويقولون: أيظنّ ابن مرجانة أنا ننقاد اليه في الجماعةوالفرقة، ثم أرسل عبيد الله رسولاً إلى أهل الكوفة يطلب بيعتهم، فأبوا عليه(3)، وحينما سمع أهل البصرة برفض أهل الكوفة لبيعة عبيد الله بن زياد خالفوه أيضاً ورفضوا بيعته، فخافهم على نفسه واستجار بمسعود بن عمرو سيد الازد في البصرة، فأجاره حتى هرب إلى الشام(4)، واتفق أهل البصرة على اختيار عبد الله بن الحارث(5)والياً عليهم(6).

أما أهل الكوفة فعند سماعهم بهلاك يزيد بن معاوية قاموا بطرد عمرو بن حريث خليفة عبيد الله بن زياد عليهم(7)، واتفقوا على تولية عامر بن مسعود


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص504.

2) ابن خياط، تاريخ خليفة: ج1، ص253.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص505؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص320.

4) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص167.

5) هو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب بن هاشم، أمه هند بنت أبي سفيان، ولد على عهد النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) يكنى أبا محمد كان ثقةً كثير الحديث، ولاه ابن الزبير البصرة ثم عزله بعد سنة، وقد خرج عبد الله هارباً في أيام الحجاج إلى عمان، فمات فيها سنة 79ﻫ/699م. ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص29-31؛ الزركلي، خير الدين، الإعلام، ط3، (لا م، 1969م): ج4، ص77.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص528؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص322.

7) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص524؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص320.

القرشي(1)، حيث قام عامر بن مسعود بأخذ البيعة لعبد الله بنالزبير(2).

وهكذا نرى أن عبيد الله بن زياد عجز عن ضبط أمور البصرة والكوفة عندما أختلّ الأمر في الشام، ونجا بنفسه هارباً من ثورة أعدائه الكثيرين، ثم كتب عبد الله ابن الزبير إلى أنس بن مالك أن يصلي بأهل البصرة والياً عليهم من قبله(3)، كما أرسل إلى الكوفة عبد الله بن يزيد الأنصاري(4).

وقد ذكرنا ذلك في أحداث حركة التوابين، واستمرت أوضاع العراق على هذا الحال حتى بعث عبد الله بن الزبير أخاه مصعب فحاز العراق له(5).

وعلى الرغم من أنّ الشام مركز الحكم الأموي لفترة طويلة، وأنّ أغلب سكانه من القبائل اليمانية المؤيدة لهم، وصاحبة اليد في تأسيس هذا الحكم في عهد معاوية الأول، فقد أعلنت بيعتها لابن الزبير؛ وذلك لخلو مركز الخلافة من شخصية تستطيع الوقوف بوجه ابن الزبير، كما أنّ قبائل الشام كانت منقسمة إلى فئتين (قيسية ويمانية) وكانت القيسية حانقة على الأمويين؛لتقريبهم أهل اليمن، لهذا أعلن زعيم القيسية في الشام الضحاك بن قيس الفهري تأييده لعبد الله بن الزبير، فبعث الأخير إليه بعهده(6)، وأصبح الضحاك بن قيس ممثلاً له في الشام(7).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص524.

2) المصدر السابق: ص529؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج3، ص325.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص528.

4) المصدر السابق: ص529.

5) ابن اعثم، الفتوح: ج5، ص197-198.

6) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج2، ص236. ينظر: حول أسباب بيعة أهل الشام لعبد الله بن الزبير، سناء كاظم حسن، حسان بن مالك بن بحدل الكلبي ودوره في العصر الأموي رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية التربية، ابن رشد، (بغداد، 2004م): ص89-90.

7) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، (منسوب إليه): ج2، ص236.

وفي حمص أعلن النعمان بن بشير الأنصاري بيعته لابن الزبير(1)لإيمان النعمان بأحقية ابن الزبير بالخلافة(2)، أما فلسطين فقد كانت تحت ولاية حسان بن مالك بن بحدل الكلبي بالرغم من أنّ سكانها من قبيلة جذام، وعندما أعلن ابن الزبير نفسه خليفةًً في مكة أرسل ناتل بن قيس الجذامي والياً على فلسطين والذي كان عنده آنذاك، وقال له: «أكفني فلسطين بما فيها من قومك جذام»(3)، فلما وصل إلى فلسطين أرسل إلى حسان بن مالك الكلبي قائلاً: «إما أنتخرج وإما أن أدخل عليك فأقتلك»(4)، وبهذا أصبحت فلسطين تابعة لابن الزبير، وكان سبب ميل ناتل بن قيس الجذامي إلى ابن الزبير يرجع إلى الصداقة التي بينهما(5)، وربما هو ناتج عن إحساسه بتجاهل الأمويين له بتوليتهم فلسطين موطن قبيلة جذام إلى حسان بن مالك الكلبي(6)، أما قنسرين فقد كانت تحت أمرة سعيد بن مالك بن بحدل الكلبي أخي حسان على الرغم من أنها مركز تجمع قبائل قيس، مما جعلها تحنق على الكلبيين وتنتظر الفرصة المواتية للتخلص من آل بحدل والأمويين وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة يزيد بن معاوية مما جعل زفر بن الحارث الكلابي يستغل هذه الظروف فيطرد سعيد بن مالك بن بحدل ويعلن بيعته لابن الزبير(7)، وكانت نتيجة هذا الاختلاف بين أهل الشام حدوث وقعة مرج راهط بين الضحاك بن قيس


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص531؛ كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، نقله إلى العربية نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي، ط7، دار العلم للملايين، (بيروت، 1977م): ص130.

2) البلاذري، أنساب الاشراف: ج5، ص11-12.

3) المصدر السابق: ص128.

4) المصدر السابق.

5) الاصفهاني، الأغاني: ج19، ص139.

6) سناء كاظم، حسان بن مالك بن بحدل ودوره السياسي في العصر الأموي، ص92.

7) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص535.

الفهري ومروان بن الحكم(1)الذي بويع بالخلافة أثناء مؤتمر الجابية(2)وكان النصر حليف مروان، ويذكر الطبريذلك قائلاً: «...وقتلت قيس بمرج راهط مقتلة لم يقتل مثلها في موطن قط»(3)، ولم تصل إمدادات ابن الزبير للدفاع عن ملكه، وقتل النعمان بن بشير وهرب زفر بن الحارث الكلابي، ولم تنصرهم دار الخلافة بمكة(4)، وعادت الأحداث لتصبّ في مصلحة ابن الزبير؛ حيث خرج التوابون من الكوفة لمقاتلة أهل الشام وفي العام نفسه توفي مروان بن الحكم وخلفه ابنه عبد الملك، ثم سيطر المختار على الكوفة وأرسل جيشاً لمحاربة جيش الشام بقيادة عبيد الله بن زياد فأنتصر أهل الكوفة، وقتل ابن زياد وعدد كبير من قواده، ثم استعان أهل الكوفة بمصعب بن الزبير لمقاتلة المختار، فدارت الدائرة على المختار، وسيطر مصعب على الكوفة، وقد أوردنا ذكر ذلك في صفحات سابقة.

ورغم أنّ الأوضاع كانت تسير إلى جانب ابن الزبير إلا أنه لم يتحرّك ولو لمرة واحدة ليحمي ما حصل عليه من ملك، ولم تكن صلته طيبة حتى بأقرب الناس إليه حيث قام بعزل أخيه مصعب الذي كسب إليه قلوب العراقيين(5)، فضلاً عن أن علاقته لم تكن طيبة مع بنيهاشم أصحاب القاعدة الشعبية الكبيرة، وأظهر لهم العداوة والبغضاء(6)، ولم يعمل على استمالة بعض الأمويين وشقّ صفوفهم بعد


1) بويع مروان بن الحكم بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد سنة 64ﻫ/683م.ينظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص530؛ ابن الكازروني، مختصر تاريخ: ص88.

2) الجابية: هي قرية من أعمال دمشق ثم من عمل الجيرون من ناحية الجولان قرب مرج الصفر في شمال حوران. ينظر: الحموي، معجم البلدان: ج2، ص91.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج5، ص534.

4) المصدر السابق: ص535-541.

5) المصدر السابق: ص117.

6) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص182.

مبايعة يحيى بن سعيد بن العاص له والانضمام لمعسكره(1).

وعندما قدم أهل العراق للحج مع مصعب بن الزبير سنة 70ﻫ/ 689م(2)، والذي خاطب أخاه قائلاً: «يا أمير المؤمنين قد جئتك برؤساء أهل العراق وأشرافهم، كلّ مطاع في قومه وهم الذين سارعوا إلى بيعتك، وقاموا بإحياء دعوتك، ونابذوا أهل معصيتك، وسعوا في قطع عدوّك فأعطهم من هذا المال»(3)، فقال عبد الله: «جئتني بعبيد أهل العراق وتأمرني أن أعطيهم مال الله، لا أفعل وأيم الله لوددت أن أصرّفهم كما تصرّف الدنانير بالدراهم، عشرة من هؤلاء برجل من أهل الشام، فقال رجل: علقناك وعلقت أهل الشام»(4).

ويبدو أنّ موقف أهل العراق قد تغير بعد هذه الحادثة، ولذلك كتبوا إلى عبد الملك ابن مروان بعد انصرافهم من ابن الزبير مباشرةً(5)، وبعد أن التقى مصعب بن الزبير بجيش الشام الذي كان بقيادة عبد الملك بن مروان فيمنطقة مسكن(6)خذله أهل الكوفة(7). وذكر الطبري روايةً مرسلة عن عروة بن المغيرة بن شعبة: «قال عروة بن المغيرة بن شعبة: فخرج يسير متكئاً - يعني مصعب بن الزبير - على عرف دابته ثم تصفح الناس يميناً وشمالاً فوقعت عينه عليَّ، فقال: يا عروة، إلي فدنوت منه، فقال: أخبرني عن الحسين بن علي(علیهما السلام) كيف صنع بإبائه النزول على حُكم ابن زياد


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص162-163.

2) المصدر السابق: ص150.

3) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج2، ص245.

4) المصدر السابق.

5) المصدر السابق.

6) مسكن: موضع على نهر الدجيل عند دير الجاثليق، به كانت الوقعة بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير، فقتل مصعب وقبره هناك، وقتل معه إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي. ينظر: الحموي، معجم البلدان: ج4، ص264-265.

7) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص156؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص11.

وعزمه عن الحرب؟فقلت: قال الحسين:

إنّ الألى بالطفّ من آلِ هاشِمٍ *** تأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا

قال: فعلمت أنه لا يريم حتى يقتل»(1). ثم جرى القتال بين الطرفين عند دير الجاثليق(2)

لقد أورث المصرين حزناً وذلةً *** قتيل بدير الجاثليق مقيمُ

فما قتلت في الله بكر بن وائل *** ولا صدقت عند اللقاء تميمُ

فلو كان في قيس تعطف حوله *** كتائب يعلي حميمها ويدومُ

ولكنه ضاع الزمان ولم يكن *** بها مضري يوم ذاك كريمُ

جزى الله كوفياً بذاك ملامة *** وبصريهم إن الكريم كريمُ

الحموي، معجم البلدان: ج2، ص503.

سنة 71ﻫ/ 690م، وكانالنصر حليف عبد الملك بن مروان، حيث قتل مصعب بن الزبير، وبايع أهل العراق لعبد الملك بن مروان(3).

ثم وجّه عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي لقتال عبد الله بن الزبير وذلك في سنة 72ﻫ/ 691م(4)، وقد بقي الحجاج محاصراً لابن الزبير في مكة ستة أشهر، حتى دخلت سنة 73ﻫ/ 692م، وفيها قتل ابن الزبير وبايع أهل مكة لعبد الملك بن مروان(5).


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص156.

2) دير الجاثليق: هو دير قديم البناء يقع في منطقة مسكن قريب بغداد في غربي دجلة، وهو في رأس الحد بين السواد وأرض تكريت، وعنده كانت الحرب بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير... وعنده قتل مصعب بن الزبير، فقال عبيد الله بن قيس الرقيات:

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص159؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص12؛ ابن العبري، تاريخ مختصر الدول: ص112؛ القلقشندي، مآثر الأنافة: ج1، ص129.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص174؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص337.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص187-190؛ ابن اعثم، الفتوح: ج6، ص339-342؛ ابن الأثير: ج4، ص23-25؛ القلقشندي، مآثر الأنافة: ج1، ص130.

المبحث الثالث: حركات المعارضة بعد عام الجماعة الثاني

أولاً: حركة مطرف بن المغيرة (77ﻫ/ 696م)

حينما أصبح الحجاج بن يوسف الثقفي والياً على العراق من قبل عبد الملك بن مروان وذلك في سنة 75ﻫ/694م(1)، دخل الكوفة وألقى فيها خطبته الشهيرة قائلاً: «يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق والنفاق والمراق ومساوئ الأخلاق، إنّ أمير المؤمنين نثر كنانته فجمعها عوداً عوداً، فوجدني أمرّها عوداً وأصعبها كسراً، فرماكم بي، وإنه قلّدني عليكم سوطاً وسيفاً، فسقط السوط وبقي السيف، وتكلم بكلام كثير فيه توعد وتهديد»(2).

وذكر المسعودي إحدى خطب الحجاج حيث يقول: «...إني والله لأرى أبصاراً طامحة، وأعناقاً متطاولة، ورؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإنّي أنا صاحبها، كأني أنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى»(3).

ويشير الدكتور علي إبراهيم حسن موضحاً خطبةالحجاج هذه بقوله: «وهذه الخطبة تبيّن سياسة الشدّة التي اعتزم الحجاج أن ينتهجها مع أهل العراق، فقد نشر بينهم حكماً عرفياً عسكرياً، وأسرف في القتل، فكان يأخذ بالريبة والظنّة، ويقتل قوماً ليرهب آخرين، وإنه ما ترك محتجاً على فعل إلا قضى عليه، وما كان يذكر أنه أجرأ


1) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص191، ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص178.

2) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص191.

3) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص134.

الناس على سفك الدماء...»(1).

لقد أدّت هذه السياسة إلى ثورة رجل من أهل بيت عرف بإخلاصه للدولة الأموية هو مطرف بن المغيرة بن شعبة(2)، فلما وليَّ مطرف المدائن صعد المنبر، ثم قال: «أيها الناس، إنّ الأمير الحجاج - أصلحه الله - قد ولاني عليكم وأمرني بالحكم بالحق والعدل في السيرة، فإن عملت بما أمرني به فأنا أسعد الناس، وإن لم أفعل فنفسي اوبقت وحظّ نفسي ضيعت ألا إنّي جالس لكم العصرين، فارفعوا إليّ حوائجكم وأشيروا عليَّ بما يصلحكم ويصلح بلادكم؛ فإني لن الدكم خيراً ما استطعت»(3)، إنّ من يقرأ خطبة مطرف بن المغيرة بإمعان يجد أنه كان رجلاً حيّ الضمير، فلم يعمِ عينه السلطان الذي حباه به الحجاج عن إدراك الظلم الفادح الذي أنزله بالأمة الإسلامية، وقد أتصل بهدعاة الخوارج فأرادوه أن ينضمّ إليهم، ويسلّم بإمرة المؤمنين لزعيمهم شبيب الخارجي، وأرادهم هو أن ينضمّوا إليه؛ ليعيدوا الأمر شورى في المسلمين، فأبى وأبوا(4). وقد استشار مطرف نصحاءه في الثورة فلم ينصحه بها أحد منهم(5)، ولكنه ثار بمن أجابه، وكلّم رؤوس أصحابه فقال: «أما بعد، فإنَّ الله كتب الجهاد على خلقه وأمر بالعدل والإحسان، وقال فيما أنزل علينا:


1) علي إبراهيم، التاريخ الإسلامي العام: ص299.

2) لقد كان مطرف بن المغيرة أحد أخوة ثلاثة قدموا على الحجاج بن يوسف الثقفي عندما أصبح والياً على العراق، وكانوا رجالاً صلحاء في قومهم، فأعجب بهم الحجاج واستعملهم، فكان عروة ابن المغيرة على الكوفة، ومطرف بن المغيرة على المدائن، وحمزة بن المغيرة على همدان. الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص284.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص284.

4) المصدر السابق: ج6، ص286-287؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص178.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص288-289؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص178

«وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»(1)، واني أشهد الله أني خلعت عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، فمن أحبّ منكم صحبتي، وكان على مثل رأيي فليتابعني، فإنَّ له الأسوة وحسن الصحبة، ومن أبى فليذهب حيث شاء فإني لست أحبّ أن يتبعني من ليس له نية في جهاد أهل الجور، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإلى قتال الظلمة، فإذا جمع الله لنا أمرنا كان هذا الأمر شورى بين المسلمين يرتضون لأنفسهم من أحبوا»(2).

وعندما أصبح مطرف قريباً من همدان أرسل إلى أخيه حمزة، وكان والياً عليها من قبل الحجاج أن يمدده بالمالوالسلاح، فقبل(3)، ثم إنّ مطرفاً كتب كتاباً إلى سويد بن سرحان الثقفي وإلى بكير بن هارون البجلي، وكانا في الري يحثّهما على نصرته جاء فيه: «أما بعد، فإنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإلى جهاد من عَنَدَ عن الحق واستأثر بالفيء، وترك حكم الكتاب، فإذا ظهر الحقّ ودمغ الباطل، وكانت كلمة الله هي العليا، جعلنا هذا الأمر شورى بين الأمة يرتضي المسلمون لأنفسهم الرضا، فمن قبل هذا منا كان أخانا في ديننا، وولينا في محيانا ومماتنا، ومن ردّ ذلك علينا جاهدناه، واستنصرنا الله عليه فكفى بنا عليه حجة، وكفى بتركه الجهاد في سبيل الله غبناً وبعد إهانة الظالمين في أمر الله وهناً...» (4).

وعندما وصل كتاب مطرف إليهما قدما عليه في نحو مائة رجل من أهل الري(5)، ثم إنّ الحجاج بعث إلى عدي بن وتاد وكان عامله على الري بالمسير إلى


1) المائدة: آية2.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج3، ص290؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص179.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص293؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص179.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص293؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص180.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص294؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص181.

مطرف، فسار إليه عدي، وجرى القتال بينهما وانهزم أصحاب مطرف، وقتل هو وبعث برأسه إلى الحجاج(1)، وبهذا فقد انتهتهذه الحركة بالفشل منذُ ولادتها، وقد كانت تحمل في طياتها شيئاً من منهاج ثورة الإمام الحسين(علیه السلام)، ويقول الدكتور ضياء الدين الريس في ثورة مطرف وسياسة الحجاج قائلاً: «لقد ثار مطرف بن المغيرة وكان آنذاك والياً على المدائن، فلم يرض عما وصفه بأنه: (سياسة جور وتسلط بالجبرية) وقام بثورة عام (77ﻫ/696م) تبعه فيها ناس كثير...»(2).

ثانياً: حركة عبد الرحمن بن الأشعث

ثار عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث سنة 81ﻫ/700م معلناً خلع الحجاج ابن يوسف الثقفي أمير العراق، ومن ثم الخليفة عبد الملك بن مروان(3)، إذ رأى عبد الرحمن بن الأشعث أنه ليس من مصلحة المسلمين أن يتوغلوا داخل سجستان وبلاد رتبيل حتى يعيدوا تنظيمهم، لكن الحجاج رفض ذلك، وبعث كتاباً إلى عبد الرحمن ابن الأشعث موبخاً له وعلى أنه يهادن عدواً ضعيفاً ذليلاً(4)، ويشير فلهاوزن إلى أنّ ثورة ابن الأشعث ثورة هزمها الحكم الأموي، وقدجاءت نتيجة إدراك الشعب أن الفتوح لا تصبّ بمصلحته الخاصة(5)، وعرض عبد الرحمن على جنوده أمر الحجاج بعد أن بين لهم رأيه الذي استقرّ عليه بعد أن استشار قواده


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص298.

2) الريس، محمد ضياء الدين، عبد الملك بن مروان والدولة الأموية: ص192.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص334؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج6، ص224.

4) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص194؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص334-335؛ الريس، عبد الملك ابن مروان والدولة الأموية: ص213-214.

5) يوليوس فلهاوزن، الدولة العربية وسقوطها: ص190.

وأمراء جنده، ثم قال: «...وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم، وأبي إذا أبيتم»(1)، فشار إليه الناس وقالوا: «بل نأبى على عدو الله، ولا نسمع له ولا نطيع»(2).

وقام عامر بن واثلة الكناني فقال: «أما بعد، فإنّ الحجاج يرى بكم ما رأى القائل الأول: احمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك، إنّ الحجاج ما يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلاداً كثيرة اللهوب واللصوب، فإن ظفرتم فخنتم أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء الخضاع الذي لا يبالي عنتهم ولا يبقي عليهم، اخلعوا عدو الله الحجاج، وبايعوا عبد الرحمن فإنّي أشهدكم أنّي أول خالع»(3).

فوثب الناس إلى عبد الرحمن بن الأشعث، فبايعوه على خلع الحجاج، ونفيه من أرض العراق وقفلوا راجعين حتى إذا بلغوا فارس خلعوا عبد الملك بن مروان، وبايعوا على كتابالله وسنة نبيه، وعلى جهاد أهل الضلالة وخلعهم وجهاد المحلين(4)، ولما بلغ عبد الرحمن البصرة بايعه جميع أهلها وقرائها وكهولها، مستبصرين في قتال الحجاج ومن معه من أهل الشام وخلع عبد الملك، وأن سبب إسراع أهل البصرة إلى مساندة الثورة هو الظلم والجوع(5)، وقد بلغ التذمر غايته، والناس يستغيثون وينادون يا محمداه! يا محمداه! في آخر إجراء اجتماعي واقتصادي يمارسه الحجاج بأمره بترحيل الناس إلى قراهم الأصلية وأخذ الجزية منهم، فكان


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص335؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص78.

2) المصدر السابق.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص335-336؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص78.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص338؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص79.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص341؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص79؛ محمد مهدي، ثورة الحسين: ص257.

القراء يبكون ألماً ويلتهبون غيظاً(1)، لهذا ولغيره، ولما رأوه طويلاً من تضييع لمعالم الدين، فوافقت ذروة تذمرهم هذه حركة ابن الأشعث ودخوله البصرة، فكانت فرصتهم التي لم يجدوا مسوّغاً للتفريط بها، ولقد عبرت نداءاتهم عن مبادئهم وحددت عوامل نهضتهم، كما في ندائهم الوجيز الجامع: «قاتلوهم على جورهم في الحكم، وتجبرهم في الدين، واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة»(2)، وفي نداء آخر: «قاتلوهم على دينكم، فو الله لئن ظهرواعليكم ليُفسدنَّ عليكم دينكم، وليغلبن على دنياكم»(3)، وقد كان شعارهم «يا ثارات الصلاة»(4)، وبهذا فقد قدم ابن الأشعث على مجتمع معبأ ينتظر قائداً، فاستجاب المجتمع هذه الاستجابة السريعة، واستبصر قراء البصرة في قتال الحجاج مع عبد الرحمن بن الأشعث(5).

وقد كان دخول ابن الأشعث البصرة في أواخر سنة 81ﻫ/ 700م(6)، وبعد أن حلّت سنة 82ﻫ/700م، خرج الحجاج من البصرة ونزل الزاوية(7)، أما ابن الأشعث فنزل الخريبة(8)واتخذها معسكراً له ثم جرى القتال بين الطرفين(9)، وكان


1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص79؛ صائب عبد الحميد، تاريخ الإسلام: ص545.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص358؛ الذهبي، تاريخ الإسلام: ج6، ص11.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص357؛ الذهبي، تاريخ الإسلام: ج6، ص11.

4) الذهبي، تاريخ الإسلام: ج6، ص10.

5) محمد مهدي، ثورة الحسين: ص258.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص341؛ ابن خلدون، تاريخ: ج3، ص48.

7) الزاوية: موضع بالبصرة تبعد عنها فرسخين، فيها قصر أنس بن مالك كانت للحجاج وابن الأشعث وقعة فيها، وكان النصر حليف الحجاج. ينظر: ياقوت، معجم البلدان: ج1، ص128.

8) الخريبة: وهو تصغير خربة، موضع بالبصرة، كان فيها قصر للفرس، ثم خرب وعندما جاء المسلمون سموه الخريبة. ينظر: ياقوت، معجم: ج2، ص363.

9) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص342؛ ابن تغري بردي: ج1، ص203-204.

مع الحجاج ثلاثة وعشرون ألفاً من جند الشام ومن تبعهمن أهل العراق، أما ابن الأشعث فاجتمع له ستون ألفاً من الكوفة والبصرة والموالي(1)، وانتهت المعركة بهزيمة ابن الأشعث، وخلف عسكره وأتجه نحو الكوفة(2)، وبعد أن استقرّ ابن الأشعث بالكوفة واجتمع إليه أهلها، ومن جاء من أهل البصرة وقراءها، وقد تبعهم الحجاج حيث نزل بدير قرة(3)، ونزل عبد الرحمن بن الأشعث بدير الجماجم(4)، وقد اجتمع إليه الناس حيث بلغوا مائة ألف، وقيل: مائة وعشرين ألفاً يأخذون العطاء(5)، ثم جرت مفاوضات بين الخلافة وابن الأشعث، وكان من المقترحات المساواة بالعطاء بين أهل العراق وأهل الشام وأن يتولى ابن الأشعث ولاية جزء من العراق إلا أنها فشلت(6)، ودارت معركة كبيرة عرفت بدير الجماجم انتهت بهزيمة ابنالأشعث، وكان ذلك في أوائل سنة 83ﻫ/ 702م(7)، وقام الحجاج بعد ذلك بقتل عدد من القراء صبراً؛ منهم كميل بن زياد النخعي صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام) (8)، وبعد أن هُزم ابن الأشعث في دير الجماجم اجتمع إليه الفارون من الحجاج من أهل الكوفة والبصرة وجرت المعركة الفاصلة


1) ابن اعثم، الفتوح: ج7، ص134.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص343.

3) دير قرة: دير بإزاء دير الجماجم، نزله الحجاج، وقرة: هو الرجل الذي بناه وهو من لخم أيام المنذر بن ماء السماء. ينظر: ياقوت، معجم البلدان: ج2، ص526.

4) دير الجماجم: أرض بظاهر الكوفة على شاطئ الفرات؛ وسمّي بدير الجماجم بوقعة إياد على أعاجم كسرى، وجمعوا جماجمهم كالكوم. ياقوت، معجم البلدان: ج2، ص503.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص347، ابن الجوزي، المنتظم: ج6، ص231-234.

6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص347.

7) المصدر السابق: ص362-364؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص85.

8) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص365؛ محمد جواد، الشيعة والحاكمون، ص158-159.

والتي عرفت بموقعة مسكن، وقد انهزم بها ابن الأشعث وفرّ إلى رتبيل(1)، ثم أرسل الحجاج إلى رتبيل أن يرسل إليه ابن الأشعث، فأراد رتبيل أن يرسله، فلما أحيط بابن الأشعث ألقى نفسه من فوق قصر فمات(2).

ويوضّح الذهبي سبب خروج ابن الأشعث قائلاً: «وأقبل عبد الرحمن بن الأشعث من سجستان في جمع كبير، وقام معه علماء وصلحاء الله تعالى؛ لما انتهك الحجاج من إماتته وقت الصلاة، ولجوره وجبروته، فقاتله الحجاج وجرى بينهما مصافاة عدة، ودامت الحرب أشهراً قتل فيها خلق من الفريقين، وفي آخر الأمر انهزم ابن الأشعث،وفرّ إلى الملك رتبيل ملتجئاً إليه، فقتل سنة 84ﻫ/ 703م»(3).

ويشير الدكتور ضياء الدين الريس إلى سبب خروج ابن الأشعث مبرّراً أنّ خروجه كان كرد فعل لسياسة الحجاج في العراق: «وقد كان لأهل العراق شكاوى يجب الاعتراف بعضها بأنها كانت عادلة، فمن ذلك أنّ الدولة كانت تسير على قاعدة تفضيل أهل الشام ومنحهم أعطيات أكبر، وكان جند الشام يقيمون بالعراق، فيتأذى بهم الناس، فكانت هذه محاباة أو تحيزاً، وسياسة المحاباة تضر الدولة؛ لأنها تفسد القلوب، كما أن الحجاج كان صارماً في عقوبته، شديداً على أهل الخراج، مسرفاً في الدماء، والواقع أنه كان يعامل العراق كأنه إقليم محتلّ، ويعامل أهله كأنهم شعب مغلوب»(4)، ومهما تكن من مبررات ودوافع لثورة ابن الأشعث، فإنّها قد انطلقت من مبادئ نصرة الضعفاء، وإقامة العدل والمساواة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي أهم السمات التي قامت من أجلها الثورة الحسينية.


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج6، ص369.

2) ابن خلدون، تاريخ: ج3، ص52؛ الراوي، العراق في العصر الأموي: ص182.

3) الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج3، ص98.

4) الريس، محمد ضياء الدين، عبد الملك بن مروان والدولة الأموية: ص217.

ثالثاً: ثورة زيد بن علي(علیهما السلام)

تعد حركة زيد بن علي بن الحسين(علیهما السلام) إحدى حركات المعارضة التي كان لثورة الإمام الحسين(علیه السلام) أثر واضح فيها؛ إذ كان شعار الثأر للإمام الحسين(علیه السلام) أحد أهدافها،فضلاً عن رفع شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد كتب الشيخ المفيد في إرشاده: «...وكان زيد بن علي بن الحسين(علیهما السلام) عين إخوته بعد أبي جعفر(علیه السلام) وأفضلهم، وكان عابداً، ورعاً، فقيها، سخياً، شجاعاً، وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطلب بثارات الحسين(علیه السلام) »(1)، والثأر لدم الإمام الحسين(علیه السلام) كان هدفاً أساسياً من أهداف ثورة زيد بن علي(علیهما السلام) ولكن ليس بالأسلوب الذي مارسته الحركات السابقة، بل بطريقة تناسب مستوى قيادتها، ونوعية رجالاتها وظرفها الزماني، «هي حركة استهدفت القضاء على النظام الأموي الحاكم، فحاولت السيطرة على الكوفة لتكون نقطة انطلاق أولية للحركة باتجاه إسقاط الشام»(2)، ولم تذكر كتب التاريخ سبباً مباشراً لحركة زيد بن علي(علیهما السلام) بل ذكرت العبارة التالية: «اُختلف في سبب خروجه»(3)، وهناك من يذكر أنّ سبب خروج زيد يرجع لخلاف شخصي كان بينه وبين هشام بن عبد الملك (105ﻫ - 125ﻫ)(4)، مما يوحي بأنّها حركة كان وراءها الحميّة للنفسليس إلا! وهذا قدح كبير، وإن لم يكن أصحاب التاريخ يعتقدونه، فكيف يصح لزيد وهو المعروف ديناً وعلماً وفقهاً وشرفاً، أن


1) الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج2، ص157 .

2) الساعدي، نوري حاتم، ثورة زيد بن علي عند أهل البيت(علیهم السلام)، تقديم: السيد جعفر مرتضى العاملي، ط2، مطبعة الغدير، (لاا م، 2004م): ص92.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص160؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج7، ص207؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص240.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص165؛ ابن الكازروني، مختصر التاريخ: ص100.

يخوض الدماء، لأنّ هشاماً قد أهانه وحطّ من منزلته. فيذكر ابن الطقطقي(1)قائلاً: «كان زيد من عظماء أهل البيت(علیهم السلام)، علماً وزهداً وورعاً وشجاعةً وديناً وكرماً»، أما أنّ الخلاف الذي كان مع هشام بن عبد الملك لم يكن سوى محفّز أخير لقيام الثورة، وهناك نصّ جاء على لسان هشام بن عبد الملك قال فيه: «لقد بلغني يا زيد أنّك تذكر الخلافة وتتمنّاها، ولست هناك وأنت ابن أمة»(2)، إذ إنّ كلّ شيء كان قد نضج في قلب زيد من قبل هذا اللقاء، وسوف يؤكده جواب زيد نفسه، فهو لا يعتذر ولا ينفي، بل يؤكد أهميته لذلك، فيقول: «ليس أحد أولى بالله ولا أرفع عنده منزلةً من نبيٍّ ابتعثه، وقد كان إسماعيل(علیه السلام) من خير الأنبياء، وولد خيرهم محمداً(صلی الله علیه و آله و سلم)، وكان إسماعيل ابن أمة وأخوه ابن صريحة مثلك، فاختاره الله عليه وأخرج منه خير البشر، وما على أحدٍ من ذلك؛ إذ كان جده رسول الله وأبوه علي بن أبي طالب ما كانت أمه»(3)، وقد أظهر زيد بن علي(علیه السلام) أهدافاً لثورته، فقد دعا إلى الكتاب والسنة وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، والعدل في قسمة الفيء ورد المظالم، وإرجاع من كان ملازماً مدةً طويلة في الثغور، ونصر أهل البيت على من نصب لهم وجهل حقهم(4)، هذه الأهداف الكبيرة التي دعا إليها زيد بن


1) ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: ص132.

2) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص227؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص165؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص218؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص241. باختلاف يسير في اللفظ.

3) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص227؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص165-166؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص218؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص241؛ ابن خلدون، تاريخ: ج3، ص98.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص172؛ ابن الجوزي، المنتظم: ج7، ص210؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص242.

علي(علیه السلام)، والتي دعا الإمام جعفر بن محمد الصادق(علیهما السلام) إلى نصرتها(1)، وناصر تلك الحركة أيضاً من الفقهاء والعلماء: منصور بن المعتمر وسفيان الثوري، ويزيد بن أبي زياد، وهلال بن حباب، وسليمة بن كهيل، والحسن ابن سعيد الفقيه وغيرهم(2)، ويذكر الاصفهاني قائلاً: «...إنّ محمد بن جعفر بن محمد(علیهم السلام) قال: رحم الله أبا حنيفة، لقد تحقّقت مودته لنا في نصرته زيد بن علي(علیهما السلام) ...»(3)، وإنّ أبا حنيفة قد زوّد زيداً وأصحابه بمال وسلاح وخيل؛ ليستعين بها على جهاد عدوّه(4).كان خروج زيد بن علي(علیهما السلام) سنة 122ﻫ/ 738م(5)، وهو أول زعيم علوي يمارس تحركاً سياسياً منذ موقعة كربلاء(6)، وقد أورد الطبري سبب خروج زيد ابن علي(علیهما السلام) إلى أنّ والي الكوفة يوسف بن عمر قد زعم أنّ الوالي السابق - وهو خالد ابن عبد الله القسري - قد اعترف بإيداعه لدى زيد مبلغاً كبيراً من المال في وقت سابق(7)، وكان هذا يرمي إلى تحقيق هدف أبعد من محاكمة والي معزول(8).

وقد دعا يوسف بن عمر خالد بن عبد الله القسري ليشهد بتلك الأموال على زيد، فأنكر خالد أن يكون له عند زيد أية أموال أو ودائع(9)، وبعد ذلك طلب يوسف بن عمر من زيد أن يسرع بالرحيل والخروج من الكوفة بناء على أمر هشام الذي أمره أن لا يطيل المقام في الكوفة؛ خوفاً من أن يدعو الناس إلى ما كان يحدّث


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص181؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص246.

2) الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص97.

3) المصدر السابق؛ صائب عبد الحميد، تاريخ الإسلام، ص556.

4) الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص97؛ صائب عبد الحميد، تاريخ الإسلام، ص556.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص180-181.

6) إبراهيم بيضون، التيارات السياسية: ص344.

7) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص166.

8) إبراهيم بيضون، التيارات السياسية: ص334.

9) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص162؛ الراوي، العراق في العصر الأموي، ص172.

نفسه بالوصول إلى الخلافة، وكان هشام قد شعر بذلك حينما هدّده زيد قائلاً: «أخرج ولا تراني إلا حيث تكره»(1)، وقد أبطأ زيد بالخروج من الكوفة لمّا وجد من أهلها ميلاً إليه وتشجيعاً منهم بالثورة، وقد لحقوا به إلى خارج الكوفة وأقنعوه بالرجوع، إذ قالوا له: «معك أربعون ألفاً إن رجعت إلى الكوفة لم يتخلّف عنك أحد، وأعطوه المواثيق والأيمان المغلّظة»(2).

وذكر ابن الطقطقي أن أهل الكوفة لحقوا بزيد وقالوا له: «أين تذهب يرحمك الله ومعك مائة ألف سيف نضرب بها دونك وليس عندنا من بني أمية إلا نفر قليل...»؟(3)، ولما استقرّ زيد في الكوفة وثبّت مركزه عند أهلها أخذ يرسل دعاته إلى الكور والأمصار يدعوهم إلى نصرته وتأييده، ولقت دعوته تأييداً لها في الموصل وواسط وخراسان والري والجزيرة وجرجان(4)، وقد اتفق زيد مع من بايعه على موعد لإعلان الثورة والخروج على النظام الأموي، لكن يوسف بن عمر كان على علم بتحركات زيد، فأخذ يلحّ في طلبه ومضايقته حتى اضطر زيد إلى إعلان الثورة قبل الموعد المحدّد(5)، وكانذلك سبباً من أسباب فشل الثورة، أما السبب الآخر فيورده الطبري: «فلما رأى أصحاب زيد بن علي(علیهما السلام) الذين بايعوه أن يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد، وأنه يدس إليه ويستبحث عن أمره، اجتمعت إليه جماعة من رؤوسهم فقالوا: رحمك الله ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما،


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص166؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص241.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص167-168؛ المدرسي، محمد تقي، التاريخ الإسلامي دروس وعبر، ط7، دار محبين للطباعة، (لا.م، 2004): ص87-88.

3) ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: ص132.

4) الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص98؛ ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: ص132.

5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص180؛ الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص98.

ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيراً، قالوا: فلم تطلب إذاً بدم أهل هذا البيت، إلا أن وثبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم»(1)، وبهذا وبعد أن ذكر زيد الشيخين بأفضل ما يقال تركه عدد كبير ممن كان قد بايعوه من قبل، حيث لم يرَ زيد أنّ من الخلق الطعن بأصحاب رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أو الانتقاص من مكانتهم(2)، وكان هذا السبب الثاني لفشل الثورة، أما السبب الثالث لفشل الثورة فهو أنّ العديد من أصحاب زيد قد حوصروا في المسجد ومنعوا من الخروج(3)، وكان كلّ من جاء إلى زيد هم مائتين وثمانية عشر رجلاً ونادى بشعاره (يا منصور أمت، أمت يا منصور)(4)، وكان هذا شعار مسلم بن عقيل من قبل، وقد أطلق تيمناً بثورة الإمام الحسين(علیه السلام)، وقد أدتهذه الأسباب إلى أن تخنق الثورة في مهدها بسبب الجيش الأموي الذي كان مرابطاً في العراق(5)، وقتل قائد الثورة، زيد بن علي(علیهما السلام) وصلب في كناسة الكوفة وبقي مصلوباً حتى مات هشام بن عبد الملك، حيث أمر الوليد بن يزيد أن يحرق جثمان زيد ويذر في نهر الفرات، وكان مقتله في سنة 122ﻫ/739م (6).

وعلى الرغم من فشل الثورة واستشهاد قائدها إلا أنّ أهل الكوفة قد أنضمّوا إلى يحيى بن زيد المتّجه نحو خراسان(7)، وقد استطاع يحيى بن زيد السيطرة على بعض


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص180-181.

2) الراوي، العراق في العصر الأموي، ص173-174.

3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص182؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص246.

4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص182؛ الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص91.

5) محمد مهدي شمس الدين، ثورة الإمام الحسين: ص259-260.

6) البسوي، المعرفة والتاريخ، ص348؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص187-189؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص218-219؛ القلقشندي، مآثر الأنافة: ج1، ص152.

7) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص187؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص248.

المناطق في بلاد فارس، وهزم جيشاً للأمويين مؤلفاً من عشرة آلاف مقاتل، وقتل قائدهم(1)، واستمرّ القتال بين يحيى وأتباعه وجيوش الأمويين حتى قُتل في إحدى المعارك سنة (125ﻫ/742م) في قرية من قرى الجوزجان(2)،ويشير فلهاوزن قائلاً: «ولئن كان عصيان زيد قد انتهى انتهاءً مفجعاً فإنّه مهمّ، ذلك لأنّ ثورات الشعب التي حدثت بعده والتي أدّت إلى انهيار دولة دمشق انهياراً نهائياً كانت ذات علاقة بها، وسرعان ما ظهر أبو مسلم بعد وفاة يحيى آخذاً بثأره قاتلاً: قتلته»(3)، وهذا يبرز بوضوح عظيم تأثير ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) في تغذية الروح الثورية ومدّها بالعطاء، فما ثورة زيد إلا قبس من ثورة جدّه في كربلاء.

رابعاً: الثورة العباسية 132ﻫ

ظهر العباسيون على مجرى الأحداث السياسية عندما سلّم أبو هاشم عبد الله ابن محمد بن علي بن أبي طالب (الصحيفة الصفراء) إلى محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس، وقد ذكر فيها أمراء الدعوة وأسماء الدعاة ومحلاتهم، وأسماء أحياء العرب وقبائلها التي تساند الدعوة، والوقت الذي تبدأ به(4)وعلاماتها(5)، وظهرت


1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص229؛ الاصفهاني، مقتل الطالبين: ص105.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص230؛ المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص225؛ الاصفهاني، مقتل الطالبين: ص105؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص260.

3) يوليوس فلهاوزن، الدولة العربية وسقوطها: ص271.

4) انطلقت الدعوة العباسية السرية سنة 100ﻫ/718م من الحميمية في خلافة عمر بن عبد العزيز، ويبدو ذلك من قول محمد بن علي العباسي لأنصاره (هذا وإن ما نؤمن ونرجو من ذلك لانقضاء مائة سنة من التاريخ). ينظر: الدينوري، الأخبار الطوال: ص334؛ ابن خلدون، تاريخ: ج3، ص100.

5) مؤلف مجهول، أخبار العباس وولده، تح: عبد العزيز الدوري وعبد الجبار المطلبي، دار صادر، (بيروت، 1971م): ص184-185.

الدعوة العباسية في مرحلة التنظيم والإعداد بواجهات مختلفة، ورفعت شعارات متعددة من أجل كسب كلّ العناصر المستاءة من الحكم الأموي، فنشر الدعاة بين كل فئة المبادئ التي ترتضيها تلك الفئة ووعدوها بتحقيقها(1)، وكان من شعارات الدعوة العباسية (الرضا من آل البيت)، والعمل بموجب (كتاب الله وسنة نبيه) وكذلك (القضاء على أهل الجور)، ثم (الثأر) لآل البيت(2). لقد استغلت الدعوة العباسية كلّ العناصر المستاءة من الحكم الأموي، حيث كانت خطّة العباسيين الترحيب والاستفادة بأية فكرة معارضة، وإثارة الاضطرابات ضدّ الأمويين في أي منطقة استطاعوا(3)، وإنّ العباسيين قد استغلوا شيعة العلويين من أجل إقامة دولتهم، لأنهم قد عرفوا أنّ شيعة العلويين هم الحزب القوي المعارض الذي عمل من أجل إسقاط الحكم الأموي، ويذلوا من أجل ذلك الكثير، ولاقى رجال الشيعة ما لاقاه الأئمة الأطهار من القتل والتنكيل(4).وقد كان الناس يقولون بعد زوال ملك الأمويين: «الحمد لله الذي أتانا بأهل بيت نبينا»(5)، وإنّ العباسيين كانوا يتذرّعون بثأر الحسين، وزيد وولده يحيى، لقد استغل بنو العباس سخط الناس على بني أمية ومعارضة الشيعة لحكمهم، وتعلق الناس بالعلويين فأظهروا أنّ غايتهم الأولى إسقاط الأمويين وإراحة الناس من


1) فاروق عمر، طبيعة الدعوة العباسية، ط1، دار الإرشاد، (بيروت، 1970م): ص99-100؛ الخضري، محمد، محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية، مطبعة الاستقامة، (القاهرة، 1959م): ص14.

2) عمر، فاروق، طبيعة الدعوة العباسية: ص223.

3) المصدر السابق.

4) محمد جواد مغنية، الشيعة والحاكمون، ص214.

5) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص330.

ظلمهم ثم يختارون من تتفق عليه الكلمة من آل بيت الرسول(1)،«...فالعباسيون لم يقدّموا في بدء الأمر أشخاصاً منهم ولا من غيرهم، وإنما قدّموا المبدأ الذي يدافعون عنه»(2)، ويذكر المسعودي استغلال حادثة كربلاء وما جرى على العلويين من قبل النظام الأموي: «ولما أوتي أبو العباس برأس مروان - آخر خلفاء بني أمية - ووضعه بين يديه رفع رأسه فقال: الحمد لله الذي لم يبق ثأري قبلك وقبل رهطك، والحمد لله الذي أظفرني بك وأظهرني عليك، ثم قال: ما أبالي متى طرقني الموت، قد قتلت بالحسين(علیه السلام) وبني أبيه من بني أمية مائتين، وأحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي(علیهما السلام) وقتلت مروان بأخي إبراهيم»(3).

ويشير فلهاوزن إلى ذلك قائلاً: «كان العباسيون يعملون مااستطاعوا على أن يخفوا عن الناس أنهم كانوا يريدون تنحية بني فاطمة، بل كانوا يظهرون أنهم يعملون من أجل بني فاطمة، وظهروا في خراسان وغيرها بدعوى أنّهم يريدون أن يثأروا لشهداء أبناء فاطمة... وكان لابدّ لهم أن يتخذوا حزب الشيعة؛ عماداً لهم إزاء بني فاطمة...»(4).

ويوضّح بروكلمان قيام العباسيين باستغلال ما جرى على العلويين وشيعتهم من قبل الأمويين قائلاً: «ولقد ذهبوا إلى أنّ آل النبي أي عقب علي، هم أصحاب الحقّ في أن يسيطروا على الدولة الإسلامية»(5)، وبعد أن استتبّ الأمر للعباسيين قاموا باحتضان فكرة المهدي المنتظر، وادّعوا أن المهدي الموعود منهم وسمّى المنصور


1) محمد جواد مغنية، الشيعة والحاكمون، ص214.

2) المصدر السابق.

3) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص271؛ الحميري، الروض المعطار، ص118.

4) يوليوس فلهاوزن، الدولة العربية وسقوطها: ص489.

5) بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية: ص166.

ولده محمداً بالمهدي؛ تمويهاً على الناس! ولقد كان قبل يقول في محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي إنّه المهدي، فلما صار المُلك لهم بدّل قوله، وقال كذب عدو الله بل هو ابني(1)، وقد بشّر داود بن علي العباسي بدعوى المهدوية قبل ذلك بفترة، وفي أول خطاب للعباسيين في الكوفة فقال: «واعلموا أن هذا الأمر فينا وليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم(علیه السلام) والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا»(2).وبهذا فقد حقّقت الدعوة العباسية هدفها المنشود، وهو القضاء على الخلافة الأموية، لإقامة خلافة هاشمية يتزعّمها الفرع العباسي، وقد لاحظنا من خلال شعارات الدعوة وأهدافها أنها دعوة ظهرت للثأر لأهل البيت(علیهم السلام) واستغلال ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) لصالحهم الخاص؛ لما كان لهذه الثورة من تأثير في نفوس المسلمين عامة والشيعة بصورة خاصة.


1) الاصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص158.

2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ج7، ص428؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص326.

الخاتمة

أرجو أن ينال بحثنا المتقدّم رضا القارئ، داعياً الباحثين إلى بذل جهود لإضافة أشياء قد غفل عنها الباحث؛ للوصول إلى تغطية الموضوع من جميع جوانبه.

لقد كان لثورة الإمام الحسين(علیه السلام) الأثر الواضح في تحطيم الإطار الديني الذي اتخذه الأمويون؛ لدعم سلطانهم، فثورة يقودها الإمام الحسين(علیه السلام) كفيلة أن تفضح الزخرف الديني الذي يتظاهر به الحكام الأمويون، وأن تكشف هذا الحكم وبعده عن مفاهيم الإسلام، وذلك لما يتمتع به الإمام الحسين(علیه السلام) من محبة وإجلال في قلوب المسلمين، وقد رأيت مصداق ذلك عند الحديث عن إقامته في مكة، ثم عند الحديث عن خروجه منها إلى العراق.

وقد وجدنا أنّ الإمام الحسين(علیه السلام) هو الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يفضح الحكام الأمويين ويكشف حقائقهم، وقد وضع موقف الأمويين من ثورة الحسين(علیه السلام) خطاً فاصلاً بين الدين الإسلامي والحكم الأموي، حيث إنّ قتل الحسين(علیه السلام) وأهل بيته، والتمثيل بأجسادهم، وسبينسائهم، كلّ ذلك قد جرّد الأمويين من الصبغة الدينية والإنسانية، وقد عمل ذلك على تقويض كل ركيزة دينية للحكم الأموي في نفوس المسلمين.

وكان لثورة الحسين(علیه السلام) واستشهاده في كربلاء، وما سبّبته هذه النهاية وهذا المصير أثر عظيم من ذلك إثارة الشعور بالإثم في ضمير كلّ مسلم استطاع نصره ولم ينصره، وسمع واعيته فلم يجبها، وهذا ما وجدناه واضحاً بعد استشهاد الإمام

الحسين(علیه السلام) فقد دفع الشعور بالإثم كثيراً من الجماعات الإسلامية إلى العمل لإسقاط النظام الأموي، وكان التعبير الطبيعي للرغبة في التكفير وللحقد هو الثورة، وهكذا فقد استهدف الأمويون الثورات التي أجّجها استشهاد الحسين(علیه السلام)، وبسبب الشعور بالإثم كان موقف المسلمين من الحكم الأموي موقفاً عقلياً نابعاً من إدراك بعد الأمويين عن الدين وظلمهم، كما غدا ذلك موقفاً عاطفياً أيضاً إذ إنّ هذا الشعور حدا بالكثيرين إلى الثورة كعمل انتقامي يقصد به التشفّي، وهذا يفسّر لنا كثيراً من الثورات الفاشلة، التي كان من الواضح فشلها قبل اشتعالها، فقد كان سببها هو الرغبة في الانتقام ؛ تلبية للدافع العاطفي وعندما يقع الإنسان تحت وطأة موقف عاطفي طاغ تغيب عنه احتمالات الفشل والنجاح، ومما لا ريب فيه أنّ هذا العامل النفسي جعل موقف المسلمين من الحكم الأموي أكثر إيجابيةوحرارة، وأسبغ عليه صفة انتقامية، وجعله عاملاً يحسب له حساب عند الحاكمين، إنّ الموقف العقلي فقط يمكن السيطرة عليه، والتشكيك فيه بأساليب كثيرة، أما حين يكون الموقف عاطفياً فإنّ الأمر يختلف تماماً، وذلك لأنّ العاطفة الصادقة تمتاز بالاشتعال والفوران والديمومة، ورفض وجهات النظر المقابلة، ولقد كان الشعور بالإثم عند هؤلاء المسلمين عميقاً وصادقاً.

وقد قدّر لهذا الشعور أن يبقى مشتعل الأوار وحافزاً دائماً إلى الثورة، والانتقام وقدّر له أن يدفع الناس إلى الثورات على الأمويين كلما سنحت الفرصة، ثم لا يرتوي ولا يستكين وإنما يطلب من صاحبه ضريبة الدم باستمرار، وكان سبيل ذلك هو الثورة على الظالمين.

ولكي نخرج بفكرة واضحة عن مدى تأثير ثورة الحسين(علیه السلام) في بعث روح الثورة في المجتمع الإسلامي يحسن بنا أن نلاحظ أنّ هذا المجتمع أخلد إلى السكون عشرين عاماً كاملة قبل ثورة الحسين(علیه السلام) لم يقم خلالها بأي ثورة رغم توفر الدواعي

إلى الثورة خلال هذه الأعوام الطوال.

فمنذ استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام) وغدا أمر الحكم الأموي خالصاً إلى حين ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) لم يقم في المجتمع الإسلامي أيّ احتجاج جدّي على ألوان القتل والاضطهاد واحتكار الأموال، وكان موقف الجماهير هو موقف الخضوع والتسليم، عشرون عاماًمرّت على المجتمع الإسلامي - من سنة إحدى وأربعين إلى سنة ستين للهجرة - وهذه هي حالته، وتغيرت هذه الحالة بعد سنة إحدى وستين أي بعد ثورة الحسين(علیه السلام)، فقد بدأ الشعب يثور، وبدأت الجماهير ترقب زعيماً يقودها، وهي مستعدّة للثورة وللتمرّد على الأمويين في كلّ حين، ولكنَّها تحتاج إلى من يقودها، وكلما وجد القائد وجدت الثورة، وبدأ الشعب يتعاطف مع كلّ تمرّد يقوم ضد النظام الأموي، وكان هذا التعاطف يصدر حتى من الأشخاص الذين لم يشاركوا في هذه الحركات.

وفضلاً عن ذلك فإنّ فكرة الثأر للإمام الحسين(علیه السلام) قد تطورت بسرعة وتمخّضت عنها حركات ثورية، وتلك الحركات اتخذت ثلاثة أساليب، الأول كان على أيدي التوابين، وهذا الأسلوب ظهر مباشرة بعد استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) وتبناه كبار الشيعة الموالين للإمام الحسين(علیه السلام)، حيث اعتقدوا أنّ ذنب قتله(علیه السلام) لا يغتفر إلا بالقيام بحركة استشهادية ضد النظام الأموي، وقد ارتكز هذا التحرك على طلب التوبة من الذنب العظيم من خلال العمل العسكري الاستشهادي، أما الثاني فتمثل في القضاء على الأشخاص الذين شاركوا في واقعة كربلاء، وقد ظهر بعد فترة قصيرة من شهادة الإمام الحسين(علیه السلام) على يد المختار الثقفي، وفي الحقيقة أنّ المختار أفاد من تجربة التوابين في عين الوردة؛ لأنه أشرف عليها وشاهدنهايتها، فسعى في تطوير حركته بما يخدم هدفه.

أما الثالث، فهو أسلوب مواجهة النظام والسعي لإسقاطه من خلال الثورة في

إحدى حواضر العالم الإسلامي، ثم توسيع نطاقها للإطاحة بالحكم الأموي، وهذا الأسلوب تمّ على يد زيد بن علي(علیهما السلام) ؛ إذ كانت حركته تستهدف الثأر للإمام الحسين(علیه السلام)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال إسقاط النظام الأموي، وقد تكلّل ذلك على أيدي العباسين الذين اتخذوا من استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) وزيد بن علي(علیهما السلام) ذريعة لإعلان ثورتهم.

قائمة المصادر والمراجع

اشارة

القرآن الكريم.

أولاً: المصادر الاولية

ابن الاثير، ابو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الواحد الشيباني، (ت630 ﻫ/1232م).

1- أسد الغابة في معرفة الصحابة، تح: علي محمد وعادل أحمد، دار الكتب العلمية، (بيروت، 2001م).

2- الكامل في التاريخ، دار الكتاب العربي، (بيروت، 1978م).

الاصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين، (ت356ﻫ/966م).

3- الأغاني، دار الفكر، (بيروت، 1991م).

4- مقاتل الطالبين، تح: أحمد صقر، مؤسسة النبراس، (النجف، 2003م).

ابن أعثم، أبو محمد احمد بن أعثم الكوفي، (ت314ﻫ/926م).

5- الفتوح، تح: علي شيري، ط1، دار الاضواء، (بيروت، 1991م).

البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي، (ت256ﻫ/859م).6. التاريخ الكبير، تح: مصطفى عبد القادر أحمد، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، 2001م).

7- صحيح البخاري، تح: أحمد محمد شاكر، ط1، دار الاضواء، (بيروت، 1991م).

البسوي، أبو يوسف يعقوب بن سفيان، (ت277ﻫ/890م).

8- المعرفة والتاريخ، تح: أكرم ضياء العمري، ط1، مطبعة الارشاد، ( بغداد، 1976م ).

البكري، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز الاندلسي، (ت487ﻫ/1094م).

9- معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، تح: مصطفى السقا، مطبعة التأليف والنشر، (القاهرة، 1951م).

البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر، (279ﻫ/892م).

10- أنساب الأشراف، تح: محمد باقر المحمودي، ط2، مطبعة باسدار إسلام، (قم، 1999م).

11- فتوح البلدان، تح:رضوان محمد رضوان، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، 1978م).

البيهقي، إبراهيم بن محمد، (320ﻫ/932م).

12- المحاسن والمساوئ، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، (القاهرة، 1961م).

البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي،(ت458ﻫ/1065م).

13- السنن الكبرى، دار المعرفة، (بيروت، 1982م).

الترمذي، محمد بن يحيى بن سور، (ت279ﻫ/892م).

14- سنن الترمذي، ط1، دار احياء التراث العربي، (بيروت، 1984م).

ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف الأتابكي، (ت874ﻫ/1469م).

15.النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة، المؤسسة المصرية للتأليف، (القاهرة، 1963م).

_ الثقفي، أبو أسحاق إبراهيم بن محمد بن سعد الكوفي، (ت283ﻫ/868م).

16. الاستنفار والغارات، تح: عبد الزهراء الحسيني، دار الأضواء، (بيروت، 1987م).
الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، (ت255ﻫ/868م).

17- البيان والتبين، تح:عبد السلام محمد هارون، ط2، مكتبة الخانجي، (القاهرة، 1968م).

ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، (ت597ﻫ/1200م).

18- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، تح: محمد عبد القادر، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، 1992م).

ابن أبي حاتم، أبو محمد عبد الرحمن بن محمد،(ت327ﻫ/938م).

19- الجرح والتعديل، ط1، دار المعارف العثمانية، (الهند، 1952م).

ابن حجر، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي، (ت852ﻫ/1448م).

20- الإصابة في تمييز الصحابة، تح: طه محمد، ط1، مطبعة السعادة، (القاهرة، 1910م).

21- تهذيب التهذيب، ط1، دار الفكر، (بيروت، 1984م).

22. الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة، تح: عبد الوهاب عبد اللطيف، مكتبة القاهرة، (مصر، د ت).
ابن أبي الحديد، أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله المدائني، (ت656ﻫ/1258م).

23- شرح نهج البلاغة، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الجيل، (بيروت، 1988م).

الحميري، محمد بن عبد المنعم، (749ﻫ/1348م).

24- الروض المعطار في خبر الأقطار، تح: إحسان عباس، ط4، مكتبة لبنان، (بيروت، 1984م).

الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، (ت463ﻫ/1070م).

25- تاريخ بغداد او مدينة السلام، دار الكتب العربية، (بيروت، د ت ).- ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، (ت808ﻫ/1455م).

26- العبر وديوان المبدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، مؤسسة الاعلمي، (بيروت، 1971م).

ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن أبي بكر، (ت681ﻫ/1282م).
27. وفيات الأعيان وانباء أبناء الزمان، تح:محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، (مصر، د ت).
خليفة بن خياط، الليثي العصفري، (ت240ﻫ/854م).

28- تاريخ خليفة بن خياط، تح:أكرم ضياء العمري، ط1، مطبعة الاداب، (النجف، 1967م).

29. طبقات خليفة بن خياط، تح: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، (مصر، دت).
الخوارزمي، أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي، (ت568ﻫ/1172م).

30- مقتل الحسين، تح: محمد السماوي، ط2، مطبعة انوار الهدى، (النجف، 1998م).

_ الديار بكري، الحسين بن محمد بن الحسن، (ت966ﻫ/1558م).

31. تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، (القاهرة، 1866م).- الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود، (ت282ﻫ/895م).

32- الأخبار الطوال، تح:عبد المنعم عامر، ط2، المكتبة الحيدرية، (قم، 1969م).

الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، (ت748ﻫ/1374م).

33- تاريخ الاسلام و وفيات المشاهير والأعلام، تح:عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، (بيروت، 2003م).

34- سير أعلام النبلاء، تح:محمد عبادي عبد الحليم، ط1، مطبعة السلام، (المغرب، 2003م).

الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، (ت538ﻫ/1143م).

35- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الفكر، (بيروت، د.ت).

ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع الزهري، (ت230ﻫ/844م).

36- الطبقات الكبرى، ط2، دار صادر، (بيروت، 1961م).

السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، (ت911ﻫ/1502م).

37- تاريخ الخلفاء، تح:محمد محي الدين، ط1، مطبعة السعادة، (القاهرة، 1952م).

الشافعي، عبد الملك بن حسين بن عبد الملك،(ت1111ﻫ/1699م).

38.سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، تح: عادل أحمد، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، 1998م).

ابن شهرآشوب، أبو عبد الله محمد بن علي، (ت588ﻫ/1192م).

39- مناقب ال أبي طالب، المطبعة الحيدرية، (النجف، 1956م).

ابن طاووس، علي بن موسى بن جعفر الحسيني، (ت589ﻫ/1193م).

40- اللهوف في قتلى الطفوف، ط1، مطبعة السجدة، (قم، 2003م).

الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، (ت548ﻫ/1147م).

41- إعلام الورى بأعلام الهدى، تح:علي أكبر، ط1، مؤسسة الاعلمي، (بيروت، 2004م).

42. مجمع البيان في تفسير القران، مؤسسة الهدى، (طهران، 1970م).
الطبرسي، أبو منصور أحمد بن علي، (ت ق 6ﻫ/12م).

43- الاحتجاج، تح: إبراهيم البهادري، ط4، دار الاسوة للطباعة، (قم، 2003م).

الطبري، محمد بن جرير، (ت310ﻫ/922م).

44- تاريخ الرسل والملوك، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم،ط2، دار المعارف، (مصر، 1966م).

ابن الطقطقي، محمد بن علي بن طباطبا، (ت709ﻫ/1309م).

45- الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية، دار صادر، (بيروت، 1966م).

_ العامري، سليم بن قيس، (ت 76ﻫ/695م).

46.أبجد الشيعة المعروف بكتاب سليم بن قيس، ط2، دار الارشاد، (بيروت، 1994م).

ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله القرطبي، (ت463ﻫ/1070م).

47- الاستيعاب في معرفة الأصحاب المطبوع على هامش كتاب الإصابة في تمييز الصحابة، تح: طه محمد، ط1، مطبعة السعادة، (القاهرة، 1910م).

ابن عبد ربه، أحمد بن محمد الأندلسي، (ت328ﻫ/939م).

48- العقد الفريد، تح:عبد المجيد الترحيني، ط3، دار الكتب العلمية، (بيروت، 1987م).

_ ابن العبري، غريغوريوس أبو الفرج بن هارون، (ت685ﻫ/1286م).

49. تاريخ مختصر الدول، تح: أنطوان اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية، (بيروت، 1958م).
ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله،(ت571ﻫ/1175م).

50.تهذيب تاريخ دمشق الكبير، هذبه عبد القادر بدران، ط2، دار الميسرة، (بيروت، 1979م).

ابن العماد، أبو الفلاح عبد الحي الحنبلي، (ت1089ﻫ/1678م).

51- شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار الكتب العلمية، (بيروت، 2000م).

ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري، (ت276ﻫ/889م).

52- الإمامة والسياسة (منسوب اليه)، تح:خيري سعيد، ط1، المكتبة التوفيقية، (بيروت، 2000م).

53- عيون الأخبار، ط2، دار الكتب العلمية، (بيروت، د ت).

54. المعارف، تح: ثروت عكاشة، ط1، مطبعة أمير(ايران، 1994م).
القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، (ت671ﻫ/1273م).
55. تفسير القرطبي، تح:سالم مصطفى البدري، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، 2000م).
القلقشندي، أبو العباس أحمد بن علي، (ت821ﻫ/1417م).

56- مآثر الإنافة في معالم الخلافة، تح:عبد الستار أحمد فراج، عالم الكتب، (بيروت، 1980م).

ابن الكازروني، ظهير الدين علي بن محمد البغدادي،(ت697ﻫ/1297م).

57- مختصر التاريخ من أول الزمان الى منتهى دولة بني العباس، تح: مصطفى جواد، مطبعة الحكومة، (بغداد، 1970م).

_ الكاشاني، محسن، الملقّب الفيض الكاشاني، (1091ﻫ/1680م).

58. تفسير الصافي، تقديم حسين الاعلمي، ط2، مؤسسة الهادي، (قم، 1995م).
ابن كثير، إسماعيل بن عمر، (ت774ﻫ/1372م).

59- البداية والنهاية، تح:أحمد أبو ملحم، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، د.ت).

ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، (ت275ﻫ/888م).
60. سنن ابن ماجة، ط1، دار الفكر، (بيروت، 1984م).
المجلسي، محمد باقر، (ت1111ﻫ/1699م).
61. بحار الأنوار، المطبعة الاسلامية، (طهران، 1999م).
أبو مخنف، لوط بن يحيى الأزدي، (ت157ﻫ/773م).
62. الجمل وصفين والنهروان، تح: حسن حميد، ط1، مؤسسة دار السلام، (لندن، 2002م).

63.مقتل الحسين، ط1، (لا م، 2005م).

المزي، جمال الدين أبو الحجاج يوسف، (ت742ﻫ/1341م).

64- تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تح: بشار عوادمعروف، ط1، مؤسسة الرسالة، (بيروت، 1980م).

المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين، (ت346ﻫ/957م).
65. إثبات الوصية، المطبعة الحيدرية، (النجف، د.ت).

66.التنبيه والاشراف، تح:لجنة تحقيق التراث، ط1، دار ومكتبة الهلال، (بيروت، 1993م).

67- مروج الذهب ومعادن الجوهر، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العالمي، (بيروت، 1989م).

مسكوية، أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب، (ت421ﻫ/1030م).

68- تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تح:سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، (بيروت، 2003م).

المفيد، أبو عبد الله محمد بن محمد، (ت413ﻫ/1022م).

69- الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، تح: مؤسسة ال البيت، دار المفيد للطباعة والنشر، (لام، د.ت).

المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي، (ت845ﻫ/1414م).
70. المقفى الكبير، تح:محمد اليعلاوي، ط1، مطبعة دار الحزب الاسلامي، (بيروت، 1991م).

71- النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم، تح: حسين مؤنس، دار المعارف، (القاهرة، 1988م).

ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرمالمصري، (ت711ﻫ/1311م).

72- لسان العرب المحيط، تح: عبد الله العلايلي، دار لسان العرب،، (بيروت، د.ت).

مؤلف مجهول.
73. أخبار العباس وولده، تح:عبد العزيز الدوري وعبد الجبار المطلبي، دار صادر، (بيروت، 1971م).

_ المنقري، أبو الفضل نصر بن مزاحم، (ت212، 827م).

74. وقعة صفين، تح: عبد السلام محمد هارون، ط1، دار أحياء الكتب العربية، (القاهرة، 1945م).
النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب، (ت733ﻫ/1332م).

75- نهاية الإرب في فنون الأدب، تح: علي محمد البجاوي، الهيئة المصرية العامة للكتابة، (القاهرة، 1976م).

_ النيسابوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري، (ت405ﻫ/ 1014م).

76. مستدرك الصحيحين، ط1، دار الفكر، (بيروت، 1982م).

_ ابن الوردي، زين الدين عمر بن المظفر، (ت749ﻫ/1348م).

77. تاريخ ابن الوردي، ط2، المطبعة الحيدرية، (النجف، 1969م).

ياقوت، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، (ت626ﻫ/1228م).78- معجم البلدان، دار الفكر، (بيروت، 1986م).

اليعقوبي، أحمد بن إسحاق بن جعفر، (ت292ﻫ/904م).

79- تاريخ اليعقوبي، تح: خليل المنصور، ط2، دار الكتب العلمية، (بيروت، 2002م).

ثانياً: المراجع الثانوية

أحمد زكي صفوت.
80. جمهرة رسائل العرب في عصوره العربية الزاهرة، المكتبة العلمية، (بيروت، د، ت).
إبراهيم بيضون.

81- التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، دار النهضة العربية، (بيروت، 1979م).

_ أنطوان بارا.

82. الحسين في الفكر المسيحي، ط1، مطبعة فدك، (قم، 2004م).
جرجي زيدان.

83- تاريخ التمدن الاسلامي، ط2، مطبعة دار الهلال، (بغداد، 1958م).

حسن إبراهيم حسن.

84- تاريخ الاسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، مطبعة دار الكتاب، (بيروت، 1980م).

الحسيني، عبد الكريم.85. الوثائق الرسمية لثورة الإمام الحسين، ط1، منشورات سعيد بن جبير، (قم، 2005م).

الخربوطلي، علي حسني.

86. الدولة العربية الاسلامية، دار أحياء الكتب العربية، (القاهرة، 1960م).

_ الخضري، محمد.

87. محاضرات في تاريخ الأمم الاسلامية، مطبعة الاستقامة، (القاهرة، 1959م).
الراوي، ثابت إسماعيل.

88- العراق في العصر الأموي، ط1، مطبعة الارشاد، (بغداد، 1965م).

الريس، محمد ضياء الدين.

89.الخراج والنظم المالية للدولة الاسلامية، ط3، دار المعارف، (القاهرة، 1969م).

90. عبد الملك بن مروان والدولة الاموية، ط2، مطابع سجل العرب، (القاهرة، 1996م).

_ الزركلي، خير الدين.

91. الأعلام، ط3، (لا م، 1969م).

_ الزين، محمد حسين.

92. الشيعة في التاريخ، ط2، مطبعة العرفان، (صيدا، 1938م).

_ الساعدي، حيدر جعفر.

93. محمد بن الحنفية حياته وحركته السياسية والدينية، ط1، مطبعة سور، (قم، 2006م).

_ الساعدي، نوري حاتم.

94. ثورة زيد بن علي عند أهل البيت(علیهم السلام)، تقديم: جعفر مرتضى العاملي، ط2، مطبعة غدير، (لا م، 2004م).

_ سعيد أيوب.

95. معالم الفتن، ط2، مطبعة سعيد بن جبير، (قم، 2004م).
سيد عبد العزيز سالم.

96- تاريخ الدولة العربية، دار النهضة العربية، (بيروت، 1971).

97- دراسات في تاريخ العرب (تاريخ الدولة الأموية)، مؤسسة شباب الجامعة، (الاسكندرية، د.ت).

_ صائب عبد الحميد.

98.

تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي، ط2، الغدير للطباعة، (بيروت، 2002م)._ الصدر، محمد محمد صادق.

99.

أضواء على ثورة الحسين، تح: كاظم العبادي، ط1، (النجف، 1997م).

_ الصغير، محمد حسين.

100. الإمام الحسين عملاق الفكر الثوري، ط1، مؤسسة المعارف للمطبوعات، (بيروت، 2002م).

_ الطباطبائي، محمد حسين.

101. الميزان في تفسير القران، ط1، مؤسسة الاعلمي، (بيروت، 1997م).

_ الطبسي، محمد رضا.

102. مقتل الإمام الحسين، تح: محمد امين الاميني، ط1، مؤسسة محبين للطباعة، (قم، 2003م).
طه حسين.

103- الفتنة الكبرى، ط6، دار المعارف، (القاهرة، 1966م).

_ العاملي، حسن الأمين.

104. دائرة المعارف الشيعية، ط5، دار التعارف، (بيروت، 1992م).
العاملي، محسن الامين.

105- أعيان الشيعة، تح: حسن الأمين، ط5، دار التعارف، (بيروت، 1998م).

_ العش، يوسف.

106.الدولة الأموية والأحداث التي سبقتها ومهدت لها،مطبعة جامعة دمشق، (دمشق، 1965م).

_ عمر أبو النصر.

107. معاوية بن أبي سفيان وعصره، ط1، منشورات المكتبة الاهلية، (بيروت، 1962م).

_ فاروق، عمر فوزي.

108. طبيعة الدعوة العباسية، ط1، دار الارشاد، (بيروت، 1970م).

_ فان فولتن.

109.الدولة الأموية والمعارضة، ترجمة: إبراهيم بيضون، ط1، دار الحداثة، (بيروت، 1980م).

_ القرشي، باقر شريف.

110. حياة الإمام الحسين، ط4، مطبعة باقري، (قم، 1992م).
القزويني، محمد كاظم.
111. زينب الكبرى من المهد الى اللحد، ط2، دار القارئ للطباعة، (بيروت، 2004م).

_ القندوزي، سليمان بن ابراهيم.

112. ينابيع المودة لذوى القربى، تح: علي جمال الحسيني، ط1، مطبعة اسوة، (قم، 2002م).

_ كارل بروكلمان.

113.تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة أمين فارس، ط7، دار العلم للملايين، (بيروت، 1977م).

محمد جواد مغنية.114.الشيعة والحاكمون، تح: سامي الغريري، ط2، مؤسسة دار الكتاب الاسلامي، (لام، 2006).

_ محمد رشيد رضا.

115.تفسير القرآن الحكيم المشهور بتفسير المنار، تح:ابراهيم شمس الدين، ط1، دار الكتب العلمية، (بيروت، 1999م).

_ محمد ماهر حمادة.

116.الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعصر الأموي، ط1، مؤسسة الرسالة، (بيروت، 1974م).

محمد مهدي شمس الدين.

117- ثورة الإمام الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية، تح:سامي الغريري، ط1، دار الكتاب الاسلامي، (بيروت، 2006م).

_ محمود شاكر.

118. الدولة الأموية في الشام، مطبعة شبرا، (مصر، 1938م).

_ المدرسي، محمد تقي.

119. التاريخ الإسلامي دروس وعبر، ط7، دار المحبين للطباعة، (لا.م، 2004م).

_ المقرّم، عبد الرزاق.

120. مقتل الحسين، مؤسسة الخرسان، (بيروت، 2005م).

_ النقدي، جعفر.121. زينب الكبرى، منشورات المكتبة الحيدرية، (قم، 1996م).

_ الوردي، علي.

122.مهزلة العقل البشري، مطبعة ثامن الحجج، (قم، 2006م).

يوليوس فلهاوزن.

123- الدولة العربية وسقوطها، ترجمة: يوسف العشّ، مطبعة الجامعة السورية، (دمشق، 1956م).

ثالثاً: الرسائل والأطاريح الجامعية

سناء كاظم حسن.
124. حسان بن مالك بن بحدل الكلبي ودوره في العصر الأموي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية التربية بن رشد، (بغداد، 2004م).

فهرس المحتويات

الإهداء.. 9

شكر وامتنان.. 11

المصطلحات.. 12

مقدّمة المؤسّسة. 13

مقدّمة قسم الرسائل الجامعية. 27

المقدّمة. 29

التمهيد. 41

لمحة من حياة الإمام الحسين(علیه السلام) ومكانته. 41

أولاً: نسبه ومولده وكنيته وألقابه. 41

1 - نسبه.. 41

2 - مولده.. 41

3 - كُنيته وألقابه.. 43

ثانياً: رضاعته. 44

ثالثاً: مكانة الإمام الحسين(علیه السلام) في آيات الذكر الحكيم.. 44

رابعاً: مكانة الإمام الحسين(علیه السلام) عند الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم) 47

خامساً: مكانة الإمام الحسين(علیه السلام) لدى معاصريه. 48

سادساً: الإمام الحسين(علیه السلام) عبر القرون والأجيال.. 51

الفصل الأول

أسباب ودوافع ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) وخلافة يزيد

المبحث الأول: دوافع الثورة 57

أولاً: سياسة القتل والترحيل.. 57

ثانياً: الأوضاع الاقتصادية. 63

ثالثاً: ولاية العهد. 68

المبحث الثاني: طلب البيعة من الأمصار وأثرها في قيام الثورة. 73

أولاً: رأي أهل الحجاز في البيعة ليزيد. 75

ثانياً: إرسال الوفود إلى دمشق.. 76

ثالثاً: رأي أهل العراق في البيعة ليزيد. 80

رابعاً: طلب البيعة من أهل الحجاز. 84

المبحث الثالث: خلافة يزيد بن معاوية وقيام الثورة. 89

أولاً: وفاة معاوية والبيعة ليزيد. 89

ثانياً: خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى مكة. 97

ثالثاً: رُسِل أهل الكوفة للإمام الحسين(علیه السلام) . 99

رابعاً: الحسين(علیه السلام) يستطلع رأي الكوفة والبصرة. 102

الفصل الثانی

أحداث الثورة وردود الأفعال حتى حركة التوابين

المبحث الأوَّل: خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى العراق واستشهاده 111

أولاً: سيطرة عبيد الله بن زياد على الكوفة واستشهاد مسلم بن عقيل.. 111

ثانياً: خروج الإمام الحسين(علیه السلام) إلى العراق.. 115

ثالثاً: فاجعة كربلاء 126

خُطب الإمام الحسين(علیه السلام) في كربلاء 129

المبحث الثاني: ردود الفعل بعد استشهاد الإمام الحسين(علیه السلام) ووقعة الحرة. 133

أولاً: تحميل يزيد مسؤولية قتل الحسين(علیه السلام) وردود الفعل على ذلك... 133

ثانياً: أثر استشهاد الحسين(علیه السلام) على أهل المدينة. 140

المبحث الثالث: حركة التوابين... 152

الفصل الثالث

حركات المعارضة منذ حركة المختار الثقفي حتى عام (132ﻫ)

المبحث الأوَّل: حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي.. 168

أولاً: خروج المختار وسيطرته على الكوفة. 168

ثانياً: الموقعة الأولى (بين أصحاب المختار وعبيد الله بن زياد) 175

ثالثاً: موقعة جبّانة السبيع. 180

رابعاً: تتبع المختار لقتلة الإمام الحسين(علیه السلام) . 186

خامساً: موقعة الخازر ومقتل عبيد الله بن زياد. 195

سادساً: نهاية المختار الثقفي.. 199

المبحث الثاني: حركة عبد الله بن الزبير.. 207

أولاً: رفض ابن الزبير لخلافة يزيد. 207

ثانياً: حصار مكة. 211

ثالثاً: البيعة لابن الزبير. 214

المبحث الثالث: حركات المعارضة بعد عام الجماعة الثاني... 224

أولاً: حركة مطرف بن المغيرة (77ﻫ/ 696م) 224

ثانياً: حركة عبد الرحمن بن الأشعث... 227

ثالثاً: ثورة زيد بن علي(علیهما السلام) . 232

رابعاً: الثورة العباسية 132ﻫ 237

الخاتمة. 242

قائمة المصادر والمراجع. 246

أولاً: المصادر الاولية. 246

ثانياً: المراجع الثانوية. 255

ثالثاً: الرسائل والأطاريح الجامعية. 260

فهرس المحتويات.. 262